Lafzullah

Tefsîru's-Sa'lebî — el-Keşf ve'l-Beyân an Tefsîri'l-Kur'ân — الصافات 37:157 – ص 38:18

المؤلف / المصدر: Ebû İshâk Ahmed b. Muhammed es-Sa'lebî (ö. 427h)

المحتويات
  1. الصافات 37:157
  2. الصافات 37:158
  3. الصافات 37:159
  4. الصافات 37:160
  5. الصافات 37:161
  6. الصافات 37:162
  7. الصافات 37:163
  8. الصافات 37:164
  9. الصافات 37:165
  10. الصافات 37:166
  11. الصافات 37:167
  12. الصافات 37:168
  13. الصافات 37:169
  14. الصافات 37:170
  15. الصافات 37:171
  16. الصافات 37:172
  17. الصافات 37:173
  18. الصافات 37:174
  19. الصافات 37:175
  20. الصافات 37:176
  21. الصافات 37:177
  22. الصافات 37:178
  23. الصافات 37:179
  24. الصافات 37:180
  25. الصافات 37:181
  26. الصافات 37:182
  27. ص 38:1
  28. ص 38:2
  29. ص 38:3
  30. ص 38:4
  31. ص 38:5
  32. ص 38:6
  33. ص 38:7
  34. ص 38:8
  35. ص 38:9
  36. ص 38:10
  37. ص 38:11
  38. ص 38:12
  39. ص 38:13
  40. ص 38:14
  41. ص 38:15
  42. ص 38:16
  43. ص 38:17
  44. ص 38:18

الصافات 37:157

وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إِذْ أَبَقَ . هرب إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ، قال ابن عباس ووهب: كان يونس (عليه السلام) قد وعد قومه العذاب فلما تأخر العذاب عنهم خرج كالمنشور [[كذا في المخطوط.]] منهم، فقصد البحر وركب السفينة، فاحتبست السفينة، فقال الملّاحون: هاهنا عبد أبق من سيّده، وهذا رسم السفينة إذا كان فيه آبق لا تجري. فاقترعوا، فوقعت القرعة على يونس، فقالوا: ألا نلقيه في الماء؟ واقترعوا ثانيا وثالثا فوقعت القرعة على يونس، فقال: «أنا الآبق» وزجّ نفسه في الماء، فذلك قوله سبحانه: فَساهَمَ : فقارع، والمساهمة: إلقاء السهام على جهة القرعة. فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ المقروعين المخلوعين المغلوبين. فَالْتَقَمَهُ: فابتلعه والتقمه الْحُوتُ وأوحى الله سبحانه إليه أنّي جعلت بطنك سجنا ولم أجعله لك طعاما، وَهُوَ مُلِيمٌ مذنب، قد أتى بما يلام عليه. فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ المنزّهين الذاكرين لله سبحانه قبل ذلك في حال الرخاء، وقال ابن عباس: من المصلين، وقال مقاتل: من المصلحين المطيعين قبل المعصية، وقال وهب: من العابدين، وقال سعيد بن جبير: يعني قوله لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [[سورة الأنبياء: 87.]] وقال الحسن: ما كانت له صلاة في بطن الحوت ولكنه قدم عملا صالحا، لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ لصار بطن الحوت قبرا له إلى يوم القيامة. فَنَبَذْناهُ: طرحناه بِالْعَراءِ قال الكلبي: يعني وجه الأرض. مقاتل بن حيان: يعني ظهر الأرض. مقاتل بن سليمان بالبراري من الأرض. الأخفش بالفناء الفراء بالأرض الواسعة. السدّي: بالساحل، وأصل العراء الأرض الخالية عن الشجر والنّبات، ومنه قيل للمتجرد: عريان. قال الشاعر: [ترك الهام ... بالعراء ... صار للخير حاصر العبقا] [[هكذا في الأصل.]] وَهُوَ سَقِيمٌ عليل كالفرخ الممغط، واختلفوا في المدة التي لبث يونس (عليه السلام) في بطن الحوت، فقال مقاتل بن حيان: ثلاثة أيام. عطاء: سبعة أيام، ضحاك: عشرين يوما. السدي والكلبي ومقاتل بن سليمان: أربعين يوما. وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ أي له، وقيل: عنده، كقوله: لَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ» أي عندي شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ قال ابن مسعود: يعني القرع. ابن عباس والحسن ومقاتل هو كل نبت يمتد وينبسط على وجه الأرض، ولا يبقى على الشتاء وليس له ساق نحو القثاء والبطيخ والقرع والحنظل. سعيد ابن جبير: هو كل شيء ينبت ثمّ يموت من عامه، وقيل: هو يفعيل من (قطن بالمكان) إذا أقام به إقامة زائل لا إقامة ثابت، وقال مقاتل بن حيان: وكان يستظل بالشجرة، وكانت وعلة تختلف إليه فيشرب من لبنها، وَأَرْسَلْناهُ يجوز أن يكون من حبسه في بطن الحوت، تقدير الآية وقد أرسلناه، ويجوز أن يكون بعده، ويجوز أن يكون إلى قوم آخرين. إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ قال ابن عباس: معناه ويزيدون، قال الشاعر: فلما اشتد أمر الحرب فينا ... تأملنا رياحا أو رزاما [[تفسير القرطبي: 14/ 299.]] أي ورزاما، وقال مقاتل: بل يزيدون. واختلفوا في مبلغ الزيادة على مائة ألف فقال ابن عباس ومقاتل: عشرون ألف. الحسن والربيع: بضع وثلاثون ألفا، ابن حيان: سبعون ألفا، فَآمَنُوا عند معاينة العذاب، فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ انقضاء آجالهم. فَاسْتَفْتِهِمْ: فسل يا محمد أهل مكة أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ وذلك أن جهينة وبني سلمة بن عبد الدار زعموا أنّ الملائكة بنات الله، أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ شاهِدُونَ: حاضرون خلقنا إياهم، نظيره قوله: أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ [[سورة الزخرف: 19.]] . أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ أَصْطَفَى. قرأ العامة بقطع الألف لأنه ألف استفهام دخلت على ألف الوصل فحذفت ألف الوصل وبقيت ألف الاستفهام مفتوحة على حالها مثل أَسْتَكْبَرْتَ [[سورة ص: 75.]] وأَسْتَغْفَرْتَ [[سورة المنافقون: 6.]] وأَذْهَبْتُمْ [[سورة الأحقاف: 20.]] ونحوها. وقرأ أبو جعفر ونافع في بعض الروايات (الكاذبون اصطفى) موصولة على الخبر والحكاية عن قول المشركين، مجازه: لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ ويقولون أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ ثم رجع إلى الخطاب: ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ أَفَلا تَذَكَّرُونَ أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ: برهان بيّن على أنّ الله ولدا فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً : فجعلوا الملائكة بنات الله، فسمّي الملائكة جنّا لاختبائهم عن الأبصار، هذا قول مجاهد وقتادة، وقال ابن عباس: قالوا لحيّ: من الملائكة- يقال لهم: الجنّ ومنهم إبليس- بنات الله. قال الكلبي: قالوا (لعنهم الله) : بل تزوّج من الجن فخرج منها الملائكة، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وقال الحسن: أشركوا الشيطان في عبادة الله فهو النسب الذي جعلوه. وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ يعني قائلي هذا القول لَمُحْضَرُونَ في النار. سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ فإنهم من النار ناجون. فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ يعني الأصنام ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ أي مع ذلك بِفاتِنِينَ: بمضلّين إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ أي إلّا من هو في علم الله وإرادته سيدخل النار. أخبرني ابن فنجويه قال حدّثنا ابن شنبه قال: حدّثنا الفربابي قال: حدّثنا أبو بكر بن شنبه قال: حدّثنا عبد الله بن إدريس عن عمر بن ذر قال: قدمنا على عمر بن عبد العزيز فذكر عنده القدر، فقال عمر بن عبد العزيز: لو أراد الله ألّا يعصى ما خلق إبليس وهو رأس الخطيئة، وإن في ذلك لعلما من كتاب الله، وجهله من جهله وعرفه من عرفه، ثم قرأ فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ، وقد فصلت هذه الآية بين الناس. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شنبه قال: حدّثنا الفربابي قال: حدّثنا إسحاق بن موسى الأنصاري قال: حدّثنا أنس بن عياض قال: حدّثني أبو سهيل نافع بن مالك بن أبي عامر قال: قال لي عمر بن عبد العزيز (من فيه إلى أذني) : ما تقول في الذين يقولون لا قدر؟ قال: أرى أن يستتابوا، فإن تابوا وإلّا ضربت أعناقهم. قال عمر بن عبد العزيز: ذلك الرأي فيهم والله لو لم يكن إلّا هذه الآية الواحدة لكفى بها: فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ. ما مِنَّا إِلَّا لَهُ يعني إلّا من له مَقامٌ مَعْلُومٌ: مكان مخصوص في العبادة. قال ابن عباس: ما في السماوات موضع شبر إلّا وعليه ملك مصلّ أو مسبح، وقال أبو بكر: الوراق: إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ يعبد الله عليه، كالخوف والرجا، والمحبة والرضا، وقال السدي: يعني في القربى والمشاهدة. وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ في الصلاة، وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ وَإِنْ كانُوا وقد كادوا يعني أهل مكة لَيَقُولُونَ لام التأكيد: لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الْأَوَّلِينَ: كتابا مثل كتبهم، لَكُنَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ فَكَفَرُوا بِهِ فيه اختصار تقديره: فلما أتاهم ذلك الكتاب كفروا به. نظيره قوله: أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ [[سورة الأنعام: 157.]] . فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ، وهذا وعيد لهم. وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ، وهي قوله: كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي [[سورة المجادلة: 21.]] . إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ قال ابن عباس: يعني الموت، وقال مجاهد: يعني يوم بدر، وقيل: إلى يوم القيامة، وقال مقاتل بن حيان: نسختها آية القتال. وَأَبْصِرْهُمْ. أنظر إليهم إذا عدوا، وقيل: أبصر حالهم بقليل، وقيل: انتظرهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ما أنكروا: أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ وذلك أنّ رسول الله (عليه السلام) لما أوعدهم العذاب، قالوا: مَتى هذَا الْوَعْدُ؟ فأنزل الله سبحانه هذه الآية. فَإِذا نَزَلَ العذاب بِساحَتِهِمْ: بناحيتهم وفنائهم فَساءَ: فبئس صَباحُ الْمُنْذَرِينَ: الكافرين. أخبرنا أبو عبد الله بن محمد بن عبد الله الزاهد قال: أخبرنا أبو العباس السراح قال: حدّثنا محمد بن رافع قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمّر عن قتادة عن أنس في قوله: فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ قال: لما أتى النبي صلّى الله عليه خيبر فوجدهم حين خرجوا إلى زرعهم ومعهم مساحيهم، فلما رأوه ومعه الجيش نكصوا، فرجعوا إلى حصنهم، فقال النبي عليه السلام: «الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ» [104] [[كتاب المسند للشافعي: 318.]] . وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ تأكيد للأولى. سُبْحانَ رَبِّكَ- إلى آخر السورة- أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا عمر بن الخطاب قال: حدّثنا أبو مسلم: حدّثنا محمد بن إسماعيل بن محمد بن أسد بن عبد الله الأصفهاني قال: حدّثنا أسيد بن عاصم قال: حدّثنا أبو سفيان بن صالح بن مهران قال: حدّثنا نعمان قال: حدّثنا أبو العوام عن قتادة عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلّى الله عليه: «إذا سلمتم عليّ فسلّموا على المرسلين فإنما أنا رسول من المرسلين» [[جامع البيان للطبري: 23/ 139.]] [105] . قال أبو العوام: كان قتادة يذكر هذا الحديث إذا تلا هذه الآية: سُبْحانَ رَبِّكَ إلى آخر السورة. وأخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا موسى بن محمد قال: حدّثنا الحسن بن علوية قال: حدّثنا إسماعيل بن عيسى قال: حدّثنا المسيب قال: حدّثنا مطرف عن أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري قال: كان رسول الله صلّى الله عليه يقول قبل أن يسلّم: سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [[مجمع الزوائد: 10/ 103.]] . وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا أحمد بن جعفر بن حمدان قال: حدّثنا إبراهيم بن سهلويه قال: حدّثنا علي بن محمد الطنافسي قال: حدّثنا وكيع عن ثابت بن أبي صفية عن الأصبغ بن نباتة عن علي رضي الله عنه قال: «من أحبّ أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة، فليكن آخر كلامه من مجلسه سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ» [106] [[الأذكار النووية: 299 ح 889.]] . [أخبرنا ابن فنجويه، أخبرنا الحسن المخلدي المقرئ عن أبي الحسن علي بن أحمد عن أبي [عثمان] البصري عن أبي خليفة [الجمحي عن] عبد المؤمن عن إبراهيم بن إسحاق [عن عبد الصمد] عن صالح بن مسافر قال: قرأت على عاصم بن أبي النجود سورة والصافات فلما أتيت على آخرها سكت، فقال: لم؟ اقرأ. فقلت: قد ختمت، قال إني فعلت كما فعلت على أبي عبد الرحمن السلمي، فقال أبو عبد الرحمن: كذلك قال لي عليّ وقال لي: قل: آذنتكم بأذانة المرسلين ولتسئلن عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ [[هكذا وجد هذا الخبر في هامش المخطوط.]] .

الصافات 37:158

وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إِذْ أَبَقَ . هرب إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ، قال ابن عباس ووهب: كان يونس (عليه السلام) قد وعد قومه العذاب فلما تأخر العذاب عنهم خرج كالمنشور [[كذا في المخطوط.]] منهم، فقصد البحر وركب السفينة، فاحتبست السفينة، فقال الملّاحون: هاهنا عبد أبق من سيّده، وهذا رسم السفينة إذا كان فيه آبق لا تجري. فاقترعوا، فوقعت القرعة على يونس، فقالوا: ألا نلقيه في الماء؟ واقترعوا ثانيا وثالثا فوقعت القرعة على يونس، فقال: «أنا الآبق» وزجّ نفسه في الماء، فذلك قوله سبحانه: فَساهَمَ : فقارع، والمساهمة: إلقاء السهام على جهة القرعة. فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ المقروعين المخلوعين المغلوبين. فَالْتَقَمَهُ: فابتلعه والتقمه الْحُوتُ وأوحى الله سبحانه إليه أنّي جعلت بطنك سجنا ولم أجعله لك طعاما، وَهُوَ مُلِيمٌ مذنب، قد أتى بما يلام عليه. فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ المنزّهين الذاكرين لله سبحانه قبل ذلك في حال الرخاء، وقال ابن عباس: من المصلين، وقال مقاتل: من المصلحين المطيعين قبل المعصية، وقال وهب: من العابدين، وقال سعيد بن جبير: يعني قوله لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [[سورة الأنبياء: 87.]] وقال الحسن: ما كانت له صلاة في بطن الحوت ولكنه قدم عملا صالحا، لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ لصار بطن الحوت قبرا له إلى يوم القيامة. فَنَبَذْناهُ: طرحناه بِالْعَراءِ قال الكلبي: يعني وجه الأرض. مقاتل بن حيان: يعني ظهر الأرض. مقاتل بن سليمان بالبراري من الأرض. الأخفش بالفناء الفراء بالأرض الواسعة. السدّي: بالساحل، وأصل العراء الأرض الخالية عن الشجر والنّبات، ومنه قيل للمتجرد: عريان. قال الشاعر: [ترك الهام ... بالعراء ... صار للخير حاصر العبقا] [[هكذا في الأصل.]] وَهُوَ سَقِيمٌ عليل كالفرخ الممغط، واختلفوا في المدة التي لبث يونس (عليه السلام) في بطن الحوت، فقال مقاتل بن حيان: ثلاثة أيام. عطاء: سبعة أيام، ضحاك: عشرين يوما. السدي والكلبي ومقاتل بن سليمان: أربعين يوما. وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ أي له، وقيل: عنده، كقوله: لَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ» أي عندي شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ قال ابن مسعود: يعني القرع. ابن عباس والحسن ومقاتل هو كل نبت يمتد وينبسط على وجه الأرض، ولا يبقى على الشتاء وليس له ساق نحو القثاء والبطيخ والقرع والحنظل. سعيد ابن جبير: هو كل شيء ينبت ثمّ يموت من عامه، وقيل: هو يفعيل من (قطن بالمكان) إذا أقام به إقامة زائل لا إقامة ثابت، وقال مقاتل بن حيان: وكان يستظل بالشجرة، وكانت وعلة تختلف إليه فيشرب من لبنها، وَأَرْسَلْناهُ يجوز أن يكون من حبسه في بطن الحوت، تقدير الآية وقد أرسلناه، ويجوز أن يكون بعده، ويجوز أن يكون إلى قوم آخرين. إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ قال ابن عباس: معناه ويزيدون، قال الشاعر: فلما اشتد أمر الحرب فينا ... تأملنا رياحا أو رزاما [[تفسير القرطبي: 14/ 299.]] أي ورزاما، وقال مقاتل: بل يزيدون. واختلفوا في مبلغ الزيادة على مائة ألف فقال ابن عباس ومقاتل: عشرون ألف. الحسن والربيع: بضع وثلاثون ألفا، ابن حيان: سبعون ألفا، فَآمَنُوا عند معاينة العذاب، فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ انقضاء آجالهم. فَاسْتَفْتِهِمْ: فسل يا محمد أهل مكة أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ وذلك أن جهينة وبني سلمة بن عبد الدار زعموا أنّ الملائكة بنات الله، أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ شاهِدُونَ: حاضرون خلقنا إياهم، نظيره قوله: أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ [[سورة الزخرف: 19.]] . أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ أَصْطَفَى. قرأ العامة بقطع الألف لأنه ألف استفهام دخلت على ألف الوصل فحذفت ألف الوصل وبقيت ألف الاستفهام مفتوحة على حالها مثل أَسْتَكْبَرْتَ [[سورة ص: 75.]] وأَسْتَغْفَرْتَ [[سورة المنافقون: 6.]] وأَذْهَبْتُمْ [[سورة الأحقاف: 20.]] ونحوها. وقرأ أبو جعفر ونافع في بعض الروايات (الكاذبون اصطفى) موصولة على الخبر والحكاية عن قول المشركين، مجازه: لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ ويقولون أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ ثم رجع إلى الخطاب: ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ أَفَلا تَذَكَّرُونَ أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ: برهان بيّن على أنّ الله ولدا فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً : فجعلوا الملائكة بنات الله، فسمّي الملائكة جنّا لاختبائهم عن الأبصار، هذا قول مجاهد وقتادة، وقال ابن عباس: قالوا لحيّ: من الملائكة- يقال لهم: الجنّ ومنهم إبليس- بنات الله. قال الكلبي: قالوا (لعنهم الله) : بل تزوّج من الجن فخرج منها الملائكة، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وقال الحسن: أشركوا الشيطان في عبادة الله فهو النسب الذي جعلوه. وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ يعني قائلي هذا القول لَمُحْضَرُونَ في النار. سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ فإنهم من النار ناجون. فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ يعني الأصنام ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ أي مع ذلك بِفاتِنِينَ: بمضلّين إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ أي إلّا من هو في علم الله وإرادته سيدخل النار. أخبرني ابن فنجويه قال حدّثنا ابن شنبه قال: حدّثنا الفربابي قال: حدّثنا أبو بكر بن شنبه قال: حدّثنا عبد الله بن إدريس عن عمر بن ذر قال: قدمنا على عمر بن عبد العزيز فذكر عنده القدر، فقال عمر بن عبد العزيز: لو أراد الله ألّا يعصى ما خلق إبليس وهو رأس الخطيئة، وإن في ذلك لعلما من كتاب الله، وجهله من جهله وعرفه من عرفه، ثم قرأ فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ، وقد فصلت هذه الآية بين الناس. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شنبه قال: حدّثنا الفربابي قال: حدّثنا إسحاق بن موسى الأنصاري قال: حدّثنا أنس بن عياض قال: حدّثني أبو سهيل نافع بن مالك بن أبي عامر قال: قال لي عمر بن عبد العزيز (من فيه إلى أذني) : ما تقول في الذين يقولون لا قدر؟ قال: أرى أن يستتابوا، فإن تابوا وإلّا ضربت أعناقهم. قال عمر بن عبد العزيز: ذلك الرأي فيهم والله لو لم يكن إلّا هذه الآية الواحدة لكفى بها: فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ. ما مِنَّا إِلَّا لَهُ يعني إلّا من له مَقامٌ مَعْلُومٌ: مكان مخصوص في العبادة. قال ابن عباس: ما في السماوات موضع شبر إلّا وعليه ملك مصلّ أو مسبح، وقال أبو بكر: الوراق: إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ يعبد الله عليه، كالخوف والرجا، والمحبة والرضا، وقال السدي: يعني في القربى والمشاهدة. وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ في الصلاة، وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ وَإِنْ كانُوا وقد كادوا يعني أهل مكة لَيَقُولُونَ لام التأكيد: لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الْأَوَّلِينَ: كتابا مثل كتبهم، لَكُنَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ فَكَفَرُوا بِهِ فيه اختصار تقديره: فلما أتاهم ذلك الكتاب كفروا به. نظيره قوله: أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ [[سورة الأنعام: 157.]] . فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ، وهذا وعيد لهم. وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ، وهي قوله: كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي [[سورة المجادلة: 21.]] . إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ قال ابن عباس: يعني الموت، وقال مجاهد: يعني يوم بدر، وقيل: إلى يوم القيامة، وقال مقاتل بن حيان: نسختها آية القتال. وَأَبْصِرْهُمْ. أنظر إليهم إذا عدوا، وقيل: أبصر حالهم بقليل، وقيل: انتظرهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ما أنكروا: أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ وذلك أنّ رسول الله (عليه السلام) لما أوعدهم العذاب، قالوا: مَتى هذَا الْوَعْدُ؟ فأنزل الله سبحانه هذه الآية. فَإِذا نَزَلَ العذاب بِساحَتِهِمْ: بناحيتهم وفنائهم فَساءَ: فبئس صَباحُ الْمُنْذَرِينَ: الكافرين. أخبرنا أبو عبد الله بن محمد بن عبد الله الزاهد قال: أخبرنا أبو العباس السراح قال: حدّثنا محمد بن رافع قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمّر عن قتادة عن أنس في قوله: فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ قال: لما أتى النبي صلّى الله عليه خيبر فوجدهم حين خرجوا إلى زرعهم ومعهم مساحيهم، فلما رأوه ومعه الجيش نكصوا، فرجعوا إلى حصنهم، فقال النبي عليه السلام: «الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ» [104] [[كتاب المسند للشافعي: 318.]] . وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ تأكيد للأولى. سُبْحانَ رَبِّكَ- إلى آخر السورة- أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا عمر بن الخطاب قال: حدّثنا أبو مسلم: حدّثنا محمد بن إسماعيل بن محمد بن أسد بن عبد الله الأصفهاني قال: حدّثنا أسيد بن عاصم قال: حدّثنا أبو سفيان بن صالح بن مهران قال: حدّثنا نعمان قال: حدّثنا أبو العوام عن قتادة عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلّى الله عليه: «إذا سلمتم عليّ فسلّموا على المرسلين فإنما أنا رسول من المرسلين» [[جامع البيان للطبري: 23/ 139.]] [105] . قال أبو العوام: كان قتادة يذكر هذا الحديث إذا تلا هذه الآية: سُبْحانَ رَبِّكَ إلى آخر السورة. وأخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا موسى بن محمد قال: حدّثنا الحسن بن علوية قال: حدّثنا إسماعيل بن عيسى قال: حدّثنا المسيب قال: حدّثنا مطرف عن أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري قال: كان رسول الله صلّى الله عليه يقول قبل أن يسلّم: سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [[مجمع الزوائد: 10/ 103.]] . وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا أحمد بن جعفر بن حمدان قال: حدّثنا إبراهيم بن سهلويه قال: حدّثنا علي بن محمد الطنافسي قال: حدّثنا وكيع عن ثابت بن أبي صفية عن الأصبغ بن نباتة عن علي رضي الله عنه قال: «من أحبّ أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة، فليكن آخر كلامه من مجلسه سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ» [106] [[الأذكار النووية: 299 ح 889.]] . [أخبرنا ابن فنجويه، أخبرنا الحسن المخلدي المقرئ عن أبي الحسن علي بن أحمد عن أبي [عثمان] البصري عن أبي خليفة [الجمحي عن] عبد المؤمن عن إبراهيم بن إسحاق [عن عبد الصمد] عن صالح بن مسافر قال: قرأت على عاصم بن أبي النجود سورة والصافات فلما أتيت على آخرها سكت، فقال: لم؟ اقرأ. فقلت: قد ختمت، قال إني فعلت كما فعلت على أبي عبد الرحمن السلمي، فقال أبو عبد الرحمن: كذلك قال لي عليّ وقال لي: قل: آذنتكم بأذانة المرسلين ولتسئلن عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ [[هكذا وجد هذا الخبر في هامش المخطوط.]] .

الصافات 37:159

وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إِذْ أَبَقَ . هرب إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ، قال ابن عباس ووهب: كان يونس (عليه السلام) قد وعد قومه العذاب فلما تأخر العذاب عنهم خرج كالمنشور [[كذا في المخطوط.]] منهم، فقصد البحر وركب السفينة، فاحتبست السفينة، فقال الملّاحون: هاهنا عبد أبق من سيّده، وهذا رسم السفينة إذا كان فيه آبق لا تجري. فاقترعوا، فوقعت القرعة على يونس، فقالوا: ألا نلقيه في الماء؟ واقترعوا ثانيا وثالثا فوقعت القرعة على يونس، فقال: «أنا الآبق» وزجّ نفسه في الماء، فذلك قوله سبحانه: فَساهَمَ : فقارع، والمساهمة: إلقاء السهام على جهة القرعة. فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ المقروعين المخلوعين المغلوبين. فَالْتَقَمَهُ: فابتلعه والتقمه الْحُوتُ وأوحى الله سبحانه إليه أنّي جعلت بطنك سجنا ولم أجعله لك طعاما، وَهُوَ مُلِيمٌ مذنب، قد أتى بما يلام عليه. فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ المنزّهين الذاكرين لله سبحانه قبل ذلك في حال الرخاء، وقال ابن عباس: من المصلين، وقال مقاتل: من المصلحين المطيعين قبل المعصية، وقال وهب: من العابدين، وقال سعيد بن جبير: يعني قوله لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [[سورة الأنبياء: 87.]] وقال الحسن: ما كانت له صلاة في بطن الحوت ولكنه قدم عملا صالحا، لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ لصار بطن الحوت قبرا له إلى يوم القيامة. فَنَبَذْناهُ: طرحناه بِالْعَراءِ قال الكلبي: يعني وجه الأرض. مقاتل بن حيان: يعني ظهر الأرض. مقاتل بن سليمان بالبراري من الأرض. الأخفش بالفناء الفراء بالأرض الواسعة. السدّي: بالساحل، وأصل العراء الأرض الخالية عن الشجر والنّبات، ومنه قيل للمتجرد: عريان. قال الشاعر: [ترك الهام ... بالعراء ... صار للخير حاصر العبقا] [[هكذا في الأصل.]] وَهُوَ سَقِيمٌ عليل كالفرخ الممغط، واختلفوا في المدة التي لبث يونس (عليه السلام) في بطن الحوت، فقال مقاتل بن حيان: ثلاثة أيام. عطاء: سبعة أيام، ضحاك: عشرين يوما. السدي والكلبي ومقاتل بن سليمان: أربعين يوما. وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ أي له، وقيل: عنده، كقوله: لَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ» أي عندي شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ قال ابن مسعود: يعني القرع. ابن عباس والحسن ومقاتل هو كل نبت يمتد وينبسط على وجه الأرض، ولا يبقى على الشتاء وليس له ساق نحو القثاء والبطيخ والقرع والحنظل. سعيد ابن جبير: هو كل شيء ينبت ثمّ يموت من عامه، وقيل: هو يفعيل من (قطن بالمكان) إذا أقام به إقامة زائل لا إقامة ثابت، وقال مقاتل بن حيان: وكان يستظل بالشجرة، وكانت وعلة تختلف إليه فيشرب من لبنها، وَأَرْسَلْناهُ يجوز أن يكون من حبسه في بطن الحوت، تقدير الآية وقد أرسلناه، ويجوز أن يكون بعده، ويجوز أن يكون إلى قوم آخرين. إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ قال ابن عباس: معناه ويزيدون، قال الشاعر: فلما اشتد أمر الحرب فينا ... تأملنا رياحا أو رزاما [[تفسير القرطبي: 14/ 299.]] أي ورزاما، وقال مقاتل: بل يزيدون. واختلفوا في مبلغ الزيادة على مائة ألف فقال ابن عباس ومقاتل: عشرون ألف. الحسن والربيع: بضع وثلاثون ألفا، ابن حيان: سبعون ألفا، فَآمَنُوا عند معاينة العذاب، فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ انقضاء آجالهم. فَاسْتَفْتِهِمْ: فسل يا محمد أهل مكة أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ وذلك أن جهينة وبني سلمة بن عبد الدار زعموا أنّ الملائكة بنات الله، أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ شاهِدُونَ: حاضرون خلقنا إياهم، نظيره قوله: أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ [[سورة الزخرف: 19.]] . أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ أَصْطَفَى. قرأ العامة بقطع الألف لأنه ألف استفهام دخلت على ألف الوصل فحذفت ألف الوصل وبقيت ألف الاستفهام مفتوحة على حالها مثل أَسْتَكْبَرْتَ [[سورة ص: 75.]] وأَسْتَغْفَرْتَ [[سورة المنافقون: 6.]] وأَذْهَبْتُمْ [[سورة الأحقاف: 20.]] ونحوها. وقرأ أبو جعفر ونافع في بعض الروايات (الكاذبون اصطفى) موصولة على الخبر والحكاية عن قول المشركين، مجازه: لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ ويقولون أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ ثم رجع إلى الخطاب: ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ أَفَلا تَذَكَّرُونَ أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ: برهان بيّن على أنّ الله ولدا فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً : فجعلوا الملائكة بنات الله، فسمّي الملائكة جنّا لاختبائهم عن الأبصار، هذا قول مجاهد وقتادة، وقال ابن عباس: قالوا لحيّ: من الملائكة- يقال لهم: الجنّ ومنهم إبليس- بنات الله. قال الكلبي: قالوا (لعنهم الله) : بل تزوّج من الجن فخرج منها الملائكة، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وقال الحسن: أشركوا الشيطان في عبادة الله فهو النسب الذي جعلوه. وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ يعني قائلي هذا القول لَمُحْضَرُونَ في النار. سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ فإنهم من النار ناجون. فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ يعني الأصنام ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ أي مع ذلك بِفاتِنِينَ: بمضلّين إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ أي إلّا من هو في علم الله وإرادته سيدخل النار. أخبرني ابن فنجويه قال حدّثنا ابن شنبه قال: حدّثنا الفربابي قال: حدّثنا أبو بكر بن شنبه قال: حدّثنا عبد الله بن إدريس عن عمر بن ذر قال: قدمنا على عمر بن عبد العزيز فذكر عنده القدر، فقال عمر بن عبد العزيز: لو أراد الله ألّا يعصى ما خلق إبليس وهو رأس الخطيئة، وإن في ذلك لعلما من كتاب الله، وجهله من جهله وعرفه من عرفه، ثم قرأ فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ، وقد فصلت هذه الآية بين الناس. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شنبه قال: حدّثنا الفربابي قال: حدّثنا إسحاق بن موسى الأنصاري قال: حدّثنا أنس بن عياض قال: حدّثني أبو سهيل نافع بن مالك بن أبي عامر قال: قال لي عمر بن عبد العزيز (من فيه إلى أذني) : ما تقول في الذين يقولون لا قدر؟ قال: أرى أن يستتابوا، فإن تابوا وإلّا ضربت أعناقهم. قال عمر بن عبد العزيز: ذلك الرأي فيهم والله لو لم يكن إلّا هذه الآية الواحدة لكفى بها: فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ. ما مِنَّا إِلَّا لَهُ يعني إلّا من له مَقامٌ مَعْلُومٌ: مكان مخصوص في العبادة. قال ابن عباس: ما في السماوات موضع شبر إلّا وعليه ملك مصلّ أو مسبح، وقال أبو بكر: الوراق: إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ يعبد الله عليه، كالخوف والرجا، والمحبة والرضا، وقال السدي: يعني في القربى والمشاهدة. وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ في الصلاة، وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ وَإِنْ كانُوا وقد كادوا يعني أهل مكة لَيَقُولُونَ لام التأكيد: لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الْأَوَّلِينَ: كتابا مثل كتبهم، لَكُنَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ فَكَفَرُوا بِهِ فيه اختصار تقديره: فلما أتاهم ذلك الكتاب كفروا به. نظيره قوله: أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ [[سورة الأنعام: 157.]] . فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ، وهذا وعيد لهم. وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ، وهي قوله: كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي [[سورة المجادلة: 21.]] . إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ قال ابن عباس: يعني الموت، وقال مجاهد: يعني يوم بدر، وقيل: إلى يوم القيامة، وقال مقاتل بن حيان: نسختها آية القتال. وَأَبْصِرْهُمْ. أنظر إليهم إذا عدوا، وقيل: أبصر حالهم بقليل، وقيل: انتظرهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ما أنكروا: أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ وذلك أنّ رسول الله (عليه السلام) لما أوعدهم العذاب، قالوا: مَتى هذَا الْوَعْدُ؟ فأنزل الله سبحانه هذه الآية. فَإِذا نَزَلَ العذاب بِساحَتِهِمْ: بناحيتهم وفنائهم فَساءَ: فبئس صَباحُ الْمُنْذَرِينَ: الكافرين. أخبرنا أبو عبد الله بن محمد بن عبد الله الزاهد قال: أخبرنا أبو العباس السراح قال: حدّثنا محمد بن رافع قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمّر عن قتادة عن أنس في قوله: فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ قال: لما أتى النبي صلّى الله عليه خيبر فوجدهم حين خرجوا إلى زرعهم ومعهم مساحيهم، فلما رأوه ومعه الجيش نكصوا، فرجعوا إلى حصنهم، فقال النبي عليه السلام: «الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ» [104] [[كتاب المسند للشافعي: 318.]] . وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ تأكيد للأولى. سُبْحانَ رَبِّكَ- إلى آخر السورة- أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا عمر بن الخطاب قال: حدّثنا أبو مسلم: حدّثنا محمد بن إسماعيل بن محمد بن أسد بن عبد الله الأصفهاني قال: حدّثنا أسيد بن عاصم قال: حدّثنا أبو سفيان بن صالح بن مهران قال: حدّثنا نعمان قال: حدّثنا أبو العوام عن قتادة عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلّى الله عليه: «إذا سلمتم عليّ فسلّموا على المرسلين فإنما أنا رسول من المرسلين» [[جامع البيان للطبري: 23/ 139.]] [105] . قال أبو العوام: كان قتادة يذكر هذا الحديث إذا تلا هذه الآية: سُبْحانَ رَبِّكَ إلى آخر السورة. وأخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا موسى بن محمد قال: حدّثنا الحسن بن علوية قال: حدّثنا إسماعيل بن عيسى قال: حدّثنا المسيب قال: حدّثنا مطرف عن أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري قال: كان رسول الله صلّى الله عليه يقول قبل أن يسلّم: سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [[مجمع الزوائد: 10/ 103.]] . وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا أحمد بن جعفر بن حمدان قال: حدّثنا إبراهيم بن سهلويه قال: حدّثنا علي بن محمد الطنافسي قال: حدّثنا وكيع عن ثابت بن أبي صفية عن الأصبغ بن نباتة عن علي رضي الله عنه قال: «من أحبّ أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة، فليكن آخر كلامه من مجلسه سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ» [106] [[الأذكار النووية: 299 ح 889.]] . [أخبرنا ابن فنجويه، أخبرنا الحسن المخلدي المقرئ عن أبي الحسن علي بن أحمد عن أبي [عثمان] البصري عن أبي خليفة [الجمحي عن] عبد المؤمن عن إبراهيم بن إسحاق [عن عبد الصمد] عن صالح بن مسافر قال: قرأت على عاصم بن أبي النجود سورة والصافات فلما أتيت على آخرها سكت، فقال: لم؟ اقرأ. فقلت: قد ختمت، قال إني فعلت كما فعلت على أبي عبد الرحمن السلمي، فقال أبو عبد الرحمن: كذلك قال لي عليّ وقال لي: قل: آذنتكم بأذانة المرسلين ولتسئلن عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ [[هكذا وجد هذا الخبر في هامش المخطوط.]] .

الصافات 37:160

وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إِذْ أَبَقَ . هرب إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ، قال ابن عباس ووهب: كان يونس (عليه السلام) قد وعد قومه العذاب فلما تأخر العذاب عنهم خرج كالمنشور [[كذا في المخطوط.]] منهم، فقصد البحر وركب السفينة، فاحتبست السفينة، فقال الملّاحون: هاهنا عبد أبق من سيّده، وهذا رسم السفينة إذا كان فيه آبق لا تجري. فاقترعوا، فوقعت القرعة على يونس، فقالوا: ألا نلقيه في الماء؟ واقترعوا ثانيا وثالثا فوقعت القرعة على يونس، فقال: «أنا الآبق» وزجّ نفسه في الماء، فذلك قوله سبحانه: فَساهَمَ : فقارع، والمساهمة: إلقاء السهام على جهة القرعة. فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ المقروعين المخلوعين المغلوبين. فَالْتَقَمَهُ: فابتلعه والتقمه الْحُوتُ وأوحى الله سبحانه إليه أنّي جعلت بطنك سجنا ولم أجعله لك طعاما، وَهُوَ مُلِيمٌ مذنب، قد أتى بما يلام عليه. فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ المنزّهين الذاكرين لله سبحانه قبل ذلك في حال الرخاء، وقال ابن عباس: من المصلين، وقال مقاتل: من المصلحين المطيعين قبل المعصية، وقال وهب: من العابدين، وقال سعيد بن جبير: يعني قوله لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [[سورة الأنبياء: 87.]] وقال الحسن: ما كانت له صلاة في بطن الحوت ولكنه قدم عملا صالحا، لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ لصار بطن الحوت قبرا له إلى يوم القيامة. فَنَبَذْناهُ: طرحناه بِالْعَراءِ قال الكلبي: يعني وجه الأرض. مقاتل بن حيان: يعني ظهر الأرض. مقاتل بن سليمان بالبراري من الأرض. الأخفش بالفناء الفراء بالأرض الواسعة. السدّي: بالساحل، وأصل العراء الأرض الخالية عن الشجر والنّبات، ومنه قيل للمتجرد: عريان. قال الشاعر: [ترك الهام ... بالعراء ... صار للخير حاصر العبقا] [[هكذا في الأصل.]] وَهُوَ سَقِيمٌ عليل كالفرخ الممغط، واختلفوا في المدة التي لبث يونس (عليه السلام) في بطن الحوت، فقال مقاتل بن حيان: ثلاثة أيام. عطاء: سبعة أيام، ضحاك: عشرين يوما. السدي والكلبي ومقاتل بن سليمان: أربعين يوما. وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ أي له، وقيل: عنده، كقوله: لَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ» أي عندي شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ قال ابن مسعود: يعني القرع. ابن عباس والحسن ومقاتل هو كل نبت يمتد وينبسط على وجه الأرض، ولا يبقى على الشتاء وليس له ساق نحو القثاء والبطيخ والقرع والحنظل. سعيد ابن جبير: هو كل شيء ينبت ثمّ يموت من عامه، وقيل: هو يفعيل من (قطن بالمكان) إذا أقام به إقامة زائل لا إقامة ثابت، وقال مقاتل بن حيان: وكان يستظل بالشجرة، وكانت وعلة تختلف إليه فيشرب من لبنها، وَأَرْسَلْناهُ يجوز أن يكون من حبسه في بطن الحوت، تقدير الآية وقد أرسلناه، ويجوز أن يكون بعده، ويجوز أن يكون إلى قوم آخرين. إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ قال ابن عباس: معناه ويزيدون، قال الشاعر: فلما اشتد أمر الحرب فينا ... تأملنا رياحا أو رزاما [[تفسير القرطبي: 14/ 299.]] أي ورزاما، وقال مقاتل: بل يزيدون. واختلفوا في مبلغ الزيادة على مائة ألف فقال ابن عباس ومقاتل: عشرون ألف. الحسن والربيع: بضع وثلاثون ألفا، ابن حيان: سبعون ألفا، فَآمَنُوا عند معاينة العذاب، فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ انقضاء آجالهم. فَاسْتَفْتِهِمْ: فسل يا محمد أهل مكة أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ وذلك أن جهينة وبني سلمة بن عبد الدار زعموا أنّ الملائكة بنات الله، أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ شاهِدُونَ: حاضرون خلقنا إياهم، نظيره قوله: أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ [[سورة الزخرف: 19.]] . أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ أَصْطَفَى. قرأ العامة بقطع الألف لأنه ألف استفهام دخلت على ألف الوصل فحذفت ألف الوصل وبقيت ألف الاستفهام مفتوحة على حالها مثل أَسْتَكْبَرْتَ [[سورة ص: 75.]] وأَسْتَغْفَرْتَ [[سورة المنافقون: 6.]] وأَذْهَبْتُمْ [[سورة الأحقاف: 20.]] ونحوها. وقرأ أبو جعفر ونافع في بعض الروايات (الكاذبون اصطفى) موصولة على الخبر والحكاية عن قول المشركين، مجازه: لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ ويقولون أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ ثم رجع إلى الخطاب: ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ أَفَلا تَذَكَّرُونَ أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ: برهان بيّن على أنّ الله ولدا فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً : فجعلوا الملائكة بنات الله، فسمّي الملائكة جنّا لاختبائهم عن الأبصار، هذا قول مجاهد وقتادة، وقال ابن عباس: قالوا لحيّ: من الملائكة- يقال لهم: الجنّ ومنهم إبليس- بنات الله. قال الكلبي: قالوا (لعنهم الله) : بل تزوّج من الجن فخرج منها الملائكة، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وقال الحسن: أشركوا الشيطان في عبادة الله فهو النسب الذي جعلوه. وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ يعني قائلي هذا القول لَمُحْضَرُونَ في النار. سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ فإنهم من النار ناجون. فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ يعني الأصنام ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ أي مع ذلك بِفاتِنِينَ: بمضلّين إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ أي إلّا من هو في علم الله وإرادته سيدخل النار. أخبرني ابن فنجويه قال حدّثنا ابن شنبه قال: حدّثنا الفربابي قال: حدّثنا أبو بكر بن شنبه قال: حدّثنا عبد الله بن إدريس عن عمر بن ذر قال: قدمنا على عمر بن عبد العزيز فذكر عنده القدر، فقال عمر بن عبد العزيز: لو أراد الله ألّا يعصى ما خلق إبليس وهو رأس الخطيئة، وإن في ذلك لعلما من كتاب الله، وجهله من جهله وعرفه من عرفه، ثم قرأ فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ، وقد فصلت هذه الآية بين الناس. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شنبه قال: حدّثنا الفربابي قال: حدّثنا إسحاق بن موسى الأنصاري قال: حدّثنا أنس بن عياض قال: حدّثني أبو سهيل نافع بن مالك بن أبي عامر قال: قال لي عمر بن عبد العزيز (من فيه إلى أذني) : ما تقول في الذين يقولون لا قدر؟ قال: أرى أن يستتابوا، فإن تابوا وإلّا ضربت أعناقهم. قال عمر بن عبد العزيز: ذلك الرأي فيهم والله لو لم يكن إلّا هذه الآية الواحدة لكفى بها: فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ. ما مِنَّا إِلَّا لَهُ يعني إلّا من له مَقامٌ مَعْلُومٌ: مكان مخصوص في العبادة. قال ابن عباس: ما في السماوات موضع شبر إلّا وعليه ملك مصلّ أو مسبح، وقال أبو بكر: الوراق: إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ يعبد الله عليه، كالخوف والرجا، والمحبة والرضا، وقال السدي: يعني في القربى والمشاهدة. وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ في الصلاة، وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ وَإِنْ كانُوا وقد كادوا يعني أهل مكة لَيَقُولُونَ لام التأكيد: لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الْأَوَّلِينَ: كتابا مثل كتبهم، لَكُنَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ فَكَفَرُوا بِهِ فيه اختصار تقديره: فلما أتاهم ذلك الكتاب كفروا به. نظيره قوله: أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ [[سورة الأنعام: 157.]] . فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ، وهذا وعيد لهم. وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ، وهي قوله: كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي [[سورة المجادلة: 21.]] . إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ قال ابن عباس: يعني الموت، وقال مجاهد: يعني يوم بدر، وقيل: إلى يوم القيامة، وقال مقاتل بن حيان: نسختها آية القتال. وَأَبْصِرْهُمْ. أنظر إليهم إذا عدوا، وقيل: أبصر حالهم بقليل، وقيل: انتظرهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ما أنكروا: أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ وذلك أنّ رسول الله (عليه السلام) لما أوعدهم العذاب، قالوا: مَتى هذَا الْوَعْدُ؟ فأنزل الله سبحانه هذه الآية. فَإِذا نَزَلَ العذاب بِساحَتِهِمْ: بناحيتهم وفنائهم فَساءَ: فبئس صَباحُ الْمُنْذَرِينَ: الكافرين. أخبرنا أبو عبد الله بن محمد بن عبد الله الزاهد قال: أخبرنا أبو العباس السراح قال: حدّثنا محمد بن رافع قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمّر عن قتادة عن أنس في قوله: فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ قال: لما أتى النبي صلّى الله عليه خيبر فوجدهم حين خرجوا إلى زرعهم ومعهم مساحيهم، فلما رأوه ومعه الجيش نكصوا، فرجعوا إلى حصنهم، فقال النبي عليه السلام: «الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ» [104] [[كتاب المسند للشافعي: 318.]] . وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ تأكيد للأولى. سُبْحانَ رَبِّكَ- إلى آخر السورة- أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا عمر بن الخطاب قال: حدّثنا أبو مسلم: حدّثنا محمد بن إسماعيل بن محمد بن أسد بن عبد الله الأصفهاني قال: حدّثنا أسيد بن عاصم قال: حدّثنا أبو سفيان بن صالح بن مهران قال: حدّثنا نعمان قال: حدّثنا أبو العوام عن قتادة عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلّى الله عليه: «إذا سلمتم عليّ فسلّموا على المرسلين فإنما أنا رسول من المرسلين» [[جامع البيان للطبري: 23/ 139.]] [105] . قال أبو العوام: كان قتادة يذكر هذا الحديث إذا تلا هذه الآية: سُبْحانَ رَبِّكَ إلى آخر السورة. وأخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا موسى بن محمد قال: حدّثنا الحسن بن علوية قال: حدّثنا إسماعيل بن عيسى قال: حدّثنا المسيب قال: حدّثنا مطرف عن أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري قال: كان رسول الله صلّى الله عليه يقول قبل أن يسلّم: سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [[مجمع الزوائد: 10/ 103.]] . وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا أحمد بن جعفر بن حمدان قال: حدّثنا إبراهيم بن سهلويه قال: حدّثنا علي بن محمد الطنافسي قال: حدّثنا وكيع عن ثابت بن أبي صفية عن الأصبغ بن نباتة عن علي رضي الله عنه قال: «من أحبّ أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة، فليكن آخر كلامه من مجلسه سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ» [106] [[الأذكار النووية: 299 ح 889.]] . [أخبرنا ابن فنجويه، أخبرنا الحسن المخلدي المقرئ عن أبي الحسن علي بن أحمد عن أبي [عثمان] البصري عن أبي خليفة [الجمحي عن] عبد المؤمن عن إبراهيم بن إسحاق [عن عبد الصمد] عن صالح بن مسافر قال: قرأت على عاصم بن أبي النجود سورة والصافات فلما أتيت على آخرها سكت، فقال: لم؟ اقرأ. فقلت: قد ختمت، قال إني فعلت كما فعلت على أبي عبد الرحمن السلمي، فقال أبو عبد الرحمن: كذلك قال لي عليّ وقال لي: قل: آذنتكم بأذانة المرسلين ولتسئلن عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ [[هكذا وجد هذا الخبر في هامش المخطوط.]] .

الصافات 37:161

وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إِذْ أَبَقَ . هرب إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ، قال ابن عباس ووهب: كان يونس (عليه السلام) قد وعد قومه العذاب فلما تأخر العذاب عنهم خرج كالمنشور [[كذا في المخطوط.]] منهم، فقصد البحر وركب السفينة، فاحتبست السفينة، فقال الملّاحون: هاهنا عبد أبق من سيّده، وهذا رسم السفينة إذا كان فيه آبق لا تجري. فاقترعوا، فوقعت القرعة على يونس، فقالوا: ألا نلقيه في الماء؟ واقترعوا ثانيا وثالثا فوقعت القرعة على يونس، فقال: «أنا الآبق» وزجّ نفسه في الماء، فذلك قوله سبحانه: فَساهَمَ : فقارع، والمساهمة: إلقاء السهام على جهة القرعة. فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ المقروعين المخلوعين المغلوبين. فَالْتَقَمَهُ: فابتلعه والتقمه الْحُوتُ وأوحى الله سبحانه إليه أنّي جعلت بطنك سجنا ولم أجعله لك طعاما، وَهُوَ مُلِيمٌ مذنب، قد أتى بما يلام عليه. فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ المنزّهين الذاكرين لله سبحانه قبل ذلك في حال الرخاء، وقال ابن عباس: من المصلين، وقال مقاتل: من المصلحين المطيعين قبل المعصية، وقال وهب: من العابدين، وقال سعيد بن جبير: يعني قوله لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [[سورة الأنبياء: 87.]] وقال الحسن: ما كانت له صلاة في بطن الحوت ولكنه قدم عملا صالحا، لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ لصار بطن الحوت قبرا له إلى يوم القيامة. فَنَبَذْناهُ: طرحناه بِالْعَراءِ قال الكلبي: يعني وجه الأرض. مقاتل بن حيان: يعني ظهر الأرض. مقاتل بن سليمان بالبراري من الأرض. الأخفش بالفناء الفراء بالأرض الواسعة. السدّي: بالساحل، وأصل العراء الأرض الخالية عن الشجر والنّبات، ومنه قيل للمتجرد: عريان. قال الشاعر: [ترك الهام ... بالعراء ... صار للخير حاصر العبقا] [[هكذا في الأصل.]] وَهُوَ سَقِيمٌ عليل كالفرخ الممغط، واختلفوا في المدة التي لبث يونس (عليه السلام) في بطن الحوت، فقال مقاتل بن حيان: ثلاثة أيام. عطاء: سبعة أيام، ضحاك: عشرين يوما. السدي والكلبي ومقاتل بن سليمان: أربعين يوما. وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ أي له، وقيل: عنده، كقوله: لَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ» أي عندي شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ قال ابن مسعود: يعني القرع. ابن عباس والحسن ومقاتل هو كل نبت يمتد وينبسط على وجه الأرض، ولا يبقى على الشتاء وليس له ساق نحو القثاء والبطيخ والقرع والحنظل. سعيد ابن جبير: هو كل شيء ينبت ثمّ يموت من عامه، وقيل: هو يفعيل من (قطن بالمكان) إذا أقام به إقامة زائل لا إقامة ثابت، وقال مقاتل بن حيان: وكان يستظل بالشجرة، وكانت وعلة تختلف إليه فيشرب من لبنها، وَأَرْسَلْناهُ يجوز أن يكون من حبسه في بطن الحوت، تقدير الآية وقد أرسلناه، ويجوز أن يكون بعده، ويجوز أن يكون إلى قوم آخرين. إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ قال ابن عباس: معناه ويزيدون، قال الشاعر: فلما اشتد أمر الحرب فينا ... تأملنا رياحا أو رزاما [[تفسير القرطبي: 14/ 299.]] أي ورزاما، وقال مقاتل: بل يزيدون. واختلفوا في مبلغ الزيادة على مائة ألف فقال ابن عباس ومقاتل: عشرون ألف. الحسن والربيع: بضع وثلاثون ألفا، ابن حيان: سبعون ألفا، فَآمَنُوا عند معاينة العذاب، فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ انقضاء آجالهم. فَاسْتَفْتِهِمْ: فسل يا محمد أهل مكة أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ وذلك أن جهينة وبني سلمة بن عبد الدار زعموا أنّ الملائكة بنات الله، أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ شاهِدُونَ: حاضرون خلقنا إياهم، نظيره قوله: أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ [[سورة الزخرف: 19.]] . أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ أَصْطَفَى. قرأ العامة بقطع الألف لأنه ألف استفهام دخلت على ألف الوصل فحذفت ألف الوصل وبقيت ألف الاستفهام مفتوحة على حالها مثل أَسْتَكْبَرْتَ [[سورة ص: 75.]] وأَسْتَغْفَرْتَ [[سورة المنافقون: 6.]] وأَذْهَبْتُمْ [[سورة الأحقاف: 20.]] ونحوها. وقرأ أبو جعفر ونافع في بعض الروايات (الكاذبون اصطفى) موصولة على الخبر والحكاية عن قول المشركين، مجازه: لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ ويقولون أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ ثم رجع إلى الخطاب: ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ أَفَلا تَذَكَّرُونَ أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ: برهان بيّن على أنّ الله ولدا فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً : فجعلوا الملائكة بنات الله، فسمّي الملائكة جنّا لاختبائهم عن الأبصار، هذا قول مجاهد وقتادة، وقال ابن عباس: قالوا لحيّ: من الملائكة- يقال لهم: الجنّ ومنهم إبليس- بنات الله. قال الكلبي: قالوا (لعنهم الله) : بل تزوّج من الجن فخرج منها الملائكة، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وقال الحسن: أشركوا الشيطان في عبادة الله فهو النسب الذي جعلوه. وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ يعني قائلي هذا القول لَمُحْضَرُونَ في النار. سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ فإنهم من النار ناجون. فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ يعني الأصنام ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ أي مع ذلك بِفاتِنِينَ: بمضلّين إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ أي إلّا من هو في علم الله وإرادته سيدخل النار. أخبرني ابن فنجويه قال حدّثنا ابن شنبه قال: حدّثنا الفربابي قال: حدّثنا أبو بكر بن شنبه قال: حدّثنا عبد الله بن إدريس عن عمر بن ذر قال: قدمنا على عمر بن عبد العزيز فذكر عنده القدر، فقال عمر بن عبد العزيز: لو أراد الله ألّا يعصى ما خلق إبليس وهو رأس الخطيئة، وإن في ذلك لعلما من كتاب الله، وجهله من جهله وعرفه من عرفه، ثم قرأ فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ، وقد فصلت هذه الآية بين الناس. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شنبه قال: حدّثنا الفربابي قال: حدّثنا إسحاق بن موسى الأنصاري قال: حدّثنا أنس بن عياض قال: حدّثني أبو سهيل نافع بن مالك بن أبي عامر قال: قال لي عمر بن عبد العزيز (من فيه إلى أذني) : ما تقول في الذين يقولون لا قدر؟ قال: أرى أن يستتابوا، فإن تابوا وإلّا ضربت أعناقهم. قال عمر بن عبد العزيز: ذلك الرأي فيهم والله لو لم يكن إلّا هذه الآية الواحدة لكفى بها: فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ. ما مِنَّا إِلَّا لَهُ يعني إلّا من له مَقامٌ مَعْلُومٌ: مكان مخصوص في العبادة. قال ابن عباس: ما في السماوات موضع شبر إلّا وعليه ملك مصلّ أو مسبح، وقال أبو بكر: الوراق: إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ يعبد الله عليه، كالخوف والرجا، والمحبة والرضا، وقال السدي: يعني في القربى والمشاهدة. وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ في الصلاة، وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ وَإِنْ كانُوا وقد كادوا يعني أهل مكة لَيَقُولُونَ لام التأكيد: لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الْأَوَّلِينَ: كتابا مثل كتبهم، لَكُنَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ فَكَفَرُوا بِهِ فيه اختصار تقديره: فلما أتاهم ذلك الكتاب كفروا به. نظيره قوله: أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ [[سورة الأنعام: 157.]] . فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ، وهذا وعيد لهم. وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ، وهي قوله: كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي [[سورة المجادلة: 21.]] . إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ قال ابن عباس: يعني الموت، وقال مجاهد: يعني يوم بدر، وقيل: إلى يوم القيامة، وقال مقاتل بن حيان: نسختها آية القتال. وَأَبْصِرْهُمْ. أنظر إليهم إذا عدوا، وقيل: أبصر حالهم بقليل، وقيل: انتظرهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ما أنكروا: أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ وذلك أنّ رسول الله (عليه السلام) لما أوعدهم العذاب، قالوا: مَتى هذَا الْوَعْدُ؟ فأنزل الله سبحانه هذه الآية. فَإِذا نَزَلَ العذاب بِساحَتِهِمْ: بناحيتهم وفنائهم فَساءَ: فبئس صَباحُ الْمُنْذَرِينَ: الكافرين. أخبرنا أبو عبد الله بن محمد بن عبد الله الزاهد قال: أخبرنا أبو العباس السراح قال: حدّثنا محمد بن رافع قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمّر عن قتادة عن أنس في قوله: فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ قال: لما أتى النبي صلّى الله عليه خيبر فوجدهم حين خرجوا إلى زرعهم ومعهم مساحيهم، فلما رأوه ومعه الجيش نكصوا، فرجعوا إلى حصنهم، فقال النبي عليه السلام: «الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ» [104] [[كتاب المسند للشافعي: 318.]] . وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ تأكيد للأولى. سُبْحانَ رَبِّكَ- إلى آخر السورة- أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا عمر بن الخطاب قال: حدّثنا أبو مسلم: حدّثنا محمد بن إسماعيل بن محمد بن أسد بن عبد الله الأصفهاني قال: حدّثنا أسيد بن عاصم قال: حدّثنا أبو سفيان بن صالح بن مهران قال: حدّثنا نعمان قال: حدّثنا أبو العوام عن قتادة عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلّى الله عليه: «إذا سلمتم عليّ فسلّموا على المرسلين فإنما أنا رسول من المرسلين» [[جامع البيان للطبري: 23/ 139.]] [105] . قال أبو العوام: كان قتادة يذكر هذا الحديث إذا تلا هذه الآية: سُبْحانَ رَبِّكَ إلى آخر السورة. وأخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا موسى بن محمد قال: حدّثنا الحسن بن علوية قال: حدّثنا إسماعيل بن عيسى قال: حدّثنا المسيب قال: حدّثنا مطرف عن أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري قال: كان رسول الله صلّى الله عليه يقول قبل أن يسلّم: سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [[مجمع الزوائد: 10/ 103.]] . وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا أحمد بن جعفر بن حمدان قال: حدّثنا إبراهيم بن سهلويه قال: حدّثنا علي بن محمد الطنافسي قال: حدّثنا وكيع عن ثابت بن أبي صفية عن الأصبغ بن نباتة عن علي رضي الله عنه قال: «من أحبّ أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة، فليكن آخر كلامه من مجلسه سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ» [106] [[الأذكار النووية: 299 ح 889.]] . [أخبرنا ابن فنجويه، أخبرنا الحسن المخلدي المقرئ عن أبي الحسن علي بن أحمد عن أبي [عثمان] البصري عن أبي خليفة [الجمحي عن] عبد المؤمن عن إبراهيم بن إسحاق [عن عبد الصمد] عن صالح بن مسافر قال: قرأت على عاصم بن أبي النجود سورة والصافات فلما أتيت على آخرها سكت، فقال: لم؟ اقرأ. فقلت: قد ختمت، قال إني فعلت كما فعلت على أبي عبد الرحمن السلمي، فقال أبو عبد الرحمن: كذلك قال لي عليّ وقال لي: قل: آذنتكم بأذانة المرسلين ولتسئلن عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ [[هكذا وجد هذا الخبر في هامش المخطوط.]] .

الصافات 37:162

وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إِذْ أَبَقَ . هرب إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ، قال ابن عباس ووهب: كان يونس (عليه السلام) قد وعد قومه العذاب فلما تأخر العذاب عنهم خرج كالمنشور [[كذا في المخطوط.]] منهم، فقصد البحر وركب السفينة، فاحتبست السفينة، فقال الملّاحون: هاهنا عبد أبق من سيّده، وهذا رسم السفينة إذا كان فيه آبق لا تجري. فاقترعوا، فوقعت القرعة على يونس، فقالوا: ألا نلقيه في الماء؟ واقترعوا ثانيا وثالثا فوقعت القرعة على يونس، فقال: «أنا الآبق» وزجّ نفسه في الماء، فذلك قوله سبحانه: فَساهَمَ : فقارع، والمساهمة: إلقاء السهام على جهة القرعة. فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ المقروعين المخلوعين المغلوبين. فَالْتَقَمَهُ: فابتلعه والتقمه الْحُوتُ وأوحى الله سبحانه إليه أنّي جعلت بطنك سجنا ولم أجعله لك طعاما، وَهُوَ مُلِيمٌ مذنب، قد أتى بما يلام عليه. فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ المنزّهين الذاكرين لله سبحانه قبل ذلك في حال الرخاء، وقال ابن عباس: من المصلين، وقال مقاتل: من المصلحين المطيعين قبل المعصية، وقال وهب: من العابدين، وقال سعيد بن جبير: يعني قوله لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [[سورة الأنبياء: 87.]] وقال الحسن: ما كانت له صلاة في بطن الحوت ولكنه قدم عملا صالحا، لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ لصار بطن الحوت قبرا له إلى يوم القيامة. فَنَبَذْناهُ: طرحناه بِالْعَراءِ قال الكلبي: يعني وجه الأرض. مقاتل بن حيان: يعني ظهر الأرض. مقاتل بن سليمان بالبراري من الأرض. الأخفش بالفناء الفراء بالأرض الواسعة. السدّي: بالساحل، وأصل العراء الأرض الخالية عن الشجر والنّبات، ومنه قيل للمتجرد: عريان. قال الشاعر: [ترك الهام ... بالعراء ... صار للخير حاصر العبقا] [[هكذا في الأصل.]] وَهُوَ سَقِيمٌ عليل كالفرخ الممغط، واختلفوا في المدة التي لبث يونس (عليه السلام) في بطن الحوت، فقال مقاتل بن حيان: ثلاثة أيام. عطاء: سبعة أيام، ضحاك: عشرين يوما. السدي والكلبي ومقاتل بن سليمان: أربعين يوما. وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ أي له، وقيل: عنده، كقوله: لَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ» أي عندي شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ قال ابن مسعود: يعني القرع. ابن عباس والحسن ومقاتل هو كل نبت يمتد وينبسط على وجه الأرض، ولا يبقى على الشتاء وليس له ساق نحو القثاء والبطيخ والقرع والحنظل. سعيد ابن جبير: هو كل شيء ينبت ثمّ يموت من عامه، وقيل: هو يفعيل من (قطن بالمكان) إذا أقام به إقامة زائل لا إقامة ثابت، وقال مقاتل بن حيان: وكان يستظل بالشجرة، وكانت وعلة تختلف إليه فيشرب من لبنها، وَأَرْسَلْناهُ يجوز أن يكون من حبسه في بطن الحوت، تقدير الآية وقد أرسلناه، ويجوز أن يكون بعده، ويجوز أن يكون إلى قوم آخرين. إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ قال ابن عباس: معناه ويزيدون، قال الشاعر: فلما اشتد أمر الحرب فينا ... تأملنا رياحا أو رزاما [[تفسير القرطبي: 14/ 299.]] أي ورزاما، وقال مقاتل: بل يزيدون. واختلفوا في مبلغ الزيادة على مائة ألف فقال ابن عباس ومقاتل: عشرون ألف. الحسن والربيع: بضع وثلاثون ألفا، ابن حيان: سبعون ألفا، فَآمَنُوا عند معاينة العذاب، فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ انقضاء آجالهم. فَاسْتَفْتِهِمْ: فسل يا محمد أهل مكة أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ وذلك أن جهينة وبني سلمة بن عبد الدار زعموا أنّ الملائكة بنات الله، أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ شاهِدُونَ: حاضرون خلقنا إياهم، نظيره قوله: أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ [[سورة الزخرف: 19.]] . أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ أَصْطَفَى. قرأ العامة بقطع الألف لأنه ألف استفهام دخلت على ألف الوصل فحذفت ألف الوصل وبقيت ألف الاستفهام مفتوحة على حالها مثل أَسْتَكْبَرْتَ [[سورة ص: 75.]] وأَسْتَغْفَرْتَ [[سورة المنافقون: 6.]] وأَذْهَبْتُمْ [[سورة الأحقاف: 20.]] ونحوها. وقرأ أبو جعفر ونافع في بعض الروايات (الكاذبون اصطفى) موصولة على الخبر والحكاية عن قول المشركين، مجازه: لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ ويقولون أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ ثم رجع إلى الخطاب: ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ أَفَلا تَذَكَّرُونَ أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ: برهان بيّن على أنّ الله ولدا فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً : فجعلوا الملائكة بنات الله، فسمّي الملائكة جنّا لاختبائهم عن الأبصار، هذا قول مجاهد وقتادة، وقال ابن عباس: قالوا لحيّ: من الملائكة- يقال لهم: الجنّ ومنهم إبليس- بنات الله. قال الكلبي: قالوا (لعنهم الله) : بل تزوّج من الجن فخرج منها الملائكة، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وقال الحسن: أشركوا الشيطان في عبادة الله فهو النسب الذي جعلوه. وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ يعني قائلي هذا القول لَمُحْضَرُونَ في النار. سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ فإنهم من النار ناجون. فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ يعني الأصنام ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ أي مع ذلك بِفاتِنِينَ: بمضلّين إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ أي إلّا من هو في علم الله وإرادته سيدخل النار. أخبرني ابن فنجويه قال حدّثنا ابن شنبه قال: حدّثنا الفربابي قال: حدّثنا أبو بكر بن شنبه قال: حدّثنا عبد الله بن إدريس عن عمر بن ذر قال: قدمنا على عمر بن عبد العزيز فذكر عنده القدر، فقال عمر بن عبد العزيز: لو أراد الله ألّا يعصى ما خلق إبليس وهو رأس الخطيئة، وإن في ذلك لعلما من كتاب الله، وجهله من جهله وعرفه من عرفه، ثم قرأ فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ، وقد فصلت هذه الآية بين الناس. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شنبه قال: حدّثنا الفربابي قال: حدّثنا إسحاق بن موسى الأنصاري قال: حدّثنا أنس بن عياض قال: حدّثني أبو سهيل نافع بن مالك بن أبي عامر قال: قال لي عمر بن عبد العزيز (من فيه إلى أذني) : ما تقول في الذين يقولون لا قدر؟ قال: أرى أن يستتابوا، فإن تابوا وإلّا ضربت أعناقهم. قال عمر بن عبد العزيز: ذلك الرأي فيهم والله لو لم يكن إلّا هذه الآية الواحدة لكفى بها: فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ. ما مِنَّا إِلَّا لَهُ يعني إلّا من له مَقامٌ مَعْلُومٌ: مكان مخصوص في العبادة. قال ابن عباس: ما في السماوات موضع شبر إلّا وعليه ملك مصلّ أو مسبح، وقال أبو بكر: الوراق: إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ يعبد الله عليه، كالخوف والرجا، والمحبة والرضا، وقال السدي: يعني في القربى والمشاهدة. وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ في الصلاة، وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ وَإِنْ كانُوا وقد كادوا يعني أهل مكة لَيَقُولُونَ لام التأكيد: لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الْأَوَّلِينَ: كتابا مثل كتبهم، لَكُنَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ فَكَفَرُوا بِهِ فيه اختصار تقديره: فلما أتاهم ذلك الكتاب كفروا به. نظيره قوله: أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ [[سورة الأنعام: 157.]] . فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ، وهذا وعيد لهم. وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ، وهي قوله: كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي [[سورة المجادلة: 21.]] . إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ قال ابن عباس: يعني الموت، وقال مجاهد: يعني يوم بدر، وقيل: إلى يوم القيامة، وقال مقاتل بن حيان: نسختها آية القتال. وَأَبْصِرْهُمْ. أنظر إليهم إذا عدوا، وقيل: أبصر حالهم بقليل، وقيل: انتظرهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ما أنكروا: أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ وذلك أنّ رسول الله (عليه السلام) لما أوعدهم العذاب، قالوا: مَتى هذَا الْوَعْدُ؟ فأنزل الله سبحانه هذه الآية. فَإِذا نَزَلَ العذاب بِساحَتِهِمْ: بناحيتهم وفنائهم فَساءَ: فبئس صَباحُ الْمُنْذَرِينَ: الكافرين. أخبرنا أبو عبد الله بن محمد بن عبد الله الزاهد قال: أخبرنا أبو العباس السراح قال: حدّثنا محمد بن رافع قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمّر عن قتادة عن أنس في قوله: فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ قال: لما أتى النبي صلّى الله عليه خيبر فوجدهم حين خرجوا إلى زرعهم ومعهم مساحيهم، فلما رأوه ومعه الجيش نكصوا، فرجعوا إلى حصنهم، فقال النبي عليه السلام: «الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ» [104] [[كتاب المسند للشافعي: 318.]] . وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ تأكيد للأولى. سُبْحانَ رَبِّكَ- إلى آخر السورة- أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا عمر بن الخطاب قال: حدّثنا أبو مسلم: حدّثنا محمد بن إسماعيل بن محمد بن أسد بن عبد الله الأصفهاني قال: حدّثنا أسيد بن عاصم قال: حدّثنا أبو سفيان بن صالح بن مهران قال: حدّثنا نعمان قال: حدّثنا أبو العوام عن قتادة عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلّى الله عليه: «إذا سلمتم عليّ فسلّموا على المرسلين فإنما أنا رسول من المرسلين» [[جامع البيان للطبري: 23/ 139.]] [105] . قال أبو العوام: كان قتادة يذكر هذا الحديث إذا تلا هذه الآية: سُبْحانَ رَبِّكَ إلى آخر السورة. وأخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا موسى بن محمد قال: حدّثنا الحسن بن علوية قال: حدّثنا إسماعيل بن عيسى قال: حدّثنا المسيب قال: حدّثنا مطرف عن أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري قال: كان رسول الله صلّى الله عليه يقول قبل أن يسلّم: سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [[مجمع الزوائد: 10/ 103.]] . وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا أحمد بن جعفر بن حمدان قال: حدّثنا إبراهيم بن سهلويه قال: حدّثنا علي بن محمد الطنافسي قال: حدّثنا وكيع عن ثابت بن أبي صفية عن الأصبغ بن نباتة عن علي رضي الله عنه قال: «من أحبّ أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة، فليكن آخر كلامه من مجلسه سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ» [106] [[الأذكار النووية: 299 ح 889.]] . [أخبرنا ابن فنجويه، أخبرنا الحسن المخلدي المقرئ عن أبي الحسن علي بن أحمد عن أبي [عثمان] البصري عن أبي خليفة [الجمحي عن] عبد المؤمن عن إبراهيم بن إسحاق [عن عبد الصمد] عن صالح بن مسافر قال: قرأت على عاصم بن أبي النجود سورة والصافات فلما أتيت على آخرها سكت، فقال: لم؟ اقرأ. فقلت: قد ختمت، قال إني فعلت كما فعلت على أبي عبد الرحمن السلمي، فقال أبو عبد الرحمن: كذلك قال لي عليّ وقال لي: قل: آذنتكم بأذانة المرسلين ولتسئلن عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ [[هكذا وجد هذا الخبر في هامش المخطوط.]] .

الصافات 37:163

وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إِذْ أَبَقَ . هرب إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ، قال ابن عباس ووهب: كان يونس (عليه السلام) قد وعد قومه العذاب فلما تأخر العذاب عنهم خرج كالمنشور [[كذا في المخطوط.]] منهم، فقصد البحر وركب السفينة، فاحتبست السفينة، فقال الملّاحون: هاهنا عبد أبق من سيّده، وهذا رسم السفينة إذا كان فيه آبق لا تجري. فاقترعوا، فوقعت القرعة على يونس، فقالوا: ألا نلقيه في الماء؟ واقترعوا ثانيا وثالثا فوقعت القرعة على يونس، فقال: «أنا الآبق» وزجّ نفسه في الماء، فذلك قوله سبحانه: فَساهَمَ : فقارع، والمساهمة: إلقاء السهام على جهة القرعة. فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ المقروعين المخلوعين المغلوبين. فَالْتَقَمَهُ: فابتلعه والتقمه الْحُوتُ وأوحى الله سبحانه إليه أنّي جعلت بطنك سجنا ولم أجعله لك طعاما، وَهُوَ مُلِيمٌ مذنب، قد أتى بما يلام عليه. فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ المنزّهين الذاكرين لله سبحانه قبل ذلك في حال الرخاء، وقال ابن عباس: من المصلين، وقال مقاتل: من المصلحين المطيعين قبل المعصية، وقال وهب: من العابدين، وقال سعيد بن جبير: يعني قوله لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [[سورة الأنبياء: 87.]] وقال الحسن: ما كانت له صلاة في بطن الحوت ولكنه قدم عملا صالحا، لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ لصار بطن الحوت قبرا له إلى يوم القيامة. فَنَبَذْناهُ: طرحناه بِالْعَراءِ قال الكلبي: يعني وجه الأرض. مقاتل بن حيان: يعني ظهر الأرض. مقاتل بن سليمان بالبراري من الأرض. الأخفش بالفناء الفراء بالأرض الواسعة. السدّي: بالساحل، وأصل العراء الأرض الخالية عن الشجر والنّبات، ومنه قيل للمتجرد: عريان. قال الشاعر: [ترك الهام ... بالعراء ... صار للخير حاصر العبقا] [[هكذا في الأصل.]] وَهُوَ سَقِيمٌ عليل كالفرخ الممغط، واختلفوا في المدة التي لبث يونس (عليه السلام) في بطن الحوت، فقال مقاتل بن حيان: ثلاثة أيام. عطاء: سبعة أيام، ضحاك: عشرين يوما. السدي والكلبي ومقاتل بن سليمان: أربعين يوما. وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ أي له، وقيل: عنده، كقوله: لَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ» أي عندي شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ قال ابن مسعود: يعني القرع. ابن عباس والحسن ومقاتل هو كل نبت يمتد وينبسط على وجه الأرض، ولا يبقى على الشتاء وليس له ساق نحو القثاء والبطيخ والقرع والحنظل. سعيد ابن جبير: هو كل شيء ينبت ثمّ يموت من عامه، وقيل: هو يفعيل من (قطن بالمكان) إذا أقام به إقامة زائل لا إقامة ثابت، وقال مقاتل بن حيان: وكان يستظل بالشجرة، وكانت وعلة تختلف إليه فيشرب من لبنها، وَأَرْسَلْناهُ يجوز أن يكون من حبسه في بطن الحوت، تقدير الآية وقد أرسلناه، ويجوز أن يكون بعده، ويجوز أن يكون إلى قوم آخرين. إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ قال ابن عباس: معناه ويزيدون، قال الشاعر: فلما اشتد أمر الحرب فينا ... تأملنا رياحا أو رزاما [[تفسير القرطبي: 14/ 299.]] أي ورزاما، وقال مقاتل: بل يزيدون. واختلفوا في مبلغ الزيادة على مائة ألف فقال ابن عباس ومقاتل: عشرون ألف. الحسن والربيع: بضع وثلاثون ألفا، ابن حيان: سبعون ألفا، فَآمَنُوا عند معاينة العذاب، فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ انقضاء آجالهم. فَاسْتَفْتِهِمْ: فسل يا محمد أهل مكة أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ وذلك أن جهينة وبني سلمة بن عبد الدار زعموا أنّ الملائكة بنات الله، أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ شاهِدُونَ: حاضرون خلقنا إياهم، نظيره قوله: أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ [[سورة الزخرف: 19.]] . أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ أَصْطَفَى. قرأ العامة بقطع الألف لأنه ألف استفهام دخلت على ألف الوصل فحذفت ألف الوصل وبقيت ألف الاستفهام مفتوحة على حالها مثل أَسْتَكْبَرْتَ [[سورة ص: 75.]] وأَسْتَغْفَرْتَ [[سورة المنافقون: 6.]] وأَذْهَبْتُمْ [[سورة الأحقاف: 20.]] ونحوها. وقرأ أبو جعفر ونافع في بعض الروايات (الكاذبون اصطفى) موصولة على الخبر والحكاية عن قول المشركين، مجازه: لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ ويقولون أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ ثم رجع إلى الخطاب: ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ أَفَلا تَذَكَّرُونَ أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ: برهان بيّن على أنّ الله ولدا فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً : فجعلوا الملائكة بنات الله، فسمّي الملائكة جنّا لاختبائهم عن الأبصار، هذا قول مجاهد وقتادة، وقال ابن عباس: قالوا لحيّ: من الملائكة- يقال لهم: الجنّ ومنهم إبليس- بنات الله. قال الكلبي: قالوا (لعنهم الله) : بل تزوّج من الجن فخرج منها الملائكة، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وقال الحسن: أشركوا الشيطان في عبادة الله فهو النسب الذي جعلوه. وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ يعني قائلي هذا القول لَمُحْضَرُونَ في النار. سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ فإنهم من النار ناجون. فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ يعني الأصنام ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ أي مع ذلك بِفاتِنِينَ: بمضلّين إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ أي إلّا من هو في علم الله وإرادته سيدخل النار. أخبرني ابن فنجويه قال حدّثنا ابن شنبه قال: حدّثنا الفربابي قال: حدّثنا أبو بكر بن شنبه قال: حدّثنا عبد الله بن إدريس عن عمر بن ذر قال: قدمنا على عمر بن عبد العزيز فذكر عنده القدر، فقال عمر بن عبد العزيز: لو أراد الله ألّا يعصى ما خلق إبليس وهو رأس الخطيئة، وإن في ذلك لعلما من كتاب الله، وجهله من جهله وعرفه من عرفه، ثم قرأ فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ، وقد فصلت هذه الآية بين الناس. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شنبه قال: حدّثنا الفربابي قال: حدّثنا إسحاق بن موسى الأنصاري قال: حدّثنا أنس بن عياض قال: حدّثني أبو سهيل نافع بن مالك بن أبي عامر قال: قال لي عمر بن عبد العزيز (من فيه إلى أذني) : ما تقول في الذين يقولون لا قدر؟ قال: أرى أن يستتابوا، فإن تابوا وإلّا ضربت أعناقهم. قال عمر بن عبد العزيز: ذلك الرأي فيهم والله لو لم يكن إلّا هذه الآية الواحدة لكفى بها: فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ. ما مِنَّا إِلَّا لَهُ يعني إلّا من له مَقامٌ مَعْلُومٌ: مكان مخصوص في العبادة. قال ابن عباس: ما في السماوات موضع شبر إلّا وعليه ملك مصلّ أو مسبح، وقال أبو بكر: الوراق: إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ يعبد الله عليه، كالخوف والرجا، والمحبة والرضا، وقال السدي: يعني في القربى والمشاهدة. وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ في الصلاة، وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ وَإِنْ كانُوا وقد كادوا يعني أهل مكة لَيَقُولُونَ لام التأكيد: لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الْأَوَّلِينَ: كتابا مثل كتبهم، لَكُنَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ فَكَفَرُوا بِهِ فيه اختصار تقديره: فلما أتاهم ذلك الكتاب كفروا به. نظيره قوله: أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ [[سورة الأنعام: 157.]] . فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ، وهذا وعيد لهم. وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ، وهي قوله: كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي [[سورة المجادلة: 21.]] . إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ قال ابن عباس: يعني الموت، وقال مجاهد: يعني يوم بدر، وقيل: إلى يوم القيامة، وقال مقاتل بن حيان: نسختها آية القتال. وَأَبْصِرْهُمْ. أنظر إليهم إذا عدوا، وقيل: أبصر حالهم بقليل، وقيل: انتظرهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ما أنكروا: أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ وذلك أنّ رسول الله (عليه السلام) لما أوعدهم العذاب، قالوا: مَتى هذَا الْوَعْدُ؟ فأنزل الله سبحانه هذه الآية. فَإِذا نَزَلَ العذاب بِساحَتِهِمْ: بناحيتهم وفنائهم فَساءَ: فبئس صَباحُ الْمُنْذَرِينَ: الكافرين. أخبرنا أبو عبد الله بن محمد بن عبد الله الزاهد قال: أخبرنا أبو العباس السراح قال: حدّثنا محمد بن رافع قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمّر عن قتادة عن أنس في قوله: فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ قال: لما أتى النبي صلّى الله عليه خيبر فوجدهم حين خرجوا إلى زرعهم ومعهم مساحيهم، فلما رأوه ومعه الجيش نكصوا، فرجعوا إلى حصنهم، فقال النبي عليه السلام: «الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ» [104] [[كتاب المسند للشافعي: 318.]] . وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ تأكيد للأولى. سُبْحانَ رَبِّكَ- إلى آخر السورة- أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا عمر بن الخطاب قال: حدّثنا أبو مسلم: حدّثنا محمد بن إسماعيل بن محمد بن أسد بن عبد الله الأصفهاني قال: حدّثنا أسيد بن عاصم قال: حدّثنا أبو سفيان بن صالح بن مهران قال: حدّثنا نعمان قال: حدّثنا أبو العوام عن قتادة عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلّى الله عليه: «إذا سلمتم عليّ فسلّموا على المرسلين فإنما أنا رسول من المرسلين» [[جامع البيان للطبري: 23/ 139.]] [105] . قال أبو العوام: كان قتادة يذكر هذا الحديث إذا تلا هذه الآية: سُبْحانَ رَبِّكَ إلى آخر السورة. وأخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا موسى بن محمد قال: حدّثنا الحسن بن علوية قال: حدّثنا إسماعيل بن عيسى قال: حدّثنا المسيب قال: حدّثنا مطرف عن أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري قال: كان رسول الله صلّى الله عليه يقول قبل أن يسلّم: سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [[مجمع الزوائد: 10/ 103.]] . وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا أحمد بن جعفر بن حمدان قال: حدّثنا إبراهيم بن سهلويه قال: حدّثنا علي بن محمد الطنافسي قال: حدّثنا وكيع عن ثابت بن أبي صفية عن الأصبغ بن نباتة عن علي رضي الله عنه قال: «من أحبّ أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة، فليكن آخر كلامه من مجلسه سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ» [106] [[الأذكار النووية: 299 ح 889.]] . [أخبرنا ابن فنجويه، أخبرنا الحسن المخلدي المقرئ عن أبي الحسن علي بن أحمد عن أبي [عثمان] البصري عن أبي خليفة [الجمحي عن] عبد المؤمن عن إبراهيم بن إسحاق [عن عبد الصمد] عن صالح بن مسافر قال: قرأت على عاصم بن أبي النجود سورة والصافات فلما أتيت على آخرها سكت، فقال: لم؟ اقرأ. فقلت: قد ختمت، قال إني فعلت كما فعلت على أبي عبد الرحمن السلمي، فقال أبو عبد الرحمن: كذلك قال لي عليّ وقال لي: قل: آذنتكم بأذانة المرسلين ولتسئلن عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ [[هكذا وجد هذا الخبر في هامش المخطوط.]] .

الصافات 37:164

وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إِذْ أَبَقَ . هرب إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ، قال ابن عباس ووهب: كان يونس (عليه السلام) قد وعد قومه العذاب فلما تأخر العذاب عنهم خرج كالمنشور [[كذا في المخطوط.]] منهم، فقصد البحر وركب السفينة، فاحتبست السفينة، فقال الملّاحون: هاهنا عبد أبق من سيّده، وهذا رسم السفينة إذا كان فيه آبق لا تجري. فاقترعوا، فوقعت القرعة على يونس، فقالوا: ألا نلقيه في الماء؟ واقترعوا ثانيا وثالثا فوقعت القرعة على يونس، فقال: «أنا الآبق» وزجّ نفسه في الماء، فذلك قوله سبحانه: فَساهَمَ : فقارع، والمساهمة: إلقاء السهام على جهة القرعة. فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ المقروعين المخلوعين المغلوبين. فَالْتَقَمَهُ: فابتلعه والتقمه الْحُوتُ وأوحى الله سبحانه إليه أنّي جعلت بطنك سجنا ولم أجعله لك طعاما، وَهُوَ مُلِيمٌ مذنب، قد أتى بما يلام عليه. فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ المنزّهين الذاكرين لله سبحانه قبل ذلك في حال الرخاء، وقال ابن عباس: من المصلين، وقال مقاتل: من المصلحين المطيعين قبل المعصية، وقال وهب: من العابدين، وقال سعيد بن جبير: يعني قوله لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [[سورة الأنبياء: 87.]] وقال الحسن: ما كانت له صلاة في بطن الحوت ولكنه قدم عملا صالحا، لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ لصار بطن الحوت قبرا له إلى يوم القيامة. فَنَبَذْناهُ: طرحناه بِالْعَراءِ قال الكلبي: يعني وجه الأرض. مقاتل بن حيان: يعني ظهر الأرض. مقاتل بن سليمان بالبراري من الأرض. الأخفش بالفناء الفراء بالأرض الواسعة. السدّي: بالساحل، وأصل العراء الأرض الخالية عن الشجر والنّبات، ومنه قيل للمتجرد: عريان. قال الشاعر: [ترك الهام ... بالعراء ... صار للخير حاصر العبقا] [[هكذا في الأصل.]] وَهُوَ سَقِيمٌ عليل كالفرخ الممغط، واختلفوا في المدة التي لبث يونس (عليه السلام) في بطن الحوت، فقال مقاتل بن حيان: ثلاثة أيام. عطاء: سبعة أيام، ضحاك: عشرين يوما. السدي والكلبي ومقاتل بن سليمان: أربعين يوما. وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ أي له، وقيل: عنده، كقوله: لَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ» أي عندي شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ قال ابن مسعود: يعني القرع. ابن عباس والحسن ومقاتل هو كل نبت يمتد وينبسط على وجه الأرض، ولا يبقى على الشتاء وليس له ساق نحو القثاء والبطيخ والقرع والحنظل. سعيد ابن جبير: هو كل شيء ينبت ثمّ يموت من عامه، وقيل: هو يفعيل من (قطن بالمكان) إذا أقام به إقامة زائل لا إقامة ثابت، وقال مقاتل بن حيان: وكان يستظل بالشجرة، وكانت وعلة تختلف إليه فيشرب من لبنها، وَأَرْسَلْناهُ يجوز أن يكون من حبسه في بطن الحوت، تقدير الآية وقد أرسلناه، ويجوز أن يكون بعده، ويجوز أن يكون إلى قوم آخرين. إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ قال ابن عباس: معناه ويزيدون، قال الشاعر: فلما اشتد أمر الحرب فينا ... تأملنا رياحا أو رزاما [[تفسير القرطبي: 14/ 299.]] أي ورزاما، وقال مقاتل: بل يزيدون. واختلفوا في مبلغ الزيادة على مائة ألف فقال ابن عباس ومقاتل: عشرون ألف. الحسن والربيع: بضع وثلاثون ألفا، ابن حيان: سبعون ألفا، فَآمَنُوا عند معاينة العذاب، فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ انقضاء آجالهم. فَاسْتَفْتِهِمْ: فسل يا محمد أهل مكة أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ وذلك أن جهينة وبني سلمة بن عبد الدار زعموا أنّ الملائكة بنات الله، أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ شاهِدُونَ: حاضرون خلقنا إياهم، نظيره قوله: أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ [[سورة الزخرف: 19.]] . أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ أَصْطَفَى. قرأ العامة بقطع الألف لأنه ألف استفهام دخلت على ألف الوصل فحذفت ألف الوصل وبقيت ألف الاستفهام مفتوحة على حالها مثل أَسْتَكْبَرْتَ [[سورة ص: 75.]] وأَسْتَغْفَرْتَ [[سورة المنافقون: 6.]] وأَذْهَبْتُمْ [[سورة الأحقاف: 20.]] ونحوها. وقرأ أبو جعفر ونافع في بعض الروايات (الكاذبون اصطفى) موصولة على الخبر والحكاية عن قول المشركين، مجازه: لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ ويقولون أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ ثم رجع إلى الخطاب: ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ أَفَلا تَذَكَّرُونَ أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ: برهان بيّن على أنّ الله ولدا فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً : فجعلوا الملائكة بنات الله، فسمّي الملائكة جنّا لاختبائهم عن الأبصار، هذا قول مجاهد وقتادة، وقال ابن عباس: قالوا لحيّ: من الملائكة- يقال لهم: الجنّ ومنهم إبليس- بنات الله. قال الكلبي: قالوا (لعنهم الله) : بل تزوّج من الجن فخرج منها الملائكة، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وقال الحسن: أشركوا الشيطان في عبادة الله فهو النسب الذي جعلوه. وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ يعني قائلي هذا القول لَمُحْضَرُونَ في النار. سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ فإنهم من النار ناجون. فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ يعني الأصنام ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ أي مع ذلك بِفاتِنِينَ: بمضلّين إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ أي إلّا من هو في علم الله وإرادته سيدخل النار. أخبرني ابن فنجويه قال حدّثنا ابن شنبه قال: حدّثنا الفربابي قال: حدّثنا أبو بكر بن شنبه قال: حدّثنا عبد الله بن إدريس عن عمر بن ذر قال: قدمنا على عمر بن عبد العزيز فذكر عنده القدر، فقال عمر بن عبد العزيز: لو أراد الله ألّا يعصى ما خلق إبليس وهو رأس الخطيئة، وإن في ذلك لعلما من كتاب الله، وجهله من جهله وعرفه من عرفه، ثم قرأ فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ، وقد فصلت هذه الآية بين الناس. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شنبه قال: حدّثنا الفربابي قال: حدّثنا إسحاق بن موسى الأنصاري قال: حدّثنا أنس بن عياض قال: حدّثني أبو سهيل نافع بن مالك بن أبي عامر قال: قال لي عمر بن عبد العزيز (من فيه إلى أذني) : ما تقول في الذين يقولون لا قدر؟ قال: أرى أن يستتابوا، فإن تابوا وإلّا ضربت أعناقهم. قال عمر بن عبد العزيز: ذلك الرأي فيهم والله لو لم يكن إلّا هذه الآية الواحدة لكفى بها: فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ. ما مِنَّا إِلَّا لَهُ يعني إلّا من له مَقامٌ مَعْلُومٌ: مكان مخصوص في العبادة. قال ابن عباس: ما في السماوات موضع شبر إلّا وعليه ملك مصلّ أو مسبح، وقال أبو بكر: الوراق: إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ يعبد الله عليه، كالخوف والرجا، والمحبة والرضا، وقال السدي: يعني في القربى والمشاهدة. وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ في الصلاة، وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ وَإِنْ كانُوا وقد كادوا يعني أهل مكة لَيَقُولُونَ لام التأكيد: لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الْأَوَّلِينَ: كتابا مثل كتبهم، لَكُنَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ فَكَفَرُوا بِهِ فيه اختصار تقديره: فلما أتاهم ذلك الكتاب كفروا به. نظيره قوله: أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ [[سورة الأنعام: 157.]] . فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ، وهذا وعيد لهم. وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ، وهي قوله: كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي [[سورة المجادلة: 21.]] . إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ قال ابن عباس: يعني الموت، وقال مجاهد: يعني يوم بدر، وقيل: إلى يوم القيامة، وقال مقاتل بن حيان: نسختها آية القتال. وَأَبْصِرْهُمْ. أنظر إليهم إذا عدوا، وقيل: أبصر حالهم بقليل، وقيل: انتظرهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ما أنكروا: أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ وذلك أنّ رسول الله (عليه السلام) لما أوعدهم العذاب، قالوا: مَتى هذَا الْوَعْدُ؟ فأنزل الله سبحانه هذه الآية. فَإِذا نَزَلَ العذاب بِساحَتِهِمْ: بناحيتهم وفنائهم فَساءَ: فبئس صَباحُ الْمُنْذَرِينَ: الكافرين. أخبرنا أبو عبد الله بن محمد بن عبد الله الزاهد قال: أخبرنا أبو العباس السراح قال: حدّثنا محمد بن رافع قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمّر عن قتادة عن أنس في قوله: فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ قال: لما أتى النبي صلّى الله عليه خيبر فوجدهم حين خرجوا إلى زرعهم ومعهم مساحيهم، فلما رأوه ومعه الجيش نكصوا، فرجعوا إلى حصنهم، فقال النبي عليه السلام: «الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ» [104] [[كتاب المسند للشافعي: 318.]] . وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ تأكيد للأولى. سُبْحانَ رَبِّكَ- إلى آخر السورة- أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا عمر بن الخطاب قال: حدّثنا أبو مسلم: حدّثنا محمد بن إسماعيل بن محمد بن أسد بن عبد الله الأصفهاني قال: حدّثنا أسيد بن عاصم قال: حدّثنا أبو سفيان بن صالح بن مهران قال: حدّثنا نعمان قال: حدّثنا أبو العوام عن قتادة عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلّى الله عليه: «إذا سلمتم عليّ فسلّموا على المرسلين فإنما أنا رسول من المرسلين» [[جامع البيان للطبري: 23/ 139.]] [105] . قال أبو العوام: كان قتادة يذكر هذا الحديث إذا تلا هذه الآية: سُبْحانَ رَبِّكَ إلى آخر السورة. وأخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا موسى بن محمد قال: حدّثنا الحسن بن علوية قال: حدّثنا إسماعيل بن عيسى قال: حدّثنا المسيب قال: حدّثنا مطرف عن أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري قال: كان رسول الله صلّى الله عليه يقول قبل أن يسلّم: سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [[مجمع الزوائد: 10/ 103.]] . وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا أحمد بن جعفر بن حمدان قال: حدّثنا إبراهيم بن سهلويه قال: حدّثنا علي بن محمد الطنافسي قال: حدّثنا وكيع عن ثابت بن أبي صفية عن الأصبغ بن نباتة عن علي رضي الله عنه قال: «من أحبّ أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة، فليكن آخر كلامه من مجلسه سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ» [106] [[الأذكار النووية: 299 ح 889.]] . [أخبرنا ابن فنجويه، أخبرنا الحسن المخلدي المقرئ عن أبي الحسن علي بن أحمد عن أبي [عثمان] البصري عن أبي خليفة [الجمحي عن] عبد المؤمن عن إبراهيم بن إسحاق [عن عبد الصمد] عن صالح بن مسافر قال: قرأت على عاصم بن أبي النجود سورة والصافات فلما أتيت على آخرها سكت، فقال: لم؟ اقرأ. فقلت: قد ختمت، قال إني فعلت كما فعلت على أبي عبد الرحمن السلمي، فقال أبو عبد الرحمن: كذلك قال لي عليّ وقال لي: قل: آذنتكم بأذانة المرسلين ولتسئلن عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ [[هكذا وجد هذا الخبر في هامش المخطوط.]] .

الصافات 37:165

وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إِذْ أَبَقَ . هرب إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ، قال ابن عباس ووهب: كان يونس (عليه السلام) قد وعد قومه العذاب فلما تأخر العذاب عنهم خرج كالمنشور [[كذا في المخطوط.]] منهم، فقصد البحر وركب السفينة، فاحتبست السفينة، فقال الملّاحون: هاهنا عبد أبق من سيّده، وهذا رسم السفينة إذا كان فيه آبق لا تجري. فاقترعوا، فوقعت القرعة على يونس، فقالوا: ألا نلقيه في الماء؟ واقترعوا ثانيا وثالثا فوقعت القرعة على يونس، فقال: «أنا الآبق» وزجّ نفسه في الماء، فذلك قوله سبحانه: فَساهَمَ : فقارع، والمساهمة: إلقاء السهام على جهة القرعة. فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ المقروعين المخلوعين المغلوبين. فَالْتَقَمَهُ: فابتلعه والتقمه الْحُوتُ وأوحى الله سبحانه إليه أنّي جعلت بطنك سجنا ولم أجعله لك طعاما، وَهُوَ مُلِيمٌ مذنب، قد أتى بما يلام عليه. فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ المنزّهين الذاكرين لله سبحانه قبل ذلك في حال الرخاء، وقال ابن عباس: من المصلين، وقال مقاتل: من المصلحين المطيعين قبل المعصية، وقال وهب: من العابدين، وقال سعيد بن جبير: يعني قوله لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [[سورة الأنبياء: 87.]] وقال الحسن: ما كانت له صلاة في بطن الحوت ولكنه قدم عملا صالحا، لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ لصار بطن الحوت قبرا له إلى يوم القيامة. فَنَبَذْناهُ: طرحناه بِالْعَراءِ قال الكلبي: يعني وجه الأرض. مقاتل بن حيان: يعني ظهر الأرض. مقاتل بن سليمان بالبراري من الأرض. الأخفش بالفناء الفراء بالأرض الواسعة. السدّي: بالساحل، وأصل العراء الأرض الخالية عن الشجر والنّبات، ومنه قيل للمتجرد: عريان. قال الشاعر: [ترك الهام ... بالعراء ... صار للخير حاصر العبقا] [[هكذا في الأصل.]] وَهُوَ سَقِيمٌ عليل كالفرخ الممغط، واختلفوا في المدة التي لبث يونس (عليه السلام) في بطن الحوت، فقال مقاتل بن حيان: ثلاثة أيام. عطاء: سبعة أيام، ضحاك: عشرين يوما. السدي والكلبي ومقاتل بن سليمان: أربعين يوما. وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ أي له، وقيل: عنده، كقوله: لَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ» أي عندي شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ قال ابن مسعود: يعني القرع. ابن عباس والحسن ومقاتل هو كل نبت يمتد وينبسط على وجه الأرض، ولا يبقى على الشتاء وليس له ساق نحو القثاء والبطيخ والقرع والحنظل. سعيد ابن جبير: هو كل شيء ينبت ثمّ يموت من عامه، وقيل: هو يفعيل من (قطن بالمكان) إذا أقام به إقامة زائل لا إقامة ثابت، وقال مقاتل بن حيان: وكان يستظل بالشجرة، وكانت وعلة تختلف إليه فيشرب من لبنها، وَأَرْسَلْناهُ يجوز أن يكون من حبسه في بطن الحوت، تقدير الآية وقد أرسلناه، ويجوز أن يكون بعده، ويجوز أن يكون إلى قوم آخرين. إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ قال ابن عباس: معناه ويزيدون، قال الشاعر: فلما اشتد أمر الحرب فينا ... تأملنا رياحا أو رزاما [[تفسير القرطبي: 14/ 299.]] أي ورزاما، وقال مقاتل: بل يزيدون. واختلفوا في مبلغ الزيادة على مائة ألف فقال ابن عباس ومقاتل: عشرون ألف. الحسن والربيع: بضع وثلاثون ألفا، ابن حيان: سبعون ألفا، فَآمَنُوا عند معاينة العذاب، فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ انقضاء آجالهم. فَاسْتَفْتِهِمْ: فسل يا محمد أهل مكة أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ وذلك أن جهينة وبني سلمة بن عبد الدار زعموا أنّ الملائكة بنات الله، أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ شاهِدُونَ: حاضرون خلقنا إياهم، نظيره قوله: أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ [[سورة الزخرف: 19.]] . أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ أَصْطَفَى. قرأ العامة بقطع الألف لأنه ألف استفهام دخلت على ألف الوصل فحذفت ألف الوصل وبقيت ألف الاستفهام مفتوحة على حالها مثل أَسْتَكْبَرْتَ [[سورة ص: 75.]] وأَسْتَغْفَرْتَ [[سورة المنافقون: 6.]] وأَذْهَبْتُمْ [[سورة الأحقاف: 20.]] ونحوها. وقرأ أبو جعفر ونافع في بعض الروايات (الكاذبون اصطفى) موصولة على الخبر والحكاية عن قول المشركين، مجازه: لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ ويقولون أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ ثم رجع إلى الخطاب: ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ أَفَلا تَذَكَّرُونَ أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ: برهان بيّن على أنّ الله ولدا فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً : فجعلوا الملائكة بنات الله، فسمّي الملائكة جنّا لاختبائهم عن الأبصار، هذا قول مجاهد وقتادة، وقال ابن عباس: قالوا لحيّ: من الملائكة- يقال لهم: الجنّ ومنهم إبليس- بنات الله. قال الكلبي: قالوا (لعنهم الله) : بل تزوّج من الجن فخرج منها الملائكة، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وقال الحسن: أشركوا الشيطان في عبادة الله فهو النسب الذي جعلوه. وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ يعني قائلي هذا القول لَمُحْضَرُونَ في النار. سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ فإنهم من النار ناجون. فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ يعني الأصنام ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ أي مع ذلك بِفاتِنِينَ: بمضلّين إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ أي إلّا من هو في علم الله وإرادته سيدخل النار. أخبرني ابن فنجويه قال حدّثنا ابن شنبه قال: حدّثنا الفربابي قال: حدّثنا أبو بكر بن شنبه قال: حدّثنا عبد الله بن إدريس عن عمر بن ذر قال: قدمنا على عمر بن عبد العزيز فذكر عنده القدر، فقال عمر بن عبد العزيز: لو أراد الله ألّا يعصى ما خلق إبليس وهو رأس الخطيئة، وإن في ذلك لعلما من كتاب الله، وجهله من جهله وعرفه من عرفه، ثم قرأ فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ، وقد فصلت هذه الآية بين الناس. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شنبه قال: حدّثنا الفربابي قال: حدّثنا إسحاق بن موسى الأنصاري قال: حدّثنا أنس بن عياض قال: حدّثني أبو سهيل نافع بن مالك بن أبي عامر قال: قال لي عمر بن عبد العزيز (من فيه إلى أذني) : ما تقول في الذين يقولون لا قدر؟ قال: أرى أن يستتابوا، فإن تابوا وإلّا ضربت أعناقهم. قال عمر بن عبد العزيز: ذلك الرأي فيهم والله لو لم يكن إلّا هذه الآية الواحدة لكفى بها: فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ. ما مِنَّا إِلَّا لَهُ يعني إلّا من له مَقامٌ مَعْلُومٌ: مكان مخصوص في العبادة. قال ابن عباس: ما في السماوات موضع شبر إلّا وعليه ملك مصلّ أو مسبح، وقال أبو بكر: الوراق: إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ يعبد الله عليه، كالخوف والرجا، والمحبة والرضا، وقال السدي: يعني في القربى والمشاهدة. وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ في الصلاة، وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ وَإِنْ كانُوا وقد كادوا يعني أهل مكة لَيَقُولُونَ لام التأكيد: لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الْأَوَّلِينَ: كتابا مثل كتبهم، لَكُنَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ فَكَفَرُوا بِهِ فيه اختصار تقديره: فلما أتاهم ذلك الكتاب كفروا به. نظيره قوله: أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ [[سورة الأنعام: 157.]] . فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ، وهذا وعيد لهم. وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ، وهي قوله: كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي [[سورة المجادلة: 21.]] . إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ قال ابن عباس: يعني الموت، وقال مجاهد: يعني يوم بدر، وقيل: إلى يوم القيامة، وقال مقاتل بن حيان: نسختها آية القتال. وَأَبْصِرْهُمْ. أنظر إليهم إذا عدوا، وقيل: أبصر حالهم بقليل، وقيل: انتظرهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ما أنكروا: أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ وذلك أنّ رسول الله (عليه السلام) لما أوعدهم العذاب، قالوا: مَتى هذَا الْوَعْدُ؟ فأنزل الله سبحانه هذه الآية. فَإِذا نَزَلَ العذاب بِساحَتِهِمْ: بناحيتهم وفنائهم فَساءَ: فبئس صَباحُ الْمُنْذَرِينَ: الكافرين. أخبرنا أبو عبد الله بن محمد بن عبد الله الزاهد قال: أخبرنا أبو العباس السراح قال: حدّثنا محمد بن رافع قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمّر عن قتادة عن أنس في قوله: فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ قال: لما أتى النبي صلّى الله عليه خيبر فوجدهم حين خرجوا إلى زرعهم ومعهم مساحيهم، فلما رأوه ومعه الجيش نكصوا، فرجعوا إلى حصنهم، فقال النبي عليه السلام: «الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ» [104] [[كتاب المسند للشافعي: 318.]] . وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ تأكيد للأولى. سُبْحانَ رَبِّكَ- إلى آخر السورة- أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا عمر بن الخطاب قال: حدّثنا أبو مسلم: حدّثنا محمد بن إسماعيل بن محمد بن أسد بن عبد الله الأصفهاني قال: حدّثنا أسيد بن عاصم قال: حدّثنا أبو سفيان بن صالح بن مهران قال: حدّثنا نعمان قال: حدّثنا أبو العوام عن قتادة عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلّى الله عليه: «إذا سلمتم عليّ فسلّموا على المرسلين فإنما أنا رسول من المرسلين» [[جامع البيان للطبري: 23/ 139.]] [105] . قال أبو العوام: كان قتادة يذكر هذا الحديث إذا تلا هذه الآية: سُبْحانَ رَبِّكَ إلى آخر السورة. وأخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا موسى بن محمد قال: حدّثنا الحسن بن علوية قال: حدّثنا إسماعيل بن عيسى قال: حدّثنا المسيب قال: حدّثنا مطرف عن أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري قال: كان رسول الله صلّى الله عليه يقول قبل أن يسلّم: سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [[مجمع الزوائد: 10/ 103.]] . وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا أحمد بن جعفر بن حمدان قال: حدّثنا إبراهيم بن سهلويه قال: حدّثنا علي بن محمد الطنافسي قال: حدّثنا وكيع عن ثابت بن أبي صفية عن الأصبغ بن نباتة عن علي رضي الله عنه قال: «من أحبّ أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة، فليكن آخر كلامه من مجلسه سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ» [106] [[الأذكار النووية: 299 ح 889.]] . [أخبرنا ابن فنجويه، أخبرنا الحسن المخلدي المقرئ عن أبي الحسن علي بن أحمد عن أبي [عثمان] البصري عن أبي خليفة [الجمحي عن] عبد المؤمن عن إبراهيم بن إسحاق [عن عبد الصمد] عن صالح بن مسافر قال: قرأت على عاصم بن أبي النجود سورة والصافات فلما أتيت على آخرها سكت، فقال: لم؟ اقرأ. فقلت: قد ختمت، قال إني فعلت كما فعلت على أبي عبد الرحمن السلمي، فقال أبو عبد الرحمن: كذلك قال لي عليّ وقال لي: قل: آذنتكم بأذانة المرسلين ولتسئلن عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ [[هكذا وجد هذا الخبر في هامش المخطوط.]] .

الصافات 37:166

وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إِذْ أَبَقَ . هرب إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ، قال ابن عباس ووهب: كان يونس (عليه السلام) قد وعد قومه العذاب فلما تأخر العذاب عنهم خرج كالمنشور [[كذا في المخطوط.]] منهم، فقصد البحر وركب السفينة، فاحتبست السفينة، فقال الملّاحون: هاهنا عبد أبق من سيّده، وهذا رسم السفينة إذا كان فيه آبق لا تجري. فاقترعوا، فوقعت القرعة على يونس، فقالوا: ألا نلقيه في الماء؟ واقترعوا ثانيا وثالثا فوقعت القرعة على يونس، فقال: «أنا الآبق» وزجّ نفسه في الماء، فذلك قوله سبحانه: فَساهَمَ : فقارع، والمساهمة: إلقاء السهام على جهة القرعة. فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ المقروعين المخلوعين المغلوبين. فَالْتَقَمَهُ: فابتلعه والتقمه الْحُوتُ وأوحى الله سبحانه إليه أنّي جعلت بطنك سجنا ولم أجعله لك طعاما، وَهُوَ مُلِيمٌ مذنب، قد أتى بما يلام عليه. فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ المنزّهين الذاكرين لله سبحانه قبل ذلك في حال الرخاء، وقال ابن عباس: من المصلين، وقال مقاتل: من المصلحين المطيعين قبل المعصية، وقال وهب: من العابدين، وقال سعيد بن جبير: يعني قوله لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [[سورة الأنبياء: 87.]] وقال الحسن: ما كانت له صلاة في بطن الحوت ولكنه قدم عملا صالحا، لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ لصار بطن الحوت قبرا له إلى يوم القيامة. فَنَبَذْناهُ: طرحناه بِالْعَراءِ قال الكلبي: يعني وجه الأرض. مقاتل بن حيان: يعني ظهر الأرض. مقاتل بن سليمان بالبراري من الأرض. الأخفش بالفناء الفراء بالأرض الواسعة. السدّي: بالساحل، وأصل العراء الأرض الخالية عن الشجر والنّبات، ومنه قيل للمتجرد: عريان. قال الشاعر: [ترك الهام ... بالعراء ... صار للخير حاصر العبقا] [[هكذا في الأصل.]] وَهُوَ سَقِيمٌ عليل كالفرخ الممغط، واختلفوا في المدة التي لبث يونس (عليه السلام) في بطن الحوت، فقال مقاتل بن حيان: ثلاثة أيام. عطاء: سبعة أيام، ضحاك: عشرين يوما. السدي والكلبي ومقاتل بن سليمان: أربعين يوما. وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ أي له، وقيل: عنده، كقوله: لَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ» أي عندي شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ قال ابن مسعود: يعني القرع. ابن عباس والحسن ومقاتل هو كل نبت يمتد وينبسط على وجه الأرض، ولا يبقى على الشتاء وليس له ساق نحو القثاء والبطيخ والقرع والحنظل. سعيد ابن جبير: هو كل شيء ينبت ثمّ يموت من عامه، وقيل: هو يفعيل من (قطن بالمكان) إذا أقام به إقامة زائل لا إقامة ثابت، وقال مقاتل بن حيان: وكان يستظل بالشجرة، وكانت وعلة تختلف إليه فيشرب من لبنها، وَأَرْسَلْناهُ يجوز أن يكون من حبسه في بطن الحوت، تقدير الآية وقد أرسلناه، ويجوز أن يكون بعده، ويجوز أن يكون إلى قوم آخرين. إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ قال ابن عباس: معناه ويزيدون، قال الشاعر: فلما اشتد أمر الحرب فينا ... تأملنا رياحا أو رزاما [[تفسير القرطبي: 14/ 299.]] أي ورزاما، وقال مقاتل: بل يزيدون. واختلفوا في مبلغ الزيادة على مائة ألف فقال ابن عباس ومقاتل: عشرون ألف. الحسن والربيع: بضع وثلاثون ألفا، ابن حيان: سبعون ألفا، فَآمَنُوا عند معاينة العذاب، فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ انقضاء آجالهم. فَاسْتَفْتِهِمْ: فسل يا محمد أهل مكة أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ وذلك أن جهينة وبني سلمة بن عبد الدار زعموا أنّ الملائكة بنات الله، أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ شاهِدُونَ: حاضرون خلقنا إياهم، نظيره قوله: أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ [[سورة الزخرف: 19.]] . أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ أَصْطَفَى. قرأ العامة بقطع الألف لأنه ألف استفهام دخلت على ألف الوصل فحذفت ألف الوصل وبقيت ألف الاستفهام مفتوحة على حالها مثل أَسْتَكْبَرْتَ [[سورة ص: 75.]] وأَسْتَغْفَرْتَ [[سورة المنافقون: 6.]] وأَذْهَبْتُمْ [[سورة الأحقاف: 20.]] ونحوها. وقرأ أبو جعفر ونافع في بعض الروايات (الكاذبون اصطفى) موصولة على الخبر والحكاية عن قول المشركين، مجازه: لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ ويقولون أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ ثم رجع إلى الخطاب: ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ أَفَلا تَذَكَّرُونَ أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ: برهان بيّن على أنّ الله ولدا فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً : فجعلوا الملائكة بنات الله، فسمّي الملائكة جنّا لاختبائهم عن الأبصار، هذا قول مجاهد وقتادة، وقال ابن عباس: قالوا لحيّ: من الملائكة- يقال لهم: الجنّ ومنهم إبليس- بنات الله. قال الكلبي: قالوا (لعنهم الله) : بل تزوّج من الجن فخرج منها الملائكة، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وقال الحسن: أشركوا الشيطان في عبادة الله فهو النسب الذي جعلوه. وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ يعني قائلي هذا القول لَمُحْضَرُونَ في النار. سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ فإنهم من النار ناجون. فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ يعني الأصنام ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ أي مع ذلك بِفاتِنِينَ: بمضلّين إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ أي إلّا من هو في علم الله وإرادته سيدخل النار. أخبرني ابن فنجويه قال حدّثنا ابن شنبه قال: حدّثنا الفربابي قال: حدّثنا أبو بكر بن شنبه قال: حدّثنا عبد الله بن إدريس عن عمر بن ذر قال: قدمنا على عمر بن عبد العزيز فذكر عنده القدر، فقال عمر بن عبد العزيز: لو أراد الله ألّا يعصى ما خلق إبليس وهو رأس الخطيئة، وإن في ذلك لعلما من كتاب الله، وجهله من جهله وعرفه من عرفه، ثم قرأ فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ، وقد فصلت هذه الآية بين الناس. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شنبه قال: حدّثنا الفربابي قال: حدّثنا إسحاق بن موسى الأنصاري قال: حدّثنا أنس بن عياض قال: حدّثني أبو سهيل نافع بن مالك بن أبي عامر قال: قال لي عمر بن عبد العزيز (من فيه إلى أذني) : ما تقول في الذين يقولون لا قدر؟ قال: أرى أن يستتابوا، فإن تابوا وإلّا ضربت أعناقهم. قال عمر بن عبد العزيز: ذلك الرأي فيهم والله لو لم يكن إلّا هذه الآية الواحدة لكفى بها: فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ. ما مِنَّا إِلَّا لَهُ يعني إلّا من له مَقامٌ مَعْلُومٌ: مكان مخصوص في العبادة. قال ابن عباس: ما في السماوات موضع شبر إلّا وعليه ملك مصلّ أو مسبح، وقال أبو بكر: الوراق: إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ يعبد الله عليه، كالخوف والرجا، والمحبة والرضا، وقال السدي: يعني في القربى والمشاهدة. وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ في الصلاة، وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ وَإِنْ كانُوا وقد كادوا يعني أهل مكة لَيَقُولُونَ لام التأكيد: لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الْأَوَّلِينَ: كتابا مثل كتبهم، لَكُنَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ فَكَفَرُوا بِهِ فيه اختصار تقديره: فلما أتاهم ذلك الكتاب كفروا به. نظيره قوله: أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ [[سورة الأنعام: 157.]] . فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ، وهذا وعيد لهم. وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ، وهي قوله: كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي [[سورة المجادلة: 21.]] . إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ قال ابن عباس: يعني الموت، وقال مجاهد: يعني يوم بدر، وقيل: إلى يوم القيامة، وقال مقاتل بن حيان: نسختها آية القتال. وَأَبْصِرْهُمْ. أنظر إليهم إذا عدوا، وقيل: أبصر حالهم بقليل، وقيل: انتظرهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ما أنكروا: أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ وذلك أنّ رسول الله (عليه السلام) لما أوعدهم العذاب، قالوا: مَتى هذَا الْوَعْدُ؟ فأنزل الله سبحانه هذه الآية. فَإِذا نَزَلَ العذاب بِساحَتِهِمْ: بناحيتهم وفنائهم فَساءَ: فبئس صَباحُ الْمُنْذَرِينَ: الكافرين. أخبرنا أبو عبد الله بن محمد بن عبد الله الزاهد قال: أخبرنا أبو العباس السراح قال: حدّثنا محمد بن رافع قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمّر عن قتادة عن أنس في قوله: فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ قال: لما أتى النبي صلّى الله عليه خيبر فوجدهم حين خرجوا إلى زرعهم ومعهم مساحيهم، فلما رأوه ومعه الجيش نكصوا، فرجعوا إلى حصنهم، فقال النبي عليه السلام: «الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ» [104] [[كتاب المسند للشافعي: 318.]] . وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ تأكيد للأولى. سُبْحانَ رَبِّكَ- إلى آخر السورة- أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا عمر بن الخطاب قال: حدّثنا أبو مسلم: حدّثنا محمد بن إسماعيل بن محمد بن أسد بن عبد الله الأصفهاني قال: حدّثنا أسيد بن عاصم قال: حدّثنا أبو سفيان بن صالح بن مهران قال: حدّثنا نعمان قال: حدّثنا أبو العوام عن قتادة عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلّى الله عليه: «إذا سلمتم عليّ فسلّموا على المرسلين فإنما أنا رسول من المرسلين» [[جامع البيان للطبري: 23/ 139.]] [105] . قال أبو العوام: كان قتادة يذكر هذا الحديث إذا تلا هذه الآية: سُبْحانَ رَبِّكَ إلى آخر السورة. وأخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا موسى بن محمد قال: حدّثنا الحسن بن علوية قال: حدّثنا إسماعيل بن عيسى قال: حدّثنا المسيب قال: حدّثنا مطرف عن أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري قال: كان رسول الله صلّى الله عليه يقول قبل أن يسلّم: سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [[مجمع الزوائد: 10/ 103.]] . وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا أحمد بن جعفر بن حمدان قال: حدّثنا إبراهيم بن سهلويه قال: حدّثنا علي بن محمد الطنافسي قال: حدّثنا وكيع عن ثابت بن أبي صفية عن الأصبغ بن نباتة عن علي رضي الله عنه قال: «من أحبّ أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة، فليكن آخر كلامه من مجلسه سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ» [106] [[الأذكار النووية: 299 ح 889.]] . [أخبرنا ابن فنجويه، أخبرنا الحسن المخلدي المقرئ عن أبي الحسن علي بن أحمد عن أبي [عثمان] البصري عن أبي خليفة [الجمحي عن] عبد المؤمن عن إبراهيم بن إسحاق [عن عبد الصمد] عن صالح بن مسافر قال: قرأت على عاصم بن أبي النجود سورة والصافات فلما أتيت على آخرها سكت، فقال: لم؟ اقرأ. فقلت: قد ختمت، قال إني فعلت كما فعلت على أبي عبد الرحمن السلمي، فقال أبو عبد الرحمن: كذلك قال لي عليّ وقال لي: قل: آذنتكم بأذانة المرسلين ولتسئلن عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ [[هكذا وجد هذا الخبر في هامش المخطوط.]] .

الصافات 37:167

وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إِذْ أَبَقَ . هرب إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ، قال ابن عباس ووهب: كان يونس (عليه السلام) قد وعد قومه العذاب فلما تأخر العذاب عنهم خرج كالمنشور [[كذا في المخطوط.]] منهم، فقصد البحر وركب السفينة، فاحتبست السفينة، فقال الملّاحون: هاهنا عبد أبق من سيّده، وهذا رسم السفينة إذا كان فيه آبق لا تجري. فاقترعوا، فوقعت القرعة على يونس، فقالوا: ألا نلقيه في الماء؟ واقترعوا ثانيا وثالثا فوقعت القرعة على يونس، فقال: «أنا الآبق» وزجّ نفسه في الماء، فذلك قوله سبحانه: فَساهَمَ : فقارع، والمساهمة: إلقاء السهام على جهة القرعة. فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ المقروعين المخلوعين المغلوبين. فَالْتَقَمَهُ: فابتلعه والتقمه الْحُوتُ وأوحى الله سبحانه إليه أنّي جعلت بطنك سجنا ولم أجعله لك طعاما، وَهُوَ مُلِيمٌ مذنب، قد أتى بما يلام عليه. فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ المنزّهين الذاكرين لله سبحانه قبل ذلك في حال الرخاء، وقال ابن عباس: من المصلين، وقال مقاتل: من المصلحين المطيعين قبل المعصية، وقال وهب: من العابدين، وقال سعيد بن جبير: يعني قوله لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [[سورة الأنبياء: 87.]] وقال الحسن: ما كانت له صلاة في بطن الحوت ولكنه قدم عملا صالحا، لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ لصار بطن الحوت قبرا له إلى يوم القيامة. فَنَبَذْناهُ: طرحناه بِالْعَراءِ قال الكلبي: يعني وجه الأرض. مقاتل بن حيان: يعني ظهر الأرض. مقاتل بن سليمان بالبراري من الأرض. الأخفش بالفناء الفراء بالأرض الواسعة. السدّي: بالساحل، وأصل العراء الأرض الخالية عن الشجر والنّبات، ومنه قيل للمتجرد: عريان. قال الشاعر: [ترك الهام ... بالعراء ... صار للخير حاصر العبقا] [[هكذا في الأصل.]] وَهُوَ سَقِيمٌ عليل كالفرخ الممغط، واختلفوا في المدة التي لبث يونس (عليه السلام) في بطن الحوت، فقال مقاتل بن حيان: ثلاثة أيام. عطاء: سبعة أيام، ضحاك: عشرين يوما. السدي والكلبي ومقاتل بن سليمان: أربعين يوما. وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ أي له، وقيل: عنده، كقوله: لَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ» أي عندي شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ قال ابن مسعود: يعني القرع. ابن عباس والحسن ومقاتل هو كل نبت يمتد وينبسط على وجه الأرض، ولا يبقى على الشتاء وليس له ساق نحو القثاء والبطيخ والقرع والحنظل. سعيد ابن جبير: هو كل شيء ينبت ثمّ يموت من عامه، وقيل: هو يفعيل من (قطن بالمكان) إذا أقام به إقامة زائل لا إقامة ثابت، وقال مقاتل بن حيان: وكان يستظل بالشجرة، وكانت وعلة تختلف إليه فيشرب من لبنها، وَأَرْسَلْناهُ يجوز أن يكون من حبسه في بطن الحوت، تقدير الآية وقد أرسلناه، ويجوز أن يكون بعده، ويجوز أن يكون إلى قوم آخرين. إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ قال ابن عباس: معناه ويزيدون، قال الشاعر: فلما اشتد أمر الحرب فينا ... تأملنا رياحا أو رزاما [[تفسير القرطبي: 14/ 299.]] أي ورزاما، وقال مقاتل: بل يزيدون. واختلفوا في مبلغ الزيادة على مائة ألف فقال ابن عباس ومقاتل: عشرون ألف. الحسن والربيع: بضع وثلاثون ألفا، ابن حيان: سبعون ألفا، فَآمَنُوا عند معاينة العذاب، فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ انقضاء آجالهم. فَاسْتَفْتِهِمْ: فسل يا محمد أهل مكة أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ وذلك أن جهينة وبني سلمة بن عبد الدار زعموا أنّ الملائكة بنات الله، أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ شاهِدُونَ: حاضرون خلقنا إياهم، نظيره قوله: أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ [[سورة الزخرف: 19.]] . أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ أَصْطَفَى. قرأ العامة بقطع الألف لأنه ألف استفهام دخلت على ألف الوصل فحذفت ألف الوصل وبقيت ألف الاستفهام مفتوحة على حالها مثل أَسْتَكْبَرْتَ [[سورة ص: 75.]] وأَسْتَغْفَرْتَ [[سورة المنافقون: 6.]] وأَذْهَبْتُمْ [[سورة الأحقاف: 20.]] ونحوها. وقرأ أبو جعفر ونافع في بعض الروايات (الكاذبون اصطفى) موصولة على الخبر والحكاية عن قول المشركين، مجازه: لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ ويقولون أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ ثم رجع إلى الخطاب: ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ أَفَلا تَذَكَّرُونَ أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ: برهان بيّن على أنّ الله ولدا فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً : فجعلوا الملائكة بنات الله، فسمّي الملائكة جنّا لاختبائهم عن الأبصار، هذا قول مجاهد وقتادة، وقال ابن عباس: قالوا لحيّ: من الملائكة- يقال لهم: الجنّ ومنهم إبليس- بنات الله. قال الكلبي: قالوا (لعنهم الله) : بل تزوّج من الجن فخرج منها الملائكة، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وقال الحسن: أشركوا الشيطان في عبادة الله فهو النسب الذي جعلوه. وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ يعني قائلي هذا القول لَمُحْضَرُونَ في النار. سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ فإنهم من النار ناجون. فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ يعني الأصنام ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ أي مع ذلك بِفاتِنِينَ: بمضلّين إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ أي إلّا من هو في علم الله وإرادته سيدخل النار. أخبرني ابن فنجويه قال حدّثنا ابن شنبه قال: حدّثنا الفربابي قال: حدّثنا أبو بكر بن شنبه قال: حدّثنا عبد الله بن إدريس عن عمر بن ذر قال: قدمنا على عمر بن عبد العزيز فذكر عنده القدر، فقال عمر بن عبد العزيز: لو أراد الله ألّا يعصى ما خلق إبليس وهو رأس الخطيئة، وإن في ذلك لعلما من كتاب الله، وجهله من جهله وعرفه من عرفه، ثم قرأ فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ، وقد فصلت هذه الآية بين الناس. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شنبه قال: حدّثنا الفربابي قال: حدّثنا إسحاق بن موسى الأنصاري قال: حدّثنا أنس بن عياض قال: حدّثني أبو سهيل نافع بن مالك بن أبي عامر قال: قال لي عمر بن عبد العزيز (من فيه إلى أذني) : ما تقول في الذين يقولون لا قدر؟ قال: أرى أن يستتابوا، فإن تابوا وإلّا ضربت أعناقهم. قال عمر بن عبد العزيز: ذلك الرأي فيهم والله لو لم يكن إلّا هذه الآية الواحدة لكفى بها: فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ. ما مِنَّا إِلَّا لَهُ يعني إلّا من له مَقامٌ مَعْلُومٌ: مكان مخصوص في العبادة. قال ابن عباس: ما في السماوات موضع شبر إلّا وعليه ملك مصلّ أو مسبح، وقال أبو بكر: الوراق: إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ يعبد الله عليه، كالخوف والرجا، والمحبة والرضا، وقال السدي: يعني في القربى والمشاهدة. وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ في الصلاة، وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ وَإِنْ كانُوا وقد كادوا يعني أهل مكة لَيَقُولُونَ لام التأكيد: لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الْأَوَّلِينَ: كتابا مثل كتبهم، لَكُنَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ فَكَفَرُوا بِهِ فيه اختصار تقديره: فلما أتاهم ذلك الكتاب كفروا به. نظيره قوله: أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ [[سورة الأنعام: 157.]] . فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ، وهذا وعيد لهم. وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ، وهي قوله: كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي [[سورة المجادلة: 21.]] . إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ قال ابن عباس: يعني الموت، وقال مجاهد: يعني يوم بدر، وقيل: إلى يوم القيامة، وقال مقاتل بن حيان: نسختها آية القتال. وَأَبْصِرْهُمْ. أنظر إليهم إذا عدوا، وقيل: أبصر حالهم بقليل، وقيل: انتظرهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ما أنكروا: أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ وذلك أنّ رسول الله (عليه السلام) لما أوعدهم العذاب، قالوا: مَتى هذَا الْوَعْدُ؟ فأنزل الله سبحانه هذه الآية. فَإِذا نَزَلَ العذاب بِساحَتِهِمْ: بناحيتهم وفنائهم فَساءَ: فبئس صَباحُ الْمُنْذَرِينَ: الكافرين. أخبرنا أبو عبد الله بن محمد بن عبد الله الزاهد قال: أخبرنا أبو العباس السراح قال: حدّثنا محمد بن رافع قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمّر عن قتادة عن أنس في قوله: فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ قال: لما أتى النبي صلّى الله عليه خيبر فوجدهم حين خرجوا إلى زرعهم ومعهم مساحيهم، فلما رأوه ومعه الجيش نكصوا، فرجعوا إلى حصنهم، فقال النبي عليه السلام: «الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ» [104] [[كتاب المسند للشافعي: 318.]] . وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ تأكيد للأولى. سُبْحانَ رَبِّكَ- إلى آخر السورة- أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا عمر بن الخطاب قال: حدّثنا أبو مسلم: حدّثنا محمد بن إسماعيل بن محمد بن أسد بن عبد الله الأصفهاني قال: حدّثنا أسيد بن عاصم قال: حدّثنا أبو سفيان بن صالح بن مهران قال: حدّثنا نعمان قال: حدّثنا أبو العوام عن قتادة عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلّى الله عليه: «إذا سلمتم عليّ فسلّموا على المرسلين فإنما أنا رسول من المرسلين» [[جامع البيان للطبري: 23/ 139.]] [105] . قال أبو العوام: كان قتادة يذكر هذا الحديث إذا تلا هذه الآية: سُبْحانَ رَبِّكَ إلى آخر السورة. وأخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا موسى بن محمد قال: حدّثنا الحسن بن علوية قال: حدّثنا إسماعيل بن عيسى قال: حدّثنا المسيب قال: حدّثنا مطرف عن أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري قال: كان رسول الله صلّى الله عليه يقول قبل أن يسلّم: سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [[مجمع الزوائد: 10/ 103.]] . وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا أحمد بن جعفر بن حمدان قال: حدّثنا إبراهيم بن سهلويه قال: حدّثنا علي بن محمد الطنافسي قال: حدّثنا وكيع عن ثابت بن أبي صفية عن الأصبغ بن نباتة عن علي رضي الله عنه قال: «من أحبّ أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة، فليكن آخر كلامه من مجلسه سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ» [106] [[الأذكار النووية: 299 ح 889.]] . [أخبرنا ابن فنجويه، أخبرنا الحسن المخلدي المقرئ عن أبي الحسن علي بن أحمد عن أبي [عثمان] البصري عن أبي خليفة [الجمحي عن] عبد المؤمن عن إبراهيم بن إسحاق [عن عبد الصمد] عن صالح بن مسافر قال: قرأت على عاصم بن أبي النجود سورة والصافات فلما أتيت على آخرها سكت، فقال: لم؟ اقرأ. فقلت: قد ختمت، قال إني فعلت كما فعلت على أبي عبد الرحمن السلمي، فقال أبو عبد الرحمن: كذلك قال لي عليّ وقال لي: قل: آذنتكم بأذانة المرسلين ولتسئلن عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ [[هكذا وجد هذا الخبر في هامش المخطوط.]] .

الصافات 37:168

وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إِذْ أَبَقَ . هرب إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ، قال ابن عباس ووهب: كان يونس (عليه السلام) قد وعد قومه العذاب فلما تأخر العذاب عنهم خرج كالمنشور [[كذا في المخطوط.]] منهم، فقصد البحر وركب السفينة، فاحتبست السفينة، فقال الملّاحون: هاهنا عبد أبق من سيّده، وهذا رسم السفينة إذا كان فيه آبق لا تجري. فاقترعوا، فوقعت القرعة على يونس، فقالوا: ألا نلقيه في الماء؟ واقترعوا ثانيا وثالثا فوقعت القرعة على يونس، فقال: «أنا الآبق» وزجّ نفسه في الماء، فذلك قوله سبحانه: فَساهَمَ : فقارع، والمساهمة: إلقاء السهام على جهة القرعة. فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ المقروعين المخلوعين المغلوبين. فَالْتَقَمَهُ: فابتلعه والتقمه الْحُوتُ وأوحى الله سبحانه إليه أنّي جعلت بطنك سجنا ولم أجعله لك طعاما، وَهُوَ مُلِيمٌ مذنب، قد أتى بما يلام عليه. فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ المنزّهين الذاكرين لله سبحانه قبل ذلك في حال الرخاء، وقال ابن عباس: من المصلين، وقال مقاتل: من المصلحين المطيعين قبل المعصية، وقال وهب: من العابدين، وقال سعيد بن جبير: يعني قوله لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [[سورة الأنبياء: 87.]] وقال الحسن: ما كانت له صلاة في بطن الحوت ولكنه قدم عملا صالحا، لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ لصار بطن الحوت قبرا له إلى يوم القيامة. فَنَبَذْناهُ: طرحناه بِالْعَراءِ قال الكلبي: يعني وجه الأرض. مقاتل بن حيان: يعني ظهر الأرض. مقاتل بن سليمان بالبراري من الأرض. الأخفش بالفناء الفراء بالأرض الواسعة. السدّي: بالساحل، وأصل العراء الأرض الخالية عن الشجر والنّبات، ومنه قيل للمتجرد: عريان. قال الشاعر: [ترك الهام ... بالعراء ... صار للخير حاصر العبقا] [[هكذا في الأصل.]] وَهُوَ سَقِيمٌ عليل كالفرخ الممغط، واختلفوا في المدة التي لبث يونس (عليه السلام) في بطن الحوت، فقال مقاتل بن حيان: ثلاثة أيام. عطاء: سبعة أيام، ضحاك: عشرين يوما. السدي والكلبي ومقاتل بن سليمان: أربعين يوما. وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ أي له، وقيل: عنده، كقوله: لَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ» أي عندي شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ قال ابن مسعود: يعني القرع. ابن عباس والحسن ومقاتل هو كل نبت يمتد وينبسط على وجه الأرض، ولا يبقى على الشتاء وليس له ساق نحو القثاء والبطيخ والقرع والحنظل. سعيد ابن جبير: هو كل شيء ينبت ثمّ يموت من عامه، وقيل: هو يفعيل من (قطن بالمكان) إذا أقام به إقامة زائل لا إقامة ثابت، وقال مقاتل بن حيان: وكان يستظل بالشجرة، وكانت وعلة تختلف إليه فيشرب من لبنها، وَأَرْسَلْناهُ يجوز أن يكون من حبسه في بطن الحوت، تقدير الآية وقد أرسلناه، ويجوز أن يكون بعده، ويجوز أن يكون إلى قوم آخرين. إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ قال ابن عباس: معناه ويزيدون، قال الشاعر: فلما اشتد أمر الحرب فينا ... تأملنا رياحا أو رزاما [[تفسير القرطبي: 14/ 299.]] أي ورزاما، وقال مقاتل: بل يزيدون. واختلفوا في مبلغ الزيادة على مائة ألف فقال ابن عباس ومقاتل: عشرون ألف. الحسن والربيع: بضع وثلاثون ألفا، ابن حيان: سبعون ألفا، فَآمَنُوا عند معاينة العذاب، فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ انقضاء آجالهم. فَاسْتَفْتِهِمْ: فسل يا محمد أهل مكة أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ وذلك أن جهينة وبني سلمة بن عبد الدار زعموا أنّ الملائكة بنات الله، أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ شاهِدُونَ: حاضرون خلقنا إياهم، نظيره قوله: أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ [[سورة الزخرف: 19.]] . أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ أَصْطَفَى. قرأ العامة بقطع الألف لأنه ألف استفهام دخلت على ألف الوصل فحذفت ألف الوصل وبقيت ألف الاستفهام مفتوحة على حالها مثل أَسْتَكْبَرْتَ [[سورة ص: 75.]] وأَسْتَغْفَرْتَ [[سورة المنافقون: 6.]] وأَذْهَبْتُمْ [[سورة الأحقاف: 20.]] ونحوها. وقرأ أبو جعفر ونافع في بعض الروايات (الكاذبون اصطفى) موصولة على الخبر والحكاية عن قول المشركين، مجازه: لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ ويقولون أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ ثم رجع إلى الخطاب: ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ أَفَلا تَذَكَّرُونَ أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ: برهان بيّن على أنّ الله ولدا فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً : فجعلوا الملائكة بنات الله، فسمّي الملائكة جنّا لاختبائهم عن الأبصار، هذا قول مجاهد وقتادة، وقال ابن عباس: قالوا لحيّ: من الملائكة- يقال لهم: الجنّ ومنهم إبليس- بنات الله. قال الكلبي: قالوا (لعنهم الله) : بل تزوّج من الجن فخرج منها الملائكة، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وقال الحسن: أشركوا الشيطان في عبادة الله فهو النسب الذي جعلوه. وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ يعني قائلي هذا القول لَمُحْضَرُونَ في النار. سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ فإنهم من النار ناجون. فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ يعني الأصنام ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ أي مع ذلك بِفاتِنِينَ: بمضلّين إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ أي إلّا من هو في علم الله وإرادته سيدخل النار. أخبرني ابن فنجويه قال حدّثنا ابن شنبه قال: حدّثنا الفربابي قال: حدّثنا أبو بكر بن شنبه قال: حدّثنا عبد الله بن إدريس عن عمر بن ذر قال: قدمنا على عمر بن عبد العزيز فذكر عنده القدر، فقال عمر بن عبد العزيز: لو أراد الله ألّا يعصى ما خلق إبليس وهو رأس الخطيئة، وإن في ذلك لعلما من كتاب الله، وجهله من جهله وعرفه من عرفه، ثم قرأ فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ، وقد فصلت هذه الآية بين الناس. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شنبه قال: حدّثنا الفربابي قال: حدّثنا إسحاق بن موسى الأنصاري قال: حدّثنا أنس بن عياض قال: حدّثني أبو سهيل نافع بن مالك بن أبي عامر قال: قال لي عمر بن عبد العزيز (من فيه إلى أذني) : ما تقول في الذين يقولون لا قدر؟ قال: أرى أن يستتابوا، فإن تابوا وإلّا ضربت أعناقهم. قال عمر بن عبد العزيز: ذلك الرأي فيهم والله لو لم يكن إلّا هذه الآية الواحدة لكفى بها: فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ. ما مِنَّا إِلَّا لَهُ يعني إلّا من له مَقامٌ مَعْلُومٌ: مكان مخصوص في العبادة. قال ابن عباس: ما في السماوات موضع شبر إلّا وعليه ملك مصلّ أو مسبح، وقال أبو بكر: الوراق: إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ يعبد الله عليه، كالخوف والرجا، والمحبة والرضا، وقال السدي: يعني في القربى والمشاهدة. وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ في الصلاة، وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ وَإِنْ كانُوا وقد كادوا يعني أهل مكة لَيَقُولُونَ لام التأكيد: لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الْأَوَّلِينَ: كتابا مثل كتبهم، لَكُنَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ فَكَفَرُوا بِهِ فيه اختصار تقديره: فلما أتاهم ذلك الكتاب كفروا به. نظيره قوله: أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ [[سورة الأنعام: 157.]] . فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ، وهذا وعيد لهم. وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ، وهي قوله: كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي [[سورة المجادلة: 21.]] . إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ قال ابن عباس: يعني الموت، وقال مجاهد: يعني يوم بدر، وقيل: إلى يوم القيامة، وقال مقاتل بن حيان: نسختها آية القتال. وَأَبْصِرْهُمْ. أنظر إليهم إذا عدوا، وقيل: أبصر حالهم بقليل، وقيل: انتظرهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ما أنكروا: أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ وذلك أنّ رسول الله (عليه السلام) لما أوعدهم العذاب، قالوا: مَتى هذَا الْوَعْدُ؟ فأنزل الله سبحانه هذه الآية. فَإِذا نَزَلَ العذاب بِساحَتِهِمْ: بناحيتهم وفنائهم فَساءَ: فبئس صَباحُ الْمُنْذَرِينَ: الكافرين. أخبرنا أبو عبد الله بن محمد بن عبد الله الزاهد قال: أخبرنا أبو العباس السراح قال: حدّثنا محمد بن رافع قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمّر عن قتادة عن أنس في قوله: فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ قال: لما أتى النبي صلّى الله عليه خيبر فوجدهم حين خرجوا إلى زرعهم ومعهم مساحيهم، فلما رأوه ومعه الجيش نكصوا، فرجعوا إلى حصنهم، فقال النبي عليه السلام: «الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ» [104] [[كتاب المسند للشافعي: 318.]] . وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ تأكيد للأولى. سُبْحانَ رَبِّكَ- إلى آخر السورة- أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا عمر بن الخطاب قال: حدّثنا أبو مسلم: حدّثنا محمد بن إسماعيل بن محمد بن أسد بن عبد الله الأصفهاني قال: حدّثنا أسيد بن عاصم قال: حدّثنا أبو سفيان بن صالح بن مهران قال: حدّثنا نعمان قال: حدّثنا أبو العوام عن قتادة عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلّى الله عليه: «إذا سلمتم عليّ فسلّموا على المرسلين فإنما أنا رسول من المرسلين» [[جامع البيان للطبري: 23/ 139.]] [105] . قال أبو العوام: كان قتادة يذكر هذا الحديث إذا تلا هذه الآية: سُبْحانَ رَبِّكَ إلى آخر السورة. وأخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا موسى بن محمد قال: حدّثنا الحسن بن علوية قال: حدّثنا إسماعيل بن عيسى قال: حدّثنا المسيب قال: حدّثنا مطرف عن أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري قال: كان رسول الله صلّى الله عليه يقول قبل أن يسلّم: سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [[مجمع الزوائد: 10/ 103.]] . وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا أحمد بن جعفر بن حمدان قال: حدّثنا إبراهيم بن سهلويه قال: حدّثنا علي بن محمد الطنافسي قال: حدّثنا وكيع عن ثابت بن أبي صفية عن الأصبغ بن نباتة عن علي رضي الله عنه قال: «من أحبّ أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة، فليكن آخر كلامه من مجلسه سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ» [106] [[الأذكار النووية: 299 ح 889.]] . [أخبرنا ابن فنجويه، أخبرنا الحسن المخلدي المقرئ عن أبي الحسن علي بن أحمد عن أبي [عثمان] البصري عن أبي خليفة [الجمحي عن] عبد المؤمن عن إبراهيم بن إسحاق [عن عبد الصمد] عن صالح بن مسافر قال: قرأت على عاصم بن أبي النجود سورة والصافات فلما أتيت على آخرها سكت، فقال: لم؟ اقرأ. فقلت: قد ختمت، قال إني فعلت كما فعلت على أبي عبد الرحمن السلمي، فقال أبو عبد الرحمن: كذلك قال لي عليّ وقال لي: قل: آذنتكم بأذانة المرسلين ولتسئلن عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ [[هكذا وجد هذا الخبر في هامش المخطوط.]] .

الصافات 37:169

وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إِذْ أَبَقَ . هرب إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ، قال ابن عباس ووهب: كان يونس (عليه السلام) قد وعد قومه العذاب فلما تأخر العذاب عنهم خرج كالمنشور [[كذا في المخطوط.]] منهم، فقصد البحر وركب السفينة، فاحتبست السفينة، فقال الملّاحون: هاهنا عبد أبق من سيّده، وهذا رسم السفينة إذا كان فيه آبق لا تجري. فاقترعوا، فوقعت القرعة على يونس، فقالوا: ألا نلقيه في الماء؟ واقترعوا ثانيا وثالثا فوقعت القرعة على يونس، فقال: «أنا الآبق» وزجّ نفسه في الماء، فذلك قوله سبحانه: فَساهَمَ : فقارع، والمساهمة: إلقاء السهام على جهة القرعة. فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ المقروعين المخلوعين المغلوبين. فَالْتَقَمَهُ: فابتلعه والتقمه الْحُوتُ وأوحى الله سبحانه إليه أنّي جعلت بطنك سجنا ولم أجعله لك طعاما، وَهُوَ مُلِيمٌ مذنب، قد أتى بما يلام عليه. فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ المنزّهين الذاكرين لله سبحانه قبل ذلك في حال الرخاء، وقال ابن عباس: من المصلين، وقال مقاتل: من المصلحين المطيعين قبل المعصية، وقال وهب: من العابدين، وقال سعيد بن جبير: يعني قوله لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [[سورة الأنبياء: 87.]] وقال الحسن: ما كانت له صلاة في بطن الحوت ولكنه قدم عملا صالحا، لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ لصار بطن الحوت قبرا له إلى يوم القيامة. فَنَبَذْناهُ: طرحناه بِالْعَراءِ قال الكلبي: يعني وجه الأرض. مقاتل بن حيان: يعني ظهر الأرض. مقاتل بن سليمان بالبراري من الأرض. الأخفش بالفناء الفراء بالأرض الواسعة. السدّي: بالساحل، وأصل العراء الأرض الخالية عن الشجر والنّبات، ومنه قيل للمتجرد: عريان. قال الشاعر: [ترك الهام ... بالعراء ... صار للخير حاصر العبقا] [[هكذا في الأصل.]] وَهُوَ سَقِيمٌ عليل كالفرخ الممغط، واختلفوا في المدة التي لبث يونس (عليه السلام) في بطن الحوت، فقال مقاتل بن حيان: ثلاثة أيام. عطاء: سبعة أيام، ضحاك: عشرين يوما. السدي والكلبي ومقاتل بن سليمان: أربعين يوما. وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ أي له، وقيل: عنده، كقوله: لَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ» أي عندي شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ قال ابن مسعود: يعني القرع. ابن عباس والحسن ومقاتل هو كل نبت يمتد وينبسط على وجه الأرض، ولا يبقى على الشتاء وليس له ساق نحو القثاء والبطيخ والقرع والحنظل. سعيد ابن جبير: هو كل شيء ينبت ثمّ يموت من عامه، وقيل: هو يفعيل من (قطن بالمكان) إذا أقام به إقامة زائل لا إقامة ثابت، وقال مقاتل بن حيان: وكان يستظل بالشجرة، وكانت وعلة تختلف إليه فيشرب من لبنها، وَأَرْسَلْناهُ يجوز أن يكون من حبسه في بطن الحوت، تقدير الآية وقد أرسلناه، ويجوز أن يكون بعده، ويجوز أن يكون إلى قوم آخرين. إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ قال ابن عباس: معناه ويزيدون، قال الشاعر: فلما اشتد أمر الحرب فينا ... تأملنا رياحا أو رزاما [[تفسير القرطبي: 14/ 299.]] أي ورزاما، وقال مقاتل: بل يزيدون. واختلفوا في مبلغ الزيادة على مائة ألف فقال ابن عباس ومقاتل: عشرون ألف. الحسن والربيع: بضع وثلاثون ألفا، ابن حيان: سبعون ألفا، فَآمَنُوا عند معاينة العذاب، فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ انقضاء آجالهم. فَاسْتَفْتِهِمْ: فسل يا محمد أهل مكة أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ وذلك أن جهينة وبني سلمة بن عبد الدار زعموا أنّ الملائكة بنات الله، أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ شاهِدُونَ: حاضرون خلقنا إياهم، نظيره قوله: أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ [[سورة الزخرف: 19.]] . أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ أَصْطَفَى. قرأ العامة بقطع الألف لأنه ألف استفهام دخلت على ألف الوصل فحذفت ألف الوصل وبقيت ألف الاستفهام مفتوحة على حالها مثل أَسْتَكْبَرْتَ [[سورة ص: 75.]] وأَسْتَغْفَرْتَ [[سورة المنافقون: 6.]] وأَذْهَبْتُمْ [[سورة الأحقاف: 20.]] ونحوها. وقرأ أبو جعفر ونافع في بعض الروايات (الكاذبون اصطفى) موصولة على الخبر والحكاية عن قول المشركين، مجازه: لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ ويقولون أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ ثم رجع إلى الخطاب: ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ أَفَلا تَذَكَّرُونَ أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ: برهان بيّن على أنّ الله ولدا فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً : فجعلوا الملائكة بنات الله، فسمّي الملائكة جنّا لاختبائهم عن الأبصار، هذا قول مجاهد وقتادة، وقال ابن عباس: قالوا لحيّ: من الملائكة- يقال لهم: الجنّ ومنهم إبليس- بنات الله. قال الكلبي: قالوا (لعنهم الله) : بل تزوّج من الجن فخرج منها الملائكة، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وقال الحسن: أشركوا الشيطان في عبادة الله فهو النسب الذي جعلوه. وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ يعني قائلي هذا القول لَمُحْضَرُونَ في النار. سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ فإنهم من النار ناجون. فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ يعني الأصنام ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ أي مع ذلك بِفاتِنِينَ: بمضلّين إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ أي إلّا من هو في علم الله وإرادته سيدخل النار. أخبرني ابن فنجويه قال حدّثنا ابن شنبه قال: حدّثنا الفربابي قال: حدّثنا أبو بكر بن شنبه قال: حدّثنا عبد الله بن إدريس عن عمر بن ذر قال: قدمنا على عمر بن عبد العزيز فذكر عنده القدر، فقال عمر بن عبد العزيز: لو أراد الله ألّا يعصى ما خلق إبليس وهو رأس الخطيئة، وإن في ذلك لعلما من كتاب الله، وجهله من جهله وعرفه من عرفه، ثم قرأ فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ، وقد فصلت هذه الآية بين الناس. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شنبه قال: حدّثنا الفربابي قال: حدّثنا إسحاق بن موسى الأنصاري قال: حدّثنا أنس بن عياض قال: حدّثني أبو سهيل نافع بن مالك بن أبي عامر قال: قال لي عمر بن عبد العزيز (من فيه إلى أذني) : ما تقول في الذين يقولون لا قدر؟ قال: أرى أن يستتابوا، فإن تابوا وإلّا ضربت أعناقهم. قال عمر بن عبد العزيز: ذلك الرأي فيهم والله لو لم يكن إلّا هذه الآية الواحدة لكفى بها: فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ. ما مِنَّا إِلَّا لَهُ يعني إلّا من له مَقامٌ مَعْلُومٌ: مكان مخصوص في العبادة. قال ابن عباس: ما في السماوات موضع شبر إلّا وعليه ملك مصلّ أو مسبح، وقال أبو بكر: الوراق: إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ يعبد الله عليه، كالخوف والرجا، والمحبة والرضا، وقال السدي: يعني في القربى والمشاهدة. وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ في الصلاة، وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ وَإِنْ كانُوا وقد كادوا يعني أهل مكة لَيَقُولُونَ لام التأكيد: لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الْأَوَّلِينَ: كتابا مثل كتبهم، لَكُنَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ فَكَفَرُوا بِهِ فيه اختصار تقديره: فلما أتاهم ذلك الكتاب كفروا به. نظيره قوله: أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ [[سورة الأنعام: 157.]] . فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ، وهذا وعيد لهم. وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ، وهي قوله: كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي [[سورة المجادلة: 21.]] . إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ قال ابن عباس: يعني الموت، وقال مجاهد: يعني يوم بدر، وقيل: إلى يوم القيامة، وقال مقاتل بن حيان: نسختها آية القتال. وَأَبْصِرْهُمْ. أنظر إليهم إذا عدوا، وقيل: أبصر حالهم بقليل، وقيل: انتظرهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ما أنكروا: أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ وذلك أنّ رسول الله (عليه السلام) لما أوعدهم العذاب، قالوا: مَتى هذَا الْوَعْدُ؟ فأنزل الله سبحانه هذه الآية. فَإِذا نَزَلَ العذاب بِساحَتِهِمْ: بناحيتهم وفنائهم فَساءَ: فبئس صَباحُ الْمُنْذَرِينَ: الكافرين. أخبرنا أبو عبد الله بن محمد بن عبد الله الزاهد قال: أخبرنا أبو العباس السراح قال: حدّثنا محمد بن رافع قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمّر عن قتادة عن أنس في قوله: فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ قال: لما أتى النبي صلّى الله عليه خيبر فوجدهم حين خرجوا إلى زرعهم ومعهم مساحيهم، فلما رأوه ومعه الجيش نكصوا، فرجعوا إلى حصنهم، فقال النبي عليه السلام: «الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ» [104] [[كتاب المسند للشافعي: 318.]] . وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ تأكيد للأولى. سُبْحانَ رَبِّكَ- إلى آخر السورة- أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا عمر بن الخطاب قال: حدّثنا أبو مسلم: حدّثنا محمد بن إسماعيل بن محمد بن أسد بن عبد الله الأصفهاني قال: حدّثنا أسيد بن عاصم قال: حدّثنا أبو سفيان بن صالح بن مهران قال: حدّثنا نعمان قال: حدّثنا أبو العوام عن قتادة عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلّى الله عليه: «إذا سلمتم عليّ فسلّموا على المرسلين فإنما أنا رسول من المرسلين» [[جامع البيان للطبري: 23/ 139.]] [105] . قال أبو العوام: كان قتادة يذكر هذا الحديث إذا تلا هذه الآية: سُبْحانَ رَبِّكَ إلى آخر السورة. وأخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا موسى بن محمد قال: حدّثنا الحسن بن علوية قال: حدّثنا إسماعيل بن عيسى قال: حدّثنا المسيب قال: حدّثنا مطرف عن أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري قال: كان رسول الله صلّى الله عليه يقول قبل أن يسلّم: سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [[مجمع الزوائد: 10/ 103.]] . وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا أحمد بن جعفر بن حمدان قال: حدّثنا إبراهيم بن سهلويه قال: حدّثنا علي بن محمد الطنافسي قال: حدّثنا وكيع عن ثابت بن أبي صفية عن الأصبغ بن نباتة عن علي رضي الله عنه قال: «من أحبّ أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة، فليكن آخر كلامه من مجلسه سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ» [106] [[الأذكار النووية: 299 ح 889.]] . [أخبرنا ابن فنجويه، أخبرنا الحسن المخلدي المقرئ عن أبي الحسن علي بن أحمد عن أبي [عثمان] البصري عن أبي خليفة [الجمحي عن] عبد المؤمن عن إبراهيم بن إسحاق [عن عبد الصمد] عن صالح بن مسافر قال: قرأت على عاصم بن أبي النجود سورة والصافات فلما أتيت على آخرها سكت، فقال: لم؟ اقرأ. فقلت: قد ختمت، قال إني فعلت كما فعلت على أبي عبد الرحمن السلمي، فقال أبو عبد الرحمن: كذلك قال لي عليّ وقال لي: قل: آذنتكم بأذانة المرسلين ولتسئلن عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ [[هكذا وجد هذا الخبر في هامش المخطوط.]] .

الصافات 37:170

وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إِذْ أَبَقَ . هرب إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ، قال ابن عباس ووهب: كان يونس (عليه السلام) قد وعد قومه العذاب فلما تأخر العذاب عنهم خرج كالمنشور [[كذا في المخطوط.]] منهم، فقصد البحر وركب السفينة، فاحتبست السفينة، فقال الملّاحون: هاهنا عبد أبق من سيّده، وهذا رسم السفينة إذا كان فيه آبق لا تجري. فاقترعوا، فوقعت القرعة على يونس، فقالوا: ألا نلقيه في الماء؟ واقترعوا ثانيا وثالثا فوقعت القرعة على يونس، فقال: «أنا الآبق» وزجّ نفسه في الماء، فذلك قوله سبحانه: فَساهَمَ : فقارع، والمساهمة: إلقاء السهام على جهة القرعة. فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ المقروعين المخلوعين المغلوبين. فَالْتَقَمَهُ: فابتلعه والتقمه الْحُوتُ وأوحى الله سبحانه إليه أنّي جعلت بطنك سجنا ولم أجعله لك طعاما، وَهُوَ مُلِيمٌ مذنب، قد أتى بما يلام عليه. فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ المنزّهين الذاكرين لله سبحانه قبل ذلك في حال الرخاء، وقال ابن عباس: من المصلين، وقال مقاتل: من المصلحين المطيعين قبل المعصية، وقال وهب: من العابدين، وقال سعيد بن جبير: يعني قوله لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [[سورة الأنبياء: 87.]] وقال الحسن: ما كانت له صلاة في بطن الحوت ولكنه قدم عملا صالحا، لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ لصار بطن الحوت قبرا له إلى يوم القيامة. فَنَبَذْناهُ: طرحناه بِالْعَراءِ قال الكلبي: يعني وجه الأرض. مقاتل بن حيان: يعني ظهر الأرض. مقاتل بن سليمان بالبراري من الأرض. الأخفش بالفناء الفراء بالأرض الواسعة. السدّي: بالساحل، وأصل العراء الأرض الخالية عن الشجر والنّبات، ومنه قيل للمتجرد: عريان. قال الشاعر: [ترك الهام ... بالعراء ... صار للخير حاصر العبقا] [[هكذا في الأصل.]] وَهُوَ سَقِيمٌ عليل كالفرخ الممغط، واختلفوا في المدة التي لبث يونس (عليه السلام) في بطن الحوت، فقال مقاتل بن حيان: ثلاثة أيام. عطاء: سبعة أيام، ضحاك: عشرين يوما. السدي والكلبي ومقاتل بن سليمان: أربعين يوما. وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ أي له، وقيل: عنده، كقوله: لَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ» أي عندي شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ قال ابن مسعود: يعني القرع. ابن عباس والحسن ومقاتل هو كل نبت يمتد وينبسط على وجه الأرض، ولا يبقى على الشتاء وليس له ساق نحو القثاء والبطيخ والقرع والحنظل. سعيد ابن جبير: هو كل شيء ينبت ثمّ يموت من عامه، وقيل: هو يفعيل من (قطن بالمكان) إذا أقام به إقامة زائل لا إقامة ثابت، وقال مقاتل بن حيان: وكان يستظل بالشجرة، وكانت وعلة تختلف إليه فيشرب من لبنها، وَأَرْسَلْناهُ يجوز أن يكون من حبسه في بطن الحوت، تقدير الآية وقد أرسلناه، ويجوز أن يكون بعده، ويجوز أن يكون إلى قوم آخرين. إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ قال ابن عباس: معناه ويزيدون، قال الشاعر: فلما اشتد أمر الحرب فينا ... تأملنا رياحا أو رزاما [[تفسير القرطبي: 14/ 299.]] أي ورزاما، وقال مقاتل: بل يزيدون. واختلفوا في مبلغ الزيادة على مائة ألف فقال ابن عباس ومقاتل: عشرون ألف. الحسن والربيع: بضع وثلاثون ألفا، ابن حيان: سبعون ألفا، فَآمَنُوا عند معاينة العذاب، فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ انقضاء آجالهم. فَاسْتَفْتِهِمْ: فسل يا محمد أهل مكة أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ وذلك أن جهينة وبني سلمة بن عبد الدار زعموا أنّ الملائكة بنات الله، أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ شاهِدُونَ: حاضرون خلقنا إياهم، نظيره قوله: أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ [[سورة الزخرف: 19.]] . أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ أَصْطَفَى. قرأ العامة بقطع الألف لأنه ألف استفهام دخلت على ألف الوصل فحذفت ألف الوصل وبقيت ألف الاستفهام مفتوحة على حالها مثل أَسْتَكْبَرْتَ [[سورة ص: 75.]] وأَسْتَغْفَرْتَ [[سورة المنافقون: 6.]] وأَذْهَبْتُمْ [[سورة الأحقاف: 20.]] ونحوها. وقرأ أبو جعفر ونافع في بعض الروايات (الكاذبون اصطفى) موصولة على الخبر والحكاية عن قول المشركين، مجازه: لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ ويقولون أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ ثم رجع إلى الخطاب: ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ أَفَلا تَذَكَّرُونَ أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ: برهان بيّن على أنّ الله ولدا فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً : فجعلوا الملائكة بنات الله، فسمّي الملائكة جنّا لاختبائهم عن الأبصار، هذا قول مجاهد وقتادة، وقال ابن عباس: قالوا لحيّ: من الملائكة- يقال لهم: الجنّ ومنهم إبليس- بنات الله. قال الكلبي: قالوا (لعنهم الله) : بل تزوّج من الجن فخرج منها الملائكة، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وقال الحسن: أشركوا الشيطان في عبادة الله فهو النسب الذي جعلوه. وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ يعني قائلي هذا القول لَمُحْضَرُونَ في النار. سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ فإنهم من النار ناجون. فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ يعني الأصنام ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ أي مع ذلك بِفاتِنِينَ: بمضلّين إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ أي إلّا من هو في علم الله وإرادته سيدخل النار. أخبرني ابن فنجويه قال حدّثنا ابن شنبه قال: حدّثنا الفربابي قال: حدّثنا أبو بكر بن شنبه قال: حدّثنا عبد الله بن إدريس عن عمر بن ذر قال: قدمنا على عمر بن عبد العزيز فذكر عنده القدر، فقال عمر بن عبد العزيز: لو أراد الله ألّا يعصى ما خلق إبليس وهو رأس الخطيئة، وإن في ذلك لعلما من كتاب الله، وجهله من جهله وعرفه من عرفه، ثم قرأ فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ، وقد فصلت هذه الآية بين الناس. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شنبه قال: حدّثنا الفربابي قال: حدّثنا إسحاق بن موسى الأنصاري قال: حدّثنا أنس بن عياض قال: حدّثني أبو سهيل نافع بن مالك بن أبي عامر قال: قال لي عمر بن عبد العزيز (من فيه إلى أذني) : ما تقول في الذين يقولون لا قدر؟ قال: أرى أن يستتابوا، فإن تابوا وإلّا ضربت أعناقهم. قال عمر بن عبد العزيز: ذلك الرأي فيهم والله لو لم يكن إلّا هذه الآية الواحدة لكفى بها: فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ. ما مِنَّا إِلَّا لَهُ يعني إلّا من له مَقامٌ مَعْلُومٌ: مكان مخصوص في العبادة. قال ابن عباس: ما في السماوات موضع شبر إلّا وعليه ملك مصلّ أو مسبح، وقال أبو بكر: الوراق: إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ يعبد الله عليه، كالخوف والرجا، والمحبة والرضا، وقال السدي: يعني في القربى والمشاهدة. وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ في الصلاة، وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ وَإِنْ كانُوا وقد كادوا يعني أهل مكة لَيَقُولُونَ لام التأكيد: لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الْأَوَّلِينَ: كتابا مثل كتبهم، لَكُنَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ فَكَفَرُوا بِهِ فيه اختصار تقديره: فلما أتاهم ذلك الكتاب كفروا به. نظيره قوله: أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ [[سورة الأنعام: 157.]] . فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ، وهذا وعيد لهم. وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ، وهي قوله: كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي [[سورة المجادلة: 21.]] . إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ قال ابن عباس: يعني الموت، وقال مجاهد: يعني يوم بدر، وقيل: إلى يوم القيامة، وقال مقاتل بن حيان: نسختها آية القتال. وَأَبْصِرْهُمْ. أنظر إليهم إذا عدوا، وقيل: أبصر حالهم بقليل، وقيل: انتظرهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ما أنكروا: أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ وذلك أنّ رسول الله (عليه السلام) لما أوعدهم العذاب، قالوا: مَتى هذَا الْوَعْدُ؟ فأنزل الله سبحانه هذه الآية. فَإِذا نَزَلَ العذاب بِساحَتِهِمْ: بناحيتهم وفنائهم فَساءَ: فبئس صَباحُ الْمُنْذَرِينَ: الكافرين. أخبرنا أبو عبد الله بن محمد بن عبد الله الزاهد قال: أخبرنا أبو العباس السراح قال: حدّثنا محمد بن رافع قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمّر عن قتادة عن أنس في قوله: فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ قال: لما أتى النبي صلّى الله عليه خيبر فوجدهم حين خرجوا إلى زرعهم ومعهم مساحيهم، فلما رأوه ومعه الجيش نكصوا، فرجعوا إلى حصنهم، فقال النبي عليه السلام: «الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ» [104] [[كتاب المسند للشافعي: 318.]] . وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ تأكيد للأولى. سُبْحانَ رَبِّكَ- إلى آخر السورة- أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا عمر بن الخطاب قال: حدّثنا أبو مسلم: حدّثنا محمد بن إسماعيل بن محمد بن أسد بن عبد الله الأصفهاني قال: حدّثنا أسيد بن عاصم قال: حدّثنا أبو سفيان بن صالح بن مهران قال: حدّثنا نعمان قال: حدّثنا أبو العوام عن قتادة عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلّى الله عليه: «إذا سلمتم عليّ فسلّموا على المرسلين فإنما أنا رسول من المرسلين» [[جامع البيان للطبري: 23/ 139.]] [105] . قال أبو العوام: كان قتادة يذكر هذا الحديث إذا تلا هذه الآية: سُبْحانَ رَبِّكَ إلى آخر السورة. وأخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا موسى بن محمد قال: حدّثنا الحسن بن علوية قال: حدّثنا إسماعيل بن عيسى قال: حدّثنا المسيب قال: حدّثنا مطرف عن أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري قال: كان رسول الله صلّى الله عليه يقول قبل أن يسلّم: سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [[مجمع الزوائد: 10/ 103.]] . وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا أحمد بن جعفر بن حمدان قال: حدّثنا إبراهيم بن سهلويه قال: حدّثنا علي بن محمد الطنافسي قال: حدّثنا وكيع عن ثابت بن أبي صفية عن الأصبغ بن نباتة عن علي رضي الله عنه قال: «من أحبّ أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة، فليكن آخر كلامه من مجلسه سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ» [106] [[الأذكار النووية: 299 ح 889.]] . [أخبرنا ابن فنجويه، أخبرنا الحسن المخلدي المقرئ عن أبي الحسن علي بن أحمد عن أبي [عثمان] البصري عن أبي خليفة [الجمحي عن] عبد المؤمن عن إبراهيم بن إسحاق [عن عبد الصمد] عن صالح بن مسافر قال: قرأت على عاصم بن أبي النجود سورة والصافات فلما أتيت على آخرها سكت، فقال: لم؟ اقرأ. فقلت: قد ختمت، قال إني فعلت كما فعلت على أبي عبد الرحمن السلمي، فقال أبو عبد الرحمن: كذلك قال لي عليّ وقال لي: قل: آذنتكم بأذانة المرسلين ولتسئلن عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ [[هكذا وجد هذا الخبر في هامش المخطوط.]] .

الصافات 37:171

وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إِذْ أَبَقَ . هرب إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ، قال ابن عباس ووهب: كان يونس (عليه السلام) قد وعد قومه العذاب فلما تأخر العذاب عنهم خرج كالمنشور [[كذا في المخطوط.]] منهم، فقصد البحر وركب السفينة، فاحتبست السفينة، فقال الملّاحون: هاهنا عبد أبق من سيّده، وهذا رسم السفينة إذا كان فيه آبق لا تجري. فاقترعوا، فوقعت القرعة على يونس، فقالوا: ألا نلقيه في الماء؟ واقترعوا ثانيا وثالثا فوقعت القرعة على يونس، فقال: «أنا الآبق» وزجّ نفسه في الماء، فذلك قوله سبحانه: فَساهَمَ : فقارع، والمساهمة: إلقاء السهام على جهة القرعة. فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ المقروعين المخلوعين المغلوبين. فَالْتَقَمَهُ: فابتلعه والتقمه الْحُوتُ وأوحى الله سبحانه إليه أنّي جعلت بطنك سجنا ولم أجعله لك طعاما، وَهُوَ مُلِيمٌ مذنب، قد أتى بما يلام عليه. فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ المنزّهين الذاكرين لله سبحانه قبل ذلك في حال الرخاء، وقال ابن عباس: من المصلين، وقال مقاتل: من المصلحين المطيعين قبل المعصية، وقال وهب: من العابدين، وقال سعيد بن جبير: يعني قوله لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [[سورة الأنبياء: 87.]] وقال الحسن: ما كانت له صلاة في بطن الحوت ولكنه قدم عملا صالحا، لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ لصار بطن الحوت قبرا له إلى يوم القيامة. فَنَبَذْناهُ: طرحناه بِالْعَراءِ قال الكلبي: يعني وجه الأرض. مقاتل بن حيان: يعني ظهر الأرض. مقاتل بن سليمان بالبراري من الأرض. الأخفش بالفناء الفراء بالأرض الواسعة. السدّي: بالساحل، وأصل العراء الأرض الخالية عن الشجر والنّبات، ومنه قيل للمتجرد: عريان. قال الشاعر: [ترك الهام ... بالعراء ... صار للخير حاصر العبقا] [[هكذا في الأصل.]] وَهُوَ سَقِيمٌ عليل كالفرخ الممغط، واختلفوا في المدة التي لبث يونس (عليه السلام) في بطن الحوت، فقال مقاتل بن حيان: ثلاثة أيام. عطاء: سبعة أيام، ضحاك: عشرين يوما. السدي والكلبي ومقاتل بن سليمان: أربعين يوما. وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ أي له، وقيل: عنده، كقوله: لَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ» أي عندي شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ قال ابن مسعود: يعني القرع. ابن عباس والحسن ومقاتل هو كل نبت يمتد وينبسط على وجه الأرض، ولا يبقى على الشتاء وليس له ساق نحو القثاء والبطيخ والقرع والحنظل. سعيد ابن جبير: هو كل شيء ينبت ثمّ يموت من عامه، وقيل: هو يفعيل من (قطن بالمكان) إذا أقام به إقامة زائل لا إقامة ثابت، وقال مقاتل بن حيان: وكان يستظل بالشجرة، وكانت وعلة تختلف إليه فيشرب من لبنها، وَأَرْسَلْناهُ يجوز أن يكون من حبسه في بطن الحوت، تقدير الآية وقد أرسلناه، ويجوز أن يكون بعده، ويجوز أن يكون إلى قوم آخرين. إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ قال ابن عباس: معناه ويزيدون، قال الشاعر: فلما اشتد أمر الحرب فينا ... تأملنا رياحا أو رزاما [[تفسير القرطبي: 14/ 299.]] أي ورزاما، وقال مقاتل: بل يزيدون. واختلفوا في مبلغ الزيادة على مائة ألف فقال ابن عباس ومقاتل: عشرون ألف. الحسن والربيع: بضع وثلاثون ألفا، ابن حيان: سبعون ألفا، فَآمَنُوا عند معاينة العذاب، فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ انقضاء آجالهم. فَاسْتَفْتِهِمْ: فسل يا محمد أهل مكة أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ وذلك أن جهينة وبني سلمة بن عبد الدار زعموا أنّ الملائكة بنات الله، أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ شاهِدُونَ: حاضرون خلقنا إياهم، نظيره قوله: أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ [[سورة الزخرف: 19.]] . أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ أَصْطَفَى. قرأ العامة بقطع الألف لأنه ألف استفهام دخلت على ألف الوصل فحذفت ألف الوصل وبقيت ألف الاستفهام مفتوحة على حالها مثل أَسْتَكْبَرْتَ [[سورة ص: 75.]] وأَسْتَغْفَرْتَ [[سورة المنافقون: 6.]] وأَذْهَبْتُمْ [[سورة الأحقاف: 20.]] ونحوها. وقرأ أبو جعفر ونافع في بعض الروايات (الكاذبون اصطفى) موصولة على الخبر والحكاية عن قول المشركين، مجازه: لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ ويقولون أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ ثم رجع إلى الخطاب: ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ أَفَلا تَذَكَّرُونَ أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ: برهان بيّن على أنّ الله ولدا فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً : فجعلوا الملائكة بنات الله، فسمّي الملائكة جنّا لاختبائهم عن الأبصار، هذا قول مجاهد وقتادة، وقال ابن عباس: قالوا لحيّ: من الملائكة- يقال لهم: الجنّ ومنهم إبليس- بنات الله. قال الكلبي: قالوا (لعنهم الله) : بل تزوّج من الجن فخرج منها الملائكة، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وقال الحسن: أشركوا الشيطان في عبادة الله فهو النسب الذي جعلوه. وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ يعني قائلي هذا القول لَمُحْضَرُونَ في النار. سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ فإنهم من النار ناجون. فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ يعني الأصنام ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ أي مع ذلك بِفاتِنِينَ: بمضلّين إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ أي إلّا من هو في علم الله وإرادته سيدخل النار. أخبرني ابن فنجويه قال حدّثنا ابن شنبه قال: حدّثنا الفربابي قال: حدّثنا أبو بكر بن شنبه قال: حدّثنا عبد الله بن إدريس عن عمر بن ذر قال: قدمنا على عمر بن عبد العزيز فذكر عنده القدر، فقال عمر بن عبد العزيز: لو أراد الله ألّا يعصى ما خلق إبليس وهو رأس الخطيئة، وإن في ذلك لعلما من كتاب الله، وجهله من جهله وعرفه من عرفه، ثم قرأ فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ، وقد فصلت هذه الآية بين الناس. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شنبه قال: حدّثنا الفربابي قال: حدّثنا إسحاق بن موسى الأنصاري قال: حدّثنا أنس بن عياض قال: حدّثني أبو سهيل نافع بن مالك بن أبي عامر قال: قال لي عمر بن عبد العزيز (من فيه إلى أذني) : ما تقول في الذين يقولون لا قدر؟ قال: أرى أن يستتابوا، فإن تابوا وإلّا ضربت أعناقهم. قال عمر بن عبد العزيز: ذلك الرأي فيهم والله لو لم يكن إلّا هذه الآية الواحدة لكفى بها: فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ. ما مِنَّا إِلَّا لَهُ يعني إلّا من له مَقامٌ مَعْلُومٌ: مكان مخصوص في العبادة. قال ابن عباس: ما في السماوات موضع شبر إلّا وعليه ملك مصلّ أو مسبح، وقال أبو بكر: الوراق: إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ يعبد الله عليه، كالخوف والرجا، والمحبة والرضا، وقال السدي: يعني في القربى والمشاهدة. وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ في الصلاة، وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ وَإِنْ كانُوا وقد كادوا يعني أهل مكة لَيَقُولُونَ لام التأكيد: لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الْأَوَّلِينَ: كتابا مثل كتبهم، لَكُنَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ فَكَفَرُوا بِهِ فيه اختصار تقديره: فلما أتاهم ذلك الكتاب كفروا به. نظيره قوله: أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ [[سورة الأنعام: 157.]] . فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ، وهذا وعيد لهم. وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ، وهي قوله: كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي [[سورة المجادلة: 21.]] . إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ قال ابن عباس: يعني الموت، وقال مجاهد: يعني يوم بدر، وقيل: إلى يوم القيامة، وقال مقاتل بن حيان: نسختها آية القتال. وَأَبْصِرْهُمْ. أنظر إليهم إذا عدوا، وقيل: أبصر حالهم بقليل، وقيل: انتظرهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ما أنكروا: أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ وذلك أنّ رسول الله (عليه السلام) لما أوعدهم العذاب، قالوا: مَتى هذَا الْوَعْدُ؟ فأنزل الله سبحانه هذه الآية. فَإِذا نَزَلَ العذاب بِساحَتِهِمْ: بناحيتهم وفنائهم فَساءَ: فبئس صَباحُ الْمُنْذَرِينَ: الكافرين. أخبرنا أبو عبد الله بن محمد بن عبد الله الزاهد قال: أخبرنا أبو العباس السراح قال: حدّثنا محمد بن رافع قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمّر عن قتادة عن أنس في قوله: فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ قال: لما أتى النبي صلّى الله عليه خيبر فوجدهم حين خرجوا إلى زرعهم ومعهم مساحيهم، فلما رأوه ومعه الجيش نكصوا، فرجعوا إلى حصنهم، فقال النبي عليه السلام: «الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ» [104] [[كتاب المسند للشافعي: 318.]] . وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ تأكيد للأولى. سُبْحانَ رَبِّكَ- إلى آخر السورة- أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا عمر بن الخطاب قال: حدّثنا أبو مسلم: حدّثنا محمد بن إسماعيل بن محمد بن أسد بن عبد الله الأصفهاني قال: حدّثنا أسيد بن عاصم قال: حدّثنا أبو سفيان بن صالح بن مهران قال: حدّثنا نعمان قال: حدّثنا أبو العوام عن قتادة عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلّى الله عليه: «إذا سلمتم عليّ فسلّموا على المرسلين فإنما أنا رسول من المرسلين» [[جامع البيان للطبري: 23/ 139.]] [105] . قال أبو العوام: كان قتادة يذكر هذا الحديث إذا تلا هذه الآية: سُبْحانَ رَبِّكَ إلى آخر السورة. وأخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا موسى بن محمد قال: حدّثنا الحسن بن علوية قال: حدّثنا إسماعيل بن عيسى قال: حدّثنا المسيب قال: حدّثنا مطرف عن أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري قال: كان رسول الله صلّى الله عليه يقول قبل أن يسلّم: سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [[مجمع الزوائد: 10/ 103.]] . وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا أحمد بن جعفر بن حمدان قال: حدّثنا إبراهيم بن سهلويه قال: حدّثنا علي بن محمد الطنافسي قال: حدّثنا وكيع عن ثابت بن أبي صفية عن الأصبغ بن نباتة عن علي رضي الله عنه قال: «من أحبّ أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة، فليكن آخر كلامه من مجلسه سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ» [106] [[الأذكار النووية: 299 ح 889.]] . [أخبرنا ابن فنجويه، أخبرنا الحسن المخلدي المقرئ عن أبي الحسن علي بن أحمد عن أبي [عثمان] البصري عن أبي خليفة [الجمحي عن] عبد المؤمن عن إبراهيم بن إسحاق [عن عبد الصمد] عن صالح بن مسافر قال: قرأت على عاصم بن أبي النجود سورة والصافات فلما أتيت على آخرها سكت، فقال: لم؟ اقرأ. فقلت: قد ختمت، قال إني فعلت كما فعلت على أبي عبد الرحمن السلمي، فقال أبو عبد الرحمن: كذلك قال لي عليّ وقال لي: قل: آذنتكم بأذانة المرسلين ولتسئلن عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ [[هكذا وجد هذا الخبر في هامش المخطوط.]] .

الصافات 37:172

وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إِذْ أَبَقَ . هرب إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ، قال ابن عباس ووهب: كان يونس (عليه السلام) قد وعد قومه العذاب فلما تأخر العذاب عنهم خرج كالمنشور [[كذا في المخطوط.]] منهم، فقصد البحر وركب السفينة، فاحتبست السفينة، فقال الملّاحون: هاهنا عبد أبق من سيّده، وهذا رسم السفينة إذا كان فيه آبق لا تجري. فاقترعوا، فوقعت القرعة على يونس، فقالوا: ألا نلقيه في الماء؟ واقترعوا ثانيا وثالثا فوقعت القرعة على يونس، فقال: «أنا الآبق» وزجّ نفسه في الماء، فذلك قوله سبحانه: فَساهَمَ : فقارع، والمساهمة: إلقاء السهام على جهة القرعة. فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ المقروعين المخلوعين المغلوبين. فَالْتَقَمَهُ: فابتلعه والتقمه الْحُوتُ وأوحى الله سبحانه إليه أنّي جعلت بطنك سجنا ولم أجعله لك طعاما، وَهُوَ مُلِيمٌ مذنب، قد أتى بما يلام عليه. فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ المنزّهين الذاكرين لله سبحانه قبل ذلك في حال الرخاء، وقال ابن عباس: من المصلين، وقال مقاتل: من المصلحين المطيعين قبل المعصية، وقال وهب: من العابدين، وقال سعيد بن جبير: يعني قوله لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [[سورة الأنبياء: 87.]] وقال الحسن: ما كانت له صلاة في بطن الحوت ولكنه قدم عملا صالحا، لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ لصار بطن الحوت قبرا له إلى يوم القيامة. فَنَبَذْناهُ: طرحناه بِالْعَراءِ قال الكلبي: يعني وجه الأرض. مقاتل بن حيان: يعني ظهر الأرض. مقاتل بن سليمان بالبراري من الأرض. الأخفش بالفناء الفراء بالأرض الواسعة. السدّي: بالساحل، وأصل العراء الأرض الخالية عن الشجر والنّبات، ومنه قيل للمتجرد: عريان. قال الشاعر: [ترك الهام ... بالعراء ... صار للخير حاصر العبقا] [[هكذا في الأصل.]] وَهُوَ سَقِيمٌ عليل كالفرخ الممغط، واختلفوا في المدة التي لبث يونس (عليه السلام) في بطن الحوت، فقال مقاتل بن حيان: ثلاثة أيام. عطاء: سبعة أيام، ضحاك: عشرين يوما. السدي والكلبي ومقاتل بن سليمان: أربعين يوما. وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ أي له، وقيل: عنده، كقوله: لَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ» أي عندي شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ قال ابن مسعود: يعني القرع. ابن عباس والحسن ومقاتل هو كل نبت يمتد وينبسط على وجه الأرض، ولا يبقى على الشتاء وليس له ساق نحو القثاء والبطيخ والقرع والحنظل. سعيد ابن جبير: هو كل شيء ينبت ثمّ يموت من عامه، وقيل: هو يفعيل من (قطن بالمكان) إذا أقام به إقامة زائل لا إقامة ثابت، وقال مقاتل بن حيان: وكان يستظل بالشجرة، وكانت وعلة تختلف إليه فيشرب من لبنها، وَأَرْسَلْناهُ يجوز أن يكون من حبسه في بطن الحوت، تقدير الآية وقد أرسلناه، ويجوز أن يكون بعده، ويجوز أن يكون إلى قوم آخرين. إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ قال ابن عباس: معناه ويزيدون، قال الشاعر: فلما اشتد أمر الحرب فينا ... تأملنا رياحا أو رزاما [[تفسير القرطبي: 14/ 299.]] أي ورزاما، وقال مقاتل: بل يزيدون. واختلفوا في مبلغ الزيادة على مائة ألف فقال ابن عباس ومقاتل: عشرون ألف. الحسن والربيع: بضع وثلاثون ألفا، ابن حيان: سبعون ألفا، فَآمَنُوا عند معاينة العذاب، فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ انقضاء آجالهم. فَاسْتَفْتِهِمْ: فسل يا محمد أهل مكة أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ وذلك أن جهينة وبني سلمة بن عبد الدار زعموا أنّ الملائكة بنات الله، أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ شاهِدُونَ: حاضرون خلقنا إياهم، نظيره قوله: أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ [[سورة الزخرف: 19.]] . أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ أَصْطَفَى. قرأ العامة بقطع الألف لأنه ألف استفهام دخلت على ألف الوصل فحذفت ألف الوصل وبقيت ألف الاستفهام مفتوحة على حالها مثل أَسْتَكْبَرْتَ [[سورة ص: 75.]] وأَسْتَغْفَرْتَ [[سورة المنافقون: 6.]] وأَذْهَبْتُمْ [[سورة الأحقاف: 20.]] ونحوها. وقرأ أبو جعفر ونافع في بعض الروايات (الكاذبون اصطفى) موصولة على الخبر والحكاية عن قول المشركين، مجازه: لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ ويقولون أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ ثم رجع إلى الخطاب: ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ أَفَلا تَذَكَّرُونَ أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ: برهان بيّن على أنّ الله ولدا فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً : فجعلوا الملائكة بنات الله، فسمّي الملائكة جنّا لاختبائهم عن الأبصار، هذا قول مجاهد وقتادة، وقال ابن عباس: قالوا لحيّ: من الملائكة- يقال لهم: الجنّ ومنهم إبليس- بنات الله. قال الكلبي: قالوا (لعنهم الله) : بل تزوّج من الجن فخرج منها الملائكة، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وقال الحسن: أشركوا الشيطان في عبادة الله فهو النسب الذي جعلوه. وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ يعني قائلي هذا القول لَمُحْضَرُونَ في النار. سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ فإنهم من النار ناجون. فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ يعني الأصنام ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ أي مع ذلك بِفاتِنِينَ: بمضلّين إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ أي إلّا من هو في علم الله وإرادته سيدخل النار. أخبرني ابن فنجويه قال حدّثنا ابن شنبه قال: حدّثنا الفربابي قال: حدّثنا أبو بكر بن شنبه قال: حدّثنا عبد الله بن إدريس عن عمر بن ذر قال: قدمنا على عمر بن عبد العزيز فذكر عنده القدر، فقال عمر بن عبد العزيز: لو أراد الله ألّا يعصى ما خلق إبليس وهو رأس الخطيئة، وإن في ذلك لعلما من كتاب الله، وجهله من جهله وعرفه من عرفه، ثم قرأ فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ، وقد فصلت هذه الآية بين الناس. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شنبه قال: حدّثنا الفربابي قال: حدّثنا إسحاق بن موسى الأنصاري قال: حدّثنا أنس بن عياض قال: حدّثني أبو سهيل نافع بن مالك بن أبي عامر قال: قال لي عمر بن عبد العزيز (من فيه إلى أذني) : ما تقول في الذين يقولون لا قدر؟ قال: أرى أن يستتابوا، فإن تابوا وإلّا ضربت أعناقهم. قال عمر بن عبد العزيز: ذلك الرأي فيهم والله لو لم يكن إلّا هذه الآية الواحدة لكفى بها: فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ. ما مِنَّا إِلَّا لَهُ يعني إلّا من له مَقامٌ مَعْلُومٌ: مكان مخصوص في العبادة. قال ابن عباس: ما في السماوات موضع شبر إلّا وعليه ملك مصلّ أو مسبح، وقال أبو بكر: الوراق: إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ يعبد الله عليه، كالخوف والرجا، والمحبة والرضا، وقال السدي: يعني في القربى والمشاهدة. وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ في الصلاة، وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ وَإِنْ كانُوا وقد كادوا يعني أهل مكة لَيَقُولُونَ لام التأكيد: لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الْأَوَّلِينَ: كتابا مثل كتبهم، لَكُنَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ فَكَفَرُوا بِهِ فيه اختصار تقديره: فلما أتاهم ذلك الكتاب كفروا به. نظيره قوله: أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ [[سورة الأنعام: 157.]] . فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ، وهذا وعيد لهم. وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ، وهي قوله: كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي [[سورة المجادلة: 21.]] . إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ قال ابن عباس: يعني الموت، وقال مجاهد: يعني يوم بدر، وقيل: إلى يوم القيامة، وقال مقاتل بن حيان: نسختها آية القتال. وَأَبْصِرْهُمْ. أنظر إليهم إذا عدوا، وقيل: أبصر حالهم بقليل، وقيل: انتظرهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ما أنكروا: أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ وذلك أنّ رسول الله (عليه السلام) لما أوعدهم العذاب، قالوا: مَتى هذَا الْوَعْدُ؟ فأنزل الله سبحانه هذه الآية. فَإِذا نَزَلَ العذاب بِساحَتِهِمْ: بناحيتهم وفنائهم فَساءَ: فبئس صَباحُ الْمُنْذَرِينَ: الكافرين. أخبرنا أبو عبد الله بن محمد بن عبد الله الزاهد قال: أخبرنا أبو العباس السراح قال: حدّثنا محمد بن رافع قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمّر عن قتادة عن أنس في قوله: فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ قال: لما أتى النبي صلّى الله عليه خيبر فوجدهم حين خرجوا إلى زرعهم ومعهم مساحيهم، فلما رأوه ومعه الجيش نكصوا، فرجعوا إلى حصنهم، فقال النبي عليه السلام: «الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ» [104] [[كتاب المسند للشافعي: 318.]] . وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ تأكيد للأولى. سُبْحانَ رَبِّكَ- إلى آخر السورة- أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا عمر بن الخطاب قال: حدّثنا أبو مسلم: حدّثنا محمد بن إسماعيل بن محمد بن أسد بن عبد الله الأصفهاني قال: حدّثنا أسيد بن عاصم قال: حدّثنا أبو سفيان بن صالح بن مهران قال: حدّثنا نعمان قال: حدّثنا أبو العوام عن قتادة عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلّى الله عليه: «إذا سلمتم عليّ فسلّموا على المرسلين فإنما أنا رسول من المرسلين» [[جامع البيان للطبري: 23/ 139.]] [105] . قال أبو العوام: كان قتادة يذكر هذا الحديث إذا تلا هذه الآية: سُبْحانَ رَبِّكَ إلى آخر السورة. وأخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا موسى بن محمد قال: حدّثنا الحسن بن علوية قال: حدّثنا إسماعيل بن عيسى قال: حدّثنا المسيب قال: حدّثنا مطرف عن أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري قال: كان رسول الله صلّى الله عليه يقول قبل أن يسلّم: سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [[مجمع الزوائد: 10/ 103.]] . وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا أحمد بن جعفر بن حمدان قال: حدّثنا إبراهيم بن سهلويه قال: حدّثنا علي بن محمد الطنافسي قال: حدّثنا وكيع عن ثابت بن أبي صفية عن الأصبغ بن نباتة عن علي رضي الله عنه قال: «من أحبّ أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة، فليكن آخر كلامه من مجلسه سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ» [106] [[الأذكار النووية: 299 ح 889.]] . [أخبرنا ابن فنجويه، أخبرنا الحسن المخلدي المقرئ عن أبي الحسن علي بن أحمد عن أبي [عثمان] البصري عن أبي خليفة [الجمحي عن] عبد المؤمن عن إبراهيم بن إسحاق [عن عبد الصمد] عن صالح بن مسافر قال: قرأت على عاصم بن أبي النجود سورة والصافات فلما أتيت على آخرها سكت، فقال: لم؟ اقرأ. فقلت: قد ختمت، قال إني فعلت كما فعلت على أبي عبد الرحمن السلمي، فقال أبو عبد الرحمن: كذلك قال لي عليّ وقال لي: قل: آذنتكم بأذانة المرسلين ولتسئلن عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ [[هكذا وجد هذا الخبر في هامش المخطوط.]] .

الصافات 37:173

وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إِذْ أَبَقَ . هرب إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ، قال ابن عباس ووهب: كان يونس (عليه السلام) قد وعد قومه العذاب فلما تأخر العذاب عنهم خرج كالمنشور [[كذا في المخطوط.]] منهم، فقصد البحر وركب السفينة، فاحتبست السفينة، فقال الملّاحون: هاهنا عبد أبق من سيّده، وهذا رسم السفينة إذا كان فيه آبق لا تجري. فاقترعوا، فوقعت القرعة على يونس، فقالوا: ألا نلقيه في الماء؟ واقترعوا ثانيا وثالثا فوقعت القرعة على يونس، فقال: «أنا الآبق» وزجّ نفسه في الماء، فذلك قوله سبحانه: فَساهَمَ : فقارع، والمساهمة: إلقاء السهام على جهة القرعة. فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ المقروعين المخلوعين المغلوبين. فَالْتَقَمَهُ: فابتلعه والتقمه الْحُوتُ وأوحى الله سبحانه إليه أنّي جعلت بطنك سجنا ولم أجعله لك طعاما، وَهُوَ مُلِيمٌ مذنب، قد أتى بما يلام عليه. فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ المنزّهين الذاكرين لله سبحانه قبل ذلك في حال الرخاء، وقال ابن عباس: من المصلين، وقال مقاتل: من المصلحين المطيعين قبل المعصية، وقال وهب: من العابدين، وقال سعيد بن جبير: يعني قوله لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [[سورة الأنبياء: 87.]] وقال الحسن: ما كانت له صلاة في بطن الحوت ولكنه قدم عملا صالحا، لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ لصار بطن الحوت قبرا له إلى يوم القيامة. فَنَبَذْناهُ: طرحناه بِالْعَراءِ قال الكلبي: يعني وجه الأرض. مقاتل بن حيان: يعني ظهر الأرض. مقاتل بن سليمان بالبراري من الأرض. الأخفش بالفناء الفراء بالأرض الواسعة. السدّي: بالساحل، وأصل العراء الأرض الخالية عن الشجر والنّبات، ومنه قيل للمتجرد: عريان. قال الشاعر: [ترك الهام ... بالعراء ... صار للخير حاصر العبقا] [[هكذا في الأصل.]] وَهُوَ سَقِيمٌ عليل كالفرخ الممغط، واختلفوا في المدة التي لبث يونس (عليه السلام) في بطن الحوت، فقال مقاتل بن حيان: ثلاثة أيام. عطاء: سبعة أيام، ضحاك: عشرين يوما. السدي والكلبي ومقاتل بن سليمان: أربعين يوما. وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ أي له، وقيل: عنده، كقوله: لَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ» أي عندي شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ قال ابن مسعود: يعني القرع. ابن عباس والحسن ومقاتل هو كل نبت يمتد وينبسط على وجه الأرض، ولا يبقى على الشتاء وليس له ساق نحو القثاء والبطيخ والقرع والحنظل. سعيد ابن جبير: هو كل شيء ينبت ثمّ يموت من عامه، وقيل: هو يفعيل من (قطن بالمكان) إذا أقام به إقامة زائل لا إقامة ثابت، وقال مقاتل بن حيان: وكان يستظل بالشجرة، وكانت وعلة تختلف إليه فيشرب من لبنها، وَأَرْسَلْناهُ يجوز أن يكون من حبسه في بطن الحوت، تقدير الآية وقد أرسلناه، ويجوز أن يكون بعده، ويجوز أن يكون إلى قوم آخرين. إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ قال ابن عباس: معناه ويزيدون، قال الشاعر: فلما اشتد أمر الحرب فينا ... تأملنا رياحا أو رزاما [[تفسير القرطبي: 14/ 299.]] أي ورزاما، وقال مقاتل: بل يزيدون. واختلفوا في مبلغ الزيادة على مائة ألف فقال ابن عباس ومقاتل: عشرون ألف. الحسن والربيع: بضع وثلاثون ألفا، ابن حيان: سبعون ألفا، فَآمَنُوا عند معاينة العذاب، فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ انقضاء آجالهم. فَاسْتَفْتِهِمْ: فسل يا محمد أهل مكة أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ وذلك أن جهينة وبني سلمة بن عبد الدار زعموا أنّ الملائكة بنات الله، أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ شاهِدُونَ: حاضرون خلقنا إياهم، نظيره قوله: أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ [[سورة الزخرف: 19.]] . أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ أَصْطَفَى. قرأ العامة بقطع الألف لأنه ألف استفهام دخلت على ألف الوصل فحذفت ألف الوصل وبقيت ألف الاستفهام مفتوحة على حالها مثل أَسْتَكْبَرْتَ [[سورة ص: 75.]] وأَسْتَغْفَرْتَ [[سورة المنافقون: 6.]] وأَذْهَبْتُمْ [[سورة الأحقاف: 20.]] ونحوها. وقرأ أبو جعفر ونافع في بعض الروايات (الكاذبون اصطفى) موصولة على الخبر والحكاية عن قول المشركين، مجازه: لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ ويقولون أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ ثم رجع إلى الخطاب: ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ أَفَلا تَذَكَّرُونَ أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ: برهان بيّن على أنّ الله ولدا فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً : فجعلوا الملائكة بنات الله، فسمّي الملائكة جنّا لاختبائهم عن الأبصار، هذا قول مجاهد وقتادة، وقال ابن عباس: قالوا لحيّ: من الملائكة- يقال لهم: الجنّ ومنهم إبليس- بنات الله. قال الكلبي: قالوا (لعنهم الله) : بل تزوّج من الجن فخرج منها الملائكة، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وقال الحسن: أشركوا الشيطان في عبادة الله فهو النسب الذي جعلوه. وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ يعني قائلي هذا القول لَمُحْضَرُونَ في النار. سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ فإنهم من النار ناجون. فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ يعني الأصنام ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ أي مع ذلك بِفاتِنِينَ: بمضلّين إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ أي إلّا من هو في علم الله وإرادته سيدخل النار. أخبرني ابن فنجويه قال حدّثنا ابن شنبه قال: حدّثنا الفربابي قال: حدّثنا أبو بكر بن شنبه قال: حدّثنا عبد الله بن إدريس عن عمر بن ذر قال: قدمنا على عمر بن عبد العزيز فذكر عنده القدر، فقال عمر بن عبد العزيز: لو أراد الله ألّا يعصى ما خلق إبليس وهو رأس الخطيئة، وإن في ذلك لعلما من كتاب الله، وجهله من جهله وعرفه من عرفه، ثم قرأ فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ، وقد فصلت هذه الآية بين الناس. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شنبه قال: حدّثنا الفربابي قال: حدّثنا إسحاق بن موسى الأنصاري قال: حدّثنا أنس بن عياض قال: حدّثني أبو سهيل نافع بن مالك بن أبي عامر قال: قال لي عمر بن عبد العزيز (من فيه إلى أذني) : ما تقول في الذين يقولون لا قدر؟ قال: أرى أن يستتابوا، فإن تابوا وإلّا ضربت أعناقهم. قال عمر بن عبد العزيز: ذلك الرأي فيهم والله لو لم يكن إلّا هذه الآية الواحدة لكفى بها: فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ. ما مِنَّا إِلَّا لَهُ يعني إلّا من له مَقامٌ مَعْلُومٌ: مكان مخصوص في العبادة. قال ابن عباس: ما في السماوات موضع شبر إلّا وعليه ملك مصلّ أو مسبح، وقال أبو بكر: الوراق: إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ يعبد الله عليه، كالخوف والرجا، والمحبة والرضا، وقال السدي: يعني في القربى والمشاهدة. وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ في الصلاة، وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ وَإِنْ كانُوا وقد كادوا يعني أهل مكة لَيَقُولُونَ لام التأكيد: لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الْأَوَّلِينَ: كتابا مثل كتبهم، لَكُنَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ فَكَفَرُوا بِهِ فيه اختصار تقديره: فلما أتاهم ذلك الكتاب كفروا به. نظيره قوله: أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ [[سورة الأنعام: 157.]] . فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ، وهذا وعيد لهم. وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ، وهي قوله: كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي [[سورة المجادلة: 21.]] . إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ قال ابن عباس: يعني الموت، وقال مجاهد: يعني يوم بدر، وقيل: إلى يوم القيامة، وقال مقاتل بن حيان: نسختها آية القتال. وَأَبْصِرْهُمْ. أنظر إليهم إذا عدوا، وقيل: أبصر حالهم بقليل، وقيل: انتظرهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ما أنكروا: أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ وذلك أنّ رسول الله (عليه السلام) لما أوعدهم العذاب، قالوا: مَتى هذَا الْوَعْدُ؟ فأنزل الله سبحانه هذه الآية. فَإِذا نَزَلَ العذاب بِساحَتِهِمْ: بناحيتهم وفنائهم فَساءَ: فبئس صَباحُ الْمُنْذَرِينَ: الكافرين. أخبرنا أبو عبد الله بن محمد بن عبد الله الزاهد قال: أخبرنا أبو العباس السراح قال: حدّثنا محمد بن رافع قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمّر عن قتادة عن أنس في قوله: فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ قال: لما أتى النبي صلّى الله عليه خيبر فوجدهم حين خرجوا إلى زرعهم ومعهم مساحيهم، فلما رأوه ومعه الجيش نكصوا، فرجعوا إلى حصنهم، فقال النبي عليه السلام: «الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ» [104] [[كتاب المسند للشافعي: 318.]] . وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ تأكيد للأولى. سُبْحانَ رَبِّكَ- إلى آخر السورة- أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا عمر بن الخطاب قال: حدّثنا أبو مسلم: حدّثنا محمد بن إسماعيل بن محمد بن أسد بن عبد الله الأصفهاني قال: حدّثنا أسيد بن عاصم قال: حدّثنا أبو سفيان بن صالح بن مهران قال: حدّثنا نعمان قال: حدّثنا أبو العوام عن قتادة عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلّى الله عليه: «إذا سلمتم عليّ فسلّموا على المرسلين فإنما أنا رسول من المرسلين» [[جامع البيان للطبري: 23/ 139.]] [105] . قال أبو العوام: كان قتادة يذكر هذا الحديث إذا تلا هذه الآية: سُبْحانَ رَبِّكَ إلى آخر السورة. وأخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا موسى بن محمد قال: حدّثنا الحسن بن علوية قال: حدّثنا إسماعيل بن عيسى قال: حدّثنا المسيب قال: حدّثنا مطرف عن أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري قال: كان رسول الله صلّى الله عليه يقول قبل أن يسلّم: سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [[مجمع الزوائد: 10/ 103.]] . وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا أحمد بن جعفر بن حمدان قال: حدّثنا إبراهيم بن سهلويه قال: حدّثنا علي بن محمد الطنافسي قال: حدّثنا وكيع عن ثابت بن أبي صفية عن الأصبغ بن نباتة عن علي رضي الله عنه قال: «من أحبّ أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة، فليكن آخر كلامه من مجلسه سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ» [106] [[الأذكار النووية: 299 ح 889.]] . [أخبرنا ابن فنجويه، أخبرنا الحسن المخلدي المقرئ عن أبي الحسن علي بن أحمد عن أبي [عثمان] البصري عن أبي خليفة [الجمحي عن] عبد المؤمن عن إبراهيم بن إسحاق [عن عبد الصمد] عن صالح بن مسافر قال: قرأت على عاصم بن أبي النجود سورة والصافات فلما أتيت على آخرها سكت، فقال: لم؟ اقرأ. فقلت: قد ختمت، قال إني فعلت كما فعلت على أبي عبد الرحمن السلمي، فقال أبو عبد الرحمن: كذلك قال لي عليّ وقال لي: قل: آذنتكم بأذانة المرسلين ولتسئلن عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ [[هكذا وجد هذا الخبر في هامش المخطوط.]] .

الصافات 37:174

وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إِذْ أَبَقَ . هرب إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ، قال ابن عباس ووهب: كان يونس (عليه السلام) قد وعد قومه العذاب فلما تأخر العذاب عنهم خرج كالمنشور [[كذا في المخطوط.]] منهم، فقصد البحر وركب السفينة، فاحتبست السفينة، فقال الملّاحون: هاهنا عبد أبق من سيّده، وهذا رسم السفينة إذا كان فيه آبق لا تجري. فاقترعوا، فوقعت القرعة على يونس، فقالوا: ألا نلقيه في الماء؟ واقترعوا ثانيا وثالثا فوقعت القرعة على يونس، فقال: «أنا الآبق» وزجّ نفسه في الماء، فذلك قوله سبحانه: فَساهَمَ : فقارع، والمساهمة: إلقاء السهام على جهة القرعة. فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ المقروعين المخلوعين المغلوبين. فَالْتَقَمَهُ: فابتلعه والتقمه الْحُوتُ وأوحى الله سبحانه إليه أنّي جعلت بطنك سجنا ولم أجعله لك طعاما، وَهُوَ مُلِيمٌ مذنب، قد أتى بما يلام عليه. فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ المنزّهين الذاكرين لله سبحانه قبل ذلك في حال الرخاء، وقال ابن عباس: من المصلين، وقال مقاتل: من المصلحين المطيعين قبل المعصية، وقال وهب: من العابدين، وقال سعيد بن جبير: يعني قوله لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [[سورة الأنبياء: 87.]] وقال الحسن: ما كانت له صلاة في بطن الحوت ولكنه قدم عملا صالحا، لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ لصار بطن الحوت قبرا له إلى يوم القيامة. فَنَبَذْناهُ: طرحناه بِالْعَراءِ قال الكلبي: يعني وجه الأرض. مقاتل بن حيان: يعني ظهر الأرض. مقاتل بن سليمان بالبراري من الأرض. الأخفش بالفناء الفراء بالأرض الواسعة. السدّي: بالساحل، وأصل العراء الأرض الخالية عن الشجر والنّبات، ومنه قيل للمتجرد: عريان. قال الشاعر: [ترك الهام ... بالعراء ... صار للخير حاصر العبقا] [[هكذا في الأصل.]] وَهُوَ سَقِيمٌ عليل كالفرخ الممغط، واختلفوا في المدة التي لبث يونس (عليه السلام) في بطن الحوت، فقال مقاتل بن حيان: ثلاثة أيام. عطاء: سبعة أيام، ضحاك: عشرين يوما. السدي والكلبي ومقاتل بن سليمان: أربعين يوما. وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ أي له، وقيل: عنده، كقوله: لَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ» أي عندي شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ قال ابن مسعود: يعني القرع. ابن عباس والحسن ومقاتل هو كل نبت يمتد وينبسط على وجه الأرض، ولا يبقى على الشتاء وليس له ساق نحو القثاء والبطيخ والقرع والحنظل. سعيد ابن جبير: هو كل شيء ينبت ثمّ يموت من عامه، وقيل: هو يفعيل من (قطن بالمكان) إذا أقام به إقامة زائل لا إقامة ثابت، وقال مقاتل بن حيان: وكان يستظل بالشجرة، وكانت وعلة تختلف إليه فيشرب من لبنها، وَأَرْسَلْناهُ يجوز أن يكون من حبسه في بطن الحوت، تقدير الآية وقد أرسلناه، ويجوز أن يكون بعده، ويجوز أن يكون إلى قوم آخرين. إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ قال ابن عباس: معناه ويزيدون، قال الشاعر: فلما اشتد أمر الحرب فينا ... تأملنا رياحا أو رزاما [[تفسير القرطبي: 14/ 299.]] أي ورزاما، وقال مقاتل: بل يزيدون. واختلفوا في مبلغ الزيادة على مائة ألف فقال ابن عباس ومقاتل: عشرون ألف. الحسن والربيع: بضع وثلاثون ألفا، ابن حيان: سبعون ألفا، فَآمَنُوا عند معاينة العذاب، فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ انقضاء آجالهم. فَاسْتَفْتِهِمْ: فسل يا محمد أهل مكة أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ وذلك أن جهينة وبني سلمة بن عبد الدار زعموا أنّ الملائكة بنات الله، أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ شاهِدُونَ: حاضرون خلقنا إياهم، نظيره قوله: أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ [[سورة الزخرف: 19.]] . أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ أَصْطَفَى. قرأ العامة بقطع الألف لأنه ألف استفهام دخلت على ألف الوصل فحذفت ألف الوصل وبقيت ألف الاستفهام مفتوحة على حالها مثل أَسْتَكْبَرْتَ [[سورة ص: 75.]] وأَسْتَغْفَرْتَ [[سورة المنافقون: 6.]] وأَذْهَبْتُمْ [[سورة الأحقاف: 20.]] ونحوها. وقرأ أبو جعفر ونافع في بعض الروايات (الكاذبون اصطفى) موصولة على الخبر والحكاية عن قول المشركين، مجازه: لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ ويقولون أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ ثم رجع إلى الخطاب: ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ أَفَلا تَذَكَّرُونَ أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ: برهان بيّن على أنّ الله ولدا فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً : فجعلوا الملائكة بنات الله، فسمّي الملائكة جنّا لاختبائهم عن الأبصار، هذا قول مجاهد وقتادة، وقال ابن عباس: قالوا لحيّ: من الملائكة- يقال لهم: الجنّ ومنهم إبليس- بنات الله. قال الكلبي: قالوا (لعنهم الله) : بل تزوّج من الجن فخرج منها الملائكة، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وقال الحسن: أشركوا الشيطان في عبادة الله فهو النسب الذي جعلوه. وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ يعني قائلي هذا القول لَمُحْضَرُونَ في النار. سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ فإنهم من النار ناجون. فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ يعني الأصنام ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ أي مع ذلك بِفاتِنِينَ: بمضلّين إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ أي إلّا من هو في علم الله وإرادته سيدخل النار. أخبرني ابن فنجويه قال حدّثنا ابن شنبه قال: حدّثنا الفربابي قال: حدّثنا أبو بكر بن شنبه قال: حدّثنا عبد الله بن إدريس عن عمر بن ذر قال: قدمنا على عمر بن عبد العزيز فذكر عنده القدر، فقال عمر بن عبد العزيز: لو أراد الله ألّا يعصى ما خلق إبليس وهو رأس الخطيئة، وإن في ذلك لعلما من كتاب الله، وجهله من جهله وعرفه من عرفه، ثم قرأ فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ، وقد فصلت هذه الآية بين الناس. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شنبه قال: حدّثنا الفربابي قال: حدّثنا إسحاق بن موسى الأنصاري قال: حدّثنا أنس بن عياض قال: حدّثني أبو سهيل نافع بن مالك بن أبي عامر قال: قال لي عمر بن عبد العزيز (من فيه إلى أذني) : ما تقول في الذين يقولون لا قدر؟ قال: أرى أن يستتابوا، فإن تابوا وإلّا ضربت أعناقهم. قال عمر بن عبد العزيز: ذلك الرأي فيهم والله لو لم يكن إلّا هذه الآية الواحدة لكفى بها: فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ. ما مِنَّا إِلَّا لَهُ يعني إلّا من له مَقامٌ مَعْلُومٌ: مكان مخصوص في العبادة. قال ابن عباس: ما في السماوات موضع شبر إلّا وعليه ملك مصلّ أو مسبح، وقال أبو بكر: الوراق: إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ يعبد الله عليه، كالخوف والرجا، والمحبة والرضا، وقال السدي: يعني في القربى والمشاهدة. وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ في الصلاة، وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ وَإِنْ كانُوا وقد كادوا يعني أهل مكة لَيَقُولُونَ لام التأكيد: لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الْأَوَّلِينَ: كتابا مثل كتبهم، لَكُنَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ فَكَفَرُوا بِهِ فيه اختصار تقديره: فلما أتاهم ذلك الكتاب كفروا به. نظيره قوله: أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ [[سورة الأنعام: 157.]] . فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ، وهذا وعيد لهم. وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ، وهي قوله: كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي [[سورة المجادلة: 21.]] . إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ قال ابن عباس: يعني الموت، وقال مجاهد: يعني يوم بدر، وقيل: إلى يوم القيامة، وقال مقاتل بن حيان: نسختها آية القتال. وَأَبْصِرْهُمْ. أنظر إليهم إذا عدوا، وقيل: أبصر حالهم بقليل، وقيل: انتظرهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ما أنكروا: أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ وذلك أنّ رسول الله (عليه السلام) لما أوعدهم العذاب، قالوا: مَتى هذَا الْوَعْدُ؟ فأنزل الله سبحانه هذه الآية. فَإِذا نَزَلَ العذاب بِساحَتِهِمْ: بناحيتهم وفنائهم فَساءَ: فبئس صَباحُ الْمُنْذَرِينَ: الكافرين. أخبرنا أبو عبد الله بن محمد بن عبد الله الزاهد قال: أخبرنا أبو العباس السراح قال: حدّثنا محمد بن رافع قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمّر عن قتادة عن أنس في قوله: فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ قال: لما أتى النبي صلّى الله عليه خيبر فوجدهم حين خرجوا إلى زرعهم ومعهم مساحيهم، فلما رأوه ومعه الجيش نكصوا، فرجعوا إلى حصنهم، فقال النبي عليه السلام: «الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ» [104] [[كتاب المسند للشافعي: 318.]] . وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ تأكيد للأولى. سُبْحانَ رَبِّكَ- إلى آخر السورة- أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا عمر بن الخطاب قال: حدّثنا أبو مسلم: حدّثنا محمد بن إسماعيل بن محمد بن أسد بن عبد الله الأصفهاني قال: حدّثنا أسيد بن عاصم قال: حدّثنا أبو سفيان بن صالح بن مهران قال: حدّثنا نعمان قال: حدّثنا أبو العوام عن قتادة عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلّى الله عليه: «إذا سلمتم عليّ فسلّموا على المرسلين فإنما أنا رسول من المرسلين» [[جامع البيان للطبري: 23/ 139.]] [105] . قال أبو العوام: كان قتادة يذكر هذا الحديث إذا تلا هذه الآية: سُبْحانَ رَبِّكَ إلى آخر السورة. وأخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا موسى بن محمد قال: حدّثنا الحسن بن علوية قال: حدّثنا إسماعيل بن عيسى قال: حدّثنا المسيب قال: حدّثنا مطرف عن أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري قال: كان رسول الله صلّى الله عليه يقول قبل أن يسلّم: سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [[مجمع الزوائد: 10/ 103.]] . وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا أحمد بن جعفر بن حمدان قال: حدّثنا إبراهيم بن سهلويه قال: حدّثنا علي بن محمد الطنافسي قال: حدّثنا وكيع عن ثابت بن أبي صفية عن الأصبغ بن نباتة عن علي رضي الله عنه قال: «من أحبّ أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة، فليكن آخر كلامه من مجلسه سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ» [106] [[الأذكار النووية: 299 ح 889.]] . [أخبرنا ابن فنجويه، أخبرنا الحسن المخلدي المقرئ عن أبي الحسن علي بن أحمد عن أبي [عثمان] البصري عن أبي خليفة [الجمحي عن] عبد المؤمن عن إبراهيم بن إسحاق [عن عبد الصمد] عن صالح بن مسافر قال: قرأت على عاصم بن أبي النجود سورة والصافات فلما أتيت على آخرها سكت، فقال: لم؟ اقرأ. فقلت: قد ختمت، قال إني فعلت كما فعلت على أبي عبد الرحمن السلمي، فقال أبو عبد الرحمن: كذلك قال لي عليّ وقال لي: قل: آذنتكم بأذانة المرسلين ولتسئلن عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ [[هكذا وجد هذا الخبر في هامش المخطوط.]] .

الصافات 37:175

وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إِذْ أَبَقَ . هرب إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ، قال ابن عباس ووهب: كان يونس (عليه السلام) قد وعد قومه العذاب فلما تأخر العذاب عنهم خرج كالمنشور [[كذا في المخطوط.]] منهم، فقصد البحر وركب السفينة، فاحتبست السفينة، فقال الملّاحون: هاهنا عبد أبق من سيّده، وهذا رسم السفينة إذا كان فيه آبق لا تجري. فاقترعوا، فوقعت القرعة على يونس، فقالوا: ألا نلقيه في الماء؟ واقترعوا ثانيا وثالثا فوقعت القرعة على يونس، فقال: «أنا الآبق» وزجّ نفسه في الماء، فذلك قوله سبحانه: فَساهَمَ : فقارع، والمساهمة: إلقاء السهام على جهة القرعة. فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ المقروعين المخلوعين المغلوبين. فَالْتَقَمَهُ: فابتلعه والتقمه الْحُوتُ وأوحى الله سبحانه إليه أنّي جعلت بطنك سجنا ولم أجعله لك طعاما، وَهُوَ مُلِيمٌ مذنب، قد أتى بما يلام عليه. فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ المنزّهين الذاكرين لله سبحانه قبل ذلك في حال الرخاء، وقال ابن عباس: من المصلين، وقال مقاتل: من المصلحين المطيعين قبل المعصية، وقال وهب: من العابدين، وقال سعيد بن جبير: يعني قوله لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [[سورة الأنبياء: 87.]] وقال الحسن: ما كانت له صلاة في بطن الحوت ولكنه قدم عملا صالحا، لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ لصار بطن الحوت قبرا له إلى يوم القيامة. فَنَبَذْناهُ: طرحناه بِالْعَراءِ قال الكلبي: يعني وجه الأرض. مقاتل بن حيان: يعني ظهر الأرض. مقاتل بن سليمان بالبراري من الأرض. الأخفش بالفناء الفراء بالأرض الواسعة. السدّي: بالساحل، وأصل العراء الأرض الخالية عن الشجر والنّبات، ومنه قيل للمتجرد: عريان. قال الشاعر: [ترك الهام ... بالعراء ... صار للخير حاصر العبقا] [[هكذا في الأصل.]] وَهُوَ سَقِيمٌ عليل كالفرخ الممغط، واختلفوا في المدة التي لبث يونس (عليه السلام) في بطن الحوت، فقال مقاتل بن حيان: ثلاثة أيام. عطاء: سبعة أيام، ضحاك: عشرين يوما. السدي والكلبي ومقاتل بن سليمان: أربعين يوما. وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ أي له، وقيل: عنده، كقوله: لَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ» أي عندي شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ قال ابن مسعود: يعني القرع. ابن عباس والحسن ومقاتل هو كل نبت يمتد وينبسط على وجه الأرض، ولا يبقى على الشتاء وليس له ساق نحو القثاء والبطيخ والقرع والحنظل. سعيد ابن جبير: هو كل شيء ينبت ثمّ يموت من عامه، وقيل: هو يفعيل من (قطن بالمكان) إذا أقام به إقامة زائل لا إقامة ثابت، وقال مقاتل بن حيان: وكان يستظل بالشجرة، وكانت وعلة تختلف إليه فيشرب من لبنها، وَأَرْسَلْناهُ يجوز أن يكون من حبسه في بطن الحوت، تقدير الآية وقد أرسلناه، ويجوز أن يكون بعده، ويجوز أن يكون إلى قوم آخرين. إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ قال ابن عباس: معناه ويزيدون، قال الشاعر: فلما اشتد أمر الحرب فينا ... تأملنا رياحا أو رزاما [[تفسير القرطبي: 14/ 299.]] أي ورزاما، وقال مقاتل: بل يزيدون. واختلفوا في مبلغ الزيادة على مائة ألف فقال ابن عباس ومقاتل: عشرون ألف. الحسن والربيع: بضع وثلاثون ألفا، ابن حيان: سبعون ألفا، فَآمَنُوا عند معاينة العذاب، فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ انقضاء آجالهم. فَاسْتَفْتِهِمْ: فسل يا محمد أهل مكة أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ وذلك أن جهينة وبني سلمة بن عبد الدار زعموا أنّ الملائكة بنات الله، أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ شاهِدُونَ: حاضرون خلقنا إياهم، نظيره قوله: أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ [[سورة الزخرف: 19.]] . أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ أَصْطَفَى. قرأ العامة بقطع الألف لأنه ألف استفهام دخلت على ألف الوصل فحذفت ألف الوصل وبقيت ألف الاستفهام مفتوحة على حالها مثل أَسْتَكْبَرْتَ [[سورة ص: 75.]] وأَسْتَغْفَرْتَ [[سورة المنافقون: 6.]] وأَذْهَبْتُمْ [[سورة الأحقاف: 20.]] ونحوها. وقرأ أبو جعفر ونافع في بعض الروايات (الكاذبون اصطفى) موصولة على الخبر والحكاية عن قول المشركين، مجازه: لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ ويقولون أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ ثم رجع إلى الخطاب: ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ أَفَلا تَذَكَّرُونَ أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ: برهان بيّن على أنّ الله ولدا فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً : فجعلوا الملائكة بنات الله، فسمّي الملائكة جنّا لاختبائهم عن الأبصار، هذا قول مجاهد وقتادة، وقال ابن عباس: قالوا لحيّ: من الملائكة- يقال لهم: الجنّ ومنهم إبليس- بنات الله. قال الكلبي: قالوا (لعنهم الله) : بل تزوّج من الجن فخرج منها الملائكة، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وقال الحسن: أشركوا الشيطان في عبادة الله فهو النسب الذي جعلوه. وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ يعني قائلي هذا القول لَمُحْضَرُونَ في النار. سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ فإنهم من النار ناجون. فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ يعني الأصنام ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ أي مع ذلك بِفاتِنِينَ: بمضلّين إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ أي إلّا من هو في علم الله وإرادته سيدخل النار. أخبرني ابن فنجويه قال حدّثنا ابن شنبه قال: حدّثنا الفربابي قال: حدّثنا أبو بكر بن شنبه قال: حدّثنا عبد الله بن إدريس عن عمر بن ذر قال: قدمنا على عمر بن عبد العزيز فذكر عنده القدر، فقال عمر بن عبد العزيز: لو أراد الله ألّا يعصى ما خلق إبليس وهو رأس الخطيئة، وإن في ذلك لعلما من كتاب الله، وجهله من جهله وعرفه من عرفه، ثم قرأ فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ، وقد فصلت هذه الآية بين الناس. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شنبه قال: حدّثنا الفربابي قال: حدّثنا إسحاق بن موسى الأنصاري قال: حدّثنا أنس بن عياض قال: حدّثني أبو سهيل نافع بن مالك بن أبي عامر قال: قال لي عمر بن عبد العزيز (من فيه إلى أذني) : ما تقول في الذين يقولون لا قدر؟ قال: أرى أن يستتابوا، فإن تابوا وإلّا ضربت أعناقهم. قال عمر بن عبد العزيز: ذلك الرأي فيهم والله لو لم يكن إلّا هذه الآية الواحدة لكفى بها: فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ. ما مِنَّا إِلَّا لَهُ يعني إلّا من له مَقامٌ مَعْلُومٌ: مكان مخصوص في العبادة. قال ابن عباس: ما في السماوات موضع شبر إلّا وعليه ملك مصلّ أو مسبح، وقال أبو بكر: الوراق: إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ يعبد الله عليه، كالخوف والرجا، والمحبة والرضا، وقال السدي: يعني في القربى والمشاهدة. وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ في الصلاة، وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ وَإِنْ كانُوا وقد كادوا يعني أهل مكة لَيَقُولُونَ لام التأكيد: لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الْأَوَّلِينَ: كتابا مثل كتبهم، لَكُنَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ فَكَفَرُوا بِهِ فيه اختصار تقديره: فلما أتاهم ذلك الكتاب كفروا به. نظيره قوله: أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ [[سورة الأنعام: 157.]] . فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ، وهذا وعيد لهم. وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ، وهي قوله: كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي [[سورة المجادلة: 21.]] . إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ قال ابن عباس: يعني الموت، وقال مجاهد: يعني يوم بدر، وقيل: إلى يوم القيامة، وقال مقاتل بن حيان: نسختها آية القتال. وَأَبْصِرْهُمْ. أنظر إليهم إذا عدوا، وقيل: أبصر حالهم بقليل، وقيل: انتظرهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ما أنكروا: أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ وذلك أنّ رسول الله (عليه السلام) لما أوعدهم العذاب، قالوا: مَتى هذَا الْوَعْدُ؟ فأنزل الله سبحانه هذه الآية. فَإِذا نَزَلَ العذاب بِساحَتِهِمْ: بناحيتهم وفنائهم فَساءَ: فبئس صَباحُ الْمُنْذَرِينَ: الكافرين. أخبرنا أبو عبد الله بن محمد بن عبد الله الزاهد قال: أخبرنا أبو العباس السراح قال: حدّثنا محمد بن رافع قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمّر عن قتادة عن أنس في قوله: فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ قال: لما أتى النبي صلّى الله عليه خيبر فوجدهم حين خرجوا إلى زرعهم ومعهم مساحيهم، فلما رأوه ومعه الجيش نكصوا، فرجعوا إلى حصنهم، فقال النبي عليه السلام: «الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ» [104] [[كتاب المسند للشافعي: 318.]] . وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ تأكيد للأولى. سُبْحانَ رَبِّكَ- إلى آخر السورة- أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا عمر بن الخطاب قال: حدّثنا أبو مسلم: حدّثنا محمد بن إسماعيل بن محمد بن أسد بن عبد الله الأصفهاني قال: حدّثنا أسيد بن عاصم قال: حدّثنا أبو سفيان بن صالح بن مهران قال: حدّثنا نعمان قال: حدّثنا أبو العوام عن قتادة عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلّى الله عليه: «إذا سلمتم عليّ فسلّموا على المرسلين فإنما أنا رسول من المرسلين» [[جامع البيان للطبري: 23/ 139.]] [105] . قال أبو العوام: كان قتادة يذكر هذا الحديث إذا تلا هذه الآية: سُبْحانَ رَبِّكَ إلى آخر السورة. وأخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا موسى بن محمد قال: حدّثنا الحسن بن علوية قال: حدّثنا إسماعيل بن عيسى قال: حدّثنا المسيب قال: حدّثنا مطرف عن أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري قال: كان رسول الله صلّى الله عليه يقول قبل أن يسلّم: سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [[مجمع الزوائد: 10/ 103.]] . وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا أحمد بن جعفر بن حمدان قال: حدّثنا إبراهيم بن سهلويه قال: حدّثنا علي بن محمد الطنافسي قال: حدّثنا وكيع عن ثابت بن أبي صفية عن الأصبغ بن نباتة عن علي رضي الله عنه قال: «من أحبّ أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة، فليكن آخر كلامه من مجلسه سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ» [106] [[الأذكار النووية: 299 ح 889.]] . [أخبرنا ابن فنجويه، أخبرنا الحسن المخلدي المقرئ عن أبي الحسن علي بن أحمد عن أبي [عثمان] البصري عن أبي خليفة [الجمحي عن] عبد المؤمن عن إبراهيم بن إسحاق [عن عبد الصمد] عن صالح بن مسافر قال: قرأت على عاصم بن أبي النجود سورة والصافات فلما أتيت على آخرها سكت، فقال: لم؟ اقرأ. فقلت: قد ختمت، قال إني فعلت كما فعلت على أبي عبد الرحمن السلمي، فقال أبو عبد الرحمن: كذلك قال لي عليّ وقال لي: قل: آذنتكم بأذانة المرسلين ولتسئلن عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ [[هكذا وجد هذا الخبر في هامش المخطوط.]] .

الصافات 37:176

وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إِذْ أَبَقَ . هرب إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ، قال ابن عباس ووهب: كان يونس (عليه السلام) قد وعد قومه العذاب فلما تأخر العذاب عنهم خرج كالمنشور [[كذا في المخطوط.]] منهم، فقصد البحر وركب السفينة، فاحتبست السفينة، فقال الملّاحون: هاهنا عبد أبق من سيّده، وهذا رسم السفينة إذا كان فيه آبق لا تجري. فاقترعوا، فوقعت القرعة على يونس، فقالوا: ألا نلقيه في الماء؟ واقترعوا ثانيا وثالثا فوقعت القرعة على يونس، فقال: «أنا الآبق» وزجّ نفسه في الماء، فذلك قوله سبحانه: فَساهَمَ : فقارع، والمساهمة: إلقاء السهام على جهة القرعة. فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ المقروعين المخلوعين المغلوبين. فَالْتَقَمَهُ: فابتلعه والتقمه الْحُوتُ وأوحى الله سبحانه إليه أنّي جعلت بطنك سجنا ولم أجعله لك طعاما، وَهُوَ مُلِيمٌ مذنب، قد أتى بما يلام عليه. فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ المنزّهين الذاكرين لله سبحانه قبل ذلك في حال الرخاء، وقال ابن عباس: من المصلين، وقال مقاتل: من المصلحين المطيعين قبل المعصية، وقال وهب: من العابدين، وقال سعيد بن جبير: يعني قوله لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [[سورة الأنبياء: 87.]] وقال الحسن: ما كانت له صلاة في بطن الحوت ولكنه قدم عملا صالحا، لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ لصار بطن الحوت قبرا له إلى يوم القيامة. فَنَبَذْناهُ: طرحناه بِالْعَراءِ قال الكلبي: يعني وجه الأرض. مقاتل بن حيان: يعني ظهر الأرض. مقاتل بن سليمان بالبراري من الأرض. الأخفش بالفناء الفراء بالأرض الواسعة. السدّي: بالساحل، وأصل العراء الأرض الخالية عن الشجر والنّبات، ومنه قيل للمتجرد: عريان. قال الشاعر: [ترك الهام ... بالعراء ... صار للخير حاصر العبقا] [[هكذا في الأصل.]] وَهُوَ سَقِيمٌ عليل كالفرخ الممغط، واختلفوا في المدة التي لبث يونس (عليه السلام) في بطن الحوت، فقال مقاتل بن حيان: ثلاثة أيام. عطاء: سبعة أيام، ضحاك: عشرين يوما. السدي والكلبي ومقاتل بن سليمان: أربعين يوما. وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ أي له، وقيل: عنده، كقوله: لَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ» أي عندي شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ قال ابن مسعود: يعني القرع. ابن عباس والحسن ومقاتل هو كل نبت يمتد وينبسط على وجه الأرض، ولا يبقى على الشتاء وليس له ساق نحو القثاء والبطيخ والقرع والحنظل. سعيد ابن جبير: هو كل شيء ينبت ثمّ يموت من عامه، وقيل: هو يفعيل من (قطن بالمكان) إذا أقام به إقامة زائل لا إقامة ثابت، وقال مقاتل بن حيان: وكان يستظل بالشجرة، وكانت وعلة تختلف إليه فيشرب من لبنها، وَأَرْسَلْناهُ يجوز أن يكون من حبسه في بطن الحوت، تقدير الآية وقد أرسلناه، ويجوز أن يكون بعده، ويجوز أن يكون إلى قوم آخرين. إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ قال ابن عباس: معناه ويزيدون، قال الشاعر: فلما اشتد أمر الحرب فينا ... تأملنا رياحا أو رزاما [[تفسير القرطبي: 14/ 299.]] أي ورزاما، وقال مقاتل: بل يزيدون. واختلفوا في مبلغ الزيادة على مائة ألف فقال ابن عباس ومقاتل: عشرون ألف. الحسن والربيع: بضع وثلاثون ألفا، ابن حيان: سبعون ألفا، فَآمَنُوا عند معاينة العذاب، فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ انقضاء آجالهم. فَاسْتَفْتِهِمْ: فسل يا محمد أهل مكة أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ وذلك أن جهينة وبني سلمة بن عبد الدار زعموا أنّ الملائكة بنات الله، أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ شاهِدُونَ: حاضرون خلقنا إياهم، نظيره قوله: أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ [[سورة الزخرف: 19.]] . أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ أَصْطَفَى. قرأ العامة بقطع الألف لأنه ألف استفهام دخلت على ألف الوصل فحذفت ألف الوصل وبقيت ألف الاستفهام مفتوحة على حالها مثل أَسْتَكْبَرْتَ [[سورة ص: 75.]] وأَسْتَغْفَرْتَ [[سورة المنافقون: 6.]] وأَذْهَبْتُمْ [[سورة الأحقاف: 20.]] ونحوها. وقرأ أبو جعفر ونافع في بعض الروايات (الكاذبون اصطفى) موصولة على الخبر والحكاية عن قول المشركين، مجازه: لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ ويقولون أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ ثم رجع إلى الخطاب: ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ أَفَلا تَذَكَّرُونَ أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ: برهان بيّن على أنّ الله ولدا فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً : فجعلوا الملائكة بنات الله، فسمّي الملائكة جنّا لاختبائهم عن الأبصار، هذا قول مجاهد وقتادة، وقال ابن عباس: قالوا لحيّ: من الملائكة- يقال لهم: الجنّ ومنهم إبليس- بنات الله. قال الكلبي: قالوا (لعنهم الله) : بل تزوّج من الجن فخرج منها الملائكة، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وقال الحسن: أشركوا الشيطان في عبادة الله فهو النسب الذي جعلوه. وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ يعني قائلي هذا القول لَمُحْضَرُونَ في النار. سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ فإنهم من النار ناجون. فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ يعني الأصنام ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ أي مع ذلك بِفاتِنِينَ: بمضلّين إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ أي إلّا من هو في علم الله وإرادته سيدخل النار. أخبرني ابن فنجويه قال حدّثنا ابن شنبه قال: حدّثنا الفربابي قال: حدّثنا أبو بكر بن شنبه قال: حدّثنا عبد الله بن إدريس عن عمر بن ذر قال: قدمنا على عمر بن عبد العزيز فذكر عنده القدر، فقال عمر بن عبد العزيز: لو أراد الله ألّا يعصى ما خلق إبليس وهو رأس الخطيئة، وإن في ذلك لعلما من كتاب الله، وجهله من جهله وعرفه من عرفه، ثم قرأ فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ، وقد فصلت هذه الآية بين الناس. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شنبه قال: حدّثنا الفربابي قال: حدّثنا إسحاق بن موسى الأنصاري قال: حدّثنا أنس بن عياض قال: حدّثني أبو سهيل نافع بن مالك بن أبي عامر قال: قال لي عمر بن عبد العزيز (من فيه إلى أذني) : ما تقول في الذين يقولون لا قدر؟ قال: أرى أن يستتابوا، فإن تابوا وإلّا ضربت أعناقهم. قال عمر بن عبد العزيز: ذلك الرأي فيهم والله لو لم يكن إلّا هذه الآية الواحدة لكفى بها: فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ. ما مِنَّا إِلَّا لَهُ يعني إلّا من له مَقامٌ مَعْلُومٌ: مكان مخصوص في العبادة. قال ابن عباس: ما في السماوات موضع شبر إلّا وعليه ملك مصلّ أو مسبح، وقال أبو بكر: الوراق: إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ يعبد الله عليه، كالخوف والرجا، والمحبة والرضا، وقال السدي: يعني في القربى والمشاهدة. وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ في الصلاة، وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ وَإِنْ كانُوا وقد كادوا يعني أهل مكة لَيَقُولُونَ لام التأكيد: لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الْأَوَّلِينَ: كتابا مثل كتبهم، لَكُنَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ فَكَفَرُوا بِهِ فيه اختصار تقديره: فلما أتاهم ذلك الكتاب كفروا به. نظيره قوله: أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ [[سورة الأنعام: 157.]] . فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ، وهذا وعيد لهم. وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ، وهي قوله: كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي [[سورة المجادلة: 21.]] . إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ قال ابن عباس: يعني الموت، وقال مجاهد: يعني يوم بدر، وقيل: إلى يوم القيامة، وقال مقاتل بن حيان: نسختها آية القتال. وَأَبْصِرْهُمْ. أنظر إليهم إذا عدوا، وقيل: أبصر حالهم بقليل، وقيل: انتظرهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ما أنكروا: أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ وذلك أنّ رسول الله (عليه السلام) لما أوعدهم العذاب، قالوا: مَتى هذَا الْوَعْدُ؟ فأنزل الله سبحانه هذه الآية. فَإِذا نَزَلَ العذاب بِساحَتِهِمْ: بناحيتهم وفنائهم فَساءَ: فبئس صَباحُ الْمُنْذَرِينَ: الكافرين. أخبرنا أبو عبد الله بن محمد بن عبد الله الزاهد قال: أخبرنا أبو العباس السراح قال: حدّثنا محمد بن رافع قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمّر عن قتادة عن أنس في قوله: فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ قال: لما أتى النبي صلّى الله عليه خيبر فوجدهم حين خرجوا إلى زرعهم ومعهم مساحيهم، فلما رأوه ومعه الجيش نكصوا، فرجعوا إلى حصنهم، فقال النبي عليه السلام: «الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ» [104] [[كتاب المسند للشافعي: 318.]] . وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ تأكيد للأولى. سُبْحانَ رَبِّكَ- إلى آخر السورة- أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا عمر بن الخطاب قال: حدّثنا أبو مسلم: حدّثنا محمد بن إسماعيل بن محمد بن أسد بن عبد الله الأصفهاني قال: حدّثنا أسيد بن عاصم قال: حدّثنا أبو سفيان بن صالح بن مهران قال: حدّثنا نعمان قال: حدّثنا أبو العوام عن قتادة عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلّى الله عليه: «إذا سلمتم عليّ فسلّموا على المرسلين فإنما أنا رسول من المرسلين» [[جامع البيان للطبري: 23/ 139.]] [105] . قال أبو العوام: كان قتادة يذكر هذا الحديث إذا تلا هذه الآية: سُبْحانَ رَبِّكَ إلى آخر السورة. وأخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا موسى بن محمد قال: حدّثنا الحسن بن علوية قال: حدّثنا إسماعيل بن عيسى قال: حدّثنا المسيب قال: حدّثنا مطرف عن أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري قال: كان رسول الله صلّى الله عليه يقول قبل أن يسلّم: سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [[مجمع الزوائد: 10/ 103.]] . وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا أحمد بن جعفر بن حمدان قال: حدّثنا إبراهيم بن سهلويه قال: حدّثنا علي بن محمد الطنافسي قال: حدّثنا وكيع عن ثابت بن أبي صفية عن الأصبغ بن نباتة عن علي رضي الله عنه قال: «من أحبّ أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة، فليكن آخر كلامه من مجلسه سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ» [106] [[الأذكار النووية: 299 ح 889.]] . [أخبرنا ابن فنجويه، أخبرنا الحسن المخلدي المقرئ عن أبي الحسن علي بن أحمد عن أبي [عثمان] البصري عن أبي خليفة [الجمحي عن] عبد المؤمن عن إبراهيم بن إسحاق [عن عبد الصمد] عن صالح بن مسافر قال: قرأت على عاصم بن أبي النجود سورة والصافات فلما أتيت على آخرها سكت، فقال: لم؟ اقرأ. فقلت: قد ختمت، قال إني فعلت كما فعلت على أبي عبد الرحمن السلمي، فقال أبو عبد الرحمن: كذلك قال لي عليّ وقال لي: قل: آذنتكم بأذانة المرسلين ولتسئلن عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ [[هكذا وجد هذا الخبر في هامش المخطوط.]] .

الصافات 37:177

وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إِذْ أَبَقَ . هرب إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ، قال ابن عباس ووهب: كان يونس (عليه السلام) قد وعد قومه العذاب فلما تأخر العذاب عنهم خرج كالمنشور [[كذا في المخطوط.]] منهم، فقصد البحر وركب السفينة، فاحتبست السفينة، فقال الملّاحون: هاهنا عبد أبق من سيّده، وهذا رسم السفينة إذا كان فيه آبق لا تجري. فاقترعوا، فوقعت القرعة على يونس، فقالوا: ألا نلقيه في الماء؟ واقترعوا ثانيا وثالثا فوقعت القرعة على يونس، فقال: «أنا الآبق» وزجّ نفسه في الماء، فذلك قوله سبحانه: فَساهَمَ : فقارع، والمساهمة: إلقاء السهام على جهة القرعة. فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ المقروعين المخلوعين المغلوبين. فَالْتَقَمَهُ: فابتلعه والتقمه الْحُوتُ وأوحى الله سبحانه إليه أنّي جعلت بطنك سجنا ولم أجعله لك طعاما، وَهُوَ مُلِيمٌ مذنب، قد أتى بما يلام عليه. فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ المنزّهين الذاكرين لله سبحانه قبل ذلك في حال الرخاء، وقال ابن عباس: من المصلين، وقال مقاتل: من المصلحين المطيعين قبل المعصية، وقال وهب: من العابدين، وقال سعيد بن جبير: يعني قوله لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [[سورة الأنبياء: 87.]] وقال الحسن: ما كانت له صلاة في بطن الحوت ولكنه قدم عملا صالحا، لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ لصار بطن الحوت قبرا له إلى يوم القيامة. فَنَبَذْناهُ: طرحناه بِالْعَراءِ قال الكلبي: يعني وجه الأرض. مقاتل بن حيان: يعني ظهر الأرض. مقاتل بن سليمان بالبراري من الأرض. الأخفش بالفناء الفراء بالأرض الواسعة. السدّي: بالساحل، وأصل العراء الأرض الخالية عن الشجر والنّبات، ومنه قيل للمتجرد: عريان. قال الشاعر: [ترك الهام ... بالعراء ... صار للخير حاصر العبقا] [[هكذا في الأصل.]] وَهُوَ سَقِيمٌ عليل كالفرخ الممغط، واختلفوا في المدة التي لبث يونس (عليه السلام) في بطن الحوت، فقال مقاتل بن حيان: ثلاثة أيام. عطاء: سبعة أيام، ضحاك: عشرين يوما. السدي والكلبي ومقاتل بن سليمان: أربعين يوما. وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ أي له، وقيل: عنده، كقوله: لَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ» أي عندي شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ قال ابن مسعود: يعني القرع. ابن عباس والحسن ومقاتل هو كل نبت يمتد وينبسط على وجه الأرض، ولا يبقى على الشتاء وليس له ساق نحو القثاء والبطيخ والقرع والحنظل. سعيد ابن جبير: هو كل شيء ينبت ثمّ يموت من عامه، وقيل: هو يفعيل من (قطن بالمكان) إذا أقام به إقامة زائل لا إقامة ثابت، وقال مقاتل بن حيان: وكان يستظل بالشجرة، وكانت وعلة تختلف إليه فيشرب من لبنها، وَأَرْسَلْناهُ يجوز أن يكون من حبسه في بطن الحوت، تقدير الآية وقد أرسلناه، ويجوز أن يكون بعده، ويجوز أن يكون إلى قوم آخرين. إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ قال ابن عباس: معناه ويزيدون، قال الشاعر: فلما اشتد أمر الحرب فينا ... تأملنا رياحا أو رزاما [[تفسير القرطبي: 14/ 299.]] أي ورزاما، وقال مقاتل: بل يزيدون. واختلفوا في مبلغ الزيادة على مائة ألف فقال ابن عباس ومقاتل: عشرون ألف. الحسن والربيع: بضع وثلاثون ألفا، ابن حيان: سبعون ألفا، فَآمَنُوا عند معاينة العذاب، فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ انقضاء آجالهم. فَاسْتَفْتِهِمْ: فسل يا محمد أهل مكة أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ وذلك أن جهينة وبني سلمة بن عبد الدار زعموا أنّ الملائكة بنات الله، أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ شاهِدُونَ: حاضرون خلقنا إياهم، نظيره قوله: أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ [[سورة الزخرف: 19.]] . أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ أَصْطَفَى. قرأ العامة بقطع الألف لأنه ألف استفهام دخلت على ألف الوصل فحذفت ألف الوصل وبقيت ألف الاستفهام مفتوحة على حالها مثل أَسْتَكْبَرْتَ [[سورة ص: 75.]] وأَسْتَغْفَرْتَ [[سورة المنافقون: 6.]] وأَذْهَبْتُمْ [[سورة الأحقاف: 20.]] ونحوها. وقرأ أبو جعفر ونافع في بعض الروايات (الكاذبون اصطفى) موصولة على الخبر والحكاية عن قول المشركين، مجازه: لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ ويقولون أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ ثم رجع إلى الخطاب: ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ أَفَلا تَذَكَّرُونَ أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ: برهان بيّن على أنّ الله ولدا فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً : فجعلوا الملائكة بنات الله، فسمّي الملائكة جنّا لاختبائهم عن الأبصار، هذا قول مجاهد وقتادة، وقال ابن عباس: قالوا لحيّ: من الملائكة- يقال لهم: الجنّ ومنهم إبليس- بنات الله. قال الكلبي: قالوا (لعنهم الله) : بل تزوّج من الجن فخرج منها الملائكة، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وقال الحسن: أشركوا الشيطان في عبادة الله فهو النسب الذي جعلوه. وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ يعني قائلي هذا القول لَمُحْضَرُونَ في النار. سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ فإنهم من النار ناجون. فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ يعني الأصنام ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ أي مع ذلك بِفاتِنِينَ: بمضلّين إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ أي إلّا من هو في علم الله وإرادته سيدخل النار. أخبرني ابن فنجويه قال حدّثنا ابن شنبه قال: حدّثنا الفربابي قال: حدّثنا أبو بكر بن شنبه قال: حدّثنا عبد الله بن إدريس عن عمر بن ذر قال: قدمنا على عمر بن عبد العزيز فذكر عنده القدر، فقال عمر بن عبد العزيز: لو أراد الله ألّا يعصى ما خلق إبليس وهو رأس الخطيئة، وإن في ذلك لعلما من كتاب الله، وجهله من جهله وعرفه من عرفه، ثم قرأ فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ، وقد فصلت هذه الآية بين الناس. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شنبه قال: حدّثنا الفربابي قال: حدّثنا إسحاق بن موسى الأنصاري قال: حدّثنا أنس بن عياض قال: حدّثني أبو سهيل نافع بن مالك بن أبي عامر قال: قال لي عمر بن عبد العزيز (من فيه إلى أذني) : ما تقول في الذين يقولون لا قدر؟ قال: أرى أن يستتابوا، فإن تابوا وإلّا ضربت أعناقهم. قال عمر بن عبد العزيز: ذلك الرأي فيهم والله لو لم يكن إلّا هذه الآية الواحدة لكفى بها: فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ. ما مِنَّا إِلَّا لَهُ يعني إلّا من له مَقامٌ مَعْلُومٌ: مكان مخصوص في العبادة. قال ابن عباس: ما في السماوات موضع شبر إلّا وعليه ملك مصلّ أو مسبح، وقال أبو بكر: الوراق: إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ يعبد الله عليه، كالخوف والرجا، والمحبة والرضا، وقال السدي: يعني في القربى والمشاهدة. وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ في الصلاة، وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ وَإِنْ كانُوا وقد كادوا يعني أهل مكة لَيَقُولُونَ لام التأكيد: لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الْأَوَّلِينَ: كتابا مثل كتبهم، لَكُنَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ فَكَفَرُوا بِهِ فيه اختصار تقديره: فلما أتاهم ذلك الكتاب كفروا به. نظيره قوله: أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ [[سورة الأنعام: 157.]] . فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ، وهذا وعيد لهم. وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ، وهي قوله: كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي [[سورة المجادلة: 21.]] . إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ قال ابن عباس: يعني الموت، وقال مجاهد: يعني يوم بدر، وقيل: إلى يوم القيامة، وقال مقاتل بن حيان: نسختها آية القتال. وَأَبْصِرْهُمْ. أنظر إليهم إذا عدوا، وقيل: أبصر حالهم بقليل، وقيل: انتظرهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ما أنكروا: أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ وذلك أنّ رسول الله (عليه السلام) لما أوعدهم العذاب، قالوا: مَتى هذَا الْوَعْدُ؟ فأنزل الله سبحانه هذه الآية. فَإِذا نَزَلَ العذاب بِساحَتِهِمْ: بناحيتهم وفنائهم فَساءَ: فبئس صَباحُ الْمُنْذَرِينَ: الكافرين. أخبرنا أبو عبد الله بن محمد بن عبد الله الزاهد قال: أخبرنا أبو العباس السراح قال: حدّثنا محمد بن رافع قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمّر عن قتادة عن أنس في قوله: فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ قال: لما أتى النبي صلّى الله عليه خيبر فوجدهم حين خرجوا إلى زرعهم ومعهم مساحيهم، فلما رأوه ومعه الجيش نكصوا، فرجعوا إلى حصنهم، فقال النبي عليه السلام: «الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ» [104] [[كتاب المسند للشافعي: 318.]] . وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ تأكيد للأولى. سُبْحانَ رَبِّكَ- إلى آخر السورة- أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا عمر بن الخطاب قال: حدّثنا أبو مسلم: حدّثنا محمد بن إسماعيل بن محمد بن أسد بن عبد الله الأصفهاني قال: حدّثنا أسيد بن عاصم قال: حدّثنا أبو سفيان بن صالح بن مهران قال: حدّثنا نعمان قال: حدّثنا أبو العوام عن قتادة عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلّى الله عليه: «إذا سلمتم عليّ فسلّموا على المرسلين فإنما أنا رسول من المرسلين» [[جامع البيان للطبري: 23/ 139.]] [105] . قال أبو العوام: كان قتادة يذكر هذا الحديث إذا تلا هذه الآية: سُبْحانَ رَبِّكَ إلى آخر السورة. وأخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا موسى بن محمد قال: حدّثنا الحسن بن علوية قال: حدّثنا إسماعيل بن عيسى قال: حدّثنا المسيب قال: حدّثنا مطرف عن أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري قال: كان رسول الله صلّى الله عليه يقول قبل أن يسلّم: سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [[مجمع الزوائد: 10/ 103.]] . وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا أحمد بن جعفر بن حمدان قال: حدّثنا إبراهيم بن سهلويه قال: حدّثنا علي بن محمد الطنافسي قال: حدّثنا وكيع عن ثابت بن أبي صفية عن الأصبغ بن نباتة عن علي رضي الله عنه قال: «من أحبّ أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة، فليكن آخر كلامه من مجلسه سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ» [106] [[الأذكار النووية: 299 ح 889.]] . [أخبرنا ابن فنجويه، أخبرنا الحسن المخلدي المقرئ عن أبي الحسن علي بن أحمد عن أبي [عثمان] البصري عن أبي خليفة [الجمحي عن] عبد المؤمن عن إبراهيم بن إسحاق [عن عبد الصمد] عن صالح بن مسافر قال: قرأت على عاصم بن أبي النجود سورة والصافات فلما أتيت على آخرها سكت، فقال: لم؟ اقرأ. فقلت: قد ختمت، قال إني فعلت كما فعلت على أبي عبد الرحمن السلمي، فقال أبو عبد الرحمن: كذلك قال لي عليّ وقال لي: قل: آذنتكم بأذانة المرسلين ولتسئلن عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ [[هكذا وجد هذا الخبر في هامش المخطوط.]] .

الصافات 37:178

وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إِذْ أَبَقَ . هرب إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ، قال ابن عباس ووهب: كان يونس (عليه السلام) قد وعد قومه العذاب فلما تأخر العذاب عنهم خرج كالمنشور [[كذا في المخطوط.]] منهم، فقصد البحر وركب السفينة، فاحتبست السفينة، فقال الملّاحون: هاهنا عبد أبق من سيّده، وهذا رسم السفينة إذا كان فيه آبق لا تجري. فاقترعوا، فوقعت القرعة على يونس، فقالوا: ألا نلقيه في الماء؟ واقترعوا ثانيا وثالثا فوقعت القرعة على يونس، فقال: «أنا الآبق» وزجّ نفسه في الماء، فذلك قوله سبحانه: فَساهَمَ : فقارع، والمساهمة: إلقاء السهام على جهة القرعة. فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ المقروعين المخلوعين المغلوبين. فَالْتَقَمَهُ: فابتلعه والتقمه الْحُوتُ وأوحى الله سبحانه إليه أنّي جعلت بطنك سجنا ولم أجعله لك طعاما، وَهُوَ مُلِيمٌ مذنب، قد أتى بما يلام عليه. فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ المنزّهين الذاكرين لله سبحانه قبل ذلك في حال الرخاء، وقال ابن عباس: من المصلين، وقال مقاتل: من المصلحين المطيعين قبل المعصية، وقال وهب: من العابدين، وقال سعيد بن جبير: يعني قوله لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [[سورة الأنبياء: 87.]] وقال الحسن: ما كانت له صلاة في بطن الحوت ولكنه قدم عملا صالحا، لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ لصار بطن الحوت قبرا له إلى يوم القيامة. فَنَبَذْناهُ: طرحناه بِالْعَراءِ قال الكلبي: يعني وجه الأرض. مقاتل بن حيان: يعني ظهر الأرض. مقاتل بن سليمان بالبراري من الأرض. الأخفش بالفناء الفراء بالأرض الواسعة. السدّي: بالساحل، وأصل العراء الأرض الخالية عن الشجر والنّبات، ومنه قيل للمتجرد: عريان. قال الشاعر: [ترك الهام ... بالعراء ... صار للخير حاصر العبقا] [[هكذا في الأصل.]] وَهُوَ سَقِيمٌ عليل كالفرخ الممغط، واختلفوا في المدة التي لبث يونس (عليه السلام) في بطن الحوت، فقال مقاتل بن حيان: ثلاثة أيام. عطاء: سبعة أيام، ضحاك: عشرين يوما. السدي والكلبي ومقاتل بن سليمان: أربعين يوما. وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ أي له، وقيل: عنده، كقوله: لَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ» أي عندي شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ قال ابن مسعود: يعني القرع. ابن عباس والحسن ومقاتل هو كل نبت يمتد وينبسط على وجه الأرض، ولا يبقى على الشتاء وليس له ساق نحو القثاء والبطيخ والقرع والحنظل. سعيد ابن جبير: هو كل شيء ينبت ثمّ يموت من عامه، وقيل: هو يفعيل من (قطن بالمكان) إذا أقام به إقامة زائل لا إقامة ثابت، وقال مقاتل بن حيان: وكان يستظل بالشجرة، وكانت وعلة تختلف إليه فيشرب من لبنها، وَأَرْسَلْناهُ يجوز أن يكون من حبسه في بطن الحوت، تقدير الآية وقد أرسلناه، ويجوز أن يكون بعده، ويجوز أن يكون إلى قوم آخرين. إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ قال ابن عباس: معناه ويزيدون، قال الشاعر: فلما اشتد أمر الحرب فينا ... تأملنا رياحا أو رزاما [[تفسير القرطبي: 14/ 299.]] أي ورزاما، وقال مقاتل: بل يزيدون. واختلفوا في مبلغ الزيادة على مائة ألف فقال ابن عباس ومقاتل: عشرون ألف. الحسن والربيع: بضع وثلاثون ألفا، ابن حيان: سبعون ألفا، فَآمَنُوا عند معاينة العذاب، فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ انقضاء آجالهم. فَاسْتَفْتِهِمْ: فسل يا محمد أهل مكة أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ وذلك أن جهينة وبني سلمة بن عبد الدار زعموا أنّ الملائكة بنات الله، أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ شاهِدُونَ: حاضرون خلقنا إياهم، نظيره قوله: أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ [[سورة الزخرف: 19.]] . أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ أَصْطَفَى. قرأ العامة بقطع الألف لأنه ألف استفهام دخلت على ألف الوصل فحذفت ألف الوصل وبقيت ألف الاستفهام مفتوحة على حالها مثل أَسْتَكْبَرْتَ [[سورة ص: 75.]] وأَسْتَغْفَرْتَ [[سورة المنافقون: 6.]] وأَذْهَبْتُمْ [[سورة الأحقاف: 20.]] ونحوها. وقرأ أبو جعفر ونافع في بعض الروايات (الكاذبون اصطفى) موصولة على الخبر والحكاية عن قول المشركين، مجازه: لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ ويقولون أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ ثم رجع إلى الخطاب: ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ أَفَلا تَذَكَّرُونَ أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ: برهان بيّن على أنّ الله ولدا فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً : فجعلوا الملائكة بنات الله، فسمّي الملائكة جنّا لاختبائهم عن الأبصار، هذا قول مجاهد وقتادة، وقال ابن عباس: قالوا لحيّ: من الملائكة- يقال لهم: الجنّ ومنهم إبليس- بنات الله. قال الكلبي: قالوا (لعنهم الله) : بل تزوّج من الجن فخرج منها الملائكة، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وقال الحسن: أشركوا الشيطان في عبادة الله فهو النسب الذي جعلوه. وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ يعني قائلي هذا القول لَمُحْضَرُونَ في النار. سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ فإنهم من النار ناجون. فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ يعني الأصنام ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ أي مع ذلك بِفاتِنِينَ: بمضلّين إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ أي إلّا من هو في علم الله وإرادته سيدخل النار. أخبرني ابن فنجويه قال حدّثنا ابن شنبه قال: حدّثنا الفربابي قال: حدّثنا أبو بكر بن شنبه قال: حدّثنا عبد الله بن إدريس عن عمر بن ذر قال: قدمنا على عمر بن عبد العزيز فذكر عنده القدر، فقال عمر بن عبد العزيز: لو أراد الله ألّا يعصى ما خلق إبليس وهو رأس الخطيئة، وإن في ذلك لعلما من كتاب الله، وجهله من جهله وعرفه من عرفه، ثم قرأ فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ، وقد فصلت هذه الآية بين الناس. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شنبه قال: حدّثنا الفربابي قال: حدّثنا إسحاق بن موسى الأنصاري قال: حدّثنا أنس بن عياض قال: حدّثني أبو سهيل نافع بن مالك بن أبي عامر قال: قال لي عمر بن عبد العزيز (من فيه إلى أذني) : ما تقول في الذين يقولون لا قدر؟ قال: أرى أن يستتابوا، فإن تابوا وإلّا ضربت أعناقهم. قال عمر بن عبد العزيز: ذلك الرأي فيهم والله لو لم يكن إلّا هذه الآية الواحدة لكفى بها: فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ. ما مِنَّا إِلَّا لَهُ يعني إلّا من له مَقامٌ مَعْلُومٌ: مكان مخصوص في العبادة. قال ابن عباس: ما في السماوات موضع شبر إلّا وعليه ملك مصلّ أو مسبح، وقال أبو بكر: الوراق: إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ يعبد الله عليه، كالخوف والرجا، والمحبة والرضا، وقال السدي: يعني في القربى والمشاهدة. وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ في الصلاة، وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ وَإِنْ كانُوا وقد كادوا يعني أهل مكة لَيَقُولُونَ لام التأكيد: لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الْأَوَّلِينَ: كتابا مثل كتبهم، لَكُنَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ فَكَفَرُوا بِهِ فيه اختصار تقديره: فلما أتاهم ذلك الكتاب كفروا به. نظيره قوله: أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ [[سورة الأنعام: 157.]] . فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ، وهذا وعيد لهم. وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ، وهي قوله: كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي [[سورة المجادلة: 21.]] . إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ قال ابن عباس: يعني الموت، وقال مجاهد: يعني يوم بدر، وقيل: إلى يوم القيامة، وقال مقاتل بن حيان: نسختها آية القتال. وَأَبْصِرْهُمْ. أنظر إليهم إذا عدوا، وقيل: أبصر حالهم بقليل، وقيل: انتظرهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ما أنكروا: أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ وذلك أنّ رسول الله (عليه السلام) لما أوعدهم العذاب، قالوا: مَتى هذَا الْوَعْدُ؟ فأنزل الله سبحانه هذه الآية. فَإِذا نَزَلَ العذاب بِساحَتِهِمْ: بناحيتهم وفنائهم فَساءَ: فبئس صَباحُ الْمُنْذَرِينَ: الكافرين. أخبرنا أبو عبد الله بن محمد بن عبد الله الزاهد قال: أخبرنا أبو العباس السراح قال: حدّثنا محمد بن رافع قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمّر عن قتادة عن أنس في قوله: فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ قال: لما أتى النبي صلّى الله عليه خيبر فوجدهم حين خرجوا إلى زرعهم ومعهم مساحيهم، فلما رأوه ومعه الجيش نكصوا، فرجعوا إلى حصنهم، فقال النبي عليه السلام: «الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ» [104] [[كتاب المسند للشافعي: 318.]] . وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ تأكيد للأولى. سُبْحانَ رَبِّكَ- إلى آخر السورة- أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا عمر بن الخطاب قال: حدّثنا أبو مسلم: حدّثنا محمد بن إسماعيل بن محمد بن أسد بن عبد الله الأصفهاني قال: حدّثنا أسيد بن عاصم قال: حدّثنا أبو سفيان بن صالح بن مهران قال: حدّثنا نعمان قال: حدّثنا أبو العوام عن قتادة عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلّى الله عليه: «إذا سلمتم عليّ فسلّموا على المرسلين فإنما أنا رسول من المرسلين» [[جامع البيان للطبري: 23/ 139.]] [105] . قال أبو العوام: كان قتادة يذكر هذا الحديث إذا تلا هذه الآية: سُبْحانَ رَبِّكَ إلى آخر السورة. وأخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا موسى بن محمد قال: حدّثنا الحسن بن علوية قال: حدّثنا إسماعيل بن عيسى قال: حدّثنا المسيب قال: حدّثنا مطرف عن أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري قال: كان رسول الله صلّى الله عليه يقول قبل أن يسلّم: سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [[مجمع الزوائد: 10/ 103.]] . وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا أحمد بن جعفر بن حمدان قال: حدّثنا إبراهيم بن سهلويه قال: حدّثنا علي بن محمد الطنافسي قال: حدّثنا وكيع عن ثابت بن أبي صفية عن الأصبغ بن نباتة عن علي رضي الله عنه قال: «من أحبّ أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة، فليكن آخر كلامه من مجلسه سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ» [106] [[الأذكار النووية: 299 ح 889.]] . [أخبرنا ابن فنجويه، أخبرنا الحسن المخلدي المقرئ عن أبي الحسن علي بن أحمد عن أبي [عثمان] البصري عن أبي خليفة [الجمحي عن] عبد المؤمن عن إبراهيم بن إسحاق [عن عبد الصمد] عن صالح بن مسافر قال: قرأت على عاصم بن أبي النجود سورة والصافات فلما أتيت على آخرها سكت، فقال: لم؟ اقرأ. فقلت: قد ختمت، قال إني فعلت كما فعلت على أبي عبد الرحمن السلمي، فقال أبو عبد الرحمن: كذلك قال لي عليّ وقال لي: قل: آذنتكم بأذانة المرسلين ولتسئلن عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ [[هكذا وجد هذا الخبر في هامش المخطوط.]] .

الصافات 37:179

وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إِذْ أَبَقَ . هرب إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ، قال ابن عباس ووهب: كان يونس (عليه السلام) قد وعد قومه العذاب فلما تأخر العذاب عنهم خرج كالمنشور [[كذا في المخطوط.]] منهم، فقصد البحر وركب السفينة، فاحتبست السفينة، فقال الملّاحون: هاهنا عبد أبق من سيّده، وهذا رسم السفينة إذا كان فيه آبق لا تجري. فاقترعوا، فوقعت القرعة على يونس، فقالوا: ألا نلقيه في الماء؟ واقترعوا ثانيا وثالثا فوقعت القرعة على يونس، فقال: «أنا الآبق» وزجّ نفسه في الماء، فذلك قوله سبحانه: فَساهَمَ : فقارع، والمساهمة: إلقاء السهام على جهة القرعة. فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ المقروعين المخلوعين المغلوبين. فَالْتَقَمَهُ: فابتلعه والتقمه الْحُوتُ وأوحى الله سبحانه إليه أنّي جعلت بطنك سجنا ولم أجعله لك طعاما، وَهُوَ مُلِيمٌ مذنب، قد أتى بما يلام عليه. فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ المنزّهين الذاكرين لله سبحانه قبل ذلك في حال الرخاء، وقال ابن عباس: من المصلين، وقال مقاتل: من المصلحين المطيعين قبل المعصية، وقال وهب: من العابدين، وقال سعيد بن جبير: يعني قوله لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [[سورة الأنبياء: 87.]] وقال الحسن: ما كانت له صلاة في بطن الحوت ولكنه قدم عملا صالحا، لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ لصار بطن الحوت قبرا له إلى يوم القيامة. فَنَبَذْناهُ: طرحناه بِالْعَراءِ قال الكلبي: يعني وجه الأرض. مقاتل بن حيان: يعني ظهر الأرض. مقاتل بن سليمان بالبراري من الأرض. الأخفش بالفناء الفراء بالأرض الواسعة. السدّي: بالساحل، وأصل العراء الأرض الخالية عن الشجر والنّبات، ومنه قيل للمتجرد: عريان. قال الشاعر: [ترك الهام ... بالعراء ... صار للخير حاصر العبقا] [[هكذا في الأصل.]] وَهُوَ سَقِيمٌ عليل كالفرخ الممغط، واختلفوا في المدة التي لبث يونس (عليه السلام) في بطن الحوت، فقال مقاتل بن حيان: ثلاثة أيام. عطاء: سبعة أيام، ضحاك: عشرين يوما. السدي والكلبي ومقاتل بن سليمان: أربعين يوما. وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ أي له، وقيل: عنده، كقوله: لَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ» أي عندي شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ قال ابن مسعود: يعني القرع. ابن عباس والحسن ومقاتل هو كل نبت يمتد وينبسط على وجه الأرض، ولا يبقى على الشتاء وليس له ساق نحو القثاء والبطيخ والقرع والحنظل. سعيد ابن جبير: هو كل شيء ينبت ثمّ يموت من عامه، وقيل: هو يفعيل من (قطن بالمكان) إذا أقام به إقامة زائل لا إقامة ثابت، وقال مقاتل بن حيان: وكان يستظل بالشجرة، وكانت وعلة تختلف إليه فيشرب من لبنها، وَأَرْسَلْناهُ يجوز أن يكون من حبسه في بطن الحوت، تقدير الآية وقد أرسلناه، ويجوز أن يكون بعده، ويجوز أن يكون إلى قوم آخرين. إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ قال ابن عباس: معناه ويزيدون، قال الشاعر: فلما اشتد أمر الحرب فينا ... تأملنا رياحا أو رزاما [[تفسير القرطبي: 14/ 299.]] أي ورزاما، وقال مقاتل: بل يزيدون. واختلفوا في مبلغ الزيادة على مائة ألف فقال ابن عباس ومقاتل: عشرون ألف. الحسن والربيع: بضع وثلاثون ألفا، ابن حيان: سبعون ألفا، فَآمَنُوا عند معاينة العذاب، فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ انقضاء آجالهم. فَاسْتَفْتِهِمْ: فسل يا محمد أهل مكة أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ وذلك أن جهينة وبني سلمة بن عبد الدار زعموا أنّ الملائكة بنات الله، أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ شاهِدُونَ: حاضرون خلقنا إياهم، نظيره قوله: أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ [[سورة الزخرف: 19.]] . أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ أَصْطَفَى. قرأ العامة بقطع الألف لأنه ألف استفهام دخلت على ألف الوصل فحذفت ألف الوصل وبقيت ألف الاستفهام مفتوحة على حالها مثل أَسْتَكْبَرْتَ [[سورة ص: 75.]] وأَسْتَغْفَرْتَ [[سورة المنافقون: 6.]] وأَذْهَبْتُمْ [[سورة الأحقاف: 20.]] ونحوها. وقرأ أبو جعفر ونافع في بعض الروايات (الكاذبون اصطفى) موصولة على الخبر والحكاية عن قول المشركين، مجازه: لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ ويقولون أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ ثم رجع إلى الخطاب: ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ أَفَلا تَذَكَّرُونَ أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ: برهان بيّن على أنّ الله ولدا فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً : فجعلوا الملائكة بنات الله، فسمّي الملائكة جنّا لاختبائهم عن الأبصار، هذا قول مجاهد وقتادة، وقال ابن عباس: قالوا لحيّ: من الملائكة- يقال لهم: الجنّ ومنهم إبليس- بنات الله. قال الكلبي: قالوا (لعنهم الله) : بل تزوّج من الجن فخرج منها الملائكة، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وقال الحسن: أشركوا الشيطان في عبادة الله فهو النسب الذي جعلوه. وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ يعني قائلي هذا القول لَمُحْضَرُونَ في النار. سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ فإنهم من النار ناجون. فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ يعني الأصنام ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ أي مع ذلك بِفاتِنِينَ: بمضلّين إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ أي إلّا من هو في علم الله وإرادته سيدخل النار. أخبرني ابن فنجويه قال حدّثنا ابن شنبه قال: حدّثنا الفربابي قال: حدّثنا أبو بكر بن شنبه قال: حدّثنا عبد الله بن إدريس عن عمر بن ذر قال: قدمنا على عمر بن عبد العزيز فذكر عنده القدر، فقال عمر بن عبد العزيز: لو أراد الله ألّا يعصى ما خلق إبليس وهو رأس الخطيئة، وإن في ذلك لعلما من كتاب الله، وجهله من جهله وعرفه من عرفه، ثم قرأ فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ، وقد فصلت هذه الآية بين الناس. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شنبه قال: حدّثنا الفربابي قال: حدّثنا إسحاق بن موسى الأنصاري قال: حدّثنا أنس بن عياض قال: حدّثني أبو سهيل نافع بن مالك بن أبي عامر قال: قال لي عمر بن عبد العزيز (من فيه إلى أذني) : ما تقول في الذين يقولون لا قدر؟ قال: أرى أن يستتابوا، فإن تابوا وإلّا ضربت أعناقهم. قال عمر بن عبد العزيز: ذلك الرأي فيهم والله لو لم يكن إلّا هذه الآية الواحدة لكفى بها: فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ. ما مِنَّا إِلَّا لَهُ يعني إلّا من له مَقامٌ مَعْلُومٌ: مكان مخصوص في العبادة. قال ابن عباس: ما في السماوات موضع شبر إلّا وعليه ملك مصلّ أو مسبح، وقال أبو بكر: الوراق: إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ يعبد الله عليه، كالخوف والرجا، والمحبة والرضا، وقال السدي: يعني في القربى والمشاهدة. وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ في الصلاة، وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ وَإِنْ كانُوا وقد كادوا يعني أهل مكة لَيَقُولُونَ لام التأكيد: لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الْأَوَّلِينَ: كتابا مثل كتبهم، لَكُنَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ فَكَفَرُوا بِهِ فيه اختصار تقديره: فلما أتاهم ذلك الكتاب كفروا به. نظيره قوله: أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ [[سورة الأنعام: 157.]] . فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ، وهذا وعيد لهم. وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ، وهي قوله: كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي [[سورة المجادلة: 21.]] . إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ قال ابن عباس: يعني الموت، وقال مجاهد: يعني يوم بدر، وقيل: إلى يوم القيامة، وقال مقاتل بن حيان: نسختها آية القتال. وَأَبْصِرْهُمْ. أنظر إليهم إذا عدوا، وقيل: أبصر حالهم بقليل، وقيل: انتظرهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ما أنكروا: أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ وذلك أنّ رسول الله (عليه السلام) لما أوعدهم العذاب، قالوا: مَتى هذَا الْوَعْدُ؟ فأنزل الله سبحانه هذه الآية. فَإِذا نَزَلَ العذاب بِساحَتِهِمْ: بناحيتهم وفنائهم فَساءَ: فبئس صَباحُ الْمُنْذَرِينَ: الكافرين. أخبرنا أبو عبد الله بن محمد بن عبد الله الزاهد قال: أخبرنا أبو العباس السراح قال: حدّثنا محمد بن رافع قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمّر عن قتادة عن أنس في قوله: فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ قال: لما أتى النبي صلّى الله عليه خيبر فوجدهم حين خرجوا إلى زرعهم ومعهم مساحيهم، فلما رأوه ومعه الجيش نكصوا، فرجعوا إلى حصنهم، فقال النبي عليه السلام: «الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ» [104] [[كتاب المسند للشافعي: 318.]] . وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ تأكيد للأولى. سُبْحانَ رَبِّكَ- إلى آخر السورة- أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا عمر بن الخطاب قال: حدّثنا أبو مسلم: حدّثنا محمد بن إسماعيل بن محمد بن أسد بن عبد الله الأصفهاني قال: حدّثنا أسيد بن عاصم قال: حدّثنا أبو سفيان بن صالح بن مهران قال: حدّثنا نعمان قال: حدّثنا أبو العوام عن قتادة عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلّى الله عليه: «إذا سلمتم عليّ فسلّموا على المرسلين فإنما أنا رسول من المرسلين» [[جامع البيان للطبري: 23/ 139.]] [105] . قال أبو العوام: كان قتادة يذكر هذا الحديث إذا تلا هذه الآية: سُبْحانَ رَبِّكَ إلى آخر السورة. وأخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا موسى بن محمد قال: حدّثنا الحسن بن علوية قال: حدّثنا إسماعيل بن عيسى قال: حدّثنا المسيب قال: حدّثنا مطرف عن أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري قال: كان رسول الله صلّى الله عليه يقول قبل أن يسلّم: سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [[مجمع الزوائد: 10/ 103.]] . وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا أحمد بن جعفر بن حمدان قال: حدّثنا إبراهيم بن سهلويه قال: حدّثنا علي بن محمد الطنافسي قال: حدّثنا وكيع عن ثابت بن أبي صفية عن الأصبغ بن نباتة عن علي رضي الله عنه قال: «من أحبّ أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة، فليكن آخر كلامه من مجلسه سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ» [106] [[الأذكار النووية: 299 ح 889.]] . [أخبرنا ابن فنجويه، أخبرنا الحسن المخلدي المقرئ عن أبي الحسن علي بن أحمد عن أبي [عثمان] البصري عن أبي خليفة [الجمحي عن] عبد المؤمن عن إبراهيم بن إسحاق [عن عبد الصمد] عن صالح بن مسافر قال: قرأت على عاصم بن أبي النجود سورة والصافات فلما أتيت على آخرها سكت، فقال: لم؟ اقرأ. فقلت: قد ختمت، قال إني فعلت كما فعلت على أبي عبد الرحمن السلمي، فقال أبو عبد الرحمن: كذلك قال لي عليّ وقال لي: قل: آذنتكم بأذانة المرسلين ولتسئلن عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ [[هكذا وجد هذا الخبر في هامش المخطوط.]] .

الصافات 37:180

وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إِذْ أَبَقَ . هرب إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ، قال ابن عباس ووهب: كان يونس (عليه السلام) قد وعد قومه العذاب فلما تأخر العذاب عنهم خرج كالمنشور [[كذا في المخطوط.]] منهم، فقصد البحر وركب السفينة، فاحتبست السفينة، فقال الملّاحون: هاهنا عبد أبق من سيّده، وهذا رسم السفينة إذا كان فيه آبق لا تجري. فاقترعوا، فوقعت القرعة على يونس، فقالوا: ألا نلقيه في الماء؟ واقترعوا ثانيا وثالثا فوقعت القرعة على يونس، فقال: «أنا الآبق» وزجّ نفسه في الماء، فذلك قوله سبحانه: فَساهَمَ : فقارع، والمساهمة: إلقاء السهام على جهة القرعة. فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ المقروعين المخلوعين المغلوبين. فَالْتَقَمَهُ: فابتلعه والتقمه الْحُوتُ وأوحى الله سبحانه إليه أنّي جعلت بطنك سجنا ولم أجعله لك طعاما، وَهُوَ مُلِيمٌ مذنب، قد أتى بما يلام عليه. فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ المنزّهين الذاكرين لله سبحانه قبل ذلك في حال الرخاء، وقال ابن عباس: من المصلين، وقال مقاتل: من المصلحين المطيعين قبل المعصية، وقال وهب: من العابدين، وقال سعيد بن جبير: يعني قوله لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [[سورة الأنبياء: 87.]] وقال الحسن: ما كانت له صلاة في بطن الحوت ولكنه قدم عملا صالحا، لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ لصار بطن الحوت قبرا له إلى يوم القيامة. فَنَبَذْناهُ: طرحناه بِالْعَراءِ قال الكلبي: يعني وجه الأرض. مقاتل بن حيان: يعني ظهر الأرض. مقاتل بن سليمان بالبراري من الأرض. الأخفش بالفناء الفراء بالأرض الواسعة. السدّي: بالساحل، وأصل العراء الأرض الخالية عن الشجر والنّبات، ومنه قيل للمتجرد: عريان. قال الشاعر: [ترك الهام ... بالعراء ... صار للخير حاصر العبقا] [[هكذا في الأصل.]] وَهُوَ سَقِيمٌ عليل كالفرخ الممغط، واختلفوا في المدة التي لبث يونس (عليه السلام) في بطن الحوت، فقال مقاتل بن حيان: ثلاثة أيام. عطاء: سبعة أيام، ضحاك: عشرين يوما. السدي والكلبي ومقاتل بن سليمان: أربعين يوما. وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ أي له، وقيل: عنده، كقوله: لَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ» أي عندي شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ قال ابن مسعود: يعني القرع. ابن عباس والحسن ومقاتل هو كل نبت يمتد وينبسط على وجه الأرض، ولا يبقى على الشتاء وليس له ساق نحو القثاء والبطيخ والقرع والحنظل. سعيد ابن جبير: هو كل شيء ينبت ثمّ يموت من عامه، وقيل: هو يفعيل من (قطن بالمكان) إذا أقام به إقامة زائل لا إقامة ثابت، وقال مقاتل بن حيان: وكان يستظل بالشجرة، وكانت وعلة تختلف إليه فيشرب من لبنها، وَأَرْسَلْناهُ يجوز أن يكون من حبسه في بطن الحوت، تقدير الآية وقد أرسلناه، ويجوز أن يكون بعده، ويجوز أن يكون إلى قوم آخرين. إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ قال ابن عباس: معناه ويزيدون، قال الشاعر: فلما اشتد أمر الحرب فينا ... تأملنا رياحا أو رزاما [[تفسير القرطبي: 14/ 299.]] أي ورزاما، وقال مقاتل: بل يزيدون. واختلفوا في مبلغ الزيادة على مائة ألف فقال ابن عباس ومقاتل: عشرون ألف. الحسن والربيع: بضع وثلاثون ألفا، ابن حيان: سبعون ألفا، فَآمَنُوا عند معاينة العذاب، فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ انقضاء آجالهم. فَاسْتَفْتِهِمْ: فسل يا محمد أهل مكة أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ وذلك أن جهينة وبني سلمة بن عبد الدار زعموا أنّ الملائكة بنات الله، أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ شاهِدُونَ: حاضرون خلقنا إياهم، نظيره قوله: أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ [[سورة الزخرف: 19.]] . أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ أَصْطَفَى. قرأ العامة بقطع الألف لأنه ألف استفهام دخلت على ألف الوصل فحذفت ألف الوصل وبقيت ألف الاستفهام مفتوحة على حالها مثل أَسْتَكْبَرْتَ [[سورة ص: 75.]] وأَسْتَغْفَرْتَ [[سورة المنافقون: 6.]] وأَذْهَبْتُمْ [[سورة الأحقاف: 20.]] ونحوها. وقرأ أبو جعفر ونافع في بعض الروايات (الكاذبون اصطفى) موصولة على الخبر والحكاية عن قول المشركين، مجازه: لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ ويقولون أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ ثم رجع إلى الخطاب: ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ أَفَلا تَذَكَّرُونَ أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ: برهان بيّن على أنّ الله ولدا فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً : فجعلوا الملائكة بنات الله، فسمّي الملائكة جنّا لاختبائهم عن الأبصار، هذا قول مجاهد وقتادة، وقال ابن عباس: قالوا لحيّ: من الملائكة- يقال لهم: الجنّ ومنهم إبليس- بنات الله. قال الكلبي: قالوا (لعنهم الله) : بل تزوّج من الجن فخرج منها الملائكة، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وقال الحسن: أشركوا الشيطان في عبادة الله فهو النسب الذي جعلوه. وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ يعني قائلي هذا القول لَمُحْضَرُونَ في النار. سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ فإنهم من النار ناجون. فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ يعني الأصنام ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ أي مع ذلك بِفاتِنِينَ: بمضلّين إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ أي إلّا من هو في علم الله وإرادته سيدخل النار. أخبرني ابن فنجويه قال حدّثنا ابن شنبه قال: حدّثنا الفربابي قال: حدّثنا أبو بكر بن شنبه قال: حدّثنا عبد الله بن إدريس عن عمر بن ذر قال: قدمنا على عمر بن عبد العزيز فذكر عنده القدر، فقال عمر بن عبد العزيز: لو أراد الله ألّا يعصى ما خلق إبليس وهو رأس الخطيئة، وإن في ذلك لعلما من كتاب الله، وجهله من جهله وعرفه من عرفه، ثم قرأ فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ، وقد فصلت هذه الآية بين الناس. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شنبه قال: حدّثنا الفربابي قال: حدّثنا إسحاق بن موسى الأنصاري قال: حدّثنا أنس بن عياض قال: حدّثني أبو سهيل نافع بن مالك بن أبي عامر قال: قال لي عمر بن عبد العزيز (من فيه إلى أذني) : ما تقول في الذين يقولون لا قدر؟ قال: أرى أن يستتابوا، فإن تابوا وإلّا ضربت أعناقهم. قال عمر بن عبد العزيز: ذلك الرأي فيهم والله لو لم يكن إلّا هذه الآية الواحدة لكفى بها: فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ. ما مِنَّا إِلَّا لَهُ يعني إلّا من له مَقامٌ مَعْلُومٌ: مكان مخصوص في العبادة. قال ابن عباس: ما في السماوات موضع شبر إلّا وعليه ملك مصلّ أو مسبح، وقال أبو بكر: الوراق: إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ يعبد الله عليه، كالخوف والرجا، والمحبة والرضا، وقال السدي: يعني في القربى والمشاهدة. وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ في الصلاة، وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ وَإِنْ كانُوا وقد كادوا يعني أهل مكة لَيَقُولُونَ لام التأكيد: لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الْأَوَّلِينَ: كتابا مثل كتبهم، لَكُنَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ فَكَفَرُوا بِهِ فيه اختصار تقديره: فلما أتاهم ذلك الكتاب كفروا به. نظيره قوله: أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ [[سورة الأنعام: 157.]] . فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ، وهذا وعيد لهم. وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ، وهي قوله: كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي [[سورة المجادلة: 21.]] . إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ قال ابن عباس: يعني الموت، وقال مجاهد: يعني يوم بدر، وقيل: إلى يوم القيامة، وقال مقاتل بن حيان: نسختها آية القتال. وَأَبْصِرْهُمْ. أنظر إليهم إذا عدوا، وقيل: أبصر حالهم بقليل، وقيل: انتظرهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ما أنكروا: أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ وذلك أنّ رسول الله (عليه السلام) لما أوعدهم العذاب، قالوا: مَتى هذَا الْوَعْدُ؟ فأنزل الله سبحانه هذه الآية. فَإِذا نَزَلَ العذاب بِساحَتِهِمْ: بناحيتهم وفنائهم فَساءَ: فبئس صَباحُ الْمُنْذَرِينَ: الكافرين. أخبرنا أبو عبد الله بن محمد بن عبد الله الزاهد قال: أخبرنا أبو العباس السراح قال: حدّثنا محمد بن رافع قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمّر عن قتادة عن أنس في قوله: فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ قال: لما أتى النبي صلّى الله عليه خيبر فوجدهم حين خرجوا إلى زرعهم ومعهم مساحيهم، فلما رأوه ومعه الجيش نكصوا، فرجعوا إلى حصنهم، فقال النبي عليه السلام: «الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ» [104] [[كتاب المسند للشافعي: 318.]] . وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ تأكيد للأولى. سُبْحانَ رَبِّكَ- إلى آخر السورة- أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا عمر بن الخطاب قال: حدّثنا أبو مسلم: حدّثنا محمد بن إسماعيل بن محمد بن أسد بن عبد الله الأصفهاني قال: حدّثنا أسيد بن عاصم قال: حدّثنا أبو سفيان بن صالح بن مهران قال: حدّثنا نعمان قال: حدّثنا أبو العوام عن قتادة عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلّى الله عليه: «إذا سلمتم عليّ فسلّموا على المرسلين فإنما أنا رسول من المرسلين» [[جامع البيان للطبري: 23/ 139.]] [105] . قال أبو العوام: كان قتادة يذكر هذا الحديث إذا تلا هذه الآية: سُبْحانَ رَبِّكَ إلى آخر السورة. وأخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا موسى بن محمد قال: حدّثنا الحسن بن علوية قال: حدّثنا إسماعيل بن عيسى قال: حدّثنا المسيب قال: حدّثنا مطرف عن أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري قال: كان رسول الله صلّى الله عليه يقول قبل أن يسلّم: سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [[مجمع الزوائد: 10/ 103.]] . وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا أحمد بن جعفر بن حمدان قال: حدّثنا إبراهيم بن سهلويه قال: حدّثنا علي بن محمد الطنافسي قال: حدّثنا وكيع عن ثابت بن أبي صفية عن الأصبغ بن نباتة عن علي رضي الله عنه قال: «من أحبّ أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة، فليكن آخر كلامه من مجلسه سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ» [106] [[الأذكار النووية: 299 ح 889.]] . [أخبرنا ابن فنجويه، أخبرنا الحسن المخلدي المقرئ عن أبي الحسن علي بن أحمد عن أبي [عثمان] البصري عن أبي خليفة [الجمحي عن] عبد المؤمن عن إبراهيم بن إسحاق [عن عبد الصمد] عن صالح بن مسافر قال: قرأت على عاصم بن أبي النجود سورة والصافات فلما أتيت على آخرها سكت، فقال: لم؟ اقرأ. فقلت: قد ختمت، قال إني فعلت كما فعلت على أبي عبد الرحمن السلمي، فقال أبو عبد الرحمن: كذلك قال لي عليّ وقال لي: قل: آذنتكم بأذانة المرسلين ولتسئلن عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ [[هكذا وجد هذا الخبر في هامش المخطوط.]] .

الصافات 37:181

وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إِذْ أَبَقَ . هرب إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ، قال ابن عباس ووهب: كان يونس (عليه السلام) قد وعد قومه العذاب فلما تأخر العذاب عنهم خرج كالمنشور [[كذا في المخطوط.]] منهم، فقصد البحر وركب السفينة، فاحتبست السفينة، فقال الملّاحون: هاهنا عبد أبق من سيّده، وهذا رسم السفينة إذا كان فيه آبق لا تجري. فاقترعوا، فوقعت القرعة على يونس، فقالوا: ألا نلقيه في الماء؟ واقترعوا ثانيا وثالثا فوقعت القرعة على يونس، فقال: «أنا الآبق» وزجّ نفسه في الماء، فذلك قوله سبحانه: فَساهَمَ : فقارع، والمساهمة: إلقاء السهام على جهة القرعة. فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ المقروعين المخلوعين المغلوبين. فَالْتَقَمَهُ: فابتلعه والتقمه الْحُوتُ وأوحى الله سبحانه إليه أنّي جعلت بطنك سجنا ولم أجعله لك طعاما، وَهُوَ مُلِيمٌ مذنب، قد أتى بما يلام عليه. فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ المنزّهين الذاكرين لله سبحانه قبل ذلك في حال الرخاء، وقال ابن عباس: من المصلين، وقال مقاتل: من المصلحين المطيعين قبل المعصية، وقال وهب: من العابدين، وقال سعيد بن جبير: يعني قوله لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [[سورة الأنبياء: 87.]] وقال الحسن: ما كانت له صلاة في بطن الحوت ولكنه قدم عملا صالحا، لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ لصار بطن الحوت قبرا له إلى يوم القيامة. فَنَبَذْناهُ: طرحناه بِالْعَراءِ قال الكلبي: يعني وجه الأرض. مقاتل بن حيان: يعني ظهر الأرض. مقاتل بن سليمان بالبراري من الأرض. الأخفش بالفناء الفراء بالأرض الواسعة. السدّي: بالساحل، وأصل العراء الأرض الخالية عن الشجر والنّبات، ومنه قيل للمتجرد: عريان. قال الشاعر: [ترك الهام ... بالعراء ... صار للخير حاصر العبقا] [[هكذا في الأصل.]] وَهُوَ سَقِيمٌ عليل كالفرخ الممغط، واختلفوا في المدة التي لبث يونس (عليه السلام) في بطن الحوت، فقال مقاتل بن حيان: ثلاثة أيام. عطاء: سبعة أيام، ضحاك: عشرين يوما. السدي والكلبي ومقاتل بن سليمان: أربعين يوما. وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ أي له، وقيل: عنده، كقوله: لَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ» أي عندي شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ قال ابن مسعود: يعني القرع. ابن عباس والحسن ومقاتل هو كل نبت يمتد وينبسط على وجه الأرض، ولا يبقى على الشتاء وليس له ساق نحو القثاء والبطيخ والقرع والحنظل. سعيد ابن جبير: هو كل شيء ينبت ثمّ يموت من عامه، وقيل: هو يفعيل من (قطن بالمكان) إذا أقام به إقامة زائل لا إقامة ثابت، وقال مقاتل بن حيان: وكان يستظل بالشجرة، وكانت وعلة تختلف إليه فيشرب من لبنها، وَأَرْسَلْناهُ يجوز أن يكون من حبسه في بطن الحوت، تقدير الآية وقد أرسلناه، ويجوز أن يكون بعده، ويجوز أن يكون إلى قوم آخرين. إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ قال ابن عباس: معناه ويزيدون، قال الشاعر: فلما اشتد أمر الحرب فينا ... تأملنا رياحا أو رزاما [[تفسير القرطبي: 14/ 299.]] أي ورزاما، وقال مقاتل: بل يزيدون. واختلفوا في مبلغ الزيادة على مائة ألف فقال ابن عباس ومقاتل: عشرون ألف. الحسن والربيع: بضع وثلاثون ألفا، ابن حيان: سبعون ألفا، فَآمَنُوا عند معاينة العذاب، فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ انقضاء آجالهم. فَاسْتَفْتِهِمْ: فسل يا محمد أهل مكة أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ وذلك أن جهينة وبني سلمة بن عبد الدار زعموا أنّ الملائكة بنات الله، أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ شاهِدُونَ: حاضرون خلقنا إياهم، نظيره قوله: أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ [[سورة الزخرف: 19.]] . أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ أَصْطَفَى. قرأ العامة بقطع الألف لأنه ألف استفهام دخلت على ألف الوصل فحذفت ألف الوصل وبقيت ألف الاستفهام مفتوحة على حالها مثل أَسْتَكْبَرْتَ [[سورة ص: 75.]] وأَسْتَغْفَرْتَ [[سورة المنافقون: 6.]] وأَذْهَبْتُمْ [[سورة الأحقاف: 20.]] ونحوها. وقرأ أبو جعفر ونافع في بعض الروايات (الكاذبون اصطفى) موصولة على الخبر والحكاية عن قول المشركين، مجازه: لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ ويقولون أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ ثم رجع إلى الخطاب: ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ أَفَلا تَذَكَّرُونَ أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ: برهان بيّن على أنّ الله ولدا فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً : فجعلوا الملائكة بنات الله، فسمّي الملائكة جنّا لاختبائهم عن الأبصار، هذا قول مجاهد وقتادة، وقال ابن عباس: قالوا لحيّ: من الملائكة- يقال لهم: الجنّ ومنهم إبليس- بنات الله. قال الكلبي: قالوا (لعنهم الله) : بل تزوّج من الجن فخرج منها الملائكة، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وقال الحسن: أشركوا الشيطان في عبادة الله فهو النسب الذي جعلوه. وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ يعني قائلي هذا القول لَمُحْضَرُونَ في النار. سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ فإنهم من النار ناجون. فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ يعني الأصنام ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ أي مع ذلك بِفاتِنِينَ: بمضلّين إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ أي إلّا من هو في علم الله وإرادته سيدخل النار. أخبرني ابن فنجويه قال حدّثنا ابن شنبه قال: حدّثنا الفربابي قال: حدّثنا أبو بكر بن شنبه قال: حدّثنا عبد الله بن إدريس عن عمر بن ذر قال: قدمنا على عمر بن عبد العزيز فذكر عنده القدر، فقال عمر بن عبد العزيز: لو أراد الله ألّا يعصى ما خلق إبليس وهو رأس الخطيئة، وإن في ذلك لعلما من كتاب الله، وجهله من جهله وعرفه من عرفه، ثم قرأ فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ، وقد فصلت هذه الآية بين الناس. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شنبه قال: حدّثنا الفربابي قال: حدّثنا إسحاق بن موسى الأنصاري قال: حدّثنا أنس بن عياض قال: حدّثني أبو سهيل نافع بن مالك بن أبي عامر قال: قال لي عمر بن عبد العزيز (من فيه إلى أذني) : ما تقول في الذين يقولون لا قدر؟ قال: أرى أن يستتابوا، فإن تابوا وإلّا ضربت أعناقهم. قال عمر بن عبد العزيز: ذلك الرأي فيهم والله لو لم يكن إلّا هذه الآية الواحدة لكفى بها: فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ. ما مِنَّا إِلَّا لَهُ يعني إلّا من له مَقامٌ مَعْلُومٌ: مكان مخصوص في العبادة. قال ابن عباس: ما في السماوات موضع شبر إلّا وعليه ملك مصلّ أو مسبح، وقال أبو بكر: الوراق: إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ يعبد الله عليه، كالخوف والرجا، والمحبة والرضا، وقال السدي: يعني في القربى والمشاهدة. وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ في الصلاة، وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ وَإِنْ كانُوا وقد كادوا يعني أهل مكة لَيَقُولُونَ لام التأكيد: لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الْأَوَّلِينَ: كتابا مثل كتبهم، لَكُنَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ فَكَفَرُوا بِهِ فيه اختصار تقديره: فلما أتاهم ذلك الكتاب كفروا به. نظيره قوله: أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ [[سورة الأنعام: 157.]] . فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ، وهذا وعيد لهم. وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ، وهي قوله: كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي [[سورة المجادلة: 21.]] . إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ قال ابن عباس: يعني الموت، وقال مجاهد: يعني يوم بدر، وقيل: إلى يوم القيامة، وقال مقاتل بن حيان: نسختها آية القتال. وَأَبْصِرْهُمْ. أنظر إليهم إذا عدوا، وقيل: أبصر حالهم بقليل، وقيل: انتظرهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ما أنكروا: أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ وذلك أنّ رسول الله (عليه السلام) لما أوعدهم العذاب، قالوا: مَتى هذَا الْوَعْدُ؟ فأنزل الله سبحانه هذه الآية. فَإِذا نَزَلَ العذاب بِساحَتِهِمْ: بناحيتهم وفنائهم فَساءَ: فبئس صَباحُ الْمُنْذَرِينَ: الكافرين. أخبرنا أبو عبد الله بن محمد بن عبد الله الزاهد قال: أخبرنا أبو العباس السراح قال: حدّثنا محمد بن رافع قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمّر عن قتادة عن أنس في قوله: فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ قال: لما أتى النبي صلّى الله عليه خيبر فوجدهم حين خرجوا إلى زرعهم ومعهم مساحيهم، فلما رأوه ومعه الجيش نكصوا، فرجعوا إلى حصنهم، فقال النبي عليه السلام: «الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ» [104] [[كتاب المسند للشافعي: 318.]] . وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ تأكيد للأولى. سُبْحانَ رَبِّكَ- إلى آخر السورة- أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا عمر بن الخطاب قال: حدّثنا أبو مسلم: حدّثنا محمد بن إسماعيل بن محمد بن أسد بن عبد الله الأصفهاني قال: حدّثنا أسيد بن عاصم قال: حدّثنا أبو سفيان بن صالح بن مهران قال: حدّثنا نعمان قال: حدّثنا أبو العوام عن قتادة عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلّى الله عليه: «إذا سلمتم عليّ فسلّموا على المرسلين فإنما أنا رسول من المرسلين» [[جامع البيان للطبري: 23/ 139.]] [105] . قال أبو العوام: كان قتادة يذكر هذا الحديث إذا تلا هذه الآية: سُبْحانَ رَبِّكَ إلى آخر السورة. وأخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا موسى بن محمد قال: حدّثنا الحسن بن علوية قال: حدّثنا إسماعيل بن عيسى قال: حدّثنا المسيب قال: حدّثنا مطرف عن أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري قال: كان رسول الله صلّى الله عليه يقول قبل أن يسلّم: سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [[مجمع الزوائد: 10/ 103.]] . وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا أحمد بن جعفر بن حمدان قال: حدّثنا إبراهيم بن سهلويه قال: حدّثنا علي بن محمد الطنافسي قال: حدّثنا وكيع عن ثابت بن أبي صفية عن الأصبغ بن نباتة عن علي رضي الله عنه قال: «من أحبّ أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة، فليكن آخر كلامه من مجلسه سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ» [106] [[الأذكار النووية: 299 ح 889.]] . [أخبرنا ابن فنجويه، أخبرنا الحسن المخلدي المقرئ عن أبي الحسن علي بن أحمد عن أبي [عثمان] البصري عن أبي خليفة [الجمحي عن] عبد المؤمن عن إبراهيم بن إسحاق [عن عبد الصمد] عن صالح بن مسافر قال: قرأت على عاصم بن أبي النجود سورة والصافات فلما أتيت على آخرها سكت، فقال: لم؟ اقرأ. فقلت: قد ختمت، قال إني فعلت كما فعلت على أبي عبد الرحمن السلمي، فقال أبو عبد الرحمن: كذلك قال لي عليّ وقال لي: قل: آذنتكم بأذانة المرسلين ولتسئلن عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ [[هكذا وجد هذا الخبر في هامش المخطوط.]] .

الصافات 37:182

وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إِذْ أَبَقَ . هرب إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ، قال ابن عباس ووهب: كان يونس (عليه السلام) قد وعد قومه العذاب فلما تأخر العذاب عنهم خرج كالمنشور [[كذا في المخطوط.]] منهم، فقصد البحر وركب السفينة، فاحتبست السفينة، فقال الملّاحون: هاهنا عبد أبق من سيّده، وهذا رسم السفينة إذا كان فيه آبق لا تجري. فاقترعوا، فوقعت القرعة على يونس، فقالوا: ألا نلقيه في الماء؟ واقترعوا ثانيا وثالثا فوقعت القرعة على يونس، فقال: «أنا الآبق» وزجّ نفسه في الماء، فذلك قوله سبحانه: فَساهَمَ : فقارع، والمساهمة: إلقاء السهام على جهة القرعة. فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ المقروعين المخلوعين المغلوبين. فَالْتَقَمَهُ: فابتلعه والتقمه الْحُوتُ وأوحى الله سبحانه إليه أنّي جعلت بطنك سجنا ولم أجعله لك طعاما، وَهُوَ مُلِيمٌ مذنب، قد أتى بما يلام عليه. فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ المنزّهين الذاكرين لله سبحانه قبل ذلك في حال الرخاء، وقال ابن عباس: من المصلين، وقال مقاتل: من المصلحين المطيعين قبل المعصية، وقال وهب: من العابدين، وقال سعيد بن جبير: يعني قوله لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [[سورة الأنبياء: 87.]] وقال الحسن: ما كانت له صلاة في بطن الحوت ولكنه قدم عملا صالحا، لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ لصار بطن الحوت قبرا له إلى يوم القيامة. فَنَبَذْناهُ: طرحناه بِالْعَراءِ قال الكلبي: يعني وجه الأرض. مقاتل بن حيان: يعني ظهر الأرض. مقاتل بن سليمان بالبراري من الأرض. الأخفش بالفناء الفراء بالأرض الواسعة. السدّي: بالساحل، وأصل العراء الأرض الخالية عن الشجر والنّبات، ومنه قيل للمتجرد: عريان. قال الشاعر: [ترك الهام ... بالعراء ... صار للخير حاصر العبقا] [[هكذا في الأصل.]] وَهُوَ سَقِيمٌ عليل كالفرخ الممغط، واختلفوا في المدة التي لبث يونس (عليه السلام) في بطن الحوت، فقال مقاتل بن حيان: ثلاثة أيام. عطاء: سبعة أيام، ضحاك: عشرين يوما. السدي والكلبي ومقاتل بن سليمان: أربعين يوما. وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ أي له، وقيل: عنده، كقوله: لَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ» أي عندي شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ قال ابن مسعود: يعني القرع. ابن عباس والحسن ومقاتل هو كل نبت يمتد وينبسط على وجه الأرض، ولا يبقى على الشتاء وليس له ساق نحو القثاء والبطيخ والقرع والحنظل. سعيد ابن جبير: هو كل شيء ينبت ثمّ يموت من عامه، وقيل: هو يفعيل من (قطن بالمكان) إذا أقام به إقامة زائل لا إقامة ثابت، وقال مقاتل بن حيان: وكان يستظل بالشجرة، وكانت وعلة تختلف إليه فيشرب من لبنها، وَأَرْسَلْناهُ يجوز أن يكون من حبسه في بطن الحوت، تقدير الآية وقد أرسلناه، ويجوز أن يكون بعده، ويجوز أن يكون إلى قوم آخرين. إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ قال ابن عباس: معناه ويزيدون، قال الشاعر: فلما اشتد أمر الحرب فينا ... تأملنا رياحا أو رزاما [[تفسير القرطبي: 14/ 299.]] أي ورزاما، وقال مقاتل: بل يزيدون. واختلفوا في مبلغ الزيادة على مائة ألف فقال ابن عباس ومقاتل: عشرون ألف. الحسن والربيع: بضع وثلاثون ألفا، ابن حيان: سبعون ألفا، فَآمَنُوا عند معاينة العذاب، فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ انقضاء آجالهم. فَاسْتَفْتِهِمْ: فسل يا محمد أهل مكة أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ وذلك أن جهينة وبني سلمة بن عبد الدار زعموا أنّ الملائكة بنات الله، أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ شاهِدُونَ: حاضرون خلقنا إياهم، نظيره قوله: أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ [[سورة الزخرف: 19.]] . أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ أَصْطَفَى. قرأ العامة بقطع الألف لأنه ألف استفهام دخلت على ألف الوصل فحذفت ألف الوصل وبقيت ألف الاستفهام مفتوحة على حالها مثل أَسْتَكْبَرْتَ [[سورة ص: 75.]] وأَسْتَغْفَرْتَ [[سورة المنافقون: 6.]] وأَذْهَبْتُمْ [[سورة الأحقاف: 20.]] ونحوها. وقرأ أبو جعفر ونافع في بعض الروايات (الكاذبون اصطفى) موصولة على الخبر والحكاية عن قول المشركين، مجازه: لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ ويقولون أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ ثم رجع إلى الخطاب: ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ أَفَلا تَذَكَّرُونَ أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ: برهان بيّن على أنّ الله ولدا فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً : فجعلوا الملائكة بنات الله، فسمّي الملائكة جنّا لاختبائهم عن الأبصار، هذا قول مجاهد وقتادة، وقال ابن عباس: قالوا لحيّ: من الملائكة- يقال لهم: الجنّ ومنهم إبليس- بنات الله. قال الكلبي: قالوا (لعنهم الله) : بل تزوّج من الجن فخرج منها الملائكة، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وقال الحسن: أشركوا الشيطان في عبادة الله فهو النسب الذي جعلوه. وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ يعني قائلي هذا القول لَمُحْضَرُونَ في النار. سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ فإنهم من النار ناجون. فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ يعني الأصنام ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ أي مع ذلك بِفاتِنِينَ: بمضلّين إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ أي إلّا من هو في علم الله وإرادته سيدخل النار. أخبرني ابن فنجويه قال حدّثنا ابن شنبه قال: حدّثنا الفربابي قال: حدّثنا أبو بكر بن شنبه قال: حدّثنا عبد الله بن إدريس عن عمر بن ذر قال: قدمنا على عمر بن عبد العزيز فذكر عنده القدر، فقال عمر بن عبد العزيز: لو أراد الله ألّا يعصى ما خلق إبليس وهو رأس الخطيئة، وإن في ذلك لعلما من كتاب الله، وجهله من جهله وعرفه من عرفه، ثم قرأ فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ، وقد فصلت هذه الآية بين الناس. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شنبه قال: حدّثنا الفربابي قال: حدّثنا إسحاق بن موسى الأنصاري قال: حدّثنا أنس بن عياض قال: حدّثني أبو سهيل نافع بن مالك بن أبي عامر قال: قال لي عمر بن عبد العزيز (من فيه إلى أذني) : ما تقول في الذين يقولون لا قدر؟ قال: أرى أن يستتابوا، فإن تابوا وإلّا ضربت أعناقهم. قال عمر بن عبد العزيز: ذلك الرأي فيهم والله لو لم يكن إلّا هذه الآية الواحدة لكفى بها: فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ. ما مِنَّا إِلَّا لَهُ يعني إلّا من له مَقامٌ مَعْلُومٌ: مكان مخصوص في العبادة. قال ابن عباس: ما في السماوات موضع شبر إلّا وعليه ملك مصلّ أو مسبح، وقال أبو بكر: الوراق: إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ يعبد الله عليه، كالخوف والرجا، والمحبة والرضا، وقال السدي: يعني في القربى والمشاهدة. وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ في الصلاة، وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ وَإِنْ كانُوا وقد كادوا يعني أهل مكة لَيَقُولُونَ لام التأكيد: لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الْأَوَّلِينَ: كتابا مثل كتبهم، لَكُنَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ فَكَفَرُوا بِهِ فيه اختصار تقديره: فلما أتاهم ذلك الكتاب كفروا به. نظيره قوله: أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ [[سورة الأنعام: 157.]] . فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ، وهذا وعيد لهم. وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ، وهي قوله: كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي [[سورة المجادلة: 21.]] . إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ قال ابن عباس: يعني الموت، وقال مجاهد: يعني يوم بدر، وقيل: إلى يوم القيامة، وقال مقاتل بن حيان: نسختها آية القتال. وَأَبْصِرْهُمْ. أنظر إليهم إذا عدوا، وقيل: أبصر حالهم بقليل، وقيل: انتظرهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ما أنكروا: أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ وذلك أنّ رسول الله (عليه السلام) لما أوعدهم العذاب، قالوا: مَتى هذَا الْوَعْدُ؟ فأنزل الله سبحانه هذه الآية. فَإِذا نَزَلَ العذاب بِساحَتِهِمْ: بناحيتهم وفنائهم فَساءَ: فبئس صَباحُ الْمُنْذَرِينَ: الكافرين. أخبرنا أبو عبد الله بن محمد بن عبد الله الزاهد قال: أخبرنا أبو العباس السراح قال: حدّثنا محمد بن رافع قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمّر عن قتادة عن أنس في قوله: فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ قال: لما أتى النبي صلّى الله عليه خيبر فوجدهم حين خرجوا إلى زرعهم ومعهم مساحيهم، فلما رأوه ومعه الجيش نكصوا، فرجعوا إلى حصنهم، فقال النبي عليه السلام: «الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ» [104] [[كتاب المسند للشافعي: 318.]] . وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ تأكيد للأولى. سُبْحانَ رَبِّكَ- إلى آخر السورة- أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا عمر بن الخطاب قال: حدّثنا أبو مسلم: حدّثنا محمد بن إسماعيل بن محمد بن أسد بن عبد الله الأصفهاني قال: حدّثنا أسيد بن عاصم قال: حدّثنا أبو سفيان بن صالح بن مهران قال: حدّثنا نعمان قال: حدّثنا أبو العوام عن قتادة عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلّى الله عليه: «إذا سلمتم عليّ فسلّموا على المرسلين فإنما أنا رسول من المرسلين» [[جامع البيان للطبري: 23/ 139.]] [105] . قال أبو العوام: كان قتادة يذكر هذا الحديث إذا تلا هذه الآية: سُبْحانَ رَبِّكَ إلى آخر السورة. وأخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا موسى بن محمد قال: حدّثنا الحسن بن علوية قال: حدّثنا إسماعيل بن عيسى قال: حدّثنا المسيب قال: حدّثنا مطرف عن أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري قال: كان رسول الله صلّى الله عليه يقول قبل أن يسلّم: سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [[مجمع الزوائد: 10/ 103.]] . وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا أحمد بن جعفر بن حمدان قال: حدّثنا إبراهيم بن سهلويه قال: حدّثنا علي بن محمد الطنافسي قال: حدّثنا وكيع عن ثابت بن أبي صفية عن الأصبغ بن نباتة عن علي رضي الله عنه قال: «من أحبّ أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة، فليكن آخر كلامه من مجلسه سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ» [106] [[الأذكار النووية: 299 ح 889.]] . [أخبرنا ابن فنجويه، أخبرنا الحسن المخلدي المقرئ عن أبي الحسن علي بن أحمد عن أبي [عثمان] البصري عن أبي خليفة [الجمحي عن] عبد المؤمن عن إبراهيم بن إسحاق [عن عبد الصمد] عن صالح بن مسافر قال: قرأت على عاصم بن أبي النجود سورة والصافات فلما أتيت على آخرها سكت، فقال: لم؟ اقرأ. فقلت: قد ختمت، قال إني فعلت كما فعلت على أبي عبد الرحمن السلمي، فقال أبو عبد الرحمن: كذلك قال لي عليّ وقال لي: قل: آذنتكم بأذانة المرسلين ولتسئلن عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ [[هكذا وجد هذا الخبر في هامش المخطوط.]] .

ص 38:1

وهي ثلاثة آلاف وسبعة وستون حرفا، وسبعمائة واثنتان وثلاثون كلمة، وثمانية وثمانون آية. من كتاب ثواب الأعمال: أخبرنا إبراهيم قال: حدّثنا سلام في إسناده قال: ومن قرأ سورة ص كان له من الأجر مثل جبل سخّره الله لداود عشرة حسنات، وعصم من أن يصرّ على ذنب صغير أو كبير [[نقله الطبرسي في مجمع البيان: 8/ 340، عن أبي بن كعب عن النبي ﷺ‎.]] . حدّثنا إبراهيم بن محمّد بن الحسن قال: حدّثنا أبو الربيع قال: حدّثنا ابن وهب قال: حدّثني العطاف بن خلد عن عبد الرّحمن بن حرملة عن برد مولى سعيد بن المسيب: إنّ ابن المسيّب كان لا يدع أن يقرأ كل ليلة ص. قال العطاف: فلقيت عمران بن محمّد بن سعيد بن المسيب فسألته عن ذلك. قال: بلغني أنّه ما من عبد يقرأها كلّ ليلة إلّا اهتز له العرش. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ص قرأ العامة بالجزم، واختلفوا في معناه. فقال الكلبي: عن أبي صالح، سئل جابر بن عبد الله وابن عباس عن ص فقالا: لا ندري. وقال عكرمة: سأل نافع الأزرق عبد الله بن عباس عن ص فقال: كان بحرا بمكّة وكان عليه عرش الرّحمن، إذ لا ليل ولا نهار. سعيد بن جبير: ص بحر يحيي الله به الموتى بين [النفختين] . الضحّاك: صدق الله. مجاهد: فاتحة السّورة. قتادة: اسم من أسماء القرآن. السدّي: قسم أقسم الله سبحانه وتعالى به، وهو اسم من أسماء الله عزّ وجلّ. وهي رواية الوالبي عن ابن عبّاس. محمد بن كعب القرظي: هو مفتاح أسماء الله، صمد، وصانع المصنوعات، وصادق الوعد. وقيل: هو اسم السّورة، وقيل: هو إشارة إلى صدود الكفّار من القرآن. وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق: صادِ بخفض الدّال، من المصادّاة، أي عارض القرآن بعملك وقابله به، واعمل بأوامره، وانته عن نواهيه. وقرأ عيسى بن عمر صادَ بفتح الدّال، ومثله قافَ ونونَ، لاجتماع السّاكنين، حرّكها إلى أخف الحركات. وقيل: على الإغراء. وقيل في ص: إنّ معناه صاد محمّد قلوب الخلق واستمالها حتّى آمنوا به. وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ قال ابن عباس ومقاتل: ذي البيان. الضحاك: ذي الشرف، دليله قوله عزّ وجل: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ. وقيل: ذي ذكر الله عزّ وجلّ. واختلفوا في جواب القسم، فقال قتادة: موضع القسم قوله: بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا كما قال سبحانه: ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ بَلْ عَجِبُوا. وقال الأخفش جوابه قوله: إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ كقوله عزّ وجل: تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا ... وقوله: وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ ... إِنْ كُلُّ نَفْسٍ. وقيل: قوله: إِنَّ هذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِنْ نَفادٍ. وقال الكسائي: قوله: إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ. وقيل: مقدم ومؤخر تقديره بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ ... وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ. وقال الفراء: ص معناها وجب وحقّ، فهي جواب لقوله وَالْقُرْآنِ كما تقول: [نزل] والله. وقال القتيبي من قال جواب القسم بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا قال: «بل» إنما تجيء لتدارك كلام ونفي آخر، ومجاز الآية أن الله أقسم ب ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ ويعني حمية جاهلية وتكبر. وَشِقاقٍ يعني خلاف وفراق. كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنادَوْا بالأيمان والاستغاثة عند نزول العقوبة وحلول النقمة بهم. وَلاتَ حِينَ مَناصٍ وليس بوقت فرار ولا بر. وقال وهب: وَلاتَ بلغة السريانية إذا أراد السرياني أن يقول وليس يقول: ولات. وقال أئمة أهل اللغة: وَلاتَ حِينَ مفتوحتان كأنّهما كلمة واحدة، وإنّما هي «لا» زيدت فيها التاء كقولهم: ربّ وربّت، وثمّ وثمّت. قال أبو زيد الطائي: طلبوا صلحنا ولات أوان ... فأجبنا أن ليس حين بقاء [[لسان العرب: 13/ 40.]] [وقال] آخر: تذكّرت حبّ ليلى لات حينا ... وأمسى الشيب فقطع القرينا [[لسان العرب: 15/ 468.]] وقال قوم: إن التاء زيدت في حين كقول أبي وجزة السعديّ: العاطفون حين ما من عاطف ... والمطعمون زمان ما من مطعم [[تاج العروس: 9/ 188، وتفسير القرطبي: 5/ 148.]] وتقول العرب: تلان بمعنى الآن، ومنه حديث ابن عمر سأله رجل عن عثمان رضي الله عنه فذكر مناقبه ثم قال: اذهب بها تلان إلى أصحابك يريد الآن [[تفسير القرطبي: 15/ 147- 149.]] . وقال الشاعر: تولى قبل يوم بين حمانا ... وصلينا كما زعمت تلانا [[لسان العرب: 13/ 43.]] فمن قال: إن التاء مع «لا» قالوا: قف عليه لأن بالتاء [ ... ] [[كلمة غير مقروءة.]] . وروى قتيبة عن الكسائي أنّه كان يقف: ولاه، بالهاء، ومثله روي عن أهل مكة، ومن قال: إن التاء مع حين. قالوا: قف عليه ولا، ثم يبتدئ تحين مناص. وهو اختيار أبي عبيد قال: لأني تعمّدت النظر إليه في الأمام مصحف عثمان بن عفان رضي الله عنه عنه فوجدت التاء متصلة مع حين قد ثبتت: «تحين» [[أنظر المصدر السابق.]] . وقال الفراء: النوص بالنون التأخر، والبوص بالباء التقدم. وجمعهما امرؤ القيس في بيت فقال: أمن ذكر ليلى إذ نأتك تنوص ... فتقصر عنها خطوة وتبوص [[الصحاح للجوهري: 3/ 1031.]] فمناص مفعل من ناص مثل مقام. قال ابن عباس: كان كفار مكة إذا قاتلوا فاضطروا في الحرب قال بعضهم لبعض: مناص، أي اهربوا وخذوا حذركم، فلما نزل بهم العذاب ببدر قالوا: مناص، فأنزل الله سبحانه وَلاتَ حِينَ مَناصٍ. وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ. أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً. وذلك أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أسلم فشق ذلك على قريش وفرح به المؤمنون، فقال الوليد بن المغيرة للملأ من قريش، وهم الصناديد والأشراف، وكانوا خمسة وعشرين رجلا، الوليد بن المغيرة وهو أكبرهم سنّا، وأبو جميل ابن هشام، وأبي وأميّة ابنا خلف، وعمر بن وهب بن خلف، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة، وعبد الله بن أميّة والعاص بن وائل، والحرث بن قيس، وعدي بن قيس، والنضر بن الحرث، وأبو البحتري بن هشام، وقرط بن عمرو، وعامر بن خالد، ومحرمة بن نوفل، وزمعة بن الأسود، ومطعم بن عدي، والأخنس بن سريق، وحويطب ابن عبد العزى، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج، والوليد بن عتبة، وهشام بن عمر بن ربيعة، وسهيل بن عمرو، فقال لهم الوليد بن المغيرة: امشوا إلى أبي طالب. فأتوا أبا طالب فقالوا له: أنت شيخنا وكبيرنا، وقد علمت ما فعل هؤلاء السفهاء، وإنّا أتيناك لتقضي بيننا وبين ابن أخيك. فأرسل أبو طالب إلى النبيّ ﷺ‎ فدعاه فقال له: يا ابن أخ هؤلاء قومك يسألونك السواء فلا تمل كل الميل على قومك. فقال رسول الله ﷺ‎: «وماذا يسألوني؟» فقال: يقولون ارفضنا وارفض ذكر آلهتنا وندعك وإلهك. فقال النبي (عليه السلام) : «أتعطونني كلمة واحدة تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم؟» فقال أبو جهل: لله أبوك لنعطينكها وعشر أمثالها. فقال رسول الله ﷺ‎: «قولوا لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ» [[أسباب نزول الآيات: 247.]] [107] . فنفروا من ذلك وقاموا وقالوا: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً كيف يسع الخلق كلهم إله واحد. إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ أي عجيب. قال مقاتل: بلغة أزد شنوه. قال أهل اللغة: العجيب والعجاب واحد كقولك كريم وكرام وكبير وو كبار وطويل وطوال وعريض وعراض وسكين حديد وحداد. أنشد الفراء: كحلقة من أبي رماح ... تسمعها لاهة الكبار وقال آخر: نحن أجدنا دونها الضرابا ... إنّا وجدنا ماءها طيابا [[لسان العرب: 1/ 566.]] يريد طيبا. وقال عباس بن مرداس: تعدوا به سلمية سراعه. أي سريعة. وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي وعيسى بن عمر: عجّاب بالتشديد. وهو المفرط في العجب. فأنشد الفراء: آثرت إدلاجي على ليل جرّة ... هضيم الحشا حسانة المتجرد [[لسان العرب: 2/ 272.]] وأنشد أبو حاتم: جاءوا بصيد عجّب من العجب ... أزيرق العينين طوال الذنب [[تاريخ دمشق: 7/ 422 ط. دار الفكر.]] وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا يعني إلى أبي طالب فأشكوا إليه ابن أخيه وَاصْبِرُوا واثبتوا عَلى آلِهَتِكُمْ نظيرها في الفرقان لَوْلا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها [[سورة الفرقان: 42.]] . إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ أي لأمر يراد بنا ما سَمِعْنا بِهذا الذي يقول محمّد فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ. قال ابن عبّاس والقرظي والكلبي ومقاتل: يعنون النصرانية، لأن النصارى تجعل مع الله إلها. وقال مجاهد وقتادة: يعنون ملة قريش، ملة زماننا هذا [[انظر: تفسير القرطبي: 15/ 152.]] . إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ القرآن مِنْ بَيْنِنا قال الله عزّ وجلّ: بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي أيّ وحيي.

ص 38:2

وهي ثلاثة آلاف وسبعة وستون حرفا، وسبعمائة واثنتان وثلاثون كلمة، وثمانية وثمانون آية. من كتاب ثواب الأعمال: أخبرنا إبراهيم قال: حدّثنا سلام في إسناده قال: ومن قرأ سورة ص كان له من الأجر مثل جبل سخّره الله لداود عشرة حسنات، وعصم من أن يصرّ على ذنب صغير أو كبير [[نقله الطبرسي في مجمع البيان: 8/ 340، عن أبي بن كعب عن النبي ﷺ‎.]] . حدّثنا إبراهيم بن محمّد بن الحسن قال: حدّثنا أبو الربيع قال: حدّثنا ابن وهب قال: حدّثني العطاف بن خلد عن عبد الرّحمن بن حرملة عن برد مولى سعيد بن المسيب: إنّ ابن المسيّب كان لا يدع أن يقرأ كل ليلة ص. قال العطاف: فلقيت عمران بن محمّد بن سعيد بن المسيب فسألته عن ذلك. قال: بلغني أنّه ما من عبد يقرأها كلّ ليلة إلّا اهتز له العرش. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ص قرأ العامة بالجزم، واختلفوا في معناه. فقال الكلبي: عن أبي صالح، سئل جابر بن عبد الله وابن عباس عن ص فقالا: لا ندري. وقال عكرمة: سأل نافع الأزرق عبد الله بن عباس عن ص فقال: كان بحرا بمكّة وكان عليه عرش الرّحمن، إذ لا ليل ولا نهار. سعيد بن جبير: ص بحر يحيي الله به الموتى بين [النفختين] . الضحّاك: صدق الله. مجاهد: فاتحة السّورة. قتادة: اسم من أسماء القرآن. السدّي: قسم أقسم الله سبحانه وتعالى به، وهو اسم من أسماء الله عزّ وجلّ. وهي رواية الوالبي عن ابن عبّاس. محمد بن كعب القرظي: هو مفتاح أسماء الله، صمد، وصانع المصنوعات، وصادق الوعد. وقيل: هو اسم السّورة، وقيل: هو إشارة إلى صدود الكفّار من القرآن. وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق: صادِ بخفض الدّال، من المصادّاة، أي عارض القرآن بعملك وقابله به، واعمل بأوامره، وانته عن نواهيه. وقرأ عيسى بن عمر صادَ بفتح الدّال، ومثله قافَ ونونَ، لاجتماع السّاكنين، حرّكها إلى أخف الحركات. وقيل: على الإغراء. وقيل في ص: إنّ معناه صاد محمّد قلوب الخلق واستمالها حتّى آمنوا به. وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ قال ابن عباس ومقاتل: ذي البيان. الضحاك: ذي الشرف، دليله قوله عزّ وجل: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ. وقيل: ذي ذكر الله عزّ وجلّ. واختلفوا في جواب القسم، فقال قتادة: موضع القسم قوله: بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا كما قال سبحانه: ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ بَلْ عَجِبُوا. وقال الأخفش جوابه قوله: إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ كقوله عزّ وجل: تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا ... وقوله: وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ ... إِنْ كُلُّ نَفْسٍ. وقيل: قوله: إِنَّ هذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِنْ نَفادٍ. وقال الكسائي: قوله: إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ. وقيل: مقدم ومؤخر تقديره بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ ... وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ. وقال الفراء: ص معناها وجب وحقّ، فهي جواب لقوله وَالْقُرْآنِ كما تقول: [نزل] والله. وقال القتيبي من قال جواب القسم بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا قال: «بل» إنما تجيء لتدارك كلام ونفي آخر، ومجاز الآية أن الله أقسم ب ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ ويعني حمية جاهلية وتكبر. وَشِقاقٍ يعني خلاف وفراق. كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنادَوْا بالأيمان والاستغاثة عند نزول العقوبة وحلول النقمة بهم. وَلاتَ حِينَ مَناصٍ وليس بوقت فرار ولا بر. وقال وهب: وَلاتَ بلغة السريانية إذا أراد السرياني أن يقول وليس يقول: ولات. وقال أئمة أهل اللغة: وَلاتَ حِينَ مفتوحتان كأنّهما كلمة واحدة، وإنّما هي «لا» زيدت فيها التاء كقولهم: ربّ وربّت، وثمّ وثمّت. قال أبو زيد الطائي: طلبوا صلحنا ولات أوان ... فأجبنا أن ليس حين بقاء [[لسان العرب: 13/ 40.]] [وقال] آخر: تذكّرت حبّ ليلى لات حينا ... وأمسى الشيب فقطع القرينا [[لسان العرب: 15/ 468.]] وقال قوم: إن التاء زيدت في حين كقول أبي وجزة السعديّ: العاطفون حين ما من عاطف ... والمطعمون زمان ما من مطعم [[تاج العروس: 9/ 188، وتفسير القرطبي: 5/ 148.]] وتقول العرب: تلان بمعنى الآن، ومنه حديث ابن عمر سأله رجل عن عثمان رضي الله عنه فذكر مناقبه ثم قال: اذهب بها تلان إلى أصحابك يريد الآن [[تفسير القرطبي: 15/ 147- 149.]] . وقال الشاعر: تولى قبل يوم بين حمانا ... وصلينا كما زعمت تلانا [[لسان العرب: 13/ 43.]] فمن قال: إن التاء مع «لا» قالوا: قف عليه لأن بالتاء [ ... ] [[كلمة غير مقروءة.]] . وروى قتيبة عن الكسائي أنّه كان يقف: ولاه، بالهاء، ومثله روي عن أهل مكة، ومن قال: إن التاء مع حين. قالوا: قف عليه ولا، ثم يبتدئ تحين مناص. وهو اختيار أبي عبيد قال: لأني تعمّدت النظر إليه في الأمام مصحف عثمان بن عفان رضي الله عنه عنه فوجدت التاء متصلة مع حين قد ثبتت: «تحين» [[أنظر المصدر السابق.]] . وقال الفراء: النوص بالنون التأخر، والبوص بالباء التقدم. وجمعهما امرؤ القيس في بيت فقال: أمن ذكر ليلى إذ نأتك تنوص ... فتقصر عنها خطوة وتبوص [[الصحاح للجوهري: 3/ 1031.]] فمناص مفعل من ناص مثل مقام. قال ابن عباس: كان كفار مكة إذا قاتلوا فاضطروا في الحرب قال بعضهم لبعض: مناص، أي اهربوا وخذوا حذركم، فلما نزل بهم العذاب ببدر قالوا: مناص، فأنزل الله سبحانه وَلاتَ حِينَ مَناصٍ. وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ. أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً. وذلك أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أسلم فشق ذلك على قريش وفرح به المؤمنون، فقال الوليد بن المغيرة للملأ من قريش، وهم الصناديد والأشراف، وكانوا خمسة وعشرين رجلا، الوليد بن المغيرة وهو أكبرهم سنّا، وأبو جميل ابن هشام، وأبي وأميّة ابنا خلف، وعمر بن وهب بن خلف، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة، وعبد الله بن أميّة والعاص بن وائل، والحرث بن قيس، وعدي بن قيس، والنضر بن الحرث، وأبو البحتري بن هشام، وقرط بن عمرو، وعامر بن خالد، ومحرمة بن نوفل، وزمعة بن الأسود، ومطعم بن عدي، والأخنس بن سريق، وحويطب ابن عبد العزى، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج، والوليد بن عتبة، وهشام بن عمر بن ربيعة، وسهيل بن عمرو، فقال لهم الوليد بن المغيرة: امشوا إلى أبي طالب. فأتوا أبا طالب فقالوا له: أنت شيخنا وكبيرنا، وقد علمت ما فعل هؤلاء السفهاء، وإنّا أتيناك لتقضي بيننا وبين ابن أخيك. فأرسل أبو طالب إلى النبيّ ﷺ‎ فدعاه فقال له: يا ابن أخ هؤلاء قومك يسألونك السواء فلا تمل كل الميل على قومك. فقال رسول الله ﷺ‎: «وماذا يسألوني؟» فقال: يقولون ارفضنا وارفض ذكر آلهتنا وندعك وإلهك. فقال النبي (عليه السلام) : «أتعطونني كلمة واحدة تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم؟» فقال أبو جهل: لله أبوك لنعطينكها وعشر أمثالها. فقال رسول الله ﷺ‎: «قولوا لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ» [[أسباب نزول الآيات: 247.]] [107] . فنفروا من ذلك وقاموا وقالوا: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً كيف يسع الخلق كلهم إله واحد. إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ أي عجيب. قال مقاتل: بلغة أزد شنوه. قال أهل اللغة: العجيب والعجاب واحد كقولك كريم وكرام وكبير وو كبار وطويل وطوال وعريض وعراض وسكين حديد وحداد. أنشد الفراء: كحلقة من أبي رماح ... تسمعها لاهة الكبار وقال آخر: نحن أجدنا دونها الضرابا ... إنّا وجدنا ماءها طيابا [[لسان العرب: 1/ 566.]] يريد طيبا. وقال عباس بن مرداس: تعدوا به سلمية سراعه. أي سريعة. وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي وعيسى بن عمر: عجّاب بالتشديد. وهو المفرط في العجب. فأنشد الفراء: آثرت إدلاجي على ليل جرّة ... هضيم الحشا حسانة المتجرد [[لسان العرب: 2/ 272.]] وأنشد أبو حاتم: جاءوا بصيد عجّب من العجب ... أزيرق العينين طوال الذنب [[تاريخ دمشق: 7/ 422 ط. دار الفكر.]] وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا يعني إلى أبي طالب فأشكوا إليه ابن أخيه وَاصْبِرُوا واثبتوا عَلى آلِهَتِكُمْ نظيرها في الفرقان لَوْلا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها [[سورة الفرقان: 42.]] . إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ أي لأمر يراد بنا ما سَمِعْنا بِهذا الذي يقول محمّد فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ. قال ابن عبّاس والقرظي والكلبي ومقاتل: يعنون النصرانية، لأن النصارى تجعل مع الله إلها. وقال مجاهد وقتادة: يعنون ملة قريش، ملة زماننا هذا [[انظر: تفسير القرطبي: 15/ 152.]] . إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ القرآن مِنْ بَيْنِنا قال الله عزّ وجلّ: بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي أيّ وحيي.

ص 38:3

وهي ثلاثة آلاف وسبعة وستون حرفا، وسبعمائة واثنتان وثلاثون كلمة، وثمانية وثمانون آية. من كتاب ثواب الأعمال: أخبرنا إبراهيم قال: حدّثنا سلام في إسناده قال: ومن قرأ سورة ص كان له من الأجر مثل جبل سخّره الله لداود عشرة حسنات، وعصم من أن يصرّ على ذنب صغير أو كبير [[نقله الطبرسي في مجمع البيان: 8/ 340، عن أبي بن كعب عن النبي ﷺ‎.]] . حدّثنا إبراهيم بن محمّد بن الحسن قال: حدّثنا أبو الربيع قال: حدّثنا ابن وهب قال: حدّثني العطاف بن خلد عن عبد الرّحمن بن حرملة عن برد مولى سعيد بن المسيب: إنّ ابن المسيّب كان لا يدع أن يقرأ كل ليلة ص. قال العطاف: فلقيت عمران بن محمّد بن سعيد بن المسيب فسألته عن ذلك. قال: بلغني أنّه ما من عبد يقرأها كلّ ليلة إلّا اهتز له العرش. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ص قرأ العامة بالجزم، واختلفوا في معناه. فقال الكلبي: عن أبي صالح، سئل جابر بن عبد الله وابن عباس عن ص فقالا: لا ندري. وقال عكرمة: سأل نافع الأزرق عبد الله بن عباس عن ص فقال: كان بحرا بمكّة وكان عليه عرش الرّحمن، إذ لا ليل ولا نهار. سعيد بن جبير: ص بحر يحيي الله به الموتى بين [النفختين] . الضحّاك: صدق الله. مجاهد: فاتحة السّورة. قتادة: اسم من أسماء القرآن. السدّي: قسم أقسم الله سبحانه وتعالى به، وهو اسم من أسماء الله عزّ وجلّ. وهي رواية الوالبي عن ابن عبّاس. محمد بن كعب القرظي: هو مفتاح أسماء الله، صمد، وصانع المصنوعات، وصادق الوعد. وقيل: هو اسم السّورة، وقيل: هو إشارة إلى صدود الكفّار من القرآن. وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق: صادِ بخفض الدّال، من المصادّاة، أي عارض القرآن بعملك وقابله به، واعمل بأوامره، وانته عن نواهيه. وقرأ عيسى بن عمر صادَ بفتح الدّال، ومثله قافَ ونونَ، لاجتماع السّاكنين، حرّكها إلى أخف الحركات. وقيل: على الإغراء. وقيل في ص: إنّ معناه صاد محمّد قلوب الخلق واستمالها حتّى آمنوا به. وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ قال ابن عباس ومقاتل: ذي البيان. الضحاك: ذي الشرف، دليله قوله عزّ وجل: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ. وقيل: ذي ذكر الله عزّ وجلّ. واختلفوا في جواب القسم، فقال قتادة: موضع القسم قوله: بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا كما قال سبحانه: ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ بَلْ عَجِبُوا. وقال الأخفش جوابه قوله: إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ كقوله عزّ وجل: تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا ... وقوله: وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ ... إِنْ كُلُّ نَفْسٍ. وقيل: قوله: إِنَّ هذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِنْ نَفادٍ. وقال الكسائي: قوله: إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ. وقيل: مقدم ومؤخر تقديره بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ ... وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ. وقال الفراء: ص معناها وجب وحقّ، فهي جواب لقوله وَالْقُرْآنِ كما تقول: [نزل] والله. وقال القتيبي من قال جواب القسم بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا قال: «بل» إنما تجيء لتدارك كلام ونفي آخر، ومجاز الآية أن الله أقسم ب ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ ويعني حمية جاهلية وتكبر. وَشِقاقٍ يعني خلاف وفراق. كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنادَوْا بالأيمان والاستغاثة عند نزول العقوبة وحلول النقمة بهم. وَلاتَ حِينَ مَناصٍ وليس بوقت فرار ولا بر. وقال وهب: وَلاتَ بلغة السريانية إذا أراد السرياني أن يقول وليس يقول: ولات. وقال أئمة أهل اللغة: وَلاتَ حِينَ مفتوحتان كأنّهما كلمة واحدة، وإنّما هي «لا» زيدت فيها التاء كقولهم: ربّ وربّت، وثمّ وثمّت. قال أبو زيد الطائي: طلبوا صلحنا ولات أوان ... فأجبنا أن ليس حين بقاء [[لسان العرب: 13/ 40.]] [وقال] آخر: تذكّرت حبّ ليلى لات حينا ... وأمسى الشيب فقطع القرينا [[لسان العرب: 15/ 468.]] وقال قوم: إن التاء زيدت في حين كقول أبي وجزة السعديّ: العاطفون حين ما من عاطف ... والمطعمون زمان ما من مطعم [[تاج العروس: 9/ 188، وتفسير القرطبي: 5/ 148.]] وتقول العرب: تلان بمعنى الآن، ومنه حديث ابن عمر سأله رجل عن عثمان رضي الله عنه فذكر مناقبه ثم قال: اذهب بها تلان إلى أصحابك يريد الآن [[تفسير القرطبي: 15/ 147- 149.]] . وقال الشاعر: تولى قبل يوم بين حمانا ... وصلينا كما زعمت تلانا [[لسان العرب: 13/ 43.]] فمن قال: إن التاء مع «لا» قالوا: قف عليه لأن بالتاء [ ... ] [[كلمة غير مقروءة.]] . وروى قتيبة عن الكسائي أنّه كان يقف: ولاه، بالهاء، ومثله روي عن أهل مكة، ومن قال: إن التاء مع حين. قالوا: قف عليه ولا، ثم يبتدئ تحين مناص. وهو اختيار أبي عبيد قال: لأني تعمّدت النظر إليه في الأمام مصحف عثمان بن عفان رضي الله عنه عنه فوجدت التاء متصلة مع حين قد ثبتت: «تحين» [[أنظر المصدر السابق.]] . وقال الفراء: النوص بالنون التأخر، والبوص بالباء التقدم. وجمعهما امرؤ القيس في بيت فقال: أمن ذكر ليلى إذ نأتك تنوص ... فتقصر عنها خطوة وتبوص [[الصحاح للجوهري: 3/ 1031.]] فمناص مفعل من ناص مثل مقام. قال ابن عباس: كان كفار مكة إذا قاتلوا فاضطروا في الحرب قال بعضهم لبعض: مناص، أي اهربوا وخذوا حذركم، فلما نزل بهم العذاب ببدر قالوا: مناص، فأنزل الله سبحانه وَلاتَ حِينَ مَناصٍ. وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ. أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً. وذلك أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أسلم فشق ذلك على قريش وفرح به المؤمنون، فقال الوليد بن المغيرة للملأ من قريش، وهم الصناديد والأشراف، وكانوا خمسة وعشرين رجلا، الوليد بن المغيرة وهو أكبرهم سنّا، وأبو جميل ابن هشام، وأبي وأميّة ابنا خلف، وعمر بن وهب بن خلف، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة، وعبد الله بن أميّة والعاص بن وائل، والحرث بن قيس، وعدي بن قيس، والنضر بن الحرث، وأبو البحتري بن هشام، وقرط بن عمرو، وعامر بن خالد، ومحرمة بن نوفل، وزمعة بن الأسود، ومطعم بن عدي، والأخنس بن سريق، وحويطب ابن عبد العزى، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج، والوليد بن عتبة، وهشام بن عمر بن ربيعة، وسهيل بن عمرو، فقال لهم الوليد بن المغيرة: امشوا إلى أبي طالب. فأتوا أبا طالب فقالوا له: أنت شيخنا وكبيرنا، وقد علمت ما فعل هؤلاء السفهاء، وإنّا أتيناك لتقضي بيننا وبين ابن أخيك. فأرسل أبو طالب إلى النبيّ ﷺ‎ فدعاه فقال له: يا ابن أخ هؤلاء قومك يسألونك السواء فلا تمل كل الميل على قومك. فقال رسول الله ﷺ‎: «وماذا يسألوني؟» فقال: يقولون ارفضنا وارفض ذكر آلهتنا وندعك وإلهك. فقال النبي (عليه السلام) : «أتعطونني كلمة واحدة تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم؟» فقال أبو جهل: لله أبوك لنعطينكها وعشر أمثالها. فقال رسول الله ﷺ‎: «قولوا لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ» [[أسباب نزول الآيات: 247.]] [107] . فنفروا من ذلك وقاموا وقالوا: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً كيف يسع الخلق كلهم إله واحد. إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ أي عجيب. قال مقاتل: بلغة أزد شنوه. قال أهل اللغة: العجيب والعجاب واحد كقولك كريم وكرام وكبير وو كبار وطويل وطوال وعريض وعراض وسكين حديد وحداد. أنشد الفراء: كحلقة من أبي رماح ... تسمعها لاهة الكبار وقال آخر: نحن أجدنا دونها الضرابا ... إنّا وجدنا ماءها طيابا [[لسان العرب: 1/ 566.]] يريد طيبا. وقال عباس بن مرداس: تعدوا به سلمية سراعه. أي سريعة. وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي وعيسى بن عمر: عجّاب بالتشديد. وهو المفرط في العجب. فأنشد الفراء: آثرت إدلاجي على ليل جرّة ... هضيم الحشا حسانة المتجرد [[لسان العرب: 2/ 272.]] وأنشد أبو حاتم: جاءوا بصيد عجّب من العجب ... أزيرق العينين طوال الذنب [[تاريخ دمشق: 7/ 422 ط. دار الفكر.]] وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا يعني إلى أبي طالب فأشكوا إليه ابن أخيه وَاصْبِرُوا واثبتوا عَلى آلِهَتِكُمْ نظيرها في الفرقان لَوْلا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها [[سورة الفرقان: 42.]] . إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ أي لأمر يراد بنا ما سَمِعْنا بِهذا الذي يقول محمّد فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ. قال ابن عبّاس والقرظي والكلبي ومقاتل: يعنون النصرانية، لأن النصارى تجعل مع الله إلها. وقال مجاهد وقتادة: يعنون ملة قريش، ملة زماننا هذا [[انظر: تفسير القرطبي: 15/ 152.]] . إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ القرآن مِنْ بَيْنِنا قال الله عزّ وجلّ: بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي أيّ وحيي.

ص 38:4

وهي ثلاثة آلاف وسبعة وستون حرفا، وسبعمائة واثنتان وثلاثون كلمة، وثمانية وثمانون آية. من كتاب ثواب الأعمال: أخبرنا إبراهيم قال: حدّثنا سلام في إسناده قال: ومن قرأ سورة ص كان له من الأجر مثل جبل سخّره الله لداود عشرة حسنات، وعصم من أن يصرّ على ذنب صغير أو كبير [[نقله الطبرسي في مجمع البيان: 8/ 340، عن أبي بن كعب عن النبي ﷺ‎.]] . حدّثنا إبراهيم بن محمّد بن الحسن قال: حدّثنا أبو الربيع قال: حدّثنا ابن وهب قال: حدّثني العطاف بن خلد عن عبد الرّحمن بن حرملة عن برد مولى سعيد بن المسيب: إنّ ابن المسيّب كان لا يدع أن يقرأ كل ليلة ص. قال العطاف: فلقيت عمران بن محمّد بن سعيد بن المسيب فسألته عن ذلك. قال: بلغني أنّه ما من عبد يقرأها كلّ ليلة إلّا اهتز له العرش. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ص قرأ العامة بالجزم، واختلفوا في معناه. فقال الكلبي: عن أبي صالح، سئل جابر بن عبد الله وابن عباس عن ص فقالا: لا ندري. وقال عكرمة: سأل نافع الأزرق عبد الله بن عباس عن ص فقال: كان بحرا بمكّة وكان عليه عرش الرّحمن، إذ لا ليل ولا نهار. سعيد بن جبير: ص بحر يحيي الله به الموتى بين [النفختين] . الضحّاك: صدق الله. مجاهد: فاتحة السّورة. قتادة: اسم من أسماء القرآن. السدّي: قسم أقسم الله سبحانه وتعالى به، وهو اسم من أسماء الله عزّ وجلّ. وهي رواية الوالبي عن ابن عبّاس. محمد بن كعب القرظي: هو مفتاح أسماء الله، صمد، وصانع المصنوعات، وصادق الوعد. وقيل: هو اسم السّورة، وقيل: هو إشارة إلى صدود الكفّار من القرآن. وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق: صادِ بخفض الدّال، من المصادّاة، أي عارض القرآن بعملك وقابله به، واعمل بأوامره، وانته عن نواهيه. وقرأ عيسى بن عمر صادَ بفتح الدّال، ومثله قافَ ونونَ، لاجتماع السّاكنين، حرّكها إلى أخف الحركات. وقيل: على الإغراء. وقيل في ص: إنّ معناه صاد محمّد قلوب الخلق واستمالها حتّى آمنوا به. وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ قال ابن عباس ومقاتل: ذي البيان. الضحاك: ذي الشرف، دليله قوله عزّ وجل: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ. وقيل: ذي ذكر الله عزّ وجلّ. واختلفوا في جواب القسم، فقال قتادة: موضع القسم قوله: بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا كما قال سبحانه: ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ بَلْ عَجِبُوا. وقال الأخفش جوابه قوله: إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ كقوله عزّ وجل: تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا ... وقوله: وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ ... إِنْ كُلُّ نَفْسٍ. وقيل: قوله: إِنَّ هذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِنْ نَفادٍ. وقال الكسائي: قوله: إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ. وقيل: مقدم ومؤخر تقديره بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ ... وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ. وقال الفراء: ص معناها وجب وحقّ، فهي جواب لقوله وَالْقُرْآنِ كما تقول: [نزل] والله. وقال القتيبي من قال جواب القسم بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا قال: «بل» إنما تجيء لتدارك كلام ونفي آخر، ومجاز الآية أن الله أقسم ب ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ ويعني حمية جاهلية وتكبر. وَشِقاقٍ يعني خلاف وفراق. كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنادَوْا بالأيمان والاستغاثة عند نزول العقوبة وحلول النقمة بهم. وَلاتَ حِينَ مَناصٍ وليس بوقت فرار ولا بر. وقال وهب: وَلاتَ بلغة السريانية إذا أراد السرياني أن يقول وليس يقول: ولات. وقال أئمة أهل اللغة: وَلاتَ حِينَ مفتوحتان كأنّهما كلمة واحدة، وإنّما هي «لا» زيدت فيها التاء كقولهم: ربّ وربّت، وثمّ وثمّت. قال أبو زيد الطائي: طلبوا صلحنا ولات أوان ... فأجبنا أن ليس حين بقاء [[لسان العرب: 13/ 40.]] [وقال] آخر: تذكّرت حبّ ليلى لات حينا ... وأمسى الشيب فقطع القرينا [[لسان العرب: 15/ 468.]] وقال قوم: إن التاء زيدت في حين كقول أبي وجزة السعديّ: العاطفون حين ما من عاطف ... والمطعمون زمان ما من مطعم [[تاج العروس: 9/ 188، وتفسير القرطبي: 5/ 148.]] وتقول العرب: تلان بمعنى الآن، ومنه حديث ابن عمر سأله رجل عن عثمان رضي الله عنه فذكر مناقبه ثم قال: اذهب بها تلان إلى أصحابك يريد الآن [[تفسير القرطبي: 15/ 147- 149.]] . وقال الشاعر: تولى قبل يوم بين حمانا ... وصلينا كما زعمت تلانا [[لسان العرب: 13/ 43.]] فمن قال: إن التاء مع «لا» قالوا: قف عليه لأن بالتاء [ ... ] [[كلمة غير مقروءة.]] . وروى قتيبة عن الكسائي أنّه كان يقف: ولاه، بالهاء، ومثله روي عن أهل مكة، ومن قال: إن التاء مع حين. قالوا: قف عليه ولا، ثم يبتدئ تحين مناص. وهو اختيار أبي عبيد قال: لأني تعمّدت النظر إليه في الأمام مصحف عثمان بن عفان رضي الله عنه عنه فوجدت التاء متصلة مع حين قد ثبتت: «تحين» [[أنظر المصدر السابق.]] . وقال الفراء: النوص بالنون التأخر، والبوص بالباء التقدم. وجمعهما امرؤ القيس في بيت فقال: أمن ذكر ليلى إذ نأتك تنوص ... فتقصر عنها خطوة وتبوص [[الصحاح للجوهري: 3/ 1031.]] فمناص مفعل من ناص مثل مقام. قال ابن عباس: كان كفار مكة إذا قاتلوا فاضطروا في الحرب قال بعضهم لبعض: مناص، أي اهربوا وخذوا حذركم، فلما نزل بهم العذاب ببدر قالوا: مناص، فأنزل الله سبحانه وَلاتَ حِينَ مَناصٍ. وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ. أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً. وذلك أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أسلم فشق ذلك على قريش وفرح به المؤمنون، فقال الوليد بن المغيرة للملأ من قريش، وهم الصناديد والأشراف، وكانوا خمسة وعشرين رجلا، الوليد بن المغيرة وهو أكبرهم سنّا، وأبو جميل ابن هشام، وأبي وأميّة ابنا خلف، وعمر بن وهب بن خلف، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة، وعبد الله بن أميّة والعاص بن وائل، والحرث بن قيس، وعدي بن قيس، والنضر بن الحرث، وأبو البحتري بن هشام، وقرط بن عمرو، وعامر بن خالد، ومحرمة بن نوفل، وزمعة بن الأسود، ومطعم بن عدي، والأخنس بن سريق، وحويطب ابن عبد العزى، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج، والوليد بن عتبة، وهشام بن عمر بن ربيعة، وسهيل بن عمرو، فقال لهم الوليد بن المغيرة: امشوا إلى أبي طالب. فأتوا أبا طالب فقالوا له: أنت شيخنا وكبيرنا، وقد علمت ما فعل هؤلاء السفهاء، وإنّا أتيناك لتقضي بيننا وبين ابن أخيك. فأرسل أبو طالب إلى النبيّ ﷺ‎ فدعاه فقال له: يا ابن أخ هؤلاء قومك يسألونك السواء فلا تمل كل الميل على قومك. فقال رسول الله ﷺ‎: «وماذا يسألوني؟» فقال: يقولون ارفضنا وارفض ذكر آلهتنا وندعك وإلهك. فقال النبي (عليه السلام) : «أتعطونني كلمة واحدة تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم؟» فقال أبو جهل: لله أبوك لنعطينكها وعشر أمثالها. فقال رسول الله ﷺ‎: «قولوا لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ» [[أسباب نزول الآيات: 247.]] [107] . فنفروا من ذلك وقاموا وقالوا: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً كيف يسع الخلق كلهم إله واحد. إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ أي عجيب. قال مقاتل: بلغة أزد شنوه. قال أهل اللغة: العجيب والعجاب واحد كقولك كريم وكرام وكبير وو كبار وطويل وطوال وعريض وعراض وسكين حديد وحداد. أنشد الفراء: كحلقة من أبي رماح ... تسمعها لاهة الكبار وقال آخر: نحن أجدنا دونها الضرابا ... إنّا وجدنا ماءها طيابا [[لسان العرب: 1/ 566.]] يريد طيبا. وقال عباس بن مرداس: تعدوا به سلمية سراعه. أي سريعة. وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي وعيسى بن عمر: عجّاب بالتشديد. وهو المفرط في العجب. فأنشد الفراء: آثرت إدلاجي على ليل جرّة ... هضيم الحشا حسانة المتجرد [[لسان العرب: 2/ 272.]] وأنشد أبو حاتم: جاءوا بصيد عجّب من العجب ... أزيرق العينين طوال الذنب [[تاريخ دمشق: 7/ 422 ط. دار الفكر.]] وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا يعني إلى أبي طالب فأشكوا إليه ابن أخيه وَاصْبِرُوا واثبتوا عَلى آلِهَتِكُمْ نظيرها في الفرقان لَوْلا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها [[سورة الفرقان: 42.]] . إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ أي لأمر يراد بنا ما سَمِعْنا بِهذا الذي يقول محمّد فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ. قال ابن عبّاس والقرظي والكلبي ومقاتل: يعنون النصرانية، لأن النصارى تجعل مع الله إلها. وقال مجاهد وقتادة: يعنون ملة قريش، ملة زماننا هذا [[انظر: تفسير القرطبي: 15/ 152.]] . إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ القرآن مِنْ بَيْنِنا قال الله عزّ وجلّ: بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي أيّ وحيي.

ص 38:5

وهي ثلاثة آلاف وسبعة وستون حرفا، وسبعمائة واثنتان وثلاثون كلمة، وثمانية وثمانون آية. من كتاب ثواب الأعمال: أخبرنا إبراهيم قال: حدّثنا سلام في إسناده قال: ومن قرأ سورة ص كان له من الأجر مثل جبل سخّره الله لداود عشرة حسنات، وعصم من أن يصرّ على ذنب صغير أو كبير [[نقله الطبرسي في مجمع البيان: 8/ 340، عن أبي بن كعب عن النبي ﷺ‎.]] . حدّثنا إبراهيم بن محمّد بن الحسن قال: حدّثنا أبو الربيع قال: حدّثنا ابن وهب قال: حدّثني العطاف بن خلد عن عبد الرّحمن بن حرملة عن برد مولى سعيد بن المسيب: إنّ ابن المسيّب كان لا يدع أن يقرأ كل ليلة ص. قال العطاف: فلقيت عمران بن محمّد بن سعيد بن المسيب فسألته عن ذلك. قال: بلغني أنّه ما من عبد يقرأها كلّ ليلة إلّا اهتز له العرش. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ص قرأ العامة بالجزم، واختلفوا في معناه. فقال الكلبي: عن أبي صالح، سئل جابر بن عبد الله وابن عباس عن ص فقالا: لا ندري. وقال عكرمة: سأل نافع الأزرق عبد الله بن عباس عن ص فقال: كان بحرا بمكّة وكان عليه عرش الرّحمن، إذ لا ليل ولا نهار. سعيد بن جبير: ص بحر يحيي الله به الموتى بين [النفختين] . الضحّاك: صدق الله. مجاهد: فاتحة السّورة. قتادة: اسم من أسماء القرآن. السدّي: قسم أقسم الله سبحانه وتعالى به، وهو اسم من أسماء الله عزّ وجلّ. وهي رواية الوالبي عن ابن عبّاس. محمد بن كعب القرظي: هو مفتاح أسماء الله، صمد، وصانع المصنوعات، وصادق الوعد. وقيل: هو اسم السّورة، وقيل: هو إشارة إلى صدود الكفّار من القرآن. وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق: صادِ بخفض الدّال، من المصادّاة، أي عارض القرآن بعملك وقابله به، واعمل بأوامره، وانته عن نواهيه. وقرأ عيسى بن عمر صادَ بفتح الدّال، ومثله قافَ ونونَ، لاجتماع السّاكنين، حرّكها إلى أخف الحركات. وقيل: على الإغراء. وقيل في ص: إنّ معناه صاد محمّد قلوب الخلق واستمالها حتّى آمنوا به. وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ قال ابن عباس ومقاتل: ذي البيان. الضحاك: ذي الشرف، دليله قوله عزّ وجل: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ. وقيل: ذي ذكر الله عزّ وجلّ. واختلفوا في جواب القسم، فقال قتادة: موضع القسم قوله: بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا كما قال سبحانه: ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ بَلْ عَجِبُوا. وقال الأخفش جوابه قوله: إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ كقوله عزّ وجل: تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا ... وقوله: وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ ... إِنْ كُلُّ نَفْسٍ. وقيل: قوله: إِنَّ هذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِنْ نَفادٍ. وقال الكسائي: قوله: إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ. وقيل: مقدم ومؤخر تقديره بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ ... وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ. وقال الفراء: ص معناها وجب وحقّ، فهي جواب لقوله وَالْقُرْآنِ كما تقول: [نزل] والله. وقال القتيبي من قال جواب القسم بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا قال: «بل» إنما تجيء لتدارك كلام ونفي آخر، ومجاز الآية أن الله أقسم ب ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ ويعني حمية جاهلية وتكبر. وَشِقاقٍ يعني خلاف وفراق. كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنادَوْا بالأيمان والاستغاثة عند نزول العقوبة وحلول النقمة بهم. وَلاتَ حِينَ مَناصٍ وليس بوقت فرار ولا بر. وقال وهب: وَلاتَ بلغة السريانية إذا أراد السرياني أن يقول وليس يقول: ولات. وقال أئمة أهل اللغة: وَلاتَ حِينَ مفتوحتان كأنّهما كلمة واحدة، وإنّما هي «لا» زيدت فيها التاء كقولهم: ربّ وربّت، وثمّ وثمّت. قال أبو زيد الطائي: طلبوا صلحنا ولات أوان ... فأجبنا أن ليس حين بقاء [[لسان العرب: 13/ 40.]] [وقال] آخر: تذكّرت حبّ ليلى لات حينا ... وأمسى الشيب فقطع القرينا [[لسان العرب: 15/ 468.]] وقال قوم: إن التاء زيدت في حين كقول أبي وجزة السعديّ: العاطفون حين ما من عاطف ... والمطعمون زمان ما من مطعم [[تاج العروس: 9/ 188، وتفسير القرطبي: 5/ 148.]] وتقول العرب: تلان بمعنى الآن، ومنه حديث ابن عمر سأله رجل عن عثمان رضي الله عنه فذكر مناقبه ثم قال: اذهب بها تلان إلى أصحابك يريد الآن [[تفسير القرطبي: 15/ 147- 149.]] . وقال الشاعر: تولى قبل يوم بين حمانا ... وصلينا كما زعمت تلانا [[لسان العرب: 13/ 43.]] فمن قال: إن التاء مع «لا» قالوا: قف عليه لأن بالتاء [ ... ] [[كلمة غير مقروءة.]] . وروى قتيبة عن الكسائي أنّه كان يقف: ولاه، بالهاء، ومثله روي عن أهل مكة، ومن قال: إن التاء مع حين. قالوا: قف عليه ولا، ثم يبتدئ تحين مناص. وهو اختيار أبي عبيد قال: لأني تعمّدت النظر إليه في الأمام مصحف عثمان بن عفان رضي الله عنه عنه فوجدت التاء متصلة مع حين قد ثبتت: «تحين» [[أنظر المصدر السابق.]] . وقال الفراء: النوص بالنون التأخر، والبوص بالباء التقدم. وجمعهما امرؤ القيس في بيت فقال: أمن ذكر ليلى إذ نأتك تنوص ... فتقصر عنها خطوة وتبوص [[الصحاح للجوهري: 3/ 1031.]] فمناص مفعل من ناص مثل مقام. قال ابن عباس: كان كفار مكة إذا قاتلوا فاضطروا في الحرب قال بعضهم لبعض: مناص، أي اهربوا وخذوا حذركم، فلما نزل بهم العذاب ببدر قالوا: مناص، فأنزل الله سبحانه وَلاتَ حِينَ مَناصٍ. وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ. أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً. وذلك أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أسلم فشق ذلك على قريش وفرح به المؤمنون، فقال الوليد بن المغيرة للملأ من قريش، وهم الصناديد والأشراف، وكانوا خمسة وعشرين رجلا، الوليد بن المغيرة وهو أكبرهم سنّا، وأبو جميل ابن هشام، وأبي وأميّة ابنا خلف، وعمر بن وهب بن خلف، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة، وعبد الله بن أميّة والعاص بن وائل، والحرث بن قيس، وعدي بن قيس، والنضر بن الحرث، وأبو البحتري بن هشام، وقرط بن عمرو، وعامر بن خالد، ومحرمة بن نوفل، وزمعة بن الأسود، ومطعم بن عدي، والأخنس بن سريق، وحويطب ابن عبد العزى، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج، والوليد بن عتبة، وهشام بن عمر بن ربيعة، وسهيل بن عمرو، فقال لهم الوليد بن المغيرة: امشوا إلى أبي طالب. فأتوا أبا طالب فقالوا له: أنت شيخنا وكبيرنا، وقد علمت ما فعل هؤلاء السفهاء، وإنّا أتيناك لتقضي بيننا وبين ابن أخيك. فأرسل أبو طالب إلى النبيّ ﷺ‎ فدعاه فقال له: يا ابن أخ هؤلاء قومك يسألونك السواء فلا تمل كل الميل على قومك. فقال رسول الله ﷺ‎: «وماذا يسألوني؟» فقال: يقولون ارفضنا وارفض ذكر آلهتنا وندعك وإلهك. فقال النبي (عليه السلام) : «أتعطونني كلمة واحدة تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم؟» فقال أبو جهل: لله أبوك لنعطينكها وعشر أمثالها. فقال رسول الله ﷺ‎: «قولوا لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ» [[أسباب نزول الآيات: 247.]] [107] . فنفروا من ذلك وقاموا وقالوا: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً كيف يسع الخلق كلهم إله واحد. إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ أي عجيب. قال مقاتل: بلغة أزد شنوه. قال أهل اللغة: العجيب والعجاب واحد كقولك كريم وكرام وكبير وو كبار وطويل وطوال وعريض وعراض وسكين حديد وحداد. أنشد الفراء: كحلقة من أبي رماح ... تسمعها لاهة الكبار وقال آخر: نحن أجدنا دونها الضرابا ... إنّا وجدنا ماءها طيابا [[لسان العرب: 1/ 566.]] يريد طيبا. وقال عباس بن مرداس: تعدوا به سلمية سراعه. أي سريعة. وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي وعيسى بن عمر: عجّاب بالتشديد. وهو المفرط في العجب. فأنشد الفراء: آثرت إدلاجي على ليل جرّة ... هضيم الحشا حسانة المتجرد [[لسان العرب: 2/ 272.]] وأنشد أبو حاتم: جاءوا بصيد عجّب من العجب ... أزيرق العينين طوال الذنب [[تاريخ دمشق: 7/ 422 ط. دار الفكر.]] وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا يعني إلى أبي طالب فأشكوا إليه ابن أخيه وَاصْبِرُوا واثبتوا عَلى آلِهَتِكُمْ نظيرها في الفرقان لَوْلا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها [[سورة الفرقان: 42.]] . إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ أي لأمر يراد بنا ما سَمِعْنا بِهذا الذي يقول محمّد فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ. قال ابن عبّاس والقرظي والكلبي ومقاتل: يعنون النصرانية، لأن النصارى تجعل مع الله إلها. وقال مجاهد وقتادة: يعنون ملة قريش، ملة زماننا هذا [[انظر: تفسير القرطبي: 15/ 152.]] . إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ القرآن مِنْ بَيْنِنا قال الله عزّ وجلّ: بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي أيّ وحيي.

ص 38:6

وهي ثلاثة آلاف وسبعة وستون حرفا، وسبعمائة واثنتان وثلاثون كلمة، وثمانية وثمانون آية. من كتاب ثواب الأعمال: أخبرنا إبراهيم قال: حدّثنا سلام في إسناده قال: ومن قرأ سورة ص كان له من الأجر مثل جبل سخّره الله لداود عشرة حسنات، وعصم من أن يصرّ على ذنب صغير أو كبير [[نقله الطبرسي في مجمع البيان: 8/ 340، عن أبي بن كعب عن النبي ﷺ‎.]] . حدّثنا إبراهيم بن محمّد بن الحسن قال: حدّثنا أبو الربيع قال: حدّثنا ابن وهب قال: حدّثني العطاف بن خلد عن عبد الرّحمن بن حرملة عن برد مولى سعيد بن المسيب: إنّ ابن المسيّب كان لا يدع أن يقرأ كل ليلة ص. قال العطاف: فلقيت عمران بن محمّد بن سعيد بن المسيب فسألته عن ذلك. قال: بلغني أنّه ما من عبد يقرأها كلّ ليلة إلّا اهتز له العرش. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ص قرأ العامة بالجزم، واختلفوا في معناه. فقال الكلبي: عن أبي صالح، سئل جابر بن عبد الله وابن عباس عن ص فقالا: لا ندري. وقال عكرمة: سأل نافع الأزرق عبد الله بن عباس عن ص فقال: كان بحرا بمكّة وكان عليه عرش الرّحمن، إذ لا ليل ولا نهار. سعيد بن جبير: ص بحر يحيي الله به الموتى بين [النفختين] . الضحّاك: صدق الله. مجاهد: فاتحة السّورة. قتادة: اسم من أسماء القرآن. السدّي: قسم أقسم الله سبحانه وتعالى به، وهو اسم من أسماء الله عزّ وجلّ. وهي رواية الوالبي عن ابن عبّاس. محمد بن كعب القرظي: هو مفتاح أسماء الله، صمد، وصانع المصنوعات، وصادق الوعد. وقيل: هو اسم السّورة، وقيل: هو إشارة إلى صدود الكفّار من القرآن. وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق: صادِ بخفض الدّال، من المصادّاة، أي عارض القرآن بعملك وقابله به، واعمل بأوامره، وانته عن نواهيه. وقرأ عيسى بن عمر صادَ بفتح الدّال، ومثله قافَ ونونَ، لاجتماع السّاكنين، حرّكها إلى أخف الحركات. وقيل: على الإغراء. وقيل في ص: إنّ معناه صاد محمّد قلوب الخلق واستمالها حتّى آمنوا به. وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ قال ابن عباس ومقاتل: ذي البيان. الضحاك: ذي الشرف، دليله قوله عزّ وجل: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ. وقيل: ذي ذكر الله عزّ وجلّ. واختلفوا في جواب القسم، فقال قتادة: موضع القسم قوله: بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا كما قال سبحانه: ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ بَلْ عَجِبُوا. وقال الأخفش جوابه قوله: إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ كقوله عزّ وجل: تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا ... وقوله: وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ ... إِنْ كُلُّ نَفْسٍ. وقيل: قوله: إِنَّ هذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِنْ نَفادٍ. وقال الكسائي: قوله: إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ. وقيل: مقدم ومؤخر تقديره بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ ... وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ. وقال الفراء: ص معناها وجب وحقّ، فهي جواب لقوله وَالْقُرْآنِ كما تقول: [نزل] والله. وقال القتيبي من قال جواب القسم بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا قال: «بل» إنما تجيء لتدارك كلام ونفي آخر، ومجاز الآية أن الله أقسم ب ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ ويعني حمية جاهلية وتكبر. وَشِقاقٍ يعني خلاف وفراق. كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنادَوْا بالأيمان والاستغاثة عند نزول العقوبة وحلول النقمة بهم. وَلاتَ حِينَ مَناصٍ وليس بوقت فرار ولا بر. وقال وهب: وَلاتَ بلغة السريانية إذا أراد السرياني أن يقول وليس يقول: ولات. وقال أئمة أهل اللغة: وَلاتَ حِينَ مفتوحتان كأنّهما كلمة واحدة، وإنّما هي «لا» زيدت فيها التاء كقولهم: ربّ وربّت، وثمّ وثمّت. قال أبو زيد الطائي: طلبوا صلحنا ولات أوان ... فأجبنا أن ليس حين بقاء [[لسان العرب: 13/ 40.]] [وقال] آخر: تذكّرت حبّ ليلى لات حينا ... وأمسى الشيب فقطع القرينا [[لسان العرب: 15/ 468.]] وقال قوم: إن التاء زيدت في حين كقول أبي وجزة السعديّ: العاطفون حين ما من عاطف ... والمطعمون زمان ما من مطعم [[تاج العروس: 9/ 188، وتفسير القرطبي: 5/ 148.]] وتقول العرب: تلان بمعنى الآن، ومنه حديث ابن عمر سأله رجل عن عثمان رضي الله عنه فذكر مناقبه ثم قال: اذهب بها تلان إلى أصحابك يريد الآن [[تفسير القرطبي: 15/ 147- 149.]] . وقال الشاعر: تولى قبل يوم بين حمانا ... وصلينا كما زعمت تلانا [[لسان العرب: 13/ 43.]] فمن قال: إن التاء مع «لا» قالوا: قف عليه لأن بالتاء [ ... ] [[كلمة غير مقروءة.]] . وروى قتيبة عن الكسائي أنّه كان يقف: ولاه، بالهاء، ومثله روي عن أهل مكة، ومن قال: إن التاء مع حين. قالوا: قف عليه ولا، ثم يبتدئ تحين مناص. وهو اختيار أبي عبيد قال: لأني تعمّدت النظر إليه في الأمام مصحف عثمان بن عفان رضي الله عنه عنه فوجدت التاء متصلة مع حين قد ثبتت: «تحين» [[أنظر المصدر السابق.]] . وقال الفراء: النوص بالنون التأخر، والبوص بالباء التقدم. وجمعهما امرؤ القيس في بيت فقال: أمن ذكر ليلى إذ نأتك تنوص ... فتقصر عنها خطوة وتبوص [[الصحاح للجوهري: 3/ 1031.]] فمناص مفعل من ناص مثل مقام. قال ابن عباس: كان كفار مكة إذا قاتلوا فاضطروا في الحرب قال بعضهم لبعض: مناص، أي اهربوا وخذوا حذركم، فلما نزل بهم العذاب ببدر قالوا: مناص، فأنزل الله سبحانه وَلاتَ حِينَ مَناصٍ. وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ. أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً. وذلك أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أسلم فشق ذلك على قريش وفرح به المؤمنون، فقال الوليد بن المغيرة للملأ من قريش، وهم الصناديد والأشراف، وكانوا خمسة وعشرين رجلا، الوليد بن المغيرة وهو أكبرهم سنّا، وأبو جميل ابن هشام، وأبي وأميّة ابنا خلف، وعمر بن وهب بن خلف، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة، وعبد الله بن أميّة والعاص بن وائل، والحرث بن قيس، وعدي بن قيس، والنضر بن الحرث، وأبو البحتري بن هشام، وقرط بن عمرو، وعامر بن خالد، ومحرمة بن نوفل، وزمعة بن الأسود، ومطعم بن عدي، والأخنس بن سريق، وحويطب ابن عبد العزى، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج، والوليد بن عتبة، وهشام بن عمر بن ربيعة، وسهيل بن عمرو، فقال لهم الوليد بن المغيرة: امشوا إلى أبي طالب. فأتوا أبا طالب فقالوا له: أنت شيخنا وكبيرنا، وقد علمت ما فعل هؤلاء السفهاء، وإنّا أتيناك لتقضي بيننا وبين ابن أخيك. فأرسل أبو طالب إلى النبيّ ﷺ‎ فدعاه فقال له: يا ابن أخ هؤلاء قومك يسألونك السواء فلا تمل كل الميل على قومك. فقال رسول الله ﷺ‎: «وماذا يسألوني؟» فقال: يقولون ارفضنا وارفض ذكر آلهتنا وندعك وإلهك. فقال النبي (عليه السلام) : «أتعطونني كلمة واحدة تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم؟» فقال أبو جهل: لله أبوك لنعطينكها وعشر أمثالها. فقال رسول الله ﷺ‎: «قولوا لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ» [[أسباب نزول الآيات: 247.]] [107] . فنفروا من ذلك وقاموا وقالوا: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً كيف يسع الخلق كلهم إله واحد. إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ أي عجيب. قال مقاتل: بلغة أزد شنوه. قال أهل اللغة: العجيب والعجاب واحد كقولك كريم وكرام وكبير وو كبار وطويل وطوال وعريض وعراض وسكين حديد وحداد. أنشد الفراء: كحلقة من أبي رماح ... تسمعها لاهة الكبار وقال آخر: نحن أجدنا دونها الضرابا ... إنّا وجدنا ماءها طيابا [[لسان العرب: 1/ 566.]] يريد طيبا. وقال عباس بن مرداس: تعدوا به سلمية سراعه. أي سريعة. وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي وعيسى بن عمر: عجّاب بالتشديد. وهو المفرط في العجب. فأنشد الفراء: آثرت إدلاجي على ليل جرّة ... هضيم الحشا حسانة المتجرد [[لسان العرب: 2/ 272.]] وأنشد أبو حاتم: جاءوا بصيد عجّب من العجب ... أزيرق العينين طوال الذنب [[تاريخ دمشق: 7/ 422 ط. دار الفكر.]] وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا يعني إلى أبي طالب فأشكوا إليه ابن أخيه وَاصْبِرُوا واثبتوا عَلى آلِهَتِكُمْ نظيرها في الفرقان لَوْلا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها [[سورة الفرقان: 42.]] . إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ أي لأمر يراد بنا ما سَمِعْنا بِهذا الذي يقول محمّد فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ. قال ابن عبّاس والقرظي والكلبي ومقاتل: يعنون النصرانية، لأن النصارى تجعل مع الله إلها. وقال مجاهد وقتادة: يعنون ملة قريش، ملة زماننا هذا [[انظر: تفسير القرطبي: 15/ 152.]] . إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ القرآن مِنْ بَيْنِنا قال الله عزّ وجلّ: بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي أيّ وحيي.

ص 38:7

وهي ثلاثة آلاف وسبعة وستون حرفا، وسبعمائة واثنتان وثلاثون كلمة، وثمانية وثمانون آية. من كتاب ثواب الأعمال: أخبرنا إبراهيم قال: حدّثنا سلام في إسناده قال: ومن قرأ سورة ص كان له من الأجر مثل جبل سخّره الله لداود عشرة حسنات، وعصم من أن يصرّ على ذنب صغير أو كبير [[نقله الطبرسي في مجمع البيان: 8/ 340، عن أبي بن كعب عن النبي ﷺ‎.]] . حدّثنا إبراهيم بن محمّد بن الحسن قال: حدّثنا أبو الربيع قال: حدّثنا ابن وهب قال: حدّثني العطاف بن خلد عن عبد الرّحمن بن حرملة عن برد مولى سعيد بن المسيب: إنّ ابن المسيّب كان لا يدع أن يقرأ كل ليلة ص. قال العطاف: فلقيت عمران بن محمّد بن سعيد بن المسيب فسألته عن ذلك. قال: بلغني أنّه ما من عبد يقرأها كلّ ليلة إلّا اهتز له العرش. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ص قرأ العامة بالجزم، واختلفوا في معناه. فقال الكلبي: عن أبي صالح، سئل جابر بن عبد الله وابن عباس عن ص فقالا: لا ندري. وقال عكرمة: سأل نافع الأزرق عبد الله بن عباس عن ص فقال: كان بحرا بمكّة وكان عليه عرش الرّحمن، إذ لا ليل ولا نهار. سعيد بن جبير: ص بحر يحيي الله به الموتى بين [النفختين] . الضحّاك: صدق الله. مجاهد: فاتحة السّورة. قتادة: اسم من أسماء القرآن. السدّي: قسم أقسم الله سبحانه وتعالى به، وهو اسم من أسماء الله عزّ وجلّ. وهي رواية الوالبي عن ابن عبّاس. محمد بن كعب القرظي: هو مفتاح أسماء الله، صمد، وصانع المصنوعات، وصادق الوعد. وقيل: هو اسم السّورة، وقيل: هو إشارة إلى صدود الكفّار من القرآن. وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق: صادِ بخفض الدّال، من المصادّاة، أي عارض القرآن بعملك وقابله به، واعمل بأوامره، وانته عن نواهيه. وقرأ عيسى بن عمر صادَ بفتح الدّال، ومثله قافَ ونونَ، لاجتماع السّاكنين، حرّكها إلى أخف الحركات. وقيل: على الإغراء. وقيل في ص: إنّ معناه صاد محمّد قلوب الخلق واستمالها حتّى آمنوا به. وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ قال ابن عباس ومقاتل: ذي البيان. الضحاك: ذي الشرف، دليله قوله عزّ وجل: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ. وقيل: ذي ذكر الله عزّ وجلّ. واختلفوا في جواب القسم، فقال قتادة: موضع القسم قوله: بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا كما قال سبحانه: ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ بَلْ عَجِبُوا. وقال الأخفش جوابه قوله: إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ كقوله عزّ وجل: تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا ... وقوله: وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ ... إِنْ كُلُّ نَفْسٍ. وقيل: قوله: إِنَّ هذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِنْ نَفادٍ. وقال الكسائي: قوله: إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ. وقيل: مقدم ومؤخر تقديره بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ ... وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ. وقال الفراء: ص معناها وجب وحقّ، فهي جواب لقوله وَالْقُرْآنِ كما تقول: [نزل] والله. وقال القتيبي من قال جواب القسم بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا قال: «بل» إنما تجيء لتدارك كلام ونفي آخر، ومجاز الآية أن الله أقسم ب ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ ويعني حمية جاهلية وتكبر. وَشِقاقٍ يعني خلاف وفراق. كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنادَوْا بالأيمان والاستغاثة عند نزول العقوبة وحلول النقمة بهم. وَلاتَ حِينَ مَناصٍ وليس بوقت فرار ولا بر. وقال وهب: وَلاتَ بلغة السريانية إذا أراد السرياني أن يقول وليس يقول: ولات. وقال أئمة أهل اللغة: وَلاتَ حِينَ مفتوحتان كأنّهما كلمة واحدة، وإنّما هي «لا» زيدت فيها التاء كقولهم: ربّ وربّت، وثمّ وثمّت. قال أبو زيد الطائي: طلبوا صلحنا ولات أوان ... فأجبنا أن ليس حين بقاء [[لسان العرب: 13/ 40.]] [وقال] آخر: تذكّرت حبّ ليلى لات حينا ... وأمسى الشيب فقطع القرينا [[لسان العرب: 15/ 468.]] وقال قوم: إن التاء زيدت في حين كقول أبي وجزة السعديّ: العاطفون حين ما من عاطف ... والمطعمون زمان ما من مطعم [[تاج العروس: 9/ 188، وتفسير القرطبي: 5/ 148.]] وتقول العرب: تلان بمعنى الآن، ومنه حديث ابن عمر سأله رجل عن عثمان رضي الله عنه فذكر مناقبه ثم قال: اذهب بها تلان إلى أصحابك يريد الآن [[تفسير القرطبي: 15/ 147- 149.]] . وقال الشاعر: تولى قبل يوم بين حمانا ... وصلينا كما زعمت تلانا [[لسان العرب: 13/ 43.]] فمن قال: إن التاء مع «لا» قالوا: قف عليه لأن بالتاء [ ... ] [[كلمة غير مقروءة.]] . وروى قتيبة عن الكسائي أنّه كان يقف: ولاه، بالهاء، ومثله روي عن أهل مكة، ومن قال: إن التاء مع حين. قالوا: قف عليه ولا، ثم يبتدئ تحين مناص. وهو اختيار أبي عبيد قال: لأني تعمّدت النظر إليه في الأمام مصحف عثمان بن عفان رضي الله عنه عنه فوجدت التاء متصلة مع حين قد ثبتت: «تحين» [[أنظر المصدر السابق.]] . وقال الفراء: النوص بالنون التأخر، والبوص بالباء التقدم. وجمعهما امرؤ القيس في بيت فقال: أمن ذكر ليلى إذ نأتك تنوص ... فتقصر عنها خطوة وتبوص [[الصحاح للجوهري: 3/ 1031.]] فمناص مفعل من ناص مثل مقام. قال ابن عباس: كان كفار مكة إذا قاتلوا فاضطروا في الحرب قال بعضهم لبعض: مناص، أي اهربوا وخذوا حذركم، فلما نزل بهم العذاب ببدر قالوا: مناص، فأنزل الله سبحانه وَلاتَ حِينَ مَناصٍ. وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ. أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً. وذلك أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أسلم فشق ذلك على قريش وفرح به المؤمنون، فقال الوليد بن المغيرة للملأ من قريش، وهم الصناديد والأشراف، وكانوا خمسة وعشرين رجلا، الوليد بن المغيرة وهو أكبرهم سنّا، وأبو جميل ابن هشام، وأبي وأميّة ابنا خلف، وعمر بن وهب بن خلف، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة، وعبد الله بن أميّة والعاص بن وائل، والحرث بن قيس، وعدي بن قيس، والنضر بن الحرث، وأبو البحتري بن هشام، وقرط بن عمرو، وعامر بن خالد، ومحرمة بن نوفل، وزمعة بن الأسود، ومطعم بن عدي، والأخنس بن سريق، وحويطب ابن عبد العزى، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج، والوليد بن عتبة، وهشام بن عمر بن ربيعة، وسهيل بن عمرو، فقال لهم الوليد بن المغيرة: امشوا إلى أبي طالب. فأتوا أبا طالب فقالوا له: أنت شيخنا وكبيرنا، وقد علمت ما فعل هؤلاء السفهاء، وإنّا أتيناك لتقضي بيننا وبين ابن أخيك. فأرسل أبو طالب إلى النبيّ ﷺ‎ فدعاه فقال له: يا ابن أخ هؤلاء قومك يسألونك السواء فلا تمل كل الميل على قومك. فقال رسول الله ﷺ‎: «وماذا يسألوني؟» فقال: يقولون ارفضنا وارفض ذكر آلهتنا وندعك وإلهك. فقال النبي (عليه السلام) : «أتعطونني كلمة واحدة تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم؟» فقال أبو جهل: لله أبوك لنعطينكها وعشر أمثالها. فقال رسول الله ﷺ‎: «قولوا لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ» [[أسباب نزول الآيات: 247.]] [107] . فنفروا من ذلك وقاموا وقالوا: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً كيف يسع الخلق كلهم إله واحد. إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ أي عجيب. قال مقاتل: بلغة أزد شنوه. قال أهل اللغة: العجيب والعجاب واحد كقولك كريم وكرام وكبير وو كبار وطويل وطوال وعريض وعراض وسكين حديد وحداد. أنشد الفراء: كحلقة من أبي رماح ... تسمعها لاهة الكبار وقال آخر: نحن أجدنا دونها الضرابا ... إنّا وجدنا ماءها طيابا [[لسان العرب: 1/ 566.]] يريد طيبا. وقال عباس بن مرداس: تعدوا به سلمية سراعه. أي سريعة. وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي وعيسى بن عمر: عجّاب بالتشديد. وهو المفرط في العجب. فأنشد الفراء: آثرت إدلاجي على ليل جرّة ... هضيم الحشا حسانة المتجرد [[لسان العرب: 2/ 272.]] وأنشد أبو حاتم: جاءوا بصيد عجّب من العجب ... أزيرق العينين طوال الذنب [[تاريخ دمشق: 7/ 422 ط. دار الفكر.]] وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا يعني إلى أبي طالب فأشكوا إليه ابن أخيه وَاصْبِرُوا واثبتوا عَلى آلِهَتِكُمْ نظيرها في الفرقان لَوْلا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها [[سورة الفرقان: 42.]] . إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ أي لأمر يراد بنا ما سَمِعْنا بِهذا الذي يقول محمّد فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ. قال ابن عبّاس والقرظي والكلبي ومقاتل: يعنون النصرانية، لأن النصارى تجعل مع الله إلها. وقال مجاهد وقتادة: يعنون ملة قريش، ملة زماننا هذا [[انظر: تفسير القرطبي: 15/ 152.]] . إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ القرآن مِنْ بَيْنِنا قال الله عزّ وجلّ: بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي أيّ وحيي.

ص 38:8

بَلْ لَمَّا أي لم يَذُوقُوا عَذابِ ولو ذاقوه لما قالوا هذا القول أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ نعمة رَبِّكَ يعني مفاتيح النبوة، نظيرها في الزخرف أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ [[سورة الزخرف: 32.]] أي نبوة ربك الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ أي فليصعدوا في الجبال إلى السماوات، فليأتوا منها بالوحي إلى من يختارون ويشاؤن، وهذا أمر توبيخ وتعجيز. وقال الضحاك ومجاهد وقتادة: أراد بالأسباب: أبواب السماء وطرقها. جُنْدٌ أي هم جند ما هُنالِكَ أي هنالك و (ما) صلة مَهْزُومٌ مغلوب، ممنوع عن الصعود إلى السماء مِنَ الْأَحْزابِ أي من جملة الأجناد. وقال أكثر المفسرين: يعني أن هؤلاء الملأ الذين يقولون هذا القول، جند مهزوم مقهور وأنت عليهم مظفر منصور. قال قتادة: وعده الله عزّ وجلّ بمكة أنّه سيهزمهم، فجاء تأويلها يوم بدر من الأحزاب، أيّ كالقرون الماضية الذين قهروا وأهلكوا، ثم قال معزّا لنبيه ﷺ‎ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتادِ قال ابن عبّاس: ذو البناء المحكم. وقال القتيبي: والعرب تقول: هم في عز ثابت الأوتاد، وملك ثابت الأوتاد. يريدون أنّه دائم شديد، وأصل هذا أن البيت من بيوتهم بأوتاده. قال الأسود بن يعفر: في ظل ملك ثابت الأوتاد. وقال الضحاك: ذو القوة والبطش. وقال الحلبي ومقاتل: كان يعذب الناس بالأوتاد، وكان إذا غضب على أحمد مدّه مستلقيا بين أربعة أوتاد كل رجل منه إلى سارية وكل يد منه إلى سارية، فيتركه كذلك في الهواء بين السماء والأرض حتّى يموت. وقال مقاتل بن حيان: كان يمد الرجل مستلقيا على الأرض ثم يشده بالأوتاد. وقال السدي: كان يمد الرجل ويشده بالأوتاد ويرسل عليه العقارب والحيّات. وقال قتادة وعطاء: كانت له أوتاد وأرسال وملاعب يلعب عليها بين يديه. وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ أُولئِكَ الْأَحْزابُ إِنْ كُلٌّ ما كل منهم إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ فوجب عليهم ونزل بهم عذابي وَما يَنْظُرُ ينتظر هؤُلاءِ يعني كفار مكة إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً وهي نفخة القيامة. وقد روي هذا التفسير مرفوعا إلى النبي (عليه السلام) . ما لَها مِنْ فَواقٍ. قال ابن عبّاس وقتادة: من رجوع. الوالبي: يزداد. مجاهد: نظرة. الضحاك: مستوية. وفيه لغتان: (فُواقٍ) بضم الفاء وهي لغة تميم، وقراءة يحيى والأعمش وحمزة والكسائي وخلف. و (فَواقٍ) بالفتح وهي لغة قريش، وقراءة سائر القرّاء واختيار أبي عبيد. قال الكسائي: هما لغتان بمعنى واحد، كما يقال حمام المكوك وحمامه، وقصاص الشعر وقصاصه. وفرّق الآخرون بينهما. قال أبو عبيدة والمؤرخ: بالفتح بمعنى الراحة والإفاقة كالجواب من الإجابة، ذهبا به إلى إفاقة المريض من علته، و (الفواق) بالضم ما بين الحلبتين، وهو أن يحلب الناقة ثم تترك ساعة حتّى يجتمع اللبن فما بين الحلبتين فواق. فاستعير في موضع الانتظار مدة يسيرة. قال رسول الله ﷺ‎: «من رابط فواق ناقة في سبيل الله حرّم الله جسده على النار» [[الجامع الصغير للسيوطي: 2/ 603 ح 8692، كنز العمال: 4/ 307 ح 10634.]] [108] . وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ. قال سعيد بن جبير عن ابن عبّاس: يعني كتابنا. وعنه أيضا: القط الصحيفة التي أحصت كل شيء. قال أبو العالية والكلبي: لمّا نزلت في الحاقة فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ [[سورة الحاقة: 19.]] ، وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ [[سورة الحاقة: 25.]] . قالوا على جهة الاستهزاء: (عَجِّلْ لَنا قِطَّنا) يعنون كتابنا عجّله لنا في الدّنيا. قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ. وقال الحسن وقتادة ومجاهد والسدي: يعني عقوبتنا وما كتب لنا من العذاب. قال عطاء: قاله النضر بن الحرث، وهو قوله: اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ، فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ» وهو الذي قال الله سبحانه سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ [[سورة المعارج: 1.]] قال عطاء: لقد نزلت فيه بضع عشرة آية من كتاب الله عزّ وجلّ. وقال سعيد بن جبير: يعنون حظنا ونصيبنا من الجنّة التي تقول. قال الفراء: القطّ في كلام العرب الحظ، ومنه قيل للصك قطّ [[تفسير القرطبي: 15/ 157، وفتح القدير: 4/ 424.]] . وقال أبو عبيدة والكسائي: القطّ الكتاب بالجوائة. قال الأعشى: ولا الملك النعمان يوم لقيته ... بغبطته يعطي القطوط ويأفق [[الصحاح للجوهري: 3/ 1154.]] يعني كتب الجوائز أيّ بفضل وبعلو، يقال فرس أفق وناقة أفقه إذا كانا كريمين، وفضّلا على غيرهما. وقال مجاهد: قِطَّنا حسابنا، ويقال لكتاب الحساب: قطّ، وأصل الكلمة من الكتابة. فقال الله سبحانه لنبيه (عليه السلام) : اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ ذا القوة في العبادة إِنَّهُ أَوَّابٌ مطيع. عن ابن عبّاس: رجّاع إلى التوبة. عن الضحاك، سعيد بن جبير: هو المسبّح بلغة الحبش [[فتح القدير: 4/ 427، والدر المنثور: 5/ 298.]] . أخبرني الحسين بن محمّد الدينوري قال: حدثنا الفضل بن الفضل الكندي قال: حدثنا أبو العبّاس عبد الله بن جعفر بن أحمد بن [فارس] ببغداد قال: حدثنا أحمد بن عبد الله بن القاسم قال: حدثنا عمرو بن حصين قال: حدثنا الحسين بن عمرو عن أبي بكر الهذلي عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ‎: «الزرقة يمن وكان داود النبي (عليه السلام) أزرق» [[انظر: الجامع الصغير: 2/ 33، وتفسير القرطبي: 6/ 17.]] [109] . إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بتسبيحه. قال ابن عبّاس: وكان يفهم تسبيح الحجر والشجر. بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ. أخبرني ابن فنجويه قال: حدثنا ابن شنبه قال: حدثنا الحسين بن يحيويه قال: حدثنا أبو أميّة محمّد بن إبراهيم قال: حدثنا الحجاج بن نصير قال: حدثنا أبو بكر الهذلي عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عبّاس قال: كنت أمرّ بهذه الآية لا أدري ما العشي والإشراق، حتّى حدثتني أم هاني بنت أبي طالب أن رسول الله (عليه السلام) دخل عليها فدعا بوضوء فتوضأ، ثم صلى الضحى وقال: «يا أم هاني هذه صلاة الإشراق» [110] [[مسند الحميدي: 1/ 160، مسند ابن راهويه: 5/ 19.]] . روى عطاء الخراساني عن ابن عبّاس قال: لم يزل في نفسي [من] صلاة الضحى شيء حتّى طلبتها في القرآن فوجدتها في هذه الآية يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ. قال عكرمة: وكان ابن عبّاس لا يصلي صلاة الضحى ثم صلّى بعدها. وروي أن كعب الأحبار قال لابن عبّاس رضي الله عنهما: إني لأجد في كتاب الله صلاة بعد طلوع الشمس. فقال ابن عبّاس: أنا أوجدك ذلك في كتاب الله في قصة داود يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ وليس الإشراق طلوع الشمس، إنّما هو صفاؤها وضوؤها. وَالطَّيْرَ أيّ وسخّرنا له الطير مَحْشُورَةً مجموعة كُلٌّ لَهُ أيّ لداود أَوَّابٌ مطيع وَشَدَدْنا مُلْكَهُ أيّ قوّيناه. وقرأ الحسن: وشدّدنا بتشديد الدال. قال ابن عبّاس: كان أشد ملوك الأرض سلطانا كان يحرس محرابه كل ليلة ثلاثة وثلاثون ألف رجل، فذلك قوله وَشَدَدْنا مُلْكَهُ بالحرس. وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا محمّد بن خالد بن الحسن قال: حدثنا داود بن سليمان قال: حدثنا عبد بن حميد قال: حدثنا محمّد بن الفضل قال: حدثنا داود بن أبي الفرات عن عليّ بن أحمد عن عكرمة عن ابن عبّاس: أن رجلا من بني إسرائيل استعدى على رجل من عظمائهم، فاجتمعا عند داود النبي فقال المستعدي: ان هذا غصبني بقرتي. فسأل داود الرجل عن ذلك فجحده، وسأل الآخر البيّنة فلم يكن له بيّنة. فقال لهما داود: قوما حتى أنظر في أمركما. فقاما من عنده، فأوحى الله سبحانه إلى داود (عليه السلام) في منامه: أن يقتل الرجل الذي استعدي عليه. فقال: هذه رؤيا ولست أعجل حتّى أتثبت. فأوحى الله سبحانه إليه مرة أخرى أن يقتله. فلم يفعل، فأوحى الله سبحانه وتعالى إليه الثالثة: أن يقتله أو تأتيه العقوبة من الله، فأرسل داود إلى الرجل فقال له: إن الله قد أوحى إليّ أن أقتلك. فقال له الرجل: تقتلني بغير بيّنة ولا ثبت! فقال له داود: نعم، والله لأنفذن أمر الله فيك. فلمّا عرف الرجل أنّه قاتله قال: لا تعجل حتّى أخبرك أني والله ما أخذت بهذا الذنب ولكني كنت اغتلت والد هذا فقتلته، فلذلك أخذت. فأمر به داود فقتل، فاشتدت هيبته في بني إسرائيل عند ذلك لداود، واشتد به ملكه فهو قوله سبحانه: وَشَدَدْنا مُلْكَهُ. وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ يعني النبوة والإصابة في الأمور. وقال أبو العالية: العلم الذي لا تردّه العقول. وَفَصْلَ الْخِطابِ قال ابن عبّاس: بيان الكلام. وقال الحسن والكلبي وابن مسعود ومقاتل وأبو عبد الرحمن السلمي: يعني علم الحكم والبصر بالقضاء، كأن لا يتتعتع في القضاء بين الناس، وهي إحدى الروايات عن ابن عبّاس. وقال علي بن أبي طالب: هو البيّنة على المدّعى واليمين على من أنكر. وأخبرنا أبو حفص عمر بن أحمد بن محمّد بن عمر الجوري قال: أخبرنا أبو بكر بالويه بن محمّد بن بالويه المربتاني بها، قال: حدثنا محمّد بن حفص الحوني قال: حدثنا نصر بن علي الخميصمي قال: أخبرنا أبو أحمد قال: أخبرنا شريك عن الأعمش عن أبي صالح عن كعب في قوله وَفَصْلَ الْخِطابِ قال: الشهود والإيمان. أنبأني عبد الله بن حامد قال: أخبرنا عبد الله بن محمّد قال: حدثنا محمّد بن يحيى قال: حدثنا وهب بن جرير قال: أخبرنا [شعبة] عن الحكم عن شريح في قوله وَفَصْلَ الْخِطابِ قال: الشهود والإيمان. وهو قول مجاهد وعطاء بن أبي رباح. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدثنا عبد الله بن عبد الله بن أبي سمرة البغوي قال: حدثنا أحمد بن محمّد أبي شيبة قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم البغوي قال: حدثنا إسحاق بن يوسف الأزرق عن زكريا يعني ابن أبي زائدة عن [السبيعي] قال: سمعت زيادا يقول: فَصْلَ الْخِطابِ الذي أعطي داود، أما بعد وهو أوّل من قالها. وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ الآية. اختلف العلماء بأخبار الأنبياء في سبب امتحان الله سبحانه نبيّه داود بما امتحنه به من الخطيئة. فقال قوم: كان سبب ذلك أنه تمنى يوما من الأيام على ربّه عزّ وجلّ منزلة آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب (عليهم السلام) وسأله أن يمتحنه نحو الذي كان امتحنهم، ويعطيه من الفضل نحو الذي كان أعطاهم. وروى السدي والكلبي ومقاتل: عن أشياخهم دخل حديث بعضهم في بعض قالوا: كان داود قد قسّم الدهر ثلاثة أيام: يوما يقضي فيه بين الناس، ويوما يخلوا فيه لعبادة ربّه، ويوما يخلوا فيه لنسائه وأشغاله. وكان يجد فيما يقرأ من الكتب فضل إبراهيم وإسحاق ويعقوب فقال: يا رب أرى الخير كله قد ذهب به آبائي الذين كانوا قبلي. فأوحى الله عزّ وجلّ إليه: أنهم ابتلوا ببلاء ما لم تبتل بشيء من ذلك فصبروا عليها. ابتلى إبراهيم بنمرود وبذبح ابنه، وابتلى إسحاق بالذبح وبذهاب بصره، وابتلى يعقوب بالحزن على يوسف. وأنك لم تبتل بشيء من ذلك. فقال داود: ربّ فابتلني بمثل ما ابتليتهم وأعطني مثل ما أعطيتهم. فأوحى الله سبحانه إليه: أنك مبتلى في شهر كذا في يوم كذا واحترس. فلمّا كان ذلك اليوم الذي وعده الله تعالى، دخل داود محرابه وأغلق بابه وجعل يصلي ويقرأ الزبور، فبينا هو كذلك إذ جاءه الشيطان قد تمثل في صورة حمامة من ذهب فيها من كل لون حسن، فوقعت بين رجليه، فمدّ يده ليأخذها ويدفعها إلى ابن صغير له، فلما أهوى إليها طارت غير بعيد، من غير أن تؤيسه من نفسها فامتد إليها ليأخذها فتنحت، فتبعها فطارت حتّى وقعت في كوة، فذهب ليأخذها فطارت من الكوة، فنظر داود أين تقع، فبعث إليها من يصيدها، فأبصر امرأة في بستان على شط بركة لها تغتسل، هذا قول الكلبي. وقال السدي: رآها تغتسل على سطح لها، فرأى امرأة من أجمل النساء خلقا، فتعجب داود من حسنها وحانت منها التفاتة وأبصرت ظله، فنفضت شعرها فغطى بدنها، فزاده ذلك إعجابا بها فسأل عنها. فقيل: هي تشايع بنت شايع امرأة أوريا بن حنانا، وزوجها في غزاة بالبلقاء مع أيوب بن صوريا ابن أخت داود. فكتب داود إلى ابن أخته أيوب صاحب بعث البلقاء: أن ابعث أوريا إلى موضع كذا وقدّمه قبل التابوت وكان من قدّم على التابوت لا يحل له أن يرجع وراءه حتّى يفتح الله سبحانه على يديه أو يستشهد، فبعثه وقدّمه ففتح له، فكتب إلى داود بذلك، فكتب إليه أيضا: أن ابعثه إلى عدو كذا وكذا. فبعثه ففتح له، فكتب إلى داود بذلك، فكتب إليه أيضا: أن ابعثه إلى عدو كذا أشدّ منه بأسا. فبعثه فقتل في المرة الثالثة، فلمّا انقضت عدّة المرأة تزوّجها داود فهي أم سليمان [[هذه القصة الخرافة التي يجل الله عنها أولياءه فضلا عن أنبيائه، وردت في تفسير الطبري: 23/ 175، وتاريخ الطبري: 1/ 338، ومستدرك الحاكم: 2/ 586.]] . وقال آخرون: سبب امتحانه أن نفسه حدثته أنّه يطيق قطع يوم بغير مقارفة. وهو ما أخبرنا شعيب بن محمّد قال: أخبرنا مكي بن عبدان قال: حدثنا أحمد بن الأزهر قال: حدثنا روح بن عبادة قال: حدثنا سعيد عن مطر عن الحسن قال: إن داود جزّأ الدهر أربعة أجزاء: يوما لنسائه، ويوما للعبادة، ويوما للقضاء بين بني إسرائيل، ويوما لبني إسرائيل يذاكرهم ويذاكرونه ويبكيهم ويبكونه. قال: فلما كان يوم بني إسرائيل ذكروا فقالوا: هل يأتي على الإنسان يوم لا يصيب فيه ذنبا؟ فأضمر داود في نفسه أنه سيطبق ذلك، فلما كان يوم عبادته غلق أبوابه وأمر أن لا يدخل عليه أحد، وأكبّ على قراءة التوراة، فبينما هو يقرأ إذ حمامة من ذهب فيها من كل لون حسن قد وقعت بين يديه، فأهوى إليها ليأخذها، فطارت فوقعت غير بعيد من غير أن تؤيسه من نفسها، فما زال يتبعها حتّى أشرف على امرأة تغتسل فأعجبه خلقها وحسنها، فلمّا رأت ظله في الأرض جللت نفسها بشعرها، فزاده ذلك بها إعجابا، وكان قد بعث زوجها على بعض جيوشه، فكتب إليه أن أسر إلى مكان كذا وكذا مكانا، إذا سار إليه قتل ولم يرجع ففعل فأصيب، فخطبها داود فتزوجها [[تفسير الطبري: 23/ 176، تفسير القرآن للصنعاني: 3/ 161.]] . وقال بعضهم: في سبب ذلك ما أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن محمّد قال: حدثنا مخلد ابن جعفر الباقرجي قال: حدثنا الحسين بن علوية قال: حدثنا إسماعيل قال: حدثنا إسحاق قال: حدثنا سعيد بن بشير عن قتادة عن الحسن قال: قال داود لبني إسرائيل حين ملك: والله لأعدلن بينكم، فلم يستثن فابتلي به [[زاد المسير: 6/ 326.]] . وقال أبو بكر محمّد بن عمر الوراق: كان سبب ذلك أن داود (عليه السلام) كان كثير العبادة فأعجب بعلمه فقال: هل في الأرض أحد يعمل عملي؟ فأتاه جبرئيل فقال: ان الله عزّ وجلّ يقول: أعجبت بعبادتك والعجب يأكل العبادة، فإن أعجبت ثانيا وكلتك إلى نفسك. قال: يا رب كلني إلى نفسي سنة. قال إنها لكثيرة. قال: فساعة. قال: شأنك بها. فوكل الأحراس ولبس الصوف ودخل المحراب ووضع الزبور بين يديه، فبينا هو في نسكه وعبادته إذ وقع الطائر بين يديه وكان من أمر المرأة ما كان. قالوا: فلمّا دخل داود بامرأة أوريا لم تلبث إلّا يسيرا حتّى بعث الله سبحانه ملكين في صورة إنسيين فطلبا أن يدخلا عليه، فوجداه في يوم عبادته فمنعهما الحرس أن يدخلا عليه، فتسورا المحراب عليه، فما شعر وهو يصلي إلّا وهو بهما بين يديه جالسين [[تفسير الطبري: 23/ 175.]] ، فذلك قوله: وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا وإنّما جعلوا جمع الفعل، لأن الخصم اسم يصلح للواحد والجميع والإثنين والمذكر والمؤنث. قال لبيد: وخصم يعدون الدخول كأنهم ... قروم غيارى كل أزهر مصعب [[لسان العرب: 12/ 180.]] وقال آخر: وخصم عضاب ينفضون لحاهم ... كنفض البراذين العراب المخاليا [[فتح القدير: 4/ 425.]] وإنّما جمع وهما اثنان، لأن معنى الجمع ضم شيء إلى شيء فالاثنان فما فوقهما جماعة، كقوله عزّ وجلّ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما [[سورة التحريم: 4.]] .

ص 38:9

بَلْ لَمَّا أي لم يَذُوقُوا عَذابِ ولو ذاقوه لما قالوا هذا القول أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ نعمة رَبِّكَ يعني مفاتيح النبوة، نظيرها في الزخرف أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ [[سورة الزخرف: 32.]] أي نبوة ربك الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ أي فليصعدوا في الجبال إلى السماوات، فليأتوا منها بالوحي إلى من يختارون ويشاؤن، وهذا أمر توبيخ وتعجيز. وقال الضحاك ومجاهد وقتادة: أراد بالأسباب: أبواب السماء وطرقها. جُنْدٌ أي هم جند ما هُنالِكَ أي هنالك و (ما) صلة مَهْزُومٌ مغلوب، ممنوع عن الصعود إلى السماء مِنَ الْأَحْزابِ أي من جملة الأجناد. وقال أكثر المفسرين: يعني أن هؤلاء الملأ الذين يقولون هذا القول، جند مهزوم مقهور وأنت عليهم مظفر منصور. قال قتادة: وعده الله عزّ وجلّ بمكة أنّه سيهزمهم، فجاء تأويلها يوم بدر من الأحزاب، أيّ كالقرون الماضية الذين قهروا وأهلكوا، ثم قال معزّا لنبيه ﷺ‎ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتادِ قال ابن عبّاس: ذو البناء المحكم. وقال القتيبي: والعرب تقول: هم في عز ثابت الأوتاد، وملك ثابت الأوتاد. يريدون أنّه دائم شديد، وأصل هذا أن البيت من بيوتهم بأوتاده. قال الأسود بن يعفر: في ظل ملك ثابت الأوتاد. وقال الضحاك: ذو القوة والبطش. وقال الحلبي ومقاتل: كان يعذب الناس بالأوتاد، وكان إذا غضب على أحمد مدّه مستلقيا بين أربعة أوتاد كل رجل منه إلى سارية وكل يد منه إلى سارية، فيتركه كذلك في الهواء بين السماء والأرض حتّى يموت. وقال مقاتل بن حيان: كان يمد الرجل مستلقيا على الأرض ثم يشده بالأوتاد. وقال السدي: كان يمد الرجل ويشده بالأوتاد ويرسل عليه العقارب والحيّات. وقال قتادة وعطاء: كانت له أوتاد وأرسال وملاعب يلعب عليها بين يديه. وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ أُولئِكَ الْأَحْزابُ إِنْ كُلٌّ ما كل منهم إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ فوجب عليهم ونزل بهم عذابي وَما يَنْظُرُ ينتظر هؤُلاءِ يعني كفار مكة إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً وهي نفخة القيامة. وقد روي هذا التفسير مرفوعا إلى النبي (عليه السلام) . ما لَها مِنْ فَواقٍ. قال ابن عبّاس وقتادة: من رجوع. الوالبي: يزداد. مجاهد: نظرة. الضحاك: مستوية. وفيه لغتان: (فُواقٍ) بضم الفاء وهي لغة تميم، وقراءة يحيى والأعمش وحمزة والكسائي وخلف. و (فَواقٍ) بالفتح وهي لغة قريش، وقراءة سائر القرّاء واختيار أبي عبيد. قال الكسائي: هما لغتان بمعنى واحد، كما يقال حمام المكوك وحمامه، وقصاص الشعر وقصاصه. وفرّق الآخرون بينهما. قال أبو عبيدة والمؤرخ: بالفتح بمعنى الراحة والإفاقة كالجواب من الإجابة، ذهبا به إلى إفاقة المريض من علته، و (الفواق) بالضم ما بين الحلبتين، وهو أن يحلب الناقة ثم تترك ساعة حتّى يجتمع اللبن فما بين الحلبتين فواق. فاستعير في موضع الانتظار مدة يسيرة. قال رسول الله ﷺ‎: «من رابط فواق ناقة في سبيل الله حرّم الله جسده على النار» [[الجامع الصغير للسيوطي: 2/ 603 ح 8692، كنز العمال: 4/ 307 ح 10634.]] [108] . وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ. قال سعيد بن جبير عن ابن عبّاس: يعني كتابنا. وعنه أيضا: القط الصحيفة التي أحصت كل شيء. قال أبو العالية والكلبي: لمّا نزلت في الحاقة فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ [[سورة الحاقة: 19.]] ، وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ [[سورة الحاقة: 25.]] . قالوا على جهة الاستهزاء: (عَجِّلْ لَنا قِطَّنا) يعنون كتابنا عجّله لنا في الدّنيا. قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ. وقال الحسن وقتادة ومجاهد والسدي: يعني عقوبتنا وما كتب لنا من العذاب. قال عطاء: قاله النضر بن الحرث، وهو قوله: اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ، فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ» وهو الذي قال الله سبحانه سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ [[سورة المعارج: 1.]] قال عطاء: لقد نزلت فيه بضع عشرة آية من كتاب الله عزّ وجلّ. وقال سعيد بن جبير: يعنون حظنا ونصيبنا من الجنّة التي تقول. قال الفراء: القطّ في كلام العرب الحظ، ومنه قيل للصك قطّ [[تفسير القرطبي: 15/ 157، وفتح القدير: 4/ 424.]] . وقال أبو عبيدة والكسائي: القطّ الكتاب بالجوائة. قال الأعشى: ولا الملك النعمان يوم لقيته ... بغبطته يعطي القطوط ويأفق [[الصحاح للجوهري: 3/ 1154.]] يعني كتب الجوائز أيّ بفضل وبعلو، يقال فرس أفق وناقة أفقه إذا كانا كريمين، وفضّلا على غيرهما. وقال مجاهد: قِطَّنا حسابنا، ويقال لكتاب الحساب: قطّ، وأصل الكلمة من الكتابة. فقال الله سبحانه لنبيه (عليه السلام) : اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ ذا القوة في العبادة إِنَّهُ أَوَّابٌ مطيع. عن ابن عبّاس: رجّاع إلى التوبة. عن الضحاك، سعيد بن جبير: هو المسبّح بلغة الحبش [[فتح القدير: 4/ 427، والدر المنثور: 5/ 298.]] . أخبرني الحسين بن محمّد الدينوري قال: حدثنا الفضل بن الفضل الكندي قال: حدثنا أبو العبّاس عبد الله بن جعفر بن أحمد بن [فارس] ببغداد قال: حدثنا أحمد بن عبد الله بن القاسم قال: حدثنا عمرو بن حصين قال: حدثنا الحسين بن عمرو عن أبي بكر الهذلي عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ‎: «الزرقة يمن وكان داود النبي (عليه السلام) أزرق» [[انظر: الجامع الصغير: 2/ 33، وتفسير القرطبي: 6/ 17.]] [109] . إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بتسبيحه. قال ابن عبّاس: وكان يفهم تسبيح الحجر والشجر. بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ. أخبرني ابن فنجويه قال: حدثنا ابن شنبه قال: حدثنا الحسين بن يحيويه قال: حدثنا أبو أميّة محمّد بن إبراهيم قال: حدثنا الحجاج بن نصير قال: حدثنا أبو بكر الهذلي عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عبّاس قال: كنت أمرّ بهذه الآية لا أدري ما العشي والإشراق، حتّى حدثتني أم هاني بنت أبي طالب أن رسول الله (عليه السلام) دخل عليها فدعا بوضوء فتوضأ، ثم صلى الضحى وقال: «يا أم هاني هذه صلاة الإشراق» [110] [[مسند الحميدي: 1/ 160، مسند ابن راهويه: 5/ 19.]] . روى عطاء الخراساني عن ابن عبّاس قال: لم يزل في نفسي [من] صلاة الضحى شيء حتّى طلبتها في القرآن فوجدتها في هذه الآية يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ. قال عكرمة: وكان ابن عبّاس لا يصلي صلاة الضحى ثم صلّى بعدها. وروي أن كعب الأحبار قال لابن عبّاس رضي الله عنهما: إني لأجد في كتاب الله صلاة بعد طلوع الشمس. فقال ابن عبّاس: أنا أوجدك ذلك في كتاب الله في قصة داود يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ وليس الإشراق طلوع الشمس، إنّما هو صفاؤها وضوؤها. وَالطَّيْرَ أيّ وسخّرنا له الطير مَحْشُورَةً مجموعة كُلٌّ لَهُ أيّ لداود أَوَّابٌ مطيع وَشَدَدْنا مُلْكَهُ أيّ قوّيناه. وقرأ الحسن: وشدّدنا بتشديد الدال. قال ابن عبّاس: كان أشد ملوك الأرض سلطانا كان يحرس محرابه كل ليلة ثلاثة وثلاثون ألف رجل، فذلك قوله وَشَدَدْنا مُلْكَهُ بالحرس. وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا محمّد بن خالد بن الحسن قال: حدثنا داود بن سليمان قال: حدثنا عبد بن حميد قال: حدثنا محمّد بن الفضل قال: حدثنا داود بن أبي الفرات عن عليّ بن أحمد عن عكرمة عن ابن عبّاس: أن رجلا من بني إسرائيل استعدى على رجل من عظمائهم، فاجتمعا عند داود النبي فقال المستعدي: ان هذا غصبني بقرتي. فسأل داود الرجل عن ذلك فجحده، وسأل الآخر البيّنة فلم يكن له بيّنة. فقال لهما داود: قوما حتى أنظر في أمركما. فقاما من عنده، فأوحى الله سبحانه إلى داود (عليه السلام) في منامه: أن يقتل الرجل الذي استعدي عليه. فقال: هذه رؤيا ولست أعجل حتّى أتثبت. فأوحى الله سبحانه إليه مرة أخرى أن يقتله. فلم يفعل، فأوحى الله سبحانه وتعالى إليه الثالثة: أن يقتله أو تأتيه العقوبة من الله، فأرسل داود إلى الرجل فقال له: إن الله قد أوحى إليّ أن أقتلك. فقال له الرجل: تقتلني بغير بيّنة ولا ثبت! فقال له داود: نعم، والله لأنفذن أمر الله فيك. فلمّا عرف الرجل أنّه قاتله قال: لا تعجل حتّى أخبرك أني والله ما أخذت بهذا الذنب ولكني كنت اغتلت والد هذا فقتلته، فلذلك أخذت. فأمر به داود فقتل، فاشتدت هيبته في بني إسرائيل عند ذلك لداود، واشتد به ملكه فهو قوله سبحانه: وَشَدَدْنا مُلْكَهُ. وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ يعني النبوة والإصابة في الأمور. وقال أبو العالية: العلم الذي لا تردّه العقول. وَفَصْلَ الْخِطابِ قال ابن عبّاس: بيان الكلام. وقال الحسن والكلبي وابن مسعود ومقاتل وأبو عبد الرحمن السلمي: يعني علم الحكم والبصر بالقضاء، كأن لا يتتعتع في القضاء بين الناس، وهي إحدى الروايات عن ابن عبّاس. وقال علي بن أبي طالب: هو البيّنة على المدّعى واليمين على من أنكر. وأخبرنا أبو حفص عمر بن أحمد بن محمّد بن عمر الجوري قال: أخبرنا أبو بكر بالويه بن محمّد بن بالويه المربتاني بها، قال: حدثنا محمّد بن حفص الحوني قال: حدثنا نصر بن علي الخميصمي قال: أخبرنا أبو أحمد قال: أخبرنا شريك عن الأعمش عن أبي صالح عن كعب في قوله وَفَصْلَ الْخِطابِ قال: الشهود والإيمان. أنبأني عبد الله بن حامد قال: أخبرنا عبد الله بن محمّد قال: حدثنا محمّد بن يحيى قال: حدثنا وهب بن جرير قال: أخبرنا [شعبة] عن الحكم عن شريح في قوله وَفَصْلَ الْخِطابِ قال: الشهود والإيمان. وهو قول مجاهد وعطاء بن أبي رباح. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدثنا عبد الله بن عبد الله بن أبي سمرة البغوي قال: حدثنا أحمد بن محمّد أبي شيبة قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم البغوي قال: حدثنا إسحاق بن يوسف الأزرق عن زكريا يعني ابن أبي زائدة عن [السبيعي] قال: سمعت زيادا يقول: فَصْلَ الْخِطابِ الذي أعطي داود، أما بعد وهو أوّل من قالها. وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ الآية. اختلف العلماء بأخبار الأنبياء في سبب امتحان الله سبحانه نبيّه داود بما امتحنه به من الخطيئة. فقال قوم: كان سبب ذلك أنه تمنى يوما من الأيام على ربّه عزّ وجلّ منزلة آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب (عليهم السلام) وسأله أن يمتحنه نحو الذي كان امتحنهم، ويعطيه من الفضل نحو الذي كان أعطاهم. وروى السدي والكلبي ومقاتل: عن أشياخهم دخل حديث بعضهم في بعض قالوا: كان داود قد قسّم الدهر ثلاثة أيام: يوما يقضي فيه بين الناس، ويوما يخلوا فيه لعبادة ربّه، ويوما يخلوا فيه لنسائه وأشغاله. وكان يجد فيما يقرأ من الكتب فضل إبراهيم وإسحاق ويعقوب فقال: يا رب أرى الخير كله قد ذهب به آبائي الذين كانوا قبلي. فأوحى الله عزّ وجلّ إليه: أنهم ابتلوا ببلاء ما لم تبتل بشيء من ذلك فصبروا عليها. ابتلى إبراهيم بنمرود وبذبح ابنه، وابتلى إسحاق بالذبح وبذهاب بصره، وابتلى يعقوب بالحزن على يوسف. وأنك لم تبتل بشيء من ذلك. فقال داود: ربّ فابتلني بمثل ما ابتليتهم وأعطني مثل ما أعطيتهم. فأوحى الله سبحانه إليه: أنك مبتلى في شهر كذا في يوم كذا واحترس. فلمّا كان ذلك اليوم الذي وعده الله تعالى، دخل داود محرابه وأغلق بابه وجعل يصلي ويقرأ الزبور، فبينا هو كذلك إذ جاءه الشيطان قد تمثل في صورة حمامة من ذهب فيها من كل لون حسن، فوقعت بين رجليه، فمدّ يده ليأخذها ويدفعها إلى ابن صغير له، فلما أهوى إليها طارت غير بعيد، من غير أن تؤيسه من نفسها فامتد إليها ليأخذها فتنحت، فتبعها فطارت حتّى وقعت في كوة، فذهب ليأخذها فطارت من الكوة، فنظر داود أين تقع، فبعث إليها من يصيدها، فأبصر امرأة في بستان على شط بركة لها تغتسل، هذا قول الكلبي. وقال السدي: رآها تغتسل على سطح لها، فرأى امرأة من أجمل النساء خلقا، فتعجب داود من حسنها وحانت منها التفاتة وأبصرت ظله، فنفضت شعرها فغطى بدنها، فزاده ذلك إعجابا بها فسأل عنها. فقيل: هي تشايع بنت شايع امرأة أوريا بن حنانا، وزوجها في غزاة بالبلقاء مع أيوب بن صوريا ابن أخت داود. فكتب داود إلى ابن أخته أيوب صاحب بعث البلقاء: أن ابعث أوريا إلى موضع كذا وقدّمه قبل التابوت وكان من قدّم على التابوت لا يحل له أن يرجع وراءه حتّى يفتح الله سبحانه على يديه أو يستشهد، فبعثه وقدّمه ففتح له، فكتب إلى داود بذلك، فكتب إليه أيضا: أن ابعثه إلى عدو كذا وكذا. فبعثه ففتح له، فكتب إلى داود بذلك، فكتب إليه أيضا: أن ابعثه إلى عدو كذا أشدّ منه بأسا. فبعثه فقتل في المرة الثالثة، فلمّا انقضت عدّة المرأة تزوّجها داود فهي أم سليمان [[هذه القصة الخرافة التي يجل الله عنها أولياءه فضلا عن أنبيائه، وردت في تفسير الطبري: 23/ 175، وتاريخ الطبري: 1/ 338، ومستدرك الحاكم: 2/ 586.]] . وقال آخرون: سبب امتحانه أن نفسه حدثته أنّه يطيق قطع يوم بغير مقارفة. وهو ما أخبرنا شعيب بن محمّد قال: أخبرنا مكي بن عبدان قال: حدثنا أحمد بن الأزهر قال: حدثنا روح بن عبادة قال: حدثنا سعيد عن مطر عن الحسن قال: إن داود جزّأ الدهر أربعة أجزاء: يوما لنسائه، ويوما للعبادة، ويوما للقضاء بين بني إسرائيل، ويوما لبني إسرائيل يذاكرهم ويذاكرونه ويبكيهم ويبكونه. قال: فلما كان يوم بني إسرائيل ذكروا فقالوا: هل يأتي على الإنسان يوم لا يصيب فيه ذنبا؟ فأضمر داود في نفسه أنه سيطبق ذلك، فلما كان يوم عبادته غلق أبوابه وأمر أن لا يدخل عليه أحد، وأكبّ على قراءة التوراة، فبينما هو يقرأ إذ حمامة من ذهب فيها من كل لون حسن قد وقعت بين يديه، فأهوى إليها ليأخذها، فطارت فوقعت غير بعيد من غير أن تؤيسه من نفسها، فما زال يتبعها حتّى أشرف على امرأة تغتسل فأعجبه خلقها وحسنها، فلمّا رأت ظله في الأرض جللت نفسها بشعرها، فزاده ذلك بها إعجابا، وكان قد بعث زوجها على بعض جيوشه، فكتب إليه أن أسر إلى مكان كذا وكذا مكانا، إذا سار إليه قتل ولم يرجع ففعل فأصيب، فخطبها داود فتزوجها [[تفسير الطبري: 23/ 176، تفسير القرآن للصنعاني: 3/ 161.]] . وقال بعضهم: في سبب ذلك ما أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن محمّد قال: حدثنا مخلد ابن جعفر الباقرجي قال: حدثنا الحسين بن علوية قال: حدثنا إسماعيل قال: حدثنا إسحاق قال: حدثنا سعيد بن بشير عن قتادة عن الحسن قال: قال داود لبني إسرائيل حين ملك: والله لأعدلن بينكم، فلم يستثن فابتلي به [[زاد المسير: 6/ 326.]] . وقال أبو بكر محمّد بن عمر الوراق: كان سبب ذلك أن داود (عليه السلام) كان كثير العبادة فأعجب بعلمه فقال: هل في الأرض أحد يعمل عملي؟ فأتاه جبرئيل فقال: ان الله عزّ وجلّ يقول: أعجبت بعبادتك والعجب يأكل العبادة، فإن أعجبت ثانيا وكلتك إلى نفسك. قال: يا رب كلني إلى نفسي سنة. قال إنها لكثيرة. قال: فساعة. قال: شأنك بها. فوكل الأحراس ولبس الصوف ودخل المحراب ووضع الزبور بين يديه، فبينا هو في نسكه وعبادته إذ وقع الطائر بين يديه وكان من أمر المرأة ما كان. قالوا: فلمّا دخل داود بامرأة أوريا لم تلبث إلّا يسيرا حتّى بعث الله سبحانه ملكين في صورة إنسيين فطلبا أن يدخلا عليه، فوجداه في يوم عبادته فمنعهما الحرس أن يدخلا عليه، فتسورا المحراب عليه، فما شعر وهو يصلي إلّا وهو بهما بين يديه جالسين [[تفسير الطبري: 23/ 175.]] ، فذلك قوله: وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا وإنّما جعلوا جمع الفعل، لأن الخصم اسم يصلح للواحد والجميع والإثنين والمذكر والمؤنث. قال لبيد: وخصم يعدون الدخول كأنهم ... قروم غيارى كل أزهر مصعب [[لسان العرب: 12/ 180.]] وقال آخر: وخصم عضاب ينفضون لحاهم ... كنفض البراذين العراب المخاليا [[فتح القدير: 4/ 425.]] وإنّما جمع وهما اثنان، لأن معنى الجمع ضم شيء إلى شيء فالاثنان فما فوقهما جماعة، كقوله عزّ وجلّ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما [[سورة التحريم: 4.]] .

ص 38:10

بَلْ لَمَّا أي لم يَذُوقُوا عَذابِ ولو ذاقوه لما قالوا هذا القول أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ نعمة رَبِّكَ يعني مفاتيح النبوة، نظيرها في الزخرف أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ [[سورة الزخرف: 32.]] أي نبوة ربك الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ أي فليصعدوا في الجبال إلى السماوات، فليأتوا منها بالوحي إلى من يختارون ويشاؤن، وهذا أمر توبيخ وتعجيز. وقال الضحاك ومجاهد وقتادة: أراد بالأسباب: أبواب السماء وطرقها. جُنْدٌ أي هم جند ما هُنالِكَ أي هنالك و (ما) صلة مَهْزُومٌ مغلوب، ممنوع عن الصعود إلى السماء مِنَ الْأَحْزابِ أي من جملة الأجناد. وقال أكثر المفسرين: يعني أن هؤلاء الملأ الذين يقولون هذا القول، جند مهزوم مقهور وأنت عليهم مظفر منصور. قال قتادة: وعده الله عزّ وجلّ بمكة أنّه سيهزمهم، فجاء تأويلها يوم بدر من الأحزاب، أيّ كالقرون الماضية الذين قهروا وأهلكوا، ثم قال معزّا لنبيه ﷺ‎ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتادِ قال ابن عبّاس: ذو البناء المحكم. وقال القتيبي: والعرب تقول: هم في عز ثابت الأوتاد، وملك ثابت الأوتاد. يريدون أنّه دائم شديد، وأصل هذا أن البيت من بيوتهم بأوتاده. قال الأسود بن يعفر: في ظل ملك ثابت الأوتاد. وقال الضحاك: ذو القوة والبطش. وقال الحلبي ومقاتل: كان يعذب الناس بالأوتاد، وكان إذا غضب على أحمد مدّه مستلقيا بين أربعة أوتاد كل رجل منه إلى سارية وكل يد منه إلى سارية، فيتركه كذلك في الهواء بين السماء والأرض حتّى يموت. وقال مقاتل بن حيان: كان يمد الرجل مستلقيا على الأرض ثم يشده بالأوتاد. وقال السدي: كان يمد الرجل ويشده بالأوتاد ويرسل عليه العقارب والحيّات. وقال قتادة وعطاء: كانت له أوتاد وأرسال وملاعب يلعب عليها بين يديه. وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ أُولئِكَ الْأَحْزابُ إِنْ كُلٌّ ما كل منهم إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ فوجب عليهم ونزل بهم عذابي وَما يَنْظُرُ ينتظر هؤُلاءِ يعني كفار مكة إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً وهي نفخة القيامة. وقد روي هذا التفسير مرفوعا إلى النبي (عليه السلام) . ما لَها مِنْ فَواقٍ. قال ابن عبّاس وقتادة: من رجوع. الوالبي: يزداد. مجاهد: نظرة. الضحاك: مستوية. وفيه لغتان: (فُواقٍ) بضم الفاء وهي لغة تميم، وقراءة يحيى والأعمش وحمزة والكسائي وخلف. و (فَواقٍ) بالفتح وهي لغة قريش، وقراءة سائر القرّاء واختيار أبي عبيد. قال الكسائي: هما لغتان بمعنى واحد، كما يقال حمام المكوك وحمامه، وقصاص الشعر وقصاصه. وفرّق الآخرون بينهما. قال أبو عبيدة والمؤرخ: بالفتح بمعنى الراحة والإفاقة كالجواب من الإجابة، ذهبا به إلى إفاقة المريض من علته، و (الفواق) بالضم ما بين الحلبتين، وهو أن يحلب الناقة ثم تترك ساعة حتّى يجتمع اللبن فما بين الحلبتين فواق. فاستعير في موضع الانتظار مدة يسيرة. قال رسول الله ﷺ‎: «من رابط فواق ناقة في سبيل الله حرّم الله جسده على النار» [[الجامع الصغير للسيوطي: 2/ 603 ح 8692، كنز العمال: 4/ 307 ح 10634.]] [108] . وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ. قال سعيد بن جبير عن ابن عبّاس: يعني كتابنا. وعنه أيضا: القط الصحيفة التي أحصت كل شيء. قال أبو العالية والكلبي: لمّا نزلت في الحاقة فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ [[سورة الحاقة: 19.]] ، وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ [[سورة الحاقة: 25.]] . قالوا على جهة الاستهزاء: (عَجِّلْ لَنا قِطَّنا) يعنون كتابنا عجّله لنا في الدّنيا. قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ. وقال الحسن وقتادة ومجاهد والسدي: يعني عقوبتنا وما كتب لنا من العذاب. قال عطاء: قاله النضر بن الحرث، وهو قوله: اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ، فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ» وهو الذي قال الله سبحانه سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ [[سورة المعارج: 1.]] قال عطاء: لقد نزلت فيه بضع عشرة آية من كتاب الله عزّ وجلّ. وقال سعيد بن جبير: يعنون حظنا ونصيبنا من الجنّة التي تقول. قال الفراء: القطّ في كلام العرب الحظ، ومنه قيل للصك قطّ [[تفسير القرطبي: 15/ 157، وفتح القدير: 4/ 424.]] . وقال أبو عبيدة والكسائي: القطّ الكتاب بالجوائة. قال الأعشى: ولا الملك النعمان يوم لقيته ... بغبطته يعطي القطوط ويأفق [[الصحاح للجوهري: 3/ 1154.]] يعني كتب الجوائز أيّ بفضل وبعلو، يقال فرس أفق وناقة أفقه إذا كانا كريمين، وفضّلا على غيرهما. وقال مجاهد: قِطَّنا حسابنا، ويقال لكتاب الحساب: قطّ، وأصل الكلمة من الكتابة. فقال الله سبحانه لنبيه (عليه السلام) : اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ ذا القوة في العبادة إِنَّهُ أَوَّابٌ مطيع. عن ابن عبّاس: رجّاع إلى التوبة. عن الضحاك، سعيد بن جبير: هو المسبّح بلغة الحبش [[فتح القدير: 4/ 427، والدر المنثور: 5/ 298.]] . أخبرني الحسين بن محمّد الدينوري قال: حدثنا الفضل بن الفضل الكندي قال: حدثنا أبو العبّاس عبد الله بن جعفر بن أحمد بن [فارس] ببغداد قال: حدثنا أحمد بن عبد الله بن القاسم قال: حدثنا عمرو بن حصين قال: حدثنا الحسين بن عمرو عن أبي بكر الهذلي عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ‎: «الزرقة يمن وكان داود النبي (عليه السلام) أزرق» [[انظر: الجامع الصغير: 2/ 33، وتفسير القرطبي: 6/ 17.]] [109] . إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بتسبيحه. قال ابن عبّاس: وكان يفهم تسبيح الحجر والشجر. بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ. أخبرني ابن فنجويه قال: حدثنا ابن شنبه قال: حدثنا الحسين بن يحيويه قال: حدثنا أبو أميّة محمّد بن إبراهيم قال: حدثنا الحجاج بن نصير قال: حدثنا أبو بكر الهذلي عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عبّاس قال: كنت أمرّ بهذه الآية لا أدري ما العشي والإشراق، حتّى حدثتني أم هاني بنت أبي طالب أن رسول الله (عليه السلام) دخل عليها فدعا بوضوء فتوضأ، ثم صلى الضحى وقال: «يا أم هاني هذه صلاة الإشراق» [110] [[مسند الحميدي: 1/ 160، مسند ابن راهويه: 5/ 19.]] . روى عطاء الخراساني عن ابن عبّاس قال: لم يزل في نفسي [من] صلاة الضحى شيء حتّى طلبتها في القرآن فوجدتها في هذه الآية يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ. قال عكرمة: وكان ابن عبّاس لا يصلي صلاة الضحى ثم صلّى بعدها. وروي أن كعب الأحبار قال لابن عبّاس رضي الله عنهما: إني لأجد في كتاب الله صلاة بعد طلوع الشمس. فقال ابن عبّاس: أنا أوجدك ذلك في كتاب الله في قصة داود يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ وليس الإشراق طلوع الشمس، إنّما هو صفاؤها وضوؤها. وَالطَّيْرَ أيّ وسخّرنا له الطير مَحْشُورَةً مجموعة كُلٌّ لَهُ أيّ لداود أَوَّابٌ مطيع وَشَدَدْنا مُلْكَهُ أيّ قوّيناه. وقرأ الحسن: وشدّدنا بتشديد الدال. قال ابن عبّاس: كان أشد ملوك الأرض سلطانا كان يحرس محرابه كل ليلة ثلاثة وثلاثون ألف رجل، فذلك قوله وَشَدَدْنا مُلْكَهُ بالحرس. وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا محمّد بن خالد بن الحسن قال: حدثنا داود بن سليمان قال: حدثنا عبد بن حميد قال: حدثنا محمّد بن الفضل قال: حدثنا داود بن أبي الفرات عن عليّ بن أحمد عن عكرمة عن ابن عبّاس: أن رجلا من بني إسرائيل استعدى على رجل من عظمائهم، فاجتمعا عند داود النبي فقال المستعدي: ان هذا غصبني بقرتي. فسأل داود الرجل عن ذلك فجحده، وسأل الآخر البيّنة فلم يكن له بيّنة. فقال لهما داود: قوما حتى أنظر في أمركما. فقاما من عنده، فأوحى الله سبحانه إلى داود (عليه السلام) في منامه: أن يقتل الرجل الذي استعدي عليه. فقال: هذه رؤيا ولست أعجل حتّى أتثبت. فأوحى الله سبحانه إليه مرة أخرى أن يقتله. فلم يفعل، فأوحى الله سبحانه وتعالى إليه الثالثة: أن يقتله أو تأتيه العقوبة من الله، فأرسل داود إلى الرجل فقال له: إن الله قد أوحى إليّ أن أقتلك. فقال له الرجل: تقتلني بغير بيّنة ولا ثبت! فقال له داود: نعم، والله لأنفذن أمر الله فيك. فلمّا عرف الرجل أنّه قاتله قال: لا تعجل حتّى أخبرك أني والله ما أخذت بهذا الذنب ولكني كنت اغتلت والد هذا فقتلته، فلذلك أخذت. فأمر به داود فقتل، فاشتدت هيبته في بني إسرائيل عند ذلك لداود، واشتد به ملكه فهو قوله سبحانه: وَشَدَدْنا مُلْكَهُ. وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ يعني النبوة والإصابة في الأمور. وقال أبو العالية: العلم الذي لا تردّه العقول. وَفَصْلَ الْخِطابِ قال ابن عبّاس: بيان الكلام. وقال الحسن والكلبي وابن مسعود ومقاتل وأبو عبد الرحمن السلمي: يعني علم الحكم والبصر بالقضاء، كأن لا يتتعتع في القضاء بين الناس، وهي إحدى الروايات عن ابن عبّاس. وقال علي بن أبي طالب: هو البيّنة على المدّعى واليمين على من أنكر. وأخبرنا أبو حفص عمر بن أحمد بن محمّد بن عمر الجوري قال: أخبرنا أبو بكر بالويه بن محمّد بن بالويه المربتاني بها، قال: حدثنا محمّد بن حفص الحوني قال: حدثنا نصر بن علي الخميصمي قال: أخبرنا أبو أحمد قال: أخبرنا شريك عن الأعمش عن أبي صالح عن كعب في قوله وَفَصْلَ الْخِطابِ قال: الشهود والإيمان. أنبأني عبد الله بن حامد قال: أخبرنا عبد الله بن محمّد قال: حدثنا محمّد بن يحيى قال: حدثنا وهب بن جرير قال: أخبرنا [شعبة] عن الحكم عن شريح في قوله وَفَصْلَ الْخِطابِ قال: الشهود والإيمان. وهو قول مجاهد وعطاء بن أبي رباح. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدثنا عبد الله بن عبد الله بن أبي سمرة البغوي قال: حدثنا أحمد بن محمّد أبي شيبة قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم البغوي قال: حدثنا إسحاق بن يوسف الأزرق عن زكريا يعني ابن أبي زائدة عن [السبيعي] قال: سمعت زيادا يقول: فَصْلَ الْخِطابِ الذي أعطي داود، أما بعد وهو أوّل من قالها. وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ الآية. اختلف العلماء بأخبار الأنبياء في سبب امتحان الله سبحانه نبيّه داود بما امتحنه به من الخطيئة. فقال قوم: كان سبب ذلك أنه تمنى يوما من الأيام على ربّه عزّ وجلّ منزلة آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب (عليهم السلام) وسأله أن يمتحنه نحو الذي كان امتحنهم، ويعطيه من الفضل نحو الذي كان أعطاهم. وروى السدي والكلبي ومقاتل: عن أشياخهم دخل حديث بعضهم في بعض قالوا: كان داود قد قسّم الدهر ثلاثة أيام: يوما يقضي فيه بين الناس، ويوما يخلوا فيه لعبادة ربّه، ويوما يخلوا فيه لنسائه وأشغاله. وكان يجد فيما يقرأ من الكتب فضل إبراهيم وإسحاق ويعقوب فقال: يا رب أرى الخير كله قد ذهب به آبائي الذين كانوا قبلي. فأوحى الله عزّ وجلّ إليه: أنهم ابتلوا ببلاء ما لم تبتل بشيء من ذلك فصبروا عليها. ابتلى إبراهيم بنمرود وبذبح ابنه، وابتلى إسحاق بالذبح وبذهاب بصره، وابتلى يعقوب بالحزن على يوسف. وأنك لم تبتل بشيء من ذلك. فقال داود: ربّ فابتلني بمثل ما ابتليتهم وأعطني مثل ما أعطيتهم. فأوحى الله سبحانه إليه: أنك مبتلى في شهر كذا في يوم كذا واحترس. فلمّا كان ذلك اليوم الذي وعده الله تعالى، دخل داود محرابه وأغلق بابه وجعل يصلي ويقرأ الزبور، فبينا هو كذلك إذ جاءه الشيطان قد تمثل في صورة حمامة من ذهب فيها من كل لون حسن، فوقعت بين رجليه، فمدّ يده ليأخذها ويدفعها إلى ابن صغير له، فلما أهوى إليها طارت غير بعيد، من غير أن تؤيسه من نفسها فامتد إليها ليأخذها فتنحت، فتبعها فطارت حتّى وقعت في كوة، فذهب ليأخذها فطارت من الكوة، فنظر داود أين تقع، فبعث إليها من يصيدها، فأبصر امرأة في بستان على شط بركة لها تغتسل، هذا قول الكلبي. وقال السدي: رآها تغتسل على سطح لها، فرأى امرأة من أجمل النساء خلقا، فتعجب داود من حسنها وحانت منها التفاتة وأبصرت ظله، فنفضت شعرها فغطى بدنها، فزاده ذلك إعجابا بها فسأل عنها. فقيل: هي تشايع بنت شايع امرأة أوريا بن حنانا، وزوجها في غزاة بالبلقاء مع أيوب بن صوريا ابن أخت داود. فكتب داود إلى ابن أخته أيوب صاحب بعث البلقاء: أن ابعث أوريا إلى موضع كذا وقدّمه قبل التابوت وكان من قدّم على التابوت لا يحل له أن يرجع وراءه حتّى يفتح الله سبحانه على يديه أو يستشهد، فبعثه وقدّمه ففتح له، فكتب إلى داود بذلك، فكتب إليه أيضا: أن ابعثه إلى عدو كذا وكذا. فبعثه ففتح له، فكتب إلى داود بذلك، فكتب إليه أيضا: أن ابعثه إلى عدو كذا أشدّ منه بأسا. فبعثه فقتل في المرة الثالثة، فلمّا انقضت عدّة المرأة تزوّجها داود فهي أم سليمان [[هذه القصة الخرافة التي يجل الله عنها أولياءه فضلا عن أنبيائه، وردت في تفسير الطبري: 23/ 175، وتاريخ الطبري: 1/ 338، ومستدرك الحاكم: 2/ 586.]] . وقال آخرون: سبب امتحانه أن نفسه حدثته أنّه يطيق قطع يوم بغير مقارفة. وهو ما أخبرنا شعيب بن محمّد قال: أخبرنا مكي بن عبدان قال: حدثنا أحمد بن الأزهر قال: حدثنا روح بن عبادة قال: حدثنا سعيد عن مطر عن الحسن قال: إن داود جزّأ الدهر أربعة أجزاء: يوما لنسائه، ويوما للعبادة، ويوما للقضاء بين بني إسرائيل، ويوما لبني إسرائيل يذاكرهم ويذاكرونه ويبكيهم ويبكونه. قال: فلما كان يوم بني إسرائيل ذكروا فقالوا: هل يأتي على الإنسان يوم لا يصيب فيه ذنبا؟ فأضمر داود في نفسه أنه سيطبق ذلك، فلما كان يوم عبادته غلق أبوابه وأمر أن لا يدخل عليه أحد، وأكبّ على قراءة التوراة، فبينما هو يقرأ إذ حمامة من ذهب فيها من كل لون حسن قد وقعت بين يديه، فأهوى إليها ليأخذها، فطارت فوقعت غير بعيد من غير أن تؤيسه من نفسها، فما زال يتبعها حتّى أشرف على امرأة تغتسل فأعجبه خلقها وحسنها، فلمّا رأت ظله في الأرض جللت نفسها بشعرها، فزاده ذلك بها إعجابا، وكان قد بعث زوجها على بعض جيوشه، فكتب إليه أن أسر إلى مكان كذا وكذا مكانا، إذا سار إليه قتل ولم يرجع ففعل فأصيب، فخطبها داود فتزوجها [[تفسير الطبري: 23/ 176، تفسير القرآن للصنعاني: 3/ 161.]] . وقال بعضهم: في سبب ذلك ما أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن محمّد قال: حدثنا مخلد ابن جعفر الباقرجي قال: حدثنا الحسين بن علوية قال: حدثنا إسماعيل قال: حدثنا إسحاق قال: حدثنا سعيد بن بشير عن قتادة عن الحسن قال: قال داود لبني إسرائيل حين ملك: والله لأعدلن بينكم، فلم يستثن فابتلي به [[زاد المسير: 6/ 326.]] . وقال أبو بكر محمّد بن عمر الوراق: كان سبب ذلك أن داود (عليه السلام) كان كثير العبادة فأعجب بعلمه فقال: هل في الأرض أحد يعمل عملي؟ فأتاه جبرئيل فقال: ان الله عزّ وجلّ يقول: أعجبت بعبادتك والعجب يأكل العبادة، فإن أعجبت ثانيا وكلتك إلى نفسك. قال: يا رب كلني إلى نفسي سنة. قال إنها لكثيرة. قال: فساعة. قال: شأنك بها. فوكل الأحراس ولبس الصوف ودخل المحراب ووضع الزبور بين يديه، فبينا هو في نسكه وعبادته إذ وقع الطائر بين يديه وكان من أمر المرأة ما كان. قالوا: فلمّا دخل داود بامرأة أوريا لم تلبث إلّا يسيرا حتّى بعث الله سبحانه ملكين في صورة إنسيين فطلبا أن يدخلا عليه، فوجداه في يوم عبادته فمنعهما الحرس أن يدخلا عليه، فتسورا المحراب عليه، فما شعر وهو يصلي إلّا وهو بهما بين يديه جالسين [[تفسير الطبري: 23/ 175.]] ، فذلك قوله: وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا وإنّما جعلوا جمع الفعل، لأن الخصم اسم يصلح للواحد والجميع والإثنين والمذكر والمؤنث. قال لبيد: وخصم يعدون الدخول كأنهم ... قروم غيارى كل أزهر مصعب [[لسان العرب: 12/ 180.]] وقال آخر: وخصم عضاب ينفضون لحاهم ... كنفض البراذين العراب المخاليا [[فتح القدير: 4/ 425.]] وإنّما جمع وهما اثنان، لأن معنى الجمع ضم شيء إلى شيء فالاثنان فما فوقهما جماعة، كقوله عزّ وجلّ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما [[سورة التحريم: 4.]] .

ص 38:11

بَلْ لَمَّا أي لم يَذُوقُوا عَذابِ ولو ذاقوه لما قالوا هذا القول أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ نعمة رَبِّكَ يعني مفاتيح النبوة، نظيرها في الزخرف أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ [[سورة الزخرف: 32.]] أي نبوة ربك الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ أي فليصعدوا في الجبال إلى السماوات، فليأتوا منها بالوحي إلى من يختارون ويشاؤن، وهذا أمر توبيخ وتعجيز. وقال الضحاك ومجاهد وقتادة: أراد بالأسباب: أبواب السماء وطرقها. جُنْدٌ أي هم جند ما هُنالِكَ أي هنالك و (ما) صلة مَهْزُومٌ مغلوب، ممنوع عن الصعود إلى السماء مِنَ الْأَحْزابِ أي من جملة الأجناد. وقال أكثر المفسرين: يعني أن هؤلاء الملأ الذين يقولون هذا القول، جند مهزوم مقهور وأنت عليهم مظفر منصور. قال قتادة: وعده الله عزّ وجلّ بمكة أنّه سيهزمهم، فجاء تأويلها يوم بدر من الأحزاب، أيّ كالقرون الماضية الذين قهروا وأهلكوا، ثم قال معزّا لنبيه ﷺ‎ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتادِ قال ابن عبّاس: ذو البناء المحكم. وقال القتيبي: والعرب تقول: هم في عز ثابت الأوتاد، وملك ثابت الأوتاد. يريدون أنّه دائم شديد، وأصل هذا أن البيت من بيوتهم بأوتاده. قال الأسود بن يعفر: في ظل ملك ثابت الأوتاد. وقال الضحاك: ذو القوة والبطش. وقال الحلبي ومقاتل: كان يعذب الناس بالأوتاد، وكان إذا غضب على أحمد مدّه مستلقيا بين أربعة أوتاد كل رجل منه إلى سارية وكل يد منه إلى سارية، فيتركه كذلك في الهواء بين السماء والأرض حتّى يموت. وقال مقاتل بن حيان: كان يمد الرجل مستلقيا على الأرض ثم يشده بالأوتاد. وقال السدي: كان يمد الرجل ويشده بالأوتاد ويرسل عليه العقارب والحيّات. وقال قتادة وعطاء: كانت له أوتاد وأرسال وملاعب يلعب عليها بين يديه. وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ أُولئِكَ الْأَحْزابُ إِنْ كُلٌّ ما كل منهم إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ فوجب عليهم ونزل بهم عذابي وَما يَنْظُرُ ينتظر هؤُلاءِ يعني كفار مكة إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً وهي نفخة القيامة. وقد روي هذا التفسير مرفوعا إلى النبي (عليه السلام) . ما لَها مِنْ فَواقٍ. قال ابن عبّاس وقتادة: من رجوع. الوالبي: يزداد. مجاهد: نظرة. الضحاك: مستوية. وفيه لغتان: (فُواقٍ) بضم الفاء وهي لغة تميم، وقراءة يحيى والأعمش وحمزة والكسائي وخلف. و (فَواقٍ) بالفتح وهي لغة قريش، وقراءة سائر القرّاء واختيار أبي عبيد. قال الكسائي: هما لغتان بمعنى واحد، كما يقال حمام المكوك وحمامه، وقصاص الشعر وقصاصه. وفرّق الآخرون بينهما. قال أبو عبيدة والمؤرخ: بالفتح بمعنى الراحة والإفاقة كالجواب من الإجابة، ذهبا به إلى إفاقة المريض من علته، و (الفواق) بالضم ما بين الحلبتين، وهو أن يحلب الناقة ثم تترك ساعة حتّى يجتمع اللبن فما بين الحلبتين فواق. فاستعير في موضع الانتظار مدة يسيرة. قال رسول الله ﷺ‎: «من رابط فواق ناقة في سبيل الله حرّم الله جسده على النار» [[الجامع الصغير للسيوطي: 2/ 603 ح 8692، كنز العمال: 4/ 307 ح 10634.]] [108] . وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ. قال سعيد بن جبير عن ابن عبّاس: يعني كتابنا. وعنه أيضا: القط الصحيفة التي أحصت كل شيء. قال أبو العالية والكلبي: لمّا نزلت في الحاقة فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ [[سورة الحاقة: 19.]] ، وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ [[سورة الحاقة: 25.]] . قالوا على جهة الاستهزاء: (عَجِّلْ لَنا قِطَّنا) يعنون كتابنا عجّله لنا في الدّنيا. قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ. وقال الحسن وقتادة ومجاهد والسدي: يعني عقوبتنا وما كتب لنا من العذاب. قال عطاء: قاله النضر بن الحرث، وهو قوله: اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ، فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ» وهو الذي قال الله سبحانه سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ [[سورة المعارج: 1.]] قال عطاء: لقد نزلت فيه بضع عشرة آية من كتاب الله عزّ وجلّ. وقال سعيد بن جبير: يعنون حظنا ونصيبنا من الجنّة التي تقول. قال الفراء: القطّ في كلام العرب الحظ، ومنه قيل للصك قطّ [[تفسير القرطبي: 15/ 157، وفتح القدير: 4/ 424.]] . وقال أبو عبيدة والكسائي: القطّ الكتاب بالجوائة. قال الأعشى: ولا الملك النعمان يوم لقيته ... بغبطته يعطي القطوط ويأفق [[الصحاح للجوهري: 3/ 1154.]] يعني كتب الجوائز أيّ بفضل وبعلو، يقال فرس أفق وناقة أفقه إذا كانا كريمين، وفضّلا على غيرهما. وقال مجاهد: قِطَّنا حسابنا، ويقال لكتاب الحساب: قطّ، وأصل الكلمة من الكتابة. فقال الله سبحانه لنبيه (عليه السلام) : اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ ذا القوة في العبادة إِنَّهُ أَوَّابٌ مطيع. عن ابن عبّاس: رجّاع إلى التوبة. عن الضحاك، سعيد بن جبير: هو المسبّح بلغة الحبش [[فتح القدير: 4/ 427، والدر المنثور: 5/ 298.]] . أخبرني الحسين بن محمّد الدينوري قال: حدثنا الفضل بن الفضل الكندي قال: حدثنا أبو العبّاس عبد الله بن جعفر بن أحمد بن [فارس] ببغداد قال: حدثنا أحمد بن عبد الله بن القاسم قال: حدثنا عمرو بن حصين قال: حدثنا الحسين بن عمرو عن أبي بكر الهذلي عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ‎: «الزرقة يمن وكان داود النبي (عليه السلام) أزرق» [[انظر: الجامع الصغير: 2/ 33، وتفسير القرطبي: 6/ 17.]] [109] . إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بتسبيحه. قال ابن عبّاس: وكان يفهم تسبيح الحجر والشجر. بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ. أخبرني ابن فنجويه قال: حدثنا ابن شنبه قال: حدثنا الحسين بن يحيويه قال: حدثنا أبو أميّة محمّد بن إبراهيم قال: حدثنا الحجاج بن نصير قال: حدثنا أبو بكر الهذلي عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عبّاس قال: كنت أمرّ بهذه الآية لا أدري ما العشي والإشراق، حتّى حدثتني أم هاني بنت أبي طالب أن رسول الله (عليه السلام) دخل عليها فدعا بوضوء فتوضأ، ثم صلى الضحى وقال: «يا أم هاني هذه صلاة الإشراق» [110] [[مسند الحميدي: 1/ 160، مسند ابن راهويه: 5/ 19.]] . روى عطاء الخراساني عن ابن عبّاس قال: لم يزل في نفسي [من] صلاة الضحى شيء حتّى طلبتها في القرآن فوجدتها في هذه الآية يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ. قال عكرمة: وكان ابن عبّاس لا يصلي صلاة الضحى ثم صلّى بعدها. وروي أن كعب الأحبار قال لابن عبّاس رضي الله عنهما: إني لأجد في كتاب الله صلاة بعد طلوع الشمس. فقال ابن عبّاس: أنا أوجدك ذلك في كتاب الله في قصة داود يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ وليس الإشراق طلوع الشمس، إنّما هو صفاؤها وضوؤها. وَالطَّيْرَ أيّ وسخّرنا له الطير مَحْشُورَةً مجموعة كُلٌّ لَهُ أيّ لداود أَوَّابٌ مطيع وَشَدَدْنا مُلْكَهُ أيّ قوّيناه. وقرأ الحسن: وشدّدنا بتشديد الدال. قال ابن عبّاس: كان أشد ملوك الأرض سلطانا كان يحرس محرابه كل ليلة ثلاثة وثلاثون ألف رجل، فذلك قوله وَشَدَدْنا مُلْكَهُ بالحرس. وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا محمّد بن خالد بن الحسن قال: حدثنا داود بن سليمان قال: حدثنا عبد بن حميد قال: حدثنا محمّد بن الفضل قال: حدثنا داود بن أبي الفرات عن عليّ بن أحمد عن عكرمة عن ابن عبّاس: أن رجلا من بني إسرائيل استعدى على رجل من عظمائهم، فاجتمعا عند داود النبي فقال المستعدي: ان هذا غصبني بقرتي. فسأل داود الرجل عن ذلك فجحده، وسأل الآخر البيّنة فلم يكن له بيّنة. فقال لهما داود: قوما حتى أنظر في أمركما. فقاما من عنده، فأوحى الله سبحانه إلى داود (عليه السلام) في منامه: أن يقتل الرجل الذي استعدي عليه. فقال: هذه رؤيا ولست أعجل حتّى أتثبت. فأوحى الله سبحانه إليه مرة أخرى أن يقتله. فلم يفعل، فأوحى الله سبحانه وتعالى إليه الثالثة: أن يقتله أو تأتيه العقوبة من الله، فأرسل داود إلى الرجل فقال له: إن الله قد أوحى إليّ أن أقتلك. فقال له الرجل: تقتلني بغير بيّنة ولا ثبت! فقال له داود: نعم، والله لأنفذن أمر الله فيك. فلمّا عرف الرجل أنّه قاتله قال: لا تعجل حتّى أخبرك أني والله ما أخذت بهذا الذنب ولكني كنت اغتلت والد هذا فقتلته، فلذلك أخذت. فأمر به داود فقتل، فاشتدت هيبته في بني إسرائيل عند ذلك لداود، واشتد به ملكه فهو قوله سبحانه: وَشَدَدْنا مُلْكَهُ. وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ يعني النبوة والإصابة في الأمور. وقال أبو العالية: العلم الذي لا تردّه العقول. وَفَصْلَ الْخِطابِ قال ابن عبّاس: بيان الكلام. وقال الحسن والكلبي وابن مسعود ومقاتل وأبو عبد الرحمن السلمي: يعني علم الحكم والبصر بالقضاء، كأن لا يتتعتع في القضاء بين الناس، وهي إحدى الروايات عن ابن عبّاس. وقال علي بن أبي طالب: هو البيّنة على المدّعى واليمين على من أنكر. وأخبرنا أبو حفص عمر بن أحمد بن محمّد بن عمر الجوري قال: أخبرنا أبو بكر بالويه بن محمّد بن بالويه المربتاني بها، قال: حدثنا محمّد بن حفص الحوني قال: حدثنا نصر بن علي الخميصمي قال: أخبرنا أبو أحمد قال: أخبرنا شريك عن الأعمش عن أبي صالح عن كعب في قوله وَفَصْلَ الْخِطابِ قال: الشهود والإيمان. أنبأني عبد الله بن حامد قال: أخبرنا عبد الله بن محمّد قال: حدثنا محمّد بن يحيى قال: حدثنا وهب بن جرير قال: أخبرنا [شعبة] عن الحكم عن شريح في قوله وَفَصْلَ الْخِطابِ قال: الشهود والإيمان. وهو قول مجاهد وعطاء بن أبي رباح. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدثنا عبد الله بن عبد الله بن أبي سمرة البغوي قال: حدثنا أحمد بن محمّد أبي شيبة قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم البغوي قال: حدثنا إسحاق بن يوسف الأزرق عن زكريا يعني ابن أبي زائدة عن [السبيعي] قال: سمعت زيادا يقول: فَصْلَ الْخِطابِ الذي أعطي داود، أما بعد وهو أوّل من قالها. وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ الآية. اختلف العلماء بأخبار الأنبياء في سبب امتحان الله سبحانه نبيّه داود بما امتحنه به من الخطيئة. فقال قوم: كان سبب ذلك أنه تمنى يوما من الأيام على ربّه عزّ وجلّ منزلة آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب (عليهم السلام) وسأله أن يمتحنه نحو الذي كان امتحنهم، ويعطيه من الفضل نحو الذي كان أعطاهم. وروى السدي والكلبي ومقاتل: عن أشياخهم دخل حديث بعضهم في بعض قالوا: كان داود قد قسّم الدهر ثلاثة أيام: يوما يقضي فيه بين الناس، ويوما يخلوا فيه لعبادة ربّه، ويوما يخلوا فيه لنسائه وأشغاله. وكان يجد فيما يقرأ من الكتب فضل إبراهيم وإسحاق ويعقوب فقال: يا رب أرى الخير كله قد ذهب به آبائي الذين كانوا قبلي. فأوحى الله عزّ وجلّ إليه: أنهم ابتلوا ببلاء ما لم تبتل بشيء من ذلك فصبروا عليها. ابتلى إبراهيم بنمرود وبذبح ابنه، وابتلى إسحاق بالذبح وبذهاب بصره، وابتلى يعقوب بالحزن على يوسف. وأنك لم تبتل بشيء من ذلك. فقال داود: ربّ فابتلني بمثل ما ابتليتهم وأعطني مثل ما أعطيتهم. فأوحى الله سبحانه إليه: أنك مبتلى في شهر كذا في يوم كذا واحترس. فلمّا كان ذلك اليوم الذي وعده الله تعالى، دخل داود محرابه وأغلق بابه وجعل يصلي ويقرأ الزبور، فبينا هو كذلك إذ جاءه الشيطان قد تمثل في صورة حمامة من ذهب فيها من كل لون حسن، فوقعت بين رجليه، فمدّ يده ليأخذها ويدفعها إلى ابن صغير له، فلما أهوى إليها طارت غير بعيد، من غير أن تؤيسه من نفسها فامتد إليها ليأخذها فتنحت، فتبعها فطارت حتّى وقعت في كوة، فذهب ليأخذها فطارت من الكوة، فنظر داود أين تقع، فبعث إليها من يصيدها، فأبصر امرأة في بستان على شط بركة لها تغتسل، هذا قول الكلبي. وقال السدي: رآها تغتسل على سطح لها، فرأى امرأة من أجمل النساء خلقا، فتعجب داود من حسنها وحانت منها التفاتة وأبصرت ظله، فنفضت شعرها فغطى بدنها، فزاده ذلك إعجابا بها فسأل عنها. فقيل: هي تشايع بنت شايع امرأة أوريا بن حنانا، وزوجها في غزاة بالبلقاء مع أيوب بن صوريا ابن أخت داود. فكتب داود إلى ابن أخته أيوب صاحب بعث البلقاء: أن ابعث أوريا إلى موضع كذا وقدّمه قبل التابوت وكان من قدّم على التابوت لا يحل له أن يرجع وراءه حتّى يفتح الله سبحانه على يديه أو يستشهد، فبعثه وقدّمه ففتح له، فكتب إلى داود بذلك، فكتب إليه أيضا: أن ابعثه إلى عدو كذا وكذا. فبعثه ففتح له، فكتب إلى داود بذلك، فكتب إليه أيضا: أن ابعثه إلى عدو كذا أشدّ منه بأسا. فبعثه فقتل في المرة الثالثة، فلمّا انقضت عدّة المرأة تزوّجها داود فهي أم سليمان [[هذه القصة الخرافة التي يجل الله عنها أولياءه فضلا عن أنبيائه، وردت في تفسير الطبري: 23/ 175، وتاريخ الطبري: 1/ 338، ومستدرك الحاكم: 2/ 586.]] . وقال آخرون: سبب امتحانه أن نفسه حدثته أنّه يطيق قطع يوم بغير مقارفة. وهو ما أخبرنا شعيب بن محمّد قال: أخبرنا مكي بن عبدان قال: حدثنا أحمد بن الأزهر قال: حدثنا روح بن عبادة قال: حدثنا سعيد عن مطر عن الحسن قال: إن داود جزّأ الدهر أربعة أجزاء: يوما لنسائه، ويوما للعبادة، ويوما للقضاء بين بني إسرائيل، ويوما لبني إسرائيل يذاكرهم ويذاكرونه ويبكيهم ويبكونه. قال: فلما كان يوم بني إسرائيل ذكروا فقالوا: هل يأتي على الإنسان يوم لا يصيب فيه ذنبا؟ فأضمر داود في نفسه أنه سيطبق ذلك، فلما كان يوم عبادته غلق أبوابه وأمر أن لا يدخل عليه أحد، وأكبّ على قراءة التوراة، فبينما هو يقرأ إذ حمامة من ذهب فيها من كل لون حسن قد وقعت بين يديه، فأهوى إليها ليأخذها، فطارت فوقعت غير بعيد من غير أن تؤيسه من نفسها، فما زال يتبعها حتّى أشرف على امرأة تغتسل فأعجبه خلقها وحسنها، فلمّا رأت ظله في الأرض جللت نفسها بشعرها، فزاده ذلك بها إعجابا، وكان قد بعث زوجها على بعض جيوشه، فكتب إليه أن أسر إلى مكان كذا وكذا مكانا، إذا سار إليه قتل ولم يرجع ففعل فأصيب، فخطبها داود فتزوجها [[تفسير الطبري: 23/ 176، تفسير القرآن للصنعاني: 3/ 161.]] . وقال بعضهم: في سبب ذلك ما أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن محمّد قال: حدثنا مخلد ابن جعفر الباقرجي قال: حدثنا الحسين بن علوية قال: حدثنا إسماعيل قال: حدثنا إسحاق قال: حدثنا سعيد بن بشير عن قتادة عن الحسن قال: قال داود لبني إسرائيل حين ملك: والله لأعدلن بينكم، فلم يستثن فابتلي به [[زاد المسير: 6/ 326.]] . وقال أبو بكر محمّد بن عمر الوراق: كان سبب ذلك أن داود (عليه السلام) كان كثير العبادة فأعجب بعلمه فقال: هل في الأرض أحد يعمل عملي؟ فأتاه جبرئيل فقال: ان الله عزّ وجلّ يقول: أعجبت بعبادتك والعجب يأكل العبادة، فإن أعجبت ثانيا وكلتك إلى نفسك. قال: يا رب كلني إلى نفسي سنة. قال إنها لكثيرة. قال: فساعة. قال: شأنك بها. فوكل الأحراس ولبس الصوف ودخل المحراب ووضع الزبور بين يديه، فبينا هو في نسكه وعبادته إذ وقع الطائر بين يديه وكان من أمر المرأة ما كان. قالوا: فلمّا دخل داود بامرأة أوريا لم تلبث إلّا يسيرا حتّى بعث الله سبحانه ملكين في صورة إنسيين فطلبا أن يدخلا عليه، فوجداه في يوم عبادته فمنعهما الحرس أن يدخلا عليه، فتسورا المحراب عليه، فما شعر وهو يصلي إلّا وهو بهما بين يديه جالسين [[تفسير الطبري: 23/ 175.]] ، فذلك قوله: وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا وإنّما جعلوا جمع الفعل، لأن الخصم اسم يصلح للواحد والجميع والإثنين والمذكر والمؤنث. قال لبيد: وخصم يعدون الدخول كأنهم ... قروم غيارى كل أزهر مصعب [[لسان العرب: 12/ 180.]] وقال آخر: وخصم عضاب ينفضون لحاهم ... كنفض البراذين العراب المخاليا [[فتح القدير: 4/ 425.]] وإنّما جمع وهما اثنان، لأن معنى الجمع ضم شيء إلى شيء فالاثنان فما فوقهما جماعة، كقوله عزّ وجلّ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما [[سورة التحريم: 4.]] .

ص 38:12

بَلْ لَمَّا أي لم يَذُوقُوا عَذابِ ولو ذاقوه لما قالوا هذا القول أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ نعمة رَبِّكَ يعني مفاتيح النبوة، نظيرها في الزخرف أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ [[سورة الزخرف: 32.]] أي نبوة ربك الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ أي فليصعدوا في الجبال إلى السماوات، فليأتوا منها بالوحي إلى من يختارون ويشاؤن، وهذا أمر توبيخ وتعجيز. وقال الضحاك ومجاهد وقتادة: أراد بالأسباب: أبواب السماء وطرقها. جُنْدٌ أي هم جند ما هُنالِكَ أي هنالك و (ما) صلة مَهْزُومٌ مغلوب، ممنوع عن الصعود إلى السماء مِنَ الْأَحْزابِ أي من جملة الأجناد. وقال أكثر المفسرين: يعني أن هؤلاء الملأ الذين يقولون هذا القول، جند مهزوم مقهور وأنت عليهم مظفر منصور. قال قتادة: وعده الله عزّ وجلّ بمكة أنّه سيهزمهم، فجاء تأويلها يوم بدر من الأحزاب، أيّ كالقرون الماضية الذين قهروا وأهلكوا، ثم قال معزّا لنبيه ﷺ‎ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتادِ قال ابن عبّاس: ذو البناء المحكم. وقال القتيبي: والعرب تقول: هم في عز ثابت الأوتاد، وملك ثابت الأوتاد. يريدون أنّه دائم شديد، وأصل هذا أن البيت من بيوتهم بأوتاده. قال الأسود بن يعفر: في ظل ملك ثابت الأوتاد. وقال الضحاك: ذو القوة والبطش. وقال الحلبي ومقاتل: كان يعذب الناس بالأوتاد، وكان إذا غضب على أحمد مدّه مستلقيا بين أربعة أوتاد كل رجل منه إلى سارية وكل يد منه إلى سارية، فيتركه كذلك في الهواء بين السماء والأرض حتّى يموت. وقال مقاتل بن حيان: كان يمد الرجل مستلقيا على الأرض ثم يشده بالأوتاد. وقال السدي: كان يمد الرجل ويشده بالأوتاد ويرسل عليه العقارب والحيّات. وقال قتادة وعطاء: كانت له أوتاد وأرسال وملاعب يلعب عليها بين يديه. وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ أُولئِكَ الْأَحْزابُ إِنْ كُلٌّ ما كل منهم إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ فوجب عليهم ونزل بهم عذابي وَما يَنْظُرُ ينتظر هؤُلاءِ يعني كفار مكة إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً وهي نفخة القيامة. وقد روي هذا التفسير مرفوعا إلى النبي (عليه السلام) . ما لَها مِنْ فَواقٍ. قال ابن عبّاس وقتادة: من رجوع. الوالبي: يزداد. مجاهد: نظرة. الضحاك: مستوية. وفيه لغتان: (فُواقٍ) بضم الفاء وهي لغة تميم، وقراءة يحيى والأعمش وحمزة والكسائي وخلف. و (فَواقٍ) بالفتح وهي لغة قريش، وقراءة سائر القرّاء واختيار أبي عبيد. قال الكسائي: هما لغتان بمعنى واحد، كما يقال حمام المكوك وحمامه، وقصاص الشعر وقصاصه. وفرّق الآخرون بينهما. قال أبو عبيدة والمؤرخ: بالفتح بمعنى الراحة والإفاقة كالجواب من الإجابة، ذهبا به إلى إفاقة المريض من علته، و (الفواق) بالضم ما بين الحلبتين، وهو أن يحلب الناقة ثم تترك ساعة حتّى يجتمع اللبن فما بين الحلبتين فواق. فاستعير في موضع الانتظار مدة يسيرة. قال رسول الله ﷺ‎: «من رابط فواق ناقة في سبيل الله حرّم الله جسده على النار» [[الجامع الصغير للسيوطي: 2/ 603 ح 8692، كنز العمال: 4/ 307 ح 10634.]] [108] . وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ. قال سعيد بن جبير عن ابن عبّاس: يعني كتابنا. وعنه أيضا: القط الصحيفة التي أحصت كل شيء. قال أبو العالية والكلبي: لمّا نزلت في الحاقة فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ [[سورة الحاقة: 19.]] ، وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ [[سورة الحاقة: 25.]] . قالوا على جهة الاستهزاء: (عَجِّلْ لَنا قِطَّنا) يعنون كتابنا عجّله لنا في الدّنيا. قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ. وقال الحسن وقتادة ومجاهد والسدي: يعني عقوبتنا وما كتب لنا من العذاب. قال عطاء: قاله النضر بن الحرث، وهو قوله: اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ، فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ» وهو الذي قال الله سبحانه سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ [[سورة المعارج: 1.]] قال عطاء: لقد نزلت فيه بضع عشرة آية من كتاب الله عزّ وجلّ. وقال سعيد بن جبير: يعنون حظنا ونصيبنا من الجنّة التي تقول. قال الفراء: القطّ في كلام العرب الحظ، ومنه قيل للصك قطّ [[تفسير القرطبي: 15/ 157، وفتح القدير: 4/ 424.]] . وقال أبو عبيدة والكسائي: القطّ الكتاب بالجوائة. قال الأعشى: ولا الملك النعمان يوم لقيته ... بغبطته يعطي القطوط ويأفق [[الصحاح للجوهري: 3/ 1154.]] يعني كتب الجوائز أيّ بفضل وبعلو، يقال فرس أفق وناقة أفقه إذا كانا كريمين، وفضّلا على غيرهما. وقال مجاهد: قِطَّنا حسابنا، ويقال لكتاب الحساب: قطّ، وأصل الكلمة من الكتابة. فقال الله سبحانه لنبيه (عليه السلام) : اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ ذا القوة في العبادة إِنَّهُ أَوَّابٌ مطيع. عن ابن عبّاس: رجّاع إلى التوبة. عن الضحاك، سعيد بن جبير: هو المسبّح بلغة الحبش [[فتح القدير: 4/ 427، والدر المنثور: 5/ 298.]] . أخبرني الحسين بن محمّد الدينوري قال: حدثنا الفضل بن الفضل الكندي قال: حدثنا أبو العبّاس عبد الله بن جعفر بن أحمد بن [فارس] ببغداد قال: حدثنا أحمد بن عبد الله بن القاسم قال: حدثنا عمرو بن حصين قال: حدثنا الحسين بن عمرو عن أبي بكر الهذلي عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ‎: «الزرقة يمن وكان داود النبي (عليه السلام) أزرق» [[انظر: الجامع الصغير: 2/ 33، وتفسير القرطبي: 6/ 17.]] [109] . إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بتسبيحه. قال ابن عبّاس: وكان يفهم تسبيح الحجر والشجر. بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ. أخبرني ابن فنجويه قال: حدثنا ابن شنبه قال: حدثنا الحسين بن يحيويه قال: حدثنا أبو أميّة محمّد بن إبراهيم قال: حدثنا الحجاج بن نصير قال: حدثنا أبو بكر الهذلي عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عبّاس قال: كنت أمرّ بهذه الآية لا أدري ما العشي والإشراق، حتّى حدثتني أم هاني بنت أبي طالب أن رسول الله (عليه السلام) دخل عليها فدعا بوضوء فتوضأ، ثم صلى الضحى وقال: «يا أم هاني هذه صلاة الإشراق» [110] [[مسند الحميدي: 1/ 160، مسند ابن راهويه: 5/ 19.]] . روى عطاء الخراساني عن ابن عبّاس قال: لم يزل في نفسي [من] صلاة الضحى شيء حتّى طلبتها في القرآن فوجدتها في هذه الآية يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ. قال عكرمة: وكان ابن عبّاس لا يصلي صلاة الضحى ثم صلّى بعدها. وروي أن كعب الأحبار قال لابن عبّاس رضي الله عنهما: إني لأجد في كتاب الله صلاة بعد طلوع الشمس. فقال ابن عبّاس: أنا أوجدك ذلك في كتاب الله في قصة داود يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ وليس الإشراق طلوع الشمس، إنّما هو صفاؤها وضوؤها. وَالطَّيْرَ أيّ وسخّرنا له الطير مَحْشُورَةً مجموعة كُلٌّ لَهُ أيّ لداود أَوَّابٌ مطيع وَشَدَدْنا مُلْكَهُ أيّ قوّيناه. وقرأ الحسن: وشدّدنا بتشديد الدال. قال ابن عبّاس: كان أشد ملوك الأرض سلطانا كان يحرس محرابه كل ليلة ثلاثة وثلاثون ألف رجل، فذلك قوله وَشَدَدْنا مُلْكَهُ بالحرس. وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا محمّد بن خالد بن الحسن قال: حدثنا داود بن سليمان قال: حدثنا عبد بن حميد قال: حدثنا محمّد بن الفضل قال: حدثنا داود بن أبي الفرات عن عليّ بن أحمد عن عكرمة عن ابن عبّاس: أن رجلا من بني إسرائيل استعدى على رجل من عظمائهم، فاجتمعا عند داود النبي فقال المستعدي: ان هذا غصبني بقرتي. فسأل داود الرجل عن ذلك فجحده، وسأل الآخر البيّنة فلم يكن له بيّنة. فقال لهما داود: قوما حتى أنظر في أمركما. فقاما من عنده، فأوحى الله سبحانه إلى داود (عليه السلام) في منامه: أن يقتل الرجل الذي استعدي عليه. فقال: هذه رؤيا ولست أعجل حتّى أتثبت. فأوحى الله سبحانه إليه مرة أخرى أن يقتله. فلم يفعل، فأوحى الله سبحانه وتعالى إليه الثالثة: أن يقتله أو تأتيه العقوبة من الله، فأرسل داود إلى الرجل فقال له: إن الله قد أوحى إليّ أن أقتلك. فقال له الرجل: تقتلني بغير بيّنة ولا ثبت! فقال له داود: نعم، والله لأنفذن أمر الله فيك. فلمّا عرف الرجل أنّه قاتله قال: لا تعجل حتّى أخبرك أني والله ما أخذت بهذا الذنب ولكني كنت اغتلت والد هذا فقتلته، فلذلك أخذت. فأمر به داود فقتل، فاشتدت هيبته في بني إسرائيل عند ذلك لداود، واشتد به ملكه فهو قوله سبحانه: وَشَدَدْنا مُلْكَهُ. وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ يعني النبوة والإصابة في الأمور. وقال أبو العالية: العلم الذي لا تردّه العقول. وَفَصْلَ الْخِطابِ قال ابن عبّاس: بيان الكلام. وقال الحسن والكلبي وابن مسعود ومقاتل وأبو عبد الرحمن السلمي: يعني علم الحكم والبصر بالقضاء، كأن لا يتتعتع في القضاء بين الناس، وهي إحدى الروايات عن ابن عبّاس. وقال علي بن أبي طالب: هو البيّنة على المدّعى واليمين على من أنكر. وأخبرنا أبو حفص عمر بن أحمد بن محمّد بن عمر الجوري قال: أخبرنا أبو بكر بالويه بن محمّد بن بالويه المربتاني بها، قال: حدثنا محمّد بن حفص الحوني قال: حدثنا نصر بن علي الخميصمي قال: أخبرنا أبو أحمد قال: أخبرنا شريك عن الأعمش عن أبي صالح عن كعب في قوله وَفَصْلَ الْخِطابِ قال: الشهود والإيمان. أنبأني عبد الله بن حامد قال: أخبرنا عبد الله بن محمّد قال: حدثنا محمّد بن يحيى قال: حدثنا وهب بن جرير قال: أخبرنا [شعبة] عن الحكم عن شريح في قوله وَفَصْلَ الْخِطابِ قال: الشهود والإيمان. وهو قول مجاهد وعطاء بن أبي رباح. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدثنا عبد الله بن عبد الله بن أبي سمرة البغوي قال: حدثنا أحمد بن محمّد أبي شيبة قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم البغوي قال: حدثنا إسحاق بن يوسف الأزرق عن زكريا يعني ابن أبي زائدة عن [السبيعي] قال: سمعت زيادا يقول: فَصْلَ الْخِطابِ الذي أعطي داود، أما بعد وهو أوّل من قالها. وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ الآية. اختلف العلماء بأخبار الأنبياء في سبب امتحان الله سبحانه نبيّه داود بما امتحنه به من الخطيئة. فقال قوم: كان سبب ذلك أنه تمنى يوما من الأيام على ربّه عزّ وجلّ منزلة آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب (عليهم السلام) وسأله أن يمتحنه نحو الذي كان امتحنهم، ويعطيه من الفضل نحو الذي كان أعطاهم. وروى السدي والكلبي ومقاتل: عن أشياخهم دخل حديث بعضهم في بعض قالوا: كان داود قد قسّم الدهر ثلاثة أيام: يوما يقضي فيه بين الناس، ويوما يخلوا فيه لعبادة ربّه، ويوما يخلوا فيه لنسائه وأشغاله. وكان يجد فيما يقرأ من الكتب فضل إبراهيم وإسحاق ويعقوب فقال: يا رب أرى الخير كله قد ذهب به آبائي الذين كانوا قبلي. فأوحى الله عزّ وجلّ إليه: أنهم ابتلوا ببلاء ما لم تبتل بشيء من ذلك فصبروا عليها. ابتلى إبراهيم بنمرود وبذبح ابنه، وابتلى إسحاق بالذبح وبذهاب بصره، وابتلى يعقوب بالحزن على يوسف. وأنك لم تبتل بشيء من ذلك. فقال داود: ربّ فابتلني بمثل ما ابتليتهم وأعطني مثل ما أعطيتهم. فأوحى الله سبحانه إليه: أنك مبتلى في شهر كذا في يوم كذا واحترس. فلمّا كان ذلك اليوم الذي وعده الله تعالى، دخل داود محرابه وأغلق بابه وجعل يصلي ويقرأ الزبور، فبينا هو كذلك إذ جاءه الشيطان قد تمثل في صورة حمامة من ذهب فيها من كل لون حسن، فوقعت بين رجليه، فمدّ يده ليأخذها ويدفعها إلى ابن صغير له، فلما أهوى إليها طارت غير بعيد، من غير أن تؤيسه من نفسها فامتد إليها ليأخذها فتنحت، فتبعها فطارت حتّى وقعت في كوة، فذهب ليأخذها فطارت من الكوة، فنظر داود أين تقع، فبعث إليها من يصيدها، فأبصر امرأة في بستان على شط بركة لها تغتسل، هذا قول الكلبي. وقال السدي: رآها تغتسل على سطح لها، فرأى امرأة من أجمل النساء خلقا، فتعجب داود من حسنها وحانت منها التفاتة وأبصرت ظله، فنفضت شعرها فغطى بدنها، فزاده ذلك إعجابا بها فسأل عنها. فقيل: هي تشايع بنت شايع امرأة أوريا بن حنانا، وزوجها في غزاة بالبلقاء مع أيوب بن صوريا ابن أخت داود. فكتب داود إلى ابن أخته أيوب صاحب بعث البلقاء: أن ابعث أوريا إلى موضع كذا وقدّمه قبل التابوت وكان من قدّم على التابوت لا يحل له أن يرجع وراءه حتّى يفتح الله سبحانه على يديه أو يستشهد، فبعثه وقدّمه ففتح له، فكتب إلى داود بذلك، فكتب إليه أيضا: أن ابعثه إلى عدو كذا وكذا. فبعثه ففتح له، فكتب إلى داود بذلك، فكتب إليه أيضا: أن ابعثه إلى عدو كذا أشدّ منه بأسا. فبعثه فقتل في المرة الثالثة، فلمّا انقضت عدّة المرأة تزوّجها داود فهي أم سليمان [[هذه القصة الخرافة التي يجل الله عنها أولياءه فضلا عن أنبيائه، وردت في تفسير الطبري: 23/ 175، وتاريخ الطبري: 1/ 338، ومستدرك الحاكم: 2/ 586.]] . وقال آخرون: سبب امتحانه أن نفسه حدثته أنّه يطيق قطع يوم بغير مقارفة. وهو ما أخبرنا شعيب بن محمّد قال: أخبرنا مكي بن عبدان قال: حدثنا أحمد بن الأزهر قال: حدثنا روح بن عبادة قال: حدثنا سعيد عن مطر عن الحسن قال: إن داود جزّأ الدهر أربعة أجزاء: يوما لنسائه، ويوما للعبادة، ويوما للقضاء بين بني إسرائيل، ويوما لبني إسرائيل يذاكرهم ويذاكرونه ويبكيهم ويبكونه. قال: فلما كان يوم بني إسرائيل ذكروا فقالوا: هل يأتي على الإنسان يوم لا يصيب فيه ذنبا؟ فأضمر داود في نفسه أنه سيطبق ذلك، فلما كان يوم عبادته غلق أبوابه وأمر أن لا يدخل عليه أحد، وأكبّ على قراءة التوراة، فبينما هو يقرأ إذ حمامة من ذهب فيها من كل لون حسن قد وقعت بين يديه، فأهوى إليها ليأخذها، فطارت فوقعت غير بعيد من غير أن تؤيسه من نفسها، فما زال يتبعها حتّى أشرف على امرأة تغتسل فأعجبه خلقها وحسنها، فلمّا رأت ظله في الأرض جللت نفسها بشعرها، فزاده ذلك بها إعجابا، وكان قد بعث زوجها على بعض جيوشه، فكتب إليه أن أسر إلى مكان كذا وكذا مكانا، إذا سار إليه قتل ولم يرجع ففعل فأصيب، فخطبها داود فتزوجها [[تفسير الطبري: 23/ 176، تفسير القرآن للصنعاني: 3/ 161.]] . وقال بعضهم: في سبب ذلك ما أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن محمّد قال: حدثنا مخلد ابن جعفر الباقرجي قال: حدثنا الحسين بن علوية قال: حدثنا إسماعيل قال: حدثنا إسحاق قال: حدثنا سعيد بن بشير عن قتادة عن الحسن قال: قال داود لبني إسرائيل حين ملك: والله لأعدلن بينكم، فلم يستثن فابتلي به [[زاد المسير: 6/ 326.]] . وقال أبو بكر محمّد بن عمر الوراق: كان سبب ذلك أن داود (عليه السلام) كان كثير العبادة فأعجب بعلمه فقال: هل في الأرض أحد يعمل عملي؟ فأتاه جبرئيل فقال: ان الله عزّ وجلّ يقول: أعجبت بعبادتك والعجب يأكل العبادة، فإن أعجبت ثانيا وكلتك إلى نفسك. قال: يا رب كلني إلى نفسي سنة. قال إنها لكثيرة. قال: فساعة. قال: شأنك بها. فوكل الأحراس ولبس الصوف ودخل المحراب ووضع الزبور بين يديه، فبينا هو في نسكه وعبادته إذ وقع الطائر بين يديه وكان من أمر المرأة ما كان. قالوا: فلمّا دخل داود بامرأة أوريا لم تلبث إلّا يسيرا حتّى بعث الله سبحانه ملكين في صورة إنسيين فطلبا أن يدخلا عليه، فوجداه في يوم عبادته فمنعهما الحرس أن يدخلا عليه، فتسورا المحراب عليه، فما شعر وهو يصلي إلّا وهو بهما بين يديه جالسين [[تفسير الطبري: 23/ 175.]] ، فذلك قوله: وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا وإنّما جعلوا جمع الفعل، لأن الخصم اسم يصلح للواحد والجميع والإثنين والمذكر والمؤنث. قال لبيد: وخصم يعدون الدخول كأنهم ... قروم غيارى كل أزهر مصعب [[لسان العرب: 12/ 180.]] وقال آخر: وخصم عضاب ينفضون لحاهم ... كنفض البراذين العراب المخاليا [[فتح القدير: 4/ 425.]] وإنّما جمع وهما اثنان، لأن معنى الجمع ضم شيء إلى شيء فالاثنان فما فوقهما جماعة، كقوله عزّ وجلّ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما [[سورة التحريم: 4.]] .

ص 38:13

بَلْ لَمَّا أي لم يَذُوقُوا عَذابِ ولو ذاقوه لما قالوا هذا القول أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ نعمة رَبِّكَ يعني مفاتيح النبوة، نظيرها في الزخرف أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ [[سورة الزخرف: 32.]] أي نبوة ربك الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ أي فليصعدوا في الجبال إلى السماوات، فليأتوا منها بالوحي إلى من يختارون ويشاؤن، وهذا أمر توبيخ وتعجيز. وقال الضحاك ومجاهد وقتادة: أراد بالأسباب: أبواب السماء وطرقها. جُنْدٌ أي هم جند ما هُنالِكَ أي هنالك و (ما) صلة مَهْزُومٌ مغلوب، ممنوع عن الصعود إلى السماء مِنَ الْأَحْزابِ أي من جملة الأجناد. وقال أكثر المفسرين: يعني أن هؤلاء الملأ الذين يقولون هذا القول، جند مهزوم مقهور وأنت عليهم مظفر منصور. قال قتادة: وعده الله عزّ وجلّ بمكة أنّه سيهزمهم، فجاء تأويلها يوم بدر من الأحزاب، أيّ كالقرون الماضية الذين قهروا وأهلكوا، ثم قال معزّا لنبيه ﷺ‎ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتادِ قال ابن عبّاس: ذو البناء المحكم. وقال القتيبي: والعرب تقول: هم في عز ثابت الأوتاد، وملك ثابت الأوتاد. يريدون أنّه دائم شديد، وأصل هذا أن البيت من بيوتهم بأوتاده. قال الأسود بن يعفر: في ظل ملك ثابت الأوتاد. وقال الضحاك: ذو القوة والبطش. وقال الحلبي ومقاتل: كان يعذب الناس بالأوتاد، وكان إذا غضب على أحمد مدّه مستلقيا بين أربعة أوتاد كل رجل منه إلى سارية وكل يد منه إلى سارية، فيتركه كذلك في الهواء بين السماء والأرض حتّى يموت. وقال مقاتل بن حيان: كان يمد الرجل مستلقيا على الأرض ثم يشده بالأوتاد. وقال السدي: كان يمد الرجل ويشده بالأوتاد ويرسل عليه العقارب والحيّات. وقال قتادة وعطاء: كانت له أوتاد وأرسال وملاعب يلعب عليها بين يديه. وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ أُولئِكَ الْأَحْزابُ إِنْ كُلٌّ ما كل منهم إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ فوجب عليهم ونزل بهم عذابي وَما يَنْظُرُ ينتظر هؤُلاءِ يعني كفار مكة إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً وهي نفخة القيامة. وقد روي هذا التفسير مرفوعا إلى النبي (عليه السلام) . ما لَها مِنْ فَواقٍ. قال ابن عبّاس وقتادة: من رجوع. الوالبي: يزداد. مجاهد: نظرة. الضحاك: مستوية. وفيه لغتان: (فُواقٍ) بضم الفاء وهي لغة تميم، وقراءة يحيى والأعمش وحمزة والكسائي وخلف. و (فَواقٍ) بالفتح وهي لغة قريش، وقراءة سائر القرّاء واختيار أبي عبيد. قال الكسائي: هما لغتان بمعنى واحد، كما يقال حمام المكوك وحمامه، وقصاص الشعر وقصاصه. وفرّق الآخرون بينهما. قال أبو عبيدة والمؤرخ: بالفتح بمعنى الراحة والإفاقة كالجواب من الإجابة، ذهبا به إلى إفاقة المريض من علته، و (الفواق) بالضم ما بين الحلبتين، وهو أن يحلب الناقة ثم تترك ساعة حتّى يجتمع اللبن فما بين الحلبتين فواق. فاستعير في موضع الانتظار مدة يسيرة. قال رسول الله ﷺ‎: «من رابط فواق ناقة في سبيل الله حرّم الله جسده على النار» [[الجامع الصغير للسيوطي: 2/ 603 ح 8692، كنز العمال: 4/ 307 ح 10634.]] [108] . وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ. قال سعيد بن جبير عن ابن عبّاس: يعني كتابنا. وعنه أيضا: القط الصحيفة التي أحصت كل شيء. قال أبو العالية والكلبي: لمّا نزلت في الحاقة فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ [[سورة الحاقة: 19.]] ، وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ [[سورة الحاقة: 25.]] . قالوا على جهة الاستهزاء: (عَجِّلْ لَنا قِطَّنا) يعنون كتابنا عجّله لنا في الدّنيا. قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ. وقال الحسن وقتادة ومجاهد والسدي: يعني عقوبتنا وما كتب لنا من العذاب. قال عطاء: قاله النضر بن الحرث، وهو قوله: اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ، فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ» وهو الذي قال الله سبحانه سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ [[سورة المعارج: 1.]] قال عطاء: لقد نزلت فيه بضع عشرة آية من كتاب الله عزّ وجلّ. وقال سعيد بن جبير: يعنون حظنا ونصيبنا من الجنّة التي تقول. قال الفراء: القطّ في كلام العرب الحظ، ومنه قيل للصك قطّ [[تفسير القرطبي: 15/ 157، وفتح القدير: 4/ 424.]] . وقال أبو عبيدة والكسائي: القطّ الكتاب بالجوائة. قال الأعشى: ولا الملك النعمان يوم لقيته ... بغبطته يعطي القطوط ويأفق [[الصحاح للجوهري: 3/ 1154.]] يعني كتب الجوائز أيّ بفضل وبعلو، يقال فرس أفق وناقة أفقه إذا كانا كريمين، وفضّلا على غيرهما. وقال مجاهد: قِطَّنا حسابنا، ويقال لكتاب الحساب: قطّ، وأصل الكلمة من الكتابة. فقال الله سبحانه لنبيه (عليه السلام) : اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ ذا القوة في العبادة إِنَّهُ أَوَّابٌ مطيع. عن ابن عبّاس: رجّاع إلى التوبة. عن الضحاك، سعيد بن جبير: هو المسبّح بلغة الحبش [[فتح القدير: 4/ 427، والدر المنثور: 5/ 298.]] . أخبرني الحسين بن محمّد الدينوري قال: حدثنا الفضل بن الفضل الكندي قال: حدثنا أبو العبّاس عبد الله بن جعفر بن أحمد بن [فارس] ببغداد قال: حدثنا أحمد بن عبد الله بن القاسم قال: حدثنا عمرو بن حصين قال: حدثنا الحسين بن عمرو عن أبي بكر الهذلي عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ‎: «الزرقة يمن وكان داود النبي (عليه السلام) أزرق» [[انظر: الجامع الصغير: 2/ 33، وتفسير القرطبي: 6/ 17.]] [109] . إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بتسبيحه. قال ابن عبّاس: وكان يفهم تسبيح الحجر والشجر. بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ. أخبرني ابن فنجويه قال: حدثنا ابن شنبه قال: حدثنا الحسين بن يحيويه قال: حدثنا أبو أميّة محمّد بن إبراهيم قال: حدثنا الحجاج بن نصير قال: حدثنا أبو بكر الهذلي عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عبّاس قال: كنت أمرّ بهذه الآية لا أدري ما العشي والإشراق، حتّى حدثتني أم هاني بنت أبي طالب أن رسول الله (عليه السلام) دخل عليها فدعا بوضوء فتوضأ، ثم صلى الضحى وقال: «يا أم هاني هذه صلاة الإشراق» [110] [[مسند الحميدي: 1/ 160، مسند ابن راهويه: 5/ 19.]] . روى عطاء الخراساني عن ابن عبّاس قال: لم يزل في نفسي [من] صلاة الضحى شيء حتّى طلبتها في القرآن فوجدتها في هذه الآية يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ. قال عكرمة: وكان ابن عبّاس لا يصلي صلاة الضحى ثم صلّى بعدها. وروي أن كعب الأحبار قال لابن عبّاس رضي الله عنهما: إني لأجد في كتاب الله صلاة بعد طلوع الشمس. فقال ابن عبّاس: أنا أوجدك ذلك في كتاب الله في قصة داود يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ وليس الإشراق طلوع الشمس، إنّما هو صفاؤها وضوؤها. وَالطَّيْرَ أيّ وسخّرنا له الطير مَحْشُورَةً مجموعة كُلٌّ لَهُ أيّ لداود أَوَّابٌ مطيع وَشَدَدْنا مُلْكَهُ أيّ قوّيناه. وقرأ الحسن: وشدّدنا بتشديد الدال. قال ابن عبّاس: كان أشد ملوك الأرض سلطانا كان يحرس محرابه كل ليلة ثلاثة وثلاثون ألف رجل، فذلك قوله وَشَدَدْنا مُلْكَهُ بالحرس. وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا محمّد بن خالد بن الحسن قال: حدثنا داود بن سليمان قال: حدثنا عبد بن حميد قال: حدثنا محمّد بن الفضل قال: حدثنا داود بن أبي الفرات عن عليّ بن أحمد عن عكرمة عن ابن عبّاس: أن رجلا من بني إسرائيل استعدى على رجل من عظمائهم، فاجتمعا عند داود النبي فقال المستعدي: ان هذا غصبني بقرتي. فسأل داود الرجل عن ذلك فجحده، وسأل الآخر البيّنة فلم يكن له بيّنة. فقال لهما داود: قوما حتى أنظر في أمركما. فقاما من عنده، فأوحى الله سبحانه إلى داود (عليه السلام) في منامه: أن يقتل الرجل الذي استعدي عليه. فقال: هذه رؤيا ولست أعجل حتّى أتثبت. فأوحى الله سبحانه إليه مرة أخرى أن يقتله. فلم يفعل، فأوحى الله سبحانه وتعالى إليه الثالثة: أن يقتله أو تأتيه العقوبة من الله، فأرسل داود إلى الرجل فقال له: إن الله قد أوحى إليّ أن أقتلك. فقال له الرجل: تقتلني بغير بيّنة ولا ثبت! فقال له داود: نعم، والله لأنفذن أمر الله فيك. فلمّا عرف الرجل أنّه قاتله قال: لا تعجل حتّى أخبرك أني والله ما أخذت بهذا الذنب ولكني كنت اغتلت والد هذا فقتلته، فلذلك أخذت. فأمر به داود فقتل، فاشتدت هيبته في بني إسرائيل عند ذلك لداود، واشتد به ملكه فهو قوله سبحانه: وَشَدَدْنا مُلْكَهُ. وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ يعني النبوة والإصابة في الأمور. وقال أبو العالية: العلم الذي لا تردّه العقول. وَفَصْلَ الْخِطابِ قال ابن عبّاس: بيان الكلام. وقال الحسن والكلبي وابن مسعود ومقاتل وأبو عبد الرحمن السلمي: يعني علم الحكم والبصر بالقضاء، كأن لا يتتعتع في القضاء بين الناس، وهي إحدى الروايات عن ابن عبّاس. وقال علي بن أبي طالب: هو البيّنة على المدّعى واليمين على من أنكر. وأخبرنا أبو حفص عمر بن أحمد بن محمّد بن عمر الجوري قال: أخبرنا أبو بكر بالويه بن محمّد بن بالويه المربتاني بها، قال: حدثنا محمّد بن حفص الحوني قال: حدثنا نصر بن علي الخميصمي قال: أخبرنا أبو أحمد قال: أخبرنا شريك عن الأعمش عن أبي صالح عن كعب في قوله وَفَصْلَ الْخِطابِ قال: الشهود والإيمان. أنبأني عبد الله بن حامد قال: أخبرنا عبد الله بن محمّد قال: حدثنا محمّد بن يحيى قال: حدثنا وهب بن جرير قال: أخبرنا [شعبة] عن الحكم عن شريح في قوله وَفَصْلَ الْخِطابِ قال: الشهود والإيمان. وهو قول مجاهد وعطاء بن أبي رباح. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدثنا عبد الله بن عبد الله بن أبي سمرة البغوي قال: حدثنا أحمد بن محمّد أبي شيبة قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم البغوي قال: حدثنا إسحاق بن يوسف الأزرق عن زكريا يعني ابن أبي زائدة عن [السبيعي] قال: سمعت زيادا يقول: فَصْلَ الْخِطابِ الذي أعطي داود، أما بعد وهو أوّل من قالها. وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ الآية. اختلف العلماء بأخبار الأنبياء في سبب امتحان الله سبحانه نبيّه داود بما امتحنه به من الخطيئة. فقال قوم: كان سبب ذلك أنه تمنى يوما من الأيام على ربّه عزّ وجلّ منزلة آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب (عليهم السلام) وسأله أن يمتحنه نحو الذي كان امتحنهم، ويعطيه من الفضل نحو الذي كان أعطاهم. وروى السدي والكلبي ومقاتل: عن أشياخهم دخل حديث بعضهم في بعض قالوا: كان داود قد قسّم الدهر ثلاثة أيام: يوما يقضي فيه بين الناس، ويوما يخلوا فيه لعبادة ربّه، ويوما يخلوا فيه لنسائه وأشغاله. وكان يجد فيما يقرأ من الكتب فضل إبراهيم وإسحاق ويعقوب فقال: يا رب أرى الخير كله قد ذهب به آبائي الذين كانوا قبلي. فأوحى الله عزّ وجلّ إليه: أنهم ابتلوا ببلاء ما لم تبتل بشيء من ذلك فصبروا عليها. ابتلى إبراهيم بنمرود وبذبح ابنه، وابتلى إسحاق بالذبح وبذهاب بصره، وابتلى يعقوب بالحزن على يوسف. وأنك لم تبتل بشيء من ذلك. فقال داود: ربّ فابتلني بمثل ما ابتليتهم وأعطني مثل ما أعطيتهم. فأوحى الله سبحانه إليه: أنك مبتلى في شهر كذا في يوم كذا واحترس. فلمّا كان ذلك اليوم الذي وعده الله تعالى، دخل داود محرابه وأغلق بابه وجعل يصلي ويقرأ الزبور، فبينا هو كذلك إذ جاءه الشيطان قد تمثل في صورة حمامة من ذهب فيها من كل لون حسن، فوقعت بين رجليه، فمدّ يده ليأخذها ويدفعها إلى ابن صغير له، فلما أهوى إليها طارت غير بعيد، من غير أن تؤيسه من نفسها فامتد إليها ليأخذها فتنحت، فتبعها فطارت حتّى وقعت في كوة، فذهب ليأخذها فطارت من الكوة، فنظر داود أين تقع، فبعث إليها من يصيدها، فأبصر امرأة في بستان على شط بركة لها تغتسل، هذا قول الكلبي. وقال السدي: رآها تغتسل على سطح لها، فرأى امرأة من أجمل النساء خلقا، فتعجب داود من حسنها وحانت منها التفاتة وأبصرت ظله، فنفضت شعرها فغطى بدنها، فزاده ذلك إعجابا بها فسأل عنها. فقيل: هي تشايع بنت شايع امرأة أوريا بن حنانا، وزوجها في غزاة بالبلقاء مع أيوب بن صوريا ابن أخت داود. فكتب داود إلى ابن أخته أيوب صاحب بعث البلقاء: أن ابعث أوريا إلى موضع كذا وقدّمه قبل التابوت وكان من قدّم على التابوت لا يحل له أن يرجع وراءه حتّى يفتح الله سبحانه على يديه أو يستشهد، فبعثه وقدّمه ففتح له، فكتب إلى داود بذلك، فكتب إليه أيضا: أن ابعثه إلى عدو كذا وكذا. فبعثه ففتح له، فكتب إلى داود بذلك، فكتب إليه أيضا: أن ابعثه إلى عدو كذا أشدّ منه بأسا. فبعثه فقتل في المرة الثالثة، فلمّا انقضت عدّة المرأة تزوّجها داود فهي أم سليمان [[هذه القصة الخرافة التي يجل الله عنها أولياءه فضلا عن أنبيائه، وردت في تفسير الطبري: 23/ 175، وتاريخ الطبري: 1/ 338، ومستدرك الحاكم: 2/ 586.]] . وقال آخرون: سبب امتحانه أن نفسه حدثته أنّه يطيق قطع يوم بغير مقارفة. وهو ما أخبرنا شعيب بن محمّد قال: أخبرنا مكي بن عبدان قال: حدثنا أحمد بن الأزهر قال: حدثنا روح بن عبادة قال: حدثنا سعيد عن مطر عن الحسن قال: إن داود جزّأ الدهر أربعة أجزاء: يوما لنسائه، ويوما للعبادة، ويوما للقضاء بين بني إسرائيل، ويوما لبني إسرائيل يذاكرهم ويذاكرونه ويبكيهم ويبكونه. قال: فلما كان يوم بني إسرائيل ذكروا فقالوا: هل يأتي على الإنسان يوم لا يصيب فيه ذنبا؟ فأضمر داود في نفسه أنه سيطبق ذلك، فلما كان يوم عبادته غلق أبوابه وأمر أن لا يدخل عليه أحد، وأكبّ على قراءة التوراة، فبينما هو يقرأ إذ حمامة من ذهب فيها من كل لون حسن قد وقعت بين يديه، فأهوى إليها ليأخذها، فطارت فوقعت غير بعيد من غير أن تؤيسه من نفسها، فما زال يتبعها حتّى أشرف على امرأة تغتسل فأعجبه خلقها وحسنها، فلمّا رأت ظله في الأرض جللت نفسها بشعرها، فزاده ذلك بها إعجابا، وكان قد بعث زوجها على بعض جيوشه، فكتب إليه أن أسر إلى مكان كذا وكذا مكانا، إذا سار إليه قتل ولم يرجع ففعل فأصيب، فخطبها داود فتزوجها [[تفسير الطبري: 23/ 176، تفسير القرآن للصنعاني: 3/ 161.]] . وقال بعضهم: في سبب ذلك ما أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن محمّد قال: حدثنا مخلد ابن جعفر الباقرجي قال: حدثنا الحسين بن علوية قال: حدثنا إسماعيل قال: حدثنا إسحاق قال: حدثنا سعيد بن بشير عن قتادة عن الحسن قال: قال داود لبني إسرائيل حين ملك: والله لأعدلن بينكم، فلم يستثن فابتلي به [[زاد المسير: 6/ 326.]] . وقال أبو بكر محمّد بن عمر الوراق: كان سبب ذلك أن داود (عليه السلام) كان كثير العبادة فأعجب بعلمه فقال: هل في الأرض أحد يعمل عملي؟ فأتاه جبرئيل فقال: ان الله عزّ وجلّ يقول: أعجبت بعبادتك والعجب يأكل العبادة، فإن أعجبت ثانيا وكلتك إلى نفسك. قال: يا رب كلني إلى نفسي سنة. قال إنها لكثيرة. قال: فساعة. قال: شأنك بها. فوكل الأحراس ولبس الصوف ودخل المحراب ووضع الزبور بين يديه، فبينا هو في نسكه وعبادته إذ وقع الطائر بين يديه وكان من أمر المرأة ما كان. قالوا: فلمّا دخل داود بامرأة أوريا لم تلبث إلّا يسيرا حتّى بعث الله سبحانه ملكين في صورة إنسيين فطلبا أن يدخلا عليه، فوجداه في يوم عبادته فمنعهما الحرس أن يدخلا عليه، فتسورا المحراب عليه، فما شعر وهو يصلي إلّا وهو بهما بين يديه جالسين [[تفسير الطبري: 23/ 175.]] ، فذلك قوله: وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا وإنّما جعلوا جمع الفعل، لأن الخصم اسم يصلح للواحد والجميع والإثنين والمذكر والمؤنث. قال لبيد: وخصم يعدون الدخول كأنهم ... قروم غيارى كل أزهر مصعب [[لسان العرب: 12/ 180.]] وقال آخر: وخصم عضاب ينفضون لحاهم ... كنفض البراذين العراب المخاليا [[فتح القدير: 4/ 425.]] وإنّما جمع وهما اثنان، لأن معنى الجمع ضم شيء إلى شيء فالاثنان فما فوقهما جماعة، كقوله عزّ وجلّ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما [[سورة التحريم: 4.]] .

ص 38:14

بَلْ لَمَّا أي لم يَذُوقُوا عَذابِ ولو ذاقوه لما قالوا هذا القول أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ نعمة رَبِّكَ يعني مفاتيح النبوة، نظيرها في الزخرف أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ [[سورة الزخرف: 32.]] أي نبوة ربك الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ أي فليصعدوا في الجبال إلى السماوات، فليأتوا منها بالوحي إلى من يختارون ويشاؤن، وهذا أمر توبيخ وتعجيز. وقال الضحاك ومجاهد وقتادة: أراد بالأسباب: أبواب السماء وطرقها. جُنْدٌ أي هم جند ما هُنالِكَ أي هنالك و (ما) صلة مَهْزُومٌ مغلوب، ممنوع عن الصعود إلى السماء مِنَ الْأَحْزابِ أي من جملة الأجناد. وقال أكثر المفسرين: يعني أن هؤلاء الملأ الذين يقولون هذا القول، جند مهزوم مقهور وأنت عليهم مظفر منصور. قال قتادة: وعده الله عزّ وجلّ بمكة أنّه سيهزمهم، فجاء تأويلها يوم بدر من الأحزاب، أيّ كالقرون الماضية الذين قهروا وأهلكوا، ثم قال معزّا لنبيه ﷺ‎ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتادِ قال ابن عبّاس: ذو البناء المحكم. وقال القتيبي: والعرب تقول: هم في عز ثابت الأوتاد، وملك ثابت الأوتاد. يريدون أنّه دائم شديد، وأصل هذا أن البيت من بيوتهم بأوتاده. قال الأسود بن يعفر: في ظل ملك ثابت الأوتاد. وقال الضحاك: ذو القوة والبطش. وقال الحلبي ومقاتل: كان يعذب الناس بالأوتاد، وكان إذا غضب على أحمد مدّه مستلقيا بين أربعة أوتاد كل رجل منه إلى سارية وكل يد منه إلى سارية، فيتركه كذلك في الهواء بين السماء والأرض حتّى يموت. وقال مقاتل بن حيان: كان يمد الرجل مستلقيا على الأرض ثم يشده بالأوتاد. وقال السدي: كان يمد الرجل ويشده بالأوتاد ويرسل عليه العقارب والحيّات. وقال قتادة وعطاء: كانت له أوتاد وأرسال وملاعب يلعب عليها بين يديه. وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ أُولئِكَ الْأَحْزابُ إِنْ كُلٌّ ما كل منهم إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ فوجب عليهم ونزل بهم عذابي وَما يَنْظُرُ ينتظر هؤُلاءِ يعني كفار مكة إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً وهي نفخة القيامة. وقد روي هذا التفسير مرفوعا إلى النبي (عليه السلام) . ما لَها مِنْ فَواقٍ. قال ابن عبّاس وقتادة: من رجوع. الوالبي: يزداد. مجاهد: نظرة. الضحاك: مستوية. وفيه لغتان: (فُواقٍ) بضم الفاء وهي لغة تميم، وقراءة يحيى والأعمش وحمزة والكسائي وخلف. و (فَواقٍ) بالفتح وهي لغة قريش، وقراءة سائر القرّاء واختيار أبي عبيد. قال الكسائي: هما لغتان بمعنى واحد، كما يقال حمام المكوك وحمامه، وقصاص الشعر وقصاصه. وفرّق الآخرون بينهما. قال أبو عبيدة والمؤرخ: بالفتح بمعنى الراحة والإفاقة كالجواب من الإجابة، ذهبا به إلى إفاقة المريض من علته، و (الفواق) بالضم ما بين الحلبتين، وهو أن يحلب الناقة ثم تترك ساعة حتّى يجتمع اللبن فما بين الحلبتين فواق. فاستعير في موضع الانتظار مدة يسيرة. قال رسول الله ﷺ‎: «من رابط فواق ناقة في سبيل الله حرّم الله جسده على النار» [[الجامع الصغير للسيوطي: 2/ 603 ح 8692، كنز العمال: 4/ 307 ح 10634.]] [108] . وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ. قال سعيد بن جبير عن ابن عبّاس: يعني كتابنا. وعنه أيضا: القط الصحيفة التي أحصت كل شيء. قال أبو العالية والكلبي: لمّا نزلت في الحاقة فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ [[سورة الحاقة: 19.]] ، وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ [[سورة الحاقة: 25.]] . قالوا على جهة الاستهزاء: (عَجِّلْ لَنا قِطَّنا) يعنون كتابنا عجّله لنا في الدّنيا. قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ. وقال الحسن وقتادة ومجاهد والسدي: يعني عقوبتنا وما كتب لنا من العذاب. قال عطاء: قاله النضر بن الحرث، وهو قوله: اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ، فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ» وهو الذي قال الله سبحانه سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ [[سورة المعارج: 1.]] قال عطاء: لقد نزلت فيه بضع عشرة آية من كتاب الله عزّ وجلّ. وقال سعيد بن جبير: يعنون حظنا ونصيبنا من الجنّة التي تقول. قال الفراء: القطّ في كلام العرب الحظ، ومنه قيل للصك قطّ [[تفسير القرطبي: 15/ 157، وفتح القدير: 4/ 424.]] . وقال أبو عبيدة والكسائي: القطّ الكتاب بالجوائة. قال الأعشى: ولا الملك النعمان يوم لقيته ... بغبطته يعطي القطوط ويأفق [[الصحاح للجوهري: 3/ 1154.]] يعني كتب الجوائز أيّ بفضل وبعلو، يقال فرس أفق وناقة أفقه إذا كانا كريمين، وفضّلا على غيرهما. وقال مجاهد: قِطَّنا حسابنا، ويقال لكتاب الحساب: قطّ، وأصل الكلمة من الكتابة. فقال الله سبحانه لنبيه (عليه السلام) : اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ ذا القوة في العبادة إِنَّهُ أَوَّابٌ مطيع. عن ابن عبّاس: رجّاع إلى التوبة. عن الضحاك، سعيد بن جبير: هو المسبّح بلغة الحبش [[فتح القدير: 4/ 427، والدر المنثور: 5/ 298.]] . أخبرني الحسين بن محمّد الدينوري قال: حدثنا الفضل بن الفضل الكندي قال: حدثنا أبو العبّاس عبد الله بن جعفر بن أحمد بن [فارس] ببغداد قال: حدثنا أحمد بن عبد الله بن القاسم قال: حدثنا عمرو بن حصين قال: حدثنا الحسين بن عمرو عن أبي بكر الهذلي عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ‎: «الزرقة يمن وكان داود النبي (عليه السلام) أزرق» [[انظر: الجامع الصغير: 2/ 33، وتفسير القرطبي: 6/ 17.]] [109] . إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بتسبيحه. قال ابن عبّاس: وكان يفهم تسبيح الحجر والشجر. بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ. أخبرني ابن فنجويه قال: حدثنا ابن شنبه قال: حدثنا الحسين بن يحيويه قال: حدثنا أبو أميّة محمّد بن إبراهيم قال: حدثنا الحجاج بن نصير قال: حدثنا أبو بكر الهذلي عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عبّاس قال: كنت أمرّ بهذه الآية لا أدري ما العشي والإشراق، حتّى حدثتني أم هاني بنت أبي طالب أن رسول الله (عليه السلام) دخل عليها فدعا بوضوء فتوضأ، ثم صلى الضحى وقال: «يا أم هاني هذه صلاة الإشراق» [110] [[مسند الحميدي: 1/ 160، مسند ابن راهويه: 5/ 19.]] . روى عطاء الخراساني عن ابن عبّاس قال: لم يزل في نفسي [من] صلاة الضحى شيء حتّى طلبتها في القرآن فوجدتها في هذه الآية يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ. قال عكرمة: وكان ابن عبّاس لا يصلي صلاة الضحى ثم صلّى بعدها. وروي أن كعب الأحبار قال لابن عبّاس رضي الله عنهما: إني لأجد في كتاب الله صلاة بعد طلوع الشمس. فقال ابن عبّاس: أنا أوجدك ذلك في كتاب الله في قصة داود يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ وليس الإشراق طلوع الشمس، إنّما هو صفاؤها وضوؤها. وَالطَّيْرَ أيّ وسخّرنا له الطير مَحْشُورَةً مجموعة كُلٌّ لَهُ أيّ لداود أَوَّابٌ مطيع وَشَدَدْنا مُلْكَهُ أيّ قوّيناه. وقرأ الحسن: وشدّدنا بتشديد الدال. قال ابن عبّاس: كان أشد ملوك الأرض سلطانا كان يحرس محرابه كل ليلة ثلاثة وثلاثون ألف رجل، فذلك قوله وَشَدَدْنا مُلْكَهُ بالحرس. وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا محمّد بن خالد بن الحسن قال: حدثنا داود بن سليمان قال: حدثنا عبد بن حميد قال: حدثنا محمّد بن الفضل قال: حدثنا داود بن أبي الفرات عن عليّ بن أحمد عن عكرمة عن ابن عبّاس: أن رجلا من بني إسرائيل استعدى على رجل من عظمائهم، فاجتمعا عند داود النبي فقال المستعدي: ان هذا غصبني بقرتي. فسأل داود الرجل عن ذلك فجحده، وسأل الآخر البيّنة فلم يكن له بيّنة. فقال لهما داود: قوما حتى أنظر في أمركما. فقاما من عنده، فأوحى الله سبحانه إلى داود (عليه السلام) في منامه: أن يقتل الرجل الذي استعدي عليه. فقال: هذه رؤيا ولست أعجل حتّى أتثبت. فأوحى الله سبحانه إليه مرة أخرى أن يقتله. فلم يفعل، فأوحى الله سبحانه وتعالى إليه الثالثة: أن يقتله أو تأتيه العقوبة من الله، فأرسل داود إلى الرجل فقال له: إن الله قد أوحى إليّ أن أقتلك. فقال له الرجل: تقتلني بغير بيّنة ولا ثبت! فقال له داود: نعم، والله لأنفذن أمر الله فيك. فلمّا عرف الرجل أنّه قاتله قال: لا تعجل حتّى أخبرك أني والله ما أخذت بهذا الذنب ولكني كنت اغتلت والد هذا فقتلته، فلذلك أخذت. فأمر به داود فقتل، فاشتدت هيبته في بني إسرائيل عند ذلك لداود، واشتد به ملكه فهو قوله سبحانه: وَشَدَدْنا مُلْكَهُ. وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ يعني النبوة والإصابة في الأمور. وقال أبو العالية: العلم الذي لا تردّه العقول. وَفَصْلَ الْخِطابِ قال ابن عبّاس: بيان الكلام. وقال الحسن والكلبي وابن مسعود ومقاتل وأبو عبد الرحمن السلمي: يعني علم الحكم والبصر بالقضاء، كأن لا يتتعتع في القضاء بين الناس، وهي إحدى الروايات عن ابن عبّاس. وقال علي بن أبي طالب: هو البيّنة على المدّعى واليمين على من أنكر. وأخبرنا أبو حفص عمر بن أحمد بن محمّد بن عمر الجوري قال: أخبرنا أبو بكر بالويه بن محمّد بن بالويه المربتاني بها، قال: حدثنا محمّد بن حفص الحوني قال: حدثنا نصر بن علي الخميصمي قال: أخبرنا أبو أحمد قال: أخبرنا شريك عن الأعمش عن أبي صالح عن كعب في قوله وَفَصْلَ الْخِطابِ قال: الشهود والإيمان. أنبأني عبد الله بن حامد قال: أخبرنا عبد الله بن محمّد قال: حدثنا محمّد بن يحيى قال: حدثنا وهب بن جرير قال: أخبرنا [شعبة] عن الحكم عن شريح في قوله وَفَصْلَ الْخِطابِ قال: الشهود والإيمان. وهو قول مجاهد وعطاء بن أبي رباح. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدثنا عبد الله بن عبد الله بن أبي سمرة البغوي قال: حدثنا أحمد بن محمّد أبي شيبة قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم البغوي قال: حدثنا إسحاق بن يوسف الأزرق عن زكريا يعني ابن أبي زائدة عن [السبيعي] قال: سمعت زيادا يقول: فَصْلَ الْخِطابِ الذي أعطي داود، أما بعد وهو أوّل من قالها. وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ الآية. اختلف العلماء بأخبار الأنبياء في سبب امتحان الله سبحانه نبيّه داود بما امتحنه به من الخطيئة. فقال قوم: كان سبب ذلك أنه تمنى يوما من الأيام على ربّه عزّ وجلّ منزلة آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب (عليهم السلام) وسأله أن يمتحنه نحو الذي كان امتحنهم، ويعطيه من الفضل نحو الذي كان أعطاهم. وروى السدي والكلبي ومقاتل: عن أشياخهم دخل حديث بعضهم في بعض قالوا: كان داود قد قسّم الدهر ثلاثة أيام: يوما يقضي فيه بين الناس، ويوما يخلوا فيه لعبادة ربّه، ويوما يخلوا فيه لنسائه وأشغاله. وكان يجد فيما يقرأ من الكتب فضل إبراهيم وإسحاق ويعقوب فقال: يا رب أرى الخير كله قد ذهب به آبائي الذين كانوا قبلي. فأوحى الله عزّ وجلّ إليه: أنهم ابتلوا ببلاء ما لم تبتل بشيء من ذلك فصبروا عليها. ابتلى إبراهيم بنمرود وبذبح ابنه، وابتلى إسحاق بالذبح وبذهاب بصره، وابتلى يعقوب بالحزن على يوسف. وأنك لم تبتل بشيء من ذلك. فقال داود: ربّ فابتلني بمثل ما ابتليتهم وأعطني مثل ما أعطيتهم. فأوحى الله سبحانه إليه: أنك مبتلى في شهر كذا في يوم كذا واحترس. فلمّا كان ذلك اليوم الذي وعده الله تعالى، دخل داود محرابه وأغلق بابه وجعل يصلي ويقرأ الزبور، فبينا هو كذلك إذ جاءه الشيطان قد تمثل في صورة حمامة من ذهب فيها من كل لون حسن، فوقعت بين رجليه، فمدّ يده ليأخذها ويدفعها إلى ابن صغير له، فلما أهوى إليها طارت غير بعيد، من غير أن تؤيسه من نفسها فامتد إليها ليأخذها فتنحت، فتبعها فطارت حتّى وقعت في كوة، فذهب ليأخذها فطارت من الكوة، فنظر داود أين تقع، فبعث إليها من يصيدها، فأبصر امرأة في بستان على شط بركة لها تغتسل، هذا قول الكلبي. وقال السدي: رآها تغتسل على سطح لها، فرأى امرأة من أجمل النساء خلقا، فتعجب داود من حسنها وحانت منها التفاتة وأبصرت ظله، فنفضت شعرها فغطى بدنها، فزاده ذلك إعجابا بها فسأل عنها. فقيل: هي تشايع بنت شايع امرأة أوريا بن حنانا، وزوجها في غزاة بالبلقاء مع أيوب بن صوريا ابن أخت داود. فكتب داود إلى ابن أخته أيوب صاحب بعث البلقاء: أن ابعث أوريا إلى موضع كذا وقدّمه قبل التابوت وكان من قدّم على التابوت لا يحل له أن يرجع وراءه حتّى يفتح الله سبحانه على يديه أو يستشهد، فبعثه وقدّمه ففتح له، فكتب إلى داود بذلك، فكتب إليه أيضا: أن ابعثه إلى عدو كذا وكذا. فبعثه ففتح له، فكتب إلى داود بذلك، فكتب إليه أيضا: أن ابعثه إلى عدو كذا أشدّ منه بأسا. فبعثه فقتل في المرة الثالثة، فلمّا انقضت عدّة المرأة تزوّجها داود فهي أم سليمان [[هذه القصة الخرافة التي يجل الله عنها أولياءه فضلا عن أنبيائه، وردت في تفسير الطبري: 23/ 175، وتاريخ الطبري: 1/ 338، ومستدرك الحاكم: 2/ 586.]] . وقال آخرون: سبب امتحانه أن نفسه حدثته أنّه يطيق قطع يوم بغير مقارفة. وهو ما أخبرنا شعيب بن محمّد قال: أخبرنا مكي بن عبدان قال: حدثنا أحمد بن الأزهر قال: حدثنا روح بن عبادة قال: حدثنا سعيد عن مطر عن الحسن قال: إن داود جزّأ الدهر أربعة أجزاء: يوما لنسائه، ويوما للعبادة، ويوما للقضاء بين بني إسرائيل، ويوما لبني إسرائيل يذاكرهم ويذاكرونه ويبكيهم ويبكونه. قال: فلما كان يوم بني إسرائيل ذكروا فقالوا: هل يأتي على الإنسان يوم لا يصيب فيه ذنبا؟ فأضمر داود في نفسه أنه سيطبق ذلك، فلما كان يوم عبادته غلق أبوابه وأمر أن لا يدخل عليه أحد، وأكبّ على قراءة التوراة، فبينما هو يقرأ إذ حمامة من ذهب فيها من كل لون حسن قد وقعت بين يديه، فأهوى إليها ليأخذها، فطارت فوقعت غير بعيد من غير أن تؤيسه من نفسها، فما زال يتبعها حتّى أشرف على امرأة تغتسل فأعجبه خلقها وحسنها، فلمّا رأت ظله في الأرض جللت نفسها بشعرها، فزاده ذلك بها إعجابا، وكان قد بعث زوجها على بعض جيوشه، فكتب إليه أن أسر إلى مكان كذا وكذا مكانا، إذا سار إليه قتل ولم يرجع ففعل فأصيب، فخطبها داود فتزوجها [[تفسير الطبري: 23/ 176، تفسير القرآن للصنعاني: 3/ 161.]] . وقال بعضهم: في سبب ذلك ما أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن محمّد قال: حدثنا مخلد ابن جعفر الباقرجي قال: حدثنا الحسين بن علوية قال: حدثنا إسماعيل قال: حدثنا إسحاق قال: حدثنا سعيد بن بشير عن قتادة عن الحسن قال: قال داود لبني إسرائيل حين ملك: والله لأعدلن بينكم، فلم يستثن فابتلي به [[زاد المسير: 6/ 326.]] . وقال أبو بكر محمّد بن عمر الوراق: كان سبب ذلك أن داود (عليه السلام) كان كثير العبادة فأعجب بعلمه فقال: هل في الأرض أحد يعمل عملي؟ فأتاه جبرئيل فقال: ان الله عزّ وجلّ يقول: أعجبت بعبادتك والعجب يأكل العبادة، فإن أعجبت ثانيا وكلتك إلى نفسك. قال: يا رب كلني إلى نفسي سنة. قال إنها لكثيرة. قال: فساعة. قال: شأنك بها. فوكل الأحراس ولبس الصوف ودخل المحراب ووضع الزبور بين يديه، فبينا هو في نسكه وعبادته إذ وقع الطائر بين يديه وكان من أمر المرأة ما كان. قالوا: فلمّا دخل داود بامرأة أوريا لم تلبث إلّا يسيرا حتّى بعث الله سبحانه ملكين في صورة إنسيين فطلبا أن يدخلا عليه، فوجداه في يوم عبادته فمنعهما الحرس أن يدخلا عليه، فتسورا المحراب عليه، فما شعر وهو يصلي إلّا وهو بهما بين يديه جالسين [[تفسير الطبري: 23/ 175.]] ، فذلك قوله: وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا وإنّما جعلوا جمع الفعل، لأن الخصم اسم يصلح للواحد والجميع والإثنين والمذكر والمؤنث. قال لبيد: وخصم يعدون الدخول كأنهم ... قروم غيارى كل أزهر مصعب [[لسان العرب: 12/ 180.]] وقال آخر: وخصم عضاب ينفضون لحاهم ... كنفض البراذين العراب المخاليا [[فتح القدير: 4/ 425.]] وإنّما جمع وهما اثنان، لأن معنى الجمع ضم شيء إلى شيء فالاثنان فما فوقهما جماعة، كقوله عزّ وجلّ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما [[سورة التحريم: 4.]] .

ص 38:15

بَلْ لَمَّا أي لم يَذُوقُوا عَذابِ ولو ذاقوه لما قالوا هذا القول أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ نعمة رَبِّكَ يعني مفاتيح النبوة، نظيرها في الزخرف أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ [[سورة الزخرف: 32.]] أي نبوة ربك الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ أي فليصعدوا في الجبال إلى السماوات، فليأتوا منها بالوحي إلى من يختارون ويشاؤن، وهذا أمر توبيخ وتعجيز. وقال الضحاك ومجاهد وقتادة: أراد بالأسباب: أبواب السماء وطرقها. جُنْدٌ أي هم جند ما هُنالِكَ أي هنالك و (ما) صلة مَهْزُومٌ مغلوب، ممنوع عن الصعود إلى السماء مِنَ الْأَحْزابِ أي من جملة الأجناد. وقال أكثر المفسرين: يعني أن هؤلاء الملأ الذين يقولون هذا القول، جند مهزوم مقهور وأنت عليهم مظفر منصور. قال قتادة: وعده الله عزّ وجلّ بمكة أنّه سيهزمهم، فجاء تأويلها يوم بدر من الأحزاب، أيّ كالقرون الماضية الذين قهروا وأهلكوا، ثم قال معزّا لنبيه ﷺ‎ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتادِ قال ابن عبّاس: ذو البناء المحكم. وقال القتيبي: والعرب تقول: هم في عز ثابت الأوتاد، وملك ثابت الأوتاد. يريدون أنّه دائم شديد، وأصل هذا أن البيت من بيوتهم بأوتاده. قال الأسود بن يعفر: في ظل ملك ثابت الأوتاد. وقال الضحاك: ذو القوة والبطش. وقال الحلبي ومقاتل: كان يعذب الناس بالأوتاد، وكان إذا غضب على أحمد مدّه مستلقيا بين أربعة أوتاد كل رجل منه إلى سارية وكل يد منه إلى سارية، فيتركه كذلك في الهواء بين السماء والأرض حتّى يموت. وقال مقاتل بن حيان: كان يمد الرجل مستلقيا على الأرض ثم يشده بالأوتاد. وقال السدي: كان يمد الرجل ويشده بالأوتاد ويرسل عليه العقارب والحيّات. وقال قتادة وعطاء: كانت له أوتاد وأرسال وملاعب يلعب عليها بين يديه. وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ أُولئِكَ الْأَحْزابُ إِنْ كُلٌّ ما كل منهم إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ فوجب عليهم ونزل بهم عذابي وَما يَنْظُرُ ينتظر هؤُلاءِ يعني كفار مكة إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً وهي نفخة القيامة. وقد روي هذا التفسير مرفوعا إلى النبي (عليه السلام) . ما لَها مِنْ فَواقٍ. قال ابن عبّاس وقتادة: من رجوع. الوالبي: يزداد. مجاهد: نظرة. الضحاك: مستوية. وفيه لغتان: (فُواقٍ) بضم الفاء وهي لغة تميم، وقراءة يحيى والأعمش وحمزة والكسائي وخلف. و (فَواقٍ) بالفتح وهي لغة قريش، وقراءة سائر القرّاء واختيار أبي عبيد. قال الكسائي: هما لغتان بمعنى واحد، كما يقال حمام المكوك وحمامه، وقصاص الشعر وقصاصه. وفرّق الآخرون بينهما. قال أبو عبيدة والمؤرخ: بالفتح بمعنى الراحة والإفاقة كالجواب من الإجابة، ذهبا به إلى إفاقة المريض من علته، و (الفواق) بالضم ما بين الحلبتين، وهو أن يحلب الناقة ثم تترك ساعة حتّى يجتمع اللبن فما بين الحلبتين فواق. فاستعير في موضع الانتظار مدة يسيرة. قال رسول الله ﷺ‎: «من رابط فواق ناقة في سبيل الله حرّم الله جسده على النار» [[الجامع الصغير للسيوطي: 2/ 603 ح 8692، كنز العمال: 4/ 307 ح 10634.]] [108] . وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ. قال سعيد بن جبير عن ابن عبّاس: يعني كتابنا. وعنه أيضا: القط الصحيفة التي أحصت كل شيء. قال أبو العالية والكلبي: لمّا نزلت في الحاقة فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ [[سورة الحاقة: 19.]] ، وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ [[سورة الحاقة: 25.]] . قالوا على جهة الاستهزاء: (عَجِّلْ لَنا قِطَّنا) يعنون كتابنا عجّله لنا في الدّنيا. قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ. وقال الحسن وقتادة ومجاهد والسدي: يعني عقوبتنا وما كتب لنا من العذاب. قال عطاء: قاله النضر بن الحرث، وهو قوله: اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ، فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ» وهو الذي قال الله سبحانه سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ [[سورة المعارج: 1.]] قال عطاء: لقد نزلت فيه بضع عشرة آية من كتاب الله عزّ وجلّ. وقال سعيد بن جبير: يعنون حظنا ونصيبنا من الجنّة التي تقول. قال الفراء: القطّ في كلام العرب الحظ، ومنه قيل للصك قطّ [[تفسير القرطبي: 15/ 157، وفتح القدير: 4/ 424.]] . وقال أبو عبيدة والكسائي: القطّ الكتاب بالجوائة. قال الأعشى: ولا الملك النعمان يوم لقيته ... بغبطته يعطي القطوط ويأفق [[الصحاح للجوهري: 3/ 1154.]] يعني كتب الجوائز أيّ بفضل وبعلو، يقال فرس أفق وناقة أفقه إذا كانا كريمين، وفضّلا على غيرهما. وقال مجاهد: قِطَّنا حسابنا، ويقال لكتاب الحساب: قطّ، وأصل الكلمة من الكتابة. فقال الله سبحانه لنبيه (عليه السلام) : اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ ذا القوة في العبادة إِنَّهُ أَوَّابٌ مطيع. عن ابن عبّاس: رجّاع إلى التوبة. عن الضحاك، سعيد بن جبير: هو المسبّح بلغة الحبش [[فتح القدير: 4/ 427، والدر المنثور: 5/ 298.]] . أخبرني الحسين بن محمّد الدينوري قال: حدثنا الفضل بن الفضل الكندي قال: حدثنا أبو العبّاس عبد الله بن جعفر بن أحمد بن [فارس] ببغداد قال: حدثنا أحمد بن عبد الله بن القاسم قال: حدثنا عمرو بن حصين قال: حدثنا الحسين بن عمرو عن أبي بكر الهذلي عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ‎: «الزرقة يمن وكان داود النبي (عليه السلام) أزرق» [[انظر: الجامع الصغير: 2/ 33، وتفسير القرطبي: 6/ 17.]] [109] . إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بتسبيحه. قال ابن عبّاس: وكان يفهم تسبيح الحجر والشجر. بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ. أخبرني ابن فنجويه قال: حدثنا ابن شنبه قال: حدثنا الحسين بن يحيويه قال: حدثنا أبو أميّة محمّد بن إبراهيم قال: حدثنا الحجاج بن نصير قال: حدثنا أبو بكر الهذلي عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عبّاس قال: كنت أمرّ بهذه الآية لا أدري ما العشي والإشراق، حتّى حدثتني أم هاني بنت أبي طالب أن رسول الله (عليه السلام) دخل عليها فدعا بوضوء فتوضأ، ثم صلى الضحى وقال: «يا أم هاني هذه صلاة الإشراق» [110] [[مسند الحميدي: 1/ 160، مسند ابن راهويه: 5/ 19.]] . روى عطاء الخراساني عن ابن عبّاس قال: لم يزل في نفسي [من] صلاة الضحى شيء حتّى طلبتها في القرآن فوجدتها في هذه الآية يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ. قال عكرمة: وكان ابن عبّاس لا يصلي صلاة الضحى ثم صلّى بعدها. وروي أن كعب الأحبار قال لابن عبّاس رضي الله عنهما: إني لأجد في كتاب الله صلاة بعد طلوع الشمس. فقال ابن عبّاس: أنا أوجدك ذلك في كتاب الله في قصة داود يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ وليس الإشراق طلوع الشمس، إنّما هو صفاؤها وضوؤها. وَالطَّيْرَ أيّ وسخّرنا له الطير مَحْشُورَةً مجموعة كُلٌّ لَهُ أيّ لداود أَوَّابٌ مطيع وَشَدَدْنا مُلْكَهُ أيّ قوّيناه. وقرأ الحسن: وشدّدنا بتشديد الدال. قال ابن عبّاس: كان أشد ملوك الأرض سلطانا كان يحرس محرابه كل ليلة ثلاثة وثلاثون ألف رجل، فذلك قوله وَشَدَدْنا مُلْكَهُ بالحرس. وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا محمّد بن خالد بن الحسن قال: حدثنا داود بن سليمان قال: حدثنا عبد بن حميد قال: حدثنا محمّد بن الفضل قال: حدثنا داود بن أبي الفرات عن عليّ بن أحمد عن عكرمة عن ابن عبّاس: أن رجلا من بني إسرائيل استعدى على رجل من عظمائهم، فاجتمعا عند داود النبي فقال المستعدي: ان هذا غصبني بقرتي. فسأل داود الرجل عن ذلك فجحده، وسأل الآخر البيّنة فلم يكن له بيّنة. فقال لهما داود: قوما حتى أنظر في أمركما. فقاما من عنده، فأوحى الله سبحانه إلى داود (عليه السلام) في منامه: أن يقتل الرجل الذي استعدي عليه. فقال: هذه رؤيا ولست أعجل حتّى أتثبت. فأوحى الله سبحانه إليه مرة أخرى أن يقتله. فلم يفعل، فأوحى الله سبحانه وتعالى إليه الثالثة: أن يقتله أو تأتيه العقوبة من الله، فأرسل داود إلى الرجل فقال له: إن الله قد أوحى إليّ أن أقتلك. فقال له الرجل: تقتلني بغير بيّنة ولا ثبت! فقال له داود: نعم، والله لأنفذن أمر الله فيك. فلمّا عرف الرجل أنّه قاتله قال: لا تعجل حتّى أخبرك أني والله ما أخذت بهذا الذنب ولكني كنت اغتلت والد هذا فقتلته، فلذلك أخذت. فأمر به داود فقتل، فاشتدت هيبته في بني إسرائيل عند ذلك لداود، واشتد به ملكه فهو قوله سبحانه: وَشَدَدْنا مُلْكَهُ. وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ يعني النبوة والإصابة في الأمور. وقال أبو العالية: العلم الذي لا تردّه العقول. وَفَصْلَ الْخِطابِ قال ابن عبّاس: بيان الكلام. وقال الحسن والكلبي وابن مسعود ومقاتل وأبو عبد الرحمن السلمي: يعني علم الحكم والبصر بالقضاء، كأن لا يتتعتع في القضاء بين الناس، وهي إحدى الروايات عن ابن عبّاس. وقال علي بن أبي طالب: هو البيّنة على المدّعى واليمين على من أنكر. وأخبرنا أبو حفص عمر بن أحمد بن محمّد بن عمر الجوري قال: أخبرنا أبو بكر بالويه بن محمّد بن بالويه المربتاني بها، قال: حدثنا محمّد بن حفص الحوني قال: حدثنا نصر بن علي الخميصمي قال: أخبرنا أبو أحمد قال: أخبرنا شريك عن الأعمش عن أبي صالح عن كعب في قوله وَفَصْلَ الْخِطابِ قال: الشهود والإيمان. أنبأني عبد الله بن حامد قال: أخبرنا عبد الله بن محمّد قال: حدثنا محمّد بن يحيى قال: حدثنا وهب بن جرير قال: أخبرنا [شعبة] عن الحكم عن شريح في قوله وَفَصْلَ الْخِطابِ قال: الشهود والإيمان. وهو قول مجاهد وعطاء بن أبي رباح. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدثنا عبد الله بن عبد الله بن أبي سمرة البغوي قال: حدثنا أحمد بن محمّد أبي شيبة قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم البغوي قال: حدثنا إسحاق بن يوسف الأزرق عن زكريا يعني ابن أبي زائدة عن [السبيعي] قال: سمعت زيادا يقول: فَصْلَ الْخِطابِ الذي أعطي داود، أما بعد وهو أوّل من قالها. وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ الآية. اختلف العلماء بأخبار الأنبياء في سبب امتحان الله سبحانه نبيّه داود بما امتحنه به من الخطيئة. فقال قوم: كان سبب ذلك أنه تمنى يوما من الأيام على ربّه عزّ وجلّ منزلة آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب (عليهم السلام) وسأله أن يمتحنه نحو الذي كان امتحنهم، ويعطيه من الفضل نحو الذي كان أعطاهم. وروى السدي والكلبي ومقاتل: عن أشياخهم دخل حديث بعضهم في بعض قالوا: كان داود قد قسّم الدهر ثلاثة أيام: يوما يقضي فيه بين الناس، ويوما يخلوا فيه لعبادة ربّه، ويوما يخلوا فيه لنسائه وأشغاله. وكان يجد فيما يقرأ من الكتب فضل إبراهيم وإسحاق ويعقوب فقال: يا رب أرى الخير كله قد ذهب به آبائي الذين كانوا قبلي. فأوحى الله عزّ وجلّ إليه: أنهم ابتلوا ببلاء ما لم تبتل بشيء من ذلك فصبروا عليها. ابتلى إبراهيم بنمرود وبذبح ابنه، وابتلى إسحاق بالذبح وبذهاب بصره، وابتلى يعقوب بالحزن على يوسف. وأنك لم تبتل بشيء من ذلك. فقال داود: ربّ فابتلني بمثل ما ابتليتهم وأعطني مثل ما أعطيتهم. فأوحى الله سبحانه إليه: أنك مبتلى في شهر كذا في يوم كذا واحترس. فلمّا كان ذلك اليوم الذي وعده الله تعالى، دخل داود محرابه وأغلق بابه وجعل يصلي ويقرأ الزبور، فبينا هو كذلك إذ جاءه الشيطان قد تمثل في صورة حمامة من ذهب فيها من كل لون حسن، فوقعت بين رجليه، فمدّ يده ليأخذها ويدفعها إلى ابن صغير له، فلما أهوى إليها طارت غير بعيد، من غير أن تؤيسه من نفسها فامتد إليها ليأخذها فتنحت، فتبعها فطارت حتّى وقعت في كوة، فذهب ليأخذها فطارت من الكوة، فنظر داود أين تقع، فبعث إليها من يصيدها، فأبصر امرأة في بستان على شط بركة لها تغتسل، هذا قول الكلبي. وقال السدي: رآها تغتسل على سطح لها، فرأى امرأة من أجمل النساء خلقا، فتعجب داود من حسنها وحانت منها التفاتة وأبصرت ظله، فنفضت شعرها فغطى بدنها، فزاده ذلك إعجابا بها فسأل عنها. فقيل: هي تشايع بنت شايع امرأة أوريا بن حنانا، وزوجها في غزاة بالبلقاء مع أيوب بن صوريا ابن أخت داود. فكتب داود إلى ابن أخته أيوب صاحب بعث البلقاء: أن ابعث أوريا إلى موضع كذا وقدّمه قبل التابوت وكان من قدّم على التابوت لا يحل له أن يرجع وراءه حتّى يفتح الله سبحانه على يديه أو يستشهد، فبعثه وقدّمه ففتح له، فكتب إلى داود بذلك، فكتب إليه أيضا: أن ابعثه إلى عدو كذا وكذا. فبعثه ففتح له، فكتب إلى داود بذلك، فكتب إليه أيضا: أن ابعثه إلى عدو كذا أشدّ منه بأسا. فبعثه فقتل في المرة الثالثة، فلمّا انقضت عدّة المرأة تزوّجها داود فهي أم سليمان [[هذه القصة الخرافة التي يجل الله عنها أولياءه فضلا عن أنبيائه، وردت في تفسير الطبري: 23/ 175، وتاريخ الطبري: 1/ 338، ومستدرك الحاكم: 2/ 586.]] . وقال آخرون: سبب امتحانه أن نفسه حدثته أنّه يطيق قطع يوم بغير مقارفة. وهو ما أخبرنا شعيب بن محمّد قال: أخبرنا مكي بن عبدان قال: حدثنا أحمد بن الأزهر قال: حدثنا روح بن عبادة قال: حدثنا سعيد عن مطر عن الحسن قال: إن داود جزّأ الدهر أربعة أجزاء: يوما لنسائه، ويوما للعبادة، ويوما للقضاء بين بني إسرائيل، ويوما لبني إسرائيل يذاكرهم ويذاكرونه ويبكيهم ويبكونه. قال: فلما كان يوم بني إسرائيل ذكروا فقالوا: هل يأتي على الإنسان يوم لا يصيب فيه ذنبا؟ فأضمر داود في نفسه أنه سيطبق ذلك، فلما كان يوم عبادته غلق أبوابه وأمر أن لا يدخل عليه أحد، وأكبّ على قراءة التوراة، فبينما هو يقرأ إذ حمامة من ذهب فيها من كل لون حسن قد وقعت بين يديه، فأهوى إليها ليأخذها، فطارت فوقعت غير بعيد من غير أن تؤيسه من نفسها، فما زال يتبعها حتّى أشرف على امرأة تغتسل فأعجبه خلقها وحسنها، فلمّا رأت ظله في الأرض جللت نفسها بشعرها، فزاده ذلك بها إعجابا، وكان قد بعث زوجها على بعض جيوشه، فكتب إليه أن أسر إلى مكان كذا وكذا مكانا، إذا سار إليه قتل ولم يرجع ففعل فأصيب، فخطبها داود فتزوجها [[تفسير الطبري: 23/ 176، تفسير القرآن للصنعاني: 3/ 161.]] . وقال بعضهم: في سبب ذلك ما أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن محمّد قال: حدثنا مخلد ابن جعفر الباقرجي قال: حدثنا الحسين بن علوية قال: حدثنا إسماعيل قال: حدثنا إسحاق قال: حدثنا سعيد بن بشير عن قتادة عن الحسن قال: قال داود لبني إسرائيل حين ملك: والله لأعدلن بينكم، فلم يستثن فابتلي به [[زاد المسير: 6/ 326.]] . وقال أبو بكر محمّد بن عمر الوراق: كان سبب ذلك أن داود (عليه السلام) كان كثير العبادة فأعجب بعلمه فقال: هل في الأرض أحد يعمل عملي؟ فأتاه جبرئيل فقال: ان الله عزّ وجلّ يقول: أعجبت بعبادتك والعجب يأكل العبادة، فإن أعجبت ثانيا وكلتك إلى نفسك. قال: يا رب كلني إلى نفسي سنة. قال إنها لكثيرة. قال: فساعة. قال: شأنك بها. فوكل الأحراس ولبس الصوف ودخل المحراب ووضع الزبور بين يديه، فبينا هو في نسكه وعبادته إذ وقع الطائر بين يديه وكان من أمر المرأة ما كان. قالوا: فلمّا دخل داود بامرأة أوريا لم تلبث إلّا يسيرا حتّى بعث الله سبحانه ملكين في صورة إنسيين فطلبا أن يدخلا عليه، فوجداه في يوم عبادته فمنعهما الحرس أن يدخلا عليه، فتسورا المحراب عليه، فما شعر وهو يصلي إلّا وهو بهما بين يديه جالسين [[تفسير الطبري: 23/ 175.]] ، فذلك قوله: وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا وإنّما جعلوا جمع الفعل، لأن الخصم اسم يصلح للواحد والجميع والإثنين والمذكر والمؤنث. قال لبيد: وخصم يعدون الدخول كأنهم ... قروم غيارى كل أزهر مصعب [[لسان العرب: 12/ 180.]] وقال آخر: وخصم عضاب ينفضون لحاهم ... كنفض البراذين العراب المخاليا [[فتح القدير: 4/ 425.]] وإنّما جمع وهما اثنان، لأن معنى الجمع ضم شيء إلى شيء فالاثنان فما فوقهما جماعة، كقوله عزّ وجلّ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما [[سورة التحريم: 4.]] .

ص 38:16

بَلْ لَمَّا أي لم يَذُوقُوا عَذابِ ولو ذاقوه لما قالوا هذا القول أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ نعمة رَبِّكَ يعني مفاتيح النبوة، نظيرها في الزخرف أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ [[سورة الزخرف: 32.]] أي نبوة ربك الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ أي فليصعدوا في الجبال إلى السماوات، فليأتوا منها بالوحي إلى من يختارون ويشاؤن، وهذا أمر توبيخ وتعجيز. وقال الضحاك ومجاهد وقتادة: أراد بالأسباب: أبواب السماء وطرقها. جُنْدٌ أي هم جند ما هُنالِكَ أي هنالك و (ما) صلة مَهْزُومٌ مغلوب، ممنوع عن الصعود إلى السماء مِنَ الْأَحْزابِ أي من جملة الأجناد. وقال أكثر المفسرين: يعني أن هؤلاء الملأ الذين يقولون هذا القول، جند مهزوم مقهور وأنت عليهم مظفر منصور. قال قتادة: وعده الله عزّ وجلّ بمكة أنّه سيهزمهم، فجاء تأويلها يوم بدر من الأحزاب، أيّ كالقرون الماضية الذين قهروا وأهلكوا، ثم قال معزّا لنبيه ﷺ‎ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتادِ قال ابن عبّاس: ذو البناء المحكم. وقال القتيبي: والعرب تقول: هم في عز ثابت الأوتاد، وملك ثابت الأوتاد. يريدون أنّه دائم شديد، وأصل هذا أن البيت من بيوتهم بأوتاده. قال الأسود بن يعفر: في ظل ملك ثابت الأوتاد. وقال الضحاك: ذو القوة والبطش. وقال الحلبي ومقاتل: كان يعذب الناس بالأوتاد، وكان إذا غضب على أحمد مدّه مستلقيا بين أربعة أوتاد كل رجل منه إلى سارية وكل يد منه إلى سارية، فيتركه كذلك في الهواء بين السماء والأرض حتّى يموت. وقال مقاتل بن حيان: كان يمد الرجل مستلقيا على الأرض ثم يشده بالأوتاد. وقال السدي: كان يمد الرجل ويشده بالأوتاد ويرسل عليه العقارب والحيّات. وقال قتادة وعطاء: كانت له أوتاد وأرسال وملاعب يلعب عليها بين يديه. وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ أُولئِكَ الْأَحْزابُ إِنْ كُلٌّ ما كل منهم إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ فوجب عليهم ونزل بهم عذابي وَما يَنْظُرُ ينتظر هؤُلاءِ يعني كفار مكة إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً وهي نفخة القيامة. وقد روي هذا التفسير مرفوعا إلى النبي (عليه السلام) . ما لَها مِنْ فَواقٍ. قال ابن عبّاس وقتادة: من رجوع. الوالبي: يزداد. مجاهد: نظرة. الضحاك: مستوية. وفيه لغتان: (فُواقٍ) بضم الفاء وهي لغة تميم، وقراءة يحيى والأعمش وحمزة والكسائي وخلف. و (فَواقٍ) بالفتح وهي لغة قريش، وقراءة سائر القرّاء واختيار أبي عبيد. قال الكسائي: هما لغتان بمعنى واحد، كما يقال حمام المكوك وحمامه، وقصاص الشعر وقصاصه. وفرّق الآخرون بينهما. قال أبو عبيدة والمؤرخ: بالفتح بمعنى الراحة والإفاقة كالجواب من الإجابة، ذهبا به إلى إفاقة المريض من علته، و (الفواق) بالضم ما بين الحلبتين، وهو أن يحلب الناقة ثم تترك ساعة حتّى يجتمع اللبن فما بين الحلبتين فواق. فاستعير في موضع الانتظار مدة يسيرة. قال رسول الله ﷺ‎: «من رابط فواق ناقة في سبيل الله حرّم الله جسده على النار» [[الجامع الصغير للسيوطي: 2/ 603 ح 8692، كنز العمال: 4/ 307 ح 10634.]] [108] . وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ. قال سعيد بن جبير عن ابن عبّاس: يعني كتابنا. وعنه أيضا: القط الصحيفة التي أحصت كل شيء. قال أبو العالية والكلبي: لمّا نزلت في الحاقة فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ [[سورة الحاقة: 19.]] ، وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ [[سورة الحاقة: 25.]] . قالوا على جهة الاستهزاء: (عَجِّلْ لَنا قِطَّنا) يعنون كتابنا عجّله لنا في الدّنيا. قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ. وقال الحسن وقتادة ومجاهد والسدي: يعني عقوبتنا وما كتب لنا من العذاب. قال عطاء: قاله النضر بن الحرث، وهو قوله: اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ، فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ» وهو الذي قال الله سبحانه سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ [[سورة المعارج: 1.]] قال عطاء: لقد نزلت فيه بضع عشرة آية من كتاب الله عزّ وجلّ. وقال سعيد بن جبير: يعنون حظنا ونصيبنا من الجنّة التي تقول. قال الفراء: القطّ في كلام العرب الحظ، ومنه قيل للصك قطّ [[تفسير القرطبي: 15/ 157، وفتح القدير: 4/ 424.]] . وقال أبو عبيدة والكسائي: القطّ الكتاب بالجوائة. قال الأعشى: ولا الملك النعمان يوم لقيته ... بغبطته يعطي القطوط ويأفق [[الصحاح للجوهري: 3/ 1154.]] يعني كتب الجوائز أيّ بفضل وبعلو، يقال فرس أفق وناقة أفقه إذا كانا كريمين، وفضّلا على غيرهما. وقال مجاهد: قِطَّنا حسابنا، ويقال لكتاب الحساب: قطّ، وأصل الكلمة من الكتابة. فقال الله سبحانه لنبيه (عليه السلام) : اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ ذا القوة في العبادة إِنَّهُ أَوَّابٌ مطيع. عن ابن عبّاس: رجّاع إلى التوبة. عن الضحاك، سعيد بن جبير: هو المسبّح بلغة الحبش [[فتح القدير: 4/ 427، والدر المنثور: 5/ 298.]] . أخبرني الحسين بن محمّد الدينوري قال: حدثنا الفضل بن الفضل الكندي قال: حدثنا أبو العبّاس عبد الله بن جعفر بن أحمد بن [فارس] ببغداد قال: حدثنا أحمد بن عبد الله بن القاسم قال: حدثنا عمرو بن حصين قال: حدثنا الحسين بن عمرو عن أبي بكر الهذلي عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ‎: «الزرقة يمن وكان داود النبي (عليه السلام) أزرق» [[انظر: الجامع الصغير: 2/ 33، وتفسير القرطبي: 6/ 17.]] [109] . إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بتسبيحه. قال ابن عبّاس: وكان يفهم تسبيح الحجر والشجر. بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ. أخبرني ابن فنجويه قال: حدثنا ابن شنبه قال: حدثنا الحسين بن يحيويه قال: حدثنا أبو أميّة محمّد بن إبراهيم قال: حدثنا الحجاج بن نصير قال: حدثنا أبو بكر الهذلي عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عبّاس قال: كنت أمرّ بهذه الآية لا أدري ما العشي والإشراق، حتّى حدثتني أم هاني بنت أبي طالب أن رسول الله (عليه السلام) دخل عليها فدعا بوضوء فتوضأ، ثم صلى الضحى وقال: «يا أم هاني هذه صلاة الإشراق» [110] [[مسند الحميدي: 1/ 160، مسند ابن راهويه: 5/ 19.]] . روى عطاء الخراساني عن ابن عبّاس قال: لم يزل في نفسي [من] صلاة الضحى شيء حتّى طلبتها في القرآن فوجدتها في هذه الآية يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ. قال عكرمة: وكان ابن عبّاس لا يصلي صلاة الضحى ثم صلّى بعدها. وروي أن كعب الأحبار قال لابن عبّاس رضي الله عنهما: إني لأجد في كتاب الله صلاة بعد طلوع الشمس. فقال ابن عبّاس: أنا أوجدك ذلك في كتاب الله في قصة داود يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ وليس الإشراق طلوع الشمس، إنّما هو صفاؤها وضوؤها. وَالطَّيْرَ أيّ وسخّرنا له الطير مَحْشُورَةً مجموعة كُلٌّ لَهُ أيّ لداود أَوَّابٌ مطيع وَشَدَدْنا مُلْكَهُ أيّ قوّيناه. وقرأ الحسن: وشدّدنا بتشديد الدال. قال ابن عبّاس: كان أشد ملوك الأرض سلطانا كان يحرس محرابه كل ليلة ثلاثة وثلاثون ألف رجل، فذلك قوله وَشَدَدْنا مُلْكَهُ بالحرس. وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا محمّد بن خالد بن الحسن قال: حدثنا داود بن سليمان قال: حدثنا عبد بن حميد قال: حدثنا محمّد بن الفضل قال: حدثنا داود بن أبي الفرات عن عليّ بن أحمد عن عكرمة عن ابن عبّاس: أن رجلا من بني إسرائيل استعدى على رجل من عظمائهم، فاجتمعا عند داود النبي فقال المستعدي: ان هذا غصبني بقرتي. فسأل داود الرجل عن ذلك فجحده، وسأل الآخر البيّنة فلم يكن له بيّنة. فقال لهما داود: قوما حتى أنظر في أمركما. فقاما من عنده، فأوحى الله سبحانه إلى داود (عليه السلام) في منامه: أن يقتل الرجل الذي استعدي عليه. فقال: هذه رؤيا ولست أعجل حتّى أتثبت. فأوحى الله سبحانه إليه مرة أخرى أن يقتله. فلم يفعل، فأوحى الله سبحانه وتعالى إليه الثالثة: أن يقتله أو تأتيه العقوبة من الله، فأرسل داود إلى الرجل فقال له: إن الله قد أوحى إليّ أن أقتلك. فقال له الرجل: تقتلني بغير بيّنة ولا ثبت! فقال له داود: نعم، والله لأنفذن أمر الله فيك. فلمّا عرف الرجل أنّه قاتله قال: لا تعجل حتّى أخبرك أني والله ما أخذت بهذا الذنب ولكني كنت اغتلت والد هذا فقتلته، فلذلك أخذت. فأمر به داود فقتل، فاشتدت هيبته في بني إسرائيل عند ذلك لداود، واشتد به ملكه فهو قوله سبحانه: وَشَدَدْنا مُلْكَهُ. وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ يعني النبوة والإصابة في الأمور. وقال أبو العالية: العلم الذي لا تردّه العقول. وَفَصْلَ الْخِطابِ قال ابن عبّاس: بيان الكلام. وقال الحسن والكلبي وابن مسعود ومقاتل وأبو عبد الرحمن السلمي: يعني علم الحكم والبصر بالقضاء، كأن لا يتتعتع في القضاء بين الناس، وهي إحدى الروايات عن ابن عبّاس. وقال علي بن أبي طالب: هو البيّنة على المدّعى واليمين على من أنكر. وأخبرنا أبو حفص عمر بن أحمد بن محمّد بن عمر الجوري قال: أخبرنا أبو بكر بالويه بن محمّد بن بالويه المربتاني بها، قال: حدثنا محمّد بن حفص الحوني قال: حدثنا نصر بن علي الخميصمي قال: أخبرنا أبو أحمد قال: أخبرنا شريك عن الأعمش عن أبي صالح عن كعب في قوله وَفَصْلَ الْخِطابِ قال: الشهود والإيمان. أنبأني عبد الله بن حامد قال: أخبرنا عبد الله بن محمّد قال: حدثنا محمّد بن يحيى قال: حدثنا وهب بن جرير قال: أخبرنا [شعبة] عن الحكم عن شريح في قوله وَفَصْلَ الْخِطابِ قال: الشهود والإيمان. وهو قول مجاهد وعطاء بن أبي رباح. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدثنا عبد الله بن عبد الله بن أبي سمرة البغوي قال: حدثنا أحمد بن محمّد أبي شيبة قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم البغوي قال: حدثنا إسحاق بن يوسف الأزرق عن زكريا يعني ابن أبي زائدة عن [السبيعي] قال: سمعت زيادا يقول: فَصْلَ الْخِطابِ الذي أعطي داود، أما بعد وهو أوّل من قالها. وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ الآية. اختلف العلماء بأخبار الأنبياء في سبب امتحان الله سبحانه نبيّه داود بما امتحنه به من الخطيئة. فقال قوم: كان سبب ذلك أنه تمنى يوما من الأيام على ربّه عزّ وجلّ منزلة آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب (عليهم السلام) وسأله أن يمتحنه نحو الذي كان امتحنهم، ويعطيه من الفضل نحو الذي كان أعطاهم. وروى السدي والكلبي ومقاتل: عن أشياخهم دخل حديث بعضهم في بعض قالوا: كان داود قد قسّم الدهر ثلاثة أيام: يوما يقضي فيه بين الناس، ويوما يخلوا فيه لعبادة ربّه، ويوما يخلوا فيه لنسائه وأشغاله. وكان يجد فيما يقرأ من الكتب فضل إبراهيم وإسحاق ويعقوب فقال: يا رب أرى الخير كله قد ذهب به آبائي الذين كانوا قبلي. فأوحى الله عزّ وجلّ إليه: أنهم ابتلوا ببلاء ما لم تبتل بشيء من ذلك فصبروا عليها. ابتلى إبراهيم بنمرود وبذبح ابنه، وابتلى إسحاق بالذبح وبذهاب بصره، وابتلى يعقوب بالحزن على يوسف. وأنك لم تبتل بشيء من ذلك. فقال داود: ربّ فابتلني بمثل ما ابتليتهم وأعطني مثل ما أعطيتهم. فأوحى الله سبحانه إليه: أنك مبتلى في شهر كذا في يوم كذا واحترس. فلمّا كان ذلك اليوم الذي وعده الله تعالى، دخل داود محرابه وأغلق بابه وجعل يصلي ويقرأ الزبور، فبينا هو كذلك إذ جاءه الشيطان قد تمثل في صورة حمامة من ذهب فيها من كل لون حسن، فوقعت بين رجليه، فمدّ يده ليأخذها ويدفعها إلى ابن صغير له، فلما أهوى إليها طارت غير بعيد، من غير أن تؤيسه من نفسها فامتد إليها ليأخذها فتنحت، فتبعها فطارت حتّى وقعت في كوة، فذهب ليأخذها فطارت من الكوة، فنظر داود أين تقع، فبعث إليها من يصيدها، فأبصر امرأة في بستان على شط بركة لها تغتسل، هذا قول الكلبي. وقال السدي: رآها تغتسل على سطح لها، فرأى امرأة من أجمل النساء خلقا، فتعجب داود من حسنها وحانت منها التفاتة وأبصرت ظله، فنفضت شعرها فغطى بدنها، فزاده ذلك إعجابا بها فسأل عنها. فقيل: هي تشايع بنت شايع امرأة أوريا بن حنانا، وزوجها في غزاة بالبلقاء مع أيوب بن صوريا ابن أخت داود. فكتب داود إلى ابن أخته أيوب صاحب بعث البلقاء: أن ابعث أوريا إلى موضع كذا وقدّمه قبل التابوت وكان من قدّم على التابوت لا يحل له أن يرجع وراءه حتّى يفتح الله سبحانه على يديه أو يستشهد، فبعثه وقدّمه ففتح له، فكتب إلى داود بذلك، فكتب إليه أيضا: أن ابعثه إلى عدو كذا وكذا. فبعثه ففتح له، فكتب إلى داود بذلك، فكتب إليه أيضا: أن ابعثه إلى عدو كذا أشدّ منه بأسا. فبعثه فقتل في المرة الثالثة، فلمّا انقضت عدّة المرأة تزوّجها داود فهي أم سليمان [[هذه القصة الخرافة التي يجل الله عنها أولياءه فضلا عن أنبيائه، وردت في تفسير الطبري: 23/ 175، وتاريخ الطبري: 1/ 338، ومستدرك الحاكم: 2/ 586.]] . وقال آخرون: سبب امتحانه أن نفسه حدثته أنّه يطيق قطع يوم بغير مقارفة. وهو ما أخبرنا شعيب بن محمّد قال: أخبرنا مكي بن عبدان قال: حدثنا أحمد بن الأزهر قال: حدثنا روح بن عبادة قال: حدثنا سعيد عن مطر عن الحسن قال: إن داود جزّأ الدهر أربعة أجزاء: يوما لنسائه، ويوما للعبادة، ويوما للقضاء بين بني إسرائيل، ويوما لبني إسرائيل يذاكرهم ويذاكرونه ويبكيهم ويبكونه. قال: فلما كان يوم بني إسرائيل ذكروا فقالوا: هل يأتي على الإنسان يوم لا يصيب فيه ذنبا؟ فأضمر داود في نفسه أنه سيطبق ذلك، فلما كان يوم عبادته غلق أبوابه وأمر أن لا يدخل عليه أحد، وأكبّ على قراءة التوراة، فبينما هو يقرأ إذ حمامة من ذهب فيها من كل لون حسن قد وقعت بين يديه، فأهوى إليها ليأخذها، فطارت فوقعت غير بعيد من غير أن تؤيسه من نفسها، فما زال يتبعها حتّى أشرف على امرأة تغتسل فأعجبه خلقها وحسنها، فلمّا رأت ظله في الأرض جللت نفسها بشعرها، فزاده ذلك بها إعجابا، وكان قد بعث زوجها على بعض جيوشه، فكتب إليه أن أسر إلى مكان كذا وكذا مكانا، إذا سار إليه قتل ولم يرجع ففعل فأصيب، فخطبها داود فتزوجها [[تفسير الطبري: 23/ 176، تفسير القرآن للصنعاني: 3/ 161.]] . وقال بعضهم: في سبب ذلك ما أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن محمّد قال: حدثنا مخلد ابن جعفر الباقرجي قال: حدثنا الحسين بن علوية قال: حدثنا إسماعيل قال: حدثنا إسحاق قال: حدثنا سعيد بن بشير عن قتادة عن الحسن قال: قال داود لبني إسرائيل حين ملك: والله لأعدلن بينكم، فلم يستثن فابتلي به [[زاد المسير: 6/ 326.]] . وقال أبو بكر محمّد بن عمر الوراق: كان سبب ذلك أن داود (عليه السلام) كان كثير العبادة فأعجب بعلمه فقال: هل في الأرض أحد يعمل عملي؟ فأتاه جبرئيل فقال: ان الله عزّ وجلّ يقول: أعجبت بعبادتك والعجب يأكل العبادة، فإن أعجبت ثانيا وكلتك إلى نفسك. قال: يا رب كلني إلى نفسي سنة. قال إنها لكثيرة. قال: فساعة. قال: شأنك بها. فوكل الأحراس ولبس الصوف ودخل المحراب ووضع الزبور بين يديه، فبينا هو في نسكه وعبادته إذ وقع الطائر بين يديه وكان من أمر المرأة ما كان. قالوا: فلمّا دخل داود بامرأة أوريا لم تلبث إلّا يسيرا حتّى بعث الله سبحانه ملكين في صورة إنسيين فطلبا أن يدخلا عليه، فوجداه في يوم عبادته فمنعهما الحرس أن يدخلا عليه، فتسورا المحراب عليه، فما شعر وهو يصلي إلّا وهو بهما بين يديه جالسين [[تفسير الطبري: 23/ 175.]] ، فذلك قوله: وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا وإنّما جعلوا جمع الفعل، لأن الخصم اسم يصلح للواحد والجميع والإثنين والمذكر والمؤنث. قال لبيد: وخصم يعدون الدخول كأنهم ... قروم غيارى كل أزهر مصعب [[لسان العرب: 12/ 180.]] وقال آخر: وخصم عضاب ينفضون لحاهم ... كنفض البراذين العراب المخاليا [[فتح القدير: 4/ 425.]] وإنّما جمع وهما اثنان، لأن معنى الجمع ضم شيء إلى شيء فالاثنان فما فوقهما جماعة، كقوله عزّ وجلّ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما [[سورة التحريم: 4.]] .

ص 38:17

بَلْ لَمَّا أي لم يَذُوقُوا عَذابِ ولو ذاقوه لما قالوا هذا القول أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ نعمة رَبِّكَ يعني مفاتيح النبوة، نظيرها في الزخرف أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ [[سورة الزخرف: 32.]] أي نبوة ربك الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ أي فليصعدوا في الجبال إلى السماوات، فليأتوا منها بالوحي إلى من يختارون ويشاؤن، وهذا أمر توبيخ وتعجيز. وقال الضحاك ومجاهد وقتادة: أراد بالأسباب: أبواب السماء وطرقها. جُنْدٌ أي هم جند ما هُنالِكَ أي هنالك و (ما) صلة مَهْزُومٌ مغلوب، ممنوع عن الصعود إلى السماء مِنَ الْأَحْزابِ أي من جملة الأجناد. وقال أكثر المفسرين: يعني أن هؤلاء الملأ الذين يقولون هذا القول، جند مهزوم مقهور وأنت عليهم مظفر منصور. قال قتادة: وعده الله عزّ وجلّ بمكة أنّه سيهزمهم، فجاء تأويلها يوم بدر من الأحزاب، أيّ كالقرون الماضية الذين قهروا وأهلكوا، ثم قال معزّا لنبيه ﷺ‎ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتادِ قال ابن عبّاس: ذو البناء المحكم. وقال القتيبي: والعرب تقول: هم في عز ثابت الأوتاد، وملك ثابت الأوتاد. يريدون أنّه دائم شديد، وأصل هذا أن البيت من بيوتهم بأوتاده. قال الأسود بن يعفر: في ظل ملك ثابت الأوتاد. وقال الضحاك: ذو القوة والبطش. وقال الحلبي ومقاتل: كان يعذب الناس بالأوتاد، وكان إذا غضب على أحمد مدّه مستلقيا بين أربعة أوتاد كل رجل منه إلى سارية وكل يد منه إلى سارية، فيتركه كذلك في الهواء بين السماء والأرض حتّى يموت. وقال مقاتل بن حيان: كان يمد الرجل مستلقيا على الأرض ثم يشده بالأوتاد. وقال السدي: كان يمد الرجل ويشده بالأوتاد ويرسل عليه العقارب والحيّات. وقال قتادة وعطاء: كانت له أوتاد وأرسال وملاعب يلعب عليها بين يديه. وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ أُولئِكَ الْأَحْزابُ إِنْ كُلٌّ ما كل منهم إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ فوجب عليهم ونزل بهم عذابي وَما يَنْظُرُ ينتظر هؤُلاءِ يعني كفار مكة إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً وهي نفخة القيامة. وقد روي هذا التفسير مرفوعا إلى النبي (عليه السلام) . ما لَها مِنْ فَواقٍ. قال ابن عبّاس وقتادة: من رجوع. الوالبي: يزداد. مجاهد: نظرة. الضحاك: مستوية. وفيه لغتان: (فُواقٍ) بضم الفاء وهي لغة تميم، وقراءة يحيى والأعمش وحمزة والكسائي وخلف. و (فَواقٍ) بالفتح وهي لغة قريش، وقراءة سائر القرّاء واختيار أبي عبيد. قال الكسائي: هما لغتان بمعنى واحد، كما يقال حمام المكوك وحمامه، وقصاص الشعر وقصاصه. وفرّق الآخرون بينهما. قال أبو عبيدة والمؤرخ: بالفتح بمعنى الراحة والإفاقة كالجواب من الإجابة، ذهبا به إلى إفاقة المريض من علته، و (الفواق) بالضم ما بين الحلبتين، وهو أن يحلب الناقة ثم تترك ساعة حتّى يجتمع اللبن فما بين الحلبتين فواق. فاستعير في موضع الانتظار مدة يسيرة. قال رسول الله ﷺ‎: «من رابط فواق ناقة في سبيل الله حرّم الله جسده على النار» [[الجامع الصغير للسيوطي: 2/ 603 ح 8692، كنز العمال: 4/ 307 ح 10634.]] [108] . وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ. قال سعيد بن جبير عن ابن عبّاس: يعني كتابنا. وعنه أيضا: القط الصحيفة التي أحصت كل شيء. قال أبو العالية والكلبي: لمّا نزلت في الحاقة فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ [[سورة الحاقة: 19.]] ، وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ [[سورة الحاقة: 25.]] . قالوا على جهة الاستهزاء: (عَجِّلْ لَنا قِطَّنا) يعنون كتابنا عجّله لنا في الدّنيا. قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ. وقال الحسن وقتادة ومجاهد والسدي: يعني عقوبتنا وما كتب لنا من العذاب. قال عطاء: قاله النضر بن الحرث، وهو قوله: اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ، فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ» وهو الذي قال الله سبحانه سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ [[سورة المعارج: 1.]] قال عطاء: لقد نزلت فيه بضع عشرة آية من كتاب الله عزّ وجلّ. وقال سعيد بن جبير: يعنون حظنا ونصيبنا من الجنّة التي تقول. قال الفراء: القطّ في كلام العرب الحظ، ومنه قيل للصك قطّ [[تفسير القرطبي: 15/ 157، وفتح القدير: 4/ 424.]] . وقال أبو عبيدة والكسائي: القطّ الكتاب بالجوائة. قال الأعشى: ولا الملك النعمان يوم لقيته ... بغبطته يعطي القطوط ويأفق [[الصحاح للجوهري: 3/ 1154.]] يعني كتب الجوائز أيّ بفضل وبعلو، يقال فرس أفق وناقة أفقه إذا كانا كريمين، وفضّلا على غيرهما. وقال مجاهد: قِطَّنا حسابنا، ويقال لكتاب الحساب: قطّ، وأصل الكلمة من الكتابة. فقال الله سبحانه لنبيه (عليه السلام) : اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ ذا القوة في العبادة إِنَّهُ أَوَّابٌ مطيع. عن ابن عبّاس: رجّاع إلى التوبة. عن الضحاك، سعيد بن جبير: هو المسبّح بلغة الحبش [[فتح القدير: 4/ 427، والدر المنثور: 5/ 298.]] . أخبرني الحسين بن محمّد الدينوري قال: حدثنا الفضل بن الفضل الكندي قال: حدثنا أبو العبّاس عبد الله بن جعفر بن أحمد بن [فارس] ببغداد قال: حدثنا أحمد بن عبد الله بن القاسم قال: حدثنا عمرو بن حصين قال: حدثنا الحسين بن عمرو عن أبي بكر الهذلي عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ‎: «الزرقة يمن وكان داود النبي (عليه السلام) أزرق» [[انظر: الجامع الصغير: 2/ 33، وتفسير القرطبي: 6/ 17.]] [109] . إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بتسبيحه. قال ابن عبّاس: وكان يفهم تسبيح الحجر والشجر. بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ. أخبرني ابن فنجويه قال: حدثنا ابن شنبه قال: حدثنا الحسين بن يحيويه قال: حدثنا أبو أميّة محمّد بن إبراهيم قال: حدثنا الحجاج بن نصير قال: حدثنا أبو بكر الهذلي عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عبّاس قال: كنت أمرّ بهذه الآية لا أدري ما العشي والإشراق، حتّى حدثتني أم هاني بنت أبي طالب أن رسول الله (عليه السلام) دخل عليها فدعا بوضوء فتوضأ، ثم صلى الضحى وقال: «يا أم هاني هذه صلاة الإشراق» [110] [[مسند الحميدي: 1/ 160، مسند ابن راهويه: 5/ 19.]] . روى عطاء الخراساني عن ابن عبّاس قال: لم يزل في نفسي [من] صلاة الضحى شيء حتّى طلبتها في القرآن فوجدتها في هذه الآية يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ. قال عكرمة: وكان ابن عبّاس لا يصلي صلاة الضحى ثم صلّى بعدها. وروي أن كعب الأحبار قال لابن عبّاس رضي الله عنهما: إني لأجد في كتاب الله صلاة بعد طلوع الشمس. فقال ابن عبّاس: أنا أوجدك ذلك في كتاب الله في قصة داود يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ وليس الإشراق طلوع الشمس، إنّما هو صفاؤها وضوؤها. وَالطَّيْرَ أيّ وسخّرنا له الطير مَحْشُورَةً مجموعة كُلٌّ لَهُ أيّ لداود أَوَّابٌ مطيع وَشَدَدْنا مُلْكَهُ أيّ قوّيناه. وقرأ الحسن: وشدّدنا بتشديد الدال. قال ابن عبّاس: كان أشد ملوك الأرض سلطانا كان يحرس محرابه كل ليلة ثلاثة وثلاثون ألف رجل، فذلك قوله وَشَدَدْنا مُلْكَهُ بالحرس. وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا محمّد بن خالد بن الحسن قال: حدثنا داود بن سليمان قال: حدثنا عبد بن حميد قال: حدثنا محمّد بن الفضل قال: حدثنا داود بن أبي الفرات عن عليّ بن أحمد عن عكرمة عن ابن عبّاس: أن رجلا من بني إسرائيل استعدى على رجل من عظمائهم، فاجتمعا عند داود النبي فقال المستعدي: ان هذا غصبني بقرتي. فسأل داود الرجل عن ذلك فجحده، وسأل الآخر البيّنة فلم يكن له بيّنة. فقال لهما داود: قوما حتى أنظر في أمركما. فقاما من عنده، فأوحى الله سبحانه إلى داود (عليه السلام) في منامه: أن يقتل الرجل الذي استعدي عليه. فقال: هذه رؤيا ولست أعجل حتّى أتثبت. فأوحى الله سبحانه إليه مرة أخرى أن يقتله. فلم يفعل، فأوحى الله سبحانه وتعالى إليه الثالثة: أن يقتله أو تأتيه العقوبة من الله، فأرسل داود إلى الرجل فقال له: إن الله قد أوحى إليّ أن أقتلك. فقال له الرجل: تقتلني بغير بيّنة ولا ثبت! فقال له داود: نعم، والله لأنفذن أمر الله فيك. فلمّا عرف الرجل أنّه قاتله قال: لا تعجل حتّى أخبرك أني والله ما أخذت بهذا الذنب ولكني كنت اغتلت والد هذا فقتلته، فلذلك أخذت. فأمر به داود فقتل، فاشتدت هيبته في بني إسرائيل عند ذلك لداود، واشتد به ملكه فهو قوله سبحانه: وَشَدَدْنا مُلْكَهُ. وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ يعني النبوة والإصابة في الأمور. وقال أبو العالية: العلم الذي لا تردّه العقول. وَفَصْلَ الْخِطابِ قال ابن عبّاس: بيان الكلام. وقال الحسن والكلبي وابن مسعود ومقاتل وأبو عبد الرحمن السلمي: يعني علم الحكم والبصر بالقضاء، كأن لا يتتعتع في القضاء بين الناس، وهي إحدى الروايات عن ابن عبّاس. وقال علي بن أبي طالب: هو البيّنة على المدّعى واليمين على من أنكر. وأخبرنا أبو حفص عمر بن أحمد بن محمّد بن عمر الجوري قال: أخبرنا أبو بكر بالويه بن محمّد بن بالويه المربتاني بها، قال: حدثنا محمّد بن حفص الحوني قال: حدثنا نصر بن علي الخميصمي قال: أخبرنا أبو أحمد قال: أخبرنا شريك عن الأعمش عن أبي صالح عن كعب في قوله وَفَصْلَ الْخِطابِ قال: الشهود والإيمان. أنبأني عبد الله بن حامد قال: أخبرنا عبد الله بن محمّد قال: حدثنا محمّد بن يحيى قال: حدثنا وهب بن جرير قال: أخبرنا [شعبة] عن الحكم عن شريح في قوله وَفَصْلَ الْخِطابِ قال: الشهود والإيمان. وهو قول مجاهد وعطاء بن أبي رباح. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدثنا عبد الله بن عبد الله بن أبي سمرة البغوي قال: حدثنا أحمد بن محمّد أبي شيبة قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم البغوي قال: حدثنا إسحاق بن يوسف الأزرق عن زكريا يعني ابن أبي زائدة عن [السبيعي] قال: سمعت زيادا يقول: فَصْلَ الْخِطابِ الذي أعطي داود، أما بعد وهو أوّل من قالها. وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ الآية. اختلف العلماء بأخبار الأنبياء في سبب امتحان الله سبحانه نبيّه داود بما امتحنه به من الخطيئة. فقال قوم: كان سبب ذلك أنه تمنى يوما من الأيام على ربّه عزّ وجلّ منزلة آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب (عليهم السلام) وسأله أن يمتحنه نحو الذي كان امتحنهم، ويعطيه من الفضل نحو الذي كان أعطاهم. وروى السدي والكلبي ومقاتل: عن أشياخهم دخل حديث بعضهم في بعض قالوا: كان داود قد قسّم الدهر ثلاثة أيام: يوما يقضي فيه بين الناس، ويوما يخلوا فيه لعبادة ربّه، ويوما يخلوا فيه لنسائه وأشغاله. وكان يجد فيما يقرأ من الكتب فضل إبراهيم وإسحاق ويعقوب فقال: يا رب أرى الخير كله قد ذهب به آبائي الذين كانوا قبلي. فأوحى الله عزّ وجلّ إليه: أنهم ابتلوا ببلاء ما لم تبتل بشيء من ذلك فصبروا عليها. ابتلى إبراهيم بنمرود وبذبح ابنه، وابتلى إسحاق بالذبح وبذهاب بصره، وابتلى يعقوب بالحزن على يوسف. وأنك لم تبتل بشيء من ذلك. فقال داود: ربّ فابتلني بمثل ما ابتليتهم وأعطني مثل ما أعطيتهم. فأوحى الله سبحانه إليه: أنك مبتلى في شهر كذا في يوم كذا واحترس. فلمّا كان ذلك اليوم الذي وعده الله تعالى، دخل داود محرابه وأغلق بابه وجعل يصلي ويقرأ الزبور، فبينا هو كذلك إذ جاءه الشيطان قد تمثل في صورة حمامة من ذهب فيها من كل لون حسن، فوقعت بين رجليه، فمدّ يده ليأخذها ويدفعها إلى ابن صغير له، فلما أهوى إليها طارت غير بعيد، من غير أن تؤيسه من نفسها فامتد إليها ليأخذها فتنحت، فتبعها فطارت حتّى وقعت في كوة، فذهب ليأخذها فطارت من الكوة، فنظر داود أين تقع، فبعث إليها من يصيدها، فأبصر امرأة في بستان على شط بركة لها تغتسل، هذا قول الكلبي. وقال السدي: رآها تغتسل على سطح لها، فرأى امرأة من أجمل النساء خلقا، فتعجب داود من حسنها وحانت منها التفاتة وأبصرت ظله، فنفضت شعرها فغطى بدنها، فزاده ذلك إعجابا بها فسأل عنها. فقيل: هي تشايع بنت شايع امرأة أوريا بن حنانا، وزوجها في غزاة بالبلقاء مع أيوب بن صوريا ابن أخت داود. فكتب داود إلى ابن أخته أيوب صاحب بعث البلقاء: أن ابعث أوريا إلى موضع كذا وقدّمه قبل التابوت وكان من قدّم على التابوت لا يحل له أن يرجع وراءه حتّى يفتح الله سبحانه على يديه أو يستشهد، فبعثه وقدّمه ففتح له، فكتب إلى داود بذلك، فكتب إليه أيضا: أن ابعثه إلى عدو كذا وكذا. فبعثه ففتح له، فكتب إلى داود بذلك، فكتب إليه أيضا: أن ابعثه إلى عدو كذا أشدّ منه بأسا. فبعثه فقتل في المرة الثالثة، فلمّا انقضت عدّة المرأة تزوّجها داود فهي أم سليمان [[هذه القصة الخرافة التي يجل الله عنها أولياءه فضلا عن أنبيائه، وردت في تفسير الطبري: 23/ 175، وتاريخ الطبري: 1/ 338، ومستدرك الحاكم: 2/ 586.]] . وقال آخرون: سبب امتحانه أن نفسه حدثته أنّه يطيق قطع يوم بغير مقارفة. وهو ما أخبرنا شعيب بن محمّد قال: أخبرنا مكي بن عبدان قال: حدثنا أحمد بن الأزهر قال: حدثنا روح بن عبادة قال: حدثنا سعيد عن مطر عن الحسن قال: إن داود جزّأ الدهر أربعة أجزاء: يوما لنسائه، ويوما للعبادة، ويوما للقضاء بين بني إسرائيل، ويوما لبني إسرائيل يذاكرهم ويذاكرونه ويبكيهم ويبكونه. قال: فلما كان يوم بني إسرائيل ذكروا فقالوا: هل يأتي على الإنسان يوم لا يصيب فيه ذنبا؟ فأضمر داود في نفسه أنه سيطبق ذلك، فلما كان يوم عبادته غلق أبوابه وأمر أن لا يدخل عليه أحد، وأكبّ على قراءة التوراة، فبينما هو يقرأ إذ حمامة من ذهب فيها من كل لون حسن قد وقعت بين يديه، فأهوى إليها ليأخذها، فطارت فوقعت غير بعيد من غير أن تؤيسه من نفسها، فما زال يتبعها حتّى أشرف على امرأة تغتسل فأعجبه خلقها وحسنها، فلمّا رأت ظله في الأرض جللت نفسها بشعرها، فزاده ذلك بها إعجابا، وكان قد بعث زوجها على بعض جيوشه، فكتب إليه أن أسر إلى مكان كذا وكذا مكانا، إذا سار إليه قتل ولم يرجع ففعل فأصيب، فخطبها داود فتزوجها [[تفسير الطبري: 23/ 176، تفسير القرآن للصنعاني: 3/ 161.]] . وقال بعضهم: في سبب ذلك ما أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن محمّد قال: حدثنا مخلد ابن جعفر الباقرجي قال: حدثنا الحسين بن علوية قال: حدثنا إسماعيل قال: حدثنا إسحاق قال: حدثنا سعيد بن بشير عن قتادة عن الحسن قال: قال داود لبني إسرائيل حين ملك: والله لأعدلن بينكم، فلم يستثن فابتلي به [[زاد المسير: 6/ 326.]] . وقال أبو بكر محمّد بن عمر الوراق: كان سبب ذلك أن داود (عليه السلام) كان كثير العبادة فأعجب بعلمه فقال: هل في الأرض أحد يعمل عملي؟ فأتاه جبرئيل فقال: ان الله عزّ وجلّ يقول: أعجبت بعبادتك والعجب يأكل العبادة، فإن أعجبت ثانيا وكلتك إلى نفسك. قال: يا رب كلني إلى نفسي سنة. قال إنها لكثيرة. قال: فساعة. قال: شأنك بها. فوكل الأحراس ولبس الصوف ودخل المحراب ووضع الزبور بين يديه، فبينا هو في نسكه وعبادته إذ وقع الطائر بين يديه وكان من أمر المرأة ما كان. قالوا: فلمّا دخل داود بامرأة أوريا لم تلبث إلّا يسيرا حتّى بعث الله سبحانه ملكين في صورة إنسيين فطلبا أن يدخلا عليه، فوجداه في يوم عبادته فمنعهما الحرس أن يدخلا عليه، فتسورا المحراب عليه، فما شعر وهو يصلي إلّا وهو بهما بين يديه جالسين [[تفسير الطبري: 23/ 175.]] ، فذلك قوله: وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا وإنّما جعلوا جمع الفعل، لأن الخصم اسم يصلح للواحد والجميع والإثنين والمذكر والمؤنث. قال لبيد: وخصم يعدون الدخول كأنهم ... قروم غيارى كل أزهر مصعب [[لسان العرب: 12/ 180.]] وقال آخر: وخصم عضاب ينفضون لحاهم ... كنفض البراذين العراب المخاليا [[فتح القدير: 4/ 425.]] وإنّما جمع وهما اثنان، لأن معنى الجمع ضم شيء إلى شيء فالاثنان فما فوقهما جماعة، كقوله عزّ وجلّ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما [[سورة التحريم: 4.]] .

ص 38:18

بَلْ لَمَّا أي لم يَذُوقُوا عَذابِ ولو ذاقوه لما قالوا هذا القول أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ نعمة رَبِّكَ يعني مفاتيح النبوة، نظيرها في الزخرف أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ [[سورة الزخرف: 32.]] أي نبوة ربك الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ أي فليصعدوا في الجبال إلى السماوات، فليأتوا منها بالوحي إلى من يختارون ويشاؤن، وهذا أمر توبيخ وتعجيز. وقال الضحاك ومجاهد وقتادة: أراد بالأسباب: أبواب السماء وطرقها. جُنْدٌ أي هم جند ما هُنالِكَ أي هنالك و (ما) صلة مَهْزُومٌ مغلوب، ممنوع عن الصعود إلى السماء مِنَ الْأَحْزابِ أي من جملة الأجناد. وقال أكثر المفسرين: يعني أن هؤلاء الملأ الذين يقولون هذا القول، جند مهزوم مقهور وأنت عليهم مظفر منصور. قال قتادة: وعده الله عزّ وجلّ بمكة أنّه سيهزمهم، فجاء تأويلها يوم بدر من الأحزاب، أيّ كالقرون الماضية الذين قهروا وأهلكوا، ثم قال معزّا لنبيه ﷺ‎ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتادِ قال ابن عبّاس: ذو البناء المحكم. وقال القتيبي: والعرب تقول: هم في عز ثابت الأوتاد، وملك ثابت الأوتاد. يريدون أنّه دائم شديد، وأصل هذا أن البيت من بيوتهم بأوتاده. قال الأسود بن يعفر: في ظل ملك ثابت الأوتاد. وقال الضحاك: ذو القوة والبطش. وقال الحلبي ومقاتل: كان يعذب الناس بالأوتاد، وكان إذا غضب على أحمد مدّه مستلقيا بين أربعة أوتاد كل رجل منه إلى سارية وكل يد منه إلى سارية، فيتركه كذلك في الهواء بين السماء والأرض حتّى يموت. وقال مقاتل بن حيان: كان يمد الرجل مستلقيا على الأرض ثم يشده بالأوتاد. وقال السدي: كان يمد الرجل ويشده بالأوتاد ويرسل عليه العقارب والحيّات. وقال قتادة وعطاء: كانت له أوتاد وأرسال وملاعب يلعب عليها بين يديه. وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ أُولئِكَ الْأَحْزابُ إِنْ كُلٌّ ما كل منهم إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ فوجب عليهم ونزل بهم عذابي وَما يَنْظُرُ ينتظر هؤُلاءِ يعني كفار مكة إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً وهي نفخة القيامة. وقد روي هذا التفسير مرفوعا إلى النبي (عليه السلام) . ما لَها مِنْ فَواقٍ. قال ابن عبّاس وقتادة: من رجوع. الوالبي: يزداد. مجاهد: نظرة. الضحاك: مستوية. وفيه لغتان: (فُواقٍ) بضم الفاء وهي لغة تميم، وقراءة يحيى والأعمش وحمزة والكسائي وخلف. و (فَواقٍ) بالفتح وهي لغة قريش، وقراءة سائر القرّاء واختيار أبي عبيد. قال الكسائي: هما لغتان بمعنى واحد، كما يقال حمام المكوك وحمامه، وقصاص الشعر وقصاصه. وفرّق الآخرون بينهما. قال أبو عبيدة والمؤرخ: بالفتح بمعنى الراحة والإفاقة كالجواب من الإجابة، ذهبا به إلى إفاقة المريض من علته، و (الفواق) بالضم ما بين الحلبتين، وهو أن يحلب الناقة ثم تترك ساعة حتّى يجتمع اللبن فما بين الحلبتين فواق. فاستعير في موضع الانتظار مدة يسيرة. قال رسول الله ﷺ‎: «من رابط فواق ناقة في سبيل الله حرّم الله جسده على النار» [[الجامع الصغير للسيوطي: 2/ 603 ح 8692، كنز العمال: 4/ 307 ح 10634.]] [108] . وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ. قال سعيد بن جبير عن ابن عبّاس: يعني كتابنا. وعنه أيضا: القط الصحيفة التي أحصت كل شيء. قال أبو العالية والكلبي: لمّا نزلت في الحاقة فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ [[سورة الحاقة: 19.]] ، وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ [[سورة الحاقة: 25.]] . قالوا على جهة الاستهزاء: (عَجِّلْ لَنا قِطَّنا) يعنون كتابنا عجّله لنا في الدّنيا. قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ. وقال الحسن وقتادة ومجاهد والسدي: يعني عقوبتنا وما كتب لنا من العذاب. قال عطاء: قاله النضر بن الحرث، وهو قوله: اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ، فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ» وهو الذي قال الله سبحانه سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ [[سورة المعارج: 1.]] قال عطاء: لقد نزلت فيه بضع عشرة آية من كتاب الله عزّ وجلّ. وقال سعيد بن جبير: يعنون حظنا ونصيبنا من الجنّة التي تقول. قال الفراء: القطّ في كلام العرب الحظ، ومنه قيل للصك قطّ [[تفسير القرطبي: 15/ 157، وفتح القدير: 4/ 424.]] . وقال أبو عبيدة والكسائي: القطّ الكتاب بالجوائة. قال الأعشى: ولا الملك النعمان يوم لقيته ... بغبطته يعطي القطوط ويأفق [[الصحاح للجوهري: 3/ 1154.]] يعني كتب الجوائز أيّ بفضل وبعلو، يقال فرس أفق وناقة أفقه إذا كانا كريمين، وفضّلا على غيرهما. وقال مجاهد: قِطَّنا حسابنا، ويقال لكتاب الحساب: قطّ، وأصل الكلمة من الكتابة. فقال الله سبحانه لنبيه (عليه السلام) : اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ ذا القوة في العبادة إِنَّهُ أَوَّابٌ مطيع. عن ابن عبّاس: رجّاع إلى التوبة. عن الضحاك، سعيد بن جبير: هو المسبّح بلغة الحبش [[فتح القدير: 4/ 427، والدر المنثور: 5/ 298.]] . أخبرني الحسين بن محمّد الدينوري قال: حدثنا الفضل بن الفضل الكندي قال: حدثنا أبو العبّاس عبد الله بن جعفر بن أحمد بن [فارس] ببغداد قال: حدثنا أحمد بن عبد الله بن القاسم قال: حدثنا عمرو بن حصين قال: حدثنا الحسين بن عمرو عن أبي بكر الهذلي عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ‎: «الزرقة يمن وكان داود النبي (عليه السلام) أزرق» [[انظر: الجامع الصغير: 2/ 33، وتفسير القرطبي: 6/ 17.]] [109] . إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بتسبيحه. قال ابن عبّاس: وكان يفهم تسبيح الحجر والشجر. بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ. أخبرني ابن فنجويه قال: حدثنا ابن شنبه قال: حدثنا الحسين بن يحيويه قال: حدثنا أبو أميّة محمّد بن إبراهيم قال: حدثنا الحجاج بن نصير قال: حدثنا أبو بكر الهذلي عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عبّاس قال: كنت أمرّ بهذه الآية لا أدري ما العشي والإشراق، حتّى حدثتني أم هاني بنت أبي طالب أن رسول الله (عليه السلام) دخل عليها فدعا بوضوء فتوضأ، ثم صلى الضحى وقال: «يا أم هاني هذه صلاة الإشراق» [110] [[مسند الحميدي: 1/ 160، مسند ابن راهويه: 5/ 19.]] . روى عطاء الخراساني عن ابن عبّاس قال: لم يزل في نفسي [من] صلاة الضحى شيء حتّى طلبتها في القرآن فوجدتها في هذه الآية يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ. قال عكرمة: وكان ابن عبّاس لا يصلي صلاة الضحى ثم صلّى بعدها. وروي أن كعب الأحبار قال لابن عبّاس رضي الله عنهما: إني لأجد في كتاب الله صلاة بعد طلوع الشمس. فقال ابن عبّاس: أنا أوجدك ذلك في كتاب الله في قصة داود يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ وليس الإشراق طلوع الشمس، إنّما هو صفاؤها وضوؤها. وَالطَّيْرَ أيّ وسخّرنا له الطير مَحْشُورَةً مجموعة كُلٌّ لَهُ أيّ لداود أَوَّابٌ مطيع وَشَدَدْنا مُلْكَهُ أيّ قوّيناه. وقرأ الحسن: وشدّدنا بتشديد الدال. قال ابن عبّاس: كان أشد ملوك الأرض سلطانا كان يحرس محرابه كل ليلة ثلاثة وثلاثون ألف رجل، فذلك قوله وَشَدَدْنا مُلْكَهُ بالحرس. وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا محمّد بن خالد بن الحسن قال: حدثنا داود بن سليمان قال: حدثنا عبد بن حميد قال: حدثنا محمّد بن الفضل قال: حدثنا داود بن أبي الفرات عن عليّ بن أحمد عن عكرمة عن ابن عبّاس: أن رجلا من بني إسرائيل استعدى على رجل من عظمائهم، فاجتمعا عند داود النبي فقال المستعدي: ان هذا غصبني بقرتي. فسأل داود الرجل عن ذلك فجحده، وسأل الآخر البيّنة فلم يكن له بيّنة. فقال لهما داود: قوما حتى أنظر في أمركما. فقاما من عنده، فأوحى الله سبحانه إلى داود (عليه السلام) في منامه: أن يقتل الرجل الذي استعدي عليه. فقال: هذه رؤيا ولست أعجل حتّى أتثبت. فأوحى الله سبحانه إليه مرة أخرى أن يقتله. فلم يفعل، فأوحى الله سبحانه وتعالى إليه الثالثة: أن يقتله أو تأتيه العقوبة من الله، فأرسل داود إلى الرجل فقال له: إن الله قد أوحى إليّ أن أقتلك. فقال له الرجل: تقتلني بغير بيّنة ولا ثبت! فقال له داود: نعم، والله لأنفذن أمر الله فيك. فلمّا عرف الرجل أنّه قاتله قال: لا تعجل حتّى أخبرك أني والله ما أخذت بهذا الذنب ولكني كنت اغتلت والد هذا فقتلته، فلذلك أخذت. فأمر به داود فقتل، فاشتدت هيبته في بني إسرائيل عند ذلك لداود، واشتد به ملكه فهو قوله سبحانه: وَشَدَدْنا مُلْكَهُ. وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ يعني النبوة والإصابة في الأمور. وقال أبو العالية: العلم الذي لا تردّه العقول. وَفَصْلَ الْخِطابِ قال ابن عبّاس: بيان الكلام. وقال الحسن والكلبي وابن مسعود ومقاتل وأبو عبد الرحمن السلمي: يعني علم الحكم والبصر بالقضاء، كأن لا يتتعتع في القضاء بين الناس، وهي إحدى الروايات عن ابن عبّاس. وقال علي بن أبي طالب: هو البيّنة على المدّعى واليمين على من أنكر. وأخبرنا أبو حفص عمر بن أحمد بن محمّد بن عمر الجوري قال: أخبرنا أبو بكر بالويه بن محمّد بن بالويه المربتاني بها، قال: حدثنا محمّد بن حفص الحوني قال: حدثنا نصر بن علي الخميصمي قال: أخبرنا أبو أحمد قال: أخبرنا شريك عن الأعمش عن أبي صالح عن كعب في قوله وَفَصْلَ الْخِطابِ قال: الشهود والإيمان. أنبأني عبد الله بن حامد قال: أخبرنا عبد الله بن محمّد قال: حدثنا محمّد بن يحيى قال: حدثنا وهب بن جرير قال: أخبرنا [شعبة] عن الحكم عن شريح في قوله وَفَصْلَ الْخِطابِ قال: الشهود والإيمان. وهو قول مجاهد وعطاء بن أبي رباح. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدثنا عبد الله بن عبد الله بن أبي سمرة البغوي قال: حدثنا أحمد بن محمّد أبي شيبة قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم البغوي قال: حدثنا إسحاق بن يوسف الأزرق عن زكريا يعني ابن أبي زائدة عن [السبيعي] قال: سمعت زيادا يقول: فَصْلَ الْخِطابِ الذي أعطي داود، أما بعد وهو أوّل من قالها. وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ الآية. اختلف العلماء بأخبار الأنبياء في سبب امتحان الله سبحانه نبيّه داود بما امتحنه به من الخطيئة. فقال قوم: كان سبب ذلك أنه تمنى يوما من الأيام على ربّه عزّ وجلّ منزلة آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب (عليهم السلام) وسأله أن يمتحنه نحو الذي كان امتحنهم، ويعطيه من الفضل نحو الذي كان أعطاهم. وروى السدي والكلبي ومقاتل: عن أشياخهم دخل حديث بعضهم في بعض قالوا: كان داود قد قسّم الدهر ثلاثة أيام: يوما يقضي فيه بين الناس، ويوما يخلوا فيه لعبادة ربّه، ويوما يخلوا فيه لنسائه وأشغاله. وكان يجد فيما يقرأ من الكتب فضل إبراهيم وإسحاق ويعقوب فقال: يا رب أرى الخير كله قد ذهب به آبائي الذين كانوا قبلي. فأوحى الله عزّ وجلّ إليه: أنهم ابتلوا ببلاء ما لم تبتل بشيء من ذلك فصبروا عليها. ابتلى إبراهيم بنمرود وبذبح ابنه، وابتلى إسحاق بالذبح وبذهاب بصره، وابتلى يعقوب بالحزن على يوسف. وأنك لم تبتل بشيء من ذلك. فقال داود: ربّ فابتلني بمثل ما ابتليتهم وأعطني مثل ما أعطيتهم. فأوحى الله سبحانه إليه: أنك مبتلى في شهر كذا في يوم كذا واحترس. فلمّا كان ذلك اليوم الذي وعده الله تعالى، دخل داود محرابه وأغلق بابه وجعل يصلي ويقرأ الزبور، فبينا هو كذلك إذ جاءه الشيطان قد تمثل في صورة حمامة من ذهب فيها من كل لون حسن، فوقعت بين رجليه، فمدّ يده ليأخذها ويدفعها إلى ابن صغير له، فلما أهوى إليها طارت غير بعيد، من غير أن تؤيسه من نفسها فامتد إليها ليأخذها فتنحت، فتبعها فطارت حتّى وقعت في كوة، فذهب ليأخذها فطارت من الكوة، فنظر داود أين تقع، فبعث إليها من يصيدها، فأبصر امرأة في بستان على شط بركة لها تغتسل، هذا قول الكلبي. وقال السدي: رآها تغتسل على سطح لها، فرأى امرأة من أجمل النساء خلقا، فتعجب داود من حسنها وحانت منها التفاتة وأبصرت ظله، فنفضت شعرها فغطى بدنها، فزاده ذلك إعجابا بها فسأل عنها. فقيل: هي تشايع بنت شايع امرأة أوريا بن حنانا، وزوجها في غزاة بالبلقاء مع أيوب بن صوريا ابن أخت داود. فكتب داود إلى ابن أخته أيوب صاحب بعث البلقاء: أن ابعث أوريا إلى موضع كذا وقدّمه قبل التابوت وكان من قدّم على التابوت لا يحل له أن يرجع وراءه حتّى يفتح الله سبحانه على يديه أو يستشهد، فبعثه وقدّمه ففتح له، فكتب إلى داود بذلك، فكتب إليه أيضا: أن ابعثه إلى عدو كذا وكذا. فبعثه ففتح له، فكتب إلى داود بذلك، فكتب إليه أيضا: أن ابعثه إلى عدو كذا أشدّ منه بأسا. فبعثه فقتل في المرة الثالثة، فلمّا انقضت عدّة المرأة تزوّجها داود فهي أم سليمان [[هذه القصة الخرافة التي يجل الله عنها أولياءه فضلا عن أنبيائه، وردت في تفسير الطبري: 23/ 175، وتاريخ الطبري: 1/ 338، ومستدرك الحاكم: 2/ 586.]] . وقال آخرون: سبب امتحانه أن نفسه حدثته أنّه يطيق قطع يوم بغير مقارفة. وهو ما أخبرنا شعيب بن محمّد قال: أخبرنا مكي بن عبدان قال: حدثنا أحمد بن الأزهر قال: حدثنا روح بن عبادة قال: حدثنا سعيد عن مطر عن الحسن قال: إن داود جزّأ الدهر أربعة أجزاء: يوما لنسائه، ويوما للعبادة، ويوما للقضاء بين بني إسرائيل، ويوما لبني إسرائيل يذاكرهم ويذاكرونه ويبكيهم ويبكونه. قال: فلما كان يوم بني إسرائيل ذكروا فقالوا: هل يأتي على الإنسان يوم لا يصيب فيه ذنبا؟ فأضمر داود في نفسه أنه سيطبق ذلك، فلما كان يوم عبادته غلق أبوابه وأمر أن لا يدخل عليه أحد، وأكبّ على قراءة التوراة، فبينما هو يقرأ إذ حمامة من ذهب فيها من كل لون حسن قد وقعت بين يديه، فأهوى إليها ليأخذها، فطارت فوقعت غير بعيد من غير أن تؤيسه من نفسها، فما زال يتبعها حتّى أشرف على امرأة تغتسل فأعجبه خلقها وحسنها، فلمّا رأت ظله في الأرض جللت نفسها بشعرها، فزاده ذلك بها إعجابا، وكان قد بعث زوجها على بعض جيوشه، فكتب إليه أن أسر إلى مكان كذا وكذا مكانا، إذا سار إليه قتل ولم يرجع ففعل فأصيب، فخطبها داود فتزوجها [[تفسير الطبري: 23/ 176، تفسير القرآن للصنعاني: 3/ 161.]] . وقال بعضهم: في سبب ذلك ما أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن محمّد قال: حدثنا مخلد ابن جعفر الباقرجي قال: حدثنا الحسين بن علوية قال: حدثنا إسماعيل قال: حدثنا إسحاق قال: حدثنا سعيد بن بشير عن قتادة عن الحسن قال: قال داود لبني إسرائيل حين ملك: والله لأعدلن بينكم، فلم يستثن فابتلي به [[زاد المسير: 6/ 326.]] . وقال أبو بكر محمّد بن عمر الوراق: كان سبب ذلك أن داود (عليه السلام) كان كثير العبادة فأعجب بعلمه فقال: هل في الأرض أحد يعمل عملي؟ فأتاه جبرئيل فقال: ان الله عزّ وجلّ يقول: أعجبت بعبادتك والعجب يأكل العبادة، فإن أعجبت ثانيا وكلتك إلى نفسك. قال: يا رب كلني إلى نفسي سنة. قال إنها لكثيرة. قال: فساعة. قال: شأنك بها. فوكل الأحراس ولبس الصوف ودخل المحراب ووضع الزبور بين يديه، فبينا هو في نسكه وعبادته إذ وقع الطائر بين يديه وكان من أمر المرأة ما كان. قالوا: فلمّا دخل داود بامرأة أوريا لم تلبث إلّا يسيرا حتّى بعث الله سبحانه ملكين في صورة إنسيين فطلبا أن يدخلا عليه، فوجداه في يوم عبادته فمنعهما الحرس أن يدخلا عليه، فتسورا المحراب عليه، فما شعر وهو يصلي إلّا وهو بهما بين يديه جالسين [[تفسير الطبري: 23/ 175.]] ، فذلك قوله: وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا وإنّما جعلوا جمع الفعل، لأن الخصم اسم يصلح للواحد والجميع والإثنين والمذكر والمؤنث. قال لبيد: وخصم يعدون الدخول كأنهم ... قروم غيارى كل أزهر مصعب [[لسان العرب: 12/ 180.]] وقال آخر: وخصم عضاب ينفضون لحاهم ... كنفض البراذين العراب المخاليا [[فتح القدير: 4/ 425.]] وإنّما جمع وهما اثنان، لأن معنى الجمع ضم شيء إلى شيء فالاثنان فما فوقهما جماعة، كقوله عزّ وجلّ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما [[سورة التحريم: 4.]] .