Lafzullah

Tefsîru's-Sa'lebî — el-Keşf ve'l-Beyân an Tefsîri'l-Kur'ân — النور 24:1 – النور 24:31

المؤلف / المصدر: Ebû İshâk Ahmed b. Muhammed es-Sa'lebî (ö. 427h)

المحتويات
  1. النور 24:1
  2. النور 24:2
  3. النور 24:3
  4. النور 24:4
  5. النور 24:5
  6. النور 24:6
  7. النور 24:7
  8. النور 24:8
  9. النور 24:9
  10. النور 24:10
  11. النور 24:11
  12. النور 24:12
  13. النور 24:13
  14. النور 24:14
  15. النور 24:15
  16. النور 24:16
  17. النور 24:17
  18. النور 24:18
  19. النور 24:19
  20. النور 24:20
  21. النور 24:21
  22. النور 24:22
  23. النور 24:23
  24. النور 24:24
  25. النور 24:25
  26. النور 24:26
  27. النور 24:27
  28. النور 24:28
  29. النور 24:29
  30. النور 24:30
  31. النور 24:31

النور 24:1

مدنيّة، وهي خمسة آلاف وستمائة وثمانون حرفا، وألف وثلاثمائة وست عشرة كلمة، وأربع وستّون آية أخبرنا [أبو الحسين] الخبازي قال: حدّثنا ابن حبان قال: أخبرنا محمد بن علي الفرقدي قال: حدّثنا إسماعيل بن عمرو قال: حدّثنا يوسف بن عطيّة قال: حدّثنا هارون بن كثير قال: حدّثنا زيد بن أسلم عن أبيه عن أبي أمامة عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ‎: «من قرأ سورة النور أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد كلّ مؤمن فيما مضى وفيما بقي» [[تفسير مجمع البيان: 7/ 216.]] [19] . وأخبرني الحسين بن محمد بن فنجويه قال: حدّثنا عبيد الله بن محمد بن شيبة قال: حدّثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم الكرابيسي قال: حدّثنا سلمان بن توبة أبو داود الأنصاري قال: حدّثنا محمد بن إبراهيم الشامي قال: حدّثنا شعيب بن إسحاق عن هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها وعن أبيها قالت: قال رسول الله ﷺ‎: «لا تنزلوا النساء الغرف، ولا تعلّموهن الكتابة، وعلّموهن المغزل، وسورة النور» [[زاد المسير لابن الجوزي: 5/ 339.]] . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ سُورَةٌ أَنْزَلْناها قراءة العامة بالرفع: هذه سورة لأنّ العرب لا تبتدئ بالنكرة، هذا قول الخليل، وقال الأخفش: سُورَةٌ ابتداء وخبره في أَنْزَلْناها، وقرأ طلحة بن مصرف [[في النسخة الثانية: مضرف]] : سُورَةً بالنصب على معنى أنزلنا سورة، والكناية صلة زائدة، وقيل: اتّبعوا سورة أنزلناها وَفَرَضْناها أي أوجبنا ما فيها من الأحكام، وقرأ الحسن ومجاهد وابن كثير وأبو عمرو: وفرّضناها بالتشديد أي فصّلناها وبيّنّاها، وقيل: هو من الفرض والتشديد على التكثير أي جعلناها فرائض مختلفة، وأوجبناها عليكم وعلى من بعدكم إلى قيام الساعة، وتصديق التخفيف قوله سبحانه إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ [[القصص: 85.]] . وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي إذا كانا حرّين بالغين بكرين غير محصنين فَاجْلِدُوا فاضربوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ رحمة ورقّة. قال الأخفش: رحمة في توجّع وفيها ثلاث لغات: رَأْفَةٌ ساكنة الهمز وقد تخفف الهمزة، وهي قراءة العامة، ورَأَفَةٌ بفتح الهمزة، ورَآفَةٌ مهموزة ممدودة مثل الكتابة، وهما قراءة أهل مكة مثل الشناة والشنآة [[في النسخة الثانية: النشأة والنشآة.]] ، وقيل: القصر على الاسم والمدّ بمعنى المصدر مثل صؤل صآلة، وقبح قباحة، ولم يختلفوا في سورة الحديد أنها ساكنة لأنّ العرب لا تجمع بين أكثر من ثلاث فتحات. واختلف العلماء في معنى الآية فقال قوم: وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فتعطّلوا الحدود ولا تقيموها. روى المعمّر عن عمران قال: قلت لأبي مخلد في هذه الآية: والله إنا لنرحمهم أن يجلد الرجل أو تقطع يده فقال: إنّما ذاك أنّه ليس للسلطان إذا رفعوا إليه أن يدعهم رحمة لهم حتى يقيم عليهم الحدّ، وهذا قول مجاهد وعكرمة وعطاء بن أبي رباح وسعيد بن جبير والنخعي والشعبي وابن زيد وسليمان بن يسار، يدلّ عليه من الآية أنّ الله سبحانه وتعالى أمر بالجلد، وهو ضرب الجلد كالرأس لضرب الرأس فذكر الضرب بلفظ الجلد لئلّا ينكأ [[في النسخة الثانية: يشدخ.]] ولا يبرح ولا تبلغ به اللحم. وروى ابن أبي مليكة عن عبد الله بن عبد الله أنّ عبد الله بن عمر جلد جارية له فقال للجالد: اجلد ظهرها ورجليها وأسفلها وخفّفها، قلت: فأين قول الله سبحانه وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ؟ قال: أفأقتلها؟ إنّ الله أمرني أن أضربها وأؤدّبها ولم يأمرني أن أقتلها. وقال الآخرون: بل معناها وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فتخففوا الضرب ولكن أوجعوهما ضربا، وهو قول سعيد بن المسيّب والحسن. قال الزهري: يجتهد في حدّ الزنا والفرية ويخفّف في حدّ الشراب. وقال قتادة: يخفّف في حدّ الشراب والفرية ويجتهد في الزنا. وقال حمّاد: يحدّ القاذف والشارب وعليهما ثيابهما، وأمّا الزاني فيخلع ثيابه، وتلا هذه الآية. فِي دِينِ اللَّهِ أي في حكم الله نظيره قوله سبحانه ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ [[سورة يوسف: 76.]] . إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما وليحضر حدّيهما إذا أقيم عليهما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اختلفوا في مبلغ عدد الطائفة فقال النخعي ومجاهد: أقلّه رجل واحد فما فوقه، واحتجّا بقوله وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا [[سورة الحجرات: 9.]] الآية. عطاء وعكرمة: رجلان فصاعدا، الزهري: ثلاثة فصاعدا، ابن زيد: أربعة بعدد من يقبل شهادته على الزنى، قتادة: نفر من المسلمين. روى حفص بن غياث عن أشعث عن أبيه قال: أتيت أبا برزة الأسلمي في حاجة وقد أخرج جارية له إلى باب الدار وقد زنت وولدت من الزنا، فألقى عليها ثوبا وأمر ابنه أن يضربها خمسين ضربا غير مبرح، ودعا جماعة ثم قرأ وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا أبو علي بن حنش [[في النسخة الثانية: حبش وهو الموافق لكتب الرجال.]] المقري قال: حدّثنا محمد بن أحمد ابن عثمان قال: حدّثنا إبراهيم بن نصره قال: حدّثنا مسدّد قال: حدّثنا إسماعيل قال: حدّثنا يونس بن عبيد عن حريز بن يزيد البجلي عن أبي زرعة عن عمرو بن حريز عن أبي هريرة قال: إقامة حد بأرض خير لأهلها من مطر أربعين ليلة. وأخبرنا أبو سعيد محمد بن عبد الله بن حمدون قال: حدّثنا أبو نعيم عبد الملك بن محمد ابن عدي قال: أخبرنا العباس بن الوليد بن مزيد البيروتي قال: أخبرني محمد بن شعيب قال: أخبرني معاوية بن يحيى عن سليمان الأعمش عن شقيق بن سلمة عن حذيفة عن رسول الله ﷺ‎ أنّه قال: «يا معشر الناس اتقوا الزنى فإنّ فيه ست خصال، ثلاث في الدنيا وثلاث في الآخرة، فأمّا اللاتي في الدنيا فيذهب البهاء ويورث الفقر وينقص العمر، وأمّا اللاتي في الآخرة فيوجب السخطة وسوء الحساب [[في النسخة الثانية زيادة: محمد بن الفضل بن محمد.]] والخلود في النار» [[كنز العمّال: 5/ 319.]] . وأخبرنا أبو طاهر بن خزيمة قرأه عليه في شهور سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة قال: حدّثنا عبد الله بن محمد بن مسلم قال: حدّثنا عطية بن بقية قال: حدّثنا أبي قال: حدّثني عبّاد بن كثير عن عمران القصير عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ‎: إنّ أعمال أمتي تعرض علىّ في كلّ جمعة مرّتين فاشتدّ غضب الله على الزناة [[تفسير القرطبي: 12/ 167.]] . وأخبرنا أبو عبد الله بن فنجويه قال: حدّثنا إبراهيم بن يزيد [[في النسخة الثانية: وأخبرنا أبو عبد الله بن فنجويه عن أبي علي بن حبيش المقري عن محمد بن أحمد بن هارون بسرّ من رأى، قال أبو بكر محمد بن يعقوب الدينوري، حدثني إبراهيم بن زيد.]] الحرّاني قال: حدّثنا المغيرة ابن سقلاب قال: حدّثنا النضر بن عدي عن وهب بن منبه قال: مكتوب في التوراة: الزاني لا يموت حتى يفتقر، والقوّاد لا يموت حتى يعمى. الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً الآية. اختلف العلماء في معنى الآية وحكمها فقال قوم: قدم المهاجرون المدينة وفيهم فقراء كثير ليست لهم أموال ولا عشائر ولا أهلون، وبالمدينة نساء بغايا مسافحات يكرين أنفسهن وهن يومئذ أخصب أهل المدينة، فرغب في كسبهن ناس من فقراء المسلمين فقالوا: إنّا لو تزوّجنا منهن فعشنا معهن إلى يوم يغنينا الله سبحانه عنهن، فاستأذنوا رسول الله ﷺ‎ في ذلك فنزلت هذه الآية وحرّم فيها نكاح الزانية صيانة للمؤمنين عن ذلك ، وأخبر سبحانه وتعالى أنّ الزانية إنّما ينكحها الزاني والمشرك لأنهنّ كنّ زانيات مشركات، والآية وإن كان ظاهرها خبر فمجازها ينبغي أن يكون كذا كقوله وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً [[سورة آل عمران: 97.]] وقوله سبحانه وتعالى إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ [[العنكبوت: 45.]] يعني ينبغي أن تكون كذلك، وهذا قول مجاهد وعطاء بن أبي رباح وقتادة والزهري والقاسم بن أبي برزه والشعبي وأبي حمزة الثمالي ورواية العوفي عن ابن عباس. وقال عكرمة: نزلت في نساء بغايا متعالمات بمكة والمدينة وكنّ كثيرات ومنهن تسع صواحب رايات، لهن رايات كرايات البيطار يعرفن بها: أمّ مهزول جارية السائب بن أبي السائب المخزومي، وأم عليط جارية صفوان بن أميّة، وحنّة القبطية جارية العاص بن وائل، ومرية جارية مالك بن عميلة بن السباق، وحلالة جارية سهيل بن عمرو، وأم سويد جارية عمرو ابن عثمان المخزومي، وسريفة جارية زمعة بن الأسود، وفرسة جارية هشام بن ربيعة بن حبيب ابن حذيفة، وقرينة جارية هلال بن أنس بن جابر بن نمر، وكانت بيوتهن تسمى المواخير في الجاهلية، لا يدخل عليهن ولا يأتيهن إلّا زان من أهل القبلة أو مشرك من أهل الأوثان وكان الرجل ينكح الزانية في الجاهلية يتخذها مأكله، فأراد ناس من المسلمين نكاحهن على تلك الجهة، واستأذن رجل من المسلمين نبي الله ﷺ‎ في نكاح أم مهزول اشترطت له ان تنفق عليه فأنزل الله سبحانه هذه الآية ونهى المؤمنين عن ذلك وحرّمه عليهم. وقال عمرو بن شعيب: نزلت في مرثد الغنوي وعناق، وكان مرثد رجلا شديدا وكان يقال له دلدل وكان يأتي مكة فيحتمل ضعفه المسلمين الى رسول الله ﷺ‎ وكانت عناق صديقته في الجاهلية، فلمّا أتى مكة دعته عناق الى نفسها فقال مرثد: إنّ الله حرّم الزنا قالت: فأنكحني فقال: حتى أسأل رسول الله ﷺ‎ في ذلك فسأله عنه فأنزل الله سبحانه هذه الآية، وقد مضت القصة في سورة البقرة. وقال آخرون: أراد بالنكاح هاهنا الجماع ومعنى الآية الزاني لا يزني إلّا بزانية أو مشركة والزانية لا يزني بها إلّا زان أو مشرك، وهذا قول سعيد بن جبير والضحاك بن مزاحم وعبد الرّحمن بن زيد ورواية الوالبي عن ابن عباس، أخبرني الحسين بن محمد بن عبد الله قال: حدّثنا أحمد بن محمد بن إسحاق السني قال: أخبرني محمد بن عمران قال: حدّثنا سعيد بن عبد الرّحمن ومحمد بن عبد الله المقري قالا: حدّثنا عبد الله بن الوليد العدني عن سفيان عن حبيب بن أبي عمرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً قال: ليس هذا بالنكاح ولكنه الجماع، لا يزني بها إلّا زان أو مشرك، فكنّى. وأخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا أبو علي بن حبش قال: حدّثني الحسن بن علي بن زكريا قال: حدّثنا الحسن بن علي بن راشد قال: قال لنا يزيد بن هارون: هذا عندي إن جامعها وهو مستحل فهو مشرك، وإن جامعها وهو محرم فهو زان. وقال بعضهم: كان هذا حكم الله في كلّ زان وزانية حتى نسختها الآية التي بعدها وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ [[سورة النور: 32.]] فأحلّ نكاح كل مسلمة وكل مسلم، وهو قول سعيد بن المسيّب أخبرنيه ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شيبة قال: حدّثنا الفريابي قال: حدّثنا قتيبة قال: حدّثنا الليث عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أنّه قال: يزعمون أن تلك الآية الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً نسخت بالآية التي بعدها وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ فدخلت الزانية في أيامى المسلمين. وقال الحسن: معناها المجلود لا ينكح إلّا مجلودة. وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ أي يشتمون المسلمات [[في النسخة الثانية زيادة: وقال الحسن: معنى.]] الحرائر العفائف فيقذفونهن بالزنى ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا على ما رموهن به بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ عدول يشهدون عليهنّ أنهم رأوهنّ يفعلن ذلك فَاجْلِدُوهُمْ يعني القاذفين اضربوا كلّ واحد منهم ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ. ثمّ استثنى فقال عزّ من قائل إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ واختلف العلماء في حكم هذا الاستثناء فقال قوم: هو استثناء من قوله وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وقالوا: إذا تاب القاذف قبلت شهادته وزال عنه اسم الفسق وعادت ولايته حد فيه أو لم يحدّ، وهذا قول الشعبي ومسروق وسليمان بن يسار وسعيد بن جبير وعطاء وطاوس ومجاهد وسعيد بن المسيب وعبد الله بن عتبة والضحّاك، وهو قول أهل الحجاز وإليه ذهب الشافعي. واختلفوا في كيفيّة توبته، فقال بعضهم: هو ان يرجع عن قوله ويكذّب نفسه، وقال آخرون: هي الندم على ما سلف والاستغفار منه وترك العود فيما بقي، فإذا أقيم عليه الحدّ أو عفا المقذوف عنه سقط الحد، وذلك أن القذف حق للمقذوف كالقصاص والجنايات وبالعفو تسقط فإذا عفا عنه فلم يطالبه بالحد، أو مات المقذوف قبل مطالبته بالحد، أو لم يرفع إلى السلطان فلم يحدّ لأجل هذه، أو حدّ ثم تاب وأصلح العمل قبلت شهادته وعادت ولايته، يدلّ عليه ما روى ابن إسحاق عن الزهري عن سعيد بن المسيّب أنّ عمر بن الخطاب رضى الله عنه ضرب الذين شهدوا على المغيرة بن شعبة وهم أبو بكرة وشبل بن معبد ونافع بن الحرث بن كلّدة فحدّهم ثمّ قال لهم: من أكذب نفسه أجزت شهادته فيما استقبل، ومن لم يفعل لم أجز شهادته، فأكذب شبل نفسه ونافع وتابا، وأبى أبو بكرة أن يفعل فكان لا تقبل شهادته. وروى ابن جريج عن عمران بن موسى قال: شهدت عمر بن عبد العزيز أجاز شهادة القاذف ومعه رجل. وقال آخرون: هذا الاستثناء راجع الى قوله وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ فأمّا قوله وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً فقد وصل بالأبد ولا يجوز قبولها أبدا، وهذا قول النخعي وشريح ورواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه. روى الأشعث عن الشعبي قال: جاء خصمان إلى شريح فجاء أحدهما بشاهد قد قطع زناد يده ورجله في قطع الطريق ثم تاب وأصلح، فأجاز شريح شهادته فقال المشهود عليه: أتجيز شهادته عليّ وهو أقطع؟ فقال شريح: كلّ صاحب حدّ إذا أقيم عليه ثم تاب وأصلح فشهادته جائزة إلّا القاذف، فإنّه قضاء من الله أن لا تقبل شهادته أبدا وإنّما توبته فيما بينه وبين الله. وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ أي يقذفونهنّ بالزنا. وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ يشهدون على صحة ما قالوا. إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ قرأ أهل الكوفة أربع بالرفع على الابتداء والخبر، وقرأ الباقون بالنصب على معنى أن يشهد أربع شهادات. وَالْخامِسَةُ يعني والشهادة الخامسة، قراءة العامة بالرفع على الابتداء وخبره في أن. وقرأ حفص بالنصب على معنى ويشهد الشهادة الخامسة. وقرأ نافع ويعقوب وأيوب: إن وأن خفيفتين، لعنةُ وغضبُ مرفوعين، وهي رواية المفضل عن عاصم، وقرأ الباقون: بتشديد النونين وما بعدهما نصب. إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ ويدفع عن الزوجة الحد. أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ يعني الزوج لَمِنَ الْكاذِبِينَ. وَالْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ قرأ نافع: غَضَبَ اللَّهُ مثل سمع الله على الفعل، الباقون على الإسم. وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ جواب لولا محذوف يعني لعاجلكم بالعقوبة وفضحكم ولكنه ستر عليكم ورفع عنكم الحد باللعان حكمة منه ورحمة. فأما سبب نزول الآية، فروى عكرمة عن ابن عباس قال: لمّا نزلت وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً الآية، قال سعد بن عبادة: والله لو أتيت لكاع وقد تفخّذها رجل لم يكن لي أن أهيجه ولا أحركّه حتى آتي بأربعة شهداء! فوالله ما كنت لآتي بأربعة شهداء حتى يفرغ من حاجته ويذهب، فإن قلت ما رأيت، إنّ في ظهري لثمانين جلدة، فقال رسول الله ﷺ‎ [[مسند أحمد: 1/ 238.]] : «يا معشر الأنصار ألا تسمعون ما يقول سيّدكم» ؟ قالوا: لا تلمه فإنه رجل غيور، ما تزوج امرأة قط إلّا بكرا ولا طلّق امرأة له فاجترأ رجل منّا أن يتزوّجها. فقال سعد بن عبادة: يا رسول الله بأبي أنت وأمّي والله إنّي لأعرف أنّها من الله وأنّها حقّ ولكن عجبت من ذلك لما أخبرتك، فقال رسول الله ﷺ‎: «فإنّ الله يأبى إلّا ذاك» ، فقال: صدق الله ورسوله. قال: فلم يلبثوا إلّا يسيرا حتى جاء ابن عم له يقال له هلال بن أميّة من حديقة له، فرأى رجلا مع امرأته يزني بها فأمسك حتى أصبح، فلمّا أصبح غدا على رسول الله ﷺ‎ وهو جالس مع أصحابه فقال: يا رسول الله إنّي جئت أهلي عشاء فوجدت رجلا مع أهلي، رأيت بعيني وسمعت بأذني فكره رسول الله ﷺ‎ ما أتاه به وثقل عليه جدّا حتى عرف ذلك في وجهه. فقال هلال: والله يا رسول الله إني لأرى الكراهية في وجهك مما أتيتك به، والله يعلم أني صادق وما قلت إلّا حقّا وإنّي لأرجو أن يجعل الله فرجا، فهمّ رسول الله ﷺ‎ بضربه. قال: واجتمعت الأنصار فقالوا: ابتلينا بما قال سعد، أيجلد هلال وتبطل شهادته؟ فإنّهم لكذلك ورسول الله ﷺ‎ يريد أن يأمر بضربه إذ نزل عليه الوحي فأمسك أصحابه عن كلامه حين عرفوا أنّ الوحي قد نزل حتى فرغ، فأنزل الله سبحانه وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ إلى آخر الآيات. فقال رسول الله ﷺ‎: «أبشر يا هلال فإنّ الله قد جعل لك فرجا» ، فقال: قد كنت أرجو بذلك من الله تعالى. فقال رسول الله ﷺ‎: «أرسلوا إليها» ، فجاءت فلمّا اجتمعا عند رسول الله ﷺ‎ قيل لها، فكذّبت. فقال رسول الله ﷺ‎: «إنّ الله يعلم أنّ أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟» . فقال هلال: يا رسول الله بأبي وأمّي لقد صدقت وما قلت إلّا حقّا. فقال رسول الله ﷺ‎: «لاعنوا بينهما» ، فقيل لهلال: اشهد، فشهد أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ، فقيل له عند الخامسة: يا هلال اتّق الله فإنّ عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة [[في النسخة الثانية زيادة: وأن عذاب الله أشد من عذاب الناس، وإن هذه الخامسة هي الموجبة التي توجب عليك العذاب.]] ، فقال هلال: والله لا يعذبني الله عليها كما لم يجلدني عليها رسول الله ﷺ‎، فشهد الخامسة أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ. ثم قال للمرأة: اشهدي فشهدت [[في النسخة الثانية زيادة: أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ، فقال لها عند الخامسة ووفقها: اتقي الله فإن في الخامسة موجبة، وإن عذاب الله أشد من عذاب الناس فتلكّأت ساعة وهمت بالاعتراف، ثم قالت: والله لا أفضح قومي فشهدت.]] الخامسة أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ، ففرّق رسول الله ﷺ‎ بينهما وقضى أن الولد لها ولا يدعى لأب ولا يرمى ولدها، ثمّ قال رسول الله ﷺ‎: «إن جاءت به كذا وكذا] فهو لزوجها، وإن جاءت به كذا وكذا] فهو للذي قيل فيه» [20] [[تفسير الطبري: 18/ 108 وما بين معكوفين منه وهو موافق لما في النسخة الثانية (أصفهان) .]] . قال: فجاءت به غلاما كأنه حمل أورق على الشبه المكروه، وكان بعد أميرا بمصر لا يدرى من أبوه. وأخبرنا محمد بن عبدوس قال: أخبرنا محمد بن الحسن قال: أخبرنا علي بن عبد العزيز قال: أخبرنا القاسم بن سلام قال: حدّثنا هيثم عن يونس بن عبيد عن الحسن قال: لمّا نزلت وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ الآية، قال سعد بن عبادة: يا رسول الله أرأيت إن رأى رجل مع امرأته رجلا فقتله يقتلونه، وإن أخبر بما رأى جلد ثمانين أفلا يضربه بالسيف؟ فقال رسول الله ﷺ‎: كفى بالسيف شا ... ، قال: أراد أن يقول شاهدا ثمّ أمسك وقال: لولا ان يتتابع فيه الغيران والسكران، وذكر الحديث [[المصنّف: 9/ 434.]] . وقال ابن عباس في سائر الروايات ومقاتل: لمّا نزلت وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الآية، قرأها النبي ﷺ‎ يوم الجمعة على المنبر فقام عاصم بن عدي الأنصاري فقال: جعلني الله فداك إن رأى رجل منّا مع امرأته رجلا فأخبر بما رأى جلد ثمانين وسمّاه المسلمون فاسقا ولا تقبل شهادته أبدا، فكيف لنا بالشهداء ونحن إذا التمسنا الشهداء كان الرجل قد فرغ من حاجته ومرّ؟ وكان لعاصم هذا ابن عم له يقال له عويمر وله امرأة يقال لها خولة بنت قيس بن محصن فأتى عويمر عاصما فقال: لقد رأيت شريك بن السحماء على بطن امرأتي خولة، فاسترجع عاصم وأتى رسول الله ﷺ‎ في الجمعة الأخرى فقال: يا رسول الله ما أسرع ما ابتليت بالسؤال الذي سألت في الجمعة الماضية في أهل بيتي! فقال رسول الله ﷺ‎: وما ذاك؟ قال: أخبرني عويمر ابن عمّي أنه رأى شريك ابن السحماء على بطن امرأته خولة، وكان عويمر وخولة شريك كلّهم بني عم عاصم، فدعا رسول الله ﷺ‎ بهم جميعا فقال لعويمر: «اتق الله في زوجتك وخليلتك وابنة عمك فلا تقذفها بالبهتان، فقال: يا رسول الله أقسم بالله إني رأيت شريكا على بطنها وإني ما قربتها منذ أربعة أشهر وانها حبلى من غيري. فقال رسول الله ﷺ‎ للمرأة: «اتقي الله ولا تخبري إلّا بما صنعت» ، فقالت: يا رسول الله إنّ عويمرا رجل غيور، وإنه رآني وشريكا نطيل السمر ونتحدث فحملته الغيرة على ما قال. فقال رسول الله ﷺ‎ لشريك: «ما تقول» ؟ قال: ما تقوله المرأة، فأنزل الله سبحانه وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ الآية، فأمر رسول الله ﷺ‎ حتى نودي: الصلاة جامعة، فصلّى العصر ثمّ قال لعويمر: قم فقام فقال: أشهد بالله إنّ خولة لزانية وإنّي لمن الصادقين، ثمّ قال في الرابعة: أشهد بالله إنّي ما قربتها منذ أربعة أشهر وإنّي لمن الصادقين ثمّ قال في الخامسة: لعنة الله على عويمر- يعني نفسه- إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ فيما قال. ثمّ أمره بالقعود وقال لخولة: قومي فقامت فقالت: أشهد بالله ما أنا بزانية وإنّ عويمرا لَمِنَ الْكاذِبِينَ، ثمّ قالت في الثانية: أشهد بالله إنه ما رأى شريكا على بطني وإِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ، ثمّ قالت في الثالثة: أشهد بالله إني حبلى منه وإِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ، ثمّ قالت في الرابعة: أشهد بالله إنه ما رآني قط على فاحشة وإِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ، ثمّ قالت في الخامسة: غَضَبَ اللَّهِ على خولة- تعني نفسها- إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ، ففرق رسول الله ﷺ‎ بينهما وقال: «لولا هذه الأيمان لكان لي في أمرهما رأي، ثمّ قال: تحيّنوا بها الولادة فإن جاءت بأصيهب أثيبج يضرب إلى السواد فهو لشريك بن السحماء، وإن جاءت بأورق جعد حمش حدلج الساقين فهو لغير الذي رميت به» [21] . قال ابن عباس: فجاءت بأشبه خلق الله بشريك [[سنن ابن ماجة بتفاوت: 1/ 668، ح/ 2067.]] . ذكر حكم الآية إذا قذف الرجل زوجته بالزنا لزمه الحدّ وله التخلّص منه بإقامة البيّنة على زناها أو باللعان، فإن أقام البيّنة حقّق الزنا ولزمها الحدّ، وان التعن حقّق عليها الزنا ولها التخلص منه باللعان، فإن التعنت وإلّا لزمها الحدّ، وللزوج ان يلتعن سواء كان متمكّنا من البيّنة أو غير متمكّن منها، ويصح اللعان من كلّ زوج مكلّف حرا كان أو عبدا، مسلما كان أو كافرا، فكلّ من صحّت يمينه صحّ قذفه ولعانه. وقال أهل العراق: اللعان بين كلّ حرّين بالغين ولا يصحّ اللعان إلّا عند الحاكم أو خليفته، فإذا لاعن بينهما غلّظ عليهما بأربعة أشياء عدد الألفاظ، والمكان، والوقت، وجمع الناس. فأمّا اللفظ فأربع شهادات والخامسة ذكر اللعنة للرجل وذكر الغضب للمرأة، وقد مضت كيفية ذلك، وأمّا المكان فإنه يقصد أشرف البقاع بالبلدان إن كان بمكة فعند الركن والمقام، وإن كان بالمدينة فعند المنبر، وإن كان ببيت المقدس ففي مسجدها، وإن كان في سائر البلدان ففي مساجدها، وإن كانا كافرين بعث بهما إلى الموضع الذي يعتقدان تعظيمه، إن كانا يهوديين بالكنيسة وإن كانا نصرانيين فبالبيعة، وإن كانا مجوسيين ففي بيت النار، وإن كانا لا دين لهما مثل الوثنيين فإنه يلاعن بينهما في مجلس حكمه. وأما الوقت، فإنّه بعد صلاة العصر. وأمّا العدد، فيحتاج أن يكون هناك أربعة أنفس فصاعدا، فاللفظ وجمع الناس مشروطان، والمكان والزمان مستحبّان، فإذا تلاعنا تعلّق باللعان أربعة أحكام: سقوط الحدّ، ونفي الولد، وزوال الفراش، ووقوع التحريم المؤبّد، وكلّ هذا يتعلّق بلعان الزوج، فأمّا لعان المرأة فإنه يسقط به الحدّ فقط، فإن أكذب الرجل نفسه فإنه يعود ما عليه ولا يعود ماله في الحدّ والنسب عليه فيعودان. وأما التحريم والفراش فإنهما له فلا يعودان، وفرقة اللعان هي فسخ لأنه جاء بفعل من قبل المرأة. وقال أبو حنيفة وسفيان: اللعان تطليقة بائنة لأنه من قبل الرجل بدءا، والله أعلم.

النور 24:2

مدنيّة، وهي خمسة آلاف وستمائة وثمانون حرفا، وألف وثلاثمائة وست عشرة كلمة، وأربع وستّون آية أخبرنا [أبو الحسين] الخبازي قال: حدّثنا ابن حبان قال: أخبرنا محمد بن علي الفرقدي قال: حدّثنا إسماعيل بن عمرو قال: حدّثنا يوسف بن عطيّة قال: حدّثنا هارون بن كثير قال: حدّثنا زيد بن أسلم عن أبيه عن أبي أمامة عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ‎: «من قرأ سورة النور أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد كلّ مؤمن فيما مضى وفيما بقي» [[تفسير مجمع البيان: 7/ 216.]] [19] . وأخبرني الحسين بن محمد بن فنجويه قال: حدّثنا عبيد الله بن محمد بن شيبة قال: حدّثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم الكرابيسي قال: حدّثنا سلمان بن توبة أبو داود الأنصاري قال: حدّثنا محمد بن إبراهيم الشامي قال: حدّثنا شعيب بن إسحاق عن هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها وعن أبيها قالت: قال رسول الله ﷺ‎: «لا تنزلوا النساء الغرف، ولا تعلّموهن الكتابة، وعلّموهن المغزل، وسورة النور» [[زاد المسير لابن الجوزي: 5/ 339.]] . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ سُورَةٌ أَنْزَلْناها قراءة العامة بالرفع: هذه سورة لأنّ العرب لا تبتدئ بالنكرة، هذا قول الخليل، وقال الأخفش: سُورَةٌ ابتداء وخبره في أَنْزَلْناها، وقرأ طلحة بن مصرف [[في النسخة الثانية: مضرف]] : سُورَةً بالنصب على معنى أنزلنا سورة، والكناية صلة زائدة، وقيل: اتّبعوا سورة أنزلناها وَفَرَضْناها أي أوجبنا ما فيها من الأحكام، وقرأ الحسن ومجاهد وابن كثير وأبو عمرو: وفرّضناها بالتشديد أي فصّلناها وبيّنّاها، وقيل: هو من الفرض والتشديد على التكثير أي جعلناها فرائض مختلفة، وأوجبناها عليكم وعلى من بعدكم إلى قيام الساعة، وتصديق التخفيف قوله سبحانه إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ [[القصص: 85.]] . وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي إذا كانا حرّين بالغين بكرين غير محصنين فَاجْلِدُوا فاضربوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ رحمة ورقّة. قال الأخفش: رحمة في توجّع وفيها ثلاث لغات: رَأْفَةٌ ساكنة الهمز وقد تخفف الهمزة، وهي قراءة العامة، ورَأَفَةٌ بفتح الهمزة، ورَآفَةٌ مهموزة ممدودة مثل الكتابة، وهما قراءة أهل مكة مثل الشناة والشنآة [[في النسخة الثانية: النشأة والنشآة.]] ، وقيل: القصر على الاسم والمدّ بمعنى المصدر مثل صؤل صآلة، وقبح قباحة، ولم يختلفوا في سورة الحديد أنها ساكنة لأنّ العرب لا تجمع بين أكثر من ثلاث فتحات. واختلف العلماء في معنى الآية فقال قوم: وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فتعطّلوا الحدود ولا تقيموها. روى المعمّر عن عمران قال: قلت لأبي مخلد في هذه الآية: والله إنا لنرحمهم أن يجلد الرجل أو تقطع يده فقال: إنّما ذاك أنّه ليس للسلطان إذا رفعوا إليه أن يدعهم رحمة لهم حتى يقيم عليهم الحدّ، وهذا قول مجاهد وعكرمة وعطاء بن أبي رباح وسعيد بن جبير والنخعي والشعبي وابن زيد وسليمان بن يسار، يدلّ عليه من الآية أنّ الله سبحانه وتعالى أمر بالجلد، وهو ضرب الجلد كالرأس لضرب الرأس فذكر الضرب بلفظ الجلد لئلّا ينكأ [[في النسخة الثانية: يشدخ.]] ولا يبرح ولا تبلغ به اللحم. وروى ابن أبي مليكة عن عبد الله بن عبد الله أنّ عبد الله بن عمر جلد جارية له فقال للجالد: اجلد ظهرها ورجليها وأسفلها وخفّفها، قلت: فأين قول الله سبحانه وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ؟ قال: أفأقتلها؟ إنّ الله أمرني أن أضربها وأؤدّبها ولم يأمرني أن أقتلها. وقال الآخرون: بل معناها وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فتخففوا الضرب ولكن أوجعوهما ضربا، وهو قول سعيد بن المسيّب والحسن. قال الزهري: يجتهد في حدّ الزنا والفرية ويخفّف في حدّ الشراب. وقال قتادة: يخفّف في حدّ الشراب والفرية ويجتهد في الزنا. وقال حمّاد: يحدّ القاذف والشارب وعليهما ثيابهما، وأمّا الزاني فيخلع ثيابه، وتلا هذه الآية. فِي دِينِ اللَّهِ أي في حكم الله نظيره قوله سبحانه ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ [[سورة يوسف: 76.]] . إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما وليحضر حدّيهما إذا أقيم عليهما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اختلفوا في مبلغ عدد الطائفة فقال النخعي ومجاهد: أقلّه رجل واحد فما فوقه، واحتجّا بقوله وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا [[سورة الحجرات: 9.]] الآية. عطاء وعكرمة: رجلان فصاعدا، الزهري: ثلاثة فصاعدا، ابن زيد: أربعة بعدد من يقبل شهادته على الزنى، قتادة: نفر من المسلمين. روى حفص بن غياث عن أشعث عن أبيه قال: أتيت أبا برزة الأسلمي في حاجة وقد أخرج جارية له إلى باب الدار وقد زنت وولدت من الزنا، فألقى عليها ثوبا وأمر ابنه أن يضربها خمسين ضربا غير مبرح، ودعا جماعة ثم قرأ وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا أبو علي بن حنش [[في النسخة الثانية: حبش وهو الموافق لكتب الرجال.]] المقري قال: حدّثنا محمد بن أحمد ابن عثمان قال: حدّثنا إبراهيم بن نصره قال: حدّثنا مسدّد قال: حدّثنا إسماعيل قال: حدّثنا يونس بن عبيد عن حريز بن يزيد البجلي عن أبي زرعة عن عمرو بن حريز عن أبي هريرة قال: إقامة حد بأرض خير لأهلها من مطر أربعين ليلة. وأخبرنا أبو سعيد محمد بن عبد الله بن حمدون قال: حدّثنا أبو نعيم عبد الملك بن محمد ابن عدي قال: أخبرنا العباس بن الوليد بن مزيد البيروتي قال: أخبرني محمد بن شعيب قال: أخبرني معاوية بن يحيى عن سليمان الأعمش عن شقيق بن سلمة عن حذيفة عن رسول الله ﷺ‎ أنّه قال: «يا معشر الناس اتقوا الزنى فإنّ فيه ست خصال، ثلاث في الدنيا وثلاث في الآخرة، فأمّا اللاتي في الدنيا فيذهب البهاء ويورث الفقر وينقص العمر، وأمّا اللاتي في الآخرة فيوجب السخطة وسوء الحساب [[في النسخة الثانية زيادة: محمد بن الفضل بن محمد.]] والخلود في النار» [[كنز العمّال: 5/ 319.]] . وأخبرنا أبو طاهر بن خزيمة قرأه عليه في شهور سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة قال: حدّثنا عبد الله بن محمد بن مسلم قال: حدّثنا عطية بن بقية قال: حدّثنا أبي قال: حدّثني عبّاد بن كثير عن عمران القصير عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ‎: إنّ أعمال أمتي تعرض علىّ في كلّ جمعة مرّتين فاشتدّ غضب الله على الزناة [[تفسير القرطبي: 12/ 167.]] . وأخبرنا أبو عبد الله بن فنجويه قال: حدّثنا إبراهيم بن يزيد [[في النسخة الثانية: وأخبرنا أبو عبد الله بن فنجويه عن أبي علي بن حبيش المقري عن محمد بن أحمد بن هارون بسرّ من رأى، قال أبو بكر محمد بن يعقوب الدينوري، حدثني إبراهيم بن زيد.]] الحرّاني قال: حدّثنا المغيرة ابن سقلاب قال: حدّثنا النضر بن عدي عن وهب بن منبه قال: مكتوب في التوراة: الزاني لا يموت حتى يفتقر، والقوّاد لا يموت حتى يعمى. الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً الآية. اختلف العلماء في معنى الآية وحكمها فقال قوم: قدم المهاجرون المدينة وفيهم فقراء كثير ليست لهم أموال ولا عشائر ولا أهلون، وبالمدينة نساء بغايا مسافحات يكرين أنفسهن وهن يومئذ أخصب أهل المدينة، فرغب في كسبهن ناس من فقراء المسلمين فقالوا: إنّا لو تزوّجنا منهن فعشنا معهن إلى يوم يغنينا الله سبحانه عنهن، فاستأذنوا رسول الله ﷺ‎ في ذلك فنزلت هذه الآية وحرّم فيها نكاح الزانية صيانة للمؤمنين عن ذلك ، وأخبر سبحانه وتعالى أنّ الزانية إنّما ينكحها الزاني والمشرك لأنهنّ كنّ زانيات مشركات، والآية وإن كان ظاهرها خبر فمجازها ينبغي أن يكون كذا كقوله وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً [[سورة آل عمران: 97.]] وقوله سبحانه وتعالى إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ [[العنكبوت: 45.]] يعني ينبغي أن تكون كذلك، وهذا قول مجاهد وعطاء بن أبي رباح وقتادة والزهري والقاسم بن أبي برزه والشعبي وأبي حمزة الثمالي ورواية العوفي عن ابن عباس. وقال عكرمة: نزلت في نساء بغايا متعالمات بمكة والمدينة وكنّ كثيرات ومنهن تسع صواحب رايات، لهن رايات كرايات البيطار يعرفن بها: أمّ مهزول جارية السائب بن أبي السائب المخزومي، وأم عليط جارية صفوان بن أميّة، وحنّة القبطية جارية العاص بن وائل، ومرية جارية مالك بن عميلة بن السباق، وحلالة جارية سهيل بن عمرو، وأم سويد جارية عمرو ابن عثمان المخزومي، وسريفة جارية زمعة بن الأسود، وفرسة جارية هشام بن ربيعة بن حبيب ابن حذيفة، وقرينة جارية هلال بن أنس بن جابر بن نمر، وكانت بيوتهن تسمى المواخير في الجاهلية، لا يدخل عليهن ولا يأتيهن إلّا زان من أهل القبلة أو مشرك من أهل الأوثان وكان الرجل ينكح الزانية في الجاهلية يتخذها مأكله، فأراد ناس من المسلمين نكاحهن على تلك الجهة، واستأذن رجل من المسلمين نبي الله ﷺ‎ في نكاح أم مهزول اشترطت له ان تنفق عليه فأنزل الله سبحانه هذه الآية ونهى المؤمنين عن ذلك وحرّمه عليهم. وقال عمرو بن شعيب: نزلت في مرثد الغنوي وعناق، وكان مرثد رجلا شديدا وكان يقال له دلدل وكان يأتي مكة فيحتمل ضعفه المسلمين الى رسول الله ﷺ‎ وكانت عناق صديقته في الجاهلية، فلمّا أتى مكة دعته عناق الى نفسها فقال مرثد: إنّ الله حرّم الزنا قالت: فأنكحني فقال: حتى أسأل رسول الله ﷺ‎ في ذلك فسأله عنه فأنزل الله سبحانه هذه الآية، وقد مضت القصة في سورة البقرة. وقال آخرون: أراد بالنكاح هاهنا الجماع ومعنى الآية الزاني لا يزني إلّا بزانية أو مشركة والزانية لا يزني بها إلّا زان أو مشرك، وهذا قول سعيد بن جبير والضحاك بن مزاحم وعبد الرّحمن بن زيد ورواية الوالبي عن ابن عباس، أخبرني الحسين بن محمد بن عبد الله قال: حدّثنا أحمد بن محمد بن إسحاق السني قال: أخبرني محمد بن عمران قال: حدّثنا سعيد بن عبد الرّحمن ومحمد بن عبد الله المقري قالا: حدّثنا عبد الله بن الوليد العدني عن سفيان عن حبيب بن أبي عمرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً قال: ليس هذا بالنكاح ولكنه الجماع، لا يزني بها إلّا زان أو مشرك، فكنّى. وأخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا أبو علي بن حبش قال: حدّثني الحسن بن علي بن زكريا قال: حدّثنا الحسن بن علي بن راشد قال: قال لنا يزيد بن هارون: هذا عندي إن جامعها وهو مستحل فهو مشرك، وإن جامعها وهو محرم فهو زان. وقال بعضهم: كان هذا حكم الله في كلّ زان وزانية حتى نسختها الآية التي بعدها وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ [[سورة النور: 32.]] فأحلّ نكاح كل مسلمة وكل مسلم، وهو قول سعيد بن المسيّب أخبرنيه ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شيبة قال: حدّثنا الفريابي قال: حدّثنا قتيبة قال: حدّثنا الليث عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أنّه قال: يزعمون أن تلك الآية الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً نسخت بالآية التي بعدها وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ فدخلت الزانية في أيامى المسلمين. وقال الحسن: معناها المجلود لا ينكح إلّا مجلودة. وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ أي يشتمون المسلمات [[في النسخة الثانية زيادة: وقال الحسن: معنى.]] الحرائر العفائف فيقذفونهن بالزنى ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا على ما رموهن به بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ عدول يشهدون عليهنّ أنهم رأوهنّ يفعلن ذلك فَاجْلِدُوهُمْ يعني القاذفين اضربوا كلّ واحد منهم ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ. ثمّ استثنى فقال عزّ من قائل إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ واختلف العلماء في حكم هذا الاستثناء فقال قوم: هو استثناء من قوله وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وقالوا: إذا تاب القاذف قبلت شهادته وزال عنه اسم الفسق وعادت ولايته حد فيه أو لم يحدّ، وهذا قول الشعبي ومسروق وسليمان بن يسار وسعيد بن جبير وعطاء وطاوس ومجاهد وسعيد بن المسيب وعبد الله بن عتبة والضحّاك، وهو قول أهل الحجاز وإليه ذهب الشافعي. واختلفوا في كيفيّة توبته، فقال بعضهم: هو ان يرجع عن قوله ويكذّب نفسه، وقال آخرون: هي الندم على ما سلف والاستغفار منه وترك العود فيما بقي، فإذا أقيم عليه الحدّ أو عفا المقذوف عنه سقط الحد، وذلك أن القذف حق للمقذوف كالقصاص والجنايات وبالعفو تسقط فإذا عفا عنه فلم يطالبه بالحد، أو مات المقذوف قبل مطالبته بالحد، أو لم يرفع إلى السلطان فلم يحدّ لأجل هذه، أو حدّ ثم تاب وأصلح العمل قبلت شهادته وعادت ولايته، يدلّ عليه ما روى ابن إسحاق عن الزهري عن سعيد بن المسيّب أنّ عمر بن الخطاب رضى الله عنه ضرب الذين شهدوا على المغيرة بن شعبة وهم أبو بكرة وشبل بن معبد ونافع بن الحرث بن كلّدة فحدّهم ثمّ قال لهم: من أكذب نفسه أجزت شهادته فيما استقبل، ومن لم يفعل لم أجز شهادته، فأكذب شبل نفسه ونافع وتابا، وأبى أبو بكرة أن يفعل فكان لا تقبل شهادته. وروى ابن جريج عن عمران بن موسى قال: شهدت عمر بن عبد العزيز أجاز شهادة القاذف ومعه رجل. وقال آخرون: هذا الاستثناء راجع الى قوله وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ فأمّا قوله وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً فقد وصل بالأبد ولا يجوز قبولها أبدا، وهذا قول النخعي وشريح ورواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه. روى الأشعث عن الشعبي قال: جاء خصمان إلى شريح فجاء أحدهما بشاهد قد قطع زناد يده ورجله في قطع الطريق ثم تاب وأصلح، فأجاز شريح شهادته فقال المشهود عليه: أتجيز شهادته عليّ وهو أقطع؟ فقال شريح: كلّ صاحب حدّ إذا أقيم عليه ثم تاب وأصلح فشهادته جائزة إلّا القاذف، فإنّه قضاء من الله أن لا تقبل شهادته أبدا وإنّما توبته فيما بينه وبين الله. وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ أي يقذفونهنّ بالزنا. وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ يشهدون على صحة ما قالوا. إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ قرأ أهل الكوفة أربع بالرفع على الابتداء والخبر، وقرأ الباقون بالنصب على معنى أن يشهد أربع شهادات. وَالْخامِسَةُ يعني والشهادة الخامسة، قراءة العامة بالرفع على الابتداء وخبره في أن. وقرأ حفص بالنصب على معنى ويشهد الشهادة الخامسة. وقرأ نافع ويعقوب وأيوب: إن وأن خفيفتين، لعنةُ وغضبُ مرفوعين، وهي رواية المفضل عن عاصم، وقرأ الباقون: بتشديد النونين وما بعدهما نصب. إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ ويدفع عن الزوجة الحد. أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ يعني الزوج لَمِنَ الْكاذِبِينَ. وَالْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ قرأ نافع: غَضَبَ اللَّهُ مثل سمع الله على الفعل، الباقون على الإسم. وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ جواب لولا محذوف يعني لعاجلكم بالعقوبة وفضحكم ولكنه ستر عليكم ورفع عنكم الحد باللعان حكمة منه ورحمة. فأما سبب نزول الآية، فروى عكرمة عن ابن عباس قال: لمّا نزلت وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً الآية، قال سعد بن عبادة: والله لو أتيت لكاع وقد تفخّذها رجل لم يكن لي أن أهيجه ولا أحركّه حتى آتي بأربعة شهداء! فوالله ما كنت لآتي بأربعة شهداء حتى يفرغ من حاجته ويذهب، فإن قلت ما رأيت، إنّ في ظهري لثمانين جلدة، فقال رسول الله ﷺ‎ [[مسند أحمد: 1/ 238.]] : «يا معشر الأنصار ألا تسمعون ما يقول سيّدكم» ؟ قالوا: لا تلمه فإنه رجل غيور، ما تزوج امرأة قط إلّا بكرا ولا طلّق امرأة له فاجترأ رجل منّا أن يتزوّجها. فقال سعد بن عبادة: يا رسول الله بأبي أنت وأمّي والله إنّي لأعرف أنّها من الله وأنّها حقّ ولكن عجبت من ذلك لما أخبرتك، فقال رسول الله ﷺ‎: «فإنّ الله يأبى إلّا ذاك» ، فقال: صدق الله ورسوله. قال: فلم يلبثوا إلّا يسيرا حتى جاء ابن عم له يقال له هلال بن أميّة من حديقة له، فرأى رجلا مع امرأته يزني بها فأمسك حتى أصبح، فلمّا أصبح غدا على رسول الله ﷺ‎ وهو جالس مع أصحابه فقال: يا رسول الله إنّي جئت أهلي عشاء فوجدت رجلا مع أهلي، رأيت بعيني وسمعت بأذني فكره رسول الله ﷺ‎ ما أتاه به وثقل عليه جدّا حتى عرف ذلك في وجهه. فقال هلال: والله يا رسول الله إني لأرى الكراهية في وجهك مما أتيتك به، والله يعلم أني صادق وما قلت إلّا حقّا وإنّي لأرجو أن يجعل الله فرجا، فهمّ رسول الله ﷺ‎ بضربه. قال: واجتمعت الأنصار فقالوا: ابتلينا بما قال سعد، أيجلد هلال وتبطل شهادته؟ فإنّهم لكذلك ورسول الله ﷺ‎ يريد أن يأمر بضربه إذ نزل عليه الوحي فأمسك أصحابه عن كلامه حين عرفوا أنّ الوحي قد نزل حتى فرغ، فأنزل الله سبحانه وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ إلى آخر الآيات. فقال رسول الله ﷺ‎: «أبشر يا هلال فإنّ الله قد جعل لك فرجا» ، فقال: قد كنت أرجو بذلك من الله تعالى. فقال رسول الله ﷺ‎: «أرسلوا إليها» ، فجاءت فلمّا اجتمعا عند رسول الله ﷺ‎ قيل لها، فكذّبت. فقال رسول الله ﷺ‎: «إنّ الله يعلم أنّ أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟» . فقال هلال: يا رسول الله بأبي وأمّي لقد صدقت وما قلت إلّا حقّا. فقال رسول الله ﷺ‎: «لاعنوا بينهما» ، فقيل لهلال: اشهد، فشهد أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ، فقيل له عند الخامسة: يا هلال اتّق الله فإنّ عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة [[في النسخة الثانية زيادة: وأن عذاب الله أشد من عذاب الناس، وإن هذه الخامسة هي الموجبة التي توجب عليك العذاب.]] ، فقال هلال: والله لا يعذبني الله عليها كما لم يجلدني عليها رسول الله ﷺ‎، فشهد الخامسة أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ. ثم قال للمرأة: اشهدي فشهدت [[في النسخة الثانية زيادة: أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ، فقال لها عند الخامسة ووفقها: اتقي الله فإن في الخامسة موجبة، وإن عذاب الله أشد من عذاب الناس فتلكّأت ساعة وهمت بالاعتراف، ثم قالت: والله لا أفضح قومي فشهدت.]] الخامسة أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ، ففرّق رسول الله ﷺ‎ بينهما وقضى أن الولد لها ولا يدعى لأب ولا يرمى ولدها، ثمّ قال رسول الله ﷺ‎: «إن جاءت به كذا وكذا] فهو لزوجها، وإن جاءت به كذا وكذا] فهو للذي قيل فيه» [20] [[تفسير الطبري: 18/ 108 وما بين معكوفين منه وهو موافق لما في النسخة الثانية (أصفهان) .]] . قال: فجاءت به غلاما كأنه حمل أورق على الشبه المكروه، وكان بعد أميرا بمصر لا يدرى من أبوه. وأخبرنا محمد بن عبدوس قال: أخبرنا محمد بن الحسن قال: أخبرنا علي بن عبد العزيز قال: أخبرنا القاسم بن سلام قال: حدّثنا هيثم عن يونس بن عبيد عن الحسن قال: لمّا نزلت وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ الآية، قال سعد بن عبادة: يا رسول الله أرأيت إن رأى رجل مع امرأته رجلا فقتله يقتلونه، وإن أخبر بما رأى جلد ثمانين أفلا يضربه بالسيف؟ فقال رسول الله ﷺ‎: كفى بالسيف شا ... ، قال: أراد أن يقول شاهدا ثمّ أمسك وقال: لولا ان يتتابع فيه الغيران والسكران، وذكر الحديث [[المصنّف: 9/ 434.]] . وقال ابن عباس في سائر الروايات ومقاتل: لمّا نزلت وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الآية، قرأها النبي ﷺ‎ يوم الجمعة على المنبر فقام عاصم بن عدي الأنصاري فقال: جعلني الله فداك إن رأى رجل منّا مع امرأته رجلا فأخبر بما رأى جلد ثمانين وسمّاه المسلمون فاسقا ولا تقبل شهادته أبدا، فكيف لنا بالشهداء ونحن إذا التمسنا الشهداء كان الرجل قد فرغ من حاجته ومرّ؟ وكان لعاصم هذا ابن عم له يقال له عويمر وله امرأة يقال لها خولة بنت قيس بن محصن فأتى عويمر عاصما فقال: لقد رأيت شريك بن السحماء على بطن امرأتي خولة، فاسترجع عاصم وأتى رسول الله ﷺ‎ في الجمعة الأخرى فقال: يا رسول الله ما أسرع ما ابتليت بالسؤال الذي سألت في الجمعة الماضية في أهل بيتي! فقال رسول الله ﷺ‎: وما ذاك؟ قال: أخبرني عويمر ابن عمّي أنه رأى شريك ابن السحماء على بطن امرأته خولة، وكان عويمر وخولة شريك كلّهم بني عم عاصم، فدعا رسول الله ﷺ‎ بهم جميعا فقال لعويمر: «اتق الله في زوجتك وخليلتك وابنة عمك فلا تقذفها بالبهتان، فقال: يا رسول الله أقسم بالله إني رأيت شريكا على بطنها وإني ما قربتها منذ أربعة أشهر وانها حبلى من غيري. فقال رسول الله ﷺ‎ للمرأة: «اتقي الله ولا تخبري إلّا بما صنعت» ، فقالت: يا رسول الله إنّ عويمرا رجل غيور، وإنه رآني وشريكا نطيل السمر ونتحدث فحملته الغيرة على ما قال. فقال رسول الله ﷺ‎ لشريك: «ما تقول» ؟ قال: ما تقوله المرأة، فأنزل الله سبحانه وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ الآية، فأمر رسول الله ﷺ‎ حتى نودي: الصلاة جامعة، فصلّى العصر ثمّ قال لعويمر: قم فقام فقال: أشهد بالله إنّ خولة لزانية وإنّي لمن الصادقين، ثمّ قال في الرابعة: أشهد بالله إنّي ما قربتها منذ أربعة أشهر وإنّي لمن الصادقين ثمّ قال في الخامسة: لعنة الله على عويمر- يعني نفسه- إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ فيما قال. ثمّ أمره بالقعود وقال لخولة: قومي فقامت فقالت: أشهد بالله ما أنا بزانية وإنّ عويمرا لَمِنَ الْكاذِبِينَ، ثمّ قالت في الثانية: أشهد بالله إنه ما رأى شريكا على بطني وإِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ، ثمّ قالت في الثالثة: أشهد بالله إني حبلى منه وإِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ، ثمّ قالت في الرابعة: أشهد بالله إنه ما رآني قط على فاحشة وإِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ، ثمّ قالت في الخامسة: غَضَبَ اللَّهِ على خولة- تعني نفسها- إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ، ففرق رسول الله ﷺ‎ بينهما وقال: «لولا هذه الأيمان لكان لي في أمرهما رأي، ثمّ قال: تحيّنوا بها الولادة فإن جاءت بأصيهب أثيبج يضرب إلى السواد فهو لشريك بن السحماء، وإن جاءت بأورق جعد حمش حدلج الساقين فهو لغير الذي رميت به» [21] . قال ابن عباس: فجاءت بأشبه خلق الله بشريك [[سنن ابن ماجة بتفاوت: 1/ 668، ح/ 2067.]] . ذكر حكم الآية إذا قذف الرجل زوجته بالزنا لزمه الحدّ وله التخلّص منه بإقامة البيّنة على زناها أو باللعان، فإن أقام البيّنة حقّق الزنا ولزمها الحدّ، وان التعن حقّق عليها الزنا ولها التخلص منه باللعان، فإن التعنت وإلّا لزمها الحدّ، وللزوج ان يلتعن سواء كان متمكّنا من البيّنة أو غير متمكّن منها، ويصح اللعان من كلّ زوج مكلّف حرا كان أو عبدا، مسلما كان أو كافرا، فكلّ من صحّت يمينه صحّ قذفه ولعانه. وقال أهل العراق: اللعان بين كلّ حرّين بالغين ولا يصحّ اللعان إلّا عند الحاكم أو خليفته، فإذا لاعن بينهما غلّظ عليهما بأربعة أشياء عدد الألفاظ، والمكان، والوقت، وجمع الناس. فأمّا اللفظ فأربع شهادات والخامسة ذكر اللعنة للرجل وذكر الغضب للمرأة، وقد مضت كيفية ذلك، وأمّا المكان فإنه يقصد أشرف البقاع بالبلدان إن كان بمكة فعند الركن والمقام، وإن كان بالمدينة فعند المنبر، وإن كان ببيت المقدس ففي مسجدها، وإن كان في سائر البلدان ففي مساجدها، وإن كانا كافرين بعث بهما إلى الموضع الذي يعتقدان تعظيمه، إن كانا يهوديين بالكنيسة وإن كانا نصرانيين فبالبيعة، وإن كانا مجوسيين ففي بيت النار، وإن كانا لا دين لهما مثل الوثنيين فإنه يلاعن بينهما في مجلس حكمه. وأما الوقت، فإنّه بعد صلاة العصر. وأمّا العدد، فيحتاج أن يكون هناك أربعة أنفس فصاعدا، فاللفظ وجمع الناس مشروطان، والمكان والزمان مستحبّان، فإذا تلاعنا تعلّق باللعان أربعة أحكام: سقوط الحدّ، ونفي الولد، وزوال الفراش، ووقوع التحريم المؤبّد، وكلّ هذا يتعلّق بلعان الزوج، فأمّا لعان المرأة فإنه يسقط به الحدّ فقط، فإن أكذب الرجل نفسه فإنه يعود ما عليه ولا يعود ماله في الحدّ والنسب عليه فيعودان. وأما التحريم والفراش فإنهما له فلا يعودان، وفرقة اللعان هي فسخ لأنه جاء بفعل من قبل المرأة. وقال أبو حنيفة وسفيان: اللعان تطليقة بائنة لأنه من قبل الرجل بدءا، والله أعلم.

النور 24:3

مدنيّة، وهي خمسة آلاف وستمائة وثمانون حرفا، وألف وثلاثمائة وست عشرة كلمة، وأربع وستّون آية أخبرنا [أبو الحسين] الخبازي قال: حدّثنا ابن حبان قال: أخبرنا محمد بن علي الفرقدي قال: حدّثنا إسماعيل بن عمرو قال: حدّثنا يوسف بن عطيّة قال: حدّثنا هارون بن كثير قال: حدّثنا زيد بن أسلم عن أبيه عن أبي أمامة عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ‎: «من قرأ سورة النور أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد كلّ مؤمن فيما مضى وفيما بقي» [[تفسير مجمع البيان: 7/ 216.]] [19] . وأخبرني الحسين بن محمد بن فنجويه قال: حدّثنا عبيد الله بن محمد بن شيبة قال: حدّثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم الكرابيسي قال: حدّثنا سلمان بن توبة أبو داود الأنصاري قال: حدّثنا محمد بن إبراهيم الشامي قال: حدّثنا شعيب بن إسحاق عن هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها وعن أبيها قالت: قال رسول الله ﷺ‎: «لا تنزلوا النساء الغرف، ولا تعلّموهن الكتابة، وعلّموهن المغزل، وسورة النور» [[زاد المسير لابن الجوزي: 5/ 339.]] . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ سُورَةٌ أَنْزَلْناها قراءة العامة بالرفع: هذه سورة لأنّ العرب لا تبتدئ بالنكرة، هذا قول الخليل، وقال الأخفش: سُورَةٌ ابتداء وخبره في أَنْزَلْناها، وقرأ طلحة بن مصرف [[في النسخة الثانية: مضرف]] : سُورَةً بالنصب على معنى أنزلنا سورة، والكناية صلة زائدة، وقيل: اتّبعوا سورة أنزلناها وَفَرَضْناها أي أوجبنا ما فيها من الأحكام، وقرأ الحسن ومجاهد وابن كثير وأبو عمرو: وفرّضناها بالتشديد أي فصّلناها وبيّنّاها، وقيل: هو من الفرض والتشديد على التكثير أي جعلناها فرائض مختلفة، وأوجبناها عليكم وعلى من بعدكم إلى قيام الساعة، وتصديق التخفيف قوله سبحانه إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ [[القصص: 85.]] . وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي إذا كانا حرّين بالغين بكرين غير محصنين فَاجْلِدُوا فاضربوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ رحمة ورقّة. قال الأخفش: رحمة في توجّع وفيها ثلاث لغات: رَأْفَةٌ ساكنة الهمز وقد تخفف الهمزة، وهي قراءة العامة، ورَأَفَةٌ بفتح الهمزة، ورَآفَةٌ مهموزة ممدودة مثل الكتابة، وهما قراءة أهل مكة مثل الشناة والشنآة [[في النسخة الثانية: النشأة والنشآة.]] ، وقيل: القصر على الاسم والمدّ بمعنى المصدر مثل صؤل صآلة، وقبح قباحة، ولم يختلفوا في سورة الحديد أنها ساكنة لأنّ العرب لا تجمع بين أكثر من ثلاث فتحات. واختلف العلماء في معنى الآية فقال قوم: وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فتعطّلوا الحدود ولا تقيموها. روى المعمّر عن عمران قال: قلت لأبي مخلد في هذه الآية: والله إنا لنرحمهم أن يجلد الرجل أو تقطع يده فقال: إنّما ذاك أنّه ليس للسلطان إذا رفعوا إليه أن يدعهم رحمة لهم حتى يقيم عليهم الحدّ، وهذا قول مجاهد وعكرمة وعطاء بن أبي رباح وسعيد بن جبير والنخعي والشعبي وابن زيد وسليمان بن يسار، يدلّ عليه من الآية أنّ الله سبحانه وتعالى أمر بالجلد، وهو ضرب الجلد كالرأس لضرب الرأس فذكر الضرب بلفظ الجلد لئلّا ينكأ [[في النسخة الثانية: يشدخ.]] ولا يبرح ولا تبلغ به اللحم. وروى ابن أبي مليكة عن عبد الله بن عبد الله أنّ عبد الله بن عمر جلد جارية له فقال للجالد: اجلد ظهرها ورجليها وأسفلها وخفّفها، قلت: فأين قول الله سبحانه وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ؟ قال: أفأقتلها؟ إنّ الله أمرني أن أضربها وأؤدّبها ولم يأمرني أن أقتلها. وقال الآخرون: بل معناها وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فتخففوا الضرب ولكن أوجعوهما ضربا، وهو قول سعيد بن المسيّب والحسن. قال الزهري: يجتهد في حدّ الزنا والفرية ويخفّف في حدّ الشراب. وقال قتادة: يخفّف في حدّ الشراب والفرية ويجتهد في الزنا. وقال حمّاد: يحدّ القاذف والشارب وعليهما ثيابهما، وأمّا الزاني فيخلع ثيابه، وتلا هذه الآية. فِي دِينِ اللَّهِ أي في حكم الله نظيره قوله سبحانه ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ [[سورة يوسف: 76.]] . إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما وليحضر حدّيهما إذا أقيم عليهما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اختلفوا في مبلغ عدد الطائفة فقال النخعي ومجاهد: أقلّه رجل واحد فما فوقه، واحتجّا بقوله وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا [[سورة الحجرات: 9.]] الآية. عطاء وعكرمة: رجلان فصاعدا، الزهري: ثلاثة فصاعدا، ابن زيد: أربعة بعدد من يقبل شهادته على الزنى، قتادة: نفر من المسلمين. روى حفص بن غياث عن أشعث عن أبيه قال: أتيت أبا برزة الأسلمي في حاجة وقد أخرج جارية له إلى باب الدار وقد زنت وولدت من الزنا، فألقى عليها ثوبا وأمر ابنه أن يضربها خمسين ضربا غير مبرح، ودعا جماعة ثم قرأ وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا أبو علي بن حنش [[في النسخة الثانية: حبش وهو الموافق لكتب الرجال.]] المقري قال: حدّثنا محمد بن أحمد ابن عثمان قال: حدّثنا إبراهيم بن نصره قال: حدّثنا مسدّد قال: حدّثنا إسماعيل قال: حدّثنا يونس بن عبيد عن حريز بن يزيد البجلي عن أبي زرعة عن عمرو بن حريز عن أبي هريرة قال: إقامة حد بأرض خير لأهلها من مطر أربعين ليلة. وأخبرنا أبو سعيد محمد بن عبد الله بن حمدون قال: حدّثنا أبو نعيم عبد الملك بن محمد ابن عدي قال: أخبرنا العباس بن الوليد بن مزيد البيروتي قال: أخبرني محمد بن شعيب قال: أخبرني معاوية بن يحيى عن سليمان الأعمش عن شقيق بن سلمة عن حذيفة عن رسول الله ﷺ‎ أنّه قال: «يا معشر الناس اتقوا الزنى فإنّ فيه ست خصال، ثلاث في الدنيا وثلاث في الآخرة، فأمّا اللاتي في الدنيا فيذهب البهاء ويورث الفقر وينقص العمر، وأمّا اللاتي في الآخرة فيوجب السخطة وسوء الحساب [[في النسخة الثانية زيادة: محمد بن الفضل بن محمد.]] والخلود في النار» [[كنز العمّال: 5/ 319.]] . وأخبرنا أبو طاهر بن خزيمة قرأه عليه في شهور سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة قال: حدّثنا عبد الله بن محمد بن مسلم قال: حدّثنا عطية بن بقية قال: حدّثنا أبي قال: حدّثني عبّاد بن كثير عن عمران القصير عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ‎: إنّ أعمال أمتي تعرض علىّ في كلّ جمعة مرّتين فاشتدّ غضب الله على الزناة [[تفسير القرطبي: 12/ 167.]] . وأخبرنا أبو عبد الله بن فنجويه قال: حدّثنا إبراهيم بن يزيد [[في النسخة الثانية: وأخبرنا أبو عبد الله بن فنجويه عن أبي علي بن حبيش المقري عن محمد بن أحمد بن هارون بسرّ من رأى، قال أبو بكر محمد بن يعقوب الدينوري، حدثني إبراهيم بن زيد.]] الحرّاني قال: حدّثنا المغيرة ابن سقلاب قال: حدّثنا النضر بن عدي عن وهب بن منبه قال: مكتوب في التوراة: الزاني لا يموت حتى يفتقر، والقوّاد لا يموت حتى يعمى. الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً الآية. اختلف العلماء في معنى الآية وحكمها فقال قوم: قدم المهاجرون المدينة وفيهم فقراء كثير ليست لهم أموال ولا عشائر ولا أهلون، وبالمدينة نساء بغايا مسافحات يكرين أنفسهن وهن يومئذ أخصب أهل المدينة، فرغب في كسبهن ناس من فقراء المسلمين فقالوا: إنّا لو تزوّجنا منهن فعشنا معهن إلى يوم يغنينا الله سبحانه عنهن، فاستأذنوا رسول الله ﷺ‎ في ذلك فنزلت هذه الآية وحرّم فيها نكاح الزانية صيانة للمؤمنين عن ذلك ، وأخبر سبحانه وتعالى أنّ الزانية إنّما ينكحها الزاني والمشرك لأنهنّ كنّ زانيات مشركات، والآية وإن كان ظاهرها خبر فمجازها ينبغي أن يكون كذا كقوله وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً [[سورة آل عمران: 97.]] وقوله سبحانه وتعالى إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ [[العنكبوت: 45.]] يعني ينبغي أن تكون كذلك، وهذا قول مجاهد وعطاء بن أبي رباح وقتادة والزهري والقاسم بن أبي برزه والشعبي وأبي حمزة الثمالي ورواية العوفي عن ابن عباس. وقال عكرمة: نزلت في نساء بغايا متعالمات بمكة والمدينة وكنّ كثيرات ومنهن تسع صواحب رايات، لهن رايات كرايات البيطار يعرفن بها: أمّ مهزول جارية السائب بن أبي السائب المخزومي، وأم عليط جارية صفوان بن أميّة، وحنّة القبطية جارية العاص بن وائل، ومرية جارية مالك بن عميلة بن السباق، وحلالة جارية سهيل بن عمرو، وأم سويد جارية عمرو ابن عثمان المخزومي، وسريفة جارية زمعة بن الأسود، وفرسة جارية هشام بن ربيعة بن حبيب ابن حذيفة، وقرينة جارية هلال بن أنس بن جابر بن نمر، وكانت بيوتهن تسمى المواخير في الجاهلية، لا يدخل عليهن ولا يأتيهن إلّا زان من أهل القبلة أو مشرك من أهل الأوثان وكان الرجل ينكح الزانية في الجاهلية يتخذها مأكله، فأراد ناس من المسلمين نكاحهن على تلك الجهة، واستأذن رجل من المسلمين نبي الله ﷺ‎ في نكاح أم مهزول اشترطت له ان تنفق عليه فأنزل الله سبحانه هذه الآية ونهى المؤمنين عن ذلك وحرّمه عليهم. وقال عمرو بن شعيب: نزلت في مرثد الغنوي وعناق، وكان مرثد رجلا شديدا وكان يقال له دلدل وكان يأتي مكة فيحتمل ضعفه المسلمين الى رسول الله ﷺ‎ وكانت عناق صديقته في الجاهلية، فلمّا أتى مكة دعته عناق الى نفسها فقال مرثد: إنّ الله حرّم الزنا قالت: فأنكحني فقال: حتى أسأل رسول الله ﷺ‎ في ذلك فسأله عنه فأنزل الله سبحانه هذه الآية، وقد مضت القصة في سورة البقرة. وقال آخرون: أراد بالنكاح هاهنا الجماع ومعنى الآية الزاني لا يزني إلّا بزانية أو مشركة والزانية لا يزني بها إلّا زان أو مشرك، وهذا قول سعيد بن جبير والضحاك بن مزاحم وعبد الرّحمن بن زيد ورواية الوالبي عن ابن عباس، أخبرني الحسين بن محمد بن عبد الله قال: حدّثنا أحمد بن محمد بن إسحاق السني قال: أخبرني محمد بن عمران قال: حدّثنا سعيد بن عبد الرّحمن ومحمد بن عبد الله المقري قالا: حدّثنا عبد الله بن الوليد العدني عن سفيان عن حبيب بن أبي عمرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً قال: ليس هذا بالنكاح ولكنه الجماع، لا يزني بها إلّا زان أو مشرك، فكنّى. وأخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا أبو علي بن حبش قال: حدّثني الحسن بن علي بن زكريا قال: حدّثنا الحسن بن علي بن راشد قال: قال لنا يزيد بن هارون: هذا عندي إن جامعها وهو مستحل فهو مشرك، وإن جامعها وهو محرم فهو زان. وقال بعضهم: كان هذا حكم الله في كلّ زان وزانية حتى نسختها الآية التي بعدها وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ [[سورة النور: 32.]] فأحلّ نكاح كل مسلمة وكل مسلم، وهو قول سعيد بن المسيّب أخبرنيه ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شيبة قال: حدّثنا الفريابي قال: حدّثنا قتيبة قال: حدّثنا الليث عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أنّه قال: يزعمون أن تلك الآية الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً نسخت بالآية التي بعدها وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ فدخلت الزانية في أيامى المسلمين. وقال الحسن: معناها المجلود لا ينكح إلّا مجلودة. وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ أي يشتمون المسلمات [[في النسخة الثانية زيادة: وقال الحسن: معنى.]] الحرائر العفائف فيقذفونهن بالزنى ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا على ما رموهن به بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ عدول يشهدون عليهنّ أنهم رأوهنّ يفعلن ذلك فَاجْلِدُوهُمْ يعني القاذفين اضربوا كلّ واحد منهم ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ. ثمّ استثنى فقال عزّ من قائل إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ واختلف العلماء في حكم هذا الاستثناء فقال قوم: هو استثناء من قوله وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وقالوا: إذا تاب القاذف قبلت شهادته وزال عنه اسم الفسق وعادت ولايته حد فيه أو لم يحدّ، وهذا قول الشعبي ومسروق وسليمان بن يسار وسعيد بن جبير وعطاء وطاوس ومجاهد وسعيد بن المسيب وعبد الله بن عتبة والضحّاك، وهو قول أهل الحجاز وإليه ذهب الشافعي. واختلفوا في كيفيّة توبته، فقال بعضهم: هو ان يرجع عن قوله ويكذّب نفسه، وقال آخرون: هي الندم على ما سلف والاستغفار منه وترك العود فيما بقي، فإذا أقيم عليه الحدّ أو عفا المقذوف عنه سقط الحد، وذلك أن القذف حق للمقذوف كالقصاص والجنايات وبالعفو تسقط فإذا عفا عنه فلم يطالبه بالحد، أو مات المقذوف قبل مطالبته بالحد، أو لم يرفع إلى السلطان فلم يحدّ لأجل هذه، أو حدّ ثم تاب وأصلح العمل قبلت شهادته وعادت ولايته، يدلّ عليه ما روى ابن إسحاق عن الزهري عن سعيد بن المسيّب أنّ عمر بن الخطاب رضى الله عنه ضرب الذين شهدوا على المغيرة بن شعبة وهم أبو بكرة وشبل بن معبد ونافع بن الحرث بن كلّدة فحدّهم ثمّ قال لهم: من أكذب نفسه أجزت شهادته فيما استقبل، ومن لم يفعل لم أجز شهادته، فأكذب شبل نفسه ونافع وتابا، وأبى أبو بكرة أن يفعل فكان لا تقبل شهادته. وروى ابن جريج عن عمران بن موسى قال: شهدت عمر بن عبد العزيز أجاز شهادة القاذف ومعه رجل. وقال آخرون: هذا الاستثناء راجع الى قوله وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ فأمّا قوله وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً فقد وصل بالأبد ولا يجوز قبولها أبدا، وهذا قول النخعي وشريح ورواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه. روى الأشعث عن الشعبي قال: جاء خصمان إلى شريح فجاء أحدهما بشاهد قد قطع زناد يده ورجله في قطع الطريق ثم تاب وأصلح، فأجاز شريح شهادته فقال المشهود عليه: أتجيز شهادته عليّ وهو أقطع؟ فقال شريح: كلّ صاحب حدّ إذا أقيم عليه ثم تاب وأصلح فشهادته جائزة إلّا القاذف، فإنّه قضاء من الله أن لا تقبل شهادته أبدا وإنّما توبته فيما بينه وبين الله. وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ أي يقذفونهنّ بالزنا. وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ يشهدون على صحة ما قالوا. إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ قرأ أهل الكوفة أربع بالرفع على الابتداء والخبر، وقرأ الباقون بالنصب على معنى أن يشهد أربع شهادات. وَالْخامِسَةُ يعني والشهادة الخامسة، قراءة العامة بالرفع على الابتداء وخبره في أن. وقرأ حفص بالنصب على معنى ويشهد الشهادة الخامسة. وقرأ نافع ويعقوب وأيوب: إن وأن خفيفتين، لعنةُ وغضبُ مرفوعين، وهي رواية المفضل عن عاصم، وقرأ الباقون: بتشديد النونين وما بعدهما نصب. إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ ويدفع عن الزوجة الحد. أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ يعني الزوج لَمِنَ الْكاذِبِينَ. وَالْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ قرأ نافع: غَضَبَ اللَّهُ مثل سمع الله على الفعل، الباقون على الإسم. وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ جواب لولا محذوف يعني لعاجلكم بالعقوبة وفضحكم ولكنه ستر عليكم ورفع عنكم الحد باللعان حكمة منه ورحمة. فأما سبب نزول الآية، فروى عكرمة عن ابن عباس قال: لمّا نزلت وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً الآية، قال سعد بن عبادة: والله لو أتيت لكاع وقد تفخّذها رجل لم يكن لي أن أهيجه ولا أحركّه حتى آتي بأربعة شهداء! فوالله ما كنت لآتي بأربعة شهداء حتى يفرغ من حاجته ويذهب، فإن قلت ما رأيت، إنّ في ظهري لثمانين جلدة، فقال رسول الله ﷺ‎ [[مسند أحمد: 1/ 238.]] : «يا معشر الأنصار ألا تسمعون ما يقول سيّدكم» ؟ قالوا: لا تلمه فإنه رجل غيور، ما تزوج امرأة قط إلّا بكرا ولا طلّق امرأة له فاجترأ رجل منّا أن يتزوّجها. فقال سعد بن عبادة: يا رسول الله بأبي أنت وأمّي والله إنّي لأعرف أنّها من الله وأنّها حقّ ولكن عجبت من ذلك لما أخبرتك، فقال رسول الله ﷺ‎: «فإنّ الله يأبى إلّا ذاك» ، فقال: صدق الله ورسوله. قال: فلم يلبثوا إلّا يسيرا حتى جاء ابن عم له يقال له هلال بن أميّة من حديقة له، فرأى رجلا مع امرأته يزني بها فأمسك حتى أصبح، فلمّا أصبح غدا على رسول الله ﷺ‎ وهو جالس مع أصحابه فقال: يا رسول الله إنّي جئت أهلي عشاء فوجدت رجلا مع أهلي، رأيت بعيني وسمعت بأذني فكره رسول الله ﷺ‎ ما أتاه به وثقل عليه جدّا حتى عرف ذلك في وجهه. فقال هلال: والله يا رسول الله إني لأرى الكراهية في وجهك مما أتيتك به، والله يعلم أني صادق وما قلت إلّا حقّا وإنّي لأرجو أن يجعل الله فرجا، فهمّ رسول الله ﷺ‎ بضربه. قال: واجتمعت الأنصار فقالوا: ابتلينا بما قال سعد، أيجلد هلال وتبطل شهادته؟ فإنّهم لكذلك ورسول الله ﷺ‎ يريد أن يأمر بضربه إذ نزل عليه الوحي فأمسك أصحابه عن كلامه حين عرفوا أنّ الوحي قد نزل حتى فرغ، فأنزل الله سبحانه وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ إلى آخر الآيات. فقال رسول الله ﷺ‎: «أبشر يا هلال فإنّ الله قد جعل لك فرجا» ، فقال: قد كنت أرجو بذلك من الله تعالى. فقال رسول الله ﷺ‎: «أرسلوا إليها» ، فجاءت فلمّا اجتمعا عند رسول الله ﷺ‎ قيل لها، فكذّبت. فقال رسول الله ﷺ‎: «إنّ الله يعلم أنّ أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟» . فقال هلال: يا رسول الله بأبي وأمّي لقد صدقت وما قلت إلّا حقّا. فقال رسول الله ﷺ‎: «لاعنوا بينهما» ، فقيل لهلال: اشهد، فشهد أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ، فقيل له عند الخامسة: يا هلال اتّق الله فإنّ عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة [[في النسخة الثانية زيادة: وأن عذاب الله أشد من عذاب الناس، وإن هذه الخامسة هي الموجبة التي توجب عليك العذاب.]] ، فقال هلال: والله لا يعذبني الله عليها كما لم يجلدني عليها رسول الله ﷺ‎، فشهد الخامسة أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ. ثم قال للمرأة: اشهدي فشهدت [[في النسخة الثانية زيادة: أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ، فقال لها عند الخامسة ووفقها: اتقي الله فإن في الخامسة موجبة، وإن عذاب الله أشد من عذاب الناس فتلكّأت ساعة وهمت بالاعتراف، ثم قالت: والله لا أفضح قومي فشهدت.]] الخامسة أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ، ففرّق رسول الله ﷺ‎ بينهما وقضى أن الولد لها ولا يدعى لأب ولا يرمى ولدها، ثمّ قال رسول الله ﷺ‎: «إن جاءت به كذا وكذا] فهو لزوجها، وإن جاءت به كذا وكذا] فهو للذي قيل فيه» [20] [[تفسير الطبري: 18/ 108 وما بين معكوفين منه وهو موافق لما في النسخة الثانية (أصفهان) .]] . قال: فجاءت به غلاما كأنه حمل أورق على الشبه المكروه، وكان بعد أميرا بمصر لا يدرى من أبوه. وأخبرنا محمد بن عبدوس قال: أخبرنا محمد بن الحسن قال: أخبرنا علي بن عبد العزيز قال: أخبرنا القاسم بن سلام قال: حدّثنا هيثم عن يونس بن عبيد عن الحسن قال: لمّا نزلت وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ الآية، قال سعد بن عبادة: يا رسول الله أرأيت إن رأى رجل مع امرأته رجلا فقتله يقتلونه، وإن أخبر بما رأى جلد ثمانين أفلا يضربه بالسيف؟ فقال رسول الله ﷺ‎: كفى بالسيف شا ... ، قال: أراد أن يقول شاهدا ثمّ أمسك وقال: لولا ان يتتابع فيه الغيران والسكران، وذكر الحديث [[المصنّف: 9/ 434.]] . وقال ابن عباس في سائر الروايات ومقاتل: لمّا نزلت وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الآية، قرأها النبي ﷺ‎ يوم الجمعة على المنبر فقام عاصم بن عدي الأنصاري فقال: جعلني الله فداك إن رأى رجل منّا مع امرأته رجلا فأخبر بما رأى جلد ثمانين وسمّاه المسلمون فاسقا ولا تقبل شهادته أبدا، فكيف لنا بالشهداء ونحن إذا التمسنا الشهداء كان الرجل قد فرغ من حاجته ومرّ؟ وكان لعاصم هذا ابن عم له يقال له عويمر وله امرأة يقال لها خولة بنت قيس بن محصن فأتى عويمر عاصما فقال: لقد رأيت شريك بن السحماء على بطن امرأتي خولة، فاسترجع عاصم وأتى رسول الله ﷺ‎ في الجمعة الأخرى فقال: يا رسول الله ما أسرع ما ابتليت بالسؤال الذي سألت في الجمعة الماضية في أهل بيتي! فقال رسول الله ﷺ‎: وما ذاك؟ قال: أخبرني عويمر ابن عمّي أنه رأى شريك ابن السحماء على بطن امرأته خولة، وكان عويمر وخولة شريك كلّهم بني عم عاصم، فدعا رسول الله ﷺ‎ بهم جميعا فقال لعويمر: «اتق الله في زوجتك وخليلتك وابنة عمك فلا تقذفها بالبهتان، فقال: يا رسول الله أقسم بالله إني رأيت شريكا على بطنها وإني ما قربتها منذ أربعة أشهر وانها حبلى من غيري. فقال رسول الله ﷺ‎ للمرأة: «اتقي الله ولا تخبري إلّا بما صنعت» ، فقالت: يا رسول الله إنّ عويمرا رجل غيور، وإنه رآني وشريكا نطيل السمر ونتحدث فحملته الغيرة على ما قال. فقال رسول الله ﷺ‎ لشريك: «ما تقول» ؟ قال: ما تقوله المرأة، فأنزل الله سبحانه وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ الآية، فأمر رسول الله ﷺ‎ حتى نودي: الصلاة جامعة، فصلّى العصر ثمّ قال لعويمر: قم فقام فقال: أشهد بالله إنّ خولة لزانية وإنّي لمن الصادقين، ثمّ قال في الرابعة: أشهد بالله إنّي ما قربتها منذ أربعة أشهر وإنّي لمن الصادقين ثمّ قال في الخامسة: لعنة الله على عويمر- يعني نفسه- إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ فيما قال. ثمّ أمره بالقعود وقال لخولة: قومي فقامت فقالت: أشهد بالله ما أنا بزانية وإنّ عويمرا لَمِنَ الْكاذِبِينَ، ثمّ قالت في الثانية: أشهد بالله إنه ما رأى شريكا على بطني وإِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ، ثمّ قالت في الثالثة: أشهد بالله إني حبلى منه وإِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ، ثمّ قالت في الرابعة: أشهد بالله إنه ما رآني قط على فاحشة وإِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ، ثمّ قالت في الخامسة: غَضَبَ اللَّهِ على خولة- تعني نفسها- إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ، ففرق رسول الله ﷺ‎ بينهما وقال: «لولا هذه الأيمان لكان لي في أمرهما رأي، ثمّ قال: تحيّنوا بها الولادة فإن جاءت بأصيهب أثيبج يضرب إلى السواد فهو لشريك بن السحماء، وإن جاءت بأورق جعد حمش حدلج الساقين فهو لغير الذي رميت به» [21] . قال ابن عباس: فجاءت بأشبه خلق الله بشريك [[سنن ابن ماجة بتفاوت: 1/ 668، ح/ 2067.]] . ذكر حكم الآية إذا قذف الرجل زوجته بالزنا لزمه الحدّ وله التخلّص منه بإقامة البيّنة على زناها أو باللعان، فإن أقام البيّنة حقّق الزنا ولزمها الحدّ، وان التعن حقّق عليها الزنا ولها التخلص منه باللعان، فإن التعنت وإلّا لزمها الحدّ، وللزوج ان يلتعن سواء كان متمكّنا من البيّنة أو غير متمكّن منها، ويصح اللعان من كلّ زوج مكلّف حرا كان أو عبدا، مسلما كان أو كافرا، فكلّ من صحّت يمينه صحّ قذفه ولعانه. وقال أهل العراق: اللعان بين كلّ حرّين بالغين ولا يصحّ اللعان إلّا عند الحاكم أو خليفته، فإذا لاعن بينهما غلّظ عليهما بأربعة أشياء عدد الألفاظ، والمكان، والوقت، وجمع الناس. فأمّا اللفظ فأربع شهادات والخامسة ذكر اللعنة للرجل وذكر الغضب للمرأة، وقد مضت كيفية ذلك، وأمّا المكان فإنه يقصد أشرف البقاع بالبلدان إن كان بمكة فعند الركن والمقام، وإن كان بالمدينة فعند المنبر، وإن كان ببيت المقدس ففي مسجدها، وإن كان في سائر البلدان ففي مساجدها، وإن كانا كافرين بعث بهما إلى الموضع الذي يعتقدان تعظيمه، إن كانا يهوديين بالكنيسة وإن كانا نصرانيين فبالبيعة، وإن كانا مجوسيين ففي بيت النار، وإن كانا لا دين لهما مثل الوثنيين فإنه يلاعن بينهما في مجلس حكمه. وأما الوقت، فإنّه بعد صلاة العصر. وأمّا العدد، فيحتاج أن يكون هناك أربعة أنفس فصاعدا، فاللفظ وجمع الناس مشروطان، والمكان والزمان مستحبّان، فإذا تلاعنا تعلّق باللعان أربعة أحكام: سقوط الحدّ، ونفي الولد، وزوال الفراش، ووقوع التحريم المؤبّد، وكلّ هذا يتعلّق بلعان الزوج، فأمّا لعان المرأة فإنه يسقط به الحدّ فقط، فإن أكذب الرجل نفسه فإنه يعود ما عليه ولا يعود ماله في الحدّ والنسب عليه فيعودان. وأما التحريم والفراش فإنهما له فلا يعودان، وفرقة اللعان هي فسخ لأنه جاء بفعل من قبل المرأة. وقال أبو حنيفة وسفيان: اللعان تطليقة بائنة لأنه من قبل الرجل بدءا، والله أعلم.

النور 24:4

مدنيّة، وهي خمسة آلاف وستمائة وثمانون حرفا، وألف وثلاثمائة وست عشرة كلمة، وأربع وستّون آية أخبرنا [أبو الحسين] الخبازي قال: حدّثنا ابن حبان قال: أخبرنا محمد بن علي الفرقدي قال: حدّثنا إسماعيل بن عمرو قال: حدّثنا يوسف بن عطيّة قال: حدّثنا هارون بن كثير قال: حدّثنا زيد بن أسلم عن أبيه عن أبي أمامة عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ‎: «من قرأ سورة النور أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد كلّ مؤمن فيما مضى وفيما بقي» [[تفسير مجمع البيان: 7/ 216.]] [19] . وأخبرني الحسين بن محمد بن فنجويه قال: حدّثنا عبيد الله بن محمد بن شيبة قال: حدّثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم الكرابيسي قال: حدّثنا سلمان بن توبة أبو داود الأنصاري قال: حدّثنا محمد بن إبراهيم الشامي قال: حدّثنا شعيب بن إسحاق عن هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها وعن أبيها قالت: قال رسول الله ﷺ‎: «لا تنزلوا النساء الغرف، ولا تعلّموهن الكتابة، وعلّموهن المغزل، وسورة النور» [[زاد المسير لابن الجوزي: 5/ 339.]] . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ سُورَةٌ أَنْزَلْناها قراءة العامة بالرفع: هذه سورة لأنّ العرب لا تبتدئ بالنكرة، هذا قول الخليل، وقال الأخفش: سُورَةٌ ابتداء وخبره في أَنْزَلْناها، وقرأ طلحة بن مصرف [[في النسخة الثانية: مضرف]] : سُورَةً بالنصب على معنى أنزلنا سورة، والكناية صلة زائدة، وقيل: اتّبعوا سورة أنزلناها وَفَرَضْناها أي أوجبنا ما فيها من الأحكام، وقرأ الحسن ومجاهد وابن كثير وأبو عمرو: وفرّضناها بالتشديد أي فصّلناها وبيّنّاها، وقيل: هو من الفرض والتشديد على التكثير أي جعلناها فرائض مختلفة، وأوجبناها عليكم وعلى من بعدكم إلى قيام الساعة، وتصديق التخفيف قوله سبحانه إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ [[القصص: 85.]] . وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي إذا كانا حرّين بالغين بكرين غير محصنين فَاجْلِدُوا فاضربوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ رحمة ورقّة. قال الأخفش: رحمة في توجّع وفيها ثلاث لغات: رَأْفَةٌ ساكنة الهمز وقد تخفف الهمزة، وهي قراءة العامة، ورَأَفَةٌ بفتح الهمزة، ورَآفَةٌ مهموزة ممدودة مثل الكتابة، وهما قراءة أهل مكة مثل الشناة والشنآة [[في النسخة الثانية: النشأة والنشآة.]] ، وقيل: القصر على الاسم والمدّ بمعنى المصدر مثل صؤل صآلة، وقبح قباحة، ولم يختلفوا في سورة الحديد أنها ساكنة لأنّ العرب لا تجمع بين أكثر من ثلاث فتحات. واختلف العلماء في معنى الآية فقال قوم: وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فتعطّلوا الحدود ولا تقيموها. روى المعمّر عن عمران قال: قلت لأبي مخلد في هذه الآية: والله إنا لنرحمهم أن يجلد الرجل أو تقطع يده فقال: إنّما ذاك أنّه ليس للسلطان إذا رفعوا إليه أن يدعهم رحمة لهم حتى يقيم عليهم الحدّ، وهذا قول مجاهد وعكرمة وعطاء بن أبي رباح وسعيد بن جبير والنخعي والشعبي وابن زيد وسليمان بن يسار، يدلّ عليه من الآية أنّ الله سبحانه وتعالى أمر بالجلد، وهو ضرب الجلد كالرأس لضرب الرأس فذكر الضرب بلفظ الجلد لئلّا ينكأ [[في النسخة الثانية: يشدخ.]] ولا يبرح ولا تبلغ به اللحم. وروى ابن أبي مليكة عن عبد الله بن عبد الله أنّ عبد الله بن عمر جلد جارية له فقال للجالد: اجلد ظهرها ورجليها وأسفلها وخفّفها، قلت: فأين قول الله سبحانه وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ؟ قال: أفأقتلها؟ إنّ الله أمرني أن أضربها وأؤدّبها ولم يأمرني أن أقتلها. وقال الآخرون: بل معناها وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فتخففوا الضرب ولكن أوجعوهما ضربا، وهو قول سعيد بن المسيّب والحسن. قال الزهري: يجتهد في حدّ الزنا والفرية ويخفّف في حدّ الشراب. وقال قتادة: يخفّف في حدّ الشراب والفرية ويجتهد في الزنا. وقال حمّاد: يحدّ القاذف والشارب وعليهما ثيابهما، وأمّا الزاني فيخلع ثيابه، وتلا هذه الآية. فِي دِينِ اللَّهِ أي في حكم الله نظيره قوله سبحانه ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ [[سورة يوسف: 76.]] . إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما وليحضر حدّيهما إذا أقيم عليهما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اختلفوا في مبلغ عدد الطائفة فقال النخعي ومجاهد: أقلّه رجل واحد فما فوقه، واحتجّا بقوله وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا [[سورة الحجرات: 9.]] الآية. عطاء وعكرمة: رجلان فصاعدا، الزهري: ثلاثة فصاعدا، ابن زيد: أربعة بعدد من يقبل شهادته على الزنى، قتادة: نفر من المسلمين. روى حفص بن غياث عن أشعث عن أبيه قال: أتيت أبا برزة الأسلمي في حاجة وقد أخرج جارية له إلى باب الدار وقد زنت وولدت من الزنا، فألقى عليها ثوبا وأمر ابنه أن يضربها خمسين ضربا غير مبرح، ودعا جماعة ثم قرأ وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا أبو علي بن حنش [[في النسخة الثانية: حبش وهو الموافق لكتب الرجال.]] المقري قال: حدّثنا محمد بن أحمد ابن عثمان قال: حدّثنا إبراهيم بن نصره قال: حدّثنا مسدّد قال: حدّثنا إسماعيل قال: حدّثنا يونس بن عبيد عن حريز بن يزيد البجلي عن أبي زرعة عن عمرو بن حريز عن أبي هريرة قال: إقامة حد بأرض خير لأهلها من مطر أربعين ليلة. وأخبرنا أبو سعيد محمد بن عبد الله بن حمدون قال: حدّثنا أبو نعيم عبد الملك بن محمد ابن عدي قال: أخبرنا العباس بن الوليد بن مزيد البيروتي قال: أخبرني محمد بن شعيب قال: أخبرني معاوية بن يحيى عن سليمان الأعمش عن شقيق بن سلمة عن حذيفة عن رسول الله ﷺ‎ أنّه قال: «يا معشر الناس اتقوا الزنى فإنّ فيه ست خصال، ثلاث في الدنيا وثلاث في الآخرة، فأمّا اللاتي في الدنيا فيذهب البهاء ويورث الفقر وينقص العمر، وأمّا اللاتي في الآخرة فيوجب السخطة وسوء الحساب [[في النسخة الثانية زيادة: محمد بن الفضل بن محمد.]] والخلود في النار» [[كنز العمّال: 5/ 319.]] . وأخبرنا أبو طاهر بن خزيمة قرأه عليه في شهور سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة قال: حدّثنا عبد الله بن محمد بن مسلم قال: حدّثنا عطية بن بقية قال: حدّثنا أبي قال: حدّثني عبّاد بن كثير عن عمران القصير عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ‎: إنّ أعمال أمتي تعرض علىّ في كلّ جمعة مرّتين فاشتدّ غضب الله على الزناة [[تفسير القرطبي: 12/ 167.]] . وأخبرنا أبو عبد الله بن فنجويه قال: حدّثنا إبراهيم بن يزيد [[في النسخة الثانية: وأخبرنا أبو عبد الله بن فنجويه عن أبي علي بن حبيش المقري عن محمد بن أحمد بن هارون بسرّ من رأى، قال أبو بكر محمد بن يعقوب الدينوري، حدثني إبراهيم بن زيد.]] الحرّاني قال: حدّثنا المغيرة ابن سقلاب قال: حدّثنا النضر بن عدي عن وهب بن منبه قال: مكتوب في التوراة: الزاني لا يموت حتى يفتقر، والقوّاد لا يموت حتى يعمى. الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً الآية. اختلف العلماء في معنى الآية وحكمها فقال قوم: قدم المهاجرون المدينة وفيهم فقراء كثير ليست لهم أموال ولا عشائر ولا أهلون، وبالمدينة نساء بغايا مسافحات يكرين أنفسهن وهن يومئذ أخصب أهل المدينة، فرغب في كسبهن ناس من فقراء المسلمين فقالوا: إنّا لو تزوّجنا منهن فعشنا معهن إلى يوم يغنينا الله سبحانه عنهن، فاستأذنوا رسول الله ﷺ‎ في ذلك فنزلت هذه الآية وحرّم فيها نكاح الزانية صيانة للمؤمنين عن ذلك ، وأخبر سبحانه وتعالى أنّ الزانية إنّما ينكحها الزاني والمشرك لأنهنّ كنّ زانيات مشركات، والآية وإن كان ظاهرها خبر فمجازها ينبغي أن يكون كذا كقوله وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً [[سورة آل عمران: 97.]] وقوله سبحانه وتعالى إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ [[العنكبوت: 45.]] يعني ينبغي أن تكون كذلك، وهذا قول مجاهد وعطاء بن أبي رباح وقتادة والزهري والقاسم بن أبي برزه والشعبي وأبي حمزة الثمالي ورواية العوفي عن ابن عباس. وقال عكرمة: نزلت في نساء بغايا متعالمات بمكة والمدينة وكنّ كثيرات ومنهن تسع صواحب رايات، لهن رايات كرايات البيطار يعرفن بها: أمّ مهزول جارية السائب بن أبي السائب المخزومي، وأم عليط جارية صفوان بن أميّة، وحنّة القبطية جارية العاص بن وائل، ومرية جارية مالك بن عميلة بن السباق، وحلالة جارية سهيل بن عمرو، وأم سويد جارية عمرو ابن عثمان المخزومي، وسريفة جارية زمعة بن الأسود، وفرسة جارية هشام بن ربيعة بن حبيب ابن حذيفة، وقرينة جارية هلال بن أنس بن جابر بن نمر، وكانت بيوتهن تسمى المواخير في الجاهلية، لا يدخل عليهن ولا يأتيهن إلّا زان من أهل القبلة أو مشرك من أهل الأوثان وكان الرجل ينكح الزانية في الجاهلية يتخذها مأكله، فأراد ناس من المسلمين نكاحهن على تلك الجهة، واستأذن رجل من المسلمين نبي الله ﷺ‎ في نكاح أم مهزول اشترطت له ان تنفق عليه فأنزل الله سبحانه هذه الآية ونهى المؤمنين عن ذلك وحرّمه عليهم. وقال عمرو بن شعيب: نزلت في مرثد الغنوي وعناق، وكان مرثد رجلا شديدا وكان يقال له دلدل وكان يأتي مكة فيحتمل ضعفه المسلمين الى رسول الله ﷺ‎ وكانت عناق صديقته في الجاهلية، فلمّا أتى مكة دعته عناق الى نفسها فقال مرثد: إنّ الله حرّم الزنا قالت: فأنكحني فقال: حتى أسأل رسول الله ﷺ‎ في ذلك فسأله عنه فأنزل الله سبحانه هذه الآية، وقد مضت القصة في سورة البقرة. وقال آخرون: أراد بالنكاح هاهنا الجماع ومعنى الآية الزاني لا يزني إلّا بزانية أو مشركة والزانية لا يزني بها إلّا زان أو مشرك، وهذا قول سعيد بن جبير والضحاك بن مزاحم وعبد الرّحمن بن زيد ورواية الوالبي عن ابن عباس، أخبرني الحسين بن محمد بن عبد الله قال: حدّثنا أحمد بن محمد بن إسحاق السني قال: أخبرني محمد بن عمران قال: حدّثنا سعيد بن عبد الرّحمن ومحمد بن عبد الله المقري قالا: حدّثنا عبد الله بن الوليد العدني عن سفيان عن حبيب بن أبي عمرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً قال: ليس هذا بالنكاح ولكنه الجماع، لا يزني بها إلّا زان أو مشرك، فكنّى. وأخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا أبو علي بن حبش قال: حدّثني الحسن بن علي بن زكريا قال: حدّثنا الحسن بن علي بن راشد قال: قال لنا يزيد بن هارون: هذا عندي إن جامعها وهو مستحل فهو مشرك، وإن جامعها وهو محرم فهو زان. وقال بعضهم: كان هذا حكم الله في كلّ زان وزانية حتى نسختها الآية التي بعدها وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ [[سورة النور: 32.]] فأحلّ نكاح كل مسلمة وكل مسلم، وهو قول سعيد بن المسيّب أخبرنيه ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شيبة قال: حدّثنا الفريابي قال: حدّثنا قتيبة قال: حدّثنا الليث عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أنّه قال: يزعمون أن تلك الآية الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً نسخت بالآية التي بعدها وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ فدخلت الزانية في أيامى المسلمين. وقال الحسن: معناها المجلود لا ينكح إلّا مجلودة. وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ أي يشتمون المسلمات [[في النسخة الثانية زيادة: وقال الحسن: معنى.]] الحرائر العفائف فيقذفونهن بالزنى ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا على ما رموهن به بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ عدول يشهدون عليهنّ أنهم رأوهنّ يفعلن ذلك فَاجْلِدُوهُمْ يعني القاذفين اضربوا كلّ واحد منهم ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ. ثمّ استثنى فقال عزّ من قائل إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ واختلف العلماء في حكم هذا الاستثناء فقال قوم: هو استثناء من قوله وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وقالوا: إذا تاب القاذف قبلت شهادته وزال عنه اسم الفسق وعادت ولايته حد فيه أو لم يحدّ، وهذا قول الشعبي ومسروق وسليمان بن يسار وسعيد بن جبير وعطاء وطاوس ومجاهد وسعيد بن المسيب وعبد الله بن عتبة والضحّاك، وهو قول أهل الحجاز وإليه ذهب الشافعي. واختلفوا في كيفيّة توبته، فقال بعضهم: هو ان يرجع عن قوله ويكذّب نفسه، وقال آخرون: هي الندم على ما سلف والاستغفار منه وترك العود فيما بقي، فإذا أقيم عليه الحدّ أو عفا المقذوف عنه سقط الحد، وذلك أن القذف حق للمقذوف كالقصاص والجنايات وبالعفو تسقط فإذا عفا عنه فلم يطالبه بالحد، أو مات المقذوف قبل مطالبته بالحد، أو لم يرفع إلى السلطان فلم يحدّ لأجل هذه، أو حدّ ثم تاب وأصلح العمل قبلت شهادته وعادت ولايته، يدلّ عليه ما روى ابن إسحاق عن الزهري عن سعيد بن المسيّب أنّ عمر بن الخطاب رضى الله عنه ضرب الذين شهدوا على المغيرة بن شعبة وهم أبو بكرة وشبل بن معبد ونافع بن الحرث بن كلّدة فحدّهم ثمّ قال لهم: من أكذب نفسه أجزت شهادته فيما استقبل، ومن لم يفعل لم أجز شهادته، فأكذب شبل نفسه ونافع وتابا، وأبى أبو بكرة أن يفعل فكان لا تقبل شهادته. وروى ابن جريج عن عمران بن موسى قال: شهدت عمر بن عبد العزيز أجاز شهادة القاذف ومعه رجل. وقال آخرون: هذا الاستثناء راجع الى قوله وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ فأمّا قوله وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً فقد وصل بالأبد ولا يجوز قبولها أبدا، وهذا قول النخعي وشريح ورواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه. روى الأشعث عن الشعبي قال: جاء خصمان إلى شريح فجاء أحدهما بشاهد قد قطع زناد يده ورجله في قطع الطريق ثم تاب وأصلح، فأجاز شريح شهادته فقال المشهود عليه: أتجيز شهادته عليّ وهو أقطع؟ فقال شريح: كلّ صاحب حدّ إذا أقيم عليه ثم تاب وأصلح فشهادته جائزة إلّا القاذف، فإنّه قضاء من الله أن لا تقبل شهادته أبدا وإنّما توبته فيما بينه وبين الله. وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ أي يقذفونهنّ بالزنا. وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ يشهدون على صحة ما قالوا. إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ قرأ أهل الكوفة أربع بالرفع على الابتداء والخبر، وقرأ الباقون بالنصب على معنى أن يشهد أربع شهادات. وَالْخامِسَةُ يعني والشهادة الخامسة، قراءة العامة بالرفع على الابتداء وخبره في أن. وقرأ حفص بالنصب على معنى ويشهد الشهادة الخامسة. وقرأ نافع ويعقوب وأيوب: إن وأن خفيفتين، لعنةُ وغضبُ مرفوعين، وهي رواية المفضل عن عاصم، وقرأ الباقون: بتشديد النونين وما بعدهما نصب. إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ ويدفع عن الزوجة الحد. أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ يعني الزوج لَمِنَ الْكاذِبِينَ. وَالْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ قرأ نافع: غَضَبَ اللَّهُ مثل سمع الله على الفعل، الباقون على الإسم. وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ جواب لولا محذوف يعني لعاجلكم بالعقوبة وفضحكم ولكنه ستر عليكم ورفع عنكم الحد باللعان حكمة منه ورحمة. فأما سبب نزول الآية، فروى عكرمة عن ابن عباس قال: لمّا نزلت وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً الآية، قال سعد بن عبادة: والله لو أتيت لكاع وقد تفخّذها رجل لم يكن لي أن أهيجه ولا أحركّه حتى آتي بأربعة شهداء! فوالله ما كنت لآتي بأربعة شهداء حتى يفرغ من حاجته ويذهب، فإن قلت ما رأيت، إنّ في ظهري لثمانين جلدة، فقال رسول الله ﷺ‎ [[مسند أحمد: 1/ 238.]] : «يا معشر الأنصار ألا تسمعون ما يقول سيّدكم» ؟ قالوا: لا تلمه فإنه رجل غيور، ما تزوج امرأة قط إلّا بكرا ولا طلّق امرأة له فاجترأ رجل منّا أن يتزوّجها. فقال سعد بن عبادة: يا رسول الله بأبي أنت وأمّي والله إنّي لأعرف أنّها من الله وأنّها حقّ ولكن عجبت من ذلك لما أخبرتك، فقال رسول الله ﷺ‎: «فإنّ الله يأبى إلّا ذاك» ، فقال: صدق الله ورسوله. قال: فلم يلبثوا إلّا يسيرا حتى جاء ابن عم له يقال له هلال بن أميّة من حديقة له، فرأى رجلا مع امرأته يزني بها فأمسك حتى أصبح، فلمّا أصبح غدا على رسول الله ﷺ‎ وهو جالس مع أصحابه فقال: يا رسول الله إنّي جئت أهلي عشاء فوجدت رجلا مع أهلي، رأيت بعيني وسمعت بأذني فكره رسول الله ﷺ‎ ما أتاه به وثقل عليه جدّا حتى عرف ذلك في وجهه. فقال هلال: والله يا رسول الله إني لأرى الكراهية في وجهك مما أتيتك به، والله يعلم أني صادق وما قلت إلّا حقّا وإنّي لأرجو أن يجعل الله فرجا، فهمّ رسول الله ﷺ‎ بضربه. قال: واجتمعت الأنصار فقالوا: ابتلينا بما قال سعد، أيجلد هلال وتبطل شهادته؟ فإنّهم لكذلك ورسول الله ﷺ‎ يريد أن يأمر بضربه إذ نزل عليه الوحي فأمسك أصحابه عن كلامه حين عرفوا أنّ الوحي قد نزل حتى فرغ، فأنزل الله سبحانه وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ إلى آخر الآيات. فقال رسول الله ﷺ‎: «أبشر يا هلال فإنّ الله قد جعل لك فرجا» ، فقال: قد كنت أرجو بذلك من الله تعالى. فقال رسول الله ﷺ‎: «أرسلوا إليها» ، فجاءت فلمّا اجتمعا عند رسول الله ﷺ‎ قيل لها، فكذّبت. فقال رسول الله ﷺ‎: «إنّ الله يعلم أنّ أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟» . فقال هلال: يا رسول الله بأبي وأمّي لقد صدقت وما قلت إلّا حقّا. فقال رسول الله ﷺ‎: «لاعنوا بينهما» ، فقيل لهلال: اشهد، فشهد أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ، فقيل له عند الخامسة: يا هلال اتّق الله فإنّ عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة [[في النسخة الثانية زيادة: وأن عذاب الله أشد من عذاب الناس، وإن هذه الخامسة هي الموجبة التي توجب عليك العذاب.]] ، فقال هلال: والله لا يعذبني الله عليها كما لم يجلدني عليها رسول الله ﷺ‎، فشهد الخامسة أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ. ثم قال للمرأة: اشهدي فشهدت [[في النسخة الثانية زيادة: أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ، فقال لها عند الخامسة ووفقها: اتقي الله فإن في الخامسة موجبة، وإن عذاب الله أشد من عذاب الناس فتلكّأت ساعة وهمت بالاعتراف، ثم قالت: والله لا أفضح قومي فشهدت.]] الخامسة أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ، ففرّق رسول الله ﷺ‎ بينهما وقضى أن الولد لها ولا يدعى لأب ولا يرمى ولدها، ثمّ قال رسول الله ﷺ‎: «إن جاءت به كذا وكذا] فهو لزوجها، وإن جاءت به كذا وكذا] فهو للذي قيل فيه» [20] [[تفسير الطبري: 18/ 108 وما بين معكوفين منه وهو موافق لما في النسخة الثانية (أصفهان) .]] . قال: فجاءت به غلاما كأنه حمل أورق على الشبه المكروه، وكان بعد أميرا بمصر لا يدرى من أبوه. وأخبرنا محمد بن عبدوس قال: أخبرنا محمد بن الحسن قال: أخبرنا علي بن عبد العزيز قال: أخبرنا القاسم بن سلام قال: حدّثنا هيثم عن يونس بن عبيد عن الحسن قال: لمّا نزلت وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ الآية، قال سعد بن عبادة: يا رسول الله أرأيت إن رأى رجل مع امرأته رجلا فقتله يقتلونه، وإن أخبر بما رأى جلد ثمانين أفلا يضربه بالسيف؟ فقال رسول الله ﷺ‎: كفى بالسيف شا ... ، قال: أراد أن يقول شاهدا ثمّ أمسك وقال: لولا ان يتتابع فيه الغيران والسكران، وذكر الحديث [[المصنّف: 9/ 434.]] . وقال ابن عباس في سائر الروايات ومقاتل: لمّا نزلت وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الآية، قرأها النبي ﷺ‎ يوم الجمعة على المنبر فقام عاصم بن عدي الأنصاري فقال: جعلني الله فداك إن رأى رجل منّا مع امرأته رجلا فأخبر بما رأى جلد ثمانين وسمّاه المسلمون فاسقا ولا تقبل شهادته أبدا، فكيف لنا بالشهداء ونحن إذا التمسنا الشهداء كان الرجل قد فرغ من حاجته ومرّ؟ وكان لعاصم هذا ابن عم له يقال له عويمر وله امرأة يقال لها خولة بنت قيس بن محصن فأتى عويمر عاصما فقال: لقد رأيت شريك بن السحماء على بطن امرأتي خولة، فاسترجع عاصم وأتى رسول الله ﷺ‎ في الجمعة الأخرى فقال: يا رسول الله ما أسرع ما ابتليت بالسؤال الذي سألت في الجمعة الماضية في أهل بيتي! فقال رسول الله ﷺ‎: وما ذاك؟ قال: أخبرني عويمر ابن عمّي أنه رأى شريك ابن السحماء على بطن امرأته خولة، وكان عويمر وخولة شريك كلّهم بني عم عاصم، فدعا رسول الله ﷺ‎ بهم جميعا فقال لعويمر: «اتق الله في زوجتك وخليلتك وابنة عمك فلا تقذفها بالبهتان، فقال: يا رسول الله أقسم بالله إني رأيت شريكا على بطنها وإني ما قربتها منذ أربعة أشهر وانها حبلى من غيري. فقال رسول الله ﷺ‎ للمرأة: «اتقي الله ولا تخبري إلّا بما صنعت» ، فقالت: يا رسول الله إنّ عويمرا رجل غيور، وإنه رآني وشريكا نطيل السمر ونتحدث فحملته الغيرة على ما قال. فقال رسول الله ﷺ‎ لشريك: «ما تقول» ؟ قال: ما تقوله المرأة، فأنزل الله سبحانه وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ الآية، فأمر رسول الله ﷺ‎ حتى نودي: الصلاة جامعة، فصلّى العصر ثمّ قال لعويمر: قم فقام فقال: أشهد بالله إنّ خولة لزانية وإنّي لمن الصادقين، ثمّ قال في الرابعة: أشهد بالله إنّي ما قربتها منذ أربعة أشهر وإنّي لمن الصادقين ثمّ قال في الخامسة: لعنة الله على عويمر- يعني نفسه- إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ فيما قال. ثمّ أمره بالقعود وقال لخولة: قومي فقامت فقالت: أشهد بالله ما أنا بزانية وإنّ عويمرا لَمِنَ الْكاذِبِينَ، ثمّ قالت في الثانية: أشهد بالله إنه ما رأى شريكا على بطني وإِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ، ثمّ قالت في الثالثة: أشهد بالله إني حبلى منه وإِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ، ثمّ قالت في الرابعة: أشهد بالله إنه ما رآني قط على فاحشة وإِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ، ثمّ قالت في الخامسة: غَضَبَ اللَّهِ على خولة- تعني نفسها- إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ، ففرق رسول الله ﷺ‎ بينهما وقال: «لولا هذه الأيمان لكان لي في أمرهما رأي، ثمّ قال: تحيّنوا بها الولادة فإن جاءت بأصيهب أثيبج يضرب إلى السواد فهو لشريك بن السحماء، وإن جاءت بأورق جعد حمش حدلج الساقين فهو لغير الذي رميت به» [21] . قال ابن عباس: فجاءت بأشبه خلق الله بشريك [[سنن ابن ماجة بتفاوت: 1/ 668، ح/ 2067.]] . ذكر حكم الآية إذا قذف الرجل زوجته بالزنا لزمه الحدّ وله التخلّص منه بإقامة البيّنة على زناها أو باللعان، فإن أقام البيّنة حقّق الزنا ولزمها الحدّ، وان التعن حقّق عليها الزنا ولها التخلص منه باللعان، فإن التعنت وإلّا لزمها الحدّ، وللزوج ان يلتعن سواء كان متمكّنا من البيّنة أو غير متمكّن منها، ويصح اللعان من كلّ زوج مكلّف حرا كان أو عبدا، مسلما كان أو كافرا، فكلّ من صحّت يمينه صحّ قذفه ولعانه. وقال أهل العراق: اللعان بين كلّ حرّين بالغين ولا يصحّ اللعان إلّا عند الحاكم أو خليفته، فإذا لاعن بينهما غلّظ عليهما بأربعة أشياء عدد الألفاظ، والمكان، والوقت، وجمع الناس. فأمّا اللفظ فأربع شهادات والخامسة ذكر اللعنة للرجل وذكر الغضب للمرأة، وقد مضت كيفية ذلك، وأمّا المكان فإنه يقصد أشرف البقاع بالبلدان إن كان بمكة فعند الركن والمقام، وإن كان بالمدينة فعند المنبر، وإن كان ببيت المقدس ففي مسجدها، وإن كان في سائر البلدان ففي مساجدها، وإن كانا كافرين بعث بهما إلى الموضع الذي يعتقدان تعظيمه، إن كانا يهوديين بالكنيسة وإن كانا نصرانيين فبالبيعة، وإن كانا مجوسيين ففي بيت النار، وإن كانا لا دين لهما مثل الوثنيين فإنه يلاعن بينهما في مجلس حكمه. وأما الوقت، فإنّه بعد صلاة العصر. وأمّا العدد، فيحتاج أن يكون هناك أربعة أنفس فصاعدا، فاللفظ وجمع الناس مشروطان، والمكان والزمان مستحبّان، فإذا تلاعنا تعلّق باللعان أربعة أحكام: سقوط الحدّ، ونفي الولد، وزوال الفراش، ووقوع التحريم المؤبّد، وكلّ هذا يتعلّق بلعان الزوج، فأمّا لعان المرأة فإنه يسقط به الحدّ فقط، فإن أكذب الرجل نفسه فإنه يعود ما عليه ولا يعود ماله في الحدّ والنسب عليه فيعودان. وأما التحريم والفراش فإنهما له فلا يعودان، وفرقة اللعان هي فسخ لأنه جاء بفعل من قبل المرأة. وقال أبو حنيفة وسفيان: اللعان تطليقة بائنة لأنه من قبل الرجل بدءا، والله أعلم.

النور 24:5

مدنيّة، وهي خمسة آلاف وستمائة وثمانون حرفا، وألف وثلاثمائة وست عشرة كلمة، وأربع وستّون آية أخبرنا [أبو الحسين] الخبازي قال: حدّثنا ابن حبان قال: أخبرنا محمد بن علي الفرقدي قال: حدّثنا إسماعيل بن عمرو قال: حدّثنا يوسف بن عطيّة قال: حدّثنا هارون بن كثير قال: حدّثنا زيد بن أسلم عن أبيه عن أبي أمامة عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ‎: «من قرأ سورة النور أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد كلّ مؤمن فيما مضى وفيما بقي» [[تفسير مجمع البيان: 7/ 216.]] [19] . وأخبرني الحسين بن محمد بن فنجويه قال: حدّثنا عبيد الله بن محمد بن شيبة قال: حدّثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم الكرابيسي قال: حدّثنا سلمان بن توبة أبو داود الأنصاري قال: حدّثنا محمد بن إبراهيم الشامي قال: حدّثنا شعيب بن إسحاق عن هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها وعن أبيها قالت: قال رسول الله ﷺ‎: «لا تنزلوا النساء الغرف، ولا تعلّموهن الكتابة، وعلّموهن المغزل، وسورة النور» [[زاد المسير لابن الجوزي: 5/ 339.]] . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ سُورَةٌ أَنْزَلْناها قراءة العامة بالرفع: هذه سورة لأنّ العرب لا تبتدئ بالنكرة، هذا قول الخليل، وقال الأخفش: سُورَةٌ ابتداء وخبره في أَنْزَلْناها، وقرأ طلحة بن مصرف [[في النسخة الثانية: مضرف]] : سُورَةً بالنصب على معنى أنزلنا سورة، والكناية صلة زائدة، وقيل: اتّبعوا سورة أنزلناها وَفَرَضْناها أي أوجبنا ما فيها من الأحكام، وقرأ الحسن ومجاهد وابن كثير وأبو عمرو: وفرّضناها بالتشديد أي فصّلناها وبيّنّاها، وقيل: هو من الفرض والتشديد على التكثير أي جعلناها فرائض مختلفة، وأوجبناها عليكم وعلى من بعدكم إلى قيام الساعة، وتصديق التخفيف قوله سبحانه إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ [[القصص: 85.]] . وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي إذا كانا حرّين بالغين بكرين غير محصنين فَاجْلِدُوا فاضربوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ رحمة ورقّة. قال الأخفش: رحمة في توجّع وفيها ثلاث لغات: رَأْفَةٌ ساكنة الهمز وقد تخفف الهمزة، وهي قراءة العامة، ورَأَفَةٌ بفتح الهمزة، ورَآفَةٌ مهموزة ممدودة مثل الكتابة، وهما قراءة أهل مكة مثل الشناة والشنآة [[في النسخة الثانية: النشأة والنشآة.]] ، وقيل: القصر على الاسم والمدّ بمعنى المصدر مثل صؤل صآلة، وقبح قباحة، ولم يختلفوا في سورة الحديد أنها ساكنة لأنّ العرب لا تجمع بين أكثر من ثلاث فتحات. واختلف العلماء في معنى الآية فقال قوم: وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فتعطّلوا الحدود ولا تقيموها. روى المعمّر عن عمران قال: قلت لأبي مخلد في هذه الآية: والله إنا لنرحمهم أن يجلد الرجل أو تقطع يده فقال: إنّما ذاك أنّه ليس للسلطان إذا رفعوا إليه أن يدعهم رحمة لهم حتى يقيم عليهم الحدّ، وهذا قول مجاهد وعكرمة وعطاء بن أبي رباح وسعيد بن جبير والنخعي والشعبي وابن زيد وسليمان بن يسار، يدلّ عليه من الآية أنّ الله سبحانه وتعالى أمر بالجلد، وهو ضرب الجلد كالرأس لضرب الرأس فذكر الضرب بلفظ الجلد لئلّا ينكأ [[في النسخة الثانية: يشدخ.]] ولا يبرح ولا تبلغ به اللحم. وروى ابن أبي مليكة عن عبد الله بن عبد الله أنّ عبد الله بن عمر جلد جارية له فقال للجالد: اجلد ظهرها ورجليها وأسفلها وخفّفها، قلت: فأين قول الله سبحانه وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ؟ قال: أفأقتلها؟ إنّ الله أمرني أن أضربها وأؤدّبها ولم يأمرني أن أقتلها. وقال الآخرون: بل معناها وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فتخففوا الضرب ولكن أوجعوهما ضربا، وهو قول سعيد بن المسيّب والحسن. قال الزهري: يجتهد في حدّ الزنا والفرية ويخفّف في حدّ الشراب. وقال قتادة: يخفّف في حدّ الشراب والفرية ويجتهد في الزنا. وقال حمّاد: يحدّ القاذف والشارب وعليهما ثيابهما، وأمّا الزاني فيخلع ثيابه، وتلا هذه الآية. فِي دِينِ اللَّهِ أي في حكم الله نظيره قوله سبحانه ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ [[سورة يوسف: 76.]] . إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما وليحضر حدّيهما إذا أقيم عليهما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اختلفوا في مبلغ عدد الطائفة فقال النخعي ومجاهد: أقلّه رجل واحد فما فوقه، واحتجّا بقوله وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا [[سورة الحجرات: 9.]] الآية. عطاء وعكرمة: رجلان فصاعدا، الزهري: ثلاثة فصاعدا، ابن زيد: أربعة بعدد من يقبل شهادته على الزنى، قتادة: نفر من المسلمين. روى حفص بن غياث عن أشعث عن أبيه قال: أتيت أبا برزة الأسلمي في حاجة وقد أخرج جارية له إلى باب الدار وقد زنت وولدت من الزنا، فألقى عليها ثوبا وأمر ابنه أن يضربها خمسين ضربا غير مبرح، ودعا جماعة ثم قرأ وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا أبو علي بن حنش [[في النسخة الثانية: حبش وهو الموافق لكتب الرجال.]] المقري قال: حدّثنا محمد بن أحمد ابن عثمان قال: حدّثنا إبراهيم بن نصره قال: حدّثنا مسدّد قال: حدّثنا إسماعيل قال: حدّثنا يونس بن عبيد عن حريز بن يزيد البجلي عن أبي زرعة عن عمرو بن حريز عن أبي هريرة قال: إقامة حد بأرض خير لأهلها من مطر أربعين ليلة. وأخبرنا أبو سعيد محمد بن عبد الله بن حمدون قال: حدّثنا أبو نعيم عبد الملك بن محمد ابن عدي قال: أخبرنا العباس بن الوليد بن مزيد البيروتي قال: أخبرني محمد بن شعيب قال: أخبرني معاوية بن يحيى عن سليمان الأعمش عن شقيق بن سلمة عن حذيفة عن رسول الله ﷺ‎ أنّه قال: «يا معشر الناس اتقوا الزنى فإنّ فيه ست خصال، ثلاث في الدنيا وثلاث في الآخرة، فأمّا اللاتي في الدنيا فيذهب البهاء ويورث الفقر وينقص العمر، وأمّا اللاتي في الآخرة فيوجب السخطة وسوء الحساب [[في النسخة الثانية زيادة: محمد بن الفضل بن محمد.]] والخلود في النار» [[كنز العمّال: 5/ 319.]] . وأخبرنا أبو طاهر بن خزيمة قرأه عليه في شهور سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة قال: حدّثنا عبد الله بن محمد بن مسلم قال: حدّثنا عطية بن بقية قال: حدّثنا أبي قال: حدّثني عبّاد بن كثير عن عمران القصير عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ‎: إنّ أعمال أمتي تعرض علىّ في كلّ جمعة مرّتين فاشتدّ غضب الله على الزناة [[تفسير القرطبي: 12/ 167.]] . وأخبرنا أبو عبد الله بن فنجويه قال: حدّثنا إبراهيم بن يزيد [[في النسخة الثانية: وأخبرنا أبو عبد الله بن فنجويه عن أبي علي بن حبيش المقري عن محمد بن أحمد بن هارون بسرّ من رأى، قال أبو بكر محمد بن يعقوب الدينوري، حدثني إبراهيم بن زيد.]] الحرّاني قال: حدّثنا المغيرة ابن سقلاب قال: حدّثنا النضر بن عدي عن وهب بن منبه قال: مكتوب في التوراة: الزاني لا يموت حتى يفتقر، والقوّاد لا يموت حتى يعمى. الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً الآية. اختلف العلماء في معنى الآية وحكمها فقال قوم: قدم المهاجرون المدينة وفيهم فقراء كثير ليست لهم أموال ولا عشائر ولا أهلون، وبالمدينة نساء بغايا مسافحات يكرين أنفسهن وهن يومئذ أخصب أهل المدينة، فرغب في كسبهن ناس من فقراء المسلمين فقالوا: إنّا لو تزوّجنا منهن فعشنا معهن إلى يوم يغنينا الله سبحانه عنهن، فاستأذنوا رسول الله ﷺ‎ في ذلك فنزلت هذه الآية وحرّم فيها نكاح الزانية صيانة للمؤمنين عن ذلك ، وأخبر سبحانه وتعالى أنّ الزانية إنّما ينكحها الزاني والمشرك لأنهنّ كنّ زانيات مشركات، والآية وإن كان ظاهرها خبر فمجازها ينبغي أن يكون كذا كقوله وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً [[سورة آل عمران: 97.]] وقوله سبحانه وتعالى إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ [[العنكبوت: 45.]] يعني ينبغي أن تكون كذلك، وهذا قول مجاهد وعطاء بن أبي رباح وقتادة والزهري والقاسم بن أبي برزه والشعبي وأبي حمزة الثمالي ورواية العوفي عن ابن عباس. وقال عكرمة: نزلت في نساء بغايا متعالمات بمكة والمدينة وكنّ كثيرات ومنهن تسع صواحب رايات، لهن رايات كرايات البيطار يعرفن بها: أمّ مهزول جارية السائب بن أبي السائب المخزومي، وأم عليط جارية صفوان بن أميّة، وحنّة القبطية جارية العاص بن وائل، ومرية جارية مالك بن عميلة بن السباق، وحلالة جارية سهيل بن عمرو، وأم سويد جارية عمرو ابن عثمان المخزومي، وسريفة جارية زمعة بن الأسود، وفرسة جارية هشام بن ربيعة بن حبيب ابن حذيفة، وقرينة جارية هلال بن أنس بن جابر بن نمر، وكانت بيوتهن تسمى المواخير في الجاهلية، لا يدخل عليهن ولا يأتيهن إلّا زان من أهل القبلة أو مشرك من أهل الأوثان وكان الرجل ينكح الزانية في الجاهلية يتخذها مأكله، فأراد ناس من المسلمين نكاحهن على تلك الجهة، واستأذن رجل من المسلمين نبي الله ﷺ‎ في نكاح أم مهزول اشترطت له ان تنفق عليه فأنزل الله سبحانه هذه الآية ونهى المؤمنين عن ذلك وحرّمه عليهم. وقال عمرو بن شعيب: نزلت في مرثد الغنوي وعناق، وكان مرثد رجلا شديدا وكان يقال له دلدل وكان يأتي مكة فيحتمل ضعفه المسلمين الى رسول الله ﷺ‎ وكانت عناق صديقته في الجاهلية، فلمّا أتى مكة دعته عناق الى نفسها فقال مرثد: إنّ الله حرّم الزنا قالت: فأنكحني فقال: حتى أسأل رسول الله ﷺ‎ في ذلك فسأله عنه فأنزل الله سبحانه هذه الآية، وقد مضت القصة في سورة البقرة. وقال آخرون: أراد بالنكاح هاهنا الجماع ومعنى الآية الزاني لا يزني إلّا بزانية أو مشركة والزانية لا يزني بها إلّا زان أو مشرك، وهذا قول سعيد بن جبير والضحاك بن مزاحم وعبد الرّحمن بن زيد ورواية الوالبي عن ابن عباس، أخبرني الحسين بن محمد بن عبد الله قال: حدّثنا أحمد بن محمد بن إسحاق السني قال: أخبرني محمد بن عمران قال: حدّثنا سعيد بن عبد الرّحمن ومحمد بن عبد الله المقري قالا: حدّثنا عبد الله بن الوليد العدني عن سفيان عن حبيب بن أبي عمرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً قال: ليس هذا بالنكاح ولكنه الجماع، لا يزني بها إلّا زان أو مشرك، فكنّى. وأخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا أبو علي بن حبش قال: حدّثني الحسن بن علي بن زكريا قال: حدّثنا الحسن بن علي بن راشد قال: قال لنا يزيد بن هارون: هذا عندي إن جامعها وهو مستحل فهو مشرك، وإن جامعها وهو محرم فهو زان. وقال بعضهم: كان هذا حكم الله في كلّ زان وزانية حتى نسختها الآية التي بعدها وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ [[سورة النور: 32.]] فأحلّ نكاح كل مسلمة وكل مسلم، وهو قول سعيد بن المسيّب أخبرنيه ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شيبة قال: حدّثنا الفريابي قال: حدّثنا قتيبة قال: حدّثنا الليث عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أنّه قال: يزعمون أن تلك الآية الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً نسخت بالآية التي بعدها وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ فدخلت الزانية في أيامى المسلمين. وقال الحسن: معناها المجلود لا ينكح إلّا مجلودة. وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ أي يشتمون المسلمات [[في النسخة الثانية زيادة: وقال الحسن: معنى.]] الحرائر العفائف فيقذفونهن بالزنى ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا على ما رموهن به بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ عدول يشهدون عليهنّ أنهم رأوهنّ يفعلن ذلك فَاجْلِدُوهُمْ يعني القاذفين اضربوا كلّ واحد منهم ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ. ثمّ استثنى فقال عزّ من قائل إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ واختلف العلماء في حكم هذا الاستثناء فقال قوم: هو استثناء من قوله وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وقالوا: إذا تاب القاذف قبلت شهادته وزال عنه اسم الفسق وعادت ولايته حد فيه أو لم يحدّ، وهذا قول الشعبي ومسروق وسليمان بن يسار وسعيد بن جبير وعطاء وطاوس ومجاهد وسعيد بن المسيب وعبد الله بن عتبة والضحّاك، وهو قول أهل الحجاز وإليه ذهب الشافعي. واختلفوا في كيفيّة توبته، فقال بعضهم: هو ان يرجع عن قوله ويكذّب نفسه، وقال آخرون: هي الندم على ما سلف والاستغفار منه وترك العود فيما بقي، فإذا أقيم عليه الحدّ أو عفا المقذوف عنه سقط الحد، وذلك أن القذف حق للمقذوف كالقصاص والجنايات وبالعفو تسقط فإذا عفا عنه فلم يطالبه بالحد، أو مات المقذوف قبل مطالبته بالحد، أو لم يرفع إلى السلطان فلم يحدّ لأجل هذه، أو حدّ ثم تاب وأصلح العمل قبلت شهادته وعادت ولايته، يدلّ عليه ما روى ابن إسحاق عن الزهري عن سعيد بن المسيّب أنّ عمر بن الخطاب رضى الله عنه ضرب الذين شهدوا على المغيرة بن شعبة وهم أبو بكرة وشبل بن معبد ونافع بن الحرث بن كلّدة فحدّهم ثمّ قال لهم: من أكذب نفسه أجزت شهادته فيما استقبل، ومن لم يفعل لم أجز شهادته، فأكذب شبل نفسه ونافع وتابا، وأبى أبو بكرة أن يفعل فكان لا تقبل شهادته. وروى ابن جريج عن عمران بن موسى قال: شهدت عمر بن عبد العزيز أجاز شهادة القاذف ومعه رجل. وقال آخرون: هذا الاستثناء راجع الى قوله وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ فأمّا قوله وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً فقد وصل بالأبد ولا يجوز قبولها أبدا، وهذا قول النخعي وشريح ورواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه. روى الأشعث عن الشعبي قال: جاء خصمان إلى شريح فجاء أحدهما بشاهد قد قطع زناد يده ورجله في قطع الطريق ثم تاب وأصلح، فأجاز شريح شهادته فقال المشهود عليه: أتجيز شهادته عليّ وهو أقطع؟ فقال شريح: كلّ صاحب حدّ إذا أقيم عليه ثم تاب وأصلح فشهادته جائزة إلّا القاذف، فإنّه قضاء من الله أن لا تقبل شهادته أبدا وإنّما توبته فيما بينه وبين الله. وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ أي يقذفونهنّ بالزنا. وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ يشهدون على صحة ما قالوا. إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ قرأ أهل الكوفة أربع بالرفع على الابتداء والخبر، وقرأ الباقون بالنصب على معنى أن يشهد أربع شهادات. وَالْخامِسَةُ يعني والشهادة الخامسة، قراءة العامة بالرفع على الابتداء وخبره في أن. وقرأ حفص بالنصب على معنى ويشهد الشهادة الخامسة. وقرأ نافع ويعقوب وأيوب: إن وأن خفيفتين، لعنةُ وغضبُ مرفوعين، وهي رواية المفضل عن عاصم، وقرأ الباقون: بتشديد النونين وما بعدهما نصب. إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ ويدفع عن الزوجة الحد. أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ يعني الزوج لَمِنَ الْكاذِبِينَ. وَالْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ قرأ نافع: غَضَبَ اللَّهُ مثل سمع الله على الفعل، الباقون على الإسم. وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ جواب لولا محذوف يعني لعاجلكم بالعقوبة وفضحكم ولكنه ستر عليكم ورفع عنكم الحد باللعان حكمة منه ورحمة. فأما سبب نزول الآية، فروى عكرمة عن ابن عباس قال: لمّا نزلت وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً الآية، قال سعد بن عبادة: والله لو أتيت لكاع وقد تفخّذها رجل لم يكن لي أن أهيجه ولا أحركّه حتى آتي بأربعة شهداء! فوالله ما كنت لآتي بأربعة شهداء حتى يفرغ من حاجته ويذهب، فإن قلت ما رأيت، إنّ في ظهري لثمانين جلدة، فقال رسول الله ﷺ‎ [[مسند أحمد: 1/ 238.]] : «يا معشر الأنصار ألا تسمعون ما يقول سيّدكم» ؟ قالوا: لا تلمه فإنه رجل غيور، ما تزوج امرأة قط إلّا بكرا ولا طلّق امرأة له فاجترأ رجل منّا أن يتزوّجها. فقال سعد بن عبادة: يا رسول الله بأبي أنت وأمّي والله إنّي لأعرف أنّها من الله وأنّها حقّ ولكن عجبت من ذلك لما أخبرتك، فقال رسول الله ﷺ‎: «فإنّ الله يأبى إلّا ذاك» ، فقال: صدق الله ورسوله. قال: فلم يلبثوا إلّا يسيرا حتى جاء ابن عم له يقال له هلال بن أميّة من حديقة له، فرأى رجلا مع امرأته يزني بها فأمسك حتى أصبح، فلمّا أصبح غدا على رسول الله ﷺ‎ وهو جالس مع أصحابه فقال: يا رسول الله إنّي جئت أهلي عشاء فوجدت رجلا مع أهلي، رأيت بعيني وسمعت بأذني فكره رسول الله ﷺ‎ ما أتاه به وثقل عليه جدّا حتى عرف ذلك في وجهه. فقال هلال: والله يا رسول الله إني لأرى الكراهية في وجهك مما أتيتك به، والله يعلم أني صادق وما قلت إلّا حقّا وإنّي لأرجو أن يجعل الله فرجا، فهمّ رسول الله ﷺ‎ بضربه. قال: واجتمعت الأنصار فقالوا: ابتلينا بما قال سعد، أيجلد هلال وتبطل شهادته؟ فإنّهم لكذلك ورسول الله ﷺ‎ يريد أن يأمر بضربه إذ نزل عليه الوحي فأمسك أصحابه عن كلامه حين عرفوا أنّ الوحي قد نزل حتى فرغ، فأنزل الله سبحانه وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ إلى آخر الآيات. فقال رسول الله ﷺ‎: «أبشر يا هلال فإنّ الله قد جعل لك فرجا» ، فقال: قد كنت أرجو بذلك من الله تعالى. فقال رسول الله ﷺ‎: «أرسلوا إليها» ، فجاءت فلمّا اجتمعا عند رسول الله ﷺ‎ قيل لها، فكذّبت. فقال رسول الله ﷺ‎: «إنّ الله يعلم أنّ أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟» . فقال هلال: يا رسول الله بأبي وأمّي لقد صدقت وما قلت إلّا حقّا. فقال رسول الله ﷺ‎: «لاعنوا بينهما» ، فقيل لهلال: اشهد، فشهد أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ، فقيل له عند الخامسة: يا هلال اتّق الله فإنّ عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة [[في النسخة الثانية زيادة: وأن عذاب الله أشد من عذاب الناس، وإن هذه الخامسة هي الموجبة التي توجب عليك العذاب.]] ، فقال هلال: والله لا يعذبني الله عليها كما لم يجلدني عليها رسول الله ﷺ‎، فشهد الخامسة أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ. ثم قال للمرأة: اشهدي فشهدت [[في النسخة الثانية زيادة: أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ، فقال لها عند الخامسة ووفقها: اتقي الله فإن في الخامسة موجبة، وإن عذاب الله أشد من عذاب الناس فتلكّأت ساعة وهمت بالاعتراف، ثم قالت: والله لا أفضح قومي فشهدت.]] الخامسة أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ، ففرّق رسول الله ﷺ‎ بينهما وقضى أن الولد لها ولا يدعى لأب ولا يرمى ولدها، ثمّ قال رسول الله ﷺ‎: «إن جاءت به كذا وكذا] فهو لزوجها، وإن جاءت به كذا وكذا] فهو للذي قيل فيه» [20] [[تفسير الطبري: 18/ 108 وما بين معكوفين منه وهو موافق لما في النسخة الثانية (أصفهان) .]] . قال: فجاءت به غلاما كأنه حمل أورق على الشبه المكروه، وكان بعد أميرا بمصر لا يدرى من أبوه. وأخبرنا محمد بن عبدوس قال: أخبرنا محمد بن الحسن قال: أخبرنا علي بن عبد العزيز قال: أخبرنا القاسم بن سلام قال: حدّثنا هيثم عن يونس بن عبيد عن الحسن قال: لمّا نزلت وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ الآية، قال سعد بن عبادة: يا رسول الله أرأيت إن رأى رجل مع امرأته رجلا فقتله يقتلونه، وإن أخبر بما رأى جلد ثمانين أفلا يضربه بالسيف؟ فقال رسول الله ﷺ‎: كفى بالسيف شا ... ، قال: أراد أن يقول شاهدا ثمّ أمسك وقال: لولا ان يتتابع فيه الغيران والسكران، وذكر الحديث [[المصنّف: 9/ 434.]] . وقال ابن عباس في سائر الروايات ومقاتل: لمّا نزلت وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الآية، قرأها النبي ﷺ‎ يوم الجمعة على المنبر فقام عاصم بن عدي الأنصاري فقال: جعلني الله فداك إن رأى رجل منّا مع امرأته رجلا فأخبر بما رأى جلد ثمانين وسمّاه المسلمون فاسقا ولا تقبل شهادته أبدا، فكيف لنا بالشهداء ونحن إذا التمسنا الشهداء كان الرجل قد فرغ من حاجته ومرّ؟ وكان لعاصم هذا ابن عم له يقال له عويمر وله امرأة يقال لها خولة بنت قيس بن محصن فأتى عويمر عاصما فقال: لقد رأيت شريك بن السحماء على بطن امرأتي خولة، فاسترجع عاصم وأتى رسول الله ﷺ‎ في الجمعة الأخرى فقال: يا رسول الله ما أسرع ما ابتليت بالسؤال الذي سألت في الجمعة الماضية في أهل بيتي! فقال رسول الله ﷺ‎: وما ذاك؟ قال: أخبرني عويمر ابن عمّي أنه رأى شريك ابن السحماء على بطن امرأته خولة، وكان عويمر وخولة شريك كلّهم بني عم عاصم، فدعا رسول الله ﷺ‎ بهم جميعا فقال لعويمر: «اتق الله في زوجتك وخليلتك وابنة عمك فلا تقذفها بالبهتان، فقال: يا رسول الله أقسم بالله إني رأيت شريكا على بطنها وإني ما قربتها منذ أربعة أشهر وانها حبلى من غيري. فقال رسول الله ﷺ‎ للمرأة: «اتقي الله ولا تخبري إلّا بما صنعت» ، فقالت: يا رسول الله إنّ عويمرا رجل غيور، وإنه رآني وشريكا نطيل السمر ونتحدث فحملته الغيرة على ما قال. فقال رسول الله ﷺ‎ لشريك: «ما تقول» ؟ قال: ما تقوله المرأة، فأنزل الله سبحانه وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ الآية، فأمر رسول الله ﷺ‎ حتى نودي: الصلاة جامعة، فصلّى العصر ثمّ قال لعويمر: قم فقام فقال: أشهد بالله إنّ خولة لزانية وإنّي لمن الصادقين، ثمّ قال في الرابعة: أشهد بالله إنّي ما قربتها منذ أربعة أشهر وإنّي لمن الصادقين ثمّ قال في الخامسة: لعنة الله على عويمر- يعني نفسه- إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ فيما قال. ثمّ أمره بالقعود وقال لخولة: قومي فقامت فقالت: أشهد بالله ما أنا بزانية وإنّ عويمرا لَمِنَ الْكاذِبِينَ، ثمّ قالت في الثانية: أشهد بالله إنه ما رأى شريكا على بطني وإِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ، ثمّ قالت في الثالثة: أشهد بالله إني حبلى منه وإِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ، ثمّ قالت في الرابعة: أشهد بالله إنه ما رآني قط على فاحشة وإِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ، ثمّ قالت في الخامسة: غَضَبَ اللَّهِ على خولة- تعني نفسها- إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ، ففرق رسول الله ﷺ‎ بينهما وقال: «لولا هذه الأيمان لكان لي في أمرهما رأي، ثمّ قال: تحيّنوا بها الولادة فإن جاءت بأصيهب أثيبج يضرب إلى السواد فهو لشريك بن السحماء، وإن جاءت بأورق جعد حمش حدلج الساقين فهو لغير الذي رميت به» [21] . قال ابن عباس: فجاءت بأشبه خلق الله بشريك [[سنن ابن ماجة بتفاوت: 1/ 668، ح/ 2067.]] . ذكر حكم الآية إذا قذف الرجل زوجته بالزنا لزمه الحدّ وله التخلّص منه بإقامة البيّنة على زناها أو باللعان، فإن أقام البيّنة حقّق الزنا ولزمها الحدّ، وان التعن حقّق عليها الزنا ولها التخلص منه باللعان، فإن التعنت وإلّا لزمها الحدّ، وللزوج ان يلتعن سواء كان متمكّنا من البيّنة أو غير متمكّن منها، ويصح اللعان من كلّ زوج مكلّف حرا كان أو عبدا، مسلما كان أو كافرا، فكلّ من صحّت يمينه صحّ قذفه ولعانه. وقال أهل العراق: اللعان بين كلّ حرّين بالغين ولا يصحّ اللعان إلّا عند الحاكم أو خليفته، فإذا لاعن بينهما غلّظ عليهما بأربعة أشياء عدد الألفاظ، والمكان، والوقت، وجمع الناس. فأمّا اللفظ فأربع شهادات والخامسة ذكر اللعنة للرجل وذكر الغضب للمرأة، وقد مضت كيفية ذلك، وأمّا المكان فإنه يقصد أشرف البقاع بالبلدان إن كان بمكة فعند الركن والمقام، وإن كان بالمدينة فعند المنبر، وإن كان ببيت المقدس ففي مسجدها، وإن كان في سائر البلدان ففي مساجدها، وإن كانا كافرين بعث بهما إلى الموضع الذي يعتقدان تعظيمه، إن كانا يهوديين بالكنيسة وإن كانا نصرانيين فبالبيعة، وإن كانا مجوسيين ففي بيت النار، وإن كانا لا دين لهما مثل الوثنيين فإنه يلاعن بينهما في مجلس حكمه. وأما الوقت، فإنّه بعد صلاة العصر. وأمّا العدد، فيحتاج أن يكون هناك أربعة أنفس فصاعدا، فاللفظ وجمع الناس مشروطان، والمكان والزمان مستحبّان، فإذا تلاعنا تعلّق باللعان أربعة أحكام: سقوط الحدّ، ونفي الولد، وزوال الفراش، ووقوع التحريم المؤبّد، وكلّ هذا يتعلّق بلعان الزوج، فأمّا لعان المرأة فإنه يسقط به الحدّ فقط، فإن أكذب الرجل نفسه فإنه يعود ما عليه ولا يعود ماله في الحدّ والنسب عليه فيعودان. وأما التحريم والفراش فإنهما له فلا يعودان، وفرقة اللعان هي فسخ لأنه جاء بفعل من قبل المرأة. وقال أبو حنيفة وسفيان: اللعان تطليقة بائنة لأنه من قبل الرجل بدءا، والله أعلم.

النور 24:6

مدنيّة، وهي خمسة آلاف وستمائة وثمانون حرفا، وألف وثلاثمائة وست عشرة كلمة، وأربع وستّون آية أخبرنا [أبو الحسين] الخبازي قال: حدّثنا ابن حبان قال: أخبرنا محمد بن علي الفرقدي قال: حدّثنا إسماعيل بن عمرو قال: حدّثنا يوسف بن عطيّة قال: حدّثنا هارون بن كثير قال: حدّثنا زيد بن أسلم عن أبيه عن أبي أمامة عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ‎: «من قرأ سورة النور أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد كلّ مؤمن فيما مضى وفيما بقي» [[تفسير مجمع البيان: 7/ 216.]] [19] . وأخبرني الحسين بن محمد بن فنجويه قال: حدّثنا عبيد الله بن محمد بن شيبة قال: حدّثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم الكرابيسي قال: حدّثنا سلمان بن توبة أبو داود الأنصاري قال: حدّثنا محمد بن إبراهيم الشامي قال: حدّثنا شعيب بن إسحاق عن هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها وعن أبيها قالت: قال رسول الله ﷺ‎: «لا تنزلوا النساء الغرف، ولا تعلّموهن الكتابة، وعلّموهن المغزل، وسورة النور» [[زاد المسير لابن الجوزي: 5/ 339.]] . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ سُورَةٌ أَنْزَلْناها قراءة العامة بالرفع: هذه سورة لأنّ العرب لا تبتدئ بالنكرة، هذا قول الخليل، وقال الأخفش: سُورَةٌ ابتداء وخبره في أَنْزَلْناها، وقرأ طلحة بن مصرف [[في النسخة الثانية: مضرف]] : سُورَةً بالنصب على معنى أنزلنا سورة، والكناية صلة زائدة، وقيل: اتّبعوا سورة أنزلناها وَفَرَضْناها أي أوجبنا ما فيها من الأحكام، وقرأ الحسن ومجاهد وابن كثير وأبو عمرو: وفرّضناها بالتشديد أي فصّلناها وبيّنّاها، وقيل: هو من الفرض والتشديد على التكثير أي جعلناها فرائض مختلفة، وأوجبناها عليكم وعلى من بعدكم إلى قيام الساعة، وتصديق التخفيف قوله سبحانه إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ [[القصص: 85.]] . وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي إذا كانا حرّين بالغين بكرين غير محصنين فَاجْلِدُوا فاضربوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ رحمة ورقّة. قال الأخفش: رحمة في توجّع وفيها ثلاث لغات: رَأْفَةٌ ساكنة الهمز وقد تخفف الهمزة، وهي قراءة العامة، ورَأَفَةٌ بفتح الهمزة، ورَآفَةٌ مهموزة ممدودة مثل الكتابة، وهما قراءة أهل مكة مثل الشناة والشنآة [[في النسخة الثانية: النشأة والنشآة.]] ، وقيل: القصر على الاسم والمدّ بمعنى المصدر مثل صؤل صآلة، وقبح قباحة، ولم يختلفوا في سورة الحديد أنها ساكنة لأنّ العرب لا تجمع بين أكثر من ثلاث فتحات. واختلف العلماء في معنى الآية فقال قوم: وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فتعطّلوا الحدود ولا تقيموها. روى المعمّر عن عمران قال: قلت لأبي مخلد في هذه الآية: والله إنا لنرحمهم أن يجلد الرجل أو تقطع يده فقال: إنّما ذاك أنّه ليس للسلطان إذا رفعوا إليه أن يدعهم رحمة لهم حتى يقيم عليهم الحدّ، وهذا قول مجاهد وعكرمة وعطاء بن أبي رباح وسعيد بن جبير والنخعي والشعبي وابن زيد وسليمان بن يسار، يدلّ عليه من الآية أنّ الله سبحانه وتعالى أمر بالجلد، وهو ضرب الجلد كالرأس لضرب الرأس فذكر الضرب بلفظ الجلد لئلّا ينكأ [[في النسخة الثانية: يشدخ.]] ولا يبرح ولا تبلغ به اللحم. وروى ابن أبي مليكة عن عبد الله بن عبد الله أنّ عبد الله بن عمر جلد جارية له فقال للجالد: اجلد ظهرها ورجليها وأسفلها وخفّفها، قلت: فأين قول الله سبحانه وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ؟ قال: أفأقتلها؟ إنّ الله أمرني أن أضربها وأؤدّبها ولم يأمرني أن أقتلها. وقال الآخرون: بل معناها وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فتخففوا الضرب ولكن أوجعوهما ضربا، وهو قول سعيد بن المسيّب والحسن. قال الزهري: يجتهد في حدّ الزنا والفرية ويخفّف في حدّ الشراب. وقال قتادة: يخفّف في حدّ الشراب والفرية ويجتهد في الزنا. وقال حمّاد: يحدّ القاذف والشارب وعليهما ثيابهما، وأمّا الزاني فيخلع ثيابه، وتلا هذه الآية. فِي دِينِ اللَّهِ أي في حكم الله نظيره قوله سبحانه ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ [[سورة يوسف: 76.]] . إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما وليحضر حدّيهما إذا أقيم عليهما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اختلفوا في مبلغ عدد الطائفة فقال النخعي ومجاهد: أقلّه رجل واحد فما فوقه، واحتجّا بقوله وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا [[سورة الحجرات: 9.]] الآية. عطاء وعكرمة: رجلان فصاعدا، الزهري: ثلاثة فصاعدا، ابن زيد: أربعة بعدد من يقبل شهادته على الزنى، قتادة: نفر من المسلمين. روى حفص بن غياث عن أشعث عن أبيه قال: أتيت أبا برزة الأسلمي في حاجة وقد أخرج جارية له إلى باب الدار وقد زنت وولدت من الزنا، فألقى عليها ثوبا وأمر ابنه أن يضربها خمسين ضربا غير مبرح، ودعا جماعة ثم قرأ وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا أبو علي بن حنش [[في النسخة الثانية: حبش وهو الموافق لكتب الرجال.]] المقري قال: حدّثنا محمد بن أحمد ابن عثمان قال: حدّثنا إبراهيم بن نصره قال: حدّثنا مسدّد قال: حدّثنا إسماعيل قال: حدّثنا يونس بن عبيد عن حريز بن يزيد البجلي عن أبي زرعة عن عمرو بن حريز عن أبي هريرة قال: إقامة حد بأرض خير لأهلها من مطر أربعين ليلة. وأخبرنا أبو سعيد محمد بن عبد الله بن حمدون قال: حدّثنا أبو نعيم عبد الملك بن محمد ابن عدي قال: أخبرنا العباس بن الوليد بن مزيد البيروتي قال: أخبرني محمد بن شعيب قال: أخبرني معاوية بن يحيى عن سليمان الأعمش عن شقيق بن سلمة عن حذيفة عن رسول الله ﷺ‎ أنّه قال: «يا معشر الناس اتقوا الزنى فإنّ فيه ست خصال، ثلاث في الدنيا وثلاث في الآخرة، فأمّا اللاتي في الدنيا فيذهب البهاء ويورث الفقر وينقص العمر، وأمّا اللاتي في الآخرة فيوجب السخطة وسوء الحساب [[في النسخة الثانية زيادة: محمد بن الفضل بن محمد.]] والخلود في النار» [[كنز العمّال: 5/ 319.]] . وأخبرنا أبو طاهر بن خزيمة قرأه عليه في شهور سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة قال: حدّثنا عبد الله بن محمد بن مسلم قال: حدّثنا عطية بن بقية قال: حدّثنا أبي قال: حدّثني عبّاد بن كثير عن عمران القصير عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ‎: إنّ أعمال أمتي تعرض علىّ في كلّ جمعة مرّتين فاشتدّ غضب الله على الزناة [[تفسير القرطبي: 12/ 167.]] . وأخبرنا أبو عبد الله بن فنجويه قال: حدّثنا إبراهيم بن يزيد [[في النسخة الثانية: وأخبرنا أبو عبد الله بن فنجويه عن أبي علي بن حبيش المقري عن محمد بن أحمد بن هارون بسرّ من رأى، قال أبو بكر محمد بن يعقوب الدينوري، حدثني إبراهيم بن زيد.]] الحرّاني قال: حدّثنا المغيرة ابن سقلاب قال: حدّثنا النضر بن عدي عن وهب بن منبه قال: مكتوب في التوراة: الزاني لا يموت حتى يفتقر، والقوّاد لا يموت حتى يعمى. الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً الآية. اختلف العلماء في معنى الآية وحكمها فقال قوم: قدم المهاجرون المدينة وفيهم فقراء كثير ليست لهم أموال ولا عشائر ولا أهلون، وبالمدينة نساء بغايا مسافحات يكرين أنفسهن وهن يومئذ أخصب أهل المدينة، فرغب في كسبهن ناس من فقراء المسلمين فقالوا: إنّا لو تزوّجنا منهن فعشنا معهن إلى يوم يغنينا الله سبحانه عنهن، فاستأذنوا رسول الله ﷺ‎ في ذلك فنزلت هذه الآية وحرّم فيها نكاح الزانية صيانة للمؤمنين عن ذلك ، وأخبر سبحانه وتعالى أنّ الزانية إنّما ينكحها الزاني والمشرك لأنهنّ كنّ زانيات مشركات، والآية وإن كان ظاهرها خبر فمجازها ينبغي أن يكون كذا كقوله وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً [[سورة آل عمران: 97.]] وقوله سبحانه وتعالى إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ [[العنكبوت: 45.]] يعني ينبغي أن تكون كذلك، وهذا قول مجاهد وعطاء بن أبي رباح وقتادة والزهري والقاسم بن أبي برزه والشعبي وأبي حمزة الثمالي ورواية العوفي عن ابن عباس. وقال عكرمة: نزلت في نساء بغايا متعالمات بمكة والمدينة وكنّ كثيرات ومنهن تسع صواحب رايات، لهن رايات كرايات البيطار يعرفن بها: أمّ مهزول جارية السائب بن أبي السائب المخزومي، وأم عليط جارية صفوان بن أميّة، وحنّة القبطية جارية العاص بن وائل، ومرية جارية مالك بن عميلة بن السباق، وحلالة جارية سهيل بن عمرو، وأم سويد جارية عمرو ابن عثمان المخزومي، وسريفة جارية زمعة بن الأسود، وفرسة جارية هشام بن ربيعة بن حبيب ابن حذيفة، وقرينة جارية هلال بن أنس بن جابر بن نمر، وكانت بيوتهن تسمى المواخير في الجاهلية، لا يدخل عليهن ولا يأتيهن إلّا زان من أهل القبلة أو مشرك من أهل الأوثان وكان الرجل ينكح الزانية في الجاهلية يتخذها مأكله، فأراد ناس من المسلمين نكاحهن على تلك الجهة، واستأذن رجل من المسلمين نبي الله ﷺ‎ في نكاح أم مهزول اشترطت له ان تنفق عليه فأنزل الله سبحانه هذه الآية ونهى المؤمنين عن ذلك وحرّمه عليهم. وقال عمرو بن شعيب: نزلت في مرثد الغنوي وعناق، وكان مرثد رجلا شديدا وكان يقال له دلدل وكان يأتي مكة فيحتمل ضعفه المسلمين الى رسول الله ﷺ‎ وكانت عناق صديقته في الجاهلية، فلمّا أتى مكة دعته عناق الى نفسها فقال مرثد: إنّ الله حرّم الزنا قالت: فأنكحني فقال: حتى أسأل رسول الله ﷺ‎ في ذلك فسأله عنه فأنزل الله سبحانه هذه الآية، وقد مضت القصة في سورة البقرة. وقال آخرون: أراد بالنكاح هاهنا الجماع ومعنى الآية الزاني لا يزني إلّا بزانية أو مشركة والزانية لا يزني بها إلّا زان أو مشرك، وهذا قول سعيد بن جبير والضحاك بن مزاحم وعبد الرّحمن بن زيد ورواية الوالبي عن ابن عباس، أخبرني الحسين بن محمد بن عبد الله قال: حدّثنا أحمد بن محمد بن إسحاق السني قال: أخبرني محمد بن عمران قال: حدّثنا سعيد بن عبد الرّحمن ومحمد بن عبد الله المقري قالا: حدّثنا عبد الله بن الوليد العدني عن سفيان عن حبيب بن أبي عمرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً قال: ليس هذا بالنكاح ولكنه الجماع، لا يزني بها إلّا زان أو مشرك، فكنّى. وأخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا أبو علي بن حبش قال: حدّثني الحسن بن علي بن زكريا قال: حدّثنا الحسن بن علي بن راشد قال: قال لنا يزيد بن هارون: هذا عندي إن جامعها وهو مستحل فهو مشرك، وإن جامعها وهو محرم فهو زان. وقال بعضهم: كان هذا حكم الله في كلّ زان وزانية حتى نسختها الآية التي بعدها وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ [[سورة النور: 32.]] فأحلّ نكاح كل مسلمة وكل مسلم، وهو قول سعيد بن المسيّب أخبرنيه ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شيبة قال: حدّثنا الفريابي قال: حدّثنا قتيبة قال: حدّثنا الليث عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أنّه قال: يزعمون أن تلك الآية الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً نسخت بالآية التي بعدها وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ فدخلت الزانية في أيامى المسلمين. وقال الحسن: معناها المجلود لا ينكح إلّا مجلودة. وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ أي يشتمون المسلمات [[في النسخة الثانية زيادة: وقال الحسن: معنى.]] الحرائر العفائف فيقذفونهن بالزنى ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا على ما رموهن به بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ عدول يشهدون عليهنّ أنهم رأوهنّ يفعلن ذلك فَاجْلِدُوهُمْ يعني القاذفين اضربوا كلّ واحد منهم ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ. ثمّ استثنى فقال عزّ من قائل إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ واختلف العلماء في حكم هذا الاستثناء فقال قوم: هو استثناء من قوله وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وقالوا: إذا تاب القاذف قبلت شهادته وزال عنه اسم الفسق وعادت ولايته حد فيه أو لم يحدّ، وهذا قول الشعبي ومسروق وسليمان بن يسار وسعيد بن جبير وعطاء وطاوس ومجاهد وسعيد بن المسيب وعبد الله بن عتبة والضحّاك، وهو قول أهل الحجاز وإليه ذهب الشافعي. واختلفوا في كيفيّة توبته، فقال بعضهم: هو ان يرجع عن قوله ويكذّب نفسه، وقال آخرون: هي الندم على ما سلف والاستغفار منه وترك العود فيما بقي، فإذا أقيم عليه الحدّ أو عفا المقذوف عنه سقط الحد، وذلك أن القذف حق للمقذوف كالقصاص والجنايات وبالعفو تسقط فإذا عفا عنه فلم يطالبه بالحد، أو مات المقذوف قبل مطالبته بالحد، أو لم يرفع إلى السلطان فلم يحدّ لأجل هذه، أو حدّ ثم تاب وأصلح العمل قبلت شهادته وعادت ولايته، يدلّ عليه ما روى ابن إسحاق عن الزهري عن سعيد بن المسيّب أنّ عمر بن الخطاب رضى الله عنه ضرب الذين شهدوا على المغيرة بن شعبة وهم أبو بكرة وشبل بن معبد ونافع بن الحرث بن كلّدة فحدّهم ثمّ قال لهم: من أكذب نفسه أجزت شهادته فيما استقبل، ومن لم يفعل لم أجز شهادته، فأكذب شبل نفسه ونافع وتابا، وأبى أبو بكرة أن يفعل فكان لا تقبل شهادته. وروى ابن جريج عن عمران بن موسى قال: شهدت عمر بن عبد العزيز أجاز شهادة القاذف ومعه رجل. وقال آخرون: هذا الاستثناء راجع الى قوله وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ فأمّا قوله وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً فقد وصل بالأبد ولا يجوز قبولها أبدا، وهذا قول النخعي وشريح ورواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه. روى الأشعث عن الشعبي قال: جاء خصمان إلى شريح فجاء أحدهما بشاهد قد قطع زناد يده ورجله في قطع الطريق ثم تاب وأصلح، فأجاز شريح شهادته فقال المشهود عليه: أتجيز شهادته عليّ وهو أقطع؟ فقال شريح: كلّ صاحب حدّ إذا أقيم عليه ثم تاب وأصلح فشهادته جائزة إلّا القاذف، فإنّه قضاء من الله أن لا تقبل شهادته أبدا وإنّما توبته فيما بينه وبين الله. وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ أي يقذفونهنّ بالزنا. وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ يشهدون على صحة ما قالوا. إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ قرأ أهل الكوفة أربع بالرفع على الابتداء والخبر، وقرأ الباقون بالنصب على معنى أن يشهد أربع شهادات. وَالْخامِسَةُ يعني والشهادة الخامسة، قراءة العامة بالرفع على الابتداء وخبره في أن. وقرأ حفص بالنصب على معنى ويشهد الشهادة الخامسة. وقرأ نافع ويعقوب وأيوب: إن وأن خفيفتين، لعنةُ وغضبُ مرفوعين، وهي رواية المفضل عن عاصم، وقرأ الباقون: بتشديد النونين وما بعدهما نصب. إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ ويدفع عن الزوجة الحد. أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ يعني الزوج لَمِنَ الْكاذِبِينَ. وَالْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ قرأ نافع: غَضَبَ اللَّهُ مثل سمع الله على الفعل، الباقون على الإسم. وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ جواب لولا محذوف يعني لعاجلكم بالعقوبة وفضحكم ولكنه ستر عليكم ورفع عنكم الحد باللعان حكمة منه ورحمة. فأما سبب نزول الآية، فروى عكرمة عن ابن عباس قال: لمّا نزلت وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً الآية، قال سعد بن عبادة: والله لو أتيت لكاع وقد تفخّذها رجل لم يكن لي أن أهيجه ولا أحركّه حتى آتي بأربعة شهداء! فوالله ما كنت لآتي بأربعة شهداء حتى يفرغ من حاجته ويذهب، فإن قلت ما رأيت، إنّ في ظهري لثمانين جلدة، فقال رسول الله ﷺ‎ [[مسند أحمد: 1/ 238.]] : «يا معشر الأنصار ألا تسمعون ما يقول سيّدكم» ؟ قالوا: لا تلمه فإنه رجل غيور، ما تزوج امرأة قط إلّا بكرا ولا طلّق امرأة له فاجترأ رجل منّا أن يتزوّجها. فقال سعد بن عبادة: يا رسول الله بأبي أنت وأمّي والله إنّي لأعرف أنّها من الله وأنّها حقّ ولكن عجبت من ذلك لما أخبرتك، فقال رسول الله ﷺ‎: «فإنّ الله يأبى إلّا ذاك» ، فقال: صدق الله ورسوله. قال: فلم يلبثوا إلّا يسيرا حتى جاء ابن عم له يقال له هلال بن أميّة من حديقة له، فرأى رجلا مع امرأته يزني بها فأمسك حتى أصبح، فلمّا أصبح غدا على رسول الله ﷺ‎ وهو جالس مع أصحابه فقال: يا رسول الله إنّي جئت أهلي عشاء فوجدت رجلا مع أهلي، رأيت بعيني وسمعت بأذني فكره رسول الله ﷺ‎ ما أتاه به وثقل عليه جدّا حتى عرف ذلك في وجهه. فقال هلال: والله يا رسول الله إني لأرى الكراهية في وجهك مما أتيتك به، والله يعلم أني صادق وما قلت إلّا حقّا وإنّي لأرجو أن يجعل الله فرجا، فهمّ رسول الله ﷺ‎ بضربه. قال: واجتمعت الأنصار فقالوا: ابتلينا بما قال سعد، أيجلد هلال وتبطل شهادته؟ فإنّهم لكذلك ورسول الله ﷺ‎ يريد أن يأمر بضربه إذ نزل عليه الوحي فأمسك أصحابه عن كلامه حين عرفوا أنّ الوحي قد نزل حتى فرغ، فأنزل الله سبحانه وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ إلى آخر الآيات. فقال رسول الله ﷺ‎: «أبشر يا هلال فإنّ الله قد جعل لك فرجا» ، فقال: قد كنت أرجو بذلك من الله تعالى. فقال رسول الله ﷺ‎: «أرسلوا إليها» ، فجاءت فلمّا اجتمعا عند رسول الله ﷺ‎ قيل لها، فكذّبت. فقال رسول الله ﷺ‎: «إنّ الله يعلم أنّ أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟» . فقال هلال: يا رسول الله بأبي وأمّي لقد صدقت وما قلت إلّا حقّا. فقال رسول الله ﷺ‎: «لاعنوا بينهما» ، فقيل لهلال: اشهد، فشهد أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ، فقيل له عند الخامسة: يا هلال اتّق الله فإنّ عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة [[في النسخة الثانية زيادة: وأن عذاب الله أشد من عذاب الناس، وإن هذه الخامسة هي الموجبة التي توجب عليك العذاب.]] ، فقال هلال: والله لا يعذبني الله عليها كما لم يجلدني عليها رسول الله ﷺ‎، فشهد الخامسة أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ. ثم قال للمرأة: اشهدي فشهدت [[في النسخة الثانية زيادة: أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ، فقال لها عند الخامسة ووفقها: اتقي الله فإن في الخامسة موجبة، وإن عذاب الله أشد من عذاب الناس فتلكّأت ساعة وهمت بالاعتراف، ثم قالت: والله لا أفضح قومي فشهدت.]] الخامسة أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ، ففرّق رسول الله ﷺ‎ بينهما وقضى أن الولد لها ولا يدعى لأب ولا يرمى ولدها، ثمّ قال رسول الله ﷺ‎: «إن جاءت به كذا وكذا] فهو لزوجها، وإن جاءت به كذا وكذا] فهو للذي قيل فيه» [20] [[تفسير الطبري: 18/ 108 وما بين معكوفين منه وهو موافق لما في النسخة الثانية (أصفهان) .]] . قال: فجاءت به غلاما كأنه حمل أورق على الشبه المكروه، وكان بعد أميرا بمصر لا يدرى من أبوه. وأخبرنا محمد بن عبدوس قال: أخبرنا محمد بن الحسن قال: أخبرنا علي بن عبد العزيز قال: أخبرنا القاسم بن سلام قال: حدّثنا هيثم عن يونس بن عبيد عن الحسن قال: لمّا نزلت وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ الآية، قال سعد بن عبادة: يا رسول الله أرأيت إن رأى رجل مع امرأته رجلا فقتله يقتلونه، وإن أخبر بما رأى جلد ثمانين أفلا يضربه بالسيف؟ فقال رسول الله ﷺ‎: كفى بالسيف شا ... ، قال: أراد أن يقول شاهدا ثمّ أمسك وقال: لولا ان يتتابع فيه الغيران والسكران، وذكر الحديث [[المصنّف: 9/ 434.]] . وقال ابن عباس في سائر الروايات ومقاتل: لمّا نزلت وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الآية، قرأها النبي ﷺ‎ يوم الجمعة على المنبر فقام عاصم بن عدي الأنصاري فقال: جعلني الله فداك إن رأى رجل منّا مع امرأته رجلا فأخبر بما رأى جلد ثمانين وسمّاه المسلمون فاسقا ولا تقبل شهادته أبدا، فكيف لنا بالشهداء ونحن إذا التمسنا الشهداء كان الرجل قد فرغ من حاجته ومرّ؟ وكان لعاصم هذا ابن عم له يقال له عويمر وله امرأة يقال لها خولة بنت قيس بن محصن فأتى عويمر عاصما فقال: لقد رأيت شريك بن السحماء على بطن امرأتي خولة، فاسترجع عاصم وأتى رسول الله ﷺ‎ في الجمعة الأخرى فقال: يا رسول الله ما أسرع ما ابتليت بالسؤال الذي سألت في الجمعة الماضية في أهل بيتي! فقال رسول الله ﷺ‎: وما ذاك؟ قال: أخبرني عويمر ابن عمّي أنه رأى شريك ابن السحماء على بطن امرأته خولة، وكان عويمر وخولة شريك كلّهم بني عم عاصم، فدعا رسول الله ﷺ‎ بهم جميعا فقال لعويمر: «اتق الله في زوجتك وخليلتك وابنة عمك فلا تقذفها بالبهتان، فقال: يا رسول الله أقسم بالله إني رأيت شريكا على بطنها وإني ما قربتها منذ أربعة أشهر وانها حبلى من غيري. فقال رسول الله ﷺ‎ للمرأة: «اتقي الله ولا تخبري إلّا بما صنعت» ، فقالت: يا رسول الله إنّ عويمرا رجل غيور، وإنه رآني وشريكا نطيل السمر ونتحدث فحملته الغيرة على ما قال. فقال رسول الله ﷺ‎ لشريك: «ما تقول» ؟ قال: ما تقوله المرأة، فأنزل الله سبحانه وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ الآية، فأمر رسول الله ﷺ‎ حتى نودي: الصلاة جامعة، فصلّى العصر ثمّ قال لعويمر: قم فقام فقال: أشهد بالله إنّ خولة لزانية وإنّي لمن الصادقين، ثمّ قال في الرابعة: أشهد بالله إنّي ما قربتها منذ أربعة أشهر وإنّي لمن الصادقين ثمّ قال في الخامسة: لعنة الله على عويمر- يعني نفسه- إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ فيما قال. ثمّ أمره بالقعود وقال لخولة: قومي فقامت فقالت: أشهد بالله ما أنا بزانية وإنّ عويمرا لَمِنَ الْكاذِبِينَ، ثمّ قالت في الثانية: أشهد بالله إنه ما رأى شريكا على بطني وإِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ، ثمّ قالت في الثالثة: أشهد بالله إني حبلى منه وإِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ، ثمّ قالت في الرابعة: أشهد بالله إنه ما رآني قط على فاحشة وإِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ، ثمّ قالت في الخامسة: غَضَبَ اللَّهِ على خولة- تعني نفسها- إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ، ففرق رسول الله ﷺ‎ بينهما وقال: «لولا هذه الأيمان لكان لي في أمرهما رأي، ثمّ قال: تحيّنوا بها الولادة فإن جاءت بأصيهب أثيبج يضرب إلى السواد فهو لشريك بن السحماء، وإن جاءت بأورق جعد حمش حدلج الساقين فهو لغير الذي رميت به» [21] . قال ابن عباس: فجاءت بأشبه خلق الله بشريك [[سنن ابن ماجة بتفاوت: 1/ 668، ح/ 2067.]] . ذكر حكم الآية إذا قذف الرجل زوجته بالزنا لزمه الحدّ وله التخلّص منه بإقامة البيّنة على زناها أو باللعان، فإن أقام البيّنة حقّق الزنا ولزمها الحدّ، وان التعن حقّق عليها الزنا ولها التخلص منه باللعان، فإن التعنت وإلّا لزمها الحدّ، وللزوج ان يلتعن سواء كان متمكّنا من البيّنة أو غير متمكّن منها، ويصح اللعان من كلّ زوج مكلّف حرا كان أو عبدا، مسلما كان أو كافرا، فكلّ من صحّت يمينه صحّ قذفه ولعانه. وقال أهل العراق: اللعان بين كلّ حرّين بالغين ولا يصحّ اللعان إلّا عند الحاكم أو خليفته، فإذا لاعن بينهما غلّظ عليهما بأربعة أشياء عدد الألفاظ، والمكان، والوقت، وجمع الناس. فأمّا اللفظ فأربع شهادات والخامسة ذكر اللعنة للرجل وذكر الغضب للمرأة، وقد مضت كيفية ذلك، وأمّا المكان فإنه يقصد أشرف البقاع بالبلدان إن كان بمكة فعند الركن والمقام، وإن كان بالمدينة فعند المنبر، وإن كان ببيت المقدس ففي مسجدها، وإن كان في سائر البلدان ففي مساجدها، وإن كانا كافرين بعث بهما إلى الموضع الذي يعتقدان تعظيمه، إن كانا يهوديين بالكنيسة وإن كانا نصرانيين فبالبيعة، وإن كانا مجوسيين ففي بيت النار، وإن كانا لا دين لهما مثل الوثنيين فإنه يلاعن بينهما في مجلس حكمه. وأما الوقت، فإنّه بعد صلاة العصر. وأمّا العدد، فيحتاج أن يكون هناك أربعة أنفس فصاعدا، فاللفظ وجمع الناس مشروطان، والمكان والزمان مستحبّان، فإذا تلاعنا تعلّق باللعان أربعة أحكام: سقوط الحدّ، ونفي الولد، وزوال الفراش، ووقوع التحريم المؤبّد، وكلّ هذا يتعلّق بلعان الزوج، فأمّا لعان المرأة فإنه يسقط به الحدّ فقط، فإن أكذب الرجل نفسه فإنه يعود ما عليه ولا يعود ماله في الحدّ والنسب عليه فيعودان. وأما التحريم والفراش فإنهما له فلا يعودان، وفرقة اللعان هي فسخ لأنه جاء بفعل من قبل المرأة. وقال أبو حنيفة وسفيان: اللعان تطليقة بائنة لأنه من قبل الرجل بدءا، والله أعلم.

النور 24:7

مدنيّة، وهي خمسة آلاف وستمائة وثمانون حرفا، وألف وثلاثمائة وست عشرة كلمة، وأربع وستّون آية أخبرنا [أبو الحسين] الخبازي قال: حدّثنا ابن حبان قال: أخبرنا محمد بن علي الفرقدي قال: حدّثنا إسماعيل بن عمرو قال: حدّثنا يوسف بن عطيّة قال: حدّثنا هارون بن كثير قال: حدّثنا زيد بن أسلم عن أبيه عن أبي أمامة عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ‎: «من قرأ سورة النور أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد كلّ مؤمن فيما مضى وفيما بقي» [[تفسير مجمع البيان: 7/ 216.]] [19] . وأخبرني الحسين بن محمد بن فنجويه قال: حدّثنا عبيد الله بن محمد بن شيبة قال: حدّثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم الكرابيسي قال: حدّثنا سلمان بن توبة أبو داود الأنصاري قال: حدّثنا محمد بن إبراهيم الشامي قال: حدّثنا شعيب بن إسحاق عن هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها وعن أبيها قالت: قال رسول الله ﷺ‎: «لا تنزلوا النساء الغرف، ولا تعلّموهن الكتابة، وعلّموهن المغزل، وسورة النور» [[زاد المسير لابن الجوزي: 5/ 339.]] . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ سُورَةٌ أَنْزَلْناها قراءة العامة بالرفع: هذه سورة لأنّ العرب لا تبتدئ بالنكرة، هذا قول الخليل، وقال الأخفش: سُورَةٌ ابتداء وخبره في أَنْزَلْناها، وقرأ طلحة بن مصرف [[في النسخة الثانية: مضرف]] : سُورَةً بالنصب على معنى أنزلنا سورة، والكناية صلة زائدة، وقيل: اتّبعوا سورة أنزلناها وَفَرَضْناها أي أوجبنا ما فيها من الأحكام، وقرأ الحسن ومجاهد وابن كثير وأبو عمرو: وفرّضناها بالتشديد أي فصّلناها وبيّنّاها، وقيل: هو من الفرض والتشديد على التكثير أي جعلناها فرائض مختلفة، وأوجبناها عليكم وعلى من بعدكم إلى قيام الساعة، وتصديق التخفيف قوله سبحانه إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ [[القصص: 85.]] . وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي إذا كانا حرّين بالغين بكرين غير محصنين فَاجْلِدُوا فاضربوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ رحمة ورقّة. قال الأخفش: رحمة في توجّع وفيها ثلاث لغات: رَأْفَةٌ ساكنة الهمز وقد تخفف الهمزة، وهي قراءة العامة، ورَأَفَةٌ بفتح الهمزة، ورَآفَةٌ مهموزة ممدودة مثل الكتابة، وهما قراءة أهل مكة مثل الشناة والشنآة [[في النسخة الثانية: النشأة والنشآة.]] ، وقيل: القصر على الاسم والمدّ بمعنى المصدر مثل صؤل صآلة، وقبح قباحة، ولم يختلفوا في سورة الحديد أنها ساكنة لأنّ العرب لا تجمع بين أكثر من ثلاث فتحات. واختلف العلماء في معنى الآية فقال قوم: وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فتعطّلوا الحدود ولا تقيموها. روى المعمّر عن عمران قال: قلت لأبي مخلد في هذه الآية: والله إنا لنرحمهم أن يجلد الرجل أو تقطع يده فقال: إنّما ذاك أنّه ليس للسلطان إذا رفعوا إليه أن يدعهم رحمة لهم حتى يقيم عليهم الحدّ، وهذا قول مجاهد وعكرمة وعطاء بن أبي رباح وسعيد بن جبير والنخعي والشعبي وابن زيد وسليمان بن يسار، يدلّ عليه من الآية أنّ الله سبحانه وتعالى أمر بالجلد، وهو ضرب الجلد كالرأس لضرب الرأس فذكر الضرب بلفظ الجلد لئلّا ينكأ [[في النسخة الثانية: يشدخ.]] ولا يبرح ولا تبلغ به اللحم. وروى ابن أبي مليكة عن عبد الله بن عبد الله أنّ عبد الله بن عمر جلد جارية له فقال للجالد: اجلد ظهرها ورجليها وأسفلها وخفّفها، قلت: فأين قول الله سبحانه وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ؟ قال: أفأقتلها؟ إنّ الله أمرني أن أضربها وأؤدّبها ولم يأمرني أن أقتلها. وقال الآخرون: بل معناها وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فتخففوا الضرب ولكن أوجعوهما ضربا، وهو قول سعيد بن المسيّب والحسن. قال الزهري: يجتهد في حدّ الزنا والفرية ويخفّف في حدّ الشراب. وقال قتادة: يخفّف في حدّ الشراب والفرية ويجتهد في الزنا. وقال حمّاد: يحدّ القاذف والشارب وعليهما ثيابهما، وأمّا الزاني فيخلع ثيابه، وتلا هذه الآية. فِي دِينِ اللَّهِ أي في حكم الله نظيره قوله سبحانه ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ [[سورة يوسف: 76.]] . إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما وليحضر حدّيهما إذا أقيم عليهما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اختلفوا في مبلغ عدد الطائفة فقال النخعي ومجاهد: أقلّه رجل واحد فما فوقه، واحتجّا بقوله وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا [[سورة الحجرات: 9.]] الآية. عطاء وعكرمة: رجلان فصاعدا، الزهري: ثلاثة فصاعدا، ابن زيد: أربعة بعدد من يقبل شهادته على الزنى، قتادة: نفر من المسلمين. روى حفص بن غياث عن أشعث عن أبيه قال: أتيت أبا برزة الأسلمي في حاجة وقد أخرج جارية له إلى باب الدار وقد زنت وولدت من الزنا، فألقى عليها ثوبا وأمر ابنه أن يضربها خمسين ضربا غير مبرح، ودعا جماعة ثم قرأ وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا أبو علي بن حنش [[في النسخة الثانية: حبش وهو الموافق لكتب الرجال.]] المقري قال: حدّثنا محمد بن أحمد ابن عثمان قال: حدّثنا إبراهيم بن نصره قال: حدّثنا مسدّد قال: حدّثنا إسماعيل قال: حدّثنا يونس بن عبيد عن حريز بن يزيد البجلي عن أبي زرعة عن عمرو بن حريز عن أبي هريرة قال: إقامة حد بأرض خير لأهلها من مطر أربعين ليلة. وأخبرنا أبو سعيد محمد بن عبد الله بن حمدون قال: حدّثنا أبو نعيم عبد الملك بن محمد ابن عدي قال: أخبرنا العباس بن الوليد بن مزيد البيروتي قال: أخبرني محمد بن شعيب قال: أخبرني معاوية بن يحيى عن سليمان الأعمش عن شقيق بن سلمة عن حذيفة عن رسول الله ﷺ‎ أنّه قال: «يا معشر الناس اتقوا الزنى فإنّ فيه ست خصال، ثلاث في الدنيا وثلاث في الآخرة، فأمّا اللاتي في الدنيا فيذهب البهاء ويورث الفقر وينقص العمر، وأمّا اللاتي في الآخرة فيوجب السخطة وسوء الحساب [[في النسخة الثانية زيادة: محمد بن الفضل بن محمد.]] والخلود في النار» [[كنز العمّال: 5/ 319.]] . وأخبرنا أبو طاهر بن خزيمة قرأه عليه في شهور سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة قال: حدّثنا عبد الله بن محمد بن مسلم قال: حدّثنا عطية بن بقية قال: حدّثنا أبي قال: حدّثني عبّاد بن كثير عن عمران القصير عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ‎: إنّ أعمال أمتي تعرض علىّ في كلّ جمعة مرّتين فاشتدّ غضب الله على الزناة [[تفسير القرطبي: 12/ 167.]] . وأخبرنا أبو عبد الله بن فنجويه قال: حدّثنا إبراهيم بن يزيد [[في النسخة الثانية: وأخبرنا أبو عبد الله بن فنجويه عن أبي علي بن حبيش المقري عن محمد بن أحمد بن هارون بسرّ من رأى، قال أبو بكر محمد بن يعقوب الدينوري، حدثني إبراهيم بن زيد.]] الحرّاني قال: حدّثنا المغيرة ابن سقلاب قال: حدّثنا النضر بن عدي عن وهب بن منبه قال: مكتوب في التوراة: الزاني لا يموت حتى يفتقر، والقوّاد لا يموت حتى يعمى. الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً الآية. اختلف العلماء في معنى الآية وحكمها فقال قوم: قدم المهاجرون المدينة وفيهم فقراء كثير ليست لهم أموال ولا عشائر ولا أهلون، وبالمدينة نساء بغايا مسافحات يكرين أنفسهن وهن يومئذ أخصب أهل المدينة، فرغب في كسبهن ناس من فقراء المسلمين فقالوا: إنّا لو تزوّجنا منهن فعشنا معهن إلى يوم يغنينا الله سبحانه عنهن، فاستأذنوا رسول الله ﷺ‎ في ذلك فنزلت هذه الآية وحرّم فيها نكاح الزانية صيانة للمؤمنين عن ذلك ، وأخبر سبحانه وتعالى أنّ الزانية إنّما ينكحها الزاني والمشرك لأنهنّ كنّ زانيات مشركات، والآية وإن كان ظاهرها خبر فمجازها ينبغي أن يكون كذا كقوله وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً [[سورة آل عمران: 97.]] وقوله سبحانه وتعالى إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ [[العنكبوت: 45.]] يعني ينبغي أن تكون كذلك، وهذا قول مجاهد وعطاء بن أبي رباح وقتادة والزهري والقاسم بن أبي برزه والشعبي وأبي حمزة الثمالي ورواية العوفي عن ابن عباس. وقال عكرمة: نزلت في نساء بغايا متعالمات بمكة والمدينة وكنّ كثيرات ومنهن تسع صواحب رايات، لهن رايات كرايات البيطار يعرفن بها: أمّ مهزول جارية السائب بن أبي السائب المخزومي، وأم عليط جارية صفوان بن أميّة، وحنّة القبطية جارية العاص بن وائل، ومرية جارية مالك بن عميلة بن السباق، وحلالة جارية سهيل بن عمرو، وأم سويد جارية عمرو ابن عثمان المخزومي، وسريفة جارية زمعة بن الأسود، وفرسة جارية هشام بن ربيعة بن حبيب ابن حذيفة، وقرينة جارية هلال بن أنس بن جابر بن نمر، وكانت بيوتهن تسمى المواخير في الجاهلية، لا يدخل عليهن ولا يأتيهن إلّا زان من أهل القبلة أو مشرك من أهل الأوثان وكان الرجل ينكح الزانية في الجاهلية يتخذها مأكله، فأراد ناس من المسلمين نكاحهن على تلك الجهة، واستأذن رجل من المسلمين نبي الله ﷺ‎ في نكاح أم مهزول اشترطت له ان تنفق عليه فأنزل الله سبحانه هذه الآية ونهى المؤمنين عن ذلك وحرّمه عليهم. وقال عمرو بن شعيب: نزلت في مرثد الغنوي وعناق، وكان مرثد رجلا شديدا وكان يقال له دلدل وكان يأتي مكة فيحتمل ضعفه المسلمين الى رسول الله ﷺ‎ وكانت عناق صديقته في الجاهلية، فلمّا أتى مكة دعته عناق الى نفسها فقال مرثد: إنّ الله حرّم الزنا قالت: فأنكحني فقال: حتى أسأل رسول الله ﷺ‎ في ذلك فسأله عنه فأنزل الله سبحانه هذه الآية، وقد مضت القصة في سورة البقرة. وقال آخرون: أراد بالنكاح هاهنا الجماع ومعنى الآية الزاني لا يزني إلّا بزانية أو مشركة والزانية لا يزني بها إلّا زان أو مشرك، وهذا قول سعيد بن جبير والضحاك بن مزاحم وعبد الرّحمن بن زيد ورواية الوالبي عن ابن عباس، أخبرني الحسين بن محمد بن عبد الله قال: حدّثنا أحمد بن محمد بن إسحاق السني قال: أخبرني محمد بن عمران قال: حدّثنا سعيد بن عبد الرّحمن ومحمد بن عبد الله المقري قالا: حدّثنا عبد الله بن الوليد العدني عن سفيان عن حبيب بن أبي عمرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً قال: ليس هذا بالنكاح ولكنه الجماع، لا يزني بها إلّا زان أو مشرك، فكنّى. وأخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا أبو علي بن حبش قال: حدّثني الحسن بن علي بن زكريا قال: حدّثنا الحسن بن علي بن راشد قال: قال لنا يزيد بن هارون: هذا عندي إن جامعها وهو مستحل فهو مشرك، وإن جامعها وهو محرم فهو زان. وقال بعضهم: كان هذا حكم الله في كلّ زان وزانية حتى نسختها الآية التي بعدها وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ [[سورة النور: 32.]] فأحلّ نكاح كل مسلمة وكل مسلم، وهو قول سعيد بن المسيّب أخبرنيه ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شيبة قال: حدّثنا الفريابي قال: حدّثنا قتيبة قال: حدّثنا الليث عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أنّه قال: يزعمون أن تلك الآية الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً نسخت بالآية التي بعدها وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ فدخلت الزانية في أيامى المسلمين. وقال الحسن: معناها المجلود لا ينكح إلّا مجلودة. وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ أي يشتمون المسلمات [[في النسخة الثانية زيادة: وقال الحسن: معنى.]] الحرائر العفائف فيقذفونهن بالزنى ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا على ما رموهن به بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ عدول يشهدون عليهنّ أنهم رأوهنّ يفعلن ذلك فَاجْلِدُوهُمْ يعني القاذفين اضربوا كلّ واحد منهم ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ. ثمّ استثنى فقال عزّ من قائل إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ واختلف العلماء في حكم هذا الاستثناء فقال قوم: هو استثناء من قوله وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وقالوا: إذا تاب القاذف قبلت شهادته وزال عنه اسم الفسق وعادت ولايته حد فيه أو لم يحدّ، وهذا قول الشعبي ومسروق وسليمان بن يسار وسعيد بن جبير وعطاء وطاوس ومجاهد وسعيد بن المسيب وعبد الله بن عتبة والضحّاك، وهو قول أهل الحجاز وإليه ذهب الشافعي. واختلفوا في كيفيّة توبته، فقال بعضهم: هو ان يرجع عن قوله ويكذّب نفسه، وقال آخرون: هي الندم على ما سلف والاستغفار منه وترك العود فيما بقي، فإذا أقيم عليه الحدّ أو عفا المقذوف عنه سقط الحد، وذلك أن القذف حق للمقذوف كالقصاص والجنايات وبالعفو تسقط فإذا عفا عنه فلم يطالبه بالحد، أو مات المقذوف قبل مطالبته بالحد، أو لم يرفع إلى السلطان فلم يحدّ لأجل هذه، أو حدّ ثم تاب وأصلح العمل قبلت شهادته وعادت ولايته، يدلّ عليه ما روى ابن إسحاق عن الزهري عن سعيد بن المسيّب أنّ عمر بن الخطاب رضى الله عنه ضرب الذين شهدوا على المغيرة بن شعبة وهم أبو بكرة وشبل بن معبد ونافع بن الحرث بن كلّدة فحدّهم ثمّ قال لهم: من أكذب نفسه أجزت شهادته فيما استقبل، ومن لم يفعل لم أجز شهادته، فأكذب شبل نفسه ونافع وتابا، وأبى أبو بكرة أن يفعل فكان لا تقبل شهادته. وروى ابن جريج عن عمران بن موسى قال: شهدت عمر بن عبد العزيز أجاز شهادة القاذف ومعه رجل. وقال آخرون: هذا الاستثناء راجع الى قوله وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ فأمّا قوله وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً فقد وصل بالأبد ولا يجوز قبولها أبدا، وهذا قول النخعي وشريح ورواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه. روى الأشعث عن الشعبي قال: جاء خصمان إلى شريح فجاء أحدهما بشاهد قد قطع زناد يده ورجله في قطع الطريق ثم تاب وأصلح، فأجاز شريح شهادته فقال المشهود عليه: أتجيز شهادته عليّ وهو أقطع؟ فقال شريح: كلّ صاحب حدّ إذا أقيم عليه ثم تاب وأصلح فشهادته جائزة إلّا القاذف، فإنّه قضاء من الله أن لا تقبل شهادته أبدا وإنّما توبته فيما بينه وبين الله. وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ أي يقذفونهنّ بالزنا. وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ يشهدون على صحة ما قالوا. إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ قرأ أهل الكوفة أربع بالرفع على الابتداء والخبر، وقرأ الباقون بالنصب على معنى أن يشهد أربع شهادات. وَالْخامِسَةُ يعني والشهادة الخامسة، قراءة العامة بالرفع على الابتداء وخبره في أن. وقرأ حفص بالنصب على معنى ويشهد الشهادة الخامسة. وقرأ نافع ويعقوب وأيوب: إن وأن خفيفتين، لعنةُ وغضبُ مرفوعين، وهي رواية المفضل عن عاصم، وقرأ الباقون: بتشديد النونين وما بعدهما نصب. إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ ويدفع عن الزوجة الحد. أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ يعني الزوج لَمِنَ الْكاذِبِينَ. وَالْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ قرأ نافع: غَضَبَ اللَّهُ مثل سمع الله على الفعل، الباقون على الإسم. وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ جواب لولا محذوف يعني لعاجلكم بالعقوبة وفضحكم ولكنه ستر عليكم ورفع عنكم الحد باللعان حكمة منه ورحمة. فأما سبب نزول الآية، فروى عكرمة عن ابن عباس قال: لمّا نزلت وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً الآية، قال سعد بن عبادة: والله لو أتيت لكاع وقد تفخّذها رجل لم يكن لي أن أهيجه ولا أحركّه حتى آتي بأربعة شهداء! فوالله ما كنت لآتي بأربعة شهداء حتى يفرغ من حاجته ويذهب، فإن قلت ما رأيت، إنّ في ظهري لثمانين جلدة، فقال رسول الله ﷺ‎ [[مسند أحمد: 1/ 238.]] : «يا معشر الأنصار ألا تسمعون ما يقول سيّدكم» ؟ قالوا: لا تلمه فإنه رجل غيور، ما تزوج امرأة قط إلّا بكرا ولا طلّق امرأة له فاجترأ رجل منّا أن يتزوّجها. فقال سعد بن عبادة: يا رسول الله بأبي أنت وأمّي والله إنّي لأعرف أنّها من الله وأنّها حقّ ولكن عجبت من ذلك لما أخبرتك، فقال رسول الله ﷺ‎: «فإنّ الله يأبى إلّا ذاك» ، فقال: صدق الله ورسوله. قال: فلم يلبثوا إلّا يسيرا حتى جاء ابن عم له يقال له هلال بن أميّة من حديقة له، فرأى رجلا مع امرأته يزني بها فأمسك حتى أصبح، فلمّا أصبح غدا على رسول الله ﷺ‎ وهو جالس مع أصحابه فقال: يا رسول الله إنّي جئت أهلي عشاء فوجدت رجلا مع أهلي، رأيت بعيني وسمعت بأذني فكره رسول الله ﷺ‎ ما أتاه به وثقل عليه جدّا حتى عرف ذلك في وجهه. فقال هلال: والله يا رسول الله إني لأرى الكراهية في وجهك مما أتيتك به، والله يعلم أني صادق وما قلت إلّا حقّا وإنّي لأرجو أن يجعل الله فرجا، فهمّ رسول الله ﷺ‎ بضربه. قال: واجتمعت الأنصار فقالوا: ابتلينا بما قال سعد، أيجلد هلال وتبطل شهادته؟ فإنّهم لكذلك ورسول الله ﷺ‎ يريد أن يأمر بضربه إذ نزل عليه الوحي فأمسك أصحابه عن كلامه حين عرفوا أنّ الوحي قد نزل حتى فرغ، فأنزل الله سبحانه وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ إلى آخر الآيات. فقال رسول الله ﷺ‎: «أبشر يا هلال فإنّ الله قد جعل لك فرجا» ، فقال: قد كنت أرجو بذلك من الله تعالى. فقال رسول الله ﷺ‎: «أرسلوا إليها» ، فجاءت فلمّا اجتمعا عند رسول الله ﷺ‎ قيل لها، فكذّبت. فقال رسول الله ﷺ‎: «إنّ الله يعلم أنّ أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟» . فقال هلال: يا رسول الله بأبي وأمّي لقد صدقت وما قلت إلّا حقّا. فقال رسول الله ﷺ‎: «لاعنوا بينهما» ، فقيل لهلال: اشهد، فشهد أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ، فقيل له عند الخامسة: يا هلال اتّق الله فإنّ عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة [[في النسخة الثانية زيادة: وأن عذاب الله أشد من عذاب الناس، وإن هذه الخامسة هي الموجبة التي توجب عليك العذاب.]] ، فقال هلال: والله لا يعذبني الله عليها كما لم يجلدني عليها رسول الله ﷺ‎، فشهد الخامسة أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ. ثم قال للمرأة: اشهدي فشهدت [[في النسخة الثانية زيادة: أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ، فقال لها عند الخامسة ووفقها: اتقي الله فإن في الخامسة موجبة، وإن عذاب الله أشد من عذاب الناس فتلكّأت ساعة وهمت بالاعتراف، ثم قالت: والله لا أفضح قومي فشهدت.]] الخامسة أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ، ففرّق رسول الله ﷺ‎ بينهما وقضى أن الولد لها ولا يدعى لأب ولا يرمى ولدها، ثمّ قال رسول الله ﷺ‎: «إن جاءت به كذا وكذا] فهو لزوجها، وإن جاءت به كذا وكذا] فهو للذي قيل فيه» [20] [[تفسير الطبري: 18/ 108 وما بين معكوفين منه وهو موافق لما في النسخة الثانية (أصفهان) .]] . قال: فجاءت به غلاما كأنه حمل أورق على الشبه المكروه، وكان بعد أميرا بمصر لا يدرى من أبوه. وأخبرنا محمد بن عبدوس قال: أخبرنا محمد بن الحسن قال: أخبرنا علي بن عبد العزيز قال: أخبرنا القاسم بن سلام قال: حدّثنا هيثم عن يونس بن عبيد عن الحسن قال: لمّا نزلت وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ الآية، قال سعد بن عبادة: يا رسول الله أرأيت إن رأى رجل مع امرأته رجلا فقتله يقتلونه، وإن أخبر بما رأى جلد ثمانين أفلا يضربه بالسيف؟ فقال رسول الله ﷺ‎: كفى بالسيف شا ... ، قال: أراد أن يقول شاهدا ثمّ أمسك وقال: لولا ان يتتابع فيه الغيران والسكران، وذكر الحديث [[المصنّف: 9/ 434.]] . وقال ابن عباس في سائر الروايات ومقاتل: لمّا نزلت وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الآية، قرأها النبي ﷺ‎ يوم الجمعة على المنبر فقام عاصم بن عدي الأنصاري فقال: جعلني الله فداك إن رأى رجل منّا مع امرأته رجلا فأخبر بما رأى جلد ثمانين وسمّاه المسلمون فاسقا ولا تقبل شهادته أبدا، فكيف لنا بالشهداء ونحن إذا التمسنا الشهداء كان الرجل قد فرغ من حاجته ومرّ؟ وكان لعاصم هذا ابن عم له يقال له عويمر وله امرأة يقال لها خولة بنت قيس بن محصن فأتى عويمر عاصما فقال: لقد رأيت شريك بن السحماء على بطن امرأتي خولة، فاسترجع عاصم وأتى رسول الله ﷺ‎ في الجمعة الأخرى فقال: يا رسول الله ما أسرع ما ابتليت بالسؤال الذي سألت في الجمعة الماضية في أهل بيتي! فقال رسول الله ﷺ‎: وما ذاك؟ قال: أخبرني عويمر ابن عمّي أنه رأى شريك ابن السحماء على بطن امرأته خولة، وكان عويمر وخولة شريك كلّهم بني عم عاصم، فدعا رسول الله ﷺ‎ بهم جميعا فقال لعويمر: «اتق الله في زوجتك وخليلتك وابنة عمك فلا تقذفها بالبهتان، فقال: يا رسول الله أقسم بالله إني رأيت شريكا على بطنها وإني ما قربتها منذ أربعة أشهر وانها حبلى من غيري. فقال رسول الله ﷺ‎ للمرأة: «اتقي الله ولا تخبري إلّا بما صنعت» ، فقالت: يا رسول الله إنّ عويمرا رجل غيور، وإنه رآني وشريكا نطيل السمر ونتحدث فحملته الغيرة على ما قال. فقال رسول الله ﷺ‎ لشريك: «ما تقول» ؟ قال: ما تقوله المرأة، فأنزل الله سبحانه وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ الآية، فأمر رسول الله ﷺ‎ حتى نودي: الصلاة جامعة، فصلّى العصر ثمّ قال لعويمر: قم فقام فقال: أشهد بالله إنّ خولة لزانية وإنّي لمن الصادقين، ثمّ قال في الرابعة: أشهد بالله إنّي ما قربتها منذ أربعة أشهر وإنّي لمن الصادقين ثمّ قال في الخامسة: لعنة الله على عويمر- يعني نفسه- إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ فيما قال. ثمّ أمره بالقعود وقال لخولة: قومي فقامت فقالت: أشهد بالله ما أنا بزانية وإنّ عويمرا لَمِنَ الْكاذِبِينَ، ثمّ قالت في الثانية: أشهد بالله إنه ما رأى شريكا على بطني وإِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ، ثمّ قالت في الثالثة: أشهد بالله إني حبلى منه وإِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ، ثمّ قالت في الرابعة: أشهد بالله إنه ما رآني قط على فاحشة وإِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ، ثمّ قالت في الخامسة: غَضَبَ اللَّهِ على خولة- تعني نفسها- إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ، ففرق رسول الله ﷺ‎ بينهما وقال: «لولا هذه الأيمان لكان لي في أمرهما رأي، ثمّ قال: تحيّنوا بها الولادة فإن جاءت بأصيهب أثيبج يضرب إلى السواد فهو لشريك بن السحماء، وإن جاءت بأورق جعد حمش حدلج الساقين فهو لغير الذي رميت به» [21] . قال ابن عباس: فجاءت بأشبه خلق الله بشريك [[سنن ابن ماجة بتفاوت: 1/ 668، ح/ 2067.]] . ذكر حكم الآية إذا قذف الرجل زوجته بالزنا لزمه الحدّ وله التخلّص منه بإقامة البيّنة على زناها أو باللعان، فإن أقام البيّنة حقّق الزنا ولزمها الحدّ، وان التعن حقّق عليها الزنا ولها التخلص منه باللعان، فإن التعنت وإلّا لزمها الحدّ، وللزوج ان يلتعن سواء كان متمكّنا من البيّنة أو غير متمكّن منها، ويصح اللعان من كلّ زوج مكلّف حرا كان أو عبدا، مسلما كان أو كافرا، فكلّ من صحّت يمينه صحّ قذفه ولعانه. وقال أهل العراق: اللعان بين كلّ حرّين بالغين ولا يصحّ اللعان إلّا عند الحاكم أو خليفته، فإذا لاعن بينهما غلّظ عليهما بأربعة أشياء عدد الألفاظ، والمكان، والوقت، وجمع الناس. فأمّا اللفظ فأربع شهادات والخامسة ذكر اللعنة للرجل وذكر الغضب للمرأة، وقد مضت كيفية ذلك، وأمّا المكان فإنه يقصد أشرف البقاع بالبلدان إن كان بمكة فعند الركن والمقام، وإن كان بالمدينة فعند المنبر، وإن كان ببيت المقدس ففي مسجدها، وإن كان في سائر البلدان ففي مساجدها، وإن كانا كافرين بعث بهما إلى الموضع الذي يعتقدان تعظيمه، إن كانا يهوديين بالكنيسة وإن كانا نصرانيين فبالبيعة، وإن كانا مجوسيين ففي بيت النار، وإن كانا لا دين لهما مثل الوثنيين فإنه يلاعن بينهما في مجلس حكمه. وأما الوقت، فإنّه بعد صلاة العصر. وأمّا العدد، فيحتاج أن يكون هناك أربعة أنفس فصاعدا، فاللفظ وجمع الناس مشروطان، والمكان والزمان مستحبّان، فإذا تلاعنا تعلّق باللعان أربعة أحكام: سقوط الحدّ، ونفي الولد، وزوال الفراش، ووقوع التحريم المؤبّد، وكلّ هذا يتعلّق بلعان الزوج، فأمّا لعان المرأة فإنه يسقط به الحدّ فقط، فإن أكذب الرجل نفسه فإنه يعود ما عليه ولا يعود ماله في الحدّ والنسب عليه فيعودان. وأما التحريم والفراش فإنهما له فلا يعودان، وفرقة اللعان هي فسخ لأنه جاء بفعل من قبل المرأة. وقال أبو حنيفة وسفيان: اللعان تطليقة بائنة لأنه من قبل الرجل بدءا، والله أعلم.

النور 24:8

مدنيّة، وهي خمسة آلاف وستمائة وثمانون حرفا، وألف وثلاثمائة وست عشرة كلمة، وأربع وستّون آية أخبرنا [أبو الحسين] الخبازي قال: حدّثنا ابن حبان قال: أخبرنا محمد بن علي الفرقدي قال: حدّثنا إسماعيل بن عمرو قال: حدّثنا يوسف بن عطيّة قال: حدّثنا هارون بن كثير قال: حدّثنا زيد بن أسلم عن أبيه عن أبي أمامة عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ‎: «من قرأ سورة النور أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد كلّ مؤمن فيما مضى وفيما بقي» [[تفسير مجمع البيان: 7/ 216.]] [19] . وأخبرني الحسين بن محمد بن فنجويه قال: حدّثنا عبيد الله بن محمد بن شيبة قال: حدّثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم الكرابيسي قال: حدّثنا سلمان بن توبة أبو داود الأنصاري قال: حدّثنا محمد بن إبراهيم الشامي قال: حدّثنا شعيب بن إسحاق عن هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها وعن أبيها قالت: قال رسول الله ﷺ‎: «لا تنزلوا النساء الغرف، ولا تعلّموهن الكتابة، وعلّموهن المغزل، وسورة النور» [[زاد المسير لابن الجوزي: 5/ 339.]] . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ سُورَةٌ أَنْزَلْناها قراءة العامة بالرفع: هذه سورة لأنّ العرب لا تبتدئ بالنكرة، هذا قول الخليل، وقال الأخفش: سُورَةٌ ابتداء وخبره في أَنْزَلْناها، وقرأ طلحة بن مصرف [[في النسخة الثانية: مضرف]] : سُورَةً بالنصب على معنى أنزلنا سورة، والكناية صلة زائدة، وقيل: اتّبعوا سورة أنزلناها وَفَرَضْناها أي أوجبنا ما فيها من الأحكام، وقرأ الحسن ومجاهد وابن كثير وأبو عمرو: وفرّضناها بالتشديد أي فصّلناها وبيّنّاها، وقيل: هو من الفرض والتشديد على التكثير أي جعلناها فرائض مختلفة، وأوجبناها عليكم وعلى من بعدكم إلى قيام الساعة، وتصديق التخفيف قوله سبحانه إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ [[القصص: 85.]] . وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي إذا كانا حرّين بالغين بكرين غير محصنين فَاجْلِدُوا فاضربوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ رحمة ورقّة. قال الأخفش: رحمة في توجّع وفيها ثلاث لغات: رَأْفَةٌ ساكنة الهمز وقد تخفف الهمزة، وهي قراءة العامة، ورَأَفَةٌ بفتح الهمزة، ورَآفَةٌ مهموزة ممدودة مثل الكتابة، وهما قراءة أهل مكة مثل الشناة والشنآة [[في النسخة الثانية: النشأة والنشآة.]] ، وقيل: القصر على الاسم والمدّ بمعنى المصدر مثل صؤل صآلة، وقبح قباحة، ولم يختلفوا في سورة الحديد أنها ساكنة لأنّ العرب لا تجمع بين أكثر من ثلاث فتحات. واختلف العلماء في معنى الآية فقال قوم: وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فتعطّلوا الحدود ولا تقيموها. روى المعمّر عن عمران قال: قلت لأبي مخلد في هذه الآية: والله إنا لنرحمهم أن يجلد الرجل أو تقطع يده فقال: إنّما ذاك أنّه ليس للسلطان إذا رفعوا إليه أن يدعهم رحمة لهم حتى يقيم عليهم الحدّ، وهذا قول مجاهد وعكرمة وعطاء بن أبي رباح وسعيد بن جبير والنخعي والشعبي وابن زيد وسليمان بن يسار، يدلّ عليه من الآية أنّ الله سبحانه وتعالى أمر بالجلد، وهو ضرب الجلد كالرأس لضرب الرأس فذكر الضرب بلفظ الجلد لئلّا ينكأ [[في النسخة الثانية: يشدخ.]] ولا يبرح ولا تبلغ به اللحم. وروى ابن أبي مليكة عن عبد الله بن عبد الله أنّ عبد الله بن عمر جلد جارية له فقال للجالد: اجلد ظهرها ورجليها وأسفلها وخفّفها، قلت: فأين قول الله سبحانه وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ؟ قال: أفأقتلها؟ إنّ الله أمرني أن أضربها وأؤدّبها ولم يأمرني أن أقتلها. وقال الآخرون: بل معناها وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فتخففوا الضرب ولكن أوجعوهما ضربا، وهو قول سعيد بن المسيّب والحسن. قال الزهري: يجتهد في حدّ الزنا والفرية ويخفّف في حدّ الشراب. وقال قتادة: يخفّف في حدّ الشراب والفرية ويجتهد في الزنا. وقال حمّاد: يحدّ القاذف والشارب وعليهما ثيابهما، وأمّا الزاني فيخلع ثيابه، وتلا هذه الآية. فِي دِينِ اللَّهِ أي في حكم الله نظيره قوله سبحانه ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ [[سورة يوسف: 76.]] . إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما وليحضر حدّيهما إذا أقيم عليهما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اختلفوا في مبلغ عدد الطائفة فقال النخعي ومجاهد: أقلّه رجل واحد فما فوقه، واحتجّا بقوله وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا [[سورة الحجرات: 9.]] الآية. عطاء وعكرمة: رجلان فصاعدا، الزهري: ثلاثة فصاعدا، ابن زيد: أربعة بعدد من يقبل شهادته على الزنى، قتادة: نفر من المسلمين. روى حفص بن غياث عن أشعث عن أبيه قال: أتيت أبا برزة الأسلمي في حاجة وقد أخرج جارية له إلى باب الدار وقد زنت وولدت من الزنا، فألقى عليها ثوبا وأمر ابنه أن يضربها خمسين ضربا غير مبرح، ودعا جماعة ثم قرأ وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا أبو علي بن حنش [[في النسخة الثانية: حبش وهو الموافق لكتب الرجال.]] المقري قال: حدّثنا محمد بن أحمد ابن عثمان قال: حدّثنا إبراهيم بن نصره قال: حدّثنا مسدّد قال: حدّثنا إسماعيل قال: حدّثنا يونس بن عبيد عن حريز بن يزيد البجلي عن أبي زرعة عن عمرو بن حريز عن أبي هريرة قال: إقامة حد بأرض خير لأهلها من مطر أربعين ليلة. وأخبرنا أبو سعيد محمد بن عبد الله بن حمدون قال: حدّثنا أبو نعيم عبد الملك بن محمد ابن عدي قال: أخبرنا العباس بن الوليد بن مزيد البيروتي قال: أخبرني محمد بن شعيب قال: أخبرني معاوية بن يحيى عن سليمان الأعمش عن شقيق بن سلمة عن حذيفة عن رسول الله ﷺ‎ أنّه قال: «يا معشر الناس اتقوا الزنى فإنّ فيه ست خصال، ثلاث في الدنيا وثلاث في الآخرة، فأمّا اللاتي في الدنيا فيذهب البهاء ويورث الفقر وينقص العمر، وأمّا اللاتي في الآخرة فيوجب السخطة وسوء الحساب [[في النسخة الثانية زيادة: محمد بن الفضل بن محمد.]] والخلود في النار» [[كنز العمّال: 5/ 319.]] . وأخبرنا أبو طاهر بن خزيمة قرأه عليه في شهور سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة قال: حدّثنا عبد الله بن محمد بن مسلم قال: حدّثنا عطية بن بقية قال: حدّثنا أبي قال: حدّثني عبّاد بن كثير عن عمران القصير عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ‎: إنّ أعمال أمتي تعرض علىّ في كلّ جمعة مرّتين فاشتدّ غضب الله على الزناة [[تفسير القرطبي: 12/ 167.]] . وأخبرنا أبو عبد الله بن فنجويه قال: حدّثنا إبراهيم بن يزيد [[في النسخة الثانية: وأخبرنا أبو عبد الله بن فنجويه عن أبي علي بن حبيش المقري عن محمد بن أحمد بن هارون بسرّ من رأى، قال أبو بكر محمد بن يعقوب الدينوري، حدثني إبراهيم بن زيد.]] الحرّاني قال: حدّثنا المغيرة ابن سقلاب قال: حدّثنا النضر بن عدي عن وهب بن منبه قال: مكتوب في التوراة: الزاني لا يموت حتى يفتقر، والقوّاد لا يموت حتى يعمى. الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً الآية. اختلف العلماء في معنى الآية وحكمها فقال قوم: قدم المهاجرون المدينة وفيهم فقراء كثير ليست لهم أموال ولا عشائر ولا أهلون، وبالمدينة نساء بغايا مسافحات يكرين أنفسهن وهن يومئذ أخصب أهل المدينة، فرغب في كسبهن ناس من فقراء المسلمين فقالوا: إنّا لو تزوّجنا منهن فعشنا معهن إلى يوم يغنينا الله سبحانه عنهن، فاستأذنوا رسول الله ﷺ‎ في ذلك فنزلت هذه الآية وحرّم فيها نكاح الزانية صيانة للمؤمنين عن ذلك ، وأخبر سبحانه وتعالى أنّ الزانية إنّما ينكحها الزاني والمشرك لأنهنّ كنّ زانيات مشركات، والآية وإن كان ظاهرها خبر فمجازها ينبغي أن يكون كذا كقوله وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً [[سورة آل عمران: 97.]] وقوله سبحانه وتعالى إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ [[العنكبوت: 45.]] يعني ينبغي أن تكون كذلك، وهذا قول مجاهد وعطاء بن أبي رباح وقتادة والزهري والقاسم بن أبي برزه والشعبي وأبي حمزة الثمالي ورواية العوفي عن ابن عباس. وقال عكرمة: نزلت في نساء بغايا متعالمات بمكة والمدينة وكنّ كثيرات ومنهن تسع صواحب رايات، لهن رايات كرايات البيطار يعرفن بها: أمّ مهزول جارية السائب بن أبي السائب المخزومي، وأم عليط جارية صفوان بن أميّة، وحنّة القبطية جارية العاص بن وائل، ومرية جارية مالك بن عميلة بن السباق، وحلالة جارية سهيل بن عمرو، وأم سويد جارية عمرو ابن عثمان المخزومي، وسريفة جارية زمعة بن الأسود، وفرسة جارية هشام بن ربيعة بن حبيب ابن حذيفة، وقرينة جارية هلال بن أنس بن جابر بن نمر، وكانت بيوتهن تسمى المواخير في الجاهلية، لا يدخل عليهن ولا يأتيهن إلّا زان من أهل القبلة أو مشرك من أهل الأوثان وكان الرجل ينكح الزانية في الجاهلية يتخذها مأكله، فأراد ناس من المسلمين نكاحهن على تلك الجهة، واستأذن رجل من المسلمين نبي الله ﷺ‎ في نكاح أم مهزول اشترطت له ان تنفق عليه فأنزل الله سبحانه هذه الآية ونهى المؤمنين عن ذلك وحرّمه عليهم. وقال عمرو بن شعيب: نزلت في مرثد الغنوي وعناق، وكان مرثد رجلا شديدا وكان يقال له دلدل وكان يأتي مكة فيحتمل ضعفه المسلمين الى رسول الله ﷺ‎ وكانت عناق صديقته في الجاهلية، فلمّا أتى مكة دعته عناق الى نفسها فقال مرثد: إنّ الله حرّم الزنا قالت: فأنكحني فقال: حتى أسأل رسول الله ﷺ‎ في ذلك فسأله عنه فأنزل الله سبحانه هذه الآية، وقد مضت القصة في سورة البقرة. وقال آخرون: أراد بالنكاح هاهنا الجماع ومعنى الآية الزاني لا يزني إلّا بزانية أو مشركة والزانية لا يزني بها إلّا زان أو مشرك، وهذا قول سعيد بن جبير والضحاك بن مزاحم وعبد الرّحمن بن زيد ورواية الوالبي عن ابن عباس، أخبرني الحسين بن محمد بن عبد الله قال: حدّثنا أحمد بن محمد بن إسحاق السني قال: أخبرني محمد بن عمران قال: حدّثنا سعيد بن عبد الرّحمن ومحمد بن عبد الله المقري قالا: حدّثنا عبد الله بن الوليد العدني عن سفيان عن حبيب بن أبي عمرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً قال: ليس هذا بالنكاح ولكنه الجماع، لا يزني بها إلّا زان أو مشرك، فكنّى. وأخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا أبو علي بن حبش قال: حدّثني الحسن بن علي بن زكريا قال: حدّثنا الحسن بن علي بن راشد قال: قال لنا يزيد بن هارون: هذا عندي إن جامعها وهو مستحل فهو مشرك، وإن جامعها وهو محرم فهو زان. وقال بعضهم: كان هذا حكم الله في كلّ زان وزانية حتى نسختها الآية التي بعدها وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ [[سورة النور: 32.]] فأحلّ نكاح كل مسلمة وكل مسلم، وهو قول سعيد بن المسيّب أخبرنيه ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شيبة قال: حدّثنا الفريابي قال: حدّثنا قتيبة قال: حدّثنا الليث عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أنّه قال: يزعمون أن تلك الآية الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً نسخت بالآية التي بعدها وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ فدخلت الزانية في أيامى المسلمين. وقال الحسن: معناها المجلود لا ينكح إلّا مجلودة. وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ أي يشتمون المسلمات [[في النسخة الثانية زيادة: وقال الحسن: معنى.]] الحرائر العفائف فيقذفونهن بالزنى ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا على ما رموهن به بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ عدول يشهدون عليهنّ أنهم رأوهنّ يفعلن ذلك فَاجْلِدُوهُمْ يعني القاذفين اضربوا كلّ واحد منهم ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ. ثمّ استثنى فقال عزّ من قائل إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ واختلف العلماء في حكم هذا الاستثناء فقال قوم: هو استثناء من قوله وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وقالوا: إذا تاب القاذف قبلت شهادته وزال عنه اسم الفسق وعادت ولايته حد فيه أو لم يحدّ، وهذا قول الشعبي ومسروق وسليمان بن يسار وسعيد بن جبير وعطاء وطاوس ومجاهد وسعيد بن المسيب وعبد الله بن عتبة والضحّاك، وهو قول أهل الحجاز وإليه ذهب الشافعي. واختلفوا في كيفيّة توبته، فقال بعضهم: هو ان يرجع عن قوله ويكذّب نفسه، وقال آخرون: هي الندم على ما سلف والاستغفار منه وترك العود فيما بقي، فإذا أقيم عليه الحدّ أو عفا المقذوف عنه سقط الحد، وذلك أن القذف حق للمقذوف كالقصاص والجنايات وبالعفو تسقط فإذا عفا عنه فلم يطالبه بالحد، أو مات المقذوف قبل مطالبته بالحد، أو لم يرفع إلى السلطان فلم يحدّ لأجل هذه، أو حدّ ثم تاب وأصلح العمل قبلت شهادته وعادت ولايته، يدلّ عليه ما روى ابن إسحاق عن الزهري عن سعيد بن المسيّب أنّ عمر بن الخطاب رضى الله عنه ضرب الذين شهدوا على المغيرة بن شعبة وهم أبو بكرة وشبل بن معبد ونافع بن الحرث بن كلّدة فحدّهم ثمّ قال لهم: من أكذب نفسه أجزت شهادته فيما استقبل، ومن لم يفعل لم أجز شهادته، فأكذب شبل نفسه ونافع وتابا، وأبى أبو بكرة أن يفعل فكان لا تقبل شهادته. وروى ابن جريج عن عمران بن موسى قال: شهدت عمر بن عبد العزيز أجاز شهادة القاذف ومعه رجل. وقال آخرون: هذا الاستثناء راجع الى قوله وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ فأمّا قوله وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً فقد وصل بالأبد ولا يجوز قبولها أبدا، وهذا قول النخعي وشريح ورواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه. روى الأشعث عن الشعبي قال: جاء خصمان إلى شريح فجاء أحدهما بشاهد قد قطع زناد يده ورجله في قطع الطريق ثم تاب وأصلح، فأجاز شريح شهادته فقال المشهود عليه: أتجيز شهادته عليّ وهو أقطع؟ فقال شريح: كلّ صاحب حدّ إذا أقيم عليه ثم تاب وأصلح فشهادته جائزة إلّا القاذف، فإنّه قضاء من الله أن لا تقبل شهادته أبدا وإنّما توبته فيما بينه وبين الله. وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ أي يقذفونهنّ بالزنا. وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ يشهدون على صحة ما قالوا. إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ قرأ أهل الكوفة أربع بالرفع على الابتداء والخبر، وقرأ الباقون بالنصب على معنى أن يشهد أربع شهادات. وَالْخامِسَةُ يعني والشهادة الخامسة، قراءة العامة بالرفع على الابتداء وخبره في أن. وقرأ حفص بالنصب على معنى ويشهد الشهادة الخامسة. وقرأ نافع ويعقوب وأيوب: إن وأن خفيفتين، لعنةُ وغضبُ مرفوعين، وهي رواية المفضل عن عاصم، وقرأ الباقون: بتشديد النونين وما بعدهما نصب. إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ ويدفع عن الزوجة الحد. أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ يعني الزوج لَمِنَ الْكاذِبِينَ. وَالْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ قرأ نافع: غَضَبَ اللَّهُ مثل سمع الله على الفعل، الباقون على الإسم. وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ جواب لولا محذوف يعني لعاجلكم بالعقوبة وفضحكم ولكنه ستر عليكم ورفع عنكم الحد باللعان حكمة منه ورحمة. فأما سبب نزول الآية، فروى عكرمة عن ابن عباس قال: لمّا نزلت وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً الآية، قال سعد بن عبادة: والله لو أتيت لكاع وقد تفخّذها رجل لم يكن لي أن أهيجه ولا أحركّه حتى آتي بأربعة شهداء! فوالله ما كنت لآتي بأربعة شهداء حتى يفرغ من حاجته ويذهب، فإن قلت ما رأيت، إنّ في ظهري لثمانين جلدة، فقال رسول الله ﷺ‎ [[مسند أحمد: 1/ 238.]] : «يا معشر الأنصار ألا تسمعون ما يقول سيّدكم» ؟ قالوا: لا تلمه فإنه رجل غيور، ما تزوج امرأة قط إلّا بكرا ولا طلّق امرأة له فاجترأ رجل منّا أن يتزوّجها. فقال سعد بن عبادة: يا رسول الله بأبي أنت وأمّي والله إنّي لأعرف أنّها من الله وأنّها حقّ ولكن عجبت من ذلك لما أخبرتك، فقال رسول الله ﷺ‎: «فإنّ الله يأبى إلّا ذاك» ، فقال: صدق الله ورسوله. قال: فلم يلبثوا إلّا يسيرا حتى جاء ابن عم له يقال له هلال بن أميّة من حديقة له، فرأى رجلا مع امرأته يزني بها فأمسك حتى أصبح، فلمّا أصبح غدا على رسول الله ﷺ‎ وهو جالس مع أصحابه فقال: يا رسول الله إنّي جئت أهلي عشاء فوجدت رجلا مع أهلي، رأيت بعيني وسمعت بأذني فكره رسول الله ﷺ‎ ما أتاه به وثقل عليه جدّا حتى عرف ذلك في وجهه. فقال هلال: والله يا رسول الله إني لأرى الكراهية في وجهك مما أتيتك به، والله يعلم أني صادق وما قلت إلّا حقّا وإنّي لأرجو أن يجعل الله فرجا، فهمّ رسول الله ﷺ‎ بضربه. قال: واجتمعت الأنصار فقالوا: ابتلينا بما قال سعد، أيجلد هلال وتبطل شهادته؟ فإنّهم لكذلك ورسول الله ﷺ‎ يريد أن يأمر بضربه إذ نزل عليه الوحي فأمسك أصحابه عن كلامه حين عرفوا أنّ الوحي قد نزل حتى فرغ، فأنزل الله سبحانه وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ إلى آخر الآيات. فقال رسول الله ﷺ‎: «أبشر يا هلال فإنّ الله قد جعل لك فرجا» ، فقال: قد كنت أرجو بذلك من الله تعالى. فقال رسول الله ﷺ‎: «أرسلوا إليها» ، فجاءت فلمّا اجتمعا عند رسول الله ﷺ‎ قيل لها، فكذّبت. فقال رسول الله ﷺ‎: «إنّ الله يعلم أنّ أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟» . فقال هلال: يا رسول الله بأبي وأمّي لقد صدقت وما قلت إلّا حقّا. فقال رسول الله ﷺ‎: «لاعنوا بينهما» ، فقيل لهلال: اشهد، فشهد أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ، فقيل له عند الخامسة: يا هلال اتّق الله فإنّ عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة [[في النسخة الثانية زيادة: وأن عذاب الله أشد من عذاب الناس، وإن هذه الخامسة هي الموجبة التي توجب عليك العذاب.]] ، فقال هلال: والله لا يعذبني الله عليها كما لم يجلدني عليها رسول الله ﷺ‎، فشهد الخامسة أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ. ثم قال للمرأة: اشهدي فشهدت [[في النسخة الثانية زيادة: أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ، فقال لها عند الخامسة ووفقها: اتقي الله فإن في الخامسة موجبة، وإن عذاب الله أشد من عذاب الناس فتلكّأت ساعة وهمت بالاعتراف، ثم قالت: والله لا أفضح قومي فشهدت.]] الخامسة أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ، ففرّق رسول الله ﷺ‎ بينهما وقضى أن الولد لها ولا يدعى لأب ولا يرمى ولدها، ثمّ قال رسول الله ﷺ‎: «إن جاءت به كذا وكذا] فهو لزوجها، وإن جاءت به كذا وكذا] فهو للذي قيل فيه» [20] [[تفسير الطبري: 18/ 108 وما بين معكوفين منه وهو موافق لما في النسخة الثانية (أصفهان) .]] . قال: فجاءت به غلاما كأنه حمل أورق على الشبه المكروه، وكان بعد أميرا بمصر لا يدرى من أبوه. وأخبرنا محمد بن عبدوس قال: أخبرنا محمد بن الحسن قال: أخبرنا علي بن عبد العزيز قال: أخبرنا القاسم بن سلام قال: حدّثنا هيثم عن يونس بن عبيد عن الحسن قال: لمّا نزلت وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ الآية، قال سعد بن عبادة: يا رسول الله أرأيت إن رأى رجل مع امرأته رجلا فقتله يقتلونه، وإن أخبر بما رأى جلد ثمانين أفلا يضربه بالسيف؟ فقال رسول الله ﷺ‎: كفى بالسيف شا ... ، قال: أراد أن يقول شاهدا ثمّ أمسك وقال: لولا ان يتتابع فيه الغيران والسكران، وذكر الحديث [[المصنّف: 9/ 434.]] . وقال ابن عباس في سائر الروايات ومقاتل: لمّا نزلت وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الآية، قرأها النبي ﷺ‎ يوم الجمعة على المنبر فقام عاصم بن عدي الأنصاري فقال: جعلني الله فداك إن رأى رجل منّا مع امرأته رجلا فأخبر بما رأى جلد ثمانين وسمّاه المسلمون فاسقا ولا تقبل شهادته أبدا، فكيف لنا بالشهداء ونحن إذا التمسنا الشهداء كان الرجل قد فرغ من حاجته ومرّ؟ وكان لعاصم هذا ابن عم له يقال له عويمر وله امرأة يقال لها خولة بنت قيس بن محصن فأتى عويمر عاصما فقال: لقد رأيت شريك بن السحماء على بطن امرأتي خولة، فاسترجع عاصم وأتى رسول الله ﷺ‎ في الجمعة الأخرى فقال: يا رسول الله ما أسرع ما ابتليت بالسؤال الذي سألت في الجمعة الماضية في أهل بيتي! فقال رسول الله ﷺ‎: وما ذاك؟ قال: أخبرني عويمر ابن عمّي أنه رأى شريك ابن السحماء على بطن امرأته خولة، وكان عويمر وخولة شريك كلّهم بني عم عاصم، فدعا رسول الله ﷺ‎ بهم جميعا فقال لعويمر: «اتق الله في زوجتك وخليلتك وابنة عمك فلا تقذفها بالبهتان، فقال: يا رسول الله أقسم بالله إني رأيت شريكا على بطنها وإني ما قربتها منذ أربعة أشهر وانها حبلى من غيري. فقال رسول الله ﷺ‎ للمرأة: «اتقي الله ولا تخبري إلّا بما صنعت» ، فقالت: يا رسول الله إنّ عويمرا رجل غيور، وإنه رآني وشريكا نطيل السمر ونتحدث فحملته الغيرة على ما قال. فقال رسول الله ﷺ‎ لشريك: «ما تقول» ؟ قال: ما تقوله المرأة، فأنزل الله سبحانه وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ الآية، فأمر رسول الله ﷺ‎ حتى نودي: الصلاة جامعة، فصلّى العصر ثمّ قال لعويمر: قم فقام فقال: أشهد بالله إنّ خولة لزانية وإنّي لمن الصادقين، ثمّ قال في الرابعة: أشهد بالله إنّي ما قربتها منذ أربعة أشهر وإنّي لمن الصادقين ثمّ قال في الخامسة: لعنة الله على عويمر- يعني نفسه- إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ فيما قال. ثمّ أمره بالقعود وقال لخولة: قومي فقامت فقالت: أشهد بالله ما أنا بزانية وإنّ عويمرا لَمِنَ الْكاذِبِينَ، ثمّ قالت في الثانية: أشهد بالله إنه ما رأى شريكا على بطني وإِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ، ثمّ قالت في الثالثة: أشهد بالله إني حبلى منه وإِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ، ثمّ قالت في الرابعة: أشهد بالله إنه ما رآني قط على فاحشة وإِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ، ثمّ قالت في الخامسة: غَضَبَ اللَّهِ على خولة- تعني نفسها- إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ، ففرق رسول الله ﷺ‎ بينهما وقال: «لولا هذه الأيمان لكان لي في أمرهما رأي، ثمّ قال: تحيّنوا بها الولادة فإن جاءت بأصيهب أثيبج يضرب إلى السواد فهو لشريك بن السحماء، وإن جاءت بأورق جعد حمش حدلج الساقين فهو لغير الذي رميت به» [21] . قال ابن عباس: فجاءت بأشبه خلق الله بشريك [[سنن ابن ماجة بتفاوت: 1/ 668، ح/ 2067.]] . ذكر حكم الآية إذا قذف الرجل زوجته بالزنا لزمه الحدّ وله التخلّص منه بإقامة البيّنة على زناها أو باللعان، فإن أقام البيّنة حقّق الزنا ولزمها الحدّ، وان التعن حقّق عليها الزنا ولها التخلص منه باللعان، فإن التعنت وإلّا لزمها الحدّ، وللزوج ان يلتعن سواء كان متمكّنا من البيّنة أو غير متمكّن منها، ويصح اللعان من كلّ زوج مكلّف حرا كان أو عبدا، مسلما كان أو كافرا، فكلّ من صحّت يمينه صحّ قذفه ولعانه. وقال أهل العراق: اللعان بين كلّ حرّين بالغين ولا يصحّ اللعان إلّا عند الحاكم أو خليفته، فإذا لاعن بينهما غلّظ عليهما بأربعة أشياء عدد الألفاظ، والمكان، والوقت، وجمع الناس. فأمّا اللفظ فأربع شهادات والخامسة ذكر اللعنة للرجل وذكر الغضب للمرأة، وقد مضت كيفية ذلك، وأمّا المكان فإنه يقصد أشرف البقاع بالبلدان إن كان بمكة فعند الركن والمقام، وإن كان بالمدينة فعند المنبر، وإن كان ببيت المقدس ففي مسجدها، وإن كان في سائر البلدان ففي مساجدها، وإن كانا كافرين بعث بهما إلى الموضع الذي يعتقدان تعظيمه، إن كانا يهوديين بالكنيسة وإن كانا نصرانيين فبالبيعة، وإن كانا مجوسيين ففي بيت النار، وإن كانا لا دين لهما مثل الوثنيين فإنه يلاعن بينهما في مجلس حكمه. وأما الوقت، فإنّه بعد صلاة العصر. وأمّا العدد، فيحتاج أن يكون هناك أربعة أنفس فصاعدا، فاللفظ وجمع الناس مشروطان، والمكان والزمان مستحبّان، فإذا تلاعنا تعلّق باللعان أربعة أحكام: سقوط الحدّ، ونفي الولد، وزوال الفراش، ووقوع التحريم المؤبّد، وكلّ هذا يتعلّق بلعان الزوج، فأمّا لعان المرأة فإنه يسقط به الحدّ فقط، فإن أكذب الرجل نفسه فإنه يعود ما عليه ولا يعود ماله في الحدّ والنسب عليه فيعودان. وأما التحريم والفراش فإنهما له فلا يعودان، وفرقة اللعان هي فسخ لأنه جاء بفعل من قبل المرأة. وقال أبو حنيفة وسفيان: اللعان تطليقة بائنة لأنه من قبل الرجل بدءا، والله أعلم.

النور 24:9

مدنيّة، وهي خمسة آلاف وستمائة وثمانون حرفا، وألف وثلاثمائة وست عشرة كلمة، وأربع وستّون آية أخبرنا [أبو الحسين] الخبازي قال: حدّثنا ابن حبان قال: أخبرنا محمد بن علي الفرقدي قال: حدّثنا إسماعيل بن عمرو قال: حدّثنا يوسف بن عطيّة قال: حدّثنا هارون بن كثير قال: حدّثنا زيد بن أسلم عن أبيه عن أبي أمامة عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ‎: «من قرأ سورة النور أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد كلّ مؤمن فيما مضى وفيما بقي» [[تفسير مجمع البيان: 7/ 216.]] [19] . وأخبرني الحسين بن محمد بن فنجويه قال: حدّثنا عبيد الله بن محمد بن شيبة قال: حدّثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم الكرابيسي قال: حدّثنا سلمان بن توبة أبو داود الأنصاري قال: حدّثنا محمد بن إبراهيم الشامي قال: حدّثنا شعيب بن إسحاق عن هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها وعن أبيها قالت: قال رسول الله ﷺ‎: «لا تنزلوا النساء الغرف، ولا تعلّموهن الكتابة، وعلّموهن المغزل، وسورة النور» [[زاد المسير لابن الجوزي: 5/ 339.]] . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ سُورَةٌ أَنْزَلْناها قراءة العامة بالرفع: هذه سورة لأنّ العرب لا تبتدئ بالنكرة، هذا قول الخليل، وقال الأخفش: سُورَةٌ ابتداء وخبره في أَنْزَلْناها، وقرأ طلحة بن مصرف [[في النسخة الثانية: مضرف]] : سُورَةً بالنصب على معنى أنزلنا سورة، والكناية صلة زائدة، وقيل: اتّبعوا سورة أنزلناها وَفَرَضْناها أي أوجبنا ما فيها من الأحكام، وقرأ الحسن ومجاهد وابن كثير وأبو عمرو: وفرّضناها بالتشديد أي فصّلناها وبيّنّاها، وقيل: هو من الفرض والتشديد على التكثير أي جعلناها فرائض مختلفة، وأوجبناها عليكم وعلى من بعدكم إلى قيام الساعة، وتصديق التخفيف قوله سبحانه إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ [[القصص: 85.]] . وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي إذا كانا حرّين بالغين بكرين غير محصنين فَاجْلِدُوا فاضربوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ رحمة ورقّة. قال الأخفش: رحمة في توجّع وفيها ثلاث لغات: رَأْفَةٌ ساكنة الهمز وقد تخفف الهمزة، وهي قراءة العامة، ورَأَفَةٌ بفتح الهمزة، ورَآفَةٌ مهموزة ممدودة مثل الكتابة، وهما قراءة أهل مكة مثل الشناة والشنآة [[في النسخة الثانية: النشأة والنشآة.]] ، وقيل: القصر على الاسم والمدّ بمعنى المصدر مثل صؤل صآلة، وقبح قباحة، ولم يختلفوا في سورة الحديد أنها ساكنة لأنّ العرب لا تجمع بين أكثر من ثلاث فتحات. واختلف العلماء في معنى الآية فقال قوم: وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فتعطّلوا الحدود ولا تقيموها. روى المعمّر عن عمران قال: قلت لأبي مخلد في هذه الآية: والله إنا لنرحمهم أن يجلد الرجل أو تقطع يده فقال: إنّما ذاك أنّه ليس للسلطان إذا رفعوا إليه أن يدعهم رحمة لهم حتى يقيم عليهم الحدّ، وهذا قول مجاهد وعكرمة وعطاء بن أبي رباح وسعيد بن جبير والنخعي والشعبي وابن زيد وسليمان بن يسار، يدلّ عليه من الآية أنّ الله سبحانه وتعالى أمر بالجلد، وهو ضرب الجلد كالرأس لضرب الرأس فذكر الضرب بلفظ الجلد لئلّا ينكأ [[في النسخة الثانية: يشدخ.]] ولا يبرح ولا تبلغ به اللحم. وروى ابن أبي مليكة عن عبد الله بن عبد الله أنّ عبد الله بن عمر جلد جارية له فقال للجالد: اجلد ظهرها ورجليها وأسفلها وخفّفها، قلت: فأين قول الله سبحانه وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ؟ قال: أفأقتلها؟ إنّ الله أمرني أن أضربها وأؤدّبها ولم يأمرني أن أقتلها. وقال الآخرون: بل معناها وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فتخففوا الضرب ولكن أوجعوهما ضربا، وهو قول سعيد بن المسيّب والحسن. قال الزهري: يجتهد في حدّ الزنا والفرية ويخفّف في حدّ الشراب. وقال قتادة: يخفّف في حدّ الشراب والفرية ويجتهد في الزنا. وقال حمّاد: يحدّ القاذف والشارب وعليهما ثيابهما، وأمّا الزاني فيخلع ثيابه، وتلا هذه الآية. فِي دِينِ اللَّهِ أي في حكم الله نظيره قوله سبحانه ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ [[سورة يوسف: 76.]] . إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما وليحضر حدّيهما إذا أقيم عليهما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اختلفوا في مبلغ عدد الطائفة فقال النخعي ومجاهد: أقلّه رجل واحد فما فوقه، واحتجّا بقوله وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا [[سورة الحجرات: 9.]] الآية. عطاء وعكرمة: رجلان فصاعدا، الزهري: ثلاثة فصاعدا، ابن زيد: أربعة بعدد من يقبل شهادته على الزنى، قتادة: نفر من المسلمين. روى حفص بن غياث عن أشعث عن أبيه قال: أتيت أبا برزة الأسلمي في حاجة وقد أخرج جارية له إلى باب الدار وقد زنت وولدت من الزنا، فألقى عليها ثوبا وأمر ابنه أن يضربها خمسين ضربا غير مبرح، ودعا جماعة ثم قرأ وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا أبو علي بن حنش [[في النسخة الثانية: حبش وهو الموافق لكتب الرجال.]] المقري قال: حدّثنا محمد بن أحمد ابن عثمان قال: حدّثنا إبراهيم بن نصره قال: حدّثنا مسدّد قال: حدّثنا إسماعيل قال: حدّثنا يونس بن عبيد عن حريز بن يزيد البجلي عن أبي زرعة عن عمرو بن حريز عن أبي هريرة قال: إقامة حد بأرض خير لأهلها من مطر أربعين ليلة. وأخبرنا أبو سعيد محمد بن عبد الله بن حمدون قال: حدّثنا أبو نعيم عبد الملك بن محمد ابن عدي قال: أخبرنا العباس بن الوليد بن مزيد البيروتي قال: أخبرني محمد بن شعيب قال: أخبرني معاوية بن يحيى عن سليمان الأعمش عن شقيق بن سلمة عن حذيفة عن رسول الله ﷺ‎ أنّه قال: «يا معشر الناس اتقوا الزنى فإنّ فيه ست خصال، ثلاث في الدنيا وثلاث في الآخرة، فأمّا اللاتي في الدنيا فيذهب البهاء ويورث الفقر وينقص العمر، وأمّا اللاتي في الآخرة فيوجب السخطة وسوء الحساب [[في النسخة الثانية زيادة: محمد بن الفضل بن محمد.]] والخلود في النار» [[كنز العمّال: 5/ 319.]] . وأخبرنا أبو طاهر بن خزيمة قرأه عليه في شهور سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة قال: حدّثنا عبد الله بن محمد بن مسلم قال: حدّثنا عطية بن بقية قال: حدّثنا أبي قال: حدّثني عبّاد بن كثير عن عمران القصير عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ‎: إنّ أعمال أمتي تعرض علىّ في كلّ جمعة مرّتين فاشتدّ غضب الله على الزناة [[تفسير القرطبي: 12/ 167.]] . وأخبرنا أبو عبد الله بن فنجويه قال: حدّثنا إبراهيم بن يزيد [[في النسخة الثانية: وأخبرنا أبو عبد الله بن فنجويه عن أبي علي بن حبيش المقري عن محمد بن أحمد بن هارون بسرّ من رأى، قال أبو بكر محمد بن يعقوب الدينوري، حدثني إبراهيم بن زيد.]] الحرّاني قال: حدّثنا المغيرة ابن سقلاب قال: حدّثنا النضر بن عدي عن وهب بن منبه قال: مكتوب في التوراة: الزاني لا يموت حتى يفتقر، والقوّاد لا يموت حتى يعمى. الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً الآية. اختلف العلماء في معنى الآية وحكمها فقال قوم: قدم المهاجرون المدينة وفيهم فقراء كثير ليست لهم أموال ولا عشائر ولا أهلون، وبالمدينة نساء بغايا مسافحات يكرين أنفسهن وهن يومئذ أخصب أهل المدينة، فرغب في كسبهن ناس من فقراء المسلمين فقالوا: إنّا لو تزوّجنا منهن فعشنا معهن إلى يوم يغنينا الله سبحانه عنهن، فاستأذنوا رسول الله ﷺ‎ في ذلك فنزلت هذه الآية وحرّم فيها نكاح الزانية صيانة للمؤمنين عن ذلك ، وأخبر سبحانه وتعالى أنّ الزانية إنّما ينكحها الزاني والمشرك لأنهنّ كنّ زانيات مشركات، والآية وإن كان ظاهرها خبر فمجازها ينبغي أن يكون كذا كقوله وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً [[سورة آل عمران: 97.]] وقوله سبحانه وتعالى إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ [[العنكبوت: 45.]] يعني ينبغي أن تكون كذلك، وهذا قول مجاهد وعطاء بن أبي رباح وقتادة والزهري والقاسم بن أبي برزه والشعبي وأبي حمزة الثمالي ورواية العوفي عن ابن عباس. وقال عكرمة: نزلت في نساء بغايا متعالمات بمكة والمدينة وكنّ كثيرات ومنهن تسع صواحب رايات، لهن رايات كرايات البيطار يعرفن بها: أمّ مهزول جارية السائب بن أبي السائب المخزومي، وأم عليط جارية صفوان بن أميّة، وحنّة القبطية جارية العاص بن وائل، ومرية جارية مالك بن عميلة بن السباق، وحلالة جارية سهيل بن عمرو، وأم سويد جارية عمرو ابن عثمان المخزومي، وسريفة جارية زمعة بن الأسود، وفرسة جارية هشام بن ربيعة بن حبيب ابن حذيفة، وقرينة جارية هلال بن أنس بن جابر بن نمر، وكانت بيوتهن تسمى المواخير في الجاهلية، لا يدخل عليهن ولا يأتيهن إلّا زان من أهل القبلة أو مشرك من أهل الأوثان وكان الرجل ينكح الزانية في الجاهلية يتخذها مأكله، فأراد ناس من المسلمين نكاحهن على تلك الجهة، واستأذن رجل من المسلمين نبي الله ﷺ‎ في نكاح أم مهزول اشترطت له ان تنفق عليه فأنزل الله سبحانه هذه الآية ونهى المؤمنين عن ذلك وحرّمه عليهم. وقال عمرو بن شعيب: نزلت في مرثد الغنوي وعناق، وكان مرثد رجلا شديدا وكان يقال له دلدل وكان يأتي مكة فيحتمل ضعفه المسلمين الى رسول الله ﷺ‎ وكانت عناق صديقته في الجاهلية، فلمّا أتى مكة دعته عناق الى نفسها فقال مرثد: إنّ الله حرّم الزنا قالت: فأنكحني فقال: حتى أسأل رسول الله ﷺ‎ في ذلك فسأله عنه فأنزل الله سبحانه هذه الآية، وقد مضت القصة في سورة البقرة. وقال آخرون: أراد بالنكاح هاهنا الجماع ومعنى الآية الزاني لا يزني إلّا بزانية أو مشركة والزانية لا يزني بها إلّا زان أو مشرك، وهذا قول سعيد بن جبير والضحاك بن مزاحم وعبد الرّحمن بن زيد ورواية الوالبي عن ابن عباس، أخبرني الحسين بن محمد بن عبد الله قال: حدّثنا أحمد بن محمد بن إسحاق السني قال: أخبرني محمد بن عمران قال: حدّثنا سعيد بن عبد الرّحمن ومحمد بن عبد الله المقري قالا: حدّثنا عبد الله بن الوليد العدني عن سفيان عن حبيب بن أبي عمرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً قال: ليس هذا بالنكاح ولكنه الجماع، لا يزني بها إلّا زان أو مشرك، فكنّى. وأخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا أبو علي بن حبش قال: حدّثني الحسن بن علي بن زكريا قال: حدّثنا الحسن بن علي بن راشد قال: قال لنا يزيد بن هارون: هذا عندي إن جامعها وهو مستحل فهو مشرك، وإن جامعها وهو محرم فهو زان. وقال بعضهم: كان هذا حكم الله في كلّ زان وزانية حتى نسختها الآية التي بعدها وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ [[سورة النور: 32.]] فأحلّ نكاح كل مسلمة وكل مسلم، وهو قول سعيد بن المسيّب أخبرنيه ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شيبة قال: حدّثنا الفريابي قال: حدّثنا قتيبة قال: حدّثنا الليث عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أنّه قال: يزعمون أن تلك الآية الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً نسخت بالآية التي بعدها وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ فدخلت الزانية في أيامى المسلمين. وقال الحسن: معناها المجلود لا ينكح إلّا مجلودة. وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ أي يشتمون المسلمات [[في النسخة الثانية زيادة: وقال الحسن: معنى.]] الحرائر العفائف فيقذفونهن بالزنى ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا على ما رموهن به بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ عدول يشهدون عليهنّ أنهم رأوهنّ يفعلن ذلك فَاجْلِدُوهُمْ يعني القاذفين اضربوا كلّ واحد منهم ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ. ثمّ استثنى فقال عزّ من قائل إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ واختلف العلماء في حكم هذا الاستثناء فقال قوم: هو استثناء من قوله وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وقالوا: إذا تاب القاذف قبلت شهادته وزال عنه اسم الفسق وعادت ولايته حد فيه أو لم يحدّ، وهذا قول الشعبي ومسروق وسليمان بن يسار وسعيد بن جبير وعطاء وطاوس ومجاهد وسعيد بن المسيب وعبد الله بن عتبة والضحّاك، وهو قول أهل الحجاز وإليه ذهب الشافعي. واختلفوا في كيفيّة توبته، فقال بعضهم: هو ان يرجع عن قوله ويكذّب نفسه، وقال آخرون: هي الندم على ما سلف والاستغفار منه وترك العود فيما بقي، فإذا أقيم عليه الحدّ أو عفا المقذوف عنه سقط الحد، وذلك أن القذف حق للمقذوف كالقصاص والجنايات وبالعفو تسقط فإذا عفا عنه فلم يطالبه بالحد، أو مات المقذوف قبل مطالبته بالحد، أو لم يرفع إلى السلطان فلم يحدّ لأجل هذه، أو حدّ ثم تاب وأصلح العمل قبلت شهادته وعادت ولايته، يدلّ عليه ما روى ابن إسحاق عن الزهري عن سعيد بن المسيّب أنّ عمر بن الخطاب رضى الله عنه ضرب الذين شهدوا على المغيرة بن شعبة وهم أبو بكرة وشبل بن معبد ونافع بن الحرث بن كلّدة فحدّهم ثمّ قال لهم: من أكذب نفسه أجزت شهادته فيما استقبل، ومن لم يفعل لم أجز شهادته، فأكذب شبل نفسه ونافع وتابا، وأبى أبو بكرة أن يفعل فكان لا تقبل شهادته. وروى ابن جريج عن عمران بن موسى قال: شهدت عمر بن عبد العزيز أجاز شهادة القاذف ومعه رجل. وقال آخرون: هذا الاستثناء راجع الى قوله وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ فأمّا قوله وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً فقد وصل بالأبد ولا يجوز قبولها أبدا، وهذا قول النخعي وشريح ورواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه. روى الأشعث عن الشعبي قال: جاء خصمان إلى شريح فجاء أحدهما بشاهد قد قطع زناد يده ورجله في قطع الطريق ثم تاب وأصلح، فأجاز شريح شهادته فقال المشهود عليه: أتجيز شهادته عليّ وهو أقطع؟ فقال شريح: كلّ صاحب حدّ إذا أقيم عليه ثم تاب وأصلح فشهادته جائزة إلّا القاذف، فإنّه قضاء من الله أن لا تقبل شهادته أبدا وإنّما توبته فيما بينه وبين الله. وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ أي يقذفونهنّ بالزنا. وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ يشهدون على صحة ما قالوا. إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ قرأ أهل الكوفة أربع بالرفع على الابتداء والخبر، وقرأ الباقون بالنصب على معنى أن يشهد أربع شهادات. وَالْخامِسَةُ يعني والشهادة الخامسة، قراءة العامة بالرفع على الابتداء وخبره في أن. وقرأ حفص بالنصب على معنى ويشهد الشهادة الخامسة. وقرأ نافع ويعقوب وأيوب: إن وأن خفيفتين، لعنةُ وغضبُ مرفوعين، وهي رواية المفضل عن عاصم، وقرأ الباقون: بتشديد النونين وما بعدهما نصب. إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ ويدفع عن الزوجة الحد. أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ يعني الزوج لَمِنَ الْكاذِبِينَ. وَالْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ قرأ نافع: غَضَبَ اللَّهُ مثل سمع الله على الفعل، الباقون على الإسم. وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ جواب لولا محذوف يعني لعاجلكم بالعقوبة وفضحكم ولكنه ستر عليكم ورفع عنكم الحد باللعان حكمة منه ورحمة. فأما سبب نزول الآية، فروى عكرمة عن ابن عباس قال: لمّا نزلت وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً الآية، قال سعد بن عبادة: والله لو أتيت لكاع وقد تفخّذها رجل لم يكن لي أن أهيجه ولا أحركّه حتى آتي بأربعة شهداء! فوالله ما كنت لآتي بأربعة شهداء حتى يفرغ من حاجته ويذهب، فإن قلت ما رأيت، إنّ في ظهري لثمانين جلدة، فقال رسول الله ﷺ‎ [[مسند أحمد: 1/ 238.]] : «يا معشر الأنصار ألا تسمعون ما يقول سيّدكم» ؟ قالوا: لا تلمه فإنه رجل غيور، ما تزوج امرأة قط إلّا بكرا ولا طلّق امرأة له فاجترأ رجل منّا أن يتزوّجها. فقال سعد بن عبادة: يا رسول الله بأبي أنت وأمّي والله إنّي لأعرف أنّها من الله وأنّها حقّ ولكن عجبت من ذلك لما أخبرتك، فقال رسول الله ﷺ‎: «فإنّ الله يأبى إلّا ذاك» ، فقال: صدق الله ورسوله. قال: فلم يلبثوا إلّا يسيرا حتى جاء ابن عم له يقال له هلال بن أميّة من حديقة له، فرأى رجلا مع امرأته يزني بها فأمسك حتى أصبح، فلمّا أصبح غدا على رسول الله ﷺ‎ وهو جالس مع أصحابه فقال: يا رسول الله إنّي جئت أهلي عشاء فوجدت رجلا مع أهلي، رأيت بعيني وسمعت بأذني فكره رسول الله ﷺ‎ ما أتاه به وثقل عليه جدّا حتى عرف ذلك في وجهه. فقال هلال: والله يا رسول الله إني لأرى الكراهية في وجهك مما أتيتك به، والله يعلم أني صادق وما قلت إلّا حقّا وإنّي لأرجو أن يجعل الله فرجا، فهمّ رسول الله ﷺ‎ بضربه. قال: واجتمعت الأنصار فقالوا: ابتلينا بما قال سعد، أيجلد هلال وتبطل شهادته؟ فإنّهم لكذلك ورسول الله ﷺ‎ يريد أن يأمر بضربه إذ نزل عليه الوحي فأمسك أصحابه عن كلامه حين عرفوا أنّ الوحي قد نزل حتى فرغ، فأنزل الله سبحانه وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ إلى آخر الآيات. فقال رسول الله ﷺ‎: «أبشر يا هلال فإنّ الله قد جعل لك فرجا» ، فقال: قد كنت أرجو بذلك من الله تعالى. فقال رسول الله ﷺ‎: «أرسلوا إليها» ، فجاءت فلمّا اجتمعا عند رسول الله ﷺ‎ قيل لها، فكذّبت. فقال رسول الله ﷺ‎: «إنّ الله يعلم أنّ أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟» . فقال هلال: يا رسول الله بأبي وأمّي لقد صدقت وما قلت إلّا حقّا. فقال رسول الله ﷺ‎: «لاعنوا بينهما» ، فقيل لهلال: اشهد، فشهد أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ، فقيل له عند الخامسة: يا هلال اتّق الله فإنّ عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة [[في النسخة الثانية زيادة: وأن عذاب الله أشد من عذاب الناس، وإن هذه الخامسة هي الموجبة التي توجب عليك العذاب.]] ، فقال هلال: والله لا يعذبني الله عليها كما لم يجلدني عليها رسول الله ﷺ‎، فشهد الخامسة أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ. ثم قال للمرأة: اشهدي فشهدت [[في النسخة الثانية زيادة: أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ، فقال لها عند الخامسة ووفقها: اتقي الله فإن في الخامسة موجبة، وإن عذاب الله أشد من عذاب الناس فتلكّأت ساعة وهمت بالاعتراف، ثم قالت: والله لا أفضح قومي فشهدت.]] الخامسة أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ، ففرّق رسول الله ﷺ‎ بينهما وقضى أن الولد لها ولا يدعى لأب ولا يرمى ولدها، ثمّ قال رسول الله ﷺ‎: «إن جاءت به كذا وكذا] فهو لزوجها، وإن جاءت به كذا وكذا] فهو للذي قيل فيه» [20] [[تفسير الطبري: 18/ 108 وما بين معكوفين منه وهو موافق لما في النسخة الثانية (أصفهان) .]] . قال: فجاءت به غلاما كأنه حمل أورق على الشبه المكروه، وكان بعد أميرا بمصر لا يدرى من أبوه. وأخبرنا محمد بن عبدوس قال: أخبرنا محمد بن الحسن قال: أخبرنا علي بن عبد العزيز قال: أخبرنا القاسم بن سلام قال: حدّثنا هيثم عن يونس بن عبيد عن الحسن قال: لمّا نزلت وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ الآية، قال سعد بن عبادة: يا رسول الله أرأيت إن رأى رجل مع امرأته رجلا فقتله يقتلونه، وإن أخبر بما رأى جلد ثمانين أفلا يضربه بالسيف؟ فقال رسول الله ﷺ‎: كفى بالسيف شا ... ، قال: أراد أن يقول شاهدا ثمّ أمسك وقال: لولا ان يتتابع فيه الغيران والسكران، وذكر الحديث [[المصنّف: 9/ 434.]] . وقال ابن عباس في سائر الروايات ومقاتل: لمّا نزلت وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الآية، قرأها النبي ﷺ‎ يوم الجمعة على المنبر فقام عاصم بن عدي الأنصاري فقال: جعلني الله فداك إن رأى رجل منّا مع امرأته رجلا فأخبر بما رأى جلد ثمانين وسمّاه المسلمون فاسقا ولا تقبل شهادته أبدا، فكيف لنا بالشهداء ونحن إذا التمسنا الشهداء كان الرجل قد فرغ من حاجته ومرّ؟ وكان لعاصم هذا ابن عم له يقال له عويمر وله امرأة يقال لها خولة بنت قيس بن محصن فأتى عويمر عاصما فقال: لقد رأيت شريك بن السحماء على بطن امرأتي خولة، فاسترجع عاصم وأتى رسول الله ﷺ‎ في الجمعة الأخرى فقال: يا رسول الله ما أسرع ما ابتليت بالسؤال الذي سألت في الجمعة الماضية في أهل بيتي! فقال رسول الله ﷺ‎: وما ذاك؟ قال: أخبرني عويمر ابن عمّي أنه رأى شريك ابن السحماء على بطن امرأته خولة، وكان عويمر وخولة شريك كلّهم بني عم عاصم، فدعا رسول الله ﷺ‎ بهم جميعا فقال لعويمر: «اتق الله في زوجتك وخليلتك وابنة عمك فلا تقذفها بالبهتان، فقال: يا رسول الله أقسم بالله إني رأيت شريكا على بطنها وإني ما قربتها منذ أربعة أشهر وانها حبلى من غيري. فقال رسول الله ﷺ‎ للمرأة: «اتقي الله ولا تخبري إلّا بما صنعت» ، فقالت: يا رسول الله إنّ عويمرا رجل غيور، وإنه رآني وشريكا نطيل السمر ونتحدث فحملته الغيرة على ما قال. فقال رسول الله ﷺ‎ لشريك: «ما تقول» ؟ قال: ما تقوله المرأة، فأنزل الله سبحانه وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ الآية، فأمر رسول الله ﷺ‎ حتى نودي: الصلاة جامعة، فصلّى العصر ثمّ قال لعويمر: قم فقام فقال: أشهد بالله إنّ خولة لزانية وإنّي لمن الصادقين، ثمّ قال في الرابعة: أشهد بالله إنّي ما قربتها منذ أربعة أشهر وإنّي لمن الصادقين ثمّ قال في الخامسة: لعنة الله على عويمر- يعني نفسه- إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ فيما قال. ثمّ أمره بالقعود وقال لخولة: قومي فقامت فقالت: أشهد بالله ما أنا بزانية وإنّ عويمرا لَمِنَ الْكاذِبِينَ، ثمّ قالت في الثانية: أشهد بالله إنه ما رأى شريكا على بطني وإِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ، ثمّ قالت في الثالثة: أشهد بالله إني حبلى منه وإِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ، ثمّ قالت في الرابعة: أشهد بالله إنه ما رآني قط على فاحشة وإِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ، ثمّ قالت في الخامسة: غَضَبَ اللَّهِ على خولة- تعني نفسها- إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ، ففرق رسول الله ﷺ‎ بينهما وقال: «لولا هذه الأيمان لكان لي في أمرهما رأي، ثمّ قال: تحيّنوا بها الولادة فإن جاءت بأصيهب أثيبج يضرب إلى السواد فهو لشريك بن السحماء، وإن جاءت بأورق جعد حمش حدلج الساقين فهو لغير الذي رميت به» [21] . قال ابن عباس: فجاءت بأشبه خلق الله بشريك [[سنن ابن ماجة بتفاوت: 1/ 668، ح/ 2067.]] . ذكر حكم الآية إذا قذف الرجل زوجته بالزنا لزمه الحدّ وله التخلّص منه بإقامة البيّنة على زناها أو باللعان، فإن أقام البيّنة حقّق الزنا ولزمها الحدّ، وان التعن حقّق عليها الزنا ولها التخلص منه باللعان، فإن التعنت وإلّا لزمها الحدّ، وللزوج ان يلتعن سواء كان متمكّنا من البيّنة أو غير متمكّن منها، ويصح اللعان من كلّ زوج مكلّف حرا كان أو عبدا، مسلما كان أو كافرا، فكلّ من صحّت يمينه صحّ قذفه ولعانه. وقال أهل العراق: اللعان بين كلّ حرّين بالغين ولا يصحّ اللعان إلّا عند الحاكم أو خليفته، فإذا لاعن بينهما غلّظ عليهما بأربعة أشياء عدد الألفاظ، والمكان، والوقت، وجمع الناس. فأمّا اللفظ فأربع شهادات والخامسة ذكر اللعنة للرجل وذكر الغضب للمرأة، وقد مضت كيفية ذلك، وأمّا المكان فإنه يقصد أشرف البقاع بالبلدان إن كان بمكة فعند الركن والمقام، وإن كان بالمدينة فعند المنبر، وإن كان ببيت المقدس ففي مسجدها، وإن كان في سائر البلدان ففي مساجدها، وإن كانا كافرين بعث بهما إلى الموضع الذي يعتقدان تعظيمه، إن كانا يهوديين بالكنيسة وإن كانا نصرانيين فبالبيعة، وإن كانا مجوسيين ففي بيت النار، وإن كانا لا دين لهما مثل الوثنيين فإنه يلاعن بينهما في مجلس حكمه. وأما الوقت، فإنّه بعد صلاة العصر. وأمّا العدد، فيحتاج أن يكون هناك أربعة أنفس فصاعدا، فاللفظ وجمع الناس مشروطان، والمكان والزمان مستحبّان، فإذا تلاعنا تعلّق باللعان أربعة أحكام: سقوط الحدّ، ونفي الولد، وزوال الفراش، ووقوع التحريم المؤبّد، وكلّ هذا يتعلّق بلعان الزوج، فأمّا لعان المرأة فإنه يسقط به الحدّ فقط، فإن أكذب الرجل نفسه فإنه يعود ما عليه ولا يعود ماله في الحدّ والنسب عليه فيعودان. وأما التحريم والفراش فإنهما له فلا يعودان، وفرقة اللعان هي فسخ لأنه جاء بفعل من قبل المرأة. وقال أبو حنيفة وسفيان: اللعان تطليقة بائنة لأنه من قبل الرجل بدءا، والله أعلم.

النور 24:10

مدنيّة، وهي خمسة آلاف وستمائة وثمانون حرفا، وألف وثلاثمائة وست عشرة كلمة، وأربع وستّون آية أخبرنا [أبو الحسين] الخبازي قال: حدّثنا ابن حبان قال: أخبرنا محمد بن علي الفرقدي قال: حدّثنا إسماعيل بن عمرو قال: حدّثنا يوسف بن عطيّة قال: حدّثنا هارون بن كثير قال: حدّثنا زيد بن أسلم عن أبيه عن أبي أمامة عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ‎: «من قرأ سورة النور أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد كلّ مؤمن فيما مضى وفيما بقي» [[تفسير مجمع البيان: 7/ 216.]] [19] . وأخبرني الحسين بن محمد بن فنجويه قال: حدّثنا عبيد الله بن محمد بن شيبة قال: حدّثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم الكرابيسي قال: حدّثنا سلمان بن توبة أبو داود الأنصاري قال: حدّثنا محمد بن إبراهيم الشامي قال: حدّثنا شعيب بن إسحاق عن هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها وعن أبيها قالت: قال رسول الله ﷺ‎: «لا تنزلوا النساء الغرف، ولا تعلّموهن الكتابة، وعلّموهن المغزل، وسورة النور» [[زاد المسير لابن الجوزي: 5/ 339.]] . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ سُورَةٌ أَنْزَلْناها قراءة العامة بالرفع: هذه سورة لأنّ العرب لا تبتدئ بالنكرة، هذا قول الخليل، وقال الأخفش: سُورَةٌ ابتداء وخبره في أَنْزَلْناها، وقرأ طلحة بن مصرف [[في النسخة الثانية: مضرف]] : سُورَةً بالنصب على معنى أنزلنا سورة، والكناية صلة زائدة، وقيل: اتّبعوا سورة أنزلناها وَفَرَضْناها أي أوجبنا ما فيها من الأحكام، وقرأ الحسن ومجاهد وابن كثير وأبو عمرو: وفرّضناها بالتشديد أي فصّلناها وبيّنّاها، وقيل: هو من الفرض والتشديد على التكثير أي جعلناها فرائض مختلفة، وأوجبناها عليكم وعلى من بعدكم إلى قيام الساعة، وتصديق التخفيف قوله سبحانه إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ [[القصص: 85.]] . وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي إذا كانا حرّين بالغين بكرين غير محصنين فَاجْلِدُوا فاضربوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ رحمة ورقّة. قال الأخفش: رحمة في توجّع وفيها ثلاث لغات: رَأْفَةٌ ساكنة الهمز وقد تخفف الهمزة، وهي قراءة العامة، ورَأَفَةٌ بفتح الهمزة، ورَآفَةٌ مهموزة ممدودة مثل الكتابة، وهما قراءة أهل مكة مثل الشناة والشنآة [[في النسخة الثانية: النشأة والنشآة.]] ، وقيل: القصر على الاسم والمدّ بمعنى المصدر مثل صؤل صآلة، وقبح قباحة، ولم يختلفوا في سورة الحديد أنها ساكنة لأنّ العرب لا تجمع بين أكثر من ثلاث فتحات. واختلف العلماء في معنى الآية فقال قوم: وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فتعطّلوا الحدود ولا تقيموها. روى المعمّر عن عمران قال: قلت لأبي مخلد في هذه الآية: والله إنا لنرحمهم أن يجلد الرجل أو تقطع يده فقال: إنّما ذاك أنّه ليس للسلطان إذا رفعوا إليه أن يدعهم رحمة لهم حتى يقيم عليهم الحدّ، وهذا قول مجاهد وعكرمة وعطاء بن أبي رباح وسعيد بن جبير والنخعي والشعبي وابن زيد وسليمان بن يسار، يدلّ عليه من الآية أنّ الله سبحانه وتعالى أمر بالجلد، وهو ضرب الجلد كالرأس لضرب الرأس فذكر الضرب بلفظ الجلد لئلّا ينكأ [[في النسخة الثانية: يشدخ.]] ولا يبرح ولا تبلغ به اللحم. وروى ابن أبي مليكة عن عبد الله بن عبد الله أنّ عبد الله بن عمر جلد جارية له فقال للجالد: اجلد ظهرها ورجليها وأسفلها وخفّفها، قلت: فأين قول الله سبحانه وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ؟ قال: أفأقتلها؟ إنّ الله أمرني أن أضربها وأؤدّبها ولم يأمرني أن أقتلها. وقال الآخرون: بل معناها وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فتخففوا الضرب ولكن أوجعوهما ضربا، وهو قول سعيد بن المسيّب والحسن. قال الزهري: يجتهد في حدّ الزنا والفرية ويخفّف في حدّ الشراب. وقال قتادة: يخفّف في حدّ الشراب والفرية ويجتهد في الزنا. وقال حمّاد: يحدّ القاذف والشارب وعليهما ثيابهما، وأمّا الزاني فيخلع ثيابه، وتلا هذه الآية. فِي دِينِ اللَّهِ أي في حكم الله نظيره قوله سبحانه ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ [[سورة يوسف: 76.]] . إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما وليحضر حدّيهما إذا أقيم عليهما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اختلفوا في مبلغ عدد الطائفة فقال النخعي ومجاهد: أقلّه رجل واحد فما فوقه، واحتجّا بقوله وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا [[سورة الحجرات: 9.]] الآية. عطاء وعكرمة: رجلان فصاعدا، الزهري: ثلاثة فصاعدا، ابن زيد: أربعة بعدد من يقبل شهادته على الزنى، قتادة: نفر من المسلمين. روى حفص بن غياث عن أشعث عن أبيه قال: أتيت أبا برزة الأسلمي في حاجة وقد أخرج جارية له إلى باب الدار وقد زنت وولدت من الزنا، فألقى عليها ثوبا وأمر ابنه أن يضربها خمسين ضربا غير مبرح، ودعا جماعة ثم قرأ وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا أبو علي بن حنش [[في النسخة الثانية: حبش وهو الموافق لكتب الرجال.]] المقري قال: حدّثنا محمد بن أحمد ابن عثمان قال: حدّثنا إبراهيم بن نصره قال: حدّثنا مسدّد قال: حدّثنا إسماعيل قال: حدّثنا يونس بن عبيد عن حريز بن يزيد البجلي عن أبي زرعة عن عمرو بن حريز عن أبي هريرة قال: إقامة حد بأرض خير لأهلها من مطر أربعين ليلة. وأخبرنا أبو سعيد محمد بن عبد الله بن حمدون قال: حدّثنا أبو نعيم عبد الملك بن محمد ابن عدي قال: أخبرنا العباس بن الوليد بن مزيد البيروتي قال: أخبرني محمد بن شعيب قال: أخبرني معاوية بن يحيى عن سليمان الأعمش عن شقيق بن سلمة عن حذيفة عن رسول الله ﷺ‎ أنّه قال: «يا معشر الناس اتقوا الزنى فإنّ فيه ست خصال، ثلاث في الدنيا وثلاث في الآخرة، فأمّا اللاتي في الدنيا فيذهب البهاء ويورث الفقر وينقص العمر، وأمّا اللاتي في الآخرة فيوجب السخطة وسوء الحساب [[في النسخة الثانية زيادة: محمد بن الفضل بن محمد.]] والخلود في النار» [[كنز العمّال: 5/ 319.]] . وأخبرنا أبو طاهر بن خزيمة قرأه عليه في شهور سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة قال: حدّثنا عبد الله بن محمد بن مسلم قال: حدّثنا عطية بن بقية قال: حدّثنا أبي قال: حدّثني عبّاد بن كثير عن عمران القصير عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ‎: إنّ أعمال أمتي تعرض علىّ في كلّ جمعة مرّتين فاشتدّ غضب الله على الزناة [[تفسير القرطبي: 12/ 167.]] . وأخبرنا أبو عبد الله بن فنجويه قال: حدّثنا إبراهيم بن يزيد [[في النسخة الثانية: وأخبرنا أبو عبد الله بن فنجويه عن أبي علي بن حبيش المقري عن محمد بن أحمد بن هارون بسرّ من رأى، قال أبو بكر محمد بن يعقوب الدينوري، حدثني إبراهيم بن زيد.]] الحرّاني قال: حدّثنا المغيرة ابن سقلاب قال: حدّثنا النضر بن عدي عن وهب بن منبه قال: مكتوب في التوراة: الزاني لا يموت حتى يفتقر، والقوّاد لا يموت حتى يعمى. الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً الآية. اختلف العلماء في معنى الآية وحكمها فقال قوم: قدم المهاجرون المدينة وفيهم فقراء كثير ليست لهم أموال ولا عشائر ولا أهلون، وبالمدينة نساء بغايا مسافحات يكرين أنفسهن وهن يومئذ أخصب أهل المدينة، فرغب في كسبهن ناس من فقراء المسلمين فقالوا: إنّا لو تزوّجنا منهن فعشنا معهن إلى يوم يغنينا الله سبحانه عنهن، فاستأذنوا رسول الله ﷺ‎ في ذلك فنزلت هذه الآية وحرّم فيها نكاح الزانية صيانة للمؤمنين عن ذلك ، وأخبر سبحانه وتعالى أنّ الزانية إنّما ينكحها الزاني والمشرك لأنهنّ كنّ زانيات مشركات، والآية وإن كان ظاهرها خبر فمجازها ينبغي أن يكون كذا كقوله وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً [[سورة آل عمران: 97.]] وقوله سبحانه وتعالى إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ [[العنكبوت: 45.]] يعني ينبغي أن تكون كذلك، وهذا قول مجاهد وعطاء بن أبي رباح وقتادة والزهري والقاسم بن أبي برزه والشعبي وأبي حمزة الثمالي ورواية العوفي عن ابن عباس. وقال عكرمة: نزلت في نساء بغايا متعالمات بمكة والمدينة وكنّ كثيرات ومنهن تسع صواحب رايات، لهن رايات كرايات البيطار يعرفن بها: أمّ مهزول جارية السائب بن أبي السائب المخزومي، وأم عليط جارية صفوان بن أميّة، وحنّة القبطية جارية العاص بن وائل، ومرية جارية مالك بن عميلة بن السباق، وحلالة جارية سهيل بن عمرو، وأم سويد جارية عمرو ابن عثمان المخزومي، وسريفة جارية زمعة بن الأسود، وفرسة جارية هشام بن ربيعة بن حبيب ابن حذيفة، وقرينة جارية هلال بن أنس بن جابر بن نمر، وكانت بيوتهن تسمى المواخير في الجاهلية، لا يدخل عليهن ولا يأتيهن إلّا زان من أهل القبلة أو مشرك من أهل الأوثان وكان الرجل ينكح الزانية في الجاهلية يتخذها مأكله، فأراد ناس من المسلمين نكاحهن على تلك الجهة، واستأذن رجل من المسلمين نبي الله ﷺ‎ في نكاح أم مهزول اشترطت له ان تنفق عليه فأنزل الله سبحانه هذه الآية ونهى المؤمنين عن ذلك وحرّمه عليهم. وقال عمرو بن شعيب: نزلت في مرثد الغنوي وعناق، وكان مرثد رجلا شديدا وكان يقال له دلدل وكان يأتي مكة فيحتمل ضعفه المسلمين الى رسول الله ﷺ‎ وكانت عناق صديقته في الجاهلية، فلمّا أتى مكة دعته عناق الى نفسها فقال مرثد: إنّ الله حرّم الزنا قالت: فأنكحني فقال: حتى أسأل رسول الله ﷺ‎ في ذلك فسأله عنه فأنزل الله سبحانه هذه الآية، وقد مضت القصة في سورة البقرة. وقال آخرون: أراد بالنكاح هاهنا الجماع ومعنى الآية الزاني لا يزني إلّا بزانية أو مشركة والزانية لا يزني بها إلّا زان أو مشرك، وهذا قول سعيد بن جبير والضحاك بن مزاحم وعبد الرّحمن بن زيد ورواية الوالبي عن ابن عباس، أخبرني الحسين بن محمد بن عبد الله قال: حدّثنا أحمد بن محمد بن إسحاق السني قال: أخبرني محمد بن عمران قال: حدّثنا سعيد بن عبد الرّحمن ومحمد بن عبد الله المقري قالا: حدّثنا عبد الله بن الوليد العدني عن سفيان عن حبيب بن أبي عمرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً قال: ليس هذا بالنكاح ولكنه الجماع، لا يزني بها إلّا زان أو مشرك، فكنّى. وأخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا أبو علي بن حبش قال: حدّثني الحسن بن علي بن زكريا قال: حدّثنا الحسن بن علي بن راشد قال: قال لنا يزيد بن هارون: هذا عندي إن جامعها وهو مستحل فهو مشرك، وإن جامعها وهو محرم فهو زان. وقال بعضهم: كان هذا حكم الله في كلّ زان وزانية حتى نسختها الآية التي بعدها وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ [[سورة النور: 32.]] فأحلّ نكاح كل مسلمة وكل مسلم، وهو قول سعيد بن المسيّب أخبرنيه ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شيبة قال: حدّثنا الفريابي قال: حدّثنا قتيبة قال: حدّثنا الليث عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أنّه قال: يزعمون أن تلك الآية الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً نسخت بالآية التي بعدها وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ فدخلت الزانية في أيامى المسلمين. وقال الحسن: معناها المجلود لا ينكح إلّا مجلودة. وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ أي يشتمون المسلمات [[في النسخة الثانية زيادة: وقال الحسن: معنى.]] الحرائر العفائف فيقذفونهن بالزنى ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا على ما رموهن به بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ عدول يشهدون عليهنّ أنهم رأوهنّ يفعلن ذلك فَاجْلِدُوهُمْ يعني القاذفين اضربوا كلّ واحد منهم ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ. ثمّ استثنى فقال عزّ من قائل إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ واختلف العلماء في حكم هذا الاستثناء فقال قوم: هو استثناء من قوله وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وقالوا: إذا تاب القاذف قبلت شهادته وزال عنه اسم الفسق وعادت ولايته حد فيه أو لم يحدّ، وهذا قول الشعبي ومسروق وسليمان بن يسار وسعيد بن جبير وعطاء وطاوس ومجاهد وسعيد بن المسيب وعبد الله بن عتبة والضحّاك، وهو قول أهل الحجاز وإليه ذهب الشافعي. واختلفوا في كيفيّة توبته، فقال بعضهم: هو ان يرجع عن قوله ويكذّب نفسه، وقال آخرون: هي الندم على ما سلف والاستغفار منه وترك العود فيما بقي، فإذا أقيم عليه الحدّ أو عفا المقذوف عنه سقط الحد، وذلك أن القذف حق للمقذوف كالقصاص والجنايات وبالعفو تسقط فإذا عفا عنه فلم يطالبه بالحد، أو مات المقذوف قبل مطالبته بالحد، أو لم يرفع إلى السلطان فلم يحدّ لأجل هذه، أو حدّ ثم تاب وأصلح العمل قبلت شهادته وعادت ولايته، يدلّ عليه ما روى ابن إسحاق عن الزهري عن سعيد بن المسيّب أنّ عمر بن الخطاب رضى الله عنه ضرب الذين شهدوا على المغيرة بن شعبة وهم أبو بكرة وشبل بن معبد ونافع بن الحرث بن كلّدة فحدّهم ثمّ قال لهم: من أكذب نفسه أجزت شهادته فيما استقبل، ومن لم يفعل لم أجز شهادته، فأكذب شبل نفسه ونافع وتابا، وأبى أبو بكرة أن يفعل فكان لا تقبل شهادته. وروى ابن جريج عن عمران بن موسى قال: شهدت عمر بن عبد العزيز أجاز شهادة القاذف ومعه رجل. وقال آخرون: هذا الاستثناء راجع الى قوله وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ فأمّا قوله وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً فقد وصل بالأبد ولا يجوز قبولها أبدا، وهذا قول النخعي وشريح ورواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه. روى الأشعث عن الشعبي قال: جاء خصمان إلى شريح فجاء أحدهما بشاهد قد قطع زناد يده ورجله في قطع الطريق ثم تاب وأصلح، فأجاز شريح شهادته فقال المشهود عليه: أتجيز شهادته عليّ وهو أقطع؟ فقال شريح: كلّ صاحب حدّ إذا أقيم عليه ثم تاب وأصلح فشهادته جائزة إلّا القاذف، فإنّه قضاء من الله أن لا تقبل شهادته أبدا وإنّما توبته فيما بينه وبين الله. وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ أي يقذفونهنّ بالزنا. وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ يشهدون على صحة ما قالوا. إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ قرأ أهل الكوفة أربع بالرفع على الابتداء والخبر، وقرأ الباقون بالنصب على معنى أن يشهد أربع شهادات. وَالْخامِسَةُ يعني والشهادة الخامسة، قراءة العامة بالرفع على الابتداء وخبره في أن. وقرأ حفص بالنصب على معنى ويشهد الشهادة الخامسة. وقرأ نافع ويعقوب وأيوب: إن وأن خفيفتين، لعنةُ وغضبُ مرفوعين، وهي رواية المفضل عن عاصم، وقرأ الباقون: بتشديد النونين وما بعدهما نصب. إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ ويدفع عن الزوجة الحد. أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ يعني الزوج لَمِنَ الْكاذِبِينَ. وَالْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ قرأ نافع: غَضَبَ اللَّهُ مثل سمع الله على الفعل، الباقون على الإسم. وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ جواب لولا محذوف يعني لعاجلكم بالعقوبة وفضحكم ولكنه ستر عليكم ورفع عنكم الحد باللعان حكمة منه ورحمة. فأما سبب نزول الآية، فروى عكرمة عن ابن عباس قال: لمّا نزلت وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً الآية، قال سعد بن عبادة: والله لو أتيت لكاع وقد تفخّذها رجل لم يكن لي أن أهيجه ولا أحركّه حتى آتي بأربعة شهداء! فوالله ما كنت لآتي بأربعة شهداء حتى يفرغ من حاجته ويذهب، فإن قلت ما رأيت، إنّ في ظهري لثمانين جلدة، فقال رسول الله ﷺ‎ [[مسند أحمد: 1/ 238.]] : «يا معشر الأنصار ألا تسمعون ما يقول سيّدكم» ؟ قالوا: لا تلمه فإنه رجل غيور، ما تزوج امرأة قط إلّا بكرا ولا طلّق امرأة له فاجترأ رجل منّا أن يتزوّجها. فقال سعد بن عبادة: يا رسول الله بأبي أنت وأمّي والله إنّي لأعرف أنّها من الله وأنّها حقّ ولكن عجبت من ذلك لما أخبرتك، فقال رسول الله ﷺ‎: «فإنّ الله يأبى إلّا ذاك» ، فقال: صدق الله ورسوله. قال: فلم يلبثوا إلّا يسيرا حتى جاء ابن عم له يقال له هلال بن أميّة من حديقة له، فرأى رجلا مع امرأته يزني بها فأمسك حتى أصبح، فلمّا أصبح غدا على رسول الله ﷺ‎ وهو جالس مع أصحابه فقال: يا رسول الله إنّي جئت أهلي عشاء فوجدت رجلا مع أهلي، رأيت بعيني وسمعت بأذني فكره رسول الله ﷺ‎ ما أتاه به وثقل عليه جدّا حتى عرف ذلك في وجهه. فقال هلال: والله يا رسول الله إني لأرى الكراهية في وجهك مما أتيتك به، والله يعلم أني صادق وما قلت إلّا حقّا وإنّي لأرجو أن يجعل الله فرجا، فهمّ رسول الله ﷺ‎ بضربه. قال: واجتمعت الأنصار فقالوا: ابتلينا بما قال سعد، أيجلد هلال وتبطل شهادته؟ فإنّهم لكذلك ورسول الله ﷺ‎ يريد أن يأمر بضربه إذ نزل عليه الوحي فأمسك أصحابه عن كلامه حين عرفوا أنّ الوحي قد نزل حتى فرغ، فأنزل الله سبحانه وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ إلى آخر الآيات. فقال رسول الله ﷺ‎: «أبشر يا هلال فإنّ الله قد جعل لك فرجا» ، فقال: قد كنت أرجو بذلك من الله تعالى. فقال رسول الله ﷺ‎: «أرسلوا إليها» ، فجاءت فلمّا اجتمعا عند رسول الله ﷺ‎ قيل لها، فكذّبت. فقال رسول الله ﷺ‎: «إنّ الله يعلم أنّ أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟» . فقال هلال: يا رسول الله بأبي وأمّي لقد صدقت وما قلت إلّا حقّا. فقال رسول الله ﷺ‎: «لاعنوا بينهما» ، فقيل لهلال: اشهد، فشهد أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ، فقيل له عند الخامسة: يا هلال اتّق الله فإنّ عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة [[في النسخة الثانية زيادة: وأن عذاب الله أشد من عذاب الناس، وإن هذه الخامسة هي الموجبة التي توجب عليك العذاب.]] ، فقال هلال: والله لا يعذبني الله عليها كما لم يجلدني عليها رسول الله ﷺ‎، فشهد الخامسة أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ. ثم قال للمرأة: اشهدي فشهدت [[في النسخة الثانية زيادة: أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ، فقال لها عند الخامسة ووفقها: اتقي الله فإن في الخامسة موجبة، وإن عذاب الله أشد من عذاب الناس فتلكّأت ساعة وهمت بالاعتراف، ثم قالت: والله لا أفضح قومي فشهدت.]] الخامسة أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ، ففرّق رسول الله ﷺ‎ بينهما وقضى أن الولد لها ولا يدعى لأب ولا يرمى ولدها، ثمّ قال رسول الله ﷺ‎: «إن جاءت به كذا وكذا] فهو لزوجها، وإن جاءت به كذا وكذا] فهو للذي قيل فيه» [20] [[تفسير الطبري: 18/ 108 وما بين معكوفين منه وهو موافق لما في النسخة الثانية (أصفهان) .]] . قال: فجاءت به غلاما كأنه حمل أورق على الشبه المكروه، وكان بعد أميرا بمصر لا يدرى من أبوه. وأخبرنا محمد بن عبدوس قال: أخبرنا محمد بن الحسن قال: أخبرنا علي بن عبد العزيز قال: أخبرنا القاسم بن سلام قال: حدّثنا هيثم عن يونس بن عبيد عن الحسن قال: لمّا نزلت وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ الآية، قال سعد بن عبادة: يا رسول الله أرأيت إن رأى رجل مع امرأته رجلا فقتله يقتلونه، وإن أخبر بما رأى جلد ثمانين أفلا يضربه بالسيف؟ فقال رسول الله ﷺ‎: كفى بالسيف شا ... ، قال: أراد أن يقول شاهدا ثمّ أمسك وقال: لولا ان يتتابع فيه الغيران والسكران، وذكر الحديث [[المصنّف: 9/ 434.]] . وقال ابن عباس في سائر الروايات ومقاتل: لمّا نزلت وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الآية، قرأها النبي ﷺ‎ يوم الجمعة على المنبر فقام عاصم بن عدي الأنصاري فقال: جعلني الله فداك إن رأى رجل منّا مع امرأته رجلا فأخبر بما رأى جلد ثمانين وسمّاه المسلمون فاسقا ولا تقبل شهادته أبدا، فكيف لنا بالشهداء ونحن إذا التمسنا الشهداء كان الرجل قد فرغ من حاجته ومرّ؟ وكان لعاصم هذا ابن عم له يقال له عويمر وله امرأة يقال لها خولة بنت قيس بن محصن فأتى عويمر عاصما فقال: لقد رأيت شريك بن السحماء على بطن امرأتي خولة، فاسترجع عاصم وأتى رسول الله ﷺ‎ في الجمعة الأخرى فقال: يا رسول الله ما أسرع ما ابتليت بالسؤال الذي سألت في الجمعة الماضية في أهل بيتي! فقال رسول الله ﷺ‎: وما ذاك؟ قال: أخبرني عويمر ابن عمّي أنه رأى شريك ابن السحماء على بطن امرأته خولة، وكان عويمر وخولة شريك كلّهم بني عم عاصم، فدعا رسول الله ﷺ‎ بهم جميعا فقال لعويمر: «اتق الله في زوجتك وخليلتك وابنة عمك فلا تقذفها بالبهتان، فقال: يا رسول الله أقسم بالله إني رأيت شريكا على بطنها وإني ما قربتها منذ أربعة أشهر وانها حبلى من غيري. فقال رسول الله ﷺ‎ للمرأة: «اتقي الله ولا تخبري إلّا بما صنعت» ، فقالت: يا رسول الله إنّ عويمرا رجل غيور، وإنه رآني وشريكا نطيل السمر ونتحدث فحملته الغيرة على ما قال. فقال رسول الله ﷺ‎ لشريك: «ما تقول» ؟ قال: ما تقوله المرأة، فأنزل الله سبحانه وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ الآية، فأمر رسول الله ﷺ‎ حتى نودي: الصلاة جامعة، فصلّى العصر ثمّ قال لعويمر: قم فقام فقال: أشهد بالله إنّ خولة لزانية وإنّي لمن الصادقين، ثمّ قال في الرابعة: أشهد بالله إنّي ما قربتها منذ أربعة أشهر وإنّي لمن الصادقين ثمّ قال في الخامسة: لعنة الله على عويمر- يعني نفسه- إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ فيما قال. ثمّ أمره بالقعود وقال لخولة: قومي فقامت فقالت: أشهد بالله ما أنا بزانية وإنّ عويمرا لَمِنَ الْكاذِبِينَ، ثمّ قالت في الثانية: أشهد بالله إنه ما رأى شريكا على بطني وإِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ، ثمّ قالت في الثالثة: أشهد بالله إني حبلى منه وإِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ، ثمّ قالت في الرابعة: أشهد بالله إنه ما رآني قط على فاحشة وإِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ، ثمّ قالت في الخامسة: غَضَبَ اللَّهِ على خولة- تعني نفسها- إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ، ففرق رسول الله ﷺ‎ بينهما وقال: «لولا هذه الأيمان لكان لي في أمرهما رأي، ثمّ قال: تحيّنوا بها الولادة فإن جاءت بأصيهب أثيبج يضرب إلى السواد فهو لشريك بن السحماء، وإن جاءت بأورق جعد حمش حدلج الساقين فهو لغير الذي رميت به» [21] . قال ابن عباس: فجاءت بأشبه خلق الله بشريك [[سنن ابن ماجة بتفاوت: 1/ 668، ح/ 2067.]] . ذكر حكم الآية إذا قذف الرجل زوجته بالزنا لزمه الحدّ وله التخلّص منه بإقامة البيّنة على زناها أو باللعان، فإن أقام البيّنة حقّق الزنا ولزمها الحدّ، وان التعن حقّق عليها الزنا ولها التخلص منه باللعان، فإن التعنت وإلّا لزمها الحدّ، وللزوج ان يلتعن سواء كان متمكّنا من البيّنة أو غير متمكّن منها، ويصح اللعان من كلّ زوج مكلّف حرا كان أو عبدا، مسلما كان أو كافرا، فكلّ من صحّت يمينه صحّ قذفه ولعانه. وقال أهل العراق: اللعان بين كلّ حرّين بالغين ولا يصحّ اللعان إلّا عند الحاكم أو خليفته، فإذا لاعن بينهما غلّظ عليهما بأربعة أشياء عدد الألفاظ، والمكان، والوقت، وجمع الناس. فأمّا اللفظ فأربع شهادات والخامسة ذكر اللعنة للرجل وذكر الغضب للمرأة، وقد مضت كيفية ذلك، وأمّا المكان فإنه يقصد أشرف البقاع بالبلدان إن كان بمكة فعند الركن والمقام، وإن كان بالمدينة فعند المنبر، وإن كان ببيت المقدس ففي مسجدها، وإن كان في سائر البلدان ففي مساجدها، وإن كانا كافرين بعث بهما إلى الموضع الذي يعتقدان تعظيمه، إن كانا يهوديين بالكنيسة وإن كانا نصرانيين فبالبيعة، وإن كانا مجوسيين ففي بيت النار، وإن كانا لا دين لهما مثل الوثنيين فإنه يلاعن بينهما في مجلس حكمه. وأما الوقت، فإنّه بعد صلاة العصر. وأمّا العدد، فيحتاج أن يكون هناك أربعة أنفس فصاعدا، فاللفظ وجمع الناس مشروطان، والمكان والزمان مستحبّان، فإذا تلاعنا تعلّق باللعان أربعة أحكام: سقوط الحدّ، ونفي الولد، وزوال الفراش، ووقوع التحريم المؤبّد، وكلّ هذا يتعلّق بلعان الزوج، فأمّا لعان المرأة فإنه يسقط به الحدّ فقط، فإن أكذب الرجل نفسه فإنه يعود ما عليه ولا يعود ماله في الحدّ والنسب عليه فيعودان. وأما التحريم والفراش فإنهما له فلا يعودان، وفرقة اللعان هي فسخ لأنه جاء بفعل من قبل المرأة. وقال أبو حنيفة وسفيان: اللعان تطليقة بائنة لأنه من قبل الرجل بدءا، والله أعلم.

النور 24:11

إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ الآية. ذكر سبب نزول هذه الآيات وقصة الإفك. أخبرنا [[مسند أحمد: 6/ 197.]] أبو نعيم عبد الملك بن الحسن بن محمد بن إسحاق المهرجان بقراءتي عليه فأقرّ به قال: أخبرنا أبو عوانة سنة ست عشرة وثلاثمائة قال: حدّثنا محمد بن يحيى قال: حدّثنا عبد الرزاق وأخبرنا أبو نعيم قال: أخبرنا أبو عوانة قال: حدّثنا إسحاق بن إبراهيم الصنعاني قال: قرأنا على عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن الزهري قال: أخبرني سعيد بن المسيّب وعروة بن الزبير وعلقمة بن وقاص وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن حديث عائشة زوج النبي ﷺ‎ حين قال لها أهل الإفك ما قالوا فبرّأها الله وكلّهم، حدّثني بطائفة من حديثها وبعضهم كان أوعى له من بعض، وقد وعيت عن كلّ واحد الحديث الذي حدّثني، وبعض حديثهم يصدّق بعضا، ذكروا أنّ عائشة زوج النبي ﷺ‎ ورضي الله عنها قالت: كان رسول الله ﷺ‎ أذا أراد سفرا أقرع بين نسائه فأيّتهنّ خرج سهمها خرج بها رسول الله ﷺ‎ معه. قالت عائشة: فأقرع بيننا في غزوة غزاها فخرج فيها سهمي، فخرجت مع رسول الله ﷺ‎ وذلك بعد ما أنزل الله سبحانه الحجاب، فأنا أحمل في هودجي وأنزل منه مسيرنا حتى إذا فرغ رسول الله ﷺ‎ من غزوه وقفل ودنونا من المدينة آذن ليلة بالرحيل، فقمت حين آذنوا بالرحيل فمشيت حتّى جاوزت الجيش، فلمّا قضيت شأني أقبلت إلى الرحل فلمست صدري فإذا عقدي من جزع ظفار قد انقطع فرجعت فالتمست عقدي وحبسني ابتغاؤه، وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون فحملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنت، وهم يحسبون أنّي فيه. قالت: وكانت النساء إذ ذاك خفافا لم يهبلهنّ اللحم إنما يأكلن العلقة من الطعام، فلم يستنكر القوم ثقل الهودج حين رحلوه ورفعوه، وكنت جارية حديثة السنّ فبعثوا الجمل وساروا، ووجدت عقدي بعد ما استمر الجيش، فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب فتيمّمت منزلي الذي كنت فيه وظننت أن القوم سيفقدونني فيرجعون إليّ، فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيناي فنمت وكان صفوان بن المعطّل السلمي ثمّ الذكواني قد عرّس من وراء الجيش، فأدلج فأصبح عند منزلي فرأى سواد إنسان نائم فأتاني فعرفني حين رآني، وقد كان رآني قبل أن يضرب عليّ الحجاب فما استيقظت إلّا باسترجاعه حين عرفني، فخمّرت وجهي بجلبابي، فو الله ما كلّمني كلمة عند استرجاعه حتى أناخ راحلته فوطيت على يدها فركبتها فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش بعد ما نزلوا موغرين في نحر الظهيرة، فهلك من هلك في شأني، وكان الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ عبد الله بن أبي سلول فقدمت المدينة فاشتكيت من شدّة الحر [[في النسخة الثانية زيادة: فقدمت المدينة فاشتكيت.]] حين قدمتها شهرا والناس يخوضون في قول أهل الإفك ولا أشعر بشيء من ذلك وهو يريبني في وجعي أن لا أعرف من رسول الله ﷺ‎ اللطف الذي كنت أرى منه حين اشتكي، إنما يدخل رسول الله ﷺ‎ فيسلّم ثمّ يقول: كيف تيكم؟ ولا أشعر بالشر حتى خرجت بعد ما نقهت وخرجت معي أم مسطح قبل المناصع وهو مبترزنا فلا نخرج إلّا ليلا الى ليل وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبا من بيوتنا، وأمرنا أمر العرب الأول التنزّه، وكنّا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا، فانطلقت أنا وأم مسطح وهي عاتكة بنت أبي رهم بن عبد المطلب بن عبد مناف وأمّها بنت صخر بن عامر خالة أبي بكر الصدّيق وابنها مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب فأقبلت أنا وابنة أبي رهم قبل بيتي حين فرغنا من شأننا فعثرت أم مسطح في مرطها فقالت: تعس مسطح فقلت لها: بئس ما قلت، تسبّين رجلا شهد بدرا قالت: أي هنتاه أو لم تسمعي ما قال؟. قالت: قلت: وما ذي؟ قالت: فأخبرتني بقول أهل الإفك فازددت مرضا إلى مرضي فلمّا، رجعت إلى بيتي دخل عليّ رسول الله ﷺ‎ فسلّم ثمّ قال: «كيف تيكم؟» قلت: أتأذن لي أن آتي أبويّ؟ قالت: وأنا أريد حينئذ أن أتيقّن الخبر من قبلهما، فأذن لي رسول الله ﷺ‎ فجئت أبويّ فقلت لأمّي: يا أمّه ماذا يتحدّث الناس؟. فقالت: أي بنيّة هوّني عليك، فو الله لقلّ ما كانت امرأة قطّ وضيئة عند رجل يحبّها ولها ضرائر إلّا أكثرن عليها، قلت: سبحان الله أوقد تحدّث الناس بهذا؟ قالت: نعم، قالت: فمكثت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، ثمّ أصبحت أبكي، ودعا رسول الله ﷺ‎ علىّ بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي واستشارهما في فراق أهله. فأمّا أسامة فأشار على رسول الله ﷺ‎ بالذي يعلم من براءة أهله، وبالذي يعلم في نفسه لهم من الودّ، فقال: يا رسول الله هم أهلك ولا نعلم إلّا خيرا، وأمّا علىّ فقال: لم يضيّق الله عليك، والنساء سواها كثير، وإن تسأل الجارية تصدقك. قالت: فدعا رسول الله ﷺ‎ بريرة فقال: أي بريرة هل رأيت من شيء يريبك من أمر عائشة؟ فقالت له بريرة: والذي بعثك بالحق إن رأيت عليها أمرا قط أغمضه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها فيأتي الداجن [[دواجن البيوت ما ألفها من الطير والشاة، ودجن في بيته إذا لزمه.]] فيأكله. قالت: فقام رسول الله ﷺ‎ فاستعذر من عبد الله بن أبي بن سلول قال وهو على المنبر: «يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهلي، فو الله ما علمت على أهلي إلّا خيرا ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلّا خيرا وما كان يدخل على أهلي إلّا معي» [22] . فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال: أعذرك يا رسول الله، إن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك. قالت: فقال سعد بن عبادة وهو سيّد الخزرج، وكان رجلا صالحا ولكن احتملته الحميّة فقال لسعد بن معاذ: كذبت لعمر الله، فقال سعد: والله لنقتله فإنك منافق تجادل عن المنافقين. قالت: فثار الأوس والخزرج حتّى همّوا أن يقتتلوا ورسول الله ﷺ‎ قائم على المنبر فلم يزل رسول الله ﷺ‎ يخفضهم حتى سكتوا وسكت. قالت: ومكثت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، وأبواي يظنّان أنّ البكاء فالق كبدي. قالت: فبينا هما جالسان عندي وأنا أبكي استأذنت عليّ امرأة من الأنصار فأذنت لها فجلست تبكي معي، فبينا نحن على ذلك دخل علينا رسول الله ﷺ‎ فسلّم ثمّ جلس، قالت: ولم يجلس عندي منذ قيل لي ما قيل، وقد لبث شهرا لا يوحى إليه في شأني، قالت: فتشهّد رسول الله ﷺ‎ حين جلس ثمّ قال: أما بعد يا عائشة فإنّه بلغني عنك كذا وكذا فإن كنت بريئة فسيبرئك الله سبحانه، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بالذنب ثمّ تاب تاب الله عليه. قالت: فلمّا قضى رسول الله ﷺ‎ مقالته قلص دمعي حتى ما أحسّ منه قطرة، فقلت لأبي: أجب عنّي رسول الله قال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ‎، فقلت لأمّي: أجيبي عنّي رسول الله ﷺ‎ قالت: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ‎، فقلت وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ من القرآن كثيرا: إني والله لقد عرفت أنكم قد سمعتم بهذا الأمر حتّى استقرّ في أنفسكم وصدقتم به، فلئن قلت لكم إني بريئة والله سبحانه وتعالى يعلم أني بريئة [[في نسخة أصفهان زيادة: لا فضل قوي بذلك ولئن اعترفت لكم بذنبي والله يعلم إني لبريئة.]] لتصدقونني، والله ما أجد لي ولكم مثلا إلّا كما قال أبو يوسف وما أحفظ اسمه: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ. قالت: ثمّ تحوّلت واضطجعت على فراشي، وأنا والله حينئذ أعلم أنّي بريئة وأن الله سبحانه مبرّئي ببراءتي ولكن، والله ما كنت أظنّ أن ينزل في شأني وحي يتلى ولشأني كان أحقر في نفسي من أن يتكلّم الله فيّ بأمر يتلى ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله ﷺ‎ في النوم رؤيا يبرّئني الله بها. قالت: فو الله ما رام رسول الله ﷺ‎ مجلسه ولا خرج من أهل البيت أحد حتى أنزل الله سبحانه على نبيّه ﷺ‎، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء عند الوحي حتى أنّه لينحدر منه مثل الجمان من العرق في اليوم الشاتي من ثقل الوحي الذي أنزل عليه. قالت: فلمّا سرّي عن رسول الله ﷺ‎ وهو يضحك، فكان أوّل كلمة تكلّم بها أن قال: «أبشري يا عائشة أما والله فقد برّاك» [23] فقالت لي أمّي: قومي إليه فقلت: والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلّا الله سبحانه هو الذي أنزل براءتي. قالت: فأنزل الله سبحانه إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ عشر آيات وأنزل الله سبحانه هذه الآية لبراءتي. قالت: فقال أبو بكر وكان ينفق على مسطح لقرابته منه وفقره: والله لا أنفق عليه شيئا أبدا بعد الذي قال لعائشة، فأنزل الله سبحانه وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ إلى قوله أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ [[النور: 22.]] . فقال أبو بكر رضى الله عنه: والله إني لأحبّ أن يغفر الله لي، فرجع الى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه وقال: لا أنزعها منه أبدا. قالت عائشة رضي الله عنها: وكان رسول الله ﷺ‎ سأل زينب بنت جحش زوج النبي ﷺ‎: ما علمت أو ما رأيت؟ فقالت: يا رسول الله أحمي سمعي وبصري، والله ما علمت إلّا خيرا. قالت عائشة: وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي ﷺ‎ فعصمها الله سبحانه وتعالى بالورع، وطفقت أختها حمنة بنت جحش تحارب لها فهلكت فيمن هلك. قال الزهري: فهذا ما انتهى إلينا من هؤلاء الرهط. وأخبرنا أبو نعيم قال: أخبرنا أبو عوانة قال: حدّثنا محمد بن إسماعيل الصائغ بمكة ومحمد بن حرب المديني بالفسطاط قالا: حدّثنا إسماعيل بن أبي أويس قال: حدّثني أبي عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها، قال أبو أويس: وحدّثني أيضا عبد الله بن أبي بكر عن عمرة عن عائشة قالت: كان النبي ﷺ‎ إذا أراد أن يسافر سفرا أقرع بين أزواجه فأيّتهنّ خرج سهمها خرج بها معه، فخرج سهم عائشة في غزوة النبي ﷺ‎ بني المصطلق من خزاعة، وذكر الحديث بطوله بمثل معناه. وقال عروة في سؤال رسول الله ﷺ‎ بريرة عن عائشة قال: فانتهرها بعض أصحابه وقال: اصدقي رسول الله، قال عروة: فعيب ذلك على من قاله، فقالت: لا والله ما أعلم عليها إلّا ما يعلم الصائغ على تبر الذهب الأحمر، ولئن كانت صنعت ما قال الناس ليخبرنّك الله، فعجب الناس من فقهها. قال: وبلغ ذلك الذي قيل له فقال: سبحان الله، والله ما كشفت كتف أنثى قط، فقتل شهيدا في سبيل الله، وزاد في آخره قالت: وقعد صفوان بن المعطل لحسّان بن ثابت فضربه ضربة بالسيف وقال حين ضربه: تلقّ ذباب السيف عنّي فإنّني ... غلام إذا هوجيت لست بشاعر [[تفسير القرطبي: 12/ 199، وتاريخ مدينة دمشق: 4/ 308. وفيه: ليس بشاعر.]] ولكنني أحمي حماي وانتقم ... من الباهت الرامي البراء الظواهر [[تاريخ مدينة دمشق: 4/ 308. والعبارة: واتقي.]] وصاح حسان بن ثابت واستغاث بالناس على صفوان، ففرّ صفوان وجاء حسّان النبي ﷺ‎ فاستعدى على صفوان في ضربته إياه فسأله النبي ﷺ‎ أن يهب له ضرب صفوان إياه فوهبها للنبي ﷺ‎ فعوّضه منها حائطا من نخل عظيم وجارية روميّة، ثمّ باع حسان ذلك الحائط من معاوية بن أبي سفيان في ولايته بمال عظيم. قالت عائشة: فقيل في أصحاب الإفك أشعار. قال أبو بكر الصدّيق رضى الله عنه لمسطح في رميه عائشة رضى الله عنها وكان يدعى عوفا: يا عوف ويحك هلّا قلت عارفة ... من الكلام ولم تبغ به طمعا فأدركتك حميا معشر أنف ... ولم يكن قاطعا في عوف قطعا لما رميت حصانا غير مقرفة ... أمينة الجيب لم نعرف لها خضعا فيمن رماها وكنتم معشرا إفكا ... في سيّئ القول من لفظ الخنا شرعا فأنزل الله عذرا في براءتها ... وبين عوف وبين الله ما صنعا [[مجمع الزوائد- الهيثمي.: 9/ 235.]] فان أعش أجز عوفا في مقالته ... شرّ الجزاء بما ألفيته تبعا وقال حسّان بن ثابت الأنصاري ثم النجاري وهو يبرّئ عائشة ممّا قيل فيها ويعتذر إليها: حصان رزان ما يزن برتبة ... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل حليلة خير الناس دينا ومنصبا ... نبيّ الهدى والمكرمات الفواضل عقيلة حي من لؤي بن غالب ... كرام المساعي مجدها غير زايل مهذبة قد طيّب الله خيمها ... وطهّرها من كل شين وباطل فان كان ما قد جاء عنّي قلته ... فلا رفعت سوطي إليّ أناملي وإنّ الذي قد قيل ليس بلائط ... بك الدهر بل قول إمرئ غير ماحل وكيف وودّي ما حييت ونصرتي ... لآل رسول الله زين المحافل له رتب عال على الناس فضلها ... تقاصر عنها سورة المتطاول [[لسان العرب: 13/ 120.]] قال: وأمر النبي ﷺ‎ بالذين رموا عائشة فجلدوا الحدود جميعا ثمانين، فقال حسّان بن ثابت: لقد دان عبد الله ما كان أهله ... وحمته إذ قالوا هجيرا ومسطح تعاطوا برجم القول زوج نبيّهم ... وسخطة ذا الرب الكريم فأبرحوا وآذوا رسول الله فيها فعمموا ... مخازي ذلّ جلّلوها وفضحوا [[وما بعدها: المعجم الكبير- الطبراني: 23/ 117. وحمنه.]] فهذا سبب نزول الآية وقصّتها. فأمّا التفسير فقوله عزّ وجل إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ بالكذب عُصْبَةٌ جماعة مِنْكُمْ. قال الفرّاء: العصبة، الجماعة من الواحد إلى الأربعين. لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ يا عائشة وصفوان بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لأنّ الله يأجركم على ذلك ويظهر براءتكم لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يعني من الذين جاءوا بالإفك مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ جزاء ما اجترح من الذنب والمعصية. وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ والذي تحمّل معظمه فبدا بالخوض فيه، وقراءة العامة كِبْرَهُ: بكسر الكاف، وقرأ خليل والأعرج ويعقوب الحضرمي بضم الكاف. قال أبو عمرو بن العلاء: هو خطأ لأن الكبر بضم الكاف في الولاء والسن، ومنه الحديث: الولاء للكبر، وهو أكبر ولد الرجل من الذكورة وأقربهم إليه نسبا. وقال الكسائي: هما لغتان مثل صفر وصفر، واختلف المفسّرون في المعنيّ بقوله وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ. فقال قوم: هو حسّان بن ثابت. روى داود بن أبي هند عن عامر الشعبي أنّ عائشة رضي الله عنها قالت: ما سمعت بشيء أحسن من شعر حسّان، وما تمثلت به إلّا رجوت له الجنة، قوله لأبي سفيان: هجوت محمدا فأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء فانّ أبي ووالدتي وعرضي ... لعرض محمد منكم وقاء أتشتمه ولست له بكفؤ ... فشرّكما لخيركما الفداء لساني صارم لا عيب فيه ... وبحري لا تكدّره الدلاء [[جامع البيان للطبري: 18/ 115.]] فقيل: يا أم المؤمنين أليس الله يقول وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ. قالت: أليس قد أصابه عذاب عظيم؟ أليس قد ذهب بصره وكنع بالسيف. وروى أبو الضحى عن مسروق قال: كنت عند عائشة فدخل حسّان بن ثابت فأمرت فألقي له وسادة، فلمّا خرج قلت لعائشة: تدعين هذا الرجل يدخل عليك وقد قال ما قال، وأنزل الله سبحانه فيه وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ؟. فقالت: وأىّ عذاب أشد من العمى، ولعلّ الله يجعل ذلك العذاب العظيم ذهاب بصره، وقالت: انه كان يدفع عن رسول الله ﷺ‎. وقال آخرون: بل هو عبد الله بن أبي سلول وأصحابه. روى ابن أبي مليكة عن عروة عن عائشة قالت في حديث الإفك: ثمّ ركبت وأخذ صفوان بالزمام فمررنا بملإ من المنافقين وكانت عادتهم أن ينزلوا منتبذين من الناس. فقال عبد الله بن أبي رئيسهم: من هذه؟ قالوا: عائشة: قال: والله ما نجت منه ولا نجا منها، وقال: امرأة نبيّكم باتت مع رجل حتى أصبحت، ثمّ جاء يقودها، وشرع في ذلك أيضا حسّان ومسطح وحمنة فهم الذين تولّوا كبره، ثمّ فشا ذلك في الناس. لَوْلا هلّا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ بإخوانهم خَيْراً. قال الحسن: بأهل دينهم لأن المؤمنين كنفس واحدة، نظيره قوله وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [[سورة النساء: 29.]] وقوله فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ [[سورة النور: 61.]] . قال بعض أهل المعاني: تقدير الآية هلّا ظننتم كما ظنّ المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا. وقيل: أراد بأنفسهم أهاليهم وأزواجهم، وقالوا: أراد بهذه الآية أبا أيوب الأنصاري وامرأته أم أيوب. روى محمد بن إسحاق بن يسار عن رجاله أنّ أبا أيوب خالد بن يزيد قالت له امرأته أم أيّوب: يا أبا أيوب أما تسمع ما يقول الناس في عائشة؟ قال: بلى وذلك الكذب أكنت، فاعلة ذلك يا أم أيوب؟ قالت: لا والله ما كنت لأفعله. قال: فعائشة والله خير منك، سبحان الله هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ، فأنزل الله سبحانه لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ الآيات، أي كما فعل أبو أيوب وصاحبته وكما قالا. وقوله وَقالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ أي كذب بيّن لَوْلا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكاذِبُونَ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ خضتم فِيهِ من الإفك عَذابٌ عَظِيمٌ إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ تأخذونه تروونه بعضكم عن بعض، وقرأ [أبيّ وابن مسعود: إذ تتلقّونه بتاءين] [[من التلقي.]] ، وقرأت عائشة [[هو في صحيح البخاري: 5/ 61.]] : تَلِقُونَهُ بكسر اللام وتخفيف القاف من الكذب، والولق والألق والالق والليق الكذب. قال الخليل: أصل الولق السرعة وأنشد: جاءوا بأسراب من الشام ولق [[فتح القدير: 4/ 13.]] أي تسرع، يقال: ولق فلان في السير فهو يلق فيه إذا استمر وأسرع فيه، فكان معنى قراءة عائشة: إذ تستمرّون في إفككم. وقرأ محمد بن السميقع: إِذْ تُلْقُونَهُ من الإلقاء [[بضمّ التاء وسكون اللام وضمّ القاف عن تفسير القرطبي: 12/ 204.]] ، نظيره ودليله قوله سبحانه فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ [[سورة النحل: 36.]] الآية. وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وتظنّونه سهلا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا سُبْحانَكَ يحتمل التنزيه والتعجب. هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا أي ينهاكم ويخوّفكم أن تعودوا وقيل: يَعِظُكُمُ اللَّهُ كيلا تعودوا لِمِثْلِهِ إلى مثله أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بأمر عائشة وصفوان حَكِيمٌ حكم ببراءتها. إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ تظهر وتفشو وتذيع الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ يعني عبد الله بن أبيّ بن سلول وأصحابه المنافقين. وَاللَّهُ يَعْلَمُ كذبهم وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ فيه إضمار لعاجلكم بالعقوبة.

النور 24:12

إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ الآية. ذكر سبب نزول هذه الآيات وقصة الإفك. أخبرنا [[مسند أحمد: 6/ 197.]] أبو نعيم عبد الملك بن الحسن بن محمد بن إسحاق المهرجان بقراءتي عليه فأقرّ به قال: أخبرنا أبو عوانة سنة ست عشرة وثلاثمائة قال: حدّثنا محمد بن يحيى قال: حدّثنا عبد الرزاق وأخبرنا أبو نعيم قال: أخبرنا أبو عوانة قال: حدّثنا إسحاق بن إبراهيم الصنعاني قال: قرأنا على عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن الزهري قال: أخبرني سعيد بن المسيّب وعروة بن الزبير وعلقمة بن وقاص وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن حديث عائشة زوج النبي ﷺ‎ حين قال لها أهل الإفك ما قالوا فبرّأها الله وكلّهم، حدّثني بطائفة من حديثها وبعضهم كان أوعى له من بعض، وقد وعيت عن كلّ واحد الحديث الذي حدّثني، وبعض حديثهم يصدّق بعضا، ذكروا أنّ عائشة زوج النبي ﷺ‎ ورضي الله عنها قالت: كان رسول الله ﷺ‎ أذا أراد سفرا أقرع بين نسائه فأيّتهنّ خرج سهمها خرج بها رسول الله ﷺ‎ معه. قالت عائشة: فأقرع بيننا في غزوة غزاها فخرج فيها سهمي، فخرجت مع رسول الله ﷺ‎ وذلك بعد ما أنزل الله سبحانه الحجاب، فأنا أحمل في هودجي وأنزل منه مسيرنا حتى إذا فرغ رسول الله ﷺ‎ من غزوه وقفل ودنونا من المدينة آذن ليلة بالرحيل، فقمت حين آذنوا بالرحيل فمشيت حتّى جاوزت الجيش، فلمّا قضيت شأني أقبلت إلى الرحل فلمست صدري فإذا عقدي من جزع ظفار قد انقطع فرجعت فالتمست عقدي وحبسني ابتغاؤه، وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون فحملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنت، وهم يحسبون أنّي فيه. قالت: وكانت النساء إذ ذاك خفافا لم يهبلهنّ اللحم إنما يأكلن العلقة من الطعام، فلم يستنكر القوم ثقل الهودج حين رحلوه ورفعوه، وكنت جارية حديثة السنّ فبعثوا الجمل وساروا، ووجدت عقدي بعد ما استمر الجيش، فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب فتيمّمت منزلي الذي كنت فيه وظننت أن القوم سيفقدونني فيرجعون إليّ، فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيناي فنمت وكان صفوان بن المعطّل السلمي ثمّ الذكواني قد عرّس من وراء الجيش، فأدلج فأصبح عند منزلي فرأى سواد إنسان نائم فأتاني فعرفني حين رآني، وقد كان رآني قبل أن يضرب عليّ الحجاب فما استيقظت إلّا باسترجاعه حين عرفني، فخمّرت وجهي بجلبابي، فو الله ما كلّمني كلمة عند استرجاعه حتى أناخ راحلته فوطيت على يدها فركبتها فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش بعد ما نزلوا موغرين في نحر الظهيرة، فهلك من هلك في شأني، وكان الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ عبد الله بن أبي سلول فقدمت المدينة فاشتكيت من شدّة الحر [[في النسخة الثانية زيادة: فقدمت المدينة فاشتكيت.]] حين قدمتها شهرا والناس يخوضون في قول أهل الإفك ولا أشعر بشيء من ذلك وهو يريبني في وجعي أن لا أعرف من رسول الله ﷺ‎ اللطف الذي كنت أرى منه حين اشتكي، إنما يدخل رسول الله ﷺ‎ فيسلّم ثمّ يقول: كيف تيكم؟ ولا أشعر بالشر حتى خرجت بعد ما نقهت وخرجت معي أم مسطح قبل المناصع وهو مبترزنا فلا نخرج إلّا ليلا الى ليل وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبا من بيوتنا، وأمرنا أمر العرب الأول التنزّه، وكنّا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا، فانطلقت أنا وأم مسطح وهي عاتكة بنت أبي رهم بن عبد المطلب بن عبد مناف وأمّها بنت صخر بن عامر خالة أبي بكر الصدّيق وابنها مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب فأقبلت أنا وابنة أبي رهم قبل بيتي حين فرغنا من شأننا فعثرت أم مسطح في مرطها فقالت: تعس مسطح فقلت لها: بئس ما قلت، تسبّين رجلا شهد بدرا قالت: أي هنتاه أو لم تسمعي ما قال؟. قالت: قلت: وما ذي؟ قالت: فأخبرتني بقول أهل الإفك فازددت مرضا إلى مرضي فلمّا، رجعت إلى بيتي دخل عليّ رسول الله ﷺ‎ فسلّم ثمّ قال: «كيف تيكم؟» قلت: أتأذن لي أن آتي أبويّ؟ قالت: وأنا أريد حينئذ أن أتيقّن الخبر من قبلهما، فأذن لي رسول الله ﷺ‎ فجئت أبويّ فقلت لأمّي: يا أمّه ماذا يتحدّث الناس؟. فقالت: أي بنيّة هوّني عليك، فو الله لقلّ ما كانت امرأة قطّ وضيئة عند رجل يحبّها ولها ضرائر إلّا أكثرن عليها، قلت: سبحان الله أوقد تحدّث الناس بهذا؟ قالت: نعم، قالت: فمكثت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، ثمّ أصبحت أبكي، ودعا رسول الله ﷺ‎ علىّ بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي واستشارهما في فراق أهله. فأمّا أسامة فأشار على رسول الله ﷺ‎ بالذي يعلم من براءة أهله، وبالذي يعلم في نفسه لهم من الودّ، فقال: يا رسول الله هم أهلك ولا نعلم إلّا خيرا، وأمّا علىّ فقال: لم يضيّق الله عليك، والنساء سواها كثير، وإن تسأل الجارية تصدقك. قالت: فدعا رسول الله ﷺ‎ بريرة فقال: أي بريرة هل رأيت من شيء يريبك من أمر عائشة؟ فقالت له بريرة: والذي بعثك بالحق إن رأيت عليها أمرا قط أغمضه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها فيأتي الداجن [[دواجن البيوت ما ألفها من الطير والشاة، ودجن في بيته إذا لزمه.]] فيأكله. قالت: فقام رسول الله ﷺ‎ فاستعذر من عبد الله بن أبي بن سلول قال وهو على المنبر: «يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهلي، فو الله ما علمت على أهلي إلّا خيرا ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلّا خيرا وما كان يدخل على أهلي إلّا معي» [22] . فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال: أعذرك يا رسول الله، إن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك. قالت: فقال سعد بن عبادة وهو سيّد الخزرج، وكان رجلا صالحا ولكن احتملته الحميّة فقال لسعد بن معاذ: كذبت لعمر الله، فقال سعد: والله لنقتله فإنك منافق تجادل عن المنافقين. قالت: فثار الأوس والخزرج حتّى همّوا أن يقتتلوا ورسول الله ﷺ‎ قائم على المنبر فلم يزل رسول الله ﷺ‎ يخفضهم حتى سكتوا وسكت. قالت: ومكثت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، وأبواي يظنّان أنّ البكاء فالق كبدي. قالت: فبينا هما جالسان عندي وأنا أبكي استأذنت عليّ امرأة من الأنصار فأذنت لها فجلست تبكي معي، فبينا نحن على ذلك دخل علينا رسول الله ﷺ‎ فسلّم ثمّ جلس، قالت: ولم يجلس عندي منذ قيل لي ما قيل، وقد لبث شهرا لا يوحى إليه في شأني، قالت: فتشهّد رسول الله ﷺ‎ حين جلس ثمّ قال: أما بعد يا عائشة فإنّه بلغني عنك كذا وكذا فإن كنت بريئة فسيبرئك الله سبحانه، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بالذنب ثمّ تاب تاب الله عليه. قالت: فلمّا قضى رسول الله ﷺ‎ مقالته قلص دمعي حتى ما أحسّ منه قطرة، فقلت لأبي: أجب عنّي رسول الله قال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ‎، فقلت لأمّي: أجيبي عنّي رسول الله ﷺ‎ قالت: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ‎، فقلت وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ من القرآن كثيرا: إني والله لقد عرفت أنكم قد سمعتم بهذا الأمر حتّى استقرّ في أنفسكم وصدقتم به، فلئن قلت لكم إني بريئة والله سبحانه وتعالى يعلم أني بريئة [[في نسخة أصفهان زيادة: لا فضل قوي بذلك ولئن اعترفت لكم بذنبي والله يعلم إني لبريئة.]] لتصدقونني، والله ما أجد لي ولكم مثلا إلّا كما قال أبو يوسف وما أحفظ اسمه: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ. قالت: ثمّ تحوّلت واضطجعت على فراشي، وأنا والله حينئذ أعلم أنّي بريئة وأن الله سبحانه مبرّئي ببراءتي ولكن، والله ما كنت أظنّ أن ينزل في شأني وحي يتلى ولشأني كان أحقر في نفسي من أن يتكلّم الله فيّ بأمر يتلى ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله ﷺ‎ في النوم رؤيا يبرّئني الله بها. قالت: فو الله ما رام رسول الله ﷺ‎ مجلسه ولا خرج من أهل البيت أحد حتى أنزل الله سبحانه على نبيّه ﷺ‎، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء عند الوحي حتى أنّه لينحدر منه مثل الجمان من العرق في اليوم الشاتي من ثقل الوحي الذي أنزل عليه. قالت: فلمّا سرّي عن رسول الله ﷺ‎ وهو يضحك، فكان أوّل كلمة تكلّم بها أن قال: «أبشري يا عائشة أما والله فقد برّاك» [23] فقالت لي أمّي: قومي إليه فقلت: والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلّا الله سبحانه هو الذي أنزل براءتي. قالت: فأنزل الله سبحانه إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ عشر آيات وأنزل الله سبحانه هذه الآية لبراءتي. قالت: فقال أبو بكر وكان ينفق على مسطح لقرابته منه وفقره: والله لا أنفق عليه شيئا أبدا بعد الذي قال لعائشة، فأنزل الله سبحانه وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ إلى قوله أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ [[النور: 22.]] . فقال أبو بكر رضى الله عنه: والله إني لأحبّ أن يغفر الله لي، فرجع الى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه وقال: لا أنزعها منه أبدا. قالت عائشة رضي الله عنها: وكان رسول الله ﷺ‎ سأل زينب بنت جحش زوج النبي ﷺ‎: ما علمت أو ما رأيت؟ فقالت: يا رسول الله أحمي سمعي وبصري، والله ما علمت إلّا خيرا. قالت عائشة: وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي ﷺ‎ فعصمها الله سبحانه وتعالى بالورع، وطفقت أختها حمنة بنت جحش تحارب لها فهلكت فيمن هلك. قال الزهري: فهذا ما انتهى إلينا من هؤلاء الرهط. وأخبرنا أبو نعيم قال: أخبرنا أبو عوانة قال: حدّثنا محمد بن إسماعيل الصائغ بمكة ومحمد بن حرب المديني بالفسطاط قالا: حدّثنا إسماعيل بن أبي أويس قال: حدّثني أبي عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها، قال أبو أويس: وحدّثني أيضا عبد الله بن أبي بكر عن عمرة عن عائشة قالت: كان النبي ﷺ‎ إذا أراد أن يسافر سفرا أقرع بين أزواجه فأيّتهنّ خرج سهمها خرج بها معه، فخرج سهم عائشة في غزوة النبي ﷺ‎ بني المصطلق من خزاعة، وذكر الحديث بطوله بمثل معناه. وقال عروة في سؤال رسول الله ﷺ‎ بريرة عن عائشة قال: فانتهرها بعض أصحابه وقال: اصدقي رسول الله، قال عروة: فعيب ذلك على من قاله، فقالت: لا والله ما أعلم عليها إلّا ما يعلم الصائغ على تبر الذهب الأحمر، ولئن كانت صنعت ما قال الناس ليخبرنّك الله، فعجب الناس من فقهها. قال: وبلغ ذلك الذي قيل له فقال: سبحان الله، والله ما كشفت كتف أنثى قط، فقتل شهيدا في سبيل الله، وزاد في آخره قالت: وقعد صفوان بن المعطل لحسّان بن ثابت فضربه ضربة بالسيف وقال حين ضربه: تلقّ ذباب السيف عنّي فإنّني ... غلام إذا هوجيت لست بشاعر [[تفسير القرطبي: 12/ 199، وتاريخ مدينة دمشق: 4/ 308. وفيه: ليس بشاعر.]] ولكنني أحمي حماي وانتقم ... من الباهت الرامي البراء الظواهر [[تاريخ مدينة دمشق: 4/ 308. والعبارة: واتقي.]] وصاح حسان بن ثابت واستغاث بالناس على صفوان، ففرّ صفوان وجاء حسّان النبي ﷺ‎ فاستعدى على صفوان في ضربته إياه فسأله النبي ﷺ‎ أن يهب له ضرب صفوان إياه فوهبها للنبي ﷺ‎ فعوّضه منها حائطا من نخل عظيم وجارية روميّة، ثمّ باع حسان ذلك الحائط من معاوية بن أبي سفيان في ولايته بمال عظيم. قالت عائشة: فقيل في أصحاب الإفك أشعار. قال أبو بكر الصدّيق رضى الله عنه لمسطح في رميه عائشة رضى الله عنها وكان يدعى عوفا: يا عوف ويحك هلّا قلت عارفة ... من الكلام ولم تبغ به طمعا فأدركتك حميا معشر أنف ... ولم يكن قاطعا في عوف قطعا لما رميت حصانا غير مقرفة ... أمينة الجيب لم نعرف لها خضعا فيمن رماها وكنتم معشرا إفكا ... في سيّئ القول من لفظ الخنا شرعا فأنزل الله عذرا في براءتها ... وبين عوف وبين الله ما صنعا [[مجمع الزوائد- الهيثمي.: 9/ 235.]] فان أعش أجز عوفا في مقالته ... شرّ الجزاء بما ألفيته تبعا وقال حسّان بن ثابت الأنصاري ثم النجاري وهو يبرّئ عائشة ممّا قيل فيها ويعتذر إليها: حصان رزان ما يزن برتبة ... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل حليلة خير الناس دينا ومنصبا ... نبيّ الهدى والمكرمات الفواضل عقيلة حي من لؤي بن غالب ... كرام المساعي مجدها غير زايل مهذبة قد طيّب الله خيمها ... وطهّرها من كل شين وباطل فان كان ما قد جاء عنّي قلته ... فلا رفعت سوطي إليّ أناملي وإنّ الذي قد قيل ليس بلائط ... بك الدهر بل قول إمرئ غير ماحل وكيف وودّي ما حييت ونصرتي ... لآل رسول الله زين المحافل له رتب عال على الناس فضلها ... تقاصر عنها سورة المتطاول [[لسان العرب: 13/ 120.]] قال: وأمر النبي ﷺ‎ بالذين رموا عائشة فجلدوا الحدود جميعا ثمانين، فقال حسّان بن ثابت: لقد دان عبد الله ما كان أهله ... وحمته إذ قالوا هجيرا ومسطح تعاطوا برجم القول زوج نبيّهم ... وسخطة ذا الرب الكريم فأبرحوا وآذوا رسول الله فيها فعمموا ... مخازي ذلّ جلّلوها وفضحوا [[وما بعدها: المعجم الكبير- الطبراني: 23/ 117. وحمنه.]] فهذا سبب نزول الآية وقصّتها. فأمّا التفسير فقوله عزّ وجل إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ بالكذب عُصْبَةٌ جماعة مِنْكُمْ. قال الفرّاء: العصبة، الجماعة من الواحد إلى الأربعين. لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ يا عائشة وصفوان بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لأنّ الله يأجركم على ذلك ويظهر براءتكم لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يعني من الذين جاءوا بالإفك مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ جزاء ما اجترح من الذنب والمعصية. وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ والذي تحمّل معظمه فبدا بالخوض فيه، وقراءة العامة كِبْرَهُ: بكسر الكاف، وقرأ خليل والأعرج ويعقوب الحضرمي بضم الكاف. قال أبو عمرو بن العلاء: هو خطأ لأن الكبر بضم الكاف في الولاء والسن، ومنه الحديث: الولاء للكبر، وهو أكبر ولد الرجل من الذكورة وأقربهم إليه نسبا. وقال الكسائي: هما لغتان مثل صفر وصفر، واختلف المفسّرون في المعنيّ بقوله وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ. فقال قوم: هو حسّان بن ثابت. روى داود بن أبي هند عن عامر الشعبي أنّ عائشة رضي الله عنها قالت: ما سمعت بشيء أحسن من شعر حسّان، وما تمثلت به إلّا رجوت له الجنة، قوله لأبي سفيان: هجوت محمدا فأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء فانّ أبي ووالدتي وعرضي ... لعرض محمد منكم وقاء أتشتمه ولست له بكفؤ ... فشرّكما لخيركما الفداء لساني صارم لا عيب فيه ... وبحري لا تكدّره الدلاء [[جامع البيان للطبري: 18/ 115.]] فقيل: يا أم المؤمنين أليس الله يقول وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ. قالت: أليس قد أصابه عذاب عظيم؟ أليس قد ذهب بصره وكنع بالسيف. وروى أبو الضحى عن مسروق قال: كنت عند عائشة فدخل حسّان بن ثابت فأمرت فألقي له وسادة، فلمّا خرج قلت لعائشة: تدعين هذا الرجل يدخل عليك وقد قال ما قال، وأنزل الله سبحانه فيه وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ؟. فقالت: وأىّ عذاب أشد من العمى، ولعلّ الله يجعل ذلك العذاب العظيم ذهاب بصره، وقالت: انه كان يدفع عن رسول الله ﷺ‎. وقال آخرون: بل هو عبد الله بن أبي سلول وأصحابه. روى ابن أبي مليكة عن عروة عن عائشة قالت في حديث الإفك: ثمّ ركبت وأخذ صفوان بالزمام فمررنا بملإ من المنافقين وكانت عادتهم أن ينزلوا منتبذين من الناس. فقال عبد الله بن أبي رئيسهم: من هذه؟ قالوا: عائشة: قال: والله ما نجت منه ولا نجا منها، وقال: امرأة نبيّكم باتت مع رجل حتى أصبحت، ثمّ جاء يقودها، وشرع في ذلك أيضا حسّان ومسطح وحمنة فهم الذين تولّوا كبره، ثمّ فشا ذلك في الناس. لَوْلا هلّا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ بإخوانهم خَيْراً. قال الحسن: بأهل دينهم لأن المؤمنين كنفس واحدة، نظيره قوله وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [[سورة النساء: 29.]] وقوله فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ [[سورة النور: 61.]] . قال بعض أهل المعاني: تقدير الآية هلّا ظننتم كما ظنّ المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا. وقيل: أراد بأنفسهم أهاليهم وأزواجهم، وقالوا: أراد بهذه الآية أبا أيوب الأنصاري وامرأته أم أيوب. روى محمد بن إسحاق بن يسار عن رجاله أنّ أبا أيوب خالد بن يزيد قالت له امرأته أم أيّوب: يا أبا أيوب أما تسمع ما يقول الناس في عائشة؟ قال: بلى وذلك الكذب أكنت، فاعلة ذلك يا أم أيوب؟ قالت: لا والله ما كنت لأفعله. قال: فعائشة والله خير منك، سبحان الله هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ، فأنزل الله سبحانه لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ الآيات، أي كما فعل أبو أيوب وصاحبته وكما قالا. وقوله وَقالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ أي كذب بيّن لَوْلا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكاذِبُونَ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ خضتم فِيهِ من الإفك عَذابٌ عَظِيمٌ إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ تأخذونه تروونه بعضكم عن بعض، وقرأ [أبيّ وابن مسعود: إذ تتلقّونه بتاءين] [[من التلقي.]] ، وقرأت عائشة [[هو في صحيح البخاري: 5/ 61.]] : تَلِقُونَهُ بكسر اللام وتخفيف القاف من الكذب، والولق والألق والالق والليق الكذب. قال الخليل: أصل الولق السرعة وأنشد: جاءوا بأسراب من الشام ولق [[فتح القدير: 4/ 13.]] أي تسرع، يقال: ولق فلان في السير فهو يلق فيه إذا استمر وأسرع فيه، فكان معنى قراءة عائشة: إذ تستمرّون في إفككم. وقرأ محمد بن السميقع: إِذْ تُلْقُونَهُ من الإلقاء [[بضمّ التاء وسكون اللام وضمّ القاف عن تفسير القرطبي: 12/ 204.]] ، نظيره ودليله قوله سبحانه فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ [[سورة النحل: 36.]] الآية. وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وتظنّونه سهلا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا سُبْحانَكَ يحتمل التنزيه والتعجب. هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا أي ينهاكم ويخوّفكم أن تعودوا وقيل: يَعِظُكُمُ اللَّهُ كيلا تعودوا لِمِثْلِهِ إلى مثله أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بأمر عائشة وصفوان حَكِيمٌ حكم ببراءتها. إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ تظهر وتفشو وتذيع الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ يعني عبد الله بن أبيّ بن سلول وأصحابه المنافقين. وَاللَّهُ يَعْلَمُ كذبهم وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ فيه إضمار لعاجلكم بالعقوبة.

النور 24:13

إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ الآية. ذكر سبب نزول هذه الآيات وقصة الإفك. أخبرنا [[مسند أحمد: 6/ 197.]] أبو نعيم عبد الملك بن الحسن بن محمد بن إسحاق المهرجان بقراءتي عليه فأقرّ به قال: أخبرنا أبو عوانة سنة ست عشرة وثلاثمائة قال: حدّثنا محمد بن يحيى قال: حدّثنا عبد الرزاق وأخبرنا أبو نعيم قال: أخبرنا أبو عوانة قال: حدّثنا إسحاق بن إبراهيم الصنعاني قال: قرأنا على عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن الزهري قال: أخبرني سعيد بن المسيّب وعروة بن الزبير وعلقمة بن وقاص وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن حديث عائشة زوج النبي ﷺ‎ حين قال لها أهل الإفك ما قالوا فبرّأها الله وكلّهم، حدّثني بطائفة من حديثها وبعضهم كان أوعى له من بعض، وقد وعيت عن كلّ واحد الحديث الذي حدّثني، وبعض حديثهم يصدّق بعضا، ذكروا أنّ عائشة زوج النبي ﷺ‎ ورضي الله عنها قالت: كان رسول الله ﷺ‎ أذا أراد سفرا أقرع بين نسائه فأيّتهنّ خرج سهمها خرج بها رسول الله ﷺ‎ معه. قالت عائشة: فأقرع بيننا في غزوة غزاها فخرج فيها سهمي، فخرجت مع رسول الله ﷺ‎ وذلك بعد ما أنزل الله سبحانه الحجاب، فأنا أحمل في هودجي وأنزل منه مسيرنا حتى إذا فرغ رسول الله ﷺ‎ من غزوه وقفل ودنونا من المدينة آذن ليلة بالرحيل، فقمت حين آذنوا بالرحيل فمشيت حتّى جاوزت الجيش، فلمّا قضيت شأني أقبلت إلى الرحل فلمست صدري فإذا عقدي من جزع ظفار قد انقطع فرجعت فالتمست عقدي وحبسني ابتغاؤه، وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون فحملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنت، وهم يحسبون أنّي فيه. قالت: وكانت النساء إذ ذاك خفافا لم يهبلهنّ اللحم إنما يأكلن العلقة من الطعام، فلم يستنكر القوم ثقل الهودج حين رحلوه ورفعوه، وكنت جارية حديثة السنّ فبعثوا الجمل وساروا، ووجدت عقدي بعد ما استمر الجيش، فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب فتيمّمت منزلي الذي كنت فيه وظننت أن القوم سيفقدونني فيرجعون إليّ، فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيناي فنمت وكان صفوان بن المعطّل السلمي ثمّ الذكواني قد عرّس من وراء الجيش، فأدلج فأصبح عند منزلي فرأى سواد إنسان نائم فأتاني فعرفني حين رآني، وقد كان رآني قبل أن يضرب عليّ الحجاب فما استيقظت إلّا باسترجاعه حين عرفني، فخمّرت وجهي بجلبابي، فو الله ما كلّمني كلمة عند استرجاعه حتى أناخ راحلته فوطيت على يدها فركبتها فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش بعد ما نزلوا موغرين في نحر الظهيرة، فهلك من هلك في شأني، وكان الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ عبد الله بن أبي سلول فقدمت المدينة فاشتكيت من شدّة الحر [[في النسخة الثانية زيادة: فقدمت المدينة فاشتكيت.]] حين قدمتها شهرا والناس يخوضون في قول أهل الإفك ولا أشعر بشيء من ذلك وهو يريبني في وجعي أن لا أعرف من رسول الله ﷺ‎ اللطف الذي كنت أرى منه حين اشتكي، إنما يدخل رسول الله ﷺ‎ فيسلّم ثمّ يقول: كيف تيكم؟ ولا أشعر بالشر حتى خرجت بعد ما نقهت وخرجت معي أم مسطح قبل المناصع وهو مبترزنا فلا نخرج إلّا ليلا الى ليل وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبا من بيوتنا، وأمرنا أمر العرب الأول التنزّه، وكنّا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا، فانطلقت أنا وأم مسطح وهي عاتكة بنت أبي رهم بن عبد المطلب بن عبد مناف وأمّها بنت صخر بن عامر خالة أبي بكر الصدّيق وابنها مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب فأقبلت أنا وابنة أبي رهم قبل بيتي حين فرغنا من شأننا فعثرت أم مسطح في مرطها فقالت: تعس مسطح فقلت لها: بئس ما قلت، تسبّين رجلا شهد بدرا قالت: أي هنتاه أو لم تسمعي ما قال؟. قالت: قلت: وما ذي؟ قالت: فأخبرتني بقول أهل الإفك فازددت مرضا إلى مرضي فلمّا، رجعت إلى بيتي دخل عليّ رسول الله ﷺ‎ فسلّم ثمّ قال: «كيف تيكم؟» قلت: أتأذن لي أن آتي أبويّ؟ قالت: وأنا أريد حينئذ أن أتيقّن الخبر من قبلهما، فأذن لي رسول الله ﷺ‎ فجئت أبويّ فقلت لأمّي: يا أمّه ماذا يتحدّث الناس؟. فقالت: أي بنيّة هوّني عليك، فو الله لقلّ ما كانت امرأة قطّ وضيئة عند رجل يحبّها ولها ضرائر إلّا أكثرن عليها، قلت: سبحان الله أوقد تحدّث الناس بهذا؟ قالت: نعم، قالت: فمكثت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، ثمّ أصبحت أبكي، ودعا رسول الله ﷺ‎ علىّ بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي واستشارهما في فراق أهله. فأمّا أسامة فأشار على رسول الله ﷺ‎ بالذي يعلم من براءة أهله، وبالذي يعلم في نفسه لهم من الودّ، فقال: يا رسول الله هم أهلك ولا نعلم إلّا خيرا، وأمّا علىّ فقال: لم يضيّق الله عليك، والنساء سواها كثير، وإن تسأل الجارية تصدقك. قالت: فدعا رسول الله ﷺ‎ بريرة فقال: أي بريرة هل رأيت من شيء يريبك من أمر عائشة؟ فقالت له بريرة: والذي بعثك بالحق إن رأيت عليها أمرا قط أغمضه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها فيأتي الداجن [[دواجن البيوت ما ألفها من الطير والشاة، ودجن في بيته إذا لزمه.]] فيأكله. قالت: فقام رسول الله ﷺ‎ فاستعذر من عبد الله بن أبي بن سلول قال وهو على المنبر: «يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهلي، فو الله ما علمت على أهلي إلّا خيرا ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلّا خيرا وما كان يدخل على أهلي إلّا معي» [22] . فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال: أعذرك يا رسول الله، إن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك. قالت: فقال سعد بن عبادة وهو سيّد الخزرج، وكان رجلا صالحا ولكن احتملته الحميّة فقال لسعد بن معاذ: كذبت لعمر الله، فقال سعد: والله لنقتله فإنك منافق تجادل عن المنافقين. قالت: فثار الأوس والخزرج حتّى همّوا أن يقتتلوا ورسول الله ﷺ‎ قائم على المنبر فلم يزل رسول الله ﷺ‎ يخفضهم حتى سكتوا وسكت. قالت: ومكثت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، وأبواي يظنّان أنّ البكاء فالق كبدي. قالت: فبينا هما جالسان عندي وأنا أبكي استأذنت عليّ امرأة من الأنصار فأذنت لها فجلست تبكي معي، فبينا نحن على ذلك دخل علينا رسول الله ﷺ‎ فسلّم ثمّ جلس، قالت: ولم يجلس عندي منذ قيل لي ما قيل، وقد لبث شهرا لا يوحى إليه في شأني، قالت: فتشهّد رسول الله ﷺ‎ حين جلس ثمّ قال: أما بعد يا عائشة فإنّه بلغني عنك كذا وكذا فإن كنت بريئة فسيبرئك الله سبحانه، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بالذنب ثمّ تاب تاب الله عليه. قالت: فلمّا قضى رسول الله ﷺ‎ مقالته قلص دمعي حتى ما أحسّ منه قطرة، فقلت لأبي: أجب عنّي رسول الله قال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ‎، فقلت لأمّي: أجيبي عنّي رسول الله ﷺ‎ قالت: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ‎، فقلت وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ من القرآن كثيرا: إني والله لقد عرفت أنكم قد سمعتم بهذا الأمر حتّى استقرّ في أنفسكم وصدقتم به، فلئن قلت لكم إني بريئة والله سبحانه وتعالى يعلم أني بريئة [[في نسخة أصفهان زيادة: لا فضل قوي بذلك ولئن اعترفت لكم بذنبي والله يعلم إني لبريئة.]] لتصدقونني، والله ما أجد لي ولكم مثلا إلّا كما قال أبو يوسف وما أحفظ اسمه: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ. قالت: ثمّ تحوّلت واضطجعت على فراشي، وأنا والله حينئذ أعلم أنّي بريئة وأن الله سبحانه مبرّئي ببراءتي ولكن، والله ما كنت أظنّ أن ينزل في شأني وحي يتلى ولشأني كان أحقر في نفسي من أن يتكلّم الله فيّ بأمر يتلى ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله ﷺ‎ في النوم رؤيا يبرّئني الله بها. قالت: فو الله ما رام رسول الله ﷺ‎ مجلسه ولا خرج من أهل البيت أحد حتى أنزل الله سبحانه على نبيّه ﷺ‎، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء عند الوحي حتى أنّه لينحدر منه مثل الجمان من العرق في اليوم الشاتي من ثقل الوحي الذي أنزل عليه. قالت: فلمّا سرّي عن رسول الله ﷺ‎ وهو يضحك، فكان أوّل كلمة تكلّم بها أن قال: «أبشري يا عائشة أما والله فقد برّاك» [23] فقالت لي أمّي: قومي إليه فقلت: والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلّا الله سبحانه هو الذي أنزل براءتي. قالت: فأنزل الله سبحانه إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ عشر آيات وأنزل الله سبحانه هذه الآية لبراءتي. قالت: فقال أبو بكر وكان ينفق على مسطح لقرابته منه وفقره: والله لا أنفق عليه شيئا أبدا بعد الذي قال لعائشة، فأنزل الله سبحانه وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ إلى قوله أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ [[النور: 22.]] . فقال أبو بكر رضى الله عنه: والله إني لأحبّ أن يغفر الله لي، فرجع الى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه وقال: لا أنزعها منه أبدا. قالت عائشة رضي الله عنها: وكان رسول الله ﷺ‎ سأل زينب بنت جحش زوج النبي ﷺ‎: ما علمت أو ما رأيت؟ فقالت: يا رسول الله أحمي سمعي وبصري، والله ما علمت إلّا خيرا. قالت عائشة: وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي ﷺ‎ فعصمها الله سبحانه وتعالى بالورع، وطفقت أختها حمنة بنت جحش تحارب لها فهلكت فيمن هلك. قال الزهري: فهذا ما انتهى إلينا من هؤلاء الرهط. وأخبرنا أبو نعيم قال: أخبرنا أبو عوانة قال: حدّثنا محمد بن إسماعيل الصائغ بمكة ومحمد بن حرب المديني بالفسطاط قالا: حدّثنا إسماعيل بن أبي أويس قال: حدّثني أبي عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها، قال أبو أويس: وحدّثني أيضا عبد الله بن أبي بكر عن عمرة عن عائشة قالت: كان النبي ﷺ‎ إذا أراد أن يسافر سفرا أقرع بين أزواجه فأيّتهنّ خرج سهمها خرج بها معه، فخرج سهم عائشة في غزوة النبي ﷺ‎ بني المصطلق من خزاعة، وذكر الحديث بطوله بمثل معناه. وقال عروة في سؤال رسول الله ﷺ‎ بريرة عن عائشة قال: فانتهرها بعض أصحابه وقال: اصدقي رسول الله، قال عروة: فعيب ذلك على من قاله، فقالت: لا والله ما أعلم عليها إلّا ما يعلم الصائغ على تبر الذهب الأحمر، ولئن كانت صنعت ما قال الناس ليخبرنّك الله، فعجب الناس من فقهها. قال: وبلغ ذلك الذي قيل له فقال: سبحان الله، والله ما كشفت كتف أنثى قط، فقتل شهيدا في سبيل الله، وزاد في آخره قالت: وقعد صفوان بن المعطل لحسّان بن ثابت فضربه ضربة بالسيف وقال حين ضربه: تلقّ ذباب السيف عنّي فإنّني ... غلام إذا هوجيت لست بشاعر [[تفسير القرطبي: 12/ 199، وتاريخ مدينة دمشق: 4/ 308. وفيه: ليس بشاعر.]] ولكنني أحمي حماي وانتقم ... من الباهت الرامي البراء الظواهر [[تاريخ مدينة دمشق: 4/ 308. والعبارة: واتقي.]] وصاح حسان بن ثابت واستغاث بالناس على صفوان، ففرّ صفوان وجاء حسّان النبي ﷺ‎ فاستعدى على صفوان في ضربته إياه فسأله النبي ﷺ‎ أن يهب له ضرب صفوان إياه فوهبها للنبي ﷺ‎ فعوّضه منها حائطا من نخل عظيم وجارية روميّة، ثمّ باع حسان ذلك الحائط من معاوية بن أبي سفيان في ولايته بمال عظيم. قالت عائشة: فقيل في أصحاب الإفك أشعار. قال أبو بكر الصدّيق رضى الله عنه لمسطح في رميه عائشة رضى الله عنها وكان يدعى عوفا: يا عوف ويحك هلّا قلت عارفة ... من الكلام ولم تبغ به طمعا فأدركتك حميا معشر أنف ... ولم يكن قاطعا في عوف قطعا لما رميت حصانا غير مقرفة ... أمينة الجيب لم نعرف لها خضعا فيمن رماها وكنتم معشرا إفكا ... في سيّئ القول من لفظ الخنا شرعا فأنزل الله عذرا في براءتها ... وبين عوف وبين الله ما صنعا [[مجمع الزوائد- الهيثمي.: 9/ 235.]] فان أعش أجز عوفا في مقالته ... شرّ الجزاء بما ألفيته تبعا وقال حسّان بن ثابت الأنصاري ثم النجاري وهو يبرّئ عائشة ممّا قيل فيها ويعتذر إليها: حصان رزان ما يزن برتبة ... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل حليلة خير الناس دينا ومنصبا ... نبيّ الهدى والمكرمات الفواضل عقيلة حي من لؤي بن غالب ... كرام المساعي مجدها غير زايل مهذبة قد طيّب الله خيمها ... وطهّرها من كل شين وباطل فان كان ما قد جاء عنّي قلته ... فلا رفعت سوطي إليّ أناملي وإنّ الذي قد قيل ليس بلائط ... بك الدهر بل قول إمرئ غير ماحل وكيف وودّي ما حييت ونصرتي ... لآل رسول الله زين المحافل له رتب عال على الناس فضلها ... تقاصر عنها سورة المتطاول [[لسان العرب: 13/ 120.]] قال: وأمر النبي ﷺ‎ بالذين رموا عائشة فجلدوا الحدود جميعا ثمانين، فقال حسّان بن ثابت: لقد دان عبد الله ما كان أهله ... وحمته إذ قالوا هجيرا ومسطح تعاطوا برجم القول زوج نبيّهم ... وسخطة ذا الرب الكريم فأبرحوا وآذوا رسول الله فيها فعمموا ... مخازي ذلّ جلّلوها وفضحوا [[وما بعدها: المعجم الكبير- الطبراني: 23/ 117. وحمنه.]] فهذا سبب نزول الآية وقصّتها. فأمّا التفسير فقوله عزّ وجل إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ بالكذب عُصْبَةٌ جماعة مِنْكُمْ. قال الفرّاء: العصبة، الجماعة من الواحد إلى الأربعين. لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ يا عائشة وصفوان بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لأنّ الله يأجركم على ذلك ويظهر براءتكم لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يعني من الذين جاءوا بالإفك مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ جزاء ما اجترح من الذنب والمعصية. وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ والذي تحمّل معظمه فبدا بالخوض فيه، وقراءة العامة كِبْرَهُ: بكسر الكاف، وقرأ خليل والأعرج ويعقوب الحضرمي بضم الكاف. قال أبو عمرو بن العلاء: هو خطأ لأن الكبر بضم الكاف في الولاء والسن، ومنه الحديث: الولاء للكبر، وهو أكبر ولد الرجل من الذكورة وأقربهم إليه نسبا. وقال الكسائي: هما لغتان مثل صفر وصفر، واختلف المفسّرون في المعنيّ بقوله وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ. فقال قوم: هو حسّان بن ثابت. روى داود بن أبي هند عن عامر الشعبي أنّ عائشة رضي الله عنها قالت: ما سمعت بشيء أحسن من شعر حسّان، وما تمثلت به إلّا رجوت له الجنة، قوله لأبي سفيان: هجوت محمدا فأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء فانّ أبي ووالدتي وعرضي ... لعرض محمد منكم وقاء أتشتمه ولست له بكفؤ ... فشرّكما لخيركما الفداء لساني صارم لا عيب فيه ... وبحري لا تكدّره الدلاء [[جامع البيان للطبري: 18/ 115.]] فقيل: يا أم المؤمنين أليس الله يقول وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ. قالت: أليس قد أصابه عذاب عظيم؟ أليس قد ذهب بصره وكنع بالسيف. وروى أبو الضحى عن مسروق قال: كنت عند عائشة فدخل حسّان بن ثابت فأمرت فألقي له وسادة، فلمّا خرج قلت لعائشة: تدعين هذا الرجل يدخل عليك وقد قال ما قال، وأنزل الله سبحانه فيه وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ؟. فقالت: وأىّ عذاب أشد من العمى، ولعلّ الله يجعل ذلك العذاب العظيم ذهاب بصره، وقالت: انه كان يدفع عن رسول الله ﷺ‎. وقال آخرون: بل هو عبد الله بن أبي سلول وأصحابه. روى ابن أبي مليكة عن عروة عن عائشة قالت في حديث الإفك: ثمّ ركبت وأخذ صفوان بالزمام فمررنا بملإ من المنافقين وكانت عادتهم أن ينزلوا منتبذين من الناس. فقال عبد الله بن أبي رئيسهم: من هذه؟ قالوا: عائشة: قال: والله ما نجت منه ولا نجا منها، وقال: امرأة نبيّكم باتت مع رجل حتى أصبحت، ثمّ جاء يقودها، وشرع في ذلك أيضا حسّان ومسطح وحمنة فهم الذين تولّوا كبره، ثمّ فشا ذلك في الناس. لَوْلا هلّا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ بإخوانهم خَيْراً. قال الحسن: بأهل دينهم لأن المؤمنين كنفس واحدة، نظيره قوله وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [[سورة النساء: 29.]] وقوله فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ [[سورة النور: 61.]] . قال بعض أهل المعاني: تقدير الآية هلّا ظننتم كما ظنّ المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا. وقيل: أراد بأنفسهم أهاليهم وأزواجهم، وقالوا: أراد بهذه الآية أبا أيوب الأنصاري وامرأته أم أيوب. روى محمد بن إسحاق بن يسار عن رجاله أنّ أبا أيوب خالد بن يزيد قالت له امرأته أم أيّوب: يا أبا أيوب أما تسمع ما يقول الناس في عائشة؟ قال: بلى وذلك الكذب أكنت، فاعلة ذلك يا أم أيوب؟ قالت: لا والله ما كنت لأفعله. قال: فعائشة والله خير منك، سبحان الله هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ، فأنزل الله سبحانه لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ الآيات، أي كما فعل أبو أيوب وصاحبته وكما قالا. وقوله وَقالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ أي كذب بيّن لَوْلا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكاذِبُونَ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ خضتم فِيهِ من الإفك عَذابٌ عَظِيمٌ إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ تأخذونه تروونه بعضكم عن بعض، وقرأ [أبيّ وابن مسعود: إذ تتلقّونه بتاءين] [[من التلقي.]] ، وقرأت عائشة [[هو في صحيح البخاري: 5/ 61.]] : تَلِقُونَهُ بكسر اللام وتخفيف القاف من الكذب، والولق والألق والالق والليق الكذب. قال الخليل: أصل الولق السرعة وأنشد: جاءوا بأسراب من الشام ولق [[فتح القدير: 4/ 13.]] أي تسرع، يقال: ولق فلان في السير فهو يلق فيه إذا استمر وأسرع فيه، فكان معنى قراءة عائشة: إذ تستمرّون في إفككم. وقرأ محمد بن السميقع: إِذْ تُلْقُونَهُ من الإلقاء [[بضمّ التاء وسكون اللام وضمّ القاف عن تفسير القرطبي: 12/ 204.]] ، نظيره ودليله قوله سبحانه فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ [[سورة النحل: 36.]] الآية. وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وتظنّونه سهلا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا سُبْحانَكَ يحتمل التنزيه والتعجب. هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا أي ينهاكم ويخوّفكم أن تعودوا وقيل: يَعِظُكُمُ اللَّهُ كيلا تعودوا لِمِثْلِهِ إلى مثله أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بأمر عائشة وصفوان حَكِيمٌ حكم ببراءتها. إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ تظهر وتفشو وتذيع الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ يعني عبد الله بن أبيّ بن سلول وأصحابه المنافقين. وَاللَّهُ يَعْلَمُ كذبهم وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ فيه إضمار لعاجلكم بالعقوبة.

النور 24:14

إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ الآية. ذكر سبب نزول هذه الآيات وقصة الإفك. أخبرنا [[مسند أحمد: 6/ 197.]] أبو نعيم عبد الملك بن الحسن بن محمد بن إسحاق المهرجان بقراءتي عليه فأقرّ به قال: أخبرنا أبو عوانة سنة ست عشرة وثلاثمائة قال: حدّثنا محمد بن يحيى قال: حدّثنا عبد الرزاق وأخبرنا أبو نعيم قال: أخبرنا أبو عوانة قال: حدّثنا إسحاق بن إبراهيم الصنعاني قال: قرأنا على عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن الزهري قال: أخبرني سعيد بن المسيّب وعروة بن الزبير وعلقمة بن وقاص وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن حديث عائشة زوج النبي ﷺ‎ حين قال لها أهل الإفك ما قالوا فبرّأها الله وكلّهم، حدّثني بطائفة من حديثها وبعضهم كان أوعى له من بعض، وقد وعيت عن كلّ واحد الحديث الذي حدّثني، وبعض حديثهم يصدّق بعضا، ذكروا أنّ عائشة زوج النبي ﷺ‎ ورضي الله عنها قالت: كان رسول الله ﷺ‎ أذا أراد سفرا أقرع بين نسائه فأيّتهنّ خرج سهمها خرج بها رسول الله ﷺ‎ معه. قالت عائشة: فأقرع بيننا في غزوة غزاها فخرج فيها سهمي، فخرجت مع رسول الله ﷺ‎ وذلك بعد ما أنزل الله سبحانه الحجاب، فأنا أحمل في هودجي وأنزل منه مسيرنا حتى إذا فرغ رسول الله ﷺ‎ من غزوه وقفل ودنونا من المدينة آذن ليلة بالرحيل، فقمت حين آذنوا بالرحيل فمشيت حتّى جاوزت الجيش، فلمّا قضيت شأني أقبلت إلى الرحل فلمست صدري فإذا عقدي من جزع ظفار قد انقطع فرجعت فالتمست عقدي وحبسني ابتغاؤه، وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون فحملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنت، وهم يحسبون أنّي فيه. قالت: وكانت النساء إذ ذاك خفافا لم يهبلهنّ اللحم إنما يأكلن العلقة من الطعام، فلم يستنكر القوم ثقل الهودج حين رحلوه ورفعوه، وكنت جارية حديثة السنّ فبعثوا الجمل وساروا، ووجدت عقدي بعد ما استمر الجيش، فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب فتيمّمت منزلي الذي كنت فيه وظننت أن القوم سيفقدونني فيرجعون إليّ، فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيناي فنمت وكان صفوان بن المعطّل السلمي ثمّ الذكواني قد عرّس من وراء الجيش، فأدلج فأصبح عند منزلي فرأى سواد إنسان نائم فأتاني فعرفني حين رآني، وقد كان رآني قبل أن يضرب عليّ الحجاب فما استيقظت إلّا باسترجاعه حين عرفني، فخمّرت وجهي بجلبابي، فو الله ما كلّمني كلمة عند استرجاعه حتى أناخ راحلته فوطيت على يدها فركبتها فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش بعد ما نزلوا موغرين في نحر الظهيرة، فهلك من هلك في شأني، وكان الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ عبد الله بن أبي سلول فقدمت المدينة فاشتكيت من شدّة الحر [[في النسخة الثانية زيادة: فقدمت المدينة فاشتكيت.]] حين قدمتها شهرا والناس يخوضون في قول أهل الإفك ولا أشعر بشيء من ذلك وهو يريبني في وجعي أن لا أعرف من رسول الله ﷺ‎ اللطف الذي كنت أرى منه حين اشتكي، إنما يدخل رسول الله ﷺ‎ فيسلّم ثمّ يقول: كيف تيكم؟ ولا أشعر بالشر حتى خرجت بعد ما نقهت وخرجت معي أم مسطح قبل المناصع وهو مبترزنا فلا نخرج إلّا ليلا الى ليل وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبا من بيوتنا، وأمرنا أمر العرب الأول التنزّه، وكنّا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا، فانطلقت أنا وأم مسطح وهي عاتكة بنت أبي رهم بن عبد المطلب بن عبد مناف وأمّها بنت صخر بن عامر خالة أبي بكر الصدّيق وابنها مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب فأقبلت أنا وابنة أبي رهم قبل بيتي حين فرغنا من شأننا فعثرت أم مسطح في مرطها فقالت: تعس مسطح فقلت لها: بئس ما قلت، تسبّين رجلا شهد بدرا قالت: أي هنتاه أو لم تسمعي ما قال؟. قالت: قلت: وما ذي؟ قالت: فأخبرتني بقول أهل الإفك فازددت مرضا إلى مرضي فلمّا، رجعت إلى بيتي دخل عليّ رسول الله ﷺ‎ فسلّم ثمّ قال: «كيف تيكم؟» قلت: أتأذن لي أن آتي أبويّ؟ قالت: وأنا أريد حينئذ أن أتيقّن الخبر من قبلهما، فأذن لي رسول الله ﷺ‎ فجئت أبويّ فقلت لأمّي: يا أمّه ماذا يتحدّث الناس؟. فقالت: أي بنيّة هوّني عليك، فو الله لقلّ ما كانت امرأة قطّ وضيئة عند رجل يحبّها ولها ضرائر إلّا أكثرن عليها، قلت: سبحان الله أوقد تحدّث الناس بهذا؟ قالت: نعم، قالت: فمكثت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، ثمّ أصبحت أبكي، ودعا رسول الله ﷺ‎ علىّ بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي واستشارهما في فراق أهله. فأمّا أسامة فأشار على رسول الله ﷺ‎ بالذي يعلم من براءة أهله، وبالذي يعلم في نفسه لهم من الودّ، فقال: يا رسول الله هم أهلك ولا نعلم إلّا خيرا، وأمّا علىّ فقال: لم يضيّق الله عليك، والنساء سواها كثير، وإن تسأل الجارية تصدقك. قالت: فدعا رسول الله ﷺ‎ بريرة فقال: أي بريرة هل رأيت من شيء يريبك من أمر عائشة؟ فقالت له بريرة: والذي بعثك بالحق إن رأيت عليها أمرا قط أغمضه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها فيأتي الداجن [[دواجن البيوت ما ألفها من الطير والشاة، ودجن في بيته إذا لزمه.]] فيأكله. قالت: فقام رسول الله ﷺ‎ فاستعذر من عبد الله بن أبي بن سلول قال وهو على المنبر: «يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهلي، فو الله ما علمت على أهلي إلّا خيرا ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلّا خيرا وما كان يدخل على أهلي إلّا معي» [22] . فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال: أعذرك يا رسول الله، إن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك. قالت: فقال سعد بن عبادة وهو سيّد الخزرج، وكان رجلا صالحا ولكن احتملته الحميّة فقال لسعد بن معاذ: كذبت لعمر الله، فقال سعد: والله لنقتله فإنك منافق تجادل عن المنافقين. قالت: فثار الأوس والخزرج حتّى همّوا أن يقتتلوا ورسول الله ﷺ‎ قائم على المنبر فلم يزل رسول الله ﷺ‎ يخفضهم حتى سكتوا وسكت. قالت: ومكثت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، وأبواي يظنّان أنّ البكاء فالق كبدي. قالت: فبينا هما جالسان عندي وأنا أبكي استأذنت عليّ امرأة من الأنصار فأذنت لها فجلست تبكي معي، فبينا نحن على ذلك دخل علينا رسول الله ﷺ‎ فسلّم ثمّ جلس، قالت: ولم يجلس عندي منذ قيل لي ما قيل، وقد لبث شهرا لا يوحى إليه في شأني، قالت: فتشهّد رسول الله ﷺ‎ حين جلس ثمّ قال: أما بعد يا عائشة فإنّه بلغني عنك كذا وكذا فإن كنت بريئة فسيبرئك الله سبحانه، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بالذنب ثمّ تاب تاب الله عليه. قالت: فلمّا قضى رسول الله ﷺ‎ مقالته قلص دمعي حتى ما أحسّ منه قطرة، فقلت لأبي: أجب عنّي رسول الله قال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ‎، فقلت لأمّي: أجيبي عنّي رسول الله ﷺ‎ قالت: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ‎، فقلت وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ من القرآن كثيرا: إني والله لقد عرفت أنكم قد سمعتم بهذا الأمر حتّى استقرّ في أنفسكم وصدقتم به، فلئن قلت لكم إني بريئة والله سبحانه وتعالى يعلم أني بريئة [[في نسخة أصفهان زيادة: لا فضل قوي بذلك ولئن اعترفت لكم بذنبي والله يعلم إني لبريئة.]] لتصدقونني، والله ما أجد لي ولكم مثلا إلّا كما قال أبو يوسف وما أحفظ اسمه: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ. قالت: ثمّ تحوّلت واضطجعت على فراشي، وأنا والله حينئذ أعلم أنّي بريئة وأن الله سبحانه مبرّئي ببراءتي ولكن، والله ما كنت أظنّ أن ينزل في شأني وحي يتلى ولشأني كان أحقر في نفسي من أن يتكلّم الله فيّ بأمر يتلى ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله ﷺ‎ في النوم رؤيا يبرّئني الله بها. قالت: فو الله ما رام رسول الله ﷺ‎ مجلسه ولا خرج من أهل البيت أحد حتى أنزل الله سبحانه على نبيّه ﷺ‎، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء عند الوحي حتى أنّه لينحدر منه مثل الجمان من العرق في اليوم الشاتي من ثقل الوحي الذي أنزل عليه. قالت: فلمّا سرّي عن رسول الله ﷺ‎ وهو يضحك، فكان أوّل كلمة تكلّم بها أن قال: «أبشري يا عائشة أما والله فقد برّاك» [23] فقالت لي أمّي: قومي إليه فقلت: والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلّا الله سبحانه هو الذي أنزل براءتي. قالت: فأنزل الله سبحانه إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ عشر آيات وأنزل الله سبحانه هذه الآية لبراءتي. قالت: فقال أبو بكر وكان ينفق على مسطح لقرابته منه وفقره: والله لا أنفق عليه شيئا أبدا بعد الذي قال لعائشة، فأنزل الله سبحانه وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ إلى قوله أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ [[النور: 22.]] . فقال أبو بكر رضى الله عنه: والله إني لأحبّ أن يغفر الله لي، فرجع الى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه وقال: لا أنزعها منه أبدا. قالت عائشة رضي الله عنها: وكان رسول الله ﷺ‎ سأل زينب بنت جحش زوج النبي ﷺ‎: ما علمت أو ما رأيت؟ فقالت: يا رسول الله أحمي سمعي وبصري، والله ما علمت إلّا خيرا. قالت عائشة: وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي ﷺ‎ فعصمها الله سبحانه وتعالى بالورع، وطفقت أختها حمنة بنت جحش تحارب لها فهلكت فيمن هلك. قال الزهري: فهذا ما انتهى إلينا من هؤلاء الرهط. وأخبرنا أبو نعيم قال: أخبرنا أبو عوانة قال: حدّثنا محمد بن إسماعيل الصائغ بمكة ومحمد بن حرب المديني بالفسطاط قالا: حدّثنا إسماعيل بن أبي أويس قال: حدّثني أبي عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها، قال أبو أويس: وحدّثني أيضا عبد الله بن أبي بكر عن عمرة عن عائشة قالت: كان النبي ﷺ‎ إذا أراد أن يسافر سفرا أقرع بين أزواجه فأيّتهنّ خرج سهمها خرج بها معه، فخرج سهم عائشة في غزوة النبي ﷺ‎ بني المصطلق من خزاعة، وذكر الحديث بطوله بمثل معناه. وقال عروة في سؤال رسول الله ﷺ‎ بريرة عن عائشة قال: فانتهرها بعض أصحابه وقال: اصدقي رسول الله، قال عروة: فعيب ذلك على من قاله، فقالت: لا والله ما أعلم عليها إلّا ما يعلم الصائغ على تبر الذهب الأحمر، ولئن كانت صنعت ما قال الناس ليخبرنّك الله، فعجب الناس من فقهها. قال: وبلغ ذلك الذي قيل له فقال: سبحان الله، والله ما كشفت كتف أنثى قط، فقتل شهيدا في سبيل الله، وزاد في آخره قالت: وقعد صفوان بن المعطل لحسّان بن ثابت فضربه ضربة بالسيف وقال حين ضربه: تلقّ ذباب السيف عنّي فإنّني ... غلام إذا هوجيت لست بشاعر [[تفسير القرطبي: 12/ 199، وتاريخ مدينة دمشق: 4/ 308. وفيه: ليس بشاعر.]] ولكنني أحمي حماي وانتقم ... من الباهت الرامي البراء الظواهر [[تاريخ مدينة دمشق: 4/ 308. والعبارة: واتقي.]] وصاح حسان بن ثابت واستغاث بالناس على صفوان، ففرّ صفوان وجاء حسّان النبي ﷺ‎ فاستعدى على صفوان في ضربته إياه فسأله النبي ﷺ‎ أن يهب له ضرب صفوان إياه فوهبها للنبي ﷺ‎ فعوّضه منها حائطا من نخل عظيم وجارية روميّة، ثمّ باع حسان ذلك الحائط من معاوية بن أبي سفيان في ولايته بمال عظيم. قالت عائشة: فقيل في أصحاب الإفك أشعار. قال أبو بكر الصدّيق رضى الله عنه لمسطح في رميه عائشة رضى الله عنها وكان يدعى عوفا: يا عوف ويحك هلّا قلت عارفة ... من الكلام ولم تبغ به طمعا فأدركتك حميا معشر أنف ... ولم يكن قاطعا في عوف قطعا لما رميت حصانا غير مقرفة ... أمينة الجيب لم نعرف لها خضعا فيمن رماها وكنتم معشرا إفكا ... في سيّئ القول من لفظ الخنا شرعا فأنزل الله عذرا في براءتها ... وبين عوف وبين الله ما صنعا [[مجمع الزوائد- الهيثمي.: 9/ 235.]] فان أعش أجز عوفا في مقالته ... شرّ الجزاء بما ألفيته تبعا وقال حسّان بن ثابت الأنصاري ثم النجاري وهو يبرّئ عائشة ممّا قيل فيها ويعتذر إليها: حصان رزان ما يزن برتبة ... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل حليلة خير الناس دينا ومنصبا ... نبيّ الهدى والمكرمات الفواضل عقيلة حي من لؤي بن غالب ... كرام المساعي مجدها غير زايل مهذبة قد طيّب الله خيمها ... وطهّرها من كل شين وباطل فان كان ما قد جاء عنّي قلته ... فلا رفعت سوطي إليّ أناملي وإنّ الذي قد قيل ليس بلائط ... بك الدهر بل قول إمرئ غير ماحل وكيف وودّي ما حييت ونصرتي ... لآل رسول الله زين المحافل له رتب عال على الناس فضلها ... تقاصر عنها سورة المتطاول [[لسان العرب: 13/ 120.]] قال: وأمر النبي ﷺ‎ بالذين رموا عائشة فجلدوا الحدود جميعا ثمانين، فقال حسّان بن ثابت: لقد دان عبد الله ما كان أهله ... وحمته إذ قالوا هجيرا ومسطح تعاطوا برجم القول زوج نبيّهم ... وسخطة ذا الرب الكريم فأبرحوا وآذوا رسول الله فيها فعمموا ... مخازي ذلّ جلّلوها وفضحوا [[وما بعدها: المعجم الكبير- الطبراني: 23/ 117. وحمنه.]] فهذا سبب نزول الآية وقصّتها. فأمّا التفسير فقوله عزّ وجل إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ بالكذب عُصْبَةٌ جماعة مِنْكُمْ. قال الفرّاء: العصبة، الجماعة من الواحد إلى الأربعين. لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ يا عائشة وصفوان بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لأنّ الله يأجركم على ذلك ويظهر براءتكم لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يعني من الذين جاءوا بالإفك مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ جزاء ما اجترح من الذنب والمعصية. وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ والذي تحمّل معظمه فبدا بالخوض فيه، وقراءة العامة كِبْرَهُ: بكسر الكاف، وقرأ خليل والأعرج ويعقوب الحضرمي بضم الكاف. قال أبو عمرو بن العلاء: هو خطأ لأن الكبر بضم الكاف في الولاء والسن، ومنه الحديث: الولاء للكبر، وهو أكبر ولد الرجل من الذكورة وأقربهم إليه نسبا. وقال الكسائي: هما لغتان مثل صفر وصفر، واختلف المفسّرون في المعنيّ بقوله وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ. فقال قوم: هو حسّان بن ثابت. روى داود بن أبي هند عن عامر الشعبي أنّ عائشة رضي الله عنها قالت: ما سمعت بشيء أحسن من شعر حسّان، وما تمثلت به إلّا رجوت له الجنة، قوله لأبي سفيان: هجوت محمدا فأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء فانّ أبي ووالدتي وعرضي ... لعرض محمد منكم وقاء أتشتمه ولست له بكفؤ ... فشرّكما لخيركما الفداء لساني صارم لا عيب فيه ... وبحري لا تكدّره الدلاء [[جامع البيان للطبري: 18/ 115.]] فقيل: يا أم المؤمنين أليس الله يقول وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ. قالت: أليس قد أصابه عذاب عظيم؟ أليس قد ذهب بصره وكنع بالسيف. وروى أبو الضحى عن مسروق قال: كنت عند عائشة فدخل حسّان بن ثابت فأمرت فألقي له وسادة، فلمّا خرج قلت لعائشة: تدعين هذا الرجل يدخل عليك وقد قال ما قال، وأنزل الله سبحانه فيه وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ؟. فقالت: وأىّ عذاب أشد من العمى، ولعلّ الله يجعل ذلك العذاب العظيم ذهاب بصره، وقالت: انه كان يدفع عن رسول الله ﷺ‎. وقال آخرون: بل هو عبد الله بن أبي سلول وأصحابه. روى ابن أبي مليكة عن عروة عن عائشة قالت في حديث الإفك: ثمّ ركبت وأخذ صفوان بالزمام فمررنا بملإ من المنافقين وكانت عادتهم أن ينزلوا منتبذين من الناس. فقال عبد الله بن أبي رئيسهم: من هذه؟ قالوا: عائشة: قال: والله ما نجت منه ولا نجا منها، وقال: امرأة نبيّكم باتت مع رجل حتى أصبحت، ثمّ جاء يقودها، وشرع في ذلك أيضا حسّان ومسطح وحمنة فهم الذين تولّوا كبره، ثمّ فشا ذلك في الناس. لَوْلا هلّا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ بإخوانهم خَيْراً. قال الحسن: بأهل دينهم لأن المؤمنين كنفس واحدة، نظيره قوله وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [[سورة النساء: 29.]] وقوله فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ [[سورة النور: 61.]] . قال بعض أهل المعاني: تقدير الآية هلّا ظننتم كما ظنّ المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا. وقيل: أراد بأنفسهم أهاليهم وأزواجهم، وقالوا: أراد بهذه الآية أبا أيوب الأنصاري وامرأته أم أيوب. روى محمد بن إسحاق بن يسار عن رجاله أنّ أبا أيوب خالد بن يزيد قالت له امرأته أم أيّوب: يا أبا أيوب أما تسمع ما يقول الناس في عائشة؟ قال: بلى وذلك الكذب أكنت، فاعلة ذلك يا أم أيوب؟ قالت: لا والله ما كنت لأفعله. قال: فعائشة والله خير منك، سبحان الله هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ، فأنزل الله سبحانه لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ الآيات، أي كما فعل أبو أيوب وصاحبته وكما قالا. وقوله وَقالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ أي كذب بيّن لَوْلا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكاذِبُونَ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ خضتم فِيهِ من الإفك عَذابٌ عَظِيمٌ إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ تأخذونه تروونه بعضكم عن بعض، وقرأ [أبيّ وابن مسعود: إذ تتلقّونه بتاءين] [[من التلقي.]] ، وقرأت عائشة [[هو في صحيح البخاري: 5/ 61.]] : تَلِقُونَهُ بكسر اللام وتخفيف القاف من الكذب، والولق والألق والالق والليق الكذب. قال الخليل: أصل الولق السرعة وأنشد: جاءوا بأسراب من الشام ولق [[فتح القدير: 4/ 13.]] أي تسرع، يقال: ولق فلان في السير فهو يلق فيه إذا استمر وأسرع فيه، فكان معنى قراءة عائشة: إذ تستمرّون في إفككم. وقرأ محمد بن السميقع: إِذْ تُلْقُونَهُ من الإلقاء [[بضمّ التاء وسكون اللام وضمّ القاف عن تفسير القرطبي: 12/ 204.]] ، نظيره ودليله قوله سبحانه فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ [[سورة النحل: 36.]] الآية. وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وتظنّونه سهلا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا سُبْحانَكَ يحتمل التنزيه والتعجب. هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا أي ينهاكم ويخوّفكم أن تعودوا وقيل: يَعِظُكُمُ اللَّهُ كيلا تعودوا لِمِثْلِهِ إلى مثله أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بأمر عائشة وصفوان حَكِيمٌ حكم ببراءتها. إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ تظهر وتفشو وتذيع الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ يعني عبد الله بن أبيّ بن سلول وأصحابه المنافقين. وَاللَّهُ يَعْلَمُ كذبهم وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ فيه إضمار لعاجلكم بالعقوبة.

النور 24:15

إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ الآية. ذكر سبب نزول هذه الآيات وقصة الإفك. أخبرنا [[مسند أحمد: 6/ 197.]] أبو نعيم عبد الملك بن الحسن بن محمد بن إسحاق المهرجان بقراءتي عليه فأقرّ به قال: أخبرنا أبو عوانة سنة ست عشرة وثلاثمائة قال: حدّثنا محمد بن يحيى قال: حدّثنا عبد الرزاق وأخبرنا أبو نعيم قال: أخبرنا أبو عوانة قال: حدّثنا إسحاق بن إبراهيم الصنعاني قال: قرأنا على عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن الزهري قال: أخبرني سعيد بن المسيّب وعروة بن الزبير وعلقمة بن وقاص وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن حديث عائشة زوج النبي ﷺ‎ حين قال لها أهل الإفك ما قالوا فبرّأها الله وكلّهم، حدّثني بطائفة من حديثها وبعضهم كان أوعى له من بعض، وقد وعيت عن كلّ واحد الحديث الذي حدّثني، وبعض حديثهم يصدّق بعضا، ذكروا أنّ عائشة زوج النبي ﷺ‎ ورضي الله عنها قالت: كان رسول الله ﷺ‎ أذا أراد سفرا أقرع بين نسائه فأيّتهنّ خرج سهمها خرج بها رسول الله ﷺ‎ معه. قالت عائشة: فأقرع بيننا في غزوة غزاها فخرج فيها سهمي، فخرجت مع رسول الله ﷺ‎ وذلك بعد ما أنزل الله سبحانه الحجاب، فأنا أحمل في هودجي وأنزل منه مسيرنا حتى إذا فرغ رسول الله ﷺ‎ من غزوه وقفل ودنونا من المدينة آذن ليلة بالرحيل، فقمت حين آذنوا بالرحيل فمشيت حتّى جاوزت الجيش، فلمّا قضيت شأني أقبلت إلى الرحل فلمست صدري فإذا عقدي من جزع ظفار قد انقطع فرجعت فالتمست عقدي وحبسني ابتغاؤه، وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون فحملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنت، وهم يحسبون أنّي فيه. قالت: وكانت النساء إذ ذاك خفافا لم يهبلهنّ اللحم إنما يأكلن العلقة من الطعام، فلم يستنكر القوم ثقل الهودج حين رحلوه ورفعوه، وكنت جارية حديثة السنّ فبعثوا الجمل وساروا، ووجدت عقدي بعد ما استمر الجيش، فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب فتيمّمت منزلي الذي كنت فيه وظننت أن القوم سيفقدونني فيرجعون إليّ، فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيناي فنمت وكان صفوان بن المعطّل السلمي ثمّ الذكواني قد عرّس من وراء الجيش، فأدلج فأصبح عند منزلي فرأى سواد إنسان نائم فأتاني فعرفني حين رآني، وقد كان رآني قبل أن يضرب عليّ الحجاب فما استيقظت إلّا باسترجاعه حين عرفني، فخمّرت وجهي بجلبابي، فو الله ما كلّمني كلمة عند استرجاعه حتى أناخ راحلته فوطيت على يدها فركبتها فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش بعد ما نزلوا موغرين في نحر الظهيرة، فهلك من هلك في شأني، وكان الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ عبد الله بن أبي سلول فقدمت المدينة فاشتكيت من شدّة الحر [[في النسخة الثانية زيادة: فقدمت المدينة فاشتكيت.]] حين قدمتها شهرا والناس يخوضون في قول أهل الإفك ولا أشعر بشيء من ذلك وهو يريبني في وجعي أن لا أعرف من رسول الله ﷺ‎ اللطف الذي كنت أرى منه حين اشتكي، إنما يدخل رسول الله ﷺ‎ فيسلّم ثمّ يقول: كيف تيكم؟ ولا أشعر بالشر حتى خرجت بعد ما نقهت وخرجت معي أم مسطح قبل المناصع وهو مبترزنا فلا نخرج إلّا ليلا الى ليل وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبا من بيوتنا، وأمرنا أمر العرب الأول التنزّه، وكنّا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا، فانطلقت أنا وأم مسطح وهي عاتكة بنت أبي رهم بن عبد المطلب بن عبد مناف وأمّها بنت صخر بن عامر خالة أبي بكر الصدّيق وابنها مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب فأقبلت أنا وابنة أبي رهم قبل بيتي حين فرغنا من شأننا فعثرت أم مسطح في مرطها فقالت: تعس مسطح فقلت لها: بئس ما قلت، تسبّين رجلا شهد بدرا قالت: أي هنتاه أو لم تسمعي ما قال؟. قالت: قلت: وما ذي؟ قالت: فأخبرتني بقول أهل الإفك فازددت مرضا إلى مرضي فلمّا، رجعت إلى بيتي دخل عليّ رسول الله ﷺ‎ فسلّم ثمّ قال: «كيف تيكم؟» قلت: أتأذن لي أن آتي أبويّ؟ قالت: وأنا أريد حينئذ أن أتيقّن الخبر من قبلهما، فأذن لي رسول الله ﷺ‎ فجئت أبويّ فقلت لأمّي: يا أمّه ماذا يتحدّث الناس؟. فقالت: أي بنيّة هوّني عليك، فو الله لقلّ ما كانت امرأة قطّ وضيئة عند رجل يحبّها ولها ضرائر إلّا أكثرن عليها، قلت: سبحان الله أوقد تحدّث الناس بهذا؟ قالت: نعم، قالت: فمكثت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، ثمّ أصبحت أبكي، ودعا رسول الله ﷺ‎ علىّ بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي واستشارهما في فراق أهله. فأمّا أسامة فأشار على رسول الله ﷺ‎ بالذي يعلم من براءة أهله، وبالذي يعلم في نفسه لهم من الودّ، فقال: يا رسول الله هم أهلك ولا نعلم إلّا خيرا، وأمّا علىّ فقال: لم يضيّق الله عليك، والنساء سواها كثير، وإن تسأل الجارية تصدقك. قالت: فدعا رسول الله ﷺ‎ بريرة فقال: أي بريرة هل رأيت من شيء يريبك من أمر عائشة؟ فقالت له بريرة: والذي بعثك بالحق إن رأيت عليها أمرا قط أغمضه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها فيأتي الداجن [[دواجن البيوت ما ألفها من الطير والشاة، ودجن في بيته إذا لزمه.]] فيأكله. قالت: فقام رسول الله ﷺ‎ فاستعذر من عبد الله بن أبي بن سلول قال وهو على المنبر: «يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهلي، فو الله ما علمت على أهلي إلّا خيرا ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلّا خيرا وما كان يدخل على أهلي إلّا معي» [22] . فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال: أعذرك يا رسول الله، إن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك. قالت: فقال سعد بن عبادة وهو سيّد الخزرج، وكان رجلا صالحا ولكن احتملته الحميّة فقال لسعد بن معاذ: كذبت لعمر الله، فقال سعد: والله لنقتله فإنك منافق تجادل عن المنافقين. قالت: فثار الأوس والخزرج حتّى همّوا أن يقتتلوا ورسول الله ﷺ‎ قائم على المنبر فلم يزل رسول الله ﷺ‎ يخفضهم حتى سكتوا وسكت. قالت: ومكثت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، وأبواي يظنّان أنّ البكاء فالق كبدي. قالت: فبينا هما جالسان عندي وأنا أبكي استأذنت عليّ امرأة من الأنصار فأذنت لها فجلست تبكي معي، فبينا نحن على ذلك دخل علينا رسول الله ﷺ‎ فسلّم ثمّ جلس، قالت: ولم يجلس عندي منذ قيل لي ما قيل، وقد لبث شهرا لا يوحى إليه في شأني، قالت: فتشهّد رسول الله ﷺ‎ حين جلس ثمّ قال: أما بعد يا عائشة فإنّه بلغني عنك كذا وكذا فإن كنت بريئة فسيبرئك الله سبحانه، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بالذنب ثمّ تاب تاب الله عليه. قالت: فلمّا قضى رسول الله ﷺ‎ مقالته قلص دمعي حتى ما أحسّ منه قطرة، فقلت لأبي: أجب عنّي رسول الله قال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ‎، فقلت لأمّي: أجيبي عنّي رسول الله ﷺ‎ قالت: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ‎، فقلت وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ من القرآن كثيرا: إني والله لقد عرفت أنكم قد سمعتم بهذا الأمر حتّى استقرّ في أنفسكم وصدقتم به، فلئن قلت لكم إني بريئة والله سبحانه وتعالى يعلم أني بريئة [[في نسخة أصفهان زيادة: لا فضل قوي بذلك ولئن اعترفت لكم بذنبي والله يعلم إني لبريئة.]] لتصدقونني، والله ما أجد لي ولكم مثلا إلّا كما قال أبو يوسف وما أحفظ اسمه: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ. قالت: ثمّ تحوّلت واضطجعت على فراشي، وأنا والله حينئذ أعلم أنّي بريئة وأن الله سبحانه مبرّئي ببراءتي ولكن، والله ما كنت أظنّ أن ينزل في شأني وحي يتلى ولشأني كان أحقر في نفسي من أن يتكلّم الله فيّ بأمر يتلى ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله ﷺ‎ في النوم رؤيا يبرّئني الله بها. قالت: فو الله ما رام رسول الله ﷺ‎ مجلسه ولا خرج من أهل البيت أحد حتى أنزل الله سبحانه على نبيّه ﷺ‎، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء عند الوحي حتى أنّه لينحدر منه مثل الجمان من العرق في اليوم الشاتي من ثقل الوحي الذي أنزل عليه. قالت: فلمّا سرّي عن رسول الله ﷺ‎ وهو يضحك، فكان أوّل كلمة تكلّم بها أن قال: «أبشري يا عائشة أما والله فقد برّاك» [23] فقالت لي أمّي: قومي إليه فقلت: والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلّا الله سبحانه هو الذي أنزل براءتي. قالت: فأنزل الله سبحانه إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ عشر آيات وأنزل الله سبحانه هذه الآية لبراءتي. قالت: فقال أبو بكر وكان ينفق على مسطح لقرابته منه وفقره: والله لا أنفق عليه شيئا أبدا بعد الذي قال لعائشة، فأنزل الله سبحانه وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ إلى قوله أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ [[النور: 22.]] . فقال أبو بكر رضى الله عنه: والله إني لأحبّ أن يغفر الله لي، فرجع الى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه وقال: لا أنزعها منه أبدا. قالت عائشة رضي الله عنها: وكان رسول الله ﷺ‎ سأل زينب بنت جحش زوج النبي ﷺ‎: ما علمت أو ما رأيت؟ فقالت: يا رسول الله أحمي سمعي وبصري، والله ما علمت إلّا خيرا. قالت عائشة: وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي ﷺ‎ فعصمها الله سبحانه وتعالى بالورع، وطفقت أختها حمنة بنت جحش تحارب لها فهلكت فيمن هلك. قال الزهري: فهذا ما انتهى إلينا من هؤلاء الرهط. وأخبرنا أبو نعيم قال: أخبرنا أبو عوانة قال: حدّثنا محمد بن إسماعيل الصائغ بمكة ومحمد بن حرب المديني بالفسطاط قالا: حدّثنا إسماعيل بن أبي أويس قال: حدّثني أبي عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها، قال أبو أويس: وحدّثني أيضا عبد الله بن أبي بكر عن عمرة عن عائشة قالت: كان النبي ﷺ‎ إذا أراد أن يسافر سفرا أقرع بين أزواجه فأيّتهنّ خرج سهمها خرج بها معه، فخرج سهم عائشة في غزوة النبي ﷺ‎ بني المصطلق من خزاعة، وذكر الحديث بطوله بمثل معناه. وقال عروة في سؤال رسول الله ﷺ‎ بريرة عن عائشة قال: فانتهرها بعض أصحابه وقال: اصدقي رسول الله، قال عروة: فعيب ذلك على من قاله، فقالت: لا والله ما أعلم عليها إلّا ما يعلم الصائغ على تبر الذهب الأحمر، ولئن كانت صنعت ما قال الناس ليخبرنّك الله، فعجب الناس من فقهها. قال: وبلغ ذلك الذي قيل له فقال: سبحان الله، والله ما كشفت كتف أنثى قط، فقتل شهيدا في سبيل الله، وزاد في آخره قالت: وقعد صفوان بن المعطل لحسّان بن ثابت فضربه ضربة بالسيف وقال حين ضربه: تلقّ ذباب السيف عنّي فإنّني ... غلام إذا هوجيت لست بشاعر [[تفسير القرطبي: 12/ 199، وتاريخ مدينة دمشق: 4/ 308. وفيه: ليس بشاعر.]] ولكنني أحمي حماي وانتقم ... من الباهت الرامي البراء الظواهر [[تاريخ مدينة دمشق: 4/ 308. والعبارة: واتقي.]] وصاح حسان بن ثابت واستغاث بالناس على صفوان، ففرّ صفوان وجاء حسّان النبي ﷺ‎ فاستعدى على صفوان في ضربته إياه فسأله النبي ﷺ‎ أن يهب له ضرب صفوان إياه فوهبها للنبي ﷺ‎ فعوّضه منها حائطا من نخل عظيم وجارية روميّة، ثمّ باع حسان ذلك الحائط من معاوية بن أبي سفيان في ولايته بمال عظيم. قالت عائشة: فقيل في أصحاب الإفك أشعار. قال أبو بكر الصدّيق رضى الله عنه لمسطح في رميه عائشة رضى الله عنها وكان يدعى عوفا: يا عوف ويحك هلّا قلت عارفة ... من الكلام ولم تبغ به طمعا فأدركتك حميا معشر أنف ... ولم يكن قاطعا في عوف قطعا لما رميت حصانا غير مقرفة ... أمينة الجيب لم نعرف لها خضعا فيمن رماها وكنتم معشرا إفكا ... في سيّئ القول من لفظ الخنا شرعا فأنزل الله عذرا في براءتها ... وبين عوف وبين الله ما صنعا [[مجمع الزوائد- الهيثمي.: 9/ 235.]] فان أعش أجز عوفا في مقالته ... شرّ الجزاء بما ألفيته تبعا وقال حسّان بن ثابت الأنصاري ثم النجاري وهو يبرّئ عائشة ممّا قيل فيها ويعتذر إليها: حصان رزان ما يزن برتبة ... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل حليلة خير الناس دينا ومنصبا ... نبيّ الهدى والمكرمات الفواضل عقيلة حي من لؤي بن غالب ... كرام المساعي مجدها غير زايل مهذبة قد طيّب الله خيمها ... وطهّرها من كل شين وباطل فان كان ما قد جاء عنّي قلته ... فلا رفعت سوطي إليّ أناملي وإنّ الذي قد قيل ليس بلائط ... بك الدهر بل قول إمرئ غير ماحل وكيف وودّي ما حييت ونصرتي ... لآل رسول الله زين المحافل له رتب عال على الناس فضلها ... تقاصر عنها سورة المتطاول [[لسان العرب: 13/ 120.]] قال: وأمر النبي ﷺ‎ بالذين رموا عائشة فجلدوا الحدود جميعا ثمانين، فقال حسّان بن ثابت: لقد دان عبد الله ما كان أهله ... وحمته إذ قالوا هجيرا ومسطح تعاطوا برجم القول زوج نبيّهم ... وسخطة ذا الرب الكريم فأبرحوا وآذوا رسول الله فيها فعمموا ... مخازي ذلّ جلّلوها وفضحوا [[وما بعدها: المعجم الكبير- الطبراني: 23/ 117. وحمنه.]] فهذا سبب نزول الآية وقصّتها. فأمّا التفسير فقوله عزّ وجل إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ بالكذب عُصْبَةٌ جماعة مِنْكُمْ. قال الفرّاء: العصبة، الجماعة من الواحد إلى الأربعين. لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ يا عائشة وصفوان بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لأنّ الله يأجركم على ذلك ويظهر براءتكم لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يعني من الذين جاءوا بالإفك مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ جزاء ما اجترح من الذنب والمعصية. وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ والذي تحمّل معظمه فبدا بالخوض فيه، وقراءة العامة كِبْرَهُ: بكسر الكاف، وقرأ خليل والأعرج ويعقوب الحضرمي بضم الكاف. قال أبو عمرو بن العلاء: هو خطأ لأن الكبر بضم الكاف في الولاء والسن، ومنه الحديث: الولاء للكبر، وهو أكبر ولد الرجل من الذكورة وأقربهم إليه نسبا. وقال الكسائي: هما لغتان مثل صفر وصفر، واختلف المفسّرون في المعنيّ بقوله وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ. فقال قوم: هو حسّان بن ثابت. روى داود بن أبي هند عن عامر الشعبي أنّ عائشة رضي الله عنها قالت: ما سمعت بشيء أحسن من شعر حسّان، وما تمثلت به إلّا رجوت له الجنة، قوله لأبي سفيان: هجوت محمدا فأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء فانّ أبي ووالدتي وعرضي ... لعرض محمد منكم وقاء أتشتمه ولست له بكفؤ ... فشرّكما لخيركما الفداء لساني صارم لا عيب فيه ... وبحري لا تكدّره الدلاء [[جامع البيان للطبري: 18/ 115.]] فقيل: يا أم المؤمنين أليس الله يقول وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ. قالت: أليس قد أصابه عذاب عظيم؟ أليس قد ذهب بصره وكنع بالسيف. وروى أبو الضحى عن مسروق قال: كنت عند عائشة فدخل حسّان بن ثابت فأمرت فألقي له وسادة، فلمّا خرج قلت لعائشة: تدعين هذا الرجل يدخل عليك وقد قال ما قال، وأنزل الله سبحانه فيه وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ؟. فقالت: وأىّ عذاب أشد من العمى، ولعلّ الله يجعل ذلك العذاب العظيم ذهاب بصره، وقالت: انه كان يدفع عن رسول الله ﷺ‎. وقال آخرون: بل هو عبد الله بن أبي سلول وأصحابه. روى ابن أبي مليكة عن عروة عن عائشة قالت في حديث الإفك: ثمّ ركبت وأخذ صفوان بالزمام فمررنا بملإ من المنافقين وكانت عادتهم أن ينزلوا منتبذين من الناس. فقال عبد الله بن أبي رئيسهم: من هذه؟ قالوا: عائشة: قال: والله ما نجت منه ولا نجا منها، وقال: امرأة نبيّكم باتت مع رجل حتى أصبحت، ثمّ جاء يقودها، وشرع في ذلك أيضا حسّان ومسطح وحمنة فهم الذين تولّوا كبره، ثمّ فشا ذلك في الناس. لَوْلا هلّا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ بإخوانهم خَيْراً. قال الحسن: بأهل دينهم لأن المؤمنين كنفس واحدة، نظيره قوله وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [[سورة النساء: 29.]] وقوله فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ [[سورة النور: 61.]] . قال بعض أهل المعاني: تقدير الآية هلّا ظننتم كما ظنّ المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا. وقيل: أراد بأنفسهم أهاليهم وأزواجهم، وقالوا: أراد بهذه الآية أبا أيوب الأنصاري وامرأته أم أيوب. روى محمد بن إسحاق بن يسار عن رجاله أنّ أبا أيوب خالد بن يزيد قالت له امرأته أم أيّوب: يا أبا أيوب أما تسمع ما يقول الناس في عائشة؟ قال: بلى وذلك الكذب أكنت، فاعلة ذلك يا أم أيوب؟ قالت: لا والله ما كنت لأفعله. قال: فعائشة والله خير منك، سبحان الله هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ، فأنزل الله سبحانه لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ الآيات، أي كما فعل أبو أيوب وصاحبته وكما قالا. وقوله وَقالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ أي كذب بيّن لَوْلا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكاذِبُونَ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ خضتم فِيهِ من الإفك عَذابٌ عَظِيمٌ إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ تأخذونه تروونه بعضكم عن بعض، وقرأ [أبيّ وابن مسعود: إذ تتلقّونه بتاءين] [[من التلقي.]] ، وقرأت عائشة [[هو في صحيح البخاري: 5/ 61.]] : تَلِقُونَهُ بكسر اللام وتخفيف القاف من الكذب، والولق والألق والالق والليق الكذب. قال الخليل: أصل الولق السرعة وأنشد: جاءوا بأسراب من الشام ولق [[فتح القدير: 4/ 13.]] أي تسرع، يقال: ولق فلان في السير فهو يلق فيه إذا استمر وأسرع فيه، فكان معنى قراءة عائشة: إذ تستمرّون في إفككم. وقرأ محمد بن السميقع: إِذْ تُلْقُونَهُ من الإلقاء [[بضمّ التاء وسكون اللام وضمّ القاف عن تفسير القرطبي: 12/ 204.]] ، نظيره ودليله قوله سبحانه فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ [[سورة النحل: 36.]] الآية. وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وتظنّونه سهلا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا سُبْحانَكَ يحتمل التنزيه والتعجب. هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا أي ينهاكم ويخوّفكم أن تعودوا وقيل: يَعِظُكُمُ اللَّهُ كيلا تعودوا لِمِثْلِهِ إلى مثله أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بأمر عائشة وصفوان حَكِيمٌ حكم ببراءتها. إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ تظهر وتفشو وتذيع الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ يعني عبد الله بن أبيّ بن سلول وأصحابه المنافقين. وَاللَّهُ يَعْلَمُ كذبهم وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ فيه إضمار لعاجلكم بالعقوبة.

النور 24:16

إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ الآية. ذكر سبب نزول هذه الآيات وقصة الإفك. أخبرنا [[مسند أحمد: 6/ 197.]] أبو نعيم عبد الملك بن الحسن بن محمد بن إسحاق المهرجان بقراءتي عليه فأقرّ به قال: أخبرنا أبو عوانة سنة ست عشرة وثلاثمائة قال: حدّثنا محمد بن يحيى قال: حدّثنا عبد الرزاق وأخبرنا أبو نعيم قال: أخبرنا أبو عوانة قال: حدّثنا إسحاق بن إبراهيم الصنعاني قال: قرأنا على عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن الزهري قال: أخبرني سعيد بن المسيّب وعروة بن الزبير وعلقمة بن وقاص وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن حديث عائشة زوج النبي ﷺ‎ حين قال لها أهل الإفك ما قالوا فبرّأها الله وكلّهم، حدّثني بطائفة من حديثها وبعضهم كان أوعى له من بعض، وقد وعيت عن كلّ واحد الحديث الذي حدّثني، وبعض حديثهم يصدّق بعضا، ذكروا أنّ عائشة زوج النبي ﷺ‎ ورضي الله عنها قالت: كان رسول الله ﷺ‎ أذا أراد سفرا أقرع بين نسائه فأيّتهنّ خرج سهمها خرج بها رسول الله ﷺ‎ معه. قالت عائشة: فأقرع بيننا في غزوة غزاها فخرج فيها سهمي، فخرجت مع رسول الله ﷺ‎ وذلك بعد ما أنزل الله سبحانه الحجاب، فأنا أحمل في هودجي وأنزل منه مسيرنا حتى إذا فرغ رسول الله ﷺ‎ من غزوه وقفل ودنونا من المدينة آذن ليلة بالرحيل، فقمت حين آذنوا بالرحيل فمشيت حتّى جاوزت الجيش، فلمّا قضيت شأني أقبلت إلى الرحل فلمست صدري فإذا عقدي من جزع ظفار قد انقطع فرجعت فالتمست عقدي وحبسني ابتغاؤه، وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون فحملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنت، وهم يحسبون أنّي فيه. قالت: وكانت النساء إذ ذاك خفافا لم يهبلهنّ اللحم إنما يأكلن العلقة من الطعام، فلم يستنكر القوم ثقل الهودج حين رحلوه ورفعوه، وكنت جارية حديثة السنّ فبعثوا الجمل وساروا، ووجدت عقدي بعد ما استمر الجيش، فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب فتيمّمت منزلي الذي كنت فيه وظننت أن القوم سيفقدونني فيرجعون إليّ، فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيناي فنمت وكان صفوان بن المعطّل السلمي ثمّ الذكواني قد عرّس من وراء الجيش، فأدلج فأصبح عند منزلي فرأى سواد إنسان نائم فأتاني فعرفني حين رآني، وقد كان رآني قبل أن يضرب عليّ الحجاب فما استيقظت إلّا باسترجاعه حين عرفني، فخمّرت وجهي بجلبابي، فو الله ما كلّمني كلمة عند استرجاعه حتى أناخ راحلته فوطيت على يدها فركبتها فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش بعد ما نزلوا موغرين في نحر الظهيرة، فهلك من هلك في شأني، وكان الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ عبد الله بن أبي سلول فقدمت المدينة فاشتكيت من شدّة الحر [[في النسخة الثانية زيادة: فقدمت المدينة فاشتكيت.]] حين قدمتها شهرا والناس يخوضون في قول أهل الإفك ولا أشعر بشيء من ذلك وهو يريبني في وجعي أن لا أعرف من رسول الله ﷺ‎ اللطف الذي كنت أرى منه حين اشتكي، إنما يدخل رسول الله ﷺ‎ فيسلّم ثمّ يقول: كيف تيكم؟ ولا أشعر بالشر حتى خرجت بعد ما نقهت وخرجت معي أم مسطح قبل المناصع وهو مبترزنا فلا نخرج إلّا ليلا الى ليل وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبا من بيوتنا، وأمرنا أمر العرب الأول التنزّه، وكنّا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا، فانطلقت أنا وأم مسطح وهي عاتكة بنت أبي رهم بن عبد المطلب بن عبد مناف وأمّها بنت صخر بن عامر خالة أبي بكر الصدّيق وابنها مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب فأقبلت أنا وابنة أبي رهم قبل بيتي حين فرغنا من شأننا فعثرت أم مسطح في مرطها فقالت: تعس مسطح فقلت لها: بئس ما قلت، تسبّين رجلا شهد بدرا قالت: أي هنتاه أو لم تسمعي ما قال؟. قالت: قلت: وما ذي؟ قالت: فأخبرتني بقول أهل الإفك فازددت مرضا إلى مرضي فلمّا، رجعت إلى بيتي دخل عليّ رسول الله ﷺ‎ فسلّم ثمّ قال: «كيف تيكم؟» قلت: أتأذن لي أن آتي أبويّ؟ قالت: وأنا أريد حينئذ أن أتيقّن الخبر من قبلهما، فأذن لي رسول الله ﷺ‎ فجئت أبويّ فقلت لأمّي: يا أمّه ماذا يتحدّث الناس؟. فقالت: أي بنيّة هوّني عليك، فو الله لقلّ ما كانت امرأة قطّ وضيئة عند رجل يحبّها ولها ضرائر إلّا أكثرن عليها، قلت: سبحان الله أوقد تحدّث الناس بهذا؟ قالت: نعم، قالت: فمكثت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، ثمّ أصبحت أبكي، ودعا رسول الله ﷺ‎ علىّ بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي واستشارهما في فراق أهله. فأمّا أسامة فأشار على رسول الله ﷺ‎ بالذي يعلم من براءة أهله، وبالذي يعلم في نفسه لهم من الودّ، فقال: يا رسول الله هم أهلك ولا نعلم إلّا خيرا، وأمّا علىّ فقال: لم يضيّق الله عليك، والنساء سواها كثير، وإن تسأل الجارية تصدقك. قالت: فدعا رسول الله ﷺ‎ بريرة فقال: أي بريرة هل رأيت من شيء يريبك من أمر عائشة؟ فقالت له بريرة: والذي بعثك بالحق إن رأيت عليها أمرا قط أغمضه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها فيأتي الداجن [[دواجن البيوت ما ألفها من الطير والشاة، ودجن في بيته إذا لزمه.]] فيأكله. قالت: فقام رسول الله ﷺ‎ فاستعذر من عبد الله بن أبي بن سلول قال وهو على المنبر: «يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهلي، فو الله ما علمت على أهلي إلّا خيرا ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلّا خيرا وما كان يدخل على أهلي إلّا معي» [22] . فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال: أعذرك يا رسول الله، إن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك. قالت: فقال سعد بن عبادة وهو سيّد الخزرج، وكان رجلا صالحا ولكن احتملته الحميّة فقال لسعد بن معاذ: كذبت لعمر الله، فقال سعد: والله لنقتله فإنك منافق تجادل عن المنافقين. قالت: فثار الأوس والخزرج حتّى همّوا أن يقتتلوا ورسول الله ﷺ‎ قائم على المنبر فلم يزل رسول الله ﷺ‎ يخفضهم حتى سكتوا وسكت. قالت: ومكثت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، وأبواي يظنّان أنّ البكاء فالق كبدي. قالت: فبينا هما جالسان عندي وأنا أبكي استأذنت عليّ امرأة من الأنصار فأذنت لها فجلست تبكي معي، فبينا نحن على ذلك دخل علينا رسول الله ﷺ‎ فسلّم ثمّ جلس، قالت: ولم يجلس عندي منذ قيل لي ما قيل، وقد لبث شهرا لا يوحى إليه في شأني، قالت: فتشهّد رسول الله ﷺ‎ حين جلس ثمّ قال: أما بعد يا عائشة فإنّه بلغني عنك كذا وكذا فإن كنت بريئة فسيبرئك الله سبحانه، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بالذنب ثمّ تاب تاب الله عليه. قالت: فلمّا قضى رسول الله ﷺ‎ مقالته قلص دمعي حتى ما أحسّ منه قطرة، فقلت لأبي: أجب عنّي رسول الله قال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ‎، فقلت لأمّي: أجيبي عنّي رسول الله ﷺ‎ قالت: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ‎، فقلت وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ من القرآن كثيرا: إني والله لقد عرفت أنكم قد سمعتم بهذا الأمر حتّى استقرّ في أنفسكم وصدقتم به، فلئن قلت لكم إني بريئة والله سبحانه وتعالى يعلم أني بريئة [[في نسخة أصفهان زيادة: لا فضل قوي بذلك ولئن اعترفت لكم بذنبي والله يعلم إني لبريئة.]] لتصدقونني، والله ما أجد لي ولكم مثلا إلّا كما قال أبو يوسف وما أحفظ اسمه: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ. قالت: ثمّ تحوّلت واضطجعت على فراشي، وأنا والله حينئذ أعلم أنّي بريئة وأن الله سبحانه مبرّئي ببراءتي ولكن، والله ما كنت أظنّ أن ينزل في شأني وحي يتلى ولشأني كان أحقر في نفسي من أن يتكلّم الله فيّ بأمر يتلى ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله ﷺ‎ في النوم رؤيا يبرّئني الله بها. قالت: فو الله ما رام رسول الله ﷺ‎ مجلسه ولا خرج من أهل البيت أحد حتى أنزل الله سبحانه على نبيّه ﷺ‎، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء عند الوحي حتى أنّه لينحدر منه مثل الجمان من العرق في اليوم الشاتي من ثقل الوحي الذي أنزل عليه. قالت: فلمّا سرّي عن رسول الله ﷺ‎ وهو يضحك، فكان أوّل كلمة تكلّم بها أن قال: «أبشري يا عائشة أما والله فقد برّاك» [23] فقالت لي أمّي: قومي إليه فقلت: والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلّا الله سبحانه هو الذي أنزل براءتي. قالت: فأنزل الله سبحانه إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ عشر آيات وأنزل الله سبحانه هذه الآية لبراءتي. قالت: فقال أبو بكر وكان ينفق على مسطح لقرابته منه وفقره: والله لا أنفق عليه شيئا أبدا بعد الذي قال لعائشة، فأنزل الله سبحانه وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ إلى قوله أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ [[النور: 22.]] . فقال أبو بكر رضى الله عنه: والله إني لأحبّ أن يغفر الله لي، فرجع الى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه وقال: لا أنزعها منه أبدا. قالت عائشة رضي الله عنها: وكان رسول الله ﷺ‎ سأل زينب بنت جحش زوج النبي ﷺ‎: ما علمت أو ما رأيت؟ فقالت: يا رسول الله أحمي سمعي وبصري، والله ما علمت إلّا خيرا. قالت عائشة: وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي ﷺ‎ فعصمها الله سبحانه وتعالى بالورع، وطفقت أختها حمنة بنت جحش تحارب لها فهلكت فيمن هلك. قال الزهري: فهذا ما انتهى إلينا من هؤلاء الرهط. وأخبرنا أبو نعيم قال: أخبرنا أبو عوانة قال: حدّثنا محمد بن إسماعيل الصائغ بمكة ومحمد بن حرب المديني بالفسطاط قالا: حدّثنا إسماعيل بن أبي أويس قال: حدّثني أبي عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها، قال أبو أويس: وحدّثني أيضا عبد الله بن أبي بكر عن عمرة عن عائشة قالت: كان النبي ﷺ‎ إذا أراد أن يسافر سفرا أقرع بين أزواجه فأيّتهنّ خرج سهمها خرج بها معه، فخرج سهم عائشة في غزوة النبي ﷺ‎ بني المصطلق من خزاعة، وذكر الحديث بطوله بمثل معناه. وقال عروة في سؤال رسول الله ﷺ‎ بريرة عن عائشة قال: فانتهرها بعض أصحابه وقال: اصدقي رسول الله، قال عروة: فعيب ذلك على من قاله، فقالت: لا والله ما أعلم عليها إلّا ما يعلم الصائغ على تبر الذهب الأحمر، ولئن كانت صنعت ما قال الناس ليخبرنّك الله، فعجب الناس من فقهها. قال: وبلغ ذلك الذي قيل له فقال: سبحان الله، والله ما كشفت كتف أنثى قط، فقتل شهيدا في سبيل الله، وزاد في آخره قالت: وقعد صفوان بن المعطل لحسّان بن ثابت فضربه ضربة بالسيف وقال حين ضربه: تلقّ ذباب السيف عنّي فإنّني ... غلام إذا هوجيت لست بشاعر [[تفسير القرطبي: 12/ 199، وتاريخ مدينة دمشق: 4/ 308. وفيه: ليس بشاعر.]] ولكنني أحمي حماي وانتقم ... من الباهت الرامي البراء الظواهر [[تاريخ مدينة دمشق: 4/ 308. والعبارة: واتقي.]] وصاح حسان بن ثابت واستغاث بالناس على صفوان، ففرّ صفوان وجاء حسّان النبي ﷺ‎ فاستعدى على صفوان في ضربته إياه فسأله النبي ﷺ‎ أن يهب له ضرب صفوان إياه فوهبها للنبي ﷺ‎ فعوّضه منها حائطا من نخل عظيم وجارية روميّة، ثمّ باع حسان ذلك الحائط من معاوية بن أبي سفيان في ولايته بمال عظيم. قالت عائشة: فقيل في أصحاب الإفك أشعار. قال أبو بكر الصدّيق رضى الله عنه لمسطح في رميه عائشة رضى الله عنها وكان يدعى عوفا: يا عوف ويحك هلّا قلت عارفة ... من الكلام ولم تبغ به طمعا فأدركتك حميا معشر أنف ... ولم يكن قاطعا في عوف قطعا لما رميت حصانا غير مقرفة ... أمينة الجيب لم نعرف لها خضعا فيمن رماها وكنتم معشرا إفكا ... في سيّئ القول من لفظ الخنا شرعا فأنزل الله عذرا في براءتها ... وبين عوف وبين الله ما صنعا [[مجمع الزوائد- الهيثمي.: 9/ 235.]] فان أعش أجز عوفا في مقالته ... شرّ الجزاء بما ألفيته تبعا وقال حسّان بن ثابت الأنصاري ثم النجاري وهو يبرّئ عائشة ممّا قيل فيها ويعتذر إليها: حصان رزان ما يزن برتبة ... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل حليلة خير الناس دينا ومنصبا ... نبيّ الهدى والمكرمات الفواضل عقيلة حي من لؤي بن غالب ... كرام المساعي مجدها غير زايل مهذبة قد طيّب الله خيمها ... وطهّرها من كل شين وباطل فان كان ما قد جاء عنّي قلته ... فلا رفعت سوطي إليّ أناملي وإنّ الذي قد قيل ليس بلائط ... بك الدهر بل قول إمرئ غير ماحل وكيف وودّي ما حييت ونصرتي ... لآل رسول الله زين المحافل له رتب عال على الناس فضلها ... تقاصر عنها سورة المتطاول [[لسان العرب: 13/ 120.]] قال: وأمر النبي ﷺ‎ بالذين رموا عائشة فجلدوا الحدود جميعا ثمانين، فقال حسّان بن ثابت: لقد دان عبد الله ما كان أهله ... وحمته إذ قالوا هجيرا ومسطح تعاطوا برجم القول زوج نبيّهم ... وسخطة ذا الرب الكريم فأبرحوا وآذوا رسول الله فيها فعمموا ... مخازي ذلّ جلّلوها وفضحوا [[وما بعدها: المعجم الكبير- الطبراني: 23/ 117. وحمنه.]] فهذا سبب نزول الآية وقصّتها. فأمّا التفسير فقوله عزّ وجل إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ بالكذب عُصْبَةٌ جماعة مِنْكُمْ. قال الفرّاء: العصبة، الجماعة من الواحد إلى الأربعين. لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ يا عائشة وصفوان بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لأنّ الله يأجركم على ذلك ويظهر براءتكم لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يعني من الذين جاءوا بالإفك مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ جزاء ما اجترح من الذنب والمعصية. وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ والذي تحمّل معظمه فبدا بالخوض فيه، وقراءة العامة كِبْرَهُ: بكسر الكاف، وقرأ خليل والأعرج ويعقوب الحضرمي بضم الكاف. قال أبو عمرو بن العلاء: هو خطأ لأن الكبر بضم الكاف في الولاء والسن، ومنه الحديث: الولاء للكبر، وهو أكبر ولد الرجل من الذكورة وأقربهم إليه نسبا. وقال الكسائي: هما لغتان مثل صفر وصفر، واختلف المفسّرون في المعنيّ بقوله وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ. فقال قوم: هو حسّان بن ثابت. روى داود بن أبي هند عن عامر الشعبي أنّ عائشة رضي الله عنها قالت: ما سمعت بشيء أحسن من شعر حسّان، وما تمثلت به إلّا رجوت له الجنة، قوله لأبي سفيان: هجوت محمدا فأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء فانّ أبي ووالدتي وعرضي ... لعرض محمد منكم وقاء أتشتمه ولست له بكفؤ ... فشرّكما لخيركما الفداء لساني صارم لا عيب فيه ... وبحري لا تكدّره الدلاء [[جامع البيان للطبري: 18/ 115.]] فقيل: يا أم المؤمنين أليس الله يقول وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ. قالت: أليس قد أصابه عذاب عظيم؟ أليس قد ذهب بصره وكنع بالسيف. وروى أبو الضحى عن مسروق قال: كنت عند عائشة فدخل حسّان بن ثابت فأمرت فألقي له وسادة، فلمّا خرج قلت لعائشة: تدعين هذا الرجل يدخل عليك وقد قال ما قال، وأنزل الله سبحانه فيه وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ؟. فقالت: وأىّ عذاب أشد من العمى، ولعلّ الله يجعل ذلك العذاب العظيم ذهاب بصره، وقالت: انه كان يدفع عن رسول الله ﷺ‎. وقال آخرون: بل هو عبد الله بن أبي سلول وأصحابه. روى ابن أبي مليكة عن عروة عن عائشة قالت في حديث الإفك: ثمّ ركبت وأخذ صفوان بالزمام فمررنا بملإ من المنافقين وكانت عادتهم أن ينزلوا منتبذين من الناس. فقال عبد الله بن أبي رئيسهم: من هذه؟ قالوا: عائشة: قال: والله ما نجت منه ولا نجا منها، وقال: امرأة نبيّكم باتت مع رجل حتى أصبحت، ثمّ جاء يقودها، وشرع في ذلك أيضا حسّان ومسطح وحمنة فهم الذين تولّوا كبره، ثمّ فشا ذلك في الناس. لَوْلا هلّا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ بإخوانهم خَيْراً. قال الحسن: بأهل دينهم لأن المؤمنين كنفس واحدة، نظيره قوله وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [[سورة النساء: 29.]] وقوله فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ [[سورة النور: 61.]] . قال بعض أهل المعاني: تقدير الآية هلّا ظننتم كما ظنّ المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا. وقيل: أراد بأنفسهم أهاليهم وأزواجهم، وقالوا: أراد بهذه الآية أبا أيوب الأنصاري وامرأته أم أيوب. روى محمد بن إسحاق بن يسار عن رجاله أنّ أبا أيوب خالد بن يزيد قالت له امرأته أم أيّوب: يا أبا أيوب أما تسمع ما يقول الناس في عائشة؟ قال: بلى وذلك الكذب أكنت، فاعلة ذلك يا أم أيوب؟ قالت: لا والله ما كنت لأفعله. قال: فعائشة والله خير منك، سبحان الله هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ، فأنزل الله سبحانه لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ الآيات، أي كما فعل أبو أيوب وصاحبته وكما قالا. وقوله وَقالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ أي كذب بيّن لَوْلا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكاذِبُونَ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ خضتم فِيهِ من الإفك عَذابٌ عَظِيمٌ إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ تأخذونه تروونه بعضكم عن بعض، وقرأ [أبيّ وابن مسعود: إذ تتلقّونه بتاءين] [[من التلقي.]] ، وقرأت عائشة [[هو في صحيح البخاري: 5/ 61.]] : تَلِقُونَهُ بكسر اللام وتخفيف القاف من الكذب، والولق والألق والالق والليق الكذب. قال الخليل: أصل الولق السرعة وأنشد: جاءوا بأسراب من الشام ولق [[فتح القدير: 4/ 13.]] أي تسرع، يقال: ولق فلان في السير فهو يلق فيه إذا استمر وأسرع فيه، فكان معنى قراءة عائشة: إذ تستمرّون في إفككم. وقرأ محمد بن السميقع: إِذْ تُلْقُونَهُ من الإلقاء [[بضمّ التاء وسكون اللام وضمّ القاف عن تفسير القرطبي: 12/ 204.]] ، نظيره ودليله قوله سبحانه فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ [[سورة النحل: 36.]] الآية. وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وتظنّونه سهلا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا سُبْحانَكَ يحتمل التنزيه والتعجب. هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا أي ينهاكم ويخوّفكم أن تعودوا وقيل: يَعِظُكُمُ اللَّهُ كيلا تعودوا لِمِثْلِهِ إلى مثله أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بأمر عائشة وصفوان حَكِيمٌ حكم ببراءتها. إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ تظهر وتفشو وتذيع الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ يعني عبد الله بن أبيّ بن سلول وأصحابه المنافقين. وَاللَّهُ يَعْلَمُ كذبهم وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ فيه إضمار لعاجلكم بالعقوبة.

النور 24:17

إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ الآية. ذكر سبب نزول هذه الآيات وقصة الإفك. أخبرنا [[مسند أحمد: 6/ 197.]] أبو نعيم عبد الملك بن الحسن بن محمد بن إسحاق المهرجان بقراءتي عليه فأقرّ به قال: أخبرنا أبو عوانة سنة ست عشرة وثلاثمائة قال: حدّثنا محمد بن يحيى قال: حدّثنا عبد الرزاق وأخبرنا أبو نعيم قال: أخبرنا أبو عوانة قال: حدّثنا إسحاق بن إبراهيم الصنعاني قال: قرأنا على عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن الزهري قال: أخبرني سعيد بن المسيّب وعروة بن الزبير وعلقمة بن وقاص وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن حديث عائشة زوج النبي ﷺ‎ حين قال لها أهل الإفك ما قالوا فبرّأها الله وكلّهم، حدّثني بطائفة من حديثها وبعضهم كان أوعى له من بعض، وقد وعيت عن كلّ واحد الحديث الذي حدّثني، وبعض حديثهم يصدّق بعضا، ذكروا أنّ عائشة زوج النبي ﷺ‎ ورضي الله عنها قالت: كان رسول الله ﷺ‎ أذا أراد سفرا أقرع بين نسائه فأيّتهنّ خرج سهمها خرج بها رسول الله ﷺ‎ معه. قالت عائشة: فأقرع بيننا في غزوة غزاها فخرج فيها سهمي، فخرجت مع رسول الله ﷺ‎ وذلك بعد ما أنزل الله سبحانه الحجاب، فأنا أحمل في هودجي وأنزل منه مسيرنا حتى إذا فرغ رسول الله ﷺ‎ من غزوه وقفل ودنونا من المدينة آذن ليلة بالرحيل، فقمت حين آذنوا بالرحيل فمشيت حتّى جاوزت الجيش، فلمّا قضيت شأني أقبلت إلى الرحل فلمست صدري فإذا عقدي من جزع ظفار قد انقطع فرجعت فالتمست عقدي وحبسني ابتغاؤه، وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون فحملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنت، وهم يحسبون أنّي فيه. قالت: وكانت النساء إذ ذاك خفافا لم يهبلهنّ اللحم إنما يأكلن العلقة من الطعام، فلم يستنكر القوم ثقل الهودج حين رحلوه ورفعوه، وكنت جارية حديثة السنّ فبعثوا الجمل وساروا، ووجدت عقدي بعد ما استمر الجيش، فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب فتيمّمت منزلي الذي كنت فيه وظننت أن القوم سيفقدونني فيرجعون إليّ، فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيناي فنمت وكان صفوان بن المعطّل السلمي ثمّ الذكواني قد عرّس من وراء الجيش، فأدلج فأصبح عند منزلي فرأى سواد إنسان نائم فأتاني فعرفني حين رآني، وقد كان رآني قبل أن يضرب عليّ الحجاب فما استيقظت إلّا باسترجاعه حين عرفني، فخمّرت وجهي بجلبابي، فو الله ما كلّمني كلمة عند استرجاعه حتى أناخ راحلته فوطيت على يدها فركبتها فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش بعد ما نزلوا موغرين في نحر الظهيرة، فهلك من هلك في شأني، وكان الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ عبد الله بن أبي سلول فقدمت المدينة فاشتكيت من شدّة الحر [[في النسخة الثانية زيادة: فقدمت المدينة فاشتكيت.]] حين قدمتها شهرا والناس يخوضون في قول أهل الإفك ولا أشعر بشيء من ذلك وهو يريبني في وجعي أن لا أعرف من رسول الله ﷺ‎ اللطف الذي كنت أرى منه حين اشتكي، إنما يدخل رسول الله ﷺ‎ فيسلّم ثمّ يقول: كيف تيكم؟ ولا أشعر بالشر حتى خرجت بعد ما نقهت وخرجت معي أم مسطح قبل المناصع وهو مبترزنا فلا نخرج إلّا ليلا الى ليل وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبا من بيوتنا، وأمرنا أمر العرب الأول التنزّه، وكنّا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا، فانطلقت أنا وأم مسطح وهي عاتكة بنت أبي رهم بن عبد المطلب بن عبد مناف وأمّها بنت صخر بن عامر خالة أبي بكر الصدّيق وابنها مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب فأقبلت أنا وابنة أبي رهم قبل بيتي حين فرغنا من شأننا فعثرت أم مسطح في مرطها فقالت: تعس مسطح فقلت لها: بئس ما قلت، تسبّين رجلا شهد بدرا قالت: أي هنتاه أو لم تسمعي ما قال؟. قالت: قلت: وما ذي؟ قالت: فأخبرتني بقول أهل الإفك فازددت مرضا إلى مرضي فلمّا، رجعت إلى بيتي دخل عليّ رسول الله ﷺ‎ فسلّم ثمّ قال: «كيف تيكم؟» قلت: أتأذن لي أن آتي أبويّ؟ قالت: وأنا أريد حينئذ أن أتيقّن الخبر من قبلهما، فأذن لي رسول الله ﷺ‎ فجئت أبويّ فقلت لأمّي: يا أمّه ماذا يتحدّث الناس؟. فقالت: أي بنيّة هوّني عليك، فو الله لقلّ ما كانت امرأة قطّ وضيئة عند رجل يحبّها ولها ضرائر إلّا أكثرن عليها، قلت: سبحان الله أوقد تحدّث الناس بهذا؟ قالت: نعم، قالت: فمكثت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، ثمّ أصبحت أبكي، ودعا رسول الله ﷺ‎ علىّ بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي واستشارهما في فراق أهله. فأمّا أسامة فأشار على رسول الله ﷺ‎ بالذي يعلم من براءة أهله، وبالذي يعلم في نفسه لهم من الودّ، فقال: يا رسول الله هم أهلك ولا نعلم إلّا خيرا، وأمّا علىّ فقال: لم يضيّق الله عليك، والنساء سواها كثير، وإن تسأل الجارية تصدقك. قالت: فدعا رسول الله ﷺ‎ بريرة فقال: أي بريرة هل رأيت من شيء يريبك من أمر عائشة؟ فقالت له بريرة: والذي بعثك بالحق إن رأيت عليها أمرا قط أغمضه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها فيأتي الداجن [[دواجن البيوت ما ألفها من الطير والشاة، ودجن في بيته إذا لزمه.]] فيأكله. قالت: فقام رسول الله ﷺ‎ فاستعذر من عبد الله بن أبي بن سلول قال وهو على المنبر: «يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهلي، فو الله ما علمت على أهلي إلّا خيرا ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلّا خيرا وما كان يدخل على أهلي إلّا معي» [22] . فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال: أعذرك يا رسول الله، إن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك. قالت: فقال سعد بن عبادة وهو سيّد الخزرج، وكان رجلا صالحا ولكن احتملته الحميّة فقال لسعد بن معاذ: كذبت لعمر الله، فقال سعد: والله لنقتله فإنك منافق تجادل عن المنافقين. قالت: فثار الأوس والخزرج حتّى همّوا أن يقتتلوا ورسول الله ﷺ‎ قائم على المنبر فلم يزل رسول الله ﷺ‎ يخفضهم حتى سكتوا وسكت. قالت: ومكثت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، وأبواي يظنّان أنّ البكاء فالق كبدي. قالت: فبينا هما جالسان عندي وأنا أبكي استأذنت عليّ امرأة من الأنصار فأذنت لها فجلست تبكي معي، فبينا نحن على ذلك دخل علينا رسول الله ﷺ‎ فسلّم ثمّ جلس، قالت: ولم يجلس عندي منذ قيل لي ما قيل، وقد لبث شهرا لا يوحى إليه في شأني، قالت: فتشهّد رسول الله ﷺ‎ حين جلس ثمّ قال: أما بعد يا عائشة فإنّه بلغني عنك كذا وكذا فإن كنت بريئة فسيبرئك الله سبحانه، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بالذنب ثمّ تاب تاب الله عليه. قالت: فلمّا قضى رسول الله ﷺ‎ مقالته قلص دمعي حتى ما أحسّ منه قطرة، فقلت لأبي: أجب عنّي رسول الله قال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ‎، فقلت لأمّي: أجيبي عنّي رسول الله ﷺ‎ قالت: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ‎، فقلت وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ من القرآن كثيرا: إني والله لقد عرفت أنكم قد سمعتم بهذا الأمر حتّى استقرّ في أنفسكم وصدقتم به، فلئن قلت لكم إني بريئة والله سبحانه وتعالى يعلم أني بريئة [[في نسخة أصفهان زيادة: لا فضل قوي بذلك ولئن اعترفت لكم بذنبي والله يعلم إني لبريئة.]] لتصدقونني، والله ما أجد لي ولكم مثلا إلّا كما قال أبو يوسف وما أحفظ اسمه: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ. قالت: ثمّ تحوّلت واضطجعت على فراشي، وأنا والله حينئذ أعلم أنّي بريئة وأن الله سبحانه مبرّئي ببراءتي ولكن، والله ما كنت أظنّ أن ينزل في شأني وحي يتلى ولشأني كان أحقر في نفسي من أن يتكلّم الله فيّ بأمر يتلى ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله ﷺ‎ في النوم رؤيا يبرّئني الله بها. قالت: فو الله ما رام رسول الله ﷺ‎ مجلسه ولا خرج من أهل البيت أحد حتى أنزل الله سبحانه على نبيّه ﷺ‎، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء عند الوحي حتى أنّه لينحدر منه مثل الجمان من العرق في اليوم الشاتي من ثقل الوحي الذي أنزل عليه. قالت: فلمّا سرّي عن رسول الله ﷺ‎ وهو يضحك، فكان أوّل كلمة تكلّم بها أن قال: «أبشري يا عائشة أما والله فقد برّاك» [23] فقالت لي أمّي: قومي إليه فقلت: والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلّا الله سبحانه هو الذي أنزل براءتي. قالت: فأنزل الله سبحانه إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ عشر آيات وأنزل الله سبحانه هذه الآية لبراءتي. قالت: فقال أبو بكر وكان ينفق على مسطح لقرابته منه وفقره: والله لا أنفق عليه شيئا أبدا بعد الذي قال لعائشة، فأنزل الله سبحانه وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ إلى قوله أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ [[النور: 22.]] . فقال أبو بكر رضى الله عنه: والله إني لأحبّ أن يغفر الله لي، فرجع الى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه وقال: لا أنزعها منه أبدا. قالت عائشة رضي الله عنها: وكان رسول الله ﷺ‎ سأل زينب بنت جحش زوج النبي ﷺ‎: ما علمت أو ما رأيت؟ فقالت: يا رسول الله أحمي سمعي وبصري، والله ما علمت إلّا خيرا. قالت عائشة: وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي ﷺ‎ فعصمها الله سبحانه وتعالى بالورع، وطفقت أختها حمنة بنت جحش تحارب لها فهلكت فيمن هلك. قال الزهري: فهذا ما انتهى إلينا من هؤلاء الرهط. وأخبرنا أبو نعيم قال: أخبرنا أبو عوانة قال: حدّثنا محمد بن إسماعيل الصائغ بمكة ومحمد بن حرب المديني بالفسطاط قالا: حدّثنا إسماعيل بن أبي أويس قال: حدّثني أبي عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها، قال أبو أويس: وحدّثني أيضا عبد الله بن أبي بكر عن عمرة عن عائشة قالت: كان النبي ﷺ‎ إذا أراد أن يسافر سفرا أقرع بين أزواجه فأيّتهنّ خرج سهمها خرج بها معه، فخرج سهم عائشة في غزوة النبي ﷺ‎ بني المصطلق من خزاعة، وذكر الحديث بطوله بمثل معناه. وقال عروة في سؤال رسول الله ﷺ‎ بريرة عن عائشة قال: فانتهرها بعض أصحابه وقال: اصدقي رسول الله، قال عروة: فعيب ذلك على من قاله، فقالت: لا والله ما أعلم عليها إلّا ما يعلم الصائغ على تبر الذهب الأحمر، ولئن كانت صنعت ما قال الناس ليخبرنّك الله، فعجب الناس من فقهها. قال: وبلغ ذلك الذي قيل له فقال: سبحان الله، والله ما كشفت كتف أنثى قط، فقتل شهيدا في سبيل الله، وزاد في آخره قالت: وقعد صفوان بن المعطل لحسّان بن ثابت فضربه ضربة بالسيف وقال حين ضربه: تلقّ ذباب السيف عنّي فإنّني ... غلام إذا هوجيت لست بشاعر [[تفسير القرطبي: 12/ 199، وتاريخ مدينة دمشق: 4/ 308. وفيه: ليس بشاعر.]] ولكنني أحمي حماي وانتقم ... من الباهت الرامي البراء الظواهر [[تاريخ مدينة دمشق: 4/ 308. والعبارة: واتقي.]] وصاح حسان بن ثابت واستغاث بالناس على صفوان، ففرّ صفوان وجاء حسّان النبي ﷺ‎ فاستعدى على صفوان في ضربته إياه فسأله النبي ﷺ‎ أن يهب له ضرب صفوان إياه فوهبها للنبي ﷺ‎ فعوّضه منها حائطا من نخل عظيم وجارية روميّة، ثمّ باع حسان ذلك الحائط من معاوية بن أبي سفيان في ولايته بمال عظيم. قالت عائشة: فقيل في أصحاب الإفك أشعار. قال أبو بكر الصدّيق رضى الله عنه لمسطح في رميه عائشة رضى الله عنها وكان يدعى عوفا: يا عوف ويحك هلّا قلت عارفة ... من الكلام ولم تبغ به طمعا فأدركتك حميا معشر أنف ... ولم يكن قاطعا في عوف قطعا لما رميت حصانا غير مقرفة ... أمينة الجيب لم نعرف لها خضعا فيمن رماها وكنتم معشرا إفكا ... في سيّئ القول من لفظ الخنا شرعا فأنزل الله عذرا في براءتها ... وبين عوف وبين الله ما صنعا [[مجمع الزوائد- الهيثمي.: 9/ 235.]] فان أعش أجز عوفا في مقالته ... شرّ الجزاء بما ألفيته تبعا وقال حسّان بن ثابت الأنصاري ثم النجاري وهو يبرّئ عائشة ممّا قيل فيها ويعتذر إليها: حصان رزان ما يزن برتبة ... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل حليلة خير الناس دينا ومنصبا ... نبيّ الهدى والمكرمات الفواضل عقيلة حي من لؤي بن غالب ... كرام المساعي مجدها غير زايل مهذبة قد طيّب الله خيمها ... وطهّرها من كل شين وباطل فان كان ما قد جاء عنّي قلته ... فلا رفعت سوطي إليّ أناملي وإنّ الذي قد قيل ليس بلائط ... بك الدهر بل قول إمرئ غير ماحل وكيف وودّي ما حييت ونصرتي ... لآل رسول الله زين المحافل له رتب عال على الناس فضلها ... تقاصر عنها سورة المتطاول [[لسان العرب: 13/ 120.]] قال: وأمر النبي ﷺ‎ بالذين رموا عائشة فجلدوا الحدود جميعا ثمانين، فقال حسّان بن ثابت: لقد دان عبد الله ما كان أهله ... وحمته إذ قالوا هجيرا ومسطح تعاطوا برجم القول زوج نبيّهم ... وسخطة ذا الرب الكريم فأبرحوا وآذوا رسول الله فيها فعمموا ... مخازي ذلّ جلّلوها وفضحوا [[وما بعدها: المعجم الكبير- الطبراني: 23/ 117. وحمنه.]] فهذا سبب نزول الآية وقصّتها. فأمّا التفسير فقوله عزّ وجل إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ بالكذب عُصْبَةٌ جماعة مِنْكُمْ. قال الفرّاء: العصبة، الجماعة من الواحد إلى الأربعين. لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ يا عائشة وصفوان بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لأنّ الله يأجركم على ذلك ويظهر براءتكم لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يعني من الذين جاءوا بالإفك مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ جزاء ما اجترح من الذنب والمعصية. وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ والذي تحمّل معظمه فبدا بالخوض فيه، وقراءة العامة كِبْرَهُ: بكسر الكاف، وقرأ خليل والأعرج ويعقوب الحضرمي بضم الكاف. قال أبو عمرو بن العلاء: هو خطأ لأن الكبر بضم الكاف في الولاء والسن، ومنه الحديث: الولاء للكبر، وهو أكبر ولد الرجل من الذكورة وأقربهم إليه نسبا. وقال الكسائي: هما لغتان مثل صفر وصفر، واختلف المفسّرون في المعنيّ بقوله وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ. فقال قوم: هو حسّان بن ثابت. روى داود بن أبي هند عن عامر الشعبي أنّ عائشة رضي الله عنها قالت: ما سمعت بشيء أحسن من شعر حسّان، وما تمثلت به إلّا رجوت له الجنة، قوله لأبي سفيان: هجوت محمدا فأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء فانّ أبي ووالدتي وعرضي ... لعرض محمد منكم وقاء أتشتمه ولست له بكفؤ ... فشرّكما لخيركما الفداء لساني صارم لا عيب فيه ... وبحري لا تكدّره الدلاء [[جامع البيان للطبري: 18/ 115.]] فقيل: يا أم المؤمنين أليس الله يقول وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ. قالت: أليس قد أصابه عذاب عظيم؟ أليس قد ذهب بصره وكنع بالسيف. وروى أبو الضحى عن مسروق قال: كنت عند عائشة فدخل حسّان بن ثابت فأمرت فألقي له وسادة، فلمّا خرج قلت لعائشة: تدعين هذا الرجل يدخل عليك وقد قال ما قال، وأنزل الله سبحانه فيه وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ؟. فقالت: وأىّ عذاب أشد من العمى، ولعلّ الله يجعل ذلك العذاب العظيم ذهاب بصره، وقالت: انه كان يدفع عن رسول الله ﷺ‎. وقال آخرون: بل هو عبد الله بن أبي سلول وأصحابه. روى ابن أبي مليكة عن عروة عن عائشة قالت في حديث الإفك: ثمّ ركبت وأخذ صفوان بالزمام فمررنا بملإ من المنافقين وكانت عادتهم أن ينزلوا منتبذين من الناس. فقال عبد الله بن أبي رئيسهم: من هذه؟ قالوا: عائشة: قال: والله ما نجت منه ولا نجا منها، وقال: امرأة نبيّكم باتت مع رجل حتى أصبحت، ثمّ جاء يقودها، وشرع في ذلك أيضا حسّان ومسطح وحمنة فهم الذين تولّوا كبره، ثمّ فشا ذلك في الناس. لَوْلا هلّا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ بإخوانهم خَيْراً. قال الحسن: بأهل دينهم لأن المؤمنين كنفس واحدة، نظيره قوله وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [[سورة النساء: 29.]] وقوله فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ [[سورة النور: 61.]] . قال بعض أهل المعاني: تقدير الآية هلّا ظننتم كما ظنّ المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا. وقيل: أراد بأنفسهم أهاليهم وأزواجهم، وقالوا: أراد بهذه الآية أبا أيوب الأنصاري وامرأته أم أيوب. روى محمد بن إسحاق بن يسار عن رجاله أنّ أبا أيوب خالد بن يزيد قالت له امرأته أم أيّوب: يا أبا أيوب أما تسمع ما يقول الناس في عائشة؟ قال: بلى وذلك الكذب أكنت، فاعلة ذلك يا أم أيوب؟ قالت: لا والله ما كنت لأفعله. قال: فعائشة والله خير منك، سبحان الله هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ، فأنزل الله سبحانه لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ الآيات، أي كما فعل أبو أيوب وصاحبته وكما قالا. وقوله وَقالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ أي كذب بيّن لَوْلا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكاذِبُونَ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ خضتم فِيهِ من الإفك عَذابٌ عَظِيمٌ إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ تأخذونه تروونه بعضكم عن بعض، وقرأ [أبيّ وابن مسعود: إذ تتلقّونه بتاءين] [[من التلقي.]] ، وقرأت عائشة [[هو في صحيح البخاري: 5/ 61.]] : تَلِقُونَهُ بكسر اللام وتخفيف القاف من الكذب، والولق والألق والالق والليق الكذب. قال الخليل: أصل الولق السرعة وأنشد: جاءوا بأسراب من الشام ولق [[فتح القدير: 4/ 13.]] أي تسرع، يقال: ولق فلان في السير فهو يلق فيه إذا استمر وأسرع فيه، فكان معنى قراءة عائشة: إذ تستمرّون في إفككم. وقرأ محمد بن السميقع: إِذْ تُلْقُونَهُ من الإلقاء [[بضمّ التاء وسكون اللام وضمّ القاف عن تفسير القرطبي: 12/ 204.]] ، نظيره ودليله قوله سبحانه فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ [[سورة النحل: 36.]] الآية. وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وتظنّونه سهلا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا سُبْحانَكَ يحتمل التنزيه والتعجب. هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا أي ينهاكم ويخوّفكم أن تعودوا وقيل: يَعِظُكُمُ اللَّهُ كيلا تعودوا لِمِثْلِهِ إلى مثله أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بأمر عائشة وصفوان حَكِيمٌ حكم ببراءتها. إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ تظهر وتفشو وتذيع الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ يعني عبد الله بن أبيّ بن سلول وأصحابه المنافقين. وَاللَّهُ يَعْلَمُ كذبهم وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ فيه إضمار لعاجلكم بالعقوبة.

النور 24:18

إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ الآية. ذكر سبب نزول هذه الآيات وقصة الإفك. أخبرنا [[مسند أحمد: 6/ 197.]] أبو نعيم عبد الملك بن الحسن بن محمد بن إسحاق المهرجان بقراءتي عليه فأقرّ به قال: أخبرنا أبو عوانة سنة ست عشرة وثلاثمائة قال: حدّثنا محمد بن يحيى قال: حدّثنا عبد الرزاق وأخبرنا أبو نعيم قال: أخبرنا أبو عوانة قال: حدّثنا إسحاق بن إبراهيم الصنعاني قال: قرأنا على عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن الزهري قال: أخبرني سعيد بن المسيّب وعروة بن الزبير وعلقمة بن وقاص وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن حديث عائشة زوج النبي ﷺ‎ حين قال لها أهل الإفك ما قالوا فبرّأها الله وكلّهم، حدّثني بطائفة من حديثها وبعضهم كان أوعى له من بعض، وقد وعيت عن كلّ واحد الحديث الذي حدّثني، وبعض حديثهم يصدّق بعضا، ذكروا أنّ عائشة زوج النبي ﷺ‎ ورضي الله عنها قالت: كان رسول الله ﷺ‎ أذا أراد سفرا أقرع بين نسائه فأيّتهنّ خرج سهمها خرج بها رسول الله ﷺ‎ معه. قالت عائشة: فأقرع بيننا في غزوة غزاها فخرج فيها سهمي، فخرجت مع رسول الله ﷺ‎ وذلك بعد ما أنزل الله سبحانه الحجاب، فأنا أحمل في هودجي وأنزل منه مسيرنا حتى إذا فرغ رسول الله ﷺ‎ من غزوه وقفل ودنونا من المدينة آذن ليلة بالرحيل، فقمت حين آذنوا بالرحيل فمشيت حتّى جاوزت الجيش، فلمّا قضيت شأني أقبلت إلى الرحل فلمست صدري فإذا عقدي من جزع ظفار قد انقطع فرجعت فالتمست عقدي وحبسني ابتغاؤه، وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون فحملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنت، وهم يحسبون أنّي فيه. قالت: وكانت النساء إذ ذاك خفافا لم يهبلهنّ اللحم إنما يأكلن العلقة من الطعام، فلم يستنكر القوم ثقل الهودج حين رحلوه ورفعوه، وكنت جارية حديثة السنّ فبعثوا الجمل وساروا، ووجدت عقدي بعد ما استمر الجيش، فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب فتيمّمت منزلي الذي كنت فيه وظننت أن القوم سيفقدونني فيرجعون إليّ، فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيناي فنمت وكان صفوان بن المعطّل السلمي ثمّ الذكواني قد عرّس من وراء الجيش، فأدلج فأصبح عند منزلي فرأى سواد إنسان نائم فأتاني فعرفني حين رآني، وقد كان رآني قبل أن يضرب عليّ الحجاب فما استيقظت إلّا باسترجاعه حين عرفني، فخمّرت وجهي بجلبابي، فو الله ما كلّمني كلمة عند استرجاعه حتى أناخ راحلته فوطيت على يدها فركبتها فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش بعد ما نزلوا موغرين في نحر الظهيرة، فهلك من هلك في شأني، وكان الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ عبد الله بن أبي سلول فقدمت المدينة فاشتكيت من شدّة الحر [[في النسخة الثانية زيادة: فقدمت المدينة فاشتكيت.]] حين قدمتها شهرا والناس يخوضون في قول أهل الإفك ولا أشعر بشيء من ذلك وهو يريبني في وجعي أن لا أعرف من رسول الله ﷺ‎ اللطف الذي كنت أرى منه حين اشتكي، إنما يدخل رسول الله ﷺ‎ فيسلّم ثمّ يقول: كيف تيكم؟ ولا أشعر بالشر حتى خرجت بعد ما نقهت وخرجت معي أم مسطح قبل المناصع وهو مبترزنا فلا نخرج إلّا ليلا الى ليل وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبا من بيوتنا، وأمرنا أمر العرب الأول التنزّه، وكنّا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا، فانطلقت أنا وأم مسطح وهي عاتكة بنت أبي رهم بن عبد المطلب بن عبد مناف وأمّها بنت صخر بن عامر خالة أبي بكر الصدّيق وابنها مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب فأقبلت أنا وابنة أبي رهم قبل بيتي حين فرغنا من شأننا فعثرت أم مسطح في مرطها فقالت: تعس مسطح فقلت لها: بئس ما قلت، تسبّين رجلا شهد بدرا قالت: أي هنتاه أو لم تسمعي ما قال؟. قالت: قلت: وما ذي؟ قالت: فأخبرتني بقول أهل الإفك فازددت مرضا إلى مرضي فلمّا، رجعت إلى بيتي دخل عليّ رسول الله ﷺ‎ فسلّم ثمّ قال: «كيف تيكم؟» قلت: أتأذن لي أن آتي أبويّ؟ قالت: وأنا أريد حينئذ أن أتيقّن الخبر من قبلهما، فأذن لي رسول الله ﷺ‎ فجئت أبويّ فقلت لأمّي: يا أمّه ماذا يتحدّث الناس؟. فقالت: أي بنيّة هوّني عليك، فو الله لقلّ ما كانت امرأة قطّ وضيئة عند رجل يحبّها ولها ضرائر إلّا أكثرن عليها، قلت: سبحان الله أوقد تحدّث الناس بهذا؟ قالت: نعم، قالت: فمكثت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، ثمّ أصبحت أبكي، ودعا رسول الله ﷺ‎ علىّ بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي واستشارهما في فراق أهله. فأمّا أسامة فأشار على رسول الله ﷺ‎ بالذي يعلم من براءة أهله، وبالذي يعلم في نفسه لهم من الودّ، فقال: يا رسول الله هم أهلك ولا نعلم إلّا خيرا، وأمّا علىّ فقال: لم يضيّق الله عليك، والنساء سواها كثير، وإن تسأل الجارية تصدقك. قالت: فدعا رسول الله ﷺ‎ بريرة فقال: أي بريرة هل رأيت من شيء يريبك من أمر عائشة؟ فقالت له بريرة: والذي بعثك بالحق إن رأيت عليها أمرا قط أغمضه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها فيأتي الداجن [[دواجن البيوت ما ألفها من الطير والشاة، ودجن في بيته إذا لزمه.]] فيأكله. قالت: فقام رسول الله ﷺ‎ فاستعذر من عبد الله بن أبي بن سلول قال وهو على المنبر: «يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهلي، فو الله ما علمت على أهلي إلّا خيرا ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلّا خيرا وما كان يدخل على أهلي إلّا معي» [22] . فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال: أعذرك يا رسول الله، إن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك. قالت: فقال سعد بن عبادة وهو سيّد الخزرج، وكان رجلا صالحا ولكن احتملته الحميّة فقال لسعد بن معاذ: كذبت لعمر الله، فقال سعد: والله لنقتله فإنك منافق تجادل عن المنافقين. قالت: فثار الأوس والخزرج حتّى همّوا أن يقتتلوا ورسول الله ﷺ‎ قائم على المنبر فلم يزل رسول الله ﷺ‎ يخفضهم حتى سكتوا وسكت. قالت: ومكثت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، وأبواي يظنّان أنّ البكاء فالق كبدي. قالت: فبينا هما جالسان عندي وأنا أبكي استأذنت عليّ امرأة من الأنصار فأذنت لها فجلست تبكي معي، فبينا نحن على ذلك دخل علينا رسول الله ﷺ‎ فسلّم ثمّ جلس، قالت: ولم يجلس عندي منذ قيل لي ما قيل، وقد لبث شهرا لا يوحى إليه في شأني، قالت: فتشهّد رسول الله ﷺ‎ حين جلس ثمّ قال: أما بعد يا عائشة فإنّه بلغني عنك كذا وكذا فإن كنت بريئة فسيبرئك الله سبحانه، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بالذنب ثمّ تاب تاب الله عليه. قالت: فلمّا قضى رسول الله ﷺ‎ مقالته قلص دمعي حتى ما أحسّ منه قطرة، فقلت لأبي: أجب عنّي رسول الله قال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ‎، فقلت لأمّي: أجيبي عنّي رسول الله ﷺ‎ قالت: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ‎، فقلت وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ من القرآن كثيرا: إني والله لقد عرفت أنكم قد سمعتم بهذا الأمر حتّى استقرّ في أنفسكم وصدقتم به، فلئن قلت لكم إني بريئة والله سبحانه وتعالى يعلم أني بريئة [[في نسخة أصفهان زيادة: لا فضل قوي بذلك ولئن اعترفت لكم بذنبي والله يعلم إني لبريئة.]] لتصدقونني، والله ما أجد لي ولكم مثلا إلّا كما قال أبو يوسف وما أحفظ اسمه: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ. قالت: ثمّ تحوّلت واضطجعت على فراشي، وأنا والله حينئذ أعلم أنّي بريئة وأن الله سبحانه مبرّئي ببراءتي ولكن، والله ما كنت أظنّ أن ينزل في شأني وحي يتلى ولشأني كان أحقر في نفسي من أن يتكلّم الله فيّ بأمر يتلى ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله ﷺ‎ في النوم رؤيا يبرّئني الله بها. قالت: فو الله ما رام رسول الله ﷺ‎ مجلسه ولا خرج من أهل البيت أحد حتى أنزل الله سبحانه على نبيّه ﷺ‎، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء عند الوحي حتى أنّه لينحدر منه مثل الجمان من العرق في اليوم الشاتي من ثقل الوحي الذي أنزل عليه. قالت: فلمّا سرّي عن رسول الله ﷺ‎ وهو يضحك، فكان أوّل كلمة تكلّم بها أن قال: «أبشري يا عائشة أما والله فقد برّاك» [23] فقالت لي أمّي: قومي إليه فقلت: والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلّا الله سبحانه هو الذي أنزل براءتي. قالت: فأنزل الله سبحانه إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ عشر آيات وأنزل الله سبحانه هذه الآية لبراءتي. قالت: فقال أبو بكر وكان ينفق على مسطح لقرابته منه وفقره: والله لا أنفق عليه شيئا أبدا بعد الذي قال لعائشة، فأنزل الله سبحانه وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ إلى قوله أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ [[النور: 22.]] . فقال أبو بكر رضى الله عنه: والله إني لأحبّ أن يغفر الله لي، فرجع الى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه وقال: لا أنزعها منه أبدا. قالت عائشة رضي الله عنها: وكان رسول الله ﷺ‎ سأل زينب بنت جحش زوج النبي ﷺ‎: ما علمت أو ما رأيت؟ فقالت: يا رسول الله أحمي سمعي وبصري، والله ما علمت إلّا خيرا. قالت عائشة: وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي ﷺ‎ فعصمها الله سبحانه وتعالى بالورع، وطفقت أختها حمنة بنت جحش تحارب لها فهلكت فيمن هلك. قال الزهري: فهذا ما انتهى إلينا من هؤلاء الرهط. وأخبرنا أبو نعيم قال: أخبرنا أبو عوانة قال: حدّثنا محمد بن إسماعيل الصائغ بمكة ومحمد بن حرب المديني بالفسطاط قالا: حدّثنا إسماعيل بن أبي أويس قال: حدّثني أبي عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها، قال أبو أويس: وحدّثني أيضا عبد الله بن أبي بكر عن عمرة عن عائشة قالت: كان النبي ﷺ‎ إذا أراد أن يسافر سفرا أقرع بين أزواجه فأيّتهنّ خرج سهمها خرج بها معه، فخرج سهم عائشة في غزوة النبي ﷺ‎ بني المصطلق من خزاعة، وذكر الحديث بطوله بمثل معناه. وقال عروة في سؤال رسول الله ﷺ‎ بريرة عن عائشة قال: فانتهرها بعض أصحابه وقال: اصدقي رسول الله، قال عروة: فعيب ذلك على من قاله، فقالت: لا والله ما أعلم عليها إلّا ما يعلم الصائغ على تبر الذهب الأحمر، ولئن كانت صنعت ما قال الناس ليخبرنّك الله، فعجب الناس من فقهها. قال: وبلغ ذلك الذي قيل له فقال: سبحان الله، والله ما كشفت كتف أنثى قط، فقتل شهيدا في سبيل الله، وزاد في آخره قالت: وقعد صفوان بن المعطل لحسّان بن ثابت فضربه ضربة بالسيف وقال حين ضربه: تلقّ ذباب السيف عنّي فإنّني ... غلام إذا هوجيت لست بشاعر [[تفسير القرطبي: 12/ 199، وتاريخ مدينة دمشق: 4/ 308. وفيه: ليس بشاعر.]] ولكنني أحمي حماي وانتقم ... من الباهت الرامي البراء الظواهر [[تاريخ مدينة دمشق: 4/ 308. والعبارة: واتقي.]] وصاح حسان بن ثابت واستغاث بالناس على صفوان، ففرّ صفوان وجاء حسّان النبي ﷺ‎ فاستعدى على صفوان في ضربته إياه فسأله النبي ﷺ‎ أن يهب له ضرب صفوان إياه فوهبها للنبي ﷺ‎ فعوّضه منها حائطا من نخل عظيم وجارية روميّة، ثمّ باع حسان ذلك الحائط من معاوية بن أبي سفيان في ولايته بمال عظيم. قالت عائشة: فقيل في أصحاب الإفك أشعار. قال أبو بكر الصدّيق رضى الله عنه لمسطح في رميه عائشة رضى الله عنها وكان يدعى عوفا: يا عوف ويحك هلّا قلت عارفة ... من الكلام ولم تبغ به طمعا فأدركتك حميا معشر أنف ... ولم يكن قاطعا في عوف قطعا لما رميت حصانا غير مقرفة ... أمينة الجيب لم نعرف لها خضعا فيمن رماها وكنتم معشرا إفكا ... في سيّئ القول من لفظ الخنا شرعا فأنزل الله عذرا في براءتها ... وبين عوف وبين الله ما صنعا [[مجمع الزوائد- الهيثمي.: 9/ 235.]] فان أعش أجز عوفا في مقالته ... شرّ الجزاء بما ألفيته تبعا وقال حسّان بن ثابت الأنصاري ثم النجاري وهو يبرّئ عائشة ممّا قيل فيها ويعتذر إليها: حصان رزان ما يزن برتبة ... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل حليلة خير الناس دينا ومنصبا ... نبيّ الهدى والمكرمات الفواضل عقيلة حي من لؤي بن غالب ... كرام المساعي مجدها غير زايل مهذبة قد طيّب الله خيمها ... وطهّرها من كل شين وباطل فان كان ما قد جاء عنّي قلته ... فلا رفعت سوطي إليّ أناملي وإنّ الذي قد قيل ليس بلائط ... بك الدهر بل قول إمرئ غير ماحل وكيف وودّي ما حييت ونصرتي ... لآل رسول الله زين المحافل له رتب عال على الناس فضلها ... تقاصر عنها سورة المتطاول [[لسان العرب: 13/ 120.]] قال: وأمر النبي ﷺ‎ بالذين رموا عائشة فجلدوا الحدود جميعا ثمانين، فقال حسّان بن ثابت: لقد دان عبد الله ما كان أهله ... وحمته إذ قالوا هجيرا ومسطح تعاطوا برجم القول زوج نبيّهم ... وسخطة ذا الرب الكريم فأبرحوا وآذوا رسول الله فيها فعمموا ... مخازي ذلّ جلّلوها وفضحوا [[وما بعدها: المعجم الكبير- الطبراني: 23/ 117. وحمنه.]] فهذا سبب نزول الآية وقصّتها. فأمّا التفسير فقوله عزّ وجل إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ بالكذب عُصْبَةٌ جماعة مِنْكُمْ. قال الفرّاء: العصبة، الجماعة من الواحد إلى الأربعين. لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ يا عائشة وصفوان بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لأنّ الله يأجركم على ذلك ويظهر براءتكم لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يعني من الذين جاءوا بالإفك مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ جزاء ما اجترح من الذنب والمعصية. وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ والذي تحمّل معظمه فبدا بالخوض فيه، وقراءة العامة كِبْرَهُ: بكسر الكاف، وقرأ خليل والأعرج ويعقوب الحضرمي بضم الكاف. قال أبو عمرو بن العلاء: هو خطأ لأن الكبر بضم الكاف في الولاء والسن، ومنه الحديث: الولاء للكبر، وهو أكبر ولد الرجل من الذكورة وأقربهم إليه نسبا. وقال الكسائي: هما لغتان مثل صفر وصفر، واختلف المفسّرون في المعنيّ بقوله وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ. فقال قوم: هو حسّان بن ثابت. روى داود بن أبي هند عن عامر الشعبي أنّ عائشة رضي الله عنها قالت: ما سمعت بشيء أحسن من شعر حسّان، وما تمثلت به إلّا رجوت له الجنة، قوله لأبي سفيان: هجوت محمدا فأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء فانّ أبي ووالدتي وعرضي ... لعرض محمد منكم وقاء أتشتمه ولست له بكفؤ ... فشرّكما لخيركما الفداء لساني صارم لا عيب فيه ... وبحري لا تكدّره الدلاء [[جامع البيان للطبري: 18/ 115.]] فقيل: يا أم المؤمنين أليس الله يقول وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ. قالت: أليس قد أصابه عذاب عظيم؟ أليس قد ذهب بصره وكنع بالسيف. وروى أبو الضحى عن مسروق قال: كنت عند عائشة فدخل حسّان بن ثابت فأمرت فألقي له وسادة، فلمّا خرج قلت لعائشة: تدعين هذا الرجل يدخل عليك وقد قال ما قال، وأنزل الله سبحانه فيه وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ؟. فقالت: وأىّ عذاب أشد من العمى، ولعلّ الله يجعل ذلك العذاب العظيم ذهاب بصره، وقالت: انه كان يدفع عن رسول الله ﷺ‎. وقال آخرون: بل هو عبد الله بن أبي سلول وأصحابه. روى ابن أبي مليكة عن عروة عن عائشة قالت في حديث الإفك: ثمّ ركبت وأخذ صفوان بالزمام فمررنا بملإ من المنافقين وكانت عادتهم أن ينزلوا منتبذين من الناس. فقال عبد الله بن أبي رئيسهم: من هذه؟ قالوا: عائشة: قال: والله ما نجت منه ولا نجا منها، وقال: امرأة نبيّكم باتت مع رجل حتى أصبحت، ثمّ جاء يقودها، وشرع في ذلك أيضا حسّان ومسطح وحمنة فهم الذين تولّوا كبره، ثمّ فشا ذلك في الناس. لَوْلا هلّا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ بإخوانهم خَيْراً. قال الحسن: بأهل دينهم لأن المؤمنين كنفس واحدة، نظيره قوله وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [[سورة النساء: 29.]] وقوله فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ [[سورة النور: 61.]] . قال بعض أهل المعاني: تقدير الآية هلّا ظننتم كما ظنّ المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا. وقيل: أراد بأنفسهم أهاليهم وأزواجهم، وقالوا: أراد بهذه الآية أبا أيوب الأنصاري وامرأته أم أيوب. روى محمد بن إسحاق بن يسار عن رجاله أنّ أبا أيوب خالد بن يزيد قالت له امرأته أم أيّوب: يا أبا أيوب أما تسمع ما يقول الناس في عائشة؟ قال: بلى وذلك الكذب أكنت، فاعلة ذلك يا أم أيوب؟ قالت: لا والله ما كنت لأفعله. قال: فعائشة والله خير منك، سبحان الله هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ، فأنزل الله سبحانه لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ الآيات، أي كما فعل أبو أيوب وصاحبته وكما قالا. وقوله وَقالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ أي كذب بيّن لَوْلا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكاذِبُونَ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ خضتم فِيهِ من الإفك عَذابٌ عَظِيمٌ إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ تأخذونه تروونه بعضكم عن بعض، وقرأ [أبيّ وابن مسعود: إذ تتلقّونه بتاءين] [[من التلقي.]] ، وقرأت عائشة [[هو في صحيح البخاري: 5/ 61.]] : تَلِقُونَهُ بكسر اللام وتخفيف القاف من الكذب، والولق والألق والالق والليق الكذب. قال الخليل: أصل الولق السرعة وأنشد: جاءوا بأسراب من الشام ولق [[فتح القدير: 4/ 13.]] أي تسرع، يقال: ولق فلان في السير فهو يلق فيه إذا استمر وأسرع فيه، فكان معنى قراءة عائشة: إذ تستمرّون في إفككم. وقرأ محمد بن السميقع: إِذْ تُلْقُونَهُ من الإلقاء [[بضمّ التاء وسكون اللام وضمّ القاف عن تفسير القرطبي: 12/ 204.]] ، نظيره ودليله قوله سبحانه فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ [[سورة النحل: 36.]] الآية. وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وتظنّونه سهلا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا سُبْحانَكَ يحتمل التنزيه والتعجب. هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا أي ينهاكم ويخوّفكم أن تعودوا وقيل: يَعِظُكُمُ اللَّهُ كيلا تعودوا لِمِثْلِهِ إلى مثله أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بأمر عائشة وصفوان حَكِيمٌ حكم ببراءتها. إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ تظهر وتفشو وتذيع الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ يعني عبد الله بن أبيّ بن سلول وأصحابه المنافقين. وَاللَّهُ يَعْلَمُ كذبهم وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ فيه إضمار لعاجلكم بالعقوبة.

النور 24:19

إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ الآية. ذكر سبب نزول هذه الآيات وقصة الإفك. أخبرنا [[مسند أحمد: 6/ 197.]] أبو نعيم عبد الملك بن الحسن بن محمد بن إسحاق المهرجان بقراءتي عليه فأقرّ به قال: أخبرنا أبو عوانة سنة ست عشرة وثلاثمائة قال: حدّثنا محمد بن يحيى قال: حدّثنا عبد الرزاق وأخبرنا أبو نعيم قال: أخبرنا أبو عوانة قال: حدّثنا إسحاق بن إبراهيم الصنعاني قال: قرأنا على عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن الزهري قال: أخبرني سعيد بن المسيّب وعروة بن الزبير وعلقمة بن وقاص وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن حديث عائشة زوج النبي ﷺ‎ حين قال لها أهل الإفك ما قالوا فبرّأها الله وكلّهم، حدّثني بطائفة من حديثها وبعضهم كان أوعى له من بعض، وقد وعيت عن كلّ واحد الحديث الذي حدّثني، وبعض حديثهم يصدّق بعضا، ذكروا أنّ عائشة زوج النبي ﷺ‎ ورضي الله عنها قالت: كان رسول الله ﷺ‎ أذا أراد سفرا أقرع بين نسائه فأيّتهنّ خرج سهمها خرج بها رسول الله ﷺ‎ معه. قالت عائشة: فأقرع بيننا في غزوة غزاها فخرج فيها سهمي، فخرجت مع رسول الله ﷺ‎ وذلك بعد ما أنزل الله سبحانه الحجاب، فأنا أحمل في هودجي وأنزل منه مسيرنا حتى إذا فرغ رسول الله ﷺ‎ من غزوه وقفل ودنونا من المدينة آذن ليلة بالرحيل، فقمت حين آذنوا بالرحيل فمشيت حتّى جاوزت الجيش، فلمّا قضيت شأني أقبلت إلى الرحل فلمست صدري فإذا عقدي من جزع ظفار قد انقطع فرجعت فالتمست عقدي وحبسني ابتغاؤه، وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون فحملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنت، وهم يحسبون أنّي فيه. قالت: وكانت النساء إذ ذاك خفافا لم يهبلهنّ اللحم إنما يأكلن العلقة من الطعام، فلم يستنكر القوم ثقل الهودج حين رحلوه ورفعوه، وكنت جارية حديثة السنّ فبعثوا الجمل وساروا، ووجدت عقدي بعد ما استمر الجيش، فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب فتيمّمت منزلي الذي كنت فيه وظننت أن القوم سيفقدونني فيرجعون إليّ، فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيناي فنمت وكان صفوان بن المعطّل السلمي ثمّ الذكواني قد عرّس من وراء الجيش، فأدلج فأصبح عند منزلي فرأى سواد إنسان نائم فأتاني فعرفني حين رآني، وقد كان رآني قبل أن يضرب عليّ الحجاب فما استيقظت إلّا باسترجاعه حين عرفني، فخمّرت وجهي بجلبابي، فو الله ما كلّمني كلمة عند استرجاعه حتى أناخ راحلته فوطيت على يدها فركبتها فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش بعد ما نزلوا موغرين في نحر الظهيرة، فهلك من هلك في شأني، وكان الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ عبد الله بن أبي سلول فقدمت المدينة فاشتكيت من شدّة الحر [[في النسخة الثانية زيادة: فقدمت المدينة فاشتكيت.]] حين قدمتها شهرا والناس يخوضون في قول أهل الإفك ولا أشعر بشيء من ذلك وهو يريبني في وجعي أن لا أعرف من رسول الله ﷺ‎ اللطف الذي كنت أرى منه حين اشتكي، إنما يدخل رسول الله ﷺ‎ فيسلّم ثمّ يقول: كيف تيكم؟ ولا أشعر بالشر حتى خرجت بعد ما نقهت وخرجت معي أم مسطح قبل المناصع وهو مبترزنا فلا نخرج إلّا ليلا الى ليل وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبا من بيوتنا، وأمرنا أمر العرب الأول التنزّه، وكنّا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا، فانطلقت أنا وأم مسطح وهي عاتكة بنت أبي رهم بن عبد المطلب بن عبد مناف وأمّها بنت صخر بن عامر خالة أبي بكر الصدّيق وابنها مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب فأقبلت أنا وابنة أبي رهم قبل بيتي حين فرغنا من شأننا فعثرت أم مسطح في مرطها فقالت: تعس مسطح فقلت لها: بئس ما قلت، تسبّين رجلا شهد بدرا قالت: أي هنتاه أو لم تسمعي ما قال؟. قالت: قلت: وما ذي؟ قالت: فأخبرتني بقول أهل الإفك فازددت مرضا إلى مرضي فلمّا، رجعت إلى بيتي دخل عليّ رسول الله ﷺ‎ فسلّم ثمّ قال: «كيف تيكم؟» قلت: أتأذن لي أن آتي أبويّ؟ قالت: وأنا أريد حينئذ أن أتيقّن الخبر من قبلهما، فأذن لي رسول الله ﷺ‎ فجئت أبويّ فقلت لأمّي: يا أمّه ماذا يتحدّث الناس؟. فقالت: أي بنيّة هوّني عليك، فو الله لقلّ ما كانت امرأة قطّ وضيئة عند رجل يحبّها ولها ضرائر إلّا أكثرن عليها، قلت: سبحان الله أوقد تحدّث الناس بهذا؟ قالت: نعم، قالت: فمكثت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، ثمّ أصبحت أبكي، ودعا رسول الله ﷺ‎ علىّ بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي واستشارهما في فراق أهله. فأمّا أسامة فأشار على رسول الله ﷺ‎ بالذي يعلم من براءة أهله، وبالذي يعلم في نفسه لهم من الودّ، فقال: يا رسول الله هم أهلك ولا نعلم إلّا خيرا، وأمّا علىّ فقال: لم يضيّق الله عليك، والنساء سواها كثير، وإن تسأل الجارية تصدقك. قالت: فدعا رسول الله ﷺ‎ بريرة فقال: أي بريرة هل رأيت من شيء يريبك من أمر عائشة؟ فقالت له بريرة: والذي بعثك بالحق إن رأيت عليها أمرا قط أغمضه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها فيأتي الداجن [[دواجن البيوت ما ألفها من الطير والشاة، ودجن في بيته إذا لزمه.]] فيأكله. قالت: فقام رسول الله ﷺ‎ فاستعذر من عبد الله بن أبي بن سلول قال وهو على المنبر: «يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهلي، فو الله ما علمت على أهلي إلّا خيرا ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلّا خيرا وما كان يدخل على أهلي إلّا معي» [22] . فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال: أعذرك يا رسول الله، إن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك. قالت: فقال سعد بن عبادة وهو سيّد الخزرج، وكان رجلا صالحا ولكن احتملته الحميّة فقال لسعد بن معاذ: كذبت لعمر الله، فقال سعد: والله لنقتله فإنك منافق تجادل عن المنافقين. قالت: فثار الأوس والخزرج حتّى همّوا أن يقتتلوا ورسول الله ﷺ‎ قائم على المنبر فلم يزل رسول الله ﷺ‎ يخفضهم حتى سكتوا وسكت. قالت: ومكثت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، وأبواي يظنّان أنّ البكاء فالق كبدي. قالت: فبينا هما جالسان عندي وأنا أبكي استأذنت عليّ امرأة من الأنصار فأذنت لها فجلست تبكي معي، فبينا نحن على ذلك دخل علينا رسول الله ﷺ‎ فسلّم ثمّ جلس، قالت: ولم يجلس عندي منذ قيل لي ما قيل، وقد لبث شهرا لا يوحى إليه في شأني، قالت: فتشهّد رسول الله ﷺ‎ حين جلس ثمّ قال: أما بعد يا عائشة فإنّه بلغني عنك كذا وكذا فإن كنت بريئة فسيبرئك الله سبحانه، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بالذنب ثمّ تاب تاب الله عليه. قالت: فلمّا قضى رسول الله ﷺ‎ مقالته قلص دمعي حتى ما أحسّ منه قطرة، فقلت لأبي: أجب عنّي رسول الله قال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ‎، فقلت لأمّي: أجيبي عنّي رسول الله ﷺ‎ قالت: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ‎، فقلت وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ من القرآن كثيرا: إني والله لقد عرفت أنكم قد سمعتم بهذا الأمر حتّى استقرّ في أنفسكم وصدقتم به، فلئن قلت لكم إني بريئة والله سبحانه وتعالى يعلم أني بريئة [[في نسخة أصفهان زيادة: لا فضل قوي بذلك ولئن اعترفت لكم بذنبي والله يعلم إني لبريئة.]] لتصدقونني، والله ما أجد لي ولكم مثلا إلّا كما قال أبو يوسف وما أحفظ اسمه: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ. قالت: ثمّ تحوّلت واضطجعت على فراشي، وأنا والله حينئذ أعلم أنّي بريئة وأن الله سبحانه مبرّئي ببراءتي ولكن، والله ما كنت أظنّ أن ينزل في شأني وحي يتلى ولشأني كان أحقر في نفسي من أن يتكلّم الله فيّ بأمر يتلى ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله ﷺ‎ في النوم رؤيا يبرّئني الله بها. قالت: فو الله ما رام رسول الله ﷺ‎ مجلسه ولا خرج من أهل البيت أحد حتى أنزل الله سبحانه على نبيّه ﷺ‎، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء عند الوحي حتى أنّه لينحدر منه مثل الجمان من العرق في اليوم الشاتي من ثقل الوحي الذي أنزل عليه. قالت: فلمّا سرّي عن رسول الله ﷺ‎ وهو يضحك، فكان أوّل كلمة تكلّم بها أن قال: «أبشري يا عائشة أما والله فقد برّاك» [23] فقالت لي أمّي: قومي إليه فقلت: والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلّا الله سبحانه هو الذي أنزل براءتي. قالت: فأنزل الله سبحانه إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ عشر آيات وأنزل الله سبحانه هذه الآية لبراءتي. قالت: فقال أبو بكر وكان ينفق على مسطح لقرابته منه وفقره: والله لا أنفق عليه شيئا أبدا بعد الذي قال لعائشة، فأنزل الله سبحانه وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ إلى قوله أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ [[النور: 22.]] . فقال أبو بكر رضى الله عنه: والله إني لأحبّ أن يغفر الله لي، فرجع الى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه وقال: لا أنزعها منه أبدا. قالت عائشة رضي الله عنها: وكان رسول الله ﷺ‎ سأل زينب بنت جحش زوج النبي ﷺ‎: ما علمت أو ما رأيت؟ فقالت: يا رسول الله أحمي سمعي وبصري، والله ما علمت إلّا خيرا. قالت عائشة: وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي ﷺ‎ فعصمها الله سبحانه وتعالى بالورع، وطفقت أختها حمنة بنت جحش تحارب لها فهلكت فيمن هلك. قال الزهري: فهذا ما انتهى إلينا من هؤلاء الرهط. وأخبرنا أبو نعيم قال: أخبرنا أبو عوانة قال: حدّثنا محمد بن إسماعيل الصائغ بمكة ومحمد بن حرب المديني بالفسطاط قالا: حدّثنا إسماعيل بن أبي أويس قال: حدّثني أبي عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها، قال أبو أويس: وحدّثني أيضا عبد الله بن أبي بكر عن عمرة عن عائشة قالت: كان النبي ﷺ‎ إذا أراد أن يسافر سفرا أقرع بين أزواجه فأيّتهنّ خرج سهمها خرج بها معه، فخرج سهم عائشة في غزوة النبي ﷺ‎ بني المصطلق من خزاعة، وذكر الحديث بطوله بمثل معناه. وقال عروة في سؤال رسول الله ﷺ‎ بريرة عن عائشة قال: فانتهرها بعض أصحابه وقال: اصدقي رسول الله، قال عروة: فعيب ذلك على من قاله، فقالت: لا والله ما أعلم عليها إلّا ما يعلم الصائغ على تبر الذهب الأحمر، ولئن كانت صنعت ما قال الناس ليخبرنّك الله، فعجب الناس من فقهها. قال: وبلغ ذلك الذي قيل له فقال: سبحان الله، والله ما كشفت كتف أنثى قط، فقتل شهيدا في سبيل الله، وزاد في آخره قالت: وقعد صفوان بن المعطل لحسّان بن ثابت فضربه ضربة بالسيف وقال حين ضربه: تلقّ ذباب السيف عنّي فإنّني ... غلام إذا هوجيت لست بشاعر [[تفسير القرطبي: 12/ 199، وتاريخ مدينة دمشق: 4/ 308. وفيه: ليس بشاعر.]] ولكنني أحمي حماي وانتقم ... من الباهت الرامي البراء الظواهر [[تاريخ مدينة دمشق: 4/ 308. والعبارة: واتقي.]] وصاح حسان بن ثابت واستغاث بالناس على صفوان، ففرّ صفوان وجاء حسّان النبي ﷺ‎ فاستعدى على صفوان في ضربته إياه فسأله النبي ﷺ‎ أن يهب له ضرب صفوان إياه فوهبها للنبي ﷺ‎ فعوّضه منها حائطا من نخل عظيم وجارية روميّة، ثمّ باع حسان ذلك الحائط من معاوية بن أبي سفيان في ولايته بمال عظيم. قالت عائشة: فقيل في أصحاب الإفك أشعار. قال أبو بكر الصدّيق رضى الله عنه لمسطح في رميه عائشة رضى الله عنها وكان يدعى عوفا: يا عوف ويحك هلّا قلت عارفة ... من الكلام ولم تبغ به طمعا فأدركتك حميا معشر أنف ... ولم يكن قاطعا في عوف قطعا لما رميت حصانا غير مقرفة ... أمينة الجيب لم نعرف لها خضعا فيمن رماها وكنتم معشرا إفكا ... في سيّئ القول من لفظ الخنا شرعا فأنزل الله عذرا في براءتها ... وبين عوف وبين الله ما صنعا [[مجمع الزوائد- الهيثمي.: 9/ 235.]] فان أعش أجز عوفا في مقالته ... شرّ الجزاء بما ألفيته تبعا وقال حسّان بن ثابت الأنصاري ثم النجاري وهو يبرّئ عائشة ممّا قيل فيها ويعتذر إليها: حصان رزان ما يزن برتبة ... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل حليلة خير الناس دينا ومنصبا ... نبيّ الهدى والمكرمات الفواضل عقيلة حي من لؤي بن غالب ... كرام المساعي مجدها غير زايل مهذبة قد طيّب الله خيمها ... وطهّرها من كل شين وباطل فان كان ما قد جاء عنّي قلته ... فلا رفعت سوطي إليّ أناملي وإنّ الذي قد قيل ليس بلائط ... بك الدهر بل قول إمرئ غير ماحل وكيف وودّي ما حييت ونصرتي ... لآل رسول الله زين المحافل له رتب عال على الناس فضلها ... تقاصر عنها سورة المتطاول [[لسان العرب: 13/ 120.]] قال: وأمر النبي ﷺ‎ بالذين رموا عائشة فجلدوا الحدود جميعا ثمانين، فقال حسّان بن ثابت: لقد دان عبد الله ما كان أهله ... وحمته إذ قالوا هجيرا ومسطح تعاطوا برجم القول زوج نبيّهم ... وسخطة ذا الرب الكريم فأبرحوا وآذوا رسول الله فيها فعمموا ... مخازي ذلّ جلّلوها وفضحوا [[وما بعدها: المعجم الكبير- الطبراني: 23/ 117. وحمنه.]] فهذا سبب نزول الآية وقصّتها. فأمّا التفسير فقوله عزّ وجل إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ بالكذب عُصْبَةٌ جماعة مِنْكُمْ. قال الفرّاء: العصبة، الجماعة من الواحد إلى الأربعين. لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ يا عائشة وصفوان بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لأنّ الله يأجركم على ذلك ويظهر براءتكم لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يعني من الذين جاءوا بالإفك مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ جزاء ما اجترح من الذنب والمعصية. وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ والذي تحمّل معظمه فبدا بالخوض فيه، وقراءة العامة كِبْرَهُ: بكسر الكاف، وقرأ خليل والأعرج ويعقوب الحضرمي بضم الكاف. قال أبو عمرو بن العلاء: هو خطأ لأن الكبر بضم الكاف في الولاء والسن، ومنه الحديث: الولاء للكبر، وهو أكبر ولد الرجل من الذكورة وأقربهم إليه نسبا. وقال الكسائي: هما لغتان مثل صفر وصفر، واختلف المفسّرون في المعنيّ بقوله وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ. فقال قوم: هو حسّان بن ثابت. روى داود بن أبي هند عن عامر الشعبي أنّ عائشة رضي الله عنها قالت: ما سمعت بشيء أحسن من شعر حسّان، وما تمثلت به إلّا رجوت له الجنة، قوله لأبي سفيان: هجوت محمدا فأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء فانّ أبي ووالدتي وعرضي ... لعرض محمد منكم وقاء أتشتمه ولست له بكفؤ ... فشرّكما لخيركما الفداء لساني صارم لا عيب فيه ... وبحري لا تكدّره الدلاء [[جامع البيان للطبري: 18/ 115.]] فقيل: يا أم المؤمنين أليس الله يقول وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ. قالت: أليس قد أصابه عذاب عظيم؟ أليس قد ذهب بصره وكنع بالسيف. وروى أبو الضحى عن مسروق قال: كنت عند عائشة فدخل حسّان بن ثابت فأمرت فألقي له وسادة، فلمّا خرج قلت لعائشة: تدعين هذا الرجل يدخل عليك وقد قال ما قال، وأنزل الله سبحانه فيه وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ؟. فقالت: وأىّ عذاب أشد من العمى، ولعلّ الله يجعل ذلك العذاب العظيم ذهاب بصره، وقالت: انه كان يدفع عن رسول الله ﷺ‎. وقال آخرون: بل هو عبد الله بن أبي سلول وأصحابه. روى ابن أبي مليكة عن عروة عن عائشة قالت في حديث الإفك: ثمّ ركبت وأخذ صفوان بالزمام فمررنا بملإ من المنافقين وكانت عادتهم أن ينزلوا منتبذين من الناس. فقال عبد الله بن أبي رئيسهم: من هذه؟ قالوا: عائشة: قال: والله ما نجت منه ولا نجا منها، وقال: امرأة نبيّكم باتت مع رجل حتى أصبحت، ثمّ جاء يقودها، وشرع في ذلك أيضا حسّان ومسطح وحمنة فهم الذين تولّوا كبره، ثمّ فشا ذلك في الناس. لَوْلا هلّا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ بإخوانهم خَيْراً. قال الحسن: بأهل دينهم لأن المؤمنين كنفس واحدة، نظيره قوله وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [[سورة النساء: 29.]] وقوله فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ [[سورة النور: 61.]] . قال بعض أهل المعاني: تقدير الآية هلّا ظننتم كما ظنّ المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا. وقيل: أراد بأنفسهم أهاليهم وأزواجهم، وقالوا: أراد بهذه الآية أبا أيوب الأنصاري وامرأته أم أيوب. روى محمد بن إسحاق بن يسار عن رجاله أنّ أبا أيوب خالد بن يزيد قالت له امرأته أم أيّوب: يا أبا أيوب أما تسمع ما يقول الناس في عائشة؟ قال: بلى وذلك الكذب أكنت، فاعلة ذلك يا أم أيوب؟ قالت: لا والله ما كنت لأفعله. قال: فعائشة والله خير منك، سبحان الله هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ، فأنزل الله سبحانه لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ الآيات، أي كما فعل أبو أيوب وصاحبته وكما قالا. وقوله وَقالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ أي كذب بيّن لَوْلا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكاذِبُونَ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ خضتم فِيهِ من الإفك عَذابٌ عَظِيمٌ إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ تأخذونه تروونه بعضكم عن بعض، وقرأ [أبيّ وابن مسعود: إذ تتلقّونه بتاءين] [[من التلقي.]] ، وقرأت عائشة [[هو في صحيح البخاري: 5/ 61.]] : تَلِقُونَهُ بكسر اللام وتخفيف القاف من الكذب، والولق والألق والالق والليق الكذب. قال الخليل: أصل الولق السرعة وأنشد: جاءوا بأسراب من الشام ولق [[فتح القدير: 4/ 13.]] أي تسرع، يقال: ولق فلان في السير فهو يلق فيه إذا استمر وأسرع فيه، فكان معنى قراءة عائشة: إذ تستمرّون في إفككم. وقرأ محمد بن السميقع: إِذْ تُلْقُونَهُ من الإلقاء [[بضمّ التاء وسكون اللام وضمّ القاف عن تفسير القرطبي: 12/ 204.]] ، نظيره ودليله قوله سبحانه فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ [[سورة النحل: 36.]] الآية. وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وتظنّونه سهلا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا سُبْحانَكَ يحتمل التنزيه والتعجب. هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا أي ينهاكم ويخوّفكم أن تعودوا وقيل: يَعِظُكُمُ اللَّهُ كيلا تعودوا لِمِثْلِهِ إلى مثله أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بأمر عائشة وصفوان حَكِيمٌ حكم ببراءتها. إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ تظهر وتفشو وتذيع الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ يعني عبد الله بن أبيّ بن سلول وأصحابه المنافقين. وَاللَّهُ يَعْلَمُ كذبهم وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ فيه إضمار لعاجلكم بالعقوبة.

النور 24:20

إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ الآية. ذكر سبب نزول هذه الآيات وقصة الإفك. أخبرنا [[مسند أحمد: 6/ 197.]] أبو نعيم عبد الملك بن الحسن بن محمد بن إسحاق المهرجان بقراءتي عليه فأقرّ به قال: أخبرنا أبو عوانة سنة ست عشرة وثلاثمائة قال: حدّثنا محمد بن يحيى قال: حدّثنا عبد الرزاق وأخبرنا أبو نعيم قال: أخبرنا أبو عوانة قال: حدّثنا إسحاق بن إبراهيم الصنعاني قال: قرأنا على عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن الزهري قال: أخبرني سعيد بن المسيّب وعروة بن الزبير وعلقمة بن وقاص وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن حديث عائشة زوج النبي ﷺ‎ حين قال لها أهل الإفك ما قالوا فبرّأها الله وكلّهم، حدّثني بطائفة من حديثها وبعضهم كان أوعى له من بعض، وقد وعيت عن كلّ واحد الحديث الذي حدّثني، وبعض حديثهم يصدّق بعضا، ذكروا أنّ عائشة زوج النبي ﷺ‎ ورضي الله عنها قالت: كان رسول الله ﷺ‎ أذا أراد سفرا أقرع بين نسائه فأيّتهنّ خرج سهمها خرج بها رسول الله ﷺ‎ معه. قالت عائشة: فأقرع بيننا في غزوة غزاها فخرج فيها سهمي، فخرجت مع رسول الله ﷺ‎ وذلك بعد ما أنزل الله سبحانه الحجاب، فأنا أحمل في هودجي وأنزل منه مسيرنا حتى إذا فرغ رسول الله ﷺ‎ من غزوه وقفل ودنونا من المدينة آذن ليلة بالرحيل، فقمت حين آذنوا بالرحيل فمشيت حتّى جاوزت الجيش، فلمّا قضيت شأني أقبلت إلى الرحل فلمست صدري فإذا عقدي من جزع ظفار قد انقطع فرجعت فالتمست عقدي وحبسني ابتغاؤه، وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون فحملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنت، وهم يحسبون أنّي فيه. قالت: وكانت النساء إذ ذاك خفافا لم يهبلهنّ اللحم إنما يأكلن العلقة من الطعام، فلم يستنكر القوم ثقل الهودج حين رحلوه ورفعوه، وكنت جارية حديثة السنّ فبعثوا الجمل وساروا، ووجدت عقدي بعد ما استمر الجيش، فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب فتيمّمت منزلي الذي كنت فيه وظننت أن القوم سيفقدونني فيرجعون إليّ، فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيناي فنمت وكان صفوان بن المعطّل السلمي ثمّ الذكواني قد عرّس من وراء الجيش، فأدلج فأصبح عند منزلي فرأى سواد إنسان نائم فأتاني فعرفني حين رآني، وقد كان رآني قبل أن يضرب عليّ الحجاب فما استيقظت إلّا باسترجاعه حين عرفني، فخمّرت وجهي بجلبابي، فو الله ما كلّمني كلمة عند استرجاعه حتى أناخ راحلته فوطيت على يدها فركبتها فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش بعد ما نزلوا موغرين في نحر الظهيرة، فهلك من هلك في شأني، وكان الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ عبد الله بن أبي سلول فقدمت المدينة فاشتكيت من شدّة الحر [[في النسخة الثانية زيادة: فقدمت المدينة فاشتكيت.]] حين قدمتها شهرا والناس يخوضون في قول أهل الإفك ولا أشعر بشيء من ذلك وهو يريبني في وجعي أن لا أعرف من رسول الله ﷺ‎ اللطف الذي كنت أرى منه حين اشتكي، إنما يدخل رسول الله ﷺ‎ فيسلّم ثمّ يقول: كيف تيكم؟ ولا أشعر بالشر حتى خرجت بعد ما نقهت وخرجت معي أم مسطح قبل المناصع وهو مبترزنا فلا نخرج إلّا ليلا الى ليل وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبا من بيوتنا، وأمرنا أمر العرب الأول التنزّه، وكنّا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا، فانطلقت أنا وأم مسطح وهي عاتكة بنت أبي رهم بن عبد المطلب بن عبد مناف وأمّها بنت صخر بن عامر خالة أبي بكر الصدّيق وابنها مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب فأقبلت أنا وابنة أبي رهم قبل بيتي حين فرغنا من شأننا فعثرت أم مسطح في مرطها فقالت: تعس مسطح فقلت لها: بئس ما قلت، تسبّين رجلا شهد بدرا قالت: أي هنتاه أو لم تسمعي ما قال؟. قالت: قلت: وما ذي؟ قالت: فأخبرتني بقول أهل الإفك فازددت مرضا إلى مرضي فلمّا، رجعت إلى بيتي دخل عليّ رسول الله ﷺ‎ فسلّم ثمّ قال: «كيف تيكم؟» قلت: أتأذن لي أن آتي أبويّ؟ قالت: وأنا أريد حينئذ أن أتيقّن الخبر من قبلهما، فأذن لي رسول الله ﷺ‎ فجئت أبويّ فقلت لأمّي: يا أمّه ماذا يتحدّث الناس؟. فقالت: أي بنيّة هوّني عليك، فو الله لقلّ ما كانت امرأة قطّ وضيئة عند رجل يحبّها ولها ضرائر إلّا أكثرن عليها، قلت: سبحان الله أوقد تحدّث الناس بهذا؟ قالت: نعم، قالت: فمكثت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، ثمّ أصبحت أبكي، ودعا رسول الله ﷺ‎ علىّ بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي واستشارهما في فراق أهله. فأمّا أسامة فأشار على رسول الله ﷺ‎ بالذي يعلم من براءة أهله، وبالذي يعلم في نفسه لهم من الودّ، فقال: يا رسول الله هم أهلك ولا نعلم إلّا خيرا، وأمّا علىّ فقال: لم يضيّق الله عليك، والنساء سواها كثير، وإن تسأل الجارية تصدقك. قالت: فدعا رسول الله ﷺ‎ بريرة فقال: أي بريرة هل رأيت من شيء يريبك من أمر عائشة؟ فقالت له بريرة: والذي بعثك بالحق إن رأيت عليها أمرا قط أغمضه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها فيأتي الداجن [[دواجن البيوت ما ألفها من الطير والشاة، ودجن في بيته إذا لزمه.]] فيأكله. قالت: فقام رسول الله ﷺ‎ فاستعذر من عبد الله بن أبي بن سلول قال وهو على المنبر: «يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهلي، فو الله ما علمت على أهلي إلّا خيرا ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلّا خيرا وما كان يدخل على أهلي إلّا معي» [22] . فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال: أعذرك يا رسول الله، إن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك. قالت: فقال سعد بن عبادة وهو سيّد الخزرج، وكان رجلا صالحا ولكن احتملته الحميّة فقال لسعد بن معاذ: كذبت لعمر الله، فقال سعد: والله لنقتله فإنك منافق تجادل عن المنافقين. قالت: فثار الأوس والخزرج حتّى همّوا أن يقتتلوا ورسول الله ﷺ‎ قائم على المنبر فلم يزل رسول الله ﷺ‎ يخفضهم حتى سكتوا وسكت. قالت: ومكثت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، وأبواي يظنّان أنّ البكاء فالق كبدي. قالت: فبينا هما جالسان عندي وأنا أبكي استأذنت عليّ امرأة من الأنصار فأذنت لها فجلست تبكي معي، فبينا نحن على ذلك دخل علينا رسول الله ﷺ‎ فسلّم ثمّ جلس، قالت: ولم يجلس عندي منذ قيل لي ما قيل، وقد لبث شهرا لا يوحى إليه في شأني، قالت: فتشهّد رسول الله ﷺ‎ حين جلس ثمّ قال: أما بعد يا عائشة فإنّه بلغني عنك كذا وكذا فإن كنت بريئة فسيبرئك الله سبحانه، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بالذنب ثمّ تاب تاب الله عليه. قالت: فلمّا قضى رسول الله ﷺ‎ مقالته قلص دمعي حتى ما أحسّ منه قطرة، فقلت لأبي: أجب عنّي رسول الله قال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ‎، فقلت لأمّي: أجيبي عنّي رسول الله ﷺ‎ قالت: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ‎، فقلت وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ من القرآن كثيرا: إني والله لقد عرفت أنكم قد سمعتم بهذا الأمر حتّى استقرّ في أنفسكم وصدقتم به، فلئن قلت لكم إني بريئة والله سبحانه وتعالى يعلم أني بريئة [[في نسخة أصفهان زيادة: لا فضل قوي بذلك ولئن اعترفت لكم بذنبي والله يعلم إني لبريئة.]] لتصدقونني، والله ما أجد لي ولكم مثلا إلّا كما قال أبو يوسف وما أحفظ اسمه: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ. قالت: ثمّ تحوّلت واضطجعت على فراشي، وأنا والله حينئذ أعلم أنّي بريئة وأن الله سبحانه مبرّئي ببراءتي ولكن، والله ما كنت أظنّ أن ينزل في شأني وحي يتلى ولشأني كان أحقر في نفسي من أن يتكلّم الله فيّ بأمر يتلى ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله ﷺ‎ في النوم رؤيا يبرّئني الله بها. قالت: فو الله ما رام رسول الله ﷺ‎ مجلسه ولا خرج من أهل البيت أحد حتى أنزل الله سبحانه على نبيّه ﷺ‎، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء عند الوحي حتى أنّه لينحدر منه مثل الجمان من العرق في اليوم الشاتي من ثقل الوحي الذي أنزل عليه. قالت: فلمّا سرّي عن رسول الله ﷺ‎ وهو يضحك، فكان أوّل كلمة تكلّم بها أن قال: «أبشري يا عائشة أما والله فقد برّاك» [23] فقالت لي أمّي: قومي إليه فقلت: والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلّا الله سبحانه هو الذي أنزل براءتي. قالت: فأنزل الله سبحانه إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ عشر آيات وأنزل الله سبحانه هذه الآية لبراءتي. قالت: فقال أبو بكر وكان ينفق على مسطح لقرابته منه وفقره: والله لا أنفق عليه شيئا أبدا بعد الذي قال لعائشة، فأنزل الله سبحانه وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ إلى قوله أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ [[النور: 22.]] . فقال أبو بكر رضى الله عنه: والله إني لأحبّ أن يغفر الله لي، فرجع الى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه وقال: لا أنزعها منه أبدا. قالت عائشة رضي الله عنها: وكان رسول الله ﷺ‎ سأل زينب بنت جحش زوج النبي ﷺ‎: ما علمت أو ما رأيت؟ فقالت: يا رسول الله أحمي سمعي وبصري، والله ما علمت إلّا خيرا. قالت عائشة: وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي ﷺ‎ فعصمها الله سبحانه وتعالى بالورع، وطفقت أختها حمنة بنت جحش تحارب لها فهلكت فيمن هلك. قال الزهري: فهذا ما انتهى إلينا من هؤلاء الرهط. وأخبرنا أبو نعيم قال: أخبرنا أبو عوانة قال: حدّثنا محمد بن إسماعيل الصائغ بمكة ومحمد بن حرب المديني بالفسطاط قالا: حدّثنا إسماعيل بن أبي أويس قال: حدّثني أبي عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها، قال أبو أويس: وحدّثني أيضا عبد الله بن أبي بكر عن عمرة عن عائشة قالت: كان النبي ﷺ‎ إذا أراد أن يسافر سفرا أقرع بين أزواجه فأيّتهنّ خرج سهمها خرج بها معه، فخرج سهم عائشة في غزوة النبي ﷺ‎ بني المصطلق من خزاعة، وذكر الحديث بطوله بمثل معناه. وقال عروة في سؤال رسول الله ﷺ‎ بريرة عن عائشة قال: فانتهرها بعض أصحابه وقال: اصدقي رسول الله، قال عروة: فعيب ذلك على من قاله، فقالت: لا والله ما أعلم عليها إلّا ما يعلم الصائغ على تبر الذهب الأحمر، ولئن كانت صنعت ما قال الناس ليخبرنّك الله، فعجب الناس من فقهها. قال: وبلغ ذلك الذي قيل له فقال: سبحان الله، والله ما كشفت كتف أنثى قط، فقتل شهيدا في سبيل الله، وزاد في آخره قالت: وقعد صفوان بن المعطل لحسّان بن ثابت فضربه ضربة بالسيف وقال حين ضربه: تلقّ ذباب السيف عنّي فإنّني ... غلام إذا هوجيت لست بشاعر [[تفسير القرطبي: 12/ 199، وتاريخ مدينة دمشق: 4/ 308. وفيه: ليس بشاعر.]] ولكنني أحمي حماي وانتقم ... من الباهت الرامي البراء الظواهر [[تاريخ مدينة دمشق: 4/ 308. والعبارة: واتقي.]] وصاح حسان بن ثابت واستغاث بالناس على صفوان، ففرّ صفوان وجاء حسّان النبي ﷺ‎ فاستعدى على صفوان في ضربته إياه فسأله النبي ﷺ‎ أن يهب له ضرب صفوان إياه فوهبها للنبي ﷺ‎ فعوّضه منها حائطا من نخل عظيم وجارية روميّة، ثمّ باع حسان ذلك الحائط من معاوية بن أبي سفيان في ولايته بمال عظيم. قالت عائشة: فقيل في أصحاب الإفك أشعار. قال أبو بكر الصدّيق رضى الله عنه لمسطح في رميه عائشة رضى الله عنها وكان يدعى عوفا: يا عوف ويحك هلّا قلت عارفة ... من الكلام ولم تبغ به طمعا فأدركتك حميا معشر أنف ... ولم يكن قاطعا في عوف قطعا لما رميت حصانا غير مقرفة ... أمينة الجيب لم نعرف لها خضعا فيمن رماها وكنتم معشرا إفكا ... في سيّئ القول من لفظ الخنا شرعا فأنزل الله عذرا في براءتها ... وبين عوف وبين الله ما صنعا [[مجمع الزوائد- الهيثمي.: 9/ 235.]] فان أعش أجز عوفا في مقالته ... شرّ الجزاء بما ألفيته تبعا وقال حسّان بن ثابت الأنصاري ثم النجاري وهو يبرّئ عائشة ممّا قيل فيها ويعتذر إليها: حصان رزان ما يزن برتبة ... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل حليلة خير الناس دينا ومنصبا ... نبيّ الهدى والمكرمات الفواضل عقيلة حي من لؤي بن غالب ... كرام المساعي مجدها غير زايل مهذبة قد طيّب الله خيمها ... وطهّرها من كل شين وباطل فان كان ما قد جاء عنّي قلته ... فلا رفعت سوطي إليّ أناملي وإنّ الذي قد قيل ليس بلائط ... بك الدهر بل قول إمرئ غير ماحل وكيف وودّي ما حييت ونصرتي ... لآل رسول الله زين المحافل له رتب عال على الناس فضلها ... تقاصر عنها سورة المتطاول [[لسان العرب: 13/ 120.]] قال: وأمر النبي ﷺ‎ بالذين رموا عائشة فجلدوا الحدود جميعا ثمانين، فقال حسّان بن ثابت: لقد دان عبد الله ما كان أهله ... وحمته إذ قالوا هجيرا ومسطح تعاطوا برجم القول زوج نبيّهم ... وسخطة ذا الرب الكريم فأبرحوا وآذوا رسول الله فيها فعمموا ... مخازي ذلّ جلّلوها وفضحوا [[وما بعدها: المعجم الكبير- الطبراني: 23/ 117. وحمنه.]] فهذا سبب نزول الآية وقصّتها. فأمّا التفسير فقوله عزّ وجل إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ بالكذب عُصْبَةٌ جماعة مِنْكُمْ. قال الفرّاء: العصبة، الجماعة من الواحد إلى الأربعين. لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ يا عائشة وصفوان بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لأنّ الله يأجركم على ذلك ويظهر براءتكم لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يعني من الذين جاءوا بالإفك مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ جزاء ما اجترح من الذنب والمعصية. وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ والذي تحمّل معظمه فبدا بالخوض فيه، وقراءة العامة كِبْرَهُ: بكسر الكاف، وقرأ خليل والأعرج ويعقوب الحضرمي بضم الكاف. قال أبو عمرو بن العلاء: هو خطأ لأن الكبر بضم الكاف في الولاء والسن، ومنه الحديث: الولاء للكبر، وهو أكبر ولد الرجل من الذكورة وأقربهم إليه نسبا. وقال الكسائي: هما لغتان مثل صفر وصفر، واختلف المفسّرون في المعنيّ بقوله وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ. فقال قوم: هو حسّان بن ثابت. روى داود بن أبي هند عن عامر الشعبي أنّ عائشة رضي الله عنها قالت: ما سمعت بشيء أحسن من شعر حسّان، وما تمثلت به إلّا رجوت له الجنة، قوله لأبي سفيان: هجوت محمدا فأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء فانّ أبي ووالدتي وعرضي ... لعرض محمد منكم وقاء أتشتمه ولست له بكفؤ ... فشرّكما لخيركما الفداء لساني صارم لا عيب فيه ... وبحري لا تكدّره الدلاء [[جامع البيان للطبري: 18/ 115.]] فقيل: يا أم المؤمنين أليس الله يقول وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ. قالت: أليس قد أصابه عذاب عظيم؟ أليس قد ذهب بصره وكنع بالسيف. وروى أبو الضحى عن مسروق قال: كنت عند عائشة فدخل حسّان بن ثابت فأمرت فألقي له وسادة، فلمّا خرج قلت لعائشة: تدعين هذا الرجل يدخل عليك وقد قال ما قال، وأنزل الله سبحانه فيه وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ؟. فقالت: وأىّ عذاب أشد من العمى، ولعلّ الله يجعل ذلك العذاب العظيم ذهاب بصره، وقالت: انه كان يدفع عن رسول الله ﷺ‎. وقال آخرون: بل هو عبد الله بن أبي سلول وأصحابه. روى ابن أبي مليكة عن عروة عن عائشة قالت في حديث الإفك: ثمّ ركبت وأخذ صفوان بالزمام فمررنا بملإ من المنافقين وكانت عادتهم أن ينزلوا منتبذين من الناس. فقال عبد الله بن أبي رئيسهم: من هذه؟ قالوا: عائشة: قال: والله ما نجت منه ولا نجا منها، وقال: امرأة نبيّكم باتت مع رجل حتى أصبحت، ثمّ جاء يقودها، وشرع في ذلك أيضا حسّان ومسطح وحمنة فهم الذين تولّوا كبره، ثمّ فشا ذلك في الناس. لَوْلا هلّا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ بإخوانهم خَيْراً. قال الحسن: بأهل دينهم لأن المؤمنين كنفس واحدة، نظيره قوله وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [[سورة النساء: 29.]] وقوله فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ [[سورة النور: 61.]] . قال بعض أهل المعاني: تقدير الآية هلّا ظننتم كما ظنّ المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا. وقيل: أراد بأنفسهم أهاليهم وأزواجهم، وقالوا: أراد بهذه الآية أبا أيوب الأنصاري وامرأته أم أيوب. روى محمد بن إسحاق بن يسار عن رجاله أنّ أبا أيوب خالد بن يزيد قالت له امرأته أم أيّوب: يا أبا أيوب أما تسمع ما يقول الناس في عائشة؟ قال: بلى وذلك الكذب أكنت، فاعلة ذلك يا أم أيوب؟ قالت: لا والله ما كنت لأفعله. قال: فعائشة والله خير منك، سبحان الله هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ، فأنزل الله سبحانه لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ الآيات، أي كما فعل أبو أيوب وصاحبته وكما قالا. وقوله وَقالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ أي كذب بيّن لَوْلا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكاذِبُونَ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ خضتم فِيهِ من الإفك عَذابٌ عَظِيمٌ إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ تأخذونه تروونه بعضكم عن بعض، وقرأ [أبيّ وابن مسعود: إذ تتلقّونه بتاءين] [[من التلقي.]] ، وقرأت عائشة [[هو في صحيح البخاري: 5/ 61.]] : تَلِقُونَهُ بكسر اللام وتخفيف القاف من الكذب، والولق والألق والالق والليق الكذب. قال الخليل: أصل الولق السرعة وأنشد: جاءوا بأسراب من الشام ولق [[فتح القدير: 4/ 13.]] أي تسرع، يقال: ولق فلان في السير فهو يلق فيه إذا استمر وأسرع فيه، فكان معنى قراءة عائشة: إذ تستمرّون في إفككم. وقرأ محمد بن السميقع: إِذْ تُلْقُونَهُ من الإلقاء [[بضمّ التاء وسكون اللام وضمّ القاف عن تفسير القرطبي: 12/ 204.]] ، نظيره ودليله قوله سبحانه فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ [[سورة النحل: 36.]] الآية. وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وتظنّونه سهلا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا سُبْحانَكَ يحتمل التنزيه والتعجب. هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا أي ينهاكم ويخوّفكم أن تعودوا وقيل: يَعِظُكُمُ اللَّهُ كيلا تعودوا لِمِثْلِهِ إلى مثله أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بأمر عائشة وصفوان حَكِيمٌ حكم ببراءتها. إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ تظهر وتفشو وتذيع الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ يعني عبد الله بن أبيّ بن سلول وأصحابه المنافقين. وَاللَّهُ يَعْلَمُ كذبهم وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ فيه إضمار لعاجلكم بالعقوبة.

النور 24:21

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى صلح وطهر من هذا الذنب، وقرأ ابن محيص ويعقوب: زكّى بالتشديد أي طهّر، دليلها قوله سبحانه وتعالى وَلكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي يطهّر مَنْ يَشاءُ من الإثم والذنب بالرحمة والمغفرة وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. أخبرني الحسين بن محمد بن فنجويه قال: حدّثنا عبد الله بن يوسف بن أحمد بن مالك قال: حدّثنا على بن زنجويه قال: حدّثنا سعيد بن سيف التميمي قال: حدّثنا غالب بن تميم السعدي قال: حدّثنا خالد بن جميل عن موسى بن عقبة المديني عن أبي روح الكلبي عن حر بن نصير الحضرمي عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ‎: «أيّما رجل شدّ عضد امرئ من الناس في خصومة لا علم له بها فهو في ظلّ سخط الله سبحانه حتى ينزع، وأيّما رجل حال في شفاعة دون حدّ من حدود الله تعالى أن يقام فقد كايد الله حقّا وحرص على سخطه وأن عليه لعنة الله تتابع إلى يوم القيامة، وأيّما رجل أشاع على رجل مسلم كلمة وهو منها بريء يريد أن يشينه بها في الدنيا كان حقّا على الله أن يذيبه في النار، وأصله في كتاب الله سبحانه إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ الآية [[تفسير القرطبي: 12/ 206. بتفاوت.]] . وَلا يَأْتَلِ ولا يحلف، هذه قراءة العامة وهو يفتعل من الأليّة وهي القسم، وقال الأخفش: وإن شئت جعلته من قول العرب: ما ألوت جهدي في شأن فلان أي ما تركته، وقرأ أبو رجاء العطاردي وأبو مخلد السدوسي وأبو جعفر وزيد بن أسلم (ولا يتأل) بتقديم التاء وتأخير الهمزة وهو يفتعل من الألية والألو. أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ يعني أبا بكر الصدّيق أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يعني مسطحا، وكان مسكينا مهاجرا بدريا، وكان ابن خالة أبي بكر رضي الله عنه. وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا عنهم خوضهم في أمر عائشة. وروت أسماء بنت يزيد أنّ النبي ﷺ‎ قرأ ولتعفوا ولتصفحوا بالتاء [[تفسير مجمع البيان: 7/ 233. ولكن رواه عن علي (عليه السلام) .]] . أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. فلمّا قرأها رسول الله ﷺ‎ على أبي بكر قال: بلى أنا أحب أن يغفر الله لي، ورجع إلى مسطح نفقته التي كان ينفق عليه وقال: والله لا أنزعها منه أبدا. وقال ابن عباس والضحّاك: أقسم ناس من الصحابة فيهم أبو بكر ألّا يتصدقوا على رجل تكلّم بشيء من الإفك ولا ينفعونهم فأنزل الله سبحانه هذه الآية. إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ عن الفواحش وعما قذفن به كغفلة عائشة عمّا فيها الْمُؤْمِناتِ لُعِنُوا عذّبوا فِي الدُّنْيا بالجلد وفي الآخرة بالنار وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ واختلف العلماء في حكم الآية، فقال قوم: هي لعائشة وأزواج النبي ﷺ‎ خاصة دون سائر المؤمنات. أخبرني الحسين بن محمد بن الحسين قال: حدّثنا هارون بن محمد بن هارون قال: حدّثنا محمد بن عبد العزيز قال: حدّثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني قال: حدّثنا هشام عن العوّام بن حوشب قال: حدّثنا شيخ من بني كاهل قال: فسّر ابن عباس سورة النور، فلمّا أتى على هذه الآية إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ إلى آخر الآية، قال: هذه في شأن عائشة وأزواج النبي ﷺ‎ خاصة، وهي مبهمة ليس فيها توبة، ومن قذف امرأة مؤمنة فقد جعل الله سبحانه له توبة، ثمّ قرأ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ إلى قوله إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فجعل لهؤلاء توبة ولم يجعل لأولئك توبة، قال: فهّم رجل أن يقوم فيقبّل رأسه من حسن ما فسّره. وقال آخرون: نزلت هذه الآية في أزواج النبي ﷺ‎ فكان ذلك كذلك حتى نزلت الآية التي في أول السورة وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ إلى فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ فأنزل الله له الجلد والتوبة، فالتوبة تقبل والشهادة ترد. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حيّان قال: حدّثنا إسحاق بن محمد قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا إبراهيم بن عيسى قال: حدّثنا علي بن علي عن أبي حمزة الثمالي قال: بلغنا أنها نزلت في مشركي أهل مكة إذ كان بينهم وبين رسول الله ﷺ‎ عهد، فكانت المرأة إذا خرجت الى رسول الله ﷺ‎ إلى المدينة مهاجرة قذفها المشركون من أهل مكة وقالوا: إنما خرجت تفجر. يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ قرأه العامة بالتاء، وقرأ أهل الكوفة إلّا عاصما بالياء لتقدّم الفعل. أَلْسِنَتُهُمْ وهذا قبل أن يختم على أفواههم، وقيل: معناه: يشهد ألسنة بعضهم على بعض وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ في الدنيا يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ جزاءهم وحسابهم الْحَقَّ قرأه العامة بنصب القاف، وقرأ مجاهد الْحَقُّ بالرفع على نعت الله وتصديقه، قراءة أبي يوفهم الله الحق دينهم. وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ يبيّن لهم حقيقة ما كان يعدهم في الدنيا. الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ الآية. قال أكثر المفسّرين: الْخَبِيثاتُ من القول لِلْخَبِيثِينَ من الناس وَالْخَبِيثُونَ من الناس لِلْخَبِيثاتِ من القول وَالطَّيِّباتُ من القول لِلطَّيِّبِينَ من الناس وَالطَّيِّبُونَ من الناس لِلطَّيِّباتِ من القول. وقال ابن زيد: الْخَبِيثاتُ من النساء لِلْخَبِيثِينَ من الرجال، وَالْخَبِيثُونَ من الرجال لِلْخَبِيثاتِ من النساء، وَالطَّيِّباتُ من النساء لِلطَّيِّبِينَ من الرجال، وَالطَّيِّبُونَ من الرجال لِلطَّيِّباتِ من النساء. أُولئِكَ يعني عائشة وصفوان فذكرهما بلفظ الجمع كقوله فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ [[سورة النساء: 11.]] والمراد أخوان. مُبَرَّؤُنَ منزّهون مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ. أخبرنا أبو نصر النعمان بن محمد بن النعمان الجرجاني بها قال: أخبرنا محمد بن عبد الكريم الباهلي قال: حدّثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن سفيان الترمذي قال: حدّثنا بشر بن الوليد الكندي قال: حدّثنا أبو حفص عن سليمان الشيباني عن علي بن زيد بن جدعان عن جدّته عن عائشة أنها قالت: لقد أعطيت تسعا ما أعطيت امرأة، لقد نزل جبرئيل (عليه السلام) بصورتي في راحته حين أمر رسول الله ﷺ‎ أن يتزوّجني، ولقد تزوّجني بكرا وما تزوّج بكرا غيري، ولقد توفّي وإنّ رأسه لفي حجري، ولقد قبر في بيتي، ولقد حفّت الملائكة في بيتي، وإن كان الوحي لينزل عليه في أهله فيتفرقون عنه، وإن كان لينزل عليه وأنا معه في لحافه، وإنّي لابنة خليفته وصدّيقه، ولقد نزل عذري من السماء، ولقد خلقت طيّبة وعند طيّب، ولقد وعدت مغفرة ورزقا كريما.

النور 24:22

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى صلح وطهر من هذا الذنب، وقرأ ابن محيص ويعقوب: زكّى بالتشديد أي طهّر، دليلها قوله سبحانه وتعالى وَلكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي يطهّر مَنْ يَشاءُ من الإثم والذنب بالرحمة والمغفرة وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. أخبرني الحسين بن محمد بن فنجويه قال: حدّثنا عبد الله بن يوسف بن أحمد بن مالك قال: حدّثنا على بن زنجويه قال: حدّثنا سعيد بن سيف التميمي قال: حدّثنا غالب بن تميم السعدي قال: حدّثنا خالد بن جميل عن موسى بن عقبة المديني عن أبي روح الكلبي عن حر بن نصير الحضرمي عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ‎: «أيّما رجل شدّ عضد امرئ من الناس في خصومة لا علم له بها فهو في ظلّ سخط الله سبحانه حتى ينزع، وأيّما رجل حال في شفاعة دون حدّ من حدود الله تعالى أن يقام فقد كايد الله حقّا وحرص على سخطه وأن عليه لعنة الله تتابع إلى يوم القيامة، وأيّما رجل أشاع على رجل مسلم كلمة وهو منها بريء يريد أن يشينه بها في الدنيا كان حقّا على الله أن يذيبه في النار، وأصله في كتاب الله سبحانه إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ الآية [[تفسير القرطبي: 12/ 206. بتفاوت.]] . وَلا يَأْتَلِ ولا يحلف، هذه قراءة العامة وهو يفتعل من الأليّة وهي القسم، وقال الأخفش: وإن شئت جعلته من قول العرب: ما ألوت جهدي في شأن فلان أي ما تركته، وقرأ أبو رجاء العطاردي وأبو مخلد السدوسي وأبو جعفر وزيد بن أسلم (ولا يتأل) بتقديم التاء وتأخير الهمزة وهو يفتعل من الألية والألو. أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ يعني أبا بكر الصدّيق أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يعني مسطحا، وكان مسكينا مهاجرا بدريا، وكان ابن خالة أبي بكر رضي الله عنه. وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا عنهم خوضهم في أمر عائشة. وروت أسماء بنت يزيد أنّ النبي ﷺ‎ قرأ ولتعفوا ولتصفحوا بالتاء [[تفسير مجمع البيان: 7/ 233. ولكن رواه عن علي (عليه السلام) .]] . أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. فلمّا قرأها رسول الله ﷺ‎ على أبي بكر قال: بلى أنا أحب أن يغفر الله لي، ورجع إلى مسطح نفقته التي كان ينفق عليه وقال: والله لا أنزعها منه أبدا. وقال ابن عباس والضحّاك: أقسم ناس من الصحابة فيهم أبو بكر ألّا يتصدقوا على رجل تكلّم بشيء من الإفك ولا ينفعونهم فأنزل الله سبحانه هذه الآية. إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ عن الفواحش وعما قذفن به كغفلة عائشة عمّا فيها الْمُؤْمِناتِ لُعِنُوا عذّبوا فِي الدُّنْيا بالجلد وفي الآخرة بالنار وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ واختلف العلماء في حكم الآية، فقال قوم: هي لعائشة وأزواج النبي ﷺ‎ خاصة دون سائر المؤمنات. أخبرني الحسين بن محمد بن الحسين قال: حدّثنا هارون بن محمد بن هارون قال: حدّثنا محمد بن عبد العزيز قال: حدّثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني قال: حدّثنا هشام عن العوّام بن حوشب قال: حدّثنا شيخ من بني كاهل قال: فسّر ابن عباس سورة النور، فلمّا أتى على هذه الآية إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ إلى آخر الآية، قال: هذه في شأن عائشة وأزواج النبي ﷺ‎ خاصة، وهي مبهمة ليس فيها توبة، ومن قذف امرأة مؤمنة فقد جعل الله سبحانه له توبة، ثمّ قرأ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ إلى قوله إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فجعل لهؤلاء توبة ولم يجعل لأولئك توبة، قال: فهّم رجل أن يقوم فيقبّل رأسه من حسن ما فسّره. وقال آخرون: نزلت هذه الآية في أزواج النبي ﷺ‎ فكان ذلك كذلك حتى نزلت الآية التي في أول السورة وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ إلى فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ فأنزل الله له الجلد والتوبة، فالتوبة تقبل والشهادة ترد. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حيّان قال: حدّثنا إسحاق بن محمد قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا إبراهيم بن عيسى قال: حدّثنا علي بن علي عن أبي حمزة الثمالي قال: بلغنا أنها نزلت في مشركي أهل مكة إذ كان بينهم وبين رسول الله ﷺ‎ عهد، فكانت المرأة إذا خرجت الى رسول الله ﷺ‎ إلى المدينة مهاجرة قذفها المشركون من أهل مكة وقالوا: إنما خرجت تفجر. يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ قرأه العامة بالتاء، وقرأ أهل الكوفة إلّا عاصما بالياء لتقدّم الفعل. أَلْسِنَتُهُمْ وهذا قبل أن يختم على أفواههم، وقيل: معناه: يشهد ألسنة بعضهم على بعض وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ في الدنيا يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ جزاءهم وحسابهم الْحَقَّ قرأه العامة بنصب القاف، وقرأ مجاهد الْحَقُّ بالرفع على نعت الله وتصديقه، قراءة أبي يوفهم الله الحق دينهم. وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ يبيّن لهم حقيقة ما كان يعدهم في الدنيا. الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ الآية. قال أكثر المفسّرين: الْخَبِيثاتُ من القول لِلْخَبِيثِينَ من الناس وَالْخَبِيثُونَ من الناس لِلْخَبِيثاتِ من القول وَالطَّيِّباتُ من القول لِلطَّيِّبِينَ من الناس وَالطَّيِّبُونَ من الناس لِلطَّيِّباتِ من القول. وقال ابن زيد: الْخَبِيثاتُ من النساء لِلْخَبِيثِينَ من الرجال، وَالْخَبِيثُونَ من الرجال لِلْخَبِيثاتِ من النساء، وَالطَّيِّباتُ من النساء لِلطَّيِّبِينَ من الرجال، وَالطَّيِّبُونَ من الرجال لِلطَّيِّباتِ من النساء. أُولئِكَ يعني عائشة وصفوان فذكرهما بلفظ الجمع كقوله فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ [[سورة النساء: 11.]] والمراد أخوان. مُبَرَّؤُنَ منزّهون مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ. أخبرنا أبو نصر النعمان بن محمد بن النعمان الجرجاني بها قال: أخبرنا محمد بن عبد الكريم الباهلي قال: حدّثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن سفيان الترمذي قال: حدّثنا بشر بن الوليد الكندي قال: حدّثنا أبو حفص عن سليمان الشيباني عن علي بن زيد بن جدعان عن جدّته عن عائشة أنها قالت: لقد أعطيت تسعا ما أعطيت امرأة، لقد نزل جبرئيل (عليه السلام) بصورتي في راحته حين أمر رسول الله ﷺ‎ أن يتزوّجني، ولقد تزوّجني بكرا وما تزوّج بكرا غيري، ولقد توفّي وإنّ رأسه لفي حجري، ولقد قبر في بيتي، ولقد حفّت الملائكة في بيتي، وإن كان الوحي لينزل عليه في أهله فيتفرقون عنه، وإن كان لينزل عليه وأنا معه في لحافه، وإنّي لابنة خليفته وصدّيقه، ولقد نزل عذري من السماء، ولقد خلقت طيّبة وعند طيّب، ولقد وعدت مغفرة ورزقا كريما.

النور 24:23

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى صلح وطهر من هذا الذنب، وقرأ ابن محيص ويعقوب: زكّى بالتشديد أي طهّر، دليلها قوله سبحانه وتعالى وَلكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي يطهّر مَنْ يَشاءُ من الإثم والذنب بالرحمة والمغفرة وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. أخبرني الحسين بن محمد بن فنجويه قال: حدّثنا عبد الله بن يوسف بن أحمد بن مالك قال: حدّثنا على بن زنجويه قال: حدّثنا سعيد بن سيف التميمي قال: حدّثنا غالب بن تميم السعدي قال: حدّثنا خالد بن جميل عن موسى بن عقبة المديني عن أبي روح الكلبي عن حر بن نصير الحضرمي عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ‎: «أيّما رجل شدّ عضد امرئ من الناس في خصومة لا علم له بها فهو في ظلّ سخط الله سبحانه حتى ينزع، وأيّما رجل حال في شفاعة دون حدّ من حدود الله تعالى أن يقام فقد كايد الله حقّا وحرص على سخطه وأن عليه لعنة الله تتابع إلى يوم القيامة، وأيّما رجل أشاع على رجل مسلم كلمة وهو منها بريء يريد أن يشينه بها في الدنيا كان حقّا على الله أن يذيبه في النار، وأصله في كتاب الله سبحانه إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ الآية [[تفسير القرطبي: 12/ 206. بتفاوت.]] . وَلا يَأْتَلِ ولا يحلف، هذه قراءة العامة وهو يفتعل من الأليّة وهي القسم، وقال الأخفش: وإن شئت جعلته من قول العرب: ما ألوت جهدي في شأن فلان أي ما تركته، وقرأ أبو رجاء العطاردي وأبو مخلد السدوسي وأبو جعفر وزيد بن أسلم (ولا يتأل) بتقديم التاء وتأخير الهمزة وهو يفتعل من الألية والألو. أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ يعني أبا بكر الصدّيق أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يعني مسطحا، وكان مسكينا مهاجرا بدريا، وكان ابن خالة أبي بكر رضي الله عنه. وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا عنهم خوضهم في أمر عائشة. وروت أسماء بنت يزيد أنّ النبي ﷺ‎ قرأ ولتعفوا ولتصفحوا بالتاء [[تفسير مجمع البيان: 7/ 233. ولكن رواه عن علي (عليه السلام) .]] . أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. فلمّا قرأها رسول الله ﷺ‎ على أبي بكر قال: بلى أنا أحب أن يغفر الله لي، ورجع إلى مسطح نفقته التي كان ينفق عليه وقال: والله لا أنزعها منه أبدا. وقال ابن عباس والضحّاك: أقسم ناس من الصحابة فيهم أبو بكر ألّا يتصدقوا على رجل تكلّم بشيء من الإفك ولا ينفعونهم فأنزل الله سبحانه هذه الآية. إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ عن الفواحش وعما قذفن به كغفلة عائشة عمّا فيها الْمُؤْمِناتِ لُعِنُوا عذّبوا فِي الدُّنْيا بالجلد وفي الآخرة بالنار وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ واختلف العلماء في حكم الآية، فقال قوم: هي لعائشة وأزواج النبي ﷺ‎ خاصة دون سائر المؤمنات. أخبرني الحسين بن محمد بن الحسين قال: حدّثنا هارون بن محمد بن هارون قال: حدّثنا محمد بن عبد العزيز قال: حدّثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني قال: حدّثنا هشام عن العوّام بن حوشب قال: حدّثنا شيخ من بني كاهل قال: فسّر ابن عباس سورة النور، فلمّا أتى على هذه الآية إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ إلى آخر الآية، قال: هذه في شأن عائشة وأزواج النبي ﷺ‎ خاصة، وهي مبهمة ليس فيها توبة، ومن قذف امرأة مؤمنة فقد جعل الله سبحانه له توبة، ثمّ قرأ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ إلى قوله إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فجعل لهؤلاء توبة ولم يجعل لأولئك توبة، قال: فهّم رجل أن يقوم فيقبّل رأسه من حسن ما فسّره. وقال آخرون: نزلت هذه الآية في أزواج النبي ﷺ‎ فكان ذلك كذلك حتى نزلت الآية التي في أول السورة وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ إلى فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ فأنزل الله له الجلد والتوبة، فالتوبة تقبل والشهادة ترد. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حيّان قال: حدّثنا إسحاق بن محمد قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا إبراهيم بن عيسى قال: حدّثنا علي بن علي عن أبي حمزة الثمالي قال: بلغنا أنها نزلت في مشركي أهل مكة إذ كان بينهم وبين رسول الله ﷺ‎ عهد، فكانت المرأة إذا خرجت الى رسول الله ﷺ‎ إلى المدينة مهاجرة قذفها المشركون من أهل مكة وقالوا: إنما خرجت تفجر. يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ قرأه العامة بالتاء، وقرأ أهل الكوفة إلّا عاصما بالياء لتقدّم الفعل. أَلْسِنَتُهُمْ وهذا قبل أن يختم على أفواههم، وقيل: معناه: يشهد ألسنة بعضهم على بعض وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ في الدنيا يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ جزاءهم وحسابهم الْحَقَّ قرأه العامة بنصب القاف، وقرأ مجاهد الْحَقُّ بالرفع على نعت الله وتصديقه، قراءة أبي يوفهم الله الحق دينهم. وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ يبيّن لهم حقيقة ما كان يعدهم في الدنيا. الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ الآية. قال أكثر المفسّرين: الْخَبِيثاتُ من القول لِلْخَبِيثِينَ من الناس وَالْخَبِيثُونَ من الناس لِلْخَبِيثاتِ من القول وَالطَّيِّباتُ من القول لِلطَّيِّبِينَ من الناس وَالطَّيِّبُونَ من الناس لِلطَّيِّباتِ من القول. وقال ابن زيد: الْخَبِيثاتُ من النساء لِلْخَبِيثِينَ من الرجال، وَالْخَبِيثُونَ من الرجال لِلْخَبِيثاتِ من النساء، وَالطَّيِّباتُ من النساء لِلطَّيِّبِينَ من الرجال، وَالطَّيِّبُونَ من الرجال لِلطَّيِّباتِ من النساء. أُولئِكَ يعني عائشة وصفوان فذكرهما بلفظ الجمع كقوله فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ [[سورة النساء: 11.]] والمراد أخوان. مُبَرَّؤُنَ منزّهون مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ. أخبرنا أبو نصر النعمان بن محمد بن النعمان الجرجاني بها قال: أخبرنا محمد بن عبد الكريم الباهلي قال: حدّثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن سفيان الترمذي قال: حدّثنا بشر بن الوليد الكندي قال: حدّثنا أبو حفص عن سليمان الشيباني عن علي بن زيد بن جدعان عن جدّته عن عائشة أنها قالت: لقد أعطيت تسعا ما أعطيت امرأة، لقد نزل جبرئيل (عليه السلام) بصورتي في راحته حين أمر رسول الله ﷺ‎ أن يتزوّجني، ولقد تزوّجني بكرا وما تزوّج بكرا غيري، ولقد توفّي وإنّ رأسه لفي حجري، ولقد قبر في بيتي، ولقد حفّت الملائكة في بيتي، وإن كان الوحي لينزل عليه في أهله فيتفرقون عنه، وإن كان لينزل عليه وأنا معه في لحافه، وإنّي لابنة خليفته وصدّيقه، ولقد نزل عذري من السماء، ولقد خلقت طيّبة وعند طيّب، ولقد وعدت مغفرة ورزقا كريما.

النور 24:24

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى صلح وطهر من هذا الذنب، وقرأ ابن محيص ويعقوب: زكّى بالتشديد أي طهّر، دليلها قوله سبحانه وتعالى وَلكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي يطهّر مَنْ يَشاءُ من الإثم والذنب بالرحمة والمغفرة وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. أخبرني الحسين بن محمد بن فنجويه قال: حدّثنا عبد الله بن يوسف بن أحمد بن مالك قال: حدّثنا على بن زنجويه قال: حدّثنا سعيد بن سيف التميمي قال: حدّثنا غالب بن تميم السعدي قال: حدّثنا خالد بن جميل عن موسى بن عقبة المديني عن أبي روح الكلبي عن حر بن نصير الحضرمي عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ‎: «أيّما رجل شدّ عضد امرئ من الناس في خصومة لا علم له بها فهو في ظلّ سخط الله سبحانه حتى ينزع، وأيّما رجل حال في شفاعة دون حدّ من حدود الله تعالى أن يقام فقد كايد الله حقّا وحرص على سخطه وأن عليه لعنة الله تتابع إلى يوم القيامة، وأيّما رجل أشاع على رجل مسلم كلمة وهو منها بريء يريد أن يشينه بها في الدنيا كان حقّا على الله أن يذيبه في النار، وأصله في كتاب الله سبحانه إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ الآية [[تفسير القرطبي: 12/ 206. بتفاوت.]] . وَلا يَأْتَلِ ولا يحلف، هذه قراءة العامة وهو يفتعل من الأليّة وهي القسم، وقال الأخفش: وإن شئت جعلته من قول العرب: ما ألوت جهدي في شأن فلان أي ما تركته، وقرأ أبو رجاء العطاردي وأبو مخلد السدوسي وأبو جعفر وزيد بن أسلم (ولا يتأل) بتقديم التاء وتأخير الهمزة وهو يفتعل من الألية والألو. أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ يعني أبا بكر الصدّيق أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يعني مسطحا، وكان مسكينا مهاجرا بدريا، وكان ابن خالة أبي بكر رضي الله عنه. وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا عنهم خوضهم في أمر عائشة. وروت أسماء بنت يزيد أنّ النبي ﷺ‎ قرأ ولتعفوا ولتصفحوا بالتاء [[تفسير مجمع البيان: 7/ 233. ولكن رواه عن علي (عليه السلام) .]] . أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. فلمّا قرأها رسول الله ﷺ‎ على أبي بكر قال: بلى أنا أحب أن يغفر الله لي، ورجع إلى مسطح نفقته التي كان ينفق عليه وقال: والله لا أنزعها منه أبدا. وقال ابن عباس والضحّاك: أقسم ناس من الصحابة فيهم أبو بكر ألّا يتصدقوا على رجل تكلّم بشيء من الإفك ولا ينفعونهم فأنزل الله سبحانه هذه الآية. إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ عن الفواحش وعما قذفن به كغفلة عائشة عمّا فيها الْمُؤْمِناتِ لُعِنُوا عذّبوا فِي الدُّنْيا بالجلد وفي الآخرة بالنار وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ واختلف العلماء في حكم الآية، فقال قوم: هي لعائشة وأزواج النبي ﷺ‎ خاصة دون سائر المؤمنات. أخبرني الحسين بن محمد بن الحسين قال: حدّثنا هارون بن محمد بن هارون قال: حدّثنا محمد بن عبد العزيز قال: حدّثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني قال: حدّثنا هشام عن العوّام بن حوشب قال: حدّثنا شيخ من بني كاهل قال: فسّر ابن عباس سورة النور، فلمّا أتى على هذه الآية إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ إلى آخر الآية، قال: هذه في شأن عائشة وأزواج النبي ﷺ‎ خاصة، وهي مبهمة ليس فيها توبة، ومن قذف امرأة مؤمنة فقد جعل الله سبحانه له توبة، ثمّ قرأ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ إلى قوله إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فجعل لهؤلاء توبة ولم يجعل لأولئك توبة، قال: فهّم رجل أن يقوم فيقبّل رأسه من حسن ما فسّره. وقال آخرون: نزلت هذه الآية في أزواج النبي ﷺ‎ فكان ذلك كذلك حتى نزلت الآية التي في أول السورة وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ إلى فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ فأنزل الله له الجلد والتوبة، فالتوبة تقبل والشهادة ترد. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حيّان قال: حدّثنا إسحاق بن محمد قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا إبراهيم بن عيسى قال: حدّثنا علي بن علي عن أبي حمزة الثمالي قال: بلغنا أنها نزلت في مشركي أهل مكة إذ كان بينهم وبين رسول الله ﷺ‎ عهد، فكانت المرأة إذا خرجت الى رسول الله ﷺ‎ إلى المدينة مهاجرة قذفها المشركون من أهل مكة وقالوا: إنما خرجت تفجر. يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ قرأه العامة بالتاء، وقرأ أهل الكوفة إلّا عاصما بالياء لتقدّم الفعل. أَلْسِنَتُهُمْ وهذا قبل أن يختم على أفواههم، وقيل: معناه: يشهد ألسنة بعضهم على بعض وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ في الدنيا يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ جزاءهم وحسابهم الْحَقَّ قرأه العامة بنصب القاف، وقرأ مجاهد الْحَقُّ بالرفع على نعت الله وتصديقه، قراءة أبي يوفهم الله الحق دينهم. وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ يبيّن لهم حقيقة ما كان يعدهم في الدنيا. الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ الآية. قال أكثر المفسّرين: الْخَبِيثاتُ من القول لِلْخَبِيثِينَ من الناس وَالْخَبِيثُونَ من الناس لِلْخَبِيثاتِ من القول وَالطَّيِّباتُ من القول لِلطَّيِّبِينَ من الناس وَالطَّيِّبُونَ من الناس لِلطَّيِّباتِ من القول. وقال ابن زيد: الْخَبِيثاتُ من النساء لِلْخَبِيثِينَ من الرجال، وَالْخَبِيثُونَ من الرجال لِلْخَبِيثاتِ من النساء، وَالطَّيِّباتُ من النساء لِلطَّيِّبِينَ من الرجال، وَالطَّيِّبُونَ من الرجال لِلطَّيِّباتِ من النساء. أُولئِكَ يعني عائشة وصفوان فذكرهما بلفظ الجمع كقوله فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ [[سورة النساء: 11.]] والمراد أخوان. مُبَرَّؤُنَ منزّهون مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ. أخبرنا أبو نصر النعمان بن محمد بن النعمان الجرجاني بها قال: أخبرنا محمد بن عبد الكريم الباهلي قال: حدّثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن سفيان الترمذي قال: حدّثنا بشر بن الوليد الكندي قال: حدّثنا أبو حفص عن سليمان الشيباني عن علي بن زيد بن جدعان عن جدّته عن عائشة أنها قالت: لقد أعطيت تسعا ما أعطيت امرأة، لقد نزل جبرئيل (عليه السلام) بصورتي في راحته حين أمر رسول الله ﷺ‎ أن يتزوّجني، ولقد تزوّجني بكرا وما تزوّج بكرا غيري، ولقد توفّي وإنّ رأسه لفي حجري، ولقد قبر في بيتي، ولقد حفّت الملائكة في بيتي، وإن كان الوحي لينزل عليه في أهله فيتفرقون عنه، وإن كان لينزل عليه وأنا معه في لحافه، وإنّي لابنة خليفته وصدّيقه، ولقد نزل عذري من السماء، ولقد خلقت طيّبة وعند طيّب، ولقد وعدت مغفرة ورزقا كريما.

النور 24:25

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى صلح وطهر من هذا الذنب، وقرأ ابن محيص ويعقوب: زكّى بالتشديد أي طهّر، دليلها قوله سبحانه وتعالى وَلكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي يطهّر مَنْ يَشاءُ من الإثم والذنب بالرحمة والمغفرة وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. أخبرني الحسين بن محمد بن فنجويه قال: حدّثنا عبد الله بن يوسف بن أحمد بن مالك قال: حدّثنا على بن زنجويه قال: حدّثنا سعيد بن سيف التميمي قال: حدّثنا غالب بن تميم السعدي قال: حدّثنا خالد بن جميل عن موسى بن عقبة المديني عن أبي روح الكلبي عن حر بن نصير الحضرمي عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ‎: «أيّما رجل شدّ عضد امرئ من الناس في خصومة لا علم له بها فهو في ظلّ سخط الله سبحانه حتى ينزع، وأيّما رجل حال في شفاعة دون حدّ من حدود الله تعالى أن يقام فقد كايد الله حقّا وحرص على سخطه وأن عليه لعنة الله تتابع إلى يوم القيامة، وأيّما رجل أشاع على رجل مسلم كلمة وهو منها بريء يريد أن يشينه بها في الدنيا كان حقّا على الله أن يذيبه في النار، وأصله في كتاب الله سبحانه إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ الآية [[تفسير القرطبي: 12/ 206. بتفاوت.]] . وَلا يَأْتَلِ ولا يحلف، هذه قراءة العامة وهو يفتعل من الأليّة وهي القسم، وقال الأخفش: وإن شئت جعلته من قول العرب: ما ألوت جهدي في شأن فلان أي ما تركته، وقرأ أبو رجاء العطاردي وأبو مخلد السدوسي وأبو جعفر وزيد بن أسلم (ولا يتأل) بتقديم التاء وتأخير الهمزة وهو يفتعل من الألية والألو. أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ يعني أبا بكر الصدّيق أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يعني مسطحا، وكان مسكينا مهاجرا بدريا، وكان ابن خالة أبي بكر رضي الله عنه. وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا عنهم خوضهم في أمر عائشة. وروت أسماء بنت يزيد أنّ النبي ﷺ‎ قرأ ولتعفوا ولتصفحوا بالتاء [[تفسير مجمع البيان: 7/ 233. ولكن رواه عن علي (عليه السلام) .]] . أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. فلمّا قرأها رسول الله ﷺ‎ على أبي بكر قال: بلى أنا أحب أن يغفر الله لي، ورجع إلى مسطح نفقته التي كان ينفق عليه وقال: والله لا أنزعها منه أبدا. وقال ابن عباس والضحّاك: أقسم ناس من الصحابة فيهم أبو بكر ألّا يتصدقوا على رجل تكلّم بشيء من الإفك ولا ينفعونهم فأنزل الله سبحانه هذه الآية. إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ عن الفواحش وعما قذفن به كغفلة عائشة عمّا فيها الْمُؤْمِناتِ لُعِنُوا عذّبوا فِي الدُّنْيا بالجلد وفي الآخرة بالنار وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ واختلف العلماء في حكم الآية، فقال قوم: هي لعائشة وأزواج النبي ﷺ‎ خاصة دون سائر المؤمنات. أخبرني الحسين بن محمد بن الحسين قال: حدّثنا هارون بن محمد بن هارون قال: حدّثنا محمد بن عبد العزيز قال: حدّثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني قال: حدّثنا هشام عن العوّام بن حوشب قال: حدّثنا شيخ من بني كاهل قال: فسّر ابن عباس سورة النور، فلمّا أتى على هذه الآية إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ إلى آخر الآية، قال: هذه في شأن عائشة وأزواج النبي ﷺ‎ خاصة، وهي مبهمة ليس فيها توبة، ومن قذف امرأة مؤمنة فقد جعل الله سبحانه له توبة، ثمّ قرأ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ إلى قوله إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فجعل لهؤلاء توبة ولم يجعل لأولئك توبة، قال: فهّم رجل أن يقوم فيقبّل رأسه من حسن ما فسّره. وقال آخرون: نزلت هذه الآية في أزواج النبي ﷺ‎ فكان ذلك كذلك حتى نزلت الآية التي في أول السورة وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ إلى فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ فأنزل الله له الجلد والتوبة، فالتوبة تقبل والشهادة ترد. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حيّان قال: حدّثنا إسحاق بن محمد قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا إبراهيم بن عيسى قال: حدّثنا علي بن علي عن أبي حمزة الثمالي قال: بلغنا أنها نزلت في مشركي أهل مكة إذ كان بينهم وبين رسول الله ﷺ‎ عهد، فكانت المرأة إذا خرجت الى رسول الله ﷺ‎ إلى المدينة مهاجرة قذفها المشركون من أهل مكة وقالوا: إنما خرجت تفجر. يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ قرأه العامة بالتاء، وقرأ أهل الكوفة إلّا عاصما بالياء لتقدّم الفعل. أَلْسِنَتُهُمْ وهذا قبل أن يختم على أفواههم، وقيل: معناه: يشهد ألسنة بعضهم على بعض وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ في الدنيا يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ جزاءهم وحسابهم الْحَقَّ قرأه العامة بنصب القاف، وقرأ مجاهد الْحَقُّ بالرفع على نعت الله وتصديقه، قراءة أبي يوفهم الله الحق دينهم. وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ يبيّن لهم حقيقة ما كان يعدهم في الدنيا. الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ الآية. قال أكثر المفسّرين: الْخَبِيثاتُ من القول لِلْخَبِيثِينَ من الناس وَالْخَبِيثُونَ من الناس لِلْخَبِيثاتِ من القول وَالطَّيِّباتُ من القول لِلطَّيِّبِينَ من الناس وَالطَّيِّبُونَ من الناس لِلطَّيِّباتِ من القول. وقال ابن زيد: الْخَبِيثاتُ من النساء لِلْخَبِيثِينَ من الرجال، وَالْخَبِيثُونَ من الرجال لِلْخَبِيثاتِ من النساء، وَالطَّيِّباتُ من النساء لِلطَّيِّبِينَ من الرجال، وَالطَّيِّبُونَ من الرجال لِلطَّيِّباتِ من النساء. أُولئِكَ يعني عائشة وصفوان فذكرهما بلفظ الجمع كقوله فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ [[سورة النساء: 11.]] والمراد أخوان. مُبَرَّؤُنَ منزّهون مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ. أخبرنا أبو نصر النعمان بن محمد بن النعمان الجرجاني بها قال: أخبرنا محمد بن عبد الكريم الباهلي قال: حدّثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن سفيان الترمذي قال: حدّثنا بشر بن الوليد الكندي قال: حدّثنا أبو حفص عن سليمان الشيباني عن علي بن زيد بن جدعان عن جدّته عن عائشة أنها قالت: لقد أعطيت تسعا ما أعطيت امرأة، لقد نزل جبرئيل (عليه السلام) بصورتي في راحته حين أمر رسول الله ﷺ‎ أن يتزوّجني، ولقد تزوّجني بكرا وما تزوّج بكرا غيري، ولقد توفّي وإنّ رأسه لفي حجري، ولقد قبر في بيتي، ولقد حفّت الملائكة في بيتي، وإن كان الوحي لينزل عليه في أهله فيتفرقون عنه، وإن كان لينزل عليه وأنا معه في لحافه، وإنّي لابنة خليفته وصدّيقه، ولقد نزل عذري من السماء، ولقد خلقت طيّبة وعند طيّب، ولقد وعدت مغفرة ورزقا كريما.

النور 24:26

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى صلح وطهر من هذا الذنب، وقرأ ابن محيص ويعقوب: زكّى بالتشديد أي طهّر، دليلها قوله سبحانه وتعالى وَلكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي يطهّر مَنْ يَشاءُ من الإثم والذنب بالرحمة والمغفرة وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. أخبرني الحسين بن محمد بن فنجويه قال: حدّثنا عبد الله بن يوسف بن أحمد بن مالك قال: حدّثنا على بن زنجويه قال: حدّثنا سعيد بن سيف التميمي قال: حدّثنا غالب بن تميم السعدي قال: حدّثنا خالد بن جميل عن موسى بن عقبة المديني عن أبي روح الكلبي عن حر بن نصير الحضرمي عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ‎: «أيّما رجل شدّ عضد امرئ من الناس في خصومة لا علم له بها فهو في ظلّ سخط الله سبحانه حتى ينزع، وأيّما رجل حال في شفاعة دون حدّ من حدود الله تعالى أن يقام فقد كايد الله حقّا وحرص على سخطه وأن عليه لعنة الله تتابع إلى يوم القيامة، وأيّما رجل أشاع على رجل مسلم كلمة وهو منها بريء يريد أن يشينه بها في الدنيا كان حقّا على الله أن يذيبه في النار، وأصله في كتاب الله سبحانه إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ الآية [[تفسير القرطبي: 12/ 206. بتفاوت.]] . وَلا يَأْتَلِ ولا يحلف، هذه قراءة العامة وهو يفتعل من الأليّة وهي القسم، وقال الأخفش: وإن شئت جعلته من قول العرب: ما ألوت جهدي في شأن فلان أي ما تركته، وقرأ أبو رجاء العطاردي وأبو مخلد السدوسي وأبو جعفر وزيد بن أسلم (ولا يتأل) بتقديم التاء وتأخير الهمزة وهو يفتعل من الألية والألو. أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ يعني أبا بكر الصدّيق أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يعني مسطحا، وكان مسكينا مهاجرا بدريا، وكان ابن خالة أبي بكر رضي الله عنه. وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا عنهم خوضهم في أمر عائشة. وروت أسماء بنت يزيد أنّ النبي ﷺ‎ قرأ ولتعفوا ولتصفحوا بالتاء [[تفسير مجمع البيان: 7/ 233. ولكن رواه عن علي (عليه السلام) .]] . أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. فلمّا قرأها رسول الله ﷺ‎ على أبي بكر قال: بلى أنا أحب أن يغفر الله لي، ورجع إلى مسطح نفقته التي كان ينفق عليه وقال: والله لا أنزعها منه أبدا. وقال ابن عباس والضحّاك: أقسم ناس من الصحابة فيهم أبو بكر ألّا يتصدقوا على رجل تكلّم بشيء من الإفك ولا ينفعونهم فأنزل الله سبحانه هذه الآية. إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ عن الفواحش وعما قذفن به كغفلة عائشة عمّا فيها الْمُؤْمِناتِ لُعِنُوا عذّبوا فِي الدُّنْيا بالجلد وفي الآخرة بالنار وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ واختلف العلماء في حكم الآية، فقال قوم: هي لعائشة وأزواج النبي ﷺ‎ خاصة دون سائر المؤمنات. أخبرني الحسين بن محمد بن الحسين قال: حدّثنا هارون بن محمد بن هارون قال: حدّثنا محمد بن عبد العزيز قال: حدّثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني قال: حدّثنا هشام عن العوّام بن حوشب قال: حدّثنا شيخ من بني كاهل قال: فسّر ابن عباس سورة النور، فلمّا أتى على هذه الآية إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ إلى آخر الآية، قال: هذه في شأن عائشة وأزواج النبي ﷺ‎ خاصة، وهي مبهمة ليس فيها توبة، ومن قذف امرأة مؤمنة فقد جعل الله سبحانه له توبة، ثمّ قرأ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ إلى قوله إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فجعل لهؤلاء توبة ولم يجعل لأولئك توبة، قال: فهّم رجل أن يقوم فيقبّل رأسه من حسن ما فسّره. وقال آخرون: نزلت هذه الآية في أزواج النبي ﷺ‎ فكان ذلك كذلك حتى نزلت الآية التي في أول السورة وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ إلى فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ فأنزل الله له الجلد والتوبة، فالتوبة تقبل والشهادة ترد. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حيّان قال: حدّثنا إسحاق بن محمد قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا إبراهيم بن عيسى قال: حدّثنا علي بن علي عن أبي حمزة الثمالي قال: بلغنا أنها نزلت في مشركي أهل مكة إذ كان بينهم وبين رسول الله ﷺ‎ عهد، فكانت المرأة إذا خرجت الى رسول الله ﷺ‎ إلى المدينة مهاجرة قذفها المشركون من أهل مكة وقالوا: إنما خرجت تفجر. يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ قرأه العامة بالتاء، وقرأ أهل الكوفة إلّا عاصما بالياء لتقدّم الفعل. أَلْسِنَتُهُمْ وهذا قبل أن يختم على أفواههم، وقيل: معناه: يشهد ألسنة بعضهم على بعض وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ في الدنيا يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ جزاءهم وحسابهم الْحَقَّ قرأه العامة بنصب القاف، وقرأ مجاهد الْحَقُّ بالرفع على نعت الله وتصديقه، قراءة أبي يوفهم الله الحق دينهم. وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ يبيّن لهم حقيقة ما كان يعدهم في الدنيا. الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ الآية. قال أكثر المفسّرين: الْخَبِيثاتُ من القول لِلْخَبِيثِينَ من الناس وَالْخَبِيثُونَ من الناس لِلْخَبِيثاتِ من القول وَالطَّيِّباتُ من القول لِلطَّيِّبِينَ من الناس وَالطَّيِّبُونَ من الناس لِلطَّيِّباتِ من القول. وقال ابن زيد: الْخَبِيثاتُ من النساء لِلْخَبِيثِينَ من الرجال، وَالْخَبِيثُونَ من الرجال لِلْخَبِيثاتِ من النساء، وَالطَّيِّباتُ من النساء لِلطَّيِّبِينَ من الرجال، وَالطَّيِّبُونَ من الرجال لِلطَّيِّباتِ من النساء. أُولئِكَ يعني عائشة وصفوان فذكرهما بلفظ الجمع كقوله فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ [[سورة النساء: 11.]] والمراد أخوان. مُبَرَّؤُنَ منزّهون مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ. أخبرنا أبو نصر النعمان بن محمد بن النعمان الجرجاني بها قال: أخبرنا محمد بن عبد الكريم الباهلي قال: حدّثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن سفيان الترمذي قال: حدّثنا بشر بن الوليد الكندي قال: حدّثنا أبو حفص عن سليمان الشيباني عن علي بن زيد بن جدعان عن جدّته عن عائشة أنها قالت: لقد أعطيت تسعا ما أعطيت امرأة، لقد نزل جبرئيل (عليه السلام) بصورتي في راحته حين أمر رسول الله ﷺ‎ أن يتزوّجني، ولقد تزوّجني بكرا وما تزوّج بكرا غيري، ولقد توفّي وإنّ رأسه لفي حجري، ولقد قبر في بيتي، ولقد حفّت الملائكة في بيتي، وإن كان الوحي لينزل عليه في أهله فيتفرقون عنه، وإن كان لينزل عليه وأنا معه في لحافه، وإنّي لابنة خليفته وصدّيقه، ولقد نزل عذري من السماء، ولقد خلقت طيّبة وعند طيّب، ولقد وعدت مغفرة ورزقا كريما.

النور 24:27

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ الآية. أخبرني الحسين بن محمد بن فنجويه قال: حدّثنا عبد الله بن يوسف قال: حدّثنا الحسين ابن يحيويه قال: حدّثنا عمرو بن ثور وإبراهيم بن أبي سفيان قالا: حدّثنا محمد بن يوسف الفريابي قال: حدّثنا قيس عن أشعث بن سوار عن عدي بن ثابت قال: جاءت امرأة من الأنصار فقالت: يا رسول الله إنّي أكون في بيتي على حال لا أحبّ أن يراني عليها أحد والد ولا ولد، فيأتي الأب فيدخل عليّ، وإنّه لا يزال يدخل عليّ رجل من أهلي وأنا على تلك الحال فكيف أصنع؟ فنزلت هذه الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها الآية. وقال بعض المفسّرين: حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا أي تستأذنوا. وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنّه قال: إنّما هو حتى تستأذنوا ولكن اخطأ الكاتب، وكان أبيّ بن كعب وابن عباس والأعمش يقرءونها كذلك حتّى تستأذنوا، وفي الآية تقديم وتأخير تقديرها: حتى تسلّموا على أهلها وتستأذنوا، وكذلك هو في مصحف ابن مسعود وهو أن يقول: السلام عليكم أأدخل؟ روى يونس بن عبيد عن عمرو بن سعيد الثقفي أنّ رجلا استأذن على رسول الله ﷺ‎ فقال: أألج فقال النبي ﷺ‎ لامرأة يقال لها روضة: قومي إلى هذا فعلّميه فإنّه لا يحسن يستأذن فقولي له: تقول: السلام عليكم أأدخل؟ فسمعها الرجل فقالها، فقال: ادخل [[جامع البيان للطبري: 18/ 147.]] . وقال مجاهد والسدّي: هو التنحنح والتنخّم. روى الأعمش عن عمرو بن مرة عن يحيى بن الخزاز عن ابن أخي زينب امرأة ابن مسعود عن زينب قالت: كان عبد الله إذا جاء من حاجة فانتهى الى الباب تنحنح وبزق كراهية أن يهجم منها على أمر يكرهه. عكرمة: هو التسبيح والتكبير ونحو ذلك. أخبرني أبو عبد الله بن فنجويه قال: حدّثنا أبو بكر بن خرجة قال: حدّثنا محمد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي قال: حدّثنا عبد الله بن عمر بن أبان قال: حدّثنا عبد الرحيم بن سليمان عن واصل بن السائب عن أبي أيوب الأنصاري قال: قلنا يا رسول الله ما الاستيناس الذي يريد الله سبحانه حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها قال: يتكلّم الرجل بالتكبيرة والتسبيحة والتحميدة، يتنحنح يؤذن أهل البيت [[المصنّف: 6/ 132.]] . وقال الخليل: الاستيناس: الاستبصار من قوله آنَسْتُ ناراً [[سورة طه: 10.]] . وقال أهل المعاني: الاستيناس: طلب الأنس وهو أن ينظر هل في البيت أحد يؤذنه أنه داخل عليهم، يقول العرب: اذهب فاستأنس هل ترى أحدا في الدار؟ أي انظر هل ترى فيها أحدا؟ ويروى أنّ أبا موسى الأشعري أتى منزل عمر بن الخطاب رضي الله عنهما فقال: السلام عليكم أأدخل؟ فقال عمر: واحدة، فقال أبو موسى: السلام عليكم أأدخل؟ فقال عمر: ثنتان، قال أبو موسى: السلام عليكم أأدخل؟ ومرّ، فوجّه عمر بن الخطاب رضى الله عنه خلفه من ردّه فسأله عن صنيعه فقال: إنّي سمعت رسول الله ﷺ‎ يقول: «الاستيذان ثلاثة فإن أذنوا وإلّا فارجع» [24] . فقال عمر: لتأتيني بالبيّنة أو لأعاقبنّك، فانطلق أبو موسى فأتاه بمن سمع ذلك معه [[صحيح ابن حبّان: 13/ 127.]] . وعن عطاء بن يسار أنّ رجلا قال للنبي ﷺ‎: أستأذن على امّي؟ قال: «نعم» ، قال: «إنها ليس لها خادم غيري أفأستأذن كلّما دخلت؟ قال: «أتحبّ أن تراها عريانة» ؟ قال الرجل: لا، قال: «فاستأذن عليها» [[جامع البيان للطبري: 18/ 148.]] . وأخبرني الحسين بن محمد بن فنجويه قال: حدّثنا موسى بن محمد بن علي قال: حدّثنا عبد الله بن محمد بن وهب قال: حدّثنا محمد بن حميد قال: حدّثنا جرير بن عبد الحميد عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ‎: «من اطّلع في بيت بغير إذنهم فقد حلّ لهم ان يفقئوا عينه» [25] [[مسند أحمد: 2/ 266.]] . وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شبّه قال: حدّثنا الحضرمي قال: حدّثنا أبو بكر قال: حدّثنا ابن عيينة عن الزهري أنه سمع سهل بن سعد يقول: اطّلع رجل في حجرة من حجر النبي ﷺ‎ ومعه مدرى يحكّ به رأسه، فقال: «لو أعلم أنك تنظر لطعنت به في عينيك، إنّما الاستيذان من النظر» [26] [[المصنّف: 8/ 395. والعبارة فيه: من البصر، بدل: من النظر.]] . فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أي في البيوت أَحَداً يأذن لكم في دخولها فَلا تَدْخُلُوها حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا ولا تقفوا على أبوابهم ولا تلازموها هُوَ أي الرجوع أَزْكى أطهر وأصلح لَكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ. فلمّا نزلت هذه الآية قال أبو بكر: يا رسول الله أرأيت الخانات والمساكن في طرق الشام ليس فيها ساكن؟ فأنزل الله سبحانه لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ بغير استيذان فِيها مَتاعٌ منفعة لَكُمْ واختلفوا في هذه البيوت ما هي؟ فقال قتادة: هي الخانات والبيوت المبنيّة للسائلة ليأووا إليها ويؤووا أمتعتهم إليها. قال مجاهد: كانوا يضعون بطرق المدينة أقتابا وأمتعة في بيوت ليس فيها أحد، وكانت الطرق إذ ذاك آمنة فأحلّ لهم أن يدخلوها بغير إذن. محمد بن الحنفيّة: هي بيوت مكة، ضحّاك: الخربة التي يأوي المسافر إليها في الصيف والشتاء، عطاء: هي البيوت الخربة، والمتاع هو قضاء الحاجة فيها من الخلاء والبول، ابن زيد: بيوت التجّار وحوانيتهم التي بالأسواق، ابن جرير: جميع ما يكون من البيوت التي لا ساكن لها على العموم لأنّ الاستيذان إنما جاء لئلّا يهجم على ما لا يحب من العورة، فإذا لم يخف ذلك فلا معنى للاستئذان. وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا يكفّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ عن النظر الى ما لا يجوز، واختلفوا في قوله مِنْ فقال بعضهم: هو صلة أي يغضّوا أبصارهم، وقال آخرون: هو ثابت في الحكم لأنّ المؤمنين غير مأمورين بغضّ البصر أصلا، وإنّما أمروا بالغضّ عمّا لا يجوز. وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ عمّن لا يحلّ، هذا قول أكثر المفسّرين. وقال ابن زيد: كلّ ما في القرآن من حفظ الفرج فهو عن الزنا إلّا في هذا الموضع فإنّه أراد الاستتار يعني: ويحفظوا فروجهم حتى لا ينظر إليها. ودليل هذا التأويل إسقاط من ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ عليم بِما يَصْنَعُونَ. أخبرني ابن فنجويه في داري قال: حدّثنا عبد الله بن يوسف بن أحمد بن مالك قال: حدّثنا الحسن بن علي بن زكريا قال: حدّثنا أبو الربيع الزهراني قال: حدّثنا إسماعيل بن جعفر قال: حدّثنا عمرو بن أبي عمرو عن المطلب بن حنطب عن عبادة بن الصامت أنّ رسول الله ﷺ‎ قال: «اضمنوا لي ستّا من أنفسكم اضمن لكم الجنة: اصدقوا إذا حدّثتم، وأوفوا إذا وعدتم، وأدّوا ما ائتمنتم، واحفظوا فروجكم، وغضّوا أبصاركم، وكفّوا أيديكم» [[مسند أحمد: 5/ 323.]] [27] . وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شيبة قال: حدّثنا الحضرمي قال: حدّثنا عبد الوارث قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا عنبسة بن عبد الرّحمن قال: حدّثنا أبو الحسن أنه سمع علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: قال رسول الله ﷺ‎: «النظر إلى محاسن المرأة سهم من نبال إبليس مسموم، فمن ردّ بصره ابتغاء ثواب الله عز وجل أبدله الله بذلك عبادة تسرّه» [[بتفاوت في كنز العمّال: 5/ 329 ح 13073.]] [28] . وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شنبة قال: حدّثنا الحضرمي قال: حدّثنا سهل بن صالح الأنطاكي قال: حدّثنا أبو داود قال: حدّثنا أبان بن يزيد عن يحيى بن أبي كثير عن أبي جعفر عن أبي هريرة عن النبي ﷺ‎ قال: «بينما رجل يصلّي إذ مرّت به امرأة فنظر إليها وأتبعها بصره فذهب عيناه» [29] . وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ عما لا يجوز وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ عمّا لا يحلّ، وقيل: وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ أي يسترنها حتى لا يراها أحد. وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ ولا يظهرن لغير محرم زينتهن، وهما زينتان: أحداهما ما خفي كالخلخالين [[في النسخة الثانية زيادة: والسوارين.]] والقرطين والقلائد والمعاصم ونحوها، والأخرى ما ظَهَرَ مِنْها، واختلف العلماء في الزينة الظاهرة التي استثنى الله سبحانه ورخّص فيها فقال ابن مسعود: هي الثياب، وعنه أيضا: الرداء، ودليل هذا التأويل قوله سبحانه خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ [[الأعراف: 31.]] أي ثيابكم. وقال ابن عباس وأصحابه: الكحل والخاتم والسوار والخضاب، الضحّاك والأوزاعي: الوجه والكفّان، الحسن: الوجه والثياب. روت عائشة عن النبي ﷺ‎ [[تفسير القرطبي: 12/ 229.]] أنه قال: «لا يحلّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر إذا عركت [[عركت المرأة: إذا حاضت.]] أن تظهر إلّا وجهها ويدها إلى هاهنا» [30] ، وقبض على نصف الذارع ، وإنّما رخّص الله سبحانه ورخّص رسوله في هذا القدر من بدن المرأة أن تبديها لأنّه ليس بعورة، فيجوز لها كشفه في الصلاة، وسائر بدنها عورة فيلزمها ستره. وَلْيَضْرِبْنَ وليلقين بِخُمُرِهِنَّ أي بمقانعهن وهي جمع خمار وهو غطاء رأس المرأة عَلى جُيُوبِهِنَّ وصدورهن ليسترن بذلك شعورهنّ وأقراطهنّ وأعناقهن. قالت عائشة: يرحم الله النساء المهاجرات الأول لمّا أنزل الله سبحانه هذه الآية شققن أكتف مروطهنّ فاختمرن به. وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ الخفيّة التي أمرن بتغطيتها، ولم يبح لهنّ كشفها في الصلاة وللأجنبيين، وهي ما عدا الوجه والكفّين وظهور القدمين إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبائِهِنَّ أَوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنائِهِنَّ أَوْ أَبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَواتِهِنَّ أَوْ نِسائِهِنَّ أي نساء المؤمنين فلا يحلّ لامرأة مسلمة أن تتجرّد بين يدي امرأة مشركة إلّا أن تكون أمة لها فذلك قوله سبحانه أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ. عن ابن جريج: روى هشام بن الغار عن عبادة بن نسيّ أنه كره أن تقبّل النصرانية المسلمة أو ترى عورتها ويتأوّل أَوْ نِسائِهِنَّ. وقال عبادة: كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي عبيدة بن الجراح: أما بعد فقد بلغني أنّ نساء يدخلن الحمّامات معهنّ نساء أهل الكتاب فامنع ذلك وحل دونه. قال: ثم إنّ أبا عبيدة قام في ذلك المقام مبتهلا: اللهم أيّما امرأة تدخل الحمّام من غير علّة ولا سقم تريد البياض لوجهها فسوّد وجهها يوم تبيضّ الوجوه. وقال بعضهم: أراد بقوله أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ مماليكهنّ وعبيدهنّ فإنّه لا بأس عليهن أن يظهرن لهم من زينتهنّ ما يظهرن لذوي محارمهنّ. أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ وهم الذين يتبعونكم ليصيبوا من فضل طعامكم ولا حاجة لهم في النساء ولا يستهوونهنّ. قال ابن عباس: هو الذي لا تستحيي منه النساء، وعنه: الأحمق العنّين. مجاهد: الأبله الذي لا يعرف شيئا من النساء، الحسن: هو الذي لا ينتشر [زبه] سعيد بن جبير: المعتوه، عكرمة: المجبوب، الحكم بن أبان عنه [[عن عكرمة كما في تفسير الطبري: 18/ 164.]] : هو المخنث الذي لا يقوم زبّه. روى الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رجل يدخل على أزواج النبي ﷺ‎ مخنث، وكانوا يعدّونه من غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ فدخل النبي ﷺ‎ يوما وهو عند بعض نسائه وهو ينعت امرأة فقال: «إنّها إذا أقبلت أقبلت بأربع وإذا أدبرت أدبرت بثمان» . فقال النبي ﷺ‎: «لا أرى هذا يعلم ما هاهنا، لا يدخلنّ هذا عليكم» فحجبوه [31] . ابن زيد: هو الذي يتبع القوم حتى كأنه منهم ونشأ فيهم وليس له في نسائهم إربة، وإنما يتبعهم لإرفاقهم إيّاه، والإربة والإرب: الحاجة يقال: أربت الى كذا آرب إربا إذا احتجت إليه، واختلف القرّاء في قوله غَيْرِ فنصبه أبو جعفر وابن عامر وعاصم برواية أبي بكر والمفضل، وله وجهان: أحدهما: الحال والقطع لأنّ التابعين معرفة وغير نكرة. والآخر: الاستثناء ويكون غَيْرَ بمعنى إلّا. وقرأ الباقون بالخفض على نعت التابعين. أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ أي لم يكشفوا عن عورات النساء لجماعهن فيطّلعوا عليها، والطفل يكون واحدا وجمعا. وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ يعني ولا يحرّكنها إذا مشين لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ يعني الخلخال والحلي وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً من التقصير الواقع في أمره ونهيه وقيل: معناه راجعوا طاعة الله فيما أمركم ونهاكم من الآداب المذكورة في هذه السورة.

النور 24:28

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ الآية. أخبرني الحسين بن محمد بن فنجويه قال: حدّثنا عبد الله بن يوسف قال: حدّثنا الحسين ابن يحيويه قال: حدّثنا عمرو بن ثور وإبراهيم بن أبي سفيان قالا: حدّثنا محمد بن يوسف الفريابي قال: حدّثنا قيس عن أشعث بن سوار عن عدي بن ثابت قال: جاءت امرأة من الأنصار فقالت: يا رسول الله إنّي أكون في بيتي على حال لا أحبّ أن يراني عليها أحد والد ولا ولد، فيأتي الأب فيدخل عليّ، وإنّه لا يزال يدخل عليّ رجل من أهلي وأنا على تلك الحال فكيف أصنع؟ فنزلت هذه الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها الآية. وقال بعض المفسّرين: حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا أي تستأذنوا. وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنّه قال: إنّما هو حتى تستأذنوا ولكن اخطأ الكاتب، وكان أبيّ بن كعب وابن عباس والأعمش يقرءونها كذلك حتّى تستأذنوا، وفي الآية تقديم وتأخير تقديرها: حتى تسلّموا على أهلها وتستأذنوا، وكذلك هو في مصحف ابن مسعود وهو أن يقول: السلام عليكم أأدخل؟ روى يونس بن عبيد عن عمرو بن سعيد الثقفي أنّ رجلا استأذن على رسول الله ﷺ‎ فقال: أألج فقال النبي ﷺ‎ لامرأة يقال لها روضة: قومي إلى هذا فعلّميه فإنّه لا يحسن يستأذن فقولي له: تقول: السلام عليكم أأدخل؟ فسمعها الرجل فقالها، فقال: ادخل [[جامع البيان للطبري: 18/ 147.]] . وقال مجاهد والسدّي: هو التنحنح والتنخّم. روى الأعمش عن عمرو بن مرة عن يحيى بن الخزاز عن ابن أخي زينب امرأة ابن مسعود عن زينب قالت: كان عبد الله إذا جاء من حاجة فانتهى الى الباب تنحنح وبزق كراهية أن يهجم منها على أمر يكرهه. عكرمة: هو التسبيح والتكبير ونحو ذلك. أخبرني أبو عبد الله بن فنجويه قال: حدّثنا أبو بكر بن خرجة قال: حدّثنا محمد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي قال: حدّثنا عبد الله بن عمر بن أبان قال: حدّثنا عبد الرحيم بن سليمان عن واصل بن السائب عن أبي أيوب الأنصاري قال: قلنا يا رسول الله ما الاستيناس الذي يريد الله سبحانه حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها قال: يتكلّم الرجل بالتكبيرة والتسبيحة والتحميدة، يتنحنح يؤذن أهل البيت [[المصنّف: 6/ 132.]] . وقال الخليل: الاستيناس: الاستبصار من قوله آنَسْتُ ناراً [[سورة طه: 10.]] . وقال أهل المعاني: الاستيناس: طلب الأنس وهو أن ينظر هل في البيت أحد يؤذنه أنه داخل عليهم، يقول العرب: اذهب فاستأنس هل ترى أحدا في الدار؟ أي انظر هل ترى فيها أحدا؟ ويروى أنّ أبا موسى الأشعري أتى منزل عمر بن الخطاب رضي الله عنهما فقال: السلام عليكم أأدخل؟ فقال عمر: واحدة، فقال أبو موسى: السلام عليكم أأدخل؟ فقال عمر: ثنتان، قال أبو موسى: السلام عليكم أأدخل؟ ومرّ، فوجّه عمر بن الخطاب رضى الله عنه خلفه من ردّه فسأله عن صنيعه فقال: إنّي سمعت رسول الله ﷺ‎ يقول: «الاستيذان ثلاثة فإن أذنوا وإلّا فارجع» [24] . فقال عمر: لتأتيني بالبيّنة أو لأعاقبنّك، فانطلق أبو موسى فأتاه بمن سمع ذلك معه [[صحيح ابن حبّان: 13/ 127.]] . وعن عطاء بن يسار أنّ رجلا قال للنبي ﷺ‎: أستأذن على امّي؟ قال: «نعم» ، قال: «إنها ليس لها خادم غيري أفأستأذن كلّما دخلت؟ قال: «أتحبّ أن تراها عريانة» ؟ قال الرجل: لا، قال: «فاستأذن عليها» [[جامع البيان للطبري: 18/ 148.]] . وأخبرني الحسين بن محمد بن فنجويه قال: حدّثنا موسى بن محمد بن علي قال: حدّثنا عبد الله بن محمد بن وهب قال: حدّثنا محمد بن حميد قال: حدّثنا جرير بن عبد الحميد عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ‎: «من اطّلع في بيت بغير إذنهم فقد حلّ لهم ان يفقئوا عينه» [25] [[مسند أحمد: 2/ 266.]] . وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شبّه قال: حدّثنا الحضرمي قال: حدّثنا أبو بكر قال: حدّثنا ابن عيينة عن الزهري أنه سمع سهل بن سعد يقول: اطّلع رجل في حجرة من حجر النبي ﷺ‎ ومعه مدرى يحكّ به رأسه، فقال: «لو أعلم أنك تنظر لطعنت به في عينيك، إنّما الاستيذان من النظر» [26] [[المصنّف: 8/ 395. والعبارة فيه: من البصر، بدل: من النظر.]] . فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أي في البيوت أَحَداً يأذن لكم في دخولها فَلا تَدْخُلُوها حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا ولا تقفوا على أبوابهم ولا تلازموها هُوَ أي الرجوع أَزْكى أطهر وأصلح لَكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ. فلمّا نزلت هذه الآية قال أبو بكر: يا رسول الله أرأيت الخانات والمساكن في طرق الشام ليس فيها ساكن؟ فأنزل الله سبحانه لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ بغير استيذان فِيها مَتاعٌ منفعة لَكُمْ واختلفوا في هذه البيوت ما هي؟ فقال قتادة: هي الخانات والبيوت المبنيّة للسائلة ليأووا إليها ويؤووا أمتعتهم إليها. قال مجاهد: كانوا يضعون بطرق المدينة أقتابا وأمتعة في بيوت ليس فيها أحد، وكانت الطرق إذ ذاك آمنة فأحلّ لهم أن يدخلوها بغير إذن. محمد بن الحنفيّة: هي بيوت مكة، ضحّاك: الخربة التي يأوي المسافر إليها في الصيف والشتاء، عطاء: هي البيوت الخربة، والمتاع هو قضاء الحاجة فيها من الخلاء والبول، ابن زيد: بيوت التجّار وحوانيتهم التي بالأسواق، ابن جرير: جميع ما يكون من البيوت التي لا ساكن لها على العموم لأنّ الاستيذان إنما جاء لئلّا يهجم على ما لا يحب من العورة، فإذا لم يخف ذلك فلا معنى للاستئذان. وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا يكفّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ عن النظر الى ما لا يجوز، واختلفوا في قوله مِنْ فقال بعضهم: هو صلة أي يغضّوا أبصارهم، وقال آخرون: هو ثابت في الحكم لأنّ المؤمنين غير مأمورين بغضّ البصر أصلا، وإنّما أمروا بالغضّ عمّا لا يجوز. وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ عمّن لا يحلّ، هذا قول أكثر المفسّرين. وقال ابن زيد: كلّ ما في القرآن من حفظ الفرج فهو عن الزنا إلّا في هذا الموضع فإنّه أراد الاستتار يعني: ويحفظوا فروجهم حتى لا ينظر إليها. ودليل هذا التأويل إسقاط من ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ عليم بِما يَصْنَعُونَ. أخبرني ابن فنجويه في داري قال: حدّثنا عبد الله بن يوسف بن أحمد بن مالك قال: حدّثنا الحسن بن علي بن زكريا قال: حدّثنا أبو الربيع الزهراني قال: حدّثنا إسماعيل بن جعفر قال: حدّثنا عمرو بن أبي عمرو عن المطلب بن حنطب عن عبادة بن الصامت أنّ رسول الله ﷺ‎ قال: «اضمنوا لي ستّا من أنفسكم اضمن لكم الجنة: اصدقوا إذا حدّثتم، وأوفوا إذا وعدتم، وأدّوا ما ائتمنتم، واحفظوا فروجكم، وغضّوا أبصاركم، وكفّوا أيديكم» [[مسند أحمد: 5/ 323.]] [27] . وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شيبة قال: حدّثنا الحضرمي قال: حدّثنا عبد الوارث قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا عنبسة بن عبد الرّحمن قال: حدّثنا أبو الحسن أنه سمع علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: قال رسول الله ﷺ‎: «النظر إلى محاسن المرأة سهم من نبال إبليس مسموم، فمن ردّ بصره ابتغاء ثواب الله عز وجل أبدله الله بذلك عبادة تسرّه» [[بتفاوت في كنز العمّال: 5/ 329 ح 13073.]] [28] . وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شنبة قال: حدّثنا الحضرمي قال: حدّثنا سهل بن صالح الأنطاكي قال: حدّثنا أبو داود قال: حدّثنا أبان بن يزيد عن يحيى بن أبي كثير عن أبي جعفر عن أبي هريرة عن النبي ﷺ‎ قال: «بينما رجل يصلّي إذ مرّت به امرأة فنظر إليها وأتبعها بصره فذهب عيناه» [29] . وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ عما لا يجوز وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ عمّا لا يحلّ، وقيل: وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ أي يسترنها حتى لا يراها أحد. وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ ولا يظهرن لغير محرم زينتهن، وهما زينتان: أحداهما ما خفي كالخلخالين [[في النسخة الثانية زيادة: والسوارين.]] والقرطين والقلائد والمعاصم ونحوها، والأخرى ما ظَهَرَ مِنْها، واختلف العلماء في الزينة الظاهرة التي استثنى الله سبحانه ورخّص فيها فقال ابن مسعود: هي الثياب، وعنه أيضا: الرداء، ودليل هذا التأويل قوله سبحانه خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ [[الأعراف: 31.]] أي ثيابكم. وقال ابن عباس وأصحابه: الكحل والخاتم والسوار والخضاب، الضحّاك والأوزاعي: الوجه والكفّان، الحسن: الوجه والثياب. روت عائشة عن النبي ﷺ‎ [[تفسير القرطبي: 12/ 229.]] أنه قال: «لا يحلّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر إذا عركت [[عركت المرأة: إذا حاضت.]] أن تظهر إلّا وجهها ويدها إلى هاهنا» [30] ، وقبض على نصف الذارع ، وإنّما رخّص الله سبحانه ورخّص رسوله في هذا القدر من بدن المرأة أن تبديها لأنّه ليس بعورة، فيجوز لها كشفه في الصلاة، وسائر بدنها عورة فيلزمها ستره. وَلْيَضْرِبْنَ وليلقين بِخُمُرِهِنَّ أي بمقانعهن وهي جمع خمار وهو غطاء رأس المرأة عَلى جُيُوبِهِنَّ وصدورهن ليسترن بذلك شعورهنّ وأقراطهنّ وأعناقهن. قالت عائشة: يرحم الله النساء المهاجرات الأول لمّا أنزل الله سبحانه هذه الآية شققن أكتف مروطهنّ فاختمرن به. وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ الخفيّة التي أمرن بتغطيتها، ولم يبح لهنّ كشفها في الصلاة وللأجنبيين، وهي ما عدا الوجه والكفّين وظهور القدمين إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبائِهِنَّ أَوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنائِهِنَّ أَوْ أَبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَواتِهِنَّ أَوْ نِسائِهِنَّ أي نساء المؤمنين فلا يحلّ لامرأة مسلمة أن تتجرّد بين يدي امرأة مشركة إلّا أن تكون أمة لها فذلك قوله سبحانه أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ. عن ابن جريج: روى هشام بن الغار عن عبادة بن نسيّ أنه كره أن تقبّل النصرانية المسلمة أو ترى عورتها ويتأوّل أَوْ نِسائِهِنَّ. وقال عبادة: كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي عبيدة بن الجراح: أما بعد فقد بلغني أنّ نساء يدخلن الحمّامات معهنّ نساء أهل الكتاب فامنع ذلك وحل دونه. قال: ثم إنّ أبا عبيدة قام في ذلك المقام مبتهلا: اللهم أيّما امرأة تدخل الحمّام من غير علّة ولا سقم تريد البياض لوجهها فسوّد وجهها يوم تبيضّ الوجوه. وقال بعضهم: أراد بقوله أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ مماليكهنّ وعبيدهنّ فإنّه لا بأس عليهن أن يظهرن لهم من زينتهنّ ما يظهرن لذوي محارمهنّ. أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ وهم الذين يتبعونكم ليصيبوا من فضل طعامكم ولا حاجة لهم في النساء ولا يستهوونهنّ. قال ابن عباس: هو الذي لا تستحيي منه النساء، وعنه: الأحمق العنّين. مجاهد: الأبله الذي لا يعرف شيئا من النساء، الحسن: هو الذي لا ينتشر [زبه] سعيد بن جبير: المعتوه، عكرمة: المجبوب، الحكم بن أبان عنه [[عن عكرمة كما في تفسير الطبري: 18/ 164.]] : هو المخنث الذي لا يقوم زبّه. روى الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رجل يدخل على أزواج النبي ﷺ‎ مخنث، وكانوا يعدّونه من غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ فدخل النبي ﷺ‎ يوما وهو عند بعض نسائه وهو ينعت امرأة فقال: «إنّها إذا أقبلت أقبلت بأربع وإذا أدبرت أدبرت بثمان» . فقال النبي ﷺ‎: «لا أرى هذا يعلم ما هاهنا، لا يدخلنّ هذا عليكم» فحجبوه [31] . ابن زيد: هو الذي يتبع القوم حتى كأنه منهم ونشأ فيهم وليس له في نسائهم إربة، وإنما يتبعهم لإرفاقهم إيّاه، والإربة والإرب: الحاجة يقال: أربت الى كذا آرب إربا إذا احتجت إليه، واختلف القرّاء في قوله غَيْرِ فنصبه أبو جعفر وابن عامر وعاصم برواية أبي بكر والمفضل، وله وجهان: أحدهما: الحال والقطع لأنّ التابعين معرفة وغير نكرة. والآخر: الاستثناء ويكون غَيْرَ بمعنى إلّا. وقرأ الباقون بالخفض على نعت التابعين. أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ أي لم يكشفوا عن عورات النساء لجماعهن فيطّلعوا عليها، والطفل يكون واحدا وجمعا. وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ يعني ولا يحرّكنها إذا مشين لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ يعني الخلخال والحلي وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً من التقصير الواقع في أمره ونهيه وقيل: معناه راجعوا طاعة الله فيما أمركم ونهاكم من الآداب المذكورة في هذه السورة.

النور 24:29

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ الآية. أخبرني الحسين بن محمد بن فنجويه قال: حدّثنا عبد الله بن يوسف قال: حدّثنا الحسين ابن يحيويه قال: حدّثنا عمرو بن ثور وإبراهيم بن أبي سفيان قالا: حدّثنا محمد بن يوسف الفريابي قال: حدّثنا قيس عن أشعث بن سوار عن عدي بن ثابت قال: جاءت امرأة من الأنصار فقالت: يا رسول الله إنّي أكون في بيتي على حال لا أحبّ أن يراني عليها أحد والد ولا ولد، فيأتي الأب فيدخل عليّ، وإنّه لا يزال يدخل عليّ رجل من أهلي وأنا على تلك الحال فكيف أصنع؟ فنزلت هذه الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها الآية. وقال بعض المفسّرين: حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا أي تستأذنوا. وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنّه قال: إنّما هو حتى تستأذنوا ولكن اخطأ الكاتب، وكان أبيّ بن كعب وابن عباس والأعمش يقرءونها كذلك حتّى تستأذنوا، وفي الآية تقديم وتأخير تقديرها: حتى تسلّموا على أهلها وتستأذنوا، وكذلك هو في مصحف ابن مسعود وهو أن يقول: السلام عليكم أأدخل؟ روى يونس بن عبيد عن عمرو بن سعيد الثقفي أنّ رجلا استأذن على رسول الله ﷺ‎ فقال: أألج فقال النبي ﷺ‎ لامرأة يقال لها روضة: قومي إلى هذا فعلّميه فإنّه لا يحسن يستأذن فقولي له: تقول: السلام عليكم أأدخل؟ فسمعها الرجل فقالها، فقال: ادخل [[جامع البيان للطبري: 18/ 147.]] . وقال مجاهد والسدّي: هو التنحنح والتنخّم. روى الأعمش عن عمرو بن مرة عن يحيى بن الخزاز عن ابن أخي زينب امرأة ابن مسعود عن زينب قالت: كان عبد الله إذا جاء من حاجة فانتهى الى الباب تنحنح وبزق كراهية أن يهجم منها على أمر يكرهه. عكرمة: هو التسبيح والتكبير ونحو ذلك. أخبرني أبو عبد الله بن فنجويه قال: حدّثنا أبو بكر بن خرجة قال: حدّثنا محمد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي قال: حدّثنا عبد الله بن عمر بن أبان قال: حدّثنا عبد الرحيم بن سليمان عن واصل بن السائب عن أبي أيوب الأنصاري قال: قلنا يا رسول الله ما الاستيناس الذي يريد الله سبحانه حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها قال: يتكلّم الرجل بالتكبيرة والتسبيحة والتحميدة، يتنحنح يؤذن أهل البيت [[المصنّف: 6/ 132.]] . وقال الخليل: الاستيناس: الاستبصار من قوله آنَسْتُ ناراً [[سورة طه: 10.]] . وقال أهل المعاني: الاستيناس: طلب الأنس وهو أن ينظر هل في البيت أحد يؤذنه أنه داخل عليهم، يقول العرب: اذهب فاستأنس هل ترى أحدا في الدار؟ أي انظر هل ترى فيها أحدا؟ ويروى أنّ أبا موسى الأشعري أتى منزل عمر بن الخطاب رضي الله عنهما فقال: السلام عليكم أأدخل؟ فقال عمر: واحدة، فقال أبو موسى: السلام عليكم أأدخل؟ فقال عمر: ثنتان، قال أبو موسى: السلام عليكم أأدخل؟ ومرّ، فوجّه عمر بن الخطاب رضى الله عنه خلفه من ردّه فسأله عن صنيعه فقال: إنّي سمعت رسول الله ﷺ‎ يقول: «الاستيذان ثلاثة فإن أذنوا وإلّا فارجع» [24] . فقال عمر: لتأتيني بالبيّنة أو لأعاقبنّك، فانطلق أبو موسى فأتاه بمن سمع ذلك معه [[صحيح ابن حبّان: 13/ 127.]] . وعن عطاء بن يسار أنّ رجلا قال للنبي ﷺ‎: أستأذن على امّي؟ قال: «نعم» ، قال: «إنها ليس لها خادم غيري أفأستأذن كلّما دخلت؟ قال: «أتحبّ أن تراها عريانة» ؟ قال الرجل: لا، قال: «فاستأذن عليها» [[جامع البيان للطبري: 18/ 148.]] . وأخبرني الحسين بن محمد بن فنجويه قال: حدّثنا موسى بن محمد بن علي قال: حدّثنا عبد الله بن محمد بن وهب قال: حدّثنا محمد بن حميد قال: حدّثنا جرير بن عبد الحميد عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ‎: «من اطّلع في بيت بغير إذنهم فقد حلّ لهم ان يفقئوا عينه» [25] [[مسند أحمد: 2/ 266.]] . وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شبّه قال: حدّثنا الحضرمي قال: حدّثنا أبو بكر قال: حدّثنا ابن عيينة عن الزهري أنه سمع سهل بن سعد يقول: اطّلع رجل في حجرة من حجر النبي ﷺ‎ ومعه مدرى يحكّ به رأسه، فقال: «لو أعلم أنك تنظر لطعنت به في عينيك، إنّما الاستيذان من النظر» [26] [[المصنّف: 8/ 395. والعبارة فيه: من البصر، بدل: من النظر.]] . فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أي في البيوت أَحَداً يأذن لكم في دخولها فَلا تَدْخُلُوها حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا ولا تقفوا على أبوابهم ولا تلازموها هُوَ أي الرجوع أَزْكى أطهر وأصلح لَكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ. فلمّا نزلت هذه الآية قال أبو بكر: يا رسول الله أرأيت الخانات والمساكن في طرق الشام ليس فيها ساكن؟ فأنزل الله سبحانه لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ بغير استيذان فِيها مَتاعٌ منفعة لَكُمْ واختلفوا في هذه البيوت ما هي؟ فقال قتادة: هي الخانات والبيوت المبنيّة للسائلة ليأووا إليها ويؤووا أمتعتهم إليها. قال مجاهد: كانوا يضعون بطرق المدينة أقتابا وأمتعة في بيوت ليس فيها أحد، وكانت الطرق إذ ذاك آمنة فأحلّ لهم أن يدخلوها بغير إذن. محمد بن الحنفيّة: هي بيوت مكة، ضحّاك: الخربة التي يأوي المسافر إليها في الصيف والشتاء، عطاء: هي البيوت الخربة، والمتاع هو قضاء الحاجة فيها من الخلاء والبول، ابن زيد: بيوت التجّار وحوانيتهم التي بالأسواق، ابن جرير: جميع ما يكون من البيوت التي لا ساكن لها على العموم لأنّ الاستيذان إنما جاء لئلّا يهجم على ما لا يحب من العورة، فإذا لم يخف ذلك فلا معنى للاستئذان. وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا يكفّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ عن النظر الى ما لا يجوز، واختلفوا في قوله مِنْ فقال بعضهم: هو صلة أي يغضّوا أبصارهم، وقال آخرون: هو ثابت في الحكم لأنّ المؤمنين غير مأمورين بغضّ البصر أصلا، وإنّما أمروا بالغضّ عمّا لا يجوز. وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ عمّن لا يحلّ، هذا قول أكثر المفسّرين. وقال ابن زيد: كلّ ما في القرآن من حفظ الفرج فهو عن الزنا إلّا في هذا الموضع فإنّه أراد الاستتار يعني: ويحفظوا فروجهم حتى لا ينظر إليها. ودليل هذا التأويل إسقاط من ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ عليم بِما يَصْنَعُونَ. أخبرني ابن فنجويه في داري قال: حدّثنا عبد الله بن يوسف بن أحمد بن مالك قال: حدّثنا الحسن بن علي بن زكريا قال: حدّثنا أبو الربيع الزهراني قال: حدّثنا إسماعيل بن جعفر قال: حدّثنا عمرو بن أبي عمرو عن المطلب بن حنطب عن عبادة بن الصامت أنّ رسول الله ﷺ‎ قال: «اضمنوا لي ستّا من أنفسكم اضمن لكم الجنة: اصدقوا إذا حدّثتم، وأوفوا إذا وعدتم، وأدّوا ما ائتمنتم، واحفظوا فروجكم، وغضّوا أبصاركم، وكفّوا أيديكم» [[مسند أحمد: 5/ 323.]] [27] . وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شيبة قال: حدّثنا الحضرمي قال: حدّثنا عبد الوارث قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا عنبسة بن عبد الرّحمن قال: حدّثنا أبو الحسن أنه سمع علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: قال رسول الله ﷺ‎: «النظر إلى محاسن المرأة سهم من نبال إبليس مسموم، فمن ردّ بصره ابتغاء ثواب الله عز وجل أبدله الله بذلك عبادة تسرّه» [[بتفاوت في كنز العمّال: 5/ 329 ح 13073.]] [28] . وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شنبة قال: حدّثنا الحضرمي قال: حدّثنا سهل بن صالح الأنطاكي قال: حدّثنا أبو داود قال: حدّثنا أبان بن يزيد عن يحيى بن أبي كثير عن أبي جعفر عن أبي هريرة عن النبي ﷺ‎ قال: «بينما رجل يصلّي إذ مرّت به امرأة فنظر إليها وأتبعها بصره فذهب عيناه» [29] . وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ عما لا يجوز وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ عمّا لا يحلّ، وقيل: وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ أي يسترنها حتى لا يراها أحد. وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ ولا يظهرن لغير محرم زينتهن، وهما زينتان: أحداهما ما خفي كالخلخالين [[في النسخة الثانية زيادة: والسوارين.]] والقرطين والقلائد والمعاصم ونحوها، والأخرى ما ظَهَرَ مِنْها، واختلف العلماء في الزينة الظاهرة التي استثنى الله سبحانه ورخّص فيها فقال ابن مسعود: هي الثياب، وعنه أيضا: الرداء، ودليل هذا التأويل قوله سبحانه خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ [[الأعراف: 31.]] أي ثيابكم. وقال ابن عباس وأصحابه: الكحل والخاتم والسوار والخضاب، الضحّاك والأوزاعي: الوجه والكفّان، الحسن: الوجه والثياب. روت عائشة عن النبي ﷺ‎ [[تفسير القرطبي: 12/ 229.]] أنه قال: «لا يحلّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر إذا عركت [[عركت المرأة: إذا حاضت.]] أن تظهر إلّا وجهها ويدها إلى هاهنا» [30] ، وقبض على نصف الذارع ، وإنّما رخّص الله سبحانه ورخّص رسوله في هذا القدر من بدن المرأة أن تبديها لأنّه ليس بعورة، فيجوز لها كشفه في الصلاة، وسائر بدنها عورة فيلزمها ستره. وَلْيَضْرِبْنَ وليلقين بِخُمُرِهِنَّ أي بمقانعهن وهي جمع خمار وهو غطاء رأس المرأة عَلى جُيُوبِهِنَّ وصدورهن ليسترن بذلك شعورهنّ وأقراطهنّ وأعناقهن. قالت عائشة: يرحم الله النساء المهاجرات الأول لمّا أنزل الله سبحانه هذه الآية شققن أكتف مروطهنّ فاختمرن به. وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ الخفيّة التي أمرن بتغطيتها، ولم يبح لهنّ كشفها في الصلاة وللأجنبيين، وهي ما عدا الوجه والكفّين وظهور القدمين إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبائِهِنَّ أَوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنائِهِنَّ أَوْ أَبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَواتِهِنَّ أَوْ نِسائِهِنَّ أي نساء المؤمنين فلا يحلّ لامرأة مسلمة أن تتجرّد بين يدي امرأة مشركة إلّا أن تكون أمة لها فذلك قوله سبحانه أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ. عن ابن جريج: روى هشام بن الغار عن عبادة بن نسيّ أنه كره أن تقبّل النصرانية المسلمة أو ترى عورتها ويتأوّل أَوْ نِسائِهِنَّ. وقال عبادة: كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي عبيدة بن الجراح: أما بعد فقد بلغني أنّ نساء يدخلن الحمّامات معهنّ نساء أهل الكتاب فامنع ذلك وحل دونه. قال: ثم إنّ أبا عبيدة قام في ذلك المقام مبتهلا: اللهم أيّما امرأة تدخل الحمّام من غير علّة ولا سقم تريد البياض لوجهها فسوّد وجهها يوم تبيضّ الوجوه. وقال بعضهم: أراد بقوله أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ مماليكهنّ وعبيدهنّ فإنّه لا بأس عليهن أن يظهرن لهم من زينتهنّ ما يظهرن لذوي محارمهنّ. أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ وهم الذين يتبعونكم ليصيبوا من فضل طعامكم ولا حاجة لهم في النساء ولا يستهوونهنّ. قال ابن عباس: هو الذي لا تستحيي منه النساء، وعنه: الأحمق العنّين. مجاهد: الأبله الذي لا يعرف شيئا من النساء، الحسن: هو الذي لا ينتشر [زبه] سعيد بن جبير: المعتوه، عكرمة: المجبوب، الحكم بن أبان عنه [[عن عكرمة كما في تفسير الطبري: 18/ 164.]] : هو المخنث الذي لا يقوم زبّه. روى الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رجل يدخل على أزواج النبي ﷺ‎ مخنث، وكانوا يعدّونه من غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ فدخل النبي ﷺ‎ يوما وهو عند بعض نسائه وهو ينعت امرأة فقال: «إنّها إذا أقبلت أقبلت بأربع وإذا أدبرت أدبرت بثمان» . فقال النبي ﷺ‎: «لا أرى هذا يعلم ما هاهنا، لا يدخلنّ هذا عليكم» فحجبوه [31] . ابن زيد: هو الذي يتبع القوم حتى كأنه منهم ونشأ فيهم وليس له في نسائهم إربة، وإنما يتبعهم لإرفاقهم إيّاه، والإربة والإرب: الحاجة يقال: أربت الى كذا آرب إربا إذا احتجت إليه، واختلف القرّاء في قوله غَيْرِ فنصبه أبو جعفر وابن عامر وعاصم برواية أبي بكر والمفضل، وله وجهان: أحدهما: الحال والقطع لأنّ التابعين معرفة وغير نكرة. والآخر: الاستثناء ويكون غَيْرَ بمعنى إلّا. وقرأ الباقون بالخفض على نعت التابعين. أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ أي لم يكشفوا عن عورات النساء لجماعهن فيطّلعوا عليها، والطفل يكون واحدا وجمعا. وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ يعني ولا يحرّكنها إذا مشين لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ يعني الخلخال والحلي وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً من التقصير الواقع في أمره ونهيه وقيل: معناه راجعوا طاعة الله فيما أمركم ونهاكم من الآداب المذكورة في هذه السورة.

النور 24:30

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ الآية. أخبرني الحسين بن محمد بن فنجويه قال: حدّثنا عبد الله بن يوسف قال: حدّثنا الحسين ابن يحيويه قال: حدّثنا عمرو بن ثور وإبراهيم بن أبي سفيان قالا: حدّثنا محمد بن يوسف الفريابي قال: حدّثنا قيس عن أشعث بن سوار عن عدي بن ثابت قال: جاءت امرأة من الأنصار فقالت: يا رسول الله إنّي أكون في بيتي على حال لا أحبّ أن يراني عليها أحد والد ولا ولد، فيأتي الأب فيدخل عليّ، وإنّه لا يزال يدخل عليّ رجل من أهلي وأنا على تلك الحال فكيف أصنع؟ فنزلت هذه الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها الآية. وقال بعض المفسّرين: حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا أي تستأذنوا. وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنّه قال: إنّما هو حتى تستأذنوا ولكن اخطأ الكاتب، وكان أبيّ بن كعب وابن عباس والأعمش يقرءونها كذلك حتّى تستأذنوا، وفي الآية تقديم وتأخير تقديرها: حتى تسلّموا على أهلها وتستأذنوا، وكذلك هو في مصحف ابن مسعود وهو أن يقول: السلام عليكم أأدخل؟ روى يونس بن عبيد عن عمرو بن سعيد الثقفي أنّ رجلا استأذن على رسول الله ﷺ‎ فقال: أألج فقال النبي ﷺ‎ لامرأة يقال لها روضة: قومي إلى هذا فعلّميه فإنّه لا يحسن يستأذن فقولي له: تقول: السلام عليكم أأدخل؟ فسمعها الرجل فقالها، فقال: ادخل [[جامع البيان للطبري: 18/ 147.]] . وقال مجاهد والسدّي: هو التنحنح والتنخّم. روى الأعمش عن عمرو بن مرة عن يحيى بن الخزاز عن ابن أخي زينب امرأة ابن مسعود عن زينب قالت: كان عبد الله إذا جاء من حاجة فانتهى الى الباب تنحنح وبزق كراهية أن يهجم منها على أمر يكرهه. عكرمة: هو التسبيح والتكبير ونحو ذلك. أخبرني أبو عبد الله بن فنجويه قال: حدّثنا أبو بكر بن خرجة قال: حدّثنا محمد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي قال: حدّثنا عبد الله بن عمر بن أبان قال: حدّثنا عبد الرحيم بن سليمان عن واصل بن السائب عن أبي أيوب الأنصاري قال: قلنا يا رسول الله ما الاستيناس الذي يريد الله سبحانه حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها قال: يتكلّم الرجل بالتكبيرة والتسبيحة والتحميدة، يتنحنح يؤذن أهل البيت [[المصنّف: 6/ 132.]] . وقال الخليل: الاستيناس: الاستبصار من قوله آنَسْتُ ناراً [[سورة طه: 10.]] . وقال أهل المعاني: الاستيناس: طلب الأنس وهو أن ينظر هل في البيت أحد يؤذنه أنه داخل عليهم، يقول العرب: اذهب فاستأنس هل ترى أحدا في الدار؟ أي انظر هل ترى فيها أحدا؟ ويروى أنّ أبا موسى الأشعري أتى منزل عمر بن الخطاب رضي الله عنهما فقال: السلام عليكم أأدخل؟ فقال عمر: واحدة، فقال أبو موسى: السلام عليكم أأدخل؟ فقال عمر: ثنتان، قال أبو موسى: السلام عليكم أأدخل؟ ومرّ، فوجّه عمر بن الخطاب رضى الله عنه خلفه من ردّه فسأله عن صنيعه فقال: إنّي سمعت رسول الله ﷺ‎ يقول: «الاستيذان ثلاثة فإن أذنوا وإلّا فارجع» [24] . فقال عمر: لتأتيني بالبيّنة أو لأعاقبنّك، فانطلق أبو موسى فأتاه بمن سمع ذلك معه [[صحيح ابن حبّان: 13/ 127.]] . وعن عطاء بن يسار أنّ رجلا قال للنبي ﷺ‎: أستأذن على امّي؟ قال: «نعم» ، قال: «إنها ليس لها خادم غيري أفأستأذن كلّما دخلت؟ قال: «أتحبّ أن تراها عريانة» ؟ قال الرجل: لا، قال: «فاستأذن عليها» [[جامع البيان للطبري: 18/ 148.]] . وأخبرني الحسين بن محمد بن فنجويه قال: حدّثنا موسى بن محمد بن علي قال: حدّثنا عبد الله بن محمد بن وهب قال: حدّثنا محمد بن حميد قال: حدّثنا جرير بن عبد الحميد عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ‎: «من اطّلع في بيت بغير إذنهم فقد حلّ لهم ان يفقئوا عينه» [25] [[مسند أحمد: 2/ 266.]] . وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شبّه قال: حدّثنا الحضرمي قال: حدّثنا أبو بكر قال: حدّثنا ابن عيينة عن الزهري أنه سمع سهل بن سعد يقول: اطّلع رجل في حجرة من حجر النبي ﷺ‎ ومعه مدرى يحكّ به رأسه، فقال: «لو أعلم أنك تنظر لطعنت به في عينيك، إنّما الاستيذان من النظر» [26] [[المصنّف: 8/ 395. والعبارة فيه: من البصر، بدل: من النظر.]] . فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أي في البيوت أَحَداً يأذن لكم في دخولها فَلا تَدْخُلُوها حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا ولا تقفوا على أبوابهم ولا تلازموها هُوَ أي الرجوع أَزْكى أطهر وأصلح لَكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ. فلمّا نزلت هذه الآية قال أبو بكر: يا رسول الله أرأيت الخانات والمساكن في طرق الشام ليس فيها ساكن؟ فأنزل الله سبحانه لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ بغير استيذان فِيها مَتاعٌ منفعة لَكُمْ واختلفوا في هذه البيوت ما هي؟ فقال قتادة: هي الخانات والبيوت المبنيّة للسائلة ليأووا إليها ويؤووا أمتعتهم إليها. قال مجاهد: كانوا يضعون بطرق المدينة أقتابا وأمتعة في بيوت ليس فيها أحد، وكانت الطرق إذ ذاك آمنة فأحلّ لهم أن يدخلوها بغير إذن. محمد بن الحنفيّة: هي بيوت مكة، ضحّاك: الخربة التي يأوي المسافر إليها في الصيف والشتاء، عطاء: هي البيوت الخربة، والمتاع هو قضاء الحاجة فيها من الخلاء والبول، ابن زيد: بيوت التجّار وحوانيتهم التي بالأسواق، ابن جرير: جميع ما يكون من البيوت التي لا ساكن لها على العموم لأنّ الاستيذان إنما جاء لئلّا يهجم على ما لا يحب من العورة، فإذا لم يخف ذلك فلا معنى للاستئذان. وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا يكفّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ عن النظر الى ما لا يجوز، واختلفوا في قوله مِنْ فقال بعضهم: هو صلة أي يغضّوا أبصارهم، وقال آخرون: هو ثابت في الحكم لأنّ المؤمنين غير مأمورين بغضّ البصر أصلا، وإنّما أمروا بالغضّ عمّا لا يجوز. وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ عمّن لا يحلّ، هذا قول أكثر المفسّرين. وقال ابن زيد: كلّ ما في القرآن من حفظ الفرج فهو عن الزنا إلّا في هذا الموضع فإنّه أراد الاستتار يعني: ويحفظوا فروجهم حتى لا ينظر إليها. ودليل هذا التأويل إسقاط من ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ عليم بِما يَصْنَعُونَ. أخبرني ابن فنجويه في داري قال: حدّثنا عبد الله بن يوسف بن أحمد بن مالك قال: حدّثنا الحسن بن علي بن زكريا قال: حدّثنا أبو الربيع الزهراني قال: حدّثنا إسماعيل بن جعفر قال: حدّثنا عمرو بن أبي عمرو عن المطلب بن حنطب عن عبادة بن الصامت أنّ رسول الله ﷺ‎ قال: «اضمنوا لي ستّا من أنفسكم اضمن لكم الجنة: اصدقوا إذا حدّثتم، وأوفوا إذا وعدتم، وأدّوا ما ائتمنتم، واحفظوا فروجكم، وغضّوا أبصاركم، وكفّوا أيديكم» [[مسند أحمد: 5/ 323.]] [27] . وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شيبة قال: حدّثنا الحضرمي قال: حدّثنا عبد الوارث قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا عنبسة بن عبد الرّحمن قال: حدّثنا أبو الحسن أنه سمع علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: قال رسول الله ﷺ‎: «النظر إلى محاسن المرأة سهم من نبال إبليس مسموم، فمن ردّ بصره ابتغاء ثواب الله عز وجل أبدله الله بذلك عبادة تسرّه» [[بتفاوت في كنز العمّال: 5/ 329 ح 13073.]] [28] . وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شنبة قال: حدّثنا الحضرمي قال: حدّثنا سهل بن صالح الأنطاكي قال: حدّثنا أبو داود قال: حدّثنا أبان بن يزيد عن يحيى بن أبي كثير عن أبي جعفر عن أبي هريرة عن النبي ﷺ‎ قال: «بينما رجل يصلّي إذ مرّت به امرأة فنظر إليها وأتبعها بصره فذهب عيناه» [29] . وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ عما لا يجوز وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ عمّا لا يحلّ، وقيل: وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ أي يسترنها حتى لا يراها أحد. وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ ولا يظهرن لغير محرم زينتهن، وهما زينتان: أحداهما ما خفي كالخلخالين [[في النسخة الثانية زيادة: والسوارين.]] والقرطين والقلائد والمعاصم ونحوها، والأخرى ما ظَهَرَ مِنْها، واختلف العلماء في الزينة الظاهرة التي استثنى الله سبحانه ورخّص فيها فقال ابن مسعود: هي الثياب، وعنه أيضا: الرداء، ودليل هذا التأويل قوله سبحانه خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ [[الأعراف: 31.]] أي ثيابكم. وقال ابن عباس وأصحابه: الكحل والخاتم والسوار والخضاب، الضحّاك والأوزاعي: الوجه والكفّان، الحسن: الوجه والثياب. روت عائشة عن النبي ﷺ‎ [[تفسير القرطبي: 12/ 229.]] أنه قال: «لا يحلّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر إذا عركت [[عركت المرأة: إذا حاضت.]] أن تظهر إلّا وجهها ويدها إلى هاهنا» [30] ، وقبض على نصف الذارع ، وإنّما رخّص الله سبحانه ورخّص رسوله في هذا القدر من بدن المرأة أن تبديها لأنّه ليس بعورة، فيجوز لها كشفه في الصلاة، وسائر بدنها عورة فيلزمها ستره. وَلْيَضْرِبْنَ وليلقين بِخُمُرِهِنَّ أي بمقانعهن وهي جمع خمار وهو غطاء رأس المرأة عَلى جُيُوبِهِنَّ وصدورهن ليسترن بذلك شعورهنّ وأقراطهنّ وأعناقهن. قالت عائشة: يرحم الله النساء المهاجرات الأول لمّا أنزل الله سبحانه هذه الآية شققن أكتف مروطهنّ فاختمرن به. وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ الخفيّة التي أمرن بتغطيتها، ولم يبح لهنّ كشفها في الصلاة وللأجنبيين، وهي ما عدا الوجه والكفّين وظهور القدمين إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبائِهِنَّ أَوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنائِهِنَّ أَوْ أَبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَواتِهِنَّ أَوْ نِسائِهِنَّ أي نساء المؤمنين فلا يحلّ لامرأة مسلمة أن تتجرّد بين يدي امرأة مشركة إلّا أن تكون أمة لها فذلك قوله سبحانه أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ. عن ابن جريج: روى هشام بن الغار عن عبادة بن نسيّ أنه كره أن تقبّل النصرانية المسلمة أو ترى عورتها ويتأوّل أَوْ نِسائِهِنَّ. وقال عبادة: كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي عبيدة بن الجراح: أما بعد فقد بلغني أنّ نساء يدخلن الحمّامات معهنّ نساء أهل الكتاب فامنع ذلك وحل دونه. قال: ثم إنّ أبا عبيدة قام في ذلك المقام مبتهلا: اللهم أيّما امرأة تدخل الحمّام من غير علّة ولا سقم تريد البياض لوجهها فسوّد وجهها يوم تبيضّ الوجوه. وقال بعضهم: أراد بقوله أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ مماليكهنّ وعبيدهنّ فإنّه لا بأس عليهن أن يظهرن لهم من زينتهنّ ما يظهرن لذوي محارمهنّ. أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ وهم الذين يتبعونكم ليصيبوا من فضل طعامكم ولا حاجة لهم في النساء ولا يستهوونهنّ. قال ابن عباس: هو الذي لا تستحيي منه النساء، وعنه: الأحمق العنّين. مجاهد: الأبله الذي لا يعرف شيئا من النساء، الحسن: هو الذي لا ينتشر [زبه] سعيد بن جبير: المعتوه، عكرمة: المجبوب، الحكم بن أبان عنه [[عن عكرمة كما في تفسير الطبري: 18/ 164.]] : هو المخنث الذي لا يقوم زبّه. روى الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رجل يدخل على أزواج النبي ﷺ‎ مخنث، وكانوا يعدّونه من غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ فدخل النبي ﷺ‎ يوما وهو عند بعض نسائه وهو ينعت امرأة فقال: «إنّها إذا أقبلت أقبلت بأربع وإذا أدبرت أدبرت بثمان» . فقال النبي ﷺ‎: «لا أرى هذا يعلم ما هاهنا، لا يدخلنّ هذا عليكم» فحجبوه [31] . ابن زيد: هو الذي يتبع القوم حتى كأنه منهم ونشأ فيهم وليس له في نسائهم إربة، وإنما يتبعهم لإرفاقهم إيّاه، والإربة والإرب: الحاجة يقال: أربت الى كذا آرب إربا إذا احتجت إليه، واختلف القرّاء في قوله غَيْرِ فنصبه أبو جعفر وابن عامر وعاصم برواية أبي بكر والمفضل، وله وجهان: أحدهما: الحال والقطع لأنّ التابعين معرفة وغير نكرة. والآخر: الاستثناء ويكون غَيْرَ بمعنى إلّا. وقرأ الباقون بالخفض على نعت التابعين. أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ أي لم يكشفوا عن عورات النساء لجماعهن فيطّلعوا عليها، والطفل يكون واحدا وجمعا. وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ يعني ولا يحرّكنها إذا مشين لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ يعني الخلخال والحلي وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً من التقصير الواقع في أمره ونهيه وقيل: معناه راجعوا طاعة الله فيما أمركم ونهاكم من الآداب المذكورة في هذه السورة.

النور 24:31

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ الآية. أخبرني الحسين بن محمد بن فنجويه قال: حدّثنا عبد الله بن يوسف قال: حدّثنا الحسين ابن يحيويه قال: حدّثنا عمرو بن ثور وإبراهيم بن أبي سفيان قالا: حدّثنا محمد بن يوسف الفريابي قال: حدّثنا قيس عن أشعث بن سوار عن عدي بن ثابت قال: جاءت امرأة من الأنصار فقالت: يا رسول الله إنّي أكون في بيتي على حال لا أحبّ أن يراني عليها أحد والد ولا ولد، فيأتي الأب فيدخل عليّ، وإنّه لا يزال يدخل عليّ رجل من أهلي وأنا على تلك الحال فكيف أصنع؟ فنزلت هذه الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها الآية. وقال بعض المفسّرين: حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا أي تستأذنوا. وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنّه قال: إنّما هو حتى تستأذنوا ولكن اخطأ الكاتب، وكان أبيّ بن كعب وابن عباس والأعمش يقرءونها كذلك حتّى تستأذنوا، وفي الآية تقديم وتأخير تقديرها: حتى تسلّموا على أهلها وتستأذنوا، وكذلك هو في مصحف ابن مسعود وهو أن يقول: السلام عليكم أأدخل؟ روى يونس بن عبيد عن عمرو بن سعيد الثقفي أنّ رجلا استأذن على رسول الله ﷺ‎ فقال: أألج فقال النبي ﷺ‎ لامرأة يقال لها روضة: قومي إلى هذا فعلّميه فإنّه لا يحسن يستأذن فقولي له: تقول: السلام عليكم أأدخل؟ فسمعها الرجل فقالها، فقال: ادخل [[جامع البيان للطبري: 18/ 147.]] . وقال مجاهد والسدّي: هو التنحنح والتنخّم. روى الأعمش عن عمرو بن مرة عن يحيى بن الخزاز عن ابن أخي زينب امرأة ابن مسعود عن زينب قالت: كان عبد الله إذا جاء من حاجة فانتهى الى الباب تنحنح وبزق كراهية أن يهجم منها على أمر يكرهه. عكرمة: هو التسبيح والتكبير ونحو ذلك. أخبرني أبو عبد الله بن فنجويه قال: حدّثنا أبو بكر بن خرجة قال: حدّثنا محمد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي قال: حدّثنا عبد الله بن عمر بن أبان قال: حدّثنا عبد الرحيم بن سليمان عن واصل بن السائب عن أبي أيوب الأنصاري قال: قلنا يا رسول الله ما الاستيناس الذي يريد الله سبحانه حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها قال: يتكلّم الرجل بالتكبيرة والتسبيحة والتحميدة، يتنحنح يؤذن أهل البيت [[المصنّف: 6/ 132.]] . وقال الخليل: الاستيناس: الاستبصار من قوله آنَسْتُ ناراً [[سورة طه: 10.]] . وقال أهل المعاني: الاستيناس: طلب الأنس وهو أن ينظر هل في البيت أحد يؤذنه أنه داخل عليهم، يقول العرب: اذهب فاستأنس هل ترى أحدا في الدار؟ أي انظر هل ترى فيها أحدا؟ ويروى أنّ أبا موسى الأشعري أتى منزل عمر بن الخطاب رضي الله عنهما فقال: السلام عليكم أأدخل؟ فقال عمر: واحدة، فقال أبو موسى: السلام عليكم أأدخل؟ فقال عمر: ثنتان، قال أبو موسى: السلام عليكم أأدخل؟ ومرّ، فوجّه عمر بن الخطاب رضى الله عنه خلفه من ردّه فسأله عن صنيعه فقال: إنّي سمعت رسول الله ﷺ‎ يقول: «الاستيذان ثلاثة فإن أذنوا وإلّا فارجع» [24] . فقال عمر: لتأتيني بالبيّنة أو لأعاقبنّك، فانطلق أبو موسى فأتاه بمن سمع ذلك معه [[صحيح ابن حبّان: 13/ 127.]] . وعن عطاء بن يسار أنّ رجلا قال للنبي ﷺ‎: أستأذن على امّي؟ قال: «نعم» ، قال: «إنها ليس لها خادم غيري أفأستأذن كلّما دخلت؟ قال: «أتحبّ أن تراها عريانة» ؟ قال الرجل: لا، قال: «فاستأذن عليها» [[جامع البيان للطبري: 18/ 148.]] . وأخبرني الحسين بن محمد بن فنجويه قال: حدّثنا موسى بن محمد بن علي قال: حدّثنا عبد الله بن محمد بن وهب قال: حدّثنا محمد بن حميد قال: حدّثنا جرير بن عبد الحميد عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ‎: «من اطّلع في بيت بغير إذنهم فقد حلّ لهم ان يفقئوا عينه» [25] [[مسند أحمد: 2/ 266.]] . وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شبّه قال: حدّثنا الحضرمي قال: حدّثنا أبو بكر قال: حدّثنا ابن عيينة عن الزهري أنه سمع سهل بن سعد يقول: اطّلع رجل في حجرة من حجر النبي ﷺ‎ ومعه مدرى يحكّ به رأسه، فقال: «لو أعلم أنك تنظر لطعنت به في عينيك، إنّما الاستيذان من النظر» [26] [[المصنّف: 8/ 395. والعبارة فيه: من البصر، بدل: من النظر.]] . فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أي في البيوت أَحَداً يأذن لكم في دخولها فَلا تَدْخُلُوها حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا ولا تقفوا على أبوابهم ولا تلازموها هُوَ أي الرجوع أَزْكى أطهر وأصلح لَكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ. فلمّا نزلت هذه الآية قال أبو بكر: يا رسول الله أرأيت الخانات والمساكن في طرق الشام ليس فيها ساكن؟ فأنزل الله سبحانه لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ بغير استيذان فِيها مَتاعٌ منفعة لَكُمْ واختلفوا في هذه البيوت ما هي؟ فقال قتادة: هي الخانات والبيوت المبنيّة للسائلة ليأووا إليها ويؤووا أمتعتهم إليها. قال مجاهد: كانوا يضعون بطرق المدينة أقتابا وأمتعة في بيوت ليس فيها أحد، وكانت الطرق إذ ذاك آمنة فأحلّ لهم أن يدخلوها بغير إذن. محمد بن الحنفيّة: هي بيوت مكة، ضحّاك: الخربة التي يأوي المسافر إليها في الصيف والشتاء، عطاء: هي البيوت الخربة، والمتاع هو قضاء الحاجة فيها من الخلاء والبول، ابن زيد: بيوت التجّار وحوانيتهم التي بالأسواق، ابن جرير: جميع ما يكون من البيوت التي لا ساكن لها على العموم لأنّ الاستيذان إنما جاء لئلّا يهجم على ما لا يحب من العورة، فإذا لم يخف ذلك فلا معنى للاستئذان. وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا يكفّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ عن النظر الى ما لا يجوز، واختلفوا في قوله مِنْ فقال بعضهم: هو صلة أي يغضّوا أبصارهم، وقال آخرون: هو ثابت في الحكم لأنّ المؤمنين غير مأمورين بغضّ البصر أصلا، وإنّما أمروا بالغضّ عمّا لا يجوز. وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ عمّن لا يحلّ، هذا قول أكثر المفسّرين. وقال ابن زيد: كلّ ما في القرآن من حفظ الفرج فهو عن الزنا إلّا في هذا الموضع فإنّه أراد الاستتار يعني: ويحفظوا فروجهم حتى لا ينظر إليها. ودليل هذا التأويل إسقاط من ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ عليم بِما يَصْنَعُونَ. أخبرني ابن فنجويه في داري قال: حدّثنا عبد الله بن يوسف بن أحمد بن مالك قال: حدّثنا الحسن بن علي بن زكريا قال: حدّثنا أبو الربيع الزهراني قال: حدّثنا إسماعيل بن جعفر قال: حدّثنا عمرو بن أبي عمرو عن المطلب بن حنطب عن عبادة بن الصامت أنّ رسول الله ﷺ‎ قال: «اضمنوا لي ستّا من أنفسكم اضمن لكم الجنة: اصدقوا إذا حدّثتم، وأوفوا إذا وعدتم، وأدّوا ما ائتمنتم، واحفظوا فروجكم، وغضّوا أبصاركم، وكفّوا أيديكم» [[مسند أحمد: 5/ 323.]] [27] . وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شيبة قال: حدّثنا الحضرمي قال: حدّثنا عبد الوارث قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا عنبسة بن عبد الرّحمن قال: حدّثنا أبو الحسن أنه سمع علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: قال رسول الله ﷺ‎: «النظر إلى محاسن المرأة سهم من نبال إبليس مسموم، فمن ردّ بصره ابتغاء ثواب الله عز وجل أبدله الله بذلك عبادة تسرّه» [[بتفاوت في كنز العمّال: 5/ 329 ح 13073.]] [28] . وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شنبة قال: حدّثنا الحضرمي قال: حدّثنا سهل بن صالح الأنطاكي قال: حدّثنا أبو داود قال: حدّثنا أبان بن يزيد عن يحيى بن أبي كثير عن أبي جعفر عن أبي هريرة عن النبي ﷺ‎ قال: «بينما رجل يصلّي إذ مرّت به امرأة فنظر إليها وأتبعها بصره فذهب عيناه» [29] . وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ عما لا يجوز وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ عمّا لا يحلّ، وقيل: وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ أي يسترنها حتى لا يراها أحد. وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ ولا يظهرن لغير محرم زينتهن، وهما زينتان: أحداهما ما خفي كالخلخالين [[في النسخة الثانية زيادة: والسوارين.]] والقرطين والقلائد والمعاصم ونحوها، والأخرى ما ظَهَرَ مِنْها، واختلف العلماء في الزينة الظاهرة التي استثنى الله سبحانه ورخّص فيها فقال ابن مسعود: هي الثياب، وعنه أيضا: الرداء، ودليل هذا التأويل قوله سبحانه خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ [[الأعراف: 31.]] أي ثيابكم. وقال ابن عباس وأصحابه: الكحل والخاتم والسوار والخضاب، الضحّاك والأوزاعي: الوجه والكفّان، الحسن: الوجه والثياب. روت عائشة عن النبي ﷺ‎ [[تفسير القرطبي: 12/ 229.]] أنه قال: «لا يحلّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر إذا عركت [[عركت المرأة: إذا حاضت.]] أن تظهر إلّا وجهها ويدها إلى هاهنا» [30] ، وقبض على نصف الذارع ، وإنّما رخّص الله سبحانه ورخّص رسوله في هذا القدر من بدن المرأة أن تبديها لأنّه ليس بعورة، فيجوز لها كشفه في الصلاة، وسائر بدنها عورة فيلزمها ستره. وَلْيَضْرِبْنَ وليلقين بِخُمُرِهِنَّ أي بمقانعهن وهي جمع خمار وهو غطاء رأس المرأة عَلى جُيُوبِهِنَّ وصدورهن ليسترن بذلك شعورهنّ وأقراطهنّ وأعناقهن. قالت عائشة: يرحم الله النساء المهاجرات الأول لمّا أنزل الله سبحانه هذه الآية شققن أكتف مروطهنّ فاختمرن به. وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ الخفيّة التي أمرن بتغطيتها، ولم يبح لهنّ كشفها في الصلاة وللأجنبيين، وهي ما عدا الوجه والكفّين وظهور القدمين إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبائِهِنَّ أَوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنائِهِنَّ أَوْ أَبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَواتِهِنَّ أَوْ نِسائِهِنَّ أي نساء المؤمنين فلا يحلّ لامرأة مسلمة أن تتجرّد بين يدي امرأة مشركة إلّا أن تكون أمة لها فذلك قوله سبحانه أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ. عن ابن جريج: روى هشام بن الغار عن عبادة بن نسيّ أنه كره أن تقبّل النصرانية المسلمة أو ترى عورتها ويتأوّل أَوْ نِسائِهِنَّ. وقال عبادة: كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي عبيدة بن الجراح: أما بعد فقد بلغني أنّ نساء يدخلن الحمّامات معهنّ نساء أهل الكتاب فامنع ذلك وحل دونه. قال: ثم إنّ أبا عبيدة قام في ذلك المقام مبتهلا: اللهم أيّما امرأة تدخل الحمّام من غير علّة ولا سقم تريد البياض لوجهها فسوّد وجهها يوم تبيضّ الوجوه. وقال بعضهم: أراد بقوله أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ مماليكهنّ وعبيدهنّ فإنّه لا بأس عليهن أن يظهرن لهم من زينتهنّ ما يظهرن لذوي محارمهنّ. أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ وهم الذين يتبعونكم ليصيبوا من فضل طعامكم ولا حاجة لهم في النساء ولا يستهوونهنّ. قال ابن عباس: هو الذي لا تستحيي منه النساء، وعنه: الأحمق العنّين. مجاهد: الأبله الذي لا يعرف شيئا من النساء، الحسن: هو الذي لا ينتشر [زبه] سعيد بن جبير: المعتوه، عكرمة: المجبوب، الحكم بن أبان عنه [[عن عكرمة كما في تفسير الطبري: 18/ 164.]] : هو المخنث الذي لا يقوم زبّه. روى الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رجل يدخل على أزواج النبي ﷺ‎ مخنث، وكانوا يعدّونه من غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ فدخل النبي ﷺ‎ يوما وهو عند بعض نسائه وهو ينعت امرأة فقال: «إنّها إذا أقبلت أقبلت بأربع وإذا أدبرت أدبرت بثمان» . فقال النبي ﷺ‎: «لا أرى هذا يعلم ما هاهنا، لا يدخلنّ هذا عليكم» فحجبوه [31] . ابن زيد: هو الذي يتبع القوم حتى كأنه منهم ونشأ فيهم وليس له في نسائهم إربة، وإنما يتبعهم لإرفاقهم إيّاه، والإربة والإرب: الحاجة يقال: أربت الى كذا آرب إربا إذا احتجت إليه، واختلف القرّاء في قوله غَيْرِ فنصبه أبو جعفر وابن عامر وعاصم برواية أبي بكر والمفضل، وله وجهان: أحدهما: الحال والقطع لأنّ التابعين معرفة وغير نكرة. والآخر: الاستثناء ويكون غَيْرَ بمعنى إلّا. وقرأ الباقون بالخفض على نعت التابعين. أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ أي لم يكشفوا عن عورات النساء لجماعهن فيطّلعوا عليها، والطفل يكون واحدا وجمعا. وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ يعني ولا يحرّكنها إذا مشين لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ يعني الخلخال والحلي وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً من التقصير الواقع في أمره ونهيه وقيل: معناه راجعوا طاعة الله فيما أمركم ونهاكم من الآداب المذكورة في هذه السورة.