Tafsir Al Wasit — لقمان 31:1 – سبأ 34:54
المحتويات
- لقمان 31:1
- لقمان 31:2
- لقمان 31:3
- لقمان 31:4
- لقمان 31:5
- لقمان 31:6
- لقمان 31:7
- لقمان 31:8
- لقمان 31:9
- لقمان 31:10
- لقمان 31:11
- لقمان 31:12
- لقمان 31:13
- لقمان 31:14
- لقمان 31:15
- لقمان 31:16
- لقمان 31:17
- لقمان 31:18
- لقمان 31:19
- لقمان 31:20
- لقمان 31:21
- لقمان 31:22
- لقمان 31:23
- لقمان 31:24
- لقمان 31:25
- لقمان 31:26
- لقمان 31:27
- لقمان 31:28
- لقمان 31:29
- لقمان 31:30
- لقمان 31:31
- لقمان 31:32
- لقمان 31:33
- لقمان 31:34
- السجدة 32:1
- السجدة 32:2
- السجدة 32:3
- السجدة 32:4
- السجدة 32:5
- السجدة 32:6
- السجدة 32:7
- السجدة 32:8
- السجدة 32:9
- السجدة 32:10
- السجدة 32:11
- السجدة 32:12
- السجدة 32:13
- السجدة 32:14
- السجدة 32:15
- السجدة 32:16
- السجدة 32:17
- السجدة 32:18
- السجدة 32:19
- السجدة 32:20
- السجدة 32:21
- السجدة 32:22
- السجدة 32:23
- السجدة 32:24
- السجدة 32:25
- السجدة 32:26
- السجدة 32:27
- السجدة 32:28
- السجدة 32:29
- السجدة 32:30
- الأحزاب 33:1
- الأحزاب 33:2
- الأحزاب 33:3
- الأحزاب 33:4
- الأحزاب 33:5
- الأحزاب 33:6
- الأحزاب 33:7
- الأحزاب 33:8
- الأحزاب 33:9
- الأحزاب 33:10
- الأحزاب 33:11
- الأحزاب 33:12
- الأحزاب 33:13
- الأحزاب 33:14
- الأحزاب 33:15
- الأحزاب 33:16
- الأحزاب 33:17
- الأحزاب 33:18
- الأحزاب 33:19
- الأحزاب 33:20
- الأحزاب 33:21
- الأحزاب 33:22
- الأحزاب 33:23
- الأحزاب 33:24
- الأحزاب 33:25
- الأحزاب 33:26
- الأحزاب 33:27
- الأحزاب 33:28
- الأحزاب 33:29
- الأحزاب 33:30
- الأحزاب 33:31
- الأحزاب 33:32
- الأحزاب 33:33
- الأحزاب 33:34
- الأحزاب 33:35
- الأحزاب 33:36
- الأحزاب 33:37
- الأحزاب 33:38
- الأحزاب 33:39
- الأحزاب 33:40
- الأحزاب 33:41
- الأحزاب 33:42
- الأحزاب 33:43
- الأحزاب 33:44
- الأحزاب 33:45
- الأحزاب 33:46
- الأحزاب 33:47
- الأحزاب 33:48
- الأحزاب 33:49
- الأحزاب 33:50
- الأحزاب 33:51
- الأحزاب 33:52
- الأحزاب 33:53
- الأحزاب 33:54
- الأحزاب 33:55
- الأحزاب 33:56
- الأحزاب 33:57
- الأحزاب 33:58
- الأحزاب 33:59
- الأحزاب 33:60
- الأحزاب 33:61
- الأحزاب 33:62
- الأحزاب 33:63
- الأحزاب 33:64
- الأحزاب 33:65
- الأحزاب 33:66
- الأحزاب 33:67
- الأحزاب 33:68
- الأحزاب 33:69
- الأحزاب 33:70
- الأحزاب 33:71
- الأحزاب 33:72
- الأحزاب 33:73
- سبأ 34:1
- سبأ 34:2
- سبأ 34:3
- سبأ 34:4
- سبأ 34:5
- سبأ 34:6
- سبأ 34:7
- سبأ 34:8
- سبأ 34:9
- سبأ 34:10
- سبأ 34:11
- سبأ 34:12
- سبأ 34:13
- سبأ 34:14
- سبأ 34:15
- سبأ 34:16
- سبأ 34:17
- سبأ 34:18
- سبأ 34:19
- سبأ 34:20
- سبأ 34:21
- سبأ 34:22
- سبأ 34:23
- سبأ 34:24
- سبأ 34:25
- سبأ 34:26
- سبأ 34:27
- سبأ 34:28
- سبأ 34:29
- سبأ 34:30
- سبأ 34:31
- سبأ 34:32
- سبأ 34:33
- سبأ 34:34
- سبأ 34:35
- سبأ 34:36
- سبأ 34:37
- سبأ 34:38
- سبأ 34:39
- سبأ 34:40
- سبأ 34:41
- سبأ 34:42
- سبأ 34:43
- سبأ 34:44
- سبأ 34:45
- سبأ 34:46
- سبأ 34:47
- سبأ 34:48
- سبأ 34:49
- سبأ 34:50
- سبأ 34:51
- سبأ 34:52
- سبأ 34:53
- سبأ 34:54
لقمان 31:1
سورة لقمان من السور التى بدئت ببعض حروف التهجى . .وقد فصلنا القول فى معانيها ، عند تفسيرنا لسور : البقرة ، وآل عمران وغيرهما .وقلنا فى نهاية سردنا لأقوال العلماء فى ذلك : ولعل أقرب الأقوال إلى الصواب أن يقال : إن هذه الحروف المقطعة ، قد وردت فى افتتاح بعض السور ، للإِشعار بأن هذا القرآن الذى تحدى الله به المشركين ، هو من جنس الكلام المركب من هذه الحروف التى يعرفونها . فإذا عجزوا عن الإِتيان بسورة من مثله ، فذلك لبلوغه فى الفصاحة والحكمة ، مرتبة يقف فصحاؤهم وبلغاؤهم دونها بمراحل شاسعة .
لقمان 31:2
واسم الإِشارة فى قوله - سبحانه - : ( تِلْكَ آيَاتُ الكتاب الحكيم ) يعود إلى آيات القرآن الكريم ، ويندرج فيها آيات السور التى معنا .والمراد بالكتاب : القرآن الكريم على الصحيح . لأنه هو المتحدث عنه .قال الآلوسى : وأما حمله على الكتب التى خلت قبل القرآن . . فهو فى غاية البعد ، والحكيم - بزنة فعيل - مأخوذ من الفعل حكم بمعنى منع ، تقول : حكمت الفرس ، إذا وضت الحكمة فى فمها لمنعها من الجموح والشرود .والمقصود ، أن هذا القرآن ممتنع أن يتطرق إليه الفساد ، ومبرأ من الخلل والتناقض والاختلاف .قال الإِمام الرازى ما ملخصه : وفى وصف الكتاب بكونه حكيما وجوه ، منها : أن الحكيم هو ذو الحكمة ، بمعنى اشتماله على الحكمة ، فيكون الوصف للنسبة كلابن وتامر . ومنها أن الحكيم بمعنى الحاكم ، بدليل قوله - تعالى - : ( وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الكتاب بالحق لِيَحْكُمَ بَيْنَ الناس فِيمَا اختلفوا فِيهِ ) ومنها أن الحكيم بمعنى المحكم . . " أى المبرأ من الكذب والتناقض " .والمعنى : تلك الآيات السامية ، المنزلة عليك يا محمد ، هى آيات الكتاب ، المشتمل على الحكمة والصواب ، المحفوظ من كل تحريف أو تبديل الناطق بكل ما يوصل إلى الدنيوية والأخروية .وصحت الإِشارة إلى آيات الكتاب مع أنها لم تكنقد نزلت كلها لأن الإِشارة إلى بعضها كالإِشارة إلى جميعها ، حيث كانت بصدد الإِنزال ، ولأن الله - تعالى - قد وعد رسوله صلى الله عليه وسلم بنزول القرآن عليه ، كما فى قوله - تعالى - : ( إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً ) ووعد الله - تعالى - لا يتخلف .
لقمان 31:3
وقوله ( هُدًى وَرَحْمَةً ) منصوبان على الحالية من ( آيَاتُ ) .أى : هذا الكتاب أنزلنا عليك يا محمد آياته ، لتكون هداية ورحمة للمحسنين فى أقوالهم وفى أفعالهم ، وفى كل أحوالهم .
لقمان 31:4
ثم وصف - سبحانه - هؤلاء المحسنين ، بصفات كريمة فقال : ( الذين يُقِيمُونَ الصلاة ) أى : يؤدونها فى أوقاتها المحددة لها ، مستوفية لواجباتها ، وسننها ، وآدابها وخشوعها ، فإن الصلاة التامة هى تلك التى صحبها الإِخلاص ، والخشوع ، والأداء الصحيح المطابق لما ورد عن النبى صلى الله عليه وسلم .( وَيُؤْتُونَ الزكاة ) أى : ويعطون الزكاة التى أوجبها الله - تعالى - فى أموالهم لمستحقيها ( وَهُمْ بالآخرة هُمْ يُوقِنُونَ ) والمراد بالآخرة : الدار الآخرة ، وسميت بذلك لأنها تأتى بعد الدنيا التى هى الدار الدنيا .وقوله ( يُوقِنُونَ ) من الإِيقان ، وهو الاعتقاد الجازم المطابق للواقع ، بحيث لا يطرأ عليك شك ، ولا تحوم حوله شبهة . .أى : أن من صفات هؤلاء المحسنين ، أنهم يؤدون الصلاة بخشوع وإخلاص ، ويقدمون زكاة أموالهم لمستحقيها ، وهم بالآخرة وما فيها من حساب وثواب وعقاب ، يوقنون إيقانا قطعيا ، لا اثر فيه للادعاءات الكاذبة ، والأوهام الباطلة .وفى إيراد " هم " قبل لفظ الآخرة . وقبل لفظ يوقنون : تعريض بغيرهم ممن كان اعتقادهم فى أمر الآخرة غير مطابق للحقيقة ، أو غير بالغ مرتبة اليقين .
لقمان 31:5
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك الثمار الطيبة التى ترتبت على تلك الصفات الكريمة ، فقال - تعالى - : ( أولئك على هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وأولئك هُمُ المفلحون ) .والفلحون : من الفلاح وهو الظفر والفوز بدرك البغية . واصله من الفلح - بسكون اللام - وهو الشق والقطع ، ومنه فلاحة الأرض وهو شقها للحرث ، واستعمل منه الفلاح فى الفوز ، كأن الفائز شق طريقه وفلحه ، للوصول إلى مبتغاه ، أو انفتحت له طريق الظفر وانشقت .والمعنى : أولئك المتصفون بما تقدم من صفات كريمة ، على هداية عظيمة من ربهم توصلهم إلى المطلوب ، وأولئك هم الفائزون بكل مرغوب .والتنكير فى قوله ( على هُدًى ) للتعظيم ، وأتى بلفظ " على " للاشارة إلى التمكن والرسوخ ، ووصفه بأنه ( مِّن رَّبِّهِمْ ) لأنه - سبحانه - هو الذى وفقهم إليه ، ويسر لهم أسبابه .
لقمان 31:6
ثم بين - سبحانه - حال طائفة أخرى منا لناس ، كانا على النقيض من سابقيهم ، فقال : ( وَمِنَ الناس مَن يَشْتَرِي . . . فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ) .قد ذكر المفسرون فى سبب نزول هاتين الآيتين روايات اشهرها ، أنهما نزلتا فى النضر بن الحارث . اشترى قينة - أى مغنية - ، وكان لا يسمع بأحد يريد الإِسلام إلا انطلق به إلى قينته ، فيقول لها : أطعميه واسقيه وغنيه ، فهذا خير مما يدعوك إليه محمد صلى الله عليه وسلم من الصلاة والصيام ، وأن تقاتل بين يديه .و ( لَهْوَ الحديث ) : باطله ، ويطلق على كل كلام يلهى القلب ، ويشغله عن طاعة الله - تعالى - ، كالغناء ، والملاهى ، وما يشبه ذلك مما يصد عن ذكر الله - تعالى - :وقد فسر كثير من العلماء بالغناء ، والأفضل تفسيره بكل حديث لا يثمر خيرا .و ( مِنَ ) فى قوله ( وَمِنَ الناس ) للتبعيض ، أى : ومن الناس من يترك القول الذى ينفعه ، ويشترى الأحاديث الباطلة ، والخرافات الفاسدة .قال القرطبى ما ملخصه : هذه إحدى الآيات التى استدل بها العلماء على كارهة الغناء والمنع منه . ولا يختلف فى تحريم الذى يحرك النفوس ، ويبعثها على الغزل والمجون . . فأما ما سلم من ذلك ، فيجوز القليل منه فى أوقات الفرح ، كالعرس والعيد وعند التنشيط على الأعمال الشاقة ، كما كان فى حفر الخندق . .وقوله : ( لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ الله بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً ) تعليل لاشتراء لهو الحديث . والمراد بسبيل الله - تعالى - : دينه وطريقه الذى اختاره لعباده .وقد قرأ الجمهور : ( ليُضل ) بضم الياء - أى : يشرتى لهو الحديث ليضل غيره عن صراط الله المستقيم ، حالة كونه غير عالم بسوء عاقبة ما يفعله ، ولكى يتخذ آيات الله - تعالى - مادة لسخريته واستهزائه .وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ( ليَضل ) - بفتح الياء - فيكون المعنى : يشترى لهو الحديث ليزداد رسوخا فى ضلاله .قال صاحب الكشاف : فإن قلت : القراءة بالضمر بينة ، لأن النضر كان غرضه باشتراء اللهو ، أن يصد الناس عن الدخول فى الإِسلام واستماع القرآن ، ويضلهم عنه ، فما معنى القراءة بالفتح؟ .قلت : فيه معنيان ، أحدهما : ليثبت على ضلاله الذى كان عليه ، ولا يصدف عنه ، ويزيد فيه ويمده فإن المخذوف كان شتديد الشكيمة فى عداوة الدين وصد الناس عنه . والثانى : أن بوضع ليضَل موضع ليضُل ، من قبل أن من أضل كان ضالا لا محالة ، فدل بالرديف على المردوف . .وقوله : ( أولئك لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ ) بيان لسوء عاقبة من يؤثر الضلالة على الهداية .أى : أولئك الذين يشترون لهو الحديث ، ليصرفوا الناس عند دين الله - تعالى - ، وليستهزئوا بآياته ، لهم عذاب يهينهم ويذلهم ، ويجعلهم محل الاحتقار والهوان .
لقمان 31:7
ثم فصل - سبحانه - حال هذا الفريق الشقى فقال : ( وَإِذَا تتلى عَلَيْهِ ) أى : على النضر وأمثاله ( آيَاتُنَا ) الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا ، وعلى صدق نبينا صلى الله عليه وسلم .( ولى مُسْتَكْبِراً ) أى : أعرض عنها بغررو واستعلاء . ( كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا ) أى : كأن حاله فى استكباره عن سماع الآيات ، كحال الذى لا يسمعها إطلاقا .( كَأَنَّ في أُذُنَيْهِ وَقْراً ) أى : كأن فى أدنيه صمما وثقلا ومرضا يحول بينه وبين السماع .والجملتان الكريمتان حال من قوله ( ا مُسْتَكْبِراً ) والمقصود بهما توبيخ هذا الشقى وأمثاله ، وذمهم ذما موجعا لإِعراضهم عن الحق .وقوله - تعالى - : ( فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ) تهكم به ، واستخفاف بتصرفاته .أى : فبشر هذا الشقى الذى اشترى هلو الحديث ، وأعرض عن آياتنا بالعذاب الأليم ، الذى يناسب غرروه واستكباره .
لقمان 31:8
ثم أكدت السورة الجزاء الحسن الذى أعده الله - تعالى - للمؤمنين ، وذكرت جانبا من مظاهر قدرته - سبحانه - ، ورحمته بعباده ، فقال - تعالى - : ( إِنَّ الذين آمَنُواْ . . . فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ) .أى : إن الذين آمنوا بالله - تعالى - إيمانا حقا ، وعملوا الأعمال الصالحات ( لَهُمْ ) فى مقابلة ذلك ( جَنَّاتُ النعيم ) أى : لهم جنات عالية يتنعمون فيها بما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر .
لقمان 31:9
( خَالِدِينَ فِيهَا ) خلودا أبديا ( وَعْدَ الله حَقّاً ) أى : هم خالدون فى تلك الجنات خلودا أبدا ، فقد وعدهم - سبحانه - بذلك ، ووعده حق وصدق ، لون يخلفه - سبحانه - تفضلا منه وكرما .قال الجمل . وقوله ( وَعْدَ ) مصدر مؤكد لنفسه ، لأن قوله : ( لَهُمْ جَنَّاتُ النعيم ) فى معنى وعدهم الله ذلك . وقوله ( حَقّاً ) مصدر مؤكد لغيره . أى : لمضمون تلك الجملة الأولى وعاملها مختلف ، فتقدير الأولى : وعد الله ذك وعدا . وتقدير الثانية ، وحقه حقا .وقوله - تعالى - : ( وَهُوَ العزيز الحكيم ) أى : وهو - سبحانه - العزيز الذى لا يغلبه غالب . الحكيم فى كل أفعاله وتصرفاته .
لقمان 31:10
ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر قدرته وعزته وحكمته فقال : ( خَلَقَ السماوات بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ) .والعمد : جمع عماد . وهو ما تقام عليه القبة أو البيت . وجملة " ترونها " فى محل نصب حال من السماوات .أى هو : - سبحانه - وحده ، الذى رفع هذه السماوات الهائلة فى صنعها وفى ضخامتها . بغير مستند يسندها . وبغير أعمدة تعتمد عليها . وأنتم ترون ذلك بأعينكم بدون لبس أو خفاء . ولا شك أن خلقها على هذه الصورة من أكبر الأدلة على أن لهذا الكون خالقا مدبرا قادرا حكيما ، هو المستحق للعبادة والطاعة .وقوله - تعالى - : ( وألقى فِي الأرض رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ ) بيان لنعمة ثاينة مما أنعم به - سبحانه - على عباده .والرواسى : جمع راسية . والمراد بها الجبال الشوامخ الثابتة .أى : ومن رحمته بكم ، وفضله عليكم ، أن ألقى - سبحانه - فى الأرض جبالا ثوابت كراهة أن تميد وتضطرب بكم ، وأنتم عليها .( وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ ) أى : وأوجد ونشر فى الأرض التى تعيشون فوقها ، من كل دابة من الدواب التى لا غنى لكم عنها والتى فيها منعفتكم ومصلحتكم .والبث : معناه : النشر والتفريق . يقال : بث القائد خيله إذا نشرها وفرقها .ثم بين - سبحانه - نعمة ثالثة فقال : ( وَأَنزَلْنَا ) أى : بقدرتنا ( مِنَ السمآء مَآءً ) أى : ماء كثيرا هو المطر ، ( فَأَنْبَتْنَا فِيهَا ) أى : فأنبتنا فى الأرض بسبب نزول المطر عليها . ( مِن كُلِّ زَوْجٍ ) أى : صنف ( كَرِيمٍ ) أى حسن جميل كثير المنافع .
لقمان 31:11
والإِشارة فى قوله : ( هذا خَلْقُ الله ) تعود إلى ما ذكره - سبحانه - من مخلوقات قبل ذلك . والخلق بمعنى المخلوق .هذا الذى ذكرناه لكم من خلق السماوات والأرض والجبال . . هو من خلوقنا وحدنا ، دون أن يشاركنا فيما خلقناه مشارك .والفاء فى قوله - تعالى - : ( فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الذين مِن دُونِهِ ) واقعة فى جواب شرط مقدر ، أى : إذا علمتم ذلك فأرونى وأخبرونى ، ماذا خلق الذين اتخذتموهم آلهة من دونه - سبحانه - إنهم لم يخلقوا شيئا ، ما بل هم مخلوقون لله - تعالى .فالمقصود بهذه الجملة الكريمة تحدى المشركين ، وإثبات أنهم فى عبادتهم لغير الله ، قد تجاوزوا كل حد فى الجهالة والضلالة .وقوله - سبحانه - : ( بَلِ الظالمون فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ) إضراب عن تبكيتهم وتوبيخهم ، إلى تسجيل الضلال الواضح عليهم .أى : بل الظالمون فى ضلال بين واضح ، لأنهم يعبدون آلهة لا تضر ولا تنفع ، ويتركون عبادة الله - تعالى - الخلاق العليم .
لقمان 31:12
ثم ساق - سبحانه - على لسان عبد صالح من عباده ، جملة من الوصايا الحكيمة ، لتكون عظة وعبر للناس ، فقال - تعالى - : ( وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ . . . الأصوات لَصَوْتُ الحمير ) .قال ابن كثير - رحمه الله - : اختلف السلف فى لقمان ، هل كان نبيا أو عبدا صالحا من غير نبوة؟ والأكثرون على أنه لم يكن نبيا .وعن ابن عباس وغيره : كان لقمان عبدا حبشا نجارا . . .قال له مولاه : اذبح لنا شاة وجئنى بأخبث ما فيها؟ فذبحها وجهاءه بلسانها وقلبها . ثم قال له مرة ثانية : اذبح لنا شاة وجئنى بأحسن ما فيها؟ فذبحها وجاءه - أيضاً بقلبها ولسانها ، فقال له مولاه ما هذا؟ فقال لقمان : إنه ليس من شئ أطيب منهما إذا طابا ، وليس من شئ أخبث منها إذا خبثا .وقال له رجل : ألست عبد فلان؟ فما الذى بلغ بك ما أرى من الحكمة؟ فقال لقمان : قدر الله وأداء الأمانة ، وصدق الحديث ، وتركى مالا يعنينى .ومن أقواله لابنه : يا بنى اتخذ تقوى الله لك تجارة ، يأتك الربح من غير بضاعة . يا بنى ، لا تكن اعجز من هذا الديك الذى يصوت بالأسحار ، وأنت نائم على فراشك ، با بنى ، اعتزل الشر كما يعتزلك ، فإن الشر للشر خلق .يا بنى ، عليك بمجالس العلماء ، وبسماع كلام الحكماء ، فإن الله - تعالى - يحيى القلب الميت بنور الحكمة .يا بنى ، إنك منذ نزلت الدنيا استدبرتها ، واستقبلت الآخرة ، ودار أنت إليها تسير ، أقرب من دار أنت عنها ترتحل .وقال الآلوسى ما ملخصه : ولقمان : اسم أعجمى لا عربى وهو ابن باعوراء . قيل : كان فى زمان داود - عليه السلام - وقيل : كان زمانه بين عيسى وبين محمد - عليهما الصلاة والسلام - .ثم قال الآلوسى : وإنى اختار أنه كان رجلا صالحا حكيما ، ولم يكن نبيا .وقوله - سبحانه - : ( وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الحكمة ) كلام مستانف مسوق لإِبطال الإِشراك بالله - تعالى - عن طرق النقل ، بعد بيان إبطال عن طريق العقل ، فى قوله - سبحانه - قبل ذلك : ( هذا خَلْقُ الله فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الذين مِن دُونِهِ . . . ) والحكمة : اكتساب العلم النافع والعمل به . و هى : العقل والفهم . أو هى الإِصافة فى القول والعمل .والمعنى : والله لقد أعطينا - بفضلنا وإحساننا - عبدنا لقمان العلم النافع والعمل به .وقوله - سبحانه - ( أَنِ اشكر للَّهِ ) بيان لما يقتضيه إعطاء الحكمة . أى : أتيناه الحكمة وقلنا له أن اشكر لله على ما أعطاك من نعم لكى يزيدك منها .قال الشوكانى : قوله : ( أَنِ اشكر للَّهِ ) أن هى المفسرة : لأن فى إيتاء الحكمة معنى القول . وقيل التقدير : قلنا له أن اشكر لى . . وقيل : بأن اشكر لى فشكر ، فكان حكيما بشكره .والشكر لله : الثناء عليه فى مقابلة النعمة - واستعمالها فيما خلقت له - ، وطاعته فيما أمر به .ثم بين - سبحانه - حسن عاقبة الشكر وسوء عاقبة الجحود فقال : ( وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ حَمِيدٌ ) .أى : ومن يشكر الله - تعالى - على نعمه ، فإن نفع شكره إنما يعود إليه ، ومن جحد نعم الله - تعالى - واستحب الكفر على الإِيمان ، فالله - تنعالى - غنى عنه وعن غيره ، حقيق بالحمد من سائر خلقه لإِنعامه عليهم بالنعم التى لا تعد ولا تحصى : فحميد بمعنى محمود .فالجملة الكريمة المقصود بها ، بيان غنى الله - تعالى - عن خلقه ، وعدم انتفاعهم بطاعتهم ، لأن منفعتها راجعة إليهم ، وعدم تضرره بمعصيتهم . وإنما ضرر ذلك يعود عليهم . وعبر - سبحانه - فى جانب الشكر بالفعل المضارع ، للإِشارة إلى أن من شأن الشاكرين أنهم دائما على تذكر لنعم الله - تعالى - ، وإذا ما غفلوا عن ذلك لفترة من الوقت ، عادوا إلى طاعته - سبحانه - وشكره .وعبر فى جانب الكفر بالفعل الماضى ، للإِشعار بأنه لا يصح ولا ينبغى من أى عاقل ، بل كل عاقل عليه أن يهجر ذلك هجرا تاما ، وأن يجعله فى خبر كان .وجواب الشرط محذوف ، وقد قام مقامه قوله - تعالى - : ( فَإِنَّ الله غَنِيٌّ حَمِيدٌ ) والتقدير : ومن كفر فضرر كفره راجع إليه . لأن الله - تعالى - غنى حميد .
لقمان 31:13
ثم حكى - سبحانه - ما قاله لقمان لابنه على سبيل النصيحة والإِرشاد فقال - تعالى - ( وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يابني لاَ تُشْرِكْ بالله إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) .وقوله ( يَعِظُهُ ) من الوعظ ، وهو الزجر المقترن بالتخويف . وقيل : هو التذكير بوجوه الخير بأسلوب يرق له القلب .قالوا : واسم ابنه " ثاران " أو " مانان " أى : واذكر - أيها العاقل - لتعتبر وتنتفع ، وقت أن قال لقمان لابنه وهو يعظه ، ويرشده إلى وجوه الخير بألطف عبارة ، يا نبى ( لاَ تُشْرِكْ بالله ) - تعالى - لا فى عبادتك ولا فى قولك ، ولا فى عملك ، بل أخلص كل ذلك لخالقكم - عز وجل - .وفى ندائه بلفظ ( يابني ) إشفاق عليه . ومحبة له ، فالمراد بالتصغير إظهار الحنو عليه ، والحرص على منفعته .قيل : وكان ابنه كافرا فما زال يعظه حتى أسلم . وقيل : بل كان مسلما ، والنهى عن الشرك المقصود به ، المدوامة على ما هو عليه من إيمان وطاعة لله رب العالمين .وجملة ( إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) تعليل للنهى . أى : يا بنى حذار أن تشرك بالله فى قولك أو فعلك ، إن الشرك بالله - تعالى - لظلم عظيم ، لأنه وضع للأمور فى غير موضعها الصحيح ، وتسوية فى العبادة بين الخالق والمخلوق .
لقمان 31:14
وقوله - تعالى - : ( وَوَصَّيْنَا الإنسان بِوَالِدَيْهِ . . . ) كلام مستأنف ، جئ به على سبيل الاعتراض فى أثناء وصية لقمان لابنه ، لبيان سمو منزلة الوالدين ، ولأن القرآن كثيرا ما يقرن بين الأمر بوحدانية الله - تعالى ، والأمر بالإِحسان إلى الوالدين .ومن ذلك قوله - تعالى : ( وقضى رَبُّكَ أَلاَّ تعبدوا إِلاَّ إِيَّاهُ وبالوالدين إِحْسَاناً ) وقوله - عز وجل - : ( قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وبالوالدين إِحْسَاناً ) أى : أمرنا كل إنسان أن يكون بارا بأبويه ، وأن يحسن إليهما ، وأن يطيع أمرهما فى المعروف .ثم بين - سبحانه - ما بذلته الأم من جهد يوجب الإِحسان إليهما فقال : ( حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً على وَهْنٍ ) أى : حملته أمه فى بطنها وهى تزداد فى كل يوم ضعفا على ضعف ، بسبب زيادة وزنه ، وكبر حجمه ، وتعريضها لألوان من التعب خلال حمله ووضعه .والوهن : الضعف . يقال : وهو فلان يهن وهنا : إذا ضعف . ولفظ " وهنا " حال من أمه بتقدير مضاف . أى : حملته أمه ذات وهن ، أو مصدر مؤكد لفعل هو الحال . أى : تهن وهنا . وقوله : ( على وَهْنٍ ) متعلق بمحذوف صفة للمصدر . أى : وهنا كائنا على وهن .وقوله : ( وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ ) بيان لمدة إرضاعه . والفصال : الفطام عن الرضاع . أى : وفطام المولود عن الرضاعة يتم بانقضاء عامين من ولادته ، كما قال - تعالى - : ( والوالدات يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرضاعة ) وهاتان الجملتان ( حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً على وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ ) جاءتا بعد الوصية بالوالدين عموما ، تأكيدا لحق الأم ، وبيانا لما تبذله من جهد شاق فى سبيل أولادها ، تستحق من أجله كل رعاية وتكريم وإحسان .قال صاحب الكشاف : فإن قلت : فقوله : ( حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً على وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ ) كيف اعترض به بين المفسر والمفسر؟قلت : لما وصى بالوالدين : ذكر ما تكابده الأم وتعانيه من المشاق والمتاعب فى حمله وفصاله هذه المدة المتطاولة ، إيجابا للتوصية بالوالدة خصوصا وتذكيرا بحقها العظيم مفردا ، ومن ثم " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن قال له : من أبر؟ قال : " أمك ثم أمك ثم أمك ، ثم قال بعد ذلك : " ثم أباك " " .وقوله - سبحانه - : ( أَنِ اشكر لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ المصير ) بيان لما تستلزمه الوصية بالوالدين أى : وصينا الإِنسان بوالديه حسنا ، وقلنا له : اشكر لخالقكم فضله عليك ، بأن تخلص له العبادة والطاعة ، واشكر لوالديك ما تحملاه من أجلك من تعب ، بأن تحسن إليهما ، واعلم أن مصيرك إلى خالقك - عز وجل - وسيحاسبك على أعمالك ، وسيجازيك عليها بما تستحقه من ثواب أو عقاب .
لقمان 31:15
ثم بين - سبحانه - حدود الطاعة للوالدين فقال : ( وَإِن جَاهَدَاكَ على أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا ) .والجملة الكريمة معطوفة على قوله ( وَوَصَّيْنَا ) . بإضمار القول . أى : ووصينا الإِنسان بوالديه . وقلنا له : ( وَإِن جَاهَدَاكَ ) أى : وإن حملاك ( على أَن تُشْرِكَ بِي ) فى العبادة أو الطاعة ، ( مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا ) فى ذلك ، فإنه لا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق .وجملة ( مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ) لبيان الواقع ، فلا مفهوم لها ، إذ ليس هناك من إله يعلم سوى الله - عز وجل - .ثم أمر - سبحانه - مبصاحبتهما بالمعروف حتى مع كفرهما فقال : ( وَصَاحِبْهُمَا فِي الدنيا مَعْرُوفاً ) .أى : إن حملاك على الشرك . فلا تطعمهما ، ومع ذلك فصاحبهما فى الأمور الدنيوية التى لا تتعلق بالدين مصاحبة كريمة حسنة ، يرتضيهما الشرع ، وتقضيها مكارم الأخلاق .وقوله ( مَعْرُوفاً ) صفة لمصدر محذوف . أى : صحابا معروفا . أو منصوب بنزع الخافض . أى : بالمعروف .ثم أرشد - سبحانه - إلى وجوب اتباع أهل الحق فقال : ( واتبع سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ) . أى : واتبع - أيها العاقل طريق الصالحين من عبادى ، الذين رجعوا إلي بالتوبة والإِنابة والطاعة والإِخلاص .( ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ ) جميعا يوم القيامة - أيها الناس - ( فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) فى الدنيا ، وأجازى كل إنسان على حسب عمله : ( فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ) قال القرطبى ما ملخصه : وهاتان الآيتان نزلتا فى شأن سعد بن أبى وقاص لما أسلم ، وأن أمه حلفت أن لا تأكل طعاما حتى تموت . . وفيها دليل على صلة الأبوين الكافرين ، بما أمكن من المال إن كانا فقيرين . . . " وقد قالت أسماء بنت أبى بكر الصديق ، للنبى صلى الله عليه وسلم وقد قدمت عليها خالتها وقيل : أمها من الراضعة : يا رسول الله ، إن أمى قدمت على وهى راغبة أفاصلها؟ قال : " نعم " وراغبة قيل معناه : عن الإِسلام ، أو راغبة فى الصلة .
لقمان 31:16
ثم ذكر - سبحانه - بقية الوصايا التى أوصى بها لقمان ابنه فقال : ( يابني إِنَّهَآ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السماوات أَوْ فِي الأرض يَأْتِ بِهَا الله ) .والضمير فى قوله : ( إِنَّهَآ ) يعود إلى الفعلة التى يفعلها من خير أو شر . و ( تَكُ ) مجزوم بسكون النون المحذوفة ، وهو فعل الشرط . والجواب : ( يَأْتِ بِهَا الله ) والمثقال : أقل ما يوزن به الشئ . والخردل : فى غاية الصغر الدقة .والمعنى : يا بنى إن ما تفعله من حسنة أو سيئة ، سواء أكان فى نهاية القلة والصغر ، كمثال حبة من خردل ، أم كان هذا الشئ القليل مخبوءا فى صخرة من الصخور الملقاة فى فجاد الأرض ، أم كان فى السماوات أم فى الأرض ، فإن الله - تعالى - يعلمه ويحضره ويجازى عليه ( إِنَّ الله ) - تعالى - لطيف خبير أى : محيط بجميع الأشياء جليلها وحقيرها ، عظيمها وصغيرها .فالمقصود من الآية الكريمة ، غرس الهيبة والخشية والمراقبة لله - تعالى - سبحانه - لا يخفى عليه شئ فى هذا الكون ، مهما دق وقل وتخفى فى أعماق الأرض والسماء .وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : ( وَنَضَعُ الموازين القسط لِيَوْمِ القيامة فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وكفى بِنَا حَاسِبِينَ ) .
لقمان 31:17
ثم أمره بالمحافظة على الصلاة وبالأمر بالمعروف ، وبالنهى عن المنكر وبالصبر على الأذى ، فقال : ( يابني أَقِمِ الصلاة ) أى : واظب على أدائها فى أوقاتها بخشوع وإخلاص لله رب العالمين .( وَأْمُرْ بالمعروف ) أى بكل ما حض الشرع على قوله أو فعله ( وانه عَنِ المنكر ) أى : عن كل ما نهى الشرع عن قوله أو فعله .( واصبر على مَآ أَصَابَكَ ) من الأذى ، فإن الحياة مليئة بالشدائد والمحن والراحة إنما هى فى الجنة فقط .واسم الإِشارة فى قوله : ( أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأمور ) يعود إلى الطاعات المذكورة قبله . وعزم الأمور : أعاليها ومكارمها . أو المراد بها ما أوجبه الله - تعالى - على الإِنسان .قال صاحب الكشاف : ( إِنَّ ذَلِكَ ) مما عزمها لله من الأمور ، أى : قطعه قطع إيجاب وإلزام . . ومنه الحديث : " إن الله يحب أن يؤخذ برخصة كما يحب أن يؤخذ بعزائمه " ومنه عزمات الملوك ، وذلك أن يقول الملك لبعض من تحت يده ، عزمت عليك إلا فعلت كذا . فإذا قال ذلك لم يكن للمعزوم عليه بد من فعله ، ولا مندوحة فى تركه .وناهيك بهذه الآية مؤذنة بقدم هذه الطاعات ، وأنها كانت مأمورا بها فى سائر الأمم ، وأن الصلاة لم تزل عظيمة الشأن ، سابقة القدم على ما سواها .
لقمان 31:18
ثم نهاه عن التكبر والغرور والتالى على الناس فقال : ( وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ ) .والصعر فى الأصل : مرض يصب البعير فيجعله معوج العنق ، والمراد به هنا ، التكبر واحتقار الناس ، ومنه قولا الشاعر :وكنا إذا الجبَّر صعر خده ... مشينا إليه بالسيوف نعاتبهأى : ولا تمل صفحة وجهك عن الناس ، ولا تتعالى عليهم كما يفعل المتكبرون والمغرورون ، بل كن هينا لينا متواضعا ، كما هو شأن العقلاء . .( وَلاَ تَمْشِ فِي الأرض مَرَحاً ) أى : ولا تمش فى الأرض مشية المختالين المعجبين بأنفسهم . و ( مَرَحاً ) مصدر وقع موقع الحال على سبيل المبالغة ، أو هو مفعول مطلق لفعل محذوف . أى : تمرح مرحا . والجملة فى موضع الحال . أو مفعول لأجله . أى : من أجل المرح .وقوله : ( إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ) تعليل لنهى . والمختال : المتكبر الذى يختال فى مشيته ، ومنه قولهم : فلان يمشى الخيلاء ، أى يمشى مشية المغرور المعجب بنفسه .والفخور : المتباهى على الناس بماله أو جاهة أو منصبه . . يقال فخر فلان - كمنع - فهو فاخر وفخور ، إذا تفاخر بما عنده على الناس ، على سبيل التطاول عليهم ، والتنقيص من شأنهم .أى : إن الله - تعالى - لا يحب من كان متكبرا على الناس ، متفاخرا بماله أو جاهه .
لقمان 31:19
ثم أمر بالقصد والاعتدال فى كل أموره فقال : ( واقصد فِي مَشْيِكَ ) أى وكن معتدلا فى مشيك ، بحيث لا تطبئ ولا تسرع . من القصد وهو التوسط فى الأمور .( واغضض مِن صَوْتِكَ ) واخفض من صوتك فلا ترفعه إلا إذا استدعى الأمر رفعه ، فإن غض الصوت عند المحادثة فيه أدب وثقة بالنفس ، واطمئنان إلى صدق الحديث واستقامته .وكان أهل الجاهلية يتفاخرون بجهارة الصوت وارتفاعه ، فنهى المؤمنون عن ذلك ، ومدح - سبحانه - الذين يخفضون أصواتهم فى مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( إِنَّ الذين يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ الله أولئك الذين امتحن الله قُلُوبَهُمْ للتقوى لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ) وقوله - تعالى - ( إِنَّ أَنكَرَ الأصوات لَصَوْتُ الحمير ) تعليل للأمر بخفض الصوت ، وللنهى عن رفعه بدون موجب .أى : إن أقبح الأصوت وأبشعها لهو صوت الحمير ، فالجملة الكريمة حض على غض الصوت بأبلغ وجه وآكده ، حيث شبه - سبحانه الرافعين لأصواتهم فى غير حاجة إلى ذلك ، بأصوات الحمير التى هى مثار السخرية مع النفور منها .وهكذا نجد أن لقمان قد أوصى ابنه بجملة من الوصايا السامية النافعة ، فقد أمره - أولا - بإخلاص العبادة لله - تعالى - ثم غرس فى قلبه الخوف من الله - عز وجل - ، ثم حضه على إقامة الصلاة ، وعلى الأمر بالمعروف ، والنهى عن المنكر ، وعلى الصبر على الأذى ، ثم نهاه عن الغرور والتكبر والافتخار ، وعن رفع الصوت بدون مقتض لذلك . وبتفيذ هذه الوصايا ، يسعد الأفراد ، وترقى المجتمعات .
لقمان 31:20
ثم ذكر - سبحانه - بعض النعم التى أنعم بها على الناس ، ودعا المنحرفين عن الحق إلى ترك المجادلة بالباطل ، وإلى مخالفة الشيطان ، فقال - تعالى - : ( أَلَمْ تَرَوْاْ أَنَّ الله . . . عَذَابِ السعير ) .والخطاب فى قوله - تعالى - : ( أَلَمْ تَرَوْاْ أَنَّ الله سَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض ) لأولئك المشركين الذين استحبوا العمى على الهدى ، واشتروا لهو الحديث ليضلوا غيرهم عن طريق الحق .وسخر : من التسخير ، بمعنى التذليل والتكليف ، يقال : سخر فلان فلانا تسخيرا ، إذا كلفه عملا بلا أجرة ، والمراد به هنا : الإِعداد والتهيئة لما يراد الانتفاع به .والاستفهام لتقرير الواقع وتأكيده . أى : لقد رأيتم - أيها الناس - وشاهدتم أن الله - تعالى - سخر لمنفعتكم ومصلحتكم ما فى السماوات من شمس وقمر ونجوم . . وما فى الأرض من زرع وأشجار وحيوانات وجبال . . وما دام الأمر كذلك فاشكروا الله - تعالى - على هذا التسخير ، وأخلصوا له العبادة والطاعة .وقوله - تعالى - : ( وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ) معطوف على ما قبله .وقوله : ( وَأَسْبَغَ ) بمعنى أتم وأكمل عليكم نعمه : وهى ما ينتفع به الإِنسان ويستلذه من الحلال .والنعمة الظاهرة : هى النعمة المحسوسة كنعمة السمع والبصر وحسن الهيئة والمال ، والجاه ، وما شبه ذلك ما يراه الإِنسان ويشاهده .والنعمة الباطنة : هى النعمة الخفية الى يجد الإِنسان أثرها فى نفسه دون أن يراها . كنعمة الإِيمان بالله - تعالى - وإسلام الوجه له - عز وجل - ، والاتجاه إلى مكارم الأخلاق ، والبعد عن رذائلها وسفسافها .وفى تفسير النعم الظاهرة والباطنة أقوال أخرى ، نرى أن ما ذكرناه أوجهها وأجمعها .ثم بين - سبحانه - ما عليه بعض الناس من جدال بالباطل فقال : ( وَمِنَ الناس مَن يُجَادِلُ فِي الله بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ ) .وقوله : ( يُجَادِلُ ) من الجدال بمعنى المفاوضة على سبيل المخاصمة والمنازعة والمغالبة . مأخوذ من جدلت الحبل ، إذا أحكمت فتله ، فكأن المتجادلين يحول كل واحد منهما أن يقوى رأيه ، ويضعف رأى صاحبه .والمراد من المجادلة فى الله : المجادلة فى ذاته وصفاته وتشريعاته . .وقوله : ( بِغَيْرِ عِلْمٍ ) حال من الفاعل فى ( يُجَادِلُ ) ، وهى حال موضحة لما تشعر به المجادلة هنا من الجهل والعناد . أى : ومن الناس قوم استولى عليهم الجهل والعناد ، لأنهم يجادلون ونازعون فى ذات الله ، وفى صفاته ، وفى وحيه ، وفى تشريعاته . . بغير مستند من عمل عقلى أو نقلى ، وبغير " هدى " يهديه ويرشديه إلى الحق ، وبغير ( كِتَابٍ مُّنِيرٍ ) أى : وبغير وحى ينير عقله وقلبه ، ويوضح له سبيل الرشاد .فأنت ترى أن الآية الكريمة قد جردت هذا المجادل ، من أى مستند يستند إليه فى جداله ، سواء أكان هذا المستند عقليا أم نقليا ، بل أثبتت له الجهالة من كل الجهات .
لقمان 31:21
ثم بين - سبحانه - أن هؤلاء المجادلين بالباطل ، لم يكتفوا بذلك ، بل أضافوا إلى رذائلهم السابقة رذائل أخرى منها العناد والتقليد الأعمى ، فقال ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتبعوا مَآ أَنزَلَ الله .. . ) . أى : وإذا قيل لهؤلاء المجادلين بالباطل اتبعوا ما أنزله الله - تعالى - على نبيه صلى الله عليه وسلم من قرآن كريم ، ومن وحى حكيم .( قَالُواْ ) على سبيل العناد والتقليد الأعمى ( بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَا ) من عبادة الأصنام والأوثان ، والسير على طريقتهم التى كانوا يسيرون عليها .وقوله - سبحانه - : ( أَوَلَوْ كَانَ الشيطان يَدْعُوهُمْ إلى عَذَابِ السعير ) رد عليهم ، وبيان لبطلان الاعتماد فى العقيدة على مجرد تقليد الآباء .والهمزة للاستفهام الإِنكارى ، والواو للحال . أى : أيتبعون ما كان عليه آباؤهم ، والحال أن هذا الاتباع هو من وحى الشيطان الذى يقودهم إلى ما يؤدى إلى عذاب السعير .قال الالوسى : وفى الآية دليل على المنع من التقدلي لمن قدر على النظر . وأما اتباع الغير فى الدين بعد العلم بدليل ما أنه محق ، فاتباع فى الحقيقة لما أنزل الله - تعالى وليس من التقليد المذموم فى شئ ، وقد قال - سبحانه - : ( فاسألوا أَهْلَ الذكر إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ ).
لقمان 31:22
ثم فصل سبحانه بعد ذلك حسن عاقبة الأخيار ، وسوء عاقبة الأشرار الذين لا يحسنون التدبر فى أنفسهم ، أو فيما حولهم ، فقال تعالى - : ( وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ . . . هُوَ الغني الحميد ) .وقوله - تعالى - : ( وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى الله وَهُوَ مُحْسِنٌ ) أى : ومن يتجه إلى الله - تعالى - ويذعن لأمره ، ويخلص له العبادة ، وهو محسن فى أقواله وأفعاله .من يفعل ذلك ( فَقَدِ استمسك بالعروة الوثقى ) والعربوة فى أصل معناها : تطلق على ما يتعلق بالشئ من عراه ، أى من الجهة التى يجب تعليقه منها . وتجمع على عرا .والعروة من الدلو مقبضه ، ومن الثوب : مدخل زره .والوثقى : تأنيث الأوثق ، وهو الشئ المحكم الموثق . يقال : وثق - بالضم - وثاقه ، أى : قوى وثبت فهو وثيق ، أى : ثابت محكم .والمعنى : ومن يستسلم لأمر الله - تعالى - ويأتى بالأقوال والأفعال على وجه حسن ، فقد ثبت أمره ، واستقام على الطريقة المثلى ، وأمسك من الدين بأقوى سبب ، وأحكم رباط .فقد شبه - سبحانه - المتوكل عليه فى جميع أموره ، المحسن فى أفعاله ، بمن ترقى فى حبل شاهق ، وتدلى منه ، فاستمسك بأوثق عروة ، من حبل متين مأمون انقطاعه .وخص - سبحانه - الوجه بالذكر ، لأنه أكرم الأعضاء وأعظمها حرمة ، فإذا خضع الوجه الذى هو أكرم الأعضاء ، فغيره أكثر خضوعا .وقوله : ( وإلى الله عَاقِبَةُ الأمور ) أى : وإلى الله - تعالى - وحده تصير الأمور ، وترجع إليه ، وتخضع لحكمه وإرادته .
لقمان 31:23
وقوله - تعالى - : ( وَمَن كَفَرَ فَلاَ يَحْزُنكَ كُفْرُهُ . . . ) تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم - عما أصابه من حزن بسبب إصرار الكافرين على كفرهم .أى : ومن استمر أيها الرسول - على كفره بعد أن بلغته رسالتنا ودعوتنا ، فلا يحزنك بعد ذلك بقاؤه على كفره وضلاله ، فأنت عليك البلاغ ، ونحن علينا الحساب ، وإنك لا تهدى من أحببت ، ولكن الله يهدى من يشاء .وقوله - سبحانه - : ( إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عملوا ) بيان لسوء مصيرهم .أى : إلينا وحدنا مرجع هؤلاء الكافرين ، فنخبرهم بما عملوه فى الدنيا من أعمال سيئة ، ونجازيهم عليها بما يستحقونه من عقاب .( إِنَّ الله ) - تعالى - ( عَلِيمٌ ) علما تاما ( بِذَاتِ الصدور ) أى : بمكنونات الصدور وخفاياها . .
لقمان 31:24
( نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ) فى هذه الحياة الدنيا . أن نمتعهم تمتيعا قليلا فى دنياهم ، بأن نعظيم الأموال والأولاد فى سبيل يالاستدراج .( ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إلى عَذَابٍ غَلِيظٍ ) أى نعطيهم فى حياتهم القصيرة ما يتمتعون به من مال وصحة . . ثم نلجئهم وندفعهم دفعا يوم القيامة الى عذاب مروع فظيع ، لضخامة ثقله ، وشدة وقعه .والمراد بالاضطرار : الإِلجاء والقسر والإِلزام ، أى : أنهم لا يستطيعون التفلت أو الانفكاك عن هذا العذاب الذى أعد لهم .ووصف - سبحانه - العذاب بالغلظ ، لزيادة تهويله وشدته . فهو ثقيل عليهم ثقل الأجرام الضخمة التى تهوى على رأس الإِنسان ، فتشل حركته وتهلكه .
لقمان 31:25
ثم بين - سبحانه - ما كان عليه هؤلاء الكافرون من تناقض بين أقوالهم وأفعالهم فقال :( وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ ) أيها الرسول الكريم - ( مَّنْ خَلَقَ السماوات ) وأوجدها على هذا النظام البديع .. ( لَيَقُولُنَّ ) فى الجواب ( الله ) أى : الله - تعالى - هو الذى خلقها ، وهو الذى أوجدهما .( قُلِ الحمد لِلَّهِ ) قل - أيها الرسول الكريم - الحمد لله - تعالى - وحده ، حيث اعترفتم بأن خالقهما هو الله ، وما دام الأمر كذلك ، فكيف أشركتم معه فى العبادة غيره؟ إن قولكم هذا الذى تؤيده الفطرة ، ليتنافى مع أنتم عليه من كفر وضلال .وقوله - سبحانه - ( بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ) إضراب عن أقوالهم إلى بيان واقعهم ، أى : بل أكثرهم لا يعلمون الحقائق علما سليما ، وإنما هم يقولون بألسنتهم ، وما يتباين تباينا تاما مع أفعالهم ، وهذا شأن الجاهلين ، الذين انطمست بصائرهم . .
لقمان 31:26
ثم بين - سبحانه - ما يدل على عظم قدرته ، وشمول ملكه فقال : ( لِلَّهِ مَا فِي السماوات والأرض ) . أى : لله - تعالى - وحده ، ما فى السماوات وما فى الأرض ، خلقا ، وملكا ، وتصرفا . .( إِنَّ الله هُوَ الغني ) عن كل ما سواه ( الحميد ) أى : المحمود من أهل الأرض والسماء ، لأنه هو الخالق لكل شئ ، والرازق لكل شئ .
لقمان 31:27
ثم ساق - تعالى - بعد ذلك ما يدل على شمول علمه ، ونفاذ قدرته ، فقال - سبحانه - ( وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأرض . . . . سَمِيعٌ بَصِيرٌ ) .قال ابن كثير : قال قتادة : قال المشركون : إنما هذا كلام يوشك أن ينفد ، فقال - تعالى - ( وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأرض مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ ) .وعن ابن عباس " أن أحبار قالوا للبنى صلى الله عليه وسلم أرأيت قولك : ( وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ العلم إِلاَّ قَلِيلاً ) ؟ إيانا تريد أم قومك؟ فقال صلى الله عليه وسلم : " كلا عنيت " فقالوا : ألست تتلو فيما جاءم أنا قد أوتينا التوراة فيها تبيان لكل شئ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : " إنها فى علم الله قليل ، وعندكم من ذلك ما يكفيكم " وأنزل الله فيما سألوه عنه من ذلك : ( وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأرض مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ ) .و " لو " شرطية ، وجوابها ( مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ الله ) و " من " فى قوله ( مِن شَجَرَةٍ ) للبيان ، وفى الآية الكريمة كلام محذوف يدل عليه السياق .والمعنى : ولو أن ما فى الأرض من أشجار تحولت بغصونها وفروعها إلى أقلام ، ولو أن البحر - أيضا - تحول إلى مداد لتلك الأقلام ، وأمد هذا البحر بسبعة أبحر أخرى . وكتبت بتلك الأقلام ، وبذلك المداد كلمات الله التى يحيط بها علمه - تعالى - .لنفدت الأقلام ، ولند ماء البحر ، لتناهى كل ذلك ، وما نفدت كلمات الله - تعالى - ولا معلوماته ، لعد تناهيها .( إِنَّ الله عَزِيزٌ ) لا يعجزه شئ ، ولا يغلبه غالب ( حَكِيمٌ ) فى كل أقواله وأفعاله .فالآية الكريمة المقصود منها بيان أن علم الله - تعالى لا نهاية له ، وأن مشيئته لا يقف أمامها شئ ، وكلماته لا أول لها ولا آخر .وقال - سبحانه - ( مِن شَجَرَةٍ ) بالإِفراد ، لأن المراد تفصيل الشجر واستقصاؤه شجرة فشجرة ، حتى لا تبقى واحدة من أنواع الأشجار إلا وتحولت إلى أقلام .وجمع - سبحانه - الأقلام ، للتكثير ، أى : أقلام كثيرة يصعب عدها .والمراد بالبحر : البحر المحيط بالأرض ، لأنه المتبادر من التعريف ، إذ هو الفرد الكامل .وإنما ذكرت السبعة بعد ذلك على وجه المبالغة دون إرادة الحصر ، وإلا فلو اجتمعت عشرات البحار ما نفدت كلمات الله .قال صاحب الكشاف فإن قلت : مقتضى الكلام أن يقال : ولو أن الشجر أقلام ، والبحر مداد؟ قلت : أغنى عن ذكر المداد قوله ( يَمُدُّهُ ) لأنه من قولك : مد الدواة وأمدها . جعل البحر الأعظم بمنزلة الدواة ، وجعل الأبحر السبعة مملوءة مدادا ، فهى تصب فيه مدادها أبدا صبا لا ينقطع .فإن قلت : الكلمات جمع قلة ، والموضع موضع التكقير لا التقليل ، فهلا قيل : كلم الله؟ .قلت : معناه أن كلماته لا تفى بكتابها البحار فكيف بكلمه .وقال الآلوسى : والمراد بكلماته - تعالى - كلمات علمه - سبحانه - وحكمته . وقيل : المراد بها : مقدوراته وعجائب خلقه ، والتى إذا أراد - سبحانه - شيئا منها قال له :( كُنْ فَيَكُونُ ).
لقمان 31:28
ثم أتبع - سبحانه - ذلك بيان نفاذ قدرته فقال : ( مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ . . . ) أى : ما خلقكم - أيها الناس - جميعا ، ولا بعثكم يوم القيامة ، إلا كلخق نفسى واحدة أو بعثها ، لأن قدرته - عز وجل - يتساوى معها القليل والكثير والصغير والكبير ، قال - تعالى - ( إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ) وقال - سبحانه - : ( وَمَآ أَمْرُنَآ إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بالبصر ) ( إِنَّ الله ) - تعالى - : ( سَمِيعٌ ) لكل شئ ( بَصِيرٌ ) بأحوال خلقه لا يخفى عليه شئ منهم .
لقمان 31:29
ثم ذكر - سبحانه - الناس بجانب من مظاهر قدرته ونعمه عليهم ، لكى يخلصوا له العبادة والطاعة ، فقال - تعالى - : ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يُولِجُ . . . كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ ) .والاستفهام فى قوله - سبحانه - : ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يُولِجُ الليل فِي النهار . . . ) للتقرير . والخطاب لكل من يصلح له ليعتبر ويتعظ ، ويخلص العبادة لله - تعالى - .وقوله ( يُولِجُ ) من الإِيلاج بمعنى الإِدخال . يقال : ولج فلان منزله ، إذا دخله . . ثم استعير لزيادة زمان النهار فى الليل وعكسه ، بحسب المطالع .أى : لقد رأيت وشاهدت - أيها العاقل - أن الله - تعالى - ، يدخل الليل فى النهار ، ويدخل النهار فى الليل ، ويزيد فى أحدهما وينقص من الآخر ، على حسب مشيئته وحكمته . .وأنه - سبحانه - ( وَسَخَّرَ الشمس والقمر ) أى : ذللهما وجعلهما لمنفعة الناس ومصلحتهم ، كما جعلهما يسيران هما والليل والنهار ، بنظام بديع لا يتخلف .وقوله : ( كُلٌّ يجري إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى ) كل من الشمس والقمر يجريان فى مدارهما بنظام ثابت محكم ، إلى الوقت الذى حدده - سبحانه - لنهاية سيرهما ، وهو يوم القيامة . قال ابن كثير : قوله : ( إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى ) قيل : إلى غاية محدودة .وقيل : إلى يوم القيامة ، وكلا المعنيين صحيح . ويستشهد للقول الأول بحديث أبى ذر الذى فى الصحيحين ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " يا أبا ذر ، أتدرى أين تذهب هذه الشمس؟ قلت : الله ورسوله أعلم . قال : فإنهما تذهب فتسجد تحت العرش ، ثم تستأذن ربهما ، فيوشك أن يقال لها : ارجعى من حيث جئت " .وقال الجمل : قوله : ( ; إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى ) قاله هنا بلفظ ( إلى ) ، وفى سورتى فاطر والزمر ، بلفظ " لأجل ، لأن ما هنا وقع بين آيتين دالتين على غاية ما ينتهى إليه الخلق ، وهما قوله : ( مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ . . . ) الآية . وقوله ( اتقوا رَبَّكُمْ واخشوا يَوْماً ) الدالة على الانتهاء ، وما فى فاطر والزمر خال من ذلك . إذ ما فى فاطر لم يذكر مع ابتداء خلق ولا انتهائه ، وما فى الزمر ذكر ما ابتدائه ، فناسب ذكر اللام ، والمعنى يرى كل كما ذكر لبلوغ أجل مسمى .وجملة ( وَأَنَّ الله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ) معطوفة على قوله : ( تَرَ أَنَّ الله يُولِجُ ) أى : لقد علمت أن الله - تعالى - قد فعل ذلك ، وأنه سبحانه - خبير ومطلع على كل عمل تعملونه - أيها الناس - دون أن يخفى عليه شئ منها .
لقمان 31:30
واسم الإِشارة فى قوله : ( ذَلِكَ بِأَنَّ الله هُوَ الحق . . . ) يعود إلى ما تقدم ذكره من إيلاج الليل فى النهار ، وتسخير الشمس والقمر . وهو مبتدأ . وقوله ( بِأَنَّ الله هُوَ الحق ) خبره والباء للسببية . أى : ذلك الذى فعلناه سببه ، أن الله - تعالى - هو الإِله الحق ، الذى لا إله سواه ، وأن ما يدعون من دونه من آلهة أخرى هو ( الباطل ) الذى لا يصح أن يسمى بهذا الاسم ، لأنه مخلوق زائل متغير ، لا يضر ولا ينفع .
لقمان 31:31
ثم ذكر - سبحانه - الناس بنعمة أخرى من نعمه التى لا تحصى فقال : ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ الفلك تَجْرِي فِي البحر بِنِعْمَةِ الله لِيُرِيَكُمْ مِّنْ آيَاتِهِ ) .أى : ولقد علمت - أيضا - وشاهدت - أيها العاقل - حال السفن ، وهى تجرى فى البحر ، بمشيئة الله وقدرته ، وبلطفه ورحمته وإحسانه . ليطلعكم على بعض آياته الدالة على باهر قدرته ، وسمو حكمته وسابغ نعمته .( إِنَّ فِي ذَلِكَ ) الذى شاهدتموه وانتفعتم به من السفن وغيرها ( لآيَاتٍ ) واضحات على قدرة الله - تعالى - ورحمته لعباده ( لِّكُلِّ صَبَّارٍ ) أى : لكل إنسان كثير الصبر ( شَكُورٍ ) . أى : كثير الشكر لله - تعالى - على نعمه ورحمته .
لقمان 31:32
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أحوال الناس عندما تحيط بهم المصائب وهم فى وسط البحر فقال : ( وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَّوْجٌ كالظلل دَعَوُاْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين ) .وقوله ( غَشِيَهُمْ ) من الغشاء بمعنى : الغطاء . فيقال : غشى الظلام المكان ، إذا حل به واصل " الموج " الحركة والازدحام . ومنه قولهم : ماج البحر إذا اضطرب ارتفع ماؤه . والظلل : جمع ظلة - كغرفة وغرف - وهى ما أظل غيره من سحاب أو جبل أو غيرهما .أى : وإذا ما ركب الناس فى السفن ، وأحاطت بهم الأمواج من كل جانب ، وأورشكت أن تعلوهم وتغطيهم . . فى تلك الحالة لجأوا إلى الله - تعالى - وحده ، يدعونه بإخلاص وطاعة وتضرع ، أن ينجيهم مما هم فيه من بلاء . . .( فَلَمَّا نَجَّاهُمْ ) - سبحانه - بفضله وإحسانه ، وأوصلهم ( إِلَى البر ) انقسموا إلى قسمين ، أما القسم الأول ، فقد عبر عنه - سبحانه - بقوله : ( فَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ ) أى : فمنهم من هو مقتصد ، أى : متوسط فى عبادته وطاعته ، يعيش حياته بين الخوف والرجاء .قال ابن كثير : قال ابن زيد : هو المتوسط فى العمل ، ثم قال ابن كثير : وهذا الذى قاله ابن زيد هو المراد فى قوله - تعالى - : ( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكتاب الذين اصطفينا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بالخيرات ) فالمقتصد ها هنا هو المتوسط فى العمل . ويحتمل أن يكون مرادا هنا - أيضا - ويكون من باب الإِنكار على من شاهد تلك الأهوال ، والأمور العظام ، والآيات الباهرات فى البحر ، ثم بعد ما أنعم الله عليه من الخلاص ، كان ينبغى أن يقابل ذلك بالعمل التام ، والمبادرة إلى الخيرات ، فمن اقتصد بعد ذلك كان مقصرا ، والحالة هذه .وأما القسم الثانى فقد عبر عنه - سبحانه - بقوله : ( وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ إِلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ ) .والختار : من الختر . وهو أبشع وأقبح الغدر والخديعة . يقال فلانخاتر وختار وختير ، إذا كان شديد الغدر والنقض لعهوده ، ومنه قول الشاعر :وإنك لو رأيت أبا عمير ... ملأت يديك من غدر وختروالكفور : هو الشديد الكفران والجحود لنعم الله - تعالى - .أى : وما يجحد بآياتنا الدالة على قدرتنا ورحمتنا ، إلا من كان كثير النقض لعهودنا ، شديد النكران لنعمنا .
لقمان 31:33
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بدعوة الناس إلا الاستعدد ليوم الحساب وإلى مراقبة الله - تعالى - فى كل أحوالهم ، لأنه - سبحانه - لا يخفى عليه شئ منها . فقال : ( ياأيها الناس اتقوا رَبَّكُمْ . . . . عَلَيمٌ خَبِيرٌ ) .والمعنى : ( ياأيها الناس اتقوا رَبَّكُمْ ) بأن تطيعوه ولا تعصوه ، وبأن تشكروه ولا تكفروه ، واخشوا يوما ، أى : وخافوا أهوال يوم عظيم .( لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ ) أى : لا يستطيع والد أن ينفع ولده بشئ من النفع فى هذا اليوم . أو أن يقضى عنه شيئا من الأشياء .( وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً ) أى : ولا يستطيع المولود - أيضا - أن يدفع عن والده شيئا مما يحتاجه منه .وخص - سبحانه - الوالد والمولود بالذكر ، لأن رابطة المحبة والمودة بينهما هى أقوا الروابط وأوثقها ، فإذا انتفى النفع بينهما فى هذا اليوم ، كان انتفاؤه بالنسبة لغيرها من باب أولى .وقوله : ( إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ ) أى : إن ما وعد الله - تعالى - به عباده من البعث والحساب والثواب والعقاب ، حق وثابت ثبوتا لا يقبل الشك أو التخلف .وما دام الأمر كذلك ( فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ الحياة الدنيا ) أى : فلا تخدعنكم الحياة الدنيا بزخارفها وشهواتها ومتعها ، ولا تشغلنكم عن طاعة الله - تعالى - وعن حسن الاستعداد لهذا اليوم الهائل الشديد . فإن الكيسِّ الفطن هو الذى يتزود لهذا اليوم بالإِيمان الحق ، والعمل الصالح النافع .( وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بالله الغرور ) أى : ولا يصرفنكم الشيطان عن طاعة الله ، وعن امتثال أمره . فالمراد بالغرور : الشيطان . أو كل ما يصرفك عن طاعة الله - تعالى .قال الآلوسى : ( وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بالله الغرور ) أى : الشيطان ، كما روى عن ابن عباس وغيره . بأن يحملكم على المعاصى بتزيينها لكم . . وعن أبى عبيدة : كل شئ غرك حتى تعصى الله - تعالى - فهو غرور سواء أكان شيطانا أم غيره وعلى ذلك ذهب الراغب فقال : الغرور كل ما يغر الإِنسان من مال أو جاه أو شهوة أو شيطان . . وأصل الغرور : من غر فلان فلانا ، إذا أصاب غرته ، أى : غفلته ، ونال منه ما يريد . به الخداع .والظاهر أن " بالله " صلة " يغرنكم " أى : لا يخدعنكم بذكر شئ من شئونه - تعالى - ، يجركم بها على معاصيه - سبحانه .
لقمان 31:34
ثم بين - سبحانه - جانبا من الأمور التى استأثر - عز وجل - بعلمها فقال : ( إِنَّ الله عِندَهُ عِلْمُ الساعة ) أى : عنده وحده علم وقتها ، وعلم قيامها ، كما قال - تعالى - : ( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الساعة أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ . . . ) ( وَيُنَزِّلُ الغيث ) أى : وينزل بقدرته المطر ، ويعلم وحده وقت نزوله . ( وَيَعْلَمُ مَا فِي الأرحام ) أى : ويعلم ما فى أرحام الأمهات من ذكر أو أنثى .( وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ ) من النفوس كائنة من كانت ( مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً ) من خير أو شر ، ومن رزق قليل أو كثير ، لأنها لا تملك عمرها إلى الغد .( وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ ) من النفوس - أيضا - كائنة من كانت ( بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ) أى : بأى مكان ينتهى أجلها .( إِنَّ الله ) - تعالى - ( عَلَيمٌ ) بكل شئ ( خَبِيرٌ ) بما يجرى فى نفوس عباده . وقد ساق الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية ، جملة من الأحاديث والآثار ، منها ما راه الإِمام أحمد عن ابن عمر - رضى الله عنهما - قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله ، ثم قرأ هذه الآية " .وعن مجاهد قال : " جاء رجل من أهل البادية فقال للنبى صلى الله عليه وسلم - " إن امرأتى حبلى فأخبرنى ما تلد؟ وبلادنا جدبة فأخبرنى متى ينزل الغيب؟ وقد علمت متى ولدت فأخبرنى متى أموت؟ " فأنزل الله الآية .وهذه الأمور الخمسة من الأمور التى استأثر الله - تعالى - بها على سبيل العلم اليقينى الشامل المطابق للواقع . .ولا مانع من أن يطلع الله - تعالى - بضله وكرمه ، بعض أصفيائه على شئ منها .وليست المغيبات محصورة فى هذه الخمسة ، بل كل غيب لا يعلمه إلا الله - تعالى - داخل فيما استأثر الله - تعالى - بعلمه ، وإنما خصت هذه الخمسة بالذكر لأنها من أهم المغيبات ، أو لأن السؤال كان عنها .وما يخبر به المنجم والطبيب وعلماء الأرصاد الجوية من الأمور التى لم تتكشف بعد ، فمبناه على الظن لا على اليقين ، وعلى احتمال الخطأ والصواب .أما علم الله - تعالى - بهذه الأمور وغيرها ، فهو علم يقينى قطعى شامل . لا يحتمل الظن أو الشك أو الخطأ .وصدق الله إذ يقول : ( وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ) وبعد : فهذا تفسير محرر لسورة " لقمان " نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه ، ونافعا لعباده ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
السجدة 32:1
سورة السجدة من السور التى افتتحت ببعض حروف التهجى ، وقد سبق أن ذكرنا آراء العلماء فى لك بشئ من التفصيل عند تفسيرنا لسورة : البقرة ، وآل عمران ، والأعراف . .وقلنا : ما ملخصه : إن أقرب الأقوال إلى الصواب ، أن هذه الحروف المقطعة ، قد وردت فى افتتاح بعض السور ، على سبيل الإِيقاظ والتنبيه إلى إعجاز القرآن .فكأن الله - تعالى - يقول لأولئك الكافرين المعارضين فى أن القرآن من عند الله : هاكم القرآن ترونه مؤلفاً من كلام هو من جنس ما تؤلفون منه كلامكم ومنظوماً من حروف ، وهى من جنس الحروف الهجائية التى تنظمون منها حروفكم .فإن كنتم فى شك من كونه منزلاً من عند الله فهاتوا مثله ، وادعوا من شئتم من الخلق لكى يعاونكم فى ذلك ، أو هاتوا عشر سور من مثله ، أو سورة من مثله . .ومع كل هذا التساهل فى التحدى . فقد عجزوا وانقلبوا خاسرين ، وثبت بذلك أن القرآن من عند الله - تعالى - وحده .
السجدة 32:2
وقوله - تعالى - : ( تَنزِيلُ الكتاب لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ العالمين ) بيان لمصدر القرآن الكريم وأنه لا شك فى كونه من عند الله - عز وجل - .وقوله : ( تَنزِيلُ الكتاب ) مبتدأ . وخبره ( مِن رَّبِّ العالمين ) وجملة ( لاَ رَيْبَ فِيهِ ) معترضة بينهما ، أو حال من الكتاب . .أى : تنزيل هذا الكتاب عليك - أيها الرسول الكريم - كائن من رب العالمين ، وهذا أمر لا شك فيه ، ولا يخالطه ريب أو تردد عند كل عاقل .وعجل - سبحانه - بنفى الريب ، حيث جعله بين المبتدأ والخبر ، لبيان أن هذه القضية ليست محلاً للشك أو الريب ، وأن كل منصف يعلم أن هذا القرآن من رب العالمين .
السجدة 32:3
و " أم " فى قوله - تعالى - : ( أَمْ يَقُولُونَ افتراه ) هى المنقطعة التى بمعنى بل والهمزة . والاستفهام للتعجيب من قولهم وإنكاره .والافتراء : الاختلاق . يقال : فلان افترى الكذب ، أى : اختلقه . وأصله من الفرى بمعنى قطع الجلد . وأكثر ما يكون للإِفساد .والمعنى : بل أيقول هؤلاء المشركون ، إن محمدا صلى الله عليه وسلم ، قد افترى هذا القرآن ، واختلقه من عند نفسه . . . ؟وقوله - عز وجل - : ( بَلْ هُوَ الحق مِن رَّبِّكَ ) رد على أقوالهم الباطلة .أى : لا تستمع - أيها الرسول الكريم - إلى أقاويلهم الفاسدة ، فإن هذا القرآن هو الحق الصادر إليك من ربك - عز وجل - .ثم بين - سبحانه - الحكمة فى إرساله صلى الله عليه وسلم - وفى إنزال القرآن عليه فقال : ( لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ) .والإِنذار : هو التخويف من ارتكاب شئ تسوء عاقبته . و " ما " نافية .و " نذير " فاعل " أتاهم " و " من " مزيدة للتأكيد .أى : هذا القرآن - يا محمد - هو معجزتك الكبرى ، وقد أنزلناه إليك لتنذر قوماً لم يأتهم نذير من قبلك بما جئتهم به من هدايات وإرشادات وآداب .وقد فعلنا ذلك رجاء أن يهتدوا إلى الصراط المستقيم ، ويستقبلوا دعوتك بالطاعة والاستجابة لما تدعوهم إليه .ولا يقال : إن إسماعيل - عليه السلام - قد أرسل إلى آباء هؤلاء العرب الذين أرسل الرسول صلى الله عليه وسلم إليهم ، لأن رسالة إسماعيل قد اندرست بطول الزمن ، ولم ينقلها الخلف عن السلف ، فكانت رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى قومه ، جديدة فى منهجها وأحكامها وتشريعاتها .
السجدة 32:4
ثم أثنى - سبحانه - على ذاته ، بما يستحقه من إجلال وتعظيم وتقديس فقال : ( الله الذي خَلَقَ السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ) .والأيام جمع يوم ، واليوم فى اللغة : مطلق الوقت ، أى : فى ستة أوقات لا يعلم مقدارها إلا الله - تعالى - .وهو - سبحانه - قادر على أن يخلق السماوات والأرض وما بينهما فى لمحة أو لحظة ، ولكنه - عز وجل - خلقهن فى تلك الأوقات ، لكى يعلم عباده التأنى والتثبت فى الأمور .قال القرطبى : قوله - تعالى - : ( سِتَّةِ أَيَّامٍ ) قال الحسن : من أيام الدنيا . وقال ابن عباس : إن اليوم من الأيام الستة ، التى خلق الله فيها السماوات والأرض ، مقداره ألف سنة من سنى الدنيا .وقال بعض العلماء ما ملخصه : وليست هذه الأيام من أيام هذه الأرض التى نعرفها ، إذ أيام هذه الأرض ، مقياس زمنى ناشئ من دورة هذه الأرض حول نفسها أمام الشمس مرة ، تؤلف ليلاً ونهاراً على هذه الأرض . . وهو مقياس يصلح لنا نحن أبناء هذه الأرض الصغيرة الضئيلة . أما حقيقة هذه الأيام الستة المذكورة فى القرآن ، فعلمها عند الله . ولا سبيل لنا إلى تحديها وتعيين مقدارها ، فهى من ايام الله التى يقول عنها : ( وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ ) وقوله - سبحانه - : ( ثُمَّ استوى عَلَى العرش ) إشارة إلى استعلائه وهيمنته على شئون خلقه .وقال بعض العلماء : وعرش الله - تعالى - مما لا يعلمه البشر إلا بالاسم . . وقد ذكر فى إحدى وعشرين آية . وذكر الاستواء على العرش فى سبع آيات .أما الاستواء على العرش ، فذهب سلف الأمة ، إلى أنه صفة الله - تعالى - بلا كيف ولا انحصار ولا تشبيه ولا تمثيل ، لاستحالة اتصافه - سبحانه - بصفات المحدثين ، ولوجوب تنزيهه عما لا يليق به : ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السميع البصير ) وأنه يجب الإِيمان بها كما وردت ، وتفويض العلم بحقيقتها إليه - تعالى - .قال الإِمام مالك : الكيف غير مقعول ، والاستهواء غير مجهول ، والإِيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة .وقال محمد بن الحسن : اتفق الفقهاء جميعاً على الإِيمان بالصفات ، من غير تفسير ولا تشبيه .وقال الإِمام الرازى : إن هذا المذهب هو الذى نقول به ونختاره ونعتمد عليه . .وقوله - سبحانه - : ( مَا لَكُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ شَفِيعٍ أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ ) أى : ليس لكم - أيها الناس - إذا تجاوزتم حدوده - عز وجل - ( مِن وَلِيٍّ ) أى : من ناصر ينصركم إذا أراد عقابكم ، ( وَلاَ شَفِيعٍ ) يشفع لكم عنده لكى يعفو عنكم ، أفلا تعقلون هذه المعانى الواضحة ، وتسمعون هذه المواعظ البليغة ، التى من شأنها أن تحملكم على التذكر والاعتبار والطاعة التامة لله رب العالمين .فالآية الكريمة جمعت فى توجيهاتها الحكيمة ، بين مظاهر قدرة الله - تعالى - ، وبين الترهيب من معصية ومخالفة أمره ، وبين الحض على التذكر والاعتبار .
السجدة 32:5
ثم أضاف - سبحانه - إلى ما سبق أن وصف به ذاته ، صفات أخرى تليق بجلاله ، فقال : ( يُدَبِّرُ الأمر مِنَ السمآء إِلَى الأرض ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ ) .وقوله - تعالى - : ( يُدَبِّرُ ) من التدبير بمعنى الإِحكام والإِتقان ، والمراد به هنا : إيجاد الأشياء علت هذا النحو البديع الحكيم الذى نشاهده ، وأصل التدبير : النظر فى أعقاب الأمور محمودة العاقبة .وقوله : ( يَعْرُجُ ) من العروج بمعنى الصعود والارتفاع والصيرورة إليه - تعالى - .والضمير فى " إليه " يعود إلى الأمر الذى دبره وأحكمه - سبحانه - .أى : أن الله - تعالى - هو الذى يحكم شئون الدنيا السماوية والأرضية إلا أن تقوم الساعة ، وهو الذى يجعلها على تلك الصورة البديعة المتقنة ، ثم تصعد إليه - تعالى - تلك الأمور والشئون المدبرة ، فى يوم ، عظيم هو يوم القيامة ( كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ ) من أيام الدنيا .قال الآلوسى ما ملخصه : وقوله : ( مِنَ السمآء إِلَى الأرض ) متعلقان بقوله : ( يُدَبِّرُ ) ومن ابتدائية ، وإلى انتهائية . أى : يريده - تعالى - على وجه الإِتقان ومراعاة الحكمة ، منزلاً له من السماء إلى الأرض . وإنزاله من السماء باعتبار أسبابه ، فإن أسبابه سماوية من الملائكة وغيرهم .وقوله ( ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ ) أى : ذلك الأمر بعد تدبيره . وهذا العروج مجاز عن ثوبته فى علمه . . أو عن كتابته فى صحف الملائكة بأمره - تعالى - .وقال بعض العلماء : وقد ذكر - سبحانه - هنا أنه ( يُدَبِّرُ الأمر مِنَ السمآء إِلَى الأرض ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ ) . وذكر فى سورة الحج ( وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ ) وذكر فى سورة المعارج ( تَعْرُجُ الملائكة والروح إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ) والجمع بين هذه الآيات من وجهين :الأول : ما جاء عن ابن عباس من أن يوم الألف فى سورة الحج ، هو أحد الأيام الستة التى خلق الله فيها السماوات والأرض .ويوم الألف فى سورة السجدة ، هو مقدار سير الأمر وعروجه إليه - تعالى - ، ويوم الخمسين ألفا - فى سورة المعارج - هو يوم القيامة .الثانى : أن المراد بجميعها يوم القيامة ، وأن الاختلاف باعتبار حال المؤمن والكافر ويدل لهذا الوجه قوله - تعالى - : ( فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الكافرين غَيْرُ يَسِيرٍ ) أى : أن يوم القيامة يتفاوت طوله بحسب اختلاف الشدة ، فهو يعادل فى حالة ألف سنة من سنى الدنيا ، ويعادل فى حالة أخرى خمسين ألف سنة .
السجدة 32:6
واسم الإِشارة فى قوله ( ذلك عَالِمُ الغيب والشهادة العزيز الرحيم ) يعود إلى الله - تعالى - ، وهو مبتدأ ، وهو بعده أخبار له - عز وجل - .أى : ذلك الذى اتصف بتلك الصفات الجليلة ، وفعل تلك الأفعال المتقنة الحكيمة ، هو الله - تعالى - ، ( عَالِمُ الغيب والشهادة ) أى : عالم كل ما غاب عن الحسن ، وكل ما هو مشاهد له ، لا يخفى عليه شئ مما ظهر أو بطن ( العزيز ) الذى لاي غلبه غالب ( الرحيم ) بعباده .
السجدة 32:7
( الذي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ) أى : الذى أحكم وأتقن كل شئ خلقه وأوجده فى هذا الكون ، لأنه - سبحانه - أوجده على النحو الذى تقتضيه حكمته ، وتستدعيه مصلحة عباده .قال الشوكانى : وقرأ الجمهور ( خلَقه ) - بفتح اللام - على أنه فعل ماض صفة لشئ ، فهو فى محل جر . أو صفة للمضاف فيكون فى محل نصب .وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ابن عامر : ( خلْقه ) - بسكون اللام - وفى نصبه أوجه : الأول : أن يكون بدلاً من ( كُلَّ شَيْءٍ ) بدل اشتمال ، والضمير عائد على كل شئ ، وهذا هو المشهور . .والمراد بالإِنسان فى قوله - تعالى - : ( وَبَدَأَ خَلْقَ الإنسان مِن طِينٍ ) آدم - عليه السلام - ، أى وبدأ خلق أبيكم آدم من طين ، فصار على أحسن صورة ، وأبدع شكل.
السجدة 32:8
( ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ ) أى : ذريته ، وسميت بذلك لأنها تنسل وتنفصل منه .( مِن سُلاَلَةٍ ) أى : من خلاصة ، وأصلها ما يسل ويخلص بالتصفية .( مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ ) أى : ممتهن لا يهتم بشأنه ، ولا يعتنى به ، والمقصود به : المنى الذى يخرج من الرجل .
السجدة 32:9
( ثُمَّ سَوَّاهُ ) أى : هذا المخلوق الذى أوجده من طين ، أو من ماء مهين . والمراد : ثم عدل خلقه ، وسوى شكله ، وتناسب بين أعضائه ، وأتمه فى أحسن صورة . . .( وَنَفَخَ فِيهِ ) - سبحانه - ( مِن رُّوحِهِ ) أى : من قدرته ورحمته ، التى صار بها هذا الإِنسان إنساناً كاملا فى أحسن تقويم .وإضافة الروح إليه - تعالى - للتشريف والتكريم لهذا المخولق ، كما فى قولهم بيت الله .( وَجَعَلَ لَكُمُ ) بعد ذلك ( السمع ) الذى تسمعون به ( والأبصار ) التى تبصرون بها ، ( والأفئدة ) التى تعقلون بها ، وتحسون الأشياء بواسطتها .وقوله : ( قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ ) بيان لموقف بنى آدم من هذه النعم المتكاثرة والمتنوعة . ولفظ " قليلاً " منصوب على أنه صفة لمحذوف وقع معمولاً لتشكرون .أى : شكراً قليلاً تشكرون ، أو زماناً قليلاً تشكرون .وهكذا بنو آدم - إلا من عصم الله - ، أوجدهم الله - تعالى - بقدرته ، وسخر لمنفعتهم ومصلحتهم ما سخر من مخلوقات ، وصانهم فى كل مراحل خلقهم بأنواع من الصيانة والحفظ . . ومع ذلك فقليل منهم هم الذين يشكرونه - عز وجل - على نعمه . وصدق - ستبحانه - حيث يقول : ( وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشكور ) .
السجدة 32:10
ثم حكى - سبحانه - شبهات المشركين ورد عليها ، وصور أحوالها الليمة عندما تقبض الملائكة أرواحهم ، فقال - تعالى - : ( وقالوا أَإِذَا ضَلَلْنَا . . . بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) .قال القرطبى : قوله - تعالى - : ( وقالوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الأرض ) هذا قول منكرى البعث أى : هلكنا وبطلنا وصرنا ترابا . وأصله من قول العرب : ضل الماء فى اللبن إذا ذهب ، والعرب تقول للشئ غلب عليه غيره حتى خفى فيه أثره : قد ضل . .أى : وقال الكافرون على سبيل الإِنكار ليوم القيامة وما فيه من حساب أئذا صارت أجسادنا كالتراب واختلطت به ، أنعاد إلى الحياة مرة أخرى ، ونخلق خلقاً جديداً . .وقوله - سبحانه - : ( هُم بِلَقَآءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ ) إضراب وانتقال من حكاية كفرهم بالبعث والحساب إلى حكاية ما هو أشنع من ذلك وهو كفرهم بلقاء الله - تعالى - الذى خلقهم ورزقهم وأحياهم وأماتهم . . أى : بل هم لانطماس بصائرهم ، واستيلاء العناد والجهل عليهم ، بلقاء ربهم يوم القيامة ، كافرون جاحدون ، لأنهم قد استبعدوا إعادتهم إلى الحياة بعد موتهم ، مع أن الله - تعالى - قد أوجدهم ولم يكونوا شيئاً مذكوراً .
السجدة 32:11
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أن مردهم إليه لا محالة بعد أن يقبض ملك الموت أرواحهم فقال : ( قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الموت الذي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ ) .وقوله ( يَتَوَفَّاكُم ) من التوفى . وأصله أخذ الشئ وافيا تاما . يقال : توفاه الله ، أى : استوفى روحه وقبضها ، وتوفيت مالى بمعنى استوفيته والمراد بملك الموت : عزرائيل .أى : قل - أيها الرسول الكريم - فى الرد على هؤلاء الجاحدين : سيتولى قبض أرواحكم عند انتهاء آجالكم ملك الموت الذى كلفه الله - تعالى - بذلك ثم إلى ربكم ترجعون ، فيجازيكم بما تستحقونه من عقاب ، بسبب كفرهم وجحودكم .وأسند - سبحانه - هنا التوفى إلأى ملك الموت ، لأنه هو المأمور بقبض الأرواح . وأسنده إلى الملائكة فى قوله - تعالى - ( فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الملائكة ) لأنهم أعوان ملك الموت الذين كلفهم الله بذلك .وأسنده - سبحانه - إلى ذاته فى قوله : ( الله يَتَوَفَّى الأنفس حِينَ مِوْتِهَا ) لأن كل شئ كائنا ما كان ، لا يكون إلا بقضائه وقدره .
السجدة 32:12
ثم صور - سبحانه - أحوال هؤلاء الكافرين ، عندما يقفون للحاسب ، تصويراً مرعباً مخيفاً فقال : ( وَلَوْ ترى إِذِ المجرمون نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ ) .وجواب " لو " محذوف ، والتقدير : لرأيت شيئاً تقشعر من هوله الأبدان .وقوله : ( نَاكِسُواْ ) من النكس ، وهو قلب الشئ على راسه كالتنكيس . . وفعله من باب نصر - والخطاب يصح أن يكون للرسول صلى الله عليه وسلم - أو لكل من يصلح له .أى : ولو ترى - أيها الرسول الكريم - حال أولئك المجرمين الذين أنكروا البعث والجزاء ، وهم يقفون أمام خالقهم بذلة وخزى ، لحسابهم على أعمالهم . . لو ترى ذلك لرأيت شيئاً ترتعد له الفرائص ، وتهتز منه القلوب .وقوله : ( رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فارجعنا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ ) حكاية لما يقولونه فى هذا الموقف العصيب . أى : يقولونه بذلة وندم : يا ربنا نحن الآن نبصر مصيرنا ، ونسمع قولك ونندم على ما كنا فيه من كفر وضلال ، ( فارجعنا ) إلى الدنيا ، لكى ( نَعْمَلْ ) عملاً ( صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ ) الآن بأن ما جاءنا به رسولك هو الحق ، وأن البعث حق . وان الجزاء حق ، وأن الجنة حق ، وأن النار حق .
السجدة 32:13
ولكن هذا الإِيقان والاعتراف منهم ، قد جاء فى غير أوانه ، ولذا لا يقبله - سبحانه - منهم ، ولذا عقب - سبحانه - على ما قالوه بقوله : ( وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا . . . ) . أى : ولو شئنا أن نؤتى كل نفس رشدها وهداها وتوفيقها إلى الإِيمان ، لفعلنا ، لأن إرادتنا نافذة ، وقدرتنا لا يعجزها شئ .( ولكن حَقَّ القول مِنِّي ) آى : ولكن ثبت وتحقق قولى .( لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجنة ) أى من الجن وسموا بذلك لاستتارهم عن الأنظار .ومن ( الناس أَجْمَعِينَ ) بسبب فسوقهم عن أمرنا ، وتكذيبهم لرسلنا .فالمقصود من الآية الكريمة بيان أن قدرة الله - تعالى - لا يعجزها شئ ، إلا أن حكمته - سبحانه - قد اقتضت أن الذين سبق فى علمه أنهم يؤثرون الضلالة على الهداية ، لسوء استعدادهم ، يكون مصيرهم إلى لانار ، وأما الذين آثروا الهداية على الضلالة لنقاء نفوسهم ، وكمال استعدادهم ، فيكون مصيرهم إلى جنة عرضها السماوات والأرض .كما أن حكمته - سبحانه - قد اقتضت أن يميز الإِنسان على غيره ، بأن يجعل له طبيعة خاصة يملك معها اختيار طريق الهدى أو طريق الضلال . كما قال - تعالى - ( إِنَّا خَلَقْنَا الإنسان مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً إِنَّا هَدَيْنَاهُ السبيل إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ) .
السجدة 32:14
ثم بين - سبحانه - ما يقال لهؤلاء المجرمين عندما يلقى بهم فى جهنم فقال - تعالى - : ( فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هاذآ إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُواْ عَذَابَ الخلد بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) .والذوق حقيقة إدراك المطعومات . والأصل فيه أن يكون فى أمر مرغوب فى ذوقه وطلبه . والتعبير به هنا عن ذوق العذاب من باب التهكم بهم .والفاء فى قوله : ( فَذُوقُواْ ) لترتيب الأمر بالذوق على ما قبله والباء للسببية . والمراد بالنسيان لازمه ، وهو الترك والإِهمال .أى : ويقال لهؤلاء المجرمين عندما يلقى بهم فى النار : ذوقوا لهيبها وسعيرها بسبب نسيانكم وإهمالكم وجحودكم ليوم القيامة وما فيه من حساب . وإننا من جانبنا قد أهملناكم وتركناكم . بسبب إصراركم على كفركم ، وذوقوا العذاب الذى أنتم مخلدون فيه بسبب أعمالكم القبيحة فى الدنيا " جزاء وفاقا " .وكرر - سبحانه - لفظ ( ذُوقُواْ ) على سبيل التأكيد ، وزيادة التقريع والتأنيب .
السجدة 32:15
ثم تترك السورة الكريمة هؤلاء المجرمين يذوقون العذاب ، وتنتقل إلى الحديث عن مشهد آخر ، عن مشهد يشرح النفوس ، ويبهج القلوب ، إنه مشهد المؤمنين الصادقين ، وما أعد الله - تعالى - من ثواب قال - تعالى - : ( إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا . . . بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ) .أى : ( إِنَّمَا يُؤْمِنُ ) ويصدق ( بِآيَاتِنَا ) الدالة على قدرتنا ووحدانيتنا ، أصحاب النفوس النقية الصافية ، الذين إذ ذكروا بها ، أى : بهذه الآيات .( خَرُّواْ سُجَّداً ) لله - تعالى - من غير تردد ( وَسَبَّحُواْ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ) أى : ونزهوه عن كل ما لا يليق به - عز وجل -( وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ ) عن طاعته - سبحانه - ، وعن الانقياد لأمره ونهيه .
السجدة 32:16
ثم صور - سبحانه - أحوالهم فى عبادتهم وتقربهم إلى الله ، تصويراً بديعاً فقال : ( تتجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ المضاجع يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً ) .والتجافى : التحرك إلى جهة أعلى . وأصله من جفا فلان السرج عن فرسه ، إذا رفعه . ويقال تجافى فلان عن مكانه ، إذا انتقل عنه .والجنوب : جمع جنب . وأصله الجارحة ، والمراد به الشخص .والمضاجع : جمع مضجع ، وهو مكان الاتكاء للنوم .والمعنى : أن هؤلاء المؤمنين الصادقين ، تتنحى وترتفع أجسامهم ، عن أماكن نومهم ، وراحتهم ، حالة كونهم يدعون ربهم بإخلاص وإنابة ( خَوْفاً ) من سخطه عليهم ، ( وَطَمَعاً ) فى رضاه عنهم .( وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ ) من فضلنا وخيرنا ( يُنفِقُونَ ) فى وجوه البر والخير .
السجدة 32:17
وقوله - سبحانه - : ( فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ . . ) بيان للعطاء الجزيل ، والثواب العظيم . أى : فلا تعلم نفس من النفوس سواء أكانت لملك مقرب ، أم لنبى مرسل ، ما أخفاه الله - تعالى - لهؤلاء المهتدين بالليل والناس نيام ، من ثواب تقر به أعينهم ، وتسعد به قلوبهم ، وتبتهج له نفوسهم . .وهذا العطاء الجزيل إنما هو بسبب أعمالهم الصالحة فى الدنيا .وهكذا نرى فى هذه الآيات الكريمة صورة مشرقة لعباد الله الصالحين ، وللثواب الذى لا تحيط به عبارة ، والذى أكرمهم الله - تعالى - به .وقد ساق الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآيات ، عدداً من الأحاديث الواردة فى فضل قيام الليل ، منها ما رواه الإِمام أحمد " عن معاذ بن جبل - رضى الله عنه - قال : كنت مع النبى صلى الله عليه وسلم فى سفر ، فأصبحت يوماً قريباً منه . ونحن نسير ، فقلت : يا نبى الله ، أخبرنى بعمل يدخلنى الجنة ، ويباعدنى من النار . فقال : " لقد سألت عن عظيم ، وأنه ليسير على من يسره الله عليه ، تعبد الله ولا تشكر به شيئاً ، وتقيم الصلاة ، وتصوم رمضان ، وتحج البيت . ثم قال : ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جنة ، والصدقة تطفئ الخطيئة ، وصلاة الرجل فى جوف الليل شعار الصالحين ، ثم قرأ صلى الله عليه وسلم : ( تتجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ المضاجع يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً ) " " .وعن أسماء بنت يزيد قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة ، جاء مناد فنادة بصوت يسمع الخلائق : سيعلم أهل الجمع اليوم من أولى بالكرم . ثم يرجع فينادى : ليقم الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع " .وعن أبى هريرة - رضى الله عنه - قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله - تعالى - قال : " أعددت لعبادى الصالحين ، ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر " .
السجدة 32:18
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أن عدالته قد اقتضت عدم التسوية بين الأخيار والأشرار ، وأن كل إنسان إنما يجازى يوم القيامة على حسب عمله فقال - تعالى - : ( أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً . . . المجرمين مُنتَقِمُونَ ) .والاستفهام فى قوله : ( أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً . . . ) للإِنكار ، والفسوق : الخروج عن طاعة الله .أى : أفمن كان فى هذه الدنيا مؤمناً بالله حق الإِيمان ، كمن كان فيها فاسقاً وخارجاً عن طاعة الله - تعالى - وعن دينه الذى ارتضاه لعباده؟كلا ، إنهم لا يستوون لا فى سلوكهم وأعمالهم ، ولا فى جزائهم الدنيوى أو الأخروى .وقد ذكروا أن هذه الآية نزلت فى شأن الوليد بن عقبة ، وعلى نب أبى طالب - رضى الله عنه - ، حيث قال الوليد لعلى : أنا أبسط منك لساناً ، وأحد سنانا ، وأملأ فى الكتيبة جسداً ، فقال له على : اسكت ، فإنما أنت فاسق ، فنزلت هذه الآية .
السجدة 32:19
ثم فصل - سبحانه - حسن عاقبة المؤمنين ، وسوء عاقبة الفاسقين ، فقال : ( أَمَّا الذين آمَنُواْ ) بالله حق الإِيمان ( وَعَمِلُواْ ) الأعمال ( الصالحات ) .( فَلَهُمْ جَنَّاتُ المأوى ) أى : فلهم الجنات التى يأوون إليها ، ويسكنون فيها ( نُزُلاً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ) والنزل : أصله ما يهيَّأ للضيف النازل من الطعام والشراب والصلة ، ثم عمم فى كل عطاء . أى : فلهم جنات المأوى ينزلون فيها نزولاً مصحوباً بالتكريم والتشريف جزاء أعمالهم الصالحة التى عملوها فى الدنيا .
السجدة 32:20
( وَأَمَّا الذين فَسَقُواْ ) أى : خرجوا عن طاعتنا ، وعن دعوة رسولنا صلى الله عليه وسلم .( فَمَأْوَاهُمُ النار ) أى : فمنزلتهم ومسكنهم ومستقرهم النار وبئس القرار .( كُلَّمَآ أرادوا أَن يَخْرُجُواُ مِنْهَآ ) هرباً من لهيبها وسعيرها وعذابها .( أُعِيدُواْ فِيهَا ) مرغمين مكرهين ، وردوا إليها مهانين مستذلين .( وَقِيلَ لَهُمْ ) على سبيل الزجر والتأنيب وزيادة الحسرة فى قلوبهم .( ذُوقُواْ عَذَابَ النار الذي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ) فى الدنيا ، وتستهزئون بمن ينذركم به ، ويخوفكم منه .
السجدة 32:21
( وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنَ العذاب الأدنى ) أى الأهون والأقرب والأقل وهو عذاب الدنيا ، من طريق ما ننزله بهم من أمراض وأسقام ومصائب متنوعة .( دُونَ العذاب الأكبر ) أى : الاشد والأعظم والأبقى ، وهو عذاب الآخرة .( لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) عما هم فهي من شرك وكفر وفسوق وعصيان .
السجدة 32:22
ثم بين - سبحانه - حال من يدعى إلى الهدى فيعرض عنه ، فقال : ( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَآ ) .أى : لا أحد أشد ظلماً وكفراً ممن ذكره المذكر بالآيات الدالة على وحدانية الله - تعالى - وقدرته ، وعلى أن دين الإِسلام هو الحق ، ثم أعرض عنها جحوداً وعناداً .( إِنَّا مِنَ المجرمين مُنتَقِمُونَ ) أى : إنَّا من أهل الإِجرام والجحود لآياتنا منتقمون انتقاماً يذلهم ويهينهم .قال صاحب الكشاف : " ثم " فى قوله ( ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَآ ) للاستبعاد .والمعنى : أن الإِعراض عن مثل آيات الله ، فى وضوحها وإنارتها وإرشادها إلى سواء السبيل ، والفوز بالسعادة العظمى بعد التذكير بها مستبعد فى العقل والعدل . كما تقول لصاحبك : وجدت مثل تلك الفرصة ثم لم تنتهزها ، استبعاداً لتركه الانتهاز .ومنه " ثم " فى بيت الحماسة :لا يشكف الغماء إلا ابن حرة ... يرى غمرات الموت ثم يزورهااستبعد أن يزور غمرات الموت بعد أن رآها واستيقنها واطلع على شدتها .فإن قلت : هلا قيل : إنا منه منتقمون؟ قلت : لما جعله أظلم كل ظالم ، ثم توعد المجرمين عامة بالانتقام منهم ، فقد دل على إصابة الأظلم بالنصيب والأوفر من الانتقام ، ولو قاله بالضمير لم يفد هذه الإِفادة .
السجدة 32:23
ثم أشارت السورة الكريمة بعد ذلك إلى ما أعطاه الله - تعالى - لنبيه موسى - عليه السلام - من نعم . وما منحه للصالحين من قومه من منن ، فقال - تعالى - : ( وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الكتاب . . . فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ) .والمراد بالكتاب فى قوله - تعالى - : ( وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الكتاب ) التوراة التى أنزلها سبحانه - لتكون هداية لبنى إسرائيل .قالوا : وإنما ذكر موسى لقربه من النبى صلى الله عليه وسلم ووجود من كان على دينه إلزاماً لهم . إنما لم يختر عيسى - عليه السلام - للذكر وللاستدلال ، لأن اليهود ما كانوا يوافقون على نبوته ، وأما النصارى فكانوا يعترفون بنبوة موسى - عليه السلام - .والضمير المجرور فى قوله : ( فَلاَ تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآئِهِ ) يعود إلى موسى على أرجح لأقوال - أو إلى الكتاب .أى : أتينا موسى الكتاب فلا تكن - أيها الرسول الكريم - فى مرية أو شك من لقاء وسى للكتاب الذى أوحيناه إليه ، بقبول ورضا وتحمل لتكاليف الدعوة به ، فكن مثله فى لك ، وبلغ ما أنزل إليك من ربك دون ان تخشى أحداً سواه .قال الآلوسى ما ملخصه : قوله : ( وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الكتاب ) أى : جنس الكتاب ( فَلاَ تَكُن فِي مِرْيَةٍ ) أى : شك ( مِّن لِّقَآئِهِ ) أى : من لقائه ذلك الجنس .وحمل بعضهم ( الكتاب ) على العهد ، أى الكتاب المعهود وهو التوراة .ونهيه صلى الله عليه وسلم عن أن يكون فى شك ، المقصود به أمته ، والتعريض بمن اتصف بذلك . وقيل الكتاب ، المراد به التوراة ، وضمير ، لقائه ، عائد إليه من غير تقدير مضاف . ولقاء صدر مضاف إلى مفعوله موسى . أى : فلا تكن فى مرية من لقاء موسى الكتاب ، ومضاف إلى فاعله ، ومفعوله موسى . أى : من لقاء الكتاب موسى ووصوله إليه . .وهذا الرأى الأخير الذى عبر عنه الآلوسى - رحمه الله - بقوله " وقيل " وهو فى رأينا رجح الآراء ، وأقربها إلى الصواب ، لبعده عن التكلف .قال الجمل فى حاشيته ، بعد أن ساق ستة أقوال فى عودة الضمير فى قوله ( مِّن لِّقَآئِهِ ) : وأظهرها أن الضمير إما لموسى وإما للكتاب . أى : لا ترتب فى أن موسى لقى الكتاب أنزل عليه .قال صاحب الكشاف : والضمير فى " لقائه " له - أى لموسى - ، ومعناه : إنا آتينا موسى - عليه السلام - مثل ما آتيناك من الكتب ، ولقيناه مثل ما لقيناك من الوحى ، فلا تكن فى شك من أنك لقيت مثله ، ولقيت نظيره كقوله - تعالى - : ( فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الذين يَقْرَءُونَ الكتاب مِن قَبْلِكَ ) .وقوله - تعالى - : ( وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لبني إِسْرَائِيلَ ) أى : وجعلنا الكتاب الذى أنزلناه على نبينا موسى - عليه السلام - هداية لبنى إسرائيل إلى طريق الحق والسداد .
السجدة 32:24
( وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُواْ ) والأئمة : جمع إمام ، وهو من يقتدى به فى الأمور المختلفة . والمراد بهم هنا : من يقتدى بهم فى وجوه الخير والبر .أى : وجعلنا من بنى إسرائيل أئمة فى الخير والصلاح ، يهدون غيرهم إلى الطريق الحق ، بأمرنا وإرادتنا وفضلنا ، وقد وفقناهم لذلك حين صبروا على أداء ما كل فناهم به من عبادات ، وعلى مشاق الدعوة إلى الحق ، وعلى كل أم يستلزم الصبر وحبس النفس .وفى ذلك إرشاد وتعليم للمسلمين ، بأن يسلكوا طريق الأئمة الصالحين ، ممن كانوا قبلهم ، وأن يبلغوا دعوة الله إلى غيرهم بصبر ويقين .وقوله - سبحانه - ( وَكَانُواْ بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ) زيادة فى مدحهم ، وفى تقرير أنهم أهل للإِمامة فى الخير . أى : وكانوا بسبب إداركهم السليم لمعانى آياتنا : يوقنون إيقاناً جازماً بأنهم على الحق الذى لا يحوم حلوه باطل وبأنهم متبعون لشريعة الله - تعالى - التى لا يضل من اتبعها وسار على نهجها .
السجدة 32:25
ثم أشار - سبحانه - إلى أن بنى إسرائيل جميعاً لم يكونوا كذلك ، وإنما كان منهم الأخيار والأشرار ، وأنه - تعالى - سيحكم بين الجميع يوم القيامة بحكمه العادل ، فقال : ( إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ) .أى : إن ربك - أيها الرسول الكريم - هو وحده الذى يتولى القضاء والحكم بين المؤمنين والكافرين يوم القيامة ، فيما كانوا يختلفون فيه فى الدنيا من أمور متنوعة . على رأسها ما يتعلق بالأمور الدينية .
السجدة 32:26
ثم يسوق - سبحانه - فى أواخر السورة ما من شأنه أن يهدى الضالين إلى الصراط المستقيم ، وما يرشدهم إلى مظاهر نعمه عليهم ، وما يزيد النبى صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم ثباتاً على ثباته ، ويقيناً على يقينة ، فيقول - عز وجل - ( أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا . . . إِنَّهُمْ مُّنتَظِرُونَ ) .والاستفهام فى قوله - تعالى - : ( أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا . . . ) لإِنكار عدم اهتدائهم إلى ما ينفعهم مع وضوح أسباب هذا الاهتداء . والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام . والخطاب للمشركين وعلى رأسهم كفار مكة . و " كم " خبرية بمعنى كثير . فى محل نصب لأهلكنا .والمعنى : أغفل هؤلاء المشركون عما أصاب الظالمين من قبلهم ، ولم يتبين لهم - لانطماس بصائرهم - أننا قد أهلكنا كثيراً من أهل الأزمان السابقة من قبلهم ، بسبب تكذيبهم لأنبيائهم ، وإيثارهم الكفر على الإِيمان .وقوله - تعالى - ( يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ ) حال من الضمير فى ( لَهُمْ ) ، لتسجيل أقصى أنواع الجهالة والعناد عليهم . أى : أبلغ بهم الجهل والعناد أنهم لم يعتبروا بالقرون المهلكة من قبلهم ، مع أنهم يمشون فى مساكن هؤلاء السابقين ، ويمرون على ديارهم مصبحين وممسين ، ويرون بأعينهم آثارهم الدارسة ، وبيوتهم الخاوية على عروشها .ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بما يزيد فى تبكيتهم وتقريعهم فقال : ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ أَفَلاَ يَسْمَعُونَ ) .أى : إن فى ذلك الذى يرونه من مصارع الغابرين ، وآثار الماضين ، لآيات بينات ، وعظات بليغات ، فهلا تدبروا فى ذلك ، واستمعوا إلى صوت الحق بتعقل وتفهم؟فقوله - تعالى - : ( أَفَلاَ يَسْمَعُونَ ) حض لهم على الاستماع إلى الآيات الدالة على سوء عاقبة الظالمين ، بتدبر وتعقل واتعاظ ، وتحول من الباطل إلى الحق ، قبل أن يحل بهم ما حل بأهل الأزمنة الغابرة .
السجدة 32:27
ثم نبههم - سبحانه - إلى نعمة من نعمه الكثيرة فقال : ( أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَسُوقُ المآء إِلَى الأرض الجرز فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ أَفَلاَ يُبْصِرُونَ ) والأرض والجرز : هى الأرض اليابسة التى جرز نباتها وقطع ، إما لعدم نزول الماء عليها ، وإما لرعيه منها .قال القرطبى ما ملخصه : والأرض الجرز هى التى جرز نباتها أى : قطع ، إما لعدم الماء ، وإما لأنه رعى وأزيل ، ولا يقال للتى لا تنبت كالسباخ جرز .وهو مشتق من قولهم : رجل جروز إذا كان لا يبقى شيئاً إلا أكله ، وكذلك ناقة جروز : إذا كانت تأكل كل شئ تجده ، وسيف جراز ، أى : قاطع . .أى : أعموا ولم يشاهدوا بأعينهم ( أَنَّا نَسُوقُ ) بقدرتنا ورحمتنا ( المآء ) الذى تحمله السحب ( إِلَى الأرض الجرز ) أى : اليابسة الخالية من النبات ، فينزل عليها .( فَنُخْرِجُ بِهِ ) أى : فنخرج بهذا الماء النازل على الأرض القاحلة ( زَرْعاً ) كثيراً نافعاً ( تَأْكُلُ مِنْهُ ) أى : من هذا الزرع ( أَنْعَامُهُمْ ) أى : تأكل منه ما يصلح لأكلها كالأوراق والأغصان وما يشبه ذلك .وقوله ( وَأَنفُسُهُمْ ) معطوف على أنعامهم . أى : تأكل أنعامهم من الزرع ما يناسبها ، ويأكل منه الناس ما يناسبهم كالبقول والحبوب .وقدم - سبحانه - الأنعام على بنى آدم للترقى من الأدنى إلى الأشرف .وقوله - تعالى - ( أَفَلاَ يُبْصِرُونَ ) حض لهم على التأميل فى هذه النعم ، والحرص على شكر المنعم عليها ، وإخلاص العبادة له .
السجدة 32:28
ثم حكى - سبحانه - ما كان عليه المشركون ، من غرور واستخفاف بالوعيد فقال : ( وَيَقُولُونَ متى هذا الفتح إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ) .والمراد بالفتح : الحكم والقضاء والفصل فى الخصومة بين المتخاصمين ، ومنه قوله - تعالى - حكاية عن شعيب - عليه السلام - : ( رَبَّنَا افتح بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بالحق وَأَنتَ خَيْرُ الفاتحين ) أى : " احكم بيننا وبين قومنا بالحق ، وأنت خير الحاكمين " .أى : ويقول المشركون للنبى صلى الله عليه وسلم ولأصحابه على سبيل الاستهزاء ، واستعجال العقاب : متى هذا الذى تحدثوننا عنه من أن الله - تعالى - سيفصل بيننا وبينكم ، ويجعل لكم النصر ولنا الهزيمة؟لقد طال انتظارنا لهذا اليوم الذى يتم فيه الحكم بيننا وبينكم ، فإن كنتم صادقين فى قولكم ، فادعوا ربكم أن يعجل بهذا اليوم .
السجدة 32:29
وهنا يأمر الله - تعالى - نبيه صلى الله عليه وسلم - أن يرد عليهم بما يخرسهم فيقول : ( قُلْ يَوْمَ الفتح لاَ يَنفَعُ الذين كفروا إِيَمَانُهُمْ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ ) . أى : قل - أيها الرسول - فى الرد على هؤلاء الجاهلين المغرورين : إن يوم الفصل بيننا وبينكم قريب ، وهو آت لا محالة فى الوقت الذى يحدده الله - تعالى - ويختاره ، سواء أكان هذا اليوم فى الدنيا ، عندما تموتون على الكفر ، أم فى الآخرة عندما يحل بكم العذاب ، ولا ينفعكم إيمانكم ، ولا أنتم تمهلون أو تنظرون ، بل سينزل بكم العذاب سريعاً وبدون مهلة .
السجدة 32:30
وما داما لأمر كما ذكرنا لك - أيها الرسول الكريم - ( فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وانتظر إِنَّهُمْ مُّنتَظِرُونَ ) . أى : فأرعض عن هؤلاء المشركين ، وعن أقوالهم الفاسدة دون أن تلتفت إليها ، وامض فى طريقك أنت وأتباعك ، وانتظر النصرة عليهم بفضلنا وإرادتنا ، إنهم - أيضاً - منتظرون ما سيئول إليه أمرك ، وسيكون أمرك بخلاف ما يمكرون وما ينتظرون .وبعد : فهذا تفسير وسيط لسورة السجدة ، نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصاً لوجهه ، ونافعاً لعباده .وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
الأحزاب 33:1
افتتحت سورة الأحزاب بهذا النداء لسيد الخلق صلى الله عليه وسلم وبهذا الوصف الكريم ، وهو الوصف بالنبوة ، على سبيل التشريف والتعظيم .قال صاحب الكشاف : جعل - سبحانه - نداءه بالنبى والرسول فى قوله : ( ياأيها النبي ) . ( ياأيها الرسول ) وترك نداءه باسمه ، كما قال : يا آدم ، يا موسى ، يا عيسى ، يا داودك كرامة له وتشريفا ، وتنويها بفضله .فإن قلت : إن لم يوقع فى النداء . فقد أوقعه فى الإِخبار ، فى قوله : ( مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ الله ) قلت : ذلك لتعليم الناس بأنه رسول ، وتلقين لهم أن يسموه بذلك ويدعوه به .والمراد بأمره بتقوى الله : المداومة على ذلك ، والازدياد من هذه التقوى .أى : واظب - أيها النبى الكريم - على تقوى الله ، وعلى مراقبته ، وعلى الخوف منه ، وأكثر من ذلك ، فإن تقوى الله ، على رأس الفضائل التى يحبها - سبحانه - .قال ابن كثير : هذا تنبيه بالأعلى على الأدنى ، فإنه - تعالى - إذا كان يأمر عبده ورسوله بهذا ، فلأن يأتمر من دونه بذلك بطريق الأولى والأحرى .وقد قال خلف بن حبيب : التقوى أن تعمل بطاعة الله ، على نور من الله ، ترجوا ثواب الله .وبعد الأمر بالتقوى ، جاء النهى عن طاعة غير المؤمنين ، فقال - تعالى - : ( وَلاَ تُطِعِ الكافرين والمنافقين ) . أى : واظب - أيها النبى الكريم - على تقوى الله ، واجتنب طاعة الكافرين الذين جحدوا نعم الله عليهم ، وعبدوا معه آلهة أخرى ، واجتنب كذلك طاعة المنافقين الذين يظهرون الإِسلام ويخفون الكفر .وفى إيراد هذا النهى بعد الأمر بتقوى الله ، إشارة وإيحاء إلى ما كان يبذله هؤلاء الكافرون والمنافقون من جهود عنيفة ، لزحزحة النبى صلى الله عليه وسلم عما هو عليه من حق ، ولصرفه عن دعوتهم إلى الإِسلام .وقد ذكروا فى سبب نزول هذه الآية روايات منها : أن جماعة من أهل مكة ، طلبوا من النبى صلى الله عليه وسلم أن يرجع عن قوله ، وأن يعطوه شطر أموالهم ، وأن المنافقين واليهود بالمدينة هدوده بالقتل إن لم يرجع عن دعوتهم إلى الإِسلام ، فنزلت .وقوله - تعالى - ( إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً حَكِيماً ) : تعليل الأمر والنهى ، أى : اتبع ما أمرناك به ، ومنا نهيناك عنه ، لأن الله - تعالى - عليم بكل شئ ، وحكيم فى كل أقواله وأفعاله .
الأحزاب 33:2
ثم أمره - سبحانه - باتباع ما يوحيه إليه فقال : ( واتبع مَا يوحى إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ ) أى : واظب على تقوى الله ، وابتعد عن طاعة أعدائك ، واتبع فى كل ما تأتى وتذر ، كل ما نوحيه إليك من عندنا اتباعا تاما .فالجملة الكريمة معطوفة على ما قبلها . من قبيل عطف العام على الخاص .وفى النص على ما قبلها . من قبيل عطف العام على الخاص .وفى النص على أن الوحى إليه صلى الله عليه وسلم وأن هذا الوحى من ربه الذى تولاه بالتربية والرعاية ، إشعار بوجوب الاتباع التام الذى لا يشوبه انحراف أو تردد .ثم أكد - سبحانه - هذا الأمر تأكيدا قويا فقال : ( إِنَّ الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً ) أى : إنه - تعالى - خبير ومحيط بحركات النفوس وبخفايا القلوب ، وكل ن يخالف ما أمرنان به ، أو نهيناه عنه ، فلا يخفى علينا أمره ، وسنجازيه يوم القيامة بما يستحقه .
الأحزاب 33:3
وقوله - سبحانه - : ( وَتَوَكَّلْ على الله ) أى : وفوض أمرك إليه - عز وجل - وحده .( وكفى بالله وَكِيلاً ) أى : وكفى بربك حافظا لك ، وكفيلا بتدبير أمرك .فأنت ترى أن هذه الآيات قد تضمنت ثلاثة أوامر : تقوى الله ، واتباع وحيه ، والتوكيل عليه - تعالى - وحده . كما تضمنت نهيه صلى الله عليه وسلم عن طاعة الكافرين والمنافقين . وباتباع هذه الأوامر والنواهى ، يسعد الأفراد ، وتسعد الأمم .
الأحزاب 33:4
ثم أبطل - سبحانه - بعض العادات التى كان متفشية فى المجتمع ، وكانت لا تتناسب مع شريعة الإِسلام وآدابه ، فقال - تعالى - : ( مَّا جَعَلَ الله لِرَجُلٍ . . . . الله غَفُوراً رَّحِيماً ) .قال القرطبى ما ملخصه : قوله - تعالى - ( مَّا جَعَلَ الله لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ) نزلت فى رجل من قريش اسمه جميل بن معمر الفهرى ، كان حفاظا لما يسمع ، وكان يقول : لى قلبان أعقل بهما أفضل من عقل محمد . فلما هزم المشركون يوم بدر ، ومعهم هذا الرجل ، رآه أبو سفيان وهو معلق إحدى نعليه فى يده والأخرى فى رجله - من شدة الهلع - ، فقال له أبو سفيان هو معلق إحدى نعليك فى يدك والأخرى فى رجلك؟ قال : ما شعرت إلا أنهما فى رجلى . فعرفوا يومئذ أنه لو كان له قلبان لما نسى نعله فى يده .وقيل سبب نزولها أن بعض المنافقين قال : إن محمدا صلى الله عليه وسلم له قلبان ، لأنه ربما كان فى شئ فنزع فى غيره نزعه ثم عاد إلى شأنه الأول ، فأكذبهم الله بقوله : ( مَّا جَعَلَ الله لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ) .ويرى بعضهم : أن هذه الجملة الكريمة ، مثل ضربه الله - تعالى - للمظاهر من امرأته ، والمتبنى ولد غيره ، تمهيدا لما بعده .أى : كما أن الله - تعالى - لم يخلق للإِنسان قلبين فى جوفه ، كذلك لم يجعل المرأة الواحدة زوجا للرجل وأما له فى وقت واحد ، وكذلك لم يجعل المرء دعيا لرجل وابنا له فى زمن واحد .وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله : أى : ما جمع الله قلبين فى جوف ، ولا زوجية وأمومة فى امرأة ، ولا بنوة ودعوة فى رجل . . لأن الأم مخدومة مخفوض لها الجناح ، والزوجة ليست كذلك .ولأن البنؤة أصالة فى النسب وعراقة فيه ، والدعوة : إلصاق عارض بالتسمية لا غير .فإن قلت : أى فائدة فى ذكر الجوف؟ قلت : الفائدة فيه كالفائدة فى قوله - تعالى - : ( ولكن تعمى القلوب التي فِي الصدور ) وذلك ما يصلح للسامع من زيادة التصور والتجلى للمدلول عليه ، لأنه إذا سمع به ، صور لنفسه جوفا يشتمل على قلبين فكان أسرع إلى الإِنكار .وقوله - سبحانه - : ( وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللائي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ ) إبطال لما كان سائدا من أن الرجل كان إذا قال لزوجته أنت على كظهر أمى حرمت عليه .يقال . ظاهر فلان من امرأته وتظهر وظهر منها ، إذا قال لها : أنت على كظهر أمى ، يريد أنها محرمة عليه كحرمة أمه .وقد جاء الكلام عن الظهار ، وعن حكمه ، وعن كفارته ، فى سورة المجادلة ، فى قوله - تعالى - : ( قَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ التي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وتشتكي إِلَى الله والله يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمآ إِنَّ الله سَمِيعٌ بَصِيرٌ الذين يُظَاهِرُونَ مِنكُمْ مِّن نِّسَآئِهِمْ مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ اللائي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مِّنَ القول وَزُوراً وَإِنَّ الله لَعَفُوٌّ غَفُورٌ )وقوله - سبحانه - : ( وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَآءَكُمْ ) إبطال لعادة أخرى كانت موجودة ، وهى عادة التبنى .والأدعياء : جمع دعى . وهو الولد الذى يدعى ابنا لغير أبيه وكان الرجل يتبنى ولد غيره ، ويجرى عليه أحكام البنوة النسبية ، ومنها حرمة زواج الأب بزوجه ابنه بالتبنى بعد طلاقها ، ومنها التوارث فيما بينهما .قال ابن كثير : وقوله : ( وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَآءَكُمْ ) هذا هو المقصود بالنفى ، فإنها نزلت فى شأن زيد بن حارثة ، مولى النبى صلى الله عليه وسلم ، فقد كان صلى الله عليه وسلم قد تبناه قبل النبوة ، وكان يقال له زيد بن محمد . فأراد الله - تعالى - أن يقطع هذا الإِلحاق ، وهذه النسبة بقوله : ( وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَآءَكُمْ ) ، كما قال فى أثناء السورة : ( مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ ولكن رَّسُولَ الله وَخَاتَمَ النبيين ) واسم الإِشارة فى قوله : ( ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ ) يعود إلى ما سبق ذكره من التلفظ بالظهار ، ومن إجراء التبنى على ولد الغير ، وهو مبتدأ ، وما بعده خبر .أى : ذلكم الذى تزعمونه فى تشبيه الزوجة بالأم فى التحريم ، ومن نسبة الأبناء إلى غير آبائهم الشرعيين ، هو مجرد قول باللسان لا يؤيده الواقع ، ولا يسانده الحق .قال ابن جرير : وقوله : ( ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ ) يقول - تعالى ذكره - هذا القول ، وهو قول الرجل لأمرأته : أنت على كظهر أمى ، ودعاؤه من ليس بابنه أنه ابنه ، إنما هو قولكم بأفواهكم ، لا حقيقة له ، ولا يثبت بهذه الدعوة نسب الذى ادعيت بنوته ، ولا تصير الزوجة أما بقول الرجل لها : أنت على كظهر أمى .ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : ( والله يَقُولُ الحق وَهُوَ يَهْدِي السبيل ) أى : والله - تعالى - يقيول الحق الثابت الذى لا يحرم حوله باطل ، وهو - سبحانه - دونه غير يهدى ويرشد إلى السبيل القويم الذى يوصل إلى الخير والصلاح . وما دام الأمر كذلك فاتركوا عاداتكم وتقاليدكم التى ألفتموها . والتى أبطلها الله - تعالى - بحكمته ، وابتعوا ما يأمركم به - سبحانه - .
الأحزاب 33:5
ثم أرشدت إلى الطريق السليمة فى معاملة الابن المتبنى فقال : ( ادعوهم لآبَآئِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ الله ) أى انسبوا هؤلاء الأدعياء إلى آبائهم ، فإن هذا النسب هو أقسط وأعدل عند الله - تعالى - .قال الآلوسى : أخرج الشيخان " عن ابن عمر - رضى الله عنهما - أن زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد . حتى نزل القرآن : ( ادعوهم لآبَآئِهِمْ ) فقال صلى الله عليه وسلم " أنت زيد بن حارثة بن شراحيل " " .وكان زيد قد أسر فى بعض الحروب ، ثم بيع فى مكة ، واشتراه حكيم بن حزام ، ثم أهداه إلى عمته السيدة خديجة ، ثم أهدته خديجة - رضى الله عنها - إلى النبى صلى الله عليه وسلم وصار الناس يقولون : زيد بن محمد حتى نزلت الآية .وقوله - سبحانه - : ( فَإِن لَّمْ تعلموا آبَاءَهُمْ فَإِخوَانُكُمْ فِي الدين وَمَوَالِيكُمْ ) إرشاد إلى معاملة هؤلاء الأدعياء فى حالة عدم معرفة آبائهم .أى : انسبوا هؤلاء الأدعياء إلى آباءهم الحقيقيين لكى تنسبوهم إليهم ، فهؤلاء الأدعياء هم إخوانكم فى الدين والعقيدة ، وهو مواليكم ، فقولوا لهم ، يا أخى أو يا مولاى ، واتركوا نسبتهم إلى غير آبائهم الشرعيين .وفى الجملة الكريمة إشارة إلى ما كان عليه المجتمع الجاهلى من تخلخل فى العلاقات الجنسية ، ومن اضطراب فى الأنساب ، وقد عالج الإِسلام كل ذلك بإقامة الأسرة الفاضلة ، المبنية على الطهر ، والعفاف ، ووضع الأمور فى مواضعها السليمة .ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر اليسر ورفع الحرج فى تشريعاته فقال : ( وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ ولكن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً ) .أى : انسبوا - أيها المسلمون - الأبناء إلى آبائهم الشرعيين ، فإن لم تعرفوا آباءهم فخاطبوهم ونادوهم بلفظ : يا أخى أو يا مولاى . ومع كل ذلك فمن رحمتنا بكم أننا لم نجعل عليكم جناحا أو إثما ، فيما وقتمت فيه من خطأ غير مقصود بنسبتكم بعض الأبناء والأدعياء إلى غير آبائهم ، ولكننا نؤاخذكم ونعاقبكم فيما تعمدته قلوبكم من نسبة الأبناء إلى غير آبائهم .و ( وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً ) - وما زال واسع المغفرة والرحمة لمن يشاء عن عباده .هذا ، ومن الأحكام التى أخذها العلماء من هاتين الآيتين : حرص شريعة الإِسلام على إعطاء كل ذى حق حقه ، ومن مظاهر ذلك إبطال الظهار الذى كان يجعل المرأة محرمة على الرجل ، ثم تبقى بعد ذلك معلقة ، ولا هى مطلقة ففتزوج غير زوجها ، ولا هى زوجة فتحل له فشرع الإِسلام كفارة الظهار إنصافا للمرأة ، وحرصا على كرامتها .ومن مظاهر ذلك - أيضا - : إبطال عادة التبنى ، حتى ينتسب الأبناء إلى آبائهم الشرعيين ، وحتى تصير العلاقات بين الآباء والأبناء قائمة على الأسس الحقيقية والواقعية .ولقد حذر الإِسلام من دعوة الإِبن إلى غير أبيه تحذيرا شديدا . ونفر من ذلك .قال القرطبى : جاء فى الحديث الصحيح " عن سعد بن أبى وقاص وأبى بكرة ، كلاهما قال : سَمعته أذناى ووعاه قلبى ، محمدا صلى الله عليه وسلم يقول : " من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه فالاجنة عليه حرام " وفى حديث أبى ذر أنه سمع النبى صلى الله عليه وسلم يقول : " ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر " .
الأحزاب 33:6
ثم بين - سبحانه - ما يجب على المؤمنين نحو نبيهم صلى الله عليه وسلم ونحو أزواجه ، وما يجب للأقارب فيها بينهم ، فقال - تعالى - : ( النبي أولى بالمؤمنين مِنْ أَنْفُسِهِمْ . . . ) .أى : النبى صلى الله عليه وسلم أحق بالمؤمنين بهم من أنفسهم وأولى فى المحبة والطاعة ، فإذا ما دعاهم إلى أمر ، ودعتهم أنفسهم إلى خلافه ، وجب أن يؤثروا ما دعاهم إليه ، على ما تدعوهم إليه أنفسهم ، لأنه صلى الله علي وسلم لا يدعوهم إلا إلى ما ينفعهم ، أما أنفسهم فقد تدعوهم إلى ما يضرهم .وفى الحديث الصحيح الذى رواه الإِمام مسلم عن أبى هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن مثلى ومثل أمتى ، كمثل رجل استوقد نارا ، فجعلت الدواب والفراش يقعن فيه - أى فى الشئ المستوقد - وأنا آخذ بِحُجزكم - أى : وأنا آخذ بما يمنعكم من السقوط كملابسكم ومعاقد الإِزار - وأنتم تقحمون فيه " أى : وأنتم تحاولون الوقوع فيما يحرقكم - . قال القرطبى : قال العلماء : الحجزة : السراويل ، والمعقد للإِزار ، فإذا أراد الرجل إمساك من يخاف سقوطه أخذ بذلك الموضع منه ، وهذا مثل لاجتهاد نبينا صلى الله عليه وسلم فى نجاتنا ، وحرصه على تخليصنا من الهلكات التى بين أيدينا ، فهو أولى بنا من أنفسنا .وقال الإِمام ابن كثير . قد علم الله - تعالى - شفقة رسوله صلى الله عليه وسلم على أمته ، ونصحه لهم : فجعله أولى بهم من أنفسهم ، وحكمه فيهم مقدما على اختيارهم لأنفسهم .وفى الصحيح " والذى نفسى بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وماله وولده والناس أجمعين " .وروى البخارى عن هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم قال : " ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به فى الدنيا والآخرة . اقرءوا إن شئتم : ( النبي أولى بالمؤمنين مِنْ أَنْفُسِهِمْ ) فأيما مؤمن ترك مالا فليرثه عصبته من كانوا ، فإن ترك دينا أو ضياعا فليأتنى فأنا مولاه " .وروى الإِمام أحمد عن جابر عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول : " أنا أولى بكل مؤمن من نفسه فأيما رجل مات وترك دينا فإلى ، ومن ترك مالا فلورثته " .وقال الآلوسى : وإذا كان صلى الله عليه وسلم بهذه المثابة فى حق المؤمنين ، يجب عليهم أن يكون أحب إليهم من أنفسهم ، وحكمه - عليه الصلاة والسلام - عليهم أنفذ من حكمها ، وحقه آثر لديهم من حقوقها ، وشفقتهم عليه أقدم من شفقتهم عليها .وسبب نزول الآية - على ما قيل - ما روى من أنه صلى الله عليه وسلم أراد غزوة تبوك ، فأمر الناس بالخروج : فقال أناس منهم : نستأذن آباءنا وأمهاتنا فنلزت . ووجه دلالتها على السبب أنه صلى الله عليه وسلم إذا كان أولى من أنفسهم ، فهو أولى من الأبوين بالطريق الأولى .ثم بين - سبحانه - منزلة أزواجه صلى الله عليه وسلم بالنسبة للمؤمنين فقال : ( وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ) أى : وأزواجه صلى الله عليه وسلم بمنزلة أمهاتكم - أيها المؤمنون - فى الاحترام والإِكرام ، وفى حرمة الزواج بهن .قالوا : وأما ما عدا ذلك كالنظر إليهن ، والخلوة بهن ، وإرثهن . فهن كالأجنبيات .ثم بين - سبحانه - أن التوارث إنما يكون بين الأقارب فقال - تعالى - ( وَأُوْلُو الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ الله مِنَ المؤمنين والمهاجرين إِلاَّ أَن تفعلوا إلى أَوْلِيَآئِكُمْ مَّعْرُوفاً كَانَ ذَلِكَ فِي الكتاب مَسْطُوراً ) .والمراد بأولى الأرحام : الأقارب الذين تربط بينهم رابطة الرحم كالآباء والأبناء والإِخوة ، والأخوات .وقوله : ( فِي كِتَابِ الله ) متعلق بقوله ( أولى ) أو بمحذوف على أنه حال من الضمير فى ( أولى ) .والمراد بالمؤمنين والمهاجرين . من لا تربط بينهم وبين غيرهم رابطة قرابة .قال ابن كثير : وقد أورد ابن أبى حاتم عن الزبير بن العوام قال : أنزل الله - عز وجل - فينا خاصة معشر قريش والأنصار : ( وَأُوْلُو الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ ) وذلك أنا معشر قريش ، لما قدمنا المدينة قدمناه ولا أموال لنا ، فوجدنا الأنصار نعم الإِخوان ، فواخيناهم ووارثناهم . . حتى أنزل الله هذه الآية فينا معشر قريش والأنصار خاصة ، فرجعنا إلى مواريثنا .وشبيه بهذه الآية فى وجوب أن يكون التوارث بحسب قرابة الدم ، قوله - تعالى - فى آخر آية من سورة الأنفال : ( والذين آمَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ مَعَكُمْ فأولئك مِنكُمْ وَأْوْلُواْ الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ الله إِنَّ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) والاستثناء فى قوله - سبحانه - : ( إِلاَّ أَن تفعلوا إلى أَوْلِيَآئِكُمْ مَّعْرُوفاً ) رجح بعضهم أنه استثناء منقطع . وقوله ( أَن تفعلوا ) مبتدأ ، وخبره محذوف .والمراد بالكتاب فى قوله ( كَانَ ذَلِكَ فِي الكتاب مَسْطُوراً ) القرآن الكريم ، أو اللوح المحفوظ .والمعنى : وأولو الأرحام وهم الأقارب ، بعضهم أولى ببعض فى التوارث فيما بينهم ، وفى تبادل المنافع بعضهم مع بعض ، وهذه الأولية والأحقية ثابتة فى كتاب الله - تعالى - حيث بين لكم فى آيات المواريث التى بسورة النساء ، كيفية تقسيم التركة بين الأقارب ، وهم بهذا البيان أولى فى ميراث الميت من المؤمنين والمهاجرين الذين لا تربطهم بالميت صلة القرابة .هذا هو حكم الشرع فيما يتعلق بالتوارث ، لكن إذا أردتم - أيها المؤمنون - أن تقدموا إلى غير أقاربكم من المؤمنين معروفا ، كأن توصوا له ببعض المال فلا بأس ، ولا حرج عليكم فى ذلك .وهذا الحكم الذى بيناه لكم فيما يتعلق بالتوارث بين الأقارب ، كان مسطورا ومكتوبا فى اللوح المحفوظ ، وفى آيات القرآن التى سبق نزولها ، فاعملوا بما شرعناه لكم ، واتركوا ما نهيناكم عنه .قال الشوكانى ما ملخصه : قوله : ( إِلاَّ أَن تفعلوا إلى أَوْلِيَآئِكُمْ مَّعْرُوفاً ) هذا الاستثناء إما متصل من أعم العام ، والتقدير : وأولو الأرحام بعضهم اولى ببعض فى كل شئ من الإِرث وغيره ، إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا ، من صدقة أو وصية ، فإن ذلك جائز .وإما منقطع . والمعنى : لكن فعل المعروف للأولياء لا بأس به .والإِشارة بقوله : ( كَانَ ذَلِكَ ) تعود إلى ما تقدم ذكره . أى : كان نسخ الميراث بالهجرة والمخالفة والمعاقدة ، ورده إلى ذوى الأرحام من القرايات ( فِي الكتاب مَسْطُوراً ) أى : فى اللوح المحفوظ ، أو فى القرآن مكتوبا .وبذلك نرى الآية الكريمة قد وضحت ما يجب على المؤمنين نحو نبيهم ، وما يجب عليهم نحو أزواجه ، وما يجب عليهم نحو أقاربهم فيما يتعلق بالتوارث .
الأحزاب 33:7
ثم ذكر الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم بالعهد الذى أخذه عليه وعلى الأنبياء من قبله ، فقال - تعالى - : ( وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النبيين . . . عَذَاباً أَلِيماً ) .والميثاق : العهد الموثق المؤكد ، مأخوذ من لفظ وثق ، المتضمن معنى الشد والربط على الشئ بقوة وإحكام .أى : واذكر - أيها الرسول الكريم - وقت أن أخذنا من جميع النبيين العهد الوثيق ، على أن يبلغوا ما أوحيناه إليهم من هداياتا للناس ، وعلى أن يأمروهم بإخلاص العبادة لنا ، وعلى أن يصدق بعضهم بعضا فى أصول الشرائع ومكارم الأخلاق . . كما أخذنا هذا العهد الوثيق منك ، ومن أنبيائنا نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم .وخص هؤلاء الأنبياء بالذكر ، للتنويه بفضلهم ، فهم وألو العزم من الرسل ، وهم الذين تحلموا فى سبيل إعلاء كلمة الله - تعالى - أكثر ما تحمل غيرهم .وقدم صلى الله عليه وسلم فى قوله ( وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ ) لمزيد فضله صلى الله عليه وسلم على جميع الأنبياء .قال الآلوسى : ولا يضر تقديم نوح - عليه السلام - فى سورة الشورى ، أعنى قوله - تعالى - : ( شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدين مَا وصى بِهِ نُوحاً والذي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ ) إذ للك مقام مقال . والمقام فى سورة الشورى وصف دين الإِسلام بالأصالة . والمناسب فيه تقديم نوح ، فكأنه قيل : شرع لكم الدين الأصيل الذى بعث عليه نوح فى العهد القديم ، وبعث عليه محمد صلى الله عليه وسلم فى العهد الحديث ، وبعث عليه من توسط بينهما من الأنبياء .وقوله - سبحانه - : ( وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِّيثَاقاً غَلِيظاً ) معطوف على ما قبله وهو ( أَخَذْنَا مِنَ النبيين مِيثَاقَهُمْ ) ، لإِفادة تفخيم شأن هذا الميثاق المأخوذ على الأنبياء ، وبيان أنه عهد فى أقصى درجات الأهمية والشدة .أى : وأخذنا من هؤلاء الأنبياء عهدا عظيم الشأن ، بالغ الخطورة ، رفيع المقدار .قال صاحب الكشاف : فإن قلت : فماذا أراد بالميثاق الغليظ؟قلت : أراد به ذلك الميثاق بعينه . إذ المعنى : وأخذنا منهم بذلك الميثاق ميثاقا غليظا .والغلظ استعارة فى وصف الأجرام . : والمراد : عظم الميثاق وجلالة شأنه فى بابه .وقيل : المراد بالميثاق الغليظ : اليمين بالله على الوفاء بما حملوا .
الأحزاب 33:8
وقوله - سبحانه - : ( لِّيَسْأَلَ الصادقين عَن صِدْقِهِمْ ) متعلق بقوله : ( أَخَذْنَا ) ، أو بمحذوف . والمراد بالصادقين : الأنبياء الذين أخذ الله عليهم الميثاق .أى : فعل - سبحانه - : ذلك ليسأل يوم القيامة أنبياءه عن كلامهم الصادق الذى قالوه لأقوامهم ، وعن موقف هؤلاء الأقوام منهم .والحكمة من هذا السؤال تشريف هؤلاء السرل وتكريمهم ، وتوبيخ المكذبين لهم فيما جاءوهم به من كلام صادق ومن إرشاد حكيم .وقوله - سبحانه - : ( وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً أَلِيماً ) معطوف على ما دل عليه قوله ، ليسأل الصادقين .أى : أثاب - عز وجل - الأنبياء الكرام بسبب صدقهم فى تبليغ رسالته وأعد للكافرين الذين أعرضوا عن دعوة أنبيائهم عذابا أليما ، بسب هذا الإِعراض .وهكذا جمعت الآية الكريمة بين ما أعده - سبحانه - من ثواب عظيم للصادقين . ومن عذاب أليم للكافرين .
الأحزاب 33:9
وبعد هذا البيان الحكيم لبعض الأحكام الشرعية . انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن غزوة الأحزاب ، وعن فضل الله - تعالى - على المؤمنين فيها ، فقال - سبحانه - : ( ياأيها الذين آمَنُواْ اذكروا . . . عَهْدُ الله مَسْئُولاً ) .وغزوة الأحزاب ، من الغزوات الشهيرة فى تاريخ الدعوة الإِسلامية ، وكانت - على الراجح - فى شهر شوال من السنة الخامسة بعد الهجرة .وملخصها - كما ذكر الإِمام ابن كثير - أن نفرا من اليهود - على رأسهم حيى بن أخطب - خرجوا إلى مكة ، واجتمعوا بأشراف قريش وألبوهم على حرب المسلمين ، فأجابوهم إلى ذلك .ثم خرجوا إلى قبيلة غطفان فدعوهم لحرب المسلمين ، فاستجابوا لهم - ايضا - .وخرجت قريش فى أحابيشها ومن تابعها ، والجميع فى جيش قريب من عشرة آلاف رجل .وعندما علم الرسول صلى الله عليه وسلم بمقدمهم ، أمر بحفر خندق حول المدينة .ووصلت جيوش الأحزاب إلى مشارف المدينة ، فوجدوا الخندق قد حفر ، وأنه يحول بينهم وبين اقتحامها . كما أن المسلمين كانوا لهم بالمرصاد .وخلال الفترة العصبية ، نقض يهود بنى قريظة عهودهم مع المسلمين ، وانضموا إلى جيوش الأحزاب ، فزاد الخطب على المسلمين .ومكث الأعداء محاصرين للمدينة قريبا من شهر . ثم جاء نصر الله - تعالى - ، بأن أرسل على جيوش الأحزاب ريحا شديدة ، وجنودا من عنده ، فتصدعت جبهات الأحزاب ، وانكفأت خيامهم ، وملأ الرعب قلوبهم ، ( وَرَدَّ الله الذين كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُواْ خَيْراً وَكَفَى الله المؤمنين القتال ) وقد ابتدأ الله - تعالى - الحديث عن هذه الغزوة ، بنداء وجهه إلى المؤمنين ، ذكرهم فيه بفضله عليهم ، وبرحمته بهم فقال : ( ياأيها الذين آمَنُواْ اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ جَآءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا ) .والمعنى : يا من آمنتم بالله حق الإِيمان ، ( اذكروا ) على سبيل الشكر والاعتبار ( نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ ) ورحمته بكم .( إِذْ جَآءَتْكُمْ جُنُودٌ ) كثيرة ، هى جنود جيوش الأحزاب ( فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً ) شديدة زلزلتهم ، وجعلتهم يرحلون عنكم بخوف وفزع .كما أرسلنا عليهم ( وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا ) وهم الملائكة ، الذين ألقوا الرعب فى قلوب أعدائكم .قالوا : روى أن الله - تعالى - بعث عليهم ريحا باردة فى ليلة باردة ، فألقت التراب فى وجوههم ، وأمر الملائكة فقلعت أوتاد خيامهم ، وأطفأت نيرانهم وقذفت فى قلوبهم الرعب . . فقال كل سيد قوم لقومه : يا بنى فلان : النجاء النجاء .وقوله - سبحانه - : ( وَكَانَ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً ) تذييل قصد به بيان مظهر آخر من مظاهر فضله - تعالى - عليهم .أى : جاءتكم تلك الجنود الكثيرة . فأرسلنا عليهم ريحا شديدة ، وأرسنلا عليهم من عندنا جنودا لم تروها ، وكنا فوق كل ذلك مطلعين على أعمالكم من حفر الخندق وغيره وسامعين لدعائكم ، وقد أجبناه لكم ، حيث رددنا أعداءكم عنكم دون أن ينالوا خيرا .
الأحزاب 33:10
ثم فصل - سبحانه - ما حدث للمؤمنين فى هذه الغزوة ، بعد هذا الإِجمال ، فقال : ( إِذْ جَآءُوكُمْ مِّن فَوْقِكُمْ ) أى : من أعلى الوادى من جهة المشرق .والجملة بدل من قوله ( إِذْ جَآءَتْكُمْ جُنُودٌ ) . والمراد بالذين جاءوا من تلك الجهة : قبائل غطفان وهوزان . . وانضم إليهم بنو قريظة بعد أن نقضوا عهودهم .( وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ ) أى : ومن أسفل الوادى من جهة المغرب ، وهم قريش ومعهم أحابيشهم وحلفاؤهم .وقوله : ( وَإِذْ زَاغَتِ الأبصار ) معطوف على ما قبله ، داخل معه فى حيز التذكير .أى : واذكروا وقت أن زاغت أبصاركم ، ومالت عن كل شئ حولها ، وصارت لا تنظر إلا إلى أولئك الأعداء . يقال زاغ البصر يزيغ زيغا وزيغانا إذا مال وانحرف . ويقال - أيضا : زاغ البصر ، إذا مل وتعب بسبب استدامة شخوصه من شدة الهول .وقوله ( وَبَلَغَتِ القلوب الحناجر ) بيان آخر لما أصاب المسلمين من بلاء بسبب إحاطة جيوش الأحزاب بهم .والحناجر : جمع حنجرة ، وهى جوف الحلقوم ، والمراد أن قلوبكم فزعت فزعا شديدا ، حتى لكأنها قد انتقلت من أماكنها إلى أعلى ، حتى قاربت أن تخرج من أفواهكم .فالآية تصور ما أصاب المسلمين من فزع وكرب فى غزوة الأحزاب ، وتصيرا بديعا مؤثرا ، يرسم حركات القلوب ، وملامح الوجوه ، وخلجات النفوس .وقوله - سبحانه - ( وَتَظُنُّونَ بالله الظنونا ) بيان لما دار فى عقولهم من أفكار ، حين رأوا الأحزاب وقد أحاطوا بالمدينة .والظنون جمع الظن . وهو مصدر يطلق على القليل والكثير منه . وجاء بصيغة الجمع لتعدد أنواعه ، واختلافه باختلاف قوة الإِيمان وضعفه .أى : وتظنون - أيها المؤمنون - بالله - تعالى - الظنون المختلفة ، فمنكم من ازداد يقينا على يقينه ، وازداد ثقة بوعد الله - تعالى - وبنصره ، ومنكم من كان أقل من ذلك فى ثباته ويقينه ، ومنكم من كان يظهر أمامكم الإِيمان والاسلام ، ويخفى الكفر والعصيان ، وهم المنافقون وهؤلاء ظنوا الظنون السيئة ، بأن اعتقدوا بأن الدائرة ستدور عليكم .قال ابن كثير : قوله ( وَتَظُنُّونَ بالله الظنونا ) قال الحسن : ظنون مختلفة ، ظن المنافقون أن محمدا وأصحابه يستأصلون ، وأيقن المؤمنون أن ما وعد الله ورسوله حق ، وأنه - سبحانه - سيظهر دينه على الدين كله ولو كره المشركون ." عن أبى سعيد قال : قلنا يوم الخندق : يا رسول الله ، هل من شئ نقول ، فقد بلغت القلوب الحناجر؟ فقال صلى الله عليه وسلم : نعم : قولوا : اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا " .قال : فضرب الله - تعالى - وجوه أعدائه بالريح فهزمهم .
الأحزاب 33:11
ولفظ ( هُنَالِكَ ) فى قوله - تعالى - : ( هُنَالِكَ ابتلي المؤمنون ) : ظرف مكان للبعيد ، وهو منصوب بقوله ( ابتلي ) والابتلاء : الاختبار والامتحان بالشدائد والمصائب .أى : فى ذلك المكان الذى أحاط به الأحزاب من كل جانب ، امتحن الله - تعالى - المؤمنين واختبرهم ، ليتميز قوى الإِيمان من ضعيفه .( وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالاً شَدِيداً ) أى : واضطربوا شديدا ، من شدة الفزع ، لأن الأعداء حاصروهم ، ولأن بنى قوى الإِيمان من ضعيفه .( وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالاً شَدِيداً ) اى : واضطربوا اضطرابا شديدا ، من شدة الفزع ، لأن الأعداء حاصروهم ، ولأن بنى قريظة نقضوا عهودهم .ولقد بلغ انشغال المسلمين بعدوهم انشغالا عظيما ، حتى أنهم لم يستطيعوا أن يؤدوا بعض الصلوات فى أوقاتها ، " وقال بعض الصحابة : يا رسول الله ، ما صلينا ، فقال لهم صلى الله عليه وسلم : " ولا أنا ، والله ما صليت ثم قال : شغلنا المشركون عن الصلاة الوسطى ، صلاة العصر ، ملأ الله أجوافهم وقلوبهم نارا ". وخرجت طليعتان للمسلمين ليلا ، فالتقتا - دون أن تعرف إحداهما الأخرة - فتقاتلا . وحديث بينهم ما حدث من جراح وقتل ، ولم يشعروا أنهم من المسلمين ، حتى تنادوا بشعار الإِسلام : " حم . لا ينصرون " . فكف بعضهم عن بعض .فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم : " جراحكم فى سبيل الله ومن قتل منكم فإنه شهيد " " .
الأحزاب 33:12
ومما زاد فى بلاء المسلمين وحزنهم . ما ظهر من أقوال قبيحة من المنافقين . حكاها - سبحانه - فى قوله : ( وَإِذْ يَقُولُ المنافقون والذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً ) أى : واذكروا - أيضا - أيها المؤمنون - وقت أن كشف المنافقون وأشباههم عن نفوسهم الخبيثة وطباعهم الذميمة ، وقلوبهم المريضة ، فقالوا لكم وأنتم فى أشد ساعات الحرج والضيق : ( مَّا وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ ) بالنصر والظفر ( إِلاَّ غُرُوراً ) أى : إلا وعدا باطلا ، لا يطابق الواقع الذى نعيش فيه .وقال أحدهم : إن محمدا كان يعدنا أن نأخذ كنوز كسرى وقيصر ، وأحدنا اليوم لا يستطيع أن يذهب إلى الغائط .
الأحزاب 33:13
( وَإِذْ قَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ ياأهل يَثْرِبَ لاَ مُقَامَ لَكُمْ فارجعوا . . . ) .أى : واذكروا - كذلك - أيها المؤمنون - وقت أن قالت لكم طائفة من هؤلاء المنافقين : ( ياأهل يَثْرِبَ ) أى : يا أهل المدينة ، لا مقام لكم فى هذا المكان الذى تقيمون فيه بجوار الخندق لحماية بيوتكم ومدينتكم ، فارجعوا إلى مساكنكم ، واستسلموا لأعدائكم .قال الشوكانى : وذلك أن المسلمين خرجوا فى غزوة الخندق ، فجعلوا ظهورهم إلى جبل سلع ، وجعلوا وجوههم إلى العدو ، وجعلوا الخندق بينهم وبين القوم . فقال هؤلاء المنافقون : ليس ها هنا موضع إقامة وأمروا الناس بالرجوع إلى منازلهم بالمدينة .ثم بين - سبحانه - أن هؤلاء المنافقين لم يكتفوا بهذا القول الذميم ، بل كانوا يهربون من الوقوف إلى جانب المؤمنين ، فقال - تعالى - : ( وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النبي يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَاراً ) .أى : أنهم كانوا يحرضون غيرهم على ترك مكانه فى الجهاد ، ولا يكتفون بذلك ، بل كان كل فريق منهم يذهب إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - فيستأذنه فى الرجوع إلى بيوتهم ، قائلين له : يا رسول الله : ( إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ ) أى : خالية ممن يحرسها .يقال : دار ذات عورة إذا سهل دخولها لقلة حصانتها .وهنا يكشف القرآن عن حقيقتهم ويكذبهم فى دعواهم فيقول ( وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ ) أى : والحال أن بيوتهم كما يزعمون ، وإنما الحق أنهم يريدون الفرار من ميدان القتال ، لضعف إيمانهم ، وجب نفوسهم .روى " أن بنى حارثة بعثوا أحدهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقول له : إن بيوتنا عورة ، وليست دار من دور الأنصار مثل دورنا ، وليس بيننا وبين غطفان أحد يردهم عنا ، فأذن لنا كى نرجع إلى دورنا ، فمنع ذرارينا ونساءنا . فأذن لهم صلى الله عليه وسلم .فبلغ سعد بن معاذ ذلك فقال : يا رسول الله ، لا تأذن لهم ، إنا والله ما أصابنا وإياهم شدة إلا فعلوا ذلك . . فردهم " .
الأحزاب 33:14
ثم بين - سبحانه - أن هؤلاء المنافقين جمعوا لأنفسهم كل نقيض ، فهم يسرعون إلى ما يؤذى المؤمنين ، ويبطئون عما ينفعهم ، فقال - تعالى - : ( وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُواْ الفتنة لآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَآ إِلاَّ يَسِيراً ) .والضمير فى قوله - تعالى - ( دُخِلَتْ ) للبيوت أو للمدينة . وفاعل الدخول من يدخل هذه البيوت أو المدينة من أهل الكفر والفاسد . وأسند - سبحانه - الدخول إلى بيوتهم ، للإِشعار بأن الأعداء يدخلونها وهم قابعون فيها .والأقطار : جمع قطر بمعنى الناحية والجانب والجهة .والمراد بالفتنة هنا ، الردة عن الإِسلام أو قتال الملسمين .وقوله ( لآتَوْهَا ) قرأه الجمهور بالمد بمعنى لأعطوها . وقرأه نافع وابن كثير ( لآتَوْهَا ) بالقصر ، بمعنى لجاءوها وفعلوها والتلبث : الإِبطاء والتأخر .والمعنى إن هؤلاء المنافقين الذين يزعمون أن بيوتهم عورة ، هم كاذبون فى زعمهم ، وهم أصحاب نيات خبيثة ، ونفوس عارية عن كل خير .والدليل على ذلك ، أن بيوتهم هذه التى يزعمون أنها عورة ، لو اقتحمها عليهم مقتحم من المشركين وهم قابعون فيها ، ثم طلب منهم أن ينضم إليهم فى مقاتلة المسلمين ، لسارعوا إلى تلبية طلبه ، ولكانوا مطيعين له كل الطاعة ، وما تأخروا عن تلبية طلبه إلا لمدة قليلة ، يعدون العدة خلالها لقتالكم - أيها المسلمون - وللانسلاخ عن كل رابطة تربطكم بهم . لأن عقيدتهم واهنة ، ونفوسهم مريضة خائرة .قال صاحب الكشاف : قوله : ( وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ ) أى : المدينة . وقيل : بيوتهم . من قولك : دخلت على فلان داره ( مِّنْ أَقْطَارِهَا ) أى . من جوانبها . يريد : ولو دخلت هذه العساكر المتحزبة - التى يفرون منها - مدينتهم من نواحيها كلها وانثالت على أهاليهم .وألادهم ناهبين سابين ، ثم سئلوا عند ذلك الفزع وتلك الرجفة ، ( الفتنة ) أى : الردة والرجعة إلى الكفر ، ومقاتلة المسلمين ، لأتوها ، أى : لجاءوها ولفعلوها . وقرئ . لأتوها أى لأعطوها ( وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَآ إِلاَّ يَسِيراً ) ريثما يكون السؤال والجواب من غير توقف . أو ما لبثوا بالمدينة بعد ارتدادهم إلا يسيرا ، فإن الله يهلهكم .
الأحزاب 33:15
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ، أن من الصفات اللازمة للمنافقين ، نقضهم لعهودهم فقال - تعالى - : ( وَلَقَدْ كَانُواْ عَاهَدُواْ الله مِن قَبْلُ لاَ يُوَلُّونَ الأدبار وَكَانَ عَهْدُ الله مَسْئُولاً ) .أى : ولقد كان هؤلاء المنافقون قد حلقوا من قبل غزوة الأحزاب ، أنهم سيكونون معكم فى الدفاع عن الحق وعن المدينة المنورة التى يساكنونكم فيها ، ولكنهم لم يفوا بعهودهم .( وَكَانَ عَهْدُ الله مَسْئُولاً ) أى : مسئولا عنه صاحبه الذى عاهد الله - تعالى - على الوفاء ، وسيجازى - سبحانه - كل ناقض لعهده ، بما يستحقه من عقاب .
الأحزاب 33:16
ثم واصلت السورة الكريمة حديثها عن هؤلاء المنافقين ، فوبختهم على سوء فهمهم ، وعلى جبنهم وخورهم ، وعلى سلاطة ألسنتهم . . فقال - تعالى - : ( قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الفرار . . . . مَّا قاتلوا إِلاَّ قَلِيلاً ) .أى : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المنافقين : ( لَّن يَنفَعَكُمُ الفرار إِن فَرَرْتُمْ مِّنَ الموت أَوِ القتل ) ، لأن كل إنسان لا بد له من نهاية تنتهى عندها حياته ، سواء أكانت تلك النهاية عن طريق القتل بالسيف ، أم عن طريق الموت على الفراش .وما دام الأمر كذلك ، فعلى هؤلاء المنافقين أن يعلموا : أن الجبن لا يؤخر الحياة ، وأن الشجاعة لا تقدمها عن موعدها . وصدق الله إذ يقول : ( وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ ) وقوله : ( إِن فَرَرْتُمْ . . . ) جوابه محذوف لدلالة ما سبق عليه . أى : إن فررتم لن ينفعكم فراركم .وقوله : ( وَإِذاً لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً ) تذييل قصد به زجرهم عن الجبن الذى استولى عليهم .أى : إن فراركم من الموت أو القتل ، إن نفعكم - على سبيل الفرض - لفترة من الوقت ، فلن ينفعكم طويلا ، لأنكم لن تتمتعوا بالحياة بعد هذا الفرار إلا وقتا قليلا ، ثم ينزل بكم قضاء الله - تعالى - الذى لا مرد لكم منه ، فما تفرون منه هو نازل بكم قطعا .
الأحزاب 33:17
ثم أمر الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقرعهم بحجة أخرى لا يستطيعون الرد عليها ، فقال : ( قُلْ مَن ذَا الذي يَعْصِمُكُمْ مِّنَ الله إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سواءا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً ) .أى : قبل - أيها الرسول - لهؤلاء الجاهلين : من هذا الذى يملك أن يدفع ما يريده الله - تعالى - بكم من خير أو شر ، ومن نعمة أو نقمة ، ومن موت أو حياة .إن أحداً لا يستطيع أن يمنع قضاء الله عنكم . فالاستفهام للإِنكار والنفى .قال صاحب الكشاف : فإن قلت : كيف جعلت الرحمة قرينة السوء فى العصمة ، ولا عصمة إلا من السوء؟قلت : معناه ، أو يصيبكم بسوء إن أراد بكم رحمة ، فاختصر الكلام وأجرى مجرى قول : " متقلدا سيفا ورمحا " - أى : " متقلدا سيفا وحاملا رمحا " .وقوله - تعالى - : ( وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مِّن دُونِ الله وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً ) معطوف على ما قبله . أى : لا يجدون من يعصمهم مما يرديه الله - تعالى - بهم ، ولا يجدون من دونه - سبحانه - وليا ينفعهم ، أو نصيرا ينصرهم ، إذ هو وحده - سبحانه - الناصر والمغيث والمجير .قال - تعالى - : ( مَّا يَفْتَحِ الله لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ العزيز الحكيم ).
الأحزاب 33:18
ثم بين - سبحانه - أن علمه محيط بهؤلاء المنافقين ، وأنهم لن يفلتوا من عقابه ، فقال : ( قَدْ يَعْلَمُ الله المعوقين مِنكُمْ والقآئلين لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلاَ يَأْتُونَ البأس إِلاَّ قَلِيلاً ) .قال الآلوسى ما ملخصه : قال ابن السائب : الآية فى عبد الله بن أبى وأمثاله ممن رجع من المنافقين من الخندق إلى المدينة . كانوا إذا جاءهم المنافق قالوا له : ويحك اجلس ولا تخرج ، ويكتبون إلى إخوانهم فى العسكر ، أن ائتونا فإنا ننتظركم .وكان بعضهم يقول لبعض : ما محمد وأصحابه إلا أكْلَةُ راس ، ولو كانوا لحما لالتهمهم أبو سفيان وأصحابه ، فخلوهم .و " قد " للتحقيق ، لأن الله - تعالى - لا يخفى عليه شئ . و " المعوقين " من العَوْق وهو المنع والصرف ، يقال : عاق فلان فلانا ، إذا صرفه عن الجهة التى يريدها .و " من " فى قوله ( مِنكُمْ ) للبيان . والمراد بالأخوة : التطابق والتشابه فى الصفات الذميمة ، والاتجهات القبيحة . التى على رأسها كراهيتهم للنبى صلى الله عليه وسلم ولأصحابه .و " هلم " اسم فعل أمر بمعنى أقبل .والمعنى : إن الله - تعالى - لا يخفى عليه حال أولئك المنافقين . الذين يخذلون ويثبطون ويصرفون إخوانهم فى النفاق والشقاق ، عن الاشتراك مع المؤمنين ، فى حرب جيوش الأحزاب ، ويقولون لهم : ( هَلُمَّ إِلَيْنَا ) أى : أقبلوا نحونا ، وتعالوا إلى جوارنا ، ولا تنضموا إلى صفوف المسلمين .وقوله - سبحانه - : ( وَلاَ يَأْتُونَ البأس إِلاَّ قَلِيلاً ) ذم لهم على جبنهم وخورهم .أى : أن من صفاتهم الأصيلة أنهم جبناء ، ولا يقبلون على الحرب والقتال ، إلا إقبالا قليلا . فهم تارة يخرجون مع المؤمنين ، لإِيهامهم أنهم معهم ، أو يخرجون معهم على سبيل الرياء والطمع فى غنيمة .
الأحزاب 33:19
ثم أخذت السورة الكريمة فى تصوير ما جبلوا عليه من سوء تصويرا معجزا ، فقال - تعالى - ( أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ ) ، جمع شحيح من الشح وهو البخل فى أبح صوره . ولفظ ( أَشِحَّةً ) منصوب على الحال من الضمير فى قوله : ( وَلاَ يَأْتُونَ البأس إِلاَّ قَلِيلاً ) .أى : أن من صفات هؤلاء المنافقين الجبن والخور ، حالة كونهم بخلاء بكل خير يصل إليكم - أيها المؤمنون - فهم لا يعاونوكم فى حفر الخندق ، ولا فى الدفاع عن الحق والعرض والشرف ولا فى أى شئ فيه منفعة لكم .( فَإِذَا جَآءَ الخوف ) ، أى فإذا اقترب الوقت الذى يتوقع فيه اللقاء بينكم وبين أعدائكم . ( رَأَيْتَهُمْ ) أيها الرسول الكريم - ( يَنظُرُونَ إِلَيْكَ ) بجبن وهلع ( تَدورُ أَعْيُنُهُمْ ) فى مآقيهم يمينا وشمالا .وحالهم كحال الذى ( يغشى عَلَيْهِ مِنَ الموت ) أى : كحال الذى أحاط به الموت من كل جانب ، فصار فى أقصى دركات الوهن والخوف والفزع .هذه هى حالهم عندما يتوقعون الشدائد والمخاوف ، أما حالهم عند الأمان وذهاب الخوف ، فهى كما قال - تعالى - ( فَإِذَا ذَهَبَ الخوف سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ ) .وقوله ( سَلَقُوكُمْ ) من السَّلْق . وأصله بسط العضو ومده للأذى ، سواء أكان هذا العضو يدا أو لسانا . والمراد به الإِيذاء بالكلام السيئ القبيح .أى : أنهم عند الشدائد جبناء بخلاء ، فإذا ما ذهبا لخوف وحل الأمان ، سلطوا عليكم ألسنتهم البذيئة بالأذى والسوء ، ورموكم بألسنة ماضية حادة ، تؤثر تأثير الحديد فى الشئ ، وارتفعت أصواتهم بعد أن كانوا إذا ما ذكر القتال أمامهم ، صار حالهم كحال المغشى عليه من الموت .ثم هم بعد كل ذلك ( أَشِحَّةً عَلَى الخير ) أى بخلاء بكل خير ، فهم يحرصون على جمع الغنائم ، وعلى الأموال بكل وسيلة ، ولكنهم لا ينفقون شيئا منها فى وجه من وجوه الخير والبر .قال ابن كثير قوله ( أَشِحَّةً عَلَى الخير ) أى : ليس فيهم خير ، قد جمعوا الجبن والكذب وقلة الخير ، فهم كما قال فى أمثالهم الشاعر :أفى السلم أعْيَاراً جفاء وغلظة ... وفى الحرب أمثال النساء العواركأى : هم فى حال المسالمة كأنهم الحمير الأعيار . جمع عير وهو الحمار . وفى الحرب كأنهم النساء الحيض .ثم بين - سبحانه - سوء مصيرهم فقال : ( أولئك لَمْ يُؤْمِنُواْ فَأَحْبَطَ الله أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى الله يَسِيراً ) .أى : أولئك المنافقون الموصوفون بما سبق من الصفات السيئة ( لَمْ يُؤْمِنُواْ ) بما يجب الإِيمان به إيمانا صادقا ، بل قالوا بألسنتهم قولا تكذبه قلوبهم وأفعالهم ( فَأَحْبَطَ الله أَعْمَالَهُمْ ) بأن أبطلها وجلها هباء منثورا ، وكان ذلك الإِحباط على الله - سبحانه - هينا يسيرا .وخص - سبحانه - يُسْرَ إحباط عملهم بالذكر مع أن كل شئ يسير عليه - تعالى - لبيان أن أعمالهم جديرة بالإِحباط والإِفساد ، لصدورها عن قلوب مريضة ، ونفوس خبيثة .قال صاحب الكشاف : وهل يثبت للمنافقين عمل حتى يرد عليه الإِحباط؟قلت : لا ، لكنه تعليم لن عسى يظن أن الإِيمان باللسان إيمان ، وإن لم يوطئه القلب ، وإن ما يعمل المنافق من الأعمال يجدى عليه ، فبين أن إيمانه ليس بإيمان ، وأن كل عمل يوجد منه باطل ، وفيه بعث على إتقان المكلف أساس أمره وهو الإِيمان الصحيح ، وتنبيه على أن الأعمال الكثيرة من غير تصحيح المعرفة كالبناء من غير أساس ، وأنها مما يذهب عند الله هباء منثورا .
الأحزاب 33:20
ثم ختم - سبحانه - هذا الحديث الجامع عن صفات المنافقين عند الشدائد والمحق فقال : ( يَحْسَبُونَ الأحزاب لَمْ يَذْهَبُواْ ) .أى : أن هؤلاء المنافقين بلغ بهم الجبن والخور ، أنهم حتى بعد رحيل الأحزاب عن المدينة ، ما زالوا يحسبون ويظنون أنهم لم يذهبوا عنها ، فهم يأبون أن يصدقوا أن الله - تعالى - قد رد الذين كفروا بغيظهم دون أن ينالوا خيرا .وفى هذه الجملة ما فيها من التهكم بالمنافقين ، حيث وصفتهم بأنهم حتى بعد ذهاب أسباب الخوف ، ما زالوا فى جبنهم يعيشون .ثم بين - سبحانه - حالهم فيما لو عاد الأحزاب على سبيل الفرض والتقدير فقال : ( وَإِن يَأْتِ الأحزاب ) .أى : إلى المدينة مرة ثانية .( يَوَدُّواْ لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الأعراب ) أى : وإن تعد جيوش الأحزاب إلى مهاجمة المدينة مرة ثانية ، يتمنى هؤلاء المنافقون ، أن يكونوا غائبين عنها ، نازلين خارجها مع أهل البوادى من الأعراب ، حتى لا يعرضوا أنفسهم للقتال .فقوله : ( بَادُونَ ) جمع باد وهو ساكن البادية . يقال : بدا القوم بَدَّا ، إذا نزحوا من المدن إلى البوادى .والأعراب : جمع أعرابى وهو من يسكن البادية .ثم بين - سبحانه - تلهفهم على سماع الأخبار السيئة عن المؤمنين فقال : ( يَسْأَلُونَ عَنْ أَنبَآئِكُمْ وَلَوْ كَانُواْ فِيكُمْ مَّا قاتلوا إِلاَّ قَلِيلاً ) .أى : هؤلاء المنافقون يسألون القادمين من المدينة ، والذاهبين إليها من أخباركم - أيها المؤمنون - حتى لكأنهم غير ساكنين فيها .ولو كانوا فيكم عندما يعود الكافرون إلى المدينة - على سبيل الفرض - ما قاتلوا معكم إلا قتالا قليلا حتى لا ينكشف أمرهم انكشافا تاما . فهم لا يقاتلون عن رغبة ، وإنما يقاتلون رياء ومخادعة .وهكذا نجد الآيات الكريمة قد أفاضت فى شرح الأحوال القبيحة التى كان عليها المنافقون عندما هاجمت جيوش الأحزاب المدينة ، ووصفتهم بأبشع الصفات وأبغضها إلى كل نفس كريمة ، حتى يحذرهم المؤمنون .وكعادة القرآن الكريم فى المقارنة بين الأخيار والأشرار ، ساقت السورة بعد ذلك صورة مشرقة مضيئة للمؤمنين الصادقين ، الذين عندما رأوا جيوش الأحزاب قالوا : ( هذا مَا وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ الله وَرَسُولُهُ ) والذين صدقوا ما عدوا الله عليه دون أن يبدلوا تبديلا .
الأحزاب 33:21
لنستمع إلى القرآن الكريم وهو يصور لنا موقف المؤمنين فى غزوة الأحزاب ، كما يحكى جانبا من فضل الله عليهم ، ومن لطفه بهم فيقول - سبحانه - : ( لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ . . . كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً ) .قال القرطبى : قوله - تعالى - : ( لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) أى : كان لكم قدوة فى النبى صلى الله عليه وسلم حيث بذلك نفسه لنصرة دين الله ، فى خروجه إلى الخندق . والأسوة : القدوة . وقرأ عاصم ( أُسوة ) بضم الهمزة . والباقون بكسرها . والجمع أسىً وإسِّى - بضم الهمزة وكسرها .يقال : فلان ائتسى بفلان ، إذا اقتدى به ، وسار على نهجه وطريقته .وقال الإِمام ابن كثير : هذه الآية الكريمة أصل كبير فى الأسى برسول الله صلى الله عليه وسلم فى أقواله وأفعاله وأحواله ولهذا أمر الناس بالتأسى بالنبى صلى الله عليه وسلم كان فى هذه الغزوة بصفة خاصة ، وفى غيرها بصفة عامة القدوة الحسنة الطيبة فى كل أقواله وأفعاله وأحواله صلى الله عليه وسلم .لقد شارك أصحابه فى حفر الخندق ، وفى الضرب بالفأس . وفى حمل التراب بل وشاركهم فى أراجيزهم وأناشديهم ، وهم يقومون بهذا العمل الشاق المتعب .وشاركهم فى تحمل آلام الجوع ، وآلام السهر . . بل كان صلى الله عليه وسلم هو القائد الحازم الرحيم ، الذى يلجأ إليه أصحابه عندما يعجزون عن إزالة عقبة صادفتهم خلال حفرهم للخندق .قال ابن إسحاق ما ملخصه : وعمل المسلمون فيه - أى فى الخندق - حتى أحكموه ، وارتجزوا فيه برجل من الملسمين يقال له " جُعَيلٌ " سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عَمْراً ، فقالوا :سماه من بعد جعيل عمرا ... وكان للبائس يما ظهيرافإذا مروا بعمرو ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " عمرا " وإذا بظهر قال : " ظهرا " .ثم قال ابن إسحاق : وكان فى حفر الخندق أحاديث بلغتنى فيها تحقيق نبوته صلى الله عليه وسلم فكان فيما بلغنى أن جابر بن عبد الله كان يحدث ، أنهم اشتدت عليهم فى بعض الخندق كُدْيَةٌ - أى صخرة عظيمة - ، فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا بإناء من ماء فتفل فيه ، ثم دعا بما شاء الله أن يدعو به ، ثم نضخ ذلك الماء على تلك الكدية ، فيقول من حضرها : فوالذى بعثه بالحق نبيا لانهالت - أى : لتفتت - حتى عادت كالكثيب - أى كالرمل المتجمع - لا ترد فأسا ولا مسحاة .وهذه الآية الكريمة وإن كان نزولها فى غزوة الأحزاب ، إلا أن المقصود بها وجوب الاقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم فى جميع أقواله وأفعاله ، كما قال - تعالى - : ( وَمَآ آتَاكُمُ الرسول فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فانتهوا ) والجار والمجرور فى قوله - سبحانه - : ( لِّمَن كَانَ يَرْجُو الله واليوم الآخر ) متعلق بمحذوف صفة لقوله ( حَسَنَةٌ ) ، أو بهذا اللفظ نفسه وهو ( حَسَنَةٌ ) .والمراد بمن كان يرجو الله واليوم الآخر : المؤمنون الصادقون الذين وفو بعهودهم .أى : لقد كان لكم - أيها الناس - قدوة حسنة فى نبيكم صلى الله عليه وسلم ، وهذه القدوة الحسنة كائنة وثابتة للمؤمنين حق الإِيمان . الذين يرجون ثواب الله - تعالى - ، ويؤملون رحمته يوم القيامة ، إذ هم المنتفعون بالتأسى برسولهم صلى الله عليه وسلم وقوله : ( وَذَكَرَ الله كَثِيراً ) معطوف على ( كَانَ ) ، أى : هذه الأسوة الحسنة بالرسول صلى الله عليه وسلم ثابتة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر ، ولمن ذكر الله - تعالى - ذكرا كثيرا ، لأن الملازمة لذكر الله - تعالى - توصل إلى طاعته والخوف منه - سبحانه - .وجمع - سبحانه - بين الرجاء والإِكثار من ذكره ، لأن التأسى التام بالرسول صلى الله عليه وسلم لا يتحقق إلا بهما .
الأحزاب 33:22
ثم بين - سبحانه - على سبيل التشريف والتكريم - ما قاله المؤمنون الصادقون عندما شاهدوا جيوش الأحزاب ، فقال - تعالى - : ( وَلَمَّا رَأَى المؤمنون الأحزاب قَالُواْ هذا مَا وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ الله وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً ) .واسم الإِشارة ( هذا ) يعود إلى ما رأوه من الجيوش التى جاء بها المشركون ، أو إلى ما حدث لهم من ضيق وكرب بسبب ذلك .أى : وحين رأى المؤمنون الصادقون جيوش الأحزاب وقد أقبلت نحو المدينة ، لم يهنوا ولم يجزعوا ، بل ثبتوا على إيمانهم وقالوا ( هذا ) الذى نراه من خطر داهم ، هو ما وعدنا به الله ورسوله ، وأن هذا الخطر سيعقبه النصر ، وهذا الضيق سيعقبه الفرج ، وهذا العسر سيأتى بعد اليسر .قال الآلوسى ما ملخصه : وأرادوا بقولهم ذلك ، ما تضمنه قوله - تعالى - فى سورة البقرة : ( أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ البأسآء والضرآء وَزُلْزِلُواْ حتى يَقُولَ الرسول والذين آمَنُواْ مَعَهُ متى نَصْرُ الله ألا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ ) وكان نزول هذه الآية قبل غزوة الخندق بحول - كما جاء عن ابن عباس .وفى رواية عن ابن عباس - أيضا - " أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه : إن الأحزاب سائرون إليكم تسعا أو عشرا " ، أى : فى آخر تسع ليال أو عشر ، أى : من وقت الاخبار ، أو من غرة الشهر فلما رأوهم قد أقبلوا فى الموعد الذى حدده صلى الله عليه وسلم قالوا ذلك .وقوله - تعالى - : ( وَصَدَقَ الله وَرَسُولُهُ ) داخل فى حيز ما قالوه .أى : قالوا عندما شاهدوا جيوش الأحزاب : هذا ما وعدنا الله ورسوله ، وقالوا - أيضا - على سبيل التأكيد وقوة اليقين والتعظيم لذات الله ، ولشخصية رسوله : وصدق الله ورسوله ، أى : وثبت صدق الله - تعالى - فى أخباره ، وصدق رسوله صلى الله عليه وسلم فى أقواله .والضمير فى قوله : ( وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً ) يعود إلى ما رأوه من جيوش الأحزاب ومن شدائد نزلت بهم بسبب ذلك .أى - وما زادهم ما شهدوه من جيوش الأحزاب ، ومن بلاء أحاط بهم بسبب ذلك ، إلا إيمانا بقدرة الله - تعالى - وتسليما لقضائه وقدره ، وأملا فى نصره وتأييده .
الأحزاب 33:23
ثم أضاف - سبحانه إلى هذا المديح لهم ، مديحا آخر فقال : ( مِّنَ المؤمنين رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ الله عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَّن قضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً ) والنحب : النذر ، وهو أن يلتزم الانسان الوفاء بأمر تعهد به .وقضاؤه : الفراغ منه ، والوفاء به على أكمل وجه .وكان رجال من الصحابة قد نذروا ، أنهم إصا صاحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حرب ، أن يثبتوا معه ، وأن لا يفروا عنه .والمعنى : من المؤمنين رجال كثيرون ، وفوا أكمل وفاء بما عاهدوا الله - تعالى - عليه ، من التأييد لرسوله صلى الله عليه وسلم ومن الثبات معه فى كل موطن .( فَمِنْهُمْ مَّن قضى نَحْبَهُ ) أى : فمنهم من وفى بوعده حتى أدركه أجله فمات شهيدا - كحمزة بن عبد المطلب ، ومصعب ابن عمير وغيرهما - رضى الله عنهم أجمعين - .( وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ ) أى : ومنهم من هو مستمر على الوفاء ، وينتظر الشهادة فى سبيل الله - تعالى - فى الوقت الذى يريده - سبحانه - ويختاره ، كبقية اليالصحابة ن نزلت هذه الآية وهم ما زالو على قيد الحياة .قال الامام ابن كثير : قال الامام أحمد : حدثنا هاشم من القاسم ، حدثنا سليمان بن المغيرة ، عن ثابت قال أنس : غاب عمى أنس بن النضر - سُمِّيتُ به - لم يشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر ، فشق عليه وقال : أول مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم غبت عنه ، لئن أرانى الله مشهدا فيما بعد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليَريَّن الله ما أصنع . قال : فهاب أن يقول غيرها . فشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد .فاستقبل سعد بن معاذ ، فقال له أنس : يا ابا عمرو ، أين واهاً لريح الجنة أجده دون أحد .قال : فقاتلهم حتى قتل : فوُجِدَ فى جسده بضْعُ وثمانون من ضربة وطعنة ورمية فقالت أخته - عمتى الرُّبَيِّع ابنة النضر - فما عرفت أخى إلا ببنانه .قال : فنزلت هذه الآية : ( مِّنَ المؤمنين رِجَالٌ ) فكانوا يرون أنها نزلت فيه وفى أصحابه - رضى الله عنهم ، ورواه مسلم والترمذى والنسائى من حديث سليمان بن المغيرة .وقوله - تعالى - : ( وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً ) معطوف على ( صَدَقُواْ ) أى : هؤلاء الرجال صدقوا صدقا تاما فى عهودهم مع الله - تعالى - حتى آخر لحظة من لحظات حياتهم ، وما غيروا ولا بدلوا شيئا مما عاهدوا الله - تعالى - عليه .
الأحزاب 33:24
ثم بين - سبحانه - الحكمة من هذا الابتلاء والاختبار فقال : ( لِّيَجْزِيَ الله الصادقين بِصِدْقِهِمْ ) .أى : فعل - سبحانه - ما فعل فى غزوة الأحزاب من أحداث ، ليجزى الصادقين فى إيمانهم الجزاء الحسن الذى يستحقونه بسبب صدقهم ووفائهم .( وَيُعَذِّبَ المنافقين إِن شَآءَ ) أى : إن شاء تعذيبهم بسبب موتهم على نفاقهم .( أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ) من نفاقهم بفضله وكرمه فلا يعذبهم .قال الجمل : وقوله : ( وَيُعَذِّبَ المنافقين إِن شَآءَ ) جوابه محذوف ، وكذلك مفعول ( شَآءَ ) محذوف - أيضا - إن شاء تعذيبهم عذبهم .والمراد بتعذيبهم إماتتهم على النفاق ، بدليل العطف فى قوله ( أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ) .( إِنَّ الله ) - تعالى - ( كَانَ ) وما زال ( غَفُوراً رَّحِيماً ) أى : واسع المغفرة والرحمة لمن يشاء من عباده .
الأحزاب 33:25
ثم بين - سبحانه - المصير السيئ الذى انتهى إليه الكافرون فقال : ( وَرَدَّ الله الذين كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُواْ خَيْراً ) .أى : ورد الله - تعالى - بفضله وقدرته الذين كفروا عنكم - أيها المؤمنون - حالة كونهم متلبسين بغيظهم وحقدهم . دون أن ينالوا أى خير من إتيانهم إليكم ، بل رجعوا خائبين خاسرين .فقوله ( بِغَيْظِهِمْ ) حال من الموصول ، والباء للملابسة ، وجملة ( لَمْ يَنَالُواْ خَيْراً ) حال ثانية من الموصول أيضاً .وقوله : ( وَكَفَى الله المؤمنين القتال ) بيان للمنة العظمى التى امتن بها - سبحانه - عليهم .أى : وأغنى الله - تعالى - بفضله وإحسانه المؤمنين عن متاعب القتال وأهواله بأن أرسل على جنود الأحزاب ريحا شديدة ، وجنودا من عنده .( وَكَانَ الله ) - تعالى - ( قَوِيّاً ) على إحداث كل أمر يريده ( عَزِيزاً ) أى : غالبا على كل شئ .قال ابن كثير : وفى قوله ( وَكَفَى الله المؤمنين القتال ) إشارة إلى وضع الحرب بينهم وبين قريش . وهكذا وقع بعدها . لم يغزهم المشركون ، بل غزاهم المسلمون فى بلادهم ." قال محمد بن إسحق : لما انصرف أهل الخندق عن الخندق ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا : " لن تغزوكم قريش بعد عامكم هذا ، ولكنكم تغزونهم " فلم تغز قريش بعد ذلك المسلمين ، وكان صلى الله عليه وسلم هو الذى يغزوهم بعد ذلك ، حتى فتح الله عليه مكة .وروى الإِمام أحمد " عن سليمان بن صرد قال : سمعت النبى صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب : " الآن نغزوهم ولا يغزونا " " .
الأحزاب 33:26
ثم ختم - سبحانه - الحديث عن غزوة الأحزاب ، ببيان ما حل ببنى قريظة من عذاب مهين ، بسبب نقضهم لعهودهم فقال : ( وَأَنزَلَ الذين ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الكتاب مِن صَيَاصِيهِمْ ) .والصياصى : جمع صيصحة وهى كل ما يتحصن به من الحصون وغيرها . ومنه قيل لقرن الثور صيصة لأنه يدفع به عن نفسه .أى : وبعد أن رحلت جيوش الأحزاب عنكم أيها المؤمنون - أنزل الله - تعالى - بقدرته الذين ظاهروهم وناصروهم عليكم ، وهم يهود بنى قريظة ، أنزلهم من حصونهم ، ومكنكم من رقابهم .( وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرعب ) الشديد منكم ، بحيث صاروا مستسلمين لكم ، ونازلين على حكمكم .( فَرِيقاً ) منهم ( تَقْتُلُونَ ) وهم الرجال . وتأسرون فريقا آخروهم الذرية والنساء .
الأحزاب 33:27
( وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ ) أى : وأورثكم الله - تعالى - أرض هؤلاء اليهود وزروعهم كما أورثكم ( وَدِيَارَهُمْ ) أى حصونهم ( وَأَمْوَالَهُمْ ) التى تركوها من خلقهم ، كنقودهم ومواشيهم .كما أورثكم ( وَأَرْضاً لَّمْ تَطَئُوهَ ) بعد يقصد القتال وهى أرض خيبر ، أو أرض فارس والروم .وفى هذه الجملة الكريمة ( وَأَرْضاً لَّمْ تَطَئُوهَا ) بشارة عظيمة للمؤمنين ، بأن الله - تعالى - سينصرهم على أعدائهم .( وَكَانَ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً ) لأنه - سبحانه - لا يعزه شئ .أخرج الشيخان عن عائشة - رضى الله عنها - قالت : " لما رجع النبى صلى الله عليه وسلم من الخندق ، وضع السلاح واغتسل ، أتاء جبريل فقال : يا محمد قد وضعت السلاح ، والله ما وضعناه فاخرج إليهم فقال النبى صلى الله عليه وسلم : فإلى أين؟ قال : ها هنا . وأشار إلى بنى قريظة . فخرج النبى صلى الله عليه وسلم إليهم " .وعن ابن عمر - رضى الله عنهما - قال : " قال النبى - صلى الله عليه وسلم - يوم الأحزاب ، لا يصلين أحد العصر إلا فى بنى قريظة ، فأدرك بعضهم العصر فى الطريق ، فقال بعضهم : لا نصلى حتى نأتيها ، وقال بعضهم : بل نصلى ، فذكر ذلك للنبى صلى الله عليه وسلم فلم يعنف أحدا .وبعد أن حاصر المسلمون بنى قريظة خمسا وعشرين ليلة ، نزلوا بعدها على حكم سعد بن معاذ - رضى الله عنه - فحكم بقتل رجالهم ، وتقسيم أموالهم ، وسبى نسائهم وذراريهم .وقال الرسول صلى الله عليه وسلم له : " لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات " " .وإلى هنا نجد السورة الكريمة قد حدثتنا حديثا جامعا حكيما عن غزوة الأحزاب ، فقد ذركت المؤمنين - أولا - بنعم الله - تعالى - عليهم ، ثم صورت أحوالهم عندما أحاطت بهم جيوش الأحزاب من فوقهم ومن أسفل منهم .ثم حكت ما قاله المنافقون فى تلك الساعات العصبية ، وما أشاروا به على أشباههم فى النفاق ، وما اعتذروا به من أعذار باطلة ، وما جبلوا عليه من أخلاق قبيحة ، على رأسها الجبن والخور وضعف العزيمة وفساد النية .ثم انتقلت إلى الحديث عن المواقف المشرقة الكريمة التى وقفها المؤمنون الصادقون عندما رأوا الأحزاب ، وكيف أنهم ازدادوا إيمانا على إيمانهم ، ووفوا بعهودهم مع الله - تعالى - دون أن يبدلوا تبديلا .وكا بدئت الآيات بتذكير المؤمنين بنعم الله - تعالى - عليهم ، ختمت - أيضا - بهذا التذكير حيث رد الله أعداءهم عنهم دون أن ينالوا خيرا ، ومكنهم من معاقبة الغادرين من اليهود .
الأحزاب 33:28
ثم عادت السورة الكريمة مرة أخرى - بعد هذا الحديث عن غزة الخندق - إلى بيان التوجيهات الحكيمة التى وجهها الله - تعالى - إلى نبيه صلى الله عليه وسلم وإلى أزواجه ، فقال - ( ياأيها النبي قُل لأَزْوَاجِكَ . . . . أَجْراً عَظِيماً ) .ففى هاتين الآيتين يأمر الله - تعالى - نبيه صلى الله عليه وسلم أن يخير أزواجه بين أن يعشن معه معيشة الكفاف والزهد فى زينة الحياة الدنيا وبين أن يفارقهن ليحصلن على ما يشتهينه من زينة الحياة الدنيا .قال الإِمام القرطبى ما ملخصه : قال علماؤنا : هذه الآية متصلة بمعنى ما تقدم من المنع من إيذاء النبى صلى الله عليه وسلم وكان قد تأذى ببعض الزوجات . قيل : سألنه شيئا عن عرض الدنيا . وقيل : سألنه زيادة فى النفقة .روى البخارى ومسلم - واللفظ لمسلم - " عن جابر بن عبد الله قال : دخل ابو بكر يستأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد الناس جلوسنا ببابه لم يؤذن لأحد منهم ، قال : فأذن لأبى بكر فدخل ، ثم جاء عمر فاستأذن فأذن له ، فوجد النبى صلى الله عليه وسلم جالسنا حوله نساؤه .قال : فقال عمر ، والله لأقولن شيئا يضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، لو رأيت بنت زيد - زوجة عمر - سألتنى النفقة فقمت إليها فوجأت عنقها : فضحك رسول الله صلى الله علي وسلم وقال : " هن حولى كما ترى يسألننى النفقة " .فقام أبو بكر إلى ابنته عائشة ليضربها ، وقام عمر إلى ابنته حفصة ليضربها وكلاهما يقول : تسألن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ليس عنده .فقلت : والله لا نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا أبدا ليس عنده .ثمن زلت هاتان الآيتان . فبدأ صلى الله عليه وسلم بعائشة فقال لها : " يا عائشة ، إنى أريد أن أعرض عليك أمرا ، أحب أن لا تعجلى فيه حتى تشتشيرى أبويك " .قالت : وما هو يا رسول الله؟ فتلا عليها هاتين الآيتين . فقالت : أفيك يا رسول الله أستشير أبوى!! بل أختار الله ورسوله والدار الآخرة .وفعل أزواج النبى صلى الله عليه وسلم ما فعلت عائشة " .وقال الإِمام ابن كثير - بعد أن ساق جملة من الأحاديث فى هذا وكان تحته يومئذ تسع نسوة ، خمس من قريش : عائشة وحفصة ، وأم حبيبة وسودة ، وأم سلمة .وأربع من غير قريش - وهن صفية بنت حيى النضرية ، وميمونة بنت الحارث الهلالية ، وزينب بنت جحش الأسدية ، وجويرية بنت الحارث المُصْطَلَقِيَّة - رضى الله عنهن .وقال الإِمام الآلوسى : فلما خيرهن واخترن الله ورسوله والدار الآخرةن مدحهن الله - تعالى - على ذلك ، إذ قال - سبحانه - : ( لاَّ يَحِلُّ لَكَ النسآء مِن بَعْدُ وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ ) فقصره الله - تعالى - عليهن ، وهن التسع اللاتى اخترن الله ورسوله والدار الآخرة .والمعنى : ( ياأيها النبي قُل لأَزْوَاجِكَ ) اللائى فى عصمتك ( إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الحياة الدنيا وَزِينَتَهَا ) .أى : إن كنتن تردن سعة الحياة الدنيا وبهجتها وزخارفها ومتها من مأكل ومشرب وملبس ، فوق ما أنتن فيه عندى من معيشة مقصورة على ضروريات الحياة ، وقائمة على الزهد فى زينتها .إن كنتن تردن ذلك : ( فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً ) .قال الجمل : وقوله : ( فَتَعَالَيْنَ ) فعل أمر مبنى على السكون ، ونون النسوة فاعل . وأصل هذا الأمر أن يكون الآمر أعلى مكانا من المأمور ، فيدعوه أن يرفع نفسه إليه ، ثم كثر استعماله حتى صرا معناه أقبل . وهو هنا كناية عن الاختيار والإِرادة . والعلاقة هى أن المخبر يدنو إلى من يخبره .وقوله : ( أُمَتِّعْكُنَّ ) مجزوم فى جواب الأمر . والمتعة : ما يعطيه الرجل للمرأة التى طلقها ، زيادة على الحقوق المقررة لها شرعا ، وقد جعلها - سبحانه - حقا على المحسنين الذين يبغون رضا الله - تعالى - وحسن ثوابه .وقوله ( وَأُسَرِّحْكُنَّ ) معطوف على ما قبله ، والتسريح : إرسال الشئ ، ومنه تسريح الشعر ليخلص بعضه من بعض . ويقال : سرح فلان الماشية ، إذا أرسلها لترعى والمراد به هنا : طلاق الرجل للمرأة ، وتركها لعصمته .أى : ما قل - أيها الرسول الكريم - لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها ، ولا تستطعن الصبر على المعيشة ، معى ، فلكن أن تخترن مفارقنى ، وإنى على استعداد أن أعطيكن المتعة التى ترضينها ، وأن أطلقكن طلاقا لا ضرر فيه ، ولا ظلم معه ، لأنى سأعطيكن ما هو فوق حقكن .
الأحزاب 33:29
( وَإِن كُنتُنَّ ) لا تردن ذلك ، وإنما ( تُرِدْنَ الله وَرَسُولَهُ والدار الآخرة ) .أى : وإنما تردن ثواب الله - تعالى - والبقاء مع رسوله صلى الله عليه وسلم ، وإيثار شظف الحياة على زينتها ، وإيثار ثواب الدار الآخرة على متع الحياة الدنيا .إن كنتن تردن ذلك فاعلمن أن ( الله ) - تعالى - ( أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ ) ، بسبب إيمانهن وإحسانهن ( أَجْراً عَظِيماً ) لا يعلم مقداره إلا الله - تعالى - .وبهذا التأديب الحكيم ، والإِرشاد القويم ، أمر الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم أن يؤدب نساءه ، وأن يرشدهن إلى ما فيه سعادتهن ، وأن يترك لهن حرية الاختيار .
الأحزاب 33:30
ثم وجه - سبحانه - الخطاب إلى أمهات المؤمنين ، فأدبهن أكمل تأديب وأمرهن بالتزام الفضائل ، وباجتناب الرذائل ، لأنهن القدوة لغيرهن من النساء ، ولأنهن فى بيوتهن ينزل الوحى على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال - تعالى - : ( يانسآء النبي . . . . كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً ) .فقوله - سبحانه - ( يانسآء النبي مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا العذاب ضِعْفَيْنِ ) نداء من الله تعالى - لهن . على سبيل الوعظ والارشاد والتأديب ، والعناية بشأنهن لأنهن القدوة لغيرهن ، والفاحشة : ما قبح من الأقوال والأفعال .والمعنى : يا نساء النبى صلى الله عليه وسلم من يأت منكن بمعصية ظاهرة القبح ، يضاعف الله - تعالى - لها العقاب ضعيفين ، لأن المعصية من رفيع الشأن تكون أشد قبحا ، وأعظم جرما .قال صاحب الكشاف : وإنما ضوعف عذابهن ، لأن ما قبح من سائر النساء ، كان أقبح منهن وأقبح ، لأن زيادة قبح المعصية ، تتبع زيادة الفضل والمرتبة . . وليس لأحد من النساء ، مثل فضل نساء النبى صلى الله عليه وسلم ولا على أحد منهن مثل ما لله عليهن من النعمة . . ولذلك كان ذم العقلاء للعاصى العالم : أشد منه للعاصى الجاهل ، لأن المعصية من العالم أقبح .وقد روى عن زين العابدين بن على بن الحسين - رضى الله عنهم - أنه قال له رجل : إنكم أهل بيت مغفور لكم ، فغضب ، وقال نحن أحرى أن يجرى فينا ، ما أجرى الله - تعالى - على نساء نبيه صلى الله عليه وسلم من أن لمسيئنا ضعيفين من العذاب ، ولمحسننا ضعفين من الأجر .وقوله - سبحانه - : ( مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ . . . ) جملة شرطية . والجملة الشرطية لا تقتضى وقوع الشرط ، كما فى قوله - تعالى - : ( وَلَقَدْ أُوْحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الذين مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ . . ) وكما فى قوله - سبحانه - : ( وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ) ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بببيان أن منزلتهن - رضى الله عنهن - لا تمنع من وقوع العذاب بهن فى حالة ارتكابهن لما نهى الله - تعالى - عنه ، فقال : ( وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى الله يَسِيراً ) أى : وكان ذلك التضعيف للعذاب لهن ، يسيرا وهينا على الله ، لأنه - سبحانه - لا يصعب عليه شئ .هذا هوالجزاء فى حالة ارتكابهن - على سبيل الفرض - لما نهى الله - تعالى - عنه ، أما فى حالة طاعتهن ، فقد بين - سبحانه - جزاءهن بقوله : ( وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ للَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحاً نُؤْتِهَآ أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً ) .
الأحزاب 33:31
( وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ للَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحاً نُؤْتِهَآ أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً ) والقنوت : ملازمة الطاعة لله - تعالى - ، والخضوع والخشوع لذاته .أى : ومن يقنت منكن - يا سناء النبى - لله - تعالى - ، ويلازم طاعته ، ويحرص على مرضاة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وتعمل عملا صالحا .من يفعل ذلك منكن ، نؤتها أجرها الذى تستحقه مضاعفا ، فضلا منا كرما ، ( وَأَعْتَدْنَا لَهَا ) أى : وهيأنا زيادة على ذلك ( رِزْقاً كَرِيماً ) لا يعلم مقداره إلا الله - تعالى - .وهكذا نرى أن الله - تعالى - قد ميز أمهات المؤمنين ، فجعل حسنتهن كحسنتين لغيرهن ، كما جعل سيئتهن بمقدار سيئتين لغيرهن - أيضا - وذلك لعظم مكانتهن ، ومشاهدتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم مالا يشاهد غيرهن ، من سلوك كريم ، وتوجيه حكيم .
الأحزاب 33:32
ثم وجه - سبحانه - إليهن نداء ثانيا فقال : ( يانسآء النبي لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النسآء إِنِ اتقيتن ) .أى : يا نساء النبى ، لقد أعطاكن الله - تعالى - من الفضل من سمو المنزلة ما لم يعط غيركن ، فأنتن فى مكان القدوة لسائر النساء ، وهذا الفضل كائن لكن إن اتقيتن الله - تعالى - وصنتن أنفسكن عن كل ما نهاكن - سبحانه - عنه .قال صاحب الكشاف : أحد فى الأصل بمعنى وحد ، وهو الواحد ، ثم وضع فى النفى العام مستويا فيه المذكر والمؤنث والواحد وما وراءه . ومعنى قوله ( لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النسآء ) : لستن كجماعة واحدة من جماعات النساء . أى : إذا استقصيت أمة النساء جماعة جماعة ، لم توجد منهن جماعة واحدة تساويكن فى الفضل والسابقة .وجواب الشرط فى قوله ( إِنِ اتقيتن ) محذوف لدلالة ما قبله عليه . أى : إن اتقيتن فلستن كأحد من النساء .قال الآلوسى : قوله ( إِنِ اتقيتن ) شرط لنفى المثلية وفضلهن على النساء ، وجوابه محذوف دل عليه المذكور . . والمفعول محذوف . أى : إن اتقيتن مخالفة حكم الله - تعالى - ورضا رسوله صلى الله عليه وسلم والمراد إن دمتن على اتقاء ذلك . والمراد به التهييج بجعل طلب الدنيا والميل إلى ما تميل إليه النساء لبعده من مقامهن ، بمنزلة الخروج من التقوى .فالمقصود بالجملة الكريمة بيان أن ما وصلن إليه من منزلة كريمة ، هو بفضل تقواهن وخشيتهن لله - تعالى - وليس بفضل شئ آخر .ثم نهاهن - سبحانه - عن النطق بالكلام الذى يطمع فيهن من فى قلبه نفاق وفجور فقال : ( فَلاَ تَخْضَعْنَ بالقول فَيَطْمَعَ الذي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ ) .أى : فلا ترققن الكلام ، ولا تنطقن به بطريقة لينة متكسرة تثير شهرة الرجال ، وتجعل مريض القلب يطمع فى النطق بالسوء معكن فإن من محاسن خصال المرأة أن تنزه خطابها عن ذلك ، لغير زوجها من الرجال .وهكذا يحذر الله - تعالى - أمهات المؤمنين - وهن الطاهرات المطهرات - عن الخضوع بالقول ، حتى يكون فى ذلك عبرة وعظة لغيرهن فى كل زمان ومكان فإن مخاطبة المرأة - لغير زوجها من الرجال - بطريقة لينة مثيرة للشهوات والغرائز ، تؤدى إلى فساد كبير ، وتطمع من لا خلاق لهم فيها .ثم أرشدهن - سبحانه - إلى القول الذى يرضيه فقال : ( وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً ) .أى : اتركن الكلام بطريقة تطمع الذى فى قلبه مرض فيكن ، وقلن قولا حسنا محمودا . وانطقن به بطريقة طبيعية ، بعيدة عن كل ريبة أن انحراف عن الحق والخلق الكريم .
الأحزاب 33:33
ثم أمرهن - سبحانه - بعد ذلك بالاستقرار فى بيوتهن ، وعدم الخروج منها إلا لحاجة شرعية فقال ( وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ) .قال القرطبى ما ملخصه : قوله ( وَقَرْنَ ) قرأه الجمهور - بكسر القاف - من القرار تقول : قَرَرْتُ بالمكان - بفتح الراء أقِر - بكسر القاف - إذا نزلت فيه - والأصل - اقررن - بكسر السراء - فحذفت الراء الأولى تخفيفا . . ونقلوا حركاتها إلى القاف ، واستغنى عن ألف الوصل لتحرك القاف . . فصارت الكلمة ( قِرن ) - بكسر القاف - .وقرأ عاصم ونافع ( وقَرْن ) - بفتح القاف - من قررت فى المكان - بكسرر الراء - إذا أقمت فيه . . والأصل اقْرَرْن الراء - فحذفت الراء الأولى لثقل التضعيف ، وألقيت حركتها على القاف . . فتقول : ( قَرن ) - بالفتح - للقاف - .والمعنى : الْزَمْنَ يا نساء النبى صلى الله عليه وسلم بيوتكن ، ولا تخرجن منها إلا لحاجة مشروعة ، ومثلهن فى ذلك جميع النساء المسلمات ، لأن الخطاب لهن فى مثل هذه الأمور ، هو خطاب لغيرهن من النساء المؤمنات من باب أولى ، وإنما خاطب - سبحانه - أمهات المؤمنين على سبيل التشريف ، واقتداء غيرهن بهن .قال بعض العلماء : والحكمة فى هذا الأمر : أن ينصرفن إلى رعاية شئون بيوتهن ، وتوفير وسائل الحياة المنزلية التى هى من خصائصهن ، ولا يحسنها الرجال ، وإلى تربية الأولاد فى عهد الطفوة وهى من شأنهن . وقد جرت السنة الإِلهية بأن أمر الزوجين قسمة بينهما ، فللرجل أعمال من خصائصهم لا يحسنها النساء ، وللنساء أعمال خصائصهن لا يحسنها الرجال ، فإذا تعدى أحد الفريقين عمله ، اختل النظام فى البيت والمعيشة .وقال صاحب الظلال ما ملخصه : والبيت هو مثابة المرأة التى تجد فيها نفسها على حقيقتها كما أرادها الله - تعالى - ولكى يهيئ الإِسلام للبيت جوه السليم ، ويهيئ للفراخ الناشئة فيه رعايتها ، أوجب على الرجل النفقة ، وجعلها فريضة ، كى يتاح للأم من الجهد ومن الوقت ومن هدوء البال ، ما شترف به على هذه الفراخ الزغب ، وما تهيئ به للمثابة نظامها وعطرها وبشاشتها .فالأم المكدودة بالعمل وبمقتضياته وبمواعيده . . لا يمكن أن تهيئ للبيت جوه وعطره ، ولا يمكن أن تهيئ للطفولة النابة فيه حقها ورعايتها .إن خروج المرأة للعمل كارثة على البيت قد تبيحها الضرورة ، أما أن يتطوع بها الناس وهم قادرون على اجتنابها ، فتلك هى اللعنة التى تصيب الأرواح والضمائر والعقول ، فى عصور الانتكاس والشرور والضلال .وهذه الجملة الكريمة ليس المقصود بها ملازمة البيوت فلا يبرحنها إطلاق وإنما المصود بها أن يكون البيت هو الأصل فى حياتهن ، ولا يخرجن إلا لحاجة مشروعة ، كأداء الصلاة فى المسجد ، وكأداء فريضة الحج وكزيارة الوالدين والآقارب ، وكقضاء مصالحهن التى لا تقضى إلا بهن .. بشرط أن يكون خروجهن مصوحبا بالتستر والاحتشام وعدم التبذل .ولذا قال - سبحانه - بعد هذا الأمر ، ( وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهلية الأولى ) .وقوله : ( تَبَرَّجْنَ ) مأخوذ من البَرَج - بفتح الباء والراء - وهو سعة العين وحسنها ، ومنه قولهم : سفينة برجاء ، أى : متسعة ولا غطاء عليها .والمراد به هنا : إظهار ما ينبغى ستره من جسد المرأة ، مع التكلف والتصنع فى ذلك .والجاهلية الأولى ، بمعنى المتقدمة ، إذ يقال لكل متقدم ومتقدمة : أول وأولى .أو المراد بها : الجاهلية الجهلاء التى كانت ترتكب فيها الفواحش بدون تحرج .وقد فسروها بتفسيرات متعددة ، منها : قول مجاهد : كانت المرأة تخرج فتمشى بين يديى الرجال ، فذلك تبرج الجاهلية .ومنها قول قتادة : كانت المرأة فى الجاهلية تمشى مشية فيها تكسر .ومنها قول مقاتل : والتبرج : أنها الخمار على رأسها ، ولا تشده فيوارى قلائدها وعنقها .ويبدو لنا أن التبرج المنهى عنه فى الآية الكريمة ، يشمل كل ذلك ، كما يشمل كل فعل تفعله المرأة ، ويكون هذا الفعل متنافيا مع آداب الإِسلام وتشريعاته .والمعنى : الزمن يا نساء النبى بيوتكن ، فلا تخرجن إلا لحاجة مشروعة ، وإذا خرجتن فاخرجن فى لباس الحشمة والوقار ، ولا تبدى إحداكن شيئا أمرها الله - تعالى - بسرته وإخفائه ، واحذرن التشبيه بنساء أهل الجاهلية الأولى ، حيث كن يفعلن ما يثير شهوة الرجال ، ويلفت أنظارهم اليهن .ثم أتبع - سبحانه - هذا المنهى بما يجعلهن على صلة طيبة بخالقهن - عز وجل - فقال : ( وَأَقِمْنَ الصلاة ) أى : داومن على إقامتها فى أوقاتها بخشوع وإخلاص . ( وَآتِينَ الزكاة ) التى فرضها الله - تعالى - عليكن . وخص - سبحانه - هاتين الفريضيتين بالذكر من بين سائر الفرائض ، لأنهما أساس العبادات البدنية والمالية .( وَأَطِعْنَ الله وَرَسُولَهُ ) أى : فى كل ما تأتين وتتركن ، لا سيما فيما أمرتن به ، ونهيتين عنه .وقوله : ( إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرجس أَهْلَ البيت وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) تعليل لما أمرن به من طاعات ، ولما نهين عنه من سيئات .والرجس فى الأصل : يطلق على كل شئ مستقذر . وأريد به هنا : الذنوب والآثام وما يشبه ذلك من النقائص والأدناس .وقوله ( أَهْلَ البيت ) منصوب على النداء ، أو على المدح . ويدخل فى أهل البيت هنا دخولا أوليا : نساؤه صلى الله عليه وسلم بقرينة سياق الآيات .أى : إنما يريده الله - تعالى - بتلك الأوامر التى أمركن بها ، و بتلك النواهى التى نهاكن عنها ، أن يذهب عنكن الآثام والذنوب والنقائص ، وأن يطهركن من كل ذلك تطهيرا تاما كاملا .قال الإِمام ابن كثير ما ملخصه : قوله : ( إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرجس أَهْلَ البيت . . . ) هذا نص فى دخول أزواج النبى صلى الله عليه وسلم فى أهل البيت ها هنا ، لأنهن سبب نزول هذه الآية .وقدوردت أحاديث تدل على أن المراد أعم من ذلك ، فقد روى الإِمام أحمد بسنده - عن أنس بن مالك قال :" إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمر بباب فاطمة ستة أشهر إذا خرج إلى صلاة الفجر ، يقول : الصلاة يا أهل البيت : ثم يتلو هذه الآية . . " .وقال بعض العلماء : والتحقيق - إن شاء الله - أنهن داخلات فى الآية ، بدليل السياق ، وإن كانت الآية تتناول غيرهن من أهل البيت .ونظير ذلك من دخول الزوجات فى اسم أهل البيت ، قوله - تعالى - فى زوجة إبراهيم : ( قالوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ الله رَحْمَةُ الله وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ البيت ) وأما الدليل على دخول غيرهن فى الآية ، فهو أحاديث جاءت " عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال فى على وفاطمة والحسن والحسين - رضى الله عنهم - : " إنهم أهل البيت " ودعا الله أن يذهب عنهم الرجس ويطهرهم تطهيرا " .وبما ذكرنا تعلم أن الصواب شمول الآية الكريمة لأزواج النبى صلى الله عليه وسلم ولعلى وفاطمة والحسن والحسين .فإن قيل : الضمير فى قوله : ( لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرجس ) وفى قوله : ( وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) ضمير الذكور ، فقلو كان المراد أزواج النبى صلى الله عليه وسلم لقيل ليذهب عنكن ويطهركن؟فالجواب : ما ذكرناه من أن الآية تشملهن وتشمل فاطمة وعلى والحسن والحسين ، وقد أجمع أهل اللسان العربى على تغليب الذكور على الإِناث فى الجموع ونحوها . .ومن أساليب اللغة العربية التى نزل بها القرآن ، أن زوجة الرجل يطلق عليها أهل ، وباعتبار لفظ الأهل تخاطب مخاطبة الجمع المذكر ، ومنه قوله - تعالى - فى موسى ( فَقَالَ لأَهْلِهِ امكثوا ) وقوله ( سَآتِيكُمْ ) والمخاطب امرأته كما قال غير واحد . .وقال بعض أهل العلم : إن أهل البيت فى الآية هم من تحرم عليهم الصدقة .
الأحزاب 33:34
ثم ختم - سبحانه - هذه التوجيهات الحكيمة بقوله - عز وجل - : ( واذكرن مَا يتلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ الله والحكمة . . ) .أى : واذكرن فى أنفسكن ذكرا متصلا ، وذَكِّرْن غيركن على سبيل الإِرشاد ، بما يتلى فى بيوتكن من آيات الله البينات الجامعة بين كونها معجزات دالة على صدق النبى صلى الله عليه وسلم ، وبين كونها مشتملة على فنون الحكم والآداب والمواعظ . .ويصح أن يكون المراد بالآيات : القرآن الكريم ، وبالحكمة : أقوال النبى صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته . .وفى الآية الكريمة إشارة إلى أنهن - وقد خصهن الله - تعالى - بجعل بيوتهن موطنا لنزول القرآن ، ولنزول الحكمة - أحق بهذا التذكير ، وبالعمل الصالح من غيرهن .( إِنَّ الله كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً ) أى : خلا يخفى عليه شئ من أحوالكم ، وقد أنزل عليكم ما فيه صلاح أموركم فى الدنيا والآخرة .
الأحزاب 33:35
وبعد هذه التوجيهات الحكيم لأمهات المؤمنين ، ساق - سبحانه - توجيها جامعا لأمهات الفضائل ، وبشر المتصفين بهذه الفضائل بالمغفرة والأجر العظيم فقال - تعالى - : ( إِنَّ المسلمين والمسلمات ) .ورد فى سبب نزول هذه الآية روايات منها : ما أخرجه الإِمام أحمد والنسائى وغيرهما ، عن أم سلمة - رضى الله عنها - قالت : قلت للنبى صلى الله عليه وسلم ما لنا لا نذكر فى القرآن كما يذكر الرجال؟ قالت : فلم يرعنى منه صلى الله عليه وسلم ذات يوم إلا نداؤه على المنبر ، وهو يتلو هذه الآية : ( إِنَّ المسلمين والمسلمات . . . ) .وأخرج الترمذى وغيره عن أم عمارة الأنصارية أنها أنت النبى صلى الله عليه وسلم فقالت : ما أرى كل شئ إلا للرجال ، وما أرى النساء يذكرون بشئ ، فنلت هذه الآية .وأخرجه ابن جرير عن قتادة قال : دخل نساء على أزواج النبى صلى الله عليه وسلم فقلن : قد ذكركن الله - تعالى - فى القرآن ، وما يذكرنا بشئ أما فينا ما يذكر ، فأنزل الله - تعالى - هذه الآية .والمعنى : ( إِنَّ المسلمين والمسلمات ) والإِسلام : الانقياد لأمر الله - تعالى - وإسلام الوجه له - سبحانه - وتفويض الأمر إليه وحده .( والمؤمنين والمؤمنات ) والإِيمان : هو التصديق القلبى ، والإِذعان الباطنى ، لما جاء به النبى صلى الله عليه وسلم .( والقانتين والقانتات ) والقنوت : هو المواظبة على فعل الطاعات عن رضا واختيار .( والصادقين والصادقات ) والصدق : والصدق : هو النطف بما يطاب الواقع ، والبعد عن الكذب والقول الباطل . .( والصابرين والصابرات ) والصبر : هو توطين النفس على احتمال المكاره والمشاق فى سبيل الحق ، وحسب النفس عن الشهوات .( والخاشعين والخاشعات ) والخشوع : صفة تجعل القلب والجوارح فى حالة انقياد تام لله - تعالى - ومراقبة له ، واستشعار لجلاله وهيبته .( والمتصدقين والمتصدقات ) والتصدق : تقديم الخير إلى الغير بإخلاص ، فدعا لحاجته ، وعملا على عونه ومساعدته .( والصائمين والصائمات ) والصوم : هو تقرب إلى الله - تعالى - واستعلاء على مطالب الحياة ولذائذها ، من أجل التقرب إليه - سبحانه - بما يرضيه .( والحافظين فُرُوجَهُمْ والحافظات ) وحفظ الفرج : كناية عن التعفف والتطهر والتصون عن أن يضع الإِنسان شهوته فى غير الموضع الذى أحله الله - تعالى - .( والذاكرين الله كَثِيراً والذاكرات ) وذكر الله - تعالى - يتمثل فى النطق بما يرضيه كقراءة القرآن الكريم ، والإِكثار من تسبيحه - عز وجل - وتحميده وتكبيره . .وفى شهور النفس فى كل لحظة مراقبته - سبحانه - .هؤلاء الذين اصتفوا بهذه الصفات من الرجال والنساء ( أَعَدَّ الله ) - تعالى - ( لَهُم مَّغْفِرَةً ) واسعة لذنوبهم ( وَأَجْراً عَظِيماً ) لا يعلم مقداره إلا هو - عز وجل - .وهكذا نجد القرآن الكريم يسوق الصفات الكريمة ، التى من شأن الرجل والمرأة إذا ما اتصفا بها ، أن يسعدا فى دنياهما وفى أخراهما ، وأن يسعد بهما المجتمع الذى يعيشان فيه . .نها صفات نظمت علاقة الإِنسان بربه ، وبنفسه ، وبغيره ، تنظيما حكيما ، يهدى الى الرشد ، ويوصل إلى الظفر والنجاح .
الأحزاب 33:36
ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن الحقوق الواجبة على المسلم نحو خالقه - عز وجل - ونحو رسوله صلى الله عليه وسلم ، وعن تأكيد إبطال عادة التبنى التى كانت منتشرة قبل نزول هذه السورة ، وعن بيان الحكمة لهذا الإِبطال ، وعن علاقة الرسول صلى الله عليه وسلم بغيره من أتباعه . . فقال - تعالى - : ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ . . . بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً ) .ذكر المفسرون فى سبب نزول قوله - تعالى - : ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ ) روايات منها : " أنها نزلت فى زينب بنت جحش - رضى الله عنها - خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيد ابن حارثة فاستنكفت ، وقالت : أنا خير منه حسبا ، فأنزل الله - تعالى - هذه الآية .وفى رواية أنها قالت : يا رسول الله ، لست بنكاحته ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " بل فانكحيه " فقالت : يا رسول الله ، أؤامر فى نفسى؟ فبينما هما يتحادثان ، أنزل الله - تعالى هذه الآية . فقالت : يا رسول الله ، قد رضيته لى زوجا؟ قال : نعم قالت : إذا لا أعصى رسول الله صلى الله عليه وسلم قد زوجته نفسى " .وذكر بعضهم أنها نزلت فى أم كلثوم بنت عقبة بن أبى معيط ، وكانت أول من هاجر من النساء . . يعنى بعد صلح الحديبية ، فهوهبت نفسها للنبى صلى الله عليه وسلم ، فزوجها من مولاه زيد بن حارثة ، بعد فراقه لزينب فسخطت هى وأخوها وقالا : إنما أردنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فزوجنا عبده ، فنزلت الآية بسبب ذلك ، فأجابا إلى تزويج زيد .قال ابن كثير : هذه الاية عامة فى جميع الأمور . وذلك أنه إذا حكم الله ورسوله بشئ ، فليس لأحد مخالفته ، ولا اختيار لأحد هاهنا ولا رأى ولا قول ، كما قال - تعالى - : ( فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حتى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ في أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً ) وفى الحديث الشريف : " والذى نفسى بيده ، لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به " .والمعنى : لا يصح ولا يحل لأى مؤمن ولا لأية مؤمنة ( إِذَا قَضَى الله وَرَسُولُهُ ) أى : إذا أراد الله ورسوله أمرا . من الأمور .وقال - سبحانه - : ( إِذَا قَضَى الله وَرَسُولُهُ أَمْراً ) للإِشعار ، بأن ما يفعله الرسول صلى الله عليه وسلم إنما يفعله بأمرا لله - تعالى - لأنه صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى .وقوله : ( أَن يَكُونَ لَهُمُ الخيرة مِنْ أَمْرِهِمْ ) أى : لا يصح لمؤمن أو مؤمنة إذا أراد الله ورسوله أمرا ، أن يختاروا ما يخالف ذلك ، بل يجب عليهم أن يذعنوا لأمره صلى الله عليه وسلم وأن يجعلوا رأيهم تابعا لرأيه فى كل شئ .وكلمة الخِيرة : مصدر من تخيَّر ، كالطِّيرَة مصدر من تَطَيَّر . وقوله : ( مِنْ أَمْرِهِمْ ) متعلق بها ، أو بمحذوف وقع حالا منها .وجاء الضمير فى قوله ( لَهُمُ ) وفى قوله ( مِنْ أَمْرِهِمْ ) بصيغة الجمع : رعاية للمعنى إذ أن لفظى مؤمن ومؤمنة وقعا فى سياق النفى ، فيعمان كل مؤمن وكل مؤمنة .وقوله - سبحانه - : ( وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُّبِيناً ) بيان لسوء عاقبة واضحا بينا .
الأحزاب 33:37
ثم ذكر - سبحانه - قصة زواج النبى صلى الله عليه وسلم من السيدة زينب بنت جحش ، وما ترتب على هذا الزواج من هدم لعادات كانت متأصلة فى الجاهلية فقال - تعالى - : ( وَإِذْ تَقُولُ للذي أَنعَمَ الله عَلَيْهِ . . . ) أى : واذكر - أيها الرسول الكريم - وقت أن قلت للذى أنعم الله - تعالى - عليه بنعمة الإِيمان ، وهو زيد بن حارثة - رضى الله عنه - .وأنعمت عليه ، بنعمة العتق ، والحرية ، وحسن التربية ، والمحبة ، والإِكرام . .( أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ واتق الله ) أى : اذكر وقت قولك له : أمسك عليك زوجك زينب بنت جحش ، فلا تطلقها ، واتق الله فى أمرها ، واصبر على ما بدر منها فى حقك . . .وكان زيد - رضى الله عنه - قد اشتكى للنبى صلى الله عليه وسلم من تطاولها عليه ، وافتخارها بحسبها ونسبها ، وتخشينها له القول ، وقال : يا رسول الله ، إنى أريد أن أطلقها .وقوله - تعالى - : ( وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا الله مُبْدِيهِ ) معطوف على ( تَقُولُ ) . أى : تقول له ذلك وتخفى فى نفسك الشئ الذى أظهره الله - تعالى - لك ، وهو إلهامك بأن زيدا سيطلق زينب ، وأنت ستتزوجها بأمر الله - عز جل - .قال الآلوسى : والمرد بالموصول ( مَّا ) عل ما أخرج الحكيم الترمذى وغيره عن على ابن الحسين ما أوحى الله - تعالى - به إليه من أن زينب سيطلقها زيد . ويتزوجها هو صلى الله عليه وسلم .وإلى هذا ذهب أهل التحقيق من المفسرين ، كالزهرى ، وبكر بن العلاء ، والقشيرى ، والقاضى أبى بكر بن العربى ، وغيرهم .وقال بعض العلماء ما ملخصه : قوله - تعالى - : ( وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا الله مُبْدِيهِ ) جملة : الله مبدية صلة الموصول الذى هو ( مَا ) . وما أبداه - سبحانه - هو زواجه صلى الله عليه وسلم بزينب ، وذلك فى قوله - تعالى - : ( فَلَمَّا قضى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا ) وهذا هو التحقيق فى معنى الآية ، الذى دل عليه القرآن ، وهو اللائق بجنابه صلى الله عليه وسلم .وبه تعلم أن ما قاله بعض المفسرين ، من أن ما أخفاه فى نفسه صلى الله عليه وسلم وأبداه الله - تعالى - ، وهو وقوع زينب فى قلبه صلى الله عليه وسلم ومحبته لها ، وهى زوجة لزيد ، وأنها سمعته يقول عندما رآها : سبحان مقلب القلوب . . إلى آخر ما قالوا . . كله لا صحة له . .وقال الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية : ذكر ابن جرير وابن أبى حاتم - وغيرهما - هاهنا آثارا عن بعض السلف ، أحببنا أن نضرب عنها صفحا ، لعدم صحتها . فلا نوردها . .هذا ، ولفضيلة شيخنا الجليل الدكتور أحمد السيد الكومى رأى فى معنى هذه الجملة الكريمة ، وهو أن ما أخفاه الرسول فى نفسه : هو علمه بإصرار زيد على طاقه لزينب ، لكثرة تفاخرها عليه ، وسماعه منها ما يكرهه .وما لا يستطيع معه الصبر على معاشرتها .وما أبداه الله - تعالى - : هو علم الناس بحال زيد معها ، ومعرفتهم بأن زينب تخشن له القول ، وتسمعه ما يكره ، وتفخر عليه بنسبها . .فيكون المعنى : تقول للذى أنعم الله عليه ، وأنعمت عليه ، أمسك عليك زوجك واتق الله ، وتخفى فى نفسك أن زيدا لن يستطيع الصبر على معاشرة زوجه لوجود التنافر بينهما . . مع أن الله - تعالى - قد أظهر ذلك عن طريق كثرة شكوى زيد منها ، وإعلانه أنه حريص على طلاقها ، ومعرفة كثير من الناس بهذه الحقيقة . . .ومما يؤيد هذا الرأى أنه لم يرد لا فى الكتاب ولا فى السنة ما يدل دلالة صريح على أن الله قد أوحى إلى نبيه صلى الله عليه وسلم أن زيدا سيطلق زينب ، وأنه صلى الله عليه وسلم سيتزوجها ، بكل ما ورد فى ذلك هى تلك الرواية التى سبق أن ذكرناها عن على بن الحسين - رضى الله عنهما - .قال صاحب الظلال : وهذا الذى أخفاه النبى صلى الله عليه وسلم فى نفسه ، وهو يعلم أن الله مبديه ، هو ما ألهمه الله أن سيفعله . ولم يكن أمرا صريحا من الله . وإلا ما تردد فيه ولا أخره ولا حاول تأجيله . والجهر به فى حينه مهما كانت العواقب التى يتوقعها عن إعلانه . ولكنه صلى الله عليه وسلم كان أمام إلهام يجده فى نفسه ، ويتوجس فى الوقت ذاته من مواجهته ومواجهة الناس به حتى أذن الله بكونه . فطلق زيد زوجه فى النهاية . وهو لا يفكر لا هو لا زينب فيما سيكون بعد . .وهذه الأوقال جميعها تهدم هدما تاما كل الروايات التى رويت عن هذا الحادث ، والى تشب بها أعداء الإِسلام فى كل زمان ومكان ، وصاغوا حولها الأساطير والمفتريات .وقوله - سبحانه - : ( وَتَخْشَى الناس والله أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ ) معطوف على ما قبله ، ومؤكد لمضمونه .أى : تقول له ما قلت ، وتخفى فى نفسك ما أظهره الله ، وتخشى أن تواجه الناس بما ألهمك الله - تعالى - به من أمر زيد وزينب ، مع أن الله - تعالى - أحق بالخشية من كل ما سواه .فالجملة الكريمة عتاب رقيق من الله - تعالى - لنبيه صلى الله عليه وسلم وإرشاد له إلى أفضل الطرق ، وأحكم السبل ، لمجابهة أمثال هذه الأمور ، وحلها حلا سليما .ثم بين - سبحانه - الحكمة من زواجه صلى الله عليه وسلم بزينب فقال : ( فَلَمَّا قضى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى المؤمنين حَرَجٌ في أَزْوَاجِ أَدْعِيَآئِهِمْ إِذَا قَضَوْاْ مِنْهُنَّ وَطَراً وَكَانَ أَمْرُ الله مَفْعُولاً ) .الوطر : الحاجة . وقضاء الوطر : بلوغ منتهى ما تريده النفس من الشئ ، يقال : قضى فلان وطره من هذا الشئ : إذا أخذ اقصى حاجته منه .والمراد هنا : أن زيدا قضى حاجته من زينب ، ولم يبق عنده أدنى رغبة فيها ، بل صارت رغبته العظمى فى مفارقتها .أى : فلما قضى زيد حاجته من زينب ، وطلقها ، وانقضت عدتها ، زوجناكها ، أى : جعلناها زوجة لك ، ( لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى المؤمنين حَرَجٌ ) أو ضيق أو مشقة ( في أَزْوَاجِ أَدْعِيَآئِهِمْ ) أى : فى الزواج من أزواج أدعيائهم ، الذين تبنوهم ( إِذَا قَضَوْاْ مِنْهُنَّ وَطَراً ) أى : إذا طلق هؤلاء الأدعياء أزواجهم ، وانقضت عدة هؤلاء الأزواج ، فلا حرج على الذين سبق لهم هؤلاء الأدعياء أن يتزوجوا بنسائهم ، ولهم فى رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة .( وَكَانَ أَمْرُ الله مَفْعُولاً ) أى : وكان ما يريده الله - تعالى - حاصلا لا محالة .قال الإِمام ابن كثير : قوله : ( فَلَمَّا قضى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا ) أى : لما فرغ منها وفارقها زوجناكها ، وكان الذى ولى تزويجها منهه هو الله - عز وجل - بمعنى : أنه أوحى إليه أن يدخل بها بلا ولىّ ولا مهر ولا عقد ولا شهود من البشر . .روى الإِمام أحمد عن أنس قال : " لما انقضت عدة زينب - رضى الله عنها - قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيد بن حارثة " اذهب فاذكرها على " فانطلق حتى آتاها وهى تخمر عجينها . قال : فلما رأيتها عظمت فى صدرى حتى ما أستطيع أن أنظر إليها . وجعلت أقول - وقد وليتها ظهرى ، ونكصت على عقبى - يا زينب . أبشرى . أرسلنى رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرك قالت : ما أنا بصانعة شيئا حتى أؤامر ربى - أى : أستشيره فى أمرى - فقامت إلى مسجدها . ونزول القرآن . وجاء رسول الله فدخل عليها بغير إذن " .وروى البخارى عن أنس بن مالك ، أن زينب بنت جحش كانت تفخر على أزواج النبى صلى الله عليه وسلم فتقول : زوجكن أهاليكن ، وزوجنى الله من فوق سبع سماوات . .وقال الإِمام الشوكانى : وقوله : ( لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى المؤمنين حَرَجٌ في أَزْوَاجِ أَدْعِيَآئِهِمْ ) .أى : فى التزوج بأزواج من يجعلونه ابنا ، كما كانت تفعله العرب ، فإنهم كانوا يتبنون من يريدون . . وكانوا يعتقدون أنه يحرم عليهم نساء من تبنوه ، كما تحرم نساء أبنائهم على الحقيقة ، والأدعياء : جمع دعى ، وهو الذى يدعى ابنا من غير أن يكون ابنا على الحقيقة . فأخبرهم الله - تعالى - أن نساء الأدعياء حلال لهم - بعد انقضاء العدة - بخلاف الأبناء من الصلب ، فإن نساءهم تحرم على الآباء بنفس العقد عليها . .
الأحزاب 33:38
وبعد أن بين - سبحانه - الحكمة من زواج النبى صلى الله عليه وسلم بالسيدة زينب بنت جحش ، التى كانت قبل ذلك زوجة لزيد بن حارثة - الذى كان الرسول قد تبناه وأعتقه - بعد كل ذلك أخذت السورة الكريمة فى تقرير هذه الحكمة وتأكيدها ، وإزالة كل ما علق بالأذهان بشأنها ، فقال - تعالى - : ( مَّا كَانَ عَلَى النبي مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ الله لَهُ .. . ) .أى : ما كان على النبى صلى الله عليه وسلم من حرج أو لوم أو مؤاخذة ، فى فعل ما أحله الله له ، وقدره عليه ، وأمره به من زواجه بزينب بعد أن طلقها ابنه بالتبنى زيد بن حارثة فقوله : ( فِيمَا فَرَضَ الله لَهُ ) أى : فيما قسمه له ، وقدره عليه ، مأخوذ من قولهم : فرض فلان لفلان كذا ، أى : قدر له هذا الشئ وجعله حلالا له .وقوله - تعالى - : ( سُنَّةَ الله فِي الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ الله قَدَراً مَّقْدُوراً ) زيادة فى تأكيد هذه الحكمة ، وفى تقرير صحة ما فرضه الله - تعالى - لنبيه صلى الله عليه وسلم .أى : ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم من زواجه بزينب بعد طلاقها من زيد ، قد جعله الله - تعالى - سنة من سننه فى الأمم الماضية ، وكان أمر الله - تعالى - قدرا مقدورا . أى : واقعا لا محالة .والقدر : إيجاد الله - تعالى - على قَدْرِ مخصوص حسبما تقتضى حكمته .ويقابله القضاء : وهو الإِرادة الأزلية المتعلقة بالأشياء على ما هى عليه . وقد يستعمل كل منهما بمعنى الآخر . والأظهر أن قدر الله - تعالى - هنا بمعنى قضائه .ولفظ ( مَّقْدُوراً ) وصف جئ به للتأكيد ، كما فى قولهم : ظل ظليل ، وليل أليل .
الأحزاب 33:39
ثم مدح - سبحانه - هؤلاء المؤمنين الصادقين الذين يبلغون دعوته دون أن يخشوا أحدا سواه فقال : ( الذين يُبَلِّغُونَ رِسَالاَتِ الله ) للذين يكلفهم - سبحانه - بتبليغها لهم . والموصول فى محل جر صفة للذين خلوا . أو منصوب على المدح .( وَيَخْشَوْنَهُ ) أى : ويخافونه وحده ( وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ الله ) - عز وجل - فى كل ما يأتون وما يذرون ، وما يقولون وما يفعلون .( وكفى بالله حَسِيباً ) أى : وكفى بالله - تعالى - محاسبا لعباده على نبات قلوبهم وأفعالهم جوارحهم ، وأقوال ألسنتهم .
الأحزاب 33:40
ثم حدد - سبحانه - وظيفته رسوله صلى الله عليه وسلم وأثنى عليه بما هو أهله ، فقال - تعالى - : ( مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ ) أى : لم يكن محمد صلى الله عليه وسلم أبا لأحد من رجالكم أبوة حقيقة ، تترتب عليها آثارها وأحكامها من الإِرث ، والنفقة والزواج . . . . وزيد كذلك ليس ابنا له صلى الله عليه وسلم فزواجه صلى الله عليه وسلم بزينب التى طلقها زيد لا حرج فيه ، ولا شبهة فى صحته ، وقوله : ( ولكن رَّسُولَ الله وَخَاتَمَ النبيين ) استدراك لبيان وظيفته وفضله .أى : لم يكن صلى الله عليه وسلم أبا لأحدكم على سبيل الحقيقة ، ولكنه كان رسولا من عند الله - تعالى - ليخرجكم من ظلمات الكفر إلى نور الإِيمان وكان - أيضا - خاتم النبيين ، بمعنى أنهم ختموا به ، فلا نبى بعده ، فهو كالخاتَم والطابَع لهم . ختم الله - تعالى - به الرسول والأنبياء ، فلا رسول ولا نبى بعده إلى قيام الساعة .قال القرطبى : قرأ الجمهور ( وَخَاتَمَ ) - بكسر التاء - بمعنى أنه ختمهم ، أى : جاء آخرهم .وقرأ عاصم ( وخاتم ) - بفتح التاء - بمعنى أنهم ختموا به ، فهو كالخاتم والطابع لهم .وقيل : الخاتم والخاتم - بالفتح والكسر - لغتان ، مثل طابع وطابع . .وقد روى الإِمام مسلم عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " مثلى ومثل الأنبياء من قبلى كمثل رجل بنى دارا فأتمها وأكملها ، إلا موضع لبنة ، فجعل الناس يدخولنها ويتعدبون منها ويقولون : ما أجمل هذه الدار ، هلا وضعت هذه اللبنة؟ قال صلى الله عليه وسلم فأنا موضع اللبنة جئت فختمت الأنبياء " .وقد ذكر الإِمام ابن كثير عددا من الأحاديث فى هذا المعنى منها ما رواه الإِمام مسلم عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " فضلت على الأنبياء بست : أعطيت جوامع الكلم ونصرت بالرعب ، وأحلت لى الغنائم ، وجعلت لى الأرض طهورا ومسجدا ، وأرسلت إلى الخلق كافة ، وختم بى النبيون " .ثم قال - رحمه الله - بعد أن ذكر هذا الحديث وغيره : والأحاديث فى هذا كثيرة ، فمن رحمة الله - تعالى - بالعباد إرسال محمد صلى الله عليه وسلم إليهم ، ثم من تشريفه له ختم الأنبياء والمرسلين به ، وإكمال الحنيف له ، وقد أخبر - تعالى - فى كتابه ، وأخبر رسوله فى السنة المتواترة عنه ، أنه لا نبى بعده ، ليعلموا أن كل من ادعى هذا المقام بعده فهو كذاب أفاك دجال ضال مضل ، ولو تخرق وشعبذ ، وأتى بأنواع السحر والطلاسم . .ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : ( وَكَانَ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً ) .أى : وكان - عز وجل - وما زال ، هو العليم علما تاما بأحوال خلقه ، وبما ينفعهم ويصلحهم ، ولذا فقد شرع لكم ما أنتم فى حاجة إليه من تشريعات ، واختار رسالة نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم لتكون خاتمة الرسالات ، فعليكم أن تقابلوا ذلك بالشكر والطاعة ، ليزيدكم - سبحانه - من فضله وإحسانه .
الأحزاب 33:41
ثم جاءت الآيات الكريمة بعد ذلك لتؤكد هذا المعنى وتقرره ، فأمرت المؤمنين بالإِكثار من ذكر الله - تعالى - ومن تسبيحه وتحميده وتكبيره - فقال - سبحانه - : ( ياأيها الذين آمَنُواْ . . . لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً ) .والمقصود بذكر الله - تعالى - فى قوله : ( ياأيها الذين آمَنُواْ اذكروا الله ذِكْراً كَثِيراً ) ما يشمل التهليل والتحميد والتكبير وغير ذلك من القوال والأفعال التى ترضيه - عز وجل - .أى : يا من آمنتم بالله حق الإِيمان اكثروا من التقرب إلى الله - تعالى - بما يرضيه ، فى كل أوقاتكم وأحوالكم ، فإن ذكر الله - تعالى - هو رطب النفوس ودواؤها ، وهو عافية الأبدان وشفاؤها ، به تطمئن القلوب ، وتنشرح الصدور . .والتعبير بقوله : ( اذكروا الله ذِكْراً كَثِيراً ) يشعر بأن من شأن المؤمن الصادق فى إيمانه ، أن يواظب على هذه الطاعة مواظبة تامة .ومن الأحاديث التى وردت فى الض على الإِكثار من ذكر الله ، ما رواه الإِمام أحمد عن أبى الدرداء . . رضى الله عنه . . قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ألا أنبئكم بخير أعمالكم ، وأزكاها عند مليككم ، وأرفعها فى درجاتكم ، وخير لكم من إعطاء الذهب والوَرِقِ - أى : الفضة ، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ، ويضربوا أعناقكم ، قالوا : وما هو يا رسول الله؟ قال : ذكر الله - عز وجل - " .وعن عمرو بن قيس قال : " سمعت عبد الله بن بسر يقول : جاء اعرابيان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أحدهما : يا رسول الله ، أى الناس خير؟ قال : " من طال عمره وحسن عمله " .وقال الآخر : يا رسول الله ، إن شرائع الإِسلام قد كثرت علينا ، فمرنى بأمر أتشبت به . قال : " لا يزال لسانك رطبا بذكر الله " " .وقال ابن عباس : لم يفرض الله - تعالى - فريضة إلا جعل لها حدا معلوما ، ثم عذر أهلها فى حال العذر ، غير الذكر ، فإن الله - تعالى - لم يجعل له حدا ينتهى إليه ، ولم يعذر أحداً فى تركه إلا مغلوبا على عقله ، وأمرهم به فى الأحوال كلها . فقال - تعالى - : ( الذين يَذْكُرُونَ الله قِيَاماً وَقُعُوداً وعلى جُنُوبِهِمْ . . . ) وقال - سبحانه - : ( فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصلاة فاذكروا الله قِيَاماً وَقُعُوداً وعلى جُنُوبِكُمْ . . ) أى : بالليل وبالنهار ، فى البر والبحر ، وفى السفر والحضر ، والغنى والفقر ، والسقم والصحة ، والسر والعلانية ، وعلى كل حال . .
الأحزاب 33:42
وقوله : ( وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً ) معطوف على ( اذكروا ) والتسبيح : التنزيه . مأخوذ من السبح ، وهو المر السريع فى الماء أو فى الهواء . فالسبح مسرع فى تنزيه الله وتبرئته من السوء . والبكرة : أول النهار . والأصيل : أخره .أى : اكثروا - أيها المؤمنون - من ذكر الله - تعالى - فى كل أحوالكم ، ونزهوه - سبحانه - عن كل ما لا يليق به ، فى أول النهار وفى آخره .وتخصيص الأمر بالتسبيح فى هذين الوقتين ، لبيان فضلهما ، ولمزيد الثواب فيهما ، وهذا لا يمنع أن التسبيح فى غير هذين الوقتين له ثوابه العظيم عند الله - تعالى - .- وأيضا - خص - سبحانه - التسبيح بالذكر مع دخوله فى عموم الذكر ، للتنبيه على مزيد فضله وشرفه . .قال صاحب الكشاف : والتسبيح من جملة الذكر . وإنما اختصه - تعالى - من بين أنواعه اختصاص جبريل وميكائيل من بين الملائكة ، ليبين فضله على سائر الأذكار ، لأنه معناه تنزيه ذاته عما لا يجوز عليه من الصفات والأفعال .
الأحزاب 33:43
وقوله - سبحانه - : ( هُوَ الذي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلاَئِكَتُهُ . . ) استئناف جار مجرى التعليل لما قبله ، من الأمر بالإِكثار من الذكر ومن التسبيح .والصلاة من الله - تعالى - على عباده معناها : الرحمة بهم ، والثناء عليهم ، كما أن الصلاة من الملائكة على الناس معناها : الدعاء لهم بالمغفرة والرحمة .قال القرطبى : قوله - تعالى - : ( هُوَ الذي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلاَئِكَتُهُ ) . . قال ابن عباس : لما نزل : ( إِنَّ الله وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النبي . . ) قال المهاجرون والأنصار : هذا لك يا رسول الله خاصة ، وليس لنا فيه شئ ، فأنزل الله هذه الآية .ثم قال القرطبى : قلت : وهذه نعمة من الله - تعالى على هذه الأمة من أكبر النعم ، ودليل على فضلها على سائر الأمم . وقد قال : ( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ) والصلاة من الله على العبد هى رحمته له ، وبركته لديه . وصلاة الملائكة : دعاؤهم وللمؤمنين استغفارهم لهم ، كما قال - تعالى - : ( الذين يَحْمِلُونَ العرش وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ ) وقوله : ( لِيُخْرِجَكُمْ مِّنَ الظلمات إِلَى النور ) متعلق بقوله : ( يُصَلِّي ) أى : يرحمكم - سبحانه - برحمته الواسعة ، ويسخر ملائكته للدعاء لكم ، لكى يخرجكم بفضله ومنته ، من ظلمات الظلال والكفر إلى النور والهداية والإِيمان .( وَكَانَ ) - سبحانه - وما زال ( بالمؤمنين رَحِيماً ) رحمة عظيمة واسعة ، تشمل الدنيا والآخرة .أما رحمته لهم فى الدنيا فمن مظاهرها : هدايته إياهم إلى الصراط المستقيم .وأما رحمته - سبحانه - لهم فى الآخرة فمن مظاهرها : أنهم يأمنون من الفزع الأكبر .وفى صحيح البخارى عن عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - ، " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى امرأة من السبى قد أخذت صبيا لها فألصقته إلى صدرها وأضعته فقال : " أترون هذه تلقى ولدها فى النار وهى تقدر على ذلك؟ قالوا : لا . قال : فوالله لله أرحم بعباده من هذه لولدها " " .
الأحزاب 33:44
ثم بين - عز وجل - ما أعده للمؤمنين فى الآخرة فقال : ( تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلاَمٌ ) .والتحية : أن يقول قائل للشخص : حياك الله ، أى : جعل لك حاية طيبة .وهذه التحية للمؤمنين فى الآخرة ، تشمل تحية الله - تعالى - لهم ، كما فى قوله - سبحانه - : ( سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ )وتشمل تحية الملائكة لهم ، كما فى قوله - تعالى - : ( وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عقبى الدار ) كما تشمل تحية بعضهم لبعض كما فى قوله - عز وجل - : ( دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللهم وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين ) أى : تحية المؤمنين يوم يلقون الله - تعالى فى الآخرة ، أو عند قبض أرواحهم ، سلام وأمان لهم من كل ما يفزعهم أو يخيفهم أو يزعجهم .( وَأَعَدَّ لَهُمْ ) - سبحانه - يوم القيامة ( أَجْراً كَرِيماً ) هو الجنة التى فيها مالا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر .
الأحزاب 33:45
ثم وجه - سبحانه - نداء إلى النبى صلى الله عليه وسلم حدد له فيه وظيفته ، وأمره بتبشير المؤمنين بما يسرهم ، ونهاه عن طاعة الكافرين والمنافقين فقال : ( ياأيها النبي . . . وكفى بالله وَكِيلاً ) .وقوله : ( وَمُبَشِّراً ) من التبشير ، وهو الإِخبار بالأمر السار لمن لا علم له بهذا الأمر .وقوله : ( وَنَذِيراً ) من الإِنذار ، وهو الإِخبار بالأمر المخيف لكى يجتنب ويحذر .والمعنى : يأيها النبى الكريم ( إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ ) إلى الناس ( شَاهِداً ) أى : شاهدا لمن آمن منهم بالإِيمان ، ولمن كفر منهم بالكفر ، بعد أن بلغتهم رسالة ربك تبليغا تاما كاملا .( وَمُبَشِّراً ) أى : ومبشرا المؤمنين منهم برضا الله - تعالى - .( وَنَذِيراً ) أى : ومنذرا للكافرين بسوء العاقبة ، بسبب إعراضهم عن الحق الذى جئتهم به من عند الخالق - عز وجل - .وقدم - سبحانه - التبشير على الإِنذار ، تكريما للمؤمنين المبشرين ، وإشعارا بأن الأصل فى رسالته صلى الله عليه وسلم التبشير ، فقد أرسله الله - تعالى - رحمة للعالمين .
الأحزاب 33:46
وقوله : ( وَدَاعِياً إِلَى الله بِإِذْنِهِ ) أى : وأرسلناك - أيضا - داعيا للناس إلى عبادة الله - تعالى - وحده ، وهذه الدعوة لهم منك كائنة بإذنه - سبحانه - وبأمره وبتيسيره .فالتقييد بقوله ( بِإِذْنِهِ ) لبيان أنه صلى الله عليه وسلم لم يدع الناس إلى ما دعاهم إليه من وجوب إخلاص العبادة له - سبحانه - ، من تلقاء نفسه ، وإنما دعاهم إلى ذلك بأمر الله - تعالى - وإذنه ومشيئته ، وللإِشارة إلى أن هذه الدعوة لا تؤتى ثمارها المرجوة منها إلا إذا صاحبها إذن الله - تعالى - للنفوس بقبولها .وقوله : ( وَسِرَاجاً مُّنِيراً ) معطوف على ما قبله . والسراج : المصباح الذى يستضاء به فى الظلمات .أى : وأرسلناك - أيها الرسول الكريم - بالدين الحق ، لتكون كالسراج المنير الذى يهتدى به الضالون ، ويخرجون بسببه من الظلمات إلى النور .ووصف السراج بالإِنارة ، لأن من المصابيح ما لا يضئ إذا لم يوجد به ما يضيئه من زيت أو ما يشبهه .قال صاحب الكشاف : جلى الله - تعالى - بنبيه صلى الله عليه وسلم ظلمات الشرك ، فاهتدى به الضالون ، كما يجلى ظلام الليل بالسراج المنير ويهتدى به . أو أمد الله بنور نبوته نور البصائر ، كما يمد بنور السراج نور الأبصار . ووصفه بالإِنارة لأن من السراج ما لا يضئ إذا قل سليطه - أى : زيته - ودقت فتيلته . .
الأحزاب 33:47
وبعد أن وصف الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم بهذه الصفات الكريمة ، اتبع ذلك بأمره بتبشير المؤمنين برضا الله عنهم ، وبنهيه عن طاعة الكافرين ، فقال - تعالى - : ( وَبَشِّرِ المؤمنين . . . ) أى : انظر - أيها الرسول الكريم - إلى أحوال الناس وإلى موقفهم من دعوتك . وبشر المؤمنين منهم ( بِأَنَّ لَهُمْ مِّنَ الله ) - تعالى - ( فَضْلاً كَبِيراً ) أى : عطاء كبيرا ، وأجرا عظيما ، ومنزلة سامية بين الأمم .
الأحزاب 33:48
( وَلاَ تُطِعِ الكافرين والمنافقين ) فيا يشيرون به عليك من ترك الناس وما يعبدون ، و من عدم بيان ما هم عليه من باطل وجهل ، بل اثبت على ما أنت عليه من حق ، وامض فى تبليغ دعوتك دون أن يخشى أحدا إلا الله - تعالى - .( وَدَعْ أَذَاهُمْ ) أى : ولا تبال بما ينزلونه بك من أذى ، بسبب دعوتك إياهم إلى ترك عبادة الأصنام والأوثان ، واصبر على ما يصبك منهم حتى يحكم الله - تعالى - بحكمه العادل بينك وبينهم .( وَتَوَكَّلْ عَلَى الله ) فى كل أمورك ( وكفى بالله ) - تعالى - ( وَكِيلاً ) توكل إليه الأمور ، وترد إليه الشئون . .هذا ، ومن الأحاديث النبوية التى اشتملت على بعض المعانى التى اشتملت عليها هذه الآيات ، ما رواه الإِمام البخارى والإِمام أحمد عن عطاء بن يسار قال : لقيت عبد الله بن عمرو بن علاص فقلت له : أخبرنى عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فى التوراة؟ قال : والله إنه لموصوف فى التوراة ببعض صفته فى القرآن : ( ياأيها النبي إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً ) وحرزا للمؤمنين ، أنت عبدى ورسولى ، سميتك المتوكل ، لست بفظ ولا غليظ ولا صخاب فى الأسواق ، ولا يدفع السيئة بالسيئة ، ولكن يعفو ويصفح ، ولن يقبضه الله - تعالى - حتى يقيم به الملة العوجاء ، ويفتح به أعينا عميا ، وآذانا صما ، وقلوبا غلفا .
الأحزاب 33:49
ثم عادت السورة الكريمة - بعد هذا الحديث الجامع عن وظيفة الرسول صلى الله عليه وسلم وعن فضله - إلى الحديث عن جانب من أحاكم الزواج والطلاق ، فقال - تعالى - : ( ياأيها الذين آمنوا إِذَا نَكَحْتُمُ . . . . ) .والمراد بالنكاح هنا فى قوله ( إِذَا نَكَحْتُمُ ) العقد ، لأن الحديث فى حكم المرأة التى تم طلاقها قبل الدخول بها .وهذا الحكم شامل للمؤمنات ولغيرهن كالكتابيات ، إلا أن الآية الكريمة خصت المؤمنات بالذكر ، للتنبيه على أن من ساق المؤمن أن لا ينكح إلا مؤمنة تخيرا للنطفة .والعدة : هى الشئ المعدود . وعدة المرأة معناها : المدة التى بانقضائها يحل لها الزواج من شخص آخر ، غير الذى كان زوجا لها .والمعنى : يا من آمنتم بالله - تعالى - حق الإِيمان ، ( إِذَا نَكَحْتُمُ المؤمنات ) أى : إذا عقدتم عليهن عقد النكاح ، ولم يبق بينكم وبينهن سوى الدخول بهن .( ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ ) أى : ثم طلقتموهن من قبل أن تجامعوهن .قال الآلوسى : وفائدة المجئ بثم مع أن الحكم ثابت لمن تزوج امرأة وطلقها على الفور كثبوته لمن تزوجها وطلقها بعد مدة مديدة ، إزاحة ما عسى يتوهم أن تراخى الطلاق ، له دخل فى إيجاب العدة ، لاحتمال الملاقاة والجماع سرا . .أى : أن الحكم الذى اشتملت عليه الآية الكريمة ، ثابت سواء تم الطلاق بعد عقد الزواج مباشرة ، أم بعده بمدة طويلة .وفى التعبير عن الجماع بالمس كناية لطيفة . من شأنها أن تربى فى الإِنسان حسن الأدب ، وسلامة التعبير ، وتجنب النطق بالألفاظ التى تخدش الحياء .وقوله : ( فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا ) جواب إذا ، وبيان للحكم المترتب على طلاق المرأة قبل الدخول بها .أى : إذا طلقتموهن قبل الدخول بهن ، فلا عدة عليهن ، بل من حقهن أن يتزوجن بغيركم ، بعد طلاقكم لهن بدون التقيد بأية مدة من الزمان .قال الجمل : وقوله : ( تَعْتَدُّونَهَا ) صفة لعدة . وتعتدونها تفتعلونها ، إما عن العد ، وإما عن الاعتداد ، أى : تحسبونها أو تستوفون عددها ، من قولك : عد فلان الدراهم فاعتدها ، أى : فاستوفى عددها . .فالمقصود من الآية الكريمة بيان أن المطلقة قبل الدخول بها لا عدة عليها إطلاقا بنص الكتاب وإجماع الأمة ، أما المطلقة بعد الدخول بها فعليها العدة إجماعا .وقوله - سبحانه - : ( فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً ) بيان لما يجب على المؤمنين أن يفعلوه ، بالنسبة لمن طلقت قبل الدخول بها .وأصل المتعة والمتاع ، ما ينتفع بها الإِنسان من مال أو كسوة أو غير ذلك . ثم أطلقت المتعة على ما يعطيه الرجل للمرأة من مال أو غيره عند طلاقها منه ، لتنتفع به ، جبرا لخاطرها ، وتعويضا لها عما نالها بسبب هذا الفراق .وأصل التسريح : أن ترعى الإِبل السرح ، وهو شجر له ثمرة ، ثم أطلق على كل إرسال فى الرعى ، ثم على كل إرسال وإخراج .والتسريح الجميل : هو الذى لا ضرر معه . وإنما معه الكلام الطيب ، والفعل الحسن .والمعنى : إذا طلقتموهن قبل الدخول بهن ، فأعطوهن من المال ما يجبر خاطرهن ، وما يكون عوضا عن فراقهن .. وأطلقوا سراحهن ليستأنفن حياة جديدة مع غيركم ، وساعدوهن على ذلك إن استطعتم ، فإن من شأن العقلاء ، يعاشروا أزواجهن بالمعروف ، وأن يفارقوهن - أيضا - بالمعروف .ومن العلماء من يرى أن المتعة واجبة للمرأة على الرجل فى حال مفارقتها قبل الدخول بها ، لأن الآية الكريمة قد أمرت بذلك ، والأمر بقتضى الوجوب .وقد بينا ذلك بالتفصيل عند تفسيرها لقوله - تعالى - فى سورة البقرة : ( لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النسآء مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الموسع قَدَرُهُ وَعَلَى المقتر قَدَرُهُ مَتَاعاً بالمعروف حَقّاً عَلَى المحسنين وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلاَّ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَاْ الذي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النكاح وَأَن تعفوا أَقْرَبُ للتقوى وَلاَ تَنسَوُاْ الفضل بَيْنَكُمْ إِنَّ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) ومن مجموع هذه الآيات : نرى أحكم التشريعات ، وأسمى التوجيهات .
الأحزاب 33:50
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك جانبا من مظاهر فضله عليه . وتكريمه له حيث خصه بأمور تتعلق بالنكاح لم يخص بها أحدا غيره . فقال - تعالى - : ( ياأيها النبي إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ . . . . على كُلِّ شَيْءٍ رَّقِيباً ) .والمراد بالأجور فى قوله - سبحانه - : ( ياأيها النبي إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاتي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ . . . ) المهور التى دفعها صلى الله عليه وسلم لأزاوجه .قال ابن كثير : يقول - تعالى - مخاطبا - نبيه - صلوات الله وسلامه عليه - بأن قد أحل له من النساء أزواجه اللائى أعطاهن مهورهن ، وهى الأجور ها هنا ، كما قاله مجاهد وغير واحد .وقد كان مهره صلى الله عليه وسلم لنسائه : اثنتى عشرة أوقية ونصف أوقية . فالجمعي خمسمائة درهم إلا أم حبيبة بنت أبى سفيان فإنه أمهرها عنه النجاشى - رحمه الله - بأربعمائة دينار ، وإلا صفية بنت حيى فإنه اصطفاها من سبى خيبر ، ثم أعتقها وجعل عتقها صداقها . وكذلك جويرية بنت الحارث المصطلقية ، أدى عنها كتابتها إلى ثبات بن قيس وتزوجها .وفى قوله : ( آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ ) إشارة إلى أن إعطاء المهر كاملا للمراة دون إبقاء شئ منه ، هو الأكمل والأفضل ، وأن تأخير شئ منه إنما هو مستحدث ، لم يكن معروفا عند السلف الصالح .وأُطْلِق على المهر أجْرٌ لمقابلته الاستمتاع الدائم بما يحل الاستمتاع به من الزوجة ، كما يقابل الأجر بالمنفعة .وقوله : ( وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّآ أَفَآءَ الله عَلَيْكَ ) بيان لنوع آخر مما أحله الله - تعالى - لنبيه صلى الله عليه وسلم .والمعنى : يأيها النبى إنا أحللنا لك - بفضلنا - على سبيل التكريم والتشريف لك ، الاستمتاع بأزواجك الكائنات عندك ، واللاتى أعطيتهن مهورهن - كعائشة وحفصة وغيرهما - ، لأنهن قد اخترنك على الحياة الدنيا وزينتها .كما أحللنا لك التمتع بما ملكت يمينك من النساء اللائى دخلن فى ملكك عن طريق الغنيمة فى الحرب ، كصفية بنت حيى بن أخطب ، وجويرية بنت الحارث .ثم بين - سبحانه - نوعا ثالثا أحله - سبحانه - له فقال : ( عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاَتِكَ اللاتي هَاجَرْنَ مَعَكَ ) .أى : وأحللنا لك - أيضا - الزواج بالنساء اللائى تربطك بهن قرابة من جهة الأب ، أو قرابة من جهة الأم .وقوله ( اللاتي هَاجَرْنَ مَعَكَ ) إشارة إلى ما هو أفضل ، وللإِيذان بشرف الهجرة وشرف من هاجر .والمراد بالمعية هنا . الاشتراك فى الهجرة . لا المصاحبة فيها ، لما فى قوله - تعالى - حكاية عن ملكة سبأ : ( قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ العالمين ) .قال بعض العلماء : وقد جاء فى الآية الكريمة عدة قيود ، ما أريد بواحد منها غلى التنبيه على الحالة الكريمة الفاضلة .منها : وصف النبى صلى الله عليه وسلم باللاتى آتى أجورهن ، فإنه تنبيه على الحالة الكاملة ، فإن الأكمل إيتاء المهر كاملا دون أن يتأخر منه شئ .ومنها : أن تخصيص المملوكات بأن يكن من الفئ ، فإن المملوكة إذا كانت غنيمة من أهل الحرب كانت أحل وأطيب مما يشترى من الجلب ، لأن المملوكة عن طريق الغنيمة تكون معروفة الحالة والنشأة .ومنها : قيد الهجرة فى قوله : ( اللاتي هَاجَرْنَ مَعَكَ ) ، ولا شك أن من هاجرت مع النبى صلى الله عليه وسلم أولى بشرف زوجة النبى صلى الله عليه وسلم ممن عداها .ثم بين - سبحانه - نوعا رابعا من النساء ، أحله لنبيه صلى الله عليه وسلم فقال : ( وامرأة مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النبي أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ المؤمنين ) . والجملة الكريمة معطوفة على مفعول ( أَحْلَلْنَا ) .وقد اشتملت هذه الجملة على شرطين ، الثانى منهما قيد للأول ، لن هبتها نفسها له صلى الله عليه وسلم لا توجب حلها له إلا بقبوله الزواج منها .وقوله ( يَسْتَنكِحَهَا ) بمعنى ينكحها . يقال : نكح واستنكح ، بمعنى عجل واستعجل : ويجوز أن يكون بمعنى طلب النكاح .وقوله : ( خَالِصَةً ) منصوب على الحال من فاعل ( وَهَبَتْ ) أى : حال كونها خالصة لك دون غيرك . أو نعت لمصدر مقدر . أى : هبة خالصة . . .والمعنى وأحللنا لك كذلك امرأة مؤمنة ، إن ملكتك نفسها بدون نفسها بدون مهر وإن أنت قبلت ذلك عن طيب خاطر منك ، وهذا الإِحلال إنما هو خاص بك دون غيرك من المؤمنين ، لأن غيرك من المؤمنين لا تحل لهم من وهبت نفسها لواحد منهم إلا بولى ومهر .وقد ذكروا ممن وهبن أنفسهن له صلى الله عليه وسلم خولة بنت حكيم ، وأم شريك بنت جابر ، وليلى بنت الحطيم . .وقد اختلف العلماء فى كونه صلى الله عليه وسلم قد تزوج بواحدة من هؤلاء الواهبات أنفسهن له أم لا .والأرجح أنه صلى الله عليه وسلم لم يتزوج بواحدة منهن ، وإنما زوجهن لغيره . ويشهد لذلك ما رواه الشيخان " عن سهل بن سعد الساعدى ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءته امرأة فقالت : يا رسول الله ، إنى قد وهبت نفسى لك . فقامت قياما طويلا ، فقام رجل فقال : يا رسول الله ، زوجنيها إن لم يكن لك بها حاجة . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هل عندك من شئ تصدقها إياه؟ فقال : ما عندى إلا إزارى هذا . فقال صلى الله عليه وسلم : إن أعطيتها إزارك جلست لا إزار لك ، فالتمس شيئا . فقال : لا أجد شيئا : فقال : التمس ولو خاتما من حديد ، فقام الرجل فلم يجد شيئا . فقال له النبى صلى الله عليه وسلم : هل معك من القرآن شئ؟ قال نعم . سورة كذا وسورة كذا - لسور يسميها - فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : زوجتكها بما معك من القرآن " .وإلى هنا يتضح لنا أن المقصود بالإِحلال فى الآية الكريمة : الإِذن العام والتوسعة عليه صلى الله عليه وسلم فى الزواج من هذه الأصناف ، والإِباحة له فى ان يختار منهن من تقتضى الحكمة الزاوج منها ، واختصاصه صلى الله عليه وسلم بأمور تتعلق بالنكاح ، لا تحل لأحد سواه .ولهذا قال - سبحانه - بعد ذلك : ( قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ في أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ ) فإن هذه الجملة الكريمة معترضة ومقررة لمضمون ما قبلها ، من اختصاصه صلى الله عليه وسلم بأمور فى النكاح لا تحل لغيره ، كحل زواجه ممن تخبه نفسها بدون مهر ، إن قبل ذلك العرض منها .أى : هذا الذى أحللناه لك - أيها الرسول الكريم - هو خاص بك ، أما بالنسبة لغيرك من المؤمنين فقد علمنا ما فرضناه عليهم فى حق أزواجهم من شرائط العقد وحقوقه ، فلا يجوز لهم الإِخلال بها ، كما لا يجوز لهم الاقتداء بك فيما خصك الله - تعالى - به ، على سبيل التوسعة عليك ، والتكريم لك ، فهم لا يجوز لهم التزوج إلا بعقد وشهود ومهر ، كما لا يجوز لهم أن يجمعوا بين أكثر من أربع نسوة .وعلمنا - أيضا - ما فرضناه عليهم بالنسبة لما ملكت أيمانهم ، من كونهن ممن يجوز سبيه وحربه ، لا ممن لا يجوز سبيه ، أو كان له عهد مع المسلمين .وقوله : ( لِكَيْلاَ يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ ) متعلق بقوله : ( أَحْلَلْنَا ) وهو راجع إلى جميع ما ذكر ، فيكون المعنى :أحللنا من آتيت أجورهن من النساء ، والمملوكات ، والأقارب ، والواهبة نفسها لك ، لندفع عنك الضيق والحرج ، ولتتفرغ لتبليغ ما أمرناك بتبليغه .وقيل : إنه متعلق بخالصة ، أو بعاملها ، فيكون المعنى : خصصناك بنكاح من وهبت نفسها لك بدون مهر ، لكى لا يكون عليك حرج فى البحث عنه .وترى بعضه أنه متعلق بمحذوف ، أى : بينا لك ما بينا من أحكام خاصة بك ، حتى تخرج من الحرج ، وحتى يكون ما تفعله هو بوحى منا وليس من عند نفسك .ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله : ( وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً ) أى : وكان الله - تعالى - وما زال واسع المغفرة والرحمة لعباده المؤمنين .
الأحزاب 33:51
وقوله - عز وجل - ( تُرْجِي مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وتؤوي إِلَيْكَ مَن تَشَآءُ ) شروع فى بيان جانب آخر من التوسعة التى وسعها - سبحانه - لنبيه صلى الله عليه وسلم فى معاشرته لنسائه ، بعد بيان ما أحله له من النساء .وقوله : ( تُرْجِي ) من الإِرجاء بمعنى التأخير والتنحية ، وقرئ مهموزا وغير مهموز . تقول : أرجيت الأمر وأرجأته ، إذا أخرته ، ونحيته جانبا حتى يحين موعده المناسب .وقوله : ( وتؤوي ) من الإِيواء بمعنى الضمر والتقريب ، ومنه قوله - تعالى - : ( وَلَمَّا دَخَلُواْ على يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَخَاهُ . . ) أى : ضمة إليه وقربه منه .والضمير فى قوله ( مِنْهُنَّ ) يعود إلى زوجاته صلى الله عليه وسلم اللائى كن فى عصمته .قال القرطبى ما ملخصه : واختلف العلماء فى تأويل هذه الآية ، وأصح ما قيل فيها : التوسعة على النبى صلى الله عليه وسلم فى ترك القَسْم ، فكان لا يجب عليه القسم بين زوجاته .وهذا القول هو الذى يناسب ما مضى ، وهو الذى ثبت معناه فى الصحيح ، عن عائشة - رضى الله عنها - قالت : كنت أغار على اللائى وهبن أنفسهن لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأقول : أو تهب المرأة نفسها لرجل؟ فلما أنزل الله - تعالى - : ( تُرْجِي مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ . . . ) .قالت : قلت : والله ما رأى ربك إلا يسارع فى هواك .قال ابن العربى : هذا الذى ثبت فى الصحيح هو الذى ينبغى أن يعول عليه . والمعنى المراد : هو أن النبى صلى الله عليه وسلم كان مخيرا فى أزواجه ، إن شاء أن يقسم قسم ، وإن شاء أن يترك القسم ترك . لكنه كان يقسم من جهة نفسه ، تطييبا لنفوس أزواجه .وقيل كان القسم واجبا عليه ثم نسخ الوجوب بهذه الآية .وقيل : الآية فى الطلاق . أى : تطلق من تشاء منهن وتؤوى إليك من تشاء .وقيل : المراد بالآية : الواهبات أنفسهن له صلى الله عليه وسلم .ثم قال القرطبى : وعلى كل معنى ، فالآية معناها التوسعة على رسول الله صلى الله عليه وسلم والإِباحة ، وما اخترناه أصح والله أعلم .أى : لقد وسعنا عليك - أيها الرسول الكريم - فى معاشرة نسائك ، فأبحنا لك أن تؤخر المبيت عند من شئت منهن ، وأن تضم إليك من شئت منهن ، بدون التقيد بوجوب القسم بينهن ، كما هو الشأن بالنسبة لأتباعك حيث أوجبنا عليهم العدل بين الأزواج فى البيوتة وما يشبهها .ومع هذا التكريم من الله - تعالى - لنبيه ، إلا أنه صلى الله عليه وسلم كان يقسم بينهن إلى أن لحق بربه؟ عدا السيدة سودة ، فإنها قد وهبت ليلتها لعائشة . .أخرج البخارى عن عائشة رضى الله عنها - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم كان يستأذن فى يوم المرأة منا بعد أن نزلت هذه الآية ترجى من تشاء منهن . .فقيل : لها ما كنت تقولين؟ فقالت : كنت أقول : إن كان ذاك إليَّ فإنى لا أريد يا رسول الله أن أوثر عليك أحدا .وقوله - تعالى - : ( وَمَنِ ابتغيت مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ ) . زيادة فى التوسعة عليه صلى الله عليه وسلم وفى ترك الأمر لإرادته واختياره .أى : أبحنا لك - أيها الرسول الكريم - أن تقسم بين نسائك ، وأن تترك القسمة بينهن ، وأبحنا لك - أيضا - أن تعود إلى طلب من اجتنبت مضاجعتها إذ لا حرج عليك فى كل ذلك . بعد أن فوضنا الأمر إلى مشيئتك واختيارك .فالابتغاء بمعنى الطلب ، وعزلت اجتنبت واعتزلت وابتعدت ، و ( مَّنْ ) شرطية ، وجوابها : ( فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ ) أى : فلا حرج ولا إثم عليك فى عدم القسمة بين أزواجك ، وفى طلب إيواء من سبق لك أن اجتنبتها .قال الشوكانى : والحاصل أن الله - سبحانه - فوض الأمر إلى رسوله صلى الله عليه وسلم كى يصنع مع زوجاته ما شاء ، من تقديم وتأخير ، وعزل وإمساك ، وضم من أرجأ ، وإرجاء من ضم إليه ، وما شاء فى أمرهن فعل توسعة عليه ، ونفيا للحرج عنه .وإسم الإشارة فى قوله : ( ذَلِكَ أدنى أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلاَ يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَآ آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ . . . ) يعود إلى ما تضمنه الكلام السابق من تفويض أمر الإِرجاء والإِيواء إلى النبى صلى الله عليه وسلم .وأدنى بمعنى أقرب . ( تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ ) كناية عن تقبل ما يفعله معهن برضا وارتياح نفس . يقال قرت عين فلان ، إذا رأت ما ترتاح لرؤيته ، مأخوذ من ا لقرار بمعنى الاستقرار والسكون . .وقوله : ( وَلاَ يَحْزَنَّ ) معطوف على ( أَن تَقَرَّ ) وقوله ( وَيَرْضَيْنَ ) معطوف عليه - أيضا - .والمعنى ، ذلك شرعناه لكل من تفويض الأمر اليك فى شأن أزاجك ، أقرب إلى رضى نفوسهن لما تصنعه معهن ، واقرب إلى عدم حزنهن وإلى قبولهن لما تفعله معهن ، لأنهن يعلمن أن ما تفعله معهن إنما هو من الله - تعالى - وليس باجتهاد منك ، ومتى علمن ذلك طابت نفوسهن سواء ويت بينهن فى القسم والبيتوتة والمجامعة . . أم لم تسو .قال القرطبى : قال قتادة وغيره : أى : ذلك التخيير ذلك خيرناك فى حصبتهن أدنى إلى رضاهن ، إذ كان من عندنا - لا من عندك - ، لأنهن إذا علمت أن الفعل من الله قرت أعينهن بذلك ورضين . .وكان - عليه الصلاة والسلام - مع هذا يشدد على نفسه فى رعاية التسوية بينهن ، تطييبا لقلوبهن ويقول : " اللهم هذه قدرتى فيما أملك ، فلا تلمنى فيما تملك ولا أملك " .وقوله - سبحانه - ( والله يَعْلَمُ مَا فِي قلُوبِكُمْ ) خطاب للنبى صلى الله عليه وسلم ولأزواجه ، ويندرج فيه جميع المؤمنين والمؤمنات وجمع بجمع الذكور للتغليب .أى : والله - تعالى - يعلم ما فى قلوبكم من حب وبغض ، ومن ميل إلى شئ ، ومن عدم الميل إلى شئ آخر .قال صاحب الكشاف : وفى هذه الجملة وعيد لمن لم ترض منهن بما دبر الله - تعالى - من ذلك ، وبعث على تواطؤ قلوبهن والتصافى بينهن ، والتوافق على طلب رضا رسولا لله صلى الله عليه وسلم وما فيه طيب نفسه .( وَكَانَ الله ) - تعالى - ( عَلِيماً ) بكل ما تظهره القلوب وما تسره ( حَلِيماً ) حيث لم يعاجل عباده بالعقوبة قبل الإرشاد والتعليم .
الأحزاب 33:52
ثم كرم - سبحانه - أمهات المؤمنين بعد تكريمه لنبيه صلى الله عليه وسلم فقال : ( لاَّ يَحِلُّ لَكَ النسآء مِن بَعْدُ . . . ) .أى : لا يحل لك ، - أيها الرسول الكريم - أن تتزوج بنساء أخريات من بعد التسع اللائى فى عصمتك اليوم ، لأنهم قد اخترنك وآثرنك على زينة الحياة الدنيا ، ورضين عن طيب نفس أن يعشن معك وتحت رعايتك ، مهما كان فى حياتك معهن من شظف العيش ، والزهد فى متع الدنيا .وقوله : ( وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ ) معطوف على ما قبله .أى : لا يحل لك الزواج بعد اليوم بغير من هن فى عصمتك ، كما لا يحل لك - أيضا - أن تطلق واحدة منهن وتتزوج بأخرى سواها ، حتى ولو أعجبك جمال من تريد زواجها من غير نسائك اللائى فى عصمتك عند نزول هذه الآية .فالآية الكريمة قدا شتملت على حكمين : أحدهما : حرمة الزواج بغير التسع اللائى كن فى عصمته عند نزولهاز والثانى : حرمة تطليق واحدة منهن ، للزواج بأخرى بدلها .وقوله : ( بَعْدُ ) ظرف مبنى على الضم لحذف المضاف اليه . أى : من بعد اليوم . و ( أَزْوَاجٍ ) مفعول به ، و ( مِنْ ) مزيدة لاستغراق الجنس . اى : ولا أنت بدل بهن أزواجا أخريات مهما كان شأن هؤلاء الأخريات .وجملة : ( وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ ) فى موضع الحال من الفاعل وهو الضمير فى ( تَبَدَّلَ ) . أى : لا يحل لك الزيادة عليهن ، ولا أن تتبدل بهن أزواجا غيرهن فى آية حالة من الأحوال ، حتى ولو فى حال إجابك بغيرهن ويصح أن تكون هذه الجملة شرطية ، وقد حذف جوابها لفهمه من الكلام ، ويكون المعنى : ولو أعجبك حسنهن لا يحل لك نكاحهن .وقوله : ( إِلاَّ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ ) استثناء من هذا الحكم . أى : لا يحل لك الزيادة عليهن ، ولا استبدال غيرهن بهن ، ولكن يحل لك ان تضيف اليهن ما شئت من النساء اللائى تملكهن عن طريق السبى .وهذا الذى سرنا عليه من أن الآية الكريمة فى شأن أزواجه صلى الله عليه وسلم هو الذى سار عليه جمهور المفسرين .قال ابن كثير : ذكر غير واحد من العلماء كابن عباس ، ومجاهد ، وقتادة ، وغيرهم - أن هذه الآية الكريمة نزلت مجازاة لأزواج النبى صلى الله عليه وسلم ورضا الله عنهن على حسبن صنيعين ، فى اختيارهن الله ورسوله والدار الآخرة ، لما خيرهن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تقدم ، فلما اخترن رسول الله ، كان جزاؤهن أن قصره عليهن ، وحم عليه أن يتزوج بغيرهن ، أو يستبدل بهن أزواجا غيرهن ، ولو أعجبه حسنهن ، إلا الإِماء والسرائر ، فلا حجر عليه فيهن .ثم إنه - سبحانه - رفع عنه الحجر فى ذلك ، ونسخ حكم هذه الآية ، وأباح له التزوج ، ولكنه لم يقع منه بعد ذلك زواج لغيرهن ، لتكون المنة للرسول صلى الله عليه وسلم عليهن . روى الإِمام أحمد عن عائشة قالت : ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحل الله له النساء .ومن العلماء من يرى أن قوله - تعالى - ( مِن بَعْدُ ) المراد به : من بعد من أحللنا لك الزواج بهن ، وهن الأصناف الأربعة اللائى سبق الحديث عنهن فى قوله - تعالى - : ( ياأيها النبي إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاتي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّآ أَفَآءَ الله عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ . . . ) .وهذا الرأى الثانى وإن كان أشمل من سابقه ، إلا أننا نرجح أن الآية الكريمة مسوقة لتكريم أمهات المؤمنين اللائى اخرنا لله ورسوله والدار الآخرة على الحياة الدنيا وزينتها .هذا ، والنساء التسع اللائى حرم الله - تعالى - على نبيه صلى الله عليه وسلم الزيادة عليهن ، والاستبدال بهن ، هن : عائشة بنت أبى بكر ، وحفصة بنت عمر ، وأم حبيبة بنت أبى سفيان ، وسودة بنت زمعة ، وأم سلمة بنت أبى أمية ، وصفية بنت حيى بن أخطب ، وميمونة بنت الحارث ، وزينب بنت جحش ، وجويرية بنت الحارث .ثم ختم - سبحانه - الاية الكريمة بقوله : ( وَكَانَ الله على كُلِّ شَيْءٍ رَّقِيباً ) .أى : وكان الله - تعالى - وما زال ، مطلعا على كل شئ من أحوالكم - أيها الناس - فاحذروا أن تتجاوزا ما حده الله - تعالى - لكم ، لأن هذا التجاوز يؤدى إلى عدم رضا الله - سبحانه - عنكم .وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة ، قد ذكرت ألوانا متعددة من مظاهر تكريم الله - تعالى - لنبيه صلى الله عليه وسلم ومن توسعته عليه فى شأن أواجه ، وفى شأن ما أحله له من عدم التقيد فى القَسْم بينهن ، وفى تقديم أو تأخير من شاء منهن . .كما أنها قد كرمت أمهات المؤمنين تكريما عظيما . لاختيارهن الله ورسوله والدار الآخرة على الحياة الدنيا وزينتها .
الأحزاب 33:53
ثم ساقت السورة الكريمة بعد لك ألوانا من التشريعات الحكيمة ، والأداب القويمة ، التى تتعلق بدخول بيوت النبى صلى الله عليه وسلم ، وبحقوق أزواجه صلى الله عليه وسلم فى حياته وبعد مماته ، وبوجوب احترامه وتوقيره صلى الله عليه وسلم فقال - تعالى - : ( ياأيها الذين آمَنُواْ . . . . بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً ) .ذكر المفسرون فى سبب نزول قوله - تعالى : ( ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ النبي . . . ) روايات متعددة منها ، ما ثبت فى الصحيحين عن عمر بن الخطاب أنه قال : وافقت ربى فى ثلاث . فقلت : يا رسول الله ، لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى ، فأنزل الله - تعالى - : ( واتخذوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ) وقلت : يا رسول الله ، إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر ، فلو حجبتهن ، فأنزل الله آية الحجاب . وقلت لأزواج النبى صلى الله عليه وسلم ما تمالأن عليه فى الغيرة ( عسى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِّنكُنَّ ) فنزل كذلك .وروى البخارى عن أنس بن مالك - رضى الله عنه - قال : لما تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب جحش ، دعا القوم فطعموا ثم جلسوا يتحدثون ، فإذا هو كأنه يتهيأ للقيام فلم يقوموا . فلما رأى ذلك قام ، فلما قام صلى الله عليه وسلم قام معه من قام ، وقعد ثلاثة نفر . فجاء النبى صلى الله عليه وسلم ليدخل ، فإذا القوم جلوس ، ثم إنهم قاموا ، فانطلقت فجئت فأخبرت النبى صلى الله عليه وسلم أنهم قد انطلقوا . فجاء حتى دخل ، فذهبت أدخل ، فألقى الحجاب بينى وبينه ، فأنزل الله - تعالى - : ( ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ النبي . . . ) الآية .قال ابن كثير : وكان وقت نزولها فى صبيحة عرس رسول الله صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش : التى تولى الله - تعالى - تزويجها بنفسه ، وكان ذلك فى ذى القعدة من السنة الخامسة ، فى قول قتادة والواقدى وغيرهما .والمراد ببيوت النبى : المساكن التى اعدها صلى الله عليه وسلم لسكنى أزواجه .والاستثناء فى قوله - تعالى - : ( إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إلى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ ) استثناء مفرغ من أعم الأحوال .وقوله : ( غَيْرَ نَاظِرِينَ ) حال من ضمير ( تَدْخُلُواْ ) و ( إِنَاهُ ) أى : نضجه وبلوغه الحد الذى يؤكل معه . يقال : أنَى الطعام يأنَى أنْياً وإِنى - كقلى يقلى - إذا نضج وكان معدا للأكل .والمعنى : يامن آمنتم بالله - تعالى - حق الإِيمان ، لا تدخلوا بيوت النبى صلى الله عليه وسلم فى حال من الأحوال ، إلا فى حال الإِذن لكم بدخولها من أجل حضور طعام تدعون إلى تناوله ، وليكن حضوركم فى الوقت المناسب لتناوله ، لا قبل ذلك بأن تدخلوا البيوت بدون استئذان ، فإذا وجدوا طعاما يعد ، انتظروا حتى ينضج ليأكلوا منه .فالنهى فى الآية الكريمة مخصوص بمن دخل من غير دعوة ، وبمن دخل بدعوة ولكنه مكث منتظرا للطعام حتى ينضج ، دون أن تكون هناك حاجة لهذا الانتظار . أما إذا كان الدخول بدعوة أو لحضور طعام بدون انتظار مقصود لوقت نضجه ، فلا يتناوله النهى .قال الآلوسى : والآية على ما ذهب إليه جمع من المفسرين ، خطاب لقوم كانوا يتحينون طعام النبى صلى الله عليه وسلم فيدخلون وقعدون منتظرين لإِدراكه ، فهى مخصوصة بهم وبأمثالهم ممن يفعل مثل فعلهم فى المستقبل . فالنهى مخصوص بمن دخل بغير دعوة ، وجلس منتظرا للطعام من غير حاجة فى تفيد النهى عن الدخول بإذن لغير طعام ، ولا من الجلوس واللبث بعد الطعام لمهم آخر .وقوله - سبحانه - ( وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فادخلوا ) استدراك على ما فهم من النهى عن الدخول بغير إذن ، وفيه إشعار بأن الإِذن متضمن معنى الدعوة .أى : لا تدخلوا بدون إذن ، فإذا أذن لكم ودعيتم إلى الطعام فادخلوا لتناوله وقوله - تعالى - ( فَإِذَا طَعِمْتُمْ فانتشروا وَلاَ مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ ) بيان للون آخر من ألوان الآداب الحكيمة التى شرعها الإِسلام فى تناول الطعام عند الغير .أى : إذا دعيتم لحضور طعام فى بيت النبى صلى الله عليه وسلم فادخلوا ، فإذا ما انتهيتم من طعامكم عنده ، فتفرقوا ولا تمكثوا فى البيت مستأنسين لحديث بعضكم مع بعض ، أو لحديثكم مع أهل البيت .فقوله ( مُسْتَأْنِسِينَ ) مأخوذ من الأنس بمعنى السرور والارتياح للشئ . تقول : أنست لحديث فلان ، فإذا سررت له ، وفرحت به .وأطلق - سبحانه - نفى الاستئناس للحديث ، من غير بيان صاحب الحديث ، للإِشعار بأن المكث بعد الطعام غير مرغوب فيه على الإِطلاق ، ما دام ليس هناك من حاجة إلى هذا المكث . وهذا أدب عام لجميع المسلمين .واسم الإِشارة فى قوله : ( إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النبي فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ ) يعود إلى الانتظار والاستئناس للحديث ، والدخول بغير إذن . والجملة بمثابة التعليل لما قبلها .أى : إن ذلكم المذكور كان يؤذى النبى صلى الله عليه وسلم كان يستحيى أن يصرح لكم بذلك ، لسمو خلقه ، وكما أدبه ، كما أنه صلى الله عليه وسلم كان يستحيى أن يقول لكم كلاما تدركون منه أنه يريد انصرافكم .وقوله - تعالى - : ( والله لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ الحق ) أى : والله - تعالى - لا يستحيى من إظهار الحق ومن بيانه ، بل من شأنه - سبحانه - أن يقول الحق ، ولا يسكت عن ذلك .وإذا كان الرسول صلى الله عليه سولم قد منعه حياؤه من أن يقول قولا تفهمون منه ضجره من بقائكم فى بيته بعد تناول طعامكم عنده . . . فإن الله - تعالى - وهو خالقكم لا يمتنع عن بيان الحق فى هذه الأمور وفى غيرها ، حتى تتأدبوا بأدب القويم . ثم ذكر - سبحانه - بعض الآداب التى يجب عليهم أن يلتزموها مع نساء نبيهم صلى الله عليه وسلم فقال : ( وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فاسألوهن مِن وَرَآءِ حِجَابٍ ذلكم أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ . . ) .أى : وإذا طلبتم - أيها المؤمنون - من أزواج النبى صلى الله عليه وسلم شيئا يتمتع به سواء أكان هذا الشئ حسيا كالطعام أم معنويا كمعرفة بعض الأحكام الشرعية .. إذا سألتموهن شيئا من ذلك فليكن سؤالكم لهن من وراء حجاب ساتر بينكم وبينهن . .لأن سؤالكم إياهن بهذه الطريقة ، أظهر لقلوبكم وقلوبهن ، وأبعد عن الوقوع فى الهواجس الشيطانية التى قد تتولد عن مشاهدتكم لهن ، ومشاهدتهن لكم . .ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : ( وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ الله وَلاَ أَن تنكحوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذلكم كَانَ عِندَ الله عَظِيماً ) .أى : وما صح وما استقام لكم - أيها المؤمنون - أن تؤذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأى لون من ألوان الأذى ، سواء أكان بدخول بيوته بغير إذنه ، أم بحضوركم إليها انتظارا لنضج الطعام بجلوسكم بعد الأكل بدون مقتض لذلك ، أم بغير ذلك مما يتأذى به صلى الله عليه وسلم .كما أنه لا يصح لكم بحال من الأحوال أن تنكحوا أزواجه من بعده ، أى : من بعد وفاته .( إِنَّ ذلكم ) أى : إيذاءه ونكاح أزواجه من بعده ( كَانَ عِندَ الله ) - تعالى - ذنبا ( عَظِيماً ) وإثما جسيما ، لا يقادر قدره .
الأحزاب 33:54
ثم حذرهم - سبحانه - من مخالفة أمره ، بأن بين لهم بأنه - سبحانه - لا يخيفى عليه شئ ، من أمرهم ، فقال : ( إِن تُبْدُواْ شَيْئاً ) بأن تظهروه على ألسنتكم ( أَوْ تُخْفُوهُ ) بأن تضمروه فى قلوبكم ، فإنه فى الحالين لا يعزب عن علمنا ، وسنحاسبكم عليه ، ( فَإِنَّ الله ) - تعالى - ( كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً ) بحيث لا يخفى عليه شئ ، فى الارض ولا فى السماء .هذا وقد أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة التى تسمى بآية الحجاب ، جملة من الأحكام والآداب منها :1- وجوب الاستئذان عند دخول البيوت لتناول طعام ، ووجوب الخروج بعد تناوله إلا إذا كانت هناك ضرورة تدعو للبقاء ، كما أن من الواجب الحضور إلى الطعام فى الوقت المناسب له ، وليس قبله انتظارا لنضجه وتقديمه .2- حرمة الاختلاط بين الرجال والنساء سواء أكان ذلك فى الطعام أم فى غيره ، فقد أمر - سبحانه - المؤمنين ، إذا سألوا أزواج النبى صلى الله عليه وسلم شيئا أن يسألوهن من وراء حجاب ، وعلل ذلك بأن سؤالهن بهذه الطريقة ، يؤدى إلى طهارة القلوب ، وعفة النفوس ، والبعد عن الريبة وخواطر السوء . .وحكم نساء المؤمنين فى ذلك كحكم أمهات المؤمنين ، لأن قوله - سبحانه - ( ذلكم أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ) علة عامة تدل على تعميم الحكم ، إذ جميع الرجال والنساء فى كل زمان ومكان فى حاجة إلى ما هو أطهر للقلوب ، وأعف للنفوس . .قال بعض العلماء ما ملخصه : وقوله : ( ذلكم أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ) قرينة واضحة على إرادة تعميم الحكم ، إذ لم يقل أحد من العقلاء ، إن غير ازواج النبى صلى الله عليه وسلم لا حاجة بهن إلى أطهرية قلوبهن ، وقلوب الرجال من الريبة منهن ..فالجملة الكريمة فيها الدليل الواضح على أن وجوب الحجاب حكم عام فى جميع النساء . لا خاص بأمهات المؤمنين ، وإن كان أصل اللفظ خاصا بهن ، لأن عموم علته دليل على عموم الحكم فيه . .3- كذلك أخذ العلماء من هذه الآية أنه لا يجوز للرجل الأجنبى أن يصافح امرأة أجنبية عنه . ولا يجوز له أن يمس شئ من بدنه شيئا من بدنها .والدليل على ذلك أن النبى صلى الله عليه ولم ثتب عنه أن قال : " إنى لا أصافح النساء " .والله - تعالى - يقول : ( لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) فيلزمنا أن لا نصافح النساء الأجنبيات اقتداء به صلى الله عليه وسلم .4- تكريم الله - تعالى - لنبيه صلى الله عليه وسلم ودفاعه عنه ، وإلزام المؤمنين بالعمل على كل ما يرضيه ولا يؤذيه ، وبعدم نكاح أزواجه من بعده أبدا . .
الأحزاب 33:55
ثم استثنت السورة الكريمة بعض الأصناف الذين يجوز للمرأة أن تظهر أمامهم بدون حجاب ، وبينت سمو منزلة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأكدت التحذير من إيذائه ، ومن إيذاء المؤمنين والمؤمنات ، وأمرت النبى صلى الله عليه وسلم أن يرشد أزواجه وبناته ونساء المؤمنين إلى وجوب الاحتشام فى ملابسهن . . فقال - تعالى - : ( لاَّ جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ في آبَآئِهِنَّ . . . الله غَفُوراً رَّحِيماً ) .قال القرطبى : لما نزلت آية الحجاب قال الآباء والأبناء والأقارب لرسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم : ونحن أيضا نكلمهن من وراء حجاب؟ فنزلت هذه الآية : ( لاَّ جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ في آبَآئِهِنَّ وَلاَ أَبْنَآئِهِنَّ ) .فالآية الكريمة مسوقة لبيان من لا يجب على النساء أن يحتجبن منه .أى : لا حرج ولا إثم على أمهات المؤمنين ولا على غيرهن من النساء . فى ترك الحجاب بالنسبة لآبائهن ، أو أبنائهن أو أخوانهن ، أو أبناء إخوانهن أو أبناء أخواتهن ، أو نسائهن اللاتى تربطن بهن رابطة قرابة أو صداقة ، أو ما ملكت أيمانهن من الذكور أو الإِناث .فهؤلاء يجوز للمرأة أن تخاطبهم بدون حجاب ، وأن تظهر أمامهم بدون ساتر . وهذا لون من ألوان اليسر والسماحة فى شريعة الإِسلام .ولم يذكر سبحانه - العم والخال ، لأنهما يجريان مجرى الوالدين ، وقد يسمى العم أبا . كما فى قوله - تعالى - حكاية عن يعقوب : ( أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الموت إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إلهك وإله آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إلها وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ) وإسماعيل كان عم اليعقوب لا أباله .قال الجمل : وقوله : ( وَلاَ نِسَآئِهِنَّ ) أى : ولا جناح على زوجات النبى صلى الله عليه وسلم فى عدم الاحتجاب عن نسائهن ، أى : عن النساء المسلمات وإضافتهن لهن من حيث المشاركة فى الوصف ، وهو الإِسلام ، وأما النساء الكافرات فيجب على أزواج النبى الاحتجاب عنهن .كما يجب على سائر المسلمات . أى : ما عدا ما يبدو عند المنهة ، أما هو فلا يجب عل المسلمات حجبه وستره عن الكافرات .وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : فى سورة النور : ( وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَآئِهِنَّ أَوْ آبَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَآئِهِنَّ أَوْ أَبْنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ . . . ) الآية .ثم عقب . سبحانه هذا الترخيص والتيسر بقوله : ( واتقين الله إِنَّ الله كَانَ على كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً ) .والجملة الكريمة معطوفة على محذوف ، والتقدير : لقد أبحت لكن معشر النساء مخاطبة هؤلاء الأصناف بدون حجاب : فامتثلن أمرى ، واتقين الله - تعالى - فى كل أحوالكن ، واحرصن على العفاف والتستر والاحتشام ، لأن الله - تعالى - فى كل أحوالكن ، واحرصن على العفاف والتستر والاحتشام ، لأن الله - تعالى - مطلع على كل ما يصدر عنكن ، وسيجازى كل إنسان بما يستحقه من ثواب أو عقاب .
الأحزاب 33:56
ثم أثنى الله - تعالى - على نبيه ثناء كبيرا وأمر المؤمنين بأن يعظموه ويوقروه فقال : ( إِنَّ الله وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النبي ياأيها الذين آمَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيماً ) .قال القرطبى ما ملخصه : هذه الآية شرف الله بها رسوله صلى الله عليه وسلم فى حياته وموته ، وذكر منزلته منه .. والصلاة من الله رحمته ورضوانه ، ومن الملائكة الدعاء والاستغفار ، ومن الأمة الدعاء والتعظيم لأمره . .والضمير فى ( يُصَلُّونَ ) لله - تعالى - ولملائكته . وهذا قول من الله شرف به ملائكته . .أو فى الكلام حذف . والتقدير : إن الله يصلى وملائكته يصلون .وقال ابن كثير : والمقصود من هذه الآية الكريمة ، أن الله - تعالى - أخبر عباده بمنزلة بعده ونبيه عنده فى الملأ الأعلى : بأنه يثنى عليه عند الملائكة المقربين وأن الملائكة تصلى عليه ، ثم أمر الله أهل العالم السفلى بالصلاة والتسليم عليه . ليجتمع الثناء عليه من أهل العالمين العلوى والسفلى جميعا .والمعنى : إن الله - تعالى - يثنى على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ويرضى عنه ، وإن الملائكة تثنى عليه صلى الله عليه وسلم وتدعو له بالظفر بأعلى الدرجات وأسماها .( ياأيها الذين آمَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ ) أى : عظموه ووقروه وادعوا له بأرفع الدرجات ( وَسَلِّمُواْ تَسْلِيماً ) أى : وقولوا : السلام عليك أيها النبى . والسلام : مصدر بمعنى السلام .أى : السلام من النقائص والآفات ملازمة لك .والتعبير بالجملة الاسمية فى صدر الآية ، للإِشعار بوجوب المداومة والاستمرار على ذلك . وخص المؤمنين بالتسليم ، لأن الآية وردت بعد النهى عن إيذاء النبى صلى الله عليه وسلم ، والإِيذاء له صلى الله عليه وسلم إنما يكون من البشر .وقد ساق المفسرون - وعلى رأسهم ابن كثير والقرطبى والآلوسى - أحاديث متعددة فى فضل الإِكثار من الصلاة على النبى صلى الله عليه وسلم ، وفى كيفية الصلاة عليه . .ومنها ما رواه الإِمام أحمد وابن ماجة عن عامر بن ربيعة قال : سمعت النبى صلى الله عليه وسلم يقول : " من صلى على صلاة لم تزل الملائكة تصلى عليه ما صلى على ، فليُقِلَّ عبد من ذلك أو ليكثر " .ومنها ما رواه الشيخان وغيرهما عن كعب بن عُجْزَة قال : لما نزلت هذه الاية قلنا : يا رسول الله ، قد علمنا السلام ، فكيف الصلاة عليك ، قال : قالوا : اللهم صل على محمد ، وعلى آل محمد ، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم ، إنك حميد مجيد . اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد .والآية الكريمة تدل على وجوب الصلاة والسلام على النبى صلى الله عليه وسلم والمؤمنون الصادقون هم الذين يكثرون من ذلك . قال صاحب الكشاف ما ملخصه : فإن قلت : الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم واجبة أم مندوب إليها؟ قلت : بل واجبة ، وقد اختلفوا فى حال وجوبها ، فمنهم من أوجبها كلما جرى ذكره صلى الله عليه وسلم ومنهم من قال تجب فى كل مجلس مرة ، وإن تكرر ذكره .ومنهم من أوجبها فى العمرة مرة . . والذى يقتضيه الاحتياط : الصلاة عليه عند كل ذكر . . . لما ورد من الأخبار فى ذلك .ومنها : " رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل على " .
الأحزاب 33:57
ثم توعد - سبحانه - الذين يسيئون إلى رسوله صلى الله عليه وسلم بأى لون من ألوان الإِساءة فقال : ( إِنَّ الذين يُؤْذُونَ الله وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ الله فِي الدنيا والآخرة وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُّهِيناً ) .والمراد بأذى الله ورسوله : ارتكاب ما يبغضان ويكرهان من الكفر والفسوق والعصيان ، ويشمل ذلك ما قاله اليهود : عزير ابن الله ، ويد الله مغلولة ، وما قاله النصارى : من أن المسيح ابن الله ، كما يشمل ما قاله الكافرون فى الرسول صلى الله عليه وسلم من أنه كاهن أو ساحر أو شاعر . .وقيل : إن المقصود بالآية هنا : إيذاء الرسول صلى الله عليه وسلم خاصة ، وذكر الله - تعالى - معه للتشريف ، وللإِشارة إلى أن ما يؤذى الرسول يؤذى الله - تعالى - ، كما جعلت طاعة الرسول ، طاعة لله .قال ابن كثير : والظهر أن الآية عامة فى كل من آذى الرسول صلى الله عليه وسلم بشئ ، فإن من آذاه فقد آذى الله ، ومن أطاعه فقد اطاع الله ، ففى الحديث الشريف : " الله الله فى أصحابى ، لاتتخذوهم غرضا بعدى ، فمن أحبهم فبحبى أحبهم ، ومن أبغضهم فببغضى أبغضهم ، ومن آذاهم فقد آذانى ، ومن آذانى فقد آذى الله ، ومن آذى الله يوشك أن يأخذه " .أى : إن الذين يؤذون الله - تعالى - ورسوله صلى الله عليه وسلم ، بارتكاب ما لا يراضه من كفر أو شرك أو فسوق أو عصيان . .( لَعَنَهُمُ الله فِي الدنيا والآخرة ) أى : طرد الله - تعالى - هؤلاء الذين ارتبوا الأذى من رحمته ، وأبعدهم من رضاه فى الدنيا والآخرة .( وَأَعَدَّ لَهُمْ ) - سبحانه - فى الآخرة ( عَذَاباً مُّهِيناً ) أى : عذابا يهينهم ويجعلهم محل الاحتقار والإِزدراء من غيرهم .
الأحزاب 33:58
وبعد هذا الوعيد الشديد لمن آذى الله ورسوله ، جاء وعيد آخر لمن آذى المؤمنين والمؤمنات ، فقال - تعالى - : ( والذين يُؤْذُونَ المؤمنين والمؤمنات بِغَيْرِ مَا اكتسبوا فَقَدِ احتملوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً ) .أى : والذين يرتكبون فى حق المؤمنين والمؤمنات ما يؤذيهم فى أعراضهم أو فى أنفسهم أو فى غير ذلك مما يتعلق بهم ، دون أن يكون المؤمنون أو المؤمنات قد فعلوا ما يوجب أذاهم . .( فَقَدِ احتملوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً ) أى : فقد ارتكبوا إثما شنيعا ، وفعلا قبيحا ، وذنبا ظاهرا بينا ، بسبب إذائهم للمؤمنين والمؤمنات .وقال - سبحانه - هنا ( بِغَيْرِ مَا اكتسبوا ) ولم يقل ذلك فى الآية السابقة عليها ، لأن الناس بطبيعتهم يدفع بعضهم بعضا ، ويعتدى بعضهم على بعض ، ويؤذى بعضهم بعضا ، أما الله - تعالى - ورسوله صلى الله عليه وسلم فلا تصور منهما ذلك .وجمع - سبحانه - فى ذمهم بين البهتان والاثم المبين ، للدلالة على فظاعة ما ارتكبوه فى حق المؤمنين والمؤمنات ، إذ البهتان هو الكذب الصرحي الذى لا تقبله العقول ، بل يحيرها ويدهشا لشدته وبعده عن الحقيقة .والإِثم المبين : هو الذنب العظيم الظاهر البين ، الذى لا يخفى قبحه على أحد .روى ابن أبى حاتم عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه : " " أى الربا أربى عند الله؟قالوا : الله ورسوله أعلم . قال : أربى الربا عند الله ، استحلال عرض امرئ مسلم " " ثم قرأ صلى الله عليه وسلم هذه الآية .
الأحزاب 33:59
ثم أمر الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم أن يأمر أزواجه وبناته ونساء المؤمنين عامة ، بالاحتشام والتستر فى ملابسهن فقال - تعالى - ( ياأيها النبي قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ المؤمنين يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ ) .قال الآلوسى : روى عن غير واحد أنه كانت الحرة والأمة ، تخرجان ليلا لقضاء الحاجة فى الغيطان وبين النخيل ، من غير تمييز بين الحرائر والإِماء ، وكان فى المدينة فساق يتعرضون للإِماء ، وربما تعرضوا للحرائر ، فإذا قيل لهم قالوا : حسبناهن إماء ، فأمرت الحرائر أن يخالفن الإِماء فى الزى والتستر فلا يطمع فيهن . .وقوله : ( يُدْنِينَ ) من الإِدناه بمعنى التقريب ، ولتضمنه معنى السدل والإِرخاء عُدِّىَ بعلى . وهو جواب الأمر ، كما فى قوله - تعالى - : ( قُل لِّعِبَادِيَ الذين آمَنُواْ يُقِيمُواْ الصلاة . . . . ) .والجلابيب : جمع جلباب ، وهو ثوب يستر جميع البدن ، تلبسه المرأة ، فوق ثيابها .والمعنى : يأيها النبى قل لأزواجك اللائى فى عصمتك ، وقل لبناتك اللائى هن من نسلك ، وقل لنساء المؤمنين كافة ، قل لهن : إذا ما خرجن لقضاء حاجتهن ، فعليهن أن يسدلن الجلابيب عليهن ، حتى يسترن أجسامهن سترا تاما ، من رءوسهن إلى أقدامهن ، زيادة فى التستر والاحتشام ، وبعدا عن مكان التهمة والريبة .قالت أم سلمة - رضى الله عنها - : لما نزلت هذه الآية ، خرج نساء الأنصار كأن على رءوسهن الغربان من السكينة وعليهن أكسية سود يلبسنها .وقوله : ( ذلك أدنى أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ ) بيان للحكمة من الأمر بالتستر والاحتشام .أى : لك التستر والاحتشام والإِدناء عليهن من جلابيبهن يجعلهن أدنى وأقرب إلى أن يعرفن ويميزن عن غيرهن من الإِماء ، فلا يؤذين من جهة من فى قلوبهم مرض .قال بعض العلماء : وقد يقال إن تأويل الآية على هذا الوجه ، وصرها على ال حرائر ، قد يفهم منه أن الشارع قد أهمل أمر الإِماء ، ولم يبال بما ينالهن من الإِيذاء من ضعف إيمانهم ، مع أن فى ذلك من الفتنة ما فيه ، فهلا كان التصون والتستر عاما فى جميع النساء؟والجواب ، أن الإِماء بطبيعة عملهن يكثر خروهجن وترددهن فى الأسواق ، فإذا كلفن أن يتقنعن ويلبسن الجلباب السابغ كلما خرجن ، كان فى ذلك حرج ومشقة عليهن ، وليس كذلك الحرائر فإنهن مأمورات بعدم الخروج من البيوت إلا لضرورة ومع ذلك فإن القرآن الكريم قد نهى عن إيذاء المؤمنين والمؤمنات جميعا - سواء الحرائر والإِماء ، وتوعد المؤذين بالعذاب المهين .. والشارع - أيضا - لم يخطر على الإِمام التستر والتقنع ، ولكنه لم يكلفهن بذلك فدعا للحرج والعسر ، فللأمة أن تلبس الجلباب السابغ متى تيسر لها ذلك . .هذا ، ويرى الإِمام أبو حيان أن الأرجح أن المراد بنساء المؤمنين ، ما يشمل الحرائر والإِماء وأن الأمر بالتستر يشمل الجميع ، وأن الحكمة من وراء هذا الأمر باسدال الجلابيب عليهن ، درء التعرض لهن بسوء من ضعاف الايمان .فقد قال - رحمه الله - : والظاهر أن قوله : ( وَنِسَآءِ المؤمنين ) يشمل الحرائر والإِماء ، والفتنة بالإِماء أكثر لكثرة تصرفهن ، بخلاف الحرائر ، فيحتاج إخراجهن من عموم النساء إلى دليل واضح . . ( ذلك أدنى أَن يُعْرَفْنَ ) لتسترهن بالعفة فلا يتعرض لهن ، ولا يليقين بما يكرهن ، لأن المرأة إذا كانت فى غاية التستر والانضمام لم يقدم عليها بخلاف المتبرجة فإنها مطموع فيها .ويبدو لنا أن هذا الرأى الذى اتجه أبو حيان - رحمه الله - أولى بالقبول من غيره ، لتمشية مع شريعة الإِسلام التى تدعو جميع النساء إلى التستر والعفاف .ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله : ( وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً ) أى : وكان الله - تعالى - وما زال واسع المغفرة والرحمة لمن تاب إليه توبة صادقة مما وقع فيه من أخطاء وسيئات .
الأحزاب 33:60
ثم هدد - سبحانه - المنافقين وأشباههم بسوء المصير ، إذا ما استمروا فى إيذائهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين والمؤمنات . وبين - عز وجل - أن وقت قيام الساعة مرد علمه إليه وحده . وأن الكافرين عند قيامها سيندمون ولكن لني نفعهم الندم ، فقال - تعالى - : ( لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ المنافقون . . . والعنهم لَعْناً كَبِيراً ) .والمنافقون : جمع منافق ، وهو الذى يظهر الإِسلام ويخفى الكفر .والذين فى قلوبهم مرض : هم قوم ضعاف الإِيمان ، قليلو الثبات على الحق .والمرجفون فى المدينة : هم الذين ينشرون أخبار السوء عن المؤمنين ويلقون الأكاذيب الضارة بهم ويذيعونها بين الناس . وأصل الإِرجاف : التحريك الشديد للشئ ، مأخوذ من الرجفة التى هى الزلزلة . ووصف به الأخبار الكاذبة ، لكونها فى ذاتها متزلزلة غير ثابتة ، أو لإِحداثها الاضطراب فى قلوب الناس .وقد سار بعض المفسرين ، على أن هذه الأوصاف الثلاثة ، كل وصف منها لطائفة معينة ، وسار آخرون على أن هذه الأوصاف لطائفة واحدة هى طائفة المنافقين ، وأن العطف لتغابر الصفات مع اتحاد الذات .قال القرطبى : قوله : ( لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ المنافقون والذين فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ والمرجفون فِي المدينة . . . ) أهل التفسير على أن الأوصاف الثلاثة لشئ واحد . . والواو مقحمة كما فى قول الشاعر :إلى الملك القرم وابن الهما ... م وليث الكتيبة فى المزدحمأراد إلى الملك القرم ابنا لهمام ليث الكتبية .وقيل : كان منهم قوم يرجفون ، وقوم يتبعون النساء للريبة ، وقوم يشككون المسلمين .وقد سار صاحب الكشاف على أن هذه الأوصاف لطوائف متعددة من الفاسقين ، فقال : ( والذين فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ ) قوم كان فيهم ضعف إيمان ، وقلة ثبات عليه . .( والمرجفون فِي المدينة ) ناس كانوا يرجفون بأخبار السوء عن سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقولون : هزموا وقتلوا وجرى عليهم كيت وكيت ، فيكسرون بذلك قلوب المؤمنين .والمعنى : لئن لم ينته المنافقون عن عدائكم وكيدكم ، والفسقة عن فجورهم ، والمرجفون عما يؤلفون من أخبار السوء ، لنأمرنك بأن تفعل بهم الأفاعيل التى تسوؤهم وتنوؤهم .وقوله : ( لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ) جواب القسم . أى : لنسلطنك عليهم فتستأصلهم بالقتل والتشريد ، يقال : أغرى فلان فلانا بكذا ، إذا حرضه على فعله .وقوله : ( ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ إِلاَّ قَلِيلاً ) معطوف على جواب القسم . أى : لنغرينك بهم ثم لا يبقون بعد ذلك مجاورين لك فيها إلا زمانا قليلا ، يرتحلون بعده بعيدا عنكم ، لكى تبتعدوا عن شرورهم .وجاء العطف بثم فى قوله : ( ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ ) للإِشارة إلى أن إجلاءهم عن المدينة نعمة عظيمة بالنسبة للمؤمنين ، ونقمة كبيرة بالنسبة لهؤلاء المنافقين وأشباهههم .
الأحزاب 33:61
وقوله : ( مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثقفوا ) أى : مطرودين من رحمة الله - تعالى - ومن فضله ، أينما وجدوا وطفر بهم المؤمنون .و ( مَّلْعُونِينَ ) منصوب على الحال من فاعل ( يُجَاوِرُونَكَ ) و ( ثقفوا ) بمعنى وجدوا . تقول ثقفت الرجل فى الحرب أثقفه ، إذا أدركته وظفرت به .وقوله : ( أُخِذُواْ وَقُتِّلُواْ تَقْتِيلاً ) بيان لما يحيق بهم من عقوبات عند الظفر بهم .أى : هم ملعونون ومطرودون من رحمة الله بسبب سوء أفعالهم ، فإذا ما أدركوا وظفر بهم ، أخذوا أسارى أذلاء ، وقتلوا تقتيلا شديدا ، وهذا حكم الله - تعالى - فيهم حتى يقلعوا عن نفاقهم وإشاعتهم قالة السوء فى المؤمنين ، وإيذائهم للمسلمين والمسلمات .
الأحزاب 33:62
ثم بين - سبحانه - أن سنته قد اقتضت تأديب الفجار والفسقة حتى يقلعوا عن فجورهم وفسقهم فقال : ( سُنَّةَ الله فِي الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلُ ) وقوله : ( سُنَّةَ ) منصوب على أنه مصدر مؤكد . أى : سن الله - تعالى - ذلك سنة ، فى الأمم الماضة من قبلكم - أيها المؤمنون - بأن جعل تأديب الذين يسعون فى الأرض بالفاسد ، ويؤذون أهل الحق ، سنة من سننه التى لا تتخلف .( وَلَن تَجِدَ ) - أيها الرسول الكريم - ( لِسُنَّةِ الله ) الماضية فى خلقه ( تَبْدِيلاً ) أو تحويلا ، لقيامها على الإِرادة الحكيمة ، والعدالة القويمة .
الأحزاب 33:63
ثم بين - سبحانه - أن وقت قيام الساعة لا يعلمه إلا هو فقال : ( يَسْأَلُكَ الناس عَنِ الساعة قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ الله وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ الساعة تَكُونُ قَرِيباً ) .والسائلون هنا قيل : هم اليهود ، وسؤالهم عنها كان بقصد التعنت والإِساءة إلى النبى صلى الله عليه وسلم .أى : يسألك اليهود وأشباههم فى الكفر والنفاق عن وقت قيام الساعة ، على سبيل التعنت والامتحان لك .( قُلْ ) لهم - أيها الرسول الكريم - ( إِنَّمَا ) علم وقت قيامها عند الله - تعالى - وحده ، دون أى أحد سواه .( وَمَا يُدْرِيكَ ) أى : وما يعلمك ( لَعَلَّ الساعة تَكُونُ قَرِيباً ) أى . لعل قيامها وحصولها يتحقق فى قوت قريب ، ولكن هذا الوقت مهما قرب لا يعلمه إلا علام الغيوب - سبحانه - .ولقد كان النبى صلى الله عليه وسلم يقول : " بعثت أنا والساعة كهاتين " ويشير إلى إصبعيه السبابة والوسطى .
الأحزاب 33:64
ثم بين - تعالى - ما أعده للكافرين من عقاب فقال : ( إِنَّ الله لَعَنَ الكافرين ) بأن طردهم من رحمته ، وأبعدهم عن مغفرته .( وَأَعَدَّ لَهُمْ ) فوق ذلك فى الآخرة ( سَعِيراً ) أى : نارا شديدة الاشتعال والاتقاد .
الأحزاب 33:65
( خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً ) أى : خالدين فيها خلودا أبديا لا خروج لهم منها معه .( لاَّ يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً ) أى لا يجدون من يحول بينهم وبين الدخول فى هذه النار المسعرة ، كما لا يجدون من يخلصهم من عذابها وسعيرها .
الأحزاب 33:66
ثم بين - سبحانه - حسراتهم عندما يحل بهم العذاب فى الآخرة فقال : يوم تقلب وجوههم فى النار ، يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا .و ( يَوْمَ ) ظرف لعدم الوجدان لمن يدافع عنهم أو ينصرهم أى : لا يجدون من يدفع عنهم العذاب : يوم تقلب وجوههم فى النار تارة إلى جهة ، وتارة إلى جهة أخرى ، كما يقلب اللحم عند شوائه .وحينئذ يقولون على سبيل التحسر والتفجع : يا ليتنا أطعنا الله - تعالى - فيما أمرنا به ، وأطعنا رسوله فيما جاءنا به من عند ربه .قال صاحب الكشاف : وقوله : ( تُقَلَّبُ ) بمعنى تتقلب ، ومعنى تقليبها : تصريفها فى الجهات ، كما ترى البيضة تدور فى القدر إذا غلت ، فترامى بها الغليان من جهة إلى جهة .أو تغييرها عن أحوالها وتحويلها عن هيئاتها ، أو طرحها فى النار مقلوبة منكوسة .وخصت الوجوه بالذكر ، لأنه الوجه أكرم موضع على الإنسان من جسده ويجوز أن يكون الوجه عبارة عن الجملة .
الأحزاب 33:67
( وَقَالُواْ رَبَّنَآ إِنَّآ أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا فَأَضَلُّونَا السبيلا ) ، أى : وقال هؤلاء الكافرون - بعد هذا التحسر والتفجع - يا ربنا إنا أطعنا فى الدنيا ( سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا ) أى : ملوكنا ورؤساءنا وزعماءنا ، فجعلونا فى ضلال عن الصراط المستقيم ، وعن السبيل الحق .
الأحزاب 33:68
( رَبَّنَآ آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ العذاب ) أى : يا ربنا بهؤلاء السادات والكبراء عذابا مضاعفا ، بسبب ضلالهم فى أنفسهم ، وبسبب إضلالهم لغيرهم .( والعنهم لَعْناً كَبِيراً ) اى واطرادهم من رحمتك ، وأبعدهم عن مغفرتك ، إبعادا شديدا عظيما ، فهم كانوا سببا لنا فى هذا العذاب المهين الذى نزول بنا .وهكذا نرى الآيات الكريمة ، تصور لنا أحوال الكافرين فى الآخرة هذا التصوير المؤثر ، ليهلك من هلك عن بينة ، ويحيى من حى عن بينة .
الأحزاب 33:69
وبعد أن فصلت السورة الكريمة ما فصلت من أحكام ، وأرشدت إلى ما أرشدت من أداب ، وقصت ما قصت من أحداث . . بعد كل ذلك وجهت فى أواخرها نداءين إلى المؤمنين ، أمرتهم فيهما بتقوى الله - تعالى - وبالاقتداء بالأخيار من عباده ، وباجتناب بسلوك الأشرار ، كما ذكرتهم بثقل الأمانة التى رضوا بحلمها ، وبحسن عاقبة الصالحين وسوء عاقبة المكذبين ، قال - تعالى - : ( ياأيها الذين آمَنُواْ . . . . وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً ) .والمراد بالذين آذوا موسى - عليه السلام - فى قوله - تعالى - : ( ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كالذين آذَوْاْ موسى ) قومه الذين أرسله الله إليهم .فقد حكى القرآن الكريم ألوانا من إيذائهم له ، ومن ذلك قولهم له : ( ياموسى اجعل لَّنَآ إلها كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ . . . ) وقولهم : ( لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى نَرَى الله جَهْرَةً ) ومن إيذائهم له - عليه السلام - ما رواه الإِمام البخارى والترمذى عن أبى هريرة قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن موسى كان رجلا حييا ستيرا لا يرى من جلده شئ ، فآذاه من آذاه من بنى إسرائيل ، وقالوا : ما يستتر إلا من عيب بجلده ، إما برص ، وإما آفة . وإن الله - تعالى - أراد أن يبرئه مما قالوا ، وإن موسى خلا يوما وحده فوضع ثيابه على حجر ثم اغتسل ، فلما فرغ أقبل عى ثيابه ليأخذها ، وإن الحجر عدا بثوبه ، وأخذ موسى عصاه وطلب الحجر ، فجعل يقول : ثوبى حجر ، ثوبى حجر حتى انتهى إلا ملأ بنى إسرائيل ، فرأوه عريانا أحسن ما خلق الله - تعالى - ، وأبرأه الله - تعالى مما يقولون . . " فذلك قوله - تعالى - ( ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كالذين آذَوْاْ موسى ) .والمعنى : يا من آمنتم بالله - تعالى - حق الإِيمان ، التزموا الأدب والطاعة والاحترام لنبيكم صلى الله عليه وسلم واحذروا أن تسلكوا معه المسلك الذى سلكه بنو إسرائيل مع نبيهم موسى - عليه السلام - حيث آذوه بشتى أنواع الأذى .وقولهم : ( لَن نَّصْبِرَ على طَعَامٍ وَاحِدٍ . . . ) واتخاذهم العجل إلها من دون الله فى غيبة نبيهم موسى - عليه السلام - . .( فَبرَّأَهُ الله مِمَّا قَالُواْ ) أى : فأظهر الله - تعالى - براءته من كل ما نسبوه إليه من سوء .( وَكَانَ عِندَ الله وَجِيهاً ) أى : وكان عند الله - تعالى - ذا جاه عظيم ، ومكانه سامية ، ومنزلة عالية ، حيث نصره - سبحانه - عليهم ، واصطفاه لحمل رسالته . .يقال : وجه الرجل يوجه وجاهة فهو وجيه ، إذا كان ذا جاه وقدر . .
الأحزاب 33:70
ثم أمرهم - سبحانه - بمراقبته وبالخوف منه ، بعد أن نهاهم عن التشبه ببنى إسرائيل فى إيذائهم لنبيهم فقال : ( ياأيها الذين آمَنُواْ اتقوا الله وَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً ) .والقول السديد : هو القول الصادق الصحيح الخالى من كل انحراف عن الحق والصواب ، مأخوذ من قولك : سدد فلان سهمه يسدده ، إذا وجهه بإحكام إلى المرمى الذى يقصده فأصابه . ومنه قولهم : سهم قاصد . إذا أصاب الهدف .أى : يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وراقبوه وخافوه فى كل ما تأتون وما تذرون ، وفى كل ما تقولون وما تفعلون ، وقولوا قولا كله الصدق والصواب .
الأحزاب 33:71
فإنكم إن فعلتم ذلك ( يُصْلِحْ ) الله - تعالى - ( لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ ) بأن يجعلها مقبولة عنده ( وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ) التى فرطت منكم ، بأن بمحوها عنكم ببركة استقامتكم فى أقوالكم وأفعالكم .( وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ ) فى كل الأقوال والأعمال ( فَقَدْ فَازَ ) فى الدارين ( فَوْزاً عَظِيماً ) لا يقادر قدره ، ولا يعلم أحد كنهه وعلو منزلته .
الأحزاب 33:72
ثم بين - سبحانه - ضخامة التبعة التى حملها الإِنسان فقال : ( إِنَّا عَرَضْنَا الأمانة عَلَى السماوات والأرض والجبال فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنسان . . ) .وأرجح الأقوال وأجمعها فى المراد بالأمانة هنا : أنها التكاليف والفرائض الشرعية التى كلف الله - تعالى - بها عباده ، من إخلاص فى العبادة ، ومن أداء للطاعات ، ومن محافظة على آداب هذا الدين وشعائره وسننه .وسمى - سبحانه - ما كلفنا به أمانة ، لأن هذه التكاليف حقوق أمرنا - سبحانه - بها ، وائتمننا عليها ، وأوجب علينا مراعاتها والمحافظة عليها ، وأداءها بدون إخلال بشئ منها .والمراد بالإِنسان : آدم - عليه السلام - أو جنس الإِنسان .والمراد بحمله إياها : تقبله لحمل هذه التكاليف والأوامر والنواهى مع ثقلتها وضخامتها .وللعلماء فى تفسير هذه الآية اتجاهات ، فمنهم من يرى أن الكلام على حقيقته ، وأن الله - تعالى - قد عرض هذه التكاليف الشرعية المعبر عنها بالأمانة ، على السماوات والأرض والجبال ( فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا ) لثقلها وضخامتها ( وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا ) أى : وخفن من عواقب حملها أن ينشأ لهن من ذلك ما يؤدى بهن إلى عذاب الله وسخطه بسبب التقصير فى أداء ما كلفن بأدائه .( وَحَمَلَهَا الإنسان ) أى : وقبل الإِنسان حمل هذه الأمانة عند عرضها عليه ، بعد أن أبت السماوات والأرض والجبال حملها ، وأشفقن منها .( إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً ) أى : إنه كان مفرطا فى ظلمه لنفسه ، ومبالغة فى الجهل ، لأن هذا الجنس من الناس لم يلتزموا جميعا بأداء ما كلفهم الله - تعالى - بأدائه . وإنما منهم من أداها على وجهها - وهم الأقلون - ، ومنهم من لم يؤدها وإنما عصى ما أمره به ربه ، وخان الأمانة التى التزم بأدائها .فالضمير فى قوله ( إِنَّهُ ) يعود على بعض أفراد جنس الإِنسان ، وهم الذين لم يؤدوا حقوق هذه الأمانة التى التزموا بحملها .قال الآلوسى : ( إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً ) أى : بحسب غالب أفراده الذين لم يعملوا بموجب فطرتهم السليمة ، دون من عداهم من الذين لم يعملوا بموجب فطرتهم السليمة ، دون من عداهم من الذين لم يبدلوا فطرة الله ويكفى فى صدق الحكم على الجنس بشئ ، وجوده فى بعض أفراده ، فضلا عن وجوده فى غالبها . .وقال بعض العلماء : ورجوع الضمير إلى مجرد اللفظ دون اعتبار المعنى التفصيلى معروف فى اللغة التى نزل بها القرآن .وقد جاء فعلا فى آية من كتاب الله ، وهى قوله - تعالى - : ( وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ . . . )لأن الضمير فى قوله : ( وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ ) راجع إلى لفظ المعمر دون معناه التفصيلى ، كما هو ظاهر .وهذه المسألة هى المعروفة عند علماء العربية بمسألة : عندى درهم ونصفه . أى : ونصف درهم آخر .وأصحاب هذا الاتجاه يقولون : لا مانع إطلاقا من أن يخلق الله - تعالى - إدراكا ونطقا للسموات والأرض والجبال ، ولكن هذا الإِدراك والنطق لا يعلمه إلا هو - سبحانه - .ومما يشهد لذلك قوله - تعالى - : ( تُسَبِّحُ لَهُ السماوات السبع والأرض وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولكن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً ) قال الجمل : وكان هذا العرض عليهن - أى على السماوات والأرض والجبال تخييرا لا إلزاما ، ولو ألزمهن لم يمتنعن عن حملها . والجمادات كلها خاضعة لله - تعالى - مطيعة لأمره ، ساجدة له .قال بعض أهل العلم : ركب الله - تعالى - فيهن العقل والفهم حين عرض عليهن الأمانة ، حتى عقلن الخطاب ، وأجبن بما أجبن .ويرى بعضهم أن العرض فى الآية الكريمة من قبيل ضرب المثل ، أو من قبيل المجاز .قال الإِمام القرطبى ما ملخصه : لما بين - تعالى - فى هذه السورة من الأكحام ما بين ، أم بالتزام أوامره ، والأمانة تعم جميع وظائف الدين ، على الصحيح من الأقوال ، وهو قول الجمهور . .ويصح أن يكون عرض الأمانة على السماوات والأرض والجبال على سبيل الحقيقة .وقال القفال وغيره : العرض فى هذه الآية ضرب مثل ، أى : أن السماوات والأرض والجبال على كبر أجرامها ، لو كانت بحيث يجوز تكليفها ، لثقل عليها تقلد الشرائع ، لما فيها من الثواب والعقاب .أى : أن التكليف أمر حقه أن تعجز عنه السماوات والأرض والجبال ، وقد حمله الإِنسان وهو ظلوم جهول لو عقل . وهذا كقوله : ( لَوْ أَنزَلْنَا هذا القرآن على جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ الله . . . ) وقال قوم : إن الآية من المجاز : أى : أنا إذا قايسنا ثقل الأمانة بقوة السماوات والأرض والجبال ، رأينا أنها لا تطيقها ، وأنها لو تكلمت لأبت وأشفقت ، فَعُبِّر عن هذا بعرض الأمانة . كما تقول : عرضت الحمل على البعير فأباه ، وأنت تريد : قايست قوته بثقل الحمل فرأيت أنها تقصر عنه . .وقيل : ( عَرَضْنَا ) يعنى عارضنا الأمانة بالسموات والأرض والجبال ، فضعفت هذه الأشياء عن الأمانة . ورجحت الأمانة بثقلها عليها . . .ويبدو لنا أن حمل الكلام على الحقيقة أولى بالقبول ، لأنه ما دام لم يوجد مانع يمنع منه ، فلا داعى لصرفه عن ذلك .ومما لا شك أن قدرة الله - تعالى - لا يعجزها أن تخلق فى السماوات والأرض ولاجبال إدراكا وتمييزا ونطقا لا يعلمه إلا هو - سبحانه - .
الأحزاب 33:73
واللام فى قوله - سبحانه - : ( لِّيُعَذِّبَ الله المنافقين والمنافقات . . . ) متعلقة بقوله : ( وَحَمَلَهَا الإنسان . . ) .أى : وحملها الإِنسان ليعذب اله - تعالى - بعض أفراده الذين لم يراعوها ولم يؤدوا ما التزموا بحمله وهم المنافقون والمنافقات والمشركون والمشركات ( وَيَتُوبَ الله عَلَى المؤمنين والمؤمنات ) أى : ويقبل الله - تعالى - توبة المؤمنين والمؤمنات ، بأن يكفر عنهم سيئاتهم وخطاياهم .( وَكَانَ الله ) - تعالى - ما زال ( غَفُوراً رَّحِيماً ) أى : واسع المغفرة والرحمة لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى .أما بعد : فهذا تفسير لسورة ( الأحزاب ) نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه ، ونافعا لعباده . .والحمد الله الذى بنعمته تتم الصحالحات .وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
سبأ 34:1
افتتحت سورة ( سبأ ) بتقرير الحقيقة الأولى فى كل دين ، وهى أن المستحق للحمد المطلق ، والثناء الكامل ، هو الله رب العالمين .والحمد : هو الثناء باللسان على الجميل الصدر عن اختيار من نعمة أو غيرها .و ( أل ) فى الحمد للاستغراق ، بمعنى أن المستحق لجيمع المحامد ، ولكافة ألوان الثناء ، هو الله - تعالى - .وإنما كان الحمد مقصورا فى الحقيقة عليه وحده - سبحانه - ، لأن كل ما يستحق أن يقابل بالثناء ، فهو صادر عنه ، ومرجعه إليه ، إذ هو الخالق لكل شئ ، وما يقدم إلى بعض الناس من حمد جزاء إحسانهم ، هو فى الحقيقة حمد له - لأنه - سحبانه - هو الذى وفقهم لذلك ، وأعانهم عليه .وقد اختار - سبحانه - افتتاح هذه السورة بصفة الحمد ، دون المدح أو الشكر ، لأنه وسط بينهما ، إذ المدح أعم من الحمد ، لأن المدح يكون للعاقبل وغيره ، فقد يمدح الإِنسان لعقله ، وتمدح اللؤلؤة لجماها ، أما الحمد فإنه لا يحصل إلا للفاعل المختار على ما يصدر عنه من إحسان .والحمد أخص من الشكر ، لأن الشكر من أجل نعمه وصلت إليك أما الحمد فيكون من أجل نعمة وصلت إليك أو إلى غيرك .وفى القرآن الكريم خمس سور اشتركت فى الافتتاح بقوله - تعالى - : ( الحمد للَّهِ . . ) وهى سورة الفاتحة ، والأنعام ، وسبأ وفاطر .ولكن لكل سورة من هذه السور ، منهج خاص فى بيان أسباب الحمد لله - تعالى - وحده .وقد أحسن القرطبى - رحمه الله - عندما قال : فإن قيل : قد افتتح غيرها أى : سورة الأنعام - بالحمد لله ، فكان الاجتزاء بواحدة يغنى عن سائره؟ فالجواب أن لكل واحد منه معنى فى موضعه ، لا يؤدى عن غيره ، من أجل عقده بالنعم المختلفة ، و - أيضا - فلما فيه من الحجة فى هذا الموضع على الذين هم بربهم يعدلون .والمعنى : الحمد الكامل الشامل لله - تعالى - وحده ، لأنه هو ، الذى له ما فى السماوات وما فى الأرض ، خلقا وملكا وتصرفا ، بحيث لا يخرج شئ فيهما عن إرادته ومشيئته .وقوله : وله الحمد فى الآخرة ، تنبيه إلى أن حمده - عز وجل - ليس مقصورا على الدنيا ، بل يشمل الدنيا والآخرة .فالمؤمنون فى الدنيا على ما وهبهم من نعم الإِيمان والإِحسان ، ويحمدونه فى الآخرة على ما منحهم من جنة عرضها السماوات والأرض ، ويقولون : ( الحمد للَّهِ الذي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأرض نَتَبَوَّأُ مِنَ الجنة حَيْثُ نَشَآءُ فَنِعْمَ أَجْرُ العاملين ) قال صاحب الكشاف : ولما قال - سبحانه - : الحمد لله ، ثم وصف ذاته بالإِنعام بجميع النعم الدنيوية ، كان معناه : أنه المحمود على نعم الدنيا ، تقول : احمد أخاك الذى كساك وحملك ، تريد : احمده على كسوته وحملانه .ولما قال : ( وَلَهُ الحمد فِي الآخرة ) علم أنه المحمود على نعم الآخرة وهو الثواب .وقال الآلوسى : والفرق بين الحمدين مع كون نعم الدنيا ونعم الآخرة بطريق التفضل ، أن الأول على نهج العبادة ، والثانى على وجه التلذذ والاغتباط وقد ورد فى الخبر أن أهل الجنة يلهمون التسبيح كما يلهمون النفس .وقال الجمل : فإن قلت : الحمد مدح للنفس ، ومدحها مستقبح فيما بين الخلق ، فما وجه ذلك؟فالجواب : ان هذا المدح دليل على أن حاله - تعالى - بخلاف حال الخلق ، وأنه يحسن منه ما يقبح من الخلق ، وذلك يدل على أنه - تعالى - مقدس عن أن تقاس أفعاله ، على افعال العباد .ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله : ( وَهُوَ الحكيم الخبير ) أى : وهو - تعالى - الذى أحكم أمور الدارين ، ودبرها بحكمته ، وهو العليم بظواهر عباده وبواطنهم ، لا يخفى عليه شئ من أحوالهم .
سبأ 34:2
ثم فصل - سبحانه - بعض علمه فقال : ( يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأرض ) والولوج الدخول ، يقال : ولج فلان منزله ، فهو يلجه ولجا وولوجا ، إذا دخله .أى : أنه - سبحانه - يعلم ما يلج فى الأرض وما يدخل فيها من ماء نازل من السماء ، ومن جواهر دفنت فى طياتها ، ومن بذور ومعادن فى جوفها .ويعلم - أيضا - ( وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا ) من نبات وحبوب وكنوز ، وغير ذلك من أنواع الخيرات .ويعلم كذلك ( وَمَا يَنزِلُ مِنَ السمآء ) من أمطار ، وثلوج ، وبرد ، وصواعق ، وبركات ، من عنده - تعالى - لأهل الأرض .( وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا ) أى : ويعلم ما يصعد فيها من الملائكة والأعمال الصالحة ، كما قال - تعالى - : ( إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكلم الطيب والعمل الصالح يَرْفَعُهُ ) وعدى العروج بفى لتضمنه معنى الاستقرار ، وهو فى الأصل يعد بإلى قال - تعالى - : ( تَعْرُجُ الملائكة والروح إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ) وقوله : ( يَعْرُجُ ) من العروج ، وهو الذهاب فى صعود . والسماء جهة العلو مطلقا .( وَهُوَ الرحيم الغفور ) أى : وهو - سبحانه - صاحب الرحمة الواسعة ، والمغفرة العظيمة ، لمن يشاء من عباده .وهذه الآية الكريمة - مع وجازة ألفاظها - تصور تصويرا بديعا معجزا ، مظاهر علم الله - تعالى - ، ولو أن أهل الأرض جميعا حاولوا إحصاء ( مَا يَلِجُ فِي الأرض وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السمآء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا ) لما استطاعوا أن يصلوا إلى إحصاء بعض تلك الحشود الهائلة من خلق الله - تعالى - فى أرض أو سمائه .ولكن هذه الحشود العجيبة فى حركاتها ، وأحجامها ، وأنواعها ، وأجناسها ، وصورها ، وأحوالها . . قد أحصاها علم الله - تعالى - الذى لا يخفى عليه شئ .
سبأ 34:3
ثم حكى - سبحانه - ما قاله الكافرون فى شأن يوم القيامة ، فقال - تعالى - ( وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لاَ تَأْتِينَا الساعة ) .أى : وقال الذين كفروا بالله وملائكته وكتبه ورسوله واليوم الآخر ، لا تأتينا الساعة بحال من الأحوال ، وإنما نحن ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر ، وإذا متنا فإن الأرض تأكل أجسادنا ، ولا نعود إلى الحياة مرة أخرى .وعبروا عن إنكارهم لها بقولهم : ( لاَ تَأْتِينَا الساعة ) مبالغة فى نفيها نفيا كليها ، فكأنهم يقولون : لا تأتينا الساعة فى حال من الأحوال ، لأننا ننكر وجودها أصلا ، فضلا عن إتيانها .وقد أمر الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم أن يرد عليهم بما يؤكد وجودها وإتيانها تأكيدا قاطعا فقال : ( قُلْ بلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ ) .و " بلى " حرف جواب لرد النفى ، فتفيد إثبات المنفى قبلها ، ثم أكد - سبحانه - ذلك بجملة القسم .أى : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المنكرين لإِتيان الساعة : ليس الأمر كما زعمتم ، بل هى ستأتيكم بغتة ، وحق ربى الذى أوجدنى وأوجدكم .فالجملة الكريمة قد اشتملت على جملة من المؤكدات التى تثبت أن الساعة آتية لا ريب فيها ، ومن ذلك التعبير ب ( بلى ) بالجملة القسمية .قال ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية : هذه إحدى الآيات الثلاث التى لا رابع لهن ، مما أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم أن يقسم بربه العظيم على ووقع المعاد ، لما أنكره من أنكره من أهل الكفر والعناد : فإحداهن فى سورة يونس ، وهى قوله - تعالى - : ( وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وربي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ ) والثانية : هذه الآية التى معنا . والثالثة : فى سورة التغابن وهى قوله - تعالى - : ( زَعَمَ الذين كفروا أَن لَّن يُبْعَثُواْ قُلْ بلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ . . ) وقوله - تعالى - : ( عَالِمِ الغيب لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السماوات وَلاَ فِي الأرض وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ) تقوية لتأكيد إتيان الساعة .قالوا لأن تأكيد القسم بجلائل نعوت المقسم به يؤذن بخامة شأن المقسم عله ، وقوة إثباته ، وصحته ، لما أن ذلك فى حكم الاستشهاد على الأمر .وقوله ( يَعْزُبُ ) بمعنى يغيب ويخفى ، وفعله من باب " قلت وضرب " . يقال : عزب الشئ يعزب - بضم الزاى وكسرها - إذا غاب وبعد .والمعنى : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المنكرين لإِتيان الساعة : كذبتم فى إنكاركم وحق الله - تعالى - لتأتينكم ، والذى أخبرنى بذلك هو الله - تعالى - ( عَالِمِ الغيب ) أى : عالم ما غاب وخفى عن حسكم ، وهو - سبحانه - لا يغيب عن علمه مقدار أو وزن مثقال ذرة فى السماوات ولا فى الأرض ، ولا أصغر من ذلك المثقال ، ولا أكبر منه ، إلا وهو مثبت وكائن فى علمه - تعالى - الذى لا يغيب عنه شئ ، أو فى اللوح المحفوظ الذى فيه تسجل أحوال الخلائق وأقوالهم وأفعالهم .وقوله - سبحانه - : ( عَالِمِ الغيب ) قرأ بعضهم بكسر الميم على أنه نعت لقوله ( رَبِّي ) .أى : قبل بلى وربى عالم الغيب لتأتينكم الساعة .وقرأه آخرون بضم الميم على أنه مبتدأ ، وخبر جملة : ( لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ ) ، أو هو خبر لمبتدأ محذوف . أى : هو عالم الغيب .وقوله : ( لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ ) تمثيل لقلة الشئ ، ودقته ، والمراد انه لا يغيب عن علمه شئ ما ، مهما دق أو صغر ، إذ المثقال : مفعال من الثقل ، ويطلق على الشئ البالغ النهاية فى الصغر ، والذرة تطلق على النملة ، وعلى الغبار الذى يتطاير من التراب عند النفخ .وفى قوله - سبحانه - : ( وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ ) إعجاز علمى بليغ للقرآن الكريم ، إذ كان من المعروف إلى عهد قريب ، أن الذرة أصغر الأجسام ، فأشار القرآن إلى أن هناك ما هو أصغر منها ، وهذا ما اكتشفه العلم الحديث بعد تحطيم الذرة ، وتقسيمها إلى جزئيات .قال الجمل : وقوله : ( وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ ) العامة على رفع أصغر وأكبر ، وفيه وجهان :أحدهما : الابتداء ، والخبر إلا فى كتاب ، والثانى : العطف على ( مِثْقَالُ ) ، وعلى هذا فيكون قوله : ( إِلاَّ فِي كِتَابٍ ) تأكيد للنفى فى ( لاَ يَعْزُبُ ) كأنه قال : لكنه فى كتاب مبين .فإن قيل : فأى حاجة إلى ذكر الأكبر ، فإن من علم ما هو أصغر من الذرة لا بد وأن يعلم الأكبر؟ فالجواب : لما كان الله - تعالى - أراد بيان إثبات الأمور فى الكتاب ، فلو اقتصر على الأصغر لتوهم متوهم أنه يثبت الصغائر لكونها محل النسيان ، وأما الأكبر فلا ينسى فلا حاجة إلى إثباته ، فقال : الإِثبات فى الكتاب ليس كذلك فإن الأكبر مكتوب أيضا .
سبأ 34:4
واللام فى قوله - تعالى - ( لِّيَجْزِيَ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات ) متعلقة بقوله ( لَتَأْتِيَنَّكُمْ ) وهى للتعليل ولبيان الحكمة فى إتيانها .أى : لتأتينكم الساعة أيها الكافرون ، والحكمة فى ذلك ليجزى - سبحانه - الذى آمنوا وعملوا الصالحات الجزاء الحسن الذى يستحقونه .( أولئك ) الموصوفون بصفتى الإِيمان والعمل الصالح ( لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ ) عظيمة من ربهم لذنوبهم ( وَ ) لهم كذلك ( رِزْقٌ كَرِيمٌ ) تنشرح له صدورهم ، وتقرّ به عيونهم .
سبأ 34:5
( والذين سَعَوْا في آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ ) أى : والذين سعوا فى إبطال آياتنا ، وفى تكذيب رسلنا ( مُعَاجِزِينَ ) أى مسابقين لنا ، لتوهمهم أننا لا نقدر عليهم ، وأنهم يستطيعون الإِفلات من عقابناز يقال : عاجز فلان فلانا وأعجزه إذا غالبه وسبقه .( أولئك ) الذين يفعلون ذلك ( لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ ) أى : لهم عذاب من أسوأ أنواع العذاب وأشده ألما وإهانة .وهكذا نرى الآيات الكريمة بعد ثنائها على الله - تعالى - بما هو أهله ، وبعد إثباتها لعلمه الذى لا يعزب عنه شئ ، وبوعد حكايتها لأقوال المشركين وردها عليهم .بعد كل ذلك تصرح بأن الحكمة من إتيان الساعة . مجازاة الذين آمنوا وعملوا الصالحات بما يستحقون من ثواب ، ومجازاة الذين كفروا وسعوا فى آيات الله بالقدح فيها وصد الناس عنها . بما يستحقون من عقاب .
سبأ 34:6
ثم بين - سبحانه - موقف أهل العلم النافع مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من عند ربه ، وموقف الكافرين من ذلك ، ورد - سبحانه - على هؤلاء الكافرين بما يثبت ضلالهم وجهلهم ، فقال - تعالى - : ( وَيَرَى الذين أُوتُواْ العلم . . . لِّكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ ) .والمراد بالرؤية فى قوله - تعالى - : ( وَيَرَى الذين أُوتُواْ العلم ) المعرفة والعلم واليقين . والمراد بالذين أوتوا العلم : المؤمنون الصادقون الذين اتبعوا النبى صلى الله عليه وسلم فى كل ما جاءهم به من عند ربه ، سواء أكانوا من العرب أم من غيرهم ، كمؤمنى أهل الكتاب من اليهود والنصارى .والجملة الكريمة مستأنفة لمدح هؤلاء العلماء العقلاء على إيمانهم بالحق ، أو معطوف على يجزى فى قوله - تعالى - قبل ذلك : ( لِّيَجْزِيَ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات ) والمراد ب ( الذي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ) القرآن الكريم .والمعنى : لا تحزن - أيها الرسول الكريم - لما يقوله الكافرون بشأنك ولما يفعلونه لإِبطال دعوتك ، فإن الذين أوتوا العلم وهم أتباعك الصادقون ، يعلمون ويعتقدون أن ما أنزل إليك من ربك هو الحق الذى لا يحوم حوله باطل ، وهو الصدق الذى لا يشوبه كذب ، وهو الكتاب الذى يهدى من اتبعه وأطاع توجيهاته إلى دين الله - تعالى - ، العزيز ، الذى يقهر ولا يقهر ( الحميد ) أى المحمود فى جيمع شئونه .والمفعول الأول ليرى قوله : ( الذي أُنزِلَ ) . . والمفعول الثانى " الحق " و " هو " ضمير فصل متوسط بين المفعولين و " يهدى " معطوف على المفعول الثانى من باب عطف الفعل على الاسم لتأويله به ، أى : يرونه حقا وهاديا .وعبر - سبحانه - عن إيمان أهل العلم بما جاءهم به الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله : ( وَيَرَى ) ، للإِشعار بأنهم قد آمنوا هذا الإِيمان الجازم عن إدراك ومشاهدة ويقين ، وأنهم قد صاروا لا يشكون فى كون هذا المُنَزَّل عليه من ربه ، هو الحق الهادى إلى الصراط المستقيم .وفى وصفهم بقوله : ( أُوتُواْ العلم ) ثناء عظيم عليهم ، لأنهم انتفعوا بعلمهم وسخروه لخدمة الحق ، وللشهادة له بأنه حق ، ويهدى إلى السعادة الدينية والدنيوية والأخروية .وهكذا العلماء العاملون بمقتضى علمهم النافع . يكونون أنصارا للحق والهدى فى كل زمان ومكان .
سبأ 34:7
ثم حكى - سبحانه - ما قاله ألوئك الكافرون فيما بينهم ، على سبيل الاستهزاء بالنبى صلى الله عليه وسلم فقال - تعالى - : ( وَقَالَ الذين كَفَرُواْ هَلْ نَدُلُّكُمْ على رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ ) .وتمزيق الشئ : تخريقه وجعله قطعا قطعا . يقال : ثوب ممزق ومزيق . إذا كان مقطعا مخرقا . والمراد بالرجل : الرسول صلى الله عليه وسلم .أى : وقال الذين كفروا بعضهم لبعض ، ألا تريدون أن ندلكم ونرشدكم إلى رجل ، هذا الجرل يخبركم ويحدثكم ، بأنكم إذا متم ، وفرقت أجسامكم فى الأرض كل تفريق ، وصرتم رفاتا وعظاما ، وأصبحتم طعاما فى بطون الطيور والوحوش .( إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ) أى : إنكم بعد هذا التمزيق والتفريق ، تخلقون خلقا جديدا ، وتعودون إلى الحياة مرة أخرىن للحساب على أعمالكم التى علمتموها فى حياتكم .وقالوا : ( هَلْ نَدُلُّكُمْ على رَجُلٍ ) وهو صلى الله عليه وسلم أشهر من نار على علم بينهم ، لقصد تجاهل أمره ، والاستخفاف بشأنهن والاستهزاء بدعوته .ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال : فإن قلت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مشهورا علما فى قريش ، وكان إنباؤه بالبعث شائعا بينهم ، فما معنى قولهم : ( هَلْ نَدُلُّكُمْ على رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ ) فنكروه لهم ، وعرضوا عليهم الدلالة عليه كما يدل على مجهول فى أمر مجهول؟قلت : كانوا يقصدون بذلك الطَّنز - أى : الاستخفاف والسخرية - فأخرجوه مخرج التحلى ببعض الأحاجى التى يتحاجى بها للضحك والتلهى ، متجاهلين به وبأمره .وقال الآلوسى - رحمه الله - : وقوله : ( يُنَبِّئُكُمْ ) أى يحدثكم بأمر مستغرب عجيب . . وإذا فى قوله : ( إِذَا مُزِّقْتُمْ ) شرطية ، وجوابها محذوف لدلالة ما بعده عليه . أى : تبعثون أو تحشرون ، وهو العامل فى " إذا " على قول الجمهور ، والجملة الشرطية بتمامها معمولة لقوله : ( يُنَبِّئُكُمْ ) لأنه فى معنى يقول لكم إذا مزقتم كل ممزق تبعثون ، ثم أكد ذلك بقوله - تعالى - : ( إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ) .
سبأ 34:8
وقوله - سبحانه - بعد ذلك : ( أفترى عَلَى الله كَذِباً أَم بِهِ جِنَّةٌ ) حكاية لقول آخر من أقوالهم الباطلة ، التى قالواها بشأن ما جاءهم به النبى صلى الله عليه وسلم .والاستفهام لتعجبهم مما قاله صلى الله عليه وسلم لأن قوله لهم : إنكم ستبعثون وتحاسبون يوم القيامة ، جعلهم لجهلهم وانطماس عقولهم - يستنكرون ذلك ، ويرجعون قوله صلى الله عليه وسلم إلى أمرين : إما افتراء الكذب واختلاقه على الله - تعالى - وإما إصابته بالجنون الذى جعله يقول قولا لا يدرى معناه .وقد رد الله - تعالى - بما ينفى عن رسوله صلى الله عليه وسلم ما اتهموه به ، وبما يثبت جهلهم وغباءهم فقال . ( بَلِ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة فِي العذاب والضلال البعيد ) .أى : ليس الأمر كما زعم هؤلاء الكافرون ، من أن الرسول صلى الله عليه وسلم الذى أخبرهم بأن هناك بعثا وحسابا ، به جنة أو افترى على الله كذبا ، بل الحق أن هؤلاء الكافرين الذين لا يؤمنون بالآخرة وما فيها من ثواب وعقاب ، غارقون فى العذاب الذى لا نهاية له . وفى الضلال البعيد عن الحق غاية البعد .
سبأ 34:9
ثم هددهم - سبحانه - بسوء العاقبة ، إذا ما استمروا فى ضلالهم وجهالاتهم وذكرهم بما يشاهدونه من عجائب قدرته فقال : ( أَفَلَمْ يَرَوْاْ إلى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِّنَ السمآء والأرض ) .والاستفهام للتعجب من حالهم ، ومن ذهولهم عن الفكر والتدبر ، والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام .والمعنى : أعمى هؤلاء الكافرون فلم يعتبروا ولم يتعظوا بما يشاهدونه من مظاهر قدرته - عز وجل - المحيطة بهم من كل جانب والمنتشرة فى آفاق السماوات وفى جوانب الأرض؟إن تأملهم فى مظاهر قدرتنا الواضحة أمام أعينهم ، من شأنه أن يهديهم إلى الحق الذى جاءهم به رسولنا صلى الله عليه وسلم ومن شأنه أن يجعلهم يوقنون بأننا ( إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرض ) كما فعلنا بقارون .( أَوْ ) إن نشأ ( نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِّنَ السمآء ) والكِسَفُ جمع كِسْفَة بمعنى قطعة أى : لا يعجزنا أن نخصف بهم الأرض . كما لا يعجزنا - أيضا - أن نتنزل عليهم قطعا من العذاب الكائن من السماء فنهلكهم ، كما أنزلناها على أصحاب الأيكة فأهلكناهم بسبب تذكيبهم وجحودهم .ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ ) .أى : إن فى ذلك الذى ذكرناه من مظاهر قدرتنا الواضحة بين أيديهم ، لآية بينة ، وعبرة ظاهرة ، لكل عبد أى : راجع إلى الله - تعالى - بالتوبة الصادقة ، وبالطاعة الخالصة لما جاءه به نبينا صلى الله عليه وسلم .
سبأ 34:10
ثم ساق - سبحانه - نموذجين من الناس ، أولهما : أعطاه الله - تعالى - الكثير من نعمه وفضله وإحسانه ، فوقف من كل ذلك موقف المعترف بنعم الله الشاكر لفضله .وثانيهما : أعطاه الله - تعالى - النعم فوقف منها مموقف الجاحد البطر الكنود .أما النموذج الأول فنراه فى شخص النبيين الكريمين داود وسليمان - عليهما السلام - فقد قال - سبحانه - فى شأنهما : ( وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً . . . العذاب المهين ) .وقوله - سبحانه - : ( وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً ) بيان لما مَنّ الله - تعالى - به على عبده داود - عليه السلام - من خير وبركة .أى : ولقد آتينا عبدنا فضلا عظيما ، وخيرا وفيرا ، وملكا كبيرا ، بسبب إنابته إلينا ، وطاعته لنا .ثم فصل - سبحانه - مظاهر هذا الفضل فقال : ( ياجبال أَوِّبِي مَعَهُ ) والتأويب الترديد والترجيع . يقال : أوَّب فلان تأويبا إذا رَجَّع مع غيره ما يقوله .والجملة مقول لقول محذوف : أى : وقلنا يا جبال رددى ورجعى مع عبدنا داود تسبيحه لنا ، وتقديسه لذاتنا ، وثناءه علينا ، كما قال - تعالى - : ( إِنَّا سَخَّرْنَا الجبال مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بالعشي والإشراق ) وقوله : ( والطير ) بالنصب عطفا على قوله ( فَضْلاً ) أى : وسخرنا له الطير لتسبح معه بحمدنا . أو معطوف على محل ( ياجبال ) أى : ودعونا الجبال والطير إلى التسبيح معه .قال الإِمام ابن كثير - رحمه الله : يخبر - تعالى - عما به على عبده ورسوله داود - عليه السلام - مما آتاه من الفضل المبين ، وجمع له بين الانبوة والملك المتكن ، والجنود ذوى العَدَد والعُدَد ، وما أعطاه ومنحه من الصوت العظيم ، الذى كان إذا سبح به ، تسبح معه الجبال الراسيات ، الصم الشامخات ، وتقف له الطيور السارحات . والغاديات الرائحات ، وتجاوبه بأنواع اللغات .وفى الصحيح " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع صوت أبى موسى الأشعرى يقرأ من الليل ، فوقف فاستمع لقراءته ثم قال : " لقد أوتى هذا مزمارا من مزامير آل داود " " .وقال صاحب الكشاف : فإن قلت : أى فريق بين هذا النظم وبين أن يقال : ( آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً ) تأويب الجبال معه والطير؟قلت : كم بينهما من الفرق؟ ألا ترى إلى ما فيه من الفخامة التى لا تخفى ، من الدلالة على عزة الربوبية وكبرياء الألوهية ، حيث جعلت الجبال مُنَزْلَةَّ مَنزِلَةَ العقلاء ، الذين إذا أمرهم أطاعوا وأذعنوا ، وإذا دعاهم سمعوا وأجابوا ، إشعارا بأنه ما من حيوان وجماد وناطق وصامت إلا وهو منقاد لمشيئته ، غير ممتنع على إرادته .وقوله - تعالى - : ( وَأَلَنَّا لَهُ الحديد ) ، بيان لنعمة أخرى من النعم التى أنعم بها - سبحانه - عليه .أى : وصيرنا الحديد لينا فى يده ، بحيث يصبح - مع صلابته وقوته - كالعجيبن فى يده ، يشسكله كيف يشاء ، من غير أن يدخله فى نار ، أو أن يطرقه بمطرقة .فالجملة الكريمة معطوفة على قوله ( آتَيْنَا ) ، وهى من جملة الفضل الذى منحه - سبحانه - لنبيه داود - عليه السلام - .
سبأ 34:11
و ( أَنِ ) فى قوله : ( أَنِ اعمل سَابِغَاتٍ ) مصدرية على حذف حرف الجر . وسابغات صفة لموصوف محذوف .أى : ألنا له الحديد ، لكى يعمل منه دروعا سابغات .والدرع السابغ ، هى الدرع الواسعة التامة . يقال : سبغ الشئ سبوغا ، إذا كان واسعا تاما كاملا . ومنه قولهم : نعمة سابغة ، إذا كانت تامة كاملة .قال - تعالى - : ( أَلَمْ تَرَوْاْ أَنَّ الله سَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ) وقوله : ( وَقَدِّرْ فِي السرد ) والتقدير هنا بمعنى الإِحكام والإِجادة وحسن التفكير فى عمل الشئ . والسرد : نسج الدروع وتهيئاتها لوظيفتها .أى : آتينا داود كل هذا الفضل الذى من جملته إلانة الحديد فى ديه ، وقلنا له يا داود : اصنع دروعا سابغات تامات ، وأحكم نسج هذه الدروع ، بحيث تكون فى أكمل صورة ، وأقوى هيئة .روى ان الدروع قبل عهد داود كانت تعمل بطريقة تثقل الجسم ، ولا تؤدى وظيفتها لا تثقل الجسم ولا تتعبه ، وفى الوقت نفسه تكون محكمة إحكاما تاما بحيث لا تنفذ منها الرماح ، ولا تقطعها السيوف ، وكان الأمر كله من باب الإِلهام والتعليم من الله - تعالى - لعبده داود - عليه السلام - .ثم أمر - سبحانه - داود وأهله بالعمل الصالح فقال : ( واعملوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) .أى : واعملوا عملا صالحا يرضينى ، فإنى مطلع ومحيط ومبصر لكل ما تعملونه من عمل ، وسأجازيكم عليه يوم القيامة بالجزاء الذى تستحقونه .قال القرطبى : وفى هذه الآية دليل على تعلم أهل الفضل الصنائع ، وأن التحرف بها لا ينقص من مناصبهم . بل ذلك زيادة فى فضلهم وفضائلهم ، إذ يحصل لهم التواضع فى أنفسهم ، والاستغناء عن غيرهم ، وكسب الحلال الخالى عن الامتنان . وفى الصحيح أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : " إن خير ما أكل المرء من عمل يده ، وإن نبى الله داود كان يأكل من عمل يده " .
سبأ 34:12
هذا ما أعطاه الله - تعالى - لنبيه داود من فضل ، أما نبيه سليمان بن داود ، فقد أعطاه - سبحانه - أفضالا أخرى ، عبر عنها فى قوله - تعالى - : ( وَلِسُلَيْمَانَ الريح غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ ) .والغدوة والغداة : أول النهار إلى الزوال . والرواح من الزوال إلى الغروب .والمعنى : وسخرنا لنبينا سليمان بن داود - عليهما السلام - الريح ، تجرى بأمره فى الغدوة الواحدة مسيرة شهر ، وتعود بأمره فى الروحة الواحدة مسيرة شهر . أى : أنها لسرعتها تقطع فى مقدار الغدوة الواحدة ما يقطعه الناس فى شهر من الزامن ، وكذلك الحال بالنسبة للروحة الواحدة ، وهى فى كل مرة تسير بأمر سليمان ، ووفق إرادته التى منحه الله - تعالى - إياها .وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : ( وَلِسُلَيْمَانَ الريح عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الأرض التي بَارَكْنَا فِيهَا ) وقوله - سبحانه - : ( فَسَخَّرْنَا لَهُ الريح تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ ) ثم بين - تعالى - نعمة ثانية من النعم التى أنعم بها على سليمان فقال : ( وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ القطر ) .والقطر : هو النحاس المذاب . مأخوذ من قطَر الشئ يَقْطُر قَطْراً وقطَرانا ، إذا سال .أى : كما ألنا لداود الحديد ، أسلنا لابنه سليمان النحاس وجعلناه مذابا ، فكان يستعمله فى قضاء مصالحه ، كما يستعمل الماء ، وهذا كله بفضلنا وقدرتنا .ثم بين - سبحانه - نعمة ثالثة أنعم بها على سليمان - عليه السلام - فقال : ( وَمِنَ الجن مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ ) .أى : وسخرنا له من الجن من يكونون فى خدمته ، ومن يعملون بين يديه ما يريده منهم ، وهذا كله بأمرنا ومشيئتنا وقدرتنا .( وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا ) أى : من ينحرف من هؤلاء الجن عما أمرناه به من طاعة سليمان ، ( نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السعير ) أى : ننزل به عذابنا الأليم ، الذى يذله ويخزيه فى الدنيا والآخرة .
سبأ 34:13
ثم بين - سبحانه - بعض الأشياء التى كان الجن يعملونها لسليمان - عليه السلام - فقال : ( يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَآءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كالجواب وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ ) .المحاريب : جمع محراب . وهو كل مكان مرتفع ، ويطلق على المكان الذى يقف فيه الإِمام فى المسجد ، كما يطلق على الغرفة التى يصعد إليها ، وعلى أشرف أماكن البيوت .قالوا والمراد بها : اماكن العبادة ، والقصور المرتفعة .والتماثيل : جمع تمثال وقد يكون من حجر أو خشب أو نحاس أو غير ذلك .قال القرطبى ما ملخصه : والتماثيل جمع تمثال . وهو كل ما صور على مثل صورة حيوان أو غير حيوان . وقيل : كانت من زجاج ونحاس ورخام ، تماثيل أشياء ليست بحيوان .وذكر أنها صورة الأنبياء والعلماء ، وكانت تصور فى المساجد ليراها الناس . فيزدادوا عبادة واجتهادا .وهذا يدل على أن ذلك كان مباحا فى زمانهم ، ونسخ ذلك بشرع محمد صلى الله عليه وسلم .والجِفان : جمع جَفْنَة . وهى الآنية الكبيرة . والجَوَاب : جمع جابية ، وهى لاحوض الكبير الذى يحبى فيه الماء ويجمع لتشرب منه الدواب .والقدور : جمع قدر . وهو الآنية التى يطبخ فيها الطعام من نحاس أو فخار أو غيرهما .وراسيات : جمع راسية بمعنى ثابتة لاتتحرك .أى : أن الجن يعملون لسليمان - عليه السلام - ما يشاء من مساجد وقصور ، ومن صور متنوعة ، ومن قصاع كبار تشبه الأحواض الضخمة ، ومن قدور ثابتات على قواعدها ، بحيث لا تحرك لضخامتها وعظمها .وقوله - سبحانه - : ( اعملوا آلَ دَاوُودَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشكور ) مقول لقول محذوف .أى : أعطينا سليمان كل هذه النعم ، وقلنا له ولأهله : اعملوا يا آل دواد عملا صالحا ، شكرا لله - تعالى - على فضله وعطائه ، وقليل من عبادى هو الذى يشكرنى شكراخ الصا على نعمى وفضلى وإحسانى .وقوله ( شُكْراً ) يجوز أن يكون مفعولا لأجله . أى : اعملوا من أجل الشكر ، أو مصدرا واقعا موقع الحال . أى : اعملوا شاكرين .و ( قَلِيلٌ ) خبر مقدم .و ( مِّنْ عِبَادِيَ ) صفة له . و ( الشكور ) مبتدأ مؤخر . وهكذا يختم القرآن هذه النعم بهذا التغيب الذى يكشف عن طبيعة الناس فى كل زمان ومكان ، حتى يحملهم على أن يخالفوا أهواءهم ونفوسهم ، ويكثروا من ذلك الله - تعالى - وشكره .وحقيقة الشكر : الاعتراف بالنعمة للمنعم ، والثناء عليه لإِنعامه ، واستعمال نعمه - سبحانه - فيما خلقت له .والانسان الشكور : هو المتوفر على أداء الشكر ، الباذل قصارى جهده فى ذلك ، عن طريق قلبه ولسانه وجوارحه .
سبأ 34:14
ثم ختم - سبحانه - النعم التى أنعم بها على داود وسليمان ، ببيان مشهد وفاة سليمان ، فقال : ( فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الموت مَا دَلَّهُمْ على مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ ) .والمراد بدابة الأرضة : قيل هى الأَرَضَة التى تأكل الخشب وتتغذى به ، يقال : أرضتا لدابة الخشب أرضا - من باب ضرب - ، إذا أكلته . فإضافة الدابة إلى الأرض - بمعنى الأكل والقطع - من إضافة الشئ إلى فعله .و ( مِنسَأَتَهُ ) أى : عصاه التى كان مستندا عليها . وسميت العصا بذلك لأنها تزجر بها الأغنام إذا جاوزت مرعاها . من نسأ البعير - كنع - إذا زجره وساقه ، أو إذا أخره ودفعه .والمعنى : فلما حكنا على سليمان - عليه السلام - بالموت ، وأنفذناه فيه ، وأوقعناه عليه ، ( مَا دَلَّهُمْ ) أى : الجن الذين كانوا فى خدمته ( على مَوْتِهِ ) بعد أن مات وظل واقفا متكئا على عصاه ( إِلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ ) .أى : انهم لم يدركوا أنه مات ، واستمروا فى أعمالهم الشاقة التى كلفهم بها ، حتى جاءت الدابة التى تفعل الأرْضَ - أى الأكل والقطع - فأكلت شيئا من عصاه التى كان متكئا عليها ، فصقط واقعا عبد أن كان واقفا .( فَلَمَّا خَرَّ ) أى : فلما سقط سليمان على الأرض ( تَبَيَّنَتِ الجن ) أى : ظهر لهم ظهورا جليا ( أَن لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ الغيب ) كما يزعم بعضهم .( مَا لَبِثُواْ فِي العذاب المهين ) أى : ما بقوا فى الأعمال الشاقة التى كلفهم بها سليمان .وذلك أن الجن استمروا فيما كلفهم به سليمان من اعمال شاقة ، ولم يدركوا أنه قد مات ، حتى جاءت الأرضة فأكلت شيئا من عصاه ، فسقط على الأرض وهنا فقط علموا انه قد مات .قال ابن كثير : يذكر - تعالى - فى هذه الآية كيفية موت سليمان - عليه السلام - وكيف عمَّى الله موته على الجان المسخرين له فى الأعمال الشاقة ، فإنه مكث متوكئا على عصاه ، وهى منسأته - مدة طويلة نحواً من سنة ، فلما أكلتها دابة الأرض ، - وهى الأرضة - ضعف وسقط إلى الأرض ، وعلم أنه قد مات قبل ذلك بمدة طويلة - تبينت الجن والإِنس أيضاً - أن الجن لا يعلمون الغيب ، كما كانوا يتوهمون ويواهمون الناس ذلك .هذا هو النموذج الأول الذى ساقه الله - تعالى - للشاكرين ، متمثلا فى موقف داود وسليمان - عليهما السلام - مما أعطاهما - سبحانه - من نعم جزيله . .
سبأ 34:15
أما النموذج الأول الذى جاء فى أعقاب سابقه - فقد ساقه - سبحانه - لسوء عاقبة الجاحدين ، متمثلا فى قصة قبيلة سبأ وكيف أنهم قابلوا نعم الهل بالبطر ، فمحقها - سبحانه - من بين أيديهم وفى شأنهم يقول - عز وجل - : ( لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ . . . وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفُيظٌ ) .و ( لِسَبَإٍ ) فى الأصل اسم لرجل ، وهو : سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان بن هود ، وهو أول ملك من ملوك اليمن . .والمراد به هنا : الحى أو القبيلة المسماة باسمه ، فيصرف على الأول ويترك صرفه على الثانى .وكانوا يسكنون بمأْرِب باليمن ، على مسيرة ثلاثة أيام من صنعاء وكانت أرضهم مخصبة ذات بساتين وأشجار متنوعة ، وزاد خيرهم ونعيمهم بعد أن اقاموا سدا ، ليأخذوا من مياه الأمطار على قدر حاجتهم ، وكان هذا السد يعرف بسد مأرب ، ولكنهم لم يشكروا الله - تعالى - على هذه النعم ، فسلبها - سبحانه - منهم .قال ابن كثير : كانت سبأ ملوك اليمن وأهلها ، وكانت التبابعة منهم ، وبلقيس منهم ، وكانوا فى نعمة وغبطة ، وبعث الله إليهم الرسل تأمرهم أن يأكلوا من رزقه ، ويشكروه بتوحيده وعبابدته فكانوا كذلك ما شاء الله ، ثم أرعضوا عما أمروه به ، فعوقبوا بإرسال السيل والتفرق فى البلاد .أخرج الإِمام أحمد بسنده عن ابن عباس قال : " إن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سبأ : ما هو؟ رجل أم امرأة أم أرض؟ فقال صلى الله عليه وسلم : بل هو رجل . كانله عشرة اولاد ، سكن اليمن منهم ستة ، وهم : مَذْحِجْ ، وكِنْدَه ، والأزد ، والأشعريون ، وأنمار ، وحِميْر . وسكن الشام منهم أربعة وهم : لَخْم ، وجُذَام ، وعامِلَةُ ، وغسَّان " .وإنما سمى " سبأ " لأنه أول من سبأ فى العرب - أى : جمع السبايا - ، وكان يقال له الرائش ، لأنه أول من غنم فى الغزو فأعطى قومه ، فسمى الرائش ، والعرب تسمى المال - ريشا ورياشا ، وذكروا أنه بشر برسول الله صلى الله عليه وسلم ، فى زمانه المتقدم .والمعنى : والله لقد كان لقبيلة سبأ فى مساكنهم التى يعيشون فيها ( آيَةٌ ) بينة واضحة ، وعلامة ظاهرة تدل على قدرة الله - تعالى - وعلى فضله على خلقه وعلى وجوب شكره على نعمه ، وعلى سوء عقابة الجاحدين لهذه النعم .فالمراد بالآية : العلامة الواضحة الدالة على وحدانية الله - تعالى - وقدرته وبديع صنعه ، ووجوب شكره ، والتحير من معصيته .ثم وضح - سبحانه - هه الآية فقال : ( جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ ) أى : كانت لأهل سبأ طائفتان من البساتين والجنان : طائفة من يمين بلدهم ، وطائفة أخرى عن شماله .وهذه البساتين المحيطة بهم كانت زاخرة بما لذ وطاب من الثمار .قالوا : كانت المرأة تمشى تحت أشجار تلك البساتين وعلى رأسها المكتل ، يمتلئ من أنواع الفواكه التى تتساقط فى مكتلها دون جهد منها .ولفظ ( جَنَّتَانِ ) مرفوع على البدل من ( آيَةٌ ) أو على أنه مبتدأ ، وخبره قوله : ( عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ ) .وقوله - تعالى - : ( كُلُواْ مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ واشكروا لَهُ .. ) مقول لقول محذوف .أى : وقلنا لهم على ألسنة رسلنا ، وعلى ألسنة الصالحين منهم ، كلوا من الأرزاق الكريمة ، والثمار الطيبة ، التى أنعم بها ربكم عليكم ، واشكروا له - سبحانه - هذا العطاء ، فإنكم إذا شكرتموه زادكم من فضله وإحسانه .وقوله : ( بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ ) كلام مستأنلف لبيان موجبات الشكر .أى : هذه البلدة التى تسكنونها بلدة طيبة لاشتمالها على كل ما تحتاجونه من خيرات ، وربكم الذى أعطاكم هذه النعم ، رب واسع المغفرة والرحمة لمن تاب إليه وأناب ، ويعفو عن كثير من ذنوب عباده بفضله وإحسانه .
سبأ 34:16
ثم بين - سبحانه - ما أصابهم بسبب جحودهم وبطرهم فقال : ( فَأَعْرَضُواْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ العرم وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ ) .والعرم : اسم للوادى الذى كان يأتى منه السيل . وقيل : هو المطر الشديد الذى لا يطاق .فيكون من إضافة الموصوف إلى الصفة . أى : أرسلنا عليهم السيل الشديد المدمر .ويرى بعضهم أن المراد بالعرم : السدود التى كانت مبنية لحجز الماء من خلفها ، ويأخذون منها لزروعهم على قدر حاجتهم ، فلما أصيبوا بالترف والجحود تركوا العناية بإصلاح هذه السدود ، فتصدعت ، واجتاحت المياه آراضيهم فأفسدتها ، واكتسبت مساكنهم ، فتفرقوا عنها ، ومزقوا شر ممزق ، وضرب بهم الأمثال التى منها قولهم : تفرقوا أيدى سبأ . وهو مثل بضرب لمن تفرق شملهم تفرقا لا الاجتماع لهم معه .وهذا ما حدث لقبيلة سبأ فقد تفرق بعضهم غلى المدينة المنورة كالأوس والخزرج ، وذهب بعضهم إلى عمان كالأزد ، وذهب بعضهم إلى الشام كقبيلة غسان .وقوله : ( ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ ) الأكل : هو الثمر ، ومنه قوله - تعالى - : ( فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ ) أى : ثمرها . والخمط : هو ثمر الأراك أو هو النبت المر الذى لا يمكن أكله .و ( الأثل ) هو نوع من الشجر يشبه شجر الطرفاء . أو هو نوع من الشجر كثير الشوك و ( السدر ) هو ما يعرف بالنبق . أو هو نوع من الثمار التى يقل الانتفاع بها .والمعنى : فأعرض أهل سبأ عن شكرنا وطاعتنا . . فكانت نتيجة ذلك ، أن أرسلنا عليهم السيل الجارف ، الذى احتج أراضهيم ، فأفسد مزارعهم ، وأجلاهم عن ديارهم ، ومزقهم شر ممزق . . وبدلناهم بالجنان اليانعة التى كانوا يعيشون فيها ، بساتين أخرى قد ذهبت ثمارها الطيبة اللذيذة ، وحلت محلها ثمار مرة لا تؤكل ، وتناثرت فىأما كنهم الأشجار التى لا تسمن ولا تغنى من جوع ، بدلا من تلك الأشجار التى كانت تحمل لهم ما لذ وما طاب ، وعظم نفعه .فالمقصود من الآية الكريمة ببيان أن الجحود والبطر ، يؤديان إلى الخراب والدمار ، وإلى زوال النعم وتحويلها إلى نقم .
سبأ 34:17
ولذا جاء التعقيب بعد هذه الآية بقوله - تعالى - : ( ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُواْ وَهَلْ نجازي إِلاَّ الكفور ) .أى : ذلك الذى فعلناه بهم من تدبيل جنتيهم ، بحنتين ذواتى أكل خمط . . هو الجزاء العادل لهم بسبب جحودهم وترفهم وفسوقهم عن أمرنا .وإننا من شأننا ومن سنتنا أننا لا نعاقب ولا نجازى هذا الجزاء الرادع الشديد ، إلا لمن جحد نعمنا ، وكفر بآيتاتنى ، وآثر الغى على الرشد ، والعصيان على الطاعة .فاسم الإِشارة يعود إلى التبديل الذى تحدثت عنه الآية السابقة . وهو المفعول الثانى لجزيناهم مقدم عليه . أى : جزيناهم ذلك التبديل لا غيره . والمراد بالجزاء هنا : العقاب .قال صاحب الكشاف : قوله : ( وَهَلْ نجازي إِلاَّ الكفور ) بمعنى وهل يعاقب .وهو الوجه الصحيح . وليس لقائل أن يقول : لم قيل : وهل يجازى إلا الكفور ، على اختصاص الكفر بالجزاء ، والجزاء عام للمؤمن والكافر ، لأنه لم يرد الجزاء العام وإنما أريد الخاص وهو العقاب .
سبأ 34:18
ثم بين - سبحانه - نقمة أخرى أصابتهم بسبب جهلهم وحمقهم ، وكيف أن هذه النقمة قد حلت محل نعمة كانوا فيها ، فقال - تعالى - : ( وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ القرى التي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السير سِيرُواْ فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ ) .أى : وجعلنا - بقدرتنا ورحمتنا بين أهل سبأ ( وَبَيْنَ القرى التي بَارَكْنَا فِيهَا ) كمكة فى الجزيرة العربية ، وكبيت المقدس فى بلاد الشام ، جعلنا بينهم وبين تلك القرى المباركة ، ( قُرًى ظَاهِرَةً ) أى : قرى متقاربة متواصلة ، بحيث يرى من فى إحداها غيرها .( وَقَدَّرْنَا فِيهَا السير ) أى : وجعلنا زمن السير من قربة إلى أخرى مقدرا محددا ، بحيث لا يتجاوز مدة معينة قد تكون نصف يوم أو أقل .وقالوا : كان المسافر يخرج من قرية ، فيدخل الأخرى قبل حلول الظلام بها .وقوله : ( سِيرُواْ فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ ) مقول لقول محذوف . أى : وقلنا لهم : سيروا فى تلك القرى المتقاربة العارمة بالخيرات ، والتى توصلكم إلى القرى المباركة . . سيروا فيها ليالى وأياما آمنين من كل شر سواء سرتم بالليل أم بالنهار ، فإن الأمن فيها مستتب فى كل الأوقات : وفى كل الأحوال .فالآية الكريمة تحكى نعمة عظمى أخرى أنعم الله - تعالى - بها على أهل سبأ ، وهى نعمة تيسير سبل السفر لهم إلى القرى المباركة ، وتهيئة الأمان والاطمئان لهم خلال سفرهم ، وهى نعمة عظمى لا يدرك ضخامتها إلا من مارس الأسفار من مكان إلى آخر .
سبأ 34:19
ولكنهم لم يقدروا هذه النعمة ، بل بلغ بهم الجهل والحمق والبطر ، أنهم دعوا الله - تعالى - بقولهم - كما حكى القرآن عنهم - : ( فَقَالُواْ رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا ) .أى : ما أننا بفضلنا وإحساننا قد أعطيناهم تلك النعمة ، ومكانهم منها ، وهى نعمة تيسير وسائل السفر ، ومنحهم الأمان والاطمئمان خلاله . . إلا أنهم - لشؤمهم وضيق تفكيرهم وشقائهم - تضرعوا إلينا وقالوا : يا ربنا اجعل بيننا وبين القرى المباركة ، مفاوز وصحارى متباعدة الأقطار ، بدل تلك القرى العامرة المتقاربة ، فهم - كما يقول صاحب الكشاف - : بطروا النعمة ، وبشموا . أى : سئموا - من طيب العيش ، وملوا العافية ، فطلبوا النكد والتعب ، كما طلب بنو إسرائيل البصل والثوم ، مكان المن والسلوى .وفى هذه الجملة الكريمة قراءات متعددة ذكرها القرطبى فقال ما ملخصه : فقراءة العامة ( ربنا ) - النصب - على أنه نداء مضاف . . ( باعد ) - بزنة فاعل - سألوا المباعدة فى أسفارهم . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ( ربنا ) كذلك على الدعاء ( بعَّد ) - بتشديد العين - من التبعيد .وقرأ يعقوب وغيره ( ربُّنا ) - بالرفع - ( باعَدَ ) بفتح العين والدال - على الخبر . أى : لقد باعد ربنا ( بَيْنَ أَسْفَارِنَا ) .وقوله : ( وظلموا أَنفُسَهُمْ ) أى : قالوا ذلك القول السئ ، وظلموا أنفسهم بسببه ، حيث أجيب دعاؤهم ، فكان نقمة عليهم ، لأنهم بعد أن كانوا يسافرون بيسر وأمان ، صاروا يسافرون بمشقة وخوف .وقوله : ( فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ ) بيان لما آل إليه أمرهم .والأحاديث : جمع أحدوثة ، وهى ما يتحث به الناس على سبيل التلهى والتعجب أى : قالوا ما قالوا من سوء وفعلوا ما فعلوا من منكر ، فكانت نتيجة ذلك . أن صيرناهم أحاديث يتلهى الناس بأخبارهم ، ويضربون بهم المثل ، فيقولون : فتفرقوا أيدى سبأ ، ومزقناهم كل ممزق فى البلاد المتعددة ، فمنهم من ذهب إلى الشام ، ومنهم من ذهب إلى العراق . . . . بعد أن كانوا أمة متحدة ، يظلها الأمان والاطمئمان ، والغى والجاه . .( إِنَّ فِي ذَلِكَ ) الذى فعلناه بهم بسبب جهلهم وفسوقهم وبطرهم ( لآيَاتٍ ) واضحات بينات ( لِّكُلِّ صَبَّارٍ ) على طاعة الله - تعالى - ( شَكُورٍ ) له - سبحانه - على نعمه .وخص - سبحانه - الصبار والشكور بالذكر . لأنهما هما المنتفعان بآياته وعبره ومواعظه .
سبأ 34:20
ثم بين - عز وجل - الأسباب التى أدت إلى جحودهم وفسوقهم فقال : ( وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فاتبعوه إِلاَّ فَرِيقاً مِّنَ المؤمنين ) .ولقظ ( صَدَّقَ ) قرأه بعض القراء السبعة بتشديد الدال المفتوحة ، وقرأه البعض الآخر بفتح الدال بدون تشديد . وقوله : ( عَلَيْهِمْ ) متعلق بصدق .وقوله ( ظَنَّهُ ) مفعول به على قراءة التشديد ، ومنصوب بنزع الخافض على القراءة التخفيف ، وضمير الجمع فى ( عَلَيْهِمْ ) وفى ( فاتبعوه ) يعود إلى قوم سبأ .والمعنى على القراءة بالتشديد : ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فى قدرته على إغوائهم ، وحقق ما كان يريده منهم من الانصراف عن طاعة الله - وشكره ، فاتبعوا خطوات الشيطان ، بسبب انغماسهم فى الفسوق والعصيان ، إلا فريقا من المؤمنين ، لم يستطع إبليس إغواءهم لأنهم أخلصوا عبادتهم لخالقهم - عز وجل - ، واستمسكوا بالعروة الوثقى التى لا انفصام لها .والمعنى على القراءة بالتخفيف : ولقد صدق إبليس فى ظنها ، ه إذا أغواهم اتبعوه ، لأنه بمجرد أن زين لهم المعاصى أطاعوه ، إلا فريقا من المؤمنين لم يطيعوه .قال القرطبى ما ملخصه : وقوله : ( إِلاَّ فَرِيقاً مِّنَ المؤمنين ) نصب على الاستثناء وفيه قولان : أحدهما : أن يراد به بعض المؤمنين - فتكون من للتبعيض - ، لأنه كثيرا من المؤمنون يذنبون وينقادون لإِبليس فى بعض المعاصى .أى : ما سلم من المؤمنين أيضا إلا فريق ، وهو المقصود بقوله - تعالى - : ( إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ . . . ) والثانى : أن المراد بهم جميع المؤمنين ، فعن ابن عباس أنه قال : هم المؤمنون كلهم .وعلى هذا تكون ( مِّنَ ) للبيان لا للتبعيض . .
سبأ 34:21
ثم بين - سبحانه - إن إغواء الشيطان لأهل سبأ ولأشباههم من بنى آدم ، لم يكن عن قسر وإكراه ، وإنما كان عن اختيار منهم ليتميز الخبيث من الطيب فقال - تعالى - : ( وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بالآخرة مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ ) .والمراد بالسلطان هنا : التسلط بالقهر والغلبة والإِكراه . والمراد بالعلم فى قوله - تعالى - ( إِلاَّ لِنَعْلَمَ ) إظهار هذا العلم للناس ليتميز قوى الإِيمان من غيره .أى : وما كان لإِبليس عليهم سلطان قاهر يجعلهم لا يملكون دفعه ، وإنما كان له عليهم الوسوسة التى يملكون صرفها ودعفها متى حسنت صلتهم بنا ، ونحن ما أبحنا لإِبليس الوسوسة لبنى آدم ، إلا لنظهر فى عالما لواقع حال من يؤمن بالآخرة وما فهيا من ثواب وعقاب ومحسبا ، ولنميزه عمن هو منها فى شك وريب وإنكار . .قال الشوكانى - رحمه الله - : والاستثناء فى قوله ( إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بالآخرة مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ ) منقطع أى : لا سلطان له عليهم ، ولكن ابتليناهم بوسوسته لنعلم .وقيل : هو متصل مفرغ من أعم العلل . أى : ما كان له عليهم من تسلط بحال من الأحوال ، ولا لعلة من العلل ، إلا ليتميز من يؤمن ومن لا يؤمن ، لأنه - سبحانه - قد علم ذلك علما أزليا . وقال الفراء : إلا لنعلم ذلك عندكم . والأولى حمل العلم هنا على التمييز والإِظهار .ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : ( وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفُيظٌ ) أى : وربك - أيها الرسول الكريم - على كل شئ رقيب وحفيظ ، بحيث لا يخرج شئ عن حفظه وهيمنته وعلمه وقدرته .وهكذا نجد القرآن قد ساق لنا قصتين متعاقبتين ، إحداهما تدل على أن طاعة الله - تعالى وشكره ، وإخلاص العبادة له ، ومحسن الصلة به - سبحانه - ، كل ذلك يؤدى إلى المزيد من نعمه - تعالى - ، كما محدث لداود وسليمان - عليهما السلام - .وأما الثانية فتدل على ان الجحود والبطر والانغماس فى المعاصى والشهوات . كل ذلك يؤدى إلى زوال النعم ، كا حدث لقبيلة سبأ .وصدق الله إذ يقول : ( لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الألباب مَا كَانَ حَدِيثاً يفترى ولكن تَصْدِيقَ الذي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ).
سبأ 34:22
ثم نجد السورة الكريمة بعد ذلك ، تلقن النبى صلى الله عليه وسلم الحجج التى تؤيد ما هو عليه من حق وصدق ، وتزهق ما عليه أعداؤه من باطل وكذب . . فتقول : ( قُلِ ادعوا الذين زَعَمْتُمْ . . . . العزيز الحكيم ) .والأمر بالدعاء فى قوله - سبحانه - : ( قُلِ ادعوا الذين زَعَمْتُمْ مِّن دُونِ الله ) للتوبيخ والتعجيز . ومفعولا ( زَعَمْتُمْ ) مخذوفان .أى : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المزعومة بعد ذلك فى قوله - تعالى - : ( لاَ يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السماوات وَلاَ فِي الأرض . . ) .أى : هؤلاء الشركاء لا يملكون شيئا ما قل أو كثر لا فى السماوات ولا فى الأرض ، بل الذى بملك كل شئ ، هو الله - تعالى - وحده .فالجملة الكريمة مستأنفة لبيان حال هذه الآية ، وللكشف عن حقيقتها .والتعبير بعدم ملكيتهم لمثقال ذرة ، المقصود به أنهم لا يملكون شيئا على الإِطلاق ، لأن مثقال الذرة أقل ما تصور فى الحقارة والقلة .وذكر - سبحانه - السماوات والأرض لقصد التعميم ، إذ هما محل الموجودات الخارجية .أى : لا يملكون شيئا ما فى هذا الكون العلوى والسفلى .وبعد أن نفى عن الشركاء الملكية الخالصة لأى شئ فى هذا الكون ، أتبع ذلك بنفى ملكيتهم لشئ ولو على سبيل المشاركة ، فقال - تعالى - : ( وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِّن ظَهِيرٍ ) .أى : أن هؤلاء الذين زعمتموهم شركاء لله - تعالى - فى العبادة ، لايمكون شيئا ما فى هذا الكون ملكية خاصة ، ولا يملكون شيئا ما - أيضا - على سبيل المشاركة لغيرهم . وليس لله - تعالى - أحد يعينه أو يظاهره فيما يريد من إيجاد أو إعدام ، بل الأمر كله إليه وحده .فأنت ترى أن الآية الكريمة قد نفت عن تلك الآلهة المزعومة ، ملكية أى شئ فى هذا الكون ، سواء أكانت ملكية خالصة ، أم ملكية على سبيل المشاركة ، وأثبتت أن المالك والمتصرف فى هذا الكون إنما هو الله - تعالى - وحده ، دون أن يكون فى حاجة إلى عون من تلك الآلهة أو من غيرها .
سبأ 34:23
ثم نفى - سبحانه - أن تكون هناك شفاعة من أحد لأحد إلا بإذنه - تعالى - فقال : ( وَلاَ تَنفَعُ الشفاعة عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ) .والشفاعة : من الشفع الذى هو ضد الوتر - أى : الفرد - ، ومعناها : انضمام الغير إلى الشخص ليدفع عنه ما يمكن دفعه من ضر .أى : ولا تنفع الشفاعة عند الله - تعالى - من أحد لأحد ، إلا لمن أذن الله - تعالى - له فى ذلك .قال الآلوسى ما ملخصه : والمراد نفى شفاعة الأصنام لعابديها ، ولكنه - سبحانه - ذكر على وجه عام ، ليكون طريقا برهانيا . أى : لا تنفع الشفاعة فى حال من الأحوال ، أو كائنة لمن كانت ، إلا كائنة لشافع أذن له فيها من النبيين والملائكة ونحوهم من المستأهلين لمقام الشفاعة . ومن البين أنه لا يؤذن فى الشفاعة للكفار ، فقد قال - تعالى - :( لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحمن وَقَالَ صَوَاباً ) والشفاعة لهم بمعزل عن الصواب ، وعدم الإِذن للأصنام أبين وأبين ، فتبين حرمان هؤلاء الكفرة منها بالكلية . . .وقوله : ( حتى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُواْ الحق . . ) بيان لما يكون عليه المتظرون للشفاعة ، من لهفة وقلق .والتضعيف فى قوله ( فُزِّعَ ) للسلب . كما فى قولهم : مَرَّضت المريض إذا عملت على إزالة مرضه .فمعنى : ( فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ ) : كشف الفزع عنها ، وهدأت أحوالها بعد أن أصابها ما أصابها من هول وخوف فى هذا اليوم الشديد ، وهو ويم القيامة .و ( حتى ) غاية لما فهم من الكلام قبلها ، من أن هناك تلهفا وترقبا من الراجين للشفاعة ومن الشفعاء ، إذ الكل منتظر بقلق لما يؤول إليه أمره من قبول الشفاعة أو عدم قبولها .والمعنى : ولا تقبل الشفاعة يوم القيامة من أحد إلا لمن أذن الله - تعالى - له فى ذلك ، وفى هذا اليوم الهائل الشديد ، يقف الناس فى قلق ولهفة منتظرين قبول الشفاعة فيهم . حتى إذا كشف الفزع عن قلوب الشافعين والمشفوع لهم ، بسبب إذن الله - تعالى - فى قبولها ممن يشاء ولمن يشاء ، واستبشر الناس وقال بعضهم لبعض ، أو قالوا للملائكة : ( مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ ) أى : ماذا قال ربكم فى شأننا ومصيرنا .وهنا تقول لهم الملائكة ، أو يقول بعضهم لبعض : ( قَالُواْ الحق ) أى : يقولون قال ربنا القول الحق وهو الإِذن فى الشفاعة لمن ارتضى .فلفظ ( الحق ) منصوب بفعل مضمر . أى : قالوا قال ربنا الحق أو صفة لموصوف محذوف . أى : قالوا : قال ربنا القول ارتضى .( وَهُوَ ) - سبحانه - ( العلي ) أى : المتفرد بالعلو فوق خلقه ( الكبير ) أى : المتفرد بالكبرياء والعظمة .قال صاحب الكشاف - رحمة الله - : فإن قلت : بم اتصل قوله : ( حتى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ ) ، ولأى شئ وقعت حتى غاية؟ .قلت : اتصل بما فهم من هذا الكلام ، من أن ثم انتضارا للإِذن وتوقعها وتمهلا وفزعا من لاراجين للشفاعة والشفعاء ، هل يؤذون لهم أولا؟ وأنه لا يطلق الإِذن إلا بعد ملىِّ من الزمان ، وطول التربص . .كأنه قيل : ينتظرون ويتوقفون كليا فزعين وهلين ، حتى إذا كشف الفزع عن قلوب الشافعين والمشفوع لهم ، بكلمة يتكلم بها رب العزة فى إطلاق الإِذن : تباشروا بذلك وسأل بعضهم بعضا ( مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُواْ ) قال ( الحق ) أى : القول الحق ، وهو الإِذن بالشفاعة لمن ارتضى . .
سبأ 34:24
ثم أمر الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم أن يسألهم للمرة الثانية على سبيل التنبيه والتوبيخ ، من الذى يملك أن يرزقهم ، فقال - سبحانه - : ( قُلْ مَن يَرْزُقُكُمْ مِّنَ السماوات والأرض . . ) .أى : قبل أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين من الذى يرزقكم من السماء بالمطر وغيره ، ويرزقكم من الأرض بالنباتات والمعادن وغير لك من المنافع .وقوله - تعالى - : ( قُلِ الله ) جواب على هذا السؤال ، وهو جواب لا يملكون إلا الاعتراف به .أى : قل لهم منبها ولافتا أنظارهم إلى ما هم فيه من جهل : الله ومحده هو الذى يرزقكم بما لا يحصى من الأرزاق التى بعضها من السماوات ، وبعضها من الأرض .وقوله - سبحانه - : ( وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لعلى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ) داخل فى حيز الأمر السابق ، ولكن بأسلوب فيه ما فيه من الحكمة والتلطف ، ومن حمل المخاطب على التفكر والتدبر حتى يعود إلى الرشد والصواب .أى : وقل لهم - أيضا - أيها الرسول الكريم - لقد علمتم - يا معشر المشركين أن المستحق للعبادة هو الله - تعالى - وحده ، لأنه هو الذى خلقكم ورزقكم من السماوات والأرض . .وإن أحدنا لا بد أن يكن على الهدى والآخر على الضلال . وسنترك تحديد من المهتدى ومن هو الضال لعقولكم وضمائركم .وستعلمون - علم اليقين - بعد التفكر والتدبر أننا نحن المسلمين على الحق ، وأنتم يا معشر المشركين على الباطل . .فالجملة لون من ألوان الدعوة إلى الله - تعالى - بأسلوب مهذب حكيم ، من شأنه أن يحمل القلوب النافرة عن الحق ، إلى الاستسلام له ، والدخول فيه . .قال القرطبى : وقوله : ( وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لعلى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ) هذا على وجه الإِنصاف فى الحجة ، كما يقول القائل لغيره : أحدنا كاذب ، وهو يعلم أنه صادق ، وأن صاحبه كاذب ، والمعنى : ما نحن وأنتم على أمر وامحد ، بل على أمرين متضادين ، وأحد الفريقين مهتد وهو نحن ، والآخر ضال وهو أنتم ، فكذبهم بأحسن من تصريح التكذيب .والمعنى : أنتم الضالون حين أشركتم بالله الذى يرزقكم من السماوات والأرض . .وقوله : ( أَوْ إِيَّاكُمْ ) معطوف على اسم إن ، وخبرها وهو المذكور . وحذف خبر الثانى للدلالة عليه .أى : وإنا لعلى هدى أو فى ضلال مبين ، وإنكم لعلى هدى أو فى ضلال مبين .
سبأ 34:25
ثم أتبع - سبحانه - هذا الكرم الحكيم فى الدعوة إلى الحق ، بكلام لا يقل عنه حكمة وبلاغة فقال : ( قُل لاَّ تُسْأَلُونَ عَمَّآ أَجْرَمْنَا وَلاَ نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) أى : وقل لهم للمرة الثالثة - أيها الرسول الكريم - أنتم - أيها المشركون - لا تسألون يوم القيامة عن إجارمنا فى حق أنفسنا - إن كنا قد أجرمنا وأخطأنا فى حقها - ، ونحن - أيضا - لا يسألنا الله - تعالى - عن سبب بقائكم فى الكفر وفى الأعمال السيئة ، لأننا قد بلغناكم رسالة ربكم - عز وجل - ونصحناكم بالإِقلاع عن الشرك والمعاصى .وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - ، ( وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنتُمْ بريائون مِمَّآ أَعْمَلُ وَأَنَاْ برياء مِّمَّا تَعْمَلُونَ )
سبأ 34:26
ثم أمره - سبحانه - أن يذكرهم بيوم القيامة ما فيه من حساب دقيق ، فقال : ( قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بالحق وَهُوَ الفتاح العليم ) .أى : وقل لهم - أيها الرسول الكريم - إن الله - تعالى - بقدرته سيجمعنا وإياكم يوم القيامة ، ثم يحكم بيننا جميعا بحكمه العادل ، وهو - سبحانه - ( الفتاح العليم ) أى : الحاكم فى كل أمر باحلكم الحقن المطلع على جميع أحوال عباده .
سبأ 34:27
ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات بتوجيه رسوله صلى الله عليه وسلم إلى أن يقول لهم قولا يخرس به ألسنتهم ، ويبطل حججهم فقال : ( قُلْ أَرُونِيَ الذين أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَآءَ ) والرؤية هنا بصرية . ومفعولها الأول الياء ، ومفعلوها الثانى الاسم الموصول ، ولفظ شركاء : حال .أى : وقل لهم - أيضا - للمرة الخامسة على سبيل إلزامهم الحجة : أرونى وأطلعونى على أصناكم التى ألحقتموها بالله - تعالى - فى العبادة ، واتخذتموها شركاء له فى الطاعة . . إنها ما هى إلا أشياء لا تضر ولا تنفع ، وأنتم تعرفون ذلك عنها ، وها هى أمامكم واقعها وحالها ينببئ بعجزها التام ، فكيف أشركتموها مع الله - تعالى - فى العبادة والطاعة؟فالمقصود من الرؤية هنا علمية ، فيكون لفظ ( شُرَكَآءَ ) هو المفعول الثالث .أى : عرفونى الأصنام والأوثان التى جعلتموها شركاء لله - تعالى - فى العبادة .ثم زجرهم - سبحانه - عن هذا الضلال فقال : ( كَلاَّ بَلْ هُوَ الله العزيز الحكيم ) أى : كلا ليس الأمر كما زعتم من أن لله - تعالى - شركاء ، بل هو - سبحانه - العزيز الذى لا يغلبه غالب ، الحكيم فى كل أقواله وأفعاله .
سبأ 34:28
وهكذا نجد الآيات الكريمة قد لقنت النبى صلى الله عليه وسلم الحجج التى يرد بها على المشركين ، والتى من شأنها أن تحملهم على اعتناق الحق ، واجتناب الباطل ، لو كانوا يعقلون ، ثم بين - سبحانه - وظيفة الرسول صلى الله عليه وسلم ورد على شبهات المشركين فقال : ( وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَآفَّةً . . . وَلاَ تَسْتَقْدِمُونَ ) .قال الآلوسى : المتبادر أن ( كَآفَّةً ) حال من الناس ، قدم " إلا " عليه للاهتمام؛ وأصله من الكف بمعنى المنع ، وأريد به العموم لما فيه من المنع من الخروج ، واشتهر فى ذلك حتى قطع فيه النظر عن معنى المنع بالكلية . فمعنى جاء الناس كافة : جاءوا جميعا :قال ابن عباس : أرسل الله - تعالى - محمدا صلى الله عليه وسلم إلى العرب والعجم ، فأكرمهم على الله - تعالى - أطوعهم له . .أى : وما أرسلناك - أيها الرسول الكريم - إلا إلى الناس جميعا ، لتبشر المؤمن منهم بحسن الثواب ، وتنذر من أعرض عن الحق الذى جئت به بسوء العقاب . ( ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ ) هذه الحقيقة ، وهى عموم رسالتك وكونك بشيرا ونذيرا .
سبأ 34:29
( وَيَقُولُونَ ) أى : المشركون على سبيل الاستهزاء بما جئتهم به ( متى هذا الوعد ) الذى تعدنا به وهو قيام الساعة ، وما فيها من حساب وثواب وعقاب .أخبرونا عنه - أيها المؤمنون - ( إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ) فيما تحدثوننا عنه ، وفيما تدعوننا إليه من إيمان .
سبأ 34:30
وهنا أمر الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم - أن يرد عليهم ردا فيه كل معانى التهديد والوعيد فقال : ( قُل لَّكُم مِّيعَادُ يَوْمٍ لاَّ تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلاَ تَسْتَقْدِمُونَ ) و ( مِّيعَادُ ) يجوز أن يكون مصدرا مرادا به الوعد ، وأن يكون اسم زمان ، والإِضافة للبيان .والمراد بالساعة الوقت الذى هو فى غاية القلة . وليس ما اصطلح عليه النسا من كونها اى : قل لهم - ايها الرسول الكريم - لا تتعجلوا - ايها الكافرون - ما أخبرتكم عنه من أن يوم القيامة آت لا ريب فيه ، ومن أن العاقبة الطيبة ستكون لنا لا لكم؛ فإن لكم ميقاتا محدا ، وموعدا معلوما ، يأذن الله - تعالى - بحلول وبانتهاء حياتكم وببعثكم . . ( لاَّ تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً ) من الزمان ( وَلاَ تَسْتَقْدِمُونَ ) عنه ساعة كما قال - تعالى - : ( إِنَّ أَجَلَ الله إِذَا جَآءَ لاَ يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ) وكما قال - سبحانه - : ( وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لأَجَلٍ مَّعْدُودٍ يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ ).
سبأ 34:31
ثم حكى - سبحانه - بعض الأقوال الباطلة التى قالها المشركون فى شأن القرآن الكريم ، وصور أحوالهم السيئة يوم العرض والحساب ، وكيف أن كل فريق منهم صار يلقى التبعة على غيره ، قال - تعالى - : ( وَقَالَ الذين كَفَرُواْ . . . هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ) .والمراد بالذى بين يديه فى قوله - تعالى - : ( وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لَن نُّؤْمِنَ بهذا القرآن وَلاَ بالذي بَيْنَ يَدَيْهِ ) الكتب السماوية السابقة كالتوراة والإِنجيل .قالوا : وذلك لأن المشركين سألوا بعض أهل الكتاب ، عن الرسول صلى الله عليه وسلم فأخبروهم بأن صفاته فى التوراة والإِنجيل ، فغضبوا وقالوا ما قالوا . .أى : وقال الذين كفروا بإصرار وعناد وجحود لكل ما هو حق : قالوا لن نؤمن بهذا القرآن الذى جئت به يا محمد صلى الله عليه وسلم من عند ربك ، ولا نؤمن - أيضا - بالكتب السماوية الأخرى التى تؤيد أنك رسول من عند الله - تعالى - فالآية الكريمة تحكى ما جبل عليه هؤلاء الكافرون من تصميم على الباطل ، ومن نبذ للحق مهما تعددت مصادره .قال الإِمام الرازى : لما بين - سبحانه - الأمور الثلاثة ، من التوحيد والرسالة والحشر ، وكانوا بالكل كافرين ، بيَّن كفرهم العام بقوله : ( وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لَن نُّؤْمِنَ بهذا القرآن وَلاَ بالذي بَيْنَ يَدَيْهِ ) وقوله : ( وَلاَ بالذي بَيْنَ يَدَيْهِ ) المشهور أنه التوراة والإِنجيل ، وعلى هذا فالمراد بالذين كفروا ، المشركون المنكرون للنبوات والحشر .ويحتمل أن يكون المعنى ، لن نؤمن بهذا القرآن ولا بما فيه من الأخبار والآيات والدلائل فيكون المراد بالذى بين يديه ما اشتمل عليه من أخبار وأحكام - ويكون المراد بالذين كفروا عموم الكافرين بما فيهم أهل الكتاب لأن الجميع لا يؤمن بالقرآن ولا بما اشتمل عليه .وقوله - تعالى - : ( وَلَوْ ترى إِذِ الظالمون مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ القول ) بيان لأحواله السيئة يوم القيامة ، ولإِصرارهم على الكفر .و ( لَوْ ) شرطية ، وجوابها محذوف كما أن مفعول ( ترى ) محذوف أيضا و ( مَوْقُوفُونَ ) أى محبوسون للحساب يوم القيامة .يقال : وقفت الرجل عن فعل هذا الشئ ، إذا منعته وحجزته عن فعله .أى : ولو ترى - أيها المخاطب - حال الظالمين وقت احتباسهم عند ربهم يوم القيامة ، وهم يتحاورون ويتجادلون فيما بينهم بالأقوال السيئة وكل فريق ، يلقى التبعة على غيره .لو ترى ذلك لرأيت أمرا عجيبا ، وحالا فظيعة ، تنفطر لها القلوب ، وترتعد من هولها النفوس .والتعبير بقوله - سبحانه - : ( مَوْقُوفُونَ ) يشعر بذلتهم وبؤسهم ، فهم محبوسون للحاسب على غير إرادة منهم ، كما يحبس المجرم فى سجنه انتظارا لمصيره السيئ .وقوله : ( عِندَ رَبِّهِمْ ) تبكيت وتوبيخ لهم ، على ما كانوا يفعلونه فى الدنيا من إنكار لليوم الآخر وما فيه من ثواب وعقاب وحساب .وقوله - سبحانه - : ( يَقُولُ الذين استضعفوا لِلَّذِينَ استكبروا لَوْلاَ أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ ) تفصيل لجانب من محارواتهم فيما بينهم ، ولما كانوا يراجعون فيه القول بعضهم مع بعض .والمراد بالذين استضعفوا : الأتباع والعامة من الناس ، والمراد بالذين استكبروا : الزعماء والقادة والرؤساء .أى : يقول الأتباع من الكافرين لقادتهم ورؤسائهم بغيظ وحسرة ، لولا أنتم منعتمونا عن اتباع الحق لكنا مؤمنين به ، ومتبعين لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم .إنهم يقولون لهم فى موقف الحساب يوم القيامة ، ما كانوا عاجزين عن قوله فى الدنيا . عندما كانوا مستذلين لهم ، وخاضعين لسلطانهم .
سبأ 34:32
وهنا يرد الزعماء باستنكار وضيق ، ويحكى ذلك القرآن فيقول : ( قَالَ الذين استكبروا لِلَّذِينَ استضعفوا ) على سبيل التوبيخ والتقريع ( أَنَحْنُ صَدَدنَاكُمْ عَنِ الهدى بَعْدَ إِذْ جَآءَكُمْ ) كلا ، إننا ما فعلنا ذلك ، ولسنا نحن الذين حلنا بينكم وبين اتباع الحق .( بَلْ ) أنتم الذين ( كُنتُمْ مُّجْرِمِينَ ) فى حق أنفسكم ، حيث ابتعتمونا باختياركم ، ورضيتم عن طواعية منكم أن تتبعوا غيركم بدون تفكر أو تدبر للأمور .
سبأ 34:33
ولم يقتنع الأتباع بما رد به عليهم السادة والكبراء ، بل حكى القرآن للمرة الثانية ردهم عليهم فقال : ( وَقَالَ الذين استضعفوا لِلَّذِينَ استكبروا ) فى الرد عليهم بسحرة وألم : ( بَلْ مَكْرُ الليل والنهار ) أى قالوا لهم أنتم لستم صاقين فى قولكم لنا : إنكم لم تصدرونا عن اتباع الهدى بعد إذ جاءنا بل إن مكركم بنا الليل والنهار وإغراءكم لنا بالبقاء على الكفر وتهديدكم إيانا بالقتل أو التعذيب إذا ما خالفناكم ، وأمرنا لنا بأن نكفر بالله - تعالى - ونجعل له أندادا ، أى شركاء فى العبادة والطاعة . كل ذلك هو الذى حال بيننا وبين اتباع الحق الذى جاءنا به الرسول صلى الله عليه وسلم .والمكر : هو الاحتيال والخديعة . يقال مكر فلان بفلان ، إذا خدعه وأراد به شرا . وهو هنا فاعل محذوف والتقدير : بل الذى صدنا عن الإِيمان مكركم بنا فى الليل والنهار ، فحذف المضاف إليه واقيم مقامه الظرف اتساعا .وقوله : ( إِذْ تَأْمُرُونَنَآ . . ) ظرف للمكر . أى : بل مركم الدائم بنا وقت أمركم لنا بأن نكفر بالله ونجعل له أشباها ونظراء نعبدها من دونه - تعالى - هو الذى حال بيننا وبين اتباع الحق والهدى .قال الجمل : وقوله ( بَلْ مَكْرُ الليل والنهار ) يجوز رفع ( مَكْرُ ) من ثلاثة أوجه : أحدها : على الفاعلية بتقدير : بل صدنا مكركم فى هذين الوقتين ، الثانى أن يكون مبتدأ خبره محذوف . أى : مكر الليل صدنا عن اتباع الحق . الثالث : العكس ، أى : سبب كفرنا مكركم . وإضافة المكر إلى الليل والنهار إما على الإِسناد المجازى كقولهم : ليل ماكر ، فيكون مصدرا مضافا لمرفوعه وإما على الاتساع فى الظرف ، فجعل كالمفعول به فيكون مضافا لمنصوبه .والضمير المرفوع فى قوله - سبحانه - : ( وَأَسَرُّواْ الندامة لَمَّا رَأَوُاْ العذاب ) يعود إلى الأتباع والزعماء . وأسروا من الإِسرار بمعنى الكتمان والإِخفاء .أى : وأضمر الذين استضعفوا والمستبرون الندامة والحسرة حين شاهدوا العذاب المعد لهم جميعا ، وذلك لأنهم بهتوا وشدهوا حين عاينوه ، ودفنت الكلمات فى صدورهم فلم يتمكنوا من النطق بها وأصابهم ما أصابهم من الكمد الذى يجعل الشفاه لا تتحرك ، والألسنة لا تنطق .فالمقصود من إسرار الندامة : بيان عجزهم الشديد عن النطق بما يريدون النطق به لفظاعة ما شهدوه من عذاب غليظ قد أعد لهم .وقيل إن ( وَأَسَرُّواْ الندامة ) بمعنى أظروها : لأن لفظ أسر من الأضداد .قال الآلوسى ما ملخصه : ( وَأَسَرُّواْ ) أى : أضمر الظالمون من الفريقين ( الندامة ) على ما كان منهم فى الدنيا . . ( لَمَّا رَأَوُاْ العذاب ) لأنهم بهتوا لما عاينوه فلم يقدروا على النطق .وقيل : أسروا الندامة . بمعنى أظهروهان فإن لفظ " أسر " من الأضداد ، إذ الهمزة تصلح للإِثبات وللسلب ، فمعنى أسره : جعله سره ، أو أزال سره . .ثم بين - سبحانه - ما حل بهم من عذاب بسبب كفرهم فقال : ( وَجَعَلْنَا الأغلال في أَعْنَاقِ الذين كَفَرُواْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ) .والأغلال . جمع غل وهى القيود التى يقيد بها المجرمون .أى : وجعلنا القيود فى أعناق الذين كفروا جميعا ، سواء منهم من كان تابعا أم متبوعا . وما جزيناهم بهذا الجزاء المهين الأليم ، إلا بسبب أعمالهم السيئة . وأقوالهم القبيحة .وهكذا نرى الآيات الكريمة تصور لنا تصويرا مؤثرا بديعا ، ما يكون عليه الكافرون يوم القيامة من حسرة وندم ، ومن عداوة وبغضاء ، ومن تهم يلقيها كل فريق على الآخر ، بدون احترام من المستضعفين لزعمائهم الذين كانوا يذلونهم فى الدنيا ، بعد أن سقطت وزالت الهيبة الزائفة التى كان الزعماء يحيطون بها أنفسهم فى الحياة الدنيا ، وأصبح الجميع يوم السحاب فى الذلة سواء ( وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِراً وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً ) .
سبأ 34:34
ثم تحكى السورة الكريمة بعد ذلك جانبا من الأقوال الزائفة ، التى كان المترفون يتذرعون بها للبقاء على كفرهم ، ومن الإِجابات التى لقنها - سبحانه - لنبيه صلى الله عليه وسلم لكى يخرس بها ألسنتهم ، ويزيل بها شبهاتهم قال - تعالى - ( وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ . . . وَهُوَ خَيْرُ الرازقين ) .قال صاحب الكشاف عند تفسيره لقوله - تعالى - : ( وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ . . . ) : هذه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم مما منى به من قومه من التكذيب والكفر بما جاء به ، والمنافسة بكثرة الأموال والأولاد ، والتكبر بذلك على المؤمنين . . وأنه - سبحانه - لم يرسل قط إلى أهل قرية من نذير ، إلا قالوا له مثل ما قال أهل مكة لرسول الله صلى الله عليه وسلم .والمعنى : ما أرسلنا فى قرية ، من القرى ( مِّن نَّذِيرٍ ) ينذر أهلها بسوء العاقبة إذا ما استمروا على كفرهم وضلالهم . ( إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ ) أى : إلا قال أغنياؤها ورؤساؤها وجبابرتها المتسعون فى النعم فيها ، لمن جاءوا لإِنذارهم وهدايتهم إلى الحق .( إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ ) من الدعوة إلى عبادة الله - تعالى - ( كَافِرُونَ ) بما نحن عليه من شرك وتقليد للآباء مؤمنون .فالآية الكريمة تحكى موقف المترفين فى كل أمة ، من الرسل الذين جاءوا لهدايتهم ، وأن هؤلاء المترفين فى كل زمان ومكان ، كانوا أعداء وللمصلحين ، لأن التفرق من شأنه أن يفسد الفطرة ، ويبعث على الغرور والتطاول ، ويحول بين الإِنسان وبين التمسك بالفضائل والقيم العليا ، ويهدى إلى الانغماس فى الرذائل والشهوات الدنيا .
سبأ 34:35
ثم يحكى القرآن الكريم أن هؤلاء المترفين لم يكتفوا بإعلان كفرهم ، وتكذيبهم للأنبياء والمصلحين ، بل أضافوا إلى ذلك التبجح والتعالى على المؤمنين . فقال - تعالى - : ( وَقَالُواْ ) أى المترفون الذين أبطرتهم النعمة للمؤمنين الفقراء ( نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً ) منكم - أيها المؤمنون - إذ أموالنا أكثر من أموالكم ، وأولادنا أكثر من أولادكم ، ولولا أننا أفضل عند الله منكم ، لما اعطانا . مالا يعطيكم . .فنحن نعيش حياتنا فى أمان واطمئنان ( وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ) بشئ من العذاب الذى تعدوننا به لا فى الدنيا ولا فى الآخرة .قال الامام ابن كثير تفسيره هذه الآية : افتخر المترفون - بكثرة الأموال والأولاد ، واعتقدوا أن ذلك دليل على محبة الله لهم ، واعتنائه بهم ، وأنه ما كان ليعطيهم هذا فى الدنيا ، ثم يعذبهم فى الآخرة ، وهيهات فى الآخرة ، وهيهات لهم ذلك . قال - تعالى - : ( فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الحياة الدنيا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ ).
سبأ 34:36
ثم أمر الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم وأن يصحح لهؤلاء المترفين خطأهم ، وأن يكشف عن جهلهم ، وأن يبين لهم أن مسألة الغنى والفقر بيد الله - تعالى - وحده ، وأن الثواب والعقاب لا يخضعان للغنى أو للفقر ، وإنما يتبعان الإِيمان أو الكفر ، فقال - تعالى - ( قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ ) .وبسط الرزق : سعته وكثرته . وتقديره : تقليله وتضييقه .أى : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الجاهلين ( إِنَّ رَبِّي ) وحده هو الذى ( يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَآءُ ) أن يبسطه له ( وَيَقْدِرُ ) أى : ويقتر الرزق ويضيقه على من يشاء أن يضيقه عليه . والأمر فى كلتا مرده إلى الله - تعالى - وحده ، على حسب ما تقتضيه حكمته فى خلقه .وربما يوسع رزق العاصى ويضيق رزق المطيع . أو العكس ، وربما يوسع على شخص وقت وضيق عليه فى وقت آخر ، ولا ينقاس على ذلك أمر الثواب والعقاب ، لأن مناطهما الطاعة وعدمها .( ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ ) هذه الحقيقة التى اقتضتها حكمة الله - تعالى - وإرادته ، فزعموا أن بسط الرزق دليل الشرف والكرامة ، وأن ضيق الرزق دليل الهوان والذل ، ولم يدركوا - لجهلهم وانطماس بصائرهم - أن بسط الرزق قد يكون للاستدارج ، وأن تضييقه قد يكون للابتلاء والاختبار ، ليتميز قوى الإِيمان من ضعيفه .
سبأ 34:37
ثم زاد - سبحانه - هذه القضية وتوضيحا وتبيينا فقال : ( وَمَآ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ بالتي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زلفى ) .الزلفى : مصدر كالقربى ، وانتصابه على المصدرية من معنى العامل . أى ليست كثرة أموالكم ، ولا كثرة أولادكم بالتى من شأنها أن تقربكم إلينا قربى ، لأن هذه الكثرة ليست دليل محبة منا لكم ، ولا تكريم منالكم ، وإنما الذى يقربكم منا هو الإِيمان والعمل الصالح .كما وضح - سبحانه - هذه الحقيقة فى قوله بعد ذلك : ( إِلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فأولئك لَهُمْ جَزَآءُ الضعف بِمَا عَمِلُواْ وَهُمْ فِي الغرفات آمِنُونَ ) .أى : ليس الأمر كما زعمتم - أيها المترفون - من أن كثرة الأموال والأولاد ستنجيكم من العذاب ، ولكن الحق والصدق أن الذى ينجيكم من ذلك ويقربكم منا ، هو الإِيمان والعمل الصالح . فهلاء الذين آمنوا وعملوا الأعمال الصالحة لهم عند الله - تعالى - الجزاء الحسن المضاعف ، وهم فى غرفات الجنات آمنون مطمئنون .قال الشوكانى ما ملخصه : قوله : ( إِلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ) هو استثناء منقطع فيكون محله النصب . أى : لكن من آمن وعمل صالحا . . . والإِشارة بقوله : ( فأولئك ) إلى ( مَنْ ) والجمع باعتبار المعنى . وهو مبتدأ . وخبره ( لَهُمْ جَزَآءُ الضعف ) أى : فأولئك يجازيهم الله الضعف ، وهو من إضافة المصدر إلى المفعول . أو فأولئك لهم الجزاء المضاعف فيكون من إضافة الموصوف إلى الصفة . .
سبأ 34:38
ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة المصرين على كفرهم فقال : ( والذين يَسْعَوْنَ في آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أولئك فِي العذاب مُحْضَرُونَ ) .أى : والذين يسعون فى إبطال آياتنا الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا ، ( مُعَاجِزِينَ ) .أى : زاعمين سبقهم لنا ، وعدم قدرتنا عليهم ( أولئك ) الذين يفعلون ذلك ( فِي العذاب مُحْضَرُونَ ) أى : فى عذاب جهنم مخلدون ، حيث تحضرهم ملائكة العذاب بدون شفقة أو رحمة ، وتلقى بهم فيها .
سبأ 34:39
وقوله - سبحانه - : ( قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ ) تأكيد وتقرير لتلك الحقيقة التى سبق الحديث عنها ، وهى أن التوسع والتضييق فى الرزق بيد الله - تعالى - وحده .والضمير فى قوله - تعالى - ( لَهُ ) يعود إلى الشخص الموسع عليه أو المضيق عليه فى رزقه . أى : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المترفين على سبيل التأكيد وإزالة ما هم عليه من جهل : إن ربى - عز وجل - يبسط الرزق لمن يشاء من عابده ، ويضيق هذا الرزق على ما يشاء أن يضيقه منهم ، وليس فى ذلك ما يدل على السعادة أو الشقاوة ، لأن هذه الأمور خاضعة لحكمته فى خلقه - سبحانه - .( وَمَآ أَنفَقْتُمْ ) أيها المؤمنون ( مِّن شَيْءٍ ) فى سبيل الله - تعالى - وفى أوجه طاعته ( فَهُوَ ) - سبحانه - ( يُخْلِفُهُ ) أى : يعوضه لكم بما هو خير منه . يقال : فلان أخلق لفلان وأخلف عليه ، إذا أعطاه العوض والبدل .( وَهُوَ خَيْرُ الرازقين ) أى : وهو - سبحانه - خير رازق لعباده لأن كل رزق يصل إلى الناس إنما هو بتقديره وإرادته ، وقد جرت سنته - سبحانه - أن يزيد الأسخياء من فضله وكرمه .وفى الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ما من يوم يصبح العباد فيه ، إلا ملكان ينزلان ، فيقول احدهما : اللهم اعظ منفقا خلفا ويقول الآخر : اللهم أعظ ممسكا تلفا " .وبذلك نرى الآيات الكريمة قد حكت جانبا من شبهات المشركين ، ومن أقوالهم الباطلة ، وردت عليهم بما يزهق باطلهم ، ويمحو شبهاتهم ، لكى يزداد المؤمنون إيمانا على إيمانهم .
سبأ 34:40
ثم بين - سبحانه - حال أولئك المشركين يوم القيامة ، وكيف أن الملائكة يكذبونهم فى مزاعمهم ، فقال - تعالى - : ( وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً . . . . كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ ) .أى : واذكر - أيها العاقل - لتعتبر وتتعظ ( يَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ) أى : يجمع الله - سبحانه - الكافرين جميعا . الذين استضعفوا فى الدنيا والذين استكبروا .( ثُمَّ يَقُولُ ) - عز وجل - ( لِلْمَلاَئِكَةِ ) على سبيل التبكيت والتقريع للمشركين ( أهؤلاء ) الكافرون ( إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ ) أى : أهؤلاء كانوا يبعدونكم فى الدنيا . وأنتم رضيتم بذلك .و ( هؤلاء ) مبتدأ ، وخبره ( كَانُواْ يَعْبُدُونَ ) و ( إِيَّاكُمْ ) مفعول يعبدون .وتخصيص الملائكة بالخطاب مع أن من الكفار من كان يعبد الأصنام ، ومن كان يعبد غيرها ، لأن المقصود من الخطاب حكاية ما يقوله الملائكة فى الرد عليهم .قال صاحب الكشاف : هذا الكلام خطاب للملائكة . وتقريع للكفار وارد على المثل السائر : إياك أعنى واسمعى يا جارة ، ونحوه قوله - تعالى - لعيسى : ( أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذوني وَأُمِّيَ إلهين مِن دُونِ الله ) وقد علم - سبحانه - كون الملائكة وعيسى ، منزهين برآه مما وجه عليهم من السؤال ، والغرض أن يقول ويوقلوا ، ويسأل وجيبوا ، فيكون التقريع للمشركين أشد ، والتعبير أبلغ ، وهوانهم ألزم .
سبأ 34:41
وقوله - تعالى - : ( قَالُواْ سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ ) حكاية لأقوال الملائكة .أى : قال الملائكة فى الإِجابة على سؤال خالقهم . ( سُبْحَانَكَ ) أى : ننزهك ونقدسك عن أن يكون لك شريك فى عبادتك وطاعتك ( أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ ) أى : أنت الذى نواليك ونتقرب إليك وحدك بالعبادة ، وليس بيننا وبين هؤلاء المشركين أى موالاة أو قرب ، ولا دخل لنا فى عبادتهم لغيرك .ثم صرحوا بما كان المشركون يعبدونه فى الدنيا فقالوا : ( بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ الجن أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ ) .أى : إن هؤلاء المشركين لا علم نا بأ ، هم كانوا يبعدوننا ، ونبرأ من ذلك إن كانوا قد عبدونا ، وهم إنما كانوا يعبدون فى الدنيا ( الجن ) أى الشياطين ، وكان أكثر هؤلاء المشركين يؤمنون بعبادة الشياطين . ويطيعونهم فيما يأمرونهم به ، أو ينهونهم عنه .فقوله - تعالى - ( بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ الجن ) إضراب انتقالى ، لبيان السبب فى شرك هؤلا المشركين ، وتصريح بمن كانوا يعبدونهم فى الدنيا .قال الجمل : فإن قيل جميعهم كانوا متابعين للشيطان ، فما وجه قوله - تعالى - ( أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ ) فإنه يدل على أن بعضهم لم يؤمن بالجن ولم يطعمهم؟فالجواب من وجهين : أحدهما : أن الملائكة احترزوا عن دعوة الإِحاطة بهم ، فقالوا أكثرهم ، لأن الذين رأوهم واطعلوا على أحولاهم كانوا يعبدون الجن ، ولعل فى الوجود من لم يطلع الله الملائكة على حاله من الكفار .الثانى : هو أن العبادة عمر ظاهر ، والإِيمان عمل باطن ، فقالوا : بل كانوا يبعدون الجن لاطلاعهم على أعمالهم ، وقالوا : أكثرهم بهم مؤمنون عند عمل القلب ، لئلا يكونوا مدعين اطلاعهم على ما فى القلوب ، فإن القلب لا يطلع على ما فيه إلا الله .
سبأ 34:42
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أن الملك فى يوم الحساب له وحده فقال : ( فاليوم لاَ يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَّفْعاً وَلاَ ضَرّاً ) .أى : فاليوم لا يملك أحد من المعوبدين أن ينفع أحدا من العابدين ، أو أن يضره ، بل الذى يملك كل ذلك هو الله - تعالى - وحده .فالمقصود من الآية الكريمة بيان أن مرد النفع والضر فى هذا اليوم إلى الله - تعالى - وحده ، فالعابدون لا يملكون شيئا ، والمعبودون كذلك لا يملكون شيئا .( وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذُوقُواْ عَذَابَ النار التي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ ) أى : ونقول فى هذا اليوم الهائل الشديد للذين ظلموا أنفسهم وظلموا الحق بعبادتهم لغيرنا ، نقول لهم ( ذُوقُواْ ) فظاعة وشدرة عذاب النار التى كنتم تكذبون بها فى الدنيا ، وتنكرون أن يكون هناك بعث أو حساب أو ثواب أو عقاب .
سبأ 34:43
ثم تعود السورة الكريمة إلى الحديث عن جانب من اقوال هؤلاء المشركين فى شأن النبى صلى الله عليه وسلم وفى شأن القرآن الكريم ، وتهددهم بسوء الصمير إذا استمروا فى طغيانهم وجهلهم فتقول : ( وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا . . . فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ ) .قوله : ( تتلى ) من التلاوة ، وهى قراءة الشئ بتدبر وتفهم .أى : وإذا ما تليت آياتنا الدالة دلالة واضحة على وحدانيتنا وقدرتنا ، وعلى صدق رسولنا صلى الله عليه وسلم فيما يبلغه عنا .( قَالُواْ مَا هذا إِلاَّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَن يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُكُمْ ) أى : قالوا على سبيل الإِنكار والاستهزاء ، ما هذا التالى لتلك الآيات إلا رجل يريد أن يمنعكم عن عبادة الآلهة التى كان يعبدها آباؤكم الأقدمون .ويعنون بقولهم ( مَا هذا إِلاَّ رَجُلٌ ) الرسول صلى الله عليه وسلم ويقصدون بالإِشارة إليه ، الاستخفاف به ، والتحقير من شأنه صلى الله عليه وسلم .وقالوا : ( يُرِيدُ أَن يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُكُمْ ) لإِثارة حمية الجاهلية فيهم فكأنهم يقولون لهم : احذروا اتباع هذا الرجل ، لأنه يريد أن يجعلهم من أتباعه ، وأن يقطع الروابط التى تربط بينكم وبين آبائكم الذين أنتم قطعة منهم .ولم يكتفوا بالتشكيك فى صدق الرسول صلى الله عليه وسلم بل أضافوا إلى ذلك التكذب للقرآن الكريم ، ويحكى - سبحانه - ذلك فيقول : ( وَقَالُواْ مَا هاذآ إِلاَّ إِفْكٌ مُّفْتَرًى ) .أى : وقالوا فى شأن القرآن الكريم : ما هذا الذى يتلوه محمد صلى الله عليه وسلم علينا ، إلا ( إِفْكٌ ) أى : كلام مصروف عن وجهه ، وكذب فى ذاته ( مُّفْتَرًى ) أى : مختلق على الله - تعالى - من حيث نسبته إليه .فقوله ( مُّفْتَرًى ) صفة أخرى وصفوا بها القرآن الكريم ، فكأنهم يقولون - قبحهم الله - ما هذا القرآن إلا كذب فى نفسه ، ونسبته إلى الله - تعالى - ليست صحيحة .ثم أضافوا إلى تكذيبهم للرسول صلى الله عليه وسلم وللقرآن ، تكذيبا عاما لكل ما جاءهم به الرسول من حق ، فقالوا - كما حكى القرآن عنهم - : ( وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ إِنْ هاذآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ ) .أى : وقال الكافرون فى شأن كل حق جاءهم به الرسول صلى الله عليه وسلم : ما هذا الذى جئتنا به إلا سحر واضح .وهكذا نراهم - لعنادهم وجهلهم - قد كذبوا الرسول صلى الله عليه وسلم وكذبوا القرآن . وكذبوا كل توجيه قويم ، وإرشاد حكيم ، أرشدهم إليه صلى الله عليه وسلم إذ اسم الإِشارة الأول يعود إلى الرسول صلى الله عليه وسلم والثانى يعود إلى القرآن ، والثالث يعود إلى تعاليم الإِسلام كلها .
سبأ 34:44
ثم بين - سبحانه - أن أقوالهم هذه لا تستند إلى دليل أو ما يشبه الدليل ، وإنما هم يهرفون بما لا يعرفون ، فقال - تعالى - : ( وَمَآ آتَيْنَاهُمْ مِّنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَآ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِّن نَّذِيرٍ ) .أى : أن هؤلاء الذين قالوا ما قالوا من باطل وزور ، لم نأتهم بكتب يدرسونها ويقرءونها ليعرفوا منها أن الشرك حق ، فيكون لهم عذرهم فى التمسك به ، وكذلك لم نرسل إليهم قبلك - أيها الرسول الكريم - نذيرا يدعوهم إلى عابدة الأصنام ، ويخوفوهم من ترك عبادتها .وما دام الأمر كذلك ، فمن أين أتوا بهذا التصميم على شركهم ، وبهذا الإِنكار للحق الذى جاءهم؟ إن أمرهم هذا لهو فى غاية الغرابة والعجب .فالمقصود من الآية الكريمة تجهيلهم والتهكم بهم ، ونفى أن يكون عندهم حتى ما يشبه الدليل على صحة ما فيه من شرك .وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : ( أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُواْ بِهِ يُشْرِكُونَ ) وقوله - عز وجل - : ( أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً مِّن قَبْلِهِ فَهُم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ ).
سبأ 34:45
ثم بين لهم - سبحانه - بعد ذلك هوان أمرهم . وتفاهة شأنهم بالنسبة لمن سبقوهم ، فقال : ( وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبلِهِمْ وَمَا بَلَغُواْ مِعْشَارَ مَآ آتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُواْ رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ ) .والمعشار بمعنى العشر وهو لغة فيه . تقول : عندى عشر يدنار ومعشار دينار ، قال أبو حيان : والمعشار مفعال من العشر ، ولم يبين على هذا الوزن من ألفاظ العدد غيره وغير المرباع . ومعناهما : العشر والربع . .والضمير فى قوله ( وَمَا بَلَغُواْ ) يعود لكفار مكة ، وقوله : ( مَآ آتَيْنَاهُمْ ) وفى قوله : ( فَكَذَّبُواْ رُسُلِي ) يعود إلى الأمم السابقة .والنكير : مصدر كالإِنكار ، وهو من المصادر التى جاءت على وزن فعيل .والمعنى : لا تحزن - أيها الرسول الكريم - لتكذيب قومك لك ، فقد كذب الذين من قبلهم من الأمم رسلهم ، وإن قومك لم يبلغوا من القوة والغنى والكثرة . . عشر ما اكن عليه سابقوهم ، ولكن لما كذب أولئك السابقون أنبياءهم ، أخذتهم أخذ عزيز مقتدر ، بأن دمرناهم جميعا .والاستفهام فى قوله - تعالى - ( فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ ) للتهويل . والجملة الكريمة معطوفة على مقدر والمعنى : فحين تمادوا فى تكذيب رسلى ، جاءهم إنكارى بالتدمير ، فكيف كان إنكارى عليهم بالتدمير والإهلاك؟ لقد كان شيئا هائلا فظيعا تركهم فى ديارهم جاثمين كأن لم يغنوا فيها ، فعلى قومك أن يحذروا من أن يصيبهم مثله .وجعل - سبحانه - التدمير إنكارا ، تنزيلا للفعل منزلة القول ، كما فى قول بعضهم : ونشتم بالأفعال لا بالتكلم .ويرى بعضهم أن الضمير فى قوله ( وَمَا بَلَغُواْ ) يعود على الذين من قبلهم ، وفى قوله ( آتَيْنَاهُمْ ) يعود إلى كفار مكة .وقد رجح الإِمام الرازى هذا الرأى فقال ما ملخصه : قال المفسرون : معنى الآية : ما بلغ هؤلاء المشركون معشار ما آتينا المتقدمين . . ثم إن الهل أخذ هؤلاء المتقدمين دون أن تنفعهم قوتهم ، لما كذبوا رسلهم ، فكيف حال هؤلاء الضعفاء - وهم قومك .ثم قال - رحمه الله - : وعندى وجه آخر فى معنى الآية ، وهو أن يقال : وكذب الذين من قبلهم ، وما بلغوا معشار ما آتيناهم ، أى : الذين من قبلهم ما بلغوا معشار ما آتينا قومك من البيان والبرهان .وذلك لأن كتابك يا محمد أكمل من سائر الكتب .فإذا كنت قد أنكرت على المتقدمين لما كذبوا رسلهم - مع أنهم لم يؤتوا معشار ما أوتى قومك من البيان - ، فكيف لا أنكر على قومك بعد تكذيبهم لأوضح الكتب ، وأفصح الرسل . .ويبدو لنا أن المعنى الأول الذى عبر عنه الإِمام الرازى بقوله : قال المفسرون ، هو الأرجح لأنه هو المتبادر من معنى الآية الكريمة ، لأنه يفيد التقليل من شأن مشركى مكة ، بالنسبة لمن سبقهم من الأمم ، من ناحية القوة والغنى .وفى القرآن الكريم آيات متعددة هذا المعنى ، منها قوله - تعالى - : ( أَوَلَمْ يَسيرُواْ فِي الأرض فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الذين مِن قَبْلِهِمْ كانوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُواْ الأرض وَعَمَرُوهَآ أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بالبينات فَمَا كَانَ الله لِيَظْلِمَهُمْ ولكن كانوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) وبعد هذا الحديث عن أقوال المشركين فى شأن الرسول صلى الله عليه وسلم وفى شأن القرآن . .
سبأ 34:46
وبعد هذا الرد الملزم لهم والمزهق لباطلهم . بعد كل ذلك لقن الله - تعالى - نبيه صلى الله عليه وسلم الحجج القاطعة ، والأقوال الحكيمة ، التى تهدى إلى الرشد بأبلغ أسلوب ، واصدق بيان ، فقال - تعالى - : ( قُلْ إِنَّمَآ أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ . . . إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ ) .قوله - تعالى - ( أَعِظُكُمْ ) من الوعظ ، وهو تذكير الغير بالخير والبر بكلام مؤثر رقيق يقال : وعظه يعظه وعظا وعظه ، إذا أمره بالطاعة ووصاه بها .وقوله ( بِوَاحِدَةٍ ) صفة لموصوف محذوف .والتقدير : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين الذين قالوا الكذب فى شأنك وفى شأن ما جئت به ، قل لهم : إنما أعظكم وآمركم وأوصيكم بكلمة واحدة ، أو بخصلة واحدة .ثم فسر - سبحانه - هذه الكلمة بقوله : ( أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مثنى وفرادى ) . والمراد بالقيام هنا : التشمير عن ساعد الجد ، وتلقى ما جاءهم به الرسول صلى الله عليه وسلم بقلب مفتوح . وعقل واع ، ونفس خالية من التعصب والحقد والعكوف على التقليد .و ( مثنى وفرادى ) أى : متفرقين اثنين اثنين ، وواحدة واحدا ، وهما منصوبان على الحال .( ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ ) بعد ذلك فى أمر هذا الرسول صلى الله عليه وسلم وفى أمر رسالته ، وفى أمر ما جاء به من عند ربه ، فعند ذلك ترون أنه على الحق ، وأنه قد جاءكم بما يسعدكم .فالآية الكريمة تأمرهم أن يفكر كل اثنين بموضوعية وإنصاف فى أمر الرسول صلى الله عليه وسلم ثم يعرض كل واحد منهما حصيلة تفكيره على صاحبه ، وأن يفكر كل واحد منهم على انفراد - أيضا فى شأن هذا الرسول ، من غير تعصب وهوى .وقدم الاثنين فى القيام على المنفرد ، لأن تفكير الاثنين فى الأمور بإخلاص واجتهاد وتقدير ، أجدى فى الوصول إلى الحق من تفكير الشخص الواحد ولم يأمرهم بأن يتفكروا فى جماعة ، لأن العقلية الجماعية كثيرا ما تتبع الانفعال الطارئ . وقلما تتريث فى الحكم على الأمور .ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال عند تفسيره لهذه الآية : والمعنى : إنما أعظكم بواحدة إن فعلتموها ، أصبتم الحق ، وتخلصتم من الباطل - وهى : أن تقوموا لوجه الله خالصا ، متفرقين اثنين اثنين ، وواحدا واحدا ، ( ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ ) فى أمر محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به .أما الاثنان : فيتكفر ان ويعرض كل واحد منهما محصول فكره على صاحبه ، وينظران فيه متصادقين متناصفين ، لا يميل بهما اتباع هوى ، ولا ينبض لهما عرق عصبية ، حتى يهجم بهما الفكر الصالح ، والنظر الصحيح على جادة الحق يفكر فى نفس .وكذلك الفرد : ه بعدل ونصفة من غير أن يكابرها ، ويعرض فكره على عقله وذهنه ، وما استقر عنده من عادات العقلاء ، ومجارى أحوالهم . والذى أوجب تفرقهم مثنى وفرادى ، أن الاجتماع مما يشوش الخواطر ، ويعمى البصائر ، ويمنع من الروية ، ويخلط القول . ومع ذلك يقل الإِنصاف ويكثر الاعتساف : ويثور عجاج التعصب .وقوله - سبحانه - : ( مَا بِصَاحِبِكُمْ مِّن جِنَّةٍ ) كلام مستأنف بجئ به لتنزيه ساحته صلى الله عليه وسلم عما افتراه عليه المفرتون من كونه قد أصيب بالجنون .أى : اجتمعوا اثنين اثنين ، أو واحدا واحدا ، ثم تفكروا بإخلاص وروية فترون بكل تأكيد أن محمدا صلى الله عليه وسلم ليس به شئ من الجنون ، إنما هو أرجح الناس عقلا ، وأصدقهم قولا ، وأفضلهم علما ، وأحسنهم عملا ، وأزكاهم نفسا ، وأنقاهم قلبا ، وأجمعهم لكل كمال بشرى .وقوله - تعالى - ( إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَّكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ) بيان لوظيفته صلى الله عليه وسلم أى : ليس به صلى الله عليه وسلم من جنون ، وإنما هو نذير لكم ، يحذركم ويخوفكم من العذاب الشديد الذى سينزل بكم يوم القيامة ، إذا ما بقيتم على شرككم وكفركم ، وهذا العذاب ليس بعيدا عنكم .قال الإِمام ابن كثير : " قال الامام أحمد : حدثنا بشير بن المهاجر ، حدثنى عبد الله بن بريدة عن أبيه قال : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فنادى ثلاث مرات فقال : " أيها الناس أتدرون ما مثلى ومثلكم "؟ قالوا : الله ورسوله أعلم فقال : " إنما مثلى ومثلكم كمثل قوم خافوا عدوا يأتيهم . فبعثوا رجلا يتراءى لهم ، فبينما هو كذلك أبصر العدو ، فأقبل لينذرهم وخشى أن يدركه العدو قبل أن ينذر قومه ، فأهوى بثوبته وقال : أيها الناس أوتيتم . أيها الناس وأتيتم . . " " .وبهذا الاسناد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " بعثت أنا والساعة جميعا ، إن كادت لتسبقنى " .
سبأ 34:47
ثم أمره - سبحانه - للمرة الثانية أن يصارحهم بأنه لا يريد منهم أجرا على دعوته إياهم إلى ما يسعدهم فقال : ( قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّن أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى الله وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ) .أى : وقل لهم - أيها الرسول الكريم . بعد أن دعوتهم إلى التفكير الهادئ ، المتأنى فى أمرك : إنى ما طلبت منكم أجرا على دعوتى إياكم إلى الحق والخير ، وإذا فرض وطلبت فهو مردود عليكم . لأنى لا ألتمس أجرى إلا من الله - تعالى - وحده ، وهو - سبحانه - على كل شئ شهيد ورقيب ، ولا يخفى عليه شئ فى الأرض ولا فى السماء .قال الآلوسى قوله : قل ما سألتكم من أجرن أى : مهما سألتكم من نفع على تبليغ الرسالة ( فَهُوَ لَكُمْ ) والمراد نفى السؤال رأسا ، كقولك لصاحبكم إن أعطيتنى شيئا فخذه ، وأنت علم أنه لم يعطك شيئا : فما شرطية ، مفعول ( سَأَلْتُكُم ) وقوله ( فَهُوَ لَكُمْ ) الجواب - وقيل هى موصولة ، والعائد محذوف ، ومن للبيان ودخلت الفاء فى الخبر لتضمنها معنى الشرط . أى : الذى سألتكموه من الأجر فهو لكم ، وثمرته تعود إليكم .
سبأ 34:48
ثم أمره - سبحانه - للمرة الثالثة ، أن يبين لهم أنهم لا قدرة لهم على مجادلته أو محاربته ، لأن الله - تعالى - قد سلحه بما ينصره عليهم فقال : ( قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بالحق عَلاَّمُ الغيوب ) .وأصل القذف : الرمى بقوة وشدة والمراد به هنا : ما يوحيه الله - تعالى - على نبيه صلى الله عليه وسلم من قرآن وتوجيهات وإلهامات ، والباء فى قوله ( بالحق ) للسببية .أى : قل لهم - أيها الرسول الكريم - إن ربى يلقى الوحى إلى وإلى أنبيائه ، بسبب الحق الذى كلفهم بتبليغه إلى الناس ، وهو - سبحانه - وحده علام الغيوب .قال الجمل : ما ملخصه قوله : ( يَقْذِفُ بالحق ) يجوز أن يكون مفعوله محذوفا ، لأنه القذف فى الأصل الرمى ، وعبر به هنا عن الإِلقاء . أى : يلقى الوحى إلى أنبيائه بالحق ، أى : بسبب الحق ، أو متلبسا الحق .ويجوز أن يكون التقدير : يقذف الباطل بالحق ، كما قال - تعالى - ( بَلْ نَقْذِفُ بالحق عَلَى الباطل فَيَدْمَغُهُ ) ويجوز أن يكون المعنى : قل إن ربى يقضى ويحكم بالحق ، بتضمين " يقذف " معنى يقضى ويحكم .
سبأ 34:49
ثم أمره - عز وجل - للمرة الرابعة أن يبين لهم أن باطلهم سيزول لا محالة وسينتهى أمره انتهاء لن تقوم له بعد قائمة فقال - تعالى - ( قُلْ جَآءَ الحق وَمَا يُبْدِىءُ الباطل وَمَا يُعِيدُ ) .والإِبداء : هو فعل الأمر ابتداء . والإِعادة : فعله مرة أخرى ، ولا يخلو الحى منهما ، فعدمها كناية عن هلاكه . كما يقول : فلان لا يأكل ولا يشرب ، كناة عن هلاكه .أى : قل أيها الرسول لهؤلاء الكافرين ، لقد جاء الحق المتمثل فى دين الإِسلام الذى ارسلنى به إليكم ربى ، وما دام الإِسلام قد جاء ، فإن الباطل المتمثل فى الكفر الذى أنتم عليه ، قد آن له أن يذهب وأن يزول ، وأن لا يبقى له أبداء أو إعادة ، فقد اندثر وأهيل عليه بالتراب إلى غير رجعة .
سبأ 34:50
ثم أمره - سبحانه - للمرة الخامسة أن يصارحهم بأنه مسئول أمام الله عما يرشدهم إليه ، وأنهم ليسوا مسؤولين عن هدايته أو ضلاله ، فقال - تعالى - : ( قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَآ أَضِلُّ على نَفْسِي وَإِنِ اهتديت فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي ) .أى : وقل لهم - أيها الرسول الكريم - على سبيل الإِرشاد والتنبيه ، إنى إن ضللت عن الصراط المستقيم ، وعن ابتاع الحق ، فإنهما غثم ضلالى على نفسى وحدها لا عليكم ، وإن اهتديت إلى طريق الحق والصواب ، فاهتدائى بسبب ما يوحيه الله - تعالى - إلى من توجيهات حكيمة ، وإرشادات قويمة ، ( إِنَّهُ ) - سبحانه - ( سَمِيعٌ ) لكل شئ ( قَرِيبٌ ) منى ومنكم .وهكذا نجد هذه الآيات الكريمة قد أمرت الرسول صلى الله عليه وسلم خمس مرات ، أن يخاطب المشركين بما يقطع عليهم كل طريق للتشكيك فى شأن دعوته ، وبما يوصلهم إلى طريق الهداية والسعادة لو كانوا يعقلون :
سبأ 34:51
وأخيرا نرى سورة " سبأ " تختتم بهذه الآيات ، التى تصور تصويرا مؤثرا ، حالة الكافرين عندما يخرجون من قبولهم للبعث والحساب ، يعلوهم الهلع والفزع ، ويحال بينهم وبين ما يشيتهون ، لأن توبتهم جاءت فى غير أوانها . . . قال - تعالى - : ( وَلَوْ ترى إِذْ فَزِعُواْ . . . فِي شَكٍّ مَّرِيبٍ ) .وجواب ( لَوْ ) محذوف . وكذلك مفعول ( ترى ) . والفزع : حالة من الخوف والرعب تعترى الإِنسان عندما يشعر بما يزعجه ويخفيه . والفوت : النجاة والمهرب ، وهذا الفزع للكافرين يكون عند خروجهم من قبورهم للبعث والحساب ، أو عند قبض أرواحهم .أى : ولو ترى - أيها العاقل - حال الكافرين ، وقت خروجهم من قبورهم للحساب ، وقد اعتراهم الفزع والهلع . . لرأيت شيئا هائلا ، وأمرا عظيما . .وقوله ( فَلاَ فَوْتَ ) أى : فلا مهرب لهم ولا نجاة يومئذ من الوقوف بين يدى الله - تعالى - للحساب ، ولمعاقبتهم على كفرهم وجحودهم . .وقوله : ( وَأُخِذُواْ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ ) معطوف على ( فَزِعُواْ ) أى : فزعوا دون أن ينفعهم هذا الفزع ، وأخذوا ليلقوا مصيرهم السيئء من مكان قريب من موقف الحساب .قال الآلوسى : والمراد بذكر قرب المكان ، سرعة نزول العذاب بهم والاستهانة بهم وبهلاكهم ، وإلا فلا قرب ولا بعد بالنسبة إلى الله - عز وجل - . .
سبأ 34:52
( وقالوا آمَنَّا بِهِ ) أى : وقال هؤلاء الكافرون عندما رأوا العذاب المعد لهم فى الآخرة : آمنا بالله - تعالى - وبأنه هو الواحد الفرد الصمد ، الذى لا معبود بحق سواه ، وآمنا بهذا الدين الذى جاءنا به رسوله صلى الله عليه وسلم .وقوله - سبحانه - : ( وأنى لَهُمُ التناوش مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ) بيان لعدم انتفاعهم بما قالوه من إظهار الإِيمان فى هذا الوقت .والتناوش : التناول . يقال : فلا ناشٍ الشئ ينوشه نوشا إذا تناوله . ومنه قولهم : تناشوا بالرماح ، أى : تناول بعضهم بعضاً بها .أى : لقد قالوا بعد البعث آمنا بهذا الدين ، ومن أين لهم فى الآخرة تناول الإِيمان والتوبة من الكفر ، وكان ذلك قريباً منهم فى الدنيا فضيعوه ، وكيف يظفرون به فى الآخرة وهى بعيدة عن دار الدنيا التى هى محل قبول الإِيمان .فالجملة الكريمة تمثيل لحالهم فى طلب الخلاص بعد أن فات أوانه ، وأن هذا الطلب فى نهاية الاستبعاد كما يدل عليه لفظ ( أنى ) .قال صاحب الكشاف : والتناوش والتناول أخوان . إلا أن التناوش تناول سهل لشئ قريب . .وهذا تمثيل لطلبهم ما لا يكون ، وهو أني نفعهم إيمانهم فى هذا الوقت ، كما يفنع المؤمنين إيمانهم فى الدنيا . مثلت حالهم بحال من يريد أن يتناول الشئ من غلوة - أى : من كان بعيد - ، كما يتناوله الآخر من قيس ذراع تناولا سهلا لا تعب فيه . .
سبأ 34:53
وقوله - سبحانه - : ( وَقَدْ كَفَرُواْ بِهِ مِن قَبْلُ ) أى : قالوا آمنا بأن يوم القيامة حق ، والحال أنهم قد كفروا به من قبل فى الدنيا ، عندما دعاهم إلى الإِيمان به رسول الله صلى الله عليه وسلم .وقوله - تعالى - : ( وَيَقْذِفُونَ بالغيب مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ) بيان لما كانوا عليه فى الدنيا من سفاهة فى القول ، وجرأة فى النطق بالباطل ، وفيما لا علم لهم به .والعرب تقول لكل من تكلم فيما لا يعلمه : هو يقذف ويرجم بالغيب ، والجملة الكريمة معطوفة على قوله : ( وَقَدْ كَفَرُواْ بِهِ مِن قَبْلُ ) .أى : لقد كفروا بهذا الدين فى الدنيا ، وكانوا ينطقون بأقوال لا علم لهم بها ، وبينها وبين الحق والصدق مسافات بعيدة ، فقد نسبوا إلى الله - تعالى - الولد والشريك ، ويقولون فى الرسول صلى الله عليه وسلم إنه ساحر . . ، وفى شأن البعث : إنه لا حقيقة له ، وفى شأن القرآن : إنه أساطير الأولين .فالمقصود بالآية تقريعهم وتجهيلهم ، على ما كانا يتفوهون به من كلام ساقط ، بينه وبين الحقيقة مسافات بعيدة .
سبأ 34:54
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة ببيان حرمانهم التام مما يشتهونه فقال : ( وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُواْ فِي شَكٍّ مَّرِيبٍ ) .وقوله ( حِيلَ ) فعل بمنى للمجهول مأخوذ من الحول بمعنى المنع والحجز . تقول حال الموج بينى وبين فلان . أى : منعنى من الوصول إليه ، ومنه قوله - تعالى - : ( وَحَالَ بَيْنَهُمَا الموج فَكَانَ مِنَ المغرقين ) أى : وحجز وفصل بين هؤلاء المشركين يوم القيامة ( وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ ) ويتمنون من قبول إيمانهم فى هذا اليوم ، أو من العفو عنهم فى هذا اليوم ، أو من العفو عنهم ورجوعهم إلى الدنيا . . حيل بينهم وبين كل ذلك ، ( كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِّن قَبْلُ ) أى : كما هو الحال بالنسبة لأمثالهم ونظرائهم الذين سبقوهم فى الكفر .( إِنَّهُمْ كَانُواْ ) جميعاً على نمط واحد ( فِي شَكٍّ ) من أمر هذا الدين ( مَّرِيبٍ ) أى : موقع فى الريبة .وبعد : فهذا تفسير وسيط " سبأ " نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصاً لوجهه ، ونافعاً لعباده . والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين .