Tefsîru's-Sa'lebî — el-Keşf ve'l-Beyân an Tefsîri'l-Kur'ân — الواقعة 56:1 – الواقعة 56:53
المحتويات
- الواقعة 56:1
- الواقعة 56:2
- الواقعة 56:3
- الواقعة 56:4
- الواقعة 56:5
- الواقعة 56:6
- الواقعة 56:7
- الواقعة 56:8
- الواقعة 56:9
- الواقعة 56:10
- الواقعة 56:11
- الواقعة 56:12
- الواقعة 56:13
- الواقعة 56:14
- الواقعة 56:15
- الواقعة 56:16
- الواقعة 56:17
- الواقعة 56:18
- الواقعة 56:19
- الواقعة 56:20
- الواقعة 56:21
- الواقعة 56:22
- الواقعة 56:23
- الواقعة 56:24
- الواقعة 56:25
- الواقعة 56:26
- الواقعة 56:27
- الواقعة 56:28
- الواقعة 56:29
- الواقعة 56:30
- الواقعة 56:31
- الواقعة 56:32
- الواقعة 56:33
- الواقعة 56:34
- الواقعة 56:35
- الواقعة 56:36
- الواقعة 56:37
- الواقعة 56:38
- الواقعة 56:39
- الواقعة 56:40
- الواقعة 56:41
- الواقعة 56:42
- الواقعة 56:43
- الواقعة 56:44
- الواقعة 56:45
- الواقعة 56:46
- الواقعة 56:47
- الواقعة 56:48
- الواقعة 56:49
- الواقعة 56:50
- الواقعة 56:51
- الواقعة 56:52
- الواقعة 56:53
الواقعة 56:1
مكية، وهي ألف وسبعمائة وثلاثة أحرف وثلاثمائة وثمان وسبعون كلمة وست وتسعون آية
أخبرنا أبو الحسين الخبازي عن مرة، عن الشيخ الحافظ ابن أبي عاصم، حدّثنا عمرو بن عثمان، حدّثنا أبو بكر العطار، حدّثنا السدي بن يحيى عن شجاع عن أبي طيبة الجرجاني قال:
دخل عثمان بن عفان على عبد الله بن مسعود يعوده في مرضه الذي مات فيه فقال: ما تشتكي؟
قال: أشتكي ذنوبي. قال: فما تشتهي؟ قال: أشتهي رحمة ربي. قال: أفلا ندعو الطبيب؟
قال: الطبيب أمرضني. قال: أفلا نأمر بعطائك؟ قال: لا حاجة لي به. قال: أندفعه إلى بناتك؟ قال: لا حاجة لهنّ بها قد أمرتهنّ أن يقرأن سورة الواقعة، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من قرأ سورة الواقعة في كل ليلة لم تصبه فاقة أبدا» [184] [[بغية الباحث: 226، والجامع الصغير: 2/ 634.]] .
وأخبرني محمد بن القاسم، حدّثنا عبد الله بن أحمد الشعراني، حدّثنا أحمد بن علي بن رزين، حدّثنا أحمد بن عبد الله العتكي، حدّثنا جرير عن منصور عن هلال بن سياف عن مسروق قال: من أراد أن يتعلم نبأ الأولين والآخرين، ونبأ أهل الجنة ونبأ أهل النار، ونبأ الدنيا ونبأ الآخرة فليقرأ سورة الواقعة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ أي إذا نزلت صبيحة القيامة وتلك النفخة الأخيرة لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ تكذيب ذكره سيبويه، وهو اسم كالعافية والنازلة والعاقبة، عن الفراء. قال الكسائي: هي بمعنى الكذب كقوله لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً أي لغوا، ومنه قول العامة: عائذ بالله أي معاذ الله، وقم قائما أي قياما.
ولبعض نساء العرب ترقص ابنها:
قم قائما قم قائما ... أصبت عبدا نائما
خافِضَةٌ أي هي خافضة رافِعَةٌ تخفض قوما إلى النار وترفع آخرين إلى الجنة.
وقال عكرمة والسدي ومقاتل: خفضت الصوت فأسمعت من دنا ورفعت الصوت فأسمعت من نأى يعني أنها أسمعت القريب والبعيد، ورفعت قوما كانوا مذللين فرفعتهم إلى أعلى عليين ووضعت قوما كانوا في الدنيا مرتفعين فوضعتهم إلى أسفل سافلين.
ابن عطاء: خفضت قوما بالعدل ورفعت قوما بالفضل.
إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا أي رجفت وزلزلت وحركت تحريكا من قولهم: السهم يرتجّ في الغرض، بمعنى يهتز ويضطرب.
قال الكلبي: وذلك أن الله عزّ وجل إذا أوحى إليها اضطربت فرقا.
وقال المفسرون: ترجّ كما يرجّ الصبي في المهد حتى ينهدم كل ما عليها، وينكسر كل شيء عليها من الجبال وغيرها.
وأصل الرجّ في اللغة التحريك يقال: رججته فارتجّ [فارتضى عنقه] ورجرجته فترجرج.
وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا أي حثّت حثّا وفتت فتا فصارت كالدقيق المبسوس، وهو المبلول والبسبسة عند العرب الدقيق أو السويق يلتّ ويتخذ زادا.
وذكر عن لصّ من غطفان أنه أراد أن يخبز فخاف أن يعجّل عن الخبز فقال لا تخبزا خبزا وبسّا بسّا ولا تطيلا بمناخ حبسا.
وقال عطاء: أذهبت إذهابا قال سعيد بن المسيب والسدي: كسرت كسرا.
الكلبي: سيّرت عن وجه الأرض تسييرا. مجاهد: لتّت لتّا.
الحسن: قلعت من أصلها فذهبت بعد ما كانت صخرا صماء: نظيرها فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً [[سورة طه: 105.]] .
عطية: بسطت بسطا كالرمل والتراب.
ابن كيسان: جعلت كثيبا مهيلا بعد أن كانت شامخة طويلة.
فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا قال ابن عباس: شعاع الشمس حين يدخل من الكوّة.
علي رضي الله عنه: رهج الدوابّ [[راجع الجامع لأحكام القرآن: 17/ 197.]] .
عطية: ما تطاير من شرر النار، قتادة: حطام الشجر.
وقراءة العامة: مُنْبَثًّا بالثاء أي متفرقا، وقرأ النخعي بالتاء أي منقطعا.
وَكُنْتُمْ أَزْواجاً أصنافا ثَلاثَةً ثم بيّن من هم فقال عز من قائل: فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ وهم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة.
وقال ابن عباس: وهم الذين كانوا على يمين آدم حين أخرجت الذرية من صلبه. وقال الله [إن] [[في المخطوط: إنهم.]] هؤلاء في الجنة ولا أبالي.
وقال الضحّاك: هم الذين يعطون كتبهم بإيمانهم.
وقال الحسن والربيع: هم الذين كانوا ميامين مباركين على أنفسهم، وكانت أعمارهم في طاعة الله عزّ وجل، وهم التابعون بإحسان.
ثم عجّب نبيه ﷺ فقال: ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ وهذا كما يقال: زيد ما زيد، يراد زيد شديد.
وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ أي الشمال، والعرب تسمي اليد اليسرى شؤمى.
قال الشاعر:
السهم والشرى [[كذا في المخطوط.]] في شؤمى يديك لهم ... وفي يمينك ماء المزن [[المزن: السحاب الأبيض.]] والضرب [[هكذا في الأصل.]]
ومنه الشام واليمن لأن اليمن عن يمين الكعبة والشام عن شمالها إذا [دخل الحجر] [[كلمتان غير مقروءتين والظاهر ما أثبتناه.]] تحت الميزاب.
وهم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار.
وقيل: هم الذين كانوا على شمال آدم عند إخراج الذرية، وقال الله لهم هؤلاء في النار ولا أبالي.
وقيل: هم الذين يؤتون كتبهم بشمائلهم.
وقال الحسن: هم المشائيم على أنفسهم، وكانت أعمارهم في المعاصي.
ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ قال ابن سيرين: هم الذين صلوا القبلتين دليله قوله وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ.
أخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن حمران، حدّثنا أبي، حدّثنا محمد بن داود الدينوري، حدّثنا [.....] [[كلمة غير مقروءة.]] عن ابن بن الجارود عن عبد الغفور ابن أبي الصباح عن ابن علي، عن كعب في قول الله عزّ وجل: وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ قال: هم أهل القرآن وهم المتوجون يوم القيامة.
وأخبرني الحسين، حدّثنا موسى بن محمد بن علي، حدّثنا أبو شعيب، حدّثنا عبد الله بن الحسن الحراني، حدّثنا يحيى بن عبد الله البابلتي، حدّثنا الأوزاعي قال: سمعت عثمان بن أبي سودة يقول: السَّابِقُونَ أولهم رواحا إلى المسجد وأولهم خروجا في سبيل الله عزّ وجل.
وأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن ماجة، حدّثنا ابن أيوب، حدّثنا عبد الله بن أبي زياد، حدّثنا سياد بن حاتم، حدّثنا عبد الله بن شميط قال: سمعت أبي يقول: الناس ثلاثة: فرجل ابتكر الخير في حداثة سنه ثم داوم عليه حتى خرج عن الدنيا فهذا السابق المقري، ورجل ابتكر عمره بالذنوب وطول الغفلة ثم تراجع بتوبة فهذا صاحب يمين، ورجل ابتكر الشر في حداثته ثم لم يزل عليه حتى خرج من الدنيا فهذا صاحب الشمال.
وقال ابن عباس: السَّابِقُونَ إلى الهجرة هم السابقون في الآخرة.
وقال علي بن أبي طالب: إلى الصلوات الخمس.
عكرمة: إلى الإسلام. الضحاك: إلى الجهاد. القرظي: إلى كل خير. سعيد بن جبير: هم المسارعون إلى التوبة وإلى أعمال البر. نظيره وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [[سورة آل عمران: 133.]] سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [[سورة الحديد: 21.]] .
ثم أثنى عليهم فقال عزّ من قائل أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ الربيع عن أنس: السَّابِقُونَ إلى إجابة الرسول في الدنيا، وهم السابقون إلى الجنة في العقبى.
ابن كيسان: السَّابِقُونَ إلى كل ما دعا الله سبحانه وتعالى إليه.
أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ إلى الله فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ.
أخبرني الحسين، حدّثنا علي بن إبراهيم بن موسى الموصلي، حدّثنا محمد بن مخلد العطار، محمد بن إسماعيل، حدّثنا وكيع، حدّثنا شعبة ومسعر عن سعد بن إبراهيم عن عروة بن الزبير قال: كان يقال [[كذا في المخطوط والصواب: يقول.]] : تقدموا تقدموا.
وأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن ماجة، حدّثنا ابن أيوب، حدّثنا القطواني، حدّثنا سيار، حدّثنا جعفر حدّثني عوف حدّثني رجل من أهل الكوفة قال: بلغني أنه إذا خرج رجل من السابقين المقربين من مسكنه في الجنة كان له ضوء يعرفه من دونه فيقول: هذا ضوء رجل من السابقين المقربين.
الواقعة 56:2
مكية، وهي ألف وسبعمائة وثلاثة أحرف وثلاثمائة وثمان وسبعون كلمة وست وتسعون آية
أخبرنا أبو الحسين الخبازي عن مرة، عن الشيخ الحافظ ابن أبي عاصم، حدّثنا عمرو بن عثمان، حدّثنا أبو بكر العطار، حدّثنا السدي بن يحيى عن شجاع عن أبي طيبة الجرجاني قال:
دخل عثمان بن عفان على عبد الله بن مسعود يعوده في مرضه الذي مات فيه فقال: ما تشتكي؟
قال: أشتكي ذنوبي. قال: فما تشتهي؟ قال: أشتهي رحمة ربي. قال: أفلا ندعو الطبيب؟
قال: الطبيب أمرضني. قال: أفلا نأمر بعطائك؟ قال: لا حاجة لي به. قال: أندفعه إلى بناتك؟ قال: لا حاجة لهنّ بها قد أمرتهنّ أن يقرأن سورة الواقعة، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من قرأ سورة الواقعة في كل ليلة لم تصبه فاقة أبدا» [184] [[بغية الباحث: 226، والجامع الصغير: 2/ 634.]] .
وأخبرني محمد بن القاسم، حدّثنا عبد الله بن أحمد الشعراني، حدّثنا أحمد بن علي بن رزين، حدّثنا أحمد بن عبد الله العتكي، حدّثنا جرير عن منصور عن هلال بن سياف عن مسروق قال: من أراد أن يتعلم نبأ الأولين والآخرين، ونبأ أهل الجنة ونبأ أهل النار، ونبأ الدنيا ونبأ الآخرة فليقرأ سورة الواقعة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ أي إذا نزلت صبيحة القيامة وتلك النفخة الأخيرة لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ تكذيب ذكره سيبويه، وهو اسم كالعافية والنازلة والعاقبة، عن الفراء. قال الكسائي: هي بمعنى الكذب كقوله لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً أي لغوا، ومنه قول العامة: عائذ بالله أي معاذ الله، وقم قائما أي قياما.
ولبعض نساء العرب ترقص ابنها:
قم قائما قم قائما ... أصبت عبدا نائما
خافِضَةٌ أي هي خافضة رافِعَةٌ تخفض قوما إلى النار وترفع آخرين إلى الجنة.
وقال عكرمة والسدي ومقاتل: خفضت الصوت فأسمعت من دنا ورفعت الصوت فأسمعت من نأى يعني أنها أسمعت القريب والبعيد، ورفعت قوما كانوا مذللين فرفعتهم إلى أعلى عليين ووضعت قوما كانوا في الدنيا مرتفعين فوضعتهم إلى أسفل سافلين.
ابن عطاء: خفضت قوما بالعدل ورفعت قوما بالفضل.
إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا أي رجفت وزلزلت وحركت تحريكا من قولهم: السهم يرتجّ في الغرض، بمعنى يهتز ويضطرب.
قال الكلبي: وذلك أن الله عزّ وجل إذا أوحى إليها اضطربت فرقا.
وقال المفسرون: ترجّ كما يرجّ الصبي في المهد حتى ينهدم كل ما عليها، وينكسر كل شيء عليها من الجبال وغيرها.
وأصل الرجّ في اللغة التحريك يقال: رججته فارتجّ [فارتضى عنقه] ورجرجته فترجرج.
وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا أي حثّت حثّا وفتت فتا فصارت كالدقيق المبسوس، وهو المبلول والبسبسة عند العرب الدقيق أو السويق يلتّ ويتخذ زادا.
وذكر عن لصّ من غطفان أنه أراد أن يخبز فخاف أن يعجّل عن الخبز فقال لا تخبزا خبزا وبسّا بسّا ولا تطيلا بمناخ حبسا.
وقال عطاء: أذهبت إذهابا قال سعيد بن المسيب والسدي: كسرت كسرا.
الكلبي: سيّرت عن وجه الأرض تسييرا. مجاهد: لتّت لتّا.
الحسن: قلعت من أصلها فذهبت بعد ما كانت صخرا صماء: نظيرها فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً [[سورة طه: 105.]] .
عطية: بسطت بسطا كالرمل والتراب.
ابن كيسان: جعلت كثيبا مهيلا بعد أن كانت شامخة طويلة.
فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا قال ابن عباس: شعاع الشمس حين يدخل من الكوّة.
علي رضي الله عنه: رهج الدوابّ [[راجع الجامع لأحكام القرآن: 17/ 197.]] .
عطية: ما تطاير من شرر النار، قتادة: حطام الشجر.
وقراءة العامة: مُنْبَثًّا بالثاء أي متفرقا، وقرأ النخعي بالتاء أي منقطعا.
وَكُنْتُمْ أَزْواجاً أصنافا ثَلاثَةً ثم بيّن من هم فقال عز من قائل: فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ وهم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة.
وقال ابن عباس: وهم الذين كانوا على يمين آدم حين أخرجت الذرية من صلبه. وقال الله [إن] [[في المخطوط: إنهم.]] هؤلاء في الجنة ولا أبالي.
وقال الضحّاك: هم الذين يعطون كتبهم بإيمانهم.
وقال الحسن والربيع: هم الذين كانوا ميامين مباركين على أنفسهم، وكانت أعمارهم في طاعة الله عزّ وجل، وهم التابعون بإحسان.
ثم عجّب نبيه ﷺ فقال: ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ وهذا كما يقال: زيد ما زيد، يراد زيد شديد.
وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ أي الشمال، والعرب تسمي اليد اليسرى شؤمى.
قال الشاعر:
السهم والشرى [[كذا في المخطوط.]] في شؤمى يديك لهم ... وفي يمينك ماء المزن [[المزن: السحاب الأبيض.]] والضرب [[هكذا في الأصل.]]
ومنه الشام واليمن لأن اليمن عن يمين الكعبة والشام عن شمالها إذا [دخل الحجر] [[كلمتان غير مقروءتين والظاهر ما أثبتناه.]] تحت الميزاب.
وهم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار.
وقيل: هم الذين كانوا على شمال آدم عند إخراج الذرية، وقال الله لهم هؤلاء في النار ولا أبالي.
وقيل: هم الذين يؤتون كتبهم بشمائلهم.
وقال الحسن: هم المشائيم على أنفسهم، وكانت أعمارهم في المعاصي.
ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ قال ابن سيرين: هم الذين صلوا القبلتين دليله قوله وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ.
أخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن حمران، حدّثنا أبي، حدّثنا محمد بن داود الدينوري، حدّثنا [.....] [[كلمة غير مقروءة.]] عن ابن بن الجارود عن عبد الغفور ابن أبي الصباح عن ابن علي، عن كعب في قول الله عزّ وجل: وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ قال: هم أهل القرآن وهم المتوجون يوم القيامة.
وأخبرني الحسين، حدّثنا موسى بن محمد بن علي، حدّثنا أبو شعيب، حدّثنا عبد الله بن الحسن الحراني، حدّثنا يحيى بن عبد الله البابلتي، حدّثنا الأوزاعي قال: سمعت عثمان بن أبي سودة يقول: السَّابِقُونَ أولهم رواحا إلى المسجد وأولهم خروجا في سبيل الله عزّ وجل.
وأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن ماجة، حدّثنا ابن أيوب، حدّثنا عبد الله بن أبي زياد، حدّثنا سياد بن حاتم، حدّثنا عبد الله بن شميط قال: سمعت أبي يقول: الناس ثلاثة: فرجل ابتكر الخير في حداثة سنه ثم داوم عليه حتى خرج عن الدنيا فهذا السابق المقري، ورجل ابتكر عمره بالذنوب وطول الغفلة ثم تراجع بتوبة فهذا صاحب يمين، ورجل ابتكر الشر في حداثته ثم لم يزل عليه حتى خرج من الدنيا فهذا صاحب الشمال.
وقال ابن عباس: السَّابِقُونَ إلى الهجرة هم السابقون في الآخرة.
وقال علي بن أبي طالب: إلى الصلوات الخمس.
عكرمة: إلى الإسلام. الضحاك: إلى الجهاد. القرظي: إلى كل خير. سعيد بن جبير: هم المسارعون إلى التوبة وإلى أعمال البر. نظيره وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [[سورة آل عمران: 133.]] سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [[سورة الحديد: 21.]] .
ثم أثنى عليهم فقال عزّ من قائل أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ الربيع عن أنس: السَّابِقُونَ إلى إجابة الرسول في الدنيا، وهم السابقون إلى الجنة في العقبى.
ابن كيسان: السَّابِقُونَ إلى كل ما دعا الله سبحانه وتعالى إليه.
أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ إلى الله فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ.
أخبرني الحسين، حدّثنا علي بن إبراهيم بن موسى الموصلي، حدّثنا محمد بن مخلد العطار، محمد بن إسماعيل، حدّثنا وكيع، حدّثنا شعبة ومسعر عن سعد بن إبراهيم عن عروة بن الزبير قال: كان يقال [[كذا في المخطوط والصواب: يقول.]] : تقدموا تقدموا.
وأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن ماجة، حدّثنا ابن أيوب، حدّثنا القطواني، حدّثنا سيار، حدّثنا جعفر حدّثني عوف حدّثني رجل من أهل الكوفة قال: بلغني أنه إذا خرج رجل من السابقين المقربين من مسكنه في الجنة كان له ضوء يعرفه من دونه فيقول: هذا ضوء رجل من السابقين المقربين.
الواقعة 56:3
مكية، وهي ألف وسبعمائة وثلاثة أحرف وثلاثمائة وثمان وسبعون كلمة وست وتسعون آية
أخبرنا أبو الحسين الخبازي عن مرة، عن الشيخ الحافظ ابن أبي عاصم، حدّثنا عمرو بن عثمان، حدّثنا أبو بكر العطار، حدّثنا السدي بن يحيى عن شجاع عن أبي طيبة الجرجاني قال:
دخل عثمان بن عفان على عبد الله بن مسعود يعوده في مرضه الذي مات فيه فقال: ما تشتكي؟
قال: أشتكي ذنوبي. قال: فما تشتهي؟ قال: أشتهي رحمة ربي. قال: أفلا ندعو الطبيب؟
قال: الطبيب أمرضني. قال: أفلا نأمر بعطائك؟ قال: لا حاجة لي به. قال: أندفعه إلى بناتك؟ قال: لا حاجة لهنّ بها قد أمرتهنّ أن يقرأن سورة الواقعة، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من قرأ سورة الواقعة في كل ليلة لم تصبه فاقة أبدا» [184] [[بغية الباحث: 226، والجامع الصغير: 2/ 634.]] .
وأخبرني محمد بن القاسم، حدّثنا عبد الله بن أحمد الشعراني، حدّثنا أحمد بن علي بن رزين، حدّثنا أحمد بن عبد الله العتكي، حدّثنا جرير عن منصور عن هلال بن سياف عن مسروق قال: من أراد أن يتعلم نبأ الأولين والآخرين، ونبأ أهل الجنة ونبأ أهل النار، ونبأ الدنيا ونبأ الآخرة فليقرأ سورة الواقعة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ أي إذا نزلت صبيحة القيامة وتلك النفخة الأخيرة لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ تكذيب ذكره سيبويه، وهو اسم كالعافية والنازلة والعاقبة، عن الفراء. قال الكسائي: هي بمعنى الكذب كقوله لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً أي لغوا، ومنه قول العامة: عائذ بالله أي معاذ الله، وقم قائما أي قياما.
ولبعض نساء العرب ترقص ابنها:
قم قائما قم قائما ... أصبت عبدا نائما
خافِضَةٌ أي هي خافضة رافِعَةٌ تخفض قوما إلى النار وترفع آخرين إلى الجنة.
وقال عكرمة والسدي ومقاتل: خفضت الصوت فأسمعت من دنا ورفعت الصوت فأسمعت من نأى يعني أنها أسمعت القريب والبعيد، ورفعت قوما كانوا مذللين فرفعتهم إلى أعلى عليين ووضعت قوما كانوا في الدنيا مرتفعين فوضعتهم إلى أسفل سافلين.
ابن عطاء: خفضت قوما بالعدل ورفعت قوما بالفضل.
إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا أي رجفت وزلزلت وحركت تحريكا من قولهم: السهم يرتجّ في الغرض، بمعنى يهتز ويضطرب.
قال الكلبي: وذلك أن الله عزّ وجل إذا أوحى إليها اضطربت فرقا.
وقال المفسرون: ترجّ كما يرجّ الصبي في المهد حتى ينهدم كل ما عليها، وينكسر كل شيء عليها من الجبال وغيرها.
وأصل الرجّ في اللغة التحريك يقال: رججته فارتجّ [فارتضى عنقه] ورجرجته فترجرج.
وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا أي حثّت حثّا وفتت فتا فصارت كالدقيق المبسوس، وهو المبلول والبسبسة عند العرب الدقيق أو السويق يلتّ ويتخذ زادا.
وذكر عن لصّ من غطفان أنه أراد أن يخبز فخاف أن يعجّل عن الخبز فقال لا تخبزا خبزا وبسّا بسّا ولا تطيلا بمناخ حبسا.
وقال عطاء: أذهبت إذهابا قال سعيد بن المسيب والسدي: كسرت كسرا.
الكلبي: سيّرت عن وجه الأرض تسييرا. مجاهد: لتّت لتّا.
الحسن: قلعت من أصلها فذهبت بعد ما كانت صخرا صماء: نظيرها فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً [[سورة طه: 105.]] .
عطية: بسطت بسطا كالرمل والتراب.
ابن كيسان: جعلت كثيبا مهيلا بعد أن كانت شامخة طويلة.
فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا قال ابن عباس: شعاع الشمس حين يدخل من الكوّة.
علي رضي الله عنه: رهج الدوابّ [[راجع الجامع لأحكام القرآن: 17/ 197.]] .
عطية: ما تطاير من شرر النار، قتادة: حطام الشجر.
وقراءة العامة: مُنْبَثًّا بالثاء أي متفرقا، وقرأ النخعي بالتاء أي منقطعا.
وَكُنْتُمْ أَزْواجاً أصنافا ثَلاثَةً ثم بيّن من هم فقال عز من قائل: فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ وهم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة.
وقال ابن عباس: وهم الذين كانوا على يمين آدم حين أخرجت الذرية من صلبه. وقال الله [إن] [[في المخطوط: إنهم.]] هؤلاء في الجنة ولا أبالي.
وقال الضحّاك: هم الذين يعطون كتبهم بإيمانهم.
وقال الحسن والربيع: هم الذين كانوا ميامين مباركين على أنفسهم، وكانت أعمارهم في طاعة الله عزّ وجل، وهم التابعون بإحسان.
ثم عجّب نبيه ﷺ فقال: ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ وهذا كما يقال: زيد ما زيد، يراد زيد شديد.
وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ أي الشمال، والعرب تسمي اليد اليسرى شؤمى.
قال الشاعر:
السهم والشرى [[كذا في المخطوط.]] في شؤمى يديك لهم ... وفي يمينك ماء المزن [[المزن: السحاب الأبيض.]] والضرب [[هكذا في الأصل.]]
ومنه الشام واليمن لأن اليمن عن يمين الكعبة والشام عن شمالها إذا [دخل الحجر] [[كلمتان غير مقروءتين والظاهر ما أثبتناه.]] تحت الميزاب.
وهم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار.
وقيل: هم الذين كانوا على شمال آدم عند إخراج الذرية، وقال الله لهم هؤلاء في النار ولا أبالي.
وقيل: هم الذين يؤتون كتبهم بشمائلهم.
وقال الحسن: هم المشائيم على أنفسهم، وكانت أعمارهم في المعاصي.
ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ قال ابن سيرين: هم الذين صلوا القبلتين دليله قوله وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ.
أخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن حمران، حدّثنا أبي، حدّثنا محمد بن داود الدينوري، حدّثنا [.....] [[كلمة غير مقروءة.]] عن ابن بن الجارود عن عبد الغفور ابن أبي الصباح عن ابن علي، عن كعب في قول الله عزّ وجل: وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ قال: هم أهل القرآن وهم المتوجون يوم القيامة.
وأخبرني الحسين، حدّثنا موسى بن محمد بن علي، حدّثنا أبو شعيب، حدّثنا عبد الله بن الحسن الحراني، حدّثنا يحيى بن عبد الله البابلتي، حدّثنا الأوزاعي قال: سمعت عثمان بن أبي سودة يقول: السَّابِقُونَ أولهم رواحا إلى المسجد وأولهم خروجا في سبيل الله عزّ وجل.
وأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن ماجة، حدّثنا ابن أيوب، حدّثنا عبد الله بن أبي زياد، حدّثنا سياد بن حاتم، حدّثنا عبد الله بن شميط قال: سمعت أبي يقول: الناس ثلاثة: فرجل ابتكر الخير في حداثة سنه ثم داوم عليه حتى خرج عن الدنيا فهذا السابق المقري، ورجل ابتكر عمره بالذنوب وطول الغفلة ثم تراجع بتوبة فهذا صاحب يمين، ورجل ابتكر الشر في حداثته ثم لم يزل عليه حتى خرج من الدنيا فهذا صاحب الشمال.
وقال ابن عباس: السَّابِقُونَ إلى الهجرة هم السابقون في الآخرة.
وقال علي بن أبي طالب: إلى الصلوات الخمس.
عكرمة: إلى الإسلام. الضحاك: إلى الجهاد. القرظي: إلى كل خير. سعيد بن جبير: هم المسارعون إلى التوبة وإلى أعمال البر. نظيره وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [[سورة آل عمران: 133.]] سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [[سورة الحديد: 21.]] .
ثم أثنى عليهم فقال عزّ من قائل أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ الربيع عن أنس: السَّابِقُونَ إلى إجابة الرسول في الدنيا، وهم السابقون إلى الجنة في العقبى.
ابن كيسان: السَّابِقُونَ إلى كل ما دعا الله سبحانه وتعالى إليه.
أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ إلى الله فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ.
أخبرني الحسين، حدّثنا علي بن إبراهيم بن موسى الموصلي، حدّثنا محمد بن مخلد العطار، محمد بن إسماعيل، حدّثنا وكيع، حدّثنا شعبة ومسعر عن سعد بن إبراهيم عن عروة بن الزبير قال: كان يقال [[كذا في المخطوط والصواب: يقول.]] : تقدموا تقدموا.
وأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن ماجة، حدّثنا ابن أيوب، حدّثنا القطواني، حدّثنا سيار، حدّثنا جعفر حدّثني عوف حدّثني رجل من أهل الكوفة قال: بلغني أنه إذا خرج رجل من السابقين المقربين من مسكنه في الجنة كان له ضوء يعرفه من دونه فيقول: هذا ضوء رجل من السابقين المقربين.
الواقعة 56:4
مكية، وهي ألف وسبعمائة وثلاثة أحرف وثلاثمائة وثمان وسبعون كلمة وست وتسعون آية
أخبرنا أبو الحسين الخبازي عن مرة، عن الشيخ الحافظ ابن أبي عاصم، حدّثنا عمرو بن عثمان، حدّثنا أبو بكر العطار، حدّثنا السدي بن يحيى عن شجاع عن أبي طيبة الجرجاني قال:
دخل عثمان بن عفان على عبد الله بن مسعود يعوده في مرضه الذي مات فيه فقال: ما تشتكي؟
قال: أشتكي ذنوبي. قال: فما تشتهي؟ قال: أشتهي رحمة ربي. قال: أفلا ندعو الطبيب؟
قال: الطبيب أمرضني. قال: أفلا نأمر بعطائك؟ قال: لا حاجة لي به. قال: أندفعه إلى بناتك؟ قال: لا حاجة لهنّ بها قد أمرتهنّ أن يقرأن سورة الواقعة، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من قرأ سورة الواقعة في كل ليلة لم تصبه فاقة أبدا» [184] [[بغية الباحث: 226، والجامع الصغير: 2/ 634.]] .
وأخبرني محمد بن القاسم، حدّثنا عبد الله بن أحمد الشعراني، حدّثنا أحمد بن علي بن رزين، حدّثنا أحمد بن عبد الله العتكي، حدّثنا جرير عن منصور عن هلال بن سياف عن مسروق قال: من أراد أن يتعلم نبأ الأولين والآخرين، ونبأ أهل الجنة ونبأ أهل النار، ونبأ الدنيا ونبأ الآخرة فليقرأ سورة الواقعة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ أي إذا نزلت صبيحة القيامة وتلك النفخة الأخيرة لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ تكذيب ذكره سيبويه، وهو اسم كالعافية والنازلة والعاقبة، عن الفراء. قال الكسائي: هي بمعنى الكذب كقوله لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً أي لغوا، ومنه قول العامة: عائذ بالله أي معاذ الله، وقم قائما أي قياما.
ولبعض نساء العرب ترقص ابنها:
قم قائما قم قائما ... أصبت عبدا نائما
خافِضَةٌ أي هي خافضة رافِعَةٌ تخفض قوما إلى النار وترفع آخرين إلى الجنة.
وقال عكرمة والسدي ومقاتل: خفضت الصوت فأسمعت من دنا ورفعت الصوت فأسمعت من نأى يعني أنها أسمعت القريب والبعيد، ورفعت قوما كانوا مذللين فرفعتهم إلى أعلى عليين ووضعت قوما كانوا في الدنيا مرتفعين فوضعتهم إلى أسفل سافلين.
ابن عطاء: خفضت قوما بالعدل ورفعت قوما بالفضل.
إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا أي رجفت وزلزلت وحركت تحريكا من قولهم: السهم يرتجّ في الغرض، بمعنى يهتز ويضطرب.
قال الكلبي: وذلك أن الله عزّ وجل إذا أوحى إليها اضطربت فرقا.
وقال المفسرون: ترجّ كما يرجّ الصبي في المهد حتى ينهدم كل ما عليها، وينكسر كل شيء عليها من الجبال وغيرها.
وأصل الرجّ في اللغة التحريك يقال: رججته فارتجّ [فارتضى عنقه] ورجرجته فترجرج.
وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا أي حثّت حثّا وفتت فتا فصارت كالدقيق المبسوس، وهو المبلول والبسبسة عند العرب الدقيق أو السويق يلتّ ويتخذ زادا.
وذكر عن لصّ من غطفان أنه أراد أن يخبز فخاف أن يعجّل عن الخبز فقال لا تخبزا خبزا وبسّا بسّا ولا تطيلا بمناخ حبسا.
وقال عطاء: أذهبت إذهابا قال سعيد بن المسيب والسدي: كسرت كسرا.
الكلبي: سيّرت عن وجه الأرض تسييرا. مجاهد: لتّت لتّا.
الحسن: قلعت من أصلها فذهبت بعد ما كانت صخرا صماء: نظيرها فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً [[سورة طه: 105.]] .
عطية: بسطت بسطا كالرمل والتراب.
ابن كيسان: جعلت كثيبا مهيلا بعد أن كانت شامخة طويلة.
فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا قال ابن عباس: شعاع الشمس حين يدخل من الكوّة.
علي رضي الله عنه: رهج الدوابّ [[راجع الجامع لأحكام القرآن: 17/ 197.]] .
عطية: ما تطاير من شرر النار، قتادة: حطام الشجر.
وقراءة العامة: مُنْبَثًّا بالثاء أي متفرقا، وقرأ النخعي بالتاء أي منقطعا.
وَكُنْتُمْ أَزْواجاً أصنافا ثَلاثَةً ثم بيّن من هم فقال عز من قائل: فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ وهم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة.
وقال ابن عباس: وهم الذين كانوا على يمين آدم حين أخرجت الذرية من صلبه. وقال الله [إن] [[في المخطوط: إنهم.]] هؤلاء في الجنة ولا أبالي.
وقال الضحّاك: هم الذين يعطون كتبهم بإيمانهم.
وقال الحسن والربيع: هم الذين كانوا ميامين مباركين على أنفسهم، وكانت أعمارهم في طاعة الله عزّ وجل، وهم التابعون بإحسان.
ثم عجّب نبيه ﷺ فقال: ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ وهذا كما يقال: زيد ما زيد، يراد زيد شديد.
وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ أي الشمال، والعرب تسمي اليد اليسرى شؤمى.
قال الشاعر:
السهم والشرى [[كذا في المخطوط.]] في شؤمى يديك لهم ... وفي يمينك ماء المزن [[المزن: السحاب الأبيض.]] والضرب [[هكذا في الأصل.]]
ومنه الشام واليمن لأن اليمن عن يمين الكعبة والشام عن شمالها إذا [دخل الحجر] [[كلمتان غير مقروءتين والظاهر ما أثبتناه.]] تحت الميزاب.
وهم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار.
وقيل: هم الذين كانوا على شمال آدم عند إخراج الذرية، وقال الله لهم هؤلاء في النار ولا أبالي.
وقيل: هم الذين يؤتون كتبهم بشمائلهم.
وقال الحسن: هم المشائيم على أنفسهم، وكانت أعمارهم في المعاصي.
ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ قال ابن سيرين: هم الذين صلوا القبلتين دليله قوله وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ.
أخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن حمران، حدّثنا أبي، حدّثنا محمد بن داود الدينوري، حدّثنا [.....] [[كلمة غير مقروءة.]] عن ابن بن الجارود عن عبد الغفور ابن أبي الصباح عن ابن علي، عن كعب في قول الله عزّ وجل: وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ قال: هم أهل القرآن وهم المتوجون يوم القيامة.
وأخبرني الحسين، حدّثنا موسى بن محمد بن علي، حدّثنا أبو شعيب، حدّثنا عبد الله بن الحسن الحراني، حدّثنا يحيى بن عبد الله البابلتي، حدّثنا الأوزاعي قال: سمعت عثمان بن أبي سودة يقول: السَّابِقُونَ أولهم رواحا إلى المسجد وأولهم خروجا في سبيل الله عزّ وجل.
وأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن ماجة، حدّثنا ابن أيوب، حدّثنا عبد الله بن أبي زياد، حدّثنا سياد بن حاتم، حدّثنا عبد الله بن شميط قال: سمعت أبي يقول: الناس ثلاثة: فرجل ابتكر الخير في حداثة سنه ثم داوم عليه حتى خرج عن الدنيا فهذا السابق المقري، ورجل ابتكر عمره بالذنوب وطول الغفلة ثم تراجع بتوبة فهذا صاحب يمين، ورجل ابتكر الشر في حداثته ثم لم يزل عليه حتى خرج من الدنيا فهذا صاحب الشمال.
وقال ابن عباس: السَّابِقُونَ إلى الهجرة هم السابقون في الآخرة.
وقال علي بن أبي طالب: إلى الصلوات الخمس.
عكرمة: إلى الإسلام. الضحاك: إلى الجهاد. القرظي: إلى كل خير. سعيد بن جبير: هم المسارعون إلى التوبة وإلى أعمال البر. نظيره وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [[سورة آل عمران: 133.]] سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [[سورة الحديد: 21.]] .
ثم أثنى عليهم فقال عزّ من قائل أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ الربيع عن أنس: السَّابِقُونَ إلى إجابة الرسول في الدنيا، وهم السابقون إلى الجنة في العقبى.
ابن كيسان: السَّابِقُونَ إلى كل ما دعا الله سبحانه وتعالى إليه.
أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ إلى الله فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ.
أخبرني الحسين، حدّثنا علي بن إبراهيم بن موسى الموصلي، حدّثنا محمد بن مخلد العطار، محمد بن إسماعيل، حدّثنا وكيع، حدّثنا شعبة ومسعر عن سعد بن إبراهيم عن عروة بن الزبير قال: كان يقال [[كذا في المخطوط والصواب: يقول.]] : تقدموا تقدموا.
وأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن ماجة، حدّثنا ابن أيوب، حدّثنا القطواني، حدّثنا سيار، حدّثنا جعفر حدّثني عوف حدّثني رجل من أهل الكوفة قال: بلغني أنه إذا خرج رجل من السابقين المقربين من مسكنه في الجنة كان له ضوء يعرفه من دونه فيقول: هذا ضوء رجل من السابقين المقربين.
الواقعة 56:5
مكية، وهي ألف وسبعمائة وثلاثة أحرف وثلاثمائة وثمان وسبعون كلمة وست وتسعون آية
أخبرنا أبو الحسين الخبازي عن مرة، عن الشيخ الحافظ ابن أبي عاصم، حدّثنا عمرو بن عثمان، حدّثنا أبو بكر العطار، حدّثنا السدي بن يحيى عن شجاع عن أبي طيبة الجرجاني قال:
دخل عثمان بن عفان على عبد الله بن مسعود يعوده في مرضه الذي مات فيه فقال: ما تشتكي؟
قال: أشتكي ذنوبي. قال: فما تشتهي؟ قال: أشتهي رحمة ربي. قال: أفلا ندعو الطبيب؟
قال: الطبيب أمرضني. قال: أفلا نأمر بعطائك؟ قال: لا حاجة لي به. قال: أندفعه إلى بناتك؟ قال: لا حاجة لهنّ بها قد أمرتهنّ أن يقرأن سورة الواقعة، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من قرأ سورة الواقعة في كل ليلة لم تصبه فاقة أبدا» [184] [[بغية الباحث: 226، والجامع الصغير: 2/ 634.]] .
وأخبرني محمد بن القاسم، حدّثنا عبد الله بن أحمد الشعراني، حدّثنا أحمد بن علي بن رزين، حدّثنا أحمد بن عبد الله العتكي، حدّثنا جرير عن منصور عن هلال بن سياف عن مسروق قال: من أراد أن يتعلم نبأ الأولين والآخرين، ونبأ أهل الجنة ونبأ أهل النار، ونبأ الدنيا ونبأ الآخرة فليقرأ سورة الواقعة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ أي إذا نزلت صبيحة القيامة وتلك النفخة الأخيرة لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ تكذيب ذكره سيبويه، وهو اسم كالعافية والنازلة والعاقبة، عن الفراء. قال الكسائي: هي بمعنى الكذب كقوله لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً أي لغوا، ومنه قول العامة: عائذ بالله أي معاذ الله، وقم قائما أي قياما.
ولبعض نساء العرب ترقص ابنها:
قم قائما قم قائما ... أصبت عبدا نائما
خافِضَةٌ أي هي خافضة رافِعَةٌ تخفض قوما إلى النار وترفع آخرين إلى الجنة.
وقال عكرمة والسدي ومقاتل: خفضت الصوت فأسمعت من دنا ورفعت الصوت فأسمعت من نأى يعني أنها أسمعت القريب والبعيد، ورفعت قوما كانوا مذللين فرفعتهم إلى أعلى عليين ووضعت قوما كانوا في الدنيا مرتفعين فوضعتهم إلى أسفل سافلين.
ابن عطاء: خفضت قوما بالعدل ورفعت قوما بالفضل.
إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا أي رجفت وزلزلت وحركت تحريكا من قولهم: السهم يرتجّ في الغرض، بمعنى يهتز ويضطرب.
قال الكلبي: وذلك أن الله عزّ وجل إذا أوحى إليها اضطربت فرقا.
وقال المفسرون: ترجّ كما يرجّ الصبي في المهد حتى ينهدم كل ما عليها، وينكسر كل شيء عليها من الجبال وغيرها.
وأصل الرجّ في اللغة التحريك يقال: رججته فارتجّ [فارتضى عنقه] ورجرجته فترجرج.
وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا أي حثّت حثّا وفتت فتا فصارت كالدقيق المبسوس، وهو المبلول والبسبسة عند العرب الدقيق أو السويق يلتّ ويتخذ زادا.
وذكر عن لصّ من غطفان أنه أراد أن يخبز فخاف أن يعجّل عن الخبز فقال لا تخبزا خبزا وبسّا بسّا ولا تطيلا بمناخ حبسا.
وقال عطاء: أذهبت إذهابا قال سعيد بن المسيب والسدي: كسرت كسرا.
الكلبي: سيّرت عن وجه الأرض تسييرا. مجاهد: لتّت لتّا.
الحسن: قلعت من أصلها فذهبت بعد ما كانت صخرا صماء: نظيرها فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً [[سورة طه: 105.]] .
عطية: بسطت بسطا كالرمل والتراب.
ابن كيسان: جعلت كثيبا مهيلا بعد أن كانت شامخة طويلة.
فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا قال ابن عباس: شعاع الشمس حين يدخل من الكوّة.
علي رضي الله عنه: رهج الدوابّ [[راجع الجامع لأحكام القرآن: 17/ 197.]] .
عطية: ما تطاير من شرر النار، قتادة: حطام الشجر.
وقراءة العامة: مُنْبَثًّا بالثاء أي متفرقا، وقرأ النخعي بالتاء أي منقطعا.
وَكُنْتُمْ أَزْواجاً أصنافا ثَلاثَةً ثم بيّن من هم فقال عز من قائل: فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ وهم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة.
وقال ابن عباس: وهم الذين كانوا على يمين آدم حين أخرجت الذرية من صلبه. وقال الله [إن] [[في المخطوط: إنهم.]] هؤلاء في الجنة ولا أبالي.
وقال الضحّاك: هم الذين يعطون كتبهم بإيمانهم.
وقال الحسن والربيع: هم الذين كانوا ميامين مباركين على أنفسهم، وكانت أعمارهم في طاعة الله عزّ وجل، وهم التابعون بإحسان.
ثم عجّب نبيه ﷺ فقال: ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ وهذا كما يقال: زيد ما زيد، يراد زيد شديد.
وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ أي الشمال، والعرب تسمي اليد اليسرى شؤمى.
قال الشاعر:
السهم والشرى [[كذا في المخطوط.]] في شؤمى يديك لهم ... وفي يمينك ماء المزن [[المزن: السحاب الأبيض.]] والضرب [[هكذا في الأصل.]]
ومنه الشام واليمن لأن اليمن عن يمين الكعبة والشام عن شمالها إذا [دخل الحجر] [[كلمتان غير مقروءتين والظاهر ما أثبتناه.]] تحت الميزاب.
وهم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار.
وقيل: هم الذين كانوا على شمال آدم عند إخراج الذرية، وقال الله لهم هؤلاء في النار ولا أبالي.
وقيل: هم الذين يؤتون كتبهم بشمائلهم.
وقال الحسن: هم المشائيم على أنفسهم، وكانت أعمارهم في المعاصي.
ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ قال ابن سيرين: هم الذين صلوا القبلتين دليله قوله وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ.
أخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن حمران، حدّثنا أبي، حدّثنا محمد بن داود الدينوري، حدّثنا [.....] [[كلمة غير مقروءة.]] عن ابن بن الجارود عن عبد الغفور ابن أبي الصباح عن ابن علي، عن كعب في قول الله عزّ وجل: وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ قال: هم أهل القرآن وهم المتوجون يوم القيامة.
وأخبرني الحسين، حدّثنا موسى بن محمد بن علي، حدّثنا أبو شعيب، حدّثنا عبد الله بن الحسن الحراني، حدّثنا يحيى بن عبد الله البابلتي، حدّثنا الأوزاعي قال: سمعت عثمان بن أبي سودة يقول: السَّابِقُونَ أولهم رواحا إلى المسجد وأولهم خروجا في سبيل الله عزّ وجل.
وأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن ماجة، حدّثنا ابن أيوب، حدّثنا عبد الله بن أبي زياد، حدّثنا سياد بن حاتم، حدّثنا عبد الله بن شميط قال: سمعت أبي يقول: الناس ثلاثة: فرجل ابتكر الخير في حداثة سنه ثم داوم عليه حتى خرج عن الدنيا فهذا السابق المقري، ورجل ابتكر عمره بالذنوب وطول الغفلة ثم تراجع بتوبة فهذا صاحب يمين، ورجل ابتكر الشر في حداثته ثم لم يزل عليه حتى خرج من الدنيا فهذا صاحب الشمال.
وقال ابن عباس: السَّابِقُونَ إلى الهجرة هم السابقون في الآخرة.
وقال علي بن أبي طالب: إلى الصلوات الخمس.
عكرمة: إلى الإسلام. الضحاك: إلى الجهاد. القرظي: إلى كل خير. سعيد بن جبير: هم المسارعون إلى التوبة وإلى أعمال البر. نظيره وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [[سورة آل عمران: 133.]] سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [[سورة الحديد: 21.]] .
ثم أثنى عليهم فقال عزّ من قائل أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ الربيع عن أنس: السَّابِقُونَ إلى إجابة الرسول في الدنيا، وهم السابقون إلى الجنة في العقبى.
ابن كيسان: السَّابِقُونَ إلى كل ما دعا الله سبحانه وتعالى إليه.
أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ إلى الله فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ.
أخبرني الحسين، حدّثنا علي بن إبراهيم بن موسى الموصلي، حدّثنا محمد بن مخلد العطار، محمد بن إسماعيل، حدّثنا وكيع، حدّثنا شعبة ومسعر عن سعد بن إبراهيم عن عروة بن الزبير قال: كان يقال [[كذا في المخطوط والصواب: يقول.]] : تقدموا تقدموا.
وأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن ماجة، حدّثنا ابن أيوب، حدّثنا القطواني، حدّثنا سيار، حدّثنا جعفر حدّثني عوف حدّثني رجل من أهل الكوفة قال: بلغني أنه إذا خرج رجل من السابقين المقربين من مسكنه في الجنة كان له ضوء يعرفه من دونه فيقول: هذا ضوء رجل من السابقين المقربين.
الواقعة 56:6
مكية، وهي ألف وسبعمائة وثلاثة أحرف وثلاثمائة وثمان وسبعون كلمة وست وتسعون آية
أخبرنا أبو الحسين الخبازي عن مرة، عن الشيخ الحافظ ابن أبي عاصم، حدّثنا عمرو بن عثمان، حدّثنا أبو بكر العطار، حدّثنا السدي بن يحيى عن شجاع عن أبي طيبة الجرجاني قال:
دخل عثمان بن عفان على عبد الله بن مسعود يعوده في مرضه الذي مات فيه فقال: ما تشتكي؟
قال: أشتكي ذنوبي. قال: فما تشتهي؟ قال: أشتهي رحمة ربي. قال: أفلا ندعو الطبيب؟
قال: الطبيب أمرضني. قال: أفلا نأمر بعطائك؟ قال: لا حاجة لي به. قال: أندفعه إلى بناتك؟ قال: لا حاجة لهنّ بها قد أمرتهنّ أن يقرأن سورة الواقعة، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من قرأ سورة الواقعة في كل ليلة لم تصبه فاقة أبدا» [184] [[بغية الباحث: 226، والجامع الصغير: 2/ 634.]] .
وأخبرني محمد بن القاسم، حدّثنا عبد الله بن أحمد الشعراني، حدّثنا أحمد بن علي بن رزين، حدّثنا أحمد بن عبد الله العتكي، حدّثنا جرير عن منصور عن هلال بن سياف عن مسروق قال: من أراد أن يتعلم نبأ الأولين والآخرين، ونبأ أهل الجنة ونبأ أهل النار، ونبأ الدنيا ونبأ الآخرة فليقرأ سورة الواقعة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ أي إذا نزلت صبيحة القيامة وتلك النفخة الأخيرة لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ تكذيب ذكره سيبويه، وهو اسم كالعافية والنازلة والعاقبة، عن الفراء. قال الكسائي: هي بمعنى الكذب كقوله لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً أي لغوا، ومنه قول العامة: عائذ بالله أي معاذ الله، وقم قائما أي قياما.
ولبعض نساء العرب ترقص ابنها:
قم قائما قم قائما ... أصبت عبدا نائما
خافِضَةٌ أي هي خافضة رافِعَةٌ تخفض قوما إلى النار وترفع آخرين إلى الجنة.
وقال عكرمة والسدي ومقاتل: خفضت الصوت فأسمعت من دنا ورفعت الصوت فأسمعت من نأى يعني أنها أسمعت القريب والبعيد، ورفعت قوما كانوا مذللين فرفعتهم إلى أعلى عليين ووضعت قوما كانوا في الدنيا مرتفعين فوضعتهم إلى أسفل سافلين.
ابن عطاء: خفضت قوما بالعدل ورفعت قوما بالفضل.
إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا أي رجفت وزلزلت وحركت تحريكا من قولهم: السهم يرتجّ في الغرض، بمعنى يهتز ويضطرب.
قال الكلبي: وذلك أن الله عزّ وجل إذا أوحى إليها اضطربت فرقا.
وقال المفسرون: ترجّ كما يرجّ الصبي في المهد حتى ينهدم كل ما عليها، وينكسر كل شيء عليها من الجبال وغيرها.
وأصل الرجّ في اللغة التحريك يقال: رججته فارتجّ [فارتضى عنقه] ورجرجته فترجرج.
وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا أي حثّت حثّا وفتت فتا فصارت كالدقيق المبسوس، وهو المبلول والبسبسة عند العرب الدقيق أو السويق يلتّ ويتخذ زادا.
وذكر عن لصّ من غطفان أنه أراد أن يخبز فخاف أن يعجّل عن الخبز فقال لا تخبزا خبزا وبسّا بسّا ولا تطيلا بمناخ حبسا.
وقال عطاء: أذهبت إذهابا قال سعيد بن المسيب والسدي: كسرت كسرا.
الكلبي: سيّرت عن وجه الأرض تسييرا. مجاهد: لتّت لتّا.
الحسن: قلعت من أصلها فذهبت بعد ما كانت صخرا صماء: نظيرها فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً [[سورة طه: 105.]] .
عطية: بسطت بسطا كالرمل والتراب.
ابن كيسان: جعلت كثيبا مهيلا بعد أن كانت شامخة طويلة.
فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا قال ابن عباس: شعاع الشمس حين يدخل من الكوّة.
علي رضي الله عنه: رهج الدوابّ [[راجع الجامع لأحكام القرآن: 17/ 197.]] .
عطية: ما تطاير من شرر النار، قتادة: حطام الشجر.
وقراءة العامة: مُنْبَثًّا بالثاء أي متفرقا، وقرأ النخعي بالتاء أي منقطعا.
وَكُنْتُمْ أَزْواجاً أصنافا ثَلاثَةً ثم بيّن من هم فقال عز من قائل: فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ وهم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة.
وقال ابن عباس: وهم الذين كانوا على يمين آدم حين أخرجت الذرية من صلبه. وقال الله [إن] [[في المخطوط: إنهم.]] هؤلاء في الجنة ولا أبالي.
وقال الضحّاك: هم الذين يعطون كتبهم بإيمانهم.
وقال الحسن والربيع: هم الذين كانوا ميامين مباركين على أنفسهم، وكانت أعمارهم في طاعة الله عزّ وجل، وهم التابعون بإحسان.
ثم عجّب نبيه ﷺ فقال: ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ وهذا كما يقال: زيد ما زيد، يراد زيد شديد.
وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ أي الشمال، والعرب تسمي اليد اليسرى شؤمى.
قال الشاعر:
السهم والشرى [[كذا في المخطوط.]] في شؤمى يديك لهم ... وفي يمينك ماء المزن [[المزن: السحاب الأبيض.]] والضرب [[هكذا في الأصل.]]
ومنه الشام واليمن لأن اليمن عن يمين الكعبة والشام عن شمالها إذا [دخل الحجر] [[كلمتان غير مقروءتين والظاهر ما أثبتناه.]] تحت الميزاب.
وهم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار.
وقيل: هم الذين كانوا على شمال آدم عند إخراج الذرية، وقال الله لهم هؤلاء في النار ولا أبالي.
وقيل: هم الذين يؤتون كتبهم بشمائلهم.
وقال الحسن: هم المشائيم على أنفسهم، وكانت أعمارهم في المعاصي.
ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ قال ابن سيرين: هم الذين صلوا القبلتين دليله قوله وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ.
أخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن حمران، حدّثنا أبي، حدّثنا محمد بن داود الدينوري، حدّثنا [.....] [[كلمة غير مقروءة.]] عن ابن بن الجارود عن عبد الغفور ابن أبي الصباح عن ابن علي، عن كعب في قول الله عزّ وجل: وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ قال: هم أهل القرآن وهم المتوجون يوم القيامة.
وأخبرني الحسين، حدّثنا موسى بن محمد بن علي، حدّثنا أبو شعيب، حدّثنا عبد الله بن الحسن الحراني، حدّثنا يحيى بن عبد الله البابلتي، حدّثنا الأوزاعي قال: سمعت عثمان بن أبي سودة يقول: السَّابِقُونَ أولهم رواحا إلى المسجد وأولهم خروجا في سبيل الله عزّ وجل.
وأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن ماجة، حدّثنا ابن أيوب، حدّثنا عبد الله بن أبي زياد، حدّثنا سياد بن حاتم، حدّثنا عبد الله بن شميط قال: سمعت أبي يقول: الناس ثلاثة: فرجل ابتكر الخير في حداثة سنه ثم داوم عليه حتى خرج عن الدنيا فهذا السابق المقري، ورجل ابتكر عمره بالذنوب وطول الغفلة ثم تراجع بتوبة فهذا صاحب يمين، ورجل ابتكر الشر في حداثته ثم لم يزل عليه حتى خرج من الدنيا فهذا صاحب الشمال.
وقال ابن عباس: السَّابِقُونَ إلى الهجرة هم السابقون في الآخرة.
وقال علي بن أبي طالب: إلى الصلوات الخمس.
عكرمة: إلى الإسلام. الضحاك: إلى الجهاد. القرظي: إلى كل خير. سعيد بن جبير: هم المسارعون إلى التوبة وإلى أعمال البر. نظيره وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [[سورة آل عمران: 133.]] سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [[سورة الحديد: 21.]] .
ثم أثنى عليهم فقال عزّ من قائل أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ الربيع عن أنس: السَّابِقُونَ إلى إجابة الرسول في الدنيا، وهم السابقون إلى الجنة في العقبى.
ابن كيسان: السَّابِقُونَ إلى كل ما دعا الله سبحانه وتعالى إليه.
أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ إلى الله فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ.
أخبرني الحسين، حدّثنا علي بن إبراهيم بن موسى الموصلي، حدّثنا محمد بن مخلد العطار، محمد بن إسماعيل، حدّثنا وكيع، حدّثنا شعبة ومسعر عن سعد بن إبراهيم عن عروة بن الزبير قال: كان يقال [[كذا في المخطوط والصواب: يقول.]] : تقدموا تقدموا.
وأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن ماجة، حدّثنا ابن أيوب، حدّثنا القطواني، حدّثنا سيار، حدّثنا جعفر حدّثني عوف حدّثني رجل من أهل الكوفة قال: بلغني أنه إذا خرج رجل من السابقين المقربين من مسكنه في الجنة كان له ضوء يعرفه من دونه فيقول: هذا ضوء رجل من السابقين المقربين.
الواقعة 56:7
مكية، وهي ألف وسبعمائة وثلاثة أحرف وثلاثمائة وثمان وسبعون كلمة وست وتسعون آية
أخبرنا أبو الحسين الخبازي عن مرة، عن الشيخ الحافظ ابن أبي عاصم، حدّثنا عمرو بن عثمان، حدّثنا أبو بكر العطار، حدّثنا السدي بن يحيى عن شجاع عن أبي طيبة الجرجاني قال:
دخل عثمان بن عفان على عبد الله بن مسعود يعوده في مرضه الذي مات فيه فقال: ما تشتكي؟
قال: أشتكي ذنوبي. قال: فما تشتهي؟ قال: أشتهي رحمة ربي. قال: أفلا ندعو الطبيب؟
قال: الطبيب أمرضني. قال: أفلا نأمر بعطائك؟ قال: لا حاجة لي به. قال: أندفعه إلى بناتك؟ قال: لا حاجة لهنّ بها قد أمرتهنّ أن يقرأن سورة الواقعة، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من قرأ سورة الواقعة في كل ليلة لم تصبه فاقة أبدا» [184] [[بغية الباحث: 226، والجامع الصغير: 2/ 634.]] .
وأخبرني محمد بن القاسم، حدّثنا عبد الله بن أحمد الشعراني، حدّثنا أحمد بن علي بن رزين، حدّثنا أحمد بن عبد الله العتكي، حدّثنا جرير عن منصور عن هلال بن سياف عن مسروق قال: من أراد أن يتعلم نبأ الأولين والآخرين، ونبأ أهل الجنة ونبأ أهل النار، ونبأ الدنيا ونبأ الآخرة فليقرأ سورة الواقعة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ أي إذا نزلت صبيحة القيامة وتلك النفخة الأخيرة لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ تكذيب ذكره سيبويه، وهو اسم كالعافية والنازلة والعاقبة، عن الفراء. قال الكسائي: هي بمعنى الكذب كقوله لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً أي لغوا، ومنه قول العامة: عائذ بالله أي معاذ الله، وقم قائما أي قياما.
ولبعض نساء العرب ترقص ابنها:
قم قائما قم قائما ... أصبت عبدا نائما
خافِضَةٌ أي هي خافضة رافِعَةٌ تخفض قوما إلى النار وترفع آخرين إلى الجنة.
وقال عكرمة والسدي ومقاتل: خفضت الصوت فأسمعت من دنا ورفعت الصوت فأسمعت من نأى يعني أنها أسمعت القريب والبعيد، ورفعت قوما كانوا مذللين فرفعتهم إلى أعلى عليين ووضعت قوما كانوا في الدنيا مرتفعين فوضعتهم إلى أسفل سافلين.
ابن عطاء: خفضت قوما بالعدل ورفعت قوما بالفضل.
إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا أي رجفت وزلزلت وحركت تحريكا من قولهم: السهم يرتجّ في الغرض، بمعنى يهتز ويضطرب.
قال الكلبي: وذلك أن الله عزّ وجل إذا أوحى إليها اضطربت فرقا.
وقال المفسرون: ترجّ كما يرجّ الصبي في المهد حتى ينهدم كل ما عليها، وينكسر كل شيء عليها من الجبال وغيرها.
وأصل الرجّ في اللغة التحريك يقال: رججته فارتجّ [فارتضى عنقه] ورجرجته فترجرج.
وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا أي حثّت حثّا وفتت فتا فصارت كالدقيق المبسوس، وهو المبلول والبسبسة عند العرب الدقيق أو السويق يلتّ ويتخذ زادا.
وذكر عن لصّ من غطفان أنه أراد أن يخبز فخاف أن يعجّل عن الخبز فقال لا تخبزا خبزا وبسّا بسّا ولا تطيلا بمناخ حبسا.
وقال عطاء: أذهبت إذهابا قال سعيد بن المسيب والسدي: كسرت كسرا.
الكلبي: سيّرت عن وجه الأرض تسييرا. مجاهد: لتّت لتّا.
الحسن: قلعت من أصلها فذهبت بعد ما كانت صخرا صماء: نظيرها فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً [[سورة طه: 105.]] .
عطية: بسطت بسطا كالرمل والتراب.
ابن كيسان: جعلت كثيبا مهيلا بعد أن كانت شامخة طويلة.
فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا قال ابن عباس: شعاع الشمس حين يدخل من الكوّة.
علي رضي الله عنه: رهج الدوابّ [[راجع الجامع لأحكام القرآن: 17/ 197.]] .
عطية: ما تطاير من شرر النار، قتادة: حطام الشجر.
وقراءة العامة: مُنْبَثًّا بالثاء أي متفرقا، وقرأ النخعي بالتاء أي منقطعا.
وَكُنْتُمْ أَزْواجاً أصنافا ثَلاثَةً ثم بيّن من هم فقال عز من قائل: فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ وهم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة.
وقال ابن عباس: وهم الذين كانوا على يمين آدم حين أخرجت الذرية من صلبه. وقال الله [إن] [[في المخطوط: إنهم.]] هؤلاء في الجنة ولا أبالي.
وقال الضحّاك: هم الذين يعطون كتبهم بإيمانهم.
وقال الحسن والربيع: هم الذين كانوا ميامين مباركين على أنفسهم، وكانت أعمارهم في طاعة الله عزّ وجل، وهم التابعون بإحسان.
ثم عجّب نبيه ﷺ فقال: ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ وهذا كما يقال: زيد ما زيد، يراد زيد شديد.
وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ أي الشمال، والعرب تسمي اليد اليسرى شؤمى.
قال الشاعر:
السهم والشرى [[كذا في المخطوط.]] في شؤمى يديك لهم ... وفي يمينك ماء المزن [[المزن: السحاب الأبيض.]] والضرب [[هكذا في الأصل.]]
ومنه الشام واليمن لأن اليمن عن يمين الكعبة والشام عن شمالها إذا [دخل الحجر] [[كلمتان غير مقروءتين والظاهر ما أثبتناه.]] تحت الميزاب.
وهم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار.
وقيل: هم الذين كانوا على شمال آدم عند إخراج الذرية، وقال الله لهم هؤلاء في النار ولا أبالي.
وقيل: هم الذين يؤتون كتبهم بشمائلهم.
وقال الحسن: هم المشائيم على أنفسهم، وكانت أعمارهم في المعاصي.
ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ قال ابن سيرين: هم الذين صلوا القبلتين دليله قوله وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ.
أخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن حمران، حدّثنا أبي، حدّثنا محمد بن داود الدينوري، حدّثنا [.....] [[كلمة غير مقروءة.]] عن ابن بن الجارود عن عبد الغفور ابن أبي الصباح عن ابن علي، عن كعب في قول الله عزّ وجل: وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ قال: هم أهل القرآن وهم المتوجون يوم القيامة.
وأخبرني الحسين، حدّثنا موسى بن محمد بن علي، حدّثنا أبو شعيب، حدّثنا عبد الله بن الحسن الحراني، حدّثنا يحيى بن عبد الله البابلتي، حدّثنا الأوزاعي قال: سمعت عثمان بن أبي سودة يقول: السَّابِقُونَ أولهم رواحا إلى المسجد وأولهم خروجا في سبيل الله عزّ وجل.
وأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن ماجة، حدّثنا ابن أيوب، حدّثنا عبد الله بن أبي زياد، حدّثنا سياد بن حاتم، حدّثنا عبد الله بن شميط قال: سمعت أبي يقول: الناس ثلاثة: فرجل ابتكر الخير في حداثة سنه ثم داوم عليه حتى خرج عن الدنيا فهذا السابق المقري، ورجل ابتكر عمره بالذنوب وطول الغفلة ثم تراجع بتوبة فهذا صاحب يمين، ورجل ابتكر الشر في حداثته ثم لم يزل عليه حتى خرج من الدنيا فهذا صاحب الشمال.
وقال ابن عباس: السَّابِقُونَ إلى الهجرة هم السابقون في الآخرة.
وقال علي بن أبي طالب: إلى الصلوات الخمس.
عكرمة: إلى الإسلام. الضحاك: إلى الجهاد. القرظي: إلى كل خير. سعيد بن جبير: هم المسارعون إلى التوبة وإلى أعمال البر. نظيره وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [[سورة آل عمران: 133.]] سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [[سورة الحديد: 21.]] .
ثم أثنى عليهم فقال عزّ من قائل أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ الربيع عن أنس: السَّابِقُونَ إلى إجابة الرسول في الدنيا، وهم السابقون إلى الجنة في العقبى.
ابن كيسان: السَّابِقُونَ إلى كل ما دعا الله سبحانه وتعالى إليه.
أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ إلى الله فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ.
أخبرني الحسين، حدّثنا علي بن إبراهيم بن موسى الموصلي، حدّثنا محمد بن مخلد العطار، محمد بن إسماعيل، حدّثنا وكيع، حدّثنا شعبة ومسعر عن سعد بن إبراهيم عن عروة بن الزبير قال: كان يقال [[كذا في المخطوط والصواب: يقول.]] : تقدموا تقدموا.
وأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن ماجة، حدّثنا ابن أيوب، حدّثنا القطواني، حدّثنا سيار، حدّثنا جعفر حدّثني عوف حدّثني رجل من أهل الكوفة قال: بلغني أنه إذا خرج رجل من السابقين المقربين من مسكنه في الجنة كان له ضوء يعرفه من دونه فيقول: هذا ضوء رجل من السابقين المقربين.
الواقعة 56:8
مكية، وهي ألف وسبعمائة وثلاثة أحرف وثلاثمائة وثمان وسبعون كلمة وست وتسعون آية
أخبرنا أبو الحسين الخبازي عن مرة، عن الشيخ الحافظ ابن أبي عاصم، حدّثنا عمرو بن عثمان، حدّثنا أبو بكر العطار، حدّثنا السدي بن يحيى عن شجاع عن أبي طيبة الجرجاني قال:
دخل عثمان بن عفان على عبد الله بن مسعود يعوده في مرضه الذي مات فيه فقال: ما تشتكي؟
قال: أشتكي ذنوبي. قال: فما تشتهي؟ قال: أشتهي رحمة ربي. قال: أفلا ندعو الطبيب؟
قال: الطبيب أمرضني. قال: أفلا نأمر بعطائك؟ قال: لا حاجة لي به. قال: أندفعه إلى بناتك؟ قال: لا حاجة لهنّ بها قد أمرتهنّ أن يقرأن سورة الواقعة، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من قرأ سورة الواقعة في كل ليلة لم تصبه فاقة أبدا» [184] [[بغية الباحث: 226، والجامع الصغير: 2/ 634.]] .
وأخبرني محمد بن القاسم، حدّثنا عبد الله بن أحمد الشعراني، حدّثنا أحمد بن علي بن رزين، حدّثنا أحمد بن عبد الله العتكي، حدّثنا جرير عن منصور عن هلال بن سياف عن مسروق قال: من أراد أن يتعلم نبأ الأولين والآخرين، ونبأ أهل الجنة ونبأ أهل النار، ونبأ الدنيا ونبأ الآخرة فليقرأ سورة الواقعة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ أي إذا نزلت صبيحة القيامة وتلك النفخة الأخيرة لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ تكذيب ذكره سيبويه، وهو اسم كالعافية والنازلة والعاقبة، عن الفراء. قال الكسائي: هي بمعنى الكذب كقوله لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً أي لغوا، ومنه قول العامة: عائذ بالله أي معاذ الله، وقم قائما أي قياما.
ولبعض نساء العرب ترقص ابنها:
قم قائما قم قائما ... أصبت عبدا نائما
خافِضَةٌ أي هي خافضة رافِعَةٌ تخفض قوما إلى النار وترفع آخرين إلى الجنة.
وقال عكرمة والسدي ومقاتل: خفضت الصوت فأسمعت من دنا ورفعت الصوت فأسمعت من نأى يعني أنها أسمعت القريب والبعيد، ورفعت قوما كانوا مذللين فرفعتهم إلى أعلى عليين ووضعت قوما كانوا في الدنيا مرتفعين فوضعتهم إلى أسفل سافلين.
ابن عطاء: خفضت قوما بالعدل ورفعت قوما بالفضل.
إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا أي رجفت وزلزلت وحركت تحريكا من قولهم: السهم يرتجّ في الغرض، بمعنى يهتز ويضطرب.
قال الكلبي: وذلك أن الله عزّ وجل إذا أوحى إليها اضطربت فرقا.
وقال المفسرون: ترجّ كما يرجّ الصبي في المهد حتى ينهدم كل ما عليها، وينكسر كل شيء عليها من الجبال وغيرها.
وأصل الرجّ في اللغة التحريك يقال: رججته فارتجّ [فارتضى عنقه] ورجرجته فترجرج.
وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا أي حثّت حثّا وفتت فتا فصارت كالدقيق المبسوس، وهو المبلول والبسبسة عند العرب الدقيق أو السويق يلتّ ويتخذ زادا.
وذكر عن لصّ من غطفان أنه أراد أن يخبز فخاف أن يعجّل عن الخبز فقال لا تخبزا خبزا وبسّا بسّا ولا تطيلا بمناخ حبسا.
وقال عطاء: أذهبت إذهابا قال سعيد بن المسيب والسدي: كسرت كسرا.
الكلبي: سيّرت عن وجه الأرض تسييرا. مجاهد: لتّت لتّا.
الحسن: قلعت من أصلها فذهبت بعد ما كانت صخرا صماء: نظيرها فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً [[سورة طه: 105.]] .
عطية: بسطت بسطا كالرمل والتراب.
ابن كيسان: جعلت كثيبا مهيلا بعد أن كانت شامخة طويلة.
فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا قال ابن عباس: شعاع الشمس حين يدخل من الكوّة.
علي رضي الله عنه: رهج الدوابّ [[راجع الجامع لأحكام القرآن: 17/ 197.]] .
عطية: ما تطاير من شرر النار، قتادة: حطام الشجر.
وقراءة العامة: مُنْبَثًّا بالثاء أي متفرقا، وقرأ النخعي بالتاء أي منقطعا.
وَكُنْتُمْ أَزْواجاً أصنافا ثَلاثَةً ثم بيّن من هم فقال عز من قائل: فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ وهم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة.
وقال ابن عباس: وهم الذين كانوا على يمين آدم حين أخرجت الذرية من صلبه. وقال الله [إن] [[في المخطوط: إنهم.]] هؤلاء في الجنة ولا أبالي.
وقال الضحّاك: هم الذين يعطون كتبهم بإيمانهم.
وقال الحسن والربيع: هم الذين كانوا ميامين مباركين على أنفسهم، وكانت أعمارهم في طاعة الله عزّ وجل، وهم التابعون بإحسان.
ثم عجّب نبيه ﷺ فقال: ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ وهذا كما يقال: زيد ما زيد، يراد زيد شديد.
وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ أي الشمال، والعرب تسمي اليد اليسرى شؤمى.
قال الشاعر:
السهم والشرى [[كذا في المخطوط.]] في شؤمى يديك لهم ... وفي يمينك ماء المزن [[المزن: السحاب الأبيض.]] والضرب [[هكذا في الأصل.]]
ومنه الشام واليمن لأن اليمن عن يمين الكعبة والشام عن شمالها إذا [دخل الحجر] [[كلمتان غير مقروءتين والظاهر ما أثبتناه.]] تحت الميزاب.
وهم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار.
وقيل: هم الذين كانوا على شمال آدم عند إخراج الذرية، وقال الله لهم هؤلاء في النار ولا أبالي.
وقيل: هم الذين يؤتون كتبهم بشمائلهم.
وقال الحسن: هم المشائيم على أنفسهم، وكانت أعمارهم في المعاصي.
ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ قال ابن سيرين: هم الذين صلوا القبلتين دليله قوله وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ.
أخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن حمران، حدّثنا أبي، حدّثنا محمد بن داود الدينوري، حدّثنا [.....] [[كلمة غير مقروءة.]] عن ابن بن الجارود عن عبد الغفور ابن أبي الصباح عن ابن علي، عن كعب في قول الله عزّ وجل: وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ قال: هم أهل القرآن وهم المتوجون يوم القيامة.
وأخبرني الحسين، حدّثنا موسى بن محمد بن علي، حدّثنا أبو شعيب، حدّثنا عبد الله بن الحسن الحراني، حدّثنا يحيى بن عبد الله البابلتي، حدّثنا الأوزاعي قال: سمعت عثمان بن أبي سودة يقول: السَّابِقُونَ أولهم رواحا إلى المسجد وأولهم خروجا في سبيل الله عزّ وجل.
وأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن ماجة، حدّثنا ابن أيوب، حدّثنا عبد الله بن أبي زياد، حدّثنا سياد بن حاتم، حدّثنا عبد الله بن شميط قال: سمعت أبي يقول: الناس ثلاثة: فرجل ابتكر الخير في حداثة سنه ثم داوم عليه حتى خرج عن الدنيا فهذا السابق المقري، ورجل ابتكر عمره بالذنوب وطول الغفلة ثم تراجع بتوبة فهذا صاحب يمين، ورجل ابتكر الشر في حداثته ثم لم يزل عليه حتى خرج من الدنيا فهذا صاحب الشمال.
وقال ابن عباس: السَّابِقُونَ إلى الهجرة هم السابقون في الآخرة.
وقال علي بن أبي طالب: إلى الصلوات الخمس.
عكرمة: إلى الإسلام. الضحاك: إلى الجهاد. القرظي: إلى كل خير. سعيد بن جبير: هم المسارعون إلى التوبة وإلى أعمال البر. نظيره وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [[سورة آل عمران: 133.]] سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [[سورة الحديد: 21.]] .
ثم أثنى عليهم فقال عزّ من قائل أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ الربيع عن أنس: السَّابِقُونَ إلى إجابة الرسول في الدنيا، وهم السابقون إلى الجنة في العقبى.
ابن كيسان: السَّابِقُونَ إلى كل ما دعا الله سبحانه وتعالى إليه.
أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ إلى الله فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ.
أخبرني الحسين، حدّثنا علي بن إبراهيم بن موسى الموصلي، حدّثنا محمد بن مخلد العطار، محمد بن إسماعيل، حدّثنا وكيع، حدّثنا شعبة ومسعر عن سعد بن إبراهيم عن عروة بن الزبير قال: كان يقال [[كذا في المخطوط والصواب: يقول.]] : تقدموا تقدموا.
وأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن ماجة، حدّثنا ابن أيوب، حدّثنا القطواني، حدّثنا سيار، حدّثنا جعفر حدّثني عوف حدّثني رجل من أهل الكوفة قال: بلغني أنه إذا خرج رجل من السابقين المقربين من مسكنه في الجنة كان له ضوء يعرفه من دونه فيقول: هذا ضوء رجل من السابقين المقربين.
الواقعة 56:9
مكية، وهي ألف وسبعمائة وثلاثة أحرف وثلاثمائة وثمان وسبعون كلمة وست وتسعون آية
أخبرنا أبو الحسين الخبازي عن مرة، عن الشيخ الحافظ ابن أبي عاصم، حدّثنا عمرو بن عثمان، حدّثنا أبو بكر العطار، حدّثنا السدي بن يحيى عن شجاع عن أبي طيبة الجرجاني قال:
دخل عثمان بن عفان على عبد الله بن مسعود يعوده في مرضه الذي مات فيه فقال: ما تشتكي؟
قال: أشتكي ذنوبي. قال: فما تشتهي؟ قال: أشتهي رحمة ربي. قال: أفلا ندعو الطبيب؟
قال: الطبيب أمرضني. قال: أفلا نأمر بعطائك؟ قال: لا حاجة لي به. قال: أندفعه إلى بناتك؟ قال: لا حاجة لهنّ بها قد أمرتهنّ أن يقرأن سورة الواقعة، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من قرأ سورة الواقعة في كل ليلة لم تصبه فاقة أبدا» [184] [[بغية الباحث: 226، والجامع الصغير: 2/ 634.]] .
وأخبرني محمد بن القاسم، حدّثنا عبد الله بن أحمد الشعراني، حدّثنا أحمد بن علي بن رزين، حدّثنا أحمد بن عبد الله العتكي، حدّثنا جرير عن منصور عن هلال بن سياف عن مسروق قال: من أراد أن يتعلم نبأ الأولين والآخرين، ونبأ أهل الجنة ونبأ أهل النار، ونبأ الدنيا ونبأ الآخرة فليقرأ سورة الواقعة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ أي إذا نزلت صبيحة القيامة وتلك النفخة الأخيرة لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ تكذيب ذكره سيبويه، وهو اسم كالعافية والنازلة والعاقبة، عن الفراء. قال الكسائي: هي بمعنى الكذب كقوله لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً أي لغوا، ومنه قول العامة: عائذ بالله أي معاذ الله، وقم قائما أي قياما.
ولبعض نساء العرب ترقص ابنها:
قم قائما قم قائما ... أصبت عبدا نائما
خافِضَةٌ أي هي خافضة رافِعَةٌ تخفض قوما إلى النار وترفع آخرين إلى الجنة.
وقال عكرمة والسدي ومقاتل: خفضت الصوت فأسمعت من دنا ورفعت الصوت فأسمعت من نأى يعني أنها أسمعت القريب والبعيد، ورفعت قوما كانوا مذللين فرفعتهم إلى أعلى عليين ووضعت قوما كانوا في الدنيا مرتفعين فوضعتهم إلى أسفل سافلين.
ابن عطاء: خفضت قوما بالعدل ورفعت قوما بالفضل.
إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا أي رجفت وزلزلت وحركت تحريكا من قولهم: السهم يرتجّ في الغرض، بمعنى يهتز ويضطرب.
قال الكلبي: وذلك أن الله عزّ وجل إذا أوحى إليها اضطربت فرقا.
وقال المفسرون: ترجّ كما يرجّ الصبي في المهد حتى ينهدم كل ما عليها، وينكسر كل شيء عليها من الجبال وغيرها.
وأصل الرجّ في اللغة التحريك يقال: رججته فارتجّ [فارتضى عنقه] ورجرجته فترجرج.
وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا أي حثّت حثّا وفتت فتا فصارت كالدقيق المبسوس، وهو المبلول والبسبسة عند العرب الدقيق أو السويق يلتّ ويتخذ زادا.
وذكر عن لصّ من غطفان أنه أراد أن يخبز فخاف أن يعجّل عن الخبز فقال لا تخبزا خبزا وبسّا بسّا ولا تطيلا بمناخ حبسا.
وقال عطاء: أذهبت إذهابا قال سعيد بن المسيب والسدي: كسرت كسرا.
الكلبي: سيّرت عن وجه الأرض تسييرا. مجاهد: لتّت لتّا.
الحسن: قلعت من أصلها فذهبت بعد ما كانت صخرا صماء: نظيرها فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً [[سورة طه: 105.]] .
عطية: بسطت بسطا كالرمل والتراب.
ابن كيسان: جعلت كثيبا مهيلا بعد أن كانت شامخة طويلة.
فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا قال ابن عباس: شعاع الشمس حين يدخل من الكوّة.
علي رضي الله عنه: رهج الدوابّ [[راجع الجامع لأحكام القرآن: 17/ 197.]] .
عطية: ما تطاير من شرر النار، قتادة: حطام الشجر.
وقراءة العامة: مُنْبَثًّا بالثاء أي متفرقا، وقرأ النخعي بالتاء أي منقطعا.
وَكُنْتُمْ أَزْواجاً أصنافا ثَلاثَةً ثم بيّن من هم فقال عز من قائل: فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ وهم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة.
وقال ابن عباس: وهم الذين كانوا على يمين آدم حين أخرجت الذرية من صلبه. وقال الله [إن] [[في المخطوط: إنهم.]] هؤلاء في الجنة ولا أبالي.
وقال الضحّاك: هم الذين يعطون كتبهم بإيمانهم.
وقال الحسن والربيع: هم الذين كانوا ميامين مباركين على أنفسهم، وكانت أعمارهم في طاعة الله عزّ وجل، وهم التابعون بإحسان.
ثم عجّب نبيه ﷺ فقال: ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ وهذا كما يقال: زيد ما زيد، يراد زيد شديد.
وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ أي الشمال، والعرب تسمي اليد اليسرى شؤمى.
قال الشاعر:
السهم والشرى [[كذا في المخطوط.]] في شؤمى يديك لهم ... وفي يمينك ماء المزن [[المزن: السحاب الأبيض.]] والضرب [[هكذا في الأصل.]]
ومنه الشام واليمن لأن اليمن عن يمين الكعبة والشام عن شمالها إذا [دخل الحجر] [[كلمتان غير مقروءتين والظاهر ما أثبتناه.]] تحت الميزاب.
وهم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار.
وقيل: هم الذين كانوا على شمال آدم عند إخراج الذرية، وقال الله لهم هؤلاء في النار ولا أبالي.
وقيل: هم الذين يؤتون كتبهم بشمائلهم.
وقال الحسن: هم المشائيم على أنفسهم، وكانت أعمارهم في المعاصي.
ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ قال ابن سيرين: هم الذين صلوا القبلتين دليله قوله وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ.
أخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن حمران، حدّثنا أبي، حدّثنا محمد بن داود الدينوري، حدّثنا [.....] [[كلمة غير مقروءة.]] عن ابن بن الجارود عن عبد الغفور ابن أبي الصباح عن ابن علي، عن كعب في قول الله عزّ وجل: وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ قال: هم أهل القرآن وهم المتوجون يوم القيامة.
وأخبرني الحسين، حدّثنا موسى بن محمد بن علي، حدّثنا أبو شعيب، حدّثنا عبد الله بن الحسن الحراني، حدّثنا يحيى بن عبد الله البابلتي، حدّثنا الأوزاعي قال: سمعت عثمان بن أبي سودة يقول: السَّابِقُونَ أولهم رواحا إلى المسجد وأولهم خروجا في سبيل الله عزّ وجل.
وأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن ماجة، حدّثنا ابن أيوب، حدّثنا عبد الله بن أبي زياد، حدّثنا سياد بن حاتم، حدّثنا عبد الله بن شميط قال: سمعت أبي يقول: الناس ثلاثة: فرجل ابتكر الخير في حداثة سنه ثم داوم عليه حتى خرج عن الدنيا فهذا السابق المقري، ورجل ابتكر عمره بالذنوب وطول الغفلة ثم تراجع بتوبة فهذا صاحب يمين، ورجل ابتكر الشر في حداثته ثم لم يزل عليه حتى خرج من الدنيا فهذا صاحب الشمال.
وقال ابن عباس: السَّابِقُونَ إلى الهجرة هم السابقون في الآخرة.
وقال علي بن أبي طالب: إلى الصلوات الخمس.
عكرمة: إلى الإسلام. الضحاك: إلى الجهاد. القرظي: إلى كل خير. سعيد بن جبير: هم المسارعون إلى التوبة وإلى أعمال البر. نظيره وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [[سورة آل عمران: 133.]] سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [[سورة الحديد: 21.]] .
ثم أثنى عليهم فقال عزّ من قائل أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ الربيع عن أنس: السَّابِقُونَ إلى إجابة الرسول في الدنيا، وهم السابقون إلى الجنة في العقبى.
ابن كيسان: السَّابِقُونَ إلى كل ما دعا الله سبحانه وتعالى إليه.
أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ إلى الله فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ.
أخبرني الحسين، حدّثنا علي بن إبراهيم بن موسى الموصلي، حدّثنا محمد بن مخلد العطار، محمد بن إسماعيل، حدّثنا وكيع، حدّثنا شعبة ومسعر عن سعد بن إبراهيم عن عروة بن الزبير قال: كان يقال [[كذا في المخطوط والصواب: يقول.]] : تقدموا تقدموا.
وأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن ماجة، حدّثنا ابن أيوب، حدّثنا القطواني، حدّثنا سيار، حدّثنا جعفر حدّثني عوف حدّثني رجل من أهل الكوفة قال: بلغني أنه إذا خرج رجل من السابقين المقربين من مسكنه في الجنة كان له ضوء يعرفه من دونه فيقول: هذا ضوء رجل من السابقين المقربين.
الواقعة 56:10
مكية، وهي ألف وسبعمائة وثلاثة أحرف وثلاثمائة وثمان وسبعون كلمة وست وتسعون آية
أخبرنا أبو الحسين الخبازي عن مرة، عن الشيخ الحافظ ابن أبي عاصم، حدّثنا عمرو بن عثمان، حدّثنا أبو بكر العطار، حدّثنا السدي بن يحيى عن شجاع عن أبي طيبة الجرجاني قال:
دخل عثمان بن عفان على عبد الله بن مسعود يعوده في مرضه الذي مات فيه فقال: ما تشتكي؟
قال: أشتكي ذنوبي. قال: فما تشتهي؟ قال: أشتهي رحمة ربي. قال: أفلا ندعو الطبيب؟
قال: الطبيب أمرضني. قال: أفلا نأمر بعطائك؟ قال: لا حاجة لي به. قال: أندفعه إلى بناتك؟ قال: لا حاجة لهنّ بها قد أمرتهنّ أن يقرأن سورة الواقعة، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من قرأ سورة الواقعة في كل ليلة لم تصبه فاقة أبدا» [184] [[بغية الباحث: 226، والجامع الصغير: 2/ 634.]] .
وأخبرني محمد بن القاسم، حدّثنا عبد الله بن أحمد الشعراني، حدّثنا أحمد بن علي بن رزين، حدّثنا أحمد بن عبد الله العتكي، حدّثنا جرير عن منصور عن هلال بن سياف عن مسروق قال: من أراد أن يتعلم نبأ الأولين والآخرين، ونبأ أهل الجنة ونبأ أهل النار، ونبأ الدنيا ونبأ الآخرة فليقرأ سورة الواقعة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ أي إذا نزلت صبيحة القيامة وتلك النفخة الأخيرة لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ تكذيب ذكره سيبويه، وهو اسم كالعافية والنازلة والعاقبة، عن الفراء. قال الكسائي: هي بمعنى الكذب كقوله لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً أي لغوا، ومنه قول العامة: عائذ بالله أي معاذ الله، وقم قائما أي قياما.
ولبعض نساء العرب ترقص ابنها:
قم قائما قم قائما ... أصبت عبدا نائما
خافِضَةٌ أي هي خافضة رافِعَةٌ تخفض قوما إلى النار وترفع آخرين إلى الجنة.
وقال عكرمة والسدي ومقاتل: خفضت الصوت فأسمعت من دنا ورفعت الصوت فأسمعت من نأى يعني أنها أسمعت القريب والبعيد، ورفعت قوما كانوا مذللين فرفعتهم إلى أعلى عليين ووضعت قوما كانوا في الدنيا مرتفعين فوضعتهم إلى أسفل سافلين.
ابن عطاء: خفضت قوما بالعدل ورفعت قوما بالفضل.
إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا أي رجفت وزلزلت وحركت تحريكا من قولهم: السهم يرتجّ في الغرض، بمعنى يهتز ويضطرب.
قال الكلبي: وذلك أن الله عزّ وجل إذا أوحى إليها اضطربت فرقا.
وقال المفسرون: ترجّ كما يرجّ الصبي في المهد حتى ينهدم كل ما عليها، وينكسر كل شيء عليها من الجبال وغيرها.
وأصل الرجّ في اللغة التحريك يقال: رججته فارتجّ [فارتضى عنقه] ورجرجته فترجرج.
وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا أي حثّت حثّا وفتت فتا فصارت كالدقيق المبسوس، وهو المبلول والبسبسة عند العرب الدقيق أو السويق يلتّ ويتخذ زادا.
وذكر عن لصّ من غطفان أنه أراد أن يخبز فخاف أن يعجّل عن الخبز فقال لا تخبزا خبزا وبسّا بسّا ولا تطيلا بمناخ حبسا.
وقال عطاء: أذهبت إذهابا قال سعيد بن المسيب والسدي: كسرت كسرا.
الكلبي: سيّرت عن وجه الأرض تسييرا. مجاهد: لتّت لتّا.
الحسن: قلعت من أصلها فذهبت بعد ما كانت صخرا صماء: نظيرها فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً [[سورة طه: 105.]] .
عطية: بسطت بسطا كالرمل والتراب.
ابن كيسان: جعلت كثيبا مهيلا بعد أن كانت شامخة طويلة.
فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا قال ابن عباس: شعاع الشمس حين يدخل من الكوّة.
علي رضي الله عنه: رهج الدوابّ [[راجع الجامع لأحكام القرآن: 17/ 197.]] .
عطية: ما تطاير من شرر النار، قتادة: حطام الشجر.
وقراءة العامة: مُنْبَثًّا بالثاء أي متفرقا، وقرأ النخعي بالتاء أي منقطعا.
وَكُنْتُمْ أَزْواجاً أصنافا ثَلاثَةً ثم بيّن من هم فقال عز من قائل: فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ وهم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة.
وقال ابن عباس: وهم الذين كانوا على يمين آدم حين أخرجت الذرية من صلبه. وقال الله [إن] [[في المخطوط: إنهم.]] هؤلاء في الجنة ولا أبالي.
وقال الضحّاك: هم الذين يعطون كتبهم بإيمانهم.
وقال الحسن والربيع: هم الذين كانوا ميامين مباركين على أنفسهم، وكانت أعمارهم في طاعة الله عزّ وجل، وهم التابعون بإحسان.
ثم عجّب نبيه ﷺ فقال: ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ وهذا كما يقال: زيد ما زيد، يراد زيد شديد.
وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ أي الشمال، والعرب تسمي اليد اليسرى شؤمى.
قال الشاعر:
السهم والشرى [[كذا في المخطوط.]] في شؤمى يديك لهم ... وفي يمينك ماء المزن [[المزن: السحاب الأبيض.]] والضرب [[هكذا في الأصل.]]
ومنه الشام واليمن لأن اليمن عن يمين الكعبة والشام عن شمالها إذا [دخل الحجر] [[كلمتان غير مقروءتين والظاهر ما أثبتناه.]] تحت الميزاب.
وهم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار.
وقيل: هم الذين كانوا على شمال آدم عند إخراج الذرية، وقال الله لهم هؤلاء في النار ولا أبالي.
وقيل: هم الذين يؤتون كتبهم بشمائلهم.
وقال الحسن: هم المشائيم على أنفسهم، وكانت أعمارهم في المعاصي.
ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ قال ابن سيرين: هم الذين صلوا القبلتين دليله قوله وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ.
أخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن حمران، حدّثنا أبي، حدّثنا محمد بن داود الدينوري، حدّثنا [.....] [[كلمة غير مقروءة.]] عن ابن بن الجارود عن عبد الغفور ابن أبي الصباح عن ابن علي، عن كعب في قول الله عزّ وجل: وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ قال: هم أهل القرآن وهم المتوجون يوم القيامة.
وأخبرني الحسين، حدّثنا موسى بن محمد بن علي، حدّثنا أبو شعيب، حدّثنا عبد الله بن الحسن الحراني، حدّثنا يحيى بن عبد الله البابلتي، حدّثنا الأوزاعي قال: سمعت عثمان بن أبي سودة يقول: السَّابِقُونَ أولهم رواحا إلى المسجد وأولهم خروجا في سبيل الله عزّ وجل.
وأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن ماجة، حدّثنا ابن أيوب، حدّثنا عبد الله بن أبي زياد، حدّثنا سياد بن حاتم، حدّثنا عبد الله بن شميط قال: سمعت أبي يقول: الناس ثلاثة: فرجل ابتكر الخير في حداثة سنه ثم داوم عليه حتى خرج عن الدنيا فهذا السابق المقري، ورجل ابتكر عمره بالذنوب وطول الغفلة ثم تراجع بتوبة فهذا صاحب يمين، ورجل ابتكر الشر في حداثته ثم لم يزل عليه حتى خرج من الدنيا فهذا صاحب الشمال.
وقال ابن عباس: السَّابِقُونَ إلى الهجرة هم السابقون في الآخرة.
وقال علي بن أبي طالب: إلى الصلوات الخمس.
عكرمة: إلى الإسلام. الضحاك: إلى الجهاد. القرظي: إلى كل خير. سعيد بن جبير: هم المسارعون إلى التوبة وإلى أعمال البر. نظيره وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [[سورة آل عمران: 133.]] سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [[سورة الحديد: 21.]] .
ثم أثنى عليهم فقال عزّ من قائل أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ الربيع عن أنس: السَّابِقُونَ إلى إجابة الرسول في الدنيا، وهم السابقون إلى الجنة في العقبى.
ابن كيسان: السَّابِقُونَ إلى كل ما دعا الله سبحانه وتعالى إليه.
أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ إلى الله فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ.
أخبرني الحسين، حدّثنا علي بن إبراهيم بن موسى الموصلي، حدّثنا محمد بن مخلد العطار، محمد بن إسماعيل، حدّثنا وكيع، حدّثنا شعبة ومسعر عن سعد بن إبراهيم عن عروة بن الزبير قال: كان يقال [[كذا في المخطوط والصواب: يقول.]] : تقدموا تقدموا.
وأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن ماجة، حدّثنا ابن أيوب، حدّثنا القطواني، حدّثنا سيار، حدّثنا جعفر حدّثني عوف حدّثني رجل من أهل الكوفة قال: بلغني أنه إذا خرج رجل من السابقين المقربين من مسكنه في الجنة كان له ضوء يعرفه من دونه فيقول: هذا ضوء رجل من السابقين المقربين.
الواقعة 56:11
مكية، وهي ألف وسبعمائة وثلاثة أحرف وثلاثمائة وثمان وسبعون كلمة وست وتسعون آية
أخبرنا أبو الحسين الخبازي عن مرة، عن الشيخ الحافظ ابن أبي عاصم، حدّثنا عمرو بن عثمان، حدّثنا أبو بكر العطار، حدّثنا السدي بن يحيى عن شجاع عن أبي طيبة الجرجاني قال:
دخل عثمان بن عفان على عبد الله بن مسعود يعوده في مرضه الذي مات فيه فقال: ما تشتكي؟
قال: أشتكي ذنوبي. قال: فما تشتهي؟ قال: أشتهي رحمة ربي. قال: أفلا ندعو الطبيب؟
قال: الطبيب أمرضني. قال: أفلا نأمر بعطائك؟ قال: لا حاجة لي به. قال: أندفعه إلى بناتك؟ قال: لا حاجة لهنّ بها قد أمرتهنّ أن يقرأن سورة الواقعة، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من قرأ سورة الواقعة في كل ليلة لم تصبه فاقة أبدا» [184] [[بغية الباحث: 226، والجامع الصغير: 2/ 634.]] .
وأخبرني محمد بن القاسم، حدّثنا عبد الله بن أحمد الشعراني، حدّثنا أحمد بن علي بن رزين، حدّثنا أحمد بن عبد الله العتكي، حدّثنا جرير عن منصور عن هلال بن سياف عن مسروق قال: من أراد أن يتعلم نبأ الأولين والآخرين، ونبأ أهل الجنة ونبأ أهل النار، ونبأ الدنيا ونبأ الآخرة فليقرأ سورة الواقعة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ أي إذا نزلت صبيحة القيامة وتلك النفخة الأخيرة لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ تكذيب ذكره سيبويه، وهو اسم كالعافية والنازلة والعاقبة، عن الفراء. قال الكسائي: هي بمعنى الكذب كقوله لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً أي لغوا، ومنه قول العامة: عائذ بالله أي معاذ الله، وقم قائما أي قياما.
ولبعض نساء العرب ترقص ابنها:
قم قائما قم قائما ... أصبت عبدا نائما
خافِضَةٌ أي هي خافضة رافِعَةٌ تخفض قوما إلى النار وترفع آخرين إلى الجنة.
وقال عكرمة والسدي ومقاتل: خفضت الصوت فأسمعت من دنا ورفعت الصوت فأسمعت من نأى يعني أنها أسمعت القريب والبعيد، ورفعت قوما كانوا مذللين فرفعتهم إلى أعلى عليين ووضعت قوما كانوا في الدنيا مرتفعين فوضعتهم إلى أسفل سافلين.
ابن عطاء: خفضت قوما بالعدل ورفعت قوما بالفضل.
إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا أي رجفت وزلزلت وحركت تحريكا من قولهم: السهم يرتجّ في الغرض، بمعنى يهتز ويضطرب.
قال الكلبي: وذلك أن الله عزّ وجل إذا أوحى إليها اضطربت فرقا.
وقال المفسرون: ترجّ كما يرجّ الصبي في المهد حتى ينهدم كل ما عليها، وينكسر كل شيء عليها من الجبال وغيرها.
وأصل الرجّ في اللغة التحريك يقال: رججته فارتجّ [فارتضى عنقه] ورجرجته فترجرج.
وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا أي حثّت حثّا وفتت فتا فصارت كالدقيق المبسوس، وهو المبلول والبسبسة عند العرب الدقيق أو السويق يلتّ ويتخذ زادا.
وذكر عن لصّ من غطفان أنه أراد أن يخبز فخاف أن يعجّل عن الخبز فقال لا تخبزا خبزا وبسّا بسّا ولا تطيلا بمناخ حبسا.
وقال عطاء: أذهبت إذهابا قال سعيد بن المسيب والسدي: كسرت كسرا.
الكلبي: سيّرت عن وجه الأرض تسييرا. مجاهد: لتّت لتّا.
الحسن: قلعت من أصلها فذهبت بعد ما كانت صخرا صماء: نظيرها فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً [[سورة طه: 105.]] .
عطية: بسطت بسطا كالرمل والتراب.
ابن كيسان: جعلت كثيبا مهيلا بعد أن كانت شامخة طويلة.
فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا قال ابن عباس: شعاع الشمس حين يدخل من الكوّة.
علي رضي الله عنه: رهج الدوابّ [[راجع الجامع لأحكام القرآن: 17/ 197.]] .
عطية: ما تطاير من شرر النار، قتادة: حطام الشجر.
وقراءة العامة: مُنْبَثًّا بالثاء أي متفرقا، وقرأ النخعي بالتاء أي منقطعا.
وَكُنْتُمْ أَزْواجاً أصنافا ثَلاثَةً ثم بيّن من هم فقال عز من قائل: فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ وهم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة.
وقال ابن عباس: وهم الذين كانوا على يمين آدم حين أخرجت الذرية من صلبه. وقال الله [إن] [[في المخطوط: إنهم.]] هؤلاء في الجنة ولا أبالي.
وقال الضحّاك: هم الذين يعطون كتبهم بإيمانهم.
وقال الحسن والربيع: هم الذين كانوا ميامين مباركين على أنفسهم، وكانت أعمارهم في طاعة الله عزّ وجل، وهم التابعون بإحسان.
ثم عجّب نبيه ﷺ فقال: ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ وهذا كما يقال: زيد ما زيد، يراد زيد شديد.
وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ أي الشمال، والعرب تسمي اليد اليسرى شؤمى.
قال الشاعر:
السهم والشرى [[كذا في المخطوط.]] في شؤمى يديك لهم ... وفي يمينك ماء المزن [[المزن: السحاب الأبيض.]] والضرب [[هكذا في الأصل.]]
ومنه الشام واليمن لأن اليمن عن يمين الكعبة والشام عن شمالها إذا [دخل الحجر] [[كلمتان غير مقروءتين والظاهر ما أثبتناه.]] تحت الميزاب.
وهم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار.
وقيل: هم الذين كانوا على شمال آدم عند إخراج الذرية، وقال الله لهم هؤلاء في النار ولا أبالي.
وقيل: هم الذين يؤتون كتبهم بشمائلهم.
وقال الحسن: هم المشائيم على أنفسهم، وكانت أعمارهم في المعاصي.
ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ قال ابن سيرين: هم الذين صلوا القبلتين دليله قوله وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ.
أخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن حمران، حدّثنا أبي، حدّثنا محمد بن داود الدينوري، حدّثنا [.....] [[كلمة غير مقروءة.]] عن ابن بن الجارود عن عبد الغفور ابن أبي الصباح عن ابن علي، عن كعب في قول الله عزّ وجل: وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ قال: هم أهل القرآن وهم المتوجون يوم القيامة.
وأخبرني الحسين، حدّثنا موسى بن محمد بن علي، حدّثنا أبو شعيب، حدّثنا عبد الله بن الحسن الحراني، حدّثنا يحيى بن عبد الله البابلتي، حدّثنا الأوزاعي قال: سمعت عثمان بن أبي سودة يقول: السَّابِقُونَ أولهم رواحا إلى المسجد وأولهم خروجا في سبيل الله عزّ وجل.
وأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن ماجة، حدّثنا ابن أيوب، حدّثنا عبد الله بن أبي زياد، حدّثنا سياد بن حاتم، حدّثنا عبد الله بن شميط قال: سمعت أبي يقول: الناس ثلاثة: فرجل ابتكر الخير في حداثة سنه ثم داوم عليه حتى خرج عن الدنيا فهذا السابق المقري، ورجل ابتكر عمره بالذنوب وطول الغفلة ثم تراجع بتوبة فهذا صاحب يمين، ورجل ابتكر الشر في حداثته ثم لم يزل عليه حتى خرج من الدنيا فهذا صاحب الشمال.
وقال ابن عباس: السَّابِقُونَ إلى الهجرة هم السابقون في الآخرة.
وقال علي بن أبي طالب: إلى الصلوات الخمس.
عكرمة: إلى الإسلام. الضحاك: إلى الجهاد. القرظي: إلى كل خير. سعيد بن جبير: هم المسارعون إلى التوبة وإلى أعمال البر. نظيره وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [[سورة آل عمران: 133.]] سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [[سورة الحديد: 21.]] .
ثم أثنى عليهم فقال عزّ من قائل أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ الربيع عن أنس: السَّابِقُونَ إلى إجابة الرسول في الدنيا، وهم السابقون إلى الجنة في العقبى.
ابن كيسان: السَّابِقُونَ إلى كل ما دعا الله سبحانه وتعالى إليه.
أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ إلى الله فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ.
أخبرني الحسين، حدّثنا علي بن إبراهيم بن موسى الموصلي، حدّثنا محمد بن مخلد العطار، محمد بن إسماعيل، حدّثنا وكيع، حدّثنا شعبة ومسعر عن سعد بن إبراهيم عن عروة بن الزبير قال: كان يقال [[كذا في المخطوط والصواب: يقول.]] : تقدموا تقدموا.
وأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن ماجة، حدّثنا ابن أيوب، حدّثنا القطواني، حدّثنا سيار، حدّثنا جعفر حدّثني عوف حدّثني رجل من أهل الكوفة قال: بلغني أنه إذا خرج رجل من السابقين المقربين من مسكنه في الجنة كان له ضوء يعرفه من دونه فيقول: هذا ضوء رجل من السابقين المقربين.
الواقعة 56:12
مكية، وهي ألف وسبعمائة وثلاثة أحرف وثلاثمائة وثمان وسبعون كلمة وست وتسعون آية
أخبرنا أبو الحسين الخبازي عن مرة، عن الشيخ الحافظ ابن أبي عاصم، حدّثنا عمرو بن عثمان، حدّثنا أبو بكر العطار، حدّثنا السدي بن يحيى عن شجاع عن أبي طيبة الجرجاني قال:
دخل عثمان بن عفان على عبد الله بن مسعود يعوده في مرضه الذي مات فيه فقال: ما تشتكي؟
قال: أشتكي ذنوبي. قال: فما تشتهي؟ قال: أشتهي رحمة ربي. قال: أفلا ندعو الطبيب؟
قال: الطبيب أمرضني. قال: أفلا نأمر بعطائك؟ قال: لا حاجة لي به. قال: أندفعه إلى بناتك؟ قال: لا حاجة لهنّ بها قد أمرتهنّ أن يقرأن سورة الواقعة، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من قرأ سورة الواقعة في كل ليلة لم تصبه فاقة أبدا» [184] [[بغية الباحث: 226، والجامع الصغير: 2/ 634.]] .
وأخبرني محمد بن القاسم، حدّثنا عبد الله بن أحمد الشعراني، حدّثنا أحمد بن علي بن رزين، حدّثنا أحمد بن عبد الله العتكي، حدّثنا جرير عن منصور عن هلال بن سياف عن مسروق قال: من أراد أن يتعلم نبأ الأولين والآخرين، ونبأ أهل الجنة ونبأ أهل النار، ونبأ الدنيا ونبأ الآخرة فليقرأ سورة الواقعة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ أي إذا نزلت صبيحة القيامة وتلك النفخة الأخيرة لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ تكذيب ذكره سيبويه، وهو اسم كالعافية والنازلة والعاقبة، عن الفراء. قال الكسائي: هي بمعنى الكذب كقوله لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً أي لغوا، ومنه قول العامة: عائذ بالله أي معاذ الله، وقم قائما أي قياما.
ولبعض نساء العرب ترقص ابنها:
قم قائما قم قائما ... أصبت عبدا نائما
خافِضَةٌ أي هي خافضة رافِعَةٌ تخفض قوما إلى النار وترفع آخرين إلى الجنة.
وقال عكرمة والسدي ومقاتل: خفضت الصوت فأسمعت من دنا ورفعت الصوت فأسمعت من نأى يعني أنها أسمعت القريب والبعيد، ورفعت قوما كانوا مذللين فرفعتهم إلى أعلى عليين ووضعت قوما كانوا في الدنيا مرتفعين فوضعتهم إلى أسفل سافلين.
ابن عطاء: خفضت قوما بالعدل ورفعت قوما بالفضل.
إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا أي رجفت وزلزلت وحركت تحريكا من قولهم: السهم يرتجّ في الغرض، بمعنى يهتز ويضطرب.
قال الكلبي: وذلك أن الله عزّ وجل إذا أوحى إليها اضطربت فرقا.
وقال المفسرون: ترجّ كما يرجّ الصبي في المهد حتى ينهدم كل ما عليها، وينكسر كل شيء عليها من الجبال وغيرها.
وأصل الرجّ في اللغة التحريك يقال: رججته فارتجّ [فارتضى عنقه] ورجرجته فترجرج.
وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا أي حثّت حثّا وفتت فتا فصارت كالدقيق المبسوس، وهو المبلول والبسبسة عند العرب الدقيق أو السويق يلتّ ويتخذ زادا.
وذكر عن لصّ من غطفان أنه أراد أن يخبز فخاف أن يعجّل عن الخبز فقال لا تخبزا خبزا وبسّا بسّا ولا تطيلا بمناخ حبسا.
وقال عطاء: أذهبت إذهابا قال سعيد بن المسيب والسدي: كسرت كسرا.
الكلبي: سيّرت عن وجه الأرض تسييرا. مجاهد: لتّت لتّا.
الحسن: قلعت من أصلها فذهبت بعد ما كانت صخرا صماء: نظيرها فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً [[سورة طه: 105.]] .
عطية: بسطت بسطا كالرمل والتراب.
ابن كيسان: جعلت كثيبا مهيلا بعد أن كانت شامخة طويلة.
فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا قال ابن عباس: شعاع الشمس حين يدخل من الكوّة.
علي رضي الله عنه: رهج الدوابّ [[راجع الجامع لأحكام القرآن: 17/ 197.]] .
عطية: ما تطاير من شرر النار، قتادة: حطام الشجر.
وقراءة العامة: مُنْبَثًّا بالثاء أي متفرقا، وقرأ النخعي بالتاء أي منقطعا.
وَكُنْتُمْ أَزْواجاً أصنافا ثَلاثَةً ثم بيّن من هم فقال عز من قائل: فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ وهم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة.
وقال ابن عباس: وهم الذين كانوا على يمين آدم حين أخرجت الذرية من صلبه. وقال الله [إن] [[في المخطوط: إنهم.]] هؤلاء في الجنة ولا أبالي.
وقال الضحّاك: هم الذين يعطون كتبهم بإيمانهم.
وقال الحسن والربيع: هم الذين كانوا ميامين مباركين على أنفسهم، وكانت أعمارهم في طاعة الله عزّ وجل، وهم التابعون بإحسان.
ثم عجّب نبيه ﷺ فقال: ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ وهذا كما يقال: زيد ما زيد، يراد زيد شديد.
وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ أي الشمال، والعرب تسمي اليد اليسرى شؤمى.
قال الشاعر:
السهم والشرى [[كذا في المخطوط.]] في شؤمى يديك لهم ... وفي يمينك ماء المزن [[المزن: السحاب الأبيض.]] والضرب [[هكذا في الأصل.]]
ومنه الشام واليمن لأن اليمن عن يمين الكعبة والشام عن شمالها إذا [دخل الحجر] [[كلمتان غير مقروءتين والظاهر ما أثبتناه.]] تحت الميزاب.
وهم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار.
وقيل: هم الذين كانوا على شمال آدم عند إخراج الذرية، وقال الله لهم هؤلاء في النار ولا أبالي.
وقيل: هم الذين يؤتون كتبهم بشمائلهم.
وقال الحسن: هم المشائيم على أنفسهم، وكانت أعمارهم في المعاصي.
ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ قال ابن سيرين: هم الذين صلوا القبلتين دليله قوله وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ.
أخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن حمران، حدّثنا أبي، حدّثنا محمد بن داود الدينوري، حدّثنا [.....] [[كلمة غير مقروءة.]] عن ابن بن الجارود عن عبد الغفور ابن أبي الصباح عن ابن علي، عن كعب في قول الله عزّ وجل: وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ قال: هم أهل القرآن وهم المتوجون يوم القيامة.
وأخبرني الحسين، حدّثنا موسى بن محمد بن علي، حدّثنا أبو شعيب، حدّثنا عبد الله بن الحسن الحراني، حدّثنا يحيى بن عبد الله البابلتي، حدّثنا الأوزاعي قال: سمعت عثمان بن أبي سودة يقول: السَّابِقُونَ أولهم رواحا إلى المسجد وأولهم خروجا في سبيل الله عزّ وجل.
وأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن ماجة، حدّثنا ابن أيوب، حدّثنا عبد الله بن أبي زياد، حدّثنا سياد بن حاتم، حدّثنا عبد الله بن شميط قال: سمعت أبي يقول: الناس ثلاثة: فرجل ابتكر الخير في حداثة سنه ثم داوم عليه حتى خرج عن الدنيا فهذا السابق المقري، ورجل ابتكر عمره بالذنوب وطول الغفلة ثم تراجع بتوبة فهذا صاحب يمين، ورجل ابتكر الشر في حداثته ثم لم يزل عليه حتى خرج من الدنيا فهذا صاحب الشمال.
وقال ابن عباس: السَّابِقُونَ إلى الهجرة هم السابقون في الآخرة.
وقال علي بن أبي طالب: إلى الصلوات الخمس.
عكرمة: إلى الإسلام. الضحاك: إلى الجهاد. القرظي: إلى كل خير. سعيد بن جبير: هم المسارعون إلى التوبة وإلى أعمال البر. نظيره وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [[سورة آل عمران: 133.]] سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [[سورة الحديد: 21.]] .
ثم أثنى عليهم فقال عزّ من قائل أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ الربيع عن أنس: السَّابِقُونَ إلى إجابة الرسول في الدنيا، وهم السابقون إلى الجنة في العقبى.
ابن كيسان: السَّابِقُونَ إلى كل ما دعا الله سبحانه وتعالى إليه.
أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ إلى الله فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ.
أخبرني الحسين، حدّثنا علي بن إبراهيم بن موسى الموصلي، حدّثنا محمد بن مخلد العطار، محمد بن إسماعيل، حدّثنا وكيع، حدّثنا شعبة ومسعر عن سعد بن إبراهيم عن عروة بن الزبير قال: كان يقال [[كذا في المخطوط والصواب: يقول.]] : تقدموا تقدموا.
وأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن ماجة، حدّثنا ابن أيوب، حدّثنا القطواني، حدّثنا سيار، حدّثنا جعفر حدّثني عوف حدّثني رجل من أهل الكوفة قال: بلغني أنه إذا خرج رجل من السابقين المقربين من مسكنه في الجنة كان له ضوء يعرفه من دونه فيقول: هذا ضوء رجل من السابقين المقربين.
الواقعة 56:13
ثُلَّةٌ جماعة مِنَ الْأَوَّلِينَ أي الأمم الماضية وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ أمّة محمد ﷺ عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ مرمولة منسوجة مشبكة بالذهب والجواهر، قد اتّصل بعضها في بعض، كما توضن حلق الدرع [......] [[بياض في المخطوط.]] بعضها في بعض مضاعفة.
ومنه قول الأعشى:
ومن نسج داود موضونة ... تساق مع الحيّ عيرا فعيرا [[لسان العرب: 13/ 450.]]
وقال أيضا:
وبيضاء كالنهي موضونة لها ... قونس فوق جيب البدن [[تفسير القرطبي: 8/ 380.]]
ومنه وضين الناقة وهو البطان من السيور إذا نسج بعضه على بعض مضاعفا كحلق الدرع.
قال الكلبي: طول كل سرير ثلاثمائة ذراع، فإذا أراد العبد أن يجلس عليها تواضعت فإذا جلس عليها ارتفعت.
وقال الضحاك: مَوْضُونَةٍ مصفوفة، وهي رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. يقال:
آجر موضون إذا صفّ بعضها على بعض.
مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ في الزيارة لا ينظر بعضهم في قفا بعض يَطُوفُ عَلَيْهِمْ للخدمة وِلْدانٌ غلمان مُخَلَّدُونَ أي لا يموتون عن مجاهد، وقال الكلبي: لا يهرمون ولا يكبرون ولا ينقصون ولا يتغيرون، وليس كخدم الدنيا يتغيرون من حال إلى حال.
ابن كيسان: يعني [ولدانا مخلدين] [[في المخطوط: مخلدين ولدانا.]] لا يتحولون من حالة إلى حالة، عكرمة: منعمون.
سعيد بن جبير: مقرّطون.
قال المؤرّخ: ويقال للقرط الخلد.
قال الشاعر:
ومخلدات باللجين كأنما ... أعجازهن أفاوز الكثبان [[لسان العرب: 3/ 164.]]
وقال علي والحسن: «هم أولاد أهل الدنيا لم يكن لهم حسنات فيثابوا عليها ولا سيئات فيعاقبوا عليها، لأن الجنة لا ولادة فيها» [[كنز العمال: 14/ 498 ح 39412 وفيه عن الحسن بن علي.]] .
وفي الحديث: «أطفال الكفار خدم أهل الجنة» [[المصدر السابق وفيه: هم خدم أهل الجنة.]] .
بِأَكْوابٍ جمع كوب وَأَبارِيقَ جمع إبريق، سمي بذلك لبريق لونه وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ خمر جارية لا يُصَدَّعُونَ عَنْها لا تصدّع رؤوسهم عن شربها وَلا يُنْزِفُونَ وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ يختارون ويشتهون.
أخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن حبش، حدّثنا ذكّار، حدّثنا هناد، حدّثنا أبو معونة عن عبيد الله بن الوليد عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: «إن في الجنة لطيرا فيه سبعون ألف ريشة، فيجيء فيقع على صحيفة الرجل من أهل الجنة ثم ينتفض، فيخرج من كل ريشة لون أبيض من الثلج والبرد وألين من الزبد وأعذب من الشهد ليس فيه لون يشبه صاحبه ثم يطير فيذهب» [185] [[كنز العمال: 14/ 462- 463، والدر المنثور: 6/ 156.]] .
وَحُورٌ عِينٌ قرأ أبو جعفر وحمزة والكسائي والمفضل بكسر الواو والنون أي وبحور عين، أتبعوا الآخر الأول في الا عراب على اللفظ وإن اختلفا في المعنى، لأن الحور لا يطاف بهنّ، كقول الشاعر:
إذا ما الغانيات برزن يوما ... وزججن الحواجب والعيونا [[تفسير الطبري: 27/ 229.]]
والعين لا تزجج وإنما تكحل.
وقال الآخر: متقلدا سيفا ورمحا، ومثله كثير.
وقرأ إبراهيم النخعي واشهب العقيلي: (وحورا عينا) بالنصب، وكذلك هو في مصحف أبيّ، على معنى: ويزوّجون حورا عينا. وقال الأخفش: رفع بخبر الصفة، أي لهم حور عين.
وقيل: هو ابتداء وخبره فيما بعده.
أخبرنا الحسين، حدّثنا محمد بن الحسن بن صقلاب، حدّثنا أبو عبد الله محمد بن بشير ابن يوسف بن النضر، حدّثنا بكر بن سهل الدمياطي، حدّثنا عمرو بن هاشم، حدّثنا سليمان بن أبي كرعة، عن هشام بن حسان، عن الحسن، عن أمه، عن أم سلمة قالت: قلت: يا رسول الله أخبرني عن قول الله عزّ وجل حُورٌ عِينٌ؟ قال: «حور بيض عين ضخام العيون» [186] [[تفسير ابن كثير: 4/ 312، والمعجم الأوسط 3/ 278 بتفاوت.]] .
أخبرنا ابن فنجويه، حدّثنا ابن صقلاب، حدّثنا أبو بكر بن أبي الخصيب حدّثني محمد بن غالب حدّثنا الحرث بن خليفة، حدّثنا إسماعيل بن إبراهيم، عبد العزيز بن صهيب، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «خلق الحور العين من الزعفران» [187] [[المعجم الأوسط: 1/ 95، وتفسير الطبري: 27/ 231.]] .
وأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن يودة، حدّثنا عبيد بن عبد الواحد بن شريك البزاز، حدّثنا سليمان بن عبد الرحمن ابن بنت شرحبيل، حدّثنا خالد بن يزيد، عن أبي مالك، عن أبيه عن خالد بن معدان، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من عبد يدخل الجنة إلّا وهو يزوّج ثنتين وسبعين زوجة، ثنتين من الحور العين وسبعين من ميراثه من أهل النار، وليس منهن امرأة إلّا ولها قبل شهيّ وله ذكر لا ينثني» [188] [[سنن ابن ماجة: 2/ 1452 ح 4337.]] .
وأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا أحمد بن محمد بن علي، حدّثنا عثمان بن نصر البغدادي، حدّثنا محمد بن مهاجر أبو حنيف، حدّثنا حلبس بن محمد الكلابي، حدّثنا سفيان الثوري، عن منصور أو المغيرة، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «يسطع نور في الجنة فقالوا: ما هذا؟ قالوا: ضوء ثغر حوراء ضحكت في وجه زوجها» [189] [[تاريخ بغداد: 11/ 163.]] .
وروي أن الحوراء إن مشت سمع تقديس الخلاخيل من ساقيها وتمجيد الأسورة من ساعديها، وإن عقد الياقوت يضحك من نحرها، وفي رجليها نعلان من ذهب شراكها من لؤلؤ تصرّان بالتسبيح.
وكان يحيى بن معاذ الرازي يقول: اخطب زوجة [لا تسلبها] منك المنايا، وأعرس بها في دار لا يخربها دوران البلايا وشبّك لها حجلة لا تحرقها نيران الرزايا.
وقال مجاهد: سميت حورا لأنه يحار فيهن الطرف.
كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ المخزون في الصدف الذي لم تمسّه الأيدي جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً في نصبهما وجهان:
أحدهما: إتباع للقيل.
والثاني: على [[فيكون نصبه بوقوع القيل عليه.]] (يسمعون سلاما) ، ثم رجع إلى ذكر منازل أصحاب الميمنة فقال وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ لا شوك فيه، كأنه خضّد شوكها أي قطع ونزع.
ومنه
الحديث في المدينة: «لا يخضد شوكها ولا يعصر شجرها»
[[التبيان في تفسير القرآن: 9/ 496.]] وهذا قول ابن عباس وعكرمة وقسامة بن زهير.
وقال الحسن: لا تعقر الأيدي. قتادة: هو الذي لا يرد اليد منها شوك ولا بعد.
وقال الضحّاك ومجاهد ومقاتل بن حيان: هو الموقر حملا.
قال سعيد بن جبير: ثمرها أعظم من الفلال. وقال ابن كيسان: هو الذي لا أذى فيه.
قال: وليس شيء من ثمر الجنة في غلف كما تكون في الدنيا من الباقلاء وغيره، بل كلها مأكول ومشروب ومشموم ومنظور إليه.
قال أبو العالية والضحّاك: نظر المسلمون إلى وجّ وهو واد مخصب بالطائف، وأعجبهم سدرها.
وقالوا: يا ليت لنا مثل هذا، فأنزل الله عزّ وجل وَطَلْحٍ وموز واحدتها طلحة، عن أكثر المفسرين.
وقال الحسن: ليس هو موزا ولكنه شجر له ظلّ بارد طيب.
وقال الفراء وأبو عبيدة: الطلح عند العرب شجر عظام لها شوك.
قال بعض الحداة:
بشرها دليلها وقالا ... غدا ترين الطلح والجبالا
وأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن حيان، حدّثنا ابن مروان، حدّثنا أبي، حدّثنا إبراهيم بن عيسى، حدّثنا علي بن علي قال: زعم أبو حمزة الثمالي عن الحسن مولى الحسن بن علي أن عليا قرأ: وطلع منضود.
وأنبأني عقيل، أنبأنا المعافي محمد بن جرير، حدّثنا سعيد بن يحيى، حدّثنا أبي، حدّثنا مجالد عن الحسن بن سعد عن قيس بن سعد قال: قرأ رجل عند علي رضي الله عنه وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ فقال علي: «وما شأن الطلح؟ إنما هو طلع منضود» [[تفسير الطبري: 27/ 234 وفيه: ثم قرأ: طلعها هضيم، فقلنا: أولا نحولها.]] ثم قرأ «طَلْعٌ [نَضِيدٌ] منضود» .
فقلت: إنها في المصحف بالحاء فلا تحوّلها؟ فقال: «إن القرآن لا يهاج [اليوم] ولا يحوّل» [[تفسير القرطبي: 17/ 208.]] .
والمنضود: المتراكم الذي قد نضد بأكمله من أوله إلى آخره، ليست له سوق بارزة.
قال مسروق: أشجار الجنة من عروقها إلى أغصانها ثمر كله.
الواقعة 56:14
ثُلَّةٌ جماعة مِنَ الْأَوَّلِينَ أي الأمم الماضية وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ أمّة محمد ﷺ عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ مرمولة منسوجة مشبكة بالذهب والجواهر، قد اتّصل بعضها في بعض، كما توضن حلق الدرع [......] [[بياض في المخطوط.]] بعضها في بعض مضاعفة.
ومنه قول الأعشى:
ومن نسج داود موضونة ... تساق مع الحيّ عيرا فعيرا [[لسان العرب: 13/ 450.]]
وقال أيضا:
وبيضاء كالنهي موضونة لها ... قونس فوق جيب البدن [[تفسير القرطبي: 8/ 380.]]
ومنه وضين الناقة وهو البطان من السيور إذا نسج بعضه على بعض مضاعفا كحلق الدرع.
قال الكلبي: طول كل سرير ثلاثمائة ذراع، فإذا أراد العبد أن يجلس عليها تواضعت فإذا جلس عليها ارتفعت.
وقال الضحاك: مَوْضُونَةٍ مصفوفة، وهي رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. يقال:
آجر موضون إذا صفّ بعضها على بعض.
مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ في الزيارة لا ينظر بعضهم في قفا بعض يَطُوفُ عَلَيْهِمْ للخدمة وِلْدانٌ غلمان مُخَلَّدُونَ أي لا يموتون عن مجاهد، وقال الكلبي: لا يهرمون ولا يكبرون ولا ينقصون ولا يتغيرون، وليس كخدم الدنيا يتغيرون من حال إلى حال.
ابن كيسان: يعني [ولدانا مخلدين] [[في المخطوط: مخلدين ولدانا.]] لا يتحولون من حالة إلى حالة، عكرمة: منعمون.
سعيد بن جبير: مقرّطون.
قال المؤرّخ: ويقال للقرط الخلد.
قال الشاعر:
ومخلدات باللجين كأنما ... أعجازهن أفاوز الكثبان [[لسان العرب: 3/ 164.]]
وقال علي والحسن: «هم أولاد أهل الدنيا لم يكن لهم حسنات فيثابوا عليها ولا سيئات فيعاقبوا عليها، لأن الجنة لا ولادة فيها» [[كنز العمال: 14/ 498 ح 39412 وفيه عن الحسن بن علي.]] .
وفي الحديث: «أطفال الكفار خدم أهل الجنة» [[المصدر السابق وفيه: هم خدم أهل الجنة.]] .
بِأَكْوابٍ جمع كوب وَأَبارِيقَ جمع إبريق، سمي بذلك لبريق لونه وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ خمر جارية لا يُصَدَّعُونَ عَنْها لا تصدّع رؤوسهم عن شربها وَلا يُنْزِفُونَ وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ يختارون ويشتهون.
أخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن حبش، حدّثنا ذكّار، حدّثنا هناد، حدّثنا أبو معونة عن عبيد الله بن الوليد عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: «إن في الجنة لطيرا فيه سبعون ألف ريشة، فيجيء فيقع على صحيفة الرجل من أهل الجنة ثم ينتفض، فيخرج من كل ريشة لون أبيض من الثلج والبرد وألين من الزبد وأعذب من الشهد ليس فيه لون يشبه صاحبه ثم يطير فيذهب» [185] [[كنز العمال: 14/ 462- 463، والدر المنثور: 6/ 156.]] .
وَحُورٌ عِينٌ قرأ أبو جعفر وحمزة والكسائي والمفضل بكسر الواو والنون أي وبحور عين، أتبعوا الآخر الأول في الا عراب على اللفظ وإن اختلفا في المعنى، لأن الحور لا يطاف بهنّ، كقول الشاعر:
إذا ما الغانيات برزن يوما ... وزججن الحواجب والعيونا [[تفسير الطبري: 27/ 229.]]
والعين لا تزجج وإنما تكحل.
وقال الآخر: متقلدا سيفا ورمحا، ومثله كثير.
وقرأ إبراهيم النخعي واشهب العقيلي: (وحورا عينا) بالنصب، وكذلك هو في مصحف أبيّ، على معنى: ويزوّجون حورا عينا. وقال الأخفش: رفع بخبر الصفة، أي لهم حور عين.
وقيل: هو ابتداء وخبره فيما بعده.
أخبرنا الحسين، حدّثنا محمد بن الحسن بن صقلاب، حدّثنا أبو عبد الله محمد بن بشير ابن يوسف بن النضر، حدّثنا بكر بن سهل الدمياطي، حدّثنا عمرو بن هاشم، حدّثنا سليمان بن أبي كرعة، عن هشام بن حسان، عن الحسن، عن أمه، عن أم سلمة قالت: قلت: يا رسول الله أخبرني عن قول الله عزّ وجل حُورٌ عِينٌ؟ قال: «حور بيض عين ضخام العيون» [186] [[تفسير ابن كثير: 4/ 312، والمعجم الأوسط 3/ 278 بتفاوت.]] .
أخبرنا ابن فنجويه، حدّثنا ابن صقلاب، حدّثنا أبو بكر بن أبي الخصيب حدّثني محمد بن غالب حدّثنا الحرث بن خليفة، حدّثنا إسماعيل بن إبراهيم، عبد العزيز بن صهيب، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «خلق الحور العين من الزعفران» [187] [[المعجم الأوسط: 1/ 95، وتفسير الطبري: 27/ 231.]] .
وأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن يودة، حدّثنا عبيد بن عبد الواحد بن شريك البزاز، حدّثنا سليمان بن عبد الرحمن ابن بنت شرحبيل، حدّثنا خالد بن يزيد، عن أبي مالك، عن أبيه عن خالد بن معدان، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من عبد يدخل الجنة إلّا وهو يزوّج ثنتين وسبعين زوجة، ثنتين من الحور العين وسبعين من ميراثه من أهل النار، وليس منهن امرأة إلّا ولها قبل شهيّ وله ذكر لا ينثني» [188] [[سنن ابن ماجة: 2/ 1452 ح 4337.]] .
وأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا أحمد بن محمد بن علي، حدّثنا عثمان بن نصر البغدادي، حدّثنا محمد بن مهاجر أبو حنيف، حدّثنا حلبس بن محمد الكلابي، حدّثنا سفيان الثوري، عن منصور أو المغيرة، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «يسطع نور في الجنة فقالوا: ما هذا؟ قالوا: ضوء ثغر حوراء ضحكت في وجه زوجها» [189] [[تاريخ بغداد: 11/ 163.]] .
وروي أن الحوراء إن مشت سمع تقديس الخلاخيل من ساقيها وتمجيد الأسورة من ساعديها، وإن عقد الياقوت يضحك من نحرها، وفي رجليها نعلان من ذهب شراكها من لؤلؤ تصرّان بالتسبيح.
وكان يحيى بن معاذ الرازي يقول: اخطب زوجة [لا تسلبها] منك المنايا، وأعرس بها في دار لا يخربها دوران البلايا وشبّك لها حجلة لا تحرقها نيران الرزايا.
وقال مجاهد: سميت حورا لأنه يحار فيهن الطرف.
كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ المخزون في الصدف الذي لم تمسّه الأيدي جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً في نصبهما وجهان:
أحدهما: إتباع للقيل.
والثاني: على [[فيكون نصبه بوقوع القيل عليه.]] (يسمعون سلاما) ، ثم رجع إلى ذكر منازل أصحاب الميمنة فقال وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ لا شوك فيه، كأنه خضّد شوكها أي قطع ونزع.
ومنه
الحديث في المدينة: «لا يخضد شوكها ولا يعصر شجرها»
[[التبيان في تفسير القرآن: 9/ 496.]] وهذا قول ابن عباس وعكرمة وقسامة بن زهير.
وقال الحسن: لا تعقر الأيدي. قتادة: هو الذي لا يرد اليد منها شوك ولا بعد.
وقال الضحّاك ومجاهد ومقاتل بن حيان: هو الموقر حملا.
قال سعيد بن جبير: ثمرها أعظم من الفلال. وقال ابن كيسان: هو الذي لا أذى فيه.
قال: وليس شيء من ثمر الجنة في غلف كما تكون في الدنيا من الباقلاء وغيره، بل كلها مأكول ومشروب ومشموم ومنظور إليه.
قال أبو العالية والضحّاك: نظر المسلمون إلى وجّ وهو واد مخصب بالطائف، وأعجبهم سدرها.
وقالوا: يا ليت لنا مثل هذا، فأنزل الله عزّ وجل وَطَلْحٍ وموز واحدتها طلحة، عن أكثر المفسرين.
وقال الحسن: ليس هو موزا ولكنه شجر له ظلّ بارد طيب.
وقال الفراء وأبو عبيدة: الطلح عند العرب شجر عظام لها شوك.
قال بعض الحداة:
بشرها دليلها وقالا ... غدا ترين الطلح والجبالا
وأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن حيان، حدّثنا ابن مروان، حدّثنا أبي، حدّثنا إبراهيم بن عيسى، حدّثنا علي بن علي قال: زعم أبو حمزة الثمالي عن الحسن مولى الحسن بن علي أن عليا قرأ: وطلع منضود.
وأنبأني عقيل، أنبأنا المعافي محمد بن جرير، حدّثنا سعيد بن يحيى، حدّثنا أبي، حدّثنا مجالد عن الحسن بن سعد عن قيس بن سعد قال: قرأ رجل عند علي رضي الله عنه وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ فقال علي: «وما شأن الطلح؟ إنما هو طلع منضود» [[تفسير الطبري: 27/ 234 وفيه: ثم قرأ: طلعها هضيم، فقلنا: أولا نحولها.]] ثم قرأ «طَلْعٌ [نَضِيدٌ] منضود» .
فقلت: إنها في المصحف بالحاء فلا تحوّلها؟ فقال: «إن القرآن لا يهاج [اليوم] ولا يحوّل» [[تفسير القرطبي: 17/ 208.]] .
والمنضود: المتراكم الذي قد نضد بأكمله من أوله إلى آخره، ليست له سوق بارزة.
قال مسروق: أشجار الجنة من عروقها إلى أغصانها ثمر كله.
الواقعة 56:15
ثُلَّةٌ جماعة مِنَ الْأَوَّلِينَ أي الأمم الماضية وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ أمّة محمد ﷺ عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ مرمولة منسوجة مشبكة بالذهب والجواهر، قد اتّصل بعضها في بعض، كما توضن حلق الدرع [......] [[بياض في المخطوط.]] بعضها في بعض مضاعفة.
ومنه قول الأعشى:
ومن نسج داود موضونة ... تساق مع الحيّ عيرا فعيرا [[لسان العرب: 13/ 450.]]
وقال أيضا:
وبيضاء كالنهي موضونة لها ... قونس فوق جيب البدن [[تفسير القرطبي: 8/ 380.]]
ومنه وضين الناقة وهو البطان من السيور إذا نسج بعضه على بعض مضاعفا كحلق الدرع.
قال الكلبي: طول كل سرير ثلاثمائة ذراع، فإذا أراد العبد أن يجلس عليها تواضعت فإذا جلس عليها ارتفعت.
وقال الضحاك: مَوْضُونَةٍ مصفوفة، وهي رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. يقال:
آجر موضون إذا صفّ بعضها على بعض.
مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ في الزيارة لا ينظر بعضهم في قفا بعض يَطُوفُ عَلَيْهِمْ للخدمة وِلْدانٌ غلمان مُخَلَّدُونَ أي لا يموتون عن مجاهد، وقال الكلبي: لا يهرمون ولا يكبرون ولا ينقصون ولا يتغيرون، وليس كخدم الدنيا يتغيرون من حال إلى حال.
ابن كيسان: يعني [ولدانا مخلدين] [[في المخطوط: مخلدين ولدانا.]] لا يتحولون من حالة إلى حالة، عكرمة: منعمون.
سعيد بن جبير: مقرّطون.
قال المؤرّخ: ويقال للقرط الخلد.
قال الشاعر:
ومخلدات باللجين كأنما ... أعجازهن أفاوز الكثبان [[لسان العرب: 3/ 164.]]
وقال علي والحسن: «هم أولاد أهل الدنيا لم يكن لهم حسنات فيثابوا عليها ولا سيئات فيعاقبوا عليها، لأن الجنة لا ولادة فيها» [[كنز العمال: 14/ 498 ح 39412 وفيه عن الحسن بن علي.]] .
وفي الحديث: «أطفال الكفار خدم أهل الجنة» [[المصدر السابق وفيه: هم خدم أهل الجنة.]] .
بِأَكْوابٍ جمع كوب وَأَبارِيقَ جمع إبريق، سمي بذلك لبريق لونه وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ خمر جارية لا يُصَدَّعُونَ عَنْها لا تصدّع رؤوسهم عن شربها وَلا يُنْزِفُونَ وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ يختارون ويشتهون.
أخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن حبش، حدّثنا ذكّار، حدّثنا هناد، حدّثنا أبو معونة عن عبيد الله بن الوليد عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: «إن في الجنة لطيرا فيه سبعون ألف ريشة، فيجيء فيقع على صحيفة الرجل من أهل الجنة ثم ينتفض، فيخرج من كل ريشة لون أبيض من الثلج والبرد وألين من الزبد وأعذب من الشهد ليس فيه لون يشبه صاحبه ثم يطير فيذهب» [185] [[كنز العمال: 14/ 462- 463، والدر المنثور: 6/ 156.]] .
وَحُورٌ عِينٌ قرأ أبو جعفر وحمزة والكسائي والمفضل بكسر الواو والنون أي وبحور عين، أتبعوا الآخر الأول في الا عراب على اللفظ وإن اختلفا في المعنى، لأن الحور لا يطاف بهنّ، كقول الشاعر:
إذا ما الغانيات برزن يوما ... وزججن الحواجب والعيونا [[تفسير الطبري: 27/ 229.]]
والعين لا تزجج وإنما تكحل.
وقال الآخر: متقلدا سيفا ورمحا، ومثله كثير.
وقرأ إبراهيم النخعي واشهب العقيلي: (وحورا عينا) بالنصب، وكذلك هو في مصحف أبيّ، على معنى: ويزوّجون حورا عينا. وقال الأخفش: رفع بخبر الصفة، أي لهم حور عين.
وقيل: هو ابتداء وخبره فيما بعده.
أخبرنا الحسين، حدّثنا محمد بن الحسن بن صقلاب، حدّثنا أبو عبد الله محمد بن بشير ابن يوسف بن النضر، حدّثنا بكر بن سهل الدمياطي، حدّثنا عمرو بن هاشم، حدّثنا سليمان بن أبي كرعة، عن هشام بن حسان، عن الحسن، عن أمه، عن أم سلمة قالت: قلت: يا رسول الله أخبرني عن قول الله عزّ وجل حُورٌ عِينٌ؟ قال: «حور بيض عين ضخام العيون» [186] [[تفسير ابن كثير: 4/ 312، والمعجم الأوسط 3/ 278 بتفاوت.]] .
أخبرنا ابن فنجويه، حدّثنا ابن صقلاب، حدّثنا أبو بكر بن أبي الخصيب حدّثني محمد بن غالب حدّثنا الحرث بن خليفة، حدّثنا إسماعيل بن إبراهيم، عبد العزيز بن صهيب، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «خلق الحور العين من الزعفران» [187] [[المعجم الأوسط: 1/ 95، وتفسير الطبري: 27/ 231.]] .
وأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن يودة، حدّثنا عبيد بن عبد الواحد بن شريك البزاز، حدّثنا سليمان بن عبد الرحمن ابن بنت شرحبيل، حدّثنا خالد بن يزيد، عن أبي مالك، عن أبيه عن خالد بن معدان، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من عبد يدخل الجنة إلّا وهو يزوّج ثنتين وسبعين زوجة، ثنتين من الحور العين وسبعين من ميراثه من أهل النار، وليس منهن امرأة إلّا ولها قبل شهيّ وله ذكر لا ينثني» [188] [[سنن ابن ماجة: 2/ 1452 ح 4337.]] .
وأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا أحمد بن محمد بن علي، حدّثنا عثمان بن نصر البغدادي، حدّثنا محمد بن مهاجر أبو حنيف، حدّثنا حلبس بن محمد الكلابي، حدّثنا سفيان الثوري، عن منصور أو المغيرة، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «يسطع نور في الجنة فقالوا: ما هذا؟ قالوا: ضوء ثغر حوراء ضحكت في وجه زوجها» [189] [[تاريخ بغداد: 11/ 163.]] .
وروي أن الحوراء إن مشت سمع تقديس الخلاخيل من ساقيها وتمجيد الأسورة من ساعديها، وإن عقد الياقوت يضحك من نحرها، وفي رجليها نعلان من ذهب شراكها من لؤلؤ تصرّان بالتسبيح.
وكان يحيى بن معاذ الرازي يقول: اخطب زوجة [لا تسلبها] منك المنايا، وأعرس بها في دار لا يخربها دوران البلايا وشبّك لها حجلة لا تحرقها نيران الرزايا.
وقال مجاهد: سميت حورا لأنه يحار فيهن الطرف.
كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ المخزون في الصدف الذي لم تمسّه الأيدي جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً في نصبهما وجهان:
أحدهما: إتباع للقيل.
والثاني: على [[فيكون نصبه بوقوع القيل عليه.]] (يسمعون سلاما) ، ثم رجع إلى ذكر منازل أصحاب الميمنة فقال وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ لا شوك فيه، كأنه خضّد شوكها أي قطع ونزع.
ومنه
الحديث في المدينة: «لا يخضد شوكها ولا يعصر شجرها»
[[التبيان في تفسير القرآن: 9/ 496.]] وهذا قول ابن عباس وعكرمة وقسامة بن زهير.
وقال الحسن: لا تعقر الأيدي. قتادة: هو الذي لا يرد اليد منها شوك ولا بعد.
وقال الضحّاك ومجاهد ومقاتل بن حيان: هو الموقر حملا.
قال سعيد بن جبير: ثمرها أعظم من الفلال. وقال ابن كيسان: هو الذي لا أذى فيه.
قال: وليس شيء من ثمر الجنة في غلف كما تكون في الدنيا من الباقلاء وغيره، بل كلها مأكول ومشروب ومشموم ومنظور إليه.
قال أبو العالية والضحّاك: نظر المسلمون إلى وجّ وهو واد مخصب بالطائف، وأعجبهم سدرها.
وقالوا: يا ليت لنا مثل هذا، فأنزل الله عزّ وجل وَطَلْحٍ وموز واحدتها طلحة، عن أكثر المفسرين.
وقال الحسن: ليس هو موزا ولكنه شجر له ظلّ بارد طيب.
وقال الفراء وأبو عبيدة: الطلح عند العرب شجر عظام لها شوك.
قال بعض الحداة:
بشرها دليلها وقالا ... غدا ترين الطلح والجبالا
وأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن حيان، حدّثنا ابن مروان، حدّثنا أبي، حدّثنا إبراهيم بن عيسى، حدّثنا علي بن علي قال: زعم أبو حمزة الثمالي عن الحسن مولى الحسن بن علي أن عليا قرأ: وطلع منضود.
وأنبأني عقيل، أنبأنا المعافي محمد بن جرير، حدّثنا سعيد بن يحيى، حدّثنا أبي، حدّثنا مجالد عن الحسن بن سعد عن قيس بن سعد قال: قرأ رجل عند علي رضي الله عنه وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ فقال علي: «وما شأن الطلح؟ إنما هو طلع منضود» [[تفسير الطبري: 27/ 234 وفيه: ثم قرأ: طلعها هضيم، فقلنا: أولا نحولها.]] ثم قرأ «طَلْعٌ [نَضِيدٌ] منضود» .
فقلت: إنها في المصحف بالحاء فلا تحوّلها؟ فقال: «إن القرآن لا يهاج [اليوم] ولا يحوّل» [[تفسير القرطبي: 17/ 208.]] .
والمنضود: المتراكم الذي قد نضد بأكمله من أوله إلى آخره، ليست له سوق بارزة.
قال مسروق: أشجار الجنة من عروقها إلى أغصانها ثمر كله.
الواقعة 56:16
ثُلَّةٌ جماعة مِنَ الْأَوَّلِينَ أي الأمم الماضية وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ أمّة محمد ﷺ عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ مرمولة منسوجة مشبكة بالذهب والجواهر، قد اتّصل بعضها في بعض، كما توضن حلق الدرع [......] [[بياض في المخطوط.]] بعضها في بعض مضاعفة.
ومنه قول الأعشى:
ومن نسج داود موضونة ... تساق مع الحيّ عيرا فعيرا [[لسان العرب: 13/ 450.]]
وقال أيضا:
وبيضاء كالنهي موضونة لها ... قونس فوق جيب البدن [[تفسير القرطبي: 8/ 380.]]
ومنه وضين الناقة وهو البطان من السيور إذا نسج بعضه على بعض مضاعفا كحلق الدرع.
قال الكلبي: طول كل سرير ثلاثمائة ذراع، فإذا أراد العبد أن يجلس عليها تواضعت فإذا جلس عليها ارتفعت.
وقال الضحاك: مَوْضُونَةٍ مصفوفة، وهي رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. يقال:
آجر موضون إذا صفّ بعضها على بعض.
مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ في الزيارة لا ينظر بعضهم في قفا بعض يَطُوفُ عَلَيْهِمْ للخدمة وِلْدانٌ غلمان مُخَلَّدُونَ أي لا يموتون عن مجاهد، وقال الكلبي: لا يهرمون ولا يكبرون ولا ينقصون ولا يتغيرون، وليس كخدم الدنيا يتغيرون من حال إلى حال.
ابن كيسان: يعني [ولدانا مخلدين] [[في المخطوط: مخلدين ولدانا.]] لا يتحولون من حالة إلى حالة، عكرمة: منعمون.
سعيد بن جبير: مقرّطون.
قال المؤرّخ: ويقال للقرط الخلد.
قال الشاعر:
ومخلدات باللجين كأنما ... أعجازهن أفاوز الكثبان [[لسان العرب: 3/ 164.]]
وقال علي والحسن: «هم أولاد أهل الدنيا لم يكن لهم حسنات فيثابوا عليها ولا سيئات فيعاقبوا عليها، لأن الجنة لا ولادة فيها» [[كنز العمال: 14/ 498 ح 39412 وفيه عن الحسن بن علي.]] .
وفي الحديث: «أطفال الكفار خدم أهل الجنة» [[المصدر السابق وفيه: هم خدم أهل الجنة.]] .
بِأَكْوابٍ جمع كوب وَأَبارِيقَ جمع إبريق، سمي بذلك لبريق لونه وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ خمر جارية لا يُصَدَّعُونَ عَنْها لا تصدّع رؤوسهم عن شربها وَلا يُنْزِفُونَ وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ يختارون ويشتهون.
أخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن حبش، حدّثنا ذكّار، حدّثنا هناد، حدّثنا أبو معونة عن عبيد الله بن الوليد عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: «إن في الجنة لطيرا فيه سبعون ألف ريشة، فيجيء فيقع على صحيفة الرجل من أهل الجنة ثم ينتفض، فيخرج من كل ريشة لون أبيض من الثلج والبرد وألين من الزبد وأعذب من الشهد ليس فيه لون يشبه صاحبه ثم يطير فيذهب» [185] [[كنز العمال: 14/ 462- 463، والدر المنثور: 6/ 156.]] .
وَحُورٌ عِينٌ قرأ أبو جعفر وحمزة والكسائي والمفضل بكسر الواو والنون أي وبحور عين، أتبعوا الآخر الأول في الا عراب على اللفظ وإن اختلفا في المعنى، لأن الحور لا يطاف بهنّ، كقول الشاعر:
إذا ما الغانيات برزن يوما ... وزججن الحواجب والعيونا [[تفسير الطبري: 27/ 229.]]
والعين لا تزجج وإنما تكحل.
وقال الآخر: متقلدا سيفا ورمحا، ومثله كثير.
وقرأ إبراهيم النخعي واشهب العقيلي: (وحورا عينا) بالنصب، وكذلك هو في مصحف أبيّ، على معنى: ويزوّجون حورا عينا. وقال الأخفش: رفع بخبر الصفة، أي لهم حور عين.
وقيل: هو ابتداء وخبره فيما بعده.
أخبرنا الحسين، حدّثنا محمد بن الحسن بن صقلاب، حدّثنا أبو عبد الله محمد بن بشير ابن يوسف بن النضر، حدّثنا بكر بن سهل الدمياطي، حدّثنا عمرو بن هاشم، حدّثنا سليمان بن أبي كرعة، عن هشام بن حسان، عن الحسن، عن أمه، عن أم سلمة قالت: قلت: يا رسول الله أخبرني عن قول الله عزّ وجل حُورٌ عِينٌ؟ قال: «حور بيض عين ضخام العيون» [186] [[تفسير ابن كثير: 4/ 312، والمعجم الأوسط 3/ 278 بتفاوت.]] .
أخبرنا ابن فنجويه، حدّثنا ابن صقلاب، حدّثنا أبو بكر بن أبي الخصيب حدّثني محمد بن غالب حدّثنا الحرث بن خليفة، حدّثنا إسماعيل بن إبراهيم، عبد العزيز بن صهيب، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «خلق الحور العين من الزعفران» [187] [[المعجم الأوسط: 1/ 95، وتفسير الطبري: 27/ 231.]] .
وأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن يودة، حدّثنا عبيد بن عبد الواحد بن شريك البزاز، حدّثنا سليمان بن عبد الرحمن ابن بنت شرحبيل، حدّثنا خالد بن يزيد، عن أبي مالك، عن أبيه عن خالد بن معدان، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من عبد يدخل الجنة إلّا وهو يزوّج ثنتين وسبعين زوجة، ثنتين من الحور العين وسبعين من ميراثه من أهل النار، وليس منهن امرأة إلّا ولها قبل شهيّ وله ذكر لا ينثني» [188] [[سنن ابن ماجة: 2/ 1452 ح 4337.]] .
وأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا أحمد بن محمد بن علي، حدّثنا عثمان بن نصر البغدادي، حدّثنا محمد بن مهاجر أبو حنيف، حدّثنا حلبس بن محمد الكلابي، حدّثنا سفيان الثوري، عن منصور أو المغيرة، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «يسطع نور في الجنة فقالوا: ما هذا؟ قالوا: ضوء ثغر حوراء ضحكت في وجه زوجها» [189] [[تاريخ بغداد: 11/ 163.]] .
وروي أن الحوراء إن مشت سمع تقديس الخلاخيل من ساقيها وتمجيد الأسورة من ساعديها، وإن عقد الياقوت يضحك من نحرها، وفي رجليها نعلان من ذهب شراكها من لؤلؤ تصرّان بالتسبيح.
وكان يحيى بن معاذ الرازي يقول: اخطب زوجة [لا تسلبها] منك المنايا، وأعرس بها في دار لا يخربها دوران البلايا وشبّك لها حجلة لا تحرقها نيران الرزايا.
وقال مجاهد: سميت حورا لأنه يحار فيهن الطرف.
كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ المخزون في الصدف الذي لم تمسّه الأيدي جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً في نصبهما وجهان:
أحدهما: إتباع للقيل.
والثاني: على [[فيكون نصبه بوقوع القيل عليه.]] (يسمعون سلاما) ، ثم رجع إلى ذكر منازل أصحاب الميمنة فقال وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ لا شوك فيه، كأنه خضّد شوكها أي قطع ونزع.
ومنه
الحديث في المدينة: «لا يخضد شوكها ولا يعصر شجرها»
[[التبيان في تفسير القرآن: 9/ 496.]] وهذا قول ابن عباس وعكرمة وقسامة بن زهير.
وقال الحسن: لا تعقر الأيدي. قتادة: هو الذي لا يرد اليد منها شوك ولا بعد.
وقال الضحّاك ومجاهد ومقاتل بن حيان: هو الموقر حملا.
قال سعيد بن جبير: ثمرها أعظم من الفلال. وقال ابن كيسان: هو الذي لا أذى فيه.
قال: وليس شيء من ثمر الجنة في غلف كما تكون في الدنيا من الباقلاء وغيره، بل كلها مأكول ومشروب ومشموم ومنظور إليه.
قال أبو العالية والضحّاك: نظر المسلمون إلى وجّ وهو واد مخصب بالطائف، وأعجبهم سدرها.
وقالوا: يا ليت لنا مثل هذا، فأنزل الله عزّ وجل وَطَلْحٍ وموز واحدتها طلحة، عن أكثر المفسرين.
وقال الحسن: ليس هو موزا ولكنه شجر له ظلّ بارد طيب.
وقال الفراء وأبو عبيدة: الطلح عند العرب شجر عظام لها شوك.
قال بعض الحداة:
بشرها دليلها وقالا ... غدا ترين الطلح والجبالا
وأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن حيان، حدّثنا ابن مروان، حدّثنا أبي، حدّثنا إبراهيم بن عيسى، حدّثنا علي بن علي قال: زعم أبو حمزة الثمالي عن الحسن مولى الحسن بن علي أن عليا قرأ: وطلع منضود.
وأنبأني عقيل، أنبأنا المعافي محمد بن جرير، حدّثنا سعيد بن يحيى، حدّثنا أبي، حدّثنا مجالد عن الحسن بن سعد عن قيس بن سعد قال: قرأ رجل عند علي رضي الله عنه وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ فقال علي: «وما شأن الطلح؟ إنما هو طلع منضود» [[تفسير الطبري: 27/ 234 وفيه: ثم قرأ: طلعها هضيم، فقلنا: أولا نحولها.]] ثم قرأ «طَلْعٌ [نَضِيدٌ] منضود» .
فقلت: إنها في المصحف بالحاء فلا تحوّلها؟ فقال: «إن القرآن لا يهاج [اليوم] ولا يحوّل» [[تفسير القرطبي: 17/ 208.]] .
والمنضود: المتراكم الذي قد نضد بأكمله من أوله إلى آخره، ليست له سوق بارزة.
قال مسروق: أشجار الجنة من عروقها إلى أغصانها ثمر كله.
الواقعة 56:17
ثُلَّةٌ جماعة مِنَ الْأَوَّلِينَ أي الأمم الماضية وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ أمّة محمد ﷺ عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ مرمولة منسوجة مشبكة بالذهب والجواهر، قد اتّصل بعضها في بعض، كما توضن حلق الدرع [......] [[بياض في المخطوط.]] بعضها في بعض مضاعفة.
ومنه قول الأعشى:
ومن نسج داود موضونة ... تساق مع الحيّ عيرا فعيرا [[لسان العرب: 13/ 450.]]
وقال أيضا:
وبيضاء كالنهي موضونة لها ... قونس فوق جيب البدن [[تفسير القرطبي: 8/ 380.]]
ومنه وضين الناقة وهو البطان من السيور إذا نسج بعضه على بعض مضاعفا كحلق الدرع.
قال الكلبي: طول كل سرير ثلاثمائة ذراع، فإذا أراد العبد أن يجلس عليها تواضعت فإذا جلس عليها ارتفعت.
وقال الضحاك: مَوْضُونَةٍ مصفوفة، وهي رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. يقال:
آجر موضون إذا صفّ بعضها على بعض.
مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ في الزيارة لا ينظر بعضهم في قفا بعض يَطُوفُ عَلَيْهِمْ للخدمة وِلْدانٌ غلمان مُخَلَّدُونَ أي لا يموتون عن مجاهد، وقال الكلبي: لا يهرمون ولا يكبرون ولا ينقصون ولا يتغيرون، وليس كخدم الدنيا يتغيرون من حال إلى حال.
ابن كيسان: يعني [ولدانا مخلدين] [[في المخطوط: مخلدين ولدانا.]] لا يتحولون من حالة إلى حالة، عكرمة: منعمون.
سعيد بن جبير: مقرّطون.
قال المؤرّخ: ويقال للقرط الخلد.
قال الشاعر:
ومخلدات باللجين كأنما ... أعجازهن أفاوز الكثبان [[لسان العرب: 3/ 164.]]
وقال علي والحسن: «هم أولاد أهل الدنيا لم يكن لهم حسنات فيثابوا عليها ولا سيئات فيعاقبوا عليها، لأن الجنة لا ولادة فيها» [[كنز العمال: 14/ 498 ح 39412 وفيه عن الحسن بن علي.]] .
وفي الحديث: «أطفال الكفار خدم أهل الجنة» [[المصدر السابق وفيه: هم خدم أهل الجنة.]] .
بِأَكْوابٍ جمع كوب وَأَبارِيقَ جمع إبريق، سمي بذلك لبريق لونه وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ خمر جارية لا يُصَدَّعُونَ عَنْها لا تصدّع رؤوسهم عن شربها وَلا يُنْزِفُونَ وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ يختارون ويشتهون.
أخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن حبش، حدّثنا ذكّار، حدّثنا هناد، حدّثنا أبو معونة عن عبيد الله بن الوليد عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: «إن في الجنة لطيرا فيه سبعون ألف ريشة، فيجيء فيقع على صحيفة الرجل من أهل الجنة ثم ينتفض، فيخرج من كل ريشة لون أبيض من الثلج والبرد وألين من الزبد وأعذب من الشهد ليس فيه لون يشبه صاحبه ثم يطير فيذهب» [185] [[كنز العمال: 14/ 462- 463، والدر المنثور: 6/ 156.]] .
وَحُورٌ عِينٌ قرأ أبو جعفر وحمزة والكسائي والمفضل بكسر الواو والنون أي وبحور عين، أتبعوا الآخر الأول في الا عراب على اللفظ وإن اختلفا في المعنى، لأن الحور لا يطاف بهنّ، كقول الشاعر:
إذا ما الغانيات برزن يوما ... وزججن الحواجب والعيونا [[تفسير الطبري: 27/ 229.]]
والعين لا تزجج وإنما تكحل.
وقال الآخر: متقلدا سيفا ورمحا، ومثله كثير.
وقرأ إبراهيم النخعي واشهب العقيلي: (وحورا عينا) بالنصب، وكذلك هو في مصحف أبيّ، على معنى: ويزوّجون حورا عينا. وقال الأخفش: رفع بخبر الصفة، أي لهم حور عين.
وقيل: هو ابتداء وخبره فيما بعده.
أخبرنا الحسين، حدّثنا محمد بن الحسن بن صقلاب، حدّثنا أبو عبد الله محمد بن بشير ابن يوسف بن النضر، حدّثنا بكر بن سهل الدمياطي، حدّثنا عمرو بن هاشم، حدّثنا سليمان بن أبي كرعة، عن هشام بن حسان، عن الحسن، عن أمه، عن أم سلمة قالت: قلت: يا رسول الله أخبرني عن قول الله عزّ وجل حُورٌ عِينٌ؟ قال: «حور بيض عين ضخام العيون» [186] [[تفسير ابن كثير: 4/ 312، والمعجم الأوسط 3/ 278 بتفاوت.]] .
أخبرنا ابن فنجويه، حدّثنا ابن صقلاب، حدّثنا أبو بكر بن أبي الخصيب حدّثني محمد بن غالب حدّثنا الحرث بن خليفة، حدّثنا إسماعيل بن إبراهيم، عبد العزيز بن صهيب، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «خلق الحور العين من الزعفران» [187] [[المعجم الأوسط: 1/ 95، وتفسير الطبري: 27/ 231.]] .
وأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن يودة، حدّثنا عبيد بن عبد الواحد بن شريك البزاز، حدّثنا سليمان بن عبد الرحمن ابن بنت شرحبيل، حدّثنا خالد بن يزيد، عن أبي مالك، عن أبيه عن خالد بن معدان، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من عبد يدخل الجنة إلّا وهو يزوّج ثنتين وسبعين زوجة، ثنتين من الحور العين وسبعين من ميراثه من أهل النار، وليس منهن امرأة إلّا ولها قبل شهيّ وله ذكر لا ينثني» [188] [[سنن ابن ماجة: 2/ 1452 ح 4337.]] .
وأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا أحمد بن محمد بن علي، حدّثنا عثمان بن نصر البغدادي، حدّثنا محمد بن مهاجر أبو حنيف، حدّثنا حلبس بن محمد الكلابي، حدّثنا سفيان الثوري، عن منصور أو المغيرة، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «يسطع نور في الجنة فقالوا: ما هذا؟ قالوا: ضوء ثغر حوراء ضحكت في وجه زوجها» [189] [[تاريخ بغداد: 11/ 163.]] .
وروي أن الحوراء إن مشت سمع تقديس الخلاخيل من ساقيها وتمجيد الأسورة من ساعديها، وإن عقد الياقوت يضحك من نحرها، وفي رجليها نعلان من ذهب شراكها من لؤلؤ تصرّان بالتسبيح.
وكان يحيى بن معاذ الرازي يقول: اخطب زوجة [لا تسلبها] منك المنايا، وأعرس بها في دار لا يخربها دوران البلايا وشبّك لها حجلة لا تحرقها نيران الرزايا.
وقال مجاهد: سميت حورا لأنه يحار فيهن الطرف.
كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ المخزون في الصدف الذي لم تمسّه الأيدي جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً في نصبهما وجهان:
أحدهما: إتباع للقيل.
والثاني: على [[فيكون نصبه بوقوع القيل عليه.]] (يسمعون سلاما) ، ثم رجع إلى ذكر منازل أصحاب الميمنة فقال وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ لا شوك فيه، كأنه خضّد شوكها أي قطع ونزع.
ومنه
الحديث في المدينة: «لا يخضد شوكها ولا يعصر شجرها»
[[التبيان في تفسير القرآن: 9/ 496.]] وهذا قول ابن عباس وعكرمة وقسامة بن زهير.
وقال الحسن: لا تعقر الأيدي. قتادة: هو الذي لا يرد اليد منها شوك ولا بعد.
وقال الضحّاك ومجاهد ومقاتل بن حيان: هو الموقر حملا.
قال سعيد بن جبير: ثمرها أعظم من الفلال. وقال ابن كيسان: هو الذي لا أذى فيه.
قال: وليس شيء من ثمر الجنة في غلف كما تكون في الدنيا من الباقلاء وغيره، بل كلها مأكول ومشروب ومشموم ومنظور إليه.
قال أبو العالية والضحّاك: نظر المسلمون إلى وجّ وهو واد مخصب بالطائف، وأعجبهم سدرها.
وقالوا: يا ليت لنا مثل هذا، فأنزل الله عزّ وجل وَطَلْحٍ وموز واحدتها طلحة، عن أكثر المفسرين.
وقال الحسن: ليس هو موزا ولكنه شجر له ظلّ بارد طيب.
وقال الفراء وأبو عبيدة: الطلح عند العرب شجر عظام لها شوك.
قال بعض الحداة:
بشرها دليلها وقالا ... غدا ترين الطلح والجبالا
وأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن حيان، حدّثنا ابن مروان، حدّثنا أبي، حدّثنا إبراهيم بن عيسى، حدّثنا علي بن علي قال: زعم أبو حمزة الثمالي عن الحسن مولى الحسن بن علي أن عليا قرأ: وطلع منضود.
وأنبأني عقيل، أنبأنا المعافي محمد بن جرير، حدّثنا سعيد بن يحيى، حدّثنا أبي، حدّثنا مجالد عن الحسن بن سعد عن قيس بن سعد قال: قرأ رجل عند علي رضي الله عنه وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ فقال علي: «وما شأن الطلح؟ إنما هو طلع منضود» [[تفسير الطبري: 27/ 234 وفيه: ثم قرأ: طلعها هضيم، فقلنا: أولا نحولها.]] ثم قرأ «طَلْعٌ [نَضِيدٌ] منضود» .
فقلت: إنها في المصحف بالحاء فلا تحوّلها؟ فقال: «إن القرآن لا يهاج [اليوم] ولا يحوّل» [[تفسير القرطبي: 17/ 208.]] .
والمنضود: المتراكم الذي قد نضد بأكمله من أوله إلى آخره، ليست له سوق بارزة.
قال مسروق: أشجار الجنة من عروقها إلى أغصانها ثمر كله.
الواقعة 56:18
ثُلَّةٌ جماعة مِنَ الْأَوَّلِينَ أي الأمم الماضية وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ أمّة محمد ﷺ عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ مرمولة منسوجة مشبكة بالذهب والجواهر، قد اتّصل بعضها في بعض، كما توضن حلق الدرع [......] [[بياض في المخطوط.]] بعضها في بعض مضاعفة.
ومنه قول الأعشى:
ومن نسج داود موضونة ... تساق مع الحيّ عيرا فعيرا [[لسان العرب: 13/ 450.]]
وقال أيضا:
وبيضاء كالنهي موضونة لها ... قونس فوق جيب البدن [[تفسير القرطبي: 8/ 380.]]
ومنه وضين الناقة وهو البطان من السيور إذا نسج بعضه على بعض مضاعفا كحلق الدرع.
قال الكلبي: طول كل سرير ثلاثمائة ذراع، فإذا أراد العبد أن يجلس عليها تواضعت فإذا جلس عليها ارتفعت.
وقال الضحاك: مَوْضُونَةٍ مصفوفة، وهي رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. يقال:
آجر موضون إذا صفّ بعضها على بعض.
مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ في الزيارة لا ينظر بعضهم في قفا بعض يَطُوفُ عَلَيْهِمْ للخدمة وِلْدانٌ غلمان مُخَلَّدُونَ أي لا يموتون عن مجاهد، وقال الكلبي: لا يهرمون ولا يكبرون ولا ينقصون ولا يتغيرون، وليس كخدم الدنيا يتغيرون من حال إلى حال.
ابن كيسان: يعني [ولدانا مخلدين] [[في المخطوط: مخلدين ولدانا.]] لا يتحولون من حالة إلى حالة، عكرمة: منعمون.
سعيد بن جبير: مقرّطون.
قال المؤرّخ: ويقال للقرط الخلد.
قال الشاعر:
ومخلدات باللجين كأنما ... أعجازهن أفاوز الكثبان [[لسان العرب: 3/ 164.]]
وقال علي والحسن: «هم أولاد أهل الدنيا لم يكن لهم حسنات فيثابوا عليها ولا سيئات فيعاقبوا عليها، لأن الجنة لا ولادة فيها» [[كنز العمال: 14/ 498 ح 39412 وفيه عن الحسن بن علي.]] .
وفي الحديث: «أطفال الكفار خدم أهل الجنة» [[المصدر السابق وفيه: هم خدم أهل الجنة.]] .
بِأَكْوابٍ جمع كوب وَأَبارِيقَ جمع إبريق، سمي بذلك لبريق لونه وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ خمر جارية لا يُصَدَّعُونَ عَنْها لا تصدّع رؤوسهم عن شربها وَلا يُنْزِفُونَ وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ يختارون ويشتهون.
أخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن حبش، حدّثنا ذكّار، حدّثنا هناد، حدّثنا أبو معونة عن عبيد الله بن الوليد عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: «إن في الجنة لطيرا فيه سبعون ألف ريشة، فيجيء فيقع على صحيفة الرجل من أهل الجنة ثم ينتفض، فيخرج من كل ريشة لون أبيض من الثلج والبرد وألين من الزبد وأعذب من الشهد ليس فيه لون يشبه صاحبه ثم يطير فيذهب» [185] [[كنز العمال: 14/ 462- 463، والدر المنثور: 6/ 156.]] .
وَحُورٌ عِينٌ قرأ أبو جعفر وحمزة والكسائي والمفضل بكسر الواو والنون أي وبحور عين، أتبعوا الآخر الأول في الا عراب على اللفظ وإن اختلفا في المعنى، لأن الحور لا يطاف بهنّ، كقول الشاعر:
إذا ما الغانيات برزن يوما ... وزججن الحواجب والعيونا [[تفسير الطبري: 27/ 229.]]
والعين لا تزجج وإنما تكحل.
وقال الآخر: متقلدا سيفا ورمحا، ومثله كثير.
وقرأ إبراهيم النخعي واشهب العقيلي: (وحورا عينا) بالنصب، وكذلك هو في مصحف أبيّ، على معنى: ويزوّجون حورا عينا. وقال الأخفش: رفع بخبر الصفة، أي لهم حور عين.
وقيل: هو ابتداء وخبره فيما بعده.
أخبرنا الحسين، حدّثنا محمد بن الحسن بن صقلاب، حدّثنا أبو عبد الله محمد بن بشير ابن يوسف بن النضر، حدّثنا بكر بن سهل الدمياطي، حدّثنا عمرو بن هاشم، حدّثنا سليمان بن أبي كرعة، عن هشام بن حسان، عن الحسن، عن أمه، عن أم سلمة قالت: قلت: يا رسول الله أخبرني عن قول الله عزّ وجل حُورٌ عِينٌ؟ قال: «حور بيض عين ضخام العيون» [186] [[تفسير ابن كثير: 4/ 312، والمعجم الأوسط 3/ 278 بتفاوت.]] .
أخبرنا ابن فنجويه، حدّثنا ابن صقلاب، حدّثنا أبو بكر بن أبي الخصيب حدّثني محمد بن غالب حدّثنا الحرث بن خليفة، حدّثنا إسماعيل بن إبراهيم، عبد العزيز بن صهيب، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «خلق الحور العين من الزعفران» [187] [[المعجم الأوسط: 1/ 95، وتفسير الطبري: 27/ 231.]] .
وأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن يودة، حدّثنا عبيد بن عبد الواحد بن شريك البزاز، حدّثنا سليمان بن عبد الرحمن ابن بنت شرحبيل، حدّثنا خالد بن يزيد، عن أبي مالك، عن أبيه عن خالد بن معدان، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من عبد يدخل الجنة إلّا وهو يزوّج ثنتين وسبعين زوجة، ثنتين من الحور العين وسبعين من ميراثه من أهل النار، وليس منهن امرأة إلّا ولها قبل شهيّ وله ذكر لا ينثني» [188] [[سنن ابن ماجة: 2/ 1452 ح 4337.]] .
وأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا أحمد بن محمد بن علي، حدّثنا عثمان بن نصر البغدادي، حدّثنا محمد بن مهاجر أبو حنيف، حدّثنا حلبس بن محمد الكلابي، حدّثنا سفيان الثوري، عن منصور أو المغيرة، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «يسطع نور في الجنة فقالوا: ما هذا؟ قالوا: ضوء ثغر حوراء ضحكت في وجه زوجها» [189] [[تاريخ بغداد: 11/ 163.]] .
وروي أن الحوراء إن مشت سمع تقديس الخلاخيل من ساقيها وتمجيد الأسورة من ساعديها، وإن عقد الياقوت يضحك من نحرها، وفي رجليها نعلان من ذهب شراكها من لؤلؤ تصرّان بالتسبيح.
وكان يحيى بن معاذ الرازي يقول: اخطب زوجة [لا تسلبها] منك المنايا، وأعرس بها في دار لا يخربها دوران البلايا وشبّك لها حجلة لا تحرقها نيران الرزايا.
وقال مجاهد: سميت حورا لأنه يحار فيهن الطرف.
كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ المخزون في الصدف الذي لم تمسّه الأيدي جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً في نصبهما وجهان:
أحدهما: إتباع للقيل.
والثاني: على [[فيكون نصبه بوقوع القيل عليه.]] (يسمعون سلاما) ، ثم رجع إلى ذكر منازل أصحاب الميمنة فقال وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ لا شوك فيه، كأنه خضّد شوكها أي قطع ونزع.
ومنه
الحديث في المدينة: «لا يخضد شوكها ولا يعصر شجرها»
[[التبيان في تفسير القرآن: 9/ 496.]] وهذا قول ابن عباس وعكرمة وقسامة بن زهير.
وقال الحسن: لا تعقر الأيدي. قتادة: هو الذي لا يرد اليد منها شوك ولا بعد.
وقال الضحّاك ومجاهد ومقاتل بن حيان: هو الموقر حملا.
قال سعيد بن جبير: ثمرها أعظم من الفلال. وقال ابن كيسان: هو الذي لا أذى فيه.
قال: وليس شيء من ثمر الجنة في غلف كما تكون في الدنيا من الباقلاء وغيره، بل كلها مأكول ومشروب ومشموم ومنظور إليه.
قال أبو العالية والضحّاك: نظر المسلمون إلى وجّ وهو واد مخصب بالطائف، وأعجبهم سدرها.
وقالوا: يا ليت لنا مثل هذا، فأنزل الله عزّ وجل وَطَلْحٍ وموز واحدتها طلحة، عن أكثر المفسرين.
وقال الحسن: ليس هو موزا ولكنه شجر له ظلّ بارد طيب.
وقال الفراء وأبو عبيدة: الطلح عند العرب شجر عظام لها شوك.
قال بعض الحداة:
بشرها دليلها وقالا ... غدا ترين الطلح والجبالا
وأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن حيان، حدّثنا ابن مروان، حدّثنا أبي، حدّثنا إبراهيم بن عيسى، حدّثنا علي بن علي قال: زعم أبو حمزة الثمالي عن الحسن مولى الحسن بن علي أن عليا قرأ: وطلع منضود.
وأنبأني عقيل، أنبأنا المعافي محمد بن جرير، حدّثنا سعيد بن يحيى، حدّثنا أبي، حدّثنا مجالد عن الحسن بن سعد عن قيس بن سعد قال: قرأ رجل عند علي رضي الله عنه وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ فقال علي: «وما شأن الطلح؟ إنما هو طلع منضود» [[تفسير الطبري: 27/ 234 وفيه: ثم قرأ: طلعها هضيم، فقلنا: أولا نحولها.]] ثم قرأ «طَلْعٌ [نَضِيدٌ] منضود» .
فقلت: إنها في المصحف بالحاء فلا تحوّلها؟ فقال: «إن القرآن لا يهاج [اليوم] ولا يحوّل» [[تفسير القرطبي: 17/ 208.]] .
والمنضود: المتراكم الذي قد نضد بأكمله من أوله إلى آخره، ليست له سوق بارزة.
قال مسروق: أشجار الجنة من عروقها إلى أغصانها ثمر كله.
الواقعة 56:19
ثُلَّةٌ جماعة مِنَ الْأَوَّلِينَ أي الأمم الماضية وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ أمّة محمد ﷺ عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ مرمولة منسوجة مشبكة بالذهب والجواهر، قد اتّصل بعضها في بعض، كما توضن حلق الدرع [......] [[بياض في المخطوط.]] بعضها في بعض مضاعفة.
ومنه قول الأعشى:
ومن نسج داود موضونة ... تساق مع الحيّ عيرا فعيرا [[لسان العرب: 13/ 450.]]
وقال أيضا:
وبيضاء كالنهي موضونة لها ... قونس فوق جيب البدن [[تفسير القرطبي: 8/ 380.]]
ومنه وضين الناقة وهو البطان من السيور إذا نسج بعضه على بعض مضاعفا كحلق الدرع.
قال الكلبي: طول كل سرير ثلاثمائة ذراع، فإذا أراد العبد أن يجلس عليها تواضعت فإذا جلس عليها ارتفعت.
وقال الضحاك: مَوْضُونَةٍ مصفوفة، وهي رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. يقال:
آجر موضون إذا صفّ بعضها على بعض.
مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ في الزيارة لا ينظر بعضهم في قفا بعض يَطُوفُ عَلَيْهِمْ للخدمة وِلْدانٌ غلمان مُخَلَّدُونَ أي لا يموتون عن مجاهد، وقال الكلبي: لا يهرمون ولا يكبرون ولا ينقصون ولا يتغيرون، وليس كخدم الدنيا يتغيرون من حال إلى حال.
ابن كيسان: يعني [ولدانا مخلدين] [[في المخطوط: مخلدين ولدانا.]] لا يتحولون من حالة إلى حالة، عكرمة: منعمون.
سعيد بن جبير: مقرّطون.
قال المؤرّخ: ويقال للقرط الخلد.
قال الشاعر:
ومخلدات باللجين كأنما ... أعجازهن أفاوز الكثبان [[لسان العرب: 3/ 164.]]
وقال علي والحسن: «هم أولاد أهل الدنيا لم يكن لهم حسنات فيثابوا عليها ولا سيئات فيعاقبوا عليها، لأن الجنة لا ولادة فيها» [[كنز العمال: 14/ 498 ح 39412 وفيه عن الحسن بن علي.]] .
وفي الحديث: «أطفال الكفار خدم أهل الجنة» [[المصدر السابق وفيه: هم خدم أهل الجنة.]] .
بِأَكْوابٍ جمع كوب وَأَبارِيقَ جمع إبريق، سمي بذلك لبريق لونه وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ خمر جارية لا يُصَدَّعُونَ عَنْها لا تصدّع رؤوسهم عن شربها وَلا يُنْزِفُونَ وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ يختارون ويشتهون.
أخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن حبش، حدّثنا ذكّار، حدّثنا هناد، حدّثنا أبو معونة عن عبيد الله بن الوليد عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: «إن في الجنة لطيرا فيه سبعون ألف ريشة، فيجيء فيقع على صحيفة الرجل من أهل الجنة ثم ينتفض، فيخرج من كل ريشة لون أبيض من الثلج والبرد وألين من الزبد وأعذب من الشهد ليس فيه لون يشبه صاحبه ثم يطير فيذهب» [185] [[كنز العمال: 14/ 462- 463، والدر المنثور: 6/ 156.]] .
وَحُورٌ عِينٌ قرأ أبو جعفر وحمزة والكسائي والمفضل بكسر الواو والنون أي وبحور عين، أتبعوا الآخر الأول في الا عراب على اللفظ وإن اختلفا في المعنى، لأن الحور لا يطاف بهنّ، كقول الشاعر:
إذا ما الغانيات برزن يوما ... وزججن الحواجب والعيونا [[تفسير الطبري: 27/ 229.]]
والعين لا تزجج وإنما تكحل.
وقال الآخر: متقلدا سيفا ورمحا، ومثله كثير.
وقرأ إبراهيم النخعي واشهب العقيلي: (وحورا عينا) بالنصب، وكذلك هو في مصحف أبيّ، على معنى: ويزوّجون حورا عينا. وقال الأخفش: رفع بخبر الصفة، أي لهم حور عين.
وقيل: هو ابتداء وخبره فيما بعده.
أخبرنا الحسين، حدّثنا محمد بن الحسن بن صقلاب، حدّثنا أبو عبد الله محمد بن بشير ابن يوسف بن النضر، حدّثنا بكر بن سهل الدمياطي، حدّثنا عمرو بن هاشم، حدّثنا سليمان بن أبي كرعة، عن هشام بن حسان، عن الحسن، عن أمه، عن أم سلمة قالت: قلت: يا رسول الله أخبرني عن قول الله عزّ وجل حُورٌ عِينٌ؟ قال: «حور بيض عين ضخام العيون» [186] [[تفسير ابن كثير: 4/ 312، والمعجم الأوسط 3/ 278 بتفاوت.]] .
أخبرنا ابن فنجويه، حدّثنا ابن صقلاب، حدّثنا أبو بكر بن أبي الخصيب حدّثني محمد بن غالب حدّثنا الحرث بن خليفة، حدّثنا إسماعيل بن إبراهيم، عبد العزيز بن صهيب، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «خلق الحور العين من الزعفران» [187] [[المعجم الأوسط: 1/ 95، وتفسير الطبري: 27/ 231.]] .
وأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن يودة، حدّثنا عبيد بن عبد الواحد بن شريك البزاز، حدّثنا سليمان بن عبد الرحمن ابن بنت شرحبيل، حدّثنا خالد بن يزيد، عن أبي مالك، عن أبيه عن خالد بن معدان، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من عبد يدخل الجنة إلّا وهو يزوّج ثنتين وسبعين زوجة، ثنتين من الحور العين وسبعين من ميراثه من أهل النار، وليس منهن امرأة إلّا ولها قبل شهيّ وله ذكر لا ينثني» [188] [[سنن ابن ماجة: 2/ 1452 ح 4337.]] .
وأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا أحمد بن محمد بن علي، حدّثنا عثمان بن نصر البغدادي، حدّثنا محمد بن مهاجر أبو حنيف، حدّثنا حلبس بن محمد الكلابي، حدّثنا سفيان الثوري، عن منصور أو المغيرة، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «يسطع نور في الجنة فقالوا: ما هذا؟ قالوا: ضوء ثغر حوراء ضحكت في وجه زوجها» [189] [[تاريخ بغداد: 11/ 163.]] .
وروي أن الحوراء إن مشت سمع تقديس الخلاخيل من ساقيها وتمجيد الأسورة من ساعديها، وإن عقد الياقوت يضحك من نحرها، وفي رجليها نعلان من ذهب شراكها من لؤلؤ تصرّان بالتسبيح.
وكان يحيى بن معاذ الرازي يقول: اخطب زوجة [لا تسلبها] منك المنايا، وأعرس بها في دار لا يخربها دوران البلايا وشبّك لها حجلة لا تحرقها نيران الرزايا.
وقال مجاهد: سميت حورا لأنه يحار فيهن الطرف.
كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ المخزون في الصدف الذي لم تمسّه الأيدي جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً في نصبهما وجهان:
أحدهما: إتباع للقيل.
والثاني: على [[فيكون نصبه بوقوع القيل عليه.]] (يسمعون سلاما) ، ثم رجع إلى ذكر منازل أصحاب الميمنة فقال وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ لا شوك فيه، كأنه خضّد شوكها أي قطع ونزع.
ومنه
الحديث في المدينة: «لا يخضد شوكها ولا يعصر شجرها»
[[التبيان في تفسير القرآن: 9/ 496.]] وهذا قول ابن عباس وعكرمة وقسامة بن زهير.
وقال الحسن: لا تعقر الأيدي. قتادة: هو الذي لا يرد اليد منها شوك ولا بعد.
وقال الضحّاك ومجاهد ومقاتل بن حيان: هو الموقر حملا.
قال سعيد بن جبير: ثمرها أعظم من الفلال. وقال ابن كيسان: هو الذي لا أذى فيه.
قال: وليس شيء من ثمر الجنة في غلف كما تكون في الدنيا من الباقلاء وغيره، بل كلها مأكول ومشروب ومشموم ومنظور إليه.
قال أبو العالية والضحّاك: نظر المسلمون إلى وجّ وهو واد مخصب بالطائف، وأعجبهم سدرها.
وقالوا: يا ليت لنا مثل هذا، فأنزل الله عزّ وجل وَطَلْحٍ وموز واحدتها طلحة، عن أكثر المفسرين.
وقال الحسن: ليس هو موزا ولكنه شجر له ظلّ بارد طيب.
وقال الفراء وأبو عبيدة: الطلح عند العرب شجر عظام لها شوك.
قال بعض الحداة:
بشرها دليلها وقالا ... غدا ترين الطلح والجبالا
وأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن حيان، حدّثنا ابن مروان، حدّثنا أبي، حدّثنا إبراهيم بن عيسى، حدّثنا علي بن علي قال: زعم أبو حمزة الثمالي عن الحسن مولى الحسن بن علي أن عليا قرأ: وطلع منضود.
وأنبأني عقيل، أنبأنا المعافي محمد بن جرير، حدّثنا سعيد بن يحيى، حدّثنا أبي، حدّثنا مجالد عن الحسن بن سعد عن قيس بن سعد قال: قرأ رجل عند علي رضي الله عنه وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ فقال علي: «وما شأن الطلح؟ إنما هو طلع منضود» [[تفسير الطبري: 27/ 234 وفيه: ثم قرأ: طلعها هضيم، فقلنا: أولا نحولها.]] ثم قرأ «طَلْعٌ [نَضِيدٌ] منضود» .
فقلت: إنها في المصحف بالحاء فلا تحوّلها؟ فقال: «إن القرآن لا يهاج [اليوم] ولا يحوّل» [[تفسير القرطبي: 17/ 208.]] .
والمنضود: المتراكم الذي قد نضد بأكمله من أوله إلى آخره، ليست له سوق بارزة.
قال مسروق: أشجار الجنة من عروقها إلى أغصانها ثمر كله.
الواقعة 56:20
ثُلَّةٌ جماعة مِنَ الْأَوَّلِينَ أي الأمم الماضية وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ أمّة محمد ﷺ عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ مرمولة منسوجة مشبكة بالذهب والجواهر، قد اتّصل بعضها في بعض، كما توضن حلق الدرع [......] [[بياض في المخطوط.]] بعضها في بعض مضاعفة.
ومنه قول الأعشى:
ومن نسج داود موضونة ... تساق مع الحيّ عيرا فعيرا [[لسان العرب: 13/ 450.]]
وقال أيضا:
وبيضاء كالنهي موضونة لها ... قونس فوق جيب البدن [[تفسير القرطبي: 8/ 380.]]
ومنه وضين الناقة وهو البطان من السيور إذا نسج بعضه على بعض مضاعفا كحلق الدرع.
قال الكلبي: طول كل سرير ثلاثمائة ذراع، فإذا أراد العبد أن يجلس عليها تواضعت فإذا جلس عليها ارتفعت.
وقال الضحاك: مَوْضُونَةٍ مصفوفة، وهي رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. يقال:
آجر موضون إذا صفّ بعضها على بعض.
مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ في الزيارة لا ينظر بعضهم في قفا بعض يَطُوفُ عَلَيْهِمْ للخدمة وِلْدانٌ غلمان مُخَلَّدُونَ أي لا يموتون عن مجاهد، وقال الكلبي: لا يهرمون ولا يكبرون ولا ينقصون ولا يتغيرون، وليس كخدم الدنيا يتغيرون من حال إلى حال.
ابن كيسان: يعني [ولدانا مخلدين] [[في المخطوط: مخلدين ولدانا.]] لا يتحولون من حالة إلى حالة، عكرمة: منعمون.
سعيد بن جبير: مقرّطون.
قال المؤرّخ: ويقال للقرط الخلد.
قال الشاعر:
ومخلدات باللجين كأنما ... أعجازهن أفاوز الكثبان [[لسان العرب: 3/ 164.]]
وقال علي والحسن: «هم أولاد أهل الدنيا لم يكن لهم حسنات فيثابوا عليها ولا سيئات فيعاقبوا عليها، لأن الجنة لا ولادة فيها» [[كنز العمال: 14/ 498 ح 39412 وفيه عن الحسن بن علي.]] .
وفي الحديث: «أطفال الكفار خدم أهل الجنة» [[المصدر السابق وفيه: هم خدم أهل الجنة.]] .
بِأَكْوابٍ جمع كوب وَأَبارِيقَ جمع إبريق، سمي بذلك لبريق لونه وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ خمر جارية لا يُصَدَّعُونَ عَنْها لا تصدّع رؤوسهم عن شربها وَلا يُنْزِفُونَ وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ يختارون ويشتهون.
أخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن حبش، حدّثنا ذكّار، حدّثنا هناد، حدّثنا أبو معونة عن عبيد الله بن الوليد عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: «إن في الجنة لطيرا فيه سبعون ألف ريشة، فيجيء فيقع على صحيفة الرجل من أهل الجنة ثم ينتفض، فيخرج من كل ريشة لون أبيض من الثلج والبرد وألين من الزبد وأعذب من الشهد ليس فيه لون يشبه صاحبه ثم يطير فيذهب» [185] [[كنز العمال: 14/ 462- 463، والدر المنثور: 6/ 156.]] .
وَحُورٌ عِينٌ قرأ أبو جعفر وحمزة والكسائي والمفضل بكسر الواو والنون أي وبحور عين، أتبعوا الآخر الأول في الا عراب على اللفظ وإن اختلفا في المعنى، لأن الحور لا يطاف بهنّ، كقول الشاعر:
إذا ما الغانيات برزن يوما ... وزججن الحواجب والعيونا [[تفسير الطبري: 27/ 229.]]
والعين لا تزجج وإنما تكحل.
وقال الآخر: متقلدا سيفا ورمحا، ومثله كثير.
وقرأ إبراهيم النخعي واشهب العقيلي: (وحورا عينا) بالنصب، وكذلك هو في مصحف أبيّ، على معنى: ويزوّجون حورا عينا. وقال الأخفش: رفع بخبر الصفة، أي لهم حور عين.
وقيل: هو ابتداء وخبره فيما بعده.
أخبرنا الحسين، حدّثنا محمد بن الحسن بن صقلاب، حدّثنا أبو عبد الله محمد بن بشير ابن يوسف بن النضر، حدّثنا بكر بن سهل الدمياطي، حدّثنا عمرو بن هاشم، حدّثنا سليمان بن أبي كرعة، عن هشام بن حسان، عن الحسن، عن أمه، عن أم سلمة قالت: قلت: يا رسول الله أخبرني عن قول الله عزّ وجل حُورٌ عِينٌ؟ قال: «حور بيض عين ضخام العيون» [186] [[تفسير ابن كثير: 4/ 312، والمعجم الأوسط 3/ 278 بتفاوت.]] .
أخبرنا ابن فنجويه، حدّثنا ابن صقلاب، حدّثنا أبو بكر بن أبي الخصيب حدّثني محمد بن غالب حدّثنا الحرث بن خليفة، حدّثنا إسماعيل بن إبراهيم، عبد العزيز بن صهيب، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «خلق الحور العين من الزعفران» [187] [[المعجم الأوسط: 1/ 95، وتفسير الطبري: 27/ 231.]] .
وأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن يودة، حدّثنا عبيد بن عبد الواحد بن شريك البزاز، حدّثنا سليمان بن عبد الرحمن ابن بنت شرحبيل، حدّثنا خالد بن يزيد، عن أبي مالك، عن أبيه عن خالد بن معدان، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من عبد يدخل الجنة إلّا وهو يزوّج ثنتين وسبعين زوجة، ثنتين من الحور العين وسبعين من ميراثه من أهل النار، وليس منهن امرأة إلّا ولها قبل شهيّ وله ذكر لا ينثني» [188] [[سنن ابن ماجة: 2/ 1452 ح 4337.]] .
وأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا أحمد بن محمد بن علي، حدّثنا عثمان بن نصر البغدادي، حدّثنا محمد بن مهاجر أبو حنيف، حدّثنا حلبس بن محمد الكلابي، حدّثنا سفيان الثوري، عن منصور أو المغيرة، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «يسطع نور في الجنة فقالوا: ما هذا؟ قالوا: ضوء ثغر حوراء ضحكت في وجه زوجها» [189] [[تاريخ بغداد: 11/ 163.]] .
وروي أن الحوراء إن مشت سمع تقديس الخلاخيل من ساقيها وتمجيد الأسورة من ساعديها، وإن عقد الياقوت يضحك من نحرها، وفي رجليها نعلان من ذهب شراكها من لؤلؤ تصرّان بالتسبيح.
وكان يحيى بن معاذ الرازي يقول: اخطب زوجة [لا تسلبها] منك المنايا، وأعرس بها في دار لا يخربها دوران البلايا وشبّك لها حجلة لا تحرقها نيران الرزايا.
وقال مجاهد: سميت حورا لأنه يحار فيهن الطرف.
كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ المخزون في الصدف الذي لم تمسّه الأيدي جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً في نصبهما وجهان:
أحدهما: إتباع للقيل.
والثاني: على [[فيكون نصبه بوقوع القيل عليه.]] (يسمعون سلاما) ، ثم رجع إلى ذكر منازل أصحاب الميمنة فقال وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ لا شوك فيه، كأنه خضّد شوكها أي قطع ونزع.
ومنه
الحديث في المدينة: «لا يخضد شوكها ولا يعصر شجرها»
[[التبيان في تفسير القرآن: 9/ 496.]] وهذا قول ابن عباس وعكرمة وقسامة بن زهير.
وقال الحسن: لا تعقر الأيدي. قتادة: هو الذي لا يرد اليد منها شوك ولا بعد.
وقال الضحّاك ومجاهد ومقاتل بن حيان: هو الموقر حملا.
قال سعيد بن جبير: ثمرها أعظم من الفلال. وقال ابن كيسان: هو الذي لا أذى فيه.
قال: وليس شيء من ثمر الجنة في غلف كما تكون في الدنيا من الباقلاء وغيره، بل كلها مأكول ومشروب ومشموم ومنظور إليه.
قال أبو العالية والضحّاك: نظر المسلمون إلى وجّ وهو واد مخصب بالطائف، وأعجبهم سدرها.
وقالوا: يا ليت لنا مثل هذا، فأنزل الله عزّ وجل وَطَلْحٍ وموز واحدتها طلحة، عن أكثر المفسرين.
وقال الحسن: ليس هو موزا ولكنه شجر له ظلّ بارد طيب.
وقال الفراء وأبو عبيدة: الطلح عند العرب شجر عظام لها شوك.
قال بعض الحداة:
بشرها دليلها وقالا ... غدا ترين الطلح والجبالا
وأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن حيان، حدّثنا ابن مروان، حدّثنا أبي، حدّثنا إبراهيم بن عيسى، حدّثنا علي بن علي قال: زعم أبو حمزة الثمالي عن الحسن مولى الحسن بن علي أن عليا قرأ: وطلع منضود.
وأنبأني عقيل، أنبأنا المعافي محمد بن جرير، حدّثنا سعيد بن يحيى، حدّثنا أبي، حدّثنا مجالد عن الحسن بن سعد عن قيس بن سعد قال: قرأ رجل عند علي رضي الله عنه وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ فقال علي: «وما شأن الطلح؟ إنما هو طلع منضود» [[تفسير الطبري: 27/ 234 وفيه: ثم قرأ: طلعها هضيم، فقلنا: أولا نحولها.]] ثم قرأ «طَلْعٌ [نَضِيدٌ] منضود» .
فقلت: إنها في المصحف بالحاء فلا تحوّلها؟ فقال: «إن القرآن لا يهاج [اليوم] ولا يحوّل» [[تفسير القرطبي: 17/ 208.]] .
والمنضود: المتراكم الذي قد نضد بأكمله من أوله إلى آخره، ليست له سوق بارزة.
قال مسروق: أشجار الجنة من عروقها إلى أغصانها ثمر كله.
الواقعة 56:21
ثُلَّةٌ جماعة مِنَ الْأَوَّلِينَ أي الأمم الماضية وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ أمّة محمد ﷺ عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ مرمولة منسوجة مشبكة بالذهب والجواهر، قد اتّصل بعضها في بعض، كما توضن حلق الدرع [......] [[بياض في المخطوط.]] بعضها في بعض مضاعفة.
ومنه قول الأعشى:
ومن نسج داود موضونة ... تساق مع الحيّ عيرا فعيرا [[لسان العرب: 13/ 450.]]
وقال أيضا:
وبيضاء كالنهي موضونة لها ... قونس فوق جيب البدن [[تفسير القرطبي: 8/ 380.]]
ومنه وضين الناقة وهو البطان من السيور إذا نسج بعضه على بعض مضاعفا كحلق الدرع.
قال الكلبي: طول كل سرير ثلاثمائة ذراع، فإذا أراد العبد أن يجلس عليها تواضعت فإذا جلس عليها ارتفعت.
وقال الضحاك: مَوْضُونَةٍ مصفوفة، وهي رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. يقال:
آجر موضون إذا صفّ بعضها على بعض.
مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ في الزيارة لا ينظر بعضهم في قفا بعض يَطُوفُ عَلَيْهِمْ للخدمة وِلْدانٌ غلمان مُخَلَّدُونَ أي لا يموتون عن مجاهد، وقال الكلبي: لا يهرمون ولا يكبرون ولا ينقصون ولا يتغيرون، وليس كخدم الدنيا يتغيرون من حال إلى حال.
ابن كيسان: يعني [ولدانا مخلدين] [[في المخطوط: مخلدين ولدانا.]] لا يتحولون من حالة إلى حالة، عكرمة: منعمون.
سعيد بن جبير: مقرّطون.
قال المؤرّخ: ويقال للقرط الخلد.
قال الشاعر:
ومخلدات باللجين كأنما ... أعجازهن أفاوز الكثبان [[لسان العرب: 3/ 164.]]
وقال علي والحسن: «هم أولاد أهل الدنيا لم يكن لهم حسنات فيثابوا عليها ولا سيئات فيعاقبوا عليها، لأن الجنة لا ولادة فيها» [[كنز العمال: 14/ 498 ح 39412 وفيه عن الحسن بن علي.]] .
وفي الحديث: «أطفال الكفار خدم أهل الجنة» [[المصدر السابق وفيه: هم خدم أهل الجنة.]] .
بِأَكْوابٍ جمع كوب وَأَبارِيقَ جمع إبريق، سمي بذلك لبريق لونه وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ خمر جارية لا يُصَدَّعُونَ عَنْها لا تصدّع رؤوسهم عن شربها وَلا يُنْزِفُونَ وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ يختارون ويشتهون.
أخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن حبش، حدّثنا ذكّار، حدّثنا هناد، حدّثنا أبو معونة عن عبيد الله بن الوليد عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: «إن في الجنة لطيرا فيه سبعون ألف ريشة، فيجيء فيقع على صحيفة الرجل من أهل الجنة ثم ينتفض، فيخرج من كل ريشة لون أبيض من الثلج والبرد وألين من الزبد وأعذب من الشهد ليس فيه لون يشبه صاحبه ثم يطير فيذهب» [185] [[كنز العمال: 14/ 462- 463، والدر المنثور: 6/ 156.]] .
وَحُورٌ عِينٌ قرأ أبو جعفر وحمزة والكسائي والمفضل بكسر الواو والنون أي وبحور عين، أتبعوا الآخر الأول في الا عراب على اللفظ وإن اختلفا في المعنى، لأن الحور لا يطاف بهنّ، كقول الشاعر:
إذا ما الغانيات برزن يوما ... وزججن الحواجب والعيونا [[تفسير الطبري: 27/ 229.]]
والعين لا تزجج وإنما تكحل.
وقال الآخر: متقلدا سيفا ورمحا، ومثله كثير.
وقرأ إبراهيم النخعي واشهب العقيلي: (وحورا عينا) بالنصب، وكذلك هو في مصحف أبيّ، على معنى: ويزوّجون حورا عينا. وقال الأخفش: رفع بخبر الصفة، أي لهم حور عين.
وقيل: هو ابتداء وخبره فيما بعده.
أخبرنا الحسين، حدّثنا محمد بن الحسن بن صقلاب، حدّثنا أبو عبد الله محمد بن بشير ابن يوسف بن النضر، حدّثنا بكر بن سهل الدمياطي، حدّثنا عمرو بن هاشم، حدّثنا سليمان بن أبي كرعة، عن هشام بن حسان، عن الحسن، عن أمه، عن أم سلمة قالت: قلت: يا رسول الله أخبرني عن قول الله عزّ وجل حُورٌ عِينٌ؟ قال: «حور بيض عين ضخام العيون» [186] [[تفسير ابن كثير: 4/ 312، والمعجم الأوسط 3/ 278 بتفاوت.]] .
أخبرنا ابن فنجويه، حدّثنا ابن صقلاب، حدّثنا أبو بكر بن أبي الخصيب حدّثني محمد بن غالب حدّثنا الحرث بن خليفة، حدّثنا إسماعيل بن إبراهيم، عبد العزيز بن صهيب، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «خلق الحور العين من الزعفران» [187] [[المعجم الأوسط: 1/ 95، وتفسير الطبري: 27/ 231.]] .
وأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن يودة، حدّثنا عبيد بن عبد الواحد بن شريك البزاز، حدّثنا سليمان بن عبد الرحمن ابن بنت شرحبيل، حدّثنا خالد بن يزيد، عن أبي مالك، عن أبيه عن خالد بن معدان، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من عبد يدخل الجنة إلّا وهو يزوّج ثنتين وسبعين زوجة، ثنتين من الحور العين وسبعين من ميراثه من أهل النار، وليس منهن امرأة إلّا ولها قبل شهيّ وله ذكر لا ينثني» [188] [[سنن ابن ماجة: 2/ 1452 ح 4337.]] .
وأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا أحمد بن محمد بن علي، حدّثنا عثمان بن نصر البغدادي، حدّثنا محمد بن مهاجر أبو حنيف، حدّثنا حلبس بن محمد الكلابي، حدّثنا سفيان الثوري، عن منصور أو المغيرة، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «يسطع نور في الجنة فقالوا: ما هذا؟ قالوا: ضوء ثغر حوراء ضحكت في وجه زوجها» [189] [[تاريخ بغداد: 11/ 163.]] .
وروي أن الحوراء إن مشت سمع تقديس الخلاخيل من ساقيها وتمجيد الأسورة من ساعديها، وإن عقد الياقوت يضحك من نحرها، وفي رجليها نعلان من ذهب شراكها من لؤلؤ تصرّان بالتسبيح.
وكان يحيى بن معاذ الرازي يقول: اخطب زوجة [لا تسلبها] منك المنايا، وأعرس بها في دار لا يخربها دوران البلايا وشبّك لها حجلة لا تحرقها نيران الرزايا.
وقال مجاهد: سميت حورا لأنه يحار فيهن الطرف.
كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ المخزون في الصدف الذي لم تمسّه الأيدي جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً في نصبهما وجهان:
أحدهما: إتباع للقيل.
والثاني: على [[فيكون نصبه بوقوع القيل عليه.]] (يسمعون سلاما) ، ثم رجع إلى ذكر منازل أصحاب الميمنة فقال وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ لا شوك فيه، كأنه خضّد شوكها أي قطع ونزع.
ومنه
الحديث في المدينة: «لا يخضد شوكها ولا يعصر شجرها»
[[التبيان في تفسير القرآن: 9/ 496.]] وهذا قول ابن عباس وعكرمة وقسامة بن زهير.
وقال الحسن: لا تعقر الأيدي. قتادة: هو الذي لا يرد اليد منها شوك ولا بعد.
وقال الضحّاك ومجاهد ومقاتل بن حيان: هو الموقر حملا.
قال سعيد بن جبير: ثمرها أعظم من الفلال. وقال ابن كيسان: هو الذي لا أذى فيه.
قال: وليس شيء من ثمر الجنة في غلف كما تكون في الدنيا من الباقلاء وغيره، بل كلها مأكول ومشروب ومشموم ومنظور إليه.
قال أبو العالية والضحّاك: نظر المسلمون إلى وجّ وهو واد مخصب بالطائف، وأعجبهم سدرها.
وقالوا: يا ليت لنا مثل هذا، فأنزل الله عزّ وجل وَطَلْحٍ وموز واحدتها طلحة، عن أكثر المفسرين.
وقال الحسن: ليس هو موزا ولكنه شجر له ظلّ بارد طيب.
وقال الفراء وأبو عبيدة: الطلح عند العرب شجر عظام لها شوك.
قال بعض الحداة:
بشرها دليلها وقالا ... غدا ترين الطلح والجبالا
وأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن حيان، حدّثنا ابن مروان، حدّثنا أبي، حدّثنا إبراهيم بن عيسى، حدّثنا علي بن علي قال: زعم أبو حمزة الثمالي عن الحسن مولى الحسن بن علي أن عليا قرأ: وطلع منضود.
وأنبأني عقيل، أنبأنا المعافي محمد بن جرير، حدّثنا سعيد بن يحيى، حدّثنا أبي، حدّثنا مجالد عن الحسن بن سعد عن قيس بن سعد قال: قرأ رجل عند علي رضي الله عنه وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ فقال علي: «وما شأن الطلح؟ إنما هو طلع منضود» [[تفسير الطبري: 27/ 234 وفيه: ثم قرأ: طلعها هضيم، فقلنا: أولا نحولها.]] ثم قرأ «طَلْعٌ [نَضِيدٌ] منضود» .
فقلت: إنها في المصحف بالحاء فلا تحوّلها؟ فقال: «إن القرآن لا يهاج [اليوم] ولا يحوّل» [[تفسير القرطبي: 17/ 208.]] .
والمنضود: المتراكم الذي قد نضد بأكمله من أوله إلى آخره، ليست له سوق بارزة.
قال مسروق: أشجار الجنة من عروقها إلى أغصانها ثمر كله.
الواقعة 56:22
ثُلَّةٌ جماعة مِنَ الْأَوَّلِينَ أي الأمم الماضية وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ أمّة محمد ﷺ عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ مرمولة منسوجة مشبكة بالذهب والجواهر، قد اتّصل بعضها في بعض، كما توضن حلق الدرع [......] [[بياض في المخطوط.]] بعضها في بعض مضاعفة.
ومنه قول الأعشى:
ومن نسج داود موضونة ... تساق مع الحيّ عيرا فعيرا [[لسان العرب: 13/ 450.]]
وقال أيضا:
وبيضاء كالنهي موضونة لها ... قونس فوق جيب البدن [[تفسير القرطبي: 8/ 380.]]
ومنه وضين الناقة وهو البطان من السيور إذا نسج بعضه على بعض مضاعفا كحلق الدرع.
قال الكلبي: طول كل سرير ثلاثمائة ذراع، فإذا أراد العبد أن يجلس عليها تواضعت فإذا جلس عليها ارتفعت.
وقال الضحاك: مَوْضُونَةٍ مصفوفة، وهي رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. يقال:
آجر موضون إذا صفّ بعضها على بعض.
مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ في الزيارة لا ينظر بعضهم في قفا بعض يَطُوفُ عَلَيْهِمْ للخدمة وِلْدانٌ غلمان مُخَلَّدُونَ أي لا يموتون عن مجاهد، وقال الكلبي: لا يهرمون ولا يكبرون ولا ينقصون ولا يتغيرون، وليس كخدم الدنيا يتغيرون من حال إلى حال.
ابن كيسان: يعني [ولدانا مخلدين] [[في المخطوط: مخلدين ولدانا.]] لا يتحولون من حالة إلى حالة، عكرمة: منعمون.
سعيد بن جبير: مقرّطون.
قال المؤرّخ: ويقال للقرط الخلد.
قال الشاعر:
ومخلدات باللجين كأنما ... أعجازهن أفاوز الكثبان [[لسان العرب: 3/ 164.]]
وقال علي والحسن: «هم أولاد أهل الدنيا لم يكن لهم حسنات فيثابوا عليها ولا سيئات فيعاقبوا عليها، لأن الجنة لا ولادة فيها» [[كنز العمال: 14/ 498 ح 39412 وفيه عن الحسن بن علي.]] .
وفي الحديث: «أطفال الكفار خدم أهل الجنة» [[المصدر السابق وفيه: هم خدم أهل الجنة.]] .
بِأَكْوابٍ جمع كوب وَأَبارِيقَ جمع إبريق، سمي بذلك لبريق لونه وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ خمر جارية لا يُصَدَّعُونَ عَنْها لا تصدّع رؤوسهم عن شربها وَلا يُنْزِفُونَ وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ يختارون ويشتهون.
أخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن حبش، حدّثنا ذكّار، حدّثنا هناد، حدّثنا أبو معونة عن عبيد الله بن الوليد عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: «إن في الجنة لطيرا فيه سبعون ألف ريشة، فيجيء فيقع على صحيفة الرجل من أهل الجنة ثم ينتفض، فيخرج من كل ريشة لون أبيض من الثلج والبرد وألين من الزبد وأعذب من الشهد ليس فيه لون يشبه صاحبه ثم يطير فيذهب» [185] [[كنز العمال: 14/ 462- 463، والدر المنثور: 6/ 156.]] .
وَحُورٌ عِينٌ قرأ أبو جعفر وحمزة والكسائي والمفضل بكسر الواو والنون أي وبحور عين، أتبعوا الآخر الأول في الا عراب على اللفظ وإن اختلفا في المعنى، لأن الحور لا يطاف بهنّ، كقول الشاعر:
إذا ما الغانيات برزن يوما ... وزججن الحواجب والعيونا [[تفسير الطبري: 27/ 229.]]
والعين لا تزجج وإنما تكحل.
وقال الآخر: متقلدا سيفا ورمحا، ومثله كثير.
وقرأ إبراهيم النخعي واشهب العقيلي: (وحورا عينا) بالنصب، وكذلك هو في مصحف أبيّ، على معنى: ويزوّجون حورا عينا. وقال الأخفش: رفع بخبر الصفة، أي لهم حور عين.
وقيل: هو ابتداء وخبره فيما بعده.
أخبرنا الحسين، حدّثنا محمد بن الحسن بن صقلاب، حدّثنا أبو عبد الله محمد بن بشير ابن يوسف بن النضر، حدّثنا بكر بن سهل الدمياطي، حدّثنا عمرو بن هاشم، حدّثنا سليمان بن أبي كرعة، عن هشام بن حسان، عن الحسن، عن أمه، عن أم سلمة قالت: قلت: يا رسول الله أخبرني عن قول الله عزّ وجل حُورٌ عِينٌ؟ قال: «حور بيض عين ضخام العيون» [186] [[تفسير ابن كثير: 4/ 312، والمعجم الأوسط 3/ 278 بتفاوت.]] .
أخبرنا ابن فنجويه، حدّثنا ابن صقلاب، حدّثنا أبو بكر بن أبي الخصيب حدّثني محمد بن غالب حدّثنا الحرث بن خليفة، حدّثنا إسماعيل بن إبراهيم، عبد العزيز بن صهيب، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «خلق الحور العين من الزعفران» [187] [[المعجم الأوسط: 1/ 95، وتفسير الطبري: 27/ 231.]] .
وأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن يودة، حدّثنا عبيد بن عبد الواحد بن شريك البزاز، حدّثنا سليمان بن عبد الرحمن ابن بنت شرحبيل، حدّثنا خالد بن يزيد، عن أبي مالك، عن أبيه عن خالد بن معدان، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من عبد يدخل الجنة إلّا وهو يزوّج ثنتين وسبعين زوجة، ثنتين من الحور العين وسبعين من ميراثه من أهل النار، وليس منهن امرأة إلّا ولها قبل شهيّ وله ذكر لا ينثني» [188] [[سنن ابن ماجة: 2/ 1452 ح 4337.]] .
وأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا أحمد بن محمد بن علي، حدّثنا عثمان بن نصر البغدادي، حدّثنا محمد بن مهاجر أبو حنيف، حدّثنا حلبس بن محمد الكلابي، حدّثنا سفيان الثوري، عن منصور أو المغيرة، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «يسطع نور في الجنة فقالوا: ما هذا؟ قالوا: ضوء ثغر حوراء ضحكت في وجه زوجها» [189] [[تاريخ بغداد: 11/ 163.]] .
وروي أن الحوراء إن مشت سمع تقديس الخلاخيل من ساقيها وتمجيد الأسورة من ساعديها، وإن عقد الياقوت يضحك من نحرها، وفي رجليها نعلان من ذهب شراكها من لؤلؤ تصرّان بالتسبيح.
وكان يحيى بن معاذ الرازي يقول: اخطب زوجة [لا تسلبها] منك المنايا، وأعرس بها في دار لا يخربها دوران البلايا وشبّك لها حجلة لا تحرقها نيران الرزايا.
وقال مجاهد: سميت حورا لأنه يحار فيهن الطرف.
كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ المخزون في الصدف الذي لم تمسّه الأيدي جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً في نصبهما وجهان:
أحدهما: إتباع للقيل.
والثاني: على [[فيكون نصبه بوقوع القيل عليه.]] (يسمعون سلاما) ، ثم رجع إلى ذكر منازل أصحاب الميمنة فقال وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ لا شوك فيه، كأنه خضّد شوكها أي قطع ونزع.
ومنه
الحديث في المدينة: «لا يخضد شوكها ولا يعصر شجرها»
[[التبيان في تفسير القرآن: 9/ 496.]] وهذا قول ابن عباس وعكرمة وقسامة بن زهير.
وقال الحسن: لا تعقر الأيدي. قتادة: هو الذي لا يرد اليد منها شوك ولا بعد.
وقال الضحّاك ومجاهد ومقاتل بن حيان: هو الموقر حملا.
قال سعيد بن جبير: ثمرها أعظم من الفلال. وقال ابن كيسان: هو الذي لا أذى فيه.
قال: وليس شيء من ثمر الجنة في غلف كما تكون في الدنيا من الباقلاء وغيره، بل كلها مأكول ومشروب ومشموم ومنظور إليه.
قال أبو العالية والضحّاك: نظر المسلمون إلى وجّ وهو واد مخصب بالطائف، وأعجبهم سدرها.
وقالوا: يا ليت لنا مثل هذا، فأنزل الله عزّ وجل وَطَلْحٍ وموز واحدتها طلحة، عن أكثر المفسرين.
وقال الحسن: ليس هو موزا ولكنه شجر له ظلّ بارد طيب.
وقال الفراء وأبو عبيدة: الطلح عند العرب شجر عظام لها شوك.
قال بعض الحداة:
بشرها دليلها وقالا ... غدا ترين الطلح والجبالا
وأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن حيان، حدّثنا ابن مروان، حدّثنا أبي، حدّثنا إبراهيم بن عيسى، حدّثنا علي بن علي قال: زعم أبو حمزة الثمالي عن الحسن مولى الحسن بن علي أن عليا قرأ: وطلع منضود.
وأنبأني عقيل، أنبأنا المعافي محمد بن جرير، حدّثنا سعيد بن يحيى، حدّثنا أبي، حدّثنا مجالد عن الحسن بن سعد عن قيس بن سعد قال: قرأ رجل عند علي رضي الله عنه وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ فقال علي: «وما شأن الطلح؟ إنما هو طلع منضود» [[تفسير الطبري: 27/ 234 وفيه: ثم قرأ: طلعها هضيم، فقلنا: أولا نحولها.]] ثم قرأ «طَلْعٌ [نَضِيدٌ] منضود» .
فقلت: إنها في المصحف بالحاء فلا تحوّلها؟ فقال: «إن القرآن لا يهاج [اليوم] ولا يحوّل» [[تفسير القرطبي: 17/ 208.]] .
والمنضود: المتراكم الذي قد نضد بأكمله من أوله إلى آخره، ليست له سوق بارزة.
قال مسروق: أشجار الجنة من عروقها إلى أغصانها ثمر كله.
الواقعة 56:23
ثُلَّةٌ جماعة مِنَ الْأَوَّلِينَ أي الأمم الماضية وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ أمّة محمد ﷺ عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ مرمولة منسوجة مشبكة بالذهب والجواهر، قد اتّصل بعضها في بعض، كما توضن حلق الدرع [......] [[بياض في المخطوط.]] بعضها في بعض مضاعفة.
ومنه قول الأعشى:
ومن نسج داود موضونة ... تساق مع الحيّ عيرا فعيرا [[لسان العرب: 13/ 450.]]
وقال أيضا:
وبيضاء كالنهي موضونة لها ... قونس فوق جيب البدن [[تفسير القرطبي: 8/ 380.]]
ومنه وضين الناقة وهو البطان من السيور إذا نسج بعضه على بعض مضاعفا كحلق الدرع.
قال الكلبي: طول كل سرير ثلاثمائة ذراع، فإذا أراد العبد أن يجلس عليها تواضعت فإذا جلس عليها ارتفعت.
وقال الضحاك: مَوْضُونَةٍ مصفوفة، وهي رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. يقال:
آجر موضون إذا صفّ بعضها على بعض.
مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ في الزيارة لا ينظر بعضهم في قفا بعض يَطُوفُ عَلَيْهِمْ للخدمة وِلْدانٌ غلمان مُخَلَّدُونَ أي لا يموتون عن مجاهد، وقال الكلبي: لا يهرمون ولا يكبرون ولا ينقصون ولا يتغيرون، وليس كخدم الدنيا يتغيرون من حال إلى حال.
ابن كيسان: يعني [ولدانا مخلدين] [[في المخطوط: مخلدين ولدانا.]] لا يتحولون من حالة إلى حالة، عكرمة: منعمون.
سعيد بن جبير: مقرّطون.
قال المؤرّخ: ويقال للقرط الخلد.
قال الشاعر:
ومخلدات باللجين كأنما ... أعجازهن أفاوز الكثبان [[لسان العرب: 3/ 164.]]
وقال علي والحسن: «هم أولاد أهل الدنيا لم يكن لهم حسنات فيثابوا عليها ولا سيئات فيعاقبوا عليها، لأن الجنة لا ولادة فيها» [[كنز العمال: 14/ 498 ح 39412 وفيه عن الحسن بن علي.]] .
وفي الحديث: «أطفال الكفار خدم أهل الجنة» [[المصدر السابق وفيه: هم خدم أهل الجنة.]] .
بِأَكْوابٍ جمع كوب وَأَبارِيقَ جمع إبريق، سمي بذلك لبريق لونه وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ خمر جارية لا يُصَدَّعُونَ عَنْها لا تصدّع رؤوسهم عن شربها وَلا يُنْزِفُونَ وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ يختارون ويشتهون.
أخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن حبش، حدّثنا ذكّار، حدّثنا هناد، حدّثنا أبو معونة عن عبيد الله بن الوليد عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: «إن في الجنة لطيرا فيه سبعون ألف ريشة، فيجيء فيقع على صحيفة الرجل من أهل الجنة ثم ينتفض، فيخرج من كل ريشة لون أبيض من الثلج والبرد وألين من الزبد وأعذب من الشهد ليس فيه لون يشبه صاحبه ثم يطير فيذهب» [185] [[كنز العمال: 14/ 462- 463، والدر المنثور: 6/ 156.]] .
وَحُورٌ عِينٌ قرأ أبو جعفر وحمزة والكسائي والمفضل بكسر الواو والنون أي وبحور عين، أتبعوا الآخر الأول في الا عراب على اللفظ وإن اختلفا في المعنى، لأن الحور لا يطاف بهنّ، كقول الشاعر:
إذا ما الغانيات برزن يوما ... وزججن الحواجب والعيونا [[تفسير الطبري: 27/ 229.]]
والعين لا تزجج وإنما تكحل.
وقال الآخر: متقلدا سيفا ورمحا، ومثله كثير.
وقرأ إبراهيم النخعي واشهب العقيلي: (وحورا عينا) بالنصب، وكذلك هو في مصحف أبيّ، على معنى: ويزوّجون حورا عينا. وقال الأخفش: رفع بخبر الصفة، أي لهم حور عين.
وقيل: هو ابتداء وخبره فيما بعده.
أخبرنا الحسين، حدّثنا محمد بن الحسن بن صقلاب، حدّثنا أبو عبد الله محمد بن بشير ابن يوسف بن النضر، حدّثنا بكر بن سهل الدمياطي، حدّثنا عمرو بن هاشم، حدّثنا سليمان بن أبي كرعة، عن هشام بن حسان، عن الحسن، عن أمه، عن أم سلمة قالت: قلت: يا رسول الله أخبرني عن قول الله عزّ وجل حُورٌ عِينٌ؟ قال: «حور بيض عين ضخام العيون» [186] [[تفسير ابن كثير: 4/ 312، والمعجم الأوسط 3/ 278 بتفاوت.]] .
أخبرنا ابن فنجويه، حدّثنا ابن صقلاب، حدّثنا أبو بكر بن أبي الخصيب حدّثني محمد بن غالب حدّثنا الحرث بن خليفة، حدّثنا إسماعيل بن إبراهيم، عبد العزيز بن صهيب، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «خلق الحور العين من الزعفران» [187] [[المعجم الأوسط: 1/ 95، وتفسير الطبري: 27/ 231.]] .
وأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن يودة، حدّثنا عبيد بن عبد الواحد بن شريك البزاز، حدّثنا سليمان بن عبد الرحمن ابن بنت شرحبيل، حدّثنا خالد بن يزيد، عن أبي مالك، عن أبيه عن خالد بن معدان، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من عبد يدخل الجنة إلّا وهو يزوّج ثنتين وسبعين زوجة، ثنتين من الحور العين وسبعين من ميراثه من أهل النار، وليس منهن امرأة إلّا ولها قبل شهيّ وله ذكر لا ينثني» [188] [[سنن ابن ماجة: 2/ 1452 ح 4337.]] .
وأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا أحمد بن محمد بن علي، حدّثنا عثمان بن نصر البغدادي، حدّثنا محمد بن مهاجر أبو حنيف، حدّثنا حلبس بن محمد الكلابي، حدّثنا سفيان الثوري، عن منصور أو المغيرة، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «يسطع نور في الجنة فقالوا: ما هذا؟ قالوا: ضوء ثغر حوراء ضحكت في وجه زوجها» [189] [[تاريخ بغداد: 11/ 163.]] .
وروي أن الحوراء إن مشت سمع تقديس الخلاخيل من ساقيها وتمجيد الأسورة من ساعديها، وإن عقد الياقوت يضحك من نحرها، وفي رجليها نعلان من ذهب شراكها من لؤلؤ تصرّان بالتسبيح.
وكان يحيى بن معاذ الرازي يقول: اخطب زوجة [لا تسلبها] منك المنايا، وأعرس بها في دار لا يخربها دوران البلايا وشبّك لها حجلة لا تحرقها نيران الرزايا.
وقال مجاهد: سميت حورا لأنه يحار فيهن الطرف.
كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ المخزون في الصدف الذي لم تمسّه الأيدي جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً في نصبهما وجهان:
أحدهما: إتباع للقيل.
والثاني: على [[فيكون نصبه بوقوع القيل عليه.]] (يسمعون سلاما) ، ثم رجع إلى ذكر منازل أصحاب الميمنة فقال وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ لا شوك فيه، كأنه خضّد شوكها أي قطع ونزع.
ومنه
الحديث في المدينة: «لا يخضد شوكها ولا يعصر شجرها»
[[التبيان في تفسير القرآن: 9/ 496.]] وهذا قول ابن عباس وعكرمة وقسامة بن زهير.
وقال الحسن: لا تعقر الأيدي. قتادة: هو الذي لا يرد اليد منها شوك ولا بعد.
وقال الضحّاك ومجاهد ومقاتل بن حيان: هو الموقر حملا.
قال سعيد بن جبير: ثمرها أعظم من الفلال. وقال ابن كيسان: هو الذي لا أذى فيه.
قال: وليس شيء من ثمر الجنة في غلف كما تكون في الدنيا من الباقلاء وغيره، بل كلها مأكول ومشروب ومشموم ومنظور إليه.
قال أبو العالية والضحّاك: نظر المسلمون إلى وجّ وهو واد مخصب بالطائف، وأعجبهم سدرها.
وقالوا: يا ليت لنا مثل هذا، فأنزل الله عزّ وجل وَطَلْحٍ وموز واحدتها طلحة، عن أكثر المفسرين.
وقال الحسن: ليس هو موزا ولكنه شجر له ظلّ بارد طيب.
وقال الفراء وأبو عبيدة: الطلح عند العرب شجر عظام لها شوك.
قال بعض الحداة:
بشرها دليلها وقالا ... غدا ترين الطلح والجبالا
وأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن حيان، حدّثنا ابن مروان، حدّثنا أبي، حدّثنا إبراهيم بن عيسى، حدّثنا علي بن علي قال: زعم أبو حمزة الثمالي عن الحسن مولى الحسن بن علي أن عليا قرأ: وطلع منضود.
وأنبأني عقيل، أنبأنا المعافي محمد بن جرير، حدّثنا سعيد بن يحيى، حدّثنا أبي، حدّثنا مجالد عن الحسن بن سعد عن قيس بن سعد قال: قرأ رجل عند علي رضي الله عنه وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ فقال علي: «وما شأن الطلح؟ إنما هو طلع منضود» [[تفسير الطبري: 27/ 234 وفيه: ثم قرأ: طلعها هضيم، فقلنا: أولا نحولها.]] ثم قرأ «طَلْعٌ [نَضِيدٌ] منضود» .
فقلت: إنها في المصحف بالحاء فلا تحوّلها؟ فقال: «إن القرآن لا يهاج [اليوم] ولا يحوّل» [[تفسير القرطبي: 17/ 208.]] .
والمنضود: المتراكم الذي قد نضد بأكمله من أوله إلى آخره، ليست له سوق بارزة.
قال مسروق: أشجار الجنة من عروقها إلى أغصانها ثمر كله.
الواقعة 56:24
ثُلَّةٌ جماعة مِنَ الْأَوَّلِينَ أي الأمم الماضية وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ أمّة محمد ﷺ عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ مرمولة منسوجة مشبكة بالذهب والجواهر، قد اتّصل بعضها في بعض، كما توضن حلق الدرع [......] [[بياض في المخطوط.]] بعضها في بعض مضاعفة.
ومنه قول الأعشى:
ومن نسج داود موضونة ... تساق مع الحيّ عيرا فعيرا [[لسان العرب: 13/ 450.]]
وقال أيضا:
وبيضاء كالنهي موضونة لها ... قونس فوق جيب البدن [[تفسير القرطبي: 8/ 380.]]
ومنه وضين الناقة وهو البطان من السيور إذا نسج بعضه على بعض مضاعفا كحلق الدرع.
قال الكلبي: طول كل سرير ثلاثمائة ذراع، فإذا أراد العبد أن يجلس عليها تواضعت فإذا جلس عليها ارتفعت.
وقال الضحاك: مَوْضُونَةٍ مصفوفة، وهي رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. يقال:
آجر موضون إذا صفّ بعضها على بعض.
مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ في الزيارة لا ينظر بعضهم في قفا بعض يَطُوفُ عَلَيْهِمْ للخدمة وِلْدانٌ غلمان مُخَلَّدُونَ أي لا يموتون عن مجاهد، وقال الكلبي: لا يهرمون ولا يكبرون ولا ينقصون ولا يتغيرون، وليس كخدم الدنيا يتغيرون من حال إلى حال.
ابن كيسان: يعني [ولدانا مخلدين] [[في المخطوط: مخلدين ولدانا.]] لا يتحولون من حالة إلى حالة، عكرمة: منعمون.
سعيد بن جبير: مقرّطون.
قال المؤرّخ: ويقال للقرط الخلد.
قال الشاعر:
ومخلدات باللجين كأنما ... أعجازهن أفاوز الكثبان [[لسان العرب: 3/ 164.]]
وقال علي والحسن: «هم أولاد أهل الدنيا لم يكن لهم حسنات فيثابوا عليها ولا سيئات فيعاقبوا عليها، لأن الجنة لا ولادة فيها» [[كنز العمال: 14/ 498 ح 39412 وفيه عن الحسن بن علي.]] .
وفي الحديث: «أطفال الكفار خدم أهل الجنة» [[المصدر السابق وفيه: هم خدم أهل الجنة.]] .
بِأَكْوابٍ جمع كوب وَأَبارِيقَ جمع إبريق، سمي بذلك لبريق لونه وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ خمر جارية لا يُصَدَّعُونَ عَنْها لا تصدّع رؤوسهم عن شربها وَلا يُنْزِفُونَ وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ يختارون ويشتهون.
أخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن حبش، حدّثنا ذكّار، حدّثنا هناد، حدّثنا أبو معونة عن عبيد الله بن الوليد عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: «إن في الجنة لطيرا فيه سبعون ألف ريشة، فيجيء فيقع على صحيفة الرجل من أهل الجنة ثم ينتفض، فيخرج من كل ريشة لون أبيض من الثلج والبرد وألين من الزبد وأعذب من الشهد ليس فيه لون يشبه صاحبه ثم يطير فيذهب» [185] [[كنز العمال: 14/ 462- 463، والدر المنثور: 6/ 156.]] .
وَحُورٌ عِينٌ قرأ أبو جعفر وحمزة والكسائي والمفضل بكسر الواو والنون أي وبحور عين، أتبعوا الآخر الأول في الا عراب على اللفظ وإن اختلفا في المعنى، لأن الحور لا يطاف بهنّ، كقول الشاعر:
إذا ما الغانيات برزن يوما ... وزججن الحواجب والعيونا [[تفسير الطبري: 27/ 229.]]
والعين لا تزجج وإنما تكحل.
وقال الآخر: متقلدا سيفا ورمحا، ومثله كثير.
وقرأ إبراهيم النخعي واشهب العقيلي: (وحورا عينا) بالنصب، وكذلك هو في مصحف أبيّ، على معنى: ويزوّجون حورا عينا. وقال الأخفش: رفع بخبر الصفة، أي لهم حور عين.
وقيل: هو ابتداء وخبره فيما بعده.
أخبرنا الحسين، حدّثنا محمد بن الحسن بن صقلاب، حدّثنا أبو عبد الله محمد بن بشير ابن يوسف بن النضر، حدّثنا بكر بن سهل الدمياطي، حدّثنا عمرو بن هاشم، حدّثنا سليمان بن أبي كرعة، عن هشام بن حسان، عن الحسن، عن أمه، عن أم سلمة قالت: قلت: يا رسول الله أخبرني عن قول الله عزّ وجل حُورٌ عِينٌ؟ قال: «حور بيض عين ضخام العيون» [186] [[تفسير ابن كثير: 4/ 312، والمعجم الأوسط 3/ 278 بتفاوت.]] .
أخبرنا ابن فنجويه، حدّثنا ابن صقلاب، حدّثنا أبو بكر بن أبي الخصيب حدّثني محمد بن غالب حدّثنا الحرث بن خليفة، حدّثنا إسماعيل بن إبراهيم، عبد العزيز بن صهيب، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «خلق الحور العين من الزعفران» [187] [[المعجم الأوسط: 1/ 95، وتفسير الطبري: 27/ 231.]] .
وأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن يودة، حدّثنا عبيد بن عبد الواحد بن شريك البزاز، حدّثنا سليمان بن عبد الرحمن ابن بنت شرحبيل، حدّثنا خالد بن يزيد، عن أبي مالك، عن أبيه عن خالد بن معدان، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من عبد يدخل الجنة إلّا وهو يزوّج ثنتين وسبعين زوجة، ثنتين من الحور العين وسبعين من ميراثه من أهل النار، وليس منهن امرأة إلّا ولها قبل شهيّ وله ذكر لا ينثني» [188] [[سنن ابن ماجة: 2/ 1452 ح 4337.]] .
وأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا أحمد بن محمد بن علي، حدّثنا عثمان بن نصر البغدادي، حدّثنا محمد بن مهاجر أبو حنيف، حدّثنا حلبس بن محمد الكلابي، حدّثنا سفيان الثوري، عن منصور أو المغيرة، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «يسطع نور في الجنة فقالوا: ما هذا؟ قالوا: ضوء ثغر حوراء ضحكت في وجه زوجها» [189] [[تاريخ بغداد: 11/ 163.]] .
وروي أن الحوراء إن مشت سمع تقديس الخلاخيل من ساقيها وتمجيد الأسورة من ساعديها، وإن عقد الياقوت يضحك من نحرها، وفي رجليها نعلان من ذهب شراكها من لؤلؤ تصرّان بالتسبيح.
وكان يحيى بن معاذ الرازي يقول: اخطب زوجة [لا تسلبها] منك المنايا، وأعرس بها في دار لا يخربها دوران البلايا وشبّك لها حجلة لا تحرقها نيران الرزايا.
وقال مجاهد: سميت حورا لأنه يحار فيهن الطرف.
كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ المخزون في الصدف الذي لم تمسّه الأيدي جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً في نصبهما وجهان:
أحدهما: إتباع للقيل.
والثاني: على [[فيكون نصبه بوقوع القيل عليه.]] (يسمعون سلاما) ، ثم رجع إلى ذكر منازل أصحاب الميمنة فقال وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ لا شوك فيه، كأنه خضّد شوكها أي قطع ونزع.
ومنه
الحديث في المدينة: «لا يخضد شوكها ولا يعصر شجرها»
[[التبيان في تفسير القرآن: 9/ 496.]] وهذا قول ابن عباس وعكرمة وقسامة بن زهير.
وقال الحسن: لا تعقر الأيدي. قتادة: هو الذي لا يرد اليد منها شوك ولا بعد.
وقال الضحّاك ومجاهد ومقاتل بن حيان: هو الموقر حملا.
قال سعيد بن جبير: ثمرها أعظم من الفلال. وقال ابن كيسان: هو الذي لا أذى فيه.
قال: وليس شيء من ثمر الجنة في غلف كما تكون في الدنيا من الباقلاء وغيره، بل كلها مأكول ومشروب ومشموم ومنظور إليه.
قال أبو العالية والضحّاك: نظر المسلمون إلى وجّ وهو واد مخصب بالطائف، وأعجبهم سدرها.
وقالوا: يا ليت لنا مثل هذا، فأنزل الله عزّ وجل وَطَلْحٍ وموز واحدتها طلحة، عن أكثر المفسرين.
وقال الحسن: ليس هو موزا ولكنه شجر له ظلّ بارد طيب.
وقال الفراء وأبو عبيدة: الطلح عند العرب شجر عظام لها شوك.
قال بعض الحداة:
بشرها دليلها وقالا ... غدا ترين الطلح والجبالا
وأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن حيان، حدّثنا ابن مروان، حدّثنا أبي، حدّثنا إبراهيم بن عيسى، حدّثنا علي بن علي قال: زعم أبو حمزة الثمالي عن الحسن مولى الحسن بن علي أن عليا قرأ: وطلع منضود.
وأنبأني عقيل، أنبأنا المعافي محمد بن جرير، حدّثنا سعيد بن يحيى، حدّثنا أبي، حدّثنا مجالد عن الحسن بن سعد عن قيس بن سعد قال: قرأ رجل عند علي رضي الله عنه وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ فقال علي: «وما شأن الطلح؟ إنما هو طلع منضود» [[تفسير الطبري: 27/ 234 وفيه: ثم قرأ: طلعها هضيم، فقلنا: أولا نحولها.]] ثم قرأ «طَلْعٌ [نَضِيدٌ] منضود» .
فقلت: إنها في المصحف بالحاء فلا تحوّلها؟ فقال: «إن القرآن لا يهاج [اليوم] ولا يحوّل» [[تفسير القرطبي: 17/ 208.]] .
والمنضود: المتراكم الذي قد نضد بأكمله من أوله إلى آخره، ليست له سوق بارزة.
قال مسروق: أشجار الجنة من عروقها إلى أغصانها ثمر كله.
الواقعة 56:25
ثُلَّةٌ جماعة مِنَ الْأَوَّلِينَ أي الأمم الماضية وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ أمّة محمد ﷺ عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ مرمولة منسوجة مشبكة بالذهب والجواهر، قد اتّصل بعضها في بعض، كما توضن حلق الدرع [......] [[بياض في المخطوط.]] بعضها في بعض مضاعفة.
ومنه قول الأعشى:
ومن نسج داود موضونة ... تساق مع الحيّ عيرا فعيرا [[لسان العرب: 13/ 450.]]
وقال أيضا:
وبيضاء كالنهي موضونة لها ... قونس فوق جيب البدن [[تفسير القرطبي: 8/ 380.]]
ومنه وضين الناقة وهو البطان من السيور إذا نسج بعضه على بعض مضاعفا كحلق الدرع.
قال الكلبي: طول كل سرير ثلاثمائة ذراع، فإذا أراد العبد أن يجلس عليها تواضعت فإذا جلس عليها ارتفعت.
وقال الضحاك: مَوْضُونَةٍ مصفوفة، وهي رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. يقال:
آجر موضون إذا صفّ بعضها على بعض.
مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ في الزيارة لا ينظر بعضهم في قفا بعض يَطُوفُ عَلَيْهِمْ للخدمة وِلْدانٌ غلمان مُخَلَّدُونَ أي لا يموتون عن مجاهد، وقال الكلبي: لا يهرمون ولا يكبرون ولا ينقصون ولا يتغيرون، وليس كخدم الدنيا يتغيرون من حال إلى حال.
ابن كيسان: يعني [ولدانا مخلدين] [[في المخطوط: مخلدين ولدانا.]] لا يتحولون من حالة إلى حالة، عكرمة: منعمون.
سعيد بن جبير: مقرّطون.
قال المؤرّخ: ويقال للقرط الخلد.
قال الشاعر:
ومخلدات باللجين كأنما ... أعجازهن أفاوز الكثبان [[لسان العرب: 3/ 164.]]
وقال علي والحسن: «هم أولاد أهل الدنيا لم يكن لهم حسنات فيثابوا عليها ولا سيئات فيعاقبوا عليها، لأن الجنة لا ولادة فيها» [[كنز العمال: 14/ 498 ح 39412 وفيه عن الحسن بن علي.]] .
وفي الحديث: «أطفال الكفار خدم أهل الجنة» [[المصدر السابق وفيه: هم خدم أهل الجنة.]] .
بِأَكْوابٍ جمع كوب وَأَبارِيقَ جمع إبريق، سمي بذلك لبريق لونه وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ خمر جارية لا يُصَدَّعُونَ عَنْها لا تصدّع رؤوسهم عن شربها وَلا يُنْزِفُونَ وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ يختارون ويشتهون.
أخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن حبش، حدّثنا ذكّار، حدّثنا هناد، حدّثنا أبو معونة عن عبيد الله بن الوليد عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: «إن في الجنة لطيرا فيه سبعون ألف ريشة، فيجيء فيقع على صحيفة الرجل من أهل الجنة ثم ينتفض، فيخرج من كل ريشة لون أبيض من الثلج والبرد وألين من الزبد وأعذب من الشهد ليس فيه لون يشبه صاحبه ثم يطير فيذهب» [185] [[كنز العمال: 14/ 462- 463، والدر المنثور: 6/ 156.]] .
وَحُورٌ عِينٌ قرأ أبو جعفر وحمزة والكسائي والمفضل بكسر الواو والنون أي وبحور عين، أتبعوا الآخر الأول في الا عراب على اللفظ وإن اختلفا في المعنى، لأن الحور لا يطاف بهنّ، كقول الشاعر:
إذا ما الغانيات برزن يوما ... وزججن الحواجب والعيونا [[تفسير الطبري: 27/ 229.]]
والعين لا تزجج وإنما تكحل.
وقال الآخر: متقلدا سيفا ورمحا، ومثله كثير.
وقرأ إبراهيم النخعي واشهب العقيلي: (وحورا عينا) بالنصب، وكذلك هو في مصحف أبيّ، على معنى: ويزوّجون حورا عينا. وقال الأخفش: رفع بخبر الصفة، أي لهم حور عين.
وقيل: هو ابتداء وخبره فيما بعده.
أخبرنا الحسين، حدّثنا محمد بن الحسن بن صقلاب، حدّثنا أبو عبد الله محمد بن بشير ابن يوسف بن النضر، حدّثنا بكر بن سهل الدمياطي، حدّثنا عمرو بن هاشم، حدّثنا سليمان بن أبي كرعة، عن هشام بن حسان، عن الحسن، عن أمه، عن أم سلمة قالت: قلت: يا رسول الله أخبرني عن قول الله عزّ وجل حُورٌ عِينٌ؟ قال: «حور بيض عين ضخام العيون» [186] [[تفسير ابن كثير: 4/ 312، والمعجم الأوسط 3/ 278 بتفاوت.]] .
أخبرنا ابن فنجويه، حدّثنا ابن صقلاب، حدّثنا أبو بكر بن أبي الخصيب حدّثني محمد بن غالب حدّثنا الحرث بن خليفة، حدّثنا إسماعيل بن إبراهيم، عبد العزيز بن صهيب، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «خلق الحور العين من الزعفران» [187] [[المعجم الأوسط: 1/ 95، وتفسير الطبري: 27/ 231.]] .
وأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن يودة، حدّثنا عبيد بن عبد الواحد بن شريك البزاز، حدّثنا سليمان بن عبد الرحمن ابن بنت شرحبيل، حدّثنا خالد بن يزيد، عن أبي مالك، عن أبيه عن خالد بن معدان، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من عبد يدخل الجنة إلّا وهو يزوّج ثنتين وسبعين زوجة، ثنتين من الحور العين وسبعين من ميراثه من أهل النار، وليس منهن امرأة إلّا ولها قبل شهيّ وله ذكر لا ينثني» [188] [[سنن ابن ماجة: 2/ 1452 ح 4337.]] .
وأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا أحمد بن محمد بن علي، حدّثنا عثمان بن نصر البغدادي، حدّثنا محمد بن مهاجر أبو حنيف، حدّثنا حلبس بن محمد الكلابي، حدّثنا سفيان الثوري، عن منصور أو المغيرة، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «يسطع نور في الجنة فقالوا: ما هذا؟ قالوا: ضوء ثغر حوراء ضحكت في وجه زوجها» [189] [[تاريخ بغداد: 11/ 163.]] .
وروي أن الحوراء إن مشت سمع تقديس الخلاخيل من ساقيها وتمجيد الأسورة من ساعديها، وإن عقد الياقوت يضحك من نحرها، وفي رجليها نعلان من ذهب شراكها من لؤلؤ تصرّان بالتسبيح.
وكان يحيى بن معاذ الرازي يقول: اخطب زوجة [لا تسلبها] منك المنايا، وأعرس بها في دار لا يخربها دوران البلايا وشبّك لها حجلة لا تحرقها نيران الرزايا.
وقال مجاهد: سميت حورا لأنه يحار فيهن الطرف.
كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ المخزون في الصدف الذي لم تمسّه الأيدي جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً في نصبهما وجهان:
أحدهما: إتباع للقيل.
والثاني: على [[فيكون نصبه بوقوع القيل عليه.]] (يسمعون سلاما) ، ثم رجع إلى ذكر منازل أصحاب الميمنة فقال وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ لا شوك فيه، كأنه خضّد شوكها أي قطع ونزع.
ومنه
الحديث في المدينة: «لا يخضد شوكها ولا يعصر شجرها»
[[التبيان في تفسير القرآن: 9/ 496.]] وهذا قول ابن عباس وعكرمة وقسامة بن زهير.
وقال الحسن: لا تعقر الأيدي. قتادة: هو الذي لا يرد اليد منها شوك ولا بعد.
وقال الضحّاك ومجاهد ومقاتل بن حيان: هو الموقر حملا.
قال سعيد بن جبير: ثمرها أعظم من الفلال. وقال ابن كيسان: هو الذي لا أذى فيه.
قال: وليس شيء من ثمر الجنة في غلف كما تكون في الدنيا من الباقلاء وغيره، بل كلها مأكول ومشروب ومشموم ومنظور إليه.
قال أبو العالية والضحّاك: نظر المسلمون إلى وجّ وهو واد مخصب بالطائف، وأعجبهم سدرها.
وقالوا: يا ليت لنا مثل هذا، فأنزل الله عزّ وجل وَطَلْحٍ وموز واحدتها طلحة، عن أكثر المفسرين.
وقال الحسن: ليس هو موزا ولكنه شجر له ظلّ بارد طيب.
وقال الفراء وأبو عبيدة: الطلح عند العرب شجر عظام لها شوك.
قال بعض الحداة:
بشرها دليلها وقالا ... غدا ترين الطلح والجبالا
وأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن حيان، حدّثنا ابن مروان، حدّثنا أبي، حدّثنا إبراهيم بن عيسى، حدّثنا علي بن علي قال: زعم أبو حمزة الثمالي عن الحسن مولى الحسن بن علي أن عليا قرأ: وطلع منضود.
وأنبأني عقيل، أنبأنا المعافي محمد بن جرير، حدّثنا سعيد بن يحيى، حدّثنا أبي، حدّثنا مجالد عن الحسن بن سعد عن قيس بن سعد قال: قرأ رجل عند علي رضي الله عنه وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ فقال علي: «وما شأن الطلح؟ إنما هو طلع منضود» [[تفسير الطبري: 27/ 234 وفيه: ثم قرأ: طلعها هضيم، فقلنا: أولا نحولها.]] ثم قرأ «طَلْعٌ [نَضِيدٌ] منضود» .
فقلت: إنها في المصحف بالحاء فلا تحوّلها؟ فقال: «إن القرآن لا يهاج [اليوم] ولا يحوّل» [[تفسير القرطبي: 17/ 208.]] .
والمنضود: المتراكم الذي قد نضد بأكمله من أوله إلى آخره، ليست له سوق بارزة.
قال مسروق: أشجار الجنة من عروقها إلى أغصانها ثمر كله.
الواقعة 56:26
ثُلَّةٌ جماعة مِنَ الْأَوَّلِينَ أي الأمم الماضية وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ أمّة محمد ﷺ عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ مرمولة منسوجة مشبكة بالذهب والجواهر، قد اتّصل بعضها في بعض، كما توضن حلق الدرع [......] [[بياض في المخطوط.]] بعضها في بعض مضاعفة.
ومنه قول الأعشى:
ومن نسج داود موضونة ... تساق مع الحيّ عيرا فعيرا [[لسان العرب: 13/ 450.]]
وقال أيضا:
وبيضاء كالنهي موضونة لها ... قونس فوق جيب البدن [[تفسير القرطبي: 8/ 380.]]
ومنه وضين الناقة وهو البطان من السيور إذا نسج بعضه على بعض مضاعفا كحلق الدرع.
قال الكلبي: طول كل سرير ثلاثمائة ذراع، فإذا أراد العبد أن يجلس عليها تواضعت فإذا جلس عليها ارتفعت.
وقال الضحاك: مَوْضُونَةٍ مصفوفة، وهي رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. يقال:
آجر موضون إذا صفّ بعضها على بعض.
مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ في الزيارة لا ينظر بعضهم في قفا بعض يَطُوفُ عَلَيْهِمْ للخدمة وِلْدانٌ غلمان مُخَلَّدُونَ أي لا يموتون عن مجاهد، وقال الكلبي: لا يهرمون ولا يكبرون ولا ينقصون ولا يتغيرون، وليس كخدم الدنيا يتغيرون من حال إلى حال.
ابن كيسان: يعني [ولدانا مخلدين] [[في المخطوط: مخلدين ولدانا.]] لا يتحولون من حالة إلى حالة، عكرمة: منعمون.
سعيد بن جبير: مقرّطون.
قال المؤرّخ: ويقال للقرط الخلد.
قال الشاعر:
ومخلدات باللجين كأنما ... أعجازهن أفاوز الكثبان [[لسان العرب: 3/ 164.]]
وقال علي والحسن: «هم أولاد أهل الدنيا لم يكن لهم حسنات فيثابوا عليها ولا سيئات فيعاقبوا عليها، لأن الجنة لا ولادة فيها» [[كنز العمال: 14/ 498 ح 39412 وفيه عن الحسن بن علي.]] .
وفي الحديث: «أطفال الكفار خدم أهل الجنة» [[المصدر السابق وفيه: هم خدم أهل الجنة.]] .
بِأَكْوابٍ جمع كوب وَأَبارِيقَ جمع إبريق، سمي بذلك لبريق لونه وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ خمر جارية لا يُصَدَّعُونَ عَنْها لا تصدّع رؤوسهم عن شربها وَلا يُنْزِفُونَ وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ يختارون ويشتهون.
أخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن حبش، حدّثنا ذكّار، حدّثنا هناد، حدّثنا أبو معونة عن عبيد الله بن الوليد عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: «إن في الجنة لطيرا فيه سبعون ألف ريشة، فيجيء فيقع على صحيفة الرجل من أهل الجنة ثم ينتفض، فيخرج من كل ريشة لون أبيض من الثلج والبرد وألين من الزبد وأعذب من الشهد ليس فيه لون يشبه صاحبه ثم يطير فيذهب» [185] [[كنز العمال: 14/ 462- 463، والدر المنثور: 6/ 156.]] .
وَحُورٌ عِينٌ قرأ أبو جعفر وحمزة والكسائي والمفضل بكسر الواو والنون أي وبحور عين، أتبعوا الآخر الأول في الا عراب على اللفظ وإن اختلفا في المعنى، لأن الحور لا يطاف بهنّ، كقول الشاعر:
إذا ما الغانيات برزن يوما ... وزججن الحواجب والعيونا [[تفسير الطبري: 27/ 229.]]
والعين لا تزجج وإنما تكحل.
وقال الآخر: متقلدا سيفا ورمحا، ومثله كثير.
وقرأ إبراهيم النخعي واشهب العقيلي: (وحورا عينا) بالنصب، وكذلك هو في مصحف أبيّ، على معنى: ويزوّجون حورا عينا. وقال الأخفش: رفع بخبر الصفة، أي لهم حور عين.
وقيل: هو ابتداء وخبره فيما بعده.
أخبرنا الحسين، حدّثنا محمد بن الحسن بن صقلاب، حدّثنا أبو عبد الله محمد بن بشير ابن يوسف بن النضر، حدّثنا بكر بن سهل الدمياطي، حدّثنا عمرو بن هاشم، حدّثنا سليمان بن أبي كرعة، عن هشام بن حسان، عن الحسن، عن أمه، عن أم سلمة قالت: قلت: يا رسول الله أخبرني عن قول الله عزّ وجل حُورٌ عِينٌ؟ قال: «حور بيض عين ضخام العيون» [186] [[تفسير ابن كثير: 4/ 312، والمعجم الأوسط 3/ 278 بتفاوت.]] .
أخبرنا ابن فنجويه، حدّثنا ابن صقلاب، حدّثنا أبو بكر بن أبي الخصيب حدّثني محمد بن غالب حدّثنا الحرث بن خليفة، حدّثنا إسماعيل بن إبراهيم، عبد العزيز بن صهيب، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «خلق الحور العين من الزعفران» [187] [[المعجم الأوسط: 1/ 95، وتفسير الطبري: 27/ 231.]] .
وأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن يودة، حدّثنا عبيد بن عبد الواحد بن شريك البزاز، حدّثنا سليمان بن عبد الرحمن ابن بنت شرحبيل، حدّثنا خالد بن يزيد، عن أبي مالك، عن أبيه عن خالد بن معدان، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من عبد يدخل الجنة إلّا وهو يزوّج ثنتين وسبعين زوجة، ثنتين من الحور العين وسبعين من ميراثه من أهل النار، وليس منهن امرأة إلّا ولها قبل شهيّ وله ذكر لا ينثني» [188] [[سنن ابن ماجة: 2/ 1452 ح 4337.]] .
وأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا أحمد بن محمد بن علي، حدّثنا عثمان بن نصر البغدادي، حدّثنا محمد بن مهاجر أبو حنيف، حدّثنا حلبس بن محمد الكلابي، حدّثنا سفيان الثوري، عن منصور أو المغيرة، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «يسطع نور في الجنة فقالوا: ما هذا؟ قالوا: ضوء ثغر حوراء ضحكت في وجه زوجها» [189] [[تاريخ بغداد: 11/ 163.]] .
وروي أن الحوراء إن مشت سمع تقديس الخلاخيل من ساقيها وتمجيد الأسورة من ساعديها، وإن عقد الياقوت يضحك من نحرها، وفي رجليها نعلان من ذهب شراكها من لؤلؤ تصرّان بالتسبيح.
وكان يحيى بن معاذ الرازي يقول: اخطب زوجة [لا تسلبها] منك المنايا، وأعرس بها في دار لا يخربها دوران البلايا وشبّك لها حجلة لا تحرقها نيران الرزايا.
وقال مجاهد: سميت حورا لأنه يحار فيهن الطرف.
كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ المخزون في الصدف الذي لم تمسّه الأيدي جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً في نصبهما وجهان:
أحدهما: إتباع للقيل.
والثاني: على [[فيكون نصبه بوقوع القيل عليه.]] (يسمعون سلاما) ، ثم رجع إلى ذكر منازل أصحاب الميمنة فقال وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ لا شوك فيه، كأنه خضّد شوكها أي قطع ونزع.
ومنه
الحديث في المدينة: «لا يخضد شوكها ولا يعصر شجرها»
[[التبيان في تفسير القرآن: 9/ 496.]] وهذا قول ابن عباس وعكرمة وقسامة بن زهير.
وقال الحسن: لا تعقر الأيدي. قتادة: هو الذي لا يرد اليد منها شوك ولا بعد.
وقال الضحّاك ومجاهد ومقاتل بن حيان: هو الموقر حملا.
قال سعيد بن جبير: ثمرها أعظم من الفلال. وقال ابن كيسان: هو الذي لا أذى فيه.
قال: وليس شيء من ثمر الجنة في غلف كما تكون في الدنيا من الباقلاء وغيره، بل كلها مأكول ومشروب ومشموم ومنظور إليه.
قال أبو العالية والضحّاك: نظر المسلمون إلى وجّ وهو واد مخصب بالطائف، وأعجبهم سدرها.
وقالوا: يا ليت لنا مثل هذا، فأنزل الله عزّ وجل وَطَلْحٍ وموز واحدتها طلحة، عن أكثر المفسرين.
وقال الحسن: ليس هو موزا ولكنه شجر له ظلّ بارد طيب.
وقال الفراء وأبو عبيدة: الطلح عند العرب شجر عظام لها شوك.
قال بعض الحداة:
بشرها دليلها وقالا ... غدا ترين الطلح والجبالا
وأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن حيان، حدّثنا ابن مروان، حدّثنا أبي، حدّثنا إبراهيم بن عيسى، حدّثنا علي بن علي قال: زعم أبو حمزة الثمالي عن الحسن مولى الحسن بن علي أن عليا قرأ: وطلع منضود.
وأنبأني عقيل، أنبأنا المعافي محمد بن جرير، حدّثنا سعيد بن يحيى، حدّثنا أبي، حدّثنا مجالد عن الحسن بن سعد عن قيس بن سعد قال: قرأ رجل عند علي رضي الله عنه وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ فقال علي: «وما شأن الطلح؟ إنما هو طلع منضود» [[تفسير الطبري: 27/ 234 وفيه: ثم قرأ: طلعها هضيم، فقلنا: أولا نحولها.]] ثم قرأ «طَلْعٌ [نَضِيدٌ] منضود» .
فقلت: إنها في المصحف بالحاء فلا تحوّلها؟ فقال: «إن القرآن لا يهاج [اليوم] ولا يحوّل» [[تفسير القرطبي: 17/ 208.]] .
والمنضود: المتراكم الذي قد نضد بأكمله من أوله إلى آخره، ليست له سوق بارزة.
قال مسروق: أشجار الجنة من عروقها إلى أغصانها ثمر كله.
الواقعة 56:27
ثُلَّةٌ جماعة مِنَ الْأَوَّلِينَ أي الأمم الماضية وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ أمّة محمد ﷺ عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ مرمولة منسوجة مشبكة بالذهب والجواهر، قد اتّصل بعضها في بعض، كما توضن حلق الدرع [......] [[بياض في المخطوط.]] بعضها في بعض مضاعفة.
ومنه قول الأعشى:
ومن نسج داود موضونة ... تساق مع الحيّ عيرا فعيرا [[لسان العرب: 13/ 450.]]
وقال أيضا:
وبيضاء كالنهي موضونة لها ... قونس فوق جيب البدن [[تفسير القرطبي: 8/ 380.]]
ومنه وضين الناقة وهو البطان من السيور إذا نسج بعضه على بعض مضاعفا كحلق الدرع.
قال الكلبي: طول كل سرير ثلاثمائة ذراع، فإذا أراد العبد أن يجلس عليها تواضعت فإذا جلس عليها ارتفعت.
وقال الضحاك: مَوْضُونَةٍ مصفوفة، وهي رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. يقال:
آجر موضون إذا صفّ بعضها على بعض.
مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ في الزيارة لا ينظر بعضهم في قفا بعض يَطُوفُ عَلَيْهِمْ للخدمة وِلْدانٌ غلمان مُخَلَّدُونَ أي لا يموتون عن مجاهد، وقال الكلبي: لا يهرمون ولا يكبرون ولا ينقصون ولا يتغيرون، وليس كخدم الدنيا يتغيرون من حال إلى حال.
ابن كيسان: يعني [ولدانا مخلدين] [[في المخطوط: مخلدين ولدانا.]] لا يتحولون من حالة إلى حالة، عكرمة: منعمون.
سعيد بن جبير: مقرّطون.
قال المؤرّخ: ويقال للقرط الخلد.
قال الشاعر:
ومخلدات باللجين كأنما ... أعجازهن أفاوز الكثبان [[لسان العرب: 3/ 164.]]
وقال علي والحسن: «هم أولاد أهل الدنيا لم يكن لهم حسنات فيثابوا عليها ولا سيئات فيعاقبوا عليها، لأن الجنة لا ولادة فيها» [[كنز العمال: 14/ 498 ح 39412 وفيه عن الحسن بن علي.]] .
وفي الحديث: «أطفال الكفار خدم أهل الجنة» [[المصدر السابق وفيه: هم خدم أهل الجنة.]] .
بِأَكْوابٍ جمع كوب وَأَبارِيقَ جمع إبريق، سمي بذلك لبريق لونه وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ خمر جارية لا يُصَدَّعُونَ عَنْها لا تصدّع رؤوسهم عن شربها وَلا يُنْزِفُونَ وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ يختارون ويشتهون.
أخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن حبش، حدّثنا ذكّار، حدّثنا هناد، حدّثنا أبو معونة عن عبيد الله بن الوليد عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: «إن في الجنة لطيرا فيه سبعون ألف ريشة، فيجيء فيقع على صحيفة الرجل من أهل الجنة ثم ينتفض، فيخرج من كل ريشة لون أبيض من الثلج والبرد وألين من الزبد وأعذب من الشهد ليس فيه لون يشبه صاحبه ثم يطير فيذهب» [185] [[كنز العمال: 14/ 462- 463، والدر المنثور: 6/ 156.]] .
وَحُورٌ عِينٌ قرأ أبو جعفر وحمزة والكسائي والمفضل بكسر الواو والنون أي وبحور عين، أتبعوا الآخر الأول في الا عراب على اللفظ وإن اختلفا في المعنى، لأن الحور لا يطاف بهنّ، كقول الشاعر:
إذا ما الغانيات برزن يوما ... وزججن الحواجب والعيونا [[تفسير الطبري: 27/ 229.]]
والعين لا تزجج وإنما تكحل.
وقال الآخر: متقلدا سيفا ورمحا، ومثله كثير.
وقرأ إبراهيم النخعي واشهب العقيلي: (وحورا عينا) بالنصب، وكذلك هو في مصحف أبيّ، على معنى: ويزوّجون حورا عينا. وقال الأخفش: رفع بخبر الصفة، أي لهم حور عين.
وقيل: هو ابتداء وخبره فيما بعده.
أخبرنا الحسين، حدّثنا محمد بن الحسن بن صقلاب، حدّثنا أبو عبد الله محمد بن بشير ابن يوسف بن النضر، حدّثنا بكر بن سهل الدمياطي، حدّثنا عمرو بن هاشم، حدّثنا سليمان بن أبي كرعة، عن هشام بن حسان، عن الحسن، عن أمه، عن أم سلمة قالت: قلت: يا رسول الله أخبرني عن قول الله عزّ وجل حُورٌ عِينٌ؟ قال: «حور بيض عين ضخام العيون» [186] [[تفسير ابن كثير: 4/ 312، والمعجم الأوسط 3/ 278 بتفاوت.]] .
أخبرنا ابن فنجويه، حدّثنا ابن صقلاب، حدّثنا أبو بكر بن أبي الخصيب حدّثني محمد بن غالب حدّثنا الحرث بن خليفة، حدّثنا إسماعيل بن إبراهيم، عبد العزيز بن صهيب، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «خلق الحور العين من الزعفران» [187] [[المعجم الأوسط: 1/ 95، وتفسير الطبري: 27/ 231.]] .
وأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن يودة، حدّثنا عبيد بن عبد الواحد بن شريك البزاز، حدّثنا سليمان بن عبد الرحمن ابن بنت شرحبيل، حدّثنا خالد بن يزيد، عن أبي مالك، عن أبيه عن خالد بن معدان، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من عبد يدخل الجنة إلّا وهو يزوّج ثنتين وسبعين زوجة، ثنتين من الحور العين وسبعين من ميراثه من أهل النار، وليس منهن امرأة إلّا ولها قبل شهيّ وله ذكر لا ينثني» [188] [[سنن ابن ماجة: 2/ 1452 ح 4337.]] .
وأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا أحمد بن محمد بن علي، حدّثنا عثمان بن نصر البغدادي، حدّثنا محمد بن مهاجر أبو حنيف، حدّثنا حلبس بن محمد الكلابي، حدّثنا سفيان الثوري، عن منصور أو المغيرة، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «يسطع نور في الجنة فقالوا: ما هذا؟ قالوا: ضوء ثغر حوراء ضحكت في وجه زوجها» [189] [[تاريخ بغداد: 11/ 163.]] .
وروي أن الحوراء إن مشت سمع تقديس الخلاخيل من ساقيها وتمجيد الأسورة من ساعديها، وإن عقد الياقوت يضحك من نحرها، وفي رجليها نعلان من ذهب شراكها من لؤلؤ تصرّان بالتسبيح.
وكان يحيى بن معاذ الرازي يقول: اخطب زوجة [لا تسلبها] منك المنايا، وأعرس بها في دار لا يخربها دوران البلايا وشبّك لها حجلة لا تحرقها نيران الرزايا.
وقال مجاهد: سميت حورا لأنه يحار فيهن الطرف.
كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ المخزون في الصدف الذي لم تمسّه الأيدي جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً في نصبهما وجهان:
أحدهما: إتباع للقيل.
والثاني: على [[فيكون نصبه بوقوع القيل عليه.]] (يسمعون سلاما) ، ثم رجع إلى ذكر منازل أصحاب الميمنة فقال وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ لا شوك فيه، كأنه خضّد شوكها أي قطع ونزع.
ومنه
الحديث في المدينة: «لا يخضد شوكها ولا يعصر شجرها»
[[التبيان في تفسير القرآن: 9/ 496.]] وهذا قول ابن عباس وعكرمة وقسامة بن زهير.
وقال الحسن: لا تعقر الأيدي. قتادة: هو الذي لا يرد اليد منها شوك ولا بعد.
وقال الضحّاك ومجاهد ومقاتل بن حيان: هو الموقر حملا.
قال سعيد بن جبير: ثمرها أعظم من الفلال. وقال ابن كيسان: هو الذي لا أذى فيه.
قال: وليس شيء من ثمر الجنة في غلف كما تكون في الدنيا من الباقلاء وغيره، بل كلها مأكول ومشروب ومشموم ومنظور إليه.
قال أبو العالية والضحّاك: نظر المسلمون إلى وجّ وهو واد مخصب بالطائف، وأعجبهم سدرها.
وقالوا: يا ليت لنا مثل هذا، فأنزل الله عزّ وجل وَطَلْحٍ وموز واحدتها طلحة، عن أكثر المفسرين.
وقال الحسن: ليس هو موزا ولكنه شجر له ظلّ بارد طيب.
وقال الفراء وأبو عبيدة: الطلح عند العرب شجر عظام لها شوك.
قال بعض الحداة:
بشرها دليلها وقالا ... غدا ترين الطلح والجبالا
وأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن حيان، حدّثنا ابن مروان، حدّثنا أبي، حدّثنا إبراهيم بن عيسى، حدّثنا علي بن علي قال: زعم أبو حمزة الثمالي عن الحسن مولى الحسن بن علي أن عليا قرأ: وطلع منضود.
وأنبأني عقيل، أنبأنا المعافي محمد بن جرير، حدّثنا سعيد بن يحيى، حدّثنا أبي، حدّثنا مجالد عن الحسن بن سعد عن قيس بن سعد قال: قرأ رجل عند علي رضي الله عنه وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ فقال علي: «وما شأن الطلح؟ إنما هو طلع منضود» [[تفسير الطبري: 27/ 234 وفيه: ثم قرأ: طلعها هضيم، فقلنا: أولا نحولها.]] ثم قرأ «طَلْعٌ [نَضِيدٌ] منضود» .
فقلت: إنها في المصحف بالحاء فلا تحوّلها؟ فقال: «إن القرآن لا يهاج [اليوم] ولا يحوّل» [[تفسير القرطبي: 17/ 208.]] .
والمنضود: المتراكم الذي قد نضد بأكمله من أوله إلى آخره، ليست له سوق بارزة.
قال مسروق: أشجار الجنة من عروقها إلى أغصانها ثمر كله.
الواقعة 56:28
ثُلَّةٌ جماعة مِنَ الْأَوَّلِينَ أي الأمم الماضية وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ أمّة محمد ﷺ عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ مرمولة منسوجة مشبكة بالذهب والجواهر، قد اتّصل بعضها في بعض، كما توضن حلق الدرع [......] [[بياض في المخطوط.]] بعضها في بعض مضاعفة.
ومنه قول الأعشى:
ومن نسج داود موضونة ... تساق مع الحيّ عيرا فعيرا [[لسان العرب: 13/ 450.]]
وقال أيضا:
وبيضاء كالنهي موضونة لها ... قونس فوق جيب البدن [[تفسير القرطبي: 8/ 380.]]
ومنه وضين الناقة وهو البطان من السيور إذا نسج بعضه على بعض مضاعفا كحلق الدرع.
قال الكلبي: طول كل سرير ثلاثمائة ذراع، فإذا أراد العبد أن يجلس عليها تواضعت فإذا جلس عليها ارتفعت.
وقال الضحاك: مَوْضُونَةٍ مصفوفة، وهي رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. يقال:
آجر موضون إذا صفّ بعضها على بعض.
مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ في الزيارة لا ينظر بعضهم في قفا بعض يَطُوفُ عَلَيْهِمْ للخدمة وِلْدانٌ غلمان مُخَلَّدُونَ أي لا يموتون عن مجاهد، وقال الكلبي: لا يهرمون ولا يكبرون ولا ينقصون ولا يتغيرون، وليس كخدم الدنيا يتغيرون من حال إلى حال.
ابن كيسان: يعني [ولدانا مخلدين] [[في المخطوط: مخلدين ولدانا.]] لا يتحولون من حالة إلى حالة، عكرمة: منعمون.
سعيد بن جبير: مقرّطون.
قال المؤرّخ: ويقال للقرط الخلد.
قال الشاعر:
ومخلدات باللجين كأنما ... أعجازهن أفاوز الكثبان [[لسان العرب: 3/ 164.]]
وقال علي والحسن: «هم أولاد أهل الدنيا لم يكن لهم حسنات فيثابوا عليها ولا سيئات فيعاقبوا عليها، لأن الجنة لا ولادة فيها» [[كنز العمال: 14/ 498 ح 39412 وفيه عن الحسن بن علي.]] .
وفي الحديث: «أطفال الكفار خدم أهل الجنة» [[المصدر السابق وفيه: هم خدم أهل الجنة.]] .
بِأَكْوابٍ جمع كوب وَأَبارِيقَ جمع إبريق، سمي بذلك لبريق لونه وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ خمر جارية لا يُصَدَّعُونَ عَنْها لا تصدّع رؤوسهم عن شربها وَلا يُنْزِفُونَ وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ يختارون ويشتهون.
أخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن حبش، حدّثنا ذكّار، حدّثنا هناد، حدّثنا أبو معونة عن عبيد الله بن الوليد عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: «إن في الجنة لطيرا فيه سبعون ألف ريشة، فيجيء فيقع على صحيفة الرجل من أهل الجنة ثم ينتفض، فيخرج من كل ريشة لون أبيض من الثلج والبرد وألين من الزبد وأعذب من الشهد ليس فيه لون يشبه صاحبه ثم يطير فيذهب» [185] [[كنز العمال: 14/ 462- 463، والدر المنثور: 6/ 156.]] .
وَحُورٌ عِينٌ قرأ أبو جعفر وحمزة والكسائي والمفضل بكسر الواو والنون أي وبحور عين، أتبعوا الآخر الأول في الا عراب على اللفظ وإن اختلفا في المعنى، لأن الحور لا يطاف بهنّ، كقول الشاعر:
إذا ما الغانيات برزن يوما ... وزججن الحواجب والعيونا [[تفسير الطبري: 27/ 229.]]
والعين لا تزجج وإنما تكحل.
وقال الآخر: متقلدا سيفا ورمحا، ومثله كثير.
وقرأ إبراهيم النخعي واشهب العقيلي: (وحورا عينا) بالنصب، وكذلك هو في مصحف أبيّ، على معنى: ويزوّجون حورا عينا. وقال الأخفش: رفع بخبر الصفة، أي لهم حور عين.
وقيل: هو ابتداء وخبره فيما بعده.
أخبرنا الحسين، حدّثنا محمد بن الحسن بن صقلاب، حدّثنا أبو عبد الله محمد بن بشير ابن يوسف بن النضر، حدّثنا بكر بن سهل الدمياطي، حدّثنا عمرو بن هاشم، حدّثنا سليمان بن أبي كرعة، عن هشام بن حسان، عن الحسن، عن أمه، عن أم سلمة قالت: قلت: يا رسول الله أخبرني عن قول الله عزّ وجل حُورٌ عِينٌ؟ قال: «حور بيض عين ضخام العيون» [186] [[تفسير ابن كثير: 4/ 312، والمعجم الأوسط 3/ 278 بتفاوت.]] .
أخبرنا ابن فنجويه، حدّثنا ابن صقلاب، حدّثنا أبو بكر بن أبي الخصيب حدّثني محمد بن غالب حدّثنا الحرث بن خليفة، حدّثنا إسماعيل بن إبراهيم، عبد العزيز بن صهيب، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «خلق الحور العين من الزعفران» [187] [[المعجم الأوسط: 1/ 95، وتفسير الطبري: 27/ 231.]] .
وأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن يودة، حدّثنا عبيد بن عبد الواحد بن شريك البزاز، حدّثنا سليمان بن عبد الرحمن ابن بنت شرحبيل، حدّثنا خالد بن يزيد، عن أبي مالك، عن أبيه عن خالد بن معدان، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من عبد يدخل الجنة إلّا وهو يزوّج ثنتين وسبعين زوجة، ثنتين من الحور العين وسبعين من ميراثه من أهل النار، وليس منهن امرأة إلّا ولها قبل شهيّ وله ذكر لا ينثني» [188] [[سنن ابن ماجة: 2/ 1452 ح 4337.]] .
وأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا أحمد بن محمد بن علي، حدّثنا عثمان بن نصر البغدادي، حدّثنا محمد بن مهاجر أبو حنيف، حدّثنا حلبس بن محمد الكلابي، حدّثنا سفيان الثوري، عن منصور أو المغيرة، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «يسطع نور في الجنة فقالوا: ما هذا؟ قالوا: ضوء ثغر حوراء ضحكت في وجه زوجها» [189] [[تاريخ بغداد: 11/ 163.]] .
وروي أن الحوراء إن مشت سمع تقديس الخلاخيل من ساقيها وتمجيد الأسورة من ساعديها، وإن عقد الياقوت يضحك من نحرها، وفي رجليها نعلان من ذهب شراكها من لؤلؤ تصرّان بالتسبيح.
وكان يحيى بن معاذ الرازي يقول: اخطب زوجة [لا تسلبها] منك المنايا، وأعرس بها في دار لا يخربها دوران البلايا وشبّك لها حجلة لا تحرقها نيران الرزايا.
وقال مجاهد: سميت حورا لأنه يحار فيهن الطرف.
كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ المخزون في الصدف الذي لم تمسّه الأيدي جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً في نصبهما وجهان:
أحدهما: إتباع للقيل.
والثاني: على [[فيكون نصبه بوقوع القيل عليه.]] (يسمعون سلاما) ، ثم رجع إلى ذكر منازل أصحاب الميمنة فقال وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ لا شوك فيه، كأنه خضّد شوكها أي قطع ونزع.
ومنه
الحديث في المدينة: «لا يخضد شوكها ولا يعصر شجرها»
[[التبيان في تفسير القرآن: 9/ 496.]] وهذا قول ابن عباس وعكرمة وقسامة بن زهير.
وقال الحسن: لا تعقر الأيدي. قتادة: هو الذي لا يرد اليد منها شوك ولا بعد.
وقال الضحّاك ومجاهد ومقاتل بن حيان: هو الموقر حملا.
قال سعيد بن جبير: ثمرها أعظم من الفلال. وقال ابن كيسان: هو الذي لا أذى فيه.
قال: وليس شيء من ثمر الجنة في غلف كما تكون في الدنيا من الباقلاء وغيره، بل كلها مأكول ومشروب ومشموم ومنظور إليه.
قال أبو العالية والضحّاك: نظر المسلمون إلى وجّ وهو واد مخصب بالطائف، وأعجبهم سدرها.
وقالوا: يا ليت لنا مثل هذا، فأنزل الله عزّ وجل وَطَلْحٍ وموز واحدتها طلحة، عن أكثر المفسرين.
وقال الحسن: ليس هو موزا ولكنه شجر له ظلّ بارد طيب.
وقال الفراء وأبو عبيدة: الطلح عند العرب شجر عظام لها شوك.
قال بعض الحداة:
بشرها دليلها وقالا ... غدا ترين الطلح والجبالا
وأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن حيان، حدّثنا ابن مروان، حدّثنا أبي، حدّثنا إبراهيم بن عيسى، حدّثنا علي بن علي قال: زعم أبو حمزة الثمالي عن الحسن مولى الحسن بن علي أن عليا قرأ: وطلع منضود.
وأنبأني عقيل، أنبأنا المعافي محمد بن جرير، حدّثنا سعيد بن يحيى، حدّثنا أبي، حدّثنا مجالد عن الحسن بن سعد عن قيس بن سعد قال: قرأ رجل عند علي رضي الله عنه وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ فقال علي: «وما شأن الطلح؟ إنما هو طلع منضود» [[تفسير الطبري: 27/ 234 وفيه: ثم قرأ: طلعها هضيم، فقلنا: أولا نحولها.]] ثم قرأ «طَلْعٌ [نَضِيدٌ] منضود» .
فقلت: إنها في المصحف بالحاء فلا تحوّلها؟ فقال: «إن القرآن لا يهاج [اليوم] ولا يحوّل» [[تفسير القرطبي: 17/ 208.]] .
والمنضود: المتراكم الذي قد نضد بأكمله من أوله إلى آخره، ليست له سوق بارزة.
قال مسروق: أشجار الجنة من عروقها إلى أغصانها ثمر كله.
الواقعة 56:29
ثُلَّةٌ جماعة مِنَ الْأَوَّلِينَ أي الأمم الماضية وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ أمّة محمد ﷺ عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ مرمولة منسوجة مشبكة بالذهب والجواهر، قد اتّصل بعضها في بعض، كما توضن حلق الدرع [......] [[بياض في المخطوط.]] بعضها في بعض مضاعفة.
ومنه قول الأعشى:
ومن نسج داود موضونة ... تساق مع الحيّ عيرا فعيرا [[لسان العرب: 13/ 450.]]
وقال أيضا:
وبيضاء كالنهي موضونة لها ... قونس فوق جيب البدن [[تفسير القرطبي: 8/ 380.]]
ومنه وضين الناقة وهو البطان من السيور إذا نسج بعضه على بعض مضاعفا كحلق الدرع.
قال الكلبي: طول كل سرير ثلاثمائة ذراع، فإذا أراد العبد أن يجلس عليها تواضعت فإذا جلس عليها ارتفعت.
وقال الضحاك: مَوْضُونَةٍ مصفوفة، وهي رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. يقال:
آجر موضون إذا صفّ بعضها على بعض.
مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ في الزيارة لا ينظر بعضهم في قفا بعض يَطُوفُ عَلَيْهِمْ للخدمة وِلْدانٌ غلمان مُخَلَّدُونَ أي لا يموتون عن مجاهد، وقال الكلبي: لا يهرمون ولا يكبرون ولا ينقصون ولا يتغيرون، وليس كخدم الدنيا يتغيرون من حال إلى حال.
ابن كيسان: يعني [ولدانا مخلدين] [[في المخطوط: مخلدين ولدانا.]] لا يتحولون من حالة إلى حالة، عكرمة: منعمون.
سعيد بن جبير: مقرّطون.
قال المؤرّخ: ويقال للقرط الخلد.
قال الشاعر:
ومخلدات باللجين كأنما ... أعجازهن أفاوز الكثبان [[لسان العرب: 3/ 164.]]
وقال علي والحسن: «هم أولاد أهل الدنيا لم يكن لهم حسنات فيثابوا عليها ولا سيئات فيعاقبوا عليها، لأن الجنة لا ولادة فيها» [[كنز العمال: 14/ 498 ح 39412 وفيه عن الحسن بن علي.]] .
وفي الحديث: «أطفال الكفار خدم أهل الجنة» [[المصدر السابق وفيه: هم خدم أهل الجنة.]] .
بِأَكْوابٍ جمع كوب وَأَبارِيقَ جمع إبريق، سمي بذلك لبريق لونه وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ خمر جارية لا يُصَدَّعُونَ عَنْها لا تصدّع رؤوسهم عن شربها وَلا يُنْزِفُونَ وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ يختارون ويشتهون.
أخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن حبش، حدّثنا ذكّار، حدّثنا هناد، حدّثنا أبو معونة عن عبيد الله بن الوليد عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: «إن في الجنة لطيرا فيه سبعون ألف ريشة، فيجيء فيقع على صحيفة الرجل من أهل الجنة ثم ينتفض، فيخرج من كل ريشة لون أبيض من الثلج والبرد وألين من الزبد وأعذب من الشهد ليس فيه لون يشبه صاحبه ثم يطير فيذهب» [185] [[كنز العمال: 14/ 462- 463، والدر المنثور: 6/ 156.]] .
وَحُورٌ عِينٌ قرأ أبو جعفر وحمزة والكسائي والمفضل بكسر الواو والنون أي وبحور عين، أتبعوا الآخر الأول في الا عراب على اللفظ وإن اختلفا في المعنى، لأن الحور لا يطاف بهنّ، كقول الشاعر:
إذا ما الغانيات برزن يوما ... وزججن الحواجب والعيونا [[تفسير الطبري: 27/ 229.]]
والعين لا تزجج وإنما تكحل.
وقال الآخر: متقلدا سيفا ورمحا، ومثله كثير.
وقرأ إبراهيم النخعي واشهب العقيلي: (وحورا عينا) بالنصب، وكذلك هو في مصحف أبيّ، على معنى: ويزوّجون حورا عينا. وقال الأخفش: رفع بخبر الصفة، أي لهم حور عين.
وقيل: هو ابتداء وخبره فيما بعده.
أخبرنا الحسين، حدّثنا محمد بن الحسن بن صقلاب، حدّثنا أبو عبد الله محمد بن بشير ابن يوسف بن النضر، حدّثنا بكر بن سهل الدمياطي، حدّثنا عمرو بن هاشم، حدّثنا سليمان بن أبي كرعة، عن هشام بن حسان، عن الحسن، عن أمه، عن أم سلمة قالت: قلت: يا رسول الله أخبرني عن قول الله عزّ وجل حُورٌ عِينٌ؟ قال: «حور بيض عين ضخام العيون» [186] [[تفسير ابن كثير: 4/ 312، والمعجم الأوسط 3/ 278 بتفاوت.]] .
أخبرنا ابن فنجويه، حدّثنا ابن صقلاب، حدّثنا أبو بكر بن أبي الخصيب حدّثني محمد بن غالب حدّثنا الحرث بن خليفة، حدّثنا إسماعيل بن إبراهيم، عبد العزيز بن صهيب، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «خلق الحور العين من الزعفران» [187] [[المعجم الأوسط: 1/ 95، وتفسير الطبري: 27/ 231.]] .
وأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن يودة، حدّثنا عبيد بن عبد الواحد بن شريك البزاز، حدّثنا سليمان بن عبد الرحمن ابن بنت شرحبيل، حدّثنا خالد بن يزيد، عن أبي مالك، عن أبيه عن خالد بن معدان، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من عبد يدخل الجنة إلّا وهو يزوّج ثنتين وسبعين زوجة، ثنتين من الحور العين وسبعين من ميراثه من أهل النار، وليس منهن امرأة إلّا ولها قبل شهيّ وله ذكر لا ينثني» [188] [[سنن ابن ماجة: 2/ 1452 ح 4337.]] .
وأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا أحمد بن محمد بن علي، حدّثنا عثمان بن نصر البغدادي، حدّثنا محمد بن مهاجر أبو حنيف، حدّثنا حلبس بن محمد الكلابي، حدّثنا سفيان الثوري، عن منصور أو المغيرة، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «يسطع نور في الجنة فقالوا: ما هذا؟ قالوا: ضوء ثغر حوراء ضحكت في وجه زوجها» [189] [[تاريخ بغداد: 11/ 163.]] .
وروي أن الحوراء إن مشت سمع تقديس الخلاخيل من ساقيها وتمجيد الأسورة من ساعديها، وإن عقد الياقوت يضحك من نحرها، وفي رجليها نعلان من ذهب شراكها من لؤلؤ تصرّان بالتسبيح.
وكان يحيى بن معاذ الرازي يقول: اخطب زوجة [لا تسلبها] منك المنايا، وأعرس بها في دار لا يخربها دوران البلايا وشبّك لها حجلة لا تحرقها نيران الرزايا.
وقال مجاهد: سميت حورا لأنه يحار فيهن الطرف.
كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ المخزون في الصدف الذي لم تمسّه الأيدي جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً في نصبهما وجهان:
أحدهما: إتباع للقيل.
والثاني: على [[فيكون نصبه بوقوع القيل عليه.]] (يسمعون سلاما) ، ثم رجع إلى ذكر منازل أصحاب الميمنة فقال وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ لا شوك فيه، كأنه خضّد شوكها أي قطع ونزع.
ومنه
الحديث في المدينة: «لا يخضد شوكها ولا يعصر شجرها»
[[التبيان في تفسير القرآن: 9/ 496.]] وهذا قول ابن عباس وعكرمة وقسامة بن زهير.
وقال الحسن: لا تعقر الأيدي. قتادة: هو الذي لا يرد اليد منها شوك ولا بعد.
وقال الضحّاك ومجاهد ومقاتل بن حيان: هو الموقر حملا.
قال سعيد بن جبير: ثمرها أعظم من الفلال. وقال ابن كيسان: هو الذي لا أذى فيه.
قال: وليس شيء من ثمر الجنة في غلف كما تكون في الدنيا من الباقلاء وغيره، بل كلها مأكول ومشروب ومشموم ومنظور إليه.
قال أبو العالية والضحّاك: نظر المسلمون إلى وجّ وهو واد مخصب بالطائف، وأعجبهم سدرها.
وقالوا: يا ليت لنا مثل هذا، فأنزل الله عزّ وجل وَطَلْحٍ وموز واحدتها طلحة، عن أكثر المفسرين.
وقال الحسن: ليس هو موزا ولكنه شجر له ظلّ بارد طيب.
وقال الفراء وأبو عبيدة: الطلح عند العرب شجر عظام لها شوك.
قال بعض الحداة:
بشرها دليلها وقالا ... غدا ترين الطلح والجبالا
وأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن حيان، حدّثنا ابن مروان، حدّثنا أبي، حدّثنا إبراهيم بن عيسى، حدّثنا علي بن علي قال: زعم أبو حمزة الثمالي عن الحسن مولى الحسن بن علي أن عليا قرأ: وطلع منضود.
وأنبأني عقيل، أنبأنا المعافي محمد بن جرير، حدّثنا سعيد بن يحيى، حدّثنا أبي، حدّثنا مجالد عن الحسن بن سعد عن قيس بن سعد قال: قرأ رجل عند علي رضي الله عنه وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ فقال علي: «وما شأن الطلح؟ إنما هو طلع منضود» [[تفسير الطبري: 27/ 234 وفيه: ثم قرأ: طلعها هضيم، فقلنا: أولا نحولها.]] ثم قرأ «طَلْعٌ [نَضِيدٌ] منضود» .
فقلت: إنها في المصحف بالحاء فلا تحوّلها؟ فقال: «إن القرآن لا يهاج [اليوم] ولا يحوّل» [[تفسير القرطبي: 17/ 208.]] .
والمنضود: المتراكم الذي قد نضد بأكمله من أوله إلى آخره، ليست له سوق بارزة.
قال مسروق: أشجار الجنة من عروقها إلى أغصانها ثمر كله.
الواقعة 56:30
وَظِلٍّ مَمْدُودٍ دائم لا تسخنه الشمس.
قال الربيع: يعني ظل العرش. عمرو بن ميمون: مسيرة سبعين ألف سنة.
قال أبو عبيدة: تقول العرب للدهر الطويل والعمر الطويل، وللشيء الذي لا ينقطع:
ممدود.
قال لبيد:
غلب العزاء وكنت غير مقلب ... دهر طويل دائم ممدود [[تفسير القرطبي: 17/ 209 وفي جامع البيان للطبري (البقاء) بدل (العزاء) : 27/ 236.]]
حدّثنا أبو محمد مهدي بن عبد الله بن القاسم بن الحسن العلوي إملاء في شهر ربيع الأول سنة تسع وثمانين وثلاثمائة، حدّثنا أبو بكر جعفر بن محمد الحجاج حدّثني محمد بن يونس الكديمي، حدّثنا أبو عامر العقدي، حدّثنا زمعة بن صالح عن سلمة عن عكرمة عن ابن عباس في قوله وَظِلٍّ مَمْدُودٍ قال: شجرة في الجنة على ساق يخرج إليها أهل الجنة، أهل الغرف وغيرهم فيتحدثون في أصلها ويتذكر بعضهم ويشتهي بعضهم لهو الدنيا فيرسل الله عزّ وجل عليها ريحا من الجنة فتحرك تلك الشجرة بكل لهو كان في الدنيا.
وأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا محمد بن حبيش بن عمر المقرئ، حدّثنا ذكار بن الحسن، حدّثنا هناد بن السري، حدّثنا عبدة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة لا يقطعها، اقرءوا إن شئتم قول الله عزّ وجل: وَظِلٍّ مَمْدُودٍ» [190] [[المصنف لعبد الرزاق: 11/ 417، ومسند أبي الجعد: 177.]] .
وَماءٍ مَسْكُوبٍ مصبوب يجري دائما في غير أخدود لا ينقطع.
أخبرني الحسين، حدّثنا عبد الله بن يوسف، حدّثنا محمد بن موسى الحلواني، حدّثنا خزيمة بن أحمد الباوردي، حدّثنا إسحاق بن إسماعيل، حدّثنا الحسين بن علي الجعفي، حدّثنا مزاحم بن داود بن علبة [[في كتب الرجال: محمد بن غلبة، تهذيب التهذيب: 10/ 90 رقم 183.]] قال: مات أخ لي وكان بارا بأمّه فرأيته فيما يرى النائم فقلت له: أي أخي إن أخاك يحب أن يعلم إلى أي شيء صرت؟
فقال لي: أنا فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ، وَظِلٍّ مَمْدُودٍ وَماءٍ مَسْكُوبٍ.
وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لا مَقْطُوعَةٍ بالأزمان وَلا مَمْنُوعَةٍ بالأثمان.
وقال القتيبي: لا محظور عليها كما يحظر على بساتين الدنيا. وقيل: لا تنقطع الثمرة إذا جنيت، بل تخرج مكانها مثلها.
أخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن شيبة، حدّثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدّثنا محمد بن حسان الأزرق، حدّثنا ريحان بن سعيد، حدّثنا عباد بن كثير عن أيوب عن أبي قلابة عن أبي أسماء الرحبي عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ: «ما قطعت من ثمار الجنة إلّا أبدل الله مكانها ضعفين» [191] .
وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ
أخبرنا أبو علي بن أبي عمرو الجيري الجرشي، حدّثنا أبي، حدّثنا الحسن بن هارون، حدّثنا عمار بن عبد الجبار، حدّثنا رشيد، ح [[هذا الحرف علامة توضع بين سندين للدلالة على اشتراكهما في الراوي الذي بعدها: أنظر معجم الرموز والإشارات: 115- 116.]] .
وأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن حبش، حدّثنا أبو عبد الرحمن الشائي، حدّثنا أبو كريب، حدّثنا رشد بن سعد عن عمرو بن الحرث عن دراج أبي السمح عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة قالا: قال رسول الله ﷺ في قوله وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ قال: «إن ارتفاعها لكما بين السماء والأرض، وإن ما بين السماء والأرض لمسيرة خمسمائة عام» [192] [[تفسير الطبري: 27/ 240]] .
وقال أبو امامة الباهلي: لو طرح فراش من أعلاها إلى أسفلها لم يستقر إلّا بعد سبعين خريفا.
وقال علي بن أبي طالب: مَرْفُوعَةٍ على الأسرة.
وقيل: إنه أراد بالفرش النساء، والعرب تسمي المرأة فراشا ولباسا وإزارا على الاستعارة، لأن الفرش محل للنساء مَرْفُوعَةٍ رفعن بالجمال والفضل على نساء أهل الدنيا.
ودليل هذا التأويل قوله في عقبه إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً عذارى عُرُباً عرائس متحببات إلى أزواجهن. قاله الحسن وقتادة وسعيد بن جبير وهي رواية الوالبي عن ابن عباس وعكرمة عنه ملقة. وقال عكرمة: غنجة.
ابن بريدة: الشركلة بلغة مكة. والمغنوجة بلغة المدينة.
وأخبرني أبو عبد الله الحسين بن محمد الحافظ، حدّثنا أحمد بن إبراهيم بن شاذان، حدّثنا عبيد الله بن ثابت بن أحمد، حدّثنا أبو سعيد الأشج، حدّثنا ابن يمان عن اسامة بن زيد عن أبيه عُرُباً قال: حسنات الكلام.
وأخبرني أبو عبد الله الحافظ أحمد بن محمد بن إسحاق السنيّ، حدّثنا حامد بن شعيب البلخي، حدّثنا سريج بن يونس، هشام، حدّثنا مغيرة عن عثمان عن تيم بن حزام قال: هي الحسنة التبعل وكانت العرب تقول للمرأة إذا كانت حسنة التبعل إنها لعربة واحدتها عروب.
أَتْراباً مستويات في السنّ.
عن ابن فنجويه، حدّثنا ابن شنبه، الفراتي، حدّثنا عثمان بن أبي شيبة، حدّثنا يزيد بن هارون عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «يدخل أهل الجنة الجنة مردا بيضا جعادا مكحلين أبناء ثلاث وثلاثين على خلق آدم، طوله ستون ذراعا في سبعة أذرع» [[مسند أحمد: 2/ 343 وفيه: سبعون ذراعا، وفي لفظ له متفاوت ص 295: ستون ذراعا.]] [193] .
قال المفسرون: هذه صفات نساء الدنيا ومعنى قوله أَنْشَأْناهُنَّ خلقناهن بعد الخلق الأول، وبهذا جاءت الأخبار.
أخبرني الحسين، محمد بن الحسن الثقفي، حدّثنا محمد بن الحسن بن علي اليقطيني، حدّثنا أحمد بن عبد الله بن يزيد العقيلي، حدّثنا صفوان بن صالح، حدّثنا الوليد بن مسلم، حدّثنا عبد العزيز بن الحصين عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: دخل رسول الله ﷺ على عائشة وعندها عجوز من بني عامر فقال: «من هذه العجوز عندك يا عائشة؟» قالت: إحدى خالاتي يا رسول الله فقال: «إن الجنة لا تدخلها عجوز» فبلغ ذلك من العجوز كل مبلغ، فلما رجع النبي ﷺ ذكرت له عائشة ما لقيت العجوز فقال: «إنها إذا دخلت الجنة أنشئت خلقا آخر» [194] [[مجمع الزوائد: 10/ 419، والشمائل المحمدية: 199 بتفاوت.]] .
وأخبرني الحسين، حدّثنا أبو زرعة أحمد بن الحسين بن علي الرازي، حدّثنا أبو علي الحسين بن إسماعيل الفارسي نزيل بخارى، حدّثنا عيسى بن عمرو بن [ميمون] البخاري حدّثنا المسيب بن إسحاق، حدّثنا عيسى بن موسى غنجار، حدّثنا إسماعيل بن أبي زياد عن يونس بن عبيد عن الحسن عن أم سلمة زوج النبي ﷺ إنها قالت: سألت النبي ﷺ عن قوله تعالى إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً عُرُباً أَتْراباً. فقال: «يا أم سلمة، هن اللواتي قبضن في دار الدنيا عجائز شمطا عمشا رمصا جعلهن الله عزّ وجل بعد الكبر أَتْراباً على ميلاد واحد في الاستواء» [195] [[المعجم الكبير: 23/ 368، وتفسير القرطبي: 17/ 210.]] .
وأخبرني الحسين بن محمد، حدّثنا موسى بن محمد، حدّثنا الحسن بن علوية، حدّثنا إسماعيل بن عيسى، حدّثنا المسيب بن شريك إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً.
قال: هنّ عجائز الدنيا أنشأهن الله عزّ وجل خلقا جديدا، كلما أتاهن أزواجهن وجدوهن أبكارا، فلما سمعت عائشة قالت: وا وجعا. فقال رسول الله ﷺ: «ليس هناك وجع» [196] [[تفسير القرطبي: 17/ 211.]] .
وأخبرني الحسين، حدّثنا محمد بن علي بن الحسن الصوفي أبو مسلم الكجيّ، حدّثنا حجاج، حدّثنا مبارك، حدّثنا الحسن بن أبي الحسن إن امرأة عجوزا [كبيرة] [[في المخطوط: كبيرا.]] أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله ادع الله أن يدخلني الجنة. قال: «يا أم فلان إن الجنة لا تدخلها العجائز» فولت وهي تبكي.
فقال رسول الله ﷺ: «أخبروها ليست يومئذ بعجوز [[في المصدر زيادة: وإنها يومئذ شابة.]] فإن الله عزّ وجل قال إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً عُرُباً أَتْراباً» [197] [[تفسير مجاهد: 2/ 648.]] .
وبإسناد المسيب، حدّثنا عبد الرحمن الأفريقي عن سعد بن مسعود قال: إذا دخلت الجنة نساء الدنيا فضّلن على الحور العين بصلاتهن في الدنيا.
وأخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن الطيب، حدّثنا أبو سعيد عمرو بن محمد بن منصور، حدّثنا أبو بكر محمد بن سليمان بن الحرث الواسطي ببغداد، حدّثنا خلاد بن يحيى بن صفوان السلمي، حدّثنا سفيان الثوري عن يزيد بن ابان عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ في قوله إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً قال: «عجائزكنّ في الدنيا عمشا رمصا فجعلهن إبكارا» [[تفسير ابن كثير: 4/ 312.]] .
وقيل هي الحور العين.
أخبرنا ابن فنجويه، حدّثنا عمر بن الخطاب، حدّثنا محمد بن عبد العزيز بن عبد الملك العثماني، حدّثنا العباس، حدّثنا الوليد عبد الله بن هارون عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ: «خلق الحور العين من تسبيح الملائكة فليس فيهن أذى»
[[كنز العمال: 14/ 519 ح 39468.]] [198] قال الله عزّ وجل إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً عُرُباً عواشق لأزواجهن أَتْراباً.
الواقعة 56:31
وَظِلٍّ مَمْدُودٍ دائم لا تسخنه الشمس.
قال الربيع: يعني ظل العرش. عمرو بن ميمون: مسيرة سبعين ألف سنة.
قال أبو عبيدة: تقول العرب للدهر الطويل والعمر الطويل، وللشيء الذي لا ينقطع:
ممدود.
قال لبيد:
غلب العزاء وكنت غير مقلب ... دهر طويل دائم ممدود [[تفسير القرطبي: 17/ 209 وفي جامع البيان للطبري (البقاء) بدل (العزاء) : 27/ 236.]]
حدّثنا أبو محمد مهدي بن عبد الله بن القاسم بن الحسن العلوي إملاء في شهر ربيع الأول سنة تسع وثمانين وثلاثمائة، حدّثنا أبو بكر جعفر بن محمد الحجاج حدّثني محمد بن يونس الكديمي، حدّثنا أبو عامر العقدي، حدّثنا زمعة بن صالح عن سلمة عن عكرمة عن ابن عباس في قوله وَظِلٍّ مَمْدُودٍ قال: شجرة في الجنة على ساق يخرج إليها أهل الجنة، أهل الغرف وغيرهم فيتحدثون في أصلها ويتذكر بعضهم ويشتهي بعضهم لهو الدنيا فيرسل الله عزّ وجل عليها ريحا من الجنة فتحرك تلك الشجرة بكل لهو كان في الدنيا.
وأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا محمد بن حبيش بن عمر المقرئ، حدّثنا ذكار بن الحسن، حدّثنا هناد بن السري، حدّثنا عبدة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة لا يقطعها، اقرءوا إن شئتم قول الله عزّ وجل: وَظِلٍّ مَمْدُودٍ» [190] [[المصنف لعبد الرزاق: 11/ 417، ومسند أبي الجعد: 177.]] .
وَماءٍ مَسْكُوبٍ مصبوب يجري دائما في غير أخدود لا ينقطع.
أخبرني الحسين، حدّثنا عبد الله بن يوسف، حدّثنا محمد بن موسى الحلواني، حدّثنا خزيمة بن أحمد الباوردي، حدّثنا إسحاق بن إسماعيل، حدّثنا الحسين بن علي الجعفي، حدّثنا مزاحم بن داود بن علبة [[في كتب الرجال: محمد بن غلبة، تهذيب التهذيب: 10/ 90 رقم 183.]] قال: مات أخ لي وكان بارا بأمّه فرأيته فيما يرى النائم فقلت له: أي أخي إن أخاك يحب أن يعلم إلى أي شيء صرت؟
فقال لي: أنا فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ، وَظِلٍّ مَمْدُودٍ وَماءٍ مَسْكُوبٍ.
وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لا مَقْطُوعَةٍ بالأزمان وَلا مَمْنُوعَةٍ بالأثمان.
وقال القتيبي: لا محظور عليها كما يحظر على بساتين الدنيا. وقيل: لا تنقطع الثمرة إذا جنيت، بل تخرج مكانها مثلها.
أخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن شيبة، حدّثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدّثنا محمد بن حسان الأزرق، حدّثنا ريحان بن سعيد، حدّثنا عباد بن كثير عن أيوب عن أبي قلابة عن أبي أسماء الرحبي عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ: «ما قطعت من ثمار الجنة إلّا أبدل الله مكانها ضعفين» [191] .
وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ
أخبرنا أبو علي بن أبي عمرو الجيري الجرشي، حدّثنا أبي، حدّثنا الحسن بن هارون، حدّثنا عمار بن عبد الجبار، حدّثنا رشيد، ح [[هذا الحرف علامة توضع بين سندين للدلالة على اشتراكهما في الراوي الذي بعدها: أنظر معجم الرموز والإشارات: 115- 116.]] .
وأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن حبش، حدّثنا أبو عبد الرحمن الشائي، حدّثنا أبو كريب، حدّثنا رشد بن سعد عن عمرو بن الحرث عن دراج أبي السمح عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة قالا: قال رسول الله ﷺ في قوله وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ قال: «إن ارتفاعها لكما بين السماء والأرض، وإن ما بين السماء والأرض لمسيرة خمسمائة عام» [192] [[تفسير الطبري: 27/ 240]] .
وقال أبو امامة الباهلي: لو طرح فراش من أعلاها إلى أسفلها لم يستقر إلّا بعد سبعين خريفا.
وقال علي بن أبي طالب: مَرْفُوعَةٍ على الأسرة.
وقيل: إنه أراد بالفرش النساء، والعرب تسمي المرأة فراشا ولباسا وإزارا على الاستعارة، لأن الفرش محل للنساء مَرْفُوعَةٍ رفعن بالجمال والفضل على نساء أهل الدنيا.
ودليل هذا التأويل قوله في عقبه إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً عذارى عُرُباً عرائس متحببات إلى أزواجهن. قاله الحسن وقتادة وسعيد بن جبير وهي رواية الوالبي عن ابن عباس وعكرمة عنه ملقة. وقال عكرمة: غنجة.
ابن بريدة: الشركلة بلغة مكة. والمغنوجة بلغة المدينة.
وأخبرني أبو عبد الله الحسين بن محمد الحافظ، حدّثنا أحمد بن إبراهيم بن شاذان، حدّثنا عبيد الله بن ثابت بن أحمد، حدّثنا أبو سعيد الأشج، حدّثنا ابن يمان عن اسامة بن زيد عن أبيه عُرُباً قال: حسنات الكلام.
وأخبرني أبو عبد الله الحافظ أحمد بن محمد بن إسحاق السنيّ، حدّثنا حامد بن شعيب البلخي، حدّثنا سريج بن يونس، هشام، حدّثنا مغيرة عن عثمان عن تيم بن حزام قال: هي الحسنة التبعل وكانت العرب تقول للمرأة إذا كانت حسنة التبعل إنها لعربة واحدتها عروب.
أَتْراباً مستويات في السنّ.
عن ابن فنجويه، حدّثنا ابن شنبه، الفراتي، حدّثنا عثمان بن أبي شيبة، حدّثنا يزيد بن هارون عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «يدخل أهل الجنة الجنة مردا بيضا جعادا مكحلين أبناء ثلاث وثلاثين على خلق آدم، طوله ستون ذراعا في سبعة أذرع» [[مسند أحمد: 2/ 343 وفيه: سبعون ذراعا، وفي لفظ له متفاوت ص 295: ستون ذراعا.]] [193] .
قال المفسرون: هذه صفات نساء الدنيا ومعنى قوله أَنْشَأْناهُنَّ خلقناهن بعد الخلق الأول، وبهذا جاءت الأخبار.
أخبرني الحسين، محمد بن الحسن الثقفي، حدّثنا محمد بن الحسن بن علي اليقطيني، حدّثنا أحمد بن عبد الله بن يزيد العقيلي، حدّثنا صفوان بن صالح، حدّثنا الوليد بن مسلم، حدّثنا عبد العزيز بن الحصين عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: دخل رسول الله ﷺ على عائشة وعندها عجوز من بني عامر فقال: «من هذه العجوز عندك يا عائشة؟» قالت: إحدى خالاتي يا رسول الله فقال: «إن الجنة لا تدخلها عجوز» فبلغ ذلك من العجوز كل مبلغ، فلما رجع النبي ﷺ ذكرت له عائشة ما لقيت العجوز فقال: «إنها إذا دخلت الجنة أنشئت خلقا آخر» [194] [[مجمع الزوائد: 10/ 419، والشمائل المحمدية: 199 بتفاوت.]] .
وأخبرني الحسين، حدّثنا أبو زرعة أحمد بن الحسين بن علي الرازي، حدّثنا أبو علي الحسين بن إسماعيل الفارسي نزيل بخارى، حدّثنا عيسى بن عمرو بن [ميمون] البخاري حدّثنا المسيب بن إسحاق، حدّثنا عيسى بن موسى غنجار، حدّثنا إسماعيل بن أبي زياد عن يونس بن عبيد عن الحسن عن أم سلمة زوج النبي ﷺ إنها قالت: سألت النبي ﷺ عن قوله تعالى إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً عُرُباً أَتْراباً. فقال: «يا أم سلمة، هن اللواتي قبضن في دار الدنيا عجائز شمطا عمشا رمصا جعلهن الله عزّ وجل بعد الكبر أَتْراباً على ميلاد واحد في الاستواء» [195] [[المعجم الكبير: 23/ 368، وتفسير القرطبي: 17/ 210.]] .
وأخبرني الحسين بن محمد، حدّثنا موسى بن محمد، حدّثنا الحسن بن علوية، حدّثنا إسماعيل بن عيسى، حدّثنا المسيب بن شريك إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً.
قال: هنّ عجائز الدنيا أنشأهن الله عزّ وجل خلقا جديدا، كلما أتاهن أزواجهن وجدوهن أبكارا، فلما سمعت عائشة قالت: وا وجعا. فقال رسول الله ﷺ: «ليس هناك وجع» [196] [[تفسير القرطبي: 17/ 211.]] .
وأخبرني الحسين، حدّثنا محمد بن علي بن الحسن الصوفي أبو مسلم الكجيّ، حدّثنا حجاج، حدّثنا مبارك، حدّثنا الحسن بن أبي الحسن إن امرأة عجوزا [كبيرة] [[في المخطوط: كبيرا.]] أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله ادع الله أن يدخلني الجنة. قال: «يا أم فلان إن الجنة لا تدخلها العجائز» فولت وهي تبكي.
فقال رسول الله ﷺ: «أخبروها ليست يومئذ بعجوز [[في المصدر زيادة: وإنها يومئذ شابة.]] فإن الله عزّ وجل قال إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً عُرُباً أَتْراباً» [197] [[تفسير مجاهد: 2/ 648.]] .
وبإسناد المسيب، حدّثنا عبد الرحمن الأفريقي عن سعد بن مسعود قال: إذا دخلت الجنة نساء الدنيا فضّلن على الحور العين بصلاتهن في الدنيا.
وأخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن الطيب، حدّثنا أبو سعيد عمرو بن محمد بن منصور، حدّثنا أبو بكر محمد بن سليمان بن الحرث الواسطي ببغداد، حدّثنا خلاد بن يحيى بن صفوان السلمي، حدّثنا سفيان الثوري عن يزيد بن ابان عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ في قوله إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً قال: «عجائزكنّ في الدنيا عمشا رمصا فجعلهن إبكارا» [[تفسير ابن كثير: 4/ 312.]] .
وقيل هي الحور العين.
أخبرنا ابن فنجويه، حدّثنا عمر بن الخطاب، حدّثنا محمد بن عبد العزيز بن عبد الملك العثماني، حدّثنا العباس، حدّثنا الوليد عبد الله بن هارون عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ: «خلق الحور العين من تسبيح الملائكة فليس فيهن أذى»
[[كنز العمال: 14/ 519 ح 39468.]] [198] قال الله عزّ وجل إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً عُرُباً عواشق لأزواجهن أَتْراباً.
الواقعة 56:32
وَظِلٍّ مَمْدُودٍ دائم لا تسخنه الشمس.
قال الربيع: يعني ظل العرش. عمرو بن ميمون: مسيرة سبعين ألف سنة.
قال أبو عبيدة: تقول العرب للدهر الطويل والعمر الطويل، وللشيء الذي لا ينقطع:
ممدود.
قال لبيد:
غلب العزاء وكنت غير مقلب ... دهر طويل دائم ممدود [[تفسير القرطبي: 17/ 209 وفي جامع البيان للطبري (البقاء) بدل (العزاء) : 27/ 236.]]
حدّثنا أبو محمد مهدي بن عبد الله بن القاسم بن الحسن العلوي إملاء في شهر ربيع الأول سنة تسع وثمانين وثلاثمائة، حدّثنا أبو بكر جعفر بن محمد الحجاج حدّثني محمد بن يونس الكديمي، حدّثنا أبو عامر العقدي، حدّثنا زمعة بن صالح عن سلمة عن عكرمة عن ابن عباس في قوله وَظِلٍّ مَمْدُودٍ قال: شجرة في الجنة على ساق يخرج إليها أهل الجنة، أهل الغرف وغيرهم فيتحدثون في أصلها ويتذكر بعضهم ويشتهي بعضهم لهو الدنيا فيرسل الله عزّ وجل عليها ريحا من الجنة فتحرك تلك الشجرة بكل لهو كان في الدنيا.
وأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا محمد بن حبيش بن عمر المقرئ، حدّثنا ذكار بن الحسن، حدّثنا هناد بن السري، حدّثنا عبدة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة لا يقطعها، اقرءوا إن شئتم قول الله عزّ وجل: وَظِلٍّ مَمْدُودٍ» [190] [[المصنف لعبد الرزاق: 11/ 417، ومسند أبي الجعد: 177.]] .
وَماءٍ مَسْكُوبٍ مصبوب يجري دائما في غير أخدود لا ينقطع.
أخبرني الحسين، حدّثنا عبد الله بن يوسف، حدّثنا محمد بن موسى الحلواني، حدّثنا خزيمة بن أحمد الباوردي، حدّثنا إسحاق بن إسماعيل، حدّثنا الحسين بن علي الجعفي، حدّثنا مزاحم بن داود بن علبة [[في كتب الرجال: محمد بن غلبة، تهذيب التهذيب: 10/ 90 رقم 183.]] قال: مات أخ لي وكان بارا بأمّه فرأيته فيما يرى النائم فقلت له: أي أخي إن أخاك يحب أن يعلم إلى أي شيء صرت؟
فقال لي: أنا فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ، وَظِلٍّ مَمْدُودٍ وَماءٍ مَسْكُوبٍ.
وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لا مَقْطُوعَةٍ بالأزمان وَلا مَمْنُوعَةٍ بالأثمان.
وقال القتيبي: لا محظور عليها كما يحظر على بساتين الدنيا. وقيل: لا تنقطع الثمرة إذا جنيت، بل تخرج مكانها مثلها.
أخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن شيبة، حدّثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدّثنا محمد بن حسان الأزرق، حدّثنا ريحان بن سعيد، حدّثنا عباد بن كثير عن أيوب عن أبي قلابة عن أبي أسماء الرحبي عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ: «ما قطعت من ثمار الجنة إلّا أبدل الله مكانها ضعفين» [191] .
وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ
أخبرنا أبو علي بن أبي عمرو الجيري الجرشي، حدّثنا أبي، حدّثنا الحسن بن هارون، حدّثنا عمار بن عبد الجبار، حدّثنا رشيد، ح [[هذا الحرف علامة توضع بين سندين للدلالة على اشتراكهما في الراوي الذي بعدها: أنظر معجم الرموز والإشارات: 115- 116.]] .
وأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن حبش، حدّثنا أبو عبد الرحمن الشائي، حدّثنا أبو كريب، حدّثنا رشد بن سعد عن عمرو بن الحرث عن دراج أبي السمح عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة قالا: قال رسول الله ﷺ في قوله وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ قال: «إن ارتفاعها لكما بين السماء والأرض، وإن ما بين السماء والأرض لمسيرة خمسمائة عام» [192] [[تفسير الطبري: 27/ 240]] .
وقال أبو امامة الباهلي: لو طرح فراش من أعلاها إلى أسفلها لم يستقر إلّا بعد سبعين خريفا.
وقال علي بن أبي طالب: مَرْفُوعَةٍ على الأسرة.
وقيل: إنه أراد بالفرش النساء، والعرب تسمي المرأة فراشا ولباسا وإزارا على الاستعارة، لأن الفرش محل للنساء مَرْفُوعَةٍ رفعن بالجمال والفضل على نساء أهل الدنيا.
ودليل هذا التأويل قوله في عقبه إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً عذارى عُرُباً عرائس متحببات إلى أزواجهن. قاله الحسن وقتادة وسعيد بن جبير وهي رواية الوالبي عن ابن عباس وعكرمة عنه ملقة. وقال عكرمة: غنجة.
ابن بريدة: الشركلة بلغة مكة. والمغنوجة بلغة المدينة.
وأخبرني أبو عبد الله الحسين بن محمد الحافظ، حدّثنا أحمد بن إبراهيم بن شاذان، حدّثنا عبيد الله بن ثابت بن أحمد، حدّثنا أبو سعيد الأشج، حدّثنا ابن يمان عن اسامة بن زيد عن أبيه عُرُباً قال: حسنات الكلام.
وأخبرني أبو عبد الله الحافظ أحمد بن محمد بن إسحاق السنيّ، حدّثنا حامد بن شعيب البلخي، حدّثنا سريج بن يونس، هشام، حدّثنا مغيرة عن عثمان عن تيم بن حزام قال: هي الحسنة التبعل وكانت العرب تقول للمرأة إذا كانت حسنة التبعل إنها لعربة واحدتها عروب.
أَتْراباً مستويات في السنّ.
عن ابن فنجويه، حدّثنا ابن شنبه، الفراتي، حدّثنا عثمان بن أبي شيبة، حدّثنا يزيد بن هارون عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «يدخل أهل الجنة الجنة مردا بيضا جعادا مكحلين أبناء ثلاث وثلاثين على خلق آدم، طوله ستون ذراعا في سبعة أذرع» [[مسند أحمد: 2/ 343 وفيه: سبعون ذراعا، وفي لفظ له متفاوت ص 295: ستون ذراعا.]] [193] .
قال المفسرون: هذه صفات نساء الدنيا ومعنى قوله أَنْشَأْناهُنَّ خلقناهن بعد الخلق الأول، وبهذا جاءت الأخبار.
أخبرني الحسين، محمد بن الحسن الثقفي، حدّثنا محمد بن الحسن بن علي اليقطيني، حدّثنا أحمد بن عبد الله بن يزيد العقيلي، حدّثنا صفوان بن صالح، حدّثنا الوليد بن مسلم، حدّثنا عبد العزيز بن الحصين عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: دخل رسول الله ﷺ على عائشة وعندها عجوز من بني عامر فقال: «من هذه العجوز عندك يا عائشة؟» قالت: إحدى خالاتي يا رسول الله فقال: «إن الجنة لا تدخلها عجوز» فبلغ ذلك من العجوز كل مبلغ، فلما رجع النبي ﷺ ذكرت له عائشة ما لقيت العجوز فقال: «إنها إذا دخلت الجنة أنشئت خلقا آخر» [194] [[مجمع الزوائد: 10/ 419، والشمائل المحمدية: 199 بتفاوت.]] .
وأخبرني الحسين، حدّثنا أبو زرعة أحمد بن الحسين بن علي الرازي، حدّثنا أبو علي الحسين بن إسماعيل الفارسي نزيل بخارى، حدّثنا عيسى بن عمرو بن [ميمون] البخاري حدّثنا المسيب بن إسحاق، حدّثنا عيسى بن موسى غنجار، حدّثنا إسماعيل بن أبي زياد عن يونس بن عبيد عن الحسن عن أم سلمة زوج النبي ﷺ إنها قالت: سألت النبي ﷺ عن قوله تعالى إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً عُرُباً أَتْراباً. فقال: «يا أم سلمة، هن اللواتي قبضن في دار الدنيا عجائز شمطا عمشا رمصا جعلهن الله عزّ وجل بعد الكبر أَتْراباً على ميلاد واحد في الاستواء» [195] [[المعجم الكبير: 23/ 368، وتفسير القرطبي: 17/ 210.]] .
وأخبرني الحسين بن محمد، حدّثنا موسى بن محمد، حدّثنا الحسن بن علوية، حدّثنا إسماعيل بن عيسى، حدّثنا المسيب بن شريك إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً.
قال: هنّ عجائز الدنيا أنشأهن الله عزّ وجل خلقا جديدا، كلما أتاهن أزواجهن وجدوهن أبكارا، فلما سمعت عائشة قالت: وا وجعا. فقال رسول الله ﷺ: «ليس هناك وجع» [196] [[تفسير القرطبي: 17/ 211.]] .
وأخبرني الحسين، حدّثنا محمد بن علي بن الحسن الصوفي أبو مسلم الكجيّ، حدّثنا حجاج، حدّثنا مبارك، حدّثنا الحسن بن أبي الحسن إن امرأة عجوزا [كبيرة] [[في المخطوط: كبيرا.]] أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله ادع الله أن يدخلني الجنة. قال: «يا أم فلان إن الجنة لا تدخلها العجائز» فولت وهي تبكي.
فقال رسول الله ﷺ: «أخبروها ليست يومئذ بعجوز [[في المصدر زيادة: وإنها يومئذ شابة.]] فإن الله عزّ وجل قال إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً عُرُباً أَتْراباً» [197] [[تفسير مجاهد: 2/ 648.]] .
وبإسناد المسيب، حدّثنا عبد الرحمن الأفريقي عن سعد بن مسعود قال: إذا دخلت الجنة نساء الدنيا فضّلن على الحور العين بصلاتهن في الدنيا.
وأخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن الطيب، حدّثنا أبو سعيد عمرو بن محمد بن منصور، حدّثنا أبو بكر محمد بن سليمان بن الحرث الواسطي ببغداد، حدّثنا خلاد بن يحيى بن صفوان السلمي، حدّثنا سفيان الثوري عن يزيد بن ابان عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ في قوله إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً قال: «عجائزكنّ في الدنيا عمشا رمصا فجعلهن إبكارا» [[تفسير ابن كثير: 4/ 312.]] .
وقيل هي الحور العين.
أخبرنا ابن فنجويه، حدّثنا عمر بن الخطاب، حدّثنا محمد بن عبد العزيز بن عبد الملك العثماني، حدّثنا العباس، حدّثنا الوليد عبد الله بن هارون عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ: «خلق الحور العين من تسبيح الملائكة فليس فيهن أذى»
[[كنز العمال: 14/ 519 ح 39468.]] [198] قال الله عزّ وجل إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً عُرُباً عواشق لأزواجهن أَتْراباً.
الواقعة 56:33
وَظِلٍّ مَمْدُودٍ دائم لا تسخنه الشمس.
قال الربيع: يعني ظل العرش. عمرو بن ميمون: مسيرة سبعين ألف سنة.
قال أبو عبيدة: تقول العرب للدهر الطويل والعمر الطويل، وللشيء الذي لا ينقطع:
ممدود.
قال لبيد:
غلب العزاء وكنت غير مقلب ... دهر طويل دائم ممدود [[تفسير القرطبي: 17/ 209 وفي جامع البيان للطبري (البقاء) بدل (العزاء) : 27/ 236.]]
حدّثنا أبو محمد مهدي بن عبد الله بن القاسم بن الحسن العلوي إملاء في شهر ربيع الأول سنة تسع وثمانين وثلاثمائة، حدّثنا أبو بكر جعفر بن محمد الحجاج حدّثني محمد بن يونس الكديمي، حدّثنا أبو عامر العقدي، حدّثنا زمعة بن صالح عن سلمة عن عكرمة عن ابن عباس في قوله وَظِلٍّ مَمْدُودٍ قال: شجرة في الجنة على ساق يخرج إليها أهل الجنة، أهل الغرف وغيرهم فيتحدثون في أصلها ويتذكر بعضهم ويشتهي بعضهم لهو الدنيا فيرسل الله عزّ وجل عليها ريحا من الجنة فتحرك تلك الشجرة بكل لهو كان في الدنيا.
وأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا محمد بن حبيش بن عمر المقرئ، حدّثنا ذكار بن الحسن، حدّثنا هناد بن السري، حدّثنا عبدة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة لا يقطعها، اقرءوا إن شئتم قول الله عزّ وجل: وَظِلٍّ مَمْدُودٍ» [190] [[المصنف لعبد الرزاق: 11/ 417، ومسند أبي الجعد: 177.]] .
وَماءٍ مَسْكُوبٍ مصبوب يجري دائما في غير أخدود لا ينقطع.
أخبرني الحسين، حدّثنا عبد الله بن يوسف، حدّثنا محمد بن موسى الحلواني، حدّثنا خزيمة بن أحمد الباوردي، حدّثنا إسحاق بن إسماعيل، حدّثنا الحسين بن علي الجعفي، حدّثنا مزاحم بن داود بن علبة [[في كتب الرجال: محمد بن غلبة، تهذيب التهذيب: 10/ 90 رقم 183.]] قال: مات أخ لي وكان بارا بأمّه فرأيته فيما يرى النائم فقلت له: أي أخي إن أخاك يحب أن يعلم إلى أي شيء صرت؟
فقال لي: أنا فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ، وَظِلٍّ مَمْدُودٍ وَماءٍ مَسْكُوبٍ.
وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لا مَقْطُوعَةٍ بالأزمان وَلا مَمْنُوعَةٍ بالأثمان.
وقال القتيبي: لا محظور عليها كما يحظر على بساتين الدنيا. وقيل: لا تنقطع الثمرة إذا جنيت، بل تخرج مكانها مثلها.
أخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن شيبة، حدّثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدّثنا محمد بن حسان الأزرق، حدّثنا ريحان بن سعيد، حدّثنا عباد بن كثير عن أيوب عن أبي قلابة عن أبي أسماء الرحبي عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ: «ما قطعت من ثمار الجنة إلّا أبدل الله مكانها ضعفين» [191] .
وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ
أخبرنا أبو علي بن أبي عمرو الجيري الجرشي، حدّثنا أبي، حدّثنا الحسن بن هارون، حدّثنا عمار بن عبد الجبار، حدّثنا رشيد، ح [[هذا الحرف علامة توضع بين سندين للدلالة على اشتراكهما في الراوي الذي بعدها: أنظر معجم الرموز والإشارات: 115- 116.]] .
وأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن حبش، حدّثنا أبو عبد الرحمن الشائي، حدّثنا أبو كريب، حدّثنا رشد بن سعد عن عمرو بن الحرث عن دراج أبي السمح عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة قالا: قال رسول الله ﷺ في قوله وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ قال: «إن ارتفاعها لكما بين السماء والأرض، وإن ما بين السماء والأرض لمسيرة خمسمائة عام» [192] [[تفسير الطبري: 27/ 240]] .
وقال أبو امامة الباهلي: لو طرح فراش من أعلاها إلى أسفلها لم يستقر إلّا بعد سبعين خريفا.
وقال علي بن أبي طالب: مَرْفُوعَةٍ على الأسرة.
وقيل: إنه أراد بالفرش النساء، والعرب تسمي المرأة فراشا ولباسا وإزارا على الاستعارة، لأن الفرش محل للنساء مَرْفُوعَةٍ رفعن بالجمال والفضل على نساء أهل الدنيا.
ودليل هذا التأويل قوله في عقبه إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً عذارى عُرُباً عرائس متحببات إلى أزواجهن. قاله الحسن وقتادة وسعيد بن جبير وهي رواية الوالبي عن ابن عباس وعكرمة عنه ملقة. وقال عكرمة: غنجة.
ابن بريدة: الشركلة بلغة مكة. والمغنوجة بلغة المدينة.
وأخبرني أبو عبد الله الحسين بن محمد الحافظ، حدّثنا أحمد بن إبراهيم بن شاذان، حدّثنا عبيد الله بن ثابت بن أحمد، حدّثنا أبو سعيد الأشج، حدّثنا ابن يمان عن اسامة بن زيد عن أبيه عُرُباً قال: حسنات الكلام.
وأخبرني أبو عبد الله الحافظ أحمد بن محمد بن إسحاق السنيّ، حدّثنا حامد بن شعيب البلخي، حدّثنا سريج بن يونس، هشام، حدّثنا مغيرة عن عثمان عن تيم بن حزام قال: هي الحسنة التبعل وكانت العرب تقول للمرأة إذا كانت حسنة التبعل إنها لعربة واحدتها عروب.
أَتْراباً مستويات في السنّ.
عن ابن فنجويه، حدّثنا ابن شنبه، الفراتي، حدّثنا عثمان بن أبي شيبة، حدّثنا يزيد بن هارون عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «يدخل أهل الجنة الجنة مردا بيضا جعادا مكحلين أبناء ثلاث وثلاثين على خلق آدم، طوله ستون ذراعا في سبعة أذرع» [[مسند أحمد: 2/ 343 وفيه: سبعون ذراعا، وفي لفظ له متفاوت ص 295: ستون ذراعا.]] [193] .
قال المفسرون: هذه صفات نساء الدنيا ومعنى قوله أَنْشَأْناهُنَّ خلقناهن بعد الخلق الأول، وبهذا جاءت الأخبار.
أخبرني الحسين، محمد بن الحسن الثقفي، حدّثنا محمد بن الحسن بن علي اليقطيني، حدّثنا أحمد بن عبد الله بن يزيد العقيلي، حدّثنا صفوان بن صالح، حدّثنا الوليد بن مسلم، حدّثنا عبد العزيز بن الحصين عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: دخل رسول الله ﷺ على عائشة وعندها عجوز من بني عامر فقال: «من هذه العجوز عندك يا عائشة؟» قالت: إحدى خالاتي يا رسول الله فقال: «إن الجنة لا تدخلها عجوز» فبلغ ذلك من العجوز كل مبلغ، فلما رجع النبي ﷺ ذكرت له عائشة ما لقيت العجوز فقال: «إنها إذا دخلت الجنة أنشئت خلقا آخر» [194] [[مجمع الزوائد: 10/ 419، والشمائل المحمدية: 199 بتفاوت.]] .
وأخبرني الحسين، حدّثنا أبو زرعة أحمد بن الحسين بن علي الرازي، حدّثنا أبو علي الحسين بن إسماعيل الفارسي نزيل بخارى، حدّثنا عيسى بن عمرو بن [ميمون] البخاري حدّثنا المسيب بن إسحاق، حدّثنا عيسى بن موسى غنجار، حدّثنا إسماعيل بن أبي زياد عن يونس بن عبيد عن الحسن عن أم سلمة زوج النبي ﷺ إنها قالت: سألت النبي ﷺ عن قوله تعالى إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً عُرُباً أَتْراباً. فقال: «يا أم سلمة، هن اللواتي قبضن في دار الدنيا عجائز شمطا عمشا رمصا جعلهن الله عزّ وجل بعد الكبر أَتْراباً على ميلاد واحد في الاستواء» [195] [[المعجم الكبير: 23/ 368، وتفسير القرطبي: 17/ 210.]] .
وأخبرني الحسين بن محمد، حدّثنا موسى بن محمد، حدّثنا الحسن بن علوية، حدّثنا إسماعيل بن عيسى، حدّثنا المسيب بن شريك إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً.
قال: هنّ عجائز الدنيا أنشأهن الله عزّ وجل خلقا جديدا، كلما أتاهن أزواجهن وجدوهن أبكارا، فلما سمعت عائشة قالت: وا وجعا. فقال رسول الله ﷺ: «ليس هناك وجع» [196] [[تفسير القرطبي: 17/ 211.]] .
وأخبرني الحسين، حدّثنا محمد بن علي بن الحسن الصوفي أبو مسلم الكجيّ، حدّثنا حجاج، حدّثنا مبارك، حدّثنا الحسن بن أبي الحسن إن امرأة عجوزا [كبيرة] [[في المخطوط: كبيرا.]] أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله ادع الله أن يدخلني الجنة. قال: «يا أم فلان إن الجنة لا تدخلها العجائز» فولت وهي تبكي.
فقال رسول الله ﷺ: «أخبروها ليست يومئذ بعجوز [[في المصدر زيادة: وإنها يومئذ شابة.]] فإن الله عزّ وجل قال إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً عُرُباً أَتْراباً» [197] [[تفسير مجاهد: 2/ 648.]] .
وبإسناد المسيب، حدّثنا عبد الرحمن الأفريقي عن سعد بن مسعود قال: إذا دخلت الجنة نساء الدنيا فضّلن على الحور العين بصلاتهن في الدنيا.
وأخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن الطيب، حدّثنا أبو سعيد عمرو بن محمد بن منصور، حدّثنا أبو بكر محمد بن سليمان بن الحرث الواسطي ببغداد، حدّثنا خلاد بن يحيى بن صفوان السلمي، حدّثنا سفيان الثوري عن يزيد بن ابان عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ في قوله إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً قال: «عجائزكنّ في الدنيا عمشا رمصا فجعلهن إبكارا» [[تفسير ابن كثير: 4/ 312.]] .
وقيل هي الحور العين.
أخبرنا ابن فنجويه، حدّثنا عمر بن الخطاب، حدّثنا محمد بن عبد العزيز بن عبد الملك العثماني، حدّثنا العباس، حدّثنا الوليد عبد الله بن هارون عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ: «خلق الحور العين من تسبيح الملائكة فليس فيهن أذى»
[[كنز العمال: 14/ 519 ح 39468.]] [198] قال الله عزّ وجل إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً عُرُباً عواشق لأزواجهن أَتْراباً.
الواقعة 56:34
وَظِلٍّ مَمْدُودٍ دائم لا تسخنه الشمس.
قال الربيع: يعني ظل العرش. عمرو بن ميمون: مسيرة سبعين ألف سنة.
قال أبو عبيدة: تقول العرب للدهر الطويل والعمر الطويل، وللشيء الذي لا ينقطع:
ممدود.
قال لبيد:
غلب العزاء وكنت غير مقلب ... دهر طويل دائم ممدود [[تفسير القرطبي: 17/ 209 وفي جامع البيان للطبري (البقاء) بدل (العزاء) : 27/ 236.]]
حدّثنا أبو محمد مهدي بن عبد الله بن القاسم بن الحسن العلوي إملاء في شهر ربيع الأول سنة تسع وثمانين وثلاثمائة، حدّثنا أبو بكر جعفر بن محمد الحجاج حدّثني محمد بن يونس الكديمي، حدّثنا أبو عامر العقدي، حدّثنا زمعة بن صالح عن سلمة عن عكرمة عن ابن عباس في قوله وَظِلٍّ مَمْدُودٍ قال: شجرة في الجنة على ساق يخرج إليها أهل الجنة، أهل الغرف وغيرهم فيتحدثون في أصلها ويتذكر بعضهم ويشتهي بعضهم لهو الدنيا فيرسل الله عزّ وجل عليها ريحا من الجنة فتحرك تلك الشجرة بكل لهو كان في الدنيا.
وأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا محمد بن حبيش بن عمر المقرئ، حدّثنا ذكار بن الحسن، حدّثنا هناد بن السري، حدّثنا عبدة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة لا يقطعها، اقرءوا إن شئتم قول الله عزّ وجل: وَظِلٍّ مَمْدُودٍ» [190] [[المصنف لعبد الرزاق: 11/ 417، ومسند أبي الجعد: 177.]] .
وَماءٍ مَسْكُوبٍ مصبوب يجري دائما في غير أخدود لا ينقطع.
أخبرني الحسين، حدّثنا عبد الله بن يوسف، حدّثنا محمد بن موسى الحلواني، حدّثنا خزيمة بن أحمد الباوردي، حدّثنا إسحاق بن إسماعيل، حدّثنا الحسين بن علي الجعفي، حدّثنا مزاحم بن داود بن علبة [[في كتب الرجال: محمد بن غلبة، تهذيب التهذيب: 10/ 90 رقم 183.]] قال: مات أخ لي وكان بارا بأمّه فرأيته فيما يرى النائم فقلت له: أي أخي إن أخاك يحب أن يعلم إلى أي شيء صرت؟
فقال لي: أنا فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ، وَظِلٍّ مَمْدُودٍ وَماءٍ مَسْكُوبٍ.
وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لا مَقْطُوعَةٍ بالأزمان وَلا مَمْنُوعَةٍ بالأثمان.
وقال القتيبي: لا محظور عليها كما يحظر على بساتين الدنيا. وقيل: لا تنقطع الثمرة إذا جنيت، بل تخرج مكانها مثلها.
أخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن شيبة، حدّثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدّثنا محمد بن حسان الأزرق، حدّثنا ريحان بن سعيد، حدّثنا عباد بن كثير عن أيوب عن أبي قلابة عن أبي أسماء الرحبي عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ: «ما قطعت من ثمار الجنة إلّا أبدل الله مكانها ضعفين» [191] .
وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ
أخبرنا أبو علي بن أبي عمرو الجيري الجرشي، حدّثنا أبي، حدّثنا الحسن بن هارون، حدّثنا عمار بن عبد الجبار، حدّثنا رشيد، ح [[هذا الحرف علامة توضع بين سندين للدلالة على اشتراكهما في الراوي الذي بعدها: أنظر معجم الرموز والإشارات: 115- 116.]] .
وأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن حبش، حدّثنا أبو عبد الرحمن الشائي، حدّثنا أبو كريب، حدّثنا رشد بن سعد عن عمرو بن الحرث عن دراج أبي السمح عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة قالا: قال رسول الله ﷺ في قوله وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ قال: «إن ارتفاعها لكما بين السماء والأرض، وإن ما بين السماء والأرض لمسيرة خمسمائة عام» [192] [[تفسير الطبري: 27/ 240]] .
وقال أبو امامة الباهلي: لو طرح فراش من أعلاها إلى أسفلها لم يستقر إلّا بعد سبعين خريفا.
وقال علي بن أبي طالب: مَرْفُوعَةٍ على الأسرة.
وقيل: إنه أراد بالفرش النساء، والعرب تسمي المرأة فراشا ولباسا وإزارا على الاستعارة، لأن الفرش محل للنساء مَرْفُوعَةٍ رفعن بالجمال والفضل على نساء أهل الدنيا.
ودليل هذا التأويل قوله في عقبه إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً عذارى عُرُباً عرائس متحببات إلى أزواجهن. قاله الحسن وقتادة وسعيد بن جبير وهي رواية الوالبي عن ابن عباس وعكرمة عنه ملقة. وقال عكرمة: غنجة.
ابن بريدة: الشركلة بلغة مكة. والمغنوجة بلغة المدينة.
وأخبرني أبو عبد الله الحسين بن محمد الحافظ، حدّثنا أحمد بن إبراهيم بن شاذان، حدّثنا عبيد الله بن ثابت بن أحمد، حدّثنا أبو سعيد الأشج، حدّثنا ابن يمان عن اسامة بن زيد عن أبيه عُرُباً قال: حسنات الكلام.
وأخبرني أبو عبد الله الحافظ أحمد بن محمد بن إسحاق السنيّ، حدّثنا حامد بن شعيب البلخي، حدّثنا سريج بن يونس، هشام، حدّثنا مغيرة عن عثمان عن تيم بن حزام قال: هي الحسنة التبعل وكانت العرب تقول للمرأة إذا كانت حسنة التبعل إنها لعربة واحدتها عروب.
أَتْراباً مستويات في السنّ.
عن ابن فنجويه، حدّثنا ابن شنبه، الفراتي، حدّثنا عثمان بن أبي شيبة، حدّثنا يزيد بن هارون عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «يدخل أهل الجنة الجنة مردا بيضا جعادا مكحلين أبناء ثلاث وثلاثين على خلق آدم، طوله ستون ذراعا في سبعة أذرع» [[مسند أحمد: 2/ 343 وفيه: سبعون ذراعا، وفي لفظ له متفاوت ص 295: ستون ذراعا.]] [193] .
قال المفسرون: هذه صفات نساء الدنيا ومعنى قوله أَنْشَأْناهُنَّ خلقناهن بعد الخلق الأول، وبهذا جاءت الأخبار.
أخبرني الحسين، محمد بن الحسن الثقفي، حدّثنا محمد بن الحسن بن علي اليقطيني، حدّثنا أحمد بن عبد الله بن يزيد العقيلي، حدّثنا صفوان بن صالح، حدّثنا الوليد بن مسلم، حدّثنا عبد العزيز بن الحصين عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: دخل رسول الله ﷺ على عائشة وعندها عجوز من بني عامر فقال: «من هذه العجوز عندك يا عائشة؟» قالت: إحدى خالاتي يا رسول الله فقال: «إن الجنة لا تدخلها عجوز» فبلغ ذلك من العجوز كل مبلغ، فلما رجع النبي ﷺ ذكرت له عائشة ما لقيت العجوز فقال: «إنها إذا دخلت الجنة أنشئت خلقا آخر» [194] [[مجمع الزوائد: 10/ 419، والشمائل المحمدية: 199 بتفاوت.]] .
وأخبرني الحسين، حدّثنا أبو زرعة أحمد بن الحسين بن علي الرازي، حدّثنا أبو علي الحسين بن إسماعيل الفارسي نزيل بخارى، حدّثنا عيسى بن عمرو بن [ميمون] البخاري حدّثنا المسيب بن إسحاق، حدّثنا عيسى بن موسى غنجار، حدّثنا إسماعيل بن أبي زياد عن يونس بن عبيد عن الحسن عن أم سلمة زوج النبي ﷺ إنها قالت: سألت النبي ﷺ عن قوله تعالى إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً عُرُباً أَتْراباً. فقال: «يا أم سلمة، هن اللواتي قبضن في دار الدنيا عجائز شمطا عمشا رمصا جعلهن الله عزّ وجل بعد الكبر أَتْراباً على ميلاد واحد في الاستواء» [195] [[المعجم الكبير: 23/ 368، وتفسير القرطبي: 17/ 210.]] .
وأخبرني الحسين بن محمد، حدّثنا موسى بن محمد، حدّثنا الحسن بن علوية، حدّثنا إسماعيل بن عيسى، حدّثنا المسيب بن شريك إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً.
قال: هنّ عجائز الدنيا أنشأهن الله عزّ وجل خلقا جديدا، كلما أتاهن أزواجهن وجدوهن أبكارا، فلما سمعت عائشة قالت: وا وجعا. فقال رسول الله ﷺ: «ليس هناك وجع» [196] [[تفسير القرطبي: 17/ 211.]] .
وأخبرني الحسين، حدّثنا محمد بن علي بن الحسن الصوفي أبو مسلم الكجيّ، حدّثنا حجاج، حدّثنا مبارك، حدّثنا الحسن بن أبي الحسن إن امرأة عجوزا [كبيرة] [[في المخطوط: كبيرا.]] أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله ادع الله أن يدخلني الجنة. قال: «يا أم فلان إن الجنة لا تدخلها العجائز» فولت وهي تبكي.
فقال رسول الله ﷺ: «أخبروها ليست يومئذ بعجوز [[في المصدر زيادة: وإنها يومئذ شابة.]] فإن الله عزّ وجل قال إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً عُرُباً أَتْراباً» [197] [[تفسير مجاهد: 2/ 648.]] .
وبإسناد المسيب، حدّثنا عبد الرحمن الأفريقي عن سعد بن مسعود قال: إذا دخلت الجنة نساء الدنيا فضّلن على الحور العين بصلاتهن في الدنيا.
وأخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن الطيب، حدّثنا أبو سعيد عمرو بن محمد بن منصور، حدّثنا أبو بكر محمد بن سليمان بن الحرث الواسطي ببغداد، حدّثنا خلاد بن يحيى بن صفوان السلمي، حدّثنا سفيان الثوري عن يزيد بن ابان عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ في قوله إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً قال: «عجائزكنّ في الدنيا عمشا رمصا فجعلهن إبكارا» [[تفسير ابن كثير: 4/ 312.]] .
وقيل هي الحور العين.
أخبرنا ابن فنجويه، حدّثنا عمر بن الخطاب، حدّثنا محمد بن عبد العزيز بن عبد الملك العثماني، حدّثنا العباس، حدّثنا الوليد عبد الله بن هارون عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ: «خلق الحور العين من تسبيح الملائكة فليس فيهن أذى»
[[كنز العمال: 14/ 519 ح 39468.]] [198] قال الله عزّ وجل إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً عُرُباً عواشق لأزواجهن أَتْراباً.
الواقعة 56:35
وَظِلٍّ مَمْدُودٍ دائم لا تسخنه الشمس.
قال الربيع: يعني ظل العرش. عمرو بن ميمون: مسيرة سبعين ألف سنة.
قال أبو عبيدة: تقول العرب للدهر الطويل والعمر الطويل، وللشيء الذي لا ينقطع:
ممدود.
قال لبيد:
غلب العزاء وكنت غير مقلب ... دهر طويل دائم ممدود [[تفسير القرطبي: 17/ 209 وفي جامع البيان للطبري (البقاء) بدل (العزاء) : 27/ 236.]]
حدّثنا أبو محمد مهدي بن عبد الله بن القاسم بن الحسن العلوي إملاء في شهر ربيع الأول سنة تسع وثمانين وثلاثمائة، حدّثنا أبو بكر جعفر بن محمد الحجاج حدّثني محمد بن يونس الكديمي، حدّثنا أبو عامر العقدي، حدّثنا زمعة بن صالح عن سلمة عن عكرمة عن ابن عباس في قوله وَظِلٍّ مَمْدُودٍ قال: شجرة في الجنة على ساق يخرج إليها أهل الجنة، أهل الغرف وغيرهم فيتحدثون في أصلها ويتذكر بعضهم ويشتهي بعضهم لهو الدنيا فيرسل الله عزّ وجل عليها ريحا من الجنة فتحرك تلك الشجرة بكل لهو كان في الدنيا.
وأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا محمد بن حبيش بن عمر المقرئ، حدّثنا ذكار بن الحسن، حدّثنا هناد بن السري، حدّثنا عبدة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة لا يقطعها، اقرءوا إن شئتم قول الله عزّ وجل: وَظِلٍّ مَمْدُودٍ» [190] [[المصنف لعبد الرزاق: 11/ 417، ومسند أبي الجعد: 177.]] .
وَماءٍ مَسْكُوبٍ مصبوب يجري دائما في غير أخدود لا ينقطع.
أخبرني الحسين، حدّثنا عبد الله بن يوسف، حدّثنا محمد بن موسى الحلواني، حدّثنا خزيمة بن أحمد الباوردي، حدّثنا إسحاق بن إسماعيل، حدّثنا الحسين بن علي الجعفي، حدّثنا مزاحم بن داود بن علبة [[في كتب الرجال: محمد بن غلبة، تهذيب التهذيب: 10/ 90 رقم 183.]] قال: مات أخ لي وكان بارا بأمّه فرأيته فيما يرى النائم فقلت له: أي أخي إن أخاك يحب أن يعلم إلى أي شيء صرت؟
فقال لي: أنا فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ، وَظِلٍّ مَمْدُودٍ وَماءٍ مَسْكُوبٍ.
وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لا مَقْطُوعَةٍ بالأزمان وَلا مَمْنُوعَةٍ بالأثمان.
وقال القتيبي: لا محظور عليها كما يحظر على بساتين الدنيا. وقيل: لا تنقطع الثمرة إذا جنيت، بل تخرج مكانها مثلها.
أخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن شيبة، حدّثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدّثنا محمد بن حسان الأزرق، حدّثنا ريحان بن سعيد، حدّثنا عباد بن كثير عن أيوب عن أبي قلابة عن أبي أسماء الرحبي عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ: «ما قطعت من ثمار الجنة إلّا أبدل الله مكانها ضعفين» [191] .
وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ
أخبرنا أبو علي بن أبي عمرو الجيري الجرشي، حدّثنا أبي، حدّثنا الحسن بن هارون، حدّثنا عمار بن عبد الجبار، حدّثنا رشيد، ح [[هذا الحرف علامة توضع بين سندين للدلالة على اشتراكهما في الراوي الذي بعدها: أنظر معجم الرموز والإشارات: 115- 116.]] .
وأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن حبش، حدّثنا أبو عبد الرحمن الشائي، حدّثنا أبو كريب، حدّثنا رشد بن سعد عن عمرو بن الحرث عن دراج أبي السمح عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة قالا: قال رسول الله ﷺ في قوله وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ قال: «إن ارتفاعها لكما بين السماء والأرض، وإن ما بين السماء والأرض لمسيرة خمسمائة عام» [192] [[تفسير الطبري: 27/ 240]] .
وقال أبو امامة الباهلي: لو طرح فراش من أعلاها إلى أسفلها لم يستقر إلّا بعد سبعين خريفا.
وقال علي بن أبي طالب: مَرْفُوعَةٍ على الأسرة.
وقيل: إنه أراد بالفرش النساء، والعرب تسمي المرأة فراشا ولباسا وإزارا على الاستعارة، لأن الفرش محل للنساء مَرْفُوعَةٍ رفعن بالجمال والفضل على نساء أهل الدنيا.
ودليل هذا التأويل قوله في عقبه إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً عذارى عُرُباً عرائس متحببات إلى أزواجهن. قاله الحسن وقتادة وسعيد بن جبير وهي رواية الوالبي عن ابن عباس وعكرمة عنه ملقة. وقال عكرمة: غنجة.
ابن بريدة: الشركلة بلغة مكة. والمغنوجة بلغة المدينة.
وأخبرني أبو عبد الله الحسين بن محمد الحافظ، حدّثنا أحمد بن إبراهيم بن شاذان، حدّثنا عبيد الله بن ثابت بن أحمد، حدّثنا أبو سعيد الأشج، حدّثنا ابن يمان عن اسامة بن زيد عن أبيه عُرُباً قال: حسنات الكلام.
وأخبرني أبو عبد الله الحافظ أحمد بن محمد بن إسحاق السنيّ، حدّثنا حامد بن شعيب البلخي، حدّثنا سريج بن يونس، هشام، حدّثنا مغيرة عن عثمان عن تيم بن حزام قال: هي الحسنة التبعل وكانت العرب تقول للمرأة إذا كانت حسنة التبعل إنها لعربة واحدتها عروب.
أَتْراباً مستويات في السنّ.
عن ابن فنجويه، حدّثنا ابن شنبه، الفراتي، حدّثنا عثمان بن أبي شيبة، حدّثنا يزيد بن هارون عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «يدخل أهل الجنة الجنة مردا بيضا جعادا مكحلين أبناء ثلاث وثلاثين على خلق آدم، طوله ستون ذراعا في سبعة أذرع» [[مسند أحمد: 2/ 343 وفيه: سبعون ذراعا، وفي لفظ له متفاوت ص 295: ستون ذراعا.]] [193] .
قال المفسرون: هذه صفات نساء الدنيا ومعنى قوله أَنْشَأْناهُنَّ خلقناهن بعد الخلق الأول، وبهذا جاءت الأخبار.
أخبرني الحسين، محمد بن الحسن الثقفي، حدّثنا محمد بن الحسن بن علي اليقطيني، حدّثنا أحمد بن عبد الله بن يزيد العقيلي، حدّثنا صفوان بن صالح، حدّثنا الوليد بن مسلم، حدّثنا عبد العزيز بن الحصين عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: دخل رسول الله ﷺ على عائشة وعندها عجوز من بني عامر فقال: «من هذه العجوز عندك يا عائشة؟» قالت: إحدى خالاتي يا رسول الله فقال: «إن الجنة لا تدخلها عجوز» فبلغ ذلك من العجوز كل مبلغ، فلما رجع النبي ﷺ ذكرت له عائشة ما لقيت العجوز فقال: «إنها إذا دخلت الجنة أنشئت خلقا آخر» [194] [[مجمع الزوائد: 10/ 419، والشمائل المحمدية: 199 بتفاوت.]] .
وأخبرني الحسين، حدّثنا أبو زرعة أحمد بن الحسين بن علي الرازي، حدّثنا أبو علي الحسين بن إسماعيل الفارسي نزيل بخارى، حدّثنا عيسى بن عمرو بن [ميمون] البخاري حدّثنا المسيب بن إسحاق، حدّثنا عيسى بن موسى غنجار، حدّثنا إسماعيل بن أبي زياد عن يونس بن عبيد عن الحسن عن أم سلمة زوج النبي ﷺ إنها قالت: سألت النبي ﷺ عن قوله تعالى إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً عُرُباً أَتْراباً. فقال: «يا أم سلمة، هن اللواتي قبضن في دار الدنيا عجائز شمطا عمشا رمصا جعلهن الله عزّ وجل بعد الكبر أَتْراباً على ميلاد واحد في الاستواء» [195] [[المعجم الكبير: 23/ 368، وتفسير القرطبي: 17/ 210.]] .
وأخبرني الحسين بن محمد، حدّثنا موسى بن محمد، حدّثنا الحسن بن علوية، حدّثنا إسماعيل بن عيسى، حدّثنا المسيب بن شريك إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً.
قال: هنّ عجائز الدنيا أنشأهن الله عزّ وجل خلقا جديدا، كلما أتاهن أزواجهن وجدوهن أبكارا، فلما سمعت عائشة قالت: وا وجعا. فقال رسول الله ﷺ: «ليس هناك وجع» [196] [[تفسير القرطبي: 17/ 211.]] .
وأخبرني الحسين، حدّثنا محمد بن علي بن الحسن الصوفي أبو مسلم الكجيّ، حدّثنا حجاج، حدّثنا مبارك، حدّثنا الحسن بن أبي الحسن إن امرأة عجوزا [كبيرة] [[في المخطوط: كبيرا.]] أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله ادع الله أن يدخلني الجنة. قال: «يا أم فلان إن الجنة لا تدخلها العجائز» فولت وهي تبكي.
فقال رسول الله ﷺ: «أخبروها ليست يومئذ بعجوز [[في المصدر زيادة: وإنها يومئذ شابة.]] فإن الله عزّ وجل قال إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً عُرُباً أَتْراباً» [197] [[تفسير مجاهد: 2/ 648.]] .
وبإسناد المسيب، حدّثنا عبد الرحمن الأفريقي عن سعد بن مسعود قال: إذا دخلت الجنة نساء الدنيا فضّلن على الحور العين بصلاتهن في الدنيا.
وأخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن الطيب، حدّثنا أبو سعيد عمرو بن محمد بن منصور، حدّثنا أبو بكر محمد بن سليمان بن الحرث الواسطي ببغداد، حدّثنا خلاد بن يحيى بن صفوان السلمي، حدّثنا سفيان الثوري عن يزيد بن ابان عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ في قوله إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً قال: «عجائزكنّ في الدنيا عمشا رمصا فجعلهن إبكارا» [[تفسير ابن كثير: 4/ 312.]] .
وقيل هي الحور العين.
أخبرنا ابن فنجويه، حدّثنا عمر بن الخطاب، حدّثنا محمد بن عبد العزيز بن عبد الملك العثماني، حدّثنا العباس، حدّثنا الوليد عبد الله بن هارون عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ: «خلق الحور العين من تسبيح الملائكة فليس فيهن أذى»
[[كنز العمال: 14/ 519 ح 39468.]] [198] قال الله عزّ وجل إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً عُرُباً عواشق لأزواجهن أَتْراباً.
الواقعة 56:36
وَظِلٍّ مَمْدُودٍ دائم لا تسخنه الشمس.
قال الربيع: يعني ظل العرش. عمرو بن ميمون: مسيرة سبعين ألف سنة.
قال أبو عبيدة: تقول العرب للدهر الطويل والعمر الطويل، وللشيء الذي لا ينقطع:
ممدود.
قال لبيد:
غلب العزاء وكنت غير مقلب ... دهر طويل دائم ممدود [[تفسير القرطبي: 17/ 209 وفي جامع البيان للطبري (البقاء) بدل (العزاء) : 27/ 236.]]
حدّثنا أبو محمد مهدي بن عبد الله بن القاسم بن الحسن العلوي إملاء في شهر ربيع الأول سنة تسع وثمانين وثلاثمائة، حدّثنا أبو بكر جعفر بن محمد الحجاج حدّثني محمد بن يونس الكديمي، حدّثنا أبو عامر العقدي، حدّثنا زمعة بن صالح عن سلمة عن عكرمة عن ابن عباس في قوله وَظِلٍّ مَمْدُودٍ قال: شجرة في الجنة على ساق يخرج إليها أهل الجنة، أهل الغرف وغيرهم فيتحدثون في أصلها ويتذكر بعضهم ويشتهي بعضهم لهو الدنيا فيرسل الله عزّ وجل عليها ريحا من الجنة فتحرك تلك الشجرة بكل لهو كان في الدنيا.
وأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا محمد بن حبيش بن عمر المقرئ، حدّثنا ذكار بن الحسن، حدّثنا هناد بن السري، حدّثنا عبدة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة لا يقطعها، اقرءوا إن شئتم قول الله عزّ وجل: وَظِلٍّ مَمْدُودٍ» [190] [[المصنف لعبد الرزاق: 11/ 417، ومسند أبي الجعد: 177.]] .
وَماءٍ مَسْكُوبٍ مصبوب يجري دائما في غير أخدود لا ينقطع.
أخبرني الحسين، حدّثنا عبد الله بن يوسف، حدّثنا محمد بن موسى الحلواني، حدّثنا خزيمة بن أحمد الباوردي، حدّثنا إسحاق بن إسماعيل، حدّثنا الحسين بن علي الجعفي، حدّثنا مزاحم بن داود بن علبة [[في كتب الرجال: محمد بن غلبة، تهذيب التهذيب: 10/ 90 رقم 183.]] قال: مات أخ لي وكان بارا بأمّه فرأيته فيما يرى النائم فقلت له: أي أخي إن أخاك يحب أن يعلم إلى أي شيء صرت؟
فقال لي: أنا فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ، وَظِلٍّ مَمْدُودٍ وَماءٍ مَسْكُوبٍ.
وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لا مَقْطُوعَةٍ بالأزمان وَلا مَمْنُوعَةٍ بالأثمان.
وقال القتيبي: لا محظور عليها كما يحظر على بساتين الدنيا. وقيل: لا تنقطع الثمرة إذا جنيت، بل تخرج مكانها مثلها.
أخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن شيبة، حدّثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدّثنا محمد بن حسان الأزرق، حدّثنا ريحان بن سعيد، حدّثنا عباد بن كثير عن أيوب عن أبي قلابة عن أبي أسماء الرحبي عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ: «ما قطعت من ثمار الجنة إلّا أبدل الله مكانها ضعفين» [191] .
وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ
أخبرنا أبو علي بن أبي عمرو الجيري الجرشي، حدّثنا أبي، حدّثنا الحسن بن هارون، حدّثنا عمار بن عبد الجبار، حدّثنا رشيد، ح [[هذا الحرف علامة توضع بين سندين للدلالة على اشتراكهما في الراوي الذي بعدها: أنظر معجم الرموز والإشارات: 115- 116.]] .
وأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن حبش، حدّثنا أبو عبد الرحمن الشائي، حدّثنا أبو كريب، حدّثنا رشد بن سعد عن عمرو بن الحرث عن دراج أبي السمح عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة قالا: قال رسول الله ﷺ في قوله وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ قال: «إن ارتفاعها لكما بين السماء والأرض، وإن ما بين السماء والأرض لمسيرة خمسمائة عام» [192] [[تفسير الطبري: 27/ 240]] .
وقال أبو امامة الباهلي: لو طرح فراش من أعلاها إلى أسفلها لم يستقر إلّا بعد سبعين خريفا.
وقال علي بن أبي طالب: مَرْفُوعَةٍ على الأسرة.
وقيل: إنه أراد بالفرش النساء، والعرب تسمي المرأة فراشا ولباسا وإزارا على الاستعارة، لأن الفرش محل للنساء مَرْفُوعَةٍ رفعن بالجمال والفضل على نساء أهل الدنيا.
ودليل هذا التأويل قوله في عقبه إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً عذارى عُرُباً عرائس متحببات إلى أزواجهن. قاله الحسن وقتادة وسعيد بن جبير وهي رواية الوالبي عن ابن عباس وعكرمة عنه ملقة. وقال عكرمة: غنجة.
ابن بريدة: الشركلة بلغة مكة. والمغنوجة بلغة المدينة.
وأخبرني أبو عبد الله الحسين بن محمد الحافظ، حدّثنا أحمد بن إبراهيم بن شاذان، حدّثنا عبيد الله بن ثابت بن أحمد، حدّثنا أبو سعيد الأشج، حدّثنا ابن يمان عن اسامة بن زيد عن أبيه عُرُباً قال: حسنات الكلام.
وأخبرني أبو عبد الله الحافظ أحمد بن محمد بن إسحاق السنيّ، حدّثنا حامد بن شعيب البلخي، حدّثنا سريج بن يونس، هشام، حدّثنا مغيرة عن عثمان عن تيم بن حزام قال: هي الحسنة التبعل وكانت العرب تقول للمرأة إذا كانت حسنة التبعل إنها لعربة واحدتها عروب.
أَتْراباً مستويات في السنّ.
عن ابن فنجويه، حدّثنا ابن شنبه، الفراتي، حدّثنا عثمان بن أبي شيبة، حدّثنا يزيد بن هارون عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «يدخل أهل الجنة الجنة مردا بيضا جعادا مكحلين أبناء ثلاث وثلاثين على خلق آدم، طوله ستون ذراعا في سبعة أذرع» [[مسند أحمد: 2/ 343 وفيه: سبعون ذراعا، وفي لفظ له متفاوت ص 295: ستون ذراعا.]] [193] .
قال المفسرون: هذه صفات نساء الدنيا ومعنى قوله أَنْشَأْناهُنَّ خلقناهن بعد الخلق الأول، وبهذا جاءت الأخبار.
أخبرني الحسين، محمد بن الحسن الثقفي، حدّثنا محمد بن الحسن بن علي اليقطيني، حدّثنا أحمد بن عبد الله بن يزيد العقيلي، حدّثنا صفوان بن صالح، حدّثنا الوليد بن مسلم، حدّثنا عبد العزيز بن الحصين عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: دخل رسول الله ﷺ على عائشة وعندها عجوز من بني عامر فقال: «من هذه العجوز عندك يا عائشة؟» قالت: إحدى خالاتي يا رسول الله فقال: «إن الجنة لا تدخلها عجوز» فبلغ ذلك من العجوز كل مبلغ، فلما رجع النبي ﷺ ذكرت له عائشة ما لقيت العجوز فقال: «إنها إذا دخلت الجنة أنشئت خلقا آخر» [194] [[مجمع الزوائد: 10/ 419، والشمائل المحمدية: 199 بتفاوت.]] .
وأخبرني الحسين، حدّثنا أبو زرعة أحمد بن الحسين بن علي الرازي، حدّثنا أبو علي الحسين بن إسماعيل الفارسي نزيل بخارى، حدّثنا عيسى بن عمرو بن [ميمون] البخاري حدّثنا المسيب بن إسحاق، حدّثنا عيسى بن موسى غنجار، حدّثنا إسماعيل بن أبي زياد عن يونس بن عبيد عن الحسن عن أم سلمة زوج النبي ﷺ إنها قالت: سألت النبي ﷺ عن قوله تعالى إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً عُرُباً أَتْراباً. فقال: «يا أم سلمة، هن اللواتي قبضن في دار الدنيا عجائز شمطا عمشا رمصا جعلهن الله عزّ وجل بعد الكبر أَتْراباً على ميلاد واحد في الاستواء» [195] [[المعجم الكبير: 23/ 368، وتفسير القرطبي: 17/ 210.]] .
وأخبرني الحسين بن محمد، حدّثنا موسى بن محمد، حدّثنا الحسن بن علوية، حدّثنا إسماعيل بن عيسى، حدّثنا المسيب بن شريك إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً.
قال: هنّ عجائز الدنيا أنشأهن الله عزّ وجل خلقا جديدا، كلما أتاهن أزواجهن وجدوهن أبكارا، فلما سمعت عائشة قالت: وا وجعا. فقال رسول الله ﷺ: «ليس هناك وجع» [196] [[تفسير القرطبي: 17/ 211.]] .
وأخبرني الحسين، حدّثنا محمد بن علي بن الحسن الصوفي أبو مسلم الكجيّ، حدّثنا حجاج، حدّثنا مبارك، حدّثنا الحسن بن أبي الحسن إن امرأة عجوزا [كبيرة] [[في المخطوط: كبيرا.]] أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله ادع الله أن يدخلني الجنة. قال: «يا أم فلان إن الجنة لا تدخلها العجائز» فولت وهي تبكي.
فقال رسول الله ﷺ: «أخبروها ليست يومئذ بعجوز [[في المصدر زيادة: وإنها يومئذ شابة.]] فإن الله عزّ وجل قال إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً عُرُباً أَتْراباً» [197] [[تفسير مجاهد: 2/ 648.]] .
وبإسناد المسيب، حدّثنا عبد الرحمن الأفريقي عن سعد بن مسعود قال: إذا دخلت الجنة نساء الدنيا فضّلن على الحور العين بصلاتهن في الدنيا.
وأخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن الطيب، حدّثنا أبو سعيد عمرو بن محمد بن منصور، حدّثنا أبو بكر محمد بن سليمان بن الحرث الواسطي ببغداد، حدّثنا خلاد بن يحيى بن صفوان السلمي، حدّثنا سفيان الثوري عن يزيد بن ابان عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ في قوله إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً قال: «عجائزكنّ في الدنيا عمشا رمصا فجعلهن إبكارا» [[تفسير ابن كثير: 4/ 312.]] .
وقيل هي الحور العين.
أخبرنا ابن فنجويه، حدّثنا عمر بن الخطاب، حدّثنا محمد بن عبد العزيز بن عبد الملك العثماني، حدّثنا العباس، حدّثنا الوليد عبد الله بن هارون عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ: «خلق الحور العين من تسبيح الملائكة فليس فيهن أذى»
[[كنز العمال: 14/ 519 ح 39468.]] [198] قال الله عزّ وجل إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً عُرُباً عواشق لأزواجهن أَتْراباً.
الواقعة 56:37
وَظِلٍّ مَمْدُودٍ دائم لا تسخنه الشمس.
قال الربيع: يعني ظل العرش. عمرو بن ميمون: مسيرة سبعين ألف سنة.
قال أبو عبيدة: تقول العرب للدهر الطويل والعمر الطويل، وللشيء الذي لا ينقطع:
ممدود.
قال لبيد:
غلب العزاء وكنت غير مقلب ... دهر طويل دائم ممدود [[تفسير القرطبي: 17/ 209 وفي جامع البيان للطبري (البقاء) بدل (العزاء) : 27/ 236.]]
حدّثنا أبو محمد مهدي بن عبد الله بن القاسم بن الحسن العلوي إملاء في شهر ربيع الأول سنة تسع وثمانين وثلاثمائة، حدّثنا أبو بكر جعفر بن محمد الحجاج حدّثني محمد بن يونس الكديمي، حدّثنا أبو عامر العقدي، حدّثنا زمعة بن صالح عن سلمة عن عكرمة عن ابن عباس في قوله وَظِلٍّ مَمْدُودٍ قال: شجرة في الجنة على ساق يخرج إليها أهل الجنة، أهل الغرف وغيرهم فيتحدثون في أصلها ويتذكر بعضهم ويشتهي بعضهم لهو الدنيا فيرسل الله عزّ وجل عليها ريحا من الجنة فتحرك تلك الشجرة بكل لهو كان في الدنيا.
وأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا محمد بن حبيش بن عمر المقرئ، حدّثنا ذكار بن الحسن، حدّثنا هناد بن السري، حدّثنا عبدة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة لا يقطعها، اقرءوا إن شئتم قول الله عزّ وجل: وَظِلٍّ مَمْدُودٍ» [190] [[المصنف لعبد الرزاق: 11/ 417، ومسند أبي الجعد: 177.]] .
وَماءٍ مَسْكُوبٍ مصبوب يجري دائما في غير أخدود لا ينقطع.
أخبرني الحسين، حدّثنا عبد الله بن يوسف، حدّثنا محمد بن موسى الحلواني، حدّثنا خزيمة بن أحمد الباوردي، حدّثنا إسحاق بن إسماعيل، حدّثنا الحسين بن علي الجعفي، حدّثنا مزاحم بن داود بن علبة [[في كتب الرجال: محمد بن غلبة، تهذيب التهذيب: 10/ 90 رقم 183.]] قال: مات أخ لي وكان بارا بأمّه فرأيته فيما يرى النائم فقلت له: أي أخي إن أخاك يحب أن يعلم إلى أي شيء صرت؟
فقال لي: أنا فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ، وَظِلٍّ مَمْدُودٍ وَماءٍ مَسْكُوبٍ.
وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لا مَقْطُوعَةٍ بالأزمان وَلا مَمْنُوعَةٍ بالأثمان.
وقال القتيبي: لا محظور عليها كما يحظر على بساتين الدنيا. وقيل: لا تنقطع الثمرة إذا جنيت، بل تخرج مكانها مثلها.
أخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن شيبة، حدّثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدّثنا محمد بن حسان الأزرق، حدّثنا ريحان بن سعيد، حدّثنا عباد بن كثير عن أيوب عن أبي قلابة عن أبي أسماء الرحبي عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ: «ما قطعت من ثمار الجنة إلّا أبدل الله مكانها ضعفين» [191] .
وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ
أخبرنا أبو علي بن أبي عمرو الجيري الجرشي، حدّثنا أبي، حدّثنا الحسن بن هارون، حدّثنا عمار بن عبد الجبار، حدّثنا رشيد، ح [[هذا الحرف علامة توضع بين سندين للدلالة على اشتراكهما في الراوي الذي بعدها: أنظر معجم الرموز والإشارات: 115- 116.]] .
وأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن حبش، حدّثنا أبو عبد الرحمن الشائي، حدّثنا أبو كريب، حدّثنا رشد بن سعد عن عمرو بن الحرث عن دراج أبي السمح عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة قالا: قال رسول الله ﷺ في قوله وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ قال: «إن ارتفاعها لكما بين السماء والأرض، وإن ما بين السماء والأرض لمسيرة خمسمائة عام» [192] [[تفسير الطبري: 27/ 240]] .
وقال أبو امامة الباهلي: لو طرح فراش من أعلاها إلى أسفلها لم يستقر إلّا بعد سبعين خريفا.
وقال علي بن أبي طالب: مَرْفُوعَةٍ على الأسرة.
وقيل: إنه أراد بالفرش النساء، والعرب تسمي المرأة فراشا ولباسا وإزارا على الاستعارة، لأن الفرش محل للنساء مَرْفُوعَةٍ رفعن بالجمال والفضل على نساء أهل الدنيا.
ودليل هذا التأويل قوله في عقبه إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً عذارى عُرُباً عرائس متحببات إلى أزواجهن. قاله الحسن وقتادة وسعيد بن جبير وهي رواية الوالبي عن ابن عباس وعكرمة عنه ملقة. وقال عكرمة: غنجة.
ابن بريدة: الشركلة بلغة مكة. والمغنوجة بلغة المدينة.
وأخبرني أبو عبد الله الحسين بن محمد الحافظ، حدّثنا أحمد بن إبراهيم بن شاذان، حدّثنا عبيد الله بن ثابت بن أحمد، حدّثنا أبو سعيد الأشج، حدّثنا ابن يمان عن اسامة بن زيد عن أبيه عُرُباً قال: حسنات الكلام.
وأخبرني أبو عبد الله الحافظ أحمد بن محمد بن إسحاق السنيّ، حدّثنا حامد بن شعيب البلخي، حدّثنا سريج بن يونس، هشام، حدّثنا مغيرة عن عثمان عن تيم بن حزام قال: هي الحسنة التبعل وكانت العرب تقول للمرأة إذا كانت حسنة التبعل إنها لعربة واحدتها عروب.
أَتْراباً مستويات في السنّ.
عن ابن فنجويه، حدّثنا ابن شنبه، الفراتي، حدّثنا عثمان بن أبي شيبة، حدّثنا يزيد بن هارون عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «يدخل أهل الجنة الجنة مردا بيضا جعادا مكحلين أبناء ثلاث وثلاثين على خلق آدم، طوله ستون ذراعا في سبعة أذرع» [[مسند أحمد: 2/ 343 وفيه: سبعون ذراعا، وفي لفظ له متفاوت ص 295: ستون ذراعا.]] [193] .
قال المفسرون: هذه صفات نساء الدنيا ومعنى قوله أَنْشَأْناهُنَّ خلقناهن بعد الخلق الأول، وبهذا جاءت الأخبار.
أخبرني الحسين، محمد بن الحسن الثقفي، حدّثنا محمد بن الحسن بن علي اليقطيني، حدّثنا أحمد بن عبد الله بن يزيد العقيلي، حدّثنا صفوان بن صالح، حدّثنا الوليد بن مسلم، حدّثنا عبد العزيز بن الحصين عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: دخل رسول الله ﷺ على عائشة وعندها عجوز من بني عامر فقال: «من هذه العجوز عندك يا عائشة؟» قالت: إحدى خالاتي يا رسول الله فقال: «إن الجنة لا تدخلها عجوز» فبلغ ذلك من العجوز كل مبلغ، فلما رجع النبي ﷺ ذكرت له عائشة ما لقيت العجوز فقال: «إنها إذا دخلت الجنة أنشئت خلقا آخر» [194] [[مجمع الزوائد: 10/ 419، والشمائل المحمدية: 199 بتفاوت.]] .
وأخبرني الحسين، حدّثنا أبو زرعة أحمد بن الحسين بن علي الرازي، حدّثنا أبو علي الحسين بن إسماعيل الفارسي نزيل بخارى، حدّثنا عيسى بن عمرو بن [ميمون] البخاري حدّثنا المسيب بن إسحاق، حدّثنا عيسى بن موسى غنجار، حدّثنا إسماعيل بن أبي زياد عن يونس بن عبيد عن الحسن عن أم سلمة زوج النبي ﷺ إنها قالت: سألت النبي ﷺ عن قوله تعالى إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً عُرُباً أَتْراباً. فقال: «يا أم سلمة، هن اللواتي قبضن في دار الدنيا عجائز شمطا عمشا رمصا جعلهن الله عزّ وجل بعد الكبر أَتْراباً على ميلاد واحد في الاستواء» [195] [[المعجم الكبير: 23/ 368، وتفسير القرطبي: 17/ 210.]] .
وأخبرني الحسين بن محمد، حدّثنا موسى بن محمد، حدّثنا الحسن بن علوية، حدّثنا إسماعيل بن عيسى، حدّثنا المسيب بن شريك إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً.
قال: هنّ عجائز الدنيا أنشأهن الله عزّ وجل خلقا جديدا، كلما أتاهن أزواجهن وجدوهن أبكارا، فلما سمعت عائشة قالت: وا وجعا. فقال رسول الله ﷺ: «ليس هناك وجع» [196] [[تفسير القرطبي: 17/ 211.]] .
وأخبرني الحسين، حدّثنا محمد بن علي بن الحسن الصوفي أبو مسلم الكجيّ، حدّثنا حجاج، حدّثنا مبارك، حدّثنا الحسن بن أبي الحسن إن امرأة عجوزا [كبيرة] [[في المخطوط: كبيرا.]] أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله ادع الله أن يدخلني الجنة. قال: «يا أم فلان إن الجنة لا تدخلها العجائز» فولت وهي تبكي.
فقال رسول الله ﷺ: «أخبروها ليست يومئذ بعجوز [[في المصدر زيادة: وإنها يومئذ شابة.]] فإن الله عزّ وجل قال إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً عُرُباً أَتْراباً» [197] [[تفسير مجاهد: 2/ 648.]] .
وبإسناد المسيب، حدّثنا عبد الرحمن الأفريقي عن سعد بن مسعود قال: إذا دخلت الجنة نساء الدنيا فضّلن على الحور العين بصلاتهن في الدنيا.
وأخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن الطيب، حدّثنا أبو سعيد عمرو بن محمد بن منصور، حدّثنا أبو بكر محمد بن سليمان بن الحرث الواسطي ببغداد، حدّثنا خلاد بن يحيى بن صفوان السلمي، حدّثنا سفيان الثوري عن يزيد بن ابان عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ في قوله إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً قال: «عجائزكنّ في الدنيا عمشا رمصا فجعلهن إبكارا» [[تفسير ابن كثير: 4/ 312.]] .
وقيل هي الحور العين.
أخبرنا ابن فنجويه، حدّثنا عمر بن الخطاب، حدّثنا محمد بن عبد العزيز بن عبد الملك العثماني، حدّثنا العباس، حدّثنا الوليد عبد الله بن هارون عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ: «خلق الحور العين من تسبيح الملائكة فليس فيهن أذى»
[[كنز العمال: 14/ 519 ح 39468.]] [198] قال الله عزّ وجل إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً عُرُباً عواشق لأزواجهن أَتْراباً.
الواقعة 56:38
لِأَصْحابِ الْيَمِينِ ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ يعني من الأمم الماضية وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ من أمة محمد ﷺ.
أخبرني الحسين، حدّثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدقاق، حدّثنا محمد بن الوليد القرشي وعيسى بن المساور واللفظ له قالا: حدّثنا الوليد بن مسلم، حدّثنا عيسى بن موسى أبو محمد وغيره، عن عروة بن دويم قال: لما أنزل الله عزّ وجل على رسوله ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ بكى عمر رضي الله عنه فقال: يا نبي الله ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ؟ آمنا برسول الله وصدقناه ومن ينجو منّا قليل فأنزل الله عزّ وجل ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ فدعا رسول الله عمر فقال: «يا بن الخطاب قد أنزل الله عز وجل فيما قلت، فجعل: ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ.
فقال عمر: رضينا عن ربنا ونصدق نبينا.
فقال رسول الله ﷺ: «من آدم إلينا ثلة ومني إلى [يوم] القيامة ثلة ولا يستتمها إلّا سودان من رعاة الإبل من قال لا إله إلّا الله» [199] [[أسباب نزول الآيات: 270.]] .
وأخبرني عقيل أن أبا الفرج أخبرهم عن محمد بن جرير، حدّثنا بشر، حدّثنا يزيد، حدّثنا سعيد عن قتادة قال الحسن: حدّثني عمر بن أبي حصين عن عبد الله بن مسعود قال: تحدثنا عند رسول الله ﷺ ذات ليلة حتى أكرينا الحديث ثم رجعنا إلى أهلنا فلما أصبحنا غدونا على رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ: «عرضت عليّ الأنبياء الليلة بأتباعها من أمتها، وكان النبي يجيء معه الثلاثة من أمته والنبي معه العصابة من أمّته والنبي معه النفر من أمّته والنبي معه الرجل من أمته والنبي ما معه من أمّته أحد حتى أتى موسى في كبكبة بني إسرائيل، فلما رأيتهم أعجبوني فقلت: أي رب من هؤلاء؟ قيل: هذا أخوك موسى بن عمران ومن حفه من بني إسرائيل.
قلت: ربي فأين أمتي؟ قيل: انظر عن يمينك فإذا ظراب [[الظراب: الجبال، والظرب من الحجارة ما كان أصله ناتئا في جبل أو أرض حزنة، كتاب العين: 8/ 159، وقيل: هي الروابي الصغار، الصحاح: 1/ 174- الظرب.]] مكة قد سدّت بوجوه الرجال.
فقلت: من هؤلاء؟ فقيل: هؤلاء أمّتك أرضيت؟ فقلت: رب رضيت، قيل: انظر عن يسارك فإذا الأفق قد سدّ بوجوه الرجال.
فقلت: رب من هؤلاء؟ قيل: هؤلاء أمتك أرضيت؟ قلت: رب رضيت، فقيل: إن مع هؤلاء سبعين ألفا من أمتك يدخلون الجنة. لا حساب عليهم.
قال: فأنشأ كاشة بن محصن- رجل من بني أسد بن خزيمة فقال: يا نبي الله ادع ربك أن يجعلني منهم فقال: «اللهم اجعله منهم» ثم أنشأ رجل آخر فقال: يا نبي الله ادع ربك أن يجعلني منهم.
قال: «سبقك بهما عكاشة» .
فقال ﷺ: «فداكم أبي وامي إن استطعتم أن تكونوا من السبعين فكونوا، وإن عجزتم وقصرتم فكونوا من أهل الظراب، فإن عجزتم وقصرتم فكونوا من أهل الأفق، فإني قد رأيت ثم أناسا يتهاوشون كثيرا» .
قال: فقلت: من هؤلاء السبعون ألفا؟ فاتفق رأينا على أنهم أناس ولدوا في الإسلام فلم يزالوا يعملون به حتى ماتوا عليه فنهي حديثهم إلى رسول الله ﷺ فقال: «ليس كذلك ولكنهم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» .
ثم قال رسول الله ﷺ: «إني لأرجو أن يكون من تبعني من امتي ربع أهل الجنة» فكبّرنا ثم قال: «إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة» فكبّرنا. ثم قال: «إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة» ثم تلا رسول الله ﷺ هذه الآية ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ [200] [[مسند أحمد: 1/ 420 وفيه الى قوله: سبقك بها عكاشة، وتاريخ جرجان: 373، والمستدرك: 4/ 578.]] .
وقال أبو العالية ومجاهد وعطاء بن أبي رباح والضحّاك ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ يعني من سابقي هذه الأمة وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ من هذه الأمة في آخر الزمان.
يدل عليه ما
أخبرنا الحسين بن محمد، حدّثنا أحمد بن محمد بن إسحاق السني، حدّثنا أبو خليفة الفضل بن الحباب محمد بن كثير، حدّثنا سفيان عن أبان بن أبي عياش عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في هذه الآية ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ قال: قال رسول الله ﷺ: «هما جميعا من أمتي» [201] [[جامع البيان للطبري: 27/ 249.]] .
وَأَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ فِي سَمُومٍ ريح حارة وَحَمِيمٍ ماء حار وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ دخان شديد السواد. تقول العرب: أسود يحموم إذا كان شديد السواد.
وأنشد قطرب:
وما قد شربت ببطن [مكة] ... فراتا لمد كاليحموم جاري
وقال ابن بريدة: اليحموم جبل في جهنم يستغيث إلى ظله أهل النار [[تفسير القرطبي: 17/ 213.]] لا بارِدٍ بل حار لأنه من دخان سعير جهنم وَلا كَرِيمٍ ولا عذب عن الضحّاك، سعيد ابن المسيب والحسن: نظيره: مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ [[سورة الشعراء: 7.]] .
مقاتل: طيب. قتادة: لا بارِدٍ المنزل وَلا كَرِيمٍ المنظر.
قال الفراء: يجعل الكريم تابعا لكل شيء نفت عنه فعلا فيه ذم [[كقولهم: ما هذه بدار واسعة ولا كريمة.]] .
وقال ابن كيسان: اليحموم اسم من أسماء النار. وقال الضحّاك: النار سوداء وأهلها سود وكل شيء فيها أسود.
إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ في الدنيا مُتْرَفِينَ منعّمين وَكانُوا يُصِرُّونَ يقيمون عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ على الذنب الكبير، وهو الشرك.
وقال أبو بكر الأصم: كانوا يقسمون أن لا بعث، وأن الأصنام أنداد لله وكانوا يقيمون عليه فذلك حنثهم.
وَكانُوا يَقُولُونَ أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ لحق أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ثم يقال لهم: إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ.
قرأ أهل المدينة وعاصم وحمزة والأعمش وأيوب: (شُرْبَ) بضم الشين، واختاره أبو حاتم، وقرأ الباقون: بفتحه، واختاره أبو عبيد.
وروي عن الكسائي عن يحيى بن سعيد عن جريج إنه قال: ذكرت لجعفر بن محمد قراءة أصحاب عبد الله (شَرْبَ الْهِيمِ) بفتح الشين، فقال: «أما بلغك إن رسول الله ﷺ بعث بديل بن ورقاء الخزاعي إلى أهل منى في أيام التشريق فقال: «إنها أيام أكل وشرب» [202] [[مجمع الزوائد: 3/ 204، والمعجم الأوسط: 7/ 169.]] .
ويقال هي بفتح الشين [و.......] [[كلمة غير مقروءة.]] وهما لغتان جيدتان.
تقول العرب: شربت شربا وشربا وشربا بضمتين.
وقال أبو زيد الأنصاري: سمعت العرب تقول: شربت شربا، بكسر الشين.
وأما (الهيم) فالإبل العطاش. وقال عكرمة وقتادة: هو داء بالإبل لا تروى [معه] [[في المخطوط: معها.]] ولا تزال تشرب حتى تهلك ويقال لذلك الداء الهيام، ويقال: حمل أهيم وناقة هيماء وإبل هيم.
قال لبيد:
أجزت على معارفها بشعث ... وأطلاح من المهري هيم [[تفسير القرطبي: 17/ 215.]]
وقال الضحّاك وابن عيينة وابن كيسان: الهيم الأرض السهلة ذات الرمل.
هذا نُزُلُهُمْ رزقهم وغذاؤهم وما أعدّ لهم يَوْمَ الدِّينِ نَحْنُ خَلَقْناكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ بالبعث أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ تصبون في الأرحام من النطف؟.
وقرأ أبو السماك: (تَمْنُونَ) بفتح التاء وهما لغتان.
أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ نَحْنُ قَدَّرْنا [قرأ مجاهد وحميد وابن محيصن (قَدَرْنا) بتخفيف الدال] [[زيادة عن تفسير القرطبي: 17/ 216 وفي المخطوط: نخفيف مكيّ.]] ، الباقون بالتشديد بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ فمنكم من يعيش إلى أن يبلغ الهرم، ومنكم من يموت شابا وصبيا صغيرا وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عاجزين عن إهلاككم عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ
أو إبدالكم بامثالكم وَنُنْشِئَكُمْ
ونخلقكم فِي ما لا تَعْلَمُونَ
من الصور. قال مجاهد: في أي خلق شئنا.
وقال سعيد بن المسيب فِي ما لا تَعْلَمُونَ
يعني في حواصل طير تكون ببرهوت كأنها الخطاطيف، وبرهوت واد باليمن. وقال الحسن وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ
أي نبدل صفاتكم ونجعلكم قردة وخنازير كما فعلنا بمن كان قبلكم.
وقال السدي: نخلقكم في سوى خلقكم.
وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الخلقة الْأُولى ولم تكونوا شيئا، فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ أي قادر على إعادتكم كما قدرت على إبدائكم.
وقال الحسين بن الفضل في هذه الوجوه: وإن كانت غير مردودة، فالذي عندي في هذه الآية وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى
أي خلقتكم للبعث بعد الموت من حيث لا تعلمون كيف شئت وذلك أنكم علمتم النشأة الأولى كيف كانت في بطون الأمهات وليست الأخرى كذلك.
أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ أي تثيرون الأرض وتعملون فيها وتطرحون البذر أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ تنبتونه أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ؟.
أخبرني الحسين، حدّثنا عمر بن محمد بن علي الزيات، حدّثنا أبو عبد الله أحمد بن عبد الرحمن بن مرزوق، حدّثنا مسلم بن أبي مسلم الجرمي، حدّثنا مخلد بن الحسين عن هشام ابن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «لا يقولن أحدكم: زرعت وليقل حرثت» [203] [[تفسير القرطبي: 17/ 218.]] .
قال أبو هريرة: ألم تسمعوا قول الله عزّ وجل أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ.
لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً هشيما لا ينتفع به في مطعم وغذاء. وقال مرة: يعني نبتا لا قمح فيه.
فَظَلْتُمْ قرأت العامة بفتح الظاء. وقرأ عبد الله بكسره: والأصل ظللتم، فحذف إحدى اللامين تخفيفا، فمن فتحه فعلى الأصل ومن كسره نقل حركة اللام المحذوفة إلى الظاء.
تَفَكَّهُونَ قال يمان: تندمون على نفقاتكم، نظيره فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها [[سورة الكهف: 42.]] .
قتادة: تعجبون. عكرمة: تلاومون. الحسن: تندمون على ما سلف منكم من معصية الله التي أوجبت لكم عقوبته حتى نالكم في زرعكم ما نالكم. ابن زيد: تتفجّعون. ابن كيسان:
تحزنون.
قال: وهو من الأضداد. تقول العرب: تفكهت: أي تنعّمت، وتفكهت: أي حزنت.
قال الفراء: تَفَكَّهُونَ وتفكنون واحد، والنون لغة عكل [[عكل: قبيلة من العرب وقيل: عضل.]] .
وقيل: التفكه التكلم فما لا يعنيك، ومنه قيل للمزاح: فكاهة.
إِنَّا قرأ عاصم برواية أبي بكر والمفضل بهمزتين. الباقون على الخبر. ومجاز الآية فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ وتقولون إِنَّا لَمُغْرَمُونَ قال مجاهد وعكرمة: لمولع بنا. قال ابن عباس وقتادة: يعذبون، والغرام: العذاب.
ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: ملقون للشر. مقاتل بن حيان: مهلكون.
وقال الضحّاك: غرّمنا أموالنا وصار ما أنفقنا غرمنا عليه. مرة الهمداني: محاسبون.
بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ محدودون [ممنوعون] [[في المخطوط: ممنّعون بتشديد النون وفتحها.]] محارفون، والمحروم ضد المرزوق.
قال أنس بن مالك: مرّ رسول الله ﷺ بأرض الأنصار فقال: «ما يمنعكم من الحرث؟
قالوا: الجدوبة. قال: «فلا تفعلوا فإن الله عزّ وجل يقول: أنا الزارع إن شئت زرعت بالماء وإن شئت زرعت بالريح وإن شئت زرعت بالبذر» [[تفسير القرطبي: 17/ 220.]] [204] ثم تلا رسول الله ﷺ أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ الآيات.
أَفَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ السحاب، واحدتها مزنة.
قال الشاعر:
فنحن كماء المزن ما في نصابنا ... كهام ولا فينا يعدّ بخيل [[تفسير القرطبي: 17/ 220.]]
أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً قال ابن عباس: شديد الملوحة. وقال الحسن: قعاعا مرا.
فَلَوْلا تَشْكُرُونَ أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ تقدحون وتستخرجون من زندكم أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها التي تقدح منها النار وهي المرخ والعفار أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ المخترعون؟
نَحْنُ جَعَلْناها يعني نار الدنيا تَذْكِرَةً للنار الكبرى.
أخبرنا ابن سعيد بن حمدون، حدّثنا ابن الشرقي، حدّثنا محمد بن يحيى وعبد العزيز بن بشير وأحمد بن يوسف قالوا: حدّثنا عبد الرزاق، حدّثنا معمر عن همام بن منبه قال: هذا ما حدّثنا أبو هريرة عن محمد رسول الله ﷺ قال: «ناركم هذه التي توقد بنو آدم جزءا من سبعين جزءا من حرّ جهنم» .
قالوا: والله إن كانت لكافيتنا برسول الله. قال: «فإنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءا كلها مثل حرّها» [[صحيح مسلم: 8/ 149.]] [205] .
وَمَتاعاً بلغة ومنفعة لِلْمُقْوِينَ المسافرين النازلين في الأرض القيّ والقوى، وهي القفر الخالية البعيدة من العمران والأهلين، يقال: أقوت الدار إذا دخلت من سكانها.
قال الشاعر:
أقوى وأقفر من نعم وغيّرها ... هوج الرياح بهابي الترب موار [[الهوج: الريح التي تستوي في هبوبها، والهابي من هباء الغبار أي سطع، وموار: تحرك بسرعة، والبيت في تفسير الطبري: 27/ 264.]]
وقال النابغة:
يا دارميّة بالعلياء فالسند ... بها أقوت وطال عليها سالف الأبد [[ديوان النابغة الجعدي: 35.]]
هذا قول أكثر المفسرين، وقال مجاهد لِلْمُقْوِينَ يعني للمستمتعين من الناس أجمعين، المسافرين والحاضرين يستضيء بها في الظلمة ويصطلي بها في البرد وينتفع بها في الطبخ والخبز ونتذكر بها نار جهنم فنستجير الله منها.
وقال الحسن: بلغة المسافرين يبلغون بها إلى أسفارهم يحملونها في الخرق والجواليق.
وقال الربيع والسدي: يعني للمرملين المعترين الذين لا زاد معهم، نارا يوقدون فيختبزون بها، وهي رواية العوفي عن ابن عباس. قال ابن زيد: للجائعين. تقول العرب: أقويت مذ كذا وكذا أي ما أكلت شيئا.
قال قطرب: المقوي من الأضداد [[في المخطوط: الضداد.]] يكون بمعنى الفقر ويكون بمعنى الغنى. يقال: أقوى الرجل إذا قويت دوابّه، وإذا كثر ماله.
فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ فَلا أُقْسِمُ قال أكثر المفسرين: معناه: أقسم، ولا صلة، وتصديقه قراءة عيسى بن عمر: (فلا أقسم) على التحقيق.
وقال بعض أهل العربية: معناه فليس الأمر كما يقولون، ثم استأنف القسم فقال: أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ يعني نجوم القرآن التي كانت تنزل على [[كذا في المخطوط.]] انكدارها وانتشارها يوم القيامة.
واختلف القراء فيه فقرأ حمزة والكسائي وخلف: بموقع على الواحد، غيرهم:
(بِمَواقِعِ) على الجمع. وهو الاختيار.
وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ إِنَّهُ يعني هذا الكتاب، وهو موضع القسم لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ [حصين] [[كلمة غير مقروءة والأقرب ما أثبتناه.]] عزيز مكرم.
وقال عبد العزيز بن يحيى الكناني: غير مخلوق، وقيل: سمي كريما لأن يسره يغلب عسره.
فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ مصون. عند الله سبحانه محفوظ عن الشياطين وعن جميع ما يشين.
الواقعة 56:39
لِأَصْحابِ الْيَمِينِ ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ يعني من الأمم الماضية وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ من أمة محمد ﷺ.
أخبرني الحسين، حدّثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدقاق، حدّثنا محمد بن الوليد القرشي وعيسى بن المساور واللفظ له قالا: حدّثنا الوليد بن مسلم، حدّثنا عيسى بن موسى أبو محمد وغيره، عن عروة بن دويم قال: لما أنزل الله عزّ وجل على رسوله ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ بكى عمر رضي الله عنه فقال: يا نبي الله ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ؟ آمنا برسول الله وصدقناه ومن ينجو منّا قليل فأنزل الله عزّ وجل ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ فدعا رسول الله عمر فقال: «يا بن الخطاب قد أنزل الله عز وجل فيما قلت، فجعل: ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ.
فقال عمر: رضينا عن ربنا ونصدق نبينا.
فقال رسول الله ﷺ: «من آدم إلينا ثلة ومني إلى [يوم] القيامة ثلة ولا يستتمها إلّا سودان من رعاة الإبل من قال لا إله إلّا الله» [199] [[أسباب نزول الآيات: 270.]] .
وأخبرني عقيل أن أبا الفرج أخبرهم عن محمد بن جرير، حدّثنا بشر، حدّثنا يزيد، حدّثنا سعيد عن قتادة قال الحسن: حدّثني عمر بن أبي حصين عن عبد الله بن مسعود قال: تحدثنا عند رسول الله ﷺ ذات ليلة حتى أكرينا الحديث ثم رجعنا إلى أهلنا فلما أصبحنا غدونا على رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ: «عرضت عليّ الأنبياء الليلة بأتباعها من أمتها، وكان النبي يجيء معه الثلاثة من أمته والنبي معه العصابة من أمّته والنبي معه النفر من أمّته والنبي معه الرجل من أمته والنبي ما معه من أمّته أحد حتى أتى موسى في كبكبة بني إسرائيل، فلما رأيتهم أعجبوني فقلت: أي رب من هؤلاء؟ قيل: هذا أخوك موسى بن عمران ومن حفه من بني إسرائيل.
قلت: ربي فأين أمتي؟ قيل: انظر عن يمينك فإذا ظراب [[الظراب: الجبال، والظرب من الحجارة ما كان أصله ناتئا في جبل أو أرض حزنة، كتاب العين: 8/ 159، وقيل: هي الروابي الصغار، الصحاح: 1/ 174- الظرب.]] مكة قد سدّت بوجوه الرجال.
فقلت: من هؤلاء؟ فقيل: هؤلاء أمّتك أرضيت؟ فقلت: رب رضيت، قيل: انظر عن يسارك فإذا الأفق قد سدّ بوجوه الرجال.
فقلت: رب من هؤلاء؟ قيل: هؤلاء أمتك أرضيت؟ قلت: رب رضيت، فقيل: إن مع هؤلاء سبعين ألفا من أمتك يدخلون الجنة. لا حساب عليهم.
قال: فأنشأ كاشة بن محصن- رجل من بني أسد بن خزيمة فقال: يا نبي الله ادع ربك أن يجعلني منهم فقال: «اللهم اجعله منهم» ثم أنشأ رجل آخر فقال: يا نبي الله ادع ربك أن يجعلني منهم.
قال: «سبقك بهما عكاشة» .
فقال ﷺ: «فداكم أبي وامي إن استطعتم أن تكونوا من السبعين فكونوا، وإن عجزتم وقصرتم فكونوا من أهل الظراب، فإن عجزتم وقصرتم فكونوا من أهل الأفق، فإني قد رأيت ثم أناسا يتهاوشون كثيرا» .
قال: فقلت: من هؤلاء السبعون ألفا؟ فاتفق رأينا على أنهم أناس ولدوا في الإسلام فلم يزالوا يعملون به حتى ماتوا عليه فنهي حديثهم إلى رسول الله ﷺ فقال: «ليس كذلك ولكنهم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» .
ثم قال رسول الله ﷺ: «إني لأرجو أن يكون من تبعني من امتي ربع أهل الجنة» فكبّرنا ثم قال: «إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة» فكبّرنا. ثم قال: «إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة» ثم تلا رسول الله ﷺ هذه الآية ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ [200] [[مسند أحمد: 1/ 420 وفيه الى قوله: سبقك بها عكاشة، وتاريخ جرجان: 373، والمستدرك: 4/ 578.]] .
وقال أبو العالية ومجاهد وعطاء بن أبي رباح والضحّاك ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ يعني من سابقي هذه الأمة وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ من هذه الأمة في آخر الزمان.
يدل عليه ما
أخبرنا الحسين بن محمد، حدّثنا أحمد بن محمد بن إسحاق السني، حدّثنا أبو خليفة الفضل بن الحباب محمد بن كثير، حدّثنا سفيان عن أبان بن أبي عياش عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في هذه الآية ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ قال: قال رسول الله ﷺ: «هما جميعا من أمتي» [201] [[جامع البيان للطبري: 27/ 249.]] .
وَأَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ فِي سَمُومٍ ريح حارة وَحَمِيمٍ ماء حار وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ دخان شديد السواد. تقول العرب: أسود يحموم إذا كان شديد السواد.
وأنشد قطرب:
وما قد شربت ببطن [مكة] ... فراتا لمد كاليحموم جاري
وقال ابن بريدة: اليحموم جبل في جهنم يستغيث إلى ظله أهل النار [[تفسير القرطبي: 17/ 213.]] لا بارِدٍ بل حار لأنه من دخان سعير جهنم وَلا كَرِيمٍ ولا عذب عن الضحّاك، سعيد ابن المسيب والحسن: نظيره: مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ [[سورة الشعراء: 7.]] .
مقاتل: طيب. قتادة: لا بارِدٍ المنزل وَلا كَرِيمٍ المنظر.
قال الفراء: يجعل الكريم تابعا لكل شيء نفت عنه فعلا فيه ذم [[كقولهم: ما هذه بدار واسعة ولا كريمة.]] .
وقال ابن كيسان: اليحموم اسم من أسماء النار. وقال الضحّاك: النار سوداء وأهلها سود وكل شيء فيها أسود.
إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ في الدنيا مُتْرَفِينَ منعّمين وَكانُوا يُصِرُّونَ يقيمون عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ على الذنب الكبير، وهو الشرك.
وقال أبو بكر الأصم: كانوا يقسمون أن لا بعث، وأن الأصنام أنداد لله وكانوا يقيمون عليه فذلك حنثهم.
وَكانُوا يَقُولُونَ أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ لحق أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ثم يقال لهم: إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ.
قرأ أهل المدينة وعاصم وحمزة والأعمش وأيوب: (شُرْبَ) بضم الشين، واختاره أبو حاتم، وقرأ الباقون: بفتحه، واختاره أبو عبيد.
وروي عن الكسائي عن يحيى بن سعيد عن جريج إنه قال: ذكرت لجعفر بن محمد قراءة أصحاب عبد الله (شَرْبَ الْهِيمِ) بفتح الشين، فقال: «أما بلغك إن رسول الله ﷺ بعث بديل بن ورقاء الخزاعي إلى أهل منى في أيام التشريق فقال: «إنها أيام أكل وشرب» [202] [[مجمع الزوائد: 3/ 204، والمعجم الأوسط: 7/ 169.]] .
ويقال هي بفتح الشين [و.......] [[كلمة غير مقروءة.]] وهما لغتان جيدتان.
تقول العرب: شربت شربا وشربا وشربا بضمتين.
وقال أبو زيد الأنصاري: سمعت العرب تقول: شربت شربا، بكسر الشين.
وأما (الهيم) فالإبل العطاش. وقال عكرمة وقتادة: هو داء بالإبل لا تروى [معه] [[في المخطوط: معها.]] ولا تزال تشرب حتى تهلك ويقال لذلك الداء الهيام، ويقال: حمل أهيم وناقة هيماء وإبل هيم.
قال لبيد:
أجزت على معارفها بشعث ... وأطلاح من المهري هيم [[تفسير القرطبي: 17/ 215.]]
وقال الضحّاك وابن عيينة وابن كيسان: الهيم الأرض السهلة ذات الرمل.
هذا نُزُلُهُمْ رزقهم وغذاؤهم وما أعدّ لهم يَوْمَ الدِّينِ نَحْنُ خَلَقْناكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ بالبعث أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ تصبون في الأرحام من النطف؟.
وقرأ أبو السماك: (تَمْنُونَ) بفتح التاء وهما لغتان.
أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ نَحْنُ قَدَّرْنا [قرأ مجاهد وحميد وابن محيصن (قَدَرْنا) بتخفيف الدال] [[زيادة عن تفسير القرطبي: 17/ 216 وفي المخطوط: نخفيف مكيّ.]] ، الباقون بالتشديد بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ فمنكم من يعيش إلى أن يبلغ الهرم، ومنكم من يموت شابا وصبيا صغيرا وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عاجزين عن إهلاككم عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ
أو إبدالكم بامثالكم وَنُنْشِئَكُمْ
ونخلقكم فِي ما لا تَعْلَمُونَ
من الصور. قال مجاهد: في أي خلق شئنا.
وقال سعيد بن المسيب فِي ما لا تَعْلَمُونَ
يعني في حواصل طير تكون ببرهوت كأنها الخطاطيف، وبرهوت واد باليمن. وقال الحسن وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ
أي نبدل صفاتكم ونجعلكم قردة وخنازير كما فعلنا بمن كان قبلكم.
وقال السدي: نخلقكم في سوى خلقكم.
وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الخلقة الْأُولى ولم تكونوا شيئا، فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ أي قادر على إعادتكم كما قدرت على إبدائكم.
وقال الحسين بن الفضل في هذه الوجوه: وإن كانت غير مردودة، فالذي عندي في هذه الآية وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى
أي خلقتكم للبعث بعد الموت من حيث لا تعلمون كيف شئت وذلك أنكم علمتم النشأة الأولى كيف كانت في بطون الأمهات وليست الأخرى كذلك.
أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ أي تثيرون الأرض وتعملون فيها وتطرحون البذر أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ تنبتونه أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ؟.
أخبرني الحسين، حدّثنا عمر بن محمد بن علي الزيات، حدّثنا أبو عبد الله أحمد بن عبد الرحمن بن مرزوق، حدّثنا مسلم بن أبي مسلم الجرمي، حدّثنا مخلد بن الحسين عن هشام ابن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «لا يقولن أحدكم: زرعت وليقل حرثت» [203] [[تفسير القرطبي: 17/ 218.]] .
قال أبو هريرة: ألم تسمعوا قول الله عزّ وجل أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ.
لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً هشيما لا ينتفع به في مطعم وغذاء. وقال مرة: يعني نبتا لا قمح فيه.
فَظَلْتُمْ قرأت العامة بفتح الظاء. وقرأ عبد الله بكسره: والأصل ظللتم، فحذف إحدى اللامين تخفيفا، فمن فتحه فعلى الأصل ومن كسره نقل حركة اللام المحذوفة إلى الظاء.
تَفَكَّهُونَ قال يمان: تندمون على نفقاتكم، نظيره فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها [[سورة الكهف: 42.]] .
قتادة: تعجبون. عكرمة: تلاومون. الحسن: تندمون على ما سلف منكم من معصية الله التي أوجبت لكم عقوبته حتى نالكم في زرعكم ما نالكم. ابن زيد: تتفجّعون. ابن كيسان:
تحزنون.
قال: وهو من الأضداد. تقول العرب: تفكهت: أي تنعّمت، وتفكهت: أي حزنت.
قال الفراء: تَفَكَّهُونَ وتفكنون واحد، والنون لغة عكل [[عكل: قبيلة من العرب وقيل: عضل.]] .
وقيل: التفكه التكلم فما لا يعنيك، ومنه قيل للمزاح: فكاهة.
إِنَّا قرأ عاصم برواية أبي بكر والمفضل بهمزتين. الباقون على الخبر. ومجاز الآية فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ وتقولون إِنَّا لَمُغْرَمُونَ قال مجاهد وعكرمة: لمولع بنا. قال ابن عباس وقتادة: يعذبون، والغرام: العذاب.
ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: ملقون للشر. مقاتل بن حيان: مهلكون.
وقال الضحّاك: غرّمنا أموالنا وصار ما أنفقنا غرمنا عليه. مرة الهمداني: محاسبون.
بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ محدودون [ممنوعون] [[في المخطوط: ممنّعون بتشديد النون وفتحها.]] محارفون، والمحروم ضد المرزوق.
قال أنس بن مالك: مرّ رسول الله ﷺ بأرض الأنصار فقال: «ما يمنعكم من الحرث؟
قالوا: الجدوبة. قال: «فلا تفعلوا فإن الله عزّ وجل يقول: أنا الزارع إن شئت زرعت بالماء وإن شئت زرعت بالريح وإن شئت زرعت بالبذر» [[تفسير القرطبي: 17/ 220.]] [204] ثم تلا رسول الله ﷺ أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ الآيات.
أَفَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ السحاب، واحدتها مزنة.
قال الشاعر:
فنحن كماء المزن ما في نصابنا ... كهام ولا فينا يعدّ بخيل [[تفسير القرطبي: 17/ 220.]]
أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً قال ابن عباس: شديد الملوحة. وقال الحسن: قعاعا مرا.
فَلَوْلا تَشْكُرُونَ أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ تقدحون وتستخرجون من زندكم أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها التي تقدح منها النار وهي المرخ والعفار أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ المخترعون؟
نَحْنُ جَعَلْناها يعني نار الدنيا تَذْكِرَةً للنار الكبرى.
أخبرنا ابن سعيد بن حمدون، حدّثنا ابن الشرقي، حدّثنا محمد بن يحيى وعبد العزيز بن بشير وأحمد بن يوسف قالوا: حدّثنا عبد الرزاق، حدّثنا معمر عن همام بن منبه قال: هذا ما حدّثنا أبو هريرة عن محمد رسول الله ﷺ قال: «ناركم هذه التي توقد بنو آدم جزءا من سبعين جزءا من حرّ جهنم» .
قالوا: والله إن كانت لكافيتنا برسول الله. قال: «فإنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءا كلها مثل حرّها» [[صحيح مسلم: 8/ 149.]] [205] .
وَمَتاعاً بلغة ومنفعة لِلْمُقْوِينَ المسافرين النازلين في الأرض القيّ والقوى، وهي القفر الخالية البعيدة من العمران والأهلين، يقال: أقوت الدار إذا دخلت من سكانها.
قال الشاعر:
أقوى وأقفر من نعم وغيّرها ... هوج الرياح بهابي الترب موار [[الهوج: الريح التي تستوي في هبوبها، والهابي من هباء الغبار أي سطع، وموار: تحرك بسرعة، والبيت في تفسير الطبري: 27/ 264.]]
وقال النابغة:
يا دارميّة بالعلياء فالسند ... بها أقوت وطال عليها سالف الأبد [[ديوان النابغة الجعدي: 35.]]
هذا قول أكثر المفسرين، وقال مجاهد لِلْمُقْوِينَ يعني للمستمتعين من الناس أجمعين، المسافرين والحاضرين يستضيء بها في الظلمة ويصطلي بها في البرد وينتفع بها في الطبخ والخبز ونتذكر بها نار جهنم فنستجير الله منها.
وقال الحسن: بلغة المسافرين يبلغون بها إلى أسفارهم يحملونها في الخرق والجواليق.
وقال الربيع والسدي: يعني للمرملين المعترين الذين لا زاد معهم، نارا يوقدون فيختبزون بها، وهي رواية العوفي عن ابن عباس. قال ابن زيد: للجائعين. تقول العرب: أقويت مذ كذا وكذا أي ما أكلت شيئا.
قال قطرب: المقوي من الأضداد [[في المخطوط: الضداد.]] يكون بمعنى الفقر ويكون بمعنى الغنى. يقال: أقوى الرجل إذا قويت دوابّه، وإذا كثر ماله.
فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ فَلا أُقْسِمُ قال أكثر المفسرين: معناه: أقسم، ولا صلة، وتصديقه قراءة عيسى بن عمر: (فلا أقسم) على التحقيق.
وقال بعض أهل العربية: معناه فليس الأمر كما يقولون، ثم استأنف القسم فقال: أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ يعني نجوم القرآن التي كانت تنزل على [[كذا في المخطوط.]] انكدارها وانتشارها يوم القيامة.
واختلف القراء فيه فقرأ حمزة والكسائي وخلف: بموقع على الواحد، غيرهم:
(بِمَواقِعِ) على الجمع. وهو الاختيار.
وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ إِنَّهُ يعني هذا الكتاب، وهو موضع القسم لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ [حصين] [[كلمة غير مقروءة والأقرب ما أثبتناه.]] عزيز مكرم.
وقال عبد العزيز بن يحيى الكناني: غير مخلوق، وقيل: سمي كريما لأن يسره يغلب عسره.
فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ مصون. عند الله سبحانه محفوظ عن الشياطين وعن جميع ما يشين.
الواقعة 56:40
لِأَصْحابِ الْيَمِينِ ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ يعني من الأمم الماضية وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ من أمة محمد ﷺ.
أخبرني الحسين، حدّثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدقاق، حدّثنا محمد بن الوليد القرشي وعيسى بن المساور واللفظ له قالا: حدّثنا الوليد بن مسلم، حدّثنا عيسى بن موسى أبو محمد وغيره، عن عروة بن دويم قال: لما أنزل الله عزّ وجل على رسوله ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ بكى عمر رضي الله عنه فقال: يا نبي الله ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ؟ آمنا برسول الله وصدقناه ومن ينجو منّا قليل فأنزل الله عزّ وجل ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ فدعا رسول الله عمر فقال: «يا بن الخطاب قد أنزل الله عز وجل فيما قلت، فجعل: ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ.
فقال عمر: رضينا عن ربنا ونصدق نبينا.
فقال رسول الله ﷺ: «من آدم إلينا ثلة ومني إلى [يوم] القيامة ثلة ولا يستتمها إلّا سودان من رعاة الإبل من قال لا إله إلّا الله» [199] [[أسباب نزول الآيات: 270.]] .
وأخبرني عقيل أن أبا الفرج أخبرهم عن محمد بن جرير، حدّثنا بشر، حدّثنا يزيد، حدّثنا سعيد عن قتادة قال الحسن: حدّثني عمر بن أبي حصين عن عبد الله بن مسعود قال: تحدثنا عند رسول الله ﷺ ذات ليلة حتى أكرينا الحديث ثم رجعنا إلى أهلنا فلما أصبحنا غدونا على رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ: «عرضت عليّ الأنبياء الليلة بأتباعها من أمتها، وكان النبي يجيء معه الثلاثة من أمته والنبي معه العصابة من أمّته والنبي معه النفر من أمّته والنبي معه الرجل من أمته والنبي ما معه من أمّته أحد حتى أتى موسى في كبكبة بني إسرائيل، فلما رأيتهم أعجبوني فقلت: أي رب من هؤلاء؟ قيل: هذا أخوك موسى بن عمران ومن حفه من بني إسرائيل.
قلت: ربي فأين أمتي؟ قيل: انظر عن يمينك فإذا ظراب [[الظراب: الجبال، والظرب من الحجارة ما كان أصله ناتئا في جبل أو أرض حزنة، كتاب العين: 8/ 159، وقيل: هي الروابي الصغار، الصحاح: 1/ 174- الظرب.]] مكة قد سدّت بوجوه الرجال.
فقلت: من هؤلاء؟ فقيل: هؤلاء أمّتك أرضيت؟ فقلت: رب رضيت، قيل: انظر عن يسارك فإذا الأفق قد سدّ بوجوه الرجال.
فقلت: رب من هؤلاء؟ قيل: هؤلاء أمتك أرضيت؟ قلت: رب رضيت، فقيل: إن مع هؤلاء سبعين ألفا من أمتك يدخلون الجنة. لا حساب عليهم.
قال: فأنشأ كاشة بن محصن- رجل من بني أسد بن خزيمة فقال: يا نبي الله ادع ربك أن يجعلني منهم فقال: «اللهم اجعله منهم» ثم أنشأ رجل آخر فقال: يا نبي الله ادع ربك أن يجعلني منهم.
قال: «سبقك بهما عكاشة» .
فقال ﷺ: «فداكم أبي وامي إن استطعتم أن تكونوا من السبعين فكونوا، وإن عجزتم وقصرتم فكونوا من أهل الظراب، فإن عجزتم وقصرتم فكونوا من أهل الأفق، فإني قد رأيت ثم أناسا يتهاوشون كثيرا» .
قال: فقلت: من هؤلاء السبعون ألفا؟ فاتفق رأينا على أنهم أناس ولدوا في الإسلام فلم يزالوا يعملون به حتى ماتوا عليه فنهي حديثهم إلى رسول الله ﷺ فقال: «ليس كذلك ولكنهم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» .
ثم قال رسول الله ﷺ: «إني لأرجو أن يكون من تبعني من امتي ربع أهل الجنة» فكبّرنا ثم قال: «إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة» فكبّرنا. ثم قال: «إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة» ثم تلا رسول الله ﷺ هذه الآية ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ [200] [[مسند أحمد: 1/ 420 وفيه الى قوله: سبقك بها عكاشة، وتاريخ جرجان: 373، والمستدرك: 4/ 578.]] .
وقال أبو العالية ومجاهد وعطاء بن أبي رباح والضحّاك ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ يعني من سابقي هذه الأمة وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ من هذه الأمة في آخر الزمان.
يدل عليه ما
أخبرنا الحسين بن محمد، حدّثنا أحمد بن محمد بن إسحاق السني، حدّثنا أبو خليفة الفضل بن الحباب محمد بن كثير، حدّثنا سفيان عن أبان بن أبي عياش عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في هذه الآية ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ قال: قال رسول الله ﷺ: «هما جميعا من أمتي» [201] [[جامع البيان للطبري: 27/ 249.]] .
وَأَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ فِي سَمُومٍ ريح حارة وَحَمِيمٍ ماء حار وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ دخان شديد السواد. تقول العرب: أسود يحموم إذا كان شديد السواد.
وأنشد قطرب:
وما قد شربت ببطن [مكة] ... فراتا لمد كاليحموم جاري
وقال ابن بريدة: اليحموم جبل في جهنم يستغيث إلى ظله أهل النار [[تفسير القرطبي: 17/ 213.]] لا بارِدٍ بل حار لأنه من دخان سعير جهنم وَلا كَرِيمٍ ولا عذب عن الضحّاك، سعيد ابن المسيب والحسن: نظيره: مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ [[سورة الشعراء: 7.]] .
مقاتل: طيب. قتادة: لا بارِدٍ المنزل وَلا كَرِيمٍ المنظر.
قال الفراء: يجعل الكريم تابعا لكل شيء نفت عنه فعلا فيه ذم [[كقولهم: ما هذه بدار واسعة ولا كريمة.]] .
وقال ابن كيسان: اليحموم اسم من أسماء النار. وقال الضحّاك: النار سوداء وأهلها سود وكل شيء فيها أسود.
إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ في الدنيا مُتْرَفِينَ منعّمين وَكانُوا يُصِرُّونَ يقيمون عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ على الذنب الكبير، وهو الشرك.
وقال أبو بكر الأصم: كانوا يقسمون أن لا بعث، وأن الأصنام أنداد لله وكانوا يقيمون عليه فذلك حنثهم.
وَكانُوا يَقُولُونَ أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ لحق أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ثم يقال لهم: إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ.
قرأ أهل المدينة وعاصم وحمزة والأعمش وأيوب: (شُرْبَ) بضم الشين، واختاره أبو حاتم، وقرأ الباقون: بفتحه، واختاره أبو عبيد.
وروي عن الكسائي عن يحيى بن سعيد عن جريج إنه قال: ذكرت لجعفر بن محمد قراءة أصحاب عبد الله (شَرْبَ الْهِيمِ) بفتح الشين، فقال: «أما بلغك إن رسول الله ﷺ بعث بديل بن ورقاء الخزاعي إلى أهل منى في أيام التشريق فقال: «إنها أيام أكل وشرب» [202] [[مجمع الزوائد: 3/ 204، والمعجم الأوسط: 7/ 169.]] .
ويقال هي بفتح الشين [و.......] [[كلمة غير مقروءة.]] وهما لغتان جيدتان.
تقول العرب: شربت شربا وشربا وشربا بضمتين.
وقال أبو زيد الأنصاري: سمعت العرب تقول: شربت شربا، بكسر الشين.
وأما (الهيم) فالإبل العطاش. وقال عكرمة وقتادة: هو داء بالإبل لا تروى [معه] [[في المخطوط: معها.]] ولا تزال تشرب حتى تهلك ويقال لذلك الداء الهيام، ويقال: حمل أهيم وناقة هيماء وإبل هيم.
قال لبيد:
أجزت على معارفها بشعث ... وأطلاح من المهري هيم [[تفسير القرطبي: 17/ 215.]]
وقال الضحّاك وابن عيينة وابن كيسان: الهيم الأرض السهلة ذات الرمل.
هذا نُزُلُهُمْ رزقهم وغذاؤهم وما أعدّ لهم يَوْمَ الدِّينِ نَحْنُ خَلَقْناكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ بالبعث أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ تصبون في الأرحام من النطف؟.
وقرأ أبو السماك: (تَمْنُونَ) بفتح التاء وهما لغتان.
أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ نَحْنُ قَدَّرْنا [قرأ مجاهد وحميد وابن محيصن (قَدَرْنا) بتخفيف الدال] [[زيادة عن تفسير القرطبي: 17/ 216 وفي المخطوط: نخفيف مكيّ.]] ، الباقون بالتشديد بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ فمنكم من يعيش إلى أن يبلغ الهرم، ومنكم من يموت شابا وصبيا صغيرا وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عاجزين عن إهلاككم عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ
أو إبدالكم بامثالكم وَنُنْشِئَكُمْ
ونخلقكم فِي ما لا تَعْلَمُونَ
من الصور. قال مجاهد: في أي خلق شئنا.
وقال سعيد بن المسيب فِي ما لا تَعْلَمُونَ
يعني في حواصل طير تكون ببرهوت كأنها الخطاطيف، وبرهوت واد باليمن. وقال الحسن وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ
أي نبدل صفاتكم ونجعلكم قردة وخنازير كما فعلنا بمن كان قبلكم.
وقال السدي: نخلقكم في سوى خلقكم.
وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الخلقة الْأُولى ولم تكونوا شيئا، فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ أي قادر على إعادتكم كما قدرت على إبدائكم.
وقال الحسين بن الفضل في هذه الوجوه: وإن كانت غير مردودة، فالذي عندي في هذه الآية وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى
أي خلقتكم للبعث بعد الموت من حيث لا تعلمون كيف شئت وذلك أنكم علمتم النشأة الأولى كيف كانت في بطون الأمهات وليست الأخرى كذلك.
أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ أي تثيرون الأرض وتعملون فيها وتطرحون البذر أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ تنبتونه أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ؟.
أخبرني الحسين، حدّثنا عمر بن محمد بن علي الزيات، حدّثنا أبو عبد الله أحمد بن عبد الرحمن بن مرزوق، حدّثنا مسلم بن أبي مسلم الجرمي، حدّثنا مخلد بن الحسين عن هشام ابن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «لا يقولن أحدكم: زرعت وليقل حرثت» [203] [[تفسير القرطبي: 17/ 218.]] .
قال أبو هريرة: ألم تسمعوا قول الله عزّ وجل أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ.
لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً هشيما لا ينتفع به في مطعم وغذاء. وقال مرة: يعني نبتا لا قمح فيه.
فَظَلْتُمْ قرأت العامة بفتح الظاء. وقرأ عبد الله بكسره: والأصل ظللتم، فحذف إحدى اللامين تخفيفا، فمن فتحه فعلى الأصل ومن كسره نقل حركة اللام المحذوفة إلى الظاء.
تَفَكَّهُونَ قال يمان: تندمون على نفقاتكم، نظيره فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها [[سورة الكهف: 42.]] .
قتادة: تعجبون. عكرمة: تلاومون. الحسن: تندمون على ما سلف منكم من معصية الله التي أوجبت لكم عقوبته حتى نالكم في زرعكم ما نالكم. ابن زيد: تتفجّعون. ابن كيسان:
تحزنون.
قال: وهو من الأضداد. تقول العرب: تفكهت: أي تنعّمت، وتفكهت: أي حزنت.
قال الفراء: تَفَكَّهُونَ وتفكنون واحد، والنون لغة عكل [[عكل: قبيلة من العرب وقيل: عضل.]] .
وقيل: التفكه التكلم فما لا يعنيك، ومنه قيل للمزاح: فكاهة.
إِنَّا قرأ عاصم برواية أبي بكر والمفضل بهمزتين. الباقون على الخبر. ومجاز الآية فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ وتقولون إِنَّا لَمُغْرَمُونَ قال مجاهد وعكرمة: لمولع بنا. قال ابن عباس وقتادة: يعذبون، والغرام: العذاب.
ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: ملقون للشر. مقاتل بن حيان: مهلكون.
وقال الضحّاك: غرّمنا أموالنا وصار ما أنفقنا غرمنا عليه. مرة الهمداني: محاسبون.
بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ محدودون [ممنوعون] [[في المخطوط: ممنّعون بتشديد النون وفتحها.]] محارفون، والمحروم ضد المرزوق.
قال أنس بن مالك: مرّ رسول الله ﷺ بأرض الأنصار فقال: «ما يمنعكم من الحرث؟
قالوا: الجدوبة. قال: «فلا تفعلوا فإن الله عزّ وجل يقول: أنا الزارع إن شئت زرعت بالماء وإن شئت زرعت بالريح وإن شئت زرعت بالبذر» [[تفسير القرطبي: 17/ 220.]] [204] ثم تلا رسول الله ﷺ أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ الآيات.
أَفَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ السحاب، واحدتها مزنة.
قال الشاعر:
فنحن كماء المزن ما في نصابنا ... كهام ولا فينا يعدّ بخيل [[تفسير القرطبي: 17/ 220.]]
أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً قال ابن عباس: شديد الملوحة. وقال الحسن: قعاعا مرا.
فَلَوْلا تَشْكُرُونَ أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ تقدحون وتستخرجون من زندكم أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها التي تقدح منها النار وهي المرخ والعفار أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ المخترعون؟
نَحْنُ جَعَلْناها يعني نار الدنيا تَذْكِرَةً للنار الكبرى.
أخبرنا ابن سعيد بن حمدون، حدّثنا ابن الشرقي، حدّثنا محمد بن يحيى وعبد العزيز بن بشير وأحمد بن يوسف قالوا: حدّثنا عبد الرزاق، حدّثنا معمر عن همام بن منبه قال: هذا ما حدّثنا أبو هريرة عن محمد رسول الله ﷺ قال: «ناركم هذه التي توقد بنو آدم جزءا من سبعين جزءا من حرّ جهنم» .
قالوا: والله إن كانت لكافيتنا برسول الله. قال: «فإنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءا كلها مثل حرّها» [[صحيح مسلم: 8/ 149.]] [205] .
وَمَتاعاً بلغة ومنفعة لِلْمُقْوِينَ المسافرين النازلين في الأرض القيّ والقوى، وهي القفر الخالية البعيدة من العمران والأهلين، يقال: أقوت الدار إذا دخلت من سكانها.
قال الشاعر:
أقوى وأقفر من نعم وغيّرها ... هوج الرياح بهابي الترب موار [[الهوج: الريح التي تستوي في هبوبها، والهابي من هباء الغبار أي سطع، وموار: تحرك بسرعة، والبيت في تفسير الطبري: 27/ 264.]]
وقال النابغة:
يا دارميّة بالعلياء فالسند ... بها أقوت وطال عليها سالف الأبد [[ديوان النابغة الجعدي: 35.]]
هذا قول أكثر المفسرين، وقال مجاهد لِلْمُقْوِينَ يعني للمستمتعين من الناس أجمعين، المسافرين والحاضرين يستضيء بها في الظلمة ويصطلي بها في البرد وينتفع بها في الطبخ والخبز ونتذكر بها نار جهنم فنستجير الله منها.
وقال الحسن: بلغة المسافرين يبلغون بها إلى أسفارهم يحملونها في الخرق والجواليق.
وقال الربيع والسدي: يعني للمرملين المعترين الذين لا زاد معهم، نارا يوقدون فيختبزون بها، وهي رواية العوفي عن ابن عباس. قال ابن زيد: للجائعين. تقول العرب: أقويت مذ كذا وكذا أي ما أكلت شيئا.
قال قطرب: المقوي من الأضداد [[في المخطوط: الضداد.]] يكون بمعنى الفقر ويكون بمعنى الغنى. يقال: أقوى الرجل إذا قويت دوابّه، وإذا كثر ماله.
فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ فَلا أُقْسِمُ قال أكثر المفسرين: معناه: أقسم، ولا صلة، وتصديقه قراءة عيسى بن عمر: (فلا أقسم) على التحقيق.
وقال بعض أهل العربية: معناه فليس الأمر كما يقولون، ثم استأنف القسم فقال: أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ يعني نجوم القرآن التي كانت تنزل على [[كذا في المخطوط.]] انكدارها وانتشارها يوم القيامة.
واختلف القراء فيه فقرأ حمزة والكسائي وخلف: بموقع على الواحد، غيرهم:
(بِمَواقِعِ) على الجمع. وهو الاختيار.
وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ إِنَّهُ يعني هذا الكتاب، وهو موضع القسم لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ [حصين] [[كلمة غير مقروءة والأقرب ما أثبتناه.]] عزيز مكرم.
وقال عبد العزيز بن يحيى الكناني: غير مخلوق، وقيل: سمي كريما لأن يسره يغلب عسره.
فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ مصون. عند الله سبحانه محفوظ عن الشياطين وعن جميع ما يشين.
الواقعة 56:41
لِأَصْحابِ الْيَمِينِ ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ يعني من الأمم الماضية وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ من أمة محمد ﷺ.
أخبرني الحسين، حدّثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدقاق، حدّثنا محمد بن الوليد القرشي وعيسى بن المساور واللفظ له قالا: حدّثنا الوليد بن مسلم، حدّثنا عيسى بن موسى أبو محمد وغيره، عن عروة بن دويم قال: لما أنزل الله عزّ وجل على رسوله ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ بكى عمر رضي الله عنه فقال: يا نبي الله ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ؟ آمنا برسول الله وصدقناه ومن ينجو منّا قليل فأنزل الله عزّ وجل ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ فدعا رسول الله عمر فقال: «يا بن الخطاب قد أنزل الله عز وجل فيما قلت، فجعل: ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ.
فقال عمر: رضينا عن ربنا ونصدق نبينا.
فقال رسول الله ﷺ: «من آدم إلينا ثلة ومني إلى [يوم] القيامة ثلة ولا يستتمها إلّا سودان من رعاة الإبل من قال لا إله إلّا الله» [199] [[أسباب نزول الآيات: 270.]] .
وأخبرني عقيل أن أبا الفرج أخبرهم عن محمد بن جرير، حدّثنا بشر، حدّثنا يزيد، حدّثنا سعيد عن قتادة قال الحسن: حدّثني عمر بن أبي حصين عن عبد الله بن مسعود قال: تحدثنا عند رسول الله ﷺ ذات ليلة حتى أكرينا الحديث ثم رجعنا إلى أهلنا فلما أصبحنا غدونا على رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ: «عرضت عليّ الأنبياء الليلة بأتباعها من أمتها، وكان النبي يجيء معه الثلاثة من أمته والنبي معه العصابة من أمّته والنبي معه النفر من أمّته والنبي معه الرجل من أمته والنبي ما معه من أمّته أحد حتى أتى موسى في كبكبة بني إسرائيل، فلما رأيتهم أعجبوني فقلت: أي رب من هؤلاء؟ قيل: هذا أخوك موسى بن عمران ومن حفه من بني إسرائيل.
قلت: ربي فأين أمتي؟ قيل: انظر عن يمينك فإذا ظراب [[الظراب: الجبال، والظرب من الحجارة ما كان أصله ناتئا في جبل أو أرض حزنة، كتاب العين: 8/ 159، وقيل: هي الروابي الصغار، الصحاح: 1/ 174- الظرب.]] مكة قد سدّت بوجوه الرجال.
فقلت: من هؤلاء؟ فقيل: هؤلاء أمّتك أرضيت؟ فقلت: رب رضيت، قيل: انظر عن يسارك فإذا الأفق قد سدّ بوجوه الرجال.
فقلت: رب من هؤلاء؟ قيل: هؤلاء أمتك أرضيت؟ قلت: رب رضيت، فقيل: إن مع هؤلاء سبعين ألفا من أمتك يدخلون الجنة. لا حساب عليهم.
قال: فأنشأ كاشة بن محصن- رجل من بني أسد بن خزيمة فقال: يا نبي الله ادع ربك أن يجعلني منهم فقال: «اللهم اجعله منهم» ثم أنشأ رجل آخر فقال: يا نبي الله ادع ربك أن يجعلني منهم.
قال: «سبقك بهما عكاشة» .
فقال ﷺ: «فداكم أبي وامي إن استطعتم أن تكونوا من السبعين فكونوا، وإن عجزتم وقصرتم فكونوا من أهل الظراب، فإن عجزتم وقصرتم فكونوا من أهل الأفق، فإني قد رأيت ثم أناسا يتهاوشون كثيرا» .
قال: فقلت: من هؤلاء السبعون ألفا؟ فاتفق رأينا على أنهم أناس ولدوا في الإسلام فلم يزالوا يعملون به حتى ماتوا عليه فنهي حديثهم إلى رسول الله ﷺ فقال: «ليس كذلك ولكنهم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» .
ثم قال رسول الله ﷺ: «إني لأرجو أن يكون من تبعني من امتي ربع أهل الجنة» فكبّرنا ثم قال: «إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة» فكبّرنا. ثم قال: «إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة» ثم تلا رسول الله ﷺ هذه الآية ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ [200] [[مسند أحمد: 1/ 420 وفيه الى قوله: سبقك بها عكاشة، وتاريخ جرجان: 373، والمستدرك: 4/ 578.]] .
وقال أبو العالية ومجاهد وعطاء بن أبي رباح والضحّاك ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ يعني من سابقي هذه الأمة وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ من هذه الأمة في آخر الزمان.
يدل عليه ما
أخبرنا الحسين بن محمد، حدّثنا أحمد بن محمد بن إسحاق السني، حدّثنا أبو خليفة الفضل بن الحباب محمد بن كثير، حدّثنا سفيان عن أبان بن أبي عياش عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في هذه الآية ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ قال: قال رسول الله ﷺ: «هما جميعا من أمتي» [201] [[جامع البيان للطبري: 27/ 249.]] .
وَأَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ فِي سَمُومٍ ريح حارة وَحَمِيمٍ ماء حار وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ دخان شديد السواد. تقول العرب: أسود يحموم إذا كان شديد السواد.
وأنشد قطرب:
وما قد شربت ببطن [مكة] ... فراتا لمد كاليحموم جاري
وقال ابن بريدة: اليحموم جبل في جهنم يستغيث إلى ظله أهل النار [[تفسير القرطبي: 17/ 213.]] لا بارِدٍ بل حار لأنه من دخان سعير جهنم وَلا كَرِيمٍ ولا عذب عن الضحّاك، سعيد ابن المسيب والحسن: نظيره: مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ [[سورة الشعراء: 7.]] .
مقاتل: طيب. قتادة: لا بارِدٍ المنزل وَلا كَرِيمٍ المنظر.
قال الفراء: يجعل الكريم تابعا لكل شيء نفت عنه فعلا فيه ذم [[كقولهم: ما هذه بدار واسعة ولا كريمة.]] .
وقال ابن كيسان: اليحموم اسم من أسماء النار. وقال الضحّاك: النار سوداء وأهلها سود وكل شيء فيها أسود.
إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ في الدنيا مُتْرَفِينَ منعّمين وَكانُوا يُصِرُّونَ يقيمون عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ على الذنب الكبير، وهو الشرك.
وقال أبو بكر الأصم: كانوا يقسمون أن لا بعث، وأن الأصنام أنداد لله وكانوا يقيمون عليه فذلك حنثهم.
وَكانُوا يَقُولُونَ أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ لحق أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ثم يقال لهم: إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ.
قرأ أهل المدينة وعاصم وحمزة والأعمش وأيوب: (شُرْبَ) بضم الشين، واختاره أبو حاتم، وقرأ الباقون: بفتحه، واختاره أبو عبيد.
وروي عن الكسائي عن يحيى بن سعيد عن جريج إنه قال: ذكرت لجعفر بن محمد قراءة أصحاب عبد الله (شَرْبَ الْهِيمِ) بفتح الشين، فقال: «أما بلغك إن رسول الله ﷺ بعث بديل بن ورقاء الخزاعي إلى أهل منى في أيام التشريق فقال: «إنها أيام أكل وشرب» [202] [[مجمع الزوائد: 3/ 204، والمعجم الأوسط: 7/ 169.]] .
ويقال هي بفتح الشين [و.......] [[كلمة غير مقروءة.]] وهما لغتان جيدتان.
تقول العرب: شربت شربا وشربا وشربا بضمتين.
وقال أبو زيد الأنصاري: سمعت العرب تقول: شربت شربا، بكسر الشين.
وأما (الهيم) فالإبل العطاش. وقال عكرمة وقتادة: هو داء بالإبل لا تروى [معه] [[في المخطوط: معها.]] ولا تزال تشرب حتى تهلك ويقال لذلك الداء الهيام، ويقال: حمل أهيم وناقة هيماء وإبل هيم.
قال لبيد:
أجزت على معارفها بشعث ... وأطلاح من المهري هيم [[تفسير القرطبي: 17/ 215.]]
وقال الضحّاك وابن عيينة وابن كيسان: الهيم الأرض السهلة ذات الرمل.
هذا نُزُلُهُمْ رزقهم وغذاؤهم وما أعدّ لهم يَوْمَ الدِّينِ نَحْنُ خَلَقْناكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ بالبعث أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ تصبون في الأرحام من النطف؟.
وقرأ أبو السماك: (تَمْنُونَ) بفتح التاء وهما لغتان.
أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ نَحْنُ قَدَّرْنا [قرأ مجاهد وحميد وابن محيصن (قَدَرْنا) بتخفيف الدال] [[زيادة عن تفسير القرطبي: 17/ 216 وفي المخطوط: نخفيف مكيّ.]] ، الباقون بالتشديد بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ فمنكم من يعيش إلى أن يبلغ الهرم، ومنكم من يموت شابا وصبيا صغيرا وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عاجزين عن إهلاككم عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ
أو إبدالكم بامثالكم وَنُنْشِئَكُمْ
ونخلقكم فِي ما لا تَعْلَمُونَ
من الصور. قال مجاهد: في أي خلق شئنا.
وقال سعيد بن المسيب فِي ما لا تَعْلَمُونَ
يعني في حواصل طير تكون ببرهوت كأنها الخطاطيف، وبرهوت واد باليمن. وقال الحسن وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ
أي نبدل صفاتكم ونجعلكم قردة وخنازير كما فعلنا بمن كان قبلكم.
وقال السدي: نخلقكم في سوى خلقكم.
وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الخلقة الْأُولى ولم تكونوا شيئا، فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ أي قادر على إعادتكم كما قدرت على إبدائكم.
وقال الحسين بن الفضل في هذه الوجوه: وإن كانت غير مردودة، فالذي عندي في هذه الآية وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى
أي خلقتكم للبعث بعد الموت من حيث لا تعلمون كيف شئت وذلك أنكم علمتم النشأة الأولى كيف كانت في بطون الأمهات وليست الأخرى كذلك.
أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ أي تثيرون الأرض وتعملون فيها وتطرحون البذر أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ تنبتونه أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ؟.
أخبرني الحسين، حدّثنا عمر بن محمد بن علي الزيات، حدّثنا أبو عبد الله أحمد بن عبد الرحمن بن مرزوق، حدّثنا مسلم بن أبي مسلم الجرمي، حدّثنا مخلد بن الحسين عن هشام ابن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «لا يقولن أحدكم: زرعت وليقل حرثت» [203] [[تفسير القرطبي: 17/ 218.]] .
قال أبو هريرة: ألم تسمعوا قول الله عزّ وجل أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ.
لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً هشيما لا ينتفع به في مطعم وغذاء. وقال مرة: يعني نبتا لا قمح فيه.
فَظَلْتُمْ قرأت العامة بفتح الظاء. وقرأ عبد الله بكسره: والأصل ظللتم، فحذف إحدى اللامين تخفيفا، فمن فتحه فعلى الأصل ومن كسره نقل حركة اللام المحذوفة إلى الظاء.
تَفَكَّهُونَ قال يمان: تندمون على نفقاتكم، نظيره فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها [[سورة الكهف: 42.]] .
قتادة: تعجبون. عكرمة: تلاومون. الحسن: تندمون على ما سلف منكم من معصية الله التي أوجبت لكم عقوبته حتى نالكم في زرعكم ما نالكم. ابن زيد: تتفجّعون. ابن كيسان:
تحزنون.
قال: وهو من الأضداد. تقول العرب: تفكهت: أي تنعّمت، وتفكهت: أي حزنت.
قال الفراء: تَفَكَّهُونَ وتفكنون واحد، والنون لغة عكل [[عكل: قبيلة من العرب وقيل: عضل.]] .
وقيل: التفكه التكلم فما لا يعنيك، ومنه قيل للمزاح: فكاهة.
إِنَّا قرأ عاصم برواية أبي بكر والمفضل بهمزتين. الباقون على الخبر. ومجاز الآية فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ وتقولون إِنَّا لَمُغْرَمُونَ قال مجاهد وعكرمة: لمولع بنا. قال ابن عباس وقتادة: يعذبون، والغرام: العذاب.
ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: ملقون للشر. مقاتل بن حيان: مهلكون.
وقال الضحّاك: غرّمنا أموالنا وصار ما أنفقنا غرمنا عليه. مرة الهمداني: محاسبون.
بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ محدودون [ممنوعون] [[في المخطوط: ممنّعون بتشديد النون وفتحها.]] محارفون، والمحروم ضد المرزوق.
قال أنس بن مالك: مرّ رسول الله ﷺ بأرض الأنصار فقال: «ما يمنعكم من الحرث؟
قالوا: الجدوبة. قال: «فلا تفعلوا فإن الله عزّ وجل يقول: أنا الزارع إن شئت زرعت بالماء وإن شئت زرعت بالريح وإن شئت زرعت بالبذر» [[تفسير القرطبي: 17/ 220.]] [204] ثم تلا رسول الله ﷺ أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ الآيات.
أَفَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ السحاب، واحدتها مزنة.
قال الشاعر:
فنحن كماء المزن ما في نصابنا ... كهام ولا فينا يعدّ بخيل [[تفسير القرطبي: 17/ 220.]]
أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً قال ابن عباس: شديد الملوحة. وقال الحسن: قعاعا مرا.
فَلَوْلا تَشْكُرُونَ أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ تقدحون وتستخرجون من زندكم أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها التي تقدح منها النار وهي المرخ والعفار أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ المخترعون؟
نَحْنُ جَعَلْناها يعني نار الدنيا تَذْكِرَةً للنار الكبرى.
أخبرنا ابن سعيد بن حمدون، حدّثنا ابن الشرقي، حدّثنا محمد بن يحيى وعبد العزيز بن بشير وأحمد بن يوسف قالوا: حدّثنا عبد الرزاق، حدّثنا معمر عن همام بن منبه قال: هذا ما حدّثنا أبو هريرة عن محمد رسول الله ﷺ قال: «ناركم هذه التي توقد بنو آدم جزءا من سبعين جزءا من حرّ جهنم» .
قالوا: والله إن كانت لكافيتنا برسول الله. قال: «فإنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءا كلها مثل حرّها» [[صحيح مسلم: 8/ 149.]] [205] .
وَمَتاعاً بلغة ومنفعة لِلْمُقْوِينَ المسافرين النازلين في الأرض القيّ والقوى، وهي القفر الخالية البعيدة من العمران والأهلين، يقال: أقوت الدار إذا دخلت من سكانها.
قال الشاعر:
أقوى وأقفر من نعم وغيّرها ... هوج الرياح بهابي الترب موار [[الهوج: الريح التي تستوي في هبوبها، والهابي من هباء الغبار أي سطع، وموار: تحرك بسرعة، والبيت في تفسير الطبري: 27/ 264.]]
وقال النابغة:
يا دارميّة بالعلياء فالسند ... بها أقوت وطال عليها سالف الأبد [[ديوان النابغة الجعدي: 35.]]
هذا قول أكثر المفسرين، وقال مجاهد لِلْمُقْوِينَ يعني للمستمتعين من الناس أجمعين، المسافرين والحاضرين يستضيء بها في الظلمة ويصطلي بها في البرد وينتفع بها في الطبخ والخبز ونتذكر بها نار جهنم فنستجير الله منها.
وقال الحسن: بلغة المسافرين يبلغون بها إلى أسفارهم يحملونها في الخرق والجواليق.
وقال الربيع والسدي: يعني للمرملين المعترين الذين لا زاد معهم، نارا يوقدون فيختبزون بها، وهي رواية العوفي عن ابن عباس. قال ابن زيد: للجائعين. تقول العرب: أقويت مذ كذا وكذا أي ما أكلت شيئا.
قال قطرب: المقوي من الأضداد [[في المخطوط: الضداد.]] يكون بمعنى الفقر ويكون بمعنى الغنى. يقال: أقوى الرجل إذا قويت دوابّه، وإذا كثر ماله.
فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ فَلا أُقْسِمُ قال أكثر المفسرين: معناه: أقسم، ولا صلة، وتصديقه قراءة عيسى بن عمر: (فلا أقسم) على التحقيق.
وقال بعض أهل العربية: معناه فليس الأمر كما يقولون، ثم استأنف القسم فقال: أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ يعني نجوم القرآن التي كانت تنزل على [[كذا في المخطوط.]] انكدارها وانتشارها يوم القيامة.
واختلف القراء فيه فقرأ حمزة والكسائي وخلف: بموقع على الواحد، غيرهم:
(بِمَواقِعِ) على الجمع. وهو الاختيار.
وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ إِنَّهُ يعني هذا الكتاب، وهو موضع القسم لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ [حصين] [[كلمة غير مقروءة والأقرب ما أثبتناه.]] عزيز مكرم.
وقال عبد العزيز بن يحيى الكناني: غير مخلوق، وقيل: سمي كريما لأن يسره يغلب عسره.
فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ مصون. عند الله سبحانه محفوظ عن الشياطين وعن جميع ما يشين.
الواقعة 56:42
لِأَصْحابِ الْيَمِينِ ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ يعني من الأمم الماضية وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ من أمة محمد ﷺ.
أخبرني الحسين، حدّثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدقاق، حدّثنا محمد بن الوليد القرشي وعيسى بن المساور واللفظ له قالا: حدّثنا الوليد بن مسلم، حدّثنا عيسى بن موسى أبو محمد وغيره، عن عروة بن دويم قال: لما أنزل الله عزّ وجل على رسوله ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ بكى عمر رضي الله عنه فقال: يا نبي الله ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ؟ آمنا برسول الله وصدقناه ومن ينجو منّا قليل فأنزل الله عزّ وجل ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ فدعا رسول الله عمر فقال: «يا بن الخطاب قد أنزل الله عز وجل فيما قلت، فجعل: ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ.
فقال عمر: رضينا عن ربنا ونصدق نبينا.
فقال رسول الله ﷺ: «من آدم إلينا ثلة ومني إلى [يوم] القيامة ثلة ولا يستتمها إلّا سودان من رعاة الإبل من قال لا إله إلّا الله» [199] [[أسباب نزول الآيات: 270.]] .
وأخبرني عقيل أن أبا الفرج أخبرهم عن محمد بن جرير، حدّثنا بشر، حدّثنا يزيد، حدّثنا سعيد عن قتادة قال الحسن: حدّثني عمر بن أبي حصين عن عبد الله بن مسعود قال: تحدثنا عند رسول الله ﷺ ذات ليلة حتى أكرينا الحديث ثم رجعنا إلى أهلنا فلما أصبحنا غدونا على رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ: «عرضت عليّ الأنبياء الليلة بأتباعها من أمتها، وكان النبي يجيء معه الثلاثة من أمته والنبي معه العصابة من أمّته والنبي معه النفر من أمّته والنبي معه الرجل من أمته والنبي ما معه من أمّته أحد حتى أتى موسى في كبكبة بني إسرائيل، فلما رأيتهم أعجبوني فقلت: أي رب من هؤلاء؟ قيل: هذا أخوك موسى بن عمران ومن حفه من بني إسرائيل.
قلت: ربي فأين أمتي؟ قيل: انظر عن يمينك فإذا ظراب [[الظراب: الجبال، والظرب من الحجارة ما كان أصله ناتئا في جبل أو أرض حزنة، كتاب العين: 8/ 159، وقيل: هي الروابي الصغار، الصحاح: 1/ 174- الظرب.]] مكة قد سدّت بوجوه الرجال.
فقلت: من هؤلاء؟ فقيل: هؤلاء أمّتك أرضيت؟ فقلت: رب رضيت، قيل: انظر عن يسارك فإذا الأفق قد سدّ بوجوه الرجال.
فقلت: رب من هؤلاء؟ قيل: هؤلاء أمتك أرضيت؟ قلت: رب رضيت، فقيل: إن مع هؤلاء سبعين ألفا من أمتك يدخلون الجنة. لا حساب عليهم.
قال: فأنشأ كاشة بن محصن- رجل من بني أسد بن خزيمة فقال: يا نبي الله ادع ربك أن يجعلني منهم فقال: «اللهم اجعله منهم» ثم أنشأ رجل آخر فقال: يا نبي الله ادع ربك أن يجعلني منهم.
قال: «سبقك بهما عكاشة» .
فقال ﷺ: «فداكم أبي وامي إن استطعتم أن تكونوا من السبعين فكونوا، وإن عجزتم وقصرتم فكونوا من أهل الظراب، فإن عجزتم وقصرتم فكونوا من أهل الأفق، فإني قد رأيت ثم أناسا يتهاوشون كثيرا» .
قال: فقلت: من هؤلاء السبعون ألفا؟ فاتفق رأينا على أنهم أناس ولدوا في الإسلام فلم يزالوا يعملون به حتى ماتوا عليه فنهي حديثهم إلى رسول الله ﷺ فقال: «ليس كذلك ولكنهم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» .
ثم قال رسول الله ﷺ: «إني لأرجو أن يكون من تبعني من امتي ربع أهل الجنة» فكبّرنا ثم قال: «إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة» فكبّرنا. ثم قال: «إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة» ثم تلا رسول الله ﷺ هذه الآية ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ [200] [[مسند أحمد: 1/ 420 وفيه الى قوله: سبقك بها عكاشة، وتاريخ جرجان: 373، والمستدرك: 4/ 578.]] .
وقال أبو العالية ومجاهد وعطاء بن أبي رباح والضحّاك ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ يعني من سابقي هذه الأمة وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ من هذه الأمة في آخر الزمان.
يدل عليه ما
أخبرنا الحسين بن محمد، حدّثنا أحمد بن محمد بن إسحاق السني، حدّثنا أبو خليفة الفضل بن الحباب محمد بن كثير، حدّثنا سفيان عن أبان بن أبي عياش عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في هذه الآية ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ قال: قال رسول الله ﷺ: «هما جميعا من أمتي» [201] [[جامع البيان للطبري: 27/ 249.]] .
وَأَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ فِي سَمُومٍ ريح حارة وَحَمِيمٍ ماء حار وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ دخان شديد السواد. تقول العرب: أسود يحموم إذا كان شديد السواد.
وأنشد قطرب:
وما قد شربت ببطن [مكة] ... فراتا لمد كاليحموم جاري
وقال ابن بريدة: اليحموم جبل في جهنم يستغيث إلى ظله أهل النار [[تفسير القرطبي: 17/ 213.]] لا بارِدٍ بل حار لأنه من دخان سعير جهنم وَلا كَرِيمٍ ولا عذب عن الضحّاك، سعيد ابن المسيب والحسن: نظيره: مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ [[سورة الشعراء: 7.]] .
مقاتل: طيب. قتادة: لا بارِدٍ المنزل وَلا كَرِيمٍ المنظر.
قال الفراء: يجعل الكريم تابعا لكل شيء نفت عنه فعلا فيه ذم [[كقولهم: ما هذه بدار واسعة ولا كريمة.]] .
وقال ابن كيسان: اليحموم اسم من أسماء النار. وقال الضحّاك: النار سوداء وأهلها سود وكل شيء فيها أسود.
إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ في الدنيا مُتْرَفِينَ منعّمين وَكانُوا يُصِرُّونَ يقيمون عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ على الذنب الكبير، وهو الشرك.
وقال أبو بكر الأصم: كانوا يقسمون أن لا بعث، وأن الأصنام أنداد لله وكانوا يقيمون عليه فذلك حنثهم.
وَكانُوا يَقُولُونَ أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ لحق أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ثم يقال لهم: إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ.
قرأ أهل المدينة وعاصم وحمزة والأعمش وأيوب: (شُرْبَ) بضم الشين، واختاره أبو حاتم، وقرأ الباقون: بفتحه، واختاره أبو عبيد.
وروي عن الكسائي عن يحيى بن سعيد عن جريج إنه قال: ذكرت لجعفر بن محمد قراءة أصحاب عبد الله (شَرْبَ الْهِيمِ) بفتح الشين، فقال: «أما بلغك إن رسول الله ﷺ بعث بديل بن ورقاء الخزاعي إلى أهل منى في أيام التشريق فقال: «إنها أيام أكل وشرب» [202] [[مجمع الزوائد: 3/ 204، والمعجم الأوسط: 7/ 169.]] .
ويقال هي بفتح الشين [و.......] [[كلمة غير مقروءة.]] وهما لغتان جيدتان.
تقول العرب: شربت شربا وشربا وشربا بضمتين.
وقال أبو زيد الأنصاري: سمعت العرب تقول: شربت شربا، بكسر الشين.
وأما (الهيم) فالإبل العطاش. وقال عكرمة وقتادة: هو داء بالإبل لا تروى [معه] [[في المخطوط: معها.]] ولا تزال تشرب حتى تهلك ويقال لذلك الداء الهيام، ويقال: حمل أهيم وناقة هيماء وإبل هيم.
قال لبيد:
أجزت على معارفها بشعث ... وأطلاح من المهري هيم [[تفسير القرطبي: 17/ 215.]]
وقال الضحّاك وابن عيينة وابن كيسان: الهيم الأرض السهلة ذات الرمل.
هذا نُزُلُهُمْ رزقهم وغذاؤهم وما أعدّ لهم يَوْمَ الدِّينِ نَحْنُ خَلَقْناكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ بالبعث أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ تصبون في الأرحام من النطف؟.
وقرأ أبو السماك: (تَمْنُونَ) بفتح التاء وهما لغتان.
أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ نَحْنُ قَدَّرْنا [قرأ مجاهد وحميد وابن محيصن (قَدَرْنا) بتخفيف الدال] [[زيادة عن تفسير القرطبي: 17/ 216 وفي المخطوط: نخفيف مكيّ.]] ، الباقون بالتشديد بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ فمنكم من يعيش إلى أن يبلغ الهرم، ومنكم من يموت شابا وصبيا صغيرا وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عاجزين عن إهلاككم عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ
أو إبدالكم بامثالكم وَنُنْشِئَكُمْ
ونخلقكم فِي ما لا تَعْلَمُونَ
من الصور. قال مجاهد: في أي خلق شئنا.
وقال سعيد بن المسيب فِي ما لا تَعْلَمُونَ
يعني في حواصل طير تكون ببرهوت كأنها الخطاطيف، وبرهوت واد باليمن. وقال الحسن وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ
أي نبدل صفاتكم ونجعلكم قردة وخنازير كما فعلنا بمن كان قبلكم.
وقال السدي: نخلقكم في سوى خلقكم.
وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الخلقة الْأُولى ولم تكونوا شيئا، فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ أي قادر على إعادتكم كما قدرت على إبدائكم.
وقال الحسين بن الفضل في هذه الوجوه: وإن كانت غير مردودة، فالذي عندي في هذه الآية وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى
أي خلقتكم للبعث بعد الموت من حيث لا تعلمون كيف شئت وذلك أنكم علمتم النشأة الأولى كيف كانت في بطون الأمهات وليست الأخرى كذلك.
أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ أي تثيرون الأرض وتعملون فيها وتطرحون البذر أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ تنبتونه أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ؟.
أخبرني الحسين، حدّثنا عمر بن محمد بن علي الزيات، حدّثنا أبو عبد الله أحمد بن عبد الرحمن بن مرزوق، حدّثنا مسلم بن أبي مسلم الجرمي، حدّثنا مخلد بن الحسين عن هشام ابن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «لا يقولن أحدكم: زرعت وليقل حرثت» [203] [[تفسير القرطبي: 17/ 218.]] .
قال أبو هريرة: ألم تسمعوا قول الله عزّ وجل أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ.
لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً هشيما لا ينتفع به في مطعم وغذاء. وقال مرة: يعني نبتا لا قمح فيه.
فَظَلْتُمْ قرأت العامة بفتح الظاء. وقرأ عبد الله بكسره: والأصل ظللتم، فحذف إحدى اللامين تخفيفا، فمن فتحه فعلى الأصل ومن كسره نقل حركة اللام المحذوفة إلى الظاء.
تَفَكَّهُونَ قال يمان: تندمون على نفقاتكم، نظيره فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها [[سورة الكهف: 42.]] .
قتادة: تعجبون. عكرمة: تلاومون. الحسن: تندمون على ما سلف منكم من معصية الله التي أوجبت لكم عقوبته حتى نالكم في زرعكم ما نالكم. ابن زيد: تتفجّعون. ابن كيسان:
تحزنون.
قال: وهو من الأضداد. تقول العرب: تفكهت: أي تنعّمت، وتفكهت: أي حزنت.
قال الفراء: تَفَكَّهُونَ وتفكنون واحد، والنون لغة عكل [[عكل: قبيلة من العرب وقيل: عضل.]] .
وقيل: التفكه التكلم فما لا يعنيك، ومنه قيل للمزاح: فكاهة.
إِنَّا قرأ عاصم برواية أبي بكر والمفضل بهمزتين. الباقون على الخبر. ومجاز الآية فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ وتقولون إِنَّا لَمُغْرَمُونَ قال مجاهد وعكرمة: لمولع بنا. قال ابن عباس وقتادة: يعذبون، والغرام: العذاب.
ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: ملقون للشر. مقاتل بن حيان: مهلكون.
وقال الضحّاك: غرّمنا أموالنا وصار ما أنفقنا غرمنا عليه. مرة الهمداني: محاسبون.
بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ محدودون [ممنوعون] [[في المخطوط: ممنّعون بتشديد النون وفتحها.]] محارفون، والمحروم ضد المرزوق.
قال أنس بن مالك: مرّ رسول الله ﷺ بأرض الأنصار فقال: «ما يمنعكم من الحرث؟
قالوا: الجدوبة. قال: «فلا تفعلوا فإن الله عزّ وجل يقول: أنا الزارع إن شئت زرعت بالماء وإن شئت زرعت بالريح وإن شئت زرعت بالبذر» [[تفسير القرطبي: 17/ 220.]] [204] ثم تلا رسول الله ﷺ أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ الآيات.
أَفَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ السحاب، واحدتها مزنة.
قال الشاعر:
فنحن كماء المزن ما في نصابنا ... كهام ولا فينا يعدّ بخيل [[تفسير القرطبي: 17/ 220.]]
أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً قال ابن عباس: شديد الملوحة. وقال الحسن: قعاعا مرا.
فَلَوْلا تَشْكُرُونَ أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ تقدحون وتستخرجون من زندكم أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها التي تقدح منها النار وهي المرخ والعفار أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ المخترعون؟
نَحْنُ جَعَلْناها يعني نار الدنيا تَذْكِرَةً للنار الكبرى.
أخبرنا ابن سعيد بن حمدون، حدّثنا ابن الشرقي، حدّثنا محمد بن يحيى وعبد العزيز بن بشير وأحمد بن يوسف قالوا: حدّثنا عبد الرزاق، حدّثنا معمر عن همام بن منبه قال: هذا ما حدّثنا أبو هريرة عن محمد رسول الله ﷺ قال: «ناركم هذه التي توقد بنو آدم جزءا من سبعين جزءا من حرّ جهنم» .
قالوا: والله إن كانت لكافيتنا برسول الله. قال: «فإنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءا كلها مثل حرّها» [[صحيح مسلم: 8/ 149.]] [205] .
وَمَتاعاً بلغة ومنفعة لِلْمُقْوِينَ المسافرين النازلين في الأرض القيّ والقوى، وهي القفر الخالية البعيدة من العمران والأهلين، يقال: أقوت الدار إذا دخلت من سكانها.
قال الشاعر:
أقوى وأقفر من نعم وغيّرها ... هوج الرياح بهابي الترب موار [[الهوج: الريح التي تستوي في هبوبها، والهابي من هباء الغبار أي سطع، وموار: تحرك بسرعة، والبيت في تفسير الطبري: 27/ 264.]]
وقال النابغة:
يا دارميّة بالعلياء فالسند ... بها أقوت وطال عليها سالف الأبد [[ديوان النابغة الجعدي: 35.]]
هذا قول أكثر المفسرين، وقال مجاهد لِلْمُقْوِينَ يعني للمستمتعين من الناس أجمعين، المسافرين والحاضرين يستضيء بها في الظلمة ويصطلي بها في البرد وينتفع بها في الطبخ والخبز ونتذكر بها نار جهنم فنستجير الله منها.
وقال الحسن: بلغة المسافرين يبلغون بها إلى أسفارهم يحملونها في الخرق والجواليق.
وقال الربيع والسدي: يعني للمرملين المعترين الذين لا زاد معهم، نارا يوقدون فيختبزون بها، وهي رواية العوفي عن ابن عباس. قال ابن زيد: للجائعين. تقول العرب: أقويت مذ كذا وكذا أي ما أكلت شيئا.
قال قطرب: المقوي من الأضداد [[في المخطوط: الضداد.]] يكون بمعنى الفقر ويكون بمعنى الغنى. يقال: أقوى الرجل إذا قويت دوابّه، وإذا كثر ماله.
فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ فَلا أُقْسِمُ قال أكثر المفسرين: معناه: أقسم، ولا صلة، وتصديقه قراءة عيسى بن عمر: (فلا أقسم) على التحقيق.
وقال بعض أهل العربية: معناه فليس الأمر كما يقولون، ثم استأنف القسم فقال: أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ يعني نجوم القرآن التي كانت تنزل على [[كذا في المخطوط.]] انكدارها وانتشارها يوم القيامة.
واختلف القراء فيه فقرأ حمزة والكسائي وخلف: بموقع على الواحد، غيرهم:
(بِمَواقِعِ) على الجمع. وهو الاختيار.
وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ إِنَّهُ يعني هذا الكتاب، وهو موضع القسم لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ [حصين] [[كلمة غير مقروءة والأقرب ما أثبتناه.]] عزيز مكرم.
وقال عبد العزيز بن يحيى الكناني: غير مخلوق، وقيل: سمي كريما لأن يسره يغلب عسره.
فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ مصون. عند الله سبحانه محفوظ عن الشياطين وعن جميع ما يشين.
الواقعة 56:43
لِأَصْحابِ الْيَمِينِ ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ يعني من الأمم الماضية وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ من أمة محمد ﷺ.
أخبرني الحسين، حدّثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدقاق، حدّثنا محمد بن الوليد القرشي وعيسى بن المساور واللفظ له قالا: حدّثنا الوليد بن مسلم، حدّثنا عيسى بن موسى أبو محمد وغيره، عن عروة بن دويم قال: لما أنزل الله عزّ وجل على رسوله ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ بكى عمر رضي الله عنه فقال: يا نبي الله ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ؟ آمنا برسول الله وصدقناه ومن ينجو منّا قليل فأنزل الله عزّ وجل ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ فدعا رسول الله عمر فقال: «يا بن الخطاب قد أنزل الله عز وجل فيما قلت، فجعل: ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ.
فقال عمر: رضينا عن ربنا ونصدق نبينا.
فقال رسول الله ﷺ: «من آدم إلينا ثلة ومني إلى [يوم] القيامة ثلة ولا يستتمها إلّا سودان من رعاة الإبل من قال لا إله إلّا الله» [199] [[أسباب نزول الآيات: 270.]] .
وأخبرني عقيل أن أبا الفرج أخبرهم عن محمد بن جرير، حدّثنا بشر، حدّثنا يزيد، حدّثنا سعيد عن قتادة قال الحسن: حدّثني عمر بن أبي حصين عن عبد الله بن مسعود قال: تحدثنا عند رسول الله ﷺ ذات ليلة حتى أكرينا الحديث ثم رجعنا إلى أهلنا فلما أصبحنا غدونا على رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ: «عرضت عليّ الأنبياء الليلة بأتباعها من أمتها، وكان النبي يجيء معه الثلاثة من أمته والنبي معه العصابة من أمّته والنبي معه النفر من أمّته والنبي معه الرجل من أمته والنبي ما معه من أمّته أحد حتى أتى موسى في كبكبة بني إسرائيل، فلما رأيتهم أعجبوني فقلت: أي رب من هؤلاء؟ قيل: هذا أخوك موسى بن عمران ومن حفه من بني إسرائيل.
قلت: ربي فأين أمتي؟ قيل: انظر عن يمينك فإذا ظراب [[الظراب: الجبال، والظرب من الحجارة ما كان أصله ناتئا في جبل أو أرض حزنة، كتاب العين: 8/ 159، وقيل: هي الروابي الصغار، الصحاح: 1/ 174- الظرب.]] مكة قد سدّت بوجوه الرجال.
فقلت: من هؤلاء؟ فقيل: هؤلاء أمّتك أرضيت؟ فقلت: رب رضيت، قيل: انظر عن يسارك فإذا الأفق قد سدّ بوجوه الرجال.
فقلت: رب من هؤلاء؟ قيل: هؤلاء أمتك أرضيت؟ قلت: رب رضيت، فقيل: إن مع هؤلاء سبعين ألفا من أمتك يدخلون الجنة. لا حساب عليهم.
قال: فأنشأ كاشة بن محصن- رجل من بني أسد بن خزيمة فقال: يا نبي الله ادع ربك أن يجعلني منهم فقال: «اللهم اجعله منهم» ثم أنشأ رجل آخر فقال: يا نبي الله ادع ربك أن يجعلني منهم.
قال: «سبقك بهما عكاشة» .
فقال ﷺ: «فداكم أبي وامي إن استطعتم أن تكونوا من السبعين فكونوا، وإن عجزتم وقصرتم فكونوا من أهل الظراب، فإن عجزتم وقصرتم فكونوا من أهل الأفق، فإني قد رأيت ثم أناسا يتهاوشون كثيرا» .
قال: فقلت: من هؤلاء السبعون ألفا؟ فاتفق رأينا على أنهم أناس ولدوا في الإسلام فلم يزالوا يعملون به حتى ماتوا عليه فنهي حديثهم إلى رسول الله ﷺ فقال: «ليس كذلك ولكنهم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» .
ثم قال رسول الله ﷺ: «إني لأرجو أن يكون من تبعني من امتي ربع أهل الجنة» فكبّرنا ثم قال: «إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة» فكبّرنا. ثم قال: «إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة» ثم تلا رسول الله ﷺ هذه الآية ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ [200] [[مسند أحمد: 1/ 420 وفيه الى قوله: سبقك بها عكاشة، وتاريخ جرجان: 373، والمستدرك: 4/ 578.]] .
وقال أبو العالية ومجاهد وعطاء بن أبي رباح والضحّاك ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ يعني من سابقي هذه الأمة وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ من هذه الأمة في آخر الزمان.
يدل عليه ما
أخبرنا الحسين بن محمد، حدّثنا أحمد بن محمد بن إسحاق السني، حدّثنا أبو خليفة الفضل بن الحباب محمد بن كثير، حدّثنا سفيان عن أبان بن أبي عياش عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في هذه الآية ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ قال: قال رسول الله ﷺ: «هما جميعا من أمتي» [201] [[جامع البيان للطبري: 27/ 249.]] .
وَأَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ فِي سَمُومٍ ريح حارة وَحَمِيمٍ ماء حار وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ دخان شديد السواد. تقول العرب: أسود يحموم إذا كان شديد السواد.
وأنشد قطرب:
وما قد شربت ببطن [مكة] ... فراتا لمد كاليحموم جاري
وقال ابن بريدة: اليحموم جبل في جهنم يستغيث إلى ظله أهل النار [[تفسير القرطبي: 17/ 213.]] لا بارِدٍ بل حار لأنه من دخان سعير جهنم وَلا كَرِيمٍ ولا عذب عن الضحّاك، سعيد ابن المسيب والحسن: نظيره: مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ [[سورة الشعراء: 7.]] .
مقاتل: طيب. قتادة: لا بارِدٍ المنزل وَلا كَرِيمٍ المنظر.
قال الفراء: يجعل الكريم تابعا لكل شيء نفت عنه فعلا فيه ذم [[كقولهم: ما هذه بدار واسعة ولا كريمة.]] .
وقال ابن كيسان: اليحموم اسم من أسماء النار. وقال الضحّاك: النار سوداء وأهلها سود وكل شيء فيها أسود.
إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ في الدنيا مُتْرَفِينَ منعّمين وَكانُوا يُصِرُّونَ يقيمون عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ على الذنب الكبير، وهو الشرك.
وقال أبو بكر الأصم: كانوا يقسمون أن لا بعث، وأن الأصنام أنداد لله وكانوا يقيمون عليه فذلك حنثهم.
وَكانُوا يَقُولُونَ أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ لحق أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ثم يقال لهم: إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ.
قرأ أهل المدينة وعاصم وحمزة والأعمش وأيوب: (شُرْبَ) بضم الشين، واختاره أبو حاتم، وقرأ الباقون: بفتحه، واختاره أبو عبيد.
وروي عن الكسائي عن يحيى بن سعيد عن جريج إنه قال: ذكرت لجعفر بن محمد قراءة أصحاب عبد الله (شَرْبَ الْهِيمِ) بفتح الشين، فقال: «أما بلغك إن رسول الله ﷺ بعث بديل بن ورقاء الخزاعي إلى أهل منى في أيام التشريق فقال: «إنها أيام أكل وشرب» [202] [[مجمع الزوائد: 3/ 204، والمعجم الأوسط: 7/ 169.]] .
ويقال هي بفتح الشين [و.......] [[كلمة غير مقروءة.]] وهما لغتان جيدتان.
تقول العرب: شربت شربا وشربا وشربا بضمتين.
وقال أبو زيد الأنصاري: سمعت العرب تقول: شربت شربا، بكسر الشين.
وأما (الهيم) فالإبل العطاش. وقال عكرمة وقتادة: هو داء بالإبل لا تروى [معه] [[في المخطوط: معها.]] ولا تزال تشرب حتى تهلك ويقال لذلك الداء الهيام، ويقال: حمل أهيم وناقة هيماء وإبل هيم.
قال لبيد:
أجزت على معارفها بشعث ... وأطلاح من المهري هيم [[تفسير القرطبي: 17/ 215.]]
وقال الضحّاك وابن عيينة وابن كيسان: الهيم الأرض السهلة ذات الرمل.
هذا نُزُلُهُمْ رزقهم وغذاؤهم وما أعدّ لهم يَوْمَ الدِّينِ نَحْنُ خَلَقْناكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ بالبعث أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ تصبون في الأرحام من النطف؟.
وقرأ أبو السماك: (تَمْنُونَ) بفتح التاء وهما لغتان.
أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ نَحْنُ قَدَّرْنا [قرأ مجاهد وحميد وابن محيصن (قَدَرْنا) بتخفيف الدال] [[زيادة عن تفسير القرطبي: 17/ 216 وفي المخطوط: نخفيف مكيّ.]] ، الباقون بالتشديد بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ فمنكم من يعيش إلى أن يبلغ الهرم، ومنكم من يموت شابا وصبيا صغيرا وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عاجزين عن إهلاككم عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ
أو إبدالكم بامثالكم وَنُنْشِئَكُمْ
ونخلقكم فِي ما لا تَعْلَمُونَ
من الصور. قال مجاهد: في أي خلق شئنا.
وقال سعيد بن المسيب فِي ما لا تَعْلَمُونَ
يعني في حواصل طير تكون ببرهوت كأنها الخطاطيف، وبرهوت واد باليمن. وقال الحسن وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ
أي نبدل صفاتكم ونجعلكم قردة وخنازير كما فعلنا بمن كان قبلكم.
وقال السدي: نخلقكم في سوى خلقكم.
وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الخلقة الْأُولى ولم تكونوا شيئا، فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ أي قادر على إعادتكم كما قدرت على إبدائكم.
وقال الحسين بن الفضل في هذه الوجوه: وإن كانت غير مردودة، فالذي عندي في هذه الآية وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى
أي خلقتكم للبعث بعد الموت من حيث لا تعلمون كيف شئت وذلك أنكم علمتم النشأة الأولى كيف كانت في بطون الأمهات وليست الأخرى كذلك.
أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ أي تثيرون الأرض وتعملون فيها وتطرحون البذر أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ تنبتونه أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ؟.
أخبرني الحسين، حدّثنا عمر بن محمد بن علي الزيات، حدّثنا أبو عبد الله أحمد بن عبد الرحمن بن مرزوق، حدّثنا مسلم بن أبي مسلم الجرمي، حدّثنا مخلد بن الحسين عن هشام ابن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «لا يقولن أحدكم: زرعت وليقل حرثت» [203] [[تفسير القرطبي: 17/ 218.]] .
قال أبو هريرة: ألم تسمعوا قول الله عزّ وجل أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ.
لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً هشيما لا ينتفع به في مطعم وغذاء. وقال مرة: يعني نبتا لا قمح فيه.
فَظَلْتُمْ قرأت العامة بفتح الظاء. وقرأ عبد الله بكسره: والأصل ظللتم، فحذف إحدى اللامين تخفيفا، فمن فتحه فعلى الأصل ومن كسره نقل حركة اللام المحذوفة إلى الظاء.
تَفَكَّهُونَ قال يمان: تندمون على نفقاتكم، نظيره فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها [[سورة الكهف: 42.]] .
قتادة: تعجبون. عكرمة: تلاومون. الحسن: تندمون على ما سلف منكم من معصية الله التي أوجبت لكم عقوبته حتى نالكم في زرعكم ما نالكم. ابن زيد: تتفجّعون. ابن كيسان:
تحزنون.
قال: وهو من الأضداد. تقول العرب: تفكهت: أي تنعّمت، وتفكهت: أي حزنت.
قال الفراء: تَفَكَّهُونَ وتفكنون واحد، والنون لغة عكل [[عكل: قبيلة من العرب وقيل: عضل.]] .
وقيل: التفكه التكلم فما لا يعنيك، ومنه قيل للمزاح: فكاهة.
إِنَّا قرأ عاصم برواية أبي بكر والمفضل بهمزتين. الباقون على الخبر. ومجاز الآية فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ وتقولون إِنَّا لَمُغْرَمُونَ قال مجاهد وعكرمة: لمولع بنا. قال ابن عباس وقتادة: يعذبون، والغرام: العذاب.
ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: ملقون للشر. مقاتل بن حيان: مهلكون.
وقال الضحّاك: غرّمنا أموالنا وصار ما أنفقنا غرمنا عليه. مرة الهمداني: محاسبون.
بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ محدودون [ممنوعون] [[في المخطوط: ممنّعون بتشديد النون وفتحها.]] محارفون، والمحروم ضد المرزوق.
قال أنس بن مالك: مرّ رسول الله ﷺ بأرض الأنصار فقال: «ما يمنعكم من الحرث؟
قالوا: الجدوبة. قال: «فلا تفعلوا فإن الله عزّ وجل يقول: أنا الزارع إن شئت زرعت بالماء وإن شئت زرعت بالريح وإن شئت زرعت بالبذر» [[تفسير القرطبي: 17/ 220.]] [204] ثم تلا رسول الله ﷺ أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ الآيات.
أَفَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ السحاب، واحدتها مزنة.
قال الشاعر:
فنحن كماء المزن ما في نصابنا ... كهام ولا فينا يعدّ بخيل [[تفسير القرطبي: 17/ 220.]]
أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً قال ابن عباس: شديد الملوحة. وقال الحسن: قعاعا مرا.
فَلَوْلا تَشْكُرُونَ أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ تقدحون وتستخرجون من زندكم أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها التي تقدح منها النار وهي المرخ والعفار أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ المخترعون؟
نَحْنُ جَعَلْناها يعني نار الدنيا تَذْكِرَةً للنار الكبرى.
أخبرنا ابن سعيد بن حمدون، حدّثنا ابن الشرقي، حدّثنا محمد بن يحيى وعبد العزيز بن بشير وأحمد بن يوسف قالوا: حدّثنا عبد الرزاق، حدّثنا معمر عن همام بن منبه قال: هذا ما حدّثنا أبو هريرة عن محمد رسول الله ﷺ قال: «ناركم هذه التي توقد بنو آدم جزءا من سبعين جزءا من حرّ جهنم» .
قالوا: والله إن كانت لكافيتنا برسول الله. قال: «فإنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءا كلها مثل حرّها» [[صحيح مسلم: 8/ 149.]] [205] .
وَمَتاعاً بلغة ومنفعة لِلْمُقْوِينَ المسافرين النازلين في الأرض القيّ والقوى، وهي القفر الخالية البعيدة من العمران والأهلين، يقال: أقوت الدار إذا دخلت من سكانها.
قال الشاعر:
أقوى وأقفر من نعم وغيّرها ... هوج الرياح بهابي الترب موار [[الهوج: الريح التي تستوي في هبوبها، والهابي من هباء الغبار أي سطع، وموار: تحرك بسرعة، والبيت في تفسير الطبري: 27/ 264.]]
وقال النابغة:
يا دارميّة بالعلياء فالسند ... بها أقوت وطال عليها سالف الأبد [[ديوان النابغة الجعدي: 35.]]
هذا قول أكثر المفسرين، وقال مجاهد لِلْمُقْوِينَ يعني للمستمتعين من الناس أجمعين، المسافرين والحاضرين يستضيء بها في الظلمة ويصطلي بها في البرد وينتفع بها في الطبخ والخبز ونتذكر بها نار جهنم فنستجير الله منها.
وقال الحسن: بلغة المسافرين يبلغون بها إلى أسفارهم يحملونها في الخرق والجواليق.
وقال الربيع والسدي: يعني للمرملين المعترين الذين لا زاد معهم، نارا يوقدون فيختبزون بها، وهي رواية العوفي عن ابن عباس. قال ابن زيد: للجائعين. تقول العرب: أقويت مذ كذا وكذا أي ما أكلت شيئا.
قال قطرب: المقوي من الأضداد [[في المخطوط: الضداد.]] يكون بمعنى الفقر ويكون بمعنى الغنى. يقال: أقوى الرجل إذا قويت دوابّه، وإذا كثر ماله.
فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ فَلا أُقْسِمُ قال أكثر المفسرين: معناه: أقسم، ولا صلة، وتصديقه قراءة عيسى بن عمر: (فلا أقسم) على التحقيق.
وقال بعض أهل العربية: معناه فليس الأمر كما يقولون، ثم استأنف القسم فقال: أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ يعني نجوم القرآن التي كانت تنزل على [[كذا في المخطوط.]] انكدارها وانتشارها يوم القيامة.
واختلف القراء فيه فقرأ حمزة والكسائي وخلف: بموقع على الواحد، غيرهم:
(بِمَواقِعِ) على الجمع. وهو الاختيار.
وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ إِنَّهُ يعني هذا الكتاب، وهو موضع القسم لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ [حصين] [[كلمة غير مقروءة والأقرب ما أثبتناه.]] عزيز مكرم.
وقال عبد العزيز بن يحيى الكناني: غير مخلوق، وقيل: سمي كريما لأن يسره يغلب عسره.
فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ مصون. عند الله سبحانه محفوظ عن الشياطين وعن جميع ما يشين.
الواقعة 56:44
لِأَصْحابِ الْيَمِينِ ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ يعني من الأمم الماضية وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ من أمة محمد ﷺ.
أخبرني الحسين، حدّثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدقاق، حدّثنا محمد بن الوليد القرشي وعيسى بن المساور واللفظ له قالا: حدّثنا الوليد بن مسلم، حدّثنا عيسى بن موسى أبو محمد وغيره، عن عروة بن دويم قال: لما أنزل الله عزّ وجل على رسوله ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ بكى عمر رضي الله عنه فقال: يا نبي الله ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ؟ آمنا برسول الله وصدقناه ومن ينجو منّا قليل فأنزل الله عزّ وجل ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ فدعا رسول الله عمر فقال: «يا بن الخطاب قد أنزل الله عز وجل فيما قلت، فجعل: ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ.
فقال عمر: رضينا عن ربنا ونصدق نبينا.
فقال رسول الله ﷺ: «من آدم إلينا ثلة ومني إلى [يوم] القيامة ثلة ولا يستتمها إلّا سودان من رعاة الإبل من قال لا إله إلّا الله» [199] [[أسباب نزول الآيات: 270.]] .
وأخبرني عقيل أن أبا الفرج أخبرهم عن محمد بن جرير، حدّثنا بشر، حدّثنا يزيد، حدّثنا سعيد عن قتادة قال الحسن: حدّثني عمر بن أبي حصين عن عبد الله بن مسعود قال: تحدثنا عند رسول الله ﷺ ذات ليلة حتى أكرينا الحديث ثم رجعنا إلى أهلنا فلما أصبحنا غدونا على رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ: «عرضت عليّ الأنبياء الليلة بأتباعها من أمتها، وكان النبي يجيء معه الثلاثة من أمته والنبي معه العصابة من أمّته والنبي معه النفر من أمّته والنبي معه الرجل من أمته والنبي ما معه من أمّته أحد حتى أتى موسى في كبكبة بني إسرائيل، فلما رأيتهم أعجبوني فقلت: أي رب من هؤلاء؟ قيل: هذا أخوك موسى بن عمران ومن حفه من بني إسرائيل.
قلت: ربي فأين أمتي؟ قيل: انظر عن يمينك فإذا ظراب [[الظراب: الجبال، والظرب من الحجارة ما كان أصله ناتئا في جبل أو أرض حزنة، كتاب العين: 8/ 159، وقيل: هي الروابي الصغار، الصحاح: 1/ 174- الظرب.]] مكة قد سدّت بوجوه الرجال.
فقلت: من هؤلاء؟ فقيل: هؤلاء أمّتك أرضيت؟ فقلت: رب رضيت، قيل: انظر عن يسارك فإذا الأفق قد سدّ بوجوه الرجال.
فقلت: رب من هؤلاء؟ قيل: هؤلاء أمتك أرضيت؟ قلت: رب رضيت، فقيل: إن مع هؤلاء سبعين ألفا من أمتك يدخلون الجنة. لا حساب عليهم.
قال: فأنشأ كاشة بن محصن- رجل من بني أسد بن خزيمة فقال: يا نبي الله ادع ربك أن يجعلني منهم فقال: «اللهم اجعله منهم» ثم أنشأ رجل آخر فقال: يا نبي الله ادع ربك أن يجعلني منهم.
قال: «سبقك بهما عكاشة» .
فقال ﷺ: «فداكم أبي وامي إن استطعتم أن تكونوا من السبعين فكونوا، وإن عجزتم وقصرتم فكونوا من أهل الظراب، فإن عجزتم وقصرتم فكونوا من أهل الأفق، فإني قد رأيت ثم أناسا يتهاوشون كثيرا» .
قال: فقلت: من هؤلاء السبعون ألفا؟ فاتفق رأينا على أنهم أناس ولدوا في الإسلام فلم يزالوا يعملون به حتى ماتوا عليه فنهي حديثهم إلى رسول الله ﷺ فقال: «ليس كذلك ولكنهم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» .
ثم قال رسول الله ﷺ: «إني لأرجو أن يكون من تبعني من امتي ربع أهل الجنة» فكبّرنا ثم قال: «إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة» فكبّرنا. ثم قال: «إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة» ثم تلا رسول الله ﷺ هذه الآية ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ [200] [[مسند أحمد: 1/ 420 وفيه الى قوله: سبقك بها عكاشة، وتاريخ جرجان: 373، والمستدرك: 4/ 578.]] .
وقال أبو العالية ومجاهد وعطاء بن أبي رباح والضحّاك ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ يعني من سابقي هذه الأمة وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ من هذه الأمة في آخر الزمان.
يدل عليه ما
أخبرنا الحسين بن محمد، حدّثنا أحمد بن محمد بن إسحاق السني، حدّثنا أبو خليفة الفضل بن الحباب محمد بن كثير، حدّثنا سفيان عن أبان بن أبي عياش عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في هذه الآية ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ قال: قال رسول الله ﷺ: «هما جميعا من أمتي» [201] [[جامع البيان للطبري: 27/ 249.]] .
وَأَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ فِي سَمُومٍ ريح حارة وَحَمِيمٍ ماء حار وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ دخان شديد السواد. تقول العرب: أسود يحموم إذا كان شديد السواد.
وأنشد قطرب:
وما قد شربت ببطن [مكة] ... فراتا لمد كاليحموم جاري
وقال ابن بريدة: اليحموم جبل في جهنم يستغيث إلى ظله أهل النار [[تفسير القرطبي: 17/ 213.]] لا بارِدٍ بل حار لأنه من دخان سعير جهنم وَلا كَرِيمٍ ولا عذب عن الضحّاك، سعيد ابن المسيب والحسن: نظيره: مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ [[سورة الشعراء: 7.]] .
مقاتل: طيب. قتادة: لا بارِدٍ المنزل وَلا كَرِيمٍ المنظر.
قال الفراء: يجعل الكريم تابعا لكل شيء نفت عنه فعلا فيه ذم [[كقولهم: ما هذه بدار واسعة ولا كريمة.]] .
وقال ابن كيسان: اليحموم اسم من أسماء النار. وقال الضحّاك: النار سوداء وأهلها سود وكل شيء فيها أسود.
إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ في الدنيا مُتْرَفِينَ منعّمين وَكانُوا يُصِرُّونَ يقيمون عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ على الذنب الكبير، وهو الشرك.
وقال أبو بكر الأصم: كانوا يقسمون أن لا بعث، وأن الأصنام أنداد لله وكانوا يقيمون عليه فذلك حنثهم.
وَكانُوا يَقُولُونَ أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ لحق أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ثم يقال لهم: إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ.
قرأ أهل المدينة وعاصم وحمزة والأعمش وأيوب: (شُرْبَ) بضم الشين، واختاره أبو حاتم، وقرأ الباقون: بفتحه، واختاره أبو عبيد.
وروي عن الكسائي عن يحيى بن سعيد عن جريج إنه قال: ذكرت لجعفر بن محمد قراءة أصحاب عبد الله (شَرْبَ الْهِيمِ) بفتح الشين، فقال: «أما بلغك إن رسول الله ﷺ بعث بديل بن ورقاء الخزاعي إلى أهل منى في أيام التشريق فقال: «إنها أيام أكل وشرب» [202] [[مجمع الزوائد: 3/ 204، والمعجم الأوسط: 7/ 169.]] .
ويقال هي بفتح الشين [و.......] [[كلمة غير مقروءة.]] وهما لغتان جيدتان.
تقول العرب: شربت شربا وشربا وشربا بضمتين.
وقال أبو زيد الأنصاري: سمعت العرب تقول: شربت شربا، بكسر الشين.
وأما (الهيم) فالإبل العطاش. وقال عكرمة وقتادة: هو داء بالإبل لا تروى [معه] [[في المخطوط: معها.]] ولا تزال تشرب حتى تهلك ويقال لذلك الداء الهيام، ويقال: حمل أهيم وناقة هيماء وإبل هيم.
قال لبيد:
أجزت على معارفها بشعث ... وأطلاح من المهري هيم [[تفسير القرطبي: 17/ 215.]]
وقال الضحّاك وابن عيينة وابن كيسان: الهيم الأرض السهلة ذات الرمل.
هذا نُزُلُهُمْ رزقهم وغذاؤهم وما أعدّ لهم يَوْمَ الدِّينِ نَحْنُ خَلَقْناكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ بالبعث أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ تصبون في الأرحام من النطف؟.
وقرأ أبو السماك: (تَمْنُونَ) بفتح التاء وهما لغتان.
أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ نَحْنُ قَدَّرْنا [قرأ مجاهد وحميد وابن محيصن (قَدَرْنا) بتخفيف الدال] [[زيادة عن تفسير القرطبي: 17/ 216 وفي المخطوط: نخفيف مكيّ.]] ، الباقون بالتشديد بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ فمنكم من يعيش إلى أن يبلغ الهرم، ومنكم من يموت شابا وصبيا صغيرا وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عاجزين عن إهلاككم عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ
أو إبدالكم بامثالكم وَنُنْشِئَكُمْ
ونخلقكم فِي ما لا تَعْلَمُونَ
من الصور. قال مجاهد: في أي خلق شئنا.
وقال سعيد بن المسيب فِي ما لا تَعْلَمُونَ
يعني في حواصل طير تكون ببرهوت كأنها الخطاطيف، وبرهوت واد باليمن. وقال الحسن وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ
أي نبدل صفاتكم ونجعلكم قردة وخنازير كما فعلنا بمن كان قبلكم.
وقال السدي: نخلقكم في سوى خلقكم.
وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الخلقة الْأُولى ولم تكونوا شيئا، فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ أي قادر على إعادتكم كما قدرت على إبدائكم.
وقال الحسين بن الفضل في هذه الوجوه: وإن كانت غير مردودة، فالذي عندي في هذه الآية وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى
أي خلقتكم للبعث بعد الموت من حيث لا تعلمون كيف شئت وذلك أنكم علمتم النشأة الأولى كيف كانت في بطون الأمهات وليست الأخرى كذلك.
أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ أي تثيرون الأرض وتعملون فيها وتطرحون البذر أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ تنبتونه أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ؟.
أخبرني الحسين، حدّثنا عمر بن محمد بن علي الزيات، حدّثنا أبو عبد الله أحمد بن عبد الرحمن بن مرزوق، حدّثنا مسلم بن أبي مسلم الجرمي، حدّثنا مخلد بن الحسين عن هشام ابن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «لا يقولن أحدكم: زرعت وليقل حرثت» [203] [[تفسير القرطبي: 17/ 218.]] .
قال أبو هريرة: ألم تسمعوا قول الله عزّ وجل أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ.
لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً هشيما لا ينتفع به في مطعم وغذاء. وقال مرة: يعني نبتا لا قمح فيه.
فَظَلْتُمْ قرأت العامة بفتح الظاء. وقرأ عبد الله بكسره: والأصل ظللتم، فحذف إحدى اللامين تخفيفا، فمن فتحه فعلى الأصل ومن كسره نقل حركة اللام المحذوفة إلى الظاء.
تَفَكَّهُونَ قال يمان: تندمون على نفقاتكم، نظيره فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها [[سورة الكهف: 42.]] .
قتادة: تعجبون. عكرمة: تلاومون. الحسن: تندمون على ما سلف منكم من معصية الله التي أوجبت لكم عقوبته حتى نالكم في زرعكم ما نالكم. ابن زيد: تتفجّعون. ابن كيسان:
تحزنون.
قال: وهو من الأضداد. تقول العرب: تفكهت: أي تنعّمت، وتفكهت: أي حزنت.
قال الفراء: تَفَكَّهُونَ وتفكنون واحد، والنون لغة عكل [[عكل: قبيلة من العرب وقيل: عضل.]] .
وقيل: التفكه التكلم فما لا يعنيك، ومنه قيل للمزاح: فكاهة.
إِنَّا قرأ عاصم برواية أبي بكر والمفضل بهمزتين. الباقون على الخبر. ومجاز الآية فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ وتقولون إِنَّا لَمُغْرَمُونَ قال مجاهد وعكرمة: لمولع بنا. قال ابن عباس وقتادة: يعذبون، والغرام: العذاب.
ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: ملقون للشر. مقاتل بن حيان: مهلكون.
وقال الضحّاك: غرّمنا أموالنا وصار ما أنفقنا غرمنا عليه. مرة الهمداني: محاسبون.
بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ محدودون [ممنوعون] [[في المخطوط: ممنّعون بتشديد النون وفتحها.]] محارفون، والمحروم ضد المرزوق.
قال أنس بن مالك: مرّ رسول الله ﷺ بأرض الأنصار فقال: «ما يمنعكم من الحرث؟
قالوا: الجدوبة. قال: «فلا تفعلوا فإن الله عزّ وجل يقول: أنا الزارع إن شئت زرعت بالماء وإن شئت زرعت بالريح وإن شئت زرعت بالبذر» [[تفسير القرطبي: 17/ 220.]] [204] ثم تلا رسول الله ﷺ أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ الآيات.
أَفَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ السحاب، واحدتها مزنة.
قال الشاعر:
فنحن كماء المزن ما في نصابنا ... كهام ولا فينا يعدّ بخيل [[تفسير القرطبي: 17/ 220.]]
أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً قال ابن عباس: شديد الملوحة. وقال الحسن: قعاعا مرا.
فَلَوْلا تَشْكُرُونَ أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ تقدحون وتستخرجون من زندكم أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها التي تقدح منها النار وهي المرخ والعفار أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ المخترعون؟
نَحْنُ جَعَلْناها يعني نار الدنيا تَذْكِرَةً للنار الكبرى.
أخبرنا ابن سعيد بن حمدون، حدّثنا ابن الشرقي، حدّثنا محمد بن يحيى وعبد العزيز بن بشير وأحمد بن يوسف قالوا: حدّثنا عبد الرزاق، حدّثنا معمر عن همام بن منبه قال: هذا ما حدّثنا أبو هريرة عن محمد رسول الله ﷺ قال: «ناركم هذه التي توقد بنو آدم جزءا من سبعين جزءا من حرّ جهنم» .
قالوا: والله إن كانت لكافيتنا برسول الله. قال: «فإنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءا كلها مثل حرّها» [[صحيح مسلم: 8/ 149.]] [205] .
وَمَتاعاً بلغة ومنفعة لِلْمُقْوِينَ المسافرين النازلين في الأرض القيّ والقوى، وهي القفر الخالية البعيدة من العمران والأهلين، يقال: أقوت الدار إذا دخلت من سكانها.
قال الشاعر:
أقوى وأقفر من نعم وغيّرها ... هوج الرياح بهابي الترب موار [[الهوج: الريح التي تستوي في هبوبها، والهابي من هباء الغبار أي سطع، وموار: تحرك بسرعة، والبيت في تفسير الطبري: 27/ 264.]]
وقال النابغة:
يا دارميّة بالعلياء فالسند ... بها أقوت وطال عليها سالف الأبد [[ديوان النابغة الجعدي: 35.]]
هذا قول أكثر المفسرين، وقال مجاهد لِلْمُقْوِينَ يعني للمستمتعين من الناس أجمعين، المسافرين والحاضرين يستضيء بها في الظلمة ويصطلي بها في البرد وينتفع بها في الطبخ والخبز ونتذكر بها نار جهنم فنستجير الله منها.
وقال الحسن: بلغة المسافرين يبلغون بها إلى أسفارهم يحملونها في الخرق والجواليق.
وقال الربيع والسدي: يعني للمرملين المعترين الذين لا زاد معهم، نارا يوقدون فيختبزون بها، وهي رواية العوفي عن ابن عباس. قال ابن زيد: للجائعين. تقول العرب: أقويت مذ كذا وكذا أي ما أكلت شيئا.
قال قطرب: المقوي من الأضداد [[في المخطوط: الضداد.]] يكون بمعنى الفقر ويكون بمعنى الغنى. يقال: أقوى الرجل إذا قويت دوابّه، وإذا كثر ماله.
فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ فَلا أُقْسِمُ قال أكثر المفسرين: معناه: أقسم، ولا صلة، وتصديقه قراءة عيسى بن عمر: (فلا أقسم) على التحقيق.
وقال بعض أهل العربية: معناه فليس الأمر كما يقولون، ثم استأنف القسم فقال: أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ يعني نجوم القرآن التي كانت تنزل على [[كذا في المخطوط.]] انكدارها وانتشارها يوم القيامة.
واختلف القراء فيه فقرأ حمزة والكسائي وخلف: بموقع على الواحد، غيرهم:
(بِمَواقِعِ) على الجمع. وهو الاختيار.
وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ إِنَّهُ يعني هذا الكتاب، وهو موضع القسم لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ [حصين] [[كلمة غير مقروءة والأقرب ما أثبتناه.]] عزيز مكرم.
وقال عبد العزيز بن يحيى الكناني: غير مخلوق، وقيل: سمي كريما لأن يسره يغلب عسره.
فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ مصون. عند الله سبحانه محفوظ عن الشياطين وعن جميع ما يشين.
الواقعة 56:45
لِأَصْحابِ الْيَمِينِ ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ يعني من الأمم الماضية وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ من أمة محمد ﷺ.
أخبرني الحسين، حدّثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدقاق، حدّثنا محمد بن الوليد القرشي وعيسى بن المساور واللفظ له قالا: حدّثنا الوليد بن مسلم، حدّثنا عيسى بن موسى أبو محمد وغيره، عن عروة بن دويم قال: لما أنزل الله عزّ وجل على رسوله ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ بكى عمر رضي الله عنه فقال: يا نبي الله ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ؟ آمنا برسول الله وصدقناه ومن ينجو منّا قليل فأنزل الله عزّ وجل ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ فدعا رسول الله عمر فقال: «يا بن الخطاب قد أنزل الله عز وجل فيما قلت، فجعل: ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ.
فقال عمر: رضينا عن ربنا ونصدق نبينا.
فقال رسول الله ﷺ: «من آدم إلينا ثلة ومني إلى [يوم] القيامة ثلة ولا يستتمها إلّا سودان من رعاة الإبل من قال لا إله إلّا الله» [199] [[أسباب نزول الآيات: 270.]] .
وأخبرني عقيل أن أبا الفرج أخبرهم عن محمد بن جرير، حدّثنا بشر، حدّثنا يزيد، حدّثنا سعيد عن قتادة قال الحسن: حدّثني عمر بن أبي حصين عن عبد الله بن مسعود قال: تحدثنا عند رسول الله ﷺ ذات ليلة حتى أكرينا الحديث ثم رجعنا إلى أهلنا فلما أصبحنا غدونا على رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ: «عرضت عليّ الأنبياء الليلة بأتباعها من أمتها، وكان النبي يجيء معه الثلاثة من أمته والنبي معه العصابة من أمّته والنبي معه النفر من أمّته والنبي معه الرجل من أمته والنبي ما معه من أمّته أحد حتى أتى موسى في كبكبة بني إسرائيل، فلما رأيتهم أعجبوني فقلت: أي رب من هؤلاء؟ قيل: هذا أخوك موسى بن عمران ومن حفه من بني إسرائيل.
قلت: ربي فأين أمتي؟ قيل: انظر عن يمينك فإذا ظراب [[الظراب: الجبال، والظرب من الحجارة ما كان أصله ناتئا في جبل أو أرض حزنة، كتاب العين: 8/ 159، وقيل: هي الروابي الصغار، الصحاح: 1/ 174- الظرب.]] مكة قد سدّت بوجوه الرجال.
فقلت: من هؤلاء؟ فقيل: هؤلاء أمّتك أرضيت؟ فقلت: رب رضيت، قيل: انظر عن يسارك فإذا الأفق قد سدّ بوجوه الرجال.
فقلت: رب من هؤلاء؟ قيل: هؤلاء أمتك أرضيت؟ قلت: رب رضيت، فقيل: إن مع هؤلاء سبعين ألفا من أمتك يدخلون الجنة. لا حساب عليهم.
قال: فأنشأ كاشة بن محصن- رجل من بني أسد بن خزيمة فقال: يا نبي الله ادع ربك أن يجعلني منهم فقال: «اللهم اجعله منهم» ثم أنشأ رجل آخر فقال: يا نبي الله ادع ربك أن يجعلني منهم.
قال: «سبقك بهما عكاشة» .
فقال ﷺ: «فداكم أبي وامي إن استطعتم أن تكونوا من السبعين فكونوا، وإن عجزتم وقصرتم فكونوا من أهل الظراب، فإن عجزتم وقصرتم فكونوا من أهل الأفق، فإني قد رأيت ثم أناسا يتهاوشون كثيرا» .
قال: فقلت: من هؤلاء السبعون ألفا؟ فاتفق رأينا على أنهم أناس ولدوا في الإسلام فلم يزالوا يعملون به حتى ماتوا عليه فنهي حديثهم إلى رسول الله ﷺ فقال: «ليس كذلك ولكنهم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» .
ثم قال رسول الله ﷺ: «إني لأرجو أن يكون من تبعني من امتي ربع أهل الجنة» فكبّرنا ثم قال: «إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة» فكبّرنا. ثم قال: «إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة» ثم تلا رسول الله ﷺ هذه الآية ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ [200] [[مسند أحمد: 1/ 420 وفيه الى قوله: سبقك بها عكاشة، وتاريخ جرجان: 373، والمستدرك: 4/ 578.]] .
وقال أبو العالية ومجاهد وعطاء بن أبي رباح والضحّاك ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ يعني من سابقي هذه الأمة وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ من هذه الأمة في آخر الزمان.
يدل عليه ما
أخبرنا الحسين بن محمد، حدّثنا أحمد بن محمد بن إسحاق السني، حدّثنا أبو خليفة الفضل بن الحباب محمد بن كثير، حدّثنا سفيان عن أبان بن أبي عياش عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في هذه الآية ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ قال: قال رسول الله ﷺ: «هما جميعا من أمتي» [201] [[جامع البيان للطبري: 27/ 249.]] .
وَأَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ فِي سَمُومٍ ريح حارة وَحَمِيمٍ ماء حار وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ دخان شديد السواد. تقول العرب: أسود يحموم إذا كان شديد السواد.
وأنشد قطرب:
وما قد شربت ببطن [مكة] ... فراتا لمد كاليحموم جاري
وقال ابن بريدة: اليحموم جبل في جهنم يستغيث إلى ظله أهل النار [[تفسير القرطبي: 17/ 213.]] لا بارِدٍ بل حار لأنه من دخان سعير جهنم وَلا كَرِيمٍ ولا عذب عن الضحّاك، سعيد ابن المسيب والحسن: نظيره: مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ [[سورة الشعراء: 7.]] .
مقاتل: طيب. قتادة: لا بارِدٍ المنزل وَلا كَرِيمٍ المنظر.
قال الفراء: يجعل الكريم تابعا لكل شيء نفت عنه فعلا فيه ذم [[كقولهم: ما هذه بدار واسعة ولا كريمة.]] .
وقال ابن كيسان: اليحموم اسم من أسماء النار. وقال الضحّاك: النار سوداء وأهلها سود وكل شيء فيها أسود.
إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ في الدنيا مُتْرَفِينَ منعّمين وَكانُوا يُصِرُّونَ يقيمون عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ على الذنب الكبير، وهو الشرك.
وقال أبو بكر الأصم: كانوا يقسمون أن لا بعث، وأن الأصنام أنداد لله وكانوا يقيمون عليه فذلك حنثهم.
وَكانُوا يَقُولُونَ أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ لحق أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ثم يقال لهم: إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ.
قرأ أهل المدينة وعاصم وحمزة والأعمش وأيوب: (شُرْبَ) بضم الشين، واختاره أبو حاتم، وقرأ الباقون: بفتحه، واختاره أبو عبيد.
وروي عن الكسائي عن يحيى بن سعيد عن جريج إنه قال: ذكرت لجعفر بن محمد قراءة أصحاب عبد الله (شَرْبَ الْهِيمِ) بفتح الشين، فقال: «أما بلغك إن رسول الله ﷺ بعث بديل بن ورقاء الخزاعي إلى أهل منى في أيام التشريق فقال: «إنها أيام أكل وشرب» [202] [[مجمع الزوائد: 3/ 204، والمعجم الأوسط: 7/ 169.]] .
ويقال هي بفتح الشين [و.......] [[كلمة غير مقروءة.]] وهما لغتان جيدتان.
تقول العرب: شربت شربا وشربا وشربا بضمتين.
وقال أبو زيد الأنصاري: سمعت العرب تقول: شربت شربا، بكسر الشين.
وأما (الهيم) فالإبل العطاش. وقال عكرمة وقتادة: هو داء بالإبل لا تروى [معه] [[في المخطوط: معها.]] ولا تزال تشرب حتى تهلك ويقال لذلك الداء الهيام، ويقال: حمل أهيم وناقة هيماء وإبل هيم.
قال لبيد:
أجزت على معارفها بشعث ... وأطلاح من المهري هيم [[تفسير القرطبي: 17/ 215.]]
وقال الضحّاك وابن عيينة وابن كيسان: الهيم الأرض السهلة ذات الرمل.
هذا نُزُلُهُمْ رزقهم وغذاؤهم وما أعدّ لهم يَوْمَ الدِّينِ نَحْنُ خَلَقْناكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ بالبعث أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ تصبون في الأرحام من النطف؟.
وقرأ أبو السماك: (تَمْنُونَ) بفتح التاء وهما لغتان.
أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ نَحْنُ قَدَّرْنا [قرأ مجاهد وحميد وابن محيصن (قَدَرْنا) بتخفيف الدال] [[زيادة عن تفسير القرطبي: 17/ 216 وفي المخطوط: نخفيف مكيّ.]] ، الباقون بالتشديد بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ فمنكم من يعيش إلى أن يبلغ الهرم، ومنكم من يموت شابا وصبيا صغيرا وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عاجزين عن إهلاككم عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ
أو إبدالكم بامثالكم وَنُنْشِئَكُمْ
ونخلقكم فِي ما لا تَعْلَمُونَ
من الصور. قال مجاهد: في أي خلق شئنا.
وقال سعيد بن المسيب فِي ما لا تَعْلَمُونَ
يعني في حواصل طير تكون ببرهوت كأنها الخطاطيف، وبرهوت واد باليمن. وقال الحسن وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ
أي نبدل صفاتكم ونجعلكم قردة وخنازير كما فعلنا بمن كان قبلكم.
وقال السدي: نخلقكم في سوى خلقكم.
وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الخلقة الْأُولى ولم تكونوا شيئا، فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ أي قادر على إعادتكم كما قدرت على إبدائكم.
وقال الحسين بن الفضل في هذه الوجوه: وإن كانت غير مردودة، فالذي عندي في هذه الآية وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى
أي خلقتكم للبعث بعد الموت من حيث لا تعلمون كيف شئت وذلك أنكم علمتم النشأة الأولى كيف كانت في بطون الأمهات وليست الأخرى كذلك.
أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ أي تثيرون الأرض وتعملون فيها وتطرحون البذر أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ تنبتونه أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ؟.
أخبرني الحسين، حدّثنا عمر بن محمد بن علي الزيات، حدّثنا أبو عبد الله أحمد بن عبد الرحمن بن مرزوق، حدّثنا مسلم بن أبي مسلم الجرمي، حدّثنا مخلد بن الحسين عن هشام ابن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «لا يقولن أحدكم: زرعت وليقل حرثت» [203] [[تفسير القرطبي: 17/ 218.]] .
قال أبو هريرة: ألم تسمعوا قول الله عزّ وجل أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ.
لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً هشيما لا ينتفع به في مطعم وغذاء. وقال مرة: يعني نبتا لا قمح فيه.
فَظَلْتُمْ قرأت العامة بفتح الظاء. وقرأ عبد الله بكسره: والأصل ظللتم، فحذف إحدى اللامين تخفيفا، فمن فتحه فعلى الأصل ومن كسره نقل حركة اللام المحذوفة إلى الظاء.
تَفَكَّهُونَ قال يمان: تندمون على نفقاتكم، نظيره فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها [[سورة الكهف: 42.]] .
قتادة: تعجبون. عكرمة: تلاومون. الحسن: تندمون على ما سلف منكم من معصية الله التي أوجبت لكم عقوبته حتى نالكم في زرعكم ما نالكم. ابن زيد: تتفجّعون. ابن كيسان:
تحزنون.
قال: وهو من الأضداد. تقول العرب: تفكهت: أي تنعّمت، وتفكهت: أي حزنت.
قال الفراء: تَفَكَّهُونَ وتفكنون واحد، والنون لغة عكل [[عكل: قبيلة من العرب وقيل: عضل.]] .
وقيل: التفكه التكلم فما لا يعنيك، ومنه قيل للمزاح: فكاهة.
إِنَّا قرأ عاصم برواية أبي بكر والمفضل بهمزتين. الباقون على الخبر. ومجاز الآية فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ وتقولون إِنَّا لَمُغْرَمُونَ قال مجاهد وعكرمة: لمولع بنا. قال ابن عباس وقتادة: يعذبون، والغرام: العذاب.
ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: ملقون للشر. مقاتل بن حيان: مهلكون.
وقال الضحّاك: غرّمنا أموالنا وصار ما أنفقنا غرمنا عليه. مرة الهمداني: محاسبون.
بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ محدودون [ممنوعون] [[في المخطوط: ممنّعون بتشديد النون وفتحها.]] محارفون، والمحروم ضد المرزوق.
قال أنس بن مالك: مرّ رسول الله ﷺ بأرض الأنصار فقال: «ما يمنعكم من الحرث؟
قالوا: الجدوبة. قال: «فلا تفعلوا فإن الله عزّ وجل يقول: أنا الزارع إن شئت زرعت بالماء وإن شئت زرعت بالريح وإن شئت زرعت بالبذر» [[تفسير القرطبي: 17/ 220.]] [204] ثم تلا رسول الله ﷺ أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ الآيات.
أَفَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ السحاب، واحدتها مزنة.
قال الشاعر:
فنحن كماء المزن ما في نصابنا ... كهام ولا فينا يعدّ بخيل [[تفسير القرطبي: 17/ 220.]]
أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً قال ابن عباس: شديد الملوحة. وقال الحسن: قعاعا مرا.
فَلَوْلا تَشْكُرُونَ أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ تقدحون وتستخرجون من زندكم أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها التي تقدح منها النار وهي المرخ والعفار أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ المخترعون؟
نَحْنُ جَعَلْناها يعني نار الدنيا تَذْكِرَةً للنار الكبرى.
أخبرنا ابن سعيد بن حمدون، حدّثنا ابن الشرقي، حدّثنا محمد بن يحيى وعبد العزيز بن بشير وأحمد بن يوسف قالوا: حدّثنا عبد الرزاق، حدّثنا معمر عن همام بن منبه قال: هذا ما حدّثنا أبو هريرة عن محمد رسول الله ﷺ قال: «ناركم هذه التي توقد بنو آدم جزءا من سبعين جزءا من حرّ جهنم» .
قالوا: والله إن كانت لكافيتنا برسول الله. قال: «فإنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءا كلها مثل حرّها» [[صحيح مسلم: 8/ 149.]] [205] .
وَمَتاعاً بلغة ومنفعة لِلْمُقْوِينَ المسافرين النازلين في الأرض القيّ والقوى، وهي القفر الخالية البعيدة من العمران والأهلين، يقال: أقوت الدار إذا دخلت من سكانها.
قال الشاعر:
أقوى وأقفر من نعم وغيّرها ... هوج الرياح بهابي الترب موار [[الهوج: الريح التي تستوي في هبوبها، والهابي من هباء الغبار أي سطع، وموار: تحرك بسرعة، والبيت في تفسير الطبري: 27/ 264.]]
وقال النابغة:
يا دارميّة بالعلياء فالسند ... بها أقوت وطال عليها سالف الأبد [[ديوان النابغة الجعدي: 35.]]
هذا قول أكثر المفسرين، وقال مجاهد لِلْمُقْوِينَ يعني للمستمتعين من الناس أجمعين، المسافرين والحاضرين يستضيء بها في الظلمة ويصطلي بها في البرد وينتفع بها في الطبخ والخبز ونتذكر بها نار جهنم فنستجير الله منها.
وقال الحسن: بلغة المسافرين يبلغون بها إلى أسفارهم يحملونها في الخرق والجواليق.
وقال الربيع والسدي: يعني للمرملين المعترين الذين لا زاد معهم، نارا يوقدون فيختبزون بها، وهي رواية العوفي عن ابن عباس. قال ابن زيد: للجائعين. تقول العرب: أقويت مذ كذا وكذا أي ما أكلت شيئا.
قال قطرب: المقوي من الأضداد [[في المخطوط: الضداد.]] يكون بمعنى الفقر ويكون بمعنى الغنى. يقال: أقوى الرجل إذا قويت دوابّه، وإذا كثر ماله.
فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ فَلا أُقْسِمُ قال أكثر المفسرين: معناه: أقسم، ولا صلة، وتصديقه قراءة عيسى بن عمر: (فلا أقسم) على التحقيق.
وقال بعض أهل العربية: معناه فليس الأمر كما يقولون، ثم استأنف القسم فقال: أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ يعني نجوم القرآن التي كانت تنزل على [[كذا في المخطوط.]] انكدارها وانتشارها يوم القيامة.
واختلف القراء فيه فقرأ حمزة والكسائي وخلف: بموقع على الواحد، غيرهم:
(بِمَواقِعِ) على الجمع. وهو الاختيار.
وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ إِنَّهُ يعني هذا الكتاب، وهو موضع القسم لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ [حصين] [[كلمة غير مقروءة والأقرب ما أثبتناه.]] عزيز مكرم.
وقال عبد العزيز بن يحيى الكناني: غير مخلوق، وقيل: سمي كريما لأن يسره يغلب عسره.
فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ مصون. عند الله سبحانه محفوظ عن الشياطين وعن جميع ما يشين.
الواقعة 56:46
لِأَصْحابِ الْيَمِينِ ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ يعني من الأمم الماضية وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ من أمة محمد ﷺ.
أخبرني الحسين، حدّثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدقاق، حدّثنا محمد بن الوليد القرشي وعيسى بن المساور واللفظ له قالا: حدّثنا الوليد بن مسلم، حدّثنا عيسى بن موسى أبو محمد وغيره، عن عروة بن دويم قال: لما أنزل الله عزّ وجل على رسوله ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ بكى عمر رضي الله عنه فقال: يا نبي الله ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ؟ آمنا برسول الله وصدقناه ومن ينجو منّا قليل فأنزل الله عزّ وجل ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ فدعا رسول الله عمر فقال: «يا بن الخطاب قد أنزل الله عز وجل فيما قلت، فجعل: ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ.
فقال عمر: رضينا عن ربنا ونصدق نبينا.
فقال رسول الله ﷺ: «من آدم إلينا ثلة ومني إلى [يوم] القيامة ثلة ولا يستتمها إلّا سودان من رعاة الإبل من قال لا إله إلّا الله» [199] [[أسباب نزول الآيات: 270.]] .
وأخبرني عقيل أن أبا الفرج أخبرهم عن محمد بن جرير، حدّثنا بشر، حدّثنا يزيد، حدّثنا سعيد عن قتادة قال الحسن: حدّثني عمر بن أبي حصين عن عبد الله بن مسعود قال: تحدثنا عند رسول الله ﷺ ذات ليلة حتى أكرينا الحديث ثم رجعنا إلى أهلنا فلما أصبحنا غدونا على رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ: «عرضت عليّ الأنبياء الليلة بأتباعها من أمتها، وكان النبي يجيء معه الثلاثة من أمته والنبي معه العصابة من أمّته والنبي معه النفر من أمّته والنبي معه الرجل من أمته والنبي ما معه من أمّته أحد حتى أتى موسى في كبكبة بني إسرائيل، فلما رأيتهم أعجبوني فقلت: أي رب من هؤلاء؟ قيل: هذا أخوك موسى بن عمران ومن حفه من بني إسرائيل.
قلت: ربي فأين أمتي؟ قيل: انظر عن يمينك فإذا ظراب [[الظراب: الجبال، والظرب من الحجارة ما كان أصله ناتئا في جبل أو أرض حزنة، كتاب العين: 8/ 159، وقيل: هي الروابي الصغار، الصحاح: 1/ 174- الظرب.]] مكة قد سدّت بوجوه الرجال.
فقلت: من هؤلاء؟ فقيل: هؤلاء أمّتك أرضيت؟ فقلت: رب رضيت، قيل: انظر عن يسارك فإذا الأفق قد سدّ بوجوه الرجال.
فقلت: رب من هؤلاء؟ قيل: هؤلاء أمتك أرضيت؟ قلت: رب رضيت، فقيل: إن مع هؤلاء سبعين ألفا من أمتك يدخلون الجنة. لا حساب عليهم.
قال: فأنشأ كاشة بن محصن- رجل من بني أسد بن خزيمة فقال: يا نبي الله ادع ربك أن يجعلني منهم فقال: «اللهم اجعله منهم» ثم أنشأ رجل آخر فقال: يا نبي الله ادع ربك أن يجعلني منهم.
قال: «سبقك بهما عكاشة» .
فقال ﷺ: «فداكم أبي وامي إن استطعتم أن تكونوا من السبعين فكونوا، وإن عجزتم وقصرتم فكونوا من أهل الظراب، فإن عجزتم وقصرتم فكونوا من أهل الأفق، فإني قد رأيت ثم أناسا يتهاوشون كثيرا» .
قال: فقلت: من هؤلاء السبعون ألفا؟ فاتفق رأينا على أنهم أناس ولدوا في الإسلام فلم يزالوا يعملون به حتى ماتوا عليه فنهي حديثهم إلى رسول الله ﷺ فقال: «ليس كذلك ولكنهم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» .
ثم قال رسول الله ﷺ: «إني لأرجو أن يكون من تبعني من امتي ربع أهل الجنة» فكبّرنا ثم قال: «إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة» فكبّرنا. ثم قال: «إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة» ثم تلا رسول الله ﷺ هذه الآية ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ [200] [[مسند أحمد: 1/ 420 وفيه الى قوله: سبقك بها عكاشة، وتاريخ جرجان: 373، والمستدرك: 4/ 578.]] .
وقال أبو العالية ومجاهد وعطاء بن أبي رباح والضحّاك ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ يعني من سابقي هذه الأمة وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ من هذه الأمة في آخر الزمان.
يدل عليه ما
أخبرنا الحسين بن محمد، حدّثنا أحمد بن محمد بن إسحاق السني، حدّثنا أبو خليفة الفضل بن الحباب محمد بن كثير، حدّثنا سفيان عن أبان بن أبي عياش عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في هذه الآية ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ قال: قال رسول الله ﷺ: «هما جميعا من أمتي» [201] [[جامع البيان للطبري: 27/ 249.]] .
وَأَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ فِي سَمُومٍ ريح حارة وَحَمِيمٍ ماء حار وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ دخان شديد السواد. تقول العرب: أسود يحموم إذا كان شديد السواد.
وأنشد قطرب:
وما قد شربت ببطن [مكة] ... فراتا لمد كاليحموم جاري
وقال ابن بريدة: اليحموم جبل في جهنم يستغيث إلى ظله أهل النار [[تفسير القرطبي: 17/ 213.]] لا بارِدٍ بل حار لأنه من دخان سعير جهنم وَلا كَرِيمٍ ولا عذب عن الضحّاك، سعيد ابن المسيب والحسن: نظيره: مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ [[سورة الشعراء: 7.]] .
مقاتل: طيب. قتادة: لا بارِدٍ المنزل وَلا كَرِيمٍ المنظر.
قال الفراء: يجعل الكريم تابعا لكل شيء نفت عنه فعلا فيه ذم [[كقولهم: ما هذه بدار واسعة ولا كريمة.]] .
وقال ابن كيسان: اليحموم اسم من أسماء النار. وقال الضحّاك: النار سوداء وأهلها سود وكل شيء فيها أسود.
إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ في الدنيا مُتْرَفِينَ منعّمين وَكانُوا يُصِرُّونَ يقيمون عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ على الذنب الكبير، وهو الشرك.
وقال أبو بكر الأصم: كانوا يقسمون أن لا بعث، وأن الأصنام أنداد لله وكانوا يقيمون عليه فذلك حنثهم.
وَكانُوا يَقُولُونَ أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ لحق أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ثم يقال لهم: إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ.
قرأ أهل المدينة وعاصم وحمزة والأعمش وأيوب: (شُرْبَ) بضم الشين، واختاره أبو حاتم، وقرأ الباقون: بفتحه، واختاره أبو عبيد.
وروي عن الكسائي عن يحيى بن سعيد عن جريج إنه قال: ذكرت لجعفر بن محمد قراءة أصحاب عبد الله (شَرْبَ الْهِيمِ) بفتح الشين، فقال: «أما بلغك إن رسول الله ﷺ بعث بديل بن ورقاء الخزاعي إلى أهل منى في أيام التشريق فقال: «إنها أيام أكل وشرب» [202] [[مجمع الزوائد: 3/ 204، والمعجم الأوسط: 7/ 169.]] .
ويقال هي بفتح الشين [و.......] [[كلمة غير مقروءة.]] وهما لغتان جيدتان.
تقول العرب: شربت شربا وشربا وشربا بضمتين.
وقال أبو زيد الأنصاري: سمعت العرب تقول: شربت شربا، بكسر الشين.
وأما (الهيم) فالإبل العطاش. وقال عكرمة وقتادة: هو داء بالإبل لا تروى [معه] [[في المخطوط: معها.]] ولا تزال تشرب حتى تهلك ويقال لذلك الداء الهيام، ويقال: حمل أهيم وناقة هيماء وإبل هيم.
قال لبيد:
أجزت على معارفها بشعث ... وأطلاح من المهري هيم [[تفسير القرطبي: 17/ 215.]]
وقال الضحّاك وابن عيينة وابن كيسان: الهيم الأرض السهلة ذات الرمل.
هذا نُزُلُهُمْ رزقهم وغذاؤهم وما أعدّ لهم يَوْمَ الدِّينِ نَحْنُ خَلَقْناكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ بالبعث أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ تصبون في الأرحام من النطف؟.
وقرأ أبو السماك: (تَمْنُونَ) بفتح التاء وهما لغتان.
أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ نَحْنُ قَدَّرْنا [قرأ مجاهد وحميد وابن محيصن (قَدَرْنا) بتخفيف الدال] [[زيادة عن تفسير القرطبي: 17/ 216 وفي المخطوط: نخفيف مكيّ.]] ، الباقون بالتشديد بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ فمنكم من يعيش إلى أن يبلغ الهرم، ومنكم من يموت شابا وصبيا صغيرا وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عاجزين عن إهلاككم عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ
أو إبدالكم بامثالكم وَنُنْشِئَكُمْ
ونخلقكم فِي ما لا تَعْلَمُونَ
من الصور. قال مجاهد: في أي خلق شئنا.
وقال سعيد بن المسيب فِي ما لا تَعْلَمُونَ
يعني في حواصل طير تكون ببرهوت كأنها الخطاطيف، وبرهوت واد باليمن. وقال الحسن وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ
أي نبدل صفاتكم ونجعلكم قردة وخنازير كما فعلنا بمن كان قبلكم.
وقال السدي: نخلقكم في سوى خلقكم.
وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الخلقة الْأُولى ولم تكونوا شيئا، فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ أي قادر على إعادتكم كما قدرت على إبدائكم.
وقال الحسين بن الفضل في هذه الوجوه: وإن كانت غير مردودة، فالذي عندي في هذه الآية وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى
أي خلقتكم للبعث بعد الموت من حيث لا تعلمون كيف شئت وذلك أنكم علمتم النشأة الأولى كيف كانت في بطون الأمهات وليست الأخرى كذلك.
أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ أي تثيرون الأرض وتعملون فيها وتطرحون البذر أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ تنبتونه أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ؟.
أخبرني الحسين، حدّثنا عمر بن محمد بن علي الزيات، حدّثنا أبو عبد الله أحمد بن عبد الرحمن بن مرزوق، حدّثنا مسلم بن أبي مسلم الجرمي، حدّثنا مخلد بن الحسين عن هشام ابن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «لا يقولن أحدكم: زرعت وليقل حرثت» [203] [[تفسير القرطبي: 17/ 218.]] .
قال أبو هريرة: ألم تسمعوا قول الله عزّ وجل أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ.
لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً هشيما لا ينتفع به في مطعم وغذاء. وقال مرة: يعني نبتا لا قمح فيه.
فَظَلْتُمْ قرأت العامة بفتح الظاء. وقرأ عبد الله بكسره: والأصل ظللتم، فحذف إحدى اللامين تخفيفا، فمن فتحه فعلى الأصل ومن كسره نقل حركة اللام المحذوفة إلى الظاء.
تَفَكَّهُونَ قال يمان: تندمون على نفقاتكم، نظيره فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها [[سورة الكهف: 42.]] .
قتادة: تعجبون. عكرمة: تلاومون. الحسن: تندمون على ما سلف منكم من معصية الله التي أوجبت لكم عقوبته حتى نالكم في زرعكم ما نالكم. ابن زيد: تتفجّعون. ابن كيسان:
تحزنون.
قال: وهو من الأضداد. تقول العرب: تفكهت: أي تنعّمت، وتفكهت: أي حزنت.
قال الفراء: تَفَكَّهُونَ وتفكنون واحد، والنون لغة عكل [[عكل: قبيلة من العرب وقيل: عضل.]] .
وقيل: التفكه التكلم فما لا يعنيك، ومنه قيل للمزاح: فكاهة.
إِنَّا قرأ عاصم برواية أبي بكر والمفضل بهمزتين. الباقون على الخبر. ومجاز الآية فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ وتقولون إِنَّا لَمُغْرَمُونَ قال مجاهد وعكرمة: لمولع بنا. قال ابن عباس وقتادة: يعذبون، والغرام: العذاب.
ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: ملقون للشر. مقاتل بن حيان: مهلكون.
وقال الضحّاك: غرّمنا أموالنا وصار ما أنفقنا غرمنا عليه. مرة الهمداني: محاسبون.
بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ محدودون [ممنوعون] [[في المخطوط: ممنّعون بتشديد النون وفتحها.]] محارفون، والمحروم ضد المرزوق.
قال أنس بن مالك: مرّ رسول الله ﷺ بأرض الأنصار فقال: «ما يمنعكم من الحرث؟
قالوا: الجدوبة. قال: «فلا تفعلوا فإن الله عزّ وجل يقول: أنا الزارع إن شئت زرعت بالماء وإن شئت زرعت بالريح وإن شئت زرعت بالبذر» [[تفسير القرطبي: 17/ 220.]] [204] ثم تلا رسول الله ﷺ أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ الآيات.
أَفَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ السحاب، واحدتها مزنة.
قال الشاعر:
فنحن كماء المزن ما في نصابنا ... كهام ولا فينا يعدّ بخيل [[تفسير القرطبي: 17/ 220.]]
أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً قال ابن عباس: شديد الملوحة. وقال الحسن: قعاعا مرا.
فَلَوْلا تَشْكُرُونَ أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ تقدحون وتستخرجون من زندكم أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها التي تقدح منها النار وهي المرخ والعفار أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ المخترعون؟
نَحْنُ جَعَلْناها يعني نار الدنيا تَذْكِرَةً للنار الكبرى.
أخبرنا ابن سعيد بن حمدون، حدّثنا ابن الشرقي، حدّثنا محمد بن يحيى وعبد العزيز بن بشير وأحمد بن يوسف قالوا: حدّثنا عبد الرزاق، حدّثنا معمر عن همام بن منبه قال: هذا ما حدّثنا أبو هريرة عن محمد رسول الله ﷺ قال: «ناركم هذه التي توقد بنو آدم جزءا من سبعين جزءا من حرّ جهنم» .
قالوا: والله إن كانت لكافيتنا برسول الله. قال: «فإنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءا كلها مثل حرّها» [[صحيح مسلم: 8/ 149.]] [205] .
وَمَتاعاً بلغة ومنفعة لِلْمُقْوِينَ المسافرين النازلين في الأرض القيّ والقوى، وهي القفر الخالية البعيدة من العمران والأهلين، يقال: أقوت الدار إذا دخلت من سكانها.
قال الشاعر:
أقوى وأقفر من نعم وغيّرها ... هوج الرياح بهابي الترب موار [[الهوج: الريح التي تستوي في هبوبها، والهابي من هباء الغبار أي سطع، وموار: تحرك بسرعة، والبيت في تفسير الطبري: 27/ 264.]]
وقال النابغة:
يا دارميّة بالعلياء فالسند ... بها أقوت وطال عليها سالف الأبد [[ديوان النابغة الجعدي: 35.]]
هذا قول أكثر المفسرين، وقال مجاهد لِلْمُقْوِينَ يعني للمستمتعين من الناس أجمعين، المسافرين والحاضرين يستضيء بها في الظلمة ويصطلي بها في البرد وينتفع بها في الطبخ والخبز ونتذكر بها نار جهنم فنستجير الله منها.
وقال الحسن: بلغة المسافرين يبلغون بها إلى أسفارهم يحملونها في الخرق والجواليق.
وقال الربيع والسدي: يعني للمرملين المعترين الذين لا زاد معهم، نارا يوقدون فيختبزون بها، وهي رواية العوفي عن ابن عباس. قال ابن زيد: للجائعين. تقول العرب: أقويت مذ كذا وكذا أي ما أكلت شيئا.
قال قطرب: المقوي من الأضداد [[في المخطوط: الضداد.]] يكون بمعنى الفقر ويكون بمعنى الغنى. يقال: أقوى الرجل إذا قويت دوابّه، وإذا كثر ماله.
فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ فَلا أُقْسِمُ قال أكثر المفسرين: معناه: أقسم، ولا صلة، وتصديقه قراءة عيسى بن عمر: (فلا أقسم) على التحقيق.
وقال بعض أهل العربية: معناه فليس الأمر كما يقولون، ثم استأنف القسم فقال: أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ يعني نجوم القرآن التي كانت تنزل على [[كذا في المخطوط.]] انكدارها وانتشارها يوم القيامة.
واختلف القراء فيه فقرأ حمزة والكسائي وخلف: بموقع على الواحد، غيرهم:
(بِمَواقِعِ) على الجمع. وهو الاختيار.
وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ إِنَّهُ يعني هذا الكتاب، وهو موضع القسم لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ [حصين] [[كلمة غير مقروءة والأقرب ما أثبتناه.]] عزيز مكرم.
وقال عبد العزيز بن يحيى الكناني: غير مخلوق، وقيل: سمي كريما لأن يسره يغلب عسره.
فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ مصون. عند الله سبحانه محفوظ عن الشياطين وعن جميع ما يشين.
الواقعة 56:47
لِأَصْحابِ الْيَمِينِ ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ يعني من الأمم الماضية وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ من أمة محمد ﷺ.
أخبرني الحسين، حدّثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدقاق، حدّثنا محمد بن الوليد القرشي وعيسى بن المساور واللفظ له قالا: حدّثنا الوليد بن مسلم، حدّثنا عيسى بن موسى أبو محمد وغيره، عن عروة بن دويم قال: لما أنزل الله عزّ وجل على رسوله ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ بكى عمر رضي الله عنه فقال: يا نبي الله ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ؟ آمنا برسول الله وصدقناه ومن ينجو منّا قليل فأنزل الله عزّ وجل ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ فدعا رسول الله عمر فقال: «يا بن الخطاب قد أنزل الله عز وجل فيما قلت، فجعل: ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ.
فقال عمر: رضينا عن ربنا ونصدق نبينا.
فقال رسول الله ﷺ: «من آدم إلينا ثلة ومني إلى [يوم] القيامة ثلة ولا يستتمها إلّا سودان من رعاة الإبل من قال لا إله إلّا الله» [199] [[أسباب نزول الآيات: 270.]] .
وأخبرني عقيل أن أبا الفرج أخبرهم عن محمد بن جرير، حدّثنا بشر، حدّثنا يزيد، حدّثنا سعيد عن قتادة قال الحسن: حدّثني عمر بن أبي حصين عن عبد الله بن مسعود قال: تحدثنا عند رسول الله ﷺ ذات ليلة حتى أكرينا الحديث ثم رجعنا إلى أهلنا فلما أصبحنا غدونا على رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ: «عرضت عليّ الأنبياء الليلة بأتباعها من أمتها، وكان النبي يجيء معه الثلاثة من أمته والنبي معه العصابة من أمّته والنبي معه النفر من أمّته والنبي معه الرجل من أمته والنبي ما معه من أمّته أحد حتى أتى موسى في كبكبة بني إسرائيل، فلما رأيتهم أعجبوني فقلت: أي رب من هؤلاء؟ قيل: هذا أخوك موسى بن عمران ومن حفه من بني إسرائيل.
قلت: ربي فأين أمتي؟ قيل: انظر عن يمينك فإذا ظراب [[الظراب: الجبال، والظرب من الحجارة ما كان أصله ناتئا في جبل أو أرض حزنة، كتاب العين: 8/ 159، وقيل: هي الروابي الصغار، الصحاح: 1/ 174- الظرب.]] مكة قد سدّت بوجوه الرجال.
فقلت: من هؤلاء؟ فقيل: هؤلاء أمّتك أرضيت؟ فقلت: رب رضيت، قيل: انظر عن يسارك فإذا الأفق قد سدّ بوجوه الرجال.
فقلت: رب من هؤلاء؟ قيل: هؤلاء أمتك أرضيت؟ قلت: رب رضيت، فقيل: إن مع هؤلاء سبعين ألفا من أمتك يدخلون الجنة. لا حساب عليهم.
قال: فأنشأ كاشة بن محصن- رجل من بني أسد بن خزيمة فقال: يا نبي الله ادع ربك أن يجعلني منهم فقال: «اللهم اجعله منهم» ثم أنشأ رجل آخر فقال: يا نبي الله ادع ربك أن يجعلني منهم.
قال: «سبقك بهما عكاشة» .
فقال ﷺ: «فداكم أبي وامي إن استطعتم أن تكونوا من السبعين فكونوا، وإن عجزتم وقصرتم فكونوا من أهل الظراب، فإن عجزتم وقصرتم فكونوا من أهل الأفق، فإني قد رأيت ثم أناسا يتهاوشون كثيرا» .
قال: فقلت: من هؤلاء السبعون ألفا؟ فاتفق رأينا على أنهم أناس ولدوا في الإسلام فلم يزالوا يعملون به حتى ماتوا عليه فنهي حديثهم إلى رسول الله ﷺ فقال: «ليس كذلك ولكنهم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» .
ثم قال رسول الله ﷺ: «إني لأرجو أن يكون من تبعني من امتي ربع أهل الجنة» فكبّرنا ثم قال: «إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة» فكبّرنا. ثم قال: «إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة» ثم تلا رسول الله ﷺ هذه الآية ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ [200] [[مسند أحمد: 1/ 420 وفيه الى قوله: سبقك بها عكاشة، وتاريخ جرجان: 373، والمستدرك: 4/ 578.]] .
وقال أبو العالية ومجاهد وعطاء بن أبي رباح والضحّاك ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ يعني من سابقي هذه الأمة وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ من هذه الأمة في آخر الزمان.
يدل عليه ما
أخبرنا الحسين بن محمد، حدّثنا أحمد بن محمد بن إسحاق السني، حدّثنا أبو خليفة الفضل بن الحباب محمد بن كثير، حدّثنا سفيان عن أبان بن أبي عياش عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في هذه الآية ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ قال: قال رسول الله ﷺ: «هما جميعا من أمتي» [201] [[جامع البيان للطبري: 27/ 249.]] .
وَأَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ فِي سَمُومٍ ريح حارة وَحَمِيمٍ ماء حار وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ دخان شديد السواد. تقول العرب: أسود يحموم إذا كان شديد السواد.
وأنشد قطرب:
وما قد شربت ببطن [مكة] ... فراتا لمد كاليحموم جاري
وقال ابن بريدة: اليحموم جبل في جهنم يستغيث إلى ظله أهل النار [[تفسير القرطبي: 17/ 213.]] لا بارِدٍ بل حار لأنه من دخان سعير جهنم وَلا كَرِيمٍ ولا عذب عن الضحّاك، سعيد ابن المسيب والحسن: نظيره: مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ [[سورة الشعراء: 7.]] .
مقاتل: طيب. قتادة: لا بارِدٍ المنزل وَلا كَرِيمٍ المنظر.
قال الفراء: يجعل الكريم تابعا لكل شيء نفت عنه فعلا فيه ذم [[كقولهم: ما هذه بدار واسعة ولا كريمة.]] .
وقال ابن كيسان: اليحموم اسم من أسماء النار. وقال الضحّاك: النار سوداء وأهلها سود وكل شيء فيها أسود.
إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ في الدنيا مُتْرَفِينَ منعّمين وَكانُوا يُصِرُّونَ يقيمون عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ على الذنب الكبير، وهو الشرك.
وقال أبو بكر الأصم: كانوا يقسمون أن لا بعث، وأن الأصنام أنداد لله وكانوا يقيمون عليه فذلك حنثهم.
وَكانُوا يَقُولُونَ أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ لحق أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ثم يقال لهم: إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ.
قرأ أهل المدينة وعاصم وحمزة والأعمش وأيوب: (شُرْبَ) بضم الشين، واختاره أبو حاتم، وقرأ الباقون: بفتحه، واختاره أبو عبيد.
وروي عن الكسائي عن يحيى بن سعيد عن جريج إنه قال: ذكرت لجعفر بن محمد قراءة أصحاب عبد الله (شَرْبَ الْهِيمِ) بفتح الشين، فقال: «أما بلغك إن رسول الله ﷺ بعث بديل بن ورقاء الخزاعي إلى أهل منى في أيام التشريق فقال: «إنها أيام أكل وشرب» [202] [[مجمع الزوائد: 3/ 204، والمعجم الأوسط: 7/ 169.]] .
ويقال هي بفتح الشين [و.......] [[كلمة غير مقروءة.]] وهما لغتان جيدتان.
تقول العرب: شربت شربا وشربا وشربا بضمتين.
وقال أبو زيد الأنصاري: سمعت العرب تقول: شربت شربا، بكسر الشين.
وأما (الهيم) فالإبل العطاش. وقال عكرمة وقتادة: هو داء بالإبل لا تروى [معه] [[في المخطوط: معها.]] ولا تزال تشرب حتى تهلك ويقال لذلك الداء الهيام، ويقال: حمل أهيم وناقة هيماء وإبل هيم.
قال لبيد:
أجزت على معارفها بشعث ... وأطلاح من المهري هيم [[تفسير القرطبي: 17/ 215.]]
وقال الضحّاك وابن عيينة وابن كيسان: الهيم الأرض السهلة ذات الرمل.
هذا نُزُلُهُمْ رزقهم وغذاؤهم وما أعدّ لهم يَوْمَ الدِّينِ نَحْنُ خَلَقْناكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ بالبعث أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ تصبون في الأرحام من النطف؟.
وقرأ أبو السماك: (تَمْنُونَ) بفتح التاء وهما لغتان.
أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ نَحْنُ قَدَّرْنا [قرأ مجاهد وحميد وابن محيصن (قَدَرْنا) بتخفيف الدال] [[زيادة عن تفسير القرطبي: 17/ 216 وفي المخطوط: نخفيف مكيّ.]] ، الباقون بالتشديد بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ فمنكم من يعيش إلى أن يبلغ الهرم، ومنكم من يموت شابا وصبيا صغيرا وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عاجزين عن إهلاككم عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ
أو إبدالكم بامثالكم وَنُنْشِئَكُمْ
ونخلقكم فِي ما لا تَعْلَمُونَ
من الصور. قال مجاهد: في أي خلق شئنا.
وقال سعيد بن المسيب فِي ما لا تَعْلَمُونَ
يعني في حواصل طير تكون ببرهوت كأنها الخطاطيف، وبرهوت واد باليمن. وقال الحسن وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ
أي نبدل صفاتكم ونجعلكم قردة وخنازير كما فعلنا بمن كان قبلكم.
وقال السدي: نخلقكم في سوى خلقكم.
وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الخلقة الْأُولى ولم تكونوا شيئا، فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ أي قادر على إعادتكم كما قدرت على إبدائكم.
وقال الحسين بن الفضل في هذه الوجوه: وإن كانت غير مردودة، فالذي عندي في هذه الآية وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى
أي خلقتكم للبعث بعد الموت من حيث لا تعلمون كيف شئت وذلك أنكم علمتم النشأة الأولى كيف كانت في بطون الأمهات وليست الأخرى كذلك.
أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ أي تثيرون الأرض وتعملون فيها وتطرحون البذر أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ تنبتونه أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ؟.
أخبرني الحسين، حدّثنا عمر بن محمد بن علي الزيات، حدّثنا أبو عبد الله أحمد بن عبد الرحمن بن مرزوق، حدّثنا مسلم بن أبي مسلم الجرمي، حدّثنا مخلد بن الحسين عن هشام ابن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «لا يقولن أحدكم: زرعت وليقل حرثت» [203] [[تفسير القرطبي: 17/ 218.]] .
قال أبو هريرة: ألم تسمعوا قول الله عزّ وجل أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ.
لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً هشيما لا ينتفع به في مطعم وغذاء. وقال مرة: يعني نبتا لا قمح فيه.
فَظَلْتُمْ قرأت العامة بفتح الظاء. وقرأ عبد الله بكسره: والأصل ظللتم، فحذف إحدى اللامين تخفيفا، فمن فتحه فعلى الأصل ومن كسره نقل حركة اللام المحذوفة إلى الظاء.
تَفَكَّهُونَ قال يمان: تندمون على نفقاتكم، نظيره فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها [[سورة الكهف: 42.]] .
قتادة: تعجبون. عكرمة: تلاومون. الحسن: تندمون على ما سلف منكم من معصية الله التي أوجبت لكم عقوبته حتى نالكم في زرعكم ما نالكم. ابن زيد: تتفجّعون. ابن كيسان:
تحزنون.
قال: وهو من الأضداد. تقول العرب: تفكهت: أي تنعّمت، وتفكهت: أي حزنت.
قال الفراء: تَفَكَّهُونَ وتفكنون واحد، والنون لغة عكل [[عكل: قبيلة من العرب وقيل: عضل.]] .
وقيل: التفكه التكلم فما لا يعنيك، ومنه قيل للمزاح: فكاهة.
إِنَّا قرأ عاصم برواية أبي بكر والمفضل بهمزتين. الباقون على الخبر. ومجاز الآية فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ وتقولون إِنَّا لَمُغْرَمُونَ قال مجاهد وعكرمة: لمولع بنا. قال ابن عباس وقتادة: يعذبون، والغرام: العذاب.
ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: ملقون للشر. مقاتل بن حيان: مهلكون.
وقال الضحّاك: غرّمنا أموالنا وصار ما أنفقنا غرمنا عليه. مرة الهمداني: محاسبون.
بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ محدودون [ممنوعون] [[في المخطوط: ممنّعون بتشديد النون وفتحها.]] محارفون، والمحروم ضد المرزوق.
قال أنس بن مالك: مرّ رسول الله ﷺ بأرض الأنصار فقال: «ما يمنعكم من الحرث؟
قالوا: الجدوبة. قال: «فلا تفعلوا فإن الله عزّ وجل يقول: أنا الزارع إن شئت زرعت بالماء وإن شئت زرعت بالريح وإن شئت زرعت بالبذر» [[تفسير القرطبي: 17/ 220.]] [204] ثم تلا رسول الله ﷺ أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ الآيات.
أَفَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ السحاب، واحدتها مزنة.
قال الشاعر:
فنحن كماء المزن ما في نصابنا ... كهام ولا فينا يعدّ بخيل [[تفسير القرطبي: 17/ 220.]]
أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً قال ابن عباس: شديد الملوحة. وقال الحسن: قعاعا مرا.
فَلَوْلا تَشْكُرُونَ أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ تقدحون وتستخرجون من زندكم أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها التي تقدح منها النار وهي المرخ والعفار أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ المخترعون؟
نَحْنُ جَعَلْناها يعني نار الدنيا تَذْكِرَةً للنار الكبرى.
أخبرنا ابن سعيد بن حمدون، حدّثنا ابن الشرقي، حدّثنا محمد بن يحيى وعبد العزيز بن بشير وأحمد بن يوسف قالوا: حدّثنا عبد الرزاق، حدّثنا معمر عن همام بن منبه قال: هذا ما حدّثنا أبو هريرة عن محمد رسول الله ﷺ قال: «ناركم هذه التي توقد بنو آدم جزءا من سبعين جزءا من حرّ جهنم» .
قالوا: والله إن كانت لكافيتنا برسول الله. قال: «فإنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءا كلها مثل حرّها» [[صحيح مسلم: 8/ 149.]] [205] .
وَمَتاعاً بلغة ومنفعة لِلْمُقْوِينَ المسافرين النازلين في الأرض القيّ والقوى، وهي القفر الخالية البعيدة من العمران والأهلين، يقال: أقوت الدار إذا دخلت من سكانها.
قال الشاعر:
أقوى وأقفر من نعم وغيّرها ... هوج الرياح بهابي الترب موار [[الهوج: الريح التي تستوي في هبوبها، والهابي من هباء الغبار أي سطع، وموار: تحرك بسرعة، والبيت في تفسير الطبري: 27/ 264.]]
وقال النابغة:
يا دارميّة بالعلياء فالسند ... بها أقوت وطال عليها سالف الأبد [[ديوان النابغة الجعدي: 35.]]
هذا قول أكثر المفسرين، وقال مجاهد لِلْمُقْوِينَ يعني للمستمتعين من الناس أجمعين، المسافرين والحاضرين يستضيء بها في الظلمة ويصطلي بها في البرد وينتفع بها في الطبخ والخبز ونتذكر بها نار جهنم فنستجير الله منها.
وقال الحسن: بلغة المسافرين يبلغون بها إلى أسفارهم يحملونها في الخرق والجواليق.
وقال الربيع والسدي: يعني للمرملين المعترين الذين لا زاد معهم، نارا يوقدون فيختبزون بها، وهي رواية العوفي عن ابن عباس. قال ابن زيد: للجائعين. تقول العرب: أقويت مذ كذا وكذا أي ما أكلت شيئا.
قال قطرب: المقوي من الأضداد [[في المخطوط: الضداد.]] يكون بمعنى الفقر ويكون بمعنى الغنى. يقال: أقوى الرجل إذا قويت دوابّه، وإذا كثر ماله.
فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ فَلا أُقْسِمُ قال أكثر المفسرين: معناه: أقسم، ولا صلة، وتصديقه قراءة عيسى بن عمر: (فلا أقسم) على التحقيق.
وقال بعض أهل العربية: معناه فليس الأمر كما يقولون، ثم استأنف القسم فقال: أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ يعني نجوم القرآن التي كانت تنزل على [[كذا في المخطوط.]] انكدارها وانتشارها يوم القيامة.
واختلف القراء فيه فقرأ حمزة والكسائي وخلف: بموقع على الواحد، غيرهم:
(بِمَواقِعِ) على الجمع. وهو الاختيار.
وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ إِنَّهُ يعني هذا الكتاب، وهو موضع القسم لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ [حصين] [[كلمة غير مقروءة والأقرب ما أثبتناه.]] عزيز مكرم.
وقال عبد العزيز بن يحيى الكناني: غير مخلوق، وقيل: سمي كريما لأن يسره يغلب عسره.
فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ مصون. عند الله سبحانه محفوظ عن الشياطين وعن جميع ما يشين.
الواقعة 56:48
لِأَصْحابِ الْيَمِينِ ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ يعني من الأمم الماضية وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ من أمة محمد ﷺ.
أخبرني الحسين، حدّثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدقاق، حدّثنا محمد بن الوليد القرشي وعيسى بن المساور واللفظ له قالا: حدّثنا الوليد بن مسلم، حدّثنا عيسى بن موسى أبو محمد وغيره، عن عروة بن دويم قال: لما أنزل الله عزّ وجل على رسوله ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ بكى عمر رضي الله عنه فقال: يا نبي الله ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ؟ آمنا برسول الله وصدقناه ومن ينجو منّا قليل فأنزل الله عزّ وجل ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ فدعا رسول الله عمر فقال: «يا بن الخطاب قد أنزل الله عز وجل فيما قلت، فجعل: ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ.
فقال عمر: رضينا عن ربنا ونصدق نبينا.
فقال رسول الله ﷺ: «من آدم إلينا ثلة ومني إلى [يوم] القيامة ثلة ولا يستتمها إلّا سودان من رعاة الإبل من قال لا إله إلّا الله» [199] [[أسباب نزول الآيات: 270.]] .
وأخبرني عقيل أن أبا الفرج أخبرهم عن محمد بن جرير، حدّثنا بشر، حدّثنا يزيد، حدّثنا سعيد عن قتادة قال الحسن: حدّثني عمر بن أبي حصين عن عبد الله بن مسعود قال: تحدثنا عند رسول الله ﷺ ذات ليلة حتى أكرينا الحديث ثم رجعنا إلى أهلنا فلما أصبحنا غدونا على رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ: «عرضت عليّ الأنبياء الليلة بأتباعها من أمتها، وكان النبي يجيء معه الثلاثة من أمته والنبي معه العصابة من أمّته والنبي معه النفر من أمّته والنبي معه الرجل من أمته والنبي ما معه من أمّته أحد حتى أتى موسى في كبكبة بني إسرائيل، فلما رأيتهم أعجبوني فقلت: أي رب من هؤلاء؟ قيل: هذا أخوك موسى بن عمران ومن حفه من بني إسرائيل.
قلت: ربي فأين أمتي؟ قيل: انظر عن يمينك فإذا ظراب [[الظراب: الجبال، والظرب من الحجارة ما كان أصله ناتئا في جبل أو أرض حزنة، كتاب العين: 8/ 159، وقيل: هي الروابي الصغار، الصحاح: 1/ 174- الظرب.]] مكة قد سدّت بوجوه الرجال.
فقلت: من هؤلاء؟ فقيل: هؤلاء أمّتك أرضيت؟ فقلت: رب رضيت، قيل: انظر عن يسارك فإذا الأفق قد سدّ بوجوه الرجال.
فقلت: رب من هؤلاء؟ قيل: هؤلاء أمتك أرضيت؟ قلت: رب رضيت، فقيل: إن مع هؤلاء سبعين ألفا من أمتك يدخلون الجنة. لا حساب عليهم.
قال: فأنشأ كاشة بن محصن- رجل من بني أسد بن خزيمة فقال: يا نبي الله ادع ربك أن يجعلني منهم فقال: «اللهم اجعله منهم» ثم أنشأ رجل آخر فقال: يا نبي الله ادع ربك أن يجعلني منهم.
قال: «سبقك بهما عكاشة» .
فقال ﷺ: «فداكم أبي وامي إن استطعتم أن تكونوا من السبعين فكونوا، وإن عجزتم وقصرتم فكونوا من أهل الظراب، فإن عجزتم وقصرتم فكونوا من أهل الأفق، فإني قد رأيت ثم أناسا يتهاوشون كثيرا» .
قال: فقلت: من هؤلاء السبعون ألفا؟ فاتفق رأينا على أنهم أناس ولدوا في الإسلام فلم يزالوا يعملون به حتى ماتوا عليه فنهي حديثهم إلى رسول الله ﷺ فقال: «ليس كذلك ولكنهم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» .
ثم قال رسول الله ﷺ: «إني لأرجو أن يكون من تبعني من امتي ربع أهل الجنة» فكبّرنا ثم قال: «إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة» فكبّرنا. ثم قال: «إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة» ثم تلا رسول الله ﷺ هذه الآية ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ [200] [[مسند أحمد: 1/ 420 وفيه الى قوله: سبقك بها عكاشة، وتاريخ جرجان: 373، والمستدرك: 4/ 578.]] .
وقال أبو العالية ومجاهد وعطاء بن أبي رباح والضحّاك ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ يعني من سابقي هذه الأمة وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ من هذه الأمة في آخر الزمان.
يدل عليه ما
أخبرنا الحسين بن محمد، حدّثنا أحمد بن محمد بن إسحاق السني، حدّثنا أبو خليفة الفضل بن الحباب محمد بن كثير، حدّثنا سفيان عن أبان بن أبي عياش عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في هذه الآية ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ قال: قال رسول الله ﷺ: «هما جميعا من أمتي» [201] [[جامع البيان للطبري: 27/ 249.]] .
وَأَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ فِي سَمُومٍ ريح حارة وَحَمِيمٍ ماء حار وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ دخان شديد السواد. تقول العرب: أسود يحموم إذا كان شديد السواد.
وأنشد قطرب:
وما قد شربت ببطن [مكة] ... فراتا لمد كاليحموم جاري
وقال ابن بريدة: اليحموم جبل في جهنم يستغيث إلى ظله أهل النار [[تفسير القرطبي: 17/ 213.]] لا بارِدٍ بل حار لأنه من دخان سعير جهنم وَلا كَرِيمٍ ولا عذب عن الضحّاك، سعيد ابن المسيب والحسن: نظيره: مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ [[سورة الشعراء: 7.]] .
مقاتل: طيب. قتادة: لا بارِدٍ المنزل وَلا كَرِيمٍ المنظر.
قال الفراء: يجعل الكريم تابعا لكل شيء نفت عنه فعلا فيه ذم [[كقولهم: ما هذه بدار واسعة ولا كريمة.]] .
وقال ابن كيسان: اليحموم اسم من أسماء النار. وقال الضحّاك: النار سوداء وأهلها سود وكل شيء فيها أسود.
إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ في الدنيا مُتْرَفِينَ منعّمين وَكانُوا يُصِرُّونَ يقيمون عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ على الذنب الكبير، وهو الشرك.
وقال أبو بكر الأصم: كانوا يقسمون أن لا بعث، وأن الأصنام أنداد لله وكانوا يقيمون عليه فذلك حنثهم.
وَكانُوا يَقُولُونَ أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ لحق أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ثم يقال لهم: إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ.
قرأ أهل المدينة وعاصم وحمزة والأعمش وأيوب: (شُرْبَ) بضم الشين، واختاره أبو حاتم، وقرأ الباقون: بفتحه، واختاره أبو عبيد.
وروي عن الكسائي عن يحيى بن سعيد عن جريج إنه قال: ذكرت لجعفر بن محمد قراءة أصحاب عبد الله (شَرْبَ الْهِيمِ) بفتح الشين، فقال: «أما بلغك إن رسول الله ﷺ بعث بديل بن ورقاء الخزاعي إلى أهل منى في أيام التشريق فقال: «إنها أيام أكل وشرب» [202] [[مجمع الزوائد: 3/ 204، والمعجم الأوسط: 7/ 169.]] .
ويقال هي بفتح الشين [و.......] [[كلمة غير مقروءة.]] وهما لغتان جيدتان.
تقول العرب: شربت شربا وشربا وشربا بضمتين.
وقال أبو زيد الأنصاري: سمعت العرب تقول: شربت شربا، بكسر الشين.
وأما (الهيم) فالإبل العطاش. وقال عكرمة وقتادة: هو داء بالإبل لا تروى [معه] [[في المخطوط: معها.]] ولا تزال تشرب حتى تهلك ويقال لذلك الداء الهيام، ويقال: حمل أهيم وناقة هيماء وإبل هيم.
قال لبيد:
أجزت على معارفها بشعث ... وأطلاح من المهري هيم [[تفسير القرطبي: 17/ 215.]]
وقال الضحّاك وابن عيينة وابن كيسان: الهيم الأرض السهلة ذات الرمل.
هذا نُزُلُهُمْ رزقهم وغذاؤهم وما أعدّ لهم يَوْمَ الدِّينِ نَحْنُ خَلَقْناكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ بالبعث أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ تصبون في الأرحام من النطف؟.
وقرأ أبو السماك: (تَمْنُونَ) بفتح التاء وهما لغتان.
أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ نَحْنُ قَدَّرْنا [قرأ مجاهد وحميد وابن محيصن (قَدَرْنا) بتخفيف الدال] [[زيادة عن تفسير القرطبي: 17/ 216 وفي المخطوط: نخفيف مكيّ.]] ، الباقون بالتشديد بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ فمنكم من يعيش إلى أن يبلغ الهرم، ومنكم من يموت شابا وصبيا صغيرا وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عاجزين عن إهلاككم عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ
أو إبدالكم بامثالكم وَنُنْشِئَكُمْ
ونخلقكم فِي ما لا تَعْلَمُونَ
من الصور. قال مجاهد: في أي خلق شئنا.
وقال سعيد بن المسيب فِي ما لا تَعْلَمُونَ
يعني في حواصل طير تكون ببرهوت كأنها الخطاطيف، وبرهوت واد باليمن. وقال الحسن وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ
أي نبدل صفاتكم ونجعلكم قردة وخنازير كما فعلنا بمن كان قبلكم.
وقال السدي: نخلقكم في سوى خلقكم.
وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الخلقة الْأُولى ولم تكونوا شيئا، فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ أي قادر على إعادتكم كما قدرت على إبدائكم.
وقال الحسين بن الفضل في هذه الوجوه: وإن كانت غير مردودة، فالذي عندي في هذه الآية وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى
أي خلقتكم للبعث بعد الموت من حيث لا تعلمون كيف شئت وذلك أنكم علمتم النشأة الأولى كيف كانت في بطون الأمهات وليست الأخرى كذلك.
أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ أي تثيرون الأرض وتعملون فيها وتطرحون البذر أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ تنبتونه أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ؟.
أخبرني الحسين، حدّثنا عمر بن محمد بن علي الزيات، حدّثنا أبو عبد الله أحمد بن عبد الرحمن بن مرزوق، حدّثنا مسلم بن أبي مسلم الجرمي، حدّثنا مخلد بن الحسين عن هشام ابن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «لا يقولن أحدكم: زرعت وليقل حرثت» [203] [[تفسير القرطبي: 17/ 218.]] .
قال أبو هريرة: ألم تسمعوا قول الله عزّ وجل أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ.
لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً هشيما لا ينتفع به في مطعم وغذاء. وقال مرة: يعني نبتا لا قمح فيه.
فَظَلْتُمْ قرأت العامة بفتح الظاء. وقرأ عبد الله بكسره: والأصل ظللتم، فحذف إحدى اللامين تخفيفا، فمن فتحه فعلى الأصل ومن كسره نقل حركة اللام المحذوفة إلى الظاء.
تَفَكَّهُونَ قال يمان: تندمون على نفقاتكم، نظيره فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها [[سورة الكهف: 42.]] .
قتادة: تعجبون. عكرمة: تلاومون. الحسن: تندمون على ما سلف منكم من معصية الله التي أوجبت لكم عقوبته حتى نالكم في زرعكم ما نالكم. ابن زيد: تتفجّعون. ابن كيسان:
تحزنون.
قال: وهو من الأضداد. تقول العرب: تفكهت: أي تنعّمت، وتفكهت: أي حزنت.
قال الفراء: تَفَكَّهُونَ وتفكنون واحد، والنون لغة عكل [[عكل: قبيلة من العرب وقيل: عضل.]] .
وقيل: التفكه التكلم فما لا يعنيك، ومنه قيل للمزاح: فكاهة.
إِنَّا قرأ عاصم برواية أبي بكر والمفضل بهمزتين. الباقون على الخبر. ومجاز الآية فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ وتقولون إِنَّا لَمُغْرَمُونَ قال مجاهد وعكرمة: لمولع بنا. قال ابن عباس وقتادة: يعذبون، والغرام: العذاب.
ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: ملقون للشر. مقاتل بن حيان: مهلكون.
وقال الضحّاك: غرّمنا أموالنا وصار ما أنفقنا غرمنا عليه. مرة الهمداني: محاسبون.
بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ محدودون [ممنوعون] [[في المخطوط: ممنّعون بتشديد النون وفتحها.]] محارفون، والمحروم ضد المرزوق.
قال أنس بن مالك: مرّ رسول الله ﷺ بأرض الأنصار فقال: «ما يمنعكم من الحرث؟
قالوا: الجدوبة. قال: «فلا تفعلوا فإن الله عزّ وجل يقول: أنا الزارع إن شئت زرعت بالماء وإن شئت زرعت بالريح وإن شئت زرعت بالبذر» [[تفسير القرطبي: 17/ 220.]] [204] ثم تلا رسول الله ﷺ أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ الآيات.
أَفَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ السحاب، واحدتها مزنة.
قال الشاعر:
فنحن كماء المزن ما في نصابنا ... كهام ولا فينا يعدّ بخيل [[تفسير القرطبي: 17/ 220.]]
أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً قال ابن عباس: شديد الملوحة. وقال الحسن: قعاعا مرا.
فَلَوْلا تَشْكُرُونَ أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ تقدحون وتستخرجون من زندكم أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها التي تقدح منها النار وهي المرخ والعفار أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ المخترعون؟
نَحْنُ جَعَلْناها يعني نار الدنيا تَذْكِرَةً للنار الكبرى.
أخبرنا ابن سعيد بن حمدون، حدّثنا ابن الشرقي، حدّثنا محمد بن يحيى وعبد العزيز بن بشير وأحمد بن يوسف قالوا: حدّثنا عبد الرزاق، حدّثنا معمر عن همام بن منبه قال: هذا ما حدّثنا أبو هريرة عن محمد رسول الله ﷺ قال: «ناركم هذه التي توقد بنو آدم جزءا من سبعين جزءا من حرّ جهنم» .
قالوا: والله إن كانت لكافيتنا برسول الله. قال: «فإنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءا كلها مثل حرّها» [[صحيح مسلم: 8/ 149.]] [205] .
وَمَتاعاً بلغة ومنفعة لِلْمُقْوِينَ المسافرين النازلين في الأرض القيّ والقوى، وهي القفر الخالية البعيدة من العمران والأهلين، يقال: أقوت الدار إذا دخلت من سكانها.
قال الشاعر:
أقوى وأقفر من نعم وغيّرها ... هوج الرياح بهابي الترب موار [[الهوج: الريح التي تستوي في هبوبها، والهابي من هباء الغبار أي سطع، وموار: تحرك بسرعة، والبيت في تفسير الطبري: 27/ 264.]]
وقال النابغة:
يا دارميّة بالعلياء فالسند ... بها أقوت وطال عليها سالف الأبد [[ديوان النابغة الجعدي: 35.]]
هذا قول أكثر المفسرين، وقال مجاهد لِلْمُقْوِينَ يعني للمستمتعين من الناس أجمعين، المسافرين والحاضرين يستضيء بها في الظلمة ويصطلي بها في البرد وينتفع بها في الطبخ والخبز ونتذكر بها نار جهنم فنستجير الله منها.
وقال الحسن: بلغة المسافرين يبلغون بها إلى أسفارهم يحملونها في الخرق والجواليق.
وقال الربيع والسدي: يعني للمرملين المعترين الذين لا زاد معهم، نارا يوقدون فيختبزون بها، وهي رواية العوفي عن ابن عباس. قال ابن زيد: للجائعين. تقول العرب: أقويت مذ كذا وكذا أي ما أكلت شيئا.
قال قطرب: المقوي من الأضداد [[في المخطوط: الضداد.]] يكون بمعنى الفقر ويكون بمعنى الغنى. يقال: أقوى الرجل إذا قويت دوابّه، وإذا كثر ماله.
فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ فَلا أُقْسِمُ قال أكثر المفسرين: معناه: أقسم، ولا صلة، وتصديقه قراءة عيسى بن عمر: (فلا أقسم) على التحقيق.
وقال بعض أهل العربية: معناه فليس الأمر كما يقولون، ثم استأنف القسم فقال: أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ يعني نجوم القرآن التي كانت تنزل على [[كذا في المخطوط.]] انكدارها وانتشارها يوم القيامة.
واختلف القراء فيه فقرأ حمزة والكسائي وخلف: بموقع على الواحد، غيرهم:
(بِمَواقِعِ) على الجمع. وهو الاختيار.
وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ إِنَّهُ يعني هذا الكتاب، وهو موضع القسم لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ [حصين] [[كلمة غير مقروءة والأقرب ما أثبتناه.]] عزيز مكرم.
وقال عبد العزيز بن يحيى الكناني: غير مخلوق، وقيل: سمي كريما لأن يسره يغلب عسره.
فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ مصون. عند الله سبحانه محفوظ عن الشياطين وعن جميع ما يشين.
الواقعة 56:49
لِأَصْحابِ الْيَمِينِ ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ يعني من الأمم الماضية وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ من أمة محمد ﷺ.
أخبرني الحسين، حدّثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدقاق، حدّثنا محمد بن الوليد القرشي وعيسى بن المساور واللفظ له قالا: حدّثنا الوليد بن مسلم، حدّثنا عيسى بن موسى أبو محمد وغيره، عن عروة بن دويم قال: لما أنزل الله عزّ وجل على رسوله ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ بكى عمر رضي الله عنه فقال: يا نبي الله ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ؟ آمنا برسول الله وصدقناه ومن ينجو منّا قليل فأنزل الله عزّ وجل ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ فدعا رسول الله عمر فقال: «يا بن الخطاب قد أنزل الله عز وجل فيما قلت، فجعل: ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ.
فقال عمر: رضينا عن ربنا ونصدق نبينا.
فقال رسول الله ﷺ: «من آدم إلينا ثلة ومني إلى [يوم] القيامة ثلة ولا يستتمها إلّا سودان من رعاة الإبل من قال لا إله إلّا الله» [199] [[أسباب نزول الآيات: 270.]] .
وأخبرني عقيل أن أبا الفرج أخبرهم عن محمد بن جرير، حدّثنا بشر، حدّثنا يزيد، حدّثنا سعيد عن قتادة قال الحسن: حدّثني عمر بن أبي حصين عن عبد الله بن مسعود قال: تحدثنا عند رسول الله ﷺ ذات ليلة حتى أكرينا الحديث ثم رجعنا إلى أهلنا فلما أصبحنا غدونا على رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ: «عرضت عليّ الأنبياء الليلة بأتباعها من أمتها، وكان النبي يجيء معه الثلاثة من أمته والنبي معه العصابة من أمّته والنبي معه النفر من أمّته والنبي معه الرجل من أمته والنبي ما معه من أمّته أحد حتى أتى موسى في كبكبة بني إسرائيل، فلما رأيتهم أعجبوني فقلت: أي رب من هؤلاء؟ قيل: هذا أخوك موسى بن عمران ومن حفه من بني إسرائيل.
قلت: ربي فأين أمتي؟ قيل: انظر عن يمينك فإذا ظراب [[الظراب: الجبال، والظرب من الحجارة ما كان أصله ناتئا في جبل أو أرض حزنة، كتاب العين: 8/ 159، وقيل: هي الروابي الصغار، الصحاح: 1/ 174- الظرب.]] مكة قد سدّت بوجوه الرجال.
فقلت: من هؤلاء؟ فقيل: هؤلاء أمّتك أرضيت؟ فقلت: رب رضيت، قيل: انظر عن يسارك فإذا الأفق قد سدّ بوجوه الرجال.
فقلت: رب من هؤلاء؟ قيل: هؤلاء أمتك أرضيت؟ قلت: رب رضيت، فقيل: إن مع هؤلاء سبعين ألفا من أمتك يدخلون الجنة. لا حساب عليهم.
قال: فأنشأ كاشة بن محصن- رجل من بني أسد بن خزيمة فقال: يا نبي الله ادع ربك أن يجعلني منهم فقال: «اللهم اجعله منهم» ثم أنشأ رجل آخر فقال: يا نبي الله ادع ربك أن يجعلني منهم.
قال: «سبقك بهما عكاشة» .
فقال ﷺ: «فداكم أبي وامي إن استطعتم أن تكونوا من السبعين فكونوا، وإن عجزتم وقصرتم فكونوا من أهل الظراب، فإن عجزتم وقصرتم فكونوا من أهل الأفق، فإني قد رأيت ثم أناسا يتهاوشون كثيرا» .
قال: فقلت: من هؤلاء السبعون ألفا؟ فاتفق رأينا على أنهم أناس ولدوا في الإسلام فلم يزالوا يعملون به حتى ماتوا عليه فنهي حديثهم إلى رسول الله ﷺ فقال: «ليس كذلك ولكنهم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» .
ثم قال رسول الله ﷺ: «إني لأرجو أن يكون من تبعني من امتي ربع أهل الجنة» فكبّرنا ثم قال: «إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة» فكبّرنا. ثم قال: «إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة» ثم تلا رسول الله ﷺ هذه الآية ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ [200] [[مسند أحمد: 1/ 420 وفيه الى قوله: سبقك بها عكاشة، وتاريخ جرجان: 373، والمستدرك: 4/ 578.]] .
وقال أبو العالية ومجاهد وعطاء بن أبي رباح والضحّاك ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ يعني من سابقي هذه الأمة وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ من هذه الأمة في آخر الزمان.
يدل عليه ما
أخبرنا الحسين بن محمد، حدّثنا أحمد بن محمد بن إسحاق السني، حدّثنا أبو خليفة الفضل بن الحباب محمد بن كثير، حدّثنا سفيان عن أبان بن أبي عياش عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في هذه الآية ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ قال: قال رسول الله ﷺ: «هما جميعا من أمتي» [201] [[جامع البيان للطبري: 27/ 249.]] .
وَأَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ فِي سَمُومٍ ريح حارة وَحَمِيمٍ ماء حار وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ دخان شديد السواد. تقول العرب: أسود يحموم إذا كان شديد السواد.
وأنشد قطرب:
وما قد شربت ببطن [مكة] ... فراتا لمد كاليحموم جاري
وقال ابن بريدة: اليحموم جبل في جهنم يستغيث إلى ظله أهل النار [[تفسير القرطبي: 17/ 213.]] لا بارِدٍ بل حار لأنه من دخان سعير جهنم وَلا كَرِيمٍ ولا عذب عن الضحّاك، سعيد ابن المسيب والحسن: نظيره: مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ [[سورة الشعراء: 7.]] .
مقاتل: طيب. قتادة: لا بارِدٍ المنزل وَلا كَرِيمٍ المنظر.
قال الفراء: يجعل الكريم تابعا لكل شيء نفت عنه فعلا فيه ذم [[كقولهم: ما هذه بدار واسعة ولا كريمة.]] .
وقال ابن كيسان: اليحموم اسم من أسماء النار. وقال الضحّاك: النار سوداء وأهلها سود وكل شيء فيها أسود.
إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ في الدنيا مُتْرَفِينَ منعّمين وَكانُوا يُصِرُّونَ يقيمون عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ على الذنب الكبير، وهو الشرك.
وقال أبو بكر الأصم: كانوا يقسمون أن لا بعث، وأن الأصنام أنداد لله وكانوا يقيمون عليه فذلك حنثهم.
وَكانُوا يَقُولُونَ أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ لحق أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ثم يقال لهم: إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ.
قرأ أهل المدينة وعاصم وحمزة والأعمش وأيوب: (شُرْبَ) بضم الشين، واختاره أبو حاتم، وقرأ الباقون: بفتحه، واختاره أبو عبيد.
وروي عن الكسائي عن يحيى بن سعيد عن جريج إنه قال: ذكرت لجعفر بن محمد قراءة أصحاب عبد الله (شَرْبَ الْهِيمِ) بفتح الشين، فقال: «أما بلغك إن رسول الله ﷺ بعث بديل بن ورقاء الخزاعي إلى أهل منى في أيام التشريق فقال: «إنها أيام أكل وشرب» [202] [[مجمع الزوائد: 3/ 204، والمعجم الأوسط: 7/ 169.]] .
ويقال هي بفتح الشين [و.......] [[كلمة غير مقروءة.]] وهما لغتان جيدتان.
تقول العرب: شربت شربا وشربا وشربا بضمتين.
وقال أبو زيد الأنصاري: سمعت العرب تقول: شربت شربا، بكسر الشين.
وأما (الهيم) فالإبل العطاش. وقال عكرمة وقتادة: هو داء بالإبل لا تروى [معه] [[في المخطوط: معها.]] ولا تزال تشرب حتى تهلك ويقال لذلك الداء الهيام، ويقال: حمل أهيم وناقة هيماء وإبل هيم.
قال لبيد:
أجزت على معارفها بشعث ... وأطلاح من المهري هيم [[تفسير القرطبي: 17/ 215.]]
وقال الضحّاك وابن عيينة وابن كيسان: الهيم الأرض السهلة ذات الرمل.
هذا نُزُلُهُمْ رزقهم وغذاؤهم وما أعدّ لهم يَوْمَ الدِّينِ نَحْنُ خَلَقْناكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ بالبعث أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ تصبون في الأرحام من النطف؟.
وقرأ أبو السماك: (تَمْنُونَ) بفتح التاء وهما لغتان.
أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ نَحْنُ قَدَّرْنا [قرأ مجاهد وحميد وابن محيصن (قَدَرْنا) بتخفيف الدال] [[زيادة عن تفسير القرطبي: 17/ 216 وفي المخطوط: نخفيف مكيّ.]] ، الباقون بالتشديد بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ فمنكم من يعيش إلى أن يبلغ الهرم، ومنكم من يموت شابا وصبيا صغيرا وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عاجزين عن إهلاككم عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ
أو إبدالكم بامثالكم وَنُنْشِئَكُمْ
ونخلقكم فِي ما لا تَعْلَمُونَ
من الصور. قال مجاهد: في أي خلق شئنا.
وقال سعيد بن المسيب فِي ما لا تَعْلَمُونَ
يعني في حواصل طير تكون ببرهوت كأنها الخطاطيف، وبرهوت واد باليمن. وقال الحسن وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ
أي نبدل صفاتكم ونجعلكم قردة وخنازير كما فعلنا بمن كان قبلكم.
وقال السدي: نخلقكم في سوى خلقكم.
وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الخلقة الْأُولى ولم تكونوا شيئا، فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ أي قادر على إعادتكم كما قدرت على إبدائكم.
وقال الحسين بن الفضل في هذه الوجوه: وإن كانت غير مردودة، فالذي عندي في هذه الآية وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى
أي خلقتكم للبعث بعد الموت من حيث لا تعلمون كيف شئت وذلك أنكم علمتم النشأة الأولى كيف كانت في بطون الأمهات وليست الأخرى كذلك.
أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ أي تثيرون الأرض وتعملون فيها وتطرحون البذر أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ تنبتونه أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ؟.
أخبرني الحسين، حدّثنا عمر بن محمد بن علي الزيات، حدّثنا أبو عبد الله أحمد بن عبد الرحمن بن مرزوق، حدّثنا مسلم بن أبي مسلم الجرمي، حدّثنا مخلد بن الحسين عن هشام ابن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «لا يقولن أحدكم: زرعت وليقل حرثت» [203] [[تفسير القرطبي: 17/ 218.]] .
قال أبو هريرة: ألم تسمعوا قول الله عزّ وجل أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ.
لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً هشيما لا ينتفع به في مطعم وغذاء. وقال مرة: يعني نبتا لا قمح فيه.
فَظَلْتُمْ قرأت العامة بفتح الظاء. وقرأ عبد الله بكسره: والأصل ظللتم، فحذف إحدى اللامين تخفيفا، فمن فتحه فعلى الأصل ومن كسره نقل حركة اللام المحذوفة إلى الظاء.
تَفَكَّهُونَ قال يمان: تندمون على نفقاتكم، نظيره فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها [[سورة الكهف: 42.]] .
قتادة: تعجبون. عكرمة: تلاومون. الحسن: تندمون على ما سلف منكم من معصية الله التي أوجبت لكم عقوبته حتى نالكم في زرعكم ما نالكم. ابن زيد: تتفجّعون. ابن كيسان:
تحزنون.
قال: وهو من الأضداد. تقول العرب: تفكهت: أي تنعّمت، وتفكهت: أي حزنت.
قال الفراء: تَفَكَّهُونَ وتفكنون واحد، والنون لغة عكل [[عكل: قبيلة من العرب وقيل: عضل.]] .
وقيل: التفكه التكلم فما لا يعنيك، ومنه قيل للمزاح: فكاهة.
إِنَّا قرأ عاصم برواية أبي بكر والمفضل بهمزتين. الباقون على الخبر. ومجاز الآية فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ وتقولون إِنَّا لَمُغْرَمُونَ قال مجاهد وعكرمة: لمولع بنا. قال ابن عباس وقتادة: يعذبون، والغرام: العذاب.
ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: ملقون للشر. مقاتل بن حيان: مهلكون.
وقال الضحّاك: غرّمنا أموالنا وصار ما أنفقنا غرمنا عليه. مرة الهمداني: محاسبون.
بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ محدودون [ممنوعون] [[في المخطوط: ممنّعون بتشديد النون وفتحها.]] محارفون، والمحروم ضد المرزوق.
قال أنس بن مالك: مرّ رسول الله ﷺ بأرض الأنصار فقال: «ما يمنعكم من الحرث؟
قالوا: الجدوبة. قال: «فلا تفعلوا فإن الله عزّ وجل يقول: أنا الزارع إن شئت زرعت بالماء وإن شئت زرعت بالريح وإن شئت زرعت بالبذر» [[تفسير القرطبي: 17/ 220.]] [204] ثم تلا رسول الله ﷺ أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ الآيات.
أَفَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ السحاب، واحدتها مزنة.
قال الشاعر:
فنحن كماء المزن ما في نصابنا ... كهام ولا فينا يعدّ بخيل [[تفسير القرطبي: 17/ 220.]]
أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً قال ابن عباس: شديد الملوحة. وقال الحسن: قعاعا مرا.
فَلَوْلا تَشْكُرُونَ أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ تقدحون وتستخرجون من زندكم أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها التي تقدح منها النار وهي المرخ والعفار أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ المخترعون؟
نَحْنُ جَعَلْناها يعني نار الدنيا تَذْكِرَةً للنار الكبرى.
أخبرنا ابن سعيد بن حمدون، حدّثنا ابن الشرقي، حدّثنا محمد بن يحيى وعبد العزيز بن بشير وأحمد بن يوسف قالوا: حدّثنا عبد الرزاق، حدّثنا معمر عن همام بن منبه قال: هذا ما حدّثنا أبو هريرة عن محمد رسول الله ﷺ قال: «ناركم هذه التي توقد بنو آدم جزءا من سبعين جزءا من حرّ جهنم» .
قالوا: والله إن كانت لكافيتنا برسول الله. قال: «فإنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءا كلها مثل حرّها» [[صحيح مسلم: 8/ 149.]] [205] .
وَمَتاعاً بلغة ومنفعة لِلْمُقْوِينَ المسافرين النازلين في الأرض القيّ والقوى، وهي القفر الخالية البعيدة من العمران والأهلين، يقال: أقوت الدار إذا دخلت من سكانها.
قال الشاعر:
أقوى وأقفر من نعم وغيّرها ... هوج الرياح بهابي الترب موار [[الهوج: الريح التي تستوي في هبوبها، والهابي من هباء الغبار أي سطع، وموار: تحرك بسرعة، والبيت في تفسير الطبري: 27/ 264.]]
وقال النابغة:
يا دارميّة بالعلياء فالسند ... بها أقوت وطال عليها سالف الأبد [[ديوان النابغة الجعدي: 35.]]
هذا قول أكثر المفسرين، وقال مجاهد لِلْمُقْوِينَ يعني للمستمتعين من الناس أجمعين، المسافرين والحاضرين يستضيء بها في الظلمة ويصطلي بها في البرد وينتفع بها في الطبخ والخبز ونتذكر بها نار جهنم فنستجير الله منها.
وقال الحسن: بلغة المسافرين يبلغون بها إلى أسفارهم يحملونها في الخرق والجواليق.
وقال الربيع والسدي: يعني للمرملين المعترين الذين لا زاد معهم، نارا يوقدون فيختبزون بها، وهي رواية العوفي عن ابن عباس. قال ابن زيد: للجائعين. تقول العرب: أقويت مذ كذا وكذا أي ما أكلت شيئا.
قال قطرب: المقوي من الأضداد [[في المخطوط: الضداد.]] يكون بمعنى الفقر ويكون بمعنى الغنى. يقال: أقوى الرجل إذا قويت دوابّه، وإذا كثر ماله.
فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ فَلا أُقْسِمُ قال أكثر المفسرين: معناه: أقسم، ولا صلة، وتصديقه قراءة عيسى بن عمر: (فلا أقسم) على التحقيق.
وقال بعض أهل العربية: معناه فليس الأمر كما يقولون، ثم استأنف القسم فقال: أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ يعني نجوم القرآن التي كانت تنزل على [[كذا في المخطوط.]] انكدارها وانتشارها يوم القيامة.
واختلف القراء فيه فقرأ حمزة والكسائي وخلف: بموقع على الواحد، غيرهم:
(بِمَواقِعِ) على الجمع. وهو الاختيار.
وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ إِنَّهُ يعني هذا الكتاب، وهو موضع القسم لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ [حصين] [[كلمة غير مقروءة والأقرب ما أثبتناه.]] عزيز مكرم.
وقال عبد العزيز بن يحيى الكناني: غير مخلوق، وقيل: سمي كريما لأن يسره يغلب عسره.
فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ مصون. عند الله سبحانه محفوظ عن الشياطين وعن جميع ما يشين.
الواقعة 56:50
لِأَصْحابِ الْيَمِينِ ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ يعني من الأمم الماضية وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ من أمة محمد ﷺ.
أخبرني الحسين، حدّثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدقاق، حدّثنا محمد بن الوليد القرشي وعيسى بن المساور واللفظ له قالا: حدّثنا الوليد بن مسلم، حدّثنا عيسى بن موسى أبو محمد وغيره، عن عروة بن دويم قال: لما أنزل الله عزّ وجل على رسوله ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ بكى عمر رضي الله عنه فقال: يا نبي الله ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ؟ آمنا برسول الله وصدقناه ومن ينجو منّا قليل فأنزل الله عزّ وجل ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ فدعا رسول الله عمر فقال: «يا بن الخطاب قد أنزل الله عز وجل فيما قلت، فجعل: ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ.
فقال عمر: رضينا عن ربنا ونصدق نبينا.
فقال رسول الله ﷺ: «من آدم إلينا ثلة ومني إلى [يوم] القيامة ثلة ولا يستتمها إلّا سودان من رعاة الإبل من قال لا إله إلّا الله» [199] [[أسباب نزول الآيات: 270.]] .
وأخبرني عقيل أن أبا الفرج أخبرهم عن محمد بن جرير، حدّثنا بشر، حدّثنا يزيد، حدّثنا سعيد عن قتادة قال الحسن: حدّثني عمر بن أبي حصين عن عبد الله بن مسعود قال: تحدثنا عند رسول الله ﷺ ذات ليلة حتى أكرينا الحديث ثم رجعنا إلى أهلنا فلما أصبحنا غدونا على رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ: «عرضت عليّ الأنبياء الليلة بأتباعها من أمتها، وكان النبي يجيء معه الثلاثة من أمته والنبي معه العصابة من أمّته والنبي معه النفر من أمّته والنبي معه الرجل من أمته والنبي ما معه من أمّته أحد حتى أتى موسى في كبكبة بني إسرائيل، فلما رأيتهم أعجبوني فقلت: أي رب من هؤلاء؟ قيل: هذا أخوك موسى بن عمران ومن حفه من بني إسرائيل.
قلت: ربي فأين أمتي؟ قيل: انظر عن يمينك فإذا ظراب [[الظراب: الجبال، والظرب من الحجارة ما كان أصله ناتئا في جبل أو أرض حزنة، كتاب العين: 8/ 159، وقيل: هي الروابي الصغار، الصحاح: 1/ 174- الظرب.]] مكة قد سدّت بوجوه الرجال.
فقلت: من هؤلاء؟ فقيل: هؤلاء أمّتك أرضيت؟ فقلت: رب رضيت، قيل: انظر عن يسارك فإذا الأفق قد سدّ بوجوه الرجال.
فقلت: رب من هؤلاء؟ قيل: هؤلاء أمتك أرضيت؟ قلت: رب رضيت، فقيل: إن مع هؤلاء سبعين ألفا من أمتك يدخلون الجنة. لا حساب عليهم.
قال: فأنشأ كاشة بن محصن- رجل من بني أسد بن خزيمة فقال: يا نبي الله ادع ربك أن يجعلني منهم فقال: «اللهم اجعله منهم» ثم أنشأ رجل آخر فقال: يا نبي الله ادع ربك أن يجعلني منهم.
قال: «سبقك بهما عكاشة» .
فقال ﷺ: «فداكم أبي وامي إن استطعتم أن تكونوا من السبعين فكونوا، وإن عجزتم وقصرتم فكونوا من أهل الظراب، فإن عجزتم وقصرتم فكونوا من أهل الأفق، فإني قد رأيت ثم أناسا يتهاوشون كثيرا» .
قال: فقلت: من هؤلاء السبعون ألفا؟ فاتفق رأينا على أنهم أناس ولدوا في الإسلام فلم يزالوا يعملون به حتى ماتوا عليه فنهي حديثهم إلى رسول الله ﷺ فقال: «ليس كذلك ولكنهم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» .
ثم قال رسول الله ﷺ: «إني لأرجو أن يكون من تبعني من امتي ربع أهل الجنة» فكبّرنا ثم قال: «إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة» فكبّرنا. ثم قال: «إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة» ثم تلا رسول الله ﷺ هذه الآية ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ [200] [[مسند أحمد: 1/ 420 وفيه الى قوله: سبقك بها عكاشة، وتاريخ جرجان: 373، والمستدرك: 4/ 578.]] .
وقال أبو العالية ومجاهد وعطاء بن أبي رباح والضحّاك ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ يعني من سابقي هذه الأمة وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ من هذه الأمة في آخر الزمان.
يدل عليه ما
أخبرنا الحسين بن محمد، حدّثنا أحمد بن محمد بن إسحاق السني، حدّثنا أبو خليفة الفضل بن الحباب محمد بن كثير، حدّثنا سفيان عن أبان بن أبي عياش عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في هذه الآية ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ قال: قال رسول الله ﷺ: «هما جميعا من أمتي» [201] [[جامع البيان للطبري: 27/ 249.]] .
وَأَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ فِي سَمُومٍ ريح حارة وَحَمِيمٍ ماء حار وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ دخان شديد السواد. تقول العرب: أسود يحموم إذا كان شديد السواد.
وأنشد قطرب:
وما قد شربت ببطن [مكة] ... فراتا لمد كاليحموم جاري
وقال ابن بريدة: اليحموم جبل في جهنم يستغيث إلى ظله أهل النار [[تفسير القرطبي: 17/ 213.]] لا بارِدٍ بل حار لأنه من دخان سعير جهنم وَلا كَرِيمٍ ولا عذب عن الضحّاك، سعيد ابن المسيب والحسن: نظيره: مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ [[سورة الشعراء: 7.]] .
مقاتل: طيب. قتادة: لا بارِدٍ المنزل وَلا كَرِيمٍ المنظر.
قال الفراء: يجعل الكريم تابعا لكل شيء نفت عنه فعلا فيه ذم [[كقولهم: ما هذه بدار واسعة ولا كريمة.]] .
وقال ابن كيسان: اليحموم اسم من أسماء النار. وقال الضحّاك: النار سوداء وأهلها سود وكل شيء فيها أسود.
إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ في الدنيا مُتْرَفِينَ منعّمين وَكانُوا يُصِرُّونَ يقيمون عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ على الذنب الكبير، وهو الشرك.
وقال أبو بكر الأصم: كانوا يقسمون أن لا بعث، وأن الأصنام أنداد لله وكانوا يقيمون عليه فذلك حنثهم.
وَكانُوا يَقُولُونَ أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ لحق أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ثم يقال لهم: إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ.
قرأ أهل المدينة وعاصم وحمزة والأعمش وأيوب: (شُرْبَ) بضم الشين، واختاره أبو حاتم، وقرأ الباقون: بفتحه، واختاره أبو عبيد.
وروي عن الكسائي عن يحيى بن سعيد عن جريج إنه قال: ذكرت لجعفر بن محمد قراءة أصحاب عبد الله (شَرْبَ الْهِيمِ) بفتح الشين، فقال: «أما بلغك إن رسول الله ﷺ بعث بديل بن ورقاء الخزاعي إلى أهل منى في أيام التشريق فقال: «إنها أيام أكل وشرب» [202] [[مجمع الزوائد: 3/ 204، والمعجم الأوسط: 7/ 169.]] .
ويقال هي بفتح الشين [و.......] [[كلمة غير مقروءة.]] وهما لغتان جيدتان.
تقول العرب: شربت شربا وشربا وشربا بضمتين.
وقال أبو زيد الأنصاري: سمعت العرب تقول: شربت شربا، بكسر الشين.
وأما (الهيم) فالإبل العطاش. وقال عكرمة وقتادة: هو داء بالإبل لا تروى [معه] [[في المخطوط: معها.]] ولا تزال تشرب حتى تهلك ويقال لذلك الداء الهيام، ويقال: حمل أهيم وناقة هيماء وإبل هيم.
قال لبيد:
أجزت على معارفها بشعث ... وأطلاح من المهري هيم [[تفسير القرطبي: 17/ 215.]]
وقال الضحّاك وابن عيينة وابن كيسان: الهيم الأرض السهلة ذات الرمل.
هذا نُزُلُهُمْ رزقهم وغذاؤهم وما أعدّ لهم يَوْمَ الدِّينِ نَحْنُ خَلَقْناكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ بالبعث أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ تصبون في الأرحام من النطف؟.
وقرأ أبو السماك: (تَمْنُونَ) بفتح التاء وهما لغتان.
أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ نَحْنُ قَدَّرْنا [قرأ مجاهد وحميد وابن محيصن (قَدَرْنا) بتخفيف الدال] [[زيادة عن تفسير القرطبي: 17/ 216 وفي المخطوط: نخفيف مكيّ.]] ، الباقون بالتشديد بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ فمنكم من يعيش إلى أن يبلغ الهرم، ومنكم من يموت شابا وصبيا صغيرا وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عاجزين عن إهلاككم عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ
أو إبدالكم بامثالكم وَنُنْشِئَكُمْ
ونخلقكم فِي ما لا تَعْلَمُونَ
من الصور. قال مجاهد: في أي خلق شئنا.
وقال سعيد بن المسيب فِي ما لا تَعْلَمُونَ
يعني في حواصل طير تكون ببرهوت كأنها الخطاطيف، وبرهوت واد باليمن. وقال الحسن وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ
أي نبدل صفاتكم ونجعلكم قردة وخنازير كما فعلنا بمن كان قبلكم.
وقال السدي: نخلقكم في سوى خلقكم.
وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الخلقة الْأُولى ولم تكونوا شيئا، فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ أي قادر على إعادتكم كما قدرت على إبدائكم.
وقال الحسين بن الفضل في هذه الوجوه: وإن كانت غير مردودة، فالذي عندي في هذه الآية وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى
أي خلقتكم للبعث بعد الموت من حيث لا تعلمون كيف شئت وذلك أنكم علمتم النشأة الأولى كيف كانت في بطون الأمهات وليست الأخرى كذلك.
أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ أي تثيرون الأرض وتعملون فيها وتطرحون البذر أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ تنبتونه أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ؟.
أخبرني الحسين، حدّثنا عمر بن محمد بن علي الزيات، حدّثنا أبو عبد الله أحمد بن عبد الرحمن بن مرزوق، حدّثنا مسلم بن أبي مسلم الجرمي، حدّثنا مخلد بن الحسين عن هشام ابن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «لا يقولن أحدكم: زرعت وليقل حرثت» [203] [[تفسير القرطبي: 17/ 218.]] .
قال أبو هريرة: ألم تسمعوا قول الله عزّ وجل أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ.
لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً هشيما لا ينتفع به في مطعم وغذاء. وقال مرة: يعني نبتا لا قمح فيه.
فَظَلْتُمْ قرأت العامة بفتح الظاء. وقرأ عبد الله بكسره: والأصل ظللتم، فحذف إحدى اللامين تخفيفا، فمن فتحه فعلى الأصل ومن كسره نقل حركة اللام المحذوفة إلى الظاء.
تَفَكَّهُونَ قال يمان: تندمون على نفقاتكم، نظيره فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها [[سورة الكهف: 42.]] .
قتادة: تعجبون. عكرمة: تلاومون. الحسن: تندمون على ما سلف منكم من معصية الله التي أوجبت لكم عقوبته حتى نالكم في زرعكم ما نالكم. ابن زيد: تتفجّعون. ابن كيسان:
تحزنون.
قال: وهو من الأضداد. تقول العرب: تفكهت: أي تنعّمت، وتفكهت: أي حزنت.
قال الفراء: تَفَكَّهُونَ وتفكنون واحد، والنون لغة عكل [[عكل: قبيلة من العرب وقيل: عضل.]] .
وقيل: التفكه التكلم فما لا يعنيك، ومنه قيل للمزاح: فكاهة.
إِنَّا قرأ عاصم برواية أبي بكر والمفضل بهمزتين. الباقون على الخبر. ومجاز الآية فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ وتقولون إِنَّا لَمُغْرَمُونَ قال مجاهد وعكرمة: لمولع بنا. قال ابن عباس وقتادة: يعذبون، والغرام: العذاب.
ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: ملقون للشر. مقاتل بن حيان: مهلكون.
وقال الضحّاك: غرّمنا أموالنا وصار ما أنفقنا غرمنا عليه. مرة الهمداني: محاسبون.
بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ محدودون [ممنوعون] [[في المخطوط: ممنّعون بتشديد النون وفتحها.]] محارفون، والمحروم ضد المرزوق.
قال أنس بن مالك: مرّ رسول الله ﷺ بأرض الأنصار فقال: «ما يمنعكم من الحرث؟
قالوا: الجدوبة. قال: «فلا تفعلوا فإن الله عزّ وجل يقول: أنا الزارع إن شئت زرعت بالماء وإن شئت زرعت بالريح وإن شئت زرعت بالبذر» [[تفسير القرطبي: 17/ 220.]] [204] ثم تلا رسول الله ﷺ أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ الآيات.
أَفَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ السحاب، واحدتها مزنة.
قال الشاعر:
فنحن كماء المزن ما في نصابنا ... كهام ولا فينا يعدّ بخيل [[تفسير القرطبي: 17/ 220.]]
أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً قال ابن عباس: شديد الملوحة. وقال الحسن: قعاعا مرا.
فَلَوْلا تَشْكُرُونَ أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ تقدحون وتستخرجون من زندكم أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها التي تقدح منها النار وهي المرخ والعفار أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ المخترعون؟
نَحْنُ جَعَلْناها يعني نار الدنيا تَذْكِرَةً للنار الكبرى.
أخبرنا ابن سعيد بن حمدون، حدّثنا ابن الشرقي، حدّثنا محمد بن يحيى وعبد العزيز بن بشير وأحمد بن يوسف قالوا: حدّثنا عبد الرزاق، حدّثنا معمر عن همام بن منبه قال: هذا ما حدّثنا أبو هريرة عن محمد رسول الله ﷺ قال: «ناركم هذه التي توقد بنو آدم جزءا من سبعين جزءا من حرّ جهنم» .
قالوا: والله إن كانت لكافيتنا برسول الله. قال: «فإنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءا كلها مثل حرّها» [[صحيح مسلم: 8/ 149.]] [205] .
وَمَتاعاً بلغة ومنفعة لِلْمُقْوِينَ المسافرين النازلين في الأرض القيّ والقوى، وهي القفر الخالية البعيدة من العمران والأهلين، يقال: أقوت الدار إذا دخلت من سكانها.
قال الشاعر:
أقوى وأقفر من نعم وغيّرها ... هوج الرياح بهابي الترب موار [[الهوج: الريح التي تستوي في هبوبها، والهابي من هباء الغبار أي سطع، وموار: تحرك بسرعة، والبيت في تفسير الطبري: 27/ 264.]]
وقال النابغة:
يا دارميّة بالعلياء فالسند ... بها أقوت وطال عليها سالف الأبد [[ديوان النابغة الجعدي: 35.]]
هذا قول أكثر المفسرين، وقال مجاهد لِلْمُقْوِينَ يعني للمستمتعين من الناس أجمعين، المسافرين والحاضرين يستضيء بها في الظلمة ويصطلي بها في البرد وينتفع بها في الطبخ والخبز ونتذكر بها نار جهنم فنستجير الله منها.
وقال الحسن: بلغة المسافرين يبلغون بها إلى أسفارهم يحملونها في الخرق والجواليق.
وقال الربيع والسدي: يعني للمرملين المعترين الذين لا زاد معهم، نارا يوقدون فيختبزون بها، وهي رواية العوفي عن ابن عباس. قال ابن زيد: للجائعين. تقول العرب: أقويت مذ كذا وكذا أي ما أكلت شيئا.
قال قطرب: المقوي من الأضداد [[في المخطوط: الضداد.]] يكون بمعنى الفقر ويكون بمعنى الغنى. يقال: أقوى الرجل إذا قويت دوابّه، وإذا كثر ماله.
فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ فَلا أُقْسِمُ قال أكثر المفسرين: معناه: أقسم، ولا صلة، وتصديقه قراءة عيسى بن عمر: (فلا أقسم) على التحقيق.
وقال بعض أهل العربية: معناه فليس الأمر كما يقولون، ثم استأنف القسم فقال: أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ يعني نجوم القرآن التي كانت تنزل على [[كذا في المخطوط.]] انكدارها وانتشارها يوم القيامة.
واختلف القراء فيه فقرأ حمزة والكسائي وخلف: بموقع على الواحد، غيرهم:
(بِمَواقِعِ) على الجمع. وهو الاختيار.
وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ إِنَّهُ يعني هذا الكتاب، وهو موضع القسم لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ [حصين] [[كلمة غير مقروءة والأقرب ما أثبتناه.]] عزيز مكرم.
وقال عبد العزيز بن يحيى الكناني: غير مخلوق، وقيل: سمي كريما لأن يسره يغلب عسره.
فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ مصون. عند الله سبحانه محفوظ عن الشياطين وعن جميع ما يشين.
الواقعة 56:51
لِأَصْحابِ الْيَمِينِ ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ يعني من الأمم الماضية وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ من أمة محمد ﷺ.
أخبرني الحسين، حدّثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدقاق، حدّثنا محمد بن الوليد القرشي وعيسى بن المساور واللفظ له قالا: حدّثنا الوليد بن مسلم، حدّثنا عيسى بن موسى أبو محمد وغيره، عن عروة بن دويم قال: لما أنزل الله عزّ وجل على رسوله ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ بكى عمر رضي الله عنه فقال: يا نبي الله ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ؟ آمنا برسول الله وصدقناه ومن ينجو منّا قليل فأنزل الله عزّ وجل ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ فدعا رسول الله عمر فقال: «يا بن الخطاب قد أنزل الله عز وجل فيما قلت، فجعل: ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ.
فقال عمر: رضينا عن ربنا ونصدق نبينا.
فقال رسول الله ﷺ: «من آدم إلينا ثلة ومني إلى [يوم] القيامة ثلة ولا يستتمها إلّا سودان من رعاة الإبل من قال لا إله إلّا الله» [199] [[أسباب نزول الآيات: 270.]] .
وأخبرني عقيل أن أبا الفرج أخبرهم عن محمد بن جرير، حدّثنا بشر، حدّثنا يزيد، حدّثنا سعيد عن قتادة قال الحسن: حدّثني عمر بن أبي حصين عن عبد الله بن مسعود قال: تحدثنا عند رسول الله ﷺ ذات ليلة حتى أكرينا الحديث ثم رجعنا إلى أهلنا فلما أصبحنا غدونا على رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ: «عرضت عليّ الأنبياء الليلة بأتباعها من أمتها، وكان النبي يجيء معه الثلاثة من أمته والنبي معه العصابة من أمّته والنبي معه النفر من أمّته والنبي معه الرجل من أمته والنبي ما معه من أمّته أحد حتى أتى موسى في كبكبة بني إسرائيل، فلما رأيتهم أعجبوني فقلت: أي رب من هؤلاء؟ قيل: هذا أخوك موسى بن عمران ومن حفه من بني إسرائيل.
قلت: ربي فأين أمتي؟ قيل: انظر عن يمينك فإذا ظراب [[الظراب: الجبال، والظرب من الحجارة ما كان أصله ناتئا في جبل أو أرض حزنة، كتاب العين: 8/ 159، وقيل: هي الروابي الصغار، الصحاح: 1/ 174- الظرب.]] مكة قد سدّت بوجوه الرجال.
فقلت: من هؤلاء؟ فقيل: هؤلاء أمّتك أرضيت؟ فقلت: رب رضيت، قيل: انظر عن يسارك فإذا الأفق قد سدّ بوجوه الرجال.
فقلت: رب من هؤلاء؟ قيل: هؤلاء أمتك أرضيت؟ قلت: رب رضيت، فقيل: إن مع هؤلاء سبعين ألفا من أمتك يدخلون الجنة. لا حساب عليهم.
قال: فأنشأ كاشة بن محصن- رجل من بني أسد بن خزيمة فقال: يا نبي الله ادع ربك أن يجعلني منهم فقال: «اللهم اجعله منهم» ثم أنشأ رجل آخر فقال: يا نبي الله ادع ربك أن يجعلني منهم.
قال: «سبقك بهما عكاشة» .
فقال ﷺ: «فداكم أبي وامي إن استطعتم أن تكونوا من السبعين فكونوا، وإن عجزتم وقصرتم فكونوا من أهل الظراب، فإن عجزتم وقصرتم فكونوا من أهل الأفق، فإني قد رأيت ثم أناسا يتهاوشون كثيرا» .
قال: فقلت: من هؤلاء السبعون ألفا؟ فاتفق رأينا على أنهم أناس ولدوا في الإسلام فلم يزالوا يعملون به حتى ماتوا عليه فنهي حديثهم إلى رسول الله ﷺ فقال: «ليس كذلك ولكنهم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» .
ثم قال رسول الله ﷺ: «إني لأرجو أن يكون من تبعني من امتي ربع أهل الجنة» فكبّرنا ثم قال: «إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة» فكبّرنا. ثم قال: «إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة» ثم تلا رسول الله ﷺ هذه الآية ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ [200] [[مسند أحمد: 1/ 420 وفيه الى قوله: سبقك بها عكاشة، وتاريخ جرجان: 373، والمستدرك: 4/ 578.]] .
وقال أبو العالية ومجاهد وعطاء بن أبي رباح والضحّاك ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ يعني من سابقي هذه الأمة وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ من هذه الأمة في آخر الزمان.
يدل عليه ما
أخبرنا الحسين بن محمد، حدّثنا أحمد بن محمد بن إسحاق السني، حدّثنا أبو خليفة الفضل بن الحباب محمد بن كثير، حدّثنا سفيان عن أبان بن أبي عياش عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في هذه الآية ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ قال: قال رسول الله ﷺ: «هما جميعا من أمتي» [201] [[جامع البيان للطبري: 27/ 249.]] .
وَأَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ فِي سَمُومٍ ريح حارة وَحَمِيمٍ ماء حار وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ دخان شديد السواد. تقول العرب: أسود يحموم إذا كان شديد السواد.
وأنشد قطرب:
وما قد شربت ببطن [مكة] ... فراتا لمد كاليحموم جاري
وقال ابن بريدة: اليحموم جبل في جهنم يستغيث إلى ظله أهل النار [[تفسير القرطبي: 17/ 213.]] لا بارِدٍ بل حار لأنه من دخان سعير جهنم وَلا كَرِيمٍ ولا عذب عن الضحّاك، سعيد ابن المسيب والحسن: نظيره: مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ [[سورة الشعراء: 7.]] .
مقاتل: طيب. قتادة: لا بارِدٍ المنزل وَلا كَرِيمٍ المنظر.
قال الفراء: يجعل الكريم تابعا لكل شيء نفت عنه فعلا فيه ذم [[كقولهم: ما هذه بدار واسعة ولا كريمة.]] .
وقال ابن كيسان: اليحموم اسم من أسماء النار. وقال الضحّاك: النار سوداء وأهلها سود وكل شيء فيها أسود.
إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ في الدنيا مُتْرَفِينَ منعّمين وَكانُوا يُصِرُّونَ يقيمون عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ على الذنب الكبير، وهو الشرك.
وقال أبو بكر الأصم: كانوا يقسمون أن لا بعث، وأن الأصنام أنداد لله وكانوا يقيمون عليه فذلك حنثهم.
وَكانُوا يَقُولُونَ أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ لحق أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ثم يقال لهم: إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ.
قرأ أهل المدينة وعاصم وحمزة والأعمش وأيوب: (شُرْبَ) بضم الشين، واختاره أبو حاتم، وقرأ الباقون: بفتحه، واختاره أبو عبيد.
وروي عن الكسائي عن يحيى بن سعيد عن جريج إنه قال: ذكرت لجعفر بن محمد قراءة أصحاب عبد الله (شَرْبَ الْهِيمِ) بفتح الشين، فقال: «أما بلغك إن رسول الله ﷺ بعث بديل بن ورقاء الخزاعي إلى أهل منى في أيام التشريق فقال: «إنها أيام أكل وشرب» [202] [[مجمع الزوائد: 3/ 204، والمعجم الأوسط: 7/ 169.]] .
ويقال هي بفتح الشين [و.......] [[كلمة غير مقروءة.]] وهما لغتان جيدتان.
تقول العرب: شربت شربا وشربا وشربا بضمتين.
وقال أبو زيد الأنصاري: سمعت العرب تقول: شربت شربا، بكسر الشين.
وأما (الهيم) فالإبل العطاش. وقال عكرمة وقتادة: هو داء بالإبل لا تروى [معه] [[في المخطوط: معها.]] ولا تزال تشرب حتى تهلك ويقال لذلك الداء الهيام، ويقال: حمل أهيم وناقة هيماء وإبل هيم.
قال لبيد:
أجزت على معارفها بشعث ... وأطلاح من المهري هيم [[تفسير القرطبي: 17/ 215.]]
وقال الضحّاك وابن عيينة وابن كيسان: الهيم الأرض السهلة ذات الرمل.
هذا نُزُلُهُمْ رزقهم وغذاؤهم وما أعدّ لهم يَوْمَ الدِّينِ نَحْنُ خَلَقْناكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ بالبعث أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ تصبون في الأرحام من النطف؟.
وقرأ أبو السماك: (تَمْنُونَ) بفتح التاء وهما لغتان.
أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ نَحْنُ قَدَّرْنا [قرأ مجاهد وحميد وابن محيصن (قَدَرْنا) بتخفيف الدال] [[زيادة عن تفسير القرطبي: 17/ 216 وفي المخطوط: نخفيف مكيّ.]] ، الباقون بالتشديد بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ فمنكم من يعيش إلى أن يبلغ الهرم، ومنكم من يموت شابا وصبيا صغيرا وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عاجزين عن إهلاككم عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ
أو إبدالكم بامثالكم وَنُنْشِئَكُمْ
ونخلقكم فِي ما لا تَعْلَمُونَ
من الصور. قال مجاهد: في أي خلق شئنا.
وقال سعيد بن المسيب فِي ما لا تَعْلَمُونَ
يعني في حواصل طير تكون ببرهوت كأنها الخطاطيف، وبرهوت واد باليمن. وقال الحسن وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ
أي نبدل صفاتكم ونجعلكم قردة وخنازير كما فعلنا بمن كان قبلكم.
وقال السدي: نخلقكم في سوى خلقكم.
وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الخلقة الْأُولى ولم تكونوا شيئا، فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ أي قادر على إعادتكم كما قدرت على إبدائكم.
وقال الحسين بن الفضل في هذه الوجوه: وإن كانت غير مردودة، فالذي عندي في هذه الآية وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى
أي خلقتكم للبعث بعد الموت من حيث لا تعلمون كيف شئت وذلك أنكم علمتم النشأة الأولى كيف كانت في بطون الأمهات وليست الأخرى كذلك.
أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ أي تثيرون الأرض وتعملون فيها وتطرحون البذر أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ تنبتونه أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ؟.
أخبرني الحسين، حدّثنا عمر بن محمد بن علي الزيات، حدّثنا أبو عبد الله أحمد بن عبد الرحمن بن مرزوق، حدّثنا مسلم بن أبي مسلم الجرمي، حدّثنا مخلد بن الحسين عن هشام ابن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «لا يقولن أحدكم: زرعت وليقل حرثت» [203] [[تفسير القرطبي: 17/ 218.]] .
قال أبو هريرة: ألم تسمعوا قول الله عزّ وجل أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ.
لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً هشيما لا ينتفع به في مطعم وغذاء. وقال مرة: يعني نبتا لا قمح فيه.
فَظَلْتُمْ قرأت العامة بفتح الظاء. وقرأ عبد الله بكسره: والأصل ظللتم، فحذف إحدى اللامين تخفيفا، فمن فتحه فعلى الأصل ومن كسره نقل حركة اللام المحذوفة إلى الظاء.
تَفَكَّهُونَ قال يمان: تندمون على نفقاتكم، نظيره فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها [[سورة الكهف: 42.]] .
قتادة: تعجبون. عكرمة: تلاومون. الحسن: تندمون على ما سلف منكم من معصية الله التي أوجبت لكم عقوبته حتى نالكم في زرعكم ما نالكم. ابن زيد: تتفجّعون. ابن كيسان:
تحزنون.
قال: وهو من الأضداد. تقول العرب: تفكهت: أي تنعّمت، وتفكهت: أي حزنت.
قال الفراء: تَفَكَّهُونَ وتفكنون واحد، والنون لغة عكل [[عكل: قبيلة من العرب وقيل: عضل.]] .
وقيل: التفكه التكلم فما لا يعنيك، ومنه قيل للمزاح: فكاهة.
إِنَّا قرأ عاصم برواية أبي بكر والمفضل بهمزتين. الباقون على الخبر. ومجاز الآية فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ وتقولون إِنَّا لَمُغْرَمُونَ قال مجاهد وعكرمة: لمولع بنا. قال ابن عباس وقتادة: يعذبون، والغرام: العذاب.
ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: ملقون للشر. مقاتل بن حيان: مهلكون.
وقال الضحّاك: غرّمنا أموالنا وصار ما أنفقنا غرمنا عليه. مرة الهمداني: محاسبون.
بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ محدودون [ممنوعون] [[في المخطوط: ممنّعون بتشديد النون وفتحها.]] محارفون، والمحروم ضد المرزوق.
قال أنس بن مالك: مرّ رسول الله ﷺ بأرض الأنصار فقال: «ما يمنعكم من الحرث؟
قالوا: الجدوبة. قال: «فلا تفعلوا فإن الله عزّ وجل يقول: أنا الزارع إن شئت زرعت بالماء وإن شئت زرعت بالريح وإن شئت زرعت بالبذر» [[تفسير القرطبي: 17/ 220.]] [204] ثم تلا رسول الله ﷺ أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ الآيات.
أَفَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ السحاب، واحدتها مزنة.
قال الشاعر:
فنحن كماء المزن ما في نصابنا ... كهام ولا فينا يعدّ بخيل [[تفسير القرطبي: 17/ 220.]]
أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً قال ابن عباس: شديد الملوحة. وقال الحسن: قعاعا مرا.
فَلَوْلا تَشْكُرُونَ أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ تقدحون وتستخرجون من زندكم أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها التي تقدح منها النار وهي المرخ والعفار أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ المخترعون؟
نَحْنُ جَعَلْناها يعني نار الدنيا تَذْكِرَةً للنار الكبرى.
أخبرنا ابن سعيد بن حمدون، حدّثنا ابن الشرقي، حدّثنا محمد بن يحيى وعبد العزيز بن بشير وأحمد بن يوسف قالوا: حدّثنا عبد الرزاق، حدّثنا معمر عن همام بن منبه قال: هذا ما حدّثنا أبو هريرة عن محمد رسول الله ﷺ قال: «ناركم هذه التي توقد بنو آدم جزءا من سبعين جزءا من حرّ جهنم» .
قالوا: والله إن كانت لكافيتنا برسول الله. قال: «فإنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءا كلها مثل حرّها» [[صحيح مسلم: 8/ 149.]] [205] .
وَمَتاعاً بلغة ومنفعة لِلْمُقْوِينَ المسافرين النازلين في الأرض القيّ والقوى، وهي القفر الخالية البعيدة من العمران والأهلين، يقال: أقوت الدار إذا دخلت من سكانها.
قال الشاعر:
أقوى وأقفر من نعم وغيّرها ... هوج الرياح بهابي الترب موار [[الهوج: الريح التي تستوي في هبوبها، والهابي من هباء الغبار أي سطع، وموار: تحرك بسرعة، والبيت في تفسير الطبري: 27/ 264.]]
وقال النابغة:
يا دارميّة بالعلياء فالسند ... بها أقوت وطال عليها سالف الأبد [[ديوان النابغة الجعدي: 35.]]
هذا قول أكثر المفسرين، وقال مجاهد لِلْمُقْوِينَ يعني للمستمتعين من الناس أجمعين، المسافرين والحاضرين يستضيء بها في الظلمة ويصطلي بها في البرد وينتفع بها في الطبخ والخبز ونتذكر بها نار جهنم فنستجير الله منها.
وقال الحسن: بلغة المسافرين يبلغون بها إلى أسفارهم يحملونها في الخرق والجواليق.
وقال الربيع والسدي: يعني للمرملين المعترين الذين لا زاد معهم، نارا يوقدون فيختبزون بها، وهي رواية العوفي عن ابن عباس. قال ابن زيد: للجائعين. تقول العرب: أقويت مذ كذا وكذا أي ما أكلت شيئا.
قال قطرب: المقوي من الأضداد [[في المخطوط: الضداد.]] يكون بمعنى الفقر ويكون بمعنى الغنى. يقال: أقوى الرجل إذا قويت دوابّه، وإذا كثر ماله.
فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ فَلا أُقْسِمُ قال أكثر المفسرين: معناه: أقسم، ولا صلة، وتصديقه قراءة عيسى بن عمر: (فلا أقسم) على التحقيق.
وقال بعض أهل العربية: معناه فليس الأمر كما يقولون، ثم استأنف القسم فقال: أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ يعني نجوم القرآن التي كانت تنزل على [[كذا في المخطوط.]] انكدارها وانتشارها يوم القيامة.
واختلف القراء فيه فقرأ حمزة والكسائي وخلف: بموقع على الواحد، غيرهم:
(بِمَواقِعِ) على الجمع. وهو الاختيار.
وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ إِنَّهُ يعني هذا الكتاب، وهو موضع القسم لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ [حصين] [[كلمة غير مقروءة والأقرب ما أثبتناه.]] عزيز مكرم.
وقال عبد العزيز بن يحيى الكناني: غير مخلوق، وقيل: سمي كريما لأن يسره يغلب عسره.
فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ مصون. عند الله سبحانه محفوظ عن الشياطين وعن جميع ما يشين.
الواقعة 56:52
لِأَصْحابِ الْيَمِينِ ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ يعني من الأمم الماضية وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ من أمة محمد ﷺ.
أخبرني الحسين، حدّثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدقاق، حدّثنا محمد بن الوليد القرشي وعيسى بن المساور واللفظ له قالا: حدّثنا الوليد بن مسلم، حدّثنا عيسى بن موسى أبو محمد وغيره، عن عروة بن دويم قال: لما أنزل الله عزّ وجل على رسوله ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ بكى عمر رضي الله عنه فقال: يا نبي الله ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ؟ آمنا برسول الله وصدقناه ومن ينجو منّا قليل فأنزل الله عزّ وجل ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ فدعا رسول الله عمر فقال: «يا بن الخطاب قد أنزل الله عز وجل فيما قلت، فجعل: ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ.
فقال عمر: رضينا عن ربنا ونصدق نبينا.
فقال رسول الله ﷺ: «من آدم إلينا ثلة ومني إلى [يوم] القيامة ثلة ولا يستتمها إلّا سودان من رعاة الإبل من قال لا إله إلّا الله» [199] [[أسباب نزول الآيات: 270.]] .
وأخبرني عقيل أن أبا الفرج أخبرهم عن محمد بن جرير، حدّثنا بشر، حدّثنا يزيد، حدّثنا سعيد عن قتادة قال الحسن: حدّثني عمر بن أبي حصين عن عبد الله بن مسعود قال: تحدثنا عند رسول الله ﷺ ذات ليلة حتى أكرينا الحديث ثم رجعنا إلى أهلنا فلما أصبحنا غدونا على رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ: «عرضت عليّ الأنبياء الليلة بأتباعها من أمتها، وكان النبي يجيء معه الثلاثة من أمته والنبي معه العصابة من أمّته والنبي معه النفر من أمّته والنبي معه الرجل من أمته والنبي ما معه من أمّته أحد حتى أتى موسى في كبكبة بني إسرائيل، فلما رأيتهم أعجبوني فقلت: أي رب من هؤلاء؟ قيل: هذا أخوك موسى بن عمران ومن حفه من بني إسرائيل.
قلت: ربي فأين أمتي؟ قيل: انظر عن يمينك فإذا ظراب [[الظراب: الجبال، والظرب من الحجارة ما كان أصله ناتئا في جبل أو أرض حزنة، كتاب العين: 8/ 159، وقيل: هي الروابي الصغار، الصحاح: 1/ 174- الظرب.]] مكة قد سدّت بوجوه الرجال.
فقلت: من هؤلاء؟ فقيل: هؤلاء أمّتك أرضيت؟ فقلت: رب رضيت، قيل: انظر عن يسارك فإذا الأفق قد سدّ بوجوه الرجال.
فقلت: رب من هؤلاء؟ قيل: هؤلاء أمتك أرضيت؟ قلت: رب رضيت، فقيل: إن مع هؤلاء سبعين ألفا من أمتك يدخلون الجنة. لا حساب عليهم.
قال: فأنشأ كاشة بن محصن- رجل من بني أسد بن خزيمة فقال: يا نبي الله ادع ربك أن يجعلني منهم فقال: «اللهم اجعله منهم» ثم أنشأ رجل آخر فقال: يا نبي الله ادع ربك أن يجعلني منهم.
قال: «سبقك بهما عكاشة» .
فقال ﷺ: «فداكم أبي وامي إن استطعتم أن تكونوا من السبعين فكونوا، وإن عجزتم وقصرتم فكونوا من أهل الظراب، فإن عجزتم وقصرتم فكونوا من أهل الأفق، فإني قد رأيت ثم أناسا يتهاوشون كثيرا» .
قال: فقلت: من هؤلاء السبعون ألفا؟ فاتفق رأينا على أنهم أناس ولدوا في الإسلام فلم يزالوا يعملون به حتى ماتوا عليه فنهي حديثهم إلى رسول الله ﷺ فقال: «ليس كذلك ولكنهم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» .
ثم قال رسول الله ﷺ: «إني لأرجو أن يكون من تبعني من امتي ربع أهل الجنة» فكبّرنا ثم قال: «إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة» فكبّرنا. ثم قال: «إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة» ثم تلا رسول الله ﷺ هذه الآية ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ [200] [[مسند أحمد: 1/ 420 وفيه الى قوله: سبقك بها عكاشة، وتاريخ جرجان: 373، والمستدرك: 4/ 578.]] .
وقال أبو العالية ومجاهد وعطاء بن أبي رباح والضحّاك ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ يعني من سابقي هذه الأمة وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ من هذه الأمة في آخر الزمان.
يدل عليه ما
أخبرنا الحسين بن محمد، حدّثنا أحمد بن محمد بن إسحاق السني، حدّثنا أبو خليفة الفضل بن الحباب محمد بن كثير، حدّثنا سفيان عن أبان بن أبي عياش عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في هذه الآية ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ قال: قال رسول الله ﷺ: «هما جميعا من أمتي» [201] [[جامع البيان للطبري: 27/ 249.]] .
وَأَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ فِي سَمُومٍ ريح حارة وَحَمِيمٍ ماء حار وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ دخان شديد السواد. تقول العرب: أسود يحموم إذا كان شديد السواد.
وأنشد قطرب:
وما قد شربت ببطن [مكة] ... فراتا لمد كاليحموم جاري
وقال ابن بريدة: اليحموم جبل في جهنم يستغيث إلى ظله أهل النار [[تفسير القرطبي: 17/ 213.]] لا بارِدٍ بل حار لأنه من دخان سعير جهنم وَلا كَرِيمٍ ولا عذب عن الضحّاك، سعيد ابن المسيب والحسن: نظيره: مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ [[سورة الشعراء: 7.]] .
مقاتل: طيب. قتادة: لا بارِدٍ المنزل وَلا كَرِيمٍ المنظر.
قال الفراء: يجعل الكريم تابعا لكل شيء نفت عنه فعلا فيه ذم [[كقولهم: ما هذه بدار واسعة ولا كريمة.]] .
وقال ابن كيسان: اليحموم اسم من أسماء النار. وقال الضحّاك: النار سوداء وأهلها سود وكل شيء فيها أسود.
إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ في الدنيا مُتْرَفِينَ منعّمين وَكانُوا يُصِرُّونَ يقيمون عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ على الذنب الكبير، وهو الشرك.
وقال أبو بكر الأصم: كانوا يقسمون أن لا بعث، وأن الأصنام أنداد لله وكانوا يقيمون عليه فذلك حنثهم.
وَكانُوا يَقُولُونَ أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ لحق أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ثم يقال لهم: إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ.
قرأ أهل المدينة وعاصم وحمزة والأعمش وأيوب: (شُرْبَ) بضم الشين، واختاره أبو حاتم، وقرأ الباقون: بفتحه، واختاره أبو عبيد.
وروي عن الكسائي عن يحيى بن سعيد عن جريج إنه قال: ذكرت لجعفر بن محمد قراءة أصحاب عبد الله (شَرْبَ الْهِيمِ) بفتح الشين، فقال: «أما بلغك إن رسول الله ﷺ بعث بديل بن ورقاء الخزاعي إلى أهل منى في أيام التشريق فقال: «إنها أيام أكل وشرب» [202] [[مجمع الزوائد: 3/ 204، والمعجم الأوسط: 7/ 169.]] .
ويقال هي بفتح الشين [و.......] [[كلمة غير مقروءة.]] وهما لغتان جيدتان.
تقول العرب: شربت شربا وشربا وشربا بضمتين.
وقال أبو زيد الأنصاري: سمعت العرب تقول: شربت شربا، بكسر الشين.
وأما (الهيم) فالإبل العطاش. وقال عكرمة وقتادة: هو داء بالإبل لا تروى [معه] [[في المخطوط: معها.]] ولا تزال تشرب حتى تهلك ويقال لذلك الداء الهيام، ويقال: حمل أهيم وناقة هيماء وإبل هيم.
قال لبيد:
أجزت على معارفها بشعث ... وأطلاح من المهري هيم [[تفسير القرطبي: 17/ 215.]]
وقال الضحّاك وابن عيينة وابن كيسان: الهيم الأرض السهلة ذات الرمل.
هذا نُزُلُهُمْ رزقهم وغذاؤهم وما أعدّ لهم يَوْمَ الدِّينِ نَحْنُ خَلَقْناكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ بالبعث أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ تصبون في الأرحام من النطف؟.
وقرأ أبو السماك: (تَمْنُونَ) بفتح التاء وهما لغتان.
أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ نَحْنُ قَدَّرْنا [قرأ مجاهد وحميد وابن محيصن (قَدَرْنا) بتخفيف الدال] [[زيادة عن تفسير القرطبي: 17/ 216 وفي المخطوط: نخفيف مكيّ.]] ، الباقون بالتشديد بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ فمنكم من يعيش إلى أن يبلغ الهرم، ومنكم من يموت شابا وصبيا صغيرا وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عاجزين عن إهلاككم عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ
أو إبدالكم بامثالكم وَنُنْشِئَكُمْ
ونخلقكم فِي ما لا تَعْلَمُونَ
من الصور. قال مجاهد: في أي خلق شئنا.
وقال سعيد بن المسيب فِي ما لا تَعْلَمُونَ
يعني في حواصل طير تكون ببرهوت كأنها الخطاطيف، وبرهوت واد باليمن. وقال الحسن وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ
أي نبدل صفاتكم ونجعلكم قردة وخنازير كما فعلنا بمن كان قبلكم.
وقال السدي: نخلقكم في سوى خلقكم.
وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الخلقة الْأُولى ولم تكونوا شيئا، فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ أي قادر على إعادتكم كما قدرت على إبدائكم.
وقال الحسين بن الفضل في هذه الوجوه: وإن كانت غير مردودة، فالذي عندي في هذه الآية وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى
أي خلقتكم للبعث بعد الموت من حيث لا تعلمون كيف شئت وذلك أنكم علمتم النشأة الأولى كيف كانت في بطون الأمهات وليست الأخرى كذلك.
أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ أي تثيرون الأرض وتعملون فيها وتطرحون البذر أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ تنبتونه أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ؟.
أخبرني الحسين، حدّثنا عمر بن محمد بن علي الزيات، حدّثنا أبو عبد الله أحمد بن عبد الرحمن بن مرزوق، حدّثنا مسلم بن أبي مسلم الجرمي، حدّثنا مخلد بن الحسين عن هشام ابن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «لا يقولن أحدكم: زرعت وليقل حرثت» [203] [[تفسير القرطبي: 17/ 218.]] .
قال أبو هريرة: ألم تسمعوا قول الله عزّ وجل أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ.
لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً هشيما لا ينتفع به في مطعم وغذاء. وقال مرة: يعني نبتا لا قمح فيه.
فَظَلْتُمْ قرأت العامة بفتح الظاء. وقرأ عبد الله بكسره: والأصل ظللتم، فحذف إحدى اللامين تخفيفا، فمن فتحه فعلى الأصل ومن كسره نقل حركة اللام المحذوفة إلى الظاء.
تَفَكَّهُونَ قال يمان: تندمون على نفقاتكم، نظيره فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها [[سورة الكهف: 42.]] .
قتادة: تعجبون. عكرمة: تلاومون. الحسن: تندمون على ما سلف منكم من معصية الله التي أوجبت لكم عقوبته حتى نالكم في زرعكم ما نالكم. ابن زيد: تتفجّعون. ابن كيسان:
تحزنون.
قال: وهو من الأضداد. تقول العرب: تفكهت: أي تنعّمت، وتفكهت: أي حزنت.
قال الفراء: تَفَكَّهُونَ وتفكنون واحد، والنون لغة عكل [[عكل: قبيلة من العرب وقيل: عضل.]] .
وقيل: التفكه التكلم فما لا يعنيك، ومنه قيل للمزاح: فكاهة.
إِنَّا قرأ عاصم برواية أبي بكر والمفضل بهمزتين. الباقون على الخبر. ومجاز الآية فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ وتقولون إِنَّا لَمُغْرَمُونَ قال مجاهد وعكرمة: لمولع بنا. قال ابن عباس وقتادة: يعذبون، والغرام: العذاب.
ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: ملقون للشر. مقاتل بن حيان: مهلكون.
وقال الضحّاك: غرّمنا أموالنا وصار ما أنفقنا غرمنا عليه. مرة الهمداني: محاسبون.
بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ محدودون [ممنوعون] [[في المخطوط: ممنّعون بتشديد النون وفتحها.]] محارفون، والمحروم ضد المرزوق.
قال أنس بن مالك: مرّ رسول الله ﷺ بأرض الأنصار فقال: «ما يمنعكم من الحرث؟
قالوا: الجدوبة. قال: «فلا تفعلوا فإن الله عزّ وجل يقول: أنا الزارع إن شئت زرعت بالماء وإن شئت زرعت بالريح وإن شئت زرعت بالبذر» [[تفسير القرطبي: 17/ 220.]] [204] ثم تلا رسول الله ﷺ أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ الآيات.
أَفَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ السحاب، واحدتها مزنة.
قال الشاعر:
فنحن كماء المزن ما في نصابنا ... كهام ولا فينا يعدّ بخيل [[تفسير القرطبي: 17/ 220.]]
أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً قال ابن عباس: شديد الملوحة. وقال الحسن: قعاعا مرا.
فَلَوْلا تَشْكُرُونَ أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ تقدحون وتستخرجون من زندكم أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها التي تقدح منها النار وهي المرخ والعفار أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ المخترعون؟
نَحْنُ جَعَلْناها يعني نار الدنيا تَذْكِرَةً للنار الكبرى.
أخبرنا ابن سعيد بن حمدون، حدّثنا ابن الشرقي، حدّثنا محمد بن يحيى وعبد العزيز بن بشير وأحمد بن يوسف قالوا: حدّثنا عبد الرزاق، حدّثنا معمر عن همام بن منبه قال: هذا ما حدّثنا أبو هريرة عن محمد رسول الله ﷺ قال: «ناركم هذه التي توقد بنو آدم جزءا من سبعين جزءا من حرّ جهنم» .
قالوا: والله إن كانت لكافيتنا برسول الله. قال: «فإنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءا كلها مثل حرّها» [[صحيح مسلم: 8/ 149.]] [205] .
وَمَتاعاً بلغة ومنفعة لِلْمُقْوِينَ المسافرين النازلين في الأرض القيّ والقوى، وهي القفر الخالية البعيدة من العمران والأهلين، يقال: أقوت الدار إذا دخلت من سكانها.
قال الشاعر:
أقوى وأقفر من نعم وغيّرها ... هوج الرياح بهابي الترب موار [[الهوج: الريح التي تستوي في هبوبها، والهابي من هباء الغبار أي سطع، وموار: تحرك بسرعة، والبيت في تفسير الطبري: 27/ 264.]]
وقال النابغة:
يا دارميّة بالعلياء فالسند ... بها أقوت وطال عليها سالف الأبد [[ديوان النابغة الجعدي: 35.]]
هذا قول أكثر المفسرين، وقال مجاهد لِلْمُقْوِينَ يعني للمستمتعين من الناس أجمعين، المسافرين والحاضرين يستضيء بها في الظلمة ويصطلي بها في البرد وينتفع بها في الطبخ والخبز ونتذكر بها نار جهنم فنستجير الله منها.
وقال الحسن: بلغة المسافرين يبلغون بها إلى أسفارهم يحملونها في الخرق والجواليق.
وقال الربيع والسدي: يعني للمرملين المعترين الذين لا زاد معهم، نارا يوقدون فيختبزون بها، وهي رواية العوفي عن ابن عباس. قال ابن زيد: للجائعين. تقول العرب: أقويت مذ كذا وكذا أي ما أكلت شيئا.
قال قطرب: المقوي من الأضداد [[في المخطوط: الضداد.]] يكون بمعنى الفقر ويكون بمعنى الغنى. يقال: أقوى الرجل إذا قويت دوابّه، وإذا كثر ماله.
فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ فَلا أُقْسِمُ قال أكثر المفسرين: معناه: أقسم، ولا صلة، وتصديقه قراءة عيسى بن عمر: (فلا أقسم) على التحقيق.
وقال بعض أهل العربية: معناه فليس الأمر كما يقولون، ثم استأنف القسم فقال: أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ يعني نجوم القرآن التي كانت تنزل على [[كذا في المخطوط.]] انكدارها وانتشارها يوم القيامة.
واختلف القراء فيه فقرأ حمزة والكسائي وخلف: بموقع على الواحد، غيرهم:
(بِمَواقِعِ) على الجمع. وهو الاختيار.
وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ إِنَّهُ يعني هذا الكتاب، وهو موضع القسم لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ [حصين] [[كلمة غير مقروءة والأقرب ما أثبتناه.]] عزيز مكرم.
وقال عبد العزيز بن يحيى الكناني: غير مخلوق، وقيل: سمي كريما لأن يسره يغلب عسره.
فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ مصون. عند الله سبحانه محفوظ عن الشياطين وعن جميع ما يشين.
الواقعة 56:53
لِأَصْحابِ الْيَمِينِ ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ يعني من الأمم الماضية وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ من أمة محمد ﷺ.
أخبرني الحسين، حدّثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدقاق، حدّثنا محمد بن الوليد القرشي وعيسى بن المساور واللفظ له قالا: حدّثنا الوليد بن مسلم، حدّثنا عيسى بن موسى أبو محمد وغيره، عن عروة بن دويم قال: لما أنزل الله عزّ وجل على رسوله ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ بكى عمر رضي الله عنه فقال: يا نبي الله ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ؟ آمنا برسول الله وصدقناه ومن ينجو منّا قليل فأنزل الله عزّ وجل ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ فدعا رسول الله عمر فقال: «يا بن الخطاب قد أنزل الله عز وجل فيما قلت، فجعل: ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ.
فقال عمر: رضينا عن ربنا ونصدق نبينا.
فقال رسول الله ﷺ: «من آدم إلينا ثلة ومني إلى [يوم] القيامة ثلة ولا يستتمها إلّا سودان من رعاة الإبل من قال لا إله إلّا الله» [199] [[أسباب نزول الآيات: 270.]] .
وأخبرني عقيل أن أبا الفرج أخبرهم عن محمد بن جرير، حدّثنا بشر، حدّثنا يزيد، حدّثنا سعيد عن قتادة قال الحسن: حدّثني عمر بن أبي حصين عن عبد الله بن مسعود قال: تحدثنا عند رسول الله ﷺ ذات ليلة حتى أكرينا الحديث ثم رجعنا إلى أهلنا فلما أصبحنا غدونا على رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ: «عرضت عليّ الأنبياء الليلة بأتباعها من أمتها، وكان النبي يجيء معه الثلاثة من أمته والنبي معه العصابة من أمّته والنبي معه النفر من أمّته والنبي معه الرجل من أمته والنبي ما معه من أمّته أحد حتى أتى موسى في كبكبة بني إسرائيل، فلما رأيتهم أعجبوني فقلت: أي رب من هؤلاء؟ قيل: هذا أخوك موسى بن عمران ومن حفه من بني إسرائيل.
قلت: ربي فأين أمتي؟ قيل: انظر عن يمينك فإذا ظراب [[الظراب: الجبال، والظرب من الحجارة ما كان أصله ناتئا في جبل أو أرض حزنة، كتاب العين: 8/ 159، وقيل: هي الروابي الصغار، الصحاح: 1/ 174- الظرب.]] مكة قد سدّت بوجوه الرجال.
فقلت: من هؤلاء؟ فقيل: هؤلاء أمّتك أرضيت؟ فقلت: رب رضيت، قيل: انظر عن يسارك فإذا الأفق قد سدّ بوجوه الرجال.
فقلت: رب من هؤلاء؟ قيل: هؤلاء أمتك أرضيت؟ قلت: رب رضيت، فقيل: إن مع هؤلاء سبعين ألفا من أمتك يدخلون الجنة. لا حساب عليهم.
قال: فأنشأ كاشة بن محصن- رجل من بني أسد بن خزيمة فقال: يا نبي الله ادع ربك أن يجعلني منهم فقال: «اللهم اجعله منهم» ثم أنشأ رجل آخر فقال: يا نبي الله ادع ربك أن يجعلني منهم.
قال: «سبقك بهما عكاشة» .
فقال ﷺ: «فداكم أبي وامي إن استطعتم أن تكونوا من السبعين فكونوا، وإن عجزتم وقصرتم فكونوا من أهل الظراب، فإن عجزتم وقصرتم فكونوا من أهل الأفق، فإني قد رأيت ثم أناسا يتهاوشون كثيرا» .
قال: فقلت: من هؤلاء السبعون ألفا؟ فاتفق رأينا على أنهم أناس ولدوا في الإسلام فلم يزالوا يعملون به حتى ماتوا عليه فنهي حديثهم إلى رسول الله ﷺ فقال: «ليس كذلك ولكنهم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» .
ثم قال رسول الله ﷺ: «إني لأرجو أن يكون من تبعني من امتي ربع أهل الجنة» فكبّرنا ثم قال: «إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة» فكبّرنا. ثم قال: «إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة» ثم تلا رسول الله ﷺ هذه الآية ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ [200] [[مسند أحمد: 1/ 420 وفيه الى قوله: سبقك بها عكاشة، وتاريخ جرجان: 373، والمستدرك: 4/ 578.]] .
وقال أبو العالية ومجاهد وعطاء بن أبي رباح والضحّاك ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ يعني من سابقي هذه الأمة وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ من هذه الأمة في آخر الزمان.
يدل عليه ما
أخبرنا الحسين بن محمد، حدّثنا أحمد بن محمد بن إسحاق السني، حدّثنا أبو خليفة الفضل بن الحباب محمد بن كثير، حدّثنا سفيان عن أبان بن أبي عياش عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في هذه الآية ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ قال: قال رسول الله ﷺ: «هما جميعا من أمتي» [201] [[جامع البيان للطبري: 27/ 249.]] .
وَأَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ فِي سَمُومٍ ريح حارة وَحَمِيمٍ ماء حار وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ دخان شديد السواد. تقول العرب: أسود يحموم إذا كان شديد السواد.
وأنشد قطرب:
وما قد شربت ببطن [مكة] ... فراتا لمد كاليحموم جاري
وقال ابن بريدة: اليحموم جبل في جهنم يستغيث إلى ظله أهل النار [[تفسير القرطبي: 17/ 213.]] لا بارِدٍ بل حار لأنه من دخان سعير جهنم وَلا كَرِيمٍ ولا عذب عن الضحّاك، سعيد ابن المسيب والحسن: نظيره: مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ [[سورة الشعراء: 7.]] .
مقاتل: طيب. قتادة: لا بارِدٍ المنزل وَلا كَرِيمٍ المنظر.
قال الفراء: يجعل الكريم تابعا لكل شيء نفت عنه فعلا فيه ذم [[كقولهم: ما هذه بدار واسعة ولا كريمة.]] .
وقال ابن كيسان: اليحموم اسم من أسماء النار. وقال الضحّاك: النار سوداء وأهلها سود وكل شيء فيها أسود.
إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ في الدنيا مُتْرَفِينَ منعّمين وَكانُوا يُصِرُّونَ يقيمون عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ على الذنب الكبير، وهو الشرك.
وقال أبو بكر الأصم: كانوا يقسمون أن لا بعث، وأن الأصنام أنداد لله وكانوا يقيمون عليه فذلك حنثهم.
وَكانُوا يَقُولُونَ أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ لحق أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ثم يقال لهم: إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ.
قرأ أهل المدينة وعاصم وحمزة والأعمش وأيوب: (شُرْبَ) بضم الشين، واختاره أبو حاتم، وقرأ الباقون: بفتحه، واختاره أبو عبيد.
وروي عن الكسائي عن يحيى بن سعيد عن جريج إنه قال: ذكرت لجعفر بن محمد قراءة أصحاب عبد الله (شَرْبَ الْهِيمِ) بفتح الشين، فقال: «أما بلغك إن رسول الله ﷺ بعث بديل بن ورقاء الخزاعي إلى أهل منى في أيام التشريق فقال: «إنها أيام أكل وشرب» [202] [[مجمع الزوائد: 3/ 204، والمعجم الأوسط: 7/ 169.]] .
ويقال هي بفتح الشين [و.......] [[كلمة غير مقروءة.]] وهما لغتان جيدتان.
تقول العرب: شربت شربا وشربا وشربا بضمتين.
وقال أبو زيد الأنصاري: سمعت العرب تقول: شربت شربا، بكسر الشين.
وأما (الهيم) فالإبل العطاش. وقال عكرمة وقتادة: هو داء بالإبل لا تروى [معه] [[في المخطوط: معها.]] ولا تزال تشرب حتى تهلك ويقال لذلك الداء الهيام، ويقال: حمل أهيم وناقة هيماء وإبل هيم.
قال لبيد:
أجزت على معارفها بشعث ... وأطلاح من المهري هيم [[تفسير القرطبي: 17/ 215.]]
وقال الضحّاك وابن عيينة وابن كيسان: الهيم الأرض السهلة ذات الرمل.
هذا نُزُلُهُمْ رزقهم وغذاؤهم وما أعدّ لهم يَوْمَ الدِّينِ نَحْنُ خَلَقْناكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ بالبعث أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ تصبون في الأرحام من النطف؟.
وقرأ أبو السماك: (تَمْنُونَ) بفتح التاء وهما لغتان.
أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ نَحْنُ قَدَّرْنا [قرأ مجاهد وحميد وابن محيصن (قَدَرْنا) بتخفيف الدال] [[زيادة عن تفسير القرطبي: 17/ 216 وفي المخطوط: نخفيف مكيّ.]] ، الباقون بالتشديد بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ فمنكم من يعيش إلى أن يبلغ الهرم، ومنكم من يموت شابا وصبيا صغيرا وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عاجزين عن إهلاككم عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ
أو إبدالكم بامثالكم وَنُنْشِئَكُمْ
ونخلقكم فِي ما لا تَعْلَمُونَ
من الصور. قال مجاهد: في أي خلق شئنا.
وقال سعيد بن المسيب فِي ما لا تَعْلَمُونَ
يعني في حواصل طير تكون ببرهوت كأنها الخطاطيف، وبرهوت واد باليمن. وقال الحسن وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ
أي نبدل صفاتكم ونجعلكم قردة وخنازير كما فعلنا بمن كان قبلكم.
وقال السدي: نخلقكم في سوى خلقكم.
وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الخلقة الْأُولى ولم تكونوا شيئا، فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ أي قادر على إعادتكم كما قدرت على إبدائكم.
وقال الحسين بن الفضل في هذه الوجوه: وإن كانت غير مردودة، فالذي عندي في هذه الآية وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى
أي خلقتكم للبعث بعد الموت من حيث لا تعلمون كيف شئت وذلك أنكم علمتم النشأة الأولى كيف كانت في بطون الأمهات وليست الأخرى كذلك.
أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ أي تثيرون الأرض وتعملون فيها وتطرحون البذر أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ تنبتونه أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ؟.
أخبرني الحسين، حدّثنا عمر بن محمد بن علي الزيات، حدّثنا أبو عبد الله أحمد بن عبد الرحمن بن مرزوق، حدّثنا مسلم بن أبي مسلم الجرمي، حدّثنا مخلد بن الحسين عن هشام ابن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «لا يقولن أحدكم: زرعت وليقل حرثت» [203] [[تفسير القرطبي: 17/ 218.]] .
قال أبو هريرة: ألم تسمعوا قول الله عزّ وجل أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ.
لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً هشيما لا ينتفع به في مطعم وغذاء. وقال مرة: يعني نبتا لا قمح فيه.
فَظَلْتُمْ قرأت العامة بفتح الظاء. وقرأ عبد الله بكسره: والأصل ظللتم، فحذف إحدى اللامين تخفيفا، فمن فتحه فعلى الأصل ومن كسره نقل حركة اللام المحذوفة إلى الظاء.
تَفَكَّهُونَ قال يمان: تندمون على نفقاتكم، نظيره فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها [[سورة الكهف: 42.]] .
قتادة: تعجبون. عكرمة: تلاومون. الحسن: تندمون على ما سلف منكم من معصية الله التي أوجبت لكم عقوبته حتى نالكم في زرعكم ما نالكم. ابن زيد: تتفجّعون. ابن كيسان:
تحزنون.
قال: وهو من الأضداد. تقول العرب: تفكهت: أي تنعّمت، وتفكهت: أي حزنت.
قال الفراء: تَفَكَّهُونَ وتفكنون واحد، والنون لغة عكل [[عكل: قبيلة من العرب وقيل: عضل.]] .
وقيل: التفكه التكلم فما لا يعنيك، ومنه قيل للمزاح: فكاهة.
إِنَّا قرأ عاصم برواية أبي بكر والمفضل بهمزتين. الباقون على الخبر. ومجاز الآية فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ وتقولون إِنَّا لَمُغْرَمُونَ قال مجاهد وعكرمة: لمولع بنا. قال ابن عباس وقتادة: يعذبون، والغرام: العذاب.
ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: ملقون للشر. مقاتل بن حيان: مهلكون.
وقال الضحّاك: غرّمنا أموالنا وصار ما أنفقنا غرمنا عليه. مرة الهمداني: محاسبون.
بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ محدودون [ممنوعون] [[في المخطوط: ممنّعون بتشديد النون وفتحها.]] محارفون، والمحروم ضد المرزوق.
قال أنس بن مالك: مرّ رسول الله ﷺ بأرض الأنصار فقال: «ما يمنعكم من الحرث؟
قالوا: الجدوبة. قال: «فلا تفعلوا فإن الله عزّ وجل يقول: أنا الزارع إن شئت زرعت بالماء وإن شئت زرعت بالريح وإن شئت زرعت بالبذر» [[تفسير القرطبي: 17/ 220.]] [204] ثم تلا رسول الله ﷺ أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ الآيات.
أَفَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ السحاب، واحدتها مزنة.
قال الشاعر:
فنحن كماء المزن ما في نصابنا ... كهام ولا فينا يعدّ بخيل [[تفسير القرطبي: 17/ 220.]]
أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً قال ابن عباس: شديد الملوحة. وقال الحسن: قعاعا مرا.
فَلَوْلا تَشْكُرُونَ أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ تقدحون وتستخرجون من زندكم أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها التي تقدح منها النار وهي المرخ والعفار أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ المخترعون؟
نَحْنُ جَعَلْناها يعني نار الدنيا تَذْكِرَةً للنار الكبرى.
أخبرنا ابن سعيد بن حمدون، حدّثنا ابن الشرقي، حدّثنا محمد بن يحيى وعبد العزيز بن بشير وأحمد بن يوسف قالوا: حدّثنا عبد الرزاق، حدّثنا معمر عن همام بن منبه قال: هذا ما حدّثنا أبو هريرة عن محمد رسول الله ﷺ قال: «ناركم هذه التي توقد بنو آدم جزءا من سبعين جزءا من حرّ جهنم» .
قالوا: والله إن كانت لكافيتنا برسول الله. قال: «فإنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءا كلها مثل حرّها» [[صحيح مسلم: 8/ 149.]] [205] .
وَمَتاعاً بلغة ومنفعة لِلْمُقْوِينَ المسافرين النازلين في الأرض القيّ والقوى، وهي القفر الخالية البعيدة من العمران والأهلين، يقال: أقوت الدار إذا دخلت من سكانها.
قال الشاعر:
أقوى وأقفر من نعم وغيّرها ... هوج الرياح بهابي الترب موار [[الهوج: الريح التي تستوي في هبوبها، والهابي من هباء الغبار أي سطع، وموار: تحرك بسرعة، والبيت في تفسير الطبري: 27/ 264.]]
وقال النابغة:
يا دارميّة بالعلياء فالسند ... بها أقوت وطال عليها سالف الأبد [[ديوان النابغة الجعدي: 35.]]
هذا قول أكثر المفسرين، وقال مجاهد لِلْمُقْوِينَ يعني للمستمتعين من الناس أجمعين، المسافرين والحاضرين يستضيء بها في الظلمة ويصطلي بها في البرد وينتفع بها في الطبخ والخبز ونتذكر بها نار جهنم فنستجير الله منها.
وقال الحسن: بلغة المسافرين يبلغون بها إلى أسفارهم يحملونها في الخرق والجواليق.
وقال الربيع والسدي: يعني للمرملين المعترين الذين لا زاد معهم، نارا يوقدون فيختبزون بها، وهي رواية العوفي عن ابن عباس. قال ابن زيد: للجائعين. تقول العرب: أقويت مذ كذا وكذا أي ما أكلت شيئا.
قال قطرب: المقوي من الأضداد [[في المخطوط: الضداد.]] يكون بمعنى الفقر ويكون بمعنى الغنى. يقال: أقوى الرجل إذا قويت دوابّه، وإذا كثر ماله.
فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ فَلا أُقْسِمُ قال أكثر المفسرين: معناه: أقسم، ولا صلة، وتصديقه قراءة عيسى بن عمر: (فلا أقسم) على التحقيق.
وقال بعض أهل العربية: معناه فليس الأمر كما يقولون، ثم استأنف القسم فقال: أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ يعني نجوم القرآن التي كانت تنزل على [[كذا في المخطوط.]] انكدارها وانتشارها يوم القيامة.
واختلف القراء فيه فقرأ حمزة والكسائي وخلف: بموقع على الواحد، غيرهم:
(بِمَواقِعِ) على الجمع. وهو الاختيار.
وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ إِنَّهُ يعني هذا الكتاب، وهو موضع القسم لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ [حصين] [[كلمة غير مقروءة والأقرب ما أثبتناه.]] عزيز مكرم.
وقال عبد العزيز بن يحيى الكناني: غير مخلوق، وقيل: سمي كريما لأن يسره يغلب عسره.
فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ مصون. عند الله سبحانه محفوظ عن الشياطين وعن جميع ما يشين.