Lafzullah

Tefsîru's-Sa'lebî — el-Keşf ve'l-Beyân an Tefsîri'l-Kur'ân — الفتح 48:28 – ق 50:25

المؤلف / المصدر: Ebû İshâk Ahmed b. Muhammed es-Sa'lebî (ö. 427h)

المحتويات
  1. الفتح 48:28
  2. الفتح 48:29
  3. الحجرات 49:1
  4. الحجرات 49:2
  5. الحجرات 49:3
  6. الحجرات 49:4
  7. الحجرات 49:5
  8. الحجرات 49:6
  9. الحجرات 49:7
  10. الحجرات 49:8
  11. الحجرات 49:9
  12. الحجرات 49:10
  13. الحجرات 49:11
  14. الحجرات 49:12
  15. الحجرات 49:13
  16. الحجرات 49:14
  17. الحجرات 49:15
  18. الحجرات 49:16
  19. الحجرات 49:17
  20. الحجرات 49:18
  21. ق 50:1
  22. ق 50:2
  23. ق 50:3
  24. ق 50:4
  25. ق 50:5
  26. ق 50:6
  27. ق 50:7
  28. ق 50:8
  29. ق 50:9
  30. ق 50:10
  31. ق 50:11
  32. ق 50:12
  33. ق 50:13
  34. ق 50:14
  35. ق 50:15
  36. ق 50:16
  37. ق 50:17
  38. ق 50:18
  39. ق 50:19
  40. ق 50:20
  41. ق 50:21
  42. ق 50:22
  43. ق 50:23
  44. ق 50:24
  45. ق 50:25

الفتح 48:28

هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً أنّك نبي صادق فيما تخبر، ونصب شَهِيداً على التفسير وقيل: على الحال، والقطع، ثمّ قال: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ تمّ الكلام هاهنا، ثمّ قال مبتدئا: وَالَّذِينَ مَعَهُ (الواو) فيه (واو) الاستئناف وَالَّذِينَ في محل الرفع على الابتداء أَشِدَّاءُ غلاظ عَلَى الْكُفَّارِ لا تأخذهم فيهم رأفة. رُحَماءُ بَيْنَهُمْ متعاطفون متوادّون بعضهم على بعض كقوله تعالى: أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ [[سورة المائدة: 54.]] . تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ أن يدخلهم جنّته وَرِضْواناً أن يرضى عنهم. سِيماهُمْ علامتهم فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ واختلف العلماء في هذه السيماء، فقال قوم: هو نور وبياض في وجوههم يوم القيامة، يعرفون بتلك العلامة، أنّهم سجدوا في الدّنيا، وهي رواية العوفي، عن ابن عبّاس، وقال عطاء بن أبي رباح والربيع بن أنس: استنارت وجوههم من كثرة ما صلّوا. وقال شهر بن حوشب: تكون مواضع السجود من وجوههم، كالقمر ليلة البدر. قال آخرون: السمت الحسن، والخشوع، والتواضع، وهو رواية الوالبي عن ابن عبّاس، قال: أما إنّه ليس بالذي ترون، ولكنّه سيماء الإسلام وسجيّته، وسمته وخشوعه، وقال منصور: سألت مجاهدا عن قوله سبحانه وتعالى: سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ، أهو الأثر يكون بين عينيّ الرجل؟ قال: لا ربّما يكون بين عينيّ الرجل، مثل ركبة العنز، وهو أقسى قلبا من الحجارة، ولكنّه نور في وجوههم من الخشوع، وقال ابن جريج: هو الوقار، والبهاء، وقال سمرة بن عطية: هو البهج، والصفرة في الوجوه، وأثر السهرة. قال الحسن: إذا رأيتهم حسبتهم مرضى، وما هم بمرضى، وقال الضحّاك: أمّا إنّه ليس بالندب في الوجوه، ولكنّه الصفرة. وقال عكرمة، وسعيد بن جبير: هو أثر التراب على جباههم. قال أبو العالية: يسجدون على التراب لا على الأثواب، وقال سفيان الثوري: يصلّون بالليل، فإذا أصبحوا رؤي ذلك في وجوههم، بيانه قوله: ﷺ‎: «من كثر صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار» [55] [[الجامع الصغير: 2/ 640 كنز العمال: 7/ 783.]] . قال الزهري: يكون ذلك يوم القيامة، وقال بعضهم: هو ندب السجود، وعلته في الجبهة من كثرة السجود. وبلغنا في بعض الأخبار إنّ الله تعالى يقول يوم القيامة: يا نار أنضجي، يا نار أحرقي، وموضع السجود فلا تقربي ، وقال عطاء الخراساني: دخل في هذه الآية كلّ من حافظ على الصلوات الخمسة. ذلِكَ الذي ذكرت مَثَلُهُمْ صفتهم فِي التَّوْراةِ وهاهنا تمّ الكلام، ثمّ قال: وَمَثَلُهُمْ صفتهم فِي الْإِنْجِيلِ فهما مثلان كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ قرأه العامّة بجزم (الطاء) ، وقرأ بعض أهل مكّة، والشام بفتحه، وقرأ أنس، والحسن، ويحيى بن وثاب (شطاه) مثل عصاه. وقرأ الجحدري (شطه) بلا همزة، وكلّها لغات. قال أنس: (شَطْأَهُ) نباته، وقال ابن عبّاس: سنبلة حين يلسع نباته عن جنانه. ابن زيد: أولاده. مجاهد، والضحّاك: ما يخرج بجنب الحقلة فينمو ويتمّ عطاء جوانبه. مقاتل: هو نبت واحد، فإذا خرج ما بعده، فهو (شطأه) . السدّي: هو أن يخرج معه ألطافه الأخرى. الكسائي: طرفه. الفراء: شطأ الزرع أن ينبت سبعا، أو ثمانيا، أو عشرا. قال الأخفش: فراخة يقال: أشطأ الزرع، فهو مشطي إذا أفرخ، وقال الشاعر: أخرج الشطأ على وجه الثرى ... ومن الأشجار أفنان الثمر [[فتح القدير: 5/ 56.]] وهذا مثل ضربه الله تعالى لأصحاب محمّد (عليه السلام) يعني أنّهم يكونون قليلا، ثمّ يزدادون، ويكثرون، ويقوون، وقال قتادة: مثل أصحاب محمّد (عليه السلام) في الإنجيل مكتوب أنّه سيخرج قوم ينبتون نبات الزرع، يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر. فَآزَرَهُ قوّاه وأعانه وشد أزره فَاسْتَغْلَظَ فغلظ، وقوى فَاسْتَوى نما وتلاحق نباته، وقام عَلى سُوقِهِ أصوله يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ يعني أنّ الله تعالى فعل ذلك بمحمّد ﷺ‎ وأصحابه لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ. أخبرنا عبد الخالق بن علي بن عبد الخالق، أخبرنا أبو بكر محمّد بن يوسف بن حاتم بن نصر، حدّثنا الحسن بن عثمان، حدّثنا أحمد بن منصور الحنظلي، المعروف بزاج المروزي، حدّثنا سلمة بن سليمان، حدّثنا عبد الله بن المبارك، حدّثنا مبارك بن فضلة، عن الحسن في قوله تعالى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ قال: هو محمّد ﷺ‎ وَالَّذِينَ مَعَهُ أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ عمر بن الخطّاب رضي الله عنه رُحَماءُ بَيْنَهُمْ عثمان بن عفّان رضي الله عنه تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً علي بن أبي طالب رضي الله عنه يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً طلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد، وسعيد، وأبو عبيدة الجرّاح سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ قال: المبشّرون عشرة أوّلهم أبو بكر، وآخرهم أبو عبيدة الجراح ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ قال: نعتهم في التوراة والإنجيل كمثل زرع قال: الزرع محمّد ﷺ‎ أَخْرَجَ شَطْأَهُ أبو بكر الصدّيق، فَآزَرَهُ عمر بن الخطّاب فَاسْتَغْلَظَ عثمان بن عفّان، يعني استغلظ بعثمان الإسلام فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ علي بن أبي طالب يعني استقام الإسلام بسيفه يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ قال: المؤمنون لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ قال: قول عمر لأهل مكّة: لا نعبد الله سرّا بعد هذا اليوم. أخبرنا ابن منجويه الدينوري، حدّثنا عبد الله بن محمّد بن شنبه، حدّثنا أحمد بن جعفر بن حمدان، حدّثنا محمّد بن مسلم بن واره، حدّثنا الحسين بن الربيع، قال: قال ابن إدريس ما آمن بأن يكونوا قد ضارعوا الكفّار، يعني الرافضة!، لأنّ الله تعالى يقول: لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ. أخبرنا الحسين بن محمّد العدل، حدّثنا محمّد بن عمر بن عبد الله بن مهران، حدّثنا أبو مسلم الكجي، حدّثنا عبد الله بن رجاء، أخبرنا عمران، عن الحجّاج، عن ميمون بن مهران، عن ابن عبّاس قال: قال رسول الله ﷺ‎: «يكون في آخر الزمان قوم ينبزون أو يلمزون الرافضة يرفضون الإسلام ويلفظونه، فاقتلوهم فإنّهم مشركون!» [56] [[مجمع الزوائد: 10/ 22.]] . أخبرنا الحسين بن محمّد، حدّثنا أبو حذيفة أحمد بن محمّد بن علي، حدّثنا زكريا بن يحيى بن يعقوب المقدسي، حدّثنا أبي، حدّثنا أبو العوام أحمد بن يزيد الديباجي، حدّثنا المدني، عن زيد، عن ابن عمر، قال: قال النبيّ ﷺ‎ لعليّ: «يا علي أنت في الجنّة وشيعتك في الجنّة، وسيجيء بعدي قوم يدّعون ولايتك، لهم لقب يقال له: الرافضة [[روي عن رسول الله ﷺ‎ «أن سبب تسميتهم بذلك أنهم رفضوا دين النبي» تذكرة الموضوعات للفتني: 93، وهم غير الشيعة وغير الإمامية، التي لا تنطبق عليهم هذه الصفات.]] ، فإن أدركتهم فاقتلوهم فإنّهم مشركون» . قال: يا رسول الله ما علامتهم؟ قال: «يا علي إنّهم ليست لهم جمعة، ولا جماعة يسبّون أبا بكر، وعمر» [57] [[للعلامة الأميني كلام حول هذا الحديث وتأويله في الغدير 3/ 154.]] . وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أي الطاعات، وقد مرّ تأويله، وقال أبو العالية في هذه الآية: وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يعني الذين أحبّوا أصحاب رسول الله المذكورين فيها فبلغ ذلك الحسن، فارتضاه، فاستصوبه منهم، قال ابن جرير: يعني من الشطأ الذي أخرجه الزرع، وهم الداخلون في الإسلام بعد الزرع إلى يوم القيامة رد (الهاء) و (الميم) على معنى الشطأ لا على لفظه، لذلك قال: مِنْهُمْ ولم يقل: منه. مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً. (في فضل المفضل) ، حدّثنا الشيخ أبو محمّد المخلدي، إملاء يوم الجمعة في شعبان سنة أربع وثمانين وثلاثمائة، قال: أخبرنا أبو بكر محمّد بن حمدون بن خالد، وعبد الله بن محمّد بن مسلم، قالا: حدّثنا هلال بن العلاء، قال: حدّثنا حجّاج بن محمّد، عن أيّوب بن عتبة، عن يحيى بن أبي كثير، عن شداد بن عبد الله، عن أبي أسماء الرجبي، عن ثوبان، أنّ رسول الله ﷺ‎ قال: «إنّ الله أعطاني السبع الطوال مكان التوراة، وأعطاني المئين مكان الإنجيل، وأعطاني مكان الزبور المثاني، وفضّلني بالمفضل» [58] [[مسند أحمد: 4/ 107 مجمع الزوائد: 7/ 158 بتفاوت.]] . وأخبرنا أبو الحسن الحباري، قال: حدّثنا أبو الشيخ الإصبهاني، قال: أخبرنا ابن أبي عاصم، قال: حدّثنا هشام بن عمّار، قال: حدّثنا محمّد بن شعيب بن شابور، قال: حدّثنا سعد ابن قيس، عن قتادة، عن أبي الملح الهذلي، عن واثلة بن الأسقع، أنّ النبيّ ﷺ‎ قال: «أعطيت السبع الطوال مكان التوراة، وأعطيت المثاني مكان الإنجيل، وأعطيت المئين مكان الزبور، وفضلت بالمفضل» [59] [[كنز العمال: 2/ 572 مجمع الزوائد: 7/ 158 بتفاوت.]] .

الفتح 48:29

هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً أنّك نبي صادق فيما تخبر، ونصب شَهِيداً على التفسير وقيل: على الحال، والقطع، ثمّ قال: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ تمّ الكلام هاهنا، ثمّ قال مبتدئا: وَالَّذِينَ مَعَهُ (الواو) فيه (واو) الاستئناف وَالَّذِينَ في محل الرفع على الابتداء أَشِدَّاءُ غلاظ عَلَى الْكُفَّارِ لا تأخذهم فيهم رأفة. رُحَماءُ بَيْنَهُمْ متعاطفون متوادّون بعضهم على بعض كقوله تعالى: أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ [[سورة المائدة: 54.]] . تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ أن يدخلهم جنّته وَرِضْواناً أن يرضى عنهم. سِيماهُمْ علامتهم فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ واختلف العلماء في هذه السيماء، فقال قوم: هو نور وبياض في وجوههم يوم القيامة، يعرفون بتلك العلامة، أنّهم سجدوا في الدّنيا، وهي رواية العوفي، عن ابن عبّاس، وقال عطاء بن أبي رباح والربيع بن أنس: استنارت وجوههم من كثرة ما صلّوا. وقال شهر بن حوشب: تكون مواضع السجود من وجوههم، كالقمر ليلة البدر. قال آخرون: السمت الحسن، والخشوع، والتواضع، وهو رواية الوالبي عن ابن عبّاس، قال: أما إنّه ليس بالذي ترون، ولكنّه سيماء الإسلام وسجيّته، وسمته وخشوعه، وقال منصور: سألت مجاهدا عن قوله سبحانه وتعالى: سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ، أهو الأثر يكون بين عينيّ الرجل؟ قال: لا ربّما يكون بين عينيّ الرجل، مثل ركبة العنز، وهو أقسى قلبا من الحجارة، ولكنّه نور في وجوههم من الخشوع، وقال ابن جريج: هو الوقار، والبهاء، وقال سمرة بن عطية: هو البهج، والصفرة في الوجوه، وأثر السهرة. قال الحسن: إذا رأيتهم حسبتهم مرضى، وما هم بمرضى، وقال الضحّاك: أمّا إنّه ليس بالندب في الوجوه، ولكنّه الصفرة. وقال عكرمة، وسعيد بن جبير: هو أثر التراب على جباههم. قال أبو العالية: يسجدون على التراب لا على الأثواب، وقال سفيان الثوري: يصلّون بالليل، فإذا أصبحوا رؤي ذلك في وجوههم، بيانه قوله: ﷺ‎: «من كثر صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار» [55] [[الجامع الصغير: 2/ 640 كنز العمال: 7/ 783.]] . قال الزهري: يكون ذلك يوم القيامة، وقال بعضهم: هو ندب السجود، وعلته في الجبهة من كثرة السجود. وبلغنا في بعض الأخبار إنّ الله تعالى يقول يوم القيامة: يا نار أنضجي، يا نار أحرقي، وموضع السجود فلا تقربي ، وقال عطاء الخراساني: دخل في هذه الآية كلّ من حافظ على الصلوات الخمسة. ذلِكَ الذي ذكرت مَثَلُهُمْ صفتهم فِي التَّوْراةِ وهاهنا تمّ الكلام، ثمّ قال: وَمَثَلُهُمْ صفتهم فِي الْإِنْجِيلِ فهما مثلان كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ قرأه العامّة بجزم (الطاء) ، وقرأ بعض أهل مكّة، والشام بفتحه، وقرأ أنس، والحسن، ويحيى بن وثاب (شطاه) مثل عصاه. وقرأ الجحدري (شطه) بلا همزة، وكلّها لغات. قال أنس: (شَطْأَهُ) نباته، وقال ابن عبّاس: سنبلة حين يلسع نباته عن جنانه. ابن زيد: أولاده. مجاهد، والضحّاك: ما يخرج بجنب الحقلة فينمو ويتمّ عطاء جوانبه. مقاتل: هو نبت واحد، فإذا خرج ما بعده، فهو (شطأه) . السدّي: هو أن يخرج معه ألطافه الأخرى. الكسائي: طرفه. الفراء: شطأ الزرع أن ينبت سبعا، أو ثمانيا، أو عشرا. قال الأخفش: فراخة يقال: أشطأ الزرع، فهو مشطي إذا أفرخ، وقال الشاعر: أخرج الشطأ على وجه الثرى ... ومن الأشجار أفنان الثمر [[فتح القدير: 5/ 56.]] وهذا مثل ضربه الله تعالى لأصحاب محمّد (عليه السلام) يعني أنّهم يكونون قليلا، ثمّ يزدادون، ويكثرون، ويقوون، وقال قتادة: مثل أصحاب محمّد (عليه السلام) في الإنجيل مكتوب أنّه سيخرج قوم ينبتون نبات الزرع، يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر. فَآزَرَهُ قوّاه وأعانه وشد أزره فَاسْتَغْلَظَ فغلظ، وقوى فَاسْتَوى نما وتلاحق نباته، وقام عَلى سُوقِهِ أصوله يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ يعني أنّ الله تعالى فعل ذلك بمحمّد ﷺ‎ وأصحابه لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ. أخبرنا عبد الخالق بن علي بن عبد الخالق، أخبرنا أبو بكر محمّد بن يوسف بن حاتم بن نصر، حدّثنا الحسن بن عثمان، حدّثنا أحمد بن منصور الحنظلي، المعروف بزاج المروزي، حدّثنا سلمة بن سليمان، حدّثنا عبد الله بن المبارك، حدّثنا مبارك بن فضلة، عن الحسن في قوله تعالى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ قال: هو محمّد ﷺ‎ وَالَّذِينَ مَعَهُ أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ عمر بن الخطّاب رضي الله عنه رُحَماءُ بَيْنَهُمْ عثمان بن عفّان رضي الله عنه تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً علي بن أبي طالب رضي الله عنه يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً طلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد، وسعيد، وأبو عبيدة الجرّاح سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ قال: المبشّرون عشرة أوّلهم أبو بكر، وآخرهم أبو عبيدة الجراح ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ قال: نعتهم في التوراة والإنجيل كمثل زرع قال: الزرع محمّد ﷺ‎ أَخْرَجَ شَطْأَهُ أبو بكر الصدّيق، فَآزَرَهُ عمر بن الخطّاب فَاسْتَغْلَظَ عثمان بن عفّان، يعني استغلظ بعثمان الإسلام فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ علي بن أبي طالب يعني استقام الإسلام بسيفه يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ قال: المؤمنون لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ قال: قول عمر لأهل مكّة: لا نعبد الله سرّا بعد هذا اليوم. أخبرنا ابن منجويه الدينوري، حدّثنا عبد الله بن محمّد بن شنبه، حدّثنا أحمد بن جعفر بن حمدان، حدّثنا محمّد بن مسلم بن واره، حدّثنا الحسين بن الربيع، قال: قال ابن إدريس ما آمن بأن يكونوا قد ضارعوا الكفّار، يعني الرافضة!، لأنّ الله تعالى يقول: لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ. أخبرنا الحسين بن محمّد العدل، حدّثنا محمّد بن عمر بن عبد الله بن مهران، حدّثنا أبو مسلم الكجي، حدّثنا عبد الله بن رجاء، أخبرنا عمران، عن الحجّاج، عن ميمون بن مهران، عن ابن عبّاس قال: قال رسول الله ﷺ‎: «يكون في آخر الزمان قوم ينبزون أو يلمزون الرافضة يرفضون الإسلام ويلفظونه، فاقتلوهم فإنّهم مشركون!» [56] [[مجمع الزوائد: 10/ 22.]] . أخبرنا الحسين بن محمّد، حدّثنا أبو حذيفة أحمد بن محمّد بن علي، حدّثنا زكريا بن يحيى بن يعقوب المقدسي، حدّثنا أبي، حدّثنا أبو العوام أحمد بن يزيد الديباجي، حدّثنا المدني، عن زيد، عن ابن عمر، قال: قال النبيّ ﷺ‎ لعليّ: «يا علي أنت في الجنّة وشيعتك في الجنّة، وسيجيء بعدي قوم يدّعون ولايتك، لهم لقب يقال له: الرافضة [[روي عن رسول الله ﷺ‎ «أن سبب تسميتهم بذلك أنهم رفضوا دين النبي» تذكرة الموضوعات للفتني: 93، وهم غير الشيعة وغير الإمامية، التي لا تنطبق عليهم هذه الصفات.]] ، فإن أدركتهم فاقتلوهم فإنّهم مشركون» . قال: يا رسول الله ما علامتهم؟ قال: «يا علي إنّهم ليست لهم جمعة، ولا جماعة يسبّون أبا بكر، وعمر» [57] [[للعلامة الأميني كلام حول هذا الحديث وتأويله في الغدير 3/ 154.]] . وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أي الطاعات، وقد مرّ تأويله، وقال أبو العالية في هذه الآية: وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يعني الذين أحبّوا أصحاب رسول الله المذكورين فيها فبلغ ذلك الحسن، فارتضاه، فاستصوبه منهم، قال ابن جرير: يعني من الشطأ الذي أخرجه الزرع، وهم الداخلون في الإسلام بعد الزرع إلى يوم القيامة رد (الهاء) و (الميم) على معنى الشطأ لا على لفظه، لذلك قال: مِنْهُمْ ولم يقل: منه. مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً. (في فضل المفضل) ، حدّثنا الشيخ أبو محمّد المخلدي، إملاء يوم الجمعة في شعبان سنة أربع وثمانين وثلاثمائة، قال: أخبرنا أبو بكر محمّد بن حمدون بن خالد، وعبد الله بن محمّد بن مسلم، قالا: حدّثنا هلال بن العلاء، قال: حدّثنا حجّاج بن محمّد، عن أيّوب بن عتبة، عن يحيى بن أبي كثير، عن شداد بن عبد الله، عن أبي أسماء الرجبي، عن ثوبان، أنّ رسول الله ﷺ‎ قال: «إنّ الله أعطاني السبع الطوال مكان التوراة، وأعطاني المئين مكان الإنجيل، وأعطاني مكان الزبور المثاني، وفضّلني بالمفضل» [58] [[مسند أحمد: 4/ 107 مجمع الزوائد: 7/ 158 بتفاوت.]] . وأخبرنا أبو الحسن الحباري، قال: حدّثنا أبو الشيخ الإصبهاني، قال: أخبرنا ابن أبي عاصم، قال: حدّثنا هشام بن عمّار، قال: حدّثنا محمّد بن شعيب بن شابور، قال: حدّثنا سعد ابن قيس، عن قتادة، عن أبي الملح الهذلي، عن واثلة بن الأسقع، أنّ النبيّ ﷺ‎ قال: «أعطيت السبع الطوال مكان التوراة، وأعطيت المثاني مكان الإنجيل، وأعطيت المئين مكان الزبور، وفضلت بالمفضل» [59] [[كنز العمال: 2/ 572 مجمع الزوائد: 7/ 158 بتفاوت.]] .

الحجرات 49:1

مدنية. وهي ألف وأربعمائة وخمسة وسبعون حرفا، وثلاثمائة وثلاثة وأربعون كلمة، وثماني عشرة آية أخبرنا أبو الحسن أحمد بن إبراهيم العبدوي قرأه عليه سنة أربع وثمانين وثلاثمائة، قال: أخبرنا أبو عمر ومحمّد بن جعفر بن محمّد العدل، قال: حدّثنا إبراهيم بن شريك بن الفضل، قال: حدّثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، قال: حدّثنا سلام بن سليم المدائني، قال: حدّثنا هارون بن كثير، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن أبي أمامة عن أبي بن كعب، قال: قال رسول الله ﷺ‎: «من قرأ الحجرات أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من أطاع الله ومن عصاه» [60] [[تفسير مجمع البيان: 9/ 214.]] . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ قرأ العامة (تُقَدِّمُوا) بضم (التاء) وكسر (الدال) من التقديم، وقرأ الضحّاك، ويعقوب بفتحهما من التقدّم. واختلف المفسّرون في معنى الآية، فروى علي بن أبي طلحة، عن ابن عبّاس، قال: لا تقولوا خلاف الكتاب والسنّة. عطية عنه: لا تتكلّموا بين يدي كلامه. وأخبرنا عبد الله بن حامد، قال: أخبرنا أبو الحسين عمر بن الحسن بن مالك الشيباني، قال: حدّثنا أحمد بن الحسن بن سعيد بن عثمان الخزاز. قال: حدّثنا حسين بن محارق أبو جنادة، عن عبد الله بن سلامة، عن السبعي، عن جابر بن عبد الله لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ قال: في الذبح يوم الأضحى، وإليه ذهب الحسن، قال: لا تذبحوا قبل أن يذبح النبيّ ﷺ‎، وذلك أن ناسا من المسلمين ذبحوا قبل صلاة النبي ﷺ‎ فأمرهم أن يعيدوا الذبح. وأخبرنا عبد الخالق، قال: أخبرنا ابن حيي قال: حدّثنا أبو بكر بن أبي العوام الرياحي، قال: حدّثنا أبي. قال: حدّثنا النعمان بن عبد السّلم التيمي، عن زفر بن الهذيل، عن يحيى بن عبد الله التيمي عن حبّال بن رفيدة، عن مسروق، عن عائشة رضي الله عنها في قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ قالت: لا تصوموا قبل أن يصوم نبيّكم. وروي عن مسروق أيضا، قال: دخلت على عائشة في اليوم الذي جئت فيه، فقالت للجارية: اسقيه عسلا، فقلت: إنّي صائم. فقالت: قد نهى الله تعالى عن صوم هذا اليوم، وفيه نزلت يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وأخبرنا ابن منجويه، قال: حدّثنا عمر بن الخطّاب. قال: حدّثنا عبد الله بن الفضل. قال: حدّثنا إسحاق بن إبراهيم. قال: حدّثني هشام بن يوسف، عن ابن جريح، قال: أخبرني ابن أبي مليكة أنّ عبد الله بن الزبير أخبرهم، قال: قدم ركب من بني تميم على النبيّ ﷺ‎ فقال أبو بكر: أمّر القعقاع بن معبد زرارة، وقال عمر: بل أمّر الأقرع بن حابس، فقال أبو بكر: ما أردت إلّا خلافي، وقال عمر: ما أردت خلافك، فتماريا حتّى ارتفعت أصواتهما، فأنزل الله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ... الآية [61] [[مسند أحمد: 4/ 6 وصحيح البخاري: 5/ 116 ط. دار الفكر.]] . وقال قتادة: نزلت في ناس كانوا يقولون: لو أنزل في كذا، لوضع كذا. فكره الله ذلك وقدّم فيه. مجاهد: لا تفتاتوا [[لا تفتاتوا: لا تبتدعوا الكلام وتفتوا برأيكم.]] على رسول الله بشيء حتّى يقضيه الله على لسانه [[تفسير الطبري: 26/ 150.]] . الضحّاك: يعني في القتال وشرائع الدين يقول: لا تقضوا أمرا دون الله ورسوله. حيان، عن الكلبي لا تستبقوا رسول الله بقول، ولا فعل حتّى يكون هو الذي يأمركم. وبه قال السدّي، وقال عطاء الخراساني: نزلت في قصة بئر معونة، وقيل في الثلاثة الذين نجّوا الرجلين السّلميين، اللذين اعتزما إلى بني عامر وأخذهم مالهما وكانا من أهل العهد، فلمّا أتوا رسول الله ﷺ‎ وقد سبق الخبر إليه، فقال: «بئس ما صنعتم، هما من أهل ميثاقي وهذا الذي معكم من نسوتي [[كذا في المخطوط.]] ، قالا: يا رسول الله إنّهما زعما أنّهما من بني عامر، فقلنا: رجلان ممّن قتل إخواننا. فقلنا: هما لذلك. وأتاه السّلميون، فقال رسول الله ﷺ‎: «لا قود لهما لأنّهما اعتزما إلى عدوّنا» [62] [[بتفاوت في تفسير القرطبي: 16/ 301.]] . ولكنّه أيدهما [[كذا في المخطوط.]] ، فوادّهما رسول الله ﷺ‎ وأنزل الله سبحانه في ذلك: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ حين قتلوا الرجلين ، وهذه رواية ماذان عن ابن عبّاس. وقال ابن زيد: لا تقطعوا أمرا دون رسول الله، وقيل: لا تمشوا بين يدي رسول الله، وكذلك بين أيدي العلماء فإنّهم ورثة الأنبياء. ودليل هذا التأويل ما أخبرنا أبو الحسن الخبازي، قال: حدّثنا أبو القاسم موسى بن محمّد الدينوري بها، قال: حدّثنا أحمد بن يحيى، قال: حدّثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، قال: حدّثنا رجل بمكّة، عن ابن جريج، عن عطاء، عن أبي الدرداء، قال: رآني النبيّ ﷺ‎ أمشي أمام أبي بكر، فقال: «تمشي أمام من هو خير منك في الدّنيا والآخرة، ما طلعت الشمس، ولا غربت على أحد بعد النبيّ ﷺ‎ والمرسلين خيرا وأفضل من أبي بكر!!» [63] [[تاريخ بغداد: 14/ 379.]] . وقيل: إنّها نزلت في قوم كانوا يحضرون مجلس رسول الله ﷺ‎ فإذا سئل الرسول عن شيء، خاضوا فيه، وتقدّموا بالقول، والفتوى، فنهوا عن ذلك، وزجروا عن أن يقول أحد في شيء من دين الله سبحانه، قبل أن يقول فيه رسول الله ﷺ‎. وقيل: لا تطلبوا منزلة وراء منزلته. قال الأخفش: تقول العرب: فلان تقدّم بين يدي أبيه، وأمّه، ويتقدّم إذا استبدّ بالأمر دونهما. وَاتَّقُوا اللَّهَ في تضييع حقّه، ومخالفة أمره. إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لأقوالكم عَلِيمٌ بأفعالكم، وأحوالكم. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ الآية نزلت في ثابت بن قيس ابن شماس، كان في أذنه وقر، وكان جهوري الصّوت، فإذا كلّم إنسانا جهر بصوته، فربّما كان يكلّم رسول الله ﷺ‎ فينادي بصوته، فأنزل الله سبحانه يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أي لا تغلظوا له في الخطاب، ولا تنادوه باسمه يا محمّد، يا أحمد، كما ينادي بعضكم بعضا، ولكن فخّموه، واحترموه، وقولوا له قولا ليّنا، وخطابا حسنا، بتعظيم، وتوقير: يا نبي الله، يا رسول الله، نظيره قوله سبحانه: لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً [[سورة النور: 63.]] . أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ كي لا تبطل حسناتكم. تقول العرب: أسند الحائط أن يميل وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ فلمّا نزلت هذه الآية قعد ثابت في الطريق، فمرّ به عاصم بن عدي، فقال: ما يبكيك يا ثابت؟ قال: هذه الآية أتخوّف أن تكون نزلت فيّ، وأنا رفيع الصوت، أخاف أن يحبط عملي، وأن أكون من أهل النار، فمضى عاصم إلى رسول الله ﷺ‎ وغلب ثابتا البكاء، فأتى امرأته جميلة بنت عبد الله بن أبي بن سلول، فقال لها: إذا دخلت بيت فرسي، فشدّي على الضبة بمسمار فضربته بمسمار حتى إذا خرجت عطفه، وقال: لا أخرج حتّى يتوفّاني الله، أو يرضى عنّي رسول الله، فأتى عاصم رسول الله، فأخبره بخبره. فقال: «اذهب، فادعه لي» . فجاء عاصم إلى المكان الذي رآه فلم يجده، فجاء إلى أهله، فوجده في بيت الفرس، فقال له: إنّ رسول الله يدعوك، فقال: أكسر الصبّة، فأتيا رسول الله، فقال له رسول الله ﷺ‎: «ما يبكيك يا ثابت؟» فقال: أنا صيّت وأتخوّف أن تكون هذه الآية نزلت فيّ، فقال له رسول الله ﷺ‎: «أما ترضى أن تعيش سعيدا وتقتل شهيدا وتدخل الجنّة» [64] [[فتح الباري: 6/ 457.]] ، فقال: رضيت ببشرى الله ورسوله، لا أرفع صوتي أبدا على رسول الله، فأنزل الله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ الآية [[تفسير الطبري: 26/ 153.]] . قال أنس: فكنّا ننظر إلى رجل من أهل الجنّة، يمشي بين أيدينا، فلمّا كان يوم اليمامة في حرب مسيلمة، رأى ثابت في المسلمين بعض الانكسار، وانهزمت طائفة منهم، فقال: أف لهؤلاء، وما يصنعون. ثمّ قال ثابت لسالم مولى أبي حذيفة: ما كنا نقاتل أعداء الله مع رسول الله مثل هذا، ثمّ ثبتا، ولم يزالا يقاتلان حتّى قتلا. وثابت بن قيس عليه درع، فرآه رجل من الصحابة بعد موته في المنام أنّه قال له: اعلم أنّ فلانا- رجل من المسلمين- نزع درعي، فذهب بها وهي في ناحية من العسكر عنده فرس تستر في طوله، وقد وضع على درعي لرمه [[كذا في المخطوط، ولعلها: دمه.]] ، فأت خالد بن الوليد، فأخبره حتّى يسترد درعي وأت أبا بكر خليفة رسول الله وقل له: إنّ عليّ دينا حتّى يقضي، وفلان من رقيقي عتيق. فأخبر الرجل خالدا فوجد درعه والفرس على ما وصفه، فاسترد الدرع، وأخبر خالد أبا بكر تلك الرؤيا، فأجاز أبو بكر وصيّته. قال مالك بن أنس: لا أعلم أجيزت بعد موت صاحبها إلّا هذه. حدّثنا أبو محمّد المخلدي، قال: أخبرنا أبو العبّاس السرّاج، قال: حدّثنا زياد بن أيّوب، قال: حدّثنا عباد بن العوّام، ويزيد بن هارون وسعيد بن عادر، عن محمّد بن عمرو، عن أبي سلمة، قال: حدّثنا سعيد، عن أبي هريرة. قال: لمّا نزلت لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ... الآية، قال أبو بكر: والله لا أرفع صوتي إلّا كأخي السرار [[تفسير القرطبي: 16/ 308، والسرار بالكسر: المسارة أي كصاحب السرار أو كمثل المسارة بخفض صوته (لسان العرب 4/ 362) .]] . وروى ابن أبي مليكة عن أبي الزبير، قال: لمّا نزلت هذه الآية، ما حدّث عمر النبيّ ﷺ‎ بعد ذلك، فيسمع النبيّ ﷺ‎ كلامه حتّى يستفهمه ممّا يخفض صوته، فأنزل الله سبحانه فيهم: إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ إجلالا له أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى أي اختبرها، فأخلصها، واصطفاها كما يمتحن الذهب بالنار، فيخرج خالصه، وقال ابن عبّاس: أكرمها. وأخبرنا أبو سعيد محمّد بن موسى بن الفضل النيسابوري، قال: أخبرنا أبو عبد الله محمّد ابن عبد الله بن أحمد الإصبهاني، قال: حدّثنا أبو بكر عبد الله بن محمّد بن عبد القريشي، قال: حدّثنا محمّد بن يحيى بن أبي خاتم، قال: حدّثني جعفر بن أبي جعفر، عن أحمد بن أبي الخولدي، قال: سمعت أبا سلمان يقول: قال عمر بن الخطّاب في قوله: الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى قال: أذهب الشهوات منها لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ويقال: إنّ هذه الآيات الأربع من قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ إلى قوله: وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ نزلت في وفد تميم. وهو ما أخبرني أبو القاسم الحسن بن محمّد، قال: حدّثني أبو جعفر محمّد بن صالح بن هاني الورّاق سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة، قال: حدّثنا الفضل بن محمّد بن المسيب بن موسى الشعراني، قال: حدّثنا القاسم بن أبي شيبة، قال: حدّثنا معلّى بن عبد الرّحمن، قال: حدّثنا عبد الحميد بن جعفر بن عمر بن الحكم، عن جابر بن عبد الله، قال: جاءت بنو تميم إلى النبيّ ﷺ‎، فنادوا على الباب: يا محمّد اخرج علينا، فإنّ مدحنا زين وذمّنا شين. قال: فسمعها النبيّ ﷺ‎، فخرج عليهم، وهو يقول: «إنّما ذلكم الله الذي مدحه زين وذمّه شين» [[أسباب نزول الآيات: 259.]] . قالوا: نحن ناس من بني تميم، جئنا بشاعرنا وخطيبنا نشاعرك ونفاخرك، فقال رسول الله ﷺ‎: «ما بالشعر بعثت، ولا بالفخار أمرت، ولكن هاتوا» [65] [[أسباب نزول الآيات للواحدي: 259.]] . فقال الزبرقان بن بدر لشاب من شبابهم: قم فاذكر فضلك، وفضل قومك. فقام، فقال: الحمد لله الذي جعلنا خير خلقه وآتانا أموالا نفعل فيها ما نشاء، فنحن من خير أهل الأرض، من أكثرهم عدّة، ومالا، وسلاحا، فمن أنكر علينا قولنا، فليأت بقول هو أحسن من قولنا، وفعال هي خير من فعالنا. فقال رسول الله ﷺ‎ لثابت بن قيس بن شماس، وكان خطيب رسول الله: «قم فأجبه» . فقام، فقال: الحمد لله أحمده، وأستعينه، وأومن به، وأتوكّل عليه، وأشهد أن لا إله إلّا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله، ثمّ دعا المهاجرين من بني عمّه أحسن الناس وجوها وأعظمهم أحلاما. فأجابوه، فقالوا: الحمد لله الذي جعلنا أنصاره، ووزراء رسوله، وعزّا لدينه، فنحن نقاتل الناس، حتّى يشهدوا أن لا إله إلّا الله، فمن قالها منع منّا ماله، ونفسه، ومن أبى قتلناه، وكان زعمه في الله علينا هينا، أقول قولي وأستغفر الله للمؤمنين والمؤمنات. فقال الزبرقان بن بدر لشاب من شبابهم: قم يا فلان، فقل أبياتا تذكر فيها فضلك، وفضل قومك. فقام الشاب، فقال: نحن الكرام فلا حيّ يعادلنا [[في أسباب النزول: يفاخرنا بدلا من «يعادلنا» .]] ... فينا الرؤوس وفينا يقسم الربع ونطعم الناس عند القحط كلّهم ... من السديف إذا لم يؤنس القزع إذا أبينا فلا يأبى لنا أحد ... إنا كذلك عند الفخر نرتفع قال: فأرسل رسول الله ﷺ‎ إلى حسّان بن ثابت، فانطلق إليه الرّسول، فقال: وما تريد منّي وكنت عنده؟ قال: جاءت بنو تميم بشاعرهم، وخطيبهم، فأمر رسول الله ﷺ‎ ثابت بن قيس، فأجابه، وتكلّم شاعرهم، فأرسل إليك لتجيبه. وذكر له قول شاعرهم. قال: فجاء حسّان، فأمره رسول الله ﷺ‎ أن يجيبه فقال: يا رسول الله مره، فليسمعني ما قال، فقال النبي ﷺ‎: «اسمعه ما قلت» ، فأنشده ما قال، فقال حسّان: إنّ الذوائب من فهر وإخوتهم ... قد شرّعوا سنّة للنّاس تتبّع يرضى بها كلّ من كانت سريرته ... تقوى الإله وكلّ الخير يصطنع ثمّ قال حسّان: نصرنا رسول الله والدين عنوة ... على رغم عات من معد وحاضر بضرب كإيزاغ المخاض مشاشه ... وطعن كأفواه اللقاح الصوادر وسل أحدا يوم استقلت شعابه ... بضرب لنا مثل الليوث الجواذر ألسنا نخوض الموت في حومة الوغى ... إذا طاب ورد الموت بين العساكر ونضرب هام الدارعين وننتمي ... إلى حسب من جذم غسان قاهر فلولا حياء الله قلنا تكرّما ... على النّاس بالخيفين هل من منافر فأحياؤنا من خير من وطئ الحصى ... وأمواتنا من خير أهل المقابر قال: فقام الأقرع بن حابس، فقال: إنّي والله لقد جئت لأمر ما جاء له هؤلاء، وإنّي قد قلت شعرا، فاسمعه منّي، فقال: هات، فقال: أتيناك كيما يعرف الناس فضلنا ... إذا خالفونا عند ذكر المكارم وإنّا رؤس الناس من كلّ معشر ... وأنّ ليس في أرض الحجاز كدارم وإنّ لنا المرباع في كلّ غارة ... تكون بنجد أو بأرض التهائم فقال رسول الله ﷺ‎: «قم يا حسّان فأجبه» . فقام حسّان، فقال: بني دارم لا تفخروا إنّ فخركم ... يعود وبالا عند ذكر المكارم هبلتم علينا تفخرون وأنتم ... لنا خول من بين ظئر وخادم فقال رسول الله ﷺ‎: «لقد كنت غنيا يا أخا دارم أن يذكر منك ما قد ظننت أنّ الناس قد نسوه» . قال: فكان قول رسول الله ﷺ‎ أشدّ عليهم من قول حسّان. ثمّ رجع حسّان إلى شعره. فقال: كأفضل ما نلتم من المجد والعلى ... ردافتنا من بعد ذكر الأكارم فإن كنتم جئتم لحقن دمائكم ... وأموالكم أن تقسموا في المقاسم فلا تجعلوا لله ندّا وأسلموا ... ولا تفخروا عند النبيّ بدارم وإلّا وربّ البيت مالت أكفّنا ... على هامكم بالمرهفات الصوارم قال: فقام الأقرع بن حابس، فقال: إنّ محمّدا المولى، إنه والله ما أدري ما هذا الأمر، تكلّم خطيبنا، فكان خطيبهم أحسن قولا، وتكلّم شاعرنا، فكان شاعرهم أشعر، وأحسن قولا. ثمّ دنا من النبيّ ﷺ‎ فقال: أشهد أن لا إله إلّا الله وأنّك رسوله. فقال له النبيّ ﷺ‎: «ما يضرّك ما كان قبل هذا» . ثمّ أعطاهم رسول الله ﷺ‎ وكساهم، وقد كان يخلف في ركابهم عمرو بن الأهتم، وكان قيس بن عاصم يبغضه لحداثة سنه، فأعطاه رسول الله مثل ما أعطى القوم، فأزرى به قيس، وقال فيه أبيات شعر وارتفعت الأصوات، وكثر اللغط عند رسول الله ﷺ‎. فأنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ إلى قوله وَأَجْرٌ عَظِيمٌ يعني جزاء وافرا، وهو الجنّة [[بطوله في أسباب النزول: 259 وتاريخ دمشق: 9/ 188- 191 ط. دار الفكر، وزاد المسير لابن الجوزي: 7/ 178.]] .

الحجرات 49:2

مدنية. وهي ألف وأربعمائة وخمسة وسبعون حرفا، وثلاثمائة وثلاثة وأربعون كلمة، وثماني عشرة آية أخبرنا أبو الحسن أحمد بن إبراهيم العبدوي قرأه عليه سنة أربع وثمانين وثلاثمائة، قال: أخبرنا أبو عمر ومحمّد بن جعفر بن محمّد العدل، قال: حدّثنا إبراهيم بن شريك بن الفضل، قال: حدّثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، قال: حدّثنا سلام بن سليم المدائني، قال: حدّثنا هارون بن كثير، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن أبي أمامة عن أبي بن كعب، قال: قال رسول الله ﷺ‎: «من قرأ الحجرات أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من أطاع الله ومن عصاه» [60] [[تفسير مجمع البيان: 9/ 214.]] . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ قرأ العامة (تُقَدِّمُوا) بضم (التاء) وكسر (الدال) من التقديم، وقرأ الضحّاك، ويعقوب بفتحهما من التقدّم. واختلف المفسّرون في معنى الآية، فروى علي بن أبي طلحة، عن ابن عبّاس، قال: لا تقولوا خلاف الكتاب والسنّة. عطية عنه: لا تتكلّموا بين يدي كلامه. وأخبرنا عبد الله بن حامد، قال: أخبرنا أبو الحسين عمر بن الحسن بن مالك الشيباني، قال: حدّثنا أحمد بن الحسن بن سعيد بن عثمان الخزاز. قال: حدّثنا حسين بن محارق أبو جنادة، عن عبد الله بن سلامة، عن السبعي، عن جابر بن عبد الله لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ قال: في الذبح يوم الأضحى، وإليه ذهب الحسن، قال: لا تذبحوا قبل أن يذبح النبيّ ﷺ‎، وذلك أن ناسا من المسلمين ذبحوا قبل صلاة النبي ﷺ‎ فأمرهم أن يعيدوا الذبح. وأخبرنا عبد الخالق، قال: أخبرنا ابن حيي قال: حدّثنا أبو بكر بن أبي العوام الرياحي، قال: حدّثنا أبي. قال: حدّثنا النعمان بن عبد السّلم التيمي، عن زفر بن الهذيل، عن يحيى بن عبد الله التيمي عن حبّال بن رفيدة، عن مسروق، عن عائشة رضي الله عنها في قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ قالت: لا تصوموا قبل أن يصوم نبيّكم. وروي عن مسروق أيضا، قال: دخلت على عائشة في اليوم الذي جئت فيه، فقالت للجارية: اسقيه عسلا، فقلت: إنّي صائم. فقالت: قد نهى الله تعالى عن صوم هذا اليوم، وفيه نزلت يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وأخبرنا ابن منجويه، قال: حدّثنا عمر بن الخطّاب. قال: حدّثنا عبد الله بن الفضل. قال: حدّثنا إسحاق بن إبراهيم. قال: حدّثني هشام بن يوسف، عن ابن جريح، قال: أخبرني ابن أبي مليكة أنّ عبد الله بن الزبير أخبرهم، قال: قدم ركب من بني تميم على النبيّ ﷺ‎ فقال أبو بكر: أمّر القعقاع بن معبد زرارة، وقال عمر: بل أمّر الأقرع بن حابس، فقال أبو بكر: ما أردت إلّا خلافي، وقال عمر: ما أردت خلافك، فتماريا حتّى ارتفعت أصواتهما، فأنزل الله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ... الآية [61] [[مسند أحمد: 4/ 6 وصحيح البخاري: 5/ 116 ط. دار الفكر.]] . وقال قتادة: نزلت في ناس كانوا يقولون: لو أنزل في كذا، لوضع كذا. فكره الله ذلك وقدّم فيه. مجاهد: لا تفتاتوا [[لا تفتاتوا: لا تبتدعوا الكلام وتفتوا برأيكم.]] على رسول الله بشيء حتّى يقضيه الله على لسانه [[تفسير الطبري: 26/ 150.]] . الضحّاك: يعني في القتال وشرائع الدين يقول: لا تقضوا أمرا دون الله ورسوله. حيان، عن الكلبي لا تستبقوا رسول الله بقول، ولا فعل حتّى يكون هو الذي يأمركم. وبه قال السدّي، وقال عطاء الخراساني: نزلت في قصة بئر معونة، وقيل في الثلاثة الذين نجّوا الرجلين السّلميين، اللذين اعتزما إلى بني عامر وأخذهم مالهما وكانا من أهل العهد، فلمّا أتوا رسول الله ﷺ‎ وقد سبق الخبر إليه، فقال: «بئس ما صنعتم، هما من أهل ميثاقي وهذا الذي معكم من نسوتي [[كذا في المخطوط.]] ، قالا: يا رسول الله إنّهما زعما أنّهما من بني عامر، فقلنا: رجلان ممّن قتل إخواننا. فقلنا: هما لذلك. وأتاه السّلميون، فقال رسول الله ﷺ‎: «لا قود لهما لأنّهما اعتزما إلى عدوّنا» [62] [[بتفاوت في تفسير القرطبي: 16/ 301.]] . ولكنّه أيدهما [[كذا في المخطوط.]] ، فوادّهما رسول الله ﷺ‎ وأنزل الله سبحانه في ذلك: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ حين قتلوا الرجلين ، وهذه رواية ماذان عن ابن عبّاس. وقال ابن زيد: لا تقطعوا أمرا دون رسول الله، وقيل: لا تمشوا بين يدي رسول الله، وكذلك بين أيدي العلماء فإنّهم ورثة الأنبياء. ودليل هذا التأويل ما أخبرنا أبو الحسن الخبازي، قال: حدّثنا أبو القاسم موسى بن محمّد الدينوري بها، قال: حدّثنا أحمد بن يحيى، قال: حدّثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، قال: حدّثنا رجل بمكّة، عن ابن جريج، عن عطاء، عن أبي الدرداء، قال: رآني النبيّ ﷺ‎ أمشي أمام أبي بكر، فقال: «تمشي أمام من هو خير منك في الدّنيا والآخرة، ما طلعت الشمس، ولا غربت على أحد بعد النبيّ ﷺ‎ والمرسلين خيرا وأفضل من أبي بكر!!» [63] [[تاريخ بغداد: 14/ 379.]] . وقيل: إنّها نزلت في قوم كانوا يحضرون مجلس رسول الله ﷺ‎ فإذا سئل الرسول عن شيء، خاضوا فيه، وتقدّموا بالقول، والفتوى، فنهوا عن ذلك، وزجروا عن أن يقول أحد في شيء من دين الله سبحانه، قبل أن يقول فيه رسول الله ﷺ‎. وقيل: لا تطلبوا منزلة وراء منزلته. قال الأخفش: تقول العرب: فلان تقدّم بين يدي أبيه، وأمّه، ويتقدّم إذا استبدّ بالأمر دونهما. وَاتَّقُوا اللَّهَ في تضييع حقّه، ومخالفة أمره. إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لأقوالكم عَلِيمٌ بأفعالكم، وأحوالكم. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ الآية نزلت في ثابت بن قيس ابن شماس، كان في أذنه وقر، وكان جهوري الصّوت، فإذا كلّم إنسانا جهر بصوته، فربّما كان يكلّم رسول الله ﷺ‎ فينادي بصوته، فأنزل الله سبحانه يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أي لا تغلظوا له في الخطاب، ولا تنادوه باسمه يا محمّد، يا أحمد، كما ينادي بعضكم بعضا، ولكن فخّموه، واحترموه، وقولوا له قولا ليّنا، وخطابا حسنا، بتعظيم، وتوقير: يا نبي الله، يا رسول الله، نظيره قوله سبحانه: لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً [[سورة النور: 63.]] . أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ كي لا تبطل حسناتكم. تقول العرب: أسند الحائط أن يميل وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ فلمّا نزلت هذه الآية قعد ثابت في الطريق، فمرّ به عاصم بن عدي، فقال: ما يبكيك يا ثابت؟ قال: هذه الآية أتخوّف أن تكون نزلت فيّ، وأنا رفيع الصوت، أخاف أن يحبط عملي، وأن أكون من أهل النار، فمضى عاصم إلى رسول الله ﷺ‎ وغلب ثابتا البكاء، فأتى امرأته جميلة بنت عبد الله بن أبي بن سلول، فقال لها: إذا دخلت بيت فرسي، فشدّي على الضبة بمسمار فضربته بمسمار حتى إذا خرجت عطفه، وقال: لا أخرج حتّى يتوفّاني الله، أو يرضى عنّي رسول الله، فأتى عاصم رسول الله، فأخبره بخبره. فقال: «اذهب، فادعه لي» . فجاء عاصم إلى المكان الذي رآه فلم يجده، فجاء إلى أهله، فوجده في بيت الفرس، فقال له: إنّ رسول الله يدعوك، فقال: أكسر الصبّة، فأتيا رسول الله، فقال له رسول الله ﷺ‎: «ما يبكيك يا ثابت؟» فقال: أنا صيّت وأتخوّف أن تكون هذه الآية نزلت فيّ، فقال له رسول الله ﷺ‎: «أما ترضى أن تعيش سعيدا وتقتل شهيدا وتدخل الجنّة» [64] [[فتح الباري: 6/ 457.]] ، فقال: رضيت ببشرى الله ورسوله، لا أرفع صوتي أبدا على رسول الله، فأنزل الله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ الآية [[تفسير الطبري: 26/ 153.]] . قال أنس: فكنّا ننظر إلى رجل من أهل الجنّة، يمشي بين أيدينا، فلمّا كان يوم اليمامة في حرب مسيلمة، رأى ثابت في المسلمين بعض الانكسار، وانهزمت طائفة منهم، فقال: أف لهؤلاء، وما يصنعون. ثمّ قال ثابت لسالم مولى أبي حذيفة: ما كنا نقاتل أعداء الله مع رسول الله مثل هذا، ثمّ ثبتا، ولم يزالا يقاتلان حتّى قتلا. وثابت بن قيس عليه درع، فرآه رجل من الصحابة بعد موته في المنام أنّه قال له: اعلم أنّ فلانا- رجل من المسلمين- نزع درعي، فذهب بها وهي في ناحية من العسكر عنده فرس تستر في طوله، وقد وضع على درعي لرمه [[كذا في المخطوط، ولعلها: دمه.]] ، فأت خالد بن الوليد، فأخبره حتّى يسترد درعي وأت أبا بكر خليفة رسول الله وقل له: إنّ عليّ دينا حتّى يقضي، وفلان من رقيقي عتيق. فأخبر الرجل خالدا فوجد درعه والفرس على ما وصفه، فاسترد الدرع، وأخبر خالد أبا بكر تلك الرؤيا، فأجاز أبو بكر وصيّته. قال مالك بن أنس: لا أعلم أجيزت بعد موت صاحبها إلّا هذه. حدّثنا أبو محمّد المخلدي، قال: أخبرنا أبو العبّاس السرّاج، قال: حدّثنا زياد بن أيّوب، قال: حدّثنا عباد بن العوّام، ويزيد بن هارون وسعيد بن عادر، عن محمّد بن عمرو، عن أبي سلمة، قال: حدّثنا سعيد، عن أبي هريرة. قال: لمّا نزلت لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ... الآية، قال أبو بكر: والله لا أرفع صوتي إلّا كأخي السرار [[تفسير القرطبي: 16/ 308، والسرار بالكسر: المسارة أي كصاحب السرار أو كمثل المسارة بخفض صوته (لسان العرب 4/ 362) .]] . وروى ابن أبي مليكة عن أبي الزبير، قال: لمّا نزلت هذه الآية، ما حدّث عمر النبيّ ﷺ‎ بعد ذلك، فيسمع النبيّ ﷺ‎ كلامه حتّى يستفهمه ممّا يخفض صوته، فأنزل الله سبحانه فيهم: إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ إجلالا له أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى أي اختبرها، فأخلصها، واصطفاها كما يمتحن الذهب بالنار، فيخرج خالصه، وقال ابن عبّاس: أكرمها. وأخبرنا أبو سعيد محمّد بن موسى بن الفضل النيسابوري، قال: أخبرنا أبو عبد الله محمّد ابن عبد الله بن أحمد الإصبهاني، قال: حدّثنا أبو بكر عبد الله بن محمّد بن عبد القريشي، قال: حدّثنا محمّد بن يحيى بن أبي خاتم، قال: حدّثني جعفر بن أبي جعفر، عن أحمد بن أبي الخولدي، قال: سمعت أبا سلمان يقول: قال عمر بن الخطّاب في قوله: الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى قال: أذهب الشهوات منها لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ويقال: إنّ هذه الآيات الأربع من قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ إلى قوله: وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ نزلت في وفد تميم. وهو ما أخبرني أبو القاسم الحسن بن محمّد، قال: حدّثني أبو جعفر محمّد بن صالح بن هاني الورّاق سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة، قال: حدّثنا الفضل بن محمّد بن المسيب بن موسى الشعراني، قال: حدّثنا القاسم بن أبي شيبة، قال: حدّثنا معلّى بن عبد الرّحمن، قال: حدّثنا عبد الحميد بن جعفر بن عمر بن الحكم، عن جابر بن عبد الله، قال: جاءت بنو تميم إلى النبيّ ﷺ‎، فنادوا على الباب: يا محمّد اخرج علينا، فإنّ مدحنا زين وذمّنا شين. قال: فسمعها النبيّ ﷺ‎، فخرج عليهم، وهو يقول: «إنّما ذلكم الله الذي مدحه زين وذمّه شين» [[أسباب نزول الآيات: 259.]] . قالوا: نحن ناس من بني تميم، جئنا بشاعرنا وخطيبنا نشاعرك ونفاخرك، فقال رسول الله ﷺ‎: «ما بالشعر بعثت، ولا بالفخار أمرت، ولكن هاتوا» [65] [[أسباب نزول الآيات للواحدي: 259.]] . فقال الزبرقان بن بدر لشاب من شبابهم: قم فاذكر فضلك، وفضل قومك. فقام، فقال: الحمد لله الذي جعلنا خير خلقه وآتانا أموالا نفعل فيها ما نشاء، فنحن من خير أهل الأرض، من أكثرهم عدّة، ومالا، وسلاحا، فمن أنكر علينا قولنا، فليأت بقول هو أحسن من قولنا، وفعال هي خير من فعالنا. فقال رسول الله ﷺ‎ لثابت بن قيس بن شماس، وكان خطيب رسول الله: «قم فأجبه» . فقام، فقال: الحمد لله أحمده، وأستعينه، وأومن به، وأتوكّل عليه، وأشهد أن لا إله إلّا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله، ثمّ دعا المهاجرين من بني عمّه أحسن الناس وجوها وأعظمهم أحلاما. فأجابوه، فقالوا: الحمد لله الذي جعلنا أنصاره، ووزراء رسوله، وعزّا لدينه، فنحن نقاتل الناس، حتّى يشهدوا أن لا إله إلّا الله، فمن قالها منع منّا ماله، ونفسه، ومن أبى قتلناه، وكان زعمه في الله علينا هينا، أقول قولي وأستغفر الله للمؤمنين والمؤمنات. فقال الزبرقان بن بدر لشاب من شبابهم: قم يا فلان، فقل أبياتا تذكر فيها فضلك، وفضل قومك. فقام الشاب، فقال: نحن الكرام فلا حيّ يعادلنا [[في أسباب النزول: يفاخرنا بدلا من «يعادلنا» .]] ... فينا الرؤوس وفينا يقسم الربع ونطعم الناس عند القحط كلّهم ... من السديف إذا لم يؤنس القزع إذا أبينا فلا يأبى لنا أحد ... إنا كذلك عند الفخر نرتفع قال: فأرسل رسول الله ﷺ‎ إلى حسّان بن ثابت، فانطلق إليه الرّسول، فقال: وما تريد منّي وكنت عنده؟ قال: جاءت بنو تميم بشاعرهم، وخطيبهم، فأمر رسول الله ﷺ‎ ثابت بن قيس، فأجابه، وتكلّم شاعرهم، فأرسل إليك لتجيبه. وذكر له قول شاعرهم. قال: فجاء حسّان، فأمره رسول الله ﷺ‎ أن يجيبه فقال: يا رسول الله مره، فليسمعني ما قال، فقال النبي ﷺ‎: «اسمعه ما قلت» ، فأنشده ما قال، فقال حسّان: إنّ الذوائب من فهر وإخوتهم ... قد شرّعوا سنّة للنّاس تتبّع يرضى بها كلّ من كانت سريرته ... تقوى الإله وكلّ الخير يصطنع ثمّ قال حسّان: نصرنا رسول الله والدين عنوة ... على رغم عات من معد وحاضر بضرب كإيزاغ المخاض مشاشه ... وطعن كأفواه اللقاح الصوادر وسل أحدا يوم استقلت شعابه ... بضرب لنا مثل الليوث الجواذر ألسنا نخوض الموت في حومة الوغى ... إذا طاب ورد الموت بين العساكر ونضرب هام الدارعين وننتمي ... إلى حسب من جذم غسان قاهر فلولا حياء الله قلنا تكرّما ... على النّاس بالخيفين هل من منافر فأحياؤنا من خير من وطئ الحصى ... وأمواتنا من خير أهل المقابر قال: فقام الأقرع بن حابس، فقال: إنّي والله لقد جئت لأمر ما جاء له هؤلاء، وإنّي قد قلت شعرا، فاسمعه منّي، فقال: هات، فقال: أتيناك كيما يعرف الناس فضلنا ... إذا خالفونا عند ذكر المكارم وإنّا رؤس الناس من كلّ معشر ... وأنّ ليس في أرض الحجاز كدارم وإنّ لنا المرباع في كلّ غارة ... تكون بنجد أو بأرض التهائم فقال رسول الله ﷺ‎: «قم يا حسّان فأجبه» . فقام حسّان، فقال: بني دارم لا تفخروا إنّ فخركم ... يعود وبالا عند ذكر المكارم هبلتم علينا تفخرون وأنتم ... لنا خول من بين ظئر وخادم فقال رسول الله ﷺ‎: «لقد كنت غنيا يا أخا دارم أن يذكر منك ما قد ظننت أنّ الناس قد نسوه» . قال: فكان قول رسول الله ﷺ‎ أشدّ عليهم من قول حسّان. ثمّ رجع حسّان إلى شعره. فقال: كأفضل ما نلتم من المجد والعلى ... ردافتنا من بعد ذكر الأكارم فإن كنتم جئتم لحقن دمائكم ... وأموالكم أن تقسموا في المقاسم فلا تجعلوا لله ندّا وأسلموا ... ولا تفخروا عند النبيّ بدارم وإلّا وربّ البيت مالت أكفّنا ... على هامكم بالمرهفات الصوارم قال: فقام الأقرع بن حابس، فقال: إنّ محمّدا المولى، إنه والله ما أدري ما هذا الأمر، تكلّم خطيبنا، فكان خطيبهم أحسن قولا، وتكلّم شاعرنا، فكان شاعرهم أشعر، وأحسن قولا. ثمّ دنا من النبيّ ﷺ‎ فقال: أشهد أن لا إله إلّا الله وأنّك رسوله. فقال له النبيّ ﷺ‎: «ما يضرّك ما كان قبل هذا» . ثمّ أعطاهم رسول الله ﷺ‎ وكساهم، وقد كان يخلف في ركابهم عمرو بن الأهتم، وكان قيس بن عاصم يبغضه لحداثة سنه، فأعطاه رسول الله مثل ما أعطى القوم، فأزرى به قيس، وقال فيه أبيات شعر وارتفعت الأصوات، وكثر اللغط عند رسول الله ﷺ‎. فأنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ إلى قوله وَأَجْرٌ عَظِيمٌ يعني جزاء وافرا، وهو الجنّة [[بطوله في أسباب النزول: 259 وتاريخ دمشق: 9/ 188- 191 ط. دار الفكر، وزاد المسير لابن الجوزي: 7/ 178.]] .

الحجرات 49:3

مدنية. وهي ألف وأربعمائة وخمسة وسبعون حرفا، وثلاثمائة وثلاثة وأربعون كلمة، وثماني عشرة آية أخبرنا أبو الحسن أحمد بن إبراهيم العبدوي قرأه عليه سنة أربع وثمانين وثلاثمائة، قال: أخبرنا أبو عمر ومحمّد بن جعفر بن محمّد العدل، قال: حدّثنا إبراهيم بن شريك بن الفضل، قال: حدّثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، قال: حدّثنا سلام بن سليم المدائني، قال: حدّثنا هارون بن كثير، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن أبي أمامة عن أبي بن كعب، قال: قال رسول الله ﷺ‎: «من قرأ الحجرات أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من أطاع الله ومن عصاه» [60] [[تفسير مجمع البيان: 9/ 214.]] . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ قرأ العامة (تُقَدِّمُوا) بضم (التاء) وكسر (الدال) من التقديم، وقرأ الضحّاك، ويعقوب بفتحهما من التقدّم. واختلف المفسّرون في معنى الآية، فروى علي بن أبي طلحة، عن ابن عبّاس، قال: لا تقولوا خلاف الكتاب والسنّة. عطية عنه: لا تتكلّموا بين يدي كلامه. وأخبرنا عبد الله بن حامد، قال: أخبرنا أبو الحسين عمر بن الحسن بن مالك الشيباني، قال: حدّثنا أحمد بن الحسن بن سعيد بن عثمان الخزاز. قال: حدّثنا حسين بن محارق أبو جنادة، عن عبد الله بن سلامة، عن السبعي، عن جابر بن عبد الله لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ قال: في الذبح يوم الأضحى، وإليه ذهب الحسن، قال: لا تذبحوا قبل أن يذبح النبيّ ﷺ‎، وذلك أن ناسا من المسلمين ذبحوا قبل صلاة النبي ﷺ‎ فأمرهم أن يعيدوا الذبح. وأخبرنا عبد الخالق، قال: أخبرنا ابن حيي قال: حدّثنا أبو بكر بن أبي العوام الرياحي، قال: حدّثنا أبي. قال: حدّثنا النعمان بن عبد السّلم التيمي، عن زفر بن الهذيل، عن يحيى بن عبد الله التيمي عن حبّال بن رفيدة، عن مسروق، عن عائشة رضي الله عنها في قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ قالت: لا تصوموا قبل أن يصوم نبيّكم. وروي عن مسروق أيضا، قال: دخلت على عائشة في اليوم الذي جئت فيه، فقالت للجارية: اسقيه عسلا، فقلت: إنّي صائم. فقالت: قد نهى الله تعالى عن صوم هذا اليوم، وفيه نزلت يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وأخبرنا ابن منجويه، قال: حدّثنا عمر بن الخطّاب. قال: حدّثنا عبد الله بن الفضل. قال: حدّثنا إسحاق بن إبراهيم. قال: حدّثني هشام بن يوسف، عن ابن جريح، قال: أخبرني ابن أبي مليكة أنّ عبد الله بن الزبير أخبرهم، قال: قدم ركب من بني تميم على النبيّ ﷺ‎ فقال أبو بكر: أمّر القعقاع بن معبد زرارة، وقال عمر: بل أمّر الأقرع بن حابس، فقال أبو بكر: ما أردت إلّا خلافي، وقال عمر: ما أردت خلافك، فتماريا حتّى ارتفعت أصواتهما، فأنزل الله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ... الآية [61] [[مسند أحمد: 4/ 6 وصحيح البخاري: 5/ 116 ط. دار الفكر.]] . وقال قتادة: نزلت في ناس كانوا يقولون: لو أنزل في كذا، لوضع كذا. فكره الله ذلك وقدّم فيه. مجاهد: لا تفتاتوا [[لا تفتاتوا: لا تبتدعوا الكلام وتفتوا برأيكم.]] على رسول الله بشيء حتّى يقضيه الله على لسانه [[تفسير الطبري: 26/ 150.]] . الضحّاك: يعني في القتال وشرائع الدين يقول: لا تقضوا أمرا دون الله ورسوله. حيان، عن الكلبي لا تستبقوا رسول الله بقول، ولا فعل حتّى يكون هو الذي يأمركم. وبه قال السدّي، وقال عطاء الخراساني: نزلت في قصة بئر معونة، وقيل في الثلاثة الذين نجّوا الرجلين السّلميين، اللذين اعتزما إلى بني عامر وأخذهم مالهما وكانا من أهل العهد، فلمّا أتوا رسول الله ﷺ‎ وقد سبق الخبر إليه، فقال: «بئس ما صنعتم، هما من أهل ميثاقي وهذا الذي معكم من نسوتي [[كذا في المخطوط.]] ، قالا: يا رسول الله إنّهما زعما أنّهما من بني عامر، فقلنا: رجلان ممّن قتل إخواننا. فقلنا: هما لذلك. وأتاه السّلميون، فقال رسول الله ﷺ‎: «لا قود لهما لأنّهما اعتزما إلى عدوّنا» [62] [[بتفاوت في تفسير القرطبي: 16/ 301.]] . ولكنّه أيدهما [[كذا في المخطوط.]] ، فوادّهما رسول الله ﷺ‎ وأنزل الله سبحانه في ذلك: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ حين قتلوا الرجلين ، وهذه رواية ماذان عن ابن عبّاس. وقال ابن زيد: لا تقطعوا أمرا دون رسول الله، وقيل: لا تمشوا بين يدي رسول الله، وكذلك بين أيدي العلماء فإنّهم ورثة الأنبياء. ودليل هذا التأويل ما أخبرنا أبو الحسن الخبازي، قال: حدّثنا أبو القاسم موسى بن محمّد الدينوري بها، قال: حدّثنا أحمد بن يحيى، قال: حدّثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، قال: حدّثنا رجل بمكّة، عن ابن جريج، عن عطاء، عن أبي الدرداء، قال: رآني النبيّ ﷺ‎ أمشي أمام أبي بكر، فقال: «تمشي أمام من هو خير منك في الدّنيا والآخرة، ما طلعت الشمس، ولا غربت على أحد بعد النبيّ ﷺ‎ والمرسلين خيرا وأفضل من أبي بكر!!» [63] [[تاريخ بغداد: 14/ 379.]] . وقيل: إنّها نزلت في قوم كانوا يحضرون مجلس رسول الله ﷺ‎ فإذا سئل الرسول عن شيء، خاضوا فيه، وتقدّموا بالقول، والفتوى، فنهوا عن ذلك، وزجروا عن أن يقول أحد في شيء من دين الله سبحانه، قبل أن يقول فيه رسول الله ﷺ‎. وقيل: لا تطلبوا منزلة وراء منزلته. قال الأخفش: تقول العرب: فلان تقدّم بين يدي أبيه، وأمّه، ويتقدّم إذا استبدّ بالأمر دونهما. وَاتَّقُوا اللَّهَ في تضييع حقّه، ومخالفة أمره. إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لأقوالكم عَلِيمٌ بأفعالكم، وأحوالكم. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ الآية نزلت في ثابت بن قيس ابن شماس، كان في أذنه وقر، وكان جهوري الصّوت، فإذا كلّم إنسانا جهر بصوته، فربّما كان يكلّم رسول الله ﷺ‎ فينادي بصوته، فأنزل الله سبحانه يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أي لا تغلظوا له في الخطاب، ولا تنادوه باسمه يا محمّد، يا أحمد، كما ينادي بعضكم بعضا، ولكن فخّموه، واحترموه، وقولوا له قولا ليّنا، وخطابا حسنا، بتعظيم، وتوقير: يا نبي الله، يا رسول الله، نظيره قوله سبحانه: لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً [[سورة النور: 63.]] . أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ كي لا تبطل حسناتكم. تقول العرب: أسند الحائط أن يميل وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ فلمّا نزلت هذه الآية قعد ثابت في الطريق، فمرّ به عاصم بن عدي، فقال: ما يبكيك يا ثابت؟ قال: هذه الآية أتخوّف أن تكون نزلت فيّ، وأنا رفيع الصوت، أخاف أن يحبط عملي، وأن أكون من أهل النار، فمضى عاصم إلى رسول الله ﷺ‎ وغلب ثابتا البكاء، فأتى امرأته جميلة بنت عبد الله بن أبي بن سلول، فقال لها: إذا دخلت بيت فرسي، فشدّي على الضبة بمسمار فضربته بمسمار حتى إذا خرجت عطفه، وقال: لا أخرج حتّى يتوفّاني الله، أو يرضى عنّي رسول الله، فأتى عاصم رسول الله، فأخبره بخبره. فقال: «اذهب، فادعه لي» . فجاء عاصم إلى المكان الذي رآه فلم يجده، فجاء إلى أهله، فوجده في بيت الفرس، فقال له: إنّ رسول الله يدعوك، فقال: أكسر الصبّة، فأتيا رسول الله، فقال له رسول الله ﷺ‎: «ما يبكيك يا ثابت؟» فقال: أنا صيّت وأتخوّف أن تكون هذه الآية نزلت فيّ، فقال له رسول الله ﷺ‎: «أما ترضى أن تعيش سعيدا وتقتل شهيدا وتدخل الجنّة» [64] [[فتح الباري: 6/ 457.]] ، فقال: رضيت ببشرى الله ورسوله، لا أرفع صوتي أبدا على رسول الله، فأنزل الله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ الآية [[تفسير الطبري: 26/ 153.]] . قال أنس: فكنّا ننظر إلى رجل من أهل الجنّة، يمشي بين أيدينا، فلمّا كان يوم اليمامة في حرب مسيلمة، رأى ثابت في المسلمين بعض الانكسار، وانهزمت طائفة منهم، فقال: أف لهؤلاء، وما يصنعون. ثمّ قال ثابت لسالم مولى أبي حذيفة: ما كنا نقاتل أعداء الله مع رسول الله مثل هذا، ثمّ ثبتا، ولم يزالا يقاتلان حتّى قتلا. وثابت بن قيس عليه درع، فرآه رجل من الصحابة بعد موته في المنام أنّه قال له: اعلم أنّ فلانا- رجل من المسلمين- نزع درعي، فذهب بها وهي في ناحية من العسكر عنده فرس تستر في طوله، وقد وضع على درعي لرمه [[كذا في المخطوط، ولعلها: دمه.]] ، فأت خالد بن الوليد، فأخبره حتّى يسترد درعي وأت أبا بكر خليفة رسول الله وقل له: إنّ عليّ دينا حتّى يقضي، وفلان من رقيقي عتيق. فأخبر الرجل خالدا فوجد درعه والفرس على ما وصفه، فاسترد الدرع، وأخبر خالد أبا بكر تلك الرؤيا، فأجاز أبو بكر وصيّته. قال مالك بن أنس: لا أعلم أجيزت بعد موت صاحبها إلّا هذه. حدّثنا أبو محمّد المخلدي، قال: أخبرنا أبو العبّاس السرّاج، قال: حدّثنا زياد بن أيّوب، قال: حدّثنا عباد بن العوّام، ويزيد بن هارون وسعيد بن عادر، عن محمّد بن عمرو، عن أبي سلمة، قال: حدّثنا سعيد، عن أبي هريرة. قال: لمّا نزلت لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ... الآية، قال أبو بكر: والله لا أرفع صوتي إلّا كأخي السرار [[تفسير القرطبي: 16/ 308، والسرار بالكسر: المسارة أي كصاحب السرار أو كمثل المسارة بخفض صوته (لسان العرب 4/ 362) .]] . وروى ابن أبي مليكة عن أبي الزبير، قال: لمّا نزلت هذه الآية، ما حدّث عمر النبيّ ﷺ‎ بعد ذلك، فيسمع النبيّ ﷺ‎ كلامه حتّى يستفهمه ممّا يخفض صوته، فأنزل الله سبحانه فيهم: إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ إجلالا له أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى أي اختبرها، فأخلصها، واصطفاها كما يمتحن الذهب بالنار، فيخرج خالصه، وقال ابن عبّاس: أكرمها. وأخبرنا أبو سعيد محمّد بن موسى بن الفضل النيسابوري، قال: أخبرنا أبو عبد الله محمّد ابن عبد الله بن أحمد الإصبهاني، قال: حدّثنا أبو بكر عبد الله بن محمّد بن عبد القريشي، قال: حدّثنا محمّد بن يحيى بن أبي خاتم، قال: حدّثني جعفر بن أبي جعفر، عن أحمد بن أبي الخولدي، قال: سمعت أبا سلمان يقول: قال عمر بن الخطّاب في قوله: الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى قال: أذهب الشهوات منها لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ويقال: إنّ هذه الآيات الأربع من قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ إلى قوله: وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ نزلت في وفد تميم. وهو ما أخبرني أبو القاسم الحسن بن محمّد، قال: حدّثني أبو جعفر محمّد بن صالح بن هاني الورّاق سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة، قال: حدّثنا الفضل بن محمّد بن المسيب بن موسى الشعراني، قال: حدّثنا القاسم بن أبي شيبة، قال: حدّثنا معلّى بن عبد الرّحمن، قال: حدّثنا عبد الحميد بن جعفر بن عمر بن الحكم، عن جابر بن عبد الله، قال: جاءت بنو تميم إلى النبيّ ﷺ‎، فنادوا على الباب: يا محمّد اخرج علينا، فإنّ مدحنا زين وذمّنا شين. قال: فسمعها النبيّ ﷺ‎، فخرج عليهم، وهو يقول: «إنّما ذلكم الله الذي مدحه زين وذمّه شين» [[أسباب نزول الآيات: 259.]] . قالوا: نحن ناس من بني تميم، جئنا بشاعرنا وخطيبنا نشاعرك ونفاخرك، فقال رسول الله ﷺ‎: «ما بالشعر بعثت، ولا بالفخار أمرت، ولكن هاتوا» [65] [[أسباب نزول الآيات للواحدي: 259.]] . فقال الزبرقان بن بدر لشاب من شبابهم: قم فاذكر فضلك، وفضل قومك. فقام، فقال: الحمد لله الذي جعلنا خير خلقه وآتانا أموالا نفعل فيها ما نشاء، فنحن من خير أهل الأرض، من أكثرهم عدّة، ومالا، وسلاحا، فمن أنكر علينا قولنا، فليأت بقول هو أحسن من قولنا، وفعال هي خير من فعالنا. فقال رسول الله ﷺ‎ لثابت بن قيس بن شماس، وكان خطيب رسول الله: «قم فأجبه» . فقام، فقال: الحمد لله أحمده، وأستعينه، وأومن به، وأتوكّل عليه، وأشهد أن لا إله إلّا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله، ثمّ دعا المهاجرين من بني عمّه أحسن الناس وجوها وأعظمهم أحلاما. فأجابوه، فقالوا: الحمد لله الذي جعلنا أنصاره، ووزراء رسوله، وعزّا لدينه، فنحن نقاتل الناس، حتّى يشهدوا أن لا إله إلّا الله، فمن قالها منع منّا ماله، ونفسه، ومن أبى قتلناه، وكان زعمه في الله علينا هينا، أقول قولي وأستغفر الله للمؤمنين والمؤمنات. فقال الزبرقان بن بدر لشاب من شبابهم: قم يا فلان، فقل أبياتا تذكر فيها فضلك، وفضل قومك. فقام الشاب، فقال: نحن الكرام فلا حيّ يعادلنا [[في أسباب النزول: يفاخرنا بدلا من «يعادلنا» .]] ... فينا الرؤوس وفينا يقسم الربع ونطعم الناس عند القحط كلّهم ... من السديف إذا لم يؤنس القزع إذا أبينا فلا يأبى لنا أحد ... إنا كذلك عند الفخر نرتفع قال: فأرسل رسول الله ﷺ‎ إلى حسّان بن ثابت، فانطلق إليه الرّسول، فقال: وما تريد منّي وكنت عنده؟ قال: جاءت بنو تميم بشاعرهم، وخطيبهم، فأمر رسول الله ﷺ‎ ثابت بن قيس، فأجابه، وتكلّم شاعرهم، فأرسل إليك لتجيبه. وذكر له قول شاعرهم. قال: فجاء حسّان، فأمره رسول الله ﷺ‎ أن يجيبه فقال: يا رسول الله مره، فليسمعني ما قال، فقال النبي ﷺ‎: «اسمعه ما قلت» ، فأنشده ما قال، فقال حسّان: إنّ الذوائب من فهر وإخوتهم ... قد شرّعوا سنّة للنّاس تتبّع يرضى بها كلّ من كانت سريرته ... تقوى الإله وكلّ الخير يصطنع ثمّ قال حسّان: نصرنا رسول الله والدين عنوة ... على رغم عات من معد وحاضر بضرب كإيزاغ المخاض مشاشه ... وطعن كأفواه اللقاح الصوادر وسل أحدا يوم استقلت شعابه ... بضرب لنا مثل الليوث الجواذر ألسنا نخوض الموت في حومة الوغى ... إذا طاب ورد الموت بين العساكر ونضرب هام الدارعين وننتمي ... إلى حسب من جذم غسان قاهر فلولا حياء الله قلنا تكرّما ... على النّاس بالخيفين هل من منافر فأحياؤنا من خير من وطئ الحصى ... وأمواتنا من خير أهل المقابر قال: فقام الأقرع بن حابس، فقال: إنّي والله لقد جئت لأمر ما جاء له هؤلاء، وإنّي قد قلت شعرا، فاسمعه منّي، فقال: هات، فقال: أتيناك كيما يعرف الناس فضلنا ... إذا خالفونا عند ذكر المكارم وإنّا رؤس الناس من كلّ معشر ... وأنّ ليس في أرض الحجاز كدارم وإنّ لنا المرباع في كلّ غارة ... تكون بنجد أو بأرض التهائم فقال رسول الله ﷺ‎: «قم يا حسّان فأجبه» . فقام حسّان، فقال: بني دارم لا تفخروا إنّ فخركم ... يعود وبالا عند ذكر المكارم هبلتم علينا تفخرون وأنتم ... لنا خول من بين ظئر وخادم فقال رسول الله ﷺ‎: «لقد كنت غنيا يا أخا دارم أن يذكر منك ما قد ظننت أنّ الناس قد نسوه» . قال: فكان قول رسول الله ﷺ‎ أشدّ عليهم من قول حسّان. ثمّ رجع حسّان إلى شعره. فقال: كأفضل ما نلتم من المجد والعلى ... ردافتنا من بعد ذكر الأكارم فإن كنتم جئتم لحقن دمائكم ... وأموالكم أن تقسموا في المقاسم فلا تجعلوا لله ندّا وأسلموا ... ولا تفخروا عند النبيّ بدارم وإلّا وربّ البيت مالت أكفّنا ... على هامكم بالمرهفات الصوارم قال: فقام الأقرع بن حابس، فقال: إنّ محمّدا المولى، إنه والله ما أدري ما هذا الأمر، تكلّم خطيبنا، فكان خطيبهم أحسن قولا، وتكلّم شاعرنا، فكان شاعرهم أشعر، وأحسن قولا. ثمّ دنا من النبيّ ﷺ‎ فقال: أشهد أن لا إله إلّا الله وأنّك رسوله. فقال له النبيّ ﷺ‎: «ما يضرّك ما كان قبل هذا» . ثمّ أعطاهم رسول الله ﷺ‎ وكساهم، وقد كان يخلف في ركابهم عمرو بن الأهتم، وكان قيس بن عاصم يبغضه لحداثة سنه، فأعطاه رسول الله مثل ما أعطى القوم، فأزرى به قيس، وقال فيه أبيات شعر وارتفعت الأصوات، وكثر اللغط عند رسول الله ﷺ‎. فأنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ إلى قوله وَأَجْرٌ عَظِيمٌ يعني جزاء وافرا، وهو الجنّة [[بطوله في أسباب النزول: 259 وتاريخ دمشق: 9/ 188- 191 ط. دار الفكر، وزاد المسير لابن الجوزي: 7/ 178.]] .

الحجرات 49:4

إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ يعني أعراب تميم، حيث نادوا: يا محمّد اخرج علينا، فإنّ مدحنا زين وذمّنا شين، قاله قتادة. قال ابن عبّاس: بعث رسول الله ﷺ‎ سرية إلى حي من بني العنبر وأمّر عليهم عيينة بن حصين الفزاري، فلمّا علموا أنّه توجّه نحوهم، هربوا، وتركوا عيالهم، فسباهم عيينة، وقدم بهم على رسول الله ﷺ‎، فجاء بعد ذلك رجالهم يفدون الذراري، فقدموا وقت الظهيرة، وواقفوا رسول الله في أهله قائلا، فلمّا رأتهم الذراري جهشوا إلى آبائهم يبكون، وكان لكلّ امرأة من نساء رسول الله ﷺ‎ بيت، وحجرة، فعجلوا أن يخرج إليهم رسول الله ﷺ‎ وجعلوا ينادون: يا محمّد اخرج إلينا حتّى أيقظوه من نومه، فخرج إليهم، فقالوا: يا محمّد فادنا عيالنا. فنزل جبريل، فقال: يا محمّد إنّ الله يأمرك أن تجعل بينك، وبينهم رجلا، فقال لهم رسول الله ﷺ‎: «أترضون أن يكون بيني وبينكم سمرة بن عمرو، وهو على دينكم؟» . فقالوا: نعم. قال سمرة: أنا لا أحكم بينهم وعمّي شاهد، وهو الأعور بن شامة فرضوا به. فقال الأعور: أرى أن يفادي نصفهم، ويعتق نصفهم. فقال النبي ﷺ‎ «قد رضيت» . ففادى نصفهم وأعتق نصفهم، فقال رسول الله ﷺ‎: «من كان عليه محرر من ولد إسماعيل، فليعتق منهم» [66] [[المعجم الكبير 10/ 185- في المصدر الحديث هكذا: «من كان عليه محرر من ولد إسماعيل فلا يعتق من حمير أحدا» مجمع الزوائد: 10/ 46.]] . فأنزل الله سبحانه وتعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ ... الآية ، وقال زيد بن أرقم: جاء ناس من الغرف إلى النبيّ ﷺ‎ فقال بعضهم لبعض: انطلقوا بنا إلى هذا الرجل، فإن يكن نبيّا فنحن أسعد الناس به، وأن يكن ملكا نعش في جناحه. فجاءوا إلى حجرة النبيّ ﷺ‎، فجعلوا ينادونه: يا محمّد، يا محمّد، فأنزل الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ وهي جمع الحجر، والحجر جمع حجرة، فهو جمع الجمع، وفيه لغتان: فتح (الجيم) وهي قراءة أبي جعفر، كقول الشاعر: أما كان عباد كفيا لدارم ... يلي ولأبيات بها الحجرات يعني يلي ولبني هاشم. أَكْثَرُهُمْ جهلاء لا يَعْقِلُونَ وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ لأنّك كنت تعتقهم جميعا، وتطلقهم بلا فداء. وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ أخبرنا ابن منجويه، قال: حدّثنا عبد الله بن يوسف، قال: حدّثنا أحمد بن عيسى بن السكين البلدي، قال: حدّثني هاشم بن القاسم الحراني، قال: حدّثني يعلى بن الأشدق، قال: حدّثني سعد بن عبد الله، أنّ النبيّ ﷺ‎ سئل عن قول الله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ قال: «هم الجفاة من بني تميم، لولا أنّهم من أشدّ الناس قتالا للأعور الدجّال، لدعوت الله عزّ وجلّ أن يهلكهم» [67] [[الدر المنثور: 6/ 87.]] . يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط، بعثه رسول الله ﷺ‎ إلى بني المصطلق بعد الوقعة مصدّقا، وكان بينه، وبينهم عداوة في الجاهلية، فلمّا سمع به القوم تلقوه تعظيما لأمر رسول الله ﷺ‎، فحدّثه الشيطان أنّهم يريدون قتله، فهابهم، فرجع من الطريق إلى رسول الله ﷺ‎ فقال: إنّ بني المصطلق، قد منعوا صدقاتهم وأرادوا قتلي، فغضب رسول الله، وهمّ أن يغزوهم، فبلغ القوم رجوعه، فأتوا رسول الله ﷺ‎ وقالوا: يا رسول الله سمعنا برسولك، فخرجنا نتلقّاه، ونكرمه، ونؤدّي إليه ما قبلنا من حقّ الله، فبدا له في الرجوع، فخشينا أن يكون إنّما ردّه من الطريق كتاب جاءه منك لغضب غضبته علينا، وإنّا نعوذ بالله من غضبه، وغضب رسوله، فأبهمهم [[في تفسير ابن كثير (4/ 224) : وإن النبي استغشهم وهمّ بهم فأنزل الله عذرهم.]] رسول الله ﷺ‎، وبعث خالد بن الوليد إليهم خفية في عسكر، وأمره أن يخفي عليهم قدومه [[تفسير الطبري: 26/ 161.]] . وقال له: «انظر، فإن رأيت منهم ما يدلّ على إيمانهم، فخذ منهم زكاة أموالهم، وإن لم تر ذلك، فاستعمل فيهم ما يستعمل في الكفّار» . ففعل ذلك خالد ووافاهم، فسمع منهم آذان صلاتي المغرب والعشاء، فأخذ منهم صدقاتهم، ولم ير منهم إلّا الطاعة، والخير، فانصرف خالد إلى رسول الله، وأخبره الخبر، فأنزل الله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ يعني الوليد بن عقبة بن أبي معيط سمّاه الله فاسقا، نظيره أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ [[سورة السجدة: 18.]] ، قال سهل بن عبد الله وابن زيد: الفاسق الكذّاب. أبو الحسين الورّاق: هو المعلن بالذنب، وقال ابن طاهر وابن زيد: الفاسق الذي لا يستحي من الله سبحانه. بنبإ: بخبر فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا كي لا تصيبوا بالقتل، والقتال. قَوْماً براء بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ فاتقوا أن تقولوا الباطل، وتفتروا الكذب، فإنّ الله سبحانه يخبره أنباءكم، ويعرّفه أحوالكم، فتفتضحوا. لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ فيحكم برأيكم، ويقبل قولكم. لَعَنِتُّمْ لأثمتم وهلكتم. وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ فأنتم تطيعون رسول الله وتأتمّون به، فيقيكم الله بذلك العنت. وَزَيَّنَهُ وحسّنه فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ. ثمّ انتقل من الخطاب إلى الخبر، فقال عزّ من قائل: أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ نظيرها قوله سبحانه: وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ [[سورة الروم: 39.]] ، قال النابغة: يا دارميّة بالعلياء فالسند ... أقوت وطال عليها سالف الأبد [[البداية والنهاية: 2/ 279.]] فَضْلًا أي كان هذا فضلا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا قال أكثر المفسّرين: وقف رسول الله ﷺ‎ ذات يوم على مجلس من مجالس الأنصار وهو على حماره، فبال حماره، فأمسك عبد الله بن أبي بأنفه وقال: إليك عنّا بحمارك، فقد آذانا نتنه. فقال عبد الله بن رواحة: والله لحمار رسول الله ﷺ‎ أطيب ريحا منك. فغضب لعبد الله بن أبي رجل من قومه، وغضب لعبد الله بن رواحة رجل من قومه، فغضب لكلّ واحد منهما أصحابه حتّى استسبّوا، وتجالدوا بالأيدي، والجريد، والنعال، ولم يقدر رسول الله ﷺ‎ على إمساكهم، فأنزل الله سبحانه هذه الآية، فلمّا نزلت قرأها رسول الله ﷺ‎ فاصطلحوا، وكفّ بعضهم عن بعض، وأقبل بشير بن النعمان الأنصاري مشتملا على سيفه، فوجدهم قد اصطلحوا، فقال عبد الله بن أبي: أعليّ تشتمل بالسيف يا بشير؟ قال: نعم، والّذي أحلف به لو جئت قبل أن تصطلحوا لضربتك حتّى أقتلك، فأنشأ عبد الله بن أبي يقول: متى ما يكن مولاك خصمك جاهدا ... تظلم [[في السيرة: تذل بدل من «تظلم» .]] ويصرعك الذين تصارع [[تفسير الطبري: 26/ 167 وسيرة ابن هشام: 2/ 425 ط. مصر (صبيح وأولاده) .]] قال قتادة: نزلت في رجلين من الأنصار، كانت بينهما مداراة في حقّ بينهما، فقال أحدهما للآخر: لآخذنّ حقّي منك عنوة، لكثرة عشيرته، وإنّ الآخر دعاه ليحاكمه إلى نبيّ الله ﷺ‎، فأبى أن يتبعه، فلم يزل الأمر بينهما، حتّى تدافعوا، وقد تناول بعضهم بعضا بالأيدي، والنعال، ولم يكن قتال بالسيوف. وروى محمّد بن الفضيل، عن الكلبي أنّها نزلت في حرب سمير وحاطب، وكان سمير قتل حاطبا، فجعل الأوس والخزرج يقتتلون إلى أن أتاهم النبيّ ﷺ‎، فأنزل الله سبحانه هذه الآية، وأمر نبيّه، والمؤمنين أن يصلحوا بينهم. وروى سفيان عن السدّي، قال: كانت امرأة من الأنصار يقال لها: أمّ زيد تحت رجل، وكان بينها، وبين زوجها شيء، فرمى بها إلى علية، وحبسها فيها، فبلغ ذلك قومها فجاءوا، وجاء قومه، فاقتتلوا بالأيدي، والنعال، فأنزل الله سبحانه تعالى: وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا الآية. فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بالدعاء إلى حكم كتاب الله سبحانه، والرضا بما فيه لهما، وعليهما. فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ ترجع إِلى أَمْرِ اللَّهِ وأبت الإجابة إلى حكم الله تعالى له، وعليه في كتابه الذي جعله عدلا بين خلقه. فَإِنْ فاءَتْ رجعت إلى الحقّ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ بحملهما على الإنصاف والرضى بحكم الله، وهو العدل، وَأَقْسِطُوا واعدلوا. إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ في الدين، والولاية فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ إذا اختلفا، واقتتلا، وقرأ ابن سيرين، ويعقوب. بين إخوتكم (بالتاء) على الجمع، وقرأ الحسن (إخوانكم) (بالألف) و (النون) . وَاتَّقُوا اللَّهَ فلا تعصوه ولا تخالفوا أمره لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ. قال أبو عثمان البصري: أخوة الدّين أثبت من أخوّة النسب، فإنّ اخوّة النسب تنقطع لمخالفة الدين، وأخوّة الدين لا تنقطع بمخالفة النسب. وسئل الجنيد عن الأخ، فقال: هو أنت في الحقيقة إلّا إنّه غيرك في الشخص. أخبرني ابن منجويه، قال: حدّثنا عمر بن الخطّاب. قال: حدّثنا محمّد بن إسحاق المسوحي. قال: حدّثنا عمرو بن علي، قال: حدّثنا أبو عاصم. قال: حدّثنا إسماعيل بن رافع، عن ابن أبي سعيد، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ‎ «المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يعيبه، ولا يخذله، ولا يتطاول عليه في البنيان، فيستر عليه الريح إلّا بإذنه، ولا يؤذيه بقتار قدره إلّا أن يعرف له، ولا يشتري لبنيه الفاكهة، فيخرجون بها إلى صبيان جاره، ولا يطعمونهم منها» . قال رسول الله ﷺ‎: «احفظوا، ولا يحفظه منكم إلّا قليل» [68] [[تفسير القرطبي: 16/ 323.]] . وفي هاتين الآيتين دليل على انّ البغي لا يزيل اسم الإيمان، لأنّ الله سبحانه وتعالى سمّاهم أخوة مؤمنين مع كونهم باغين، عاصين. يدلّ عليه ما روى الأعور أنّ علي بن أبي طالب رضي الله عنه سئل وهو القدوة في قتال أهل البغي، عن أهل الجمل، وصفّين، أمشركون هم؟ فقال: لا، من الشرك فرّوا. فقيل: أهم منافقون؟ فقال: إنّ المنافقين لا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا. قيل: فما حالهم؟ قال: إخواننا بغوا علينا. وقد أخبرني ابن منجويه، قال: حدّثنا ابن شنبه، قال: حدّثنا أحمد بن الحسين بن عبد الجبّار الصوفي قال: حدّثنا أبو نصر التمّار، قال: حدّثنا كوثر، عن نافع، عن ابن عمر أنّ النبيّ ﷺ‎ قال: «يا عبد الله هل تدري كيف حكم الله سبحانه فيمن بغى من هذه الأمّة؟» . قال: الله ورسوله أعلم. قال: «لا يجهز على جريحها، ولا يقتل أسيرها، ولا يطلب هاربها، ولا يقسم فيئها» [69] [[تفسير القرطبي: 16/ 320.]] . وسئل محمّد بن كعب القرظي عن هاتين الآيتين، فقال: جعل النبيّ ﷺ‎ أجر المصلح بين الناس، كأجر المجاهد عند الناس ، وقال بكر بن عبد الله: امش ميلا، وعد مريضا، امش ميلين، وأصلح بين اثنين، امش ثلاثة أميال، وزر أخاك في الله.

الحجرات 49:5

إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ يعني أعراب تميم، حيث نادوا: يا محمّد اخرج علينا، فإنّ مدحنا زين وذمّنا شين، قاله قتادة. قال ابن عبّاس: بعث رسول الله ﷺ‎ سرية إلى حي من بني العنبر وأمّر عليهم عيينة بن حصين الفزاري، فلمّا علموا أنّه توجّه نحوهم، هربوا، وتركوا عيالهم، فسباهم عيينة، وقدم بهم على رسول الله ﷺ‎، فجاء بعد ذلك رجالهم يفدون الذراري، فقدموا وقت الظهيرة، وواقفوا رسول الله في أهله قائلا، فلمّا رأتهم الذراري جهشوا إلى آبائهم يبكون، وكان لكلّ امرأة من نساء رسول الله ﷺ‎ بيت، وحجرة، فعجلوا أن يخرج إليهم رسول الله ﷺ‎ وجعلوا ينادون: يا محمّد اخرج إلينا حتّى أيقظوه من نومه، فخرج إليهم، فقالوا: يا محمّد فادنا عيالنا. فنزل جبريل، فقال: يا محمّد إنّ الله يأمرك أن تجعل بينك، وبينهم رجلا، فقال لهم رسول الله ﷺ‎: «أترضون أن يكون بيني وبينكم سمرة بن عمرو، وهو على دينكم؟» . فقالوا: نعم. قال سمرة: أنا لا أحكم بينهم وعمّي شاهد، وهو الأعور بن شامة فرضوا به. فقال الأعور: أرى أن يفادي نصفهم، ويعتق نصفهم. فقال النبي ﷺ‎ «قد رضيت» . ففادى نصفهم وأعتق نصفهم، فقال رسول الله ﷺ‎: «من كان عليه محرر من ولد إسماعيل، فليعتق منهم» [66] [[المعجم الكبير 10/ 185- في المصدر الحديث هكذا: «من كان عليه محرر من ولد إسماعيل فلا يعتق من حمير أحدا» مجمع الزوائد: 10/ 46.]] . فأنزل الله سبحانه وتعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ ... الآية ، وقال زيد بن أرقم: جاء ناس من الغرف إلى النبيّ ﷺ‎ فقال بعضهم لبعض: انطلقوا بنا إلى هذا الرجل، فإن يكن نبيّا فنحن أسعد الناس به، وأن يكن ملكا نعش في جناحه. فجاءوا إلى حجرة النبيّ ﷺ‎، فجعلوا ينادونه: يا محمّد، يا محمّد، فأنزل الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ وهي جمع الحجر، والحجر جمع حجرة، فهو جمع الجمع، وفيه لغتان: فتح (الجيم) وهي قراءة أبي جعفر، كقول الشاعر: أما كان عباد كفيا لدارم ... يلي ولأبيات بها الحجرات يعني يلي ولبني هاشم. أَكْثَرُهُمْ جهلاء لا يَعْقِلُونَ وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ لأنّك كنت تعتقهم جميعا، وتطلقهم بلا فداء. وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ أخبرنا ابن منجويه، قال: حدّثنا عبد الله بن يوسف، قال: حدّثنا أحمد بن عيسى بن السكين البلدي، قال: حدّثني هاشم بن القاسم الحراني، قال: حدّثني يعلى بن الأشدق، قال: حدّثني سعد بن عبد الله، أنّ النبيّ ﷺ‎ سئل عن قول الله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ قال: «هم الجفاة من بني تميم، لولا أنّهم من أشدّ الناس قتالا للأعور الدجّال، لدعوت الله عزّ وجلّ أن يهلكهم» [67] [[الدر المنثور: 6/ 87.]] . يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط، بعثه رسول الله ﷺ‎ إلى بني المصطلق بعد الوقعة مصدّقا، وكان بينه، وبينهم عداوة في الجاهلية، فلمّا سمع به القوم تلقوه تعظيما لأمر رسول الله ﷺ‎، فحدّثه الشيطان أنّهم يريدون قتله، فهابهم، فرجع من الطريق إلى رسول الله ﷺ‎ فقال: إنّ بني المصطلق، قد منعوا صدقاتهم وأرادوا قتلي، فغضب رسول الله، وهمّ أن يغزوهم، فبلغ القوم رجوعه، فأتوا رسول الله ﷺ‎ وقالوا: يا رسول الله سمعنا برسولك، فخرجنا نتلقّاه، ونكرمه، ونؤدّي إليه ما قبلنا من حقّ الله، فبدا له في الرجوع، فخشينا أن يكون إنّما ردّه من الطريق كتاب جاءه منك لغضب غضبته علينا، وإنّا نعوذ بالله من غضبه، وغضب رسوله، فأبهمهم [[في تفسير ابن كثير (4/ 224) : وإن النبي استغشهم وهمّ بهم فأنزل الله عذرهم.]] رسول الله ﷺ‎، وبعث خالد بن الوليد إليهم خفية في عسكر، وأمره أن يخفي عليهم قدومه [[تفسير الطبري: 26/ 161.]] . وقال له: «انظر، فإن رأيت منهم ما يدلّ على إيمانهم، فخذ منهم زكاة أموالهم، وإن لم تر ذلك، فاستعمل فيهم ما يستعمل في الكفّار» . ففعل ذلك خالد ووافاهم، فسمع منهم آذان صلاتي المغرب والعشاء، فأخذ منهم صدقاتهم، ولم ير منهم إلّا الطاعة، والخير، فانصرف خالد إلى رسول الله، وأخبره الخبر، فأنزل الله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ يعني الوليد بن عقبة بن أبي معيط سمّاه الله فاسقا، نظيره أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ [[سورة السجدة: 18.]] ، قال سهل بن عبد الله وابن زيد: الفاسق الكذّاب. أبو الحسين الورّاق: هو المعلن بالذنب، وقال ابن طاهر وابن زيد: الفاسق الذي لا يستحي من الله سبحانه. بنبإ: بخبر فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا كي لا تصيبوا بالقتل، والقتال. قَوْماً براء بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ فاتقوا أن تقولوا الباطل، وتفتروا الكذب، فإنّ الله سبحانه يخبره أنباءكم، ويعرّفه أحوالكم، فتفتضحوا. لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ فيحكم برأيكم، ويقبل قولكم. لَعَنِتُّمْ لأثمتم وهلكتم. وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ فأنتم تطيعون رسول الله وتأتمّون به، فيقيكم الله بذلك العنت. وَزَيَّنَهُ وحسّنه فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ. ثمّ انتقل من الخطاب إلى الخبر، فقال عزّ من قائل: أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ نظيرها قوله سبحانه: وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ [[سورة الروم: 39.]] ، قال النابغة: يا دارميّة بالعلياء فالسند ... أقوت وطال عليها سالف الأبد [[البداية والنهاية: 2/ 279.]] فَضْلًا أي كان هذا فضلا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا قال أكثر المفسّرين: وقف رسول الله ﷺ‎ ذات يوم على مجلس من مجالس الأنصار وهو على حماره، فبال حماره، فأمسك عبد الله بن أبي بأنفه وقال: إليك عنّا بحمارك، فقد آذانا نتنه. فقال عبد الله بن رواحة: والله لحمار رسول الله ﷺ‎ أطيب ريحا منك. فغضب لعبد الله بن أبي رجل من قومه، وغضب لعبد الله بن رواحة رجل من قومه، فغضب لكلّ واحد منهما أصحابه حتّى استسبّوا، وتجالدوا بالأيدي، والجريد، والنعال، ولم يقدر رسول الله ﷺ‎ على إمساكهم، فأنزل الله سبحانه هذه الآية، فلمّا نزلت قرأها رسول الله ﷺ‎ فاصطلحوا، وكفّ بعضهم عن بعض، وأقبل بشير بن النعمان الأنصاري مشتملا على سيفه، فوجدهم قد اصطلحوا، فقال عبد الله بن أبي: أعليّ تشتمل بالسيف يا بشير؟ قال: نعم، والّذي أحلف به لو جئت قبل أن تصطلحوا لضربتك حتّى أقتلك، فأنشأ عبد الله بن أبي يقول: متى ما يكن مولاك خصمك جاهدا ... تظلم [[في السيرة: تذل بدل من «تظلم» .]] ويصرعك الذين تصارع [[تفسير الطبري: 26/ 167 وسيرة ابن هشام: 2/ 425 ط. مصر (صبيح وأولاده) .]] قال قتادة: نزلت في رجلين من الأنصار، كانت بينهما مداراة في حقّ بينهما، فقال أحدهما للآخر: لآخذنّ حقّي منك عنوة، لكثرة عشيرته، وإنّ الآخر دعاه ليحاكمه إلى نبيّ الله ﷺ‎، فأبى أن يتبعه، فلم يزل الأمر بينهما، حتّى تدافعوا، وقد تناول بعضهم بعضا بالأيدي، والنعال، ولم يكن قتال بالسيوف. وروى محمّد بن الفضيل، عن الكلبي أنّها نزلت في حرب سمير وحاطب، وكان سمير قتل حاطبا، فجعل الأوس والخزرج يقتتلون إلى أن أتاهم النبيّ ﷺ‎، فأنزل الله سبحانه هذه الآية، وأمر نبيّه، والمؤمنين أن يصلحوا بينهم. وروى سفيان عن السدّي، قال: كانت امرأة من الأنصار يقال لها: أمّ زيد تحت رجل، وكان بينها، وبين زوجها شيء، فرمى بها إلى علية، وحبسها فيها، فبلغ ذلك قومها فجاءوا، وجاء قومه، فاقتتلوا بالأيدي، والنعال، فأنزل الله سبحانه تعالى: وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا الآية. فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بالدعاء إلى حكم كتاب الله سبحانه، والرضا بما فيه لهما، وعليهما. فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ ترجع إِلى أَمْرِ اللَّهِ وأبت الإجابة إلى حكم الله تعالى له، وعليه في كتابه الذي جعله عدلا بين خلقه. فَإِنْ فاءَتْ رجعت إلى الحقّ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ بحملهما على الإنصاف والرضى بحكم الله، وهو العدل، وَأَقْسِطُوا واعدلوا. إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ في الدين، والولاية فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ إذا اختلفا، واقتتلا، وقرأ ابن سيرين، ويعقوب. بين إخوتكم (بالتاء) على الجمع، وقرأ الحسن (إخوانكم) (بالألف) و (النون) . وَاتَّقُوا اللَّهَ فلا تعصوه ولا تخالفوا أمره لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ. قال أبو عثمان البصري: أخوة الدّين أثبت من أخوّة النسب، فإنّ اخوّة النسب تنقطع لمخالفة الدين، وأخوّة الدين لا تنقطع بمخالفة النسب. وسئل الجنيد عن الأخ، فقال: هو أنت في الحقيقة إلّا إنّه غيرك في الشخص. أخبرني ابن منجويه، قال: حدّثنا عمر بن الخطّاب. قال: حدّثنا محمّد بن إسحاق المسوحي. قال: حدّثنا عمرو بن علي، قال: حدّثنا أبو عاصم. قال: حدّثنا إسماعيل بن رافع، عن ابن أبي سعيد، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ‎ «المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يعيبه، ولا يخذله، ولا يتطاول عليه في البنيان، فيستر عليه الريح إلّا بإذنه، ولا يؤذيه بقتار قدره إلّا أن يعرف له، ولا يشتري لبنيه الفاكهة، فيخرجون بها إلى صبيان جاره، ولا يطعمونهم منها» . قال رسول الله ﷺ‎: «احفظوا، ولا يحفظه منكم إلّا قليل» [68] [[تفسير القرطبي: 16/ 323.]] . وفي هاتين الآيتين دليل على انّ البغي لا يزيل اسم الإيمان، لأنّ الله سبحانه وتعالى سمّاهم أخوة مؤمنين مع كونهم باغين، عاصين. يدلّ عليه ما روى الأعور أنّ علي بن أبي طالب رضي الله عنه سئل وهو القدوة في قتال أهل البغي، عن أهل الجمل، وصفّين، أمشركون هم؟ فقال: لا، من الشرك فرّوا. فقيل: أهم منافقون؟ فقال: إنّ المنافقين لا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا. قيل: فما حالهم؟ قال: إخواننا بغوا علينا. وقد أخبرني ابن منجويه، قال: حدّثنا ابن شنبه، قال: حدّثنا أحمد بن الحسين بن عبد الجبّار الصوفي قال: حدّثنا أبو نصر التمّار، قال: حدّثنا كوثر، عن نافع، عن ابن عمر أنّ النبيّ ﷺ‎ قال: «يا عبد الله هل تدري كيف حكم الله سبحانه فيمن بغى من هذه الأمّة؟» . قال: الله ورسوله أعلم. قال: «لا يجهز على جريحها، ولا يقتل أسيرها، ولا يطلب هاربها، ولا يقسم فيئها» [69] [[تفسير القرطبي: 16/ 320.]] . وسئل محمّد بن كعب القرظي عن هاتين الآيتين، فقال: جعل النبيّ ﷺ‎ أجر المصلح بين الناس، كأجر المجاهد عند الناس ، وقال بكر بن عبد الله: امش ميلا، وعد مريضا، امش ميلين، وأصلح بين اثنين، امش ثلاثة أميال، وزر أخاك في الله.

الحجرات 49:6

إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ يعني أعراب تميم، حيث نادوا: يا محمّد اخرج علينا، فإنّ مدحنا زين وذمّنا شين، قاله قتادة. قال ابن عبّاس: بعث رسول الله ﷺ‎ سرية إلى حي من بني العنبر وأمّر عليهم عيينة بن حصين الفزاري، فلمّا علموا أنّه توجّه نحوهم، هربوا، وتركوا عيالهم، فسباهم عيينة، وقدم بهم على رسول الله ﷺ‎، فجاء بعد ذلك رجالهم يفدون الذراري، فقدموا وقت الظهيرة، وواقفوا رسول الله في أهله قائلا، فلمّا رأتهم الذراري جهشوا إلى آبائهم يبكون، وكان لكلّ امرأة من نساء رسول الله ﷺ‎ بيت، وحجرة، فعجلوا أن يخرج إليهم رسول الله ﷺ‎ وجعلوا ينادون: يا محمّد اخرج إلينا حتّى أيقظوه من نومه، فخرج إليهم، فقالوا: يا محمّد فادنا عيالنا. فنزل جبريل، فقال: يا محمّد إنّ الله يأمرك أن تجعل بينك، وبينهم رجلا، فقال لهم رسول الله ﷺ‎: «أترضون أن يكون بيني وبينكم سمرة بن عمرو، وهو على دينكم؟» . فقالوا: نعم. قال سمرة: أنا لا أحكم بينهم وعمّي شاهد، وهو الأعور بن شامة فرضوا به. فقال الأعور: أرى أن يفادي نصفهم، ويعتق نصفهم. فقال النبي ﷺ‎ «قد رضيت» . ففادى نصفهم وأعتق نصفهم، فقال رسول الله ﷺ‎: «من كان عليه محرر من ولد إسماعيل، فليعتق منهم» [66] [[المعجم الكبير 10/ 185- في المصدر الحديث هكذا: «من كان عليه محرر من ولد إسماعيل فلا يعتق من حمير أحدا» مجمع الزوائد: 10/ 46.]] . فأنزل الله سبحانه وتعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ ... الآية ، وقال زيد بن أرقم: جاء ناس من الغرف إلى النبيّ ﷺ‎ فقال بعضهم لبعض: انطلقوا بنا إلى هذا الرجل، فإن يكن نبيّا فنحن أسعد الناس به، وأن يكن ملكا نعش في جناحه. فجاءوا إلى حجرة النبيّ ﷺ‎، فجعلوا ينادونه: يا محمّد، يا محمّد، فأنزل الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ وهي جمع الحجر، والحجر جمع حجرة، فهو جمع الجمع، وفيه لغتان: فتح (الجيم) وهي قراءة أبي جعفر، كقول الشاعر: أما كان عباد كفيا لدارم ... يلي ولأبيات بها الحجرات يعني يلي ولبني هاشم. أَكْثَرُهُمْ جهلاء لا يَعْقِلُونَ وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ لأنّك كنت تعتقهم جميعا، وتطلقهم بلا فداء. وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ أخبرنا ابن منجويه، قال: حدّثنا عبد الله بن يوسف، قال: حدّثنا أحمد بن عيسى بن السكين البلدي، قال: حدّثني هاشم بن القاسم الحراني، قال: حدّثني يعلى بن الأشدق، قال: حدّثني سعد بن عبد الله، أنّ النبيّ ﷺ‎ سئل عن قول الله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ قال: «هم الجفاة من بني تميم، لولا أنّهم من أشدّ الناس قتالا للأعور الدجّال، لدعوت الله عزّ وجلّ أن يهلكهم» [67] [[الدر المنثور: 6/ 87.]] . يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط، بعثه رسول الله ﷺ‎ إلى بني المصطلق بعد الوقعة مصدّقا، وكان بينه، وبينهم عداوة في الجاهلية، فلمّا سمع به القوم تلقوه تعظيما لأمر رسول الله ﷺ‎، فحدّثه الشيطان أنّهم يريدون قتله، فهابهم، فرجع من الطريق إلى رسول الله ﷺ‎ فقال: إنّ بني المصطلق، قد منعوا صدقاتهم وأرادوا قتلي، فغضب رسول الله، وهمّ أن يغزوهم، فبلغ القوم رجوعه، فأتوا رسول الله ﷺ‎ وقالوا: يا رسول الله سمعنا برسولك، فخرجنا نتلقّاه، ونكرمه، ونؤدّي إليه ما قبلنا من حقّ الله، فبدا له في الرجوع، فخشينا أن يكون إنّما ردّه من الطريق كتاب جاءه منك لغضب غضبته علينا، وإنّا نعوذ بالله من غضبه، وغضب رسوله، فأبهمهم [[في تفسير ابن كثير (4/ 224) : وإن النبي استغشهم وهمّ بهم فأنزل الله عذرهم.]] رسول الله ﷺ‎، وبعث خالد بن الوليد إليهم خفية في عسكر، وأمره أن يخفي عليهم قدومه [[تفسير الطبري: 26/ 161.]] . وقال له: «انظر، فإن رأيت منهم ما يدلّ على إيمانهم، فخذ منهم زكاة أموالهم، وإن لم تر ذلك، فاستعمل فيهم ما يستعمل في الكفّار» . ففعل ذلك خالد ووافاهم، فسمع منهم آذان صلاتي المغرب والعشاء، فأخذ منهم صدقاتهم، ولم ير منهم إلّا الطاعة، والخير، فانصرف خالد إلى رسول الله، وأخبره الخبر، فأنزل الله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ يعني الوليد بن عقبة بن أبي معيط سمّاه الله فاسقا، نظيره أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ [[سورة السجدة: 18.]] ، قال سهل بن عبد الله وابن زيد: الفاسق الكذّاب. أبو الحسين الورّاق: هو المعلن بالذنب، وقال ابن طاهر وابن زيد: الفاسق الذي لا يستحي من الله سبحانه. بنبإ: بخبر فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا كي لا تصيبوا بالقتل، والقتال. قَوْماً براء بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ فاتقوا أن تقولوا الباطل، وتفتروا الكذب، فإنّ الله سبحانه يخبره أنباءكم، ويعرّفه أحوالكم، فتفتضحوا. لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ فيحكم برأيكم، ويقبل قولكم. لَعَنِتُّمْ لأثمتم وهلكتم. وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ فأنتم تطيعون رسول الله وتأتمّون به، فيقيكم الله بذلك العنت. وَزَيَّنَهُ وحسّنه فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ. ثمّ انتقل من الخطاب إلى الخبر، فقال عزّ من قائل: أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ نظيرها قوله سبحانه: وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ [[سورة الروم: 39.]] ، قال النابغة: يا دارميّة بالعلياء فالسند ... أقوت وطال عليها سالف الأبد [[البداية والنهاية: 2/ 279.]] فَضْلًا أي كان هذا فضلا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا قال أكثر المفسّرين: وقف رسول الله ﷺ‎ ذات يوم على مجلس من مجالس الأنصار وهو على حماره، فبال حماره، فأمسك عبد الله بن أبي بأنفه وقال: إليك عنّا بحمارك، فقد آذانا نتنه. فقال عبد الله بن رواحة: والله لحمار رسول الله ﷺ‎ أطيب ريحا منك. فغضب لعبد الله بن أبي رجل من قومه، وغضب لعبد الله بن رواحة رجل من قومه، فغضب لكلّ واحد منهما أصحابه حتّى استسبّوا، وتجالدوا بالأيدي، والجريد، والنعال، ولم يقدر رسول الله ﷺ‎ على إمساكهم، فأنزل الله سبحانه هذه الآية، فلمّا نزلت قرأها رسول الله ﷺ‎ فاصطلحوا، وكفّ بعضهم عن بعض، وأقبل بشير بن النعمان الأنصاري مشتملا على سيفه، فوجدهم قد اصطلحوا، فقال عبد الله بن أبي: أعليّ تشتمل بالسيف يا بشير؟ قال: نعم، والّذي أحلف به لو جئت قبل أن تصطلحوا لضربتك حتّى أقتلك، فأنشأ عبد الله بن أبي يقول: متى ما يكن مولاك خصمك جاهدا ... تظلم [[في السيرة: تذل بدل من «تظلم» .]] ويصرعك الذين تصارع [[تفسير الطبري: 26/ 167 وسيرة ابن هشام: 2/ 425 ط. مصر (صبيح وأولاده) .]] قال قتادة: نزلت في رجلين من الأنصار، كانت بينهما مداراة في حقّ بينهما، فقال أحدهما للآخر: لآخذنّ حقّي منك عنوة، لكثرة عشيرته، وإنّ الآخر دعاه ليحاكمه إلى نبيّ الله ﷺ‎، فأبى أن يتبعه، فلم يزل الأمر بينهما، حتّى تدافعوا، وقد تناول بعضهم بعضا بالأيدي، والنعال، ولم يكن قتال بالسيوف. وروى محمّد بن الفضيل، عن الكلبي أنّها نزلت في حرب سمير وحاطب، وكان سمير قتل حاطبا، فجعل الأوس والخزرج يقتتلون إلى أن أتاهم النبيّ ﷺ‎، فأنزل الله سبحانه هذه الآية، وأمر نبيّه، والمؤمنين أن يصلحوا بينهم. وروى سفيان عن السدّي، قال: كانت امرأة من الأنصار يقال لها: أمّ زيد تحت رجل، وكان بينها، وبين زوجها شيء، فرمى بها إلى علية، وحبسها فيها، فبلغ ذلك قومها فجاءوا، وجاء قومه، فاقتتلوا بالأيدي، والنعال، فأنزل الله سبحانه تعالى: وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا الآية. فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بالدعاء إلى حكم كتاب الله سبحانه، والرضا بما فيه لهما، وعليهما. فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ ترجع إِلى أَمْرِ اللَّهِ وأبت الإجابة إلى حكم الله تعالى له، وعليه في كتابه الذي جعله عدلا بين خلقه. فَإِنْ فاءَتْ رجعت إلى الحقّ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ بحملهما على الإنصاف والرضى بحكم الله، وهو العدل، وَأَقْسِطُوا واعدلوا. إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ في الدين، والولاية فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ إذا اختلفا، واقتتلا، وقرأ ابن سيرين، ويعقوب. بين إخوتكم (بالتاء) على الجمع، وقرأ الحسن (إخوانكم) (بالألف) و (النون) . وَاتَّقُوا اللَّهَ فلا تعصوه ولا تخالفوا أمره لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ. قال أبو عثمان البصري: أخوة الدّين أثبت من أخوّة النسب، فإنّ اخوّة النسب تنقطع لمخالفة الدين، وأخوّة الدين لا تنقطع بمخالفة النسب. وسئل الجنيد عن الأخ، فقال: هو أنت في الحقيقة إلّا إنّه غيرك في الشخص. أخبرني ابن منجويه، قال: حدّثنا عمر بن الخطّاب. قال: حدّثنا محمّد بن إسحاق المسوحي. قال: حدّثنا عمرو بن علي، قال: حدّثنا أبو عاصم. قال: حدّثنا إسماعيل بن رافع، عن ابن أبي سعيد، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ‎ «المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يعيبه، ولا يخذله، ولا يتطاول عليه في البنيان، فيستر عليه الريح إلّا بإذنه، ولا يؤذيه بقتار قدره إلّا أن يعرف له، ولا يشتري لبنيه الفاكهة، فيخرجون بها إلى صبيان جاره، ولا يطعمونهم منها» . قال رسول الله ﷺ‎: «احفظوا، ولا يحفظه منكم إلّا قليل» [68] [[تفسير القرطبي: 16/ 323.]] . وفي هاتين الآيتين دليل على انّ البغي لا يزيل اسم الإيمان، لأنّ الله سبحانه وتعالى سمّاهم أخوة مؤمنين مع كونهم باغين، عاصين. يدلّ عليه ما روى الأعور أنّ علي بن أبي طالب رضي الله عنه سئل وهو القدوة في قتال أهل البغي، عن أهل الجمل، وصفّين، أمشركون هم؟ فقال: لا، من الشرك فرّوا. فقيل: أهم منافقون؟ فقال: إنّ المنافقين لا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا. قيل: فما حالهم؟ قال: إخواننا بغوا علينا. وقد أخبرني ابن منجويه، قال: حدّثنا ابن شنبه، قال: حدّثنا أحمد بن الحسين بن عبد الجبّار الصوفي قال: حدّثنا أبو نصر التمّار، قال: حدّثنا كوثر، عن نافع، عن ابن عمر أنّ النبيّ ﷺ‎ قال: «يا عبد الله هل تدري كيف حكم الله سبحانه فيمن بغى من هذه الأمّة؟» . قال: الله ورسوله أعلم. قال: «لا يجهز على جريحها، ولا يقتل أسيرها، ولا يطلب هاربها، ولا يقسم فيئها» [69] [[تفسير القرطبي: 16/ 320.]] . وسئل محمّد بن كعب القرظي عن هاتين الآيتين، فقال: جعل النبيّ ﷺ‎ أجر المصلح بين الناس، كأجر المجاهد عند الناس ، وقال بكر بن عبد الله: امش ميلا، وعد مريضا، امش ميلين، وأصلح بين اثنين، امش ثلاثة أميال، وزر أخاك في الله.

الحجرات 49:7

إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ يعني أعراب تميم، حيث نادوا: يا محمّد اخرج علينا، فإنّ مدحنا زين وذمّنا شين، قاله قتادة. قال ابن عبّاس: بعث رسول الله ﷺ‎ سرية إلى حي من بني العنبر وأمّر عليهم عيينة بن حصين الفزاري، فلمّا علموا أنّه توجّه نحوهم، هربوا، وتركوا عيالهم، فسباهم عيينة، وقدم بهم على رسول الله ﷺ‎، فجاء بعد ذلك رجالهم يفدون الذراري، فقدموا وقت الظهيرة، وواقفوا رسول الله في أهله قائلا، فلمّا رأتهم الذراري جهشوا إلى آبائهم يبكون، وكان لكلّ امرأة من نساء رسول الله ﷺ‎ بيت، وحجرة، فعجلوا أن يخرج إليهم رسول الله ﷺ‎ وجعلوا ينادون: يا محمّد اخرج إلينا حتّى أيقظوه من نومه، فخرج إليهم، فقالوا: يا محمّد فادنا عيالنا. فنزل جبريل، فقال: يا محمّد إنّ الله يأمرك أن تجعل بينك، وبينهم رجلا، فقال لهم رسول الله ﷺ‎: «أترضون أن يكون بيني وبينكم سمرة بن عمرو، وهو على دينكم؟» . فقالوا: نعم. قال سمرة: أنا لا أحكم بينهم وعمّي شاهد، وهو الأعور بن شامة فرضوا به. فقال الأعور: أرى أن يفادي نصفهم، ويعتق نصفهم. فقال النبي ﷺ‎ «قد رضيت» . ففادى نصفهم وأعتق نصفهم، فقال رسول الله ﷺ‎: «من كان عليه محرر من ولد إسماعيل، فليعتق منهم» [66] [[المعجم الكبير 10/ 185- في المصدر الحديث هكذا: «من كان عليه محرر من ولد إسماعيل فلا يعتق من حمير أحدا» مجمع الزوائد: 10/ 46.]] . فأنزل الله سبحانه وتعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ ... الآية ، وقال زيد بن أرقم: جاء ناس من الغرف إلى النبيّ ﷺ‎ فقال بعضهم لبعض: انطلقوا بنا إلى هذا الرجل، فإن يكن نبيّا فنحن أسعد الناس به، وأن يكن ملكا نعش في جناحه. فجاءوا إلى حجرة النبيّ ﷺ‎، فجعلوا ينادونه: يا محمّد، يا محمّد، فأنزل الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ وهي جمع الحجر، والحجر جمع حجرة، فهو جمع الجمع، وفيه لغتان: فتح (الجيم) وهي قراءة أبي جعفر، كقول الشاعر: أما كان عباد كفيا لدارم ... يلي ولأبيات بها الحجرات يعني يلي ولبني هاشم. أَكْثَرُهُمْ جهلاء لا يَعْقِلُونَ وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ لأنّك كنت تعتقهم جميعا، وتطلقهم بلا فداء. وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ أخبرنا ابن منجويه، قال: حدّثنا عبد الله بن يوسف، قال: حدّثنا أحمد بن عيسى بن السكين البلدي، قال: حدّثني هاشم بن القاسم الحراني، قال: حدّثني يعلى بن الأشدق، قال: حدّثني سعد بن عبد الله، أنّ النبيّ ﷺ‎ سئل عن قول الله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ قال: «هم الجفاة من بني تميم، لولا أنّهم من أشدّ الناس قتالا للأعور الدجّال، لدعوت الله عزّ وجلّ أن يهلكهم» [67] [[الدر المنثور: 6/ 87.]] . يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط، بعثه رسول الله ﷺ‎ إلى بني المصطلق بعد الوقعة مصدّقا، وكان بينه، وبينهم عداوة في الجاهلية، فلمّا سمع به القوم تلقوه تعظيما لأمر رسول الله ﷺ‎، فحدّثه الشيطان أنّهم يريدون قتله، فهابهم، فرجع من الطريق إلى رسول الله ﷺ‎ فقال: إنّ بني المصطلق، قد منعوا صدقاتهم وأرادوا قتلي، فغضب رسول الله، وهمّ أن يغزوهم، فبلغ القوم رجوعه، فأتوا رسول الله ﷺ‎ وقالوا: يا رسول الله سمعنا برسولك، فخرجنا نتلقّاه، ونكرمه، ونؤدّي إليه ما قبلنا من حقّ الله، فبدا له في الرجوع، فخشينا أن يكون إنّما ردّه من الطريق كتاب جاءه منك لغضب غضبته علينا، وإنّا نعوذ بالله من غضبه، وغضب رسوله، فأبهمهم [[في تفسير ابن كثير (4/ 224) : وإن النبي استغشهم وهمّ بهم فأنزل الله عذرهم.]] رسول الله ﷺ‎، وبعث خالد بن الوليد إليهم خفية في عسكر، وأمره أن يخفي عليهم قدومه [[تفسير الطبري: 26/ 161.]] . وقال له: «انظر، فإن رأيت منهم ما يدلّ على إيمانهم، فخذ منهم زكاة أموالهم، وإن لم تر ذلك، فاستعمل فيهم ما يستعمل في الكفّار» . ففعل ذلك خالد ووافاهم، فسمع منهم آذان صلاتي المغرب والعشاء، فأخذ منهم صدقاتهم، ولم ير منهم إلّا الطاعة، والخير، فانصرف خالد إلى رسول الله، وأخبره الخبر، فأنزل الله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ يعني الوليد بن عقبة بن أبي معيط سمّاه الله فاسقا، نظيره أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ [[سورة السجدة: 18.]] ، قال سهل بن عبد الله وابن زيد: الفاسق الكذّاب. أبو الحسين الورّاق: هو المعلن بالذنب، وقال ابن طاهر وابن زيد: الفاسق الذي لا يستحي من الله سبحانه. بنبإ: بخبر فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا كي لا تصيبوا بالقتل، والقتال. قَوْماً براء بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ فاتقوا أن تقولوا الباطل، وتفتروا الكذب، فإنّ الله سبحانه يخبره أنباءكم، ويعرّفه أحوالكم، فتفتضحوا. لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ فيحكم برأيكم، ويقبل قولكم. لَعَنِتُّمْ لأثمتم وهلكتم. وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ فأنتم تطيعون رسول الله وتأتمّون به، فيقيكم الله بذلك العنت. وَزَيَّنَهُ وحسّنه فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ. ثمّ انتقل من الخطاب إلى الخبر، فقال عزّ من قائل: أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ نظيرها قوله سبحانه: وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ [[سورة الروم: 39.]] ، قال النابغة: يا دارميّة بالعلياء فالسند ... أقوت وطال عليها سالف الأبد [[البداية والنهاية: 2/ 279.]] فَضْلًا أي كان هذا فضلا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا قال أكثر المفسّرين: وقف رسول الله ﷺ‎ ذات يوم على مجلس من مجالس الأنصار وهو على حماره، فبال حماره، فأمسك عبد الله بن أبي بأنفه وقال: إليك عنّا بحمارك، فقد آذانا نتنه. فقال عبد الله بن رواحة: والله لحمار رسول الله ﷺ‎ أطيب ريحا منك. فغضب لعبد الله بن أبي رجل من قومه، وغضب لعبد الله بن رواحة رجل من قومه، فغضب لكلّ واحد منهما أصحابه حتّى استسبّوا، وتجالدوا بالأيدي، والجريد، والنعال، ولم يقدر رسول الله ﷺ‎ على إمساكهم، فأنزل الله سبحانه هذه الآية، فلمّا نزلت قرأها رسول الله ﷺ‎ فاصطلحوا، وكفّ بعضهم عن بعض، وأقبل بشير بن النعمان الأنصاري مشتملا على سيفه، فوجدهم قد اصطلحوا، فقال عبد الله بن أبي: أعليّ تشتمل بالسيف يا بشير؟ قال: نعم، والّذي أحلف به لو جئت قبل أن تصطلحوا لضربتك حتّى أقتلك، فأنشأ عبد الله بن أبي يقول: متى ما يكن مولاك خصمك جاهدا ... تظلم [[في السيرة: تذل بدل من «تظلم» .]] ويصرعك الذين تصارع [[تفسير الطبري: 26/ 167 وسيرة ابن هشام: 2/ 425 ط. مصر (صبيح وأولاده) .]] قال قتادة: نزلت في رجلين من الأنصار، كانت بينهما مداراة في حقّ بينهما، فقال أحدهما للآخر: لآخذنّ حقّي منك عنوة، لكثرة عشيرته، وإنّ الآخر دعاه ليحاكمه إلى نبيّ الله ﷺ‎، فأبى أن يتبعه، فلم يزل الأمر بينهما، حتّى تدافعوا، وقد تناول بعضهم بعضا بالأيدي، والنعال، ولم يكن قتال بالسيوف. وروى محمّد بن الفضيل، عن الكلبي أنّها نزلت في حرب سمير وحاطب، وكان سمير قتل حاطبا، فجعل الأوس والخزرج يقتتلون إلى أن أتاهم النبيّ ﷺ‎، فأنزل الله سبحانه هذه الآية، وأمر نبيّه، والمؤمنين أن يصلحوا بينهم. وروى سفيان عن السدّي، قال: كانت امرأة من الأنصار يقال لها: أمّ زيد تحت رجل، وكان بينها، وبين زوجها شيء، فرمى بها إلى علية، وحبسها فيها، فبلغ ذلك قومها فجاءوا، وجاء قومه، فاقتتلوا بالأيدي، والنعال، فأنزل الله سبحانه تعالى: وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا الآية. فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بالدعاء إلى حكم كتاب الله سبحانه، والرضا بما فيه لهما، وعليهما. فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ ترجع إِلى أَمْرِ اللَّهِ وأبت الإجابة إلى حكم الله تعالى له، وعليه في كتابه الذي جعله عدلا بين خلقه. فَإِنْ فاءَتْ رجعت إلى الحقّ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ بحملهما على الإنصاف والرضى بحكم الله، وهو العدل، وَأَقْسِطُوا واعدلوا. إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ في الدين، والولاية فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ إذا اختلفا، واقتتلا، وقرأ ابن سيرين، ويعقوب. بين إخوتكم (بالتاء) على الجمع، وقرأ الحسن (إخوانكم) (بالألف) و (النون) . وَاتَّقُوا اللَّهَ فلا تعصوه ولا تخالفوا أمره لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ. قال أبو عثمان البصري: أخوة الدّين أثبت من أخوّة النسب، فإنّ اخوّة النسب تنقطع لمخالفة الدين، وأخوّة الدين لا تنقطع بمخالفة النسب. وسئل الجنيد عن الأخ، فقال: هو أنت في الحقيقة إلّا إنّه غيرك في الشخص. أخبرني ابن منجويه، قال: حدّثنا عمر بن الخطّاب. قال: حدّثنا محمّد بن إسحاق المسوحي. قال: حدّثنا عمرو بن علي، قال: حدّثنا أبو عاصم. قال: حدّثنا إسماعيل بن رافع، عن ابن أبي سعيد، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ‎ «المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يعيبه، ولا يخذله، ولا يتطاول عليه في البنيان، فيستر عليه الريح إلّا بإذنه، ولا يؤذيه بقتار قدره إلّا أن يعرف له، ولا يشتري لبنيه الفاكهة، فيخرجون بها إلى صبيان جاره، ولا يطعمونهم منها» . قال رسول الله ﷺ‎: «احفظوا، ولا يحفظه منكم إلّا قليل» [68] [[تفسير القرطبي: 16/ 323.]] . وفي هاتين الآيتين دليل على انّ البغي لا يزيل اسم الإيمان، لأنّ الله سبحانه وتعالى سمّاهم أخوة مؤمنين مع كونهم باغين، عاصين. يدلّ عليه ما روى الأعور أنّ علي بن أبي طالب رضي الله عنه سئل وهو القدوة في قتال أهل البغي، عن أهل الجمل، وصفّين، أمشركون هم؟ فقال: لا، من الشرك فرّوا. فقيل: أهم منافقون؟ فقال: إنّ المنافقين لا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا. قيل: فما حالهم؟ قال: إخواننا بغوا علينا. وقد أخبرني ابن منجويه، قال: حدّثنا ابن شنبه، قال: حدّثنا أحمد بن الحسين بن عبد الجبّار الصوفي قال: حدّثنا أبو نصر التمّار، قال: حدّثنا كوثر، عن نافع، عن ابن عمر أنّ النبيّ ﷺ‎ قال: «يا عبد الله هل تدري كيف حكم الله سبحانه فيمن بغى من هذه الأمّة؟» . قال: الله ورسوله أعلم. قال: «لا يجهز على جريحها، ولا يقتل أسيرها، ولا يطلب هاربها، ولا يقسم فيئها» [69] [[تفسير القرطبي: 16/ 320.]] . وسئل محمّد بن كعب القرظي عن هاتين الآيتين، فقال: جعل النبيّ ﷺ‎ أجر المصلح بين الناس، كأجر المجاهد عند الناس ، وقال بكر بن عبد الله: امش ميلا، وعد مريضا، امش ميلين، وأصلح بين اثنين، امش ثلاثة أميال، وزر أخاك في الله.

الحجرات 49:8

إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ يعني أعراب تميم، حيث نادوا: يا محمّد اخرج علينا، فإنّ مدحنا زين وذمّنا شين، قاله قتادة. قال ابن عبّاس: بعث رسول الله ﷺ‎ سرية إلى حي من بني العنبر وأمّر عليهم عيينة بن حصين الفزاري، فلمّا علموا أنّه توجّه نحوهم، هربوا، وتركوا عيالهم، فسباهم عيينة، وقدم بهم على رسول الله ﷺ‎، فجاء بعد ذلك رجالهم يفدون الذراري، فقدموا وقت الظهيرة، وواقفوا رسول الله في أهله قائلا، فلمّا رأتهم الذراري جهشوا إلى آبائهم يبكون، وكان لكلّ امرأة من نساء رسول الله ﷺ‎ بيت، وحجرة، فعجلوا أن يخرج إليهم رسول الله ﷺ‎ وجعلوا ينادون: يا محمّد اخرج إلينا حتّى أيقظوه من نومه، فخرج إليهم، فقالوا: يا محمّد فادنا عيالنا. فنزل جبريل، فقال: يا محمّد إنّ الله يأمرك أن تجعل بينك، وبينهم رجلا، فقال لهم رسول الله ﷺ‎: «أترضون أن يكون بيني وبينكم سمرة بن عمرو، وهو على دينكم؟» . فقالوا: نعم. قال سمرة: أنا لا أحكم بينهم وعمّي شاهد، وهو الأعور بن شامة فرضوا به. فقال الأعور: أرى أن يفادي نصفهم، ويعتق نصفهم. فقال النبي ﷺ‎ «قد رضيت» . ففادى نصفهم وأعتق نصفهم، فقال رسول الله ﷺ‎: «من كان عليه محرر من ولد إسماعيل، فليعتق منهم» [66] [[المعجم الكبير 10/ 185- في المصدر الحديث هكذا: «من كان عليه محرر من ولد إسماعيل فلا يعتق من حمير أحدا» مجمع الزوائد: 10/ 46.]] . فأنزل الله سبحانه وتعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ ... الآية ، وقال زيد بن أرقم: جاء ناس من الغرف إلى النبيّ ﷺ‎ فقال بعضهم لبعض: انطلقوا بنا إلى هذا الرجل، فإن يكن نبيّا فنحن أسعد الناس به، وأن يكن ملكا نعش في جناحه. فجاءوا إلى حجرة النبيّ ﷺ‎، فجعلوا ينادونه: يا محمّد، يا محمّد، فأنزل الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ وهي جمع الحجر، والحجر جمع حجرة، فهو جمع الجمع، وفيه لغتان: فتح (الجيم) وهي قراءة أبي جعفر، كقول الشاعر: أما كان عباد كفيا لدارم ... يلي ولأبيات بها الحجرات يعني يلي ولبني هاشم. أَكْثَرُهُمْ جهلاء لا يَعْقِلُونَ وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ لأنّك كنت تعتقهم جميعا، وتطلقهم بلا فداء. وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ أخبرنا ابن منجويه، قال: حدّثنا عبد الله بن يوسف، قال: حدّثنا أحمد بن عيسى بن السكين البلدي، قال: حدّثني هاشم بن القاسم الحراني، قال: حدّثني يعلى بن الأشدق، قال: حدّثني سعد بن عبد الله، أنّ النبيّ ﷺ‎ سئل عن قول الله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ قال: «هم الجفاة من بني تميم، لولا أنّهم من أشدّ الناس قتالا للأعور الدجّال، لدعوت الله عزّ وجلّ أن يهلكهم» [67] [[الدر المنثور: 6/ 87.]] . يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط، بعثه رسول الله ﷺ‎ إلى بني المصطلق بعد الوقعة مصدّقا، وكان بينه، وبينهم عداوة في الجاهلية، فلمّا سمع به القوم تلقوه تعظيما لأمر رسول الله ﷺ‎، فحدّثه الشيطان أنّهم يريدون قتله، فهابهم، فرجع من الطريق إلى رسول الله ﷺ‎ فقال: إنّ بني المصطلق، قد منعوا صدقاتهم وأرادوا قتلي، فغضب رسول الله، وهمّ أن يغزوهم، فبلغ القوم رجوعه، فأتوا رسول الله ﷺ‎ وقالوا: يا رسول الله سمعنا برسولك، فخرجنا نتلقّاه، ونكرمه، ونؤدّي إليه ما قبلنا من حقّ الله، فبدا له في الرجوع، فخشينا أن يكون إنّما ردّه من الطريق كتاب جاءه منك لغضب غضبته علينا، وإنّا نعوذ بالله من غضبه، وغضب رسوله، فأبهمهم [[في تفسير ابن كثير (4/ 224) : وإن النبي استغشهم وهمّ بهم فأنزل الله عذرهم.]] رسول الله ﷺ‎، وبعث خالد بن الوليد إليهم خفية في عسكر، وأمره أن يخفي عليهم قدومه [[تفسير الطبري: 26/ 161.]] . وقال له: «انظر، فإن رأيت منهم ما يدلّ على إيمانهم، فخذ منهم زكاة أموالهم، وإن لم تر ذلك، فاستعمل فيهم ما يستعمل في الكفّار» . ففعل ذلك خالد ووافاهم، فسمع منهم آذان صلاتي المغرب والعشاء، فأخذ منهم صدقاتهم، ولم ير منهم إلّا الطاعة، والخير، فانصرف خالد إلى رسول الله، وأخبره الخبر، فأنزل الله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ يعني الوليد بن عقبة بن أبي معيط سمّاه الله فاسقا، نظيره أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ [[سورة السجدة: 18.]] ، قال سهل بن عبد الله وابن زيد: الفاسق الكذّاب. أبو الحسين الورّاق: هو المعلن بالذنب، وقال ابن طاهر وابن زيد: الفاسق الذي لا يستحي من الله سبحانه. بنبإ: بخبر فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا كي لا تصيبوا بالقتل، والقتال. قَوْماً براء بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ فاتقوا أن تقولوا الباطل، وتفتروا الكذب، فإنّ الله سبحانه يخبره أنباءكم، ويعرّفه أحوالكم، فتفتضحوا. لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ فيحكم برأيكم، ويقبل قولكم. لَعَنِتُّمْ لأثمتم وهلكتم. وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ فأنتم تطيعون رسول الله وتأتمّون به، فيقيكم الله بذلك العنت. وَزَيَّنَهُ وحسّنه فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ. ثمّ انتقل من الخطاب إلى الخبر، فقال عزّ من قائل: أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ نظيرها قوله سبحانه: وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ [[سورة الروم: 39.]] ، قال النابغة: يا دارميّة بالعلياء فالسند ... أقوت وطال عليها سالف الأبد [[البداية والنهاية: 2/ 279.]] فَضْلًا أي كان هذا فضلا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا قال أكثر المفسّرين: وقف رسول الله ﷺ‎ ذات يوم على مجلس من مجالس الأنصار وهو على حماره، فبال حماره، فأمسك عبد الله بن أبي بأنفه وقال: إليك عنّا بحمارك، فقد آذانا نتنه. فقال عبد الله بن رواحة: والله لحمار رسول الله ﷺ‎ أطيب ريحا منك. فغضب لعبد الله بن أبي رجل من قومه، وغضب لعبد الله بن رواحة رجل من قومه، فغضب لكلّ واحد منهما أصحابه حتّى استسبّوا، وتجالدوا بالأيدي، والجريد، والنعال، ولم يقدر رسول الله ﷺ‎ على إمساكهم، فأنزل الله سبحانه هذه الآية، فلمّا نزلت قرأها رسول الله ﷺ‎ فاصطلحوا، وكفّ بعضهم عن بعض، وأقبل بشير بن النعمان الأنصاري مشتملا على سيفه، فوجدهم قد اصطلحوا، فقال عبد الله بن أبي: أعليّ تشتمل بالسيف يا بشير؟ قال: نعم، والّذي أحلف به لو جئت قبل أن تصطلحوا لضربتك حتّى أقتلك، فأنشأ عبد الله بن أبي يقول: متى ما يكن مولاك خصمك جاهدا ... تظلم [[في السيرة: تذل بدل من «تظلم» .]] ويصرعك الذين تصارع [[تفسير الطبري: 26/ 167 وسيرة ابن هشام: 2/ 425 ط. مصر (صبيح وأولاده) .]] قال قتادة: نزلت في رجلين من الأنصار، كانت بينهما مداراة في حقّ بينهما، فقال أحدهما للآخر: لآخذنّ حقّي منك عنوة، لكثرة عشيرته، وإنّ الآخر دعاه ليحاكمه إلى نبيّ الله ﷺ‎، فأبى أن يتبعه، فلم يزل الأمر بينهما، حتّى تدافعوا، وقد تناول بعضهم بعضا بالأيدي، والنعال، ولم يكن قتال بالسيوف. وروى محمّد بن الفضيل، عن الكلبي أنّها نزلت في حرب سمير وحاطب، وكان سمير قتل حاطبا، فجعل الأوس والخزرج يقتتلون إلى أن أتاهم النبيّ ﷺ‎، فأنزل الله سبحانه هذه الآية، وأمر نبيّه، والمؤمنين أن يصلحوا بينهم. وروى سفيان عن السدّي، قال: كانت امرأة من الأنصار يقال لها: أمّ زيد تحت رجل، وكان بينها، وبين زوجها شيء، فرمى بها إلى علية، وحبسها فيها، فبلغ ذلك قومها فجاءوا، وجاء قومه، فاقتتلوا بالأيدي، والنعال، فأنزل الله سبحانه تعالى: وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا الآية. فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بالدعاء إلى حكم كتاب الله سبحانه، والرضا بما فيه لهما، وعليهما. فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ ترجع إِلى أَمْرِ اللَّهِ وأبت الإجابة إلى حكم الله تعالى له، وعليه في كتابه الذي جعله عدلا بين خلقه. فَإِنْ فاءَتْ رجعت إلى الحقّ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ بحملهما على الإنصاف والرضى بحكم الله، وهو العدل، وَأَقْسِطُوا واعدلوا. إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ في الدين، والولاية فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ إذا اختلفا، واقتتلا، وقرأ ابن سيرين، ويعقوب. بين إخوتكم (بالتاء) على الجمع، وقرأ الحسن (إخوانكم) (بالألف) و (النون) . وَاتَّقُوا اللَّهَ فلا تعصوه ولا تخالفوا أمره لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ. قال أبو عثمان البصري: أخوة الدّين أثبت من أخوّة النسب، فإنّ اخوّة النسب تنقطع لمخالفة الدين، وأخوّة الدين لا تنقطع بمخالفة النسب. وسئل الجنيد عن الأخ، فقال: هو أنت في الحقيقة إلّا إنّه غيرك في الشخص. أخبرني ابن منجويه، قال: حدّثنا عمر بن الخطّاب. قال: حدّثنا محمّد بن إسحاق المسوحي. قال: حدّثنا عمرو بن علي، قال: حدّثنا أبو عاصم. قال: حدّثنا إسماعيل بن رافع، عن ابن أبي سعيد، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ‎ «المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يعيبه، ولا يخذله، ولا يتطاول عليه في البنيان، فيستر عليه الريح إلّا بإذنه، ولا يؤذيه بقتار قدره إلّا أن يعرف له، ولا يشتري لبنيه الفاكهة، فيخرجون بها إلى صبيان جاره، ولا يطعمونهم منها» . قال رسول الله ﷺ‎: «احفظوا، ولا يحفظه منكم إلّا قليل» [68] [[تفسير القرطبي: 16/ 323.]] . وفي هاتين الآيتين دليل على انّ البغي لا يزيل اسم الإيمان، لأنّ الله سبحانه وتعالى سمّاهم أخوة مؤمنين مع كونهم باغين، عاصين. يدلّ عليه ما روى الأعور أنّ علي بن أبي طالب رضي الله عنه سئل وهو القدوة في قتال أهل البغي، عن أهل الجمل، وصفّين، أمشركون هم؟ فقال: لا، من الشرك فرّوا. فقيل: أهم منافقون؟ فقال: إنّ المنافقين لا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا. قيل: فما حالهم؟ قال: إخواننا بغوا علينا. وقد أخبرني ابن منجويه، قال: حدّثنا ابن شنبه، قال: حدّثنا أحمد بن الحسين بن عبد الجبّار الصوفي قال: حدّثنا أبو نصر التمّار، قال: حدّثنا كوثر، عن نافع، عن ابن عمر أنّ النبيّ ﷺ‎ قال: «يا عبد الله هل تدري كيف حكم الله سبحانه فيمن بغى من هذه الأمّة؟» . قال: الله ورسوله أعلم. قال: «لا يجهز على جريحها، ولا يقتل أسيرها، ولا يطلب هاربها، ولا يقسم فيئها» [69] [[تفسير القرطبي: 16/ 320.]] . وسئل محمّد بن كعب القرظي عن هاتين الآيتين، فقال: جعل النبيّ ﷺ‎ أجر المصلح بين الناس، كأجر المجاهد عند الناس ، وقال بكر بن عبد الله: امش ميلا، وعد مريضا، امش ميلين، وأصلح بين اثنين، امش ثلاثة أميال، وزر أخاك في الله.

الحجرات 49:9

إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ يعني أعراب تميم، حيث نادوا: يا محمّد اخرج علينا، فإنّ مدحنا زين وذمّنا شين، قاله قتادة. قال ابن عبّاس: بعث رسول الله ﷺ‎ سرية إلى حي من بني العنبر وأمّر عليهم عيينة بن حصين الفزاري، فلمّا علموا أنّه توجّه نحوهم، هربوا، وتركوا عيالهم، فسباهم عيينة، وقدم بهم على رسول الله ﷺ‎، فجاء بعد ذلك رجالهم يفدون الذراري، فقدموا وقت الظهيرة، وواقفوا رسول الله في أهله قائلا، فلمّا رأتهم الذراري جهشوا إلى آبائهم يبكون، وكان لكلّ امرأة من نساء رسول الله ﷺ‎ بيت، وحجرة، فعجلوا أن يخرج إليهم رسول الله ﷺ‎ وجعلوا ينادون: يا محمّد اخرج إلينا حتّى أيقظوه من نومه، فخرج إليهم، فقالوا: يا محمّد فادنا عيالنا. فنزل جبريل، فقال: يا محمّد إنّ الله يأمرك أن تجعل بينك، وبينهم رجلا، فقال لهم رسول الله ﷺ‎: «أترضون أن يكون بيني وبينكم سمرة بن عمرو، وهو على دينكم؟» . فقالوا: نعم. قال سمرة: أنا لا أحكم بينهم وعمّي شاهد، وهو الأعور بن شامة فرضوا به. فقال الأعور: أرى أن يفادي نصفهم، ويعتق نصفهم. فقال النبي ﷺ‎ «قد رضيت» . ففادى نصفهم وأعتق نصفهم، فقال رسول الله ﷺ‎: «من كان عليه محرر من ولد إسماعيل، فليعتق منهم» [66] [[المعجم الكبير 10/ 185- في المصدر الحديث هكذا: «من كان عليه محرر من ولد إسماعيل فلا يعتق من حمير أحدا» مجمع الزوائد: 10/ 46.]] . فأنزل الله سبحانه وتعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ ... الآية ، وقال زيد بن أرقم: جاء ناس من الغرف إلى النبيّ ﷺ‎ فقال بعضهم لبعض: انطلقوا بنا إلى هذا الرجل، فإن يكن نبيّا فنحن أسعد الناس به، وأن يكن ملكا نعش في جناحه. فجاءوا إلى حجرة النبيّ ﷺ‎، فجعلوا ينادونه: يا محمّد، يا محمّد، فأنزل الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ وهي جمع الحجر، والحجر جمع حجرة، فهو جمع الجمع، وفيه لغتان: فتح (الجيم) وهي قراءة أبي جعفر، كقول الشاعر: أما كان عباد كفيا لدارم ... يلي ولأبيات بها الحجرات يعني يلي ولبني هاشم. أَكْثَرُهُمْ جهلاء لا يَعْقِلُونَ وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ لأنّك كنت تعتقهم جميعا، وتطلقهم بلا فداء. وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ أخبرنا ابن منجويه، قال: حدّثنا عبد الله بن يوسف، قال: حدّثنا أحمد بن عيسى بن السكين البلدي، قال: حدّثني هاشم بن القاسم الحراني، قال: حدّثني يعلى بن الأشدق، قال: حدّثني سعد بن عبد الله، أنّ النبيّ ﷺ‎ سئل عن قول الله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ قال: «هم الجفاة من بني تميم، لولا أنّهم من أشدّ الناس قتالا للأعور الدجّال، لدعوت الله عزّ وجلّ أن يهلكهم» [67] [[الدر المنثور: 6/ 87.]] . يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط، بعثه رسول الله ﷺ‎ إلى بني المصطلق بعد الوقعة مصدّقا، وكان بينه، وبينهم عداوة في الجاهلية، فلمّا سمع به القوم تلقوه تعظيما لأمر رسول الله ﷺ‎، فحدّثه الشيطان أنّهم يريدون قتله، فهابهم، فرجع من الطريق إلى رسول الله ﷺ‎ فقال: إنّ بني المصطلق، قد منعوا صدقاتهم وأرادوا قتلي، فغضب رسول الله، وهمّ أن يغزوهم، فبلغ القوم رجوعه، فأتوا رسول الله ﷺ‎ وقالوا: يا رسول الله سمعنا برسولك، فخرجنا نتلقّاه، ونكرمه، ونؤدّي إليه ما قبلنا من حقّ الله، فبدا له في الرجوع، فخشينا أن يكون إنّما ردّه من الطريق كتاب جاءه منك لغضب غضبته علينا، وإنّا نعوذ بالله من غضبه، وغضب رسوله، فأبهمهم [[في تفسير ابن كثير (4/ 224) : وإن النبي استغشهم وهمّ بهم فأنزل الله عذرهم.]] رسول الله ﷺ‎، وبعث خالد بن الوليد إليهم خفية في عسكر، وأمره أن يخفي عليهم قدومه [[تفسير الطبري: 26/ 161.]] . وقال له: «انظر، فإن رأيت منهم ما يدلّ على إيمانهم، فخذ منهم زكاة أموالهم، وإن لم تر ذلك، فاستعمل فيهم ما يستعمل في الكفّار» . ففعل ذلك خالد ووافاهم، فسمع منهم آذان صلاتي المغرب والعشاء، فأخذ منهم صدقاتهم، ولم ير منهم إلّا الطاعة، والخير، فانصرف خالد إلى رسول الله، وأخبره الخبر، فأنزل الله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ يعني الوليد بن عقبة بن أبي معيط سمّاه الله فاسقا، نظيره أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ [[سورة السجدة: 18.]] ، قال سهل بن عبد الله وابن زيد: الفاسق الكذّاب. أبو الحسين الورّاق: هو المعلن بالذنب، وقال ابن طاهر وابن زيد: الفاسق الذي لا يستحي من الله سبحانه. بنبإ: بخبر فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا كي لا تصيبوا بالقتل، والقتال. قَوْماً براء بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ فاتقوا أن تقولوا الباطل، وتفتروا الكذب، فإنّ الله سبحانه يخبره أنباءكم، ويعرّفه أحوالكم، فتفتضحوا. لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ فيحكم برأيكم، ويقبل قولكم. لَعَنِتُّمْ لأثمتم وهلكتم. وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ فأنتم تطيعون رسول الله وتأتمّون به، فيقيكم الله بذلك العنت. وَزَيَّنَهُ وحسّنه فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ. ثمّ انتقل من الخطاب إلى الخبر، فقال عزّ من قائل: أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ نظيرها قوله سبحانه: وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ [[سورة الروم: 39.]] ، قال النابغة: يا دارميّة بالعلياء فالسند ... أقوت وطال عليها سالف الأبد [[البداية والنهاية: 2/ 279.]] فَضْلًا أي كان هذا فضلا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا قال أكثر المفسّرين: وقف رسول الله ﷺ‎ ذات يوم على مجلس من مجالس الأنصار وهو على حماره، فبال حماره، فأمسك عبد الله بن أبي بأنفه وقال: إليك عنّا بحمارك، فقد آذانا نتنه. فقال عبد الله بن رواحة: والله لحمار رسول الله ﷺ‎ أطيب ريحا منك. فغضب لعبد الله بن أبي رجل من قومه، وغضب لعبد الله بن رواحة رجل من قومه، فغضب لكلّ واحد منهما أصحابه حتّى استسبّوا، وتجالدوا بالأيدي، والجريد، والنعال، ولم يقدر رسول الله ﷺ‎ على إمساكهم، فأنزل الله سبحانه هذه الآية، فلمّا نزلت قرأها رسول الله ﷺ‎ فاصطلحوا، وكفّ بعضهم عن بعض، وأقبل بشير بن النعمان الأنصاري مشتملا على سيفه، فوجدهم قد اصطلحوا، فقال عبد الله بن أبي: أعليّ تشتمل بالسيف يا بشير؟ قال: نعم، والّذي أحلف به لو جئت قبل أن تصطلحوا لضربتك حتّى أقتلك، فأنشأ عبد الله بن أبي يقول: متى ما يكن مولاك خصمك جاهدا ... تظلم [[في السيرة: تذل بدل من «تظلم» .]] ويصرعك الذين تصارع [[تفسير الطبري: 26/ 167 وسيرة ابن هشام: 2/ 425 ط. مصر (صبيح وأولاده) .]] قال قتادة: نزلت في رجلين من الأنصار، كانت بينهما مداراة في حقّ بينهما، فقال أحدهما للآخر: لآخذنّ حقّي منك عنوة، لكثرة عشيرته، وإنّ الآخر دعاه ليحاكمه إلى نبيّ الله ﷺ‎، فأبى أن يتبعه، فلم يزل الأمر بينهما، حتّى تدافعوا، وقد تناول بعضهم بعضا بالأيدي، والنعال، ولم يكن قتال بالسيوف. وروى محمّد بن الفضيل، عن الكلبي أنّها نزلت في حرب سمير وحاطب، وكان سمير قتل حاطبا، فجعل الأوس والخزرج يقتتلون إلى أن أتاهم النبيّ ﷺ‎، فأنزل الله سبحانه هذه الآية، وأمر نبيّه، والمؤمنين أن يصلحوا بينهم. وروى سفيان عن السدّي، قال: كانت امرأة من الأنصار يقال لها: أمّ زيد تحت رجل، وكان بينها، وبين زوجها شيء، فرمى بها إلى علية، وحبسها فيها، فبلغ ذلك قومها فجاءوا، وجاء قومه، فاقتتلوا بالأيدي، والنعال، فأنزل الله سبحانه تعالى: وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا الآية. فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بالدعاء إلى حكم كتاب الله سبحانه، والرضا بما فيه لهما، وعليهما. فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ ترجع إِلى أَمْرِ اللَّهِ وأبت الإجابة إلى حكم الله تعالى له، وعليه في كتابه الذي جعله عدلا بين خلقه. فَإِنْ فاءَتْ رجعت إلى الحقّ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ بحملهما على الإنصاف والرضى بحكم الله، وهو العدل، وَأَقْسِطُوا واعدلوا. إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ في الدين، والولاية فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ إذا اختلفا، واقتتلا، وقرأ ابن سيرين، ويعقوب. بين إخوتكم (بالتاء) على الجمع، وقرأ الحسن (إخوانكم) (بالألف) و (النون) . وَاتَّقُوا اللَّهَ فلا تعصوه ولا تخالفوا أمره لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ. قال أبو عثمان البصري: أخوة الدّين أثبت من أخوّة النسب، فإنّ اخوّة النسب تنقطع لمخالفة الدين، وأخوّة الدين لا تنقطع بمخالفة النسب. وسئل الجنيد عن الأخ، فقال: هو أنت في الحقيقة إلّا إنّه غيرك في الشخص. أخبرني ابن منجويه، قال: حدّثنا عمر بن الخطّاب. قال: حدّثنا محمّد بن إسحاق المسوحي. قال: حدّثنا عمرو بن علي، قال: حدّثنا أبو عاصم. قال: حدّثنا إسماعيل بن رافع، عن ابن أبي سعيد، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ‎ «المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يعيبه، ولا يخذله، ولا يتطاول عليه في البنيان، فيستر عليه الريح إلّا بإذنه، ولا يؤذيه بقتار قدره إلّا أن يعرف له، ولا يشتري لبنيه الفاكهة، فيخرجون بها إلى صبيان جاره، ولا يطعمونهم منها» . قال رسول الله ﷺ‎: «احفظوا، ولا يحفظه منكم إلّا قليل» [68] [[تفسير القرطبي: 16/ 323.]] . وفي هاتين الآيتين دليل على انّ البغي لا يزيل اسم الإيمان، لأنّ الله سبحانه وتعالى سمّاهم أخوة مؤمنين مع كونهم باغين، عاصين. يدلّ عليه ما روى الأعور أنّ علي بن أبي طالب رضي الله عنه سئل وهو القدوة في قتال أهل البغي، عن أهل الجمل، وصفّين، أمشركون هم؟ فقال: لا، من الشرك فرّوا. فقيل: أهم منافقون؟ فقال: إنّ المنافقين لا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا. قيل: فما حالهم؟ قال: إخواننا بغوا علينا. وقد أخبرني ابن منجويه، قال: حدّثنا ابن شنبه، قال: حدّثنا أحمد بن الحسين بن عبد الجبّار الصوفي قال: حدّثنا أبو نصر التمّار، قال: حدّثنا كوثر، عن نافع، عن ابن عمر أنّ النبيّ ﷺ‎ قال: «يا عبد الله هل تدري كيف حكم الله سبحانه فيمن بغى من هذه الأمّة؟» . قال: الله ورسوله أعلم. قال: «لا يجهز على جريحها، ولا يقتل أسيرها، ولا يطلب هاربها، ولا يقسم فيئها» [69] [[تفسير القرطبي: 16/ 320.]] . وسئل محمّد بن كعب القرظي عن هاتين الآيتين، فقال: جعل النبيّ ﷺ‎ أجر المصلح بين الناس، كأجر المجاهد عند الناس ، وقال بكر بن عبد الله: امش ميلا، وعد مريضا، امش ميلين، وأصلح بين اثنين، امش ثلاثة أميال، وزر أخاك في الله.

الحجرات 49:10

إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ يعني أعراب تميم، حيث نادوا: يا محمّد اخرج علينا، فإنّ مدحنا زين وذمّنا شين، قاله قتادة. قال ابن عبّاس: بعث رسول الله ﷺ‎ سرية إلى حي من بني العنبر وأمّر عليهم عيينة بن حصين الفزاري، فلمّا علموا أنّه توجّه نحوهم، هربوا، وتركوا عيالهم، فسباهم عيينة، وقدم بهم على رسول الله ﷺ‎، فجاء بعد ذلك رجالهم يفدون الذراري، فقدموا وقت الظهيرة، وواقفوا رسول الله في أهله قائلا، فلمّا رأتهم الذراري جهشوا إلى آبائهم يبكون، وكان لكلّ امرأة من نساء رسول الله ﷺ‎ بيت، وحجرة، فعجلوا أن يخرج إليهم رسول الله ﷺ‎ وجعلوا ينادون: يا محمّد اخرج إلينا حتّى أيقظوه من نومه، فخرج إليهم، فقالوا: يا محمّد فادنا عيالنا. فنزل جبريل، فقال: يا محمّد إنّ الله يأمرك أن تجعل بينك، وبينهم رجلا، فقال لهم رسول الله ﷺ‎: «أترضون أن يكون بيني وبينكم سمرة بن عمرو، وهو على دينكم؟» . فقالوا: نعم. قال سمرة: أنا لا أحكم بينهم وعمّي شاهد، وهو الأعور بن شامة فرضوا به. فقال الأعور: أرى أن يفادي نصفهم، ويعتق نصفهم. فقال النبي ﷺ‎ «قد رضيت» . ففادى نصفهم وأعتق نصفهم، فقال رسول الله ﷺ‎: «من كان عليه محرر من ولد إسماعيل، فليعتق منهم» [66] [[المعجم الكبير 10/ 185- في المصدر الحديث هكذا: «من كان عليه محرر من ولد إسماعيل فلا يعتق من حمير أحدا» مجمع الزوائد: 10/ 46.]] . فأنزل الله سبحانه وتعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ ... الآية ، وقال زيد بن أرقم: جاء ناس من الغرف إلى النبيّ ﷺ‎ فقال بعضهم لبعض: انطلقوا بنا إلى هذا الرجل، فإن يكن نبيّا فنحن أسعد الناس به، وأن يكن ملكا نعش في جناحه. فجاءوا إلى حجرة النبيّ ﷺ‎، فجعلوا ينادونه: يا محمّد، يا محمّد، فأنزل الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ وهي جمع الحجر، والحجر جمع حجرة، فهو جمع الجمع، وفيه لغتان: فتح (الجيم) وهي قراءة أبي جعفر، كقول الشاعر: أما كان عباد كفيا لدارم ... يلي ولأبيات بها الحجرات يعني يلي ولبني هاشم. أَكْثَرُهُمْ جهلاء لا يَعْقِلُونَ وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ لأنّك كنت تعتقهم جميعا، وتطلقهم بلا فداء. وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ أخبرنا ابن منجويه، قال: حدّثنا عبد الله بن يوسف، قال: حدّثنا أحمد بن عيسى بن السكين البلدي، قال: حدّثني هاشم بن القاسم الحراني، قال: حدّثني يعلى بن الأشدق، قال: حدّثني سعد بن عبد الله، أنّ النبيّ ﷺ‎ سئل عن قول الله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ قال: «هم الجفاة من بني تميم، لولا أنّهم من أشدّ الناس قتالا للأعور الدجّال، لدعوت الله عزّ وجلّ أن يهلكهم» [67] [[الدر المنثور: 6/ 87.]] . يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط، بعثه رسول الله ﷺ‎ إلى بني المصطلق بعد الوقعة مصدّقا، وكان بينه، وبينهم عداوة في الجاهلية، فلمّا سمع به القوم تلقوه تعظيما لأمر رسول الله ﷺ‎، فحدّثه الشيطان أنّهم يريدون قتله، فهابهم، فرجع من الطريق إلى رسول الله ﷺ‎ فقال: إنّ بني المصطلق، قد منعوا صدقاتهم وأرادوا قتلي، فغضب رسول الله، وهمّ أن يغزوهم، فبلغ القوم رجوعه، فأتوا رسول الله ﷺ‎ وقالوا: يا رسول الله سمعنا برسولك، فخرجنا نتلقّاه، ونكرمه، ونؤدّي إليه ما قبلنا من حقّ الله، فبدا له في الرجوع، فخشينا أن يكون إنّما ردّه من الطريق كتاب جاءه منك لغضب غضبته علينا، وإنّا نعوذ بالله من غضبه، وغضب رسوله، فأبهمهم [[في تفسير ابن كثير (4/ 224) : وإن النبي استغشهم وهمّ بهم فأنزل الله عذرهم.]] رسول الله ﷺ‎، وبعث خالد بن الوليد إليهم خفية في عسكر، وأمره أن يخفي عليهم قدومه [[تفسير الطبري: 26/ 161.]] . وقال له: «انظر، فإن رأيت منهم ما يدلّ على إيمانهم، فخذ منهم زكاة أموالهم، وإن لم تر ذلك، فاستعمل فيهم ما يستعمل في الكفّار» . ففعل ذلك خالد ووافاهم، فسمع منهم آذان صلاتي المغرب والعشاء، فأخذ منهم صدقاتهم، ولم ير منهم إلّا الطاعة، والخير، فانصرف خالد إلى رسول الله، وأخبره الخبر، فأنزل الله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ يعني الوليد بن عقبة بن أبي معيط سمّاه الله فاسقا، نظيره أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ [[سورة السجدة: 18.]] ، قال سهل بن عبد الله وابن زيد: الفاسق الكذّاب. أبو الحسين الورّاق: هو المعلن بالذنب، وقال ابن طاهر وابن زيد: الفاسق الذي لا يستحي من الله سبحانه. بنبإ: بخبر فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا كي لا تصيبوا بالقتل، والقتال. قَوْماً براء بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ فاتقوا أن تقولوا الباطل، وتفتروا الكذب، فإنّ الله سبحانه يخبره أنباءكم، ويعرّفه أحوالكم، فتفتضحوا. لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ فيحكم برأيكم، ويقبل قولكم. لَعَنِتُّمْ لأثمتم وهلكتم. وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ فأنتم تطيعون رسول الله وتأتمّون به، فيقيكم الله بذلك العنت. وَزَيَّنَهُ وحسّنه فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ. ثمّ انتقل من الخطاب إلى الخبر، فقال عزّ من قائل: أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ نظيرها قوله سبحانه: وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ [[سورة الروم: 39.]] ، قال النابغة: يا دارميّة بالعلياء فالسند ... أقوت وطال عليها سالف الأبد [[البداية والنهاية: 2/ 279.]] فَضْلًا أي كان هذا فضلا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا قال أكثر المفسّرين: وقف رسول الله ﷺ‎ ذات يوم على مجلس من مجالس الأنصار وهو على حماره، فبال حماره، فأمسك عبد الله بن أبي بأنفه وقال: إليك عنّا بحمارك، فقد آذانا نتنه. فقال عبد الله بن رواحة: والله لحمار رسول الله ﷺ‎ أطيب ريحا منك. فغضب لعبد الله بن أبي رجل من قومه، وغضب لعبد الله بن رواحة رجل من قومه، فغضب لكلّ واحد منهما أصحابه حتّى استسبّوا، وتجالدوا بالأيدي، والجريد، والنعال، ولم يقدر رسول الله ﷺ‎ على إمساكهم، فأنزل الله سبحانه هذه الآية، فلمّا نزلت قرأها رسول الله ﷺ‎ فاصطلحوا، وكفّ بعضهم عن بعض، وأقبل بشير بن النعمان الأنصاري مشتملا على سيفه، فوجدهم قد اصطلحوا، فقال عبد الله بن أبي: أعليّ تشتمل بالسيف يا بشير؟ قال: نعم، والّذي أحلف به لو جئت قبل أن تصطلحوا لضربتك حتّى أقتلك، فأنشأ عبد الله بن أبي يقول: متى ما يكن مولاك خصمك جاهدا ... تظلم [[في السيرة: تذل بدل من «تظلم» .]] ويصرعك الذين تصارع [[تفسير الطبري: 26/ 167 وسيرة ابن هشام: 2/ 425 ط. مصر (صبيح وأولاده) .]] قال قتادة: نزلت في رجلين من الأنصار، كانت بينهما مداراة في حقّ بينهما، فقال أحدهما للآخر: لآخذنّ حقّي منك عنوة، لكثرة عشيرته، وإنّ الآخر دعاه ليحاكمه إلى نبيّ الله ﷺ‎، فأبى أن يتبعه، فلم يزل الأمر بينهما، حتّى تدافعوا، وقد تناول بعضهم بعضا بالأيدي، والنعال، ولم يكن قتال بالسيوف. وروى محمّد بن الفضيل، عن الكلبي أنّها نزلت في حرب سمير وحاطب، وكان سمير قتل حاطبا، فجعل الأوس والخزرج يقتتلون إلى أن أتاهم النبيّ ﷺ‎، فأنزل الله سبحانه هذه الآية، وأمر نبيّه، والمؤمنين أن يصلحوا بينهم. وروى سفيان عن السدّي، قال: كانت امرأة من الأنصار يقال لها: أمّ زيد تحت رجل، وكان بينها، وبين زوجها شيء، فرمى بها إلى علية، وحبسها فيها، فبلغ ذلك قومها فجاءوا، وجاء قومه، فاقتتلوا بالأيدي، والنعال، فأنزل الله سبحانه تعالى: وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا الآية. فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بالدعاء إلى حكم كتاب الله سبحانه، والرضا بما فيه لهما، وعليهما. فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ ترجع إِلى أَمْرِ اللَّهِ وأبت الإجابة إلى حكم الله تعالى له، وعليه في كتابه الذي جعله عدلا بين خلقه. فَإِنْ فاءَتْ رجعت إلى الحقّ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ بحملهما على الإنصاف والرضى بحكم الله، وهو العدل، وَأَقْسِطُوا واعدلوا. إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ في الدين، والولاية فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ إذا اختلفا، واقتتلا، وقرأ ابن سيرين، ويعقوب. بين إخوتكم (بالتاء) على الجمع، وقرأ الحسن (إخوانكم) (بالألف) و (النون) . وَاتَّقُوا اللَّهَ فلا تعصوه ولا تخالفوا أمره لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ. قال أبو عثمان البصري: أخوة الدّين أثبت من أخوّة النسب، فإنّ اخوّة النسب تنقطع لمخالفة الدين، وأخوّة الدين لا تنقطع بمخالفة النسب. وسئل الجنيد عن الأخ، فقال: هو أنت في الحقيقة إلّا إنّه غيرك في الشخص. أخبرني ابن منجويه، قال: حدّثنا عمر بن الخطّاب. قال: حدّثنا محمّد بن إسحاق المسوحي. قال: حدّثنا عمرو بن علي، قال: حدّثنا أبو عاصم. قال: حدّثنا إسماعيل بن رافع، عن ابن أبي سعيد، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ‎ «المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يعيبه، ولا يخذله، ولا يتطاول عليه في البنيان، فيستر عليه الريح إلّا بإذنه، ولا يؤذيه بقتار قدره إلّا أن يعرف له، ولا يشتري لبنيه الفاكهة، فيخرجون بها إلى صبيان جاره، ولا يطعمونهم منها» . قال رسول الله ﷺ‎: «احفظوا، ولا يحفظه منكم إلّا قليل» [68] [[تفسير القرطبي: 16/ 323.]] . وفي هاتين الآيتين دليل على انّ البغي لا يزيل اسم الإيمان، لأنّ الله سبحانه وتعالى سمّاهم أخوة مؤمنين مع كونهم باغين، عاصين. يدلّ عليه ما روى الأعور أنّ علي بن أبي طالب رضي الله عنه سئل وهو القدوة في قتال أهل البغي، عن أهل الجمل، وصفّين، أمشركون هم؟ فقال: لا، من الشرك فرّوا. فقيل: أهم منافقون؟ فقال: إنّ المنافقين لا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا. قيل: فما حالهم؟ قال: إخواننا بغوا علينا. وقد أخبرني ابن منجويه، قال: حدّثنا ابن شنبه، قال: حدّثنا أحمد بن الحسين بن عبد الجبّار الصوفي قال: حدّثنا أبو نصر التمّار، قال: حدّثنا كوثر، عن نافع، عن ابن عمر أنّ النبيّ ﷺ‎ قال: «يا عبد الله هل تدري كيف حكم الله سبحانه فيمن بغى من هذه الأمّة؟» . قال: الله ورسوله أعلم. قال: «لا يجهز على جريحها، ولا يقتل أسيرها، ولا يطلب هاربها، ولا يقسم فيئها» [69] [[تفسير القرطبي: 16/ 320.]] . وسئل محمّد بن كعب القرظي عن هاتين الآيتين، فقال: جعل النبيّ ﷺ‎ أجر المصلح بين الناس، كأجر المجاهد عند الناس ، وقال بكر بن عبد الله: امش ميلا، وعد مريضا، امش ميلين، وأصلح بين اثنين، امش ثلاثة أميال، وزر أخاك في الله.

الحجرات 49:11

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ الآية، قال ابن عبّاس: نزلت في ثابت بن قيس، وذلك أنّه كان في أذنه وقر، فكان إذا أتى رسول الله ﷺ‎، وقد سبقوه بالمجلس، أوسعوا له حتّى يجلس إلى جنبه، فيسمع ما يقول، فأقبل ذات يوم، وقد فاته من صلاة الفجر ركعة مع رسول الله ﷺ‎، فلمّا انصرف النبيّ ﷺ‎ من الصلاة أخذ أصحابه مجالسهم [منه، فربض] كلّ رجل بمجلسه، فلا يكاد يوسع أحد لأحد، فكان الرجل إذا جاء، فلم يجد مجلسا، قام قائما، كما هو، فلمّا فرغ ثابت من الصلاة، وقام منها، أقبل نحو رسول الله ﷺ‎ فجعل يتخطّى رقاب الناس، ويقول: تفسحوا تفسحوا، فجعلوا يتفسحون له حتّى انتهى إلى رسول الله ﷺ‎ وبينه وبينه رجل. فقال له: تفسح. فقال له الرجل: قد أصبت مجلسا، فاجلس، فجلس ثابت من خلفه مغضبا، فلمّا أبينت الظلمة، غمز ثابت الرجل، وقال: من هذا؟ قال: أنا فلان. فقال له ثابت: ابن فلانة. ذكر أمّا له كان يعيّر بها في الجاهلية. فنكس الرجل رأسه واستحيا، فأنزل الله عزّ وجلّ هذه الآية. وقال الضحّاك: نزلت في وفد تميم الذين ذكرناهم في صدر السورة، استهزءوا بفقراء أصحاب رسول الله ﷺ‎ مثل عمّار، وخباب، وبلال، وصهيب، وسلمان، وسالم مولى أبي حذيفة، لما رأوا من رثاثة حالهم، فأنزل الله سبحانه في الذين آمنوا منهم يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ أي رجال من رجال، والقوم اسم يجمع الرجال والنساء [[تفسير القرطبي: 16/ 325 مورد الآية.]] ، وقد يختص بجمع الرجال، كقول زهير: وما أدري وسوف إخال أدري ... أقوم آل حصن أم نساء [[كتاب العين: 5/ 231.]] عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَ نزلت في امرأتين من أزواج النبيّ ﷺ‎ سخرتا من أمّ سلمة، وذلك أنّها ربطت خصريها بسبيبة- وهي ثوب أبيض ومثلها السب- وسدلت طرفيها خلفها. فكانت تجرها. فقالت عائشة لحفصة: انظري ما تجرّ خلفها كأنّه لسان كلب. فهذا كان سخريتهما [[تفسير القرطبي: 16/ 326.]] . وقال أنس: نزلت في نساء رسول الله ﷺ‎ عيّرن أمّ سلمة بالقصر. ويقال: نزلت في عائشة، أشارت بيدها في أمّ سلمة أنّها قصيرة ، وروى عكرمة، عن ابن عبّاس أنّ صفية بنت حي بن أخطب أتت رسول الله ﷺ‎ فقالت: إنّ النساء يعيّرني فيقلن: يا يهودية بنت يهوديين، فقال رسول الله ﷺ‎: «هلّا قلت: إنّ أبي هارون، وابن عمّي موسى، وإنّ زوجي محمّد» [70] [[أسباب نزول الآيات للواحدي: 264 تفسير القرطبي: 16/ 326.]] ، فأنزل الله سبحانه هذه الآية. وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ أي لا يعيب بعضكم بعضا، ولا يطعن بعضكم على بعض. وقيل: اللمز العيب في المشهد، والهمز في المغيب، وقال محمّد بن يزيد: اللمز باللسان، والعين، والإشارة، والهمز لا يكون إلّا باللسان، قال الشاعر: إذا لقيتك عن شحط تكاشرني ... وإن تغيبت كنت الهامز اللمزة [[لسان العرب: 5/ 426 تاج العروس: 4/ 94.]] وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ قال أبو جبير بن الضحّاك: فينا نزلت هذه الآية في بني سلمة، قدم رسول الله ﷺ‎ المدينة، وما منّا رجل إلّا له اسمان أو ثلاثة، فكان إذا دعا الرجل الرجل باسم، قلنا: يا رسول الله، إنّه يغضب من هذا. فأنزل الله عزّ وجلّ: وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ. قال قتادة، وعكرمة: هو قول الرجل للرجل: يا فاسق، يا منافق، يا كافر، وقال الحسن: كان اليهودي، والنصراني يسلم، فيقال له بعد إسلامه: يا يهودي، يا نصراني، فنهوا عن ذلك، وقال ابن عبّاس: التنابز بالألقاب أن يكون الرجل عمل السيّئات، ثمّ تاب منها، وراجع الحقّ، فنهى الله أن يعيّر بما سلف من عمله. بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ يقول: من فعل ما نهيت عنه من السخرية، واللمز والنبز، فهو فاسق، وبِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ فلا تفعلوا ذلك، فتستحقّوا (اسم الفسوق) وقيل: معناه بئس الاسم الذي تسميه، بقولك فاسق، بعد أن علمت أنّه آمن. وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ ... الآية نزلت في رجلين من أصحاب رسول الله ﷺ‎ اغتابا رفيقيهما، وذلك أنّ رسول الله ﷺ‎ كان إذا غزا أو سافر، ضمّ الرجل المحتاج إلى رجلين موسورين يخدمهما، ويحقب حوائجهما، ويتقدّم لهما إلى المنزل، فيهيّئ لهما ما يصلحهما من الطعام، والشراب، فضم سلمان الفارسي رضي الله عنه إلى رجلين في بعض أسفاره، فتقدّم سلمان، فغلبته عيناه، فلم يهيّئ لهما شيئا، فلمّا قدما، قالا له: ما صنعت شيئا؟ قال: لا. قالا: ولم؟ قال: غلبتني عيناي، فقالا له: انطلق إلى رسول الله ﷺ‎، واطلب لنا منه طعاما وإداما، فجاء سلمان إلى رسول الله ﷺ‎ وسأله طعاما، فقال رسول الله ﷺ‎: «انطلق إلى أسامة بن زيد وقل له: إن كان عنده فضل من طعام، وإدام، فليعطك» . وكان أسامة خازن رسول الله ﷺ‎ وعلى رحله، فأتاه، فقال: ما عندي شيء، فرجع سلمان إليهما، وأخبرهما بذلك، فقالا: كان عند أسامة، ولكن بخل، فبعثا سلمان إلى طائفة من الصحابة، فلم يجد عندهم شيئا، فلمّا رجع سلمان، قالا: لو بعثناه إلى بئر سميحة لغار ماؤها، ثمّ انطلقا يتجسّسان هل عند أسامة ما أمر لهما به رسول الله ﷺ‎. فلمّا جاءا إلى رسول الله ﷺ‎ قال لهما: «ما لي أرى خضرة اللحم في أفواهكما» قالا: يا رسول الله، والله ما تناولنا يومنا هذا لحما، فقال: «ظللتم تأكلون لحم سلمان، وأسامة» [71] [[تفسير القرطبي: 16/ 331.]] . فأنزل الله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا قرأه العامّة (بالجيم) وقرأ ابن عبّاس، وأبو رجاء العطاردي (ولا تحسّسوا) (بالحاء) ، قال الأخفش: ليس يبعد أحدهما عن الآخر. إلّا أنّ التجسّس لما يكتم، ويوارى، ومنه الجاسوس، والتحسس (بالحاء) تخبر الأخبار، والبحث عنها، ومعنى الآية خذوا ما ظهر، ودعوا ما ستر الله، ولا تتّبعوا عورات المسلمين. أخبرني ابن منجويه، قال: حدّثنا ابن شنبه، قال: حدّثنا الفريابي قال: حدّثنا قتيبة بن سعد، عن مالك، عن أبي الزياد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أنّ رسول الله ﷺ‎ قال: «إيّاكم والظنّ، فإنّ الظنّ أكذب الحديث، وَلا تَجَسَّسُوا، ولا تحسّسوا، ولا تنافسوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا» [72] [[مسند أحمد: 2/ 470 بتفاوت يسير. صحيح البخاري: 7/ 88.]] . وأخبرني ابن منجويه، قال: حدّثنا ابن حبش، قال: أخبرنا علي بن زنجويه. قال: حدّثنا سلمة، قال: حدّثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن زرارة بن مصعب بن عبد الرّحمن بن عوف، عن المسوّر بن مخرمة، عن عبد الرّحمن بن عوف، أنّه حرس ليلة عمر بن الخطّاب بالمدينة، فبينا هم يمشون شب لهم سراج في بيت، فانطلقوا يؤمّونه، فلمّا دنوا منه، إذا باب يجاف على قوم لهم أصوات مرتفعة، ولغط، فقال عمر، وأخذ بيد عبد الرّحمن: أتدري بيت من هذا؟ قال: قلت: لا. قال: هذا بيت ربيعة بن أمية بن خلف، وهم الآن بيثرب، فما ترى؟ قال عبد الرّحمن: أرى أنّا قد أتينا ما قد نهى الله سبحانه، فقال: وَلا تَجَسَّسُوا فقد تجسسنا، فانصرف عمر عنهم، وتركهم. وبه عن معمر، قال: أخبرني أيّوب، عن أبي قلابة أنّ عمر بن الخطّاب، حدّث أنّ أبا محجن الثقفي شرب الخمر في بيته هو وأصحابه، فانطلق عمر حتّى دخل عليه، فإذا ليس عنده إلّا رجل، فقال أبو محجن: يا أمير المؤمنين إنّ هذا لا يحلّ لك، فقد نهاك الله عزّ وجلّ عن التجسّس، فقال عمر: ما يقول هذا؟ فقال زيد بن ثابت، وعبد الله بن الأرقم: صدق يا أمير المؤمنين، هذا التجسّس، قال: فخرج عمر رضي الله عنه، وتركه. وروى زيد بن أسلم أنّ عمر بن الخطّاب خرج ذات ليلة، ومعه عبد الرّحمن بن عوف رضي الله عنهما يعسّان إذ شبّ لهما نار، فأتيا الباب، فاستأذنا، ففتح الباب، فدخلا، فإذا رجل، وامرأة تغنّي، وعلى يد الرجل قدح، وقال عمر للرجل: وأنت بهذا يا فلان؟ فقال: وأنت بهذا يا أمير المؤمنين؟ فقال عمر: فمن هذه منك؟ قال: امرأتي. قال: وما في القدح؟ قال: ماء زلال. فقال للمرأة: وما الّذي تغنّين؟ فقالت: أقول: تطاول هذا الليل واسودّ جانبه ... وأرّقني ألّا حبيب ألاعبه [[تفسير القرطبي: 16/ 334 ولسان العرب: 8/ 142، بتفاوت فيهما بالبيت الثاني.]] فو الله لولا خشية الله والتقى ... لزعزع من هذا السرير جوانبه ولكن عقلي والحياء يكفني ... وأكرم بعلي أن تنال مراكبه ثمّ قال الرجل: ما بهذا أمرنا يا أمير المؤمنين، قال الله: وَلا تَجَسَّسُوا فقال عمر: صدقت، وانصرف. وأخبرنا الحسين، قال: حدّثنا موسى بن محمّد بن علي. قال: حدّثنا الحسين بن علوية. قال: حدّثنا إسماعيل بن عيسى، قال: حدّثنا المسيب، عن الأعمش، عن زيد بن وهب، قال: قيل لابن مسعود: هل لك في الوليد بن عقبة تقطر لحيته خمرا؟ فقال: إنّا قد نهينا عن التجسّس، فإن يظهر لنا شيئا نأخذه به. وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أخبرنا الحسين، قال: حدّثنا عبيد الله بن أحمد بن يعقوب المقري. قال: حدّثنا أحمد بن محمّد بن زيد أبو بكر السطوي، قال: حدّثنا علي بن إشكاب، قال: حدّثنا عمر بن يونس اليمامي، قال: حدّثنا جهضم بن عبد الله، عن العلاء بن عبد الرّحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: سئل رسول الله ﷺ‎ عن الغيبة فقال: «أن يذكر أخاك بما يكره، فإمّا إن كان فيه فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهتّه» [73] [[مسند أحمد: 2/ 384 صحيح مسلم: 8/ 21 بتفاوت.]] . وقال معاذ بن جبل: كنا مع رسول الله ﷺ‎ فذكر القوم رجلا، فقالوا: ما يأكل إلّا ما أطعم، ولا يرحل إلّا ما رحّل، فما أضعفه، فقال رسول الله ﷺ‎: «اغتبتم أخاكم» . قالوا: يا رسول الله وغيبة أن نحدّث بما فيه؟ فقال: «بحسبكم أن تحدّثوا عن أخيكم بما فيه» [74] [[الدر المنثور: 6/ 97.]] . وروى موسى بن وردان عن أبي هريرة أنّ رجلا قام من عند رسول الله، فرأوا في قيامه عجزا، فقالوا: يا رسول الله ما أعجز فلانا. فقال رسول الله ﷺ‎ «أكلتم أخاكم واغتبتموه» [75] [[مجمع الزوائد: 8/ 94 جامع البيان للطبري: 26/ 177.]] . أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً، قال قتادة: يقول: كما أنت كاره أن وجدت جيفة مدودة أن تأكل منها، فكذلك فاكره لحم أخيك وهو حيّ، فَكَرِهْتُمُوهُ قال الكسائي، والفراء: معناه، فقد كرهتموه. وقرأ أبو سعيد الخدري (فَكُرِّهْتُمُوهُ) بالتشديد على غير تسمية الفاعل. أخبرني الحسن، قال: حدّثنا عمر بن نوح البجلي، قال: حدّثنا أبو صالح عبد الوهاب بن أبي عصمة. قال: حدّثنا إسماعيل بن يزيد الأصفهاني. قال: حدّثنا يحيى بن سليم، عن كهمس، عن ميمون بن سباه، وكان يفضل على الحسن، ويقال: قد لقي من لم يلق، قال: بينما أنا نائم إذا أنا بجيفة زنجي وقائل يقول لي: كل، قلت: يا عبد الله، ولم آكل؟ قال: بما اغتبت عبد فلان، قلت: والله ما ذكرت منه خيرا، ولا شرّا، قال: لكنّك استمعت، ورضيت، فكان ميمون بعد ذلك لا يغتاب أحدا، ولا يدع أن يغتاب عنده أحد، وحكي عن بعض الصالحين أنّه قال: كنت قاعدا في المقبرة الفلانية، فاجتازني شاب جلد، فقلت: هذا، وأمثاله، وبال على الناس، فلمّا كانت تلك الليلة رأيت في المنام أنّه قدّم إليّ جنازة عليها ميّت، وقيل لي كل من لحم هذا، وكشف عن وجهه، فإذا ذلك الشاب، فقلت: أنا لم آكل من لحم الحيوان الحلال منذ سنين، فكيف آكل هذا؟ فقيل: فلم اغتبته إذا؟ فانتبهت حزينا، فكنت آوي إلى تلك المقبرة سنة واحدة، فرأيت الرجل، فقمت إليه لأستحلّ منه، فنظر إليّ من بعيد، فقال: تبت. قلت: نعم، قال: ارجع إلى مكانك. وقد أخبرنا ابن منجويه، قال: حدّثنا عمر بن الخطّاب. قال: حدّثنا عبد الله بن الفضل. قال: أخبرنا علي بن محمّد. قال: حدّثنا يحيى بن آدم. قال: حدّثنا ابن المبارك، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن ابن عمر، لأبي هريرة، قال: جاء ماعز إلى النبي ﷺ‎، فقال: إنّه زنى، فأعرض عنه، حتّى أقرّ أربع مرّات، فأمر برجمه، فمرّ النبيّ ﷺ‎ على رجلين يذكران ماعزا، فقال أحدهما: هذا الذي ستر عليه، فلم تدعه نفسه حتّى رجم برجم الكلب. قال: فسكت عنهما حتّى مرّا معه على جيفة حمار شائل رجله، فقال ﷺ‎ لهما: «انزلا فأصيبا منه» . فقالا: يا رسول الله غفر الله لك، وتؤكل هذه الجيفة؟ قال: «ما أصبتما من لحم أخيكما آنفا أعظم عليكما، أما إنّه الآن في أنهار الجنّة منغمس فيها» [76] . وأخبرني ابن منجويه، قال: حدّثنا ابن شيبة قال: حدّثنا الفريابي، قال: حدّثنا محمّد بن المصفى، قال: حدّثنا أبو المغيرة، حدّثنا عبد القدوس بن الحجّاج، قال: حدّثني صفوان بن عمرو، قال: حدّثنا راشد بن سعد، وعبد الرّحمن بن جبير، عن أنس بن مالك، عن رسول الله ﷺ‎ قال: «لمّا عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم، وصدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم النّاس، ويقعون في أعراضهم» [77] [[مسند أحمد: 3/ 224 وسنن أبي داود: 2/ 451.]] . وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ أخبرني الحسين، قال: حدّثنا موسى بن محمّد بن علي، قال: حدّثنا أحمد بن يحيى الحلواني، قال: حدّثنا يحيى بن أيّوب، قال: حدّثنا أسباط، عن أبي رجاء الخراساني، عن عبّاد بن كثير، عن الحريري، عن أبي نصرة، عن جابر بن عبد الله، وأبي سعيد الخدري، قالا: قال رسول الله ﷺ‎ «الغيبة أشدّ من الزنا» . قيل: وكيف؟ قال: «إنّ الرجل يزني، ثمّ يتوب، فيتوب الله عليه، وإنّ صاحب الغيبة لا يغفر له حتّى يغفر له صاحبه» [78] [[الجامع الصغير: 1/ 450 العهود المحمدية للشعراني: 856 كنز العمال: 3/ 586.]] . وأخبرني الحسين، قال: حدّثنا الفضل. قال: حدّثنا أبو عيسى حمزة بن الحسين بن عمر البزاز البغدادي، قال: حدّثنا محمّد بن علي الورّاق. قال: حدّثنا هارون بن معروق، قال: حدّثنا ضمرة، عن ابن شوذي، قال: قال رجل لابن سيرين: إنّي قد اغتبتك، فاجعلني في حلّ، قال: إنّي أكره أن أحلّ ما حرّم الله. وأخبرنا ابن منجويه، قال: حدّثنا أبو الطيب بن حفصويه، قال: حدّثنا عبد الله بن جامع. قال: قرأت على أحمد بن سعيد، حدّثنا سعيد، قال: حدّثنا يزيد بن هارون، عن هشام بن حسّان عن خالد الربعي، قال: قال عيسى ابن مريم لأصحابه: أرأيتم لو أنّ أحدكم رأى أخاه المسلم قد كشف الريح عن ثيابه؟ قالوا: سبحان الله إذا كنّا نردّه. قال: لا، بل كنتم تكشفون ما بقي، مثلا ضربه لهم يسمعون للرجل سيئة أو حسنة، فيذكرون أكثر من ذلك.

الحجرات 49:12

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ الآية، قال ابن عبّاس: نزلت في ثابت بن قيس، وذلك أنّه كان في أذنه وقر، فكان إذا أتى رسول الله ﷺ‎، وقد سبقوه بالمجلس، أوسعوا له حتّى يجلس إلى جنبه، فيسمع ما يقول، فأقبل ذات يوم، وقد فاته من صلاة الفجر ركعة مع رسول الله ﷺ‎، فلمّا انصرف النبيّ ﷺ‎ من الصلاة أخذ أصحابه مجالسهم [منه، فربض] كلّ رجل بمجلسه، فلا يكاد يوسع أحد لأحد، فكان الرجل إذا جاء، فلم يجد مجلسا، قام قائما، كما هو، فلمّا فرغ ثابت من الصلاة، وقام منها، أقبل نحو رسول الله ﷺ‎ فجعل يتخطّى رقاب الناس، ويقول: تفسحوا تفسحوا، فجعلوا يتفسحون له حتّى انتهى إلى رسول الله ﷺ‎ وبينه وبينه رجل. فقال له: تفسح. فقال له الرجل: قد أصبت مجلسا، فاجلس، فجلس ثابت من خلفه مغضبا، فلمّا أبينت الظلمة، غمز ثابت الرجل، وقال: من هذا؟ قال: أنا فلان. فقال له ثابت: ابن فلانة. ذكر أمّا له كان يعيّر بها في الجاهلية. فنكس الرجل رأسه واستحيا، فأنزل الله عزّ وجلّ هذه الآية. وقال الضحّاك: نزلت في وفد تميم الذين ذكرناهم في صدر السورة، استهزءوا بفقراء أصحاب رسول الله ﷺ‎ مثل عمّار، وخباب، وبلال، وصهيب، وسلمان، وسالم مولى أبي حذيفة، لما رأوا من رثاثة حالهم، فأنزل الله سبحانه في الذين آمنوا منهم يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ أي رجال من رجال، والقوم اسم يجمع الرجال والنساء [[تفسير القرطبي: 16/ 325 مورد الآية.]] ، وقد يختص بجمع الرجال، كقول زهير: وما أدري وسوف إخال أدري ... أقوم آل حصن أم نساء [[كتاب العين: 5/ 231.]] عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَ نزلت في امرأتين من أزواج النبيّ ﷺ‎ سخرتا من أمّ سلمة، وذلك أنّها ربطت خصريها بسبيبة- وهي ثوب أبيض ومثلها السب- وسدلت طرفيها خلفها. فكانت تجرها. فقالت عائشة لحفصة: انظري ما تجرّ خلفها كأنّه لسان كلب. فهذا كان سخريتهما [[تفسير القرطبي: 16/ 326.]] . وقال أنس: نزلت في نساء رسول الله ﷺ‎ عيّرن أمّ سلمة بالقصر. ويقال: نزلت في عائشة، أشارت بيدها في أمّ سلمة أنّها قصيرة ، وروى عكرمة، عن ابن عبّاس أنّ صفية بنت حي بن أخطب أتت رسول الله ﷺ‎ فقالت: إنّ النساء يعيّرني فيقلن: يا يهودية بنت يهوديين، فقال رسول الله ﷺ‎: «هلّا قلت: إنّ أبي هارون، وابن عمّي موسى، وإنّ زوجي محمّد» [70] [[أسباب نزول الآيات للواحدي: 264 تفسير القرطبي: 16/ 326.]] ، فأنزل الله سبحانه هذه الآية. وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ أي لا يعيب بعضكم بعضا، ولا يطعن بعضكم على بعض. وقيل: اللمز العيب في المشهد، والهمز في المغيب، وقال محمّد بن يزيد: اللمز باللسان، والعين، والإشارة، والهمز لا يكون إلّا باللسان، قال الشاعر: إذا لقيتك عن شحط تكاشرني ... وإن تغيبت كنت الهامز اللمزة [[لسان العرب: 5/ 426 تاج العروس: 4/ 94.]] وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ قال أبو جبير بن الضحّاك: فينا نزلت هذه الآية في بني سلمة، قدم رسول الله ﷺ‎ المدينة، وما منّا رجل إلّا له اسمان أو ثلاثة، فكان إذا دعا الرجل الرجل باسم، قلنا: يا رسول الله، إنّه يغضب من هذا. فأنزل الله عزّ وجلّ: وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ. قال قتادة، وعكرمة: هو قول الرجل للرجل: يا فاسق، يا منافق، يا كافر، وقال الحسن: كان اليهودي، والنصراني يسلم، فيقال له بعد إسلامه: يا يهودي، يا نصراني، فنهوا عن ذلك، وقال ابن عبّاس: التنابز بالألقاب أن يكون الرجل عمل السيّئات، ثمّ تاب منها، وراجع الحقّ، فنهى الله أن يعيّر بما سلف من عمله. بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ يقول: من فعل ما نهيت عنه من السخرية، واللمز والنبز، فهو فاسق، وبِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ فلا تفعلوا ذلك، فتستحقّوا (اسم الفسوق) وقيل: معناه بئس الاسم الذي تسميه، بقولك فاسق، بعد أن علمت أنّه آمن. وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ ... الآية نزلت في رجلين من أصحاب رسول الله ﷺ‎ اغتابا رفيقيهما، وذلك أنّ رسول الله ﷺ‎ كان إذا غزا أو سافر، ضمّ الرجل المحتاج إلى رجلين موسورين يخدمهما، ويحقب حوائجهما، ويتقدّم لهما إلى المنزل، فيهيّئ لهما ما يصلحهما من الطعام، والشراب، فضم سلمان الفارسي رضي الله عنه إلى رجلين في بعض أسفاره، فتقدّم سلمان، فغلبته عيناه، فلم يهيّئ لهما شيئا، فلمّا قدما، قالا له: ما صنعت شيئا؟ قال: لا. قالا: ولم؟ قال: غلبتني عيناي، فقالا له: انطلق إلى رسول الله ﷺ‎، واطلب لنا منه طعاما وإداما، فجاء سلمان إلى رسول الله ﷺ‎ وسأله طعاما، فقال رسول الله ﷺ‎: «انطلق إلى أسامة بن زيد وقل له: إن كان عنده فضل من طعام، وإدام، فليعطك» . وكان أسامة خازن رسول الله ﷺ‎ وعلى رحله، فأتاه، فقال: ما عندي شيء، فرجع سلمان إليهما، وأخبرهما بذلك، فقالا: كان عند أسامة، ولكن بخل، فبعثا سلمان إلى طائفة من الصحابة، فلم يجد عندهم شيئا، فلمّا رجع سلمان، قالا: لو بعثناه إلى بئر سميحة لغار ماؤها، ثمّ انطلقا يتجسّسان هل عند أسامة ما أمر لهما به رسول الله ﷺ‎. فلمّا جاءا إلى رسول الله ﷺ‎ قال لهما: «ما لي أرى خضرة اللحم في أفواهكما» قالا: يا رسول الله، والله ما تناولنا يومنا هذا لحما، فقال: «ظللتم تأكلون لحم سلمان، وأسامة» [71] [[تفسير القرطبي: 16/ 331.]] . فأنزل الله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا قرأه العامّة (بالجيم) وقرأ ابن عبّاس، وأبو رجاء العطاردي (ولا تحسّسوا) (بالحاء) ، قال الأخفش: ليس يبعد أحدهما عن الآخر. إلّا أنّ التجسّس لما يكتم، ويوارى، ومنه الجاسوس، والتحسس (بالحاء) تخبر الأخبار، والبحث عنها، ومعنى الآية خذوا ما ظهر، ودعوا ما ستر الله، ولا تتّبعوا عورات المسلمين. أخبرني ابن منجويه، قال: حدّثنا ابن شنبه، قال: حدّثنا الفريابي قال: حدّثنا قتيبة بن سعد، عن مالك، عن أبي الزياد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أنّ رسول الله ﷺ‎ قال: «إيّاكم والظنّ، فإنّ الظنّ أكذب الحديث، وَلا تَجَسَّسُوا، ولا تحسّسوا، ولا تنافسوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا» [72] [[مسند أحمد: 2/ 470 بتفاوت يسير. صحيح البخاري: 7/ 88.]] . وأخبرني ابن منجويه، قال: حدّثنا ابن حبش، قال: أخبرنا علي بن زنجويه. قال: حدّثنا سلمة، قال: حدّثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن زرارة بن مصعب بن عبد الرّحمن بن عوف، عن المسوّر بن مخرمة، عن عبد الرّحمن بن عوف، أنّه حرس ليلة عمر بن الخطّاب بالمدينة، فبينا هم يمشون شب لهم سراج في بيت، فانطلقوا يؤمّونه، فلمّا دنوا منه، إذا باب يجاف على قوم لهم أصوات مرتفعة، ولغط، فقال عمر، وأخذ بيد عبد الرّحمن: أتدري بيت من هذا؟ قال: قلت: لا. قال: هذا بيت ربيعة بن أمية بن خلف، وهم الآن بيثرب، فما ترى؟ قال عبد الرّحمن: أرى أنّا قد أتينا ما قد نهى الله سبحانه، فقال: وَلا تَجَسَّسُوا فقد تجسسنا، فانصرف عمر عنهم، وتركهم. وبه عن معمر، قال: أخبرني أيّوب، عن أبي قلابة أنّ عمر بن الخطّاب، حدّث أنّ أبا محجن الثقفي شرب الخمر في بيته هو وأصحابه، فانطلق عمر حتّى دخل عليه، فإذا ليس عنده إلّا رجل، فقال أبو محجن: يا أمير المؤمنين إنّ هذا لا يحلّ لك، فقد نهاك الله عزّ وجلّ عن التجسّس، فقال عمر: ما يقول هذا؟ فقال زيد بن ثابت، وعبد الله بن الأرقم: صدق يا أمير المؤمنين، هذا التجسّس، قال: فخرج عمر رضي الله عنه، وتركه. وروى زيد بن أسلم أنّ عمر بن الخطّاب خرج ذات ليلة، ومعه عبد الرّحمن بن عوف رضي الله عنهما يعسّان إذ شبّ لهما نار، فأتيا الباب، فاستأذنا، ففتح الباب، فدخلا، فإذا رجل، وامرأة تغنّي، وعلى يد الرجل قدح، وقال عمر للرجل: وأنت بهذا يا فلان؟ فقال: وأنت بهذا يا أمير المؤمنين؟ فقال عمر: فمن هذه منك؟ قال: امرأتي. قال: وما في القدح؟ قال: ماء زلال. فقال للمرأة: وما الّذي تغنّين؟ فقالت: أقول: تطاول هذا الليل واسودّ جانبه ... وأرّقني ألّا حبيب ألاعبه [[تفسير القرطبي: 16/ 334 ولسان العرب: 8/ 142، بتفاوت فيهما بالبيت الثاني.]] فو الله لولا خشية الله والتقى ... لزعزع من هذا السرير جوانبه ولكن عقلي والحياء يكفني ... وأكرم بعلي أن تنال مراكبه ثمّ قال الرجل: ما بهذا أمرنا يا أمير المؤمنين، قال الله: وَلا تَجَسَّسُوا فقال عمر: صدقت، وانصرف. وأخبرنا الحسين، قال: حدّثنا موسى بن محمّد بن علي. قال: حدّثنا الحسين بن علوية. قال: حدّثنا إسماعيل بن عيسى، قال: حدّثنا المسيب، عن الأعمش، عن زيد بن وهب، قال: قيل لابن مسعود: هل لك في الوليد بن عقبة تقطر لحيته خمرا؟ فقال: إنّا قد نهينا عن التجسّس، فإن يظهر لنا شيئا نأخذه به. وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أخبرنا الحسين، قال: حدّثنا عبيد الله بن أحمد بن يعقوب المقري. قال: حدّثنا أحمد بن محمّد بن زيد أبو بكر السطوي، قال: حدّثنا علي بن إشكاب، قال: حدّثنا عمر بن يونس اليمامي، قال: حدّثنا جهضم بن عبد الله، عن العلاء بن عبد الرّحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: سئل رسول الله ﷺ‎ عن الغيبة فقال: «أن يذكر أخاك بما يكره، فإمّا إن كان فيه فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهتّه» [73] [[مسند أحمد: 2/ 384 صحيح مسلم: 8/ 21 بتفاوت.]] . وقال معاذ بن جبل: كنا مع رسول الله ﷺ‎ فذكر القوم رجلا، فقالوا: ما يأكل إلّا ما أطعم، ولا يرحل إلّا ما رحّل، فما أضعفه، فقال رسول الله ﷺ‎: «اغتبتم أخاكم» . قالوا: يا رسول الله وغيبة أن نحدّث بما فيه؟ فقال: «بحسبكم أن تحدّثوا عن أخيكم بما فيه» [74] [[الدر المنثور: 6/ 97.]] . وروى موسى بن وردان عن أبي هريرة أنّ رجلا قام من عند رسول الله، فرأوا في قيامه عجزا، فقالوا: يا رسول الله ما أعجز فلانا. فقال رسول الله ﷺ‎ «أكلتم أخاكم واغتبتموه» [75] [[مجمع الزوائد: 8/ 94 جامع البيان للطبري: 26/ 177.]] . أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً، قال قتادة: يقول: كما أنت كاره أن وجدت جيفة مدودة أن تأكل منها، فكذلك فاكره لحم أخيك وهو حيّ، فَكَرِهْتُمُوهُ قال الكسائي، والفراء: معناه، فقد كرهتموه. وقرأ أبو سعيد الخدري (فَكُرِّهْتُمُوهُ) بالتشديد على غير تسمية الفاعل. أخبرني الحسن، قال: حدّثنا عمر بن نوح البجلي، قال: حدّثنا أبو صالح عبد الوهاب بن أبي عصمة. قال: حدّثنا إسماعيل بن يزيد الأصفهاني. قال: حدّثنا يحيى بن سليم، عن كهمس، عن ميمون بن سباه، وكان يفضل على الحسن، ويقال: قد لقي من لم يلق، قال: بينما أنا نائم إذا أنا بجيفة زنجي وقائل يقول لي: كل، قلت: يا عبد الله، ولم آكل؟ قال: بما اغتبت عبد فلان، قلت: والله ما ذكرت منه خيرا، ولا شرّا، قال: لكنّك استمعت، ورضيت، فكان ميمون بعد ذلك لا يغتاب أحدا، ولا يدع أن يغتاب عنده أحد، وحكي عن بعض الصالحين أنّه قال: كنت قاعدا في المقبرة الفلانية، فاجتازني شاب جلد، فقلت: هذا، وأمثاله، وبال على الناس، فلمّا كانت تلك الليلة رأيت في المنام أنّه قدّم إليّ جنازة عليها ميّت، وقيل لي كل من لحم هذا، وكشف عن وجهه، فإذا ذلك الشاب، فقلت: أنا لم آكل من لحم الحيوان الحلال منذ سنين، فكيف آكل هذا؟ فقيل: فلم اغتبته إذا؟ فانتبهت حزينا، فكنت آوي إلى تلك المقبرة سنة واحدة، فرأيت الرجل، فقمت إليه لأستحلّ منه، فنظر إليّ من بعيد، فقال: تبت. قلت: نعم، قال: ارجع إلى مكانك. وقد أخبرنا ابن منجويه، قال: حدّثنا عمر بن الخطّاب. قال: حدّثنا عبد الله بن الفضل. قال: أخبرنا علي بن محمّد. قال: حدّثنا يحيى بن آدم. قال: حدّثنا ابن المبارك، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن ابن عمر، لأبي هريرة، قال: جاء ماعز إلى النبي ﷺ‎، فقال: إنّه زنى، فأعرض عنه، حتّى أقرّ أربع مرّات، فأمر برجمه، فمرّ النبيّ ﷺ‎ على رجلين يذكران ماعزا، فقال أحدهما: هذا الذي ستر عليه، فلم تدعه نفسه حتّى رجم برجم الكلب. قال: فسكت عنهما حتّى مرّا معه على جيفة حمار شائل رجله، فقال ﷺ‎ لهما: «انزلا فأصيبا منه» . فقالا: يا رسول الله غفر الله لك، وتؤكل هذه الجيفة؟ قال: «ما أصبتما من لحم أخيكما آنفا أعظم عليكما، أما إنّه الآن في أنهار الجنّة منغمس فيها» [76] . وأخبرني ابن منجويه، قال: حدّثنا ابن شيبة قال: حدّثنا الفريابي، قال: حدّثنا محمّد بن المصفى، قال: حدّثنا أبو المغيرة، حدّثنا عبد القدوس بن الحجّاج، قال: حدّثني صفوان بن عمرو، قال: حدّثنا راشد بن سعد، وعبد الرّحمن بن جبير، عن أنس بن مالك، عن رسول الله ﷺ‎ قال: «لمّا عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم، وصدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم النّاس، ويقعون في أعراضهم» [77] [[مسند أحمد: 3/ 224 وسنن أبي داود: 2/ 451.]] . وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ أخبرني الحسين، قال: حدّثنا موسى بن محمّد بن علي، قال: حدّثنا أحمد بن يحيى الحلواني، قال: حدّثنا يحيى بن أيّوب، قال: حدّثنا أسباط، عن أبي رجاء الخراساني، عن عبّاد بن كثير، عن الحريري، عن أبي نصرة، عن جابر بن عبد الله، وأبي سعيد الخدري، قالا: قال رسول الله ﷺ‎ «الغيبة أشدّ من الزنا» . قيل: وكيف؟ قال: «إنّ الرجل يزني، ثمّ يتوب، فيتوب الله عليه، وإنّ صاحب الغيبة لا يغفر له حتّى يغفر له صاحبه» [78] [[الجامع الصغير: 1/ 450 العهود المحمدية للشعراني: 856 كنز العمال: 3/ 586.]] . وأخبرني الحسين، قال: حدّثنا الفضل. قال: حدّثنا أبو عيسى حمزة بن الحسين بن عمر البزاز البغدادي، قال: حدّثنا محمّد بن علي الورّاق. قال: حدّثنا هارون بن معروق، قال: حدّثنا ضمرة، عن ابن شوذي، قال: قال رجل لابن سيرين: إنّي قد اغتبتك، فاجعلني في حلّ، قال: إنّي أكره أن أحلّ ما حرّم الله. وأخبرنا ابن منجويه، قال: حدّثنا أبو الطيب بن حفصويه، قال: حدّثنا عبد الله بن جامع. قال: قرأت على أحمد بن سعيد، حدّثنا سعيد، قال: حدّثنا يزيد بن هارون، عن هشام بن حسّان عن خالد الربعي، قال: قال عيسى ابن مريم لأصحابه: أرأيتم لو أنّ أحدكم رأى أخاه المسلم قد كشف الريح عن ثيابه؟ قالوا: سبحان الله إذا كنّا نردّه. قال: لا، بل كنتم تكشفون ما بقي، مثلا ضربه لهم يسمعون للرجل سيئة أو حسنة، فيذكرون أكثر من ذلك.

الحجرات 49:13

يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ الآية. قال ابن عبّاس: نزلت في ثابت بن قيس وقوله للرجل الذي لم يفسح له: ابن فلانة، فقال رسول الله ﷺ‎: «من الذاكر فلانة؟» . فقام ثابت، فقال: أنا يا رسول الله. فقال: «انظر في وجوه القوم» . فنظر إليهم، فقال: «ما رأيت يا ثابت؟» . قال: رأيت أبيض وأسود وأحمر. قال: «فإنّك لا تفضلهم إلّا في الدّين والتقوى» [79] [[أسباب نزول الآيات للواحدي: 264.]] ، فأنزل الله سبحانه في ثابت هذه الآية وبالّذي لم يفسح له: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ، فَافْسَحُوا ... [[سورة المجادلة: 11.]] الآية. وقال مقاتل: لمّا كان يوم فتح مكّة، أمر رسول الله ﷺ‎ بلالا حتّى علا على ظهر الكعبة وأذّن، فقال عتاب بن أسد بن أبي العيص: الحمد لله الذي قبض أبي حتّى لم ير هذا اليوم، وقال الحرث بن هاشم: أما وجد محمّد غير هذا الغراب الأسود مؤذّنا؟ وقال سهيل بن عمرو: إن يرد الله شيئا يغيره، وقال أبو سفيان بن حرب: إنّي لا أقول شيئا أخاف أن يخبر به ربّ السماء. فأتى جبريل رسول الله ﷺ‎ وأخبره بما قالوا، فدعاهم رسول الله ﷺ‎ وسألهم عمّا قالوا، فأقرّوا، فأنزل الله سبحانه هذه الآية وزجرهم، عن التفاخر بالأنساب، والتكاثر بالأموال، والازدراء للفقراء ، وقال يزيد بن سخرة: كان رسول الله ﷺ‎ ذات يوم يمرّ ببعض أسواق المدينة، فإذا غلام أسود قائم، ينادى عليه ليباع، فمن يريد. وكان الغلام قال: من اشتراني فعلي شرط، قيل: ما هو، قال: ألا يمنعني عن الصلوات الخمس خلف رسول الله ﷺ‎، فاشتراه رجل على هذا الشرط، فكان رسول الله ﷺ‎ يراه عند كلّ صلاة مكتوبة، ففقده ذات يوم، فقال لصاحبه: «أين الغلام؟» . فقال: محموم يا رسول الله، فقال لأصحابه: «قوموا بنا نعوده» . فقاموا معه فعادوه، فلما كان بعد أيّام قال لصاحبه: «ما حال الغلام؟» [80] [[أسباب نزول الآيات- الواحدي النيسابوري: 265.]] . قال: يا رسول الله، إنّ الغلام لما به، فقام رسول الله ﷺ‎ فدخل عليه وهو في ذهابه، فقبض على تلك الحال، فتولّى رسول الله ﷺ‎ غسله، وتكفينه، ودفنه، فدخل على المهاجرين، والأنصار من ذلك أمر عظيم، فقال المهاجرون: هاجرنا ديارنا، وأموالنا، وأهالينا، فلم ير أحد منّا في حياته ومرضه وموته ما لقي منه هذا الغلام، وقال الأنصار: آويناه، ونصرناه، وواسيناه فآثر علينا عبدا حبشيّا، فعذر الله سبحانه رسوله ﷺ‎، فيما تعاطاه من أمر الغلام، وأراهم فضل التقوى، فأنزل الله سبحانه: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وهي رؤوس القبائل وجمهورها مثل ربيعة ومضر والأوس والخزرج. واحدها شعب بفتح الشين، سمّوا بذلك لتشعّبهم واجتماعهم، كتشعّب أغصان الشجر، والشعب من الأضداد يقال: شعبته إذا جمعته، وشعبته إذا فرّقته، ومنه قيل للموت: شعوب. وَقَبائِلَ وهي دون الشعوب، واحدها قبيلة، وهم كندة من ربيعة، وتميم من مضر، ودون القبائل العمائر، واحدها عمارة بفتح العين كشيبان من بكر، ودارم من تميم، ودون العمائر البطون، واحدها بطن، وهم كبني غالب ولؤي من قريش، ودون البطون الأفخاذ، واحدها فخذ، وهم كبني هاشم، وأمية من بني لؤي، ثمّ الفصائل، والعشائر، واحدتها فصيلة، وعشيرة، وقيل: الشعوب من العجم، والقبائل من العرب، والأسباط من بني إسرائيل، وقال أبو رزين وأبو روق: الشعوب الذين لا يصيرون إلى أحد، بل ينسبون إلى المدائن، والقرى، والأرضين، والقبائل العرب الذين ينسبون إلى آبائهم. لِتَعارَفُوا يعرف بعضكم بعضا في قرب النسب، وبعده لا لتفاخروا. وقرأ الأعمش (ليتعارفوا) ، وقرأ ابن عبّاس (ليعرفوا) بغير (ألف) . إِنَّ أَكْرَمَكُمْ بفتح (الألف) ، وقرأه العامة (إِنَّ) بكسر (الألف) على الاستئناف، والوقوف على قوله لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ قال قتادة: في هذه الآية أكرم الكرم التقوى. وألأم اللوم الفجور، وقال ﷺ‎: «من سرّه أن يكون أكرم الناس، فليتّق الله» [[تفسير الثعالبي: 5/ 277.]] . وقال: «كرم الرجل دينه، وتقواه، وأصله عقله، وحسبه خلقه» [[تفسير ابن كثير: 1/ 319 مسند أحمد: 2/ 365 مجمع الزوائد: 10/ 251 بتفاوت.]] ، وقال ابن عبّاس: كرم الدنيا الغنى، وكرم الآخرة التقوى: إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ. أخبرنا الحسن، قال: حدّثنا أبو حذيفة أحمد بن محمّد بن علي، قال: حدّثنا زكريا بن يحيى بن يعقوب المقدسي، قال: حدّثنا محمّد بن عبد الله المقري، قال: حدّثنا ابن رجاء، عن موسى بن عقبة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: طاف رسول الله ﷺ‎ على راحلته القصواء يوم الفتح يستلم الركن بمحجنه، فما وجد لها مناخ في المسجد، حتّى أخرجنا إلى بطن الوادي، فأناخت فيه، ثمّ حمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: «أمّا بعد أيّها الناس، قد أذهب عنكم عيبة الجاهلية، وفخرها بالآباء- وفي بعض الألفاظ: وتعظمها بآبائها- إنّما الناس رجلان، برّ تقي كريم على الله، وفاجر شقيّ هيّن على الله» . ثمّ تلا هذه الآية: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ ... الآية، وقال: «أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم» [81] [[تفسير ابن كثير: 4/ 233 ومسند أحمد: 2/ 524.]] . وأخبرني الحسين، قال: حدّثنا محمّد بن علي بن الحسين الصوفي. قال: حدّثنا أبو شعيب الحراني. قال: حدّثنا يحيى بن عبد الله الكابلي. قال: حدّثنا الأوزاعي، قال: حدّثني يحيى بن أبي كثير، إنّ النبيّ ﷺ‎ قال: «إنّ الله لا ينظر إلى صوركم، ولا إلى أموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم، وأعمالكم، وإنّما أنتم بنو آدم أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ» [82] [[مسند أحمد: 2/ 285 صحيح مسلم: 8/ 11.]] . وأخبرنا ابن منجويه، قال: حدّثنا ابن حفصويه، قال: حدّثنا عبد الله بن جامع المقري، قال: حدّثنا أحمد بن خادم. قال: حدّثنا أبو نعيم، قال: حدّثنا طلحة، عن عطاء، عن أبي هريرة، قال: الله سبحانه يقول يوم القيامة: إنّي جعلت نسبا، وجعلتم نسبا، فجعلت أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ فأنتم تقولون: فلان بن فلان، وأنا اليوم أرفع نسبي، وأضع أنسابكم، أين المتّقون؟ أين المتّقون؟ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ [[كنز العمال: 3/ 91 ح 5643 وتفسير الدر المنثور: 6/ 98.]] . وأخبرنا ابن منجويه، قال: حدّثنا عبد الله بن إبراهيم بن أيّوب. قال: حدّثنا يوسف بن يعقوب. قال: حدّثنا محمّد بن أبي بكر. قال: حدّثني يحيى بن سعيد، عن عبد الله بن عمر، قال: حدّثني سعيد بن أبي سعيد المقري، عن أبي هريرة، قال: قيل: يا رسول الله من أكرم الناس؟ قال: «أتقاهم» . وأنشدني ابن حبيب، قال: أنشدنا ابن رميح، قال: أنشدنا عمر بن الفرحان: ما يصنع العبد بعزّ الغنى ... والعزّ كلّ العزّ للمتّقي من عرف الله فلم تغنه ... معرفة الله فذاك الشقي [[تفسير القرطبي: 16/ 346.]] قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا الآية نزلت في نفر من بني أسد بن خزيمة، ثمّ من بني الحلاف بن الحارث بن سعيد، قدموا على رسول الله ﷺ‎ المدينة في سنة جدبة، وأظهروا شهادة أن لا إله إلّا الله، ولم يكونوا مؤمنين في السرّ، وأفسدوا طرق المدينة بالعدوان، وأغلوا أسعارها، وكانوا يغدون، ويروحون على رسول الله ﷺ‎ ويقولون: أتتك العرب بأنفسها على ظهور رواحلها، وجئناك بالأفعال، والعيال والذراري، يمنون على رسول الله ﷺ‎، ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان، وبنو فلان، ويريدون الصدقة، ويقولون: أعطنا، فأنزل الله سبحانه فيهم هذه الآية. وقال السدي: نزلت في الأعراب الذين ذكرهم الله في سورة الفتح، وهم أعراب مزينة، وجهينة، وأسلم، وأشجع، وغفار، كانوا يقولون: آمنّا بالله، ليأمنوا على أنفسهم، وأموالهم، فلمّا استنفروا إلى الحديبية تخلّفوا، فأنزل الله سبحانه: قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا أي انقدنا واستسلمنا مخافة القتل والسبي. وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ فأخبر أنّ حقيقة الإيمان التصديق بالقلب، وأنّ الإقرار به باللسان، وإظهار شرائعه بالأبدان، لا يكون إيمانا دون الإخلاص الذي محلّه القلب، وأنّ الإسلام غير الإيمان. يدلّ عليه ما أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله الجوزقي، قرأه عليه محمّد بن زكريا في شهر ربيع الأوّل سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة، قال: أخبرنا أبو العبّاس محمد بن الدغولي، قال: حدّثنا محمّد بن الليث المروزي، قال: حدّثنا عبد الله بن عثمان بن عبدان، قال: حدّثنا عبد الله ابن المبارك، قال: أخبرنا يونس، عن الزهري. قال: أخبرني عامر، عن سعد بن أبي وقّاص أنّ رسول الله ﷺ‎ أعطي رهطا، وسعد جالس فيهم، فقال سعد: فترك رسول الله ﷺ‎ رجلا منهم، فلم يعطه، وهو أعجبهم إليّ. فقلت: يا رسول الله ما لك عن فلان؟ فو الله إنّي لأراه مؤمنا، فقال رسول الله: «أو مسلما» . فسكت قليلا، ثمّ غلبني ما أعلم منه، فقلت: يا رسول الله ما لك عن فلان، فو الله إنّي لأراه مؤمنا، فقال رسول الله ﷺ‎: «أو مسلما» . فسكت قليلا، ثمّ غلبني ما أعلم منه، فقلت: يا رسول الله ما لك عن فلان، فو الله إنّي لأراه مؤمنا، فقال رسول الله ﷺ‎: «أو مسلما، فإنّي لأعطي الرجل، وغيره أحبّ إليّ منه خشية أن يكبّ في النار على وجهه» [83] [[صحيح مسلم: 3/ 104.]] . فاعلم أنّ الإسلام الدخول في السلم، وهو الطاعة والانقياد، والمتابعة، يقال: أسلم الرجل إذا دخل في السلم وهو الطاعة والانقياد والمتابعة. يقال: أسلم الرجل إذا دخل في السلم، كما يقال: أشتى الرجل إذا دخل في الشتاء، وأصاف إذا دخل في الصيف، وأربع إذا دخل في الربيع، وأقحط إذا دخل في القحط، فمن الإسلام ما هو طاعة على الحقيقة باللسان والأبدان فالجنان، كقوله عزّ وجلّ لإبراهيم: أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ [[سورة البقرة: 131.]] ، وقوله: فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ [[سورة الذاريات: 3635.]] . ومنه ما هو انقياد باللسان دون القلب وذلك قوله: وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا بيانه قوله سبحانه: وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ظاهرا وباطنا، سرّا وعلانيّة لا يَلِتْكُمْ (بالألف) أبو عمر، ويعقوب، واختاره أبو حاتم اعتبارا بقوله: وَما أَلَتْناهُمْ [[سورة الطور: 21.]] يقال ألت يألت ألتا، قال الشاعر: أبلغ بني ثعل عني مغلغلة ... جهد الرسالة لا ألتا ولا كذبا [[لسان العرب: 2/ 4 تاج العروس: 1/ 522.]] وقرأ الآخرون (يَلَتْكَمْ) من لات يليت ليتا، كقول رؤبة: وليلة ذات ندى سريت ... ولم يلتني عن سراها ليت [[زاد المسير: 7/ 187 وتاج العروس: 1/ 582.]] ومعناهما جميعا لا ينقصكم، ولا يظلمكم. مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ثمّ بيّن حقيقة الإيمان، فقال: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا لم يشكّوا في وحدانية الله، ولا بنبوّة أنبيائه ولا فيما آمنوا به، بل أيقنوا وأخلصوا [[تفسير الطبري: 26/ 186 بتفاوت.]] . وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ في إيمانهم، لا من أسلم خوف السيف ورجاء الكسب، فلمّا نزلت هاتان الآيتان، أتت الأعراب رسول الله ﷺ‎ فحلفوا بالله إنّهم مؤمنون في السرّ، والعلانية، وعرف الله غير ذلك منهم [[تفسير القرطبي: 16/ 349.]] ، فأنزل الله سبحانه قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ الذي أنتم عليه. وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ أي بإسلامكم. بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ وفي مصحف عبد الله (إذ هداكم للإيمان) إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أنّكم مؤمنون. إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ قرأ ابن كثير، والأعمش، وطلحة، وعيسى (بالياء) ، غيرهم (بالتاء) .

الحجرات 49:14

يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ الآية. قال ابن عبّاس: نزلت في ثابت بن قيس وقوله للرجل الذي لم يفسح له: ابن فلانة، فقال رسول الله ﷺ‎: «من الذاكر فلانة؟» . فقام ثابت، فقال: أنا يا رسول الله. فقال: «انظر في وجوه القوم» . فنظر إليهم، فقال: «ما رأيت يا ثابت؟» . قال: رأيت أبيض وأسود وأحمر. قال: «فإنّك لا تفضلهم إلّا في الدّين والتقوى» [79] [[أسباب نزول الآيات للواحدي: 264.]] ، فأنزل الله سبحانه في ثابت هذه الآية وبالّذي لم يفسح له: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ، فَافْسَحُوا ... [[سورة المجادلة: 11.]] الآية. وقال مقاتل: لمّا كان يوم فتح مكّة، أمر رسول الله ﷺ‎ بلالا حتّى علا على ظهر الكعبة وأذّن، فقال عتاب بن أسد بن أبي العيص: الحمد لله الذي قبض أبي حتّى لم ير هذا اليوم، وقال الحرث بن هاشم: أما وجد محمّد غير هذا الغراب الأسود مؤذّنا؟ وقال سهيل بن عمرو: إن يرد الله شيئا يغيره، وقال أبو سفيان بن حرب: إنّي لا أقول شيئا أخاف أن يخبر به ربّ السماء. فأتى جبريل رسول الله ﷺ‎ وأخبره بما قالوا، فدعاهم رسول الله ﷺ‎ وسألهم عمّا قالوا، فأقرّوا، فأنزل الله سبحانه هذه الآية وزجرهم، عن التفاخر بالأنساب، والتكاثر بالأموال، والازدراء للفقراء ، وقال يزيد بن سخرة: كان رسول الله ﷺ‎ ذات يوم يمرّ ببعض أسواق المدينة، فإذا غلام أسود قائم، ينادى عليه ليباع، فمن يريد. وكان الغلام قال: من اشتراني فعلي شرط، قيل: ما هو، قال: ألا يمنعني عن الصلوات الخمس خلف رسول الله ﷺ‎، فاشتراه رجل على هذا الشرط، فكان رسول الله ﷺ‎ يراه عند كلّ صلاة مكتوبة، ففقده ذات يوم، فقال لصاحبه: «أين الغلام؟» . فقال: محموم يا رسول الله، فقال لأصحابه: «قوموا بنا نعوده» . فقاموا معه فعادوه، فلما كان بعد أيّام قال لصاحبه: «ما حال الغلام؟» [80] [[أسباب نزول الآيات- الواحدي النيسابوري: 265.]] . قال: يا رسول الله، إنّ الغلام لما به، فقام رسول الله ﷺ‎ فدخل عليه وهو في ذهابه، فقبض على تلك الحال، فتولّى رسول الله ﷺ‎ غسله، وتكفينه، ودفنه، فدخل على المهاجرين، والأنصار من ذلك أمر عظيم، فقال المهاجرون: هاجرنا ديارنا، وأموالنا، وأهالينا، فلم ير أحد منّا في حياته ومرضه وموته ما لقي منه هذا الغلام، وقال الأنصار: آويناه، ونصرناه، وواسيناه فآثر علينا عبدا حبشيّا، فعذر الله سبحانه رسوله ﷺ‎، فيما تعاطاه من أمر الغلام، وأراهم فضل التقوى، فأنزل الله سبحانه: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وهي رؤوس القبائل وجمهورها مثل ربيعة ومضر والأوس والخزرج. واحدها شعب بفتح الشين، سمّوا بذلك لتشعّبهم واجتماعهم، كتشعّب أغصان الشجر، والشعب من الأضداد يقال: شعبته إذا جمعته، وشعبته إذا فرّقته، ومنه قيل للموت: شعوب. وَقَبائِلَ وهي دون الشعوب، واحدها قبيلة، وهم كندة من ربيعة، وتميم من مضر، ودون القبائل العمائر، واحدها عمارة بفتح العين كشيبان من بكر، ودارم من تميم، ودون العمائر البطون، واحدها بطن، وهم كبني غالب ولؤي من قريش، ودون البطون الأفخاذ، واحدها فخذ، وهم كبني هاشم، وأمية من بني لؤي، ثمّ الفصائل، والعشائر، واحدتها فصيلة، وعشيرة، وقيل: الشعوب من العجم، والقبائل من العرب، والأسباط من بني إسرائيل، وقال أبو رزين وأبو روق: الشعوب الذين لا يصيرون إلى أحد، بل ينسبون إلى المدائن، والقرى، والأرضين، والقبائل العرب الذين ينسبون إلى آبائهم. لِتَعارَفُوا يعرف بعضكم بعضا في قرب النسب، وبعده لا لتفاخروا. وقرأ الأعمش (ليتعارفوا) ، وقرأ ابن عبّاس (ليعرفوا) بغير (ألف) . إِنَّ أَكْرَمَكُمْ بفتح (الألف) ، وقرأه العامة (إِنَّ) بكسر (الألف) على الاستئناف، والوقوف على قوله لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ قال قتادة: في هذه الآية أكرم الكرم التقوى. وألأم اللوم الفجور، وقال ﷺ‎: «من سرّه أن يكون أكرم الناس، فليتّق الله» [[تفسير الثعالبي: 5/ 277.]] . وقال: «كرم الرجل دينه، وتقواه، وأصله عقله، وحسبه خلقه» [[تفسير ابن كثير: 1/ 319 مسند أحمد: 2/ 365 مجمع الزوائد: 10/ 251 بتفاوت.]] ، وقال ابن عبّاس: كرم الدنيا الغنى، وكرم الآخرة التقوى: إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ. أخبرنا الحسن، قال: حدّثنا أبو حذيفة أحمد بن محمّد بن علي، قال: حدّثنا زكريا بن يحيى بن يعقوب المقدسي، قال: حدّثنا محمّد بن عبد الله المقري، قال: حدّثنا ابن رجاء، عن موسى بن عقبة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: طاف رسول الله ﷺ‎ على راحلته القصواء يوم الفتح يستلم الركن بمحجنه، فما وجد لها مناخ في المسجد، حتّى أخرجنا إلى بطن الوادي، فأناخت فيه، ثمّ حمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: «أمّا بعد أيّها الناس، قد أذهب عنكم عيبة الجاهلية، وفخرها بالآباء- وفي بعض الألفاظ: وتعظمها بآبائها- إنّما الناس رجلان، برّ تقي كريم على الله، وفاجر شقيّ هيّن على الله» . ثمّ تلا هذه الآية: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ ... الآية، وقال: «أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم» [81] [[تفسير ابن كثير: 4/ 233 ومسند أحمد: 2/ 524.]] . وأخبرني الحسين، قال: حدّثنا محمّد بن علي بن الحسين الصوفي. قال: حدّثنا أبو شعيب الحراني. قال: حدّثنا يحيى بن عبد الله الكابلي. قال: حدّثنا الأوزاعي، قال: حدّثني يحيى بن أبي كثير، إنّ النبيّ ﷺ‎ قال: «إنّ الله لا ينظر إلى صوركم، ولا إلى أموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم، وأعمالكم، وإنّما أنتم بنو آدم أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ» [82] [[مسند أحمد: 2/ 285 صحيح مسلم: 8/ 11.]] . وأخبرنا ابن منجويه، قال: حدّثنا ابن حفصويه، قال: حدّثنا عبد الله بن جامع المقري، قال: حدّثنا أحمد بن خادم. قال: حدّثنا أبو نعيم، قال: حدّثنا طلحة، عن عطاء، عن أبي هريرة، قال: الله سبحانه يقول يوم القيامة: إنّي جعلت نسبا، وجعلتم نسبا، فجعلت أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ فأنتم تقولون: فلان بن فلان، وأنا اليوم أرفع نسبي، وأضع أنسابكم، أين المتّقون؟ أين المتّقون؟ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ [[كنز العمال: 3/ 91 ح 5643 وتفسير الدر المنثور: 6/ 98.]] . وأخبرنا ابن منجويه، قال: حدّثنا عبد الله بن إبراهيم بن أيّوب. قال: حدّثنا يوسف بن يعقوب. قال: حدّثنا محمّد بن أبي بكر. قال: حدّثني يحيى بن سعيد، عن عبد الله بن عمر، قال: حدّثني سعيد بن أبي سعيد المقري، عن أبي هريرة، قال: قيل: يا رسول الله من أكرم الناس؟ قال: «أتقاهم» . وأنشدني ابن حبيب، قال: أنشدنا ابن رميح، قال: أنشدنا عمر بن الفرحان: ما يصنع العبد بعزّ الغنى ... والعزّ كلّ العزّ للمتّقي من عرف الله فلم تغنه ... معرفة الله فذاك الشقي [[تفسير القرطبي: 16/ 346.]] قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا الآية نزلت في نفر من بني أسد بن خزيمة، ثمّ من بني الحلاف بن الحارث بن سعيد، قدموا على رسول الله ﷺ‎ المدينة في سنة جدبة، وأظهروا شهادة أن لا إله إلّا الله، ولم يكونوا مؤمنين في السرّ، وأفسدوا طرق المدينة بالعدوان، وأغلوا أسعارها، وكانوا يغدون، ويروحون على رسول الله ﷺ‎ ويقولون: أتتك العرب بأنفسها على ظهور رواحلها، وجئناك بالأفعال، والعيال والذراري، يمنون على رسول الله ﷺ‎، ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان، وبنو فلان، ويريدون الصدقة، ويقولون: أعطنا، فأنزل الله سبحانه فيهم هذه الآية. وقال السدي: نزلت في الأعراب الذين ذكرهم الله في سورة الفتح، وهم أعراب مزينة، وجهينة، وأسلم، وأشجع، وغفار، كانوا يقولون: آمنّا بالله، ليأمنوا على أنفسهم، وأموالهم، فلمّا استنفروا إلى الحديبية تخلّفوا، فأنزل الله سبحانه: قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا أي انقدنا واستسلمنا مخافة القتل والسبي. وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ فأخبر أنّ حقيقة الإيمان التصديق بالقلب، وأنّ الإقرار به باللسان، وإظهار شرائعه بالأبدان، لا يكون إيمانا دون الإخلاص الذي محلّه القلب، وأنّ الإسلام غير الإيمان. يدلّ عليه ما أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله الجوزقي، قرأه عليه محمّد بن زكريا في شهر ربيع الأوّل سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة، قال: أخبرنا أبو العبّاس محمد بن الدغولي، قال: حدّثنا محمّد بن الليث المروزي، قال: حدّثنا عبد الله بن عثمان بن عبدان، قال: حدّثنا عبد الله ابن المبارك، قال: أخبرنا يونس، عن الزهري. قال: أخبرني عامر، عن سعد بن أبي وقّاص أنّ رسول الله ﷺ‎ أعطي رهطا، وسعد جالس فيهم، فقال سعد: فترك رسول الله ﷺ‎ رجلا منهم، فلم يعطه، وهو أعجبهم إليّ. فقلت: يا رسول الله ما لك عن فلان؟ فو الله إنّي لأراه مؤمنا، فقال رسول الله: «أو مسلما» . فسكت قليلا، ثمّ غلبني ما أعلم منه، فقلت: يا رسول الله ما لك عن فلان، فو الله إنّي لأراه مؤمنا، فقال رسول الله ﷺ‎: «أو مسلما» . فسكت قليلا، ثمّ غلبني ما أعلم منه، فقلت: يا رسول الله ما لك عن فلان، فو الله إنّي لأراه مؤمنا، فقال رسول الله ﷺ‎: «أو مسلما، فإنّي لأعطي الرجل، وغيره أحبّ إليّ منه خشية أن يكبّ في النار على وجهه» [83] [[صحيح مسلم: 3/ 104.]] . فاعلم أنّ الإسلام الدخول في السلم، وهو الطاعة والانقياد، والمتابعة، يقال: أسلم الرجل إذا دخل في السلم وهو الطاعة والانقياد والمتابعة. يقال: أسلم الرجل إذا دخل في السلم، كما يقال: أشتى الرجل إذا دخل في الشتاء، وأصاف إذا دخل في الصيف، وأربع إذا دخل في الربيع، وأقحط إذا دخل في القحط، فمن الإسلام ما هو طاعة على الحقيقة باللسان والأبدان فالجنان، كقوله عزّ وجلّ لإبراهيم: أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ [[سورة البقرة: 131.]] ، وقوله: فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ [[سورة الذاريات: 3635.]] . ومنه ما هو انقياد باللسان دون القلب وذلك قوله: وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا بيانه قوله سبحانه: وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ظاهرا وباطنا، سرّا وعلانيّة لا يَلِتْكُمْ (بالألف) أبو عمر، ويعقوب، واختاره أبو حاتم اعتبارا بقوله: وَما أَلَتْناهُمْ [[سورة الطور: 21.]] يقال ألت يألت ألتا، قال الشاعر: أبلغ بني ثعل عني مغلغلة ... جهد الرسالة لا ألتا ولا كذبا [[لسان العرب: 2/ 4 تاج العروس: 1/ 522.]] وقرأ الآخرون (يَلَتْكَمْ) من لات يليت ليتا، كقول رؤبة: وليلة ذات ندى سريت ... ولم يلتني عن سراها ليت [[زاد المسير: 7/ 187 وتاج العروس: 1/ 582.]] ومعناهما جميعا لا ينقصكم، ولا يظلمكم. مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ثمّ بيّن حقيقة الإيمان، فقال: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا لم يشكّوا في وحدانية الله، ولا بنبوّة أنبيائه ولا فيما آمنوا به، بل أيقنوا وأخلصوا [[تفسير الطبري: 26/ 186 بتفاوت.]] . وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ في إيمانهم، لا من أسلم خوف السيف ورجاء الكسب، فلمّا نزلت هاتان الآيتان، أتت الأعراب رسول الله ﷺ‎ فحلفوا بالله إنّهم مؤمنون في السرّ، والعلانية، وعرف الله غير ذلك منهم [[تفسير القرطبي: 16/ 349.]] ، فأنزل الله سبحانه قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ الذي أنتم عليه. وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ أي بإسلامكم. بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ وفي مصحف عبد الله (إذ هداكم للإيمان) إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أنّكم مؤمنون. إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ قرأ ابن كثير، والأعمش، وطلحة، وعيسى (بالياء) ، غيرهم (بالتاء) .

الحجرات 49:15

يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ الآية. قال ابن عبّاس: نزلت في ثابت بن قيس وقوله للرجل الذي لم يفسح له: ابن فلانة، فقال رسول الله ﷺ‎: «من الذاكر فلانة؟» . فقام ثابت، فقال: أنا يا رسول الله. فقال: «انظر في وجوه القوم» . فنظر إليهم، فقال: «ما رأيت يا ثابت؟» . قال: رأيت أبيض وأسود وأحمر. قال: «فإنّك لا تفضلهم إلّا في الدّين والتقوى» [79] [[أسباب نزول الآيات للواحدي: 264.]] ، فأنزل الله سبحانه في ثابت هذه الآية وبالّذي لم يفسح له: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ، فَافْسَحُوا ... [[سورة المجادلة: 11.]] الآية. وقال مقاتل: لمّا كان يوم فتح مكّة، أمر رسول الله ﷺ‎ بلالا حتّى علا على ظهر الكعبة وأذّن، فقال عتاب بن أسد بن أبي العيص: الحمد لله الذي قبض أبي حتّى لم ير هذا اليوم، وقال الحرث بن هاشم: أما وجد محمّد غير هذا الغراب الأسود مؤذّنا؟ وقال سهيل بن عمرو: إن يرد الله شيئا يغيره، وقال أبو سفيان بن حرب: إنّي لا أقول شيئا أخاف أن يخبر به ربّ السماء. فأتى جبريل رسول الله ﷺ‎ وأخبره بما قالوا، فدعاهم رسول الله ﷺ‎ وسألهم عمّا قالوا، فأقرّوا، فأنزل الله سبحانه هذه الآية وزجرهم، عن التفاخر بالأنساب، والتكاثر بالأموال، والازدراء للفقراء ، وقال يزيد بن سخرة: كان رسول الله ﷺ‎ ذات يوم يمرّ ببعض أسواق المدينة، فإذا غلام أسود قائم، ينادى عليه ليباع، فمن يريد. وكان الغلام قال: من اشتراني فعلي شرط، قيل: ما هو، قال: ألا يمنعني عن الصلوات الخمس خلف رسول الله ﷺ‎، فاشتراه رجل على هذا الشرط، فكان رسول الله ﷺ‎ يراه عند كلّ صلاة مكتوبة، ففقده ذات يوم، فقال لصاحبه: «أين الغلام؟» . فقال: محموم يا رسول الله، فقال لأصحابه: «قوموا بنا نعوده» . فقاموا معه فعادوه، فلما كان بعد أيّام قال لصاحبه: «ما حال الغلام؟» [80] [[أسباب نزول الآيات- الواحدي النيسابوري: 265.]] . قال: يا رسول الله، إنّ الغلام لما به، فقام رسول الله ﷺ‎ فدخل عليه وهو في ذهابه، فقبض على تلك الحال، فتولّى رسول الله ﷺ‎ غسله، وتكفينه، ودفنه، فدخل على المهاجرين، والأنصار من ذلك أمر عظيم، فقال المهاجرون: هاجرنا ديارنا، وأموالنا، وأهالينا، فلم ير أحد منّا في حياته ومرضه وموته ما لقي منه هذا الغلام، وقال الأنصار: آويناه، ونصرناه، وواسيناه فآثر علينا عبدا حبشيّا، فعذر الله سبحانه رسوله ﷺ‎، فيما تعاطاه من أمر الغلام، وأراهم فضل التقوى، فأنزل الله سبحانه: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وهي رؤوس القبائل وجمهورها مثل ربيعة ومضر والأوس والخزرج. واحدها شعب بفتح الشين، سمّوا بذلك لتشعّبهم واجتماعهم، كتشعّب أغصان الشجر، والشعب من الأضداد يقال: شعبته إذا جمعته، وشعبته إذا فرّقته، ومنه قيل للموت: شعوب. وَقَبائِلَ وهي دون الشعوب، واحدها قبيلة، وهم كندة من ربيعة، وتميم من مضر، ودون القبائل العمائر، واحدها عمارة بفتح العين كشيبان من بكر، ودارم من تميم، ودون العمائر البطون، واحدها بطن، وهم كبني غالب ولؤي من قريش، ودون البطون الأفخاذ، واحدها فخذ، وهم كبني هاشم، وأمية من بني لؤي، ثمّ الفصائل، والعشائر، واحدتها فصيلة، وعشيرة، وقيل: الشعوب من العجم، والقبائل من العرب، والأسباط من بني إسرائيل، وقال أبو رزين وأبو روق: الشعوب الذين لا يصيرون إلى أحد، بل ينسبون إلى المدائن، والقرى، والأرضين، والقبائل العرب الذين ينسبون إلى آبائهم. لِتَعارَفُوا يعرف بعضكم بعضا في قرب النسب، وبعده لا لتفاخروا. وقرأ الأعمش (ليتعارفوا) ، وقرأ ابن عبّاس (ليعرفوا) بغير (ألف) . إِنَّ أَكْرَمَكُمْ بفتح (الألف) ، وقرأه العامة (إِنَّ) بكسر (الألف) على الاستئناف، والوقوف على قوله لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ قال قتادة: في هذه الآية أكرم الكرم التقوى. وألأم اللوم الفجور، وقال ﷺ‎: «من سرّه أن يكون أكرم الناس، فليتّق الله» [[تفسير الثعالبي: 5/ 277.]] . وقال: «كرم الرجل دينه، وتقواه، وأصله عقله، وحسبه خلقه» [[تفسير ابن كثير: 1/ 319 مسند أحمد: 2/ 365 مجمع الزوائد: 10/ 251 بتفاوت.]] ، وقال ابن عبّاس: كرم الدنيا الغنى، وكرم الآخرة التقوى: إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ. أخبرنا الحسن، قال: حدّثنا أبو حذيفة أحمد بن محمّد بن علي، قال: حدّثنا زكريا بن يحيى بن يعقوب المقدسي، قال: حدّثنا محمّد بن عبد الله المقري، قال: حدّثنا ابن رجاء، عن موسى بن عقبة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: طاف رسول الله ﷺ‎ على راحلته القصواء يوم الفتح يستلم الركن بمحجنه، فما وجد لها مناخ في المسجد، حتّى أخرجنا إلى بطن الوادي، فأناخت فيه، ثمّ حمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: «أمّا بعد أيّها الناس، قد أذهب عنكم عيبة الجاهلية، وفخرها بالآباء- وفي بعض الألفاظ: وتعظمها بآبائها- إنّما الناس رجلان، برّ تقي كريم على الله، وفاجر شقيّ هيّن على الله» . ثمّ تلا هذه الآية: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ ... الآية، وقال: «أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم» [81] [[تفسير ابن كثير: 4/ 233 ومسند أحمد: 2/ 524.]] . وأخبرني الحسين، قال: حدّثنا محمّد بن علي بن الحسين الصوفي. قال: حدّثنا أبو شعيب الحراني. قال: حدّثنا يحيى بن عبد الله الكابلي. قال: حدّثنا الأوزاعي، قال: حدّثني يحيى بن أبي كثير، إنّ النبيّ ﷺ‎ قال: «إنّ الله لا ينظر إلى صوركم، ولا إلى أموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم، وأعمالكم، وإنّما أنتم بنو آدم أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ» [82] [[مسند أحمد: 2/ 285 صحيح مسلم: 8/ 11.]] . وأخبرنا ابن منجويه، قال: حدّثنا ابن حفصويه، قال: حدّثنا عبد الله بن جامع المقري، قال: حدّثنا أحمد بن خادم. قال: حدّثنا أبو نعيم، قال: حدّثنا طلحة، عن عطاء، عن أبي هريرة، قال: الله سبحانه يقول يوم القيامة: إنّي جعلت نسبا، وجعلتم نسبا، فجعلت أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ فأنتم تقولون: فلان بن فلان، وأنا اليوم أرفع نسبي، وأضع أنسابكم، أين المتّقون؟ أين المتّقون؟ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ [[كنز العمال: 3/ 91 ح 5643 وتفسير الدر المنثور: 6/ 98.]] . وأخبرنا ابن منجويه، قال: حدّثنا عبد الله بن إبراهيم بن أيّوب. قال: حدّثنا يوسف بن يعقوب. قال: حدّثنا محمّد بن أبي بكر. قال: حدّثني يحيى بن سعيد، عن عبد الله بن عمر، قال: حدّثني سعيد بن أبي سعيد المقري، عن أبي هريرة، قال: قيل: يا رسول الله من أكرم الناس؟ قال: «أتقاهم» . وأنشدني ابن حبيب، قال: أنشدنا ابن رميح، قال: أنشدنا عمر بن الفرحان: ما يصنع العبد بعزّ الغنى ... والعزّ كلّ العزّ للمتّقي من عرف الله فلم تغنه ... معرفة الله فذاك الشقي [[تفسير القرطبي: 16/ 346.]] قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا الآية نزلت في نفر من بني أسد بن خزيمة، ثمّ من بني الحلاف بن الحارث بن سعيد، قدموا على رسول الله ﷺ‎ المدينة في سنة جدبة، وأظهروا شهادة أن لا إله إلّا الله، ولم يكونوا مؤمنين في السرّ، وأفسدوا طرق المدينة بالعدوان، وأغلوا أسعارها، وكانوا يغدون، ويروحون على رسول الله ﷺ‎ ويقولون: أتتك العرب بأنفسها على ظهور رواحلها، وجئناك بالأفعال، والعيال والذراري، يمنون على رسول الله ﷺ‎، ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان، وبنو فلان، ويريدون الصدقة، ويقولون: أعطنا، فأنزل الله سبحانه فيهم هذه الآية. وقال السدي: نزلت في الأعراب الذين ذكرهم الله في سورة الفتح، وهم أعراب مزينة، وجهينة، وأسلم، وأشجع، وغفار، كانوا يقولون: آمنّا بالله، ليأمنوا على أنفسهم، وأموالهم، فلمّا استنفروا إلى الحديبية تخلّفوا، فأنزل الله سبحانه: قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا أي انقدنا واستسلمنا مخافة القتل والسبي. وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ فأخبر أنّ حقيقة الإيمان التصديق بالقلب، وأنّ الإقرار به باللسان، وإظهار شرائعه بالأبدان، لا يكون إيمانا دون الإخلاص الذي محلّه القلب، وأنّ الإسلام غير الإيمان. يدلّ عليه ما أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله الجوزقي، قرأه عليه محمّد بن زكريا في شهر ربيع الأوّل سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة، قال: أخبرنا أبو العبّاس محمد بن الدغولي، قال: حدّثنا محمّد بن الليث المروزي، قال: حدّثنا عبد الله بن عثمان بن عبدان، قال: حدّثنا عبد الله ابن المبارك، قال: أخبرنا يونس، عن الزهري. قال: أخبرني عامر، عن سعد بن أبي وقّاص أنّ رسول الله ﷺ‎ أعطي رهطا، وسعد جالس فيهم، فقال سعد: فترك رسول الله ﷺ‎ رجلا منهم، فلم يعطه، وهو أعجبهم إليّ. فقلت: يا رسول الله ما لك عن فلان؟ فو الله إنّي لأراه مؤمنا، فقال رسول الله: «أو مسلما» . فسكت قليلا، ثمّ غلبني ما أعلم منه، فقلت: يا رسول الله ما لك عن فلان، فو الله إنّي لأراه مؤمنا، فقال رسول الله ﷺ‎: «أو مسلما» . فسكت قليلا، ثمّ غلبني ما أعلم منه، فقلت: يا رسول الله ما لك عن فلان، فو الله إنّي لأراه مؤمنا، فقال رسول الله ﷺ‎: «أو مسلما، فإنّي لأعطي الرجل، وغيره أحبّ إليّ منه خشية أن يكبّ في النار على وجهه» [83] [[صحيح مسلم: 3/ 104.]] . فاعلم أنّ الإسلام الدخول في السلم، وهو الطاعة والانقياد، والمتابعة، يقال: أسلم الرجل إذا دخل في السلم وهو الطاعة والانقياد والمتابعة. يقال: أسلم الرجل إذا دخل في السلم، كما يقال: أشتى الرجل إذا دخل في الشتاء، وأصاف إذا دخل في الصيف، وأربع إذا دخل في الربيع، وأقحط إذا دخل في القحط، فمن الإسلام ما هو طاعة على الحقيقة باللسان والأبدان فالجنان، كقوله عزّ وجلّ لإبراهيم: أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ [[سورة البقرة: 131.]] ، وقوله: فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ [[سورة الذاريات: 3635.]] . ومنه ما هو انقياد باللسان دون القلب وذلك قوله: وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا بيانه قوله سبحانه: وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ظاهرا وباطنا، سرّا وعلانيّة لا يَلِتْكُمْ (بالألف) أبو عمر، ويعقوب، واختاره أبو حاتم اعتبارا بقوله: وَما أَلَتْناهُمْ [[سورة الطور: 21.]] يقال ألت يألت ألتا، قال الشاعر: أبلغ بني ثعل عني مغلغلة ... جهد الرسالة لا ألتا ولا كذبا [[لسان العرب: 2/ 4 تاج العروس: 1/ 522.]] وقرأ الآخرون (يَلَتْكَمْ) من لات يليت ليتا، كقول رؤبة: وليلة ذات ندى سريت ... ولم يلتني عن سراها ليت [[زاد المسير: 7/ 187 وتاج العروس: 1/ 582.]] ومعناهما جميعا لا ينقصكم، ولا يظلمكم. مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ثمّ بيّن حقيقة الإيمان، فقال: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا لم يشكّوا في وحدانية الله، ولا بنبوّة أنبيائه ولا فيما آمنوا به، بل أيقنوا وأخلصوا [[تفسير الطبري: 26/ 186 بتفاوت.]] . وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ في إيمانهم، لا من أسلم خوف السيف ورجاء الكسب، فلمّا نزلت هاتان الآيتان، أتت الأعراب رسول الله ﷺ‎ فحلفوا بالله إنّهم مؤمنون في السرّ، والعلانية، وعرف الله غير ذلك منهم [[تفسير القرطبي: 16/ 349.]] ، فأنزل الله سبحانه قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ الذي أنتم عليه. وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ أي بإسلامكم. بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ وفي مصحف عبد الله (إذ هداكم للإيمان) إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أنّكم مؤمنون. إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ قرأ ابن كثير، والأعمش، وطلحة، وعيسى (بالياء) ، غيرهم (بالتاء) .

الحجرات 49:16

يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ الآية. قال ابن عبّاس: نزلت في ثابت بن قيس وقوله للرجل الذي لم يفسح له: ابن فلانة، فقال رسول الله ﷺ‎: «من الذاكر فلانة؟» . فقام ثابت، فقال: أنا يا رسول الله. فقال: «انظر في وجوه القوم» . فنظر إليهم، فقال: «ما رأيت يا ثابت؟» . قال: رأيت أبيض وأسود وأحمر. قال: «فإنّك لا تفضلهم إلّا في الدّين والتقوى» [79] [[أسباب نزول الآيات للواحدي: 264.]] ، فأنزل الله سبحانه في ثابت هذه الآية وبالّذي لم يفسح له: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ، فَافْسَحُوا ... [[سورة المجادلة: 11.]] الآية. وقال مقاتل: لمّا كان يوم فتح مكّة، أمر رسول الله ﷺ‎ بلالا حتّى علا على ظهر الكعبة وأذّن، فقال عتاب بن أسد بن أبي العيص: الحمد لله الذي قبض أبي حتّى لم ير هذا اليوم، وقال الحرث بن هاشم: أما وجد محمّد غير هذا الغراب الأسود مؤذّنا؟ وقال سهيل بن عمرو: إن يرد الله شيئا يغيره، وقال أبو سفيان بن حرب: إنّي لا أقول شيئا أخاف أن يخبر به ربّ السماء. فأتى جبريل رسول الله ﷺ‎ وأخبره بما قالوا، فدعاهم رسول الله ﷺ‎ وسألهم عمّا قالوا، فأقرّوا، فأنزل الله سبحانه هذه الآية وزجرهم، عن التفاخر بالأنساب، والتكاثر بالأموال، والازدراء للفقراء ، وقال يزيد بن سخرة: كان رسول الله ﷺ‎ ذات يوم يمرّ ببعض أسواق المدينة، فإذا غلام أسود قائم، ينادى عليه ليباع، فمن يريد. وكان الغلام قال: من اشتراني فعلي شرط، قيل: ما هو، قال: ألا يمنعني عن الصلوات الخمس خلف رسول الله ﷺ‎، فاشتراه رجل على هذا الشرط، فكان رسول الله ﷺ‎ يراه عند كلّ صلاة مكتوبة، ففقده ذات يوم، فقال لصاحبه: «أين الغلام؟» . فقال: محموم يا رسول الله، فقال لأصحابه: «قوموا بنا نعوده» . فقاموا معه فعادوه، فلما كان بعد أيّام قال لصاحبه: «ما حال الغلام؟» [80] [[أسباب نزول الآيات- الواحدي النيسابوري: 265.]] . قال: يا رسول الله، إنّ الغلام لما به، فقام رسول الله ﷺ‎ فدخل عليه وهو في ذهابه، فقبض على تلك الحال، فتولّى رسول الله ﷺ‎ غسله، وتكفينه، ودفنه، فدخل على المهاجرين، والأنصار من ذلك أمر عظيم، فقال المهاجرون: هاجرنا ديارنا، وأموالنا، وأهالينا، فلم ير أحد منّا في حياته ومرضه وموته ما لقي منه هذا الغلام، وقال الأنصار: آويناه، ونصرناه، وواسيناه فآثر علينا عبدا حبشيّا، فعذر الله سبحانه رسوله ﷺ‎، فيما تعاطاه من أمر الغلام، وأراهم فضل التقوى، فأنزل الله سبحانه: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وهي رؤوس القبائل وجمهورها مثل ربيعة ومضر والأوس والخزرج. واحدها شعب بفتح الشين، سمّوا بذلك لتشعّبهم واجتماعهم، كتشعّب أغصان الشجر، والشعب من الأضداد يقال: شعبته إذا جمعته، وشعبته إذا فرّقته، ومنه قيل للموت: شعوب. وَقَبائِلَ وهي دون الشعوب، واحدها قبيلة، وهم كندة من ربيعة، وتميم من مضر، ودون القبائل العمائر، واحدها عمارة بفتح العين كشيبان من بكر، ودارم من تميم، ودون العمائر البطون، واحدها بطن، وهم كبني غالب ولؤي من قريش، ودون البطون الأفخاذ، واحدها فخذ، وهم كبني هاشم، وأمية من بني لؤي، ثمّ الفصائل، والعشائر، واحدتها فصيلة، وعشيرة، وقيل: الشعوب من العجم، والقبائل من العرب، والأسباط من بني إسرائيل، وقال أبو رزين وأبو روق: الشعوب الذين لا يصيرون إلى أحد، بل ينسبون إلى المدائن، والقرى، والأرضين، والقبائل العرب الذين ينسبون إلى آبائهم. لِتَعارَفُوا يعرف بعضكم بعضا في قرب النسب، وبعده لا لتفاخروا. وقرأ الأعمش (ليتعارفوا) ، وقرأ ابن عبّاس (ليعرفوا) بغير (ألف) . إِنَّ أَكْرَمَكُمْ بفتح (الألف) ، وقرأه العامة (إِنَّ) بكسر (الألف) على الاستئناف، والوقوف على قوله لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ قال قتادة: في هذه الآية أكرم الكرم التقوى. وألأم اللوم الفجور، وقال ﷺ‎: «من سرّه أن يكون أكرم الناس، فليتّق الله» [[تفسير الثعالبي: 5/ 277.]] . وقال: «كرم الرجل دينه، وتقواه، وأصله عقله، وحسبه خلقه» [[تفسير ابن كثير: 1/ 319 مسند أحمد: 2/ 365 مجمع الزوائد: 10/ 251 بتفاوت.]] ، وقال ابن عبّاس: كرم الدنيا الغنى، وكرم الآخرة التقوى: إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ. أخبرنا الحسن، قال: حدّثنا أبو حذيفة أحمد بن محمّد بن علي، قال: حدّثنا زكريا بن يحيى بن يعقوب المقدسي، قال: حدّثنا محمّد بن عبد الله المقري، قال: حدّثنا ابن رجاء، عن موسى بن عقبة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: طاف رسول الله ﷺ‎ على راحلته القصواء يوم الفتح يستلم الركن بمحجنه، فما وجد لها مناخ في المسجد، حتّى أخرجنا إلى بطن الوادي، فأناخت فيه، ثمّ حمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: «أمّا بعد أيّها الناس، قد أذهب عنكم عيبة الجاهلية، وفخرها بالآباء- وفي بعض الألفاظ: وتعظمها بآبائها- إنّما الناس رجلان، برّ تقي كريم على الله، وفاجر شقيّ هيّن على الله» . ثمّ تلا هذه الآية: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ ... الآية، وقال: «أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم» [81] [[تفسير ابن كثير: 4/ 233 ومسند أحمد: 2/ 524.]] . وأخبرني الحسين، قال: حدّثنا محمّد بن علي بن الحسين الصوفي. قال: حدّثنا أبو شعيب الحراني. قال: حدّثنا يحيى بن عبد الله الكابلي. قال: حدّثنا الأوزاعي، قال: حدّثني يحيى بن أبي كثير، إنّ النبيّ ﷺ‎ قال: «إنّ الله لا ينظر إلى صوركم، ولا إلى أموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم، وأعمالكم، وإنّما أنتم بنو آدم أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ» [82] [[مسند أحمد: 2/ 285 صحيح مسلم: 8/ 11.]] . وأخبرنا ابن منجويه، قال: حدّثنا ابن حفصويه، قال: حدّثنا عبد الله بن جامع المقري، قال: حدّثنا أحمد بن خادم. قال: حدّثنا أبو نعيم، قال: حدّثنا طلحة، عن عطاء، عن أبي هريرة، قال: الله سبحانه يقول يوم القيامة: إنّي جعلت نسبا، وجعلتم نسبا، فجعلت أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ فأنتم تقولون: فلان بن فلان، وأنا اليوم أرفع نسبي، وأضع أنسابكم، أين المتّقون؟ أين المتّقون؟ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ [[كنز العمال: 3/ 91 ح 5643 وتفسير الدر المنثور: 6/ 98.]] . وأخبرنا ابن منجويه، قال: حدّثنا عبد الله بن إبراهيم بن أيّوب. قال: حدّثنا يوسف بن يعقوب. قال: حدّثنا محمّد بن أبي بكر. قال: حدّثني يحيى بن سعيد، عن عبد الله بن عمر، قال: حدّثني سعيد بن أبي سعيد المقري، عن أبي هريرة، قال: قيل: يا رسول الله من أكرم الناس؟ قال: «أتقاهم» . وأنشدني ابن حبيب، قال: أنشدنا ابن رميح، قال: أنشدنا عمر بن الفرحان: ما يصنع العبد بعزّ الغنى ... والعزّ كلّ العزّ للمتّقي من عرف الله فلم تغنه ... معرفة الله فذاك الشقي [[تفسير القرطبي: 16/ 346.]] قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا الآية نزلت في نفر من بني أسد بن خزيمة، ثمّ من بني الحلاف بن الحارث بن سعيد، قدموا على رسول الله ﷺ‎ المدينة في سنة جدبة، وأظهروا شهادة أن لا إله إلّا الله، ولم يكونوا مؤمنين في السرّ، وأفسدوا طرق المدينة بالعدوان، وأغلوا أسعارها، وكانوا يغدون، ويروحون على رسول الله ﷺ‎ ويقولون: أتتك العرب بأنفسها على ظهور رواحلها، وجئناك بالأفعال، والعيال والذراري، يمنون على رسول الله ﷺ‎، ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان، وبنو فلان، ويريدون الصدقة، ويقولون: أعطنا، فأنزل الله سبحانه فيهم هذه الآية. وقال السدي: نزلت في الأعراب الذين ذكرهم الله في سورة الفتح، وهم أعراب مزينة، وجهينة، وأسلم، وأشجع، وغفار، كانوا يقولون: آمنّا بالله، ليأمنوا على أنفسهم، وأموالهم، فلمّا استنفروا إلى الحديبية تخلّفوا، فأنزل الله سبحانه: قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا أي انقدنا واستسلمنا مخافة القتل والسبي. وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ فأخبر أنّ حقيقة الإيمان التصديق بالقلب، وأنّ الإقرار به باللسان، وإظهار شرائعه بالأبدان، لا يكون إيمانا دون الإخلاص الذي محلّه القلب، وأنّ الإسلام غير الإيمان. يدلّ عليه ما أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله الجوزقي، قرأه عليه محمّد بن زكريا في شهر ربيع الأوّل سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة، قال: أخبرنا أبو العبّاس محمد بن الدغولي، قال: حدّثنا محمّد بن الليث المروزي، قال: حدّثنا عبد الله بن عثمان بن عبدان، قال: حدّثنا عبد الله ابن المبارك، قال: أخبرنا يونس، عن الزهري. قال: أخبرني عامر، عن سعد بن أبي وقّاص أنّ رسول الله ﷺ‎ أعطي رهطا، وسعد جالس فيهم، فقال سعد: فترك رسول الله ﷺ‎ رجلا منهم، فلم يعطه، وهو أعجبهم إليّ. فقلت: يا رسول الله ما لك عن فلان؟ فو الله إنّي لأراه مؤمنا، فقال رسول الله: «أو مسلما» . فسكت قليلا، ثمّ غلبني ما أعلم منه، فقلت: يا رسول الله ما لك عن فلان، فو الله إنّي لأراه مؤمنا، فقال رسول الله ﷺ‎: «أو مسلما» . فسكت قليلا، ثمّ غلبني ما أعلم منه، فقلت: يا رسول الله ما لك عن فلان، فو الله إنّي لأراه مؤمنا، فقال رسول الله ﷺ‎: «أو مسلما، فإنّي لأعطي الرجل، وغيره أحبّ إليّ منه خشية أن يكبّ في النار على وجهه» [83] [[صحيح مسلم: 3/ 104.]] . فاعلم أنّ الإسلام الدخول في السلم، وهو الطاعة والانقياد، والمتابعة، يقال: أسلم الرجل إذا دخل في السلم وهو الطاعة والانقياد والمتابعة. يقال: أسلم الرجل إذا دخل في السلم، كما يقال: أشتى الرجل إذا دخل في الشتاء، وأصاف إذا دخل في الصيف، وأربع إذا دخل في الربيع، وأقحط إذا دخل في القحط، فمن الإسلام ما هو طاعة على الحقيقة باللسان والأبدان فالجنان، كقوله عزّ وجلّ لإبراهيم: أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ [[سورة البقرة: 131.]] ، وقوله: فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ [[سورة الذاريات: 3635.]] . ومنه ما هو انقياد باللسان دون القلب وذلك قوله: وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا بيانه قوله سبحانه: وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ظاهرا وباطنا، سرّا وعلانيّة لا يَلِتْكُمْ (بالألف) أبو عمر، ويعقوب، واختاره أبو حاتم اعتبارا بقوله: وَما أَلَتْناهُمْ [[سورة الطور: 21.]] يقال ألت يألت ألتا، قال الشاعر: أبلغ بني ثعل عني مغلغلة ... جهد الرسالة لا ألتا ولا كذبا [[لسان العرب: 2/ 4 تاج العروس: 1/ 522.]] وقرأ الآخرون (يَلَتْكَمْ) من لات يليت ليتا، كقول رؤبة: وليلة ذات ندى سريت ... ولم يلتني عن سراها ليت [[زاد المسير: 7/ 187 وتاج العروس: 1/ 582.]] ومعناهما جميعا لا ينقصكم، ولا يظلمكم. مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ثمّ بيّن حقيقة الإيمان، فقال: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا لم يشكّوا في وحدانية الله، ولا بنبوّة أنبيائه ولا فيما آمنوا به، بل أيقنوا وأخلصوا [[تفسير الطبري: 26/ 186 بتفاوت.]] . وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ في إيمانهم، لا من أسلم خوف السيف ورجاء الكسب، فلمّا نزلت هاتان الآيتان، أتت الأعراب رسول الله ﷺ‎ فحلفوا بالله إنّهم مؤمنون في السرّ، والعلانية، وعرف الله غير ذلك منهم [[تفسير القرطبي: 16/ 349.]] ، فأنزل الله سبحانه قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ الذي أنتم عليه. وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ أي بإسلامكم. بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ وفي مصحف عبد الله (إذ هداكم للإيمان) إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أنّكم مؤمنون. إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ قرأ ابن كثير، والأعمش، وطلحة، وعيسى (بالياء) ، غيرهم (بالتاء) .

الحجرات 49:17

يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ الآية. قال ابن عبّاس: نزلت في ثابت بن قيس وقوله للرجل الذي لم يفسح له: ابن فلانة، فقال رسول الله ﷺ‎: «من الذاكر فلانة؟» . فقام ثابت، فقال: أنا يا رسول الله. فقال: «انظر في وجوه القوم» . فنظر إليهم، فقال: «ما رأيت يا ثابت؟» . قال: رأيت أبيض وأسود وأحمر. قال: «فإنّك لا تفضلهم إلّا في الدّين والتقوى» [79] [[أسباب نزول الآيات للواحدي: 264.]] ، فأنزل الله سبحانه في ثابت هذه الآية وبالّذي لم يفسح له: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ، فَافْسَحُوا ... [[سورة المجادلة: 11.]] الآية. وقال مقاتل: لمّا كان يوم فتح مكّة، أمر رسول الله ﷺ‎ بلالا حتّى علا على ظهر الكعبة وأذّن، فقال عتاب بن أسد بن أبي العيص: الحمد لله الذي قبض أبي حتّى لم ير هذا اليوم، وقال الحرث بن هاشم: أما وجد محمّد غير هذا الغراب الأسود مؤذّنا؟ وقال سهيل بن عمرو: إن يرد الله شيئا يغيره، وقال أبو سفيان بن حرب: إنّي لا أقول شيئا أخاف أن يخبر به ربّ السماء. فأتى جبريل رسول الله ﷺ‎ وأخبره بما قالوا، فدعاهم رسول الله ﷺ‎ وسألهم عمّا قالوا، فأقرّوا، فأنزل الله سبحانه هذه الآية وزجرهم، عن التفاخر بالأنساب، والتكاثر بالأموال، والازدراء للفقراء ، وقال يزيد بن سخرة: كان رسول الله ﷺ‎ ذات يوم يمرّ ببعض أسواق المدينة، فإذا غلام أسود قائم، ينادى عليه ليباع، فمن يريد. وكان الغلام قال: من اشتراني فعلي شرط، قيل: ما هو، قال: ألا يمنعني عن الصلوات الخمس خلف رسول الله ﷺ‎، فاشتراه رجل على هذا الشرط، فكان رسول الله ﷺ‎ يراه عند كلّ صلاة مكتوبة، ففقده ذات يوم، فقال لصاحبه: «أين الغلام؟» . فقال: محموم يا رسول الله، فقال لأصحابه: «قوموا بنا نعوده» . فقاموا معه فعادوه، فلما كان بعد أيّام قال لصاحبه: «ما حال الغلام؟» [80] [[أسباب نزول الآيات- الواحدي النيسابوري: 265.]] . قال: يا رسول الله، إنّ الغلام لما به، فقام رسول الله ﷺ‎ فدخل عليه وهو في ذهابه، فقبض على تلك الحال، فتولّى رسول الله ﷺ‎ غسله، وتكفينه، ودفنه، فدخل على المهاجرين، والأنصار من ذلك أمر عظيم، فقال المهاجرون: هاجرنا ديارنا، وأموالنا، وأهالينا، فلم ير أحد منّا في حياته ومرضه وموته ما لقي منه هذا الغلام، وقال الأنصار: آويناه، ونصرناه، وواسيناه فآثر علينا عبدا حبشيّا، فعذر الله سبحانه رسوله ﷺ‎، فيما تعاطاه من أمر الغلام، وأراهم فضل التقوى، فأنزل الله سبحانه: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وهي رؤوس القبائل وجمهورها مثل ربيعة ومضر والأوس والخزرج. واحدها شعب بفتح الشين، سمّوا بذلك لتشعّبهم واجتماعهم، كتشعّب أغصان الشجر، والشعب من الأضداد يقال: شعبته إذا جمعته، وشعبته إذا فرّقته، ومنه قيل للموت: شعوب. وَقَبائِلَ وهي دون الشعوب، واحدها قبيلة، وهم كندة من ربيعة، وتميم من مضر، ودون القبائل العمائر، واحدها عمارة بفتح العين كشيبان من بكر، ودارم من تميم، ودون العمائر البطون، واحدها بطن، وهم كبني غالب ولؤي من قريش، ودون البطون الأفخاذ، واحدها فخذ، وهم كبني هاشم، وأمية من بني لؤي، ثمّ الفصائل، والعشائر، واحدتها فصيلة، وعشيرة، وقيل: الشعوب من العجم، والقبائل من العرب، والأسباط من بني إسرائيل، وقال أبو رزين وأبو روق: الشعوب الذين لا يصيرون إلى أحد، بل ينسبون إلى المدائن، والقرى، والأرضين، والقبائل العرب الذين ينسبون إلى آبائهم. لِتَعارَفُوا يعرف بعضكم بعضا في قرب النسب، وبعده لا لتفاخروا. وقرأ الأعمش (ليتعارفوا) ، وقرأ ابن عبّاس (ليعرفوا) بغير (ألف) . إِنَّ أَكْرَمَكُمْ بفتح (الألف) ، وقرأه العامة (إِنَّ) بكسر (الألف) على الاستئناف، والوقوف على قوله لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ قال قتادة: في هذه الآية أكرم الكرم التقوى. وألأم اللوم الفجور، وقال ﷺ‎: «من سرّه أن يكون أكرم الناس، فليتّق الله» [[تفسير الثعالبي: 5/ 277.]] . وقال: «كرم الرجل دينه، وتقواه، وأصله عقله، وحسبه خلقه» [[تفسير ابن كثير: 1/ 319 مسند أحمد: 2/ 365 مجمع الزوائد: 10/ 251 بتفاوت.]] ، وقال ابن عبّاس: كرم الدنيا الغنى، وكرم الآخرة التقوى: إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ. أخبرنا الحسن، قال: حدّثنا أبو حذيفة أحمد بن محمّد بن علي، قال: حدّثنا زكريا بن يحيى بن يعقوب المقدسي، قال: حدّثنا محمّد بن عبد الله المقري، قال: حدّثنا ابن رجاء، عن موسى بن عقبة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: طاف رسول الله ﷺ‎ على راحلته القصواء يوم الفتح يستلم الركن بمحجنه، فما وجد لها مناخ في المسجد، حتّى أخرجنا إلى بطن الوادي، فأناخت فيه، ثمّ حمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: «أمّا بعد أيّها الناس، قد أذهب عنكم عيبة الجاهلية، وفخرها بالآباء- وفي بعض الألفاظ: وتعظمها بآبائها- إنّما الناس رجلان، برّ تقي كريم على الله، وفاجر شقيّ هيّن على الله» . ثمّ تلا هذه الآية: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ ... الآية، وقال: «أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم» [81] [[تفسير ابن كثير: 4/ 233 ومسند أحمد: 2/ 524.]] . وأخبرني الحسين، قال: حدّثنا محمّد بن علي بن الحسين الصوفي. قال: حدّثنا أبو شعيب الحراني. قال: حدّثنا يحيى بن عبد الله الكابلي. قال: حدّثنا الأوزاعي، قال: حدّثني يحيى بن أبي كثير، إنّ النبيّ ﷺ‎ قال: «إنّ الله لا ينظر إلى صوركم، ولا إلى أموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم، وأعمالكم، وإنّما أنتم بنو آدم أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ» [82] [[مسند أحمد: 2/ 285 صحيح مسلم: 8/ 11.]] . وأخبرنا ابن منجويه، قال: حدّثنا ابن حفصويه، قال: حدّثنا عبد الله بن جامع المقري، قال: حدّثنا أحمد بن خادم. قال: حدّثنا أبو نعيم، قال: حدّثنا طلحة، عن عطاء، عن أبي هريرة، قال: الله سبحانه يقول يوم القيامة: إنّي جعلت نسبا، وجعلتم نسبا، فجعلت أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ فأنتم تقولون: فلان بن فلان، وأنا اليوم أرفع نسبي، وأضع أنسابكم، أين المتّقون؟ أين المتّقون؟ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ [[كنز العمال: 3/ 91 ح 5643 وتفسير الدر المنثور: 6/ 98.]] . وأخبرنا ابن منجويه، قال: حدّثنا عبد الله بن إبراهيم بن أيّوب. قال: حدّثنا يوسف بن يعقوب. قال: حدّثنا محمّد بن أبي بكر. قال: حدّثني يحيى بن سعيد، عن عبد الله بن عمر، قال: حدّثني سعيد بن أبي سعيد المقري، عن أبي هريرة، قال: قيل: يا رسول الله من أكرم الناس؟ قال: «أتقاهم» . وأنشدني ابن حبيب، قال: أنشدنا ابن رميح، قال: أنشدنا عمر بن الفرحان: ما يصنع العبد بعزّ الغنى ... والعزّ كلّ العزّ للمتّقي من عرف الله فلم تغنه ... معرفة الله فذاك الشقي [[تفسير القرطبي: 16/ 346.]] قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا الآية نزلت في نفر من بني أسد بن خزيمة، ثمّ من بني الحلاف بن الحارث بن سعيد، قدموا على رسول الله ﷺ‎ المدينة في سنة جدبة، وأظهروا شهادة أن لا إله إلّا الله، ولم يكونوا مؤمنين في السرّ، وأفسدوا طرق المدينة بالعدوان، وأغلوا أسعارها، وكانوا يغدون، ويروحون على رسول الله ﷺ‎ ويقولون: أتتك العرب بأنفسها على ظهور رواحلها، وجئناك بالأفعال، والعيال والذراري، يمنون على رسول الله ﷺ‎، ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان، وبنو فلان، ويريدون الصدقة، ويقولون: أعطنا، فأنزل الله سبحانه فيهم هذه الآية. وقال السدي: نزلت في الأعراب الذين ذكرهم الله في سورة الفتح، وهم أعراب مزينة، وجهينة، وأسلم، وأشجع، وغفار، كانوا يقولون: آمنّا بالله، ليأمنوا على أنفسهم، وأموالهم، فلمّا استنفروا إلى الحديبية تخلّفوا، فأنزل الله سبحانه: قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا أي انقدنا واستسلمنا مخافة القتل والسبي. وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ فأخبر أنّ حقيقة الإيمان التصديق بالقلب، وأنّ الإقرار به باللسان، وإظهار شرائعه بالأبدان، لا يكون إيمانا دون الإخلاص الذي محلّه القلب، وأنّ الإسلام غير الإيمان. يدلّ عليه ما أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله الجوزقي، قرأه عليه محمّد بن زكريا في شهر ربيع الأوّل سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة، قال: أخبرنا أبو العبّاس محمد بن الدغولي، قال: حدّثنا محمّد بن الليث المروزي، قال: حدّثنا عبد الله بن عثمان بن عبدان، قال: حدّثنا عبد الله ابن المبارك، قال: أخبرنا يونس، عن الزهري. قال: أخبرني عامر، عن سعد بن أبي وقّاص أنّ رسول الله ﷺ‎ أعطي رهطا، وسعد جالس فيهم، فقال سعد: فترك رسول الله ﷺ‎ رجلا منهم، فلم يعطه، وهو أعجبهم إليّ. فقلت: يا رسول الله ما لك عن فلان؟ فو الله إنّي لأراه مؤمنا، فقال رسول الله: «أو مسلما» . فسكت قليلا، ثمّ غلبني ما أعلم منه، فقلت: يا رسول الله ما لك عن فلان، فو الله إنّي لأراه مؤمنا، فقال رسول الله ﷺ‎: «أو مسلما» . فسكت قليلا، ثمّ غلبني ما أعلم منه، فقلت: يا رسول الله ما لك عن فلان، فو الله إنّي لأراه مؤمنا، فقال رسول الله ﷺ‎: «أو مسلما، فإنّي لأعطي الرجل، وغيره أحبّ إليّ منه خشية أن يكبّ في النار على وجهه» [83] [[صحيح مسلم: 3/ 104.]] . فاعلم أنّ الإسلام الدخول في السلم، وهو الطاعة والانقياد، والمتابعة، يقال: أسلم الرجل إذا دخل في السلم وهو الطاعة والانقياد والمتابعة. يقال: أسلم الرجل إذا دخل في السلم، كما يقال: أشتى الرجل إذا دخل في الشتاء، وأصاف إذا دخل في الصيف، وأربع إذا دخل في الربيع، وأقحط إذا دخل في القحط، فمن الإسلام ما هو طاعة على الحقيقة باللسان والأبدان فالجنان، كقوله عزّ وجلّ لإبراهيم: أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ [[سورة البقرة: 131.]] ، وقوله: فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ [[سورة الذاريات: 3635.]] . ومنه ما هو انقياد باللسان دون القلب وذلك قوله: وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا بيانه قوله سبحانه: وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ظاهرا وباطنا، سرّا وعلانيّة لا يَلِتْكُمْ (بالألف) أبو عمر، ويعقوب، واختاره أبو حاتم اعتبارا بقوله: وَما أَلَتْناهُمْ [[سورة الطور: 21.]] يقال ألت يألت ألتا، قال الشاعر: أبلغ بني ثعل عني مغلغلة ... جهد الرسالة لا ألتا ولا كذبا [[لسان العرب: 2/ 4 تاج العروس: 1/ 522.]] وقرأ الآخرون (يَلَتْكَمْ) من لات يليت ليتا، كقول رؤبة: وليلة ذات ندى سريت ... ولم يلتني عن سراها ليت [[زاد المسير: 7/ 187 وتاج العروس: 1/ 582.]] ومعناهما جميعا لا ينقصكم، ولا يظلمكم. مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ثمّ بيّن حقيقة الإيمان، فقال: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا لم يشكّوا في وحدانية الله، ولا بنبوّة أنبيائه ولا فيما آمنوا به، بل أيقنوا وأخلصوا [[تفسير الطبري: 26/ 186 بتفاوت.]] . وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ في إيمانهم، لا من أسلم خوف السيف ورجاء الكسب، فلمّا نزلت هاتان الآيتان، أتت الأعراب رسول الله ﷺ‎ فحلفوا بالله إنّهم مؤمنون في السرّ، والعلانية، وعرف الله غير ذلك منهم [[تفسير القرطبي: 16/ 349.]] ، فأنزل الله سبحانه قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ الذي أنتم عليه. وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ أي بإسلامكم. بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ وفي مصحف عبد الله (إذ هداكم للإيمان) إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أنّكم مؤمنون. إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ قرأ ابن كثير، والأعمش، وطلحة، وعيسى (بالياء) ، غيرهم (بالتاء) .

الحجرات 49:18

يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ الآية. قال ابن عبّاس: نزلت في ثابت بن قيس وقوله للرجل الذي لم يفسح له: ابن فلانة، فقال رسول الله ﷺ‎: «من الذاكر فلانة؟» . فقام ثابت، فقال: أنا يا رسول الله. فقال: «انظر في وجوه القوم» . فنظر إليهم، فقال: «ما رأيت يا ثابت؟» . قال: رأيت أبيض وأسود وأحمر. قال: «فإنّك لا تفضلهم إلّا في الدّين والتقوى» [79] [[أسباب نزول الآيات للواحدي: 264.]] ، فأنزل الله سبحانه في ثابت هذه الآية وبالّذي لم يفسح له: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ، فَافْسَحُوا ... [[سورة المجادلة: 11.]] الآية. وقال مقاتل: لمّا كان يوم فتح مكّة، أمر رسول الله ﷺ‎ بلالا حتّى علا على ظهر الكعبة وأذّن، فقال عتاب بن أسد بن أبي العيص: الحمد لله الذي قبض أبي حتّى لم ير هذا اليوم، وقال الحرث بن هاشم: أما وجد محمّد غير هذا الغراب الأسود مؤذّنا؟ وقال سهيل بن عمرو: إن يرد الله شيئا يغيره، وقال أبو سفيان بن حرب: إنّي لا أقول شيئا أخاف أن يخبر به ربّ السماء. فأتى جبريل رسول الله ﷺ‎ وأخبره بما قالوا، فدعاهم رسول الله ﷺ‎ وسألهم عمّا قالوا، فأقرّوا، فأنزل الله سبحانه هذه الآية وزجرهم، عن التفاخر بالأنساب، والتكاثر بالأموال، والازدراء للفقراء ، وقال يزيد بن سخرة: كان رسول الله ﷺ‎ ذات يوم يمرّ ببعض أسواق المدينة، فإذا غلام أسود قائم، ينادى عليه ليباع، فمن يريد. وكان الغلام قال: من اشتراني فعلي شرط، قيل: ما هو، قال: ألا يمنعني عن الصلوات الخمس خلف رسول الله ﷺ‎، فاشتراه رجل على هذا الشرط، فكان رسول الله ﷺ‎ يراه عند كلّ صلاة مكتوبة، ففقده ذات يوم، فقال لصاحبه: «أين الغلام؟» . فقال: محموم يا رسول الله، فقال لأصحابه: «قوموا بنا نعوده» . فقاموا معه فعادوه، فلما كان بعد أيّام قال لصاحبه: «ما حال الغلام؟» [80] [[أسباب نزول الآيات- الواحدي النيسابوري: 265.]] . قال: يا رسول الله، إنّ الغلام لما به، فقام رسول الله ﷺ‎ فدخل عليه وهو في ذهابه، فقبض على تلك الحال، فتولّى رسول الله ﷺ‎ غسله، وتكفينه، ودفنه، فدخل على المهاجرين، والأنصار من ذلك أمر عظيم، فقال المهاجرون: هاجرنا ديارنا، وأموالنا، وأهالينا، فلم ير أحد منّا في حياته ومرضه وموته ما لقي منه هذا الغلام، وقال الأنصار: آويناه، ونصرناه، وواسيناه فآثر علينا عبدا حبشيّا، فعذر الله سبحانه رسوله ﷺ‎، فيما تعاطاه من أمر الغلام، وأراهم فضل التقوى، فأنزل الله سبحانه: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وهي رؤوس القبائل وجمهورها مثل ربيعة ومضر والأوس والخزرج. واحدها شعب بفتح الشين، سمّوا بذلك لتشعّبهم واجتماعهم، كتشعّب أغصان الشجر، والشعب من الأضداد يقال: شعبته إذا جمعته، وشعبته إذا فرّقته، ومنه قيل للموت: شعوب. وَقَبائِلَ وهي دون الشعوب، واحدها قبيلة، وهم كندة من ربيعة، وتميم من مضر، ودون القبائل العمائر، واحدها عمارة بفتح العين كشيبان من بكر، ودارم من تميم، ودون العمائر البطون، واحدها بطن، وهم كبني غالب ولؤي من قريش، ودون البطون الأفخاذ، واحدها فخذ، وهم كبني هاشم، وأمية من بني لؤي، ثمّ الفصائل، والعشائر، واحدتها فصيلة، وعشيرة، وقيل: الشعوب من العجم، والقبائل من العرب، والأسباط من بني إسرائيل، وقال أبو رزين وأبو روق: الشعوب الذين لا يصيرون إلى أحد، بل ينسبون إلى المدائن، والقرى، والأرضين، والقبائل العرب الذين ينسبون إلى آبائهم. لِتَعارَفُوا يعرف بعضكم بعضا في قرب النسب، وبعده لا لتفاخروا. وقرأ الأعمش (ليتعارفوا) ، وقرأ ابن عبّاس (ليعرفوا) بغير (ألف) . إِنَّ أَكْرَمَكُمْ بفتح (الألف) ، وقرأه العامة (إِنَّ) بكسر (الألف) على الاستئناف، والوقوف على قوله لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ قال قتادة: في هذه الآية أكرم الكرم التقوى. وألأم اللوم الفجور، وقال ﷺ‎: «من سرّه أن يكون أكرم الناس، فليتّق الله» [[تفسير الثعالبي: 5/ 277.]] . وقال: «كرم الرجل دينه، وتقواه، وأصله عقله، وحسبه خلقه» [[تفسير ابن كثير: 1/ 319 مسند أحمد: 2/ 365 مجمع الزوائد: 10/ 251 بتفاوت.]] ، وقال ابن عبّاس: كرم الدنيا الغنى، وكرم الآخرة التقوى: إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ. أخبرنا الحسن، قال: حدّثنا أبو حذيفة أحمد بن محمّد بن علي، قال: حدّثنا زكريا بن يحيى بن يعقوب المقدسي، قال: حدّثنا محمّد بن عبد الله المقري، قال: حدّثنا ابن رجاء، عن موسى بن عقبة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: طاف رسول الله ﷺ‎ على راحلته القصواء يوم الفتح يستلم الركن بمحجنه، فما وجد لها مناخ في المسجد، حتّى أخرجنا إلى بطن الوادي، فأناخت فيه، ثمّ حمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: «أمّا بعد أيّها الناس، قد أذهب عنكم عيبة الجاهلية، وفخرها بالآباء- وفي بعض الألفاظ: وتعظمها بآبائها- إنّما الناس رجلان، برّ تقي كريم على الله، وفاجر شقيّ هيّن على الله» . ثمّ تلا هذه الآية: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ ... الآية، وقال: «أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم» [81] [[تفسير ابن كثير: 4/ 233 ومسند أحمد: 2/ 524.]] . وأخبرني الحسين، قال: حدّثنا محمّد بن علي بن الحسين الصوفي. قال: حدّثنا أبو شعيب الحراني. قال: حدّثنا يحيى بن عبد الله الكابلي. قال: حدّثنا الأوزاعي، قال: حدّثني يحيى بن أبي كثير، إنّ النبيّ ﷺ‎ قال: «إنّ الله لا ينظر إلى صوركم، ولا إلى أموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم، وأعمالكم، وإنّما أنتم بنو آدم أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ» [82] [[مسند أحمد: 2/ 285 صحيح مسلم: 8/ 11.]] . وأخبرنا ابن منجويه، قال: حدّثنا ابن حفصويه، قال: حدّثنا عبد الله بن جامع المقري، قال: حدّثنا أحمد بن خادم. قال: حدّثنا أبو نعيم، قال: حدّثنا طلحة، عن عطاء، عن أبي هريرة، قال: الله سبحانه يقول يوم القيامة: إنّي جعلت نسبا، وجعلتم نسبا، فجعلت أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ فأنتم تقولون: فلان بن فلان، وأنا اليوم أرفع نسبي، وأضع أنسابكم، أين المتّقون؟ أين المتّقون؟ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ [[كنز العمال: 3/ 91 ح 5643 وتفسير الدر المنثور: 6/ 98.]] . وأخبرنا ابن منجويه، قال: حدّثنا عبد الله بن إبراهيم بن أيّوب. قال: حدّثنا يوسف بن يعقوب. قال: حدّثنا محمّد بن أبي بكر. قال: حدّثني يحيى بن سعيد، عن عبد الله بن عمر، قال: حدّثني سعيد بن أبي سعيد المقري، عن أبي هريرة، قال: قيل: يا رسول الله من أكرم الناس؟ قال: «أتقاهم» . وأنشدني ابن حبيب، قال: أنشدنا ابن رميح، قال: أنشدنا عمر بن الفرحان: ما يصنع العبد بعزّ الغنى ... والعزّ كلّ العزّ للمتّقي من عرف الله فلم تغنه ... معرفة الله فذاك الشقي [[تفسير القرطبي: 16/ 346.]] قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا الآية نزلت في نفر من بني أسد بن خزيمة، ثمّ من بني الحلاف بن الحارث بن سعيد، قدموا على رسول الله ﷺ‎ المدينة في سنة جدبة، وأظهروا شهادة أن لا إله إلّا الله، ولم يكونوا مؤمنين في السرّ، وأفسدوا طرق المدينة بالعدوان، وأغلوا أسعارها، وكانوا يغدون، ويروحون على رسول الله ﷺ‎ ويقولون: أتتك العرب بأنفسها على ظهور رواحلها، وجئناك بالأفعال، والعيال والذراري، يمنون على رسول الله ﷺ‎، ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان، وبنو فلان، ويريدون الصدقة، ويقولون: أعطنا، فأنزل الله سبحانه فيهم هذه الآية. وقال السدي: نزلت في الأعراب الذين ذكرهم الله في سورة الفتح، وهم أعراب مزينة، وجهينة، وأسلم، وأشجع، وغفار، كانوا يقولون: آمنّا بالله، ليأمنوا على أنفسهم، وأموالهم، فلمّا استنفروا إلى الحديبية تخلّفوا، فأنزل الله سبحانه: قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا أي انقدنا واستسلمنا مخافة القتل والسبي. وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ فأخبر أنّ حقيقة الإيمان التصديق بالقلب، وأنّ الإقرار به باللسان، وإظهار شرائعه بالأبدان، لا يكون إيمانا دون الإخلاص الذي محلّه القلب، وأنّ الإسلام غير الإيمان. يدلّ عليه ما أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله الجوزقي، قرأه عليه محمّد بن زكريا في شهر ربيع الأوّل سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة، قال: أخبرنا أبو العبّاس محمد بن الدغولي، قال: حدّثنا محمّد بن الليث المروزي، قال: حدّثنا عبد الله بن عثمان بن عبدان، قال: حدّثنا عبد الله ابن المبارك، قال: أخبرنا يونس، عن الزهري. قال: أخبرني عامر، عن سعد بن أبي وقّاص أنّ رسول الله ﷺ‎ أعطي رهطا، وسعد جالس فيهم، فقال سعد: فترك رسول الله ﷺ‎ رجلا منهم، فلم يعطه، وهو أعجبهم إليّ. فقلت: يا رسول الله ما لك عن فلان؟ فو الله إنّي لأراه مؤمنا، فقال رسول الله: «أو مسلما» . فسكت قليلا، ثمّ غلبني ما أعلم منه، فقلت: يا رسول الله ما لك عن فلان، فو الله إنّي لأراه مؤمنا، فقال رسول الله ﷺ‎: «أو مسلما» . فسكت قليلا، ثمّ غلبني ما أعلم منه، فقلت: يا رسول الله ما لك عن فلان، فو الله إنّي لأراه مؤمنا، فقال رسول الله ﷺ‎: «أو مسلما، فإنّي لأعطي الرجل، وغيره أحبّ إليّ منه خشية أن يكبّ في النار على وجهه» [83] [[صحيح مسلم: 3/ 104.]] . فاعلم أنّ الإسلام الدخول في السلم، وهو الطاعة والانقياد، والمتابعة، يقال: أسلم الرجل إذا دخل في السلم وهو الطاعة والانقياد والمتابعة. يقال: أسلم الرجل إذا دخل في السلم، كما يقال: أشتى الرجل إذا دخل في الشتاء، وأصاف إذا دخل في الصيف، وأربع إذا دخل في الربيع، وأقحط إذا دخل في القحط، فمن الإسلام ما هو طاعة على الحقيقة باللسان والأبدان فالجنان، كقوله عزّ وجلّ لإبراهيم: أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ [[سورة البقرة: 131.]] ، وقوله: فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ [[سورة الذاريات: 3635.]] . ومنه ما هو انقياد باللسان دون القلب وذلك قوله: وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا بيانه قوله سبحانه: وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ظاهرا وباطنا، سرّا وعلانيّة لا يَلِتْكُمْ (بالألف) أبو عمر، ويعقوب، واختاره أبو حاتم اعتبارا بقوله: وَما أَلَتْناهُمْ [[سورة الطور: 21.]] يقال ألت يألت ألتا، قال الشاعر: أبلغ بني ثعل عني مغلغلة ... جهد الرسالة لا ألتا ولا كذبا [[لسان العرب: 2/ 4 تاج العروس: 1/ 522.]] وقرأ الآخرون (يَلَتْكَمْ) من لات يليت ليتا، كقول رؤبة: وليلة ذات ندى سريت ... ولم يلتني عن سراها ليت [[زاد المسير: 7/ 187 وتاج العروس: 1/ 582.]] ومعناهما جميعا لا ينقصكم، ولا يظلمكم. مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ثمّ بيّن حقيقة الإيمان، فقال: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا لم يشكّوا في وحدانية الله، ولا بنبوّة أنبيائه ولا فيما آمنوا به، بل أيقنوا وأخلصوا [[تفسير الطبري: 26/ 186 بتفاوت.]] . وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ في إيمانهم، لا من أسلم خوف السيف ورجاء الكسب، فلمّا نزلت هاتان الآيتان، أتت الأعراب رسول الله ﷺ‎ فحلفوا بالله إنّهم مؤمنون في السرّ، والعلانية، وعرف الله غير ذلك منهم [[تفسير القرطبي: 16/ 349.]] ، فأنزل الله سبحانه قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ الذي أنتم عليه. وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ أي بإسلامكم. بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ وفي مصحف عبد الله (إذ هداكم للإيمان) إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أنّكم مؤمنون. إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ قرأ ابن كثير، والأعمش، وطلحة، وعيسى (بالياء) ، غيرهم (بالتاء) .

ق 50:1

مكّية، وهي ألف وأربعمائة وأربع وتسعون حرفا، وثلاثمائة وسبع وخمسون كلمة، وخمسة وأربعون آية أخبرنا أبو الحسين محمد بن القاسم بن أحمد الماوردي، قال: أخبرنا أبو الحسين محمد ابن محمد بن سادة الكرابيسي، قال: حدّثنا أحمد بن محمد بن الحسين، قال: حدّثنا محمد بن يحيى، قال: حدّثنا مسلم بن قتيبة، عن سعيد، عن عاصم بن بهدلة، عن زر بن حش، عن أبي بن كعب، قال: قال رسول الله ﷺ‎: «من قرأ سورة ق، هوّن الله عليه تارات الموت، وسكراته» [84] [[تفسير مجمع البيان: 9/ 233.]] . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ق قال ابن عبّاس: هو اسم من أسماء الله سبحانه، أقسم به. قتادة: اسم من أسماء القرآن، القرظي: افتتاح أسماء الله، قدير، وقادر، وقاهر، وقاضي، وقابض. الشعبي: فاتحة السّورة. بريد، وعكرمة، والضحّاك: هو جبل محيط بالأرض من زمردة خضراء، خضرة السماء منه، وعليه كتفا السماء، وما أصاب الناس من زمرد، فهو ما يسقط من الجبل، وهي رواية أبي الحوراء، عن ابن عبّاس. قال وهب بن منبه: إنّ ذا القرنين أتى على جبل قاف، فرأى حوله جبالا صغارا، فقال له: ما أنت؟ قال: أنا قاف، قال: وما هذه الجبال حولك؟ قال: هي عروقي، وليست مدينة من المدائن إلّا وفيها عرق منها، فإذا أراد الله أن يزلزل تلك الأرض أمرني، فحرّكت عرقي ذلك، فتزلزلت تلك الأرض، فقال له: يا قاف، فأخبرني بشيء من عظمة الله، قال: إنّ شأن ربّنا لعظيم، تقصر عنه الصفات، وتنقضي دونه الأوهام. قال: فأخبرني بأدنى ما يوصف منها. قال: إنّ ورائي لأرضا مسيرة خمسمائة عام في عرض خمسمائة عام من جبال ثلج يحطم بعضه بعضا، لولا ذاك الثلج لاحترقت من حرّ جهنّم. قال: زدني، قال: إنّ جبريل عليه السّلام واقف بين يدي الله سبحانه ترعد فرائصه، يخلق الله من كلّ رعدة مائة ألف ملك، وأولئك الملائكة صفوف بين يدي الله سبحانه، منكّسو رؤوسهم، فإذا أذن الله لهم في الكلام، قالوا: لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ، وهو قوله: يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ، وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً [[سورة النبأ: 38.]] يعني لا إله إلّا الله. وقال الفرّاء: وسمعت من يقول: (ق) : قضي ما هو كائن، وقال أبو بكر الورّاق: معناه قف عند أمرنا، ونهينا، ولا تعدهما. وقيل: معناه قل يا محمّد. أحمد بن عاصم الأنطاكي، هو قرب الله سبحانه من عباده، بيانه وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [[سورة ق: 16.]] وقال ابن عطاء: أقسم بقوّة قلب حبيبه محمّد ﷺ‎ حيث حمل الخطاب، ولم يؤثر ذلك فيه لعلوّ حاله. وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ الشريف، الكريم على الله الكبير، الخبير. واختلف العلماء في جواب هذا القسم، فقال أهل الكوفة: بَلْ عَجِبُوا، وقال الأخفش: جوابه محذوف مجازه ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ لتبعثن، وقال ابن كيسان: جوابه قوله: ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ الآية، وقيل: قد علمنا، وجوابات القسم سبعة: (إن) الشديدة، كقوله: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ [[سورة الفجر: 14.]] و (ما) النفي كقوله: وَالضُّحى ... ما وَدَّعَكَ [[سورة الضحى: 31.]] و (اللام) المفتوحة، كقوله: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [[سورة الحجر: 92.]] و (إن) الخفيفة كقوله سبحانه: تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي [[سورة الشعراء: 97.]] ، و (لا) كقوله: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ [[سورة الأنعام: 109.]] ، لا يبعث الله من يموت، وقد كقوله: وَالشَّمْسِ وَضُحاها ... قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها [[سورة الشمس: 91.]] وبل كقوله: ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ يعرفون حسبه، ونسبه، وصدقه، وأمانته. فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ غريب. أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً نبعث، فترك ذكر البعث لدلالة الكلام عليه. ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ يقال: رجعته رجعا، فرجع هو رجوعا، قال الله سبحانه: فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ [[سورة التوبة: 83.]] قال الله سبحانه: قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ ما تأكله من عظامهم، وأجسامهم، وقيل: معناه قد علمنا ما يبلى منهم، وما يبقى لأنّ العصعص لا تأكله الأرض كما جاء في الحديث: «كلّ ابن آدم يبلى، إلّا عجب الذنب، منه خلق ومنه يركب» [85] [[تفسير ابن كثير: 3/ 251 ومسند أحمد: 2/ 499.]] وأبدان الأنبياء والشهداء أيضا لا تبلى. وقال السدي: والموت يقول: قد علمنا من يموت منهم، ومن يبقى. وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ محفوظ من الشياطين، ومن أن يدرس، ويبعثر، وهو اللوح المحفوظ، المكتوب فيه جميع الأشياء المقدّرة. بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ بالقرآن. لَمَّا جاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ قال أبو حمزة: سئل ابن عبّاس عن المريج، فقال: هو الشيء المكر، أما سمعت قول الشاعر: فجالت فالتمست به حشاها ... فخر كأنه خوط مريج [[تاج العروس: 2/ 100.]] الوالبي عنه: أمر مختلف. العوفي عنه: أمر ضلالة. سعيد بن جبير، ومجاهد: ملتبس، قال قتادة: في هذه الآية من نزل الحقّ مرج أمره عليه، والتبس دينه عليه. ابن زيد: مختلط، وقيل: فاسد، وقيل: متغير. وكلّ هذه الأقاويل متقاربة، وأصل المرج الاضطراب، والقلق، يقال: مرج أمر الناس، ومرج الدّين، ومرج الخاتم في إصبعي وخرج إذا قلق من الهزال، قال الشاعر: مرج الدّين فأعددت له ... مشرف الحارك محبوك الكتد [[لسان العرب: 10/ 408 وتفسير القرطبي: 17/ 15 والحارك: الكاهل، والكتد: مجمع الكتفين.]] وفي الحديث: «مرجت عهودهم، وأمانيهم» . أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ أي شقوق، وفتوق، واحدها فرج، وقال ابن زيد: الفروج الشيء المتفرّق المتبري بعضه من بعض، وقال الكسائي: ليس فيها تفاوت، ولا اختلاف وَالْأَرْضَ مَدَدْناها بسطناها على وجه الماء وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ لون بَهِيجٍ حسن كريم يبهج به أي يسر. تَبْصِرَةً أي جعلنا ذلك تبصرة، وقال أبو حاتم: نصبت على المصدر. وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ يعني تبصر أو تذكّر إنابتها له، لأنّ من قدر على خلق السماوات، والأرض، والنبات، قدر على بعثهم، ونظير التبصرة من المصادر التكملة، والتفضلة، ومن المضاعف النخلة، والبعرة. وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ يعني البر، والشعير، وسائر الحبوب التي تحصد وتدّخر وتقتات، وأضاف الحبّ إلى الحصيد، وهما واحد، لاختلاف اللفظين، كما يقال: مسجد الجامع، وربيع الأوّل، وحَقُّ الْيَقِينِ، وحَبْلِ الْوَرِيدِ، ونحوها. وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ قال مجاهد، وعكرمة، وقتادة: طوالا، وقال عبد الله بن شداد بن الهاد: سوقها لاستقامتها في الطول. سعيد بن جبير: مستويات. الحسن والفرّاء: مواقير حوامل، يقال للشاة إذا ولدت: أبسقت، ومحلّها نصب على الحال، والقطع. أخبرني الحسن، قال: حدّثنا عمر بن أحمد بن القاسم النهاوندي، قال: حدّثنا عبيد بن محمد بن صبح الكناني. قال: حدّثنا هشام بن يونس النهشلي، قال: حدّثنا سفيان بن عيينة، عن زياد بن علاقة، عن قطبة بن مالك. قال: سمعت النبيّ ﷺ‎ يقرأ: (والنّخل باصقات) بالصاد [[تفسير القرطبي: 17/ 7.]] . لَها طَلْعٌ تمر، وحمل سمّي بذلك لأنّه يطلع. نَضِيدٌ متراكب متراكم، قد نضد بعضه على بعض. قال بن الأجدع: نخل الجنّة نضيد من أصلها إلى فرعها، وثمرها أمثال [القلال] [[القلال: خشب ترفع بها الكروم من الأرض، والأخدود: الشقوق المستطيلة في الأرض.]] والدلاء، وأنهارها تجري في [عبر] [[في تفسير الطبري (1/ 246) : غير أخدود.]] أخدود رِزْقاً أي جعلناه رزقا لِلْعِبادِ وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً. أخبرني ابن منجويه، قال: حدّثنا ابن صقلاب. قال: حدّثنا ابن أبي الخصيب، قال: حدّثني ابن أبي الجوادي، قال: حدّثنا [عتيق] بن يعقوب، عن إبراهيم بن قدامة، عن أبي عبد الله الأغر، عن أبي هريرة، قال: كان النبيّ ﷺ‎ إذا جاءهم المطر، فسالت الميازيب، قال: «لا محل عليكم العام» [86] [[المعجم الأوسط: 1/ 258.]] أي الجدب. كَذلِكَ الْخُرُوجُ من القبور. كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوانُ لُوطٍ وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ وهو ملك اليمن، ويسمّى تبّعا لكثرة أتباعه، وكان يعبد النار فأسلم، ودعا قومه إلى الإسلام، وهم من حمير، فكذّبوه، وكان خبره وخبر قومه ما أخبرنا عبد الله بن حامد، قال: أخبرني أبو علي إسماعيل بن سعدان، قال: أخبرني علي بن أحمد، قال: حدّثنا محمد ابن جرير، وأخبرني عقيل أنّ أبا الفرج أخبرهم عن ابن جرير، قال: حدّثنا ابن حميد، قال: حدّثنا سلمة، قال: حدّثنا محمد بن إسحاق، قال: كان تبّع الآخر، وهو أسعد أبو كرب بن ملكي كرب، حين أقبل من المشرق، جعل طريقه على المدينة، وكان حين مر بها لم يهيج أهلها، وخلّف بين أظهرهم ابنا له، فقتل غيلة، فقدمها، وهو مجمع لإخراجها، واستئصال أهلها، وقطع نخيلها، فجمع له هذا الحيّ من الأنصار، حين سمعوا ذلك من أمره امتنعوا منه، ورئيسهم يومئذ عمرو بن ظلم أخو بني النجار أحد بني عمرو، فخرجوا لقتاله، وكان تبّع نزل بهم قبل ذلك، فقتل رجل منهم، من بني عدي بن النجّار، يقال له: أحمر، رجلا من صحابة تبّع، وجده في عذق له بجدة فضربه بنخلة فقتله. وقال: إنّما التمرة لمن أبره، ثمّ ألقاه حين قتله في بئر من آبارهم معروفة، يقال لها: ذات تومان، فزاد ذلك تبعا حنقا عليهم، فبينا تبّع على ذلك من حربهم يقاتلهم ويقاتلونه، قال: فيزعم الأنصار أنّهم كانوا يقاتلونه بالنهار، ويقرونه بالليل، فيعجبه ذلك، ويقول: والله إنّ قومنا هؤلاء لكرام، إذ جاءه حبران من أحبار يهود بني قريظة، عالمان راسخان، وكانا ابني عمرو، وكانا أعلم أهل زمانهما، فجاءا تبّعا حين سمعا ما يريد من إهلاك المدينة، وأهلها، فقالا له: أيّها الملك لا تفعل، فإنّك إن أتيت إلا ما تريد حيل بينك وبينها، ولم يأمن عليك عاجل العقوبة، فقال لهما: ولم ذاك؟ قالا: هي مهاجر نبي يخرج من هذا الحيّ من قريش في آخر الزمان، تكون داره وقراره، فتناهى لقولهما عمّا كان يريد بالمدينة، ورأى أنّ لهما علما، وأعجبه ما سمع منهما، أنّهما دعواه إلى دينهما، فليتبعهما على دينهما، فقال تبع في ذلك: ما بال نومك مثل نوم الأرمد ... أرقا كأنك لا تزال تسهد حنقا على سبطين حلّا يثربا ... أولى لهم بعقاب يوم مفسد ولقد هبطنا يثربا وصدورنا ... تغلي بلابلها بقتل محصد ولقد حلفت يمين صبر مؤليا ... قسما لعمرك ليس بالتمردد أن جئت يثرب لا أغادر وسطها ... عذقا ولا بسرا بيثرب يخلد حتى أتاني من قريظة عالم ... خبر لعمرك في اليهود مسود قال ازدجر عن قرية محفوظة ... لنبي مكّة من قريش مهتد فعفوت عنهم عفو غير مثرب ... وتركتهم لعقاب يوم سرمد وتركتهم لله أرجو عفوه ... يوم الحساب من الجحيم الموقد ولقد تركت بها له من قومنا ... نفرا أولي حسب وبأس يحمد نفرا يكون النصر في أعقابهم ... أرجو بذاك ثواب ربّ محمّد [[تاريخ الطبري: 1/ 533 وذكر تمام الأبيات.]] فلمّا [......] [[كلمة غير مقروءة.]] تبع إلى دينهما أكرمهما وانصرف عن المدينة، وخرج بهما إلى اليمن ولمّا [دنا من] اليمن ليدخلها حالت حمير بينه وبين ذلك، وقالوا: لا تدخلها علينا، وقد فارقت ديننا، فدعاهم إلى دينه، وقال: إنه دين خير من دينكم. قالوا: فحاكمنا إلى النار. وكانت باليمن نار في أسفل جبل يقال له: ندا [[كذا في المخطوط.]] ، يتحاكمون إليها، فيما يختلفون فيه، فتحكم بينهم، تأكل الظالم، ولا تضرّ المظلوم، فلمّا قالوا ذلك لتبّع، قال: أنصفتم، فخرج قومه بأوثانهم، وما يتقرّبون به في دينهم، وخرج الحبران، مصاحفهما في أعناقهما متقلّداهما، حتّى قعدوا للنّار عند مخرجها التي تخرج منه، فخرجت النار إليهم، ولمّا أقبلت نحو حمير، حادوا عنها، وهابوها فدعاهم من حضرهم من الناس، وأمروهم بالصبر لها فصبروا حتّى غشيتهم، فأكلت الأوثان، وما قربوا معها، ومن حمل ذلك من رجال حمير، وخرج الحبران ومصاحفهما في أعناقهما، يتلون التوراة، تعرق جباههما، لم تضرّهما، ونكصت النار حتّى رجعت إلى مخرجها الذي خرجت منه، فأطبقت حمير عند ذلك على دينهما. فمن هناك كان أصل اليهودية باليمن [[تفسير الطبري: 26/ 200.]] . وكان لهم بيت يعظمونه، وينحرون عنده، ويكلّمون منه، إذا كانوا على شركهم، فقال الحبران القرظيان، واسماهما كعب وأسد لتبّع: إنّما هو شيطان [يفنيهم ويلغيهم] [[في تفسير الطبري: يعينهم ويلعب بهم (26/ 200) .]] ، فخلّ بيننا وبينه. قال: فشأنكما به. فاستخرجا منه كلبا أسود، فذبحاه، ثمّ هدما ذلك البيت، فبقاياه اليوم باليمن كما ذكر لي. وروى أبي دريد، عن أبي حاتم، عن الرياشي، قال: كان أبو كرب أسعد الحميري من التبابعة، آمن بالنبيّ ﷺ‎ محمّد ﷺ‎ قبل أن يبعث بسبعمائة سنة، وقال في ذلك شعرا: شهدت على أحمد أنّه ... رسول من الله باري النسم فلو مد عمري إلى عمره ... لكنت صهرا له وابن عمّ [[تفسير القرطبي: 16/ 145.]] كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وجب وَعِيدِ لهم بالعذاب يخوف كفّار مكّة، قال قتادة: دمر الله سبحانه وتعالى قوم تبّع، ولم يدمّره، وكان من ملوك اليمن، فسار بالجيوش، وافتتح البلاد، وقصد مكّة ليهدم البيت، فقيل له: إنّ لهذا البيت ربّا يحميه، فندم وأحرم، ودخل مكّة، وطاف بالبيت، وكساه، فهو أوّل من كسا البيت أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ أي عجزنا عنه، وتعذر علينا [الأول فهم في شك الإعادة للخلق] الثاني. بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ وهو البعث.

ق 50:2

مكّية، وهي ألف وأربعمائة وأربع وتسعون حرفا، وثلاثمائة وسبع وخمسون كلمة، وخمسة وأربعون آية أخبرنا أبو الحسين محمد بن القاسم بن أحمد الماوردي، قال: أخبرنا أبو الحسين محمد ابن محمد بن سادة الكرابيسي، قال: حدّثنا أحمد بن محمد بن الحسين، قال: حدّثنا محمد بن يحيى، قال: حدّثنا مسلم بن قتيبة، عن سعيد، عن عاصم بن بهدلة، عن زر بن حش، عن أبي بن كعب، قال: قال رسول الله ﷺ‎: «من قرأ سورة ق، هوّن الله عليه تارات الموت، وسكراته» [84] [[تفسير مجمع البيان: 9/ 233.]] . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ق قال ابن عبّاس: هو اسم من أسماء الله سبحانه، أقسم به. قتادة: اسم من أسماء القرآن، القرظي: افتتاح أسماء الله، قدير، وقادر، وقاهر، وقاضي، وقابض. الشعبي: فاتحة السّورة. بريد، وعكرمة، والضحّاك: هو جبل محيط بالأرض من زمردة خضراء، خضرة السماء منه، وعليه كتفا السماء، وما أصاب الناس من زمرد، فهو ما يسقط من الجبل، وهي رواية أبي الحوراء، عن ابن عبّاس. قال وهب بن منبه: إنّ ذا القرنين أتى على جبل قاف، فرأى حوله جبالا صغارا، فقال له: ما أنت؟ قال: أنا قاف، قال: وما هذه الجبال حولك؟ قال: هي عروقي، وليست مدينة من المدائن إلّا وفيها عرق منها، فإذا أراد الله أن يزلزل تلك الأرض أمرني، فحرّكت عرقي ذلك، فتزلزلت تلك الأرض، فقال له: يا قاف، فأخبرني بشيء من عظمة الله، قال: إنّ شأن ربّنا لعظيم، تقصر عنه الصفات، وتنقضي دونه الأوهام. قال: فأخبرني بأدنى ما يوصف منها. قال: إنّ ورائي لأرضا مسيرة خمسمائة عام في عرض خمسمائة عام من جبال ثلج يحطم بعضه بعضا، لولا ذاك الثلج لاحترقت من حرّ جهنّم. قال: زدني، قال: إنّ جبريل عليه السّلام واقف بين يدي الله سبحانه ترعد فرائصه، يخلق الله من كلّ رعدة مائة ألف ملك، وأولئك الملائكة صفوف بين يدي الله سبحانه، منكّسو رؤوسهم، فإذا أذن الله لهم في الكلام، قالوا: لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ، وهو قوله: يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ، وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً [[سورة النبأ: 38.]] يعني لا إله إلّا الله. وقال الفرّاء: وسمعت من يقول: (ق) : قضي ما هو كائن، وقال أبو بكر الورّاق: معناه قف عند أمرنا، ونهينا، ولا تعدهما. وقيل: معناه قل يا محمّد. أحمد بن عاصم الأنطاكي، هو قرب الله سبحانه من عباده، بيانه وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [[سورة ق: 16.]] وقال ابن عطاء: أقسم بقوّة قلب حبيبه محمّد ﷺ‎ حيث حمل الخطاب، ولم يؤثر ذلك فيه لعلوّ حاله. وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ الشريف، الكريم على الله الكبير، الخبير. واختلف العلماء في جواب هذا القسم، فقال أهل الكوفة: بَلْ عَجِبُوا، وقال الأخفش: جوابه محذوف مجازه ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ لتبعثن، وقال ابن كيسان: جوابه قوله: ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ الآية، وقيل: قد علمنا، وجوابات القسم سبعة: (إن) الشديدة، كقوله: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ [[سورة الفجر: 14.]] و (ما) النفي كقوله: وَالضُّحى ... ما وَدَّعَكَ [[سورة الضحى: 31.]] و (اللام) المفتوحة، كقوله: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [[سورة الحجر: 92.]] و (إن) الخفيفة كقوله سبحانه: تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي [[سورة الشعراء: 97.]] ، و (لا) كقوله: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ [[سورة الأنعام: 109.]] ، لا يبعث الله من يموت، وقد كقوله: وَالشَّمْسِ وَضُحاها ... قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها [[سورة الشمس: 91.]] وبل كقوله: ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ يعرفون حسبه، ونسبه، وصدقه، وأمانته. فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ غريب. أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً نبعث، فترك ذكر البعث لدلالة الكلام عليه. ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ يقال: رجعته رجعا، فرجع هو رجوعا، قال الله سبحانه: فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ [[سورة التوبة: 83.]] قال الله سبحانه: قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ ما تأكله من عظامهم، وأجسامهم، وقيل: معناه قد علمنا ما يبلى منهم، وما يبقى لأنّ العصعص لا تأكله الأرض كما جاء في الحديث: «كلّ ابن آدم يبلى، إلّا عجب الذنب، منه خلق ومنه يركب» [85] [[تفسير ابن كثير: 3/ 251 ومسند أحمد: 2/ 499.]] وأبدان الأنبياء والشهداء أيضا لا تبلى. وقال السدي: والموت يقول: قد علمنا من يموت منهم، ومن يبقى. وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ محفوظ من الشياطين، ومن أن يدرس، ويبعثر، وهو اللوح المحفوظ، المكتوب فيه جميع الأشياء المقدّرة. بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ بالقرآن. لَمَّا جاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ قال أبو حمزة: سئل ابن عبّاس عن المريج، فقال: هو الشيء المكر، أما سمعت قول الشاعر: فجالت فالتمست به حشاها ... فخر كأنه خوط مريج [[تاج العروس: 2/ 100.]] الوالبي عنه: أمر مختلف. العوفي عنه: أمر ضلالة. سعيد بن جبير، ومجاهد: ملتبس، قال قتادة: في هذه الآية من نزل الحقّ مرج أمره عليه، والتبس دينه عليه. ابن زيد: مختلط، وقيل: فاسد، وقيل: متغير. وكلّ هذه الأقاويل متقاربة، وأصل المرج الاضطراب، والقلق، يقال: مرج أمر الناس، ومرج الدّين، ومرج الخاتم في إصبعي وخرج إذا قلق من الهزال، قال الشاعر: مرج الدّين فأعددت له ... مشرف الحارك محبوك الكتد [[لسان العرب: 10/ 408 وتفسير القرطبي: 17/ 15 والحارك: الكاهل، والكتد: مجمع الكتفين.]] وفي الحديث: «مرجت عهودهم، وأمانيهم» . أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ أي شقوق، وفتوق، واحدها فرج، وقال ابن زيد: الفروج الشيء المتفرّق المتبري بعضه من بعض، وقال الكسائي: ليس فيها تفاوت، ولا اختلاف وَالْأَرْضَ مَدَدْناها بسطناها على وجه الماء وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ لون بَهِيجٍ حسن كريم يبهج به أي يسر. تَبْصِرَةً أي جعلنا ذلك تبصرة، وقال أبو حاتم: نصبت على المصدر. وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ يعني تبصر أو تذكّر إنابتها له، لأنّ من قدر على خلق السماوات، والأرض، والنبات، قدر على بعثهم، ونظير التبصرة من المصادر التكملة، والتفضلة، ومن المضاعف النخلة، والبعرة. وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ يعني البر، والشعير، وسائر الحبوب التي تحصد وتدّخر وتقتات، وأضاف الحبّ إلى الحصيد، وهما واحد، لاختلاف اللفظين، كما يقال: مسجد الجامع، وربيع الأوّل، وحَقُّ الْيَقِينِ، وحَبْلِ الْوَرِيدِ، ونحوها. وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ قال مجاهد، وعكرمة، وقتادة: طوالا، وقال عبد الله بن شداد بن الهاد: سوقها لاستقامتها في الطول. سعيد بن جبير: مستويات. الحسن والفرّاء: مواقير حوامل، يقال للشاة إذا ولدت: أبسقت، ومحلّها نصب على الحال، والقطع. أخبرني الحسن، قال: حدّثنا عمر بن أحمد بن القاسم النهاوندي، قال: حدّثنا عبيد بن محمد بن صبح الكناني. قال: حدّثنا هشام بن يونس النهشلي، قال: حدّثنا سفيان بن عيينة، عن زياد بن علاقة، عن قطبة بن مالك. قال: سمعت النبيّ ﷺ‎ يقرأ: (والنّخل باصقات) بالصاد [[تفسير القرطبي: 17/ 7.]] . لَها طَلْعٌ تمر، وحمل سمّي بذلك لأنّه يطلع. نَضِيدٌ متراكب متراكم، قد نضد بعضه على بعض. قال بن الأجدع: نخل الجنّة نضيد من أصلها إلى فرعها، وثمرها أمثال [القلال] [[القلال: خشب ترفع بها الكروم من الأرض، والأخدود: الشقوق المستطيلة في الأرض.]] والدلاء، وأنهارها تجري في [عبر] [[في تفسير الطبري (1/ 246) : غير أخدود.]] أخدود رِزْقاً أي جعلناه رزقا لِلْعِبادِ وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً. أخبرني ابن منجويه، قال: حدّثنا ابن صقلاب. قال: حدّثنا ابن أبي الخصيب، قال: حدّثني ابن أبي الجوادي، قال: حدّثنا [عتيق] بن يعقوب، عن إبراهيم بن قدامة، عن أبي عبد الله الأغر، عن أبي هريرة، قال: كان النبيّ ﷺ‎ إذا جاءهم المطر، فسالت الميازيب، قال: «لا محل عليكم العام» [86] [[المعجم الأوسط: 1/ 258.]] أي الجدب. كَذلِكَ الْخُرُوجُ من القبور. كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوانُ لُوطٍ وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ وهو ملك اليمن، ويسمّى تبّعا لكثرة أتباعه، وكان يعبد النار فأسلم، ودعا قومه إلى الإسلام، وهم من حمير، فكذّبوه، وكان خبره وخبر قومه ما أخبرنا عبد الله بن حامد، قال: أخبرني أبو علي إسماعيل بن سعدان، قال: أخبرني علي بن أحمد، قال: حدّثنا محمد ابن جرير، وأخبرني عقيل أنّ أبا الفرج أخبرهم عن ابن جرير، قال: حدّثنا ابن حميد، قال: حدّثنا سلمة، قال: حدّثنا محمد بن إسحاق، قال: كان تبّع الآخر، وهو أسعد أبو كرب بن ملكي كرب، حين أقبل من المشرق، جعل طريقه على المدينة، وكان حين مر بها لم يهيج أهلها، وخلّف بين أظهرهم ابنا له، فقتل غيلة، فقدمها، وهو مجمع لإخراجها، واستئصال أهلها، وقطع نخيلها، فجمع له هذا الحيّ من الأنصار، حين سمعوا ذلك من أمره امتنعوا منه، ورئيسهم يومئذ عمرو بن ظلم أخو بني النجار أحد بني عمرو، فخرجوا لقتاله، وكان تبّع نزل بهم قبل ذلك، فقتل رجل منهم، من بني عدي بن النجّار، يقال له: أحمر، رجلا من صحابة تبّع، وجده في عذق له بجدة فضربه بنخلة فقتله. وقال: إنّما التمرة لمن أبره، ثمّ ألقاه حين قتله في بئر من آبارهم معروفة، يقال لها: ذات تومان، فزاد ذلك تبعا حنقا عليهم، فبينا تبّع على ذلك من حربهم يقاتلهم ويقاتلونه، قال: فيزعم الأنصار أنّهم كانوا يقاتلونه بالنهار، ويقرونه بالليل، فيعجبه ذلك، ويقول: والله إنّ قومنا هؤلاء لكرام، إذ جاءه حبران من أحبار يهود بني قريظة، عالمان راسخان، وكانا ابني عمرو، وكانا أعلم أهل زمانهما، فجاءا تبّعا حين سمعا ما يريد من إهلاك المدينة، وأهلها، فقالا له: أيّها الملك لا تفعل، فإنّك إن أتيت إلا ما تريد حيل بينك وبينها، ولم يأمن عليك عاجل العقوبة، فقال لهما: ولم ذاك؟ قالا: هي مهاجر نبي يخرج من هذا الحيّ من قريش في آخر الزمان، تكون داره وقراره، فتناهى لقولهما عمّا كان يريد بالمدينة، ورأى أنّ لهما علما، وأعجبه ما سمع منهما، أنّهما دعواه إلى دينهما، فليتبعهما على دينهما، فقال تبع في ذلك: ما بال نومك مثل نوم الأرمد ... أرقا كأنك لا تزال تسهد حنقا على سبطين حلّا يثربا ... أولى لهم بعقاب يوم مفسد ولقد هبطنا يثربا وصدورنا ... تغلي بلابلها بقتل محصد ولقد حلفت يمين صبر مؤليا ... قسما لعمرك ليس بالتمردد أن جئت يثرب لا أغادر وسطها ... عذقا ولا بسرا بيثرب يخلد حتى أتاني من قريظة عالم ... خبر لعمرك في اليهود مسود قال ازدجر عن قرية محفوظة ... لنبي مكّة من قريش مهتد فعفوت عنهم عفو غير مثرب ... وتركتهم لعقاب يوم سرمد وتركتهم لله أرجو عفوه ... يوم الحساب من الجحيم الموقد ولقد تركت بها له من قومنا ... نفرا أولي حسب وبأس يحمد نفرا يكون النصر في أعقابهم ... أرجو بذاك ثواب ربّ محمّد [[تاريخ الطبري: 1/ 533 وذكر تمام الأبيات.]] فلمّا [......] [[كلمة غير مقروءة.]] تبع إلى دينهما أكرمهما وانصرف عن المدينة، وخرج بهما إلى اليمن ولمّا [دنا من] اليمن ليدخلها حالت حمير بينه وبين ذلك، وقالوا: لا تدخلها علينا، وقد فارقت ديننا، فدعاهم إلى دينه، وقال: إنه دين خير من دينكم. قالوا: فحاكمنا إلى النار. وكانت باليمن نار في أسفل جبل يقال له: ندا [[كذا في المخطوط.]] ، يتحاكمون إليها، فيما يختلفون فيه، فتحكم بينهم، تأكل الظالم، ولا تضرّ المظلوم، فلمّا قالوا ذلك لتبّع، قال: أنصفتم، فخرج قومه بأوثانهم، وما يتقرّبون به في دينهم، وخرج الحبران، مصاحفهما في أعناقهما متقلّداهما، حتّى قعدوا للنّار عند مخرجها التي تخرج منه، فخرجت النار إليهم، ولمّا أقبلت نحو حمير، حادوا عنها، وهابوها فدعاهم من حضرهم من الناس، وأمروهم بالصبر لها فصبروا حتّى غشيتهم، فأكلت الأوثان، وما قربوا معها، ومن حمل ذلك من رجال حمير، وخرج الحبران ومصاحفهما في أعناقهما، يتلون التوراة، تعرق جباههما، لم تضرّهما، ونكصت النار حتّى رجعت إلى مخرجها الذي خرجت منه، فأطبقت حمير عند ذلك على دينهما. فمن هناك كان أصل اليهودية باليمن [[تفسير الطبري: 26/ 200.]] . وكان لهم بيت يعظمونه، وينحرون عنده، ويكلّمون منه، إذا كانوا على شركهم، فقال الحبران القرظيان، واسماهما كعب وأسد لتبّع: إنّما هو شيطان [يفنيهم ويلغيهم] [[في تفسير الطبري: يعينهم ويلعب بهم (26/ 200) .]] ، فخلّ بيننا وبينه. قال: فشأنكما به. فاستخرجا منه كلبا أسود، فذبحاه، ثمّ هدما ذلك البيت، فبقاياه اليوم باليمن كما ذكر لي. وروى أبي دريد، عن أبي حاتم، عن الرياشي، قال: كان أبو كرب أسعد الحميري من التبابعة، آمن بالنبيّ ﷺ‎ محمّد ﷺ‎ قبل أن يبعث بسبعمائة سنة، وقال في ذلك شعرا: شهدت على أحمد أنّه ... رسول من الله باري النسم فلو مد عمري إلى عمره ... لكنت صهرا له وابن عمّ [[تفسير القرطبي: 16/ 145.]] كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وجب وَعِيدِ لهم بالعذاب يخوف كفّار مكّة، قال قتادة: دمر الله سبحانه وتعالى قوم تبّع، ولم يدمّره، وكان من ملوك اليمن، فسار بالجيوش، وافتتح البلاد، وقصد مكّة ليهدم البيت، فقيل له: إنّ لهذا البيت ربّا يحميه، فندم وأحرم، ودخل مكّة، وطاف بالبيت، وكساه، فهو أوّل من كسا البيت أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ أي عجزنا عنه، وتعذر علينا [الأول فهم في شك الإعادة للخلق] الثاني. بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ وهو البعث.

ق 50:3

مكّية، وهي ألف وأربعمائة وأربع وتسعون حرفا، وثلاثمائة وسبع وخمسون كلمة، وخمسة وأربعون آية أخبرنا أبو الحسين محمد بن القاسم بن أحمد الماوردي، قال: أخبرنا أبو الحسين محمد ابن محمد بن سادة الكرابيسي، قال: حدّثنا أحمد بن محمد بن الحسين، قال: حدّثنا محمد بن يحيى، قال: حدّثنا مسلم بن قتيبة، عن سعيد، عن عاصم بن بهدلة، عن زر بن حش، عن أبي بن كعب، قال: قال رسول الله ﷺ‎: «من قرأ سورة ق، هوّن الله عليه تارات الموت، وسكراته» [84] [[تفسير مجمع البيان: 9/ 233.]] . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ق قال ابن عبّاس: هو اسم من أسماء الله سبحانه، أقسم به. قتادة: اسم من أسماء القرآن، القرظي: افتتاح أسماء الله، قدير، وقادر، وقاهر، وقاضي، وقابض. الشعبي: فاتحة السّورة. بريد، وعكرمة، والضحّاك: هو جبل محيط بالأرض من زمردة خضراء، خضرة السماء منه، وعليه كتفا السماء، وما أصاب الناس من زمرد، فهو ما يسقط من الجبل، وهي رواية أبي الحوراء، عن ابن عبّاس. قال وهب بن منبه: إنّ ذا القرنين أتى على جبل قاف، فرأى حوله جبالا صغارا، فقال له: ما أنت؟ قال: أنا قاف، قال: وما هذه الجبال حولك؟ قال: هي عروقي، وليست مدينة من المدائن إلّا وفيها عرق منها، فإذا أراد الله أن يزلزل تلك الأرض أمرني، فحرّكت عرقي ذلك، فتزلزلت تلك الأرض، فقال له: يا قاف، فأخبرني بشيء من عظمة الله، قال: إنّ شأن ربّنا لعظيم، تقصر عنه الصفات، وتنقضي دونه الأوهام. قال: فأخبرني بأدنى ما يوصف منها. قال: إنّ ورائي لأرضا مسيرة خمسمائة عام في عرض خمسمائة عام من جبال ثلج يحطم بعضه بعضا، لولا ذاك الثلج لاحترقت من حرّ جهنّم. قال: زدني، قال: إنّ جبريل عليه السّلام واقف بين يدي الله سبحانه ترعد فرائصه، يخلق الله من كلّ رعدة مائة ألف ملك، وأولئك الملائكة صفوف بين يدي الله سبحانه، منكّسو رؤوسهم، فإذا أذن الله لهم في الكلام، قالوا: لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ، وهو قوله: يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ، وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً [[سورة النبأ: 38.]] يعني لا إله إلّا الله. وقال الفرّاء: وسمعت من يقول: (ق) : قضي ما هو كائن، وقال أبو بكر الورّاق: معناه قف عند أمرنا، ونهينا، ولا تعدهما. وقيل: معناه قل يا محمّد. أحمد بن عاصم الأنطاكي، هو قرب الله سبحانه من عباده، بيانه وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [[سورة ق: 16.]] وقال ابن عطاء: أقسم بقوّة قلب حبيبه محمّد ﷺ‎ حيث حمل الخطاب، ولم يؤثر ذلك فيه لعلوّ حاله. وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ الشريف، الكريم على الله الكبير، الخبير. واختلف العلماء في جواب هذا القسم، فقال أهل الكوفة: بَلْ عَجِبُوا، وقال الأخفش: جوابه محذوف مجازه ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ لتبعثن، وقال ابن كيسان: جوابه قوله: ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ الآية، وقيل: قد علمنا، وجوابات القسم سبعة: (إن) الشديدة، كقوله: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ [[سورة الفجر: 14.]] و (ما) النفي كقوله: وَالضُّحى ... ما وَدَّعَكَ [[سورة الضحى: 31.]] و (اللام) المفتوحة، كقوله: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [[سورة الحجر: 92.]] و (إن) الخفيفة كقوله سبحانه: تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي [[سورة الشعراء: 97.]] ، و (لا) كقوله: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ [[سورة الأنعام: 109.]] ، لا يبعث الله من يموت، وقد كقوله: وَالشَّمْسِ وَضُحاها ... قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها [[سورة الشمس: 91.]] وبل كقوله: ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ يعرفون حسبه، ونسبه، وصدقه، وأمانته. فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ غريب. أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً نبعث، فترك ذكر البعث لدلالة الكلام عليه. ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ يقال: رجعته رجعا، فرجع هو رجوعا، قال الله سبحانه: فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ [[سورة التوبة: 83.]] قال الله سبحانه: قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ ما تأكله من عظامهم، وأجسامهم، وقيل: معناه قد علمنا ما يبلى منهم، وما يبقى لأنّ العصعص لا تأكله الأرض كما جاء في الحديث: «كلّ ابن آدم يبلى، إلّا عجب الذنب، منه خلق ومنه يركب» [85] [[تفسير ابن كثير: 3/ 251 ومسند أحمد: 2/ 499.]] وأبدان الأنبياء والشهداء أيضا لا تبلى. وقال السدي: والموت يقول: قد علمنا من يموت منهم، ومن يبقى. وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ محفوظ من الشياطين، ومن أن يدرس، ويبعثر، وهو اللوح المحفوظ، المكتوب فيه جميع الأشياء المقدّرة. بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ بالقرآن. لَمَّا جاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ قال أبو حمزة: سئل ابن عبّاس عن المريج، فقال: هو الشيء المكر، أما سمعت قول الشاعر: فجالت فالتمست به حشاها ... فخر كأنه خوط مريج [[تاج العروس: 2/ 100.]] الوالبي عنه: أمر مختلف. العوفي عنه: أمر ضلالة. سعيد بن جبير، ومجاهد: ملتبس، قال قتادة: في هذه الآية من نزل الحقّ مرج أمره عليه، والتبس دينه عليه. ابن زيد: مختلط، وقيل: فاسد، وقيل: متغير. وكلّ هذه الأقاويل متقاربة، وأصل المرج الاضطراب، والقلق، يقال: مرج أمر الناس، ومرج الدّين، ومرج الخاتم في إصبعي وخرج إذا قلق من الهزال، قال الشاعر: مرج الدّين فأعددت له ... مشرف الحارك محبوك الكتد [[لسان العرب: 10/ 408 وتفسير القرطبي: 17/ 15 والحارك: الكاهل، والكتد: مجمع الكتفين.]] وفي الحديث: «مرجت عهودهم، وأمانيهم» . أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ أي شقوق، وفتوق، واحدها فرج، وقال ابن زيد: الفروج الشيء المتفرّق المتبري بعضه من بعض، وقال الكسائي: ليس فيها تفاوت، ولا اختلاف وَالْأَرْضَ مَدَدْناها بسطناها على وجه الماء وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ لون بَهِيجٍ حسن كريم يبهج به أي يسر. تَبْصِرَةً أي جعلنا ذلك تبصرة، وقال أبو حاتم: نصبت على المصدر. وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ يعني تبصر أو تذكّر إنابتها له، لأنّ من قدر على خلق السماوات، والأرض، والنبات، قدر على بعثهم، ونظير التبصرة من المصادر التكملة، والتفضلة، ومن المضاعف النخلة، والبعرة. وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ يعني البر، والشعير، وسائر الحبوب التي تحصد وتدّخر وتقتات، وأضاف الحبّ إلى الحصيد، وهما واحد، لاختلاف اللفظين، كما يقال: مسجد الجامع، وربيع الأوّل، وحَقُّ الْيَقِينِ، وحَبْلِ الْوَرِيدِ، ونحوها. وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ قال مجاهد، وعكرمة، وقتادة: طوالا، وقال عبد الله بن شداد بن الهاد: سوقها لاستقامتها في الطول. سعيد بن جبير: مستويات. الحسن والفرّاء: مواقير حوامل، يقال للشاة إذا ولدت: أبسقت، ومحلّها نصب على الحال، والقطع. أخبرني الحسن، قال: حدّثنا عمر بن أحمد بن القاسم النهاوندي، قال: حدّثنا عبيد بن محمد بن صبح الكناني. قال: حدّثنا هشام بن يونس النهشلي، قال: حدّثنا سفيان بن عيينة، عن زياد بن علاقة، عن قطبة بن مالك. قال: سمعت النبيّ ﷺ‎ يقرأ: (والنّخل باصقات) بالصاد [[تفسير القرطبي: 17/ 7.]] . لَها طَلْعٌ تمر، وحمل سمّي بذلك لأنّه يطلع. نَضِيدٌ متراكب متراكم، قد نضد بعضه على بعض. قال بن الأجدع: نخل الجنّة نضيد من أصلها إلى فرعها، وثمرها أمثال [القلال] [[القلال: خشب ترفع بها الكروم من الأرض، والأخدود: الشقوق المستطيلة في الأرض.]] والدلاء، وأنهارها تجري في [عبر] [[في تفسير الطبري (1/ 246) : غير أخدود.]] أخدود رِزْقاً أي جعلناه رزقا لِلْعِبادِ وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً. أخبرني ابن منجويه، قال: حدّثنا ابن صقلاب. قال: حدّثنا ابن أبي الخصيب، قال: حدّثني ابن أبي الجوادي، قال: حدّثنا [عتيق] بن يعقوب، عن إبراهيم بن قدامة، عن أبي عبد الله الأغر، عن أبي هريرة، قال: كان النبيّ ﷺ‎ إذا جاءهم المطر، فسالت الميازيب، قال: «لا محل عليكم العام» [86] [[المعجم الأوسط: 1/ 258.]] أي الجدب. كَذلِكَ الْخُرُوجُ من القبور. كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوانُ لُوطٍ وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ وهو ملك اليمن، ويسمّى تبّعا لكثرة أتباعه، وكان يعبد النار فأسلم، ودعا قومه إلى الإسلام، وهم من حمير، فكذّبوه، وكان خبره وخبر قومه ما أخبرنا عبد الله بن حامد، قال: أخبرني أبو علي إسماعيل بن سعدان، قال: أخبرني علي بن أحمد، قال: حدّثنا محمد ابن جرير، وأخبرني عقيل أنّ أبا الفرج أخبرهم عن ابن جرير، قال: حدّثنا ابن حميد، قال: حدّثنا سلمة، قال: حدّثنا محمد بن إسحاق، قال: كان تبّع الآخر، وهو أسعد أبو كرب بن ملكي كرب، حين أقبل من المشرق، جعل طريقه على المدينة، وكان حين مر بها لم يهيج أهلها، وخلّف بين أظهرهم ابنا له، فقتل غيلة، فقدمها، وهو مجمع لإخراجها، واستئصال أهلها، وقطع نخيلها، فجمع له هذا الحيّ من الأنصار، حين سمعوا ذلك من أمره امتنعوا منه، ورئيسهم يومئذ عمرو بن ظلم أخو بني النجار أحد بني عمرو، فخرجوا لقتاله، وكان تبّع نزل بهم قبل ذلك، فقتل رجل منهم، من بني عدي بن النجّار، يقال له: أحمر، رجلا من صحابة تبّع، وجده في عذق له بجدة فضربه بنخلة فقتله. وقال: إنّما التمرة لمن أبره، ثمّ ألقاه حين قتله في بئر من آبارهم معروفة، يقال لها: ذات تومان، فزاد ذلك تبعا حنقا عليهم، فبينا تبّع على ذلك من حربهم يقاتلهم ويقاتلونه، قال: فيزعم الأنصار أنّهم كانوا يقاتلونه بالنهار، ويقرونه بالليل، فيعجبه ذلك، ويقول: والله إنّ قومنا هؤلاء لكرام، إذ جاءه حبران من أحبار يهود بني قريظة، عالمان راسخان، وكانا ابني عمرو، وكانا أعلم أهل زمانهما، فجاءا تبّعا حين سمعا ما يريد من إهلاك المدينة، وأهلها، فقالا له: أيّها الملك لا تفعل، فإنّك إن أتيت إلا ما تريد حيل بينك وبينها، ولم يأمن عليك عاجل العقوبة، فقال لهما: ولم ذاك؟ قالا: هي مهاجر نبي يخرج من هذا الحيّ من قريش في آخر الزمان، تكون داره وقراره، فتناهى لقولهما عمّا كان يريد بالمدينة، ورأى أنّ لهما علما، وأعجبه ما سمع منهما، أنّهما دعواه إلى دينهما، فليتبعهما على دينهما، فقال تبع في ذلك: ما بال نومك مثل نوم الأرمد ... أرقا كأنك لا تزال تسهد حنقا على سبطين حلّا يثربا ... أولى لهم بعقاب يوم مفسد ولقد هبطنا يثربا وصدورنا ... تغلي بلابلها بقتل محصد ولقد حلفت يمين صبر مؤليا ... قسما لعمرك ليس بالتمردد أن جئت يثرب لا أغادر وسطها ... عذقا ولا بسرا بيثرب يخلد حتى أتاني من قريظة عالم ... خبر لعمرك في اليهود مسود قال ازدجر عن قرية محفوظة ... لنبي مكّة من قريش مهتد فعفوت عنهم عفو غير مثرب ... وتركتهم لعقاب يوم سرمد وتركتهم لله أرجو عفوه ... يوم الحساب من الجحيم الموقد ولقد تركت بها له من قومنا ... نفرا أولي حسب وبأس يحمد نفرا يكون النصر في أعقابهم ... أرجو بذاك ثواب ربّ محمّد [[تاريخ الطبري: 1/ 533 وذكر تمام الأبيات.]] فلمّا [......] [[كلمة غير مقروءة.]] تبع إلى دينهما أكرمهما وانصرف عن المدينة، وخرج بهما إلى اليمن ولمّا [دنا من] اليمن ليدخلها حالت حمير بينه وبين ذلك، وقالوا: لا تدخلها علينا، وقد فارقت ديننا، فدعاهم إلى دينه، وقال: إنه دين خير من دينكم. قالوا: فحاكمنا إلى النار. وكانت باليمن نار في أسفل جبل يقال له: ندا [[كذا في المخطوط.]] ، يتحاكمون إليها، فيما يختلفون فيه، فتحكم بينهم، تأكل الظالم، ولا تضرّ المظلوم، فلمّا قالوا ذلك لتبّع، قال: أنصفتم، فخرج قومه بأوثانهم، وما يتقرّبون به في دينهم، وخرج الحبران، مصاحفهما في أعناقهما متقلّداهما، حتّى قعدوا للنّار عند مخرجها التي تخرج منه، فخرجت النار إليهم، ولمّا أقبلت نحو حمير، حادوا عنها، وهابوها فدعاهم من حضرهم من الناس، وأمروهم بالصبر لها فصبروا حتّى غشيتهم، فأكلت الأوثان، وما قربوا معها، ومن حمل ذلك من رجال حمير، وخرج الحبران ومصاحفهما في أعناقهما، يتلون التوراة، تعرق جباههما، لم تضرّهما، ونكصت النار حتّى رجعت إلى مخرجها الذي خرجت منه، فأطبقت حمير عند ذلك على دينهما. فمن هناك كان أصل اليهودية باليمن [[تفسير الطبري: 26/ 200.]] . وكان لهم بيت يعظمونه، وينحرون عنده، ويكلّمون منه، إذا كانوا على شركهم، فقال الحبران القرظيان، واسماهما كعب وأسد لتبّع: إنّما هو شيطان [يفنيهم ويلغيهم] [[في تفسير الطبري: يعينهم ويلعب بهم (26/ 200) .]] ، فخلّ بيننا وبينه. قال: فشأنكما به. فاستخرجا منه كلبا أسود، فذبحاه، ثمّ هدما ذلك البيت، فبقاياه اليوم باليمن كما ذكر لي. وروى أبي دريد، عن أبي حاتم، عن الرياشي، قال: كان أبو كرب أسعد الحميري من التبابعة، آمن بالنبيّ ﷺ‎ محمّد ﷺ‎ قبل أن يبعث بسبعمائة سنة، وقال في ذلك شعرا: شهدت على أحمد أنّه ... رسول من الله باري النسم فلو مد عمري إلى عمره ... لكنت صهرا له وابن عمّ [[تفسير القرطبي: 16/ 145.]] كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وجب وَعِيدِ لهم بالعذاب يخوف كفّار مكّة، قال قتادة: دمر الله سبحانه وتعالى قوم تبّع، ولم يدمّره، وكان من ملوك اليمن، فسار بالجيوش، وافتتح البلاد، وقصد مكّة ليهدم البيت، فقيل له: إنّ لهذا البيت ربّا يحميه، فندم وأحرم، ودخل مكّة، وطاف بالبيت، وكساه، فهو أوّل من كسا البيت أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ أي عجزنا عنه، وتعذر علينا [الأول فهم في شك الإعادة للخلق] الثاني. بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ وهو البعث.

ق 50:4

مكّية، وهي ألف وأربعمائة وأربع وتسعون حرفا، وثلاثمائة وسبع وخمسون كلمة، وخمسة وأربعون آية أخبرنا أبو الحسين محمد بن القاسم بن أحمد الماوردي، قال: أخبرنا أبو الحسين محمد ابن محمد بن سادة الكرابيسي، قال: حدّثنا أحمد بن محمد بن الحسين، قال: حدّثنا محمد بن يحيى، قال: حدّثنا مسلم بن قتيبة، عن سعيد، عن عاصم بن بهدلة، عن زر بن حش، عن أبي بن كعب، قال: قال رسول الله ﷺ‎: «من قرأ سورة ق، هوّن الله عليه تارات الموت، وسكراته» [84] [[تفسير مجمع البيان: 9/ 233.]] . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ق قال ابن عبّاس: هو اسم من أسماء الله سبحانه، أقسم به. قتادة: اسم من أسماء القرآن، القرظي: افتتاح أسماء الله، قدير، وقادر، وقاهر، وقاضي، وقابض. الشعبي: فاتحة السّورة. بريد، وعكرمة، والضحّاك: هو جبل محيط بالأرض من زمردة خضراء، خضرة السماء منه، وعليه كتفا السماء، وما أصاب الناس من زمرد، فهو ما يسقط من الجبل، وهي رواية أبي الحوراء، عن ابن عبّاس. قال وهب بن منبه: إنّ ذا القرنين أتى على جبل قاف، فرأى حوله جبالا صغارا، فقال له: ما أنت؟ قال: أنا قاف، قال: وما هذه الجبال حولك؟ قال: هي عروقي، وليست مدينة من المدائن إلّا وفيها عرق منها، فإذا أراد الله أن يزلزل تلك الأرض أمرني، فحرّكت عرقي ذلك، فتزلزلت تلك الأرض، فقال له: يا قاف، فأخبرني بشيء من عظمة الله، قال: إنّ شأن ربّنا لعظيم، تقصر عنه الصفات، وتنقضي دونه الأوهام. قال: فأخبرني بأدنى ما يوصف منها. قال: إنّ ورائي لأرضا مسيرة خمسمائة عام في عرض خمسمائة عام من جبال ثلج يحطم بعضه بعضا، لولا ذاك الثلج لاحترقت من حرّ جهنّم. قال: زدني، قال: إنّ جبريل عليه السّلام واقف بين يدي الله سبحانه ترعد فرائصه، يخلق الله من كلّ رعدة مائة ألف ملك، وأولئك الملائكة صفوف بين يدي الله سبحانه، منكّسو رؤوسهم، فإذا أذن الله لهم في الكلام، قالوا: لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ، وهو قوله: يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ، وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً [[سورة النبأ: 38.]] يعني لا إله إلّا الله. وقال الفرّاء: وسمعت من يقول: (ق) : قضي ما هو كائن، وقال أبو بكر الورّاق: معناه قف عند أمرنا، ونهينا، ولا تعدهما. وقيل: معناه قل يا محمّد. أحمد بن عاصم الأنطاكي، هو قرب الله سبحانه من عباده، بيانه وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [[سورة ق: 16.]] وقال ابن عطاء: أقسم بقوّة قلب حبيبه محمّد ﷺ‎ حيث حمل الخطاب، ولم يؤثر ذلك فيه لعلوّ حاله. وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ الشريف، الكريم على الله الكبير، الخبير. واختلف العلماء في جواب هذا القسم، فقال أهل الكوفة: بَلْ عَجِبُوا، وقال الأخفش: جوابه محذوف مجازه ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ لتبعثن، وقال ابن كيسان: جوابه قوله: ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ الآية، وقيل: قد علمنا، وجوابات القسم سبعة: (إن) الشديدة، كقوله: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ [[سورة الفجر: 14.]] و (ما) النفي كقوله: وَالضُّحى ... ما وَدَّعَكَ [[سورة الضحى: 31.]] و (اللام) المفتوحة، كقوله: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [[سورة الحجر: 92.]] و (إن) الخفيفة كقوله سبحانه: تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي [[سورة الشعراء: 97.]] ، و (لا) كقوله: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ [[سورة الأنعام: 109.]] ، لا يبعث الله من يموت، وقد كقوله: وَالشَّمْسِ وَضُحاها ... قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها [[سورة الشمس: 91.]] وبل كقوله: ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ يعرفون حسبه، ونسبه، وصدقه، وأمانته. فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ غريب. أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً نبعث، فترك ذكر البعث لدلالة الكلام عليه. ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ يقال: رجعته رجعا، فرجع هو رجوعا، قال الله سبحانه: فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ [[سورة التوبة: 83.]] قال الله سبحانه: قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ ما تأكله من عظامهم، وأجسامهم، وقيل: معناه قد علمنا ما يبلى منهم، وما يبقى لأنّ العصعص لا تأكله الأرض كما جاء في الحديث: «كلّ ابن آدم يبلى، إلّا عجب الذنب، منه خلق ومنه يركب» [85] [[تفسير ابن كثير: 3/ 251 ومسند أحمد: 2/ 499.]] وأبدان الأنبياء والشهداء أيضا لا تبلى. وقال السدي: والموت يقول: قد علمنا من يموت منهم، ومن يبقى. وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ محفوظ من الشياطين، ومن أن يدرس، ويبعثر، وهو اللوح المحفوظ، المكتوب فيه جميع الأشياء المقدّرة. بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ بالقرآن. لَمَّا جاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ قال أبو حمزة: سئل ابن عبّاس عن المريج، فقال: هو الشيء المكر، أما سمعت قول الشاعر: فجالت فالتمست به حشاها ... فخر كأنه خوط مريج [[تاج العروس: 2/ 100.]] الوالبي عنه: أمر مختلف. العوفي عنه: أمر ضلالة. سعيد بن جبير، ومجاهد: ملتبس، قال قتادة: في هذه الآية من نزل الحقّ مرج أمره عليه، والتبس دينه عليه. ابن زيد: مختلط، وقيل: فاسد، وقيل: متغير. وكلّ هذه الأقاويل متقاربة، وأصل المرج الاضطراب، والقلق، يقال: مرج أمر الناس، ومرج الدّين، ومرج الخاتم في إصبعي وخرج إذا قلق من الهزال، قال الشاعر: مرج الدّين فأعددت له ... مشرف الحارك محبوك الكتد [[لسان العرب: 10/ 408 وتفسير القرطبي: 17/ 15 والحارك: الكاهل، والكتد: مجمع الكتفين.]] وفي الحديث: «مرجت عهودهم، وأمانيهم» . أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ أي شقوق، وفتوق، واحدها فرج، وقال ابن زيد: الفروج الشيء المتفرّق المتبري بعضه من بعض، وقال الكسائي: ليس فيها تفاوت، ولا اختلاف وَالْأَرْضَ مَدَدْناها بسطناها على وجه الماء وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ لون بَهِيجٍ حسن كريم يبهج به أي يسر. تَبْصِرَةً أي جعلنا ذلك تبصرة، وقال أبو حاتم: نصبت على المصدر. وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ يعني تبصر أو تذكّر إنابتها له، لأنّ من قدر على خلق السماوات، والأرض، والنبات، قدر على بعثهم، ونظير التبصرة من المصادر التكملة، والتفضلة، ومن المضاعف النخلة، والبعرة. وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ يعني البر، والشعير، وسائر الحبوب التي تحصد وتدّخر وتقتات، وأضاف الحبّ إلى الحصيد، وهما واحد، لاختلاف اللفظين، كما يقال: مسجد الجامع، وربيع الأوّل، وحَقُّ الْيَقِينِ، وحَبْلِ الْوَرِيدِ، ونحوها. وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ قال مجاهد، وعكرمة، وقتادة: طوالا، وقال عبد الله بن شداد بن الهاد: سوقها لاستقامتها في الطول. سعيد بن جبير: مستويات. الحسن والفرّاء: مواقير حوامل، يقال للشاة إذا ولدت: أبسقت، ومحلّها نصب على الحال، والقطع. أخبرني الحسن، قال: حدّثنا عمر بن أحمد بن القاسم النهاوندي، قال: حدّثنا عبيد بن محمد بن صبح الكناني. قال: حدّثنا هشام بن يونس النهشلي، قال: حدّثنا سفيان بن عيينة، عن زياد بن علاقة، عن قطبة بن مالك. قال: سمعت النبيّ ﷺ‎ يقرأ: (والنّخل باصقات) بالصاد [[تفسير القرطبي: 17/ 7.]] . لَها طَلْعٌ تمر، وحمل سمّي بذلك لأنّه يطلع. نَضِيدٌ متراكب متراكم، قد نضد بعضه على بعض. قال بن الأجدع: نخل الجنّة نضيد من أصلها إلى فرعها، وثمرها أمثال [القلال] [[القلال: خشب ترفع بها الكروم من الأرض، والأخدود: الشقوق المستطيلة في الأرض.]] والدلاء، وأنهارها تجري في [عبر] [[في تفسير الطبري (1/ 246) : غير أخدود.]] أخدود رِزْقاً أي جعلناه رزقا لِلْعِبادِ وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً. أخبرني ابن منجويه، قال: حدّثنا ابن صقلاب. قال: حدّثنا ابن أبي الخصيب، قال: حدّثني ابن أبي الجوادي، قال: حدّثنا [عتيق] بن يعقوب، عن إبراهيم بن قدامة، عن أبي عبد الله الأغر، عن أبي هريرة، قال: كان النبيّ ﷺ‎ إذا جاءهم المطر، فسالت الميازيب، قال: «لا محل عليكم العام» [86] [[المعجم الأوسط: 1/ 258.]] أي الجدب. كَذلِكَ الْخُرُوجُ من القبور. كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوانُ لُوطٍ وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ وهو ملك اليمن، ويسمّى تبّعا لكثرة أتباعه، وكان يعبد النار فأسلم، ودعا قومه إلى الإسلام، وهم من حمير، فكذّبوه، وكان خبره وخبر قومه ما أخبرنا عبد الله بن حامد، قال: أخبرني أبو علي إسماعيل بن سعدان، قال: أخبرني علي بن أحمد، قال: حدّثنا محمد ابن جرير، وأخبرني عقيل أنّ أبا الفرج أخبرهم عن ابن جرير، قال: حدّثنا ابن حميد، قال: حدّثنا سلمة، قال: حدّثنا محمد بن إسحاق، قال: كان تبّع الآخر، وهو أسعد أبو كرب بن ملكي كرب، حين أقبل من المشرق، جعل طريقه على المدينة، وكان حين مر بها لم يهيج أهلها، وخلّف بين أظهرهم ابنا له، فقتل غيلة، فقدمها، وهو مجمع لإخراجها، واستئصال أهلها، وقطع نخيلها، فجمع له هذا الحيّ من الأنصار، حين سمعوا ذلك من أمره امتنعوا منه، ورئيسهم يومئذ عمرو بن ظلم أخو بني النجار أحد بني عمرو، فخرجوا لقتاله، وكان تبّع نزل بهم قبل ذلك، فقتل رجل منهم، من بني عدي بن النجّار، يقال له: أحمر، رجلا من صحابة تبّع، وجده في عذق له بجدة فضربه بنخلة فقتله. وقال: إنّما التمرة لمن أبره، ثمّ ألقاه حين قتله في بئر من آبارهم معروفة، يقال لها: ذات تومان، فزاد ذلك تبعا حنقا عليهم، فبينا تبّع على ذلك من حربهم يقاتلهم ويقاتلونه، قال: فيزعم الأنصار أنّهم كانوا يقاتلونه بالنهار، ويقرونه بالليل، فيعجبه ذلك، ويقول: والله إنّ قومنا هؤلاء لكرام، إذ جاءه حبران من أحبار يهود بني قريظة، عالمان راسخان، وكانا ابني عمرو، وكانا أعلم أهل زمانهما، فجاءا تبّعا حين سمعا ما يريد من إهلاك المدينة، وأهلها، فقالا له: أيّها الملك لا تفعل، فإنّك إن أتيت إلا ما تريد حيل بينك وبينها، ولم يأمن عليك عاجل العقوبة، فقال لهما: ولم ذاك؟ قالا: هي مهاجر نبي يخرج من هذا الحيّ من قريش في آخر الزمان، تكون داره وقراره، فتناهى لقولهما عمّا كان يريد بالمدينة، ورأى أنّ لهما علما، وأعجبه ما سمع منهما، أنّهما دعواه إلى دينهما، فليتبعهما على دينهما، فقال تبع في ذلك: ما بال نومك مثل نوم الأرمد ... أرقا كأنك لا تزال تسهد حنقا على سبطين حلّا يثربا ... أولى لهم بعقاب يوم مفسد ولقد هبطنا يثربا وصدورنا ... تغلي بلابلها بقتل محصد ولقد حلفت يمين صبر مؤليا ... قسما لعمرك ليس بالتمردد أن جئت يثرب لا أغادر وسطها ... عذقا ولا بسرا بيثرب يخلد حتى أتاني من قريظة عالم ... خبر لعمرك في اليهود مسود قال ازدجر عن قرية محفوظة ... لنبي مكّة من قريش مهتد فعفوت عنهم عفو غير مثرب ... وتركتهم لعقاب يوم سرمد وتركتهم لله أرجو عفوه ... يوم الحساب من الجحيم الموقد ولقد تركت بها له من قومنا ... نفرا أولي حسب وبأس يحمد نفرا يكون النصر في أعقابهم ... أرجو بذاك ثواب ربّ محمّد [[تاريخ الطبري: 1/ 533 وذكر تمام الأبيات.]] فلمّا [......] [[كلمة غير مقروءة.]] تبع إلى دينهما أكرمهما وانصرف عن المدينة، وخرج بهما إلى اليمن ولمّا [دنا من] اليمن ليدخلها حالت حمير بينه وبين ذلك، وقالوا: لا تدخلها علينا، وقد فارقت ديننا، فدعاهم إلى دينه، وقال: إنه دين خير من دينكم. قالوا: فحاكمنا إلى النار. وكانت باليمن نار في أسفل جبل يقال له: ندا [[كذا في المخطوط.]] ، يتحاكمون إليها، فيما يختلفون فيه، فتحكم بينهم، تأكل الظالم، ولا تضرّ المظلوم، فلمّا قالوا ذلك لتبّع، قال: أنصفتم، فخرج قومه بأوثانهم، وما يتقرّبون به في دينهم، وخرج الحبران، مصاحفهما في أعناقهما متقلّداهما، حتّى قعدوا للنّار عند مخرجها التي تخرج منه، فخرجت النار إليهم، ولمّا أقبلت نحو حمير، حادوا عنها، وهابوها فدعاهم من حضرهم من الناس، وأمروهم بالصبر لها فصبروا حتّى غشيتهم، فأكلت الأوثان، وما قربوا معها، ومن حمل ذلك من رجال حمير، وخرج الحبران ومصاحفهما في أعناقهما، يتلون التوراة، تعرق جباههما، لم تضرّهما، ونكصت النار حتّى رجعت إلى مخرجها الذي خرجت منه، فأطبقت حمير عند ذلك على دينهما. فمن هناك كان أصل اليهودية باليمن [[تفسير الطبري: 26/ 200.]] . وكان لهم بيت يعظمونه، وينحرون عنده، ويكلّمون منه، إذا كانوا على شركهم، فقال الحبران القرظيان، واسماهما كعب وأسد لتبّع: إنّما هو شيطان [يفنيهم ويلغيهم] [[في تفسير الطبري: يعينهم ويلعب بهم (26/ 200) .]] ، فخلّ بيننا وبينه. قال: فشأنكما به. فاستخرجا منه كلبا أسود، فذبحاه، ثمّ هدما ذلك البيت، فبقاياه اليوم باليمن كما ذكر لي. وروى أبي دريد، عن أبي حاتم، عن الرياشي، قال: كان أبو كرب أسعد الحميري من التبابعة، آمن بالنبيّ ﷺ‎ محمّد ﷺ‎ قبل أن يبعث بسبعمائة سنة، وقال في ذلك شعرا: شهدت على أحمد أنّه ... رسول من الله باري النسم فلو مد عمري إلى عمره ... لكنت صهرا له وابن عمّ [[تفسير القرطبي: 16/ 145.]] كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وجب وَعِيدِ لهم بالعذاب يخوف كفّار مكّة، قال قتادة: دمر الله سبحانه وتعالى قوم تبّع، ولم يدمّره، وكان من ملوك اليمن، فسار بالجيوش، وافتتح البلاد، وقصد مكّة ليهدم البيت، فقيل له: إنّ لهذا البيت ربّا يحميه، فندم وأحرم، ودخل مكّة، وطاف بالبيت، وكساه، فهو أوّل من كسا البيت أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ أي عجزنا عنه، وتعذر علينا [الأول فهم في شك الإعادة للخلق] الثاني. بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ وهو البعث.

ق 50:5

مكّية، وهي ألف وأربعمائة وأربع وتسعون حرفا، وثلاثمائة وسبع وخمسون كلمة، وخمسة وأربعون آية أخبرنا أبو الحسين محمد بن القاسم بن أحمد الماوردي، قال: أخبرنا أبو الحسين محمد ابن محمد بن سادة الكرابيسي، قال: حدّثنا أحمد بن محمد بن الحسين، قال: حدّثنا محمد بن يحيى، قال: حدّثنا مسلم بن قتيبة، عن سعيد، عن عاصم بن بهدلة، عن زر بن حش، عن أبي بن كعب، قال: قال رسول الله ﷺ‎: «من قرأ سورة ق، هوّن الله عليه تارات الموت، وسكراته» [84] [[تفسير مجمع البيان: 9/ 233.]] . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ق قال ابن عبّاس: هو اسم من أسماء الله سبحانه، أقسم به. قتادة: اسم من أسماء القرآن، القرظي: افتتاح أسماء الله، قدير، وقادر، وقاهر، وقاضي، وقابض. الشعبي: فاتحة السّورة. بريد، وعكرمة، والضحّاك: هو جبل محيط بالأرض من زمردة خضراء، خضرة السماء منه، وعليه كتفا السماء، وما أصاب الناس من زمرد، فهو ما يسقط من الجبل، وهي رواية أبي الحوراء، عن ابن عبّاس. قال وهب بن منبه: إنّ ذا القرنين أتى على جبل قاف، فرأى حوله جبالا صغارا، فقال له: ما أنت؟ قال: أنا قاف، قال: وما هذه الجبال حولك؟ قال: هي عروقي، وليست مدينة من المدائن إلّا وفيها عرق منها، فإذا أراد الله أن يزلزل تلك الأرض أمرني، فحرّكت عرقي ذلك، فتزلزلت تلك الأرض، فقال له: يا قاف، فأخبرني بشيء من عظمة الله، قال: إنّ شأن ربّنا لعظيم، تقصر عنه الصفات، وتنقضي دونه الأوهام. قال: فأخبرني بأدنى ما يوصف منها. قال: إنّ ورائي لأرضا مسيرة خمسمائة عام في عرض خمسمائة عام من جبال ثلج يحطم بعضه بعضا، لولا ذاك الثلج لاحترقت من حرّ جهنّم. قال: زدني، قال: إنّ جبريل عليه السّلام واقف بين يدي الله سبحانه ترعد فرائصه، يخلق الله من كلّ رعدة مائة ألف ملك، وأولئك الملائكة صفوف بين يدي الله سبحانه، منكّسو رؤوسهم، فإذا أذن الله لهم في الكلام، قالوا: لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ، وهو قوله: يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ، وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً [[سورة النبأ: 38.]] يعني لا إله إلّا الله. وقال الفرّاء: وسمعت من يقول: (ق) : قضي ما هو كائن، وقال أبو بكر الورّاق: معناه قف عند أمرنا، ونهينا، ولا تعدهما. وقيل: معناه قل يا محمّد. أحمد بن عاصم الأنطاكي، هو قرب الله سبحانه من عباده، بيانه وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [[سورة ق: 16.]] وقال ابن عطاء: أقسم بقوّة قلب حبيبه محمّد ﷺ‎ حيث حمل الخطاب، ولم يؤثر ذلك فيه لعلوّ حاله. وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ الشريف، الكريم على الله الكبير، الخبير. واختلف العلماء في جواب هذا القسم، فقال أهل الكوفة: بَلْ عَجِبُوا، وقال الأخفش: جوابه محذوف مجازه ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ لتبعثن، وقال ابن كيسان: جوابه قوله: ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ الآية، وقيل: قد علمنا، وجوابات القسم سبعة: (إن) الشديدة، كقوله: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ [[سورة الفجر: 14.]] و (ما) النفي كقوله: وَالضُّحى ... ما وَدَّعَكَ [[سورة الضحى: 31.]] و (اللام) المفتوحة، كقوله: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [[سورة الحجر: 92.]] و (إن) الخفيفة كقوله سبحانه: تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي [[سورة الشعراء: 97.]] ، و (لا) كقوله: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ [[سورة الأنعام: 109.]] ، لا يبعث الله من يموت، وقد كقوله: وَالشَّمْسِ وَضُحاها ... قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها [[سورة الشمس: 91.]] وبل كقوله: ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ يعرفون حسبه، ونسبه، وصدقه، وأمانته. فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ غريب. أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً نبعث، فترك ذكر البعث لدلالة الكلام عليه. ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ يقال: رجعته رجعا، فرجع هو رجوعا، قال الله سبحانه: فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ [[سورة التوبة: 83.]] قال الله سبحانه: قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ ما تأكله من عظامهم، وأجسامهم، وقيل: معناه قد علمنا ما يبلى منهم، وما يبقى لأنّ العصعص لا تأكله الأرض كما جاء في الحديث: «كلّ ابن آدم يبلى، إلّا عجب الذنب، منه خلق ومنه يركب» [85] [[تفسير ابن كثير: 3/ 251 ومسند أحمد: 2/ 499.]] وأبدان الأنبياء والشهداء أيضا لا تبلى. وقال السدي: والموت يقول: قد علمنا من يموت منهم، ومن يبقى. وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ محفوظ من الشياطين، ومن أن يدرس، ويبعثر، وهو اللوح المحفوظ، المكتوب فيه جميع الأشياء المقدّرة. بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ بالقرآن. لَمَّا جاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ قال أبو حمزة: سئل ابن عبّاس عن المريج، فقال: هو الشيء المكر، أما سمعت قول الشاعر: فجالت فالتمست به حشاها ... فخر كأنه خوط مريج [[تاج العروس: 2/ 100.]] الوالبي عنه: أمر مختلف. العوفي عنه: أمر ضلالة. سعيد بن جبير، ومجاهد: ملتبس، قال قتادة: في هذه الآية من نزل الحقّ مرج أمره عليه، والتبس دينه عليه. ابن زيد: مختلط، وقيل: فاسد، وقيل: متغير. وكلّ هذه الأقاويل متقاربة، وأصل المرج الاضطراب، والقلق، يقال: مرج أمر الناس، ومرج الدّين، ومرج الخاتم في إصبعي وخرج إذا قلق من الهزال، قال الشاعر: مرج الدّين فأعددت له ... مشرف الحارك محبوك الكتد [[لسان العرب: 10/ 408 وتفسير القرطبي: 17/ 15 والحارك: الكاهل، والكتد: مجمع الكتفين.]] وفي الحديث: «مرجت عهودهم، وأمانيهم» . أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ أي شقوق، وفتوق، واحدها فرج، وقال ابن زيد: الفروج الشيء المتفرّق المتبري بعضه من بعض، وقال الكسائي: ليس فيها تفاوت، ولا اختلاف وَالْأَرْضَ مَدَدْناها بسطناها على وجه الماء وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ لون بَهِيجٍ حسن كريم يبهج به أي يسر. تَبْصِرَةً أي جعلنا ذلك تبصرة، وقال أبو حاتم: نصبت على المصدر. وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ يعني تبصر أو تذكّر إنابتها له، لأنّ من قدر على خلق السماوات، والأرض، والنبات، قدر على بعثهم، ونظير التبصرة من المصادر التكملة، والتفضلة، ومن المضاعف النخلة، والبعرة. وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ يعني البر، والشعير، وسائر الحبوب التي تحصد وتدّخر وتقتات، وأضاف الحبّ إلى الحصيد، وهما واحد، لاختلاف اللفظين، كما يقال: مسجد الجامع، وربيع الأوّل، وحَقُّ الْيَقِينِ، وحَبْلِ الْوَرِيدِ، ونحوها. وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ قال مجاهد، وعكرمة، وقتادة: طوالا، وقال عبد الله بن شداد بن الهاد: سوقها لاستقامتها في الطول. سعيد بن جبير: مستويات. الحسن والفرّاء: مواقير حوامل، يقال للشاة إذا ولدت: أبسقت، ومحلّها نصب على الحال، والقطع. أخبرني الحسن، قال: حدّثنا عمر بن أحمد بن القاسم النهاوندي، قال: حدّثنا عبيد بن محمد بن صبح الكناني. قال: حدّثنا هشام بن يونس النهشلي، قال: حدّثنا سفيان بن عيينة، عن زياد بن علاقة، عن قطبة بن مالك. قال: سمعت النبيّ ﷺ‎ يقرأ: (والنّخل باصقات) بالصاد [[تفسير القرطبي: 17/ 7.]] . لَها طَلْعٌ تمر، وحمل سمّي بذلك لأنّه يطلع. نَضِيدٌ متراكب متراكم، قد نضد بعضه على بعض. قال بن الأجدع: نخل الجنّة نضيد من أصلها إلى فرعها، وثمرها أمثال [القلال] [[القلال: خشب ترفع بها الكروم من الأرض، والأخدود: الشقوق المستطيلة في الأرض.]] والدلاء، وأنهارها تجري في [عبر] [[في تفسير الطبري (1/ 246) : غير أخدود.]] أخدود رِزْقاً أي جعلناه رزقا لِلْعِبادِ وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً. أخبرني ابن منجويه، قال: حدّثنا ابن صقلاب. قال: حدّثنا ابن أبي الخصيب، قال: حدّثني ابن أبي الجوادي، قال: حدّثنا [عتيق] بن يعقوب، عن إبراهيم بن قدامة، عن أبي عبد الله الأغر، عن أبي هريرة، قال: كان النبيّ ﷺ‎ إذا جاءهم المطر، فسالت الميازيب، قال: «لا محل عليكم العام» [86] [[المعجم الأوسط: 1/ 258.]] أي الجدب. كَذلِكَ الْخُرُوجُ من القبور. كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوانُ لُوطٍ وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ وهو ملك اليمن، ويسمّى تبّعا لكثرة أتباعه، وكان يعبد النار فأسلم، ودعا قومه إلى الإسلام، وهم من حمير، فكذّبوه، وكان خبره وخبر قومه ما أخبرنا عبد الله بن حامد، قال: أخبرني أبو علي إسماعيل بن سعدان، قال: أخبرني علي بن أحمد، قال: حدّثنا محمد ابن جرير، وأخبرني عقيل أنّ أبا الفرج أخبرهم عن ابن جرير، قال: حدّثنا ابن حميد، قال: حدّثنا سلمة، قال: حدّثنا محمد بن إسحاق، قال: كان تبّع الآخر، وهو أسعد أبو كرب بن ملكي كرب، حين أقبل من المشرق، جعل طريقه على المدينة، وكان حين مر بها لم يهيج أهلها، وخلّف بين أظهرهم ابنا له، فقتل غيلة، فقدمها، وهو مجمع لإخراجها، واستئصال أهلها، وقطع نخيلها، فجمع له هذا الحيّ من الأنصار، حين سمعوا ذلك من أمره امتنعوا منه، ورئيسهم يومئذ عمرو بن ظلم أخو بني النجار أحد بني عمرو، فخرجوا لقتاله، وكان تبّع نزل بهم قبل ذلك، فقتل رجل منهم، من بني عدي بن النجّار، يقال له: أحمر، رجلا من صحابة تبّع، وجده في عذق له بجدة فضربه بنخلة فقتله. وقال: إنّما التمرة لمن أبره، ثمّ ألقاه حين قتله في بئر من آبارهم معروفة، يقال لها: ذات تومان، فزاد ذلك تبعا حنقا عليهم، فبينا تبّع على ذلك من حربهم يقاتلهم ويقاتلونه، قال: فيزعم الأنصار أنّهم كانوا يقاتلونه بالنهار، ويقرونه بالليل، فيعجبه ذلك، ويقول: والله إنّ قومنا هؤلاء لكرام، إذ جاءه حبران من أحبار يهود بني قريظة، عالمان راسخان، وكانا ابني عمرو، وكانا أعلم أهل زمانهما، فجاءا تبّعا حين سمعا ما يريد من إهلاك المدينة، وأهلها، فقالا له: أيّها الملك لا تفعل، فإنّك إن أتيت إلا ما تريد حيل بينك وبينها، ولم يأمن عليك عاجل العقوبة، فقال لهما: ولم ذاك؟ قالا: هي مهاجر نبي يخرج من هذا الحيّ من قريش في آخر الزمان، تكون داره وقراره، فتناهى لقولهما عمّا كان يريد بالمدينة، ورأى أنّ لهما علما، وأعجبه ما سمع منهما، أنّهما دعواه إلى دينهما، فليتبعهما على دينهما، فقال تبع في ذلك: ما بال نومك مثل نوم الأرمد ... أرقا كأنك لا تزال تسهد حنقا على سبطين حلّا يثربا ... أولى لهم بعقاب يوم مفسد ولقد هبطنا يثربا وصدورنا ... تغلي بلابلها بقتل محصد ولقد حلفت يمين صبر مؤليا ... قسما لعمرك ليس بالتمردد أن جئت يثرب لا أغادر وسطها ... عذقا ولا بسرا بيثرب يخلد حتى أتاني من قريظة عالم ... خبر لعمرك في اليهود مسود قال ازدجر عن قرية محفوظة ... لنبي مكّة من قريش مهتد فعفوت عنهم عفو غير مثرب ... وتركتهم لعقاب يوم سرمد وتركتهم لله أرجو عفوه ... يوم الحساب من الجحيم الموقد ولقد تركت بها له من قومنا ... نفرا أولي حسب وبأس يحمد نفرا يكون النصر في أعقابهم ... أرجو بذاك ثواب ربّ محمّد [[تاريخ الطبري: 1/ 533 وذكر تمام الأبيات.]] فلمّا [......] [[كلمة غير مقروءة.]] تبع إلى دينهما أكرمهما وانصرف عن المدينة، وخرج بهما إلى اليمن ولمّا [دنا من] اليمن ليدخلها حالت حمير بينه وبين ذلك، وقالوا: لا تدخلها علينا، وقد فارقت ديننا، فدعاهم إلى دينه، وقال: إنه دين خير من دينكم. قالوا: فحاكمنا إلى النار. وكانت باليمن نار في أسفل جبل يقال له: ندا [[كذا في المخطوط.]] ، يتحاكمون إليها، فيما يختلفون فيه، فتحكم بينهم، تأكل الظالم، ولا تضرّ المظلوم، فلمّا قالوا ذلك لتبّع، قال: أنصفتم، فخرج قومه بأوثانهم، وما يتقرّبون به في دينهم، وخرج الحبران، مصاحفهما في أعناقهما متقلّداهما، حتّى قعدوا للنّار عند مخرجها التي تخرج منه، فخرجت النار إليهم، ولمّا أقبلت نحو حمير، حادوا عنها، وهابوها فدعاهم من حضرهم من الناس، وأمروهم بالصبر لها فصبروا حتّى غشيتهم، فأكلت الأوثان، وما قربوا معها، ومن حمل ذلك من رجال حمير، وخرج الحبران ومصاحفهما في أعناقهما، يتلون التوراة، تعرق جباههما، لم تضرّهما، ونكصت النار حتّى رجعت إلى مخرجها الذي خرجت منه، فأطبقت حمير عند ذلك على دينهما. فمن هناك كان أصل اليهودية باليمن [[تفسير الطبري: 26/ 200.]] . وكان لهم بيت يعظمونه، وينحرون عنده، ويكلّمون منه، إذا كانوا على شركهم، فقال الحبران القرظيان، واسماهما كعب وأسد لتبّع: إنّما هو شيطان [يفنيهم ويلغيهم] [[في تفسير الطبري: يعينهم ويلعب بهم (26/ 200) .]] ، فخلّ بيننا وبينه. قال: فشأنكما به. فاستخرجا منه كلبا أسود، فذبحاه، ثمّ هدما ذلك البيت، فبقاياه اليوم باليمن كما ذكر لي. وروى أبي دريد، عن أبي حاتم، عن الرياشي، قال: كان أبو كرب أسعد الحميري من التبابعة، آمن بالنبيّ ﷺ‎ محمّد ﷺ‎ قبل أن يبعث بسبعمائة سنة، وقال في ذلك شعرا: شهدت على أحمد أنّه ... رسول من الله باري النسم فلو مد عمري إلى عمره ... لكنت صهرا له وابن عمّ [[تفسير القرطبي: 16/ 145.]] كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وجب وَعِيدِ لهم بالعذاب يخوف كفّار مكّة، قال قتادة: دمر الله سبحانه وتعالى قوم تبّع، ولم يدمّره، وكان من ملوك اليمن، فسار بالجيوش، وافتتح البلاد، وقصد مكّة ليهدم البيت، فقيل له: إنّ لهذا البيت ربّا يحميه، فندم وأحرم، ودخل مكّة، وطاف بالبيت، وكساه، فهو أوّل من كسا البيت أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ أي عجزنا عنه، وتعذر علينا [الأول فهم في شك الإعادة للخلق] الثاني. بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ وهو البعث.

ق 50:6

مكّية، وهي ألف وأربعمائة وأربع وتسعون حرفا، وثلاثمائة وسبع وخمسون كلمة، وخمسة وأربعون آية أخبرنا أبو الحسين محمد بن القاسم بن أحمد الماوردي، قال: أخبرنا أبو الحسين محمد ابن محمد بن سادة الكرابيسي، قال: حدّثنا أحمد بن محمد بن الحسين، قال: حدّثنا محمد بن يحيى، قال: حدّثنا مسلم بن قتيبة، عن سعيد، عن عاصم بن بهدلة، عن زر بن حش، عن أبي بن كعب، قال: قال رسول الله ﷺ‎: «من قرأ سورة ق، هوّن الله عليه تارات الموت، وسكراته» [84] [[تفسير مجمع البيان: 9/ 233.]] . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ق قال ابن عبّاس: هو اسم من أسماء الله سبحانه، أقسم به. قتادة: اسم من أسماء القرآن، القرظي: افتتاح أسماء الله، قدير، وقادر، وقاهر، وقاضي، وقابض. الشعبي: فاتحة السّورة. بريد، وعكرمة، والضحّاك: هو جبل محيط بالأرض من زمردة خضراء، خضرة السماء منه، وعليه كتفا السماء، وما أصاب الناس من زمرد، فهو ما يسقط من الجبل، وهي رواية أبي الحوراء، عن ابن عبّاس. قال وهب بن منبه: إنّ ذا القرنين أتى على جبل قاف، فرأى حوله جبالا صغارا، فقال له: ما أنت؟ قال: أنا قاف، قال: وما هذه الجبال حولك؟ قال: هي عروقي، وليست مدينة من المدائن إلّا وفيها عرق منها، فإذا أراد الله أن يزلزل تلك الأرض أمرني، فحرّكت عرقي ذلك، فتزلزلت تلك الأرض، فقال له: يا قاف، فأخبرني بشيء من عظمة الله، قال: إنّ شأن ربّنا لعظيم، تقصر عنه الصفات، وتنقضي دونه الأوهام. قال: فأخبرني بأدنى ما يوصف منها. قال: إنّ ورائي لأرضا مسيرة خمسمائة عام في عرض خمسمائة عام من جبال ثلج يحطم بعضه بعضا، لولا ذاك الثلج لاحترقت من حرّ جهنّم. قال: زدني، قال: إنّ جبريل عليه السّلام واقف بين يدي الله سبحانه ترعد فرائصه، يخلق الله من كلّ رعدة مائة ألف ملك، وأولئك الملائكة صفوف بين يدي الله سبحانه، منكّسو رؤوسهم، فإذا أذن الله لهم في الكلام، قالوا: لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ، وهو قوله: يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ، وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً [[سورة النبأ: 38.]] يعني لا إله إلّا الله. وقال الفرّاء: وسمعت من يقول: (ق) : قضي ما هو كائن، وقال أبو بكر الورّاق: معناه قف عند أمرنا، ونهينا، ولا تعدهما. وقيل: معناه قل يا محمّد. أحمد بن عاصم الأنطاكي، هو قرب الله سبحانه من عباده، بيانه وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [[سورة ق: 16.]] وقال ابن عطاء: أقسم بقوّة قلب حبيبه محمّد ﷺ‎ حيث حمل الخطاب، ولم يؤثر ذلك فيه لعلوّ حاله. وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ الشريف، الكريم على الله الكبير، الخبير. واختلف العلماء في جواب هذا القسم، فقال أهل الكوفة: بَلْ عَجِبُوا، وقال الأخفش: جوابه محذوف مجازه ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ لتبعثن، وقال ابن كيسان: جوابه قوله: ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ الآية، وقيل: قد علمنا، وجوابات القسم سبعة: (إن) الشديدة، كقوله: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ [[سورة الفجر: 14.]] و (ما) النفي كقوله: وَالضُّحى ... ما وَدَّعَكَ [[سورة الضحى: 31.]] و (اللام) المفتوحة، كقوله: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [[سورة الحجر: 92.]] و (إن) الخفيفة كقوله سبحانه: تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي [[سورة الشعراء: 97.]] ، و (لا) كقوله: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ [[سورة الأنعام: 109.]] ، لا يبعث الله من يموت، وقد كقوله: وَالشَّمْسِ وَضُحاها ... قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها [[سورة الشمس: 91.]] وبل كقوله: ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ يعرفون حسبه، ونسبه، وصدقه، وأمانته. فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ غريب. أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً نبعث، فترك ذكر البعث لدلالة الكلام عليه. ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ يقال: رجعته رجعا، فرجع هو رجوعا، قال الله سبحانه: فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ [[سورة التوبة: 83.]] قال الله سبحانه: قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ ما تأكله من عظامهم، وأجسامهم، وقيل: معناه قد علمنا ما يبلى منهم، وما يبقى لأنّ العصعص لا تأكله الأرض كما جاء في الحديث: «كلّ ابن آدم يبلى، إلّا عجب الذنب، منه خلق ومنه يركب» [85] [[تفسير ابن كثير: 3/ 251 ومسند أحمد: 2/ 499.]] وأبدان الأنبياء والشهداء أيضا لا تبلى. وقال السدي: والموت يقول: قد علمنا من يموت منهم، ومن يبقى. وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ محفوظ من الشياطين، ومن أن يدرس، ويبعثر، وهو اللوح المحفوظ، المكتوب فيه جميع الأشياء المقدّرة. بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ بالقرآن. لَمَّا جاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ قال أبو حمزة: سئل ابن عبّاس عن المريج، فقال: هو الشيء المكر، أما سمعت قول الشاعر: فجالت فالتمست به حشاها ... فخر كأنه خوط مريج [[تاج العروس: 2/ 100.]] الوالبي عنه: أمر مختلف. العوفي عنه: أمر ضلالة. سعيد بن جبير، ومجاهد: ملتبس، قال قتادة: في هذه الآية من نزل الحقّ مرج أمره عليه، والتبس دينه عليه. ابن زيد: مختلط، وقيل: فاسد، وقيل: متغير. وكلّ هذه الأقاويل متقاربة، وأصل المرج الاضطراب، والقلق، يقال: مرج أمر الناس، ومرج الدّين، ومرج الخاتم في إصبعي وخرج إذا قلق من الهزال، قال الشاعر: مرج الدّين فأعددت له ... مشرف الحارك محبوك الكتد [[لسان العرب: 10/ 408 وتفسير القرطبي: 17/ 15 والحارك: الكاهل، والكتد: مجمع الكتفين.]] وفي الحديث: «مرجت عهودهم، وأمانيهم» . أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ أي شقوق، وفتوق، واحدها فرج، وقال ابن زيد: الفروج الشيء المتفرّق المتبري بعضه من بعض، وقال الكسائي: ليس فيها تفاوت، ولا اختلاف وَالْأَرْضَ مَدَدْناها بسطناها على وجه الماء وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ لون بَهِيجٍ حسن كريم يبهج به أي يسر. تَبْصِرَةً أي جعلنا ذلك تبصرة، وقال أبو حاتم: نصبت على المصدر. وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ يعني تبصر أو تذكّر إنابتها له، لأنّ من قدر على خلق السماوات، والأرض، والنبات، قدر على بعثهم، ونظير التبصرة من المصادر التكملة، والتفضلة، ومن المضاعف النخلة، والبعرة. وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ يعني البر، والشعير، وسائر الحبوب التي تحصد وتدّخر وتقتات، وأضاف الحبّ إلى الحصيد، وهما واحد، لاختلاف اللفظين، كما يقال: مسجد الجامع، وربيع الأوّل، وحَقُّ الْيَقِينِ، وحَبْلِ الْوَرِيدِ، ونحوها. وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ قال مجاهد، وعكرمة، وقتادة: طوالا، وقال عبد الله بن شداد بن الهاد: سوقها لاستقامتها في الطول. سعيد بن جبير: مستويات. الحسن والفرّاء: مواقير حوامل، يقال للشاة إذا ولدت: أبسقت، ومحلّها نصب على الحال، والقطع. أخبرني الحسن، قال: حدّثنا عمر بن أحمد بن القاسم النهاوندي، قال: حدّثنا عبيد بن محمد بن صبح الكناني. قال: حدّثنا هشام بن يونس النهشلي، قال: حدّثنا سفيان بن عيينة، عن زياد بن علاقة، عن قطبة بن مالك. قال: سمعت النبيّ ﷺ‎ يقرأ: (والنّخل باصقات) بالصاد [[تفسير القرطبي: 17/ 7.]] . لَها طَلْعٌ تمر، وحمل سمّي بذلك لأنّه يطلع. نَضِيدٌ متراكب متراكم، قد نضد بعضه على بعض. قال بن الأجدع: نخل الجنّة نضيد من أصلها إلى فرعها، وثمرها أمثال [القلال] [[القلال: خشب ترفع بها الكروم من الأرض، والأخدود: الشقوق المستطيلة في الأرض.]] والدلاء، وأنهارها تجري في [عبر] [[في تفسير الطبري (1/ 246) : غير أخدود.]] أخدود رِزْقاً أي جعلناه رزقا لِلْعِبادِ وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً. أخبرني ابن منجويه، قال: حدّثنا ابن صقلاب. قال: حدّثنا ابن أبي الخصيب، قال: حدّثني ابن أبي الجوادي، قال: حدّثنا [عتيق] بن يعقوب، عن إبراهيم بن قدامة، عن أبي عبد الله الأغر، عن أبي هريرة، قال: كان النبيّ ﷺ‎ إذا جاءهم المطر، فسالت الميازيب، قال: «لا محل عليكم العام» [86] [[المعجم الأوسط: 1/ 258.]] أي الجدب. كَذلِكَ الْخُرُوجُ من القبور. كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوانُ لُوطٍ وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ وهو ملك اليمن، ويسمّى تبّعا لكثرة أتباعه، وكان يعبد النار فأسلم، ودعا قومه إلى الإسلام، وهم من حمير، فكذّبوه، وكان خبره وخبر قومه ما أخبرنا عبد الله بن حامد، قال: أخبرني أبو علي إسماعيل بن سعدان، قال: أخبرني علي بن أحمد، قال: حدّثنا محمد ابن جرير، وأخبرني عقيل أنّ أبا الفرج أخبرهم عن ابن جرير، قال: حدّثنا ابن حميد، قال: حدّثنا سلمة، قال: حدّثنا محمد بن إسحاق، قال: كان تبّع الآخر، وهو أسعد أبو كرب بن ملكي كرب، حين أقبل من المشرق، جعل طريقه على المدينة، وكان حين مر بها لم يهيج أهلها، وخلّف بين أظهرهم ابنا له، فقتل غيلة، فقدمها، وهو مجمع لإخراجها، واستئصال أهلها، وقطع نخيلها، فجمع له هذا الحيّ من الأنصار، حين سمعوا ذلك من أمره امتنعوا منه، ورئيسهم يومئذ عمرو بن ظلم أخو بني النجار أحد بني عمرو، فخرجوا لقتاله، وكان تبّع نزل بهم قبل ذلك، فقتل رجل منهم، من بني عدي بن النجّار، يقال له: أحمر، رجلا من صحابة تبّع، وجده في عذق له بجدة فضربه بنخلة فقتله. وقال: إنّما التمرة لمن أبره، ثمّ ألقاه حين قتله في بئر من آبارهم معروفة، يقال لها: ذات تومان، فزاد ذلك تبعا حنقا عليهم، فبينا تبّع على ذلك من حربهم يقاتلهم ويقاتلونه، قال: فيزعم الأنصار أنّهم كانوا يقاتلونه بالنهار، ويقرونه بالليل، فيعجبه ذلك، ويقول: والله إنّ قومنا هؤلاء لكرام، إذ جاءه حبران من أحبار يهود بني قريظة، عالمان راسخان، وكانا ابني عمرو، وكانا أعلم أهل زمانهما، فجاءا تبّعا حين سمعا ما يريد من إهلاك المدينة، وأهلها، فقالا له: أيّها الملك لا تفعل، فإنّك إن أتيت إلا ما تريد حيل بينك وبينها، ولم يأمن عليك عاجل العقوبة، فقال لهما: ولم ذاك؟ قالا: هي مهاجر نبي يخرج من هذا الحيّ من قريش في آخر الزمان، تكون داره وقراره، فتناهى لقولهما عمّا كان يريد بالمدينة، ورأى أنّ لهما علما، وأعجبه ما سمع منهما، أنّهما دعواه إلى دينهما، فليتبعهما على دينهما، فقال تبع في ذلك: ما بال نومك مثل نوم الأرمد ... أرقا كأنك لا تزال تسهد حنقا على سبطين حلّا يثربا ... أولى لهم بعقاب يوم مفسد ولقد هبطنا يثربا وصدورنا ... تغلي بلابلها بقتل محصد ولقد حلفت يمين صبر مؤليا ... قسما لعمرك ليس بالتمردد أن جئت يثرب لا أغادر وسطها ... عذقا ولا بسرا بيثرب يخلد حتى أتاني من قريظة عالم ... خبر لعمرك في اليهود مسود قال ازدجر عن قرية محفوظة ... لنبي مكّة من قريش مهتد فعفوت عنهم عفو غير مثرب ... وتركتهم لعقاب يوم سرمد وتركتهم لله أرجو عفوه ... يوم الحساب من الجحيم الموقد ولقد تركت بها له من قومنا ... نفرا أولي حسب وبأس يحمد نفرا يكون النصر في أعقابهم ... أرجو بذاك ثواب ربّ محمّد [[تاريخ الطبري: 1/ 533 وذكر تمام الأبيات.]] فلمّا [......] [[كلمة غير مقروءة.]] تبع إلى دينهما أكرمهما وانصرف عن المدينة، وخرج بهما إلى اليمن ولمّا [دنا من] اليمن ليدخلها حالت حمير بينه وبين ذلك، وقالوا: لا تدخلها علينا، وقد فارقت ديننا، فدعاهم إلى دينه، وقال: إنه دين خير من دينكم. قالوا: فحاكمنا إلى النار. وكانت باليمن نار في أسفل جبل يقال له: ندا [[كذا في المخطوط.]] ، يتحاكمون إليها، فيما يختلفون فيه، فتحكم بينهم، تأكل الظالم، ولا تضرّ المظلوم، فلمّا قالوا ذلك لتبّع، قال: أنصفتم، فخرج قومه بأوثانهم، وما يتقرّبون به في دينهم، وخرج الحبران، مصاحفهما في أعناقهما متقلّداهما، حتّى قعدوا للنّار عند مخرجها التي تخرج منه، فخرجت النار إليهم، ولمّا أقبلت نحو حمير، حادوا عنها، وهابوها فدعاهم من حضرهم من الناس، وأمروهم بالصبر لها فصبروا حتّى غشيتهم، فأكلت الأوثان، وما قربوا معها، ومن حمل ذلك من رجال حمير، وخرج الحبران ومصاحفهما في أعناقهما، يتلون التوراة، تعرق جباههما، لم تضرّهما، ونكصت النار حتّى رجعت إلى مخرجها الذي خرجت منه، فأطبقت حمير عند ذلك على دينهما. فمن هناك كان أصل اليهودية باليمن [[تفسير الطبري: 26/ 200.]] . وكان لهم بيت يعظمونه، وينحرون عنده، ويكلّمون منه، إذا كانوا على شركهم، فقال الحبران القرظيان، واسماهما كعب وأسد لتبّع: إنّما هو شيطان [يفنيهم ويلغيهم] [[في تفسير الطبري: يعينهم ويلعب بهم (26/ 200) .]] ، فخلّ بيننا وبينه. قال: فشأنكما به. فاستخرجا منه كلبا أسود، فذبحاه، ثمّ هدما ذلك البيت، فبقاياه اليوم باليمن كما ذكر لي. وروى أبي دريد، عن أبي حاتم، عن الرياشي، قال: كان أبو كرب أسعد الحميري من التبابعة، آمن بالنبيّ ﷺ‎ محمّد ﷺ‎ قبل أن يبعث بسبعمائة سنة، وقال في ذلك شعرا: شهدت على أحمد أنّه ... رسول من الله باري النسم فلو مد عمري إلى عمره ... لكنت صهرا له وابن عمّ [[تفسير القرطبي: 16/ 145.]] كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وجب وَعِيدِ لهم بالعذاب يخوف كفّار مكّة، قال قتادة: دمر الله سبحانه وتعالى قوم تبّع، ولم يدمّره، وكان من ملوك اليمن، فسار بالجيوش، وافتتح البلاد، وقصد مكّة ليهدم البيت، فقيل له: إنّ لهذا البيت ربّا يحميه، فندم وأحرم، ودخل مكّة، وطاف بالبيت، وكساه، فهو أوّل من كسا البيت أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ أي عجزنا عنه، وتعذر علينا [الأول فهم في شك الإعادة للخلق] الثاني. بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ وهو البعث.

ق 50:7

مكّية، وهي ألف وأربعمائة وأربع وتسعون حرفا، وثلاثمائة وسبع وخمسون كلمة، وخمسة وأربعون آية أخبرنا أبو الحسين محمد بن القاسم بن أحمد الماوردي، قال: أخبرنا أبو الحسين محمد ابن محمد بن سادة الكرابيسي، قال: حدّثنا أحمد بن محمد بن الحسين، قال: حدّثنا محمد بن يحيى، قال: حدّثنا مسلم بن قتيبة، عن سعيد، عن عاصم بن بهدلة، عن زر بن حش، عن أبي بن كعب، قال: قال رسول الله ﷺ‎: «من قرأ سورة ق، هوّن الله عليه تارات الموت، وسكراته» [84] [[تفسير مجمع البيان: 9/ 233.]] . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ق قال ابن عبّاس: هو اسم من أسماء الله سبحانه، أقسم به. قتادة: اسم من أسماء القرآن، القرظي: افتتاح أسماء الله، قدير، وقادر، وقاهر، وقاضي، وقابض. الشعبي: فاتحة السّورة. بريد، وعكرمة، والضحّاك: هو جبل محيط بالأرض من زمردة خضراء، خضرة السماء منه، وعليه كتفا السماء، وما أصاب الناس من زمرد، فهو ما يسقط من الجبل، وهي رواية أبي الحوراء، عن ابن عبّاس. قال وهب بن منبه: إنّ ذا القرنين أتى على جبل قاف، فرأى حوله جبالا صغارا، فقال له: ما أنت؟ قال: أنا قاف، قال: وما هذه الجبال حولك؟ قال: هي عروقي، وليست مدينة من المدائن إلّا وفيها عرق منها، فإذا أراد الله أن يزلزل تلك الأرض أمرني، فحرّكت عرقي ذلك، فتزلزلت تلك الأرض، فقال له: يا قاف، فأخبرني بشيء من عظمة الله، قال: إنّ شأن ربّنا لعظيم، تقصر عنه الصفات، وتنقضي دونه الأوهام. قال: فأخبرني بأدنى ما يوصف منها. قال: إنّ ورائي لأرضا مسيرة خمسمائة عام في عرض خمسمائة عام من جبال ثلج يحطم بعضه بعضا، لولا ذاك الثلج لاحترقت من حرّ جهنّم. قال: زدني، قال: إنّ جبريل عليه السّلام واقف بين يدي الله سبحانه ترعد فرائصه، يخلق الله من كلّ رعدة مائة ألف ملك، وأولئك الملائكة صفوف بين يدي الله سبحانه، منكّسو رؤوسهم، فإذا أذن الله لهم في الكلام، قالوا: لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ، وهو قوله: يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ، وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً [[سورة النبأ: 38.]] يعني لا إله إلّا الله. وقال الفرّاء: وسمعت من يقول: (ق) : قضي ما هو كائن، وقال أبو بكر الورّاق: معناه قف عند أمرنا، ونهينا، ولا تعدهما. وقيل: معناه قل يا محمّد. أحمد بن عاصم الأنطاكي، هو قرب الله سبحانه من عباده، بيانه وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [[سورة ق: 16.]] وقال ابن عطاء: أقسم بقوّة قلب حبيبه محمّد ﷺ‎ حيث حمل الخطاب، ولم يؤثر ذلك فيه لعلوّ حاله. وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ الشريف، الكريم على الله الكبير، الخبير. واختلف العلماء في جواب هذا القسم، فقال أهل الكوفة: بَلْ عَجِبُوا، وقال الأخفش: جوابه محذوف مجازه ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ لتبعثن، وقال ابن كيسان: جوابه قوله: ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ الآية، وقيل: قد علمنا، وجوابات القسم سبعة: (إن) الشديدة، كقوله: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ [[سورة الفجر: 14.]] و (ما) النفي كقوله: وَالضُّحى ... ما وَدَّعَكَ [[سورة الضحى: 31.]] و (اللام) المفتوحة، كقوله: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [[سورة الحجر: 92.]] و (إن) الخفيفة كقوله سبحانه: تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي [[سورة الشعراء: 97.]] ، و (لا) كقوله: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ [[سورة الأنعام: 109.]] ، لا يبعث الله من يموت، وقد كقوله: وَالشَّمْسِ وَضُحاها ... قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها [[سورة الشمس: 91.]] وبل كقوله: ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ يعرفون حسبه، ونسبه، وصدقه، وأمانته. فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ غريب. أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً نبعث، فترك ذكر البعث لدلالة الكلام عليه. ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ يقال: رجعته رجعا، فرجع هو رجوعا، قال الله سبحانه: فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ [[سورة التوبة: 83.]] قال الله سبحانه: قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ ما تأكله من عظامهم، وأجسامهم، وقيل: معناه قد علمنا ما يبلى منهم، وما يبقى لأنّ العصعص لا تأكله الأرض كما جاء في الحديث: «كلّ ابن آدم يبلى، إلّا عجب الذنب، منه خلق ومنه يركب» [85] [[تفسير ابن كثير: 3/ 251 ومسند أحمد: 2/ 499.]] وأبدان الأنبياء والشهداء أيضا لا تبلى. وقال السدي: والموت يقول: قد علمنا من يموت منهم، ومن يبقى. وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ محفوظ من الشياطين، ومن أن يدرس، ويبعثر، وهو اللوح المحفوظ، المكتوب فيه جميع الأشياء المقدّرة. بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ بالقرآن. لَمَّا جاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ قال أبو حمزة: سئل ابن عبّاس عن المريج، فقال: هو الشيء المكر، أما سمعت قول الشاعر: فجالت فالتمست به حشاها ... فخر كأنه خوط مريج [[تاج العروس: 2/ 100.]] الوالبي عنه: أمر مختلف. العوفي عنه: أمر ضلالة. سعيد بن جبير، ومجاهد: ملتبس، قال قتادة: في هذه الآية من نزل الحقّ مرج أمره عليه، والتبس دينه عليه. ابن زيد: مختلط، وقيل: فاسد، وقيل: متغير. وكلّ هذه الأقاويل متقاربة، وأصل المرج الاضطراب، والقلق، يقال: مرج أمر الناس، ومرج الدّين، ومرج الخاتم في إصبعي وخرج إذا قلق من الهزال، قال الشاعر: مرج الدّين فأعددت له ... مشرف الحارك محبوك الكتد [[لسان العرب: 10/ 408 وتفسير القرطبي: 17/ 15 والحارك: الكاهل، والكتد: مجمع الكتفين.]] وفي الحديث: «مرجت عهودهم، وأمانيهم» . أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ أي شقوق، وفتوق، واحدها فرج، وقال ابن زيد: الفروج الشيء المتفرّق المتبري بعضه من بعض، وقال الكسائي: ليس فيها تفاوت، ولا اختلاف وَالْأَرْضَ مَدَدْناها بسطناها على وجه الماء وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ لون بَهِيجٍ حسن كريم يبهج به أي يسر. تَبْصِرَةً أي جعلنا ذلك تبصرة، وقال أبو حاتم: نصبت على المصدر. وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ يعني تبصر أو تذكّر إنابتها له، لأنّ من قدر على خلق السماوات، والأرض، والنبات، قدر على بعثهم، ونظير التبصرة من المصادر التكملة، والتفضلة، ومن المضاعف النخلة، والبعرة. وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ يعني البر، والشعير، وسائر الحبوب التي تحصد وتدّخر وتقتات، وأضاف الحبّ إلى الحصيد، وهما واحد، لاختلاف اللفظين، كما يقال: مسجد الجامع، وربيع الأوّل، وحَقُّ الْيَقِينِ، وحَبْلِ الْوَرِيدِ، ونحوها. وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ قال مجاهد، وعكرمة، وقتادة: طوالا، وقال عبد الله بن شداد بن الهاد: سوقها لاستقامتها في الطول. سعيد بن جبير: مستويات. الحسن والفرّاء: مواقير حوامل، يقال للشاة إذا ولدت: أبسقت، ومحلّها نصب على الحال، والقطع. أخبرني الحسن، قال: حدّثنا عمر بن أحمد بن القاسم النهاوندي، قال: حدّثنا عبيد بن محمد بن صبح الكناني. قال: حدّثنا هشام بن يونس النهشلي، قال: حدّثنا سفيان بن عيينة، عن زياد بن علاقة، عن قطبة بن مالك. قال: سمعت النبيّ ﷺ‎ يقرأ: (والنّخل باصقات) بالصاد [[تفسير القرطبي: 17/ 7.]] . لَها طَلْعٌ تمر، وحمل سمّي بذلك لأنّه يطلع. نَضِيدٌ متراكب متراكم، قد نضد بعضه على بعض. قال بن الأجدع: نخل الجنّة نضيد من أصلها إلى فرعها، وثمرها أمثال [القلال] [[القلال: خشب ترفع بها الكروم من الأرض، والأخدود: الشقوق المستطيلة في الأرض.]] والدلاء، وأنهارها تجري في [عبر] [[في تفسير الطبري (1/ 246) : غير أخدود.]] أخدود رِزْقاً أي جعلناه رزقا لِلْعِبادِ وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً. أخبرني ابن منجويه، قال: حدّثنا ابن صقلاب. قال: حدّثنا ابن أبي الخصيب، قال: حدّثني ابن أبي الجوادي، قال: حدّثنا [عتيق] بن يعقوب، عن إبراهيم بن قدامة، عن أبي عبد الله الأغر، عن أبي هريرة، قال: كان النبيّ ﷺ‎ إذا جاءهم المطر، فسالت الميازيب، قال: «لا محل عليكم العام» [86] [[المعجم الأوسط: 1/ 258.]] أي الجدب. كَذلِكَ الْخُرُوجُ من القبور. كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوانُ لُوطٍ وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ وهو ملك اليمن، ويسمّى تبّعا لكثرة أتباعه، وكان يعبد النار فأسلم، ودعا قومه إلى الإسلام، وهم من حمير، فكذّبوه، وكان خبره وخبر قومه ما أخبرنا عبد الله بن حامد، قال: أخبرني أبو علي إسماعيل بن سعدان، قال: أخبرني علي بن أحمد، قال: حدّثنا محمد ابن جرير، وأخبرني عقيل أنّ أبا الفرج أخبرهم عن ابن جرير، قال: حدّثنا ابن حميد، قال: حدّثنا سلمة، قال: حدّثنا محمد بن إسحاق، قال: كان تبّع الآخر، وهو أسعد أبو كرب بن ملكي كرب، حين أقبل من المشرق، جعل طريقه على المدينة، وكان حين مر بها لم يهيج أهلها، وخلّف بين أظهرهم ابنا له، فقتل غيلة، فقدمها، وهو مجمع لإخراجها، واستئصال أهلها، وقطع نخيلها، فجمع له هذا الحيّ من الأنصار، حين سمعوا ذلك من أمره امتنعوا منه، ورئيسهم يومئذ عمرو بن ظلم أخو بني النجار أحد بني عمرو، فخرجوا لقتاله، وكان تبّع نزل بهم قبل ذلك، فقتل رجل منهم، من بني عدي بن النجّار، يقال له: أحمر، رجلا من صحابة تبّع، وجده في عذق له بجدة فضربه بنخلة فقتله. وقال: إنّما التمرة لمن أبره، ثمّ ألقاه حين قتله في بئر من آبارهم معروفة، يقال لها: ذات تومان، فزاد ذلك تبعا حنقا عليهم، فبينا تبّع على ذلك من حربهم يقاتلهم ويقاتلونه، قال: فيزعم الأنصار أنّهم كانوا يقاتلونه بالنهار، ويقرونه بالليل، فيعجبه ذلك، ويقول: والله إنّ قومنا هؤلاء لكرام، إذ جاءه حبران من أحبار يهود بني قريظة، عالمان راسخان، وكانا ابني عمرو، وكانا أعلم أهل زمانهما، فجاءا تبّعا حين سمعا ما يريد من إهلاك المدينة، وأهلها، فقالا له: أيّها الملك لا تفعل، فإنّك إن أتيت إلا ما تريد حيل بينك وبينها، ولم يأمن عليك عاجل العقوبة، فقال لهما: ولم ذاك؟ قالا: هي مهاجر نبي يخرج من هذا الحيّ من قريش في آخر الزمان، تكون داره وقراره، فتناهى لقولهما عمّا كان يريد بالمدينة، ورأى أنّ لهما علما، وأعجبه ما سمع منهما، أنّهما دعواه إلى دينهما، فليتبعهما على دينهما، فقال تبع في ذلك: ما بال نومك مثل نوم الأرمد ... أرقا كأنك لا تزال تسهد حنقا على سبطين حلّا يثربا ... أولى لهم بعقاب يوم مفسد ولقد هبطنا يثربا وصدورنا ... تغلي بلابلها بقتل محصد ولقد حلفت يمين صبر مؤليا ... قسما لعمرك ليس بالتمردد أن جئت يثرب لا أغادر وسطها ... عذقا ولا بسرا بيثرب يخلد حتى أتاني من قريظة عالم ... خبر لعمرك في اليهود مسود قال ازدجر عن قرية محفوظة ... لنبي مكّة من قريش مهتد فعفوت عنهم عفو غير مثرب ... وتركتهم لعقاب يوم سرمد وتركتهم لله أرجو عفوه ... يوم الحساب من الجحيم الموقد ولقد تركت بها له من قومنا ... نفرا أولي حسب وبأس يحمد نفرا يكون النصر في أعقابهم ... أرجو بذاك ثواب ربّ محمّد [[تاريخ الطبري: 1/ 533 وذكر تمام الأبيات.]] فلمّا [......] [[كلمة غير مقروءة.]] تبع إلى دينهما أكرمهما وانصرف عن المدينة، وخرج بهما إلى اليمن ولمّا [دنا من] اليمن ليدخلها حالت حمير بينه وبين ذلك، وقالوا: لا تدخلها علينا، وقد فارقت ديننا، فدعاهم إلى دينه، وقال: إنه دين خير من دينكم. قالوا: فحاكمنا إلى النار. وكانت باليمن نار في أسفل جبل يقال له: ندا [[كذا في المخطوط.]] ، يتحاكمون إليها، فيما يختلفون فيه، فتحكم بينهم، تأكل الظالم، ولا تضرّ المظلوم، فلمّا قالوا ذلك لتبّع، قال: أنصفتم، فخرج قومه بأوثانهم، وما يتقرّبون به في دينهم، وخرج الحبران، مصاحفهما في أعناقهما متقلّداهما، حتّى قعدوا للنّار عند مخرجها التي تخرج منه، فخرجت النار إليهم، ولمّا أقبلت نحو حمير، حادوا عنها، وهابوها فدعاهم من حضرهم من الناس، وأمروهم بالصبر لها فصبروا حتّى غشيتهم، فأكلت الأوثان، وما قربوا معها، ومن حمل ذلك من رجال حمير، وخرج الحبران ومصاحفهما في أعناقهما، يتلون التوراة، تعرق جباههما، لم تضرّهما، ونكصت النار حتّى رجعت إلى مخرجها الذي خرجت منه، فأطبقت حمير عند ذلك على دينهما. فمن هناك كان أصل اليهودية باليمن [[تفسير الطبري: 26/ 200.]] . وكان لهم بيت يعظمونه، وينحرون عنده، ويكلّمون منه، إذا كانوا على شركهم، فقال الحبران القرظيان، واسماهما كعب وأسد لتبّع: إنّما هو شيطان [يفنيهم ويلغيهم] [[في تفسير الطبري: يعينهم ويلعب بهم (26/ 200) .]] ، فخلّ بيننا وبينه. قال: فشأنكما به. فاستخرجا منه كلبا أسود، فذبحاه، ثمّ هدما ذلك البيت، فبقاياه اليوم باليمن كما ذكر لي. وروى أبي دريد، عن أبي حاتم، عن الرياشي، قال: كان أبو كرب أسعد الحميري من التبابعة، آمن بالنبيّ ﷺ‎ محمّد ﷺ‎ قبل أن يبعث بسبعمائة سنة، وقال في ذلك شعرا: شهدت على أحمد أنّه ... رسول من الله باري النسم فلو مد عمري إلى عمره ... لكنت صهرا له وابن عمّ [[تفسير القرطبي: 16/ 145.]] كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وجب وَعِيدِ لهم بالعذاب يخوف كفّار مكّة، قال قتادة: دمر الله سبحانه وتعالى قوم تبّع، ولم يدمّره، وكان من ملوك اليمن، فسار بالجيوش، وافتتح البلاد، وقصد مكّة ليهدم البيت، فقيل له: إنّ لهذا البيت ربّا يحميه، فندم وأحرم، ودخل مكّة، وطاف بالبيت، وكساه، فهو أوّل من كسا البيت أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ أي عجزنا عنه، وتعذر علينا [الأول فهم في شك الإعادة للخلق] الثاني. بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ وهو البعث.

ق 50:8

مكّية، وهي ألف وأربعمائة وأربع وتسعون حرفا، وثلاثمائة وسبع وخمسون كلمة، وخمسة وأربعون آية أخبرنا أبو الحسين محمد بن القاسم بن أحمد الماوردي، قال: أخبرنا أبو الحسين محمد ابن محمد بن سادة الكرابيسي، قال: حدّثنا أحمد بن محمد بن الحسين، قال: حدّثنا محمد بن يحيى، قال: حدّثنا مسلم بن قتيبة، عن سعيد، عن عاصم بن بهدلة، عن زر بن حش، عن أبي بن كعب، قال: قال رسول الله ﷺ‎: «من قرأ سورة ق، هوّن الله عليه تارات الموت، وسكراته» [84] [[تفسير مجمع البيان: 9/ 233.]] . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ق قال ابن عبّاس: هو اسم من أسماء الله سبحانه، أقسم به. قتادة: اسم من أسماء القرآن، القرظي: افتتاح أسماء الله، قدير، وقادر، وقاهر، وقاضي، وقابض. الشعبي: فاتحة السّورة. بريد، وعكرمة، والضحّاك: هو جبل محيط بالأرض من زمردة خضراء، خضرة السماء منه، وعليه كتفا السماء، وما أصاب الناس من زمرد، فهو ما يسقط من الجبل، وهي رواية أبي الحوراء، عن ابن عبّاس. قال وهب بن منبه: إنّ ذا القرنين أتى على جبل قاف، فرأى حوله جبالا صغارا، فقال له: ما أنت؟ قال: أنا قاف، قال: وما هذه الجبال حولك؟ قال: هي عروقي، وليست مدينة من المدائن إلّا وفيها عرق منها، فإذا أراد الله أن يزلزل تلك الأرض أمرني، فحرّكت عرقي ذلك، فتزلزلت تلك الأرض، فقال له: يا قاف، فأخبرني بشيء من عظمة الله، قال: إنّ شأن ربّنا لعظيم، تقصر عنه الصفات، وتنقضي دونه الأوهام. قال: فأخبرني بأدنى ما يوصف منها. قال: إنّ ورائي لأرضا مسيرة خمسمائة عام في عرض خمسمائة عام من جبال ثلج يحطم بعضه بعضا، لولا ذاك الثلج لاحترقت من حرّ جهنّم. قال: زدني، قال: إنّ جبريل عليه السّلام واقف بين يدي الله سبحانه ترعد فرائصه، يخلق الله من كلّ رعدة مائة ألف ملك، وأولئك الملائكة صفوف بين يدي الله سبحانه، منكّسو رؤوسهم، فإذا أذن الله لهم في الكلام، قالوا: لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ، وهو قوله: يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ، وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً [[سورة النبأ: 38.]] يعني لا إله إلّا الله. وقال الفرّاء: وسمعت من يقول: (ق) : قضي ما هو كائن، وقال أبو بكر الورّاق: معناه قف عند أمرنا، ونهينا، ولا تعدهما. وقيل: معناه قل يا محمّد. أحمد بن عاصم الأنطاكي، هو قرب الله سبحانه من عباده، بيانه وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [[سورة ق: 16.]] وقال ابن عطاء: أقسم بقوّة قلب حبيبه محمّد ﷺ‎ حيث حمل الخطاب، ولم يؤثر ذلك فيه لعلوّ حاله. وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ الشريف، الكريم على الله الكبير، الخبير. واختلف العلماء في جواب هذا القسم، فقال أهل الكوفة: بَلْ عَجِبُوا، وقال الأخفش: جوابه محذوف مجازه ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ لتبعثن، وقال ابن كيسان: جوابه قوله: ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ الآية، وقيل: قد علمنا، وجوابات القسم سبعة: (إن) الشديدة، كقوله: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ [[سورة الفجر: 14.]] و (ما) النفي كقوله: وَالضُّحى ... ما وَدَّعَكَ [[سورة الضحى: 31.]] و (اللام) المفتوحة، كقوله: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [[سورة الحجر: 92.]] و (إن) الخفيفة كقوله سبحانه: تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي [[سورة الشعراء: 97.]] ، و (لا) كقوله: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ [[سورة الأنعام: 109.]] ، لا يبعث الله من يموت، وقد كقوله: وَالشَّمْسِ وَضُحاها ... قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها [[سورة الشمس: 91.]] وبل كقوله: ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ يعرفون حسبه، ونسبه، وصدقه، وأمانته. فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ غريب. أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً نبعث، فترك ذكر البعث لدلالة الكلام عليه. ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ يقال: رجعته رجعا، فرجع هو رجوعا، قال الله سبحانه: فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ [[سورة التوبة: 83.]] قال الله سبحانه: قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ ما تأكله من عظامهم، وأجسامهم، وقيل: معناه قد علمنا ما يبلى منهم، وما يبقى لأنّ العصعص لا تأكله الأرض كما جاء في الحديث: «كلّ ابن آدم يبلى، إلّا عجب الذنب، منه خلق ومنه يركب» [85] [[تفسير ابن كثير: 3/ 251 ومسند أحمد: 2/ 499.]] وأبدان الأنبياء والشهداء أيضا لا تبلى. وقال السدي: والموت يقول: قد علمنا من يموت منهم، ومن يبقى. وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ محفوظ من الشياطين، ومن أن يدرس، ويبعثر، وهو اللوح المحفوظ، المكتوب فيه جميع الأشياء المقدّرة. بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ بالقرآن. لَمَّا جاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ قال أبو حمزة: سئل ابن عبّاس عن المريج، فقال: هو الشيء المكر، أما سمعت قول الشاعر: فجالت فالتمست به حشاها ... فخر كأنه خوط مريج [[تاج العروس: 2/ 100.]] الوالبي عنه: أمر مختلف. العوفي عنه: أمر ضلالة. سعيد بن جبير، ومجاهد: ملتبس، قال قتادة: في هذه الآية من نزل الحقّ مرج أمره عليه، والتبس دينه عليه. ابن زيد: مختلط، وقيل: فاسد، وقيل: متغير. وكلّ هذه الأقاويل متقاربة، وأصل المرج الاضطراب، والقلق، يقال: مرج أمر الناس، ومرج الدّين، ومرج الخاتم في إصبعي وخرج إذا قلق من الهزال، قال الشاعر: مرج الدّين فأعددت له ... مشرف الحارك محبوك الكتد [[لسان العرب: 10/ 408 وتفسير القرطبي: 17/ 15 والحارك: الكاهل، والكتد: مجمع الكتفين.]] وفي الحديث: «مرجت عهودهم، وأمانيهم» . أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ أي شقوق، وفتوق، واحدها فرج، وقال ابن زيد: الفروج الشيء المتفرّق المتبري بعضه من بعض، وقال الكسائي: ليس فيها تفاوت، ولا اختلاف وَالْأَرْضَ مَدَدْناها بسطناها على وجه الماء وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ لون بَهِيجٍ حسن كريم يبهج به أي يسر. تَبْصِرَةً أي جعلنا ذلك تبصرة، وقال أبو حاتم: نصبت على المصدر. وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ يعني تبصر أو تذكّر إنابتها له، لأنّ من قدر على خلق السماوات، والأرض، والنبات، قدر على بعثهم، ونظير التبصرة من المصادر التكملة، والتفضلة، ومن المضاعف النخلة، والبعرة. وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ يعني البر، والشعير، وسائر الحبوب التي تحصد وتدّخر وتقتات، وأضاف الحبّ إلى الحصيد، وهما واحد، لاختلاف اللفظين، كما يقال: مسجد الجامع، وربيع الأوّل، وحَقُّ الْيَقِينِ، وحَبْلِ الْوَرِيدِ، ونحوها. وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ قال مجاهد، وعكرمة، وقتادة: طوالا، وقال عبد الله بن شداد بن الهاد: سوقها لاستقامتها في الطول. سعيد بن جبير: مستويات. الحسن والفرّاء: مواقير حوامل، يقال للشاة إذا ولدت: أبسقت، ومحلّها نصب على الحال، والقطع. أخبرني الحسن، قال: حدّثنا عمر بن أحمد بن القاسم النهاوندي، قال: حدّثنا عبيد بن محمد بن صبح الكناني. قال: حدّثنا هشام بن يونس النهشلي، قال: حدّثنا سفيان بن عيينة، عن زياد بن علاقة، عن قطبة بن مالك. قال: سمعت النبيّ ﷺ‎ يقرأ: (والنّخل باصقات) بالصاد [[تفسير القرطبي: 17/ 7.]] . لَها طَلْعٌ تمر، وحمل سمّي بذلك لأنّه يطلع. نَضِيدٌ متراكب متراكم، قد نضد بعضه على بعض. قال بن الأجدع: نخل الجنّة نضيد من أصلها إلى فرعها، وثمرها أمثال [القلال] [[القلال: خشب ترفع بها الكروم من الأرض، والأخدود: الشقوق المستطيلة في الأرض.]] والدلاء، وأنهارها تجري في [عبر] [[في تفسير الطبري (1/ 246) : غير أخدود.]] أخدود رِزْقاً أي جعلناه رزقا لِلْعِبادِ وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً. أخبرني ابن منجويه، قال: حدّثنا ابن صقلاب. قال: حدّثنا ابن أبي الخصيب، قال: حدّثني ابن أبي الجوادي، قال: حدّثنا [عتيق] بن يعقوب، عن إبراهيم بن قدامة، عن أبي عبد الله الأغر، عن أبي هريرة، قال: كان النبيّ ﷺ‎ إذا جاءهم المطر، فسالت الميازيب، قال: «لا محل عليكم العام» [86] [[المعجم الأوسط: 1/ 258.]] أي الجدب. كَذلِكَ الْخُرُوجُ من القبور. كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوانُ لُوطٍ وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ وهو ملك اليمن، ويسمّى تبّعا لكثرة أتباعه، وكان يعبد النار فأسلم، ودعا قومه إلى الإسلام، وهم من حمير، فكذّبوه، وكان خبره وخبر قومه ما أخبرنا عبد الله بن حامد، قال: أخبرني أبو علي إسماعيل بن سعدان، قال: أخبرني علي بن أحمد، قال: حدّثنا محمد ابن جرير، وأخبرني عقيل أنّ أبا الفرج أخبرهم عن ابن جرير، قال: حدّثنا ابن حميد، قال: حدّثنا سلمة، قال: حدّثنا محمد بن إسحاق، قال: كان تبّع الآخر، وهو أسعد أبو كرب بن ملكي كرب، حين أقبل من المشرق، جعل طريقه على المدينة، وكان حين مر بها لم يهيج أهلها، وخلّف بين أظهرهم ابنا له، فقتل غيلة، فقدمها، وهو مجمع لإخراجها، واستئصال أهلها، وقطع نخيلها، فجمع له هذا الحيّ من الأنصار، حين سمعوا ذلك من أمره امتنعوا منه، ورئيسهم يومئذ عمرو بن ظلم أخو بني النجار أحد بني عمرو، فخرجوا لقتاله، وكان تبّع نزل بهم قبل ذلك، فقتل رجل منهم، من بني عدي بن النجّار، يقال له: أحمر، رجلا من صحابة تبّع، وجده في عذق له بجدة فضربه بنخلة فقتله. وقال: إنّما التمرة لمن أبره، ثمّ ألقاه حين قتله في بئر من آبارهم معروفة، يقال لها: ذات تومان، فزاد ذلك تبعا حنقا عليهم، فبينا تبّع على ذلك من حربهم يقاتلهم ويقاتلونه، قال: فيزعم الأنصار أنّهم كانوا يقاتلونه بالنهار، ويقرونه بالليل، فيعجبه ذلك، ويقول: والله إنّ قومنا هؤلاء لكرام، إذ جاءه حبران من أحبار يهود بني قريظة، عالمان راسخان، وكانا ابني عمرو، وكانا أعلم أهل زمانهما، فجاءا تبّعا حين سمعا ما يريد من إهلاك المدينة، وأهلها، فقالا له: أيّها الملك لا تفعل، فإنّك إن أتيت إلا ما تريد حيل بينك وبينها، ولم يأمن عليك عاجل العقوبة، فقال لهما: ولم ذاك؟ قالا: هي مهاجر نبي يخرج من هذا الحيّ من قريش في آخر الزمان، تكون داره وقراره، فتناهى لقولهما عمّا كان يريد بالمدينة، ورأى أنّ لهما علما، وأعجبه ما سمع منهما، أنّهما دعواه إلى دينهما، فليتبعهما على دينهما، فقال تبع في ذلك: ما بال نومك مثل نوم الأرمد ... أرقا كأنك لا تزال تسهد حنقا على سبطين حلّا يثربا ... أولى لهم بعقاب يوم مفسد ولقد هبطنا يثربا وصدورنا ... تغلي بلابلها بقتل محصد ولقد حلفت يمين صبر مؤليا ... قسما لعمرك ليس بالتمردد أن جئت يثرب لا أغادر وسطها ... عذقا ولا بسرا بيثرب يخلد حتى أتاني من قريظة عالم ... خبر لعمرك في اليهود مسود قال ازدجر عن قرية محفوظة ... لنبي مكّة من قريش مهتد فعفوت عنهم عفو غير مثرب ... وتركتهم لعقاب يوم سرمد وتركتهم لله أرجو عفوه ... يوم الحساب من الجحيم الموقد ولقد تركت بها له من قومنا ... نفرا أولي حسب وبأس يحمد نفرا يكون النصر في أعقابهم ... أرجو بذاك ثواب ربّ محمّد [[تاريخ الطبري: 1/ 533 وذكر تمام الأبيات.]] فلمّا [......] [[كلمة غير مقروءة.]] تبع إلى دينهما أكرمهما وانصرف عن المدينة، وخرج بهما إلى اليمن ولمّا [دنا من] اليمن ليدخلها حالت حمير بينه وبين ذلك، وقالوا: لا تدخلها علينا، وقد فارقت ديننا، فدعاهم إلى دينه، وقال: إنه دين خير من دينكم. قالوا: فحاكمنا إلى النار. وكانت باليمن نار في أسفل جبل يقال له: ندا [[كذا في المخطوط.]] ، يتحاكمون إليها، فيما يختلفون فيه، فتحكم بينهم، تأكل الظالم، ولا تضرّ المظلوم، فلمّا قالوا ذلك لتبّع، قال: أنصفتم، فخرج قومه بأوثانهم، وما يتقرّبون به في دينهم، وخرج الحبران، مصاحفهما في أعناقهما متقلّداهما، حتّى قعدوا للنّار عند مخرجها التي تخرج منه، فخرجت النار إليهم، ولمّا أقبلت نحو حمير، حادوا عنها، وهابوها فدعاهم من حضرهم من الناس، وأمروهم بالصبر لها فصبروا حتّى غشيتهم، فأكلت الأوثان، وما قربوا معها، ومن حمل ذلك من رجال حمير، وخرج الحبران ومصاحفهما في أعناقهما، يتلون التوراة، تعرق جباههما، لم تضرّهما، ونكصت النار حتّى رجعت إلى مخرجها الذي خرجت منه، فأطبقت حمير عند ذلك على دينهما. فمن هناك كان أصل اليهودية باليمن [[تفسير الطبري: 26/ 200.]] . وكان لهم بيت يعظمونه، وينحرون عنده، ويكلّمون منه، إذا كانوا على شركهم، فقال الحبران القرظيان، واسماهما كعب وأسد لتبّع: إنّما هو شيطان [يفنيهم ويلغيهم] [[في تفسير الطبري: يعينهم ويلعب بهم (26/ 200) .]] ، فخلّ بيننا وبينه. قال: فشأنكما به. فاستخرجا منه كلبا أسود، فذبحاه، ثمّ هدما ذلك البيت، فبقاياه اليوم باليمن كما ذكر لي. وروى أبي دريد، عن أبي حاتم، عن الرياشي، قال: كان أبو كرب أسعد الحميري من التبابعة، آمن بالنبيّ ﷺ‎ محمّد ﷺ‎ قبل أن يبعث بسبعمائة سنة، وقال في ذلك شعرا: شهدت على أحمد أنّه ... رسول من الله باري النسم فلو مد عمري إلى عمره ... لكنت صهرا له وابن عمّ [[تفسير القرطبي: 16/ 145.]] كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وجب وَعِيدِ لهم بالعذاب يخوف كفّار مكّة، قال قتادة: دمر الله سبحانه وتعالى قوم تبّع، ولم يدمّره، وكان من ملوك اليمن، فسار بالجيوش، وافتتح البلاد، وقصد مكّة ليهدم البيت، فقيل له: إنّ لهذا البيت ربّا يحميه، فندم وأحرم، ودخل مكّة، وطاف بالبيت، وكساه، فهو أوّل من كسا البيت أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ أي عجزنا عنه، وتعذر علينا [الأول فهم في شك الإعادة للخلق] الثاني. بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ وهو البعث.

ق 50:9

مكّية، وهي ألف وأربعمائة وأربع وتسعون حرفا، وثلاثمائة وسبع وخمسون كلمة، وخمسة وأربعون آية أخبرنا أبو الحسين محمد بن القاسم بن أحمد الماوردي، قال: أخبرنا أبو الحسين محمد ابن محمد بن سادة الكرابيسي، قال: حدّثنا أحمد بن محمد بن الحسين، قال: حدّثنا محمد بن يحيى، قال: حدّثنا مسلم بن قتيبة، عن سعيد، عن عاصم بن بهدلة، عن زر بن حش، عن أبي بن كعب، قال: قال رسول الله ﷺ‎: «من قرأ سورة ق، هوّن الله عليه تارات الموت، وسكراته» [84] [[تفسير مجمع البيان: 9/ 233.]] . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ق قال ابن عبّاس: هو اسم من أسماء الله سبحانه، أقسم به. قتادة: اسم من أسماء القرآن، القرظي: افتتاح أسماء الله، قدير، وقادر، وقاهر، وقاضي، وقابض. الشعبي: فاتحة السّورة. بريد، وعكرمة، والضحّاك: هو جبل محيط بالأرض من زمردة خضراء، خضرة السماء منه، وعليه كتفا السماء، وما أصاب الناس من زمرد، فهو ما يسقط من الجبل، وهي رواية أبي الحوراء، عن ابن عبّاس. قال وهب بن منبه: إنّ ذا القرنين أتى على جبل قاف، فرأى حوله جبالا صغارا، فقال له: ما أنت؟ قال: أنا قاف، قال: وما هذه الجبال حولك؟ قال: هي عروقي، وليست مدينة من المدائن إلّا وفيها عرق منها، فإذا أراد الله أن يزلزل تلك الأرض أمرني، فحرّكت عرقي ذلك، فتزلزلت تلك الأرض، فقال له: يا قاف، فأخبرني بشيء من عظمة الله، قال: إنّ شأن ربّنا لعظيم، تقصر عنه الصفات، وتنقضي دونه الأوهام. قال: فأخبرني بأدنى ما يوصف منها. قال: إنّ ورائي لأرضا مسيرة خمسمائة عام في عرض خمسمائة عام من جبال ثلج يحطم بعضه بعضا، لولا ذاك الثلج لاحترقت من حرّ جهنّم. قال: زدني، قال: إنّ جبريل عليه السّلام واقف بين يدي الله سبحانه ترعد فرائصه، يخلق الله من كلّ رعدة مائة ألف ملك، وأولئك الملائكة صفوف بين يدي الله سبحانه، منكّسو رؤوسهم، فإذا أذن الله لهم في الكلام، قالوا: لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ، وهو قوله: يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ، وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً [[سورة النبأ: 38.]] يعني لا إله إلّا الله. وقال الفرّاء: وسمعت من يقول: (ق) : قضي ما هو كائن، وقال أبو بكر الورّاق: معناه قف عند أمرنا، ونهينا، ولا تعدهما. وقيل: معناه قل يا محمّد. أحمد بن عاصم الأنطاكي، هو قرب الله سبحانه من عباده، بيانه وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [[سورة ق: 16.]] وقال ابن عطاء: أقسم بقوّة قلب حبيبه محمّد ﷺ‎ حيث حمل الخطاب، ولم يؤثر ذلك فيه لعلوّ حاله. وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ الشريف، الكريم على الله الكبير، الخبير. واختلف العلماء في جواب هذا القسم، فقال أهل الكوفة: بَلْ عَجِبُوا، وقال الأخفش: جوابه محذوف مجازه ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ لتبعثن، وقال ابن كيسان: جوابه قوله: ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ الآية، وقيل: قد علمنا، وجوابات القسم سبعة: (إن) الشديدة، كقوله: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ [[سورة الفجر: 14.]] و (ما) النفي كقوله: وَالضُّحى ... ما وَدَّعَكَ [[سورة الضحى: 31.]] و (اللام) المفتوحة، كقوله: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [[سورة الحجر: 92.]] و (إن) الخفيفة كقوله سبحانه: تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي [[سورة الشعراء: 97.]] ، و (لا) كقوله: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ [[سورة الأنعام: 109.]] ، لا يبعث الله من يموت، وقد كقوله: وَالشَّمْسِ وَضُحاها ... قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها [[سورة الشمس: 91.]] وبل كقوله: ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ يعرفون حسبه، ونسبه، وصدقه، وأمانته. فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ غريب. أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً نبعث، فترك ذكر البعث لدلالة الكلام عليه. ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ يقال: رجعته رجعا، فرجع هو رجوعا، قال الله سبحانه: فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ [[سورة التوبة: 83.]] قال الله سبحانه: قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ ما تأكله من عظامهم، وأجسامهم، وقيل: معناه قد علمنا ما يبلى منهم، وما يبقى لأنّ العصعص لا تأكله الأرض كما جاء في الحديث: «كلّ ابن آدم يبلى، إلّا عجب الذنب، منه خلق ومنه يركب» [85] [[تفسير ابن كثير: 3/ 251 ومسند أحمد: 2/ 499.]] وأبدان الأنبياء والشهداء أيضا لا تبلى. وقال السدي: والموت يقول: قد علمنا من يموت منهم، ومن يبقى. وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ محفوظ من الشياطين، ومن أن يدرس، ويبعثر، وهو اللوح المحفوظ، المكتوب فيه جميع الأشياء المقدّرة. بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ بالقرآن. لَمَّا جاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ قال أبو حمزة: سئل ابن عبّاس عن المريج، فقال: هو الشيء المكر، أما سمعت قول الشاعر: فجالت فالتمست به حشاها ... فخر كأنه خوط مريج [[تاج العروس: 2/ 100.]] الوالبي عنه: أمر مختلف. العوفي عنه: أمر ضلالة. سعيد بن جبير، ومجاهد: ملتبس، قال قتادة: في هذه الآية من نزل الحقّ مرج أمره عليه، والتبس دينه عليه. ابن زيد: مختلط، وقيل: فاسد، وقيل: متغير. وكلّ هذه الأقاويل متقاربة، وأصل المرج الاضطراب، والقلق، يقال: مرج أمر الناس، ومرج الدّين، ومرج الخاتم في إصبعي وخرج إذا قلق من الهزال، قال الشاعر: مرج الدّين فأعددت له ... مشرف الحارك محبوك الكتد [[لسان العرب: 10/ 408 وتفسير القرطبي: 17/ 15 والحارك: الكاهل، والكتد: مجمع الكتفين.]] وفي الحديث: «مرجت عهودهم، وأمانيهم» . أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ أي شقوق، وفتوق، واحدها فرج، وقال ابن زيد: الفروج الشيء المتفرّق المتبري بعضه من بعض، وقال الكسائي: ليس فيها تفاوت، ولا اختلاف وَالْأَرْضَ مَدَدْناها بسطناها على وجه الماء وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ لون بَهِيجٍ حسن كريم يبهج به أي يسر. تَبْصِرَةً أي جعلنا ذلك تبصرة، وقال أبو حاتم: نصبت على المصدر. وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ يعني تبصر أو تذكّر إنابتها له، لأنّ من قدر على خلق السماوات، والأرض، والنبات، قدر على بعثهم، ونظير التبصرة من المصادر التكملة، والتفضلة، ومن المضاعف النخلة، والبعرة. وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ يعني البر، والشعير، وسائر الحبوب التي تحصد وتدّخر وتقتات، وأضاف الحبّ إلى الحصيد، وهما واحد، لاختلاف اللفظين، كما يقال: مسجد الجامع، وربيع الأوّل، وحَقُّ الْيَقِينِ، وحَبْلِ الْوَرِيدِ، ونحوها. وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ قال مجاهد، وعكرمة، وقتادة: طوالا، وقال عبد الله بن شداد بن الهاد: سوقها لاستقامتها في الطول. سعيد بن جبير: مستويات. الحسن والفرّاء: مواقير حوامل، يقال للشاة إذا ولدت: أبسقت، ومحلّها نصب على الحال، والقطع. أخبرني الحسن، قال: حدّثنا عمر بن أحمد بن القاسم النهاوندي، قال: حدّثنا عبيد بن محمد بن صبح الكناني. قال: حدّثنا هشام بن يونس النهشلي، قال: حدّثنا سفيان بن عيينة، عن زياد بن علاقة، عن قطبة بن مالك. قال: سمعت النبيّ ﷺ‎ يقرأ: (والنّخل باصقات) بالصاد [[تفسير القرطبي: 17/ 7.]] . لَها طَلْعٌ تمر، وحمل سمّي بذلك لأنّه يطلع. نَضِيدٌ متراكب متراكم، قد نضد بعضه على بعض. قال بن الأجدع: نخل الجنّة نضيد من أصلها إلى فرعها، وثمرها أمثال [القلال] [[القلال: خشب ترفع بها الكروم من الأرض، والأخدود: الشقوق المستطيلة في الأرض.]] والدلاء، وأنهارها تجري في [عبر] [[في تفسير الطبري (1/ 246) : غير أخدود.]] أخدود رِزْقاً أي جعلناه رزقا لِلْعِبادِ وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً. أخبرني ابن منجويه، قال: حدّثنا ابن صقلاب. قال: حدّثنا ابن أبي الخصيب، قال: حدّثني ابن أبي الجوادي، قال: حدّثنا [عتيق] بن يعقوب، عن إبراهيم بن قدامة، عن أبي عبد الله الأغر، عن أبي هريرة، قال: كان النبيّ ﷺ‎ إذا جاءهم المطر، فسالت الميازيب، قال: «لا محل عليكم العام» [86] [[المعجم الأوسط: 1/ 258.]] أي الجدب. كَذلِكَ الْخُرُوجُ من القبور. كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوانُ لُوطٍ وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ وهو ملك اليمن، ويسمّى تبّعا لكثرة أتباعه، وكان يعبد النار فأسلم، ودعا قومه إلى الإسلام، وهم من حمير، فكذّبوه، وكان خبره وخبر قومه ما أخبرنا عبد الله بن حامد، قال: أخبرني أبو علي إسماعيل بن سعدان، قال: أخبرني علي بن أحمد، قال: حدّثنا محمد ابن جرير، وأخبرني عقيل أنّ أبا الفرج أخبرهم عن ابن جرير، قال: حدّثنا ابن حميد، قال: حدّثنا سلمة، قال: حدّثنا محمد بن إسحاق، قال: كان تبّع الآخر، وهو أسعد أبو كرب بن ملكي كرب، حين أقبل من المشرق، جعل طريقه على المدينة، وكان حين مر بها لم يهيج أهلها، وخلّف بين أظهرهم ابنا له، فقتل غيلة، فقدمها، وهو مجمع لإخراجها، واستئصال أهلها، وقطع نخيلها، فجمع له هذا الحيّ من الأنصار، حين سمعوا ذلك من أمره امتنعوا منه، ورئيسهم يومئذ عمرو بن ظلم أخو بني النجار أحد بني عمرو، فخرجوا لقتاله، وكان تبّع نزل بهم قبل ذلك، فقتل رجل منهم، من بني عدي بن النجّار، يقال له: أحمر، رجلا من صحابة تبّع، وجده في عذق له بجدة فضربه بنخلة فقتله. وقال: إنّما التمرة لمن أبره، ثمّ ألقاه حين قتله في بئر من آبارهم معروفة، يقال لها: ذات تومان، فزاد ذلك تبعا حنقا عليهم، فبينا تبّع على ذلك من حربهم يقاتلهم ويقاتلونه، قال: فيزعم الأنصار أنّهم كانوا يقاتلونه بالنهار، ويقرونه بالليل، فيعجبه ذلك، ويقول: والله إنّ قومنا هؤلاء لكرام، إذ جاءه حبران من أحبار يهود بني قريظة، عالمان راسخان، وكانا ابني عمرو، وكانا أعلم أهل زمانهما، فجاءا تبّعا حين سمعا ما يريد من إهلاك المدينة، وأهلها، فقالا له: أيّها الملك لا تفعل، فإنّك إن أتيت إلا ما تريد حيل بينك وبينها، ولم يأمن عليك عاجل العقوبة، فقال لهما: ولم ذاك؟ قالا: هي مهاجر نبي يخرج من هذا الحيّ من قريش في آخر الزمان، تكون داره وقراره، فتناهى لقولهما عمّا كان يريد بالمدينة، ورأى أنّ لهما علما، وأعجبه ما سمع منهما، أنّهما دعواه إلى دينهما، فليتبعهما على دينهما، فقال تبع في ذلك: ما بال نومك مثل نوم الأرمد ... أرقا كأنك لا تزال تسهد حنقا على سبطين حلّا يثربا ... أولى لهم بعقاب يوم مفسد ولقد هبطنا يثربا وصدورنا ... تغلي بلابلها بقتل محصد ولقد حلفت يمين صبر مؤليا ... قسما لعمرك ليس بالتمردد أن جئت يثرب لا أغادر وسطها ... عذقا ولا بسرا بيثرب يخلد حتى أتاني من قريظة عالم ... خبر لعمرك في اليهود مسود قال ازدجر عن قرية محفوظة ... لنبي مكّة من قريش مهتد فعفوت عنهم عفو غير مثرب ... وتركتهم لعقاب يوم سرمد وتركتهم لله أرجو عفوه ... يوم الحساب من الجحيم الموقد ولقد تركت بها له من قومنا ... نفرا أولي حسب وبأس يحمد نفرا يكون النصر في أعقابهم ... أرجو بذاك ثواب ربّ محمّد [[تاريخ الطبري: 1/ 533 وذكر تمام الأبيات.]] فلمّا [......] [[كلمة غير مقروءة.]] تبع إلى دينهما أكرمهما وانصرف عن المدينة، وخرج بهما إلى اليمن ولمّا [دنا من] اليمن ليدخلها حالت حمير بينه وبين ذلك، وقالوا: لا تدخلها علينا، وقد فارقت ديننا، فدعاهم إلى دينه، وقال: إنه دين خير من دينكم. قالوا: فحاكمنا إلى النار. وكانت باليمن نار في أسفل جبل يقال له: ندا [[كذا في المخطوط.]] ، يتحاكمون إليها، فيما يختلفون فيه، فتحكم بينهم، تأكل الظالم، ولا تضرّ المظلوم، فلمّا قالوا ذلك لتبّع، قال: أنصفتم، فخرج قومه بأوثانهم، وما يتقرّبون به في دينهم، وخرج الحبران، مصاحفهما في أعناقهما متقلّداهما، حتّى قعدوا للنّار عند مخرجها التي تخرج منه، فخرجت النار إليهم، ولمّا أقبلت نحو حمير، حادوا عنها، وهابوها فدعاهم من حضرهم من الناس، وأمروهم بالصبر لها فصبروا حتّى غشيتهم، فأكلت الأوثان، وما قربوا معها، ومن حمل ذلك من رجال حمير، وخرج الحبران ومصاحفهما في أعناقهما، يتلون التوراة، تعرق جباههما، لم تضرّهما، ونكصت النار حتّى رجعت إلى مخرجها الذي خرجت منه، فأطبقت حمير عند ذلك على دينهما. فمن هناك كان أصل اليهودية باليمن [[تفسير الطبري: 26/ 200.]] . وكان لهم بيت يعظمونه، وينحرون عنده، ويكلّمون منه، إذا كانوا على شركهم، فقال الحبران القرظيان، واسماهما كعب وأسد لتبّع: إنّما هو شيطان [يفنيهم ويلغيهم] [[في تفسير الطبري: يعينهم ويلعب بهم (26/ 200) .]] ، فخلّ بيننا وبينه. قال: فشأنكما به. فاستخرجا منه كلبا أسود، فذبحاه، ثمّ هدما ذلك البيت، فبقاياه اليوم باليمن كما ذكر لي. وروى أبي دريد، عن أبي حاتم، عن الرياشي، قال: كان أبو كرب أسعد الحميري من التبابعة، آمن بالنبيّ ﷺ‎ محمّد ﷺ‎ قبل أن يبعث بسبعمائة سنة، وقال في ذلك شعرا: شهدت على أحمد أنّه ... رسول من الله باري النسم فلو مد عمري إلى عمره ... لكنت صهرا له وابن عمّ [[تفسير القرطبي: 16/ 145.]] كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وجب وَعِيدِ لهم بالعذاب يخوف كفّار مكّة، قال قتادة: دمر الله سبحانه وتعالى قوم تبّع، ولم يدمّره، وكان من ملوك اليمن، فسار بالجيوش، وافتتح البلاد، وقصد مكّة ليهدم البيت، فقيل له: إنّ لهذا البيت ربّا يحميه، فندم وأحرم، ودخل مكّة، وطاف بالبيت، وكساه، فهو أوّل من كسا البيت أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ أي عجزنا عنه، وتعذر علينا [الأول فهم في شك الإعادة للخلق] الثاني. بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ وهو البعث.

ق 50:10

مكّية، وهي ألف وأربعمائة وأربع وتسعون حرفا، وثلاثمائة وسبع وخمسون كلمة، وخمسة وأربعون آية أخبرنا أبو الحسين محمد بن القاسم بن أحمد الماوردي، قال: أخبرنا أبو الحسين محمد ابن محمد بن سادة الكرابيسي، قال: حدّثنا أحمد بن محمد بن الحسين، قال: حدّثنا محمد بن يحيى، قال: حدّثنا مسلم بن قتيبة، عن سعيد، عن عاصم بن بهدلة، عن زر بن حش، عن أبي بن كعب، قال: قال رسول الله ﷺ‎: «من قرأ سورة ق، هوّن الله عليه تارات الموت، وسكراته» [84] [[تفسير مجمع البيان: 9/ 233.]] . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ق قال ابن عبّاس: هو اسم من أسماء الله سبحانه، أقسم به. قتادة: اسم من أسماء القرآن، القرظي: افتتاح أسماء الله، قدير، وقادر، وقاهر، وقاضي، وقابض. الشعبي: فاتحة السّورة. بريد، وعكرمة، والضحّاك: هو جبل محيط بالأرض من زمردة خضراء، خضرة السماء منه، وعليه كتفا السماء، وما أصاب الناس من زمرد، فهو ما يسقط من الجبل، وهي رواية أبي الحوراء، عن ابن عبّاس. قال وهب بن منبه: إنّ ذا القرنين أتى على جبل قاف، فرأى حوله جبالا صغارا، فقال له: ما أنت؟ قال: أنا قاف، قال: وما هذه الجبال حولك؟ قال: هي عروقي، وليست مدينة من المدائن إلّا وفيها عرق منها، فإذا أراد الله أن يزلزل تلك الأرض أمرني، فحرّكت عرقي ذلك، فتزلزلت تلك الأرض، فقال له: يا قاف، فأخبرني بشيء من عظمة الله، قال: إنّ شأن ربّنا لعظيم، تقصر عنه الصفات، وتنقضي دونه الأوهام. قال: فأخبرني بأدنى ما يوصف منها. قال: إنّ ورائي لأرضا مسيرة خمسمائة عام في عرض خمسمائة عام من جبال ثلج يحطم بعضه بعضا، لولا ذاك الثلج لاحترقت من حرّ جهنّم. قال: زدني، قال: إنّ جبريل عليه السّلام واقف بين يدي الله سبحانه ترعد فرائصه، يخلق الله من كلّ رعدة مائة ألف ملك، وأولئك الملائكة صفوف بين يدي الله سبحانه، منكّسو رؤوسهم، فإذا أذن الله لهم في الكلام، قالوا: لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ، وهو قوله: يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ، وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً [[سورة النبأ: 38.]] يعني لا إله إلّا الله. وقال الفرّاء: وسمعت من يقول: (ق) : قضي ما هو كائن، وقال أبو بكر الورّاق: معناه قف عند أمرنا، ونهينا، ولا تعدهما. وقيل: معناه قل يا محمّد. أحمد بن عاصم الأنطاكي، هو قرب الله سبحانه من عباده، بيانه وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [[سورة ق: 16.]] وقال ابن عطاء: أقسم بقوّة قلب حبيبه محمّد ﷺ‎ حيث حمل الخطاب، ولم يؤثر ذلك فيه لعلوّ حاله. وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ الشريف، الكريم على الله الكبير، الخبير. واختلف العلماء في جواب هذا القسم، فقال أهل الكوفة: بَلْ عَجِبُوا، وقال الأخفش: جوابه محذوف مجازه ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ لتبعثن، وقال ابن كيسان: جوابه قوله: ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ الآية، وقيل: قد علمنا، وجوابات القسم سبعة: (إن) الشديدة، كقوله: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ [[سورة الفجر: 14.]] و (ما) النفي كقوله: وَالضُّحى ... ما وَدَّعَكَ [[سورة الضحى: 31.]] و (اللام) المفتوحة، كقوله: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [[سورة الحجر: 92.]] و (إن) الخفيفة كقوله سبحانه: تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي [[سورة الشعراء: 97.]] ، و (لا) كقوله: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ [[سورة الأنعام: 109.]] ، لا يبعث الله من يموت، وقد كقوله: وَالشَّمْسِ وَضُحاها ... قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها [[سورة الشمس: 91.]] وبل كقوله: ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ يعرفون حسبه، ونسبه، وصدقه، وأمانته. فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ غريب. أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً نبعث، فترك ذكر البعث لدلالة الكلام عليه. ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ يقال: رجعته رجعا، فرجع هو رجوعا، قال الله سبحانه: فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ [[سورة التوبة: 83.]] قال الله سبحانه: قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ ما تأكله من عظامهم، وأجسامهم، وقيل: معناه قد علمنا ما يبلى منهم، وما يبقى لأنّ العصعص لا تأكله الأرض كما جاء في الحديث: «كلّ ابن آدم يبلى، إلّا عجب الذنب، منه خلق ومنه يركب» [85] [[تفسير ابن كثير: 3/ 251 ومسند أحمد: 2/ 499.]] وأبدان الأنبياء والشهداء أيضا لا تبلى. وقال السدي: والموت يقول: قد علمنا من يموت منهم، ومن يبقى. وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ محفوظ من الشياطين، ومن أن يدرس، ويبعثر، وهو اللوح المحفوظ، المكتوب فيه جميع الأشياء المقدّرة. بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ بالقرآن. لَمَّا جاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ قال أبو حمزة: سئل ابن عبّاس عن المريج، فقال: هو الشيء المكر، أما سمعت قول الشاعر: فجالت فالتمست به حشاها ... فخر كأنه خوط مريج [[تاج العروس: 2/ 100.]] الوالبي عنه: أمر مختلف. العوفي عنه: أمر ضلالة. سعيد بن جبير، ومجاهد: ملتبس، قال قتادة: في هذه الآية من نزل الحقّ مرج أمره عليه، والتبس دينه عليه. ابن زيد: مختلط، وقيل: فاسد، وقيل: متغير. وكلّ هذه الأقاويل متقاربة، وأصل المرج الاضطراب، والقلق، يقال: مرج أمر الناس، ومرج الدّين، ومرج الخاتم في إصبعي وخرج إذا قلق من الهزال، قال الشاعر: مرج الدّين فأعددت له ... مشرف الحارك محبوك الكتد [[لسان العرب: 10/ 408 وتفسير القرطبي: 17/ 15 والحارك: الكاهل، والكتد: مجمع الكتفين.]] وفي الحديث: «مرجت عهودهم، وأمانيهم» . أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ أي شقوق، وفتوق، واحدها فرج، وقال ابن زيد: الفروج الشيء المتفرّق المتبري بعضه من بعض، وقال الكسائي: ليس فيها تفاوت، ولا اختلاف وَالْأَرْضَ مَدَدْناها بسطناها على وجه الماء وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ لون بَهِيجٍ حسن كريم يبهج به أي يسر. تَبْصِرَةً أي جعلنا ذلك تبصرة، وقال أبو حاتم: نصبت على المصدر. وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ يعني تبصر أو تذكّر إنابتها له، لأنّ من قدر على خلق السماوات، والأرض، والنبات، قدر على بعثهم، ونظير التبصرة من المصادر التكملة، والتفضلة، ومن المضاعف النخلة، والبعرة. وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ يعني البر، والشعير، وسائر الحبوب التي تحصد وتدّخر وتقتات، وأضاف الحبّ إلى الحصيد، وهما واحد، لاختلاف اللفظين، كما يقال: مسجد الجامع، وربيع الأوّل، وحَقُّ الْيَقِينِ، وحَبْلِ الْوَرِيدِ، ونحوها. وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ قال مجاهد، وعكرمة، وقتادة: طوالا، وقال عبد الله بن شداد بن الهاد: سوقها لاستقامتها في الطول. سعيد بن جبير: مستويات. الحسن والفرّاء: مواقير حوامل، يقال للشاة إذا ولدت: أبسقت، ومحلّها نصب على الحال، والقطع. أخبرني الحسن، قال: حدّثنا عمر بن أحمد بن القاسم النهاوندي، قال: حدّثنا عبيد بن محمد بن صبح الكناني. قال: حدّثنا هشام بن يونس النهشلي، قال: حدّثنا سفيان بن عيينة، عن زياد بن علاقة، عن قطبة بن مالك. قال: سمعت النبيّ ﷺ‎ يقرأ: (والنّخل باصقات) بالصاد [[تفسير القرطبي: 17/ 7.]] . لَها طَلْعٌ تمر، وحمل سمّي بذلك لأنّه يطلع. نَضِيدٌ متراكب متراكم، قد نضد بعضه على بعض. قال بن الأجدع: نخل الجنّة نضيد من أصلها إلى فرعها، وثمرها أمثال [القلال] [[القلال: خشب ترفع بها الكروم من الأرض، والأخدود: الشقوق المستطيلة في الأرض.]] والدلاء، وأنهارها تجري في [عبر] [[في تفسير الطبري (1/ 246) : غير أخدود.]] أخدود رِزْقاً أي جعلناه رزقا لِلْعِبادِ وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً. أخبرني ابن منجويه، قال: حدّثنا ابن صقلاب. قال: حدّثنا ابن أبي الخصيب، قال: حدّثني ابن أبي الجوادي، قال: حدّثنا [عتيق] بن يعقوب، عن إبراهيم بن قدامة، عن أبي عبد الله الأغر، عن أبي هريرة، قال: كان النبيّ ﷺ‎ إذا جاءهم المطر، فسالت الميازيب، قال: «لا محل عليكم العام» [86] [[المعجم الأوسط: 1/ 258.]] أي الجدب. كَذلِكَ الْخُرُوجُ من القبور. كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوانُ لُوطٍ وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ وهو ملك اليمن، ويسمّى تبّعا لكثرة أتباعه، وكان يعبد النار فأسلم، ودعا قومه إلى الإسلام، وهم من حمير، فكذّبوه، وكان خبره وخبر قومه ما أخبرنا عبد الله بن حامد، قال: أخبرني أبو علي إسماعيل بن سعدان، قال: أخبرني علي بن أحمد، قال: حدّثنا محمد ابن جرير، وأخبرني عقيل أنّ أبا الفرج أخبرهم عن ابن جرير، قال: حدّثنا ابن حميد، قال: حدّثنا سلمة، قال: حدّثنا محمد بن إسحاق، قال: كان تبّع الآخر، وهو أسعد أبو كرب بن ملكي كرب، حين أقبل من المشرق، جعل طريقه على المدينة، وكان حين مر بها لم يهيج أهلها، وخلّف بين أظهرهم ابنا له، فقتل غيلة، فقدمها، وهو مجمع لإخراجها، واستئصال أهلها، وقطع نخيلها، فجمع له هذا الحيّ من الأنصار، حين سمعوا ذلك من أمره امتنعوا منه، ورئيسهم يومئذ عمرو بن ظلم أخو بني النجار أحد بني عمرو، فخرجوا لقتاله، وكان تبّع نزل بهم قبل ذلك، فقتل رجل منهم، من بني عدي بن النجّار، يقال له: أحمر، رجلا من صحابة تبّع، وجده في عذق له بجدة فضربه بنخلة فقتله. وقال: إنّما التمرة لمن أبره، ثمّ ألقاه حين قتله في بئر من آبارهم معروفة، يقال لها: ذات تومان، فزاد ذلك تبعا حنقا عليهم، فبينا تبّع على ذلك من حربهم يقاتلهم ويقاتلونه، قال: فيزعم الأنصار أنّهم كانوا يقاتلونه بالنهار، ويقرونه بالليل، فيعجبه ذلك، ويقول: والله إنّ قومنا هؤلاء لكرام، إذ جاءه حبران من أحبار يهود بني قريظة، عالمان راسخان، وكانا ابني عمرو، وكانا أعلم أهل زمانهما، فجاءا تبّعا حين سمعا ما يريد من إهلاك المدينة، وأهلها، فقالا له: أيّها الملك لا تفعل، فإنّك إن أتيت إلا ما تريد حيل بينك وبينها، ولم يأمن عليك عاجل العقوبة، فقال لهما: ولم ذاك؟ قالا: هي مهاجر نبي يخرج من هذا الحيّ من قريش في آخر الزمان، تكون داره وقراره، فتناهى لقولهما عمّا كان يريد بالمدينة، ورأى أنّ لهما علما، وأعجبه ما سمع منهما، أنّهما دعواه إلى دينهما، فليتبعهما على دينهما، فقال تبع في ذلك: ما بال نومك مثل نوم الأرمد ... أرقا كأنك لا تزال تسهد حنقا على سبطين حلّا يثربا ... أولى لهم بعقاب يوم مفسد ولقد هبطنا يثربا وصدورنا ... تغلي بلابلها بقتل محصد ولقد حلفت يمين صبر مؤليا ... قسما لعمرك ليس بالتمردد أن جئت يثرب لا أغادر وسطها ... عذقا ولا بسرا بيثرب يخلد حتى أتاني من قريظة عالم ... خبر لعمرك في اليهود مسود قال ازدجر عن قرية محفوظة ... لنبي مكّة من قريش مهتد فعفوت عنهم عفو غير مثرب ... وتركتهم لعقاب يوم سرمد وتركتهم لله أرجو عفوه ... يوم الحساب من الجحيم الموقد ولقد تركت بها له من قومنا ... نفرا أولي حسب وبأس يحمد نفرا يكون النصر في أعقابهم ... أرجو بذاك ثواب ربّ محمّد [[تاريخ الطبري: 1/ 533 وذكر تمام الأبيات.]] فلمّا [......] [[كلمة غير مقروءة.]] تبع إلى دينهما أكرمهما وانصرف عن المدينة، وخرج بهما إلى اليمن ولمّا [دنا من] اليمن ليدخلها حالت حمير بينه وبين ذلك، وقالوا: لا تدخلها علينا، وقد فارقت ديننا، فدعاهم إلى دينه، وقال: إنه دين خير من دينكم. قالوا: فحاكمنا إلى النار. وكانت باليمن نار في أسفل جبل يقال له: ندا [[كذا في المخطوط.]] ، يتحاكمون إليها، فيما يختلفون فيه، فتحكم بينهم، تأكل الظالم، ولا تضرّ المظلوم، فلمّا قالوا ذلك لتبّع، قال: أنصفتم، فخرج قومه بأوثانهم، وما يتقرّبون به في دينهم، وخرج الحبران، مصاحفهما في أعناقهما متقلّداهما، حتّى قعدوا للنّار عند مخرجها التي تخرج منه، فخرجت النار إليهم، ولمّا أقبلت نحو حمير، حادوا عنها، وهابوها فدعاهم من حضرهم من الناس، وأمروهم بالصبر لها فصبروا حتّى غشيتهم، فأكلت الأوثان، وما قربوا معها، ومن حمل ذلك من رجال حمير، وخرج الحبران ومصاحفهما في أعناقهما، يتلون التوراة، تعرق جباههما، لم تضرّهما، ونكصت النار حتّى رجعت إلى مخرجها الذي خرجت منه، فأطبقت حمير عند ذلك على دينهما. فمن هناك كان أصل اليهودية باليمن [[تفسير الطبري: 26/ 200.]] . وكان لهم بيت يعظمونه، وينحرون عنده، ويكلّمون منه، إذا كانوا على شركهم، فقال الحبران القرظيان، واسماهما كعب وأسد لتبّع: إنّما هو شيطان [يفنيهم ويلغيهم] [[في تفسير الطبري: يعينهم ويلعب بهم (26/ 200) .]] ، فخلّ بيننا وبينه. قال: فشأنكما به. فاستخرجا منه كلبا أسود، فذبحاه، ثمّ هدما ذلك البيت، فبقاياه اليوم باليمن كما ذكر لي. وروى أبي دريد، عن أبي حاتم، عن الرياشي، قال: كان أبو كرب أسعد الحميري من التبابعة، آمن بالنبيّ ﷺ‎ محمّد ﷺ‎ قبل أن يبعث بسبعمائة سنة، وقال في ذلك شعرا: شهدت على أحمد أنّه ... رسول من الله باري النسم فلو مد عمري إلى عمره ... لكنت صهرا له وابن عمّ [[تفسير القرطبي: 16/ 145.]] كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وجب وَعِيدِ لهم بالعذاب يخوف كفّار مكّة، قال قتادة: دمر الله سبحانه وتعالى قوم تبّع، ولم يدمّره، وكان من ملوك اليمن، فسار بالجيوش، وافتتح البلاد، وقصد مكّة ليهدم البيت، فقيل له: إنّ لهذا البيت ربّا يحميه، فندم وأحرم، ودخل مكّة، وطاف بالبيت، وكساه، فهو أوّل من كسا البيت أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ أي عجزنا عنه، وتعذر علينا [الأول فهم في شك الإعادة للخلق] الثاني. بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ وهو البعث.

ق 50:11

مكّية، وهي ألف وأربعمائة وأربع وتسعون حرفا، وثلاثمائة وسبع وخمسون كلمة، وخمسة وأربعون آية أخبرنا أبو الحسين محمد بن القاسم بن أحمد الماوردي، قال: أخبرنا أبو الحسين محمد ابن محمد بن سادة الكرابيسي، قال: حدّثنا أحمد بن محمد بن الحسين، قال: حدّثنا محمد بن يحيى، قال: حدّثنا مسلم بن قتيبة، عن سعيد، عن عاصم بن بهدلة، عن زر بن حش، عن أبي بن كعب، قال: قال رسول الله ﷺ‎: «من قرأ سورة ق، هوّن الله عليه تارات الموت، وسكراته» [84] [[تفسير مجمع البيان: 9/ 233.]] . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ق قال ابن عبّاس: هو اسم من أسماء الله سبحانه، أقسم به. قتادة: اسم من أسماء القرآن، القرظي: افتتاح أسماء الله، قدير، وقادر، وقاهر، وقاضي، وقابض. الشعبي: فاتحة السّورة. بريد، وعكرمة، والضحّاك: هو جبل محيط بالأرض من زمردة خضراء، خضرة السماء منه، وعليه كتفا السماء، وما أصاب الناس من زمرد، فهو ما يسقط من الجبل، وهي رواية أبي الحوراء، عن ابن عبّاس. قال وهب بن منبه: إنّ ذا القرنين أتى على جبل قاف، فرأى حوله جبالا صغارا، فقال له: ما أنت؟ قال: أنا قاف، قال: وما هذه الجبال حولك؟ قال: هي عروقي، وليست مدينة من المدائن إلّا وفيها عرق منها، فإذا أراد الله أن يزلزل تلك الأرض أمرني، فحرّكت عرقي ذلك، فتزلزلت تلك الأرض، فقال له: يا قاف، فأخبرني بشيء من عظمة الله، قال: إنّ شأن ربّنا لعظيم، تقصر عنه الصفات، وتنقضي دونه الأوهام. قال: فأخبرني بأدنى ما يوصف منها. قال: إنّ ورائي لأرضا مسيرة خمسمائة عام في عرض خمسمائة عام من جبال ثلج يحطم بعضه بعضا، لولا ذاك الثلج لاحترقت من حرّ جهنّم. قال: زدني، قال: إنّ جبريل عليه السّلام واقف بين يدي الله سبحانه ترعد فرائصه، يخلق الله من كلّ رعدة مائة ألف ملك، وأولئك الملائكة صفوف بين يدي الله سبحانه، منكّسو رؤوسهم، فإذا أذن الله لهم في الكلام، قالوا: لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ، وهو قوله: يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ، وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً [[سورة النبأ: 38.]] يعني لا إله إلّا الله. وقال الفرّاء: وسمعت من يقول: (ق) : قضي ما هو كائن، وقال أبو بكر الورّاق: معناه قف عند أمرنا، ونهينا، ولا تعدهما. وقيل: معناه قل يا محمّد. أحمد بن عاصم الأنطاكي، هو قرب الله سبحانه من عباده، بيانه وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [[سورة ق: 16.]] وقال ابن عطاء: أقسم بقوّة قلب حبيبه محمّد ﷺ‎ حيث حمل الخطاب، ولم يؤثر ذلك فيه لعلوّ حاله. وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ الشريف، الكريم على الله الكبير، الخبير. واختلف العلماء في جواب هذا القسم، فقال أهل الكوفة: بَلْ عَجِبُوا، وقال الأخفش: جوابه محذوف مجازه ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ لتبعثن، وقال ابن كيسان: جوابه قوله: ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ الآية، وقيل: قد علمنا، وجوابات القسم سبعة: (إن) الشديدة، كقوله: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ [[سورة الفجر: 14.]] و (ما) النفي كقوله: وَالضُّحى ... ما وَدَّعَكَ [[سورة الضحى: 31.]] و (اللام) المفتوحة، كقوله: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [[سورة الحجر: 92.]] و (إن) الخفيفة كقوله سبحانه: تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي [[سورة الشعراء: 97.]] ، و (لا) كقوله: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ [[سورة الأنعام: 109.]] ، لا يبعث الله من يموت، وقد كقوله: وَالشَّمْسِ وَضُحاها ... قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها [[سورة الشمس: 91.]] وبل كقوله: ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ يعرفون حسبه، ونسبه، وصدقه، وأمانته. فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ غريب. أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً نبعث، فترك ذكر البعث لدلالة الكلام عليه. ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ يقال: رجعته رجعا، فرجع هو رجوعا، قال الله سبحانه: فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ [[سورة التوبة: 83.]] قال الله سبحانه: قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ ما تأكله من عظامهم، وأجسامهم، وقيل: معناه قد علمنا ما يبلى منهم، وما يبقى لأنّ العصعص لا تأكله الأرض كما جاء في الحديث: «كلّ ابن آدم يبلى، إلّا عجب الذنب، منه خلق ومنه يركب» [85] [[تفسير ابن كثير: 3/ 251 ومسند أحمد: 2/ 499.]] وأبدان الأنبياء والشهداء أيضا لا تبلى. وقال السدي: والموت يقول: قد علمنا من يموت منهم، ومن يبقى. وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ محفوظ من الشياطين، ومن أن يدرس، ويبعثر، وهو اللوح المحفوظ، المكتوب فيه جميع الأشياء المقدّرة. بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ بالقرآن. لَمَّا جاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ قال أبو حمزة: سئل ابن عبّاس عن المريج، فقال: هو الشيء المكر، أما سمعت قول الشاعر: فجالت فالتمست به حشاها ... فخر كأنه خوط مريج [[تاج العروس: 2/ 100.]] الوالبي عنه: أمر مختلف. العوفي عنه: أمر ضلالة. سعيد بن جبير، ومجاهد: ملتبس، قال قتادة: في هذه الآية من نزل الحقّ مرج أمره عليه، والتبس دينه عليه. ابن زيد: مختلط، وقيل: فاسد، وقيل: متغير. وكلّ هذه الأقاويل متقاربة، وأصل المرج الاضطراب، والقلق، يقال: مرج أمر الناس، ومرج الدّين، ومرج الخاتم في إصبعي وخرج إذا قلق من الهزال، قال الشاعر: مرج الدّين فأعددت له ... مشرف الحارك محبوك الكتد [[لسان العرب: 10/ 408 وتفسير القرطبي: 17/ 15 والحارك: الكاهل، والكتد: مجمع الكتفين.]] وفي الحديث: «مرجت عهودهم، وأمانيهم» . أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ أي شقوق، وفتوق، واحدها فرج، وقال ابن زيد: الفروج الشيء المتفرّق المتبري بعضه من بعض، وقال الكسائي: ليس فيها تفاوت، ولا اختلاف وَالْأَرْضَ مَدَدْناها بسطناها على وجه الماء وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ لون بَهِيجٍ حسن كريم يبهج به أي يسر. تَبْصِرَةً أي جعلنا ذلك تبصرة، وقال أبو حاتم: نصبت على المصدر. وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ يعني تبصر أو تذكّر إنابتها له، لأنّ من قدر على خلق السماوات، والأرض، والنبات، قدر على بعثهم، ونظير التبصرة من المصادر التكملة، والتفضلة، ومن المضاعف النخلة، والبعرة. وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ يعني البر، والشعير، وسائر الحبوب التي تحصد وتدّخر وتقتات، وأضاف الحبّ إلى الحصيد، وهما واحد، لاختلاف اللفظين، كما يقال: مسجد الجامع، وربيع الأوّل، وحَقُّ الْيَقِينِ، وحَبْلِ الْوَرِيدِ، ونحوها. وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ قال مجاهد، وعكرمة، وقتادة: طوالا، وقال عبد الله بن شداد بن الهاد: سوقها لاستقامتها في الطول. سعيد بن جبير: مستويات. الحسن والفرّاء: مواقير حوامل، يقال للشاة إذا ولدت: أبسقت، ومحلّها نصب على الحال، والقطع. أخبرني الحسن، قال: حدّثنا عمر بن أحمد بن القاسم النهاوندي، قال: حدّثنا عبيد بن محمد بن صبح الكناني. قال: حدّثنا هشام بن يونس النهشلي، قال: حدّثنا سفيان بن عيينة، عن زياد بن علاقة، عن قطبة بن مالك. قال: سمعت النبيّ ﷺ‎ يقرأ: (والنّخل باصقات) بالصاد [[تفسير القرطبي: 17/ 7.]] . لَها طَلْعٌ تمر، وحمل سمّي بذلك لأنّه يطلع. نَضِيدٌ متراكب متراكم، قد نضد بعضه على بعض. قال بن الأجدع: نخل الجنّة نضيد من أصلها إلى فرعها، وثمرها أمثال [القلال] [[القلال: خشب ترفع بها الكروم من الأرض، والأخدود: الشقوق المستطيلة في الأرض.]] والدلاء، وأنهارها تجري في [عبر] [[في تفسير الطبري (1/ 246) : غير أخدود.]] أخدود رِزْقاً أي جعلناه رزقا لِلْعِبادِ وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً. أخبرني ابن منجويه، قال: حدّثنا ابن صقلاب. قال: حدّثنا ابن أبي الخصيب، قال: حدّثني ابن أبي الجوادي، قال: حدّثنا [عتيق] بن يعقوب، عن إبراهيم بن قدامة، عن أبي عبد الله الأغر، عن أبي هريرة، قال: كان النبيّ ﷺ‎ إذا جاءهم المطر، فسالت الميازيب، قال: «لا محل عليكم العام» [86] [[المعجم الأوسط: 1/ 258.]] أي الجدب. كَذلِكَ الْخُرُوجُ من القبور. كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوانُ لُوطٍ وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ وهو ملك اليمن، ويسمّى تبّعا لكثرة أتباعه، وكان يعبد النار فأسلم، ودعا قومه إلى الإسلام، وهم من حمير، فكذّبوه، وكان خبره وخبر قومه ما أخبرنا عبد الله بن حامد، قال: أخبرني أبو علي إسماعيل بن سعدان، قال: أخبرني علي بن أحمد، قال: حدّثنا محمد ابن جرير، وأخبرني عقيل أنّ أبا الفرج أخبرهم عن ابن جرير، قال: حدّثنا ابن حميد، قال: حدّثنا سلمة، قال: حدّثنا محمد بن إسحاق، قال: كان تبّع الآخر، وهو أسعد أبو كرب بن ملكي كرب، حين أقبل من المشرق، جعل طريقه على المدينة، وكان حين مر بها لم يهيج أهلها، وخلّف بين أظهرهم ابنا له، فقتل غيلة، فقدمها، وهو مجمع لإخراجها، واستئصال أهلها، وقطع نخيلها، فجمع له هذا الحيّ من الأنصار، حين سمعوا ذلك من أمره امتنعوا منه، ورئيسهم يومئذ عمرو بن ظلم أخو بني النجار أحد بني عمرو، فخرجوا لقتاله، وكان تبّع نزل بهم قبل ذلك، فقتل رجل منهم، من بني عدي بن النجّار، يقال له: أحمر، رجلا من صحابة تبّع، وجده في عذق له بجدة فضربه بنخلة فقتله. وقال: إنّما التمرة لمن أبره، ثمّ ألقاه حين قتله في بئر من آبارهم معروفة، يقال لها: ذات تومان، فزاد ذلك تبعا حنقا عليهم، فبينا تبّع على ذلك من حربهم يقاتلهم ويقاتلونه، قال: فيزعم الأنصار أنّهم كانوا يقاتلونه بالنهار، ويقرونه بالليل، فيعجبه ذلك، ويقول: والله إنّ قومنا هؤلاء لكرام، إذ جاءه حبران من أحبار يهود بني قريظة، عالمان راسخان، وكانا ابني عمرو، وكانا أعلم أهل زمانهما، فجاءا تبّعا حين سمعا ما يريد من إهلاك المدينة، وأهلها، فقالا له: أيّها الملك لا تفعل، فإنّك إن أتيت إلا ما تريد حيل بينك وبينها، ولم يأمن عليك عاجل العقوبة، فقال لهما: ولم ذاك؟ قالا: هي مهاجر نبي يخرج من هذا الحيّ من قريش في آخر الزمان، تكون داره وقراره، فتناهى لقولهما عمّا كان يريد بالمدينة، ورأى أنّ لهما علما، وأعجبه ما سمع منهما، أنّهما دعواه إلى دينهما، فليتبعهما على دينهما، فقال تبع في ذلك: ما بال نومك مثل نوم الأرمد ... أرقا كأنك لا تزال تسهد حنقا على سبطين حلّا يثربا ... أولى لهم بعقاب يوم مفسد ولقد هبطنا يثربا وصدورنا ... تغلي بلابلها بقتل محصد ولقد حلفت يمين صبر مؤليا ... قسما لعمرك ليس بالتمردد أن جئت يثرب لا أغادر وسطها ... عذقا ولا بسرا بيثرب يخلد حتى أتاني من قريظة عالم ... خبر لعمرك في اليهود مسود قال ازدجر عن قرية محفوظة ... لنبي مكّة من قريش مهتد فعفوت عنهم عفو غير مثرب ... وتركتهم لعقاب يوم سرمد وتركتهم لله أرجو عفوه ... يوم الحساب من الجحيم الموقد ولقد تركت بها له من قومنا ... نفرا أولي حسب وبأس يحمد نفرا يكون النصر في أعقابهم ... أرجو بذاك ثواب ربّ محمّد [[تاريخ الطبري: 1/ 533 وذكر تمام الأبيات.]] فلمّا [......] [[كلمة غير مقروءة.]] تبع إلى دينهما أكرمهما وانصرف عن المدينة، وخرج بهما إلى اليمن ولمّا [دنا من] اليمن ليدخلها حالت حمير بينه وبين ذلك، وقالوا: لا تدخلها علينا، وقد فارقت ديننا، فدعاهم إلى دينه، وقال: إنه دين خير من دينكم. قالوا: فحاكمنا إلى النار. وكانت باليمن نار في أسفل جبل يقال له: ندا [[كذا في المخطوط.]] ، يتحاكمون إليها، فيما يختلفون فيه، فتحكم بينهم، تأكل الظالم، ولا تضرّ المظلوم، فلمّا قالوا ذلك لتبّع، قال: أنصفتم، فخرج قومه بأوثانهم، وما يتقرّبون به في دينهم، وخرج الحبران، مصاحفهما في أعناقهما متقلّداهما، حتّى قعدوا للنّار عند مخرجها التي تخرج منه، فخرجت النار إليهم، ولمّا أقبلت نحو حمير، حادوا عنها، وهابوها فدعاهم من حضرهم من الناس، وأمروهم بالصبر لها فصبروا حتّى غشيتهم، فأكلت الأوثان، وما قربوا معها، ومن حمل ذلك من رجال حمير، وخرج الحبران ومصاحفهما في أعناقهما، يتلون التوراة، تعرق جباههما، لم تضرّهما، ونكصت النار حتّى رجعت إلى مخرجها الذي خرجت منه، فأطبقت حمير عند ذلك على دينهما. فمن هناك كان أصل اليهودية باليمن [[تفسير الطبري: 26/ 200.]] . وكان لهم بيت يعظمونه، وينحرون عنده، ويكلّمون منه، إذا كانوا على شركهم، فقال الحبران القرظيان، واسماهما كعب وأسد لتبّع: إنّما هو شيطان [يفنيهم ويلغيهم] [[في تفسير الطبري: يعينهم ويلعب بهم (26/ 200) .]] ، فخلّ بيننا وبينه. قال: فشأنكما به. فاستخرجا منه كلبا أسود، فذبحاه، ثمّ هدما ذلك البيت، فبقاياه اليوم باليمن كما ذكر لي. وروى أبي دريد، عن أبي حاتم، عن الرياشي، قال: كان أبو كرب أسعد الحميري من التبابعة، آمن بالنبيّ ﷺ‎ محمّد ﷺ‎ قبل أن يبعث بسبعمائة سنة، وقال في ذلك شعرا: شهدت على أحمد أنّه ... رسول من الله باري النسم فلو مد عمري إلى عمره ... لكنت صهرا له وابن عمّ [[تفسير القرطبي: 16/ 145.]] كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وجب وَعِيدِ لهم بالعذاب يخوف كفّار مكّة، قال قتادة: دمر الله سبحانه وتعالى قوم تبّع، ولم يدمّره، وكان من ملوك اليمن، فسار بالجيوش، وافتتح البلاد، وقصد مكّة ليهدم البيت، فقيل له: إنّ لهذا البيت ربّا يحميه، فندم وأحرم، ودخل مكّة، وطاف بالبيت، وكساه، فهو أوّل من كسا البيت أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ أي عجزنا عنه، وتعذر علينا [الأول فهم في شك الإعادة للخلق] الثاني. بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ وهو البعث.

ق 50:12

مكّية، وهي ألف وأربعمائة وأربع وتسعون حرفا، وثلاثمائة وسبع وخمسون كلمة، وخمسة وأربعون آية أخبرنا أبو الحسين محمد بن القاسم بن أحمد الماوردي، قال: أخبرنا أبو الحسين محمد ابن محمد بن سادة الكرابيسي، قال: حدّثنا أحمد بن محمد بن الحسين، قال: حدّثنا محمد بن يحيى، قال: حدّثنا مسلم بن قتيبة، عن سعيد، عن عاصم بن بهدلة، عن زر بن حش، عن أبي بن كعب، قال: قال رسول الله ﷺ‎: «من قرأ سورة ق، هوّن الله عليه تارات الموت، وسكراته» [84] [[تفسير مجمع البيان: 9/ 233.]] . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ق قال ابن عبّاس: هو اسم من أسماء الله سبحانه، أقسم به. قتادة: اسم من أسماء القرآن، القرظي: افتتاح أسماء الله، قدير، وقادر، وقاهر، وقاضي، وقابض. الشعبي: فاتحة السّورة. بريد، وعكرمة، والضحّاك: هو جبل محيط بالأرض من زمردة خضراء، خضرة السماء منه، وعليه كتفا السماء، وما أصاب الناس من زمرد، فهو ما يسقط من الجبل، وهي رواية أبي الحوراء، عن ابن عبّاس. قال وهب بن منبه: إنّ ذا القرنين أتى على جبل قاف، فرأى حوله جبالا صغارا، فقال له: ما أنت؟ قال: أنا قاف، قال: وما هذه الجبال حولك؟ قال: هي عروقي، وليست مدينة من المدائن إلّا وفيها عرق منها، فإذا أراد الله أن يزلزل تلك الأرض أمرني، فحرّكت عرقي ذلك، فتزلزلت تلك الأرض، فقال له: يا قاف، فأخبرني بشيء من عظمة الله، قال: إنّ شأن ربّنا لعظيم، تقصر عنه الصفات، وتنقضي دونه الأوهام. قال: فأخبرني بأدنى ما يوصف منها. قال: إنّ ورائي لأرضا مسيرة خمسمائة عام في عرض خمسمائة عام من جبال ثلج يحطم بعضه بعضا، لولا ذاك الثلج لاحترقت من حرّ جهنّم. قال: زدني، قال: إنّ جبريل عليه السّلام واقف بين يدي الله سبحانه ترعد فرائصه، يخلق الله من كلّ رعدة مائة ألف ملك، وأولئك الملائكة صفوف بين يدي الله سبحانه، منكّسو رؤوسهم، فإذا أذن الله لهم في الكلام، قالوا: لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ، وهو قوله: يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ، وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً [[سورة النبأ: 38.]] يعني لا إله إلّا الله. وقال الفرّاء: وسمعت من يقول: (ق) : قضي ما هو كائن، وقال أبو بكر الورّاق: معناه قف عند أمرنا، ونهينا، ولا تعدهما. وقيل: معناه قل يا محمّد. أحمد بن عاصم الأنطاكي، هو قرب الله سبحانه من عباده، بيانه وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [[سورة ق: 16.]] وقال ابن عطاء: أقسم بقوّة قلب حبيبه محمّد ﷺ‎ حيث حمل الخطاب، ولم يؤثر ذلك فيه لعلوّ حاله. وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ الشريف، الكريم على الله الكبير، الخبير. واختلف العلماء في جواب هذا القسم، فقال أهل الكوفة: بَلْ عَجِبُوا، وقال الأخفش: جوابه محذوف مجازه ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ لتبعثن، وقال ابن كيسان: جوابه قوله: ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ الآية، وقيل: قد علمنا، وجوابات القسم سبعة: (إن) الشديدة، كقوله: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ [[سورة الفجر: 14.]] و (ما) النفي كقوله: وَالضُّحى ... ما وَدَّعَكَ [[سورة الضحى: 31.]] و (اللام) المفتوحة، كقوله: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [[سورة الحجر: 92.]] و (إن) الخفيفة كقوله سبحانه: تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي [[سورة الشعراء: 97.]] ، و (لا) كقوله: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ [[سورة الأنعام: 109.]] ، لا يبعث الله من يموت، وقد كقوله: وَالشَّمْسِ وَضُحاها ... قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها [[سورة الشمس: 91.]] وبل كقوله: ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ يعرفون حسبه، ونسبه، وصدقه، وأمانته. فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ غريب. أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً نبعث، فترك ذكر البعث لدلالة الكلام عليه. ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ يقال: رجعته رجعا، فرجع هو رجوعا، قال الله سبحانه: فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ [[سورة التوبة: 83.]] قال الله سبحانه: قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ ما تأكله من عظامهم، وأجسامهم، وقيل: معناه قد علمنا ما يبلى منهم، وما يبقى لأنّ العصعص لا تأكله الأرض كما جاء في الحديث: «كلّ ابن آدم يبلى، إلّا عجب الذنب، منه خلق ومنه يركب» [85] [[تفسير ابن كثير: 3/ 251 ومسند أحمد: 2/ 499.]] وأبدان الأنبياء والشهداء أيضا لا تبلى. وقال السدي: والموت يقول: قد علمنا من يموت منهم، ومن يبقى. وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ محفوظ من الشياطين، ومن أن يدرس، ويبعثر، وهو اللوح المحفوظ، المكتوب فيه جميع الأشياء المقدّرة. بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ بالقرآن. لَمَّا جاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ قال أبو حمزة: سئل ابن عبّاس عن المريج، فقال: هو الشيء المكر، أما سمعت قول الشاعر: فجالت فالتمست به حشاها ... فخر كأنه خوط مريج [[تاج العروس: 2/ 100.]] الوالبي عنه: أمر مختلف. العوفي عنه: أمر ضلالة. سعيد بن جبير، ومجاهد: ملتبس، قال قتادة: في هذه الآية من نزل الحقّ مرج أمره عليه، والتبس دينه عليه. ابن زيد: مختلط، وقيل: فاسد، وقيل: متغير. وكلّ هذه الأقاويل متقاربة، وأصل المرج الاضطراب، والقلق، يقال: مرج أمر الناس، ومرج الدّين، ومرج الخاتم في إصبعي وخرج إذا قلق من الهزال، قال الشاعر: مرج الدّين فأعددت له ... مشرف الحارك محبوك الكتد [[لسان العرب: 10/ 408 وتفسير القرطبي: 17/ 15 والحارك: الكاهل، والكتد: مجمع الكتفين.]] وفي الحديث: «مرجت عهودهم، وأمانيهم» . أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ أي شقوق، وفتوق، واحدها فرج، وقال ابن زيد: الفروج الشيء المتفرّق المتبري بعضه من بعض، وقال الكسائي: ليس فيها تفاوت، ولا اختلاف وَالْأَرْضَ مَدَدْناها بسطناها على وجه الماء وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ لون بَهِيجٍ حسن كريم يبهج به أي يسر. تَبْصِرَةً أي جعلنا ذلك تبصرة، وقال أبو حاتم: نصبت على المصدر. وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ يعني تبصر أو تذكّر إنابتها له، لأنّ من قدر على خلق السماوات، والأرض، والنبات، قدر على بعثهم، ونظير التبصرة من المصادر التكملة، والتفضلة، ومن المضاعف النخلة، والبعرة. وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ يعني البر، والشعير، وسائر الحبوب التي تحصد وتدّخر وتقتات، وأضاف الحبّ إلى الحصيد، وهما واحد، لاختلاف اللفظين، كما يقال: مسجد الجامع، وربيع الأوّل، وحَقُّ الْيَقِينِ، وحَبْلِ الْوَرِيدِ، ونحوها. وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ قال مجاهد، وعكرمة، وقتادة: طوالا، وقال عبد الله بن شداد بن الهاد: سوقها لاستقامتها في الطول. سعيد بن جبير: مستويات. الحسن والفرّاء: مواقير حوامل، يقال للشاة إذا ولدت: أبسقت، ومحلّها نصب على الحال، والقطع. أخبرني الحسن، قال: حدّثنا عمر بن أحمد بن القاسم النهاوندي، قال: حدّثنا عبيد بن محمد بن صبح الكناني. قال: حدّثنا هشام بن يونس النهشلي، قال: حدّثنا سفيان بن عيينة، عن زياد بن علاقة، عن قطبة بن مالك. قال: سمعت النبيّ ﷺ‎ يقرأ: (والنّخل باصقات) بالصاد [[تفسير القرطبي: 17/ 7.]] . لَها طَلْعٌ تمر، وحمل سمّي بذلك لأنّه يطلع. نَضِيدٌ متراكب متراكم، قد نضد بعضه على بعض. قال بن الأجدع: نخل الجنّة نضيد من أصلها إلى فرعها، وثمرها أمثال [القلال] [[القلال: خشب ترفع بها الكروم من الأرض، والأخدود: الشقوق المستطيلة في الأرض.]] والدلاء، وأنهارها تجري في [عبر] [[في تفسير الطبري (1/ 246) : غير أخدود.]] أخدود رِزْقاً أي جعلناه رزقا لِلْعِبادِ وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً. أخبرني ابن منجويه، قال: حدّثنا ابن صقلاب. قال: حدّثنا ابن أبي الخصيب، قال: حدّثني ابن أبي الجوادي، قال: حدّثنا [عتيق] بن يعقوب، عن إبراهيم بن قدامة، عن أبي عبد الله الأغر، عن أبي هريرة، قال: كان النبيّ ﷺ‎ إذا جاءهم المطر، فسالت الميازيب، قال: «لا محل عليكم العام» [86] [[المعجم الأوسط: 1/ 258.]] أي الجدب. كَذلِكَ الْخُرُوجُ من القبور. كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوانُ لُوطٍ وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ وهو ملك اليمن، ويسمّى تبّعا لكثرة أتباعه، وكان يعبد النار فأسلم، ودعا قومه إلى الإسلام، وهم من حمير، فكذّبوه، وكان خبره وخبر قومه ما أخبرنا عبد الله بن حامد، قال: أخبرني أبو علي إسماعيل بن سعدان، قال: أخبرني علي بن أحمد، قال: حدّثنا محمد ابن جرير، وأخبرني عقيل أنّ أبا الفرج أخبرهم عن ابن جرير، قال: حدّثنا ابن حميد، قال: حدّثنا سلمة، قال: حدّثنا محمد بن إسحاق، قال: كان تبّع الآخر، وهو أسعد أبو كرب بن ملكي كرب، حين أقبل من المشرق، جعل طريقه على المدينة، وكان حين مر بها لم يهيج أهلها، وخلّف بين أظهرهم ابنا له، فقتل غيلة، فقدمها، وهو مجمع لإخراجها، واستئصال أهلها، وقطع نخيلها، فجمع له هذا الحيّ من الأنصار، حين سمعوا ذلك من أمره امتنعوا منه، ورئيسهم يومئذ عمرو بن ظلم أخو بني النجار أحد بني عمرو، فخرجوا لقتاله، وكان تبّع نزل بهم قبل ذلك، فقتل رجل منهم، من بني عدي بن النجّار، يقال له: أحمر، رجلا من صحابة تبّع، وجده في عذق له بجدة فضربه بنخلة فقتله. وقال: إنّما التمرة لمن أبره، ثمّ ألقاه حين قتله في بئر من آبارهم معروفة، يقال لها: ذات تومان، فزاد ذلك تبعا حنقا عليهم، فبينا تبّع على ذلك من حربهم يقاتلهم ويقاتلونه، قال: فيزعم الأنصار أنّهم كانوا يقاتلونه بالنهار، ويقرونه بالليل، فيعجبه ذلك، ويقول: والله إنّ قومنا هؤلاء لكرام، إذ جاءه حبران من أحبار يهود بني قريظة، عالمان راسخان، وكانا ابني عمرو، وكانا أعلم أهل زمانهما، فجاءا تبّعا حين سمعا ما يريد من إهلاك المدينة، وأهلها، فقالا له: أيّها الملك لا تفعل، فإنّك إن أتيت إلا ما تريد حيل بينك وبينها، ولم يأمن عليك عاجل العقوبة، فقال لهما: ولم ذاك؟ قالا: هي مهاجر نبي يخرج من هذا الحيّ من قريش في آخر الزمان، تكون داره وقراره، فتناهى لقولهما عمّا كان يريد بالمدينة، ورأى أنّ لهما علما، وأعجبه ما سمع منهما، أنّهما دعواه إلى دينهما، فليتبعهما على دينهما، فقال تبع في ذلك: ما بال نومك مثل نوم الأرمد ... أرقا كأنك لا تزال تسهد حنقا على سبطين حلّا يثربا ... أولى لهم بعقاب يوم مفسد ولقد هبطنا يثربا وصدورنا ... تغلي بلابلها بقتل محصد ولقد حلفت يمين صبر مؤليا ... قسما لعمرك ليس بالتمردد أن جئت يثرب لا أغادر وسطها ... عذقا ولا بسرا بيثرب يخلد حتى أتاني من قريظة عالم ... خبر لعمرك في اليهود مسود قال ازدجر عن قرية محفوظة ... لنبي مكّة من قريش مهتد فعفوت عنهم عفو غير مثرب ... وتركتهم لعقاب يوم سرمد وتركتهم لله أرجو عفوه ... يوم الحساب من الجحيم الموقد ولقد تركت بها له من قومنا ... نفرا أولي حسب وبأس يحمد نفرا يكون النصر في أعقابهم ... أرجو بذاك ثواب ربّ محمّد [[تاريخ الطبري: 1/ 533 وذكر تمام الأبيات.]] فلمّا [......] [[كلمة غير مقروءة.]] تبع إلى دينهما أكرمهما وانصرف عن المدينة، وخرج بهما إلى اليمن ولمّا [دنا من] اليمن ليدخلها حالت حمير بينه وبين ذلك، وقالوا: لا تدخلها علينا، وقد فارقت ديننا، فدعاهم إلى دينه، وقال: إنه دين خير من دينكم. قالوا: فحاكمنا إلى النار. وكانت باليمن نار في أسفل جبل يقال له: ندا [[كذا في المخطوط.]] ، يتحاكمون إليها، فيما يختلفون فيه، فتحكم بينهم، تأكل الظالم، ولا تضرّ المظلوم، فلمّا قالوا ذلك لتبّع، قال: أنصفتم، فخرج قومه بأوثانهم، وما يتقرّبون به في دينهم، وخرج الحبران، مصاحفهما في أعناقهما متقلّداهما، حتّى قعدوا للنّار عند مخرجها التي تخرج منه، فخرجت النار إليهم، ولمّا أقبلت نحو حمير، حادوا عنها، وهابوها فدعاهم من حضرهم من الناس، وأمروهم بالصبر لها فصبروا حتّى غشيتهم، فأكلت الأوثان، وما قربوا معها، ومن حمل ذلك من رجال حمير، وخرج الحبران ومصاحفهما في أعناقهما، يتلون التوراة، تعرق جباههما، لم تضرّهما، ونكصت النار حتّى رجعت إلى مخرجها الذي خرجت منه، فأطبقت حمير عند ذلك على دينهما. فمن هناك كان أصل اليهودية باليمن [[تفسير الطبري: 26/ 200.]] . وكان لهم بيت يعظمونه، وينحرون عنده، ويكلّمون منه، إذا كانوا على شركهم، فقال الحبران القرظيان، واسماهما كعب وأسد لتبّع: إنّما هو شيطان [يفنيهم ويلغيهم] [[في تفسير الطبري: يعينهم ويلعب بهم (26/ 200) .]] ، فخلّ بيننا وبينه. قال: فشأنكما به. فاستخرجا منه كلبا أسود، فذبحاه، ثمّ هدما ذلك البيت، فبقاياه اليوم باليمن كما ذكر لي. وروى أبي دريد، عن أبي حاتم، عن الرياشي، قال: كان أبو كرب أسعد الحميري من التبابعة، آمن بالنبيّ ﷺ‎ محمّد ﷺ‎ قبل أن يبعث بسبعمائة سنة، وقال في ذلك شعرا: شهدت على أحمد أنّه ... رسول من الله باري النسم فلو مد عمري إلى عمره ... لكنت صهرا له وابن عمّ [[تفسير القرطبي: 16/ 145.]] كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وجب وَعِيدِ لهم بالعذاب يخوف كفّار مكّة، قال قتادة: دمر الله سبحانه وتعالى قوم تبّع، ولم يدمّره، وكان من ملوك اليمن، فسار بالجيوش، وافتتح البلاد، وقصد مكّة ليهدم البيت، فقيل له: إنّ لهذا البيت ربّا يحميه، فندم وأحرم، ودخل مكّة، وطاف بالبيت، وكساه، فهو أوّل من كسا البيت أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ أي عجزنا عنه، وتعذر علينا [الأول فهم في شك الإعادة للخلق] الثاني. بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ وهو البعث.

ق 50:13

مكّية، وهي ألف وأربعمائة وأربع وتسعون حرفا، وثلاثمائة وسبع وخمسون كلمة، وخمسة وأربعون آية أخبرنا أبو الحسين محمد بن القاسم بن أحمد الماوردي، قال: أخبرنا أبو الحسين محمد ابن محمد بن سادة الكرابيسي، قال: حدّثنا أحمد بن محمد بن الحسين، قال: حدّثنا محمد بن يحيى، قال: حدّثنا مسلم بن قتيبة، عن سعيد، عن عاصم بن بهدلة، عن زر بن حش، عن أبي بن كعب، قال: قال رسول الله ﷺ‎: «من قرأ سورة ق، هوّن الله عليه تارات الموت، وسكراته» [84] [[تفسير مجمع البيان: 9/ 233.]] . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ق قال ابن عبّاس: هو اسم من أسماء الله سبحانه، أقسم به. قتادة: اسم من أسماء القرآن، القرظي: افتتاح أسماء الله، قدير، وقادر، وقاهر، وقاضي، وقابض. الشعبي: فاتحة السّورة. بريد، وعكرمة، والضحّاك: هو جبل محيط بالأرض من زمردة خضراء، خضرة السماء منه، وعليه كتفا السماء، وما أصاب الناس من زمرد، فهو ما يسقط من الجبل، وهي رواية أبي الحوراء، عن ابن عبّاس. قال وهب بن منبه: إنّ ذا القرنين أتى على جبل قاف، فرأى حوله جبالا صغارا، فقال له: ما أنت؟ قال: أنا قاف، قال: وما هذه الجبال حولك؟ قال: هي عروقي، وليست مدينة من المدائن إلّا وفيها عرق منها، فإذا أراد الله أن يزلزل تلك الأرض أمرني، فحرّكت عرقي ذلك، فتزلزلت تلك الأرض، فقال له: يا قاف، فأخبرني بشيء من عظمة الله، قال: إنّ شأن ربّنا لعظيم، تقصر عنه الصفات، وتنقضي دونه الأوهام. قال: فأخبرني بأدنى ما يوصف منها. قال: إنّ ورائي لأرضا مسيرة خمسمائة عام في عرض خمسمائة عام من جبال ثلج يحطم بعضه بعضا، لولا ذاك الثلج لاحترقت من حرّ جهنّم. قال: زدني، قال: إنّ جبريل عليه السّلام واقف بين يدي الله سبحانه ترعد فرائصه، يخلق الله من كلّ رعدة مائة ألف ملك، وأولئك الملائكة صفوف بين يدي الله سبحانه، منكّسو رؤوسهم، فإذا أذن الله لهم في الكلام، قالوا: لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ، وهو قوله: يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ، وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً [[سورة النبأ: 38.]] يعني لا إله إلّا الله. وقال الفرّاء: وسمعت من يقول: (ق) : قضي ما هو كائن، وقال أبو بكر الورّاق: معناه قف عند أمرنا، ونهينا، ولا تعدهما. وقيل: معناه قل يا محمّد. أحمد بن عاصم الأنطاكي، هو قرب الله سبحانه من عباده، بيانه وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [[سورة ق: 16.]] وقال ابن عطاء: أقسم بقوّة قلب حبيبه محمّد ﷺ‎ حيث حمل الخطاب، ولم يؤثر ذلك فيه لعلوّ حاله. وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ الشريف، الكريم على الله الكبير، الخبير. واختلف العلماء في جواب هذا القسم، فقال أهل الكوفة: بَلْ عَجِبُوا، وقال الأخفش: جوابه محذوف مجازه ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ لتبعثن، وقال ابن كيسان: جوابه قوله: ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ الآية، وقيل: قد علمنا، وجوابات القسم سبعة: (إن) الشديدة، كقوله: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ [[سورة الفجر: 14.]] و (ما) النفي كقوله: وَالضُّحى ... ما وَدَّعَكَ [[سورة الضحى: 31.]] و (اللام) المفتوحة، كقوله: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [[سورة الحجر: 92.]] و (إن) الخفيفة كقوله سبحانه: تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي [[سورة الشعراء: 97.]] ، و (لا) كقوله: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ [[سورة الأنعام: 109.]] ، لا يبعث الله من يموت، وقد كقوله: وَالشَّمْسِ وَضُحاها ... قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها [[سورة الشمس: 91.]] وبل كقوله: ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ يعرفون حسبه، ونسبه، وصدقه، وأمانته. فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ غريب. أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً نبعث، فترك ذكر البعث لدلالة الكلام عليه. ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ يقال: رجعته رجعا، فرجع هو رجوعا، قال الله سبحانه: فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ [[سورة التوبة: 83.]] قال الله سبحانه: قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ ما تأكله من عظامهم، وأجسامهم، وقيل: معناه قد علمنا ما يبلى منهم، وما يبقى لأنّ العصعص لا تأكله الأرض كما جاء في الحديث: «كلّ ابن آدم يبلى، إلّا عجب الذنب، منه خلق ومنه يركب» [85] [[تفسير ابن كثير: 3/ 251 ومسند أحمد: 2/ 499.]] وأبدان الأنبياء والشهداء أيضا لا تبلى. وقال السدي: والموت يقول: قد علمنا من يموت منهم، ومن يبقى. وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ محفوظ من الشياطين، ومن أن يدرس، ويبعثر، وهو اللوح المحفوظ، المكتوب فيه جميع الأشياء المقدّرة. بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ بالقرآن. لَمَّا جاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ قال أبو حمزة: سئل ابن عبّاس عن المريج، فقال: هو الشيء المكر، أما سمعت قول الشاعر: فجالت فالتمست به حشاها ... فخر كأنه خوط مريج [[تاج العروس: 2/ 100.]] الوالبي عنه: أمر مختلف. العوفي عنه: أمر ضلالة. سعيد بن جبير، ومجاهد: ملتبس، قال قتادة: في هذه الآية من نزل الحقّ مرج أمره عليه، والتبس دينه عليه. ابن زيد: مختلط، وقيل: فاسد، وقيل: متغير. وكلّ هذه الأقاويل متقاربة، وأصل المرج الاضطراب، والقلق، يقال: مرج أمر الناس، ومرج الدّين، ومرج الخاتم في إصبعي وخرج إذا قلق من الهزال، قال الشاعر: مرج الدّين فأعددت له ... مشرف الحارك محبوك الكتد [[لسان العرب: 10/ 408 وتفسير القرطبي: 17/ 15 والحارك: الكاهل، والكتد: مجمع الكتفين.]] وفي الحديث: «مرجت عهودهم، وأمانيهم» . أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ أي شقوق، وفتوق، واحدها فرج، وقال ابن زيد: الفروج الشيء المتفرّق المتبري بعضه من بعض، وقال الكسائي: ليس فيها تفاوت، ولا اختلاف وَالْأَرْضَ مَدَدْناها بسطناها على وجه الماء وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ لون بَهِيجٍ حسن كريم يبهج به أي يسر. تَبْصِرَةً أي جعلنا ذلك تبصرة، وقال أبو حاتم: نصبت على المصدر. وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ يعني تبصر أو تذكّر إنابتها له، لأنّ من قدر على خلق السماوات، والأرض، والنبات، قدر على بعثهم، ونظير التبصرة من المصادر التكملة، والتفضلة، ومن المضاعف النخلة، والبعرة. وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ يعني البر، والشعير، وسائر الحبوب التي تحصد وتدّخر وتقتات، وأضاف الحبّ إلى الحصيد، وهما واحد، لاختلاف اللفظين، كما يقال: مسجد الجامع، وربيع الأوّل، وحَقُّ الْيَقِينِ، وحَبْلِ الْوَرِيدِ، ونحوها. وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ قال مجاهد، وعكرمة، وقتادة: طوالا، وقال عبد الله بن شداد بن الهاد: سوقها لاستقامتها في الطول. سعيد بن جبير: مستويات. الحسن والفرّاء: مواقير حوامل، يقال للشاة إذا ولدت: أبسقت، ومحلّها نصب على الحال، والقطع. أخبرني الحسن، قال: حدّثنا عمر بن أحمد بن القاسم النهاوندي، قال: حدّثنا عبيد بن محمد بن صبح الكناني. قال: حدّثنا هشام بن يونس النهشلي، قال: حدّثنا سفيان بن عيينة، عن زياد بن علاقة، عن قطبة بن مالك. قال: سمعت النبيّ ﷺ‎ يقرأ: (والنّخل باصقات) بالصاد [[تفسير القرطبي: 17/ 7.]] . لَها طَلْعٌ تمر، وحمل سمّي بذلك لأنّه يطلع. نَضِيدٌ متراكب متراكم، قد نضد بعضه على بعض. قال بن الأجدع: نخل الجنّة نضيد من أصلها إلى فرعها، وثمرها أمثال [القلال] [[القلال: خشب ترفع بها الكروم من الأرض، والأخدود: الشقوق المستطيلة في الأرض.]] والدلاء، وأنهارها تجري في [عبر] [[في تفسير الطبري (1/ 246) : غير أخدود.]] أخدود رِزْقاً أي جعلناه رزقا لِلْعِبادِ وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً. أخبرني ابن منجويه، قال: حدّثنا ابن صقلاب. قال: حدّثنا ابن أبي الخصيب، قال: حدّثني ابن أبي الجوادي، قال: حدّثنا [عتيق] بن يعقوب، عن إبراهيم بن قدامة، عن أبي عبد الله الأغر، عن أبي هريرة، قال: كان النبيّ ﷺ‎ إذا جاءهم المطر، فسالت الميازيب، قال: «لا محل عليكم العام» [86] [[المعجم الأوسط: 1/ 258.]] أي الجدب. كَذلِكَ الْخُرُوجُ من القبور. كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوانُ لُوطٍ وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ وهو ملك اليمن، ويسمّى تبّعا لكثرة أتباعه، وكان يعبد النار فأسلم، ودعا قومه إلى الإسلام، وهم من حمير، فكذّبوه، وكان خبره وخبر قومه ما أخبرنا عبد الله بن حامد، قال: أخبرني أبو علي إسماعيل بن سعدان، قال: أخبرني علي بن أحمد، قال: حدّثنا محمد ابن جرير، وأخبرني عقيل أنّ أبا الفرج أخبرهم عن ابن جرير، قال: حدّثنا ابن حميد، قال: حدّثنا سلمة، قال: حدّثنا محمد بن إسحاق، قال: كان تبّع الآخر، وهو أسعد أبو كرب بن ملكي كرب، حين أقبل من المشرق، جعل طريقه على المدينة، وكان حين مر بها لم يهيج أهلها، وخلّف بين أظهرهم ابنا له، فقتل غيلة، فقدمها، وهو مجمع لإخراجها، واستئصال أهلها، وقطع نخيلها، فجمع له هذا الحيّ من الأنصار، حين سمعوا ذلك من أمره امتنعوا منه، ورئيسهم يومئذ عمرو بن ظلم أخو بني النجار أحد بني عمرو، فخرجوا لقتاله، وكان تبّع نزل بهم قبل ذلك، فقتل رجل منهم، من بني عدي بن النجّار، يقال له: أحمر، رجلا من صحابة تبّع، وجده في عذق له بجدة فضربه بنخلة فقتله. وقال: إنّما التمرة لمن أبره، ثمّ ألقاه حين قتله في بئر من آبارهم معروفة، يقال لها: ذات تومان، فزاد ذلك تبعا حنقا عليهم، فبينا تبّع على ذلك من حربهم يقاتلهم ويقاتلونه، قال: فيزعم الأنصار أنّهم كانوا يقاتلونه بالنهار، ويقرونه بالليل، فيعجبه ذلك، ويقول: والله إنّ قومنا هؤلاء لكرام، إذ جاءه حبران من أحبار يهود بني قريظة، عالمان راسخان، وكانا ابني عمرو، وكانا أعلم أهل زمانهما، فجاءا تبّعا حين سمعا ما يريد من إهلاك المدينة، وأهلها، فقالا له: أيّها الملك لا تفعل، فإنّك إن أتيت إلا ما تريد حيل بينك وبينها، ولم يأمن عليك عاجل العقوبة، فقال لهما: ولم ذاك؟ قالا: هي مهاجر نبي يخرج من هذا الحيّ من قريش في آخر الزمان، تكون داره وقراره، فتناهى لقولهما عمّا كان يريد بالمدينة، ورأى أنّ لهما علما، وأعجبه ما سمع منهما، أنّهما دعواه إلى دينهما، فليتبعهما على دينهما، فقال تبع في ذلك: ما بال نومك مثل نوم الأرمد ... أرقا كأنك لا تزال تسهد حنقا على سبطين حلّا يثربا ... أولى لهم بعقاب يوم مفسد ولقد هبطنا يثربا وصدورنا ... تغلي بلابلها بقتل محصد ولقد حلفت يمين صبر مؤليا ... قسما لعمرك ليس بالتمردد أن جئت يثرب لا أغادر وسطها ... عذقا ولا بسرا بيثرب يخلد حتى أتاني من قريظة عالم ... خبر لعمرك في اليهود مسود قال ازدجر عن قرية محفوظة ... لنبي مكّة من قريش مهتد فعفوت عنهم عفو غير مثرب ... وتركتهم لعقاب يوم سرمد وتركتهم لله أرجو عفوه ... يوم الحساب من الجحيم الموقد ولقد تركت بها له من قومنا ... نفرا أولي حسب وبأس يحمد نفرا يكون النصر في أعقابهم ... أرجو بذاك ثواب ربّ محمّد [[تاريخ الطبري: 1/ 533 وذكر تمام الأبيات.]] فلمّا [......] [[كلمة غير مقروءة.]] تبع إلى دينهما أكرمهما وانصرف عن المدينة، وخرج بهما إلى اليمن ولمّا [دنا من] اليمن ليدخلها حالت حمير بينه وبين ذلك، وقالوا: لا تدخلها علينا، وقد فارقت ديننا، فدعاهم إلى دينه، وقال: إنه دين خير من دينكم. قالوا: فحاكمنا إلى النار. وكانت باليمن نار في أسفل جبل يقال له: ندا [[كذا في المخطوط.]] ، يتحاكمون إليها، فيما يختلفون فيه، فتحكم بينهم، تأكل الظالم، ولا تضرّ المظلوم، فلمّا قالوا ذلك لتبّع، قال: أنصفتم، فخرج قومه بأوثانهم، وما يتقرّبون به في دينهم، وخرج الحبران، مصاحفهما في أعناقهما متقلّداهما، حتّى قعدوا للنّار عند مخرجها التي تخرج منه، فخرجت النار إليهم، ولمّا أقبلت نحو حمير، حادوا عنها، وهابوها فدعاهم من حضرهم من الناس، وأمروهم بالصبر لها فصبروا حتّى غشيتهم، فأكلت الأوثان، وما قربوا معها، ومن حمل ذلك من رجال حمير، وخرج الحبران ومصاحفهما في أعناقهما، يتلون التوراة، تعرق جباههما، لم تضرّهما، ونكصت النار حتّى رجعت إلى مخرجها الذي خرجت منه، فأطبقت حمير عند ذلك على دينهما. فمن هناك كان أصل اليهودية باليمن [[تفسير الطبري: 26/ 200.]] . وكان لهم بيت يعظمونه، وينحرون عنده، ويكلّمون منه، إذا كانوا على شركهم، فقال الحبران القرظيان، واسماهما كعب وأسد لتبّع: إنّما هو شيطان [يفنيهم ويلغيهم] [[في تفسير الطبري: يعينهم ويلعب بهم (26/ 200) .]] ، فخلّ بيننا وبينه. قال: فشأنكما به. فاستخرجا منه كلبا أسود، فذبحاه، ثمّ هدما ذلك البيت، فبقاياه اليوم باليمن كما ذكر لي. وروى أبي دريد، عن أبي حاتم، عن الرياشي، قال: كان أبو كرب أسعد الحميري من التبابعة، آمن بالنبيّ ﷺ‎ محمّد ﷺ‎ قبل أن يبعث بسبعمائة سنة، وقال في ذلك شعرا: شهدت على أحمد أنّه ... رسول من الله باري النسم فلو مد عمري إلى عمره ... لكنت صهرا له وابن عمّ [[تفسير القرطبي: 16/ 145.]] كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وجب وَعِيدِ لهم بالعذاب يخوف كفّار مكّة، قال قتادة: دمر الله سبحانه وتعالى قوم تبّع، ولم يدمّره، وكان من ملوك اليمن، فسار بالجيوش، وافتتح البلاد، وقصد مكّة ليهدم البيت، فقيل له: إنّ لهذا البيت ربّا يحميه، فندم وأحرم، ودخل مكّة، وطاف بالبيت، وكساه، فهو أوّل من كسا البيت أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ أي عجزنا عنه، وتعذر علينا [الأول فهم في شك الإعادة للخلق] الثاني. بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ وهو البعث.

ق 50:14

مكّية، وهي ألف وأربعمائة وأربع وتسعون حرفا، وثلاثمائة وسبع وخمسون كلمة، وخمسة وأربعون آية أخبرنا أبو الحسين محمد بن القاسم بن أحمد الماوردي، قال: أخبرنا أبو الحسين محمد ابن محمد بن سادة الكرابيسي، قال: حدّثنا أحمد بن محمد بن الحسين، قال: حدّثنا محمد بن يحيى، قال: حدّثنا مسلم بن قتيبة، عن سعيد، عن عاصم بن بهدلة، عن زر بن حش، عن أبي بن كعب، قال: قال رسول الله ﷺ‎: «من قرأ سورة ق، هوّن الله عليه تارات الموت، وسكراته» [84] [[تفسير مجمع البيان: 9/ 233.]] . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ق قال ابن عبّاس: هو اسم من أسماء الله سبحانه، أقسم به. قتادة: اسم من أسماء القرآن، القرظي: افتتاح أسماء الله، قدير، وقادر، وقاهر، وقاضي، وقابض. الشعبي: فاتحة السّورة. بريد، وعكرمة، والضحّاك: هو جبل محيط بالأرض من زمردة خضراء، خضرة السماء منه، وعليه كتفا السماء، وما أصاب الناس من زمرد، فهو ما يسقط من الجبل، وهي رواية أبي الحوراء، عن ابن عبّاس. قال وهب بن منبه: إنّ ذا القرنين أتى على جبل قاف، فرأى حوله جبالا صغارا، فقال له: ما أنت؟ قال: أنا قاف، قال: وما هذه الجبال حولك؟ قال: هي عروقي، وليست مدينة من المدائن إلّا وفيها عرق منها، فإذا أراد الله أن يزلزل تلك الأرض أمرني، فحرّكت عرقي ذلك، فتزلزلت تلك الأرض، فقال له: يا قاف، فأخبرني بشيء من عظمة الله، قال: إنّ شأن ربّنا لعظيم، تقصر عنه الصفات، وتنقضي دونه الأوهام. قال: فأخبرني بأدنى ما يوصف منها. قال: إنّ ورائي لأرضا مسيرة خمسمائة عام في عرض خمسمائة عام من جبال ثلج يحطم بعضه بعضا، لولا ذاك الثلج لاحترقت من حرّ جهنّم. قال: زدني، قال: إنّ جبريل عليه السّلام واقف بين يدي الله سبحانه ترعد فرائصه، يخلق الله من كلّ رعدة مائة ألف ملك، وأولئك الملائكة صفوف بين يدي الله سبحانه، منكّسو رؤوسهم، فإذا أذن الله لهم في الكلام، قالوا: لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ، وهو قوله: يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ، وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً [[سورة النبأ: 38.]] يعني لا إله إلّا الله. وقال الفرّاء: وسمعت من يقول: (ق) : قضي ما هو كائن، وقال أبو بكر الورّاق: معناه قف عند أمرنا، ونهينا، ولا تعدهما. وقيل: معناه قل يا محمّد. أحمد بن عاصم الأنطاكي، هو قرب الله سبحانه من عباده، بيانه وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [[سورة ق: 16.]] وقال ابن عطاء: أقسم بقوّة قلب حبيبه محمّد ﷺ‎ حيث حمل الخطاب، ولم يؤثر ذلك فيه لعلوّ حاله. وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ الشريف، الكريم على الله الكبير، الخبير. واختلف العلماء في جواب هذا القسم، فقال أهل الكوفة: بَلْ عَجِبُوا، وقال الأخفش: جوابه محذوف مجازه ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ لتبعثن، وقال ابن كيسان: جوابه قوله: ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ الآية، وقيل: قد علمنا، وجوابات القسم سبعة: (إن) الشديدة، كقوله: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ [[سورة الفجر: 14.]] و (ما) النفي كقوله: وَالضُّحى ... ما وَدَّعَكَ [[سورة الضحى: 31.]] و (اللام) المفتوحة، كقوله: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [[سورة الحجر: 92.]] و (إن) الخفيفة كقوله سبحانه: تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي [[سورة الشعراء: 97.]] ، و (لا) كقوله: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ [[سورة الأنعام: 109.]] ، لا يبعث الله من يموت، وقد كقوله: وَالشَّمْسِ وَضُحاها ... قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها [[سورة الشمس: 91.]] وبل كقوله: ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ يعرفون حسبه، ونسبه، وصدقه، وأمانته. فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ غريب. أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً نبعث، فترك ذكر البعث لدلالة الكلام عليه. ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ يقال: رجعته رجعا، فرجع هو رجوعا، قال الله سبحانه: فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ [[سورة التوبة: 83.]] قال الله سبحانه: قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ ما تأكله من عظامهم، وأجسامهم، وقيل: معناه قد علمنا ما يبلى منهم، وما يبقى لأنّ العصعص لا تأكله الأرض كما جاء في الحديث: «كلّ ابن آدم يبلى، إلّا عجب الذنب، منه خلق ومنه يركب» [85] [[تفسير ابن كثير: 3/ 251 ومسند أحمد: 2/ 499.]] وأبدان الأنبياء والشهداء أيضا لا تبلى. وقال السدي: والموت يقول: قد علمنا من يموت منهم، ومن يبقى. وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ محفوظ من الشياطين، ومن أن يدرس، ويبعثر، وهو اللوح المحفوظ، المكتوب فيه جميع الأشياء المقدّرة. بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ بالقرآن. لَمَّا جاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ قال أبو حمزة: سئل ابن عبّاس عن المريج، فقال: هو الشيء المكر، أما سمعت قول الشاعر: فجالت فالتمست به حشاها ... فخر كأنه خوط مريج [[تاج العروس: 2/ 100.]] الوالبي عنه: أمر مختلف. العوفي عنه: أمر ضلالة. سعيد بن جبير، ومجاهد: ملتبس، قال قتادة: في هذه الآية من نزل الحقّ مرج أمره عليه، والتبس دينه عليه. ابن زيد: مختلط، وقيل: فاسد، وقيل: متغير. وكلّ هذه الأقاويل متقاربة، وأصل المرج الاضطراب، والقلق، يقال: مرج أمر الناس، ومرج الدّين، ومرج الخاتم في إصبعي وخرج إذا قلق من الهزال، قال الشاعر: مرج الدّين فأعددت له ... مشرف الحارك محبوك الكتد [[لسان العرب: 10/ 408 وتفسير القرطبي: 17/ 15 والحارك: الكاهل، والكتد: مجمع الكتفين.]] وفي الحديث: «مرجت عهودهم، وأمانيهم» . أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ أي شقوق، وفتوق، واحدها فرج، وقال ابن زيد: الفروج الشيء المتفرّق المتبري بعضه من بعض، وقال الكسائي: ليس فيها تفاوت، ولا اختلاف وَالْأَرْضَ مَدَدْناها بسطناها على وجه الماء وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ لون بَهِيجٍ حسن كريم يبهج به أي يسر. تَبْصِرَةً أي جعلنا ذلك تبصرة، وقال أبو حاتم: نصبت على المصدر. وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ يعني تبصر أو تذكّر إنابتها له، لأنّ من قدر على خلق السماوات، والأرض، والنبات، قدر على بعثهم، ونظير التبصرة من المصادر التكملة، والتفضلة، ومن المضاعف النخلة، والبعرة. وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ يعني البر، والشعير، وسائر الحبوب التي تحصد وتدّخر وتقتات، وأضاف الحبّ إلى الحصيد، وهما واحد، لاختلاف اللفظين، كما يقال: مسجد الجامع، وربيع الأوّل، وحَقُّ الْيَقِينِ، وحَبْلِ الْوَرِيدِ، ونحوها. وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ قال مجاهد، وعكرمة، وقتادة: طوالا، وقال عبد الله بن شداد بن الهاد: سوقها لاستقامتها في الطول. سعيد بن جبير: مستويات. الحسن والفرّاء: مواقير حوامل، يقال للشاة إذا ولدت: أبسقت، ومحلّها نصب على الحال، والقطع. أخبرني الحسن، قال: حدّثنا عمر بن أحمد بن القاسم النهاوندي، قال: حدّثنا عبيد بن محمد بن صبح الكناني. قال: حدّثنا هشام بن يونس النهشلي، قال: حدّثنا سفيان بن عيينة، عن زياد بن علاقة، عن قطبة بن مالك. قال: سمعت النبيّ ﷺ‎ يقرأ: (والنّخل باصقات) بالصاد [[تفسير القرطبي: 17/ 7.]] . لَها طَلْعٌ تمر، وحمل سمّي بذلك لأنّه يطلع. نَضِيدٌ متراكب متراكم، قد نضد بعضه على بعض. قال بن الأجدع: نخل الجنّة نضيد من أصلها إلى فرعها، وثمرها أمثال [القلال] [[القلال: خشب ترفع بها الكروم من الأرض، والأخدود: الشقوق المستطيلة في الأرض.]] والدلاء، وأنهارها تجري في [عبر] [[في تفسير الطبري (1/ 246) : غير أخدود.]] أخدود رِزْقاً أي جعلناه رزقا لِلْعِبادِ وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً. أخبرني ابن منجويه، قال: حدّثنا ابن صقلاب. قال: حدّثنا ابن أبي الخصيب، قال: حدّثني ابن أبي الجوادي، قال: حدّثنا [عتيق] بن يعقوب، عن إبراهيم بن قدامة، عن أبي عبد الله الأغر، عن أبي هريرة، قال: كان النبيّ ﷺ‎ إذا جاءهم المطر، فسالت الميازيب، قال: «لا محل عليكم العام» [86] [[المعجم الأوسط: 1/ 258.]] أي الجدب. كَذلِكَ الْخُرُوجُ من القبور. كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوانُ لُوطٍ وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ وهو ملك اليمن، ويسمّى تبّعا لكثرة أتباعه، وكان يعبد النار فأسلم، ودعا قومه إلى الإسلام، وهم من حمير، فكذّبوه، وكان خبره وخبر قومه ما أخبرنا عبد الله بن حامد، قال: أخبرني أبو علي إسماعيل بن سعدان، قال: أخبرني علي بن أحمد، قال: حدّثنا محمد ابن جرير، وأخبرني عقيل أنّ أبا الفرج أخبرهم عن ابن جرير، قال: حدّثنا ابن حميد، قال: حدّثنا سلمة، قال: حدّثنا محمد بن إسحاق، قال: كان تبّع الآخر، وهو أسعد أبو كرب بن ملكي كرب، حين أقبل من المشرق، جعل طريقه على المدينة، وكان حين مر بها لم يهيج أهلها، وخلّف بين أظهرهم ابنا له، فقتل غيلة، فقدمها، وهو مجمع لإخراجها، واستئصال أهلها، وقطع نخيلها، فجمع له هذا الحيّ من الأنصار، حين سمعوا ذلك من أمره امتنعوا منه، ورئيسهم يومئذ عمرو بن ظلم أخو بني النجار أحد بني عمرو، فخرجوا لقتاله، وكان تبّع نزل بهم قبل ذلك، فقتل رجل منهم، من بني عدي بن النجّار، يقال له: أحمر، رجلا من صحابة تبّع، وجده في عذق له بجدة فضربه بنخلة فقتله. وقال: إنّما التمرة لمن أبره، ثمّ ألقاه حين قتله في بئر من آبارهم معروفة، يقال لها: ذات تومان، فزاد ذلك تبعا حنقا عليهم، فبينا تبّع على ذلك من حربهم يقاتلهم ويقاتلونه، قال: فيزعم الأنصار أنّهم كانوا يقاتلونه بالنهار، ويقرونه بالليل، فيعجبه ذلك، ويقول: والله إنّ قومنا هؤلاء لكرام، إذ جاءه حبران من أحبار يهود بني قريظة، عالمان راسخان، وكانا ابني عمرو، وكانا أعلم أهل زمانهما، فجاءا تبّعا حين سمعا ما يريد من إهلاك المدينة، وأهلها، فقالا له: أيّها الملك لا تفعل، فإنّك إن أتيت إلا ما تريد حيل بينك وبينها، ولم يأمن عليك عاجل العقوبة، فقال لهما: ولم ذاك؟ قالا: هي مهاجر نبي يخرج من هذا الحيّ من قريش في آخر الزمان، تكون داره وقراره، فتناهى لقولهما عمّا كان يريد بالمدينة، ورأى أنّ لهما علما، وأعجبه ما سمع منهما، أنّهما دعواه إلى دينهما، فليتبعهما على دينهما، فقال تبع في ذلك: ما بال نومك مثل نوم الأرمد ... أرقا كأنك لا تزال تسهد حنقا على سبطين حلّا يثربا ... أولى لهم بعقاب يوم مفسد ولقد هبطنا يثربا وصدورنا ... تغلي بلابلها بقتل محصد ولقد حلفت يمين صبر مؤليا ... قسما لعمرك ليس بالتمردد أن جئت يثرب لا أغادر وسطها ... عذقا ولا بسرا بيثرب يخلد حتى أتاني من قريظة عالم ... خبر لعمرك في اليهود مسود قال ازدجر عن قرية محفوظة ... لنبي مكّة من قريش مهتد فعفوت عنهم عفو غير مثرب ... وتركتهم لعقاب يوم سرمد وتركتهم لله أرجو عفوه ... يوم الحساب من الجحيم الموقد ولقد تركت بها له من قومنا ... نفرا أولي حسب وبأس يحمد نفرا يكون النصر في أعقابهم ... أرجو بذاك ثواب ربّ محمّد [[تاريخ الطبري: 1/ 533 وذكر تمام الأبيات.]] فلمّا [......] [[كلمة غير مقروءة.]] تبع إلى دينهما أكرمهما وانصرف عن المدينة، وخرج بهما إلى اليمن ولمّا [دنا من] اليمن ليدخلها حالت حمير بينه وبين ذلك، وقالوا: لا تدخلها علينا، وقد فارقت ديننا، فدعاهم إلى دينه، وقال: إنه دين خير من دينكم. قالوا: فحاكمنا إلى النار. وكانت باليمن نار في أسفل جبل يقال له: ندا [[كذا في المخطوط.]] ، يتحاكمون إليها، فيما يختلفون فيه، فتحكم بينهم، تأكل الظالم، ولا تضرّ المظلوم، فلمّا قالوا ذلك لتبّع، قال: أنصفتم، فخرج قومه بأوثانهم، وما يتقرّبون به في دينهم، وخرج الحبران، مصاحفهما في أعناقهما متقلّداهما، حتّى قعدوا للنّار عند مخرجها التي تخرج منه، فخرجت النار إليهم، ولمّا أقبلت نحو حمير، حادوا عنها، وهابوها فدعاهم من حضرهم من الناس، وأمروهم بالصبر لها فصبروا حتّى غشيتهم، فأكلت الأوثان، وما قربوا معها، ومن حمل ذلك من رجال حمير، وخرج الحبران ومصاحفهما في أعناقهما، يتلون التوراة، تعرق جباههما، لم تضرّهما، ونكصت النار حتّى رجعت إلى مخرجها الذي خرجت منه، فأطبقت حمير عند ذلك على دينهما. فمن هناك كان أصل اليهودية باليمن [[تفسير الطبري: 26/ 200.]] . وكان لهم بيت يعظمونه، وينحرون عنده، ويكلّمون منه، إذا كانوا على شركهم، فقال الحبران القرظيان، واسماهما كعب وأسد لتبّع: إنّما هو شيطان [يفنيهم ويلغيهم] [[في تفسير الطبري: يعينهم ويلعب بهم (26/ 200) .]] ، فخلّ بيننا وبينه. قال: فشأنكما به. فاستخرجا منه كلبا أسود، فذبحاه، ثمّ هدما ذلك البيت، فبقاياه اليوم باليمن كما ذكر لي. وروى أبي دريد، عن أبي حاتم، عن الرياشي، قال: كان أبو كرب أسعد الحميري من التبابعة، آمن بالنبيّ ﷺ‎ محمّد ﷺ‎ قبل أن يبعث بسبعمائة سنة، وقال في ذلك شعرا: شهدت على أحمد أنّه ... رسول من الله باري النسم فلو مد عمري إلى عمره ... لكنت صهرا له وابن عمّ [[تفسير القرطبي: 16/ 145.]] كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وجب وَعِيدِ لهم بالعذاب يخوف كفّار مكّة، قال قتادة: دمر الله سبحانه وتعالى قوم تبّع، ولم يدمّره، وكان من ملوك اليمن، فسار بالجيوش، وافتتح البلاد، وقصد مكّة ليهدم البيت، فقيل له: إنّ لهذا البيت ربّا يحميه، فندم وأحرم، ودخل مكّة، وطاف بالبيت، وكساه، فهو أوّل من كسا البيت أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ أي عجزنا عنه، وتعذر علينا [الأول فهم في شك الإعادة للخلق] الثاني. بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ وهو البعث.

ق 50:15

مكّية، وهي ألف وأربعمائة وأربع وتسعون حرفا، وثلاثمائة وسبع وخمسون كلمة، وخمسة وأربعون آية أخبرنا أبو الحسين محمد بن القاسم بن أحمد الماوردي، قال: أخبرنا أبو الحسين محمد ابن محمد بن سادة الكرابيسي، قال: حدّثنا أحمد بن محمد بن الحسين، قال: حدّثنا محمد بن يحيى، قال: حدّثنا مسلم بن قتيبة، عن سعيد، عن عاصم بن بهدلة، عن زر بن حش، عن أبي بن كعب، قال: قال رسول الله ﷺ‎: «من قرأ سورة ق، هوّن الله عليه تارات الموت، وسكراته» [84] [[تفسير مجمع البيان: 9/ 233.]] . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ق قال ابن عبّاس: هو اسم من أسماء الله سبحانه، أقسم به. قتادة: اسم من أسماء القرآن، القرظي: افتتاح أسماء الله، قدير، وقادر، وقاهر، وقاضي، وقابض. الشعبي: فاتحة السّورة. بريد، وعكرمة، والضحّاك: هو جبل محيط بالأرض من زمردة خضراء، خضرة السماء منه، وعليه كتفا السماء، وما أصاب الناس من زمرد، فهو ما يسقط من الجبل، وهي رواية أبي الحوراء، عن ابن عبّاس. قال وهب بن منبه: إنّ ذا القرنين أتى على جبل قاف، فرأى حوله جبالا صغارا، فقال له: ما أنت؟ قال: أنا قاف، قال: وما هذه الجبال حولك؟ قال: هي عروقي، وليست مدينة من المدائن إلّا وفيها عرق منها، فإذا أراد الله أن يزلزل تلك الأرض أمرني، فحرّكت عرقي ذلك، فتزلزلت تلك الأرض، فقال له: يا قاف، فأخبرني بشيء من عظمة الله، قال: إنّ شأن ربّنا لعظيم، تقصر عنه الصفات، وتنقضي دونه الأوهام. قال: فأخبرني بأدنى ما يوصف منها. قال: إنّ ورائي لأرضا مسيرة خمسمائة عام في عرض خمسمائة عام من جبال ثلج يحطم بعضه بعضا، لولا ذاك الثلج لاحترقت من حرّ جهنّم. قال: زدني، قال: إنّ جبريل عليه السّلام واقف بين يدي الله سبحانه ترعد فرائصه، يخلق الله من كلّ رعدة مائة ألف ملك، وأولئك الملائكة صفوف بين يدي الله سبحانه، منكّسو رؤوسهم، فإذا أذن الله لهم في الكلام، قالوا: لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ، وهو قوله: يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ، وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً [[سورة النبأ: 38.]] يعني لا إله إلّا الله. وقال الفرّاء: وسمعت من يقول: (ق) : قضي ما هو كائن، وقال أبو بكر الورّاق: معناه قف عند أمرنا، ونهينا، ولا تعدهما. وقيل: معناه قل يا محمّد. أحمد بن عاصم الأنطاكي، هو قرب الله سبحانه من عباده، بيانه وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [[سورة ق: 16.]] وقال ابن عطاء: أقسم بقوّة قلب حبيبه محمّد ﷺ‎ حيث حمل الخطاب، ولم يؤثر ذلك فيه لعلوّ حاله. وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ الشريف، الكريم على الله الكبير، الخبير. واختلف العلماء في جواب هذا القسم، فقال أهل الكوفة: بَلْ عَجِبُوا، وقال الأخفش: جوابه محذوف مجازه ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ لتبعثن، وقال ابن كيسان: جوابه قوله: ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ الآية، وقيل: قد علمنا، وجوابات القسم سبعة: (إن) الشديدة، كقوله: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ [[سورة الفجر: 14.]] و (ما) النفي كقوله: وَالضُّحى ... ما وَدَّعَكَ [[سورة الضحى: 31.]] و (اللام) المفتوحة، كقوله: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [[سورة الحجر: 92.]] و (إن) الخفيفة كقوله سبحانه: تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي [[سورة الشعراء: 97.]] ، و (لا) كقوله: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ [[سورة الأنعام: 109.]] ، لا يبعث الله من يموت، وقد كقوله: وَالشَّمْسِ وَضُحاها ... قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها [[سورة الشمس: 91.]] وبل كقوله: ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ يعرفون حسبه، ونسبه، وصدقه، وأمانته. فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ غريب. أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً نبعث، فترك ذكر البعث لدلالة الكلام عليه. ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ يقال: رجعته رجعا، فرجع هو رجوعا، قال الله سبحانه: فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ [[سورة التوبة: 83.]] قال الله سبحانه: قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ ما تأكله من عظامهم، وأجسامهم، وقيل: معناه قد علمنا ما يبلى منهم، وما يبقى لأنّ العصعص لا تأكله الأرض كما جاء في الحديث: «كلّ ابن آدم يبلى، إلّا عجب الذنب، منه خلق ومنه يركب» [85] [[تفسير ابن كثير: 3/ 251 ومسند أحمد: 2/ 499.]] وأبدان الأنبياء والشهداء أيضا لا تبلى. وقال السدي: والموت يقول: قد علمنا من يموت منهم، ومن يبقى. وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ محفوظ من الشياطين، ومن أن يدرس، ويبعثر، وهو اللوح المحفوظ، المكتوب فيه جميع الأشياء المقدّرة. بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ بالقرآن. لَمَّا جاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ قال أبو حمزة: سئل ابن عبّاس عن المريج، فقال: هو الشيء المكر، أما سمعت قول الشاعر: فجالت فالتمست به حشاها ... فخر كأنه خوط مريج [[تاج العروس: 2/ 100.]] الوالبي عنه: أمر مختلف. العوفي عنه: أمر ضلالة. سعيد بن جبير، ومجاهد: ملتبس، قال قتادة: في هذه الآية من نزل الحقّ مرج أمره عليه، والتبس دينه عليه. ابن زيد: مختلط، وقيل: فاسد، وقيل: متغير. وكلّ هذه الأقاويل متقاربة، وأصل المرج الاضطراب، والقلق، يقال: مرج أمر الناس، ومرج الدّين، ومرج الخاتم في إصبعي وخرج إذا قلق من الهزال، قال الشاعر: مرج الدّين فأعددت له ... مشرف الحارك محبوك الكتد [[لسان العرب: 10/ 408 وتفسير القرطبي: 17/ 15 والحارك: الكاهل، والكتد: مجمع الكتفين.]] وفي الحديث: «مرجت عهودهم، وأمانيهم» . أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ أي شقوق، وفتوق، واحدها فرج، وقال ابن زيد: الفروج الشيء المتفرّق المتبري بعضه من بعض، وقال الكسائي: ليس فيها تفاوت، ولا اختلاف وَالْأَرْضَ مَدَدْناها بسطناها على وجه الماء وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ لون بَهِيجٍ حسن كريم يبهج به أي يسر. تَبْصِرَةً أي جعلنا ذلك تبصرة، وقال أبو حاتم: نصبت على المصدر. وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ يعني تبصر أو تذكّر إنابتها له، لأنّ من قدر على خلق السماوات، والأرض، والنبات، قدر على بعثهم، ونظير التبصرة من المصادر التكملة، والتفضلة، ومن المضاعف النخلة، والبعرة. وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ يعني البر، والشعير، وسائر الحبوب التي تحصد وتدّخر وتقتات، وأضاف الحبّ إلى الحصيد، وهما واحد، لاختلاف اللفظين، كما يقال: مسجد الجامع، وربيع الأوّل، وحَقُّ الْيَقِينِ، وحَبْلِ الْوَرِيدِ، ونحوها. وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ قال مجاهد، وعكرمة، وقتادة: طوالا، وقال عبد الله بن شداد بن الهاد: سوقها لاستقامتها في الطول. سعيد بن جبير: مستويات. الحسن والفرّاء: مواقير حوامل، يقال للشاة إذا ولدت: أبسقت، ومحلّها نصب على الحال، والقطع. أخبرني الحسن، قال: حدّثنا عمر بن أحمد بن القاسم النهاوندي، قال: حدّثنا عبيد بن محمد بن صبح الكناني. قال: حدّثنا هشام بن يونس النهشلي، قال: حدّثنا سفيان بن عيينة، عن زياد بن علاقة، عن قطبة بن مالك. قال: سمعت النبيّ ﷺ‎ يقرأ: (والنّخل باصقات) بالصاد [[تفسير القرطبي: 17/ 7.]] . لَها طَلْعٌ تمر، وحمل سمّي بذلك لأنّه يطلع. نَضِيدٌ متراكب متراكم، قد نضد بعضه على بعض. قال بن الأجدع: نخل الجنّة نضيد من أصلها إلى فرعها، وثمرها أمثال [القلال] [[القلال: خشب ترفع بها الكروم من الأرض، والأخدود: الشقوق المستطيلة في الأرض.]] والدلاء، وأنهارها تجري في [عبر] [[في تفسير الطبري (1/ 246) : غير أخدود.]] أخدود رِزْقاً أي جعلناه رزقا لِلْعِبادِ وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً. أخبرني ابن منجويه، قال: حدّثنا ابن صقلاب. قال: حدّثنا ابن أبي الخصيب، قال: حدّثني ابن أبي الجوادي، قال: حدّثنا [عتيق] بن يعقوب، عن إبراهيم بن قدامة، عن أبي عبد الله الأغر، عن أبي هريرة، قال: كان النبيّ ﷺ‎ إذا جاءهم المطر، فسالت الميازيب، قال: «لا محل عليكم العام» [86] [[المعجم الأوسط: 1/ 258.]] أي الجدب. كَذلِكَ الْخُرُوجُ من القبور. كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوانُ لُوطٍ وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ وهو ملك اليمن، ويسمّى تبّعا لكثرة أتباعه، وكان يعبد النار فأسلم، ودعا قومه إلى الإسلام، وهم من حمير، فكذّبوه، وكان خبره وخبر قومه ما أخبرنا عبد الله بن حامد، قال: أخبرني أبو علي إسماعيل بن سعدان، قال: أخبرني علي بن أحمد، قال: حدّثنا محمد ابن جرير، وأخبرني عقيل أنّ أبا الفرج أخبرهم عن ابن جرير، قال: حدّثنا ابن حميد، قال: حدّثنا سلمة، قال: حدّثنا محمد بن إسحاق، قال: كان تبّع الآخر، وهو أسعد أبو كرب بن ملكي كرب، حين أقبل من المشرق، جعل طريقه على المدينة، وكان حين مر بها لم يهيج أهلها، وخلّف بين أظهرهم ابنا له، فقتل غيلة، فقدمها، وهو مجمع لإخراجها، واستئصال أهلها، وقطع نخيلها، فجمع له هذا الحيّ من الأنصار، حين سمعوا ذلك من أمره امتنعوا منه، ورئيسهم يومئذ عمرو بن ظلم أخو بني النجار أحد بني عمرو، فخرجوا لقتاله، وكان تبّع نزل بهم قبل ذلك، فقتل رجل منهم، من بني عدي بن النجّار، يقال له: أحمر، رجلا من صحابة تبّع، وجده في عذق له بجدة فضربه بنخلة فقتله. وقال: إنّما التمرة لمن أبره، ثمّ ألقاه حين قتله في بئر من آبارهم معروفة، يقال لها: ذات تومان، فزاد ذلك تبعا حنقا عليهم، فبينا تبّع على ذلك من حربهم يقاتلهم ويقاتلونه، قال: فيزعم الأنصار أنّهم كانوا يقاتلونه بالنهار، ويقرونه بالليل، فيعجبه ذلك، ويقول: والله إنّ قومنا هؤلاء لكرام، إذ جاءه حبران من أحبار يهود بني قريظة، عالمان راسخان، وكانا ابني عمرو، وكانا أعلم أهل زمانهما، فجاءا تبّعا حين سمعا ما يريد من إهلاك المدينة، وأهلها، فقالا له: أيّها الملك لا تفعل، فإنّك إن أتيت إلا ما تريد حيل بينك وبينها، ولم يأمن عليك عاجل العقوبة، فقال لهما: ولم ذاك؟ قالا: هي مهاجر نبي يخرج من هذا الحيّ من قريش في آخر الزمان، تكون داره وقراره، فتناهى لقولهما عمّا كان يريد بالمدينة، ورأى أنّ لهما علما، وأعجبه ما سمع منهما، أنّهما دعواه إلى دينهما، فليتبعهما على دينهما، فقال تبع في ذلك: ما بال نومك مثل نوم الأرمد ... أرقا كأنك لا تزال تسهد حنقا على سبطين حلّا يثربا ... أولى لهم بعقاب يوم مفسد ولقد هبطنا يثربا وصدورنا ... تغلي بلابلها بقتل محصد ولقد حلفت يمين صبر مؤليا ... قسما لعمرك ليس بالتمردد أن جئت يثرب لا أغادر وسطها ... عذقا ولا بسرا بيثرب يخلد حتى أتاني من قريظة عالم ... خبر لعمرك في اليهود مسود قال ازدجر عن قرية محفوظة ... لنبي مكّة من قريش مهتد فعفوت عنهم عفو غير مثرب ... وتركتهم لعقاب يوم سرمد وتركتهم لله أرجو عفوه ... يوم الحساب من الجحيم الموقد ولقد تركت بها له من قومنا ... نفرا أولي حسب وبأس يحمد نفرا يكون النصر في أعقابهم ... أرجو بذاك ثواب ربّ محمّد [[تاريخ الطبري: 1/ 533 وذكر تمام الأبيات.]] فلمّا [......] [[كلمة غير مقروءة.]] تبع إلى دينهما أكرمهما وانصرف عن المدينة، وخرج بهما إلى اليمن ولمّا [دنا من] اليمن ليدخلها حالت حمير بينه وبين ذلك، وقالوا: لا تدخلها علينا، وقد فارقت ديننا، فدعاهم إلى دينه، وقال: إنه دين خير من دينكم. قالوا: فحاكمنا إلى النار. وكانت باليمن نار في أسفل جبل يقال له: ندا [[كذا في المخطوط.]] ، يتحاكمون إليها، فيما يختلفون فيه، فتحكم بينهم، تأكل الظالم، ولا تضرّ المظلوم، فلمّا قالوا ذلك لتبّع، قال: أنصفتم، فخرج قومه بأوثانهم، وما يتقرّبون به في دينهم، وخرج الحبران، مصاحفهما في أعناقهما متقلّداهما، حتّى قعدوا للنّار عند مخرجها التي تخرج منه، فخرجت النار إليهم، ولمّا أقبلت نحو حمير، حادوا عنها، وهابوها فدعاهم من حضرهم من الناس، وأمروهم بالصبر لها فصبروا حتّى غشيتهم، فأكلت الأوثان، وما قربوا معها، ومن حمل ذلك من رجال حمير، وخرج الحبران ومصاحفهما في أعناقهما، يتلون التوراة، تعرق جباههما، لم تضرّهما، ونكصت النار حتّى رجعت إلى مخرجها الذي خرجت منه، فأطبقت حمير عند ذلك على دينهما. فمن هناك كان أصل اليهودية باليمن [[تفسير الطبري: 26/ 200.]] . وكان لهم بيت يعظمونه، وينحرون عنده، ويكلّمون منه، إذا كانوا على شركهم، فقال الحبران القرظيان، واسماهما كعب وأسد لتبّع: إنّما هو شيطان [يفنيهم ويلغيهم] [[في تفسير الطبري: يعينهم ويلعب بهم (26/ 200) .]] ، فخلّ بيننا وبينه. قال: فشأنكما به. فاستخرجا منه كلبا أسود، فذبحاه، ثمّ هدما ذلك البيت، فبقاياه اليوم باليمن كما ذكر لي. وروى أبي دريد، عن أبي حاتم، عن الرياشي، قال: كان أبو كرب أسعد الحميري من التبابعة، آمن بالنبيّ ﷺ‎ محمّد ﷺ‎ قبل أن يبعث بسبعمائة سنة، وقال في ذلك شعرا: شهدت على أحمد أنّه ... رسول من الله باري النسم فلو مد عمري إلى عمره ... لكنت صهرا له وابن عمّ [[تفسير القرطبي: 16/ 145.]] كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وجب وَعِيدِ لهم بالعذاب يخوف كفّار مكّة، قال قتادة: دمر الله سبحانه وتعالى قوم تبّع، ولم يدمّره، وكان من ملوك اليمن، فسار بالجيوش، وافتتح البلاد، وقصد مكّة ليهدم البيت، فقيل له: إنّ لهذا البيت ربّا يحميه، فندم وأحرم، ودخل مكّة، وطاف بالبيت، وكساه، فهو أوّل من كسا البيت أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ أي عجزنا عنه، وتعذر علينا [الأول فهم في شك الإعادة للخلق] الثاني. بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ وهو البعث.

ق 50:16

وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ يحدّثه قلبه، فلا يخفى علينا أسراره، وضمائره وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ أي أعلم به، وأقدر عليه مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ لأنّ أبعاضه، وأجزاءه يحجب بعضها بعضا، ولا يحجب علم الله سبحانه عن جميع ذلك شيء، وحبل الوريد: عرق العنق، وهو عرق بين الحلقوم، والعلباوين، وجمعه أوردة، والحبل من الوريد وأضيف إلى نفسه لاختلاف اللفظين، قال الشاعر: فقرت للفجار فجاء سعيا ... إذا ما جاش وانتفخ الوريد إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ أي يتلقّى، ويأخذ الملكان الموكلان عليك، وكّل الله سبحانه بالإنسان مع علمه بأحواله، ملكين بالليل، وملكين بالنهار يحفظان عمله، ويكتبان أثره، إلزاما للحجّة، أحدهما عن يمينه يكتب الحسنات، والآخر عن شماله يكتب السيّئات، فذلك قوله سبحانه: عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ ولم يقل: قعيدان. قال أهل البصرة: لأنّه أراد عن اليمين قعيد، وعن الشمال قعيد، فاكتفى بأحدهما عن الآخر، كقول الشاعر: نحن بما عندنا وأنت بما عندك ... راض والرأي مختلف وقول الفرزدق: إنّي ضمنت لمن أتاني ما جنى ... وأبى فكان وكنت غير غدور [[تفسير الطبري: 26/ 204.]] ولم يقل: غدورين، والقعيد، والقاعد كالسميع، والعليم، والقدير، فقال أهل الكوفة: أراد قعودا رده إلى الجنس، فوضع الواحد موضع الجمع، كالرسول في الاثنين يجعل للاثنين، والجمع، قال الله سبحانه في الاثنين: نَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ وقال الشاعر: ألكني إليها وخير الرسول ... أعلمهم بنواحي الخبر [[الصحاح: 4/ 1607.]] أخبرنا الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن جعفر بن سالم الختلي. قال: حدّثنا أحمد بن أيّوب الرخاني. قال: حدّثنا جميل بن الحسن، قال: حدّثنا أرطأة بن الأشعث العدوي، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب، قال: قال رسول الله ﷺ‎: «إنّ مقعد ملكيك على ثنيتيك، ولسانك قلمهما، وريقك مدادهما، وأنت تجري- أظنّه قال: - فيما لا يعنيك لا تستحي من الله، ولا منهما» [87] [[زاد المسير: 7/ 193 تفسير القرطبي: 17/ 10.]] . وأخبرنا الحسين بن محمد بن منجويه الدينوري، قال: حدّثنا أحمد بن جعفر بن حمدان، قال: حدّثنا الفضل بن العبّاس بن مهران. قال: حدّثنا طالوت. قال: حدّثنا حمّاد بن سلمة. قال: أخبرنا جعفر بن الزبير، عن القاسم بن محمد، عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله ﷺ‎: «كاتب الحسنات على يمين الرجل، وكاتب السيّئات على يسار الرجل، وكاتب الحسنات أمين على كاتب السيّئات، فإذا عمل حسنة كتبها صاحب اليمين عشرا، وإذا عمل سيئة، قال صاحب اليمين لصاحب الشمال: دعه سبع ساعات لعلّه يسبّح أو يستغفر» [88] [[تفسير القرطبي: 17/ 10.]] . قال الحسن: إنّ الملائكة يجتنبون الإنسان على حالين: عند غائطه، وعند جماعه، وقال أبو الجوزاء، ومجاهد: يكتبان عليه كلّ شيء حتّى أنينه في مرضه، وقال عكرمة: لا يكتبان عليه إلّا ما يؤجر عليه أو يؤزر فيه، وقال الضحّاك: مجلسهما تحت الشعر على الحنك. ومثله روى عوف عن الحسن، قال: وكان الحسن يعجبه أن ينظف عنفقته [[العنفقة: الشعر الذي في الشفة السفلى، وقيل الشعر الذي بينها وبين الذقن (النهاية) .]] . وقال عطية ومجاهد: القعيد الرصيد. أخبرنا أبو القاسم بن حبيب في سنة ست وثمانين وثلاثمائة، قال: حدّثنا أبو محمد البلاذري. قال: حدّثنا محمد بن أيّوب الرازي. قال: حدّثنا أبو التقى هشام بن عبد الملك. قال: حدّثنا مبشر بن إسماعيل الحلبي، عن تمام بن نجيح، عن الحسن، عن أبي هريرة، وأنس، قالا: قال رسول الله ﷺ‎: «ما من حافظين يرفعان إلى الله سبحانه ما حفظا فيرى الله سبحانه في أوّل الصحيفة خيرا، وفي آخرها خيرا، إلّا قال لملائكته: اشهدوا أنّي قد غفرت لعبدي ما بين طرفي الصحيفة» [89] [[تفسير القرطبي: 17/ 11.]] . وأخبرنا أبو سهل بن حبيب بقراءتي عليه، قال: حدّثنا أبو بكر أحمد بن موسى، قال: حدّثنا زنجويه بن محمد. قال: حدّثنا إسماعيل بن قتيبة. قال: حدّثنا يحيى بن يحيى. قال: حدّثنا عثمان بن مطر الشيباني، عن ثابت عن أنس. أنّ رسول الله ﷺ‎، قال: «بأنّ الله سبحانه وكّل بعبده المؤمن ملكين يكتبان عمله، فإذا مات، قال الملكان اللّذان وكّلا به يكتبان عمله: قد مات فلان، فيأذن لنا، فنصعد إلى السماء، فيقول الله سبحانه: سمائي مملوءة من ملائكتي يسبّحون، فيقولان: نقيم في الأرض. فيقول الله سبحانه: أرضي مملوءة من خلقي يسبّحون. فيقولان: فأين؟ فيقول: قوما على قبر عبدي. فكبّراني، وهللاني، واكتبا ذلك لعبدي ليوم القيامة» [90] [[تفسير القرطبي: 17/ 12 الدر المنثور: 6/ 105.]] . ما يَلْفِظُ يتكلّم. مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ عنده رَقِيبٌ حافظ عَتِيدٌ حاضر، وهو بمعنى المعتد من قوله: أَعْتَدْنا والعرب تعاقب بين (التاء) و (الذال) لقرب مخرجهما، فيقول: اعتددت، وأعذدت، وهرذ، وهرت، وكبذ، وكبت، ونحوهما، قال الشاعر: لئن كنت مني في العيان مغيبا ... فذكرك عندي في الفؤاد عتيد [[تفسير القرطبي: 17/ 11.]] وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ أي وجاءت سكرة الحقّ بالموت لأنّ السكرة هي الحقّ، فأضيفت إلى نفسه لاختلاف الاسمين وقيل: الحقّ هو الله عزّ وجلّ، مجازه وجاء سكرة أمر الله بالموت. أنبأني عقيل، قال: أخبرنا المعافى، قال: أخبرنا جوير. قال: حدّثنا ابن المثنى، قال: حدّثنا محمد بن جعفر، قال: حدّثنا شعبة، عن واصل، عن أبي وائل قال: لما كان أبو بكر يقضي، قالت عائشة: لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر [[لسان العرب: 2/ 237.]] فقال أبو بكر: يا بنية لا هو لي، ولكنّه كما قال الله سبحانه: وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ أي تكره، عن ابن عبّاس، وقال الحسن: تهرب. الضحّاك: تروغ. عطاء الخراساني: تميل. مقاتل بن حيان: تنكص. وأصل الحيد الميل، يقال: حدت عن الشيء أحيد حيدا، ومحيدا إذا ملت عنه. قال طرفة: أبا منذر رمت الوفاء فهبته ... وحدت كما حاد البعير عن الدحض [[تاج العروس: 5/ 28 والدحض: الدفع.]] وَنُفِخَ فِي الصُّورِ يعني نفخة البعث. ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ الذي وعده الله سبحانه للكفّار يلعنهم فيه. وَجاءَتْ ذلك اليوم كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ يسوقها إلى المحشر وَشَهِيدٌ شهد عليه بما عملت في الدّنيا من خير أو شرّ. وروي أنّ عثمان بن عفّان خطب، وقرأ هذه الآية، فقال: السائق يسوقها إلى الله سبحانه، والشاهد يشهد عليه بما عملت، وقال الضحّاك: السائق الملائكة، والشاهد من أنفسهم الأيدي، والأرجل. وهي رواية العوفي عن ابن عبّاس، وقال أبو هريرة: السائق الملك، والشهيد العمل، وقال الباقون: هما جميعا من الملائكة، فيقول الله سبحانه لها: لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ ورفعنا عنك عماك، وخلّينا عنك سترك، حتّى عاينته. فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ قوي، نافذ، ثابت، ترى ما كان محجوبا عنك. وروى عبد الوهاب، عن مجاهد، عن أبيه فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ قال: نظرك إليّ لبيان ميزانك حين توزن حسناتك، وسيّئاتك. وقيل: أراد بالبصر العلم، علم حين لم ينفعه العلم، وأبصر حين لم ينفعه البصر. وقرأ عاصم الجحدري لَقَدْ كُنْتَ بكسر (التاء) ، وبكسر (الكاف) ، رد الكتابة إلى النفس. وَقالَ قَرِينُهُ الملك الموكّل به هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ معد محفوظ محضر، قال مجاهد: هذا الذي وكّلني به من بني آدم، قد أحضرته، وأحضرت ديوان أعماله، فيقول الله سبحانه لقرينه: أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ قال الخليل، والأخفش: هذا كلام العرب الصحيح أن يخاطب الواحد بلفظ الاثنين، وهو جيد حسن، فيقول: ويلك أرحلاها، وازجراها، وخذاه واطلقاه للواحد. قال الفراء: وأصل ذلك إذا دنا أعوان الرجل في إبله، وغنمه، وبقره، اثنان، فجرى كلام الواحد على صاحبيه، ومنه قولهم للواحد في الشعر: خليلي [ثم يقول: يا صاح] . قال امرؤ القيس: خليلي مرّا بي على أمّ جندب ... نقض لبانات الفؤاد المعذّب وقال: قفا نبك عن ذكرى حبيب ومنزل وقال: قفا نبك من ذكرى حبيب وعروان [[كذا بالأصل.]] . قال الآخر: فقلت لصاحبي لا تعجلانا ... بنزع أصوله واجتز شيحا وأنشد أبو ثروان: فإن تزجرني يا ابن عفان أنزجر ... وإن تدعاني أحم عرضا ممنعا [[تفسير الطبري: 11/ 208.]] وقيل: يشبه أن يكون عني به تكرار القول فيه، فكأنّه يقول: الق الق، فناب ألقيا مناب التكرار، ويجوز أن تكون ألقيا تثنية على الحقيقة، ويكون الخطاب للمتلقيين معا أو السائق والشاهد جميعا، وقرأ الحسن (ألقين) بنون التأكيد الخفيفة، كقوله: لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ .. كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ عاص معرض عن الحقّ، قال مجاهد وعكرمة: مجانب للحقّ معاند لله. مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ أي للزكاة المفروضة، وكلّ حقّ واجب في ماله. مُعْتَدٍ ظالم. مُرِيبٍ مشكّك، وقال قتادة: شاك ومعناه: إنّه داخل في الريب الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَأَلْقِياهُ فِي الْعَذابِ الشَّدِيدِ والنار وقيل: نزلت في الوليد بن المغيرة، فأراد بقوله: مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ أنّه كان يمنع بني أخيه عن الإسلام، ويقول: لئن دخل أحدكم في دين محمّد لا أنفعه بخير ما عشت.

ق 50:17

وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ يحدّثه قلبه، فلا يخفى علينا أسراره، وضمائره وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ أي أعلم به، وأقدر عليه مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ لأنّ أبعاضه، وأجزاءه يحجب بعضها بعضا، ولا يحجب علم الله سبحانه عن جميع ذلك شيء، وحبل الوريد: عرق العنق، وهو عرق بين الحلقوم، والعلباوين، وجمعه أوردة، والحبل من الوريد وأضيف إلى نفسه لاختلاف اللفظين، قال الشاعر: فقرت للفجار فجاء سعيا ... إذا ما جاش وانتفخ الوريد إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ أي يتلقّى، ويأخذ الملكان الموكلان عليك، وكّل الله سبحانه بالإنسان مع علمه بأحواله، ملكين بالليل، وملكين بالنهار يحفظان عمله، ويكتبان أثره، إلزاما للحجّة، أحدهما عن يمينه يكتب الحسنات، والآخر عن شماله يكتب السيّئات، فذلك قوله سبحانه: عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ ولم يقل: قعيدان. قال أهل البصرة: لأنّه أراد عن اليمين قعيد، وعن الشمال قعيد، فاكتفى بأحدهما عن الآخر، كقول الشاعر: نحن بما عندنا وأنت بما عندك ... راض والرأي مختلف وقول الفرزدق: إنّي ضمنت لمن أتاني ما جنى ... وأبى فكان وكنت غير غدور [[تفسير الطبري: 26/ 204.]] ولم يقل: غدورين، والقعيد، والقاعد كالسميع، والعليم، والقدير، فقال أهل الكوفة: أراد قعودا رده إلى الجنس، فوضع الواحد موضع الجمع، كالرسول في الاثنين يجعل للاثنين، والجمع، قال الله سبحانه في الاثنين: نَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ وقال الشاعر: ألكني إليها وخير الرسول ... أعلمهم بنواحي الخبر [[الصحاح: 4/ 1607.]] أخبرنا الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن جعفر بن سالم الختلي. قال: حدّثنا أحمد بن أيّوب الرخاني. قال: حدّثنا جميل بن الحسن، قال: حدّثنا أرطأة بن الأشعث العدوي، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب، قال: قال رسول الله ﷺ‎: «إنّ مقعد ملكيك على ثنيتيك، ولسانك قلمهما، وريقك مدادهما، وأنت تجري- أظنّه قال: - فيما لا يعنيك لا تستحي من الله، ولا منهما» [87] [[زاد المسير: 7/ 193 تفسير القرطبي: 17/ 10.]] . وأخبرنا الحسين بن محمد بن منجويه الدينوري، قال: حدّثنا أحمد بن جعفر بن حمدان، قال: حدّثنا الفضل بن العبّاس بن مهران. قال: حدّثنا طالوت. قال: حدّثنا حمّاد بن سلمة. قال: أخبرنا جعفر بن الزبير، عن القاسم بن محمد، عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله ﷺ‎: «كاتب الحسنات على يمين الرجل، وكاتب السيّئات على يسار الرجل، وكاتب الحسنات أمين على كاتب السيّئات، فإذا عمل حسنة كتبها صاحب اليمين عشرا، وإذا عمل سيئة، قال صاحب اليمين لصاحب الشمال: دعه سبع ساعات لعلّه يسبّح أو يستغفر» [88] [[تفسير القرطبي: 17/ 10.]] . قال الحسن: إنّ الملائكة يجتنبون الإنسان على حالين: عند غائطه، وعند جماعه، وقال أبو الجوزاء، ومجاهد: يكتبان عليه كلّ شيء حتّى أنينه في مرضه، وقال عكرمة: لا يكتبان عليه إلّا ما يؤجر عليه أو يؤزر فيه، وقال الضحّاك: مجلسهما تحت الشعر على الحنك. ومثله روى عوف عن الحسن، قال: وكان الحسن يعجبه أن ينظف عنفقته [[العنفقة: الشعر الذي في الشفة السفلى، وقيل الشعر الذي بينها وبين الذقن (النهاية) .]] . وقال عطية ومجاهد: القعيد الرصيد. أخبرنا أبو القاسم بن حبيب في سنة ست وثمانين وثلاثمائة، قال: حدّثنا أبو محمد البلاذري. قال: حدّثنا محمد بن أيّوب الرازي. قال: حدّثنا أبو التقى هشام بن عبد الملك. قال: حدّثنا مبشر بن إسماعيل الحلبي، عن تمام بن نجيح، عن الحسن، عن أبي هريرة، وأنس، قالا: قال رسول الله ﷺ‎: «ما من حافظين يرفعان إلى الله سبحانه ما حفظا فيرى الله سبحانه في أوّل الصحيفة خيرا، وفي آخرها خيرا، إلّا قال لملائكته: اشهدوا أنّي قد غفرت لعبدي ما بين طرفي الصحيفة» [89] [[تفسير القرطبي: 17/ 11.]] . وأخبرنا أبو سهل بن حبيب بقراءتي عليه، قال: حدّثنا أبو بكر أحمد بن موسى، قال: حدّثنا زنجويه بن محمد. قال: حدّثنا إسماعيل بن قتيبة. قال: حدّثنا يحيى بن يحيى. قال: حدّثنا عثمان بن مطر الشيباني، عن ثابت عن أنس. أنّ رسول الله ﷺ‎، قال: «بأنّ الله سبحانه وكّل بعبده المؤمن ملكين يكتبان عمله، فإذا مات، قال الملكان اللّذان وكّلا به يكتبان عمله: قد مات فلان، فيأذن لنا، فنصعد إلى السماء، فيقول الله سبحانه: سمائي مملوءة من ملائكتي يسبّحون، فيقولان: نقيم في الأرض. فيقول الله سبحانه: أرضي مملوءة من خلقي يسبّحون. فيقولان: فأين؟ فيقول: قوما على قبر عبدي. فكبّراني، وهللاني، واكتبا ذلك لعبدي ليوم القيامة» [90] [[تفسير القرطبي: 17/ 12 الدر المنثور: 6/ 105.]] . ما يَلْفِظُ يتكلّم. مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ عنده رَقِيبٌ حافظ عَتِيدٌ حاضر، وهو بمعنى المعتد من قوله: أَعْتَدْنا والعرب تعاقب بين (التاء) و (الذال) لقرب مخرجهما، فيقول: اعتددت، وأعذدت، وهرذ، وهرت، وكبذ، وكبت، ونحوهما، قال الشاعر: لئن كنت مني في العيان مغيبا ... فذكرك عندي في الفؤاد عتيد [[تفسير القرطبي: 17/ 11.]] وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ أي وجاءت سكرة الحقّ بالموت لأنّ السكرة هي الحقّ، فأضيفت إلى نفسه لاختلاف الاسمين وقيل: الحقّ هو الله عزّ وجلّ، مجازه وجاء سكرة أمر الله بالموت. أنبأني عقيل، قال: أخبرنا المعافى، قال: أخبرنا جوير. قال: حدّثنا ابن المثنى، قال: حدّثنا محمد بن جعفر، قال: حدّثنا شعبة، عن واصل، عن أبي وائل قال: لما كان أبو بكر يقضي، قالت عائشة: لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر [[لسان العرب: 2/ 237.]] فقال أبو بكر: يا بنية لا هو لي، ولكنّه كما قال الله سبحانه: وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ أي تكره، عن ابن عبّاس، وقال الحسن: تهرب. الضحّاك: تروغ. عطاء الخراساني: تميل. مقاتل بن حيان: تنكص. وأصل الحيد الميل، يقال: حدت عن الشيء أحيد حيدا، ومحيدا إذا ملت عنه. قال طرفة: أبا منذر رمت الوفاء فهبته ... وحدت كما حاد البعير عن الدحض [[تاج العروس: 5/ 28 والدحض: الدفع.]] وَنُفِخَ فِي الصُّورِ يعني نفخة البعث. ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ الذي وعده الله سبحانه للكفّار يلعنهم فيه. وَجاءَتْ ذلك اليوم كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ يسوقها إلى المحشر وَشَهِيدٌ شهد عليه بما عملت في الدّنيا من خير أو شرّ. وروي أنّ عثمان بن عفّان خطب، وقرأ هذه الآية، فقال: السائق يسوقها إلى الله سبحانه، والشاهد يشهد عليه بما عملت، وقال الضحّاك: السائق الملائكة، والشاهد من أنفسهم الأيدي، والأرجل. وهي رواية العوفي عن ابن عبّاس، وقال أبو هريرة: السائق الملك، والشهيد العمل، وقال الباقون: هما جميعا من الملائكة، فيقول الله سبحانه لها: لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ ورفعنا عنك عماك، وخلّينا عنك سترك، حتّى عاينته. فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ قوي، نافذ، ثابت، ترى ما كان محجوبا عنك. وروى عبد الوهاب، عن مجاهد، عن أبيه فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ قال: نظرك إليّ لبيان ميزانك حين توزن حسناتك، وسيّئاتك. وقيل: أراد بالبصر العلم، علم حين لم ينفعه العلم، وأبصر حين لم ينفعه البصر. وقرأ عاصم الجحدري لَقَدْ كُنْتَ بكسر (التاء) ، وبكسر (الكاف) ، رد الكتابة إلى النفس. وَقالَ قَرِينُهُ الملك الموكّل به هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ معد محفوظ محضر، قال مجاهد: هذا الذي وكّلني به من بني آدم، قد أحضرته، وأحضرت ديوان أعماله، فيقول الله سبحانه لقرينه: أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ قال الخليل، والأخفش: هذا كلام العرب الصحيح أن يخاطب الواحد بلفظ الاثنين، وهو جيد حسن، فيقول: ويلك أرحلاها، وازجراها، وخذاه واطلقاه للواحد. قال الفراء: وأصل ذلك إذا دنا أعوان الرجل في إبله، وغنمه، وبقره، اثنان، فجرى كلام الواحد على صاحبيه، ومنه قولهم للواحد في الشعر: خليلي [ثم يقول: يا صاح] . قال امرؤ القيس: خليلي مرّا بي على أمّ جندب ... نقض لبانات الفؤاد المعذّب وقال: قفا نبك عن ذكرى حبيب ومنزل وقال: قفا نبك من ذكرى حبيب وعروان [[كذا بالأصل.]] . قال الآخر: فقلت لصاحبي لا تعجلانا ... بنزع أصوله واجتز شيحا وأنشد أبو ثروان: فإن تزجرني يا ابن عفان أنزجر ... وإن تدعاني أحم عرضا ممنعا [[تفسير الطبري: 11/ 208.]] وقيل: يشبه أن يكون عني به تكرار القول فيه، فكأنّه يقول: الق الق، فناب ألقيا مناب التكرار، ويجوز أن تكون ألقيا تثنية على الحقيقة، ويكون الخطاب للمتلقيين معا أو السائق والشاهد جميعا، وقرأ الحسن (ألقين) بنون التأكيد الخفيفة، كقوله: لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ .. كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ عاص معرض عن الحقّ، قال مجاهد وعكرمة: مجانب للحقّ معاند لله. مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ أي للزكاة المفروضة، وكلّ حقّ واجب في ماله. مُعْتَدٍ ظالم. مُرِيبٍ مشكّك، وقال قتادة: شاك ومعناه: إنّه داخل في الريب الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَأَلْقِياهُ فِي الْعَذابِ الشَّدِيدِ والنار وقيل: نزلت في الوليد بن المغيرة، فأراد بقوله: مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ أنّه كان يمنع بني أخيه عن الإسلام، ويقول: لئن دخل أحدكم في دين محمّد لا أنفعه بخير ما عشت.

ق 50:18

وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ يحدّثه قلبه، فلا يخفى علينا أسراره، وضمائره وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ أي أعلم به، وأقدر عليه مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ لأنّ أبعاضه، وأجزاءه يحجب بعضها بعضا، ولا يحجب علم الله سبحانه عن جميع ذلك شيء، وحبل الوريد: عرق العنق، وهو عرق بين الحلقوم، والعلباوين، وجمعه أوردة، والحبل من الوريد وأضيف إلى نفسه لاختلاف اللفظين، قال الشاعر: فقرت للفجار فجاء سعيا ... إذا ما جاش وانتفخ الوريد إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ أي يتلقّى، ويأخذ الملكان الموكلان عليك، وكّل الله سبحانه بالإنسان مع علمه بأحواله، ملكين بالليل، وملكين بالنهار يحفظان عمله، ويكتبان أثره، إلزاما للحجّة، أحدهما عن يمينه يكتب الحسنات، والآخر عن شماله يكتب السيّئات، فذلك قوله سبحانه: عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ ولم يقل: قعيدان. قال أهل البصرة: لأنّه أراد عن اليمين قعيد، وعن الشمال قعيد، فاكتفى بأحدهما عن الآخر، كقول الشاعر: نحن بما عندنا وأنت بما عندك ... راض والرأي مختلف وقول الفرزدق: إنّي ضمنت لمن أتاني ما جنى ... وأبى فكان وكنت غير غدور [[تفسير الطبري: 26/ 204.]] ولم يقل: غدورين، والقعيد، والقاعد كالسميع، والعليم، والقدير، فقال أهل الكوفة: أراد قعودا رده إلى الجنس، فوضع الواحد موضع الجمع، كالرسول في الاثنين يجعل للاثنين، والجمع، قال الله سبحانه في الاثنين: نَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ وقال الشاعر: ألكني إليها وخير الرسول ... أعلمهم بنواحي الخبر [[الصحاح: 4/ 1607.]] أخبرنا الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن جعفر بن سالم الختلي. قال: حدّثنا أحمد بن أيّوب الرخاني. قال: حدّثنا جميل بن الحسن، قال: حدّثنا أرطأة بن الأشعث العدوي، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب، قال: قال رسول الله ﷺ‎: «إنّ مقعد ملكيك على ثنيتيك، ولسانك قلمهما، وريقك مدادهما، وأنت تجري- أظنّه قال: - فيما لا يعنيك لا تستحي من الله، ولا منهما» [87] [[زاد المسير: 7/ 193 تفسير القرطبي: 17/ 10.]] . وأخبرنا الحسين بن محمد بن منجويه الدينوري، قال: حدّثنا أحمد بن جعفر بن حمدان، قال: حدّثنا الفضل بن العبّاس بن مهران. قال: حدّثنا طالوت. قال: حدّثنا حمّاد بن سلمة. قال: أخبرنا جعفر بن الزبير، عن القاسم بن محمد، عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله ﷺ‎: «كاتب الحسنات على يمين الرجل، وكاتب السيّئات على يسار الرجل، وكاتب الحسنات أمين على كاتب السيّئات، فإذا عمل حسنة كتبها صاحب اليمين عشرا، وإذا عمل سيئة، قال صاحب اليمين لصاحب الشمال: دعه سبع ساعات لعلّه يسبّح أو يستغفر» [88] [[تفسير القرطبي: 17/ 10.]] . قال الحسن: إنّ الملائكة يجتنبون الإنسان على حالين: عند غائطه، وعند جماعه، وقال أبو الجوزاء، ومجاهد: يكتبان عليه كلّ شيء حتّى أنينه في مرضه، وقال عكرمة: لا يكتبان عليه إلّا ما يؤجر عليه أو يؤزر فيه، وقال الضحّاك: مجلسهما تحت الشعر على الحنك. ومثله روى عوف عن الحسن، قال: وكان الحسن يعجبه أن ينظف عنفقته [[العنفقة: الشعر الذي في الشفة السفلى، وقيل الشعر الذي بينها وبين الذقن (النهاية) .]] . وقال عطية ومجاهد: القعيد الرصيد. أخبرنا أبو القاسم بن حبيب في سنة ست وثمانين وثلاثمائة، قال: حدّثنا أبو محمد البلاذري. قال: حدّثنا محمد بن أيّوب الرازي. قال: حدّثنا أبو التقى هشام بن عبد الملك. قال: حدّثنا مبشر بن إسماعيل الحلبي، عن تمام بن نجيح، عن الحسن، عن أبي هريرة، وأنس، قالا: قال رسول الله ﷺ‎: «ما من حافظين يرفعان إلى الله سبحانه ما حفظا فيرى الله سبحانه في أوّل الصحيفة خيرا، وفي آخرها خيرا، إلّا قال لملائكته: اشهدوا أنّي قد غفرت لعبدي ما بين طرفي الصحيفة» [89] [[تفسير القرطبي: 17/ 11.]] . وأخبرنا أبو سهل بن حبيب بقراءتي عليه، قال: حدّثنا أبو بكر أحمد بن موسى، قال: حدّثنا زنجويه بن محمد. قال: حدّثنا إسماعيل بن قتيبة. قال: حدّثنا يحيى بن يحيى. قال: حدّثنا عثمان بن مطر الشيباني، عن ثابت عن أنس. أنّ رسول الله ﷺ‎، قال: «بأنّ الله سبحانه وكّل بعبده المؤمن ملكين يكتبان عمله، فإذا مات، قال الملكان اللّذان وكّلا به يكتبان عمله: قد مات فلان، فيأذن لنا، فنصعد إلى السماء، فيقول الله سبحانه: سمائي مملوءة من ملائكتي يسبّحون، فيقولان: نقيم في الأرض. فيقول الله سبحانه: أرضي مملوءة من خلقي يسبّحون. فيقولان: فأين؟ فيقول: قوما على قبر عبدي. فكبّراني، وهللاني، واكتبا ذلك لعبدي ليوم القيامة» [90] [[تفسير القرطبي: 17/ 12 الدر المنثور: 6/ 105.]] . ما يَلْفِظُ يتكلّم. مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ عنده رَقِيبٌ حافظ عَتِيدٌ حاضر، وهو بمعنى المعتد من قوله: أَعْتَدْنا والعرب تعاقب بين (التاء) و (الذال) لقرب مخرجهما، فيقول: اعتددت، وأعذدت، وهرذ، وهرت، وكبذ، وكبت، ونحوهما، قال الشاعر: لئن كنت مني في العيان مغيبا ... فذكرك عندي في الفؤاد عتيد [[تفسير القرطبي: 17/ 11.]] وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ أي وجاءت سكرة الحقّ بالموت لأنّ السكرة هي الحقّ، فأضيفت إلى نفسه لاختلاف الاسمين وقيل: الحقّ هو الله عزّ وجلّ، مجازه وجاء سكرة أمر الله بالموت. أنبأني عقيل، قال: أخبرنا المعافى، قال: أخبرنا جوير. قال: حدّثنا ابن المثنى، قال: حدّثنا محمد بن جعفر، قال: حدّثنا شعبة، عن واصل، عن أبي وائل قال: لما كان أبو بكر يقضي، قالت عائشة: لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر [[لسان العرب: 2/ 237.]] فقال أبو بكر: يا بنية لا هو لي، ولكنّه كما قال الله سبحانه: وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ أي تكره، عن ابن عبّاس، وقال الحسن: تهرب. الضحّاك: تروغ. عطاء الخراساني: تميل. مقاتل بن حيان: تنكص. وأصل الحيد الميل، يقال: حدت عن الشيء أحيد حيدا، ومحيدا إذا ملت عنه. قال طرفة: أبا منذر رمت الوفاء فهبته ... وحدت كما حاد البعير عن الدحض [[تاج العروس: 5/ 28 والدحض: الدفع.]] وَنُفِخَ فِي الصُّورِ يعني نفخة البعث. ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ الذي وعده الله سبحانه للكفّار يلعنهم فيه. وَجاءَتْ ذلك اليوم كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ يسوقها إلى المحشر وَشَهِيدٌ شهد عليه بما عملت في الدّنيا من خير أو شرّ. وروي أنّ عثمان بن عفّان خطب، وقرأ هذه الآية، فقال: السائق يسوقها إلى الله سبحانه، والشاهد يشهد عليه بما عملت، وقال الضحّاك: السائق الملائكة، والشاهد من أنفسهم الأيدي، والأرجل. وهي رواية العوفي عن ابن عبّاس، وقال أبو هريرة: السائق الملك، والشهيد العمل، وقال الباقون: هما جميعا من الملائكة، فيقول الله سبحانه لها: لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ ورفعنا عنك عماك، وخلّينا عنك سترك، حتّى عاينته. فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ قوي، نافذ، ثابت، ترى ما كان محجوبا عنك. وروى عبد الوهاب، عن مجاهد، عن أبيه فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ قال: نظرك إليّ لبيان ميزانك حين توزن حسناتك، وسيّئاتك. وقيل: أراد بالبصر العلم، علم حين لم ينفعه العلم، وأبصر حين لم ينفعه البصر. وقرأ عاصم الجحدري لَقَدْ كُنْتَ بكسر (التاء) ، وبكسر (الكاف) ، رد الكتابة إلى النفس. وَقالَ قَرِينُهُ الملك الموكّل به هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ معد محفوظ محضر، قال مجاهد: هذا الذي وكّلني به من بني آدم، قد أحضرته، وأحضرت ديوان أعماله، فيقول الله سبحانه لقرينه: أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ قال الخليل، والأخفش: هذا كلام العرب الصحيح أن يخاطب الواحد بلفظ الاثنين، وهو جيد حسن، فيقول: ويلك أرحلاها، وازجراها، وخذاه واطلقاه للواحد. قال الفراء: وأصل ذلك إذا دنا أعوان الرجل في إبله، وغنمه، وبقره، اثنان، فجرى كلام الواحد على صاحبيه، ومنه قولهم للواحد في الشعر: خليلي [ثم يقول: يا صاح] . قال امرؤ القيس: خليلي مرّا بي على أمّ جندب ... نقض لبانات الفؤاد المعذّب وقال: قفا نبك عن ذكرى حبيب ومنزل وقال: قفا نبك من ذكرى حبيب وعروان [[كذا بالأصل.]] . قال الآخر: فقلت لصاحبي لا تعجلانا ... بنزع أصوله واجتز شيحا وأنشد أبو ثروان: فإن تزجرني يا ابن عفان أنزجر ... وإن تدعاني أحم عرضا ممنعا [[تفسير الطبري: 11/ 208.]] وقيل: يشبه أن يكون عني به تكرار القول فيه، فكأنّه يقول: الق الق، فناب ألقيا مناب التكرار، ويجوز أن تكون ألقيا تثنية على الحقيقة، ويكون الخطاب للمتلقيين معا أو السائق والشاهد جميعا، وقرأ الحسن (ألقين) بنون التأكيد الخفيفة، كقوله: لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ .. كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ عاص معرض عن الحقّ، قال مجاهد وعكرمة: مجانب للحقّ معاند لله. مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ أي للزكاة المفروضة، وكلّ حقّ واجب في ماله. مُعْتَدٍ ظالم. مُرِيبٍ مشكّك، وقال قتادة: شاك ومعناه: إنّه داخل في الريب الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَأَلْقِياهُ فِي الْعَذابِ الشَّدِيدِ والنار وقيل: نزلت في الوليد بن المغيرة، فأراد بقوله: مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ أنّه كان يمنع بني أخيه عن الإسلام، ويقول: لئن دخل أحدكم في دين محمّد لا أنفعه بخير ما عشت.

ق 50:19

وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ يحدّثه قلبه، فلا يخفى علينا أسراره، وضمائره وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ أي أعلم به، وأقدر عليه مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ لأنّ أبعاضه، وأجزاءه يحجب بعضها بعضا، ولا يحجب علم الله سبحانه عن جميع ذلك شيء، وحبل الوريد: عرق العنق، وهو عرق بين الحلقوم، والعلباوين، وجمعه أوردة، والحبل من الوريد وأضيف إلى نفسه لاختلاف اللفظين، قال الشاعر: فقرت للفجار فجاء سعيا ... إذا ما جاش وانتفخ الوريد إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ أي يتلقّى، ويأخذ الملكان الموكلان عليك، وكّل الله سبحانه بالإنسان مع علمه بأحواله، ملكين بالليل، وملكين بالنهار يحفظان عمله، ويكتبان أثره، إلزاما للحجّة، أحدهما عن يمينه يكتب الحسنات، والآخر عن شماله يكتب السيّئات، فذلك قوله سبحانه: عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ ولم يقل: قعيدان. قال أهل البصرة: لأنّه أراد عن اليمين قعيد، وعن الشمال قعيد، فاكتفى بأحدهما عن الآخر، كقول الشاعر: نحن بما عندنا وأنت بما عندك ... راض والرأي مختلف وقول الفرزدق: إنّي ضمنت لمن أتاني ما جنى ... وأبى فكان وكنت غير غدور [[تفسير الطبري: 26/ 204.]] ولم يقل: غدورين، والقعيد، والقاعد كالسميع، والعليم، والقدير، فقال أهل الكوفة: أراد قعودا رده إلى الجنس، فوضع الواحد موضع الجمع، كالرسول في الاثنين يجعل للاثنين، والجمع، قال الله سبحانه في الاثنين: نَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ وقال الشاعر: ألكني إليها وخير الرسول ... أعلمهم بنواحي الخبر [[الصحاح: 4/ 1607.]] أخبرنا الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن جعفر بن سالم الختلي. قال: حدّثنا أحمد بن أيّوب الرخاني. قال: حدّثنا جميل بن الحسن، قال: حدّثنا أرطأة بن الأشعث العدوي، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب، قال: قال رسول الله ﷺ‎: «إنّ مقعد ملكيك على ثنيتيك، ولسانك قلمهما، وريقك مدادهما، وأنت تجري- أظنّه قال: - فيما لا يعنيك لا تستحي من الله، ولا منهما» [87] [[زاد المسير: 7/ 193 تفسير القرطبي: 17/ 10.]] . وأخبرنا الحسين بن محمد بن منجويه الدينوري، قال: حدّثنا أحمد بن جعفر بن حمدان، قال: حدّثنا الفضل بن العبّاس بن مهران. قال: حدّثنا طالوت. قال: حدّثنا حمّاد بن سلمة. قال: أخبرنا جعفر بن الزبير، عن القاسم بن محمد، عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله ﷺ‎: «كاتب الحسنات على يمين الرجل، وكاتب السيّئات على يسار الرجل، وكاتب الحسنات أمين على كاتب السيّئات، فإذا عمل حسنة كتبها صاحب اليمين عشرا، وإذا عمل سيئة، قال صاحب اليمين لصاحب الشمال: دعه سبع ساعات لعلّه يسبّح أو يستغفر» [88] [[تفسير القرطبي: 17/ 10.]] . قال الحسن: إنّ الملائكة يجتنبون الإنسان على حالين: عند غائطه، وعند جماعه، وقال أبو الجوزاء، ومجاهد: يكتبان عليه كلّ شيء حتّى أنينه في مرضه، وقال عكرمة: لا يكتبان عليه إلّا ما يؤجر عليه أو يؤزر فيه، وقال الضحّاك: مجلسهما تحت الشعر على الحنك. ومثله روى عوف عن الحسن، قال: وكان الحسن يعجبه أن ينظف عنفقته [[العنفقة: الشعر الذي في الشفة السفلى، وقيل الشعر الذي بينها وبين الذقن (النهاية) .]] . وقال عطية ومجاهد: القعيد الرصيد. أخبرنا أبو القاسم بن حبيب في سنة ست وثمانين وثلاثمائة، قال: حدّثنا أبو محمد البلاذري. قال: حدّثنا محمد بن أيّوب الرازي. قال: حدّثنا أبو التقى هشام بن عبد الملك. قال: حدّثنا مبشر بن إسماعيل الحلبي، عن تمام بن نجيح، عن الحسن، عن أبي هريرة، وأنس، قالا: قال رسول الله ﷺ‎: «ما من حافظين يرفعان إلى الله سبحانه ما حفظا فيرى الله سبحانه في أوّل الصحيفة خيرا، وفي آخرها خيرا، إلّا قال لملائكته: اشهدوا أنّي قد غفرت لعبدي ما بين طرفي الصحيفة» [89] [[تفسير القرطبي: 17/ 11.]] . وأخبرنا أبو سهل بن حبيب بقراءتي عليه، قال: حدّثنا أبو بكر أحمد بن موسى، قال: حدّثنا زنجويه بن محمد. قال: حدّثنا إسماعيل بن قتيبة. قال: حدّثنا يحيى بن يحيى. قال: حدّثنا عثمان بن مطر الشيباني، عن ثابت عن أنس. أنّ رسول الله ﷺ‎، قال: «بأنّ الله سبحانه وكّل بعبده المؤمن ملكين يكتبان عمله، فإذا مات، قال الملكان اللّذان وكّلا به يكتبان عمله: قد مات فلان، فيأذن لنا، فنصعد إلى السماء، فيقول الله سبحانه: سمائي مملوءة من ملائكتي يسبّحون، فيقولان: نقيم في الأرض. فيقول الله سبحانه: أرضي مملوءة من خلقي يسبّحون. فيقولان: فأين؟ فيقول: قوما على قبر عبدي. فكبّراني، وهللاني، واكتبا ذلك لعبدي ليوم القيامة» [90] [[تفسير القرطبي: 17/ 12 الدر المنثور: 6/ 105.]] . ما يَلْفِظُ يتكلّم. مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ عنده رَقِيبٌ حافظ عَتِيدٌ حاضر، وهو بمعنى المعتد من قوله: أَعْتَدْنا والعرب تعاقب بين (التاء) و (الذال) لقرب مخرجهما، فيقول: اعتددت، وأعذدت، وهرذ، وهرت، وكبذ، وكبت، ونحوهما، قال الشاعر: لئن كنت مني في العيان مغيبا ... فذكرك عندي في الفؤاد عتيد [[تفسير القرطبي: 17/ 11.]] وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ أي وجاءت سكرة الحقّ بالموت لأنّ السكرة هي الحقّ، فأضيفت إلى نفسه لاختلاف الاسمين وقيل: الحقّ هو الله عزّ وجلّ، مجازه وجاء سكرة أمر الله بالموت. أنبأني عقيل، قال: أخبرنا المعافى، قال: أخبرنا جوير. قال: حدّثنا ابن المثنى، قال: حدّثنا محمد بن جعفر، قال: حدّثنا شعبة، عن واصل، عن أبي وائل قال: لما كان أبو بكر يقضي، قالت عائشة: لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر [[لسان العرب: 2/ 237.]] فقال أبو بكر: يا بنية لا هو لي، ولكنّه كما قال الله سبحانه: وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ أي تكره، عن ابن عبّاس، وقال الحسن: تهرب. الضحّاك: تروغ. عطاء الخراساني: تميل. مقاتل بن حيان: تنكص. وأصل الحيد الميل، يقال: حدت عن الشيء أحيد حيدا، ومحيدا إذا ملت عنه. قال طرفة: أبا منذر رمت الوفاء فهبته ... وحدت كما حاد البعير عن الدحض [[تاج العروس: 5/ 28 والدحض: الدفع.]] وَنُفِخَ فِي الصُّورِ يعني نفخة البعث. ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ الذي وعده الله سبحانه للكفّار يلعنهم فيه. وَجاءَتْ ذلك اليوم كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ يسوقها إلى المحشر وَشَهِيدٌ شهد عليه بما عملت في الدّنيا من خير أو شرّ. وروي أنّ عثمان بن عفّان خطب، وقرأ هذه الآية، فقال: السائق يسوقها إلى الله سبحانه، والشاهد يشهد عليه بما عملت، وقال الضحّاك: السائق الملائكة، والشاهد من أنفسهم الأيدي، والأرجل. وهي رواية العوفي عن ابن عبّاس، وقال أبو هريرة: السائق الملك، والشهيد العمل، وقال الباقون: هما جميعا من الملائكة، فيقول الله سبحانه لها: لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ ورفعنا عنك عماك، وخلّينا عنك سترك، حتّى عاينته. فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ قوي، نافذ، ثابت، ترى ما كان محجوبا عنك. وروى عبد الوهاب، عن مجاهد، عن أبيه فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ قال: نظرك إليّ لبيان ميزانك حين توزن حسناتك، وسيّئاتك. وقيل: أراد بالبصر العلم، علم حين لم ينفعه العلم، وأبصر حين لم ينفعه البصر. وقرأ عاصم الجحدري لَقَدْ كُنْتَ بكسر (التاء) ، وبكسر (الكاف) ، رد الكتابة إلى النفس. وَقالَ قَرِينُهُ الملك الموكّل به هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ معد محفوظ محضر، قال مجاهد: هذا الذي وكّلني به من بني آدم، قد أحضرته، وأحضرت ديوان أعماله، فيقول الله سبحانه لقرينه: أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ قال الخليل، والأخفش: هذا كلام العرب الصحيح أن يخاطب الواحد بلفظ الاثنين، وهو جيد حسن، فيقول: ويلك أرحلاها، وازجراها، وخذاه واطلقاه للواحد. قال الفراء: وأصل ذلك إذا دنا أعوان الرجل في إبله، وغنمه، وبقره، اثنان، فجرى كلام الواحد على صاحبيه، ومنه قولهم للواحد في الشعر: خليلي [ثم يقول: يا صاح] . قال امرؤ القيس: خليلي مرّا بي على أمّ جندب ... نقض لبانات الفؤاد المعذّب وقال: قفا نبك عن ذكرى حبيب ومنزل وقال: قفا نبك من ذكرى حبيب وعروان [[كذا بالأصل.]] . قال الآخر: فقلت لصاحبي لا تعجلانا ... بنزع أصوله واجتز شيحا وأنشد أبو ثروان: فإن تزجرني يا ابن عفان أنزجر ... وإن تدعاني أحم عرضا ممنعا [[تفسير الطبري: 11/ 208.]] وقيل: يشبه أن يكون عني به تكرار القول فيه، فكأنّه يقول: الق الق، فناب ألقيا مناب التكرار، ويجوز أن تكون ألقيا تثنية على الحقيقة، ويكون الخطاب للمتلقيين معا أو السائق والشاهد جميعا، وقرأ الحسن (ألقين) بنون التأكيد الخفيفة، كقوله: لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ .. كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ عاص معرض عن الحقّ، قال مجاهد وعكرمة: مجانب للحقّ معاند لله. مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ أي للزكاة المفروضة، وكلّ حقّ واجب في ماله. مُعْتَدٍ ظالم. مُرِيبٍ مشكّك، وقال قتادة: شاك ومعناه: إنّه داخل في الريب الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَأَلْقِياهُ فِي الْعَذابِ الشَّدِيدِ والنار وقيل: نزلت في الوليد بن المغيرة، فأراد بقوله: مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ أنّه كان يمنع بني أخيه عن الإسلام، ويقول: لئن دخل أحدكم في دين محمّد لا أنفعه بخير ما عشت.

ق 50:20

وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ يحدّثه قلبه، فلا يخفى علينا أسراره، وضمائره وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ أي أعلم به، وأقدر عليه مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ لأنّ أبعاضه، وأجزاءه يحجب بعضها بعضا، ولا يحجب علم الله سبحانه عن جميع ذلك شيء، وحبل الوريد: عرق العنق، وهو عرق بين الحلقوم، والعلباوين، وجمعه أوردة، والحبل من الوريد وأضيف إلى نفسه لاختلاف اللفظين، قال الشاعر: فقرت للفجار فجاء سعيا ... إذا ما جاش وانتفخ الوريد إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ أي يتلقّى، ويأخذ الملكان الموكلان عليك، وكّل الله سبحانه بالإنسان مع علمه بأحواله، ملكين بالليل، وملكين بالنهار يحفظان عمله، ويكتبان أثره، إلزاما للحجّة، أحدهما عن يمينه يكتب الحسنات، والآخر عن شماله يكتب السيّئات، فذلك قوله سبحانه: عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ ولم يقل: قعيدان. قال أهل البصرة: لأنّه أراد عن اليمين قعيد، وعن الشمال قعيد، فاكتفى بأحدهما عن الآخر، كقول الشاعر: نحن بما عندنا وأنت بما عندك ... راض والرأي مختلف وقول الفرزدق: إنّي ضمنت لمن أتاني ما جنى ... وأبى فكان وكنت غير غدور [[تفسير الطبري: 26/ 204.]] ولم يقل: غدورين، والقعيد، والقاعد كالسميع، والعليم، والقدير، فقال أهل الكوفة: أراد قعودا رده إلى الجنس، فوضع الواحد موضع الجمع، كالرسول في الاثنين يجعل للاثنين، والجمع، قال الله سبحانه في الاثنين: نَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ وقال الشاعر: ألكني إليها وخير الرسول ... أعلمهم بنواحي الخبر [[الصحاح: 4/ 1607.]] أخبرنا الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن جعفر بن سالم الختلي. قال: حدّثنا أحمد بن أيّوب الرخاني. قال: حدّثنا جميل بن الحسن، قال: حدّثنا أرطأة بن الأشعث العدوي، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب، قال: قال رسول الله ﷺ‎: «إنّ مقعد ملكيك على ثنيتيك، ولسانك قلمهما، وريقك مدادهما، وأنت تجري- أظنّه قال: - فيما لا يعنيك لا تستحي من الله، ولا منهما» [87] [[زاد المسير: 7/ 193 تفسير القرطبي: 17/ 10.]] . وأخبرنا الحسين بن محمد بن منجويه الدينوري، قال: حدّثنا أحمد بن جعفر بن حمدان، قال: حدّثنا الفضل بن العبّاس بن مهران. قال: حدّثنا طالوت. قال: حدّثنا حمّاد بن سلمة. قال: أخبرنا جعفر بن الزبير، عن القاسم بن محمد، عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله ﷺ‎: «كاتب الحسنات على يمين الرجل، وكاتب السيّئات على يسار الرجل، وكاتب الحسنات أمين على كاتب السيّئات، فإذا عمل حسنة كتبها صاحب اليمين عشرا، وإذا عمل سيئة، قال صاحب اليمين لصاحب الشمال: دعه سبع ساعات لعلّه يسبّح أو يستغفر» [88] [[تفسير القرطبي: 17/ 10.]] . قال الحسن: إنّ الملائكة يجتنبون الإنسان على حالين: عند غائطه، وعند جماعه، وقال أبو الجوزاء، ومجاهد: يكتبان عليه كلّ شيء حتّى أنينه في مرضه، وقال عكرمة: لا يكتبان عليه إلّا ما يؤجر عليه أو يؤزر فيه، وقال الضحّاك: مجلسهما تحت الشعر على الحنك. ومثله روى عوف عن الحسن، قال: وكان الحسن يعجبه أن ينظف عنفقته [[العنفقة: الشعر الذي في الشفة السفلى، وقيل الشعر الذي بينها وبين الذقن (النهاية) .]] . وقال عطية ومجاهد: القعيد الرصيد. أخبرنا أبو القاسم بن حبيب في سنة ست وثمانين وثلاثمائة، قال: حدّثنا أبو محمد البلاذري. قال: حدّثنا محمد بن أيّوب الرازي. قال: حدّثنا أبو التقى هشام بن عبد الملك. قال: حدّثنا مبشر بن إسماعيل الحلبي، عن تمام بن نجيح، عن الحسن، عن أبي هريرة، وأنس، قالا: قال رسول الله ﷺ‎: «ما من حافظين يرفعان إلى الله سبحانه ما حفظا فيرى الله سبحانه في أوّل الصحيفة خيرا، وفي آخرها خيرا، إلّا قال لملائكته: اشهدوا أنّي قد غفرت لعبدي ما بين طرفي الصحيفة» [89] [[تفسير القرطبي: 17/ 11.]] . وأخبرنا أبو سهل بن حبيب بقراءتي عليه، قال: حدّثنا أبو بكر أحمد بن موسى، قال: حدّثنا زنجويه بن محمد. قال: حدّثنا إسماعيل بن قتيبة. قال: حدّثنا يحيى بن يحيى. قال: حدّثنا عثمان بن مطر الشيباني، عن ثابت عن أنس. أنّ رسول الله ﷺ‎، قال: «بأنّ الله سبحانه وكّل بعبده المؤمن ملكين يكتبان عمله، فإذا مات، قال الملكان اللّذان وكّلا به يكتبان عمله: قد مات فلان، فيأذن لنا، فنصعد إلى السماء، فيقول الله سبحانه: سمائي مملوءة من ملائكتي يسبّحون، فيقولان: نقيم في الأرض. فيقول الله سبحانه: أرضي مملوءة من خلقي يسبّحون. فيقولان: فأين؟ فيقول: قوما على قبر عبدي. فكبّراني، وهللاني، واكتبا ذلك لعبدي ليوم القيامة» [90] [[تفسير القرطبي: 17/ 12 الدر المنثور: 6/ 105.]] . ما يَلْفِظُ يتكلّم. مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ عنده رَقِيبٌ حافظ عَتِيدٌ حاضر، وهو بمعنى المعتد من قوله: أَعْتَدْنا والعرب تعاقب بين (التاء) و (الذال) لقرب مخرجهما، فيقول: اعتددت، وأعذدت، وهرذ، وهرت، وكبذ، وكبت، ونحوهما، قال الشاعر: لئن كنت مني في العيان مغيبا ... فذكرك عندي في الفؤاد عتيد [[تفسير القرطبي: 17/ 11.]] وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ أي وجاءت سكرة الحقّ بالموت لأنّ السكرة هي الحقّ، فأضيفت إلى نفسه لاختلاف الاسمين وقيل: الحقّ هو الله عزّ وجلّ، مجازه وجاء سكرة أمر الله بالموت. أنبأني عقيل، قال: أخبرنا المعافى، قال: أخبرنا جوير. قال: حدّثنا ابن المثنى، قال: حدّثنا محمد بن جعفر، قال: حدّثنا شعبة، عن واصل، عن أبي وائل قال: لما كان أبو بكر يقضي، قالت عائشة: لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر [[لسان العرب: 2/ 237.]] فقال أبو بكر: يا بنية لا هو لي، ولكنّه كما قال الله سبحانه: وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ أي تكره، عن ابن عبّاس، وقال الحسن: تهرب. الضحّاك: تروغ. عطاء الخراساني: تميل. مقاتل بن حيان: تنكص. وأصل الحيد الميل، يقال: حدت عن الشيء أحيد حيدا، ومحيدا إذا ملت عنه. قال طرفة: أبا منذر رمت الوفاء فهبته ... وحدت كما حاد البعير عن الدحض [[تاج العروس: 5/ 28 والدحض: الدفع.]] وَنُفِخَ فِي الصُّورِ يعني نفخة البعث. ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ الذي وعده الله سبحانه للكفّار يلعنهم فيه. وَجاءَتْ ذلك اليوم كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ يسوقها إلى المحشر وَشَهِيدٌ شهد عليه بما عملت في الدّنيا من خير أو شرّ. وروي أنّ عثمان بن عفّان خطب، وقرأ هذه الآية، فقال: السائق يسوقها إلى الله سبحانه، والشاهد يشهد عليه بما عملت، وقال الضحّاك: السائق الملائكة، والشاهد من أنفسهم الأيدي، والأرجل. وهي رواية العوفي عن ابن عبّاس، وقال أبو هريرة: السائق الملك، والشهيد العمل، وقال الباقون: هما جميعا من الملائكة، فيقول الله سبحانه لها: لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ ورفعنا عنك عماك، وخلّينا عنك سترك، حتّى عاينته. فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ قوي، نافذ، ثابت، ترى ما كان محجوبا عنك. وروى عبد الوهاب، عن مجاهد، عن أبيه فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ قال: نظرك إليّ لبيان ميزانك حين توزن حسناتك، وسيّئاتك. وقيل: أراد بالبصر العلم، علم حين لم ينفعه العلم، وأبصر حين لم ينفعه البصر. وقرأ عاصم الجحدري لَقَدْ كُنْتَ بكسر (التاء) ، وبكسر (الكاف) ، رد الكتابة إلى النفس. وَقالَ قَرِينُهُ الملك الموكّل به هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ معد محفوظ محضر، قال مجاهد: هذا الذي وكّلني به من بني آدم، قد أحضرته، وأحضرت ديوان أعماله، فيقول الله سبحانه لقرينه: أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ قال الخليل، والأخفش: هذا كلام العرب الصحيح أن يخاطب الواحد بلفظ الاثنين، وهو جيد حسن، فيقول: ويلك أرحلاها، وازجراها، وخذاه واطلقاه للواحد. قال الفراء: وأصل ذلك إذا دنا أعوان الرجل في إبله، وغنمه، وبقره، اثنان، فجرى كلام الواحد على صاحبيه، ومنه قولهم للواحد في الشعر: خليلي [ثم يقول: يا صاح] . قال امرؤ القيس: خليلي مرّا بي على أمّ جندب ... نقض لبانات الفؤاد المعذّب وقال: قفا نبك عن ذكرى حبيب ومنزل وقال: قفا نبك من ذكرى حبيب وعروان [[كذا بالأصل.]] . قال الآخر: فقلت لصاحبي لا تعجلانا ... بنزع أصوله واجتز شيحا وأنشد أبو ثروان: فإن تزجرني يا ابن عفان أنزجر ... وإن تدعاني أحم عرضا ممنعا [[تفسير الطبري: 11/ 208.]] وقيل: يشبه أن يكون عني به تكرار القول فيه، فكأنّه يقول: الق الق، فناب ألقيا مناب التكرار، ويجوز أن تكون ألقيا تثنية على الحقيقة، ويكون الخطاب للمتلقيين معا أو السائق والشاهد جميعا، وقرأ الحسن (ألقين) بنون التأكيد الخفيفة، كقوله: لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ .. كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ عاص معرض عن الحقّ، قال مجاهد وعكرمة: مجانب للحقّ معاند لله. مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ أي للزكاة المفروضة، وكلّ حقّ واجب في ماله. مُعْتَدٍ ظالم. مُرِيبٍ مشكّك، وقال قتادة: شاك ومعناه: إنّه داخل في الريب الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَأَلْقِياهُ فِي الْعَذابِ الشَّدِيدِ والنار وقيل: نزلت في الوليد بن المغيرة، فأراد بقوله: مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ أنّه كان يمنع بني أخيه عن الإسلام، ويقول: لئن دخل أحدكم في دين محمّد لا أنفعه بخير ما عشت.

ق 50:21

وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ يحدّثه قلبه، فلا يخفى علينا أسراره، وضمائره وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ أي أعلم به، وأقدر عليه مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ لأنّ أبعاضه، وأجزاءه يحجب بعضها بعضا، ولا يحجب علم الله سبحانه عن جميع ذلك شيء، وحبل الوريد: عرق العنق، وهو عرق بين الحلقوم، والعلباوين، وجمعه أوردة، والحبل من الوريد وأضيف إلى نفسه لاختلاف اللفظين، قال الشاعر: فقرت للفجار فجاء سعيا ... إذا ما جاش وانتفخ الوريد إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ أي يتلقّى، ويأخذ الملكان الموكلان عليك، وكّل الله سبحانه بالإنسان مع علمه بأحواله، ملكين بالليل، وملكين بالنهار يحفظان عمله، ويكتبان أثره، إلزاما للحجّة، أحدهما عن يمينه يكتب الحسنات، والآخر عن شماله يكتب السيّئات، فذلك قوله سبحانه: عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ ولم يقل: قعيدان. قال أهل البصرة: لأنّه أراد عن اليمين قعيد، وعن الشمال قعيد، فاكتفى بأحدهما عن الآخر، كقول الشاعر: نحن بما عندنا وأنت بما عندك ... راض والرأي مختلف وقول الفرزدق: إنّي ضمنت لمن أتاني ما جنى ... وأبى فكان وكنت غير غدور [[تفسير الطبري: 26/ 204.]] ولم يقل: غدورين، والقعيد، والقاعد كالسميع، والعليم، والقدير، فقال أهل الكوفة: أراد قعودا رده إلى الجنس، فوضع الواحد موضع الجمع، كالرسول في الاثنين يجعل للاثنين، والجمع، قال الله سبحانه في الاثنين: نَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ وقال الشاعر: ألكني إليها وخير الرسول ... أعلمهم بنواحي الخبر [[الصحاح: 4/ 1607.]] أخبرنا الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن جعفر بن سالم الختلي. قال: حدّثنا أحمد بن أيّوب الرخاني. قال: حدّثنا جميل بن الحسن، قال: حدّثنا أرطأة بن الأشعث العدوي، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب، قال: قال رسول الله ﷺ‎: «إنّ مقعد ملكيك على ثنيتيك، ولسانك قلمهما، وريقك مدادهما، وأنت تجري- أظنّه قال: - فيما لا يعنيك لا تستحي من الله، ولا منهما» [87] [[زاد المسير: 7/ 193 تفسير القرطبي: 17/ 10.]] . وأخبرنا الحسين بن محمد بن منجويه الدينوري، قال: حدّثنا أحمد بن جعفر بن حمدان، قال: حدّثنا الفضل بن العبّاس بن مهران. قال: حدّثنا طالوت. قال: حدّثنا حمّاد بن سلمة. قال: أخبرنا جعفر بن الزبير، عن القاسم بن محمد، عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله ﷺ‎: «كاتب الحسنات على يمين الرجل، وكاتب السيّئات على يسار الرجل، وكاتب الحسنات أمين على كاتب السيّئات، فإذا عمل حسنة كتبها صاحب اليمين عشرا، وإذا عمل سيئة، قال صاحب اليمين لصاحب الشمال: دعه سبع ساعات لعلّه يسبّح أو يستغفر» [88] [[تفسير القرطبي: 17/ 10.]] . قال الحسن: إنّ الملائكة يجتنبون الإنسان على حالين: عند غائطه، وعند جماعه، وقال أبو الجوزاء، ومجاهد: يكتبان عليه كلّ شيء حتّى أنينه في مرضه، وقال عكرمة: لا يكتبان عليه إلّا ما يؤجر عليه أو يؤزر فيه، وقال الضحّاك: مجلسهما تحت الشعر على الحنك. ومثله روى عوف عن الحسن، قال: وكان الحسن يعجبه أن ينظف عنفقته [[العنفقة: الشعر الذي في الشفة السفلى، وقيل الشعر الذي بينها وبين الذقن (النهاية) .]] . وقال عطية ومجاهد: القعيد الرصيد. أخبرنا أبو القاسم بن حبيب في سنة ست وثمانين وثلاثمائة، قال: حدّثنا أبو محمد البلاذري. قال: حدّثنا محمد بن أيّوب الرازي. قال: حدّثنا أبو التقى هشام بن عبد الملك. قال: حدّثنا مبشر بن إسماعيل الحلبي، عن تمام بن نجيح، عن الحسن، عن أبي هريرة، وأنس، قالا: قال رسول الله ﷺ‎: «ما من حافظين يرفعان إلى الله سبحانه ما حفظا فيرى الله سبحانه في أوّل الصحيفة خيرا، وفي آخرها خيرا، إلّا قال لملائكته: اشهدوا أنّي قد غفرت لعبدي ما بين طرفي الصحيفة» [89] [[تفسير القرطبي: 17/ 11.]] . وأخبرنا أبو سهل بن حبيب بقراءتي عليه، قال: حدّثنا أبو بكر أحمد بن موسى، قال: حدّثنا زنجويه بن محمد. قال: حدّثنا إسماعيل بن قتيبة. قال: حدّثنا يحيى بن يحيى. قال: حدّثنا عثمان بن مطر الشيباني، عن ثابت عن أنس. أنّ رسول الله ﷺ‎، قال: «بأنّ الله سبحانه وكّل بعبده المؤمن ملكين يكتبان عمله، فإذا مات، قال الملكان اللّذان وكّلا به يكتبان عمله: قد مات فلان، فيأذن لنا، فنصعد إلى السماء، فيقول الله سبحانه: سمائي مملوءة من ملائكتي يسبّحون، فيقولان: نقيم في الأرض. فيقول الله سبحانه: أرضي مملوءة من خلقي يسبّحون. فيقولان: فأين؟ فيقول: قوما على قبر عبدي. فكبّراني، وهللاني، واكتبا ذلك لعبدي ليوم القيامة» [90] [[تفسير القرطبي: 17/ 12 الدر المنثور: 6/ 105.]] . ما يَلْفِظُ يتكلّم. مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ عنده رَقِيبٌ حافظ عَتِيدٌ حاضر، وهو بمعنى المعتد من قوله: أَعْتَدْنا والعرب تعاقب بين (التاء) و (الذال) لقرب مخرجهما، فيقول: اعتددت، وأعذدت، وهرذ، وهرت، وكبذ، وكبت، ونحوهما، قال الشاعر: لئن كنت مني في العيان مغيبا ... فذكرك عندي في الفؤاد عتيد [[تفسير القرطبي: 17/ 11.]] وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ أي وجاءت سكرة الحقّ بالموت لأنّ السكرة هي الحقّ، فأضيفت إلى نفسه لاختلاف الاسمين وقيل: الحقّ هو الله عزّ وجلّ، مجازه وجاء سكرة أمر الله بالموت. أنبأني عقيل، قال: أخبرنا المعافى، قال: أخبرنا جوير. قال: حدّثنا ابن المثنى، قال: حدّثنا محمد بن جعفر، قال: حدّثنا شعبة، عن واصل، عن أبي وائل قال: لما كان أبو بكر يقضي، قالت عائشة: لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر [[لسان العرب: 2/ 237.]] فقال أبو بكر: يا بنية لا هو لي، ولكنّه كما قال الله سبحانه: وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ أي تكره، عن ابن عبّاس، وقال الحسن: تهرب. الضحّاك: تروغ. عطاء الخراساني: تميل. مقاتل بن حيان: تنكص. وأصل الحيد الميل، يقال: حدت عن الشيء أحيد حيدا، ومحيدا إذا ملت عنه. قال طرفة: أبا منذر رمت الوفاء فهبته ... وحدت كما حاد البعير عن الدحض [[تاج العروس: 5/ 28 والدحض: الدفع.]] وَنُفِخَ فِي الصُّورِ يعني نفخة البعث. ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ الذي وعده الله سبحانه للكفّار يلعنهم فيه. وَجاءَتْ ذلك اليوم كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ يسوقها إلى المحشر وَشَهِيدٌ شهد عليه بما عملت في الدّنيا من خير أو شرّ. وروي أنّ عثمان بن عفّان خطب، وقرأ هذه الآية، فقال: السائق يسوقها إلى الله سبحانه، والشاهد يشهد عليه بما عملت، وقال الضحّاك: السائق الملائكة، والشاهد من أنفسهم الأيدي، والأرجل. وهي رواية العوفي عن ابن عبّاس، وقال أبو هريرة: السائق الملك، والشهيد العمل، وقال الباقون: هما جميعا من الملائكة، فيقول الله سبحانه لها: لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ ورفعنا عنك عماك، وخلّينا عنك سترك، حتّى عاينته. فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ قوي، نافذ، ثابت، ترى ما كان محجوبا عنك. وروى عبد الوهاب، عن مجاهد، عن أبيه فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ قال: نظرك إليّ لبيان ميزانك حين توزن حسناتك، وسيّئاتك. وقيل: أراد بالبصر العلم، علم حين لم ينفعه العلم، وأبصر حين لم ينفعه البصر. وقرأ عاصم الجحدري لَقَدْ كُنْتَ بكسر (التاء) ، وبكسر (الكاف) ، رد الكتابة إلى النفس. وَقالَ قَرِينُهُ الملك الموكّل به هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ معد محفوظ محضر، قال مجاهد: هذا الذي وكّلني به من بني آدم، قد أحضرته، وأحضرت ديوان أعماله، فيقول الله سبحانه لقرينه: أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ قال الخليل، والأخفش: هذا كلام العرب الصحيح أن يخاطب الواحد بلفظ الاثنين، وهو جيد حسن، فيقول: ويلك أرحلاها، وازجراها، وخذاه واطلقاه للواحد. قال الفراء: وأصل ذلك إذا دنا أعوان الرجل في إبله، وغنمه، وبقره، اثنان، فجرى كلام الواحد على صاحبيه، ومنه قولهم للواحد في الشعر: خليلي [ثم يقول: يا صاح] . قال امرؤ القيس: خليلي مرّا بي على أمّ جندب ... نقض لبانات الفؤاد المعذّب وقال: قفا نبك عن ذكرى حبيب ومنزل وقال: قفا نبك من ذكرى حبيب وعروان [[كذا بالأصل.]] . قال الآخر: فقلت لصاحبي لا تعجلانا ... بنزع أصوله واجتز شيحا وأنشد أبو ثروان: فإن تزجرني يا ابن عفان أنزجر ... وإن تدعاني أحم عرضا ممنعا [[تفسير الطبري: 11/ 208.]] وقيل: يشبه أن يكون عني به تكرار القول فيه، فكأنّه يقول: الق الق، فناب ألقيا مناب التكرار، ويجوز أن تكون ألقيا تثنية على الحقيقة، ويكون الخطاب للمتلقيين معا أو السائق والشاهد جميعا، وقرأ الحسن (ألقين) بنون التأكيد الخفيفة، كقوله: لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ .. كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ عاص معرض عن الحقّ، قال مجاهد وعكرمة: مجانب للحقّ معاند لله. مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ أي للزكاة المفروضة، وكلّ حقّ واجب في ماله. مُعْتَدٍ ظالم. مُرِيبٍ مشكّك، وقال قتادة: شاك ومعناه: إنّه داخل في الريب الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَأَلْقِياهُ فِي الْعَذابِ الشَّدِيدِ والنار وقيل: نزلت في الوليد بن المغيرة، فأراد بقوله: مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ أنّه كان يمنع بني أخيه عن الإسلام، ويقول: لئن دخل أحدكم في دين محمّد لا أنفعه بخير ما عشت.

ق 50:22

وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ يحدّثه قلبه، فلا يخفى علينا أسراره، وضمائره وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ أي أعلم به، وأقدر عليه مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ لأنّ أبعاضه، وأجزاءه يحجب بعضها بعضا، ولا يحجب علم الله سبحانه عن جميع ذلك شيء، وحبل الوريد: عرق العنق، وهو عرق بين الحلقوم، والعلباوين، وجمعه أوردة، والحبل من الوريد وأضيف إلى نفسه لاختلاف اللفظين، قال الشاعر: فقرت للفجار فجاء سعيا ... إذا ما جاش وانتفخ الوريد إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ أي يتلقّى، ويأخذ الملكان الموكلان عليك، وكّل الله سبحانه بالإنسان مع علمه بأحواله، ملكين بالليل، وملكين بالنهار يحفظان عمله، ويكتبان أثره، إلزاما للحجّة، أحدهما عن يمينه يكتب الحسنات، والآخر عن شماله يكتب السيّئات، فذلك قوله سبحانه: عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ ولم يقل: قعيدان. قال أهل البصرة: لأنّه أراد عن اليمين قعيد، وعن الشمال قعيد، فاكتفى بأحدهما عن الآخر، كقول الشاعر: نحن بما عندنا وأنت بما عندك ... راض والرأي مختلف وقول الفرزدق: إنّي ضمنت لمن أتاني ما جنى ... وأبى فكان وكنت غير غدور [[تفسير الطبري: 26/ 204.]] ولم يقل: غدورين، والقعيد، والقاعد كالسميع، والعليم، والقدير، فقال أهل الكوفة: أراد قعودا رده إلى الجنس، فوضع الواحد موضع الجمع، كالرسول في الاثنين يجعل للاثنين، والجمع، قال الله سبحانه في الاثنين: نَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ وقال الشاعر: ألكني إليها وخير الرسول ... أعلمهم بنواحي الخبر [[الصحاح: 4/ 1607.]] أخبرنا الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن جعفر بن سالم الختلي. قال: حدّثنا أحمد بن أيّوب الرخاني. قال: حدّثنا جميل بن الحسن، قال: حدّثنا أرطأة بن الأشعث العدوي، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب، قال: قال رسول الله ﷺ‎: «إنّ مقعد ملكيك على ثنيتيك، ولسانك قلمهما، وريقك مدادهما، وأنت تجري- أظنّه قال: - فيما لا يعنيك لا تستحي من الله، ولا منهما» [87] [[زاد المسير: 7/ 193 تفسير القرطبي: 17/ 10.]] . وأخبرنا الحسين بن محمد بن منجويه الدينوري، قال: حدّثنا أحمد بن جعفر بن حمدان، قال: حدّثنا الفضل بن العبّاس بن مهران. قال: حدّثنا طالوت. قال: حدّثنا حمّاد بن سلمة. قال: أخبرنا جعفر بن الزبير، عن القاسم بن محمد، عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله ﷺ‎: «كاتب الحسنات على يمين الرجل، وكاتب السيّئات على يسار الرجل، وكاتب الحسنات أمين على كاتب السيّئات، فإذا عمل حسنة كتبها صاحب اليمين عشرا، وإذا عمل سيئة، قال صاحب اليمين لصاحب الشمال: دعه سبع ساعات لعلّه يسبّح أو يستغفر» [88] [[تفسير القرطبي: 17/ 10.]] . قال الحسن: إنّ الملائكة يجتنبون الإنسان على حالين: عند غائطه، وعند جماعه، وقال أبو الجوزاء، ومجاهد: يكتبان عليه كلّ شيء حتّى أنينه في مرضه، وقال عكرمة: لا يكتبان عليه إلّا ما يؤجر عليه أو يؤزر فيه، وقال الضحّاك: مجلسهما تحت الشعر على الحنك. ومثله روى عوف عن الحسن، قال: وكان الحسن يعجبه أن ينظف عنفقته [[العنفقة: الشعر الذي في الشفة السفلى، وقيل الشعر الذي بينها وبين الذقن (النهاية) .]] . وقال عطية ومجاهد: القعيد الرصيد. أخبرنا أبو القاسم بن حبيب في سنة ست وثمانين وثلاثمائة، قال: حدّثنا أبو محمد البلاذري. قال: حدّثنا محمد بن أيّوب الرازي. قال: حدّثنا أبو التقى هشام بن عبد الملك. قال: حدّثنا مبشر بن إسماعيل الحلبي، عن تمام بن نجيح، عن الحسن، عن أبي هريرة، وأنس، قالا: قال رسول الله ﷺ‎: «ما من حافظين يرفعان إلى الله سبحانه ما حفظا فيرى الله سبحانه في أوّل الصحيفة خيرا، وفي آخرها خيرا، إلّا قال لملائكته: اشهدوا أنّي قد غفرت لعبدي ما بين طرفي الصحيفة» [89] [[تفسير القرطبي: 17/ 11.]] . وأخبرنا أبو سهل بن حبيب بقراءتي عليه، قال: حدّثنا أبو بكر أحمد بن موسى، قال: حدّثنا زنجويه بن محمد. قال: حدّثنا إسماعيل بن قتيبة. قال: حدّثنا يحيى بن يحيى. قال: حدّثنا عثمان بن مطر الشيباني، عن ثابت عن أنس. أنّ رسول الله ﷺ‎، قال: «بأنّ الله سبحانه وكّل بعبده المؤمن ملكين يكتبان عمله، فإذا مات، قال الملكان اللّذان وكّلا به يكتبان عمله: قد مات فلان، فيأذن لنا، فنصعد إلى السماء، فيقول الله سبحانه: سمائي مملوءة من ملائكتي يسبّحون، فيقولان: نقيم في الأرض. فيقول الله سبحانه: أرضي مملوءة من خلقي يسبّحون. فيقولان: فأين؟ فيقول: قوما على قبر عبدي. فكبّراني، وهللاني، واكتبا ذلك لعبدي ليوم القيامة» [90] [[تفسير القرطبي: 17/ 12 الدر المنثور: 6/ 105.]] . ما يَلْفِظُ يتكلّم. مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ عنده رَقِيبٌ حافظ عَتِيدٌ حاضر، وهو بمعنى المعتد من قوله: أَعْتَدْنا والعرب تعاقب بين (التاء) و (الذال) لقرب مخرجهما، فيقول: اعتددت، وأعذدت، وهرذ، وهرت، وكبذ، وكبت، ونحوهما، قال الشاعر: لئن كنت مني في العيان مغيبا ... فذكرك عندي في الفؤاد عتيد [[تفسير القرطبي: 17/ 11.]] وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ أي وجاءت سكرة الحقّ بالموت لأنّ السكرة هي الحقّ، فأضيفت إلى نفسه لاختلاف الاسمين وقيل: الحقّ هو الله عزّ وجلّ، مجازه وجاء سكرة أمر الله بالموت. أنبأني عقيل، قال: أخبرنا المعافى، قال: أخبرنا جوير. قال: حدّثنا ابن المثنى، قال: حدّثنا محمد بن جعفر، قال: حدّثنا شعبة، عن واصل، عن أبي وائل قال: لما كان أبو بكر يقضي، قالت عائشة: لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر [[لسان العرب: 2/ 237.]] فقال أبو بكر: يا بنية لا هو لي، ولكنّه كما قال الله سبحانه: وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ أي تكره، عن ابن عبّاس، وقال الحسن: تهرب. الضحّاك: تروغ. عطاء الخراساني: تميل. مقاتل بن حيان: تنكص. وأصل الحيد الميل، يقال: حدت عن الشيء أحيد حيدا، ومحيدا إذا ملت عنه. قال طرفة: أبا منذر رمت الوفاء فهبته ... وحدت كما حاد البعير عن الدحض [[تاج العروس: 5/ 28 والدحض: الدفع.]] وَنُفِخَ فِي الصُّورِ يعني نفخة البعث. ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ الذي وعده الله سبحانه للكفّار يلعنهم فيه. وَجاءَتْ ذلك اليوم كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ يسوقها إلى المحشر وَشَهِيدٌ شهد عليه بما عملت في الدّنيا من خير أو شرّ. وروي أنّ عثمان بن عفّان خطب، وقرأ هذه الآية، فقال: السائق يسوقها إلى الله سبحانه، والشاهد يشهد عليه بما عملت، وقال الضحّاك: السائق الملائكة، والشاهد من أنفسهم الأيدي، والأرجل. وهي رواية العوفي عن ابن عبّاس، وقال أبو هريرة: السائق الملك، والشهيد العمل، وقال الباقون: هما جميعا من الملائكة، فيقول الله سبحانه لها: لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ ورفعنا عنك عماك، وخلّينا عنك سترك، حتّى عاينته. فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ قوي، نافذ، ثابت، ترى ما كان محجوبا عنك. وروى عبد الوهاب، عن مجاهد، عن أبيه فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ قال: نظرك إليّ لبيان ميزانك حين توزن حسناتك، وسيّئاتك. وقيل: أراد بالبصر العلم، علم حين لم ينفعه العلم، وأبصر حين لم ينفعه البصر. وقرأ عاصم الجحدري لَقَدْ كُنْتَ بكسر (التاء) ، وبكسر (الكاف) ، رد الكتابة إلى النفس. وَقالَ قَرِينُهُ الملك الموكّل به هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ معد محفوظ محضر، قال مجاهد: هذا الذي وكّلني به من بني آدم، قد أحضرته، وأحضرت ديوان أعماله، فيقول الله سبحانه لقرينه: أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ قال الخليل، والأخفش: هذا كلام العرب الصحيح أن يخاطب الواحد بلفظ الاثنين، وهو جيد حسن، فيقول: ويلك أرحلاها، وازجراها، وخذاه واطلقاه للواحد. قال الفراء: وأصل ذلك إذا دنا أعوان الرجل في إبله، وغنمه، وبقره، اثنان، فجرى كلام الواحد على صاحبيه، ومنه قولهم للواحد في الشعر: خليلي [ثم يقول: يا صاح] . قال امرؤ القيس: خليلي مرّا بي على أمّ جندب ... نقض لبانات الفؤاد المعذّب وقال: قفا نبك عن ذكرى حبيب ومنزل وقال: قفا نبك من ذكرى حبيب وعروان [[كذا بالأصل.]] . قال الآخر: فقلت لصاحبي لا تعجلانا ... بنزع أصوله واجتز شيحا وأنشد أبو ثروان: فإن تزجرني يا ابن عفان أنزجر ... وإن تدعاني أحم عرضا ممنعا [[تفسير الطبري: 11/ 208.]] وقيل: يشبه أن يكون عني به تكرار القول فيه، فكأنّه يقول: الق الق، فناب ألقيا مناب التكرار، ويجوز أن تكون ألقيا تثنية على الحقيقة، ويكون الخطاب للمتلقيين معا أو السائق والشاهد جميعا، وقرأ الحسن (ألقين) بنون التأكيد الخفيفة، كقوله: لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ .. كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ عاص معرض عن الحقّ، قال مجاهد وعكرمة: مجانب للحقّ معاند لله. مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ أي للزكاة المفروضة، وكلّ حقّ واجب في ماله. مُعْتَدٍ ظالم. مُرِيبٍ مشكّك، وقال قتادة: شاك ومعناه: إنّه داخل في الريب الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَأَلْقِياهُ فِي الْعَذابِ الشَّدِيدِ والنار وقيل: نزلت في الوليد بن المغيرة، فأراد بقوله: مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ أنّه كان يمنع بني أخيه عن الإسلام، ويقول: لئن دخل أحدكم في دين محمّد لا أنفعه بخير ما عشت.

ق 50:23

وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ يحدّثه قلبه، فلا يخفى علينا أسراره، وضمائره وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ أي أعلم به، وأقدر عليه مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ لأنّ أبعاضه، وأجزاءه يحجب بعضها بعضا، ولا يحجب علم الله سبحانه عن جميع ذلك شيء، وحبل الوريد: عرق العنق، وهو عرق بين الحلقوم، والعلباوين، وجمعه أوردة، والحبل من الوريد وأضيف إلى نفسه لاختلاف اللفظين، قال الشاعر: فقرت للفجار فجاء سعيا ... إذا ما جاش وانتفخ الوريد إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ أي يتلقّى، ويأخذ الملكان الموكلان عليك، وكّل الله سبحانه بالإنسان مع علمه بأحواله، ملكين بالليل، وملكين بالنهار يحفظان عمله، ويكتبان أثره، إلزاما للحجّة، أحدهما عن يمينه يكتب الحسنات، والآخر عن شماله يكتب السيّئات، فذلك قوله سبحانه: عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ ولم يقل: قعيدان. قال أهل البصرة: لأنّه أراد عن اليمين قعيد، وعن الشمال قعيد، فاكتفى بأحدهما عن الآخر، كقول الشاعر: نحن بما عندنا وأنت بما عندك ... راض والرأي مختلف وقول الفرزدق: إنّي ضمنت لمن أتاني ما جنى ... وأبى فكان وكنت غير غدور [[تفسير الطبري: 26/ 204.]] ولم يقل: غدورين، والقعيد، والقاعد كالسميع، والعليم، والقدير، فقال أهل الكوفة: أراد قعودا رده إلى الجنس، فوضع الواحد موضع الجمع، كالرسول في الاثنين يجعل للاثنين، والجمع، قال الله سبحانه في الاثنين: نَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ وقال الشاعر: ألكني إليها وخير الرسول ... أعلمهم بنواحي الخبر [[الصحاح: 4/ 1607.]] أخبرنا الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن جعفر بن سالم الختلي. قال: حدّثنا أحمد بن أيّوب الرخاني. قال: حدّثنا جميل بن الحسن، قال: حدّثنا أرطأة بن الأشعث العدوي، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب، قال: قال رسول الله ﷺ‎: «إنّ مقعد ملكيك على ثنيتيك، ولسانك قلمهما، وريقك مدادهما، وأنت تجري- أظنّه قال: - فيما لا يعنيك لا تستحي من الله، ولا منهما» [87] [[زاد المسير: 7/ 193 تفسير القرطبي: 17/ 10.]] . وأخبرنا الحسين بن محمد بن منجويه الدينوري، قال: حدّثنا أحمد بن جعفر بن حمدان، قال: حدّثنا الفضل بن العبّاس بن مهران. قال: حدّثنا طالوت. قال: حدّثنا حمّاد بن سلمة. قال: أخبرنا جعفر بن الزبير، عن القاسم بن محمد، عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله ﷺ‎: «كاتب الحسنات على يمين الرجل، وكاتب السيّئات على يسار الرجل، وكاتب الحسنات أمين على كاتب السيّئات، فإذا عمل حسنة كتبها صاحب اليمين عشرا، وإذا عمل سيئة، قال صاحب اليمين لصاحب الشمال: دعه سبع ساعات لعلّه يسبّح أو يستغفر» [88] [[تفسير القرطبي: 17/ 10.]] . قال الحسن: إنّ الملائكة يجتنبون الإنسان على حالين: عند غائطه، وعند جماعه، وقال أبو الجوزاء، ومجاهد: يكتبان عليه كلّ شيء حتّى أنينه في مرضه، وقال عكرمة: لا يكتبان عليه إلّا ما يؤجر عليه أو يؤزر فيه، وقال الضحّاك: مجلسهما تحت الشعر على الحنك. ومثله روى عوف عن الحسن، قال: وكان الحسن يعجبه أن ينظف عنفقته [[العنفقة: الشعر الذي في الشفة السفلى، وقيل الشعر الذي بينها وبين الذقن (النهاية) .]] . وقال عطية ومجاهد: القعيد الرصيد. أخبرنا أبو القاسم بن حبيب في سنة ست وثمانين وثلاثمائة، قال: حدّثنا أبو محمد البلاذري. قال: حدّثنا محمد بن أيّوب الرازي. قال: حدّثنا أبو التقى هشام بن عبد الملك. قال: حدّثنا مبشر بن إسماعيل الحلبي، عن تمام بن نجيح، عن الحسن، عن أبي هريرة، وأنس، قالا: قال رسول الله ﷺ‎: «ما من حافظين يرفعان إلى الله سبحانه ما حفظا فيرى الله سبحانه في أوّل الصحيفة خيرا، وفي آخرها خيرا، إلّا قال لملائكته: اشهدوا أنّي قد غفرت لعبدي ما بين طرفي الصحيفة» [89] [[تفسير القرطبي: 17/ 11.]] . وأخبرنا أبو سهل بن حبيب بقراءتي عليه، قال: حدّثنا أبو بكر أحمد بن موسى، قال: حدّثنا زنجويه بن محمد. قال: حدّثنا إسماعيل بن قتيبة. قال: حدّثنا يحيى بن يحيى. قال: حدّثنا عثمان بن مطر الشيباني، عن ثابت عن أنس. أنّ رسول الله ﷺ‎، قال: «بأنّ الله سبحانه وكّل بعبده المؤمن ملكين يكتبان عمله، فإذا مات، قال الملكان اللّذان وكّلا به يكتبان عمله: قد مات فلان، فيأذن لنا، فنصعد إلى السماء، فيقول الله سبحانه: سمائي مملوءة من ملائكتي يسبّحون، فيقولان: نقيم في الأرض. فيقول الله سبحانه: أرضي مملوءة من خلقي يسبّحون. فيقولان: فأين؟ فيقول: قوما على قبر عبدي. فكبّراني، وهللاني، واكتبا ذلك لعبدي ليوم القيامة» [90] [[تفسير القرطبي: 17/ 12 الدر المنثور: 6/ 105.]] . ما يَلْفِظُ يتكلّم. مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ عنده رَقِيبٌ حافظ عَتِيدٌ حاضر، وهو بمعنى المعتد من قوله: أَعْتَدْنا والعرب تعاقب بين (التاء) و (الذال) لقرب مخرجهما، فيقول: اعتددت، وأعذدت، وهرذ، وهرت، وكبذ، وكبت، ونحوهما، قال الشاعر: لئن كنت مني في العيان مغيبا ... فذكرك عندي في الفؤاد عتيد [[تفسير القرطبي: 17/ 11.]] وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ أي وجاءت سكرة الحقّ بالموت لأنّ السكرة هي الحقّ، فأضيفت إلى نفسه لاختلاف الاسمين وقيل: الحقّ هو الله عزّ وجلّ، مجازه وجاء سكرة أمر الله بالموت. أنبأني عقيل، قال: أخبرنا المعافى، قال: أخبرنا جوير. قال: حدّثنا ابن المثنى، قال: حدّثنا محمد بن جعفر، قال: حدّثنا شعبة، عن واصل، عن أبي وائل قال: لما كان أبو بكر يقضي، قالت عائشة: لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر [[لسان العرب: 2/ 237.]] فقال أبو بكر: يا بنية لا هو لي، ولكنّه كما قال الله سبحانه: وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ أي تكره، عن ابن عبّاس، وقال الحسن: تهرب. الضحّاك: تروغ. عطاء الخراساني: تميل. مقاتل بن حيان: تنكص. وأصل الحيد الميل، يقال: حدت عن الشيء أحيد حيدا، ومحيدا إذا ملت عنه. قال طرفة: أبا منذر رمت الوفاء فهبته ... وحدت كما حاد البعير عن الدحض [[تاج العروس: 5/ 28 والدحض: الدفع.]] وَنُفِخَ فِي الصُّورِ يعني نفخة البعث. ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ الذي وعده الله سبحانه للكفّار يلعنهم فيه. وَجاءَتْ ذلك اليوم كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ يسوقها إلى المحشر وَشَهِيدٌ شهد عليه بما عملت في الدّنيا من خير أو شرّ. وروي أنّ عثمان بن عفّان خطب، وقرأ هذه الآية، فقال: السائق يسوقها إلى الله سبحانه، والشاهد يشهد عليه بما عملت، وقال الضحّاك: السائق الملائكة، والشاهد من أنفسهم الأيدي، والأرجل. وهي رواية العوفي عن ابن عبّاس، وقال أبو هريرة: السائق الملك، والشهيد العمل، وقال الباقون: هما جميعا من الملائكة، فيقول الله سبحانه لها: لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ ورفعنا عنك عماك، وخلّينا عنك سترك، حتّى عاينته. فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ قوي، نافذ، ثابت، ترى ما كان محجوبا عنك. وروى عبد الوهاب، عن مجاهد، عن أبيه فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ قال: نظرك إليّ لبيان ميزانك حين توزن حسناتك، وسيّئاتك. وقيل: أراد بالبصر العلم، علم حين لم ينفعه العلم، وأبصر حين لم ينفعه البصر. وقرأ عاصم الجحدري لَقَدْ كُنْتَ بكسر (التاء) ، وبكسر (الكاف) ، رد الكتابة إلى النفس. وَقالَ قَرِينُهُ الملك الموكّل به هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ معد محفوظ محضر، قال مجاهد: هذا الذي وكّلني به من بني آدم، قد أحضرته، وأحضرت ديوان أعماله، فيقول الله سبحانه لقرينه: أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ قال الخليل، والأخفش: هذا كلام العرب الصحيح أن يخاطب الواحد بلفظ الاثنين، وهو جيد حسن، فيقول: ويلك أرحلاها، وازجراها، وخذاه واطلقاه للواحد. قال الفراء: وأصل ذلك إذا دنا أعوان الرجل في إبله، وغنمه، وبقره، اثنان، فجرى كلام الواحد على صاحبيه، ومنه قولهم للواحد في الشعر: خليلي [ثم يقول: يا صاح] . قال امرؤ القيس: خليلي مرّا بي على أمّ جندب ... نقض لبانات الفؤاد المعذّب وقال: قفا نبك عن ذكرى حبيب ومنزل وقال: قفا نبك من ذكرى حبيب وعروان [[كذا بالأصل.]] . قال الآخر: فقلت لصاحبي لا تعجلانا ... بنزع أصوله واجتز شيحا وأنشد أبو ثروان: فإن تزجرني يا ابن عفان أنزجر ... وإن تدعاني أحم عرضا ممنعا [[تفسير الطبري: 11/ 208.]] وقيل: يشبه أن يكون عني به تكرار القول فيه، فكأنّه يقول: الق الق، فناب ألقيا مناب التكرار، ويجوز أن تكون ألقيا تثنية على الحقيقة، ويكون الخطاب للمتلقيين معا أو السائق والشاهد جميعا، وقرأ الحسن (ألقين) بنون التأكيد الخفيفة، كقوله: لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ .. كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ عاص معرض عن الحقّ، قال مجاهد وعكرمة: مجانب للحقّ معاند لله. مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ أي للزكاة المفروضة، وكلّ حقّ واجب في ماله. مُعْتَدٍ ظالم. مُرِيبٍ مشكّك، وقال قتادة: شاك ومعناه: إنّه داخل في الريب الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَأَلْقِياهُ فِي الْعَذابِ الشَّدِيدِ والنار وقيل: نزلت في الوليد بن المغيرة، فأراد بقوله: مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ أنّه كان يمنع بني أخيه عن الإسلام، ويقول: لئن دخل أحدكم في دين محمّد لا أنفعه بخير ما عشت.

ق 50:24

وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ يحدّثه قلبه، فلا يخفى علينا أسراره، وضمائره وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ أي أعلم به، وأقدر عليه مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ لأنّ أبعاضه، وأجزاءه يحجب بعضها بعضا، ولا يحجب علم الله سبحانه عن جميع ذلك شيء، وحبل الوريد: عرق العنق، وهو عرق بين الحلقوم، والعلباوين، وجمعه أوردة، والحبل من الوريد وأضيف إلى نفسه لاختلاف اللفظين، قال الشاعر: فقرت للفجار فجاء سعيا ... إذا ما جاش وانتفخ الوريد إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ أي يتلقّى، ويأخذ الملكان الموكلان عليك، وكّل الله سبحانه بالإنسان مع علمه بأحواله، ملكين بالليل، وملكين بالنهار يحفظان عمله، ويكتبان أثره، إلزاما للحجّة، أحدهما عن يمينه يكتب الحسنات، والآخر عن شماله يكتب السيّئات، فذلك قوله سبحانه: عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ ولم يقل: قعيدان. قال أهل البصرة: لأنّه أراد عن اليمين قعيد، وعن الشمال قعيد، فاكتفى بأحدهما عن الآخر، كقول الشاعر: نحن بما عندنا وأنت بما عندك ... راض والرأي مختلف وقول الفرزدق: إنّي ضمنت لمن أتاني ما جنى ... وأبى فكان وكنت غير غدور [[تفسير الطبري: 26/ 204.]] ولم يقل: غدورين، والقعيد، والقاعد كالسميع، والعليم، والقدير، فقال أهل الكوفة: أراد قعودا رده إلى الجنس، فوضع الواحد موضع الجمع، كالرسول في الاثنين يجعل للاثنين، والجمع، قال الله سبحانه في الاثنين: نَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ وقال الشاعر: ألكني إليها وخير الرسول ... أعلمهم بنواحي الخبر [[الصحاح: 4/ 1607.]] أخبرنا الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن جعفر بن سالم الختلي. قال: حدّثنا أحمد بن أيّوب الرخاني. قال: حدّثنا جميل بن الحسن، قال: حدّثنا أرطأة بن الأشعث العدوي، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب، قال: قال رسول الله ﷺ‎: «إنّ مقعد ملكيك على ثنيتيك، ولسانك قلمهما، وريقك مدادهما، وأنت تجري- أظنّه قال: - فيما لا يعنيك لا تستحي من الله، ولا منهما» [87] [[زاد المسير: 7/ 193 تفسير القرطبي: 17/ 10.]] . وأخبرنا الحسين بن محمد بن منجويه الدينوري، قال: حدّثنا أحمد بن جعفر بن حمدان، قال: حدّثنا الفضل بن العبّاس بن مهران. قال: حدّثنا طالوت. قال: حدّثنا حمّاد بن سلمة. قال: أخبرنا جعفر بن الزبير، عن القاسم بن محمد، عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله ﷺ‎: «كاتب الحسنات على يمين الرجل، وكاتب السيّئات على يسار الرجل، وكاتب الحسنات أمين على كاتب السيّئات، فإذا عمل حسنة كتبها صاحب اليمين عشرا، وإذا عمل سيئة، قال صاحب اليمين لصاحب الشمال: دعه سبع ساعات لعلّه يسبّح أو يستغفر» [88] [[تفسير القرطبي: 17/ 10.]] . قال الحسن: إنّ الملائكة يجتنبون الإنسان على حالين: عند غائطه، وعند جماعه، وقال أبو الجوزاء، ومجاهد: يكتبان عليه كلّ شيء حتّى أنينه في مرضه، وقال عكرمة: لا يكتبان عليه إلّا ما يؤجر عليه أو يؤزر فيه، وقال الضحّاك: مجلسهما تحت الشعر على الحنك. ومثله روى عوف عن الحسن، قال: وكان الحسن يعجبه أن ينظف عنفقته [[العنفقة: الشعر الذي في الشفة السفلى، وقيل الشعر الذي بينها وبين الذقن (النهاية) .]] . وقال عطية ومجاهد: القعيد الرصيد. أخبرنا أبو القاسم بن حبيب في سنة ست وثمانين وثلاثمائة، قال: حدّثنا أبو محمد البلاذري. قال: حدّثنا محمد بن أيّوب الرازي. قال: حدّثنا أبو التقى هشام بن عبد الملك. قال: حدّثنا مبشر بن إسماعيل الحلبي، عن تمام بن نجيح، عن الحسن، عن أبي هريرة، وأنس، قالا: قال رسول الله ﷺ‎: «ما من حافظين يرفعان إلى الله سبحانه ما حفظا فيرى الله سبحانه في أوّل الصحيفة خيرا، وفي آخرها خيرا، إلّا قال لملائكته: اشهدوا أنّي قد غفرت لعبدي ما بين طرفي الصحيفة» [89] [[تفسير القرطبي: 17/ 11.]] . وأخبرنا أبو سهل بن حبيب بقراءتي عليه، قال: حدّثنا أبو بكر أحمد بن موسى، قال: حدّثنا زنجويه بن محمد. قال: حدّثنا إسماعيل بن قتيبة. قال: حدّثنا يحيى بن يحيى. قال: حدّثنا عثمان بن مطر الشيباني، عن ثابت عن أنس. أنّ رسول الله ﷺ‎، قال: «بأنّ الله سبحانه وكّل بعبده المؤمن ملكين يكتبان عمله، فإذا مات، قال الملكان اللّذان وكّلا به يكتبان عمله: قد مات فلان، فيأذن لنا، فنصعد إلى السماء، فيقول الله سبحانه: سمائي مملوءة من ملائكتي يسبّحون، فيقولان: نقيم في الأرض. فيقول الله سبحانه: أرضي مملوءة من خلقي يسبّحون. فيقولان: فأين؟ فيقول: قوما على قبر عبدي. فكبّراني، وهللاني، واكتبا ذلك لعبدي ليوم القيامة» [90] [[تفسير القرطبي: 17/ 12 الدر المنثور: 6/ 105.]] . ما يَلْفِظُ يتكلّم. مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ عنده رَقِيبٌ حافظ عَتِيدٌ حاضر، وهو بمعنى المعتد من قوله: أَعْتَدْنا والعرب تعاقب بين (التاء) و (الذال) لقرب مخرجهما، فيقول: اعتددت، وأعذدت، وهرذ، وهرت، وكبذ، وكبت، ونحوهما، قال الشاعر: لئن كنت مني في العيان مغيبا ... فذكرك عندي في الفؤاد عتيد [[تفسير القرطبي: 17/ 11.]] وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ أي وجاءت سكرة الحقّ بالموت لأنّ السكرة هي الحقّ، فأضيفت إلى نفسه لاختلاف الاسمين وقيل: الحقّ هو الله عزّ وجلّ، مجازه وجاء سكرة أمر الله بالموت. أنبأني عقيل، قال: أخبرنا المعافى، قال: أخبرنا جوير. قال: حدّثنا ابن المثنى، قال: حدّثنا محمد بن جعفر، قال: حدّثنا شعبة، عن واصل، عن أبي وائل قال: لما كان أبو بكر يقضي، قالت عائشة: لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر [[لسان العرب: 2/ 237.]] فقال أبو بكر: يا بنية لا هو لي، ولكنّه كما قال الله سبحانه: وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ أي تكره، عن ابن عبّاس، وقال الحسن: تهرب. الضحّاك: تروغ. عطاء الخراساني: تميل. مقاتل بن حيان: تنكص. وأصل الحيد الميل، يقال: حدت عن الشيء أحيد حيدا، ومحيدا إذا ملت عنه. قال طرفة: أبا منذر رمت الوفاء فهبته ... وحدت كما حاد البعير عن الدحض [[تاج العروس: 5/ 28 والدحض: الدفع.]] وَنُفِخَ فِي الصُّورِ يعني نفخة البعث. ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ الذي وعده الله سبحانه للكفّار يلعنهم فيه. وَجاءَتْ ذلك اليوم كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ يسوقها إلى المحشر وَشَهِيدٌ شهد عليه بما عملت في الدّنيا من خير أو شرّ. وروي أنّ عثمان بن عفّان خطب، وقرأ هذه الآية، فقال: السائق يسوقها إلى الله سبحانه، والشاهد يشهد عليه بما عملت، وقال الضحّاك: السائق الملائكة، والشاهد من أنفسهم الأيدي، والأرجل. وهي رواية العوفي عن ابن عبّاس، وقال أبو هريرة: السائق الملك، والشهيد العمل، وقال الباقون: هما جميعا من الملائكة، فيقول الله سبحانه لها: لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ ورفعنا عنك عماك، وخلّينا عنك سترك، حتّى عاينته. فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ قوي، نافذ، ثابت، ترى ما كان محجوبا عنك. وروى عبد الوهاب، عن مجاهد، عن أبيه فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ قال: نظرك إليّ لبيان ميزانك حين توزن حسناتك، وسيّئاتك. وقيل: أراد بالبصر العلم، علم حين لم ينفعه العلم، وأبصر حين لم ينفعه البصر. وقرأ عاصم الجحدري لَقَدْ كُنْتَ بكسر (التاء) ، وبكسر (الكاف) ، رد الكتابة إلى النفس. وَقالَ قَرِينُهُ الملك الموكّل به هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ معد محفوظ محضر، قال مجاهد: هذا الذي وكّلني به من بني آدم، قد أحضرته، وأحضرت ديوان أعماله، فيقول الله سبحانه لقرينه: أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ قال الخليل، والأخفش: هذا كلام العرب الصحيح أن يخاطب الواحد بلفظ الاثنين، وهو جيد حسن، فيقول: ويلك أرحلاها، وازجراها، وخذاه واطلقاه للواحد. قال الفراء: وأصل ذلك إذا دنا أعوان الرجل في إبله، وغنمه، وبقره، اثنان، فجرى كلام الواحد على صاحبيه، ومنه قولهم للواحد في الشعر: خليلي [ثم يقول: يا صاح] . قال امرؤ القيس: خليلي مرّا بي على أمّ جندب ... نقض لبانات الفؤاد المعذّب وقال: قفا نبك عن ذكرى حبيب ومنزل وقال: قفا نبك من ذكرى حبيب وعروان [[كذا بالأصل.]] . قال الآخر: فقلت لصاحبي لا تعجلانا ... بنزع أصوله واجتز شيحا وأنشد أبو ثروان: فإن تزجرني يا ابن عفان أنزجر ... وإن تدعاني أحم عرضا ممنعا [[تفسير الطبري: 11/ 208.]] وقيل: يشبه أن يكون عني به تكرار القول فيه، فكأنّه يقول: الق الق، فناب ألقيا مناب التكرار، ويجوز أن تكون ألقيا تثنية على الحقيقة، ويكون الخطاب للمتلقيين معا أو السائق والشاهد جميعا، وقرأ الحسن (ألقين) بنون التأكيد الخفيفة، كقوله: لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ .. كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ عاص معرض عن الحقّ، قال مجاهد وعكرمة: مجانب للحقّ معاند لله. مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ أي للزكاة المفروضة، وكلّ حقّ واجب في ماله. مُعْتَدٍ ظالم. مُرِيبٍ مشكّك، وقال قتادة: شاك ومعناه: إنّه داخل في الريب الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَأَلْقِياهُ فِي الْعَذابِ الشَّدِيدِ والنار وقيل: نزلت في الوليد بن المغيرة، فأراد بقوله: مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ أنّه كان يمنع بني أخيه عن الإسلام، ويقول: لئن دخل أحدكم في دين محمّد لا أنفعه بخير ما عشت.

ق 50:25

وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ يحدّثه قلبه، فلا يخفى علينا أسراره، وضمائره وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ أي أعلم به، وأقدر عليه مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ لأنّ أبعاضه، وأجزاءه يحجب بعضها بعضا، ولا يحجب علم الله سبحانه عن جميع ذلك شيء، وحبل الوريد: عرق العنق، وهو عرق بين الحلقوم، والعلباوين، وجمعه أوردة، والحبل من الوريد وأضيف إلى نفسه لاختلاف اللفظين، قال الشاعر: فقرت للفجار فجاء سعيا ... إذا ما جاش وانتفخ الوريد إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ أي يتلقّى، ويأخذ الملكان الموكلان عليك، وكّل الله سبحانه بالإنسان مع علمه بأحواله، ملكين بالليل، وملكين بالنهار يحفظان عمله، ويكتبان أثره، إلزاما للحجّة، أحدهما عن يمينه يكتب الحسنات، والآخر عن شماله يكتب السيّئات، فذلك قوله سبحانه: عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ ولم يقل: قعيدان. قال أهل البصرة: لأنّه أراد عن اليمين قعيد، وعن الشمال قعيد، فاكتفى بأحدهما عن الآخر، كقول الشاعر: نحن بما عندنا وأنت بما عندك ... راض والرأي مختلف وقول الفرزدق: إنّي ضمنت لمن أتاني ما جنى ... وأبى فكان وكنت غير غدور [[تفسير الطبري: 26/ 204.]] ولم يقل: غدورين، والقعيد، والقاعد كالسميع، والعليم، والقدير، فقال أهل الكوفة: أراد قعودا رده إلى الجنس، فوضع الواحد موضع الجمع، كالرسول في الاثنين يجعل للاثنين، والجمع، قال الله سبحانه في الاثنين: نَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ وقال الشاعر: ألكني إليها وخير الرسول ... أعلمهم بنواحي الخبر [[الصحاح: 4/ 1607.]] أخبرنا الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن جعفر بن سالم الختلي. قال: حدّثنا أحمد بن أيّوب الرخاني. قال: حدّثنا جميل بن الحسن، قال: حدّثنا أرطأة بن الأشعث العدوي، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب، قال: قال رسول الله ﷺ‎: «إنّ مقعد ملكيك على ثنيتيك، ولسانك قلمهما، وريقك مدادهما، وأنت تجري- أظنّه قال: - فيما لا يعنيك لا تستحي من الله، ولا منهما» [87] [[زاد المسير: 7/ 193 تفسير القرطبي: 17/ 10.]] . وأخبرنا الحسين بن محمد بن منجويه الدينوري، قال: حدّثنا أحمد بن جعفر بن حمدان، قال: حدّثنا الفضل بن العبّاس بن مهران. قال: حدّثنا طالوت. قال: حدّثنا حمّاد بن سلمة. قال: أخبرنا جعفر بن الزبير، عن القاسم بن محمد، عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله ﷺ‎: «كاتب الحسنات على يمين الرجل، وكاتب السيّئات على يسار الرجل، وكاتب الحسنات أمين على كاتب السيّئات، فإذا عمل حسنة كتبها صاحب اليمين عشرا، وإذا عمل سيئة، قال صاحب اليمين لصاحب الشمال: دعه سبع ساعات لعلّه يسبّح أو يستغفر» [88] [[تفسير القرطبي: 17/ 10.]] . قال الحسن: إنّ الملائكة يجتنبون الإنسان على حالين: عند غائطه، وعند جماعه، وقال أبو الجوزاء، ومجاهد: يكتبان عليه كلّ شيء حتّى أنينه في مرضه، وقال عكرمة: لا يكتبان عليه إلّا ما يؤجر عليه أو يؤزر فيه، وقال الضحّاك: مجلسهما تحت الشعر على الحنك. ومثله روى عوف عن الحسن، قال: وكان الحسن يعجبه أن ينظف عنفقته [[العنفقة: الشعر الذي في الشفة السفلى، وقيل الشعر الذي بينها وبين الذقن (النهاية) .]] . وقال عطية ومجاهد: القعيد الرصيد. أخبرنا أبو القاسم بن حبيب في سنة ست وثمانين وثلاثمائة، قال: حدّثنا أبو محمد البلاذري. قال: حدّثنا محمد بن أيّوب الرازي. قال: حدّثنا أبو التقى هشام بن عبد الملك. قال: حدّثنا مبشر بن إسماعيل الحلبي، عن تمام بن نجيح، عن الحسن، عن أبي هريرة، وأنس، قالا: قال رسول الله ﷺ‎: «ما من حافظين يرفعان إلى الله سبحانه ما حفظا فيرى الله سبحانه في أوّل الصحيفة خيرا، وفي آخرها خيرا، إلّا قال لملائكته: اشهدوا أنّي قد غفرت لعبدي ما بين طرفي الصحيفة» [89] [[تفسير القرطبي: 17/ 11.]] . وأخبرنا أبو سهل بن حبيب بقراءتي عليه، قال: حدّثنا أبو بكر أحمد بن موسى، قال: حدّثنا زنجويه بن محمد. قال: حدّثنا إسماعيل بن قتيبة. قال: حدّثنا يحيى بن يحيى. قال: حدّثنا عثمان بن مطر الشيباني، عن ثابت عن أنس. أنّ رسول الله ﷺ‎، قال: «بأنّ الله سبحانه وكّل بعبده المؤمن ملكين يكتبان عمله، فإذا مات، قال الملكان اللّذان وكّلا به يكتبان عمله: قد مات فلان، فيأذن لنا، فنصعد إلى السماء، فيقول الله سبحانه: سمائي مملوءة من ملائكتي يسبّحون، فيقولان: نقيم في الأرض. فيقول الله سبحانه: أرضي مملوءة من خلقي يسبّحون. فيقولان: فأين؟ فيقول: قوما على قبر عبدي. فكبّراني، وهللاني، واكتبا ذلك لعبدي ليوم القيامة» [90] [[تفسير القرطبي: 17/ 12 الدر المنثور: 6/ 105.]] . ما يَلْفِظُ يتكلّم. مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ عنده رَقِيبٌ حافظ عَتِيدٌ حاضر، وهو بمعنى المعتد من قوله: أَعْتَدْنا والعرب تعاقب بين (التاء) و (الذال) لقرب مخرجهما، فيقول: اعتددت، وأعذدت، وهرذ، وهرت، وكبذ، وكبت، ونحوهما، قال الشاعر: لئن كنت مني في العيان مغيبا ... فذكرك عندي في الفؤاد عتيد [[تفسير القرطبي: 17/ 11.]] وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ أي وجاءت سكرة الحقّ بالموت لأنّ السكرة هي الحقّ، فأضيفت إلى نفسه لاختلاف الاسمين وقيل: الحقّ هو الله عزّ وجلّ، مجازه وجاء سكرة أمر الله بالموت. أنبأني عقيل، قال: أخبرنا المعافى، قال: أخبرنا جوير. قال: حدّثنا ابن المثنى، قال: حدّثنا محمد بن جعفر، قال: حدّثنا شعبة، عن واصل، عن أبي وائل قال: لما كان أبو بكر يقضي، قالت عائشة: لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر [[لسان العرب: 2/ 237.]] فقال أبو بكر: يا بنية لا هو لي، ولكنّه كما قال الله سبحانه: وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ أي تكره، عن ابن عبّاس، وقال الحسن: تهرب. الضحّاك: تروغ. عطاء الخراساني: تميل. مقاتل بن حيان: تنكص. وأصل الحيد الميل، يقال: حدت عن الشيء أحيد حيدا، ومحيدا إذا ملت عنه. قال طرفة: أبا منذر رمت الوفاء فهبته ... وحدت كما حاد البعير عن الدحض [[تاج العروس: 5/ 28 والدحض: الدفع.]] وَنُفِخَ فِي الصُّورِ يعني نفخة البعث. ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ الذي وعده الله سبحانه للكفّار يلعنهم فيه. وَجاءَتْ ذلك اليوم كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ يسوقها إلى المحشر وَشَهِيدٌ شهد عليه بما عملت في الدّنيا من خير أو شرّ. وروي أنّ عثمان بن عفّان خطب، وقرأ هذه الآية، فقال: السائق يسوقها إلى الله سبحانه، والشاهد يشهد عليه بما عملت، وقال الضحّاك: السائق الملائكة، والشاهد من أنفسهم الأيدي، والأرجل. وهي رواية العوفي عن ابن عبّاس، وقال أبو هريرة: السائق الملك، والشهيد العمل، وقال الباقون: هما جميعا من الملائكة، فيقول الله سبحانه لها: لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ ورفعنا عنك عماك، وخلّينا عنك سترك، حتّى عاينته. فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ قوي، نافذ، ثابت، ترى ما كان محجوبا عنك. وروى عبد الوهاب، عن مجاهد، عن أبيه فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ قال: نظرك إليّ لبيان ميزانك حين توزن حسناتك، وسيّئاتك. وقيل: أراد بالبصر العلم، علم حين لم ينفعه العلم، وأبصر حين لم ينفعه البصر. وقرأ عاصم الجحدري لَقَدْ كُنْتَ بكسر (التاء) ، وبكسر (الكاف) ، رد الكتابة إلى النفس. وَقالَ قَرِينُهُ الملك الموكّل به هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ معد محفوظ محضر، قال مجاهد: هذا الذي وكّلني به من بني آدم، قد أحضرته، وأحضرت ديوان أعماله، فيقول الله سبحانه لقرينه: أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ قال الخليل، والأخفش: هذا كلام العرب الصحيح أن يخاطب الواحد بلفظ الاثنين، وهو جيد حسن، فيقول: ويلك أرحلاها، وازجراها، وخذاه واطلقاه للواحد. قال الفراء: وأصل ذلك إذا دنا أعوان الرجل في إبله، وغنمه، وبقره، اثنان، فجرى كلام الواحد على صاحبيه، ومنه قولهم للواحد في الشعر: خليلي [ثم يقول: يا صاح] . قال امرؤ القيس: خليلي مرّا بي على أمّ جندب ... نقض لبانات الفؤاد المعذّب وقال: قفا نبك عن ذكرى حبيب ومنزل وقال: قفا نبك من ذكرى حبيب وعروان [[كذا بالأصل.]] . قال الآخر: فقلت لصاحبي لا تعجلانا ... بنزع أصوله واجتز شيحا وأنشد أبو ثروان: فإن تزجرني يا ابن عفان أنزجر ... وإن تدعاني أحم عرضا ممنعا [[تفسير الطبري: 11/ 208.]] وقيل: يشبه أن يكون عني به تكرار القول فيه، فكأنّه يقول: الق الق، فناب ألقيا مناب التكرار، ويجوز أن تكون ألقيا تثنية على الحقيقة، ويكون الخطاب للمتلقيين معا أو السائق والشاهد جميعا، وقرأ الحسن (ألقين) بنون التأكيد الخفيفة، كقوله: لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ .. كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ عاص معرض عن الحقّ، قال مجاهد وعكرمة: مجانب للحقّ معاند لله. مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ أي للزكاة المفروضة، وكلّ حقّ واجب في ماله. مُعْتَدٍ ظالم. مُرِيبٍ مشكّك، وقال قتادة: شاك ومعناه: إنّه داخل في الريب الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَأَلْقِياهُ فِي الْعَذابِ الشَّدِيدِ والنار وقيل: نزلت في الوليد بن المغيرة، فأراد بقوله: مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ أنّه كان يمنع بني أخيه عن الإسلام، ويقول: لئن دخل أحدكم في دين محمّد لا أنفعه بخير ما عشت.