Lafzullah

Tafsir Al Wasit — الحاقة 69:1 – القيامة 75:40

المؤلف / المصدر: Waseet

المحتويات
  1. الحاقة 69:1
  2. الحاقة 69:2
  3. الحاقة 69:3
  4. الحاقة 69:4
  5. الحاقة 69:5
  6. الحاقة 69:6
  7. الحاقة 69:7
  8. الحاقة 69:8
  9. الحاقة 69:9
  10. الحاقة 69:10
  11. الحاقة 69:11
  12. الحاقة 69:12
  13. الحاقة 69:13
  14. الحاقة 69:14
  15. الحاقة 69:15
  16. الحاقة 69:16
  17. الحاقة 69:17
  18. الحاقة 69:18
  19. الحاقة 69:19
  20. الحاقة 69:20
  21. الحاقة 69:21
  22. الحاقة 69:22
  23. الحاقة 69:23
  24. الحاقة 69:24
  25. الحاقة 69:25
  26. الحاقة 69:26
  27. الحاقة 69:27
  28. الحاقة 69:28
  29. الحاقة 69:29
  30. الحاقة 69:30
  31. الحاقة 69:31
  32. الحاقة 69:32
  33. الحاقة 69:33
  34. الحاقة 69:34
  35. الحاقة 69:35
  36. الحاقة 69:36
  37. الحاقة 69:37
  38. الحاقة 69:38
  39. الحاقة 69:39
  40. الحاقة 69:40
  41. الحاقة 69:41
  42. الحاقة 69:42
  43. الحاقة 69:43
  44. الحاقة 69:44
  45. الحاقة 69:45
  46. الحاقة 69:46
  47. الحاقة 69:47
  48. الحاقة 69:48
  49. الحاقة 69:49
  50. الحاقة 69:50
  51. الحاقة 69:51
  52. الحاقة 69:52
  53. المعارج 70:1
  54. المعارج 70:2
  55. المعارج 70:3
  56. المعارج 70:4
  57. المعارج 70:5
  58. المعارج 70:6
  59. المعارج 70:7
  60. المعارج 70:8
  61. المعارج 70:9
  62. المعارج 70:10
  63. المعارج 70:11
  64. المعارج 70:12
  65. المعارج 70:13
  66. المعارج 70:14
  67. المعارج 70:15
  68. المعارج 70:16
  69. المعارج 70:17
  70. المعارج 70:18
  71. المعارج 70:19
  72. المعارج 70:20
  73. المعارج 70:21
  74. المعارج 70:22
  75. المعارج 70:23
  76. المعارج 70:24
  77. المعارج 70:25
  78. المعارج 70:26
  79. المعارج 70:27
  80. المعارج 70:28
  81. المعارج 70:29
  82. المعارج 70:30
  83. المعارج 70:31
  84. المعارج 70:32
  85. المعارج 70:33
  86. المعارج 70:34
  87. المعارج 70:35
  88. المعارج 70:36
  89. المعارج 70:37
  90. المعارج 70:38
  91. المعارج 70:39
  92. المعارج 70:40
  93. المعارج 70:41
  94. المعارج 70:42
  95. المعارج 70:43
  96. المعارج 70:44
  97. نوح 71:1
  98. نوح 71:2
  99. نوح 71:3
  100. نوح 71:4
  101. نوح 71:5
  102. نوح 71:6
  103. نوح 71:7
  104. نوح 71:8
  105. نوح 71:9
  106. نوح 71:10
  107. نوح 71:11
  108. نوح 71:12
  109. نوح 71:13
  110. نوح 71:14
  111. نوح 71:15
  112. نوح 71:16
  113. نوح 71:17
  114. نوح 71:18
  115. نوح 71:19
  116. نوح 71:20
  117. نوح 71:21
  118. نوح 71:22
  119. نوح 71:23
  120. نوح 71:24
  121. نوح 71:25
  122. نوح 71:26
  123. نوح 71:27
  124. نوح 71:28
  125. الجن 72:1
  126. الجن 72:2
  127. الجن 72:3
  128. الجن 72:4
  129. الجن 72:5
  130. الجن 72:6
  131. الجن 72:7
  132. الجن 72:8
  133. الجن 72:9
  134. الجن 72:10
  135. الجن 72:11
  136. الجن 72:12
  137. الجن 72:13
  138. الجن 72:14
  139. الجن 72:15
  140. الجن 72:16
  141. الجن 72:17
  142. الجن 72:18
  143. الجن 72:19
  144. الجن 72:20
  145. الجن 72:21
  146. الجن 72:22
  147. الجن 72:23
  148. الجن 72:24
  149. الجن 72:25
  150. الجن 72:26
  151. الجن 72:27
  152. الجن 72:28
  153. المزمل 73:1
  154. المزمل 73:2
  155. المزمل 73:3
  156. المزمل 73:4
  157. المزمل 73:5
  158. المزمل 73:6
  159. المزمل 73:7
  160. المزمل 73:8
  161. المزمل 73:9
  162. المزمل 73:10
  163. المزمل 73:11
  164. المزمل 73:12
  165. المزمل 73:13
  166. المزمل 73:14
  167. المزمل 73:15
  168. المزمل 73:16
  169. المزمل 73:17
  170. المزمل 73:18
  171. المزمل 73:19
  172. المزمل 73:20
  173. المدثر 74:1
  174. المدثر 74:2
  175. المدثر 74:3
  176. المدثر 74:4
  177. المدثر 74:5
  178. المدثر 74:6
  179. المدثر 74:7
  180. المدثر 74:8
  181. المدثر 74:9
  182. المدثر 74:10
  183. المدثر 74:11
  184. المدثر 74:12
  185. المدثر 74:13
  186. المدثر 74:14
  187. المدثر 74:15
  188. المدثر 74:16
  189. المدثر 74:17
  190. المدثر 74:18
  191. المدثر 74:19
  192. المدثر 74:20
  193. المدثر 74:21
  194. المدثر 74:22
  195. المدثر 74:23
  196. المدثر 74:24
  197. المدثر 74:25
  198. المدثر 74:26
  199. المدثر 74:27
  200. المدثر 74:28
  201. المدثر 74:29
  202. المدثر 74:30
  203. المدثر 74:31
  204. المدثر 74:32
  205. المدثر 74:33
  206. المدثر 74:34
  207. المدثر 74:35
  208. المدثر 74:36
  209. المدثر 74:37
  210. المدثر 74:38
  211. المدثر 74:39
  212. المدثر 74:40
  213. المدثر 74:41
  214. المدثر 74:42
  215. المدثر 74:43
  216. المدثر 74:44
  217. المدثر 74:45
  218. المدثر 74:46
  219. المدثر 74:47
  220. المدثر 74:48
  221. المدثر 74:49
  222. المدثر 74:50
  223. المدثر 74:51
  224. المدثر 74:52
  225. المدثر 74:53
  226. المدثر 74:54
  227. المدثر 74:55
  228. المدثر 74:56
  229. القيامة 75:1
  230. القيامة 75:2
  231. القيامة 75:3
  232. القيامة 75:4
  233. القيامة 75:5
  234. القيامة 75:6
  235. القيامة 75:7
  236. القيامة 75:8
  237. القيامة 75:9
  238. القيامة 75:10
  239. القيامة 75:11
  240. القيامة 75:12
  241. القيامة 75:13
  242. القيامة 75:14
  243. القيامة 75:15
  244. القيامة 75:16
  245. القيامة 75:17
  246. القيامة 75:18
  247. القيامة 75:19
  248. القيامة 75:20
  249. القيامة 75:21
  250. القيامة 75:22
  251. القيامة 75:23
  252. القيامة 75:24
  253. القيامة 75:25
  254. القيامة 75:26
  255. القيامة 75:27
  256. القيامة 75:28
  257. القيامة 75:29
  258. القيامة 75:30
  259. القيامة 75:31
  260. القيامة 75:32
  261. القيامة 75:33
  262. القيامة 75:34
  263. القيامة 75:35
  264. القيامة 75:36
  265. القيامة 75:37
  266. القيامة 75:38
  267. القيامة 75:39
  268. القيامة 75:40

الحاقة 69:1

كلمة " الحاقة " مأخوذة من حق الشئ إذا ثبت وجوده ثبوتا لا يحتمل الشك . . وهى من أسماء الساعة ، وسميت الساعة بهذا الاسم لأن الأمور تثبت فيها وتَحق ، خلافا لما كان يزعمه الكافرون من أنه لا بعث ولا حساب ولا جزاء .والهاء فيها يصح أن تكون هاء التأنيث ، فيكون لفظ " الحاقة " صفة لموصوف محذوف ، أى : الساعة الحاقة .ويصح أن تكون هاء مصدر ، بزنة فاعلة ، مثل الكاذبة للكذب والباقية للبقاء ، والطاغية للطغيان .وأصلها تاء المرة ، ولكنها لما أريد بها الصدر ، قطع النظر عن المرء ، وصار لفظ " الحاقة " بمعنى الحق الثابت الوقوع .

الحاقة 69:2

ولفظ " الحاقة " مبتدأ ، و " ما " مبتدأ ثان ، ولفظ الحاقة الثانى ، خبر المبتدأ الثانى ، والجملة من المبتدأ الثانى وخبره ، خبر المبتدأ الأول .قال القرطبى ما ملخصه : قوله - تعالى - : ( الحاقة . مَا الحآقة ) يريد القيامة ، سميت بذلك : لأن الأمور تَحُق فيها .وقيل سميت بذلك ، لأنها تكون من غير شك . أو لأنها أحقت لأقوام الجنة ، ولأقوام النار ، أو لأن فيها يصير كل إنسان حقيقيا بجزاء عمله ، أو لأنها تَحُقُ كل مُحَاق فى دين الله بالباطل . أى : تبطل حجة كل مخاصم فى دين الله بالباطل - يقال : حاقَقْتهُ فحققته فأنا أُحِقُّه ، إذا غالبتُه فغلبته . . والتَّحاق التخاصم ، والاحتقاق : الاختصام . .

الحاقة 69:3

و " ما " فى قوله ( وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الحاقة ) اسم استفهام المقصود به هنا التهويل والتعظيم ، وهى مبتدأ . وخبرها جملة ( وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الحاقة ) وما الثانية وخبرها فى محل نصب سادة مسد المفعول الثانى لقوله ( أَدْرَاكَ ) لأن أدرى يتعدى لمفعولين ، الأول بنفسه والثانى بالباء ، كما فى قوله - تعالى - : ( قُل لَّوْ شَآءَ الله مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ ) .وهذا الأسلوب الذى جاءت به هذه الآيات الكريمة ، فيه ما فيه من التهويل من شأن الساعة ، ومن التعظيم لأمرها ، فكأنه - تعالى - يقول : يوم القيامة الذى يخوض فى شأنه الكافرون ، والذى تَحِق فيه الأمور وتثبت . أتدرى أى شئ عظيم هو؟ وكيف تدرى أيها المخاطب؟ ونحن لم نحط أحدا بكنه هذا اليوم ، ولا بزمان وقوعه؟وإنك - أيها العاقل - مهما تصورت هذا اليوم ، فإن أهواله فوق ما تتصور ، وكيفما قدرت لشدائده : فإن هذه الشدائد فوق ما قدرت .ومن مظاهر هذا التهويل لشأن يوم القيامة افتتاح السورة بلفظ " الحاقة " الذى قصد به ترويع المشركين ، لأن هذا اللفظ يدل على أن يوم القيامة حق .كما أن تكرار لفظ " ما " ثلاث مرات ، مستعمل - أيضا - فى التهويل والتعظيم ، كما أن إعادة المبتدأ فى الجملة الواقعة خبرا عنه بلفظه ، بأن قال ( مَا الحآقة ) ولم يقل ما هى : يدل أيضا على التهويل .لأن إظهار فى مقام الإِضمار يقصد به ذلك ، ونظيره قوله - تعالى - : ( وَأَصْحَابُ اليمين مَآ أَصْحَابُ اليمين ) ( وَأَصْحَابُ الشمال مَآ أَصْحَابُ الشمال ) والخطاب فى الآيات الكريمة ، لكل من يصلح له ، لأن المقصود تنبيه الناس إلى أن الساعة حق . وأن الحساب والجزاء فيها حق ، لكى يستعدوا لها بالإِيمان والعمل الصالح .قال بعض العلماء ما مخلصه : واستعمال " ما أدراك " غير استعمال " ما يدريك " . . فقد روى عن ابن عباس أنه قال : كل شئ من القرآن من قوله ( وَمَآ أَدْرَاكَ ) فقد أدراه ، وكل شئ من قوله : ( وَمَا يُدْرِيكَ ) فقد طوى عنه .فإن صح هذا عنه فمراده أن مفعول " ما أدراك " محقق الوقوع ، لأن الاستفهام فيه للتهويل وأن مفعول " ما يدريك " غير محقق الوقوع لأن الاستفهام فيه للإِنكار ، وهو فى معنى نفى الدراية .قال - تعالى - : ( وَمَآ أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ . نَارٌ حَامِيَةٌ ) وقال - سبحانه - ( وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ الساعة قَرِيبٌ ).

الحاقة 69:4

ثم فصل - سبحانه - أحوال بعض الذين كذبوا بالساعة ، وبين ما ترتب على تكذيبهم من عذاب أليم فقال : ( كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بالقارعة . فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُواْ بالطاغية . وَأَمَا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ ) .وثمود : هم قوم صالح - عليه السلام - ، سموا بذلك باسم جدهم ثمود . وقيل سموا بذلك لقلة المياه التى كانت فى مساكنهم ، لأن الثمد هو الماء القليل .وكانت مساكنهم بين الحجاز والشام . وما زالت أماكنهم معروفة باسم قرى صالح وتقع بين المملكة الأردنية الهاشمية ، والمملكة العربية السعودية .وقد ذكرت قصتهم فى سور : الأعراف ، وهود ، والشعراء ، والنمل ، والقمر . . إلخ .وأما عاد فهم قبيلة عاد ، سوموا بذلك نسبة إلى جدهم الذى كان يسمى بهذا الاسم ، وكانت مساكنهم بالأحقاف باليمن - والأحقاف جمع حِقف وهو الرمل الكثير المائل . . وينتهى نسب عاد وثمود إلى نوح - عليه السلام - .والقارعة : اسم فاعل من قرعه ، إذا ضربه ضربا شديدا ، ومنه قوارع الدهر ، أى : شدائده وأهواله ، ويقال : قرع فلان البعير ، إذا ضربه ومنه قولهم : العبد يقرع بالعصا .ولفظ القارعة ، من أسماء يوم القيامة ، وسمى يوم القيامة بذلك ، لأنه يقرع القلوب ويزجرها لشدة أهواله : وهو صفة لموصوف محذوف ، أى : بالساعة القارعة .والطاغية من الطغيان وهو تجاوز الحد ، والمراد بها هنا الصاعقة أو الصيحة التى أهلكت قوم ثمود ، كما قال - تعالى - : ( فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً في أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ ) والعاتية من العتو بمعنى الشدة والقوة وتجاوز الحد .

الحاقة 69:5

أى : كذبت قبيلة ثمود ، وقبيلة عاد ، بالقيامة التى تقرع القلوب ، وتزلزل النفوس ، لإأما قبيلة " ثمود " فأهلكوا ، بالصيحة أو بالصاعقة ، أو بالرجفة ، التى تجاوزت الحد فى الشدة والهول والطغيان .

الحاقة 69:6

وأما قبيلة عاد ، فأهلكت بالريح الشديدة ، التى لها صوت عظيم ، والتى تجاوزت كل حد فى قوتها .وابتدأ - سبحانه - بذكر ما أصاب هاتين القبيليتين ، لأنهما أكثر القبائل المكذبة معرفة لمشركى قريش ، لأنهما من القبائل العربية ، ومساكنها كانت فى شمال وجنوب الجزيرة العربية .

الحاقة 69:7

ثم بين - سبحانه - كيفية نزول العذاب بهم فقال : ( سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً ) .والتسخير : التذليل عن طريق القهر والأمر الذى لا يمكن مخالفته .وحسوما : من الحَسْم بمعنى التتابع ، من حسمت الدابة ، إذا تابعت كيها على الداء مرة بعد مرة حتى ينحسم . . أو من الحسم بمعنى القطع ، ومنه سمى السيف حساما لأنه يقطع الرءوس ، وينهى الحياة .قال صاحب الكشاف : " والحسوم " لا يخلو من أن يكون جمع حاسم ، كشهود وقعود . أو مصدرا كالشكور والكفور ، فإن كان جمعا فمعنى قوله ( حُسُوماً ) : نحسات حسمت كل خير ، واستأصلت كل بركة . أو : متتابعة هبوب الرياح ، ما خففت ساعة حتى أتت عليهم ، تمثيلا لتتابعها بتتابع فعل الحاسم فى إعادة الكى على الداء ، كرة بعد كرة حتى ينحسم .وإن كان مصدرا ، فإما أن ينتصب بفعله مضمراً ، أى : تحسم حسوما ، بمعنى تستأصل استئصالا ، أو يكون صفة كقولك : ذات حسوم . .أى : أرسل الله - تعالى - على هؤلاء المجرمين الريح التى لا يمكنها التخلف عن أمره ، فبقيت تستأصل شأفتهم ، وتخمد أنفاسهم . . . ( سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً ) أى : متتابعة ومتوالية حتى قطعت دابرهم ، ودمرتهم تدميرا .وقوله : ( حُسُوماً ) يصح أن يكون نعتا لسبع ليال وثمانية أيام ، ويصح أن يكون منصوبا على المصدرية بفعل من لفظه ، أى : تحسمهم حسوما .ثم صور - سبحانه - هيئاتهم بعد أن هلكوا فقال : ( فَتَرَى القوم فِيهَا صرعى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ )والخطاب فى قوله ( فَتَرَى . . . ) لغير معين . والفاء للتفريع على ما تقدم والضمير فى قوله ( فِيهَا ) يعود إلى الأيام والليالى . أو إلى مساكنهم .وقوله : ( صرعى ) أى : هلكى ، جمع صريع كقتيل وقتلى ، وجريح وجرحى .والأعجاز جمع عَجُز ، والمراد بها هنا جذوع النخقل التى قطعت رءوسها .وخاوية : أى : ساقطعة ، مأخوذ من خوى النجم ، إذا سقط للغروب أو من خوى المكان إذا خلا من أهله وسكانه ، وصار قاعا صفصفا . بعد أن كان ممتلئا بعُمَّارِه .أى : أرسل الله - تعالى - على هؤلاء الظالمين الريح المتتابعة لمدة سبع ليال وثمانية أيام ، فدمرتهم تدميرا ، وصار الرائى ينظر إليهم ينظر إليهم فيراهم وقد ألقوا على الأرض هلكى ، كأنهم فى ضخامة أجسادهم . . . جذوع نخل ساقطة على الأرض ، وقد انفصلت رءوسها عنها .وعبر - سبحانه - بقوله : ( فَتَرَى القوم . . ) لاستحضار صورتهم فى الأذهان ، حتى يزداد المخاطب اعتبارا بأحوالهم ، وبما حل بهم .والتشبيه بقوله : ( كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ ) المقصود منه تشنيع صورتهم ، والتنفير من مصيرهم السَّيِّئ ، لأن من كان هذا مصيره ، كان جديرا بأن يتحامى ، وأن يتجتنب أفعاله التى أدت به إلى هذه العاقبة المهينة .

الحاقة 69:8

والاستفهام فى قوله : ( فَهَلْ ترى لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ ) للنفى ، والخطاب - أيضا - لكل من يصلح له ، وقوله ( بَاقِيَةٍ ) صفة لموصوف محذوف . . أى : فهل ترى لهم من فرقة أو نفس باقية .

الحاقة 69:9

ثم بين - سبحانه - النهاية السيئة لأقوام آخرين فقال : ( وَجَآءَ فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُ والمؤتفكات بِالْخَاطِئَةِ . فَعَصَوْاْ رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَّابِيَةً ) .وفرعون : هو الذى قال لقومه - من بين ما قال - أنا ربكم الأعلى . . . وقد أرسل الله - تعالى - إليه نبيه موسى - عليه السلام - ولكنه أعرض عن دعوته . . وكانت نهايته الغرق .والمراد بمن قبله : الأقوام الذين سبقوه فى الكفر ، كقوم نوح وإبراهيم - عليهما السلام - .والمراد بالمؤتفكات : قرى قوم لوط - عليه السلام - التى اقتلعها جبريل - عليه السلام - ثم قلبها بأن جعل عاليها سافلها ، مأخوذ من ائتفك الشئ إذا انقلب رأسا على عقب .قال - تعالى - ( فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ ) والمراد بالمؤتفكات هنا : سكانها وهم قوم لوط الذين أتوا بفاحشة ما سبقهم إليها أحد من العالمين .وخصوا بالذكر ، لشهرة جريمتهم وبشاعتها وشناعتها . . ولمرور أهل مكة على قراهم وهم فى طريقهم إلى الشام للتجارة ، كما قال - تعالى - : ( وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ . وبالليل أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ) أى : وبعد أن أهلكنا أقوام عاد وثمود . . جاء فرعون ، وجاء أقوام آخرون قبله ، وجاء قوم لوط ، وكانوا جميعا كافرين برسلنا ، ومعرضين عن دعوة الحق ومرتكبين للفعلات الخاطئة ، والفواحش المنكرة .

الحاقة 69:10

ومن مظاهر ذلك أنهم ( فَعَصَوْاْ رَسُولَ رَبِّهِمْ ) أى : كل أمة من أمم الكفر تلك ، عصت رسولها حين أمرها بالمعروف ، ونهاها عن المنكر .فكانت نتيجة إصرارهم على ارتكاب المعاصى والفواحش . . أن أخذهم الله - تعالى - ( أَخْذَةً رَّابِيَةً ) أى : أخذة زائدة فى الشدة - لزيادة قبائحهم - على الأخذات التى أخذ بها غيرهم .فقوله : ( رَّابِيَةً ) مأخوذ من ربا الشئ إذا زاد وتضاعف .وقال - سبحانه - ( فَعَصَوْاْ رَسُولَ رَبِّهِمْ ) ولم يقل رسولهم ، للإِشعار بأنهم لم يكتفوا بمعصية الرسول الذى هو بشر مثلهم ، وإنما تجاوزوا ذلك إلى الاستخفاف بما جاءهم به من عند ربهم وخالقهم وموجدهم .والتعبير بالأخذ ، للإِشعار بسرعة الإِهلاك وشدته ، فإذا وصف هذا الأخذ بالزيادة عن المألوف ، كان المقصود به الزيادة فى الاعتبار والاتعاظ لأن هؤلاء جميعا قد أهلكهم - سبحانه - هلاك الاستئصال ، الذى لم يبق منهم باقية .

الحاقة 69:11

ثم حكى - سبحانه - ما جرى لقوم نوح - عليه السلام - وبين جانبا من مننه ونعمه على المخاطبين ، فقال : ( إِنَّا لَمَّا طَغَا المآء حَمَلْنَاكُمْ فِي الجارية .لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ )وقوله : ( طَغَا ) من الطغيان وهو مجاوزة الحد فى كل شئ ، والجارية صفة لموصوف محذوف .أى : اذكروا - أيها الناس - لتعتبروا وتتعظوا ، ما جرى للكافرين من قوم نوح - عليه السلام - فإنهم حين أصروا على كفرهم ، أغرقناهم بالطوفان ، وحين علا الماء واشتد فى ارتفاعه اشتداداً خارقاً للعادة . . حملنا آباءكم الذين آمنوا بنوح - عليه السلام - فى السفينة الجارية ، التى صنعها نوح بأمرنا . وحفظناهم - بفضلنا ورحمتنا - فى تلك السفينة إلى أن انتهى الطوفان .

الحاقة 69:12

وقد فعلنا ذلك ( لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً ) أى : لنجعل لكم هذه النعمة وهى إنجاؤكم وإنجاء آبائكم من الغرق - عبرة وعظة وتذكيرا بنعم الله - تعالى - عليكم .وهذه النعمة والمنة ( وَتَعِيَهَآ ) وتحفظها ( أُذُنٌ وَاعِيَة ) أى : أذن من شأنها أن تحفظ ما يجب حفظه ، وتعى ما يجب وعيه .فقوله : ( وَاعِيَة ) من الوعى بمعنى الحفظ للشئ فى القلب . يقال : وعى فلان الشئ يعيه إذا حفظه أكمل حفظ .وقال - سبحانه - ( حَمَلْنَاكُمْ فِي الجارية ) مع أن الحمل كان للآباء الذين آمنوا بنوح - عليه السلام - لأن فى نجاة الآباء ، نجاة للأبناء ، ولأنه لو هلك الآباء لما وجد الأبناء .قال صاحب الكشاف قوله : ( حَمَلْنَاكُمْ ) أى : حملنا آباءكم ، فى الجارية ، أى : فى السفينة الجارية ، لأنهم إذا كانوا من نسل المحمولين الناجين ، كان حمل آبائهم منة عليهم ، وكأنهم هم المحمولون ، لأن نجاتهم سبب ولادتهم .( لِنَجْعَلَهَا ) الضمير للفعلة : وهى نجاة المؤمنين وإغراق الكفرة ( تَذْكِرَةً ) عبرة وعظة . ( وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ ) من شأنها أن تعى وتحفظ ما يجب حفظه ووعيه ، ولا تضيعه بترك العمل .فإن قلت : لم قيل : أذن واعية على التوحيد والتنكير؟ قلت : للإِيذان بأن الوعاة فيهم قلة ، ولتوبيخ الناس بقلة من يعى منهم ، وللدلالة على أن الأذن الواحدة إذا وعت وعقلت عن الله ، فهى السواد الأعظم عند الله ، وأن ما سواها لا يبالى بهم ، وإن ملأوا الخافقين . .وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد ذكرت الناس بأهوال يوم القيامة بأبلغ أسلوب ، وبينت ما حل بالمكذبين بطريقة تبعث الخوف والوجل فى القلوب .

الحاقة 69:13

ثم أخذت السورة فى تفصيل أهوال يوم القيامة ، وفى بيان ما تكون عليه الأرض والساء فى هذا اليوم ، وفى بيان ما أعده - سبحانه - لمن أوتى كتابه بيمينه فى هذا اليوم ، فقال - تعالى - :( فَإِذَا نُفِخَ فِي الصور . . . ) .الفاء فى قوله - تعالى - : ( فَإِذَا نُفِخَ فِي الصور . . ) للتفريع ، أى : لتفريع ما بعدها على ما قبلها ، وهو الحديث عن أهوال يوم القيامة .والصور : هو البوق الذى ينفخ فيه إسرافيل بأمر الله - تعالى - .قال الآلوسى : قوله : ( فَإِذَا نُفِخَ فِي الصور نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ ) شروع فى بيان نفس الحاقة ، وكيفية وقوعها ، إثر بيان عظم شأنها ، بإهلاك مكذبيها .والمراد بالنفخة الواحدة : النفخة الأولى ، التى عندها يكون خراب العالم . وقيل هى النفخة الثانية . والأول أولى ، لأنه هو المناسب لما بعده .وجواب الشرط قوله : ( فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الواقعة ) أو قوله : ( يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاَ تخفى مِنكُمْ خَافِيَةٌ ) .أى : فإذا نفخ إسرافيل فى الصور بأمرنا . وقعت الواقعة التى لا مفر من وقوعها ، لكى يحاسب الناس على أعمالهم .ووصفت النفخة بأنها واحدة ، للتأكيد على أنها نفخة واحدة وليست أكثر ، وللتبيه على أن هذه النفخة - مع أنها واحدة - تتأثر بها السموات والأرض والجبال ، وهذا دليل على وحدانية الله - تعالى - وقدرته .وقوله - سبحانه - : ( وَحُمِلَتِ الأرض والجبال فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً ) بيان لما ترتب على تلك النفخة الهائلة من آثار .والمراد بحمل الأرض والجبال : إزالتهما من أماكنهما ، وتفريق أجزائهما .والدك : هو الدق الشديد الذى يترتب عليه التكسير والتفتيت للشئ .أى : عندما ينفخ إسرافيل فى الصور بأمرنا نفخة واحدة ، وعندما تزال الأرض والجبال عن أماكنهما ، وتتفتت أجزاؤهما تفتتا شديدا .

الحاقة 69:14

فيومئذ ( وَقَعَتِ الواقعة ) أى : ففى هذا الوقت تقع الواقعة التى لا مرد لوقوعها ، والواقعة من أسماء يوم القيامة . كالحاقة ، والقارعة .

الحاقة 69:15

ثم بين - سبحانه - ما تكون عليه السماء فى هذا اليوم فقال : ( وانشقت السمآء فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ ) .والانشقاق : الانفطار والتصدع . ومعنى : ( وَاهِيَةٌ ) ضعيفة متراخية .يقال : وهَى البناء بَهِة وَهْياً واهٍ ، إذا كان ضعيفا جدا ، ومتوقعا سقوطه .أى : وفى هذا الوقت - أيضا - الذى يتم فيه النفخ فى الصور بأمرنا تتصدع السماء وتتفطر ، وتصير فى أشد درجات الضعف والاسترخاء والتفرق .وقيد - سبحانه - هذا الضعف بهذا الوقت ، للإشارة إلى أنه ضعيف طارئ ، قد حدث بسبب النفخ فى الصور ، أما قبل ذلك فكانت فى نهاية الإِحكام والقوة .وهذا كله للتهويل من شأن هذه النفخة ، ومن شأن المقدمات التى تتقدم قيام الساعة ، حتى يستعد الناس لها بالإِيمان والعمل الصالح .

الحاقة 69:16

والمراد بالملك فى قوله - تعالى - : ( والملك على أَرْجَآئِهَآ ) جنس الملك ، فيشمل عدد مبهم من الملائكة . . أو جميع الملائكة إذا أردنا بأل معنى الاستغراق .والأرجاء : الأطراف والجوانب ، جمع رَجَا بالقصر ، وألفه منقلبة عن واو ، مثل : قفا وقفوان .أى : والملائكة فى ذلك الوقت يكونون على أرجاء السماء وجوانبها ، ينفذون أمر الله - تعالى - ( وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ ) أى : والملائكة واقفون على أطراف السماء ، ونواحيها .ويحمل عرش ربك فوق هؤلاء الملائكة فى هذا اليوم ، ثمانية منهم ، أو ثمانية من صفوفهم التى لا يعلم عددها إلا الله - تعالى - .وعرش الله - تعالى - مما لا يعلمه البشر إلا بالاسم ، فنحن نؤمن بأن الله - عز وجل - عرشا ، إلا أننا نفوض معرفة هيئته وكنهه . . إلى الله - تعالى - .قال الألوسى ما ملخصه : قوله : ( والملك على أَرْجَآئِهَآ ) أى : والجنس المتعارف بالملك ، وهم الملائكة . . على جوانب السماء التى لا تتشقق . .( وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ ) أى : فوق الملائكة الذين هم على الأرجاء المدلول عليهم بالملك ، وقيل : فوق العالم كله .( يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ ) أى : من الملائكة ، أو ثمانية صفوف لا يعلم عدتهم إلا الله - تعالى - .هذا ، وقد وردت فى صفة هؤلاء الملائكة الثمانية ، أحاديث ضعيفة لذا ضربنا صفحا عن ذكرها .

الحاقة 69:17

ثم بين - سبحانه - ما يجرى على الناس فى هذا اليوم فقال : ( يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاَ تخفى مِنكُمْ خَافِيَةٌ ) .والعرض أصله : إظهار الشئ لمن يريد التأمل فيه ، أو الحصول عليه ، ومنه عرض البائع سلعته على المشترى .وهو هنا كناية عن لازمه وهو المحاسبة .أى : فى هذا اليوم تعرضون للحساب والجزاء ، لا تخفى منكم خافية ، أى تعرضون للحساب ، دون أن يخفى منكم أحد على الله - تعالى - أو دون أن تخفى منكم نفس واحدة على خالقها - عز وجل - .قال الجمل : وقوله : ( يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ ) أى : تسألون وتحاسبون ، وعبر عنه بذلك تشبيها له بعرض السلطان العسكر والجند ، لينظر فى أمرهم فيختار منهم المصلح للتقريب والإِكرام ، والمفسد للإِبعاد والتعذيب .

الحاقة 69:18

والفاء فى قوله - تعالى - : ( فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ . . ) لتفصيل ما يترتب على العرض والحساب من جزاء .والمراد بكتابة : ما سجلته الملائكة عليه من أعمال فى الدنيا ، والمراد بيمينه : يده اليمنى ، لأن من يعطى كتابه بيده اليمنى ، يكون هذا الإعطاء دليلا على فوزه ونجاته من العذاب .والعرب يذكرون التناول باليمين ، على أنه كناية عن الاهتمام بالشئ المأخوذ ، وعن الاعتزاز به ، ومنه قول الشاعر :إذا ما راية رفعت لمجد ... تلقاها عرابة باليمينوجملة ( فَيَقُولُ هَآؤُمُ اقرؤا كِتَابيَهْ ) جواب " أما " - ولفظ " هاؤم " هنا :اسم فعل أمر . بمعنى : خذوا ، والهاء فى قوله " كتابية وحسابيهْ " وما ماثلهما للسكت ، والأصل كتابى وحسابى فأدخلت عليهما هاء السكت لكى تظهر فتحة الياء .والمعنى فى هذا اليوم يعرض كل إنسان للحساب والجزاء ، ويؤتى كل فرد كتاب أعماله ، فأما من أعطى كتاب أعماله بيمينه ، على سبيل التبشير والتكريم ، ( فَيَقُولُ ) على سبيل البهجة والسرور لكل من يهمه أن يقول له : ( هَآؤُمُ اقرؤا كِتَابيَهْ ) أى : هذا هو كتابى فخذوه واقرءوه فإنكم ستجدونه مشتملا على الإِكرام لى ، وتبشيرى بالفوز الذى هو نهاية آمالى ، ومحط رجائى .

الحاقة 69:19

( إِنِّي ظَنَنتُ ) أى : تيقنت وعلمت ( أَنِّي مُلاَقٍ حِسَابِيَهْ ) أى : إنى علمت أن يوم القيامة حق ، وتيقنت أن الحساب والجزاء صدق ، فأعددت للأمر عدته عن طريق الإِيمان الكامل ، والعمل الصالح .قال الضحاك : كل ظن فى القرآن من المؤمن فهو يقين ، ومن الكافر فهو شك .وهذه الجملة الكريمة بمنزلة التعليل للبهجة والمسرة التى دل عليها قوله - تعالى - ( هَآؤُمُ اقرؤا كِتَابيَهْ ) .

الحاقة 69:20

( فَهُوَ ) أى : هذا المؤمن الفائز برضا الله - تعالى - ( فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ ) أى : فى حياة ذات رضا ، أى : ثابت ودائم لها الرضا . فهى صيغة نسب ، كلابن وتامر لصاحب اللبن والتمر .إو فهو فى عيشة مرضية يرضى بها صاحبها ولا يبغضها ، فهى فاعل بمعنى مفعول ، على حد قولهم : ماء دافق بمعنى مدفوق .وفى هذا التعبير ما فيه من الدلالة على أن هذه الحياة التى يحياها المؤمن فى الجنة ، فى أسمى درجات الحبور والسرور ، حتى لكأنه لو كان للمعيشة عقل ، لرضيت لنفسها بحالتها ، ولفرحت بها فرحا عظيما .

الحاقة 69:21

( فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ ) أى : هذا الذى أوتى كتابه بيمينه ، يكون - أيضا - فى جنة مرتفعة على غيرها ، وهذا لون من مزاياها .

الحاقة 69:22

( قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ ) أى : ثمارها قريبة التناول لهذا اليوم ، يقطفها كلما أرادها بدون تعب . فالقطوف جمع قِطْف بمعنى مقطوف ، وهو ما يجتنيه الجانى من الثمار ، و ( دَانِيَةٌ ) اسم فاعل ، من الدنو بمعنى القرب .

الحاقة 69:23

وجملة ( كُلُواْ واشربوا هَنِيئَاً بِمَآ أَسْلَفْتُمْ فِي الأيام الخالية ) مقول لقول محذوف .أى : يقال لهؤلاء المؤمنين الصادقين ، الذين أعطوى كتابهم بأيمانهم كلوا أكلا طيبا ، واشربوا هنيئا مريئا بسبب ما قدمتموه فى دنياكم من إيمان بالله - تعالى - ومن عمل صالح خالص لوجهه - تعالى - .قال الإِمام ابن كثير : أى : يقال لهم ذلك ، تفضلا عليهم ، وامتنانا وإنعاما وإحسانا ، وإلا فقد ثبت فى الصحيح ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " اعملوا وسددوا وقاربوا ، واعملوا أن أحدا منكم لن يدخله عمله الجنة . قالوا : ولا أنت يا رسول الله؟ قال : ولا أنا ، إلا أن يتغمدنى الله برحمة منه وفضل " .

الحاقة 69:24

وكعادة القرآن الكريم ، فى بيان سوء عاقبة الأشرار ، بعد بيان حسن عاقبة الأخيار ، أو العكس ، جاء الحديث عمن أوتى كتابه بشماله ، بعد الحديث عمن أوتى كتابه بيمينه ، فقال - تعالى - :( وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ . . . ) .أى : ( وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ ) أى : من الجهة التى يعلم أن الإِتيان منها تؤدى إلى هلاكه وعذابه .( فَيَقُولُ ) على سبيل التحسر والتفجع ( ياليتني لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ ) أى : فيقول يا ليتنى لم أعط هذا الكتاب ، لأن إعطائى إياه بشمالى دليل على عذابى وعقابى .

الحاقة 69:25

( وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ ) أى : ويا ليتنى لم أعرف شيئا عن حسابى ، فإن هذه المعرفة التى لم أحسن الاستعدا لها ، أوصلتنى إلى العذاب المبين .

الحاقة 69:26

( ياليتها كَانَتِ القاضية ) أى : ويا ليت الموتة التى متها فى الدنيا ، كانت هى الموتة النهائية التى لا حياة لى بعدها .فالضمير للموتة التى ماتتها فى الدنيا ، وإن كان لم يجر لها ذكر ، إلا أنها عرفت من المقام .والمراد بالقاضية : القاطعة لأمره ، التى لا بعث بعدها ولا حساب . . لأن ما وجده بعدها أشد مما وجده بعد حلوله بها .قال قتادة : تمنى الموت ولم يكن عنده فى الدنيا شئ أكره منه . وشر من الموت ما يطلب منه الموت .

الحاقة 69:27

ثم أخذ الذى أوتى كتابه بشماله يتحسر على تفريطه وغروره ، ويحكى القرآن ذلك فيقول : ( مَآ أغنى عَنِّي مَالِيَهْ ) أى : هذه الأموال التى كنت أملكها فى الدنيا ، وأتفاخر بها . لم تغن عنى شيئا من عذاب الله ، ولم تنفعنى ولو منفعة قليلة .فما نافية ، والمفعول محذوف للتعميم ، ويجوز أن تكون استفهامية والمقصود بها التوبيخ .أى : أى شئ أغنى عنى مالى؟ إنه لم يغن عنى شيئا؟

الحاقة 69:28

( هَّلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ ) أى : ذهب عنى ، وغاب عنى فى هذا اليوم ما كنت أتمتع به فى الدنيا من جاه وسلطان ، ولم يحضرنى شئ منه ، كما أن حججى وأقوالى التى كنت أخاصم بها المؤمنين . قد ذهبت أدراج الرياح .وعدى الفعل " هلك " بعن ، لتضمنه معنى غاب وذهب .

الحاقة 69:29

وخلال هذا التفجع والتحسر الطويل . . . يأتى أمر الله - تعالى الذى لا يرد ، فيقول - سبحانه - للزبانية المكلفين بإنزال العذاب بالكافرين : ( خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ) أى : خذوا هذا الكافر ، فاجمعوا يديه إلى عنقه .فقوله : ( خُذُوهُ ) معمول لقول محذوف . وهو جواب عن سؤال نشأ مما سبق من الكلام . فكأنه قيل : وماذا يفعل به بعد هذا التحسر والتفجيع . فكان الجواب : أمر الله - تعالى - ملائكته بقوله : ( خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ) . .وقوله : ( فَغُلُّوهُ ) من الغُل - بضم الغين - وهو ربط اليدين إلى العنق على سبيل الإِذلال .

الحاقة 69:30

( ثُمَّ الجحيم صَلُّوهُ ) أى : ثم بعد هذا التقييد والإِذلال . . اقذفوه به إلى الجحيم ، وهى النار العظيمة ، الشديدة التأجج والتوهج .ومعنى ( صَلُّوهُ ) بالغوا فى تصليته النار ، بغمسه فيها مرة بعد أخرى . يقال : صَلِى فلان النار ، إذا ذاق حرها ، وصَلّى فلان فلانا النار ، إذا أدخله فيها . وقلبه على جمرها كما تقلب الشاة فى النار .

الحاقة 69:31

( ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ ) والسلسلة : اسم لمجموعة من حَلَق الحديد ، يربط بها الشخص لكى لا يهرب ، أو لكى يزاد فى إذلاله وهو المراد هنا .وقوله : ( ذَرْعُهَا ) أى : طولها ، كما فى قوله - تعالى - : ( استغفر لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ الله لَهُمْ . . . ) وقوله : ( فَاسْلُكُوهُ ) من السَّلك بمعنى الإِدخال فى الشئ ، كما فى قوله - تعالى - ( مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ ) أى : ما أدخلكم فيها .أى : خذوا هذا الكافر ، فقيدوه ثم أعدوه للنار المحرقة . ثم اجعلوه مغلولا فى سلسلة طولها سبعين ذرعا ، بحيث تكون محيطة به إحاطة تامة . أى ألقوا به فى الجحيم وهو مكبل فى أغلاله .و ( ثم ) فى كل آية جئ بها للتراخى الرتبى ، لأن كل عقوبة أشد من سابقتها . إذ إدخاله فى السلسلة الطويلة . أعظم من مطلق إلقائه فى الجحيم كما أن إلقاءه فى الجحيم ، أشد من مطلق أخذه وتقييده .وفى هذه الآيات ما فيها من تصوير يبعث فى القلوب الخوف الشديد ، ويحملها على حسن الاستعداد لهذا اليوم . الذى لا تغنى فيه نفس عن نفس شيئا .وقد ساق الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآيات بعض الأحاديث والآثار ، منها : ما رواه ابن أبى حاتم ، عن المنهال بن عمرو قال : إذا قال الله - عز وجل - ( خُذُوهُ . . ) ابتدره سبعون ألف ملك ، وإن الملك منهم ليقول هكذا - أى : ليفعل هكذا - فيلقى سبعين ألفا فى النار .

الحاقة 69:32

ثم بين - سبحانه - الأسباب التى أدت بهذا الشقى إلى هذا المصير الأليم فقال : ( إِنَّهُ كَانَ لاَ يُؤْمِنُ بالله العظيم . وَلاَ يَحُضُّ على طَعَامِ المسكين ) .أى : إن هذا الشقى إنما حل به ما حل من عذاب . . لأنه كان فى الدنيا ، مصرا على الكفر ، وعلى عدم الإِيمان بالله الواحد القهار . .

الحاقة 69:33

وكان كذلك ( وَلاَ يَحُضُّ ) أى : لا يحث نفسه ولا غيره ( على طَعَامِ المسكين ) أى : على بذل طعامه أو طعام غيره للمسكين ، الذى حلت به الفاقة والمسكنة .ولعل وجه التخصيص لهذين الأمرين بالذكر ، أن أقبح شئ يتعلق بالعقائد ، وهو الكفر بالله - تعالى - وأن أقبح شئ فى الطباع ، هو البخل وقسوة القلب .

الحاقة 69:34

ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات ، بزيادة لبيان للمصير الأليم لهذا الشقى فقال : ( فَلَيْسَ لَهُ اليوم ) أى : يوم القيامة ( هَا هُنَا حَمِيمٌ ) أى : ليس له فى هذا اليوم من صديق ينفعه ، أو من قريب يشفق عليه ، أو يحميه ، أو يدفع عنه .

الحاقة 69:35

( وَلاَ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ ) أى : وليس له فى جهنم من طعام سوى الغسلين وهو صديد أهل النار . . أو شجر يأكله أهل النار ، فيغسل بطونهم ، أى : يخرج أحشاءهم منها ، أو ليس لهم إلا شر الطعام وأخبثه .

الحاقة 69:36

( لاَّ يَأْكُلُهُ ) أى : الغسلين ( إِلاَّ الخاطئون ) أى : إلا الكافرون الذين تعمدوا ارتكاب الذنوب ، وأصروا عليها ، من خَطِئَ الرجل : إذا تعمد ارتكاب الذنب .فالخاطئ هو من يرتكب الذنب عن تعمد وإصرار . والمخطئ : هو من يرتكب الذنب عن غير إصرار وتعمد .وهكذا . نجد الآيات الكريمة قد ساقت أشد ألوان الوعيد والعذاب . . للكافرين ، بعد أن ساقت قبل ذلك ، أعظم أنواع النعيم المقيم للمؤمنين .

الحاقة 69:37

وبعد هذا العرض - الذى بلغ الذروة فى قوة التأثير - لأهوال يوم القيامة ، ولبيان حسن عاقبة المتقين ، وسوء عاقبة المكذبين . . بعد كل ذلك أخذت السورة فى أواخرها ، فى تقرير حقيقة هذا الدين ، وفى تأكيد صدق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يبلغه عن ربه ، وفى بيان أن هذا القرآن من عنده - تعالى - وحده . . فقال - سبحانه - :( فَلاَ أُقْسِمُ بِمَا . . . ) .الفاء فى قوله : ( فَلاَ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ . وَمَا لاَ تُبْصِرُونَ ) للتفريع على ما فهم مما تقدم ، منإنكار المشركين ليوم القيامة ، ولكون القرآن من عند الله .و ( لا ) فى مثل هذا التركيب يرى بعضهم أنها مزيدة ، فيكون المعنى : أقسم بما تبصرون من مخلوقاتنا كالسماء والأرض والجبال والبحار . .

الحاقة 69:38

وبما لا تبصرون منها ، كالملائكة والجن .

الحاقة 69:39

وقوله : ( إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ) جواب القسم ، وهو المحلوف عليه أى : أقسم إن هذا القرآن لقول رسول كريم ، هو محمد صلى الله عليه وسلم .وأضاف - سبحانه - القرآن إلى الرسول صلى الله عليه وسلم باعتبار أنه هو الذى تلقاه عن الله - تعالى - وهو الذى بلغه عنه بأمره وإذنه .أى : أن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول هذا القرآن ، وينطق به ، على وجه التبليغ عن الله - تعالى - .قال الإِمام ابن كثير : قوله : ( إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ) يعنى محمدا صلى الله عليه وسلم أضافه إليه على معنى التبليغ ، لأن الرسول من شأنه أن يبلغ عن المُرسِل ، ولهذا أضافه فى سورة التكوير إلى الرسول الملكى فقال : ( إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ . ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي العرش مَكِينٍ . مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ ) وهو جبريل - عليه السلام - .وبعضهم يرى أن " لا " فى مثل هذا التركيب ليست مزيدة ، وإنما هى أصلية ، ويكون المقصود من الآية الكريمة ، بيان أن الأمر فى الوضوح بحيث لا يحتاج إلى قسم ، إذ كل عاقل عندما يقرأ القرآن ، يعتقد أنه من عند الله .ويكون المعنى : فلا أقسم بما تبصرونه من مخلوقات ، وبما لا تبصرونه . . لظهور الأمر واستغنائه عن القسم . .قال الشوكانى : قوله : ( فَلاَ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ . وَمَا لاَ تُبْصِرُونَ ) هذا رد لكلام المشركين ، كأنه قال : ليس الأمر كما تقولون . و " لا " زائدة والتقدير : فأقسم بما تشاهدونه وبما لا تشاهدونه .وقيل إن " لا " ليست زائدة ، بل هى لنفى القسم ، أى : لا أحتاج إلى قسم لوضوح الحق فى ذلك . والأول أولى .وتأكيد قوله : ( إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ) بإنَّ وباللام ، للرد على المشركين الذين قالوا عن القرآن الكريم : أساطير الأولين .

الحاقة 69:40

ثم أضاف - سبحانه - إلى هذا التأكيد تأكيدات أخرى فقال : ( وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَّا تُؤْمِنُونَ . وَلاَ بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ )والشاعر : هو من يقول الشعر . والكاهن : هو من يتعاطى الكهانة عن طريق الزعم بأنه يعلم الغيب .وانتصب " قليلا " فى الموضعين على أنه صفة لمصدر محذوف ، و " ما " مزيدة لتأكيد القلة .والمراد بالقلة فى الموضعين انتفاء الإِيمان منهم أصلا أو أن المراد بالقلة : إيمانهم اليسير ، كإيمانهم بأن الله هو الذى خلقهم ، مع إشراكهم معه آلهة أخرى فى العبادة .أى : ليس القرآن الكريم بقول الشاعر ، ولا بقول كاهن ، وإنما هو تنزيل من رب العالمين ، على قلب نبيه محمد صلى الله عليه وسلم لكى يبلغه إليكم ، ولكى يخركم بواسطته من ظلمات الكفر ، إلى نور الإيمان .ولكنكم - أيها الكافرون - لا إيمان عندكم أصلا ، أو قليلا ما تؤمنون بالحق ، وقليلا ما تتذكرونه وتتعظون به .ففى الآيتين رد على الجاحدين الذين وصفوا الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه شاعر أو كاهن .وخص هذين الوصفين بالذكر هنا لأن وصفه صلى الله عليه وسلم بأنه ( رَسُولٍ كَرِيمٍ ) كاف لنفى الجنون أو الكذب عنه صلى الله عليه وسلم أما وصفه بالشعر والكهانة فلا ينافى عندهم وصفة بأنه كريم ، لأن العشر والكهانة كان معدودين عندهم من صفات الشرف ، لذا نفى - سبحانه - عنه صلى الله عليه وسلم أنه شاعر أو كاهن ، وأثبت له أنه رسول كريم .

الحاقة 69:41

ثم أضاف - سبحانه - إلى هذا التأكيد تأكيدات أخرى فقال : ( وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَّا تُؤْمِنُونَ . وَلاَ بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ )والشاعر : هو من يقول الشعر . والكاهن : هو من يتعاطى الكهانة عن طريق الزعم بأنه يعلم الغيب .وانتصب " قليلا " فى الموضعين على أنه صفة لمصدر محذوف ، و " ما " مزيدة لتأكيد القلة .والمراد بالقلة فى الموضعين انتفاء الإِيمان منهم أصلا أو أن المراد بالقلة : إيمانهم اليسير ، كإيمانهم بأن الله هو الذى خلقهم ، مع إشراكهم معه آلهة أخرى فى العبادة .أى : ليس القرآن الكريم بقول الشاعر ، ولا بقول كاهن ، وإنما هو تنزيل من رب العالمين ، على قلب نبيه محمد صلى الله عليه وسلم لكى يبلغه إليكم ، ولكى يخركم بواسطته من ظلمات الكفر ، إلى نور الإيمان .ولكنكم - أيها الكافرون - لا إيمان عندكم أصلا ، أو قليلا ما تؤمنون بالحق ، وقليلا ما تتذكرونه وتتعظون به .ففى الآيتين رد على الجاحدين الذين وصفوا الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه شاعر أو كاهن .وخص هذين الوصفين بالذكر هنا لأن وصفه صلى الله عليه وسلم بأنه ( رَسُولٍ كَرِيمٍ ) كاف لنفى الجنون أو الكذب عنه صلى الله عليه وسلم أما وصفه بالشعر والكهانة فلا ينافى عندهم وصفة بأنه كريم ، لأن العشر والكهانة كان معدودين عندهم من صفات الشرف ، لذا نفى - سبحانه - عنه صلى الله عليه وسلم أنه شاعر أو كاهن ، وأثبت له أنه رسول كريم .

الحاقة 69:42

وقوله : ( تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ العالمين ) تأكيد لكون القرآن من عند الله - تعالى - وأنه ليس بقول شاعر أو كاهن .أى : هذا القرآن ليس كما زعمتم - أيها الكافرون - وإنما هو منزل من رب العالمين ، لا من أحد سواه - عز وجل - .

الحاقة 69:43

ثم بين - سبحانه - ما يحدث للرسول صلى الله عليه وسلم لو أنه - على سبيل الفرض - غيرَّ أو بدل شيئا من القرآن فقال : ( وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأقاويل . لأَخَذْنَا مِنْهُ باليمين . ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الوتين . فَمَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ )والتقول : افتراء القول ، ونسبته إلى من لم يقله ، فهو تفعل من القول يدل على التكلف والتصنع والاختلاق .والأقاويل : جمع أقوال ، الذى هو جمع قول ، فهو جمع الجمع .أى : ولو أن محمداً صلى الله عليه وسلم افترى علينا بعض الأقوال ، أو نسب إلينا قولا لم نقله ، أو لم نأذن له فى قوله . . لو أنه فعل شيئا من ذلك على سبيل الفرض .

الحاقة 69:44

( لأَخَذْنَا مِنْهُ باليمين ) أى : لأخذنا منه باليد اليمنى من يديه ، وهو كناية عن إذلاله وإهانته .أو : لأخذناه بالقوة والقدر ، وعبر عنهما باليمين ، لأن قوة كل شئ فى ميامنه .والمقصود بالجملة الكريمة : التهويل من شأن الأخذ ، وأنه أخذ شديد سريع لا يملك معه تصرفا أو هربا .

الحاقة 69:45

ثم أضاف - سبحانه - إلى هذا التهويل ما هو أشد منه فى هذا المعنى فقال : ( ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الوتين ) .أى : ثم بعد هذا الأخذ بقوة وسرعة ، لقطعنا وتينه . وهو عرق يتصل بالقلب . متى قطع مات صاحبه .وهذا التعبير من مبتركات القرآن الكريم ، ومن أساليبه البديعة ، إذ لم يسمع عن العرب أنهم عبروا عن الإِهلاك بقطع الوتين .

الحاقة 69:46

ثم بين - سبحانه - أن أحدا لن يستطيع منع عقابه فقال : ( فَمَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ ) .أى : فما منكم من أحد - أيها المشركون - يستطيع أن يدفع عقابنا عنه ، أو يحول بيننا وبين ما نريده ، فالضمير فى " عنه " يعود إلى الرسول صلى الله عليه وسلم .قال صاحب الكشاف عند تفسيره لهذه الآيات : التقول : افتعال القول ، كأن فيه تكلفا من المفتعل ، وسمى الأقوال المتقولة " أقاويلط تصغيراً بها وتحقيرا ، كقولك : الأعاجيب والأضاحيك ، كأنها جمع أفعولة من القول .والمعنى : ولو ادعى علينا شيئا لم نقله لقتلناه صبرا ، كما يفعل الملوك بمن يتكذب عليهم .معالجة بالسخط والانتقام ، فصور قتل الصبر بصورته ليكون أهول ، وهو أن يؤخذ بيده ، وتضرب رقبته .وخص اليمين عن اليسار ، لأن القاتل إذا أراد أن يوقع الضرب فى قفا المقتول أخذ بيساره ، وإذا أراد أن يوقعه فى جيده وأن يكفحه بالسيف - وهو أشد على المصبور لنظره إلى السيف - أخذ بيمينه .ومعنى : ( لأَخَذْنَا مِنْهُ باليمين ) : لأخذنا بيمينه . كما أن قوله : ( ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الوتين ) : لقطعنا وتينه ، والوتين : نياط القلب ، وهو حبل الوريد ، إذا قطع مات صاحبه .وفى هذه الآيات الكريمة أقوى الأدلة على أن هذا القرآن من عند الله - تعالى - لأنه لو كان - كما زعم الزاعمون أنه من تأليف الرسول صلى الله عليه وسلم لما نطق بهذه الألفاظ التى فيها ما فيها من تهديده ووعيده .كما أنها كذلك فيها إشارة إلى أنه صلى الله عليه وسلم لم يتقول شيئا . . وإنما بلّغ هذا القرآن عن ربه - عز وجل - دون أن يزيد حرفا أو ينقص حرفا . . لأن حكمة الله - تعالى - قد اقتضت أن يهلك كل من يفترى عليه الكذب ، ومن يزعم أن الله - تعالى - أوحى إليه ، مع أنه - سبحانه - لم يوح إليه .

الحاقة 69:47

وقوله - سبحانه - ( وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ ) معطوف على قوله : ( إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ) .أى : إن هذا القرآن لقول رسول كريم بلغه عن الله - تعالى - وإنه لتذكير وإرشاد لأهل التقوى ، لأنهم هم المنتفعون بهداياته .

الحاقة 69:48

وقوله - تعالى - : ( وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنكُمْ مُّكَذِّبِينَ ) تبكيت وتوبيخ لهؤلاء الكافرين ، الذين جحدوا الحق بعد أن تبين لهم أنه حق .أى : وإنا لا يخفى علينا أن منكم - أيها الكافرون - من هو مكذب للحق عن جحود وعناد ، ولكن هذا لن يمنعنا من إرسال رسولنا بهذا الدين لكى يبلغه إليكم ، ومن شاء بعد ذلك فليؤمن ومن شاء فليكفر ، وسنجازى كل إنسان بما تستحقه من ثواب أو عقاب .

الحاقة 69:49

وقوله - سبحانه - : ( وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الكافرين ) بيان لما يكون عليه الكافرون من ندم شديد ، عندما يرون حسن مصير المؤمنين ، وسوء مصير المكذبين .والحسرة : هى الندم الشديد المتكرر ، على أمر نافع قد مضى ولا يمكن تداركه .أى : وإن هذا القرآن الكريم ، ليكون يوم القيامة ، سبب حسرة شديدة وندامة عظيمة ، على الكافرين ، لأنهم يرون المؤمنين به فى هذا اليوم فى نعيم مقيم ، أما هم فيجدون أنفسهم فى عذاب أليم .

الحاقة 69:50

وقوله : ( وَإِنَّهُ لَحَقُّ اليقين ) معطوف على ما قبله ، أى : وإن هذا القرآن لهو الحق الثابت الذى لا شك فى كونه من عند الله - تعالى - وأن محمدا صلى الله عليه وسلم قد بلغه إلى الناس دون أن يزيد فيه حرفا ، أو ينقص منه حرفا .وإضافة الحق إلى اليقين ، من إضافة الصفة إلى الموصوف . أى : لهو اليقين الحق ، أو هو من إضافة الشئ إلى نفسه مع اختلاف اللفظين ، كما فى قوله : ( حَبْلِ الوريد ) ، إذ الحبل هو الوريد .والمقصود من مثل هذا التركيب : التأكيد .وقد قالوا : إن مراتب العلم ثلاثة : أعلاها : حق اليقين ، ويليها : عين اليقين ، ويليها : علم اليقين .فحق اليقين : كعلم الإِنسان بالموت عند نزوله به ، وبلوغ الروح الحلقوم ، وعين اليقين : كعلمه به عند حلول أماراته وعلاماته الدالة على قربه . . وعلم اليقين : كعلمه بأن الموت سينزل به لا محالة مهما طال الأجل . .

الحاقة 69:51

والفاء فى قوله - تعالى - ( فَسَبِّحْ باسم رَبِّكَ العظيم ) للإِفصاح . أى : إذا كان الأمر كما ذكرنا لك من أن هذا الدين حق ، وأن البعث حق ، وأن القرآن حق ، فنزه اسم ربك العظيم عما لا يليق به ، من النقائص ، فى الاعتقاد أو فى العبادة ، أو فى القول ، أو فى الفعل .والباء فى قوله : ( باسم رَبِّكَ ) للمصاحبة . أى : نزه ربك تنزيها مصحوبا بكل ما يليق به من طاعة وإخلاص ومواظبة على مراقبته وتقواه .

الحاقة 69:52

والفاء فى قوله - تعالى - ( فَسَبِّحْ باسم رَبِّكَ العظيم ) للإِفصاح . أى : إذا كان الأمر كما ذكرنا لك من أن هذا الدين حق ، وأن البعث حق ، وأن القرآن حق ، فنزه اسم ربك العظيم عما لا يليق به ، من النقائص ، فى الاعتقاد أو فى العبادة ، أو فى القول ، أو فى الفعل .والباء فى قوله : ( باسم رَبِّكَ ) للمصاحبة . أى : نزه ربك تنزيها مصحوبا بكل ما يليق به من طاعة وإخلاص ومواظبة على مراقبته وتقواه .

المعارج 70:1

قوله - تعالى - ( سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ ) قرأه الجمهور بإظهار الهمزة فى ( سَأَلَ ) .وقرأه نافع وابن عامر ( سال ) بتخفيف الهمزة .قال الجمل : قرأ نافع وابن عامر بألف محضة ، والباقون ، بهمزة خففت بقلبها ألفا . والثانى : أنها من سَاَلَ يَسَالُ ، مثل خاف يخاف ، والألف منقلبة عن واو ، والواو منقلبة عن الهمزة .والثالث : من السيلان ، والمعنى : سال واد فى جهنم بعذاب . فالألف منقلبة عن ياء .وقد حكى القرآن الكريم عن كفار مكة ، أنهم كانوا يسألون النبى صلى الله عليه وسلم على سبيل التهكم والاستهزاء عن موعد العذاب الذى يتوعدهم به إذا ما استمروا على كفرهم ، ويستعجلون وقوعه .قال - تعالى - : ( وَيَقُولُونَ متى هذا الوعد إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ) وقال - سبحانه - ( وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالعذاب وَلَن يُخْلِفَ الله وَعْدَهُ ) وعلى هذا يكون السؤال على حقيقته ، وأن المقصود به الاستهزاء بالنبى صلى الله عليه وسلم وبالمؤمنين .ومنهم من يرى أن سأل هنا بمعنى دعا . أى : دعا داع على نفسه بعذاب واقع .قال الآلوسى ما ملخصه : ( سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ ) أى : دعا داع به ، فسؤال بمعنى الدعاء ، ولذا عدى بالباء تعديته بها فى قوله ( يَدْعُونَ فِيهَا بِكلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ ) والمراد استدعاء العذاب وطلبه . . وقيل إنها بمعنى " عن " كما فى قوله : ( فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً ) والسائل هو النضر بن الحارث - كما روى النسائى وجماعة وصححه الحاكم - حيث قال إنكارا واستهزاء ( اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السمآء أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ) وقيل السائل : أو جهل ، حيث قال : " فأسقط علينا كسفا من السماء " .وعلى أية حال فسؤالهم عن العذاب ، يتضمن معنى الإِنكار والتهكم ، كما يتضمن معنى الاستعجال ، كما حكته بعض الآيات الكريمة . .ومن بلاغة القرآن ، تعدية هذا الفعل هنا بالباء ، ليصلح لمعنى الاستفهام الإِنكارى ، ولمعنى الدعاء والاستعجال .أى : سأل سائل النبى صلى الله عليه وسلم سؤال تهكم ، عن العذاب الذى توعد به الكافرين إذا ما استمروا على كفرهم . وتعجَّلَه فى وقوعه بل أضاف إلى ذلك - لتجاوزه الحد فى عناده وطغيانه - أن قال : ( اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السمآء أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ) وقال - سبحانه - ( بِعَذَابٍ وَاقِعٍ ) ولم يقل بعذاب سيقع ، للإِشارة إلى تحقق وقوع هذا العذاب فى الدنيا والآخرة .أما الدنيا فمن هؤلاء السائلين من قتل فى غزوة بدر وهو النضر بن الحارث ، وأبو جهل وغيرهما ، وأما فى الآخرة فالعذاب النازل بهم أشد وأبقى .

المعارج 70:2

ثم وصف - سبحانه - العذاب بصفات أخرى ، غير الوقوع فقال : ( لِّلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ .مِّنَ الله ذِي المعارج ) واللام فى قوله ( لِّلْكَافِرِينَ ) بمعنى على . أو للتعليل .أى : سأل سائل عن عذاب واقع على الكافرين ، هذا العذاب ليس له دافع يدفعه عنهم .

المعارج 70:3

لأنه واقع من الله - تعالى - ( ذِي المعارج ) .والمعارج جمع معرج ، وهو المصعد ، ومنه قوله - تعالى - ( يَوْمَ يَفِرُّ المرء مِنْ أَخِيهِ . وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ . وصاحبته وَبَنِيهِ . لِكُلِّ امرىء مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ) والحميم : هو الصديق الوفى القريب من نفس صديقه .

المعارج 70:4

لأنه واقع من الله - تعالى - ( ذِي المعارج ) .والمعارج جمع معرج ، وهو المصعد ، ومنه قوله - تعالى - ( يَوْمَ يَفِرُّ المرء مِنْ أَخِيهِ . وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ . وصاحبته وَبَنِيهِ . لِكُلِّ امرىء مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ) والحميم : هو الصديق الوفى القريب من نفس صديقه .

المعارج 70:5

لأنه واقع من الله - تعالى - ( ذِي المعارج ) .والمعارج جمع معرج ، وهو المصعد ، ومنه قوله - تعالى - ( يَوْمَ يَفِرُّ المرء مِنْ أَخِيهِ . وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ . وصاحبته وَبَنِيهِ . لِكُلِّ امرىء مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ) والحميم : هو الصديق الوفى القريب من نفس صديقه .

المعارج 70:6

لأنه واقع من الله - تعالى - ( ذِي المعارج ) .والمعارج جمع معرج ، وهو المصعد ، ومنه قوله - تعالى - ( يَوْمَ يَفِرُّ المرء مِنْ أَخِيهِ . وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ . وصاحبته وَبَنِيهِ . لِكُلِّ امرىء مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ) والحميم : هو الصديق الوفى القريب من نفس صديقه .

المعارج 70:7

لأنه واقع من الله - تعالى - ( ذِي المعارج ) .والمعارج جمع معرج ، وهو المصعد ، ومنه قوله - تعالى - ( يَوْمَ يَفِرُّ المرء مِنْ أَخِيهِ . وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ . وصاحبته وَبَنِيهِ . لِكُلِّ امرىء مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ) والحميم : هو الصديق الوفى القريب من نفس صديقه .

المعارج 70:8

لأنه واقع من الله - تعالى - ( ذِي المعارج ) .والمعارج جمع معرج ، وهو المصعد ، ومنه قوله - تعالى - ( يَوْمَ يَفِرُّ المرء مِنْ أَخِيهِ . وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ . وصاحبته وَبَنِيهِ . لِكُلِّ امرىء مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ) والحميم : هو الصديق الوفى القريب من نفس صديقه .

المعارج 70:9

لأنه واقع من الله - تعالى - ( ذِي المعارج ) .والمعارج جمع معرج ، وهو المصعد ، ومنه قوله - تعالى - ( يَوْمَ يَفِرُّ المرء مِنْ أَخِيهِ . وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ . وصاحبته وَبَنِيهِ . لِكُلِّ امرىء مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ) والحميم : هو الصديق الوفى القريب من نفس صديقه .

المعارج 70:10

لأنه واقع من الله - تعالى - ( ذِي المعارج ) .والمعارج جمع معرج ، وهو المصعد ، ومنه قوله - تعالى - ( يَوْمَ يَفِرُّ المرء مِنْ أَخِيهِ . وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ . وصاحبته وَبَنِيهِ . لِكُلِّ امرىء مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ) والحميم : هو الصديق الوفى القريب من نفس صديقه .

المعارج 70:11

وضمير الجمع فى قوله - سبحانه - ( يُبَصَّرُونَهُمْ ) يعود إلى الحميمين ، نظرا لعمومهما ، لأنه ليس المقصود صديقين مخصوصين ، وإنما المقصود كل صديق مع صديقه .والجملة مستأنفة استئنافا بيانيا ، إجابة عن سؤال تقديره : ولماذا لا يسأل الصديق صديقه فى هذا اليوم؟ ألأنه لا يراه؟ فكان الجواب : لا ، إنه يراه ويشاهده ، ويعرف كل قريب قريبه ، وكل صديق صديقه فى هذا اليوم . . ولكن كل واحد منهم مشغول بهمومه .قال صاحب الكشاف : ( يُبَصَّرُونَهُمْ ) أى : يبصر الأحماءُ الأحماءَ ، فلا يخفون عليهم ، فلا يمنعهم من المساءلة أن بعضهم لا يبصر بعضا ، وإنما يمنعهم التشاغل .فإن قلت : ما موقع يبصرونهم؟ قلت : هو كلام مستأنف ، كأنه لمّا قال : ( وَلاَ يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً ) قيل : لعله لا يبصره ، فقيل فى الجواب : يبصرونهم ، ولكنهم لتشاغلهم لم يتمكنوا من تساؤلهم .فإن قلت : لم جمع الضميرين فى ( يُبَصَّرُونَهُمْ ) وهى للحميمين؟ قلت : المعنى على العموم لكل حميمين ، لا لحميمين اثنين .ثم بين - سبحانه - حالة المجرمين فى هذا اليوم فقال : ( يَوَدُّ المجرم ) أى : يحب المجرم فى هذا اليوم ويتمنى .( لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ ) أى : يتمنى ويحب لو يفتدى نفسه من عذاب هذا اليوم بأقرب الناس إليه ، وألصقهم بنفسه . . وهم بنوه وأولاده .

المعارج 70:12

ويود - أيضا - لو يفتدى نفسه ب ( وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ ) أى : بزوجته التى هى أحب الناس إليه ، وبأخيه الذى يستعين به فى النوائب .

المعارج 70:13

( وَفَصِيلَتِهِ التي تُؤْوِيهِ ) أى : ويود كذلك أن ينقذ نفسه ، من العذاب بأقرب الأقرباء إليه . وهم أهله وعشيرته التى ينتسب إليها ، إذا الفصيلة هم الأقرباء الأدنون من القبيلة ، والذين هو واحد منهم .ومعنى ( تُؤْوِيهِ ) تضمه إليها ، وتعتبره فردا منها ، وتدافع عنه بكل وسيلة .

المعارج 70:14

وقوله : ( وَمَن فِي الأرض جَمِيعاً ثُمَّ يُنجِيهِ ) داخل فى إطار ما يتمناه ويوده .أى : يود هذا المجرم أن يفتدى نفسه من عذاب هذا اليوم ، بأولاده ، ويصاحبته ، وبأخيه ، وبعشيرته التى هو فرد منها ، وبأهل الأرض جميعا من الجن والإِنس .ثم يتمنى - أيضا - أن يقبل منه هذا الافتداء ، لكى ينجو بنفسه من هذا العذاب .فقوله ( ثُمَّ يُنجِيهِ ) معطوف على قوله ( يَفْتَدِي ) أى : يود لو يفتدى ثم لو ينجيه الافتداء . وكان العطف بثم ، للإِشعار باستبعاد هذا الافتداء ، وأنه عسير المنال .وقوله : ( وَمَن فِي الأرض ) معطوف على ( بنيه ) أى : ويفتدى نفسه بجميع أهل الأرض .وهكذا نرى الآيات الكريمة تحكى لنا بهذا الأسلوب المؤثر ، حالة المجرم فى هذا اليوم ، وأنه يتمنى أن يفتدى نفسه مما حل به من عذاب ، بأقرب وأحب الناس إليه ، بل بأهل الأرض جميعا . . ولكن هيهات أن يقبل منه شئ من ذلك .

المعارج 70:15

ولذا جاء الرد الزاجر له عما تمناه فى قوله - تعالى - ( كَلاَّ إِنَّهَا لظى ) وكلا حرف ردع وزجر ، وإبطال لكلام سابق ، وهو هنا ما كان يتمناه ويحبه . . من أن يفتدى نفسه ببنيه ، وبصاحبته وأخيه . . إلخ .و " لظى " علم لجهنم ، أو لطبقة من طبقاتهم ، واللظى : اللهب الخالص ، والضمير للنار المدلول عنها بذكر العذاب .أى : كلا - أيها المجرم - ليس الأمر كما وددت وتمنيت . . وإنما الذى فى انتظارك ، هو النار التى هو أشد ما تكون اشتغالا .

المعارج 70:16

والتى من صفاتها كونها ( نَزَّاعَةً للشوى ) أى : قلاعة لجلدة الرأس وأطراف البدن ، كاليد والرجل ، ثم تعود هذه الجلدة والأطراف كما كانت .فقوله : ( نَزَّاعَةً ) صيغة المبالغة من النزع بمعنى القلع والفصل . والشوى : جمع شواة - بفتح الشين - ، وهى من جوارح الإِنسان ما لم يكن مقتلا ، مثل اليد والرجل . والجمع باعتبار ما لكل أحد من جوارح وأطراف . يقال : فلان رمى فأشوى ، إذا لم يصب مقتلا ممن رماه .وقيل : الشواة : جلدة الرأس . والجمع باعتبار كثرة الناس .

المعارج 70:17

وهذه النار الملتهبة من صفاتها - أيضا - أنها ( تَدْعُواْ مَنْ أَدْبَرَ وتولى ) أى : تدعو لدخولها والاصطلاء بحرها ، من أدبر وأعرض وتولى عن الحق والرشد ، ونآى بجانبه عن طريق الهدى والاستقامة .قال ابن كثير : هذه النار تدعو إليها أبناءها الذين خلقهم الله - تعالى - لها وقدر لهم أهم فى الدار الدنيا يعملون عملها ، فتدعوهم يوم القيامة بلسان طَلْقِ ذَلْقٍ - أى : فصيح بليغ - ثم تلتقطهم من بين أهل المحشر ، كما يلتقط الطير الحب ، وذلك أنهم كانوا كما قال - سبحانه - ممن أدبر وتولى . أى : ممن كذب بقلبه ، وترك العمل بجوارحه .

المعارج 70:18

( وَجَمَعَ فأوعى ) أى جمع المال بعضه على بعض فأوعاه ، أى : فأمسكه فى وعائه وكنزه ومنع حق الله - تعالى - فيه ، وبخل به على مستحقيه . فقوله ( فأوعى ) أى : فجعله فى وعاء . وفى الحديث الشريف ، يقول صلى الله عليه وسلم : " لا توعى - أى لا تجمع مالك فى الوعاء على سبيل الكنز - فيوعى الله عليك - أى : فيمنع الله - تعالى - فضله عنك ، كما منعت وقترت .وفى قوله - سبحانه - ( وَجَمَعَ ) إشارة إلى الحرص والطمع ، وفى قوله ( فأوعى ) إشارة إلى بخله وطول أمله .قال قتادة ( وَجَمَعَ فأوعى ) : كان جموعا للخبيث من المال .

المعارج 70:19

وبعد هذا البيان المؤثر الحكيم عن طبائع المجرمين ، وعن أهوال يوم الدين ، وعن سوء عاقبة المكذبين . . اتجهت السورة الكريمة إلى الحديث عن سجايا النفوس البشرية فى حالتى الخير والشر ، والغنى والفقر ، والشكر والجحود . . واستثنت من تلك السجايا نفوس المؤمنين الصادقين ، فقال - تعالى - .( إِنَّ الإنسان خُلِقَ . . . ) .المراد بالإِنسان فى قوله - تعالى - : ( إِنَّ الإنسان خُلِقَ هَلُوعاً . إِذَا مَسَّهُ الشر جَزُوعاً . وَإِذَا مَسَّهُ الخير مَنُوعاً ) جنسه لافرد معين منه ، كما فى قوله - تعالى - : ( والعصر . إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ . إِلاَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات . . ) وكما فى قوله - سبحانه - : ( خُلِقَ الإنسان مِنْ عَجَلٍ سَأُوْرِيكُمْ آيَاتِي فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ ) ويدخل فيه الكافر دخولا أولياً ، لأن معظم الصفات التى استثنيت بعد ذلك من صفات المؤمنين الصادقين ، وعلى رأسها قوله - سبحانه - : ( إِلاَّ المصلين ) .وقوله : ( هَلُوعاً ) صيغة مبالغة من الهلع ، وهو إفراط النفس ، وخروجها عن التوسط والاعتدال ، عندما ينزل بها ما يضرها ، أو عند ما تنال ما يسرها .والمراد بالشر : ما يشمل الفقر والمرض وغيرهما مما يتأذى به الإِنسان .والمراد بالخير : ما يشمل الغنى والصحة وغير ذلك مما يحبه الإِنسان ، وتميل إليه نفسه .والجزوع : هو الكثير الجزع . أى : الخوف . والمنوع : هو الكثير المنع لنعم الله - تعالى - وعدم إعطاء شئ منها للمتحاجين إليها .قال الآلوسى ما ملخصه : قوله : ( إِنَّ الإنسان خُلِقَ هَلُوعاً ) الهلع : سرعة الجزع عند مس المكروه ، وسرعة المنع عند مس الخير ، من قولهم : ناقة هلوع ، أى : سريعة السير .

المعارج 70:20

وسئل ابن عباس عن الهلوع فقال : هو كما قال الله - تعالى - : ( إِذَا مَسَّهُ الشر جَزُوعاً . وَإِذَا مَسَّهُ الخير مَنُوعاً ) .ولا تفسير أبين من تفسيره - سبحانه - .والإِنسان : المراد به الجنس ، أو الكافر . . وأل فى الشر والخير للجنس - أيضا .والتعبير بقوله : ( خُلِقَ هَلُوعاً ) يشير إلى أن جنس الإِنسان - إلا من عصم الله - مفطور ومطبوع ، على أنه إذا أصابه الشر جزع ، وإذا مسه الخير بخل . . وأن هاتين الصفتين ليستا من الصفات التى يحبها الله - تعالى - بدليل أنه - سبحانه - قد استثنى المصلين وغيرهم من التلبس بهاتين الصفتين .وبدليل أن من صفات المؤمن الصادق أن يكون شكورا عند الرخاء صبورا عند الضراء .وفى الحديث الشريف ، يقول صلى الله عليه وسلم : " شر ما فى الرجل : شح هالع ، وجبن خالع " . وفى حديث آخر يقول صلى الله عليه وسلم : " عجبا لأمر المؤمن ، إن أمره كله له خير ، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له ، وإن أصابته صبر فكان خيرا له " .قال الجمل : وقوله : ( جَزُوعاً ) و ( مَنُوعاً ) فيهما ثلاثة أوجه : أحدها : أنهما منصوبان على الحال فى الضمير فى ( هَلُوعاً ) ، وهو العامل فيهما . والتقدير : هلوعا حال كونه جزوعا وقت مس الشر ، ومنوعا وقت مس الخير : الثانى : أنهما خبران لكان أو صار مضمرة . أى : إذا مسه الشر كان أوصار جزوعا ، وإذا مسه الخير كان أوصار منوعا .الثالث : أنهما نعتان لقوله : " هلوعا " .

المعارج 70:21

وسئل ابن عباس عن الهلوع فقال : هو كما قال الله - تعالى - : ( إِذَا مَسَّهُ الشر جَزُوعاً . وَإِذَا مَسَّهُ الخير مَنُوعاً ) .ولا تفسير أبين من تفسيره - سبحانه - .والإِنسان : المراد به الجنس ، أو الكافر . . وأل فى الشر والخير للجنس - أيضا .والتعبير بقوله : ( خُلِقَ هَلُوعاً ) يشير إلى أن جنس الإِنسان - إلا من عصم الله - مفطور ومطبوع ، على أنه إذا أصابه الشر جزع ، وإذا مسه الخير بخل . . وأن هاتين الصفتين ليستا من الصفات التى يحبها الله - تعالى - بدليل أنه - سبحانه - قد استثنى المصلين وغيرهم من التلبس بهاتين الصفتين .وبدليل أن من صفات المؤمن الصادق أن يكون شكورا عند الرخاء صبورا عند الضراء .وفى الحديث الشريف ، يقول صلى الله عليه وسلم : " شر ما فى الرجل : شح هالع ، وجبن خالع " . وفى حديث آخر يقول صلى الله عليه وسلم : " عجبا لأمر المؤمن ، إن أمره كله له خير ، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له ، وإن أصابته صبر فكان خيرا له " .قال الجمل : وقوله : ( جَزُوعاً ) و ( مَنُوعاً ) فيهما ثلاثة أوجه : أحدها : أنهما منصوبان على الحال فى الضمير فى ( هَلُوعاً ) ، وهو العامل فيهما . والتقدير : هلوعا حال كونه جزوعا وقت مس الشر ، ومنوعا وقت مس الخير : الثانى : أنهما خبران لكان أو صار مضمرة . أى : إذا مسه الشر كان أوصار جزوعا ، وإذا مسه الخير كان أوصار منوعا .الثالث : أنهما نعتان لقوله : " هلوعا " .

المعارج 70:22

ثم وصف - سبحانه - من استثناهم من الإِنسان الهلوع ، بجملة من صفات الكريمة ، فقال : ( إِلاَّ المصلين . الذين هُمْ على صَلاَتِهِمْ دَآئِمُونَ ) .أى : إن الناس جميعا قد جبلوا على الجزع عند الضراء ، وعلى المنع عند السراء . . إلا المصلين منهم .

المعارج 70:23

الذين يواظبون على أدائها مواظبة تامة ، دون أن يشغلهم عن أدائها : عسر أو يسر ، أو غنى أو فقر ، أو إقامة أو سفر .فهم ممن قال - سبحانه - فى شأنهم : ( رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ الله وَإِقَامِ الصلاة وَإِيتَآءِ الزكاة يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ القلوب والأبصار ) وقال - سبحانه - : ( على صَلاَتِهِمْ دَآئِمُونَ ) للإِشارة إلى أنهم لا يشغلهم عنها شاغل ، إذ الدوام على الشئ عدم تركه .وفى إضافة " الصلاة " إلى ضمير " المصلين " تنويه بشأنهم ، وإشعار باختصاصها بهم ، إذ هم أصحابها الملازمون لها .

المعارج 70:24

ثم وصفهم - سبحانه - بصفة ثانية فقال : ( والذين في أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ . لِّلسَّآئِلِ والمحروم ) .والمراد بالحق المعلوم : ما أوجبوه على أنفسهم من دفع جزء من أموالهم للمحتاجين ، على سبيل التقرب إلى الله - تعالى - وشكره على نعمه ، ويدخل فى هذا الحق المعلوم دخولا أوليا ما فرضه - سبحانه - عليهم من زكاة أموالهم .قالوا : ولا يمنع ذلك من أن تكون السورة مكية ، فقد يكون أصل مشروعية الزكاة بمكة ، ثم أتى تفصيل أحكامها بالمدينة ، عن طريق السنة النبوية المطهرة .

المعارج 70:25

والسائل : هو الذى يسأل غيره الصدقة ، والمحروم : هو الذى لا يسأل غيره تعففا ، وإن كان فى حاجة إلى العود والمساعدة .أى : ومن الذين استثناهم - سبحانه - منصفة الهلع : أولئك المؤمنون الصادقون الذين جعلوا فى أموالهم حقا معينا ، يخرجونه عن إخلاص وطيب خاطر ، لمن يستحقونه من السائلين والمحرومين . . على سبيل الشكر لخالقهم على ما أنعم عليهم من نعم .ووصف - سبحانه - ما يعطونه من أموالهم بأنه ( حَقٌّ ) للإشارة إلى أنهم - لصفاء أنفسهم - قد جعلوا السائل والمحروم ، كأنه شريك لهم فى أموالهم ، وكأن ما يعطونه له إنما هو بمثابة الحق الثابت عندهم له .

المعارج 70:26

ثم وصفهم - سبحانه - بصفات كريمة أخرى فقال : ( والذين يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدين ) والتصديق بيوم الدين معناه : الإِيمان الجازم باليوم الآخر وما فيه من بعث وحساب وجزاء .

المعارج 70:27

( والذين هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ ) أى : أن من صفاتهم : أنهم مع قوة إيمانهم ، وكثرة أعمالهم الصالحة ، لا يجزمون بنجاتهم من عذاب الله - تعالى - وإنما دائما أحوالهم مبنية على الخوف والرجاء ، إذ الإِشفاق توقع حصول المكروه وأخذ الحذر منه .

المعارج 70:28

وجملة ( إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ ) تعليلية ، ومقررة لمضمون ما قبلها ، أى : إنهم مشفقون من عذاب ربهم . . لأن العاقل لا يأمن عذابه - عز وجل - مهما أتى من طاعات وقدم من أعمال صالحة .وشبيه بهذه الآية قوله - سبحانه - ( والذين يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إلى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ ).

المعارج 70:29

ثم قال - تعالى - : ( والذين هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ . إِلاَّ على أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ . فَمَنِ ابتغى وَرَآءَ ذَلِكَ فأولئك هُمُ العادون ) .أى : أن من صفاتهم - أيضا - أنهم أعفاء ، ممسكون لشهواتهم ، لا يستعملونها إلا مع زوجاتهم اللائى أحلهن - سبحانه - لهم أو مع ما ملكت أيمانهم من الإِماء والسرارى .وجملة ( فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ) تعليل للاستثناء . أى : هم حافظون لفورجهم .

المعارج 70:30

فلا يستعملون شهواتم إلا مع أزواجهم . أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير مؤاخذين على ذلك ، لأن معاشرة الأزواج وما ملكت الأيمان مما أحله الله - تعالى - .

المعارج 70:31

وقوله : ( فَمَنِ ابتغى وَرَآءَ ذَلِكَ ) اى : فمن طلب خلاف ذلك الذى أحله - سبحانه - . ( فأولئك هُمُ العادون ) أى : فأولئك هم المعتدون المتجاوزون حدود خالقهم ، الوالغون فى الحرام الذى نهى الله - تعالى - عنه .يقال : عدا فلان الشئ يعدوه عَدْواً ، إذا جاوزوه وتركه . أى : أنهم تجاوزوا الحلال وتركوه خلف ظهورهم ، واتجهوا ناحية الحرام فولغوا فيه .

المعارج 70:32

قوله : ( والذين هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ) أى : أن من صفات هؤلاء المؤمنين الصادقين ، الذين إذا مسهم الشر لا يجزعون ، وإذا مسهم الخير لا يمنعون . . أنهم لا يخلون بشئ من الأمانات التى يؤمنون عليها ، ولا ينقضون شيئا من العهود التى يعاهدون غيرهم عليها ، وإنما هم يراعون ذلك ويحفظونه حفظا تاما .فقوله ( رَاعُونَ ) جمع راع ، وهو الذى يرعى الحقوق والأمانات والعهود ويحفظها ويحرسها ، كما يحرس الراعى غنمه وإبله حراسة تامة .

المعارج 70:33

وقوله : ( وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِم قَائِمُونَ ) أى : والذين هم من صفاتهم أنهم يؤدون الشهادة على وجهها الحق ، فلا يشهدون بالزور أو الباطل ، ولا يكتمون الشهادة إذا طلب منهم أن يؤدوها ، عملا بقوله - تعالى - ( وَلاَ تَكْتُمُواْ الشهادة وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ) فالشهادات : جمع شهادة . والمرادج بالقيام بها : أداؤها على أتم وجه وأكمله وأعدلهه ، إذ القيام بها يشمل الاهتمام بشأنها ، وحفظها إلى أن يؤديها صاحبها على الوجه الذى يحبه - سبحانه - .وكما افتتح - سبحانه - هذه الصفات الكريمة بمدح الذين هم على صلاتهم دائمون ، فقد ختمها بمدح الذين يحافظون عليها فقال : ( والذين هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ) أى : يؤدونها كاملة غير منقوصة . لافى خشوعها ، ولا فى القراءة فيها ، ولا فى شئ من أركانها وسننها .وهذا الافتتاح والختام ، يدل على شرفها وعلو قدرها ، واهتمام الشارع بشأنها .

المعارج 70:34

قال صاحب الكشاف : فإن قلت : كيف قال : ( على صَلاَتِهِمْ دَآئِمُونَ ) ثم ( على صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ ) ؟ قلت : معنى دوامهم عليها ، أن يواظبوا على أدائها ، لا يخلون بها ، ولا يشتغلون عنها بشئ من الشواغل .ومحافظتهم عليها : أن يراعوا إسباغ الوضوء لها ، ومواقيتها ، وسننها ، وآدابها . . فالدوام يرجع إلى نفس الصلاة ، والمحافظة تعود إلى أحوالها .فأنت ترى أن الله - تعالى - قد وصف هؤلاء المؤمنين الصادقين ، الذين حماهم - سبحانه - من صلة الهلع . . وصفهم بثمانى صفات كريمة ، منها : المداومة على الصلاة ، والمحافظة على الإِنفاق فى وجوه الخير ، والتصديق بيوم القيامة وما فيه من ثواب وعقاب ، والحفظ لفروجهم ، وأداء الأمانات والشهادات .

المعارج 70:35

ثم بين - سبحانه - ما أعده لهم من عطاء جزيل فقال : ( أولئك فِي جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ ) أى : أولئك المتصفون بذلك فى جنات عظيمة ، يستقبلون فيها بالتعظيم والحفارة . . حيث تقول لهم الملائكة : ( سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عقبى الدار ) وبعد هذه الصورة المشرقة لهؤلاء المكرمين . .

المعارج 70:36

أخذت السورة فى تصوير موقف المشركين من دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم إياهم إلى الحق ، وفى تسليته عما لحقه منهم من أذى ، وفى بيان أحوالهم السيئة عندما يعرضون للحساب . . فقال - تعالى - .( فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُواْ . . . ) .الاستفهام فى قوله - تعالى - : ( فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُواْ قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ . عَنِ اليمين وَعَنِ الشمال عِزِينَ ) للتعجيب من حال هؤلاء الذين كفروا ، ومن تصرفاتهم التى تل على منتهى الغفلة والجهل . و " ما " مبتدأ ، و ( الَّذِينَ كَفَرُواْ ) خبره .وقوله ( مُهْطِعِينَ ) من الإِهطاع ، وهو السير بسرعة ، مع مد العنق ، واتجاه البصر نحو شئ معين .و ( عِزِينَ ) جمع عزة - كفئة - وهى الجماعة . وأصلها عِزْوَة - بكسر العين - من العزو ، لأن كل فرقة تعتزى إلى غير من تعتزى إليه الأخرى ، فلامها واو ، وقيل : لامها هاء ، والأصل عزهة .قال القرطبى : والعزين : جماعات متفرقة . ومنه الحديث الذى خرجه مسلم وغيره ، " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على أصحابه يوما فرآهم حِلَقا فقال : مالى أراكم عزين : ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها؟ قالوا : وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال : يتمون الصفوف الأول ، ويتراصون فى الصف " .وقد ذكروا فى سبب نزول هذه الآيات ، أن المشركين كانوا يجتمعون حول النبى صلى الله عليه وسلم ويستمعون إليه ، ثم يكذبونه ويستهزئون به وبالمؤمنين ، ويقولون : لئن دخل هؤلاء الجنة كما يقول محمد صلى الله عليه وسلم فلندخلنها قبلهم ، وليكونن لنا فيها أكثر مما لهم .والمعنى : ما بال هؤلاء الكافرين مسرعين نحوك - أيها الرسول الكريم - وناظرين إليك بعيون لا تكاد تفارقك ، وملتفين من حولك عن يمينك وعن شمالك ، جماعات متعددة ، ومظهرين التهكم والاستهزاء بك وبأصحابك؟ما بالهم يفعلون ذلك مع علمهم فى قراءة أنفسهم بأنك أنت الصادق الأمين " .وقدم - سبحانه - الظرف ( قِبَلَكَ ) الذى بمعنى جهتك ، على قوله ( مُهْطِعِينَ ) للاهتمام ، حيث إن مقصدهم الأساسى من الإِسراع هو الاتجاه نحو النبى صلى الله عليه وسلم للاستهزاء به وبأصحابه .

المعارج 70:37

والمراد بقوله : ( عَنِ اليمين وَعَنِ الشمال ) : جميع الجهات ، إلا أنه عبر بهاتين الجهتين ، لأنهما الجهتان اللتان يغلب الجلوس فيهما حول الشخص .وقوله : ( عِزِينَ ) تصوير بديع لالتفافهم من حوله متفرقة فى مشاربها ، وفى مآربها ، وفى طباعها .

المعارج 70:38

والاستفهام فى قوله - تعالى - ( أَيَطْمَعُ كُلُّ امرىء مِّنْهُمْ أَن يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ ) للنفى والإِنكار .أى : أيطمع كل واحد من هؤلاء الكافرين أن يدخل الجنة التى هى محل نعيمنا وكرامتنا بدون إيمان صادق ، وبدون عمل نافع . . ؟وقوله - سبحانه - ( كَلاَّ ) ردع لهم وزجر عن هذا الطمع ، أى : كلا ليس الأمر كما يزعمون من أنهم سيدخلون الجنة قبل المؤمنين أو معهم بعدهم . . وإنما هم سيكون مأواهم جهنم وبئس المصير .وقال - سبحانه - ( أَيَطْمَعُ كُلُّ امرىء مِّنْهُمْ ) ولم يقل : أيطمعون أن يدخلوا الجنة ، للإِشعار بأن كل واحد من هؤلاء الكافرين كان طامعا فى دخولها ، لاستيلاء الغرور والجهالة على قلبه .

المعارج 70:39

وجملة ( إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّمَّا يَعْلَمُونَ ) تأكيد لهذا الردع والزجر ، وتهوين من شأنهم ، وإبطال لغرورهم ، وتنكيس لخيلائهم بأسلوب بديع مهذب . . لأنه مما لا شك فيه أنهم يعلمون أنهم قد خلقوا من ماء مهين ، ومن كان كذلك فلا يليق به - متى كان عاقلا - أن يغتر أو يتطاول .قال صاحب الكشاف ما ملخصه : ويجوز أن يراد بقوله : ( إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّمَّا يَعْلَمُونَ ) أى : من النطفة المذرة ، وهى منصبهم الذى لا منصب أوضع منه . ولذلك أبهم وأخفى : إشعارا بأنه منصب يستحيا من ذكره ، فمن أين يتشرفون ويدعون التقدم ، ويقولون : لندخلن الجنة قبلهم .وقيل : معناه إنا خلقناهم من نطفة كما خلقنا بنى آدم كلهم ، ومن حكمنا أن لا يدخل أحد الجنة ، إلا بالإِيمان والعمل الصالح ، فكيف يطمع فى دخولها من ليس له إيمان وعمل .

المعارج 70:40

ثم ساق - سبحانه - ما يدل على كمال قدرته ، وعلى زيادة التهوين من شأن هؤلاء الكافرين ، والتحقير من أمرهم فقال : ( فَلاَ أُقْسِمُ بِرَبِّ المشارق والمغارب إِنَّا لَقَادِرُونَ . على أَن نُّبَدِّلَ خَيْراً مِّنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ) .وجمع - سبحانه - هنا المشارق والمغارب ، باعتبار أن لها فى كل يوم من أيام السنة مشرقا معينا تشرق منه ، ومغربا معينا تغرب فيه .وقال فى سورة الرحمن ( رَبُّ المشرقين وَرَبُّ المغربين ) أى : مشرق ومغرب الشتاء . والصيف .وقال فى سورة المزمل : ( رَّبُّ المشرق والمغرب ) والمراد بهما هنا : جنسهما ، فهما صادقان على كل مشرق من مشارق الشمس ، وعلى كل مغرب من مغاربها .وبذلك يتبين أنه لا تعارض بين مجئ هذه الألفاظ تارة مفردة ، وتارة بصيغة المثنى ، وتارة بصيغة الجمع .وجملة ( إِنَّا لَقَادِرُونَ ) : جواب القسم . أى : أقسم بالله - تعالى - الذى هو رب مشارق الشمس والقمر والكواكب ومغاربها . . إنا لقادرون قدرة تامة ( على أَن نُّبَدِّلَ خَيْراً مِّنْهُمْ )

المعارج 70:41

( على أَن نُّبَدِّلَ خَيْراً مِّنْهُمْ )أى : على أن نخلق خلقا آخر خيرا منهم ونهلك هؤلاء المجرمين إهلاكا تاما . . أو على أن نبدل ذواتهم ، فنخلقهم خلقا جديدا يكون خيرا من خلقهم الذى هو عليه . . فإن قدرتنا لا يعجزها شئ .وقوله ( وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ) معطوف على جواب القسم ومؤكد له . أى : إنا لقادرون على ذلك ، وما نحن بمغلوبين أو عاجزين عن أن نأتى بقوم آخرين خير منهم .وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : ( ياأيها الناس أَنتُمُ الفقرآء إِلَى الله والله هُوَ الغني الحميد . إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ . وَمَا ذَلِكَ عَلَى الله بِعَزِيزٍ ) وقوله - سبحانه - ( . . . وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يكونوا أَمْثَالَكُم ) ، والمقصود بهذه الآيات الكريمة تهديد المشركين وبيان أن قدرته - تعالى - لا يعجزها شئ .

المعارج 70:42

والفاء فى قوله : ( فَذَرْهُمْ يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُواْ . . . ) للتفريع على ما تقدم .والخوض يطلق على السير فى الماء ، والمراد به هنا : الكلام الكثير الذى لا نفع فيه .واللعب : اشتغال الإِنسان بشئ لا فائدة من ورائه . والمراد به هنا : استهزاؤهم بالحق الذى جاء به النبى صلى الله عليه وسلم .أى : ما دام الأمر كما ذكرنا لك - أيها الرسول الكريم - فاترك هؤلاء الكافرين ، ليخوضوا فى باطلهم ، ويلعبوا فى دنياهم ، ولا تلتفت إليهم .ودعهم فى هزلهم ولهوهم ( حتى يُلاَقُواْ يَوْمَهُمُ الذي يُوعَدُونَ ) وهو يوم القيامة الذى لا شك فى إتيانه ووقوعه .

المعارج 70:43

وقوله ( يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجداث سِرَاعاً ) بدل من ( يَوْمَهُمُ ) . والأجداث جمع جدث - بفتح الجيم الدال - وهو القبر . أى : اتركهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم المحتوم . وهو اليوم الذى يخرجون فيه من قبورهم مسرعين إلى الداعى .( كَأَنَّهُمْ إلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ ) والنصب - بضمتين - حجارة كانوا يعظمونها . وقيل : هى الأصنام ، وسميت بذلك لأنهم كانوا ينصبونها ويقيمونها للعبادة .( يُوفِضُونَ ) أى : يسرعون . يقال : وفَض فلان يفِض وفْضاً - كوعد - إذا أسرع فى سيره . أى : يخرجون من قبورهم مسرعين إلى الداعى ، مستبقين إليه ، كما كانوا فى الدنيا يسرعون نحو أصنامهم وآلهتهم لكى يستلموها ، ويلتمسوا منها الشفاعة .

المعارج 70:44

( خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ ) أى : يخرجون من قبورهم ، حالة كونهم ذليلة خاضعة أبصارهم ، لا يرفعونها لما هم فيه من الخزى والهوان .( تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ) أى : تغشاهم ذلة شديدة ، وهوان عظيم . يقال : رَهِقهَ الأمر يرهَقهُ رَهَقاً ، إذا غشيه بقهر وغلبة لا يمكن لا دفعها .( ذَلِكَ اليوم الذي كَانُواْ يُوعَدُونَ ) أى : ذلك الذى ذكرناه من الأهوال ، هو اليوم الذى كانوا يوعدونه فى الدنيا على ألسنة الرسل ، والذى كانوا ينكرون وقوعه ، وها هو ذا فى حكم الواقع ، لأن كل ما أخبر الله - تعالى - عنه ، فهو متحقق الوقوع . كما قال - سبحانه - فى أول السورة ( سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ . لِّلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ ) وهكذا افتتحت السورة بإثبات أن يوم القيامة حق ، واختتتمت كذلك بإثبات أن يوم القيامة حق . وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

نوح 71:1

قصة نوح - عليه السلام - مع قومه ، قد وردت في سور متعددة منها : سورة الأعراف ، ويونس ، وهود ، والشعراء ، والعنكبوت .وينتهى نسب نوح - عليه السلام - إلى شيث بن آدم ، وقد ذكر نوح فى القرآن فى ثلاثة وأربعين موضعا .وكان قوم نوح يعبدون الأصنام ، فأرسل الله - تعالى - إليهم نوحا ليدلهم على طريق الرشاد .وقد افتتحت السورة هنا بالأسلوب المؤكد بإنَّ ، للاهتمام بالخبر ، وللاتعاظ بما اشتملت عليه القصة من هدايات وإرشادات .وأن فى قوله ( أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ ) تفسيرية ، لأنها وقعت بعد أرسلنا ، والإِرسال فيه معنى القول دون حروفه ، فالجملة لا محل لها من الإعراب .ويصح أن تكون مصدرية ، أى : بأن أنذر قومك . . والإِنذار ، هو الإخبار الذى معه تخويف .وقوم الرجل : هم أهله وخاصته الذين يجتمعون معه فى جد واحد . وقد يقيم الرجل بين الأجانب . فيسميهم قومه على سبيل المجاز للمجاورة .أى : إنا قد اقتضت حكمتنا أن نرسل نوحا - عليه السلام - إلى قومه ، وقلنا له : يا نوح عليك أن تنذرهم وتخوفهم من عذابنا ، وأن تدعوهم إلى إخلاص العبادة لنا ، من قبل أن ينزل بهم عذاب مؤلم ، لا طاقة لهم بدفعه ، لأن هذا العذاب من الله - تعالى - الذى لا راد لقضائه ، ولا معقب لحكمه .وقال - سبحانه - ( أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ ) ولم يقل : أن أنذر الناس ، لإِثارة حماسته فى دعوته ، لأن قوم الرجل يحرص الإِنسان على منفعتهم . . أكثر من حرصه على منفعهة غيرهم .والآية الكريمة صريحة فى أن ما أصاب قوم نوح من عذاب أليم ، كان بسبب إصرارهم على كفرهم ، وعدم استماعهم إلى إنذاره لهم .

نوح 71:2

ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك ما قاله نوح لقومه فقال : ( قَالَ ياقوم إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ . أَنِ اعبدوا الله واتقوه وَأَطِيعُونِ ) .أى : قال نوح لقومه -على سبيل التلطف فى النصح ، والتقرب إلى قلوبهم - يا قوم ويا أهلى وعشيرتى : إنى لكم منذر واضح الإِنذار ، ولا أسألكم على هذا الإِنذار الخالص أجرا ، وإنما ألتمس أجرى من الله .وإنى آمركم بثلاثة أشياء : أن تخلصوا لله - تعالى - العبادة ، وأن تتقوه فى كل أقوالكم وأفعالكم ، وأن تطيعونى فى كل ما آمركم به وأنهاكم عنه .وافتتح كلامه معهم بالنداء ( قَالَ ياقوم ) ، أملا فى لفت أنظارهم إليه ، واستجابتهم له ، فإن النداء من شأنه التنبيه للمنادىَ .ووصف إنذاره لهم بأنه ( مُّبِينٌ ) ، ليشعرهم بأنه لا لبس فى دعوته لهم إلى الحق ، ولا خفاء فى كونهم يعرفونه ، ويعرفون حرصه على منفعتهم . .وقال : ( إِنِّي لَكُمْ ) للإِشارة إلى أن فائدة استجابتهم له ، تعود عليهم لا عليه ، فهو مرسل من أجل سعادتهم وخيرهم .

نوح 71:3

وأمرهم بطاعته ، بعد أمرهم بعبادة الله وتقواه ، لأن طاعتهم له هى طاعة الله - تعالى - كما قال - تعالى - : ( مَّنْ يُطِعِ الرسول فَقَدْ أَطَاعَ الله ).

نوح 71:4

ثم بين لهم ما يترتب على إخلاص عبادتهم لله ، وخشيتهم منه - سبحانه - وطاعتهم لنبيهم فقال : ( يَغْفِرْ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى ) .وقوله : ( يَغْفِرْ ) مجزوم فى جواب الأوامر الثلاثة ، و ( من ) للتبعيض أى : يغفر لكم بعض ذنوبكم ، وهى تلك التى اقترفوها قبل إيمانهم وطاعتهم لنبيهم ، أو الذنوب التى تتعلق بحقوق الله - تعالى - دون حقوق العباد .ويرى بعضهم أن " من " هنا زائدة لتوكيد هذه المغفرة . أى : يغفر لكم جميع ذنوبكم التى فرطت منكم ، متى آمنتم واتقيتم ربكم ، وأطعتم نبيكم .( وَيُؤَخِّرْكُمْ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى ) أى : ويؤخر آجالكم إلى وقت معين عنده - سبحانه - ويبارك لكم فيها ، بأن يجعلها عامرة بالعمل الصالح ، وبالحياة الآمنة الطيبة .فأنت ترى أن نوحا - عليه السلام - قد وعدهم بالخير الأخروى وهو مغفرة الذنوب يوم القيامة ، وبالخير الدنيوى وهو البركة فى أعمارهم ، وطول البقاء فى هناء وسلام .قال ابن كثير : ( وَيُؤَخِّرْكُمْ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى ) أى : ويمد فى أعماركم ، ويدرأ عنكم العذاب ، الذى إذا لم تنزجروا عما أنهاكم عنه : أوقعه - سبحانه - بكم .وقد يستدل بهذه الآية من يقول : إن الطاعة والبر وصلة الرحم . يزاد بها فى العمر حقيقة ، كما ورد به الحديث : " صلة الرحم تزيد فى العمر " .وقوله : ( إِنَّ أَجَلَ الله إِذَا جَآءَ لاَ يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ) بمنزلة التعليل لما قبله . أى : يغفر لكم - سبحانه - من ذنوبكم ، ويؤخركم إلى أجل معين عنده - تعالى - إن الوقت الذى حدده الله - عز وجل - لانتهاء أعماركم ، متى حضر ، لا يؤخر عن موعده ، ( لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ) . أى : لو كنتم من أهل العلم لسارعتم لما آمركم به . لكنكم لستم من أهله فى شئ ، لذا لم تسارعوا ، فجواب لو مما يتعلق بأول الكلام .ويجوز أن يكون مما يتعلق بآخره . أى : لو كنتم من أهل العلم لعلمتم ذلك ، أى : عدم تأخير الأجل إذا جاء وقته المقدر له . والفعل فى الوجهين منزل منزلة اللازم .

نوح 71:5

ثم قصت علينا الآيات الكريمة بعد ذلك ، ما قاله نوح لربه . على سبيل الشكوى والضراعة ، وما وجهه إلى قومه من نصائح فيها ما فيها من الترغيب والترهيب ، ومن الإِرشاد الحكيم ، والتوجيه السديد . . قال - تعالى - :( قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي . . . ) .قوله - تعالى - : ( قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً . فَلَمْ يَزِدْهُمْ دعآئي إِلاَّ فِرَاراً ) بيان للطرق والمسالك التى سلكها نوح مع قومه ، وهو يدعوهم إلى أخلاص العبادة لله - تعالى - بحرص شديد ومواظبة تامة . . وموقف قومه من دعوته لهم .والمقصود بهذا الخبر لازم معناه ، وهو الشكاية إلى ربه ، والتمهيد لطلب النصر منه - تعالى - عليهم ، لأنه - سبحانه - لا يخفى عليه أن نوحا - عليه السلام - لم يقصر فى تبليغ رسالته .أى : قال نوح متضرعا إلى ربه : يا رب إنك تعلم أننى لم أقصر فى دعوة قومى إلى عبادتك ، تارة بالليل وتارة بالنهار ، من غير فتور ولا توان .

نوح 71:6

( فَلَمْ يَزِدْهُمْ دعآئي ) لهم إلى عبادتك وطاعتك ( إِلاَّ فِرَاراً ) أى : إلا تباعدا من الإِيمان وإعراضا عنه . والفرار : الزَّوَغَان والهرب . يقال : فر فلان يفر فرارا ، فهو فرور ، إذا هرب من طالبه ، وزاغ عن عينه .والتعبير بقوله : ( دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً ) ، يشعر بحرص نوح التام على دعوتهم ، فى كل وقت يظن فيه أن دعوته لهم قد تنفع .كما أن التعبير بقوله : ( فَلَمْ يَزِدْهُمْ دعآئي إِلاَّ فِرَاراً ) يدل دلالة واضحة على إعراضهم التام عن دعوته ، أى : فلم يزدهم دعائى شيئا من الهدى ، وإنما زادهم بُعْداً عنى ، وفرارا منى .وإسناد الزيادة إلى الدعاء ، من باب الإِسناد إلى السبب ، كما فى قولهم : سرتنى رؤيتك ، وقوله ( فِرَاراً ) مفعول ثان لقوله ( فَلَمْ يَزِدْهُمْ ) والاستثناء مفرغ من عموم الأحوال والمستثنى منه مقدر ، أى : فلم يزدهم دعائى شيئا من أحوالهم التى كانوا عليها إلا الفرار .ويصح أن يكون الاستثناء منقطعا . أى : فلم يزدهم دعائى قرباً من الحق ، لكن زادهم فرارا منه .

نوح 71:7

ثم أضاف إلى فرارهم منه ، حالة أخرى . تدل على إعراضهم عنه ، وعلى كراهيتهم له ، فقال : ( وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جعلوا أَصَابِعَهُمْ في آذَانِهِمْ واستغشوا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّواْ واستكبروا استكبارا ) .وقوله : ( كُلَّمَا ) معمول لجملة : ( جعلوا ) التى هى خبر إن ، واللام فى قوله ( لِتَغْفِرَ لَهُمْ ) للتعليل .والمراد بأصابعهم : جزء منها . واستغشاء الثياب معناه : جعلها غشاء ، أى : غطاء لرءوسهم ولأعينهم حتى لا ينظروا إليه ، ومتعلق الفعل " دعوتهم " محذوف لدلالة ما تقدم عليه ، وهو أمرهم بعبادة الله وتقواه .والمعنى : وإنى - يا مولاى - كلما دعوتهم إلى عبادتك وتقواك وطاعتى فيما أمرتهم به ، لكى تغفر لهم ذنوبهم . . ما كان منهم إلا أن جعلوا أصابعهم فى آذانهم حتى لا يسمعوا قولى ، وإلا أن وضعوا ثيابهم على رءوسهم . وأبصارهم حتى لا يرونى ، وإلا أن ( وَأَصَرُّواْ ) إصرارا تاما على كفرهم ( واستكبروا استكبارا ) عظيما عن قبول الحق .فأنت ترى أن هذه الآية الكريمة ، قد صورت عناد قوم نوح ، وجحودهم للحق ، تصويرا بلغ الغاية فى استحبابهم العمى على الهدى .فهى - أولا - جاءت بصيغة " كلما " الدالة على شمول كل دعوة وجهها إليهم نبيهم نوح - عليه السلام - أى : فى كل وقت أدعوهم إلى الهدى يكون منهم الإعراض .وهى - ثانيا - عبرت عن عدم استماعهم إليه بقوله - تعالى - : ( جعلوا أَصَابِعَهُمْ في آذَانِهِمْ ) . وعبر عن الأنامل بالأصابع على سبيل المبالغة فى إرادة سد المسامع ، فكأنهم لو أمكنهم إدخال أصابعهم جميعها فى آذانهم لفعلوا . حتى لا يسمعوا شيئا مما يقوله نبيهم لهم .فإطلاق اسم الأصابع على الأنامل من باب المجاز المرسل ، لعلاقة البعضية ، حيث أطلق - سبحانه - الكل وأراد البعض ، مبالغة فى كراهيتهم لسماع كلمة الحق .وهى - ثالثا - عبرت عن كراهيتهم لنبيهم ومرشدهم بقوله - تعالى - : ( واستغشوا ثِيَابَهُمْ ) أى : بالغوا فى التَّغطِّى بها ، حتى لكأنهم قد طلبوا منها أن تلفهم بداخلها حتى لا يتسنى لهم رؤيته إطلاقا .وهذا كناية عن العداوة الشديدة ، ومنه قول القائل : لبس لى فلان ثياب العداوة .وهى - رابعا - قد بينت بأنهم لم يكتفوا بكل ذلك ، بل أضافوا إليه الإصرار على الكفر - وهو التشدد فيه ، والامتناع من الإِقلاع عنه مأخوذ من الصَّرة بمعنى الشدة - والاستكبار العظيم عن الاستجابة للحق .فقد أفادت هذه الآية ، أنهم عصوا نوحا وخالفوه مخالفة ليس هناك ما هو أقبح منها ظاهرا ، حيث عطلوا أسماعهم وأبصارهم ، وليس هناك ما هو أقبح منها باطنا ، حيث أصروا على كفرهم ، واستكبروا على اتباع الحق .

نوح 71:8

ومع كل هذا الإعراض والعناد . . فقد حكت لنا الآيات بعد ذلك ، أن نوحا - عليه السلام - قد واصل دعوته لهم بشتى الأساليب . فقال - كما حكى القرآن عنه - : ( ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً ) .وقوله : ( جِهَاراً ) صفة لمصدر محذوف . أى : دعوتهم دعاء جهارا . أى : مجاهرا لهم بدعوتى ، بحيث صارت دعوتى لهم أمامهم جميعا .

نوح 71:9

( ثُمَّ إني أَعْلَنْتُ لَهُمْ ) تارة ( وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً ) تارة أخرى .أى : أنه - عليه السلام - توخى ما يظنه يؤدى إلى نجاح دعوته ، وراعى أحوالهم فى ذلك ، فهو تارة يدعوهم جهرا ، وتارة يدعوهم سرا ، وتارة يجمع بين الأمرين .قال صاحب الكشاف : فإن قلت : ذكر أنه دعاهم ليلا ونهارا ، ثم دعاهم جهارا ، ثم دعاهم فى السر والعلن ، فيجب أن تكون ثلاث دعوات مختلفات حتى يصح العطف؟قلت : قد فعل - عليه السلام - كما يفعل الذى يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، فى الابتداء بالأهوان والترقى فى الأشد فالأشد ، فافتتح بالمناصحة فى السر ، فلما لم يقبلوا ثنى بالمجاهرة ، فلما لم تؤثر ثلث بالجمع بين الإِسرار والإِعلان .ومعنى " ثم " الدلالة على تباعد الأحوال ، لأن الجهار أغلظ من الإِسرار ، والجمع بين الأمرين أغلظ من إفراد أحدهما ..

نوح 71:10

ثم حكى - سبحانه - جانبا من إرشادات نوح لقومه فقال : ( فَقُلْتُ استغفروا رَبَّكُمْ )أى : فقلت لهم - على سبيل النصح والإِرشاد إلى ما ينفعهم ويغريهم بالطاعة - ( استغفروا رَبَّكُمْ ) بأن تتوبوا إليه ، وتقلعوا عن كفركم وفسوقكم ( إِنَّهُ ) - سبحانه - ( كَانَ غَفَّاراً ) .أى : كثير الغفران لمن تاب إليه وأناب .

نوح 71:11

( يُرْسِلِ السمآء عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً ) والمراد بالسماء هنا : المطر لأنه ينزل منها ، وقد جاء فى الحديث الشريف أن من أسماء المطر السماء . فقد روى الشيخان عن زيد بن خالد الجهنى أنه قال " صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية ، على إثر سماء كانت من الليل . . . " أى : على إثر إمطار نازلة بالليل .ومنه قول بعض الشعراء :إذا نزل السماء بأرض قوم ... رعيناه وإن كانوا غضاباوالمدرار : المطر الغزير المتتابع ، يقال : درت السماء بالمطر ، إذا نزل منها بكثرة وتتابع ، والدر ، والدرور معناه : السيلان . . فقوله ( مِّدْرَاراً ) صيغة مبالغة منهما .أى : استغفروا ربكم وتوبوا إليه ، فإنكم إذا فعلتم ذلك أرسل الله - تعالى - عليكم بفضله ورحمته ، أمطارا غزيرة متتابعة ، لتنتفعوا بها فى مختلف شئون حياتكم .

نوح 71:12

وفضلا عن ذلك : ( وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ ) أى : بساتين عظيمة ، ( وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً ) جارية تحت أشجار هذه الجنات ، لتزداد جمالا ونفعا .قال الإِمام الرازى ما ملخصه : " إن قوم نوح لما كذبوه زمانا طويلا ، حبس الله عنهم المطر ، وأعقم أرحام نسائهم . . فرجعوا إلى نوح ، فقال لهم : استغفروا ربكم من الشرك ، حتى يفتح عليكم أبواب نعمه .واعلم أن الاشتغال بالطاعة ، سبب لانفتاح أبواب الخيرات ، ويدل عليه وجوه : أحدها : أن الكفر سبب لخراب العالم . والإِيمان سبب لعمارة العالم . وثانيها : الآيات الكثيرة التى وردت فى هذا المعنى ، ومنها قوله - تعالى - ( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القرى آمَنُواْ واتقوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِّنَ السمآء والأرض . . . ) وثالثها : أن عمر خرج يستسقى فما زاد على الاستغفار .فقيل له : ما رأيتك استسقيت؟ فقال : لقد استسقيت لكم بمجاديح السماء ، والمجاديح : جمع مِجْدَح - بكسر فسكون وهو نجم من النجوم المعروفة عند العرب .وشكا رجل إلى الحسن البصرى الفاقة ، وشكا إليه آخر الجدب ، وشكا إليه ثالث قلة النسل . . فأمر الجميع بالاستغفار . . فقيل له : أتاك رجال يشكون إليك أنواعا من الحاجة ، فأمرتهم جميعا بالاستغفار؟ فتلا الحسن هذه الآيات الكريمة .وما قاله الإِمام الرازى - رحمه الله - يؤيده القرآن الكريم فى كثير من آياته ، ويؤيده واقع الحياة التى نحياها ونشاهد أحداثها .أما آيات القرآن الكريم فمنها قوله - تعالى - : ( وَأَلَّوِ استقاموا عَلَى الطريقة لأَسْقَيْنَاهُم مَّآءً غَدَقاً ) وقوله - سبحانه - على لسان هود - عليه السلام - : ( وياقوم استغفروا رَبَّكُمْ ثُمَّ توبوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السمآء عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إلى قُوَّتِكُمْ . . )وقال - عز وجل - : ( مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أنثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ) وأما واقع الحياة . فإننا نشاهد بأعيننا الأمم التى تطبق شريعة الله - تعالى - وتعمل بما جاء به النبى صلى الله عليه وسلم من آداب وأحكام وهدايات .نرى هذه الأمم سعيدة فى حياتها ، آمنة فى أوطانها ، يأتيها رزقها رغدا من كل مكان ، وإذا أصابها شئ من النقص فى الأنفس أو الثمرات . . فذلك من باب الامتحان الذى يمتحن الله - تعالى - به عباده ، والذى لا يتعارض مع كون العاقبة الطيبة إنما هى لهذه الأمم الصادقة فى إيمانها .وما يجرى على الأمم والشعوب ، يجرى أيضا علىالأفراد والجماعات ، فتلك سنة الله التى لا تتغير .أما الأمم الفاسقة عن أمر ربها ، فإنها مهما أوتيت من ثراء وبسطة فى الرزق . . فإن حياتها دائما تكون متلبسة بالقلق النفسى ، والشقاء القلبى ، والاكتئاب الذى يؤدى إلى فساد الحال واضطراب البال .

نوح 71:13

وقوله - سبحانه - بعد ذلك حكاية عن نوح - عليه السلام - : ( مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً . وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً ) : بيان لما سلكه نوح فى دعوته لقومه ، من جمعه بين الترغيب والترهيب .فهو بعد أن أرشدهم إلى أن استغفارهم وطاعتهم لربهم ، تؤدى بهم إلى البسطة فى الرزق . . أتبع ذلك بزجرهم لسوء أدبهم مع الله - تعالى - منكرا عليهم استهتارهم واستخفافهم بما يدعوهم إليه .وقوله : ( مَّا لَكُمْ ) مبتدأ وخبر ، وهو استفهام قصد به توبيخهم والتعجيب من حالهم .ولفظ " ترجون " يرى بعضهم أنه بمعنى تعتقدون . والوقار معناه : التعظيم والإِجلال .والأطوار : جمع طور ، وهو المرة والتارة من الأفعال والأزمان .أى : ما الذى حدث لكم - أيها القوم - حتى صرتم لا تعتقدون لله - تعالى - عظمة أو إجلالا .

نوح 71:14

والحال أنه - سبحانه - هو الذى خلقكم وأوجدكم فى أطوار متعددة ، نطفة ، فعلقة ، فمضغة .كما قال - سبحانه - ( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ . ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ . ثُمَّ خَلَقْنَا النطفة عَلَقَةً فَخَلَقْنَا العلقة مُضْغَةً فَخَلَقْنَا المضغة عِظَاماً فَكَسَوْنَا العظام لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخالقين ) وكما قال - تعالى - ( الله الذي خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَهُوَ العليم القدير ) قال القرطبى ما ملخصه : قوله - تعالى - : ( مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً ) قيل : الرجاء هنا بمعنى الخوف .أى : مالكم لا تخافون لله عظمة وقدرة على أخذكم بالعقوبة .وقيل : المعنى : ما لكم لا تعلمون لله عظمة . . أولا ترون لله عظمة . . أو لا تبالون أن لله عظمة .. والوقار : العظمة ، والتوقير : التعظيم . .

نوح 71:15

وبعد هذا الترغيب والترهيب والتوبيخ . . أخذ فى لفت أنظارهم إلى عجائب صنع الله فى خلقه ، فقال : ( أَلَمْ تَرَوْاْ كَيْفَ خَلَقَ الله سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً . وَجَعَلَ القمر فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشمس سِرَاجاً ) .والاستفهام فى قوله : ( أَلَمْ تَرَوْاْ . . ) للتقرير ، والرؤية : بصرية وعلمية ، لأنهم يشاهدون مخلوقات الله - تعالى - ويعلمون أنه - سبحانه - هو الخالق . و ( طِبَاقاً ) أى : متطابقة كل طبقة أعلى من التى تحتها .أى : لقد علمتم ورأيتم أن الله - تعالى - هو الذى خلق ( سَبْعَ سَمَاوَاتٍ ) متطابقة ، بعضها فوق بعض

نوح 71:16

( وَجَعَلَ القمر فِيهِنَّ نُوراً ) أى : وجعل - سبحانه - بقدرته القمر فى السماء الدنيا نورا للأرض ومن فيها .وإنما قال ( فِيهِنَّ ) مع أنه فى السماء الدنيا ، لأنها محاطة بسائر السموات فما فيها يكون كأنه فى الكل . أو لأن كل واحدة منها شفافة ، فيرى الكل كأنه سماء واحدة . فساغ أن يقال فيهن .وقوله : ( وَجَعَلَ الشمس سِرَاجاً ) أى : كالسراج فى إضاءتها وتوهجها وإزالة ظلمة الليل ، إذ السراج هو المصباح الزاهر نوره ، الذى يضئ ما حوله .قال الآلوسى : قوله ( وَجَعَلَ القمر فِيهِنَّ نُوراً ) أى : منوراً لوجه الأرض فى ظلمة الليل ، وجعله فيهن مع أنه فى إحداهن - وهى السماء الدنيا - ، كما يقال : زيد فى بغداد وهو فى بقعة منها . والمراجح له الإِيجاز والملابسة بالكلية والجزئية ، وكونا طباقا شفاة .( وَجَعَلَ الشمس سِرَاجاً ) يزيل الظلمة . . وتنوينه للتعظيم ، وفى الكلام تشبيه بليغ ولكون السراج أعرف وأقرب ، جعل مشبها به ، ولاعتبار التعدى إلى الغير فى مفهومه بخلاف النور ، كان أبلغ منه .وقال بعض العلماء : وفى جعل القمر نورا ، إيماء إلى أن ضوء القمر ليس من ذاته . فإن القمر مظلم . وإنما يستضئ بانعكاس أشعة الشمس على ما يستقبلها من وجهه ، بحسب اختلاف ذلك الاستقبال من تبعض وتمام ، هو أثر ظهوره هلالا . . ثم بدرا .وبعكس ذلك جعلت الشمس سراجا ، لأنها ملتهبة ، وأنوارها ذاتية فيها ، صادرة عنها إلى الأرض وإلى القمر ، مثل أنوار السراج تملأ البيت .

نوح 71:17

ثم انتقل نوح - عليه السلام - من تنبيههم إلى ما فى خلق السموات والشمس والقمر من دلالة على وحدانية الله وقدرته . . إلى لفت أنظارهم إلى التأمل فى خلق أنفسهم ، وفى مبدئهم وإعادتهم إلى الحياة مرة أخرى بعد موتهم ، فقال - كما حكى القرآن عنه - : ( والله أَنبَتَكُمْ مِّنَ الأرض نَبَاتاً . ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً )والمراد بأنبتكم : أنشأكم وأوجدكم ، فاستعير الإِنبات للإِنشاء للمشابهة بين إنبات النبات ، وإنشاء الإنسان ، من حيث إن كليهما تكوين وإيجاد للشئ بقدرته - تعالى - .والمراد بأنبتكم : أنبت أصلكم وهو أبوكم آدم ، فأنتم فروع عنه . و ( نَبَاتاً ) مصدر لأنبت على حذف الزوائد ، فهو مفعول مطلق لأنبتكم ، جئ به للتوكيد ، ومصدره القياسى " إنباتا " واختير " نباتا " لأنه أخف .قال الجمل : قوله : نباتا ، يجوز أن يكون مصدرا لأنبت على حذف الزوائد . ويسمى اسم مصدر ، ويجوز أن يكون مصدرا لنبتم مقدرا . أى : فنبتّم نباتا - فيكون منصوبا بالمطاوع المقدر .أى : والله - تعالى - هو الذى أوجد وأنشأ أباكم آدم من الأرض إنشاء وجعلكم فروعا عنه .

نوح 71:18

ثم يعيدكم إلى هذه الأرض بعد موتكم لتكون قبورا لكم ، ثم يخرجكم منها يوم البعث للحساب والجزاء .وعبر - سبحانه - عن الإِنشاء بالإِنبات ، لأن هذا التعبير يشعر بأن الإِنسان مخلوق محدث ، وأنه مثل النبات يحصد مثل يعود إلى الحياة مرة أخرى .وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله : " استعير الإِنبات للإِنشاء كما يقال : زرعك الله للخير . وكانت هذه الاستعارة أدل دليل على الحدوث لأنهم إذا كانوا نباتا كانوا محدثين لا محالة حدوث النبات " .

نوح 71:19

ثم ختم نوح - عليه السلام - إرشاداته لقومه ، بلفت أنظارهم إلى نعمة الأرض التى يعيشون عليها ، فقال : ( والله أَنبَتَكُمْ مِّنَ الأرض نَبَاتاً . ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً . والله جَعَلَ لَكُمُ الأرض بِسَاطاً . لِّتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً )أى : والله - تعالى - وحده هو الذى جعل لكم - بفضله ومنته - الأرض مبسوطة ، حيث تتقلبون عليها كما يتقلب النائم على البساط .وجعلها لكم كذلك ( فِجَاجاً ) أى : متسعة جمع فج وهو الطريق الواسع .وقوله : ( بِسَاطاً ) تشبيه بليغ . أى : جعلها لكم كالبساط ، وهذا لا يتنافى مع كون الأرض كروية ، لأن الكرة إذا عظمت جدا ، كانت القطعة منها كالسطح والبساط فى إمكان الانتفاع بها ، والتقلب على أرجائها .وهكذا نرى أن نوحا - عليه السلام - قد سلك مع قومه مسالك متعددة لإِقناعهم بصحة ما يدعوهم إليه ، ولحملهم على طاعته ، والإِيمان بصدق رسالته .لقد دعاهم بالليل والنهار ، وفى السر وفى العلانية ، وبين لهم أن طاعتهم لله - تعالى - تؤدى إلى إمدادهم بالأموال والأولاد ، والجنات والأنهاهر ووبخهم على عدم خشيتهم من الله - تعالى - وذكرهم بأطوار خلقهم ، ولفت أنظارهم إلى بديع صنعه - سبحانه - فى خلق السموات والشمس والقمر ، ونبههم إلى نشأتهم من الأرض ، وعودتهم إليها ، وإخراجهم منها للحساب والجزاء ، وأرشدهم إلى نعم الله - تعالى - فى جعل الأرض مبسوطة لهم .

نوح 71:20

ثم ختم نوح - عليه السلام - إرشاداته لقومه ، بلفت أنظارهم إلى نعمة الأرض التى يعيشون عليها ، فقال : ( والله أَنبَتَكُمْ مِّنَ الأرض نَبَاتاً . ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً . والله جَعَلَ لَكُمُ الأرض بِسَاطاً . لِّتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً )أى : والله - تعالى - وحده هو الذى جعل لكم - بفضله ومنته - الأرض مبسوطة ، حيث تتقلبون عليها كما يتقلب النائم على البساط .وجعلها لكم كذلك ( فِجَاجاً ) أى : متسعة جمع فج وهو الطريق الواسع .وقوله : ( بِسَاطاً ) تشبيه بليغ . أى : جعلها لكم كالبساط ، وهذا لا يتنافى مع كون الأرض كروية ، لأن الكرة إذا عظمت جدا ، كانت القطعة منها كالسطح والبساط فى إمكان الانتفاع بها ، والتقلب على أرجائها .وهكذا نرى أن نوحا - عليه السلام - قد سلك مع قومه مسالك متعددة لإِقناعهم بصحة ما يدعوهم إليه ، ولحملهم على طاعته ، والإِيمان بصدق رسالته .لقد دعاهم بالليل والنهار ، وفى السر وفى العلانية ، وبين لهم أن طاعتهم لله - تعالى - تؤدى إلى إمدادهم بالأموال والأولاد ، والجنات والأنهاهر ووبخهم على عدم خشيتهم من الله - تعالى - وذكرهم بأطوار خلقهم ، ولفت أنظارهم إلى بديع صنعه - سبحانه - فى خلق السموات والشمس والقمر ، ونبههم إلى نشأتهم من الأرض ، وعودتهم إليها ، وإخراجهم منها للحساب والجزاء ، وأرشدهم إلى نعم الله - تعالى - فى جعل الأرض مبسوطة لهم .

نوح 71:21

وهكذا حاول نوح - عليه السلام - أن يصل إلى آذان قومه وإلى عقولهم وقلوبهم ، بشتى الأساليب الحكيمة ، والتوجيهات القويمة ، فى صبر طويل وإرشاد دائم .ولكن قومه كانوا قد بلغوا الغاية فى الغباء والجهالة والعناد والطغيان ، لذى نرى السورة الكريمة تحكى عن نوح - عليه السلام - ضراعته إلى ربه ، والتماسه منه - تعالى استئصال شأفتهم ، وقطع دابرهم ، لنستمع فى تدبر إلى قوله - تعالى - .( قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي واتبعوا . . . ) .قوله - سبحانه - : ( قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي واتبعوا . . ) كلام مستأنف . لأن ما سبقه يستدعى سؤالا تقديره : ماذا كانت عاقبة قوم نوح بعد أن نصحهم ووعظهم بتلك الأساليب المتعددة؟ فكان الجواب : ( قَالَ نُوحٌ ) - عليه السلام - بعد أن طال نصحه لقومه ، وبعد أن مكث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما ، وبعد أن يئس من إيمانهم وبعد أخبره - سبحانه - أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن .( قَالَ ) متضرعا إلى ربه ( رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي ) أى : إن قومى قد عصونى وخالفوا أمرى ، وكرهوا صحبتى ، وأصروا واستكبروا استكبارا عظيما فى دعوتى .( واتبعوا مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَسَاراً ) أى : إنهم أصروا على معصيتى ، ولم يكتفوا بذلك بل بجانب إعراضهم عنى ، اتبعوا غيرى . . اتبعوا رؤساءهم أهل الأموال والأولاد الذين لم تزدهم النعم التى أنعمت بها عليهم إلا خسرانا وجحودا ، وضلالا فى الدنيا ، وعقوبة فى الآخرة .فالمراد بالذين لم يزدهم مالهم وولدهم إلا خسارا : أولئك الكبراء والزعماء الذين رزقهم الله المال والولد ، ولكنهم استعملوا نعمه فى معصيته لا فى طاعته .

نوح 71:22

وقوله : ( وَمَكَرُواْ مَكْراً كُبَّاراً ) صفة أخرى من صفاتهم الذميمة ، وهو معطوف على صلة " من " والجمع باعتبار معناها ، كما أن الإِفراد فى الضمائر السابقة باعتبار اللفظ .والمكر : هو التدبير فى خفاء لإِنزال السوء بالممكور به .أى : أن هؤلاء الزعماء الذين استعملوا نعمك فى الشر ، لم يكتفوا بتحريض أتباعهم على معصيتى ، بل مكروا بى وبالمؤمنين مكرا قد بلغ النهاية فى الضخامة والعظم .فقوله : ( كُبَّاراً ) مبالغة فى الكبر والعظم . أى : مكرا كبيرا جدا لا تحيط بحجمه العبارة .وكان من مظاهر مكرهم : تحريضهم لسفلتهم على إنزال الأذى بنوح - عليه السلام - وبأتباعه - وإيهامهم لهؤلاء السفلة أنهم على الحق ، وأن نوحا ومن معه على الباطل .

نوح 71:23

وكان من مظاهر مكرهم - أيضا - ما حكاه القرآن بعد ذلك عنهم فى قوله : ( وَقَالُواْ لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلاَ تَذَرُنَّ وَدّاً وَلاَ سُوَاعاً وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً ) .أى : ومن مظاهر مكر هؤلاء الرؤساء أنهم قالوا لأتباعهم . احذروا أن تتركوا عبادة آلهتكم ، التى وجدتم على عبادتها آباءكم ، واحذروا أيضا أن تتركوا عبادة هذه الأصنام الخمسة بصفة خاصة ، وهى : ود وسواع ويغوث ويعوق ونسرا .قال الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه : وهذه أسماء أصنامهم التى كانوا يعبدونها من دون الله . فقد روى البخارى عن ابن عباس : صارت الأوثان التى كانت فى قوم نوح فى العرب بعد ، أما " ود " فكانت لقبيلة بنى كلب بدومة الجندل . وأما " سواع " فكانت لهذيل ، وأما " يغوث " فكانت لبنى غطيف ، وأما " يعوق " فكانت لهمدان ، وأما " نسر " فكانت لحمير .وهى أسماء رجال صالحين من قوم نوح - عليه السلام - فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم ، أن انصبوا إلى مجالسهم التى كانوا يجلسون عليها أنصابا ، وسموها بأسمائهم ففعلوا .وقال ابن جرير : كانوا قوما صالحين بين آدم ونوح ، وكان لهم أتباع يقتدون بهم ، فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدرون بهم : لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم ، فصوروهم ، فلما ماتوا وجاء آخرون دب إليهم إبليس فقال : إنما كانوا يعبدونهم ، وبهم يسقون المطر . فعبدوهم .

نوح 71:24

وقوله - تعالى - : ( وَقَدْ أَضَلُّواْ كَثِيراً وَلاَ تَزِدِ الظالمين إِلاَّ ضَلاَلاً ) معمول لقول مقدر ، وهذا القول المقدر معطوف على أقوال نوح السابقة .أى : قال نوح مناجيا ربه بعد أن يئس من إيمان قومه : يا رب ، إن قومى قد عصونى ، وإنهم قد اتبعوا رؤساءهم المغرورين ، وإن هؤلاء الرؤساء قد مكروا بى وبأتباعى مكراً عظيما ، ومن مظاهر مكرهم أنهم حرضوا السفهاء على العكوف على عبادة أصنامهم . . وأنهم قد أضلوا خلقا كثيرا بأن حببوهم فى الكفر وكرهوا إليهم الإِيمان .وقال نوح - أيضا - وأسألك يا رب أن لا تزيد الكافرين إلا ضلالا على ضلالهم ، فأنت الذى أخبرتنى بأنه " لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ " وإذاً فدعاء نوح - عليه السلام - عليهم بالازدياد من الضلال الذى هو ضد الهدى ، وإنما كان بعد أن يئس من إيمانهم ، وبعد أن أخبره ربه أنهم لن يؤمنوا .قال صاحب الكشاف : قوله : ( وَقَدْ أَضَلُّواْ كَثِيراً ) الضمير للرؤساء ، ومعناه : وقد أضلوا كثيرا قبل هؤلاء الذين أمروهم بأن يتمسكوا بعبادة الأصنام . . ويجوز أن يكون الضمير للأصنام ، كقوله - تعالى - ( إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً ) الضمير للرؤساء ، ومعناه : وقد أضلوا كثيرا قبل هؤلاء الذين أمروهم بأن يتمسكوا بعبادة الأصنام . . ويجوز أن يكون الضمير للأصنام ، كقوله - تعالى - ( وَلاَ تَزِدِ الظالمين إِلاَّ ضَلاَلاً ) ؟ قلت : على قوله ( رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي ) على حكاية كلام نوح . . ومعناه : قال رب إنهم عصون ، وقال : ولا تزد الظالمين إلا ضلالا .فإن قلت : كيف جاز أن يريد لهم الضلال ، ويدعو الله بزيادته؟ قلت : لتصميمهم على الكفر ، ووقوع اليأس من إيمانهم . . ويجوز أن يريد بالضلال : الضياع والهلاك . .

نوح 71:25

وقوله - سبحانه - : ( مِّمَّا خطيائاتهم أُغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَاراً فَلَمْ يَجِدُواْ لَهُمْ مِّن دُونِ الله أَنصَاراً ) كلام معترض بين ضراعات نوح إلى ربه ، والمقصود به التعجيل ببيان سوء عاقبتهم ، والتسلية للرسول صلى الله عليه وسلم عما أصابه من قومه .و " من " فى قوله ( مِّمَّا خطيائاتهم ) للتعليل ، و " ما " مزيدة لتأكيد هذا التعليل .والخطيئات جمع خطيئة ، والمراد بها هنا : الإِشراك به - تعالى - وتكذيب نوح - عليه السلام - والسخرية منه ومن المؤمنين .أى : بسبب خطيئاتهم الشنيعة ، وليس بسبب آخر ( أُغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَاراً ) يصلون سعيرها فى قبورهم إلى يوم الدين ، ولعذاب الآخرة أشد وأبقى .وهم عندما نزل بهم الطوفان الذى أهلكهم ، وعندما ينزل بهم عذاب الله فى الآخرة . لن يجدوا أحدا ينصرهم ويدفع عنهم عذابه - تعالى - لامن الأصنام التى تواصوا فيما بينهم بالعكوف على عبادتها ، ولا من غير هذه الأصنام .فالآية الكريمة تعريض بمشركى قريش ، الذين يزعمون أن أصنامهم ستشفع لهم يوم القيامة ، والذين حكى القرآن عنهم قولهم : ( مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى الله زلفى ) والتعبير بالفاء فى قوله : ( أُغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَاراً فَلَمْ يَجِدُواْ لَهُمْ مِّن دُونِ الله أَنصَاراً ) للإشعار بأن دخولهم النار كان فى أعقاب غرقهم بدون مهلة ، وبأن صراخهم وعويلهم كان بعد نزول العذاب بهم مباشرة ، إلا أنهم لم يجدوا أحدا ، يدفع عنهم شيئا من هذا العذاب الأليم .

نوح 71:26

ثم واصلت السورة الكريمة حكاية ما ناجى نوح به ربه ، فقالت : ( وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأرض مِنَ الكافرين دَيَّاراً ) .أى : وقال نوح متابعا حديثه مع ربه ، ومناجاته له : يا رب ، لا تترك على الأرض من هؤلاء الكافرين ( دَيَّاراً ) مأخوذ من الدار ، أو الدوران ، وهو التحرك ، والمقصود : لا تذر منهم أحد أصلا ، بل اقطع دابرهم جميعا .قالوا : والديار من الأسماء التى لا تستعمل إلا فى النفى العام . يقال : ما بالدارديار .أى : ليس بها أحد ألبتة ، وهو اسم بزنة فَيْعَال .

نوح 71:27

وقوله ( إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ ) تعليل لدعائه عليهم جميعا بالهلاك . أى : يا رب لا تترك منهم أحدا سالما ، بل أهلكهم جميعا لأنك إن تترك منهم أحدا على أرضك بدون إهلاك ، فإن هؤلاء المتروكين من دأبهم - كما رأيت منهم زمانا طويلا - إضلال عبادك عن طريق الحق .وقوله : ( وَلاَ يلدوا إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً ) زيادة فى ذمهم وفى التشنيع عليهم .والفاجر : هو المتصف بالفجور ، والملازم له ملازمة شديدة ، والفجور : هو الفعل البالغ للنهاية فى الفساد والقبح .والكفار : هو المبالغ فى الكفر ، والجحود لنعم الله - تعالى - .أى : إنك يا إلهى إن تتركهم بدون إهلاك ، يضلوا عبادك عن كل خير ، وهم فوق ذلك ، لن يلدوا إلا من هو مثلهم فى الفجور والكفران لأنهم قد نشَّأوا أولادهم على كراهية الحق ، وعلى محبة الباطل .قال الجمل : فإن قيل : كيف علم نوح أن أولادهم يكفرون؟ أجيب : بأنه لبث فيهم ألف سنة إلأ خمسين عاماً ، فعرف طباعهم وأحوالهم ، وكان الرجل منهم ينطلق إليه بابنه ويقول له : احذر هذا - أى نوحا - فإنه كذاب ، وإن أبى حذرنى منه ، فيموت الكبير ، وينشأ الصغير على ذلك .وعلى أية حال فالذى نعتقده أن نوحا - عليه السلام - ما دعا عليهم بهذا الدعاء ، وما قال فى شأنهم هذا القول - وهو واحد من أولى العزم من الرسل - إلا بعد أن يئس من إيمانهم ، وإلا بعد أن أخبره ربه : أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن ، وإلا بعد أن رأى منهم - بعد ألف سنة إلا خمسين عاما عاشها معها -أنهم قوم قد استحبوا العمى على الهدى ، وأن الأبناء منهم يسيرون على طريقة الآباء فى الكفر والفجور ..

نوح 71:28

وإلى جانب دعاء نوح - عليه السلام - على الكافرين بالهلاك الساحق . . نراه يختتتم دعاءه بالمغفرة والرحمة للمؤمنين ، فيقول : ( رَّبِّ اغفر لِي وَلِوَالِدَيَّ ) .أى : يا رب أسألك أن تغفر لى ذنوبى ، وأن تغفر لوالدى - أيضا - ذنوبهما ، ويفهم من هذا الدعاء أنهما كانا مؤمنين ، وإلا لما دعا لهما بهذا الدعاء .( وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً ) واغفر يا إلهى لكل من دخل بيتى وهو متصف بصفة الإِيمان ، فيخرج بذلك من دخله وهو كافر كامرأته وابنه الذى غرق مع المغرقين .( وَلِلْمُؤْمِنِينَ والمؤمنات ) أى : واغفر يا رب ذنوب المؤمنين والمؤمنات بك إلى يوم القيامة .( وَلاَ تَزِدِ الظالمين إِلاَّ تَبَاراً ) أى : ولا تزد الظالمين إلا هلاكا وخسارا ودمارا . يقال تبره يتبره ، إذا أهلكه . ويتعدى بالتضعيف فيقال : تبره الله تتبيرا ، ومنه قوله - تعالى - : ( إِنَّ هؤلاء مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ ) وهكذا اختتمت السورة الكريمة بهذا الدعاء الذى فيه طلب المغفرة للمؤمنين ، والهلاك للكافرين .وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

الجن 72:1

قد ذكر المفسرون عند تفسيرهم لهذه الآيات روايات منها ما أخرجه الشيخان والترمذى ، عن ابن عباس أنه قال : " انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فى طائفة من أصحابه ، عامدين إلى سوق عكاظ بنخلة ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء ، وأرسلت عليهم الشهب ، فرجعت الشياطين إلى قومهم ، فقالوا : مالكم؟ قالوا : حيل بيننا وبين خبر السماء ، وأرسلت علينا الشهب ، قالوا : حيل بيننا وبين خبر السماء ، وأرسلت علينا الشهب ، قالوا : ما ذاك إلا لشئ حدث ، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها ، فانظروا ما هذا الذى حال بيننا وبين خبر السماء؟ فانطلقوا يضربون مشارق الأرض ومغاربهما ، فمر النفر - من الجن - الذى أخذوا نحو تهامة ، عامدين إلى سوق عكاظ ، فوجدوا الرسول صلى الله عليه وسلم بنخلة يصلى بأصحابه صلاة الصبح ، فلما سمعوا القرآن ، استمعوا إليه وقالوا : هذا الذى حال بيننا وبين خبر السماء " .فرجعوا إلى قومهم فقالوا : يا قومنا ، إنا سمعنا قرآنا عجبا ، يهدى إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا آحدا ، وأنزل الله - تعالى - على نبيه ( قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ استمع نَفَرٌ مِّنَ الجن ) .وروى أبو داود عن علقمة عن ابن مسعود عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال : " أتانى داعى الجن ، فذهبت معهم ، فقرأت عليهم القرآن . . "وهناك رواية ثالثة لابن إسحاق ملخصها : أنه لما مات أبو طالب ، خرج النبى صلى الله عليه وسلم إلى الطائف يلتمس النصرة من أهلها ويدعوهم إلى الإِيمان . . فأغروا به سفهاءهم ، يسبونه ويستهزئون به . .فانصرف صلى الله عليه وسلم عنهم ، حتى إذا كان ببطن نخلة - هو موضع بين مكة والطائف - قام يصلى من الليل ، فمر به نفر من جن نصيبين - وهو موضع قرب الشام - فاستمعوا إليه ، فلما فرغ من صلاته ، ولوا إلى قومهم منذرين ، قد آمنوا وأجابوا إلى ما سمعوا ، فقص الله - تعالى - خبرهم عليه . .وهناك روايات أخرى فى عدد هؤلاء الجن ، وفى الأماكن التى التقوا فيها مع النبى صلى الله عليه وسلم وفيما قرأه الرسول صلى الله عليه وسلم عليهم ، وفيمن كان معه من الصحابة خلال التقائه بهم . .ويبدو لنا من مجموع الروايات ، أن لقاء النبى صلى الله عليه وسلم بالجن قد تعدد ، وأنهم تارة استمعوا إليه صلى الله عليه وسلم دون أن يراهم ، وتارة التقى بهم وقرأ عليهم القرآن .قال الآلوسى : وقد دلت الأحاديث على أن وفادة الجن كانت ست مرات ، ويجمع بذلك بين اختلاف الروايات فى عددهم وفى غير ذلك . وذكر ابن مردويه عن ابن عباس أنه قال : صرفت الجن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين ..قال القرطبى : واختلف أهل العلم فى أصل الجن . فعن الحسن البصرى : أن الجن ولد إبليس ، والإِنس ولد آدم ، ومن هؤلاء وهؤلاء مؤمنون وكافرون ، وهم شركاء فى الثواب والعقاب ، فمن كان من هؤلاء وهؤلاء مؤمنا فهو ولى الله ، ومن كان من هؤلاء وهؤلاء كافرا فهو شيطان .وعن ابن عباس : أن الجن هم ولد الجان وليسوا بشياطين ومنهم المؤمن والكافر ، والشياطين هم ولد إبليس ، لا يموتون إلا مع إبليس . .وقال بعض العلماء : عالم الجن من العوالم الكونية ، كعالم الملائكة وقد أخبر الله - تعالى - أنه خلقه من مارج من نار ، أى : أن عنصر النار فيه هو الغالب ، وأنه يرى الأناسى وهم لا يرونه ، أى : بصورته الجبلية ، وإن كان يرى حين يتشكل بأشكال أخرى ، كما رئى جبريل حين تشكل بشكل آدمى .وأخبر - سبحانه - بأن الجن قادرون على الأعمال الشاقة . وأن الله سخر الشياطين لسليمان يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل . .وأخبر بأن من الجن مؤمنين ، وأن منهم شياطين متمردين ، ومن هؤلاء إبليس اللعين .ولم يختلف أهل الملل فى وجودهم ، بل اعترفوا به كالمسلمين ، وإن اختلفوا فى حقيقتهم ، ولا تلازم بين الوجود والعلم بالحقائق ، ولا بينه وبين الرؤية بالحواس ، فكثير من الأشياء الموجودة لا تزال حقائقها مجهولة ، وأسرارها محجوبة ، وكثير منها لا يرى بالحواس . ألا ترى الروح - وهى مما لا شك فى وجودها فى الإِنسان والحيوان - لم يدرك كنهها أحد ولم يرها أحد ، وغاية ما علم من أمرها بعض صفاتها وآثارها . .وقد بعث النبى صلى الله عليه وسلم إلى الجن ، كما بعث إلى الإِنس ، فدعاهم إلى التوحيد ، وأنذرهم وبلغهم القرآن ، وسيحاسبون على الأعمال يوم الحساب كما يحاسب الناس ، فمؤمنهم كمؤمنهم ، وكافرهم ككافرهم وكل ذلك جاء صريحا فى القرآن والسنة . .وقد افتتح - سبحانه - السورة الكريمة بأمر النبى صلى الله عليه وسلم بأن يقول الناس ما حدث من الجن عند سماعهم للقرآن . فقال : ( قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ استمع نَفَرٌ مِّنَ الجن ) .وفى هذا الأمر دلالة على أن المأمور به شئ هام ، يستدعى من السامعين التيقظ والانتباه ، والامتثال للمأمور به ، وتصديقه صلى الله عليه وسلم فيما أخبر به .والنفر : الجماعة من واحد إلى عشرة ، وأصله فى اللغة الجماعة من الإِنس فأطلق على الجماعة من الجن وعلى وجه التشبيه .أى : قل - أيها الرسول الكريم - للناس ، إن الله - تعالى - قد أخبرك عن طريق أمين وحيه جبريل : أن جماعة من الجن قد استمعوا إليك وأنت تقرأ القرآن . .فقالوا - على سبيل الفرح والإِعجاب لما سمعوا - : ( إِنَّا سَمِعْنَا ) من الرسول صلى الله عليه وسلم ( قُرْآناً عَجَباً ) أى : إنا سمعنا قرآنا جليل الشأن ، بديع الأسلوب ، عظيم القدر ..

الجن 72:2

هذا القرآن ( يهدي إِلَى الرشد ) أى : إلى الخير والصواب والهدى ( فَآمَنَّا بِهِ ) إيمانا حقا ، لا يخالطه شك أو ريب ( وَلَن نُّشرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَداً ) أى : فآمنا بما اشتمل عليه هذا الكتاب من دعوة إلى إخلاص العبادة لله - تعالى - وحده ، ولن نشرك معه فى العبادة أحدا كائنا من كان هذا الحد .والمقصود من أمره صلى الله عليه وسلم بذلك ، دعوة مشركى قريش إلى الإِيمان بالحق الذى جاء به صلى الله عليه وسلم كما آمن جماعة من الجن به ، وإعلامهم بأن رسالته صلى الله عليه وسلم تشمل الجن والإِنس .وضمير " أنه " للشأن ، وخبر " أن " جملة ( استمع نَفَرٌ مِّنَ الجن ) ، وتأكيد هذا الخبر بأن ، للاهتمام به لغرابته . ومفعول " استمع " محذوف لدلالة قوله : ( إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً ) عليه .ووصفهم للقرآن بكونه ( قُرْآناً عَجَباً . يهدي إِلَى الرشد ) يدل على تأثرهم به تأثرا شديدا ، وعلى إعجابهم العظيم بنظمه المتقن ، وأسلوبه الحكيم ، ومعانيه البديعة . . ولذا أعلنوا إيمانهم به بدون تردد ، كما يشعر بذلك التعبير بالفاء فى قوله : ( فَآمَنَّا بِهِ . . . ) .والتعبير بقوله - تعالى - : ( فقالوا إِنَّا سَمِعْنَا . . ) يحتمل أنهم قالوا ذلك فيما بينهم ، أو لإِخوانهم الذين رجعوا إليهم ، كما فى قوله - تعالى - فى سورة الأحقاف : ( قَالُواْ ياقومنآ إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنزِلَ مِن بَعْدِ موسى مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يهدي إِلَى الحق وإلى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ ) ويحتمل أنهم قالوا ذلك فى أنفسهم على سبيل الإِعجاب ، كما فى قوله - تعالى - : ( وَيَقُولُونَ في أَنفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا الله بِمَا نَقُولُ ) بل إننا نرجح أن قولهم هذا قد شمل كل ذلك ، لأن هذا هو الذى يتناسب مع إعجابهم بالقرآن الكريم ، ومع حرصهم على إيمان أكبر عدد منهم به .

الجن 72:3

ثم حكى - سبحانه - أن هذا النفر من الجن بعد استماعهم إلى القرآن وإيمانهم به ، أخذوا فى الثناء على الخالق - عز وجل - فقال حكاية عنهم : ( وَأَنَّهُ تعالى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتخذ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَدا ) .ولفظ " وأن " قد تكرر فى هذه السورة الكريمة أكثر من عشرمرات ، تارة بالإِضافة إلى ضمير الشأن ، وتارة بالإِضافة إلى ضمير المتكلم .ومن القراء السبعة من قرأة بفتح الهمزة ، ومنهم من قرأه بكسرها ، فمن قرأ ( وَأَنَّهُ تعالى جَدُّ رَبِّنَا . . . ) بالفتح فعلى أنه معطوف على محل الجار والمجرور فى قوله ( فَآمَنَّا بِهِ . . . ) فكأنه قيل : فصدقناه وصدقنا أنه تعالى جد ربنا . . ومن قرأ بالكسر فعلى أنه معطوف على المحكى بعد القول ، أى : قالوا : إنا سمعنا قرآنا عجبا ، وقالوا : إنه تعالى جد ربنا . .قال الجمل فى حاشيته ما ملخصه : قوله - تعالى - : ( وَأَنَّهُ تعالى جَدُّ رَبِّنَا . . . ) قرأه حمزة والكسائى وأبو عامر وحفص بفتح " أنّ " وقرأه الباقون بالكسر ..وتلخيص هذا أن " أنّ " المشددة فى هذه السورة على ثلاثة أقسام : قسم ليس معه واو العطف ، فهذا لا لخلاف بين القراء فى فتحه أو كسره ، على حسب ما جاءت به التلاوة واقتضته العربية ، كقوله ( قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ استمع . . . ) لا خلاف فى فتحه لوقوعه موقع المصدر ، وكقوله : ( إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً ) لا خلاف فى كسره لأنه محكى بالقول .القسم الثانى أن يقترن بالواو ، وهو أربع عشرة كلمة ، إحداها : لا خلاف فى فتحها ، وهى قوله : ( وَأَنَّ المساجد لِلَّهِ . . . ) وهذا هو القسم الثالث . والثانية وهى قوله : ( وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ الله . . . ) كسرها ابن عامر وأبو بكر وفتحها الباقون .والاثنتا عشرة الباقية ، فتحها بعضهم ، وكسرها بعضهم وهى قوله : - تعالى - : ( وَأَنَّهُ تعالى جَدُّ رَبِّنَا . . . ) وقوله : ( وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ . . . . ) ( وَأَنَّا ظَنَنَّآ . . . ) ( وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ . . . ) ( وَأَنَّهُمْ ظَنُّواْ . . . ) ( وَأَنَّا لَمَسْنَا . . . ) ( وَأَنَّا كُنَّا . . . ) ( وَأَنَّا لاَ ندري . . . . ) ( وَأَنَّا مِنَّا الصالحون . . . ) ( وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الهدى . . . ) ( وَأَنَّا مِنَّا المسلمون ) .وقوله : ( تعالى ) من التعالى وهو شدة العلو . و ( جَدُّ رَبِّنَا ) الجد - بفتح الجيم - العظمة والجلال .قال القرطبى : الجد فى اللغة : العظمة والجلال ، ومنه قول أنس : كان الرجل إذا حفظ البقرة وآل عمران جد فى عيوننا . أى : عظم . فمعنى جد ربنا : عظمته وجلاله .وقيل معنى " جد ربنا . . " غناه ، ومنه قيل للحظ جد ، ورجل مجدود ، أى : محظوظ . وفى الحديث : " ولا ينفع ذا الجد منك الجد " أى : ولا ينفع ذا الغنى منك غناه ، وإنما تنفعه الطاعة . .وجملة ( مَا اتخذ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَدا ) بيان وتفسير لما قبله .أى : آمنا به - سبحانه - إيمانا حقا ، وصدقنا نبيه فيما جاءنا به من عنده ، وصدقنا - أيضا - أن الحال والشأن تعالى وتعاظم جلال ربنا ، وتنزه فى ذاته وصفاته ، عن أن يكون له شريك فى ملكه . أو أن تكون له صاحبة أو أن يكون له ولد ، كما زعم الزاعمون من الكافرين الجاهلين .وفى هذا القول من هذا النفر من الجن ، رد على أولئك المشركين الذين كانوا يزعمون أن الملائكة بنات الله - تعالى - ، وأنهم - أى الملائكة - جاءوا عن طريق مصاهرته - سبحانه - للجن ، كما حكى عنهم - سبحانه - ذلك فى قوله : ( وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجنة نَسَباً وَلَقَدْ عَلِمَتِ الجنة إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ . سُبْحَانَ الله عَمَّا يَصِفُونَ ).

الجن 72:4

ثم حكى - سبحانه - أقوالا أخرى لهؤلاء المؤمنين من الجن فقال : ( وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى الله شَطَطاً . . . ) والمراد بالسفينة هنا : إبليس - لعنة الله - وقيل المراد به الجنس فيشمل كل كافر ومتمرد من الجن ، والشطط ، مجاوزة الحد والعدل فى كل شئ ، أى : أننا ننزه الله - تعالى - عما كان يقوله سفهاؤنا - وعلى رأسهم إبليس - من أن الله - عز وجل - صاحبة أو ولدا ، فإن هذا القول بعيد كل البعد عن الحق والعدل والصواب .

الجن 72:5

وقوله : ( وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن تَقُولَ الإنس والجن عَلَى الله كَذِباً ) اعتذار منهم من كفرهم السابق ، فكأنهم يقولون بعد أن استمعوا إلى القرآن ، وآمنوا بالله - تعالى - وحده : إننا ننزه الله - تعالى - عما قاله السفهاء فى شأنه . . وإذا كنا قد اتبعناهم قبل إيماننا ، فسبب ذلك أننا صدقنا هؤلاء السفهاء فيما قالوه لنا ، وما كنا نعتقد أو نتصور أو نظن أن هؤلاء السفهاء يصل بهم الفجور والكذب . . إلى هذا الحد الشنيع .وقوله : ( كذبا ) مفعول به لتقول ، أو صفة لمصدر محذوف ، أى : قولا مكذوبا .

الجن 72:6

ثم - حكى - سبحانه - عنهم تكذيبهم لما كان متعارفا عليه فى الجاهلية من أن الجن سلطانا على الناس ، وأن لهم قدرة على النفع والضر . . فقال - تعالى - : ( وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإنس يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الجن فَزَادُوهُمْ رَهَقاً . . ) .وقوله : ( يَعُوذُونَ ) من العَوْذ بمعنى الاستجارة بالشئ والالتجاء إليه طلبا للنجاة .والرهق : الإِثم وغشيان المحارم .قال صاحب الكشاف : والرهق : غشيان المحارم ، والمعنى : أن الإِنس باستعاذتهم بهم - أى بالجن - زادوهم كفرا وتكبرا . وذلك أن الرجل من العرب كان إذا أمسى فى واد قفر فى بعض مسايره ، وخاف على نفسه قال : أعوذ بسيد هذا الوادى من سفهاء قومه ، يريد الجن وكبيرهم ، فإذا سمعوا ذلك استكبروا وقالوا : سدنا الجن والإِنس ، فذلك رهقهم ، أو : فزاد الجنُّ والإِنسَ رهقا بإغوائهم وإضلالهم لاستعاذتهم بهم . .فالمقصود به من الآية الكريمة بيان فساد ما كان شائعا فى الجاهلية - بل وفى بعض البيئات حتى الآن - من أن الجن لهم القدرة على النفع والضر وأن بعض الناس كانوا يلجأون إليهم طلبا لمنفعتهم وعونهم على قضاء مصالحهم .وإطلاق اسم الرجال على الجن ، من باب التشبيه والمشاكلة لوقوعه من رجال من الإِنس ، فإن الرجل اسم للمذكر البالغ من بنى آدم .

الجن 72:7

وقوله - سبحانه - : ( وَأَنَّهُمْ ظَنُّواْ كَمَا ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَبْعَثَ الله أَحَداً ) بيان لما استنكره هؤلاء النفر المؤمنون من الجن على قومهم الكافرين . وعلى من يشبهونهم فى الكفر من الإِنس .أى : وأنهم - أى الإِنس - ظنوا واعتقدوا ( كَمَا ظَنَنتُمْ ) واعتقدتم أيها الجن ، أن الله - تعالى - لن يبعث أحدا بعد الموت ، وهذا الظن منهم ومنكم ظن خاطئ فاسد ، فإن البعث حق ، وإن الحساب حق ، وإن الجزاء حق .وفى هذا القول من مؤمنى الجن ، تعريض بمشركى قريش ، الذين أنكروا البعث ، وقالوا : ( مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ الدهر . . ) ثم حكى - سبحانه - عنهم ما قالوه عند اقترابهم من السماء ، طلبا لمعرفة أخبارها .

الجن 72:8

قبل أن يؤمنوا فقال : ( وَأَنَّا لَمَسْنَا السمآء فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً . وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الآن يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً ) .وقوله : ( لَمَسْنَا ) من اللمس ، وحقيقته الجس واليد ، واستعير هنا ، لطلب أخبار السماء ، لأن الماس للشئ فى العادة ، إنما يفعل ذلك طلبا لاختباره ومعرفته .والحرس : اسم جمع للحراس ، كخدم وكخدام ، والشهب : جمع شهاب ، وهو القطعة التى تنفصل عن بعض النجوم ، فتسقط فى الجو أو على الأرض أو فى البحر .أى : وأنا طلبنا أخباء السماء كما هى عادتنا قبل أن نؤمن ( فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً ) أى : فوجدناها قد امتلأت بالحراس الأشداء من الملائكة الذين يحرسونها من استراق السمع . . كما أنا قد وجدناها قد امتلأت بالشهب التى تنقض على مسترقى السمع فتحرقهم .

الجن 72:9

( وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا ) أى من السماء ( مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ ) أى : كنا نقعد منها مقاعد كائنة للسمع ، خالية من الحرس والشهب .( فَمَن يَسْتَمِعِ الآن ) بعد نزول القرآن ، الذى هو معجزة للنبى صلى الله عليه وسلم والذى آمنا به وصدقناه .( يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً ) أى : فمن يجلس الآن ليسترق السمع من السماء يجد له شهابا معدا ومهيأ للانقضاض عليه فيهلكه .فالرصد : جمع راصد ، وهو الحافظ للشئ ، وهو وصف لقوله " شهابا " .والفاء فى قوله : ( فَمَن يَسْتَمِعِ الآن ) للتفريع على محذوف ، وكلمة " الآن " فى مقابل كلمة " كنا " الدالة على المحذوف .والتقدير : كنا نقعد منها مقاعد للسمع ، فنستمع أشياء ، وقد انقضى ذلك ، وصرنا من يستمع الآن منا يجد له شهابا رصدا ، ينقض عليه فيحرقه .والمقصود من هاتين الآيتين : تأكيد إيمانهم بالله - تعالى - ، وبرسوله صلى الله عليه وسلم ، وحض غيرهم على اتباعهم ، وتحذيرهم من التعرض لاستراق السمع .قال الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهاتين الآيتين : " يخبر الله - تعالى - عن الجن حين بعث الله رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم وأنزل عليه القرآن ، وكان من حفظه له أن السماء ملئت حرسا شديدا وشهبا ، وحفظت من سائر أرجائها ، وطردت الشياطين عن مقاعدها التى كانت تقعد فيها قبل ذلك ، لئلا يسترقوا شيئا من القرآن ، فيلقوه على ألسنة الكهنة ، فيلتبس الأمر ويختلط ولا يدرى من الصادق ، وهذا من لطف الله بخلقه ، ورحمته بعباده ، وحفظه لكتابه العزيز ، ولهذا قالت الجن : ( وَأَنَّا لَمَسْنَا السمآء فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً . وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الآن يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً ) أى : من يروم أن يسترق السمع اليوم يجد له شهابا مرصدا ، لا يتخطاه ولا يتعداه ، بل يمحقه ويهلكه " .وقال بعض العلماء : والصحيح أن الرجم كان موجودا قبل المبعث . فلما بعث صلى الله عليه وسلم كثر وازداد ، كما ملئت السماء بالحرس والشهب .وليس فى الآية دلالة على أن كل ما يحدث من الشهب إنما هو للرجم ، بل إنهم إذا حاولوا استراق السمع رجموا بالشهب ، وإلا فالشهب الآن وفيما مضى قد تكون ظواهر طبيعية ولأسباب كونية . .

الجن 72:10

ثم حكى - سبحانه - ما قالوه على سبيل الإِقرار بأنهم لا يعلمون شيئا من الغيوب فقال : ( وَأَنَّا لاَ ندري أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الأرض أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً ) .أى : وقال هؤلاء الجن المؤمنون على سبيل الاعتراف بأن مرد علم الغيوب إلى الله - تعالى - وحده : قالوا وإنا لا ندرى ولا نعلم الآن ، بعد هذه الحراسة المشددة للسماء ، أأريد بأهل الأرض ما يضرّ بهم ، أم أراد الله - تعالى - بها ما ينفعهم؟قال الآلوسى : ولا يخفى ما فى قولهم هذا من الأدب ، حيث لم يصرحوا بنسبة الشر إلى الله - تعالى - ، كما صرحوا به فى الخير ، وإن كان فاعل الكل هو الله - تعالى - ولقد جمعوا بين الأدب وحسن الاعتقاد . .

الجن 72:11

ثم حكى - سبحانه - ما قالوه فى وصف حالهم وواقعهم فقال : ( وَأَنَّا مِنَّا الصالحون . . . ) أى : منا الموصوفون بالصلاح والتقوى . . وهم الذين آمنوا بالله - تعالى - إيمانا حقا ، ولم يشركوا معه فى العبادة أحدا . .( وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ ) أى : ومنا قوم دون ذلك فى الصلاح والتقوى . . وهم الذين فسقوا عن أمر ربهم ، ولم يستقيموا على صراطه ودينه .وقوله : ( كُنَّا طَرَآئِقَ قِدَداً ) تشبيه بليغ . والطرائق : جمع طريقة ، وهى الحالة والمذهب .وقددا : جمع قِدَّة ، وهى الفرقة والجماعة من الناس ، الذين تفرقت مشاربهم وأهواؤهم .والجملة الكريمة بيان وتفسير لما قبلها .أى : وأنا من واقع أمرنا منا الصالحون الأخيار . . ومنا من درجته ورتبته أقل من ذلك بكثير أو بقليل . . فنحن فى حياتنا كنا قبل سماعنا للقرآن كالمذاهب المختلفة فى حسنها وقبحها ، وكالطرق المتعددة فى استقامتها واعوجاجها . . أما الآن فقد وفقنا الله - تعالى - إلى الإِيمان به ، وإلى إخلاص العبادة له . .ومن وجوه البلاغة فى الآية الكريمة ، أنهم قالوا : ( وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ ) ، ليشمل التعبير من هم دون الكمال فى الصلاح ، ومن هم قد انحدروا فى الشرور والآثام إلى درجة كبيرة ، وهم الأشرار .والمقصود به الآية الكريمة ، مدح الصالحين ، وذم الصالحين ، ودعوتهم إلى الاقتداء بأهل الصلاح والتقوى والإِيمان .

الجن 72:12

ثم حكى - سبحانه - ما قالوه بشأن عجزهم المطلق أمام قدرة خالقهم فقال : ( وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن نُّعْجِزَ الله فِي الأرض وَلَن نُّعْجِزَهُ هَرَباً ) .والظن هنا بمعنى العلم واليقين . وقوله : ( نُّعْجِزَهُ ) من الإِعجاز ، وهو جعل الغير عاجزا عن الحصول على ما يريد . وقوله ( فِي الأرض ) و ( هَرَباً ) فى موضع الحال .أى : وأننا قد علمنا وتيقنا بعد إيماننا وبعد سماعنا للقرآن . . أننا فى قبضة الله - تعالى - وتحت قدرته ، ولن نستطيع الهرب من قضائه سواء أكنا فى الأرض أم فى غيرها .فقوله : ( فِي الأرض ) إشارة إلى عدم قدرتهم على النجاة من قضائه - تعالى - مهما حاولوا اللجوء إلى أية بقعة من بقاعها ، ففى أى بقعة منها يكونون ، يدركهم قضاؤه وقدره .وقوله : ( وَلَن نُّعْجِزَهُ هَرَباً ) إشارة إلى أن هربهم إلى السماء لا إلى الأرض ، لن ينجيهم مما يريده - سبحانه - بهم .فالمقصود بالآية الكريمة : إظهار عجزهم المطلق أمام قدرة الله - تعالى - وعدم تمكنهم من الهرب من قضائه ، سواء ألجأوا إلى الأرض ، أم إلى السماء .وشبيه بهذه الآية الكريمة قوله - تعالى - : ( وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأرض وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ الله مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ ).

الجن 72:13

ثم حكى - سبحانه - حالهم عندما سمعوا ما يهديهم إلى الرشد . . فقال - تعالى - : ( وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الهدى آمَنَّا بِهِ فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلاَ يَخَافُ بَخْساً وَلاَ رَهَقاً . . ) .أى : وأننا لما سمعنا الهدى ، أى : القرآن من النبى صلى الله عليه وسلم ( آمَنَّا بِهِ ) بدون تردد أو شك ( فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ ) وبما أنزله على نبيه صلى الله عليه وسلم ( فَلاَ يَخَافُ بَخْساً ) أى : نقصا فى ثوابه ( وَلاَ رَهَقاً ) أى : ولا يخاف - أيضا - ظلما يحلقه بزيادة فى سيئاته ، أو إهانة تذله وتجعله كسير القلب ، منقبض النفس .فالمراد بالبخس : الغبن فى الأجر والثواب . والمراد بالرهق : الإِهانة والمذلة والمكروه .والمقصود بالآية الكريمة إظهار ثقتهم المطلقة فى عدالة الله - تعالى - .

الجن 72:14

وقوله - سبحانه - : ( وَأَنَّا مِنَّا المسلمون وَمِنَّا القاسطون فَمَنْ أَسْلَمَ فأولئك تَحَرَّوْاْ رَشَداً . وَأَمَّا القاسطون فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً ) تأكيد وتفصيل لما قبله .والقاسطون : هم الجائرون الظالمون ، جمع قاسط ، وهو الذى ترك الحق واتبع الباطل ، اسم فاعل من قسط الثلاثى بمعنى جار ، بخلاف المقسط فهو الذى ترك الباطل واتبع الحق مأخوذ من أقسط الرباعى بمعنى عدل .أى : وأنا - معاشر الجن - ( مِنَّا المسلمون ) الذين أسلموا وجوههم لله وأخلصوا له العبادة .( وَمِنَّا القاسطون ) أى : الجائرون المائلون عن الحق إلى الباطل .( فَمَنْ أَسْلَمَ ) منا ( فأولئك ) المسلمون ( تَحَرَّوْاْ ) أى : توخوا وقصدوا الرشد والحق .

الجن 72:15

( وَأَمَّا القاسطون ) وهم الذين آُروا الغى على الرشد ( فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً ) أى : وقودا لجهنم ، كما توقد النار بما يلقى فيها من حطب وما يشبهه .وإلى هنا نرى الآيات الكريمة قد حكت أقوالا متعددة ، لهؤلاء النفر من الجن ، الذين استمعوا إلى القرآن ، فآمنوا به ، وقالوا لن نشرك بربنا أحدا .

الجن 72:16

ثم بين - سبحانه - سنة من سننه التى لا تتخلف ، وهى أن الاستقامة على طريقة توصل إلى السعادة ، وأن الإِعراض عن طاعته - تعالى - يؤدى إلى الشقاء ، وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يعلن للناس حقائق دعوته ، وخصائص رسالته ، وإقراره أمامهم بأنه لا يملك لهم ضرا ولا نفعا ، وأن علم الغيب مرده إلى الله - تعالى - وحده ، فقال - سبحانه - :( وَأَلَّوِ استقاموا عَلَى . . . ) .قوله سبحانه : ( وَأَلَّوِ استقاموا عَلَى الطريقة لأَسْقَيْنَاهُم مَّآءً غَدَقاً . . ) معطوف على قوله - تعالى - : ( قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ استمع نَفَرٌ مِّنَ الجن . . ) فهو من جملة الموحى به ، وهو من كلام الله - تعالى - لبيان سنة من سننه فى خلقه ، واسم " أن " المخففة ضمير الشأن الخبر قوله ، ( وَأَلَّوِ استقاموا . . ) والضمير يعود على القاسطين سواء أكانوا من الإِنس أم من الجن .والماء الغدق : هو الماء الكثير ، يقال : غَدِقَتْ فلان غَدَقاً - كفرح - إذا كثر دمعها فهى غدقة ، ومنه الغيداق للماء الواسع الكثير ، والمراد : لأعطيناهم نعما كثيرة .أى : ولو أن هؤلاء العادلين عن طريق الحق إلى طريق الباطل استقاموا على الطريقة المثلى ، التى هى طريق الإِسلام ، والتزموا بما جاءهم به النبى صلى الله عليه وسلم من عند ربه . .لو أنهم فعلوا ذلك ، لفتحنا عليهم أبواب الرزق ، ولأعطيناهم من بركاتنا وخيراتنا الكثير . . وخص الماء الغدق بالذكر ، لأنه أصل المعاش والسعة .ومن الآيات التى وردت فى هذا المعنى قوله - تعالى - : ( وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً . وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ ) وقوله - سبحانه - ( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القرى آمَنُواْ واتقوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِّنَ السمآء والأرض . . . ) وقوله - تعالى - ( وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التوراة والإنجيل وَمَآ أُنزِلَ إِلَيهِمْ مِّن رَّبِّهِمْ لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم ).

الجن 72:17

ثم بين - سبحانه - الحكمة فى هذا العطاء لعباده فقال : ( لِّنَفْتِنَهُمْ ) وأصل الفتن الامتحان والاختبار . تقول : فتنت الذهب بالنار ، أى : اختبرته لتعرف مقدار جودته .والمعنى : نعطيهم ما نعطيهم من خيراتنا ، لنختبرهم ونمتحنهم ، ليظهر للخلائق موقفهم من هذه النعم ، أيشكروننا عليها فنزيدهم منها ، أم يجحدون ويبطرون فنمحقها من بين أيديهم . . ؟والجملة الكريمة معترضة بين ما قبلها ، وبين قوله - تعالى - بعد ذلك : ( وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً ) .وقوله : ( يَسْلُكْهُ ) من السلك بمعنى إدخال الشئ فى الشئ ومنه قوله - تعالى - : ( كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ المجرمين ) والصَّعَد : الشاق . يقال : فلان فى صَعَد من أمره ، أى : فى مشقة وتعب ، وهو مصدر صَعِد - كفرح - صعداً وصعودا .أى : ومن يعرض عن طاعة ربه ومراقبته وخشيته . . يدخله - سبحانه - فى عذاب شاق أليم ، لا مفر منه ، ولا مهرب له عنه .ومن الحقائق والحكم التى نأخذها من هاتين الآيتين ، أن الاستقامة على أمر الله ، تؤدى إلى السعادة التى ليس بعده سعادة ، وأن رخاء العيش وشظافته هما لون من ألوان الابتلاء والاختبار ، كما قال - تعالى - : ( وَنَبْلُوكُم بالشر والخير ) وأن الإِعراض عن ذكر الله . . عاقبته الخسران المبين ، والعذاب الأليم .قال القرطبى ما ملخصه : قوله : ( لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ) أى لنختبرهم كيف شكرهم فيه على تلك النعم .وقال عمر بن الخطاب فى هذه الآية : أنيما كان الماء كان المال ، وأينما كان المال كانت الفتنة فمعنى ( لأَسْقَيْنَاهُم ) لوسعنا عليهم فى الدنيا ، وضرب الماء الغدق الكثير لذلك مثلا ، لأن الخير والرزق كله ، بالمطر يكون ، فأقيم مقامه .وفى صحيح مسلم ، عن أبى سعيد الخدرى ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أخوف ما أخاف عليكم ، ما يخرج لكم من زهرة الدنيا ، قالوا : وما زهرة الدنيا؟ قال : بركات الأرض . . " .وقال صلى الله عليه وسلم : " والله ما الفقر أخشى عليكم ، وإنما أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من قبلكم ، فتنافسوها ، كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم " .

الجن 72:18

ثم بين - سبحانه - أن المساجد التى تقام فيها الصلاة والعبادات ، يجب أن تنسب إلى الله - تعالى - وحده ، فقالك ( وَأَنَّ المساجد لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ الله أَحَداً ) .والجملة الكريمة معطوفة على قوله - تعالى - قبل ذلك : ( أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ استمع نَفَرٌ مِّنَ الجن ) والمساجد : جمع مسجد ، وهو المكان المعد لإقامة الصلاة والعبادة فيه . واللام فى قوله ( لله ) للاستحقاق .أى : وأوحى إلىَّ - أيضا - أن المساجد التى هى أماكن الصلاة والعبادة لا تكون إلا الله - تعالى - وحده ، ولا يجوز أن تنسب إلى صنم من الأصنام ، أو طاغوت من الطواغيت .قال الإِمام ابن كثير : قال قتادة : كانت اليهود والنصارى إذا دخلوا كناسئهم وبيعهم ، أشركو بالله ، فأمر الله نبيه والمؤمنين ، أن يوحدوه وحده .وقال سعيد بن جبير : نزلت فى أعضاء السجود : أى : هى لله فلا تسجدوا بها لغيره . . وفى الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أمرت أن أسجد على سبعه أعظم : على الجبهة - وأشار بيده إلى أنفه - واليدين ، والركبتين ، وأطراف القدمين .ويبدو لنا أن المراد بالمساجد هنا الأماكن المعدة للصلاة والعبادة ، لأن هذا هو المتبادر من معنى الآية ، وأن المقصود بها توبيخ المشركين الذين وضعوا الأنصاب والأصنام ، فى المسجد الحرام وأشركوها فى العبادة مع الله - تعالى - .وأضاف - سبحانه - المساجد إليه ، على سبيل التشريف والتكريم وقد تضاف إلى غيره - تعالى - على سبيل التعريف فحسب ، وفى الحديث الشريف : " الصلاة فى مسجدى هذا خير من ألف صلاة فى غيره ، إلا المسجد الحرام " .

الجن 72:19

ثم بين - سبحانه - حال الصالحين من الجن ، عندما استمعوا إلى النبى صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ القرآن ، ويتقرب إلى الله - تعالى - بالعبادة فقال : ( وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ الله يَدْعُوهُ كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً )أى : وأوحى الله - تعالى - فيما أوحى من شأن الجن ، ( وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ الله ) وهو محمد صلى الله عليه وسلم ( يَدْعُوه ) أى : يدعو الله - تعالى - ويعبده فى الصلاة ، ( كَادُواْ ) أى : الجن ( كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً ) أى : كادوا من شدة التزاحم عليه ، والتكتل حوله .. يكونون كاللبد ، أى : كالشئ الذى تلبد بعضه فوق بعض . ولفظ " لِبَدا " جمع لِبْدَة ، وهى الجماعة المتزاحمة ، ومنه لبدة الأسد للشعر المتراكم فى رقبته .ووضع - سبحانه - الاسم الظاهر موضع المضمر ، إذ مقتضى الظاهر أن يقال : وأنه لما قمت تدعو الله . . أو لما قمتُ أدعو الله . . تكريما للنبى صلى الله عليه وسلم حيث وصفه بأنه " عبد الله " لما فى هذه الإِضافة من التشريف والتكريم .والجن : إنما ازدحموا حول الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يصلى ويقرأ القرآن . . تعجبا مما شاهدوه من صلاته ، ومن حسن قراءته ، ومن كمال اقتداء أصحابه ، قياما ، وركوعا ، وسجودا . . ومنهم من يرى أن الضمير فى " كادوا " يعود لكفار قريش ، فيكون المعنى : وأنه لما قام محمد صلى الله عليه وسلم يدعو ربه . . كادوا من تزاحمهم عليه ، يكونون كاللبد ، لا لكى ينتفعوا بما يسمعون ، ولكن لكى يطفئوا نور الله بأفواههم ، والحال أن الله - تعالى - قد رد كيدهم فى نحورهم ، وأبى إلا أن يتم نوره ولو كره المشركون .قال صاحب الكشاف : " عبد الله " هو النبى صلى الله عليه وسلم ، فإن قلت : هلا قيل : رسول الله أو النبى؟ قلت : لأن تقديره وأوحى إلى أنه لما قام عبد الله ، فلما كان واقعا فى كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نفسه ، جئ به على ما يقتضيه التواضع والتذلل ، أو لأن المعنى أن عبادة عبد الله ، لله - تعالى - ليست بأمر مستبعد عن العقل ولا مستنكر ، حتى يكونوا عليه لبدا .ومعنى " قام يدعوه " : قام يعبده . يريد : قيامه لصلاة الفجر بنخلة حين أتاه الجن ، فاستمعوا لقراءته ، وتزاحموا عليه .وقيل معناه : لما قام رسول يعبد الله وحده ، مخالفا المشركين فى عبادتهم كاد المشركون لتظاهرهم عليه وتعاونهم على عداوته ، يزدحمون عليه متراكمين . .ويبدو لنا أن عودة الضمير فى " كادوا " على مؤمنى الجن أرجح ، لأن هذا هو الموافق لإِعجابهم بالقرآن الذى سمعوه من النبى صلى الله عليه وسلم لأن هذا هو الظاهر من سياق الآيات ، حيث ن الحديث عنهم ، ولأن الآثار قد وردت فى أن الجن قد التفوا حول النبى صلى الله عليه وسلم حين سمعوا يقرأ القرآن .ومن هذه الآثار قول الزبير بن العوام : هم الجن حين استمعوا القرآن من النبى صلى الله عليه وسلم كادوا يركب بعضهم بعضا ازدحاما عليه . .

الجن 72:20

ثم أمر الله - تعالى - نبيه صلى الله عليه وسلم أن يعلن لجميع من أرسل إليهم ، أنه لا يعبد أحدا سواه - عز وجل - فقال : ( قُلْ إِنَّمَآ أَدْعُو رَبِّي وَلاَ أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً ) .أى : قل - أيها الرسول الكريم - لجميع من أرسلناك إليهم من الجن والإِنس : إنى أعبد ربى وحده ، وأتوجه إليه وحده بالدعاء والطلب ، ولا أشرك معه أحدا فى عبادتى أو صلاتى أو نسكى . .

الجن 72:21

وقل لهم ، كذلك : ( قُلْ إِنِّي لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً ) أى : لا أملك ما يضركم ( وَلاَ رَشَداً ) أى : ولا أملك ما ينفعكم ، وإنما الذى يملك ذلك هو الله - تعالى - وحده .

الجن 72:22

وقل لهم للمرة الثالثة : ( إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ الله أَحَدٌ ) أى : إنىلن يمنعنى أحد من الله - تعالى - إن أرادنى بسوء .( وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً ) أى : ولن أجد من دونه ملجأ أركن إليه . يقال : التحد فلان إلى كذا ، أى : مال إليه .فالآية الكريمة بيان لعجزه صلى الله عليه وسلم عن شئون نفسه أمام قدرة خالقه - عز وجل - بعد بيان عجزه عن شئون غيره .

الجن 72:23

وقوله - سبحانه - : ( إِلاَّ بَلاَغاً مِّنَ الله وَرِسَالاَتِهِ . . . ) استثناء من مفعول ( لاَ أَمْلِكُ ) ، وهما قوله قبل ذلك : ( لَكُمْ ضَرّاً وَلاَ رَشَداً ) وما يليهما اعتراض مؤكد لنفى الاستطاعة . أى : قل لهم - أيها الرسول الكريم - إنى لا أملك ما يضركم ولا أملك ما ينفعكم ، وإنما الذى أملكه هو تبليغ رسالات ربى إليكم ، بأمانة واجتهاد .والبلاغ : مصدر بلَّغ ، وهو إيصال الكلام أو الحديث إلى الغير ، ويطلق على الكلام المبلغ من إطلاق المصدر على المفعول ، مثل : " هذا خلق الله " ، و " من " ابتدائية صفة لقوله : " بلاغا " أى : بلاغا كائنا من جهة الله - تعالى - وأمره . والرسالات : جمع رسالة ، وهى ما يرسل إلى الغير من كلام أو كتاب . والمراد بها هنا : تبليغ ما أوحاه الله - تعالى - إلى نبيه للناس .قال الآلوسى ما ملخصه وقوله : ( إِلاَّ بَلاَغاً مِّنَ الله . . . ) استثناء من مفعول لا أملك . . وما بينهما اعتراض . . فإن كان المعنى : لا أملك أن أضركم ولا أن أنفعكم ، كان استثناء متصلا ، كأنه قيل : لا أملك شيئا إلا بلاغا ، وإن كان المعنى : لا أملك أن أقسركم على الغى والرشد ، كان منقطعا ، أو من باب : لا عيب فيهم غير أن سيوفنا . . أى : أنه من أسلوب تأكيد الشئ بما يشبه ضده ، وقوله ( وَرِسَالاَتِهِ ) عطف على قوله ( بَلاَغاً ) وقوله : ( مِّنَ الله ) متعلق بمحذوف وقع صفه له . أى : بلاغا كائنا من الله . .ثم بين - سبحانه - بعد ذلك سوء عاقبة من يخالف أمره فقال : ( وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ ) فيما أمرا به ، أو نهيا عنه .( فَإِنَّ لَهُ ) أى : لهذا العاصى ( نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً ) أى : فحكمه أن له نار جهنم ، وجمع - سبحانه - خالدين باعتبار معنى " من " ، كما أن الإِفراد فى قوله ( فَإِنَّ لَهُ ) باعتبار لفظها .وقوله : " أبدا " مؤكد لمعنى الخلود . أى : خالدين فيها خلودا أبديا لا نهاية له .

الجن 72:24

وقوله - سبحانه - : ( حتى إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً ) تهديد ووعيد للكافرين بسبب استهزائهم بالمؤمنين ، فقد حكى القرآن عن الكفار أنهم قالوا : ( نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ ) ( وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ) وقالوا : ( متى هذا الوعد إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ) و ( حتى ) هنا حرف ابتداء ، وهى متعلقة بمحذوف دل عليه الكلام ، وهو سخرية الكافرين من المؤمنين و ( إذا ) اسم زمان للمستقبل مضمن معنى الشرط ، وهى فى محل نصب بجوابه الذى هو قوله ( فَسَيَعْلَمُونَ ) .والمعنى : أن هؤلاء الكفار لا يزالون على ما هم عليه من غرور وعناد وجحود . . حتى إذا رأوا ما يوعدون من العذاب فى الدنيا والآخرة ( فَسَيَعْلَمُونَ ) حينئذ من هو أضعف جندا وأقل عددا ، أهم المؤمنون - كما يزعم هؤلاء الكافرون -؟ أم أن الأمر سيكون على العكس؟ لا شك أن الأمر سيكون على العكس ، وهو أن الكافرين فى هذا اليوم سيكونون فى غاية الضعف والذلة والهوان .وجئ بالجملة التى أضيف إليها لفظ " إذا " فعلا ماضيا ، للتنبيه على تحقق الوقوع . والآية الكريمة تشير إلى خيبة هؤلاء الكافرين ، وتلاشى آمالهم . . فإنهم فى هذا اليوم سيفقدون الناصر لهم ، كما أنهم سيفقدونه من جهة أنفسهم ، لأنهم مهما كثر عددهم ، فهم مغلوبون .

الجن 72:25

ثم أمر الله - تعالى - رسوله للمرة الرابعة ، أن يعلن للناس أن هذا اليوم الذى يأتى فيه نصر الله للمؤمنين لا يعلمه إلا هو ، فقال - تعالى - : ( قُلْ إِنْ أدري أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ ربي أَمَداً . . . ) .أى : وقل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الكافرين إن نصر الله لنا آت لا ريب فيه ، وعذاب الله لكم آت - أيضا - لا ريب فيه ، ولكنى لا أدرى ولا أعلم أيتحقق ذلك فى الوقت العاجل القريب ، أم يجعل الله - تعالى - لذلك " أمدا " أى : غاية ومدة معينة من الزمان ، لا يعلم وقتها إلا هو - سبحانه - .والمقصود من الآية الكريمة : بيان أن العذاب نازل بهم قطعا ولكن موعده قد يكون بعد وقت قريب ، وقد يكون بعد وقت بعيد ، لأن تحديد هذا الوقت مرده إلى الله - تعالى - وحده .

الجن 72:26

وقوله - تعالى - بعد ذلك : ( عَالِمُ الغيب فَلاَ يُظْهِرُ على غَيْبِهِ أَحَداً ) تعليل لما قبله . أى : أنا لا أدرى متى يكون عذابكم - أيها الكافرون - لأن مرد علم ذلك إلى الله - تعالى - الذى هو عليم بكل شئ من الظواهر والبواطن ، والذى اقتضت حكمته أن لا يطلع أحدا على غيوبه ، وعلى ما استتر وخفى من أمور خلقه .

الجن 72:27

وقوله : ( إِلاَّ مَنِ ارتضى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً ) استثناء من النفى فى قوله : ( فَلاَ يُظْهِرُ على غَيْبِهِ أَحَداً ) .أى : هو - سبحانه - عالم الغيب ، فلا يطلع على غيبه أحدا من خلقه ، إلا الرسول الذى ارتضاه واختاره من خلقه ، فإنه - سبحانه - قد يطلعه على بعض غيوبه ، ليكون ذلك معجزة له ، دالة على صدقه أمام قومه .فإذا ما أراد - سبحانه - إطلاع رسوله المصطفى لحمل رسالته على بعض غيوبه ، سخر له من جميع جوانبه حرسا من الملائكة يحرسونه من وسوسة الشيطان ونوازعه ، ومن كل ما يتعارض مع توصيل وحيه - سبحانه - إلى رسله - بكل أمانة وصيانة .ومعنى ( إِلاَّ مَنِ ارتضى . . . ) من اختار واصطفى واجتنبى ، وعبر عن ذلك بقوله ( مَنِ ارتضى ) للإِشعار بأنه - سبحانه - يخص هؤلاء الذين رضى عنهم ورضوا عنه بالاطلاع على بعض غيوبه ، على سبيل التأييد والتكريم لهم .و " من " فى قوله ( مِن رَّسُولٍ ) للبيان . والمراد بالرسول هنا : ما يشمل كل رسول اختاره - سبحانه - لحمل رسالته ، سواء أكان من البشر أم من الملائكة .والضمير فى قوله - تعالى - ( فَإِنَّهُ ) و ( يَسْلُكُ ) يعودان على الله - عز وجل - وأطلق السلك على إيصال الخبر إلى الرسول المرتضى ، للإِشعار بأن هذا الخبر الذى أطلع الله - تعالى - رسوله عليه ، قد وصل إليه وصولا مؤكدا ، ومحفوظا من كل تحريف ، كما يدخل الشئ فى الشئ دخولا تاما بقوة وضبط ، إذ حقيقة السلك . إدخال الشئ فى الشئ بشدة وعناية . .والمراد بقوله : ( مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ ) جميع الجهات ، وعبر عن جميع الجهات بذلك ، لأن معظم ما يتعرض له الإِنسان يكون من هاتين الجهتين .والرصد : جمع راصد ، وهو ما يحفظ الشئ ، ويصونه من كل ما لا يريده ، أى : إلا من ارتضى - سبحانه - من رسول ، فإنه - عز وجل - يطلعه على ما يشاؤه من غيوبه ، ويجعل له حراسا من جميع جوانبه ، يحفظونه من كل سوء .قال الآلوسى : قوله : ( إِلاَّ مَنِ ارتضى مِن رَّسُولٍ . . ) أى : لكن الرسول المرتضى بظهره - جل وعلا - على بعض الغيوب المتعلقة برسالته . . إما لكون بعض هذه الغيوب من مباديها ، بأن يكون معجزة ، وإما لكونه من أركانها وأحكامها كعامة التكاليف الشرعية ، وكيفيات الأعمال وأجزيتها ، ونحو ذلك من الأمور الغيبية ، التى بيانها من وظائف الرسالة ، بأن يسلك من جميع جوانبه عند إطلاعه على ذلك ، حرسا من الملائكة يحرسونه من تعرض الشياطين ، لما أريد إطلاعه عليه . .

الجن 72:28

واللام فى قوله - تعالى - : ( لِّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُواْ رِسَالاَتِ رَبِّهِمْ .. ) متعلقة بقوله ( يَسْلُكُ ) .والضمير فى ( يعلم ) يعود إلى الله - تعالى - ، والمراد بالعلم : علم المشاهدة الذى يترتب عليه الجزاء ، أى : أطلع الله - تعالى - من ارتضاهم على بعض غيوبه ، وحرسهم من وصول الشياطين إلى هذا الذى أظهرهم عليه من غيوب . . ليعلم - تعالى - علم مشاهدة يترتب عليه الجزاء ، أن الرسل قد أبلغو رسالته - سبحانه - إلى خلقه ، وأنه - تعالى - قد ( وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ ) أى : أحاط علمه - تعالى - بكل ما لدى الرسل وغيرهم من أقوال وأفعال ، ( وأحصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً ) أى : وأحصى كل شئ فى هذا الكون إحصاء تاما ، وعلما كاملا .قال الشوكانى : قوله : ( لِّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُواْ رِسَالاَتِ رَبِّهِمْ . . . ) اللام متعلقة بيسلك ، والمراد به العلم المتعلق بالإِبلاغ الموجود بالفعل ، و " أن " هى المخففة من الثقيلة ، واسمها ضمير الشأن ، والخبر الجملة ، والرسالات عبارة عن الغيب الذى أريد إظهاره لمن ارتضاه الله من رسول . .وقال قتادة : ليعلم محمد أن الرسل قبله قد أبلغوا الرسالة كما بلغ هو ، وفيه حذف تتعلق به اللام ، أى : أخبرناه صلى الله عليه وسلم بحفظنا الوحى ، ليعلم أن الرسل قبله كانوا على حالته من التبليغ بالحق والصدق .وقيل : ليعلم الرسل أن الملائكة قد بلغوا رسالات ربهم . .ويبدو لنا أن عودة الضمير فى " ليعلم " إلى الله - تعالى - هو الأظهر ، أى : ليعلم الله - تعالى - أن رسله قد أبلغوا رسالاته علم مشاهدة كما علمه غيبا ، لأن علم الله بذلك لا يكون إلا على وفق ما وقع . .وهكذا ساقت لنا سورة " الجن " الكثير من الحقائق التى تتعلق بإصلاح العقائد والأخلاق والسلوك والأفكار التى طغى كثير منها على العقول والأفهام . .وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

المزمل 73:1

وقد ذكرالمفسرون عند تفسيرهم لهذه السورة الكريمة روايات منها ما رواه البزار والطبرانى فى الأوسط ، وأبو نعيم فى الدلائل عن جابر - رضى الله عنه - قال : اجتمعت قريش فى دار الندوة فقالوا : سموا هذا الرجل اسما تصدوا الناس عنه فقالوا : كاهن . قالوا : ليس بكاهن . قالوا : مجنون . قالوا : ليس بمجنون . قالوا : ساحر . قالوا : ليس بساحر . . فتفرق المشركون على ذلك . فبلغ ذلك النبى صلى الله عليه وسلم فتزمل فى ثيابه وتدثر فيها ، فأتاه جبريل فقرأ عليه : ( ياأيها المزمل ) ( ياأيها المدثر . . . ) وقيل : إنه صلى الله عليه وسلم كان نائما بالليل متزملا فى قطيفة . . فجاءه جبريل بقوله - تعالى - ( ياأيها المزمل . قُمِ الليل إِلاَّ قَلِيلاً . . ) .وقيل : إن سبب نزول هذه الآيات ما رواه الشيخان وغيرهما من حديث جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " جاورت بحراء ، فلما قضيت جوارى ، هبطت ، فنوديت فنظرت عن يمينى فلم أر شيئا ، ونظرت عن شمالى فلم أر شيئا . . فرفعت رأسى فإذا الذى جاءنى بحراء ، جالس على كرسى بين السماء والأرض . . فرجعت فقلت : دثرونى دثرونى " ، وفى رواية : " فجئت أهلى فقلت : زملونى زملونى ، فأنزل الله - تعالى - : ( ياأيها المدثر . . . ) " .وجمهور العلماء يقولون : وعلى أثرها نزلت : ( ياأيها المزمل . . . ) .و ( المزمل ) : اسم فاعل من تزمل فلان بثيابه ، إذا تلفف فيها ، وأصله المتزمل ، فأدغمت التاء فى الزاى والميم .وافتتح الكلام بالنداء للتنبيه على أهمية ما يلقى على المخاطب من أوامر أو نواه .وفى ندائه صلى الله عليه وسلم بلفظ " المزمل " تلطف معه ، وإيناس لنفسه ، وتحبب إليه ، حتى يزداد نشاطا ، وهو يبلغ رسالة ربه .والمعنى : يأيها المزمل بثيابه ، المتلفف فيه ، رهبة مما رآه من عبدنا جبريل . او هما وغما مما سمعه من المشركين ، من وصفهم له بصفات هو برئ منها .

المزمل 73:2

( قُمِ الليل إِلاَّ قَلِيلاً ) أى : قم الليل متعبدا لربك ، ( إِلاَّ قَلِيلاً ) منه ، على قدر ما تأخذ من راحة لبدنك ، فقوله : ( إِلاَّ قَلِيلاً ) بدل كل من كل ، على سبيل التفصيل بعد الإِجمال . .أى : قم نصف الليل للعبادة لربك ، واجعل النصف الثانى من الليل لراحتك ونومك . .ووصف - سبحانه - هذا النصف الكائن للراحة بالقلة فقال ( إِلاَّ قَلِيلاً ) للإِشعار بأن النصف الآخر ، العامر بالعبادة والصلاة . . هو النصف الأكثر ثوابا وقربا من الله - تعالى - بالنسبة للنصف الثانى المتخذ للراحة والنوم .

المزمل 73:3

وقوله - سبحانه - : ( أَوِ انقص مِنْهُ قَلِيلاً . أَوْ زِدْ عَلَيْهِ . . ) تخيير له صلى الله عليه وسلم فيما يفعله ، وإظهار لما اشتملت عليه شريعة الإِسلام من يسر وسماحة . .فكأنه - تعالى - يقول له على سبيل التلطف والإرشاد إلى ما يشرح صدره - يأيها المتلفف بثيابه ، قم الليل للعبادة والصلاة ، إلا وقتا قليلا منه يكون لراحتك ونومك ، وهذا الوقت القليل المتخذ للنوم والراحة قد يكون نصف الليل ، أو قد يكون أقل من النصف بأن يكون فى حدود ثلث الليل

المزمل 73:4

ولك - أيها الرسول الكريم - أن تزيد على ذلك ، بأن تجعل ثلثى الليل للعبادة ، وثلثه للنوم والراحة ..فأنت ترى أن الله - تعالى - قد رخص لنبيه صلى الله عليه وسلم فى أن يجعل نصف الليل أو ثلثه ، أو ثلثيه للعبادة والطاعة ، وأن يجعل المقدار الباقى من الليل للنوم والراحة . .وخص - سبحانه - الليل بالقيام ، لأنه وقت سكون الأصوات . . فتكون العبادة فيه أكثر خشوعا ، وأدى لصفاء النفس ، وطهارة القلب ، وحسن الصلة بالله - عز وجل - .هذا ، وقد استمر وجوب الليل على الرسول صلى الله عليه وسلم حتى بعد فرض الصلوات الخمس عليه وعلى أمته . تعظيما لشأنه ، ومداومة له على مناجاة ربه ، خصوصا فى الثلث الأخير من الليل ، يدل على ذلك قوله - تعالى - : ( وَمِنَ الليل فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عسى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً ) وقد كان المسلمون يقتدون بالرسول صلى الله عليه وسلم فى قيام الليل وقد أثنى - سبحانه - عليهم بسبب ذلك فى آيات كثيرة منها قوله - تعالى - : ( تتجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ المضاجع يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ . فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ) وقد ذكر الإِمام أحمد حديثا طويلا عن سعيد بن هشام ، وفيه أنه سأل السيدة عائشة عن قيامه صلى الله عليه وسلم بالليل ، فقالت له : ألست تقرأ هذه السورة ، يأيها المزمل . . ؟إن الله افترض قيام الليل فى أول هذه السورة ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حولا حتى انتفخت أقدامهم . وأمسك الله ختامها فى السماء اثنى عشر شهرا ، ثم أنزل التخفيف فى آخر هذه السورة ، فصار قيام الليل تطوعا من بعد فريضة . .قال القرطبى ما ملخصه : واختلف : هل كان قيام الليل فرضا وحتما ، أو كان ندبا وحضا؟ والدلائل تقوى أن قيامه كان حتما وفرضا ، وذلك أن الندب والحض ، لا يقع على بعض الليل دون بعض ، لأن قيامه ليس مخصوصا به وقت دون وقت .واختلف - أيضا - هل كان فرضا على النبى صلى الله عليه وسلم وحده؟ أو عليه وعلى من كان قبله من الأنبياء؟ أو عليه وعلى أمته؟ ثلاثة أقوال . . أصحها ثالثها للحديث المتقدم الذى رواه سعيد بن هشام عن عائشة - رضى الله عنها - .وقال بعض العلماء بعد أن ساق العلماء فى هذه المسألة بشئ من التفصيل : والذى يستخلص من ذلك أن أرجح الأقوال ، هو القول القائل بأن التهجد كانفريضة على النبى صلى الله عليه وسلم وعلى أمته ، إذ هو الذى يمكن أن تأتلف عليه النصوص القرآنية ، ويشهد له ما تقدم من الآثار عن ابن عباس وعائشة وغيرهما .ويرى بعض العلماء أن وجوب التهجد باق على الناس جميعا ، وأنه لم ينسخ ، وإنما الذى نسخ هو وجوب قيام جزء مقدر من الليل ، لا ينقص كثيرا عن النصف .ويرد على هذا القول بما ثبت فى الصحيحين ، من " أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال للرجل الذى سأله عما يجب عليه من صلاة؟ قال : خمس صلوات فى اليوم والليلة . قال : هل على غيرها؟ قال : لا إلا أن تطوع " .ويرى فريق آخر : أن قيام الليل نسخ عن الرسول وعن أمته بآخر سورة المزمل . واستبدل به قراءة القرآن ، على ما يعطيه قوله - تعالى - ( عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ القرآن ) ويدل عليه - أيضا - ظاهر ما روى عن عائشة ، من قولها : فصار قيام الليل تطوعا من بعد الفريضة ، دون أن تقيد ذلك بقيد .ويرى فريق ثالث : أن وجوب التهجد استمر على النبى وعلى الأمة ، حتى نسخ بالصلوات الخمس ليلة المعراج .ويرى فريق رابع : أن قيام الليل نسخ عن الأمة وحدها ، وبقى وجوبه على النبى صلى الله عليه وسلم على ما يعطيه ظاهر آية الإِسراء .ولعل أرجح هذه الأقوال هو القول الرابع . . فإن آية سورة الإِسراء وهى قوله - تعالى - : ( وَمِنَ الليل فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ . . . ) تدل على أن وجوب التهجد قد بقى عليه صلى الله عليه وسلم .وقوله - تعالى - : ( وَرَتِّلِ القرآن تَرْتِيلاً ) إرشاد له صلى الله عليه وسلم ولأمته إلى أفضل طريقة لقراءة القرآن الكريم ، حتى يستمروا عليها ، وهم فى أول عهدهم بنزول القرآن الكريم .والترتيل : جعل الشئ مرتلا ، أى : منسقا منظما ، ومنه قولهم : ثغر مرتل ، أى : منظم الأسنان ، لم يشذ بعضها عن بعض .أى : قم - أيها الرسول الكريم - الليل إلا قليلا منه . . متعبدا لربك مرتلا للقرآن ترتيلا جميلا حسنا ، تستبين معه الكلمات والحروف ، حتى يفهمها السامع ، وحتى يكون ذلك أعون على حسن تدبره ، وأثبت لمعانيه فى القلب . .قال الإِمام ابن كثير : وكذلك كان يقرأ صلى الله عليه وسلم فقد قالت عائشة : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ السورة فيرتلها . . وسئل أنس عن قراءته صلى الله عليه وسلم فقال : كانت مدا . . وقال صلى الله عليه وسلم : " زينوا القرآن بأصواتكم " .وقال عبد الله بن مسعود : لا تنثروه نثر الرمَل ، ولا تهذوه هذَّ الشِّعر وقفوا عند عجائبه وحركوا به القلوب - أى لا تسرعوا فى قراءته كما تسرعوا فى قراءة الشعر .والهذ : سرعة القطع - هذا ، وليس معنى قوله - سبحانه - : ( وَرَتِّلِ القرآن تَرْتِيلاً ) ، أن يقرأ بطريقة فيها تلحين أو تطريب يغير من ألفاظ القرآن ، ويخل بالقراءة الصحيحة من حيث الأداء ، ومخارج الحروف ، والغن والمد ، والإِدغام والإِظهار . . وغير ذلك مما يقتضيه القراءة السليمة للقرآن الكريم .وإنما معنى قوله - تعالى - : ( وَرَتِّلِ القرآن تَرْتِيلاً ) أن يقرأه بصوت جميل وبخشوع وتدبر ، وبالتزام تام للقراءة الصحيحة ، من حيث مخارج الحروف ومن حيث الوقف والمد والإِظهار والإِخفاء ، وغير ذلك . .وقد بسط القول فى هذه المسألة بعض العلماء فارجع إليه إن شئت .

المزمل 73:5

وقوله - تعالى - ( إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً ) تعليل للأمر بقيام الليل ، وهو كلام معترض بين قوله - سبحانه - ( قُمِ الليل . . ) وبين قوله - تعالى - بعد ذلك : ( إِنَّ نَاشِئَةَ الليل . . . ) .والمراد بالقول الثقيل : القرآن الكريم الذى أنزله - سبحانه - على قلب نبيه صلى الله عليه وسلم .ويشهد لثقل القرآن على النبى صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة ، منها : ما رواه الإِمام البخارى من أن السيدة عائشة قالت : ولقد رأيته صلى الله عليه وسلم ينزل عليه الوحى ، فى اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا .ومنها قوله صلى الله عليه وسلم " ما من مرة يوحَى إلى ، إلا ظننت أن نفسى تفيض " - أى : تخرج . .ونمها قول زيد بن ثابت : أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم شئ من القرآن - وفخذه على فخذى فكادت تُرَض فخذى - أى : تتكسر . .ومنها ما رواه هشام بن عروة عن أبيه ، أن النبى صلى الله عليه وسلم كان إذا أوحى عليه وهو على ناقته ، وضعت جرانها - أى باطن عنقها - فما تستطيع أن تتحرك ، حتى يُسَرَّى عنه .أى : قم - أيها الرسول الكريم - الليل إلا قليلا منه متعبدا لربك ، متقربا إليه بألوان الطاعات ، فإنا سنلقى عليك قولا ثقيلا ، وهذا القول هو القرآن الكريم ، الثقيل فى وزنه وفى ميزان الحق ، وفى أثره فى القلوب ، وفيما اشتمل عليه من تكاليف ، وصدق الله إذا يقول : ( لَوْ أَنزَلْنَا هذا القرآن على جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ الله . . . ) قال الجمل : قوله : ( إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً ) أى : كلاما عظيما جليلا ذا خطر وعظمة ، لأنه كلام رب العالمين ، وكل شئ له خطر ومقدار فهو ثقيل .أو هو ثقيل لما فيه من التكاليف ، والوعد والوعيد ، والحلال والحرام ، والحدود والأحكام .قال قتادة : ثقيل والله فى فرائضه وحدوده . . وقال محمد بن كعب : ثقيل على المنافقين ، لأنه يهتك أسرارهم . . وقال السدى : ثقيلا بمعنى كريم ، مأخوذ من قولهم : فلان ثقل علىَّ ، أى كرم على . . وقال ابن المبارك : هو والله ثقيل مبارك ، كما ثقل فى الدنيا ، ثقل فى الميزان يوم القيامة .وقيل : ثقيلا بمعنى أن العقل الواحد لا يفى بإدراك فوائده ومعانيه ، فالمتكلمون غاصوا فى بحار معقولانه ، والفقهاء بحثوا فى أحكامه . . والأولى أن جميع هذه المعانى فيه .وقيل : المراد بالقول الوحى ، كما فى الخبر ، أن النبى صلى الله عليه وسلم كان إذا أوحى إليه ، وهو على ناقته وضعت جرانها - أى : وضعت صدرها على الأرض - فما تستطيع أن تتحرك حتى يسرى عنه . .ويبدو لنا أن وصف القرآن بالثقل وصف حقيقى ، لما ثبت من ثقله على النبى صلى الله عليه وسلم وقت نزوله عليه . . وهذا لا يمنع أن ثقله يشمل ما اندرج فيه من علوم نافعة ، ومن هدايات سامية ، ومن أحكام حكيمة ، ومن آداب قويمة ، ومن تكاليف جليلة الشأن .وعبر - سبحانه - عن إيحائه بالقرآن إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بالإِلقاء للإِشعار بأنه يلقى إليه على غير ترقب منه صلى الله عليه وسلم ، بل ينزل إليه فى الوقت الذى يريده سبحانه - وللإِشارة من أول الأمر إلى ما يوحى إليه شئ عظيم وشديد الوقع على النفس .

المزمل 73:6

ثم بين - سبحانه - بعد ذلك الحكمة من أمره له صلى الله عليه وسلم بقيام الليل إلا قليلا منه للعبادة والطاعة فقال : ( إِنَّ نَاشِئَةَ الليل هِيَ أَشَدُّ وَطْأً وَأَقْوَمُ قِيلاً ) .وقوله : ( نَاشِئَةَ ) : وصف من النشء وهو الحدوث ، وهو صفة لموصوف محذوف . وقوله : ( وَطْأً ) بمعنى مواطأة وموافقة ، وأصل الوطء : وضع الرجل على الأرض بنظام وترتيب ، ثم استعير للموافقة ، ومنه قوله - تعالى - ( لِّيُوَاطِئُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ الله ) ومنه قولهم : وطأت فلانا على كذا ، إذا وافقته عليه . وهو منصوب على التمييز . وقوله : ( قِيلاً ) بمعنى قولا .وقوله : ( وَأَقْوَمُ ) بمعنى أفضل وأنفع .والمعنى : يأيها المزمل قم الليل إلا قليلا منه للعبادة والطاعة . فإن العبادة الناشئة بالليل . هى أشد مواطأة وموافقة لإِصلاح القلب ، وتهذيب النفس ، وأقوم قولا ، وأنفع وقعا ، وأفضل قراءة من عبادة النهار ، لأن العبادة الناشئة بالليل يصحبها ما يصحبها من الخشوع والإِخلاص ، لهدوء الأصوات بالليل ، وتفرغ العابد تفرغا تاما لعبادة ربه .قال الشوكانى ما ملخصه : قوله : ( إِنَّ نَاشِئَةَ الليل . . . ) أى : ساعاته وأوقاته ، لأنها تنشأ أولا فأولا ، ويقال : نشأ الشئ ينشأ ، إذا ابتدأ وأقبل شيئا بعد شئ ، فهو ناشئ . . قال الزجاج : ناشئة الليل ، كل ما نشأ منه ، أى : حدث منه . . والمراد ساعات الليل الناشئة ، فاكتفى بالوصف عن الاسم الموصوف .وقيل : إن ناشئة الليل ، هى النفس التى تنشأ من مضجعها للعبادة ، أى : تنهض ، من نشأ من مكانه ، إذا نهض منه .( هِيَ أَشَدُّ وَطْأً ) قرأ الجمهور ( وَطْأً ) بفتح الواو وسكون الاء مقصورة ، وقرأ بعضهم ( وَطْأً ) بكسر الواو وفتح الطاء ممدودة .والمعنى على القراءة الأولى : أن الصلاة الناشئة فى الليل ، أثقل على المصلى من صلاة النهار ، لأن الليل للنوم .. ومنه قوله صلى الله عليه وسلم " اللهم أشدد وطأتك على مضر " .والمعنى على القراءة الثانية : أنها أشد مواطأة وموافقة بين السمع والبصر والقلب واللسان ، لانقطاع الأصوات والحركات ، ومنه قوله - تعالى - : ( لِّيُوَاطِئُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ الله ) أى : ليوافقوا .( وَأَقْوَمُ قِيلاً ) أى : وأشد مقالا . وأثبت قراءة ، لحضور القلب فيها ، وهدوءالأصوات ، وأشد استقامة واستمرارا على الصواب . .

المزمل 73:7

وقوله - سبحانه - ( إِنَّ لَكَ فِي النهار سَبْحَاً طَوِيلاً ) تقرير للأمر بقيام الليل إلا قليلا منه للعبادة والطاعة والتقرب إليه - سبحانه - .والسبح : مصدر سبح ، وأصله الذهاب فى الماء والتقلب فيه ثم استعير للتقلب والتصرف المتسع ، الذى يشبه حركة السابع فى الماء .أى : إنا أمرناك بقيام الليل للعبادة والطاعة ، لأن لك فى النهار - أيها الرسول الكريم - تقلبا وتصرفا فى مهماتك ، واشتغالا بأعباء الرسالة يجعلك لا تستطيع التفرغ لعبادتنا ، أما فى الليل فتستطيع ذلك لأنه وقت السكون والراحة والنوم .فالمقصود من الآية الكريمة التخفيف والتيسير عليه صلى الله عليه وسلم وبيان الحكمة من أمره بقيام الليل - إلا قليلا منه - للعبادة ، حيث لم يجمع - سبحانه - عليه الأمر بالتهجد فى الليل والنهار ، وإنما يسر عليه الأمر ، فجعله بالليل فحسب ، أما النهار فهو لمطالب الحياة : ولتبليغ رسالته - سبحانه - إلى الناس .

المزمل 73:8

ثم أمره - سبحانه - بعد ذلك بالمداومة على ذكره ليلا ونهارا فقال : ( واذكر اسم رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً . رَّبُّ المشرق والمغرب لاَ إله إِلاَّ هُوَ فاتخذه وَكِيلاً ) .وقوله - سبحانه - ( وَتَبَتَّلْ ) من التبتل ، وهو الاشتغال الدائم بعبادة الله - تعالى - ، والانقطاع لطاعته . ومنه قولهم بتل فلان الحبل ، إذا قطعه ، وارمأة بتول .أى : منقطعة عن الزواج ، ومتفرغة لعبادة الله - تعالى -والمراد به هنا : التفرغ لما يرضى الله - تعالى - ، والاشتغال بذلك عن كل شئ سواه .أى : ودوام - أيها الرسول الكريم - على ذكر الله - تعالى - عن طريق تسبيحه ، وتحميده وتكبيره ، وتفرغ لعبادته وطاعته تفرغا تاما ، دون أن يشغلك عن ذلك شاغل .

المزمل 73:9

فربك - عز وجل - هو ( رَّبُّ المشرق والمغرب ) . أى : هو - سبحانه - رب جهتى الشروق والغروب للشمس .( لاَ إله إِلاَّ هُوَ ) مستحق للعبادة والطاعة ، وما دام الأمر كذلك ( فاتخذه وَكِيلاً ) .أى : فاتخذه وكيلك الذى تفوض إليه أمرك ، وتلجأ إليه فى كل أحوالك . . إذ الوكيل هو الذى توكل إليه الأمور ، ويترك له التصرف فيها .وليس المراد بقوله - تعالى - : ( واذكر اسم رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً ) الانقطاع التام عن الأعمال ، لأن هذا يتنافى مع قوله - تعالى - قبل ذلك : ( إِنَّ لَكَ فِي النهار سَبْحَاً طَوِيلاً ) وإنما المراد التنبيه إلى أنه صلى الله عليه وسلم ينبغى له أن لا يشغله السبح الطويل بالنهار ، عن طاعته - عز وجل - وعن المداومة على مراقبته وذكره .ومما لا شك فيه أن ما كان يقوم به النبى صلى الله عليه وسلم من الاشتغال بأمر الدعوة إلى وحدانية الله - تعالى - ، ومن تعليم الناس العلم النافع ، والعمل الصالح . . كل ذلك يندرج تحت المواظبة على ذكر الله - تعالى - ، وعلى التفرغ لعبادته .وقال - سبحانه - ( وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً ) ولم يقل تبتلا حتى يكون الفعل موافقا لمصدره ، للإِشارة إلى أن التبتل والانقطاع إلى الله يحتاجان إلى عمل اختيارى منه صلى الله عليه وسلم ، بأن يجرد نفسه عن كل ما سوى الله - تعالى - ، وبذلك يحصل التبتل الذى هو أثر للتبتيل ، بمعنى ترويض النفس وتعويدها على العبادة والطاعة .ووصف - سبحانه - ذاته بأنه ( رَّبُّ المشرق والمغرب ) ، لمناسبة الأمر بذكره فى الليل والنهار ، وهما وقت ابتداء طلوع الشمس وغروبها ، فكأنه - سبحانه - يقول : داوم على طاعتى لأنى أنا رب جميع جهات الأرض ، التى فيها تشرق الشمس وتغرب .والمراد بالمشرق والمغرب هنا جنسهما ، فهما صادقان على كل مشرق من مشارق الشمس ، التى هى ثلاثمائة وستون مشرقا - كما يقول العلماء - وعلى كل مغرب من مغاربها التى هى كذلك .والمراد بالمشرقين والمغربين كما جاء فى سورة الرحمن : مشرق ومغرب الشتاء والصيف .والمراد بالمشارق والمغارب كما جاء فى سورة المعارج : مشرق ومغرب كل يوم للشمس والكواكب .

المزمل 73:10

ثم أمر الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك بالصبر الجميل ، على أذى قومه فقال : ( واصبر على مَا يَقُولُونَ واهجرهم هَجْراً جَمِيلاً . . . ) .أى : اجعل يا محمد اعتمادك وتوكلك على وحدى ، واصبر على ما يقوله أعداؤك فى حقك من أكاذيب وخرافات . . واهجرهم هجرا جميلا ، أى : واعتزلهم وابتعد عنهم ، وقاطعهم مقاطعة حسنة ، بحيث لا تقابل السيئة يمثلها ، ولا تزد على هجرهم : بأن تسبهم ، أو ترميهم بالقبيح من القول . .قال الإِمام الرازى ما ملخصه : والمعنى أنك لما اتخذتنى وكيلا فاصبر على ما يقولون ، وفوض أمرهم إلى ، فإنى لما كنت وكيلا لك أقوم بإصلاح أمرك ، أحسن من قيامك بإصلاح نفسك .واعلم أن مهمات العباد محصورة فى أمرين : فى كيفية معاملتهم مع الله ، وقد ذكر - سبحانه - ذلك فى الآيات السابقة ، وفى كيفية معاملتهم مع الخلق ، وقد جمع - سبحانه - كل ما يحتاج إليه فى هذا الباب فى هاتين الكلمتين ، وذلك لأن الإِنسان إما أن يكون مخالطا للناس ، أو مجانبا لهم .فإن كان مخالطا لهم فعليه أن يصبر على إيذائهم . . وإما أن يكون مجانبا لهم ، فعليه أن يهجرهم هجرا جميلا . . بأن يجانبهم بقلبه وهواه ، ويخالفهم فى أفعالهم ، مع المداراة والإِغضاء ..

المزمل 73:11

وقوله - سبحانه - : ( وَذَرْنِي والمكذبين أُوْلِي النعمة وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً ) أى : ودعنى وشأنى مع هؤلاء المكذبين بالحق ، ولا تهتم أنت بأمرهم ، فأنا خالقهم ، وأنا القادر على كل شئ يتعلق بهم .وقوله : ( أُوْلِي النعمة ) وصف لهم جئ به على سبيل التوبيخ لهم ، والتهكم بهم ، حيث جحدوا نعم الله ، وتوهموا أن هذه النعم من مال أو ولد ستنفعهم يوم القيامة .والنَّعمة - بفتح النون مع التشديد - : تطلق على التنعم والترفه وغضارة والعيش فى الدنيا .وأما النِّعمة - بكسر النون - فاسم للحالات الملائمة لرغبة الإِنسان من غنى أو عافية أو نحوهما .وأما النُّعمة - بالضم - فهى اسم المسرة . يقال : فلان فى نُعْمة - بضم النون - أى : فى فرح وسرور .وقوله : ( وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً ) أى : واتركهم ودعهم فى باطلهم وقتا قليلا ، فسترى بعد ذلك سوء عاقبة تكذيبهم للحق .

المزمل 73:12

وقوله - سبحانه - : ( إِنَّ لَدَيْنَآ أَنكَالاً وَجَحِيماً . . ) تعليل لما قبله . والأنكال : جمع نكل - بكسر النون وسكون الكاف - وهو القيد الثقيل ، يوضع فى الرجل لمنع الحركة . وسميت القيود بذلك لأنها تجعل صاحبها موضع عبرة وعظة ، أو لأنها تجعل صاحبها ممنوعا من الحركة ، والتقلب فى مناكب الأرض .أى : إن لدنيا ما هو أشد من ردك عليهم . . وهو تلك القيود التى نقيد حركتهم بها ، وإن لدينا " جحيما " أى : نارا شديدة الاشتعال تلقى بهم فيها .

المزمل 73:13

وإن لدينا كذلك " طعاما ذا غصة " أى : طعاما يلتصق فى الحلوق ، فلا هو خارج منها ، ولا هو نازل عنها ، بل هو ناشب فيها لبشاعته ومرارته .وهذا الطعام ذو الغُصَّة ، يشمل ما يتناولونه من الزقوم ومن الغسلين ومن الضريع ، كما جاء فى فى آيات أخرى . والغصة : ما يَنْشَب فى الحلق من عَظْم أو غيره ، وجمعه غُصَص .وإن لدينا فوق كل ذلك ( وَعَذَاباً أَلِيماً ) أى : عذابا شديد الإِيلام لمن ينزل به .فأنت ترى أن هذه الآية الكريمة قد توعدت هؤلاء المكذبين بألوان من العقوبات الشديدة ، توعدتهم بالقيود التى تشل حركتهم ، وبالنار المشتعلة التى تحرق أجسادهم ، وبالطعام البشع الذى ينشب فى حلوقهم ، وبالعذاب الأليم الذى يشقيهم ويذلهم .

المزمل 73:14

والظرف فى قوله - تعالى - : ( يَوْمَ تَرْجُفُ الأرض والجبال . . . ) منصوب بالاستقرار العامل فى " الدنيا " الذى هو الخبر فى الحقيقة .أى : استقر لهم ذلك العذاب الأليم الدنيا ، يوم القيامة ، يوم تضطرب وتتزلزل الأرض والجبال .( وَكَانَتِ الجبال ) فى هذا اليوم ( كَثِيباً مَّهِيلاً ) أو : رملا مجتمعا ، بعد أن كانت قبل ذلك الوقت أحجارا صلبة كبيرة .فقوله : ( كَثِيباً ) من كثَب الشئَ يَكْثَبه ، إذا جمعه من قرب ثم صبه ، وجمعه كُثُب وكُثبْان ، وهى تلال الرمال المجتمعة كالربوة .وقوله ( مَّهِيلاً ) اسم مفعول من هال الشئ هيلا ، إذا نثره ، وفرقه بعد اجتماعه والشئ المهيل : هو الذى يحرَّك أسفله فينهار أعلاه ويتساقط بسرعة .

المزمل 73:15

ثم يذكر - سبحانه - بعد ذلك هؤلاء المكذبين بما حل بالمكذبين من قبلهم ، فيقول : ( كَمَآ أَرْسَلْنَآ إلى فِرْعَوْنَ رَسُولاً ) للتشبيه ، أى : أرسلنا إليكم - يا أهل مكة - رسولا شاهدا عليكم هو محمد صلى الله عليه وسلم كما أرسلنا من قبلكم إلى فرعون رسولا شاهدا عليه ، هو موسى - عليه السلام - .وأكد الخبر فى قوله - تعالى - : ( إِنَّآ أَرْسَلْنَآ . . . ) لأن المشركين كانوا ينكرون نبوة النبى صلى الله عليه وسلم .ونكر رسولا ، لأنهم كانوا يعرفونه حق المعرفة ، وللتعظيم من شأنه صلى الله عليه وسلم أى : أرسلنا إليكم رسولا عظيم الشأن ، سامى المنزلة جامعا لكل الصفات الكريمة .

المزمل 73:16

والفاء فى قوله : ( فعصى فِرْعَوْنُ الرسول ) للتفريع . أى : أرسلنا إليكم رسولا كما أرسلنا إلأى فرعون رسولا قبل ذلك ، فكانت النتيجة أن عصى فرعون أمر الرسول الذى أرسلناه إليه ، واستهزأ به ، وتطاول عليه فكانت عاقبة هذا التطاول ، أن أخذناه ( أَخْذاً وَبِيلاً ) .أى أهلكنا فرعون إهلاكا شديدا ، وعاقبناه عقابا ثقيلا ، فوبيل بزنة فعيل - صفة مشبهة ، مأخوذة من وَبُل المكان ، إذا وَخُم هواؤه وكان ثقيلا رديئا . ويقال : مرعى وبيل ، إذا كان وخما رديئا .وخص - سبحانه - موسى وفرعون بالذكر ، لأن أخبارهما كانت مشهورة عند أهل مكة .و ( أل ) فى قوله ( فعصى فِرْعَوْنُ الرسول ) للعهد . أى : فعصى فرعون الرسول المعهود عندكم ، وهو موسى - عليه السلام - .قال صاحب الكشاف : فإن قلت : لم نكر الرسول ثم عرف؟ قلت : لأنه أراد : أرسلنا إلى فرعون بعض الرسل ، فلما أعاده وهو معهود بالذكر أدخل لام التعريف . إشارة إلى المذكور بعينه . .وأظهر - سبحانه - اسم فرعون مع تقدم ذكره فقال : ( فعصى فِرْعَوْنُ الرسول ) ، دون أن يؤتى بضميره ، للإِشعار بفظعة هذا العصيان ، وبلوغه النهاية فى الطغيان .والمقصود من هاتين الآيتين ، تهديد المشركين ، بأنهم إذا ما استمروا فى تكذيبهم لرسولهم ، محمد صلى الله عليه وسلم فقد يصيبهم من العذاب ما أصاب فرعون عندما عصى موسى - عليه السلام - .

المزمل 73:17

ثم ذكرهم - سبحانه - بأهوال يوم القيامة ، لعلهم يتعظون أو يرتدعون فقال : ( فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الولدان شِيباً . السَّمَآءُ مُنفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً ) .والاستفهام فى قوله : ( فَكَيْفَ ) مستعمل فى التوبيخ والتعجيز ، و ( تَتَّقُونَ ) بمعنى تصونون أنفسكم من العذاب ، ومعنى ( إِن كَفَرْتُمْ ) إن بقيتم على كفركم وأصررتم عليه . وقوله ( يَوْماً ) : منصوب على أنه مفعول به لقوله : ( تَتَّقُونَ ) .

المزمل 73:18

وقوله : ( السَّمَآءُ مُنفَطِرٌ بِهِ ) صفة ثانية لهذا اليوم .والمراد بالولدان : الأطفار الصغار ، وبه بمعنى فيه . .والمقصود بهاتين الآيتين - أيضا - تأكيد التهديد للمشركين ، حتى يقلعوا عن شركهم وكفرهم . . أى : إذا كان الأمر كما ذكرنا لكم من سوء عاقبة المكذبين ، فكيف تصونون أنفسكم - إذا ما بقيتم على كفركم - من عذاب يوم هائل شديد ، هذا اليوم من صفاته أنه يحول الشعر الشديد السواد للولدان ، إلى شعر شديد البياض ..وهذا اليوم من صفاته - أيضا - أنه لشدة هوله ، أن السماء - مع عظمها وصلابتها - تصير شيئا منفطرا - أى : متشققا ( به ) أى : فيه ، والضمير يعود إلى اليوم . .وصدر - سبحانه - الحديث عن يوم القيامة ، بلفظ الاستفهام " كيف " للإِشعار بشدة هوله . وأنه يعجز الواصفون عن وصفه .ووصف - سبحانه - هذا اليوم بأنه يشيب فيه الولدان ، ثم وصفه بأن السماء مع عظمها تتشقق فيه ، للارتقاء فى الوصف من العظيم إلى الأعظم ، إذ أن تحول شعر الأطفال من السوادإلى البياض - مع شدته وعظمه - أشد منه وأعظم ، انشقاق السماء فى هذا اليوم .قال صاحب الكشاف : وقوله ( يَجْعَلُ الولدان شِيباً ) مثل فى الشدة ، يقال فى اليوم الشديد ، يوم يشيب نواصى الأطفال والأصل فيه أن الهموم والأحزان ، إذا تفاقمت على الإِنسان ، أسرع فيه الشيب ، كما قال أبو الطيب :والهَمُّ يَخْتَرِم الجسيمَ نحافةً ... ويُشِيبُ ناصيةَ الصبى ويُهْرِمويجوز أن يوصف اليوم بالطول ، وأن الأطفال يبلغون فيه أوان الشيخوخة والشيب . وقوله : ( السَّمَآءُ مُنفَطِرٌ بِهِ ) وصف لليوم بالشدة - أيضا - وأن السماء على عظمها وإحكامها تنفطر فيه فما ظنك بغيرها من الخلائق . .ووصف - سبحانه - السماء بقوله : ( مُنفَطِرٌ ) بصيغة التذكير ، حيث لم يقل منفطرة ، لأن هذه الصيغة ، صيغة نسب . أى : ذات انفطار ، كما فى قولهم : امرأة مرضع وحائض ، أى : ذات إرضاع وذات حيض . أو على تأويل أن السماء بمعنى السقف ، كما فى قوله - تعالى - : ( وَجَعَلْنَا السمآء سَقْفاً مَّحْفُوظاً ) أو على أن السماء اسم جنس واحده سماوة ، فيجوم وصفه بالتذكير والتأنيث .وقوله : ( كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً ) الضمير فيه يعود إلى الخالق - عز وجل - والوعد مصدر مضاف لفاعله . أى : كان وعد ربك نافذا ومفعولا ، لأنه - سبحانه - لا يخلف موعوده .ويجوز أن تكون هذه الجملة صفة ثالثة لليوم ، والضمير فى وعده يعود إليه ، ويكون من إضافة المصدر لمفعوله . أى : كان الوعد بوقوع يوم القيامة نافذا ومفعولا .

المزمل 73:19

ثم ختم - سبحانه - هذه التهديدات بقوله : ( إِنَّ هذه تَذْكِرَةٌ فَمَن شَآءَ اتخذ إلى رَبِّهِ سَبِيلاً ) .واسم الإِشارة " هذه " يعود إلى الآيات المتقدمة ، المشتملة على الكثير من القوارع والزواجر .والتذكرة : اسم مصدر بمعنى التذكير والاتعاظ والاعتبار . ومفعول " شاء " محذوف .والمعنى : إن هذه الآيات التى سقناها لكم تذكرة وموعظة ، فمن شاء النجاة من أهوال يوم القيامة ، فعليه أن يؤمن بالله - تعالى - إيمانا حقا ، وأن يتخذ بسبب إيامنه وعمله الصالح ، طريقا وسبيلا إلى ربه ورحمته ومغفرته .والتعبير بقوله : ( فَمَن شَآءَ اتخذ .. . ) ليس من قبيل التخبير ، وإنما المقصود به الحض والحث على سلوك الطريق الموصل إلى الله - تعالى - بدليل قوله - تعالى - قبل ذلك : ( إِنَّ هذه تَذْكِرَةٌ ) أى : هذه الآيات تذكرة وموعظة ، فمن ترك العمل بها ساءت عاقبته ، ولم يكن من الذين سلكوا طريق النجاة .وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : ( وَقُلِ الحق مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ ) هذا ، والمتأمل فى هذه الآيات الكريمة ، - من أول السورة إلى هنا - يراها قد نادت الرسول صلى الله عليه وسلم نداء فيه ما فيه من الملاطفة والمؤانسة ، وأمرته بأن يقوم الليل إلا قليلا متعبدا لربه ، كما أمرته بالصبر على أذى المشركين ، حتى يحكم الله - تعالى - بينه وبينهم .كما يراها قد هددت المكذبين بأشد أنواع التهديد ، وذكرتهم بأهوال يوم القيامة ، وبما حل بالمكذبين من قبلهم ، وحرضتهم على سلوك الطريق المستقيم .

المزمل 73:20

وبعد هذه الإِنذارات المتعددة للمكذبين ، عادت السورة الكريمة إلى الحديث عن قيام الليل لعبادة الله - تعالى - وطاعته . . فقال - سبحانه - :( إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أدنى مِن . . . ) .المراد بالقيام فى قوله - تعالى - : ( إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أدنى مِن ثُلُثَيِ الليل وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ . . . ) التهجد بالليل عن طريق الصلاة تقربا إلى الله - تعالى - .وقوله : ( أدنى ) بمعنى أقرب ، من الدنو بمعنى القرب ، تقول : رأيت فلانا أدنى إلى فعل الخير من فلان . أى : أقرب ، واستعير هنا للأقل ، لأن المسافة التى بين الشئ والشئ إذا قربت كانت قليلة ، وهو منصوب على الظرفية بالفعل " تقوم " .وقوله : ( وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ ) قرأه بعض القراء السبعة بالجر عطفا على ( ثُلُثَيِ الليل ) وقرأه الجمهور بالنصب عطفا على أدنى .والمعنى على قراءة الجمهور : إن ربك - أيها الرسول الكريم - يعلم أنك تقوم من الليل ، مدة قد تصل تارة إلى ثلثى الليل ، وقد تصل تارة أخرى إلى نصفه أو إلى ثلثه . . على حسب ما يتيسر لك ، وعلى حسب أحوال الليل فى الطول والقصر .والمعنى على قراءة غير الجمهور : إن ربك يعلم أنك تقوم تارة أقل من ثلثى الليل وتارة أقل من نصفه ، وتارة أقل من ثلثه . . وذلك لأنك لم تستطع ضبط المقدار الذى تقومه من الليل ضبطا دقيقا ، ولأن النوم تارة يزيد وقته وتارة ينقص ، والله - تعالى - قد رفع عنك المؤاخذة بسبب عدم تعمدك القيام أقل من ثلث الليل . .فالآية الكريمة المقصود منها بيان رحمة الله - تعالى - بنبيه صلى الله عليه وسلم حيث قبل منه قيامه بالليل متهجدا ، حتى ولو كان هذا القيام أقل من ثلث الليل . .وافتتاح الآية الكريمة بقوله - سبحانه - ( إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ . . . ) يشعر بالثناء علريه صلى الله عليه وسلم . وبالتلطف معه فى الخطاب ، حيث إنه صلى الله عليه وسلم كان مواظبا على قيام الليل . على قدر استطاعته ، بدون تقصير أو فتور .وفى الحديث الشريف : أنه صلى الله عليه وسلم قام الليل حتى تورمت قدماه .والتعبير بقوله - تعالى - : ( أدنى مِن ثُلُثَيِ الليل وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ ) يدل على أن قيامه صلى الله عليه وسلم ، وعلى حسب طول الليل وقصره .وقوله - سبحانه - : ( وَطَآئِفَةٌ مِّنَ الذين مَعَكَ ) معطوف على الضمير المستتر فى قوله : ( تقوم )أى : أنت أيها الرسول الكريم - تقوم أدنى من ثلثى الليل ونصفه وثلثه ، وتقوم طائفة من أصحابك للصلاة معك ، أما بقية أصحابك فقد يقومون للتهجد فى منازلهم .روى البخارى فى صحيحه عن عائشة ، " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى ذات ليلة فى المسجد ، فصلى بصلاته ناس ، ثم صلى من القابلة فكثر الناس ، ثم اجتمعوا فى الليلة الثالثة أو الرابعة ، فلم يخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أصبح قال : " قد رأيت الذى صنعتم ، ولم يمنعنى من الخروج إليكم ، إلا أنى خشيت أن تفرض عليكم " " .قال بعض العلماء : قوله : ( وَطَآئِفَةٌ مِّنَ الذين مَعَكَ ) معطوف على الضمير المستكن فى ( تقوم )وهو - وإن كان ضمير رفع متصل - ، قد سوغ العطف عليه الفصل بينه وبين المعطوف .والمعنى : أن الله يعلم أنه كان يقوم كذلك جماعة من الذين آمنوا بك ، واتبعوا هداك . .وقد يقال : إن هذا يدل على أن قيام الليل لم يكن فرضا على جميع الأمة ، وهو خلاف ما تقرر تفسيره فى أول السورة ، ويخالف - أيضا - ما دلت عليه الآثار المتقدمة هناك . .والجواب : أنه ليس فى الآية ما يفيد أن الصحابة - رضوان الله عليهم - كانوا جميعا يصلون مع النبى صلى الله عليه وسلم صلاة التهجد فى جماعة واحدة ، فلعل بعضهم كان يقيمها فى بيته ، فلا ينافى ذلك فريضة القيام على الجميع . .وقوله - سبحانه - : ( والله يُقَدِّرُ الليل والنهار ) بيان لشمول علمه - تعالى - ولنفاذ إرادته . أى : والله - تعالى - وحده ، هو الذى يعلم مقادير ساعات الليل والنهار ، وهو الذى يحدد زمانهما - طولا وقصرا - على حسب ما تقتضيه مشيئته وحكمته .والآية الكريمة تفيد الحصر والاختصاص ، عن طريق سياق الكلام ، ودلالة المقام .وقوله - تعالى - : ( عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ) مؤكد لما قبله ، وإحصاء الأشياء ، عدها والإِحاطة بها .والضمير المنصوب فى قوله : ( تُحْصُوهُ ) يعود على المصدر المفهوم من قوله : ( يقدر ) فى الجملة السابقة .والتوبة فى قوله - سبحانه - : ( فَتَابَ عَلَيْكُمْ ) يصح أن تكون بمعنى المغفرة ، وعدم المؤاخذة ، أو بمعنى قبولها منهم ، والتيسير عليهم فى الأحكام ، وتخفيفها عنهم .أى : والله - تعالى - هو الذى يقدر أجزاء الليل والنهار ، وهو الذى يعلم - دون غيره - أنكم لن تستطيعوا تقدير ساعاته تقديرا دقيقا . . ولذلك خفف الله عنكم فى أمر القيام ، ورفع عنكم المقدار المحدد ، وغفر لكم ما فرط منكم من تقصير غير مقصود ، ورخص لكم أن تقوموا المقدار الذى تستطيعون قيامه من الليل ، مصلين ومتهجدين . .فالجملة الكريمة تقرر جانبا من فضل الله - تعالى - على عباده ، ومن رحمته بهم .والفاء فى قوله - تعالى - : ( فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ القرآن ) للإِفصاح ، والمراد بالقراءة الصلاة ، وعبر عنها بالقراءة ، لأنها من أركانها . . أى : إذا كان الأمر كما وضحت لكم ، فصلوا ما تيسر لكم من الليل .قال الآلوسى : قوله : ( فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ القرآن ) أى : فصلوا ما تيسر لكم من صلاة الليل ، وعبر عن الصلاة بالقراءة كما عبر عنها بسائر أركانها ، وقيل : الكلام على حقيقته ، من طلب قراءة القرآن بعينها وفيه بعد عن مقتضى السياق .ومن ذهب إلى الأول قال : إن الله - تعالى - افترض قيام مقدار معين من الليل ، لقوله :( قُمِ الليل إِلاَّ قَلِيلاً . نِّصْفَهُ . . . ) الخ . ثم نسخ بقيام مقدار ما منه ، فى قوله : ( فَتَابَ عَلَيْكُمْ فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ القرآن . . . ) فالأمر فى الموضعين للوجوب ، إلا أن الواجب أولا كان معينا من معينات ، وثانيا كان بعضا مطلقا ، ثم نسخ وجوب القيام على الأمة مطلقا بالصلوات الخمس .ومن قال بالثانى : ذهب إلى أن الله - تعالى - رخص لهم فى ترك جميع القيام بالصلاة ، وأمر بقراءة شئ من القرآن ليلا ، فكأنه قيل : فتاب عليكم ورخص لكم من الترك ، فاقرءوا ما تيسر من القرآن ، إن شق عليكم القيام . .وقال الإِمام ابن كثير : وقوله : ( فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ القرآن ) أى : من غير تحديد بوقت ، أى : لكن قوموا من الليل ما تيسر ، وعبر عن الصلاة بالقراءة ، كما قال فى آية أخرى : ( وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ ) أى : بقراءتك ( وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا ) وقد استدل الأحناف بهذه الآية على أنه لا يتعين قراءة الفاتحة فى الصلاة ، بل لو قرأ بها أو بغيرها من القرآن ، ولو بآية . أجزأه واعتضدوا بحديث المسئ صلاته الذى فى الصحيحين ، وفيه : " ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن " .وقد أجابهم الجمهور بحديث عبادة بن الصامت ، وهو فى الصحيحين - أيضا - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " كل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن فهى خداج . . غير تمام " وفى صحيح ابن خزيمة عن أبى هريرة مرفوعا : " لا تجزئ صلاة من لم يقرأ بفاتحة الكتاب " .وقوله - سبحانه - بعد ذلك : ( عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُمْ مرضى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأرض يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ الله وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الله فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ . . ) بدل اشتمال من جملة : ( عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ . . ) ، أو هو كلام مستأنف لبيان الحكمة التى من أجلها خفف الله على المسلمين قيام الليل .أى : صلوا من الليل على قدر استطاعتكم من غير تحديد بوقت ، فالله - تعالى - يعلم أنكم لا تستطيعون ضبط ساعات الليل ولا أجزائه ، فخفف عليكم لذلك ، ولعلمه - أيضا - أن منكم المرضى الذين يعجزون عن قيام ثلثى الليل أو نصفه أو أقل من ذلك بقليل .ومنكم - أيضا - الذين ( يَضْرِبُونَ فِي الأرض ) أى : يسافرون فيها للتجارة وللحصول على مطالب الحياة ، وهم فى كل ذلك يبتغون ويطلبون الرزق من فضله - تعالى - . ومنكم - أيضا - الذين يقاتلون من أجل إعلاء كلمة الله ، ويجاهدون من أجل نشر دينه وما دام الأمر كذلك ، فقد أبحت لكم - بفضلى وإحسانى - أن تصلوا من الليل ما تيسر لكم .وقد جمع - سبحانه - بين السعى فى الأرض لطلب الرزق ، وبين الجهاد فى سبيله ، للإِشعار بأن الأول لا يقل فى فضله عن الثانى ، متى توفرت فيه النية الطيبة ، وعدم الانشغال به عن ذكر الله - تعالى - .قال الإِمام القرطبى : سوى الله - تعالى - فى هذه الآية بين درجة المجاهدين والمكتسبين المال والحلال ، للنفقة على النفس والعيال . . فكان هذا دليلا على أن كسب المال بمنزلة الجهاد فى سبيل الله .وفى الحديث الشريف : " ما من جالب يجلب طعاما من بلد إلى بلد ، فيبيعه بسعر يومه ، إلا كانت منزلته عند الله كمنزلة الشهداء ، ثم قرأ صلى الله عليه وسلم هذه الآية . . " .وأعيدت جملة ( فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ ) لتأكيد التيسير والتخفيف وتقريره ، وليعطف عليه ما بعده من بقية الأوامر ، وهى قوله - تعالى - : ( وَأَقِيمُواْ الصلاة ) أى : وأدوها كاملة الأركان والخشوع والسنن . . فى وقتها بدون تأخير .( وَآتُواْ الزكاة ) أى : قدموها لمستحقيها من الفقراء والمساكين وغيرهما .قال ابن كثير : أى : أقيموا الصلاة الواجبة عليكم ، وآتوا الزكاة المفروضة ، وهذا يدل لمن قال : إن فرض الزكاة نزل بمكة ، لكن مقادير النصاب لم تبين إلا بالمدينة . .وقوله : ( وَأَقْرِضُواُ الله قَرْضاً حَسَناً ) . والقرض : ما قدمته لغيرك من مال ، على أن يرده إليك بعد ذلك . والمراد من إقراض الله - تعالى - : إعطاء الفقراء والمساكين ما يحتاجونه على سبيل المعاونة والمساعدة .وشبه - سبحانه - إعطاء الصدقة للمحتاج ، بقرض يقدم له - تعالى - ، للإِشعار بأن ما سيعطى لهذا المحتاج ، سعود إضعافه على المعطى . لأن الله - تعالى - قد وعد أن يكافئ على الصدقة بعشر أمثالها ، وهو - سبحانه - بعد ذلك يضاعف لمن يشاء الثواب والعطاء .ووصف القرض بالحسن ، لحض النفوس على الإخلاص وعلى البعد عن الرياء والأذى . .ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بقوله : ( وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ مِّنْ خَيْرٍ ) أى : أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ، وأقرضوا الله قرضا حسنا ، وافعلوا ما تستطيعونه - بعد ذلك - من وجوه الخير ، وما تقدموا لأنفسكم من هذا الخير الذى يحبه - سبحانه - ( تَجِدُوهُ عِندَ الله ) أى : تجدوا ثوابه وجزاءه عند الله - تعالى - ، ففى الكلام إيجاز بالحذف ، وقد استغنى عن المحذوف بذكر الجزاء عليه . والهاء فى قوله ( تَجِدُوهُ ) هو المفعول الأول .والضمير المنفصل فى قوله : ( هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً ) هو ضمير الفصل . . . ( خَيْراً ) هو المفعول الثانى . أى : كل فعل موصوف بأنه خير ، تقدمونه عن إخلاص لغيركم ، لن يضيع عند الله - تعالى - ثوابه ، بل ستجدون جزاءه وثوابه مضاعفا عند الله - تعالى - .( واستغفروا الله إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) أى : وواظبوا على الاستغفار وعلى التوبة النصوح ، وعلى التضرع إلى الله - تعالى - أن يغفر لكم ما فرط منكم ، فإنه - سبحانه - واسع المغفرة والرحمة ، لمن تاب إليه وأناب . .

المدثر 74:1

قد افتتح الله - تعالى - سورة المدثر ، بالملاطفة والمؤانسة فى النداء والخطاب ، كما افتتح سورة المزمل . والمدثر اسم فاعل من تدثر فلان ، إذا لبس الدثار ، وهو ما كان من الثياب فوق الشعار الذى يلى البدن ، ومنه حديث : " الأنصار شعار والناس دثار " .قال القرطبى : قوله - تعالى - : ( ياأيها المدثر ) ملاطفة فى الخطاب من الكريم إلى الحبيب ، إذ ناداه بحاله ، وعبر عنه بصفته ، ولم يقل يا محمد ويا فلان ، ليستشعر اللين والملاطفة من ربه ، كما تقدم فى سورة المزمل . ومثله قول النبى صلى الله عليه وسلم لِعَلىٍّ إذ نام فى المسجد " قم أبا تراب " .وكان قد خرج مغاضبا لفاطمة - رضى الله عنها - ، فسقط رداؤه وأصابه التراب . ومثله قوله صلى الله عليه وسلم لحذيفة بن اليمان ليلة الخندق " قم يا نومان " .

المدثر 74:2

والمراد بالقيام فى قوله - تعالى - : قم فأنذر ، المسارعة والمبادرة والتصميم على تنفيذ ما أمره - سبحانه - به ، والإِنذار هو الإِخبار الذى يصاحبه التخويف .أى : قم - أيها الرسول الكريم - وانهض من مضجعك ، وبادر بعزيمة وتصميم ، على إنذار الناس وتخويفهم من سوء عاقبتهم ، إذا ما استمروا فى كفرهم ، وبلغ رسالة ربك إليهم دون أن تخشى أحدا منهم ، ومرهم بأن يخلصوا له - تعالى - العبادة والطاعة .والتعبير بالفاء فى قوله : ( فَأَنذِرْ ) للإِشعار بوجوب الإِسراع بهذا الإِنذار بدون تردد .وقال : فأنذر ، دون فبشر ، لأن الإِنذار هو المناسب فى ابتداء تبليغ الناس دعوة الحق حتى يرجعوا عما هم فيه من ضلال .ومفعول أنذر محذوف . أى : قم فأنذر الناس ، ومرهم بإخلاص العبادة لله .

المدثر 74:3

وقوله : ( وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ) أمر آخر له صلى الله عليه وسلم ولفظ ( وَرَبَّكَ ) منصوب على التعظيم لفعل ( كبر ) قدم على عاملة لإِفادة التخصيص .أى : يأيها المدثر بثيابه لخوفه مما رآه من ملك الوحى ، لا تخف ، وقم فأنذر الناس من عذاب الله ، إذا ما استمروا فى شركهم ، واجعل تكبيرهم وتعظيمك وتبجيلك لربك وحده ، دون أحد سواه ، وصفه بما هو أهله من تنزيه وتقديس .

المدثر 74:4

والمراد بتطهير الثياب فى قوله - تعالى - : ( وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ ) أمر بأن تكون ثيابه طاهرة من النجاسات ، لأن طهارة الثياب شرط فى الصلاة ، ولا تصح إلا بها . وهى الأول والأحب فى غير الصلاة . وقبيح بالمؤمن الطيب أن يحمل خبثا .وقيل : هو أمر بتطهير النفس مما يستقذر من الأفعال ، ويستهجن من العادات . يقال : فلان طاهر الثياب ، وطاهر الجيب والذيل والأردان ، إذا وصفوه بالنقاء من المعايب ، ومدانس الأخلاق . ويقال : فلان دنس الثياب : للغادر - والفاجر - ، وذلك لأن الثوب يلابس الإِنسان ، ويشتمل عليه ..وسواء أكانت المراد بالثياب هنا معناها الحقيقى ، أو معناها المجازى المكنى به عن النفس والذات ، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم كان مواظبا على الطهارة الحسية والمعنوية فى كل شئونه وأحواله ، فهو بالنسبة لثيابه كان يطهرها من كل دنس وقذر ، وبالنسبة لذاته ونفسه ، كان أبعد الناس عن كل سوء ومنكر من القول أو الفعل .إلا أننا نميل إلى حمل اللفظ على حقيقته ، لأنه لا يوجد ما يوجب حمله على غير ذلك .

المدثر 74:5

ثم أمره - سبحانه - بأمر رابع فقال : ( والرجز فاهجر ) والأصل فى كلمة الرجز أنها تطلق على العذاب ، قال - تعالى - : ( فَلَماَّ كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرجز إلى أَجَلٍ هُم بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ ) والمراد به هنا : الأصنام والأوثان ، أو المعاصى والمآثم التى يؤدى اقترافها إلى العذاب . أى : ودوام - أيها الرسول الكريم - على ما أنت عليه من ترك عبادة الأصنام والأوثان ، ومن هجر المعاصى والآثام .فالمقصود بهجر الرجز : المداومة على هجره وتركه ، لأنه صلى الله عليه وسلم لم يلتبس بشئ من ذلك .

المدثر 74:6

ثم نهاه - سبحانه - عن فعل ، لا يتناسب مع خلقه الكريم صلى الله عليه وسلم فقال : ( وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ ) والمن : أن يعطى الإِنسان غيره شيئا ، ثم يتباهى به عليه ، والاستكثار : عد الشئ الذى يعطى كثيرا .أى : عليك - أيها الرسول الكريم - أن تبذل الكثير من مالك وفضلك لغيرك ، ولا تظن أن ما أعطيته لغيرك كثيرا - مهما عظم وجل - فإن ثواب الله وعطاءه أكثر وأجزل . .ويصح أن يكون المعنى : ولا تعط غيرك شيئا ، وأنت تتمنى أن يرد لك هذا الغير أكثر مما أعطيته ، فيكون المقصود من الآية : النهى عن تمنى العوض .قال ابن كثير : قوله : ( وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ ) قال ابن عباس : لا تعط العطية تلتمس أكثر منها .وقال الحسن البصرى : لا تمنن بعملك على ربك تستكثره ، وعن مجاهد : لا تضعف أن تستكثر من الخير .وقال ابن زيد : لا تمنن بالنبوة على الناس : تستكثرهم بها ، تأخذ على ذلك عوضا من الدنيا .فهذه أربعة أقوال ، والأظهر القول الأول - المروى عن ابن عباس وغيره - .

المدثر 74:7

وقوله - سبحانه - : ( وَلِرَبِّكَ فاصبر ) أى : وعليك - أيها الرسول الكريم - أن توطن نفسك على الصبر ، على التكاليف التى كلفك بها ربك ، وأن تتحمل الآلام والمشاق فى سبيل دعوة الحق ، بعزيمة صادقة ، وصبر جميل ، وثبات لا يخالطه تردد أو ضعف .فهذه ست وصايا قد اشتملت على ما يرشد إلى التحلى بالعقيدة السليمة ، والأخلاق الكريمة .

المدثر 74:8

ثم ذكر - سبحانه - بعد ذلك جانبا من أهوال يوم القيامة فقال : ( فَإِذَا نُقِرَ فِي الناقور . فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ . عَلَى الكافرين غَيْرُ يَسِيرٍ ) .والفاء فى قوله : ( فَإِذَا نُقِرَ فِي الناقور ) للسببية . والناقور - بزنة فاعول : من النقر ، وهو اسم لما ينقر فيه ، أى : لما ينادى فيه بصوت مرتفع .والمراد به هنا : الصور أو القرن الذين ينفخ فيه إسرافيل بأمر الله - تعالى - النفخة الثانية التى يكون بعدها الحساب والجزاء .

المدثر 74:9

والفاء فى قوله : ( فَذَلِكَ ) واقعة فى جواب ( إذا ) واسم الإِشارة يعود إلى مدلول النقر وما يترتب عليه من حساب وجزاء . وقوله ( يومئذ ) بدل من اسم الإِشارة والتنوين فيه عوض عن جملة وقوله : ( عَسِيرٌ ) و ( غَيْرُ يَسِير ) صفتان لليوم .أى : أنذر - أيها الرسول الكريم - الناس ، وبلغهم رسالة ربك ، واصبر على أذى المشركين ، فإنه إذا نفخ إسرافيل بأمرنا النفخة الثانية ، صار ذلك النفخ وما يترتب عليه من أهوال ، وقتا وزمانا عسير أمره على الكافرين ، وغير يسير وقعه عليهم .ووصف اليوم بالعسير ، باعتبار ما يقع فيه من أحداث يشيب من هولها الولدان .

المدثر 74:10

وقوله : ( غَيْرُ يَسِير ) تأكيد لمعنى ( عَسِيرٌ ) مغن عنه؟ قلت : لما قال ( عَلَى الكافرين ) فقصر العسر عليهم قال : ( غَيْرُ يَسِير ) ليؤذن بأنه لا يكون عليهم كما يكون على المؤمنين يسيرا هينا ، ليجمع بين وعيد الكافرين وزيادة غيظهم ، وبين بشارة المؤمنين وتسليتهم . ويجوز أن يراد أنه عسير لا يرجى أن يرجع يسيرا . كما يرجى تيسير العسير من أمور الدنيا .

المدثر 74:11

ثم ذكر - سبحانه - جانبا من قصة زعيم من زعماء المشركين . افترى الكذب على الله - تعالى - وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم فكانت عاقبته العذاب المهين ، فقال - تعالى - : ( ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً . وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً . وَبَنِينَ شُهُوداً . وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً . ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ . كَلاَّ . . . ) .وقد ذكر المفسرون أن هذه الآيات نزلت فى شأن الوليد بن المغيرة المخزومى ، وذكروا فى ذلك روايات منها : أن المشركين عندما اجتمعوا فى دار الندوة ، ليتشاوروا فيما يقولونه فى شأن الرسول صلى الله عليه وسلم وفى شأن القرآن الكريم - قبل أن تقدم عليهم وفود العرب للحج . فقال بعضهم : هو شاعر ، وقال آخرون بل هو كاهن . . أو مجنون . . وأخذ الوليد يفكر ويرد عليهم ، ثم قال بعد أن فكر وقدر : ما هذا الذى يقوله محمد صلى الله عليه وسلم إلا سحر يؤثر ، أما ترونه يفرق بين الرجل وامرأته ، وبين الأخ وأخيه . .قال الآلوسى : نزلت هذه الآيات فى الوليد بن المغيرة المخزومى ، كما روى عن ابن عباس وغيره . بل قيل : كونها فيه متفق عليه . . وقوله : ( وَحِيداً ) حال من الياء فى ( ذَرْنِي ) أى : ذرنى وحدى معه فأنا أغنيك فى الانتقام منه ، أو من التاء فى خلقت أى : خلقته وحدى ، لم يشركنى فى خلقه أحد ، فأنا أهلكه دون أن أحتاج إلى ناصر فى إهلاكه ، أو من الضمير المحذوف العائد على " مَن " أى : ذرنى ومن خلقته وحيدا فريدا لا مال له ولا ولد .. وكان الوليد يلقب فى قومه بالوحيد . . لتفرده بمزايا ليست فى غيره - فتهكم الله - تعالى - به وبلقبه ، أو صرف هذا اللقب من المدح إلى الذم .أى : اصبر - أيها الرسول الكريم - على ما يقوله أعداؤك فيك من كذب وبهتان ، واتركنى وهذا الذى خلقته وحيدا فريدا لا مال له ولا ولد ثم أعطيته الكثير من النعم ، فلم يشكرنى على ذلك .والتعبير بقوله ( ذَرْنِي ) للتهديد والوعيد ، وهذا الفعل يأتى منه الأمر والمضارع فحسب ، ولم يسمع منه فعل ماض .

المدثر 74:12

وقوله : ( وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً ) أى : وجعلت له مالا كثيرا واسعا ، يمد بعضه بعضا ، فقوله : ( مَّمْدُوداً ) اسم مفعول من " مدَّ " الذى بمعنى أطال بأن شبهت كثرة المال ، بسعة مساحة الجسم .أو من " مدَّ " الذى هو بمعنى زاد فى الشئ من مثله ، ومنه قولهم : مد الوادى النهر ، أى : مده بالماء زيادة على ما فيه .قالوا : وكان الوليد من أغنى أهل مكة ، فقد كانت له أموال كثيرة من الإِبل والغنم والعبيد والبساتين وغير ذلك من أنواع الأموال .

المدثر 74:13

( وَبَنِينَ شُهُوداً ) أى : وجعلت له - بجانب هذا المال الممدود - أولادا يشهدون مجالسة ، لأنهم لا حاجة بهم إلى مفارقته فى سفر أو تجارة ، إذ هم فى غنى عن ذلك بسبب وفرة المال فى أيدى أبيهم .فقوله : ( شُهُوداً ) جمع شاهد بمعى حاضر ، وهو كناية عن كثرة تنعمهم وائتناسه بهم .قيل : كانوا عشرة ، وقيل ثلاثة عشر ، منهم : الوليد ، وخالد ، وعمارة ، وهشام والعاصى ، وعبد شمس .وقد أسلم منهم ثلاثة ، وهم : خالد ، وهشام ، وعمارة .

المدثر 74:14

( وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً ) والتمهيد مصدر مهد ، بمعنى سوى الشئ ، وأزال منه ما يجعله مضطربا متنافرا ، ومنه مهد الصبى . أى : المكان المعد لراحته . والمراد بالتمهيد هنا : تيسير الأمور ، ونفاذ الكلمة ، وجمع وسائل الرياسة له .أى : جعلت له مالا كثيرا ، وأولادا شهودا ، وفضلا عن ذلك ، فقد هيأت له وسائل الراحة والرياسة تهيئة حسنة ، أغنته عن الأخذ والرد مع قومه ، بل صار نافذ الكلمة فيهم بدون عناء أو تعب .فأنت ترى أن هذه الآيات الكريمة قد ذكرت أن الله - تعالى - قد أعطى الوليد بن المغيرة ، جماع ما يحتاجه الإِنسان فى هذه الحياة ، فقد أعطاه المال الوفير ، والبنين الشهود ، والجاه التام الذى وصل إليه بدون جهد أو تعب .

المدثر 74:15

وقوله - سبحانه - : ( ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ ) بيان لما جبل عليه هذا الإِنسان من طمع وشره . . أى : مع إمدادى له بكل هذه النعم ، هو لا يشبع ، بل يطلب المزيد منها لشدة حرصه وطمعه . و " ثم " هنا للاستبعاد والاستنكار والتأنيب ، فهى للتراخى الرتبى ، والجملة معطوفة على قوله - قبل ذلك : " وجعلت ومهدت . . " أى : أعطيته كل هذه النعم ، ثم بعد ذلك هو شره لا يشبع ، وإنما يطلب المزيد منها ثم المزيد .

المدثر 74:16

وقوله : ( إِنَّهُ كان لآيَاتِنَا عَنِيداً ) تعليل للزجر والردع وقطع الرجاء . أى : كلا لن أمكنه مما يريده ويتمناه . . لأنه كان إنسانا شديد المعاندة والإِبطال لآياتنا الدالة على وحدانيتنا ، وعلى صدق رسولنا فيما يبلغه عنا . ومن مظاهر ذلك أنه وصف رسولنا صلى الله عليه وسلم بأنه ساحر . .قال مقاتل : مازال الوليد بعد نزول هذه الآية فى نقص من ماله وولده حتى هلك .

المدثر 74:17

ثم بين - سبحانه - ما أعده له من عذاب أليم فقال : ( سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً ) . والإِرهاق : الإِتعاب الشديد ، وتحميل الإِنسان مالا يطيقه . يقال : فلان رِهِقَه الأمر يرهَقُه ، إذا حل به بقهر ومشقة لا قدرة له على دفعها . ومنه قوله - تعالى - : ( وَلاَ تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً ) وقوله - سبحانه - : ( والذين كَسَبُواْ السيئات جَزَآءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَّا لَهُمْ مِّنَ الله مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِّنَ الليل مُظْلِماً . . . ) والصعود : العقبة الشديدة ، التى لا يصل الصاعد نحوها إلا بمشقة كبيرة ، وتعب قد يؤدى إلى الهلاك والتلف . وهذه الكلمة صيغة مبالغة من الفعل صَعِد .وهذه الآية الكريمة فى مقابل قوله - تعالى - قبل ذلك : ( وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً ) أى : أن هذا الجاه الذى أتاه فى الدنيا بدون تعب . . سيلقى فى الآخرة ما هو نقيضه من تعب وإذلال . .قال صاحب الكشاف : قوله : ( سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً ) أى : سأغشيه عقبة شاقة المصعد .وهو مثل لما يلقى من العذاب الشاق الصعد الذى لا يطاق . وعن النبى صلى الله عليه وسلم " يكلف أن يصعد عقبة فى النار ، كلما وضع عليها يده ذابت ، فإذا رفعها عادت ، وإذا وضع رجله عليها ذابت ، فإذا رفعها عادت " وعنه صلى الله عليه وسلم : " الصعود جبل من نار يصعد فيه سبعين خريفا ثم يهوى فيه كذلك أبدا " .

المدثر 74:18

ثم صور - سبحانه - حال هذا الشقى تصويرا بديعا يثير السخرية منه ومن تفكيره فقال : ( إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ ) أى : إن هذا الشقى ردد فكره وأدراه فى ذهنه ، وقدَّر وهيأ فى نفسه كلاما شنيعا يقوله فى حق الرسول صلى الله عليه وسلم وفى حق القرآن الكريم .يقال : قدَّر فلان الشئ فى نفسه ، إذا هيأه وأعده . .والجملة الكريمة تعليل للوعيد والزجر ، وتقرير لاستحقاقه له ، أو بيان لمظاهر عناده . .

المدثر 74:19

وقوله - سبحانه - : ( فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ . ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ) تعجيب من تفكيره وتقديره ، وذم شديد له على هذا التفكير السَّيِّئ . .أى : إنه فكر مليا ، وهيأ نفسه طويلا للنطق بما يقوله فى حق الرسول صلى الله عليه وسلم وفى قح القرآن ، ( فقتل ) أى : فلعن ، أو عذب ، وهو دعاء عليه ( كَيْفَ قَدَّرَ ) أى : كيف فكر هذا التفكير العجيب البالغ النهاية فى السوء والقبح .

المدثر 74:20

*وقوله : ( ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ) تكرير للمبالغة فى ذمه . والتعجيب من سوء تقديره ، وفى الدعاء عليه باللعن والطرد من رحمته - تعالى - .والعطف بثم لافادة التفاوت فى الرتبة ، وأن الدعاء عليه والتعجيب من حاله فى الجملة الثانية ، أشد منه فى الجملة الأولى .

المدثر 74:21

وقوله - تعالى - بعد ذلك : ( ثُمَّ نَظَرَ . ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ . ثُمَّ أَدْبَرَ واستكبر . . . ) تصوير آخر لحالة هذا الشقى ، يرسم حركات جسده ، وخلجات قلبه ، وتقاطيع وجهه . . رسما بديعا ، يثير فى النفوس السخرية من هذا الشقى .أى : إنه فكر تفكيرا مليا ، وقدر فى نفسه ما سيقوله فى شأن النبى صلى الله عليه وسلم تقديرا طويلا . . ولم يكتف بكل ذلك ، بل فكر وقدر ( ثُمَّ نَظَرَ ) أى : ثم نظرفى وجوه من حوله نظرات يكسوها الجد المصطنع المتكلف ، حتى لكأنه يقول لهم : اسمعوا وعوا لما سأقوله لكم . .

المدثر 74:22

( ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ) أى : ثم قطب ما بين عينيه حين استعصى عليه أن يجد فى القرآن مطعنا ، وكلح وجهه ، وتغير لونه ، وارتعشت أطرافه ، حين ضاقت عليه مذاهب الحيل ، فى أن يجد فى القرآن مطعنا .يقال : عَبسَ فلان يَعْبِسُ عبوسا ، إذا قطب جبينه . وأصله من العبس وهو ما تعلق بأذناب الإِبل من أبوالها وأبعارها بعد أن جف عليها .ويقال : بَسر فلان يَبسُر بسورا ، إذا قبض ما بين عينيه كراهية للشئ .ومنه قوله - تعالى - : ( وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ . تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ ).

المدثر 74:23

( ثُمَّ أَدْبَرَ واستكبر ) أى : ثم إنه بعد هذا التفكير والتقدير ، وبعد هذا العبوس والبسور ، بعد ذلك أدبر على الحق ، واستكبر عن قبوله .

المدثر 74:24

( فقال ) - على سبيل الغرور والجحود - ( فَقَالَ إِنْ هاذآ إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ ) أى : ما هذا القرآن الذى يقرؤه محمد صلى الله عليه وسلم علينا ، إلا سحر مأثور أى : مروى عن الأقدمين ، ومنقول من أقوالهم وكلامهم .

المدثر 74:25

وجملة ( إِنْ هاذآ إِلاَّ قَوْلُ البشر ) بدل مما قبلها ، أى : ما هذا القرآن إلا سحر مأثور عن السابقين ، فهو من كلام البشر ، وليس من كلام الله - تعالى - كما يقول محمد صلى الله عليه وسلم .قال صاحب الكشاف : فإن قلت : ما معنى " ثم " الداخلة فى تكرير الدعاء؟ قلت : الدالة على أن الكرة الثانية أبلغ من الأولى ، ونحوه قوله : ألا يا اسلَمِى ثم اسلَمِى ، ثُمَّتَ اسلمِى .فإن قلت : ما معنى المتوسطة بين الأفعال التى بعدها؟ قلت : الدلالة على أنه قد تأتى فى التأمل والتمهل ، وكأن بين الأفعال المتناسقة تراخيا وتباعدا . .فإن قلت : فلم قيل : ( فَقَالَ إِنْ هاذآ . . . ) بالفاء بعد عطف ما قبله بثم؟ قلت : لأن الكلمة لما خطرت بباله بعد التطلب ، لم يتمالك أن نطق بها من غير تلبث .فإن قلت : فلم لم يوسط حرف العطف بين الجملتين؟ قلت : لأن الأخرى جرت من الأولى مجرى التوكيد من المؤكد .

المدثر 74:26

ثم بين - سبحانه - بعد ذلك الوعيد الشديد الذى توعد به هذا الشقى الأثيم فقال : ( سَأُصْلِيهِ سَقَرَ ) وسقر : اسم لطبقة من طبقات جهنم ، والجملة الكريمة بدل من قوله : ( سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً ) أى : سأحرقه بالنار المتأججة الشديدة الاشتعال .

المدثر 74:27

وقوله : ( وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ ) تهويل من حال هذه النار وتفظيع لشدة حرها .أى : وما أدراك ما حال سقر؟ إن حالها وشدتها لا تستطيع العبارة أن تحيط بها .

المدثر 74:28

وجملة ( لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ ) بدل اشتمال من التهويل الذى أفادته جملة ( وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ )أى : هذه النار لا تبقى شيئا فيها إلا أهلكته ، ولا تترك من يلقى فيها سليما ، بل تمحقه محقا ، وتبلعه بلعا ، وتعيده - بأمر الله تعالى - إلى الحياة مرة أخرى ليزداد من العذاب ، كما قال - تعالى - : ( كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ العذاب . . ).

المدثر 74:29

* وقوله : ( لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ ) صفة ثالثة من صفات سقر .ومعنى : ( لَوَّاحَةٌ ) مُغَيِّرة للبشرَات . مُسَوِّدة للوجوه ، صيغة مبالغة من اللَّوْح بمعنى تغيير الشئ يقال : فلان لوَّحته الشمس ، إذا سَوَّدَتْ ظاهرهَ وأطرافه . والبشر : جمع بشرة وهى ظاهر الجلد .أى : أن هذه النار من صفاتها - أيضا - أنها تغير ألوان الجلود ، فتجعلها مسودة بعد أن كانت على غير هذا اللون ، وأنها لا تنزل بالأجساد من الآلام ما لا يعلمه إلا الله - تعالى - .

المدثر 74:30

وقوله - تعالى - : ( عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ ) أى : على سقر تسعة عشر من الملائكة ، يَلْقَوْن فيها أهلَها . ثم قيل : على جملة النار تسعة عشر من الملائكة هم خزنتها مالك وثمانية عشر ملكا .ويحتمل أن يكون التسعة عشر نقيبا . ويحتمل أن يكون تسعة عشر ملكا بأعيانهم ، وعلى هذا أكثر المفسرين . .

المدثر 74:31

ثم بين - سبحانه - بعد ذلك جانبا من مظاهر قدرته وحكمته ، وابتلائه لعباده بشتى أنواع الابتلاء ، ليتميز قوى الإِيمان من ضعيفه .فقال - تعالى - :( وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَابَ النار إِلاَّ مَلاَئِكَةً . . . ) .قال الإِمام ابن كثير : يقول الله - تعالى - : ( وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَابَ النار ) أى : خزانها ( إِلاَّ مَلاَئِكَةً ) أى : غلاظا شدادا . وذلك رد على مشركى قريش حين ذكر عدد الخزنة . فقال أبو جهل : يا معشر قريش ، أما يستطيع كل عشرة منكم لواحد منهم فتغلبونهم؟ فقال الله - تعالى - :( وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَابَ النار إِلاَّ مَلاَئِكَةً ) أى : شديدى الخلق لا يقاومون ولا يغالبون .وقد قيل : إن أبا الأشد - واسمه : كلدة بن أسيد بن خلف - قال : يا معشر قريش ، اكفونى منهم اثنين وأنا أكفيكم سبعة عشر ، إعجابا منه بنفسه ، وكان قد بلغ من القوة - فيما يزعمون - أنه كان يقف على جلد البقرة ، ويجاذبه عشرة لينتزعوه من تحت قدميه ، فيتمزق الجلد ، ولا يتزحزح عنه . .وقال الجمل فى حاشيته : قال ابن عباس : لما نزلت هذه الآية ( عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ ) قال أبو جهل لقريش : ثكلتكم أمهاتكم! محمد صلى الله عليه وسلم يخبر أن خزنة النار تسعة عشر ، وأنتم الشجعان ، أفيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا بواحد منكم؟فقال أبو الأشد : أنا أكفيكم منهم سبعة عشر ، عشرة على ظهرى ، وسبعة على بطنى .وأكفونى أنتم اثنين . . فأنزل الله - تعالى - : ( وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَابَ النار إِلاَّ مَلاَئِكَةً . . ) .والمقصود من هذه الآية الكريمة الرد على المشركين ، الذين سخروا من النبى صلى الله عليه وسلم عندما عرفوا منه أن على سقر تسعة عشر ملكا يتولون أمرها . .أى : أننا أوجدنا النار لعذاب الكافرين ، وما جعلنا خزنتها إلا من الملائكة الغلاظ الشداد ، الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ، والذين لا قدرة لأحد من البشر على مقاومتهم أو مخالفة أمرهم ، لأنهم أشد بأسا ، وأقوى بطشا من كافة الإِنس والجن . .والاستثناء من عموم الأنواع . أى : وما جعلنا أصحاب النار إلا من نوع الملائكة ، الذين لا قدرة لأحد من البشر على مقاومتهم . .وقوله - سبحانه - : ( وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ ) بيان لحكمة أخرى من ذكر هذا العدد . .والفتنة بمعنى الاختبار والامتحان . تقول : فتنت الذهب بالنار ، أى : اختبرته بها ، لتعلم جودته من رداءته . وقوله : ( إِلاَّ فِتْنَةً ) مفعول ثان لقوله ( جَعَلْنَا ) والكلام على حذف مضاف . .أى : وما جعلنا عدة خزنة النار تسعة عشر ، إلا ليكون هذا العدد سبب فتنة واختبار للذين كفروا ، ولقد زادهم هذا الامتحان والاختبار جحودا وضلالا ، ومن مظاهر ذلك أنهم استهزأوا بالنبى صلى الله عليه وسلم عندما قرأ عليهم القرآن ، فحق عليهم عذابنا ووعيدنا . .قال الإِمام الرازى : وإنما صار هذا العدد سببا لفتنة الكفار من وجهين : الأول أن الكفار كانوا يستهزئون ويقولون : لم لا يكونون عشرين - بدلا من تسعة عشر - وما المقتضى لتخصيص هذا العدد؟والثانى أن الكفار كانوا يقولون : هذا العدد القليل ، كيف يكون وافيا بتعذيب أكثر العالم من الجن والإِنس .. ؟وأجيب عن الأول : بأن هذا السؤال لازم على كل عدد يفرض ، وأفعال الله - تعالى - لا تعلل ، فلا يقال فيها لم كان هذا العدد ، فإن ذكره لحكمة لا يعلمها إلا هو - سبحانه - .وأجيب عن الثانى : بأنه لا يبعد أن الله - تعالى - يعطى ذلك العدد القليل قوة تفى بذلك ، فقد اقتلع جبريل وحده ، مدائن قوم لوط على أحد جناحيه ، ورفعها إلى السماء . . ثم قلبها ، فجعل عاليها سافلها . .- وأيضا - فأحوال القيامة ، لا تقاس بأحوال الدنيا ، وليس للعقل فيها مجال . .وقوله - سبحانه - : ( لِيَسْتَيْقِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب وَيَزْدَادَ الذين آمنوا إِيمَاناً . . . ) علة أخرى ، لذكر هذا العدد . والاستيقان : قوة اليقين ، فالسين والتاء للمبالغة .أى : وما جعلنا عدتهم كذلك - أيضا - إلا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب من اليهود والنصارى ، بأن الرسول صلى الله عليه وسلم صادق فيما يبلغه عن ربه ، إذ أن الكتب السماوية التى بين أيديهم قد ذكرت هذا العدد ، كما ذكره القرآن الكريم ، وإذا ليزداد المؤمنون إيمانا على إيمانهم ، بصدق نبيهم صلى الله عليه وسلم ، إذ أن الإِخبار عن المغيبات عن طريق القرآن الكريم ، من شأنها أن تجعل الإِيمان فى قلوب المؤمنين الصادقين ، يزداد رسوخا وثباتا .قال الإِمام ابن كثير : قوله : ( لِيَسْتَيْقِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب ) أى : يعلمون أن هذا الرسول حق ، فإنه نطق بمطابقة ما بأيديهم من الكتب السماوية المنزلة على الأنبياء قبله . .وقال الآلوسى : وأخرج الترمذى وابن مردويه عن جابر قال : " قال ناس من اليهود ، لأناس من المسلمين : هل يعلم نبيكم عدد خزنة جهنم؟ فأخبروا بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " هكذا وهكذا " فى مرة عشرة . وفى مرة تسعة " .وقال الآلوسى : واستشعر من هذا أن الآية مدنية ، لأن اليهود إنما كانوا فيها ، وهو استشعار ضعيف ، لأن السؤال لصحابى فلعله كان مسافرا فاجتمع بيهودى حيث كان - وأيضا - لا مانع إذ ذاك من إتيان بعض اليهود نحو مكة . .وقوله - تعالى - : ( وَلاَ يَرْتَابَ الذين أُوتُواْ الكتاب والمؤمنون ) معطوف على قوله : ( لِيَسْتَيْقِنَ . . ) وهو مؤكد لما قبله ، من الاستيقان وازدياد الإِيمان ، ونفى لما قد يعترى المستيقن من شبهة عارضة .أى : فعلنا ما فعلنا ليكتسب أهل الكتاب اليقين من نبوته صلى الله عليه وسلم وليزداد المؤمنون إيمانا على إيمانهم . ولتزول كل ريبة أو شبهة قد تطرأ على قلوب الذين أوتوا الكتاب ، وعلى قلوب المؤمنين . .وقوله - سبحانه - : ( وَلِيَقُولَ الذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ والكافرون مَاذَآ أَرَادَ الله بهذا مَثَلاً ) بيان لعلة أخرى لكون خزنة سقر تسعة عشر .أى : ما جعلنا عدتهم كذلك إلا فتنة للذين كفروا ، وإلا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب من صدق الرسول صلى الله عليه وسلم وإلا ليزداد الذين آمنوا إيمانا ، وإلا لنزول الريبة من قلوب الفريقين ، وإلا ليقول الذين فى قلوبهم مرض ، أى : شك وضعف إيمان ، وليقول الكافرون المصرون على التكذيب : ما الأمر الذى أراده الله بهذا المثل ، وهو جعل خزنة سقر تسعة عشر؟ فالمقصود بالاستفهام فى قوله - تعالى - : ( مَاذَآ أَرَادَ الله بهذا مَثَلاً ) الإِنكار . والإِشارة بهذا مرجعها إلى قوله - تعالى - قبل ذلك : ( عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ ) وقوله : ( مثلا ) حال من اسم الإِشارة ، والمراد به العدد السابق . وسموه مثلا لغرابته عندهم . أى : ما الفائدة فى أن تكون عدة خزنة سقر تسعة عشر ، وليسوا أكثر أو أقل؟ وهم يقصدون بذلك نفى أن يكون هذا العدد من عنده - تعالى - .قال الآلوسى : قوله - تعالى - : ( مَاذَآ أَرَادَ الله بهذا مَثَلاً ) أى : أى شئ أراده الله - تعالى - ، أو ما الذى أراده الله - تعالى - بهذا العدد المستغرب استغراب المثل .وعلى الأول تكون ( ماذا ) بمنزلة اسم واحد . . وعلى الثانى : هى مؤلفة من كلمة ( ما ) اسم استفهام مبتدأ ، و ( ذا ) اسم موصول خبره ، والجملة بعده صلة ، والعائد فيها محذوف ، ( ومثلا ) نصب على التمييز أو على الحال . . وعنوا بالإِشارة : التحقير ، وغرضهم : نفى أن يكون ذلك من عند الله - تعالى - . .واسم الإِشارة فى قوله - تعالى - : ( كَذَلِكَ يُضِلُّ الله مَن يَشَآءُ ) يعود إلى ما تضمنه الكلام السابق ، من استيقان أهل الكتاب ، وازدياد المؤمنين إيمانا ، واستنكار الكافرين ومن فى قلوبهم مرض لهذا المثل .أى : مثل ذلك الضلال الحاصل للذين فى قلوبهم مرض للكافرين ، يضل الله - تعالى - من يشاء إضلاله من خلقه ، ومثل ذلك الهدى الحاصل فى قولب المؤمنين ، يهدى الله من يشايء هدايته من عباده ، إذ هو - سبحانه - الخالق لكل شئ ، وهو على كل شئ قدير .ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك ما يخرس ألسنة الكافرين ، الذين أنكروا هذا العدد الذى جعله الله - تعالى - على سقر ، ليتصرف فيها على حسب إرادته - تعالى - ومشيئته ، فقال : ( وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ ) والجنود : جمع جند ، وهو اسم لما يتألف منه الجيش من أفراد .والمراد بهم هنا : مخلوقاته - تعالى - الذين سخرهم لتنفيذ أمره ، وسموا جنودا ، تشبيها لهم بالجنود فى تنفيذ مراده - سبحانه - .أى : وما يعلم عدد جنود ربك - أيها الرسول الكريم - ولا مبلغ قوتهم ، إلا هو - عز وجل - وما هذا العدد الذى ذكرناه لك إلا جزء من جنودنا ، الذين حجبنا علم عددهم وكثرتهم .. عن غيرنا .قال الإِمام ابن كثير : قوله - تعالى - : ( وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ ) أى : وما يعلم عددهم وكثرتهم إلا هو - تعالى - ، لئلا يتوهم متوهم أنماهم تسعة عشر فقط .وقد ثبت فى حديث الإِسراء المروى فى الصحيحين وغيرهما ، " عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال فى صفة البيت المعمور ، الذى فى السماء السابعة : فإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك . . "والضمير فى قوله : ( وَمَا هِيَ إِلاَّ ذكرى لِلْبَشَرِ ) يعود إلى سقر . . أى : وما سقر التى ذكرت لكم أن عليها تسعة عشر ملكا يلون أمرها ، إلا تذكرة وعظة للبشر ، لأن من يتذكر حرها وسعيرها وشدة عذابها . . من شأنه ، أن يخلص العبادة لله - تعالى - ، وأن يقدم فى دنياه العمل الصالح الذى ينفعه فى أخراه .وقيل : الضمير للآيات الناطقة بأحوال سقر . أى : وما هذه الآيات التى ذكرت بشأن سقر وأهوالها إلا ذكرى للبشر .

المدثر 74:32

ثم أبطل - سبحانه - ما أنكره الذين فى قلوبهم مرض ، وما أنكره الكافرون مما جاء به القرآن الكريم ، فقال : ( كَلاَّ والقمر . والليل إِذْ أَدْبَرَ . والصبح إِذَآ أَسْفَرَ . إِنَّهَا لإِحْدَى الكبر . نَذِيراً لِّلْبَشَرِ . لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ ) .و ( كلا ) حرف زجر وردع وإبطال لكلام سابق . والواو فى قوله : ( والقمر ) للقسم والمقسم به ثلاثة أشياء : القمر والليل والصبح ، وجواب القسم قوله : ( إِنَّهَا لإِحْدَى الكبر . . . )أى : كلا ، ليس الأمر كما أنكر هؤلاء الكافرون ، من أن تكون عدة الملائكة الذين على سقر ، تسعة عشر ملكا ، أو من أن تكون سقر مصير هؤلاء الكافرين ، أو من أن فى قدرتهم مقاومة هؤلاء الملائكة .كلا ، ليس الأمر كذلك ، وحق القمر الذى ( قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حتى عَادَ كالعرجون القديم ).

المدثر 74:33

وحق ( والليل إِذْ أَدْبَرَ ) أى : وقت أن ولى ذاهبا بسبب إقبال النهار عليه .

المدثر 74:34

وحق ، ( والصبح إِذَآ أَسْفَرَ ) ، أى : إذا أضاء وابتدأ فى الظهور والسطوع .

المدثر 74:35

والضمير فى قوله - تعالى - : ( إِنَّهَا لإِحْدَى الكبر ) يعود إلى سفر . والكبر : جمع كبرى ، والمراد بها : الأمور العظام ، والخطوب الجسام .أى : إن سقر التى تهكم بها وبخزنتها الكافرون ، لهى إحدى الأمور العظام ، والدواهى الكبار ، التى قل أن يوجد لها نظير أو مثيل فى عظمها وفى شدة عذاب من يصطلى بنارها .وأقسم - سبحانه - بهذه الأمور الثلاثة ، لزيادة التأكيد ، ولإِبطال ما تفوه به الجاحدون ، بأقوى أسلوب .وكان القسم بهذه الأمور الثلاثة ، لأنها تمثل ظهور النور بعد الظلام ، والهداية بعد الضلال ، ولأنها تناسب قوله - تعالى - قبل ذلك : ( كَذَلِكَ يُضِلُّ الله مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ ) .

المدثر 74:36

وانتصب لفظ " نذيرا " من قوله : ( نَذِيراً لِّلْبَشَرِ ) على أنه حال من الضمير فى قوله ( إِنَّهَا لإِحْدَى الكبر ) أى : إن سقر لعظمى العظائم ، ولداهية الدواهى ، حال كونها إنذارا للبشر ، حتى يقلعوا عن كفرهم وفسوقهم ، ويعودوا إلى إخلاص العبادة لخالقهم .ويصح أن يكون تمييزا لإِحدى الكبر ، لما تضمنته من معنى التعظيم ، كأنه قيل : إنها لإِحدى الكبر إنذارا للبشر ، وردعا لهم عن التمادى فى الكفر والضلال . . فالنذير بمعنى الإِنذار .

المدثر 74:37

وقوله - سبحانه - : ( لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ ) بدل مفصل من مجمل ، هذا المجمل هو قوله ( للبشر ) .أى : إن سقر لهى خير منذر للذين إن شاءوا تقدموا إلى الخير ففازوا ، وإن شاءوا تأخروا عنه فهلكوا . فالمراد بالتقدم نحو الطاعة والهداية . والمراد بالتأخر : التأخر عنهما والانحياز نحو الضلال والكفر إذ التقدم تحرك نحو الأمام ، وهو كناية عن قبول الحق ، وبعكسه التأخر . .ويجوز أن يكون المعنى : هى خير نذير لمن شاء منكم التقدم نحوها ، أو التأخر عنها .وتعليق ( نذيرا ) بفعل المشيئة ، للإِشعار بأن عدم التذكر مرجعه إلى انطماس القلب ، واستيلاء المطامع والشهوات عليه ، وللإِيذان بأن من لم يتذكر ، فتبعة تفريطه واقعة عليه وحده ، وليس على غيره .قال الآلوسى : قوله : ( لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ ) الجار والمجرور بدل من الجار والمجرور فيما سبق ، أعنى ( للبشر ) وضمير " شاء " للموصول . أى : نذيرا للمتمكنين منكم من السبق إلى الخير ، والتخلف عنه . وقال السدى : أن يتقدم إلى النار المتقدم ذكرها ، أو يتأخر عنها إلى الجنة ، وقال الزجاج : أن يتقدم إلى المأمورات أو يتأخر عن المنهيات . .

المدثر 74:38

ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهرعدله فى أحكامه : وفى بيان الأسباب التى أدت إلى فوز المؤمنين ، وهلاك الكافرين . . فقال - تعالى - :( كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ . . . ) .قوله - تعالى - : ( رَهِينَةٌ ) خبر عن ( كُلُّ نَفْسٍ ) ، وهو بمعنى مرهونة . أى : كل نفس مرهونة عند الله - تعالى - بكسبها ، مأخوذة بعملها ، فإن كان صالحا أنجاها من العذاب ، وإن كان سيئا أهلكها ، وجعلها محلا للعقاب .قالوا : وإنما كانت مرهونة ، لأن الله - تعالى - جعل تكليف عباده كالدَّين عليهم ، ونفوسهم تحت استيلائه وقهره ، فهى مرهونة ، فمن وفى الذى كلف به ، خلص نفسه من عذاب الله - تعالى - الذين نزل منزلة علامة الرهن ، وهو أخذ فى الدين ، ومن لم يوف عذب .

المدثر 74:39

والاستثناء فى قوله ( إِلاَّ أَصْحَابَ اليمين ) استثناء متصل أى أن كل نفس مرهونة بعملها . . إلا أصحاب اليمين وهم المؤمنين الصادقون.

المدثر 74:40

فإنهم مستقرون ( فِي جَنَّاتٍ ) عالية ( يَتَسَآءَلُونَ . عَنِ المجرمين ) أى : يسأل بعضهم بعضا عن أحوال المجرمين .

المدثر 74:41

فإنهم مستقرون ( فِي جَنَّاتٍ ) عالية ( يَتَسَآءَلُونَ . عَنِ المجرمين ) أى : يسأل بعضهم بعضا عن أحوال المجرمين .وهذا التساؤل إنما يكون قبل أن يروهم ، فإذا ما رأوهم سألوهم بقوله : ( مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ ) أى : قال أصحاب اليمين للمجرمين : ما الذى أدخلكم فى سقر ، وجعلكم وقودا لنارها وسعيرها؟ والسؤال إنما هو على سبيل التوبيخ والتحسير لهؤلاء المجرمين .

المدثر 74:42

وعبر - سبحانه - بقوله : ( مَا سَلَكَكُمْ . . . ) للإِشعار بأن الزج بهم فى سقر ، كان بعنف وقهر ، لأن السلك معناه : إدخال شئ بصعوبة وقسر ، ومنه قوله - تعالى - : ( كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ المجرمين . لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأولين ).

المدثر 74:43

ثم حكى - سبحانه - ما رد به المجرمون على أصحاب اليمين فقال : ( قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ المصلين . وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ المسكين . وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الخآئضين . وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدين . حتى أَتَانَا اليقين ) . أى : قال المجرمون لأصحاب اليمين : الذى أدى بنا إلى الإِلقاء فى سقر ، أننا فى الدنيا لم نقم بأداء الصلاة الواجبة علينا .

المدثر 74:44

ولم نعط المسكين ما يستحقه من عطاء ، بل بخلنا عليه ، وحرمناه حقوقه . .

المدثر 74:45

وكنا - أيضا - فى الدنيا نخوض فى الأقوال السيئة وفى الأفعال الباطلة مع الخائضين فيها ، دون أن نتورع عن اجتناب شئ منها .وأصل الخوض : الدخول فى الماء ، ثم استعير للجدال الباطل ، وللأحاديث التى لا خير من ورائها .

المدثر 74:46

وكنا - أيضا - نكذب بيوم القيامة ، وننكر إمكانه ووقوعه ، وبقينا على هذا الإِنكار والضلال .

المدثر 74:47

( حتى أَتَانَا اليقين ) أى : حتى أدركنا الموت ، ورأينا بأعيننا صدق ما كنا نكذب به .فأنت ترى أن هؤلاء المجرمين قد اعترفوا بأن الإِلقاء بهم فى سقر لم يكن على سبيل الظالم لهم ، وإنما كان بسبب تركهم للصلاة وللإِطعام ، وتعمدهم ارتكاب الباطل من الأقوال والأفعال ، وتكذيبهم بيوم القياة وما فيه من حساب وجزاء .

المدثر 74:48

وقوله - سبحانه - : ( فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشافعين ) حكم منه - سبحانه - عليهم بحرمانهم ممن يشفع لهم أو ينفعهم .أى : أن هؤلاء المجرمين لن تنفعهم يوم القيامة شفاعة أحد لهم ، فيما لو تقدم أحد الشفاعة لهم على سبيل الفرض والتقدير ، وإنما الشفاعة تنفع غيرهم من المسلمين .

المدثر 74:49

والاستفهام فى قوله : ( فَمَا لَهُمْ عَنِ التذكرة مُعْرِضِينَ . كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ . فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ ) للتعجيب من إصرارهم على كفرهم ، ومن إعراضهم عن الحق الذى دعاهم إليه نبيهم صلى الله عليه وسلم .والمراد بالتذكرة : التذكير بمواعظ القرآن وإرشاداته ، والحمر : جمع حمار ، والمرادبه الحمار الوحشى المعروف بشدة نفوره وهروبه إذا ما أحس بحركة المقتنص له .وقوله : ( مُّسْتَنفِرَةٌ ) أى : شديدة النفور والهرب فالسين والتاء للمبالغة .والقسورة : الأسد ، سمى بذلك لأنه يقسر غيره من السباع ويقهرها ، وقيل : القسورة اسم الجماعة الرماة الذين يطاردون الحمر الوحشية ، ولا واحد له من لفظه ، ويطلق هذا اللفظ عند العرب على كل من كان بالغ النهاية فى الضخامة والقوة . من القسر بمعنى القهر . أى : ما الذى حدث لهؤلاء الجاحدين المجرمين ، فجعلهم يصرون إصرارا تاما على الإِعراض عن مواعظ القرآن الكريم ، وعن هداياته وإرشاداته ، وأوامره ونواهيه . . حتى لكأنهم - فى شدة إعراضهم عنه ، ونفورهم منه - حمر وحشية قد نفرت بسرعة وشدة من أسد يريد أن يفترسها ، أو من جماعة من الرماة أعدوا العدة لاصطيادها؟قال صاحب الكشاف : شبههم - سبحانه - فى إعراضهم عن القرآن ، واستماع الذكر والموعظة ، وشرادهم عنه - بحمر جدت فى نفارها مما أفزعها .وفى تشبيههم بالحمر : مذمة ظاهرة ، وتهجين لحالهم بين ، كما فى قوله - تعالى - : ( كَمَثَلِ الحمار يَحْمِلُ أَسْفَاراً ) وشهادة عليهم بالبلة وقلة العقل ، ولا ترى مثل نفار حمير الوحش ، واطرادها فى العدو ، إذا رابها رائب ولذلك كان أكثر تشبيهات العرب ، فى وصف الإِبل ، وشدة سيرها ، بالحمر ، وعدوها إذا وردت ماء فأحست عليه بقانص . .والتعبير بقوله : ( فَمَا لَهُمْ . . . ) وما يشبهه قد كثر استعماله فى القرآن الكريم ، كما فى قوله - تعالى - : ( فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ . . . ) والمقصود منه التعجيب من إصرار المخاطبين على باطلهم ، أو على معتقد من معتقداتهم . . مع أن الشواهد والبينات تدل على خلاف ذلك .وقال - سبحانه - ( عَنِ التذكرة ) بالتعميم ، ليشمل إعراضهم كل شئ يذكرهم بالحق ، ويصرفهم عن الباطل .

المدثر 74:50

والاستفهام فى قوله : ( فَمَا لَهُمْ عَنِ التذكرة مُعْرِضِينَ . كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ . فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ ) للتعجيب من إصرارهم على كفرهم ، ومن إعراضهم عن الحق الذى دعاهم إليه نبيهم صلى الله عليه وسلم .والمراد بالتذكرة : التذكير بمواعظ القرآن وإرشاداته ، والحمر : جمع حمار ، والمرادبه الحمار الوحشى المعروف بشدة نفوره وهروبه إذا ما أحس بحركة المقتنص له .وقوله : ( مُّسْتَنفِرَةٌ ) أى : شديدة النفور والهرب فالسين والتاء للمبالغة .والقسورة : الأسد ، سمى بذلك لأنه يقسر غيره من السباع ويقهرها ، وقيل : القسورة اسم الجماعة الرماة الذين يطاردون الحمر الوحشية ، ولا واحد له من لفظه ، ويطلق هذا اللفظ عند العرب على كل من كان بالغ النهاية فى الضخامة والقوة . من القسر بمعنى القهر . أى : ما الذى حدث لهؤلاء الجاحدين المجرمين ، فجعلهم يصرون إصرارا تاما على الإِعراض عن مواعظ القرآن الكريم ، وعن هداياته وإرشاداته ، وأوامره ونواهيه . . حتى لكأنهم - فى شدة إعراضهم عنه ، ونفورهم منه - حمر وحشية قد نفرت بسرعة وشدة من أسد يريد أن يفترسها ، أو من جماعة من الرماة أعدوا العدة لاصطيادها؟قال صاحب الكشاف : شبههم - سبحانه - فى إعراضهم عن القرآن ، واستماع الذكر والموعظة ، وشرادهم عنه - بحمر جدت فى نفارها مما أفزعها .وفى تشبيههم بالحمر : مذمة ظاهرة ، وتهجين لحالهم بين ، كما فى قوله - تعالى - : ( كَمَثَلِ الحمار يَحْمِلُ أَسْفَاراً ) وشهادة عليهم بالبلة وقلة العقل ، ولا ترى مثل نفار حمير الوحش ، واطرادها فى العدو ، إذا رابها رائب ولذلك كان أكثر تشبيهات العرب ، فى وصف الإِبل ، وشدة سيرها ، بالحمر ، وعدوها إذا وردت ماء فأحست عليه بقانص . .والتعبير بقوله : ( فَمَا لَهُمْ . . . ) وما يشبهه قد كثر استعماله فى القرآن الكريم ، كما فى قوله - تعالى - : ( فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ . . . ) والمقصود منه التعجيب من إصرار المخاطبين على باطلهم ، أو على معتقد من معتقداتهم . . مع أن الشواهد والبينات تدل على خلاف ذلك .وقال - سبحانه - ( عَنِ التذكرة ) بالتعميم ، ليشمل إعراضهم كل شئ يذكرهم بالحق ، ويصرفهم عن الباطل .

المدثر 74:51

والاستفهام فى قوله : ( فَمَا لَهُمْ عَنِ التذكرة مُعْرِضِينَ . كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ . فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ ) للتعجيب من إصرارهم على كفرهم ، ومن إعراضهم عن الحق الذى دعاهم إليه نبيهم صلى الله عليه وسلم .والمراد بالتذكرة : التذكير بمواعظ القرآن وإرشاداته ، والحمر : جمع حمار ، والمرادبه الحمار الوحشى المعروف بشدة نفوره وهروبه إذا ما أحس بحركة المقتنص له .وقوله : ( مُّسْتَنفِرَةٌ ) أى : شديدة النفور والهرب فالسين والتاء للمبالغة .والقسورة : الأسد ، سمى بذلك لأنه يقسر غيره من السباع ويقهرها ، وقيل : القسورة اسم الجماعة الرماة الذين يطاردون الحمر الوحشية ، ولا واحد له من لفظه ، ويطلق هذا اللفظ عند العرب على كل من كان بالغ النهاية فى الضخامة والقوة . من القسر بمعنى القهر . أى : ما الذى حدث لهؤلاء الجاحدين المجرمين ، فجعلهم يصرون إصرارا تاما على الإِعراض عن مواعظ القرآن الكريم ، وعن هداياته وإرشاداته ، وأوامره ونواهيه . . حتى لكأنهم - فى شدة إعراضهم عنه ، ونفورهم منه - حمر وحشية قد نفرت بسرعة وشدة من أسد يريد أن يفترسها ، أو من جماعة من الرماة أعدوا العدة لاصطيادها؟قال صاحب الكشاف : شبههم - سبحانه - فى إعراضهم عن القرآن ، واستماع الذكر والموعظة ، وشرادهم عنه - بحمر جدت فى نفارها مما أفزعها .وفى تشبيههم بالحمر : مذمة ظاهرة ، وتهجين لحالهم بين ، كما فى قوله - تعالى - : ( كَمَثَلِ الحمار يَحْمِلُ أَسْفَاراً ) وشهادة عليهم بالبلة وقلة العقل ، ولا ترى مثل نفار حمير الوحش ، واطرادها فى العدو ، إذا رابها رائب ولذلك كان أكثر تشبيهات العرب ، فى وصف الإِبل ، وشدة سيرها ، بالحمر ، وعدوها إذا وردت ماء فأحست عليه بقانص . .والتعبير بقوله : ( فَمَا لَهُمْ . . . ) وما يشبهه قد كثر استعماله فى القرآن الكريم ، كما فى قوله - تعالى - : ( فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ . . . ) والمقصود منه التعجيب من إصرار المخاطبين على باطلهم ، أو على معتقد من معتقداتهم . . مع أن الشواهد والبينات تدل على خلاف ذلك .وقال - سبحانه - ( عَنِ التذكرة ) بالتعميم ، ليشمل إعراضهم كل شئ يذكرهم بالحق ، ويصرفهم عن الباطل .

المدثر 74:52

وقوله - سبحانه - : ( بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امرىء مِّنْهُمْ أَن يؤتى صُحُفاً مُّنَشَّرَةً ) معطوف على كلام مقدر يقتضيه المقام ، وهو بيان لرذيلة أخرى من رذائلهم الكثيرة .والصحف : جمع صحيفة ، وهى ما يكتب فيها . ومنشره : صفة لها والمراد بها : الصحف المفتوحة غير المطوية . بحيث يقرؤها كل من رآها .وقد ذكروا فى سبب نزول هذه الآية : أن المشركين قالوا للرسول صلى الله عليه وسلم لن نتبعك حتى تأتى لكل واحد منا بكتاب من السماء ، عنوانه : من رب العالمين ، إلى فلان من فلان ، نؤمر فى هذا الكتاب باتباعك .أى : إن هؤلاء الكافرين لا يكتفون بمواعظ القرآن . . بل يريد كل واحد منهم أن يعطى صحفا مفتوحة ، وكتبا غير مطوية ، بحيث يقرؤها كل من يراها . وفيها الأمر من الله - تعالى - لهم بوجوب اتباعهم للرسول صلى الله عليه وسلم .وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : ( أَوْ ترقى فِي السمآء وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ . . ) .

المدثر 74:53

وقوله - سبحانه - ( كَلاَّ بَل لاَّ يَخَافُونَ الآخرة ) إبطال آخر لكلامهم ، وزجر لهم عن هذا الجدال السخيف . أى : كلا ليس الأمر كما أرادوا وزعموا بل الحق أن هؤلاء القوم لا يخافون الآخرة ، وما فيها من حساب وجزاء ، لأنهم لو كانوا يخافون لما اقترحوا تلك المقترحات السخيفة المتعنتة . .

المدثر 74:54

وقوله - تعالى - بعد ذلك ( كَلاَّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ ) زجر آخر مؤكد للزجر السابق . أى : كلا ثم كلا ، لن نمكنهم مما يريدون ، ولن نستجيب لمقترحاتهم السخيفة . . لأن القرآن الكريم فيه التذكير الكافى ، والوعظ الشافى ، لمن هو على استعداد للاستجابة لذلك .فالضمير فى ( إنه ) يعود إلى القرآن ، لأنه معلوم من المقام ، والجملة بمنزلة التعليل للردع عن سؤالهم الذى اقترحوا فيه تنزيل صحف مفتوحة من عند الله - تعالى - تأمرهم باتباع الرسول صلى الله عليه وسلم .

المدثر 74:55

وقوله - سبحانه - : ( فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ ) تفريع عن كون القرآن تذكرة وعظة لمن كان له قلب يفقه ، أو عقل يعقل .أى : إن القرآن الكريم مشتمل على ما يذكر الإنسان بالحق ، وما يهديه إلى الخير والرشد ، فمن شاء أن يتعظ به اتعظ ، ومن شاء أن ينتفع بهداياته انتفع ، ومن شاء أن يذكر أوامره ونواهيه وتكاليفه . . فعل ذلك ، وظفر بما يسعده ، ويشرح صدره .والتعبير بقوله - تعالى - ( فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ ) يشعر بأن تذكر القرآن وحفظه . والعمل بأحكامه وإرشاداته . . فى إمكان كل من كان عنده الاستعداد لذلك .أى : إن التذكر طوع مشيئتكم - أيها الناس - متى كنتم جادين وصادقين ومستعدين لهذا التذكر ، فاعملوا لذلك بدون إبطاء أو تردد . .

المدثر 74:56

ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بما يدل على نفاذ مشيئته وإرادته فقال : ( وَمَا يَذْكُرُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله هُوَ أَهْلُ التقوى وَأَهْلُ المغفرة ) .أى : فمن شاء أن يذكر القرآن وما فيه من مواعظ ذكر ذلك ، ولكن هذا التذكر والاعتبار والاتعاظ . لا يتم بمجرد مشيئتكم ، وإنما يتم فى حال مشيئة الله - تعالى - وإرادته ، فهو - سبحانه - أهل التقوى ، أى : هو الحقيق بأن يتقى ويخاف عذابه ، وهو - عز وجل - " أهل المغفرة " أى : هو - وحده - صاحب المغفرة لذنوب عباده ، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون .فالمقصود من الآية الكريمة ، بيان أن هذا التذكر لمواعظ القرآن ، لا يتم إلا بعد إرادة الله - تعالى - ومشيئة ، لأنه هو الخالق لكل شئ ، وبيان أن مشيئة العباد لا أثر لها إلا إذا كانت موافقة لمشيئة الله ، التى لا يعلمها أحد سواه .أخرج الإِمام أحمد والترمذى والنسائى وابن ماجة عن أنس " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية ( هُوَ أَهْلُ التقوى وَأَهْلُ المغفرة ) فقال : قد قال ربكم أنا أهل أن أتقى فلا يجعل معى إله ، فمن اتقانى فلم يجعل معى إلها آخر ، فأنا أهل أن أغفر له " .

القيامة 75:1

افتتح الله - تعالى - هذه السورة الكريمة بقوله - تعالى - : ( لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ القيامة ) .وللعلماء فى مثل هذا التركيب أقوال منها : أن حرف " لا " هنا جئ به ، لقصد المبالغة فى تأكيد القسم ، كما فى قولهم : لا والله .قال الآلوسى : إدخال " لا " النافية صورة على فعل القسم ، مستفيض فى كلامهم وأشعارهم .ومنه قول امرئ القيس : لا وأبيك يا بنة العامرى . . يعنى : وأبيك .ثم قال : وملخص ما ذهب إليه جار الله فى ذلك ، أن " لا " هذه ، إذا وقعت فى خلال الكلام كقوله - تعالى - ( فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ ) فهى صلة تزاد لتأكيد القسم ، مثلها فى قوله - تعالى - : ( لِّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الكتاب ) لتأكيد العلم . .ومنها : أن " لا " هنا ، جئ بها لنفى ورد كلام المشركين المنكرين ليوم القيامة فكأنه - تعالى - يقول : لا ، ليس الأمر كما زعموا ، ثم قال : أقسم بيوم القيامة الذى يبعث فيه الخلق للجزاء .قال القرطبى : وذلك كقولهم : لا والله لا أفعل . فلا هنا رد لكلام قد مضى ، وذلك كقولك : لا والله إن القيامة لحق ، كأنك أكذبت قوما أنكروها . .ومنها : أن " لا " فى هذا التركيب وأمثاله على حقيقتها للنفى ، والمعنى لا أقسم بيوم القيامة ولا بغيره ، على أن البعث حق ، فإن المسألة أوضح من أن تحتاج إلى قسم .وقد رجح بعض العلماء القول الأول فقال : وصيغة لا أقسم ، صيغة قسم ، أدخل حرف النفى على فعل " أقسم " لقصد المبالغة فى تحقيق حرمة المقسم به ، بحيث يوهم للسامع أن المتكلم يهم أن يقسم به ، ثم يترك القسم مخافة الحنث بالمقسم به فيقول : لا أقسم به ، أى : ولا أقسم بأعز منه عندى . وذلك كنانية عن تأكيد القسم .

القيامة 75:2

والمراد بالنفس اللوامة : النفس التقية المستقيمة التى تلوم ذاتها على ما فات منها ، فهى - مهما أكثرت من فعل الخير - تتمنى أن لو ازدادت من ذلك ، ومهما قللت من فعل الشر ، تمنت - أيضا - أن لو ازدادت من هذا التقليل .قال ابن كثير : عن الحسن البصرى فى هذه الآية : إن المؤمن والله ما نراه إلا يلوم نفسه ، يقول : ما أردت بكلمتى؟ ما أردت بأكلتى؟ . . وإن الفاجر قدما ما يعاتب نفسه .وفى رواية عن الحسن - أيضا - ليس أحد من أهل السموات والأرض إلا يلوم نفسه يوم القيامة .

القيامة 75:3

وجواب القسم يفهم من قوله - تعالى - بعد ذلك : ( أَيَحْسَبُ الإنسان أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ ) . والمراد بالإِنسان : جنسه . أو المراد به الكافر المنكر للبعث . والاستفهام للتوبيخ والتقريع .وقد ذكروا فى سبب نزول هذه الآية أن بعض المشركين قالوا للنبى صلى الله عليه وسلم : يا محمد حدثنى عن يوم القيامة ، فأخبره صلى الله عليه وسلم عنه .فقال المشرك : لو عاينت ذلك اليوم لم أصدقك - يا محمد - أو يجمع الله العظام . فنزلت هذه الآية .والمعنى : أقسم بيوم القيامة الذى لا شك فى وقوعه فى الوقت الذى نشاؤه ، وأقسم بالنفس اللوامة التقية التى تلوم ذاتها على الخير ، لماذا لم تستكثر منه ، وعلى الشر لماذا فعلته ، لنجمعن عظامكم - أيها الناس - ولنبعثنكم للحساب والجزاء .وافتتح - سبحانه - السورة الكريمة بهذا القسم ، للإِيذان بأن ما سيذكر بعده أمر بهم ، من شأن النفوس الواعية أن تستشرف له ، وأن تستجيب لما اشتمل عليه من هدايات وإرشادات .ووصف - سبحانه - النفس باللوامة بصيغة المبالغة للإِشعار بأنها كريمة مستقيمة تكثر من لوم ذاتها ، وتحض صاحبها على المسارعة فى فعل الخيرات .والعظام المراد بها الجسد ، وعبر عنه بها ، لأنه لا يقوم إلا بها ، وللرد على المشركين الذين استبعدوا ذلك ، وقالوا - كما حكى القرآن عنهم - : ( مَن يُحيِي العظام وَهِيَ رَمِيمٌ ).

القيامة 75:4

وقوله - سبحانه - : ( بلى قَادِرِينَ على أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ ) تأكيد لقدرته - تعالى - على إحياء الموتى بعد أن صاروا عظاما نخرة ، وإبطال لنفيهم إحياء العظام وهى رميم .و ( قَادِرِينَ ) حال من فاعل الفعل المقدر بعد بلى . وقوله : ( نُّسَوِّيَ ) من التسوية ، وهى تقويم الشئ وجعله متقنا مستويا ، يقال : سوى فلان الشئ إذا جعله متساويا لا عوج فيه ولا اضطراب .والبنان : جمع بنانة ، وهى أصابع اليدين والرجلين ، أو مفاصل تلك الأصابع وأطرافها .أى : ليس الأمر كما زعم هؤلاء المشركين من أننا لا نعيد الإِنسان إلى الحياة بعد موته للحساب والجزاء ، بل الحق أننا سنجمعه وسنعيده إلى الحياة حالة كوننا قادرين قدرة تامة ، على هذا الجمع لعظامه وجسده ، وعلى جعل أصابعه وأطرافه وأنامله مستوية الخلق ، متقنة الصنع ، كما كانت قبل الموت .وخصت البنان بالذكر ، لأنها أصغر الأعضاء ، وآخر ما يتم به الخلق ، فإذا كان - سبحانه - قادرا على تسويتها مع لطافتها ودقتها ، فهو على غيرها مما هو أكبر منها أشد قدرة .

القيامة 75:5

وقوله - تعالى - ( بَلْ يُرِيدُ الإنسان لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ ) بيان لحال أخرى من أحوال فجور هؤلاء المشركين وطغيانهم ، وانتقال من إنكار الحسبان إلى الإِخبار عن حال هذا الإِنسان .والفجور : يطلق على القول البالغ النهاية فى السوء ، وعلى الفعل القبيح المنكر ، ويطلق على الكذب ، ولذا وصفت اليمين الكاذبة ، باليمين الفاجرة فيكون فجر بمعنى كذب ، وزنا ومعنى .ولفظ " الأمام " يطلق على المكان الذى يكون فى مواجهة الإِنسان ، والمراد به هنا : الزمان المستقبل وهو يوم القيامة ، الذى دل عليه قوله - تعالى - بعد ذلك : ( يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ القيامة ) .

القيامة 75:6

( يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ القيامة )أى : أن هذا الإِنسان المنكر للبعث والحساب لا يريد أن يكف عن إنكاره وكفره ، بل يريد أن يستمر على فجوره وتكذيبه لهذا اليوم بكل إصرار وجحود ، فهو يسأل عنه سؤال استهزاء وتهكم فيقول : ( أَيَّانَ يَوْمُ القيامة ) أى : متى يجئ يوم القيامة هذا الذى تتحدثون عنه - أيها المؤمنون - وتخشون ما فيه من حساب وجزاء؟قال القرطبى : قوله - تعالى - : ( بَلْ يُرِيدُ الإنسان لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ ) قال ابن عباس : يعنى الكافر . يكذب بما أمامه من البعث والحساب . . ودليله ( يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ القيامة ) . أى : يسأل متى يكون؟ على وجه التكذيب والإِنكار ، فهو لا يقنع بما هو فيه من التكذيب . ولكن يأثم لما بين يديه . ومما يدل أن الفجور : التكذيب ، ما ذكره القتبى وغيره ، من أن أعرابيا قصد عمر بن الخطاب ، وشكى إليه نَقْبَ إبله ودَبَرها - أى : مرضها وجربها - وسأله أن يحمله على غيرها فلم يحمله . فقال الأعرابى :أقسم بالله أبو حفص عمر ... ما مسها من نقب ولا دبرفاغفر له اللهم إن كان فجر ... يعنى : إن كان كذبنى فيما ذكرت . .وأعيد لفظ الإِنسان فى هذه الآيات أكثر من مرة ، لأن المقام يقتضى توبيخه وتقريعه ، وتسجيل الظلم والجحود عليه .والضمير فى " أمامه " يجوز أن يعود إلى يوم القيامة . أى : بل يريد الإِنسان ليكذب بيوم القيامة ، الثابت الوقوع فى الوقت الذى يشاؤه الله - عز وجل - .ويجوز أن يعود على الإِنسان ، فيكون المعنى : بل يريد الإِنسان أن يستمر فى فجوره وتكذيبه بيوم القيامة فى الحال وفى المال . أى : أن المراد بأمامه : مستقبل أيامه .وجئ بلفظ " أيان " الدال على الاستفهام للزمان البعيد ، للإِشعار بشدة تكذيبهم ، وإصرارهم على عدم وقوعه فى أى وقت من الأوقات .

القيامة 75:7

ثم ساق - سبحانه - جانبا من أهوال يوم القيامة ، على سبيل التهديد والوعيد لهؤلاء المكذبين .فقال : ( فَإِذَا بَرِقَ البصر . وَخَسَفَ القمر . وَجُمِعَ الشمس والقمر . يَقُولُ الإنسان يَوْمَئِذٍ أَيْنَ المفر ) .و " برق " - بكسر الراء وفتحها - دهش وفزع وتحير ولمع من شدة شخوصه وخوفه .يقال : برق بصر فلان - كفرح ونصر - إذا نظر إلى البرق فدهش وتحير .

القيامة 75:8

والمراد بخسوف القمر : انطماس نوره ، واختفاء ضوئه .

القيامة 75:9

والمراد بجمع الشمس والقمر : اقترانهما ببعضهما بعد افتراقهما واختلال النظام المعهود للكون ، اختلالا تتغير معه معالمة ونظمه .وجواب ( إذا ) قوله : ( يَقُولُ الإنسان ) أى : فإذا برق بصر الإِنسان وتحير من شدة الفزع والخوف ، بعد أن رأى ما كان يكذب به فى الدنيا .والتعريف فى البصر : للاسغراق : إذ أبصار الناس جميعا فى هذا اليوم ، تكون فى حالة فزع ، إلأا أن هذا الفزع يتفاوت بينهم فى شدته .( وَخَسَفَ القمر ) أى : ذهب ضوؤه . وانطمس نوره .( وَجُمِعَ الشمس والقمر ) أى : وقرن بينهما بعد أن كانا متفرقين .والتصقا بعد أن كانا متباعدين ، وغاب ضوؤهما بعد أن كانا منيرين .

القيامة 75:10

( يَقُولُ الإنسان يَوْمَئِذٍ أَيْنَ المفر ) أى : فإذا ما تم كل ذلك ، يقول الإِنسان فى هذا الوقت الذى يبرق فيه البصر ، ويخسف فيه القمر ، ويجمع فيه بين الشمس والقمر : أين المفر . أى : أين الفرار من قضاء الله - تعالى - ومن قدره وحسابه . فالمفر مصدر بمعنى الفرار . . والاستفهام بمعنى التمنى أى : ليت لى مكانا أفر إليه مما أراه .

القيامة 75:11

وقوله - سبحانه - : ( كَلاَّ لاَ وَزَرَ . إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المستقر ) إبطال لهذا التمنى ، ونفى لأن يكون لهذا الإِنسان مهرب من الحساب .والوزر : المراد به الملجأ والمكان الذى يحتمى به الشخص للتوقى مما يخافه ، وأصله ، الجبل المرتفع المنيع ، من الوِزْر وهو الثقل .أى : كلا لا وزر ولا ملجأ لك . أيها الإِنسان - من المثول أمام ربك فى هذا اليوم للحساب والجزاء .

القيامة 75:12

ومهما طال عمرك ، وطال رقادك فى قبرك . . فإلى ربك وحده نهايتك ومستقرك ومصيرك ، فى هذا اليوم الذى لا محيص لك عنه .

القيامة 75:13

وقوله - سبحانه - ( يُنَبَّأُ الإنسان يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ ) بيان لما يحدث له يوم القيامة ، أى : يخبر الإِنسان فى هذا اليوم بما قدم من أعمال حسنة . وبما أخر منها فلم يعملها ، مع أنه كان فى إمكانه أن يعملها ، والمقصود بالآية المجازاة على الأعمال لا مجرد الإِخبار .قال الإِمام ابن كثير : قوله - تعالى - : ( يُنَبَّأُ الإنسان يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ ) أى : يخبر بجميع أعماله قديمها وحديثها أولها وآخرها ، صغيرها وكبيرها ، كما قال - سبحانه - : ( وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِراً وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً ).

القيامة 75:14

ثم أكد - سبحانه - هذا المعنى بقوله : ( بَلِ الإنسان على نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ . وَلَوْ ألقى مَعَاذِيرَهُ ) .والبصيرة هنا بمعنى الحجة الشاهدة عليه ، وهى خبر عن المبتدأ وهو ( الإنسان ) والجار والمجرور متعلق بلفظ بصيرة والهاء فيها للمبالغة ، مثل هاء علامة ونسابة .أى : بل الإِنسان حجة بينة على نفسه ، وشاهدةبما كان منه من الأعمال السيئة ، ولو أدلى بأية حجة يعتذر بها عن نفسه . لم ينفعه ذلك .قال صاحب الكشاف : ( بَصِيرَةٌ ) أى : حجة بينة ، وصفت بالبصارة على المجاز ، كما وصفت الآيات بالإبصار فى قوله : ( فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً ) أو : عين بصيرة والمعنى أنه ينبأ بأعماله ، وإن لم ينبأ ففيه ما يجزئ عن الإِنباء ، لأنه شاهد عليها بما عملت ، لأن جوارحه تنطق بذلك ، كما قال - تعالى - ( يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ )

القيامة 75:15

( وَلَوْ ألقى مَعَاذِيرَهُ ) أى : ولو جاء بكل معذرة يعتذر بها عن نفسه ويجادل عنها .وعن الضحاك : ولو أرخى ستوره ، وقال : المعاذير : الستور ، واحدها معذار ، فإن صح فلأنه يمنع رؤية المحتجب ، كما تمنع المعذرة عقوبة المذنب .فإن قلت : أليس قياس المعذرة أن تجمع لا معاذير؟ قلت : المعاذير ليس بجمع معذرة ، إنما هو اسم جمع لها .ونحوه : المناكير فى المنكر .فالمقصود بهاتين الآيتين : بيان أن الإِنسان لن يستطيع أن يهرب من نتائج عمله مهما حاول ذلك ، لأن جوارحه شاهدة عليه ، ولأن أعذاره لن تكون مقبولة ، لأنها جاءت فى غير وقتها ، كما قال - تعالى - : ( لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ . إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ . فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فاتبع قُرْآنَهُ . ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ) .

القيامة 75:16

( لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ . إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ . فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فاتبع قُرْآنَهُ . ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ) .والضمير فى ( به ) يعود إلى القرآن الكريم المفهوم من المقام . والمراد بقوله : ( لاَ تُحَرِّكْ ) نهيه صلى الله عليه وسلم عن التعجيل فى القراءة .

القيامة 75:17

والمقصود بقوله : قرآنه ، قراءته عليك ، وتثبيته على لسانك وفى قلبك بحيث تقرؤه متى شئت فهو مصدر مضاف لمفعوله .قال الآلوسى : قوله : ( وَقُرْآنَهُ ) أى : إثبات قراءته فى لسانك ، فالقرآن هنا ، وكذا فيما بعده ، مصدر كالرجحان بمعنى القراءة . . مضاف إلى المفعول وقيل : قرآنه ، أى : تأليفه على لسانك . .

القيامة 75:18

أى : لا تتعجل - أيها الرسول الكريم - بقراءة القرآن الكريم عندما تسمعه من أمين وحينا جبريل - عليه السلام - ، بل تريث وتمهل حتى ينتهى من قراءته ثم اقرأ من بعده ، فإننا قد تكفلنا بجمعه فى صدرك وبقراءته عليك عن طريق وحينا ، وما دام الأمر كذلك ، فمتى قرأ عليك جبريل القرآن فاتبع قراءته ولا تسبقه بها .

القيامة 75:19

ثم إن علينا بعد ذلك بيان ما خفى عليك منه ، وتوضيح ما أشكل عليك من معانيه .قال الإِمام ابن كثير ما ملخصه : هذا تعليم من الله - تعالى - لنبيه صلى الله عليه وسلم فى كيفية تلقيه الوحى من الملك ، فإنه كان يبادر إلى أخذه ، ويسابق الملك فى قراءته .روى الشيخان وغيرهما عن ابن عباس قال كان النبى صلى الله عليه وسلم يعالج من التنزيل شدة ، فكان يحرك شفتيه - يريد أن يحفظه مخافة أن يتفلت منه شئ ، أو من شدة رغبته فى حفظه - فأنزل الله - تعالى - هذه الآيات .فأنت ترى أن الله - تعالى - قد ضمن لنبيه صلى الله عليه وسلم أن يجمع له القرآن فى صدره وأن يجريه على لسانه ، بدون أى تحريف أو تبديل ، وأن يوضح له ما خفى عليه منه .قالوا : فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ما نزل عليه الوحى بعد ذلك بالقرآن ، أطرق وأنصت ، وشبيه بهذه الآيات قوله - سبحانه - : ( فتعالى الله الملك الحق وَلاَ تَعْجَلْ بالقرآن مِن قَبْلِ أَن يقضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً ) .

القيامة 75:20

ثم عادت السورة الكريمة مرة أخرى إلى الحديث عن يوم القيامة ، وعن أحوال الناس فيه ، وعن حالة الإِنسان فى وقت الاحتضار ، وعن مظاهر قدرته - تعالى - وعن حكمته فى البعث والحساب والجزاء ، فقال - سبحانه - :( كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ . . . ) . .قوله - سبحانه - ( كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ العاجلة . وَتَذَرُونَ الآخرة ) بيان لما جبل عليه كثير من الناس ، من إيثارهم منافع الدنيا الزائلة ، على منافع الآخرة الباقية ، وزجر ونهى لهم عن سلوك هذا المسلك ، الذى يدل على قصر النظر ، وضعف التفكير .أى : كلا - أيها الناس - ليس الرشد فى أن تتركوا العمل الصالح الذى ينفعكم يوم القيامة ، وتعكفوا على زينة الحياة الدنيا العاجلة . . بل الرشد كل الرشد فى عكس ذلك ، وهو أن تأخذوا من دنياكم وعاجلتكم ما ينفعكم فى آخرتكم ، كما قال - سبحانه - : ( وابتغ فِيمَآ آتَاكَ الله الدار الآخرة وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدنيا ) وشبيه بهاتين الآيتين قوله - تعالى - : ( إِنَّ هؤلاء يُحِبُّونَ العاجلة وَيَذَرُونَ وَرَآءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً ) .

القيامة 75:21

ثم عادت السورة الكريمة مرة أخرى إلى الحديث عن يوم القيامة ، وعن أحوال الناس فيه ، وعن حالة الإِنسان فى وقت الاحتضار ، وعن مظاهر قدرته - تعالى - وعن حكمته فى البعث والحساب والجزاء ، فقال - سبحانه - :( كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ . . . ) . .قوله - سبحانه - ( كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ العاجلة . وَتَذَرُونَ الآخرة ) بيان لما جبل عليه كثير من الناس ، من إيثارهم منافع الدنيا الزائلة ، على منافع الآخرة الباقية ، وزجر ونهى لهم عن سلوك هذا المسلك ، الذى يدل على قصر النظر ، وضعف التفكير .أى : كلا - أيها الناس - ليس الرشد فى أن تتركوا العمل الصالح الذى ينفعكم يوم القيامة ، وتعكفوا على زينة الحياة الدنيا العاجلة . . بل الرشد كل الرشد فى عكس ذلك ، وهو أن تأخذوا من دنياكم وعاجلتكم ما ينفعكم فى آخرتكم ، كما قال - سبحانه - : ( وابتغ فِيمَآ آتَاكَ الله الدار الآخرة وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدنيا ) وشبيه بهاتين الآيتين قوله - تعالى - : ( إِنَّ هؤلاء يُحِبُّونَ العاجلة وَيَذَرُونَ وَرَآءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً ) .

القيامة 75:22

ثم بين - سبحانه - حال السعداء والأشقياء يوم القيامة فقال : ( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ . إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ . وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ . تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ ) .وقوله : ( ناضرة ) اسم فاعل من النَّضْرة - بفتح النون المشددة وسكون الضاد - وهى الجمال والحسن . تقول : وجه نضير ، إذا كان حسنا جميلا .وقوله : ( باسرة ) من البسور وهو شدة الكلوح والعبوس ، ومنه قوله - تعالى - ( ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ) يقال : بسَر فلان يبسُر بسُورا ، إذا قبض ما بين عينيه كراهية للشئ الذى يراه .والفاقرة : الداهية العظمية التى لشدتها كأنها تقصم فقار الظهر . يقال : فلان فقرته الفاقرة ، أى : نزلت به مصيبة شديدة أقعدته عن الحركة ، وأصل الفَقْر : الوسم على أنف البعير بحديدة أو نار حتى يخلُصَ إلى العظم أو ما يقرب منه .والمراد بقوله : ( يومئذ ) : يوم القيامة الذى تكرر ذكره فى السورة أكثر من مرة .والجملة المقدرة المضاف إليها " إذ " والمعوض عنها بالتنووين تقديرها يوم إذ برق البصر .والمعنى : يوم القيامة ، الذى يبرق فيه البصر ، ويخسف القمر . . تصير وجوه حسنة مشرقة ، ألا وهى وجوه المؤمنين الصادقين . .وهذه الوجوه تنظر إلى ربها فى هذا اليوم نظرة سرور وحبور ، بحيث تراه - سبحانه - على ما يليق بذاته ، وكما يريد أن تكون رؤيته - عز وجل - بلا كيفية ، ولا جهة ، ولا ثبوت مسافة .وهناك وجوه أخرى تصير فى هذا اليوم كالحة شديدة العبوس ، وهى وجوه الكافرين والفاسقين عن أمر ربهم ، وهذه الوجوه ( تَظُنُّ ) أى : تعتقد أو تتوقع ، أن يفعل بها فعلا يهلكها ، ويقصم ظهورها لشدته وقسوته .وجاء لفظ " وجوه " فى الموضعين منكرا ، للتنويع والتقسيم ، كما فى قوله - تعالى - ( فَرِيقٌ فِي الجنة وَفَرِيقٌ فِي السعير ) وكما فى قول الشاعر :فيوم علينا ويوم لنا ... ويوم نُسَاءُ ويوم نُسَروقد أخذ العلماء من قوله - تعالى - : ( إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ) أن الله - تعالى - يتكرم على عباده المؤمنين فى هذا اليوم ، فيربهم ذاته بالكيفية التى يريدها - سبحانه - .ومنهم من فسر ( نَّاضِرَةٌ ) بمعنى منتظرة ، أى : منتظرة ومتوقعة ما يحكم الله - تعالى - به عليها .قال الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآيات : وقد ثبتت رؤية المؤمنين لله - عز وجل - فى الدار الآخرة ، فى الأحاديث الصحاح ، من طرق متواترة عند أئمة الحديث ، لا يمكن دفعها ولا منعها . لحديث أبى سعيد وأبى هريرة - وهما فى الصحيحين - " أن ناسا قالوا : يا رسول الله ، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال : " هل تضارون فى رؤية الشمس والقمر ليس دونهما سحاب " قالوا : لا ، قال : " فإنكم ترون ربكم كذلك " " .وفى الصحيحين عن جرير بن عبد الله قال : " نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى القمر ليلة البدر فقال : " إنكم ترون ربكم كما ترون هذا القمر " " .ثم قال ابن كثير - رحمه الله - : وهذا - بحمد الله - مجمع عليه بين الصحابة والتابعين وسلف هذه الأمة . كما هو متفق عليه بين أئمة الإِسلام ، وهداة الأنام .ومن تأول ( إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ) فقال : تنتظر الثواب من ربها . . فقد أبعد هذا القائل النجعة ، وأبطل فيما ذهب إليه . وأين هو من قوله - تعالى - ( كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ ) قال الشافعى : ما حجَب الفجار إلا وقد علم أن الأبرار يرونه - عز وجل - .

القيامة 75:23

ثم بين - سبحانه - حال السعداء والأشقياء يوم القيامة فقال : ( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ . إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ . وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ . تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ ) .وقوله : ( ناضرة ) اسم فاعل من النَّضْرة - بفتح النون المشددة وسكون الضاد - وهى الجمال والحسن . تقول : وجه نضير ، إذا كان حسنا جميلا .وقوله : ( باسرة ) من البسور وهو شدة الكلوح والعبوس ، ومنه قوله - تعالى - ( ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ) يقال : بسَر فلان يبسُر بسُورا ، إذا قبض ما بين عينيه كراهية للشئ الذى يراه .والفاقرة : الداهية العظمية التى لشدتها كأنها تقصم فقار الظهر . يقال : فلان فقرته الفاقرة ، أى : نزلت به مصيبة شديدة أقعدته عن الحركة ، وأصل الفَقْر : الوسم على أنف البعير بحديدة أو نار حتى يخلُصَ إلى العظم أو ما يقرب منه .والمراد بقوله : ( يومئذ ) : يوم القيامة الذى تكرر ذكره فى السورة أكثر من مرة .والجملة المقدرة المضاف إليها " إذ " والمعوض عنها بالتنووين تقديرها يوم إذ برق البصر .والمعنى : يوم القيامة ، الذى يبرق فيه البصر ، ويخسف القمر . . تصير وجوه حسنة مشرقة ، ألا وهى وجوه المؤمنين الصادقين . .وهذه الوجوه تنظر إلى ربها فى هذا اليوم نظرة سرور وحبور ، بحيث تراه - سبحانه - على ما يليق بذاته ، وكما يريد أن تكون رؤيته - عز وجل - بلا كيفية ، ولا جهة ، ولا ثبوت مسافة .وهناك وجوه أخرى تصير فى هذا اليوم كالحة شديدة العبوس ، وهى وجوه الكافرين والفاسقين عن أمر ربهم ، وهذه الوجوه ( تَظُنُّ ) أى : تعتقد أو تتوقع ، أن يفعل بها فعلا يهلكها ، ويقصم ظهورها لشدته وقسوته .وجاء لفظ " وجوه " فى الموضعين منكرا ، للتنويع والتقسيم ، كما فى قوله - تعالى - ( فَرِيقٌ فِي الجنة وَفَرِيقٌ فِي السعير ) وكما فى قول الشاعر :فيوم علينا ويوم لنا ... ويوم نُسَاءُ ويوم نُسَروقد أخذ العلماء من قوله - تعالى - : ( إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ) أن الله - تعالى - يتكرم على عباده المؤمنين فى هذا اليوم ، فيربهم ذاته بالكيفية التى يريدها - سبحانه - .ومنهم من فسر ( نَّاضِرَةٌ ) بمعنى منتظرة ، أى : منتظرة ومتوقعة ما يحكم الله - تعالى - به عليها .قال الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآيات : وقد ثبتت رؤية المؤمنين لله - عز وجل - فى الدار الآخرة ، فى الأحاديث الصحاح ، من طرق متواترة عند أئمة الحديث ، لا يمكن دفعها ولا منعها . لحديث أبى سعيد وأبى هريرة - وهما فى الصحيحين - " أن ناسا قالوا : يا رسول الله ، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال : " هل تضارون فى رؤية الشمس والقمر ليس دونهما سحاب " قالوا : لا ، قال : " فإنكم ترون ربكم كذلك " " .وفى الصحيحين عن جرير بن عبد الله قال : " نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى القمر ليلة البدر فقال : " إنكم ترون ربكم كما ترون هذا القمر " " .ثم قال ابن كثير - رحمه الله - : وهذا - بحمد الله - مجمع عليه بين الصحابة والتابعين وسلف هذه الأمة . كما هو متفق عليه بين أئمة الإِسلام ، وهداة الأنام .ومن تأول ( إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ) فقال : تنتظر الثواب من ربها . . فقد أبعد هذا القائل النجعة ، وأبطل فيما ذهب إليه . وأين هو من قوله - تعالى - ( كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ ) قال الشافعى : ما حجَب الفجار إلا وقد علم أن الأبرار يرونه - عز وجل - .

القيامة 75:24

ثم بين - سبحانه - حال السعداء والأشقياء يوم القيامة فقال : ( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ . إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ . وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ . تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ ) .وقوله : ( ناضرة ) اسم فاعل من النَّضْرة - بفتح النون المشددة وسكون الضاد - وهى الجمال والحسن . تقول : وجه نضير ، إذا كان حسنا جميلا .وقوله : ( باسرة ) من البسور وهو شدة الكلوح والعبوس ، ومنه قوله - تعالى - ( ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ) يقال : بسَر فلان يبسُر بسُورا ، إذا قبض ما بين عينيه كراهية للشئ الذى يراه .والفاقرة : الداهية العظمية التى لشدتها كأنها تقصم فقار الظهر . يقال : فلان فقرته الفاقرة ، أى : نزلت به مصيبة شديدة أقعدته عن الحركة ، وأصل الفَقْر : الوسم على أنف البعير بحديدة أو نار حتى يخلُصَ إلى العظم أو ما يقرب منه .والمراد بقوله : ( يومئذ ) : يوم القيامة الذى تكرر ذكره فى السورة أكثر من مرة .والجملة المقدرة المضاف إليها " إذ " والمعوض عنها بالتنووين تقديرها يوم إذ برق البصر .والمعنى : يوم القيامة ، الذى يبرق فيه البصر ، ويخسف القمر . . تصير وجوه حسنة مشرقة ، ألا وهى وجوه المؤمنين الصادقين . .وهذه الوجوه تنظر إلى ربها فى هذا اليوم نظرة سرور وحبور ، بحيث تراه - سبحانه - على ما يليق بذاته ، وكما يريد أن تكون رؤيته - عز وجل - بلا كيفية ، ولا جهة ، ولا ثبوت مسافة .وهناك وجوه أخرى تصير فى هذا اليوم كالحة شديدة العبوس ، وهى وجوه الكافرين والفاسقين عن أمر ربهم ، وهذه الوجوه ( تَظُنُّ ) أى : تعتقد أو تتوقع ، أن يفعل بها فعلا يهلكها ، ويقصم ظهورها لشدته وقسوته .وجاء لفظ " وجوه " فى الموضعين منكرا ، للتنويع والتقسيم ، كما فى قوله - تعالى - ( فَرِيقٌ فِي الجنة وَفَرِيقٌ فِي السعير ) وكما فى قول الشاعر :فيوم علينا ويوم لنا ... ويوم نُسَاءُ ويوم نُسَروقد أخذ العلماء من قوله - تعالى - : ( إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ) أن الله - تعالى - يتكرم على عباده المؤمنين فى هذا اليوم ، فيربهم ذاته بالكيفية التى يريدها - سبحانه - .ومنهم من فسر ( نَّاضِرَةٌ ) بمعنى منتظرة ، أى : منتظرة ومتوقعة ما يحكم الله - تعالى - به عليها .قال الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآيات : وقد ثبتت رؤية المؤمنين لله - عز وجل - فى الدار الآخرة ، فى الأحاديث الصحاح ، من طرق متواترة عند أئمة الحديث ، لا يمكن دفعها ولا منعها . لحديث أبى سعيد وأبى هريرة - وهما فى الصحيحين - " أن ناسا قالوا : يا رسول الله ، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال : " هل تضارون فى رؤية الشمس والقمر ليس دونهما سحاب " قالوا : لا ، قال : " فإنكم ترون ربكم كذلك " " .وفى الصحيحين عن جرير بن عبد الله قال : " نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى القمر ليلة البدر فقال : " إنكم ترون ربكم كما ترون هذا القمر " " .ثم قال ابن كثير - رحمه الله - : وهذا - بحمد الله - مجمع عليه بين الصحابة والتابعين وسلف هذه الأمة . كما هو متفق عليه بين أئمة الإِسلام ، وهداة الأنام .ومن تأول ( إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ) فقال : تنتظر الثواب من ربها . . فقد أبعد هذا القائل النجعة ، وأبطل فيما ذهب إليه . وأين هو من قوله - تعالى - ( كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ ) قال الشافعى : ما حجَب الفجار إلا وقد علم أن الأبرار يرونه - عز وجل - .

القيامة 75:25

ثم بين - سبحانه - حال السعداء والأشقياء يوم القيامة فقال : ( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ . إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ . وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ . تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ ) .وقوله : ( ناضرة ) اسم فاعل من النَّضْرة - بفتح النون المشددة وسكون الضاد - وهى الجمال والحسن . تقول : وجه نضير ، إذا كان حسنا جميلا .وقوله : ( باسرة ) من البسور وهو شدة الكلوح والعبوس ، ومنه قوله - تعالى - ( ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ) يقال : بسَر فلان يبسُر بسُورا ، إذا قبض ما بين عينيه كراهية للشئ الذى يراه .والفاقرة : الداهية العظمية التى لشدتها كأنها تقصم فقار الظهر . يقال : فلان فقرته الفاقرة ، أى : نزلت به مصيبة شديدة أقعدته عن الحركة ، وأصل الفَقْر : الوسم على أنف البعير بحديدة أو نار حتى يخلُصَ إلى العظم أو ما يقرب منه .والمراد بقوله : ( يومئذ ) : يوم القيامة الذى تكرر ذكره فى السورة أكثر من مرة .والجملة المقدرة المضاف إليها " إذ " والمعوض عنها بالتنووين تقديرها يوم إذ برق البصر .والمعنى : يوم القيامة ، الذى يبرق فيه البصر ، ويخسف القمر . . تصير وجوه حسنة مشرقة ، ألا وهى وجوه المؤمنين الصادقين . .وهذه الوجوه تنظر إلى ربها فى هذا اليوم نظرة سرور وحبور ، بحيث تراه - سبحانه - على ما يليق بذاته ، وكما يريد أن تكون رؤيته - عز وجل - بلا كيفية ، ولا جهة ، ولا ثبوت مسافة .وهناك وجوه أخرى تصير فى هذا اليوم كالحة شديدة العبوس ، وهى وجوه الكافرين والفاسقين عن أمر ربهم ، وهذه الوجوه ( تَظُنُّ ) أى : تعتقد أو تتوقع ، أن يفعل بها فعلا يهلكها ، ويقصم ظهورها لشدته وقسوته .وجاء لفظ " وجوه " فى الموضعين منكرا ، للتنويع والتقسيم ، كما فى قوله - تعالى - ( فَرِيقٌ فِي الجنة وَفَرِيقٌ فِي السعير ) وكما فى قول الشاعر :فيوم علينا ويوم لنا ... ويوم نُسَاءُ ويوم نُسَروقد أخذ العلماء من قوله - تعالى - : ( إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ) أن الله - تعالى - يتكرم على عباده المؤمنين فى هذا اليوم ، فيربهم ذاته بالكيفية التى يريدها - سبحانه - .ومنهم من فسر ( نَّاضِرَةٌ ) بمعنى منتظرة ، أى : منتظرة ومتوقعة ما يحكم الله - تعالى - به عليها .قال الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآيات : وقد ثبتت رؤية المؤمنين لله - عز وجل - فى الدار الآخرة ، فى الأحاديث الصحاح ، من طرق متواترة عند أئمة الحديث ، لا يمكن دفعها ولا منعها . لحديث أبى سعيد وأبى هريرة - وهما فى الصحيحين - " أن ناسا قالوا : يا رسول الله ، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال : " هل تضارون فى رؤية الشمس والقمر ليس دونهما سحاب " قالوا : لا ، قال : " فإنكم ترون ربكم كذلك " " .وفى الصحيحين عن جرير بن عبد الله قال : " نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى القمر ليلة البدر فقال : " إنكم ترون ربكم كما ترون هذا القمر " " .ثم قال ابن كثير - رحمه الله - : وهذا - بحمد الله - مجمع عليه بين الصحابة والتابعين وسلف هذه الأمة . كما هو متفق عليه بين أئمة الإِسلام ، وهداة الأنام .ومن تأول ( إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ) فقال : تنتظر الثواب من ربها . . فقد أبعد هذا القائل النجعة ، وأبطل فيما ذهب إليه . وأين هو من قوله - تعالى - ( كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ ) قال الشافعى : ما حجَب الفجار إلا وقد علم أن الأبرار يرونه - عز وجل - .

القيامة 75:26

ثم زجر - سبحانه - الذين يكذبون بيوم الدين ، ويؤثرون العاجلة على الآجلة ، زجَرهم بلون آخر من ألوان الردع والزجر ، حيث ذكرهم بأحوالهم الأليمة عندما يودعون هذه الدنيا فقال : ( كَلاَّ إِذَا بَلَغَتِ التراقي . وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ . وَظَنَّ أَنَّهُ الفراق ) .والضمير فى ( بَلَغَتِ ) يعود إلى الروح المعلومة من المقام . كما فى قوله - تعالى - ( فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ الحلقوم . . ) ومنه قول الشاعر :أماوى ما يغنى الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدروالتراقى : جمع تَرْقُوه ، وهى العظام المحيطة بأعالى الصدر عن يمينه ، وعن شماله ، وهى موضع الحشرجة ، وجواب الشرط محذوف .أى : حتى إذا بلغت روح الإِنسان التراقى ، وأوشكت أن تفارق صاحبها . . وجد كل إنسان ثمار عمله الذى عمله فى دنياه ، وانكشفت له حقيقة عاقبته .والمقصود من الآية الكريمة وما بعدها : الزجر عن إيثار العاجلة على الآجلة . فكأنه - تعالى - يقول : احذروا - أيها الناس - ذلك قبل أن يفاجئكم الموت ، وقبل أن تبلغ أرواحكم نهايتها ، وتنقطع عند ذلك آمالكم .

القيامة 75:27

وقوله - سبحانه - : ( وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ ) بيان لما يقوله أحباب الإِنسان الذى بلغت روحه التراقى ، على سبيل التحسر والتوجع واستبعاد شفائه . و ( من ) اسم استفهام مبتدأ . و ( راق ) خبره ، وهو اسم فاعل من الرُّقية ، وهى كلام يقوله القائل ، أو فعل يفعله الفاعل من أجل شفاء المريض .والمراد به هنا : مطلق الطبيب الذى يرجى على يديه الشفاء لهذا المحتضر .أى : اذكروا - أيها الناس - وقت بلوغ الروح نهايتها ، ووقت أن وقف من يهمهم أمر المريض مستسلمين لقضاء الله - تعالى - وملتمسين من كل من بيده شفاء مريضهم ، أن يتقدم لإِنقاذه مما هو فيه من كرب ، ولكنهم لا يجدون أحدا يحقق لهم آمالهم .قال الآلوسى : قوله : ( وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ ) أى : وقال من حضر صاحبها ، من يرقيه وينجيه مما هو فيه ، من الرقية ، وهو ما يستشفى به الملسوع والمريض من الكلام المعد لذلك ، ولعله أريد به مطلق الطبيب ، أع من أن يطب بالقول أو بالفعل . . والاستفهام عند البعض حقيقى . وقيل : هو استفهام استبعاد وإنكار . أى : قد بلغ هذا المريض مبلغا لا أحد يستطيع أن يرقيه .وقيل هذا الكلام من كلام ملائكة الموت . أى : أيكم يرقى بروحه ، أملائكة الرحمة ، أم ملائكة العذاب ، من الرقى وهو العروج . والاستفهام عليه حقيقى .ووقف حفص رواية عن عاصم على ( من ) وابتدأ بقوله : ( راق ) وكأنه قصد أن لا يتوهم أنهما كلمة واحدة ، فسكت سكتة لطيفة ، لتشعر أنهما كلمتان .

القيامة 75:28

والضمير فى المستتر فى قوله - تعالى - : ( وَظَنَّ أَنَّهُ الفراق ) يعود إلى هذا الإِنسان الذى أشرف على الموت ، والذى بلغت روحه نهاية حياتها ، والظن هنا بمعنى اليقين ، أو بمعنى العلم المقارب لليقين .أى : وأيقن هذا المحتضر ، أو توقع أن نهايته قد اقتربت ، وأنه عما قليل سيودع أهله وأحبابه . . وسيفارقهم فراقا لا لقاء بعده ، إلا يوم يقوم الناس للحساب .

القيامة 75:29

وقوله - تعالى - : ( والتفت الساق بالساق ) أى : وأيقن هذا المحتضر ، أو توقع أن نهايته قد اقتربت ، وأنه عما قليل سيودع أهله وأحبابه . . وسيفارقهم فراقا لا لقاء بعده ، إلا يوم يقوم الناس الناس للحساب .وقوله - تعالى - : ( والتفت الساق بالساق ) أى : والتوت والتصقت إحدى ساقيه بالأخرى . عند سكرات الموت وشدته ، فصارتا متلاصقين لا تكاد إحداهما تتزحزح عن الأخرى ، فكأنهما ملتفتان .ويصح أن يكون المعنى : والتفت الساق بالساق عند وضع هذا الذى أدركه الموت فى كفنه ، لأن هذا الكفن قد ضم جميع جسده ، والتصقت كل ساق بالأخرى .ومنهم من يرى أن هذه الآية الكريمة : كناية عن هول الموت وشدته كما فى قوله - تعالى - : ( يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ ) والعرب لا تذكر الساق إلا فى المحن والشدائد العظام ، ومنه قولهم : قامت الحرب على ساق .قال صاحب الكشاف : " والتفت " ساقه بساقه والتوت عليها عند الموت ، وعن قتادة : ماتت رجلاه فلا تحملانه وقد كان عليهما جوالا . وقيل : التفت شدة فراق الدنيا بشدة إقبال الآخرة ، على أن الساق مثل فى الشدة .وعن سعيد ابن المسيب : هما ساقاه حين تلفانه فى أكفانه .

القيامة 75:30

وقوله - سبحانه - : ( إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المساق ) أى : إلى ربك - أيها الرسول الكريم - مساق الناس ومرجعهم - لا إلى غيره - يوم القيامة . . لكى يحاسبوا على أعمالهم .فالمساق مصدر ميمى من ساق الشئ إذا سيره أمامه إلى حيث يريد .

القيامة 75:31

ثم بين - سبحانه - جانبا من الأسباب التى أدت إلى سوء عاقبة المكذبين للحق ، فقال - تعالى - : ( فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صلى . ولكن كَذَّبَ وتولى . ثُمَّ ذَهَبَ إلى أَهْلِهِ يتمطى ) .والفاء للتفريع على ما تقدم ، من قوله - تعالى - : ( أَيَحْسَبُ الإنسان أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ ) إلخ .أو للتفريع والعطف على قوله - سبحانه - : ( إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المساق ) . . أى : أن هذا الإِنسان الذى أنكر الحساب والجزاء ، وفارق الحياة ، كانت عاقبة أمره خسرا ، فلا هو صدق بالحق الذى جاءه الرسول صلى الله عليه وسلم ولا هو أدى الصلاة التى فرضها الله - تعالى - عليه ز

القيامة 75:32

ولكنه كذب بكل ذلك ، وتولى ، وأعرض عن سبيل الرشاد .

القيامة 75:33

ثم بعد ذلك : ( ذَهَبَ إلى أَهْلِهِ يتمطى ) أى : ذهب إلى أهله متبخترا متفاخرا ، متباهيا بإصراره على كفره وفجوره .وقوله : ( يتمطى ) من المط بمعنى المد . وأصله : يتمطط ، قلبت فيه الطاء حرف علة ، ووصف المتبختر فى مشيه بذلك ، لأنه يمط خطاه ، ويمدها على سبيل الإِعجاب بنفسه ، والتباهى بما هو عليه من كفر وضلال .ولم يذكر - سبحانه - المتعلق والمفعول فى الآيات الكريمة ، للإِشعار بأن هذا الإِنسان الجاحد الجاهل . . لم يصدق بشئ من الحق ، ولم يؤد الله - تعالى - فرضا ولا سنة ، ولكنه استمر على تكذيبه وإعراضه عن الصراط المستقيم ، ولم يكتف بكل ذلك ، بل تفاخر وتباهى أمام وغيره بما هو عليه من باطل .

القيامة 75:34

وقوله - سبحانه - : ( أولى لَكَ فأولى . ثُمَّ أولى لَكَ فأولى ) دعاء على هذا الإِنسان الشقى ، المصر على إعراضه عن الحق . . بالهلاك وسوء العاقبة . و ( أولى ) اسم تفضيل من وَلِىَ ، وفاعله ضمير محذوف يقدره كل قائل أو سامع بما يدل على المكروه .والكاف فى قوله ( لك ) للتبين ، والكاف خطاب لهذا الإِنسان المخصوص بالدعاء عليه .وقوله : ( فأولى ) تأكيد لقوله ( أولى لَك ) .

القيامة 75:35

وجملة ( ثُمَّ أولى لَكَ فأولى ) مؤكدة للجملة الأولى . أى : أجدر بك هذا الهلاك الذى ينتظرك قريبا - أيها الإِنسان - الجاحد ، ثم أجدر بك ، لأنك أصررت على كل ما هو باطل وسوء .قال القرطبى ما ملخصه : هذا تهديد بعد تهديد ، ووعيد بعد وعيد . .روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من المسجد ذات يوم ، فاستقبله أبو جهل على باب المسجد ، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده ، فهزه مرة أو مرتين ثم قال : " أولى لك فأولى " فقال أبو جهل : أتهددنى - يا محمد - فو الله إنى لأعز أهل هذا الوادى وأكرمه ، ونزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال لأبى جهل .وجئ بحرف " ثم " فى عطف الجملة الثانية على الأولى ، لزيادة التأكيد ، وللارتقاء فى الوعيد ، وللإِشعار بأن التهديد الثانى أشد من الأول ، كما فى قوله - تعالى - : ( كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ . ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ).

القيامة 75:36

ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بالإِشارة إلى الحكمة من البعث والجزاء ، وببيان جانب من مظاهر قدرته فقال : ( أَيَحْسَبُ الإنسان أَن يُتْرَكَ سُدًى ) .والاستفهام للإِنكار كما قال فى قوله - تعالى - قبل ذلك : ( أَيَحْسَبُ الإنسان أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ ) و " سُدَى " - بضم السين مع القصر - بمعنى مهمل . يقال : إبل سُدًى ، أى : مهملة ليس لها راع يحميها . . وهو حال من فاعل " يترك " .أى : أيظن هذا الإِنسان الذى أنكر البعث والجزاء ، أن نتركه هكذا مهملا ، فلا نجازيه على أعماله التى عملها فى الدنيا؟ إن كان يحسب ذلك هفو فى وهم وضلال ، لأن حكمتنا قد اقتضت أن نكرم المتقين ، وأن تعاقب المكذبين .

القيامة 75:37

والاستفهام فى قوله : ( أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يمنى . . ) للتقرير ، والنطفة : القليل من الماء و ( يمنى ) يراق هذا المنى فى رحم المرأة .أى : كيف يحسب هذا الإِنسان أنه سيترك سدى؟ ألم يك فى الأصل قطرة ماء تصب من الرجل فى رحم المرأة وتراق فيه؟ بل إنه كان كذلك .

القيامة 75:38

ثم ( كَانَ ) بعد ذلك ( عَلَقَةً ) أى : قطعة دم متجمد ( فَخَلَقَ فسوى ) أى : فخلقه الله - تعالى - خلقا آخر بقدرته ، وسواه فى أحسن تقويم ، كما قال : ( لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان في أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ . . ).

القيامة 75:39

ثم ( كَانَ ) بعد ذلك ( عَلَقَةً ) أى : قطعة دم متجمد ( فَخَلَقَ فسوى ) أى : فخلقه الله - تعالى - خلقا آخر بقدرته ، وسواه فى أحسن تقويم ، كما قال : ( لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان في أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ . . ).

القيامة 75:40

وجملة ( أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ على أَن يُحْيِيَ الموتى ) بمثابة النتيجة بعد المقدمات والأدلة .أى : أليس ذلك الرب العظيم الشأن والقدرة ، الذى أحسن كل شئ خلقه : والذى خلق الإِنسان فى تلك الأطوار المتعددة . . أليس ذلك الإِله صاحب الخلق والأمر .( بِقَادِرٍ على أَن يُحْيِيَ الموتى ) وعلى أن يعيدهم إلى الحياة مرة أخرى ، ليجازى الذين أساءوا بما عملوا ، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى؟ بلى إنه لقادر على ذلك قدرة تامة .وقد ساق الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية جملة من الأحاديث منها : أن رجلا كان إذا قرأ هذه الآية قال : سبحانك اللهم وبلَى . فسئل عن ذلك فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك .وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .