Lafzullah

Tefsîru's-Sa'lebî — el-Keşf ve'l-Beyân an Tefsîri'l-Kur'ân — طه 20:1 – طه 20:56

المؤلف / المصدر: Ebû İshâk Ahmed b. Muhammed es-Sa'lebî (ö. 427h)

المحتويات
  1. طه 20:1
  2. طه 20:2
  3. طه 20:3
  4. طه 20:4
  5. طه 20:5
  6. طه 20:6
  7. طه 20:7
  8. طه 20:8
  9. طه 20:9
  10. طه 20:10
  11. طه 20:11
  12. طه 20:12
  13. طه 20:13
  14. طه 20:14
  15. طه 20:15
  16. طه 20:16
  17. طه 20:17
  18. طه 20:18
  19. طه 20:19
  20. طه 20:20
  21. طه 20:21
  22. طه 20:22
  23. طه 20:23
  24. طه 20:24
  25. طه 20:25
  26. طه 20:26
  27. طه 20:27
  28. طه 20:28
  29. طه 20:29
  30. طه 20:30
  31. طه 20:31
  32. طه 20:32
  33. طه 20:33
  34. طه 20:34
  35. طه 20:35
  36. طه 20:36
  37. طه 20:37
  38. طه 20:38
  39. طه 20:39
  40. طه 20:40
  41. طه 20:41
  42. طه 20:42
  43. طه 20:43
  44. طه 20:44
  45. طه 20:45
  46. طه 20:46
  47. طه 20:47
  48. طه 20:48
  49. طه 20:49
  50. طه 20:50
  51. طه 20:51
  52. طه 20:52
  53. طه 20:53
  54. طه 20:54
  55. طه 20:55
  56. طه 20:56

طه 20:1

وهي خمسة آلاف ومائتان واثنان وأربعون حرفا، وثلاثمائة وإحدى وأربعون كلمة، ومائة وخمس وثلاثون آية [[في نسخة أصفهان: وهي مائة وخمس وثلاثون آية وخمسة آلاف واثنان وأربعون حرفا وألف وثلاثمائة وأحدى وأربعون كلمة ومائة واثنان وثلاثون آية بصري وأربع حجازي وخمس كوفي.]] أخبرنا أبو الحسن عبد الرحيم [[في نسخة أصفهان: عبد الرحمن.]] بن إبراهيم بن محمد العدل، نبّأ عبد الله بن محمد بن عبد الرّحمن الرازي، قال أبو جعفر محمد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي وخشنام بن بشر بن العنبر قالا: قال إبراهيم بن المنذر الحرامي عن إبراهيم بن المهاجر قال: حدّثني عمر بن حفص ابن ذكوان عن مولى الحرقة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ‎: إنّ الله عزّ وجلّ قرأ طه وياسين قبل أن يخلق آدم بألفي عام، فلمّا سمعت الملائكة القرآن قالوا: طوبى لأمّة تقول [[في الثانية: ينزل بدل تقول.]] عليها هذا، طوبى لألسن تتكلم بهذا، وطوبى لأجواف تحمل هذا [[سنن الدارمي: 2/ 456.]] . وأخبرنا أبو عمرو الفراتي قال أبو نصر منصور بن عبد الله السرخسي عن محمد بن الفضل عن إبراهيم بن يوسف عن المسيّب عن زياد [[في نسخة أصفهان: زياد بن الحسن أنّ.]] عن النبي ﷺ‎ قال: «لا يقرأ أهل الجنة من القرآن إلّا يس وطه» [[الدرّ المنثور: 4/ 288 بتفاوت.]] . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قوله عزّ وجلّ طه قرأ أبو عمرو بفتح الطاء وكسر الهاء، وقرأ أهل المدينة والشام بين الكسر والفتح فيهما، وقرأ الأعمش وحمزه والكسائي بكسر الهاء والطاء، وقرأ عاصم وابن كثير بالتفخيم فيهما وكلها لغات صحيحة [[في نسخة أصفهان: فصيحة صحيحة.]] . أخبرنا عبد الله بن حامد عن محمد بن عمر بن حميد [[في نسخة أصفهان: جميل.]] الأزدي عن محمد بن الجهم السمري، عن يحيى بن زياد الفرّاء عن عيسى بن الربيع عن زرّ بن حبيش قال: قرأ رجل على عبد الله بن مسعود طه فقال له عبد الله: طه فقال له الرجل: يا أبا عبد الرّحمن أليس أمر أن يطأ قدميه؟ فقال عبد الله: طه، هكذا أقرأني رسول الله ﷺ‎. واختلفوا في تفسيره، فروى عبد الله [[في نسخة أصفهان: علي.]] بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: هو قسم أقسم الله به وهو اسم من أسماء الله، وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: هو كقولك: افعل، وقال مجاهد والحسن وعطاء والضحاك: معناه يا رجل، وقال عكرمة: هو كقولك: يا رجل بلسان الحبشة يعني محمدا ﷺ‎، وقال قتادة: هو يا رجل بالسريانيّة، وقال سعيد بن جبير: يا رجل بالنبطية. وروى السدّي عن أبي مالك وعكرمة: طه، قالا [[في الثانية: عن مالك وعكرمة قالا.]] : يا فلان، وقال الكلبي: هو بلغة عكّ: يا رجل، قال شاعرهم: ان السفاهة طه في خلائقكم ... لا قدّس الله أرواح الملاعين [[جامع البيان للطبري: 16/ 171 والعبارة: إنّ السفاهة طه من خلائقكم. لا بارك الله في القوم الملاعين.]] وقال آخر: هتفت بطه في القتال فلم يجب ... فخفت لعمرك أن يكون موائلا [[جامع البيان للطبري: 16/ 171.]] مقاتل [[في نسخة أصفهان زيادة: وقال قتادة: هو كقولك: يا رجل بالسريانية، وقال سعيد بن جبير: يا رجل بالنبطية، مقاتل.]] بن حيان معناه: طئ الأرض بقدميك، يريد في التهجّد، وقال محمد بن كعب القرظي: أقسم الله تعالى بطوله وهدايته، وموضع القاسم قوله ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى. وقال جعفر بن محمد الصادق (رضي الله عنه) : طه: طهارة أهل بيت محمد [[نهج الإيمان- ابن جبر.: ص 85.]] ﷺ‎ ثم إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً وقيل: الطاء شجرة طوبى، والهاء هاويه. والعرب تعبّر ببعض الشيء عن كلّه فكأنّه أقسم بالجنة والنار. وقال سعيد بن جبير: الطاء افتتاح اسمه طاهر وطيب، والهاء افتتاح اسمه هادي. وقيل: الطاء يا طامع الشفاعة للأمة، والهاء يا هادي الخلق إلى الملّة. وقيل: الطاء من الطهارة، والهاء: من الهداية، وكأنه تعالى يقول لنبيّه ﷺ‎: يا طاهرا من الذنوب، ويا هاديا إلى علّام الغيوب، وقيل: الطاء: طبول الغزاة، والهاء: هيبتهم في قلوب الكفار، قال الله تعالى سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ [[آل عمران: 151.]] . وقال: وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، وقيل: الطاء: طرب أهل الجنة [[في نسخة أصفهان زيادة: في الجنة.]] ، والهاء: هوان أهل النار في النار، وقيل: الطاء تسعة في حساب [الجمل] والهاء خمسة، أربعة عشر، ومعناها يا أيّها البدر ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى قال مجاهد: كان رسول الله ﷺ‎ وأصحابه يربطون الحبال في صدورهم في الصلاة بالليل [[في نسخة أصفهان زيادة: ثم نسخ.]] ذلك بالفرض، وأنزل الله تعالى هذه الآية. وقال الكلبي: لمّا نزل على رسول الله الوحي بمكّة اجتهد في العبادة واشتدّت عبادته فجعل يصلّي الليل كله [[في نسخة أصفهان زيادة: زمانا حتى نزلت هذه الآية فأمره الله عز وجل أن يخفف عن نفسه فيصلي وينام فنسخت هذه الآية قيام الليل كله.]] ، فكان بعد نزول هذه الآية ينام ويصلّي. أخبرنا عبد الله بن حامد بن محمد الهروي عن بشر بن موسى الحميدي عن سفيان بن زياد بن علاقة قال: سمعت المغيرة بن شعبة يقول: قام رسول الله ﷺ‎ حتى تورمت قدماه، وقيل له: يا رسول الله أليس قد غفر الله لك ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ؟ فقال ﷺ‎: أفلا أكون عَبْداً شَكُوراً [[مسند أحمد: 4/ 251.]] . وقال مقاتل: قال أبو جهل بن هشام والنصر بن الحرث [[في نسخة أصفهان أبو جهل والنضر بن هشام.]] للنبىّ ﷺ‎: إنّك لتسعى بترك ديننا- وذلك لما رأوا من طول عبادته وشدّة اجتهاده- فإننا نراه أنّه ليس لله وأنّك مبعوث إلينا، فقال رسول الله ﷺ‎: بل بعثت رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ، قالوا: بل أنت شقيّ، فأنزل الله تعالى طه ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى وأصل [[في نسخة أصفهان زيادة: الشقاء في اللغة العناد والتعب إِلَّا تَذْكِرَةً.]] لكن أنزلناه عظة [[في نسخة أصفهان زيادة: وتَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى.]] لِمَنْ يَخْشى [[أسباب نزول الآيات- النيسابوري- ص: 205.]] . قال الحسين بن الفضل: فيه تقديم وتأخير مجازه: ما أنزلنا عليك القرآن إلّا تذكرة لمن يخشى ولئلّا تشقى، تنزيلا بدل من قوله تَذْكِرَةً. وقرأ أبو الشامي: تنزيل بالرفع يعني هذا تنزيل مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى يعني العالية الرفيعة وهو جمع العليا كصغرى وصغر وكبرى وكبر الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى يعني التراب الذي تحت الأرضين وهو التراب الندي، تقول العرب: شبر ندىّ وسهر نديّ وسهر مرعىّ. قال ابن عباس: الأرض على ظهر النون والنون على بحر وإنّ طرفي النون رأسه وذنبه يلتقيان تحت العرش على صخرة خضراء، وخضرة السماء منها وهي الصخرة التي ذكرها الله تعالى في القرآن في قصة لقمان فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ الصخرة على قرن ثور، والثور على الثرى وَما تَحْتَ الثَّرى لا يعلمه إلّا الله عزّ وجلّ، وذلك الثور فاتح فاه فإذا جعل الله عزّ وجلّ البحار بحرا واحدا سالت في جوف ذلك الثور، فإذا وقعت في جوفه يبست. وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ تعلن فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى. أخبرنا عبد الله بن حامد، أخبرنا حامد [[في نسخة أصفهان زيادة: بن محمد.]] أخبرنا بشر بن موسى عن عبد الله بن صالح العجلي، حدّثنا أبو الأحوص عن سماك عن عكرمة [[في نسخة أصفهان زيادة: وأخبرنا حامد بن محمد عن أبي الأحوص.]] عن ابن عباس في قوله يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى قال: وأخفى حديث نفسك نفسك. وأخبرني عبد الله بن حامد عن أبي الطاهر محمد بن الحسن، حدّثنا إبراهيم بن أبي طالب عن محمد بن النعمان بن مسيل، حدّثنا يحيى بن أبي روق عن أبيه عن الضحاك عن ابن عباس قال: السرّ ما أسررت في نفسك، وأخفى أخفى من السّر، ما ستحدّث به نفسك، ما لا تعلم أنّك تحدّث به نفسك. وروى عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير قال: السر ما تسرّ في نفسك، وأخفى من السرّ ما لم يكن وهو كائن، قال: وأنت تعلم ما تسرّ اليوم ولا تعلم ما تسرّ غدا، والله عزّ وجلّ يعلم ما أسررت اليوم وما تسرّ غدا. وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: السرّ ما أسرّ ابن آدم في نفسه، وأخفى ما خفي على ابن آدم ممّا هو فاعله قبل أن يعلمه، فالله يعلم ذلك كله، فعلمه فيما مضى من ذلك وما بقي علم واحد، وجميع الخلائق عنده في ذلك كنفس واحدة. وقال مجاهد: السرّ العمل الذي يسرّون من الناس، وأخفى الوسوسة، وقال زيد بن أسلم: معناه يعلم أسرار العباد، وأخفى سرّه فلا يعلم. وقال الحسن: السرّ ما أسرّ الرجل إلى غيره، وأخفى من ذلك ما أسرّه في نفسه. ثم وحّد نفسه فقال: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى.

طه 20:2

وهي خمسة آلاف ومائتان واثنان وأربعون حرفا، وثلاثمائة وإحدى وأربعون كلمة، ومائة وخمس وثلاثون آية [[في نسخة أصفهان: وهي مائة وخمس وثلاثون آية وخمسة آلاف واثنان وأربعون حرفا وألف وثلاثمائة وأحدى وأربعون كلمة ومائة واثنان وثلاثون آية بصري وأربع حجازي وخمس كوفي.]] أخبرنا أبو الحسن عبد الرحيم [[في نسخة أصفهان: عبد الرحمن.]] بن إبراهيم بن محمد العدل، نبّأ عبد الله بن محمد بن عبد الرّحمن الرازي، قال أبو جعفر محمد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي وخشنام بن بشر بن العنبر قالا: قال إبراهيم بن المنذر الحرامي عن إبراهيم بن المهاجر قال: حدّثني عمر بن حفص ابن ذكوان عن مولى الحرقة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ‎: إنّ الله عزّ وجلّ قرأ طه وياسين قبل أن يخلق آدم بألفي عام، فلمّا سمعت الملائكة القرآن قالوا: طوبى لأمّة تقول [[في الثانية: ينزل بدل تقول.]] عليها هذا، طوبى لألسن تتكلم بهذا، وطوبى لأجواف تحمل هذا [[سنن الدارمي: 2/ 456.]] . وأخبرنا أبو عمرو الفراتي قال أبو نصر منصور بن عبد الله السرخسي عن محمد بن الفضل عن إبراهيم بن يوسف عن المسيّب عن زياد [[في نسخة أصفهان: زياد بن الحسن أنّ.]] عن النبي ﷺ‎ قال: «لا يقرأ أهل الجنة من القرآن إلّا يس وطه» [[الدرّ المنثور: 4/ 288 بتفاوت.]] . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قوله عزّ وجلّ طه قرأ أبو عمرو بفتح الطاء وكسر الهاء، وقرأ أهل المدينة والشام بين الكسر والفتح فيهما، وقرأ الأعمش وحمزه والكسائي بكسر الهاء والطاء، وقرأ عاصم وابن كثير بالتفخيم فيهما وكلها لغات صحيحة [[في نسخة أصفهان: فصيحة صحيحة.]] . أخبرنا عبد الله بن حامد عن محمد بن عمر بن حميد [[في نسخة أصفهان: جميل.]] الأزدي عن محمد بن الجهم السمري، عن يحيى بن زياد الفرّاء عن عيسى بن الربيع عن زرّ بن حبيش قال: قرأ رجل على عبد الله بن مسعود طه فقال له عبد الله: طه فقال له الرجل: يا أبا عبد الرّحمن أليس أمر أن يطأ قدميه؟ فقال عبد الله: طه، هكذا أقرأني رسول الله ﷺ‎. واختلفوا في تفسيره، فروى عبد الله [[في نسخة أصفهان: علي.]] بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: هو قسم أقسم الله به وهو اسم من أسماء الله، وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: هو كقولك: افعل، وقال مجاهد والحسن وعطاء والضحاك: معناه يا رجل، وقال عكرمة: هو كقولك: يا رجل بلسان الحبشة يعني محمدا ﷺ‎، وقال قتادة: هو يا رجل بالسريانيّة، وقال سعيد بن جبير: يا رجل بالنبطية. وروى السدّي عن أبي مالك وعكرمة: طه، قالا [[في الثانية: عن مالك وعكرمة قالا.]] : يا فلان، وقال الكلبي: هو بلغة عكّ: يا رجل، قال شاعرهم: ان السفاهة طه في خلائقكم ... لا قدّس الله أرواح الملاعين [[جامع البيان للطبري: 16/ 171 والعبارة: إنّ السفاهة طه من خلائقكم. لا بارك الله في القوم الملاعين.]] وقال آخر: هتفت بطه في القتال فلم يجب ... فخفت لعمرك أن يكون موائلا [[جامع البيان للطبري: 16/ 171.]] مقاتل [[في نسخة أصفهان زيادة: وقال قتادة: هو كقولك: يا رجل بالسريانية، وقال سعيد بن جبير: يا رجل بالنبطية، مقاتل.]] بن حيان معناه: طئ الأرض بقدميك، يريد في التهجّد، وقال محمد بن كعب القرظي: أقسم الله تعالى بطوله وهدايته، وموضع القاسم قوله ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى. وقال جعفر بن محمد الصادق (رضي الله عنه) : طه: طهارة أهل بيت محمد [[نهج الإيمان- ابن جبر.: ص 85.]] ﷺ‎ ثم إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً وقيل: الطاء شجرة طوبى، والهاء هاويه. والعرب تعبّر ببعض الشيء عن كلّه فكأنّه أقسم بالجنة والنار. وقال سعيد بن جبير: الطاء افتتاح اسمه طاهر وطيب، والهاء افتتاح اسمه هادي. وقيل: الطاء يا طامع الشفاعة للأمة، والهاء يا هادي الخلق إلى الملّة. وقيل: الطاء من الطهارة، والهاء: من الهداية، وكأنه تعالى يقول لنبيّه ﷺ‎: يا طاهرا من الذنوب، ويا هاديا إلى علّام الغيوب، وقيل: الطاء: طبول الغزاة، والهاء: هيبتهم في قلوب الكفار، قال الله تعالى سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ [[آل عمران: 151.]] . وقال: وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، وقيل: الطاء: طرب أهل الجنة [[في نسخة أصفهان زيادة: في الجنة.]] ، والهاء: هوان أهل النار في النار، وقيل: الطاء تسعة في حساب [الجمل] والهاء خمسة، أربعة عشر، ومعناها يا أيّها البدر ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى قال مجاهد: كان رسول الله ﷺ‎ وأصحابه يربطون الحبال في صدورهم في الصلاة بالليل [[في نسخة أصفهان زيادة: ثم نسخ.]] ذلك بالفرض، وأنزل الله تعالى هذه الآية. وقال الكلبي: لمّا نزل على رسول الله الوحي بمكّة اجتهد في العبادة واشتدّت عبادته فجعل يصلّي الليل كله [[في نسخة أصفهان زيادة: زمانا حتى نزلت هذه الآية فأمره الله عز وجل أن يخفف عن نفسه فيصلي وينام فنسخت هذه الآية قيام الليل كله.]] ، فكان بعد نزول هذه الآية ينام ويصلّي. أخبرنا عبد الله بن حامد بن محمد الهروي عن بشر بن موسى الحميدي عن سفيان بن زياد بن علاقة قال: سمعت المغيرة بن شعبة يقول: قام رسول الله ﷺ‎ حتى تورمت قدماه، وقيل له: يا رسول الله أليس قد غفر الله لك ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ؟ فقال ﷺ‎: أفلا أكون عَبْداً شَكُوراً [[مسند أحمد: 4/ 251.]] . وقال مقاتل: قال أبو جهل بن هشام والنصر بن الحرث [[في نسخة أصفهان أبو جهل والنضر بن هشام.]] للنبىّ ﷺ‎: إنّك لتسعى بترك ديننا- وذلك لما رأوا من طول عبادته وشدّة اجتهاده- فإننا نراه أنّه ليس لله وأنّك مبعوث إلينا، فقال رسول الله ﷺ‎: بل بعثت رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ، قالوا: بل أنت شقيّ، فأنزل الله تعالى طه ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى وأصل [[في نسخة أصفهان زيادة: الشقاء في اللغة العناد والتعب إِلَّا تَذْكِرَةً.]] لكن أنزلناه عظة [[في نسخة أصفهان زيادة: وتَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى.]] لِمَنْ يَخْشى [[أسباب نزول الآيات- النيسابوري- ص: 205.]] . قال الحسين بن الفضل: فيه تقديم وتأخير مجازه: ما أنزلنا عليك القرآن إلّا تذكرة لمن يخشى ولئلّا تشقى، تنزيلا بدل من قوله تَذْكِرَةً. وقرأ أبو الشامي: تنزيل بالرفع يعني هذا تنزيل مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى يعني العالية الرفيعة وهو جمع العليا كصغرى وصغر وكبرى وكبر الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى يعني التراب الذي تحت الأرضين وهو التراب الندي، تقول العرب: شبر ندىّ وسهر نديّ وسهر مرعىّ. قال ابن عباس: الأرض على ظهر النون والنون على بحر وإنّ طرفي النون رأسه وذنبه يلتقيان تحت العرش على صخرة خضراء، وخضرة السماء منها وهي الصخرة التي ذكرها الله تعالى في القرآن في قصة لقمان فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ الصخرة على قرن ثور، والثور على الثرى وَما تَحْتَ الثَّرى لا يعلمه إلّا الله عزّ وجلّ، وذلك الثور فاتح فاه فإذا جعل الله عزّ وجلّ البحار بحرا واحدا سالت في جوف ذلك الثور، فإذا وقعت في جوفه يبست. وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ تعلن فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى. أخبرنا عبد الله بن حامد، أخبرنا حامد [[في نسخة أصفهان زيادة: بن محمد.]] أخبرنا بشر بن موسى عن عبد الله بن صالح العجلي، حدّثنا أبو الأحوص عن سماك عن عكرمة [[في نسخة أصفهان زيادة: وأخبرنا حامد بن محمد عن أبي الأحوص.]] عن ابن عباس في قوله يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى قال: وأخفى حديث نفسك نفسك. وأخبرني عبد الله بن حامد عن أبي الطاهر محمد بن الحسن، حدّثنا إبراهيم بن أبي طالب عن محمد بن النعمان بن مسيل، حدّثنا يحيى بن أبي روق عن أبيه عن الضحاك عن ابن عباس قال: السرّ ما أسررت في نفسك، وأخفى أخفى من السّر، ما ستحدّث به نفسك، ما لا تعلم أنّك تحدّث به نفسك. وروى عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير قال: السر ما تسرّ في نفسك، وأخفى من السرّ ما لم يكن وهو كائن، قال: وأنت تعلم ما تسرّ اليوم ولا تعلم ما تسرّ غدا، والله عزّ وجلّ يعلم ما أسررت اليوم وما تسرّ غدا. وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: السرّ ما أسرّ ابن آدم في نفسه، وأخفى ما خفي على ابن آدم ممّا هو فاعله قبل أن يعلمه، فالله يعلم ذلك كله، فعلمه فيما مضى من ذلك وما بقي علم واحد، وجميع الخلائق عنده في ذلك كنفس واحدة. وقال مجاهد: السرّ العمل الذي يسرّون من الناس، وأخفى الوسوسة، وقال زيد بن أسلم: معناه يعلم أسرار العباد، وأخفى سرّه فلا يعلم. وقال الحسن: السرّ ما أسرّ الرجل إلى غيره، وأخفى من ذلك ما أسرّه في نفسه. ثم وحّد نفسه فقال: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى.

طه 20:3

وهي خمسة آلاف ومائتان واثنان وأربعون حرفا، وثلاثمائة وإحدى وأربعون كلمة، ومائة وخمس وثلاثون آية [[في نسخة أصفهان: وهي مائة وخمس وثلاثون آية وخمسة آلاف واثنان وأربعون حرفا وألف وثلاثمائة وأحدى وأربعون كلمة ومائة واثنان وثلاثون آية بصري وأربع حجازي وخمس كوفي.]] أخبرنا أبو الحسن عبد الرحيم [[في نسخة أصفهان: عبد الرحمن.]] بن إبراهيم بن محمد العدل، نبّأ عبد الله بن محمد بن عبد الرّحمن الرازي، قال أبو جعفر محمد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي وخشنام بن بشر بن العنبر قالا: قال إبراهيم بن المنذر الحرامي عن إبراهيم بن المهاجر قال: حدّثني عمر بن حفص ابن ذكوان عن مولى الحرقة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ‎: إنّ الله عزّ وجلّ قرأ طه وياسين قبل أن يخلق آدم بألفي عام، فلمّا سمعت الملائكة القرآن قالوا: طوبى لأمّة تقول [[في الثانية: ينزل بدل تقول.]] عليها هذا، طوبى لألسن تتكلم بهذا، وطوبى لأجواف تحمل هذا [[سنن الدارمي: 2/ 456.]] . وأخبرنا أبو عمرو الفراتي قال أبو نصر منصور بن عبد الله السرخسي عن محمد بن الفضل عن إبراهيم بن يوسف عن المسيّب عن زياد [[في نسخة أصفهان: زياد بن الحسن أنّ.]] عن النبي ﷺ‎ قال: «لا يقرأ أهل الجنة من القرآن إلّا يس وطه» [[الدرّ المنثور: 4/ 288 بتفاوت.]] . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قوله عزّ وجلّ طه قرأ أبو عمرو بفتح الطاء وكسر الهاء، وقرأ أهل المدينة والشام بين الكسر والفتح فيهما، وقرأ الأعمش وحمزه والكسائي بكسر الهاء والطاء، وقرأ عاصم وابن كثير بالتفخيم فيهما وكلها لغات صحيحة [[في نسخة أصفهان: فصيحة صحيحة.]] . أخبرنا عبد الله بن حامد عن محمد بن عمر بن حميد [[في نسخة أصفهان: جميل.]] الأزدي عن محمد بن الجهم السمري، عن يحيى بن زياد الفرّاء عن عيسى بن الربيع عن زرّ بن حبيش قال: قرأ رجل على عبد الله بن مسعود طه فقال له عبد الله: طه فقال له الرجل: يا أبا عبد الرّحمن أليس أمر أن يطأ قدميه؟ فقال عبد الله: طه، هكذا أقرأني رسول الله ﷺ‎. واختلفوا في تفسيره، فروى عبد الله [[في نسخة أصفهان: علي.]] بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: هو قسم أقسم الله به وهو اسم من أسماء الله، وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: هو كقولك: افعل، وقال مجاهد والحسن وعطاء والضحاك: معناه يا رجل، وقال عكرمة: هو كقولك: يا رجل بلسان الحبشة يعني محمدا ﷺ‎، وقال قتادة: هو يا رجل بالسريانيّة، وقال سعيد بن جبير: يا رجل بالنبطية. وروى السدّي عن أبي مالك وعكرمة: طه، قالا [[في الثانية: عن مالك وعكرمة قالا.]] : يا فلان، وقال الكلبي: هو بلغة عكّ: يا رجل، قال شاعرهم: ان السفاهة طه في خلائقكم ... لا قدّس الله أرواح الملاعين [[جامع البيان للطبري: 16/ 171 والعبارة: إنّ السفاهة طه من خلائقكم. لا بارك الله في القوم الملاعين.]] وقال آخر: هتفت بطه في القتال فلم يجب ... فخفت لعمرك أن يكون موائلا [[جامع البيان للطبري: 16/ 171.]] مقاتل [[في نسخة أصفهان زيادة: وقال قتادة: هو كقولك: يا رجل بالسريانية، وقال سعيد بن جبير: يا رجل بالنبطية، مقاتل.]] بن حيان معناه: طئ الأرض بقدميك، يريد في التهجّد، وقال محمد بن كعب القرظي: أقسم الله تعالى بطوله وهدايته، وموضع القاسم قوله ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى. وقال جعفر بن محمد الصادق (رضي الله عنه) : طه: طهارة أهل بيت محمد [[نهج الإيمان- ابن جبر.: ص 85.]] ﷺ‎ ثم إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً وقيل: الطاء شجرة طوبى، والهاء هاويه. والعرب تعبّر ببعض الشيء عن كلّه فكأنّه أقسم بالجنة والنار. وقال سعيد بن جبير: الطاء افتتاح اسمه طاهر وطيب، والهاء افتتاح اسمه هادي. وقيل: الطاء يا طامع الشفاعة للأمة، والهاء يا هادي الخلق إلى الملّة. وقيل: الطاء من الطهارة، والهاء: من الهداية، وكأنه تعالى يقول لنبيّه ﷺ‎: يا طاهرا من الذنوب، ويا هاديا إلى علّام الغيوب، وقيل: الطاء: طبول الغزاة، والهاء: هيبتهم في قلوب الكفار، قال الله تعالى سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ [[آل عمران: 151.]] . وقال: وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، وقيل: الطاء: طرب أهل الجنة [[في نسخة أصفهان زيادة: في الجنة.]] ، والهاء: هوان أهل النار في النار، وقيل: الطاء تسعة في حساب [الجمل] والهاء خمسة، أربعة عشر، ومعناها يا أيّها البدر ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى قال مجاهد: كان رسول الله ﷺ‎ وأصحابه يربطون الحبال في صدورهم في الصلاة بالليل [[في نسخة أصفهان زيادة: ثم نسخ.]] ذلك بالفرض، وأنزل الله تعالى هذه الآية. وقال الكلبي: لمّا نزل على رسول الله الوحي بمكّة اجتهد في العبادة واشتدّت عبادته فجعل يصلّي الليل كله [[في نسخة أصفهان زيادة: زمانا حتى نزلت هذه الآية فأمره الله عز وجل أن يخفف عن نفسه فيصلي وينام فنسخت هذه الآية قيام الليل كله.]] ، فكان بعد نزول هذه الآية ينام ويصلّي. أخبرنا عبد الله بن حامد بن محمد الهروي عن بشر بن موسى الحميدي عن سفيان بن زياد بن علاقة قال: سمعت المغيرة بن شعبة يقول: قام رسول الله ﷺ‎ حتى تورمت قدماه، وقيل له: يا رسول الله أليس قد غفر الله لك ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ؟ فقال ﷺ‎: أفلا أكون عَبْداً شَكُوراً [[مسند أحمد: 4/ 251.]] . وقال مقاتل: قال أبو جهل بن هشام والنصر بن الحرث [[في نسخة أصفهان أبو جهل والنضر بن هشام.]] للنبىّ ﷺ‎: إنّك لتسعى بترك ديننا- وذلك لما رأوا من طول عبادته وشدّة اجتهاده- فإننا نراه أنّه ليس لله وأنّك مبعوث إلينا، فقال رسول الله ﷺ‎: بل بعثت رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ، قالوا: بل أنت شقيّ، فأنزل الله تعالى طه ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى وأصل [[في نسخة أصفهان زيادة: الشقاء في اللغة العناد والتعب إِلَّا تَذْكِرَةً.]] لكن أنزلناه عظة [[في نسخة أصفهان زيادة: وتَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى.]] لِمَنْ يَخْشى [[أسباب نزول الآيات- النيسابوري- ص: 205.]] . قال الحسين بن الفضل: فيه تقديم وتأخير مجازه: ما أنزلنا عليك القرآن إلّا تذكرة لمن يخشى ولئلّا تشقى، تنزيلا بدل من قوله تَذْكِرَةً. وقرأ أبو الشامي: تنزيل بالرفع يعني هذا تنزيل مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى يعني العالية الرفيعة وهو جمع العليا كصغرى وصغر وكبرى وكبر الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى يعني التراب الذي تحت الأرضين وهو التراب الندي، تقول العرب: شبر ندىّ وسهر نديّ وسهر مرعىّ. قال ابن عباس: الأرض على ظهر النون والنون على بحر وإنّ طرفي النون رأسه وذنبه يلتقيان تحت العرش على صخرة خضراء، وخضرة السماء منها وهي الصخرة التي ذكرها الله تعالى في القرآن في قصة لقمان فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ الصخرة على قرن ثور، والثور على الثرى وَما تَحْتَ الثَّرى لا يعلمه إلّا الله عزّ وجلّ، وذلك الثور فاتح فاه فإذا جعل الله عزّ وجلّ البحار بحرا واحدا سالت في جوف ذلك الثور، فإذا وقعت في جوفه يبست. وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ تعلن فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى. أخبرنا عبد الله بن حامد، أخبرنا حامد [[في نسخة أصفهان زيادة: بن محمد.]] أخبرنا بشر بن موسى عن عبد الله بن صالح العجلي، حدّثنا أبو الأحوص عن سماك عن عكرمة [[في نسخة أصفهان زيادة: وأخبرنا حامد بن محمد عن أبي الأحوص.]] عن ابن عباس في قوله يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى قال: وأخفى حديث نفسك نفسك. وأخبرني عبد الله بن حامد عن أبي الطاهر محمد بن الحسن، حدّثنا إبراهيم بن أبي طالب عن محمد بن النعمان بن مسيل، حدّثنا يحيى بن أبي روق عن أبيه عن الضحاك عن ابن عباس قال: السرّ ما أسررت في نفسك، وأخفى أخفى من السّر، ما ستحدّث به نفسك، ما لا تعلم أنّك تحدّث به نفسك. وروى عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير قال: السر ما تسرّ في نفسك، وأخفى من السرّ ما لم يكن وهو كائن، قال: وأنت تعلم ما تسرّ اليوم ولا تعلم ما تسرّ غدا، والله عزّ وجلّ يعلم ما أسررت اليوم وما تسرّ غدا. وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: السرّ ما أسرّ ابن آدم في نفسه، وأخفى ما خفي على ابن آدم ممّا هو فاعله قبل أن يعلمه، فالله يعلم ذلك كله، فعلمه فيما مضى من ذلك وما بقي علم واحد، وجميع الخلائق عنده في ذلك كنفس واحدة. وقال مجاهد: السرّ العمل الذي يسرّون من الناس، وأخفى الوسوسة، وقال زيد بن أسلم: معناه يعلم أسرار العباد، وأخفى سرّه فلا يعلم. وقال الحسن: السرّ ما أسرّ الرجل إلى غيره، وأخفى من ذلك ما أسرّه في نفسه. ثم وحّد نفسه فقال: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى.

طه 20:4

وهي خمسة آلاف ومائتان واثنان وأربعون حرفا، وثلاثمائة وإحدى وأربعون كلمة، ومائة وخمس وثلاثون آية [[في نسخة أصفهان: وهي مائة وخمس وثلاثون آية وخمسة آلاف واثنان وأربعون حرفا وألف وثلاثمائة وأحدى وأربعون كلمة ومائة واثنان وثلاثون آية بصري وأربع حجازي وخمس كوفي.]] أخبرنا أبو الحسن عبد الرحيم [[في نسخة أصفهان: عبد الرحمن.]] بن إبراهيم بن محمد العدل، نبّأ عبد الله بن محمد بن عبد الرّحمن الرازي، قال أبو جعفر محمد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي وخشنام بن بشر بن العنبر قالا: قال إبراهيم بن المنذر الحرامي عن إبراهيم بن المهاجر قال: حدّثني عمر بن حفص ابن ذكوان عن مولى الحرقة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ‎: إنّ الله عزّ وجلّ قرأ طه وياسين قبل أن يخلق آدم بألفي عام، فلمّا سمعت الملائكة القرآن قالوا: طوبى لأمّة تقول [[في الثانية: ينزل بدل تقول.]] عليها هذا، طوبى لألسن تتكلم بهذا، وطوبى لأجواف تحمل هذا [[سنن الدارمي: 2/ 456.]] . وأخبرنا أبو عمرو الفراتي قال أبو نصر منصور بن عبد الله السرخسي عن محمد بن الفضل عن إبراهيم بن يوسف عن المسيّب عن زياد [[في نسخة أصفهان: زياد بن الحسن أنّ.]] عن النبي ﷺ‎ قال: «لا يقرأ أهل الجنة من القرآن إلّا يس وطه» [[الدرّ المنثور: 4/ 288 بتفاوت.]] . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قوله عزّ وجلّ طه قرأ أبو عمرو بفتح الطاء وكسر الهاء، وقرأ أهل المدينة والشام بين الكسر والفتح فيهما، وقرأ الأعمش وحمزه والكسائي بكسر الهاء والطاء، وقرأ عاصم وابن كثير بالتفخيم فيهما وكلها لغات صحيحة [[في نسخة أصفهان: فصيحة صحيحة.]] . أخبرنا عبد الله بن حامد عن محمد بن عمر بن حميد [[في نسخة أصفهان: جميل.]] الأزدي عن محمد بن الجهم السمري، عن يحيى بن زياد الفرّاء عن عيسى بن الربيع عن زرّ بن حبيش قال: قرأ رجل على عبد الله بن مسعود طه فقال له عبد الله: طه فقال له الرجل: يا أبا عبد الرّحمن أليس أمر أن يطأ قدميه؟ فقال عبد الله: طه، هكذا أقرأني رسول الله ﷺ‎. واختلفوا في تفسيره، فروى عبد الله [[في نسخة أصفهان: علي.]] بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: هو قسم أقسم الله به وهو اسم من أسماء الله، وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: هو كقولك: افعل، وقال مجاهد والحسن وعطاء والضحاك: معناه يا رجل، وقال عكرمة: هو كقولك: يا رجل بلسان الحبشة يعني محمدا ﷺ‎، وقال قتادة: هو يا رجل بالسريانيّة، وقال سعيد بن جبير: يا رجل بالنبطية. وروى السدّي عن أبي مالك وعكرمة: طه، قالا [[في الثانية: عن مالك وعكرمة قالا.]] : يا فلان، وقال الكلبي: هو بلغة عكّ: يا رجل، قال شاعرهم: ان السفاهة طه في خلائقكم ... لا قدّس الله أرواح الملاعين [[جامع البيان للطبري: 16/ 171 والعبارة: إنّ السفاهة طه من خلائقكم. لا بارك الله في القوم الملاعين.]] وقال آخر: هتفت بطه في القتال فلم يجب ... فخفت لعمرك أن يكون موائلا [[جامع البيان للطبري: 16/ 171.]] مقاتل [[في نسخة أصفهان زيادة: وقال قتادة: هو كقولك: يا رجل بالسريانية، وقال سعيد بن جبير: يا رجل بالنبطية، مقاتل.]] بن حيان معناه: طئ الأرض بقدميك، يريد في التهجّد، وقال محمد بن كعب القرظي: أقسم الله تعالى بطوله وهدايته، وموضع القاسم قوله ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى. وقال جعفر بن محمد الصادق (رضي الله عنه) : طه: طهارة أهل بيت محمد [[نهج الإيمان- ابن جبر.: ص 85.]] ﷺ‎ ثم إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً وقيل: الطاء شجرة طوبى، والهاء هاويه. والعرب تعبّر ببعض الشيء عن كلّه فكأنّه أقسم بالجنة والنار. وقال سعيد بن جبير: الطاء افتتاح اسمه طاهر وطيب، والهاء افتتاح اسمه هادي. وقيل: الطاء يا طامع الشفاعة للأمة، والهاء يا هادي الخلق إلى الملّة. وقيل: الطاء من الطهارة، والهاء: من الهداية، وكأنه تعالى يقول لنبيّه ﷺ‎: يا طاهرا من الذنوب، ويا هاديا إلى علّام الغيوب، وقيل: الطاء: طبول الغزاة، والهاء: هيبتهم في قلوب الكفار، قال الله تعالى سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ [[آل عمران: 151.]] . وقال: وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، وقيل: الطاء: طرب أهل الجنة [[في نسخة أصفهان زيادة: في الجنة.]] ، والهاء: هوان أهل النار في النار، وقيل: الطاء تسعة في حساب [الجمل] والهاء خمسة، أربعة عشر، ومعناها يا أيّها البدر ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى قال مجاهد: كان رسول الله ﷺ‎ وأصحابه يربطون الحبال في صدورهم في الصلاة بالليل [[في نسخة أصفهان زيادة: ثم نسخ.]] ذلك بالفرض، وأنزل الله تعالى هذه الآية. وقال الكلبي: لمّا نزل على رسول الله الوحي بمكّة اجتهد في العبادة واشتدّت عبادته فجعل يصلّي الليل كله [[في نسخة أصفهان زيادة: زمانا حتى نزلت هذه الآية فأمره الله عز وجل أن يخفف عن نفسه فيصلي وينام فنسخت هذه الآية قيام الليل كله.]] ، فكان بعد نزول هذه الآية ينام ويصلّي. أخبرنا عبد الله بن حامد بن محمد الهروي عن بشر بن موسى الحميدي عن سفيان بن زياد بن علاقة قال: سمعت المغيرة بن شعبة يقول: قام رسول الله ﷺ‎ حتى تورمت قدماه، وقيل له: يا رسول الله أليس قد غفر الله لك ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ؟ فقال ﷺ‎: أفلا أكون عَبْداً شَكُوراً [[مسند أحمد: 4/ 251.]] . وقال مقاتل: قال أبو جهل بن هشام والنصر بن الحرث [[في نسخة أصفهان أبو جهل والنضر بن هشام.]] للنبىّ ﷺ‎: إنّك لتسعى بترك ديننا- وذلك لما رأوا من طول عبادته وشدّة اجتهاده- فإننا نراه أنّه ليس لله وأنّك مبعوث إلينا، فقال رسول الله ﷺ‎: بل بعثت رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ، قالوا: بل أنت شقيّ، فأنزل الله تعالى طه ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى وأصل [[في نسخة أصفهان زيادة: الشقاء في اللغة العناد والتعب إِلَّا تَذْكِرَةً.]] لكن أنزلناه عظة [[في نسخة أصفهان زيادة: وتَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى.]] لِمَنْ يَخْشى [[أسباب نزول الآيات- النيسابوري- ص: 205.]] . قال الحسين بن الفضل: فيه تقديم وتأخير مجازه: ما أنزلنا عليك القرآن إلّا تذكرة لمن يخشى ولئلّا تشقى، تنزيلا بدل من قوله تَذْكِرَةً. وقرأ أبو الشامي: تنزيل بالرفع يعني هذا تنزيل مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى يعني العالية الرفيعة وهو جمع العليا كصغرى وصغر وكبرى وكبر الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى يعني التراب الذي تحت الأرضين وهو التراب الندي، تقول العرب: شبر ندىّ وسهر نديّ وسهر مرعىّ. قال ابن عباس: الأرض على ظهر النون والنون على بحر وإنّ طرفي النون رأسه وذنبه يلتقيان تحت العرش على صخرة خضراء، وخضرة السماء منها وهي الصخرة التي ذكرها الله تعالى في القرآن في قصة لقمان فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ الصخرة على قرن ثور، والثور على الثرى وَما تَحْتَ الثَّرى لا يعلمه إلّا الله عزّ وجلّ، وذلك الثور فاتح فاه فإذا جعل الله عزّ وجلّ البحار بحرا واحدا سالت في جوف ذلك الثور، فإذا وقعت في جوفه يبست. وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ تعلن فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى. أخبرنا عبد الله بن حامد، أخبرنا حامد [[في نسخة أصفهان زيادة: بن محمد.]] أخبرنا بشر بن موسى عن عبد الله بن صالح العجلي، حدّثنا أبو الأحوص عن سماك عن عكرمة [[في نسخة أصفهان زيادة: وأخبرنا حامد بن محمد عن أبي الأحوص.]] عن ابن عباس في قوله يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى قال: وأخفى حديث نفسك نفسك. وأخبرني عبد الله بن حامد عن أبي الطاهر محمد بن الحسن، حدّثنا إبراهيم بن أبي طالب عن محمد بن النعمان بن مسيل، حدّثنا يحيى بن أبي روق عن أبيه عن الضحاك عن ابن عباس قال: السرّ ما أسررت في نفسك، وأخفى أخفى من السّر، ما ستحدّث به نفسك، ما لا تعلم أنّك تحدّث به نفسك. وروى عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير قال: السر ما تسرّ في نفسك، وأخفى من السرّ ما لم يكن وهو كائن، قال: وأنت تعلم ما تسرّ اليوم ولا تعلم ما تسرّ غدا، والله عزّ وجلّ يعلم ما أسررت اليوم وما تسرّ غدا. وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: السرّ ما أسرّ ابن آدم في نفسه، وأخفى ما خفي على ابن آدم ممّا هو فاعله قبل أن يعلمه، فالله يعلم ذلك كله، فعلمه فيما مضى من ذلك وما بقي علم واحد، وجميع الخلائق عنده في ذلك كنفس واحدة. وقال مجاهد: السرّ العمل الذي يسرّون من الناس، وأخفى الوسوسة، وقال زيد بن أسلم: معناه يعلم أسرار العباد، وأخفى سرّه فلا يعلم. وقال الحسن: السرّ ما أسرّ الرجل إلى غيره، وأخفى من ذلك ما أسرّه في نفسه. ثم وحّد نفسه فقال: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى.

طه 20:5

وهي خمسة آلاف ومائتان واثنان وأربعون حرفا، وثلاثمائة وإحدى وأربعون كلمة، ومائة وخمس وثلاثون آية [[في نسخة أصفهان: وهي مائة وخمس وثلاثون آية وخمسة آلاف واثنان وأربعون حرفا وألف وثلاثمائة وأحدى وأربعون كلمة ومائة واثنان وثلاثون آية بصري وأربع حجازي وخمس كوفي.]] أخبرنا أبو الحسن عبد الرحيم [[في نسخة أصفهان: عبد الرحمن.]] بن إبراهيم بن محمد العدل، نبّأ عبد الله بن محمد بن عبد الرّحمن الرازي، قال أبو جعفر محمد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي وخشنام بن بشر بن العنبر قالا: قال إبراهيم بن المنذر الحرامي عن إبراهيم بن المهاجر قال: حدّثني عمر بن حفص ابن ذكوان عن مولى الحرقة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ‎: إنّ الله عزّ وجلّ قرأ طه وياسين قبل أن يخلق آدم بألفي عام، فلمّا سمعت الملائكة القرآن قالوا: طوبى لأمّة تقول [[في الثانية: ينزل بدل تقول.]] عليها هذا، طوبى لألسن تتكلم بهذا، وطوبى لأجواف تحمل هذا [[سنن الدارمي: 2/ 456.]] . وأخبرنا أبو عمرو الفراتي قال أبو نصر منصور بن عبد الله السرخسي عن محمد بن الفضل عن إبراهيم بن يوسف عن المسيّب عن زياد [[في نسخة أصفهان: زياد بن الحسن أنّ.]] عن النبي ﷺ‎ قال: «لا يقرأ أهل الجنة من القرآن إلّا يس وطه» [[الدرّ المنثور: 4/ 288 بتفاوت.]] . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قوله عزّ وجلّ طه قرأ أبو عمرو بفتح الطاء وكسر الهاء، وقرأ أهل المدينة والشام بين الكسر والفتح فيهما، وقرأ الأعمش وحمزه والكسائي بكسر الهاء والطاء، وقرأ عاصم وابن كثير بالتفخيم فيهما وكلها لغات صحيحة [[في نسخة أصفهان: فصيحة صحيحة.]] . أخبرنا عبد الله بن حامد عن محمد بن عمر بن حميد [[في نسخة أصفهان: جميل.]] الأزدي عن محمد بن الجهم السمري، عن يحيى بن زياد الفرّاء عن عيسى بن الربيع عن زرّ بن حبيش قال: قرأ رجل على عبد الله بن مسعود طه فقال له عبد الله: طه فقال له الرجل: يا أبا عبد الرّحمن أليس أمر أن يطأ قدميه؟ فقال عبد الله: طه، هكذا أقرأني رسول الله ﷺ‎. واختلفوا في تفسيره، فروى عبد الله [[في نسخة أصفهان: علي.]] بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: هو قسم أقسم الله به وهو اسم من أسماء الله، وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: هو كقولك: افعل، وقال مجاهد والحسن وعطاء والضحاك: معناه يا رجل، وقال عكرمة: هو كقولك: يا رجل بلسان الحبشة يعني محمدا ﷺ‎، وقال قتادة: هو يا رجل بالسريانيّة، وقال سعيد بن جبير: يا رجل بالنبطية. وروى السدّي عن أبي مالك وعكرمة: طه، قالا [[في الثانية: عن مالك وعكرمة قالا.]] : يا فلان، وقال الكلبي: هو بلغة عكّ: يا رجل، قال شاعرهم: ان السفاهة طه في خلائقكم ... لا قدّس الله أرواح الملاعين [[جامع البيان للطبري: 16/ 171 والعبارة: إنّ السفاهة طه من خلائقكم. لا بارك الله في القوم الملاعين.]] وقال آخر: هتفت بطه في القتال فلم يجب ... فخفت لعمرك أن يكون موائلا [[جامع البيان للطبري: 16/ 171.]] مقاتل [[في نسخة أصفهان زيادة: وقال قتادة: هو كقولك: يا رجل بالسريانية، وقال سعيد بن جبير: يا رجل بالنبطية، مقاتل.]] بن حيان معناه: طئ الأرض بقدميك، يريد في التهجّد، وقال محمد بن كعب القرظي: أقسم الله تعالى بطوله وهدايته، وموضع القاسم قوله ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى. وقال جعفر بن محمد الصادق (رضي الله عنه) : طه: طهارة أهل بيت محمد [[نهج الإيمان- ابن جبر.: ص 85.]] ﷺ‎ ثم إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً وقيل: الطاء شجرة طوبى، والهاء هاويه. والعرب تعبّر ببعض الشيء عن كلّه فكأنّه أقسم بالجنة والنار. وقال سعيد بن جبير: الطاء افتتاح اسمه طاهر وطيب، والهاء افتتاح اسمه هادي. وقيل: الطاء يا طامع الشفاعة للأمة، والهاء يا هادي الخلق إلى الملّة. وقيل: الطاء من الطهارة، والهاء: من الهداية، وكأنه تعالى يقول لنبيّه ﷺ‎: يا طاهرا من الذنوب، ويا هاديا إلى علّام الغيوب، وقيل: الطاء: طبول الغزاة، والهاء: هيبتهم في قلوب الكفار، قال الله تعالى سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ [[آل عمران: 151.]] . وقال: وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، وقيل: الطاء: طرب أهل الجنة [[في نسخة أصفهان زيادة: في الجنة.]] ، والهاء: هوان أهل النار في النار، وقيل: الطاء تسعة في حساب [الجمل] والهاء خمسة، أربعة عشر، ومعناها يا أيّها البدر ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى قال مجاهد: كان رسول الله ﷺ‎ وأصحابه يربطون الحبال في صدورهم في الصلاة بالليل [[في نسخة أصفهان زيادة: ثم نسخ.]] ذلك بالفرض، وأنزل الله تعالى هذه الآية. وقال الكلبي: لمّا نزل على رسول الله الوحي بمكّة اجتهد في العبادة واشتدّت عبادته فجعل يصلّي الليل كله [[في نسخة أصفهان زيادة: زمانا حتى نزلت هذه الآية فأمره الله عز وجل أن يخفف عن نفسه فيصلي وينام فنسخت هذه الآية قيام الليل كله.]] ، فكان بعد نزول هذه الآية ينام ويصلّي. أخبرنا عبد الله بن حامد بن محمد الهروي عن بشر بن موسى الحميدي عن سفيان بن زياد بن علاقة قال: سمعت المغيرة بن شعبة يقول: قام رسول الله ﷺ‎ حتى تورمت قدماه، وقيل له: يا رسول الله أليس قد غفر الله لك ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ؟ فقال ﷺ‎: أفلا أكون عَبْداً شَكُوراً [[مسند أحمد: 4/ 251.]] . وقال مقاتل: قال أبو جهل بن هشام والنصر بن الحرث [[في نسخة أصفهان أبو جهل والنضر بن هشام.]] للنبىّ ﷺ‎: إنّك لتسعى بترك ديننا- وذلك لما رأوا من طول عبادته وشدّة اجتهاده- فإننا نراه أنّه ليس لله وأنّك مبعوث إلينا، فقال رسول الله ﷺ‎: بل بعثت رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ، قالوا: بل أنت شقيّ، فأنزل الله تعالى طه ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى وأصل [[في نسخة أصفهان زيادة: الشقاء في اللغة العناد والتعب إِلَّا تَذْكِرَةً.]] لكن أنزلناه عظة [[في نسخة أصفهان زيادة: وتَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى.]] لِمَنْ يَخْشى [[أسباب نزول الآيات- النيسابوري- ص: 205.]] . قال الحسين بن الفضل: فيه تقديم وتأخير مجازه: ما أنزلنا عليك القرآن إلّا تذكرة لمن يخشى ولئلّا تشقى، تنزيلا بدل من قوله تَذْكِرَةً. وقرأ أبو الشامي: تنزيل بالرفع يعني هذا تنزيل مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى يعني العالية الرفيعة وهو جمع العليا كصغرى وصغر وكبرى وكبر الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى يعني التراب الذي تحت الأرضين وهو التراب الندي، تقول العرب: شبر ندىّ وسهر نديّ وسهر مرعىّ. قال ابن عباس: الأرض على ظهر النون والنون على بحر وإنّ طرفي النون رأسه وذنبه يلتقيان تحت العرش على صخرة خضراء، وخضرة السماء منها وهي الصخرة التي ذكرها الله تعالى في القرآن في قصة لقمان فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ الصخرة على قرن ثور، والثور على الثرى وَما تَحْتَ الثَّرى لا يعلمه إلّا الله عزّ وجلّ، وذلك الثور فاتح فاه فإذا جعل الله عزّ وجلّ البحار بحرا واحدا سالت في جوف ذلك الثور، فإذا وقعت في جوفه يبست. وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ تعلن فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى. أخبرنا عبد الله بن حامد، أخبرنا حامد [[في نسخة أصفهان زيادة: بن محمد.]] أخبرنا بشر بن موسى عن عبد الله بن صالح العجلي، حدّثنا أبو الأحوص عن سماك عن عكرمة [[في نسخة أصفهان زيادة: وأخبرنا حامد بن محمد عن أبي الأحوص.]] عن ابن عباس في قوله يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى قال: وأخفى حديث نفسك نفسك. وأخبرني عبد الله بن حامد عن أبي الطاهر محمد بن الحسن، حدّثنا إبراهيم بن أبي طالب عن محمد بن النعمان بن مسيل، حدّثنا يحيى بن أبي روق عن أبيه عن الضحاك عن ابن عباس قال: السرّ ما أسررت في نفسك، وأخفى أخفى من السّر، ما ستحدّث به نفسك، ما لا تعلم أنّك تحدّث به نفسك. وروى عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير قال: السر ما تسرّ في نفسك، وأخفى من السرّ ما لم يكن وهو كائن، قال: وأنت تعلم ما تسرّ اليوم ولا تعلم ما تسرّ غدا، والله عزّ وجلّ يعلم ما أسررت اليوم وما تسرّ غدا. وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: السرّ ما أسرّ ابن آدم في نفسه، وأخفى ما خفي على ابن آدم ممّا هو فاعله قبل أن يعلمه، فالله يعلم ذلك كله، فعلمه فيما مضى من ذلك وما بقي علم واحد، وجميع الخلائق عنده في ذلك كنفس واحدة. وقال مجاهد: السرّ العمل الذي يسرّون من الناس، وأخفى الوسوسة، وقال زيد بن أسلم: معناه يعلم أسرار العباد، وأخفى سرّه فلا يعلم. وقال الحسن: السرّ ما أسرّ الرجل إلى غيره، وأخفى من ذلك ما أسرّه في نفسه. ثم وحّد نفسه فقال: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى.

طه 20:6

وهي خمسة آلاف ومائتان واثنان وأربعون حرفا، وثلاثمائة وإحدى وأربعون كلمة، ومائة وخمس وثلاثون آية [[في نسخة أصفهان: وهي مائة وخمس وثلاثون آية وخمسة آلاف واثنان وأربعون حرفا وألف وثلاثمائة وأحدى وأربعون كلمة ومائة واثنان وثلاثون آية بصري وأربع حجازي وخمس كوفي.]] أخبرنا أبو الحسن عبد الرحيم [[في نسخة أصفهان: عبد الرحمن.]] بن إبراهيم بن محمد العدل، نبّأ عبد الله بن محمد بن عبد الرّحمن الرازي، قال أبو جعفر محمد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي وخشنام بن بشر بن العنبر قالا: قال إبراهيم بن المنذر الحرامي عن إبراهيم بن المهاجر قال: حدّثني عمر بن حفص ابن ذكوان عن مولى الحرقة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ‎: إنّ الله عزّ وجلّ قرأ طه وياسين قبل أن يخلق آدم بألفي عام، فلمّا سمعت الملائكة القرآن قالوا: طوبى لأمّة تقول [[في الثانية: ينزل بدل تقول.]] عليها هذا، طوبى لألسن تتكلم بهذا، وطوبى لأجواف تحمل هذا [[سنن الدارمي: 2/ 456.]] . وأخبرنا أبو عمرو الفراتي قال أبو نصر منصور بن عبد الله السرخسي عن محمد بن الفضل عن إبراهيم بن يوسف عن المسيّب عن زياد [[في نسخة أصفهان: زياد بن الحسن أنّ.]] عن النبي ﷺ‎ قال: «لا يقرأ أهل الجنة من القرآن إلّا يس وطه» [[الدرّ المنثور: 4/ 288 بتفاوت.]] . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قوله عزّ وجلّ طه قرأ أبو عمرو بفتح الطاء وكسر الهاء، وقرأ أهل المدينة والشام بين الكسر والفتح فيهما، وقرأ الأعمش وحمزه والكسائي بكسر الهاء والطاء، وقرأ عاصم وابن كثير بالتفخيم فيهما وكلها لغات صحيحة [[في نسخة أصفهان: فصيحة صحيحة.]] . أخبرنا عبد الله بن حامد عن محمد بن عمر بن حميد [[في نسخة أصفهان: جميل.]] الأزدي عن محمد بن الجهم السمري، عن يحيى بن زياد الفرّاء عن عيسى بن الربيع عن زرّ بن حبيش قال: قرأ رجل على عبد الله بن مسعود طه فقال له عبد الله: طه فقال له الرجل: يا أبا عبد الرّحمن أليس أمر أن يطأ قدميه؟ فقال عبد الله: طه، هكذا أقرأني رسول الله ﷺ‎. واختلفوا في تفسيره، فروى عبد الله [[في نسخة أصفهان: علي.]] بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: هو قسم أقسم الله به وهو اسم من أسماء الله، وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: هو كقولك: افعل، وقال مجاهد والحسن وعطاء والضحاك: معناه يا رجل، وقال عكرمة: هو كقولك: يا رجل بلسان الحبشة يعني محمدا ﷺ‎، وقال قتادة: هو يا رجل بالسريانيّة، وقال سعيد بن جبير: يا رجل بالنبطية. وروى السدّي عن أبي مالك وعكرمة: طه، قالا [[في الثانية: عن مالك وعكرمة قالا.]] : يا فلان، وقال الكلبي: هو بلغة عكّ: يا رجل، قال شاعرهم: ان السفاهة طه في خلائقكم ... لا قدّس الله أرواح الملاعين [[جامع البيان للطبري: 16/ 171 والعبارة: إنّ السفاهة طه من خلائقكم. لا بارك الله في القوم الملاعين.]] وقال آخر: هتفت بطه في القتال فلم يجب ... فخفت لعمرك أن يكون موائلا [[جامع البيان للطبري: 16/ 171.]] مقاتل [[في نسخة أصفهان زيادة: وقال قتادة: هو كقولك: يا رجل بالسريانية، وقال سعيد بن جبير: يا رجل بالنبطية، مقاتل.]] بن حيان معناه: طئ الأرض بقدميك، يريد في التهجّد، وقال محمد بن كعب القرظي: أقسم الله تعالى بطوله وهدايته، وموضع القاسم قوله ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى. وقال جعفر بن محمد الصادق (رضي الله عنه) : طه: طهارة أهل بيت محمد [[نهج الإيمان- ابن جبر.: ص 85.]] ﷺ‎ ثم إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً وقيل: الطاء شجرة طوبى، والهاء هاويه. والعرب تعبّر ببعض الشيء عن كلّه فكأنّه أقسم بالجنة والنار. وقال سعيد بن جبير: الطاء افتتاح اسمه طاهر وطيب، والهاء افتتاح اسمه هادي. وقيل: الطاء يا طامع الشفاعة للأمة، والهاء يا هادي الخلق إلى الملّة. وقيل: الطاء من الطهارة، والهاء: من الهداية، وكأنه تعالى يقول لنبيّه ﷺ‎: يا طاهرا من الذنوب، ويا هاديا إلى علّام الغيوب، وقيل: الطاء: طبول الغزاة، والهاء: هيبتهم في قلوب الكفار، قال الله تعالى سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ [[آل عمران: 151.]] . وقال: وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، وقيل: الطاء: طرب أهل الجنة [[في نسخة أصفهان زيادة: في الجنة.]] ، والهاء: هوان أهل النار في النار، وقيل: الطاء تسعة في حساب [الجمل] والهاء خمسة، أربعة عشر، ومعناها يا أيّها البدر ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى قال مجاهد: كان رسول الله ﷺ‎ وأصحابه يربطون الحبال في صدورهم في الصلاة بالليل [[في نسخة أصفهان زيادة: ثم نسخ.]] ذلك بالفرض، وأنزل الله تعالى هذه الآية. وقال الكلبي: لمّا نزل على رسول الله الوحي بمكّة اجتهد في العبادة واشتدّت عبادته فجعل يصلّي الليل كله [[في نسخة أصفهان زيادة: زمانا حتى نزلت هذه الآية فأمره الله عز وجل أن يخفف عن نفسه فيصلي وينام فنسخت هذه الآية قيام الليل كله.]] ، فكان بعد نزول هذه الآية ينام ويصلّي. أخبرنا عبد الله بن حامد بن محمد الهروي عن بشر بن موسى الحميدي عن سفيان بن زياد بن علاقة قال: سمعت المغيرة بن شعبة يقول: قام رسول الله ﷺ‎ حتى تورمت قدماه، وقيل له: يا رسول الله أليس قد غفر الله لك ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ؟ فقال ﷺ‎: أفلا أكون عَبْداً شَكُوراً [[مسند أحمد: 4/ 251.]] . وقال مقاتل: قال أبو جهل بن هشام والنصر بن الحرث [[في نسخة أصفهان أبو جهل والنضر بن هشام.]] للنبىّ ﷺ‎: إنّك لتسعى بترك ديننا- وذلك لما رأوا من طول عبادته وشدّة اجتهاده- فإننا نراه أنّه ليس لله وأنّك مبعوث إلينا، فقال رسول الله ﷺ‎: بل بعثت رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ، قالوا: بل أنت شقيّ، فأنزل الله تعالى طه ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى وأصل [[في نسخة أصفهان زيادة: الشقاء في اللغة العناد والتعب إِلَّا تَذْكِرَةً.]] لكن أنزلناه عظة [[في نسخة أصفهان زيادة: وتَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى.]] لِمَنْ يَخْشى [[أسباب نزول الآيات- النيسابوري- ص: 205.]] . قال الحسين بن الفضل: فيه تقديم وتأخير مجازه: ما أنزلنا عليك القرآن إلّا تذكرة لمن يخشى ولئلّا تشقى، تنزيلا بدل من قوله تَذْكِرَةً. وقرأ أبو الشامي: تنزيل بالرفع يعني هذا تنزيل مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى يعني العالية الرفيعة وهو جمع العليا كصغرى وصغر وكبرى وكبر الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى يعني التراب الذي تحت الأرضين وهو التراب الندي، تقول العرب: شبر ندىّ وسهر نديّ وسهر مرعىّ. قال ابن عباس: الأرض على ظهر النون والنون على بحر وإنّ طرفي النون رأسه وذنبه يلتقيان تحت العرش على صخرة خضراء، وخضرة السماء منها وهي الصخرة التي ذكرها الله تعالى في القرآن في قصة لقمان فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ الصخرة على قرن ثور، والثور على الثرى وَما تَحْتَ الثَّرى لا يعلمه إلّا الله عزّ وجلّ، وذلك الثور فاتح فاه فإذا جعل الله عزّ وجلّ البحار بحرا واحدا سالت في جوف ذلك الثور، فإذا وقعت في جوفه يبست. وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ تعلن فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى. أخبرنا عبد الله بن حامد، أخبرنا حامد [[في نسخة أصفهان زيادة: بن محمد.]] أخبرنا بشر بن موسى عن عبد الله بن صالح العجلي، حدّثنا أبو الأحوص عن سماك عن عكرمة [[في نسخة أصفهان زيادة: وأخبرنا حامد بن محمد عن أبي الأحوص.]] عن ابن عباس في قوله يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى قال: وأخفى حديث نفسك نفسك. وأخبرني عبد الله بن حامد عن أبي الطاهر محمد بن الحسن، حدّثنا إبراهيم بن أبي طالب عن محمد بن النعمان بن مسيل، حدّثنا يحيى بن أبي روق عن أبيه عن الضحاك عن ابن عباس قال: السرّ ما أسررت في نفسك، وأخفى أخفى من السّر، ما ستحدّث به نفسك، ما لا تعلم أنّك تحدّث به نفسك. وروى عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير قال: السر ما تسرّ في نفسك، وأخفى من السرّ ما لم يكن وهو كائن، قال: وأنت تعلم ما تسرّ اليوم ولا تعلم ما تسرّ غدا، والله عزّ وجلّ يعلم ما أسررت اليوم وما تسرّ غدا. وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: السرّ ما أسرّ ابن آدم في نفسه، وأخفى ما خفي على ابن آدم ممّا هو فاعله قبل أن يعلمه، فالله يعلم ذلك كله، فعلمه فيما مضى من ذلك وما بقي علم واحد، وجميع الخلائق عنده في ذلك كنفس واحدة. وقال مجاهد: السرّ العمل الذي يسرّون من الناس، وأخفى الوسوسة، وقال زيد بن أسلم: معناه يعلم أسرار العباد، وأخفى سرّه فلا يعلم. وقال الحسن: السرّ ما أسرّ الرجل إلى غيره، وأخفى من ذلك ما أسرّه في نفسه. ثم وحّد نفسه فقال: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى.

طه 20:7

وهي خمسة آلاف ومائتان واثنان وأربعون حرفا، وثلاثمائة وإحدى وأربعون كلمة، ومائة وخمس وثلاثون آية [[في نسخة أصفهان: وهي مائة وخمس وثلاثون آية وخمسة آلاف واثنان وأربعون حرفا وألف وثلاثمائة وأحدى وأربعون كلمة ومائة واثنان وثلاثون آية بصري وأربع حجازي وخمس كوفي.]] أخبرنا أبو الحسن عبد الرحيم [[في نسخة أصفهان: عبد الرحمن.]] بن إبراهيم بن محمد العدل، نبّأ عبد الله بن محمد بن عبد الرّحمن الرازي، قال أبو جعفر محمد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي وخشنام بن بشر بن العنبر قالا: قال إبراهيم بن المنذر الحرامي عن إبراهيم بن المهاجر قال: حدّثني عمر بن حفص ابن ذكوان عن مولى الحرقة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ‎: إنّ الله عزّ وجلّ قرأ طه وياسين قبل أن يخلق آدم بألفي عام، فلمّا سمعت الملائكة القرآن قالوا: طوبى لأمّة تقول [[في الثانية: ينزل بدل تقول.]] عليها هذا، طوبى لألسن تتكلم بهذا، وطوبى لأجواف تحمل هذا [[سنن الدارمي: 2/ 456.]] . وأخبرنا أبو عمرو الفراتي قال أبو نصر منصور بن عبد الله السرخسي عن محمد بن الفضل عن إبراهيم بن يوسف عن المسيّب عن زياد [[في نسخة أصفهان: زياد بن الحسن أنّ.]] عن النبي ﷺ‎ قال: «لا يقرأ أهل الجنة من القرآن إلّا يس وطه» [[الدرّ المنثور: 4/ 288 بتفاوت.]] . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قوله عزّ وجلّ طه قرأ أبو عمرو بفتح الطاء وكسر الهاء، وقرأ أهل المدينة والشام بين الكسر والفتح فيهما، وقرأ الأعمش وحمزه والكسائي بكسر الهاء والطاء، وقرأ عاصم وابن كثير بالتفخيم فيهما وكلها لغات صحيحة [[في نسخة أصفهان: فصيحة صحيحة.]] . أخبرنا عبد الله بن حامد عن محمد بن عمر بن حميد [[في نسخة أصفهان: جميل.]] الأزدي عن محمد بن الجهم السمري، عن يحيى بن زياد الفرّاء عن عيسى بن الربيع عن زرّ بن حبيش قال: قرأ رجل على عبد الله بن مسعود طه فقال له عبد الله: طه فقال له الرجل: يا أبا عبد الرّحمن أليس أمر أن يطأ قدميه؟ فقال عبد الله: طه، هكذا أقرأني رسول الله ﷺ‎. واختلفوا في تفسيره، فروى عبد الله [[في نسخة أصفهان: علي.]] بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: هو قسم أقسم الله به وهو اسم من أسماء الله، وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: هو كقولك: افعل، وقال مجاهد والحسن وعطاء والضحاك: معناه يا رجل، وقال عكرمة: هو كقولك: يا رجل بلسان الحبشة يعني محمدا ﷺ‎، وقال قتادة: هو يا رجل بالسريانيّة، وقال سعيد بن جبير: يا رجل بالنبطية. وروى السدّي عن أبي مالك وعكرمة: طه، قالا [[في الثانية: عن مالك وعكرمة قالا.]] : يا فلان، وقال الكلبي: هو بلغة عكّ: يا رجل، قال شاعرهم: ان السفاهة طه في خلائقكم ... لا قدّس الله أرواح الملاعين [[جامع البيان للطبري: 16/ 171 والعبارة: إنّ السفاهة طه من خلائقكم. لا بارك الله في القوم الملاعين.]] وقال آخر: هتفت بطه في القتال فلم يجب ... فخفت لعمرك أن يكون موائلا [[جامع البيان للطبري: 16/ 171.]] مقاتل [[في نسخة أصفهان زيادة: وقال قتادة: هو كقولك: يا رجل بالسريانية، وقال سعيد بن جبير: يا رجل بالنبطية، مقاتل.]] بن حيان معناه: طئ الأرض بقدميك، يريد في التهجّد، وقال محمد بن كعب القرظي: أقسم الله تعالى بطوله وهدايته، وموضع القاسم قوله ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى. وقال جعفر بن محمد الصادق (رضي الله عنه) : طه: طهارة أهل بيت محمد [[نهج الإيمان- ابن جبر.: ص 85.]] ﷺ‎ ثم إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً وقيل: الطاء شجرة طوبى، والهاء هاويه. والعرب تعبّر ببعض الشيء عن كلّه فكأنّه أقسم بالجنة والنار. وقال سعيد بن جبير: الطاء افتتاح اسمه طاهر وطيب، والهاء افتتاح اسمه هادي. وقيل: الطاء يا طامع الشفاعة للأمة، والهاء يا هادي الخلق إلى الملّة. وقيل: الطاء من الطهارة، والهاء: من الهداية، وكأنه تعالى يقول لنبيّه ﷺ‎: يا طاهرا من الذنوب، ويا هاديا إلى علّام الغيوب، وقيل: الطاء: طبول الغزاة، والهاء: هيبتهم في قلوب الكفار، قال الله تعالى سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ [[آل عمران: 151.]] . وقال: وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، وقيل: الطاء: طرب أهل الجنة [[في نسخة أصفهان زيادة: في الجنة.]] ، والهاء: هوان أهل النار في النار، وقيل: الطاء تسعة في حساب [الجمل] والهاء خمسة، أربعة عشر، ومعناها يا أيّها البدر ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى قال مجاهد: كان رسول الله ﷺ‎ وأصحابه يربطون الحبال في صدورهم في الصلاة بالليل [[في نسخة أصفهان زيادة: ثم نسخ.]] ذلك بالفرض، وأنزل الله تعالى هذه الآية. وقال الكلبي: لمّا نزل على رسول الله الوحي بمكّة اجتهد في العبادة واشتدّت عبادته فجعل يصلّي الليل كله [[في نسخة أصفهان زيادة: زمانا حتى نزلت هذه الآية فأمره الله عز وجل أن يخفف عن نفسه فيصلي وينام فنسخت هذه الآية قيام الليل كله.]] ، فكان بعد نزول هذه الآية ينام ويصلّي. أخبرنا عبد الله بن حامد بن محمد الهروي عن بشر بن موسى الحميدي عن سفيان بن زياد بن علاقة قال: سمعت المغيرة بن شعبة يقول: قام رسول الله ﷺ‎ حتى تورمت قدماه، وقيل له: يا رسول الله أليس قد غفر الله لك ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ؟ فقال ﷺ‎: أفلا أكون عَبْداً شَكُوراً [[مسند أحمد: 4/ 251.]] . وقال مقاتل: قال أبو جهل بن هشام والنصر بن الحرث [[في نسخة أصفهان أبو جهل والنضر بن هشام.]] للنبىّ ﷺ‎: إنّك لتسعى بترك ديننا- وذلك لما رأوا من طول عبادته وشدّة اجتهاده- فإننا نراه أنّه ليس لله وأنّك مبعوث إلينا، فقال رسول الله ﷺ‎: بل بعثت رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ، قالوا: بل أنت شقيّ، فأنزل الله تعالى طه ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى وأصل [[في نسخة أصفهان زيادة: الشقاء في اللغة العناد والتعب إِلَّا تَذْكِرَةً.]] لكن أنزلناه عظة [[في نسخة أصفهان زيادة: وتَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى.]] لِمَنْ يَخْشى [[أسباب نزول الآيات- النيسابوري- ص: 205.]] . قال الحسين بن الفضل: فيه تقديم وتأخير مجازه: ما أنزلنا عليك القرآن إلّا تذكرة لمن يخشى ولئلّا تشقى، تنزيلا بدل من قوله تَذْكِرَةً. وقرأ أبو الشامي: تنزيل بالرفع يعني هذا تنزيل مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى يعني العالية الرفيعة وهو جمع العليا كصغرى وصغر وكبرى وكبر الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى يعني التراب الذي تحت الأرضين وهو التراب الندي، تقول العرب: شبر ندىّ وسهر نديّ وسهر مرعىّ. قال ابن عباس: الأرض على ظهر النون والنون على بحر وإنّ طرفي النون رأسه وذنبه يلتقيان تحت العرش على صخرة خضراء، وخضرة السماء منها وهي الصخرة التي ذكرها الله تعالى في القرآن في قصة لقمان فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ الصخرة على قرن ثور، والثور على الثرى وَما تَحْتَ الثَّرى لا يعلمه إلّا الله عزّ وجلّ، وذلك الثور فاتح فاه فإذا جعل الله عزّ وجلّ البحار بحرا واحدا سالت في جوف ذلك الثور، فإذا وقعت في جوفه يبست. وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ تعلن فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى. أخبرنا عبد الله بن حامد، أخبرنا حامد [[في نسخة أصفهان زيادة: بن محمد.]] أخبرنا بشر بن موسى عن عبد الله بن صالح العجلي، حدّثنا أبو الأحوص عن سماك عن عكرمة [[في نسخة أصفهان زيادة: وأخبرنا حامد بن محمد عن أبي الأحوص.]] عن ابن عباس في قوله يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى قال: وأخفى حديث نفسك نفسك. وأخبرني عبد الله بن حامد عن أبي الطاهر محمد بن الحسن، حدّثنا إبراهيم بن أبي طالب عن محمد بن النعمان بن مسيل، حدّثنا يحيى بن أبي روق عن أبيه عن الضحاك عن ابن عباس قال: السرّ ما أسررت في نفسك، وأخفى أخفى من السّر، ما ستحدّث به نفسك، ما لا تعلم أنّك تحدّث به نفسك. وروى عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير قال: السر ما تسرّ في نفسك، وأخفى من السرّ ما لم يكن وهو كائن، قال: وأنت تعلم ما تسرّ اليوم ولا تعلم ما تسرّ غدا، والله عزّ وجلّ يعلم ما أسررت اليوم وما تسرّ غدا. وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: السرّ ما أسرّ ابن آدم في نفسه، وأخفى ما خفي على ابن آدم ممّا هو فاعله قبل أن يعلمه، فالله يعلم ذلك كله، فعلمه فيما مضى من ذلك وما بقي علم واحد، وجميع الخلائق عنده في ذلك كنفس واحدة. وقال مجاهد: السرّ العمل الذي يسرّون من الناس، وأخفى الوسوسة، وقال زيد بن أسلم: معناه يعلم أسرار العباد، وأخفى سرّه فلا يعلم. وقال الحسن: السرّ ما أسرّ الرجل إلى غيره، وأخفى من ذلك ما أسرّه في نفسه. ثم وحّد نفسه فقال: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى.

طه 20:8

وهي خمسة آلاف ومائتان واثنان وأربعون حرفا، وثلاثمائة وإحدى وأربعون كلمة، ومائة وخمس وثلاثون آية [[في نسخة أصفهان: وهي مائة وخمس وثلاثون آية وخمسة آلاف واثنان وأربعون حرفا وألف وثلاثمائة وأحدى وأربعون كلمة ومائة واثنان وثلاثون آية بصري وأربع حجازي وخمس كوفي.]] أخبرنا أبو الحسن عبد الرحيم [[في نسخة أصفهان: عبد الرحمن.]] بن إبراهيم بن محمد العدل، نبّأ عبد الله بن محمد بن عبد الرّحمن الرازي، قال أبو جعفر محمد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي وخشنام بن بشر بن العنبر قالا: قال إبراهيم بن المنذر الحرامي عن إبراهيم بن المهاجر قال: حدّثني عمر بن حفص ابن ذكوان عن مولى الحرقة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ‎: إنّ الله عزّ وجلّ قرأ طه وياسين قبل أن يخلق آدم بألفي عام، فلمّا سمعت الملائكة القرآن قالوا: طوبى لأمّة تقول [[في الثانية: ينزل بدل تقول.]] عليها هذا، طوبى لألسن تتكلم بهذا، وطوبى لأجواف تحمل هذا [[سنن الدارمي: 2/ 456.]] . وأخبرنا أبو عمرو الفراتي قال أبو نصر منصور بن عبد الله السرخسي عن محمد بن الفضل عن إبراهيم بن يوسف عن المسيّب عن زياد [[في نسخة أصفهان: زياد بن الحسن أنّ.]] عن النبي ﷺ‎ قال: «لا يقرأ أهل الجنة من القرآن إلّا يس وطه» [[الدرّ المنثور: 4/ 288 بتفاوت.]] . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قوله عزّ وجلّ طه قرأ أبو عمرو بفتح الطاء وكسر الهاء، وقرأ أهل المدينة والشام بين الكسر والفتح فيهما، وقرأ الأعمش وحمزه والكسائي بكسر الهاء والطاء، وقرأ عاصم وابن كثير بالتفخيم فيهما وكلها لغات صحيحة [[في نسخة أصفهان: فصيحة صحيحة.]] . أخبرنا عبد الله بن حامد عن محمد بن عمر بن حميد [[في نسخة أصفهان: جميل.]] الأزدي عن محمد بن الجهم السمري، عن يحيى بن زياد الفرّاء عن عيسى بن الربيع عن زرّ بن حبيش قال: قرأ رجل على عبد الله بن مسعود طه فقال له عبد الله: طه فقال له الرجل: يا أبا عبد الرّحمن أليس أمر أن يطأ قدميه؟ فقال عبد الله: طه، هكذا أقرأني رسول الله ﷺ‎. واختلفوا في تفسيره، فروى عبد الله [[في نسخة أصفهان: علي.]] بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: هو قسم أقسم الله به وهو اسم من أسماء الله، وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: هو كقولك: افعل، وقال مجاهد والحسن وعطاء والضحاك: معناه يا رجل، وقال عكرمة: هو كقولك: يا رجل بلسان الحبشة يعني محمدا ﷺ‎، وقال قتادة: هو يا رجل بالسريانيّة، وقال سعيد بن جبير: يا رجل بالنبطية. وروى السدّي عن أبي مالك وعكرمة: طه، قالا [[في الثانية: عن مالك وعكرمة قالا.]] : يا فلان، وقال الكلبي: هو بلغة عكّ: يا رجل، قال شاعرهم: ان السفاهة طه في خلائقكم ... لا قدّس الله أرواح الملاعين [[جامع البيان للطبري: 16/ 171 والعبارة: إنّ السفاهة طه من خلائقكم. لا بارك الله في القوم الملاعين.]] وقال آخر: هتفت بطه في القتال فلم يجب ... فخفت لعمرك أن يكون موائلا [[جامع البيان للطبري: 16/ 171.]] مقاتل [[في نسخة أصفهان زيادة: وقال قتادة: هو كقولك: يا رجل بالسريانية، وقال سعيد بن جبير: يا رجل بالنبطية، مقاتل.]] بن حيان معناه: طئ الأرض بقدميك، يريد في التهجّد، وقال محمد بن كعب القرظي: أقسم الله تعالى بطوله وهدايته، وموضع القاسم قوله ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى. وقال جعفر بن محمد الصادق (رضي الله عنه) : طه: طهارة أهل بيت محمد [[نهج الإيمان- ابن جبر.: ص 85.]] ﷺ‎ ثم إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً وقيل: الطاء شجرة طوبى، والهاء هاويه. والعرب تعبّر ببعض الشيء عن كلّه فكأنّه أقسم بالجنة والنار. وقال سعيد بن جبير: الطاء افتتاح اسمه طاهر وطيب، والهاء افتتاح اسمه هادي. وقيل: الطاء يا طامع الشفاعة للأمة، والهاء يا هادي الخلق إلى الملّة. وقيل: الطاء من الطهارة، والهاء: من الهداية، وكأنه تعالى يقول لنبيّه ﷺ‎: يا طاهرا من الذنوب، ويا هاديا إلى علّام الغيوب، وقيل: الطاء: طبول الغزاة، والهاء: هيبتهم في قلوب الكفار، قال الله تعالى سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ [[آل عمران: 151.]] . وقال: وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، وقيل: الطاء: طرب أهل الجنة [[في نسخة أصفهان زيادة: في الجنة.]] ، والهاء: هوان أهل النار في النار، وقيل: الطاء تسعة في حساب [الجمل] والهاء خمسة، أربعة عشر، ومعناها يا أيّها البدر ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى قال مجاهد: كان رسول الله ﷺ‎ وأصحابه يربطون الحبال في صدورهم في الصلاة بالليل [[في نسخة أصفهان زيادة: ثم نسخ.]] ذلك بالفرض، وأنزل الله تعالى هذه الآية. وقال الكلبي: لمّا نزل على رسول الله الوحي بمكّة اجتهد في العبادة واشتدّت عبادته فجعل يصلّي الليل كله [[في نسخة أصفهان زيادة: زمانا حتى نزلت هذه الآية فأمره الله عز وجل أن يخفف عن نفسه فيصلي وينام فنسخت هذه الآية قيام الليل كله.]] ، فكان بعد نزول هذه الآية ينام ويصلّي. أخبرنا عبد الله بن حامد بن محمد الهروي عن بشر بن موسى الحميدي عن سفيان بن زياد بن علاقة قال: سمعت المغيرة بن شعبة يقول: قام رسول الله ﷺ‎ حتى تورمت قدماه، وقيل له: يا رسول الله أليس قد غفر الله لك ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ؟ فقال ﷺ‎: أفلا أكون عَبْداً شَكُوراً [[مسند أحمد: 4/ 251.]] . وقال مقاتل: قال أبو جهل بن هشام والنصر بن الحرث [[في نسخة أصفهان أبو جهل والنضر بن هشام.]] للنبىّ ﷺ‎: إنّك لتسعى بترك ديننا- وذلك لما رأوا من طول عبادته وشدّة اجتهاده- فإننا نراه أنّه ليس لله وأنّك مبعوث إلينا، فقال رسول الله ﷺ‎: بل بعثت رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ، قالوا: بل أنت شقيّ، فأنزل الله تعالى طه ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى وأصل [[في نسخة أصفهان زيادة: الشقاء في اللغة العناد والتعب إِلَّا تَذْكِرَةً.]] لكن أنزلناه عظة [[في نسخة أصفهان زيادة: وتَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى.]] لِمَنْ يَخْشى [[أسباب نزول الآيات- النيسابوري- ص: 205.]] . قال الحسين بن الفضل: فيه تقديم وتأخير مجازه: ما أنزلنا عليك القرآن إلّا تذكرة لمن يخشى ولئلّا تشقى، تنزيلا بدل من قوله تَذْكِرَةً. وقرأ أبو الشامي: تنزيل بالرفع يعني هذا تنزيل مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى يعني العالية الرفيعة وهو جمع العليا كصغرى وصغر وكبرى وكبر الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى يعني التراب الذي تحت الأرضين وهو التراب الندي، تقول العرب: شبر ندىّ وسهر نديّ وسهر مرعىّ. قال ابن عباس: الأرض على ظهر النون والنون على بحر وإنّ طرفي النون رأسه وذنبه يلتقيان تحت العرش على صخرة خضراء، وخضرة السماء منها وهي الصخرة التي ذكرها الله تعالى في القرآن في قصة لقمان فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ الصخرة على قرن ثور، والثور على الثرى وَما تَحْتَ الثَّرى لا يعلمه إلّا الله عزّ وجلّ، وذلك الثور فاتح فاه فإذا جعل الله عزّ وجلّ البحار بحرا واحدا سالت في جوف ذلك الثور، فإذا وقعت في جوفه يبست. وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ تعلن فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى. أخبرنا عبد الله بن حامد، أخبرنا حامد [[في نسخة أصفهان زيادة: بن محمد.]] أخبرنا بشر بن موسى عن عبد الله بن صالح العجلي، حدّثنا أبو الأحوص عن سماك عن عكرمة [[في نسخة أصفهان زيادة: وأخبرنا حامد بن محمد عن أبي الأحوص.]] عن ابن عباس في قوله يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى قال: وأخفى حديث نفسك نفسك. وأخبرني عبد الله بن حامد عن أبي الطاهر محمد بن الحسن، حدّثنا إبراهيم بن أبي طالب عن محمد بن النعمان بن مسيل، حدّثنا يحيى بن أبي روق عن أبيه عن الضحاك عن ابن عباس قال: السرّ ما أسررت في نفسك، وأخفى أخفى من السّر، ما ستحدّث به نفسك، ما لا تعلم أنّك تحدّث به نفسك. وروى عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير قال: السر ما تسرّ في نفسك، وأخفى من السرّ ما لم يكن وهو كائن، قال: وأنت تعلم ما تسرّ اليوم ولا تعلم ما تسرّ غدا، والله عزّ وجلّ يعلم ما أسررت اليوم وما تسرّ غدا. وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: السرّ ما أسرّ ابن آدم في نفسه، وأخفى ما خفي على ابن آدم ممّا هو فاعله قبل أن يعلمه، فالله يعلم ذلك كله، فعلمه فيما مضى من ذلك وما بقي علم واحد، وجميع الخلائق عنده في ذلك كنفس واحدة. وقال مجاهد: السرّ العمل الذي يسرّون من الناس، وأخفى الوسوسة، وقال زيد بن أسلم: معناه يعلم أسرار العباد، وأخفى سرّه فلا يعلم. وقال الحسن: السرّ ما أسرّ الرجل إلى غيره، وأخفى من ذلك ما أسرّه في نفسه. ثم وحّد نفسه فقال: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى.

طه 20:9

وَهَلْ أَتاكَ يا محمد حَدِيثُ مُوسى قال أهل المعاني: هو استفهام اثبات [[في نسخة أصفهان زيادة: وإيجاب.]] مجازه: أليس قد أتاك؟. وقال بعضهم: معناه: وقد أتاك، وقال: لم يكن قد أتاه [[في نسخة أصفهان: أتاك، وقال الكلبي: لم يكن أتاه حديثه.]] ثم أخبره. إِذْ رَأى ناراً ليلة الجمعة، وقال وهب بن منبّه: استأذن موسى شعيبا في الرجوع إلى والدته فأذن له فخرج بأهله، فولد له ابن في الطريق في ليلة شاتية مثلجة وقد جاد [[في المخطوط: جار.]] عن الطريق، فقدح موسى النار فلم تور المقدحة، فبينا هو في مزاولة ذلك أبصر نارا من بعيد عن يسار الطريق فَقالَ لِأَهْلِهِ لامرأته امْكُثُوا أقيموا مكانكم إِنِّي آنَسْتُ أبصرت ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ يعني شعلة من النار، والقبس: ما اقتبس من خشب أو قصب [[في نسخة أصفهان: قيس.]] أو غير ذلك أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً يعني من يدلّني على الطريق فَلَمَّا أَتاها رأى شجرة خضراء من أسفلها إلى أعلاها كأنّها نار بيضاء تتقدّم [[في نسخة أصفهان: تنفد.]] ، وسمع تسبيح الملائكة، ورأى نورا عظيما فخاف وتعّجب، فألقيت عليه السكينة ثمّ نُودِيَ يا مُوسى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ وإنّما كرّر الكناية لتوكيد الدلالة وإزالة الشبهة وتحقيق المعرفة، ونظيره قوله للرسول عليه السلام وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ [[الحجر: 89.]] . فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ وكان [[في نسخة أصفهان: أي فانزع و.]] السبب في أمره بخلع نعليه ما أخبرنا عبد الله بن حامد [[في نسخة أصفهان زيادة: الاصفهاني.]] ، قال: أخبرنا أحمد بن يحيى العبيدي قال: حدّثنا أحمد بن نجدة قال: حدّثنا الحمّاني قال: حدّثنا عيسى بن يونس [[في نسخة أصفهان: بن نجدة الحماني عن يونس.]] عن حميد بن عبد الله عن عبد الله بن الحرث العنبسي عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ‎ في قوله فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ قال: كانتا من جلد حمار ميّت [[سنن الترمذي: 3/ 138.]] ، وفي بعض الأخبار: غير مدبوغ [[السنن الكبرى: 3/ 255.]] ، وقال الحسن: ما بال خلع النعلين في الصلاة وصلّى رسول الله ﷺ‎ في نعليه؟ وإنّما أمر موسى عليه السلام أن يخلع نعليه إنّهما كانتا من جلد حمار، وقال أبو الأحوص: أتى عبد الله أبا موسى في داره فأقيمت الصلاة فقال لعبد الله تقدّم، فقال له عبد الله: تقدّم أنت في دارك فتقدّم فنزع نعليه، فقال له عبد الله: أبِالْوادِ الْمُقَدَّسِ أنت؟. وقال عكرمة ومجاهد: إنّما قال له: اخلع نعليك كي تمسّ راحة قدميك الأرض الطيّبة وينالك بركتها لأنّها قدّست مرّتين. وقال بعضهم: أمر بذلك لأنّ الحفوة من أمارات التواضع، وكذلك فعل السّلف حين طافوا بالبيت. قال سعيد بن جبير: قيل له: طأ الأرض حافيا، كيما يدخل كعبه من بركة الوادي. وقال أهل الإشارة: معناه: فرّغ قلبك من شغل الأهل والولد. قالوا: وكذلك هو في التعبير من رأى عليه نعلين تزوّج. فخلعهما موسى وألقاهما من وراء الوادي إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ المطهّر طُوىً اسم الوادي، وقال الضحاك: مستدير عميق مثل الطوى في استدارته، وقيل: أراد به إنك تطوي الوادي، وقيل: هو الليل، يقال: أتيتك طوى من الليل، وقيل: طويت عليه البركة طيّا، وقرأ عكرمة: طِوىً بكسر الطاء وهما لغتان، وقرأ أهل الكوفة والشام: طُوىً بالتنوين وإلّا جرّا لتذكيره وتحقيقه، الباقون من غير تنوين، قال: لأنّه معدول عن طاو أو مطوىّ، فلمّا كان معدولا عن وجهه كان مصروفا عن إعرابه مثل عمر وزفر وقثم. وَأَنَا اخْتَرْتُكَ اصطفيتك، وقرأ حمزة: وإنّا اخترناك بلفظ الجمع على التعظيم فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي ولا تعبد غيري وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي قال مجاهد: أَقِمِ الصَّلاةَ لتذكرني فيها، وقال مقاتل: إذا تركت الصلاة ثمّ ذكرتها فأقمها، يدلّ عليه ما أخبرنا عبد الله بن حامد [[في الثانية زيادة: الوزّان.]] قال: أخبرنا محمد بن يعقوب قال: حدّثنا إبراهيم بن مرزوق قال: حدّثنا سعيد بن عامر عن سعيد عن قتادة عن أنس أنّ رسول الله ﷺ‎ قال: «من نسي صلاة أو نام عنها فليصلّها إذا ذكرها، إنّ الله سبحانه يقول: وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي [[سنن الدارمي: 1/ 280.]] . وقيل: هو مردود على الوحي يعني فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى واستمع لذكري. إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها فأكاد [[في نسخة أصفهان: بمعنى أخفيها وأكاد.]] صلة، كقول الشاعر: سريع إلى الهيجاء شاك سلاحه ... فما أن يكاد قرنه يتنفس [[لسان العرب: 3/ 384.]] يعني: فما يتنفس من خوفه، والفائدة في الإخفاء التخويف والتهويل، قال ابن عباس وأكثر المفسّرين: معناه أَكادُ أُخْفِيها من نفسي، وكذلك هو في مصحف أبي، وفي مصحف عبد الله: أكاد أخفيها من نفسي فكيف يعلمها مخلوق؟. وفي بعض القراءات فكيف أظهرها لكم؟ قال قطرب: فإن قيل: كيف يخفي الله من نفسه وهو خلق الإخفاء؟ قلنا: إنّ الله سبحانه كلّم العرب بكلامهم الذي يعرفونه، ألا ترى أنّ الرجل يعذل أخاه فيقول له: أذعت سرّي، فيقول مجيبا له معتذرا إليه: والله لقد كتمت سرّك نفسي فكيف أذعته؟! معناه عندهم: أخفيته الإخفاء كله، وقال الشاعر: أيام تعجبني هند وأخبرها ... ما أكتم النّفس من حاجي وإسراري [[تفسير القرطبي: 11/ 85، والعبارة: أيام تصحبني هند وأخبرها.]] فكيف يخبرها ما يكتم عن نفسه؟ فمجاز الآية على هذا. وقرأ الحسن وسعيد بن جبير: أَخْفِيها بفتح الألف أي أظهرها وأبرزها يقال: خفيت الشيء إذا أظهرته، وأخفيته إذا سترته، قال امرؤ القيس: خفاهنّ من إنفاقهنّ كأنّما ... خفاهنّ ودق من سحاب مركّب [[كتاب العين: 4/ 314.]] أي أخرجهن. لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى أي تعمل من خير وشرّ فَلا يَصُدَّنَّكَ يصرفنّك عَنْها يعني عن الإيمان بالساعة مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها وَاتَّبَعَ هَواهُ مراده فَتَرْدى فتهلك. وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى قالَ هِيَ عَصايَ وكانت لها شعبتان وفي أسفلها سنان واسمها نبعة في قول مقاتل [[في نسخة أصفهان: مجاهد.]] أَتَوَكَّؤُا اعتمد عَلَيْها إذا مشيت وإذا أعييت وعند الوثبة والطفرة. وَأَهُشُّ وأخبط بِها الشجر ليتناثر ورقها فتأكل غنمي، وقرأ عكرمة «وأهسّ» بالسين يعني وازجر بها الغنم، وذلك أن العرب تقول: هس هس، وقال النضر بن شمّيل: سألت الخليل عن قراءة عكرمة فقال: العرب تعاقب بين الشين والسين في كثير من الكلام، كقولهم: شمّت العاطس وسمّته، وشن عليه الدرع وسن، والروشم والروسم للختم. وَلِيَ فِيها مَآرِبُ حوائج ومنافع، واحدتها مأربة ومأربة بفتح الراء وضمّها أُخْرى ولم يقل أخر لرؤوس الآي. قال ابن عباس: كان موسى عليه السلام يحمل عليها زاده وسقاءه، فجعلت تماشيه وتحدّثه، وكان يضرب بها الأرض فيخرج ما يأكل يومه، ويركزها فيخرج الماء فإذا رفعها ذهب الماء، وكان يردّ بها غنمه، وتقيه الهوام بإذن الله، وإذا ظهر له عدّو حاربت وناضلت عنه، وإذا أراد الإسقاء من البئر أدلاها فطالت على طول البئر وصارت شعبتاها كالدلو حتى يستقي، وكان يظهر على شعبتيها كالشمعتين بالليل تضيء له ويهتدي بها، وإذا اشتهى ثمرة من الثمار ركزها في الأرض فتغصّنت غصن تلك الشجرة وأورقت ورقها وأثمرت ثمرها، فهذه المآرب. قال الله سبحانه أَلْقِها يا مُوسى فَأَلْقاها من يده فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى تمشي مسرعة على بطنها. قال ابن عباس: صارت حيّة صفراء لها عرف كعرف الفرس، وجعلت تتورّم حتى صارت ثعبانا، وهو أكبر ما يكون من الحيّات، فلذلك قال في موضع كَأَنَّها جَانٌّ وهو أصغر الحيّات، وفي موضع ثعبان وهو أعظمها، فالجانّ عبارة عن ابتداء حالها، والثعبان إخبار عن انتهاء حالها، وقيل: أراد أنّها في عظم الثعبان وسرعة الجانّ، فأمّا الحيّة فإنها تجمع الصغر والكبر والذكر والأنثى. قال فرقد السخي: كان ما بين جنبيها أربعين ذراعا فلما ظهر في موسى من الخوف ونفار الطبع لمّا رأى من الأعجوبة قالَ الله تعالى له خُذْها وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا أي إلى سيرتها وهيئتها الْأُولى نردّها عصا كما كانت وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ يعني إبطك. وقال الكلبي: أسفل من الإبط، وقال مجاهد: تحت عضدك، وقال مقاتل: يعني مع جناحك وهو عضده تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ برص ولا داء آيَةً أُخْرى سوى العصا، فأخرج يده من مدرعة له مضرّبة بيضاء لها شعاع كشعاع الشمس يغشي البصر لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى وكان من حقّه الكبر وإنّما قال: الْكُبْرى وفاقا لرءوس الآي، وقيل: فيه إضمار معناه لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الآية الكبرى [[في نسخة أصفهان: الآية الكريمة.]] دليله قول ابن عباس: كانت يد موسى أكبر آياته.

طه 20:10

وَهَلْ أَتاكَ يا محمد حَدِيثُ مُوسى قال أهل المعاني: هو استفهام اثبات [[في نسخة أصفهان زيادة: وإيجاب.]] مجازه: أليس قد أتاك؟. وقال بعضهم: معناه: وقد أتاك، وقال: لم يكن قد أتاه [[في نسخة أصفهان: أتاك، وقال الكلبي: لم يكن أتاه حديثه.]] ثم أخبره. إِذْ رَأى ناراً ليلة الجمعة، وقال وهب بن منبّه: استأذن موسى شعيبا في الرجوع إلى والدته فأذن له فخرج بأهله، فولد له ابن في الطريق في ليلة شاتية مثلجة وقد جاد [[في المخطوط: جار.]] عن الطريق، فقدح موسى النار فلم تور المقدحة، فبينا هو في مزاولة ذلك أبصر نارا من بعيد عن يسار الطريق فَقالَ لِأَهْلِهِ لامرأته امْكُثُوا أقيموا مكانكم إِنِّي آنَسْتُ أبصرت ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ يعني شعلة من النار، والقبس: ما اقتبس من خشب أو قصب [[في نسخة أصفهان: قيس.]] أو غير ذلك أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً يعني من يدلّني على الطريق فَلَمَّا أَتاها رأى شجرة خضراء من أسفلها إلى أعلاها كأنّها نار بيضاء تتقدّم [[في نسخة أصفهان: تنفد.]] ، وسمع تسبيح الملائكة، ورأى نورا عظيما فخاف وتعّجب، فألقيت عليه السكينة ثمّ نُودِيَ يا مُوسى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ وإنّما كرّر الكناية لتوكيد الدلالة وإزالة الشبهة وتحقيق المعرفة، ونظيره قوله للرسول عليه السلام وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ [[الحجر: 89.]] . فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ وكان [[في نسخة أصفهان: أي فانزع و.]] السبب في أمره بخلع نعليه ما أخبرنا عبد الله بن حامد [[في نسخة أصفهان زيادة: الاصفهاني.]] ، قال: أخبرنا أحمد بن يحيى العبيدي قال: حدّثنا أحمد بن نجدة قال: حدّثنا الحمّاني قال: حدّثنا عيسى بن يونس [[في نسخة أصفهان: بن نجدة الحماني عن يونس.]] عن حميد بن عبد الله عن عبد الله بن الحرث العنبسي عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ‎ في قوله فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ قال: كانتا من جلد حمار ميّت [[سنن الترمذي: 3/ 138.]] ، وفي بعض الأخبار: غير مدبوغ [[السنن الكبرى: 3/ 255.]] ، وقال الحسن: ما بال خلع النعلين في الصلاة وصلّى رسول الله ﷺ‎ في نعليه؟ وإنّما أمر موسى عليه السلام أن يخلع نعليه إنّهما كانتا من جلد حمار، وقال أبو الأحوص: أتى عبد الله أبا موسى في داره فأقيمت الصلاة فقال لعبد الله تقدّم، فقال له عبد الله: تقدّم أنت في دارك فتقدّم فنزع نعليه، فقال له عبد الله: أبِالْوادِ الْمُقَدَّسِ أنت؟. وقال عكرمة ومجاهد: إنّما قال له: اخلع نعليك كي تمسّ راحة قدميك الأرض الطيّبة وينالك بركتها لأنّها قدّست مرّتين. وقال بعضهم: أمر بذلك لأنّ الحفوة من أمارات التواضع، وكذلك فعل السّلف حين طافوا بالبيت. قال سعيد بن جبير: قيل له: طأ الأرض حافيا، كيما يدخل كعبه من بركة الوادي. وقال أهل الإشارة: معناه: فرّغ قلبك من شغل الأهل والولد. قالوا: وكذلك هو في التعبير من رأى عليه نعلين تزوّج. فخلعهما موسى وألقاهما من وراء الوادي إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ المطهّر طُوىً اسم الوادي، وقال الضحاك: مستدير عميق مثل الطوى في استدارته، وقيل: أراد به إنك تطوي الوادي، وقيل: هو الليل، يقال: أتيتك طوى من الليل، وقيل: طويت عليه البركة طيّا، وقرأ عكرمة: طِوىً بكسر الطاء وهما لغتان، وقرأ أهل الكوفة والشام: طُوىً بالتنوين وإلّا جرّا لتذكيره وتحقيقه، الباقون من غير تنوين، قال: لأنّه معدول عن طاو أو مطوىّ، فلمّا كان معدولا عن وجهه كان مصروفا عن إعرابه مثل عمر وزفر وقثم. وَأَنَا اخْتَرْتُكَ اصطفيتك، وقرأ حمزة: وإنّا اخترناك بلفظ الجمع على التعظيم فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي ولا تعبد غيري وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي قال مجاهد: أَقِمِ الصَّلاةَ لتذكرني فيها، وقال مقاتل: إذا تركت الصلاة ثمّ ذكرتها فأقمها، يدلّ عليه ما أخبرنا عبد الله بن حامد [[في الثانية زيادة: الوزّان.]] قال: أخبرنا محمد بن يعقوب قال: حدّثنا إبراهيم بن مرزوق قال: حدّثنا سعيد بن عامر عن سعيد عن قتادة عن أنس أنّ رسول الله ﷺ‎ قال: «من نسي صلاة أو نام عنها فليصلّها إذا ذكرها، إنّ الله سبحانه يقول: وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي [[سنن الدارمي: 1/ 280.]] . وقيل: هو مردود على الوحي يعني فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى واستمع لذكري. إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها فأكاد [[في نسخة أصفهان: بمعنى أخفيها وأكاد.]] صلة، كقول الشاعر: سريع إلى الهيجاء شاك سلاحه ... فما أن يكاد قرنه يتنفس [[لسان العرب: 3/ 384.]] يعني: فما يتنفس من خوفه، والفائدة في الإخفاء التخويف والتهويل، قال ابن عباس وأكثر المفسّرين: معناه أَكادُ أُخْفِيها من نفسي، وكذلك هو في مصحف أبي، وفي مصحف عبد الله: أكاد أخفيها من نفسي فكيف يعلمها مخلوق؟. وفي بعض القراءات فكيف أظهرها لكم؟ قال قطرب: فإن قيل: كيف يخفي الله من نفسه وهو خلق الإخفاء؟ قلنا: إنّ الله سبحانه كلّم العرب بكلامهم الذي يعرفونه، ألا ترى أنّ الرجل يعذل أخاه فيقول له: أذعت سرّي، فيقول مجيبا له معتذرا إليه: والله لقد كتمت سرّك نفسي فكيف أذعته؟! معناه عندهم: أخفيته الإخفاء كله، وقال الشاعر: أيام تعجبني هند وأخبرها ... ما أكتم النّفس من حاجي وإسراري [[تفسير القرطبي: 11/ 85، والعبارة: أيام تصحبني هند وأخبرها.]] فكيف يخبرها ما يكتم عن نفسه؟ فمجاز الآية على هذا. وقرأ الحسن وسعيد بن جبير: أَخْفِيها بفتح الألف أي أظهرها وأبرزها يقال: خفيت الشيء إذا أظهرته، وأخفيته إذا سترته، قال امرؤ القيس: خفاهنّ من إنفاقهنّ كأنّما ... خفاهنّ ودق من سحاب مركّب [[كتاب العين: 4/ 314.]] أي أخرجهن. لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى أي تعمل من خير وشرّ فَلا يَصُدَّنَّكَ يصرفنّك عَنْها يعني عن الإيمان بالساعة مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها وَاتَّبَعَ هَواهُ مراده فَتَرْدى فتهلك. وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى قالَ هِيَ عَصايَ وكانت لها شعبتان وفي أسفلها سنان واسمها نبعة في قول مقاتل [[في نسخة أصفهان: مجاهد.]] أَتَوَكَّؤُا اعتمد عَلَيْها إذا مشيت وإذا أعييت وعند الوثبة والطفرة. وَأَهُشُّ وأخبط بِها الشجر ليتناثر ورقها فتأكل غنمي، وقرأ عكرمة «وأهسّ» بالسين يعني وازجر بها الغنم، وذلك أن العرب تقول: هس هس، وقال النضر بن شمّيل: سألت الخليل عن قراءة عكرمة فقال: العرب تعاقب بين الشين والسين في كثير من الكلام، كقولهم: شمّت العاطس وسمّته، وشن عليه الدرع وسن، والروشم والروسم للختم. وَلِيَ فِيها مَآرِبُ حوائج ومنافع، واحدتها مأربة ومأربة بفتح الراء وضمّها أُخْرى ولم يقل أخر لرؤوس الآي. قال ابن عباس: كان موسى عليه السلام يحمل عليها زاده وسقاءه، فجعلت تماشيه وتحدّثه، وكان يضرب بها الأرض فيخرج ما يأكل يومه، ويركزها فيخرج الماء فإذا رفعها ذهب الماء، وكان يردّ بها غنمه، وتقيه الهوام بإذن الله، وإذا ظهر له عدّو حاربت وناضلت عنه، وإذا أراد الإسقاء من البئر أدلاها فطالت على طول البئر وصارت شعبتاها كالدلو حتى يستقي، وكان يظهر على شعبتيها كالشمعتين بالليل تضيء له ويهتدي بها، وإذا اشتهى ثمرة من الثمار ركزها في الأرض فتغصّنت غصن تلك الشجرة وأورقت ورقها وأثمرت ثمرها، فهذه المآرب. قال الله سبحانه أَلْقِها يا مُوسى فَأَلْقاها من يده فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى تمشي مسرعة على بطنها. قال ابن عباس: صارت حيّة صفراء لها عرف كعرف الفرس، وجعلت تتورّم حتى صارت ثعبانا، وهو أكبر ما يكون من الحيّات، فلذلك قال في موضع كَأَنَّها جَانٌّ وهو أصغر الحيّات، وفي موضع ثعبان وهو أعظمها، فالجانّ عبارة عن ابتداء حالها، والثعبان إخبار عن انتهاء حالها، وقيل: أراد أنّها في عظم الثعبان وسرعة الجانّ، فأمّا الحيّة فإنها تجمع الصغر والكبر والذكر والأنثى. قال فرقد السخي: كان ما بين جنبيها أربعين ذراعا فلما ظهر في موسى من الخوف ونفار الطبع لمّا رأى من الأعجوبة قالَ الله تعالى له خُذْها وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا أي إلى سيرتها وهيئتها الْأُولى نردّها عصا كما كانت وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ يعني إبطك. وقال الكلبي: أسفل من الإبط، وقال مجاهد: تحت عضدك، وقال مقاتل: يعني مع جناحك وهو عضده تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ برص ولا داء آيَةً أُخْرى سوى العصا، فأخرج يده من مدرعة له مضرّبة بيضاء لها شعاع كشعاع الشمس يغشي البصر لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى وكان من حقّه الكبر وإنّما قال: الْكُبْرى وفاقا لرءوس الآي، وقيل: فيه إضمار معناه لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الآية الكبرى [[في نسخة أصفهان: الآية الكريمة.]] دليله قول ابن عباس: كانت يد موسى أكبر آياته.

طه 20:11

وَهَلْ أَتاكَ يا محمد حَدِيثُ مُوسى قال أهل المعاني: هو استفهام اثبات [[في نسخة أصفهان زيادة: وإيجاب.]] مجازه: أليس قد أتاك؟. وقال بعضهم: معناه: وقد أتاك، وقال: لم يكن قد أتاه [[في نسخة أصفهان: أتاك، وقال الكلبي: لم يكن أتاه حديثه.]] ثم أخبره. إِذْ رَأى ناراً ليلة الجمعة، وقال وهب بن منبّه: استأذن موسى شعيبا في الرجوع إلى والدته فأذن له فخرج بأهله، فولد له ابن في الطريق في ليلة شاتية مثلجة وقد جاد [[في المخطوط: جار.]] عن الطريق، فقدح موسى النار فلم تور المقدحة، فبينا هو في مزاولة ذلك أبصر نارا من بعيد عن يسار الطريق فَقالَ لِأَهْلِهِ لامرأته امْكُثُوا أقيموا مكانكم إِنِّي آنَسْتُ أبصرت ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ يعني شعلة من النار، والقبس: ما اقتبس من خشب أو قصب [[في نسخة أصفهان: قيس.]] أو غير ذلك أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً يعني من يدلّني على الطريق فَلَمَّا أَتاها رأى شجرة خضراء من أسفلها إلى أعلاها كأنّها نار بيضاء تتقدّم [[في نسخة أصفهان: تنفد.]] ، وسمع تسبيح الملائكة، ورأى نورا عظيما فخاف وتعّجب، فألقيت عليه السكينة ثمّ نُودِيَ يا مُوسى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ وإنّما كرّر الكناية لتوكيد الدلالة وإزالة الشبهة وتحقيق المعرفة، ونظيره قوله للرسول عليه السلام وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ [[الحجر: 89.]] . فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ وكان [[في نسخة أصفهان: أي فانزع و.]] السبب في أمره بخلع نعليه ما أخبرنا عبد الله بن حامد [[في نسخة أصفهان زيادة: الاصفهاني.]] ، قال: أخبرنا أحمد بن يحيى العبيدي قال: حدّثنا أحمد بن نجدة قال: حدّثنا الحمّاني قال: حدّثنا عيسى بن يونس [[في نسخة أصفهان: بن نجدة الحماني عن يونس.]] عن حميد بن عبد الله عن عبد الله بن الحرث العنبسي عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ‎ في قوله فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ قال: كانتا من جلد حمار ميّت [[سنن الترمذي: 3/ 138.]] ، وفي بعض الأخبار: غير مدبوغ [[السنن الكبرى: 3/ 255.]] ، وقال الحسن: ما بال خلع النعلين في الصلاة وصلّى رسول الله ﷺ‎ في نعليه؟ وإنّما أمر موسى عليه السلام أن يخلع نعليه إنّهما كانتا من جلد حمار، وقال أبو الأحوص: أتى عبد الله أبا موسى في داره فأقيمت الصلاة فقال لعبد الله تقدّم، فقال له عبد الله: تقدّم أنت في دارك فتقدّم فنزع نعليه، فقال له عبد الله: أبِالْوادِ الْمُقَدَّسِ أنت؟. وقال عكرمة ومجاهد: إنّما قال له: اخلع نعليك كي تمسّ راحة قدميك الأرض الطيّبة وينالك بركتها لأنّها قدّست مرّتين. وقال بعضهم: أمر بذلك لأنّ الحفوة من أمارات التواضع، وكذلك فعل السّلف حين طافوا بالبيت. قال سعيد بن جبير: قيل له: طأ الأرض حافيا، كيما يدخل كعبه من بركة الوادي. وقال أهل الإشارة: معناه: فرّغ قلبك من شغل الأهل والولد. قالوا: وكذلك هو في التعبير من رأى عليه نعلين تزوّج. فخلعهما موسى وألقاهما من وراء الوادي إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ المطهّر طُوىً اسم الوادي، وقال الضحاك: مستدير عميق مثل الطوى في استدارته، وقيل: أراد به إنك تطوي الوادي، وقيل: هو الليل، يقال: أتيتك طوى من الليل، وقيل: طويت عليه البركة طيّا، وقرأ عكرمة: طِوىً بكسر الطاء وهما لغتان، وقرأ أهل الكوفة والشام: طُوىً بالتنوين وإلّا جرّا لتذكيره وتحقيقه، الباقون من غير تنوين، قال: لأنّه معدول عن طاو أو مطوىّ، فلمّا كان معدولا عن وجهه كان مصروفا عن إعرابه مثل عمر وزفر وقثم. وَأَنَا اخْتَرْتُكَ اصطفيتك، وقرأ حمزة: وإنّا اخترناك بلفظ الجمع على التعظيم فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي ولا تعبد غيري وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي قال مجاهد: أَقِمِ الصَّلاةَ لتذكرني فيها، وقال مقاتل: إذا تركت الصلاة ثمّ ذكرتها فأقمها، يدلّ عليه ما أخبرنا عبد الله بن حامد [[في الثانية زيادة: الوزّان.]] قال: أخبرنا محمد بن يعقوب قال: حدّثنا إبراهيم بن مرزوق قال: حدّثنا سعيد بن عامر عن سعيد عن قتادة عن أنس أنّ رسول الله ﷺ‎ قال: «من نسي صلاة أو نام عنها فليصلّها إذا ذكرها، إنّ الله سبحانه يقول: وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي [[سنن الدارمي: 1/ 280.]] . وقيل: هو مردود على الوحي يعني فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى واستمع لذكري. إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها فأكاد [[في نسخة أصفهان: بمعنى أخفيها وأكاد.]] صلة، كقول الشاعر: سريع إلى الهيجاء شاك سلاحه ... فما أن يكاد قرنه يتنفس [[لسان العرب: 3/ 384.]] يعني: فما يتنفس من خوفه، والفائدة في الإخفاء التخويف والتهويل، قال ابن عباس وأكثر المفسّرين: معناه أَكادُ أُخْفِيها من نفسي، وكذلك هو في مصحف أبي، وفي مصحف عبد الله: أكاد أخفيها من نفسي فكيف يعلمها مخلوق؟. وفي بعض القراءات فكيف أظهرها لكم؟ قال قطرب: فإن قيل: كيف يخفي الله من نفسه وهو خلق الإخفاء؟ قلنا: إنّ الله سبحانه كلّم العرب بكلامهم الذي يعرفونه، ألا ترى أنّ الرجل يعذل أخاه فيقول له: أذعت سرّي، فيقول مجيبا له معتذرا إليه: والله لقد كتمت سرّك نفسي فكيف أذعته؟! معناه عندهم: أخفيته الإخفاء كله، وقال الشاعر: أيام تعجبني هند وأخبرها ... ما أكتم النّفس من حاجي وإسراري [[تفسير القرطبي: 11/ 85، والعبارة: أيام تصحبني هند وأخبرها.]] فكيف يخبرها ما يكتم عن نفسه؟ فمجاز الآية على هذا. وقرأ الحسن وسعيد بن جبير: أَخْفِيها بفتح الألف أي أظهرها وأبرزها يقال: خفيت الشيء إذا أظهرته، وأخفيته إذا سترته، قال امرؤ القيس: خفاهنّ من إنفاقهنّ كأنّما ... خفاهنّ ودق من سحاب مركّب [[كتاب العين: 4/ 314.]] أي أخرجهن. لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى أي تعمل من خير وشرّ فَلا يَصُدَّنَّكَ يصرفنّك عَنْها يعني عن الإيمان بالساعة مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها وَاتَّبَعَ هَواهُ مراده فَتَرْدى فتهلك. وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى قالَ هِيَ عَصايَ وكانت لها شعبتان وفي أسفلها سنان واسمها نبعة في قول مقاتل [[في نسخة أصفهان: مجاهد.]] أَتَوَكَّؤُا اعتمد عَلَيْها إذا مشيت وإذا أعييت وعند الوثبة والطفرة. وَأَهُشُّ وأخبط بِها الشجر ليتناثر ورقها فتأكل غنمي، وقرأ عكرمة «وأهسّ» بالسين يعني وازجر بها الغنم، وذلك أن العرب تقول: هس هس، وقال النضر بن شمّيل: سألت الخليل عن قراءة عكرمة فقال: العرب تعاقب بين الشين والسين في كثير من الكلام، كقولهم: شمّت العاطس وسمّته، وشن عليه الدرع وسن، والروشم والروسم للختم. وَلِيَ فِيها مَآرِبُ حوائج ومنافع، واحدتها مأربة ومأربة بفتح الراء وضمّها أُخْرى ولم يقل أخر لرؤوس الآي. قال ابن عباس: كان موسى عليه السلام يحمل عليها زاده وسقاءه، فجعلت تماشيه وتحدّثه، وكان يضرب بها الأرض فيخرج ما يأكل يومه، ويركزها فيخرج الماء فإذا رفعها ذهب الماء، وكان يردّ بها غنمه، وتقيه الهوام بإذن الله، وإذا ظهر له عدّو حاربت وناضلت عنه، وإذا أراد الإسقاء من البئر أدلاها فطالت على طول البئر وصارت شعبتاها كالدلو حتى يستقي، وكان يظهر على شعبتيها كالشمعتين بالليل تضيء له ويهتدي بها، وإذا اشتهى ثمرة من الثمار ركزها في الأرض فتغصّنت غصن تلك الشجرة وأورقت ورقها وأثمرت ثمرها، فهذه المآرب. قال الله سبحانه أَلْقِها يا مُوسى فَأَلْقاها من يده فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى تمشي مسرعة على بطنها. قال ابن عباس: صارت حيّة صفراء لها عرف كعرف الفرس، وجعلت تتورّم حتى صارت ثعبانا، وهو أكبر ما يكون من الحيّات، فلذلك قال في موضع كَأَنَّها جَانٌّ وهو أصغر الحيّات، وفي موضع ثعبان وهو أعظمها، فالجانّ عبارة عن ابتداء حالها، والثعبان إخبار عن انتهاء حالها، وقيل: أراد أنّها في عظم الثعبان وسرعة الجانّ، فأمّا الحيّة فإنها تجمع الصغر والكبر والذكر والأنثى. قال فرقد السخي: كان ما بين جنبيها أربعين ذراعا فلما ظهر في موسى من الخوف ونفار الطبع لمّا رأى من الأعجوبة قالَ الله تعالى له خُذْها وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا أي إلى سيرتها وهيئتها الْأُولى نردّها عصا كما كانت وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ يعني إبطك. وقال الكلبي: أسفل من الإبط، وقال مجاهد: تحت عضدك، وقال مقاتل: يعني مع جناحك وهو عضده تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ برص ولا داء آيَةً أُخْرى سوى العصا، فأخرج يده من مدرعة له مضرّبة بيضاء لها شعاع كشعاع الشمس يغشي البصر لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى وكان من حقّه الكبر وإنّما قال: الْكُبْرى وفاقا لرءوس الآي، وقيل: فيه إضمار معناه لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الآية الكبرى [[في نسخة أصفهان: الآية الكريمة.]] دليله قول ابن عباس: كانت يد موسى أكبر آياته.

طه 20:12

وَهَلْ أَتاكَ يا محمد حَدِيثُ مُوسى قال أهل المعاني: هو استفهام اثبات [[في نسخة أصفهان زيادة: وإيجاب.]] مجازه: أليس قد أتاك؟. وقال بعضهم: معناه: وقد أتاك، وقال: لم يكن قد أتاه [[في نسخة أصفهان: أتاك، وقال الكلبي: لم يكن أتاه حديثه.]] ثم أخبره. إِذْ رَأى ناراً ليلة الجمعة، وقال وهب بن منبّه: استأذن موسى شعيبا في الرجوع إلى والدته فأذن له فخرج بأهله، فولد له ابن في الطريق في ليلة شاتية مثلجة وقد جاد [[في المخطوط: جار.]] عن الطريق، فقدح موسى النار فلم تور المقدحة، فبينا هو في مزاولة ذلك أبصر نارا من بعيد عن يسار الطريق فَقالَ لِأَهْلِهِ لامرأته امْكُثُوا أقيموا مكانكم إِنِّي آنَسْتُ أبصرت ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ يعني شعلة من النار، والقبس: ما اقتبس من خشب أو قصب [[في نسخة أصفهان: قيس.]] أو غير ذلك أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً يعني من يدلّني على الطريق فَلَمَّا أَتاها رأى شجرة خضراء من أسفلها إلى أعلاها كأنّها نار بيضاء تتقدّم [[في نسخة أصفهان: تنفد.]] ، وسمع تسبيح الملائكة، ورأى نورا عظيما فخاف وتعّجب، فألقيت عليه السكينة ثمّ نُودِيَ يا مُوسى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ وإنّما كرّر الكناية لتوكيد الدلالة وإزالة الشبهة وتحقيق المعرفة، ونظيره قوله للرسول عليه السلام وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ [[الحجر: 89.]] . فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ وكان [[في نسخة أصفهان: أي فانزع و.]] السبب في أمره بخلع نعليه ما أخبرنا عبد الله بن حامد [[في نسخة أصفهان زيادة: الاصفهاني.]] ، قال: أخبرنا أحمد بن يحيى العبيدي قال: حدّثنا أحمد بن نجدة قال: حدّثنا الحمّاني قال: حدّثنا عيسى بن يونس [[في نسخة أصفهان: بن نجدة الحماني عن يونس.]] عن حميد بن عبد الله عن عبد الله بن الحرث العنبسي عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ‎ في قوله فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ قال: كانتا من جلد حمار ميّت [[سنن الترمذي: 3/ 138.]] ، وفي بعض الأخبار: غير مدبوغ [[السنن الكبرى: 3/ 255.]] ، وقال الحسن: ما بال خلع النعلين في الصلاة وصلّى رسول الله ﷺ‎ في نعليه؟ وإنّما أمر موسى عليه السلام أن يخلع نعليه إنّهما كانتا من جلد حمار، وقال أبو الأحوص: أتى عبد الله أبا موسى في داره فأقيمت الصلاة فقال لعبد الله تقدّم، فقال له عبد الله: تقدّم أنت في دارك فتقدّم فنزع نعليه، فقال له عبد الله: أبِالْوادِ الْمُقَدَّسِ أنت؟. وقال عكرمة ومجاهد: إنّما قال له: اخلع نعليك كي تمسّ راحة قدميك الأرض الطيّبة وينالك بركتها لأنّها قدّست مرّتين. وقال بعضهم: أمر بذلك لأنّ الحفوة من أمارات التواضع، وكذلك فعل السّلف حين طافوا بالبيت. قال سعيد بن جبير: قيل له: طأ الأرض حافيا، كيما يدخل كعبه من بركة الوادي. وقال أهل الإشارة: معناه: فرّغ قلبك من شغل الأهل والولد. قالوا: وكذلك هو في التعبير من رأى عليه نعلين تزوّج. فخلعهما موسى وألقاهما من وراء الوادي إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ المطهّر طُوىً اسم الوادي، وقال الضحاك: مستدير عميق مثل الطوى في استدارته، وقيل: أراد به إنك تطوي الوادي، وقيل: هو الليل، يقال: أتيتك طوى من الليل، وقيل: طويت عليه البركة طيّا، وقرأ عكرمة: طِوىً بكسر الطاء وهما لغتان، وقرأ أهل الكوفة والشام: طُوىً بالتنوين وإلّا جرّا لتذكيره وتحقيقه، الباقون من غير تنوين، قال: لأنّه معدول عن طاو أو مطوىّ، فلمّا كان معدولا عن وجهه كان مصروفا عن إعرابه مثل عمر وزفر وقثم. وَأَنَا اخْتَرْتُكَ اصطفيتك، وقرأ حمزة: وإنّا اخترناك بلفظ الجمع على التعظيم فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي ولا تعبد غيري وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي قال مجاهد: أَقِمِ الصَّلاةَ لتذكرني فيها، وقال مقاتل: إذا تركت الصلاة ثمّ ذكرتها فأقمها، يدلّ عليه ما أخبرنا عبد الله بن حامد [[في الثانية زيادة: الوزّان.]] قال: أخبرنا محمد بن يعقوب قال: حدّثنا إبراهيم بن مرزوق قال: حدّثنا سعيد بن عامر عن سعيد عن قتادة عن أنس أنّ رسول الله ﷺ‎ قال: «من نسي صلاة أو نام عنها فليصلّها إذا ذكرها، إنّ الله سبحانه يقول: وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي [[سنن الدارمي: 1/ 280.]] . وقيل: هو مردود على الوحي يعني فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى واستمع لذكري. إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها فأكاد [[في نسخة أصفهان: بمعنى أخفيها وأكاد.]] صلة، كقول الشاعر: سريع إلى الهيجاء شاك سلاحه ... فما أن يكاد قرنه يتنفس [[لسان العرب: 3/ 384.]] يعني: فما يتنفس من خوفه، والفائدة في الإخفاء التخويف والتهويل، قال ابن عباس وأكثر المفسّرين: معناه أَكادُ أُخْفِيها من نفسي، وكذلك هو في مصحف أبي، وفي مصحف عبد الله: أكاد أخفيها من نفسي فكيف يعلمها مخلوق؟. وفي بعض القراءات فكيف أظهرها لكم؟ قال قطرب: فإن قيل: كيف يخفي الله من نفسه وهو خلق الإخفاء؟ قلنا: إنّ الله سبحانه كلّم العرب بكلامهم الذي يعرفونه، ألا ترى أنّ الرجل يعذل أخاه فيقول له: أذعت سرّي، فيقول مجيبا له معتذرا إليه: والله لقد كتمت سرّك نفسي فكيف أذعته؟! معناه عندهم: أخفيته الإخفاء كله، وقال الشاعر: أيام تعجبني هند وأخبرها ... ما أكتم النّفس من حاجي وإسراري [[تفسير القرطبي: 11/ 85، والعبارة: أيام تصحبني هند وأخبرها.]] فكيف يخبرها ما يكتم عن نفسه؟ فمجاز الآية على هذا. وقرأ الحسن وسعيد بن جبير: أَخْفِيها بفتح الألف أي أظهرها وأبرزها يقال: خفيت الشيء إذا أظهرته، وأخفيته إذا سترته، قال امرؤ القيس: خفاهنّ من إنفاقهنّ كأنّما ... خفاهنّ ودق من سحاب مركّب [[كتاب العين: 4/ 314.]] أي أخرجهن. لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى أي تعمل من خير وشرّ فَلا يَصُدَّنَّكَ يصرفنّك عَنْها يعني عن الإيمان بالساعة مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها وَاتَّبَعَ هَواهُ مراده فَتَرْدى فتهلك. وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى قالَ هِيَ عَصايَ وكانت لها شعبتان وفي أسفلها سنان واسمها نبعة في قول مقاتل [[في نسخة أصفهان: مجاهد.]] أَتَوَكَّؤُا اعتمد عَلَيْها إذا مشيت وإذا أعييت وعند الوثبة والطفرة. وَأَهُشُّ وأخبط بِها الشجر ليتناثر ورقها فتأكل غنمي، وقرأ عكرمة «وأهسّ» بالسين يعني وازجر بها الغنم، وذلك أن العرب تقول: هس هس، وقال النضر بن شمّيل: سألت الخليل عن قراءة عكرمة فقال: العرب تعاقب بين الشين والسين في كثير من الكلام، كقولهم: شمّت العاطس وسمّته، وشن عليه الدرع وسن، والروشم والروسم للختم. وَلِيَ فِيها مَآرِبُ حوائج ومنافع، واحدتها مأربة ومأربة بفتح الراء وضمّها أُخْرى ولم يقل أخر لرؤوس الآي. قال ابن عباس: كان موسى عليه السلام يحمل عليها زاده وسقاءه، فجعلت تماشيه وتحدّثه، وكان يضرب بها الأرض فيخرج ما يأكل يومه، ويركزها فيخرج الماء فإذا رفعها ذهب الماء، وكان يردّ بها غنمه، وتقيه الهوام بإذن الله، وإذا ظهر له عدّو حاربت وناضلت عنه، وإذا أراد الإسقاء من البئر أدلاها فطالت على طول البئر وصارت شعبتاها كالدلو حتى يستقي، وكان يظهر على شعبتيها كالشمعتين بالليل تضيء له ويهتدي بها، وإذا اشتهى ثمرة من الثمار ركزها في الأرض فتغصّنت غصن تلك الشجرة وأورقت ورقها وأثمرت ثمرها، فهذه المآرب. قال الله سبحانه أَلْقِها يا مُوسى فَأَلْقاها من يده فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى تمشي مسرعة على بطنها. قال ابن عباس: صارت حيّة صفراء لها عرف كعرف الفرس، وجعلت تتورّم حتى صارت ثعبانا، وهو أكبر ما يكون من الحيّات، فلذلك قال في موضع كَأَنَّها جَانٌّ وهو أصغر الحيّات، وفي موضع ثعبان وهو أعظمها، فالجانّ عبارة عن ابتداء حالها، والثعبان إخبار عن انتهاء حالها، وقيل: أراد أنّها في عظم الثعبان وسرعة الجانّ، فأمّا الحيّة فإنها تجمع الصغر والكبر والذكر والأنثى. قال فرقد السخي: كان ما بين جنبيها أربعين ذراعا فلما ظهر في موسى من الخوف ونفار الطبع لمّا رأى من الأعجوبة قالَ الله تعالى له خُذْها وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا أي إلى سيرتها وهيئتها الْأُولى نردّها عصا كما كانت وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ يعني إبطك. وقال الكلبي: أسفل من الإبط، وقال مجاهد: تحت عضدك، وقال مقاتل: يعني مع جناحك وهو عضده تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ برص ولا داء آيَةً أُخْرى سوى العصا، فأخرج يده من مدرعة له مضرّبة بيضاء لها شعاع كشعاع الشمس يغشي البصر لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى وكان من حقّه الكبر وإنّما قال: الْكُبْرى وفاقا لرءوس الآي، وقيل: فيه إضمار معناه لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الآية الكبرى [[في نسخة أصفهان: الآية الكريمة.]] دليله قول ابن عباس: كانت يد موسى أكبر آياته.

طه 20:13

وَهَلْ أَتاكَ يا محمد حَدِيثُ مُوسى قال أهل المعاني: هو استفهام اثبات [[في نسخة أصفهان زيادة: وإيجاب.]] مجازه: أليس قد أتاك؟. وقال بعضهم: معناه: وقد أتاك، وقال: لم يكن قد أتاه [[في نسخة أصفهان: أتاك، وقال الكلبي: لم يكن أتاه حديثه.]] ثم أخبره. إِذْ رَأى ناراً ليلة الجمعة، وقال وهب بن منبّه: استأذن موسى شعيبا في الرجوع إلى والدته فأذن له فخرج بأهله، فولد له ابن في الطريق في ليلة شاتية مثلجة وقد جاد [[في المخطوط: جار.]] عن الطريق، فقدح موسى النار فلم تور المقدحة، فبينا هو في مزاولة ذلك أبصر نارا من بعيد عن يسار الطريق فَقالَ لِأَهْلِهِ لامرأته امْكُثُوا أقيموا مكانكم إِنِّي آنَسْتُ أبصرت ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ يعني شعلة من النار، والقبس: ما اقتبس من خشب أو قصب [[في نسخة أصفهان: قيس.]] أو غير ذلك أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً يعني من يدلّني على الطريق فَلَمَّا أَتاها رأى شجرة خضراء من أسفلها إلى أعلاها كأنّها نار بيضاء تتقدّم [[في نسخة أصفهان: تنفد.]] ، وسمع تسبيح الملائكة، ورأى نورا عظيما فخاف وتعّجب، فألقيت عليه السكينة ثمّ نُودِيَ يا مُوسى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ وإنّما كرّر الكناية لتوكيد الدلالة وإزالة الشبهة وتحقيق المعرفة، ونظيره قوله للرسول عليه السلام وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ [[الحجر: 89.]] . فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ وكان [[في نسخة أصفهان: أي فانزع و.]] السبب في أمره بخلع نعليه ما أخبرنا عبد الله بن حامد [[في نسخة أصفهان زيادة: الاصفهاني.]] ، قال: أخبرنا أحمد بن يحيى العبيدي قال: حدّثنا أحمد بن نجدة قال: حدّثنا الحمّاني قال: حدّثنا عيسى بن يونس [[في نسخة أصفهان: بن نجدة الحماني عن يونس.]] عن حميد بن عبد الله عن عبد الله بن الحرث العنبسي عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ‎ في قوله فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ قال: كانتا من جلد حمار ميّت [[سنن الترمذي: 3/ 138.]] ، وفي بعض الأخبار: غير مدبوغ [[السنن الكبرى: 3/ 255.]] ، وقال الحسن: ما بال خلع النعلين في الصلاة وصلّى رسول الله ﷺ‎ في نعليه؟ وإنّما أمر موسى عليه السلام أن يخلع نعليه إنّهما كانتا من جلد حمار، وقال أبو الأحوص: أتى عبد الله أبا موسى في داره فأقيمت الصلاة فقال لعبد الله تقدّم، فقال له عبد الله: تقدّم أنت في دارك فتقدّم فنزع نعليه، فقال له عبد الله: أبِالْوادِ الْمُقَدَّسِ أنت؟. وقال عكرمة ومجاهد: إنّما قال له: اخلع نعليك كي تمسّ راحة قدميك الأرض الطيّبة وينالك بركتها لأنّها قدّست مرّتين. وقال بعضهم: أمر بذلك لأنّ الحفوة من أمارات التواضع، وكذلك فعل السّلف حين طافوا بالبيت. قال سعيد بن جبير: قيل له: طأ الأرض حافيا، كيما يدخل كعبه من بركة الوادي. وقال أهل الإشارة: معناه: فرّغ قلبك من شغل الأهل والولد. قالوا: وكذلك هو في التعبير من رأى عليه نعلين تزوّج. فخلعهما موسى وألقاهما من وراء الوادي إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ المطهّر طُوىً اسم الوادي، وقال الضحاك: مستدير عميق مثل الطوى في استدارته، وقيل: أراد به إنك تطوي الوادي، وقيل: هو الليل، يقال: أتيتك طوى من الليل، وقيل: طويت عليه البركة طيّا، وقرأ عكرمة: طِوىً بكسر الطاء وهما لغتان، وقرأ أهل الكوفة والشام: طُوىً بالتنوين وإلّا جرّا لتذكيره وتحقيقه، الباقون من غير تنوين، قال: لأنّه معدول عن طاو أو مطوىّ، فلمّا كان معدولا عن وجهه كان مصروفا عن إعرابه مثل عمر وزفر وقثم. وَأَنَا اخْتَرْتُكَ اصطفيتك، وقرأ حمزة: وإنّا اخترناك بلفظ الجمع على التعظيم فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي ولا تعبد غيري وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي قال مجاهد: أَقِمِ الصَّلاةَ لتذكرني فيها، وقال مقاتل: إذا تركت الصلاة ثمّ ذكرتها فأقمها، يدلّ عليه ما أخبرنا عبد الله بن حامد [[في الثانية زيادة: الوزّان.]] قال: أخبرنا محمد بن يعقوب قال: حدّثنا إبراهيم بن مرزوق قال: حدّثنا سعيد بن عامر عن سعيد عن قتادة عن أنس أنّ رسول الله ﷺ‎ قال: «من نسي صلاة أو نام عنها فليصلّها إذا ذكرها، إنّ الله سبحانه يقول: وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي [[سنن الدارمي: 1/ 280.]] . وقيل: هو مردود على الوحي يعني فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى واستمع لذكري. إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها فأكاد [[في نسخة أصفهان: بمعنى أخفيها وأكاد.]] صلة، كقول الشاعر: سريع إلى الهيجاء شاك سلاحه ... فما أن يكاد قرنه يتنفس [[لسان العرب: 3/ 384.]] يعني: فما يتنفس من خوفه، والفائدة في الإخفاء التخويف والتهويل، قال ابن عباس وأكثر المفسّرين: معناه أَكادُ أُخْفِيها من نفسي، وكذلك هو في مصحف أبي، وفي مصحف عبد الله: أكاد أخفيها من نفسي فكيف يعلمها مخلوق؟. وفي بعض القراءات فكيف أظهرها لكم؟ قال قطرب: فإن قيل: كيف يخفي الله من نفسه وهو خلق الإخفاء؟ قلنا: إنّ الله سبحانه كلّم العرب بكلامهم الذي يعرفونه، ألا ترى أنّ الرجل يعذل أخاه فيقول له: أذعت سرّي، فيقول مجيبا له معتذرا إليه: والله لقد كتمت سرّك نفسي فكيف أذعته؟! معناه عندهم: أخفيته الإخفاء كله، وقال الشاعر: أيام تعجبني هند وأخبرها ... ما أكتم النّفس من حاجي وإسراري [[تفسير القرطبي: 11/ 85، والعبارة: أيام تصحبني هند وأخبرها.]] فكيف يخبرها ما يكتم عن نفسه؟ فمجاز الآية على هذا. وقرأ الحسن وسعيد بن جبير: أَخْفِيها بفتح الألف أي أظهرها وأبرزها يقال: خفيت الشيء إذا أظهرته، وأخفيته إذا سترته، قال امرؤ القيس: خفاهنّ من إنفاقهنّ كأنّما ... خفاهنّ ودق من سحاب مركّب [[كتاب العين: 4/ 314.]] أي أخرجهن. لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى أي تعمل من خير وشرّ فَلا يَصُدَّنَّكَ يصرفنّك عَنْها يعني عن الإيمان بالساعة مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها وَاتَّبَعَ هَواهُ مراده فَتَرْدى فتهلك. وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى قالَ هِيَ عَصايَ وكانت لها شعبتان وفي أسفلها سنان واسمها نبعة في قول مقاتل [[في نسخة أصفهان: مجاهد.]] أَتَوَكَّؤُا اعتمد عَلَيْها إذا مشيت وإذا أعييت وعند الوثبة والطفرة. وَأَهُشُّ وأخبط بِها الشجر ليتناثر ورقها فتأكل غنمي، وقرأ عكرمة «وأهسّ» بالسين يعني وازجر بها الغنم، وذلك أن العرب تقول: هس هس، وقال النضر بن شمّيل: سألت الخليل عن قراءة عكرمة فقال: العرب تعاقب بين الشين والسين في كثير من الكلام، كقولهم: شمّت العاطس وسمّته، وشن عليه الدرع وسن، والروشم والروسم للختم. وَلِيَ فِيها مَآرِبُ حوائج ومنافع، واحدتها مأربة ومأربة بفتح الراء وضمّها أُخْرى ولم يقل أخر لرؤوس الآي. قال ابن عباس: كان موسى عليه السلام يحمل عليها زاده وسقاءه، فجعلت تماشيه وتحدّثه، وكان يضرب بها الأرض فيخرج ما يأكل يومه، ويركزها فيخرج الماء فإذا رفعها ذهب الماء، وكان يردّ بها غنمه، وتقيه الهوام بإذن الله، وإذا ظهر له عدّو حاربت وناضلت عنه، وإذا أراد الإسقاء من البئر أدلاها فطالت على طول البئر وصارت شعبتاها كالدلو حتى يستقي، وكان يظهر على شعبتيها كالشمعتين بالليل تضيء له ويهتدي بها، وإذا اشتهى ثمرة من الثمار ركزها في الأرض فتغصّنت غصن تلك الشجرة وأورقت ورقها وأثمرت ثمرها، فهذه المآرب. قال الله سبحانه أَلْقِها يا مُوسى فَأَلْقاها من يده فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى تمشي مسرعة على بطنها. قال ابن عباس: صارت حيّة صفراء لها عرف كعرف الفرس، وجعلت تتورّم حتى صارت ثعبانا، وهو أكبر ما يكون من الحيّات، فلذلك قال في موضع كَأَنَّها جَانٌّ وهو أصغر الحيّات، وفي موضع ثعبان وهو أعظمها، فالجانّ عبارة عن ابتداء حالها، والثعبان إخبار عن انتهاء حالها، وقيل: أراد أنّها في عظم الثعبان وسرعة الجانّ، فأمّا الحيّة فإنها تجمع الصغر والكبر والذكر والأنثى. قال فرقد السخي: كان ما بين جنبيها أربعين ذراعا فلما ظهر في موسى من الخوف ونفار الطبع لمّا رأى من الأعجوبة قالَ الله تعالى له خُذْها وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا أي إلى سيرتها وهيئتها الْأُولى نردّها عصا كما كانت وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ يعني إبطك. وقال الكلبي: أسفل من الإبط، وقال مجاهد: تحت عضدك، وقال مقاتل: يعني مع جناحك وهو عضده تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ برص ولا داء آيَةً أُخْرى سوى العصا، فأخرج يده من مدرعة له مضرّبة بيضاء لها شعاع كشعاع الشمس يغشي البصر لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى وكان من حقّه الكبر وإنّما قال: الْكُبْرى وفاقا لرءوس الآي، وقيل: فيه إضمار معناه لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الآية الكبرى [[في نسخة أصفهان: الآية الكريمة.]] دليله قول ابن عباس: كانت يد موسى أكبر آياته.

طه 20:14

وَهَلْ أَتاكَ يا محمد حَدِيثُ مُوسى قال أهل المعاني: هو استفهام اثبات [[في نسخة أصفهان زيادة: وإيجاب.]] مجازه: أليس قد أتاك؟. وقال بعضهم: معناه: وقد أتاك، وقال: لم يكن قد أتاه [[في نسخة أصفهان: أتاك، وقال الكلبي: لم يكن أتاه حديثه.]] ثم أخبره. إِذْ رَأى ناراً ليلة الجمعة، وقال وهب بن منبّه: استأذن موسى شعيبا في الرجوع إلى والدته فأذن له فخرج بأهله، فولد له ابن في الطريق في ليلة شاتية مثلجة وقد جاد [[في المخطوط: جار.]] عن الطريق، فقدح موسى النار فلم تور المقدحة، فبينا هو في مزاولة ذلك أبصر نارا من بعيد عن يسار الطريق فَقالَ لِأَهْلِهِ لامرأته امْكُثُوا أقيموا مكانكم إِنِّي آنَسْتُ أبصرت ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ يعني شعلة من النار، والقبس: ما اقتبس من خشب أو قصب [[في نسخة أصفهان: قيس.]] أو غير ذلك أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً يعني من يدلّني على الطريق فَلَمَّا أَتاها رأى شجرة خضراء من أسفلها إلى أعلاها كأنّها نار بيضاء تتقدّم [[في نسخة أصفهان: تنفد.]] ، وسمع تسبيح الملائكة، ورأى نورا عظيما فخاف وتعّجب، فألقيت عليه السكينة ثمّ نُودِيَ يا مُوسى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ وإنّما كرّر الكناية لتوكيد الدلالة وإزالة الشبهة وتحقيق المعرفة، ونظيره قوله للرسول عليه السلام وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ [[الحجر: 89.]] . فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ وكان [[في نسخة أصفهان: أي فانزع و.]] السبب في أمره بخلع نعليه ما أخبرنا عبد الله بن حامد [[في نسخة أصفهان زيادة: الاصفهاني.]] ، قال: أخبرنا أحمد بن يحيى العبيدي قال: حدّثنا أحمد بن نجدة قال: حدّثنا الحمّاني قال: حدّثنا عيسى بن يونس [[في نسخة أصفهان: بن نجدة الحماني عن يونس.]] عن حميد بن عبد الله عن عبد الله بن الحرث العنبسي عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ‎ في قوله فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ قال: كانتا من جلد حمار ميّت [[سنن الترمذي: 3/ 138.]] ، وفي بعض الأخبار: غير مدبوغ [[السنن الكبرى: 3/ 255.]] ، وقال الحسن: ما بال خلع النعلين في الصلاة وصلّى رسول الله ﷺ‎ في نعليه؟ وإنّما أمر موسى عليه السلام أن يخلع نعليه إنّهما كانتا من جلد حمار، وقال أبو الأحوص: أتى عبد الله أبا موسى في داره فأقيمت الصلاة فقال لعبد الله تقدّم، فقال له عبد الله: تقدّم أنت في دارك فتقدّم فنزع نعليه، فقال له عبد الله: أبِالْوادِ الْمُقَدَّسِ أنت؟. وقال عكرمة ومجاهد: إنّما قال له: اخلع نعليك كي تمسّ راحة قدميك الأرض الطيّبة وينالك بركتها لأنّها قدّست مرّتين. وقال بعضهم: أمر بذلك لأنّ الحفوة من أمارات التواضع، وكذلك فعل السّلف حين طافوا بالبيت. قال سعيد بن جبير: قيل له: طأ الأرض حافيا، كيما يدخل كعبه من بركة الوادي. وقال أهل الإشارة: معناه: فرّغ قلبك من شغل الأهل والولد. قالوا: وكذلك هو في التعبير من رأى عليه نعلين تزوّج. فخلعهما موسى وألقاهما من وراء الوادي إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ المطهّر طُوىً اسم الوادي، وقال الضحاك: مستدير عميق مثل الطوى في استدارته، وقيل: أراد به إنك تطوي الوادي، وقيل: هو الليل، يقال: أتيتك طوى من الليل، وقيل: طويت عليه البركة طيّا، وقرأ عكرمة: طِوىً بكسر الطاء وهما لغتان، وقرأ أهل الكوفة والشام: طُوىً بالتنوين وإلّا جرّا لتذكيره وتحقيقه، الباقون من غير تنوين، قال: لأنّه معدول عن طاو أو مطوىّ، فلمّا كان معدولا عن وجهه كان مصروفا عن إعرابه مثل عمر وزفر وقثم. وَأَنَا اخْتَرْتُكَ اصطفيتك، وقرأ حمزة: وإنّا اخترناك بلفظ الجمع على التعظيم فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي ولا تعبد غيري وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي قال مجاهد: أَقِمِ الصَّلاةَ لتذكرني فيها، وقال مقاتل: إذا تركت الصلاة ثمّ ذكرتها فأقمها، يدلّ عليه ما أخبرنا عبد الله بن حامد [[في الثانية زيادة: الوزّان.]] قال: أخبرنا محمد بن يعقوب قال: حدّثنا إبراهيم بن مرزوق قال: حدّثنا سعيد بن عامر عن سعيد عن قتادة عن أنس أنّ رسول الله ﷺ‎ قال: «من نسي صلاة أو نام عنها فليصلّها إذا ذكرها، إنّ الله سبحانه يقول: وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي [[سنن الدارمي: 1/ 280.]] . وقيل: هو مردود على الوحي يعني فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى واستمع لذكري. إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها فأكاد [[في نسخة أصفهان: بمعنى أخفيها وأكاد.]] صلة، كقول الشاعر: سريع إلى الهيجاء شاك سلاحه ... فما أن يكاد قرنه يتنفس [[لسان العرب: 3/ 384.]] يعني: فما يتنفس من خوفه، والفائدة في الإخفاء التخويف والتهويل، قال ابن عباس وأكثر المفسّرين: معناه أَكادُ أُخْفِيها من نفسي، وكذلك هو في مصحف أبي، وفي مصحف عبد الله: أكاد أخفيها من نفسي فكيف يعلمها مخلوق؟. وفي بعض القراءات فكيف أظهرها لكم؟ قال قطرب: فإن قيل: كيف يخفي الله من نفسه وهو خلق الإخفاء؟ قلنا: إنّ الله سبحانه كلّم العرب بكلامهم الذي يعرفونه، ألا ترى أنّ الرجل يعذل أخاه فيقول له: أذعت سرّي، فيقول مجيبا له معتذرا إليه: والله لقد كتمت سرّك نفسي فكيف أذعته؟! معناه عندهم: أخفيته الإخفاء كله، وقال الشاعر: أيام تعجبني هند وأخبرها ... ما أكتم النّفس من حاجي وإسراري [[تفسير القرطبي: 11/ 85، والعبارة: أيام تصحبني هند وأخبرها.]] فكيف يخبرها ما يكتم عن نفسه؟ فمجاز الآية على هذا. وقرأ الحسن وسعيد بن جبير: أَخْفِيها بفتح الألف أي أظهرها وأبرزها يقال: خفيت الشيء إذا أظهرته، وأخفيته إذا سترته، قال امرؤ القيس: خفاهنّ من إنفاقهنّ كأنّما ... خفاهنّ ودق من سحاب مركّب [[كتاب العين: 4/ 314.]] أي أخرجهن. لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى أي تعمل من خير وشرّ فَلا يَصُدَّنَّكَ يصرفنّك عَنْها يعني عن الإيمان بالساعة مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها وَاتَّبَعَ هَواهُ مراده فَتَرْدى فتهلك. وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى قالَ هِيَ عَصايَ وكانت لها شعبتان وفي أسفلها سنان واسمها نبعة في قول مقاتل [[في نسخة أصفهان: مجاهد.]] أَتَوَكَّؤُا اعتمد عَلَيْها إذا مشيت وإذا أعييت وعند الوثبة والطفرة. وَأَهُشُّ وأخبط بِها الشجر ليتناثر ورقها فتأكل غنمي، وقرأ عكرمة «وأهسّ» بالسين يعني وازجر بها الغنم، وذلك أن العرب تقول: هس هس، وقال النضر بن شمّيل: سألت الخليل عن قراءة عكرمة فقال: العرب تعاقب بين الشين والسين في كثير من الكلام، كقولهم: شمّت العاطس وسمّته، وشن عليه الدرع وسن، والروشم والروسم للختم. وَلِيَ فِيها مَآرِبُ حوائج ومنافع، واحدتها مأربة ومأربة بفتح الراء وضمّها أُخْرى ولم يقل أخر لرؤوس الآي. قال ابن عباس: كان موسى عليه السلام يحمل عليها زاده وسقاءه، فجعلت تماشيه وتحدّثه، وكان يضرب بها الأرض فيخرج ما يأكل يومه، ويركزها فيخرج الماء فإذا رفعها ذهب الماء، وكان يردّ بها غنمه، وتقيه الهوام بإذن الله، وإذا ظهر له عدّو حاربت وناضلت عنه، وإذا أراد الإسقاء من البئر أدلاها فطالت على طول البئر وصارت شعبتاها كالدلو حتى يستقي، وكان يظهر على شعبتيها كالشمعتين بالليل تضيء له ويهتدي بها، وإذا اشتهى ثمرة من الثمار ركزها في الأرض فتغصّنت غصن تلك الشجرة وأورقت ورقها وأثمرت ثمرها، فهذه المآرب. قال الله سبحانه أَلْقِها يا مُوسى فَأَلْقاها من يده فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى تمشي مسرعة على بطنها. قال ابن عباس: صارت حيّة صفراء لها عرف كعرف الفرس، وجعلت تتورّم حتى صارت ثعبانا، وهو أكبر ما يكون من الحيّات، فلذلك قال في موضع كَأَنَّها جَانٌّ وهو أصغر الحيّات، وفي موضع ثعبان وهو أعظمها، فالجانّ عبارة عن ابتداء حالها، والثعبان إخبار عن انتهاء حالها، وقيل: أراد أنّها في عظم الثعبان وسرعة الجانّ، فأمّا الحيّة فإنها تجمع الصغر والكبر والذكر والأنثى. قال فرقد السخي: كان ما بين جنبيها أربعين ذراعا فلما ظهر في موسى من الخوف ونفار الطبع لمّا رأى من الأعجوبة قالَ الله تعالى له خُذْها وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا أي إلى سيرتها وهيئتها الْأُولى نردّها عصا كما كانت وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ يعني إبطك. وقال الكلبي: أسفل من الإبط، وقال مجاهد: تحت عضدك، وقال مقاتل: يعني مع جناحك وهو عضده تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ برص ولا داء آيَةً أُخْرى سوى العصا، فأخرج يده من مدرعة له مضرّبة بيضاء لها شعاع كشعاع الشمس يغشي البصر لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى وكان من حقّه الكبر وإنّما قال: الْكُبْرى وفاقا لرءوس الآي، وقيل: فيه إضمار معناه لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الآية الكبرى [[في نسخة أصفهان: الآية الكريمة.]] دليله قول ابن عباس: كانت يد موسى أكبر آياته.

طه 20:15

وَهَلْ أَتاكَ يا محمد حَدِيثُ مُوسى قال أهل المعاني: هو استفهام اثبات [[في نسخة أصفهان زيادة: وإيجاب.]] مجازه: أليس قد أتاك؟. وقال بعضهم: معناه: وقد أتاك، وقال: لم يكن قد أتاه [[في نسخة أصفهان: أتاك، وقال الكلبي: لم يكن أتاه حديثه.]] ثم أخبره. إِذْ رَأى ناراً ليلة الجمعة، وقال وهب بن منبّه: استأذن موسى شعيبا في الرجوع إلى والدته فأذن له فخرج بأهله، فولد له ابن في الطريق في ليلة شاتية مثلجة وقد جاد [[في المخطوط: جار.]] عن الطريق، فقدح موسى النار فلم تور المقدحة، فبينا هو في مزاولة ذلك أبصر نارا من بعيد عن يسار الطريق فَقالَ لِأَهْلِهِ لامرأته امْكُثُوا أقيموا مكانكم إِنِّي آنَسْتُ أبصرت ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ يعني شعلة من النار، والقبس: ما اقتبس من خشب أو قصب [[في نسخة أصفهان: قيس.]] أو غير ذلك أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً يعني من يدلّني على الطريق فَلَمَّا أَتاها رأى شجرة خضراء من أسفلها إلى أعلاها كأنّها نار بيضاء تتقدّم [[في نسخة أصفهان: تنفد.]] ، وسمع تسبيح الملائكة، ورأى نورا عظيما فخاف وتعّجب، فألقيت عليه السكينة ثمّ نُودِيَ يا مُوسى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ وإنّما كرّر الكناية لتوكيد الدلالة وإزالة الشبهة وتحقيق المعرفة، ونظيره قوله للرسول عليه السلام وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ [[الحجر: 89.]] . فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ وكان [[في نسخة أصفهان: أي فانزع و.]] السبب في أمره بخلع نعليه ما أخبرنا عبد الله بن حامد [[في نسخة أصفهان زيادة: الاصفهاني.]] ، قال: أخبرنا أحمد بن يحيى العبيدي قال: حدّثنا أحمد بن نجدة قال: حدّثنا الحمّاني قال: حدّثنا عيسى بن يونس [[في نسخة أصفهان: بن نجدة الحماني عن يونس.]] عن حميد بن عبد الله عن عبد الله بن الحرث العنبسي عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ‎ في قوله فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ قال: كانتا من جلد حمار ميّت [[سنن الترمذي: 3/ 138.]] ، وفي بعض الأخبار: غير مدبوغ [[السنن الكبرى: 3/ 255.]] ، وقال الحسن: ما بال خلع النعلين في الصلاة وصلّى رسول الله ﷺ‎ في نعليه؟ وإنّما أمر موسى عليه السلام أن يخلع نعليه إنّهما كانتا من جلد حمار، وقال أبو الأحوص: أتى عبد الله أبا موسى في داره فأقيمت الصلاة فقال لعبد الله تقدّم، فقال له عبد الله: تقدّم أنت في دارك فتقدّم فنزع نعليه، فقال له عبد الله: أبِالْوادِ الْمُقَدَّسِ أنت؟. وقال عكرمة ومجاهد: إنّما قال له: اخلع نعليك كي تمسّ راحة قدميك الأرض الطيّبة وينالك بركتها لأنّها قدّست مرّتين. وقال بعضهم: أمر بذلك لأنّ الحفوة من أمارات التواضع، وكذلك فعل السّلف حين طافوا بالبيت. قال سعيد بن جبير: قيل له: طأ الأرض حافيا، كيما يدخل كعبه من بركة الوادي. وقال أهل الإشارة: معناه: فرّغ قلبك من شغل الأهل والولد. قالوا: وكذلك هو في التعبير من رأى عليه نعلين تزوّج. فخلعهما موسى وألقاهما من وراء الوادي إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ المطهّر طُوىً اسم الوادي، وقال الضحاك: مستدير عميق مثل الطوى في استدارته، وقيل: أراد به إنك تطوي الوادي، وقيل: هو الليل، يقال: أتيتك طوى من الليل، وقيل: طويت عليه البركة طيّا، وقرأ عكرمة: طِوىً بكسر الطاء وهما لغتان، وقرأ أهل الكوفة والشام: طُوىً بالتنوين وإلّا جرّا لتذكيره وتحقيقه، الباقون من غير تنوين، قال: لأنّه معدول عن طاو أو مطوىّ، فلمّا كان معدولا عن وجهه كان مصروفا عن إعرابه مثل عمر وزفر وقثم. وَأَنَا اخْتَرْتُكَ اصطفيتك، وقرأ حمزة: وإنّا اخترناك بلفظ الجمع على التعظيم فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي ولا تعبد غيري وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي قال مجاهد: أَقِمِ الصَّلاةَ لتذكرني فيها، وقال مقاتل: إذا تركت الصلاة ثمّ ذكرتها فأقمها، يدلّ عليه ما أخبرنا عبد الله بن حامد [[في الثانية زيادة: الوزّان.]] قال: أخبرنا محمد بن يعقوب قال: حدّثنا إبراهيم بن مرزوق قال: حدّثنا سعيد بن عامر عن سعيد عن قتادة عن أنس أنّ رسول الله ﷺ‎ قال: «من نسي صلاة أو نام عنها فليصلّها إذا ذكرها، إنّ الله سبحانه يقول: وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي [[سنن الدارمي: 1/ 280.]] . وقيل: هو مردود على الوحي يعني فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى واستمع لذكري. إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها فأكاد [[في نسخة أصفهان: بمعنى أخفيها وأكاد.]] صلة، كقول الشاعر: سريع إلى الهيجاء شاك سلاحه ... فما أن يكاد قرنه يتنفس [[لسان العرب: 3/ 384.]] يعني: فما يتنفس من خوفه، والفائدة في الإخفاء التخويف والتهويل، قال ابن عباس وأكثر المفسّرين: معناه أَكادُ أُخْفِيها من نفسي، وكذلك هو في مصحف أبي، وفي مصحف عبد الله: أكاد أخفيها من نفسي فكيف يعلمها مخلوق؟. وفي بعض القراءات فكيف أظهرها لكم؟ قال قطرب: فإن قيل: كيف يخفي الله من نفسه وهو خلق الإخفاء؟ قلنا: إنّ الله سبحانه كلّم العرب بكلامهم الذي يعرفونه، ألا ترى أنّ الرجل يعذل أخاه فيقول له: أذعت سرّي، فيقول مجيبا له معتذرا إليه: والله لقد كتمت سرّك نفسي فكيف أذعته؟! معناه عندهم: أخفيته الإخفاء كله، وقال الشاعر: أيام تعجبني هند وأخبرها ... ما أكتم النّفس من حاجي وإسراري [[تفسير القرطبي: 11/ 85، والعبارة: أيام تصحبني هند وأخبرها.]] فكيف يخبرها ما يكتم عن نفسه؟ فمجاز الآية على هذا. وقرأ الحسن وسعيد بن جبير: أَخْفِيها بفتح الألف أي أظهرها وأبرزها يقال: خفيت الشيء إذا أظهرته، وأخفيته إذا سترته، قال امرؤ القيس: خفاهنّ من إنفاقهنّ كأنّما ... خفاهنّ ودق من سحاب مركّب [[كتاب العين: 4/ 314.]] أي أخرجهن. لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى أي تعمل من خير وشرّ فَلا يَصُدَّنَّكَ يصرفنّك عَنْها يعني عن الإيمان بالساعة مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها وَاتَّبَعَ هَواهُ مراده فَتَرْدى فتهلك. وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى قالَ هِيَ عَصايَ وكانت لها شعبتان وفي أسفلها سنان واسمها نبعة في قول مقاتل [[في نسخة أصفهان: مجاهد.]] أَتَوَكَّؤُا اعتمد عَلَيْها إذا مشيت وإذا أعييت وعند الوثبة والطفرة. وَأَهُشُّ وأخبط بِها الشجر ليتناثر ورقها فتأكل غنمي، وقرأ عكرمة «وأهسّ» بالسين يعني وازجر بها الغنم، وذلك أن العرب تقول: هس هس، وقال النضر بن شمّيل: سألت الخليل عن قراءة عكرمة فقال: العرب تعاقب بين الشين والسين في كثير من الكلام، كقولهم: شمّت العاطس وسمّته، وشن عليه الدرع وسن، والروشم والروسم للختم. وَلِيَ فِيها مَآرِبُ حوائج ومنافع، واحدتها مأربة ومأربة بفتح الراء وضمّها أُخْرى ولم يقل أخر لرؤوس الآي. قال ابن عباس: كان موسى عليه السلام يحمل عليها زاده وسقاءه، فجعلت تماشيه وتحدّثه، وكان يضرب بها الأرض فيخرج ما يأكل يومه، ويركزها فيخرج الماء فإذا رفعها ذهب الماء، وكان يردّ بها غنمه، وتقيه الهوام بإذن الله، وإذا ظهر له عدّو حاربت وناضلت عنه، وإذا أراد الإسقاء من البئر أدلاها فطالت على طول البئر وصارت شعبتاها كالدلو حتى يستقي، وكان يظهر على شعبتيها كالشمعتين بالليل تضيء له ويهتدي بها، وإذا اشتهى ثمرة من الثمار ركزها في الأرض فتغصّنت غصن تلك الشجرة وأورقت ورقها وأثمرت ثمرها، فهذه المآرب. قال الله سبحانه أَلْقِها يا مُوسى فَأَلْقاها من يده فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى تمشي مسرعة على بطنها. قال ابن عباس: صارت حيّة صفراء لها عرف كعرف الفرس، وجعلت تتورّم حتى صارت ثعبانا، وهو أكبر ما يكون من الحيّات، فلذلك قال في موضع كَأَنَّها جَانٌّ وهو أصغر الحيّات، وفي موضع ثعبان وهو أعظمها، فالجانّ عبارة عن ابتداء حالها، والثعبان إخبار عن انتهاء حالها، وقيل: أراد أنّها في عظم الثعبان وسرعة الجانّ، فأمّا الحيّة فإنها تجمع الصغر والكبر والذكر والأنثى. قال فرقد السخي: كان ما بين جنبيها أربعين ذراعا فلما ظهر في موسى من الخوف ونفار الطبع لمّا رأى من الأعجوبة قالَ الله تعالى له خُذْها وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا أي إلى سيرتها وهيئتها الْأُولى نردّها عصا كما كانت وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ يعني إبطك. وقال الكلبي: أسفل من الإبط، وقال مجاهد: تحت عضدك، وقال مقاتل: يعني مع جناحك وهو عضده تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ برص ولا داء آيَةً أُخْرى سوى العصا، فأخرج يده من مدرعة له مضرّبة بيضاء لها شعاع كشعاع الشمس يغشي البصر لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى وكان من حقّه الكبر وإنّما قال: الْكُبْرى وفاقا لرءوس الآي، وقيل: فيه إضمار معناه لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الآية الكبرى [[في نسخة أصفهان: الآية الكريمة.]] دليله قول ابن عباس: كانت يد موسى أكبر آياته.

طه 20:16

وَهَلْ أَتاكَ يا محمد حَدِيثُ مُوسى قال أهل المعاني: هو استفهام اثبات [[في نسخة أصفهان زيادة: وإيجاب.]] مجازه: أليس قد أتاك؟. وقال بعضهم: معناه: وقد أتاك، وقال: لم يكن قد أتاه [[في نسخة أصفهان: أتاك، وقال الكلبي: لم يكن أتاه حديثه.]] ثم أخبره. إِذْ رَأى ناراً ليلة الجمعة، وقال وهب بن منبّه: استأذن موسى شعيبا في الرجوع إلى والدته فأذن له فخرج بأهله، فولد له ابن في الطريق في ليلة شاتية مثلجة وقد جاد [[في المخطوط: جار.]] عن الطريق، فقدح موسى النار فلم تور المقدحة، فبينا هو في مزاولة ذلك أبصر نارا من بعيد عن يسار الطريق فَقالَ لِأَهْلِهِ لامرأته امْكُثُوا أقيموا مكانكم إِنِّي آنَسْتُ أبصرت ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ يعني شعلة من النار، والقبس: ما اقتبس من خشب أو قصب [[في نسخة أصفهان: قيس.]] أو غير ذلك أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً يعني من يدلّني على الطريق فَلَمَّا أَتاها رأى شجرة خضراء من أسفلها إلى أعلاها كأنّها نار بيضاء تتقدّم [[في نسخة أصفهان: تنفد.]] ، وسمع تسبيح الملائكة، ورأى نورا عظيما فخاف وتعّجب، فألقيت عليه السكينة ثمّ نُودِيَ يا مُوسى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ وإنّما كرّر الكناية لتوكيد الدلالة وإزالة الشبهة وتحقيق المعرفة، ونظيره قوله للرسول عليه السلام وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ [[الحجر: 89.]] . فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ وكان [[في نسخة أصفهان: أي فانزع و.]] السبب في أمره بخلع نعليه ما أخبرنا عبد الله بن حامد [[في نسخة أصفهان زيادة: الاصفهاني.]] ، قال: أخبرنا أحمد بن يحيى العبيدي قال: حدّثنا أحمد بن نجدة قال: حدّثنا الحمّاني قال: حدّثنا عيسى بن يونس [[في نسخة أصفهان: بن نجدة الحماني عن يونس.]] عن حميد بن عبد الله عن عبد الله بن الحرث العنبسي عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ‎ في قوله فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ قال: كانتا من جلد حمار ميّت [[سنن الترمذي: 3/ 138.]] ، وفي بعض الأخبار: غير مدبوغ [[السنن الكبرى: 3/ 255.]] ، وقال الحسن: ما بال خلع النعلين في الصلاة وصلّى رسول الله ﷺ‎ في نعليه؟ وإنّما أمر موسى عليه السلام أن يخلع نعليه إنّهما كانتا من جلد حمار، وقال أبو الأحوص: أتى عبد الله أبا موسى في داره فأقيمت الصلاة فقال لعبد الله تقدّم، فقال له عبد الله: تقدّم أنت في دارك فتقدّم فنزع نعليه، فقال له عبد الله: أبِالْوادِ الْمُقَدَّسِ أنت؟. وقال عكرمة ومجاهد: إنّما قال له: اخلع نعليك كي تمسّ راحة قدميك الأرض الطيّبة وينالك بركتها لأنّها قدّست مرّتين. وقال بعضهم: أمر بذلك لأنّ الحفوة من أمارات التواضع، وكذلك فعل السّلف حين طافوا بالبيت. قال سعيد بن جبير: قيل له: طأ الأرض حافيا، كيما يدخل كعبه من بركة الوادي. وقال أهل الإشارة: معناه: فرّغ قلبك من شغل الأهل والولد. قالوا: وكذلك هو في التعبير من رأى عليه نعلين تزوّج. فخلعهما موسى وألقاهما من وراء الوادي إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ المطهّر طُوىً اسم الوادي، وقال الضحاك: مستدير عميق مثل الطوى في استدارته، وقيل: أراد به إنك تطوي الوادي، وقيل: هو الليل، يقال: أتيتك طوى من الليل، وقيل: طويت عليه البركة طيّا، وقرأ عكرمة: طِوىً بكسر الطاء وهما لغتان، وقرأ أهل الكوفة والشام: طُوىً بالتنوين وإلّا جرّا لتذكيره وتحقيقه، الباقون من غير تنوين، قال: لأنّه معدول عن طاو أو مطوىّ، فلمّا كان معدولا عن وجهه كان مصروفا عن إعرابه مثل عمر وزفر وقثم. وَأَنَا اخْتَرْتُكَ اصطفيتك، وقرأ حمزة: وإنّا اخترناك بلفظ الجمع على التعظيم فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي ولا تعبد غيري وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي قال مجاهد: أَقِمِ الصَّلاةَ لتذكرني فيها، وقال مقاتل: إذا تركت الصلاة ثمّ ذكرتها فأقمها، يدلّ عليه ما أخبرنا عبد الله بن حامد [[في الثانية زيادة: الوزّان.]] قال: أخبرنا محمد بن يعقوب قال: حدّثنا إبراهيم بن مرزوق قال: حدّثنا سعيد بن عامر عن سعيد عن قتادة عن أنس أنّ رسول الله ﷺ‎ قال: «من نسي صلاة أو نام عنها فليصلّها إذا ذكرها، إنّ الله سبحانه يقول: وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي [[سنن الدارمي: 1/ 280.]] . وقيل: هو مردود على الوحي يعني فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى واستمع لذكري. إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها فأكاد [[في نسخة أصفهان: بمعنى أخفيها وأكاد.]] صلة، كقول الشاعر: سريع إلى الهيجاء شاك سلاحه ... فما أن يكاد قرنه يتنفس [[لسان العرب: 3/ 384.]] يعني: فما يتنفس من خوفه، والفائدة في الإخفاء التخويف والتهويل، قال ابن عباس وأكثر المفسّرين: معناه أَكادُ أُخْفِيها من نفسي، وكذلك هو في مصحف أبي، وفي مصحف عبد الله: أكاد أخفيها من نفسي فكيف يعلمها مخلوق؟. وفي بعض القراءات فكيف أظهرها لكم؟ قال قطرب: فإن قيل: كيف يخفي الله من نفسه وهو خلق الإخفاء؟ قلنا: إنّ الله سبحانه كلّم العرب بكلامهم الذي يعرفونه، ألا ترى أنّ الرجل يعذل أخاه فيقول له: أذعت سرّي، فيقول مجيبا له معتذرا إليه: والله لقد كتمت سرّك نفسي فكيف أذعته؟! معناه عندهم: أخفيته الإخفاء كله، وقال الشاعر: أيام تعجبني هند وأخبرها ... ما أكتم النّفس من حاجي وإسراري [[تفسير القرطبي: 11/ 85، والعبارة: أيام تصحبني هند وأخبرها.]] فكيف يخبرها ما يكتم عن نفسه؟ فمجاز الآية على هذا. وقرأ الحسن وسعيد بن جبير: أَخْفِيها بفتح الألف أي أظهرها وأبرزها يقال: خفيت الشيء إذا أظهرته، وأخفيته إذا سترته، قال امرؤ القيس: خفاهنّ من إنفاقهنّ كأنّما ... خفاهنّ ودق من سحاب مركّب [[كتاب العين: 4/ 314.]] أي أخرجهن. لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى أي تعمل من خير وشرّ فَلا يَصُدَّنَّكَ يصرفنّك عَنْها يعني عن الإيمان بالساعة مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها وَاتَّبَعَ هَواهُ مراده فَتَرْدى فتهلك. وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى قالَ هِيَ عَصايَ وكانت لها شعبتان وفي أسفلها سنان واسمها نبعة في قول مقاتل [[في نسخة أصفهان: مجاهد.]] أَتَوَكَّؤُا اعتمد عَلَيْها إذا مشيت وإذا أعييت وعند الوثبة والطفرة. وَأَهُشُّ وأخبط بِها الشجر ليتناثر ورقها فتأكل غنمي، وقرأ عكرمة «وأهسّ» بالسين يعني وازجر بها الغنم، وذلك أن العرب تقول: هس هس، وقال النضر بن شمّيل: سألت الخليل عن قراءة عكرمة فقال: العرب تعاقب بين الشين والسين في كثير من الكلام، كقولهم: شمّت العاطس وسمّته، وشن عليه الدرع وسن، والروشم والروسم للختم. وَلِيَ فِيها مَآرِبُ حوائج ومنافع، واحدتها مأربة ومأربة بفتح الراء وضمّها أُخْرى ولم يقل أخر لرؤوس الآي. قال ابن عباس: كان موسى عليه السلام يحمل عليها زاده وسقاءه، فجعلت تماشيه وتحدّثه، وكان يضرب بها الأرض فيخرج ما يأكل يومه، ويركزها فيخرج الماء فإذا رفعها ذهب الماء، وكان يردّ بها غنمه، وتقيه الهوام بإذن الله، وإذا ظهر له عدّو حاربت وناضلت عنه، وإذا أراد الإسقاء من البئر أدلاها فطالت على طول البئر وصارت شعبتاها كالدلو حتى يستقي، وكان يظهر على شعبتيها كالشمعتين بالليل تضيء له ويهتدي بها، وإذا اشتهى ثمرة من الثمار ركزها في الأرض فتغصّنت غصن تلك الشجرة وأورقت ورقها وأثمرت ثمرها، فهذه المآرب. قال الله سبحانه أَلْقِها يا مُوسى فَأَلْقاها من يده فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى تمشي مسرعة على بطنها. قال ابن عباس: صارت حيّة صفراء لها عرف كعرف الفرس، وجعلت تتورّم حتى صارت ثعبانا، وهو أكبر ما يكون من الحيّات، فلذلك قال في موضع كَأَنَّها جَانٌّ وهو أصغر الحيّات، وفي موضع ثعبان وهو أعظمها، فالجانّ عبارة عن ابتداء حالها، والثعبان إخبار عن انتهاء حالها، وقيل: أراد أنّها في عظم الثعبان وسرعة الجانّ، فأمّا الحيّة فإنها تجمع الصغر والكبر والذكر والأنثى. قال فرقد السخي: كان ما بين جنبيها أربعين ذراعا فلما ظهر في موسى من الخوف ونفار الطبع لمّا رأى من الأعجوبة قالَ الله تعالى له خُذْها وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا أي إلى سيرتها وهيئتها الْأُولى نردّها عصا كما كانت وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ يعني إبطك. وقال الكلبي: أسفل من الإبط، وقال مجاهد: تحت عضدك، وقال مقاتل: يعني مع جناحك وهو عضده تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ برص ولا داء آيَةً أُخْرى سوى العصا، فأخرج يده من مدرعة له مضرّبة بيضاء لها شعاع كشعاع الشمس يغشي البصر لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى وكان من حقّه الكبر وإنّما قال: الْكُبْرى وفاقا لرءوس الآي، وقيل: فيه إضمار معناه لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الآية الكبرى [[في نسخة أصفهان: الآية الكريمة.]] دليله قول ابن عباس: كانت يد موسى أكبر آياته.

طه 20:17

وَهَلْ أَتاكَ يا محمد حَدِيثُ مُوسى قال أهل المعاني: هو استفهام اثبات [[في نسخة أصفهان زيادة: وإيجاب.]] مجازه: أليس قد أتاك؟. وقال بعضهم: معناه: وقد أتاك، وقال: لم يكن قد أتاه [[في نسخة أصفهان: أتاك، وقال الكلبي: لم يكن أتاه حديثه.]] ثم أخبره. إِذْ رَأى ناراً ليلة الجمعة، وقال وهب بن منبّه: استأذن موسى شعيبا في الرجوع إلى والدته فأذن له فخرج بأهله، فولد له ابن في الطريق في ليلة شاتية مثلجة وقد جاد [[في المخطوط: جار.]] عن الطريق، فقدح موسى النار فلم تور المقدحة، فبينا هو في مزاولة ذلك أبصر نارا من بعيد عن يسار الطريق فَقالَ لِأَهْلِهِ لامرأته امْكُثُوا أقيموا مكانكم إِنِّي آنَسْتُ أبصرت ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ يعني شعلة من النار، والقبس: ما اقتبس من خشب أو قصب [[في نسخة أصفهان: قيس.]] أو غير ذلك أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً يعني من يدلّني على الطريق فَلَمَّا أَتاها رأى شجرة خضراء من أسفلها إلى أعلاها كأنّها نار بيضاء تتقدّم [[في نسخة أصفهان: تنفد.]] ، وسمع تسبيح الملائكة، ورأى نورا عظيما فخاف وتعّجب، فألقيت عليه السكينة ثمّ نُودِيَ يا مُوسى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ وإنّما كرّر الكناية لتوكيد الدلالة وإزالة الشبهة وتحقيق المعرفة، ونظيره قوله للرسول عليه السلام وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ [[الحجر: 89.]] . فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ وكان [[في نسخة أصفهان: أي فانزع و.]] السبب في أمره بخلع نعليه ما أخبرنا عبد الله بن حامد [[في نسخة أصفهان زيادة: الاصفهاني.]] ، قال: أخبرنا أحمد بن يحيى العبيدي قال: حدّثنا أحمد بن نجدة قال: حدّثنا الحمّاني قال: حدّثنا عيسى بن يونس [[في نسخة أصفهان: بن نجدة الحماني عن يونس.]] عن حميد بن عبد الله عن عبد الله بن الحرث العنبسي عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ‎ في قوله فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ قال: كانتا من جلد حمار ميّت [[سنن الترمذي: 3/ 138.]] ، وفي بعض الأخبار: غير مدبوغ [[السنن الكبرى: 3/ 255.]] ، وقال الحسن: ما بال خلع النعلين في الصلاة وصلّى رسول الله ﷺ‎ في نعليه؟ وإنّما أمر موسى عليه السلام أن يخلع نعليه إنّهما كانتا من جلد حمار، وقال أبو الأحوص: أتى عبد الله أبا موسى في داره فأقيمت الصلاة فقال لعبد الله تقدّم، فقال له عبد الله: تقدّم أنت في دارك فتقدّم فنزع نعليه، فقال له عبد الله: أبِالْوادِ الْمُقَدَّسِ أنت؟. وقال عكرمة ومجاهد: إنّما قال له: اخلع نعليك كي تمسّ راحة قدميك الأرض الطيّبة وينالك بركتها لأنّها قدّست مرّتين. وقال بعضهم: أمر بذلك لأنّ الحفوة من أمارات التواضع، وكذلك فعل السّلف حين طافوا بالبيت. قال سعيد بن جبير: قيل له: طأ الأرض حافيا، كيما يدخل كعبه من بركة الوادي. وقال أهل الإشارة: معناه: فرّغ قلبك من شغل الأهل والولد. قالوا: وكذلك هو في التعبير من رأى عليه نعلين تزوّج. فخلعهما موسى وألقاهما من وراء الوادي إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ المطهّر طُوىً اسم الوادي، وقال الضحاك: مستدير عميق مثل الطوى في استدارته، وقيل: أراد به إنك تطوي الوادي، وقيل: هو الليل، يقال: أتيتك طوى من الليل، وقيل: طويت عليه البركة طيّا، وقرأ عكرمة: طِوىً بكسر الطاء وهما لغتان، وقرأ أهل الكوفة والشام: طُوىً بالتنوين وإلّا جرّا لتذكيره وتحقيقه، الباقون من غير تنوين، قال: لأنّه معدول عن طاو أو مطوىّ، فلمّا كان معدولا عن وجهه كان مصروفا عن إعرابه مثل عمر وزفر وقثم. وَأَنَا اخْتَرْتُكَ اصطفيتك، وقرأ حمزة: وإنّا اخترناك بلفظ الجمع على التعظيم فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي ولا تعبد غيري وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي قال مجاهد: أَقِمِ الصَّلاةَ لتذكرني فيها، وقال مقاتل: إذا تركت الصلاة ثمّ ذكرتها فأقمها، يدلّ عليه ما أخبرنا عبد الله بن حامد [[في الثانية زيادة: الوزّان.]] قال: أخبرنا محمد بن يعقوب قال: حدّثنا إبراهيم بن مرزوق قال: حدّثنا سعيد بن عامر عن سعيد عن قتادة عن أنس أنّ رسول الله ﷺ‎ قال: «من نسي صلاة أو نام عنها فليصلّها إذا ذكرها، إنّ الله سبحانه يقول: وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي [[سنن الدارمي: 1/ 280.]] . وقيل: هو مردود على الوحي يعني فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى واستمع لذكري. إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها فأكاد [[في نسخة أصفهان: بمعنى أخفيها وأكاد.]] صلة، كقول الشاعر: سريع إلى الهيجاء شاك سلاحه ... فما أن يكاد قرنه يتنفس [[لسان العرب: 3/ 384.]] يعني: فما يتنفس من خوفه، والفائدة في الإخفاء التخويف والتهويل، قال ابن عباس وأكثر المفسّرين: معناه أَكادُ أُخْفِيها من نفسي، وكذلك هو في مصحف أبي، وفي مصحف عبد الله: أكاد أخفيها من نفسي فكيف يعلمها مخلوق؟. وفي بعض القراءات فكيف أظهرها لكم؟ قال قطرب: فإن قيل: كيف يخفي الله من نفسه وهو خلق الإخفاء؟ قلنا: إنّ الله سبحانه كلّم العرب بكلامهم الذي يعرفونه، ألا ترى أنّ الرجل يعذل أخاه فيقول له: أذعت سرّي، فيقول مجيبا له معتذرا إليه: والله لقد كتمت سرّك نفسي فكيف أذعته؟! معناه عندهم: أخفيته الإخفاء كله، وقال الشاعر: أيام تعجبني هند وأخبرها ... ما أكتم النّفس من حاجي وإسراري [[تفسير القرطبي: 11/ 85، والعبارة: أيام تصحبني هند وأخبرها.]] فكيف يخبرها ما يكتم عن نفسه؟ فمجاز الآية على هذا. وقرأ الحسن وسعيد بن جبير: أَخْفِيها بفتح الألف أي أظهرها وأبرزها يقال: خفيت الشيء إذا أظهرته، وأخفيته إذا سترته، قال امرؤ القيس: خفاهنّ من إنفاقهنّ كأنّما ... خفاهنّ ودق من سحاب مركّب [[كتاب العين: 4/ 314.]] أي أخرجهن. لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى أي تعمل من خير وشرّ فَلا يَصُدَّنَّكَ يصرفنّك عَنْها يعني عن الإيمان بالساعة مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها وَاتَّبَعَ هَواهُ مراده فَتَرْدى فتهلك. وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى قالَ هِيَ عَصايَ وكانت لها شعبتان وفي أسفلها سنان واسمها نبعة في قول مقاتل [[في نسخة أصفهان: مجاهد.]] أَتَوَكَّؤُا اعتمد عَلَيْها إذا مشيت وإذا أعييت وعند الوثبة والطفرة. وَأَهُشُّ وأخبط بِها الشجر ليتناثر ورقها فتأكل غنمي، وقرأ عكرمة «وأهسّ» بالسين يعني وازجر بها الغنم، وذلك أن العرب تقول: هس هس، وقال النضر بن شمّيل: سألت الخليل عن قراءة عكرمة فقال: العرب تعاقب بين الشين والسين في كثير من الكلام، كقولهم: شمّت العاطس وسمّته، وشن عليه الدرع وسن، والروشم والروسم للختم. وَلِيَ فِيها مَآرِبُ حوائج ومنافع، واحدتها مأربة ومأربة بفتح الراء وضمّها أُخْرى ولم يقل أخر لرؤوس الآي. قال ابن عباس: كان موسى عليه السلام يحمل عليها زاده وسقاءه، فجعلت تماشيه وتحدّثه، وكان يضرب بها الأرض فيخرج ما يأكل يومه، ويركزها فيخرج الماء فإذا رفعها ذهب الماء، وكان يردّ بها غنمه، وتقيه الهوام بإذن الله، وإذا ظهر له عدّو حاربت وناضلت عنه، وإذا أراد الإسقاء من البئر أدلاها فطالت على طول البئر وصارت شعبتاها كالدلو حتى يستقي، وكان يظهر على شعبتيها كالشمعتين بالليل تضيء له ويهتدي بها، وإذا اشتهى ثمرة من الثمار ركزها في الأرض فتغصّنت غصن تلك الشجرة وأورقت ورقها وأثمرت ثمرها، فهذه المآرب. قال الله سبحانه أَلْقِها يا مُوسى فَأَلْقاها من يده فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى تمشي مسرعة على بطنها. قال ابن عباس: صارت حيّة صفراء لها عرف كعرف الفرس، وجعلت تتورّم حتى صارت ثعبانا، وهو أكبر ما يكون من الحيّات، فلذلك قال في موضع كَأَنَّها جَانٌّ وهو أصغر الحيّات، وفي موضع ثعبان وهو أعظمها، فالجانّ عبارة عن ابتداء حالها، والثعبان إخبار عن انتهاء حالها، وقيل: أراد أنّها في عظم الثعبان وسرعة الجانّ، فأمّا الحيّة فإنها تجمع الصغر والكبر والذكر والأنثى. قال فرقد السخي: كان ما بين جنبيها أربعين ذراعا فلما ظهر في موسى من الخوف ونفار الطبع لمّا رأى من الأعجوبة قالَ الله تعالى له خُذْها وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا أي إلى سيرتها وهيئتها الْأُولى نردّها عصا كما كانت وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ يعني إبطك. وقال الكلبي: أسفل من الإبط، وقال مجاهد: تحت عضدك، وقال مقاتل: يعني مع جناحك وهو عضده تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ برص ولا داء آيَةً أُخْرى سوى العصا، فأخرج يده من مدرعة له مضرّبة بيضاء لها شعاع كشعاع الشمس يغشي البصر لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى وكان من حقّه الكبر وإنّما قال: الْكُبْرى وفاقا لرءوس الآي، وقيل: فيه إضمار معناه لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الآية الكبرى [[في نسخة أصفهان: الآية الكريمة.]] دليله قول ابن عباس: كانت يد موسى أكبر آياته.

طه 20:18

وَهَلْ أَتاكَ يا محمد حَدِيثُ مُوسى قال أهل المعاني: هو استفهام اثبات [[في نسخة أصفهان زيادة: وإيجاب.]] مجازه: أليس قد أتاك؟. وقال بعضهم: معناه: وقد أتاك، وقال: لم يكن قد أتاه [[في نسخة أصفهان: أتاك، وقال الكلبي: لم يكن أتاه حديثه.]] ثم أخبره. إِذْ رَأى ناراً ليلة الجمعة، وقال وهب بن منبّه: استأذن موسى شعيبا في الرجوع إلى والدته فأذن له فخرج بأهله، فولد له ابن في الطريق في ليلة شاتية مثلجة وقد جاد [[في المخطوط: جار.]] عن الطريق، فقدح موسى النار فلم تور المقدحة، فبينا هو في مزاولة ذلك أبصر نارا من بعيد عن يسار الطريق فَقالَ لِأَهْلِهِ لامرأته امْكُثُوا أقيموا مكانكم إِنِّي آنَسْتُ أبصرت ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ يعني شعلة من النار، والقبس: ما اقتبس من خشب أو قصب [[في نسخة أصفهان: قيس.]] أو غير ذلك أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً يعني من يدلّني على الطريق فَلَمَّا أَتاها رأى شجرة خضراء من أسفلها إلى أعلاها كأنّها نار بيضاء تتقدّم [[في نسخة أصفهان: تنفد.]] ، وسمع تسبيح الملائكة، ورأى نورا عظيما فخاف وتعّجب، فألقيت عليه السكينة ثمّ نُودِيَ يا مُوسى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ وإنّما كرّر الكناية لتوكيد الدلالة وإزالة الشبهة وتحقيق المعرفة، ونظيره قوله للرسول عليه السلام وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ [[الحجر: 89.]] . فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ وكان [[في نسخة أصفهان: أي فانزع و.]] السبب في أمره بخلع نعليه ما أخبرنا عبد الله بن حامد [[في نسخة أصفهان زيادة: الاصفهاني.]] ، قال: أخبرنا أحمد بن يحيى العبيدي قال: حدّثنا أحمد بن نجدة قال: حدّثنا الحمّاني قال: حدّثنا عيسى بن يونس [[في نسخة أصفهان: بن نجدة الحماني عن يونس.]] عن حميد بن عبد الله عن عبد الله بن الحرث العنبسي عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ‎ في قوله فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ قال: كانتا من جلد حمار ميّت [[سنن الترمذي: 3/ 138.]] ، وفي بعض الأخبار: غير مدبوغ [[السنن الكبرى: 3/ 255.]] ، وقال الحسن: ما بال خلع النعلين في الصلاة وصلّى رسول الله ﷺ‎ في نعليه؟ وإنّما أمر موسى عليه السلام أن يخلع نعليه إنّهما كانتا من جلد حمار، وقال أبو الأحوص: أتى عبد الله أبا موسى في داره فأقيمت الصلاة فقال لعبد الله تقدّم، فقال له عبد الله: تقدّم أنت في دارك فتقدّم فنزع نعليه، فقال له عبد الله: أبِالْوادِ الْمُقَدَّسِ أنت؟. وقال عكرمة ومجاهد: إنّما قال له: اخلع نعليك كي تمسّ راحة قدميك الأرض الطيّبة وينالك بركتها لأنّها قدّست مرّتين. وقال بعضهم: أمر بذلك لأنّ الحفوة من أمارات التواضع، وكذلك فعل السّلف حين طافوا بالبيت. قال سعيد بن جبير: قيل له: طأ الأرض حافيا، كيما يدخل كعبه من بركة الوادي. وقال أهل الإشارة: معناه: فرّغ قلبك من شغل الأهل والولد. قالوا: وكذلك هو في التعبير من رأى عليه نعلين تزوّج. فخلعهما موسى وألقاهما من وراء الوادي إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ المطهّر طُوىً اسم الوادي، وقال الضحاك: مستدير عميق مثل الطوى في استدارته، وقيل: أراد به إنك تطوي الوادي، وقيل: هو الليل، يقال: أتيتك طوى من الليل، وقيل: طويت عليه البركة طيّا، وقرأ عكرمة: طِوىً بكسر الطاء وهما لغتان، وقرأ أهل الكوفة والشام: طُوىً بالتنوين وإلّا جرّا لتذكيره وتحقيقه، الباقون من غير تنوين، قال: لأنّه معدول عن طاو أو مطوىّ، فلمّا كان معدولا عن وجهه كان مصروفا عن إعرابه مثل عمر وزفر وقثم. وَأَنَا اخْتَرْتُكَ اصطفيتك، وقرأ حمزة: وإنّا اخترناك بلفظ الجمع على التعظيم فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي ولا تعبد غيري وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي قال مجاهد: أَقِمِ الصَّلاةَ لتذكرني فيها، وقال مقاتل: إذا تركت الصلاة ثمّ ذكرتها فأقمها، يدلّ عليه ما أخبرنا عبد الله بن حامد [[في الثانية زيادة: الوزّان.]] قال: أخبرنا محمد بن يعقوب قال: حدّثنا إبراهيم بن مرزوق قال: حدّثنا سعيد بن عامر عن سعيد عن قتادة عن أنس أنّ رسول الله ﷺ‎ قال: «من نسي صلاة أو نام عنها فليصلّها إذا ذكرها، إنّ الله سبحانه يقول: وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي [[سنن الدارمي: 1/ 280.]] . وقيل: هو مردود على الوحي يعني فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى واستمع لذكري. إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها فأكاد [[في نسخة أصفهان: بمعنى أخفيها وأكاد.]] صلة، كقول الشاعر: سريع إلى الهيجاء شاك سلاحه ... فما أن يكاد قرنه يتنفس [[لسان العرب: 3/ 384.]] يعني: فما يتنفس من خوفه، والفائدة في الإخفاء التخويف والتهويل، قال ابن عباس وأكثر المفسّرين: معناه أَكادُ أُخْفِيها من نفسي، وكذلك هو في مصحف أبي، وفي مصحف عبد الله: أكاد أخفيها من نفسي فكيف يعلمها مخلوق؟. وفي بعض القراءات فكيف أظهرها لكم؟ قال قطرب: فإن قيل: كيف يخفي الله من نفسه وهو خلق الإخفاء؟ قلنا: إنّ الله سبحانه كلّم العرب بكلامهم الذي يعرفونه، ألا ترى أنّ الرجل يعذل أخاه فيقول له: أذعت سرّي، فيقول مجيبا له معتذرا إليه: والله لقد كتمت سرّك نفسي فكيف أذعته؟! معناه عندهم: أخفيته الإخفاء كله، وقال الشاعر: أيام تعجبني هند وأخبرها ... ما أكتم النّفس من حاجي وإسراري [[تفسير القرطبي: 11/ 85، والعبارة: أيام تصحبني هند وأخبرها.]] فكيف يخبرها ما يكتم عن نفسه؟ فمجاز الآية على هذا. وقرأ الحسن وسعيد بن جبير: أَخْفِيها بفتح الألف أي أظهرها وأبرزها يقال: خفيت الشيء إذا أظهرته، وأخفيته إذا سترته، قال امرؤ القيس: خفاهنّ من إنفاقهنّ كأنّما ... خفاهنّ ودق من سحاب مركّب [[كتاب العين: 4/ 314.]] أي أخرجهن. لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى أي تعمل من خير وشرّ فَلا يَصُدَّنَّكَ يصرفنّك عَنْها يعني عن الإيمان بالساعة مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها وَاتَّبَعَ هَواهُ مراده فَتَرْدى فتهلك. وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى قالَ هِيَ عَصايَ وكانت لها شعبتان وفي أسفلها سنان واسمها نبعة في قول مقاتل [[في نسخة أصفهان: مجاهد.]] أَتَوَكَّؤُا اعتمد عَلَيْها إذا مشيت وإذا أعييت وعند الوثبة والطفرة. وَأَهُشُّ وأخبط بِها الشجر ليتناثر ورقها فتأكل غنمي، وقرأ عكرمة «وأهسّ» بالسين يعني وازجر بها الغنم، وذلك أن العرب تقول: هس هس، وقال النضر بن شمّيل: سألت الخليل عن قراءة عكرمة فقال: العرب تعاقب بين الشين والسين في كثير من الكلام، كقولهم: شمّت العاطس وسمّته، وشن عليه الدرع وسن، والروشم والروسم للختم. وَلِيَ فِيها مَآرِبُ حوائج ومنافع، واحدتها مأربة ومأربة بفتح الراء وضمّها أُخْرى ولم يقل أخر لرؤوس الآي. قال ابن عباس: كان موسى عليه السلام يحمل عليها زاده وسقاءه، فجعلت تماشيه وتحدّثه، وكان يضرب بها الأرض فيخرج ما يأكل يومه، ويركزها فيخرج الماء فإذا رفعها ذهب الماء، وكان يردّ بها غنمه، وتقيه الهوام بإذن الله، وإذا ظهر له عدّو حاربت وناضلت عنه، وإذا أراد الإسقاء من البئر أدلاها فطالت على طول البئر وصارت شعبتاها كالدلو حتى يستقي، وكان يظهر على شعبتيها كالشمعتين بالليل تضيء له ويهتدي بها، وإذا اشتهى ثمرة من الثمار ركزها في الأرض فتغصّنت غصن تلك الشجرة وأورقت ورقها وأثمرت ثمرها، فهذه المآرب. قال الله سبحانه أَلْقِها يا مُوسى فَأَلْقاها من يده فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى تمشي مسرعة على بطنها. قال ابن عباس: صارت حيّة صفراء لها عرف كعرف الفرس، وجعلت تتورّم حتى صارت ثعبانا، وهو أكبر ما يكون من الحيّات، فلذلك قال في موضع كَأَنَّها جَانٌّ وهو أصغر الحيّات، وفي موضع ثعبان وهو أعظمها، فالجانّ عبارة عن ابتداء حالها، والثعبان إخبار عن انتهاء حالها، وقيل: أراد أنّها في عظم الثعبان وسرعة الجانّ، فأمّا الحيّة فإنها تجمع الصغر والكبر والذكر والأنثى. قال فرقد السخي: كان ما بين جنبيها أربعين ذراعا فلما ظهر في موسى من الخوف ونفار الطبع لمّا رأى من الأعجوبة قالَ الله تعالى له خُذْها وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا أي إلى سيرتها وهيئتها الْأُولى نردّها عصا كما كانت وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ يعني إبطك. وقال الكلبي: أسفل من الإبط، وقال مجاهد: تحت عضدك، وقال مقاتل: يعني مع جناحك وهو عضده تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ برص ولا داء آيَةً أُخْرى سوى العصا، فأخرج يده من مدرعة له مضرّبة بيضاء لها شعاع كشعاع الشمس يغشي البصر لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى وكان من حقّه الكبر وإنّما قال: الْكُبْرى وفاقا لرءوس الآي، وقيل: فيه إضمار معناه لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الآية الكبرى [[في نسخة أصفهان: الآية الكريمة.]] دليله قول ابن عباس: كانت يد موسى أكبر آياته.

طه 20:19

وَهَلْ أَتاكَ يا محمد حَدِيثُ مُوسى قال أهل المعاني: هو استفهام اثبات [[في نسخة أصفهان زيادة: وإيجاب.]] مجازه: أليس قد أتاك؟. وقال بعضهم: معناه: وقد أتاك، وقال: لم يكن قد أتاه [[في نسخة أصفهان: أتاك، وقال الكلبي: لم يكن أتاه حديثه.]] ثم أخبره. إِذْ رَأى ناراً ليلة الجمعة، وقال وهب بن منبّه: استأذن موسى شعيبا في الرجوع إلى والدته فأذن له فخرج بأهله، فولد له ابن في الطريق في ليلة شاتية مثلجة وقد جاد [[في المخطوط: جار.]] عن الطريق، فقدح موسى النار فلم تور المقدحة، فبينا هو في مزاولة ذلك أبصر نارا من بعيد عن يسار الطريق فَقالَ لِأَهْلِهِ لامرأته امْكُثُوا أقيموا مكانكم إِنِّي آنَسْتُ أبصرت ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ يعني شعلة من النار، والقبس: ما اقتبس من خشب أو قصب [[في نسخة أصفهان: قيس.]] أو غير ذلك أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً يعني من يدلّني على الطريق فَلَمَّا أَتاها رأى شجرة خضراء من أسفلها إلى أعلاها كأنّها نار بيضاء تتقدّم [[في نسخة أصفهان: تنفد.]] ، وسمع تسبيح الملائكة، ورأى نورا عظيما فخاف وتعّجب، فألقيت عليه السكينة ثمّ نُودِيَ يا مُوسى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ وإنّما كرّر الكناية لتوكيد الدلالة وإزالة الشبهة وتحقيق المعرفة، ونظيره قوله للرسول عليه السلام وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ [[الحجر: 89.]] . فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ وكان [[في نسخة أصفهان: أي فانزع و.]] السبب في أمره بخلع نعليه ما أخبرنا عبد الله بن حامد [[في نسخة أصفهان زيادة: الاصفهاني.]] ، قال: أخبرنا أحمد بن يحيى العبيدي قال: حدّثنا أحمد بن نجدة قال: حدّثنا الحمّاني قال: حدّثنا عيسى بن يونس [[في نسخة أصفهان: بن نجدة الحماني عن يونس.]] عن حميد بن عبد الله عن عبد الله بن الحرث العنبسي عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ‎ في قوله فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ قال: كانتا من جلد حمار ميّت [[سنن الترمذي: 3/ 138.]] ، وفي بعض الأخبار: غير مدبوغ [[السنن الكبرى: 3/ 255.]] ، وقال الحسن: ما بال خلع النعلين في الصلاة وصلّى رسول الله ﷺ‎ في نعليه؟ وإنّما أمر موسى عليه السلام أن يخلع نعليه إنّهما كانتا من جلد حمار، وقال أبو الأحوص: أتى عبد الله أبا موسى في داره فأقيمت الصلاة فقال لعبد الله تقدّم، فقال له عبد الله: تقدّم أنت في دارك فتقدّم فنزع نعليه، فقال له عبد الله: أبِالْوادِ الْمُقَدَّسِ أنت؟. وقال عكرمة ومجاهد: إنّما قال له: اخلع نعليك كي تمسّ راحة قدميك الأرض الطيّبة وينالك بركتها لأنّها قدّست مرّتين. وقال بعضهم: أمر بذلك لأنّ الحفوة من أمارات التواضع، وكذلك فعل السّلف حين طافوا بالبيت. قال سعيد بن جبير: قيل له: طأ الأرض حافيا، كيما يدخل كعبه من بركة الوادي. وقال أهل الإشارة: معناه: فرّغ قلبك من شغل الأهل والولد. قالوا: وكذلك هو في التعبير من رأى عليه نعلين تزوّج. فخلعهما موسى وألقاهما من وراء الوادي إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ المطهّر طُوىً اسم الوادي، وقال الضحاك: مستدير عميق مثل الطوى في استدارته، وقيل: أراد به إنك تطوي الوادي، وقيل: هو الليل، يقال: أتيتك طوى من الليل، وقيل: طويت عليه البركة طيّا، وقرأ عكرمة: طِوىً بكسر الطاء وهما لغتان، وقرأ أهل الكوفة والشام: طُوىً بالتنوين وإلّا جرّا لتذكيره وتحقيقه، الباقون من غير تنوين، قال: لأنّه معدول عن طاو أو مطوىّ، فلمّا كان معدولا عن وجهه كان مصروفا عن إعرابه مثل عمر وزفر وقثم. وَأَنَا اخْتَرْتُكَ اصطفيتك، وقرأ حمزة: وإنّا اخترناك بلفظ الجمع على التعظيم فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي ولا تعبد غيري وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي قال مجاهد: أَقِمِ الصَّلاةَ لتذكرني فيها، وقال مقاتل: إذا تركت الصلاة ثمّ ذكرتها فأقمها، يدلّ عليه ما أخبرنا عبد الله بن حامد [[في الثانية زيادة: الوزّان.]] قال: أخبرنا محمد بن يعقوب قال: حدّثنا إبراهيم بن مرزوق قال: حدّثنا سعيد بن عامر عن سعيد عن قتادة عن أنس أنّ رسول الله ﷺ‎ قال: «من نسي صلاة أو نام عنها فليصلّها إذا ذكرها، إنّ الله سبحانه يقول: وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي [[سنن الدارمي: 1/ 280.]] . وقيل: هو مردود على الوحي يعني فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى واستمع لذكري. إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها فأكاد [[في نسخة أصفهان: بمعنى أخفيها وأكاد.]] صلة، كقول الشاعر: سريع إلى الهيجاء شاك سلاحه ... فما أن يكاد قرنه يتنفس [[لسان العرب: 3/ 384.]] يعني: فما يتنفس من خوفه، والفائدة في الإخفاء التخويف والتهويل، قال ابن عباس وأكثر المفسّرين: معناه أَكادُ أُخْفِيها من نفسي، وكذلك هو في مصحف أبي، وفي مصحف عبد الله: أكاد أخفيها من نفسي فكيف يعلمها مخلوق؟. وفي بعض القراءات فكيف أظهرها لكم؟ قال قطرب: فإن قيل: كيف يخفي الله من نفسه وهو خلق الإخفاء؟ قلنا: إنّ الله سبحانه كلّم العرب بكلامهم الذي يعرفونه، ألا ترى أنّ الرجل يعذل أخاه فيقول له: أذعت سرّي، فيقول مجيبا له معتذرا إليه: والله لقد كتمت سرّك نفسي فكيف أذعته؟! معناه عندهم: أخفيته الإخفاء كله، وقال الشاعر: أيام تعجبني هند وأخبرها ... ما أكتم النّفس من حاجي وإسراري [[تفسير القرطبي: 11/ 85، والعبارة: أيام تصحبني هند وأخبرها.]] فكيف يخبرها ما يكتم عن نفسه؟ فمجاز الآية على هذا. وقرأ الحسن وسعيد بن جبير: أَخْفِيها بفتح الألف أي أظهرها وأبرزها يقال: خفيت الشيء إذا أظهرته، وأخفيته إذا سترته، قال امرؤ القيس: خفاهنّ من إنفاقهنّ كأنّما ... خفاهنّ ودق من سحاب مركّب [[كتاب العين: 4/ 314.]] أي أخرجهن. لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى أي تعمل من خير وشرّ فَلا يَصُدَّنَّكَ يصرفنّك عَنْها يعني عن الإيمان بالساعة مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها وَاتَّبَعَ هَواهُ مراده فَتَرْدى فتهلك. وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى قالَ هِيَ عَصايَ وكانت لها شعبتان وفي أسفلها سنان واسمها نبعة في قول مقاتل [[في نسخة أصفهان: مجاهد.]] أَتَوَكَّؤُا اعتمد عَلَيْها إذا مشيت وإذا أعييت وعند الوثبة والطفرة. وَأَهُشُّ وأخبط بِها الشجر ليتناثر ورقها فتأكل غنمي، وقرأ عكرمة «وأهسّ» بالسين يعني وازجر بها الغنم، وذلك أن العرب تقول: هس هس، وقال النضر بن شمّيل: سألت الخليل عن قراءة عكرمة فقال: العرب تعاقب بين الشين والسين في كثير من الكلام، كقولهم: شمّت العاطس وسمّته، وشن عليه الدرع وسن، والروشم والروسم للختم. وَلِيَ فِيها مَآرِبُ حوائج ومنافع، واحدتها مأربة ومأربة بفتح الراء وضمّها أُخْرى ولم يقل أخر لرؤوس الآي. قال ابن عباس: كان موسى عليه السلام يحمل عليها زاده وسقاءه، فجعلت تماشيه وتحدّثه، وكان يضرب بها الأرض فيخرج ما يأكل يومه، ويركزها فيخرج الماء فإذا رفعها ذهب الماء، وكان يردّ بها غنمه، وتقيه الهوام بإذن الله، وإذا ظهر له عدّو حاربت وناضلت عنه، وإذا أراد الإسقاء من البئر أدلاها فطالت على طول البئر وصارت شعبتاها كالدلو حتى يستقي، وكان يظهر على شعبتيها كالشمعتين بالليل تضيء له ويهتدي بها، وإذا اشتهى ثمرة من الثمار ركزها في الأرض فتغصّنت غصن تلك الشجرة وأورقت ورقها وأثمرت ثمرها، فهذه المآرب. قال الله سبحانه أَلْقِها يا مُوسى فَأَلْقاها من يده فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى تمشي مسرعة على بطنها. قال ابن عباس: صارت حيّة صفراء لها عرف كعرف الفرس، وجعلت تتورّم حتى صارت ثعبانا، وهو أكبر ما يكون من الحيّات، فلذلك قال في موضع كَأَنَّها جَانٌّ وهو أصغر الحيّات، وفي موضع ثعبان وهو أعظمها، فالجانّ عبارة عن ابتداء حالها، والثعبان إخبار عن انتهاء حالها، وقيل: أراد أنّها في عظم الثعبان وسرعة الجانّ، فأمّا الحيّة فإنها تجمع الصغر والكبر والذكر والأنثى. قال فرقد السخي: كان ما بين جنبيها أربعين ذراعا فلما ظهر في موسى من الخوف ونفار الطبع لمّا رأى من الأعجوبة قالَ الله تعالى له خُذْها وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا أي إلى سيرتها وهيئتها الْأُولى نردّها عصا كما كانت وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ يعني إبطك. وقال الكلبي: أسفل من الإبط، وقال مجاهد: تحت عضدك، وقال مقاتل: يعني مع جناحك وهو عضده تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ برص ولا داء آيَةً أُخْرى سوى العصا، فأخرج يده من مدرعة له مضرّبة بيضاء لها شعاع كشعاع الشمس يغشي البصر لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى وكان من حقّه الكبر وإنّما قال: الْكُبْرى وفاقا لرءوس الآي، وقيل: فيه إضمار معناه لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الآية الكبرى [[في نسخة أصفهان: الآية الكريمة.]] دليله قول ابن عباس: كانت يد موسى أكبر آياته.

طه 20:20

وَهَلْ أَتاكَ يا محمد حَدِيثُ مُوسى قال أهل المعاني: هو استفهام اثبات [[في نسخة أصفهان زيادة: وإيجاب.]] مجازه: أليس قد أتاك؟. وقال بعضهم: معناه: وقد أتاك، وقال: لم يكن قد أتاه [[في نسخة أصفهان: أتاك، وقال الكلبي: لم يكن أتاه حديثه.]] ثم أخبره. إِذْ رَأى ناراً ليلة الجمعة، وقال وهب بن منبّه: استأذن موسى شعيبا في الرجوع إلى والدته فأذن له فخرج بأهله، فولد له ابن في الطريق في ليلة شاتية مثلجة وقد جاد [[في المخطوط: جار.]] عن الطريق، فقدح موسى النار فلم تور المقدحة، فبينا هو في مزاولة ذلك أبصر نارا من بعيد عن يسار الطريق فَقالَ لِأَهْلِهِ لامرأته امْكُثُوا أقيموا مكانكم إِنِّي آنَسْتُ أبصرت ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ يعني شعلة من النار، والقبس: ما اقتبس من خشب أو قصب [[في نسخة أصفهان: قيس.]] أو غير ذلك أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً يعني من يدلّني على الطريق فَلَمَّا أَتاها رأى شجرة خضراء من أسفلها إلى أعلاها كأنّها نار بيضاء تتقدّم [[في نسخة أصفهان: تنفد.]] ، وسمع تسبيح الملائكة، ورأى نورا عظيما فخاف وتعّجب، فألقيت عليه السكينة ثمّ نُودِيَ يا مُوسى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ وإنّما كرّر الكناية لتوكيد الدلالة وإزالة الشبهة وتحقيق المعرفة، ونظيره قوله للرسول عليه السلام وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ [[الحجر: 89.]] . فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ وكان [[في نسخة أصفهان: أي فانزع و.]] السبب في أمره بخلع نعليه ما أخبرنا عبد الله بن حامد [[في نسخة أصفهان زيادة: الاصفهاني.]] ، قال: أخبرنا أحمد بن يحيى العبيدي قال: حدّثنا أحمد بن نجدة قال: حدّثنا الحمّاني قال: حدّثنا عيسى بن يونس [[في نسخة أصفهان: بن نجدة الحماني عن يونس.]] عن حميد بن عبد الله عن عبد الله بن الحرث العنبسي عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ‎ في قوله فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ قال: كانتا من جلد حمار ميّت [[سنن الترمذي: 3/ 138.]] ، وفي بعض الأخبار: غير مدبوغ [[السنن الكبرى: 3/ 255.]] ، وقال الحسن: ما بال خلع النعلين في الصلاة وصلّى رسول الله ﷺ‎ في نعليه؟ وإنّما أمر موسى عليه السلام أن يخلع نعليه إنّهما كانتا من جلد حمار، وقال أبو الأحوص: أتى عبد الله أبا موسى في داره فأقيمت الصلاة فقال لعبد الله تقدّم، فقال له عبد الله: تقدّم أنت في دارك فتقدّم فنزع نعليه، فقال له عبد الله: أبِالْوادِ الْمُقَدَّسِ أنت؟. وقال عكرمة ومجاهد: إنّما قال له: اخلع نعليك كي تمسّ راحة قدميك الأرض الطيّبة وينالك بركتها لأنّها قدّست مرّتين. وقال بعضهم: أمر بذلك لأنّ الحفوة من أمارات التواضع، وكذلك فعل السّلف حين طافوا بالبيت. قال سعيد بن جبير: قيل له: طأ الأرض حافيا، كيما يدخل كعبه من بركة الوادي. وقال أهل الإشارة: معناه: فرّغ قلبك من شغل الأهل والولد. قالوا: وكذلك هو في التعبير من رأى عليه نعلين تزوّج. فخلعهما موسى وألقاهما من وراء الوادي إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ المطهّر طُوىً اسم الوادي، وقال الضحاك: مستدير عميق مثل الطوى في استدارته، وقيل: أراد به إنك تطوي الوادي، وقيل: هو الليل، يقال: أتيتك طوى من الليل، وقيل: طويت عليه البركة طيّا، وقرأ عكرمة: طِوىً بكسر الطاء وهما لغتان، وقرأ أهل الكوفة والشام: طُوىً بالتنوين وإلّا جرّا لتذكيره وتحقيقه، الباقون من غير تنوين، قال: لأنّه معدول عن طاو أو مطوىّ، فلمّا كان معدولا عن وجهه كان مصروفا عن إعرابه مثل عمر وزفر وقثم. وَأَنَا اخْتَرْتُكَ اصطفيتك، وقرأ حمزة: وإنّا اخترناك بلفظ الجمع على التعظيم فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي ولا تعبد غيري وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي قال مجاهد: أَقِمِ الصَّلاةَ لتذكرني فيها، وقال مقاتل: إذا تركت الصلاة ثمّ ذكرتها فأقمها، يدلّ عليه ما أخبرنا عبد الله بن حامد [[في الثانية زيادة: الوزّان.]] قال: أخبرنا محمد بن يعقوب قال: حدّثنا إبراهيم بن مرزوق قال: حدّثنا سعيد بن عامر عن سعيد عن قتادة عن أنس أنّ رسول الله ﷺ‎ قال: «من نسي صلاة أو نام عنها فليصلّها إذا ذكرها، إنّ الله سبحانه يقول: وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي [[سنن الدارمي: 1/ 280.]] . وقيل: هو مردود على الوحي يعني فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى واستمع لذكري. إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها فأكاد [[في نسخة أصفهان: بمعنى أخفيها وأكاد.]] صلة، كقول الشاعر: سريع إلى الهيجاء شاك سلاحه ... فما أن يكاد قرنه يتنفس [[لسان العرب: 3/ 384.]] يعني: فما يتنفس من خوفه، والفائدة في الإخفاء التخويف والتهويل، قال ابن عباس وأكثر المفسّرين: معناه أَكادُ أُخْفِيها من نفسي، وكذلك هو في مصحف أبي، وفي مصحف عبد الله: أكاد أخفيها من نفسي فكيف يعلمها مخلوق؟. وفي بعض القراءات فكيف أظهرها لكم؟ قال قطرب: فإن قيل: كيف يخفي الله من نفسه وهو خلق الإخفاء؟ قلنا: إنّ الله سبحانه كلّم العرب بكلامهم الذي يعرفونه، ألا ترى أنّ الرجل يعذل أخاه فيقول له: أذعت سرّي، فيقول مجيبا له معتذرا إليه: والله لقد كتمت سرّك نفسي فكيف أذعته؟! معناه عندهم: أخفيته الإخفاء كله، وقال الشاعر: أيام تعجبني هند وأخبرها ... ما أكتم النّفس من حاجي وإسراري [[تفسير القرطبي: 11/ 85، والعبارة: أيام تصحبني هند وأخبرها.]] فكيف يخبرها ما يكتم عن نفسه؟ فمجاز الآية على هذا. وقرأ الحسن وسعيد بن جبير: أَخْفِيها بفتح الألف أي أظهرها وأبرزها يقال: خفيت الشيء إذا أظهرته، وأخفيته إذا سترته، قال امرؤ القيس: خفاهنّ من إنفاقهنّ كأنّما ... خفاهنّ ودق من سحاب مركّب [[كتاب العين: 4/ 314.]] أي أخرجهن. لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى أي تعمل من خير وشرّ فَلا يَصُدَّنَّكَ يصرفنّك عَنْها يعني عن الإيمان بالساعة مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها وَاتَّبَعَ هَواهُ مراده فَتَرْدى فتهلك. وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى قالَ هِيَ عَصايَ وكانت لها شعبتان وفي أسفلها سنان واسمها نبعة في قول مقاتل [[في نسخة أصفهان: مجاهد.]] أَتَوَكَّؤُا اعتمد عَلَيْها إذا مشيت وإذا أعييت وعند الوثبة والطفرة. وَأَهُشُّ وأخبط بِها الشجر ليتناثر ورقها فتأكل غنمي، وقرأ عكرمة «وأهسّ» بالسين يعني وازجر بها الغنم، وذلك أن العرب تقول: هس هس، وقال النضر بن شمّيل: سألت الخليل عن قراءة عكرمة فقال: العرب تعاقب بين الشين والسين في كثير من الكلام، كقولهم: شمّت العاطس وسمّته، وشن عليه الدرع وسن، والروشم والروسم للختم. وَلِيَ فِيها مَآرِبُ حوائج ومنافع، واحدتها مأربة ومأربة بفتح الراء وضمّها أُخْرى ولم يقل أخر لرؤوس الآي. قال ابن عباس: كان موسى عليه السلام يحمل عليها زاده وسقاءه، فجعلت تماشيه وتحدّثه، وكان يضرب بها الأرض فيخرج ما يأكل يومه، ويركزها فيخرج الماء فإذا رفعها ذهب الماء، وكان يردّ بها غنمه، وتقيه الهوام بإذن الله، وإذا ظهر له عدّو حاربت وناضلت عنه، وإذا أراد الإسقاء من البئر أدلاها فطالت على طول البئر وصارت شعبتاها كالدلو حتى يستقي، وكان يظهر على شعبتيها كالشمعتين بالليل تضيء له ويهتدي بها، وإذا اشتهى ثمرة من الثمار ركزها في الأرض فتغصّنت غصن تلك الشجرة وأورقت ورقها وأثمرت ثمرها، فهذه المآرب. قال الله سبحانه أَلْقِها يا مُوسى فَأَلْقاها من يده فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى تمشي مسرعة على بطنها. قال ابن عباس: صارت حيّة صفراء لها عرف كعرف الفرس، وجعلت تتورّم حتى صارت ثعبانا، وهو أكبر ما يكون من الحيّات، فلذلك قال في موضع كَأَنَّها جَانٌّ وهو أصغر الحيّات، وفي موضع ثعبان وهو أعظمها، فالجانّ عبارة عن ابتداء حالها، والثعبان إخبار عن انتهاء حالها، وقيل: أراد أنّها في عظم الثعبان وسرعة الجانّ، فأمّا الحيّة فإنها تجمع الصغر والكبر والذكر والأنثى. قال فرقد السخي: كان ما بين جنبيها أربعين ذراعا فلما ظهر في موسى من الخوف ونفار الطبع لمّا رأى من الأعجوبة قالَ الله تعالى له خُذْها وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا أي إلى سيرتها وهيئتها الْأُولى نردّها عصا كما كانت وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ يعني إبطك. وقال الكلبي: أسفل من الإبط، وقال مجاهد: تحت عضدك، وقال مقاتل: يعني مع جناحك وهو عضده تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ برص ولا داء آيَةً أُخْرى سوى العصا، فأخرج يده من مدرعة له مضرّبة بيضاء لها شعاع كشعاع الشمس يغشي البصر لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى وكان من حقّه الكبر وإنّما قال: الْكُبْرى وفاقا لرءوس الآي، وقيل: فيه إضمار معناه لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الآية الكبرى [[في نسخة أصفهان: الآية الكريمة.]] دليله قول ابن عباس: كانت يد موسى أكبر آياته.

طه 20:21

وَهَلْ أَتاكَ يا محمد حَدِيثُ مُوسى قال أهل المعاني: هو استفهام اثبات [[في نسخة أصفهان زيادة: وإيجاب.]] مجازه: أليس قد أتاك؟. وقال بعضهم: معناه: وقد أتاك، وقال: لم يكن قد أتاه [[في نسخة أصفهان: أتاك، وقال الكلبي: لم يكن أتاه حديثه.]] ثم أخبره. إِذْ رَأى ناراً ليلة الجمعة، وقال وهب بن منبّه: استأذن موسى شعيبا في الرجوع إلى والدته فأذن له فخرج بأهله، فولد له ابن في الطريق في ليلة شاتية مثلجة وقد جاد [[في المخطوط: جار.]] عن الطريق، فقدح موسى النار فلم تور المقدحة، فبينا هو في مزاولة ذلك أبصر نارا من بعيد عن يسار الطريق فَقالَ لِأَهْلِهِ لامرأته امْكُثُوا أقيموا مكانكم إِنِّي آنَسْتُ أبصرت ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ يعني شعلة من النار، والقبس: ما اقتبس من خشب أو قصب [[في نسخة أصفهان: قيس.]] أو غير ذلك أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً يعني من يدلّني على الطريق فَلَمَّا أَتاها رأى شجرة خضراء من أسفلها إلى أعلاها كأنّها نار بيضاء تتقدّم [[في نسخة أصفهان: تنفد.]] ، وسمع تسبيح الملائكة، ورأى نورا عظيما فخاف وتعّجب، فألقيت عليه السكينة ثمّ نُودِيَ يا مُوسى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ وإنّما كرّر الكناية لتوكيد الدلالة وإزالة الشبهة وتحقيق المعرفة، ونظيره قوله للرسول عليه السلام وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ [[الحجر: 89.]] . فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ وكان [[في نسخة أصفهان: أي فانزع و.]] السبب في أمره بخلع نعليه ما أخبرنا عبد الله بن حامد [[في نسخة أصفهان زيادة: الاصفهاني.]] ، قال: أخبرنا أحمد بن يحيى العبيدي قال: حدّثنا أحمد بن نجدة قال: حدّثنا الحمّاني قال: حدّثنا عيسى بن يونس [[في نسخة أصفهان: بن نجدة الحماني عن يونس.]] عن حميد بن عبد الله عن عبد الله بن الحرث العنبسي عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ‎ في قوله فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ قال: كانتا من جلد حمار ميّت [[سنن الترمذي: 3/ 138.]] ، وفي بعض الأخبار: غير مدبوغ [[السنن الكبرى: 3/ 255.]] ، وقال الحسن: ما بال خلع النعلين في الصلاة وصلّى رسول الله ﷺ‎ في نعليه؟ وإنّما أمر موسى عليه السلام أن يخلع نعليه إنّهما كانتا من جلد حمار، وقال أبو الأحوص: أتى عبد الله أبا موسى في داره فأقيمت الصلاة فقال لعبد الله تقدّم، فقال له عبد الله: تقدّم أنت في دارك فتقدّم فنزع نعليه، فقال له عبد الله: أبِالْوادِ الْمُقَدَّسِ أنت؟. وقال عكرمة ومجاهد: إنّما قال له: اخلع نعليك كي تمسّ راحة قدميك الأرض الطيّبة وينالك بركتها لأنّها قدّست مرّتين. وقال بعضهم: أمر بذلك لأنّ الحفوة من أمارات التواضع، وكذلك فعل السّلف حين طافوا بالبيت. قال سعيد بن جبير: قيل له: طأ الأرض حافيا، كيما يدخل كعبه من بركة الوادي. وقال أهل الإشارة: معناه: فرّغ قلبك من شغل الأهل والولد. قالوا: وكذلك هو في التعبير من رأى عليه نعلين تزوّج. فخلعهما موسى وألقاهما من وراء الوادي إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ المطهّر طُوىً اسم الوادي، وقال الضحاك: مستدير عميق مثل الطوى في استدارته، وقيل: أراد به إنك تطوي الوادي، وقيل: هو الليل، يقال: أتيتك طوى من الليل، وقيل: طويت عليه البركة طيّا، وقرأ عكرمة: طِوىً بكسر الطاء وهما لغتان، وقرأ أهل الكوفة والشام: طُوىً بالتنوين وإلّا جرّا لتذكيره وتحقيقه، الباقون من غير تنوين، قال: لأنّه معدول عن طاو أو مطوىّ، فلمّا كان معدولا عن وجهه كان مصروفا عن إعرابه مثل عمر وزفر وقثم. وَأَنَا اخْتَرْتُكَ اصطفيتك، وقرأ حمزة: وإنّا اخترناك بلفظ الجمع على التعظيم فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي ولا تعبد غيري وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي قال مجاهد: أَقِمِ الصَّلاةَ لتذكرني فيها، وقال مقاتل: إذا تركت الصلاة ثمّ ذكرتها فأقمها، يدلّ عليه ما أخبرنا عبد الله بن حامد [[في الثانية زيادة: الوزّان.]] قال: أخبرنا محمد بن يعقوب قال: حدّثنا إبراهيم بن مرزوق قال: حدّثنا سعيد بن عامر عن سعيد عن قتادة عن أنس أنّ رسول الله ﷺ‎ قال: «من نسي صلاة أو نام عنها فليصلّها إذا ذكرها، إنّ الله سبحانه يقول: وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي [[سنن الدارمي: 1/ 280.]] . وقيل: هو مردود على الوحي يعني فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى واستمع لذكري. إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها فأكاد [[في نسخة أصفهان: بمعنى أخفيها وأكاد.]] صلة، كقول الشاعر: سريع إلى الهيجاء شاك سلاحه ... فما أن يكاد قرنه يتنفس [[لسان العرب: 3/ 384.]] يعني: فما يتنفس من خوفه، والفائدة في الإخفاء التخويف والتهويل، قال ابن عباس وأكثر المفسّرين: معناه أَكادُ أُخْفِيها من نفسي، وكذلك هو في مصحف أبي، وفي مصحف عبد الله: أكاد أخفيها من نفسي فكيف يعلمها مخلوق؟. وفي بعض القراءات فكيف أظهرها لكم؟ قال قطرب: فإن قيل: كيف يخفي الله من نفسه وهو خلق الإخفاء؟ قلنا: إنّ الله سبحانه كلّم العرب بكلامهم الذي يعرفونه، ألا ترى أنّ الرجل يعذل أخاه فيقول له: أذعت سرّي، فيقول مجيبا له معتذرا إليه: والله لقد كتمت سرّك نفسي فكيف أذعته؟! معناه عندهم: أخفيته الإخفاء كله، وقال الشاعر: أيام تعجبني هند وأخبرها ... ما أكتم النّفس من حاجي وإسراري [[تفسير القرطبي: 11/ 85، والعبارة: أيام تصحبني هند وأخبرها.]] فكيف يخبرها ما يكتم عن نفسه؟ فمجاز الآية على هذا. وقرأ الحسن وسعيد بن جبير: أَخْفِيها بفتح الألف أي أظهرها وأبرزها يقال: خفيت الشيء إذا أظهرته، وأخفيته إذا سترته، قال امرؤ القيس: خفاهنّ من إنفاقهنّ كأنّما ... خفاهنّ ودق من سحاب مركّب [[كتاب العين: 4/ 314.]] أي أخرجهن. لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى أي تعمل من خير وشرّ فَلا يَصُدَّنَّكَ يصرفنّك عَنْها يعني عن الإيمان بالساعة مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها وَاتَّبَعَ هَواهُ مراده فَتَرْدى فتهلك. وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى قالَ هِيَ عَصايَ وكانت لها شعبتان وفي أسفلها سنان واسمها نبعة في قول مقاتل [[في نسخة أصفهان: مجاهد.]] أَتَوَكَّؤُا اعتمد عَلَيْها إذا مشيت وإذا أعييت وعند الوثبة والطفرة. وَأَهُشُّ وأخبط بِها الشجر ليتناثر ورقها فتأكل غنمي، وقرأ عكرمة «وأهسّ» بالسين يعني وازجر بها الغنم، وذلك أن العرب تقول: هس هس، وقال النضر بن شمّيل: سألت الخليل عن قراءة عكرمة فقال: العرب تعاقب بين الشين والسين في كثير من الكلام، كقولهم: شمّت العاطس وسمّته، وشن عليه الدرع وسن، والروشم والروسم للختم. وَلِيَ فِيها مَآرِبُ حوائج ومنافع، واحدتها مأربة ومأربة بفتح الراء وضمّها أُخْرى ولم يقل أخر لرؤوس الآي. قال ابن عباس: كان موسى عليه السلام يحمل عليها زاده وسقاءه، فجعلت تماشيه وتحدّثه، وكان يضرب بها الأرض فيخرج ما يأكل يومه، ويركزها فيخرج الماء فإذا رفعها ذهب الماء، وكان يردّ بها غنمه، وتقيه الهوام بإذن الله، وإذا ظهر له عدّو حاربت وناضلت عنه، وإذا أراد الإسقاء من البئر أدلاها فطالت على طول البئر وصارت شعبتاها كالدلو حتى يستقي، وكان يظهر على شعبتيها كالشمعتين بالليل تضيء له ويهتدي بها، وإذا اشتهى ثمرة من الثمار ركزها في الأرض فتغصّنت غصن تلك الشجرة وأورقت ورقها وأثمرت ثمرها، فهذه المآرب. قال الله سبحانه أَلْقِها يا مُوسى فَأَلْقاها من يده فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى تمشي مسرعة على بطنها. قال ابن عباس: صارت حيّة صفراء لها عرف كعرف الفرس، وجعلت تتورّم حتى صارت ثعبانا، وهو أكبر ما يكون من الحيّات، فلذلك قال في موضع كَأَنَّها جَانٌّ وهو أصغر الحيّات، وفي موضع ثعبان وهو أعظمها، فالجانّ عبارة عن ابتداء حالها، والثعبان إخبار عن انتهاء حالها، وقيل: أراد أنّها في عظم الثعبان وسرعة الجانّ، فأمّا الحيّة فإنها تجمع الصغر والكبر والذكر والأنثى. قال فرقد السخي: كان ما بين جنبيها أربعين ذراعا فلما ظهر في موسى من الخوف ونفار الطبع لمّا رأى من الأعجوبة قالَ الله تعالى له خُذْها وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا أي إلى سيرتها وهيئتها الْأُولى نردّها عصا كما كانت وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ يعني إبطك. وقال الكلبي: أسفل من الإبط، وقال مجاهد: تحت عضدك، وقال مقاتل: يعني مع جناحك وهو عضده تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ برص ولا داء آيَةً أُخْرى سوى العصا، فأخرج يده من مدرعة له مضرّبة بيضاء لها شعاع كشعاع الشمس يغشي البصر لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى وكان من حقّه الكبر وإنّما قال: الْكُبْرى وفاقا لرءوس الآي، وقيل: فيه إضمار معناه لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الآية الكبرى [[في نسخة أصفهان: الآية الكريمة.]] دليله قول ابن عباس: كانت يد موسى أكبر آياته.

طه 20:22

وَهَلْ أَتاكَ يا محمد حَدِيثُ مُوسى قال أهل المعاني: هو استفهام اثبات [[في نسخة أصفهان زيادة: وإيجاب.]] مجازه: أليس قد أتاك؟. وقال بعضهم: معناه: وقد أتاك، وقال: لم يكن قد أتاه [[في نسخة أصفهان: أتاك، وقال الكلبي: لم يكن أتاه حديثه.]] ثم أخبره. إِذْ رَأى ناراً ليلة الجمعة، وقال وهب بن منبّه: استأذن موسى شعيبا في الرجوع إلى والدته فأذن له فخرج بأهله، فولد له ابن في الطريق في ليلة شاتية مثلجة وقد جاد [[في المخطوط: جار.]] عن الطريق، فقدح موسى النار فلم تور المقدحة، فبينا هو في مزاولة ذلك أبصر نارا من بعيد عن يسار الطريق فَقالَ لِأَهْلِهِ لامرأته امْكُثُوا أقيموا مكانكم إِنِّي آنَسْتُ أبصرت ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ يعني شعلة من النار، والقبس: ما اقتبس من خشب أو قصب [[في نسخة أصفهان: قيس.]] أو غير ذلك أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً يعني من يدلّني على الطريق فَلَمَّا أَتاها رأى شجرة خضراء من أسفلها إلى أعلاها كأنّها نار بيضاء تتقدّم [[في نسخة أصفهان: تنفد.]] ، وسمع تسبيح الملائكة، ورأى نورا عظيما فخاف وتعّجب، فألقيت عليه السكينة ثمّ نُودِيَ يا مُوسى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ وإنّما كرّر الكناية لتوكيد الدلالة وإزالة الشبهة وتحقيق المعرفة، ونظيره قوله للرسول عليه السلام وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ [[الحجر: 89.]] . فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ وكان [[في نسخة أصفهان: أي فانزع و.]] السبب في أمره بخلع نعليه ما أخبرنا عبد الله بن حامد [[في نسخة أصفهان زيادة: الاصفهاني.]] ، قال: أخبرنا أحمد بن يحيى العبيدي قال: حدّثنا أحمد بن نجدة قال: حدّثنا الحمّاني قال: حدّثنا عيسى بن يونس [[في نسخة أصفهان: بن نجدة الحماني عن يونس.]] عن حميد بن عبد الله عن عبد الله بن الحرث العنبسي عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ‎ في قوله فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ قال: كانتا من جلد حمار ميّت [[سنن الترمذي: 3/ 138.]] ، وفي بعض الأخبار: غير مدبوغ [[السنن الكبرى: 3/ 255.]] ، وقال الحسن: ما بال خلع النعلين في الصلاة وصلّى رسول الله ﷺ‎ في نعليه؟ وإنّما أمر موسى عليه السلام أن يخلع نعليه إنّهما كانتا من جلد حمار، وقال أبو الأحوص: أتى عبد الله أبا موسى في داره فأقيمت الصلاة فقال لعبد الله تقدّم، فقال له عبد الله: تقدّم أنت في دارك فتقدّم فنزع نعليه، فقال له عبد الله: أبِالْوادِ الْمُقَدَّسِ أنت؟. وقال عكرمة ومجاهد: إنّما قال له: اخلع نعليك كي تمسّ راحة قدميك الأرض الطيّبة وينالك بركتها لأنّها قدّست مرّتين. وقال بعضهم: أمر بذلك لأنّ الحفوة من أمارات التواضع، وكذلك فعل السّلف حين طافوا بالبيت. قال سعيد بن جبير: قيل له: طأ الأرض حافيا، كيما يدخل كعبه من بركة الوادي. وقال أهل الإشارة: معناه: فرّغ قلبك من شغل الأهل والولد. قالوا: وكذلك هو في التعبير من رأى عليه نعلين تزوّج. فخلعهما موسى وألقاهما من وراء الوادي إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ المطهّر طُوىً اسم الوادي، وقال الضحاك: مستدير عميق مثل الطوى في استدارته، وقيل: أراد به إنك تطوي الوادي، وقيل: هو الليل، يقال: أتيتك طوى من الليل، وقيل: طويت عليه البركة طيّا، وقرأ عكرمة: طِوىً بكسر الطاء وهما لغتان، وقرأ أهل الكوفة والشام: طُوىً بالتنوين وإلّا جرّا لتذكيره وتحقيقه، الباقون من غير تنوين، قال: لأنّه معدول عن طاو أو مطوىّ، فلمّا كان معدولا عن وجهه كان مصروفا عن إعرابه مثل عمر وزفر وقثم. وَأَنَا اخْتَرْتُكَ اصطفيتك، وقرأ حمزة: وإنّا اخترناك بلفظ الجمع على التعظيم فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي ولا تعبد غيري وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي قال مجاهد: أَقِمِ الصَّلاةَ لتذكرني فيها، وقال مقاتل: إذا تركت الصلاة ثمّ ذكرتها فأقمها، يدلّ عليه ما أخبرنا عبد الله بن حامد [[في الثانية زيادة: الوزّان.]] قال: أخبرنا محمد بن يعقوب قال: حدّثنا إبراهيم بن مرزوق قال: حدّثنا سعيد بن عامر عن سعيد عن قتادة عن أنس أنّ رسول الله ﷺ‎ قال: «من نسي صلاة أو نام عنها فليصلّها إذا ذكرها، إنّ الله سبحانه يقول: وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي [[سنن الدارمي: 1/ 280.]] . وقيل: هو مردود على الوحي يعني فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى واستمع لذكري. إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها فأكاد [[في نسخة أصفهان: بمعنى أخفيها وأكاد.]] صلة، كقول الشاعر: سريع إلى الهيجاء شاك سلاحه ... فما أن يكاد قرنه يتنفس [[لسان العرب: 3/ 384.]] يعني: فما يتنفس من خوفه، والفائدة في الإخفاء التخويف والتهويل، قال ابن عباس وأكثر المفسّرين: معناه أَكادُ أُخْفِيها من نفسي، وكذلك هو في مصحف أبي، وفي مصحف عبد الله: أكاد أخفيها من نفسي فكيف يعلمها مخلوق؟. وفي بعض القراءات فكيف أظهرها لكم؟ قال قطرب: فإن قيل: كيف يخفي الله من نفسه وهو خلق الإخفاء؟ قلنا: إنّ الله سبحانه كلّم العرب بكلامهم الذي يعرفونه، ألا ترى أنّ الرجل يعذل أخاه فيقول له: أذعت سرّي، فيقول مجيبا له معتذرا إليه: والله لقد كتمت سرّك نفسي فكيف أذعته؟! معناه عندهم: أخفيته الإخفاء كله، وقال الشاعر: أيام تعجبني هند وأخبرها ... ما أكتم النّفس من حاجي وإسراري [[تفسير القرطبي: 11/ 85، والعبارة: أيام تصحبني هند وأخبرها.]] فكيف يخبرها ما يكتم عن نفسه؟ فمجاز الآية على هذا. وقرأ الحسن وسعيد بن جبير: أَخْفِيها بفتح الألف أي أظهرها وأبرزها يقال: خفيت الشيء إذا أظهرته، وأخفيته إذا سترته، قال امرؤ القيس: خفاهنّ من إنفاقهنّ كأنّما ... خفاهنّ ودق من سحاب مركّب [[كتاب العين: 4/ 314.]] أي أخرجهن. لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى أي تعمل من خير وشرّ فَلا يَصُدَّنَّكَ يصرفنّك عَنْها يعني عن الإيمان بالساعة مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها وَاتَّبَعَ هَواهُ مراده فَتَرْدى فتهلك. وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى قالَ هِيَ عَصايَ وكانت لها شعبتان وفي أسفلها سنان واسمها نبعة في قول مقاتل [[في نسخة أصفهان: مجاهد.]] أَتَوَكَّؤُا اعتمد عَلَيْها إذا مشيت وإذا أعييت وعند الوثبة والطفرة. وَأَهُشُّ وأخبط بِها الشجر ليتناثر ورقها فتأكل غنمي، وقرأ عكرمة «وأهسّ» بالسين يعني وازجر بها الغنم، وذلك أن العرب تقول: هس هس، وقال النضر بن شمّيل: سألت الخليل عن قراءة عكرمة فقال: العرب تعاقب بين الشين والسين في كثير من الكلام، كقولهم: شمّت العاطس وسمّته، وشن عليه الدرع وسن، والروشم والروسم للختم. وَلِيَ فِيها مَآرِبُ حوائج ومنافع، واحدتها مأربة ومأربة بفتح الراء وضمّها أُخْرى ولم يقل أخر لرؤوس الآي. قال ابن عباس: كان موسى عليه السلام يحمل عليها زاده وسقاءه، فجعلت تماشيه وتحدّثه، وكان يضرب بها الأرض فيخرج ما يأكل يومه، ويركزها فيخرج الماء فإذا رفعها ذهب الماء، وكان يردّ بها غنمه، وتقيه الهوام بإذن الله، وإذا ظهر له عدّو حاربت وناضلت عنه، وإذا أراد الإسقاء من البئر أدلاها فطالت على طول البئر وصارت شعبتاها كالدلو حتى يستقي، وكان يظهر على شعبتيها كالشمعتين بالليل تضيء له ويهتدي بها، وإذا اشتهى ثمرة من الثمار ركزها في الأرض فتغصّنت غصن تلك الشجرة وأورقت ورقها وأثمرت ثمرها، فهذه المآرب. قال الله سبحانه أَلْقِها يا مُوسى فَأَلْقاها من يده فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى تمشي مسرعة على بطنها. قال ابن عباس: صارت حيّة صفراء لها عرف كعرف الفرس، وجعلت تتورّم حتى صارت ثعبانا، وهو أكبر ما يكون من الحيّات، فلذلك قال في موضع كَأَنَّها جَانٌّ وهو أصغر الحيّات، وفي موضع ثعبان وهو أعظمها، فالجانّ عبارة عن ابتداء حالها، والثعبان إخبار عن انتهاء حالها، وقيل: أراد أنّها في عظم الثعبان وسرعة الجانّ، فأمّا الحيّة فإنها تجمع الصغر والكبر والذكر والأنثى. قال فرقد السخي: كان ما بين جنبيها أربعين ذراعا فلما ظهر في موسى من الخوف ونفار الطبع لمّا رأى من الأعجوبة قالَ الله تعالى له خُذْها وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا أي إلى سيرتها وهيئتها الْأُولى نردّها عصا كما كانت وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ يعني إبطك. وقال الكلبي: أسفل من الإبط، وقال مجاهد: تحت عضدك، وقال مقاتل: يعني مع جناحك وهو عضده تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ برص ولا داء آيَةً أُخْرى سوى العصا، فأخرج يده من مدرعة له مضرّبة بيضاء لها شعاع كشعاع الشمس يغشي البصر لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى وكان من حقّه الكبر وإنّما قال: الْكُبْرى وفاقا لرءوس الآي، وقيل: فيه إضمار معناه لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الآية الكبرى [[في نسخة أصفهان: الآية الكريمة.]] دليله قول ابن عباس: كانت يد موسى أكبر آياته.

طه 20:23

وَهَلْ أَتاكَ يا محمد حَدِيثُ مُوسى قال أهل المعاني: هو استفهام اثبات [[في نسخة أصفهان زيادة: وإيجاب.]] مجازه: أليس قد أتاك؟. وقال بعضهم: معناه: وقد أتاك، وقال: لم يكن قد أتاه [[في نسخة أصفهان: أتاك، وقال الكلبي: لم يكن أتاه حديثه.]] ثم أخبره. إِذْ رَأى ناراً ليلة الجمعة، وقال وهب بن منبّه: استأذن موسى شعيبا في الرجوع إلى والدته فأذن له فخرج بأهله، فولد له ابن في الطريق في ليلة شاتية مثلجة وقد جاد [[في المخطوط: جار.]] عن الطريق، فقدح موسى النار فلم تور المقدحة، فبينا هو في مزاولة ذلك أبصر نارا من بعيد عن يسار الطريق فَقالَ لِأَهْلِهِ لامرأته امْكُثُوا أقيموا مكانكم إِنِّي آنَسْتُ أبصرت ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ يعني شعلة من النار، والقبس: ما اقتبس من خشب أو قصب [[في نسخة أصفهان: قيس.]] أو غير ذلك أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً يعني من يدلّني على الطريق فَلَمَّا أَتاها رأى شجرة خضراء من أسفلها إلى أعلاها كأنّها نار بيضاء تتقدّم [[في نسخة أصفهان: تنفد.]] ، وسمع تسبيح الملائكة، ورأى نورا عظيما فخاف وتعّجب، فألقيت عليه السكينة ثمّ نُودِيَ يا مُوسى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ وإنّما كرّر الكناية لتوكيد الدلالة وإزالة الشبهة وتحقيق المعرفة، ونظيره قوله للرسول عليه السلام وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ [[الحجر: 89.]] . فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ وكان [[في نسخة أصفهان: أي فانزع و.]] السبب في أمره بخلع نعليه ما أخبرنا عبد الله بن حامد [[في نسخة أصفهان زيادة: الاصفهاني.]] ، قال: أخبرنا أحمد بن يحيى العبيدي قال: حدّثنا أحمد بن نجدة قال: حدّثنا الحمّاني قال: حدّثنا عيسى بن يونس [[في نسخة أصفهان: بن نجدة الحماني عن يونس.]] عن حميد بن عبد الله عن عبد الله بن الحرث العنبسي عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ‎ في قوله فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ قال: كانتا من جلد حمار ميّت [[سنن الترمذي: 3/ 138.]] ، وفي بعض الأخبار: غير مدبوغ [[السنن الكبرى: 3/ 255.]] ، وقال الحسن: ما بال خلع النعلين في الصلاة وصلّى رسول الله ﷺ‎ في نعليه؟ وإنّما أمر موسى عليه السلام أن يخلع نعليه إنّهما كانتا من جلد حمار، وقال أبو الأحوص: أتى عبد الله أبا موسى في داره فأقيمت الصلاة فقال لعبد الله تقدّم، فقال له عبد الله: تقدّم أنت في دارك فتقدّم فنزع نعليه، فقال له عبد الله: أبِالْوادِ الْمُقَدَّسِ أنت؟. وقال عكرمة ومجاهد: إنّما قال له: اخلع نعليك كي تمسّ راحة قدميك الأرض الطيّبة وينالك بركتها لأنّها قدّست مرّتين. وقال بعضهم: أمر بذلك لأنّ الحفوة من أمارات التواضع، وكذلك فعل السّلف حين طافوا بالبيت. قال سعيد بن جبير: قيل له: طأ الأرض حافيا، كيما يدخل كعبه من بركة الوادي. وقال أهل الإشارة: معناه: فرّغ قلبك من شغل الأهل والولد. قالوا: وكذلك هو في التعبير من رأى عليه نعلين تزوّج. فخلعهما موسى وألقاهما من وراء الوادي إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ المطهّر طُوىً اسم الوادي، وقال الضحاك: مستدير عميق مثل الطوى في استدارته، وقيل: أراد به إنك تطوي الوادي، وقيل: هو الليل، يقال: أتيتك طوى من الليل، وقيل: طويت عليه البركة طيّا، وقرأ عكرمة: طِوىً بكسر الطاء وهما لغتان، وقرأ أهل الكوفة والشام: طُوىً بالتنوين وإلّا جرّا لتذكيره وتحقيقه، الباقون من غير تنوين، قال: لأنّه معدول عن طاو أو مطوىّ، فلمّا كان معدولا عن وجهه كان مصروفا عن إعرابه مثل عمر وزفر وقثم. وَأَنَا اخْتَرْتُكَ اصطفيتك، وقرأ حمزة: وإنّا اخترناك بلفظ الجمع على التعظيم فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي ولا تعبد غيري وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي قال مجاهد: أَقِمِ الصَّلاةَ لتذكرني فيها، وقال مقاتل: إذا تركت الصلاة ثمّ ذكرتها فأقمها، يدلّ عليه ما أخبرنا عبد الله بن حامد [[في الثانية زيادة: الوزّان.]] قال: أخبرنا محمد بن يعقوب قال: حدّثنا إبراهيم بن مرزوق قال: حدّثنا سعيد بن عامر عن سعيد عن قتادة عن أنس أنّ رسول الله ﷺ‎ قال: «من نسي صلاة أو نام عنها فليصلّها إذا ذكرها، إنّ الله سبحانه يقول: وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي [[سنن الدارمي: 1/ 280.]] . وقيل: هو مردود على الوحي يعني فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى واستمع لذكري. إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها فأكاد [[في نسخة أصفهان: بمعنى أخفيها وأكاد.]] صلة، كقول الشاعر: سريع إلى الهيجاء شاك سلاحه ... فما أن يكاد قرنه يتنفس [[لسان العرب: 3/ 384.]] يعني: فما يتنفس من خوفه، والفائدة في الإخفاء التخويف والتهويل، قال ابن عباس وأكثر المفسّرين: معناه أَكادُ أُخْفِيها من نفسي، وكذلك هو في مصحف أبي، وفي مصحف عبد الله: أكاد أخفيها من نفسي فكيف يعلمها مخلوق؟. وفي بعض القراءات فكيف أظهرها لكم؟ قال قطرب: فإن قيل: كيف يخفي الله من نفسه وهو خلق الإخفاء؟ قلنا: إنّ الله سبحانه كلّم العرب بكلامهم الذي يعرفونه، ألا ترى أنّ الرجل يعذل أخاه فيقول له: أذعت سرّي، فيقول مجيبا له معتذرا إليه: والله لقد كتمت سرّك نفسي فكيف أذعته؟! معناه عندهم: أخفيته الإخفاء كله، وقال الشاعر: أيام تعجبني هند وأخبرها ... ما أكتم النّفس من حاجي وإسراري [[تفسير القرطبي: 11/ 85، والعبارة: أيام تصحبني هند وأخبرها.]] فكيف يخبرها ما يكتم عن نفسه؟ فمجاز الآية على هذا. وقرأ الحسن وسعيد بن جبير: أَخْفِيها بفتح الألف أي أظهرها وأبرزها يقال: خفيت الشيء إذا أظهرته، وأخفيته إذا سترته، قال امرؤ القيس: خفاهنّ من إنفاقهنّ كأنّما ... خفاهنّ ودق من سحاب مركّب [[كتاب العين: 4/ 314.]] أي أخرجهن. لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى أي تعمل من خير وشرّ فَلا يَصُدَّنَّكَ يصرفنّك عَنْها يعني عن الإيمان بالساعة مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها وَاتَّبَعَ هَواهُ مراده فَتَرْدى فتهلك. وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى قالَ هِيَ عَصايَ وكانت لها شعبتان وفي أسفلها سنان واسمها نبعة في قول مقاتل [[في نسخة أصفهان: مجاهد.]] أَتَوَكَّؤُا اعتمد عَلَيْها إذا مشيت وإذا أعييت وعند الوثبة والطفرة. وَأَهُشُّ وأخبط بِها الشجر ليتناثر ورقها فتأكل غنمي، وقرأ عكرمة «وأهسّ» بالسين يعني وازجر بها الغنم، وذلك أن العرب تقول: هس هس، وقال النضر بن شمّيل: سألت الخليل عن قراءة عكرمة فقال: العرب تعاقب بين الشين والسين في كثير من الكلام، كقولهم: شمّت العاطس وسمّته، وشن عليه الدرع وسن، والروشم والروسم للختم. وَلِيَ فِيها مَآرِبُ حوائج ومنافع، واحدتها مأربة ومأربة بفتح الراء وضمّها أُخْرى ولم يقل أخر لرؤوس الآي. قال ابن عباس: كان موسى عليه السلام يحمل عليها زاده وسقاءه، فجعلت تماشيه وتحدّثه، وكان يضرب بها الأرض فيخرج ما يأكل يومه، ويركزها فيخرج الماء فإذا رفعها ذهب الماء، وكان يردّ بها غنمه، وتقيه الهوام بإذن الله، وإذا ظهر له عدّو حاربت وناضلت عنه، وإذا أراد الإسقاء من البئر أدلاها فطالت على طول البئر وصارت شعبتاها كالدلو حتى يستقي، وكان يظهر على شعبتيها كالشمعتين بالليل تضيء له ويهتدي بها، وإذا اشتهى ثمرة من الثمار ركزها في الأرض فتغصّنت غصن تلك الشجرة وأورقت ورقها وأثمرت ثمرها، فهذه المآرب. قال الله سبحانه أَلْقِها يا مُوسى فَأَلْقاها من يده فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى تمشي مسرعة على بطنها. قال ابن عباس: صارت حيّة صفراء لها عرف كعرف الفرس، وجعلت تتورّم حتى صارت ثعبانا، وهو أكبر ما يكون من الحيّات، فلذلك قال في موضع كَأَنَّها جَانٌّ وهو أصغر الحيّات، وفي موضع ثعبان وهو أعظمها، فالجانّ عبارة عن ابتداء حالها، والثعبان إخبار عن انتهاء حالها، وقيل: أراد أنّها في عظم الثعبان وسرعة الجانّ، فأمّا الحيّة فإنها تجمع الصغر والكبر والذكر والأنثى. قال فرقد السخي: كان ما بين جنبيها أربعين ذراعا فلما ظهر في موسى من الخوف ونفار الطبع لمّا رأى من الأعجوبة قالَ الله تعالى له خُذْها وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا أي إلى سيرتها وهيئتها الْأُولى نردّها عصا كما كانت وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ يعني إبطك. وقال الكلبي: أسفل من الإبط، وقال مجاهد: تحت عضدك، وقال مقاتل: يعني مع جناحك وهو عضده تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ برص ولا داء آيَةً أُخْرى سوى العصا، فأخرج يده من مدرعة له مضرّبة بيضاء لها شعاع كشعاع الشمس يغشي البصر لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى وكان من حقّه الكبر وإنّما قال: الْكُبْرى وفاقا لرءوس الآي، وقيل: فيه إضمار معناه لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الآية الكبرى [[في نسخة أصفهان: الآية الكريمة.]] دليله قول ابن عباس: كانت يد موسى أكبر آياته.

طه 20:24

اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى عصى وعلا وتكبّر وكفر، فادعه إلى عبادتي، واعلم بأنّي قد ربطت [[في نسخة أصفهان: ورطت وكذا في الموضع الآتي.]] على قلبه، قال: فكيف تأمرني أن آتيه وقد ربطت على قلبه؟ فأتاه ملك من خزّان الريح فقال: انطلق، فإنّا اثنا عشر من خزّان الريح منذ خلقنا الله سبحانه نحن في هذا فما علمناه، فامض لأمر الله، فقال موسى عند ذلك رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وسّع وليّن قلبي بالإيمان والنبوّة وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وسهّل عليّ ما أمرتني به من تبليغ الرسالة إلى فرعون وَاحْلُلْ وابسط وافتح عُقْدَةً مِنْ لِسانِي قال ابن عباس: كانت في لسانه رتّة، وذلك أنّه كان في حجر فرعون ذات يوم فلطمه لطمة وأخذ بلحيته فقال فرعون لآسية امرأته: انّ هذا عدوّي، فقالت آسية: على رسلك إنّه صبي لا يفرّق بين الأشياء ولا يميّز، ثم جاءت بطستين فجعلت في أحدهما الجمر وفي الأخرى الجوهر ووضعتهما بين يدي موسى، فأخذ جبرئيل بيد موسى فوضعها على النار حتى رفع جمرة ووضعها على لسانه فتلك الرتّة يَفْقَهُوا قَوْلِي كي يفهموا كلامي وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً معينا وظهيرا مِنْ أَهْلِي ثمّ بين من هو فقال هارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي قوّ به ظهري وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي يعني النبوّة وتبليغ الرسالة كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً نصلّي لك وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً. وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق وابن عامر: اشْدِدْ بِهِ أَزْرِي بفتح الألف وَأُشْرُكْهُ بضم الألف على الجزاء والجواب حكاية عن موسى أنّي أفعل ذلك، قال الله سبحانه قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى قد أعطيت مرادك وسؤالك يا موسى. وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى قبل هذا وهي إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ وحي إلهام مثل وحي النحل ما يُوحى أَنِ اقْذِفِيهِ أن اجعليه فِي التَّابُوتِ. قال مقاتل: والمؤمن الذي صنع التابوت من آل فرعون اسمه خربيل، وقيل: إنّه كان من بردي فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ يعني نهر النيل فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يعني شاطئ النهر، لفظه أمر ومعناه خبر مجازه: حتى يلقيه اليمّ بالساحل يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ يعني فرعون، فاتّخذت تابوتا وجعلت فيه قطنا محلوجا، ووضعت فيه موسى، وقيّرت رأسه وخصاصه- يعني شقوقه- ثمّ ألقته في النّيل، وكان يشرع منه نهر كبير في دار فرعون، فبينا هو جالس على رأس البركة مع امرأته آسية إذا بتابوت يجيء به الماء، فلمّا رأى ذلك أمر الغلمان والجواري بإخراجه فأخرجوه وفتحوا رأسه فإذا صبيّ من أصبح الناس وجها، فلمّا رآه فرعون أحبّه بحيث لم يتمالك، فذلك قوله سبحانه وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي قال ابن عباس: أحبّه وحبّبه إلى خلقه، قال عطيّة العوفي: جعل عليه مسحة من جمال لا تكاد يصبر عنه من رآه، قال قتادة: ملاحة كانت في عيني موسى، ما رآه أحد إلّا عشقه. وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي أي ولتربّى وتغذّى بمرأى ومنظر منّي إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ واسمها مريم متعرّفة خبره فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ يرضعه ويضمّه إليه، وذلك أنّه كان لا يقبل ثدي امرأة، فلمّا قالت لهم أخته ذلك قالوا: نعم، فجاءت بالأمّ فقبل ثديها فذلك قوله فَرَجَعْناكَ فرددناك إِلى أُمِّكَ. وفي مصحف أبي فرددناك إلى أمّك كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها بلقائك وبقائك وَلا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْساً قال ابن عباس: قتل قبطيا كافرا. قال كعب الأحبار: كان إذ ذاك ابن اثنتي عشرة سنة فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ أي من غمّ القتل وكربته وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً. قال ابن عباس: اختبرناك اختبارا. وقال الضحّاك وقتادة ومقاتل، ابتليناك ابتلاء. وقال مجاهد: أخلصناك إخلاصا فَلَبِثْتَ سِنِينَ [[في نسخة أصفهان زيادة: فمكثت.]] يعني عشر سنين فِي أَهْلِ مَدْيَنَ وهي بلدة شعيب على ثلاث [[في نسخة أصفهان: ثمان.]] مراحل من مصر، قال وهب: لبث عند شعيب ثمان وعشرين سنة، عشر سنين منها مهر امرأته صفيرا بنت شعيب وثماني عشرة سنة أقام عنده حتى ولد له. ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى. قال مقاتل: على موعد، قال محمد بن كعب: ثم جئت على القدر الذي قدّرت أنك تجيء. قال عبد الرّحمن بن كيسان: على رأس أربعين سنة وهو القدر الذي يوحي فيه إلى الأنبياء [[في الثانية محمد بن كعب ثم جئت على القدر الذي يوحى فيه إلى الأنبياء.]] ، قال الكلبي: وافق الكلام عند الشجرة. وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي اخترتك واصطفيتك واختصصتك [[في نسخة أصفهان زيادة: لنفسي.]] بالرسالة أو النبوّة اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي اليد والعصا وَلا تَنِيا قال ابن عباس: لا تضعفا، وقال السدّي: لا تفترا، وقال محمد بن كعب: لا تقصّرا. وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: لا تبطئا، وفي قراءة ابن مسعود: ولا تهنا. اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى. فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً قال ابن عباس: لا تعنّفا في قولكما ولا تغلّظا، وقال السدّي وعكرمة: كنّياه قولا له: يا أبا العباس، وقيل: يا أبا الوليد. وقال مقاتل: يعني بالقول اللين هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى. وقال أهل المعاني: معناه الطفا له في قولكما فإنّه ربّاك وأحسن تربيتك وله عليك حقّ الأبوّة فلا تجبهه بمكروه في أوّل قدومك عليه، يقال: وعده على قبول الإيمان شبابا لا يهرم وملكا لا ينزع عنه إلّا بالموت، ويبقى عليه لذّة المطعم والمشرب والمنكح إلى حين موته. قال المفسّرون: وكان هارون يومئذ بمصر فأمر الله عزّ وجلّ أن يأتي هو وهارون، وأوحى إلى هارون وهو بمصر أن يتلقى موسى فتلقّاه إلى مرحلة وأخبره بما أوحي إليه فقال له موسى: إن الله سبحانه أمرني أن آتي فرعون فسألت ربّي عزّ وجلّ أن يجعلك معي. وقوله لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى أي يسلم. فإن قيل: كيف قال: لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى وعلمه سابق في فرعون أنّه لا يتذكّر ولا يخشى؟. قال الحسين [[في نسخة أصفهان: الحسن.]] بن الفضل: هو مصروف إلى غير فرعون، ومجازه: لكي يتذكّر متذكّر أو يخشى خاش إذا رأى برّي وإلطافي بمن خلقته ورزقته، وصححت جسمه وأنعمت عليه ثم ادّعى الربوبية دوني. وقال أبو بكر محمد بن عمر الورّاق: لعلّ هاهنا من الله واجب، ولقد تذكّر فرعون حيث لم تنفعه الذكرى والخشية، وذلك قوله حين ألجمه الغرق في البحر آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ [[يونس: 90.]] . سمعت أبا القاسم الحسن بن محمد بن حبيب يقول: سمعت أبي يقول سمعت علىّ [[في نسخة أصفهان: محمد بن حبيب يقول: سمعت علي.]] بن محمد الوراق يقول: سمعت يحيى بن معاذ الرازي يقول- وقرأ هذه الآية-: هذا رفقك بمن يقول: أنا الإله، فكيف رفقك بمن يقول: أنت الإله؟ قال أبو القاسم الحسين [[في نسخة أصفهان: الحسين.]] فبنيت عليه ألفاظا اقتديت به فيها فقلت: هذا رفقك بمن ينافيك فكيف رفقك بمن يصافيك؟ هذا رفقك بمن يعاديك فكيف رفقك بمن يواليك؟ هذا رفقك بمن يسبّك فكيف رفقك بمن يحبّك؟ هذا رفقك بمن يقول لك ندّا فكيف رفقك بمن يقول فردا؟ هذا رفقك بمن ضلّ فكيف رفقك بمن ذل [[في نسخة أصفهان زيادة: هذا رفقك بمن استكبر فكيف رفقك بمن استغفر؟]] هذا رفقك بمن اقترف فكيف رفقك بمن اعترف؟ هذا رفقك بمن أصرّ فكيف رفقك بمن أقرّ؟ هذا رفقك بمن استكبر فكيف رفقك بمن استغفر؟ قالا يعني موسى وهارون رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا. قال ابن عباس: يعجّل بالقتل والعقوبة، وقال الضحّاك: تجاوز الحدّ، وقيل: يغلبنا أَوْ أَنْ يَطْغى يتكبّر ويستعصي علينا. قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما بالدفع عنكما أَسْمَعُ قولكما وقوله وَأَرى فعله وفعلكما فَأْتِياهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ أي ولا تتعبهم في العمل، وكانت بنو إسرائيل عند آل فرعون في عذاب شديد يقتل أبناءهم ويستخدم نساءهم ويكلفهم من العمل واللبن والطين وبناء المدائن ما لا يقدرون عليه. قال موسى قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ قال فرعون: وما هي؟ قال: فأدخل يده في جيب قميصه ثمّ أخرجها فإذا هي بيضاء لها شعاع كشعاع الشمس، غلبت نور الشمس، فعجب منها ولم يره العصا إلّا بعد ذلك يوم الزينة. وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى يعني من أسلم إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ أنبياء الله وَتَوَلَّى أعرض عن الإيمان، ورأيت في بعض التفاسير أنّ هذه أرجى آية للموحّدين في القرآن. قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى يعني يا موسى وهارون فذكر موسى دون هارون لرؤوس الآي. قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ قال الحسين وقتادة: أعطى كلّ شيء صلاحه وهداه لما يصلحه. وقال مجاهد: لم يجعل الإنسان في خلق البهائم، ولا خلق البهائم في خلق الإنسان، ولكن خلق كلّ شي فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً. وقال عطيّة: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ يعني صورته. وقال الضحّاك: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ، يعني اليد للبطش والرجل للمشي واللسان للنطق والعين للبصر والأذن للسمع. وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا عبد الرّحمن بن محمد الزهري قال: حدّثنا أحمد ابن سعيد قال: حدّثنا سعيد بن سليمان عن إسماعيل بن زكريا عن إسماعيل بن أبي صالح، أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى قال: هداه لمعيشته. وقال ابن عباس وسعيد بن جبير: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ يعني شكله، للإنسان الزوجة وللبعير الناقة وللفرس الرمكة وللحمار الأتان ثُمَّ هَدى أي عرّف وعلّم وألهم كيف يأتي الذكر الأنثى في النكاح [[في نسخة أصفهان: قوله: أي عرّف.... النكاح تأتي بعد قوله: على الفعل.]] . وقرأ نصير خَلَقَهُ بفتح اللام على الفعل. قالَ فرعون فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى وإنّما قال هذا فرعون لموسى حين قال موسى: إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ، فقال فرعون حينئذ له: فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى التي ذكرت؟ ف قالَ موسى عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ يعني اللوح المحفوظ، وإنّما ردّ موسى علم ذلك إلى الله سبحانه لأنّه لم يعلم ذلك، وإنّما نزلت التوراة عليه بعد هلاك فرعون وقومه لا يَضِلُّ رَبِّي أي لا يخطئ وَلا يَنْسى فيتذكّر، وقال مجاهد: هما شيء واحد.

طه 20:25

اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى عصى وعلا وتكبّر وكفر، فادعه إلى عبادتي، واعلم بأنّي قد ربطت [[في نسخة أصفهان: ورطت وكذا في الموضع الآتي.]] على قلبه، قال: فكيف تأمرني أن آتيه وقد ربطت على قلبه؟ فأتاه ملك من خزّان الريح فقال: انطلق، فإنّا اثنا عشر من خزّان الريح منذ خلقنا الله سبحانه نحن في هذا فما علمناه، فامض لأمر الله، فقال موسى عند ذلك رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وسّع وليّن قلبي بالإيمان والنبوّة وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وسهّل عليّ ما أمرتني به من تبليغ الرسالة إلى فرعون وَاحْلُلْ وابسط وافتح عُقْدَةً مِنْ لِسانِي قال ابن عباس: كانت في لسانه رتّة، وذلك أنّه كان في حجر فرعون ذات يوم فلطمه لطمة وأخذ بلحيته فقال فرعون لآسية امرأته: انّ هذا عدوّي، فقالت آسية: على رسلك إنّه صبي لا يفرّق بين الأشياء ولا يميّز، ثم جاءت بطستين فجعلت في أحدهما الجمر وفي الأخرى الجوهر ووضعتهما بين يدي موسى، فأخذ جبرئيل بيد موسى فوضعها على النار حتى رفع جمرة ووضعها على لسانه فتلك الرتّة يَفْقَهُوا قَوْلِي كي يفهموا كلامي وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً معينا وظهيرا مِنْ أَهْلِي ثمّ بين من هو فقال هارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي قوّ به ظهري وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي يعني النبوّة وتبليغ الرسالة كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً نصلّي لك وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً. وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق وابن عامر: اشْدِدْ بِهِ أَزْرِي بفتح الألف وَأُشْرُكْهُ بضم الألف على الجزاء والجواب حكاية عن موسى أنّي أفعل ذلك، قال الله سبحانه قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى قد أعطيت مرادك وسؤالك يا موسى. وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى قبل هذا وهي إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ وحي إلهام مثل وحي النحل ما يُوحى أَنِ اقْذِفِيهِ أن اجعليه فِي التَّابُوتِ. قال مقاتل: والمؤمن الذي صنع التابوت من آل فرعون اسمه خربيل، وقيل: إنّه كان من بردي فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ يعني نهر النيل فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يعني شاطئ النهر، لفظه أمر ومعناه خبر مجازه: حتى يلقيه اليمّ بالساحل يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ يعني فرعون، فاتّخذت تابوتا وجعلت فيه قطنا محلوجا، ووضعت فيه موسى، وقيّرت رأسه وخصاصه- يعني شقوقه- ثمّ ألقته في النّيل، وكان يشرع منه نهر كبير في دار فرعون، فبينا هو جالس على رأس البركة مع امرأته آسية إذا بتابوت يجيء به الماء، فلمّا رأى ذلك أمر الغلمان والجواري بإخراجه فأخرجوه وفتحوا رأسه فإذا صبيّ من أصبح الناس وجها، فلمّا رآه فرعون أحبّه بحيث لم يتمالك، فذلك قوله سبحانه وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي قال ابن عباس: أحبّه وحبّبه إلى خلقه، قال عطيّة العوفي: جعل عليه مسحة من جمال لا تكاد يصبر عنه من رآه، قال قتادة: ملاحة كانت في عيني موسى، ما رآه أحد إلّا عشقه. وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي أي ولتربّى وتغذّى بمرأى ومنظر منّي إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ واسمها مريم متعرّفة خبره فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ يرضعه ويضمّه إليه، وذلك أنّه كان لا يقبل ثدي امرأة، فلمّا قالت لهم أخته ذلك قالوا: نعم، فجاءت بالأمّ فقبل ثديها فذلك قوله فَرَجَعْناكَ فرددناك إِلى أُمِّكَ. وفي مصحف أبي فرددناك إلى أمّك كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها بلقائك وبقائك وَلا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْساً قال ابن عباس: قتل قبطيا كافرا. قال كعب الأحبار: كان إذ ذاك ابن اثنتي عشرة سنة فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ أي من غمّ القتل وكربته وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً. قال ابن عباس: اختبرناك اختبارا. وقال الضحّاك وقتادة ومقاتل، ابتليناك ابتلاء. وقال مجاهد: أخلصناك إخلاصا فَلَبِثْتَ سِنِينَ [[في نسخة أصفهان زيادة: فمكثت.]] يعني عشر سنين فِي أَهْلِ مَدْيَنَ وهي بلدة شعيب على ثلاث [[في نسخة أصفهان: ثمان.]] مراحل من مصر، قال وهب: لبث عند شعيب ثمان وعشرين سنة، عشر سنين منها مهر امرأته صفيرا بنت شعيب وثماني عشرة سنة أقام عنده حتى ولد له. ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى. قال مقاتل: على موعد، قال محمد بن كعب: ثم جئت على القدر الذي قدّرت أنك تجيء. قال عبد الرّحمن بن كيسان: على رأس أربعين سنة وهو القدر الذي يوحي فيه إلى الأنبياء [[في الثانية محمد بن كعب ثم جئت على القدر الذي يوحى فيه إلى الأنبياء.]] ، قال الكلبي: وافق الكلام عند الشجرة. وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي اخترتك واصطفيتك واختصصتك [[في نسخة أصفهان زيادة: لنفسي.]] بالرسالة أو النبوّة اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي اليد والعصا وَلا تَنِيا قال ابن عباس: لا تضعفا، وقال السدّي: لا تفترا، وقال محمد بن كعب: لا تقصّرا. وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: لا تبطئا، وفي قراءة ابن مسعود: ولا تهنا. اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى. فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً قال ابن عباس: لا تعنّفا في قولكما ولا تغلّظا، وقال السدّي وعكرمة: كنّياه قولا له: يا أبا العباس، وقيل: يا أبا الوليد. وقال مقاتل: يعني بالقول اللين هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى. وقال أهل المعاني: معناه الطفا له في قولكما فإنّه ربّاك وأحسن تربيتك وله عليك حقّ الأبوّة فلا تجبهه بمكروه في أوّل قدومك عليه، يقال: وعده على قبول الإيمان شبابا لا يهرم وملكا لا ينزع عنه إلّا بالموت، ويبقى عليه لذّة المطعم والمشرب والمنكح إلى حين موته. قال المفسّرون: وكان هارون يومئذ بمصر فأمر الله عزّ وجلّ أن يأتي هو وهارون، وأوحى إلى هارون وهو بمصر أن يتلقى موسى فتلقّاه إلى مرحلة وأخبره بما أوحي إليه فقال له موسى: إن الله سبحانه أمرني أن آتي فرعون فسألت ربّي عزّ وجلّ أن يجعلك معي. وقوله لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى أي يسلم. فإن قيل: كيف قال: لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى وعلمه سابق في فرعون أنّه لا يتذكّر ولا يخشى؟. قال الحسين [[في نسخة أصفهان: الحسن.]] بن الفضل: هو مصروف إلى غير فرعون، ومجازه: لكي يتذكّر متذكّر أو يخشى خاش إذا رأى برّي وإلطافي بمن خلقته ورزقته، وصححت جسمه وأنعمت عليه ثم ادّعى الربوبية دوني. وقال أبو بكر محمد بن عمر الورّاق: لعلّ هاهنا من الله واجب، ولقد تذكّر فرعون حيث لم تنفعه الذكرى والخشية، وذلك قوله حين ألجمه الغرق في البحر آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ [[يونس: 90.]] . سمعت أبا القاسم الحسن بن محمد بن حبيب يقول: سمعت أبي يقول سمعت علىّ [[في نسخة أصفهان: محمد بن حبيب يقول: سمعت علي.]] بن محمد الوراق يقول: سمعت يحيى بن معاذ الرازي يقول- وقرأ هذه الآية-: هذا رفقك بمن يقول: أنا الإله، فكيف رفقك بمن يقول: أنت الإله؟ قال أبو القاسم الحسين [[في نسخة أصفهان: الحسين.]] فبنيت عليه ألفاظا اقتديت به فيها فقلت: هذا رفقك بمن ينافيك فكيف رفقك بمن يصافيك؟ هذا رفقك بمن يعاديك فكيف رفقك بمن يواليك؟ هذا رفقك بمن يسبّك فكيف رفقك بمن يحبّك؟ هذا رفقك بمن يقول لك ندّا فكيف رفقك بمن يقول فردا؟ هذا رفقك بمن ضلّ فكيف رفقك بمن ذل [[في نسخة أصفهان زيادة: هذا رفقك بمن استكبر فكيف رفقك بمن استغفر؟]] هذا رفقك بمن اقترف فكيف رفقك بمن اعترف؟ هذا رفقك بمن أصرّ فكيف رفقك بمن أقرّ؟ هذا رفقك بمن استكبر فكيف رفقك بمن استغفر؟ قالا يعني موسى وهارون رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا. قال ابن عباس: يعجّل بالقتل والعقوبة، وقال الضحّاك: تجاوز الحدّ، وقيل: يغلبنا أَوْ أَنْ يَطْغى يتكبّر ويستعصي علينا. قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما بالدفع عنكما أَسْمَعُ قولكما وقوله وَأَرى فعله وفعلكما فَأْتِياهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ أي ولا تتعبهم في العمل، وكانت بنو إسرائيل عند آل فرعون في عذاب شديد يقتل أبناءهم ويستخدم نساءهم ويكلفهم من العمل واللبن والطين وبناء المدائن ما لا يقدرون عليه. قال موسى قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ قال فرعون: وما هي؟ قال: فأدخل يده في جيب قميصه ثمّ أخرجها فإذا هي بيضاء لها شعاع كشعاع الشمس، غلبت نور الشمس، فعجب منها ولم يره العصا إلّا بعد ذلك يوم الزينة. وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى يعني من أسلم إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ أنبياء الله وَتَوَلَّى أعرض عن الإيمان، ورأيت في بعض التفاسير أنّ هذه أرجى آية للموحّدين في القرآن. قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى يعني يا موسى وهارون فذكر موسى دون هارون لرؤوس الآي. قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ قال الحسين وقتادة: أعطى كلّ شيء صلاحه وهداه لما يصلحه. وقال مجاهد: لم يجعل الإنسان في خلق البهائم، ولا خلق البهائم في خلق الإنسان، ولكن خلق كلّ شي فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً. وقال عطيّة: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ يعني صورته. وقال الضحّاك: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ، يعني اليد للبطش والرجل للمشي واللسان للنطق والعين للبصر والأذن للسمع. وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا عبد الرّحمن بن محمد الزهري قال: حدّثنا أحمد ابن سعيد قال: حدّثنا سعيد بن سليمان عن إسماعيل بن زكريا عن إسماعيل بن أبي صالح، أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى قال: هداه لمعيشته. وقال ابن عباس وسعيد بن جبير: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ يعني شكله، للإنسان الزوجة وللبعير الناقة وللفرس الرمكة وللحمار الأتان ثُمَّ هَدى أي عرّف وعلّم وألهم كيف يأتي الذكر الأنثى في النكاح [[في نسخة أصفهان: قوله: أي عرّف.... النكاح تأتي بعد قوله: على الفعل.]] . وقرأ نصير خَلَقَهُ بفتح اللام على الفعل. قالَ فرعون فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى وإنّما قال هذا فرعون لموسى حين قال موسى: إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ، فقال فرعون حينئذ له: فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى التي ذكرت؟ ف قالَ موسى عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ يعني اللوح المحفوظ، وإنّما ردّ موسى علم ذلك إلى الله سبحانه لأنّه لم يعلم ذلك، وإنّما نزلت التوراة عليه بعد هلاك فرعون وقومه لا يَضِلُّ رَبِّي أي لا يخطئ وَلا يَنْسى فيتذكّر، وقال مجاهد: هما شيء واحد.

طه 20:26

اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى عصى وعلا وتكبّر وكفر، فادعه إلى عبادتي، واعلم بأنّي قد ربطت [[في نسخة أصفهان: ورطت وكذا في الموضع الآتي.]] على قلبه، قال: فكيف تأمرني أن آتيه وقد ربطت على قلبه؟ فأتاه ملك من خزّان الريح فقال: انطلق، فإنّا اثنا عشر من خزّان الريح منذ خلقنا الله سبحانه نحن في هذا فما علمناه، فامض لأمر الله، فقال موسى عند ذلك رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وسّع وليّن قلبي بالإيمان والنبوّة وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وسهّل عليّ ما أمرتني به من تبليغ الرسالة إلى فرعون وَاحْلُلْ وابسط وافتح عُقْدَةً مِنْ لِسانِي قال ابن عباس: كانت في لسانه رتّة، وذلك أنّه كان في حجر فرعون ذات يوم فلطمه لطمة وأخذ بلحيته فقال فرعون لآسية امرأته: انّ هذا عدوّي، فقالت آسية: على رسلك إنّه صبي لا يفرّق بين الأشياء ولا يميّز، ثم جاءت بطستين فجعلت في أحدهما الجمر وفي الأخرى الجوهر ووضعتهما بين يدي موسى، فأخذ جبرئيل بيد موسى فوضعها على النار حتى رفع جمرة ووضعها على لسانه فتلك الرتّة يَفْقَهُوا قَوْلِي كي يفهموا كلامي وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً معينا وظهيرا مِنْ أَهْلِي ثمّ بين من هو فقال هارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي قوّ به ظهري وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي يعني النبوّة وتبليغ الرسالة كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً نصلّي لك وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً. وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق وابن عامر: اشْدِدْ بِهِ أَزْرِي بفتح الألف وَأُشْرُكْهُ بضم الألف على الجزاء والجواب حكاية عن موسى أنّي أفعل ذلك، قال الله سبحانه قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى قد أعطيت مرادك وسؤالك يا موسى. وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى قبل هذا وهي إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ وحي إلهام مثل وحي النحل ما يُوحى أَنِ اقْذِفِيهِ أن اجعليه فِي التَّابُوتِ. قال مقاتل: والمؤمن الذي صنع التابوت من آل فرعون اسمه خربيل، وقيل: إنّه كان من بردي فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ يعني نهر النيل فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يعني شاطئ النهر، لفظه أمر ومعناه خبر مجازه: حتى يلقيه اليمّ بالساحل يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ يعني فرعون، فاتّخذت تابوتا وجعلت فيه قطنا محلوجا، ووضعت فيه موسى، وقيّرت رأسه وخصاصه- يعني شقوقه- ثمّ ألقته في النّيل، وكان يشرع منه نهر كبير في دار فرعون، فبينا هو جالس على رأس البركة مع امرأته آسية إذا بتابوت يجيء به الماء، فلمّا رأى ذلك أمر الغلمان والجواري بإخراجه فأخرجوه وفتحوا رأسه فإذا صبيّ من أصبح الناس وجها، فلمّا رآه فرعون أحبّه بحيث لم يتمالك، فذلك قوله سبحانه وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي قال ابن عباس: أحبّه وحبّبه إلى خلقه، قال عطيّة العوفي: جعل عليه مسحة من جمال لا تكاد يصبر عنه من رآه، قال قتادة: ملاحة كانت في عيني موسى، ما رآه أحد إلّا عشقه. وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي أي ولتربّى وتغذّى بمرأى ومنظر منّي إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ واسمها مريم متعرّفة خبره فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ يرضعه ويضمّه إليه، وذلك أنّه كان لا يقبل ثدي امرأة، فلمّا قالت لهم أخته ذلك قالوا: نعم، فجاءت بالأمّ فقبل ثديها فذلك قوله فَرَجَعْناكَ فرددناك إِلى أُمِّكَ. وفي مصحف أبي فرددناك إلى أمّك كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها بلقائك وبقائك وَلا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْساً قال ابن عباس: قتل قبطيا كافرا. قال كعب الأحبار: كان إذ ذاك ابن اثنتي عشرة سنة فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ أي من غمّ القتل وكربته وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً. قال ابن عباس: اختبرناك اختبارا. وقال الضحّاك وقتادة ومقاتل، ابتليناك ابتلاء. وقال مجاهد: أخلصناك إخلاصا فَلَبِثْتَ سِنِينَ [[في نسخة أصفهان زيادة: فمكثت.]] يعني عشر سنين فِي أَهْلِ مَدْيَنَ وهي بلدة شعيب على ثلاث [[في نسخة أصفهان: ثمان.]] مراحل من مصر، قال وهب: لبث عند شعيب ثمان وعشرين سنة، عشر سنين منها مهر امرأته صفيرا بنت شعيب وثماني عشرة سنة أقام عنده حتى ولد له. ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى. قال مقاتل: على موعد، قال محمد بن كعب: ثم جئت على القدر الذي قدّرت أنك تجيء. قال عبد الرّحمن بن كيسان: على رأس أربعين سنة وهو القدر الذي يوحي فيه إلى الأنبياء [[في الثانية محمد بن كعب ثم جئت على القدر الذي يوحى فيه إلى الأنبياء.]] ، قال الكلبي: وافق الكلام عند الشجرة. وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي اخترتك واصطفيتك واختصصتك [[في نسخة أصفهان زيادة: لنفسي.]] بالرسالة أو النبوّة اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي اليد والعصا وَلا تَنِيا قال ابن عباس: لا تضعفا، وقال السدّي: لا تفترا، وقال محمد بن كعب: لا تقصّرا. وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: لا تبطئا، وفي قراءة ابن مسعود: ولا تهنا. اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى. فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً قال ابن عباس: لا تعنّفا في قولكما ولا تغلّظا، وقال السدّي وعكرمة: كنّياه قولا له: يا أبا العباس، وقيل: يا أبا الوليد. وقال مقاتل: يعني بالقول اللين هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى. وقال أهل المعاني: معناه الطفا له في قولكما فإنّه ربّاك وأحسن تربيتك وله عليك حقّ الأبوّة فلا تجبهه بمكروه في أوّل قدومك عليه، يقال: وعده على قبول الإيمان شبابا لا يهرم وملكا لا ينزع عنه إلّا بالموت، ويبقى عليه لذّة المطعم والمشرب والمنكح إلى حين موته. قال المفسّرون: وكان هارون يومئذ بمصر فأمر الله عزّ وجلّ أن يأتي هو وهارون، وأوحى إلى هارون وهو بمصر أن يتلقى موسى فتلقّاه إلى مرحلة وأخبره بما أوحي إليه فقال له موسى: إن الله سبحانه أمرني أن آتي فرعون فسألت ربّي عزّ وجلّ أن يجعلك معي. وقوله لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى أي يسلم. فإن قيل: كيف قال: لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى وعلمه سابق في فرعون أنّه لا يتذكّر ولا يخشى؟. قال الحسين [[في نسخة أصفهان: الحسن.]] بن الفضل: هو مصروف إلى غير فرعون، ومجازه: لكي يتذكّر متذكّر أو يخشى خاش إذا رأى برّي وإلطافي بمن خلقته ورزقته، وصححت جسمه وأنعمت عليه ثم ادّعى الربوبية دوني. وقال أبو بكر محمد بن عمر الورّاق: لعلّ هاهنا من الله واجب، ولقد تذكّر فرعون حيث لم تنفعه الذكرى والخشية، وذلك قوله حين ألجمه الغرق في البحر آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ [[يونس: 90.]] . سمعت أبا القاسم الحسن بن محمد بن حبيب يقول: سمعت أبي يقول سمعت علىّ [[في نسخة أصفهان: محمد بن حبيب يقول: سمعت علي.]] بن محمد الوراق يقول: سمعت يحيى بن معاذ الرازي يقول- وقرأ هذه الآية-: هذا رفقك بمن يقول: أنا الإله، فكيف رفقك بمن يقول: أنت الإله؟ قال أبو القاسم الحسين [[في نسخة أصفهان: الحسين.]] فبنيت عليه ألفاظا اقتديت به فيها فقلت: هذا رفقك بمن ينافيك فكيف رفقك بمن يصافيك؟ هذا رفقك بمن يعاديك فكيف رفقك بمن يواليك؟ هذا رفقك بمن يسبّك فكيف رفقك بمن يحبّك؟ هذا رفقك بمن يقول لك ندّا فكيف رفقك بمن يقول فردا؟ هذا رفقك بمن ضلّ فكيف رفقك بمن ذل [[في نسخة أصفهان زيادة: هذا رفقك بمن استكبر فكيف رفقك بمن استغفر؟]] هذا رفقك بمن اقترف فكيف رفقك بمن اعترف؟ هذا رفقك بمن أصرّ فكيف رفقك بمن أقرّ؟ هذا رفقك بمن استكبر فكيف رفقك بمن استغفر؟ قالا يعني موسى وهارون رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا. قال ابن عباس: يعجّل بالقتل والعقوبة، وقال الضحّاك: تجاوز الحدّ، وقيل: يغلبنا أَوْ أَنْ يَطْغى يتكبّر ويستعصي علينا. قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما بالدفع عنكما أَسْمَعُ قولكما وقوله وَأَرى فعله وفعلكما فَأْتِياهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ أي ولا تتعبهم في العمل، وكانت بنو إسرائيل عند آل فرعون في عذاب شديد يقتل أبناءهم ويستخدم نساءهم ويكلفهم من العمل واللبن والطين وبناء المدائن ما لا يقدرون عليه. قال موسى قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ قال فرعون: وما هي؟ قال: فأدخل يده في جيب قميصه ثمّ أخرجها فإذا هي بيضاء لها شعاع كشعاع الشمس، غلبت نور الشمس، فعجب منها ولم يره العصا إلّا بعد ذلك يوم الزينة. وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى يعني من أسلم إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ أنبياء الله وَتَوَلَّى أعرض عن الإيمان، ورأيت في بعض التفاسير أنّ هذه أرجى آية للموحّدين في القرآن. قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى يعني يا موسى وهارون فذكر موسى دون هارون لرؤوس الآي. قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ قال الحسين وقتادة: أعطى كلّ شيء صلاحه وهداه لما يصلحه. وقال مجاهد: لم يجعل الإنسان في خلق البهائم، ولا خلق البهائم في خلق الإنسان، ولكن خلق كلّ شي فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً. وقال عطيّة: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ يعني صورته. وقال الضحّاك: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ، يعني اليد للبطش والرجل للمشي واللسان للنطق والعين للبصر والأذن للسمع. وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا عبد الرّحمن بن محمد الزهري قال: حدّثنا أحمد ابن سعيد قال: حدّثنا سعيد بن سليمان عن إسماعيل بن زكريا عن إسماعيل بن أبي صالح، أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى قال: هداه لمعيشته. وقال ابن عباس وسعيد بن جبير: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ يعني شكله، للإنسان الزوجة وللبعير الناقة وللفرس الرمكة وللحمار الأتان ثُمَّ هَدى أي عرّف وعلّم وألهم كيف يأتي الذكر الأنثى في النكاح [[في نسخة أصفهان: قوله: أي عرّف.... النكاح تأتي بعد قوله: على الفعل.]] . وقرأ نصير خَلَقَهُ بفتح اللام على الفعل. قالَ فرعون فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى وإنّما قال هذا فرعون لموسى حين قال موسى: إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ، فقال فرعون حينئذ له: فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى التي ذكرت؟ ف قالَ موسى عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ يعني اللوح المحفوظ، وإنّما ردّ موسى علم ذلك إلى الله سبحانه لأنّه لم يعلم ذلك، وإنّما نزلت التوراة عليه بعد هلاك فرعون وقومه لا يَضِلُّ رَبِّي أي لا يخطئ وَلا يَنْسى فيتذكّر، وقال مجاهد: هما شيء واحد.

طه 20:27

اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى عصى وعلا وتكبّر وكفر، فادعه إلى عبادتي، واعلم بأنّي قد ربطت [[في نسخة أصفهان: ورطت وكذا في الموضع الآتي.]] على قلبه، قال: فكيف تأمرني أن آتيه وقد ربطت على قلبه؟ فأتاه ملك من خزّان الريح فقال: انطلق، فإنّا اثنا عشر من خزّان الريح منذ خلقنا الله سبحانه نحن في هذا فما علمناه، فامض لأمر الله، فقال موسى عند ذلك رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وسّع وليّن قلبي بالإيمان والنبوّة وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وسهّل عليّ ما أمرتني به من تبليغ الرسالة إلى فرعون وَاحْلُلْ وابسط وافتح عُقْدَةً مِنْ لِسانِي قال ابن عباس: كانت في لسانه رتّة، وذلك أنّه كان في حجر فرعون ذات يوم فلطمه لطمة وأخذ بلحيته فقال فرعون لآسية امرأته: انّ هذا عدوّي، فقالت آسية: على رسلك إنّه صبي لا يفرّق بين الأشياء ولا يميّز، ثم جاءت بطستين فجعلت في أحدهما الجمر وفي الأخرى الجوهر ووضعتهما بين يدي موسى، فأخذ جبرئيل بيد موسى فوضعها على النار حتى رفع جمرة ووضعها على لسانه فتلك الرتّة يَفْقَهُوا قَوْلِي كي يفهموا كلامي وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً معينا وظهيرا مِنْ أَهْلِي ثمّ بين من هو فقال هارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي قوّ به ظهري وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي يعني النبوّة وتبليغ الرسالة كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً نصلّي لك وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً. وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق وابن عامر: اشْدِدْ بِهِ أَزْرِي بفتح الألف وَأُشْرُكْهُ بضم الألف على الجزاء والجواب حكاية عن موسى أنّي أفعل ذلك، قال الله سبحانه قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى قد أعطيت مرادك وسؤالك يا موسى. وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى قبل هذا وهي إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ وحي إلهام مثل وحي النحل ما يُوحى أَنِ اقْذِفِيهِ أن اجعليه فِي التَّابُوتِ. قال مقاتل: والمؤمن الذي صنع التابوت من آل فرعون اسمه خربيل، وقيل: إنّه كان من بردي فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ يعني نهر النيل فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يعني شاطئ النهر، لفظه أمر ومعناه خبر مجازه: حتى يلقيه اليمّ بالساحل يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ يعني فرعون، فاتّخذت تابوتا وجعلت فيه قطنا محلوجا، ووضعت فيه موسى، وقيّرت رأسه وخصاصه- يعني شقوقه- ثمّ ألقته في النّيل، وكان يشرع منه نهر كبير في دار فرعون، فبينا هو جالس على رأس البركة مع امرأته آسية إذا بتابوت يجيء به الماء، فلمّا رأى ذلك أمر الغلمان والجواري بإخراجه فأخرجوه وفتحوا رأسه فإذا صبيّ من أصبح الناس وجها، فلمّا رآه فرعون أحبّه بحيث لم يتمالك، فذلك قوله سبحانه وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي قال ابن عباس: أحبّه وحبّبه إلى خلقه، قال عطيّة العوفي: جعل عليه مسحة من جمال لا تكاد يصبر عنه من رآه، قال قتادة: ملاحة كانت في عيني موسى، ما رآه أحد إلّا عشقه. وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي أي ولتربّى وتغذّى بمرأى ومنظر منّي إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ واسمها مريم متعرّفة خبره فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ يرضعه ويضمّه إليه، وذلك أنّه كان لا يقبل ثدي امرأة، فلمّا قالت لهم أخته ذلك قالوا: نعم، فجاءت بالأمّ فقبل ثديها فذلك قوله فَرَجَعْناكَ فرددناك إِلى أُمِّكَ. وفي مصحف أبي فرددناك إلى أمّك كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها بلقائك وبقائك وَلا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْساً قال ابن عباس: قتل قبطيا كافرا. قال كعب الأحبار: كان إذ ذاك ابن اثنتي عشرة سنة فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ أي من غمّ القتل وكربته وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً. قال ابن عباس: اختبرناك اختبارا. وقال الضحّاك وقتادة ومقاتل، ابتليناك ابتلاء. وقال مجاهد: أخلصناك إخلاصا فَلَبِثْتَ سِنِينَ [[في نسخة أصفهان زيادة: فمكثت.]] يعني عشر سنين فِي أَهْلِ مَدْيَنَ وهي بلدة شعيب على ثلاث [[في نسخة أصفهان: ثمان.]] مراحل من مصر، قال وهب: لبث عند شعيب ثمان وعشرين سنة، عشر سنين منها مهر امرأته صفيرا بنت شعيب وثماني عشرة سنة أقام عنده حتى ولد له. ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى. قال مقاتل: على موعد، قال محمد بن كعب: ثم جئت على القدر الذي قدّرت أنك تجيء. قال عبد الرّحمن بن كيسان: على رأس أربعين سنة وهو القدر الذي يوحي فيه إلى الأنبياء [[في الثانية محمد بن كعب ثم جئت على القدر الذي يوحى فيه إلى الأنبياء.]] ، قال الكلبي: وافق الكلام عند الشجرة. وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي اخترتك واصطفيتك واختصصتك [[في نسخة أصفهان زيادة: لنفسي.]] بالرسالة أو النبوّة اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي اليد والعصا وَلا تَنِيا قال ابن عباس: لا تضعفا، وقال السدّي: لا تفترا، وقال محمد بن كعب: لا تقصّرا. وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: لا تبطئا، وفي قراءة ابن مسعود: ولا تهنا. اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى. فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً قال ابن عباس: لا تعنّفا في قولكما ولا تغلّظا، وقال السدّي وعكرمة: كنّياه قولا له: يا أبا العباس، وقيل: يا أبا الوليد. وقال مقاتل: يعني بالقول اللين هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى. وقال أهل المعاني: معناه الطفا له في قولكما فإنّه ربّاك وأحسن تربيتك وله عليك حقّ الأبوّة فلا تجبهه بمكروه في أوّل قدومك عليه، يقال: وعده على قبول الإيمان شبابا لا يهرم وملكا لا ينزع عنه إلّا بالموت، ويبقى عليه لذّة المطعم والمشرب والمنكح إلى حين موته. قال المفسّرون: وكان هارون يومئذ بمصر فأمر الله عزّ وجلّ أن يأتي هو وهارون، وأوحى إلى هارون وهو بمصر أن يتلقى موسى فتلقّاه إلى مرحلة وأخبره بما أوحي إليه فقال له موسى: إن الله سبحانه أمرني أن آتي فرعون فسألت ربّي عزّ وجلّ أن يجعلك معي. وقوله لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى أي يسلم. فإن قيل: كيف قال: لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى وعلمه سابق في فرعون أنّه لا يتذكّر ولا يخشى؟. قال الحسين [[في نسخة أصفهان: الحسن.]] بن الفضل: هو مصروف إلى غير فرعون، ومجازه: لكي يتذكّر متذكّر أو يخشى خاش إذا رأى برّي وإلطافي بمن خلقته ورزقته، وصححت جسمه وأنعمت عليه ثم ادّعى الربوبية دوني. وقال أبو بكر محمد بن عمر الورّاق: لعلّ هاهنا من الله واجب، ولقد تذكّر فرعون حيث لم تنفعه الذكرى والخشية، وذلك قوله حين ألجمه الغرق في البحر آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ [[يونس: 90.]] . سمعت أبا القاسم الحسن بن محمد بن حبيب يقول: سمعت أبي يقول سمعت علىّ [[في نسخة أصفهان: محمد بن حبيب يقول: سمعت علي.]] بن محمد الوراق يقول: سمعت يحيى بن معاذ الرازي يقول- وقرأ هذه الآية-: هذا رفقك بمن يقول: أنا الإله، فكيف رفقك بمن يقول: أنت الإله؟ قال أبو القاسم الحسين [[في نسخة أصفهان: الحسين.]] فبنيت عليه ألفاظا اقتديت به فيها فقلت: هذا رفقك بمن ينافيك فكيف رفقك بمن يصافيك؟ هذا رفقك بمن يعاديك فكيف رفقك بمن يواليك؟ هذا رفقك بمن يسبّك فكيف رفقك بمن يحبّك؟ هذا رفقك بمن يقول لك ندّا فكيف رفقك بمن يقول فردا؟ هذا رفقك بمن ضلّ فكيف رفقك بمن ذل [[في نسخة أصفهان زيادة: هذا رفقك بمن استكبر فكيف رفقك بمن استغفر؟]] هذا رفقك بمن اقترف فكيف رفقك بمن اعترف؟ هذا رفقك بمن أصرّ فكيف رفقك بمن أقرّ؟ هذا رفقك بمن استكبر فكيف رفقك بمن استغفر؟ قالا يعني موسى وهارون رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا. قال ابن عباس: يعجّل بالقتل والعقوبة، وقال الضحّاك: تجاوز الحدّ، وقيل: يغلبنا أَوْ أَنْ يَطْغى يتكبّر ويستعصي علينا. قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما بالدفع عنكما أَسْمَعُ قولكما وقوله وَأَرى فعله وفعلكما فَأْتِياهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ أي ولا تتعبهم في العمل، وكانت بنو إسرائيل عند آل فرعون في عذاب شديد يقتل أبناءهم ويستخدم نساءهم ويكلفهم من العمل واللبن والطين وبناء المدائن ما لا يقدرون عليه. قال موسى قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ قال فرعون: وما هي؟ قال: فأدخل يده في جيب قميصه ثمّ أخرجها فإذا هي بيضاء لها شعاع كشعاع الشمس، غلبت نور الشمس، فعجب منها ولم يره العصا إلّا بعد ذلك يوم الزينة. وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى يعني من أسلم إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ أنبياء الله وَتَوَلَّى أعرض عن الإيمان، ورأيت في بعض التفاسير أنّ هذه أرجى آية للموحّدين في القرآن. قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى يعني يا موسى وهارون فذكر موسى دون هارون لرؤوس الآي. قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ قال الحسين وقتادة: أعطى كلّ شيء صلاحه وهداه لما يصلحه. وقال مجاهد: لم يجعل الإنسان في خلق البهائم، ولا خلق البهائم في خلق الإنسان، ولكن خلق كلّ شي فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً. وقال عطيّة: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ يعني صورته. وقال الضحّاك: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ، يعني اليد للبطش والرجل للمشي واللسان للنطق والعين للبصر والأذن للسمع. وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا عبد الرّحمن بن محمد الزهري قال: حدّثنا أحمد ابن سعيد قال: حدّثنا سعيد بن سليمان عن إسماعيل بن زكريا عن إسماعيل بن أبي صالح، أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى قال: هداه لمعيشته. وقال ابن عباس وسعيد بن جبير: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ يعني شكله، للإنسان الزوجة وللبعير الناقة وللفرس الرمكة وللحمار الأتان ثُمَّ هَدى أي عرّف وعلّم وألهم كيف يأتي الذكر الأنثى في النكاح [[في نسخة أصفهان: قوله: أي عرّف.... النكاح تأتي بعد قوله: على الفعل.]] . وقرأ نصير خَلَقَهُ بفتح اللام على الفعل. قالَ فرعون فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى وإنّما قال هذا فرعون لموسى حين قال موسى: إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ، فقال فرعون حينئذ له: فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى التي ذكرت؟ ف قالَ موسى عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ يعني اللوح المحفوظ، وإنّما ردّ موسى علم ذلك إلى الله سبحانه لأنّه لم يعلم ذلك، وإنّما نزلت التوراة عليه بعد هلاك فرعون وقومه لا يَضِلُّ رَبِّي أي لا يخطئ وَلا يَنْسى فيتذكّر، وقال مجاهد: هما شيء واحد.

طه 20:28

اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى عصى وعلا وتكبّر وكفر، فادعه إلى عبادتي، واعلم بأنّي قد ربطت [[في نسخة أصفهان: ورطت وكذا في الموضع الآتي.]] على قلبه، قال: فكيف تأمرني أن آتيه وقد ربطت على قلبه؟ فأتاه ملك من خزّان الريح فقال: انطلق، فإنّا اثنا عشر من خزّان الريح منذ خلقنا الله سبحانه نحن في هذا فما علمناه، فامض لأمر الله، فقال موسى عند ذلك رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وسّع وليّن قلبي بالإيمان والنبوّة وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وسهّل عليّ ما أمرتني به من تبليغ الرسالة إلى فرعون وَاحْلُلْ وابسط وافتح عُقْدَةً مِنْ لِسانِي قال ابن عباس: كانت في لسانه رتّة، وذلك أنّه كان في حجر فرعون ذات يوم فلطمه لطمة وأخذ بلحيته فقال فرعون لآسية امرأته: انّ هذا عدوّي، فقالت آسية: على رسلك إنّه صبي لا يفرّق بين الأشياء ولا يميّز، ثم جاءت بطستين فجعلت في أحدهما الجمر وفي الأخرى الجوهر ووضعتهما بين يدي موسى، فأخذ جبرئيل بيد موسى فوضعها على النار حتى رفع جمرة ووضعها على لسانه فتلك الرتّة يَفْقَهُوا قَوْلِي كي يفهموا كلامي وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً معينا وظهيرا مِنْ أَهْلِي ثمّ بين من هو فقال هارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي قوّ به ظهري وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي يعني النبوّة وتبليغ الرسالة كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً نصلّي لك وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً. وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق وابن عامر: اشْدِدْ بِهِ أَزْرِي بفتح الألف وَأُشْرُكْهُ بضم الألف على الجزاء والجواب حكاية عن موسى أنّي أفعل ذلك، قال الله سبحانه قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى قد أعطيت مرادك وسؤالك يا موسى. وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى قبل هذا وهي إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ وحي إلهام مثل وحي النحل ما يُوحى أَنِ اقْذِفِيهِ أن اجعليه فِي التَّابُوتِ. قال مقاتل: والمؤمن الذي صنع التابوت من آل فرعون اسمه خربيل، وقيل: إنّه كان من بردي فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ يعني نهر النيل فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يعني شاطئ النهر، لفظه أمر ومعناه خبر مجازه: حتى يلقيه اليمّ بالساحل يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ يعني فرعون، فاتّخذت تابوتا وجعلت فيه قطنا محلوجا، ووضعت فيه موسى، وقيّرت رأسه وخصاصه- يعني شقوقه- ثمّ ألقته في النّيل، وكان يشرع منه نهر كبير في دار فرعون، فبينا هو جالس على رأس البركة مع امرأته آسية إذا بتابوت يجيء به الماء، فلمّا رأى ذلك أمر الغلمان والجواري بإخراجه فأخرجوه وفتحوا رأسه فإذا صبيّ من أصبح الناس وجها، فلمّا رآه فرعون أحبّه بحيث لم يتمالك، فذلك قوله سبحانه وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي قال ابن عباس: أحبّه وحبّبه إلى خلقه، قال عطيّة العوفي: جعل عليه مسحة من جمال لا تكاد يصبر عنه من رآه، قال قتادة: ملاحة كانت في عيني موسى، ما رآه أحد إلّا عشقه. وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي أي ولتربّى وتغذّى بمرأى ومنظر منّي إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ واسمها مريم متعرّفة خبره فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ يرضعه ويضمّه إليه، وذلك أنّه كان لا يقبل ثدي امرأة، فلمّا قالت لهم أخته ذلك قالوا: نعم، فجاءت بالأمّ فقبل ثديها فذلك قوله فَرَجَعْناكَ فرددناك إِلى أُمِّكَ. وفي مصحف أبي فرددناك إلى أمّك كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها بلقائك وبقائك وَلا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْساً قال ابن عباس: قتل قبطيا كافرا. قال كعب الأحبار: كان إذ ذاك ابن اثنتي عشرة سنة فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ أي من غمّ القتل وكربته وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً. قال ابن عباس: اختبرناك اختبارا. وقال الضحّاك وقتادة ومقاتل، ابتليناك ابتلاء. وقال مجاهد: أخلصناك إخلاصا فَلَبِثْتَ سِنِينَ [[في نسخة أصفهان زيادة: فمكثت.]] يعني عشر سنين فِي أَهْلِ مَدْيَنَ وهي بلدة شعيب على ثلاث [[في نسخة أصفهان: ثمان.]] مراحل من مصر، قال وهب: لبث عند شعيب ثمان وعشرين سنة، عشر سنين منها مهر امرأته صفيرا بنت شعيب وثماني عشرة سنة أقام عنده حتى ولد له. ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى. قال مقاتل: على موعد، قال محمد بن كعب: ثم جئت على القدر الذي قدّرت أنك تجيء. قال عبد الرّحمن بن كيسان: على رأس أربعين سنة وهو القدر الذي يوحي فيه إلى الأنبياء [[في الثانية محمد بن كعب ثم جئت على القدر الذي يوحى فيه إلى الأنبياء.]] ، قال الكلبي: وافق الكلام عند الشجرة. وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي اخترتك واصطفيتك واختصصتك [[في نسخة أصفهان زيادة: لنفسي.]] بالرسالة أو النبوّة اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي اليد والعصا وَلا تَنِيا قال ابن عباس: لا تضعفا، وقال السدّي: لا تفترا، وقال محمد بن كعب: لا تقصّرا. وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: لا تبطئا، وفي قراءة ابن مسعود: ولا تهنا. اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى. فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً قال ابن عباس: لا تعنّفا في قولكما ولا تغلّظا، وقال السدّي وعكرمة: كنّياه قولا له: يا أبا العباس، وقيل: يا أبا الوليد. وقال مقاتل: يعني بالقول اللين هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى. وقال أهل المعاني: معناه الطفا له في قولكما فإنّه ربّاك وأحسن تربيتك وله عليك حقّ الأبوّة فلا تجبهه بمكروه في أوّل قدومك عليه، يقال: وعده على قبول الإيمان شبابا لا يهرم وملكا لا ينزع عنه إلّا بالموت، ويبقى عليه لذّة المطعم والمشرب والمنكح إلى حين موته. قال المفسّرون: وكان هارون يومئذ بمصر فأمر الله عزّ وجلّ أن يأتي هو وهارون، وأوحى إلى هارون وهو بمصر أن يتلقى موسى فتلقّاه إلى مرحلة وأخبره بما أوحي إليه فقال له موسى: إن الله سبحانه أمرني أن آتي فرعون فسألت ربّي عزّ وجلّ أن يجعلك معي. وقوله لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى أي يسلم. فإن قيل: كيف قال: لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى وعلمه سابق في فرعون أنّه لا يتذكّر ولا يخشى؟. قال الحسين [[في نسخة أصفهان: الحسن.]] بن الفضل: هو مصروف إلى غير فرعون، ومجازه: لكي يتذكّر متذكّر أو يخشى خاش إذا رأى برّي وإلطافي بمن خلقته ورزقته، وصححت جسمه وأنعمت عليه ثم ادّعى الربوبية دوني. وقال أبو بكر محمد بن عمر الورّاق: لعلّ هاهنا من الله واجب، ولقد تذكّر فرعون حيث لم تنفعه الذكرى والخشية، وذلك قوله حين ألجمه الغرق في البحر آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ [[يونس: 90.]] . سمعت أبا القاسم الحسن بن محمد بن حبيب يقول: سمعت أبي يقول سمعت علىّ [[في نسخة أصفهان: محمد بن حبيب يقول: سمعت علي.]] بن محمد الوراق يقول: سمعت يحيى بن معاذ الرازي يقول- وقرأ هذه الآية-: هذا رفقك بمن يقول: أنا الإله، فكيف رفقك بمن يقول: أنت الإله؟ قال أبو القاسم الحسين [[في نسخة أصفهان: الحسين.]] فبنيت عليه ألفاظا اقتديت به فيها فقلت: هذا رفقك بمن ينافيك فكيف رفقك بمن يصافيك؟ هذا رفقك بمن يعاديك فكيف رفقك بمن يواليك؟ هذا رفقك بمن يسبّك فكيف رفقك بمن يحبّك؟ هذا رفقك بمن يقول لك ندّا فكيف رفقك بمن يقول فردا؟ هذا رفقك بمن ضلّ فكيف رفقك بمن ذل [[في نسخة أصفهان زيادة: هذا رفقك بمن استكبر فكيف رفقك بمن استغفر؟]] هذا رفقك بمن اقترف فكيف رفقك بمن اعترف؟ هذا رفقك بمن أصرّ فكيف رفقك بمن أقرّ؟ هذا رفقك بمن استكبر فكيف رفقك بمن استغفر؟ قالا يعني موسى وهارون رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا. قال ابن عباس: يعجّل بالقتل والعقوبة، وقال الضحّاك: تجاوز الحدّ، وقيل: يغلبنا أَوْ أَنْ يَطْغى يتكبّر ويستعصي علينا. قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما بالدفع عنكما أَسْمَعُ قولكما وقوله وَأَرى فعله وفعلكما فَأْتِياهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ أي ولا تتعبهم في العمل، وكانت بنو إسرائيل عند آل فرعون في عذاب شديد يقتل أبناءهم ويستخدم نساءهم ويكلفهم من العمل واللبن والطين وبناء المدائن ما لا يقدرون عليه. قال موسى قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ قال فرعون: وما هي؟ قال: فأدخل يده في جيب قميصه ثمّ أخرجها فإذا هي بيضاء لها شعاع كشعاع الشمس، غلبت نور الشمس، فعجب منها ولم يره العصا إلّا بعد ذلك يوم الزينة. وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى يعني من أسلم إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ أنبياء الله وَتَوَلَّى أعرض عن الإيمان، ورأيت في بعض التفاسير أنّ هذه أرجى آية للموحّدين في القرآن. قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى يعني يا موسى وهارون فذكر موسى دون هارون لرؤوس الآي. قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ قال الحسين وقتادة: أعطى كلّ شيء صلاحه وهداه لما يصلحه. وقال مجاهد: لم يجعل الإنسان في خلق البهائم، ولا خلق البهائم في خلق الإنسان، ولكن خلق كلّ شي فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً. وقال عطيّة: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ يعني صورته. وقال الضحّاك: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ، يعني اليد للبطش والرجل للمشي واللسان للنطق والعين للبصر والأذن للسمع. وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا عبد الرّحمن بن محمد الزهري قال: حدّثنا أحمد ابن سعيد قال: حدّثنا سعيد بن سليمان عن إسماعيل بن زكريا عن إسماعيل بن أبي صالح، أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى قال: هداه لمعيشته. وقال ابن عباس وسعيد بن جبير: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ يعني شكله، للإنسان الزوجة وللبعير الناقة وللفرس الرمكة وللحمار الأتان ثُمَّ هَدى أي عرّف وعلّم وألهم كيف يأتي الذكر الأنثى في النكاح [[في نسخة أصفهان: قوله: أي عرّف.... النكاح تأتي بعد قوله: على الفعل.]] . وقرأ نصير خَلَقَهُ بفتح اللام على الفعل. قالَ فرعون فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى وإنّما قال هذا فرعون لموسى حين قال موسى: إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ، فقال فرعون حينئذ له: فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى التي ذكرت؟ ف قالَ موسى عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ يعني اللوح المحفوظ، وإنّما ردّ موسى علم ذلك إلى الله سبحانه لأنّه لم يعلم ذلك، وإنّما نزلت التوراة عليه بعد هلاك فرعون وقومه لا يَضِلُّ رَبِّي أي لا يخطئ وَلا يَنْسى فيتذكّر، وقال مجاهد: هما شيء واحد.

طه 20:29

اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى عصى وعلا وتكبّر وكفر، فادعه إلى عبادتي، واعلم بأنّي قد ربطت [[في نسخة أصفهان: ورطت وكذا في الموضع الآتي.]] على قلبه، قال: فكيف تأمرني أن آتيه وقد ربطت على قلبه؟ فأتاه ملك من خزّان الريح فقال: انطلق، فإنّا اثنا عشر من خزّان الريح منذ خلقنا الله سبحانه نحن في هذا فما علمناه، فامض لأمر الله، فقال موسى عند ذلك رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وسّع وليّن قلبي بالإيمان والنبوّة وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وسهّل عليّ ما أمرتني به من تبليغ الرسالة إلى فرعون وَاحْلُلْ وابسط وافتح عُقْدَةً مِنْ لِسانِي قال ابن عباس: كانت في لسانه رتّة، وذلك أنّه كان في حجر فرعون ذات يوم فلطمه لطمة وأخذ بلحيته فقال فرعون لآسية امرأته: انّ هذا عدوّي، فقالت آسية: على رسلك إنّه صبي لا يفرّق بين الأشياء ولا يميّز، ثم جاءت بطستين فجعلت في أحدهما الجمر وفي الأخرى الجوهر ووضعتهما بين يدي موسى، فأخذ جبرئيل بيد موسى فوضعها على النار حتى رفع جمرة ووضعها على لسانه فتلك الرتّة يَفْقَهُوا قَوْلِي كي يفهموا كلامي وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً معينا وظهيرا مِنْ أَهْلِي ثمّ بين من هو فقال هارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي قوّ به ظهري وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي يعني النبوّة وتبليغ الرسالة كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً نصلّي لك وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً. وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق وابن عامر: اشْدِدْ بِهِ أَزْرِي بفتح الألف وَأُشْرُكْهُ بضم الألف على الجزاء والجواب حكاية عن موسى أنّي أفعل ذلك، قال الله سبحانه قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى قد أعطيت مرادك وسؤالك يا موسى. وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى قبل هذا وهي إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ وحي إلهام مثل وحي النحل ما يُوحى أَنِ اقْذِفِيهِ أن اجعليه فِي التَّابُوتِ. قال مقاتل: والمؤمن الذي صنع التابوت من آل فرعون اسمه خربيل، وقيل: إنّه كان من بردي فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ يعني نهر النيل فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يعني شاطئ النهر، لفظه أمر ومعناه خبر مجازه: حتى يلقيه اليمّ بالساحل يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ يعني فرعون، فاتّخذت تابوتا وجعلت فيه قطنا محلوجا، ووضعت فيه موسى، وقيّرت رأسه وخصاصه- يعني شقوقه- ثمّ ألقته في النّيل، وكان يشرع منه نهر كبير في دار فرعون، فبينا هو جالس على رأس البركة مع امرأته آسية إذا بتابوت يجيء به الماء، فلمّا رأى ذلك أمر الغلمان والجواري بإخراجه فأخرجوه وفتحوا رأسه فإذا صبيّ من أصبح الناس وجها، فلمّا رآه فرعون أحبّه بحيث لم يتمالك، فذلك قوله سبحانه وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي قال ابن عباس: أحبّه وحبّبه إلى خلقه، قال عطيّة العوفي: جعل عليه مسحة من جمال لا تكاد يصبر عنه من رآه، قال قتادة: ملاحة كانت في عيني موسى، ما رآه أحد إلّا عشقه. وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي أي ولتربّى وتغذّى بمرأى ومنظر منّي إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ واسمها مريم متعرّفة خبره فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ يرضعه ويضمّه إليه، وذلك أنّه كان لا يقبل ثدي امرأة، فلمّا قالت لهم أخته ذلك قالوا: نعم، فجاءت بالأمّ فقبل ثديها فذلك قوله فَرَجَعْناكَ فرددناك إِلى أُمِّكَ. وفي مصحف أبي فرددناك إلى أمّك كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها بلقائك وبقائك وَلا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْساً قال ابن عباس: قتل قبطيا كافرا. قال كعب الأحبار: كان إذ ذاك ابن اثنتي عشرة سنة فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ أي من غمّ القتل وكربته وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً. قال ابن عباس: اختبرناك اختبارا. وقال الضحّاك وقتادة ومقاتل، ابتليناك ابتلاء. وقال مجاهد: أخلصناك إخلاصا فَلَبِثْتَ سِنِينَ [[في نسخة أصفهان زيادة: فمكثت.]] يعني عشر سنين فِي أَهْلِ مَدْيَنَ وهي بلدة شعيب على ثلاث [[في نسخة أصفهان: ثمان.]] مراحل من مصر، قال وهب: لبث عند شعيب ثمان وعشرين سنة، عشر سنين منها مهر امرأته صفيرا بنت شعيب وثماني عشرة سنة أقام عنده حتى ولد له. ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى. قال مقاتل: على موعد، قال محمد بن كعب: ثم جئت على القدر الذي قدّرت أنك تجيء. قال عبد الرّحمن بن كيسان: على رأس أربعين سنة وهو القدر الذي يوحي فيه إلى الأنبياء [[في الثانية محمد بن كعب ثم جئت على القدر الذي يوحى فيه إلى الأنبياء.]] ، قال الكلبي: وافق الكلام عند الشجرة. وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي اخترتك واصطفيتك واختصصتك [[في نسخة أصفهان زيادة: لنفسي.]] بالرسالة أو النبوّة اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي اليد والعصا وَلا تَنِيا قال ابن عباس: لا تضعفا، وقال السدّي: لا تفترا، وقال محمد بن كعب: لا تقصّرا. وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: لا تبطئا، وفي قراءة ابن مسعود: ولا تهنا. اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى. فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً قال ابن عباس: لا تعنّفا في قولكما ولا تغلّظا، وقال السدّي وعكرمة: كنّياه قولا له: يا أبا العباس، وقيل: يا أبا الوليد. وقال مقاتل: يعني بالقول اللين هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى. وقال أهل المعاني: معناه الطفا له في قولكما فإنّه ربّاك وأحسن تربيتك وله عليك حقّ الأبوّة فلا تجبهه بمكروه في أوّل قدومك عليه، يقال: وعده على قبول الإيمان شبابا لا يهرم وملكا لا ينزع عنه إلّا بالموت، ويبقى عليه لذّة المطعم والمشرب والمنكح إلى حين موته. قال المفسّرون: وكان هارون يومئذ بمصر فأمر الله عزّ وجلّ أن يأتي هو وهارون، وأوحى إلى هارون وهو بمصر أن يتلقى موسى فتلقّاه إلى مرحلة وأخبره بما أوحي إليه فقال له موسى: إن الله سبحانه أمرني أن آتي فرعون فسألت ربّي عزّ وجلّ أن يجعلك معي. وقوله لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى أي يسلم. فإن قيل: كيف قال: لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى وعلمه سابق في فرعون أنّه لا يتذكّر ولا يخشى؟. قال الحسين [[في نسخة أصفهان: الحسن.]] بن الفضل: هو مصروف إلى غير فرعون، ومجازه: لكي يتذكّر متذكّر أو يخشى خاش إذا رأى برّي وإلطافي بمن خلقته ورزقته، وصححت جسمه وأنعمت عليه ثم ادّعى الربوبية دوني. وقال أبو بكر محمد بن عمر الورّاق: لعلّ هاهنا من الله واجب، ولقد تذكّر فرعون حيث لم تنفعه الذكرى والخشية، وذلك قوله حين ألجمه الغرق في البحر آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ [[يونس: 90.]] . سمعت أبا القاسم الحسن بن محمد بن حبيب يقول: سمعت أبي يقول سمعت علىّ [[في نسخة أصفهان: محمد بن حبيب يقول: سمعت علي.]] بن محمد الوراق يقول: سمعت يحيى بن معاذ الرازي يقول- وقرأ هذه الآية-: هذا رفقك بمن يقول: أنا الإله، فكيف رفقك بمن يقول: أنت الإله؟ قال أبو القاسم الحسين [[في نسخة أصفهان: الحسين.]] فبنيت عليه ألفاظا اقتديت به فيها فقلت: هذا رفقك بمن ينافيك فكيف رفقك بمن يصافيك؟ هذا رفقك بمن يعاديك فكيف رفقك بمن يواليك؟ هذا رفقك بمن يسبّك فكيف رفقك بمن يحبّك؟ هذا رفقك بمن يقول لك ندّا فكيف رفقك بمن يقول فردا؟ هذا رفقك بمن ضلّ فكيف رفقك بمن ذل [[في نسخة أصفهان زيادة: هذا رفقك بمن استكبر فكيف رفقك بمن استغفر؟]] هذا رفقك بمن اقترف فكيف رفقك بمن اعترف؟ هذا رفقك بمن أصرّ فكيف رفقك بمن أقرّ؟ هذا رفقك بمن استكبر فكيف رفقك بمن استغفر؟ قالا يعني موسى وهارون رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا. قال ابن عباس: يعجّل بالقتل والعقوبة، وقال الضحّاك: تجاوز الحدّ، وقيل: يغلبنا أَوْ أَنْ يَطْغى يتكبّر ويستعصي علينا. قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما بالدفع عنكما أَسْمَعُ قولكما وقوله وَأَرى فعله وفعلكما فَأْتِياهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ أي ولا تتعبهم في العمل، وكانت بنو إسرائيل عند آل فرعون في عذاب شديد يقتل أبناءهم ويستخدم نساءهم ويكلفهم من العمل واللبن والطين وبناء المدائن ما لا يقدرون عليه. قال موسى قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ قال فرعون: وما هي؟ قال: فأدخل يده في جيب قميصه ثمّ أخرجها فإذا هي بيضاء لها شعاع كشعاع الشمس، غلبت نور الشمس، فعجب منها ولم يره العصا إلّا بعد ذلك يوم الزينة. وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى يعني من أسلم إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ أنبياء الله وَتَوَلَّى أعرض عن الإيمان، ورأيت في بعض التفاسير أنّ هذه أرجى آية للموحّدين في القرآن. قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى يعني يا موسى وهارون فذكر موسى دون هارون لرؤوس الآي. قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ قال الحسين وقتادة: أعطى كلّ شيء صلاحه وهداه لما يصلحه. وقال مجاهد: لم يجعل الإنسان في خلق البهائم، ولا خلق البهائم في خلق الإنسان، ولكن خلق كلّ شي فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً. وقال عطيّة: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ يعني صورته. وقال الضحّاك: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ، يعني اليد للبطش والرجل للمشي واللسان للنطق والعين للبصر والأذن للسمع. وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا عبد الرّحمن بن محمد الزهري قال: حدّثنا أحمد ابن سعيد قال: حدّثنا سعيد بن سليمان عن إسماعيل بن زكريا عن إسماعيل بن أبي صالح، أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى قال: هداه لمعيشته. وقال ابن عباس وسعيد بن جبير: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ يعني شكله، للإنسان الزوجة وللبعير الناقة وللفرس الرمكة وللحمار الأتان ثُمَّ هَدى أي عرّف وعلّم وألهم كيف يأتي الذكر الأنثى في النكاح [[في نسخة أصفهان: قوله: أي عرّف.... النكاح تأتي بعد قوله: على الفعل.]] . وقرأ نصير خَلَقَهُ بفتح اللام على الفعل. قالَ فرعون فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى وإنّما قال هذا فرعون لموسى حين قال موسى: إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ، فقال فرعون حينئذ له: فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى التي ذكرت؟ ف قالَ موسى عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ يعني اللوح المحفوظ، وإنّما ردّ موسى علم ذلك إلى الله سبحانه لأنّه لم يعلم ذلك، وإنّما نزلت التوراة عليه بعد هلاك فرعون وقومه لا يَضِلُّ رَبِّي أي لا يخطئ وَلا يَنْسى فيتذكّر، وقال مجاهد: هما شيء واحد.

طه 20:30

اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى عصى وعلا وتكبّر وكفر، فادعه إلى عبادتي، واعلم بأنّي قد ربطت [[في نسخة أصفهان: ورطت وكذا في الموضع الآتي.]] على قلبه، قال: فكيف تأمرني أن آتيه وقد ربطت على قلبه؟ فأتاه ملك من خزّان الريح فقال: انطلق، فإنّا اثنا عشر من خزّان الريح منذ خلقنا الله سبحانه نحن في هذا فما علمناه، فامض لأمر الله، فقال موسى عند ذلك رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وسّع وليّن قلبي بالإيمان والنبوّة وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وسهّل عليّ ما أمرتني به من تبليغ الرسالة إلى فرعون وَاحْلُلْ وابسط وافتح عُقْدَةً مِنْ لِسانِي قال ابن عباس: كانت في لسانه رتّة، وذلك أنّه كان في حجر فرعون ذات يوم فلطمه لطمة وأخذ بلحيته فقال فرعون لآسية امرأته: انّ هذا عدوّي، فقالت آسية: على رسلك إنّه صبي لا يفرّق بين الأشياء ولا يميّز، ثم جاءت بطستين فجعلت في أحدهما الجمر وفي الأخرى الجوهر ووضعتهما بين يدي موسى، فأخذ جبرئيل بيد موسى فوضعها على النار حتى رفع جمرة ووضعها على لسانه فتلك الرتّة يَفْقَهُوا قَوْلِي كي يفهموا كلامي وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً معينا وظهيرا مِنْ أَهْلِي ثمّ بين من هو فقال هارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي قوّ به ظهري وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي يعني النبوّة وتبليغ الرسالة كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً نصلّي لك وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً. وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق وابن عامر: اشْدِدْ بِهِ أَزْرِي بفتح الألف وَأُشْرُكْهُ بضم الألف على الجزاء والجواب حكاية عن موسى أنّي أفعل ذلك، قال الله سبحانه قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى قد أعطيت مرادك وسؤالك يا موسى. وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى قبل هذا وهي إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ وحي إلهام مثل وحي النحل ما يُوحى أَنِ اقْذِفِيهِ أن اجعليه فِي التَّابُوتِ. قال مقاتل: والمؤمن الذي صنع التابوت من آل فرعون اسمه خربيل، وقيل: إنّه كان من بردي فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ يعني نهر النيل فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يعني شاطئ النهر، لفظه أمر ومعناه خبر مجازه: حتى يلقيه اليمّ بالساحل يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ يعني فرعون، فاتّخذت تابوتا وجعلت فيه قطنا محلوجا، ووضعت فيه موسى، وقيّرت رأسه وخصاصه- يعني شقوقه- ثمّ ألقته في النّيل، وكان يشرع منه نهر كبير في دار فرعون، فبينا هو جالس على رأس البركة مع امرأته آسية إذا بتابوت يجيء به الماء، فلمّا رأى ذلك أمر الغلمان والجواري بإخراجه فأخرجوه وفتحوا رأسه فإذا صبيّ من أصبح الناس وجها، فلمّا رآه فرعون أحبّه بحيث لم يتمالك، فذلك قوله سبحانه وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي قال ابن عباس: أحبّه وحبّبه إلى خلقه، قال عطيّة العوفي: جعل عليه مسحة من جمال لا تكاد يصبر عنه من رآه، قال قتادة: ملاحة كانت في عيني موسى، ما رآه أحد إلّا عشقه. وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي أي ولتربّى وتغذّى بمرأى ومنظر منّي إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ واسمها مريم متعرّفة خبره فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ يرضعه ويضمّه إليه، وذلك أنّه كان لا يقبل ثدي امرأة، فلمّا قالت لهم أخته ذلك قالوا: نعم، فجاءت بالأمّ فقبل ثديها فذلك قوله فَرَجَعْناكَ فرددناك إِلى أُمِّكَ. وفي مصحف أبي فرددناك إلى أمّك كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها بلقائك وبقائك وَلا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْساً قال ابن عباس: قتل قبطيا كافرا. قال كعب الأحبار: كان إذ ذاك ابن اثنتي عشرة سنة فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ أي من غمّ القتل وكربته وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً. قال ابن عباس: اختبرناك اختبارا. وقال الضحّاك وقتادة ومقاتل، ابتليناك ابتلاء. وقال مجاهد: أخلصناك إخلاصا فَلَبِثْتَ سِنِينَ [[في نسخة أصفهان زيادة: فمكثت.]] يعني عشر سنين فِي أَهْلِ مَدْيَنَ وهي بلدة شعيب على ثلاث [[في نسخة أصفهان: ثمان.]] مراحل من مصر، قال وهب: لبث عند شعيب ثمان وعشرين سنة، عشر سنين منها مهر امرأته صفيرا بنت شعيب وثماني عشرة سنة أقام عنده حتى ولد له. ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى. قال مقاتل: على موعد، قال محمد بن كعب: ثم جئت على القدر الذي قدّرت أنك تجيء. قال عبد الرّحمن بن كيسان: على رأس أربعين سنة وهو القدر الذي يوحي فيه إلى الأنبياء [[في الثانية محمد بن كعب ثم جئت على القدر الذي يوحى فيه إلى الأنبياء.]] ، قال الكلبي: وافق الكلام عند الشجرة. وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي اخترتك واصطفيتك واختصصتك [[في نسخة أصفهان زيادة: لنفسي.]] بالرسالة أو النبوّة اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي اليد والعصا وَلا تَنِيا قال ابن عباس: لا تضعفا، وقال السدّي: لا تفترا، وقال محمد بن كعب: لا تقصّرا. وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: لا تبطئا، وفي قراءة ابن مسعود: ولا تهنا. اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى. فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً قال ابن عباس: لا تعنّفا في قولكما ولا تغلّظا، وقال السدّي وعكرمة: كنّياه قولا له: يا أبا العباس، وقيل: يا أبا الوليد. وقال مقاتل: يعني بالقول اللين هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى. وقال أهل المعاني: معناه الطفا له في قولكما فإنّه ربّاك وأحسن تربيتك وله عليك حقّ الأبوّة فلا تجبهه بمكروه في أوّل قدومك عليه، يقال: وعده على قبول الإيمان شبابا لا يهرم وملكا لا ينزع عنه إلّا بالموت، ويبقى عليه لذّة المطعم والمشرب والمنكح إلى حين موته. قال المفسّرون: وكان هارون يومئذ بمصر فأمر الله عزّ وجلّ أن يأتي هو وهارون، وأوحى إلى هارون وهو بمصر أن يتلقى موسى فتلقّاه إلى مرحلة وأخبره بما أوحي إليه فقال له موسى: إن الله سبحانه أمرني أن آتي فرعون فسألت ربّي عزّ وجلّ أن يجعلك معي. وقوله لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى أي يسلم. فإن قيل: كيف قال: لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى وعلمه سابق في فرعون أنّه لا يتذكّر ولا يخشى؟. قال الحسين [[في نسخة أصفهان: الحسن.]] بن الفضل: هو مصروف إلى غير فرعون، ومجازه: لكي يتذكّر متذكّر أو يخشى خاش إذا رأى برّي وإلطافي بمن خلقته ورزقته، وصححت جسمه وأنعمت عليه ثم ادّعى الربوبية دوني. وقال أبو بكر محمد بن عمر الورّاق: لعلّ هاهنا من الله واجب، ولقد تذكّر فرعون حيث لم تنفعه الذكرى والخشية، وذلك قوله حين ألجمه الغرق في البحر آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ [[يونس: 90.]] . سمعت أبا القاسم الحسن بن محمد بن حبيب يقول: سمعت أبي يقول سمعت علىّ [[في نسخة أصفهان: محمد بن حبيب يقول: سمعت علي.]] بن محمد الوراق يقول: سمعت يحيى بن معاذ الرازي يقول- وقرأ هذه الآية-: هذا رفقك بمن يقول: أنا الإله، فكيف رفقك بمن يقول: أنت الإله؟ قال أبو القاسم الحسين [[في نسخة أصفهان: الحسين.]] فبنيت عليه ألفاظا اقتديت به فيها فقلت: هذا رفقك بمن ينافيك فكيف رفقك بمن يصافيك؟ هذا رفقك بمن يعاديك فكيف رفقك بمن يواليك؟ هذا رفقك بمن يسبّك فكيف رفقك بمن يحبّك؟ هذا رفقك بمن يقول لك ندّا فكيف رفقك بمن يقول فردا؟ هذا رفقك بمن ضلّ فكيف رفقك بمن ذل [[في نسخة أصفهان زيادة: هذا رفقك بمن استكبر فكيف رفقك بمن استغفر؟]] هذا رفقك بمن اقترف فكيف رفقك بمن اعترف؟ هذا رفقك بمن أصرّ فكيف رفقك بمن أقرّ؟ هذا رفقك بمن استكبر فكيف رفقك بمن استغفر؟ قالا يعني موسى وهارون رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا. قال ابن عباس: يعجّل بالقتل والعقوبة، وقال الضحّاك: تجاوز الحدّ، وقيل: يغلبنا أَوْ أَنْ يَطْغى يتكبّر ويستعصي علينا. قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما بالدفع عنكما أَسْمَعُ قولكما وقوله وَأَرى فعله وفعلكما فَأْتِياهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ أي ولا تتعبهم في العمل، وكانت بنو إسرائيل عند آل فرعون في عذاب شديد يقتل أبناءهم ويستخدم نساءهم ويكلفهم من العمل واللبن والطين وبناء المدائن ما لا يقدرون عليه. قال موسى قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ قال فرعون: وما هي؟ قال: فأدخل يده في جيب قميصه ثمّ أخرجها فإذا هي بيضاء لها شعاع كشعاع الشمس، غلبت نور الشمس، فعجب منها ولم يره العصا إلّا بعد ذلك يوم الزينة. وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى يعني من أسلم إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ أنبياء الله وَتَوَلَّى أعرض عن الإيمان، ورأيت في بعض التفاسير أنّ هذه أرجى آية للموحّدين في القرآن. قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى يعني يا موسى وهارون فذكر موسى دون هارون لرؤوس الآي. قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ قال الحسين وقتادة: أعطى كلّ شيء صلاحه وهداه لما يصلحه. وقال مجاهد: لم يجعل الإنسان في خلق البهائم، ولا خلق البهائم في خلق الإنسان، ولكن خلق كلّ شي فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً. وقال عطيّة: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ يعني صورته. وقال الضحّاك: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ، يعني اليد للبطش والرجل للمشي واللسان للنطق والعين للبصر والأذن للسمع. وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا عبد الرّحمن بن محمد الزهري قال: حدّثنا أحمد ابن سعيد قال: حدّثنا سعيد بن سليمان عن إسماعيل بن زكريا عن إسماعيل بن أبي صالح، أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى قال: هداه لمعيشته. وقال ابن عباس وسعيد بن جبير: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ يعني شكله، للإنسان الزوجة وللبعير الناقة وللفرس الرمكة وللحمار الأتان ثُمَّ هَدى أي عرّف وعلّم وألهم كيف يأتي الذكر الأنثى في النكاح [[في نسخة أصفهان: قوله: أي عرّف.... النكاح تأتي بعد قوله: على الفعل.]] . وقرأ نصير خَلَقَهُ بفتح اللام على الفعل. قالَ فرعون فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى وإنّما قال هذا فرعون لموسى حين قال موسى: إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ، فقال فرعون حينئذ له: فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى التي ذكرت؟ ف قالَ موسى عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ يعني اللوح المحفوظ، وإنّما ردّ موسى علم ذلك إلى الله سبحانه لأنّه لم يعلم ذلك، وإنّما نزلت التوراة عليه بعد هلاك فرعون وقومه لا يَضِلُّ رَبِّي أي لا يخطئ وَلا يَنْسى فيتذكّر، وقال مجاهد: هما شيء واحد.

طه 20:31

اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى عصى وعلا وتكبّر وكفر، فادعه إلى عبادتي، واعلم بأنّي قد ربطت [[في نسخة أصفهان: ورطت وكذا في الموضع الآتي.]] على قلبه، قال: فكيف تأمرني أن آتيه وقد ربطت على قلبه؟ فأتاه ملك من خزّان الريح فقال: انطلق، فإنّا اثنا عشر من خزّان الريح منذ خلقنا الله سبحانه نحن في هذا فما علمناه، فامض لأمر الله، فقال موسى عند ذلك رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وسّع وليّن قلبي بالإيمان والنبوّة وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وسهّل عليّ ما أمرتني به من تبليغ الرسالة إلى فرعون وَاحْلُلْ وابسط وافتح عُقْدَةً مِنْ لِسانِي قال ابن عباس: كانت في لسانه رتّة، وذلك أنّه كان في حجر فرعون ذات يوم فلطمه لطمة وأخذ بلحيته فقال فرعون لآسية امرأته: انّ هذا عدوّي، فقالت آسية: على رسلك إنّه صبي لا يفرّق بين الأشياء ولا يميّز، ثم جاءت بطستين فجعلت في أحدهما الجمر وفي الأخرى الجوهر ووضعتهما بين يدي موسى، فأخذ جبرئيل بيد موسى فوضعها على النار حتى رفع جمرة ووضعها على لسانه فتلك الرتّة يَفْقَهُوا قَوْلِي كي يفهموا كلامي وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً معينا وظهيرا مِنْ أَهْلِي ثمّ بين من هو فقال هارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي قوّ به ظهري وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي يعني النبوّة وتبليغ الرسالة كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً نصلّي لك وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً. وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق وابن عامر: اشْدِدْ بِهِ أَزْرِي بفتح الألف وَأُشْرُكْهُ بضم الألف على الجزاء والجواب حكاية عن موسى أنّي أفعل ذلك، قال الله سبحانه قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى قد أعطيت مرادك وسؤالك يا موسى. وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى قبل هذا وهي إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ وحي إلهام مثل وحي النحل ما يُوحى أَنِ اقْذِفِيهِ أن اجعليه فِي التَّابُوتِ. قال مقاتل: والمؤمن الذي صنع التابوت من آل فرعون اسمه خربيل، وقيل: إنّه كان من بردي فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ يعني نهر النيل فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يعني شاطئ النهر، لفظه أمر ومعناه خبر مجازه: حتى يلقيه اليمّ بالساحل يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ يعني فرعون، فاتّخذت تابوتا وجعلت فيه قطنا محلوجا، ووضعت فيه موسى، وقيّرت رأسه وخصاصه- يعني شقوقه- ثمّ ألقته في النّيل، وكان يشرع منه نهر كبير في دار فرعون، فبينا هو جالس على رأس البركة مع امرأته آسية إذا بتابوت يجيء به الماء، فلمّا رأى ذلك أمر الغلمان والجواري بإخراجه فأخرجوه وفتحوا رأسه فإذا صبيّ من أصبح الناس وجها، فلمّا رآه فرعون أحبّه بحيث لم يتمالك، فذلك قوله سبحانه وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي قال ابن عباس: أحبّه وحبّبه إلى خلقه، قال عطيّة العوفي: جعل عليه مسحة من جمال لا تكاد يصبر عنه من رآه، قال قتادة: ملاحة كانت في عيني موسى، ما رآه أحد إلّا عشقه. وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي أي ولتربّى وتغذّى بمرأى ومنظر منّي إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ واسمها مريم متعرّفة خبره فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ يرضعه ويضمّه إليه، وذلك أنّه كان لا يقبل ثدي امرأة، فلمّا قالت لهم أخته ذلك قالوا: نعم، فجاءت بالأمّ فقبل ثديها فذلك قوله فَرَجَعْناكَ فرددناك إِلى أُمِّكَ. وفي مصحف أبي فرددناك إلى أمّك كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها بلقائك وبقائك وَلا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْساً قال ابن عباس: قتل قبطيا كافرا. قال كعب الأحبار: كان إذ ذاك ابن اثنتي عشرة سنة فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ أي من غمّ القتل وكربته وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً. قال ابن عباس: اختبرناك اختبارا. وقال الضحّاك وقتادة ومقاتل، ابتليناك ابتلاء. وقال مجاهد: أخلصناك إخلاصا فَلَبِثْتَ سِنِينَ [[في نسخة أصفهان زيادة: فمكثت.]] يعني عشر سنين فِي أَهْلِ مَدْيَنَ وهي بلدة شعيب على ثلاث [[في نسخة أصفهان: ثمان.]] مراحل من مصر، قال وهب: لبث عند شعيب ثمان وعشرين سنة، عشر سنين منها مهر امرأته صفيرا بنت شعيب وثماني عشرة سنة أقام عنده حتى ولد له. ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى. قال مقاتل: على موعد، قال محمد بن كعب: ثم جئت على القدر الذي قدّرت أنك تجيء. قال عبد الرّحمن بن كيسان: على رأس أربعين سنة وهو القدر الذي يوحي فيه إلى الأنبياء [[في الثانية محمد بن كعب ثم جئت على القدر الذي يوحى فيه إلى الأنبياء.]] ، قال الكلبي: وافق الكلام عند الشجرة. وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي اخترتك واصطفيتك واختصصتك [[في نسخة أصفهان زيادة: لنفسي.]] بالرسالة أو النبوّة اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي اليد والعصا وَلا تَنِيا قال ابن عباس: لا تضعفا، وقال السدّي: لا تفترا، وقال محمد بن كعب: لا تقصّرا. وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: لا تبطئا، وفي قراءة ابن مسعود: ولا تهنا. اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى. فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً قال ابن عباس: لا تعنّفا في قولكما ولا تغلّظا، وقال السدّي وعكرمة: كنّياه قولا له: يا أبا العباس، وقيل: يا أبا الوليد. وقال مقاتل: يعني بالقول اللين هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى. وقال أهل المعاني: معناه الطفا له في قولكما فإنّه ربّاك وأحسن تربيتك وله عليك حقّ الأبوّة فلا تجبهه بمكروه في أوّل قدومك عليه، يقال: وعده على قبول الإيمان شبابا لا يهرم وملكا لا ينزع عنه إلّا بالموت، ويبقى عليه لذّة المطعم والمشرب والمنكح إلى حين موته. قال المفسّرون: وكان هارون يومئذ بمصر فأمر الله عزّ وجلّ أن يأتي هو وهارون، وأوحى إلى هارون وهو بمصر أن يتلقى موسى فتلقّاه إلى مرحلة وأخبره بما أوحي إليه فقال له موسى: إن الله سبحانه أمرني أن آتي فرعون فسألت ربّي عزّ وجلّ أن يجعلك معي. وقوله لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى أي يسلم. فإن قيل: كيف قال: لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى وعلمه سابق في فرعون أنّه لا يتذكّر ولا يخشى؟. قال الحسين [[في نسخة أصفهان: الحسن.]] بن الفضل: هو مصروف إلى غير فرعون، ومجازه: لكي يتذكّر متذكّر أو يخشى خاش إذا رأى برّي وإلطافي بمن خلقته ورزقته، وصححت جسمه وأنعمت عليه ثم ادّعى الربوبية دوني. وقال أبو بكر محمد بن عمر الورّاق: لعلّ هاهنا من الله واجب، ولقد تذكّر فرعون حيث لم تنفعه الذكرى والخشية، وذلك قوله حين ألجمه الغرق في البحر آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ [[يونس: 90.]] . سمعت أبا القاسم الحسن بن محمد بن حبيب يقول: سمعت أبي يقول سمعت علىّ [[في نسخة أصفهان: محمد بن حبيب يقول: سمعت علي.]] بن محمد الوراق يقول: سمعت يحيى بن معاذ الرازي يقول- وقرأ هذه الآية-: هذا رفقك بمن يقول: أنا الإله، فكيف رفقك بمن يقول: أنت الإله؟ قال أبو القاسم الحسين [[في نسخة أصفهان: الحسين.]] فبنيت عليه ألفاظا اقتديت به فيها فقلت: هذا رفقك بمن ينافيك فكيف رفقك بمن يصافيك؟ هذا رفقك بمن يعاديك فكيف رفقك بمن يواليك؟ هذا رفقك بمن يسبّك فكيف رفقك بمن يحبّك؟ هذا رفقك بمن يقول لك ندّا فكيف رفقك بمن يقول فردا؟ هذا رفقك بمن ضلّ فكيف رفقك بمن ذل [[في نسخة أصفهان زيادة: هذا رفقك بمن استكبر فكيف رفقك بمن استغفر؟]] هذا رفقك بمن اقترف فكيف رفقك بمن اعترف؟ هذا رفقك بمن أصرّ فكيف رفقك بمن أقرّ؟ هذا رفقك بمن استكبر فكيف رفقك بمن استغفر؟ قالا يعني موسى وهارون رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا. قال ابن عباس: يعجّل بالقتل والعقوبة، وقال الضحّاك: تجاوز الحدّ، وقيل: يغلبنا أَوْ أَنْ يَطْغى يتكبّر ويستعصي علينا. قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما بالدفع عنكما أَسْمَعُ قولكما وقوله وَأَرى فعله وفعلكما فَأْتِياهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ أي ولا تتعبهم في العمل، وكانت بنو إسرائيل عند آل فرعون في عذاب شديد يقتل أبناءهم ويستخدم نساءهم ويكلفهم من العمل واللبن والطين وبناء المدائن ما لا يقدرون عليه. قال موسى قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ قال فرعون: وما هي؟ قال: فأدخل يده في جيب قميصه ثمّ أخرجها فإذا هي بيضاء لها شعاع كشعاع الشمس، غلبت نور الشمس، فعجب منها ولم يره العصا إلّا بعد ذلك يوم الزينة. وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى يعني من أسلم إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ أنبياء الله وَتَوَلَّى أعرض عن الإيمان، ورأيت في بعض التفاسير أنّ هذه أرجى آية للموحّدين في القرآن. قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى يعني يا موسى وهارون فذكر موسى دون هارون لرؤوس الآي. قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ قال الحسين وقتادة: أعطى كلّ شيء صلاحه وهداه لما يصلحه. وقال مجاهد: لم يجعل الإنسان في خلق البهائم، ولا خلق البهائم في خلق الإنسان، ولكن خلق كلّ شي فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً. وقال عطيّة: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ يعني صورته. وقال الضحّاك: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ، يعني اليد للبطش والرجل للمشي واللسان للنطق والعين للبصر والأذن للسمع. وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا عبد الرّحمن بن محمد الزهري قال: حدّثنا أحمد ابن سعيد قال: حدّثنا سعيد بن سليمان عن إسماعيل بن زكريا عن إسماعيل بن أبي صالح، أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى قال: هداه لمعيشته. وقال ابن عباس وسعيد بن جبير: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ يعني شكله، للإنسان الزوجة وللبعير الناقة وللفرس الرمكة وللحمار الأتان ثُمَّ هَدى أي عرّف وعلّم وألهم كيف يأتي الذكر الأنثى في النكاح [[في نسخة أصفهان: قوله: أي عرّف.... النكاح تأتي بعد قوله: على الفعل.]] . وقرأ نصير خَلَقَهُ بفتح اللام على الفعل. قالَ فرعون فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى وإنّما قال هذا فرعون لموسى حين قال موسى: إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ، فقال فرعون حينئذ له: فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى التي ذكرت؟ ف قالَ موسى عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ يعني اللوح المحفوظ، وإنّما ردّ موسى علم ذلك إلى الله سبحانه لأنّه لم يعلم ذلك، وإنّما نزلت التوراة عليه بعد هلاك فرعون وقومه لا يَضِلُّ رَبِّي أي لا يخطئ وَلا يَنْسى فيتذكّر، وقال مجاهد: هما شيء واحد.

طه 20:32

اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى عصى وعلا وتكبّر وكفر، فادعه إلى عبادتي، واعلم بأنّي قد ربطت [[في نسخة أصفهان: ورطت وكذا في الموضع الآتي.]] على قلبه، قال: فكيف تأمرني أن آتيه وقد ربطت على قلبه؟ فأتاه ملك من خزّان الريح فقال: انطلق، فإنّا اثنا عشر من خزّان الريح منذ خلقنا الله سبحانه نحن في هذا فما علمناه، فامض لأمر الله، فقال موسى عند ذلك رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وسّع وليّن قلبي بالإيمان والنبوّة وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وسهّل عليّ ما أمرتني به من تبليغ الرسالة إلى فرعون وَاحْلُلْ وابسط وافتح عُقْدَةً مِنْ لِسانِي قال ابن عباس: كانت في لسانه رتّة، وذلك أنّه كان في حجر فرعون ذات يوم فلطمه لطمة وأخذ بلحيته فقال فرعون لآسية امرأته: انّ هذا عدوّي، فقالت آسية: على رسلك إنّه صبي لا يفرّق بين الأشياء ولا يميّز، ثم جاءت بطستين فجعلت في أحدهما الجمر وفي الأخرى الجوهر ووضعتهما بين يدي موسى، فأخذ جبرئيل بيد موسى فوضعها على النار حتى رفع جمرة ووضعها على لسانه فتلك الرتّة يَفْقَهُوا قَوْلِي كي يفهموا كلامي وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً معينا وظهيرا مِنْ أَهْلِي ثمّ بين من هو فقال هارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي قوّ به ظهري وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي يعني النبوّة وتبليغ الرسالة كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً نصلّي لك وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً. وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق وابن عامر: اشْدِدْ بِهِ أَزْرِي بفتح الألف وَأُشْرُكْهُ بضم الألف على الجزاء والجواب حكاية عن موسى أنّي أفعل ذلك، قال الله سبحانه قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى قد أعطيت مرادك وسؤالك يا موسى. وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى قبل هذا وهي إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ وحي إلهام مثل وحي النحل ما يُوحى أَنِ اقْذِفِيهِ أن اجعليه فِي التَّابُوتِ. قال مقاتل: والمؤمن الذي صنع التابوت من آل فرعون اسمه خربيل، وقيل: إنّه كان من بردي فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ يعني نهر النيل فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يعني شاطئ النهر، لفظه أمر ومعناه خبر مجازه: حتى يلقيه اليمّ بالساحل يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ يعني فرعون، فاتّخذت تابوتا وجعلت فيه قطنا محلوجا، ووضعت فيه موسى، وقيّرت رأسه وخصاصه- يعني شقوقه- ثمّ ألقته في النّيل، وكان يشرع منه نهر كبير في دار فرعون، فبينا هو جالس على رأس البركة مع امرأته آسية إذا بتابوت يجيء به الماء، فلمّا رأى ذلك أمر الغلمان والجواري بإخراجه فأخرجوه وفتحوا رأسه فإذا صبيّ من أصبح الناس وجها، فلمّا رآه فرعون أحبّه بحيث لم يتمالك، فذلك قوله سبحانه وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي قال ابن عباس: أحبّه وحبّبه إلى خلقه، قال عطيّة العوفي: جعل عليه مسحة من جمال لا تكاد يصبر عنه من رآه، قال قتادة: ملاحة كانت في عيني موسى، ما رآه أحد إلّا عشقه. وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي أي ولتربّى وتغذّى بمرأى ومنظر منّي إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ واسمها مريم متعرّفة خبره فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ يرضعه ويضمّه إليه، وذلك أنّه كان لا يقبل ثدي امرأة، فلمّا قالت لهم أخته ذلك قالوا: نعم، فجاءت بالأمّ فقبل ثديها فذلك قوله فَرَجَعْناكَ فرددناك إِلى أُمِّكَ. وفي مصحف أبي فرددناك إلى أمّك كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها بلقائك وبقائك وَلا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْساً قال ابن عباس: قتل قبطيا كافرا. قال كعب الأحبار: كان إذ ذاك ابن اثنتي عشرة سنة فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ أي من غمّ القتل وكربته وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً. قال ابن عباس: اختبرناك اختبارا. وقال الضحّاك وقتادة ومقاتل، ابتليناك ابتلاء. وقال مجاهد: أخلصناك إخلاصا فَلَبِثْتَ سِنِينَ [[في نسخة أصفهان زيادة: فمكثت.]] يعني عشر سنين فِي أَهْلِ مَدْيَنَ وهي بلدة شعيب على ثلاث [[في نسخة أصفهان: ثمان.]] مراحل من مصر، قال وهب: لبث عند شعيب ثمان وعشرين سنة، عشر سنين منها مهر امرأته صفيرا بنت شعيب وثماني عشرة سنة أقام عنده حتى ولد له. ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى. قال مقاتل: على موعد، قال محمد بن كعب: ثم جئت على القدر الذي قدّرت أنك تجيء. قال عبد الرّحمن بن كيسان: على رأس أربعين سنة وهو القدر الذي يوحي فيه إلى الأنبياء [[في الثانية محمد بن كعب ثم جئت على القدر الذي يوحى فيه إلى الأنبياء.]] ، قال الكلبي: وافق الكلام عند الشجرة. وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي اخترتك واصطفيتك واختصصتك [[في نسخة أصفهان زيادة: لنفسي.]] بالرسالة أو النبوّة اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي اليد والعصا وَلا تَنِيا قال ابن عباس: لا تضعفا، وقال السدّي: لا تفترا، وقال محمد بن كعب: لا تقصّرا. وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: لا تبطئا، وفي قراءة ابن مسعود: ولا تهنا. اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى. فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً قال ابن عباس: لا تعنّفا في قولكما ولا تغلّظا، وقال السدّي وعكرمة: كنّياه قولا له: يا أبا العباس، وقيل: يا أبا الوليد. وقال مقاتل: يعني بالقول اللين هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى. وقال أهل المعاني: معناه الطفا له في قولكما فإنّه ربّاك وأحسن تربيتك وله عليك حقّ الأبوّة فلا تجبهه بمكروه في أوّل قدومك عليه، يقال: وعده على قبول الإيمان شبابا لا يهرم وملكا لا ينزع عنه إلّا بالموت، ويبقى عليه لذّة المطعم والمشرب والمنكح إلى حين موته. قال المفسّرون: وكان هارون يومئذ بمصر فأمر الله عزّ وجلّ أن يأتي هو وهارون، وأوحى إلى هارون وهو بمصر أن يتلقى موسى فتلقّاه إلى مرحلة وأخبره بما أوحي إليه فقال له موسى: إن الله سبحانه أمرني أن آتي فرعون فسألت ربّي عزّ وجلّ أن يجعلك معي. وقوله لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى أي يسلم. فإن قيل: كيف قال: لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى وعلمه سابق في فرعون أنّه لا يتذكّر ولا يخشى؟. قال الحسين [[في نسخة أصفهان: الحسن.]] بن الفضل: هو مصروف إلى غير فرعون، ومجازه: لكي يتذكّر متذكّر أو يخشى خاش إذا رأى برّي وإلطافي بمن خلقته ورزقته، وصححت جسمه وأنعمت عليه ثم ادّعى الربوبية دوني. وقال أبو بكر محمد بن عمر الورّاق: لعلّ هاهنا من الله واجب، ولقد تذكّر فرعون حيث لم تنفعه الذكرى والخشية، وذلك قوله حين ألجمه الغرق في البحر آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ [[يونس: 90.]] . سمعت أبا القاسم الحسن بن محمد بن حبيب يقول: سمعت أبي يقول سمعت علىّ [[في نسخة أصفهان: محمد بن حبيب يقول: سمعت علي.]] بن محمد الوراق يقول: سمعت يحيى بن معاذ الرازي يقول- وقرأ هذه الآية-: هذا رفقك بمن يقول: أنا الإله، فكيف رفقك بمن يقول: أنت الإله؟ قال أبو القاسم الحسين [[في نسخة أصفهان: الحسين.]] فبنيت عليه ألفاظا اقتديت به فيها فقلت: هذا رفقك بمن ينافيك فكيف رفقك بمن يصافيك؟ هذا رفقك بمن يعاديك فكيف رفقك بمن يواليك؟ هذا رفقك بمن يسبّك فكيف رفقك بمن يحبّك؟ هذا رفقك بمن يقول لك ندّا فكيف رفقك بمن يقول فردا؟ هذا رفقك بمن ضلّ فكيف رفقك بمن ذل [[في نسخة أصفهان زيادة: هذا رفقك بمن استكبر فكيف رفقك بمن استغفر؟]] هذا رفقك بمن اقترف فكيف رفقك بمن اعترف؟ هذا رفقك بمن أصرّ فكيف رفقك بمن أقرّ؟ هذا رفقك بمن استكبر فكيف رفقك بمن استغفر؟ قالا يعني موسى وهارون رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا. قال ابن عباس: يعجّل بالقتل والعقوبة، وقال الضحّاك: تجاوز الحدّ، وقيل: يغلبنا أَوْ أَنْ يَطْغى يتكبّر ويستعصي علينا. قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما بالدفع عنكما أَسْمَعُ قولكما وقوله وَأَرى فعله وفعلكما فَأْتِياهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ أي ولا تتعبهم في العمل، وكانت بنو إسرائيل عند آل فرعون في عذاب شديد يقتل أبناءهم ويستخدم نساءهم ويكلفهم من العمل واللبن والطين وبناء المدائن ما لا يقدرون عليه. قال موسى قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ قال فرعون: وما هي؟ قال: فأدخل يده في جيب قميصه ثمّ أخرجها فإذا هي بيضاء لها شعاع كشعاع الشمس، غلبت نور الشمس، فعجب منها ولم يره العصا إلّا بعد ذلك يوم الزينة. وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى يعني من أسلم إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ أنبياء الله وَتَوَلَّى أعرض عن الإيمان، ورأيت في بعض التفاسير أنّ هذه أرجى آية للموحّدين في القرآن. قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى يعني يا موسى وهارون فذكر موسى دون هارون لرؤوس الآي. قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ قال الحسين وقتادة: أعطى كلّ شيء صلاحه وهداه لما يصلحه. وقال مجاهد: لم يجعل الإنسان في خلق البهائم، ولا خلق البهائم في خلق الإنسان، ولكن خلق كلّ شي فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً. وقال عطيّة: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ يعني صورته. وقال الضحّاك: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ، يعني اليد للبطش والرجل للمشي واللسان للنطق والعين للبصر والأذن للسمع. وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا عبد الرّحمن بن محمد الزهري قال: حدّثنا أحمد ابن سعيد قال: حدّثنا سعيد بن سليمان عن إسماعيل بن زكريا عن إسماعيل بن أبي صالح، أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى قال: هداه لمعيشته. وقال ابن عباس وسعيد بن جبير: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ يعني شكله، للإنسان الزوجة وللبعير الناقة وللفرس الرمكة وللحمار الأتان ثُمَّ هَدى أي عرّف وعلّم وألهم كيف يأتي الذكر الأنثى في النكاح [[في نسخة أصفهان: قوله: أي عرّف.... النكاح تأتي بعد قوله: على الفعل.]] . وقرأ نصير خَلَقَهُ بفتح اللام على الفعل. قالَ فرعون فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى وإنّما قال هذا فرعون لموسى حين قال موسى: إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ، فقال فرعون حينئذ له: فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى التي ذكرت؟ ف قالَ موسى عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ يعني اللوح المحفوظ، وإنّما ردّ موسى علم ذلك إلى الله سبحانه لأنّه لم يعلم ذلك، وإنّما نزلت التوراة عليه بعد هلاك فرعون وقومه لا يَضِلُّ رَبِّي أي لا يخطئ وَلا يَنْسى فيتذكّر، وقال مجاهد: هما شيء واحد.

طه 20:33

اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى عصى وعلا وتكبّر وكفر، فادعه إلى عبادتي، واعلم بأنّي قد ربطت [[في نسخة أصفهان: ورطت وكذا في الموضع الآتي.]] على قلبه، قال: فكيف تأمرني أن آتيه وقد ربطت على قلبه؟ فأتاه ملك من خزّان الريح فقال: انطلق، فإنّا اثنا عشر من خزّان الريح منذ خلقنا الله سبحانه نحن في هذا فما علمناه، فامض لأمر الله، فقال موسى عند ذلك رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وسّع وليّن قلبي بالإيمان والنبوّة وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وسهّل عليّ ما أمرتني به من تبليغ الرسالة إلى فرعون وَاحْلُلْ وابسط وافتح عُقْدَةً مِنْ لِسانِي قال ابن عباس: كانت في لسانه رتّة، وذلك أنّه كان في حجر فرعون ذات يوم فلطمه لطمة وأخذ بلحيته فقال فرعون لآسية امرأته: انّ هذا عدوّي، فقالت آسية: على رسلك إنّه صبي لا يفرّق بين الأشياء ولا يميّز، ثم جاءت بطستين فجعلت في أحدهما الجمر وفي الأخرى الجوهر ووضعتهما بين يدي موسى، فأخذ جبرئيل بيد موسى فوضعها على النار حتى رفع جمرة ووضعها على لسانه فتلك الرتّة يَفْقَهُوا قَوْلِي كي يفهموا كلامي وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً معينا وظهيرا مِنْ أَهْلِي ثمّ بين من هو فقال هارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي قوّ به ظهري وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي يعني النبوّة وتبليغ الرسالة كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً نصلّي لك وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً. وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق وابن عامر: اشْدِدْ بِهِ أَزْرِي بفتح الألف وَأُشْرُكْهُ بضم الألف على الجزاء والجواب حكاية عن موسى أنّي أفعل ذلك، قال الله سبحانه قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى قد أعطيت مرادك وسؤالك يا موسى. وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى قبل هذا وهي إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ وحي إلهام مثل وحي النحل ما يُوحى أَنِ اقْذِفِيهِ أن اجعليه فِي التَّابُوتِ. قال مقاتل: والمؤمن الذي صنع التابوت من آل فرعون اسمه خربيل، وقيل: إنّه كان من بردي فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ يعني نهر النيل فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يعني شاطئ النهر، لفظه أمر ومعناه خبر مجازه: حتى يلقيه اليمّ بالساحل يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ يعني فرعون، فاتّخذت تابوتا وجعلت فيه قطنا محلوجا، ووضعت فيه موسى، وقيّرت رأسه وخصاصه- يعني شقوقه- ثمّ ألقته في النّيل، وكان يشرع منه نهر كبير في دار فرعون، فبينا هو جالس على رأس البركة مع امرأته آسية إذا بتابوت يجيء به الماء، فلمّا رأى ذلك أمر الغلمان والجواري بإخراجه فأخرجوه وفتحوا رأسه فإذا صبيّ من أصبح الناس وجها، فلمّا رآه فرعون أحبّه بحيث لم يتمالك، فذلك قوله سبحانه وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي قال ابن عباس: أحبّه وحبّبه إلى خلقه، قال عطيّة العوفي: جعل عليه مسحة من جمال لا تكاد يصبر عنه من رآه، قال قتادة: ملاحة كانت في عيني موسى، ما رآه أحد إلّا عشقه. وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي أي ولتربّى وتغذّى بمرأى ومنظر منّي إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ واسمها مريم متعرّفة خبره فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ يرضعه ويضمّه إليه، وذلك أنّه كان لا يقبل ثدي امرأة، فلمّا قالت لهم أخته ذلك قالوا: نعم، فجاءت بالأمّ فقبل ثديها فذلك قوله فَرَجَعْناكَ فرددناك إِلى أُمِّكَ. وفي مصحف أبي فرددناك إلى أمّك كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها بلقائك وبقائك وَلا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْساً قال ابن عباس: قتل قبطيا كافرا. قال كعب الأحبار: كان إذ ذاك ابن اثنتي عشرة سنة فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ أي من غمّ القتل وكربته وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً. قال ابن عباس: اختبرناك اختبارا. وقال الضحّاك وقتادة ومقاتل، ابتليناك ابتلاء. وقال مجاهد: أخلصناك إخلاصا فَلَبِثْتَ سِنِينَ [[في نسخة أصفهان زيادة: فمكثت.]] يعني عشر سنين فِي أَهْلِ مَدْيَنَ وهي بلدة شعيب على ثلاث [[في نسخة أصفهان: ثمان.]] مراحل من مصر، قال وهب: لبث عند شعيب ثمان وعشرين سنة، عشر سنين منها مهر امرأته صفيرا بنت شعيب وثماني عشرة سنة أقام عنده حتى ولد له. ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى. قال مقاتل: على موعد، قال محمد بن كعب: ثم جئت على القدر الذي قدّرت أنك تجيء. قال عبد الرّحمن بن كيسان: على رأس أربعين سنة وهو القدر الذي يوحي فيه إلى الأنبياء [[في الثانية محمد بن كعب ثم جئت على القدر الذي يوحى فيه إلى الأنبياء.]] ، قال الكلبي: وافق الكلام عند الشجرة. وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي اخترتك واصطفيتك واختصصتك [[في نسخة أصفهان زيادة: لنفسي.]] بالرسالة أو النبوّة اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي اليد والعصا وَلا تَنِيا قال ابن عباس: لا تضعفا، وقال السدّي: لا تفترا، وقال محمد بن كعب: لا تقصّرا. وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: لا تبطئا، وفي قراءة ابن مسعود: ولا تهنا. اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى. فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً قال ابن عباس: لا تعنّفا في قولكما ولا تغلّظا، وقال السدّي وعكرمة: كنّياه قولا له: يا أبا العباس، وقيل: يا أبا الوليد. وقال مقاتل: يعني بالقول اللين هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى. وقال أهل المعاني: معناه الطفا له في قولكما فإنّه ربّاك وأحسن تربيتك وله عليك حقّ الأبوّة فلا تجبهه بمكروه في أوّل قدومك عليه، يقال: وعده على قبول الإيمان شبابا لا يهرم وملكا لا ينزع عنه إلّا بالموت، ويبقى عليه لذّة المطعم والمشرب والمنكح إلى حين موته. قال المفسّرون: وكان هارون يومئذ بمصر فأمر الله عزّ وجلّ أن يأتي هو وهارون، وأوحى إلى هارون وهو بمصر أن يتلقى موسى فتلقّاه إلى مرحلة وأخبره بما أوحي إليه فقال له موسى: إن الله سبحانه أمرني أن آتي فرعون فسألت ربّي عزّ وجلّ أن يجعلك معي. وقوله لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى أي يسلم. فإن قيل: كيف قال: لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى وعلمه سابق في فرعون أنّه لا يتذكّر ولا يخشى؟. قال الحسين [[في نسخة أصفهان: الحسن.]] بن الفضل: هو مصروف إلى غير فرعون، ومجازه: لكي يتذكّر متذكّر أو يخشى خاش إذا رأى برّي وإلطافي بمن خلقته ورزقته، وصححت جسمه وأنعمت عليه ثم ادّعى الربوبية دوني. وقال أبو بكر محمد بن عمر الورّاق: لعلّ هاهنا من الله واجب، ولقد تذكّر فرعون حيث لم تنفعه الذكرى والخشية، وذلك قوله حين ألجمه الغرق في البحر آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ [[يونس: 90.]] . سمعت أبا القاسم الحسن بن محمد بن حبيب يقول: سمعت أبي يقول سمعت علىّ [[في نسخة أصفهان: محمد بن حبيب يقول: سمعت علي.]] بن محمد الوراق يقول: سمعت يحيى بن معاذ الرازي يقول- وقرأ هذه الآية-: هذا رفقك بمن يقول: أنا الإله، فكيف رفقك بمن يقول: أنت الإله؟ قال أبو القاسم الحسين [[في نسخة أصفهان: الحسين.]] فبنيت عليه ألفاظا اقتديت به فيها فقلت: هذا رفقك بمن ينافيك فكيف رفقك بمن يصافيك؟ هذا رفقك بمن يعاديك فكيف رفقك بمن يواليك؟ هذا رفقك بمن يسبّك فكيف رفقك بمن يحبّك؟ هذا رفقك بمن يقول لك ندّا فكيف رفقك بمن يقول فردا؟ هذا رفقك بمن ضلّ فكيف رفقك بمن ذل [[في نسخة أصفهان زيادة: هذا رفقك بمن استكبر فكيف رفقك بمن استغفر؟]] هذا رفقك بمن اقترف فكيف رفقك بمن اعترف؟ هذا رفقك بمن أصرّ فكيف رفقك بمن أقرّ؟ هذا رفقك بمن استكبر فكيف رفقك بمن استغفر؟ قالا يعني موسى وهارون رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا. قال ابن عباس: يعجّل بالقتل والعقوبة، وقال الضحّاك: تجاوز الحدّ، وقيل: يغلبنا أَوْ أَنْ يَطْغى يتكبّر ويستعصي علينا. قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما بالدفع عنكما أَسْمَعُ قولكما وقوله وَأَرى فعله وفعلكما فَأْتِياهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ أي ولا تتعبهم في العمل، وكانت بنو إسرائيل عند آل فرعون في عذاب شديد يقتل أبناءهم ويستخدم نساءهم ويكلفهم من العمل واللبن والطين وبناء المدائن ما لا يقدرون عليه. قال موسى قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ قال فرعون: وما هي؟ قال: فأدخل يده في جيب قميصه ثمّ أخرجها فإذا هي بيضاء لها شعاع كشعاع الشمس، غلبت نور الشمس، فعجب منها ولم يره العصا إلّا بعد ذلك يوم الزينة. وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى يعني من أسلم إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ أنبياء الله وَتَوَلَّى أعرض عن الإيمان، ورأيت في بعض التفاسير أنّ هذه أرجى آية للموحّدين في القرآن. قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى يعني يا موسى وهارون فذكر موسى دون هارون لرؤوس الآي. قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ قال الحسين وقتادة: أعطى كلّ شيء صلاحه وهداه لما يصلحه. وقال مجاهد: لم يجعل الإنسان في خلق البهائم، ولا خلق البهائم في خلق الإنسان، ولكن خلق كلّ شي فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً. وقال عطيّة: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ يعني صورته. وقال الضحّاك: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ، يعني اليد للبطش والرجل للمشي واللسان للنطق والعين للبصر والأذن للسمع. وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا عبد الرّحمن بن محمد الزهري قال: حدّثنا أحمد ابن سعيد قال: حدّثنا سعيد بن سليمان عن إسماعيل بن زكريا عن إسماعيل بن أبي صالح، أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى قال: هداه لمعيشته. وقال ابن عباس وسعيد بن جبير: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ يعني شكله، للإنسان الزوجة وللبعير الناقة وللفرس الرمكة وللحمار الأتان ثُمَّ هَدى أي عرّف وعلّم وألهم كيف يأتي الذكر الأنثى في النكاح [[في نسخة أصفهان: قوله: أي عرّف.... النكاح تأتي بعد قوله: على الفعل.]] . وقرأ نصير خَلَقَهُ بفتح اللام على الفعل. قالَ فرعون فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى وإنّما قال هذا فرعون لموسى حين قال موسى: إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ، فقال فرعون حينئذ له: فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى التي ذكرت؟ ف قالَ موسى عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ يعني اللوح المحفوظ، وإنّما ردّ موسى علم ذلك إلى الله سبحانه لأنّه لم يعلم ذلك، وإنّما نزلت التوراة عليه بعد هلاك فرعون وقومه لا يَضِلُّ رَبِّي أي لا يخطئ وَلا يَنْسى فيتذكّر، وقال مجاهد: هما شيء واحد.

طه 20:34

اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى عصى وعلا وتكبّر وكفر، فادعه إلى عبادتي، واعلم بأنّي قد ربطت [[في نسخة أصفهان: ورطت وكذا في الموضع الآتي.]] على قلبه، قال: فكيف تأمرني أن آتيه وقد ربطت على قلبه؟ فأتاه ملك من خزّان الريح فقال: انطلق، فإنّا اثنا عشر من خزّان الريح منذ خلقنا الله سبحانه نحن في هذا فما علمناه، فامض لأمر الله، فقال موسى عند ذلك رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وسّع وليّن قلبي بالإيمان والنبوّة وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وسهّل عليّ ما أمرتني به من تبليغ الرسالة إلى فرعون وَاحْلُلْ وابسط وافتح عُقْدَةً مِنْ لِسانِي قال ابن عباس: كانت في لسانه رتّة، وذلك أنّه كان في حجر فرعون ذات يوم فلطمه لطمة وأخذ بلحيته فقال فرعون لآسية امرأته: انّ هذا عدوّي، فقالت آسية: على رسلك إنّه صبي لا يفرّق بين الأشياء ولا يميّز، ثم جاءت بطستين فجعلت في أحدهما الجمر وفي الأخرى الجوهر ووضعتهما بين يدي موسى، فأخذ جبرئيل بيد موسى فوضعها على النار حتى رفع جمرة ووضعها على لسانه فتلك الرتّة يَفْقَهُوا قَوْلِي كي يفهموا كلامي وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً معينا وظهيرا مِنْ أَهْلِي ثمّ بين من هو فقال هارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي قوّ به ظهري وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي يعني النبوّة وتبليغ الرسالة كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً نصلّي لك وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً. وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق وابن عامر: اشْدِدْ بِهِ أَزْرِي بفتح الألف وَأُشْرُكْهُ بضم الألف على الجزاء والجواب حكاية عن موسى أنّي أفعل ذلك، قال الله سبحانه قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى قد أعطيت مرادك وسؤالك يا موسى. وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى قبل هذا وهي إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ وحي إلهام مثل وحي النحل ما يُوحى أَنِ اقْذِفِيهِ أن اجعليه فِي التَّابُوتِ. قال مقاتل: والمؤمن الذي صنع التابوت من آل فرعون اسمه خربيل، وقيل: إنّه كان من بردي فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ يعني نهر النيل فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يعني شاطئ النهر، لفظه أمر ومعناه خبر مجازه: حتى يلقيه اليمّ بالساحل يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ يعني فرعون، فاتّخذت تابوتا وجعلت فيه قطنا محلوجا، ووضعت فيه موسى، وقيّرت رأسه وخصاصه- يعني شقوقه- ثمّ ألقته في النّيل، وكان يشرع منه نهر كبير في دار فرعون، فبينا هو جالس على رأس البركة مع امرأته آسية إذا بتابوت يجيء به الماء، فلمّا رأى ذلك أمر الغلمان والجواري بإخراجه فأخرجوه وفتحوا رأسه فإذا صبيّ من أصبح الناس وجها، فلمّا رآه فرعون أحبّه بحيث لم يتمالك، فذلك قوله سبحانه وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي قال ابن عباس: أحبّه وحبّبه إلى خلقه، قال عطيّة العوفي: جعل عليه مسحة من جمال لا تكاد يصبر عنه من رآه، قال قتادة: ملاحة كانت في عيني موسى، ما رآه أحد إلّا عشقه. وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي أي ولتربّى وتغذّى بمرأى ومنظر منّي إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ واسمها مريم متعرّفة خبره فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ يرضعه ويضمّه إليه، وذلك أنّه كان لا يقبل ثدي امرأة، فلمّا قالت لهم أخته ذلك قالوا: نعم، فجاءت بالأمّ فقبل ثديها فذلك قوله فَرَجَعْناكَ فرددناك إِلى أُمِّكَ. وفي مصحف أبي فرددناك إلى أمّك كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها بلقائك وبقائك وَلا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْساً قال ابن عباس: قتل قبطيا كافرا. قال كعب الأحبار: كان إذ ذاك ابن اثنتي عشرة سنة فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ أي من غمّ القتل وكربته وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً. قال ابن عباس: اختبرناك اختبارا. وقال الضحّاك وقتادة ومقاتل، ابتليناك ابتلاء. وقال مجاهد: أخلصناك إخلاصا فَلَبِثْتَ سِنِينَ [[في نسخة أصفهان زيادة: فمكثت.]] يعني عشر سنين فِي أَهْلِ مَدْيَنَ وهي بلدة شعيب على ثلاث [[في نسخة أصفهان: ثمان.]] مراحل من مصر، قال وهب: لبث عند شعيب ثمان وعشرين سنة، عشر سنين منها مهر امرأته صفيرا بنت شعيب وثماني عشرة سنة أقام عنده حتى ولد له. ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى. قال مقاتل: على موعد، قال محمد بن كعب: ثم جئت على القدر الذي قدّرت أنك تجيء. قال عبد الرّحمن بن كيسان: على رأس أربعين سنة وهو القدر الذي يوحي فيه إلى الأنبياء [[في الثانية محمد بن كعب ثم جئت على القدر الذي يوحى فيه إلى الأنبياء.]] ، قال الكلبي: وافق الكلام عند الشجرة. وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي اخترتك واصطفيتك واختصصتك [[في نسخة أصفهان زيادة: لنفسي.]] بالرسالة أو النبوّة اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي اليد والعصا وَلا تَنِيا قال ابن عباس: لا تضعفا، وقال السدّي: لا تفترا، وقال محمد بن كعب: لا تقصّرا. وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: لا تبطئا، وفي قراءة ابن مسعود: ولا تهنا. اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى. فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً قال ابن عباس: لا تعنّفا في قولكما ولا تغلّظا، وقال السدّي وعكرمة: كنّياه قولا له: يا أبا العباس، وقيل: يا أبا الوليد. وقال مقاتل: يعني بالقول اللين هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى. وقال أهل المعاني: معناه الطفا له في قولكما فإنّه ربّاك وأحسن تربيتك وله عليك حقّ الأبوّة فلا تجبهه بمكروه في أوّل قدومك عليه، يقال: وعده على قبول الإيمان شبابا لا يهرم وملكا لا ينزع عنه إلّا بالموت، ويبقى عليه لذّة المطعم والمشرب والمنكح إلى حين موته. قال المفسّرون: وكان هارون يومئذ بمصر فأمر الله عزّ وجلّ أن يأتي هو وهارون، وأوحى إلى هارون وهو بمصر أن يتلقى موسى فتلقّاه إلى مرحلة وأخبره بما أوحي إليه فقال له موسى: إن الله سبحانه أمرني أن آتي فرعون فسألت ربّي عزّ وجلّ أن يجعلك معي. وقوله لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى أي يسلم. فإن قيل: كيف قال: لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى وعلمه سابق في فرعون أنّه لا يتذكّر ولا يخشى؟. قال الحسين [[في نسخة أصفهان: الحسن.]] بن الفضل: هو مصروف إلى غير فرعون، ومجازه: لكي يتذكّر متذكّر أو يخشى خاش إذا رأى برّي وإلطافي بمن خلقته ورزقته، وصححت جسمه وأنعمت عليه ثم ادّعى الربوبية دوني. وقال أبو بكر محمد بن عمر الورّاق: لعلّ هاهنا من الله واجب، ولقد تذكّر فرعون حيث لم تنفعه الذكرى والخشية، وذلك قوله حين ألجمه الغرق في البحر آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ [[يونس: 90.]] . سمعت أبا القاسم الحسن بن محمد بن حبيب يقول: سمعت أبي يقول سمعت علىّ [[في نسخة أصفهان: محمد بن حبيب يقول: سمعت علي.]] بن محمد الوراق يقول: سمعت يحيى بن معاذ الرازي يقول- وقرأ هذه الآية-: هذا رفقك بمن يقول: أنا الإله، فكيف رفقك بمن يقول: أنت الإله؟ قال أبو القاسم الحسين [[في نسخة أصفهان: الحسين.]] فبنيت عليه ألفاظا اقتديت به فيها فقلت: هذا رفقك بمن ينافيك فكيف رفقك بمن يصافيك؟ هذا رفقك بمن يعاديك فكيف رفقك بمن يواليك؟ هذا رفقك بمن يسبّك فكيف رفقك بمن يحبّك؟ هذا رفقك بمن يقول لك ندّا فكيف رفقك بمن يقول فردا؟ هذا رفقك بمن ضلّ فكيف رفقك بمن ذل [[في نسخة أصفهان زيادة: هذا رفقك بمن استكبر فكيف رفقك بمن استغفر؟]] هذا رفقك بمن اقترف فكيف رفقك بمن اعترف؟ هذا رفقك بمن أصرّ فكيف رفقك بمن أقرّ؟ هذا رفقك بمن استكبر فكيف رفقك بمن استغفر؟ قالا يعني موسى وهارون رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا. قال ابن عباس: يعجّل بالقتل والعقوبة، وقال الضحّاك: تجاوز الحدّ، وقيل: يغلبنا أَوْ أَنْ يَطْغى يتكبّر ويستعصي علينا. قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما بالدفع عنكما أَسْمَعُ قولكما وقوله وَأَرى فعله وفعلكما فَأْتِياهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ أي ولا تتعبهم في العمل، وكانت بنو إسرائيل عند آل فرعون في عذاب شديد يقتل أبناءهم ويستخدم نساءهم ويكلفهم من العمل واللبن والطين وبناء المدائن ما لا يقدرون عليه. قال موسى قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ قال فرعون: وما هي؟ قال: فأدخل يده في جيب قميصه ثمّ أخرجها فإذا هي بيضاء لها شعاع كشعاع الشمس، غلبت نور الشمس، فعجب منها ولم يره العصا إلّا بعد ذلك يوم الزينة. وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى يعني من أسلم إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ أنبياء الله وَتَوَلَّى أعرض عن الإيمان، ورأيت في بعض التفاسير أنّ هذه أرجى آية للموحّدين في القرآن. قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى يعني يا موسى وهارون فذكر موسى دون هارون لرؤوس الآي. قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ قال الحسين وقتادة: أعطى كلّ شيء صلاحه وهداه لما يصلحه. وقال مجاهد: لم يجعل الإنسان في خلق البهائم، ولا خلق البهائم في خلق الإنسان، ولكن خلق كلّ شي فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً. وقال عطيّة: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ يعني صورته. وقال الضحّاك: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ، يعني اليد للبطش والرجل للمشي واللسان للنطق والعين للبصر والأذن للسمع. وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا عبد الرّحمن بن محمد الزهري قال: حدّثنا أحمد ابن سعيد قال: حدّثنا سعيد بن سليمان عن إسماعيل بن زكريا عن إسماعيل بن أبي صالح، أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى قال: هداه لمعيشته. وقال ابن عباس وسعيد بن جبير: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ يعني شكله، للإنسان الزوجة وللبعير الناقة وللفرس الرمكة وللحمار الأتان ثُمَّ هَدى أي عرّف وعلّم وألهم كيف يأتي الذكر الأنثى في النكاح [[في نسخة أصفهان: قوله: أي عرّف.... النكاح تأتي بعد قوله: على الفعل.]] . وقرأ نصير خَلَقَهُ بفتح اللام على الفعل. قالَ فرعون فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى وإنّما قال هذا فرعون لموسى حين قال موسى: إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ، فقال فرعون حينئذ له: فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى التي ذكرت؟ ف قالَ موسى عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ يعني اللوح المحفوظ، وإنّما ردّ موسى علم ذلك إلى الله سبحانه لأنّه لم يعلم ذلك، وإنّما نزلت التوراة عليه بعد هلاك فرعون وقومه لا يَضِلُّ رَبِّي أي لا يخطئ وَلا يَنْسى فيتذكّر، وقال مجاهد: هما شيء واحد.

طه 20:35

اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى عصى وعلا وتكبّر وكفر، فادعه إلى عبادتي، واعلم بأنّي قد ربطت [[في نسخة أصفهان: ورطت وكذا في الموضع الآتي.]] على قلبه، قال: فكيف تأمرني أن آتيه وقد ربطت على قلبه؟ فأتاه ملك من خزّان الريح فقال: انطلق، فإنّا اثنا عشر من خزّان الريح منذ خلقنا الله سبحانه نحن في هذا فما علمناه، فامض لأمر الله، فقال موسى عند ذلك رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وسّع وليّن قلبي بالإيمان والنبوّة وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وسهّل عليّ ما أمرتني به من تبليغ الرسالة إلى فرعون وَاحْلُلْ وابسط وافتح عُقْدَةً مِنْ لِسانِي قال ابن عباس: كانت في لسانه رتّة، وذلك أنّه كان في حجر فرعون ذات يوم فلطمه لطمة وأخذ بلحيته فقال فرعون لآسية امرأته: انّ هذا عدوّي، فقالت آسية: على رسلك إنّه صبي لا يفرّق بين الأشياء ولا يميّز، ثم جاءت بطستين فجعلت في أحدهما الجمر وفي الأخرى الجوهر ووضعتهما بين يدي موسى، فأخذ جبرئيل بيد موسى فوضعها على النار حتى رفع جمرة ووضعها على لسانه فتلك الرتّة يَفْقَهُوا قَوْلِي كي يفهموا كلامي وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً معينا وظهيرا مِنْ أَهْلِي ثمّ بين من هو فقال هارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي قوّ به ظهري وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي يعني النبوّة وتبليغ الرسالة كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً نصلّي لك وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً. وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق وابن عامر: اشْدِدْ بِهِ أَزْرِي بفتح الألف وَأُشْرُكْهُ بضم الألف على الجزاء والجواب حكاية عن موسى أنّي أفعل ذلك، قال الله سبحانه قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى قد أعطيت مرادك وسؤالك يا موسى. وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى قبل هذا وهي إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ وحي إلهام مثل وحي النحل ما يُوحى أَنِ اقْذِفِيهِ أن اجعليه فِي التَّابُوتِ. قال مقاتل: والمؤمن الذي صنع التابوت من آل فرعون اسمه خربيل، وقيل: إنّه كان من بردي فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ يعني نهر النيل فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يعني شاطئ النهر، لفظه أمر ومعناه خبر مجازه: حتى يلقيه اليمّ بالساحل يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ يعني فرعون، فاتّخذت تابوتا وجعلت فيه قطنا محلوجا، ووضعت فيه موسى، وقيّرت رأسه وخصاصه- يعني شقوقه- ثمّ ألقته في النّيل، وكان يشرع منه نهر كبير في دار فرعون، فبينا هو جالس على رأس البركة مع امرأته آسية إذا بتابوت يجيء به الماء، فلمّا رأى ذلك أمر الغلمان والجواري بإخراجه فأخرجوه وفتحوا رأسه فإذا صبيّ من أصبح الناس وجها، فلمّا رآه فرعون أحبّه بحيث لم يتمالك، فذلك قوله سبحانه وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي قال ابن عباس: أحبّه وحبّبه إلى خلقه، قال عطيّة العوفي: جعل عليه مسحة من جمال لا تكاد يصبر عنه من رآه، قال قتادة: ملاحة كانت في عيني موسى، ما رآه أحد إلّا عشقه. وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي أي ولتربّى وتغذّى بمرأى ومنظر منّي إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ واسمها مريم متعرّفة خبره فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ يرضعه ويضمّه إليه، وذلك أنّه كان لا يقبل ثدي امرأة، فلمّا قالت لهم أخته ذلك قالوا: نعم، فجاءت بالأمّ فقبل ثديها فذلك قوله فَرَجَعْناكَ فرددناك إِلى أُمِّكَ. وفي مصحف أبي فرددناك إلى أمّك كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها بلقائك وبقائك وَلا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْساً قال ابن عباس: قتل قبطيا كافرا. قال كعب الأحبار: كان إذ ذاك ابن اثنتي عشرة سنة فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ أي من غمّ القتل وكربته وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً. قال ابن عباس: اختبرناك اختبارا. وقال الضحّاك وقتادة ومقاتل، ابتليناك ابتلاء. وقال مجاهد: أخلصناك إخلاصا فَلَبِثْتَ سِنِينَ [[في نسخة أصفهان زيادة: فمكثت.]] يعني عشر سنين فِي أَهْلِ مَدْيَنَ وهي بلدة شعيب على ثلاث [[في نسخة أصفهان: ثمان.]] مراحل من مصر، قال وهب: لبث عند شعيب ثمان وعشرين سنة، عشر سنين منها مهر امرأته صفيرا بنت شعيب وثماني عشرة سنة أقام عنده حتى ولد له. ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى. قال مقاتل: على موعد، قال محمد بن كعب: ثم جئت على القدر الذي قدّرت أنك تجيء. قال عبد الرّحمن بن كيسان: على رأس أربعين سنة وهو القدر الذي يوحي فيه إلى الأنبياء [[في الثانية محمد بن كعب ثم جئت على القدر الذي يوحى فيه إلى الأنبياء.]] ، قال الكلبي: وافق الكلام عند الشجرة. وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي اخترتك واصطفيتك واختصصتك [[في نسخة أصفهان زيادة: لنفسي.]] بالرسالة أو النبوّة اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي اليد والعصا وَلا تَنِيا قال ابن عباس: لا تضعفا، وقال السدّي: لا تفترا، وقال محمد بن كعب: لا تقصّرا. وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: لا تبطئا، وفي قراءة ابن مسعود: ولا تهنا. اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى. فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً قال ابن عباس: لا تعنّفا في قولكما ولا تغلّظا، وقال السدّي وعكرمة: كنّياه قولا له: يا أبا العباس، وقيل: يا أبا الوليد. وقال مقاتل: يعني بالقول اللين هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى. وقال أهل المعاني: معناه الطفا له في قولكما فإنّه ربّاك وأحسن تربيتك وله عليك حقّ الأبوّة فلا تجبهه بمكروه في أوّل قدومك عليه، يقال: وعده على قبول الإيمان شبابا لا يهرم وملكا لا ينزع عنه إلّا بالموت، ويبقى عليه لذّة المطعم والمشرب والمنكح إلى حين موته. قال المفسّرون: وكان هارون يومئذ بمصر فأمر الله عزّ وجلّ أن يأتي هو وهارون، وأوحى إلى هارون وهو بمصر أن يتلقى موسى فتلقّاه إلى مرحلة وأخبره بما أوحي إليه فقال له موسى: إن الله سبحانه أمرني أن آتي فرعون فسألت ربّي عزّ وجلّ أن يجعلك معي. وقوله لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى أي يسلم. فإن قيل: كيف قال: لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى وعلمه سابق في فرعون أنّه لا يتذكّر ولا يخشى؟. قال الحسين [[في نسخة أصفهان: الحسن.]] بن الفضل: هو مصروف إلى غير فرعون، ومجازه: لكي يتذكّر متذكّر أو يخشى خاش إذا رأى برّي وإلطافي بمن خلقته ورزقته، وصححت جسمه وأنعمت عليه ثم ادّعى الربوبية دوني. وقال أبو بكر محمد بن عمر الورّاق: لعلّ هاهنا من الله واجب، ولقد تذكّر فرعون حيث لم تنفعه الذكرى والخشية، وذلك قوله حين ألجمه الغرق في البحر آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ [[يونس: 90.]] . سمعت أبا القاسم الحسن بن محمد بن حبيب يقول: سمعت أبي يقول سمعت علىّ [[في نسخة أصفهان: محمد بن حبيب يقول: سمعت علي.]] بن محمد الوراق يقول: سمعت يحيى بن معاذ الرازي يقول- وقرأ هذه الآية-: هذا رفقك بمن يقول: أنا الإله، فكيف رفقك بمن يقول: أنت الإله؟ قال أبو القاسم الحسين [[في نسخة أصفهان: الحسين.]] فبنيت عليه ألفاظا اقتديت به فيها فقلت: هذا رفقك بمن ينافيك فكيف رفقك بمن يصافيك؟ هذا رفقك بمن يعاديك فكيف رفقك بمن يواليك؟ هذا رفقك بمن يسبّك فكيف رفقك بمن يحبّك؟ هذا رفقك بمن يقول لك ندّا فكيف رفقك بمن يقول فردا؟ هذا رفقك بمن ضلّ فكيف رفقك بمن ذل [[في نسخة أصفهان زيادة: هذا رفقك بمن استكبر فكيف رفقك بمن استغفر؟]] هذا رفقك بمن اقترف فكيف رفقك بمن اعترف؟ هذا رفقك بمن أصرّ فكيف رفقك بمن أقرّ؟ هذا رفقك بمن استكبر فكيف رفقك بمن استغفر؟ قالا يعني موسى وهارون رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا. قال ابن عباس: يعجّل بالقتل والعقوبة، وقال الضحّاك: تجاوز الحدّ، وقيل: يغلبنا أَوْ أَنْ يَطْغى يتكبّر ويستعصي علينا. قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما بالدفع عنكما أَسْمَعُ قولكما وقوله وَأَرى فعله وفعلكما فَأْتِياهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ أي ولا تتعبهم في العمل، وكانت بنو إسرائيل عند آل فرعون في عذاب شديد يقتل أبناءهم ويستخدم نساءهم ويكلفهم من العمل واللبن والطين وبناء المدائن ما لا يقدرون عليه. قال موسى قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ قال فرعون: وما هي؟ قال: فأدخل يده في جيب قميصه ثمّ أخرجها فإذا هي بيضاء لها شعاع كشعاع الشمس، غلبت نور الشمس، فعجب منها ولم يره العصا إلّا بعد ذلك يوم الزينة. وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى يعني من أسلم إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ أنبياء الله وَتَوَلَّى أعرض عن الإيمان، ورأيت في بعض التفاسير أنّ هذه أرجى آية للموحّدين في القرآن. قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى يعني يا موسى وهارون فذكر موسى دون هارون لرؤوس الآي. قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ قال الحسين وقتادة: أعطى كلّ شيء صلاحه وهداه لما يصلحه. وقال مجاهد: لم يجعل الإنسان في خلق البهائم، ولا خلق البهائم في خلق الإنسان، ولكن خلق كلّ شي فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً. وقال عطيّة: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ يعني صورته. وقال الضحّاك: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ، يعني اليد للبطش والرجل للمشي واللسان للنطق والعين للبصر والأذن للسمع. وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا عبد الرّحمن بن محمد الزهري قال: حدّثنا أحمد ابن سعيد قال: حدّثنا سعيد بن سليمان عن إسماعيل بن زكريا عن إسماعيل بن أبي صالح، أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى قال: هداه لمعيشته. وقال ابن عباس وسعيد بن جبير: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ يعني شكله، للإنسان الزوجة وللبعير الناقة وللفرس الرمكة وللحمار الأتان ثُمَّ هَدى أي عرّف وعلّم وألهم كيف يأتي الذكر الأنثى في النكاح [[في نسخة أصفهان: قوله: أي عرّف.... النكاح تأتي بعد قوله: على الفعل.]] . وقرأ نصير خَلَقَهُ بفتح اللام على الفعل. قالَ فرعون فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى وإنّما قال هذا فرعون لموسى حين قال موسى: إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ، فقال فرعون حينئذ له: فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى التي ذكرت؟ ف قالَ موسى عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ يعني اللوح المحفوظ، وإنّما ردّ موسى علم ذلك إلى الله سبحانه لأنّه لم يعلم ذلك، وإنّما نزلت التوراة عليه بعد هلاك فرعون وقومه لا يَضِلُّ رَبِّي أي لا يخطئ وَلا يَنْسى فيتذكّر، وقال مجاهد: هما شيء واحد.

طه 20:36

اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى عصى وعلا وتكبّر وكفر، فادعه إلى عبادتي، واعلم بأنّي قد ربطت [[في نسخة أصفهان: ورطت وكذا في الموضع الآتي.]] على قلبه، قال: فكيف تأمرني أن آتيه وقد ربطت على قلبه؟ فأتاه ملك من خزّان الريح فقال: انطلق، فإنّا اثنا عشر من خزّان الريح منذ خلقنا الله سبحانه نحن في هذا فما علمناه، فامض لأمر الله، فقال موسى عند ذلك رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وسّع وليّن قلبي بالإيمان والنبوّة وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وسهّل عليّ ما أمرتني به من تبليغ الرسالة إلى فرعون وَاحْلُلْ وابسط وافتح عُقْدَةً مِنْ لِسانِي قال ابن عباس: كانت في لسانه رتّة، وذلك أنّه كان في حجر فرعون ذات يوم فلطمه لطمة وأخذ بلحيته فقال فرعون لآسية امرأته: انّ هذا عدوّي، فقالت آسية: على رسلك إنّه صبي لا يفرّق بين الأشياء ولا يميّز، ثم جاءت بطستين فجعلت في أحدهما الجمر وفي الأخرى الجوهر ووضعتهما بين يدي موسى، فأخذ جبرئيل بيد موسى فوضعها على النار حتى رفع جمرة ووضعها على لسانه فتلك الرتّة يَفْقَهُوا قَوْلِي كي يفهموا كلامي وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً معينا وظهيرا مِنْ أَهْلِي ثمّ بين من هو فقال هارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي قوّ به ظهري وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي يعني النبوّة وتبليغ الرسالة كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً نصلّي لك وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً. وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق وابن عامر: اشْدِدْ بِهِ أَزْرِي بفتح الألف وَأُشْرُكْهُ بضم الألف على الجزاء والجواب حكاية عن موسى أنّي أفعل ذلك، قال الله سبحانه قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى قد أعطيت مرادك وسؤالك يا موسى. وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى قبل هذا وهي إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ وحي إلهام مثل وحي النحل ما يُوحى أَنِ اقْذِفِيهِ أن اجعليه فِي التَّابُوتِ. قال مقاتل: والمؤمن الذي صنع التابوت من آل فرعون اسمه خربيل، وقيل: إنّه كان من بردي فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ يعني نهر النيل فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يعني شاطئ النهر، لفظه أمر ومعناه خبر مجازه: حتى يلقيه اليمّ بالساحل يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ يعني فرعون، فاتّخذت تابوتا وجعلت فيه قطنا محلوجا، ووضعت فيه موسى، وقيّرت رأسه وخصاصه- يعني شقوقه- ثمّ ألقته في النّيل، وكان يشرع منه نهر كبير في دار فرعون، فبينا هو جالس على رأس البركة مع امرأته آسية إذا بتابوت يجيء به الماء، فلمّا رأى ذلك أمر الغلمان والجواري بإخراجه فأخرجوه وفتحوا رأسه فإذا صبيّ من أصبح الناس وجها، فلمّا رآه فرعون أحبّه بحيث لم يتمالك، فذلك قوله سبحانه وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي قال ابن عباس: أحبّه وحبّبه إلى خلقه، قال عطيّة العوفي: جعل عليه مسحة من جمال لا تكاد يصبر عنه من رآه، قال قتادة: ملاحة كانت في عيني موسى، ما رآه أحد إلّا عشقه. وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي أي ولتربّى وتغذّى بمرأى ومنظر منّي إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ واسمها مريم متعرّفة خبره فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ يرضعه ويضمّه إليه، وذلك أنّه كان لا يقبل ثدي امرأة، فلمّا قالت لهم أخته ذلك قالوا: نعم، فجاءت بالأمّ فقبل ثديها فذلك قوله فَرَجَعْناكَ فرددناك إِلى أُمِّكَ. وفي مصحف أبي فرددناك إلى أمّك كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها بلقائك وبقائك وَلا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْساً قال ابن عباس: قتل قبطيا كافرا. قال كعب الأحبار: كان إذ ذاك ابن اثنتي عشرة سنة فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ أي من غمّ القتل وكربته وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً. قال ابن عباس: اختبرناك اختبارا. وقال الضحّاك وقتادة ومقاتل، ابتليناك ابتلاء. وقال مجاهد: أخلصناك إخلاصا فَلَبِثْتَ سِنِينَ [[في نسخة أصفهان زيادة: فمكثت.]] يعني عشر سنين فِي أَهْلِ مَدْيَنَ وهي بلدة شعيب على ثلاث [[في نسخة أصفهان: ثمان.]] مراحل من مصر، قال وهب: لبث عند شعيب ثمان وعشرين سنة، عشر سنين منها مهر امرأته صفيرا بنت شعيب وثماني عشرة سنة أقام عنده حتى ولد له. ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى. قال مقاتل: على موعد، قال محمد بن كعب: ثم جئت على القدر الذي قدّرت أنك تجيء. قال عبد الرّحمن بن كيسان: على رأس أربعين سنة وهو القدر الذي يوحي فيه إلى الأنبياء [[في الثانية محمد بن كعب ثم جئت على القدر الذي يوحى فيه إلى الأنبياء.]] ، قال الكلبي: وافق الكلام عند الشجرة. وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي اخترتك واصطفيتك واختصصتك [[في نسخة أصفهان زيادة: لنفسي.]] بالرسالة أو النبوّة اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي اليد والعصا وَلا تَنِيا قال ابن عباس: لا تضعفا، وقال السدّي: لا تفترا، وقال محمد بن كعب: لا تقصّرا. وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: لا تبطئا، وفي قراءة ابن مسعود: ولا تهنا. اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى. فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً قال ابن عباس: لا تعنّفا في قولكما ولا تغلّظا، وقال السدّي وعكرمة: كنّياه قولا له: يا أبا العباس، وقيل: يا أبا الوليد. وقال مقاتل: يعني بالقول اللين هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى. وقال أهل المعاني: معناه الطفا له في قولكما فإنّه ربّاك وأحسن تربيتك وله عليك حقّ الأبوّة فلا تجبهه بمكروه في أوّل قدومك عليه، يقال: وعده على قبول الإيمان شبابا لا يهرم وملكا لا ينزع عنه إلّا بالموت، ويبقى عليه لذّة المطعم والمشرب والمنكح إلى حين موته. قال المفسّرون: وكان هارون يومئذ بمصر فأمر الله عزّ وجلّ أن يأتي هو وهارون، وأوحى إلى هارون وهو بمصر أن يتلقى موسى فتلقّاه إلى مرحلة وأخبره بما أوحي إليه فقال له موسى: إن الله سبحانه أمرني أن آتي فرعون فسألت ربّي عزّ وجلّ أن يجعلك معي. وقوله لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى أي يسلم. فإن قيل: كيف قال: لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى وعلمه سابق في فرعون أنّه لا يتذكّر ولا يخشى؟. قال الحسين [[في نسخة أصفهان: الحسن.]] بن الفضل: هو مصروف إلى غير فرعون، ومجازه: لكي يتذكّر متذكّر أو يخشى خاش إذا رأى برّي وإلطافي بمن خلقته ورزقته، وصححت جسمه وأنعمت عليه ثم ادّعى الربوبية دوني. وقال أبو بكر محمد بن عمر الورّاق: لعلّ هاهنا من الله واجب، ولقد تذكّر فرعون حيث لم تنفعه الذكرى والخشية، وذلك قوله حين ألجمه الغرق في البحر آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ [[يونس: 90.]] . سمعت أبا القاسم الحسن بن محمد بن حبيب يقول: سمعت أبي يقول سمعت علىّ [[في نسخة أصفهان: محمد بن حبيب يقول: سمعت علي.]] بن محمد الوراق يقول: سمعت يحيى بن معاذ الرازي يقول- وقرأ هذه الآية-: هذا رفقك بمن يقول: أنا الإله، فكيف رفقك بمن يقول: أنت الإله؟ قال أبو القاسم الحسين [[في نسخة أصفهان: الحسين.]] فبنيت عليه ألفاظا اقتديت به فيها فقلت: هذا رفقك بمن ينافيك فكيف رفقك بمن يصافيك؟ هذا رفقك بمن يعاديك فكيف رفقك بمن يواليك؟ هذا رفقك بمن يسبّك فكيف رفقك بمن يحبّك؟ هذا رفقك بمن يقول لك ندّا فكيف رفقك بمن يقول فردا؟ هذا رفقك بمن ضلّ فكيف رفقك بمن ذل [[في نسخة أصفهان زيادة: هذا رفقك بمن استكبر فكيف رفقك بمن استغفر؟]] هذا رفقك بمن اقترف فكيف رفقك بمن اعترف؟ هذا رفقك بمن أصرّ فكيف رفقك بمن أقرّ؟ هذا رفقك بمن استكبر فكيف رفقك بمن استغفر؟ قالا يعني موسى وهارون رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا. قال ابن عباس: يعجّل بالقتل والعقوبة، وقال الضحّاك: تجاوز الحدّ، وقيل: يغلبنا أَوْ أَنْ يَطْغى يتكبّر ويستعصي علينا. قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما بالدفع عنكما أَسْمَعُ قولكما وقوله وَأَرى فعله وفعلكما فَأْتِياهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ أي ولا تتعبهم في العمل، وكانت بنو إسرائيل عند آل فرعون في عذاب شديد يقتل أبناءهم ويستخدم نساءهم ويكلفهم من العمل واللبن والطين وبناء المدائن ما لا يقدرون عليه. قال موسى قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ قال فرعون: وما هي؟ قال: فأدخل يده في جيب قميصه ثمّ أخرجها فإذا هي بيضاء لها شعاع كشعاع الشمس، غلبت نور الشمس، فعجب منها ولم يره العصا إلّا بعد ذلك يوم الزينة. وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى يعني من أسلم إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ أنبياء الله وَتَوَلَّى أعرض عن الإيمان، ورأيت في بعض التفاسير أنّ هذه أرجى آية للموحّدين في القرآن. قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى يعني يا موسى وهارون فذكر موسى دون هارون لرؤوس الآي. قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ قال الحسين وقتادة: أعطى كلّ شيء صلاحه وهداه لما يصلحه. وقال مجاهد: لم يجعل الإنسان في خلق البهائم، ولا خلق البهائم في خلق الإنسان، ولكن خلق كلّ شي فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً. وقال عطيّة: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ يعني صورته. وقال الضحّاك: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ، يعني اليد للبطش والرجل للمشي واللسان للنطق والعين للبصر والأذن للسمع. وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا عبد الرّحمن بن محمد الزهري قال: حدّثنا أحمد ابن سعيد قال: حدّثنا سعيد بن سليمان عن إسماعيل بن زكريا عن إسماعيل بن أبي صالح، أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى قال: هداه لمعيشته. وقال ابن عباس وسعيد بن جبير: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ يعني شكله، للإنسان الزوجة وللبعير الناقة وللفرس الرمكة وللحمار الأتان ثُمَّ هَدى أي عرّف وعلّم وألهم كيف يأتي الذكر الأنثى في النكاح [[في نسخة أصفهان: قوله: أي عرّف.... النكاح تأتي بعد قوله: على الفعل.]] . وقرأ نصير خَلَقَهُ بفتح اللام على الفعل. قالَ فرعون فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى وإنّما قال هذا فرعون لموسى حين قال موسى: إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ، فقال فرعون حينئذ له: فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى التي ذكرت؟ ف قالَ موسى عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ يعني اللوح المحفوظ، وإنّما ردّ موسى علم ذلك إلى الله سبحانه لأنّه لم يعلم ذلك، وإنّما نزلت التوراة عليه بعد هلاك فرعون وقومه لا يَضِلُّ رَبِّي أي لا يخطئ وَلا يَنْسى فيتذكّر، وقال مجاهد: هما شيء واحد.

طه 20:37

اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى عصى وعلا وتكبّر وكفر، فادعه إلى عبادتي، واعلم بأنّي قد ربطت [[في نسخة أصفهان: ورطت وكذا في الموضع الآتي.]] على قلبه، قال: فكيف تأمرني أن آتيه وقد ربطت على قلبه؟ فأتاه ملك من خزّان الريح فقال: انطلق، فإنّا اثنا عشر من خزّان الريح منذ خلقنا الله سبحانه نحن في هذا فما علمناه، فامض لأمر الله، فقال موسى عند ذلك رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وسّع وليّن قلبي بالإيمان والنبوّة وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وسهّل عليّ ما أمرتني به من تبليغ الرسالة إلى فرعون وَاحْلُلْ وابسط وافتح عُقْدَةً مِنْ لِسانِي قال ابن عباس: كانت في لسانه رتّة، وذلك أنّه كان في حجر فرعون ذات يوم فلطمه لطمة وأخذ بلحيته فقال فرعون لآسية امرأته: انّ هذا عدوّي، فقالت آسية: على رسلك إنّه صبي لا يفرّق بين الأشياء ولا يميّز، ثم جاءت بطستين فجعلت في أحدهما الجمر وفي الأخرى الجوهر ووضعتهما بين يدي موسى، فأخذ جبرئيل بيد موسى فوضعها على النار حتى رفع جمرة ووضعها على لسانه فتلك الرتّة يَفْقَهُوا قَوْلِي كي يفهموا كلامي وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً معينا وظهيرا مِنْ أَهْلِي ثمّ بين من هو فقال هارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي قوّ به ظهري وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي يعني النبوّة وتبليغ الرسالة كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً نصلّي لك وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً. وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق وابن عامر: اشْدِدْ بِهِ أَزْرِي بفتح الألف وَأُشْرُكْهُ بضم الألف على الجزاء والجواب حكاية عن موسى أنّي أفعل ذلك، قال الله سبحانه قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى قد أعطيت مرادك وسؤالك يا موسى. وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى قبل هذا وهي إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ وحي إلهام مثل وحي النحل ما يُوحى أَنِ اقْذِفِيهِ أن اجعليه فِي التَّابُوتِ. قال مقاتل: والمؤمن الذي صنع التابوت من آل فرعون اسمه خربيل، وقيل: إنّه كان من بردي فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ يعني نهر النيل فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يعني شاطئ النهر، لفظه أمر ومعناه خبر مجازه: حتى يلقيه اليمّ بالساحل يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ يعني فرعون، فاتّخذت تابوتا وجعلت فيه قطنا محلوجا، ووضعت فيه موسى، وقيّرت رأسه وخصاصه- يعني شقوقه- ثمّ ألقته في النّيل، وكان يشرع منه نهر كبير في دار فرعون، فبينا هو جالس على رأس البركة مع امرأته آسية إذا بتابوت يجيء به الماء، فلمّا رأى ذلك أمر الغلمان والجواري بإخراجه فأخرجوه وفتحوا رأسه فإذا صبيّ من أصبح الناس وجها، فلمّا رآه فرعون أحبّه بحيث لم يتمالك، فذلك قوله سبحانه وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي قال ابن عباس: أحبّه وحبّبه إلى خلقه، قال عطيّة العوفي: جعل عليه مسحة من جمال لا تكاد يصبر عنه من رآه، قال قتادة: ملاحة كانت في عيني موسى، ما رآه أحد إلّا عشقه. وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي أي ولتربّى وتغذّى بمرأى ومنظر منّي إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ واسمها مريم متعرّفة خبره فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ يرضعه ويضمّه إليه، وذلك أنّه كان لا يقبل ثدي امرأة، فلمّا قالت لهم أخته ذلك قالوا: نعم، فجاءت بالأمّ فقبل ثديها فذلك قوله فَرَجَعْناكَ فرددناك إِلى أُمِّكَ. وفي مصحف أبي فرددناك إلى أمّك كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها بلقائك وبقائك وَلا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْساً قال ابن عباس: قتل قبطيا كافرا. قال كعب الأحبار: كان إذ ذاك ابن اثنتي عشرة سنة فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ أي من غمّ القتل وكربته وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً. قال ابن عباس: اختبرناك اختبارا. وقال الضحّاك وقتادة ومقاتل، ابتليناك ابتلاء. وقال مجاهد: أخلصناك إخلاصا فَلَبِثْتَ سِنِينَ [[في نسخة أصفهان زيادة: فمكثت.]] يعني عشر سنين فِي أَهْلِ مَدْيَنَ وهي بلدة شعيب على ثلاث [[في نسخة أصفهان: ثمان.]] مراحل من مصر، قال وهب: لبث عند شعيب ثمان وعشرين سنة، عشر سنين منها مهر امرأته صفيرا بنت شعيب وثماني عشرة سنة أقام عنده حتى ولد له. ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى. قال مقاتل: على موعد، قال محمد بن كعب: ثم جئت على القدر الذي قدّرت أنك تجيء. قال عبد الرّحمن بن كيسان: على رأس أربعين سنة وهو القدر الذي يوحي فيه إلى الأنبياء [[في الثانية محمد بن كعب ثم جئت على القدر الذي يوحى فيه إلى الأنبياء.]] ، قال الكلبي: وافق الكلام عند الشجرة. وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي اخترتك واصطفيتك واختصصتك [[في نسخة أصفهان زيادة: لنفسي.]] بالرسالة أو النبوّة اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي اليد والعصا وَلا تَنِيا قال ابن عباس: لا تضعفا، وقال السدّي: لا تفترا، وقال محمد بن كعب: لا تقصّرا. وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: لا تبطئا، وفي قراءة ابن مسعود: ولا تهنا. اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى. فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً قال ابن عباس: لا تعنّفا في قولكما ولا تغلّظا، وقال السدّي وعكرمة: كنّياه قولا له: يا أبا العباس، وقيل: يا أبا الوليد. وقال مقاتل: يعني بالقول اللين هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى. وقال أهل المعاني: معناه الطفا له في قولكما فإنّه ربّاك وأحسن تربيتك وله عليك حقّ الأبوّة فلا تجبهه بمكروه في أوّل قدومك عليه، يقال: وعده على قبول الإيمان شبابا لا يهرم وملكا لا ينزع عنه إلّا بالموت، ويبقى عليه لذّة المطعم والمشرب والمنكح إلى حين موته. قال المفسّرون: وكان هارون يومئذ بمصر فأمر الله عزّ وجلّ أن يأتي هو وهارون، وأوحى إلى هارون وهو بمصر أن يتلقى موسى فتلقّاه إلى مرحلة وأخبره بما أوحي إليه فقال له موسى: إن الله سبحانه أمرني أن آتي فرعون فسألت ربّي عزّ وجلّ أن يجعلك معي. وقوله لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى أي يسلم. فإن قيل: كيف قال: لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى وعلمه سابق في فرعون أنّه لا يتذكّر ولا يخشى؟. قال الحسين [[في نسخة أصفهان: الحسن.]] بن الفضل: هو مصروف إلى غير فرعون، ومجازه: لكي يتذكّر متذكّر أو يخشى خاش إذا رأى برّي وإلطافي بمن خلقته ورزقته، وصححت جسمه وأنعمت عليه ثم ادّعى الربوبية دوني. وقال أبو بكر محمد بن عمر الورّاق: لعلّ هاهنا من الله واجب، ولقد تذكّر فرعون حيث لم تنفعه الذكرى والخشية، وذلك قوله حين ألجمه الغرق في البحر آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ [[يونس: 90.]] . سمعت أبا القاسم الحسن بن محمد بن حبيب يقول: سمعت أبي يقول سمعت علىّ [[في نسخة أصفهان: محمد بن حبيب يقول: سمعت علي.]] بن محمد الوراق يقول: سمعت يحيى بن معاذ الرازي يقول- وقرأ هذه الآية-: هذا رفقك بمن يقول: أنا الإله، فكيف رفقك بمن يقول: أنت الإله؟ قال أبو القاسم الحسين [[في نسخة أصفهان: الحسين.]] فبنيت عليه ألفاظا اقتديت به فيها فقلت: هذا رفقك بمن ينافيك فكيف رفقك بمن يصافيك؟ هذا رفقك بمن يعاديك فكيف رفقك بمن يواليك؟ هذا رفقك بمن يسبّك فكيف رفقك بمن يحبّك؟ هذا رفقك بمن يقول لك ندّا فكيف رفقك بمن يقول فردا؟ هذا رفقك بمن ضلّ فكيف رفقك بمن ذل [[في نسخة أصفهان زيادة: هذا رفقك بمن استكبر فكيف رفقك بمن استغفر؟]] هذا رفقك بمن اقترف فكيف رفقك بمن اعترف؟ هذا رفقك بمن أصرّ فكيف رفقك بمن أقرّ؟ هذا رفقك بمن استكبر فكيف رفقك بمن استغفر؟ قالا يعني موسى وهارون رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا. قال ابن عباس: يعجّل بالقتل والعقوبة، وقال الضحّاك: تجاوز الحدّ، وقيل: يغلبنا أَوْ أَنْ يَطْغى يتكبّر ويستعصي علينا. قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما بالدفع عنكما أَسْمَعُ قولكما وقوله وَأَرى فعله وفعلكما فَأْتِياهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ أي ولا تتعبهم في العمل، وكانت بنو إسرائيل عند آل فرعون في عذاب شديد يقتل أبناءهم ويستخدم نساءهم ويكلفهم من العمل واللبن والطين وبناء المدائن ما لا يقدرون عليه. قال موسى قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ قال فرعون: وما هي؟ قال: فأدخل يده في جيب قميصه ثمّ أخرجها فإذا هي بيضاء لها شعاع كشعاع الشمس، غلبت نور الشمس، فعجب منها ولم يره العصا إلّا بعد ذلك يوم الزينة. وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى يعني من أسلم إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ أنبياء الله وَتَوَلَّى أعرض عن الإيمان، ورأيت في بعض التفاسير أنّ هذه أرجى آية للموحّدين في القرآن. قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى يعني يا موسى وهارون فذكر موسى دون هارون لرؤوس الآي. قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ قال الحسين وقتادة: أعطى كلّ شيء صلاحه وهداه لما يصلحه. وقال مجاهد: لم يجعل الإنسان في خلق البهائم، ولا خلق البهائم في خلق الإنسان، ولكن خلق كلّ شي فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً. وقال عطيّة: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ يعني صورته. وقال الضحّاك: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ، يعني اليد للبطش والرجل للمشي واللسان للنطق والعين للبصر والأذن للسمع. وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا عبد الرّحمن بن محمد الزهري قال: حدّثنا أحمد ابن سعيد قال: حدّثنا سعيد بن سليمان عن إسماعيل بن زكريا عن إسماعيل بن أبي صالح، أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى قال: هداه لمعيشته. وقال ابن عباس وسعيد بن جبير: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ يعني شكله، للإنسان الزوجة وللبعير الناقة وللفرس الرمكة وللحمار الأتان ثُمَّ هَدى أي عرّف وعلّم وألهم كيف يأتي الذكر الأنثى في النكاح [[في نسخة أصفهان: قوله: أي عرّف.... النكاح تأتي بعد قوله: على الفعل.]] . وقرأ نصير خَلَقَهُ بفتح اللام على الفعل. قالَ فرعون فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى وإنّما قال هذا فرعون لموسى حين قال موسى: إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ، فقال فرعون حينئذ له: فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى التي ذكرت؟ ف قالَ موسى عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ يعني اللوح المحفوظ، وإنّما ردّ موسى علم ذلك إلى الله سبحانه لأنّه لم يعلم ذلك، وإنّما نزلت التوراة عليه بعد هلاك فرعون وقومه لا يَضِلُّ رَبِّي أي لا يخطئ وَلا يَنْسى فيتذكّر، وقال مجاهد: هما شيء واحد.

طه 20:38

اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى عصى وعلا وتكبّر وكفر، فادعه إلى عبادتي، واعلم بأنّي قد ربطت [[في نسخة أصفهان: ورطت وكذا في الموضع الآتي.]] على قلبه، قال: فكيف تأمرني أن آتيه وقد ربطت على قلبه؟ فأتاه ملك من خزّان الريح فقال: انطلق، فإنّا اثنا عشر من خزّان الريح منذ خلقنا الله سبحانه نحن في هذا فما علمناه، فامض لأمر الله، فقال موسى عند ذلك رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وسّع وليّن قلبي بالإيمان والنبوّة وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وسهّل عليّ ما أمرتني به من تبليغ الرسالة إلى فرعون وَاحْلُلْ وابسط وافتح عُقْدَةً مِنْ لِسانِي قال ابن عباس: كانت في لسانه رتّة، وذلك أنّه كان في حجر فرعون ذات يوم فلطمه لطمة وأخذ بلحيته فقال فرعون لآسية امرأته: انّ هذا عدوّي، فقالت آسية: على رسلك إنّه صبي لا يفرّق بين الأشياء ولا يميّز، ثم جاءت بطستين فجعلت في أحدهما الجمر وفي الأخرى الجوهر ووضعتهما بين يدي موسى، فأخذ جبرئيل بيد موسى فوضعها على النار حتى رفع جمرة ووضعها على لسانه فتلك الرتّة يَفْقَهُوا قَوْلِي كي يفهموا كلامي وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً معينا وظهيرا مِنْ أَهْلِي ثمّ بين من هو فقال هارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي قوّ به ظهري وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي يعني النبوّة وتبليغ الرسالة كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً نصلّي لك وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً. وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق وابن عامر: اشْدِدْ بِهِ أَزْرِي بفتح الألف وَأُشْرُكْهُ بضم الألف على الجزاء والجواب حكاية عن موسى أنّي أفعل ذلك، قال الله سبحانه قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى قد أعطيت مرادك وسؤالك يا موسى. وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى قبل هذا وهي إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ وحي إلهام مثل وحي النحل ما يُوحى أَنِ اقْذِفِيهِ أن اجعليه فِي التَّابُوتِ. قال مقاتل: والمؤمن الذي صنع التابوت من آل فرعون اسمه خربيل، وقيل: إنّه كان من بردي فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ يعني نهر النيل فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يعني شاطئ النهر، لفظه أمر ومعناه خبر مجازه: حتى يلقيه اليمّ بالساحل يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ يعني فرعون، فاتّخذت تابوتا وجعلت فيه قطنا محلوجا، ووضعت فيه موسى، وقيّرت رأسه وخصاصه- يعني شقوقه- ثمّ ألقته في النّيل، وكان يشرع منه نهر كبير في دار فرعون، فبينا هو جالس على رأس البركة مع امرأته آسية إذا بتابوت يجيء به الماء، فلمّا رأى ذلك أمر الغلمان والجواري بإخراجه فأخرجوه وفتحوا رأسه فإذا صبيّ من أصبح الناس وجها، فلمّا رآه فرعون أحبّه بحيث لم يتمالك، فذلك قوله سبحانه وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي قال ابن عباس: أحبّه وحبّبه إلى خلقه، قال عطيّة العوفي: جعل عليه مسحة من جمال لا تكاد يصبر عنه من رآه، قال قتادة: ملاحة كانت في عيني موسى، ما رآه أحد إلّا عشقه. وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي أي ولتربّى وتغذّى بمرأى ومنظر منّي إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ واسمها مريم متعرّفة خبره فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ يرضعه ويضمّه إليه، وذلك أنّه كان لا يقبل ثدي امرأة، فلمّا قالت لهم أخته ذلك قالوا: نعم، فجاءت بالأمّ فقبل ثديها فذلك قوله فَرَجَعْناكَ فرددناك إِلى أُمِّكَ. وفي مصحف أبي فرددناك إلى أمّك كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها بلقائك وبقائك وَلا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْساً قال ابن عباس: قتل قبطيا كافرا. قال كعب الأحبار: كان إذ ذاك ابن اثنتي عشرة سنة فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ أي من غمّ القتل وكربته وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً. قال ابن عباس: اختبرناك اختبارا. وقال الضحّاك وقتادة ومقاتل، ابتليناك ابتلاء. وقال مجاهد: أخلصناك إخلاصا فَلَبِثْتَ سِنِينَ [[في نسخة أصفهان زيادة: فمكثت.]] يعني عشر سنين فِي أَهْلِ مَدْيَنَ وهي بلدة شعيب على ثلاث [[في نسخة أصفهان: ثمان.]] مراحل من مصر، قال وهب: لبث عند شعيب ثمان وعشرين سنة، عشر سنين منها مهر امرأته صفيرا بنت شعيب وثماني عشرة سنة أقام عنده حتى ولد له. ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى. قال مقاتل: على موعد، قال محمد بن كعب: ثم جئت على القدر الذي قدّرت أنك تجيء. قال عبد الرّحمن بن كيسان: على رأس أربعين سنة وهو القدر الذي يوحي فيه إلى الأنبياء [[في الثانية محمد بن كعب ثم جئت على القدر الذي يوحى فيه إلى الأنبياء.]] ، قال الكلبي: وافق الكلام عند الشجرة. وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي اخترتك واصطفيتك واختصصتك [[في نسخة أصفهان زيادة: لنفسي.]] بالرسالة أو النبوّة اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي اليد والعصا وَلا تَنِيا قال ابن عباس: لا تضعفا، وقال السدّي: لا تفترا، وقال محمد بن كعب: لا تقصّرا. وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: لا تبطئا، وفي قراءة ابن مسعود: ولا تهنا. اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى. فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً قال ابن عباس: لا تعنّفا في قولكما ولا تغلّظا، وقال السدّي وعكرمة: كنّياه قولا له: يا أبا العباس، وقيل: يا أبا الوليد. وقال مقاتل: يعني بالقول اللين هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى. وقال أهل المعاني: معناه الطفا له في قولكما فإنّه ربّاك وأحسن تربيتك وله عليك حقّ الأبوّة فلا تجبهه بمكروه في أوّل قدومك عليه، يقال: وعده على قبول الإيمان شبابا لا يهرم وملكا لا ينزع عنه إلّا بالموت، ويبقى عليه لذّة المطعم والمشرب والمنكح إلى حين موته. قال المفسّرون: وكان هارون يومئذ بمصر فأمر الله عزّ وجلّ أن يأتي هو وهارون، وأوحى إلى هارون وهو بمصر أن يتلقى موسى فتلقّاه إلى مرحلة وأخبره بما أوحي إليه فقال له موسى: إن الله سبحانه أمرني أن آتي فرعون فسألت ربّي عزّ وجلّ أن يجعلك معي. وقوله لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى أي يسلم. فإن قيل: كيف قال: لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى وعلمه سابق في فرعون أنّه لا يتذكّر ولا يخشى؟. قال الحسين [[في نسخة أصفهان: الحسن.]] بن الفضل: هو مصروف إلى غير فرعون، ومجازه: لكي يتذكّر متذكّر أو يخشى خاش إذا رأى برّي وإلطافي بمن خلقته ورزقته، وصححت جسمه وأنعمت عليه ثم ادّعى الربوبية دوني. وقال أبو بكر محمد بن عمر الورّاق: لعلّ هاهنا من الله واجب، ولقد تذكّر فرعون حيث لم تنفعه الذكرى والخشية، وذلك قوله حين ألجمه الغرق في البحر آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ [[يونس: 90.]] . سمعت أبا القاسم الحسن بن محمد بن حبيب يقول: سمعت أبي يقول سمعت علىّ [[في نسخة أصفهان: محمد بن حبيب يقول: سمعت علي.]] بن محمد الوراق يقول: سمعت يحيى بن معاذ الرازي يقول- وقرأ هذه الآية-: هذا رفقك بمن يقول: أنا الإله، فكيف رفقك بمن يقول: أنت الإله؟ قال أبو القاسم الحسين [[في نسخة أصفهان: الحسين.]] فبنيت عليه ألفاظا اقتديت به فيها فقلت: هذا رفقك بمن ينافيك فكيف رفقك بمن يصافيك؟ هذا رفقك بمن يعاديك فكيف رفقك بمن يواليك؟ هذا رفقك بمن يسبّك فكيف رفقك بمن يحبّك؟ هذا رفقك بمن يقول لك ندّا فكيف رفقك بمن يقول فردا؟ هذا رفقك بمن ضلّ فكيف رفقك بمن ذل [[في نسخة أصفهان زيادة: هذا رفقك بمن استكبر فكيف رفقك بمن استغفر؟]] هذا رفقك بمن اقترف فكيف رفقك بمن اعترف؟ هذا رفقك بمن أصرّ فكيف رفقك بمن أقرّ؟ هذا رفقك بمن استكبر فكيف رفقك بمن استغفر؟ قالا يعني موسى وهارون رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا. قال ابن عباس: يعجّل بالقتل والعقوبة، وقال الضحّاك: تجاوز الحدّ، وقيل: يغلبنا أَوْ أَنْ يَطْغى يتكبّر ويستعصي علينا. قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما بالدفع عنكما أَسْمَعُ قولكما وقوله وَأَرى فعله وفعلكما فَأْتِياهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ أي ولا تتعبهم في العمل، وكانت بنو إسرائيل عند آل فرعون في عذاب شديد يقتل أبناءهم ويستخدم نساءهم ويكلفهم من العمل واللبن والطين وبناء المدائن ما لا يقدرون عليه. قال موسى قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ قال فرعون: وما هي؟ قال: فأدخل يده في جيب قميصه ثمّ أخرجها فإذا هي بيضاء لها شعاع كشعاع الشمس، غلبت نور الشمس، فعجب منها ولم يره العصا إلّا بعد ذلك يوم الزينة. وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى يعني من أسلم إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ أنبياء الله وَتَوَلَّى أعرض عن الإيمان، ورأيت في بعض التفاسير أنّ هذه أرجى آية للموحّدين في القرآن. قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى يعني يا موسى وهارون فذكر موسى دون هارون لرؤوس الآي. قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ قال الحسين وقتادة: أعطى كلّ شيء صلاحه وهداه لما يصلحه. وقال مجاهد: لم يجعل الإنسان في خلق البهائم، ولا خلق البهائم في خلق الإنسان، ولكن خلق كلّ شي فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً. وقال عطيّة: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ يعني صورته. وقال الضحّاك: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ، يعني اليد للبطش والرجل للمشي واللسان للنطق والعين للبصر والأذن للسمع. وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا عبد الرّحمن بن محمد الزهري قال: حدّثنا أحمد ابن سعيد قال: حدّثنا سعيد بن سليمان عن إسماعيل بن زكريا عن إسماعيل بن أبي صالح، أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى قال: هداه لمعيشته. وقال ابن عباس وسعيد بن جبير: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ يعني شكله، للإنسان الزوجة وللبعير الناقة وللفرس الرمكة وللحمار الأتان ثُمَّ هَدى أي عرّف وعلّم وألهم كيف يأتي الذكر الأنثى في النكاح [[في نسخة أصفهان: قوله: أي عرّف.... النكاح تأتي بعد قوله: على الفعل.]] . وقرأ نصير خَلَقَهُ بفتح اللام على الفعل. قالَ فرعون فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى وإنّما قال هذا فرعون لموسى حين قال موسى: إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ، فقال فرعون حينئذ له: فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى التي ذكرت؟ ف قالَ موسى عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ يعني اللوح المحفوظ، وإنّما ردّ موسى علم ذلك إلى الله سبحانه لأنّه لم يعلم ذلك، وإنّما نزلت التوراة عليه بعد هلاك فرعون وقومه لا يَضِلُّ رَبِّي أي لا يخطئ وَلا يَنْسى فيتذكّر، وقال مجاهد: هما شيء واحد.

طه 20:39

اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى عصى وعلا وتكبّر وكفر، فادعه إلى عبادتي، واعلم بأنّي قد ربطت [[في نسخة أصفهان: ورطت وكذا في الموضع الآتي.]] على قلبه، قال: فكيف تأمرني أن آتيه وقد ربطت على قلبه؟ فأتاه ملك من خزّان الريح فقال: انطلق، فإنّا اثنا عشر من خزّان الريح منذ خلقنا الله سبحانه نحن في هذا فما علمناه، فامض لأمر الله، فقال موسى عند ذلك رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وسّع وليّن قلبي بالإيمان والنبوّة وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وسهّل عليّ ما أمرتني به من تبليغ الرسالة إلى فرعون وَاحْلُلْ وابسط وافتح عُقْدَةً مِنْ لِسانِي قال ابن عباس: كانت في لسانه رتّة، وذلك أنّه كان في حجر فرعون ذات يوم فلطمه لطمة وأخذ بلحيته فقال فرعون لآسية امرأته: انّ هذا عدوّي، فقالت آسية: على رسلك إنّه صبي لا يفرّق بين الأشياء ولا يميّز، ثم جاءت بطستين فجعلت في أحدهما الجمر وفي الأخرى الجوهر ووضعتهما بين يدي موسى، فأخذ جبرئيل بيد موسى فوضعها على النار حتى رفع جمرة ووضعها على لسانه فتلك الرتّة يَفْقَهُوا قَوْلِي كي يفهموا كلامي وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً معينا وظهيرا مِنْ أَهْلِي ثمّ بين من هو فقال هارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي قوّ به ظهري وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي يعني النبوّة وتبليغ الرسالة كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً نصلّي لك وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً. وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق وابن عامر: اشْدِدْ بِهِ أَزْرِي بفتح الألف وَأُشْرُكْهُ بضم الألف على الجزاء والجواب حكاية عن موسى أنّي أفعل ذلك، قال الله سبحانه قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى قد أعطيت مرادك وسؤالك يا موسى. وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى قبل هذا وهي إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ وحي إلهام مثل وحي النحل ما يُوحى أَنِ اقْذِفِيهِ أن اجعليه فِي التَّابُوتِ. قال مقاتل: والمؤمن الذي صنع التابوت من آل فرعون اسمه خربيل، وقيل: إنّه كان من بردي فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ يعني نهر النيل فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يعني شاطئ النهر، لفظه أمر ومعناه خبر مجازه: حتى يلقيه اليمّ بالساحل يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ يعني فرعون، فاتّخذت تابوتا وجعلت فيه قطنا محلوجا، ووضعت فيه موسى، وقيّرت رأسه وخصاصه- يعني شقوقه- ثمّ ألقته في النّيل، وكان يشرع منه نهر كبير في دار فرعون، فبينا هو جالس على رأس البركة مع امرأته آسية إذا بتابوت يجيء به الماء، فلمّا رأى ذلك أمر الغلمان والجواري بإخراجه فأخرجوه وفتحوا رأسه فإذا صبيّ من أصبح الناس وجها، فلمّا رآه فرعون أحبّه بحيث لم يتمالك، فذلك قوله سبحانه وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي قال ابن عباس: أحبّه وحبّبه إلى خلقه، قال عطيّة العوفي: جعل عليه مسحة من جمال لا تكاد يصبر عنه من رآه، قال قتادة: ملاحة كانت في عيني موسى، ما رآه أحد إلّا عشقه. وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي أي ولتربّى وتغذّى بمرأى ومنظر منّي إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ واسمها مريم متعرّفة خبره فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ يرضعه ويضمّه إليه، وذلك أنّه كان لا يقبل ثدي امرأة، فلمّا قالت لهم أخته ذلك قالوا: نعم، فجاءت بالأمّ فقبل ثديها فذلك قوله فَرَجَعْناكَ فرددناك إِلى أُمِّكَ. وفي مصحف أبي فرددناك إلى أمّك كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها بلقائك وبقائك وَلا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْساً قال ابن عباس: قتل قبطيا كافرا. قال كعب الأحبار: كان إذ ذاك ابن اثنتي عشرة سنة فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ أي من غمّ القتل وكربته وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً. قال ابن عباس: اختبرناك اختبارا. وقال الضحّاك وقتادة ومقاتل، ابتليناك ابتلاء. وقال مجاهد: أخلصناك إخلاصا فَلَبِثْتَ سِنِينَ [[في نسخة أصفهان زيادة: فمكثت.]] يعني عشر سنين فِي أَهْلِ مَدْيَنَ وهي بلدة شعيب على ثلاث [[في نسخة أصفهان: ثمان.]] مراحل من مصر، قال وهب: لبث عند شعيب ثمان وعشرين سنة، عشر سنين منها مهر امرأته صفيرا بنت شعيب وثماني عشرة سنة أقام عنده حتى ولد له. ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى. قال مقاتل: على موعد، قال محمد بن كعب: ثم جئت على القدر الذي قدّرت أنك تجيء. قال عبد الرّحمن بن كيسان: على رأس أربعين سنة وهو القدر الذي يوحي فيه إلى الأنبياء [[في الثانية محمد بن كعب ثم جئت على القدر الذي يوحى فيه إلى الأنبياء.]] ، قال الكلبي: وافق الكلام عند الشجرة. وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي اخترتك واصطفيتك واختصصتك [[في نسخة أصفهان زيادة: لنفسي.]] بالرسالة أو النبوّة اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي اليد والعصا وَلا تَنِيا قال ابن عباس: لا تضعفا، وقال السدّي: لا تفترا، وقال محمد بن كعب: لا تقصّرا. وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: لا تبطئا، وفي قراءة ابن مسعود: ولا تهنا. اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى. فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً قال ابن عباس: لا تعنّفا في قولكما ولا تغلّظا، وقال السدّي وعكرمة: كنّياه قولا له: يا أبا العباس، وقيل: يا أبا الوليد. وقال مقاتل: يعني بالقول اللين هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى. وقال أهل المعاني: معناه الطفا له في قولكما فإنّه ربّاك وأحسن تربيتك وله عليك حقّ الأبوّة فلا تجبهه بمكروه في أوّل قدومك عليه، يقال: وعده على قبول الإيمان شبابا لا يهرم وملكا لا ينزع عنه إلّا بالموت، ويبقى عليه لذّة المطعم والمشرب والمنكح إلى حين موته. قال المفسّرون: وكان هارون يومئذ بمصر فأمر الله عزّ وجلّ أن يأتي هو وهارون، وأوحى إلى هارون وهو بمصر أن يتلقى موسى فتلقّاه إلى مرحلة وأخبره بما أوحي إليه فقال له موسى: إن الله سبحانه أمرني أن آتي فرعون فسألت ربّي عزّ وجلّ أن يجعلك معي. وقوله لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى أي يسلم. فإن قيل: كيف قال: لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى وعلمه سابق في فرعون أنّه لا يتذكّر ولا يخشى؟. قال الحسين [[في نسخة أصفهان: الحسن.]] بن الفضل: هو مصروف إلى غير فرعون، ومجازه: لكي يتذكّر متذكّر أو يخشى خاش إذا رأى برّي وإلطافي بمن خلقته ورزقته، وصححت جسمه وأنعمت عليه ثم ادّعى الربوبية دوني. وقال أبو بكر محمد بن عمر الورّاق: لعلّ هاهنا من الله واجب، ولقد تذكّر فرعون حيث لم تنفعه الذكرى والخشية، وذلك قوله حين ألجمه الغرق في البحر آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ [[يونس: 90.]] . سمعت أبا القاسم الحسن بن محمد بن حبيب يقول: سمعت أبي يقول سمعت علىّ [[في نسخة أصفهان: محمد بن حبيب يقول: سمعت علي.]] بن محمد الوراق يقول: سمعت يحيى بن معاذ الرازي يقول- وقرأ هذه الآية-: هذا رفقك بمن يقول: أنا الإله، فكيف رفقك بمن يقول: أنت الإله؟ قال أبو القاسم الحسين [[في نسخة أصفهان: الحسين.]] فبنيت عليه ألفاظا اقتديت به فيها فقلت: هذا رفقك بمن ينافيك فكيف رفقك بمن يصافيك؟ هذا رفقك بمن يعاديك فكيف رفقك بمن يواليك؟ هذا رفقك بمن يسبّك فكيف رفقك بمن يحبّك؟ هذا رفقك بمن يقول لك ندّا فكيف رفقك بمن يقول فردا؟ هذا رفقك بمن ضلّ فكيف رفقك بمن ذل [[في نسخة أصفهان زيادة: هذا رفقك بمن استكبر فكيف رفقك بمن استغفر؟]] هذا رفقك بمن اقترف فكيف رفقك بمن اعترف؟ هذا رفقك بمن أصرّ فكيف رفقك بمن أقرّ؟ هذا رفقك بمن استكبر فكيف رفقك بمن استغفر؟ قالا يعني موسى وهارون رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا. قال ابن عباس: يعجّل بالقتل والعقوبة، وقال الضحّاك: تجاوز الحدّ، وقيل: يغلبنا أَوْ أَنْ يَطْغى يتكبّر ويستعصي علينا. قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما بالدفع عنكما أَسْمَعُ قولكما وقوله وَأَرى فعله وفعلكما فَأْتِياهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ أي ولا تتعبهم في العمل، وكانت بنو إسرائيل عند آل فرعون في عذاب شديد يقتل أبناءهم ويستخدم نساءهم ويكلفهم من العمل واللبن والطين وبناء المدائن ما لا يقدرون عليه. قال موسى قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ قال فرعون: وما هي؟ قال: فأدخل يده في جيب قميصه ثمّ أخرجها فإذا هي بيضاء لها شعاع كشعاع الشمس، غلبت نور الشمس، فعجب منها ولم يره العصا إلّا بعد ذلك يوم الزينة. وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى يعني من أسلم إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ أنبياء الله وَتَوَلَّى أعرض عن الإيمان، ورأيت في بعض التفاسير أنّ هذه أرجى آية للموحّدين في القرآن. قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى يعني يا موسى وهارون فذكر موسى دون هارون لرؤوس الآي. قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ قال الحسين وقتادة: أعطى كلّ شيء صلاحه وهداه لما يصلحه. وقال مجاهد: لم يجعل الإنسان في خلق البهائم، ولا خلق البهائم في خلق الإنسان، ولكن خلق كلّ شي فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً. وقال عطيّة: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ يعني صورته. وقال الضحّاك: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ، يعني اليد للبطش والرجل للمشي واللسان للنطق والعين للبصر والأذن للسمع. وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا عبد الرّحمن بن محمد الزهري قال: حدّثنا أحمد ابن سعيد قال: حدّثنا سعيد بن سليمان عن إسماعيل بن زكريا عن إسماعيل بن أبي صالح، أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى قال: هداه لمعيشته. وقال ابن عباس وسعيد بن جبير: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ يعني شكله، للإنسان الزوجة وللبعير الناقة وللفرس الرمكة وللحمار الأتان ثُمَّ هَدى أي عرّف وعلّم وألهم كيف يأتي الذكر الأنثى في النكاح [[في نسخة أصفهان: قوله: أي عرّف.... النكاح تأتي بعد قوله: على الفعل.]] . وقرأ نصير خَلَقَهُ بفتح اللام على الفعل. قالَ فرعون فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى وإنّما قال هذا فرعون لموسى حين قال موسى: إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ، فقال فرعون حينئذ له: فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى التي ذكرت؟ ف قالَ موسى عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ يعني اللوح المحفوظ، وإنّما ردّ موسى علم ذلك إلى الله سبحانه لأنّه لم يعلم ذلك، وإنّما نزلت التوراة عليه بعد هلاك فرعون وقومه لا يَضِلُّ رَبِّي أي لا يخطئ وَلا يَنْسى فيتذكّر، وقال مجاهد: هما شيء واحد.

طه 20:40

اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى عصى وعلا وتكبّر وكفر، فادعه إلى عبادتي، واعلم بأنّي قد ربطت [[في نسخة أصفهان: ورطت وكذا في الموضع الآتي.]] على قلبه، قال: فكيف تأمرني أن آتيه وقد ربطت على قلبه؟ فأتاه ملك من خزّان الريح فقال: انطلق، فإنّا اثنا عشر من خزّان الريح منذ خلقنا الله سبحانه نحن في هذا فما علمناه، فامض لأمر الله، فقال موسى عند ذلك رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وسّع وليّن قلبي بالإيمان والنبوّة وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وسهّل عليّ ما أمرتني به من تبليغ الرسالة إلى فرعون وَاحْلُلْ وابسط وافتح عُقْدَةً مِنْ لِسانِي قال ابن عباس: كانت في لسانه رتّة، وذلك أنّه كان في حجر فرعون ذات يوم فلطمه لطمة وأخذ بلحيته فقال فرعون لآسية امرأته: انّ هذا عدوّي، فقالت آسية: على رسلك إنّه صبي لا يفرّق بين الأشياء ولا يميّز، ثم جاءت بطستين فجعلت في أحدهما الجمر وفي الأخرى الجوهر ووضعتهما بين يدي موسى، فأخذ جبرئيل بيد موسى فوضعها على النار حتى رفع جمرة ووضعها على لسانه فتلك الرتّة يَفْقَهُوا قَوْلِي كي يفهموا كلامي وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً معينا وظهيرا مِنْ أَهْلِي ثمّ بين من هو فقال هارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي قوّ به ظهري وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي يعني النبوّة وتبليغ الرسالة كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً نصلّي لك وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً. وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق وابن عامر: اشْدِدْ بِهِ أَزْرِي بفتح الألف وَأُشْرُكْهُ بضم الألف على الجزاء والجواب حكاية عن موسى أنّي أفعل ذلك، قال الله سبحانه قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى قد أعطيت مرادك وسؤالك يا موسى. وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى قبل هذا وهي إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ وحي إلهام مثل وحي النحل ما يُوحى أَنِ اقْذِفِيهِ أن اجعليه فِي التَّابُوتِ. قال مقاتل: والمؤمن الذي صنع التابوت من آل فرعون اسمه خربيل، وقيل: إنّه كان من بردي فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ يعني نهر النيل فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يعني شاطئ النهر، لفظه أمر ومعناه خبر مجازه: حتى يلقيه اليمّ بالساحل يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ يعني فرعون، فاتّخذت تابوتا وجعلت فيه قطنا محلوجا، ووضعت فيه موسى، وقيّرت رأسه وخصاصه- يعني شقوقه- ثمّ ألقته في النّيل، وكان يشرع منه نهر كبير في دار فرعون، فبينا هو جالس على رأس البركة مع امرأته آسية إذا بتابوت يجيء به الماء، فلمّا رأى ذلك أمر الغلمان والجواري بإخراجه فأخرجوه وفتحوا رأسه فإذا صبيّ من أصبح الناس وجها، فلمّا رآه فرعون أحبّه بحيث لم يتمالك، فذلك قوله سبحانه وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي قال ابن عباس: أحبّه وحبّبه إلى خلقه، قال عطيّة العوفي: جعل عليه مسحة من جمال لا تكاد يصبر عنه من رآه، قال قتادة: ملاحة كانت في عيني موسى، ما رآه أحد إلّا عشقه. وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي أي ولتربّى وتغذّى بمرأى ومنظر منّي إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ واسمها مريم متعرّفة خبره فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ يرضعه ويضمّه إليه، وذلك أنّه كان لا يقبل ثدي امرأة، فلمّا قالت لهم أخته ذلك قالوا: نعم، فجاءت بالأمّ فقبل ثديها فذلك قوله فَرَجَعْناكَ فرددناك إِلى أُمِّكَ. وفي مصحف أبي فرددناك إلى أمّك كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها بلقائك وبقائك وَلا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْساً قال ابن عباس: قتل قبطيا كافرا. قال كعب الأحبار: كان إذ ذاك ابن اثنتي عشرة سنة فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ أي من غمّ القتل وكربته وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً. قال ابن عباس: اختبرناك اختبارا. وقال الضحّاك وقتادة ومقاتل، ابتليناك ابتلاء. وقال مجاهد: أخلصناك إخلاصا فَلَبِثْتَ سِنِينَ [[في نسخة أصفهان زيادة: فمكثت.]] يعني عشر سنين فِي أَهْلِ مَدْيَنَ وهي بلدة شعيب على ثلاث [[في نسخة أصفهان: ثمان.]] مراحل من مصر، قال وهب: لبث عند شعيب ثمان وعشرين سنة، عشر سنين منها مهر امرأته صفيرا بنت شعيب وثماني عشرة سنة أقام عنده حتى ولد له. ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى. قال مقاتل: على موعد، قال محمد بن كعب: ثم جئت على القدر الذي قدّرت أنك تجيء. قال عبد الرّحمن بن كيسان: على رأس أربعين سنة وهو القدر الذي يوحي فيه إلى الأنبياء [[في الثانية محمد بن كعب ثم جئت على القدر الذي يوحى فيه إلى الأنبياء.]] ، قال الكلبي: وافق الكلام عند الشجرة. وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي اخترتك واصطفيتك واختصصتك [[في نسخة أصفهان زيادة: لنفسي.]] بالرسالة أو النبوّة اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي اليد والعصا وَلا تَنِيا قال ابن عباس: لا تضعفا، وقال السدّي: لا تفترا، وقال محمد بن كعب: لا تقصّرا. وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: لا تبطئا، وفي قراءة ابن مسعود: ولا تهنا. اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى. فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً قال ابن عباس: لا تعنّفا في قولكما ولا تغلّظا، وقال السدّي وعكرمة: كنّياه قولا له: يا أبا العباس، وقيل: يا أبا الوليد. وقال مقاتل: يعني بالقول اللين هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى. وقال أهل المعاني: معناه الطفا له في قولكما فإنّه ربّاك وأحسن تربيتك وله عليك حقّ الأبوّة فلا تجبهه بمكروه في أوّل قدومك عليه، يقال: وعده على قبول الإيمان شبابا لا يهرم وملكا لا ينزع عنه إلّا بالموت، ويبقى عليه لذّة المطعم والمشرب والمنكح إلى حين موته. قال المفسّرون: وكان هارون يومئذ بمصر فأمر الله عزّ وجلّ أن يأتي هو وهارون، وأوحى إلى هارون وهو بمصر أن يتلقى موسى فتلقّاه إلى مرحلة وأخبره بما أوحي إليه فقال له موسى: إن الله سبحانه أمرني أن آتي فرعون فسألت ربّي عزّ وجلّ أن يجعلك معي. وقوله لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى أي يسلم. فإن قيل: كيف قال: لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى وعلمه سابق في فرعون أنّه لا يتذكّر ولا يخشى؟. قال الحسين [[في نسخة أصفهان: الحسن.]] بن الفضل: هو مصروف إلى غير فرعون، ومجازه: لكي يتذكّر متذكّر أو يخشى خاش إذا رأى برّي وإلطافي بمن خلقته ورزقته، وصححت جسمه وأنعمت عليه ثم ادّعى الربوبية دوني. وقال أبو بكر محمد بن عمر الورّاق: لعلّ هاهنا من الله واجب، ولقد تذكّر فرعون حيث لم تنفعه الذكرى والخشية، وذلك قوله حين ألجمه الغرق في البحر آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ [[يونس: 90.]] . سمعت أبا القاسم الحسن بن محمد بن حبيب يقول: سمعت أبي يقول سمعت علىّ [[في نسخة أصفهان: محمد بن حبيب يقول: سمعت علي.]] بن محمد الوراق يقول: سمعت يحيى بن معاذ الرازي يقول- وقرأ هذه الآية-: هذا رفقك بمن يقول: أنا الإله، فكيف رفقك بمن يقول: أنت الإله؟ قال أبو القاسم الحسين [[في نسخة أصفهان: الحسين.]] فبنيت عليه ألفاظا اقتديت به فيها فقلت: هذا رفقك بمن ينافيك فكيف رفقك بمن يصافيك؟ هذا رفقك بمن يعاديك فكيف رفقك بمن يواليك؟ هذا رفقك بمن يسبّك فكيف رفقك بمن يحبّك؟ هذا رفقك بمن يقول لك ندّا فكيف رفقك بمن يقول فردا؟ هذا رفقك بمن ضلّ فكيف رفقك بمن ذل [[في نسخة أصفهان زيادة: هذا رفقك بمن استكبر فكيف رفقك بمن استغفر؟]] هذا رفقك بمن اقترف فكيف رفقك بمن اعترف؟ هذا رفقك بمن أصرّ فكيف رفقك بمن أقرّ؟ هذا رفقك بمن استكبر فكيف رفقك بمن استغفر؟ قالا يعني موسى وهارون رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا. قال ابن عباس: يعجّل بالقتل والعقوبة، وقال الضحّاك: تجاوز الحدّ، وقيل: يغلبنا أَوْ أَنْ يَطْغى يتكبّر ويستعصي علينا. قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما بالدفع عنكما أَسْمَعُ قولكما وقوله وَأَرى فعله وفعلكما فَأْتِياهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ أي ولا تتعبهم في العمل، وكانت بنو إسرائيل عند آل فرعون في عذاب شديد يقتل أبناءهم ويستخدم نساءهم ويكلفهم من العمل واللبن والطين وبناء المدائن ما لا يقدرون عليه. قال موسى قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ قال فرعون: وما هي؟ قال: فأدخل يده في جيب قميصه ثمّ أخرجها فإذا هي بيضاء لها شعاع كشعاع الشمس، غلبت نور الشمس، فعجب منها ولم يره العصا إلّا بعد ذلك يوم الزينة. وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى يعني من أسلم إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ أنبياء الله وَتَوَلَّى أعرض عن الإيمان، ورأيت في بعض التفاسير أنّ هذه أرجى آية للموحّدين في القرآن. قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى يعني يا موسى وهارون فذكر موسى دون هارون لرؤوس الآي. قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ قال الحسين وقتادة: أعطى كلّ شيء صلاحه وهداه لما يصلحه. وقال مجاهد: لم يجعل الإنسان في خلق البهائم، ولا خلق البهائم في خلق الإنسان، ولكن خلق كلّ شي فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً. وقال عطيّة: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ يعني صورته. وقال الضحّاك: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ، يعني اليد للبطش والرجل للمشي واللسان للنطق والعين للبصر والأذن للسمع. وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا عبد الرّحمن بن محمد الزهري قال: حدّثنا أحمد ابن سعيد قال: حدّثنا سعيد بن سليمان عن إسماعيل بن زكريا عن إسماعيل بن أبي صالح، أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى قال: هداه لمعيشته. وقال ابن عباس وسعيد بن جبير: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ يعني شكله، للإنسان الزوجة وللبعير الناقة وللفرس الرمكة وللحمار الأتان ثُمَّ هَدى أي عرّف وعلّم وألهم كيف يأتي الذكر الأنثى في النكاح [[في نسخة أصفهان: قوله: أي عرّف.... النكاح تأتي بعد قوله: على الفعل.]] . وقرأ نصير خَلَقَهُ بفتح اللام على الفعل. قالَ فرعون فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى وإنّما قال هذا فرعون لموسى حين قال موسى: إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ، فقال فرعون حينئذ له: فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى التي ذكرت؟ ف قالَ موسى عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ يعني اللوح المحفوظ، وإنّما ردّ موسى علم ذلك إلى الله سبحانه لأنّه لم يعلم ذلك، وإنّما نزلت التوراة عليه بعد هلاك فرعون وقومه لا يَضِلُّ رَبِّي أي لا يخطئ وَلا يَنْسى فيتذكّر، وقال مجاهد: هما شيء واحد.

طه 20:41

اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى عصى وعلا وتكبّر وكفر، فادعه إلى عبادتي، واعلم بأنّي قد ربطت [[في نسخة أصفهان: ورطت وكذا في الموضع الآتي.]] على قلبه، قال: فكيف تأمرني أن آتيه وقد ربطت على قلبه؟ فأتاه ملك من خزّان الريح فقال: انطلق، فإنّا اثنا عشر من خزّان الريح منذ خلقنا الله سبحانه نحن في هذا فما علمناه، فامض لأمر الله، فقال موسى عند ذلك رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وسّع وليّن قلبي بالإيمان والنبوّة وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وسهّل عليّ ما أمرتني به من تبليغ الرسالة إلى فرعون وَاحْلُلْ وابسط وافتح عُقْدَةً مِنْ لِسانِي قال ابن عباس: كانت في لسانه رتّة، وذلك أنّه كان في حجر فرعون ذات يوم فلطمه لطمة وأخذ بلحيته فقال فرعون لآسية امرأته: انّ هذا عدوّي، فقالت آسية: على رسلك إنّه صبي لا يفرّق بين الأشياء ولا يميّز، ثم جاءت بطستين فجعلت في أحدهما الجمر وفي الأخرى الجوهر ووضعتهما بين يدي موسى، فأخذ جبرئيل بيد موسى فوضعها على النار حتى رفع جمرة ووضعها على لسانه فتلك الرتّة يَفْقَهُوا قَوْلِي كي يفهموا كلامي وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً معينا وظهيرا مِنْ أَهْلِي ثمّ بين من هو فقال هارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي قوّ به ظهري وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي يعني النبوّة وتبليغ الرسالة كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً نصلّي لك وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً. وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق وابن عامر: اشْدِدْ بِهِ أَزْرِي بفتح الألف وَأُشْرُكْهُ بضم الألف على الجزاء والجواب حكاية عن موسى أنّي أفعل ذلك، قال الله سبحانه قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى قد أعطيت مرادك وسؤالك يا موسى. وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى قبل هذا وهي إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ وحي إلهام مثل وحي النحل ما يُوحى أَنِ اقْذِفِيهِ أن اجعليه فِي التَّابُوتِ. قال مقاتل: والمؤمن الذي صنع التابوت من آل فرعون اسمه خربيل، وقيل: إنّه كان من بردي فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ يعني نهر النيل فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يعني شاطئ النهر، لفظه أمر ومعناه خبر مجازه: حتى يلقيه اليمّ بالساحل يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ يعني فرعون، فاتّخذت تابوتا وجعلت فيه قطنا محلوجا، ووضعت فيه موسى، وقيّرت رأسه وخصاصه- يعني شقوقه- ثمّ ألقته في النّيل، وكان يشرع منه نهر كبير في دار فرعون، فبينا هو جالس على رأس البركة مع امرأته آسية إذا بتابوت يجيء به الماء، فلمّا رأى ذلك أمر الغلمان والجواري بإخراجه فأخرجوه وفتحوا رأسه فإذا صبيّ من أصبح الناس وجها، فلمّا رآه فرعون أحبّه بحيث لم يتمالك، فذلك قوله سبحانه وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي قال ابن عباس: أحبّه وحبّبه إلى خلقه، قال عطيّة العوفي: جعل عليه مسحة من جمال لا تكاد يصبر عنه من رآه، قال قتادة: ملاحة كانت في عيني موسى، ما رآه أحد إلّا عشقه. وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي أي ولتربّى وتغذّى بمرأى ومنظر منّي إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ واسمها مريم متعرّفة خبره فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ يرضعه ويضمّه إليه، وذلك أنّه كان لا يقبل ثدي امرأة، فلمّا قالت لهم أخته ذلك قالوا: نعم، فجاءت بالأمّ فقبل ثديها فذلك قوله فَرَجَعْناكَ فرددناك إِلى أُمِّكَ. وفي مصحف أبي فرددناك إلى أمّك كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها بلقائك وبقائك وَلا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْساً قال ابن عباس: قتل قبطيا كافرا. قال كعب الأحبار: كان إذ ذاك ابن اثنتي عشرة سنة فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ أي من غمّ القتل وكربته وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً. قال ابن عباس: اختبرناك اختبارا. وقال الضحّاك وقتادة ومقاتل، ابتليناك ابتلاء. وقال مجاهد: أخلصناك إخلاصا فَلَبِثْتَ سِنِينَ [[في نسخة أصفهان زيادة: فمكثت.]] يعني عشر سنين فِي أَهْلِ مَدْيَنَ وهي بلدة شعيب على ثلاث [[في نسخة أصفهان: ثمان.]] مراحل من مصر، قال وهب: لبث عند شعيب ثمان وعشرين سنة، عشر سنين منها مهر امرأته صفيرا بنت شعيب وثماني عشرة سنة أقام عنده حتى ولد له. ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى. قال مقاتل: على موعد، قال محمد بن كعب: ثم جئت على القدر الذي قدّرت أنك تجيء. قال عبد الرّحمن بن كيسان: على رأس أربعين سنة وهو القدر الذي يوحي فيه إلى الأنبياء [[في الثانية محمد بن كعب ثم جئت على القدر الذي يوحى فيه إلى الأنبياء.]] ، قال الكلبي: وافق الكلام عند الشجرة. وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي اخترتك واصطفيتك واختصصتك [[في نسخة أصفهان زيادة: لنفسي.]] بالرسالة أو النبوّة اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي اليد والعصا وَلا تَنِيا قال ابن عباس: لا تضعفا، وقال السدّي: لا تفترا، وقال محمد بن كعب: لا تقصّرا. وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: لا تبطئا، وفي قراءة ابن مسعود: ولا تهنا. اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى. فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً قال ابن عباس: لا تعنّفا في قولكما ولا تغلّظا، وقال السدّي وعكرمة: كنّياه قولا له: يا أبا العباس، وقيل: يا أبا الوليد. وقال مقاتل: يعني بالقول اللين هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى. وقال أهل المعاني: معناه الطفا له في قولكما فإنّه ربّاك وأحسن تربيتك وله عليك حقّ الأبوّة فلا تجبهه بمكروه في أوّل قدومك عليه، يقال: وعده على قبول الإيمان شبابا لا يهرم وملكا لا ينزع عنه إلّا بالموت، ويبقى عليه لذّة المطعم والمشرب والمنكح إلى حين موته. قال المفسّرون: وكان هارون يومئذ بمصر فأمر الله عزّ وجلّ أن يأتي هو وهارون، وأوحى إلى هارون وهو بمصر أن يتلقى موسى فتلقّاه إلى مرحلة وأخبره بما أوحي إليه فقال له موسى: إن الله سبحانه أمرني أن آتي فرعون فسألت ربّي عزّ وجلّ أن يجعلك معي. وقوله لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى أي يسلم. فإن قيل: كيف قال: لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى وعلمه سابق في فرعون أنّه لا يتذكّر ولا يخشى؟. قال الحسين [[في نسخة أصفهان: الحسن.]] بن الفضل: هو مصروف إلى غير فرعون، ومجازه: لكي يتذكّر متذكّر أو يخشى خاش إذا رأى برّي وإلطافي بمن خلقته ورزقته، وصححت جسمه وأنعمت عليه ثم ادّعى الربوبية دوني. وقال أبو بكر محمد بن عمر الورّاق: لعلّ هاهنا من الله واجب، ولقد تذكّر فرعون حيث لم تنفعه الذكرى والخشية، وذلك قوله حين ألجمه الغرق في البحر آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ [[يونس: 90.]] . سمعت أبا القاسم الحسن بن محمد بن حبيب يقول: سمعت أبي يقول سمعت علىّ [[في نسخة أصفهان: محمد بن حبيب يقول: سمعت علي.]] بن محمد الوراق يقول: سمعت يحيى بن معاذ الرازي يقول- وقرأ هذه الآية-: هذا رفقك بمن يقول: أنا الإله، فكيف رفقك بمن يقول: أنت الإله؟ قال أبو القاسم الحسين [[في نسخة أصفهان: الحسين.]] فبنيت عليه ألفاظا اقتديت به فيها فقلت: هذا رفقك بمن ينافيك فكيف رفقك بمن يصافيك؟ هذا رفقك بمن يعاديك فكيف رفقك بمن يواليك؟ هذا رفقك بمن يسبّك فكيف رفقك بمن يحبّك؟ هذا رفقك بمن يقول لك ندّا فكيف رفقك بمن يقول فردا؟ هذا رفقك بمن ضلّ فكيف رفقك بمن ذل [[في نسخة أصفهان زيادة: هذا رفقك بمن استكبر فكيف رفقك بمن استغفر؟]] هذا رفقك بمن اقترف فكيف رفقك بمن اعترف؟ هذا رفقك بمن أصرّ فكيف رفقك بمن أقرّ؟ هذا رفقك بمن استكبر فكيف رفقك بمن استغفر؟ قالا يعني موسى وهارون رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا. قال ابن عباس: يعجّل بالقتل والعقوبة، وقال الضحّاك: تجاوز الحدّ، وقيل: يغلبنا أَوْ أَنْ يَطْغى يتكبّر ويستعصي علينا. قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما بالدفع عنكما أَسْمَعُ قولكما وقوله وَأَرى فعله وفعلكما فَأْتِياهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ أي ولا تتعبهم في العمل، وكانت بنو إسرائيل عند آل فرعون في عذاب شديد يقتل أبناءهم ويستخدم نساءهم ويكلفهم من العمل واللبن والطين وبناء المدائن ما لا يقدرون عليه. قال موسى قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ قال فرعون: وما هي؟ قال: فأدخل يده في جيب قميصه ثمّ أخرجها فإذا هي بيضاء لها شعاع كشعاع الشمس، غلبت نور الشمس، فعجب منها ولم يره العصا إلّا بعد ذلك يوم الزينة. وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى يعني من أسلم إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ أنبياء الله وَتَوَلَّى أعرض عن الإيمان، ورأيت في بعض التفاسير أنّ هذه أرجى آية للموحّدين في القرآن. قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى يعني يا موسى وهارون فذكر موسى دون هارون لرؤوس الآي. قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ قال الحسين وقتادة: أعطى كلّ شيء صلاحه وهداه لما يصلحه. وقال مجاهد: لم يجعل الإنسان في خلق البهائم، ولا خلق البهائم في خلق الإنسان، ولكن خلق كلّ شي فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً. وقال عطيّة: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ يعني صورته. وقال الضحّاك: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ، يعني اليد للبطش والرجل للمشي واللسان للنطق والعين للبصر والأذن للسمع. وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا عبد الرّحمن بن محمد الزهري قال: حدّثنا أحمد ابن سعيد قال: حدّثنا سعيد بن سليمان عن إسماعيل بن زكريا عن إسماعيل بن أبي صالح، أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى قال: هداه لمعيشته. وقال ابن عباس وسعيد بن جبير: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ يعني شكله، للإنسان الزوجة وللبعير الناقة وللفرس الرمكة وللحمار الأتان ثُمَّ هَدى أي عرّف وعلّم وألهم كيف يأتي الذكر الأنثى في النكاح [[في نسخة أصفهان: قوله: أي عرّف.... النكاح تأتي بعد قوله: على الفعل.]] . وقرأ نصير خَلَقَهُ بفتح اللام على الفعل. قالَ فرعون فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى وإنّما قال هذا فرعون لموسى حين قال موسى: إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ، فقال فرعون حينئذ له: فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى التي ذكرت؟ ف قالَ موسى عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ يعني اللوح المحفوظ، وإنّما ردّ موسى علم ذلك إلى الله سبحانه لأنّه لم يعلم ذلك، وإنّما نزلت التوراة عليه بعد هلاك فرعون وقومه لا يَضِلُّ رَبِّي أي لا يخطئ وَلا يَنْسى فيتذكّر، وقال مجاهد: هما شيء واحد.

طه 20:42

اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى عصى وعلا وتكبّر وكفر، فادعه إلى عبادتي، واعلم بأنّي قد ربطت [[في نسخة أصفهان: ورطت وكذا في الموضع الآتي.]] على قلبه، قال: فكيف تأمرني أن آتيه وقد ربطت على قلبه؟ فأتاه ملك من خزّان الريح فقال: انطلق، فإنّا اثنا عشر من خزّان الريح منذ خلقنا الله سبحانه نحن في هذا فما علمناه، فامض لأمر الله، فقال موسى عند ذلك رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وسّع وليّن قلبي بالإيمان والنبوّة وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وسهّل عليّ ما أمرتني به من تبليغ الرسالة إلى فرعون وَاحْلُلْ وابسط وافتح عُقْدَةً مِنْ لِسانِي قال ابن عباس: كانت في لسانه رتّة، وذلك أنّه كان في حجر فرعون ذات يوم فلطمه لطمة وأخذ بلحيته فقال فرعون لآسية امرأته: انّ هذا عدوّي، فقالت آسية: على رسلك إنّه صبي لا يفرّق بين الأشياء ولا يميّز، ثم جاءت بطستين فجعلت في أحدهما الجمر وفي الأخرى الجوهر ووضعتهما بين يدي موسى، فأخذ جبرئيل بيد موسى فوضعها على النار حتى رفع جمرة ووضعها على لسانه فتلك الرتّة يَفْقَهُوا قَوْلِي كي يفهموا كلامي وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً معينا وظهيرا مِنْ أَهْلِي ثمّ بين من هو فقال هارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي قوّ به ظهري وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي يعني النبوّة وتبليغ الرسالة كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً نصلّي لك وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً. وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق وابن عامر: اشْدِدْ بِهِ أَزْرِي بفتح الألف وَأُشْرُكْهُ بضم الألف على الجزاء والجواب حكاية عن موسى أنّي أفعل ذلك، قال الله سبحانه قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى قد أعطيت مرادك وسؤالك يا موسى. وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى قبل هذا وهي إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ وحي إلهام مثل وحي النحل ما يُوحى أَنِ اقْذِفِيهِ أن اجعليه فِي التَّابُوتِ. قال مقاتل: والمؤمن الذي صنع التابوت من آل فرعون اسمه خربيل، وقيل: إنّه كان من بردي فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ يعني نهر النيل فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يعني شاطئ النهر، لفظه أمر ومعناه خبر مجازه: حتى يلقيه اليمّ بالساحل يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ يعني فرعون، فاتّخذت تابوتا وجعلت فيه قطنا محلوجا، ووضعت فيه موسى، وقيّرت رأسه وخصاصه- يعني شقوقه- ثمّ ألقته في النّيل، وكان يشرع منه نهر كبير في دار فرعون، فبينا هو جالس على رأس البركة مع امرأته آسية إذا بتابوت يجيء به الماء، فلمّا رأى ذلك أمر الغلمان والجواري بإخراجه فأخرجوه وفتحوا رأسه فإذا صبيّ من أصبح الناس وجها، فلمّا رآه فرعون أحبّه بحيث لم يتمالك، فذلك قوله سبحانه وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي قال ابن عباس: أحبّه وحبّبه إلى خلقه، قال عطيّة العوفي: جعل عليه مسحة من جمال لا تكاد يصبر عنه من رآه، قال قتادة: ملاحة كانت في عيني موسى، ما رآه أحد إلّا عشقه. وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي أي ولتربّى وتغذّى بمرأى ومنظر منّي إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ واسمها مريم متعرّفة خبره فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ يرضعه ويضمّه إليه، وذلك أنّه كان لا يقبل ثدي امرأة، فلمّا قالت لهم أخته ذلك قالوا: نعم، فجاءت بالأمّ فقبل ثديها فذلك قوله فَرَجَعْناكَ فرددناك إِلى أُمِّكَ. وفي مصحف أبي فرددناك إلى أمّك كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها بلقائك وبقائك وَلا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْساً قال ابن عباس: قتل قبطيا كافرا. قال كعب الأحبار: كان إذ ذاك ابن اثنتي عشرة سنة فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ أي من غمّ القتل وكربته وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً. قال ابن عباس: اختبرناك اختبارا. وقال الضحّاك وقتادة ومقاتل، ابتليناك ابتلاء. وقال مجاهد: أخلصناك إخلاصا فَلَبِثْتَ سِنِينَ [[في نسخة أصفهان زيادة: فمكثت.]] يعني عشر سنين فِي أَهْلِ مَدْيَنَ وهي بلدة شعيب على ثلاث [[في نسخة أصفهان: ثمان.]] مراحل من مصر، قال وهب: لبث عند شعيب ثمان وعشرين سنة، عشر سنين منها مهر امرأته صفيرا بنت شعيب وثماني عشرة سنة أقام عنده حتى ولد له. ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى. قال مقاتل: على موعد، قال محمد بن كعب: ثم جئت على القدر الذي قدّرت أنك تجيء. قال عبد الرّحمن بن كيسان: على رأس أربعين سنة وهو القدر الذي يوحي فيه إلى الأنبياء [[في الثانية محمد بن كعب ثم جئت على القدر الذي يوحى فيه إلى الأنبياء.]] ، قال الكلبي: وافق الكلام عند الشجرة. وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي اخترتك واصطفيتك واختصصتك [[في نسخة أصفهان زيادة: لنفسي.]] بالرسالة أو النبوّة اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي اليد والعصا وَلا تَنِيا قال ابن عباس: لا تضعفا، وقال السدّي: لا تفترا، وقال محمد بن كعب: لا تقصّرا. وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: لا تبطئا، وفي قراءة ابن مسعود: ولا تهنا. اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى. فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً قال ابن عباس: لا تعنّفا في قولكما ولا تغلّظا، وقال السدّي وعكرمة: كنّياه قولا له: يا أبا العباس، وقيل: يا أبا الوليد. وقال مقاتل: يعني بالقول اللين هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى. وقال أهل المعاني: معناه الطفا له في قولكما فإنّه ربّاك وأحسن تربيتك وله عليك حقّ الأبوّة فلا تجبهه بمكروه في أوّل قدومك عليه، يقال: وعده على قبول الإيمان شبابا لا يهرم وملكا لا ينزع عنه إلّا بالموت، ويبقى عليه لذّة المطعم والمشرب والمنكح إلى حين موته. قال المفسّرون: وكان هارون يومئذ بمصر فأمر الله عزّ وجلّ أن يأتي هو وهارون، وأوحى إلى هارون وهو بمصر أن يتلقى موسى فتلقّاه إلى مرحلة وأخبره بما أوحي إليه فقال له موسى: إن الله سبحانه أمرني أن آتي فرعون فسألت ربّي عزّ وجلّ أن يجعلك معي. وقوله لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى أي يسلم. فإن قيل: كيف قال: لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى وعلمه سابق في فرعون أنّه لا يتذكّر ولا يخشى؟. قال الحسين [[في نسخة أصفهان: الحسن.]] بن الفضل: هو مصروف إلى غير فرعون، ومجازه: لكي يتذكّر متذكّر أو يخشى خاش إذا رأى برّي وإلطافي بمن خلقته ورزقته، وصححت جسمه وأنعمت عليه ثم ادّعى الربوبية دوني. وقال أبو بكر محمد بن عمر الورّاق: لعلّ هاهنا من الله واجب، ولقد تذكّر فرعون حيث لم تنفعه الذكرى والخشية، وذلك قوله حين ألجمه الغرق في البحر آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ [[يونس: 90.]] . سمعت أبا القاسم الحسن بن محمد بن حبيب يقول: سمعت أبي يقول سمعت علىّ [[في نسخة أصفهان: محمد بن حبيب يقول: سمعت علي.]] بن محمد الوراق يقول: سمعت يحيى بن معاذ الرازي يقول- وقرأ هذه الآية-: هذا رفقك بمن يقول: أنا الإله، فكيف رفقك بمن يقول: أنت الإله؟ قال أبو القاسم الحسين [[في نسخة أصفهان: الحسين.]] فبنيت عليه ألفاظا اقتديت به فيها فقلت: هذا رفقك بمن ينافيك فكيف رفقك بمن يصافيك؟ هذا رفقك بمن يعاديك فكيف رفقك بمن يواليك؟ هذا رفقك بمن يسبّك فكيف رفقك بمن يحبّك؟ هذا رفقك بمن يقول لك ندّا فكيف رفقك بمن يقول فردا؟ هذا رفقك بمن ضلّ فكيف رفقك بمن ذل [[في نسخة أصفهان زيادة: هذا رفقك بمن استكبر فكيف رفقك بمن استغفر؟]] هذا رفقك بمن اقترف فكيف رفقك بمن اعترف؟ هذا رفقك بمن أصرّ فكيف رفقك بمن أقرّ؟ هذا رفقك بمن استكبر فكيف رفقك بمن استغفر؟ قالا يعني موسى وهارون رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا. قال ابن عباس: يعجّل بالقتل والعقوبة، وقال الضحّاك: تجاوز الحدّ، وقيل: يغلبنا أَوْ أَنْ يَطْغى يتكبّر ويستعصي علينا. قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما بالدفع عنكما أَسْمَعُ قولكما وقوله وَأَرى فعله وفعلكما فَأْتِياهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ أي ولا تتعبهم في العمل، وكانت بنو إسرائيل عند آل فرعون في عذاب شديد يقتل أبناءهم ويستخدم نساءهم ويكلفهم من العمل واللبن والطين وبناء المدائن ما لا يقدرون عليه. قال موسى قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ قال فرعون: وما هي؟ قال: فأدخل يده في جيب قميصه ثمّ أخرجها فإذا هي بيضاء لها شعاع كشعاع الشمس، غلبت نور الشمس، فعجب منها ولم يره العصا إلّا بعد ذلك يوم الزينة. وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى يعني من أسلم إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ أنبياء الله وَتَوَلَّى أعرض عن الإيمان، ورأيت في بعض التفاسير أنّ هذه أرجى آية للموحّدين في القرآن. قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى يعني يا موسى وهارون فذكر موسى دون هارون لرؤوس الآي. قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ قال الحسين وقتادة: أعطى كلّ شيء صلاحه وهداه لما يصلحه. وقال مجاهد: لم يجعل الإنسان في خلق البهائم، ولا خلق البهائم في خلق الإنسان، ولكن خلق كلّ شي فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً. وقال عطيّة: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ يعني صورته. وقال الضحّاك: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ، يعني اليد للبطش والرجل للمشي واللسان للنطق والعين للبصر والأذن للسمع. وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا عبد الرّحمن بن محمد الزهري قال: حدّثنا أحمد ابن سعيد قال: حدّثنا سعيد بن سليمان عن إسماعيل بن زكريا عن إسماعيل بن أبي صالح، أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى قال: هداه لمعيشته. وقال ابن عباس وسعيد بن جبير: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ يعني شكله، للإنسان الزوجة وللبعير الناقة وللفرس الرمكة وللحمار الأتان ثُمَّ هَدى أي عرّف وعلّم وألهم كيف يأتي الذكر الأنثى في النكاح [[في نسخة أصفهان: قوله: أي عرّف.... النكاح تأتي بعد قوله: على الفعل.]] . وقرأ نصير خَلَقَهُ بفتح اللام على الفعل. قالَ فرعون فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى وإنّما قال هذا فرعون لموسى حين قال موسى: إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ، فقال فرعون حينئذ له: فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى التي ذكرت؟ ف قالَ موسى عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ يعني اللوح المحفوظ، وإنّما ردّ موسى علم ذلك إلى الله سبحانه لأنّه لم يعلم ذلك، وإنّما نزلت التوراة عليه بعد هلاك فرعون وقومه لا يَضِلُّ رَبِّي أي لا يخطئ وَلا يَنْسى فيتذكّر، وقال مجاهد: هما شيء واحد.

طه 20:43

اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى عصى وعلا وتكبّر وكفر، فادعه إلى عبادتي، واعلم بأنّي قد ربطت [[في نسخة أصفهان: ورطت وكذا في الموضع الآتي.]] على قلبه، قال: فكيف تأمرني أن آتيه وقد ربطت على قلبه؟ فأتاه ملك من خزّان الريح فقال: انطلق، فإنّا اثنا عشر من خزّان الريح منذ خلقنا الله سبحانه نحن في هذا فما علمناه، فامض لأمر الله، فقال موسى عند ذلك رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وسّع وليّن قلبي بالإيمان والنبوّة وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وسهّل عليّ ما أمرتني به من تبليغ الرسالة إلى فرعون وَاحْلُلْ وابسط وافتح عُقْدَةً مِنْ لِسانِي قال ابن عباس: كانت في لسانه رتّة، وذلك أنّه كان في حجر فرعون ذات يوم فلطمه لطمة وأخذ بلحيته فقال فرعون لآسية امرأته: انّ هذا عدوّي، فقالت آسية: على رسلك إنّه صبي لا يفرّق بين الأشياء ولا يميّز، ثم جاءت بطستين فجعلت في أحدهما الجمر وفي الأخرى الجوهر ووضعتهما بين يدي موسى، فأخذ جبرئيل بيد موسى فوضعها على النار حتى رفع جمرة ووضعها على لسانه فتلك الرتّة يَفْقَهُوا قَوْلِي كي يفهموا كلامي وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً معينا وظهيرا مِنْ أَهْلِي ثمّ بين من هو فقال هارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي قوّ به ظهري وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي يعني النبوّة وتبليغ الرسالة كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً نصلّي لك وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً. وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق وابن عامر: اشْدِدْ بِهِ أَزْرِي بفتح الألف وَأُشْرُكْهُ بضم الألف على الجزاء والجواب حكاية عن موسى أنّي أفعل ذلك، قال الله سبحانه قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى قد أعطيت مرادك وسؤالك يا موسى. وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى قبل هذا وهي إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ وحي إلهام مثل وحي النحل ما يُوحى أَنِ اقْذِفِيهِ أن اجعليه فِي التَّابُوتِ. قال مقاتل: والمؤمن الذي صنع التابوت من آل فرعون اسمه خربيل، وقيل: إنّه كان من بردي فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ يعني نهر النيل فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يعني شاطئ النهر، لفظه أمر ومعناه خبر مجازه: حتى يلقيه اليمّ بالساحل يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ يعني فرعون، فاتّخذت تابوتا وجعلت فيه قطنا محلوجا، ووضعت فيه موسى، وقيّرت رأسه وخصاصه- يعني شقوقه- ثمّ ألقته في النّيل، وكان يشرع منه نهر كبير في دار فرعون، فبينا هو جالس على رأس البركة مع امرأته آسية إذا بتابوت يجيء به الماء، فلمّا رأى ذلك أمر الغلمان والجواري بإخراجه فأخرجوه وفتحوا رأسه فإذا صبيّ من أصبح الناس وجها، فلمّا رآه فرعون أحبّه بحيث لم يتمالك، فذلك قوله سبحانه وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي قال ابن عباس: أحبّه وحبّبه إلى خلقه، قال عطيّة العوفي: جعل عليه مسحة من جمال لا تكاد يصبر عنه من رآه، قال قتادة: ملاحة كانت في عيني موسى، ما رآه أحد إلّا عشقه. وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي أي ولتربّى وتغذّى بمرأى ومنظر منّي إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ واسمها مريم متعرّفة خبره فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ يرضعه ويضمّه إليه، وذلك أنّه كان لا يقبل ثدي امرأة، فلمّا قالت لهم أخته ذلك قالوا: نعم، فجاءت بالأمّ فقبل ثديها فذلك قوله فَرَجَعْناكَ فرددناك إِلى أُمِّكَ. وفي مصحف أبي فرددناك إلى أمّك كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها بلقائك وبقائك وَلا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْساً قال ابن عباس: قتل قبطيا كافرا. قال كعب الأحبار: كان إذ ذاك ابن اثنتي عشرة سنة فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ أي من غمّ القتل وكربته وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً. قال ابن عباس: اختبرناك اختبارا. وقال الضحّاك وقتادة ومقاتل، ابتليناك ابتلاء. وقال مجاهد: أخلصناك إخلاصا فَلَبِثْتَ سِنِينَ [[في نسخة أصفهان زيادة: فمكثت.]] يعني عشر سنين فِي أَهْلِ مَدْيَنَ وهي بلدة شعيب على ثلاث [[في نسخة أصفهان: ثمان.]] مراحل من مصر، قال وهب: لبث عند شعيب ثمان وعشرين سنة، عشر سنين منها مهر امرأته صفيرا بنت شعيب وثماني عشرة سنة أقام عنده حتى ولد له. ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى. قال مقاتل: على موعد، قال محمد بن كعب: ثم جئت على القدر الذي قدّرت أنك تجيء. قال عبد الرّحمن بن كيسان: على رأس أربعين سنة وهو القدر الذي يوحي فيه إلى الأنبياء [[في الثانية محمد بن كعب ثم جئت على القدر الذي يوحى فيه إلى الأنبياء.]] ، قال الكلبي: وافق الكلام عند الشجرة. وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي اخترتك واصطفيتك واختصصتك [[في نسخة أصفهان زيادة: لنفسي.]] بالرسالة أو النبوّة اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي اليد والعصا وَلا تَنِيا قال ابن عباس: لا تضعفا، وقال السدّي: لا تفترا، وقال محمد بن كعب: لا تقصّرا. وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: لا تبطئا، وفي قراءة ابن مسعود: ولا تهنا. اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى. فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً قال ابن عباس: لا تعنّفا في قولكما ولا تغلّظا، وقال السدّي وعكرمة: كنّياه قولا له: يا أبا العباس، وقيل: يا أبا الوليد. وقال مقاتل: يعني بالقول اللين هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى. وقال أهل المعاني: معناه الطفا له في قولكما فإنّه ربّاك وأحسن تربيتك وله عليك حقّ الأبوّة فلا تجبهه بمكروه في أوّل قدومك عليه، يقال: وعده على قبول الإيمان شبابا لا يهرم وملكا لا ينزع عنه إلّا بالموت، ويبقى عليه لذّة المطعم والمشرب والمنكح إلى حين موته. قال المفسّرون: وكان هارون يومئذ بمصر فأمر الله عزّ وجلّ أن يأتي هو وهارون، وأوحى إلى هارون وهو بمصر أن يتلقى موسى فتلقّاه إلى مرحلة وأخبره بما أوحي إليه فقال له موسى: إن الله سبحانه أمرني أن آتي فرعون فسألت ربّي عزّ وجلّ أن يجعلك معي. وقوله لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى أي يسلم. فإن قيل: كيف قال: لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى وعلمه سابق في فرعون أنّه لا يتذكّر ولا يخشى؟. قال الحسين [[في نسخة أصفهان: الحسن.]] بن الفضل: هو مصروف إلى غير فرعون، ومجازه: لكي يتذكّر متذكّر أو يخشى خاش إذا رأى برّي وإلطافي بمن خلقته ورزقته، وصححت جسمه وأنعمت عليه ثم ادّعى الربوبية دوني. وقال أبو بكر محمد بن عمر الورّاق: لعلّ هاهنا من الله واجب، ولقد تذكّر فرعون حيث لم تنفعه الذكرى والخشية، وذلك قوله حين ألجمه الغرق في البحر آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ [[يونس: 90.]] . سمعت أبا القاسم الحسن بن محمد بن حبيب يقول: سمعت أبي يقول سمعت علىّ [[في نسخة أصفهان: محمد بن حبيب يقول: سمعت علي.]] بن محمد الوراق يقول: سمعت يحيى بن معاذ الرازي يقول- وقرأ هذه الآية-: هذا رفقك بمن يقول: أنا الإله، فكيف رفقك بمن يقول: أنت الإله؟ قال أبو القاسم الحسين [[في نسخة أصفهان: الحسين.]] فبنيت عليه ألفاظا اقتديت به فيها فقلت: هذا رفقك بمن ينافيك فكيف رفقك بمن يصافيك؟ هذا رفقك بمن يعاديك فكيف رفقك بمن يواليك؟ هذا رفقك بمن يسبّك فكيف رفقك بمن يحبّك؟ هذا رفقك بمن يقول لك ندّا فكيف رفقك بمن يقول فردا؟ هذا رفقك بمن ضلّ فكيف رفقك بمن ذل [[في نسخة أصفهان زيادة: هذا رفقك بمن استكبر فكيف رفقك بمن استغفر؟]] هذا رفقك بمن اقترف فكيف رفقك بمن اعترف؟ هذا رفقك بمن أصرّ فكيف رفقك بمن أقرّ؟ هذا رفقك بمن استكبر فكيف رفقك بمن استغفر؟ قالا يعني موسى وهارون رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا. قال ابن عباس: يعجّل بالقتل والعقوبة، وقال الضحّاك: تجاوز الحدّ، وقيل: يغلبنا أَوْ أَنْ يَطْغى يتكبّر ويستعصي علينا. قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما بالدفع عنكما أَسْمَعُ قولكما وقوله وَأَرى فعله وفعلكما فَأْتِياهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ أي ولا تتعبهم في العمل، وكانت بنو إسرائيل عند آل فرعون في عذاب شديد يقتل أبناءهم ويستخدم نساءهم ويكلفهم من العمل واللبن والطين وبناء المدائن ما لا يقدرون عليه. قال موسى قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ قال فرعون: وما هي؟ قال: فأدخل يده في جيب قميصه ثمّ أخرجها فإذا هي بيضاء لها شعاع كشعاع الشمس، غلبت نور الشمس، فعجب منها ولم يره العصا إلّا بعد ذلك يوم الزينة. وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى يعني من أسلم إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ أنبياء الله وَتَوَلَّى أعرض عن الإيمان، ورأيت في بعض التفاسير أنّ هذه أرجى آية للموحّدين في القرآن. قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى يعني يا موسى وهارون فذكر موسى دون هارون لرؤوس الآي. قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ قال الحسين وقتادة: أعطى كلّ شيء صلاحه وهداه لما يصلحه. وقال مجاهد: لم يجعل الإنسان في خلق البهائم، ولا خلق البهائم في خلق الإنسان، ولكن خلق كلّ شي فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً. وقال عطيّة: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ يعني صورته. وقال الضحّاك: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ، يعني اليد للبطش والرجل للمشي واللسان للنطق والعين للبصر والأذن للسمع. وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا عبد الرّحمن بن محمد الزهري قال: حدّثنا أحمد ابن سعيد قال: حدّثنا سعيد بن سليمان عن إسماعيل بن زكريا عن إسماعيل بن أبي صالح، أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى قال: هداه لمعيشته. وقال ابن عباس وسعيد بن جبير: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ يعني شكله، للإنسان الزوجة وللبعير الناقة وللفرس الرمكة وللحمار الأتان ثُمَّ هَدى أي عرّف وعلّم وألهم كيف يأتي الذكر الأنثى في النكاح [[في نسخة أصفهان: قوله: أي عرّف.... النكاح تأتي بعد قوله: على الفعل.]] . وقرأ نصير خَلَقَهُ بفتح اللام على الفعل. قالَ فرعون فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى وإنّما قال هذا فرعون لموسى حين قال موسى: إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ، فقال فرعون حينئذ له: فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى التي ذكرت؟ ف قالَ موسى عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ يعني اللوح المحفوظ، وإنّما ردّ موسى علم ذلك إلى الله سبحانه لأنّه لم يعلم ذلك، وإنّما نزلت التوراة عليه بعد هلاك فرعون وقومه لا يَضِلُّ رَبِّي أي لا يخطئ وَلا يَنْسى فيتذكّر، وقال مجاهد: هما شيء واحد.

طه 20:44

اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى عصى وعلا وتكبّر وكفر، فادعه إلى عبادتي، واعلم بأنّي قد ربطت [[في نسخة أصفهان: ورطت وكذا في الموضع الآتي.]] على قلبه، قال: فكيف تأمرني أن آتيه وقد ربطت على قلبه؟ فأتاه ملك من خزّان الريح فقال: انطلق، فإنّا اثنا عشر من خزّان الريح منذ خلقنا الله سبحانه نحن في هذا فما علمناه، فامض لأمر الله، فقال موسى عند ذلك رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وسّع وليّن قلبي بالإيمان والنبوّة وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وسهّل عليّ ما أمرتني به من تبليغ الرسالة إلى فرعون وَاحْلُلْ وابسط وافتح عُقْدَةً مِنْ لِسانِي قال ابن عباس: كانت في لسانه رتّة، وذلك أنّه كان في حجر فرعون ذات يوم فلطمه لطمة وأخذ بلحيته فقال فرعون لآسية امرأته: انّ هذا عدوّي، فقالت آسية: على رسلك إنّه صبي لا يفرّق بين الأشياء ولا يميّز، ثم جاءت بطستين فجعلت في أحدهما الجمر وفي الأخرى الجوهر ووضعتهما بين يدي موسى، فأخذ جبرئيل بيد موسى فوضعها على النار حتى رفع جمرة ووضعها على لسانه فتلك الرتّة يَفْقَهُوا قَوْلِي كي يفهموا كلامي وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً معينا وظهيرا مِنْ أَهْلِي ثمّ بين من هو فقال هارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي قوّ به ظهري وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي يعني النبوّة وتبليغ الرسالة كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً نصلّي لك وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً. وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق وابن عامر: اشْدِدْ بِهِ أَزْرِي بفتح الألف وَأُشْرُكْهُ بضم الألف على الجزاء والجواب حكاية عن موسى أنّي أفعل ذلك، قال الله سبحانه قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى قد أعطيت مرادك وسؤالك يا موسى. وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى قبل هذا وهي إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ وحي إلهام مثل وحي النحل ما يُوحى أَنِ اقْذِفِيهِ أن اجعليه فِي التَّابُوتِ. قال مقاتل: والمؤمن الذي صنع التابوت من آل فرعون اسمه خربيل، وقيل: إنّه كان من بردي فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ يعني نهر النيل فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يعني شاطئ النهر، لفظه أمر ومعناه خبر مجازه: حتى يلقيه اليمّ بالساحل يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ يعني فرعون، فاتّخذت تابوتا وجعلت فيه قطنا محلوجا، ووضعت فيه موسى، وقيّرت رأسه وخصاصه- يعني شقوقه- ثمّ ألقته في النّيل، وكان يشرع منه نهر كبير في دار فرعون، فبينا هو جالس على رأس البركة مع امرأته آسية إذا بتابوت يجيء به الماء، فلمّا رأى ذلك أمر الغلمان والجواري بإخراجه فأخرجوه وفتحوا رأسه فإذا صبيّ من أصبح الناس وجها، فلمّا رآه فرعون أحبّه بحيث لم يتمالك، فذلك قوله سبحانه وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي قال ابن عباس: أحبّه وحبّبه إلى خلقه، قال عطيّة العوفي: جعل عليه مسحة من جمال لا تكاد يصبر عنه من رآه، قال قتادة: ملاحة كانت في عيني موسى، ما رآه أحد إلّا عشقه. وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي أي ولتربّى وتغذّى بمرأى ومنظر منّي إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ واسمها مريم متعرّفة خبره فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ يرضعه ويضمّه إليه، وذلك أنّه كان لا يقبل ثدي امرأة، فلمّا قالت لهم أخته ذلك قالوا: نعم، فجاءت بالأمّ فقبل ثديها فذلك قوله فَرَجَعْناكَ فرددناك إِلى أُمِّكَ. وفي مصحف أبي فرددناك إلى أمّك كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها بلقائك وبقائك وَلا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْساً قال ابن عباس: قتل قبطيا كافرا. قال كعب الأحبار: كان إذ ذاك ابن اثنتي عشرة سنة فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ أي من غمّ القتل وكربته وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً. قال ابن عباس: اختبرناك اختبارا. وقال الضحّاك وقتادة ومقاتل، ابتليناك ابتلاء. وقال مجاهد: أخلصناك إخلاصا فَلَبِثْتَ سِنِينَ [[في نسخة أصفهان زيادة: فمكثت.]] يعني عشر سنين فِي أَهْلِ مَدْيَنَ وهي بلدة شعيب على ثلاث [[في نسخة أصفهان: ثمان.]] مراحل من مصر، قال وهب: لبث عند شعيب ثمان وعشرين سنة، عشر سنين منها مهر امرأته صفيرا بنت شعيب وثماني عشرة سنة أقام عنده حتى ولد له. ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى. قال مقاتل: على موعد، قال محمد بن كعب: ثم جئت على القدر الذي قدّرت أنك تجيء. قال عبد الرّحمن بن كيسان: على رأس أربعين سنة وهو القدر الذي يوحي فيه إلى الأنبياء [[في الثانية محمد بن كعب ثم جئت على القدر الذي يوحى فيه إلى الأنبياء.]] ، قال الكلبي: وافق الكلام عند الشجرة. وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي اخترتك واصطفيتك واختصصتك [[في نسخة أصفهان زيادة: لنفسي.]] بالرسالة أو النبوّة اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي اليد والعصا وَلا تَنِيا قال ابن عباس: لا تضعفا، وقال السدّي: لا تفترا، وقال محمد بن كعب: لا تقصّرا. وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: لا تبطئا، وفي قراءة ابن مسعود: ولا تهنا. اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى. فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً قال ابن عباس: لا تعنّفا في قولكما ولا تغلّظا، وقال السدّي وعكرمة: كنّياه قولا له: يا أبا العباس، وقيل: يا أبا الوليد. وقال مقاتل: يعني بالقول اللين هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى. وقال أهل المعاني: معناه الطفا له في قولكما فإنّه ربّاك وأحسن تربيتك وله عليك حقّ الأبوّة فلا تجبهه بمكروه في أوّل قدومك عليه، يقال: وعده على قبول الإيمان شبابا لا يهرم وملكا لا ينزع عنه إلّا بالموت، ويبقى عليه لذّة المطعم والمشرب والمنكح إلى حين موته. قال المفسّرون: وكان هارون يومئذ بمصر فأمر الله عزّ وجلّ أن يأتي هو وهارون، وأوحى إلى هارون وهو بمصر أن يتلقى موسى فتلقّاه إلى مرحلة وأخبره بما أوحي إليه فقال له موسى: إن الله سبحانه أمرني أن آتي فرعون فسألت ربّي عزّ وجلّ أن يجعلك معي. وقوله لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى أي يسلم. فإن قيل: كيف قال: لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى وعلمه سابق في فرعون أنّه لا يتذكّر ولا يخشى؟. قال الحسين [[في نسخة أصفهان: الحسن.]] بن الفضل: هو مصروف إلى غير فرعون، ومجازه: لكي يتذكّر متذكّر أو يخشى خاش إذا رأى برّي وإلطافي بمن خلقته ورزقته، وصححت جسمه وأنعمت عليه ثم ادّعى الربوبية دوني. وقال أبو بكر محمد بن عمر الورّاق: لعلّ هاهنا من الله واجب، ولقد تذكّر فرعون حيث لم تنفعه الذكرى والخشية، وذلك قوله حين ألجمه الغرق في البحر آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ [[يونس: 90.]] . سمعت أبا القاسم الحسن بن محمد بن حبيب يقول: سمعت أبي يقول سمعت علىّ [[في نسخة أصفهان: محمد بن حبيب يقول: سمعت علي.]] بن محمد الوراق يقول: سمعت يحيى بن معاذ الرازي يقول- وقرأ هذه الآية-: هذا رفقك بمن يقول: أنا الإله، فكيف رفقك بمن يقول: أنت الإله؟ قال أبو القاسم الحسين [[في نسخة أصفهان: الحسين.]] فبنيت عليه ألفاظا اقتديت به فيها فقلت: هذا رفقك بمن ينافيك فكيف رفقك بمن يصافيك؟ هذا رفقك بمن يعاديك فكيف رفقك بمن يواليك؟ هذا رفقك بمن يسبّك فكيف رفقك بمن يحبّك؟ هذا رفقك بمن يقول لك ندّا فكيف رفقك بمن يقول فردا؟ هذا رفقك بمن ضلّ فكيف رفقك بمن ذل [[في نسخة أصفهان زيادة: هذا رفقك بمن استكبر فكيف رفقك بمن استغفر؟]] هذا رفقك بمن اقترف فكيف رفقك بمن اعترف؟ هذا رفقك بمن أصرّ فكيف رفقك بمن أقرّ؟ هذا رفقك بمن استكبر فكيف رفقك بمن استغفر؟ قالا يعني موسى وهارون رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا. قال ابن عباس: يعجّل بالقتل والعقوبة، وقال الضحّاك: تجاوز الحدّ، وقيل: يغلبنا أَوْ أَنْ يَطْغى يتكبّر ويستعصي علينا. قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما بالدفع عنكما أَسْمَعُ قولكما وقوله وَأَرى فعله وفعلكما فَأْتِياهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ أي ولا تتعبهم في العمل، وكانت بنو إسرائيل عند آل فرعون في عذاب شديد يقتل أبناءهم ويستخدم نساءهم ويكلفهم من العمل واللبن والطين وبناء المدائن ما لا يقدرون عليه. قال موسى قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ قال فرعون: وما هي؟ قال: فأدخل يده في جيب قميصه ثمّ أخرجها فإذا هي بيضاء لها شعاع كشعاع الشمس، غلبت نور الشمس، فعجب منها ولم يره العصا إلّا بعد ذلك يوم الزينة. وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى يعني من أسلم إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ أنبياء الله وَتَوَلَّى أعرض عن الإيمان، ورأيت في بعض التفاسير أنّ هذه أرجى آية للموحّدين في القرآن. قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى يعني يا موسى وهارون فذكر موسى دون هارون لرؤوس الآي. قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ قال الحسين وقتادة: أعطى كلّ شيء صلاحه وهداه لما يصلحه. وقال مجاهد: لم يجعل الإنسان في خلق البهائم، ولا خلق البهائم في خلق الإنسان، ولكن خلق كلّ شي فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً. وقال عطيّة: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ يعني صورته. وقال الضحّاك: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ، يعني اليد للبطش والرجل للمشي واللسان للنطق والعين للبصر والأذن للسمع. وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا عبد الرّحمن بن محمد الزهري قال: حدّثنا أحمد ابن سعيد قال: حدّثنا سعيد بن سليمان عن إسماعيل بن زكريا عن إسماعيل بن أبي صالح، أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى قال: هداه لمعيشته. وقال ابن عباس وسعيد بن جبير: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ يعني شكله، للإنسان الزوجة وللبعير الناقة وللفرس الرمكة وللحمار الأتان ثُمَّ هَدى أي عرّف وعلّم وألهم كيف يأتي الذكر الأنثى في النكاح [[في نسخة أصفهان: قوله: أي عرّف.... النكاح تأتي بعد قوله: على الفعل.]] . وقرأ نصير خَلَقَهُ بفتح اللام على الفعل. قالَ فرعون فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى وإنّما قال هذا فرعون لموسى حين قال موسى: إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ، فقال فرعون حينئذ له: فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى التي ذكرت؟ ف قالَ موسى عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ يعني اللوح المحفوظ، وإنّما ردّ موسى علم ذلك إلى الله سبحانه لأنّه لم يعلم ذلك، وإنّما نزلت التوراة عليه بعد هلاك فرعون وقومه لا يَضِلُّ رَبِّي أي لا يخطئ وَلا يَنْسى فيتذكّر، وقال مجاهد: هما شيء واحد.

طه 20:45

اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى عصى وعلا وتكبّر وكفر، فادعه إلى عبادتي، واعلم بأنّي قد ربطت [[في نسخة أصفهان: ورطت وكذا في الموضع الآتي.]] على قلبه، قال: فكيف تأمرني أن آتيه وقد ربطت على قلبه؟ فأتاه ملك من خزّان الريح فقال: انطلق، فإنّا اثنا عشر من خزّان الريح منذ خلقنا الله سبحانه نحن في هذا فما علمناه، فامض لأمر الله، فقال موسى عند ذلك رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وسّع وليّن قلبي بالإيمان والنبوّة وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وسهّل عليّ ما أمرتني به من تبليغ الرسالة إلى فرعون وَاحْلُلْ وابسط وافتح عُقْدَةً مِنْ لِسانِي قال ابن عباس: كانت في لسانه رتّة، وذلك أنّه كان في حجر فرعون ذات يوم فلطمه لطمة وأخذ بلحيته فقال فرعون لآسية امرأته: انّ هذا عدوّي، فقالت آسية: على رسلك إنّه صبي لا يفرّق بين الأشياء ولا يميّز، ثم جاءت بطستين فجعلت في أحدهما الجمر وفي الأخرى الجوهر ووضعتهما بين يدي موسى، فأخذ جبرئيل بيد موسى فوضعها على النار حتى رفع جمرة ووضعها على لسانه فتلك الرتّة يَفْقَهُوا قَوْلِي كي يفهموا كلامي وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً معينا وظهيرا مِنْ أَهْلِي ثمّ بين من هو فقال هارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي قوّ به ظهري وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي يعني النبوّة وتبليغ الرسالة كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً نصلّي لك وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً. وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق وابن عامر: اشْدِدْ بِهِ أَزْرِي بفتح الألف وَأُشْرُكْهُ بضم الألف على الجزاء والجواب حكاية عن موسى أنّي أفعل ذلك، قال الله سبحانه قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى قد أعطيت مرادك وسؤالك يا موسى. وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى قبل هذا وهي إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ وحي إلهام مثل وحي النحل ما يُوحى أَنِ اقْذِفِيهِ أن اجعليه فِي التَّابُوتِ. قال مقاتل: والمؤمن الذي صنع التابوت من آل فرعون اسمه خربيل، وقيل: إنّه كان من بردي فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ يعني نهر النيل فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يعني شاطئ النهر، لفظه أمر ومعناه خبر مجازه: حتى يلقيه اليمّ بالساحل يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ يعني فرعون، فاتّخذت تابوتا وجعلت فيه قطنا محلوجا، ووضعت فيه موسى، وقيّرت رأسه وخصاصه- يعني شقوقه- ثمّ ألقته في النّيل، وكان يشرع منه نهر كبير في دار فرعون، فبينا هو جالس على رأس البركة مع امرأته آسية إذا بتابوت يجيء به الماء، فلمّا رأى ذلك أمر الغلمان والجواري بإخراجه فأخرجوه وفتحوا رأسه فإذا صبيّ من أصبح الناس وجها، فلمّا رآه فرعون أحبّه بحيث لم يتمالك، فذلك قوله سبحانه وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي قال ابن عباس: أحبّه وحبّبه إلى خلقه، قال عطيّة العوفي: جعل عليه مسحة من جمال لا تكاد يصبر عنه من رآه، قال قتادة: ملاحة كانت في عيني موسى، ما رآه أحد إلّا عشقه. وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي أي ولتربّى وتغذّى بمرأى ومنظر منّي إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ واسمها مريم متعرّفة خبره فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ يرضعه ويضمّه إليه، وذلك أنّه كان لا يقبل ثدي امرأة، فلمّا قالت لهم أخته ذلك قالوا: نعم، فجاءت بالأمّ فقبل ثديها فذلك قوله فَرَجَعْناكَ فرددناك إِلى أُمِّكَ. وفي مصحف أبي فرددناك إلى أمّك كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها بلقائك وبقائك وَلا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْساً قال ابن عباس: قتل قبطيا كافرا. قال كعب الأحبار: كان إذ ذاك ابن اثنتي عشرة سنة فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ أي من غمّ القتل وكربته وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً. قال ابن عباس: اختبرناك اختبارا. وقال الضحّاك وقتادة ومقاتل، ابتليناك ابتلاء. وقال مجاهد: أخلصناك إخلاصا فَلَبِثْتَ سِنِينَ [[في نسخة أصفهان زيادة: فمكثت.]] يعني عشر سنين فِي أَهْلِ مَدْيَنَ وهي بلدة شعيب على ثلاث [[في نسخة أصفهان: ثمان.]] مراحل من مصر، قال وهب: لبث عند شعيب ثمان وعشرين سنة، عشر سنين منها مهر امرأته صفيرا بنت شعيب وثماني عشرة سنة أقام عنده حتى ولد له. ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى. قال مقاتل: على موعد، قال محمد بن كعب: ثم جئت على القدر الذي قدّرت أنك تجيء. قال عبد الرّحمن بن كيسان: على رأس أربعين سنة وهو القدر الذي يوحي فيه إلى الأنبياء [[في الثانية محمد بن كعب ثم جئت على القدر الذي يوحى فيه إلى الأنبياء.]] ، قال الكلبي: وافق الكلام عند الشجرة. وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي اخترتك واصطفيتك واختصصتك [[في نسخة أصفهان زيادة: لنفسي.]] بالرسالة أو النبوّة اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي اليد والعصا وَلا تَنِيا قال ابن عباس: لا تضعفا، وقال السدّي: لا تفترا، وقال محمد بن كعب: لا تقصّرا. وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: لا تبطئا، وفي قراءة ابن مسعود: ولا تهنا. اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى. فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً قال ابن عباس: لا تعنّفا في قولكما ولا تغلّظا، وقال السدّي وعكرمة: كنّياه قولا له: يا أبا العباس، وقيل: يا أبا الوليد. وقال مقاتل: يعني بالقول اللين هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى. وقال أهل المعاني: معناه الطفا له في قولكما فإنّه ربّاك وأحسن تربيتك وله عليك حقّ الأبوّة فلا تجبهه بمكروه في أوّل قدومك عليه، يقال: وعده على قبول الإيمان شبابا لا يهرم وملكا لا ينزع عنه إلّا بالموت، ويبقى عليه لذّة المطعم والمشرب والمنكح إلى حين موته. قال المفسّرون: وكان هارون يومئذ بمصر فأمر الله عزّ وجلّ أن يأتي هو وهارون، وأوحى إلى هارون وهو بمصر أن يتلقى موسى فتلقّاه إلى مرحلة وأخبره بما أوحي إليه فقال له موسى: إن الله سبحانه أمرني أن آتي فرعون فسألت ربّي عزّ وجلّ أن يجعلك معي. وقوله لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى أي يسلم. فإن قيل: كيف قال: لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى وعلمه سابق في فرعون أنّه لا يتذكّر ولا يخشى؟. قال الحسين [[في نسخة أصفهان: الحسن.]] بن الفضل: هو مصروف إلى غير فرعون، ومجازه: لكي يتذكّر متذكّر أو يخشى خاش إذا رأى برّي وإلطافي بمن خلقته ورزقته، وصححت جسمه وأنعمت عليه ثم ادّعى الربوبية دوني. وقال أبو بكر محمد بن عمر الورّاق: لعلّ هاهنا من الله واجب، ولقد تذكّر فرعون حيث لم تنفعه الذكرى والخشية، وذلك قوله حين ألجمه الغرق في البحر آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ [[يونس: 90.]] . سمعت أبا القاسم الحسن بن محمد بن حبيب يقول: سمعت أبي يقول سمعت علىّ [[في نسخة أصفهان: محمد بن حبيب يقول: سمعت علي.]] بن محمد الوراق يقول: سمعت يحيى بن معاذ الرازي يقول- وقرأ هذه الآية-: هذا رفقك بمن يقول: أنا الإله، فكيف رفقك بمن يقول: أنت الإله؟ قال أبو القاسم الحسين [[في نسخة أصفهان: الحسين.]] فبنيت عليه ألفاظا اقتديت به فيها فقلت: هذا رفقك بمن ينافيك فكيف رفقك بمن يصافيك؟ هذا رفقك بمن يعاديك فكيف رفقك بمن يواليك؟ هذا رفقك بمن يسبّك فكيف رفقك بمن يحبّك؟ هذا رفقك بمن يقول لك ندّا فكيف رفقك بمن يقول فردا؟ هذا رفقك بمن ضلّ فكيف رفقك بمن ذل [[في نسخة أصفهان زيادة: هذا رفقك بمن استكبر فكيف رفقك بمن استغفر؟]] هذا رفقك بمن اقترف فكيف رفقك بمن اعترف؟ هذا رفقك بمن أصرّ فكيف رفقك بمن أقرّ؟ هذا رفقك بمن استكبر فكيف رفقك بمن استغفر؟ قالا يعني موسى وهارون رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا. قال ابن عباس: يعجّل بالقتل والعقوبة، وقال الضحّاك: تجاوز الحدّ، وقيل: يغلبنا أَوْ أَنْ يَطْغى يتكبّر ويستعصي علينا. قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما بالدفع عنكما أَسْمَعُ قولكما وقوله وَأَرى فعله وفعلكما فَأْتِياهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ أي ولا تتعبهم في العمل، وكانت بنو إسرائيل عند آل فرعون في عذاب شديد يقتل أبناءهم ويستخدم نساءهم ويكلفهم من العمل واللبن والطين وبناء المدائن ما لا يقدرون عليه. قال موسى قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ قال فرعون: وما هي؟ قال: فأدخل يده في جيب قميصه ثمّ أخرجها فإذا هي بيضاء لها شعاع كشعاع الشمس، غلبت نور الشمس، فعجب منها ولم يره العصا إلّا بعد ذلك يوم الزينة. وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى يعني من أسلم إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ أنبياء الله وَتَوَلَّى أعرض عن الإيمان، ورأيت في بعض التفاسير أنّ هذه أرجى آية للموحّدين في القرآن. قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى يعني يا موسى وهارون فذكر موسى دون هارون لرؤوس الآي. قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ قال الحسين وقتادة: أعطى كلّ شيء صلاحه وهداه لما يصلحه. وقال مجاهد: لم يجعل الإنسان في خلق البهائم، ولا خلق البهائم في خلق الإنسان، ولكن خلق كلّ شي فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً. وقال عطيّة: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ يعني صورته. وقال الضحّاك: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ، يعني اليد للبطش والرجل للمشي واللسان للنطق والعين للبصر والأذن للسمع. وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا عبد الرّحمن بن محمد الزهري قال: حدّثنا أحمد ابن سعيد قال: حدّثنا سعيد بن سليمان عن إسماعيل بن زكريا عن إسماعيل بن أبي صالح، أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى قال: هداه لمعيشته. وقال ابن عباس وسعيد بن جبير: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ يعني شكله، للإنسان الزوجة وللبعير الناقة وللفرس الرمكة وللحمار الأتان ثُمَّ هَدى أي عرّف وعلّم وألهم كيف يأتي الذكر الأنثى في النكاح [[في نسخة أصفهان: قوله: أي عرّف.... النكاح تأتي بعد قوله: على الفعل.]] . وقرأ نصير خَلَقَهُ بفتح اللام على الفعل. قالَ فرعون فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى وإنّما قال هذا فرعون لموسى حين قال موسى: إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ، فقال فرعون حينئذ له: فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى التي ذكرت؟ ف قالَ موسى عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ يعني اللوح المحفوظ، وإنّما ردّ موسى علم ذلك إلى الله سبحانه لأنّه لم يعلم ذلك، وإنّما نزلت التوراة عليه بعد هلاك فرعون وقومه لا يَضِلُّ رَبِّي أي لا يخطئ وَلا يَنْسى فيتذكّر، وقال مجاهد: هما شيء واحد.

طه 20:46

اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى عصى وعلا وتكبّر وكفر، فادعه إلى عبادتي، واعلم بأنّي قد ربطت [[في نسخة أصفهان: ورطت وكذا في الموضع الآتي.]] على قلبه، قال: فكيف تأمرني أن آتيه وقد ربطت على قلبه؟ فأتاه ملك من خزّان الريح فقال: انطلق، فإنّا اثنا عشر من خزّان الريح منذ خلقنا الله سبحانه نحن في هذا فما علمناه، فامض لأمر الله، فقال موسى عند ذلك رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وسّع وليّن قلبي بالإيمان والنبوّة وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وسهّل عليّ ما أمرتني به من تبليغ الرسالة إلى فرعون وَاحْلُلْ وابسط وافتح عُقْدَةً مِنْ لِسانِي قال ابن عباس: كانت في لسانه رتّة، وذلك أنّه كان في حجر فرعون ذات يوم فلطمه لطمة وأخذ بلحيته فقال فرعون لآسية امرأته: انّ هذا عدوّي، فقالت آسية: على رسلك إنّه صبي لا يفرّق بين الأشياء ولا يميّز، ثم جاءت بطستين فجعلت في أحدهما الجمر وفي الأخرى الجوهر ووضعتهما بين يدي موسى، فأخذ جبرئيل بيد موسى فوضعها على النار حتى رفع جمرة ووضعها على لسانه فتلك الرتّة يَفْقَهُوا قَوْلِي كي يفهموا كلامي وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً معينا وظهيرا مِنْ أَهْلِي ثمّ بين من هو فقال هارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي قوّ به ظهري وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي يعني النبوّة وتبليغ الرسالة كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً نصلّي لك وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً. وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق وابن عامر: اشْدِدْ بِهِ أَزْرِي بفتح الألف وَأُشْرُكْهُ بضم الألف على الجزاء والجواب حكاية عن موسى أنّي أفعل ذلك، قال الله سبحانه قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى قد أعطيت مرادك وسؤالك يا موسى. وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى قبل هذا وهي إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ وحي إلهام مثل وحي النحل ما يُوحى أَنِ اقْذِفِيهِ أن اجعليه فِي التَّابُوتِ. قال مقاتل: والمؤمن الذي صنع التابوت من آل فرعون اسمه خربيل، وقيل: إنّه كان من بردي فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ يعني نهر النيل فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يعني شاطئ النهر، لفظه أمر ومعناه خبر مجازه: حتى يلقيه اليمّ بالساحل يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ يعني فرعون، فاتّخذت تابوتا وجعلت فيه قطنا محلوجا، ووضعت فيه موسى، وقيّرت رأسه وخصاصه- يعني شقوقه- ثمّ ألقته في النّيل، وكان يشرع منه نهر كبير في دار فرعون، فبينا هو جالس على رأس البركة مع امرأته آسية إذا بتابوت يجيء به الماء، فلمّا رأى ذلك أمر الغلمان والجواري بإخراجه فأخرجوه وفتحوا رأسه فإذا صبيّ من أصبح الناس وجها، فلمّا رآه فرعون أحبّه بحيث لم يتمالك، فذلك قوله سبحانه وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي قال ابن عباس: أحبّه وحبّبه إلى خلقه، قال عطيّة العوفي: جعل عليه مسحة من جمال لا تكاد يصبر عنه من رآه، قال قتادة: ملاحة كانت في عيني موسى، ما رآه أحد إلّا عشقه. وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي أي ولتربّى وتغذّى بمرأى ومنظر منّي إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ واسمها مريم متعرّفة خبره فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ يرضعه ويضمّه إليه، وذلك أنّه كان لا يقبل ثدي امرأة، فلمّا قالت لهم أخته ذلك قالوا: نعم، فجاءت بالأمّ فقبل ثديها فذلك قوله فَرَجَعْناكَ فرددناك إِلى أُمِّكَ. وفي مصحف أبي فرددناك إلى أمّك كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها بلقائك وبقائك وَلا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْساً قال ابن عباس: قتل قبطيا كافرا. قال كعب الأحبار: كان إذ ذاك ابن اثنتي عشرة سنة فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ أي من غمّ القتل وكربته وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً. قال ابن عباس: اختبرناك اختبارا. وقال الضحّاك وقتادة ومقاتل، ابتليناك ابتلاء. وقال مجاهد: أخلصناك إخلاصا فَلَبِثْتَ سِنِينَ [[في نسخة أصفهان زيادة: فمكثت.]] يعني عشر سنين فِي أَهْلِ مَدْيَنَ وهي بلدة شعيب على ثلاث [[في نسخة أصفهان: ثمان.]] مراحل من مصر، قال وهب: لبث عند شعيب ثمان وعشرين سنة، عشر سنين منها مهر امرأته صفيرا بنت شعيب وثماني عشرة سنة أقام عنده حتى ولد له. ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى. قال مقاتل: على موعد، قال محمد بن كعب: ثم جئت على القدر الذي قدّرت أنك تجيء. قال عبد الرّحمن بن كيسان: على رأس أربعين سنة وهو القدر الذي يوحي فيه إلى الأنبياء [[في الثانية محمد بن كعب ثم جئت على القدر الذي يوحى فيه إلى الأنبياء.]] ، قال الكلبي: وافق الكلام عند الشجرة. وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي اخترتك واصطفيتك واختصصتك [[في نسخة أصفهان زيادة: لنفسي.]] بالرسالة أو النبوّة اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي اليد والعصا وَلا تَنِيا قال ابن عباس: لا تضعفا، وقال السدّي: لا تفترا، وقال محمد بن كعب: لا تقصّرا. وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: لا تبطئا، وفي قراءة ابن مسعود: ولا تهنا. اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى. فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً قال ابن عباس: لا تعنّفا في قولكما ولا تغلّظا، وقال السدّي وعكرمة: كنّياه قولا له: يا أبا العباس، وقيل: يا أبا الوليد. وقال مقاتل: يعني بالقول اللين هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى. وقال أهل المعاني: معناه الطفا له في قولكما فإنّه ربّاك وأحسن تربيتك وله عليك حقّ الأبوّة فلا تجبهه بمكروه في أوّل قدومك عليه، يقال: وعده على قبول الإيمان شبابا لا يهرم وملكا لا ينزع عنه إلّا بالموت، ويبقى عليه لذّة المطعم والمشرب والمنكح إلى حين موته. قال المفسّرون: وكان هارون يومئذ بمصر فأمر الله عزّ وجلّ أن يأتي هو وهارون، وأوحى إلى هارون وهو بمصر أن يتلقى موسى فتلقّاه إلى مرحلة وأخبره بما أوحي إليه فقال له موسى: إن الله سبحانه أمرني أن آتي فرعون فسألت ربّي عزّ وجلّ أن يجعلك معي. وقوله لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى أي يسلم. فإن قيل: كيف قال: لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى وعلمه سابق في فرعون أنّه لا يتذكّر ولا يخشى؟. قال الحسين [[في نسخة أصفهان: الحسن.]] بن الفضل: هو مصروف إلى غير فرعون، ومجازه: لكي يتذكّر متذكّر أو يخشى خاش إذا رأى برّي وإلطافي بمن خلقته ورزقته، وصححت جسمه وأنعمت عليه ثم ادّعى الربوبية دوني. وقال أبو بكر محمد بن عمر الورّاق: لعلّ هاهنا من الله واجب، ولقد تذكّر فرعون حيث لم تنفعه الذكرى والخشية، وذلك قوله حين ألجمه الغرق في البحر آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ [[يونس: 90.]] . سمعت أبا القاسم الحسن بن محمد بن حبيب يقول: سمعت أبي يقول سمعت علىّ [[في نسخة أصفهان: محمد بن حبيب يقول: سمعت علي.]] بن محمد الوراق يقول: سمعت يحيى بن معاذ الرازي يقول- وقرأ هذه الآية-: هذا رفقك بمن يقول: أنا الإله، فكيف رفقك بمن يقول: أنت الإله؟ قال أبو القاسم الحسين [[في نسخة أصفهان: الحسين.]] فبنيت عليه ألفاظا اقتديت به فيها فقلت: هذا رفقك بمن ينافيك فكيف رفقك بمن يصافيك؟ هذا رفقك بمن يعاديك فكيف رفقك بمن يواليك؟ هذا رفقك بمن يسبّك فكيف رفقك بمن يحبّك؟ هذا رفقك بمن يقول لك ندّا فكيف رفقك بمن يقول فردا؟ هذا رفقك بمن ضلّ فكيف رفقك بمن ذل [[في نسخة أصفهان زيادة: هذا رفقك بمن استكبر فكيف رفقك بمن استغفر؟]] هذا رفقك بمن اقترف فكيف رفقك بمن اعترف؟ هذا رفقك بمن أصرّ فكيف رفقك بمن أقرّ؟ هذا رفقك بمن استكبر فكيف رفقك بمن استغفر؟ قالا يعني موسى وهارون رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا. قال ابن عباس: يعجّل بالقتل والعقوبة، وقال الضحّاك: تجاوز الحدّ، وقيل: يغلبنا أَوْ أَنْ يَطْغى يتكبّر ويستعصي علينا. قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما بالدفع عنكما أَسْمَعُ قولكما وقوله وَأَرى فعله وفعلكما فَأْتِياهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ أي ولا تتعبهم في العمل، وكانت بنو إسرائيل عند آل فرعون في عذاب شديد يقتل أبناءهم ويستخدم نساءهم ويكلفهم من العمل واللبن والطين وبناء المدائن ما لا يقدرون عليه. قال موسى قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ قال فرعون: وما هي؟ قال: فأدخل يده في جيب قميصه ثمّ أخرجها فإذا هي بيضاء لها شعاع كشعاع الشمس، غلبت نور الشمس، فعجب منها ولم يره العصا إلّا بعد ذلك يوم الزينة. وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى يعني من أسلم إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ أنبياء الله وَتَوَلَّى أعرض عن الإيمان، ورأيت في بعض التفاسير أنّ هذه أرجى آية للموحّدين في القرآن. قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى يعني يا موسى وهارون فذكر موسى دون هارون لرؤوس الآي. قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ قال الحسين وقتادة: أعطى كلّ شيء صلاحه وهداه لما يصلحه. وقال مجاهد: لم يجعل الإنسان في خلق البهائم، ولا خلق البهائم في خلق الإنسان، ولكن خلق كلّ شي فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً. وقال عطيّة: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ يعني صورته. وقال الضحّاك: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ، يعني اليد للبطش والرجل للمشي واللسان للنطق والعين للبصر والأذن للسمع. وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا عبد الرّحمن بن محمد الزهري قال: حدّثنا أحمد ابن سعيد قال: حدّثنا سعيد بن سليمان عن إسماعيل بن زكريا عن إسماعيل بن أبي صالح، أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى قال: هداه لمعيشته. وقال ابن عباس وسعيد بن جبير: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ يعني شكله، للإنسان الزوجة وللبعير الناقة وللفرس الرمكة وللحمار الأتان ثُمَّ هَدى أي عرّف وعلّم وألهم كيف يأتي الذكر الأنثى في النكاح [[في نسخة أصفهان: قوله: أي عرّف.... النكاح تأتي بعد قوله: على الفعل.]] . وقرأ نصير خَلَقَهُ بفتح اللام على الفعل. قالَ فرعون فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى وإنّما قال هذا فرعون لموسى حين قال موسى: إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ، فقال فرعون حينئذ له: فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى التي ذكرت؟ ف قالَ موسى عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ يعني اللوح المحفوظ، وإنّما ردّ موسى علم ذلك إلى الله سبحانه لأنّه لم يعلم ذلك، وإنّما نزلت التوراة عليه بعد هلاك فرعون وقومه لا يَضِلُّ رَبِّي أي لا يخطئ وَلا يَنْسى فيتذكّر، وقال مجاهد: هما شيء واحد.

طه 20:47

اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى عصى وعلا وتكبّر وكفر، فادعه إلى عبادتي، واعلم بأنّي قد ربطت [[في نسخة أصفهان: ورطت وكذا في الموضع الآتي.]] على قلبه، قال: فكيف تأمرني أن آتيه وقد ربطت على قلبه؟ فأتاه ملك من خزّان الريح فقال: انطلق، فإنّا اثنا عشر من خزّان الريح منذ خلقنا الله سبحانه نحن في هذا فما علمناه، فامض لأمر الله، فقال موسى عند ذلك رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وسّع وليّن قلبي بالإيمان والنبوّة وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وسهّل عليّ ما أمرتني به من تبليغ الرسالة إلى فرعون وَاحْلُلْ وابسط وافتح عُقْدَةً مِنْ لِسانِي قال ابن عباس: كانت في لسانه رتّة، وذلك أنّه كان في حجر فرعون ذات يوم فلطمه لطمة وأخذ بلحيته فقال فرعون لآسية امرأته: انّ هذا عدوّي، فقالت آسية: على رسلك إنّه صبي لا يفرّق بين الأشياء ولا يميّز، ثم جاءت بطستين فجعلت في أحدهما الجمر وفي الأخرى الجوهر ووضعتهما بين يدي موسى، فأخذ جبرئيل بيد موسى فوضعها على النار حتى رفع جمرة ووضعها على لسانه فتلك الرتّة يَفْقَهُوا قَوْلِي كي يفهموا كلامي وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً معينا وظهيرا مِنْ أَهْلِي ثمّ بين من هو فقال هارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي قوّ به ظهري وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي يعني النبوّة وتبليغ الرسالة كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً نصلّي لك وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً. وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق وابن عامر: اشْدِدْ بِهِ أَزْرِي بفتح الألف وَأُشْرُكْهُ بضم الألف على الجزاء والجواب حكاية عن موسى أنّي أفعل ذلك، قال الله سبحانه قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى قد أعطيت مرادك وسؤالك يا موسى. وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى قبل هذا وهي إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ وحي إلهام مثل وحي النحل ما يُوحى أَنِ اقْذِفِيهِ أن اجعليه فِي التَّابُوتِ. قال مقاتل: والمؤمن الذي صنع التابوت من آل فرعون اسمه خربيل، وقيل: إنّه كان من بردي فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ يعني نهر النيل فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يعني شاطئ النهر، لفظه أمر ومعناه خبر مجازه: حتى يلقيه اليمّ بالساحل يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ يعني فرعون، فاتّخذت تابوتا وجعلت فيه قطنا محلوجا، ووضعت فيه موسى، وقيّرت رأسه وخصاصه- يعني شقوقه- ثمّ ألقته في النّيل، وكان يشرع منه نهر كبير في دار فرعون، فبينا هو جالس على رأس البركة مع امرأته آسية إذا بتابوت يجيء به الماء، فلمّا رأى ذلك أمر الغلمان والجواري بإخراجه فأخرجوه وفتحوا رأسه فإذا صبيّ من أصبح الناس وجها، فلمّا رآه فرعون أحبّه بحيث لم يتمالك، فذلك قوله سبحانه وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي قال ابن عباس: أحبّه وحبّبه إلى خلقه، قال عطيّة العوفي: جعل عليه مسحة من جمال لا تكاد يصبر عنه من رآه، قال قتادة: ملاحة كانت في عيني موسى، ما رآه أحد إلّا عشقه. وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي أي ولتربّى وتغذّى بمرأى ومنظر منّي إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ واسمها مريم متعرّفة خبره فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ يرضعه ويضمّه إليه، وذلك أنّه كان لا يقبل ثدي امرأة، فلمّا قالت لهم أخته ذلك قالوا: نعم، فجاءت بالأمّ فقبل ثديها فذلك قوله فَرَجَعْناكَ فرددناك إِلى أُمِّكَ. وفي مصحف أبي فرددناك إلى أمّك كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها بلقائك وبقائك وَلا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْساً قال ابن عباس: قتل قبطيا كافرا. قال كعب الأحبار: كان إذ ذاك ابن اثنتي عشرة سنة فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ أي من غمّ القتل وكربته وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً. قال ابن عباس: اختبرناك اختبارا. وقال الضحّاك وقتادة ومقاتل، ابتليناك ابتلاء. وقال مجاهد: أخلصناك إخلاصا فَلَبِثْتَ سِنِينَ [[في نسخة أصفهان زيادة: فمكثت.]] يعني عشر سنين فِي أَهْلِ مَدْيَنَ وهي بلدة شعيب على ثلاث [[في نسخة أصفهان: ثمان.]] مراحل من مصر، قال وهب: لبث عند شعيب ثمان وعشرين سنة، عشر سنين منها مهر امرأته صفيرا بنت شعيب وثماني عشرة سنة أقام عنده حتى ولد له. ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى. قال مقاتل: على موعد، قال محمد بن كعب: ثم جئت على القدر الذي قدّرت أنك تجيء. قال عبد الرّحمن بن كيسان: على رأس أربعين سنة وهو القدر الذي يوحي فيه إلى الأنبياء [[في الثانية محمد بن كعب ثم جئت على القدر الذي يوحى فيه إلى الأنبياء.]] ، قال الكلبي: وافق الكلام عند الشجرة. وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي اخترتك واصطفيتك واختصصتك [[في نسخة أصفهان زيادة: لنفسي.]] بالرسالة أو النبوّة اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي اليد والعصا وَلا تَنِيا قال ابن عباس: لا تضعفا، وقال السدّي: لا تفترا، وقال محمد بن كعب: لا تقصّرا. وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: لا تبطئا، وفي قراءة ابن مسعود: ولا تهنا. اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى. فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً قال ابن عباس: لا تعنّفا في قولكما ولا تغلّظا، وقال السدّي وعكرمة: كنّياه قولا له: يا أبا العباس، وقيل: يا أبا الوليد. وقال مقاتل: يعني بالقول اللين هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى. وقال أهل المعاني: معناه الطفا له في قولكما فإنّه ربّاك وأحسن تربيتك وله عليك حقّ الأبوّة فلا تجبهه بمكروه في أوّل قدومك عليه، يقال: وعده على قبول الإيمان شبابا لا يهرم وملكا لا ينزع عنه إلّا بالموت، ويبقى عليه لذّة المطعم والمشرب والمنكح إلى حين موته. قال المفسّرون: وكان هارون يومئذ بمصر فأمر الله عزّ وجلّ أن يأتي هو وهارون، وأوحى إلى هارون وهو بمصر أن يتلقى موسى فتلقّاه إلى مرحلة وأخبره بما أوحي إليه فقال له موسى: إن الله سبحانه أمرني أن آتي فرعون فسألت ربّي عزّ وجلّ أن يجعلك معي. وقوله لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى أي يسلم. فإن قيل: كيف قال: لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى وعلمه سابق في فرعون أنّه لا يتذكّر ولا يخشى؟. قال الحسين [[في نسخة أصفهان: الحسن.]] بن الفضل: هو مصروف إلى غير فرعون، ومجازه: لكي يتذكّر متذكّر أو يخشى خاش إذا رأى برّي وإلطافي بمن خلقته ورزقته، وصححت جسمه وأنعمت عليه ثم ادّعى الربوبية دوني. وقال أبو بكر محمد بن عمر الورّاق: لعلّ هاهنا من الله واجب، ولقد تذكّر فرعون حيث لم تنفعه الذكرى والخشية، وذلك قوله حين ألجمه الغرق في البحر آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ [[يونس: 90.]] . سمعت أبا القاسم الحسن بن محمد بن حبيب يقول: سمعت أبي يقول سمعت علىّ [[في نسخة أصفهان: محمد بن حبيب يقول: سمعت علي.]] بن محمد الوراق يقول: سمعت يحيى بن معاذ الرازي يقول- وقرأ هذه الآية-: هذا رفقك بمن يقول: أنا الإله، فكيف رفقك بمن يقول: أنت الإله؟ قال أبو القاسم الحسين [[في نسخة أصفهان: الحسين.]] فبنيت عليه ألفاظا اقتديت به فيها فقلت: هذا رفقك بمن ينافيك فكيف رفقك بمن يصافيك؟ هذا رفقك بمن يعاديك فكيف رفقك بمن يواليك؟ هذا رفقك بمن يسبّك فكيف رفقك بمن يحبّك؟ هذا رفقك بمن يقول لك ندّا فكيف رفقك بمن يقول فردا؟ هذا رفقك بمن ضلّ فكيف رفقك بمن ذل [[في نسخة أصفهان زيادة: هذا رفقك بمن استكبر فكيف رفقك بمن استغفر؟]] هذا رفقك بمن اقترف فكيف رفقك بمن اعترف؟ هذا رفقك بمن أصرّ فكيف رفقك بمن أقرّ؟ هذا رفقك بمن استكبر فكيف رفقك بمن استغفر؟ قالا يعني موسى وهارون رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا. قال ابن عباس: يعجّل بالقتل والعقوبة، وقال الضحّاك: تجاوز الحدّ، وقيل: يغلبنا أَوْ أَنْ يَطْغى يتكبّر ويستعصي علينا. قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما بالدفع عنكما أَسْمَعُ قولكما وقوله وَأَرى فعله وفعلكما فَأْتِياهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ أي ولا تتعبهم في العمل، وكانت بنو إسرائيل عند آل فرعون في عذاب شديد يقتل أبناءهم ويستخدم نساءهم ويكلفهم من العمل واللبن والطين وبناء المدائن ما لا يقدرون عليه. قال موسى قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ قال فرعون: وما هي؟ قال: فأدخل يده في جيب قميصه ثمّ أخرجها فإذا هي بيضاء لها شعاع كشعاع الشمس، غلبت نور الشمس، فعجب منها ولم يره العصا إلّا بعد ذلك يوم الزينة. وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى يعني من أسلم إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ أنبياء الله وَتَوَلَّى أعرض عن الإيمان، ورأيت في بعض التفاسير أنّ هذه أرجى آية للموحّدين في القرآن. قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى يعني يا موسى وهارون فذكر موسى دون هارون لرؤوس الآي. قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ قال الحسين وقتادة: أعطى كلّ شيء صلاحه وهداه لما يصلحه. وقال مجاهد: لم يجعل الإنسان في خلق البهائم، ولا خلق البهائم في خلق الإنسان، ولكن خلق كلّ شي فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً. وقال عطيّة: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ يعني صورته. وقال الضحّاك: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ، يعني اليد للبطش والرجل للمشي واللسان للنطق والعين للبصر والأذن للسمع. وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا عبد الرّحمن بن محمد الزهري قال: حدّثنا أحمد ابن سعيد قال: حدّثنا سعيد بن سليمان عن إسماعيل بن زكريا عن إسماعيل بن أبي صالح، أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى قال: هداه لمعيشته. وقال ابن عباس وسعيد بن جبير: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ يعني شكله، للإنسان الزوجة وللبعير الناقة وللفرس الرمكة وللحمار الأتان ثُمَّ هَدى أي عرّف وعلّم وألهم كيف يأتي الذكر الأنثى في النكاح [[في نسخة أصفهان: قوله: أي عرّف.... النكاح تأتي بعد قوله: على الفعل.]] . وقرأ نصير خَلَقَهُ بفتح اللام على الفعل. قالَ فرعون فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى وإنّما قال هذا فرعون لموسى حين قال موسى: إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ، فقال فرعون حينئذ له: فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى التي ذكرت؟ ف قالَ موسى عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ يعني اللوح المحفوظ، وإنّما ردّ موسى علم ذلك إلى الله سبحانه لأنّه لم يعلم ذلك، وإنّما نزلت التوراة عليه بعد هلاك فرعون وقومه لا يَضِلُّ رَبِّي أي لا يخطئ وَلا يَنْسى فيتذكّر، وقال مجاهد: هما شيء واحد.

طه 20:48

اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى عصى وعلا وتكبّر وكفر، فادعه إلى عبادتي، واعلم بأنّي قد ربطت [[في نسخة أصفهان: ورطت وكذا في الموضع الآتي.]] على قلبه، قال: فكيف تأمرني أن آتيه وقد ربطت على قلبه؟ فأتاه ملك من خزّان الريح فقال: انطلق، فإنّا اثنا عشر من خزّان الريح منذ خلقنا الله سبحانه نحن في هذا فما علمناه، فامض لأمر الله، فقال موسى عند ذلك رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وسّع وليّن قلبي بالإيمان والنبوّة وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وسهّل عليّ ما أمرتني به من تبليغ الرسالة إلى فرعون وَاحْلُلْ وابسط وافتح عُقْدَةً مِنْ لِسانِي قال ابن عباس: كانت في لسانه رتّة، وذلك أنّه كان في حجر فرعون ذات يوم فلطمه لطمة وأخذ بلحيته فقال فرعون لآسية امرأته: انّ هذا عدوّي، فقالت آسية: على رسلك إنّه صبي لا يفرّق بين الأشياء ولا يميّز، ثم جاءت بطستين فجعلت في أحدهما الجمر وفي الأخرى الجوهر ووضعتهما بين يدي موسى، فأخذ جبرئيل بيد موسى فوضعها على النار حتى رفع جمرة ووضعها على لسانه فتلك الرتّة يَفْقَهُوا قَوْلِي كي يفهموا كلامي وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً معينا وظهيرا مِنْ أَهْلِي ثمّ بين من هو فقال هارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي قوّ به ظهري وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي يعني النبوّة وتبليغ الرسالة كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً نصلّي لك وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً. وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق وابن عامر: اشْدِدْ بِهِ أَزْرِي بفتح الألف وَأُشْرُكْهُ بضم الألف على الجزاء والجواب حكاية عن موسى أنّي أفعل ذلك، قال الله سبحانه قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى قد أعطيت مرادك وسؤالك يا موسى. وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى قبل هذا وهي إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ وحي إلهام مثل وحي النحل ما يُوحى أَنِ اقْذِفِيهِ أن اجعليه فِي التَّابُوتِ. قال مقاتل: والمؤمن الذي صنع التابوت من آل فرعون اسمه خربيل، وقيل: إنّه كان من بردي فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ يعني نهر النيل فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يعني شاطئ النهر، لفظه أمر ومعناه خبر مجازه: حتى يلقيه اليمّ بالساحل يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ يعني فرعون، فاتّخذت تابوتا وجعلت فيه قطنا محلوجا، ووضعت فيه موسى، وقيّرت رأسه وخصاصه- يعني شقوقه- ثمّ ألقته في النّيل، وكان يشرع منه نهر كبير في دار فرعون، فبينا هو جالس على رأس البركة مع امرأته آسية إذا بتابوت يجيء به الماء، فلمّا رأى ذلك أمر الغلمان والجواري بإخراجه فأخرجوه وفتحوا رأسه فإذا صبيّ من أصبح الناس وجها، فلمّا رآه فرعون أحبّه بحيث لم يتمالك، فذلك قوله سبحانه وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي قال ابن عباس: أحبّه وحبّبه إلى خلقه، قال عطيّة العوفي: جعل عليه مسحة من جمال لا تكاد يصبر عنه من رآه، قال قتادة: ملاحة كانت في عيني موسى، ما رآه أحد إلّا عشقه. وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي أي ولتربّى وتغذّى بمرأى ومنظر منّي إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ واسمها مريم متعرّفة خبره فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ يرضعه ويضمّه إليه، وذلك أنّه كان لا يقبل ثدي امرأة، فلمّا قالت لهم أخته ذلك قالوا: نعم، فجاءت بالأمّ فقبل ثديها فذلك قوله فَرَجَعْناكَ فرددناك إِلى أُمِّكَ. وفي مصحف أبي فرددناك إلى أمّك كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها بلقائك وبقائك وَلا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْساً قال ابن عباس: قتل قبطيا كافرا. قال كعب الأحبار: كان إذ ذاك ابن اثنتي عشرة سنة فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ أي من غمّ القتل وكربته وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً. قال ابن عباس: اختبرناك اختبارا. وقال الضحّاك وقتادة ومقاتل، ابتليناك ابتلاء. وقال مجاهد: أخلصناك إخلاصا فَلَبِثْتَ سِنِينَ [[في نسخة أصفهان زيادة: فمكثت.]] يعني عشر سنين فِي أَهْلِ مَدْيَنَ وهي بلدة شعيب على ثلاث [[في نسخة أصفهان: ثمان.]] مراحل من مصر، قال وهب: لبث عند شعيب ثمان وعشرين سنة، عشر سنين منها مهر امرأته صفيرا بنت شعيب وثماني عشرة سنة أقام عنده حتى ولد له. ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى. قال مقاتل: على موعد، قال محمد بن كعب: ثم جئت على القدر الذي قدّرت أنك تجيء. قال عبد الرّحمن بن كيسان: على رأس أربعين سنة وهو القدر الذي يوحي فيه إلى الأنبياء [[في الثانية محمد بن كعب ثم جئت على القدر الذي يوحى فيه إلى الأنبياء.]] ، قال الكلبي: وافق الكلام عند الشجرة. وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي اخترتك واصطفيتك واختصصتك [[في نسخة أصفهان زيادة: لنفسي.]] بالرسالة أو النبوّة اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي اليد والعصا وَلا تَنِيا قال ابن عباس: لا تضعفا، وقال السدّي: لا تفترا، وقال محمد بن كعب: لا تقصّرا. وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: لا تبطئا، وفي قراءة ابن مسعود: ولا تهنا. اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى. فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً قال ابن عباس: لا تعنّفا في قولكما ولا تغلّظا، وقال السدّي وعكرمة: كنّياه قولا له: يا أبا العباس، وقيل: يا أبا الوليد. وقال مقاتل: يعني بالقول اللين هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى. وقال أهل المعاني: معناه الطفا له في قولكما فإنّه ربّاك وأحسن تربيتك وله عليك حقّ الأبوّة فلا تجبهه بمكروه في أوّل قدومك عليه، يقال: وعده على قبول الإيمان شبابا لا يهرم وملكا لا ينزع عنه إلّا بالموت، ويبقى عليه لذّة المطعم والمشرب والمنكح إلى حين موته. قال المفسّرون: وكان هارون يومئذ بمصر فأمر الله عزّ وجلّ أن يأتي هو وهارون، وأوحى إلى هارون وهو بمصر أن يتلقى موسى فتلقّاه إلى مرحلة وأخبره بما أوحي إليه فقال له موسى: إن الله سبحانه أمرني أن آتي فرعون فسألت ربّي عزّ وجلّ أن يجعلك معي. وقوله لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى أي يسلم. فإن قيل: كيف قال: لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى وعلمه سابق في فرعون أنّه لا يتذكّر ولا يخشى؟. قال الحسين [[في نسخة أصفهان: الحسن.]] بن الفضل: هو مصروف إلى غير فرعون، ومجازه: لكي يتذكّر متذكّر أو يخشى خاش إذا رأى برّي وإلطافي بمن خلقته ورزقته، وصححت جسمه وأنعمت عليه ثم ادّعى الربوبية دوني. وقال أبو بكر محمد بن عمر الورّاق: لعلّ هاهنا من الله واجب، ولقد تذكّر فرعون حيث لم تنفعه الذكرى والخشية، وذلك قوله حين ألجمه الغرق في البحر آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ [[يونس: 90.]] . سمعت أبا القاسم الحسن بن محمد بن حبيب يقول: سمعت أبي يقول سمعت علىّ [[في نسخة أصفهان: محمد بن حبيب يقول: سمعت علي.]] بن محمد الوراق يقول: سمعت يحيى بن معاذ الرازي يقول- وقرأ هذه الآية-: هذا رفقك بمن يقول: أنا الإله، فكيف رفقك بمن يقول: أنت الإله؟ قال أبو القاسم الحسين [[في نسخة أصفهان: الحسين.]] فبنيت عليه ألفاظا اقتديت به فيها فقلت: هذا رفقك بمن ينافيك فكيف رفقك بمن يصافيك؟ هذا رفقك بمن يعاديك فكيف رفقك بمن يواليك؟ هذا رفقك بمن يسبّك فكيف رفقك بمن يحبّك؟ هذا رفقك بمن يقول لك ندّا فكيف رفقك بمن يقول فردا؟ هذا رفقك بمن ضلّ فكيف رفقك بمن ذل [[في نسخة أصفهان زيادة: هذا رفقك بمن استكبر فكيف رفقك بمن استغفر؟]] هذا رفقك بمن اقترف فكيف رفقك بمن اعترف؟ هذا رفقك بمن أصرّ فكيف رفقك بمن أقرّ؟ هذا رفقك بمن استكبر فكيف رفقك بمن استغفر؟ قالا يعني موسى وهارون رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا. قال ابن عباس: يعجّل بالقتل والعقوبة، وقال الضحّاك: تجاوز الحدّ، وقيل: يغلبنا أَوْ أَنْ يَطْغى يتكبّر ويستعصي علينا. قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما بالدفع عنكما أَسْمَعُ قولكما وقوله وَأَرى فعله وفعلكما فَأْتِياهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ أي ولا تتعبهم في العمل، وكانت بنو إسرائيل عند آل فرعون في عذاب شديد يقتل أبناءهم ويستخدم نساءهم ويكلفهم من العمل واللبن والطين وبناء المدائن ما لا يقدرون عليه. قال موسى قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ قال فرعون: وما هي؟ قال: فأدخل يده في جيب قميصه ثمّ أخرجها فإذا هي بيضاء لها شعاع كشعاع الشمس، غلبت نور الشمس، فعجب منها ولم يره العصا إلّا بعد ذلك يوم الزينة. وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى يعني من أسلم إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ أنبياء الله وَتَوَلَّى أعرض عن الإيمان، ورأيت في بعض التفاسير أنّ هذه أرجى آية للموحّدين في القرآن. قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى يعني يا موسى وهارون فذكر موسى دون هارون لرؤوس الآي. قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ قال الحسين وقتادة: أعطى كلّ شيء صلاحه وهداه لما يصلحه. وقال مجاهد: لم يجعل الإنسان في خلق البهائم، ولا خلق البهائم في خلق الإنسان، ولكن خلق كلّ شي فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً. وقال عطيّة: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ يعني صورته. وقال الضحّاك: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ، يعني اليد للبطش والرجل للمشي واللسان للنطق والعين للبصر والأذن للسمع. وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا عبد الرّحمن بن محمد الزهري قال: حدّثنا أحمد ابن سعيد قال: حدّثنا سعيد بن سليمان عن إسماعيل بن زكريا عن إسماعيل بن أبي صالح، أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى قال: هداه لمعيشته. وقال ابن عباس وسعيد بن جبير: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ يعني شكله، للإنسان الزوجة وللبعير الناقة وللفرس الرمكة وللحمار الأتان ثُمَّ هَدى أي عرّف وعلّم وألهم كيف يأتي الذكر الأنثى في النكاح [[في نسخة أصفهان: قوله: أي عرّف.... النكاح تأتي بعد قوله: على الفعل.]] . وقرأ نصير خَلَقَهُ بفتح اللام على الفعل. قالَ فرعون فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى وإنّما قال هذا فرعون لموسى حين قال موسى: إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ، فقال فرعون حينئذ له: فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى التي ذكرت؟ ف قالَ موسى عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ يعني اللوح المحفوظ، وإنّما ردّ موسى علم ذلك إلى الله سبحانه لأنّه لم يعلم ذلك، وإنّما نزلت التوراة عليه بعد هلاك فرعون وقومه لا يَضِلُّ رَبِّي أي لا يخطئ وَلا يَنْسى فيتذكّر، وقال مجاهد: هما شيء واحد.

طه 20:49

اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى عصى وعلا وتكبّر وكفر، فادعه إلى عبادتي، واعلم بأنّي قد ربطت [[في نسخة أصفهان: ورطت وكذا في الموضع الآتي.]] على قلبه، قال: فكيف تأمرني أن آتيه وقد ربطت على قلبه؟ فأتاه ملك من خزّان الريح فقال: انطلق، فإنّا اثنا عشر من خزّان الريح منذ خلقنا الله سبحانه نحن في هذا فما علمناه، فامض لأمر الله، فقال موسى عند ذلك رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وسّع وليّن قلبي بالإيمان والنبوّة وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وسهّل عليّ ما أمرتني به من تبليغ الرسالة إلى فرعون وَاحْلُلْ وابسط وافتح عُقْدَةً مِنْ لِسانِي قال ابن عباس: كانت في لسانه رتّة، وذلك أنّه كان في حجر فرعون ذات يوم فلطمه لطمة وأخذ بلحيته فقال فرعون لآسية امرأته: انّ هذا عدوّي، فقالت آسية: على رسلك إنّه صبي لا يفرّق بين الأشياء ولا يميّز، ثم جاءت بطستين فجعلت في أحدهما الجمر وفي الأخرى الجوهر ووضعتهما بين يدي موسى، فأخذ جبرئيل بيد موسى فوضعها على النار حتى رفع جمرة ووضعها على لسانه فتلك الرتّة يَفْقَهُوا قَوْلِي كي يفهموا كلامي وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً معينا وظهيرا مِنْ أَهْلِي ثمّ بين من هو فقال هارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي قوّ به ظهري وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي يعني النبوّة وتبليغ الرسالة كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً نصلّي لك وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً. وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق وابن عامر: اشْدِدْ بِهِ أَزْرِي بفتح الألف وَأُشْرُكْهُ بضم الألف على الجزاء والجواب حكاية عن موسى أنّي أفعل ذلك، قال الله سبحانه قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى قد أعطيت مرادك وسؤالك يا موسى. وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى قبل هذا وهي إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ وحي إلهام مثل وحي النحل ما يُوحى أَنِ اقْذِفِيهِ أن اجعليه فِي التَّابُوتِ. قال مقاتل: والمؤمن الذي صنع التابوت من آل فرعون اسمه خربيل، وقيل: إنّه كان من بردي فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ يعني نهر النيل فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يعني شاطئ النهر، لفظه أمر ومعناه خبر مجازه: حتى يلقيه اليمّ بالساحل يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ يعني فرعون، فاتّخذت تابوتا وجعلت فيه قطنا محلوجا، ووضعت فيه موسى، وقيّرت رأسه وخصاصه- يعني شقوقه- ثمّ ألقته في النّيل، وكان يشرع منه نهر كبير في دار فرعون، فبينا هو جالس على رأس البركة مع امرأته آسية إذا بتابوت يجيء به الماء، فلمّا رأى ذلك أمر الغلمان والجواري بإخراجه فأخرجوه وفتحوا رأسه فإذا صبيّ من أصبح الناس وجها، فلمّا رآه فرعون أحبّه بحيث لم يتمالك، فذلك قوله سبحانه وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي قال ابن عباس: أحبّه وحبّبه إلى خلقه، قال عطيّة العوفي: جعل عليه مسحة من جمال لا تكاد يصبر عنه من رآه، قال قتادة: ملاحة كانت في عيني موسى، ما رآه أحد إلّا عشقه. وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي أي ولتربّى وتغذّى بمرأى ومنظر منّي إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ واسمها مريم متعرّفة خبره فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ يرضعه ويضمّه إليه، وذلك أنّه كان لا يقبل ثدي امرأة، فلمّا قالت لهم أخته ذلك قالوا: نعم، فجاءت بالأمّ فقبل ثديها فذلك قوله فَرَجَعْناكَ فرددناك إِلى أُمِّكَ. وفي مصحف أبي فرددناك إلى أمّك كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها بلقائك وبقائك وَلا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْساً قال ابن عباس: قتل قبطيا كافرا. قال كعب الأحبار: كان إذ ذاك ابن اثنتي عشرة سنة فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ أي من غمّ القتل وكربته وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً. قال ابن عباس: اختبرناك اختبارا. وقال الضحّاك وقتادة ومقاتل، ابتليناك ابتلاء. وقال مجاهد: أخلصناك إخلاصا فَلَبِثْتَ سِنِينَ [[في نسخة أصفهان زيادة: فمكثت.]] يعني عشر سنين فِي أَهْلِ مَدْيَنَ وهي بلدة شعيب على ثلاث [[في نسخة أصفهان: ثمان.]] مراحل من مصر، قال وهب: لبث عند شعيب ثمان وعشرين سنة، عشر سنين منها مهر امرأته صفيرا بنت شعيب وثماني عشرة سنة أقام عنده حتى ولد له. ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى. قال مقاتل: على موعد، قال محمد بن كعب: ثم جئت على القدر الذي قدّرت أنك تجيء. قال عبد الرّحمن بن كيسان: على رأس أربعين سنة وهو القدر الذي يوحي فيه إلى الأنبياء [[في الثانية محمد بن كعب ثم جئت على القدر الذي يوحى فيه إلى الأنبياء.]] ، قال الكلبي: وافق الكلام عند الشجرة. وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي اخترتك واصطفيتك واختصصتك [[في نسخة أصفهان زيادة: لنفسي.]] بالرسالة أو النبوّة اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي اليد والعصا وَلا تَنِيا قال ابن عباس: لا تضعفا، وقال السدّي: لا تفترا، وقال محمد بن كعب: لا تقصّرا. وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: لا تبطئا، وفي قراءة ابن مسعود: ولا تهنا. اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى. فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً قال ابن عباس: لا تعنّفا في قولكما ولا تغلّظا، وقال السدّي وعكرمة: كنّياه قولا له: يا أبا العباس، وقيل: يا أبا الوليد. وقال مقاتل: يعني بالقول اللين هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى. وقال أهل المعاني: معناه الطفا له في قولكما فإنّه ربّاك وأحسن تربيتك وله عليك حقّ الأبوّة فلا تجبهه بمكروه في أوّل قدومك عليه، يقال: وعده على قبول الإيمان شبابا لا يهرم وملكا لا ينزع عنه إلّا بالموت، ويبقى عليه لذّة المطعم والمشرب والمنكح إلى حين موته. قال المفسّرون: وكان هارون يومئذ بمصر فأمر الله عزّ وجلّ أن يأتي هو وهارون، وأوحى إلى هارون وهو بمصر أن يتلقى موسى فتلقّاه إلى مرحلة وأخبره بما أوحي إليه فقال له موسى: إن الله سبحانه أمرني أن آتي فرعون فسألت ربّي عزّ وجلّ أن يجعلك معي. وقوله لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى أي يسلم. فإن قيل: كيف قال: لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى وعلمه سابق في فرعون أنّه لا يتذكّر ولا يخشى؟. قال الحسين [[في نسخة أصفهان: الحسن.]] بن الفضل: هو مصروف إلى غير فرعون، ومجازه: لكي يتذكّر متذكّر أو يخشى خاش إذا رأى برّي وإلطافي بمن خلقته ورزقته، وصححت جسمه وأنعمت عليه ثم ادّعى الربوبية دوني. وقال أبو بكر محمد بن عمر الورّاق: لعلّ هاهنا من الله واجب، ولقد تذكّر فرعون حيث لم تنفعه الذكرى والخشية، وذلك قوله حين ألجمه الغرق في البحر آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ [[يونس: 90.]] . سمعت أبا القاسم الحسن بن محمد بن حبيب يقول: سمعت أبي يقول سمعت علىّ [[في نسخة أصفهان: محمد بن حبيب يقول: سمعت علي.]] بن محمد الوراق يقول: سمعت يحيى بن معاذ الرازي يقول- وقرأ هذه الآية-: هذا رفقك بمن يقول: أنا الإله، فكيف رفقك بمن يقول: أنت الإله؟ قال أبو القاسم الحسين [[في نسخة أصفهان: الحسين.]] فبنيت عليه ألفاظا اقتديت به فيها فقلت: هذا رفقك بمن ينافيك فكيف رفقك بمن يصافيك؟ هذا رفقك بمن يعاديك فكيف رفقك بمن يواليك؟ هذا رفقك بمن يسبّك فكيف رفقك بمن يحبّك؟ هذا رفقك بمن يقول لك ندّا فكيف رفقك بمن يقول فردا؟ هذا رفقك بمن ضلّ فكيف رفقك بمن ذل [[في نسخة أصفهان زيادة: هذا رفقك بمن استكبر فكيف رفقك بمن استغفر؟]] هذا رفقك بمن اقترف فكيف رفقك بمن اعترف؟ هذا رفقك بمن أصرّ فكيف رفقك بمن أقرّ؟ هذا رفقك بمن استكبر فكيف رفقك بمن استغفر؟ قالا يعني موسى وهارون رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا. قال ابن عباس: يعجّل بالقتل والعقوبة، وقال الضحّاك: تجاوز الحدّ، وقيل: يغلبنا أَوْ أَنْ يَطْغى يتكبّر ويستعصي علينا. قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما بالدفع عنكما أَسْمَعُ قولكما وقوله وَأَرى فعله وفعلكما فَأْتِياهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ أي ولا تتعبهم في العمل، وكانت بنو إسرائيل عند آل فرعون في عذاب شديد يقتل أبناءهم ويستخدم نساءهم ويكلفهم من العمل واللبن والطين وبناء المدائن ما لا يقدرون عليه. قال موسى قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ قال فرعون: وما هي؟ قال: فأدخل يده في جيب قميصه ثمّ أخرجها فإذا هي بيضاء لها شعاع كشعاع الشمس، غلبت نور الشمس، فعجب منها ولم يره العصا إلّا بعد ذلك يوم الزينة. وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى يعني من أسلم إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ أنبياء الله وَتَوَلَّى أعرض عن الإيمان، ورأيت في بعض التفاسير أنّ هذه أرجى آية للموحّدين في القرآن. قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى يعني يا موسى وهارون فذكر موسى دون هارون لرؤوس الآي. قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ قال الحسين وقتادة: أعطى كلّ شيء صلاحه وهداه لما يصلحه. وقال مجاهد: لم يجعل الإنسان في خلق البهائم، ولا خلق البهائم في خلق الإنسان، ولكن خلق كلّ شي فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً. وقال عطيّة: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ يعني صورته. وقال الضحّاك: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ، يعني اليد للبطش والرجل للمشي واللسان للنطق والعين للبصر والأذن للسمع. وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا عبد الرّحمن بن محمد الزهري قال: حدّثنا أحمد ابن سعيد قال: حدّثنا سعيد بن سليمان عن إسماعيل بن زكريا عن إسماعيل بن أبي صالح، أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى قال: هداه لمعيشته. وقال ابن عباس وسعيد بن جبير: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ يعني شكله، للإنسان الزوجة وللبعير الناقة وللفرس الرمكة وللحمار الأتان ثُمَّ هَدى أي عرّف وعلّم وألهم كيف يأتي الذكر الأنثى في النكاح [[في نسخة أصفهان: قوله: أي عرّف.... النكاح تأتي بعد قوله: على الفعل.]] . وقرأ نصير خَلَقَهُ بفتح اللام على الفعل. قالَ فرعون فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى وإنّما قال هذا فرعون لموسى حين قال موسى: إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ، فقال فرعون حينئذ له: فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى التي ذكرت؟ ف قالَ موسى عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ يعني اللوح المحفوظ، وإنّما ردّ موسى علم ذلك إلى الله سبحانه لأنّه لم يعلم ذلك، وإنّما نزلت التوراة عليه بعد هلاك فرعون وقومه لا يَضِلُّ رَبِّي أي لا يخطئ وَلا يَنْسى فيتذكّر، وقال مجاهد: هما شيء واحد.

طه 20:50

اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى عصى وعلا وتكبّر وكفر، فادعه إلى عبادتي، واعلم بأنّي قد ربطت [[في نسخة أصفهان: ورطت وكذا في الموضع الآتي.]] على قلبه، قال: فكيف تأمرني أن آتيه وقد ربطت على قلبه؟ فأتاه ملك من خزّان الريح فقال: انطلق، فإنّا اثنا عشر من خزّان الريح منذ خلقنا الله سبحانه نحن في هذا فما علمناه، فامض لأمر الله، فقال موسى عند ذلك رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وسّع وليّن قلبي بالإيمان والنبوّة وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وسهّل عليّ ما أمرتني به من تبليغ الرسالة إلى فرعون وَاحْلُلْ وابسط وافتح عُقْدَةً مِنْ لِسانِي قال ابن عباس: كانت في لسانه رتّة، وذلك أنّه كان في حجر فرعون ذات يوم فلطمه لطمة وأخذ بلحيته فقال فرعون لآسية امرأته: انّ هذا عدوّي، فقالت آسية: على رسلك إنّه صبي لا يفرّق بين الأشياء ولا يميّز، ثم جاءت بطستين فجعلت في أحدهما الجمر وفي الأخرى الجوهر ووضعتهما بين يدي موسى، فأخذ جبرئيل بيد موسى فوضعها على النار حتى رفع جمرة ووضعها على لسانه فتلك الرتّة يَفْقَهُوا قَوْلِي كي يفهموا كلامي وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً معينا وظهيرا مِنْ أَهْلِي ثمّ بين من هو فقال هارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي قوّ به ظهري وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي يعني النبوّة وتبليغ الرسالة كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً نصلّي لك وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً. وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق وابن عامر: اشْدِدْ بِهِ أَزْرِي بفتح الألف وَأُشْرُكْهُ بضم الألف على الجزاء والجواب حكاية عن موسى أنّي أفعل ذلك، قال الله سبحانه قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى قد أعطيت مرادك وسؤالك يا موسى. وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى قبل هذا وهي إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ وحي إلهام مثل وحي النحل ما يُوحى أَنِ اقْذِفِيهِ أن اجعليه فِي التَّابُوتِ. قال مقاتل: والمؤمن الذي صنع التابوت من آل فرعون اسمه خربيل، وقيل: إنّه كان من بردي فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ يعني نهر النيل فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يعني شاطئ النهر، لفظه أمر ومعناه خبر مجازه: حتى يلقيه اليمّ بالساحل يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ يعني فرعون، فاتّخذت تابوتا وجعلت فيه قطنا محلوجا، ووضعت فيه موسى، وقيّرت رأسه وخصاصه- يعني شقوقه- ثمّ ألقته في النّيل، وكان يشرع منه نهر كبير في دار فرعون، فبينا هو جالس على رأس البركة مع امرأته آسية إذا بتابوت يجيء به الماء، فلمّا رأى ذلك أمر الغلمان والجواري بإخراجه فأخرجوه وفتحوا رأسه فإذا صبيّ من أصبح الناس وجها، فلمّا رآه فرعون أحبّه بحيث لم يتمالك، فذلك قوله سبحانه وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي قال ابن عباس: أحبّه وحبّبه إلى خلقه، قال عطيّة العوفي: جعل عليه مسحة من جمال لا تكاد يصبر عنه من رآه، قال قتادة: ملاحة كانت في عيني موسى، ما رآه أحد إلّا عشقه. وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي أي ولتربّى وتغذّى بمرأى ومنظر منّي إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ واسمها مريم متعرّفة خبره فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ يرضعه ويضمّه إليه، وذلك أنّه كان لا يقبل ثدي امرأة، فلمّا قالت لهم أخته ذلك قالوا: نعم، فجاءت بالأمّ فقبل ثديها فذلك قوله فَرَجَعْناكَ فرددناك إِلى أُمِّكَ. وفي مصحف أبي فرددناك إلى أمّك كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها بلقائك وبقائك وَلا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْساً قال ابن عباس: قتل قبطيا كافرا. قال كعب الأحبار: كان إذ ذاك ابن اثنتي عشرة سنة فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ أي من غمّ القتل وكربته وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً. قال ابن عباس: اختبرناك اختبارا. وقال الضحّاك وقتادة ومقاتل، ابتليناك ابتلاء. وقال مجاهد: أخلصناك إخلاصا فَلَبِثْتَ سِنِينَ [[في نسخة أصفهان زيادة: فمكثت.]] يعني عشر سنين فِي أَهْلِ مَدْيَنَ وهي بلدة شعيب على ثلاث [[في نسخة أصفهان: ثمان.]] مراحل من مصر، قال وهب: لبث عند شعيب ثمان وعشرين سنة، عشر سنين منها مهر امرأته صفيرا بنت شعيب وثماني عشرة سنة أقام عنده حتى ولد له. ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى. قال مقاتل: على موعد، قال محمد بن كعب: ثم جئت على القدر الذي قدّرت أنك تجيء. قال عبد الرّحمن بن كيسان: على رأس أربعين سنة وهو القدر الذي يوحي فيه إلى الأنبياء [[في الثانية محمد بن كعب ثم جئت على القدر الذي يوحى فيه إلى الأنبياء.]] ، قال الكلبي: وافق الكلام عند الشجرة. وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي اخترتك واصطفيتك واختصصتك [[في نسخة أصفهان زيادة: لنفسي.]] بالرسالة أو النبوّة اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي اليد والعصا وَلا تَنِيا قال ابن عباس: لا تضعفا، وقال السدّي: لا تفترا، وقال محمد بن كعب: لا تقصّرا. وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: لا تبطئا، وفي قراءة ابن مسعود: ولا تهنا. اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى. فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً قال ابن عباس: لا تعنّفا في قولكما ولا تغلّظا، وقال السدّي وعكرمة: كنّياه قولا له: يا أبا العباس، وقيل: يا أبا الوليد. وقال مقاتل: يعني بالقول اللين هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى. وقال أهل المعاني: معناه الطفا له في قولكما فإنّه ربّاك وأحسن تربيتك وله عليك حقّ الأبوّة فلا تجبهه بمكروه في أوّل قدومك عليه، يقال: وعده على قبول الإيمان شبابا لا يهرم وملكا لا ينزع عنه إلّا بالموت، ويبقى عليه لذّة المطعم والمشرب والمنكح إلى حين موته. قال المفسّرون: وكان هارون يومئذ بمصر فأمر الله عزّ وجلّ أن يأتي هو وهارون، وأوحى إلى هارون وهو بمصر أن يتلقى موسى فتلقّاه إلى مرحلة وأخبره بما أوحي إليه فقال له موسى: إن الله سبحانه أمرني أن آتي فرعون فسألت ربّي عزّ وجلّ أن يجعلك معي. وقوله لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى أي يسلم. فإن قيل: كيف قال: لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى وعلمه سابق في فرعون أنّه لا يتذكّر ولا يخشى؟. قال الحسين [[في نسخة أصفهان: الحسن.]] بن الفضل: هو مصروف إلى غير فرعون، ومجازه: لكي يتذكّر متذكّر أو يخشى خاش إذا رأى برّي وإلطافي بمن خلقته ورزقته، وصححت جسمه وأنعمت عليه ثم ادّعى الربوبية دوني. وقال أبو بكر محمد بن عمر الورّاق: لعلّ هاهنا من الله واجب، ولقد تذكّر فرعون حيث لم تنفعه الذكرى والخشية، وذلك قوله حين ألجمه الغرق في البحر آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ [[يونس: 90.]] . سمعت أبا القاسم الحسن بن محمد بن حبيب يقول: سمعت أبي يقول سمعت علىّ [[في نسخة أصفهان: محمد بن حبيب يقول: سمعت علي.]] بن محمد الوراق يقول: سمعت يحيى بن معاذ الرازي يقول- وقرأ هذه الآية-: هذا رفقك بمن يقول: أنا الإله، فكيف رفقك بمن يقول: أنت الإله؟ قال أبو القاسم الحسين [[في نسخة أصفهان: الحسين.]] فبنيت عليه ألفاظا اقتديت به فيها فقلت: هذا رفقك بمن ينافيك فكيف رفقك بمن يصافيك؟ هذا رفقك بمن يعاديك فكيف رفقك بمن يواليك؟ هذا رفقك بمن يسبّك فكيف رفقك بمن يحبّك؟ هذا رفقك بمن يقول لك ندّا فكيف رفقك بمن يقول فردا؟ هذا رفقك بمن ضلّ فكيف رفقك بمن ذل [[في نسخة أصفهان زيادة: هذا رفقك بمن استكبر فكيف رفقك بمن استغفر؟]] هذا رفقك بمن اقترف فكيف رفقك بمن اعترف؟ هذا رفقك بمن أصرّ فكيف رفقك بمن أقرّ؟ هذا رفقك بمن استكبر فكيف رفقك بمن استغفر؟ قالا يعني موسى وهارون رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا. قال ابن عباس: يعجّل بالقتل والعقوبة، وقال الضحّاك: تجاوز الحدّ، وقيل: يغلبنا أَوْ أَنْ يَطْغى يتكبّر ويستعصي علينا. قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما بالدفع عنكما أَسْمَعُ قولكما وقوله وَأَرى فعله وفعلكما فَأْتِياهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ أي ولا تتعبهم في العمل، وكانت بنو إسرائيل عند آل فرعون في عذاب شديد يقتل أبناءهم ويستخدم نساءهم ويكلفهم من العمل واللبن والطين وبناء المدائن ما لا يقدرون عليه. قال موسى قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ قال فرعون: وما هي؟ قال: فأدخل يده في جيب قميصه ثمّ أخرجها فإذا هي بيضاء لها شعاع كشعاع الشمس، غلبت نور الشمس، فعجب منها ولم يره العصا إلّا بعد ذلك يوم الزينة. وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى يعني من أسلم إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ أنبياء الله وَتَوَلَّى أعرض عن الإيمان، ورأيت في بعض التفاسير أنّ هذه أرجى آية للموحّدين في القرآن. قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى يعني يا موسى وهارون فذكر موسى دون هارون لرؤوس الآي. قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ قال الحسين وقتادة: أعطى كلّ شيء صلاحه وهداه لما يصلحه. وقال مجاهد: لم يجعل الإنسان في خلق البهائم، ولا خلق البهائم في خلق الإنسان، ولكن خلق كلّ شي فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً. وقال عطيّة: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ يعني صورته. وقال الضحّاك: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ، يعني اليد للبطش والرجل للمشي واللسان للنطق والعين للبصر والأذن للسمع. وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا عبد الرّحمن بن محمد الزهري قال: حدّثنا أحمد ابن سعيد قال: حدّثنا سعيد بن سليمان عن إسماعيل بن زكريا عن إسماعيل بن أبي صالح، أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى قال: هداه لمعيشته. وقال ابن عباس وسعيد بن جبير: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ يعني شكله، للإنسان الزوجة وللبعير الناقة وللفرس الرمكة وللحمار الأتان ثُمَّ هَدى أي عرّف وعلّم وألهم كيف يأتي الذكر الأنثى في النكاح [[في نسخة أصفهان: قوله: أي عرّف.... النكاح تأتي بعد قوله: على الفعل.]] . وقرأ نصير خَلَقَهُ بفتح اللام على الفعل. قالَ فرعون فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى وإنّما قال هذا فرعون لموسى حين قال موسى: إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ، فقال فرعون حينئذ له: فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى التي ذكرت؟ ف قالَ موسى عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ يعني اللوح المحفوظ، وإنّما ردّ موسى علم ذلك إلى الله سبحانه لأنّه لم يعلم ذلك، وإنّما نزلت التوراة عليه بعد هلاك فرعون وقومه لا يَضِلُّ رَبِّي أي لا يخطئ وَلا يَنْسى فيتذكّر، وقال مجاهد: هما شيء واحد.

طه 20:51

اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى عصى وعلا وتكبّر وكفر، فادعه إلى عبادتي، واعلم بأنّي قد ربطت [[في نسخة أصفهان: ورطت وكذا في الموضع الآتي.]] على قلبه، قال: فكيف تأمرني أن آتيه وقد ربطت على قلبه؟ فأتاه ملك من خزّان الريح فقال: انطلق، فإنّا اثنا عشر من خزّان الريح منذ خلقنا الله سبحانه نحن في هذا فما علمناه، فامض لأمر الله، فقال موسى عند ذلك رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وسّع وليّن قلبي بالإيمان والنبوّة وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وسهّل عليّ ما أمرتني به من تبليغ الرسالة إلى فرعون وَاحْلُلْ وابسط وافتح عُقْدَةً مِنْ لِسانِي قال ابن عباس: كانت في لسانه رتّة، وذلك أنّه كان في حجر فرعون ذات يوم فلطمه لطمة وأخذ بلحيته فقال فرعون لآسية امرأته: انّ هذا عدوّي، فقالت آسية: على رسلك إنّه صبي لا يفرّق بين الأشياء ولا يميّز، ثم جاءت بطستين فجعلت في أحدهما الجمر وفي الأخرى الجوهر ووضعتهما بين يدي موسى، فأخذ جبرئيل بيد موسى فوضعها على النار حتى رفع جمرة ووضعها على لسانه فتلك الرتّة يَفْقَهُوا قَوْلِي كي يفهموا كلامي وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً معينا وظهيرا مِنْ أَهْلِي ثمّ بين من هو فقال هارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي قوّ به ظهري وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي يعني النبوّة وتبليغ الرسالة كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً نصلّي لك وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً. وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق وابن عامر: اشْدِدْ بِهِ أَزْرِي بفتح الألف وَأُشْرُكْهُ بضم الألف على الجزاء والجواب حكاية عن موسى أنّي أفعل ذلك، قال الله سبحانه قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى قد أعطيت مرادك وسؤالك يا موسى. وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى قبل هذا وهي إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ وحي إلهام مثل وحي النحل ما يُوحى أَنِ اقْذِفِيهِ أن اجعليه فِي التَّابُوتِ. قال مقاتل: والمؤمن الذي صنع التابوت من آل فرعون اسمه خربيل، وقيل: إنّه كان من بردي فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ يعني نهر النيل فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يعني شاطئ النهر، لفظه أمر ومعناه خبر مجازه: حتى يلقيه اليمّ بالساحل يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ يعني فرعون، فاتّخذت تابوتا وجعلت فيه قطنا محلوجا، ووضعت فيه موسى، وقيّرت رأسه وخصاصه- يعني شقوقه- ثمّ ألقته في النّيل، وكان يشرع منه نهر كبير في دار فرعون، فبينا هو جالس على رأس البركة مع امرأته آسية إذا بتابوت يجيء به الماء، فلمّا رأى ذلك أمر الغلمان والجواري بإخراجه فأخرجوه وفتحوا رأسه فإذا صبيّ من أصبح الناس وجها، فلمّا رآه فرعون أحبّه بحيث لم يتمالك، فذلك قوله سبحانه وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي قال ابن عباس: أحبّه وحبّبه إلى خلقه، قال عطيّة العوفي: جعل عليه مسحة من جمال لا تكاد يصبر عنه من رآه، قال قتادة: ملاحة كانت في عيني موسى، ما رآه أحد إلّا عشقه. وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي أي ولتربّى وتغذّى بمرأى ومنظر منّي إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ واسمها مريم متعرّفة خبره فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ يرضعه ويضمّه إليه، وذلك أنّه كان لا يقبل ثدي امرأة، فلمّا قالت لهم أخته ذلك قالوا: نعم، فجاءت بالأمّ فقبل ثديها فذلك قوله فَرَجَعْناكَ فرددناك إِلى أُمِّكَ. وفي مصحف أبي فرددناك إلى أمّك كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها بلقائك وبقائك وَلا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْساً قال ابن عباس: قتل قبطيا كافرا. قال كعب الأحبار: كان إذ ذاك ابن اثنتي عشرة سنة فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ أي من غمّ القتل وكربته وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً. قال ابن عباس: اختبرناك اختبارا. وقال الضحّاك وقتادة ومقاتل، ابتليناك ابتلاء. وقال مجاهد: أخلصناك إخلاصا فَلَبِثْتَ سِنِينَ [[في نسخة أصفهان زيادة: فمكثت.]] يعني عشر سنين فِي أَهْلِ مَدْيَنَ وهي بلدة شعيب على ثلاث [[في نسخة أصفهان: ثمان.]] مراحل من مصر، قال وهب: لبث عند شعيب ثمان وعشرين سنة، عشر سنين منها مهر امرأته صفيرا بنت شعيب وثماني عشرة سنة أقام عنده حتى ولد له. ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى. قال مقاتل: على موعد، قال محمد بن كعب: ثم جئت على القدر الذي قدّرت أنك تجيء. قال عبد الرّحمن بن كيسان: على رأس أربعين سنة وهو القدر الذي يوحي فيه إلى الأنبياء [[في الثانية محمد بن كعب ثم جئت على القدر الذي يوحى فيه إلى الأنبياء.]] ، قال الكلبي: وافق الكلام عند الشجرة. وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي اخترتك واصطفيتك واختصصتك [[في نسخة أصفهان زيادة: لنفسي.]] بالرسالة أو النبوّة اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي اليد والعصا وَلا تَنِيا قال ابن عباس: لا تضعفا، وقال السدّي: لا تفترا، وقال محمد بن كعب: لا تقصّرا. وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: لا تبطئا، وفي قراءة ابن مسعود: ولا تهنا. اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى. فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً قال ابن عباس: لا تعنّفا في قولكما ولا تغلّظا، وقال السدّي وعكرمة: كنّياه قولا له: يا أبا العباس، وقيل: يا أبا الوليد. وقال مقاتل: يعني بالقول اللين هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى. وقال أهل المعاني: معناه الطفا له في قولكما فإنّه ربّاك وأحسن تربيتك وله عليك حقّ الأبوّة فلا تجبهه بمكروه في أوّل قدومك عليه، يقال: وعده على قبول الإيمان شبابا لا يهرم وملكا لا ينزع عنه إلّا بالموت، ويبقى عليه لذّة المطعم والمشرب والمنكح إلى حين موته. قال المفسّرون: وكان هارون يومئذ بمصر فأمر الله عزّ وجلّ أن يأتي هو وهارون، وأوحى إلى هارون وهو بمصر أن يتلقى موسى فتلقّاه إلى مرحلة وأخبره بما أوحي إليه فقال له موسى: إن الله سبحانه أمرني أن آتي فرعون فسألت ربّي عزّ وجلّ أن يجعلك معي. وقوله لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى أي يسلم. فإن قيل: كيف قال: لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى وعلمه سابق في فرعون أنّه لا يتذكّر ولا يخشى؟. قال الحسين [[في نسخة أصفهان: الحسن.]] بن الفضل: هو مصروف إلى غير فرعون، ومجازه: لكي يتذكّر متذكّر أو يخشى خاش إذا رأى برّي وإلطافي بمن خلقته ورزقته، وصححت جسمه وأنعمت عليه ثم ادّعى الربوبية دوني. وقال أبو بكر محمد بن عمر الورّاق: لعلّ هاهنا من الله واجب، ولقد تذكّر فرعون حيث لم تنفعه الذكرى والخشية، وذلك قوله حين ألجمه الغرق في البحر آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ [[يونس: 90.]] . سمعت أبا القاسم الحسن بن محمد بن حبيب يقول: سمعت أبي يقول سمعت علىّ [[في نسخة أصفهان: محمد بن حبيب يقول: سمعت علي.]] بن محمد الوراق يقول: سمعت يحيى بن معاذ الرازي يقول- وقرأ هذه الآية-: هذا رفقك بمن يقول: أنا الإله، فكيف رفقك بمن يقول: أنت الإله؟ قال أبو القاسم الحسين [[في نسخة أصفهان: الحسين.]] فبنيت عليه ألفاظا اقتديت به فيها فقلت: هذا رفقك بمن ينافيك فكيف رفقك بمن يصافيك؟ هذا رفقك بمن يعاديك فكيف رفقك بمن يواليك؟ هذا رفقك بمن يسبّك فكيف رفقك بمن يحبّك؟ هذا رفقك بمن يقول لك ندّا فكيف رفقك بمن يقول فردا؟ هذا رفقك بمن ضلّ فكيف رفقك بمن ذل [[في نسخة أصفهان زيادة: هذا رفقك بمن استكبر فكيف رفقك بمن استغفر؟]] هذا رفقك بمن اقترف فكيف رفقك بمن اعترف؟ هذا رفقك بمن أصرّ فكيف رفقك بمن أقرّ؟ هذا رفقك بمن استكبر فكيف رفقك بمن استغفر؟ قالا يعني موسى وهارون رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا. قال ابن عباس: يعجّل بالقتل والعقوبة، وقال الضحّاك: تجاوز الحدّ، وقيل: يغلبنا أَوْ أَنْ يَطْغى يتكبّر ويستعصي علينا. قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما بالدفع عنكما أَسْمَعُ قولكما وقوله وَأَرى فعله وفعلكما فَأْتِياهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ أي ولا تتعبهم في العمل، وكانت بنو إسرائيل عند آل فرعون في عذاب شديد يقتل أبناءهم ويستخدم نساءهم ويكلفهم من العمل واللبن والطين وبناء المدائن ما لا يقدرون عليه. قال موسى قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ قال فرعون: وما هي؟ قال: فأدخل يده في جيب قميصه ثمّ أخرجها فإذا هي بيضاء لها شعاع كشعاع الشمس، غلبت نور الشمس، فعجب منها ولم يره العصا إلّا بعد ذلك يوم الزينة. وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى يعني من أسلم إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ أنبياء الله وَتَوَلَّى أعرض عن الإيمان، ورأيت في بعض التفاسير أنّ هذه أرجى آية للموحّدين في القرآن. قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى يعني يا موسى وهارون فذكر موسى دون هارون لرؤوس الآي. قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ قال الحسين وقتادة: أعطى كلّ شيء صلاحه وهداه لما يصلحه. وقال مجاهد: لم يجعل الإنسان في خلق البهائم، ولا خلق البهائم في خلق الإنسان، ولكن خلق كلّ شي فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً. وقال عطيّة: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ يعني صورته. وقال الضحّاك: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ، يعني اليد للبطش والرجل للمشي واللسان للنطق والعين للبصر والأذن للسمع. وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا عبد الرّحمن بن محمد الزهري قال: حدّثنا أحمد ابن سعيد قال: حدّثنا سعيد بن سليمان عن إسماعيل بن زكريا عن إسماعيل بن أبي صالح، أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى قال: هداه لمعيشته. وقال ابن عباس وسعيد بن جبير: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ يعني شكله، للإنسان الزوجة وللبعير الناقة وللفرس الرمكة وللحمار الأتان ثُمَّ هَدى أي عرّف وعلّم وألهم كيف يأتي الذكر الأنثى في النكاح [[في نسخة أصفهان: قوله: أي عرّف.... النكاح تأتي بعد قوله: على الفعل.]] . وقرأ نصير خَلَقَهُ بفتح اللام على الفعل. قالَ فرعون فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى وإنّما قال هذا فرعون لموسى حين قال موسى: إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ، فقال فرعون حينئذ له: فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى التي ذكرت؟ ف قالَ موسى عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ يعني اللوح المحفوظ، وإنّما ردّ موسى علم ذلك إلى الله سبحانه لأنّه لم يعلم ذلك، وإنّما نزلت التوراة عليه بعد هلاك فرعون وقومه لا يَضِلُّ رَبِّي أي لا يخطئ وَلا يَنْسى فيتذكّر، وقال مجاهد: هما شيء واحد.

طه 20:52

اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى عصى وعلا وتكبّر وكفر، فادعه إلى عبادتي، واعلم بأنّي قد ربطت [[في نسخة أصفهان: ورطت وكذا في الموضع الآتي.]] على قلبه، قال: فكيف تأمرني أن آتيه وقد ربطت على قلبه؟ فأتاه ملك من خزّان الريح فقال: انطلق، فإنّا اثنا عشر من خزّان الريح منذ خلقنا الله سبحانه نحن في هذا فما علمناه، فامض لأمر الله، فقال موسى عند ذلك رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وسّع وليّن قلبي بالإيمان والنبوّة وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وسهّل عليّ ما أمرتني به من تبليغ الرسالة إلى فرعون وَاحْلُلْ وابسط وافتح عُقْدَةً مِنْ لِسانِي قال ابن عباس: كانت في لسانه رتّة، وذلك أنّه كان في حجر فرعون ذات يوم فلطمه لطمة وأخذ بلحيته فقال فرعون لآسية امرأته: انّ هذا عدوّي، فقالت آسية: على رسلك إنّه صبي لا يفرّق بين الأشياء ولا يميّز، ثم جاءت بطستين فجعلت في أحدهما الجمر وفي الأخرى الجوهر ووضعتهما بين يدي موسى، فأخذ جبرئيل بيد موسى فوضعها على النار حتى رفع جمرة ووضعها على لسانه فتلك الرتّة يَفْقَهُوا قَوْلِي كي يفهموا كلامي وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً معينا وظهيرا مِنْ أَهْلِي ثمّ بين من هو فقال هارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي قوّ به ظهري وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي يعني النبوّة وتبليغ الرسالة كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً نصلّي لك وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً. وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق وابن عامر: اشْدِدْ بِهِ أَزْرِي بفتح الألف وَأُشْرُكْهُ بضم الألف على الجزاء والجواب حكاية عن موسى أنّي أفعل ذلك، قال الله سبحانه قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى قد أعطيت مرادك وسؤالك يا موسى. وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى قبل هذا وهي إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ وحي إلهام مثل وحي النحل ما يُوحى أَنِ اقْذِفِيهِ أن اجعليه فِي التَّابُوتِ. قال مقاتل: والمؤمن الذي صنع التابوت من آل فرعون اسمه خربيل، وقيل: إنّه كان من بردي فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ يعني نهر النيل فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يعني شاطئ النهر، لفظه أمر ومعناه خبر مجازه: حتى يلقيه اليمّ بالساحل يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ يعني فرعون، فاتّخذت تابوتا وجعلت فيه قطنا محلوجا، ووضعت فيه موسى، وقيّرت رأسه وخصاصه- يعني شقوقه- ثمّ ألقته في النّيل، وكان يشرع منه نهر كبير في دار فرعون، فبينا هو جالس على رأس البركة مع امرأته آسية إذا بتابوت يجيء به الماء، فلمّا رأى ذلك أمر الغلمان والجواري بإخراجه فأخرجوه وفتحوا رأسه فإذا صبيّ من أصبح الناس وجها، فلمّا رآه فرعون أحبّه بحيث لم يتمالك، فذلك قوله سبحانه وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي قال ابن عباس: أحبّه وحبّبه إلى خلقه، قال عطيّة العوفي: جعل عليه مسحة من جمال لا تكاد يصبر عنه من رآه، قال قتادة: ملاحة كانت في عيني موسى، ما رآه أحد إلّا عشقه. وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي أي ولتربّى وتغذّى بمرأى ومنظر منّي إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ واسمها مريم متعرّفة خبره فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ يرضعه ويضمّه إليه، وذلك أنّه كان لا يقبل ثدي امرأة، فلمّا قالت لهم أخته ذلك قالوا: نعم، فجاءت بالأمّ فقبل ثديها فذلك قوله فَرَجَعْناكَ فرددناك إِلى أُمِّكَ. وفي مصحف أبي فرددناك إلى أمّك كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها بلقائك وبقائك وَلا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْساً قال ابن عباس: قتل قبطيا كافرا. قال كعب الأحبار: كان إذ ذاك ابن اثنتي عشرة سنة فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ أي من غمّ القتل وكربته وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً. قال ابن عباس: اختبرناك اختبارا. وقال الضحّاك وقتادة ومقاتل، ابتليناك ابتلاء. وقال مجاهد: أخلصناك إخلاصا فَلَبِثْتَ سِنِينَ [[في نسخة أصفهان زيادة: فمكثت.]] يعني عشر سنين فِي أَهْلِ مَدْيَنَ وهي بلدة شعيب على ثلاث [[في نسخة أصفهان: ثمان.]] مراحل من مصر، قال وهب: لبث عند شعيب ثمان وعشرين سنة، عشر سنين منها مهر امرأته صفيرا بنت شعيب وثماني عشرة سنة أقام عنده حتى ولد له. ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى. قال مقاتل: على موعد، قال محمد بن كعب: ثم جئت على القدر الذي قدّرت أنك تجيء. قال عبد الرّحمن بن كيسان: على رأس أربعين سنة وهو القدر الذي يوحي فيه إلى الأنبياء [[في الثانية محمد بن كعب ثم جئت على القدر الذي يوحى فيه إلى الأنبياء.]] ، قال الكلبي: وافق الكلام عند الشجرة. وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي اخترتك واصطفيتك واختصصتك [[في نسخة أصفهان زيادة: لنفسي.]] بالرسالة أو النبوّة اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي اليد والعصا وَلا تَنِيا قال ابن عباس: لا تضعفا، وقال السدّي: لا تفترا، وقال محمد بن كعب: لا تقصّرا. وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: لا تبطئا، وفي قراءة ابن مسعود: ولا تهنا. اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى. فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً قال ابن عباس: لا تعنّفا في قولكما ولا تغلّظا، وقال السدّي وعكرمة: كنّياه قولا له: يا أبا العباس، وقيل: يا أبا الوليد. وقال مقاتل: يعني بالقول اللين هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى. وقال أهل المعاني: معناه الطفا له في قولكما فإنّه ربّاك وأحسن تربيتك وله عليك حقّ الأبوّة فلا تجبهه بمكروه في أوّل قدومك عليه، يقال: وعده على قبول الإيمان شبابا لا يهرم وملكا لا ينزع عنه إلّا بالموت، ويبقى عليه لذّة المطعم والمشرب والمنكح إلى حين موته. قال المفسّرون: وكان هارون يومئذ بمصر فأمر الله عزّ وجلّ أن يأتي هو وهارون، وأوحى إلى هارون وهو بمصر أن يتلقى موسى فتلقّاه إلى مرحلة وأخبره بما أوحي إليه فقال له موسى: إن الله سبحانه أمرني أن آتي فرعون فسألت ربّي عزّ وجلّ أن يجعلك معي. وقوله لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى أي يسلم. فإن قيل: كيف قال: لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى وعلمه سابق في فرعون أنّه لا يتذكّر ولا يخشى؟. قال الحسين [[في نسخة أصفهان: الحسن.]] بن الفضل: هو مصروف إلى غير فرعون، ومجازه: لكي يتذكّر متذكّر أو يخشى خاش إذا رأى برّي وإلطافي بمن خلقته ورزقته، وصححت جسمه وأنعمت عليه ثم ادّعى الربوبية دوني. وقال أبو بكر محمد بن عمر الورّاق: لعلّ هاهنا من الله واجب، ولقد تذكّر فرعون حيث لم تنفعه الذكرى والخشية، وذلك قوله حين ألجمه الغرق في البحر آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ [[يونس: 90.]] . سمعت أبا القاسم الحسن بن محمد بن حبيب يقول: سمعت أبي يقول سمعت علىّ [[في نسخة أصفهان: محمد بن حبيب يقول: سمعت علي.]] بن محمد الوراق يقول: سمعت يحيى بن معاذ الرازي يقول- وقرأ هذه الآية-: هذا رفقك بمن يقول: أنا الإله، فكيف رفقك بمن يقول: أنت الإله؟ قال أبو القاسم الحسين [[في نسخة أصفهان: الحسين.]] فبنيت عليه ألفاظا اقتديت به فيها فقلت: هذا رفقك بمن ينافيك فكيف رفقك بمن يصافيك؟ هذا رفقك بمن يعاديك فكيف رفقك بمن يواليك؟ هذا رفقك بمن يسبّك فكيف رفقك بمن يحبّك؟ هذا رفقك بمن يقول لك ندّا فكيف رفقك بمن يقول فردا؟ هذا رفقك بمن ضلّ فكيف رفقك بمن ذل [[في نسخة أصفهان زيادة: هذا رفقك بمن استكبر فكيف رفقك بمن استغفر؟]] هذا رفقك بمن اقترف فكيف رفقك بمن اعترف؟ هذا رفقك بمن أصرّ فكيف رفقك بمن أقرّ؟ هذا رفقك بمن استكبر فكيف رفقك بمن استغفر؟ قالا يعني موسى وهارون رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا. قال ابن عباس: يعجّل بالقتل والعقوبة، وقال الضحّاك: تجاوز الحدّ، وقيل: يغلبنا أَوْ أَنْ يَطْغى يتكبّر ويستعصي علينا. قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما بالدفع عنكما أَسْمَعُ قولكما وقوله وَأَرى فعله وفعلكما فَأْتِياهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ أي ولا تتعبهم في العمل، وكانت بنو إسرائيل عند آل فرعون في عذاب شديد يقتل أبناءهم ويستخدم نساءهم ويكلفهم من العمل واللبن والطين وبناء المدائن ما لا يقدرون عليه. قال موسى قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ قال فرعون: وما هي؟ قال: فأدخل يده في جيب قميصه ثمّ أخرجها فإذا هي بيضاء لها شعاع كشعاع الشمس، غلبت نور الشمس، فعجب منها ولم يره العصا إلّا بعد ذلك يوم الزينة. وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى يعني من أسلم إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ أنبياء الله وَتَوَلَّى أعرض عن الإيمان، ورأيت في بعض التفاسير أنّ هذه أرجى آية للموحّدين في القرآن. قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى يعني يا موسى وهارون فذكر موسى دون هارون لرؤوس الآي. قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ قال الحسين وقتادة: أعطى كلّ شيء صلاحه وهداه لما يصلحه. وقال مجاهد: لم يجعل الإنسان في خلق البهائم، ولا خلق البهائم في خلق الإنسان، ولكن خلق كلّ شي فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً. وقال عطيّة: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ يعني صورته. وقال الضحّاك: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ، يعني اليد للبطش والرجل للمشي واللسان للنطق والعين للبصر والأذن للسمع. وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا عبد الرّحمن بن محمد الزهري قال: حدّثنا أحمد ابن سعيد قال: حدّثنا سعيد بن سليمان عن إسماعيل بن زكريا عن إسماعيل بن أبي صالح، أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى قال: هداه لمعيشته. وقال ابن عباس وسعيد بن جبير: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ يعني شكله، للإنسان الزوجة وللبعير الناقة وللفرس الرمكة وللحمار الأتان ثُمَّ هَدى أي عرّف وعلّم وألهم كيف يأتي الذكر الأنثى في النكاح [[في نسخة أصفهان: قوله: أي عرّف.... النكاح تأتي بعد قوله: على الفعل.]] . وقرأ نصير خَلَقَهُ بفتح اللام على الفعل. قالَ فرعون فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى وإنّما قال هذا فرعون لموسى حين قال موسى: إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ، فقال فرعون حينئذ له: فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى التي ذكرت؟ ف قالَ موسى عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ يعني اللوح المحفوظ، وإنّما ردّ موسى علم ذلك إلى الله سبحانه لأنّه لم يعلم ذلك، وإنّما نزلت التوراة عليه بعد هلاك فرعون وقومه لا يَضِلُّ رَبِّي أي لا يخطئ وَلا يَنْسى فيتذكّر، وقال مجاهد: هما شيء واحد.

طه 20:53

الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً قرأه أهل الكوفة بغير ألف أي فرشا، وقرأ الباقون مهادا أي فراشا واختاره أبو عبيد وأبو حاتم لقوله: أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً ولم يختلفوا فيه أنّه بالألف. وَسَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا أي أدخل وبيّن وطرّق لكم فيها طرقا. وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجاً أصنافا مِنْ نَباتٍ شَتَّى مختلف الألوان والطعوم والمنافع من بين أبيض وأحمر وأخضر وأصفر، ووهب كلّ صنف زوجا، ومنها للدوابّ ومنها للناس ثمّ قال كُلُوا وَارْعَوْا أي ارتعوا أَنْعامَكُمْ يقول العرب: رعيت الغنم فرعت لازم ومتعدّ. إِنَّ فِي ذلِكَ الذي ذكرت لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى أي لذوي العقول، واحدها نهية، سمّيت بذلك لأنّها تنهى صاحبها عن القبائح والفضائح وارتكاب المحظورات والمحرّمات. وقال الضحّاك: لِأُولِي النُّهى يعني الذين ينتهون عمّا حرّم عليهم. وقال قتادة: لذوي الورع، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: لذوي التقى.

طه 20:54

الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً قرأه أهل الكوفة بغير ألف أي فرشا، وقرأ الباقون مهادا أي فراشا واختاره أبو عبيد وأبو حاتم لقوله: أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً ولم يختلفوا فيه أنّه بالألف. وَسَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا أي أدخل وبيّن وطرّق لكم فيها طرقا. وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجاً أصنافا مِنْ نَباتٍ شَتَّى مختلف الألوان والطعوم والمنافع من بين أبيض وأحمر وأخضر وأصفر، ووهب كلّ صنف زوجا، ومنها للدوابّ ومنها للناس ثمّ قال كُلُوا وَارْعَوْا أي ارتعوا أَنْعامَكُمْ يقول العرب: رعيت الغنم فرعت لازم ومتعدّ. إِنَّ فِي ذلِكَ الذي ذكرت لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى أي لذوي العقول، واحدها نهية، سمّيت بذلك لأنّها تنهى صاحبها عن القبائح والفضائح وارتكاب المحظورات والمحرّمات. وقال الضحّاك: لِأُولِي النُّهى يعني الذين ينتهون عمّا حرّم عليهم. وقال قتادة: لذوي الورع، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: لذوي التقى.

طه 20:55

مِنْها أي من الأرض خَلَقْناكُمْ يعني أباكم آدم. وقال عطاء الخراساني: إن الملك ينطلق فيأخذ من تراب المكان الذي يدفن فيه فيذرّه على النطفة، فيخلق من التراب، ومن النطفة فذلك قوله سبحانه مِنْها خَلَقْناكُمْ. وَفِيها نُعِيدُكُمْ أي عند الموت والدفن، قال عليّ: «إن المؤمن إذا قبض الملك روحه انتهى به إلى السماء، وقال: يا ربّ عبدك فلان قبضنا نفسه فيقول: ارجعوا فإنّي وعدته: مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ فإنّه يسمع خفق نعالهم إذا ولّوا مدبرين» [[المصنّف لابن أبي شيبة: 3/ 254.]] . وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى مرّة أخرى بعد الموت عند البعث. وَلَقَدْ أَرَيْناهُ يعني فرعون آياتِنا كُلَّها يعني اليد والعصا والآيات التسع فَكَذَّبَ بها وزعم أنّها سحر وَأَبى أن يسلم قالَ فرعون أَجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِنْ أَرْضِنا يعني مصر بِسِحْرِكَ يا مُوسى فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً فاضرب بيننا وبينك أجلا وميقاتا لا نُخْلِفُهُ لا نجاوزه نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكاناً سُوىً مستويا. قرأ الحسن وعاصم والأعمش وحمزة سوى بضم السين، الباقون: بكسر وهما لغتان مثل عدي وعدي، وطوى وطوى. قال قتادة ومقاتل: مكانا عدلا بيننا وبينك، وقال ابن عباس: صفا، وقال الكلبي: يعني سوى هذا المكان، وقال أبو عبيد والقيسي: وسطا بين الفريقين، وقال موسى بن جابر الحنفي: وإن أبانا كان حلّ ببلدة ... سوىّ بين قيس قيس عيلان والفزر الفزر: سعد بن زيد مناة. قالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ قال ابن عباس وسعيد بن جبير: يعني يوم عاشوراء. وقال مقاتل والكلبي: يوم عيد لهم في كل سنة يتزيّنون ويجتمعون فيه. وروى جعفر عن سعيد قال: يوم سوق لهم، وقيل: هو يوم النيروز. وقرأ الحسن وهبيرة عن حفص يَوْمَ الزِّينَةِ بنصب الميم أي في يوم، وقرأ الباقون بالرفع على الابتداء والخبر. وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى وقت الضحوة، يجتمعون نهارا جهارا ليكون أبلغ في الحجة وأبعد من الريبة. فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ حيله وسحرته ثُمَّ أَتى الميعاد. قال ابن عباس: كانوا اثنين وسبعون ساحرا مع كل واحد منهم حبل وعصا، وقيل: كانوا أربعمائة. قالَ موسى للسحرة لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ قرأ أهل: الكوفة فَيُسْحِتَكُمْ بضم الياء [[في نسخة أصفهان: التاء.]] وكسر الحاء، وقرأ الباقون بفتح الياء والحاء، وهما لغتان: سحت وأسحت. قال مقاتل والكلبي: فيهلككم، وقال قتادة: فيستأصلكم، وقال أبو صالح: يذبحكم، قال الفرزدق: وعضّ زمان يا ابن [[في نسخة أصفهان: بأيد.]] مروان لم يدع ... من المال إلّا مسحت أو مجلف [[كتاب العين: 2/ 224.]] [[في نسخة أصفهان: إلّا مسحة أو يحلف.]] فَتَنازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوى أي المناجاة تكون اسما ومصدرا. قالُوا إِنْ هذانِ لَساحِرانِ قرأ عبد الله: واسرّوا النجوى إن هذان ساحران [[في نسخة أصفهان: لساحران.]] بفتح الألف وجزم نونه ساحران بغير لام، وقرأ ابن كثير وحفص إِنْ بكسر الالف وجزم النون هذانِ بالألف على معنى ما هذان إلّا ساحران، نظيره: قوله وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ [[الشعراء: 186.]] [[في نسخة أصفهان زيادة أي ما نظنك إلّا من الكاذبين.]] قال الشاعر: ثكلتك أمّك إن قتلت لمسلما ... حلّت عليك عقوبة الرّحمن [[تفسير القرطبي: 2/ 427.]] يعني ما قتلت إلّا مسلما، يدل على صحة هذه القراءة قراءة أبي بن كعب: إن ذان إلّا ساحران [[في نسخة أصفهان: إن ذان لساحران.]] ، وقرأ عيسى بن عمر الثقفي وأبو عمر بن علاء [[في نسخة أصفهان: أبو عمرو العلاء.]] : إن هذين لساحران بالياء على الأصل، قال أبو عمرو: واني لأستحي من الله أن أقرأ إنّ هذان، وقرأ الباقون: إنّ بالتشديد هذان بالألف واختلفوا فيه، فقال قوم بما أخبرنا أبو بكر بن عبدوس وعبد الله بن حامد قالا: حدّثنا أبو العباس الأصم قال: حدّثنا محمد بن الجهم السمري قال: حدّثنا الفرّاء قال: حدّثني أبو معاوية عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها سئلت عن قوله سبحانه في النساء لكِنِ الرَّاسِخُونَ [[النساء: 162.]] وَالْمُقِيمِينَ [[النساء: 162.]] وعن قوله في المائدة إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ [[البقرة: 62.]] وعن قوله إِنْ هذانِ لَساحِرانِ [[طه: 63.]] فقالت: يا بن أخي هذا خطأ من الكاتب. وقال عثمان بن عفان: إنّ في المصحف لحنا وستقيمه العرب بألسنتهم. وقال أبان: قرئت هذه الآية عند عثمان فقال: لحن وخطأ، فقيل له: ألم تغيّره فقال: دعوه فإنّه لا يحلّ حراما ولا يحرّم حلالا، وقال آخرون: هذه لغة الحارث بن كعب وخثعم وزبيد وكنانة يجعلون الأسين في رفعهما ونصبهما وخفضهما بالألف. قال الفرّاء: أنشدني رجل من بني الأسد وما رأيت افصح منه. وأطرق إطراق الشجاع ولو ترى ... مساغا لناباه الشجاع لصمما [[كتاب العين: 7/ 92 والعبارة: فأطرق إطراق الشجاع ولو يرى مساغا لنابيه الشجاع لصمما.]] ويقولون: كسرت يداه، وركبت علاه، بمعنى يديه وعليه. وقال الشاعر: تزوّد منّا بين أذناه ضربة ... دعته إلى هابي التراب عقيم [[تفسير القرطبي: 11/ 217.]] أراد بين أذنيه. وقال آخر: أي قلوص راكب نراها ... طاروا علاهنّ فطر علاها [[تاج العروس: 4/ 427.]] أي عليهن وعليها. وقال آخر: إنّ أباها وأبا أباها ... قد بلغا في المجد غايتاها [[تفسير القرطبي: 11/ 217.]] وروي أنّ أعرابيا سأل ابن الزبير شيئا فحرّمه فقال: لعن الله ناقة حملتني إليك، فقال ابن الزبير: إن وصاحبها، يعني نعم. وقال الشاعر: بكرت عليّ عواذلي يلحينني وألومهنّه ... ويقلن شيب قد علاك وقد كبرت فقلت إنّه [[لسان العرب: 13/ 31.]] أي نعم، وقال الفرّاء: وفيه وجه آخر: وهو أن يقول: وجدت الألف دعامة من هذا على حالها لا تزول في كل حال، كما قالت العرب: الذي ثمّ زادوا نونا يدلّ على الجمع فقالوا: الذين في رفعهم ونصبهم وخفضهم وكناية تقول: اللّذون. يُرِيدانِ أَنْ يُخْرِجاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ مصر بِسِحْرِهِما وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى حدّث الشعبي عن عليّ قال: يصرفا وجوه الناس إليهما وهي بالسريانية. وقال ابن عباس: يعني بسراة قومكم وأشرافكم وقال مقاتل والكلبي: يعني الأمثل فالأمثل من ذوي الرأي والعقول. وقال عكرمة: يعني يذهب أخياركم. وقال قتادة: طريقتكم المثلى يومئذ، بنو إسرائيل كانوا أكثر القوم عددا يومئذ وأموالا، فقال عدو الله: إنما يريدان أن يذهبا به لأنفسهما. وقال الكسائي: بِطَرِيقَتِكُمُ يعني بسنّتكم وهديكم وسمتكم، والْمُثْلى نعت للطريقة، كقولك امرأة كبرى، تقول العرب: فلان على الطريقة المثلى يعني على الهدى المستقيم. قال الشاعر: فكم متفرقين منوا بجهل ... حدى بهم إلى زيغ فراغوا وزيغ بهم عن المثلى فتاهوا ... وأورطهم مع الوصل الرداغ فزلّت فيه أقدام فصارت ... إلى نار غلا منها الدماغ والمثلى تأنيث الأمثل. فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ قرأ أبو عمرو فاجمعوا بوصل الألف وفتح الميم، من الجمع يعني لا تدعوا شيئا من كيدكم إلا جئتم به، وتصديقه قوله: فَجَمَعَ كَيْدَهُ، وقرأ الباقون: فَأَجْمِعُوا بقطع الألف وكسر الميم وله وجهان: أحدهما: بمعنى الجمع، يقول العرب: أجمعت الشيء وجمعته بمعنى واحد. قال أبو ذؤيب: فكأنّه بالجزع جزع يتابع ... وأولاه ذي العرجاء تهب مجمّع [[في نسخة أصفهان زيادة: أي مجموع.]] والثاني: بمعنى العزم والأحكام، يقول: أجمعت الأمر وأزمعته، وأجمعت على الأمر وأزمعت عليه إذا عزمت عليه. قال الشاعر: يا ليت شعري والمنى لا تنفع ... هل أغدون يوما وأمري مجمع [[لسان العرب: 8/ 57.]] أي محكم، وقد عزم عليه كيدكم ومكركم وسحركم وعلمكم. ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا قال مقاتل: والكلبي: جميعا، وقيل: صفوفا، وقال أبو عبيد: يعني المصلّى والمجتمع، وحكي عن بعض العرب الفصحاء: ما استطعت أن آتي الصفّ أمس، يعني المصلّى. وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى يعني فاز من غلب. قالُوا يعني السحرة يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ عصاك من يدك وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى عصاه قالَ موسى بَلْ أَلْقُوا فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ وهو جمع العصا يُخَيَّلُ إِلَيْهِ قرأ ابن عامر بالتاء، ردّه إلى الحبال والعصيّ، وقرأ الباقون: بالياء ردّوه إلى الكيد أو السحر، ومعناه شبّه إليه من سحرهم حتى ظنّ أَنَّها تَسْعى أي تمشي، وذلك أنّهم كانوا لطّخوا حبالهم وعصيّهم بالزئبق فلمّا أصابه حرّ الشمس ارتهشت واهتزت فظنّ موسى أنها تقصده فَأَوْجَسَ أي أحسّ ووجد، وقيل: أضمر فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى قال مقاتل: إنّما خاف موسى إذ صنع القوم مثل صنيعه ان يشكّو فيه فلا يتبعوه ويشك فيه من تابعه. قُلْنا لموسى لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى الغالب وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ يعني العصا تَلْقَفْ تلتقم وتلتهم ما صَنَعُوا إِنَّما صَنَعُوا يعني إنّ الذي صنعوا كَيْدُ ساحِرٍ قرأ أهل الكوفة بكسر السين من غير ألف، وقرأ الباقون: ساحِرٍ بالألف على فاعل، واختاره أبو عبيد، قال: لأنّ إضافة الكيد إلى الرجل أولى من إضافته إلى السّحر وإن كان ذلك لا يمتنع في العربية. وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى من الأرض، وقيل: معناه حيث احتال. فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى قالَ آمَنْتُمْ لَهُ يعني به كقوله فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ ... قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ لرئيسكم ومعلّمكم الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ يعني الرجل اليسرى واليد اليمنى وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ يعني جذوع النخل [[في نسخة أصفهان: أي عليها.]] ، قال سويد بن أبي كاهل: وهم صلبوا العبدي في جذع نخلة ... فلا عطست شيبان إلّا بأجدعا [[لسان العرب: 3/ 277.]] وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً أنا أو ربّ موسى وَأَبْقى قالُوا [[في نسخة أصفهان وَأَبْقى وأدوم قالُوا.]] يعني السحرة لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ قال مقاتل: يعني اليد والعصا. وأخبرنا البيهقي والاصفهاني قالا: أخبرنا مكي بن عبدان [[في نسخة أصفهان: وأخبرنا شعيب بن محمد البيهقي وعبد الله بن حامد الاصفهاني قالا: أخبرنا أبو علي ابن عبدان.]] قال: حدّثنا أبو الأزهر، قال: حدّثنا روح قال: حدّثنا هشام بن أبي عبد الله عن القاسم بن أبي برزة قال: جمع فرعون سبعين ألف ساحر، فألقوا سبعين ألف حبل وسبعين ألف عصا حتى جعل موسى يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى، فأوحى الله سبحانه أَنْ أَلْقِ عَصاكَ ... ، فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ فاغرفاه، فابتلع حبالهم وعصيّهم وألقي السحرة عند ذلك سجدا فما رفعوا رؤوسهم حتى رأوا الجنة والنار ورأوا ثواب أهلها، عند ذلك قالوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ يعنى الجنة والنار وما رأوا من ثوابهم ودرجاتهم [[في نسخة أصفهان: الثواب والدرجات.]] . قال: وكانت امرأة فرعون تسأل: من غلب؟ فيقال: غلب موسى، فتقول: آمنت برب موسى وهارون، فأرسل إليها فرعون فقال: انظروا أعظم صخرة تجدونها فأتوها فإن هي رجعت عن قولها فهي امرأته، وإن هي مضت على قولها فألقوا عليها الصخرة، فلما أتوها رفعت بصرها إلى السماء فأريت بيتها في الجنة فمضت على قولها وانتزعت روحها، وألقيت على جسد لا روح فيه. وَالَّذِي فَطَرَنا يعني وعلى الذي خلقنا، وقيل: هو قسم فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ فاحكم ما أنت حاكم، واصنع ما أنت صانع من القطع والصلب إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا يقول: إنّما تملكنا في الدنيا ليس لك علينا سلطان إلّا في الدنيا [[في النسخة الثانية: تملكنا في الدنيا فاحكم ما أنت حاكم واصنع ما أنت من القطع والصلب، ليس عليك سلطان في الآخرة.]] إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ قال مقاتل: كانت السحرة اثنين وسبعين ساحرا، اثنان منهم من القبط وهما رأسا القوم، وسبعون منهم من بني إسرائيل، وكان فرعون أكره أولئك السبعين الذين هم من بني إسرائيل على تعلّم السحر. وقال عبد العزيز بن أبان: إنّ السحرة قالوا لفرعون: أرنا موسى إذا نام، فأراهم موسى نائما وعصاه تحرسه فقالوا لفرعون: انّ هذا ليس بسحر، إنّ الساحر إذا نام بطل سحره، فأبى عليهم إلّا أن تعملوا فذلك قوله وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقى منك لأنّك فان هالك إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ في الآخرة مُجْرِماً مشركا يعني بات على الشرك فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها فيستريح وَلا يَحْيى حياة تنفعه. وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً مات على الإيمان قَدْ عَمِلَ الصَّالِحاتِ فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى الرفيعة في الجنة جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ مَنْ تَزَكَّى أي صلح، وقيل: تطهّر من الكفر والمعاصي. وقال الكلبي: يعني أعطى زكاة نفسه وقال: لا إله إلّا الله.

طه 20:56

مِنْها أي من الأرض خَلَقْناكُمْ يعني أباكم آدم. وقال عطاء الخراساني: إن الملك ينطلق فيأخذ من تراب المكان الذي يدفن فيه فيذرّه على النطفة، فيخلق من التراب، ومن النطفة فذلك قوله سبحانه مِنْها خَلَقْناكُمْ. وَفِيها نُعِيدُكُمْ أي عند الموت والدفن، قال عليّ: «إن المؤمن إذا قبض الملك روحه انتهى به إلى السماء، وقال: يا ربّ عبدك فلان قبضنا نفسه فيقول: ارجعوا فإنّي وعدته: مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ فإنّه يسمع خفق نعالهم إذا ولّوا مدبرين» [[المصنّف لابن أبي شيبة: 3/ 254.]] . وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى مرّة أخرى بعد الموت عند البعث. وَلَقَدْ أَرَيْناهُ يعني فرعون آياتِنا كُلَّها يعني اليد والعصا والآيات التسع فَكَذَّبَ بها وزعم أنّها سحر وَأَبى أن يسلم قالَ فرعون أَجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِنْ أَرْضِنا يعني مصر بِسِحْرِكَ يا مُوسى فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً فاضرب بيننا وبينك أجلا وميقاتا لا نُخْلِفُهُ لا نجاوزه نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكاناً سُوىً مستويا. قرأ الحسن وعاصم والأعمش وحمزة سوى بضم السين، الباقون: بكسر وهما لغتان مثل عدي وعدي، وطوى وطوى. قال قتادة ومقاتل: مكانا عدلا بيننا وبينك، وقال ابن عباس: صفا، وقال الكلبي: يعني سوى هذا المكان، وقال أبو عبيد والقيسي: وسطا بين الفريقين، وقال موسى بن جابر الحنفي: وإن أبانا كان حلّ ببلدة ... سوىّ بين قيس قيس عيلان والفزر الفزر: سعد بن زيد مناة. قالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ قال ابن عباس وسعيد بن جبير: يعني يوم عاشوراء. وقال مقاتل والكلبي: يوم عيد لهم في كل سنة يتزيّنون ويجتمعون فيه. وروى جعفر عن سعيد قال: يوم سوق لهم، وقيل: هو يوم النيروز. وقرأ الحسن وهبيرة عن حفص يَوْمَ الزِّينَةِ بنصب الميم أي في يوم، وقرأ الباقون بالرفع على الابتداء والخبر. وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى وقت الضحوة، يجتمعون نهارا جهارا ليكون أبلغ في الحجة وأبعد من الريبة. فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ حيله وسحرته ثُمَّ أَتى الميعاد. قال ابن عباس: كانوا اثنين وسبعون ساحرا مع كل واحد منهم حبل وعصا، وقيل: كانوا أربعمائة. قالَ موسى للسحرة لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ قرأ أهل: الكوفة فَيُسْحِتَكُمْ بضم الياء [[في نسخة أصفهان: التاء.]] وكسر الحاء، وقرأ الباقون بفتح الياء والحاء، وهما لغتان: سحت وأسحت. قال مقاتل والكلبي: فيهلككم، وقال قتادة: فيستأصلكم، وقال أبو صالح: يذبحكم، قال الفرزدق: وعضّ زمان يا ابن [[في نسخة أصفهان: بأيد.]] مروان لم يدع ... من المال إلّا مسحت أو مجلف [[كتاب العين: 2/ 224.]] [[في نسخة أصفهان: إلّا مسحة أو يحلف.]] فَتَنازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوى أي المناجاة تكون اسما ومصدرا. قالُوا إِنْ هذانِ لَساحِرانِ قرأ عبد الله: واسرّوا النجوى إن هذان ساحران [[في نسخة أصفهان: لساحران.]] بفتح الألف وجزم نونه ساحران بغير لام، وقرأ ابن كثير وحفص إِنْ بكسر الالف وجزم النون هذانِ بالألف على معنى ما هذان إلّا ساحران، نظيره: قوله وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ [[الشعراء: 186.]] [[في نسخة أصفهان زيادة أي ما نظنك إلّا من الكاذبين.]] قال الشاعر: ثكلتك أمّك إن قتلت لمسلما ... حلّت عليك عقوبة الرّحمن [[تفسير القرطبي: 2/ 427.]] يعني ما قتلت إلّا مسلما، يدل على صحة هذه القراءة قراءة أبي بن كعب: إن ذان إلّا ساحران [[في نسخة أصفهان: إن ذان لساحران.]] ، وقرأ عيسى بن عمر الثقفي وأبو عمر بن علاء [[في نسخة أصفهان: أبو عمرو العلاء.]] : إن هذين لساحران بالياء على الأصل، قال أبو عمرو: واني لأستحي من الله أن أقرأ إنّ هذان، وقرأ الباقون: إنّ بالتشديد هذان بالألف واختلفوا فيه، فقال قوم بما أخبرنا أبو بكر بن عبدوس وعبد الله بن حامد قالا: حدّثنا أبو العباس الأصم قال: حدّثنا محمد بن الجهم السمري قال: حدّثنا الفرّاء قال: حدّثني أبو معاوية عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها سئلت عن قوله سبحانه في النساء لكِنِ الرَّاسِخُونَ [[النساء: 162.]] وَالْمُقِيمِينَ [[النساء: 162.]] وعن قوله في المائدة إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ [[البقرة: 62.]] وعن قوله إِنْ هذانِ لَساحِرانِ [[طه: 63.]] فقالت: يا بن أخي هذا خطأ من الكاتب. وقال عثمان بن عفان: إنّ في المصحف لحنا وستقيمه العرب بألسنتهم. وقال أبان: قرئت هذه الآية عند عثمان فقال: لحن وخطأ، فقيل له: ألم تغيّره فقال: دعوه فإنّه لا يحلّ حراما ولا يحرّم حلالا، وقال آخرون: هذه لغة الحارث بن كعب وخثعم وزبيد وكنانة يجعلون الأسين في رفعهما ونصبهما وخفضهما بالألف. قال الفرّاء: أنشدني رجل من بني الأسد وما رأيت افصح منه. وأطرق إطراق الشجاع ولو ترى ... مساغا لناباه الشجاع لصمما [[كتاب العين: 7/ 92 والعبارة: فأطرق إطراق الشجاع ولو يرى مساغا لنابيه الشجاع لصمما.]] ويقولون: كسرت يداه، وركبت علاه، بمعنى يديه وعليه. وقال الشاعر: تزوّد منّا بين أذناه ضربة ... دعته إلى هابي التراب عقيم [[تفسير القرطبي: 11/ 217.]] أراد بين أذنيه. وقال آخر: أي قلوص راكب نراها ... طاروا علاهنّ فطر علاها [[تاج العروس: 4/ 427.]] أي عليهن وعليها. وقال آخر: إنّ أباها وأبا أباها ... قد بلغا في المجد غايتاها [[تفسير القرطبي: 11/ 217.]] وروي أنّ أعرابيا سأل ابن الزبير شيئا فحرّمه فقال: لعن الله ناقة حملتني إليك، فقال ابن الزبير: إن وصاحبها، يعني نعم. وقال الشاعر: بكرت عليّ عواذلي يلحينني وألومهنّه ... ويقلن شيب قد علاك وقد كبرت فقلت إنّه [[لسان العرب: 13/ 31.]] أي نعم، وقال الفرّاء: وفيه وجه آخر: وهو أن يقول: وجدت الألف دعامة من هذا على حالها لا تزول في كل حال، كما قالت العرب: الذي ثمّ زادوا نونا يدلّ على الجمع فقالوا: الذين في رفعهم ونصبهم وخفضهم وكناية تقول: اللّذون. يُرِيدانِ أَنْ يُخْرِجاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ مصر بِسِحْرِهِما وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى حدّث الشعبي عن عليّ قال: يصرفا وجوه الناس إليهما وهي بالسريانية. وقال ابن عباس: يعني بسراة قومكم وأشرافكم وقال مقاتل والكلبي: يعني الأمثل فالأمثل من ذوي الرأي والعقول. وقال عكرمة: يعني يذهب أخياركم. وقال قتادة: طريقتكم المثلى يومئذ، بنو إسرائيل كانوا أكثر القوم عددا يومئذ وأموالا، فقال عدو الله: إنما يريدان أن يذهبا به لأنفسهما. وقال الكسائي: بِطَرِيقَتِكُمُ يعني بسنّتكم وهديكم وسمتكم، والْمُثْلى نعت للطريقة، كقولك امرأة كبرى، تقول العرب: فلان على الطريقة المثلى يعني على الهدى المستقيم. قال الشاعر: فكم متفرقين منوا بجهل ... حدى بهم إلى زيغ فراغوا وزيغ بهم عن المثلى فتاهوا ... وأورطهم مع الوصل الرداغ فزلّت فيه أقدام فصارت ... إلى نار غلا منها الدماغ والمثلى تأنيث الأمثل. فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ قرأ أبو عمرو فاجمعوا بوصل الألف وفتح الميم، من الجمع يعني لا تدعوا شيئا من كيدكم إلا جئتم به، وتصديقه قوله: فَجَمَعَ كَيْدَهُ، وقرأ الباقون: فَأَجْمِعُوا بقطع الألف وكسر الميم وله وجهان: أحدهما: بمعنى الجمع، يقول العرب: أجمعت الشيء وجمعته بمعنى واحد. قال أبو ذؤيب: فكأنّه بالجزع جزع يتابع ... وأولاه ذي العرجاء تهب مجمّع [[في نسخة أصفهان زيادة: أي مجموع.]] والثاني: بمعنى العزم والأحكام، يقول: أجمعت الأمر وأزمعته، وأجمعت على الأمر وأزمعت عليه إذا عزمت عليه. قال الشاعر: يا ليت شعري والمنى لا تنفع ... هل أغدون يوما وأمري مجمع [[لسان العرب: 8/ 57.]] أي محكم، وقد عزم عليه كيدكم ومكركم وسحركم وعلمكم. ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا قال مقاتل: والكلبي: جميعا، وقيل: صفوفا، وقال أبو عبيد: يعني المصلّى والمجتمع، وحكي عن بعض العرب الفصحاء: ما استطعت أن آتي الصفّ أمس، يعني المصلّى. وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى يعني فاز من غلب. قالُوا يعني السحرة يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ عصاك من يدك وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى عصاه قالَ موسى بَلْ أَلْقُوا فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ وهو جمع العصا يُخَيَّلُ إِلَيْهِ قرأ ابن عامر بالتاء، ردّه إلى الحبال والعصيّ، وقرأ الباقون: بالياء ردّوه إلى الكيد أو السحر، ومعناه شبّه إليه من سحرهم حتى ظنّ أَنَّها تَسْعى أي تمشي، وذلك أنّهم كانوا لطّخوا حبالهم وعصيّهم بالزئبق فلمّا أصابه حرّ الشمس ارتهشت واهتزت فظنّ موسى أنها تقصده فَأَوْجَسَ أي أحسّ ووجد، وقيل: أضمر فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى قال مقاتل: إنّما خاف موسى إذ صنع القوم مثل صنيعه ان يشكّو فيه فلا يتبعوه ويشك فيه من تابعه. قُلْنا لموسى لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى الغالب وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ يعني العصا تَلْقَفْ تلتقم وتلتهم ما صَنَعُوا إِنَّما صَنَعُوا يعني إنّ الذي صنعوا كَيْدُ ساحِرٍ قرأ أهل الكوفة بكسر السين من غير ألف، وقرأ الباقون: ساحِرٍ بالألف على فاعل، واختاره أبو عبيد، قال: لأنّ إضافة الكيد إلى الرجل أولى من إضافته إلى السّحر وإن كان ذلك لا يمتنع في العربية. وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى من الأرض، وقيل: معناه حيث احتال. فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى قالَ آمَنْتُمْ لَهُ يعني به كقوله فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ ... قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ لرئيسكم ومعلّمكم الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ يعني الرجل اليسرى واليد اليمنى وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ يعني جذوع النخل [[في نسخة أصفهان: أي عليها.]] ، قال سويد بن أبي كاهل: وهم صلبوا العبدي في جذع نخلة ... فلا عطست شيبان إلّا بأجدعا [[لسان العرب: 3/ 277.]] وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً أنا أو ربّ موسى وَأَبْقى قالُوا [[في نسخة أصفهان وَأَبْقى وأدوم قالُوا.]] يعني السحرة لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ قال مقاتل: يعني اليد والعصا. وأخبرنا البيهقي والاصفهاني قالا: أخبرنا مكي بن عبدان [[في نسخة أصفهان: وأخبرنا شعيب بن محمد البيهقي وعبد الله بن حامد الاصفهاني قالا: أخبرنا أبو علي ابن عبدان.]] قال: حدّثنا أبو الأزهر، قال: حدّثنا روح قال: حدّثنا هشام بن أبي عبد الله عن القاسم بن أبي برزة قال: جمع فرعون سبعين ألف ساحر، فألقوا سبعين ألف حبل وسبعين ألف عصا حتى جعل موسى يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى، فأوحى الله سبحانه أَنْ أَلْقِ عَصاكَ ... ، فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ فاغرفاه، فابتلع حبالهم وعصيّهم وألقي السحرة عند ذلك سجدا فما رفعوا رؤوسهم حتى رأوا الجنة والنار ورأوا ثواب أهلها، عند ذلك قالوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ يعنى الجنة والنار وما رأوا من ثوابهم ودرجاتهم [[في نسخة أصفهان: الثواب والدرجات.]] . قال: وكانت امرأة فرعون تسأل: من غلب؟ فيقال: غلب موسى، فتقول: آمنت برب موسى وهارون، فأرسل إليها فرعون فقال: انظروا أعظم صخرة تجدونها فأتوها فإن هي رجعت عن قولها فهي امرأته، وإن هي مضت على قولها فألقوا عليها الصخرة، فلما أتوها رفعت بصرها إلى السماء فأريت بيتها في الجنة فمضت على قولها وانتزعت روحها، وألقيت على جسد لا روح فيه. وَالَّذِي فَطَرَنا يعني وعلى الذي خلقنا، وقيل: هو قسم فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ فاحكم ما أنت حاكم، واصنع ما أنت صانع من القطع والصلب إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا يقول: إنّما تملكنا في الدنيا ليس لك علينا سلطان إلّا في الدنيا [[في النسخة الثانية: تملكنا في الدنيا فاحكم ما أنت حاكم واصنع ما أنت من القطع والصلب، ليس عليك سلطان في الآخرة.]] إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ قال مقاتل: كانت السحرة اثنين وسبعين ساحرا، اثنان منهم من القبط وهما رأسا القوم، وسبعون منهم من بني إسرائيل، وكان فرعون أكره أولئك السبعين الذين هم من بني إسرائيل على تعلّم السحر. وقال عبد العزيز بن أبان: إنّ السحرة قالوا لفرعون: أرنا موسى إذا نام، فأراهم موسى نائما وعصاه تحرسه فقالوا لفرعون: انّ هذا ليس بسحر، إنّ الساحر إذا نام بطل سحره، فأبى عليهم إلّا أن تعملوا فذلك قوله وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقى منك لأنّك فان هالك إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ في الآخرة مُجْرِماً مشركا يعني بات على الشرك فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها فيستريح وَلا يَحْيى حياة تنفعه. وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً مات على الإيمان قَدْ عَمِلَ الصَّالِحاتِ فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى الرفيعة في الجنة جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ مَنْ تَزَكَّى أي صلح، وقيل: تطهّر من الكفر والمعاصي. وقال الكلبي: يعني أعطى زكاة نفسه وقال: لا إله إلّا الله.