تفسير التستري — الشورى 42:7 – الناس 114:6
المحتويات
- الشورى 42:7
- الشورى 42:8
- الشورى 42:9
- الشورى 42:13
- الشورى 42:20
- الشورى 42:23
- الشورى 42:24
- الشورى 42:52
- الزخرف 43:1
- الزخرف 43:2
- الزخرف 43:4
- الزخرف 43:13
- الزخرف 43:15
- الزخرف 43:32
- الزخرف 43:36
- الزخرف 43:55
- الزخرف 43:69
- الزخرف 43:70
- الزخرف 43:71
- الزخرف 43:72
- الدخان 44:3
- الدخان 44:8
- الدخان 44:10
- الدخان 44:24
- الدخان 44:42
- الجاثية 45:3
- الجاثية 45:13
- الجاثية 45:17
- الجاثية 45:18
- الجاثية 45:19
- الجاثية 45:21
- الجاثية 45:23
- الجاثية 45:26
- الجاثية 45:28
- الجاثية 45:37
- الأحقاف 46:6
- الأحقاف 46:9
- الأحقاف 46:15
- الأحقاف 46:30
- الأحقاف 46:31
- الأحقاف 46:35
- محمد 47:1
- محمد 47:5
- محمد 47:11
- محمد 47:13
- محمد 47:14
- محمد 47:15
- محمد 47:19
- محمد 47:24
- محمد 47:33
- محمد 47:38
- الفتح 48:1
- الفتح 48:2
- الفتح 48:4
- الفتح 48:8
- الفتح 48:9
- الفتح 48:10
- الفتح 48:11
- الفتح 48:25
- الفتح 48:26
- الفتح 48:27
- الفتح 48:29
- الحجرات 49:1
- الحجرات 49:2
- الحجرات 49:3
- الحجرات 49:6
- الحجرات 49:7
- الحجرات 49:8
- الحجرات 49:9
- الحجرات 49:12
- الحجرات 49:14
- الحجرات 49:17
- ق 50:1
- ق 50:8
- ق 50:12
- ق 50:14
- ق 50:18
- ق 50:21
- ق 50:22
- ق 50:29
- ق 50:32
- ق 50:37
- الذاريات 51:15
- الذاريات 51:17
- الذاريات 51:19
- الذاريات 51:20
- الذاريات 51:21
- الذاريات 51:22
- الذاريات 51:24
- الذاريات 51:50
- الذاريات 51:54
- الطور 52:4
- الطور 52:5
- الطور 52:26
- الطور 52:48
- الطور 52:49
- النجم 53:1
- النجم 53:2
- النجم 53:3
- النجم 53:8
- النجم 53:11
- النجم 53:12
- النجم 53:13
- النجم 53:14
- النجم 53:16
- النجم 53:17
- النجم 53:18
- النجم 53:40
- النجم 53:43
- النجم 53:44
- النجم 53:48
- القمر 54:1
- القمر 54:17
- القمر 54:32
- القمر 54:39
- القمر 54:52
- القمر 54:53
- الرحمن 55:4
- الرحمن 55:7
- الرحمن 55:17
- الرحمن 55:19
- الرحمن 55:20
- الرحمن 55:46
- الرحمن 55:56
- الرحمن 55:72
- الواقعة 56:3
- الواقعة 56:7
- الواقعة 56:8
- الواقعة 56:9
- الواقعة 56:10
- الواقعة 56:11
- الواقعة 56:13
- الواقعة 56:25
- الواقعة 56:39
- الواقعة 56:40
- الواقعة 56:83
- الواقعة 56:88
- الواقعة 56:89
- الواقعة 56:90
- الحديد 57:3
- الحديد 57:4
- الحديد 57:6
- الحديد 57:7
- الحديد 57:11
- الحديد 57:12
- الحديد 57:13
- الحديد 57:15
- الحديد 57:16
- الحديد 57:20
- الحديد 57:23
- الحديد 57:27
- الحديد 57:28
- المجادلة 58:9
- المجادلة 58:10
- المجادلة 58:22
- الحشر 59:2
- الحشر 59:7
- الحشر 59:9
- الحشر 59:14
- الحشر 59:18
- الحشر 59:19
- الحشر 59:22
- الممتحنة 60:1
- الممتحنة 60:7
- الممتحنة 60:10
- الصف 61:2
- الصف 61:8
- الصف 61:14
- الجمعة 62:2
- الجمعة 62:3
- الجمعة 62:11
- المنافقون 63:1
- المنافقون 63:9
- التغابن 64:2
- التغابن 64:14
- التغابن 64:15
- الطلاق 65:2
- الطلاق 65:3
- التحريم 66:6
- التحريم 66:8
- الملك 67:1
- الملك 67:2
- الملك 67:12
- الملك 67:14
- الملك 67:15
- الملك 67:22
- القلم 68:1
- القلم 68:3
- القلم 68:4
- القلم 68:44
- القلم 68:49
- الحاقة 69:1
- الحاقة 69:2
- الحاقة 69:17
- الحاقة 69:18
- الحاقة 69:19
- الحاقة 69:24
- الحاقة 69:25
- الحاقة 69:27
- الحاقة 69:28
- الحاقة 69:29
- الحاقة 69:30
- الحاقة 69:32
- الحاقة 69:44
- الحاقة 69:45
- الحاقة 69:46
- الحاقة 69:48
- الحاقة 69:50
- المعارج 70:4
- المعارج 70:5
- المعارج 70:6
- المعارج 70:7
- المعارج 70:19
- المعارج 70:20
- المعارج 70:21
- المعارج 70:22
- المعارج 70:29
- المعارج 70:32
- المعارج 70:33
- نوح 71:7
- نوح 71:25
- الجن 72:1
- الجن 72:2
- الجن 72:18
- الجن 72:22
- المزمل 73:1
- المزمل 73:6
- المزمل 73:8
- المزمل 73:9
- المدثر 74:1
- المدثر 74:2
- المدثر 74:4
- المدثر 74:12
- المدثر 74:56
- القيامة 75:1
- القيامة 75:2
- القيامة 75:9
- القيامة 75:10
- القيامة 75:22
- القيامة 75:23
- القيامة 75:26
- القيامة 75:27
- القيامة 75:28
- القيامة 75:29
- الإنسان 76:5
- الإنسان 76:7
- الإنسان 76:11
- الإنسان 76:18
- الإنسان 76:21
- المرسلات 77:1
- المرسلات 77:3
- المرسلات 77:4
- المرسلات 77:5
- المرسلات 77:6
- المرسلات 77:15
- المرسلات 77:35
- المرسلات 77:46
- النبأ 78:11
- النبأ 78:26
- النبأ 78:33
- النبأ 78:34
- النازعات 79:4
- النازعات 79:16
- النازعات 79:37
- النازعات 79:38
- النازعات 79:40
- عبس 80:21
- عبس 80:22
- عبس 80:25
- عبس 80:26
- عبس 80:34
- عبس 80:37
- التكوير 81:7
- التكوير 81:14
- التكوير 81:26
- التكوير 81:27
- الانفطار 82:5
- الانفطار 82:6
- الانفطار 82:13
- المطففين 83:1
- المطففين 83:15
- المطففين 83:18
- الانشقاق 84:2
- الانشقاق 84:6
- الانشقاق 84:7
- الانشقاق 84:8
- الانشقاق 84:9
- الانشقاق 84:19
- البروج 85:3
- البروج 85:14
- البروج 85:22
- الطارق 86:1
- الطارق 86:3
- الطارق 86:4
- الطارق 86:9
- الطارق 86:10
- الطارق 86:11
- الطارق 86:12
- الطارق 86:16
- الأعلى 87:1
- الأعلى 87:3
- الأعلى 87:14
- الأعلى 87:16
- الغاشية 88:2
- الغاشية 88:3
- الغاشية 88:5
- الغاشية 88:8
- الغاشية 88:9
- الغاشية 88:12
- الغاشية 88:13
- الغاشية 88:17
- الفجر 89:1
- الفجر 89:2
- الفجر 89:3
- الفجر 89:4
- الفجر 89:14
- الفجر 89:15
- الفجر 89:16
- الفجر 89:27
- الفجر 89:28
- الفجر 89:29
- الفجر 89:30
- البلد 90:1
- البلد 90:2
- البلد 90:3
- البلد 90:4
- البلد 90:10
- البلد 90:11
- البلد 90:14
- البلد 90:15
- البلد 90:16
- البلد 90:17
- البلد 90:18
- الشمس 91:3
- الشمس 91:4
- الشمس 91:9
- الشمس 91:10
- الليل 92:1
- الليل 92:2
- الليل 92:3
- الليل 92:4
- الليل 92:5
- الليل 92:6
- الليل 92:7
- الليل 92:8
- الليل 92:10
- الليل 92:11
- الليل 92:13
- الليل 92:17
- الليل 92:18
- الليل 92:21
- الضحى 93:1
- الضحى 93:2
- الضحى 93:4
- الضحى 93:6
- الضحى 93:7
- الضحى 93:8
- الضحى 93:9
- الشرح 94:1
- الشرح 94:2
- الشرح 94:4
- الشرح 94:5
- الشرح 94:7
- التين 95:4
- التين 95:5
- التين 95:6
- العلق 96:6
- العلق 96:14
- العلق 96:17
- العلق 96:18
- القدر 97:1
- القدر 97:4
- القدر 97:5
- البينة 98:5
- البينة 98:8
- الزلزلة 99:6
- الزلزلة 99:7
- العاديات 100:6
- العاديات 100:7
- العاديات 100:8
- القارعة 101:1
- القارعة 101:2
- القارعة 101:3
- القارعة 101:4
- التكاثر 102:3
- التكاثر 102:5
- التكاثر 102:7
- التكاثر 102:8
- العصر 103:1
- العصر 103:2
- العصر 103:3
- الهمزة 104:1
- الهمزة 104:2
- الهمزة 104:3
- الهمزة 104:6
- الفيل 105:1
- الفيل 105:3
- قريش 106:1
- قريش 106:2
- قريش 106:3
- قريش 106:4
- الماعون 107:1
- الماعون 107:2
- الماعون 107:3
- الماعون 107:4
- الماعون 107:5
- الماعون 107:6
- الماعون 107:7
- الكوثر 108:1
- الكوثر 108:2
- الكوثر 108:3
- الكافرون 109:1
- الكافرون 109:2
- الكافرون 109:3
- الكافرون 109:4
- الكافرون 109:5
- الكافرون 109:6
- النصر 110:1
- النصر 110:2
- النصر 110:3
- المسد 111:1
- المسد 111:2
- المسد 111:3
- المسد 111:4
- المسد 111:5
- الإخلاص 112:1
- الإخلاص 112:2
- الإخلاص 112:3
- الإخلاص 112:4
- الفلق 113:1
- الفلق 113:2
- الفلق 113:3
- الفلق 113:4
- الفلق 113:5
- الناس 114:4
- الناس 114:5
- الناس 114:6
الشورى 42:7
قوله: { لتنذر أم القرى ومن حولها } [7] قال: ظاهرها مكة، وباطنها القلب، ومن حوله الجوارح. فأنذرهم لكي يحفظوا قلوبهم وجوارحهم عن لذة المعاصي واتباع الشهوات.
قوله: { وتنذر يوم الجمع } [7]، قال: أي يوم جمع أهل الأرض على ذكره، كجمع أهل السماوات.
قوله: { فريق في الجنة وفريق في السعير } [7] قال: من غرس الشوك لا يجتني عنبا، فاصنعوا ما شئتم، فإن الطريق اثنان، فأي طريق منهما سلكتموه وردتم على أهله.
الشورى 42:8
قوله: { ولو شآء الله لجعلهم أمة واحدة } [8] قال: ظاهرها الكفر وباطنها حركات العبد وسكونه ولو شاء الله لجعلها كلها في طاعته { ولكن يدخل من يشآء في رحمته } [8] أي في طاعته { والظالمون } [8] الذين يدعون الحول والقوة { ما لهم من ولي ولا نصير } [8] على خلاف، وهو السكون في الأمر، والحركة في النهي.
الشورى 42:9
قوله: { وهو يحيي الموتى } [9] باطنها قلوب كل أهل الحق يحييها بذكره ومشاهدته، قال: ولا تحيا النفوس حتى تموت.
الشورى 42:13
قوله: { شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا } [13] فأول من حرم البنات والأمهات والأخوات نوح عليه السلام، فشرع الله لنا محاسن شرائع الأنبياء.
قوله: { والذي أوحينآ إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى } [13] من إقامة الطاعة لله وإقامة الإخلاص فيها، وإظهار الأخلاق والأحوال.
الشورى 42:20
قوله: { من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه } [20] قال: حرث الآخرة القناعة في الدنيا، والرضا في الآخرة، وحرث الدنيا ما أريد به غيره. قال: ووجه آخر، يعني من عمل لله تعالى إيجابا لا طلبا للجزاء صغر عنده كل مطلوب دون الحق عز وجل، فلا يطلب الدنيا ولا الجنة، وإنما يطلب النظر إليه، وهو حظ ذهن نفس الروح، وفهم العقل، وفطنة القلب كما خاطبهم، والاقتداء من غير أن كانت النفس الطبيعية حاضرة هناك، غير أن للنفس منها حظا لامتزاجها بتلك الأنوار، مثل النسيم الطيب. ومن عمل لأجل الدنيا { نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب } [20]، فتشتغل نفسه بتنعم الدنيا التي هي حظها من أجل النصيب في الآخرة، وهو رؤية الحق على الأبد.
الشورى 42:23
قوله تعالى: { قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى } [23] قال: باطنها صلة السنة بالفرض. وحكي عن الحسن في هذه الآية قال: من تقرب إلى الله بطاعته وجبت له محبته.
قوله: { ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا } [23] قال: يعني معرفة حاله في عمله، وقبل دخوله فيه، وبعد فراغه منه أنه سقيم أو صحيح.
الشورى 42:24
قوله تعالى: { فإن يشإ الله يختم على قلبك } [24] قال: يختم على قلبك الشوق والمحبة، فلا تلتفت إلى الخلق، ولا تشتغل في حبهم وإتيانهم.
الشورى 42:52
قوله: { وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم } [52] أي تدعو إلى ربك بنور هدايته.
الزخرف 43:1
قوله تعالى: { حم والكتاب المبين } [1-2] أي بين فيه الهدى من الضلالة والخير من الشر وبين فيه سعادة السعداء وشقاوة الأشقياء.
الزخرف 43:2
قوله تعالى: { حم والكتاب المبين } [1-2] أي بين فيه الهدى من الضلالة والخير من الشر وبين فيه سعادة السعداء وشقاوة الأشقياء.
الزخرف 43:4
{ وإنه في أم الكتاب } [4] قال: هو اللوح المحفوظ. { لدينا لعلي حكيم } [4] قال: أي رفيع مستول على سائر الكتب.
الزخرف 43:13
قوله تعالى: { لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم } [13] قال: إن الله خص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وبعض الصديقين بمعرفة نعم الله تعالى عليهم قبل زوالها وحلم الله عنهم، ومن لم يعرف نعم الله عليه إلا في مطعمه ومشربه ومركبه فقد صغرت عنده نعم الله.
الزخرف 43:15
قوله تعالى: { وجعلوا له من عباده جزءا } [15] أي في عبادته جزءا ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
" إن أحدكم يصلي وليس له من صلاته إلا ثلثها أو ربعها ".
الزخرف 43:32
قوله: { ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات } [32] قال: رفعنا بعضهم على بعض في المعرفة والطاعة عيشا لهم في الدنيا والآخرة.
قوله: { ورحمت ربك خير } [32] أي من كثرة الأعمال لطلب الجزاء.
الزخرف 43:36
قوله تعالى: { ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا } [36] قال: قد حكم الله أنه لا يعرض عبد عن ذكره، وهو أن يرى بقلبه شيئا سواه ساكنا إياه، إلا سلط الله عليه شيطانا ليضله عن طريق الحق ويغريه.
الزخرف 43:55
قوله تعالى: { فلمآ آسفونا انتقمنا منهم } [55] قال: أي فلما غايظونا بالإقامة على المخالفة في الأوامر، وإظهار البدع في الدين، وترك السنن اتباعا لوجود الأهواء، نزعنا نور المعرفة من قلوبهم، وسراج التوحيد من أسرارهم، ووكلناهم إلى أنفسهم وما اختاروه، فضلوا وأضلوا. ثم قال: الاتباع الاتباع، الاقتداء الاقتداء، فإنه سبيل السلف، وما ضل من اتبع، وما نجا من ابتدع.
الزخرف 43:69
قوله تعالى: { الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون } [69،70] بلذة النظر جزاء لما من عليهم من التوحيد عند تجلي المكاشفة لأوليائه، وهو البقاء مع الباقي. ألا ترى كيف خصهم في الإيمان بشرط التسليم لأمره والسكون بين يديه.
الزخرف 43:70
قوله تعالى: { الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون } [69،70] بلذة النظر جزاء لما من عليهم من التوحيد عند تجلي المكاشفة لأوليائه، وهو البقاء مع الباقي. ألا ترى كيف خصهم في الإيمان بشرط التسليم لأمره والسكون بين يديه.
الزخرف 43:71
قوله تعالى: { وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين } [71] قال: أي ما تشتهي الأنفس من ثواب الأعمال، وتلذ الأعين بما فضل الله به من التمكين في وقت اللقاء جزاء لتوحيدهم. قال: الجنة جزاء أعمال الجوارح، واللقاء جزاء التوحيد، ألا ترى أن الله تعالى قال: { وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون } [72].
الزخرف 43:72
قوله تعالى: { وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين } [71] قال: أي ما تشتهي الأنفس من ثواب الأعمال، وتلذ الأعين بما فضل الله به من التمكين في وقت اللقاء جزاء لتوحيدهم. قال: الجنة جزاء أعمال الجوارح، واللقاء جزاء التوحيد، ألا ترى أن الله تعالى قال: { وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون } [72].
الدخان 44:3
قوله تعالى: { إنآ أنزلناه في ليلة مباركة } [3] قال: أنزل الله ليلة القدر القرآن جملة إلى بيت العزة في سماء الدنيا من اللوح المحفوظ على أيدي الملائكة السفرة، وأنزل على روح محمد صلى الله عليه وسلم وهو الروح المبارك، فسماها ليلة القدر مباركة لاتصال البركات بعضها ببعض.
الدخان 44:8
قوله تعالى: { لا إله إلا هو يحيي ويميت } [8] قال: لا إله على الحقيقة إلا من يقدر على الإيجاد من العدم، وعلى العدم من الإيجاد.
الدخان 44:10
قوله تعالى: { يوم تأتي السمآء بدخان مبين } [10] قال: الدخان في الدنيا قسوة القلب والغفلة عن الذكر، ولا عقوبة أعظم في الدنيا من فساد القلب. وقد حكي عن أويس القرني وهرم بن حيان أنهما التقيا يوما، فقال هرم لأويس: ادع الله. فقال: يصلح لك نيتك وقلبك فلن تعالج شيئا أشد منهما، بينما قلبك مقبل إذ هو مدبر، وبينما هو مدبر إذ هو مقبل، ولا تنظر إلى صغير الخطيئة، وانظر إلى عظمة من عصيت، فإنك إن عظمتها فقد عظمت الله تعالى، وإن صغرتها فقد صغرت الله تعالى.
الدخان 44:24
قوله: { واترك البحر رهوا } [24] طريقا ساكنا، وباطنها: اجعل القلب ساكنا إلى تدبيري { إنهم جند مغرقون } [24] يعني المخالفين عن توالي تدبير أنفسهم.
الدخان 44:42
قوله: { إلا من رحم الله } [42] أي من علم الله في سابق علمه أنه مرحوم، أدركته في العاقبة بركة تلك الرحمة، حيث جعل المؤمنين بعضهم شفعاء بعض.
الجاثية 45:3
قوله تعالى: { إن في السماوات والأرض لآيات للمؤمنين } [3] قال: العلامات لمن أيقن بقلبه واستدل بكونها على مكونها.
الجاثية 45:13
قوله تعالى: { وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه } [13] قال: إذا سكن قلب العبد إلى مولاه قويت حال العبد، فسخر له كل شيء، بل أنس به كل شيء، حتى الطيور والوحوش. وحكي عن الثوري قال خرجت مع شيبان الراعي إلى مكة فعرض لنا الأسد. فقلت: يا شيبان أما ترى هذا الكلب. فقال: لا تخف. فما هو إلا أن سمع الأسد كلام شيبان الراعي، حتى جعل يبصبص بذنبه، فأتاه شيبان فأخذ بأذنه وعركها. فقلت له: ما هذه الشهرة يا شيبان؟ فقال: وأي شهرة ترى يا ثوري، والله لولا مخافة الشهرة ما حملت زادي إلى مكة إلا على ظهره. وكان شيبان يحضر صلاة الجمعة، فبصر بذئب عند الغنم، فقال له: اقعد عند الغنم حتى إذا رجعت أعطيتك حملا، فرجع من صلاة الجمعة، فإذا هو بالذئب قاعد يحفظ له الغنم، فأعطاه حملا له. وكان سهل يقول لشاب يصحبه: إن كنت تخاف السباع فلا تصحبني. وسئل سهل: كيف يدرك الرجل منزلة الكرامات؟ فقال: من زهد في الدنيا أربعين يوما صادقا مخلصا فقد ظهرت الكرامات من الله عز وجل له، ومن لم تظهر له فهو لما فقد من زهده من الصدق والإخلاص، أو كلاما نحو هذا.
الجاثية 45:17
قوله تعالى: { وآتيناهم بينات من الأمر } [17] قال: فتحنا أسماعهم لفهم خطابنا، وجعلنا أفئدتهم وعاء لكلامنا، وأعطيناهم فراسة صادقة يحكمون بها في عبادنا حكم يقين وأخبار صدق، فهذه هي البينات من الأمر في طريق الباطن.
الجاثية 45:18
قوله تعالى: { ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها } [18] قال: يعني منهاج سنن من كان من قبلكم من الأنبياء، فإنهم على منهاج الهدى والشريعة الشارع الممتد الواضح إلى طريق النجاة وسبيل الرشد.
الجاثية 45:19
قوله تعالى: { إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا } [19] من استغنى بغير الله فبغناه افتقر ومن اعتز بغيره فبعزه ذل، ألا ترى أن الله يقول: { إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا } [19].
الجاثية 45:21
قوله تعالى: { أم حسب الذين اجترحوا السيئات } [21] الآية، قال: ليس من أقعد على بساط الموافقة كمن أقيم في مقام المخالفة، فإن بساط الموافقة يجر بصاحبه إلى مقاعد الصدق، ومقام المخالفة يهوي بصاحبه في لظى.
الجاثية 45:23
قوله تعالى: { أفرأيت من اتخذ إلهه هواه } [23] قال: يعني أفرأيت من كان مغمورا في لذة نفسه من الدنيا، غير ورع ولا تقي، فاتبع مراده ولم يسلك مسالك الاقتداء، وآثر شهوات الدنيا على نعيم العقبى، أنى تكون له في الآخرة من الدرجات الرفيعة والمنازل السنية { وأضله الله على علم } [23] قال: أي على علم الله السابق فيه بترك عصمته ومعونته.
الجاثية 45:26
قوله: { قل الله يحييكم ثم يميتكم ثم يجمعكم } [26] قال: يحييكم في بطون أمهاتكم، ثم يميتكم بجهالة، ويجمعكم إلى يوم القيامة أولكم وآخركم لا ريب فيه.
الجاثية 45:28
قوله تعالى: { وترى كل أمة جاثية } [28] قال: على ركبها تجادل عن نفسها عند المرافقة الصادق يجتهد في تحقيق صدقه، والجاحد يجتهد في الدفع عن نفسه، وكل محكوم عليه في الذي أملاه، مدده ريقه، وقلمه لسانه، وقرطاسه جوارحه.
الجاثية 45:37
قوله: { وله الكبريآء في السماوات والأرض } [37] قال: العلو والقدرة والعظمة والحول والقوة له في جميع الملك، فمن اعتصم به أيده بحوله وقوته، ومن اعتمد على نفسه وكله الله إليها.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
الأحقاف 46:6
قوله تعالى: { وإذا حشر الناس كانوا لهم أعدآء } [6] قال: في نفوسهم التي أقادتهم إلى متابعتها في الجزاء على أحكام هواها، لأنها تشهد عليهم. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" إن أعدى عدو المرء نفسه التي بين جنبيه ".
الأحقاف 46:9
قوله تعالى: { قل ما كنت بدعا من الرسل } [9] قال: أي كانت قبلي رسل يأمرون بما آمر به، وينهون عما أنهى عنه، وما كنت عجبا من الرسل، فإني لم أدعكم إلا إلى التوحيد، ولم أدلكم إلا على مكارم الأخلاق، وبهذا بعثت الأنبياء قبلي.
قوله تعالى:
وقال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي
[النمل:19] قال: أي ألهمني التوبة والعمل بالطاعة.
الأحقاف 46:15
قوله: { وأصلح لي في ذريتي } [15] قال: اجعلهم لك عبيد حق، ولي خلف صدق.
الأحقاف 46:30
قوله: { يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم } [30] قال: أي يدل على طريق الحق بالخروج عن المعاملات والرسومات والتحقيق بالحق، وهو الصراط المستقيم.
الأحقاف 46:31
قوله: { يقومنآ أجيبوا داعي الله } [31] قال: لا يجيب الداعي إلا من سمع النداء، فوفق للخيرات وأيقن، وإلا فمن يحسن إجابة الدعوة. وقال: إن في قلب كل مؤمن داعيا يدعوه إلى رشده، فالسعيد من سمع دعاء الداعي فاتبعه.
الأحقاف 46:35
قوله تعالى: { فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل } [35] قال: يعني اصبر صبر أهل المعرفة، كما صبر أولو العزم من الرسل الذين كانوا قبلك رضى وتسليما من غير شكوى ولا جزع. وقال: أولو العزم من الرسل إبراهيم صلوات الله عليه، ابتلي بالنار وذبح الولد فرضي وسلم؛ وأيوب عليه السلام بالبلاء؛ وإسماعيل بالذبح فرضي؛ ونوح بالتكذيب فصبر؛ ويونس ببطن الحوت فدعا والتجأ؛ ويوسف صلوات الله عليه بالسجن والجب فلم يتغير؛ ويعقوب بذهاب البصر وفقدان الولد، فشكا بثه إلى الله، ولم يشك إلى غيره، وهم اثنا عشر نبيا صلوات الله عليهم، صبروا على ما أصابهم، فهم أولو العزم من الرسل، والله سبحانه وتعالى أعلم.
محمد 47:1
قوله تعالى: { الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم } [1] قال: أضلها في إطلاق القول بلا حقيقة معه.
محمد 47:5
قوله: { سيهديهم ويصلح بالهم } [5] قال: يعني سيهديهم في قبورهم لجواب منكر ونكير ويصلح بالهم. قال: أي صلح يسرع لهم في القلب بمباشرة الجزاء، وفي الآخرة بلذة اللقاء عند تجلي المكاشفة كفاحا، والتولي لهم عند ذلك.
محمد 47:11
كما قال: { ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا } [11] أي بالرضى والمحبة والحفظ على مقام القرب.
محمد 47:13
قوله: { وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم فلا ناصر لهم } [13] في الآية دليل على تفضيله على الكليم، لأنه لم يخرج خوفا منهم، كما خرج موسى عليه السلام، ولكنه خرج كما قال الله تعالى: { أخرجتك } [13] ولم يقل خرجت ولا جزعت، لأنه لله وبالله في جميع أوقاته، فلم يجز منه التفات إلى الغير بحال ما.
محمد 47:14
قوله: { أفمن كان على بينة من ربه } [14] قال: المؤمن على بيان من ربه، ومن كان على بينة من ربه لزم الاقتداء بالسنن.
محمد 47:15
قوله: { ومغفرة من ربهم } [15] قال: المغفرة من ربهم في الجنة ما يغشاهم عند النظر إلى الحق من أنواره.
محمد 47:19
قوله: { واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات } [19] قال: يعني استغفر من همة نفس الطبع. قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" ما منا إلى من هم فعصى "
، يعني همت نفسه عليه على قلبه بحظها من عاجل شهوتها بشيء دونه، ثم أعرض عن ذلك واستغفر الله، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله تعالى في كل يوم سبعين مرة ".
قوله تعالى: { فاعلم أنه لا إله إلأ الله } [19] قال: الخلق كلهم موتى إلا العلماء، ولذلك دعا نبيه صلى الله عليه وسلم إلى محل الحياة بالعلم بقوله: { فاعلم } [19].
محمد 47:24
قوله: { أم على قلوب أقفالهآ } [24] قال: إن الله تعالى خلق القلوب وأقفل عليها بأقفال، وجعل مفاتيحها حقائق الإيمان، فلم يفتح بتلك المفاتيح على التحقيق إلا قلوب أوليائه والمرسلين صلوات الله عليهم أجمعين والصديقين وسائر الناس يخرجون من الدنيا، ولم تفتح أقفال قلوبهم، والزهاد والعباد والعلماء خرجوا منها وقلوبهم مقفلة، لأنهم طلبوا مفاتيحها في العقل، فضلوا الطريق، ولو طلبوه من جهة التوفيق والفضل لأدركوه، والمفتاح أن تعلم أن الله قائم عليك، رقيب على جوارحك، وتعلم أن العمل لا يكمل إلا بالإخلاص مع المراقبة.
محمد 47:33
قوله: { أطيعوا الله وأطيعوا الرسول } [33] أي في تعظيم الله، { ولا تبطلوا أعمالكم } [33] أي برؤيتها من أنفسكم ومطالبة الأعواض من ربكم، فإن العمل الخالص الذي لم يطلب به العوض.
محمد 47:38
قوله تعالى: { والله الغني وأنتم الفقرآء } [38] قال: معرفة السر كله في الفقر، وهو سر الله، وعلم الفقر إلى الله تعالى تصحيح علم الغنى بالله عز وجل.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
الفتح 48:1
قوله تعالى: { إنا فتحنا لك فتحا مبينا } [1] قال: يعني أسرار العلوم في قلبك حتى ظهر عليك آثارها، وهي من أعلام المحبة وتمام النعمة.
الفتح 48:2
{ ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر } [2] قال: أي ما تقدم من ذنب أبيك آدم صلوات الله عليه وأنت في صلبه، وما تأخر من ذنوب أمتك، إذ كنت قائدهم ودليلهم.
الفتح 48:4
قوله تعالى: { هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين } [4] يعني الطمأنينة. فأول ما كاشف الله به عباده المعارف، ثم الوسائل، ثم السكينة، ثم البصائر. فمن كاشفه الحق بالبصائر عرف الأشياء بما فيها من الجواهر، كأبي بكر الصديق رضي الله عنه ما أخطأ في نطق.
قوله: { ولله جنود السماوات والأرض } [4] قال: جنوده مختلفة، فجنوده في السماء الأنبياء، وفي الأرض الأولياء؛ وجنوده في السماء القلوب، وفي الأرض النفوس؛ ما سلط الله عليك فهو من جنوده؛ وإن سلط الله عليك نفسك أهلك نفسك بنفسك، وإن سلط عليك جوارحك أهلك جوارحك بجوارحك، وإن سلط نفسك على قلبك قادتك إلى متابعة الهوى، وإن سلط قلبك على نفسك وجوارحك زمها بالأدب، وألزمها العبادة، وزينها بالإخلاص في العبودية، فهذا كله جنود الله.
الفتح 48:8
قوله: { إنآ أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا } [8] قال: شاهدا عليهم بالتوحيد، ومبشرا لهم بالمعونة والتأييد، ومحذرا عن البدع والضلالات.
الفتح 48:9
قوله: { وتعزروه وتوقروه } [9] قال: أي تعظموه غاية التعظيم في قلوبكم، وتطيعوه بأبدانكم؛ ولهذا سمى التعزير تعزيرا لأنه أكبر التأديب.
الفتح 48:10
قوله: { يد الله فوق أيديهم } [10] قال: أي حول الله وقوته فوق قوتهم وحركتهم، وهو قولهم للرسول صلى الله عليه وسلم عند البيعة: " بايعناك على أن لا نفر ونقاتل لك ". وفيها وجه آخر: { يد الله فوق أيديهم } [10] أي منة الله عليهم في الهداية لبيعتهم وثوابه لهم فوق بيعتهم وطاعتهم لك.
الفتح 48:11
قوله: { شغلتنآ أموالنا وأهلونا } [11] اعتذروا به، فحكاه الله لك لتعلم أن الإقبال على الله عز وجل بترك الدنيا وما فيها، فإنها تشغل عن الله؛ ألا ترى المنافقين كيف اعتذروا بقولهم: { شغلتنآ أموالنا وأهلونا } [11].
الفتح 48:25
قوله: { ولولا رجال مؤمنون ونسآء مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم } [25] قال: المؤمن على الحقيقة من لا يغفل عن نفسه، وقلبه يفتش أحواله ويراقب أوقاته، فيرى زيادته من نقصانه، فيشكر عند رؤية الزيادة، ويتفرغ ويدعو عند النقصان، هؤلاء الذين بهم يدفع الله البلاء عن أهل الأرض، ولا يكون المؤمن متهاونا بأدنى التقصير، فإن التهاون بالقليل يستوجب الكثير. قال: فإن العبد لا يجد طعم الإيمان حتى يدع ست خصال: يدع الحرام والسحت والشبهة والجهل والمسكر والرياء، ويتمسك بالعلم وتصحيح العمل والنصح بالقلب والصدق باللسان والصلاح مع الخلق في معاشرتهم والإخلاص لربه في معاملته. قال: وكتاب الله مبني على خمس: الصدق والاستخارة والاستشارة والصبر والشكر.
الفتح 48:26
قوله: { وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها } [26] قال: هي كلمة لا إله إلا الله فإنها رأس التقوى. ثم قال: خير الناس المسلمون، وخير المسلمين المؤمنون، وخير المؤمنين العلماء العاملون، وخير العاملين الخائفون، وخير الخائفين المخلصون المتقون الذين وصلوا إخلاصهم وتقواهم بالموت، فإن مثله كمثل راكب السفينة بالبحر، لا يدري أينجو منه أن يغرق فيه، والذين تم لهم ذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: { وألزمهم كلمة التقوى } [26].
الفتح 48:27
قوله: { لتدخلن المسجد الحرام إن شآء الله آمنين } [27] قيل: ما هذا الاستثناء؟ قال: هذا تعليم للعباد وتأديب لهم بشدة الافتقار إليه في كل وقت وحال وتأكيد، فإن الحق إذا استثني مع كمال علمه لم يكن لأحد من عباده مع قصور علمهم أن يحكم في شيء من غير استثناء.
الفتح 48:29
قوله تعالى: { سيماهم في وجوههم من أثر السجود } [29] قال: المؤمن بالله وجه بلا قفا، مقبل عليه غير معرض عنه، ذلك سيما المؤمن. وقال عامر ابن عبد قيس: كاد المؤمن يخبر عن مكنون علمه، وكذلك وجه الكافر، وذلك قوله: { سيماهم في وجوههم } [29] وقال ابن مسعود رضي الله عنه: سر المؤمن يكون رداء عليه.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
الحجرات 49:1
قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله } [1] قال: إن الله تعالى أدب عباده المؤمنين، أي لا تقولوا قبل أن يقول، فإذا قال فأقبلوا عليه ناصتين له، مستمعين إليه، واتقوا الله في إهمال حقه، وتضييع حرمته { إن الله سميع } [1] ما تقولون { عليم } [1] بما تعملون.
الحجرات 49:2
قوله تعالى: { لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي } [2] أي لا تخاطبوه إلا متفهمين، ثم بين كرامة من عظمه فقال: { أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى } [3] أي أخلص نياتهم له.
الحجرات 49:3
قوله تعالى: { لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي } [2] أي لا تخاطبوه إلا متفهمين، ثم بين كرامة من عظمه فقال: { أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى } [3] أي أخلص نياتهم له.
الحجرات 49:6
قوله: { إن جآءكم فاسق بنبإ } [6] قال: الفاسق الكذاب. وباطنها تأديب من بلغه ذمه من أحد بأن لا يعجل بعقوبته ما لم يتعرف ذلك من نفسه.
الحجرات 49:7
قوله: { ولكن الله حبب إليكم الأيمان وزينه في قلوبكم } [7] قال: أي استخلص قلوبكم عطفا منه في عبادته بالإخلاص فيها، إذ الاستخلاص من عطفه، والإخلاص من حقه، ولن يقدر العبد على تأدية حقه إلا بعطفه بالمعونة عليه بأسباب الإيمان، وهي الحجج القاطعة والآيات المعجزة.
قوله: { وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان } [7] خوفا من عاقبته المذمومة.
الحجرات 49:8
قوله: { فضلا من الله ونعمة } [8] قال: تفضل الله عليهم فيما ابتدأهم به، وهداهم إليه بأنواع القرب والزلف.
الحجرات 49:9
قوله: { وإن طآئفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما } [9] قال: ظاهرها ما عليه أهل التفسير، وباطنها هو الروح والعقل والقلب والطبع والهوى والشهوة، فإن بغى الطبع والهوى والشهوة على القلب والعقل والروح فليقاتله العبد بسيوف المراقبة وسهام المطالعة وأنوار الموافقة، ليكون الروح والعقل غالبا والهوى والشهوة مغلوبا.
الحجرات 49:12
قوله: { اجتنبوا كثيرا من الظن } [12] قال: أي لا تطعنوا على أحد بسوء الظن من غير حقيقة. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" أكذب الحديث الظن "
ثم قال سهل: الظن السيئ من الجهل من نفس الطبع، وأجهل الناس من قطع على قلبه من غير علم، فقد قال الله تعالى:
وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين
[فصلت:23] وإن العبد ليحرم الرزق الهني وصلاته بالليل بسوء الظن. وقد كان رجل من العباد نام ليلة عن ورده، فجزع عليه، فقيل: أتجزع على ما تدركه؟ قال: لست أجزع عليه، وإنما أجزع على الذنب الذي به صرت محروما عن ذلك الخير. فقيل لسهل: ما معنى قوله صلى الله عليه وسلم:
" احترسوا من الناس بسوء الظن "
، فقال: معنى هذا بسوء الظن بنفسك لا بالناس، أي اتهم نفسك بأنك لا تنصفهم من نفسك في معاملاتهم.
قوله تعالى: { ولا تجسسوا } [12] قال: أي لا تبحث عن المعائب التي سترها الله على عباده، فإنك ربما تبتلى بذلك. وقد حكي عن عيسى عليه السلام أنه كان يقول: لا تكثروا الكلام في غير ذكر الله عز وجل، فتقسوا قلوبكم، فإن القلب القاسي بعيد من الله ولا تنظروا في ذنوب الناس كأنكم أرباب، وانظروا إلى أعمالكم كالعبيد، واعلموا أن الناس مبتلى ومعافى، فارحموا أهل البلاء وسلوا الله العافية.
قوله: { ولا يغتب بعضكم بعضا } [12] قال: من أراد أن يسلم من الغيبة فليسد على نفسه باب الظنون، فإن من سلم من الظن سلم من الغيبة، ومن سلم من الغيبة سلم من الزور، ومن سلم من الزور سلم من البهتان. قال: وقال ابن عباس رضي الله عنهما: للمنافق غيبة، وليس للفاسق غيبة، لأن المنافق كتم نفاقه، والفاسق افتخر بفسقه. قال: وهذا إنما أراد به فيما أظهره من المعاصي، فأما ما كتمه من المعاصي ففيه غيبة.
الحجرات 49:14
قوله: { قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا } [14] قال: يعني أقررنا مخافة السبي والقتل لأن الإيمان إقرار باللسان صدقا، وإيقان في القلب عقدا، وتحقيقها بالجوارح إخلاصا، وليس في الإيمان أنساب، وإنما الأنساب في الإسلام، والمسلم محبوب إلى الخلق، والمؤمن غني عن الخلق.
الحجرات 49:17
قوله: { يمنون عليك أن أسلموا } [17] أي صدقوك فيما دعوتهم إليه. { بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين } [17] أي عالمين بأن الله هو الذي من عليكم بالهداية في البداية: قال سهل: استعملت الورع أربعين سنة، ثم وقع مني التفات فأدركني قوله: { يمنون عليك أن أسلموا } [17].
والله سبحانه وتعالى أعلم.
ق 50:1
قوله تعالى: { ق } [1] أقسم الله تعالى بقوته وقدرته، وظاهرها الجبل المحيط بالدنيا، وهو أول جبل خلقه الله تعالى، ثم بعده جبل أبي قبيس وهو الجبل الذي فوق الصفا، ودونه بمسيرة سنة جبل تغرب الشمس وراءه، كما قال:
حتى توارت بالحجاب
[ص:32] وله وجه كوجه الإنسان، وقلب كقلوب الملائكة في المعرفة.
قوله: { والقرآن المجيد } [1] قال: يعني المشرف على سائر الكلام.
ق 50:8
قوله: { تبصرة وذكرى لكل عبد منيب } [8] أي مخلص القلب لله بالتوحيد إليه، وإدامة ذكره بواجباته.
ق 50:12
قوله تعالى: { وأصحاب الرس } [12] أي البئر.
ق 50:14
و { الأيكة } [14] الغيضة، وباطنها أصحاب الرس أصحاب الجهل. { وأصحاب الأيكة } [14] متبعو الشهوات.
ق 50:18
قوله تعالى: { ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد } [18] قال: أي حافظ حاضر لا يغيب عنه، ولا يعلم الملك ما في الضمير من الخير والشر إلا عند مساكنة القلوب إياه، فيظهر أثر ذلك على الصدر من الصدر إلى الجوارح نور ورائحة طيبة عند العزم على الخير، وظلمة ورائحة منتنة عند العزم على الشر، والله يعلم ذلك منه على كل حال، فليتقه بقوله:
إن الله كان عليكم رقيبا
[النساء:1].
ق 50:21
قوله تعالى: { وجآءت كل نفس معها سآئق وشهيد } [21] يعني كتبة في الدنيا تسوقه إلى المحشر، ويشهدون له وعليه، فيقول العبد: أليس قولك الحق وقد قلت:
وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها
[إبراهيم:34]، وقال نبيك صلى الله عليه وسلم:
" ما منكم أحد يدخل الجنة بعمله إلا برحمة الله "
، فيقول الله تعالى:
" قولي الحق، وصدق نبيي صلى الله عليه وسلم، انطلق إلى الجنة برحمتي "
قال: وهو معنى قوله تعالى:
لهم مغفرة وأجر كبير
[هود:11].
ق 50:22
قوله تعالى: { فبصرك اليوم حديد } [22] يعني بصر قلبك نافذ في مشاهدة الأحوال كلها.
ق 50:29
قوله تعالى: { ما يبدل القول لدي } [29] أي ما يتغير عندي ما سبق في علمي، فيكون بخلاف ما سبق العلم فيه.
ق 50:32
قوله تعالى: { لكل أواب حفيظ } [32] قال: هو الراجع بقلبه من الوسوسة إلى السكون إلى الله تعالى. والحفيظ المحافظ على الأوقات والأحوال بالأوامر والطاعات. وقال ابن عيينة: الأواب الحفيظ الذي لا يقوم من مجلس حتى يستغفر الله منه، خيرا كان أو شرا، لما يرى فيه من الخلل والتقصير.
ق 50:37
قوله تعالى: { إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب } [37] يعني لمن كان له عقل يكسب به علم الشرع.
قوله تعالى: { أو ألقى السمع وهو شهيد } [37] يعني استمع إلى ذكرنا وهو حاضر مشاهد ربه غير غائب عنه. وسئل سهل عن العقل، قال: العقل حسن النظر لنفسك في عاقبة أمرك.
والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.
الذاريات 51:15
قوله تعالى: { إن المتقين في جنات وعيون } [15] قال: المتقي في الدنيا في جنات الرضى يتقلب، وفي عيون الأنس يسبح، هذا باطن الآية.
الذاريات 51:17
قوله تعالى: { كانوا قليلا من الليل ما يهجعون } [17] قال: لا يغفلون ولا ينامون عن الذكر بحال.
الذاريات 51:19
قوله تعالى: { وفي أموالهم حق للسآئل والمحروم } [19] قال: يعني الصدقة على من طلبها منهم ومن لم يطلبها. وقال الحسن البصري: أدركت أقواما إن كان الرجل ليعزم على أهله أن لا يردوا سائلا، ولقد أدركت أقواما إن كان الرجل ليخلف أخاه في أهله أربعين عاما، وإن أهل البيت يبتلون بالسائل، ما هو من الجن ولا من الإنس، وإن الذين كانوا من قبلكم كانوا يأخذون من الدنيا بلاغا، ويبتاعون بالفضل أنفسهم. رحم الله امرأ جعل العيش عيشا واحدا، فأكل كسرة ولبس خلقا، ولزق بالأرض، واجتهد في العبادة، وبكى على الخطيئة، وهرب من العقوبة، وابتغى الرحمة، حتى يأتي عليه أجله وهو كذلك.
" وحكي أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ما لي لا أحب الموت، جعلني الله فداك؟ فقال: هل لك مال؟ قال: نعم. قال: قدم مالك. قال: لا أطيق ذلك يا رسول الله. قال: فإن قلب المرء مع ماله، إن قدمه أحب أن يلحقه، وإن أخره أحب أن يتخلف معه. "
الذاريات 51:20
قوله تعالى: { وفي الأرض آيات للموقنين } [20] قال: يعني للعارفين بالله يستدلون بها على معرفتهم.
الذاريات 51:21
قوله تعالى: { وفي أنفسكم أفلا تبصرون } [21] قال: أي في صورها وتقديرها بأحسن التقادير، وعروقها السائرة فيها كالأنهار الجارية، وشقوقها من غير ألم وصل إليكم بعدما كنتم نطفا، ثم ركبكم من طبق إلى طبق، أفلا تبصرون هذه القدرة البليغة فتؤمنوا بوحدانيته وقدرته، وأن الله تعالى خلق في نفس ابن آدم ألفا وثمانين عبرة، فثلاثمائة وستون منها ظاهرة، وثلاثمائة وستون منها باطنة، لو كشف عنها لأبصرتم، وثلاثمائة وستون منها غامضة لا يعرفها إلا نبي أو صديق، لو بدت منها عبرة لأهل العقول لوصلوا إلى الإخلاص، فإن الله تعالى حجب قلوب الغافلين عن ذكره باتباعهم الشهوات عن هذه العبر، فكشف قلوب العارفين به عنها فأوصلهم إليه.
الذاريات 51:22
قوله تعالى: { وفي السمآء رزقكم وما توعدون } [22] أي تفرغوا لعبادتي ولا يشغلكم طلب الرزق عنا، فإنا نرزقكم، ثم قال: إن الله رضي عنكم بعبادة يوم فارضوا عنه برزق يوم بيوم. قال: وفيها وجه آخر: { وفي السمآء رزقكم } [22] أي من الذكر وثوابه.
الذاريات 51:24
قوله تعالى: { هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين } [24] قال: سماهم مكرمين لأنه خدمهم بنفسه، وكان منذ سبعة أيام لم يطعم شيئا، ينتظر ضيفا، فلما أرسل الله تعالى ملائكته إليه استبشر بهم وخدمهم بنفسه ولم يطعم معهم، وهي علامة الخلة المؤكدة أن يطعم ولا يطعم، ويشفي الغير من ألم ويسقم.
الذاريات 51:50
قوله تعالى: { ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين } [50] قال: يعني ففروا مما سوى الله إلى الله، وفروا من المعصية إلى الطاعة، ومن الجهل إلى العلم، ومن عذابه إلى رحمته، ومن سخطه إلى رضوانه. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" أعوذ بك منك "
، فهذا أيضا باب منه عظيم.
الذاريات 51:54
قوله تعالى: { فتول عنهم فمآ أنت بملوم } [54] قال: أعرض عنهم فقد جهدت في الإبلاغ جهدك.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
الطور 52:4
قوله تعالى: { والبيت المعمور } [4] قال: ظاهرها ما حكى محمد بن سوار بإسناده عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" ليلة أسري بي إلى السماء رأيت البيت المعمور في السماء الرابعة ويروى السابعة يحجه كل يوم سبعون ألف ملك لا يرجعون إليه بعده أبدا "
الحديث بطوله... وباطنها القلب قلوب العارفين معمورة بمعرفته ومحبته، والأنس به، وهو الذي تحجه الملائكة لأنه بيت التوحيد.
الطور 52:5
قوله تعالى: { والسقف المرفوع } [5] هو العمل المرضي الذي لا يراد به جزاء إلا الله تعالى.
الطور 52:26
قوله تعالى: { إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين } [26] قال: أي خائفين وجلين من سوء القضاء وشماتة الأعداء.
الطور 52:48
قوله تعالى: { واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا } [48] يعني ما ظهر على صفاتك من فعل وقدرة يتولى جملتك بالرعاية والكلاية والرضى والمحبة والحراسة من الأعداء.
قوله تعالى: { وسبح بحمد ربك حين تقوم } [48] قال: يعني صل المكتوبة بالإخلاص لربك حين تقوم إليها.
الطور 52:49
قوله تعالى: { ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم } [49] قال: يعني لا تغفل عن ذكر من لا يغفل عن برك وحفظك في كل الأوقات صباحا ومساء.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
النجم 53:1
قوله تعالى: { والنجم إذا هوى } [1] يعني ومحمد صلى الله عليه وسلم إذا رجع من السماء.
النجم 53:2
قوله تعالى: { ما ضل صاحبكم وما غوى } [2] قال: أي ما ضل عن حقيقة التوحيد قط، ولا اتبع الشيطان بحال.
النجم 53:3
قوله تعالى: { وما ينطق عن الهوى } [3] يعني لا ينطق بالباطل قط. قال كان نطقه حجة من حجج الله تعالى، فكيف يكون للهوى والشيطان عليه اعتراض؟
النجم 53:8
قوله تعالى: { ثم دنا فتدلى } [8] قال: يعني قربا بعد قرب.
النجم 53:11
قوله تعالى: { ما كذب الفؤاد ما رأى } [11] من مشاهدة ربه ببصر قلبه كفاحا.
النجم 53:12
قوله تعالى: { أفتمارونه على ما يرى } [12] منا وبنا وما يرى منا بنا أفضل مما يراه به.
النجم 53:13
قوله تعالى: { ولقد رآه نزلة أخرى } [13] قال: يعني في الابتداء حين خلقه الله سبحانه وتعالى. ويقال نورا في عامود النور قبل بدء الخلق بألف ألف عام بطبائع الإيمان مكاشفة الغيب بالغيب قام بالعبودية بين يديه.
النجم 53:14
{ عند سدرة المنتهى } [14] وهي شجرة ينتهي إليها علم كل أحد.
النجم 53:16
{ إذ يغشى السدرة ما يغشى } [16] السدرة من نور محمد صلى الله عليه وسلم في عبادته، كأمثال فراش من ذهب، ويجريها الحق إليه من بدائع أسراره، كل ذلك ليزيده ثباتا لما يرد عليه من الموارد.
النجم 53:17
{ ما زاغ البصر وما طغى } [17] قال: ما مال إلى شواهد نفسه ولا إلى مشاهدتها، وإنما كان مشاهدا بكليته ربه تعالى، شاهدا ما يظهر عليه من الصفات التي أوجبت الثبات في ذلك المحل.
النجم 53:18
{ لقد رأى من آيات ربه الكبرى } [18] يعني ما يبدي من صفاته من آياته رآها، ولم يذهب بذلك عن مشهوده، ولم يفارق مجاورة معبوده، وما زاده إلا محبة وشوقا وقوة، أعطاه الله قوة احتمال التجلي والأنوار العظيمة، وكان ذلك تفضيلا له على غيره من الأنبياء.
ألا ترى أن موسى صعق عند التجلي، ففي الضعف جابه النبي صلى الله عليه وسلم في مشاهدته كفاحا ببصر قلبه، فثبت لقوة حاله وعلو مقامه ودرجته.
النجم 53:40
قوله تعالى: { وأن سعيه سوف يرى } [40] قال: أي سوف يرى سعيه ويعلم أنه لا يصلح للحق ويعلم الذي يستحقه سعيه، وأنه لو لم يلحقه فضل الله لهلك سعيه.
النجم 53:43
قوله تعالى: { وأنه هو أضحك وأبكى } [43] قال: يعني أضحك المطيع بالرحمة، وأهلك العاصي بالسخط، وأضحك قلوب العارفين بنور معرفته، وأبكى قلوب أعدائه بظلمات سخطه.
النجم 53:44
{ وأنه هو أمات وأحيا } [44] قال: أمات قلوب الأعداء بالكفر والظلمة، وأحيا قلوب الأولياء بالإيمان وأنوار المعرفة.
النجم 53:48
{ وأنه هو أغنى وأقنى } [48] قال: ظاهرها متاع الدنيا، وباطنها أغنى بالطاعة وأفقر بالمعصية. وقال ابن عيينة: أغنى وأقنى أي أقنع وأرضى.
والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.
القمر 54:1
قوله تعالى: { اقتربت الساعة وانشق القمر } [1] على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلقتين، حتى ذهبت فلقة وراء جبل حراء، وهي أول علامة الساعة. وحكي عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: كنت مع أبي بالمدائن، وكانت الجمعة، فذهب بي إلى الجمعة وهو آخذ بيدي، فقام حذيفة بن اليمان على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: { اقتربت الساعة وانشق القمر } [1]، ألا وإن الساعة قد اقتربت، وإن القمر قد انشق، ألا وإن الدنيا قد أدبرت، ألا وإن المضمار اليوم، والسباق غدا. فلما خرجنا قلت: يا أبت، غدا يستبق الناس. قال: يا بني السباق غدا. [فقلت لأبي: أيستبق الناس غدا؟ قال: يا بني] إنك لجاهل، إنما يقول من عمل اليوم سبق في الآخرة.
القمر 54:17
قوله تعالى: { ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر } [17] أي هونا القرآن للذكر، ولولا ذلك لما أطاقت الألسنة أن تتكلم به، فهل من مدكر لهذه النعمة.
القمر 54:32
قوله تعالى: { ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر } [32] أي هونا القرآن للذكر، ولولا ذلك لما أطاقت الألسنة أن تتكلم به، فهل من مدكر لهذه النعمة.
القمر 54:39
قوله تعالى: { ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر } [39] أي هونا القرآن للذكر، ولولا ذلك لما أطاقت الألسنة أن تتكلم به، فهل من مدكر لهذه النعمة.
القمر 54:52
قوله تعالى: { وكل شيء فعلوه في الزبر } [52] قال: يعني في الكتب التي تكتبها الحفظة.
القمر 54:53
{ وكل صغير وكبير مستطر } [53] أي مكتوب في الكتاب، فيعرض عليهم يوم القيامة بين يدي الله تعالى. وقد حكي عن أبي حازم أنه قال: ويحك يا أعرج، ينادي يوم القيامة: يا أهل خطيئة كذا فتقوم معهم، ثم ينادى: يا أهل خطيئة كذا فتقوم معهم، وأراك يا أعرج تقوم مع أهل كل خطيئة، والله سبحانه وتعالى أعلم.
الرحمن 55:4
قوله تعالى: { علمه البيان } [4] قال: يعني علمه الكلام الذي هو من نفس الروح وفهم العقل وفطنة القلب وذهن الخلق وعلم نفس الطبع، ألهم الله ذلك آدم عليه السلام وبين ذلك.
الرحمن 55:7
قوله تعالى: { ووضع الميزان } [7] قال: باطنها الأمر والنهي على الجوارح.
الرحمن 55:17
قوله تعالى: { رب المشرقين ورب المغربين } [17] قال: باطنها مشرق القلب ومغربه ومشرق اللسان ومغربه، ومشرق توحيده ومغربه مشاهدته. وقال تعالى:
برب المشارق والمغارب
[المعارج:40] أي مشارق الجوارح بالإخلاص، ومغاربها بالطاعة للناس ظاهرا وباطنا.
الرحمن 55:19
قوله تعالى: { مرج البحرين يلتقيان } [19] قال: أحد البحرين القلب، فيه أنواع الجواهر: جوهر الإيمان وجوهر المعرفة وجوهر التوحيد وجوهر الرضى وجوهر المحبة وجوهر الشوق وجوهر الحزن وجوهر الفقر وغيرها؛ والبحر الآخر النفس.
الرحمن 55:20
قوله تعالى: { بينهما برزخ لا يبغيان } [20] وهو العصمة والتوفيق.
الرحمن 55:46
قوله تعالى: { ولمن خاف مقام ربه جنتان } [46] قال لبيد: هم بمعصية، ثم ذكر مقامه بين يدي الله تعالى يوم الحساب، فانتهى عنها. ولقد بلغني أن شابا في خلافة عمر رضي الله عنه كان له جمال ومنظر، وكان عمر رضي الله عنه يعجبه الشاب ويتفرس فيه الخير، فاجتاز الفتى بامرأة فأعجب بها، فلما أراد أن يهم بالفاحشة نزلت عليه العصمة، فخر لوجهه مغشيا، فحملته المرأة إلى منزله، وكان له أب شيخ كبير، إذا أمسى جلس على الباب ينتظره، فلما رآه الشيخ غشي عليه، فلما أفاق سأله عن حاله، فقص عليه، ثم صاح صيحة فخر ميتا، فلما دفن وقف وقرأ عمر رضي الله عنه على قبره: { ولمن خاف مقام ربه جنتان } [46] فناداه من القبر: إن الله أعطانيهما وزادني معهما ثالثة.
الرحمن 55:56
قوله تعالى: { فيهن قاصرات الطرف } [56] قال: أي غاضات الأبصار عن غير أزواجهن فمن قصر طرفه في الدنيا عن الحرام والشبهات، وعن اللذات وزينتها، أعطاه الله في الجنة قاصرات الطرف، كما وعد.
الرحمن 55:72
قوله تعالى: { حور مقصورات في الخيام } [72] قال: أي محبوسات في الخيام. وقد حكى محمد بن سوار بإسناده عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" إن للمؤمن في الجنة خيمة من لؤلؤة بيضاء طولها ثلاثون ميلا فيها أهلون لا يرى بعضهم بعضا "
، والله سبحانه وتعالى أعلم.
الواقعة 56:3
قوله تعالى: { خافضة رافعة } [3] قال: يعني القيامة تخفض أقواما بالدعاوى، وترفع أقواما بالحقائق.
الواقعة 56:7
قوله تعالى: { وكنتم أزواجا ثلاثة } [7] قال: يعني فرقا ثلاثة.
الواقعة 56:8
{ فأصحاب الميمنة مآ أصحاب الميمنة } [8] يعني الذين يعطون الكتاب بأيمانهم.
الواقعة 56:9
{ وأصحاب المشأمة مآ أصحاب المشأمة } [9] يعني الذين يعطون الكتاب بشمائلهم.
الواقعة 56:10
{ والسابقون السابقون } [10] قال هم الذين سبق لهم من الله الاختيار والولاية قبل كونهم.
الواقعة 56:11
{ المقربون } [11] في منازل القرب وروح الأنس، وهم الذين سبقوا في الدنيا، فسبق الأنبياء إلى الإيمان بالله، وسبق الصديقون والشهداء من الصحابة وغيرهم إلى الإيمان بالأنبياء.
الواقعة 56:13
قوله تعالى: { ثلة من الأولين } [13] قال: يعني فرقة من الأولين وهم أهل المعرفة.
الواقعة 56:25
قوله تعالى: { لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما } [25] قال: ما ذاك بمشهد لغو ولا مكان إثم، لأنه محل قدس بالأنوار للمقدسين من العباد، وقد ظهر منهم وعليهم ما يصلح لذلك المقام.
الواقعة 56:39
قوله تعالى: { ثلة من الأولين } [39] قال: يعني فرقة من الأولين وهم أهل المعرفة.
الواقعة 56:40
{ وثلة من الآخرين } [40] وهم الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وبجميع الرسل والكتب.
الواقعة 56:83
قوله تعالى: { فلولا إذا بلغت الحلقوم } [83] يعني نفسه بلغت الحلقوم، وهو متحير لا يدري ما يصير أمره، كما حكي عن مسروق بن الأجدع أنه بكى حين حضرته الوفاة، فاشتد بكاؤه، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: وكيف لا أبكي، وإنما هي ساعة، ثم لا أدري إلى أين يسلك بي.
الواقعة 56:88
{ فأمآ إن كان من المقربين } [88] يعني الأنبياء والشهداء والصالحين بعضهم أفضل درجة من بعض، منازلهم في القرب على مقدار قرب قلوبهم من المعرفة بالله تعالى.
الواقعة 56:89
{ فروح وريحان } [89] في الجنة. وقال أبو العالية في هذه الآية: لم يكن الرجل منهم يفارق الدنيا حتى يؤتى بغصن من ريحان الجنة فيشمه ثم تفيض روحه فيها.
الواقعة 56:90
{ وأمآ إن كان من أصحاب اليمين } [90] قال: يعني الموحدين العاقبة لهم لأنهم أمناء الله قد أدوا الأمانة، يعني أمره ونهيه والتابعين بإحسان لم يحدثوا شيئا من المعاصي والزلات، فأمنوا الخوف والهول الذي ينال.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
الحديد 57:3
قوله تعالى: { هو الأول والآخر } [3] قال: اسم الله الأعظم مكنى عنه في ست آيات من أول سورة الحديد من قوله: { هو الأول والآخر والظاهر والباطن } [3] وليس المعنى في الأسماء إلا المعرفة بالمسمى، والمعنى في العبادة إلا المعرفة في العبودية. ومعنى الظاهر ظاهر العلو والقدرة والقهر، والباطن الذي عرف ما في باطن القلوب من الضمائر والحركات.
الحديد 57:4
قوله تعالى: { يعلم ما يلج في الأرض } [4] قال: باطن الآية الأرض نفس الطبع، فيعلم ما يدخل القلب الذي فيها له من الصلاح والفساد.
{ وما يخرج منها } [4] من فنون الطاعات، فتبين آثارها وأنوارها على الجوارح.
{ وما ينزل من السمآء } [4] عليها من آداب الله تعالى إياه. { وما يعرج فيها } [4] إلى الله من الروائح الطيبة والذكر.
الحديد 57:6
قوله تعالى: { ويولج النهار في الليل } [6] قال: باطنها الليل نفس الطبع والنهار نفس الروح، فإذا أراد الله تعالى بعبده خيرا ألف بين طبعه ونفس روحه على إدامة الذكر، فأظهر ذلك على مقابلة أنوار الخشوع.
الحديد 57:7
قوله تعالى: { آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه } [7] قال: يعني ورثكم من آبائكم وملككم، فأنفقوا عيش أنفسكم الطبيعية من الدنيا في طاعته وطاعة رسوله.
{ فالذين آمنوا منكم وأنفقوا } [7] أعمارهم في الوجوه التي أمرهم الله بالإنفاق فيها.
{ لهم أجر كبير } [7] وهو البقاء مع الباقي في جنته ورضاه.
الحديد 57:11
قوله تعالى: { من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا } [11] قال: أعطى الله عباده فضلا، ثم سألهم قرضا حسنا، والقرض الحسن المشاهدة فيه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" اعبد الله كأنك تراه ".
وحكي عن أبي حازم أنه قال: إن بضاعة الآخرة كاسدة، فاستكثروا من أوان كسادها، فإذا جاء يوم نفاقها لم تقدروا منها على قليل ولا على كثير.
الحديد 57:12
قوله تعالى: { يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم } [12] قال: نور المؤمن يسعى بين يديه، له هيبة في قلوب الموافقين والمخالين، يعظمه الموافق ويعظم شأنه، ويهابه المخالف ويخافه، وهو النور الذي جعله الله تعالى لأوليائه، ولا يظهر ذلك النور لأحد إلا إن انقاد له وخضع، وهو من نور الإيمان، ثم وصف المنافقين أنهم يقولون لهم: { انظرونا نقتبس من نوركم } [13] فنمضي معكم على الصراط فإنا في الظلمة، فتقول لهم الملائكة: { ارجعوا ورآءكم فالتمسوا نورا } [13] بعقولكم التي كنتم تدبرون بها أموركم في الدنيا، فيرجعون إلى ورائهم، فيضرب الله بين أنفسهم وبين عقولهم سورا وقد ستر الخيرة، فلا يصلون إلى طريق هدى، حتى إذا انتهوا في السير على الصراط سقطوا في جهنم خالدين فيها.
الحديد 57:13
قوله تعالى: { يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم } [12] قال: نور المؤمن يسعى بين يديه، له هيبة في قلوب الموافقين والمخالين، يعظمه الموافق ويعظم شأنه، ويهابه المخالف ويخافه، وهو النور الذي جعله الله تعالى لأوليائه، ولا يظهر ذلك النور لأحد إلا إن انقاد له وخضع، وهو من نور الإيمان، ثم وصف المنافقين أنهم يقولون لهم: { انظرونا نقتبس من نوركم } [13] فنمضي معكم على الصراط فإنا في الظلمة، فتقول لهم الملائكة: { ارجعوا ورآءكم فالتمسوا نورا } [13] بعقولكم التي كنتم تدبرون بها أموركم في الدنيا، فيرجعون إلى ورائهم، فيضرب الله بين أنفسهم وبين عقولهم سورا وقد ستر الخيرة، فلا يصلون إلى طريق هدى، حتى إذا انتهوا في السير على الصراط سقطوا في جهنم خالدين فيها.
الحديد 57:15
قوله تعالى: { فاليوم لا يؤخذ منكم فدية } [15] يعني لا يؤخذ منكم فداء عن أنفسكم. قال ابن سالم: خدمت سهل بن عبدالله ستين سنة، فما تغير في شيء من الذكر أو غيره، فلما كان آخر يوم من عمره قرأ رجل بين يديه هذه الآية: { فاليوم لا يؤخذ منكم فدية } [15] فرأيته ارتعد واضطرب حتى كاد يسقط، فلما رجع إلى حال صحوه سألته عن ذلك وقلت: لم يكن عهدي بك هذا. فقال: نعم يا حبيبي قد ضعفت. فقلت: ما الذي يوجب قوة الحال؟ فقال: لا يرد عليه وارد إلا هو يبتلعه بقوته، فمن كان كذلك لا تغيره الواردات، وإن كانت قوية. وكان يقول: حالي في الصلاة وقبل الدخول فيها سواء. وذلك أنه كان يراعي قلبه، ويراقب الله تعالى بسره قبل دخوله، فيقوم إلى الصلاة بحضور قلبه وجمع همته.
الحديد 57:16
قوله تعالى: { ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله } [16] قال: ألم يحن لهم أوان الخشوع عند سماع الذكر، فيشاهدوا الوعد والوعيد مشاهدة الغيب.
قوله تعالى: { فقست قلوبهم } [16] قال يعني باتباع الشهوة.
الحديد 57:20
قوله تعالى: { أنما الحياة الدنيا لعب ولهو } [20] قال: الدنيا نفس نائمة، والآخرة نفس يقظانة. قيل: فما النجاة منها؟ قال: أصل ذلك العلم، ثم ثمرته مخالفة الهوى في اجتناب المناهي، ثم مكابدة النفس على أداء الأوامر على الطهارة من الأدناس، فيورث السهولة في التعبد والحلول بعده في مقامات العابدين، ثم يذيقه الله ما أذاق أولياءه وأصفياءه وهي درجة المذاق.
قال: وذكر لنا أن إبراهيم خليل الرحمن عليه الصلاة والسلام أصابه يوما عطش شديد في مفازة يوم شديد الحر، فنظر إلى حبشي يرعى الإبل فقال: هل عندك ماء؟ فقال: يا إبراهيم أيما أحب إليك الماء أو اللبن؟ فقال: الماء. قال: فضرب بقدمه على صخرة فنبع الماء، فتعجب إبراهيم عليه الصلاة والسلام، فأوحى الله إلى إبراهيم: لو سألني هذا الحبشي أن أزيل السماوات والأرض لأزلتهما. فقال: ولم ذلك يا رب؟ قال: لأنه ليس يريد من الدنيا والآخرة غيري.
وقال عامر بن عبد القيس: وجدت الدنيا أربع خصال فأما خصلتان فقد طابت نفسي عنهما: النساء وجمع الماء، وأما الخصلتان فلا بد منهما وأنا مصرفهما ما استطعت: النوم والطعام.
الحديد 57:23
قوله تعالى: { لكيلا تأسوا على ما فاتكم } [23] قال: في هذه الآية دليل على الرضا في الشدة والرخاء.
الحديد 57:27
قوله عز وجل: { ورهبانية ابتدعوها } [27] قال: الرهبانية مأخوذة من الرهبة، وهو الخوف، ومعناه ملازمة الخوف من غير طمع. { ما كتبناها عليهم } [27] أي ما تعبدناهم بذلك.
الحديد 57:28
قوله عز وجل: { يؤتكم كفلين من رحمته } [28] قال: يعني الرحمة وعين الرحمة، فالسر سر المعرفة، والعين عين الطاعة لله ولرسوله.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
المجادلة 58:9
قوله عز وجل: { وتناجوا بالبر والتقوى } [9] قال: بذكر الله وقراءة القرآن والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
المجادلة 58:10
قوله تعالى: { إنما النجوى من الشيطان } [10] قال: النجوى إلقاء من العدو إلى نفس الطبع كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" للملك لمة وللشيطان لمة ".
المجادلة 58:22
قوله تعالى: { لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوآدون من حآد الله ورسوله } [22] قال: كل من صح إيمانه فإنه لا يأنس بمبتدع ويجابهه، ولا يؤاكله ولا يشاربه ولا يصاحبه، ويظهر له من نفسه العداوة والبغضاء، ومن داهن مبتدعا سلبه الله حلاوة السنن، ومن تحبب إلى مبتدع يطلب عزة في الدنيا وعرضا، أذله الله بذلك العز، وأفقره الله بذلك الغنى، ومن ضحك إلى مبتدع نزع الله نور الإيمان من قلبه، ومن لم يصدق فليجرب.
قوله تعالى: { أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه } [22] قال: كتب الله الإيمان في قلوب أوليائه سطورا، فالسطر الأول التوحيد، والثاني المعرفة، والثالث الصدق، والرابع الاستقامة، والخامس الصدق، والسادس الاعتماد، والسابع التوكل. وهذه الكتابة هي فعل الله لا فعل العبد، وفعل العبد في الإيمان ظاهر الإسلام، وما يبدو منه ظاهرا وما كان منه باطنا فهو فعل الله تعالى. وقال أيضا: الكتابة في القلب موهبة الإيمان التي وهبها الله منهم قبل أن خلقهم من الأصلاب والأرحام، ثم أبدى بصرا من النور في القلب، ثم كشف الغطاء عنه حتى أبصروا ببركة الكتابة ونور الإيمان المغيبات. وقال: حياة الروح بالذكر، وحياة الذكر بالذاكر وحياة الذاكر بالمذكور، رضي الله عنهم بإخلاصهم له في أعمالهم، ورضوا عنه بجزيل ثوابه لهم على أعمالهم. { أولئك حزب الله } [22] الحزب الشيعة، وهم الأبدال، وأرفع منهم الصديقون. { ألا إن حزب الله هم المفلحون } [22] يعني هم الوارثون أسرار علومهم المشرقون على معاني ابتدائهم وانتهائهم.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
الحشر 59:2
قوله تعالى: { يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين } [2] قال: أي يخربون قلوبهم ويبطلون أعمالهم باتباعهم البدع وهجرانهم طريقة الاقتداء بالنبيين.
{ يخربون بيوتهم } [2] أي بمجانبة المؤمنين ومشاهدتهم ومجالستهم فيحرمون بركاتهم.
{ فاعتبروا يأولي الأبصار } [2]
فإن الله يضل من يشآء
[فاطر:8] بالخذلان
ويهدي من يشآء
[فاطر:8] بالمعونة، وليس لكم من الأمر شيء.
الحشر 59:7
قوله تعالى: { ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا } [7] قال: أصول مذهبنا ثلاث: أكل الحلال، والاقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم في الأخلاق والأفعال، وإخلاص النية في جميع الأعمال.
وقال: ألزموا أنفسكم ثلاثة أشياء، فإن خير الدنيا والآخرة فيها: صحبتها بالأمر والنهي بالسنة، وإقامة التوحيد فيها وهو اليقين، وعلما فيه اتصال الروح، وصاحب هذه الثلاثة أعلم بما في بطن الأرض مما على ظهرها، ونظره في الآخرة أكثر من نظره في الدنيا، وهو في السماوات أشهر بين الملائكة منه في الأرض بين أهله وقرابته. فقيل: ما العلم الذي فيه إيصال الروح؟ قال: علم قيام الله عليه والرضا.
الحشر 59:9
قوله تعالى: { ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة } [9] قال: يعني مجاعة وفقرا. تقول العرب: فلان مخصوص إذا كان فقيرا، فيؤثرون رضا الله على هواهم، والإيثار شاهد الحب.
وقد حكي عن وهيب بن الورد أنه قال: يقول الله تعالى:
" وعزتي وعظمتي وجلالي، ما من عبد آثر هواي على هواه إلا قللت همومه وجمعت عليه ضيعته، ونزعت الفقر من قلبه، وجعلت الغنى بين عينيه، واتجرت له من وراء كل تاجر. وعزتي وجلالي، ما من عبد آثر هواه على هواي إلا كثرت همومه، وفرقت عليه ضيعته، ونزعت الغنى من قلبه، وجعلت الفقر بين عينيه، ثم لا أبالي في أي واد هلك ".
قوله تعالى: { ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون } [9] قال: أي ومن يوق حرص نفسه وبخلها على شيء هو غير الله وغير ذكره، فأولئك هم الباقون مع الله حياة طيبة بحياة طيبة.
الحشر 59:14
قوله تعالى: { تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى } [14] قال: أهل الحق مجتمعون، وأهل الباطل متفرقون أبدا. وإن اجتمعوا في أبدانهم وتوافقوا في الظاهر، فإن الله تعالى يقول في كتابه العزيز: { تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى } [14].
الحشر 59:18
قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد } [18] قال: يسأل الله تعالى العبد عن حق نفسه، وحق العلم الذي بينه وبين ربه، وحق العقل، فمن كان له فليؤد حق نفسه وحق العلم الذي بينه وبين ربه بحسن النظر لنفسه في عاقبة أمره.
وحكي عن الحسن أنه قال: إذا مات ابن آدم قالت بنو آدم: ما ترك، وقالت الملائكة: ما قدم؟
الحشر 59:19
قوله: { ولا تكونوا كالذين نسوا الله } [19] عند الذنوب { فأنساهم } [19] الله الاعتذار وطلب التوبة.
قال: ما من عبد أذنب ولم يتب إلا جره ذلك الذنب إلى ذنب آخر وأنساه الذنب الأول، وما من عبد عمل حسنة إلا جرته تلك الحسنة إلى حسنة أخرى، وبصره عقله تقصيره في الحسنة الأولى، لكي يتوب من تقصيره في حسناته الماضية، وإن كانت خالية صحيحة.
الحشر 59:22
قوله تعالى: { عالم الغيب والشهادة } [22] قال: الغيب السر، والشهادة العلانية.
وقال تعالى أيضا: { عالم الغيب والشهادة } [22] عالم بالدنيا والآخرة.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
الممتحنة 60:1
قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أوليآء } [1] قال: حذر الله تعالى المؤمنين من التولي بغير من تولاه الله ورسوله، فإن الله تعالى لم يرض منه أن يسكن إلى وليه، فكيف إلى عدوه؛ ومن شغل قلبه بما لا يعنيه من أمر آخرته نال منه العدو، فكيف بغيره؛ ومن طمع في الآخرة مع إرادة شيء من الدنيا حلالا كان مخدوعا، فكيف بالحرام؛ ومن لم يكن فعله مخالفة أو مكابدة أو إيثارا فهو رياء. قيل: وما معناها؟ قال: المخالفة في ترك النهي ولترك ذرة مما نهى الله عنه أفضل من أن تعبد الله عمر الدنيا. والمكابدة في أداء الأوامر والإيثار أن يؤثر الله تعالى على ما دونه، ففي المخالفة فقدوا أنفسهم، وفي المكابدة فقدوا أهواءهم، فصارت شهواتهم في الطاعات، وبالإيثار نالوا محبته ورضاه.
الممتحنة 60:7
قوله تعالى: { والله غفور رحيم } [7] قال: غفور لذنوبكم الماضية بالتوبة، رحيم يعصمكم فيما بقي لكم من عمركم من مثل هذه المعصية.
الممتحنة 60:10
قوله تعالى: { ولا تمسكوا بعصم الكوافر } [10] قال: لا توافقوا أهل البدع على شيء من أهوائهم وآرائهم، والله سبحانه وتعالى أعلم.
الصف 61:2
قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون } [2] قال: إن الله هدد عباده على دعواهم من غير تحقيق، والدعوى أن يلزمه اليوم حق من حقوق الله براءة وتوبة من كل ذنب ارتكبه، فيقول غدا أعمل، وما من أحد ادعى إلا وقد ضيع حق الله من وجهين، ظاهر وباطن، ولا يكون المدعي خائفا، ومن لم يكن خائفا لم يكن آمنا، ومن لم يكن آمنا لم يكن يطلع على الجزاء. وقال: طلاب الآخرة كثيرة، والذي يتولى الله كفايته عبدان، عبد ساذج غير أنه صادق في طلبه، متوكل على الله، فيصدقه فيكفيه مولاه، ويتولى جميع أموره؛ وعبد عالم بالله وبأيامه وأمره ونهيه، كفاه الله كل شيء من هذه الدنيا، فإذا صار إلى الآخرة ما سوى هذين لا يعبأ الله بهم، لأنهم يدعون ما ليس لهم. وقال ابن عيينة في هذه الآية: لم تقولون ما ليس الأمر فيه لكم، لا تدرون تفعلون ذلك أم لا تفعلون.
الصف 61:8
قوله تعالى: { يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم } [8] يعني جحدوا ما ظهر لهم من حجة النبي صلى الله عليه وسلم بألسنتهم، وأعرضوا عنه بنفوسهم، فقيض الله لقبوله أنفسا أوجدها على حكم السعادة، وقلوبا زينها بأنوار معرفته، وأسرار نورها بالتصديق، فبذلوا له المهج والأموال كالصديق والفاروق وأجلة الصحابة رضي الله عنهم.
الصف 61:14
قوله تعالى: { كونوا أنصار الله } [14] قال: يعني بالقبول منه، والاستماع إليه بطاعته فيما يأمركم به وينهاكم عنه، والله سبحانه وتعالى أعلم.
الجمعة 62:2
قوله تعالى: { هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم } [2] قال: الأميون هم الذين صدقوا محمد صلى الله عليه وسلم، نسبوا إليه لاتباعهم إياه واقتدائهم به، ومن لم يقتد به فليس من أمته.
الجمعة 62:3
قوله تعالى: { وآخرين منهم لما يلحقوا بهم } [3] يعني الذين جاؤوا من بعده فآمنوا به واتبعوه يلحقهم الله بأولهم.
الجمعة 62:11
قوله تعالى: { وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها } [11] قال: من شغله عن ربه شيء من الدنيا والآخرة فقد أخبر عن خسة طبعه ونذالة همته، لأن الله قد فتح له الطريق، وأذن له في مناجاته، فاشتغل بما يفنى، ولم يكن عالما بمن لم يزل، ولا يزال.
قوله تعالى: { قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة } [11] قال: يعني ما ادخر لكم في الآخرة من جزيل العطايا واللذة الباقية، خير مما أعطاكم من الدنيا.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
المنافقون 63:1
قوله تعالى: { والله يشهد إن المنافقين لكاذبون } [1] قال: لأنهم أقروا بألسنتهم ولم يعرفوا بقلوبهم، فلذلك سماهم منافقين. ومن عرف بقلبه، وأقر بلسانه، ولم يعمل بأركانه ما فرض الله عليه من غير عذر، كان كإبليس لعنه الله، عرفه وأقر به ولم يعمل بأمره. قال: والنفاق على ضربين، عقد بالقلب وإظهار خلافه باللسان، كما قال تعالى:
يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم
[الفتح:11] والضرب الآخر نفاق نفس الطبع مع صاحبها، وهو الذي قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" الشرك الخفي في أمتي أخفى من دبيب النمل على الصفا في الليلة الظلماء ".
المنافقون 63:9
قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم } [9] عن أداء الفرائض في مواقيتها، فإن من شغله عن ذكر الله وخدمته عرض من عروض الدنيا شيئا لشهوته، ووجد في عبادته نشاطا فهو مخدوع، إلا الذي يأخذها الله عز وجل.
وقد حكي أن سلمان دخل عليه سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه يعوده فبكى سلمان فقال: ما يبكيك يا أبا عبدالله، توفي سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنك راض، وتلقى أصحابك وترد حوضه. فقال سلمان: أما إني لست أبكي جزعا على الموت، ولا حرصا على الدنيا، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلينا عهدا فقال:
" ليكن بلغة أحدكم من الدنيا مثل زاد الراكب "
، وحولي هذه الأوساد جمع وسادة وإنما كان حوله لحافه ومطهرته وجفنته. فقال سعد: يا أبا عبد الله، اعهد إلينا عهدا نأخذه بعدك. فقال: يا سعد، اذكر الله تعالى عند همك إذا هممت، وعند حكمك إذا حكمت، وعند يدك إذا أقسمت.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
التغابن 64:2
قوله تعالى: { والله بما تعملون بصير } [2] هل وافق العمل الطبع والخلقة.
التغابن 64:14
قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم } [14] قال: من حملك من أزواجك وأولادك على جمع الدنيا والركون إليها فهو عدو لك، ومن حثك على بذلها وإنفاقها، ودلك على القناعة والتوكل فليس بعدو لك.
وحكي عن الحسن أنه قال: يا ابن آدم، لا يغرنك من حولك من السباع الضارية ابنك وحليلتك وكلالتك وخادمك، أما ابنك فمثل الأسد في الشدة والصولة، ينازعك فيما في يدك؛ وأما حليلتك، فمثل الكلبة في الهرير والبصبصة، تهر أحيانا وتبصبص أحيانا؛ وأما كلالتك، فوالله لدرهم يقع في ميراث أحدهم، أحب إليه من أن لو كنت أعتقت رقبة؛ وأما خادمك، فمثل الثعلب في الحيل والسرقة.
وأقول لك يا ابن آدم، اتق الله، فلا توقر ظهرك بصلاحهم، فإنما لك خطوات إلى منزلك القابل لأربعة أذرع في ذراعين، فإذا وضعوك هناك انصرفوا عنك وصرفوا النيات، وضربوا الدفوف، وضحكوا بالقهقهة، وأنت تحاسب بما في أيديهم.
التغابن 64:15
قوله تعالى: { إنمآ أموالكم وأولادكم فتنة } [15] قال: إن أعطاك الله المال تشاغلت بحفظه، وإن لم يعطك تشاغلت بطلبه، فمتى تتفرغ له.
والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.
الطلاق 65:2
قوله تعالى: { ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر } [2] قال: لا يقبل الموعظة إلا مؤمن، والموعظة ما خرجت إلا من قلب سليم، لا يكون فيه غل ولا حقد ولا حسد، ولا يكون فيه حظ.
قوله تعالى: { ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب } [2-3] قال: التقوى التبري من الحول والقوة، والأسباب كلها دونه بالرجوع إليه يجعل له مخرجا مما كلفه بالمعونة والعصمة من الطواف فيها. ولا يصح التوكل إلا للمتقين، ولا تصح التقوى إلا بالتوكل، لذلك قال الله تعالى: { ويرزقه من حيث لا يحتسب } [3].
قوله تعالى: { ومن يتوكل على الله فهو حسبه } [3] قال: يعني من يكل أموره إلى ربه فإن الله تعالى يكفيه مهم الدارين أجمع. وقال أبو الحسن عمر بن واصل العنبري: سمعت سهلا يقول: دخلت البادية سبعة عشرة مرة بلا زاد من طعام ولا شراب ولا هميان ولا ركوة ولا عصي فلم أحتج إلى شيء آكله إلا وهو معد لي، فقربت من البادية ذات كرة، فدفع إلي رجل درهمين صحيحين، فوضعتهما في جيبي ومضيت، فسرت مدة فلم أجد شيئا، فضعفت وجعلت أقول في نفسي: ما الذي أحدثت حتى حبس عنك معلومك؟ فسمعت صوتا من الهوى يقول: اطرح ما في الجيب يأتك ما في الغيب. فتذكرت أن في جيبي درهمين، فأخرجتهما ورميت بهما، فلم أسر هنيهة حتى أبصرت رغيفين بينهما عسل، كأنهما أخرجا من التنور ساعة، وعدت إلى ما كنت عليه.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
الطلاق 65:3
قوله تعالى: { ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر } [2] قال: لا يقبل الموعظة إلا مؤمن، والموعظة ما خرجت إلا من قلب سليم، لا يكون فيه غل ولا حقد ولا حسد، ولا يكون فيه حظ.
قوله تعالى: { ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب } [2-3] قال: التقوى التبري من الحول والقوة، والأسباب كلها دونه بالرجوع إليه يجعل له مخرجا مما كلفه بالمعونة والعصمة من الطواف فيها. ولا يصح التوكل إلا للمتقين، ولا تصح التقوى إلا بالتوكل، لذلك قال الله تعالى: { ويرزقه من حيث لا يحتسب } [3].
قوله تعالى: { ومن يتوكل على الله فهو حسبه } [3] قال: يعني من يكل أموره إلى ربه فإن الله تعالى يكفيه مهم الدارين أجمع. وقال أبو الحسن عمر بن واصل العنبري: سمعت سهلا يقول: دخلت البادية سبعة عشرة مرة بلا زاد من طعام ولا شراب ولا هميان ولا ركوة ولا عصي فلم أحتج إلى شيء آكله إلا وهو معد لي، فقربت من البادية ذات كرة، فدفع إلي رجل درهمين صحيحين، فوضعتهما في جيبي ومضيت، فسرت مدة فلم أجد شيئا، فضعفت وجعلت أقول في نفسي: ما الذي أحدثت حتى حبس عنك معلومك؟ فسمعت صوتا من الهوى يقول: اطرح ما في الجيب يأتك ما في الغيب. فتذكرت أن في جيبي درهمين، فأخرجتهما ورميت بهما، فلم أسر هنيهة حتى أبصرت رغيفين بينهما عسل، كأنهما أخرجا من التنور ساعة، وعدت إلى ما كنت عليه.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
التحريم 66:6
قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا } [6] قال: يعني بطاعة الله واتباع السنن.
التحريم 66:8
قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا } [8] قال: التوبة النصوح أن لا يرجع، لأنه صار من جملة الأحبة، والمحب لا يدخل في شيء لا يحبه الحبيب. وقال: علامة التائب أن لا تقله أرض ولا تظله سماء إلا هو متعلق بالعرش وصاحب العرش، حتى يفارق الدنيا، ولا أعرف في هذا الزمان أقل من التوبة، إذ ليس منا أحد أتاه ملك الموت إلا ويقول: دعني أفعل كذا وكذا، دعني أتنفس ساعة. ثم قال: إن التائب المخلص ولو مقدار ساعة، ولو مقدار نفس واحد قبل موته، يقال له: ما أسرع ما جئت به صحيحا، وجئنا حيث جئت.
قوله: { يوم لا يخزى الله النبي } [8] قال: لا يخزيه في أمته، ولا يرد شفاعته. ولقد أوحى الله تعالى إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن أحببت جعلت أمر أمتك إليك. فقال: يا رب أنت خير لهم مني. فقال الله تعالى: إذا لا أخزيك فيهم.
قوله عز وجل: { يقولون ربنآ أتمم لنا نورنا } [8] فقال: لا يسقط الافتقار إلى الله عز وجل عن المؤمنين في الدنيا ولا في العقبى، هم في الجنة أشد افتقارا إليه، وإن كانوا في دار العز والأمن والغنى لشوقهم إلى لقائه، { يقولون ربنآ أتمم لنا نورنا } [8] وارزقنا لقاءك، فإنه منور الأنوار وغاية الطلاب.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
الملك 67:1
قوله تعالى: { تبارك الذي بيده الملك } [1] قال: أي تعالى الله وتعاظم عن الأشباه والأولاد والأضداد، الذي بيده الملك يقلبه بحوله وقوته، يؤتيه من يشاء، وينزعه ممن يشاء، وهو القادر عليه.
قوله تعالى: { وهو على كل شيء قدير الذي خلق الموت والحياة } [1-2] قال: الموت في الدنيا بالمعصية، والحياة في الآخرة بالطاعة. ولهذا قال الله تعالى لموسى عليه السلام فيما أوحى إليه: يا موسى، إن أول من مات من خلقي إبليس لعنه الله لأنه عصاني، وإني أعد من عصاني في الموتى. وقال: إن الموت خلق في صورة كبش أملح لا يمر بشيء فيجد ريحه إلا حيي.
وقد روي في الخبر أن أهل الجنة ليخافون الموت، وأهل النار يتمنون الموت، فيؤتى به في صورة كبش أملح، ثم يقال: هذا الموت فانظروا ما الله صانع فيه، ثم يضجع هناك فيذبح، ثم يجعله الله تعالى في صورة فرس يسرح في الجنة، لا يراه أحد من أهل الجنة إلا أنس به ولا يعلم أنه الموت.
قوله تعالى: { ليبلوكم أيكم أحسن عملا } [2] قال: أي أصوبه وأخلصه، فإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل، حتى يكون صوابا خالصا. والخالص الذي يكون لله تعالى بإرادة القلب، والصواب الذي يكون على سبيل السنة وموافقة الكتاب. وقال مرة أخرى: { ليبلوكم أيكم أحسن عملا } [2] أي توكلا ورضا علينا، وسياحة بعد الزهد في الدنيا. وإن مثل التقوى واليقين كمثل كفتي الميزان، والتوكل لسانه، يعرف به الزيادة من النقصان. فقيل: وما التوكل؟ قال: الفرار من التوكل، يعني من دعوى التوكل.
قوله تعالى: { وهو العزيز الغفور } [2] قال: يعني المنيع في حكمه، الحكيم في تدبيره بخلقه، الغفور للنقصان والخلل الذي يظهر في طاعات عباده.
الملك 67:2
قوله تعالى: { تبارك الذي بيده الملك } [1] قال: أي تعالى الله وتعاظم عن الأشباه والأولاد والأضداد، الذي بيده الملك يقلبه بحوله وقوته، يؤتيه من يشاء، وينزعه ممن يشاء، وهو القادر عليه.
قوله تعالى: { وهو على كل شيء قدير الذي خلق الموت والحياة } [1-2] قال: الموت في الدنيا بالمعصية، والحياة في الآخرة بالطاعة. ولهذا قال الله تعالى لموسى عليه السلام فيما أوحى إليه: يا موسى، إن أول من مات من خلقي إبليس لعنه الله لأنه عصاني، وإني أعد من عصاني في الموتى. وقال: إن الموت خلق في صورة كبش أملح لا يمر بشيء فيجد ريحه إلا حيي.
وقد روي في الخبر أن أهل الجنة ليخافون الموت، وأهل النار يتمنون الموت، فيؤتى به في صورة كبش أملح، ثم يقال: هذا الموت فانظروا ما الله صانع فيه، ثم يضجع هناك فيذبح، ثم يجعله الله تعالى في صورة فرس يسرح في الجنة، لا يراه أحد من أهل الجنة إلا أنس به ولا يعلم أنه الموت.
قوله تعالى: { ليبلوكم أيكم أحسن عملا } [2] قال: أي أصوبه وأخلصه، فإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل، حتى يكون صوابا خالصا. والخالص الذي يكون لله تعالى بإرادة القلب، والصواب الذي يكون على سبيل السنة وموافقة الكتاب. وقال مرة أخرى: { ليبلوكم أيكم أحسن عملا } [2] أي توكلا ورضا علينا، وسياحة بعد الزهد في الدنيا. وإن مثل التقوى واليقين كمثل كفتي الميزان، والتوكل لسانه، يعرف به الزيادة من النقصان. فقيل: وما التوكل؟ قال: الفرار من التوكل، يعني من دعوى التوكل.
قوله تعالى: { وهو العزيز الغفور } [2] قال: يعني المنيع في حكمه، الحكيم في تدبيره بخلقه، الغفور للنقصان والخلل الذي يظهر في طاعات عباده.
الملك 67:12
قوله تعالى: { الذين يخشون ربهم بالغيب } [12] أي يخافون ربهم في سرهم، فيحفظون سرهم من غيره.
الملك 67:14
قوله تعالى: { ألا يعلم من خلق } [14] ألا يعلم من خلق القلب، بما أودعه من التوحيد والجحود. { وهو اللطيف } [14] بعلمه بما في لب القلوب من الأسرار المكنونة فيها، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" إن من العلم سرا مكنونا لله تعالى في القلوب "
{ الخبير } [14] يخبرك بما في غيبك.
الملك 67:15
قوله تعالى: { هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا } [15] قال: خلق الله تعالى الأنفس ذلولا، فمن أذلها بمخالفتها فقد نجاها من الفتن والبلايا والمحن، ومن أذلها واتبعها فقد أذلته نفسه وأهلكته.
الملك 67:22
قوله عز وجل: { أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى } [22] قال: أفمن يكون مطرقا إلى هوى نفسه بجبلة طبعه بغير هدى من ربه أهدى { أمن يمشي سويا على صراط مستقيم } [22] قال: يعني أم من يكون متبعا شرائع الإسلام مقتديا بالنبيين.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
القلم 68:1
قوله تعالى: { ن والقلم وما يسطرون } [1] قال: النون اسم من أسماء الله تعالى، إذا جمعت بين أوائل السور: " الر " و " حم " و " ن " فهو اسم الرحمن. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: النون الدواة التي كتب الذكر منها، والقلم الذي كتب به الذكر الحكيم. { وما يسطرون } [1]، ما تكتبه الحفظة من أعمال بني آدم. وقال عمر بن واصل: وما يسطرون، أي: وما تولى الله لعباده من الكتابة التي فيها منافع الخلق ومصالح العباد والبلاد.
القلم 68:3
قوله تعالى: { وإن لك لأجرا غير ممنون } [3] قال: أي محدود مقطوع ومحسوب عليك.
القلم 68:4
قوله تعالى: { وإنك لعلى خلق عظيم } [4] قال: تأدبت بأدب القرآن، فلم تتجاوز حدوده وهو قوله تعالى:
إن الله يأمر بالعدل والإحسان
[النحل:90]. وقال:
فبما رحمة من الله لنت لهم
[آل عمران:159] ثم قال: إن الغضب والحدة من سكون العبد إلى قوته، فإذا خرج من سكونه إلى قوته سكن الضعف في نفسه، فتتولد منه الرحمة واللطف، وهو التخلق بأخلاق الرب جل جلاله. وقد أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام فقال: " تخلق بأخلاقي فإني أنا الصبور " فمن أوتي الخلق الحسن فقد أوتي أعظم المقامات، لأن ما دونه من المقامات ارتباط بالعامة، والخلق الحسن ارتباط بالصفات والنعوت. وسئل سهل يوما عن الكرامات، فقال: وما الكرامات، إن الكرامات شيء ينقضي لوقته، ولكن أكبر الكرامات أن تبدل خلقا مذموما من أخلاقك بخلق محمود.
القلم 68:44
قوله تعالى: { فذرني ومن يكذب بهذا الحديث } [44] قال: يعني كله إلي، فإني أكفيك أمره، ولا تشغل به قلبك.
قوله تعالى: { سنستدرجهم من حيث لا يعلمون } [44] قال: سنمدهم إطراقا إليهم، مشتغلين به عما لنا عليهم من الواجبات، فينسون شكرنا، فنأخذهم من حيث لا يعلمون.
القلم 68:49
قوله عز وجل: { لولا أن تداركه نعمة من ربه } [49] قال: يعني لولا ما حفظ الله له ما سلف من عمله الصالح، بما جرى به من اجتبائه في الأزل، فاستنقذه به وتداركه. { لنبذ بالعرآء وهو مذموم } [49] والعراء أرض القيامة، إذ لا زرع فيها، ولا نبت، ولم يكن له ذنب سوى أنه شغل قلبه بتدبير ما لم يكن تدبيره إليه، كما فعل آدم عليه السلام، والله سبحانه وتعالى أعلم.
الحاقة 69:1
قوله تعالى: { الحاقة ما الحآقة } [1-2] قال: إن الله تعالى عظم حال يوم القيامة بما فيها من الشدة بإدخال الهاء فيها، ومعناها اليوم الذي يلحق كل أحد فيه بعمله من خير أو شر.
وقال عمر بن واصل: معناها: يحق فيه جزاء الأعمال لكل طائفة.
الحاقة 69:2
قوله تعالى: { الحاقة ما الحآقة } [1-2] قال: إن الله تعالى عظم حال يوم القيامة بما فيها من الشدة بإدخال الهاء فيها، ومعناها اليوم الذي يلحق كل أحد فيه بعمله من خير أو شر.
وقال عمر بن واصل: معناها: يحق فيه جزاء الأعمال لكل طائفة.
الحاقة 69:17
قوله عز وجل: { ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية } [17] قال: يعني ثمانية أجزاء من الكروبيين لا يعلم عدتهم إلا الله. وقال النبي صلى الله عليه وسلم:
" إن الله أذن لي أن أحدث عن ملك من حملة العرش رجلاه في الأرض السفلى وعلى قرنه العرش بين شحمة أذنيه إلى عاتقه خفقان الطائر سبعمائة سنة يقول ذلك الملك سبحان الله حيث كنت ".
الحاقة 69:18
قوله تعالى: { يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية } [18] قال: أي تعرضون على الحق عز وجل، فيحاسبكم بأعمالكم، لا يخفى عليه من أعمالكم شيء، كل ذلك معروف محصي عليكم في علمه السابق، فيسأله عن جميع ذلك، يعني يسأله فيقول له: ألم تكن عارفا بالساعات من أجلي؟ ألم يوسع لك حتى في المجالس من أجلي؟ ألم تسألني أن أزواجك فلانة أمتي أحسن منك فزوجناكها؟ فهذا سؤال نعمه عليك فكيف سؤاله عن معصيته. وقد حكي عن عتبة الغلام أنه قال: إن العبد المؤمن ليوقف بين يدي الله تعالى بالذنب الواحد مائة عام.
الحاقة 69:19
قوله تعالى: { فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هآؤم اقرؤا كتابيه } [19] أي فيقول: هاكم اقرؤوا كتابي بما فيه من أنواع الطاعات.
الحاقة 69:24
ويقال لهم: { كلوا واشربوا هنيئا بمآ أسلفتم في الأيام الخالية } [24] يعني صوم رمضان وأيام البيض من كل شهر. وقد جاء في الحديث:
" أنه يوضع للصوام يوم القيامة موائد يأكلون عليها والناس في الحساب، فيقال: يا رب، الناس في الحساب وهم لا يأكلون. فيقال لهم: إنهم طالما صاموا في الدنيا وأفطرتم، وقاموا ونمتم ".
الحاقة 69:25
{ وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول يليتني لم أوت كتابيه } [25] أي بما فيه من الأعمال الخبيثة والكفر، فيتمنى أن يكون غير مبعوث.
الحاقة 69:27
يقول: { يليتها كانت القاضية } [27] يعني: يا ليت الموتة الأولى كانت علي فلم أبعث.
الحاقة 69:28
{ مآ أغنى عني ماليه } [28] كثرة مالي، حيث لم أؤد منه حق الله، ولم أصل به القرابة.
الحاقة 69:29
{ هلك عني سلطانيه } [29] يعني حجتي وعذري.
الحاقة 69:30
فيقول الله تعالى: { خذوه فغلوه } [30] فإذا قال ذلك ابتدره مائة ألف ملك، لو أن ملكا منهم أخذ الدنيا بما فيها من جبالها وبحارها بقبضته لقوي عليه فتغل يداه إلى عنقه ثم يدخل في الجحيم.
الحاقة 69:32
{ ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا } [32] كل ذراع سبعون باعا، كل باع أبعد مما بين الكوفة ومكة، لو وضعت حلقة منها على ذروة جبل لذاب كما يذوب الرصاص، كذا حكي عن ابن عباس رضي الله عنهما. وحكي أن عمر رضي الله عنه قال لكعب: خوفنا يا أبا إسحاق. قال: يا أمير المؤمنين، لو أنك عملت حتى تعود كالعود المقضوب من العبادة، وكان لك عمل سبعين نبيا. لظننت أن لا تنجو من أمر ربك وحملة العرش، وجيء باللوح المحفوظ الذي قد حفظ فيه الأعمال وبرزت الجحيم وأزلفت الجنة، وقام الناس لرب العالمين، وزفرت جهنم زفرة لا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا جثا على ركبتيه، حتى يقول إبراهيم: نفسي نفسي، فيدعى على رؤوس الخلائق بالرجل العادل والرجل الجائر، فإذا جيء بالرجل العادل رفع إليه كتابه بيمينه، فلا سرور ولا فرح ولا غبطة نزل يومئذ بعبد أفضل مما نزل به، فيقول على رؤوس الخلائق ما حكاه الله تعالى، ثم يؤتى بالرجل الجائر، فيدفع إليه كتابه بشماله، فلا حزن ولا ذل ولا حسرة أشد مما نزل بالرجل، فيقول على رؤوس الخلائق ما حكى الله تعالى، فيؤخذ ويسحب على وجهه إلى النار، فينثر لحمه وعظامه ومخه. فقال عمر رضي الله عنه: حسبي حسبي. قال سهل: إن السلاسل والأغلال ليست للاعتقال، وإنما هي لتجذبهم سفلا بعد أبدا ما داموا فيها.
الحاقة 69:44
قوله عز وجل: { ولو تقول علينا بعض الأقاويل } [44] قال: يعني لو تكلم بما لم تأذن له فيه.
الحاقة 69:45
{ لأخذنا منه باليمين } [45] يعني أمرنا بأخذ يده كما تفعل الملوك.
الحاقة 69:46
{ ثم لقطعنا منه الوتين } [46] وهو نياط القلب، وهو العرق الذي يتعلق القلب به، إذا انقطع مات صاحبه، فنقطع ذلك السبب بمخالفته إيانا.
الحاقة 69:48
قوله تعالى: { وإنه لتذكرة للمتقين } [48] قال: يعني القرآن رحمة للمطيعين.
الحاقة 69:50
قوله تعالى: { وإنه لحسرة على الكافرين } [50] قال: يعني ما يرون من ثواب أهل التوحيد ومنازلهم وكريم مقاماتهم، والله سبحانه وتعالى أعلم.
المعارج 70:4
قوله تعالى: { تعرج الملائكة والروح إليه } [4] قال: تعرج الملائكة بأعمال بني آدم والروح وهو دهن النفس، وتعرج إلى الله تعالى مشاهدة بالإخلاص في أعماله، فيقطع هذه المسافة إلى العرش التي مقدارها خمسون ألف سنة بطرفة عين، هذا باطن الآية.
المعارج 70:5
قوله تعالى: { فاصبر صبرا جميلا } [5] أي رضا من غير شكوى، فإن الشكوى بلوى، ودعوى الصبر معه دعوى، وإن لله تعالى عبادا شكوا به منه إليه حجة تمسك النفس الطبع عن التفات إلى شيء غير الذي من أجله صبر الصابر.
المعارج 70:6
قوله تعالى: { إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا } [6-7] قال: يعني أنهم يرون المقضي عليهم من الموت والبعث والحساب بعيدا لبعد آمالهم، ونراه قريبا، فإن كل كائن قريب، والبعيد ما لا يكون. ثم قال: إن العلماء طلبوا الوسوسة في الكتاب والسنة، فلم يجدوا لها أصلا إلا فضول الحلال وفضول الحلال أن يرى العبد وقتا غير وقته الذي هو فيه وهو الأمل. وقد روي عن حبيش عن ابن عباس رضي الله عنهما:
" أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يريق الماء فيتمسح بالتراب فقلت: يا رسول الله إن الماء منك لقريب. فقال: لا أدري لعلي لا أبلغه "
وقد قال أسامة: قرباننا إلى شهرين. إن أسامة لطويل الأمل. وسئل سهل: بم ترحل الدنيا من القلب؟ فقال: بقصر الأمل. فقيل: وما قصر الأمل؟ فقال: قطع الهموم بالمضمون، والسكون إلى الضامن.
المعارج 70:7
قوله تعالى: { إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا } [6-7] قال: يعني أنهم يرون المقضي عليهم من الموت والبعث والحساب بعيدا لبعد آمالهم، ونراه قريبا، فإن كل كائن قريب، والبعيد ما لا يكون. ثم قال: إن العلماء طلبوا الوسوسة في الكتاب والسنة، فلم يجدوا لها أصلا إلا فضول الحلال وفضول الحلال أن يرى العبد وقتا غير وقته الذي هو فيه وهو الأمل. وقد روي عن حبيش عن ابن عباس رضي الله عنهما:
" أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يريق الماء فيتمسح بالتراب فقلت: يا رسول الله إن الماء منك لقريب. فقال: لا أدري لعلي لا أبلغه "
وقد قال أسامة: قرباننا إلى شهرين. إن أسامة لطويل الأمل. وسئل سهل: بم ترحل الدنيا من القلب؟ فقال: بقصر الأمل. فقيل: وما قصر الأمل؟ فقال: قطع الهموم بالمضمون، والسكون إلى الضامن.
المعارج 70:19
قوله تعالى: { إن الإنسان خلق هلوعا } [19] قال: يعني متقلبا في حركات الشهوات واتباع الهوى.
المعارج 70:20
{ إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا } [20-21] قال: إذا افتقر حزن، وإذا أثرى منع.
المعارج 70:21
{ إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا } [20-21] قال: إذا افتقر حزن، وإذا أثرى منع.
المعارج 70:22
{ إلا المصلين } [22] أي العارفين بمقادير الأشياء، فلا يكون لهم بغير الله فرح، ولا إلى غيره سكون، ولا من غيره فرح، فراقه جزع كما قال:
والذين هم من عذاب ربهم مشفقون
[المعارج:27].
وقد حكي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" من خيار أمتي فيما نبأني الملأ الأعلى في الدرجات العلى قوم يضحكون جهرا من سعة رحمة ربهم، ويبكون سرا من خوف شدة عذاب ربهم، ويذكرون ربهم بالغداة والعشي في بيوته الطيبة، ويدعونه بألسنتهم رغبا ورهبا ويسألونه بأيديهم خفضا ورفعا، ويشتاقون إليه بقلوبهم عودا وبدءا، مؤونتهم على الناس خفيفة وعلى أنفسهم ثقيلة، يدبون على الأرض بأقدامهم دبيب النمل بغير فرح ولا بذخ ولا ميل "
، الحديث بطوله.
المعارج 70:29
قوله تعالى: { والذين هم لفروجهم حافظون } [29] قال: باطن الآية جميع الجوارح الظاهرة والباطنة يحفظونها عن ظهور آثار نفس الطبع عليها.
المعارج 70:32
{ والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون } [32] قال: باطنها أمانة النفس، لأنها سر الله عند عباده، يسارهم بمعلومه فيها خواطرا وهمما، ويسارونه بالافتقار واللجأ إليه، فإذا سكن القلب إلى ما خطر عليه من وسوسة العبد وبأدنى شيء ظهر إلى الصدر، ومن الصدر إلى الجسد، فيكون قد خان في أمانة الله، وعهده والإيمان.
المعارج 70:33
{ والذين هم بشهاداتهم قائمون } [33] قال: قائمون بحفظ ما شهدوا به من شهادة أن لا إله إلا الله، فلا يقعدون عنها في شيء من الأفعال والأقوال والأحوال ولا يفترون.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
نوح 71:7
قوله تعالى: { وأصروا واستكبروا استكبارا } [7] قال: الإصرار على الذنب يورث الجهل، والجهل يورث التخطي في الباطل، والتخطي في الباطل يورث النفاق، والنفاق يورث الكفر.
قيل: وما علامة المنافق؟ قال: يبصر الشيء عند مذكراته، فإذا قام من عنده كأنه لم يخطر على قلبه، قال الله تعالى:
كلما أضآء لهم مشوا فيه وإذآ أظلم عليهم قاموا
[البقرة:20].
نوح 71:25
قوله تعالى: { أغرقوا فأدخلوا نارا } [25] قال: أغرقوا في الحيرة عن الهدى، فأدخلوا نارا، فأوجب الله عليهم الهوان، وأنزلهم دار الشقاء.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
الجن 72:1
قوله تعالى: { قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن } [1] قال: كان تسعة نفر من نصيبين اليمن، والنفر اسم يقع على الثلاثة إلى العشرة، جاؤوا النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ القرآن في الصلاة، وكانوا من أمثل قومهم في دينهم، فلما سمعوه رقوا له فآمنوا به، ورجعوا إلى قومهم منذرين. { فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد } [1-2] يعني يدل على اتباع سنن المصطفى صلى الله عليه وسلم. وقال سهل: رأيت في دار عاد الأولى مدينة مبنية من حجر، فيها قصر عظيم منقور من حجر يأويه الجن، فدخلت القصر معتبرا، فرأيت شخصا عظيما قائما يصلي نحو الكعبة، عليه جبة صوف بيضاء بها طراوة، فعجبت لطراوة جبته، وانتظرت حتى فرغ من صلاته، فقلت: السلام عليك. فقال: وعليك السلام يا أبا محمد، عجبت لطراوة جبتي وهي علي منذ تسعمائة سنة؟ فيها لقيت عيسى ابن مريم ومحمدا صلى الله عليه وسلم فآمنت بهما، واعلم يا أبا محمد أن الأبدان لا تخلق الثياب، وإنما يخلقهما مطاعم السحت والإصرار على الذنوب. فقلت: ومن أنت؟ فقال: أنا من الذين قال الله تعالى في حقهم: { قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن } [1].
وسئل سهل: هل يدخل الجن الجنة؟ فقال: بلغني أن في الجنة براري يسكنها الجن، ويأكلون فيها ويشربون، وفي القرآن دليل عليه، قال تعالى:
لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جآن
[الرحمن:74].
الجن 72:2
قوله تعالى: { قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن } [1] قال: كان تسعة نفر من نصيبين اليمن، والنفر اسم يقع على الثلاثة إلى العشرة، جاؤوا النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ القرآن في الصلاة، وكانوا من أمثل قومهم في دينهم، فلما سمعوه رقوا له فآمنوا به، ورجعوا إلى قومهم منذرين. { فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد } [1-2] يعني يدل على اتباع سنن المصطفى صلى الله عليه وسلم. وقال سهل: رأيت في دار عاد الأولى مدينة مبنية من حجر، فيها قصر عظيم منقور من حجر يأويه الجن، فدخلت القصر معتبرا، فرأيت شخصا عظيما قائما يصلي نحو الكعبة، عليه جبة صوف بيضاء بها طراوة، فعجبت لطراوة جبته، وانتظرت حتى فرغ من صلاته، فقلت: السلام عليك. فقال: وعليك السلام يا أبا محمد، عجبت لطراوة جبتي وهي علي منذ تسعمائة سنة؟ فيها لقيت عيسى ابن مريم ومحمدا صلى الله عليه وسلم فآمنت بهما، واعلم يا أبا محمد أن الأبدان لا تخلق الثياب، وإنما يخلقهما مطاعم السحت والإصرار على الذنوب. فقلت: ومن أنت؟ فقال: أنا من الذين قال الله تعالى في حقهم: { قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن } [1].
وسئل سهل: هل يدخل الجن الجنة؟ فقال: بلغني أن في الجنة براري يسكنها الجن، ويأكلون فيها ويشربون، وفي القرآن دليل عليه، قال تعالى:
لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جآن
[الرحمن:74].
الجن 72:18
قوله تعالى: { وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا } [18] قال: أي لا تدعوا مع الله شريكا، أي ليس لأحد معي شريك في شيء يمنع عبادي من ذكري، كذلك ما كان لله تعالى فهو على هذه الجهة، ليس لأحد فيه سبيل المنع والزجر.
الجن 72:22
قوله تعالى: { قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا } [22] قال: أمره بالافتقار واللجوء إليه، ثم بإظهارهما بقوله، ليزيد بذلك للكافرين ضلالا وللمؤمنين إرشادا، وهي كلمة الإخلاص في التوحيد: إذ حقيقة التوحيد هو النظر للحق لا غير، والإقبال عليه، والاعتماد، ولا يتم ذلك إلا بالإعراض عما سواه، وبإظهار الافتقار واللجوء إليه.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
المزمل 73:1
قوله تعالى: { يأيها المزمل } [1] قال: المزمل الذي تزمل في الثياب وضمها عليه، وهو في الباطن اسم له معناه: يا أيها الجامع نفسه ونفس الله عنده.
المزمل 73:6
قوله تعالى: { إن ناشئة الليل هي أشد وطأ } [6] قال: يعني الليل كله وما ينشئه العبد من عباده الليل هي أشد مواطأة على السمع والقلب من الإصغاء والفهم. { وأقوم قيلا } [6] أي وأثبت رتبة، وقيل: وأصوب قيلا، لأنه أبعد من الرياء. قال الحسن رحمة الله عليه: لقد أدركت أقواما يقدرون على أن يعملوا في السر، فأرادوا أن يعملوه علانية، ولقد أدركت أقواما إن أحدهم ليأتيه الزوار فيقوم من الليل فيصلي، وما يشعر به الزوار. وكان لقمان يقول لابنه: يا بني لا تكن أعجز من هذا الديك يصوت بالليل.
المزمل 73:8
قوله تعالى: { واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا } [8] قال: اقرأ بسم الله الرحمن الرحيم في افتتاح صلاتك توصلك بركة قراءتها إلى ربك، وتقطعك عن كل ما سواه.
المزمل 73:9
قوله تعالى: { لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا } [9] أي كفيلا بما وعدك من المعونة على الأمر، والعصمة عن النهي، والتوفيق للشكر، والصبر في البلوى، والخاتمة المحمودة. ثم قال: في الدنيا الجنة والنار، فالجنة والعافية أن تولي الله أمرك، والنار البلوى، والبلوى أن يكلك إلى نفسك. قيل: فما الفرج؟ قال: لا تطمع في الفرج وأنت ترى مخلوقا، وما من عبد أراد الله بعزم صحيح إلا زال عنه كل شيء دونه، وما من عبد زال عنه كل شيء دونه إلا حق عليه أن يقوم بأمره، وليس في الدنيا مطيع لله وهو يطيع نفسه، ولا يتباعد أحد عن الله إلا بالاشتغال بغير الله، وإنما تدخل الأشياء على الفارغ، وأما من كان مشغول القلب بالله لم تصل إليه الوسوسة وهو في المزيد أبدا، واحفظ نفسك بالأصل. قيل له: ما هو؟ قال: التسليم لأمر الله، والتبري ممن سواه.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
المدثر 74:1
قوله تعالى: { يأيها المدثر قم فأنذر } [1-2] قال: يا أيها المستغيث من إعانة نفسك على صدرك وقلبك، قم بنا وأسقط عنك ما سوانا، وأنذر عبادنا لأنا قد هيأناك لأشرف المواقف وأعظم المقامات.
المدثر 74:2
قوله تعالى: { يأيها المدثر قم فأنذر } [1-2] قال: يا أيها المستغيث من إعانة نفسك على صدرك وقلبك، قم بنا وأسقط عنك ما سوانا، وأنذر عبادنا لأنا قد هيأناك لأشرف المواقف وأعظم المقامات.
المدثر 74:4
{ وثيابك فطهر } [4] قال: أي لا تلبس ثيابك على معصية، فطهره عن حظوظك واشتمل به، كما حكت عائشة رضي الله عنها أنها قالت:
" كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم خميصة، فأعطاها أبا الجهم وأخذ إنبجانيته. فقيل: يا رسول الله، إن الخميصة خير من الإنبجانية. فقال: " إني كنت أنظر إليها في الصلاة ".
المدثر 74:12
قوله تعالى: { وجعلت له مالا ممدودا } [12] قال: يعني الوليد بن المغيرة، جعلت له الحرص وطول الأمل.
المدثر 74:56
قوله تعالى: { هو أهل التقوى وأهل المغفرة } [56] قال: يعني هو أهل أن يتقى فلا يعصى، وأهل المغفرة لمن يتوب. والتقوى هو ترك كل شيء مذموم، فهو في الأمر ترك التسويف، وفي النهي ترك الفكرة، وفي الآداب مكارم الأخلاق، وفي الترغيب كتمان السر، وفي الترهيب اتقاء الوقوف عند الجهل. والتقوى هو التبري من كل شيء سوى الله، فمن لزم هذه الآداب في التقوى فهو أهل المغفرة. وقد حكي أن رجلا أتى عيسى ابن مريم عليه السلام فقال: يا معلم الخير كيف أكون تقيا كما ينبغي؟ قال: بيسير من الأمر، تحب الله بقلبك كله، وتعمل بكدحك وقوتك ما استطعت، وترحم ابن جنسك كما ترحم نفسك. قال: من جنسي يا معلم الخير؟ قال: ولد آدم، فما لا تحب أن يؤتى إليك فلا تأته إلى أحد.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
القيامة 75:1
قوله تعالى: { لا أقسم بيوم القيامة ولا أقسم بالنفس اللوامة } [1-2] النفس الأمارة بالسوء هي النفس اللوامة، وهي قرينة الحرص وطول الأمل. ثم قال: إنما نهاكم الله عن القبول وعن الاغترار بالدنيا وعن مخادعة النفس، فقال تعالى:
إن النفس لأمارة بالسوء
[يوسف:53] وقال:
فلا تغرنكم الحياة الدنيا
[لقمان:33] وقال:
إن الشيطان لكم عدو
[فاطر:6].
القيامة 75:2
قوله تعالى: { لا أقسم بيوم القيامة ولا أقسم بالنفس اللوامة } [1-2] النفس الأمارة بالسوء هي النفس اللوامة، وهي قرينة الحرص وطول الأمل. ثم قال: إنما نهاكم الله عن القبول وعن الاغترار بالدنيا وعن مخادعة النفس، فقال تعالى:
إن النفس لأمارة بالسوء
[يوسف:53] وقال:
فلا تغرنكم الحياة الدنيا
[لقمان:33] وقال:
إن الشيطان لكم عدو
[فاطر:6].
القيامة 75:9
قوله تعالى: { وجمع الشمس والقمر } [9] قال: باطنها القمر نور بصر عين الرأس الذي لنفس الطبع، والشمس نور بصر القلب الذي لنفس الروح والعقل، ألا تراه كيف قال: { يقول الإنسان يومئذ أين المفر } [10] أي المكذب بيوم القيامة يقول عند جمع النورين: أين المخلص من عذاب الله.
القيامة 75:10
قوله تعالى: { وجمع الشمس والقمر } [9] قال: باطنها القمر نور بصر عين الرأس الذي لنفس الطبع، والشمس نور بصر القلب الذي لنفس الروح والعقل، ألا تراه كيف قال: { يقول الإنسان يومئذ أين المفر } [10] أي المكذب بيوم القيامة يقول عند جمع النورين: أين المخلص من عذاب الله.
القيامة 75:22
قوله تعالى: { وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة } [22-23] قال: من قتله حبه فديته رؤيته. ثم قال: جزاء الأعمال الجنة، وجزاء التوحيد النظر إلى الحق عز وجل. وحكي عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه قال: سيروا للبلاء وتجهزوا للفناء واستعدوا للقاء. وكانت رابعة رضي الله عنها تقول: إلهي، إني أحب الدنيا لأذكرك فيها، وأحب الآخرة لأراك فيها. إلهي، كل ساعة تمر علي لا يكون لساني فيها رطبا بذكرك فهي مشؤومة. إلهي، لا تجمع علي أمرين، فإني لا أطيقهما، الإحراق بالنار والفراق منك.
القيامة 75:23
قوله تعالى: { وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة } [22-23] قال: من قتله حبه فديته رؤيته. ثم قال: جزاء الأعمال الجنة، وجزاء التوحيد النظر إلى الحق عز وجل. وحكي عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه قال: سيروا للبلاء وتجهزوا للفناء واستعدوا للقاء. وكانت رابعة رضي الله عنها تقول: إلهي، إني أحب الدنيا لأذكرك فيها، وأحب الآخرة لأراك فيها. إلهي، كل ساعة تمر علي لا يكون لساني فيها رطبا بذكرك فهي مشؤومة. إلهي، لا تجمع علي أمرين، فإني لا أطيقهما، الإحراق بالنار والفراق منك.
القيامة 75:26
قوله تعالى: { كلا إذا بلغت التراقي } [26] يعني الحلقوم.
القيامة 75:27
{ وقيل من راق } [27] أي: هل من طبيب يداوي؟ وقيل: من يصعد بروح الكافر إلى السماء.
القيامة 75:28
{ وظن أنه الفراق } [28] يقول: وعلم أنه الفراق للدنيا.
القيامة 75:29
{ والتفت الساق بالساق } [29] يقول: أمر الدنيا والآخرة. وقيل: هما ساقاك إذا التفتا في الكفن. وقد حكي أن يعقوب عليه السلام لما أتاه البشير قال: ما أذن لي ما آتيتك اليوم، إلا أن أقول هون الله عليك سكرة الموت.
وقيل للأسود بن يزيد حين احتضر: أبشر بالمغفرة. قال: فأين الحياء ممن كانت المغفرة منه؟.
وحكي أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه لما احتضر جاءت عائشة رضي الله عنها فتمثلت بهذا البيت: [الطويل]
لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى
إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر
فكشف عن وجهه فقال: ليس كذلك، ولكن قولي:
وجاءت سكرة الموت بالحق
[ق:19] انظروا ثوبي هذين وكفنوني فيهما، فإن الحي أحوج إلى الجديد من الميت.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
الإنسان 76:5
قوله تعالى: { إن الأبرار يشربون } [5] الآية. قال: الأبرار الذين تخلقوا بخلق من أخلاق العشرة الذين شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة. قيل: فما أول شيء ينبغي من الأخلاق؟ فقال: احتمال المؤونة، والرفق في كل شيء، والحذر أن لا يميل في رفعه إلى هواه في هذه الخصال اكتساب العقل. ثم لا بد من ثلاثة أخرى فيها اكتساب المعرفة واستعمال العلم والحلم والتواضع، ثم لا بد من ثلاثة أخرى فيها أحكام التعبد السكينة والوقار والإنصاف. وقال: من كان فيه ثلاث خصال لم يأكل التراب جسده، كف الأذى عن الناس، ثم احتمال أذاهم، ثم اصطناع المعروف معهم.
الإنسان 76:7
{ ويخافون يوما كان شره مستطيرا } [7] قال: البلايا والشدائد في الآخرة عامة، والسلامة منها خاص الخاص.
الإنسان 76:11
قوله تعالى: { ولقاهم نضرة وسرورا } [11] قال: نضرة في الوجوه وسرورا في القلب.
الإنسان 76:18
قوله تعالى: { عينا فيها تسمى سلسبيلا } [18] وقال: حكي عن المسيب أنه قال: هي عن يمين العرش من قصب من ياقوت. قال سهل: نبه الله به عباده المؤمنين، ثم قال: سلوا ربكم السبيل إلى هذه العين.
الإنسان 76:21
قوله تعالى: { وسقاهم ربهم شرابا طهورا } [21] قال سهل: نهى الله عباده عن نجاسة خمور الدنيا بما فرق بين الطاهر والطهور، وبين خمور الجنة وخمور الدنيا نجاسة، فإن خمور الدنيا نجسة تنجس شاربها بالآثام، وخمور الجنة طهور تطهر شاربها من كل دنس، وتصلحه لمجلس القدس ومشهد العز. وصلى سهل صلاة العتمة فقرأ قوله تعالى: { وسقاهم ربهم شرابا طهورا } [21] فجعل يحرك فاه كأنما يمص شيئا، فلما فرغ من صلاته قيل له: أتشرب في الصلاة؟ فقال: والله لو لم أجد لذته عند قراءته كأني عند شربه به ما فعلت ذلك.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
المرسلات 77:1
قوله تعالى: { والمرسلات عرفا } [1] يعني الملائكة أرسلوا بالمعروف من أمره. قال: وباطنها أرواح المؤمنين ترسل إلهاما موافقا للكتاب والسنة.
المرسلات 77:3
{ والناشرات نشرا } [3] ما يطهر الأعمال الصالحة منها.
المرسلات 77:4
{ فالفارقات فرقا } [4] بين الحق والباطل والسنة والبدعة.
المرسلات 77:5
{ فالملقيات ذكرا } [5] وهو الحي إلهاما يلقيه نفس الروح والعقل والقلب على نفس الطبع وهو الذكر الخفي.
المرسلات 77:6
{ عذرا أو نذرا } [6] عذر الله تعالى من الظلم على ما خالف به الكتاب والسنة أو نذرا لخلقه من عذابه فأقسم الله تعالى بها على كون القيامة.
المرسلات 77:15
قوله تعالى: { ويل يومئذ للمكذبين } [15] قال: الويل يومئذ لمن ادعى من غير حقيقة، فكذبته دعواه على رؤوس الأشهاد، وذلك حين الافتضاح.
المرسلات 77:35
قوله تعالى: { هذا يوم لا ينطقون } [35] قال: لا ينطق أحد عن نفسه بحجة، إلا بإظهار العجز والعبودية والتزام المخالفات والجرائم.
المرسلات 77:46
قوله تعالى: { كلوا وتمتعوا قليلا إنكم مجرمون } [46] قال: من كانت همته بطنه وفرجه فقد أظهر خسارته، قال الله تعالى: { كلوا وتمتعوا قليلا إنكم مجرمون } [46].
والله سبحانه وتعالى أعلم.
النبأ 78:11
قوله تعالى: { وجعلنا النهار معاشا } [1] أي أنوار القلوب وتنويرها بذكرنا معاشا لنفس الروح والعقل، مثل عيش الملائكة، فأما العيش الآخر فهو طريق العوام. ثم قال: ليس من أخلاق المؤمن التذلل عند الفاقة، وقبيح بالفقراء يلبسون الخلقان وهموم الأرزاق في قلوبهم، وإنما أصل هذه الأمور ثلاث: السكون إلى الله جل وعز، والهرب من الخلق، وقلة الأذى. ولقد كان عامر بن عبد قيس يقول إذا أصبح: اللهم إن الناس قد انتشروا لحوائجهم، وإن حاجتي أن تغفر لي.
النبأ 78:26
قوله عز وجل: { جزآء وفاقا } [26] قال: وافق عذاب النار الشرك لأنهما عظيمان، فلا عذاب أعظم من الشرك.
النبأ 78:33
قوله تعالى: { وكواعب أترابا } [33] قال: يعني الجواري القينات أترابا مستويات على ميلاد واحد.
النبأ 78:34
قوله تعالى: { وكأسا دهاقا } [34] أي مملوءة متتابعة. ولقي حكيما حكيم بالموصل فقال: تشتاق إلى الحور العين؟ فقال: ألا تشتاق إليهن، فإن نور وجوههن من نور الله عز وجل، فغشي عليه، فحمل إلى منزله، فكان الناس يعودونه شهرا. وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما: لو أن جارية منهن بصقت في سبعة أبحر، لكانت الأبحر أحلى من العسل.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
النازعات 79:4
قوله تعالى: { فالسابقات سبقا } [4] قال: يعني أرواح المؤمنين سبقت بالخير والموافقة؛ فسبقت إلى ملك الموت بالإجابة، شوقا إلى ربها؛ فخرجت في أطيب ريح وأكمل سرور.
النازعات 79:16
قوله تعالى: { إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى } [16] قال: جوع موسى نفسه طاويا عابدا لله تعالى، ثم ناداه ربه ليكون إليه أبلغ.
النازعات 79:37
قوله تعالى: { فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا } [37-38] أي قال: جحد حقوق الله وكفر نعمته، وآثر الحياة الدنيا اتباعا في طلب الشهوات ومتابعة المراد، ثم قال: ما طلعت شمس ولا غربت على أحد إلا وهو جاهل، إلا من يؤثر الله تعالى على نفسه وروحه ودنياه وآخرته. قيل: ما علامة بغض الدنيا؟ قال: أن تهون عليه المصائب، حتى نفسه وولده، كما قال مسلم بن يسار حين مات ولده: يا بني، شغلني الحزن لك عن الحزن عليك، اللهم إني قد جعلت ثوابك لي عليه له، والثاني يهون عليه نعيم الدنيا ولو روحه، والثالث لا يكون شيء أقرب إليه من الله عز وجل، كقول عامر بن عبد القيس: ما نظرت إلى شيء إلا رأيت الله أقرب إليه مني.
النازعات 79:38
قوله تعالى: { فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا } [37-38] أي قال: جحد حقوق الله وكفر نعمته، وآثر الحياة الدنيا اتباعا في طلب الشهوات ومتابعة المراد، ثم قال: ما طلعت شمس ولا غربت على أحد إلا وهو جاهل، إلا من يؤثر الله تعالى على نفسه وروحه ودنياه وآخرته. قيل: ما علامة بغض الدنيا؟ قال: أن تهون عليه المصائب، حتى نفسه وولده، كما قال مسلم بن يسار حين مات ولده: يا بني، شغلني الحزن لك عن الحزن عليك، اللهم إني قد جعلت ثوابك لي عليه له، والثاني يهون عليه نعيم الدنيا ولو روحه، والثالث لا يكون شيء أقرب إليه من الله عز وجل، كقول عامر بن عبد القيس: ما نظرت إلى شيء إلا رأيت الله أقرب إليه مني.
النازعات 79:40
قوله تعالى: { وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى } [40] قال: لا يسلم من الهوى إلا نبي وبعض الصديقين ليس كلهم، وإنما يسلم من الهوى من ألزم نفسه الأدب، وليس يصفو الأدب إلا للأنبياء عليهم الصلاة والسلام وبعض الصديقين، وكذلك الأخلاق. وخرج ابن السماك يوما إلى أصحابه وقد اجتمعوا إليه فقال لهم: قد كثرت عظاتي لكم، تريدون دوائي لكم، قالوا: نعم. قال: خالفوا أهواءكم، والله سبحانه وتعالى أعلم.
عبس 80:21
قوله تعالى: { ثم أماته فأقبره } [21] قال: باطنها أمات منه حظوظ نفسه من الشهوة، فأقبره في نفسه.
عبس 80:22
{ ثم إذا شآء أنشره } [22] قرينا بالحكمة، مشاهدا لله منقطعا عمن سواه.
عبس 80:25
قوله تعالى: { أنا صببنا المآء صبا } [25] قال: صب من لطف معانيه ماء.
عبس 80:26
{ ثم شققنا الأرض } [26] وهو القلب { شقا } [26]، فأنبت فيها من ألوان الزهرة روحا وعقلا وإيمانا ومعرفة، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" ألا إن القرآن زهرة في القلوب، ألا وإن الإيمان يزرع في القلب الغنى، كما يزرع المطر الزهرات، ألا وإن الشح يزرع في القلب النفاق، كما يزرع الندى العشب ".
عبس 80:34
قوله عز وجل: { يوم يفر المرء من أخيه } [34] هابيل من قابيل، وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم من عمه، وإبراهيم من أبيه، ولوط عليه السلام من امرأته، ونوح من ولده.
عبس 80:37
{ لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه } [37] يشغله عن الناس كافة، إلا عن نفسه. والله سبحانه وتعالى أعلم.
التكوير 81:7
قوله تعالى: { وإذا النفوس زوجت } [7] قيل: زوجت نفوس المؤمنين بالحور العين، وزوجت نفوس الكفار بالشياطين، قد قرن بين الكافر والشيطان في سلسلة واحدة. وفي الآية تحذير من قرناء السوء. قال سهل: قرن بين نفس الطبع ونفس الروح، فامتزجا في نعيم الجنة، كما كانا في الدنيا مؤتلفين على إدامة الذكر وإقامة الشكر.
التكوير 81:14
قوله تعالى: { علمت نفس مآ أحضرت } [14] أيقنت كل نفس أن ما اجتهدت فيه لا يصلح لذلك المشهد، وأن من أكرم بخلع الفضل نجا، ومن قرن بجزاء أعماله خاب.
التكوير 81:26
قوله تعالى: { فأين تذهبون } [26] عن كتابه بعد البيان الذي أتاكم.
التكوير 81:27
{ إن هو إلا ذكر للعالمين } [27] قال: ذكر هذا خصوص لمن كان من العالمين عالما بالذكر منقادا للشريعة، ألا ترى كيف قال الله تعالى: { لمن شآء منكم أن يستقيم } [28] على الطرق إليه بالإيمان به، ولا تصح لكم تلك الاستقامة في الأصل والفرع إلا بمشيئتي السابقة فيكم.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
الانفطار 82:5
قوله تعالى: { علمت نفس ما قدمت وأخرت } [5] أي ما قدمت من خير أو شر، وأخرت من سيئة سنتها واقتدى بها فيها.
الانفطار 82:6
قوله تعالى: { يأيها الإنسان ما غرك بربك الكريم } [6] قال: أي ما غرك بدونه فقطعك عنه مع لطفه وكرمه.
قيل له: ما القاطع؟ قال: العبد لله والله لعبده، وليس شيء أقرب إليه من قلب المؤمن، فإذا حضر الغير فيه فهو الحجاب، ومن نظر إلى الله بقلبه بعد عن كل شيء دونه، ومن طلب مرضاته أرضاه بحلمه، ومن أسلم إلى الله تعالى قلبه تولى جوارحه فاستقامت، وإنما شهدت قلوبهم على قدر ما حفظوا من الجوارح.
ثم قال: ألزموا قلوبكم، نحن مخلوقون وخالقنا معنا، ولا تملوا من أعمالكم، فإن الله شاهدكم حيثما كنتم، وأنزلوا به حاجاتكم، وموتوا على بابه، وقولوا: نحن جهال وعالمنا معنا، ونحن ضعفاء ومقوينا معنا، ونحن عاجزون وقادرنا معنا، فإن من لزمها كان الهواء والفضاء والأرض والسماء عنده سواء.
وقال عمر بن واصل تلميذ سهل: إذا قرأ هذه الآية قال: غرني الجهل بترك العصمة منك.
الانفطار 82:13
قوله عز وجل: { إن الأبرار لفي نعيم } [13] قال: نعيم الخاص من عباده، وهم الأبرار، لقاؤه ومشاهدته، كما كان نعيمهم في الدنيا مشاهدته وقربه.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
المطففين 83:1
قوله تعالى: { ويل للمطففين } [1] قال: هم المنافقون ومن تخلق بأخلاقهم، يطففون في صلاتهم، كما قال سليمان رضي الله عنه: الصلاة مكيال، فمن وفى وفي له، ومن طفف فقد علمتم ما قال الله تعالى في حق المطففين:
أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم
[البقرة:44] وتغمزونهم على ما عثروا عليه من عيوب الناس، وترتكبون مثلها وأفظع منها. ولا يطلع على عثرات الخلق إلا مخطئ جاهل، ولا يهتك سر ما اطلع عليه إلا ملعون. ولقد حكي أن الله تعالى أوحى إلى داود عليه السلام: أشكو إليك عبادي يا داود. فقال: ولم يا رب؟ قال: لأنهم يذنبون في السر ويتوبون في العلانية، وإني لا أريد أن يطلع غيري على ذنب عبدي.
المطففين 83:15
وقال عمر ابن واصل: سألت سهلا عن قوله تعالى: { كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون } [15] قال: هم في الدنيا محجوبون عن الآمر والزاجر، كما روي في الخبر: طوبى لمن كان له من قلبه واعظ، ومن قلبه زاجر، فإذا أراد الله فيه أمرا غيب معناه عنه، وهم في الآخرة محجوبون عن الرحمة، والنظر إلى الله عز وجل، وعن نظره إليهم بالرضا والرضوان عند مناقشته إياهم، كما قال:
وقفوهم إنهم مسئولون
[الصافات:24] عن الدنيا فتلزمهم الحجة فيدخلهم النار، ثم يفتح للمؤمنين مناظر إليهم فينظرون إليهم وهم يحرقون بالنار، ويعذبون بألوان عذابها، فتقرأ أعينهم فيضحكون منهم، كما ضحكوا في الدنيا من المؤمنين، ثم تسد المناظر، وتطبق عليهم، فعند ذلك يمحو الله أسماءهم، ويخرج ذكرهم من قلوب المؤمنين ويقول:
هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون
[المطففون:36] وفيها دلالة بينة على إثبات الرؤية للمؤمنين خاصة.
المطففين 83:18
قوله تعالى: { كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين } [18] قال: الكتاب ظاهره في الآيتين جميعا أعمال الخير والشر، وباطنه أرواح المؤمنين وأرواح الكافرين، تجمع أرواح المؤمنين عند سدرة المنتهى، في حواصل طير خضر ترتع في الجنة إلى يوم القيامة، مرقوم بالرضا والرضوان، وتجمع أرواح الكفار في سجين تحت الأرض السفلى، تحت خد إبليس لعنه الله، مرقوم بالعداوة والبغضاء.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
الانشقاق 84:2
قوله تعالى: { وأذنت لربها وحقت } [2] أي سمعت لربها وأجابت بالامتثال بأمره وحق لها أن تفعل.
الانشقاق 84:6
{ يأيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا } [6] أي ساع بعملك إلى ربك سعيا { فملاقيه } [6] بسعيك فانظر في سعيك يصلح للجنة ولقربه أم للنار وبعده. وقد قال عمارة ابن زادان: قال لي كهمس: يا أبا سلمة أذنبت ذنبا فأنا أبكي عليه منذ أربعين سنة. قلت: ما هو يا أبا عبد الله؟ قال: زارني أخ لي فاشتريت له سمكا مشويا بدانق، فلما أكل قمت إلى حائط جاري، فأخذت منه قطعة، فغسل بها يده، فأنا أبكي عليه منذ أربعين سنة.
الانشقاق 84:7
قوله تعالى: { فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا } [7-8] أي نغفر ذنوبه فلا نحاسبه بها، كما روي في الخبر أن الله تعالى إذا أراد أن يستر على عبد يوم القيامة أراه ذنوبه فيما بينه وبينه، ثم غفرها له.
الانشقاق 84:8
قوله تعالى: { فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا } [7-8] أي نغفر ذنوبه فلا نحاسبه بها، كما روي في الخبر أن الله تعالى إذا أراد أن يستر على عبد يوم القيامة أراه ذنوبه فيما بينه وبينه، ثم غفرها له.
الانشقاق 84:9
{ وينقلب إلى أهله مسرورا } [9] في الجنة بتحقيق ميعاد اللقاء، وبما نال من الرضا. واعلم أن الله له عباد لا يوقفون مواقفة، ولا يحسون بهول من أهوال يوم القيامة من الحساب والسؤال والصراط، لأنهم له وبه، لا يعرفون شيئا سواه، ولا لهم دونه اختيار.
الانشقاق 84:19
قوله عز وجل: { لتركبن طبقا عن طبق } [19] قال: باطنها لترفعن درجة فوق درجة في الجنة، ولتحولن من حال إلى حال أشرف منها وأسر، كما كنتم في الدنيا ترفعون من درجة إلى درجة أعلى منها، من طمع وخوف وشوق ومحبة.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
البروج 85:3
قوله تعالى: { وشاهد ومشهود } [3] قال: قيل الشاهد الملك، كما قال:
سآئق وشهيد
[ق:21]، والمشهود يوم القيامة، وذلك يوم القيامة، فقال ابن عباس رضي الله عنهما: الشاهد محمد صلى الله عليه وسلم، والمشهود القرآن. وقيل: المشهود الإنسان. وقال سهل: الشاهد نفس الروح، والمشهود نفس الطبع، لأن نفس الطبع مع فهم العقل وفطنة القلب على كل واحد منهما شاهد، والله على الكل شهيد.
البروج 85:14
قوله عز وجل: { وهو الغفور الودود } [14] يعني الغفور للمذنبين، الودود للمغفرة، المتودد المتحبب إلى عباده، بما أولاهم من سابغ نعمه، وجميل آلائه وإحسانه.
البروج 85:22
قوله تعالى: { في لوح محفوظ } [22] قال: المحفوظ صدر المؤمن، محفوظ عليه أن يناله غير أهله، لأن أهل القرآن هم أهل الله وخاصته، والله سبحانه وتعالى أعلم.
الطارق 86:1
قوله تعالى: { والسمآء والطارق } [1] قال: السماء في اللغة السمو والعلو، فباطنها روح محمد صلى الله عليه وسلم قائم عند رب العزة والطارق.
الطارق 86:3
{ النجم الثاقب } [3] وهو قلبه، يعني مشرق بتوحيد الله وتنزيهه ومداومة الأذكار ومشاهدة الجبار. وقال مرة أخرى: الثاقب قلب المؤمن، يعني مشرق مطهر عن كل شك وريب جرت عليه من وساوس العدو ونفس الطبع.
الطارق 86:4
قوله تعالى: { إن كل نفس لما عليها حافظ } [4] أي على نفس الطبع حافظ من عصمة الله.
الطارق 86:9
قوله تعالى: { يوم تبلى السرآئر فما له من قوة ولا ناصر } [9-10] قال: أي يكشف عن النيات التي بها تعبدهم الله فيما فرض عليهم ونهاهم عنه، فإن أعمال العباد يوم القيامة موقوفة على مقاصدهم. ولقد كان الربيع يقول: السرائر التي تخفى على الناس، وهي لله بواد، التمسوا دواءهن. ثم يقول: وما دواؤهن؟ هو أن يتوب ثم لا يعود. ثم قال سهل: آلة الفقير ثلاثة أشياء: أداء فرضه وصيانة فقره وحفظ سره.
الطارق 86:10
قوله تعالى: { يوم تبلى السرآئر فما له من قوة ولا ناصر } [9-10] قال: أي يكشف عن النيات التي بها تعبدهم الله فيما فرض عليهم ونهاهم عنه، فإن أعمال العباد يوم القيامة موقوفة على مقاصدهم. ولقد كان الربيع يقول: السرائر التي تخفى على الناس، وهي لله بواد، التمسوا دواءهن. ثم يقول: وما دواؤهن؟ هو أن يتوب ثم لا يعود. ثم قال سهل: آلة الفقير ثلاثة أشياء: أداء فرضه وصيانة فقره وحفظ سره.
الطارق 86:11
قوله تعالى: { والسمآء ذات الرجع } [11] قال: ظاهرها ذات الرجع بالمطر بعد المطر.
الطارق 86:12
{ والأرض ذات الصدع } [12] بالنبات، وباطنها القلب يرجع بالندم بعد الذنب، { والأرض ذات الصدع } [12] الأرض تنصدع من الموافقات بالأفعال والأقوال.
الطارق 86:16
قوله تعالى: { وأكيد كيدا } [16] قال: كيده بهم في الدنيا الاستدراج والاغترار، وبالآخرة الحسرة عند نظرهم إلى إكرام الموحدين وإعزازهم، والله سبحانه وتعالى أعلم.
الأعلى 87:1
قوله تعالى: { سبح اسم ربك الأعلى } [1] قال: هو تنزيهه عن الأضداد والأنداد في الظاهر، وفي الباطن مشاهدته بالذكر في الصلاة دون مشاهدة غيره.
الأعلى 87:3
قوله تعالى: { قدر فهدى } [3] قال: قدر عليهم الشقاوة والسعادة، ثم تولى أهل السعادة، ووكل أهل الشقاوة إلى أنفسهم، قال: والهدى هدايان: أحدهما البيان، والآخر التولي من الله تعالى، ألا ترون كيف يهتدي إلى سبب معاشه إلى ثدي أمه لتولي الله إياه وإلهامه إياه.
الأعلى 87:14
قوله تعالى: { قد أفلح من تزكى } [14] قال: أي فاز وسعد من اتقى الله في السر والعلانية.
الأعلى 87:16
قوله تعالى: { بل تؤثرون الحياة الدنيا } [16] قال: ما ينبغي للمؤمن أن يكون في الدنيا إلا كمثل رجل ركب خشبة في البحر، وهو يقول: يا رب يا رب، لعل أن ينجيه منها، وما من عبد مؤمن زهد في الدنيا إلا وكل الله به ملكا حكيما يغرس في قلبه أنواع الحكم، كما يغرس أهل الدنيا في بساتينهم من طرف الأشجار، والله سبحانه وتعالى أعلم.
الغاشية 88:2
قوله تعالى: { وجوه يومئذ خاشعة } [2] أي ذليلة، لأن الله تعالى أمرها أن تخشع وتذل وتفتقر إليه في الدنيا، فلم تفعل، فأذلها في الآخرة بالذلة الباقية.
الغاشية 88:3
قوله تعالى: { عاملة ناصبة } [3] أي عاملة في الدنيا بأنواع البدع والضلالات، ناصبة في الآخرة بالعذاب في الدركات.
الغاشية 88:5
{ تسقى من عين آنية } [5] أي من عين صديد قد تناهى حرها كما قال: " حميم " أي قد بلغ في الحر منتهاه.
الغاشية 88:8
قوله تعالى: { وجوه يومئذ ناعمة } [8] أي نعمة وكرامة.
الغاشية 88:9
{ لسعيها راضية } [9] في الآخرة.
الغاشية 88:12
قوله تعالى: { فيها عين جارية } [12] أي مطردة في عين أخدود.
الغاشية 88:13
{ فيها سرر مرفوعة } [13] يعني الفرش مرفوعة، على كل سرير سبعون فراشا، كل فراش في ارتفاع غرفة من غرف الدنيا. قال سهل: ذكر الله تعالى هذه النعم ليرغبهم فيها، ويحذرهم عقوبته على قدر سلطانه، وكرامته على قدر عظيم شأنه وسلطانه، فلم ينجع ذلك في قلوب كفار مكة فذكر قدرته كي يعتبروا.
الغاشية 88:17
فقال تعالى: { أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت } [17] وهو في الباطن أمر للمؤمنين بالتذلل والافتقار إليه، فقال: انظروا إلى الإبل كيف خلقت، مع خلقتها وقوتها كيف تنقاد لصبي يقودها فلا يكون لها تحير ولا لها دونها اختيار، فلا تعجز أن تكون لربك كالإبل لصاحبها، ولهذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم:
" كن لربك كالجمل الأنف "
، يعني المطاوع، والله سبحانه وتعالى أعلم.
الفجر 89:1
قوله تعالى: { والفجر } [1] قال: ظاهرها الفجر الصبح.
الفجر 89:2
{ وليال عشر } [2] قال: يعني عشر ذي الحجة وهي الأيام المعلومات.
{ وليال عشر } [2] العشرة من أصحابه الذين شهد لهم بالجنة.
الفجر 89:3
{ والشفع } [3] آدم وحواء وقيل جميع ما خلق الله من الأضداد، الليل والنهار والنور والظلمة والموت والحياة. { والوتر } [3] هو الله تعالى.
{ والشفع } [3] الفرض والسنة. { والوتر } نية الإخلاص لله تعالى في الطاعات دون رؤية غيره فيهان.
الفجر 89:4
{ والليل إذا يسر } [4] ليلة الجمع تذهب بما فيها قال: باطنها والفجر محمد صلى الله عليه وسلم منه تفجرت أنوار الإيمان وأنوار الطاعات وأنوار الكونين.
{ والليل إذا يسر } [4] أمته وذلك السواد الأعظم كما قال صلى الله عليه وسلم:
" ليلة أسري بي رأيت سوادا عظيما ما بين السماء والأرض فقلت: ما هذا السواد يا جبريل؟ قال: هذه أمتك ولك سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب، لم تكملهم الخطايا، ولم يدنسوا بالدنيا لا يعرفون إلا الله "
، فأقسم الله به وبأصحابه وبأمته.
الفجر 89:14
وجواب القسم: { إن ربك لبالمرصاد } [14] يعني طريق الكل عليه يجازيهم بأعمالهم فأما سالم أو غيره يقول: يجعل رصدا من الملائكة على جسر جهنم معهم الحسك يسألون الخلق عن الفرائض.
الفجر 89:15
{ فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه } [15] قال: يعني بعض المؤمنين إذا اختبره ربه بالنعمة { فيقول ربي أكرمن } [15] بما أعطاني من السعة والرزق وذلك له استدراج واغترار. وقد قال الحسن رضي الله عنه: لا يزال العبد بخير ما علم ما الذي يفسد عمله. ومنهم من يزين له ما هو فيه ومنهم من تغلبه الشهوة.
الفجر 89:16
{ وأمآ إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه } [16] أي قتر عليه رزقه. { فيقول ربي أهانن } [16] بالفقر، يقول الله: كلا لم أبتله بالغنى لكرامته، ولم أبتله بالفقر لهوانه علي.
ولقد حكي أن فتح الموصلي رجع إلى أهله بعد صلاة العتمة وكان صائما فقال: عشوني فقال: ما عندنا شيء نعشيك به: قال: فما لكم جلوس في الظلمة؟ قالوا: ما عندنا زيت نسرج به.
قال: فقعد يبكي من الفرح إلى الصباح وقال: إلهي مثلي يترك بلا عشاء بلا سراج، بأي يد كانت مني يا مولاي.
الفجر 89:27
قوله تعالى: { يأيتها النفس المطمئنة } [27] قال: هذا خطاب لنفس الروح الذي به حياة نفس الطبع والمطمئنة المصدقة بثواب الله وعقابه.
الفجر 89:28
{ ارجعي إلى ربك } [28] بطريق الآخرة { راضية } [28] عن الله بالله { مرضية } [28] عنها لسكونها إلى الله عز وجل.
الفجر 89:29
{ فادخلي في عبادي } [29] أي في جملة أوليائي الذين هم عبادي حقا.
الفجر 89:30
{ وادخلي جنتي } [30] قال سهل: الجنة جنتان: أحدهما الجنة نفسها، والأخرى حياة بحياة وبقاء ببقاء.
كما روي في الخبر: يقول الملائكة للمنفردين يوم القيامة: امضوا إلى منازلكم في الجنة، فيقولون: ما الجنة عندنا، وإنما انفردنا لمعنى منه إلينا، لا نريد سواه حياة طيبة.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
البلد 90:1
قوله تعالى: { لا أقسم بهذا البلد } [1] قال: يعني مكة.
البلد 90:2
{ وأنت حل بهذا البلد } [2] يعني يوم فتح مكة جعلناها لك حلالا تقتل فيها من شئت من الكفار كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" إنها لم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي وإنما أحلت لي ساعة من نهار "
، فأقسم الله تعالى بمكة لحلول نبيه فيها إعزازا له وإذلالا لأعدائه.
البلد 90:3
{ ووالد وما ولد } [3] قال: الوالد: آدم، وما ولد: محمد صلى الله عليه وسلم.
البلد 90:4
{ لقد خلقنا الإنسان في كبد } [4] أي في مشقة وشدة. قال: الكبد الانتصاب، أي لقد خلقناه في بطن أمه منتصبا. كما قال مجاهد: إن الولد يكون في بطن أمه منتصبا كانتصاب الأم، وملك موكل به، إذا اضجعت الأم رفع رأسه، ولولا ذلك لغرق في الدم.
البلد 90:10
قوله تعالى: { وهديناه النجدين } [10] قال: بينا له طريق الخير ليتبعه، وطريق الشر ليجتنبه، كما قال:
إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا
[الإنسان:3]. وقيل: يعني التدبير.
البلد 90:11
قوله تعالى: { فلا اقتحم العقبة } [11] قال: أي فهلا جاوز الصراط والعقبة دونها، وفي الباطن عقبتان، إحداهما: الذنوب التي اجترحها، يعني بين يديه كالجبل يجاوزها بعتق رقبة، أو إطعام في يوم ذي مجاعة وشدة مسكينا قد لزق بالتراب من الجهد والفاقة، ويتيما بينه وبينه قرابة، والعقبة الأخرى: المعرفة لا يقدر العارف عليها إلا بحول الله وقوته على عتق رقبة نفسه عن الهوى.
البلد 90:14
{ أو إطعام في يوم ذي مسغبة } [14] ضرورة الإيمان قواما، لا ظلما وطغيانا بلذة نفس الطبع.
البلد 90:15
{ يتيما ذا مقربة } [15] فاليتيم هاهنا القلب، طعامه الوفاء، والمسكين العارف المتحير، فطعامه ألطافه ذا مقربة عند الله وعند الخلق { ذا متربة } [16].
البلد 90:16
{ يتيما ذا مقربة } [15] فاليتيم هاهنا القلب، طعامه الوفاء، والمسكين العارف المتحير، فطعامه ألطافه ذا مقربة عند الله وعند الخلق { ذا متربة } [16].
البلد 90:17
قوله تعالى: { وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة } [17] قال: يعني بالصبر على أمر الله، والتراحم بين الخلق.
" وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما الإسلام؟ فقال: " الصبر والسماح. فقيل: ما الإيمان؟ فقال: طيب الكلام وإطعام الطعام "
قال سهل: وأطيب الكلام ذكر الله تعالى.
البلد 90:18
{ أولئك أصحاب الميمنة } [18] قال: يعني الميامنين على أنفسهم من أهوال ذلك اليوم، لا يحسون بدونه، كما كانوا في الدنيا حياة بحياة، وأزلية بأزلية، وسرا بسر.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
الشمس 91:3
قوله تعالى: { والنهار إذا جلاها } [3] قال: يعني نور الإيمان يجلي ظلمة الجهل، ويطفئ لهيب النار.
الشمس 91:4
{ والليل إذا يغشاها } [4] قال: يعني الذنوب والإصرار عليها يغشى نور الإيمان، فلا يشرق في القلب، ولا يظهر أثره على الصفات، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" إن الهوى والشهوة يغلبان العلم والعقل "
والبيان، لسابق القدرة من الله عز وجل.
الشمس 91:9
قوله تعالى: { قد أفلح من زكاها } [9] قال: أفلح من رزق النظر في أمر معاده.
الشمس 91:10
{ وقد خاب من دساها } [10] قال: خسرت نفس أغواها الله عز وجل، فلم تنظر في أمر معاده.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
الليل 92:1
قوله تعالى: { والليل إذا يغشى } [1] قال: باطنها نفس الطبع.
الليل 92:2
{ والنهار إذا تجلى } [2] نفس الروح.
الليل 92:3
{ وما خلق الذكر والأنثى } [3] أي ومن خلق الخوف والرجاء، فالخوف ذكر والرجاء أنثى.
الليل 92:4
{ إن سعيكم لشتى } [4] فمنه ما هو خالص ومنه ما هو مشوب بالأحداث.
الليل 92:5
{ فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى } [5-6] أبو بكر الصديق رضي الله عنه أعطى من نفسه وماله مجهوده، واتقى سكونه إلى نفس الطبع، وصدق بالحسنى كلمة التوحيد. وقيل: بالجزاء، ويقال: هو الإخلاص.
الليل 92:6
{ فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى } [5-6] أبو بكر الصديق رضي الله عنه أعطى من نفسه وماله مجهوده، واتقى سكونه إلى نفس الطبع، وصدق بالحسنى كلمة التوحيد. وقيل: بالجزاء، ويقال: هو الإخلاص.
الليل 92:7
{ فسنيسره لليسرى } [7] هو العود إلى الخير.
الليل 92:8
{ وأما من بخل واستغنى } [8] أبو جهل بخل بطاعته لله ورسوله، واستغنى: أظهر من نفسه الاستغناء عنهما.
الليل 92:10
{ فسنيسره للعسرى } [10] أي نسهل عليه العمل، بعمل أهل النار، ألا تراه كيف قال عقبه: { وما يغني عنه ماله إذا تردى } [11] في النار.
الليل 92:11
{ فسنيسره للعسرى } [10] أي نسهل عليه العمل، بعمل أهل النار، ألا تراه كيف قال عقبه: { وما يغني عنه ماله إذا تردى } [11] في النار.
الليل 92:13
{ وإن لنا للآخرة والأولى } [13] فالآخرة نفس الروح، والأولى نفس الطبع، يهدي واحد إلى نفس الروح، وآخر إلى نفس الطبع.
الليل 92:17
قوله تعالى: { وسيجنبها الأتقى الذى يؤتي ماله يتزكى } [17-18] قال: الأتقى هو الصديق هو أتقى الناس فإن الناس أعطوا واتقوا وهو لم ير الفاني وأبقى لنفسه الباقي كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" ماذا أبقيت لنفسك؟ قال: الله ورسوله ".
الليل 92:18
قوله تعالى: { وسيجنبها الأتقى الذى يؤتي ماله يتزكى } [17-18] قال: الأتقى هو الصديق هو أتقى الناس فإن الناس أعطوا واتقوا وهو لم ير الفاني وأبقى لنفسه الباقي كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" ماذا أبقيت لنفسك؟ قال: الله ورسوله ".
الليل 92:21
قوله تعالى: { ولسوف يرضى } [21] قال: يعني بما له عندنا، وهو محل الفضل، لا محل الثواب، سرا بسر، وحياة بحياة، وأزلية بأزلية.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
الضحى 93:1
قوله تعالى: { والضحى } [1] قال: هو نفس الروح في الباطن.
الضحى 93:2
{ والليل إذا سجى } [2] يعني نفس الطبع إذا سكن إلى نفس الروح في إدامة الذكر إلى الله تعالى.
الضحى 93:4
قوله تعالى: { وللآخرة خير لك من الأولى } [4] قال: ادخرت لك من المقام المحمود ومحل الشفاعة خيرا مما أعطيتك في الدنيا من النبوة والرسالة.
الضحى 93:6
قوله تعالى: { ألم يجدك يتيما فآوى } [6] قال: يعني ألم يجدك فردا فآواك إلى أصحابك.
الضحى 93:7
{ ووجدك ضآلا فهدى } [7] قال: أي وجدك لا تعرف قدر نفسك فعرفك قدرك، ووجدك ضالا عن معاني محض مودتك فسقاك من شراب مودته بكأس محبته، فهداك إلى معرفته، وخلع عليك خلع نبوته ورسالته ليدل بهما على قربه ووحدانيته. قال: وفيها وجه آخر: ووجدك نفسك نفس الطبع فقير إلى سبيل المعرفة.
الضحى 93:8
{ ووجدك عآئلا فأغنى } [8] قال: وجد نفسك حيرانة والهة إلى المعرفة بنا، فقيرة إليها، فقوى نفس روحك فأغناها بالقرآن والحكمة. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" ليس الغنى كثرة العرض، إنما الغنى غنى النفس ".
الضحى 93:9
{ فأما اليتيم فلا تقهر } [9] فقد ذقت طعم اليتم. قال: ووجه آخر: فقد علمت موقع اللطف من قلب اليتيم.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
الشرح 94:1
قوله تعالى: { ألم نشرح لك صدرك } [1] قال: ألم نوسع لك صدرك بنور الرسالة فجعلناه معدنا للحقائق. قال: وأول الشرح بنور الإسلام كما قال الله تعالى:
فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام
[الأنعام:125] ثم قال: يزداد المنازل بعده، فيكون الأنوار على قدر المواهب من البصائر.
الشرح 94:2
{ ووضعنا عنك وزرك } [2] قال: يعني أزلنا عنك السكون إلى غيرنا من همة نفس الطبع، فجعلناك ساكنا إلينا قابلا عنا بنا.
الشرح 94:4
قوله تعالى: { ورفعنا لك ذكرك } [4] قال: وصلنا اسمك باسمنا في الأذان والتوحيد، فلا يقبل إيمان العبد حتى يؤمن بك.
الشرح 94:5
قوله تعالى: { فإن مع العسر يسرا } [5] قال: عظم الله تعالى حال الرجاء في هذه الآية بكرمه وخفي لطفه، فذكر اليسر مرتين، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" لن يغلب عسر يسرين "
، يعني فطنة القلب والعقل يسران يغلبان نفس الطبع، فيعيدانه إلى الإخلاص، وهو معنى الآية في الباطن، أي فإن مع شدة نفس الطبع في افتقاره إلى ذات الحق عز وجل إلى نفس الروح والعقل وفطنة القلب وهو في الباطن تسكن قلب محمد صلى الله عليه وسلم على الإعانة خوفا، فقال: إنا سلطنا على نفس الطبع الكثيف منك لطائف نفس الروح والعقل والقلب والفهم التي سبقت بالموهبة الجليلة قبل بدو الخلق بألف عام، فغلبت نفس الطبع.
الشرح 94:7
{ فإذا فرغت } [7] من صلاتك المكتوبة وأنت جالس { فانصب } [7] إلى ربك وارجع إليه، كما كنت قبل نفس الطبع، قبل بدو الخلق، فردا بفرد، وسرا بسر، فوهب الله له مثل منزلته السابقة في الدنيا، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" إن لي مع الله وقتا لا يسعني غيره "
، هذا باطن الآية، وظاهرها ما عليه الظاهر.
وحكى أبو عمرو بن العلاء فقال: " هربنا من الحجاج فدخلنا البادية فأقمنا بها دهرا نتردد من حي إلى حي، فبينا أنا خارج في بعض الأحياء ذات غداة متوزع الخطر مبهم القلب ضيق الصدر، إذ سمعت شيخا من الأعراب مجتازا يقول: [من الخفيف]
صبر النفس ينجلي كل هم
إن في الصبر حيلة المحتال
ربما تكره النفوس من الشيء
له فرجة كحل العقال
فلم يستتم الشيخ إنشاد البيتين حتى رأيت فارسا من بعيد ينادي: قد مات الحجاج. قال: فسألت الشيخ عن الفرجة، فقال: الفرجة بضم الفاء: في الحائط والعود ونحوهما، والفرجة بفتح الفاء: في الأمر من الشدة والنوائب. قال أبو عمرو: فلم أدر بأيهما كنت أشد سرورا، بموت الحجاج أم بهذه الفائدة.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
التين 95:4
قوله تعالى: { لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم } [4] قال: أي في أحسن قامة وأحسن صورة.
التين 95:5
{ ثم رددناه أسفل سافلين } [5] يعني نقلناه من حال إلى حال حتى أدركه الهرم.
التين 95:6
{ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات } [6] في شبابهم، فإنهم إذا ضعفوا وشاخوا أمرنا الملائكة تكتب لهم الأعمال التي كانت تكتب لهم حال شبابهم.
{ فلهم أجر غير ممنون } [6] أي لا ينقطع عنهم أجور أعمالهم وإن ضعفوا عنها.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
العلق 96:6
قوله تعالى: { كلا إن الإنسان ليطغى } [6] قال: أي رؤية الغنى تورث الاستغناء، والاستغناء يورث الطغيان. وقد قال الحسن رحمة الله عليه: لقد قصر نظر عبد زويت عنه الدنيا، ثم لم يعلم أن ذلك نظر من الله، لقد قصر علم عبد بسطت له الدنيا، فلم يخش أن يكون ذلك مكرا من الله تعالى يمكر به. ثم قال: والله ما بسطت الدنيا لعبد إلا طغى كائنا من كان، ثم تلا قوله تعالى: { كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى } [6-7].
العلق 96:14
قوله تعالى: { ألم يعلم بأن الله يرى } [14] قال: ليس له وراء، وهو وراء كل وراء.
العلق 96:17
قوله تعالى: { فليدع ناديه } [17] قال: يعني عشيرته.
العلق 96:18
قوله تعالى: { سندع الزبانية } [18] يعني خزنة جهنم، أرجلهم في الأرض ورؤوسهم في السماء الدنيا. وإنما سموا الزبانية من الزبن وهو الدفع، يدفعون الجهنميين في قفاهم بأيديهم وأرجلهم. فلما سمع أبو جهل ذكر الزبانية هرب إلى قومه، فقالوا له: أخفته؟ فقال: لا، ولكن خفت الزبانية، لا أدري من هم.
والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.
القدر 97:1
قوله تعالى: { إنا أنزلناه في ليلة القدر } [1] قال: ليلة القدر قدرت فيها الرحمة على عباده.
القدر 97:4
قوله تعالى: { من كل أمر سلام } [4-5] أي سلام من الظلمة أوقات العارفين به، والقائمين معه على حدود الأحكام في الأوامر والنواهي.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
القدر 97:5
قوله تعالى: { من كل أمر سلام } [4-5] أي سلام من الظلمة أوقات العارفين به، والقائمين معه على حدود الأحكام في الأوامر والنواهي.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
البينة 98:5
قوله تعالى: { ومآ أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين } [5] قال: العلم كله في الحركات حتى يصير إلى الإخلاص، فإذا بلغ إلى الإخلاص صار طمأنينة، فمن كان علمه يقينا وعمله إخلاصا أذهب الله عنه ثلاثة أشياء، الجزع والجهل والعمل، وأعطاه بدل الجزع الصبر، وبدل الجهل العلم، وبدل العلم ترك الاختيار، ولا يكون هذا إلا للمتقين.
قيل: وما الإخلاص؟ قال: الإجابة، فمن لم تكن له الإجابة فلا إخلاص له.
وقال: الإخلاص على ثلاث معان: إخلاص العبادة لله، وإخلاص العمل له، وإخلاص القلب له.
البينة 98:8
قوله تعالى: { ذلك لمن خشي ربه } [8] قال: الخشية سر، والخشوع علانية، من خشعت جوارحه لم يقربه الشيطان. قيل: فما الخشوع؟ قال: الوقوف بين يدي الله، والصبر على ذلك. قال: وكمال الخشية ترك الآثام في السر والعلانية.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
الزلزلة 99:6
قوله تعالى: { يومئذ يصدر الناس أشتاتا } [6] قال: يتبع كل أحد ما كان يعتمده، فمن اعتمد فضل الله اتبع فضله، ومن اعتمد عمله اتبع عمله، ومن اعتمد الشفاعة اتبع الشفاعة.
الزلزلة 99:7
قوله تعالى: { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره } [7] قال: لما نزلت هذه الآية خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال في خطبته:
" ألا وإن الدنيا عرض حاضر، يأكل منه البر والفاجر، ألا وإن الآخرة أجل صادق، يقضي فيها ملك قادر، ألا وإن الخير كله بحذافيره في الجنة، ألا وإن الشر كله بحذافيره في النار، ألا فاعلموا وأنتم من الله على حذر، واعلموا أنكم معروضون على أعمالكم { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره [7-8] ".
قال أبو الدرداء رضي الله عنه: إتمام التقوى أن يتقي الله عبده، حتى يتقيه في مثقال ذرة، حتى يترك بعض ما يرى أنه حلال، خشية أن يكون حراما يكون حجابا بينه وبين الحرام.
قال سهل: لا تستصغر شيئا من الذنوب وإن قل، فإنهم قالوا: أربعة بعد الذنب أشد من الذنب: الإصرار والاستبشار والاستصغار والافتخار.
وقد قال ابن مسعود رضي الله عنهما: إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه في أصل جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الكافر يرى ذنوبه كذبابة وقعت على أنفه فقال هكذا بيده فطارت.
ثم قال سهل: معشر المسلمين لقد أعقبتم الإقرار باللسان واليقين في القلب، أن الله واحد ليس كمثله شيء، وإن لكم يوما يبعثكم فيه ويسألكم فيه عن مثاقيل الذر من أعمالكم، فإن كان خيرا أثابكم فيه، وإن كان شرا عاقبكم عليه إن شاء، فحققوه بالفعل.
قيل له: وكيف لنا أن نحققه بالفعل؟
قال: بخمسة أشياء لا بد لكم منها: أكل الحلال، ولبس الحلال، وحفظ الجوارح، وأداء الحقوق كما أمرتم به، وكف الأذى عن المرسلين، كيلا يذهب بأعمالكم قصاصا في القيامة، ثم استعينوا على ذلك كله بالله حتى يتمها لكم.
قيل له: فكيف تصح للعبد هذه الأحوال؟
قال: لا بد له من عشرة أشياء يدع منها خمسا ويتمسك بخمس ويدع وساوس العدو، ويتبع العقل فيما يزجره، ويدع اهتمامه لأمر الدنيا ويتركها لأهلها، ويهتم بالآخرة ويعين أهلها ويدع اتباعه الهوى ويتقي الله على كل حال، ويترك المعصية ويشتغل بالطاعة، ويدع الجهل والإقامة عليه حتى يحكم عمله، ويطلب العلم ويعمل به.
قيل له: وكيف لنا أن نقيمها ونعمل بها؟
قال: لا بد من أربعة أشياء: لا يتعب نفسه فيما كان مصيره إلى التراب، ولا يرغب فيه، ولا يتخذ إخوانا مصيرهم إلى التراب، ولا يرغب فيهم.
قيل: كيف ذلك؟
قال: يعلم أنه عبد، مولاه عالم بحاله، شاهد، قادر على فرحه وترحه، رحيم به.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
العاديات 100:6
قوله تعالى: { إن الإنسان لربه لكنود } [6] قال: الكنود الكفور، وهو الذي خالف العهد وجانب الصدق وألف الهوى، فحينئذ يؤيسه الله من كل بر وتقوى.
العاديات 100:7
{ وإنه على ذلك لشهيد } [7] يعني الله شهيد على أفعاله وأحواله وأسراره.
العاديات 100:8
{ وإنه لحب الخير لشديد } [8] قال: الخير المراد هاهنا ثلاث: حب النفس وحب الدنيا وحب الهوى، فسماها خيرا لتعارف أهلها، وإنما الخير ثلاث: الاستغناء عن الخلق والافتقار إلى الله عز وجل وأداء الأمر. والله سبحانه وتعالى أعلم.
القارعة 101:1
قوله تعالى: { القارعة ما القارعة } [1-2] قال: يقرع الله أعداءه بالعذاب.
القارعة 101:2
قوله تعالى: { القارعة ما القارعة } [1-2] قال: يقرع الله أعداءه بالعذاب.
القارعة 101:3
{ ومآ أدراك ما القارعة } [3] تعظيم لها ولشدتها وكل شيء في القرآن، وما أدراك فإنه لم يخبر به، كما قال:
وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا
[الأحزاب:63] ولم يخبره بها إلا قوله تعالى: { ومآ أدراك ما القارعة } [3] ثم أخبره عنها.
القارعة 101:4
قوله تعالى: { يوم يكون الناس كالفراش المبثوث } [4] يعني يجول بعضهم في بعض من هيبة الله عز وجل. وقيل: القرع ثلاث، القرع للأبدان بسهام الموت، وقرع الأعمال بسؤال الله إياهم، وقرع القلوب بخوف القطيعة.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
التكاثر 102:3
قوله تعالى: { كلا سوف تعلمون } [3] قال سهل: سيعلم من أعرض عني أنه لا يجد مثلي، وأنشد: [من الوافر]
ستذكرني إذا جربت غيري
وتعلم أنني كنت لك كنزا
التكاثر 102:5
قوله تعالى: { كلا لو تعلمون علم اليقين } [5] قال: اليقين النار، والإقرار باللسان فتيله، والعمل زيته، وابتداء اليقين بالمكاشفة، ثم المعاينة، والمشاهدة.
التكاثر 102:7
قوله تعالى: { لترونها عين اليقين } [7] قال: عين اليقين ليس هو من اليقين، لكنه نفس الشيء وكليته.
التكاثر 102:8
{ ثم لتسألن يومئذ عن النعيم } [8] قال: لا تأتي على الخلق من الجن والإنس ساعة من ساعات الليل والنهار إلا ولله عليهم فيها حق واجب، عرفه من عرفه، وجهله من جهله فيتثبت أحوالهم يوم القيامة، ثم قرأ: { لتسألن يومئذ عن النعيم }.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
العصر 103:1
قوله تعالى: { والعصر } [1] قيل: أي ورب الدهر. وقيل: أراد به والعصر.
العصر 103:2
{ إن الإنسان لفى خسر } [2] يعني أبا لهب خسر أيامه كلها.
العصر 103:3
{ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات } [3] يعني أدوا الفرائض كما فرضت عليهم.
{ وتواصوا بالحق } [3] أي بالله عز وجل.
{ وتواصوا بالصبر } [3] على أمره.
قيل: وما الصبر؟ قال: لا عمل أفضل من الصبر، ولا ثواب أكبر من ثواب الصبر ولا زاد إلا التقوى، ولا تقوى إلا بالصبر، ولا معين على الصبر لله إلا الله عز وجل.
قيل: الصبر من الأعمال؟ قال: نعم الصبر من العمل بمنزلة الرأس من الجسد، لا يصلح أحدهما إلا بصاحبه.
قيل: ما أجل الصبر؟ قال: أجله انتظار الفرج من الحق.
قيل: فما أصل الصبر؟ قال: مجاهدة النفس على إقامة الطاعات وأدائها بأحكامها وحدودها ومكابدتها على اجتناب المعاصي صغيرها وكبيرها.
قيل: والناس في الصبر كيف هم؟ قال: الناس في الصبر صنفان: فصنف يصبرون للدنيا حتى ينالوا منها ما تشتهي أنفسهم، فهو الصبر المذموم، وصنف يصبرون للآخرة طلبا لثواب الآخرة وخوفا من عذابها.
قيل: فالصبر للآخرة هو على نوع واحد أو على أنواع؟ قال: الصبر للآخرة له أربع مقامات: فثلاث منها فرض، والرابع فضيلة: صبر على طاعة الله عز وجل وصبر على معصيته وصبر على المصائب من عنده. أو قال: صبر على أمر الله عز وجل، وصبر على نهيه، وصبر على أفعال الله عز وجل، فهذه ثلاث مقامات منه، وهي فرض، والمقام الرابع فضيلة وهو الصبر على أفعال المخلوقين. قال الله تعالى:
وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به
[النحل:126] الآية، كم بالمثل وفضل الصبر، ثم قال:
واصبر وما صبرك إلا بالله
[النحل:127] ولا يعين عليه إلا هو.
ولقد لحق رجل بأويس القرني رحمه الله فسمعه يقول: اللهم إني أعتذر إليك اليوم من كل كبد جائعة وبدن عاري، فإنه ليس في بيتي من الطعام إلا ما في بطني، وليس شيء من الدنيا إلا ما على ظهري. قال: وعلى ظهره خريقة قد تردى بها.
قال: وأتاه رجل فقال له: يا أويس كيف أصبحت؟ أو قال: وكيف أمسيت؟ قال: أحمد الله على كل حال، وما تسأل عن حال رجل إذا هو أصبح ظن أنه لا يمسي، وإذا أمسى ظن أنه لا يصبح، إن الموت وذكره لم يدع لمؤمن فرحا، وإن حق الله عز وجل في مال المسلم لم يدع له في ماله فضة ولا ذهبا، وإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لم يدع لمؤمن صديقا، نأمر بالمعروف فيشتمون أعراضنا، ويجدون على ذلك من الفاسقين أعوانا، حتى والله لقد قذفوني بالعظائم، وأيم الله لا أدع أن أقوم لله فيهم بحقه، ثم أخذ الطريق. فهذا أويس قد بلغ هذا المقام في الصبر. والله سبحانه وتعالى أعلم.
الهمزة 104:1
قوله تعالى: { ويل لكل همزة } [1] يعني المغتاب إذا غاب الرجل عنه اغتابه.
{ لمزة } [1] يعني الطاعن إذا رآه طعن فيه، نزلت في الوليد بن المغيرة.
الهمزة 104:2
{ الذى جمع مالا وعدده } [2] قال: استعبد ماله لدنياه.
الهمزة 104:3
{ يحسب أن ماله أخلده } [3] قال: أي أخلده لدار البقاء. وقيل: أخلده من الموت.
الهمزة 104:6
قوله تعالى: { نار الله الموقدة } [6] أي لا تخمد بأكل الجلد واللحم، حتى يخلص حرها إلى القلوب. والنيران أربعة: نار الشهوة ونار الشقاوة ونار القطيعة ونار المحبة. فنار الشهوة تحرق الطاعات، ونار الشقاوة تحرق التوحيد، ونار القطيعة تحرق القلوب، ونار المحبة تحرق النيران كلها.
ولقد حكي أن علي بن الحسين رضي الله عنه دخل مغارة مع أصحاب له، فرأى امرأة في المغارة وحدها، فقال لها: من أنت؟ قالت: أمة من إماء الله، إليك عني لا يذهب الحب. فقال لها علي رضي الله عنه: وما الحب؟ قال: أخفى من أن يرى، وأبين من أن يخفى، كمونه في الحشاء ككمون النار في الحجر، إن قدحته أورى وإن تركته توارى، ثم أنشأت تقول: [من البسيط]
إن المحبين في شغل لسيدهم
كفتية الكهف لا يدرون كم لبثوا
الفيل 105:1
قوله تعالى: { ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل } [1] قال: ألم تعلم كيف فعل ربك بأعدائك وأنت بعد لم تظهر في الدنيا، كذلك يفعل بأعدائك وأنت بهم ظهرانيهم ويرفع عنك مكرهم.
الفيل 105:3
قال عكرمة: قوله تعالى: { طيرا أبابيل } [3] قال: طير نشأت من قبل البحر، لها رؤوس كرؤوس الأفاعي. وقيل: كرؤوس السباع، لم تر قبل يومئذ ولا بعده، فجعلت ترميهم بالحجارة لتجدر جلودهم، وكان أول يوم رئي فيه الجدري.
قريش 106:1
قوله تعالى: { لإيلاف قريش } [1] قال: يعني لتألف قريش الرحلتين.
قريش 106:2
{ رحلة الشتآء } [2] إلى الشام. { و } رحلة { الصيف } [2] إلى اليمن أهلكنا أصحاب اليمن كذلك، كأنه يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: ذكر قريشا نعمتي عليهم بك قبل إرسالك إليهم.
قريش 106:3
{ فليعبدوا رب هذا البيت } [3] يعني مكة.
قريش 106:4
{ الذي أطعمهم من جوع } [4] السنين، { وآمنهم من خوف } [4] النجاشي.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
الماعون 107:1
قوله تعالى: { أرأيت الذي يكذب بالدين } [1] قال: أي بالحساب يوم يدان الناس.
الماعون 107:2
{ فذلك الذي يدع اليتيم } [2] أي يدفعه عن حقه.
الماعون 107:3
{ ولا يحض على طعام المسكين } [3] أي لا يطعم مسكينا، نزلت في العاص بن وائل.
الماعون 107:4
{ فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون } [4-5] قال: هم المنافقون، غافلون عن مراعاة أوقات الصلاة ومراعاة حقوقها، وهذا وعيد شديد، إذ ليس كل من كان في صورة المطيعين واقفا مع العابدين، كان مطيعا مقبول العمل. وفي زبور داود عليه السلام: قل للذين يحضرون الكنائس بأبدانهم، ويقفون مواقف العباد وقلوبهم في الدنيا: أبي يستخفون؟ أم إياي يخدعون؟. وفي الخبر: ليس لأحد من صلاته إلا ما عقل.
الماعون 107:5
{ فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون } [4-5] قال: هم المنافقون، غافلون عن مراعاة أوقات الصلاة ومراعاة حقوقها، وهذا وعيد شديد، إذ ليس كل من كان في صورة المطيعين واقفا مع العابدين، كان مطيعا مقبول العمل. وفي زبور داود عليه السلام: قل للذين يحضرون الكنائس بأبدانهم، ويقفون مواقف العباد وقلوبهم في الدنيا: أبي يستخفون؟ أم إياي يخدعون؟. وفي الخبر: ليس لأحد من صلاته إلا ما عقل.
الماعون 107:6
قوله تعالى: { الذين هم يرآءون } [6] قال: هو الشرك الخفي، لأن المنافقين كانوا يحسنون الصلاة في المساجد، فإذا غابوا عن أعين المسلمين تكاسلوا عنها، ألا ترى كيف أثبتهم أولا مصلين، ثم أوعدهم بالوعيد. واعلموا أن الشرك شركان: شرك في ذات الله عز وجل، وشرك في معاملته، فالشرك في ذاته غير مغفور، وأما الشرك في معاملته قال: نحو أن يحج ويصلي ويعلم الناس، فيثنون عليه، هذا هو الشرك الخفي. وفي الخبر: أخلصوا أعمالكم لله فإن الله لا يقبل من العمل إلا ما خلص، ولا تقولوا هذا لله، وللرحم إذا وصلتموه فإنه للرحم، وليس منه شيء. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ حين قال له: أوصني يا رسول الله، قال:
" أخلص لله يكفيك القليل من العمل ".
الماعون 107:7
قوله تعالى: { ويمنعون الماعون } [7] قال: الماعون متاع البيت. وقيل: هو الزكاة، وهو المال بلغة الحبش، والله سبحانه وتعالى أعلم.
الكوثر 108:1
قوله تعالى: { إنآ أعطيناك الكوثر } [1] قال: لما مات القاسم بمكة وإبراهيم بالمدينة قالت قريش: أصبح محمد صلى الله عليه وسلم أبتر، فغاظه ذلك، فنزلت: { إنآ أعطيناك الكوثر } [1] نعزيه ونعوضه الكوثر، وهو الحوض، تسقي من شئت بإذني، وتمنع من شئت بإذني.
الكوثر 108:2
{ فصل لربك وانحر إن شانئك هو الأبتر } [2-3] عن خير الدارين أجمع.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
الكوثر 108:3
{ فصل لربك وانحر إن شانئك هو الأبتر } [2-3] عن خير الدارين أجمع.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
الكافرون 109:1
قوله تعالى: { قل يأيها الكافرون } [1] قال: إنما ذكر: { قل } [1] جوابا عن سؤال الكفار إياه: " اعبد إلهنا شهرا فنعبد إلهك سنة ". فأنزل الله تعالى هذه السورة عند قولهم ذلك، { يأيها الكافرون } [1] قالوا: ما لك يا محمد.
الكافرون 109:2
قال: { لا أعبد ما تعبدون } [2] اليوم.
الكافرون 109:3
{ ولا أنتم عابدون مآ أعبد } [3] اليوم.
الكافرون 109:4
{ ولا أنآ عابد ما عبدتم } [4] في المستقبل.
الكافرون 109:5
{ ولا أنتم عابدون مآ أعبد } [5] في المستقبل.
الكافرون 109:6
{ لكم } [6] اختياركم ل { دينكم ولي } [6] اختياري ل { دين } [6]، ثم نسختها آية السيف، والله سبحانه وتعالى أعلم.
النصر 110:1
قوله تعالى: { إذا جآء نصر الله } [1] قال: إذا جاء نصر الله لدينك والفتح لدينك.
النصر 110:2
{ ورأيت الناس } [2] وهم أهل اليمن. { يدخلون في دين الله أفواجا } [2] زمرا، القبيلة بأسرها، والقوم بأجمعهم، فانصر روحك على نفسك بالتهيؤ للآخرة لأنه منها، فالنفس تريد الدنيا لأنها منها، والروح تريد الآخرة لأنه منها، فانصر على النفس وافتح له باب الآخرة بالتسبيح والاستغفار لأمتك. وكان يستغفر بعد ذلك ويسبح بالغداة مائة مرة، وبالعشي مائة مرة، واجتهد في العبادة ليلا ونهارا حتى تورمت قدماه، واحمرت عيناه، واصفرت وجنتاه، وقل تبسمه، وكثر بكاؤه وفكرته.
وقد حكي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال:
" لما نزلت هذه السورة واستبشر بها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بكى أبو بكر رضي الله عنه بكاء شديدا فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما يبكيك؟ قال: نعيت لك نفسك يا رسول الله. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: صدقت " ، ثم قال: " اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل "
، وهذا تعليم لأمته بالدين والتسبيح. وقد قال الربيع بن خيثم رحمه الله تعالى: أقلوا الكلام إلا من تسع: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، وقراءة القرآن، وأمر بالمعروف، ونهي عن المنكر، ومسألة خير، وتعوذ من شر.
النصر 110:3
{ إنه كان توابا } [3] أي رجاعا يقبل التوبة، كلما تاب العبد إليه. واعلم أن إلهنا أكرم من أن يكون معك على نفسك، فإنه قال:
إن الله يحب التوابين
[البقرة:222] فإن كنت عليها كان معها بالعفو، وإن كنت معها على أمر الله ونهيه كان عليك، فمن وافق أمر الله على هواه كان ناجيا، ومن وافق هواه على أمر الله كان هالكا، وإن أمر الله تعالى مر وهوى النفس حلو، فما مثالها إلا كالأطعمة اللذيذة قد يحصل فيها الصبر، والدواء يشرب مع مرارته لما جعل فيه من المنافع. وكان بعض الصالحين يقول: واسوأتاه، وإن عفوت. فمنهم من يحذر الرد، ومنهم من يبكي خجلا، وإن عفي عنه. والله سبحانه وتعالى أعلم.
المسد 111:1
قوله تعالى: { تبت يدآ أبي لهب وتب } [1] قال: أي خسرت يداه، { وتب } [1] أي خسر، فالخسران الأول خسران المال، والخسران الآخر خسران النفس، ومعنى الخسران ما ذكر بعد ذلك.
المسد 111:2
فقال: { مآ أغنى عنه ماله } [2] في الآخرة، إذ صار إلى النار { وما كسب } [2] يعني ولده عتبة وعتيبة ومعتب.
وفيها وجه آخر: أن يكون التباب الأول كالدعاء عليه، والثاني كالإخبار عن وقوع الخسران في سابق التقدير، وهو جواب عن قول أبي لهب للنبي صلى الله عليه وسلم: " تبا لك " حين جمعهم ودعاهم إلى التوحيد، وأنذرهم العذاب بقوله تعالى:
وأنذر عشيرتك الأقربين
[الشعراء:214].
المسد 111:3
قوله تعالى: { سيصلى نارا } [3] سيغشى أبو لهب نارا في الآخرة. { ذات لهب } [3] أي ليس لها دخان.
المسد 111:4
{ وامرأته } [4] أم جميل. { حمالة الحطب } [4] قيل النمامة. وقال عكرمة: إنها كانت تحمل الشوك تلقيه على طريق النبي صلى الله عليه وسلم.
المسد 111:5
{ في جيدها حبل من مسد } [5] أي سلسلة من حديد في النار كحديد البكرة التي تجري فيه، شهرها بهذه العلامة في جهنم، كما كانت مشهورة بعداوة النبي صلى الله عليه وسلم.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
الإخلاص 112:1
قوله تعالى: { قل هو الله أحد } [1] ليس له كفء ولا مثل.
الإخلاص 112:2
{ الله الصمد } [2] قال: الصمد السيد الذي صمد إليه في الحوائج والعوارض، ومعناه المصمود إليه. وقال: الصمد الذي لا يحتاج إلى الطعام والشراب.
الإخلاص 112:3
{ لم يلد } [3] فيورث. { ولم يولد } [3] فيكون ملكه محدثا. وهو أيضا إثبات الفردانية، ونفي الأسباب عنه، ردا على الكفار.
الإخلاص 112:4
{ ولم يكن له كفوا أحد } [4] معناه: ولم يكن له أحد كفئا على جهة التقديم. والله سبحانه وتعالى أعلم.
الفلق 113:1
قوله تعالى: { قل أعوذ برب الفلق } [1] قال: إن الله تعالى أمره في هاتين السورتين بالاعتصام والاستعانة به، وإظهار الفقر إليه. قيل: ما إظهار الفقر؟ قال: هو الحال بالحال، لأن الطبع ميت وإظهاره حياته.
وقال: أفضل الطهارة أن يطهر العبد من حوله وقوته، وكل فعل أو قول لا يقارنه " لا حول ولا قوة إلا بالله " لا يتولاه الله عز وجل، وكل قول لا يقارنه استثناء عوقب عليه، وإن كان برا، وكل مصيبة لا يقارنها استرجاع لم يثبت عليها صاحبها يوم القيامة.
قال: والفلق: الصبح عند ابن عباس رضي الله عنه، وهو عند الضحاك: واد في النار، وعند وهب: بيت في النار، وعند الحسن: جب في النار.
وقيل: أراد به جميع الخلق، وقيل: هو الصخور تنفلق عن المياه.
الفلق 113:2
{ من شر ما خلق } [2] من الإنس والجن، وذلك أن لبيد بن أعصم اليهودي سحر النبي صلى الله عليه وسلم في بئر بني بياضة، وكان يسد إليها فاسد إليها فدب فيه السحر، فاشتد عليه ذلك، فأنزل الله تعالى المعوذتين، وأخبره جبريل عليه السلام بالسحر، وأخرج إليها رجلين من أصحابه فأخرجاه من البئر، وجاءا به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فجعل يحل عقدة ويقرأ آية، حتى برئ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما ختم السورتين بلا مهلة، فكان لبيد بعد ذلك يأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فما رأى في وجه النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك شيئا، ولا ذاكره ذلك.
الفلق 113:3
{ ومن شر غاسق إذا وقب } [3] يعني إذا دخل الليل. وقيل: إذا اشتدت ظلمته. وقيل: وقوب الليل في النهار أول الليل ترسل فيه عفاريت الجن فلا يشفى مصاب تلك الساعة.
قال سهل: { ومن شر غاسق إذا وقب } [3] باطنها الذكر إذا دخله رؤية النفس، فستر عن الإخلاص لله بالذكر فيه.
الفلق 113:4
{ ومن شر النفاثات في العقد } [4] أي السواحر تنفث في العقد.
الفلق 113:5
{ ومن شر حاسد إذا حسد } [5] يعني اليهود حسدوا النبي صلى الله عليه وسلم حتى سحروه.
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: في هذه الآية هو نفس ابن آدم.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
الناس 114:4
قوله تعالى: { من شر الوسواس الخناس } [4] قيل لسهل: ما الوسوسة؟ فقال: كل شيء دون الله تعالى فهو وسوسة، وإن القلب إذا كان مع الله تعالى فهو قائل عن الله تعالى، وإذا كان مع غيره فهو قائل مع غيره.
ثم قال: من أراد الدنيا لم ينج من الوسوسة، ومقام الوسوسة من العبد مقام النفس الأمارة بالسوء، وهو ذكر الطبع، فوسوسة العدو في الصدور.
الناس 114:5
كما قال: { يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس } [5-6] يعني في صدور الجن والإنس جميعا، ووسوسة النفس في القلب. قال الله تعالى:
ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد
[ق:16] وإن معرفة النفس أخفى من معرفة العدو، ومعرفة العدو أجلى من معرفة الدنيا، وأسر العدو معرفته، فإذا عرفته فقد أسرته، وإن لم تعرف أنه العدو وأسرك فإنما مثل العبد والعدو والدنيا كمثل الصياد والطير والحبوب، فالصياد إبليس، والطير العبد، والحبوب الدنيا، وما من نظرة إلا وللشيطان فيها مطمع، فإن كنت صائما فأردت أن تفطر قال لك: ما يقول الناس، أنت قد عرفت بالصوم تركت الصيام. فإن قلت: ما لي وللناس. قال لك: صدقت أفطر، فإنهم سيضعون أمرك على الحسبة والإخلاص في فطرك، وإن كنت عرفت بالعزلة فخرجت. قال: ما يقول الناس، تركت العزلة. فإن قلت: ما لي وللناس. قال: صدقت اخرج فإنهم سيضعون أمرك على الإخلاص والحسبة. وكذلك في كل شيء من أمرك، يردك إلى الناس حتى كأنه ليأمرك بالتواضع للشهرة عند الناس. ولقد حكي أن رجلا من العباد كان لا يغضب، فأتاه الشيطان وقال: إنك إن تغضب وتصبر كان أعظم لأجرك. ففطن به العابد فقال: وكيف يجيء الغضب؟ قال: آتيك بشيء فأقول: لمن هو؟ فقل: هو لي، فأقول: بل هو لي. فأتاه بشيء وقال العابد: هو لي، فقال الشيطان: لا بل هو لي. فقال العابد: إن كان لك فاذهب به، ولم يغضب، فرجع الشيطان خائبا حزينا، أراد أن يشغل قلبه حتى يصيب منه حاجته، فعرفه واتقى غرورة.
ثم قال سهل: عليك بالإخلاص تسلم من الوسوسة، وإياك والتدبير فإنه داء النفس، وعليك بالاقتداء فإنه أساس العمل، وإياك والعجب فإن أدنى باب منه لم تستتمه حتى تدخل النار، وعليك بالقنوع والرضا، فإن العيش فيهما، وإياك والائتمار على غيرك، فإنه لينسيك نفسك، وعليك بالصمت، فأنت تعرف الأحوال فيه، وعليك بترك الشهوات تنقطع به عن الدنيا، وعليك بسهر الليل تموت نفسك من ميلة طبعك وتحيي قلبك، وإذا صليت فاجعلها وداعا، وخف الله يؤمنك وارجه يؤملك، واتكل عليه يكفك، وعليك بالخلوة تنقطع الآفات عنك. ولقد قال ابن عباس رضي الله عنهما: لولا مخافة الوسواس لرحلت إلى بلاد لا أنيس بها، وهل يفسد الناس إلا الناس.
ثم قال سهل: مخالطة الولي بالناس ذل، وتفرده عز، وما رأيت أولياء الله تعالى إلا منفردين، إن عبد الله بن صالح رحمه الله كان رجلا له سابقة جليلة وموهبة جزيلة، وكان يفر من بلد إلى بلد، حتى يأتي مكة، فطال بها مقامه، فقلت له: لقد طال مقامك بها. فقال: ولم لا أقيم بها، ولم أر بقعة ينزل فيها من الرحمة والبركة مثلها يطوف الملائكة حول البيت غدوا وعشية على صور شتى، لا يقطعون ذلك، وإن فيها عجائب كثيرة، ولو قلت كلما رأيت لصغرت عنه قلوب أقوام ليسوا بمؤمنين.
فقلت: أسألك بحق الحق أن تخبرني بشيء من ذلك. فقال: ما من ولي لله تعالى صحت ولايته إلا وهو يحضر في هذه البلد في كل ليلة جمعة، ولقد رأيت رجلا يقال له مالك بن القاسم الجبلي رحمه الله تعالى ليلة هاهنا ورايت على يده غمرا فقلت: إنك لقريب العهد بالأكل. فقال: أستغفر الله فإني منذ أسبوع لم أطعم شيئا، ولكني أطعمت والدتي وأسرعت لأدرك صلاة الفجر هاهنا جماعة، وبين مكة وبين الموضع الذي جاء منه سبعمائة فرسخ، فهل أنت مؤمن بذلك؟ فقلت: بلى. فقال: الحمد لله الذي أراني مؤمنا مؤمنا.
وقال ابن سالم: كنت عند سهل رحمه الله تعالى، فأتاه رجلان بعد صلاة العصر، وجعلا يحدثانه، فقلت في نفسي: لقد أبطأا عنده، وما أراهما يرجعان في هذا الوقت، وذهبت إلى منزلي لأهيئ لهما عشاء، فلما رجعت إليه لم أر عنده أحدا، فسألت عن حالهما، فقال: إن أحدهما يصلي المغرب بالمشرق، والآخر بالمغرب، وإنما أتياني زائرين.
ولقد دخل سهل على رجل من عباد البصرة، فرأى عنده بلبلة في قفص، فقال: لمن هذه البلبلة؟ فقال: لهذا الصبي، كان ابنا له، قال: فأخرج سهل من كمه دينار فقال: بني أيما أحب إليك الدينار أم البلبلة؟ فقال: الدينار. فدفع إليه الدينار وأطلق البلبلة. قال: فقعد البلبل على حائط الدار حتى خرج سهل، فجعل يرفرف فوق رأسه، حتى دخل سهل داره، وكان في داره سدرة فسكنت البلبلة السدرة، فلم تزل فيها حتى مات، فلما رفعوا جنازته جعلت ترفرف فوق جنازته والناس يبكون، حتى جاؤوا بها إلى قبره، فوقفت في ناحية حتى دفن وتفرق الناس عن قبره، فلم تزل تضطرب على قبره حتى ماتت، فدفنت بجنبه.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
الناس 114:6
كما قال: { يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس } [5-6] يعني في صدور الجن والإنس جميعا، ووسوسة النفس في القلب. قال الله تعالى:
ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد
[ق:16] وإن معرفة النفس أخفى من معرفة العدو، ومعرفة العدو أجلى من معرفة الدنيا، وأسر العدو معرفته، فإذا عرفته فقد أسرته، وإن لم تعرف أنه العدو وأسرك فإنما مثل العبد والعدو والدنيا كمثل الصياد والطير والحبوب، فالصياد إبليس، والطير العبد، والحبوب الدنيا، وما من نظرة إلا وللشيطان فيها مطمع، فإن كنت صائما فأردت أن تفطر قال لك: ما يقول الناس، أنت قد عرفت بالصوم تركت الصيام. فإن قلت: ما لي وللناس. قال لك: صدقت أفطر، فإنهم سيضعون أمرك على الحسبة والإخلاص في فطرك، وإن كنت عرفت بالعزلة فخرجت. قال: ما يقول الناس، تركت العزلة. فإن قلت: ما لي وللناس. قال: صدقت اخرج فإنهم سيضعون أمرك على الإخلاص والحسبة. وكذلك في كل شيء من أمرك، يردك إلى الناس حتى كأنه ليأمرك بالتواضع للشهرة عند الناس. ولقد حكي أن رجلا من العباد كان لا يغضب، فأتاه الشيطان وقال: إنك إن تغضب وتصبر كان أعظم لأجرك. ففطن به العابد فقال: وكيف يجيء الغضب؟ قال: آتيك بشيء فأقول: لمن هو؟ فقل: هو لي، فأقول: بل هو لي. فأتاه بشيء وقال العابد: هو لي، فقال الشيطان: لا بل هو لي. فقال العابد: إن كان لك فاذهب به، ولم يغضب، فرجع الشيطان خائبا حزينا، أراد أن يشغل قلبه حتى يصيب منه حاجته، فعرفه واتقى غرورة.
ثم قال سهل: عليك بالإخلاص تسلم من الوسوسة، وإياك والتدبير فإنه داء النفس، وعليك بالاقتداء فإنه أساس العمل، وإياك والعجب فإن أدنى باب منه لم تستتمه حتى تدخل النار، وعليك بالقنوع والرضا، فإن العيش فيهما، وإياك والائتمار على غيرك، فإنه لينسيك نفسك، وعليك بالصمت، فأنت تعرف الأحوال فيه، وعليك بترك الشهوات تنقطع به عن الدنيا، وعليك بسهر الليل تموت نفسك من ميلة طبعك وتحيي قلبك، وإذا صليت فاجعلها وداعا، وخف الله يؤمنك وارجه يؤملك، واتكل عليه يكفك، وعليك بالخلوة تنقطع الآفات عنك. ولقد قال ابن عباس رضي الله عنهما: لولا مخافة الوسواس لرحلت إلى بلاد لا أنيس بها، وهل يفسد الناس إلا الناس.
ثم قال سهل: مخالطة الولي بالناس ذل، وتفرده عز، وما رأيت أولياء الله تعالى إلا منفردين، إن عبد الله بن صالح رحمه الله كان رجلا له سابقة جليلة وموهبة جزيلة، وكان يفر من بلد إلى بلد، حتى يأتي مكة، فطال بها مقامه، فقلت له: لقد طال مقامك بها. فقال: ولم لا أقيم بها، ولم أر بقعة ينزل فيها من الرحمة والبركة مثلها يطوف الملائكة حول البيت غدوا وعشية على صور شتى، لا يقطعون ذلك، وإن فيها عجائب كثيرة، ولو قلت كلما رأيت لصغرت عنه قلوب أقوام ليسوا بمؤمنين.
فقلت: أسألك بحق الحق أن تخبرني بشيء من ذلك. فقال: ما من ولي لله تعالى صحت ولايته إلا وهو يحضر في هذه البلد في كل ليلة جمعة، ولقد رأيت رجلا يقال له مالك بن القاسم الجبلي رحمه الله تعالى ليلة هاهنا ورايت على يده غمرا فقلت: إنك لقريب العهد بالأكل. فقال: أستغفر الله فإني منذ أسبوع لم أطعم شيئا، ولكني أطعمت والدتي وأسرعت لأدرك صلاة الفجر هاهنا جماعة، وبين مكة وبين الموضع الذي جاء منه سبعمائة فرسخ، فهل أنت مؤمن بذلك؟ فقلت: بلى. فقال: الحمد لله الذي أراني مؤمنا مؤمنا.
وقال ابن سالم: كنت عند سهل رحمه الله تعالى، فأتاه رجلان بعد صلاة العصر، وجعلا يحدثانه، فقلت في نفسي: لقد أبطأا عنده، وما أراهما يرجعان في هذا الوقت، وذهبت إلى منزلي لأهيئ لهما عشاء، فلما رجعت إليه لم أر عنده أحدا، فسألت عن حالهما، فقال: إن أحدهما يصلي المغرب بالمشرق، والآخر بالمغرب، وإنما أتياني زائرين.
ولقد دخل سهل على رجل من عباد البصرة، فرأى عنده بلبلة في قفص، فقال: لمن هذه البلبلة؟ فقال: لهذا الصبي، كان ابنا له، قال: فأخرج سهل من كمه دينار فقال: بني أيما أحب إليك الدينار أم البلبلة؟ فقال: الدينار. فدفع إليه الدينار وأطلق البلبلة. قال: فقعد البلبل على حائط الدار حتى خرج سهل، فجعل يرفرف فوق رأسه، حتى دخل سهل داره، وكان في داره سدرة فسكنت البلبلة السدرة، فلم تزل فيها حتى مات، فلما رفعوا جنازته جعلت ترفرف فوق جنازته والناس يبكون، حتى جاؤوا بها إلى قبره، فوقفت في ناحية حتى دفن وتفرق الناس عن قبره، فلم تزل تضطرب على قبره حتى ماتت، فدفنت بجنبه.
والله سبحانه وتعالى أعلم.