Lafzullah

Tafsir Al Wasit — الأعلى 87:1 – الناس 114:6

المؤلف / المصدر: Waseet

المحتويات
  1. الأعلى 87:1
  2. الأعلى 87:2
  3. الأعلى 87:3
  4. الأعلى 87:4
  5. الأعلى 87:5
  6. الأعلى 87:6
  7. الأعلى 87:7
  8. الأعلى 87:8
  9. الأعلى 87:9
  10. الأعلى 87:10
  11. الأعلى 87:11
  12. الأعلى 87:12
  13. الأعلى 87:13
  14. الأعلى 87:14
  15. الأعلى 87:15
  16. الأعلى 87:16
  17. الأعلى 87:17
  18. الأعلى 87:18
  19. الأعلى 87:19
  20. الغاشية 88:1
  21. الغاشية 88:2
  22. الغاشية 88:3
  23. الغاشية 88:4
  24. الغاشية 88:5
  25. الغاشية 88:6
  26. الغاشية 88:7
  27. الغاشية 88:8
  28. الغاشية 88:9
  29. الغاشية 88:10
  30. الغاشية 88:11
  31. الغاشية 88:12
  32. الغاشية 88:13
  33. الغاشية 88:14
  34. الغاشية 88:15
  35. الغاشية 88:16
  36. الغاشية 88:17
  37. الغاشية 88:18
  38. الغاشية 88:19
  39. الغاشية 88:20
  40. الغاشية 88:21
  41. الغاشية 88:22
  42. الغاشية 88:23
  43. الغاشية 88:24
  44. الغاشية 88:25
  45. الغاشية 88:26
  46. الفجر 89:1
  47. الفجر 89:2
  48. الفجر 89:3
  49. الفجر 89:4
  50. الفجر 89:5
  51. الفجر 89:6
  52. الفجر 89:7
  53. الفجر 89:8
  54. الفجر 89:9
  55. الفجر 89:10
  56. الفجر 89:11
  57. الفجر 89:12
  58. الفجر 89:13
  59. الفجر 89:14
  60. الفجر 89:15
  61. الفجر 89:16
  62. الفجر 89:17
  63. الفجر 89:18
  64. الفجر 89:19
  65. الفجر 89:20
  66. الفجر 89:21
  67. الفجر 89:22
  68. الفجر 89:23
  69. الفجر 89:24
  70. الفجر 89:25
  71. الفجر 89:26
  72. الفجر 89:27
  73. الفجر 89:28
  74. الفجر 89:29
  75. الفجر 89:30
  76. البلد 90:1
  77. البلد 90:2
  78. البلد 90:3
  79. البلد 90:4
  80. البلد 90:5
  81. البلد 90:6
  82. البلد 90:7
  83. البلد 90:8
  84. البلد 90:9
  85. البلد 90:10
  86. البلد 90:11
  87. البلد 90:12
  88. البلد 90:13
  89. البلد 90:14
  90. البلد 90:15
  91. البلد 90:16
  92. البلد 90:17
  93. البلد 90:18
  94. البلد 90:19
  95. البلد 90:20
  96. الشمس 91:1
  97. الشمس 91:2
  98. الشمس 91:3
  99. الشمس 91:4
  100. الشمس 91:5
  101. الشمس 91:6
  102. الشمس 91:7
  103. الشمس 91:8
  104. الشمس 91:9
  105. الشمس 91:10
  106. الشمس 91:11
  107. الشمس 91:12
  108. الشمس 91:13
  109. الشمس 91:14
  110. الشمس 91:15
  111. الليل 92:1
  112. الليل 92:2
  113. الليل 92:3
  114. الليل 92:4
  115. الليل 92:5
  116. الليل 92:6
  117. الليل 92:7
  118. الليل 92:8
  119. الليل 92:9
  120. الليل 92:10
  121. الليل 92:11
  122. الليل 92:12
  123. الليل 92:13
  124. الليل 92:14
  125. الليل 92:15
  126. الليل 92:16
  127. الليل 92:17
  128. الليل 92:18
  129. الليل 92:19
  130. الليل 92:20
  131. الليل 92:21
  132. الضحى 93:1
  133. الضحى 93:2
  134. الضحى 93:3
  135. الضحى 93:4
  136. الضحى 93:5
  137. الضحى 93:6
  138. الضحى 93:7
  139. الضحى 93:8
  140. الضحى 93:9
  141. الضحى 93:10
  142. الضحى 93:11
  143. الشرح 94:1
  144. الشرح 94:2
  145. الشرح 94:3
  146. الشرح 94:4
  147. الشرح 94:5
  148. الشرح 94:6
  149. الشرح 94:7
  150. الشرح 94:8
  151. التين 95:1
  152. التين 95:2
  153. التين 95:3
  154. التين 95:4
  155. التين 95:5
  156. التين 95:6
  157. التين 95:7
  158. التين 95:8
  159. العلق 96:1
  160. العلق 96:2
  161. العلق 96:3
  162. العلق 96:4
  163. العلق 96:5
  164. العلق 96:6
  165. العلق 96:7
  166. العلق 96:8
  167. العلق 96:9
  168. العلق 96:10
  169. العلق 96:11
  170. العلق 96:12
  171. العلق 96:13
  172. العلق 96:14
  173. العلق 96:15
  174. العلق 96:16
  175. العلق 96:17
  176. العلق 96:18
  177. العلق 96:19
  178. القدر 97:1
  179. القدر 97:2
  180. القدر 97:3
  181. القدر 97:4
  182. القدر 97:5
  183. البينة 98:1
  184. البينة 98:2
  185. البينة 98:3
  186. البينة 98:4
  187. البينة 98:5
  188. البينة 98:6
  189. البينة 98:7
  190. البينة 98:8
  191. الزلزلة 99:1
  192. الزلزلة 99:2
  193. الزلزلة 99:3
  194. الزلزلة 99:4
  195. الزلزلة 99:5
  196. الزلزلة 99:6
  197. الزلزلة 99:7
  198. الزلزلة 99:8
  199. العاديات 100:1
  200. العاديات 100:2
  201. العاديات 100:3
  202. العاديات 100:4
  203. العاديات 100:5
  204. العاديات 100:6
  205. العاديات 100:7
  206. العاديات 100:8
  207. العاديات 100:9
  208. العاديات 100:10
  209. العاديات 100:11
  210. القارعة 101:1
  211. القارعة 101:2
  212. القارعة 101:3
  213. القارعة 101:4
  214. القارعة 101:5
  215. القارعة 101:6
  216. القارعة 101:7
  217. القارعة 101:8
  218. القارعة 101:9
  219. القارعة 101:10
  220. القارعة 101:11
  221. التكاثر 102:1
  222. التكاثر 102:2
  223. التكاثر 102:3
  224. التكاثر 102:4
  225. التكاثر 102:5
  226. التكاثر 102:6
  227. التكاثر 102:7
  228. التكاثر 102:8
  229. العصر 103:1
  230. العصر 103:2
  231. العصر 103:3
  232. الهمزة 104:1
  233. الهمزة 104:2
  234. الهمزة 104:3
  235. الهمزة 104:4
  236. الهمزة 104:5
  237. الهمزة 104:6
  238. الهمزة 104:7
  239. الهمزة 104:8
  240. الهمزة 104:9
  241. الفيل 105:1
  242. الفيل 105:2
  243. الفيل 105:3
  244. الفيل 105:4
  245. الفيل 105:5
  246. قريش 106:1
  247. قريش 106:2
  248. قريش 106:3
  249. قريش 106:4
  250. الماعون 107:1
  251. الماعون 107:2
  252. الماعون 107:3
  253. الماعون 107:4
  254. الماعون 107:5
  255. الماعون 107:6
  256. الماعون 107:7
  257. الكوثر 108:1
  258. الكوثر 108:2
  259. الكوثر 108:3
  260. الكافرون 109:1
  261. الكافرون 109:2
  262. الكافرون 109:3
  263. الكافرون 109:4
  264. الكافرون 109:5
  265. الكافرون 109:6
  266. النصر 110:1
  267. النصر 110:2
  268. النصر 110:3
  269. المسد 111:1
  270. المسد 111:2
  271. المسد 111:3
  272. المسد 111:4
  273. المسد 111:5
  274. الإخلاص 112:1
  275. الإخلاص 112:2
  276. الإخلاص 112:3
  277. الإخلاص 112:4
  278. الفلق 113:1
  279. الفلق 113:2
  280. الفلق 113:3
  281. الفلق 113:4
  282. الفلق 113:5
  283. الناس 114:1
  284. الناس 114:2
  285. الناس 114:3
  286. الناس 114:4
  287. الناس 114:5
  288. الناس 114:6

الأعلى 87:1

افتتحت السورة الكريمة ، بأمر النبى صلى الله عليه وسلم بالمداومة على تنزيه الله - تعالى - عن كل نقص ، ويدخل فى هذا الأمر ، كل من يصلح للخطاب . والاسم لمراد به الجنس ، فيشمل جميع أسمائه - تعالى - .أى : نزه - أيها الرسول الكريم - أسماء ربك الأعلى عن كل ما لا يليق بها ، فلا تطلقها على غيره - تعالى - إذا كان خاصة به ، كلفظ الجلالة ، وكلفظ الرحمن ، ولا تذكرها فى موضع لا يتناسب مع جلالها وعظمتها ، ولا تحرفها عن المعانى التى وضعت لها كما يفعل الزائغون . فقد قال - تعالى - : ( وَللَّهِ الأسمآء الحسنى فادعوه بِهَا وَذَرُواْ الذين يُلْحِدُونَ في أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ) ونزه ربك الأعلى ، عن الشريك ، وعن الوالد ، وعن الولد ، وعن الشبيه . . وعن كل ما لا يليق به .قال الجمل : أى : نزه ربك عن كل ما لا يليق به ، فى ذاته ، وصفاته ، وأسمائه ، وأفعاله ، وأحكامه . أما فى ذاته : فأن تعتقد أنها ليست من الجواهر والأعراض . وأما فى صفاته : فإن تعتقد أنها لسيت محدثة ولا متناهية ولا ناقصة . وأما فى أفعاله : فأن تعتقد أنه - سبحانه - مطلق لا اعتراض لأحد عليه فى أمر من الأمور . وأما فى أسمائه : فأن لا تذكره - سبحانه - إلا بالأسماء التى لا توهم نقصا بوجه من الوجوه . . وأما فى أحكامه : فإن تعلم أنه ما كلفنا لنفع يعود عليه ، بل لمحض المالكية . .أخرج الإِمام أحمد عن عامر بن عقبة الجهنى قال : " لما نزلت : ( فَسَبِّحْ باسم رَبِّكَ العظيم ) قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اجعلوها فى ركوعكم " فلما نزلت : ( سَبِّحِ اسم رَبِّكَ الأعلى ) قال : " اجعلوها فى سجودكم " " .

الأعلى 87:2

ثم وصف - سبحانه - ذاته بعد وصفه بالأعلى بصفات كريمة أخرى فقال : ( الذي خَلَقَ فسوى ) أى : خلق كل شئ فسوى خلقه تسوية ، ولم يأت به متفاوتا غير ملتئم ، ولكن على إحكام واتساق ، ودلالة على أنه صادر عن عالم ، وأنه صنعه حكيم . .

الأعلى 87:3

( والذي قَدَّرَ فهدى ) والتقدير : وضع الأشياء فى مواضعها الصحيحة ، بمقدار معين ، وبكيفية معينة . . تقتضيها الحكمة ، ويقرها العقل السليم .وقوله : ( فهدى ) من الهداية . بمعنى الإِرشاد والدالالة على طريق الخبر والبر . أى : وهو - سبحانه - الذى جعل الأشياء على مقادير مخصوصة فى أجناسها ، وفى أنواعها ، وفى أفرادها . وفى صفاتها وأفعالها . . وهدى كل مخلوق إلى ما ينبغى له طبعا واختيارا ، ووجهه إلى الوظيفة التى خلقه من أجلها ، بأن أوجد فيه العقل والميول والإِلهامات والغرائز والدوافع التى تعينه على أداء تلك الوظيفة .وحذف - سبحانه - المفعول فى قوله : ( الذي خَلَقَ فسوى .والذي قَدَّرَ فهدى ) للعموم ، لأن هذه الأفعال تشمل جميع مخلوقاته - عز وجل - .قال الآلوسى : ( والذي قَدَّرَ . . ) أى : جعل الأشياء على مقادير مخصوصة . . ( فهدى ) أى : فوجه كل واحد منها إلى ما يصدر عنه ، وينبغى له . . فلو تتبعت أحوال النباتات والحيوانا ، لرأيت فى كل منهما ما تحار فيه العقول ، وتضيق عنه دفاتر النقول .وأما فنون هداياته - سبحانه - للإِنسان على الخصوص ، ففوق ذلك بمراحل . . وهيهات أن يحيط بها فلك العبارة والتحرير ، ولا يعلمها إلا اللطيف الخبير .أتزعم أنك جرم صغير ... وفيك انطوى العالم الأكبروقد فصل بعض العلماء الحديث عن مظاهر تقديره وهدايته - سبحانه - فقال : قوله - تعالى - : ( الذي خَلَقَ فسوى . والذي قَدَّرَ فهدى ) أى : الذى خلق كل شئ فسواه ، فأكمل صنعته ، وبلغ به غاية الكمال الذى يناسبه ، والذى قدر لكل مخلوق وظيفته وطريقته وغايته ، فهداه إلى ما خلقه لأجله ، وألهمه غاية وجوده ، وقدر له ما يصلحه مدة بقائه ، وهداه إليه . وهذه الحقيقة الكبرى ماثلة فى كل شئ فى هذا الوجود ، ويشهد بها كل شئ فى رحاب هذا الكون ، من الكبير إلى الصغير .فالطيور لها غريزة العودة إلى الوطن . . دون أن تضل عنه مهما بعد ، والنحلة تهتدى إلى خليتها ، مهما طمست الريح فى هبوبها على الأعشاب والأشجار كل دليل يرى . .وسمك " السلمون " الصغير ، يمضى سنوات فى البحر ، ثم يعود إلى نهره الخاص به . .

الأعلى 87:4

وقوله - سبحانه - : ( والذي أَخْرَجَ المرعى . فَجَعَلَهُ غُثَآءً أحوى ) بيان لمظهر آخر من مظاهر قدرته - تعالى - ، التى لا يعجزها شئ .والمرعى : النبات الذى ترعاه الحيوانات ، وهو اسم مكان للأرض الذى يوجد فيها النبات .أى : وهو - سبحانه - وحده ، الذى أنبت النبات الذى ترعاه الدواب ، حالة كون هذا النبات أخضر رطبا . ثم يحوله بقدرته - تعالى - بعد حين إلى نبات يابس جاف .وهذا من أكبر الأدلة المشاهدة ، على أنه - تعالى - يتصرف فى خلقه كما يشاء ، فهو القادر على تحويل الزرع الأخضر إلى زرع يابس جاف ، كما أنه قادر على إحياء الإِنسان بعد موته .فالمقصود من هذه الآيات الكريمة ، الإِرشاد إلى كمال قدرته ، وتنوع نعمه - سبحانه - ، حتى يزداد المؤمنون إيمانا على إيمانهم ، وحتى يعود الكافرون إلى رشدهم بعد هذا البيان الواضح الحكيم .

الأعلى 87:5

والغثاء : هو اليابس الجاف من النبات الذى ترعاه المواشى .والأحوى : أى : المائل إلى السواد ، مأخوذ من الحُوَّة - بضم الحاء مع تشديد الواو المفتوحة - وهى لون يكون بين السواد والخضرة أو الحمرة . ووصف الغثاء بأنه أحوى ، لأنه إذا طال عليه الزمن ، وأصابته المياه ، اسود وتعفن فصار أحوى .أى : وهو - سبحانه - وحده ، الذى أنبت النبات الذى ترعاه الدواب ، حالة كون هذا النبات أخضر رطبا . ثم يحوله بقدرته - تعالى - بعد حين إلى نبات يابس جاف .وهذا من أكبر الأدلة المشاهدة ، على أنه - تعالى - يتصرف فى خلقه كما يشاء ، فهو القادر على تحويل الزرع الأخضر إلى زرع يابس جاف ، كما أنه قادر على إحياء الإِنسان بعد موته .فالمقصود من هذه الآيات الكريمة ، الإِرشاد إلى كمال قدرته ، وتنوع نعمه - سبحانه - ، حتى يزداد المؤمنون إيمانا على إيمانهم ، وحتى يعود الكافرون إلى رشدهم بعد هذا البيان الواضح الحكيم .

الأعلى 87:6

ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر فضله على نبيه صلى الله عليه وسلم فقال : ( سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تنسى .إِلاَّ مَا شَآءَ الله إِنَّهُ يَعْلَمُ الجهر وَمَا يخفى ) .والنسيان : زوال ما كان موجودا فى حافظة الإِنسان . والاستثناء مفرغ من أعم المفاعيل . ومفعول المشيئة محذوف . جريا على غالب استعماله فى كلام العرب . .أى : سنقرئك - أيها الرسول الكريم - القرآن على لسان أمين وحينا جبريل - عليه السلام - وسنجعلك حافظا وواعيا لما سيقرؤه جبريل عليك ، بحيث لا تنساه فى وقت من الأوقات ، أو فى حال من الأحوال ، إلا فى الوقت أو فى الحال الذى يشاء الله - تعالى - أن ينسيك شيئا من ذلك . فإنك ستنساه بأمره - تعالى - لأنه وحده - عز وجل - وهو العليم بما كان ظاهرا من الأشياء ، وبما كان خافيا منها .فالمقصود من هاتين الآيتين : وعد الله - تعالى - لنبيه صلى الله عليه وسلم ببيان أنه - سبحانه - كما أنه قادر على أن يقرئ الرسول صلى الله عليه وسلم قراءة لا ينساها ، فهو أيضا قادر على أن يزل من صدره ما يشاء إزلته ، عن طريق النسيان لما حفظه .فالمراد بهذا الاستثناء : بيان أنه - تعالى - لو أراد أن يصير الرسول صلى الله عليه وسلم ناسيا للقرآن لقدر على ذلك ، كما قال - سبحانه - ( وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بالذي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ . . . ) إذ هو - تعالى - على كل شئ قدير ، ولكنه لم يشأ ذلك فضلا منه وكرما .قال الإِمام الشوكانى ما ملخصه : قوله : ( سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تنسى ) أى : سنجعلك قارئا بأن نلهمك القراءة . فلا تنسى ما تقرؤه ، والجملة مستأنفة لبيان هدايته صلى الله عليه وسلم الخاصة ، بعد بيان الهداية العامة ، وهى هدايته صلى الله عليه وسلم لحفظ القرآن .

الأعلى 87:7

وقوله : ( إِلاَّ مَا شَآءَ الله ) استثناء مفرغ من أعم المفاعيل ، أى : لا تنسى مما تقرؤه شيئا من الأشياء ، إلا ما شاء الله أن تنساه ، وهو لم يشأ - سبحانه - أن ينسى النبى صلى الله عليه وسلم شيئا كقوله - تعالى - ( خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السماوات والأرض إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ ) وقيل : " لا " فى قوله ( فَلاَ تنسى ) للنهى ، والألف مزيدة لرعاية الفاصلة ، كما فى قوله - تعالى - : ( فَأَضَلُّونَا السبيلا ) يعنى : فلا تغفل عن قراءته .وقال الإِمام الرازى : وهاتان الآيتان تدلان على المعجزة من وجهين :أحدهما : أن رسول صلى الله عليه وسلم كان أميا ، فحفظه لهذا الكتاب المطول عن غير دراسة ، ولا تكرار ، ولا كتبة ، خارق للعبادة فيكون معجزا . وثانيهما : أن هذه السورة من أوائل ما نزل بمكة . فهذا إخبار عن أمر عجيب غريب مخالف للعادة . سيقع فى المستقبل ، وقد وقع ، فكان هذا إخبارا عن الغيب ، فيكون معجزا . .

الأعلى 87:8

وقوله - سبحانه - : ( وَنُيَسِّرُكَ لليسرى ) معطوف على قوله ( سَنُقْرِئُكَ ) وجملة : ( إِنَّهُ يَعْلَمُ الجهر وَمَا يخفى ) معترضة .والتيسير بمعنى التسهيل والتخفيف ، وهو جعل العمل يسيرا على عامله بأن يهيئ الله - تعالى - للعامل الأسباب التى تهون له العسير ، وتقرب له البعيد .واليسرى : مؤنث الأيسر ، بمعنى الأسهل ، والموصوف محذوف .والمعنى : سنجعلك - أيها الرسول الكريم - صاحب ذاكرة قوية تحفظ القرآن ولا تنساه . وسنوفقك توفيقا دائما للطريقة اليسرى فى كل باب من أبواب الدين : علما وعملا ، واهتداء وهداية - وسنرزقك الأمور الحسنة التى تجعلك تعيش سعيدا فى دنياك ، وظافرا برضواننا فى أخراك .ولقد أنجز الله - تعالى - لنبيه صلى الله عليه وسلم وعده ، حيث أعطاه شريعة سمحة ، ومنحه أخلاقا كريمة ، من مظاهرها أنه صلى الله عليه وسلم ما خير بين الأمرين إلا اختار أيسرهما ، ودعا أتباعه إلى الأخذ بمبدأ التيسير ، فقال : " يسروا ولا تعسروا ، وبشروا ولا تنفروا . . " .فهاتان بشارتان عظيمتان للرسول صلى الله عليه وسلم أولاهما : تتمثل فى إلهامه الذاكرة الواعية الحافظة لما يوحى إليه . وثانيتهما : توفيقه صلى الله عليه وسلم إلى الشريعة اليسرى ، وإلى الأخلاق الكريمة وإلى الأخذ بما هو أرفق وأيسر فى كل أحواله .

الأعلى 87:9

ثم أمره - تعالى - بدوام التذكير بدعوة الحق بدون إبطاء أو يأس فقال : ( فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذكرى سَيَذَّكَّرُ مَن يخشى . وَيَتَجَنَّبُهَا الأشقى . الذى يَصْلَى النار الكبرى . ثُمَّ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَا ) .والفاء فى قوله ( فذكر ) للتفريع على ما تقدم ، والأمر مستعمل هنا فى طلب المداومة على التذكير بدعوة الحق التى أرسله - سبحانه - بها ، والذكرى : بمعنى التذكير .والمعنى : إذا كان الأمر كما أخبرناك - أيها الرسول الكريم - فداوم على تذكير الناس بالهدى ودين الحق ، واتبع فى ذلك الحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتى هى أحسن اهتم فى تذكيرك بمن تتوقع منهم قبول دعوتك ، وأعرض عن الجاحدين والمعاندين والجاهلين .قال صاحب الكشاف : فإن قلت : كان الرسول صلى الله عليه وسلم مأمورا بالذكرى نفعت أو لم تنفع . . فما معنى اشتراط النفع؟ . .قلت : هو على وجهين : أحدهما . أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استفرغ مجهوده فى تذكيرهم ، وما كانوا يزيدون على زيادة الذكرى إلا عتوا وطغيانا ، وكان النبى صلى الله عليه وسلم يتلظى حسرة وتلهفا ، ويزداد جدا فى تذكيرهم ، وحرصا عليه ، فقيل له : ( وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بالقرآن مَن يَخَافُ وَعِيدِ ) وذلك بعد إلزام الحجة بتكرير التذكير .والثانى : أن يكون ظاهره شرطا ، ومعناه ذَمّاً للمذكِّرين - بتشديد الكاف المفتوحة - وإخبارا عن حالهم ، واستبعادا لتأثير الذكرى فيهم ، وتسجيلا عليهم بالطبع على قلوبهم ، كما تقول للواعظ : عظ المكاسين إن سمعوا منك ، قاصدا بهذا الشرط ، استبعاد ذلك ، وأنه لن يكون . .وقال الإِمام الرازى ما ملخصه : جاء التعليق بالشرط فى قوله - تعالى - : ( فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذكرى ) مع أنه صلى الله عليه وسلم مطلوب منه أن يذكر الناس جميعا ، نفعتهم الذكرى أم لم تنفعهم - للتنبيه على أشرف الحالين ، وهو وجود النفع الذى من أجله شرعت الذكرى ، كقوله - تعالى - :( سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحر ) وللإِشعار بأن المراد من الشرط : البعث على الانتفاع بالذكرى ، كما يقول الإِنسان لغيره بعد أن بين له الحق ، قد أوضحت لك الأمر إن كنت تعقل ، فيكون مراده الحض على القبول . .ويبدو لنا أن المقصود بالآية الكريمة ، تحريض النبى صلى الله عليه وسلم على المداومة على دعوة الناس إلى قبول الحق الذى جاء به ، فإن هذا التذكير إن لم ينفع الناس جميعا ، فسينفع بعضهم ، فقد اقتضت سنة الله - تعالى - أن لا تخلو الأرض ممن يستمع إلى الحق ، ويستجيب له .

الأعلى 87:10

ويدل على هذا المعنى قوله - تعالى - بعد ذلك : ( سَيَذَّكَّرُ مَن يخشى ) أى : سينتفع بتذكيرك - أيها الرسول الكريم - من يخشى الله - تعالى - ويخاف عذابه ، ويرجو ثوابه .

الأعلى 87:11

( وَيَتَجَنَّبُهَا الأشقى ) أى : ويتجنب الذكرى ، ويبتعد عن الموعظة ، ويتجافى عن النصيحة ، الإِنسان الشديد الشقاوة والتعاسة ، الذى أبى إلا الإِصرار على كفره وعناده ، وخلا من خشية الله - تعالى - . والمراد بالأشقى : الجنس ، أى : يبتعد عن الانتفاع بالتذكير جميع الأشقياء وهم الكافرون .وقيل : المراد به الكافر المتوغل فى كفره كأبى جهل والوليد بن المغيرة وأشباههما .

الأعلى 87:12

وقوله : ( الذى يَصْلَى النار الكبرى ) صفة للأشقى . أى : سيبتعد عن الانتفاع بتذكيرك - أيها الرسول الكريم - الكافر لمصر على كفره ، الذى من صفاته أنه سيصلى وسيلقى فى أشد طبقات النار سعيرا وحريقا ، وهى الطبقة السفلى منها .

الأعلى 87:13

فوصف النار بالكبرى ، من قبيل التهويل والإنذار للمصرين على كفرهم ( ثُمَّ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَا ) أى : ثم إن هذا الشقى بعد أن يلقى به فى النار الكبرى ، ( ثُمَّ لاَ يَمُوتُ فِيهَا ) فيستريح من العذاب ( وَلاَ يَحْيَا ) حياة طيبة فيها شئ من الراحة ، بل يبقى هكذا ( وَيَأْتِيهِ الموت مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ ) وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : ( والذين كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لاَ يقضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ ) وبعد هذا البيان الذى يهز القلوب . . عن سوء عاقبة الأشقياء ز

الأعلى 87:14

ساق - سبحانه - ما يدخل البهجة والسرور على النفوس ، عن طريق بيان حسن عاقبة السعداء ، فقال : ( قَدْ أَفْلَحَ مَن تزكى . وَذَكَرَ اسم رَبِّهِ فصلى ) .أى : قد أفلح وفاز وانتفع بالتذكير ، من حاول تزكية نفسه وتطهيرها من كل سوء .ومن ذكر اسم ربه بقلبه ولسانه ، فصلى الصلوات الخمس التى فرضها الله - تعالى - عليه . وأضاف إليها ما استطاع من نوافل وسنن .وعبر - سبحانه - بقوله : ( قَدْ أَفْلَحَ ) ليجمع فى هذا التعبير البليغ ، كل معانى الخير والنفع ، لأن الفلاح معناه : وصول المرء إلى ما يطمح إليه من فوز ونفع .وجاء التبعير بالماضى المسبوق بقد ، للدلالة على تحقيق هذا الفلاح بفضل الله - تعالى - ورحمته .

الأعلى 87:15

وقد اشتملت هاتان الآيتان على الطهارة من العقائد الباطلة ( تزكى ) وعلى استحضار معرفة الله - تعالى - ( وَذَكَرَ اسم رَبِّهِ ) وعلى أداء التكاليف الشرعية التى على رأسها الصلاة ( فصلى ) .وهذه المعانى هى التى وصلت صاحبها إلى الفلاح الذى ليس بعده فلاح .

الأعلى 87:16

وقوله - تعالى - : ( بَلْ تُؤْثِرُونَ الحياة الدنيا . والآخرة خَيْرٌ وأبقى ) الإضراب فيه عن كلام مقدر يفهم من السياق .والمعنى : لقد بينت لكم ما يؤدى إلى فلاحكم وفوزكم . . يا بنى آدم - كثير منكم لم يستجيب لما بينته له ، لأن الدنيا ومتعها زائلة ، أما الآخرة فخيرها باق لا يزول .والخطاب لجميع الناس ، ويدخل فيه الكافرون دخولا أوليا ، وعليه يكون المراد بإيثار الحياة الدنيا بالنسبة للمؤمنين ، ما لا يخلو منه غالب الناس ، من اشتغالهم فى كثير من الأحيان بمنافع الدنيا ، وتقصيرهم فيما يتعلق بآخرتهم .ويرى كثير من العلماء : أن الخطاب للكافرين على سبيل الالتفات ، ويؤيد أن الخطاب للكافرين قراءة أبى عمرو بالياء على طريقة الغيبة .أى : بل إن الكافرين يؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة ، مع أن الآخرة خير وأبقى .

الأعلى 87:17

وقوله - تعالى - : ( بَلْ تُؤْثِرُونَ الحياة الدنيا . والآخرة خَيْرٌ وأبقى ) الإضراب فيه عن كلام مقدر يفهم من السياق .والمعنى : لقد بينت لكم ما يؤدى إلى فلاحكم وفوزكم . . يا بنى آدم - كثير منكم لم يستجيب لما بينته له ، لأن الدنيا ومتعها زائلة ، أما الآخرة فخيرها باق لا يزول .والخطاب لجميع الناس ، ويدخل فيه الكافرون دخولا أوليا ، وعليه يكون المراد بإيثار الحياة الدنيا بالنسبة للمؤمنين ، ما لا يخلو منه غالب الناس ، من اشتغالهم فى كثير من الأحيان بمنافع الدنيا ، وتقصيرهم فيما يتعلق بآخرتهم .ويرى كثير من العلماء : أن الخطاب للكافرين على سبيل الالتفات ، ويؤيد أن الخطاب للكافرين قراءة أبى عمرو بالياء على طريقة الغيبة .أى : بل إن الكافرين يؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة ، مع أن الآخرة خير وأبقى .

الأعلى 87:18

ثم ختم - سبحانه - السورة بقوله : ( إِنَّ هذا لَفِي الصحف الأولى . صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وموسى ) أى : إن هذا الذى ذكرناه من فلاح من تزكى ، ومن إيثاركم الحياة الدنيا على الآخرة ، لكائن وثابت ومذكور فى الصحف الأولى ، التى هى صحف إبراهيم وموسى ، التى أنزلها - سبحانه - على هذين النبيين الكريمين ، ليعلما الناس ما اشتملت عليه من آداب وأحكام ومواعظ . وفى إبهام هذه الصحف ، ووصفها بالقدم ، ثم بيان أنها لنبيين كريمين من أولى العزم من الرسل ، تنويه بشأنها ، وإعلاء من قدرها .وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

الأعلى 87:19

ثم ختم - سبحانه - السورة بقوله : ( إِنَّ هذا لَفِي الصحف الأولى . صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وموسى ) أى : إن هذا الذى ذكرناه من فلاح من تزكى ، ومن إيثاركم الحياة الدنيا على الآخرة ، لكائن وثابت ومذكور فى الصحف الأولى ، التى هى صحف إبراهيم وموسى ، التى أنزلها - سبحانه - على هذين النبيين الكريمين ، ليعلما الناس ما اشتملت عليه من آداب وأحكام ومواعظ . وفى إبهام هذه الصحف ، ووصفها بالقدم ، ثم بيان أنها لنبيين كريمين من أولى العزم من الرسل ، تنويه بشأنها ، وإعلاء من قدرها .وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

الغاشية 88:1

الاستفهام فى قوله - تعالى - : ( هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الغاشية ) للتحقيق والتقرير ، أو المقصود به التعجيب من حديث القيامة ، والتشويق إلى الاستماع إليه .والغاشية : لفظ مشتق من الغشيان ، وهو تغطية الشئ لغيره ، يقال : غشيه الأمر ، إذا غطاه ، والمقصود بالغاشية يوم القيامة ، ووصف يوم القيامة بذلك ، لأنه يغشى الناس بأهواله وشدائده ، ويغطى عقولهم عن التفكير فى أى شئ سواه .والمعنى : هل بلغك - أيها الرسول الكريم أو أيها المخاطب - حديث يوم القيامة ، الذى يغشى الناس بأحواله المفزعة ، ويعمهم بشدائده . . إن كان لم يأتك فهذا خبره ، وتلك هى أقسام الناس فيه .وافتتاح السورة بهذا الافتتاح - بجانب ما فيه من تشويق - يدل على أهمية هذا الخبر ، وأنه من الأخبار التى ينبغى الاستعداد لما اشتملت عليه من معانى لا يصح التغافل عنها .

الغاشية 88:2

ثم فصل - سبحانه - أحوال الناس فى هذا اليوم فقال : ( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ ) .قال الشوكانى : الجملة مستأنفة من كون ثَمَّ وجوه فى ذلك اليوم متصفة بهذهالصفة المذكورة ، و " وجوه " مرتفع على الابتداء - وإن كانت نكرة مرتفع على الابتداء - وإن كانت نكرة - لوقوعه فى مقام التفصيل . . والتنوين فى " يومئذ " عوض عن المضاف إليه . أى : يوم غشيان الغاشية .والخاشعة : الذليلة الخاضعة ، وكل متضائل ساكن يقال له خاشع . .والمراد بالوجوه : أصحابها ، من باب التعبير عن الكل بالبعض ، وخصت الوجوه بالذكر ، لأنها أشرف أعضاء الإِنسان ، ولأنها هى التى تظهر عليها الآثار المختلفة من حزن أو فرح . أى : وجوه فى يوم قيام الساعة ، تكون خاشعة ذليلة ، تبدو عليها آثار الهوان والانتكاس والخزى ، كما قال - تعالى - : ( وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذل . . . ).

الغاشية 88:3

وهذه الوجوه - أيضا - من صفاتها أنها ( عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ ) أى : مكلفة بالعمل الشاق المرهق الذى تَنْصَبُ له الوجوه فى هذا اليوم ، وتتعب تعبا ما عليه من مزيد ، كجر السلاسل ، وحمل الأغلال ، والخوض فى النار .فقوله : ( عاملة ) اسم فاعل من العمل ، والمراد به هنا : العمل الشاق المهين .وقوله : ( ناصبة ) من النَّصب ، بمعنى : التعب والإِعياء يقال : نَصِب فلان بكسر الصاد - كفرح - ينصب نصبا ، إذا تعب فى عمله تعبا شديدا .وفى هذه الصفات زيادة توبيخ لأهل النار ، لأنهم لما تركوا فى الدنيا الخشوع لله - تعالى - والعمل الصالح ، وآثروا متع الدنيا على ثواب الآخرة . . كان جزاؤهم يوم القيامة ، الإِذلال ، والعمل الشاق المهين الذى لا تعقبه راحة .

الغاشية 88:4

ثم أخبر - سبحانه - عن هذه الوجوه الشقية بأخبار أخرى فقال : ( تصلى نَاراً حَامِيَةً ) أى : أن هذه الوجوه تشوى بالنار الحامية يوم القيامة . يقال : صَلِىَ فلان النار فهو يصلاها ، إذا لفحته بحرها لفحا شديدا .

الغاشية 88:5

( تسقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ ) أى : هذه الوجوه يسقى أصحابها من عين قد بلغت النهاية فى الحرارة والغليان ، إذ الشئ الآنى ، هو الذى بلغ النهاية فى الحرارة ، يقال : أَنَى الماء يَأْنَى - كرمى يرمى - ، إذا بلغ الغاية فى الغليان ، ومنه قوله - تعالى - ( يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ ) قال الإِمام ابن جرير : قوله : ( تسقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ ) أى : تسقى أصحاب هذه الوجوه من شراب عين قد أَنَى حرها ، فبلغ غايته فى شدة الحر ، وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل . . فعن ابن عباس : هى التى قد طال أنيْهُا - أى : حرها - .وقال بعضهم : عنى بقوله : ( مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ ) أى : من عين حاضرة - أى : حاضرة لعذابهم .

الغاشية 88:6

وقوله - تعالى - : ( لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ . لاَّ يُسْمِنُ وَلاَ يُغْنِي مِن جُوعٍ )والضريع : هو شجر فى النار يشبه الشوك ، فيه ما فيه من المرارة والحرارة وقبح الرائحة .

الغاشية 88:7

وقوله : ( يسمن ) من السِّمَن - بكسر السين وفتح الميم - وهو وفرة اللحم والشحم فى الحيوان وغيره . يقال : فلان أسمنه الطعام ، إذا عاد عليه بالسمن .وقوله : ( يغنى ) من الإِغناء ودفع الحاجة ، يقال : أغنانى هذا الشئ عن غيره ، إذا كفاه واستغنى به عن سواه . أى : أن أصحاب هذه الوجوه التعيسة بجانب شرابهم من الماء البالغ النهاية فى الحرارة ، لهم - أيضا - طعام من أقبح الطعام وأردئه وأشنعه وأشده مرارة . . هذا الطعام لا يأتى بسمن ، ولا يغنى من جوع ، بل إن آكله ليزدرده رغما عنه .فأنت ترى أن الله - تعالى - قد أخبر عن أصحاب هذه الوجوه الشقية بجملة من الأخبار المحزنة المؤلمة ، التى منها ما يتعلق بهيئاتهم ، ومنها ما يتعلق بأحوالهم ، ومنها ما يتعلق بشرابهم ، ومنها ما يتعلق بطعامهم .ووصف - سبحانه - طعامهم بأنه لا يسمن ولا يغنى من جوع ، لزيادة تقبيح هذا الطعام ، وأنه شر محض ، لا مكان لأية فائدة معه .قال صاحب الكشاف : الضريع : اليابس من نبات الشبرق ، وهو جنس من الشوك ، ترعاه الإِبل ما دام رطبا ، فإذا يبس تحامته الإِبل وهو سم قاتل . .فإن قلت : كيف قيل : ( لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ ) وفى الحاقة ( وَلاَ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ ) قلت : العذاب ألوان ، والمعذبون طبقات ، فمنهم : أكله الزقوم ، ومنهم أكلة الغسلين ، ومنهم أكلة الضريع .والضريع : منفعتا الغذاء منفيتان عنه : وهما إماطة الجوع ، وإفادة القوة والسمن فى البدن . أو أريد : أن لا طعام لهم أصلا ، لأن الضريع ليس بطعام للبهائم ، فضلا عن الإِنس ، لأن الطعام ما أشبه أو أسمن ، وهما منه بمعزل ، كما تقول : ليس لفلان ظل إلى الشمس . نريد : نفى الظل على التوكيد . .وبعد هذا الحديث المؤثر عن الكافرين وسوء عاقبتهم ..

الغاشية 88:8

جاء الحديث عن المؤمنين ونعيمهم ، فقال - تعالى - : ( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ . لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ . فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ ) .قال الآلوسى : قوله : ( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ ) شروع فى رواية حديث أهل الجنة ، وتقديم حكاية أهل النار ، لأنه أدخل فى تهويل الغاشية ، وتفخيم حديثها ، ولأن حكاية حُسْنِ حال أهل الجنة ، بعد حكاية سوء أهل النار ، مما يزيد المحكى حسنا وبهجة . . . وإنما لم تعطف هذه الجملة على تلك الجملة ، إيذانا بكمال التباين بين مضمونهما . .أى : وجوه كثيرة تكون يوم القيامة ، ذات بهجة وحسن ، وتكون متنعمة فى الجنة بما أعطاها - سبحانه - من خير عميم ، جزاء عملها الصالح فى الدنيا .

الغاشية 88:9

( لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ ) أى : لعملها الذى عملته فى الدنيا راضية ، لأنها قد وجدت من الثواب عليه فى الآخرة ، أكثر مما كانت تتوقع وترجو .فالمراد بالسعى : العمل الذى كان يعمله الإِنسان فى الدنيا ، ويسعى به من أجل الحصول على رضا خالقه ، وهو متعلق بقوله ( راضية ) . وقدم عليه للاعتناء بشأن هذا السعى .

الغاشية 88:10

وقوله - تعالى - : ( فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ ) بيان لسمو مكانتهم . أى : هم كائنون فى جنة عالية ، مرتفعة المكان والمكانة ، فقد وصفت الجنة بالعلو ، للمبالغة فى حسنها وفى علو منزلتها ، فقد جرت العادة أن تكون أحسن الجنات ، ما كانت مرتفعة على غيرها .

الغاشية 88:11

ثم وصف - سبحانه - هذه الجنة بجملة من الصفات الكريمة فقال : ( لاَّ تَسْمَعُ فِيهَا لاَغِيَةً ) أى : لا تسمع فى هذه الجنة كلمة ذات لغو . واللغو : هو الكلام الساقط الذى لا فائدة فيه . أى : إنك - أيها المخاطب - لا تسمع فى الجنة إلا الكلام الذى تسر له نفسك ، وتقرُّ به عينك ، فلفظ اللاغية هنا : مصدر بمعنى اللغو ، مثل الكاذبة للكذب ، وهو صفة لموصوف محذوف .

الغاشية 88:12

( فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ ) يريد عيونا فى غاية الكثرة كقوله : ( عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ ) فالمراد بالعين عنا : جنس العيون ، وبالجارية : التى لا ينقطع ماؤها . .

الغاشية 88:13

( فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ ) أى : فى الجنة أماكن يجلس عليها أهلها جلوسا مرتفعا عن الأرض .وينامون فوقها نوما هادئا لذيذا . . والسرر : جمع سرير ، وهو الشئ ذو القوائم المرتفعة الذى يتخذ للجلوس والاضطجاع .ووصف - سبحانه - هذه السرر بالارتفاع ، لزيادة تصوير حسنها .

الغاشية 88:14

( وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ ) والأكواب جمع كوب . وهو عبارة عن الإِناء الذى تشرب فيه الخمر . أى : وفى الجنة أكواب كثيرة قد وضعت بين أيدى أهلها ، بحيث يشربون من الخمر التى وضعت فيها ، دون أن يجدوا أى عناء فى الحصول عليها .

الغاشية 88:15

( وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ ) والنمارق : جمع نمرقة - بضم النون وسكون الميم وضم الراء - ، وهى الوسادة الصغيرة التى يتكئ عليها الجالس والمضجع . أى : وفى الجنة وسائد كثيرة ، قد صف بعضها إلى جانب بعض صفا جميلا ، بحيث يجدها الجالس قريبة منه فى كل وقت .

الغاشية 88:16

( وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ ) والزرابى جمع زربية - بتثليث الزاى - وهى البساط الواسع الفاخر ، أو ما يشبه من الأشياء الثمينة التى تتخذ للجلوس عليها .والمبثوثة : أى : المنتشرة على الأرض ، من البث بمعى النشر ، كما فى قوله - تعالى - : ( وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ ) أى : وفيها بسط فاخرة جميلة . . مبسوطة فى كل مكان ، ومتفرقة فى كل مجلس .فأنت ترى أن الله - تعالى - قد وصف الجنة التى أعدها - سبحانه - لعباده المتقين بعدد من الصفات الكريمة المتنوعة .وصفها بأنها عالية فى ذاتها ، وبأنها خالية من الكلام الساقط ، وبأن ميالها لا تنقطع ، وبأن أثاثها فى غاية الفخامة ، حيث اجتمع فيها كل ما هو مريح ولذيذ .نسأل الله - تعالى - أن يجعلنا جميعا من أهلها .

الغاشية 88:17

ثم ساق - سبحانه - أنواعا من الأدلة المشاهدة ، التى لا يستطيع أحد إنكارها ، ليلفت أنظار الناس إلى مظاهر قدرته ووحدانيته . فقال - تعالى - : ( أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى الإبل كَيْفَ خُلِقَتْ . وَإِلَى السمآء كَيْفَ رُفِعَتْ . وإلى الجبال كَيْفَ نُصِبَتْ . وَإِلَى الأرض كَيْفَ سُطِحَتْ ) .والاستفهام للتقريع والتوبيخ ، والتحريض على التأمل والتفكر ، والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام ، والمراد بالنظر : التدبر فى تلك المخلوقات ، فإن من شأن هذا التدبر ، أنه يؤدى إلى الاعتبار والانتفاع . . والخطاب لأولئك الكافرين الجاهلين ، الذين أمامهم الشواهد الواضحة على وحدانية الله - تعالى - وقدرته ، ومع ذلك لم ينتبهوا لها .والمعنى : أيستمر هؤلاء الكافرون فى جهلهم وضلالهم ، وفى إنكارهم لأمر البعث والحساب والجزاء . . فلا ينظرون نظر اعتبار وتأمل ، إلى الإِبل - وهى أمام أعينهم - كيف خلقها الله ما - تعالى - بهذه الصورة العجيبة ، وأوجد فيها من الأعضاء المتناسقة ، ومن التكوين الخِلْقِى ، ما يجعلها تؤدى وظيفتها النافعة لبنى آدم ، على أكمل وجه ، فمن لبنها يشربون ، ومن لحمها يأكلون وعلى ظهرها يسافرون ، وأثقالهم عليها يحملون .وخص - سبحانه - الإِبل بالذكر من بين سائر الحيوانات ، لأنها أعز الأموال عند العرب ، وأقربها إلى مألوفهم وحاجتهم ، وأبدعها خلقا وهيئة وتكوينا .قال صاحب الكشاف : قوله - تعالى - : ( أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى الإبل ) نظر اعتبار ( كَيْفَ خُلِقَتْ ) خلقا عجيبا ، دالا على تقدير مقدر ، شاهدا بتدبير مدبر ، حيث خلقها للنهوض بالأثقال ، وجرها إلى البلاد الشاحطة ، أى البعيدة ، فجعلها تبرك حتى تحمل عن قرب ويسر ، ثم تنهض بما حملت ، وسخرها منقادة لكل من اقتادها بأزمتها ، لا تعارض ضعيفا ، ولا تمانع صغيرا .فإن قلت : كيف حسن ذكر الإِبل ، مع السماء والجبال والأرض ، ولا مناسبة؟ . .قلت : قد انتظم هذه الأشياء ، نظر العرب فى أوديتهم وبواديهم ، فانتظمها الذكر على حسب ما انتظمها نظرهم . .

الغاشية 88:18

وقوله - تعالى - : ( وَإِلَى السمآء كَيْفَ رُفِعَتْ ) أى : وهلا نظروا إلى السماء نظر اعتبار واتعاظ ، فعرفوا أن الذى خلقها هذا الخلق البديع ، بأن رفعها بدون أعمدة .. هو الله - عز وجل - .

الغاشية 88:19

( وإلى الجبال كَيْفَ نُصِبَت ) أى : كيف وجدت بهذا الوضع الباهر بأن نصبت على وجه الأرض ثابتا راسخا . يحمى الأرض من الاضطراب والتزلزل .

الغاشية 88:20

( وَإِلَى الأرض كَيْفَ سُطِحَتْ ) أى : كيف وسويت وفرشت وبسطت بطريقة تجعل الناس يتمكنون من الانتفاع بخيرها ، ومن الاستقرار عليها ، وهذا لا ينافى كونها كروية ، لأن الكرة إذا اشتد عظمها . . كانت القطعة منها كالسطح فى إمكان الانتفاع بها .

الغاشية 88:21

وبعد هذا التوبيخ لأولئك المشركين الذين عموا وصموا عن الحق ، ولم ينتبهوا لآيات الله - تعالى - الدالة على قدرته ووحدانيته . . أمر الله - تعالى - نبيه صلى الله عليه وسلم أن يداوم على التذكير بدعوة الحق ، فقال : ( فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ . لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ ) .والفاء فى قوله ( فذكر ) للتفريع ، وترتيب ما بعدها على ما قبلها . والأمر مستعمل فى طلب الاستمرار والدوام فى دعوته الناس إلى الحق ، ومفعول : " فذكر " محذوف العلم به .وجملة " إنما أنت مذكر " تعليل للأمر بالمواظبة على تبليغ الناس ما أمره بتبليغه .

الغاشية 88:22

والمصيطر : هو المتسلط ، المتجبر ، الذى يجبر الناس على الانقياد لما يأمرهم به .وقد قرأ الجمهور هذا اللفظ بالصاد ، وقرأ ابن عامر بالسين .أى : إذا كان الأمر كما بينا لك - أيها الرسول الكريم - من أحوال الناس يوم الغاشية ، ومن أننا نحن الذين أوجدنا هذا الكون بقدرتنا . . فداوم - أيها الرسولب الكريم - على دعوة الناس إلى الدين الحق ، فهذه وظيفتك التى لا وظيفة لك سواها ، وكِلْ أمرهم بعد ذلك إلينا ، فأنت لست بمجبر لهم أو مكره إياهم على اتباعك ، وإنما أنت عليك البلاغ ونحن علينا الحساب .

الغاشية 88:23

وقوله - سبحانه - ( إِلاَّ مَن تولى وَكَفَرَ . فَيُعَذِّبُهُ الله العذاب الأكبر ) كلام معترض بين قوله : ( فذكر . . ) وبين قوله - تعالى - بعد ذلك : ( إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ ) والاستثناء فيه استثناء منقطع ، و " إلا " بمعنى لكن ، و " مَنْ " موصولة مبتدأ . . والخبر . " فيعذبه الله العذاب الأكبر " .أى : داوم - أيها الرسول الكريم - على التذكير . . لكن من تولى وأعرض عن تذكيرك وإرشادك ، وأصر على كفره ، فنحن الذين سنتولى تعذيبهم تعذيبا شديدا .

الغاشية 88:24

وقوله - سبحانه - ( إِلاَّ مَن تولى وَكَفَرَ . فَيُعَذِّبُهُ الله العذاب الأكبر ) كلام معترض بين قوله : ( فذكر . . ) وبين قوله - تعالى - بعد ذلك : ( إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ ) والاستثناء فيه استثناء منقطع ، و " إلا " بمعنى لكن ، و " مَنْ " موصولة مبتدأ . . والخبر . " فيعذبه الله العذاب الأكبر " .أى : داوم - أيها الرسول الكريم - على التذكير . . لكن من تولى وأعرض عن تذكيرك وإرشادك ، وأصر على كفره ، فنحن الذين سنتولى تعذيبهم تعذيبا شديدا .

الغاشية 88:25

ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بقوله : ( إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ . ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ ) .والإِياب مأخوذ من الأوب بمعنى الرجوع إلى المكان الذى كان فيه قبل ذلك . والمراد به هنا : الرجوع إلى الله - تعالى - يوم القيامة للحساب والجزاء .أى : داوم - أيها الرسول الكريم - على تذكير الناس بدعوة الحق ، بدون إجبار لهم ، أو تسلط عليهم ، واتركهم بعد ذلك وشأنهم . . فإن إلينا وحدنا رجوعهم بعد الموت لا إلى أحد سوانا .

الغاشية 88:26

ثم إن علينا وحدنا - أيضا - حسابهم على أعمالهم ، ومجازاتهم عليها بالجزاء الذى نراه مناسبا لهم .وصدر - سبحانه - الآيتين بحرف التأكيد " إن " وعطف الثانية على الأولى بحرف " ثم " المفيد للتراخى فى الرتبة ، وقدم خبر " إن " فى الجلمتين على اسمها . . لإِفادة التهديد والوعيد ، وتأكيد أن رجوعهم إليه - تعالى - أمر لا شك فيه . وإن حسابهم يوم القيامة سيكون حسابا عسيرا ، لأنه صادر عمن لا تخفى عليه خافية فى الأرض ولا فى السماء .

الفجر 89:1

افتتح - سبحانه - السورة الكريمة بالقسم بخمسة أشياء لها شرفها وعظمها ، ولها فوائدها الدينية والدنيوية . . ولها دلالتها الواضحة على كمال قدرته - تعالى - .أقسم أولا - بالفجر ، وهو وقت انفجار الظلمة عن النهار من كل يوم ، ووقت بزوغ الضياء وانتشاره علىالكون بعد ليل بهيم .فالمراد بالفجر : الوقت الذى يبدأ فيه النهار فى الظهور ، بعد ظلام الليل ، والتعريف فيه للجنس ، لأن المقصود هذا الوقت من كل يوم .وقيل المراد بالفجر هنا : صلاة الفجر ، لأنها صلاة مشهودة ، أى : تشهدها الملائكة ، كما أن التعريف فيه للعهد ، فقيل : فجر يوم النحر ، وقيل : فجر يوم الجمعة . .ويبدو لنا أن الرأى الأول أرجح ، لأن قوله - تعالى - بعد ذلك ( وَلَيالٍ عَشْرٍ ) يرجح أن المراد به وقت معين . هذا الوقت يوجد مع كل يوم جديد .

الفجر 89:2

وأقسم - سبحانه - ثانيا بقوله : ( وَلَيالٍ عَشْرٍ ) والمراد بها : الليالى العشر الأُوَل من شهر ذى الحجة ، لأنها وقت مناسك الحج ، ففيها الإِحرام ، والطواف ، والوقوف بعرفة . .وقيل المراد بها : الليالى العشر الأواخر من رمضان وقيل : الليالى العشر الأُوَل من شهر المحرم . .قال الإِمام ابن كثير : والليالى العشر : المراد بها : عشر ذى الحجة . كما قاله ابن عباس وابن الزبير ، ومجاهد ، وغير واحد من السلف والخلف .وقد ثبت فى صحيح البخارى ، عن ابن عباس مرفوعا : " ما من أيام العمل الصالح ، أحب إلى الله - تعالى - فيهن ، من هذه الأيام " - يعنى : عشر ذو الحجة - قالوا : " ولا الجهاد فى سبيل الله؟ قال : ولا الجهاد فى سبيل الله ، إلا رجلا خرج بنفسه وماله ، ثم لم يرجع من ذلك بشئ " .وقيل : المراد بذلك : العشر الأُوَل من المحرم . وقيل : العشر الأُوَل من رمضان والصحيح القول الأول . .

الفجر 89:3

وأقسم - سبحانه - ثالثا ورابعا بقوله : ( والشفع والوتر ) والشفع : ما يكون ثانيا لغيره ، والوتر : هو الشئ المنفرد .وقد ذكرالمفسرون فى المراد بهذين اللفظين أقوالا متعددة ، فمنهم من يرى أنهما يعمان كل الأشياء شفعها ووترها ، ومنهم من يرى أن المراد بالشفع : يوم النحر ، لكونه اليوم العاشر من ذى الحجة ، وأن المراد بالوتر : يوم عرفة ، لأنه اليوم التاسع من شهر ذى الحجة . ومنهم من يرى أن المراد بهما : الصلاة المكتوبة ، ما كان منها شفعا ، كصلاة الظهر والعصر والعشاء والصبح ، وما كان منها وترا كالمغرب .ومنهم من يرى أن المراد بالشفع : جميع المخلوقات ، وبالوتر : الله - تعالى - الواحد الصمد .وقد رجح بعض العلماء هذا القول فقال ما ملخصه : والواقع أن أقرب الأقوال عندى - والله أعلم - . أن المراد بالوتر ، هو الله - تعالى - ، للحديث : " إن الله وتر يحب الوتر "وما سواه شفع . . لأنه ثبت علميا أنه لا يوجد كائن موجود بمعنى الوتر قط ، حتى الحصاة الصغيرة ، فإنه ثبت أن كل كائن جماد أو غيره مكون من ذرات ، والذرة لها نواة ومحيط .ولهذا كان القول بأن الوتر هو الله ، وبأن الشفع : جميع المخلوقات . . هو الراجح ، وهو الأعم فى المعنى .

الفجر 89:4

وأقسم - سبحانه - خامسا - بقوله : ( والليل إِذَا يَسْرِ ) أى : وحق الليل عندما يسرى ويمضى ، تاركا من خلفه ظلامه ، ليحل محله النهار بضيائه .أو المعنى : وحق الليل وقت أن يَسْرِى فيه السارون ، بعد أن أخذوا حظهم من النوم ، فإسناد السُّرَى إلى الليل على سبيل المجاز ، كما فى قولهم : ليل نائم ، أى : ينام فيه الناس ، وقرأ الجمهور ( يسر ) بحذف الياء وصلا وقفا ، اكتفاء عنها بالكسرة تخفيفا .وقرأ نافع وأبو عمرو بإثبات الياء عند الوصل ، وبحذفها عند الوقف .والمراد بالليل هنا : عمومه ، وقيل : المراد به هنا : ليلة القدر ، أو ليلة المزدلفة .

الفجر 89:5

والاستفهام فى قوله - تعالى - : ( هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِى حِجْرٍ ) للتقرير والتعظيم لما أقسم به - من مخلوقات . واسم الإِشارة " ذلك " يعود إلى تلك الأشياء التى أقسم الله - تعالى - بها .والمراد بالحِجْر العقل ، وسمى بذلك لأنه يَحْجُر صاحبه ويمنعه عن ارتكاب ما لا ينبغى ، كما سمى عقلا ، لأنه يَعْقِل صاحبه عن ارتكاب السيئات ، كما يعقِل العقالُ البعيرَ عن الضلال .والمعنى : هل فى ذلك الذى أقسمنا به من الفجر ، والليالى العشر ، والشفع والوتر . . قسم ، أى : مقسم به ، حقيق أن تؤكد به الأخبار عند كل ذى عقل سليم؟ .مما لا شك فيه أن كل ذى عقل سليم ، يعلم تمام العلم ، أن ما أقسم الله به من هذه الأشياء حقيق أن يقسم به ، لكونها - أى : هذه الأشياء - أمورا جليلة ، خليقة بالإِقسام بها لفخامة شأنها ، كما أن كل ذى عقل سليم يعلم - أيضا - أن المقسم بهذا المقسم ، وهو الله - عز وجل - صادق فيما أقسم عليه .فالمقصود من وراء القسم بهذه الأشياء ، تحقيق المقسم عليه . بأسلوب فيه ما فيه من التأكيد والتشويق وتحقيق المقسم عليه .وجواب القسم محذوف دل عليه قوله - تعالى - بعد ذلك : ( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ) إلى قوله : ( فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ ) .والتقدير : وحق هذه المخلوقات لتعذبن - أيها الكافرون - كما عذب الذين من قبلكم ، مثل عاد وثمود وفرعون .قال الجمل : فإن قلت : ما فائدة قوله - تعالى - : ( هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِى حِجْرٍ ) . بعد أن أقسم - سبحانه - بالأشياء المذكورة؟ قلنا : هو لزيادة التأكيد والتحقيق للمقسم عليه ، كمن ذكر حجة باهرة ، ثم قال : أفيما ذكرته حجة؟وجواب القسم محذوف ، أى : لتعذبن يا كفار مكة ، وقيل هو مذكور وهو قوله : ( إِنَّ رَبَّكَ لبالمرصاد ) ، وقيل محذوف لدلالة المعنى عليه ، أى لنجازين كل أحد بعمله ..

الفجر 89:6

ثم ذكر - سبحانه - على سبيل الاستشهاد ، ما أنزله من عذاب مهين ، بالأقوام المكذبين . فقال - تعالى - : ( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ) .والاستفهام فى قوله : ( أَلَمْ تَرَ . . ) للتقرير ، والرؤية : علمية ، تشبيها للعلم اليقينى بالرؤية فى الوضوح والانكشاف ، لأن أخبار هذه الأمم كانت معلومة للمخاطبين .ويجوز أن تكون الرؤية بصرية ، لكل م نشاهد آثار هؤلاء الأقوام البائدين . .والمراد بعاد : تلك القبيلة المشهورة بهذا الاسم ، والتى كانت تسكن الأحقاف ، وهو مكان فى جنوب الجزيرة العربية ، معروف للعرب ، قال - تعالى - : ( وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ واتبعوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ) سموا بذلك نسبة إلى أبيهم عاد بن عُوص ، بن إرم ، بن سام ، بن نوح - عليه السلام –

الفجر 89:7

فقوله - تعالى - : ( إرم ) عطف بيان لعاد ، لأنه جده الأدنى .وقوله - تعالى - : ( ذَاتِ العماد ) صفة لعاد ، و " ذات " وصف مؤنث لأن المراد بعاد القبيلة ، سمى أولاده باسمه ، كما سمى بنو هاشم هاشما .والمقصود بهذه القبيلة عاد الأولى ، التى أرسل الله - تعالى - إليهم هودا - عليه السلام - . وكانوا معروفين بقوتهم وضخامة أجسامهم . . وقد جاء الحديث عنهم كثيرا فى القرآن الكريم ، ومن ذلك قوله - تعالى - : ( فَأَمَّا عَادٌ فاستكبروا فِي الأرض بِغَيْرِ الحق وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً . . ).

الفجر 89:8

وقوله - سبحانه - : ( التي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي البلاد ) صفة أخرى لقبيلة عاد .والمعنى : لقد وصل إلى علمك - أيها الرسول الكريم - بصورة يقينية ، خبر قبيلة عاد ، التى جدها الأدنى " إرم بن سام بن نوح " " والتى كانت تسكن بيوتا ذات أعمدة ، ترفع عليها خيامهم ومبانيهم الفارهة . . والتى لم يخلق مثلها - أى : مثل هذه القبيلة - أحد فى ضخامة أجسام أفرادها ، وفى قوة أبدانها ، وفيما أعطاها الله - تعالى - من غنى وقوة .قال الإِمام ابن كثير ما ملخصه : قوله - تعالى - : ( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ . إِرَمَ ذَاتِ العماد . التي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي البلاد ) هؤلاء كانوا متمردين عتاة . . فذكر - سبحانه - كيف أهلكهم .وهؤلاء عم عاد الأولى ، وهم أولاد عاد بن إرم بن عوص بن سام بن نوح ، وهم الذين أرسل الله إليهم نبيهم هودا - عليه السلام - فكذبوه فأهلكهم الله - تعالى - .فقوله : ( إِرَمَ ذَاتِ العماد ) لأنهم كانوا يسكنون بيوت الشَّعر التى ترفع بالأعمدة الشداد .وقال ها هنا : ( التي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي البلاد ) أى : القبيلة التى لم يخلق مثلها فى بلادهم ، لقوتهم وشدتهم ، وعظم تركيبهم .. فالضمير فى ( مثلها ) يعود إلى القبيلة .ومن زعم أن المراد بقوله : ( إِرَمَ ذَاتِ العماد ) مدينة إما دمشق أو الاسكندرية . . ففيه نظر . . لأن المراد إنما هو الإِخبار عن إهلاك القبيلة المسماة بعاد ، وليس المراد بالإِخبار عن مدينة أو إقليم . وإنما نبهت على ذلك لئلا يغتر بما ذكره جماعة من المفسرين من أن المراد بقوله - تعالى - : ( إِرَمَ ذَاتِ العماد . . . ) مدينة مبنية بلبن الذهب والفضة . . فهذا كله من خرافات الإِسرائيلين . .

الفجر 89:9

وقوله - تعالى - : ( وَثَمُودَ الذين جَابُواْ الصخر بالواد . وَفِرْعَوْنَ ذِى الأوتاد ) معطوف على ما قبله . والمراد بثمود : القبيلة المسماة بهذا الاسم ، نسبة إلى جدها ثمود ، وقد أرسل الله - تعالى - إليهم نبيهم صالحا - عليه السلام - فكذبوه ، فأهلكهم الله - تعالى - .وكانت مساكنهم بين الشام والحجاز ، ومازالت معروفة حتى الآن باسم قرى صالح .وقوله : ( جَابُواْ ) بمعنى قطعوا . من الجوب بمعنى القطع والخرق ، والصخرة الحجارة العظيمة .والواد : اسم للأرض المنخفضة بين مكانين مرتفعين ، وكان هؤلاء القوم يقطعون الصخور من الجبال ، ليتخذوا منها بيوتهم بواديهم ، أى : بالمكان الذى كانوا يسكنونه .فقوله : ( بالواد ) علم بالغلبة للمكان الذى كانوا يسكنون فيه ، ويسمى بوادى القرى ، وقد قال - تعالى - فى شأنهم : ( وَتَنْحِتُونَ مِنَ الجبال بُيُوتاً فَارِهِينَ ) والمراد بفرعون هنا : هو وقومه . والمراد بالأوتاد : الجنود والعساكر الذين يشدون ملكه ويقوونه ، كما تشد الخيام وتقوى بالأوتاد .قال الآلوسى : وصف فرعون بذلك لكثرة جنوده وخيامهم ، التى يضربون أوتادها فى منازلهم ، أو لأنه كان يدق لمن يريد تعذيبه أربعة أوتاد ، ويشده بها . .وقال بعض العلماء : ووصف فرعون بذى الأوتاد ، لأن مملكته كانت تحتوى على الأهرامات ، التى بناها أسلافه ، لأن صورة الهرم على الأرض تشبه الوتد المدقوق ، ويجوز أن يكون المراد بالأوتاد : التمكن والثبات على سبيل الاستعارة ، أى : ذى القوة . .وقال صاحب الظلال : ( وَثَمُودَ الذين جَابُواْ الصخر بالواد وَفِرْعَوْنَ ذِى الأوتاد ) وهى على الأرجح الأهرامات ، التى تشبه الأوتاد الثابتة فى الأرض المتينة البنيان ، وفرعون المشار إليه هنا ، فرعون الطاغية الجبار ، الذى أرسل الله - تعالى - إليه موسى - عليه السلام - . .والمعنى : لقد علمت - أيها الرسول الكريم - وعلم معك كل من هو أهل للخطاب ، ما فعله ربك بقبيلة عاد ، التى جدها إرم بن سام بن نوح ، والتى كانت صاحبة أعمدة عظيمة ترفع عليها بيوتها ، والتى لم يخلق فى بلادها مثلها فى القوة والغنى .وعلمت - أيضا - ما فعله ربك بقوم ثمود ، الذين قطعوا صخر الجبال ، واتخذوا منها والعساكر الذين يشدون ملكه .

الفجر 89:10

وقوله - تعالى - : ( وَثَمُودَ الذين جَابُواْ الصخر بالواد . وَفِرْعَوْنَ ذِى الأوتاد ) معطوف على ما قبله . والمراد بثمود : القبيلة المسماة بهذا الاسم ، نسبة إلى جدها ثمود ، وقد أرسل الله - تعالى - إليهم نبيهم صالحا - عليه السلام - فكذبوه ، فأهلكهم الله - تعالى - .وكانت مساكنهم بين الشام والحجاز ، ومازالت معروفة حتى الآن باسم قرى صالح .وقوله : ( جَابُواْ ) بمعنى قطعوا . من الجوب بمعنى القطع والخرق ، والصخرة الحجارة العظيمة .والواد : اسم للأرض المنخفضة بين مكانين مرتفعين ، وكان هؤلاء القوم يقطعون الصخور من الجبال ، ليتخذوا منها بيوتهم بواديهم ، أى : بالمكان الذى كانوا يسكنونه .فقوله : ( بالواد ) علم بالغلبة للمكان الذى كانوا يسكنون فيه ، ويسمى بوادى القرى ، وقد قال - تعالى - فى شأنهم : ( وَتَنْحِتُونَ مِنَ الجبال بُيُوتاً فَارِهِينَ ) والمراد بفرعون هنا : هو وقومه . والمراد بالأوتاد : الجنود والعساكر الذين يشدون ملكه ويقوونه ، كما تشد الخيام وتقوى بالأوتاد .قال الآلوسى : وصف فرعون بذلك لكثرة جنوده وخيامهم ، التى يضربون أوتادها فى منازلهم ، أو لأنه كان يدق لمن يريد تعذيبه أربعة أوتاد ، ويشده بها . .وقال بعض العلماء : ووصف فرعون بذى الأوتاد ، لأن مملكته كانت تحتوى على الأهرامات ، التى بناها أسلافه ، لأن صورة الهرم على الأرض تشبه الوتد المدقوق ، ويجوز أن يكون المراد بالأوتاد : التمكن والثبات على سبيل الاستعارة ، أى : ذى القوة . .وقال صاحب الظلال : ( وَثَمُودَ الذين جَابُواْ الصخر بالواد وَفِرْعَوْنَ ذِى الأوتاد ) وهى على الأرجح الأهرامات ، التى تشبه الأوتاد الثابتة فى الأرض المتينة البنيان ، وفرعون المشار إليه هنا ، فرعون الطاغية الجبار ، الذى أرسل الله - تعالى - إليه موسى - عليه السلام - . .والمعنى : لقد علمت - أيها الرسول الكريم - وعلم معك كل من هو أهل للخطاب ، ما فعله ربك بقبيلة عاد ، التى جدها إرم بن سام بن نوح ، والتى كانت صاحبة أعمدة عظيمة ترفع عليها بيوتها ، والتى لم يخلق فى بلادها مثلها فى القوة والغنى .وعلمت - أيضا - ما فعله ربك بقوم ثمود ، الذين قطعوا صخر الجبال ، واتخذوا منها والعساكر الذين يشدون ملكه .

الفجر 89:11

و ( الذين طَغَوْاْ فِي البلاد ) فأفسدوها ، وتجاوزوا كل حد فى العصيان والظلم .

الفجر 89:12

( فَأَكْثَرُواْ فِيهَا ) أى : فى البلاد ( الفساد ) عن طريق الفسوق والخروج عن طاعتنا .

الفجر 89:13

( فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ ) أى : فكانت نتيجة طغيانهم وفسادهم ، أن أنزل ربك عليهم ، نوعا عظيما من العذاب المهين .والسوط : آلة تتخذ من الجلود القوية ، يضرب بها الجانى ، وإضافتها إلى العذاب ، من إضافة الصفة إلى الموصوف . أى : فصب عليهم ربك عذابا . " سوطا " أى : كالسوط فى سرعته ، وشدته وتتابعه ، فهو تشبيه بليغ .وعبر - سبحانه - على إنزال العذاب بهم بالصب - وهو الإِفراغ لما فى الظرف بقوة - للإِيذان بكثرته وتتابعه .وسميت أنواع العذاب النازلة بهم سوطا تسمية للشئ باسم آلته .قال صاحب الكشاف : وذكر السوط . إشارة إلى أن ما أحله بهم فى الدنيا من العذاب العظيم بالقياس إلى ما أعد لهم فى الآخرة ، كالسوط إذا قيس إلى سائر ما يعذب به .وعن عمر بن عبيد : كان الحسن إذا أتى على هذه الآية قال : إن عند الله أسواطا كثيرة ، فأخذهم بسوط منها . .

الفجر 89:14

وقوله - سبحانه - : ( إِنَّ رَبَّكَ لبالمرصاد ) تذييل وتعليل لإِصابتهم بسوط عذاب .والمرصاد فى الأصل : اسم للمكان الذى يجلس فيه الجالس لترقب أو رؤية شئ ما .والمراد : إن ربك - أيها الرسول الكريم - يرصد عمل كل إنسان ، ويحصيه عليه ، ويجازيه به ، دون أن يخفى عليه - سبحانه - شئ فى الأرض أو السماء .وفى هذه الآيات الكريمة تخويف شديد للكافرين ، وتهديد لهم على إصرارهم فى جحودهم ، وأنهم إذا ما ساروا فى طريق الجحود والعناد ، فسيصيبهم ما أصاب هؤلاء الطغاة .

الفجر 89:15

ثم ذكر - سبحانه - حال الإِنسان عند اليسر والعسر ، والغنى والفقر ، والسراء والضراء فقال :( فَأَمَّا الإنسان إِذَا . . . ) .الفاء فى قوله : ( فَأَمَّا الإنسان . . . ) للتفريع على ما تقدم ، ولترتيب ما بعدها على ما قبلها .والمراد بالإِنسان هنا : جنسه . وقيل المراد به الكافر . ولفظ " الإنسان " مبتدأ ، وخبره : ( فَيَقُولُ ربي أَكْرَمَنِ ) .والمعنى : هذه سنة ربك - أيها العاقل - فى عباده ، أنه - تعالى - لهم بالمرصاد ، فهو يراقب أعمالهم ، ويحاسبهم عليها ، ويجازيهم بها ، والسعيد من الناس هو الذى يفقه هذه الحقيقة ، فيؤدى ما كلفه خالقه به . . . فأما الإِنسان ، الشقى الغافل عن طاعة ربه . .( إِذَا مَا ابتلاه رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ ) أى : إذا ما اختبره وامتحنه ربه بألوان من النعم ، بأن منحه المال الكثير ، والجاه العريض ، وأسباب القوة والمنعة ( فيقول ) على سبيل التباهى والتفاخر . . ( ربي أَكْرَمَنِ ) أى : ربى أعطانى ذلك ، لأنى مستحق لهذه النعم ، كما قال - تعالى - : ( وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِّنَّا مِن بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هذا لِي وَمَآ أَظُنُّ الساعة قَآئِمَةً وَلَئِن رُّجِعْتُ إلى ربي إِنَّ لِي عِندَهُ للحسنىا ) .

الفجر 89:16

وقوله - سبحانه - : ( وَأَمَّآ إِذَا مَا ابتلاه فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ . . ) بيان لموقف هذا الإِنسان عند فقره . أى : وأما إذا ما امتحنا هذا الإِنسان بسلب بعض النعم عنه ، وبضيق الرزق . . ( فيقول ) على سبيل التضجر والتأفف وعدم الرضا بقضائه - سبحانه - : ( ربي أَهَانَنِ ) أى : ربى أذلنى بالفقر ، وأنزل بى الهوان والشرور .وقول هذذا الإِنسان فى الحالين ، قول مذموم ، يدل على سوء فكره ، وقصور نظره ، وانطماس بصيرته ، لأنه فى حالة العطاء والعسة فى الرزق ، يتفاخر ويتباهى ، ويتوهم أن هذه النعم هو حقيق وجدير بها ، وليست من فضل الله - تعالى - وكأنه يقول ما قاله قارون : ( إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ على عِلْمٍ عندي ) وفى حالة المنع والضيق فى الرزق يجزع ، ويأبى أن يرضى بقضاء الله وقدره . . ولا يخطر بباله أن نعم الله ، إنما هى فضل تفضل به - سبحانه - عليه ليختبره ، أيشكر أم يكفر . وأن تضييقه عليه فى الرزق ، ليس من الإِهانة فى شئ ، بل هو للابتلاء - أيضا - والامتحان ، كما قال - تعالى - : ( وَنَبْلُوكُم بالشر والخير فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ) قال الإِمام الشوكانى عند تفسيره لهاتين الآيتين : وهذه صفة الكافر الذى لا يؤمن بالبعث ، لأنه لا كرامة عنده إلا الدنيا والتوسع فى متاعها ، ولا إهانة عنده إلا فوتها وعدم وصوله إلى ما يريد من زينتها ، فأما المؤمن فالكرامة عنده أن يكرمه الله بطاعته ، ويوفقه لعمل الآخرة .ويحتمل أن يراد الإِنسان على العموم ، لعدم تيقظه أن ما صار إليه من الخير ، وما أصيب به من الشر فى الدنيا ، ليس إلا للاختبار والامتحان ، وأن الدنيا بأسرها ، لا تعدل عند الله - تعالى - جناح بعوضة ..واقتصر - سبحانه - فى الآية الكريمة على تقتير الرزق ، فى مقابلة النعمة ، دون غير ذلك من الأمراض والآفات ، للإِشعار بأن هذا الإِنسان يعتبر دنياه جنته ومنتهى آماله ، فهو لا يفكر إلا فى المال ولا يحزن إلا من أجله ، وأن المقياس عنده لمقادير الناس هو على حسب ما عندهم من أموال كما قال شاعرهم :فلو شاء ربى كنت قيسَ بن عاصمٍ ... ولو شاء ربى كنت عمرَو بنَ مَرْثِدفأصبحت ذا مال كثير وطاف بى ... بنونَ كرامٌ ، سادةٌ لُمسوَّدولما كان هذا القول مذموما من هذا الإِنسان فى الحالين . لعدم شكره لله - تعالى - فى حالة الرخاء ، ولعدم صبره على قضائه فى حالة البأساء .

الفجر 89:17

لما كان الأمر كذلك جاء حرف الردع بعد ذلك فقال - تعالى - : ( كَلاَّ بَل لاَّ تُكْرِمُونَ اليتيم . وَلاَ تَحَآضُّونَ على طَعَامِ المسكين )فقوله - تعالى - : ( كلا ) زرج وردع عن قول هذا الإِنسان ( ربي أَكْرَمَنِ ) عند حصول النعمة ، وعن قوله ( ربي أَهَانَنِ ) عند حصول التقتير فى الرزق ، لأن الله - تعالى - قد يوسع على الكافر وهو مهان ومبغوض منه - تعالى - ، وقد يضيق - سبحانه - على المؤمن مع محبته له ، وكلا الأمرين حاصل بمقتضى حكمته - عز وجل - والمؤمن الصادق هو الذى يشكر عند الرخاء ، ويصبر عند البأساء .و " بل " هنا للإضراب الانتقالى ، من ذمهم على القبيح من القول ، إلى ذمهم بما هو أشنع منه ، وهو ارتكابهم للقبيح من الأفعال .أى : كلا ليس قولكم هذا وهو أن الإِكرام فى الإعطاء ، والإهانة فى المنع - هو القبيح فحسب ، بل هناك ما هو أقبح منه ، وهو أنكم ، أيها الكافرون - .( لاَّ تُكْرِمُونَ اليتيم ) أى : لا تعطفون على اليتيم وهو الذى مات أبوه وهو صغير ، بأن تتركوه معرضا للفقر والاحتياج ، دون أن تعملوا على تقديم يد المساعدة إليه .

الفجر 89:18

( وَلاَ تَحَآضُّونَ على طَعَامِ المسكين ) أى : ولا يحث بعضكم بعضا على إطعام المساكين والبائسين .ونفى الحض على إطعامهم ، نفى لإِطعامهم من باب أولى ، وفى ذلك زيادة لمذلتهم ، لأنهم لا يطعمون ، ولا يحضون غيرهم عليه ، لأنهم قوم خلت قلوبهم من الرحمة والعطف .قال الآلوسى : قوله - سبحانه - : ( بَل لاَّ تُكْرِمُونَ اليتيم ) أى : لا تعطفون على اليتيم وهو الذى مات أبوه وهو صغير ، بأن تتركوه معرضا للفقر والاحتياج ، دون أن تعملوا على تقديم يد المساعدة إليه .( وَلاَ تَحَآضُّونَ على طَعَامِ المسكين ) أى : ولا يحث بعضكم بعضا على إطعام المساكين والبائسين .ونفى الحض على إطعامهم ، نفى لإِطعامهم من باب أولى ، وفى ذلك زيادة لمذلتهم ، لأنهم لا يطعمون ، ولا يحضون غيرهم عليه ، لأنهم قوم خلت قلوبهم من الرحمة والعطف .قال الآلوسى : قوله - سبحانه - : ( بَل لاَّ تُكْرِمُونَ اليتيم .. ) إلخ . انتقال وترق من ذم هذا الإِنسان على القبيح من القول ، إلى الأقبح من الفعل ، والالتفات إلى الخطاب ، لتشديد التقريع ، وتأكيد التشنيع . . والجمع باعتبار معنى الإِنسان ، إذ المراد الجنس . أى : بل لكم أفعال وأحوال أشد شرا مما ذكر ، وأدل على تهالككم على المال ، حيث أكرمكم - سبحانه - بكثرة المال ، ولكنكم لم تؤدوا ما يلزمكم فيه من إكرام اليتيم .والمراد بطعام المسكين : إطعامه ، فالطعام مصدر بمعنى الإِطعام . . أو المراد به : الشئ المطعوم ، ويكون الكلام على حذف مضاف . أى : على بذل طعام المسكين . .

الفجر 89:19

وقوله - سبحانه - : ( وَتَأْكُلُونَ التراث أَكْلاً لَّمّاً ) بيان لرذيلة ثالثة من رذائلهم المتعددو . والتراث : هو المال الموروث عن الغير . والمراد بالأكل مطلق الانتفاع ، وخص الأكل بالذكر ، لأنه يشمل معظم وجوه التصرفات المالية .والَّلُّم : الجمع بدون تفرقة بين الحلال والحرام ، مأخوذ من قولهم : لَمَّ الطعام ، إذا أكله كله دون أن يترك منه شيئا .أى : ومن صفاتكم القبيحة أنكم تأكلون المال الموروث عن غيركم ، أكلا شديدا ، بحيث لا تتركون منه شيئا ، ولا تفرقون بين ما هو حلال أو حرام ، ولا بين ما يحمد وما لا يحمد ، بل تأخذون حقوقكم وحقوق غيركم من النساء والصبيان .

الفجر 89:20

ومن صفاتكم - أيضا - أنكم ( وَتُحِبُّونَ المال حُبّاً جَمّاً ) أى : حبا كثيرا مع حرص وشَرَه . يقال : جمّ الماء فى الحوض ، إذا كثر واجتمع ، ومنه الجَمُوع للبئر الكثيرة الماء .والحب المفرط للمال من الصفات الذميمة ، لأنه يؤدى إلى جمعه من كل طريق ، بدون تفرقة بين ما يحل منه وما يحرم .فأنت ترى أن الله - تعالى - قد وصف هذا النوع من الناس ، بأنه قد جمع فى سوء سلوكه ، بين النطق بالقبيح من الأقوال ، وبين ارتكاب القبيح من الأفعال ، وهى : ترك اليتيم بلا رعاية ، وعدم الحض على إطعام المحتاج ، وجمع المال الموروث بدون تفرقة بين حلاله وحرامه ، والإِفراط فى حب المال بطريقة ذميمة .

الفجر 89:21

وبعد هذا الزجر والردع لهم ، لسوء أقوالهم وأفعالهم ، أخذت السورة الكريمة فى زجرهم وردعهم عن طريق تذكيرهم بأهوال الآخرة فقال : - تعالى - : ( كَلاَّ إِذَا دُكَّتِ الأرض دَكّاً دَكّاً ) . وقوله - تعالى - : ( كَلاَّ إِذَا دُكَّتِ الأرض دَكّاً دَكّاً ) ردع لهم وزجر عن أفعالهم السابقة ، وهى عدم إكرام اليتيم ، وعدم الحض على طعام المسكين .وقوله : ( دُكَّتِ الأرض ) من والدك : بمعنى الكسر والدق والزلزلة الشديدة ، والتحطيم الجسيم ، وانتصب لفظ " دكا " الأول على أنه مصدر مؤكد للفعل ، وانتصاب الثانى على أنه تأكيد الأول . وقيل : تكرار " دكا " للدلالة على الاستيعاب ، كقولك : قرأت النحو بابا بابا ، أى : قرأته كله .قال القرطبى : قوله - تعالى - : ( كَلاَّ إِذَا دُكَّتِ الأرض . . ) أى : ما هكذا ينبغى أن يكون الأمر . فهو رد لانكبابهم على الدنيا ، وجميعهم لها ، فإن من فعل ذلك يندم يوم تدك الأرض ، ولا ينفعه الندم ، والدك .الكسر والدق ، أى : زلزلت وحركت تحريكا بعد تحريك .وقوله : ( دَكّاً دَكّاً ) أى : مرة بعد مرة ، زلزلت فكسر بعضها بعضا فتكسر كل شئ على ظهرها . .

الفجر 89:22

وقوله - تعالى - : ( وَجَآءَ رَبُّكَ . . . ) هذه الآية وأمثالها من آيات الصفات التى يرى السلف وجوب الإِيمان بها كما جاءت ، بمعنى أننا نؤمن بمجئ الله - تعالى - ولكن من غير تكييف ولا تمثيل ، بل نكل علم كيفية مجيئة إلى مشيئته - تعالى - .والخلف يؤولون ذلك بأى المجئ هنا بمعنى مجئ أمره وقضائه .قال الآلوسى : قوله - تعالى - : ( وَجَآءَ رَبُّكَ . . . ) قال منذر بن سعيد ، معناه : ظهر - سبحانه - للخلق هنالك ، وليس ذلك بمجئ نقلة . . وقيل : الكلام على حذف مضاف للتهويل ، أى : وجاء أمر ربك وقضاؤه . واختار جع أنه تمثيل لظهور آيات اقتداره - تعالى - وتبيين آثار قدرته وسلطانه ، مثلت حاله - سبحانه - فى ذلك ، بحال الملك إذا حضر بنفسه ظهر بحضوره من آثار الهيبة ما لا يظهر بحضور عساكره ووزرائه وخواصهعن بكرة أبيهم ، وأنت تعلم ما للسلف فى المتشابه من الكلام .( والملك ) أى : جنس المَلَكِ ، فيشمل جميع الملائكة ( صَفّاً صَفّاً ) أى : مصطفين ، أو ذوى صفوف .

الفجر 89:23

وقوله - تعالى - : ( وجياء يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ ) أى : وأحضرت جهنم وظهرت وبرزت للكافرين والفاسقين يوم القيامة ، يوم تدك الأرض دكا .وقوله : ( يَوْمَئِذٍ ) منصوب بقوله ( وجئ ) . وقوله ( جهنم ) قائم مقام الفاعل .روى الإِمام مسلم فى صحيحه عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام ، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها . . " .( يَوْمَئِذٍ ) أى : فى هذا اليوم العسير ، وهو يوم القيامة - وهو بدل من قوله - تعالى - : ( إِذَا دُكَّتِ الأرض ) - ( يَتَذَكَّرُ الإنسان ) أى : يتذكر ما فرط منه من ذنوب ، وما ارتكبه من سيئات ، وما وقع فيه من كفر وفسوق عن أمر ربه .( وأنى لَهُ الذكرى ) أى : ومن أين له الانتفاع بهذا التذكر ، لأنه تذكر قد جاء فى غير وقت الانتفاع به ، وهو وقت الحساب على الأعمال ، لا وقت التوبة من السيئ منها .

الفجر 89:24

( يَقُولُ ) هذا الانسان الشقى ( ياليتني قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ) أى : يقول حين يرى العذاب ماثلا أمامه ، يقول - على سبيل التحسر والتفجع - : يا ليتنى قدمت أعمالا صالحة لأجل حياتى هذه فى الآخرة ، فاللام للتعليل ، وقدمت أعمالا صالحة فى وقت حياتى فى الدنيا لأنتفع بها فى هذا اليوم ، فتكون اللام للتوقيت .

الفجر 89:25

( فَيَوْمَئِذٍ ) أى : ففى هذا اليوم لا ينفعه الندم ولا التحسر ، و ( لاَّ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ ) والوثاق : الرباط الذى يقيد به الأسير .أى : ففى هذا اليوم لا يعذِّب كعذاب الله أحد ، ولا يوثِق كوثاقه أحد ، فالضمير فى قوله : ( عَذَابَهُ ) و ( ثَاقَهُ ) يعود إلى الله - ولفظ " أحد " فاعل .وقرأ الكسائى : ( لاَّ يُعَذِّبُ ) و ( لاَ يُوثِقُ ) - بفتح الذال المشددة ، وفتح الثاء - على البناء للمفعول ، والضمير فى قوله ( عذابه ) و ( وثاقه ) يعود للكافر .أى : فيومئذ لا يعذب أحد مثل عذاب ذلك الإِنسان الكافر المتحسر ، ولا يوثق أحد مثل وثاقه ، ولفظ " أحد " هنا نائب فاعل .وشبيه بهاتين الآيتين قوله - تعالى - : ( قَالَ الله إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ ) - أى : المائدة - ( فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فإني أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ العالمين ).

الفجر 89:26

( فَيَوْمَئِذٍ ) أى : ففى هذا اليوم لا ينفعه الندم ولا التحسر ، و ( لاَّ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ ) والوثاق : الرباط الذى يقيد به الأسير .أى : ففى هذا اليوم لا يعذِّب كعذاب الله أحد ، ولا يوثِق كوثاقه أحد ، فالضمير فى قوله : ( عَذَابَهُ ) و ( ثَاقَهُ ) يعود إلى الله - ولفظ " أحد " فاعل .وقرأ الكسائى : ( لاَّ يُعَذِّبُ ) و ( لاَ يُوثِقُ ) - بفتح الذال المشددة ، وفتح الثاء - على البناء للمفعول ، والضمير فى قوله ( عذابه ) و ( وثاقه ) يعود للكافر .أى : فيومئذ لا يعذب أحد مثل عذاب ذلك الإِنسان الكافر المتحسر ، ولا يوثق أحد مثل وثاقه ، ولفظ " أحد " هنا نائب فاعل .وشبيه بهاتين الآيتين قوله - تعالى - : ( قَالَ الله إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ ) - أى : المائدة - ( فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فإني أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ العالمين ).

الفجر 89:27

ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بهذه البشارة العظيمة للمؤمنين فقال : ( ياأيتها النفس المطمئنة . ارجعي إلى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً . فادخلي فِي عِبَادِي . وادخلي جَنَّتِي ) .والنفس المطمئنة : هى النفس الآمنة من الخوف أو الحزن فى يوم القيامة . بسبب إيمانها الصادق ، وعملها الصالح ، والكلام على إرادة القول . أى : يقول الله - تعالى - على لسان ملائكته ، إكراما للمؤمنين ، عند وفاتهم ، أو عند تمام حسابهم : يأيتها النفس الآمنة المطمئنة ، الناعمة بروح اليقين ، الواثقة بفضل الله - تعالى - ورحمته .

الفجر 89:28

( ارجعي إلى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً ) أى : ارجعى إلى ربك الذى خلقك ، وأنت راضية تمام الرضا بما أعطاك - سبحانه - من ثواب ، ومرضى عنك منه - تعالى - بسبب إيمانك الصادق ، وعملك الصالح .

الفجر 89:29

( فادخلي فِي عِبَادِي ) أى فادخلى فى زمرة عبادى الصالحين المرضين .

الفجر 89:30

( وادخلي جَنَّتِي ) التى وعدتهم بها ، والتى أعددتها لنعيمهم الدائم المقيم .وقد ذكروا أن هذه الآيات الكريمة نزلت فى شأن عثمان بن عفان لّما تصدق ببئر رومة .وقيل : نزلت فى حمزة بن عبد المطلب حين استشهد .قال القرطبى : والصحيح أنها عامة فى نفس كل مؤمن مخلص طائع . .نسأل الله - تعالى - أن يجعلنا جميعا من أصحاب النفوس المطمئنة .وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم . .

البلد 90:1

افتتحت السورة الكريمة بالقسم ، تشويقا لما يرد بعده ، وتأكيدا للمقسم عليه .و " لا " فى مثل هذا التركيب ، يرى المحققون أنها مزيدة للتأكيد ، والمعنى : أقسم بهذا البلد . أى : مكة المكرمة ، وقد جاء القسم بها فى قوله - تعالى - : ( والتين والزيتون . وَطُورِ سِينِينَ . وهذا البلد الأمين ) قال الشيخ محمد عبده - رحمه الله - : قوله : ( لاَ أُقْسِمُ . . ) عبارة من عبارات العرب فى القسم ، يراد بها تأكيد الخبر ، كأنه فى ثبوته وظهوره لا يحتاج إلى قسم . ويقال إنه يؤتى بها فى القسم إذا أريد تعظيم المقسم به . كأن القائل يقول : إنى لا أعظمه بالقسم ، لأنه عظيم فى نفسه ، والمعنى فى كل حال على القسم . .وقال بعض العلماء : " لا " هذه للنفى ، وهذه عبارة تعود العرب أن يقولوها عندما يكون المقسم عليه ظاهر أمره ، كأنه - تعالى - يقول : أنا لا أقسم بهذه الأشياء ، على إثبات هذا المطلوب الذى أذكره بعد ، لأن إثباته أظهر وأجلى وأقوى من أن يحاول محاول إثباته بالقسم .ويقال : معناه : أنا لا أقسم بهذه الأشياء على إثبات المطلوب ، لأنه أعظم وأجل وأكبر من أن يقسم عليه ، بهذه الأمور الهينة الشأن ، والغرض على هذا الوجه ، تعظيم المقسم عليه ، وتفخيم شأنه . .والإِشارة بلفظ " هذا " مع بيانه بالبلد ، إشارة إلى حاضر فى أذهان السامعين ، لأن مكة بعضهم كان يعيش فيها . وبعضهم كان يعرفها معرفة لاخفاء معها ، وشبيه بذلك قوله - تعالى - : ( إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البلدة الذي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيءٍ ) وفائدة الإِتييان باسم الإِشارة هنا : تميييز المقسم به أكمل تمييز لقصد التنيويه به .

البلد 90:2

وجملة : ( وَأَنتَ حِلٌّ بهذا البلد ) معترضة بين القسم وجوابه .وقوله - تعالى - ( حل ) اسم مصدر أحل بمعنى أباح ، فيكون المعنى : وأنت - أيها الرسول الكريم - قد استحل كفار مكة إيذاءك ومحاربتك . . مع أنهم يحرمون ذلك النسبة لغيرك ، فى هذا البلد الأمين .ويصح أن يكون لفظ " حل " هنا بمعنى اللحال الذى هو ضد الحرام يقال : هو حل وحلال ، وحِرْمٌ وحرام . . فيكون المعنى : وأنت أيها الرسول الكريم - قد أحل الله - تعالى - لك أن تفعل بهؤلاء المشركين ما شئت من القتل أو العفو .وتكون الجملة الكريمة ، بشارة للنبى صلى الله عليه وسلم بأن الله - تعالى - سينصره على مشركى قريش ، ويمكنه من رقابهم . . وقد أنجز له - سبحانه - ذلك يوم الفتح الأكبر .قال صاحب الكشاف : أقسم الله - تعالى - بالبلد الحرام وما بعده ، على أن الإِنسان خلق مغمورا فى مكابدة المشاق والشدائد ، واعترض بين القسم والمقسم عليه بقوله : ( وَأَنتَ حِلٌّ بهذا البلد ) يعنى : زمن المكابدة أن مثلك - يا محمد - على عظم حرمتك ، يُسْتَحلُّ بهذا البلد الحرام ، كما يستحل الصيد فى غير الحرم .وفيه تثبيت لرسول الله صلى الله عليه وسلم وبعث على احتمال ما كان يكابد من أهل مكة ، وتعجيب من حالهم فى عداوته .أو سلى صلى الله عليه وسلم بالقسم ببلده ، على أن الإِنسان لا يخلو من مقاساة الشدائد ، واعترض بأن وعده فتح مكة تتميما للتسلية والتنفيس عليه فقال : ( وَأَنتَ حِلٌّ بهذا البلد ) .يعنى : وأنت حل به فى المستقبل ، تصنع فيه ما تريد من القتل والأسر .فإن قلت : أين نظير قوله : ( وَأَنتَ حِلٌّ ) فى معنى الاستقبال؟ قلت : قوله - تعالى - ( إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ ) وكفاك دليلا قاطعا على أنه للاستقبال ، وأن تفسيره بالحال محال ، أن السورة بالاتفاق مكية ، وأين الهجرة من وقت نزولها؟ فما بال الفتح؟ويرى بعضهم أن معنى قوله - تعالى - : ( وَأَنتَ حِلٌّ بهذا البلد ) : وأنت مقيم بهذا البلد ، ونازل فيه ، وحالّ به ، وكفى فخراً لمكة أن تنزل فيها - أيها الرسول الكريم - فإن الأمكنة الشريفة تزداد شرفا بنزول رسل الله - تعالى - فيها ، فكيف وأنت خاتمهم وإمامهم؟قال بعض العلماء : وحكى ابن عطية عن بعض المتأولين : أن معنى ( وَأَنتَ حِلٌّ بهذا البلد ) وأنت ساكن بهذا البلد ، حال فيه . . وهو يقتضى أن تكون هذه الآية موضع الحال من ضمير " أقسم " فيكون القسم بالبلد مقيدا باعتبار بلد محمد صلى الله عليه وسلم وهو تأويل جميل ، لو ساعد عليه ثبوت استعمال " حل " بمعنى حالٍّ ، أى : مقيم فى مكان ، فإن هذا لم يرد فى كتب اللغة . . ولذا لم يذكر هذا المعنى صاحب الكشاف . .ويبدو لنا أن هذه الأقوال لا تعارض بينها ، بل يؤيد بعضها بعضا ، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد آذاه أهل مكة ، بينما حرموا إيذاء غيره ، وأن الله - تعالى - قد مكن رسوله صلى الله عليه وسلم منهم . كما حدث فى غزوة الفتح ، وأنه صلى الله عليه وسلم قد أقام معهم فى مكة أكثر من خمسين سنة ، وكان يلقب عندهم بالصادق الأمين . .

البلد 90:3

وقوله - سبحانه - : ( وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ ) معطوف على المقسم به الأول وهو قوله - تعالى - : ( بهذا البلد ) . وداخل فى حيز القسم . والمراد بالوالد آدم - عليه السلام - ، والمراد بما ولد : ذريته من بعده .أى : أقسم بهذا البلد الذى له ماله من الشرف ، والمكانة السامية بين البلاد . . وأقسم بأبيكم آدم ، وبذريته من بعده . . أو أقسم بكل والد وبكل مولود .وجئ باسم الموصول " ما " فى قوله ( وَمَا وَلَدَ ) دون " من " مع أنها أكثر استعمالا فى العاقل الذى هو مراد هنا ، لأن " ما " أشد إبهاما ، وشدة الإِبهام المقصود بها هنا التفخيم والتعظيم .. وشبيه بذلك قوله - تعالى - : ( فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أنثى والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ . . . ) كما أن تنكير لفظ " والد " هنا للتعظيم أيضا .وقيل المراد بالوالد هنا : إبراهيم - عليه السلام - وبما ولد : الصالحون من ذريته .وقيل المراد بالوالد : من يولد له ، وبقوله ( وَمَا وَلَدَ ) الذى لم يولد له وعليه تكون ما نافية .وقد رجح الإِمام ابن جرير المعنى الأول فقال : والصواب من القول من ذلك ، ما قاله الذين قالوا : إن الله - تعالى - أقسم بكل والد وولده ، لأن الله - تعالى - عم كل والد وما ولد ، وغير جائز أن يخص ذلك إلا بحجة يجب التسليم لها من خبر أو عقل . ولا خبر بخصوص ذلك ولا برهان يجب التسليم له بخصوصه ، فهو على عمومه . .

البلد 90:4

وقوله - تعالى - ( لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فِي كَبَدٍْ ) جواب القسم . والمراد بالإِنسان : جنسه ، والكبد : الشدة والتعب والمشقة ، من المكابدة للشئ ، بمعنى تحمل المشاق والمتاعب فى فعله ، وأصله من كَبِد الرجل - بزنة طرب - فهو أَكْبَد ، إذا أصيبت كبده بالمرض ، ثم اتسع فيه فاستعمل فى كل تعب ومشقة تنال الإِنسان .والمعنى : لقد خلقنا الإِنسان لهذه الشدائد والآلام ، التى هى من طبيعة هذه الحياة الدنيا ، والتى لا يزال يكابدها وينوء بها ، ويتفاعل معها . . حتى تنتهى حياته ، ولا فرق فى ذلك بين غنى أو فقير ، وحاكم أو محكوم وصالح أو طالح . . فالكل يجاهد ويكابد ويتعب ، من أجل بلوغ الغاية التى يبتغيها .قال الآلوسى ما ملخصه : قوله : ( لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فِي كَبَد ) أى : فى تعب ومشقة ، فإنه لا يزال يقاسى فنون الشدائد من وقت نفخ الروح إلى حين نزعها .وعن ابن عمر - رضى الله عنهما - يكابد الشكر على السراء ويكابد الصبر على الضراء . وقيل : لقد خلقناه منتصب القامة واقفا ، ولم نجعله منكبا على وجهه .وقيل : جعلناه منتصبا رأسه فى بطن أمه ، فإذا أذن له فى الخروج قلب رأسه إلى قدمى أمه . . وهذه الأقوال ضعيفة لا يعول عليها ، والصحيح الأول . .والحق أن تفسير الكبد بالمشقة والتعب ، هو الذى تطمئن إليه النفس؛ لأنه لا يوجد فى هذه الحياة إِنسان إلا وهو مهموم ومشغول بمطالب حياته ، وفى كبد وتعب للحصول على آماله ورغباته وغاياته ، ورحم الله القائل :تعب كلها الحياة فما أعجب ... إلا من راغب فى ازديادوقال - سبحانه - ( فِي كَبَد ) للإِشعار بأنه لشدة مقاساته ومكابدته للمشاق والمتاعب ، وعدم انفكاكه عنها . . كالظِرف بداخل المظروف فهو فى محن ومتاعب ، حتى يصير إلى عالم آخر تغاير أحوالهُ أحوالَ هذا العالم .

البلد 90:5

والاستفهام فى قوله - تعالى - بعد ذلك : ( أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ .يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُّبَداً . أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ ) للإِنكار والتوبيخ .أى : أيظن هذا الإِنسان الذى هو فى تعب ومشقة طول حياته ، أنه قد بلغ من القوة والمنعة . . بحيث لا يقدر عليه أحد .إن كان يتوهم ذلك ، فهو فى ضلال مبين ، لأن الله - تعالى - الذى خلقه ، قادر على إهلاكه فى لمح البصر ، وقادر على أن يسلط عليه من يذله ، ويقضى عليه .ويدخل فى هذا التوبيخ دخولا أوليا ، أولئك المشركون الذين اغتروا بقوتهم ، فآذوا النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه إيذاء شديداً .

البلد 90:6

ثم حكى - سبحانه - جانبا من أقوال هذا النوع الجاحد المغرور من بنى آدم فقال : ( يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُّبَداً ) أى : يقول هذا الإِنسان المغرور بقوته ، والمفتون بماله ، المتفاخر بما هو معه من حطام الدنيا . يقول - على سبيل التباهى والتعالى على غيره - لقد أنفقت مالا كثيرا ، فى عداوة النبى صلى الله عليه وسلم ، وفى إيذاء أتباعه ، وفى غير ذلك من الوجوه التى كان أهل الجاهلية يظنونها خيرا ، وما هى إلا شر محض . وعبر - سبحانه - عن إنفاق هذا الشقى لما له بقوله : ( يَقُولُ أَهْلَكْتُ . . . ) للإِشعار ، بأن ما أنفقه من مال هو شئ هالك ، لأنه لم ينفق فى الخير ، وإنما أنفق فى الشر .والمال اللُّبَد : هو المال الكثير الذى تلبد والتصق بعضه ببعض لكثرته وهو جمع لُبْدة - بضم اللام وسكون الباء - كغرفة وغرف ، وهى ما تلبد من صوف أو شعر ، أى : تجمع والتصق بعضه بعض .

البلد 90:7

وقوله - سبحانه - : ( أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ ) توبيخ لهذا الغرور إثر توبيخ ، وتجهيل فى أعقاب تجهيل . أى : أيظن هذا الجاهل المغرور ، حين أنفق المال الكثير فى المعاصى والسيئات ، أن الله - تعالى - غير مطلع عليه؟ إن كان يظن ذلك فهو فى نهاية الجهالة وانطماس البصيرة ، لأن الله - تعالى - مطلع عليه ، ولا تخفى عليه خافية فى الأرض ولا فى السماء ، وسيحاسبه على ذلك حسابا عسيرا .وفى الحديث الشريف : لن تزل قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع : عن شبابه فيم أبلاه ، وعن عمره فيم أفناه ، وعن ماله من أين اكتسبه ، وفيم أنفقه .

البلد 90:8

ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك جانبا من مظاهر نعمه ، على هذا الإِنسان الجاهل والمغرور . فقال - تعالى - : ( أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ . وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ . وَهَدَيْنَاهُ النجدين ) .والاستفهام هنا للتقرير ، لأن الله - تعالى - قد جعل له كل ذلك ، ولكنه لم يشكر الله - تعالى - على هذه النعم ، بل قابلها بالجحود والبطر . .أى : لقد جعلنا لهذا الإِنسان عينين ، يبصر بهما .

البلد 90:9

وجعلنا له لسانا ينطق به ، وشفتين - وهما الجلدتان اللتان تستران الفم والأسنان - تساعدانه على النطق الواضح السليم .واقتصر - سبحانه - على العينين ، لأنهما أنفع المشاعر ، ولأن المقصود إنكار ظنه أنه لم يره أحد ، ولأن الإِبصار حاصل بذاتهما .وذكر - سبحانه - اللسام وذكر معه الشفتين ، للدلالة على أن النطق السليم ، لا يتأتى إلا بوجودهما معا ، فاللسان لا ينطق نطقا صحيحا بدون الشفتين ، وهما لا ينطقان بدونه .

البلد 90:10

وقوله - تعالى - : ( وَهَدَيْنَاهُ النجدين ) بيان لنعمة أخرى هى أجل النعم وأعظمها .والنجد : الأرض المرتفعة ، وجمعه نجود ، ومنه سميت بلاد نجد بهذا الاسم ، لأنها مرتفعة عن غيرها . . والمراد بالنجدين هنا : طريق الخير . وطريق الشر ، أى : وهدينا هذا الإِنسان وأرشدناه إلى طريق الخير والشر ، عن طريق رسلنا الكرام ، وعن طريق ما منحناه من عقل ، يميز به بين الحق والباطل ، ثم وهبناه الاختيار لأحدهما ، كما قال - تعالى - : ( إِنَّا هَدَيْنَاهُ السبيل إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ) قال بعض العلماء : وكأنهما إنما سميا نجدين - أى : سبيل الخير والشر : لأنهما لما وضحت الدلائل ، وقربت الحجج ، وظهرت البراهين ، جعلا كالطريق المرتفعة العالية ، فى أنها واضحة لذوى الأبصار .أو إنما سميا بذلك ، للإِشارة إلى أن كل منهما وعورة يشق معها السلوك ، ولا يصبر عليها إلا من جاهد نفسه وراضها ، وليس سلوك طريق الشر بأهون من سلوك الخير ، بل الغالب أن يكون طريق الشر ، أشق وأصعب ، وأحوج إلى الجهد . .

البلد 90:11

وبعد بيان هذه النعم الجليلة التى أنعم الله بها - سبحانه - على الإِنسان ، أتبع - سبحانه - ذلك بحضه على المداومة على فعل الخير ، وعلى إصلاح نفسه ، فقال - تعالى - : ( فَلاَ اقتحم العقبة ) للتفريع على ما تقدم ، والمقصود بهذه الآية الحض على فعل الخير بدل الشر .وقوله : ( اقتحم ) من الاقتحام للشئ ، بمعنى دخوله بشدة . يقال : اقتحم الجنود أرض العدو ، إذا دخلوها بقوة وسرعة ، وبدون مبالاة بارتكاب المخاطر .والعقبة فى الأصل : الطريق الوعر فى الجبل ، والمراد بها هنا : مجاهدة النفس ، وقسرها على مخالفة هواها وشهوتها ، وحملها على القول والفعل الذى يرضى الله - تعالى - .والمعنى : لقد جعلنا للإِنسان عينين ولسانا وشفتين . وهديناه النجدين . فهلا بعد كل هذه النعم ، فعل ما يرضينا ، بأن جاهد نفسه وهواه ، وبأن قدم ماله فى فك الرقاب ، وإطعام اليتامى والمساكين .قال الجمل : وقوله : ( فَلاَ اقتحم العقبة ) أى : فهلا اقتحم العقبة ، فلا بمعنى هلا التى للتحضيض . أى : الذى أنفق ماله فى عداوة النبى صلى الله عليه وسلم هلا أنفقه فى اقتحام العقبة فيأمن . .وقد استعيرت العقبة لمجاهدة النفس ، وحملها على الإِنفاق فى سبيل الخير ، لأن هذه الأعمال شاقة على النفس ، فجعلت كالذى يتكلف سلوك طريق وعر . .ويصح أن تكون " لا " هنا ، على معناها الحقيقى وهو النفى ، فيكون المعنى : أن هذا الإِنسان الذى جعلنا له عينين .. لم يشكرنا على نعمنا ، فلا هو اقتحم العقبة ، ولا هو فعل شيئا ينجيه من عذابنا .وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله : قوله ( فَلاَ اقتحم العقبة ) يعنى : فلم يشكر تلك الأيادى والنعم بالأعمال الصالحة : من فك الرقاب ، وإطعام اليتامى والمساكين . . بل غمط النعم ، وكفر بالمنعم . .فإن قلت : قلما تقع " لا " الداخلة على الماضى ، غير مكررة ، فما لها لم تكرر فى الكلام الأفصح؟ قلت : هى متكررة فى المعنى ، لأن المعنى ( فَلاَ اقتحم العقبة ) . . فلا فكَّ رقبة ، ولا أطعم مسكينا . ألا ترى أنه فسر اقتحام العقبة بذلك . .

البلد 90:12

والاستفهام فى قوله - سبحانه - : ( وَمَآ أَدْرَاكَ مَا العقبة ) لتفخيم شأنها ، والتهويل من أمرها ، والتشويق إلى معرفتها .والكلام على حذف مضاف ، والتقدير : وما أدراك ما اقتحام العقبة؟

البلد 90:13

ثم فسر - سبحانه - ذلك بقوله : ( فَكُّ رَقَبَةٍ ) . والمراد بفك الرقبة إعتاقها وتخليصها من الرق والعبودية . إذ الفك معناه : تخليص الشئ من الشئ . .وقد ساق الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية ، جملة من الأحاديث التى وردت فى فضل عتق الرقاب ، وتحريرها من الرق . .ومن هذه الأحاديث قوله صلى الله عليه وسلم " من أعتق رقبة مؤمنة ، أعتق الله بكل إِرْبِ منها - أى عضو منها - إربا منه من النار . . . " .وقوله صلى الله عليه وسلم : " ومن أعتق رقبة مؤمنة فهى فكاكه من النار . . " .وقراءة الجمهور ( فَكُّ رَقَبَةٍ ) برفع " فك " وإضافته إلى " رقبة " .وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائى : " فك " بفتح الكاف على أنه فعل ماض ، ونصب لفظ " رقبة " على أنه مفعول به .وقد ذهب جمع من المفسرين إلى أن المراد بفك الرقبة : أن يخلص الإِنسان نفسه من المعاصى والسيئات ، التى تكون سببا فى دخوله النار .

البلد 90:14

وقوله - سبحانه - : ( أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ) بيان لفضيلة ثانية من الفضائل التى تؤدى إلى مجاهدة النفس ، وحملها على طاعة الله - تعالى - .والمسغية : المجاعة ، مصدر ميميى بمعنى السَّغَب ، يقال : سغب الرجل - كفرح ونصر - إذا أصابه الجوع . ووصف اليوم بذلك على سبيل المبالغة كما فى قولهم : نهارة صائم . .وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائى " أطعم " بصيغة الفعل الماضى .أى : اقتحام العقبة . أى : التمكن من حمل النفس على طاعة الله - تعالى - يتمثل فى فك الرقاب . وفى إطعام المحتاجين فى يوم يشتد فيه جوعهم .

البلد 90:15

وقوله - سبحانه - : ( يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ . أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَة ) بيان لفضيلة ثالثة من الفضائل التى تؤدى إلى رضا الله - تعالى - .وقوله : ( يَتِيماً ) منصوب على أنه مفعول به لقوله " إطعام " أو أطعم على القراءة الثانية .واليتيم : هو الشخص الذى مات أوبه وهو صغير . .والمقربة : بمعنى القرابة ، مصدر ميمى ، من قرب فلان من فلان ، إذا كان بينهما نسب قريب . .والمتربة : الحاجة والافتقار الشديد ، مصدر ميمى من ترب الرجل - كطرب - إذا افتقر ، حتى لكنه قد لصق بالتراب من شدة الفقر ، وأنه ليس له مأوى سوى التراب .وأما قولهم : أترب فلان ، فمعناه استغنى ، حتى لكأن ماله قد صار كالتراب من كثرته .أى : اقتحام العقبة من أكبر مظاهره : ك الرقاب ، وإطعام الطعام لليتامى الأقارب .

البلد 90:16

وللمساكين المحتاجين إلى العون والمساعدة .وخص - سبحانه - الإطعام بكونه فى يوم ذى مجاعة ، لأن إخراج الماء فى وقت القحط ، أثقل على النفس ، وأوجب لجزيل الأجر ، كما قال - تعالى - : ( لَن تَنَالُواْ البر حتى تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ ) وقيد - سبحانه - اليتيم بكونه ذا مقربة ، لأنه فى هذه الحالة يكون له حقان : حق القرابة ، وحق اليتم ، ومن كان كذلك فهو أولى بالمساعدة من غيره .

البلد 90:17

وقوله - تعالى - : ( ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين آمَنُواْ وَتَوَاصَوْاْ بالصبر وَتَوَاصَوْاْ بالمرحمة ) معطوف على قوله - تعالى - قبل ذلك : ( فَلاَ اقتحم العقبة . . . ) .و " ثم " هنا للتراخى الرتبى ، للدلالة على أن ما بعدها أصل لقبول ما قبلها .والمعنى : هلا كان هذا الإِنسان ممن فكوا الرقاب ، وأطعموا لليتامى والمساكين . . ثم كان - فضلا عن كل ذلك - من الذين آمنوا بالله - تعالى - إيمانا حقا ، وممن أوصى بعضهم بعضا بفضيلة الصبر ، وفضيلة التراحم والتعاطف .لقد كان من الواجب عليه . . لو كان عاقلا - أن يكون من المؤمنين الصادقين ، ولكنه لتعاسته وشقائه وغروره ، لم يكن كذلك ، لأنه لا هو اقتحم العقبة ، ولا هو آمن . .وخص - سبحانه - من أوصاف المؤمنين تواصيهم بالصبر ، وتواصيهم بالمرحمة ، لأن هاتين الصفتين على رأس الصفات الفاضلة بعد الإِيمان بالله - تعالى - :

البلد 90:18

واسم الإِشارة فى قوله : ( أولئك أَصْحَابُ الميمنة ) يعود على الذين آمنوا وتواصوا بالصبر ، وتواصوا بالمرحمة . أى : أولئك الموصوفون بتلك الصفات الكريمة ، هم أصحاب الجهة اليمنى التى فيها السعداء الذين يؤتون كتابهم بأيمانهم ، فالمراد بالميمنة : جهة اليمين . .

البلد 90:19

ثم بين - سبحانه - بعد ذلك سوء عاقبة الكافرين فقال : ( والذين كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا ) أى : الدلالة على وحدانيتا وقدرتنا ( هُمْ أَصْحَابُ المشأمة ) أى : هم فى جهة الشمال التى فيها الأشقياء ، أو هم أصحاب الشؤم على أنفسهم بسبب إصرارهم على كفرهم ، .

البلد 90:20

( عَلَيْهِمْ نَارٌ مُّؤْصَدَةٌ ) أى : عليهم نار مغلقة بحيث لا يستطيعون الخروج منها ، تقول آصدت الباب وأوصدته ، إذا أحكمت غلقه ، والاسم فيهما ، الإِصاد والوصاد . .نسأل الله - تعالى - أن يجعلنا من أصحاب الميمنة .وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

الشمس 91:1

افتتح - سبحانه - هذه السورة الكريمة ، بالقسم بكائنات عظيمة النفع ، جليلة القدر ، لها آثارها فى حياة الناس والحيوان والنبات ، ولها دلالتها الواضحة على وحدانيته - تعالى - وكمال قدرته ، وبديع صنعه .فقال - سبحانه - : ( والشمس وَضُحَاهَا ) والضحى الوقت الذى ترتفع فيه الشمس بعد إشراقها ، فتكون أكمل ما تكون ضياء وشعاعا .فالمراد بضحاها : ضؤوها - كما يرى مجاهد - ، أو النهار كله - كما اختار قتادة وغيره - ، أو حرها - كما قال مقاتل - .وهذه الأقوال لا تنافر بينها ، لأن لفظ الضحى فى الأصل ، يطلق على الوقت الذى تنبسط فيه الشمس ، ويمتد النهار ، تقولك ضَحِى فلان يَضْحَى - كرضى يرضى - ، إذا برز للشمس ، وتعرض لحرها ، ومنه قوله - تعالى - : ( إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تعرى . وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَأُ فِيهَا وَلاَ تضحى ).

الشمس 91:2

وقوله - تعالى - : ( والقمر إِذَا تَلاَهَا ) أى : تبعها ، تقول : فلان تلا فلانا يتلوه ، إذا تبعه ، قال بعض العلماء : فأما أن القمر تابع للشمس فيحتمل معنيين : أحدهما : أنه تال لها فى ارتباط مصالح الناس ، وتعلق منافع هذا العالم بحركته ، وقد دل علم الهيئة على أن بين الشمس والقمر من المناسبة ما ليس بين غيرهما من الكواكب . وثانيهما : أن القمر يأخذ نوره ويستمده من نور الشمس . وهذا قول الفراء قديما ، وقد قامت الأدلة عند علماء الهيئة والنجوم ، على أن القمر يستمد ضوءه من الشمس . .وقال الشيخ ابن عاشور : وفى الآية إشارة إلى أن نور القمر ، مستفاد من نور الشمس ، أى : من توجه أشعة الشمس إلى ما يقابل الأرض من القمر ، وليس نيرا بذاته ، وهذا إعجاز علمى من إعجاز القرآن . .

الشمس 91:3

وقوله - سبحانه - : ( والنهار إِذَا جَلاَّهَا ) أى : جلى الشمس وأظهرها وكشفها للناظرين .قال الآلوسى : وقوله : ( والنهار إِذَا جَلاَّهَا ) أى : جلى النهار الشمس ، أى : أظهرها ، فإنها تنجلى وتظهر إذا انبسط النهار ، ومضى منه مدة ، فالإِسناد مجازى كالإِسناد فى نحو : صام نهاره .وقيل : الضمير المنصوب يعود إلى الأرض ، وقيل : إلى الدنيا ، والمراد بها وجه الأرض ، وقيل : إلى الظلمة ، وجلاها حينئذ بمعنى أزالها ، وعدم ذكر المرجع على هذه الأقوال للعلم به .والأول أولى ، لذكر المرجع واتساق الضمائر . .

الشمس 91:4

وقوله - سبحانه - : ( والليل إِذَا يَغْشَاهَا ) أى : يغشى الليلُ الشمسَ فيغطى ضوءها ، فالضمير فى يغشاها يعود إلى الشمس .وقيل : يعود إلى الدنيا ، وقيل : إلى الأرض أى : يغشى الليل الدنيا والأرض بظلامه .والحق أن فى قوله - تعالى - ( جَلاَّهَا ) و ( يَغْشَاهَا ) إشارة واضحة إلى أن الضمير فيهما يعود إلى الشمس ، إذ النهار يجلى الشمس ويكشفها أتم انكشاف ، والليل يزيل ضوءها ويستره ، فنسب - سبحانه - إلى النهار ما يلائمه بالنسبة للشمس ، وكذلك الحال بالنسبة لليل .

الشمس 91:5

ثم قال - تعالى - : ( والسمآء وَمَا بَنَاهَا ) أى : وحق السماء وحق من بناها وأنشأها وأوجدها على تلك الصورة البديعة الرائعة .فما هنا اسم موصول بمعنى مَنْ ، والمراد بمن بناها : الله - عز وجل - وأوثرت على مَنْ التى تأتى للعاقل كثيرا ، لإِشعارها معنى الوصفية . أى : وحق السماء ، وحق القادر العظيم الذى بناها وأوجدها على هذه الهيئة الجميلة الدقيقة .وقد أشار إلى ذلك صاحب الكشاف فقال : و الوجه أن تكون " ما " موصولة - أى : فى هذه الآية وما بعدها - وإنما أوثرت على مَنْ لإِرادة معنى الوصفية ، كأنه قيل : والسماء والقادر العظيم الذى بناها .ومنهم من يرى أن " ما " هنا مصدرية ، فيكون المعنى : وحق السماء وبنيانها .

الشمس 91:6

وقوله - تعالى - : ( والأرض وَمَا طَحَاهَا ) أى : وحق الأرض ومن بسطها من كل جانب ، وجعلها مهيأة للاستقرار عليها : يقال : طحى فلان الشئ ودحاه ، إذا بسطه ووسعه .

الشمس 91:7

وقوله - سبحانه - : ( وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ) أى : وحق النفوس ، وحق من أنشأها من العدم فى أحسن تقويم ، وجعلها مستعدة لتلقى ما يكملها ويصحلها .ويبدو أن المراد بالنفس هنا : القوة المدبرة للإِنسان ، يكون المقصود بتسويتها . منحها القوى الكثيرة المتنوعة ، التى توصلها إلى حسن المعرفة ، والتمييز بين الخير والشر ، والنفع والضر ، والهدى والضلال .

الشمس 91:8

قالوا : وقوله : - تعالى - بعد ذلك : ( فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ) يشير إلى أن المراد بالنفس فى قوله - تعالى - : ( وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ) القوة المدبرة للإِنسان ، والتى عن طريقها يدرك الأمور إدراكا واضحا ، ويختار منها ما يناسب استعداده .والإِلهام : هو التعريف والإِفهام للشئ ، أو التمكين من فعله أو تركه ، والفجور : فعل ما يؤدى إلى الخسران والشقاء . والتقوى : هى الإِتيان بالأقوال والأفعال التى ترضى الله - تعالى - وتصون الإِنسان من غضبه -عز وجل - .أى : فعرف - سبحانه - النفس الإِنسان و ألهمها وأفهمها معنى الفجور والتقوى ، وبين لها حالهما ، ووضح لها ما ينبغى أن تفعله وما ينبغى أن تتركه ، من خير أو شر ، ومن طاعة أو معصية ، بحيث يتميز عندها الرشد من الغى ، والخبيث من الطيب .ومن الآيات التى وردت فى هذا المعنى قوله - تعالى - : ( وَهَدَيْنَاهُ النجدين ) وقوله - عز وجل - : ( إِنَّا هَدَيْنَاهُ السبيل إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ) وقدم - سبحانه - هنا الفجور على التقوى ، مراعاة لأحوال المخاطبين بهذه السورة ، وهم كفار قريش ، الذين كانت أعمالهم قائمة على الفجور والخسران ، بسبب إعراضهم عما جاءهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم من حق وبر .

الشمس 91:9

وقوله - سبحانه - : ( قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا . وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا ) يصح أن يكون جوابا للقسم . والفلاح : الظفر بالمطلوب .والتزكية : التزود من الخير والطاعة ، والحرص على تطهير النفس من كل سوء .

الشمس 91:10

وقوله : ( دَسَّاهَا ) أى : نقصها وأخفاها بالمعاصى والآثام . وأصل فعل دسَّى : دسَّسَ ، فلما اجتمع ثلاث سينات ، قلبت الثالثة ياء ، يقال : دس فلان الشئ إذا أخفاه وكتمه .والمعنى : وحق الشمس وضحاها ، وحق القمر إذا تلاها ، وحق النفس وحق من سواها ، وجعلها متمكنة من معرفة الخير والشر . لقد أفلح وفاز وظفر بالمطلوب ، ونجا من المكروه ، من طهر نفسه من الذنوب والمعاصى . وقد خاب وخسر نفسه . وأوقعها فى التهلكة ، من نَقَصها وأخفاها وأخملها وحال بينها وبين فعل اليخر بسبب ارتكاب الموبقات والشرور .قال الآلوسى ما ملخصه : وقوله - تعالى - : ( قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا ) جواب القسم . وإليه ذهب الزجاج وغيره . والأصل : لقد أفلح ، فحذفت اللام لطول الكلام المقتضى للتخفيف . وفاعل من " زكاها " ضمير " مَنْ " والضمير المنصوب للنفس . .ويرى المحققون من العلماء أن جواب القسم محذوف ، للعلم به ، فكأنه - سبحانه - قد قال : وحق الشمس وضحاها ، وحق القمر إذا تلاها . . ليقعن البعث والحساب والجزاء ، أو لتحاسبن على أعمالكم ، ودليل هذا الجواب قوله - تعالى - بعد ذلك : ( كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَآ )

الشمس 91:11

( كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَآ )لأن هذه الآية الكريمة وما بعدها ، تدل على أن الله - تعالى - قد اقتضت سنته ، أن يحاسب من فسق عن أمره ، وأصر على تكذيب رسله .وعلى هذا سار صاحب الكشاف ، فقد قال : فإن قلت : فأين جواب القسم؟ قلت : هو محذوف ، تقديره : ليُدَمْدِ مَنَّ الله عليهم ، أى : على مكة لتكذيبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما دمدم على قبيلة ثمود لأنهم كذبوا صالحا - عليه السلام - وأما قوله : ( قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا ) فكلام تابع لقوله : ( فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ) على سبيل الاستطراد ، وليس من جواب القسم فى شئ . .وقد أقسم الله - تعالى - بهذه الكائنات المختلفة ، والتى لها مالها من المنافع بالنسبة للإِنسان وغيره ، لتأكيد وحدانيته ، وكمال قدرته ، وبليغ حكمته .وبدأ - سبحانه - بالشمس ، لأنها أعظم هذه الكائنات ، وللتنويه بشأن الإِسلام ، وأن هديه كضياء الشمس ، الذى لا يترك للظلام أثرا .وقد ساق الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآيات بعض الأحاديث ، منها ما رواه الطبرانى عن ابن عباس - رضى الله عنهما - قال : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مر بهذه الآية : ( وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا . فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ) وقف ثم قال : " اللهم آت نفسى تقواها أنت وليها ومولاها . وخير من زكاها " وعن أبى هريرة رضى الله عنه . قال : " سمعت النبى يقرأ ( فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ) قال : " اللهم آت نفسى تقواها ، وزكها أنت خير من زكاها ، وليها ومولاها " " .وبعد هذا الحديث الطويل المؤكد بالقسم ، والدال على وحدانيته ، وبديع صنعه ..

الشمس 91:12

أتبع ذلك ببيان ما حل بالمكذبين السابقين ، ليكون هذا البيان عبرة وعظة للمشركين المعاصرين للنبى ، فقال - تعالى - : ( كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَآ . إِذِ انبعث أَشْقَاهَا . فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ الله نَاقَةَ الله وَسُقْيَاهَا . فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا . وَلاَ يَخَافُ عُقْبَاهَا ) .والمراد بثمود : تلك القبيلة التى أرسل الله - تعالى - إلى أهلها صالحا - عليه السلام - لكى يأمرهم بإخلاص العبادة لله وحده . ومفعول " كذبت " محذوف للعلم به .والباء فى قوله " بطغواها " للسببية ، والطَّغْوَى : اسم مصدر من الطغيان ، وهو مجاوزة الحد المعتاد .أى : كذبت قبيلة ثمود - نبيهم صالحا - عليه السلام بسبب طغيانهم وإفراطهم فى الجحود والتكبر والعناد : وقيل : إن الباء للتعدية ، والطغوى : اسم للعذاب الذى نزل به ، والذى توعدهم به نبيهم .أى : كذبت ثمود بعذابها ، الذى توعدهم رسولهم به ، إذا استمروا فى كفرهم وطغيانهم .والظرف فى قوله - سبحانه - : ( إِذِ انبعث أَشْقَاهَا ) متعلق بقوله ( طغواها ) ، لأن وقت انبعاث أشقاهم لقتل الناقة . هو أشد أوقات طغيانهم وفجورهم .وفعل " انبعث " مطاوع بعث ، تقول : بعثته فانبعث ، كما تقول : كسرته فانكسر . ويصح أن يكون متعلقا بقوله : ( كذبت ) .وقوله ( أَشْقَاهَا ) أى : أشقى تلك القبيلة ، وهو قُدَار - بزنة غراب - بن سالف ، الذى يضرب به المثل فى الشؤم ، فيقال : فلان أشأم من قدار .أى : كذبت ثمود نبيها ، بسبب طغيانها ، وقت أن أسرع أشقى تلك القبيلة ، وهو قدار بن سالف ، لعقر الناقة التى نهاهم نبيهم عن مسها بسوء .وعبر - سبحانه - بقوله : ( انبعث ) للإِشعار بأنه قام مسرعا عندما أرسله قومه لقتل الناقة ، ولم يتردد فى ذلك لشدة كفره وجحوده .

الشمس 91:13

وقوله - تعالى - : ( فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ الله نَاقَةَ الله وَسُقْيَاهَا ) أى : فقال لهم رسول الله - تعالى - إليهم . وهو صالح - عليه السلام - على سبيل التحذير والإِنذار : احذروا عقر ناقة الله - تعالى - ، واحذروا سقياها ، أى : الوقت المحدد لشرابها فلا تمنعوها فيه من الشرب ، فإن لها يوم لا تشاركونها فيه الشرب ، وإن لكم يوما آخر هى لن تشارككم فيه . وقد قال لهم صالح - عليه السلام - هذا الكلام ، عندما شعر بأنهم قد بيتوا النية على عقرها .فالفاء فى قوله - تعالى - : ( فَقَالَ لَهُمْ . . . ) عاطفة على قوله ( كذبت ) لإِفادة الترتيب والتعقيب . .أى : قال لهم ذلك فى أعقاب شعوره بتصميمهم على تكذيبه ، وعلى قتل الناقة .ولفظ " ناقة " منصوب على التحذير ، والكلام على حذف مضاف . أى : احذروا عقر ناقة الله ، وأضيفت إلى لفظ الجلالة ، على سبيل التشريف لها ، لأنها قد جعلها - سبحانه - معجزة لنبيه صالح - عليه السلام - ودليلا على صدقه .وقوله : ( وَسُقْيَاهَا ) معطوف على ناقة الله ، وهو منصوب - أيضا - على التحذير .أى : احذروا أن تقتلوا الناقة ، واحذروا أن تشاركوها فى اليوم الخاص بشربها ، فضلا عن أن تؤذوها .

الشمس 91:14

وقوله - سبحانه - : ( فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا ) بيان لموقفهم السيئ من تحذير نبيهم لهم ، ولما أصابهم من عذاب مهلك بسبب هذا التكذيب .وقوله : ( فَدَمْدَمَ ) - بزنة فعلل - بمعنى تضعيف العذاب وترديده ، يقال : دمدمت على الشئ ، أى : أطبقت عليه ، ودمدم عليه القبر ، أى : أطبقه عليه .أى : فكذبت قوم صالح نبيهم ، وأصروا على هذا التكذيب ، وتجاوزوا ذلك إلى عقر الناقة التى نهاهم عن مسها بسوء . . فكانت نتيجة ذلك ، أن أهلكهم الله - تعالى - وأن أخذهم أخذ عزيز مقتدر ، فقد أطبق عليهم الأرض ، وسواها من فوقهم جميعا دون أن يفلت منهم أحد ، وصاروا كلهم تحت ترابها ، ونجى - سبحانه - صالحا ومن آمن معه . بفضله ورحمته .

الشمس 91:15

والضمير فى قوله - سبحانه - : ( وَلاَ يَخَافُ عُقْبَاهَا ) يعود إلى الله - تعالى - أى : ولا يخاف الله - تعالى -عاقبة ما فعله بهؤلاء الطغاة الأشقياء ، لأن الذى يخاف إنما هو المخلوق .أما الخالق لكل شئ ، فإنه - تعالى - لا يخاف أحدا ، لأنه لا يسأل عما يفعل ، ولأنه - تعالى - هو العادل فى أحكامه ، والضمير فى عقباها ، يعود إلى الفعلة أو إلى الدمدمة .ومنهم من جعل الضمير فى " يخاف " يعود إلى أشقاها ، أى : أن هذا الشقى قد أسرع إلى عقر الناقة دون أن يخشى سوء عاقبة فعله ، لطغيانه وجهله .نسأل الله - تعالى - أن يجعلنا جميعا من عباده الصالحين .وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

الليل 92:1

أقسم الله - سبحانه - فى افتتاح هذه السورة بثلاثة أشياء ، على أن أعمال الناس مختلفة .أقسم - أولا - بالليل فقال : ( والليل إِذَا يغشى ) أى : وحق الليل إذا يغشى النهار ، فيغطى ضياءه ، ويذهب نوره ، ويتحول الكون معه من حالة إلى حالة ، إذ عند حلول الليل يسكن الخلق عن الحركة ، ويأوى كل إنسان أو حيوان أو مأواه ، ويستقبلون النوم الذى فيه ما فيه من الراحة لأبدانهم ، كما قال - تعالى - : ( وَجَعَلْنَا الليل لِبَاساً . وَجَعَلْنَا النهار مَعَاشاً ).

الليل 92:2

وأقسم - ثانيا - بالنهار فقال : ( والنهار إِذَا تجلى ) أى : وحق النهار حين ينكشف ويظهر ، ويزيل الليل وظلمته ، ويخرج الناس معه ليباشروا أعمالهم المتنوعة .

الليل 92:3

وأقسم - ثالثا - بقوله : ( وَمَا خَلَقَ الذكر والأنثى ) و " ما " هنا يصح أن تكون موصولة ، بمعنى الذى ، فيكون - سبحانه - قد أقسم بذاته ، وجاء التعبير بما ، للدلالة على الوصفية ، ولقصد التفخيم .فكأنه - تعالى - يقول : وحق الخالق العظيم ، الذى لا يعجزه شئ ، والذى خلق نوع الذكور ، ونوع الإِناث من ماء واحد .ويصح أن تكون " ما " هنا حرفا مصدريا ، فيكون المعنى : وحق خَلْقِ الذكر والأنثى ، وعليه يكون - سبحانه - قد أقسم بفعل من أفعاله التى تدل على كمال قدرته ، وبديع صنعته ، حيث أوجد الذكور والإِناث من ماء واحد ، كما قال - سبحانه - : ( وَأَنَّهُ خَلَقَ الزوجين الذكر والأنثى . مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تمنى ) وحيث وهب - سبحانه - الذكور لمن يشاء ، ووهب الإِناث لمن يشاء ، وجعل العقم لمن يشاء .

الليل 92:4

وقوله - تعالى - : ( إِنَّ سَعْيَكُمْ لشتى ) هو جواب القسم . وشتى جمع شتيت . مثل : جريح وجرحى ، ومريض ومرضى . والشئ الشتيت : هو المتفرق المتناثر بعضه عن بعض ، من الشتات بمعنى الابتعاد والافتراق .والمعنى : وحق الليل إذا يغشى النهار فيستر ضياءه ، وحق النهار إذا تجلى وأسفر وأزال الليل وظلامه ، وحق الخالق العظيم القادر الذى أوجد الذكور والإِناث .وحق كل ذلك ، إن أعمالكم ومساعيكم - أيها الناس - فى هذه الحياة ، لهى ألوان شتى ، وأنواع متفرقة ، منها الهدى ومنها الضلال ، ومنها الخير ، ومنها الشر ، ومنها الطاعة ، ومنها المعصية . . وسيجازى - سبحانه - كل إنسان على حسب عمله .وحذف مفعول " يغشى " للتعميم ، أى يغشى كل شئ ويواريه بظلامه .وأسند - سبحانه - التجلى إلى النهار ، على سبيل المدح له بالاستنارة والإِسفار .والمراد بالسعى : العمل . وقوله " سعيكم " مصدر مضاف فيفيد العموم فهو فى معنى الجمع أى : إن مساعيكم لمتفرقة .قال القرطبى : السعى : العمل ، فساع فى فكاك نفسه ، وساع فى عطبها ، يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم : " الناس غاديان : فمبتاع نفسه فمعتقها ، وبائع نفسه فموبقها " .

الليل 92:5

ثم فصل - سبحانه - ما أجمله فى قوله : ( إِنَّ سَعْيَكُمْ لشتى ) فقال : ( فَأَمَّا مَنْ أعطى واتقى . وَصَدَّقَ بالحسنى . فَسَنُيَسِّرُهُ لليسرى . وَأَمَّا مَن بَخِلَ واستغنى . وَكَذَّبَ بالحسنى . فَسَنُيَسِّرُهُ للعسرى . وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تردى ) والحسنى تأنيث الأحسن ، وهى فة لموصوف محذوف .أى : ( فَأَمَّا مَنْ أعطى واتقى ) حق الله - تعالى - ، بأن أنفق من ماله فى وجوه الخير : كإعتاق الرقاب ، ومساعدة المحتاجين . . ( واتقى ) المحارم والمعاصى.

الليل 92:6

( وَصَدَّقَ بالحسنى ) أى : وأيقن بالخصلة الحسنى ، وهى الإِيمان بكل ما يجب الإِيمان به ، أو أيقن بالملة الحسنى ، وهى ملة الإِسلام ، أو بالمثوبة الحسنى وهى الجنة .

الليل 92:7

( فَسَنُيَسِّرُهُ لليسرى ) أى : فسنهيئه للخصلة التى توصله إلى اليسر والراحة وصلاح البال ، بأن نوفقه لأداء الأعمال الصالحة التى تؤدى إلى السعادة .وحذف مفعول " أعطى واتقى " للعلم بهما ، أى : أعطى ما كلفه الله - تعالى - به ، واتقى محارمه .

الليل 92:8

( وَأَمَّا مَن بَخِلَ ) بماله فلم يؤد حقوق الله - تعالى - فيه ، ولم يبذل شيئا من ه فى وجوه البر . ( واستغنى ) أى : واستغنى عن ثواب الله - تعالى - ، وتطاول على الناس بماله وجاهه ، وآثر متع الدنيا على نعيم الآخرة . .

الليل 92:9

( وَكَذَّبَ بالحسنى ) أى : وكذب بالخصلة الحسنى التى تشمل الإِيمان بالحق ، وبيوم القيامة وما فيه من حساب وجزاء .

الليل 92:10

( فَسَنُيَسِّرُهُ للعسرى ) أى : فسنهيئه للخصلة التى توصله إلى العسر والمشقة والشدة ، بأن نجعله بسبب سوء اختياره ، يؤثر الغى على الرشد ، والباطل على الحق ، والبخل على السخاء ، فتكون عاقبته فرطا ، ونهايته الخسران والبوار .والمتأمل فى هذه الآيات الكريمة يراها ، وقد وصفت المؤمنين الصادقين بثلاث صفات هى جماع كل خير ، وأساس جميع الفضائل : وصفهم بالسخاء ، وبالخوف من الله - تعالى - ، وبالتصديق بكل ما يجب التصديق به ، ورتب على ذلك توفيقهم للخصلة الحسنى . . التى تنتهى بهم إلى الفوز والسعادة .ووصف - أيضا - أهل الفسوق والفجور بثلاث صفات ، هى أساس البلاء ، ومنبع الفساد ، ألا وهى : البخل ، والغرور ، والتكذيب بكل ما يجب الإِيمان به . . ورتب - سبحانه - على ذلك تهيئتهم للخصلة العسرى ، التى توصلهم إلى سوء المصير ، وشديد العقاب . .وقد ساق الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآيات ، جملة من الأحاديث الشريفة ، فقال ما ملخصه : قوله : ( وَكَذَّبَ بالحسنى ) أى : بالجزاء فى الدار الآخرة ( فَسَنُيَسِّرُهُ للعسرى ) أى : لطريق الشر ، كما قال - تعالى - : ( وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ) والآيات فى هذا المعنى كثيرة ، ودالة على أن الله يجازى من قصد الخير بالتوفيق له ، ومن قصد الشر بالخذلان ، وكل ذلك بقدر مقدر ، والأحاديث الدالة على هذا المعنى كثيرة .منها : ما أخرجه البخارى عن على بن أبى طالب - رضى الله عنه - قال :" كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فى بقيع الغرقد فى جنازة ، فقال : " ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعدة من الجنة ، ومقعدة من النار " فقالوا : يا رسول الله أفلا نتكل؟ فقال : " اعملوا فكل ميسر لما خلق له " ثم قرأ : ( فَأَمَّا مَنْ أعطى واتقى . . . ) إلى قوله : ( للعسرى ) " .

الليل 92:11

و " ما " فى قوله - سبحانه - : ( وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تردى ) يجوز أن تكون نافية . والتردى : السقوط من أعلى إلى أسفل . يقال : تردى فلان من فوق الجبل ، إذا سقط من أعلاه إلى أسفله ، والمراد به هنا : النزول إلى القبر بعد الموت ، أو السقوط فى النار بسبب الكفر والفسوق والعصيان ، من الردى بمعنى الهلاك .أى : ولا يغنى شيئا عن هذا الشقى الذى بخل واستغنى وكذب بالحسنى ، ماله وجاهه وكل ما كان يملكه فى الدنيا ، إذا سقط يوم القيامة فى النار .ويجوز أن تكون " ما " استفهامية : ويكون الاستفهام المقصود به الإِنكار والتوبيخ ، أى : وماذا يغنى عن هذا الشقى ماله بعد هلاكه ، وبعد ترديه فى جهنم يوم القيامة؟ إنه لن يغنى عنه شيئا ماله الذى بخل به فى الدنيا ، بل سيهوى فى جهنم دون أن يشفع له شافع ، أو ينصره ناصر ، وصدق الله إذْ يقول : ( وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْداً ) وإن يقول : ( وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فرادى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ . . . ).

الليل 92:12

ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ، أنه قد أعذر إلى عباده ، حيث وضح لهم طريق الخير وطريق الشر ، وكشف لهم عن حسن عاقبة من أعطى واتقى وصدق بالحسنى ، وسوء عاقبة من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فقال - تعالى - : ( إِنَّ عَلَيْنَا للهدى . وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ والأولى ) . أى : إن علينا - بمقتضى حكمتنا ورحمتنا بعبادنا - أن نبين لهم طريق الحق ، وطريق الباطل ، بواسطة رسلنا ، فمن شاء بعد ذلك فليؤمن فينال الثواب ، ومن شاء بعد ذلك فليكفر فيحل به العقاب ، لأننا نجازى كل إنسان على حسب عمله ، بعد أن هديناه النجدين ، وأرشدناه إلى سبيل الرشد وسبيل الغى .

الليل 92:13

وإن لنا وحدنا كل ما فى الدنيا ، وكل ما فى الآخرة . إذ الخلق والأمر بيدنا ، والعطاء والمنع لا يملكه أحد سوانا ، وهذا الكون كله تحت تصرفنا وقدرتنا .

الليل 92:14

والفاء فى قوله - سبحانه - : ( فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تلظى ) للإفصاح عن مقدر ، لأنها تدل على مراعاة مضمون الكلام الذى قبلها ، وتأتى بعده بما يفصله ويزيده وضوحا . .وقوله : ( تلظى ) أى : تتوقد وتتوهج وتلتهب ، وأصله تتلظى ، فحذفت إحدى التاءين تخفيفا . أى : إذا كان الأمر كما ذكرت لكم ، من حسن عاقبة من أعطى واتقى ، ومن سوء عاقبة من بخل واستغنى ، ومن أن كل شئ تحت قدرتنا وتصرفنا .. فأكون بذلك قد حذرتكم من عاب عظيم يوم القيامة ، وخوفتكم من السقوط فى نار عظيمة تلتهب وتتوقد .

الليل 92:15

وهذه النار ( لاَ يَصْلاَهَآ ) أى : لا يحترق بها ( إِلاَّ الأشقى ) أى : من اشتد شقاؤه بسبب إصراره على كفره وفجوره .

الليل 92:16

وقوله - تعالى - : ( الذي كَذَّبَ وتولى ) صفة لهذا الشقى ، لزيادة التشنيع عليه ، والذم له . أى : سيحترق بهذه النار هذا الإِنسان الذى بلغ الغاية فى الشقاء والتعاسة ، والذى من صفاته أنه كذب بالحق ، وأعرض عن الطاعة . وسار فى طريق الكفر والجحود ، حتى أدركه الموت ، وهو على ذلك .

الليل 92:17

وكعادة القرآن الكريم فى المقابلة بين الأشرار والأخيار ، وبين العسداء والأشقياء ، جاء الحديث بعد ذلك عن حال الأتقياء ، فقال - تعالى - ( وَسَيُجَنَّبُهَا الأتقى ) أى : وسيبتعد عن هذه النار المتأججة الأتقى ، وهو من بالغ فى صيانة نفسه عن كل ما يغضب الله - تعالى - ، وحرص كل الحرص على فعل ما يرضيه - عز وجل - .فالمراد بالأشقى والأتقى : الشديد الشقاء ، والشديد والتقوى .والتعبير بقوله : ( وَسَيُجَنَّبُهَا ) يشعر بابتعاده عنها ابتعادا تاما ، بحيث تكون النار فى جانب ، وهذا الأتقى فى جانب آخر ، كما قال - تعالى - : ( إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا الحسنى أولئك عَنْهَا مُبْعَدُونَ . لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيَسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشتهت أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ ) والفعل " جنب " يتعدى إلى مفعولين ، أولهما هنا هو لفظ الأتقى ، الذى ارتفع على أنه نائب فاعل ، والمفعول الثانى هو الهاء .

الليل 92:18

ثم وصف - سبحانه - هذا الإِنسان المبالغ فى تقواه وطاعته لربه فقال : ( الذي يؤتى ماله يتزكى ) أى : هذا الإِنسان الشديد التقوى من صفاته أنه يقد ماله لغيره ، وينفقه فى وجوه البر والطاعة ، رجاء أن يكون عند ربه زاكيا ناميا ، خاليا من شبهة الرياء والتفاخر ، وأملا فى أن يتطهر به من الذنوب .فقوله ( يتزكى ) فى محل نصب على الحال من فاعل ( يؤتى ) أى : يؤتى ماله حال كونه لا يطلب من وراء ذلك إلا تزكية ماله ، وتطهير نفسه .

الليل 92:19

وقوله - سبحانه - : ( وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تجزى . إِلاَّ ابتغآء وَجْهِ رَبِّهِ الأعلى ) بيان لبلوغه أسمى درجات الإِخلاص والنقاء .أى : أن هذا الإِنسان الكامل فى تقاه لا يفعل ما يفعل من وجوه الخيرات ، من أجل المجازاة لغيره على نعمة سلفت من هذا الغير له ، وإنما يفعل ما يفعل من أجل شئ واحد ، وهو طلب رضا الله - تعالى - والظفر بثوابه ، والإِخلاص لعبادته - سبحانه - .

الليل 92:20

قال الآلوسى : وقوله : ( إِلاَّ ابتغآء وَجْهِ رَبِّهِ الأعلى ) منصوب على الاستثناء المنقطع من قوله : ( مِن نِّعْمَةٍ ) لأن الابتغاء لا يندرج فيها ، فالمعنى : لكنه فعل ذلك لابتغاء وجه ربه - سبحانه - وطلب رضاه ، لا لمكافأة لأحد على نعمة .وجوز أن يكون نصبه على أنه مفعول لأجله ، أى : لا يؤتى ماله لأجل شئ من الأشياء إلا لأجل طلب رضا ربه ، لا لأجل شئ آخر ، فهو استثناء مفرغ من أعم العلل والأسباب ..

الليل 92:21

وقوله - سبحانه - : ( وَلَسَوْفَ يرضى ) المقصود به الوعد الصادق لهذا التقى ، بما يزيد فى سروره ، وفى قرة عينه .أى : ولسوف نعطى هذا التقى الذى أعطى واتقى وصدق بالحسنى ، من أجل الظفر برضا ربه - تعالى - لا من أجل شئ آخر . . لسوف نعطيه عطاء يرضيه ويسعده ويشرح صدره .هذا ، وأكثر المفسرين على أن هذه الآيات الكريمة نزلت فى شأن سيدنا أبو بكر الصديق - رضى الله عنه - .قال الإِمام ابن جرير ما ملخصه : وذكر أن هذه الآيات نزلت فى أبى بكر الصديق . . فقد كان يعتق العجائز من النساء إذا أسلمن ، ويشترى الضعفة من العبيد فيعتقهم ، فقال له أبوه : يا بنى ، أراك تعتق أناسا ضعفاء ، فلو أنك تعتق رجالا جلداء - أى : أشداء - يقومون معك ، ويمنعونك ، ويدفعون عنك .فقال أبو بكر : أى أبت . . إنما أريد ما عند الله ، فنزلت هذه الآيات . .وقال الإِمام ابن كثير : وقد ذكر غير واحد من المفسرين ، أن هذه الآيات قد نزلت فى أبى بكر الصديق - رضى الله عنه - حتى إن بعضهم حكى الإِجماع من المفسرين على ذلك ، ولا شك أنه داخل فيها ، وأولى الأمة بعمومها ، فإن لفظها لفظ العموم ، وهو قوله : ( وَسَيُجَنَّبُهَا الأتقى . الذى يُؤْتِي مَالَهُ يتزكى . . . ) ولكنه مقدم الأمة ، وسابقهم فى جميع هذه الأوصاف ، وسائر الأوصاف الحميدة ، فإنه كان صديقا ، تقيا ، كريما ، جوادا ، بذالا لماله فى طاعة مولاه ، ونصرة رسوله صلى الله عليه وسلم . .نسأل الله - تعالى - أن يحشرنا جميعا فى زمرة عباده الأتقياء الأنقياء .وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

الضحى 93:1

قد ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه السورة الكريمة روايات منها : ما أخرجه الإِمام البخارى ومسلم وغيرهما عن جندب بن سفيان قال : اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يقم ليلة أو ليلتين ، فأتت امرأة - وفى رواية أنها أم جميل امرأة أبى لهب - فقالت : يا محمد ، ما أرى شيطانك إلا قد تركك . فأنزل الله - تعالى - : ( والضحى . والليل إِذَا سجى . مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قلى ) .وأخرج ابن أبى شيبة والطبرانى وابن مردويه ، من حديث خولة ، وكانت تخدم النبى صلى الله عليه وسلم " أن جروا دخل تحت سرير رسول الله صلى الله عليه وسلم فمات ، فمكث النبى صلى الله عليه وسلم أياما لا ينزل عليه الوحى ، فقال صلى الله عليه وسلم يا خولة ماذا حدث فى بيتى ، إن جبريل لا يأتينى ، قالت خوله : فقلت يا نبى الله ما أتى علينا يوم خير منّا اليوم . فأخذ برده فلبسه ، وخرج ، فقلت فى نفسى لو هيأت البيت وكنسته ، فأهويت بالمكنسة تحت السرير ، فإذا بشئ ثقيل ، لم أزل به حتى بدا لى الجرو ميتا ، فأخذته بيدى ، فألقيته خلف الدار ، فجاء صلى الله عليه وسلم ترعد لحيته - وكان إذا نزل عليه الوحى أخذته الرعدة - فقال يا خولة دثرينى ، فأنزل الله - تعالى - هذه السورة . . "وذكر بعضهم : إن جبريل - عليه السلام - أبطأ فى نزوله على النبى صلى الله عليه وسلم ، فقال المشركون : قد قلاه ربه وودعه . فأنزل الله - تعالى - هذه الآيات . .والضحى : هو وقت ارتفاع الشمس بعد إشراقها ، وهو وقت النشاط والحركة ، والإِقبال على السعى والعمل . . ولذا خص بالقسم به ، وقيل : المراد بالضحى هنا : النهار كله ، بدليل أنه جعل فى مقابلة الليل كله .والأول أولى : لأن الضحى يطلق على وقت انتشار ضياء الشمس حين ترتفع ، وتلقى بأشعتها على الكون ، ويبرز الناس لأعمالهم المتنوعة .ومعنى " سجل " : سكن . يقال : سجا الليل يسجو سجوا ، إذا سكن وهدأ وأسدل ظلامه على الكون . ويقال : تسجَّى فلان بملابسه ، إذا غطى بها جميع جسده ، ومنه قولهم : سُجِّى الميت تسجية ، إذا غطى بكفنه . .

الضحى 93:2

قال صاحب الكشاف : قوله : ( سجى ) أى : سكن وركد ظلامه . وقيل : ليلة ساجية . أى : ساكنة الريح : وقيل معناه : سكون الناس والأصوات فيه . وسجا البحر : سكنت أمواجه . وطرف ساج ، أى : ساكن فاتر . .أى : وحق الضحى وهو الوقت الذى ترتفع فيه الشمس ، ويتم إشراقها ، ويأخذا الناس فى النشاط والحركة . . وحق الليل إذا سكن وهجع فيه الناس بعد عناء العمل .

الضحى 93:3

وجواب القسم قوله - تعالى - : ( مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قلى ) أى : ام تركك ربك - أيها الرسول الكريم - منذ أن اختارك لحمل رسالته ، وما أبغضك ولا كرهك ، بل أنت محل رضانا ومحبتنا ورعايتنا ..فقوله : ( ودعك ) من التوديع ، وهو فى الأصل الدعاء للمسافر ، ببلوغ الدعة ، وخفض العيش ، ثم استعير للمفارقة بعد الاتصال ، تشبيها بفراق المسافر فى انقطاع الصلة ، حيث شبه - سبحانه - انقطاع صلة الكلام بانقطاع صلة الإِقامة .والمقصود : نفى أن يكون الله - تعالى - قد قطع وحيه عن نبيه صلى الله عليه وسلم .وقوله : ( قلى ) من القِلاَ - بكسر القاف - وهو شدة البغض ، يقال : قلا فلان فلانا يقليه ، إذا كرهه وأبغضه بشدة . ومنه قوله - تعالى - : ( إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِّنَ القالين ) والمراد ما قطع الله - تعالى - عنك وحيه - أيها الرسول الكريم - ، وما كرهك ، وهذا رد بليغ على المشركين الذين زعم بعضهم أن الله - تعالى - قد ترك نبيه ، وزعم آخرون أنه قد أبغضه ، وحذف مفعول " قلا " للدلالة عليه فى قوله - تعالى - ( مَا وَدَّعَكَ ) ، وهو إيجاز لفظى لظهور : المحذوف ، ومثله قوله - تعالى - بعد ذلك : ( فآوى ) ، ( فهدى ) ، ( فأغنى ) . .

الضحى 93:4

ثم بشره - سبحانه - ببشارتين عظيمتين ، قد بلغتا الدرجة العليا فى السمو والرفعة ، فقال : ( وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الأولى . وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فترضى )أى : وللدار الآخرة وما أعده الله لك فيها من نعيم لا يحيط به وصف ، خير لك من دار الدنيا التى أعطيناك فيها من نبوة ، وكرامة ومنازل عالية ، وخلق كريم .وفضلا عن كل ذلك فأنت - أيها الرسول الكريم - سوف يعطيك ربك من خيرى الدنيا والآخرة ، كل ما يسعدك ويرضيك ، من نصر عظيم ، وفتح مبين ، وتمكين فى الأرض ، وإعلاء لكلمة الحق على يدك ، وعلى أيدى أصحابك الصادقين ، ومنازل عظمى فى الآخرة لا يعلم مقدارها إلا الله - تعالى - ، كالمقام المحمود ، والشفاعة ، والوسيلة . . . وبذلك ترضى رضاء تاما بما أعطاك - سبحانه - من نعم ومنن .فالمراد بالآخرة : الدار الآخرة التى تقابل الدار الأولى ، وهى الحياة الدنيا ، وبعضهم جعل المراد بالآخرة ، نهاية أمره صلى الله عليه وسلم فى هذه الدنيا ، والمراد بالأولى بداية أمره صلى الله عليه وسلم فى هذه الدنيا ، فيكون المعنى : ولنهاية أمرك - أيها الرسول الكريم - خير من بدايته ، فإن كل يوم يمضى من عمرك ، سيزيدك الله - تعالى - فيه ، عزا على عز ، ونصرا على نصر ، وتأييدا على تأييد . . حتى ترى الناس وقد دخلوا فى دين الله أفواجا . . وقد صدق الله - تعالى - لنبيه وعده حيث فتح له مكة ، ونشر دعوته فى مشارق الأرض ومغاربها .قال الآلوسى : وحمل الآخرة على الدار الآخرة المقابلة للدنيا ، والأولى على الدار الأولى وهى الدنيا ، هو الظاهر .. وقال بعضهم : يحتمل : أن يراد بهما نهاية أمره صلى الله عليه وسلم وبدايته ، فاللام فيها للعهد ، أو عوض عن المضاف إليه . أى : لنهاية أمرك خيرك من بدايته ، فأنت لا تزال تتزايد قوة ، وتتصاعد رفعة . .

الضحى 93:5

وجئ بحرف الاستقبال فى قوله - تعالى - : ( وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فترضى ) ، لإفادة أن هذا العطاء مستمر غير مقطوع ، كما فى قوله - تعالى - : ( وَلَسَوْفَ يرضى ) وحذف المفعول الثانى فى قوله : ( يُعْطِيكَ ) ، ليعم كل وجوه العطاء التى يحبها صلى الله عليه وسلم أى : ولسوف يعطيك ربك عطاء يرضيك رضاء تاما .والتعبير بقوله ( فترضى ) ، ليعم كل وجوه العطاء التى يحبها الله صلى الله عليه وسلم أى : ولسوف يعطيك ربك عطاء يرضيك رضاء تاما .والتعبير بقوله ( فترضى ) المشتمل على فاء التعقيب ، للإِشعار بأنه عطاء عاجل النفع ، وأنه سيأتى إليه صلى الله عليه وسلم فى وقت قريب ، وقد أنجز - سبحانه - وعده .قال الجمل : وقوله - سبحانه - : ( وَلَلآخِرَةُ ) اللام فيه للابتداء مؤكدة لمضمون الجملة . وإنما قيد بقوله - تعالى - ( لك ) لأنها ليست خيرا لكل واحد . وقوله : ( وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ . . . ) هذا وعد شامل لما أعطاه الله - تعالى - له من كمال النفس ، وظهور الأمر ، وإعلاء الدين . . واللام لام الابتداء ، والمبتدأ محذوف ، أى : ولأنت سوف يعطيك ربك ، وليست لام القسم ، لأنها لا تدخل على المضارع ، إلا مع نون التوكيد . .

الضحى 93:6

ثم عدد - سبحانه - نعمه على نبيه صلى الله عليه وسلم فقال : ( أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فآوى . . ) .والاستفهام هنا للتقرير : واليتيم : هو من فقد أباه وهو صغير .أى : لقد كنت - أيها الرسول الكريم - يتيما ، حيث مات أبوك وأنت فى بطن أمك ، فآواك الله - تعالى - بفضله وكرمه ، وتعهدك برعايته وحمايته وعصمته ، وسخر لك جدك عبد المطلب ليقوم بكفالتك ، ومن بعده سخر لك عمك أبا طالب ، حيث تولى رعايتك والدفاع عنك قبل الرسالة وبعدها ، إلى أن مات .

الضحى 93:7

وقوله - تعالى - ( وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فهدى ) بيان لنعمة أخرى أنعم - سبحانه - بها على نبيه صلى الله عليه وسلم :وللمفسرين فى معنى هذه الآية كلام طويل ، نختار منه قولين : أولهما : أن المراد بالضلال هنا الحيرة فى الوصول إلى الحق ، والغفلة عما أوحاه الله - تعالى - إليه بعد ذلك من قرآن كريم ، ومن تشريعات حكيمة . . مع اعتقاده صلى الله عليه وسلم قبل النبوة أن قومه ليسوا على الدين الحق ، بدليل أنه لم يشاركهم فى عبادتهم للأصنام ، ولا فى السلوك الذى يتنافى من مكارم الأخلاق .وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله : ( ضالا ) معناه : الضلال عن علم الشرائع وما طريقه السمع . .وقال الإِمام الشيخ محمد عبده - رحمه الله - : عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه : نشأ صلى الله عليه وسلم موحدا ، لم يسجد لصنم ، وطاهر الخلق ، لم يرتكب فاحشة ، حتى عرف بين قومه بالصادق الأمين ، فضلال الشرك ، وضلال الهوى فى العمل ، كانا بعيدين عن ذاته الكريمة .ولكن الضلال أنواع أخر ، منها : اشتباه المآخذ على النفس ، حتى تأخذها الحيرة فيما ينبغى أن تختار . . وهذا هو الذى عناه الله - تعالى - بالضلال فى هذه الآية الكريمة .وقد هداه - سبحانه - إلى الحق بعد هذه الحيرة ، بأن اختار له دينا قويما وعلمه كيف يرشد قومه . هذا هو معنى قوله - تعالى - : ( وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فهدى ) ، وهو معنى قوله - تعالى - فى سورة الشورى : ( وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الكتاب وَلاَ الإيمان . . . ) وليس فى وصف النبى صلى الله عليه وسلم بالضال على هذا المعنى شين له ، أو حط من شأنه ، بل هذا فخره وإكليل مجده صلى الله عليه وسلم حيث كان على غير علم فعلمه الله ، ولم يكن مطلعا على الغيب ، فأطلعه الله على ما يريد إطلاعه عليه ، وبهذا التفسير نستغنى عن خلط المفسرين فى التأويل . .أما القول الثانى فى معنى الآية الكريمة ، فهو أنه صلى الله عليه وسلم كان بين قوم مشركين ، وكان بعرضه أن يضل معهم ، ولكن الله - تعالى - حبب إليه الانفراد عنهم ، واعتزال شركهم وسوء أخلاقهم . . فكان بذلك كالشجرة المنفردة فى الصحراء ، والعرب تسمى الشجرة التى بهذه الصفة ضالة .قال القرطبى : قوله - تعالى - : ( وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فهدى ) أى : غافلا عما يراد بك من أمر النبوة ، فهداك ، أى : أرشدك . والضلال هنا بمعنى الغفلة .وقال قوم : ( ضالا ) أى : لم تكن تدرى القرآن الكريم والشرائع ، فهداك الله إليهما .وقال قوم ( ضالا ) أى : وجدك فى قوم ضلال فهداهم الله - تعالى - بك ، والعرب إذا وجدت شجرة منفردة فى فلاة من الأرض ، لا شجر معها ، سموها ضالة ، فيهتدى بها إلى الطريق ، فقال - سبحانه - لنبيه ( وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فهدى ) أى : لا أحد على دينك ، وأنت وحيد ليس معك أحد ، فهَدَيْتُ بك الخلق إلى دينى . .هذا هما القولان اللذان نرتاح إليهما ، وارتياحنا إلى أولهما أشد وأقوى؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد نشأ فى بيئة منحرفة فى عقائدها وأخلاقها ، لم تطمئن نفسه الكريمة إليها ، إلا أنه كا نحائرا فى الوصول إلى الدين الحق ، فهداه الله - تعالى - إليه ، والهداية إلى الحق بعد الحيرة والضلال عنه ، منة عظمى ، ونعمة كبرى .وهناك أقوال أخرى ضعيفة كقولهم : ( ضالا ) أى : عن القبلة فهداك الله إليها ، أو ( ضالا ) فى شعاب مكة ، فهداك الله وردك إلى عمك أو ( ضالا ) فى سفرك مع عمك إلى الشام ، فردك الله - تعالى - إليه .

الضحى 93:8

وقوله - سبحانه - : ( وَوَجَدَكَ عَآئِلاً فأغنى ) بيان لنعمة ثالثة من نعمه - تعالى - على نبيه صلى الله عليه وسلم .وأصل العائل : الإِنسان الذى له عائلة لا يستطيع الإِنفاق عليها ، ثم أطلق هذا اللفظ على الإِنسان الفقير حتى ولو لم تكن له عائلة أو أسرة ، والفقر يسمى عيلة ، كما فى قوله - تعالى - : ( وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً ) - أى : فقرا - ( فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ الله مِن فَضْلِهِ إِن شَآءَ . . . ) أى : وقد كنت - أيها الرسول الكريم - فقيرا ، حيث مات أبوك دون أن يترك لك مالا كثيرا ، ونشأت فى كنف جدك ثم عمك ، وأنت على هذه الحال ، ثم أغناك الله - تعالى - بفضله وكرمه بنوعين من الغنى :أما أولهما - وهو الأعظم - : فهو غنى النفس ، بأن منحك نفسا عفيفة قانعة بما أعطاك - سبحانه - من رزق ، حتى ولو كان كفافا .وأما ثانيهما : فهو الغنى المادى عن الاحتياج إلى الناس ، بما أجراه على يديك من الربح فى التجارة ، وبما وهبتك زوجك خديجة من مالها ، فعشت مستور الحال ، غير محتاج إلى من ينفق عليك .وهكذا نجد الآيات الكريمة تبين لنا أن من فضل الله - تعالى - على نبيه صلى الله عليه وسلم أنه آواه فى يتمه وصغره ، وهداه من ضلاله وحيرته ، وأغناه بعد فقره وحاجته .

الضحى 93:9

وبعد أن عدد - سبحانه - هذه النعم لنبيه صلى الله عليه وسلم أمره بشكرها ، وأداء حقوقها .فقال - تعالى - : ( فَأَمَّا اليتيم فَلاَ تَقْهَرْ . . ) والقهر : التغلب على الغير والإِذلال له .أى : إذا كان الأمر كما أخبرتك من أنك كنت يتيما فآويناك ، وكنت ضالا فهديناك ، وكنت فقيرا فأغنيناك ، فتذكر هذه النعم ، واشكر ربك عليها ، ومن مظاهر هذا الشكر : أن تواسى اليتيم ، وأن تكرمه . وأن تكون رفيقا به . . ولا تكن كأهل الجاهلية الذين كانوا يقهرون الأيتام ويذلونهم ويظلمونهم . .ولقد استجاب النبى صلى الله عليه وسلم لما أمره ربه به ، فأكرم اليتامى ورعاهم ، وحض على ذلك فى أحاديث كثيرة منها قوله صلى الله عليه وسلم : " " أنا وكافل اليتيم كهاتين فى الجنة " وأشار صلى الله عليه وسلم . بأصبعيه السبابه والوسطى " . ومن الآيات القرآنية التى وردت فى هذا المعنى قوله - تعالى - : ( وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ اليتيم إِلاَّ بالتي هِيَ أَحْسَنُ حتى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ . . . ) وقد تكرر الأمر برعاية اليتيم ، وبالمحافظة على ماله فى مطلع سورة النساء خمس مرات قال - تعالى - : ( وَآتُواْ اليتامى أَمْوَالَهُمْ . . . ) وقال - سبحانه - : ( وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي اليتامى فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النسآء مثنى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ . . . ) وقال - عز وجل - : ( وابتلوا اليتامى حتى إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ . . . ) وقال سبحانه - : ( وَإِذَا حَضَرَ القسمة أُوْلُواْ القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم مِّنْهُ وَقُولُواْ لَهُمْ . . . )وقال - تعالى - : ( إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليتامى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً . . . )

الضحى 93:10

وقوله - سبحانه - : ( وَأَمَّا السآئل فَلاَ تَنْهَرْ ) معطوف على ما قبله . أى : وكما أننا قد هديناك بعد حيرة . . فاشكر نعمنا على ذلك ، بأن تفتح صدرك للسائل الذى يسألك العون ، أو يسألك معرفة ما يجهله من علم . فالمراد بالسائل ، ما يشمل كل سائل عن مال ، أو عن علم ، أو عن غير ذلك من شئون الحياة .قال القرطبى : قوله : ( وَأَمَّا السآئل فَلاَ تَنْهَرْ ) أى : لا تزجره ، فهو نهى عن إغلاظ القول . . وروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ردوا السائل ببذل يسير ، أو رد جميل . . "وفى حديث أبى هارون العبدى قال : كنا إذا أتينا أبا سعيد الخدرى يقول : مرحبا بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إن رسول الله قال : " إن الناس لكم تبع ، وإن رجالا يأتونكم من أقطار الأرض يتفقهون ، فإذا أتوكم فاستوصوا بهم خيرا . . "

الضحى 93:11

وقوله - تعالى - : ( وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ) والتحديث بالشئ : الإِخبار به ، والحديث عنه ، أى : وكما كنت عائلا فأغنيناك بفضلنا وإحساننا ، فاشكرنا على ذلك ، بأن تظهر نعمنا عليك ولا تسترها ، وأذعها بين الناس ، وأمر أتباعك أن يفعلوا ذلك ، ولكن بدون تفاخر أو مباهاة . . فإن ذكر النعم على سبيل الرياء والتفاخر والتطاول على الغير . . يبغضه الله - تعالى - ، ويعاقب صاحبه عقابا أليما .قال الإِمام ابن كثير : وقوله : ( وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ) أى : وكما كنت عائلا فقيرا فأغناك الله ، فحدث بنعمة الله عليك ، كما جاء فى الدعاء : " واجعلنا شاكرين لنعمتك ، مثنين بها ، قابليها ، وأتمها علينا " وعن أبى نضرة قال : كان المسلمون يرون أن من شكر النعم أن يُحَدِّث بها . وعن النعمان بن بشير قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر : " من لم يشكر القليل ، لم يشكر الكثير ، ومن لم يشكر الناس ، لم يشكر الله والتحدث بنعمة الله شكر ، وتركها كفر ، والجامعة رحمة والفرقة عذاب . . "فأنت ترى أن الله - تعالى - قد ذكر ثلاث نعم مما أنعم به على نبيه صلى الله عليه وسلم وأرشده إلى كيفية شكرها . نسأل الله - تعالى - أن يجعلنا من عباده المشركين .وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

الشرح 94:1

الاستفهام فى قوله - سبحانه - : ( أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ) للتقرير لأنه إذا دخل على النفى قرره ، وهذا التقرير المقصود به التذكير ، حتى يداوم على شكره - تعالى - .وأصل الشرح : البسط للشئ وتوسعته ، يقال : شرح فلان الشئ ، إذا وسعه ، ومنه شرح فلان الكتاب ، إذا وضحه ، وأزال مجمله ، وبسط ما فيه من غموض .والمراد بشرح الصدر هنا : توسعته وفتحه ، لقبول كل ما هو من الفضائل والكمالات النفسية . وإذهاب كل ما يصد عن الإِدراك السليم وعن الحق الخير والهدى .وهذا الشرح ، يشمل الشق البدنى لصدره صلى الله عليه وسلم كما يشمل الشرح المعنوى لصدره صلى الله عليه وسلم عن طريق إيداعه الإِيمان والهدى والعلم والفضائل .قال الإِمام ابن كثير : قوله : ( أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ) يعنى : أما شرحنا لك صدرك . أى : نورناه وجعلناه فسيحا رحيبا واسعا ، كقوله ( أَفَمَن شَرَحَ الله صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ . . . ) وقيل المراد بقوله : ( أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ) شرح صدره ليلة الإِسراء ، كما تقدم من رواية مالك بن صعصعة . . وهذا وإن كان واقعا ، ولكن لا منافاة ، فإن من جملة شرح صدره صلى الله عليه وسلم الذى فعل بصدره ليلة الإِسراء ، ما نشأ عنه من الشرح المعنوى - أيضا - . .والمعنى : لقد شرحنا لك - أيها الرسول الكريم - صدرك شرحا عظيما ، بأن أمرنا ملائكتنا بشقه وإخراج ما فيه مما يتنافى مع ما هيأناك له من حمل رسالتنا إلى الناس ، وبأن أودعنا فيه من الهدى والمعرفة والإِيمان والفضائل والحكم . . ما لم نعطه لأحد سواك .ونون العظمة فى قوله - سبحانه - ( نشرح ) تدل على عظمة النعمة ، من جهة أن المنعم العظيم ، إنما يمنح العظيم من النعم ، وفى ذلك إشارة إلى أن نعمة الشرح ، مما لا تصل العقول إلى كنه جلالتها .واللام فى قوله - تعالى - : ( لك ) للتعليل ، وهو يفيد أن ما فعله الله - تعالى - به ، إنما هو من باب تكريمه ، ومن أجل تشريفه وتهيئته لحمل رسالته العظمى إلى خلقه ، فمنفعه هذا الشرح إنما تعود إليه وحده صلى الله عليه وسلم لا إلى غيره .قال الإِمام الرازى : فإن قيل : لم ذكر الصدر ولم يذكر القلب؟ فالجواب أن محل الوسوسة هو الصدر ، كما قال - تعالى - : ( الذى يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ الناس ) فإزالة تلك الوسوسة ، وإبدالها بدواعى الخير ، هى الشرح ، فلا جرم خص ذلك الشرح بالصدر دون القلب .قال محمد بن على الترمذى : القلب محل العقل والمعرفة ، وهو الذى يقصده الشيطان ، فالشيطان يجئ إلى الصدر الذى هو حصن القلب ، فإذا وجد مسلكا أغار فيه ، وبث فيه الهموم ، فيضيق القلب ، ولا يجد للطاعة لذة ، وإذا طرد العدو فى الابتداء ، حصل الأمن ، وانشرح الصدر ..

الشرح 94:2

وقوله - سبحانه - : ( وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ . الذي أَنقَضَ ظَهْرَكَ ) بيان لنعمة أخرى من النعم التى أنعم بها - سبحانه - على نبيه صلى الله عليه وسلم .والمراد بالوضع هنا : الإِزالة والحط ، لأن هذا اللفظ إذا عدى بعن كان للحط والتخفيف ، وإذا عدى بعلى كان للحمل والتثقيل .تقول : وضعت عن فلان قيده : إذا أزلته عنه ، ووضعته عليه : إذا حملته إياه .والوزر : الحِمْل الثقيل .

الشرح 94:3

و ( أَنقَضَ ظَهْرَكَ ) أى : أثقله وأوهنه وأتعبه ، حتى سمع له نقيض ، وهو الصوت الخفى الذى يسمع من الرَّحْل الكائن فوق ظهر البعير ، إذا كان هذا الرحل ثقيلا ، ولا يكاد البعير يحمله إلا بمشقة وعسر .والمعنى : لقد شرحنا لك - أيها الرسول الكريم - صدرك ، وأزلنا عنك ما أثقل ظهرك من أعباء الرسالة ، وعصمناك من الذنوب والآثام ، وطهرناك من الأدناس ، فصرت - بفضلنا وإحساننا - جديرا بحمل هذه الرسالة ، بتبليغها على أكمل وجه وأتمه .فالمراد بوضع وزره عنه صلى الله عليه وسلم مغفرة ذنوبه ، وإلى هذا المعنى أشار الإِمام ابن كثير بقوله : قوله - تعالى - : ( وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ ) بمعنى ( لِّيَغْفِرَ لَكَ الله مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ) وقال غير واحد من السلف فى قوله : ( الذي أَنقَضَ ظَهْرَكَ ) أى : أثقلك حمله . .ويرى كثير من المفسرين أن المراد بوضع وزره عنه صلى الله عليه وسلم : إزالة العقبات التى وضعها المشركون فى طريق دعوته ، وإعانته على تبليغ الرسالة على أكمل وجه ، ورفع الحيرة التى كانت تعتريه قبل النبوة .قال بعض العلماء : وقد ذكر جمهرة المفسرين أن المراد بالوزر فى هذه الآية : الذنب ، ثم راحوا يتأولون الكلام ، ويتمحلون الأعذار ، ويختلفون فى جواز ارتكاب الأنبياء للمعاصى ، وكل هذا كلام ، ولا داعى إليه ، ولا يلزم حمل الآية عليه .والمراد - والله سبحانه وتعالى أعلى وأعلم - بالوزر : الحيرة التى اعترته صلى الله عليه وسلم قبل البعثة ، حين فكر فيما عليه قومه من عبادة الأوثان . وأيقن بثاقب فكره أن للكون خالقا هو الجدير بالعبادة ، ثم تحير فى الطريق الذى يسلكه لعبادة هذا الخالق ، وما زال كذلك حتى أوحى الله إليه بالرسالة فزالت حيرته . ولما دعا قومه إلى عبادة الله ، وقابلوا دعوته بالإِعراض . . ثقل ذلك عليه ، وغاظه من قومه أن يكذبوه . . وكان ذلك حملا ثقيلا . . شق عليه القيام به .فليس الوزر الذى كان ينقض ظهره ، ذنبا من الذنوب . . ولكنه كان هما نفسيا يفوق ألمه ، ألم ذلك الثقل الحسى . . فلما هداه الله - تعالى - إلى إنقاذ أمته من أوهامها الفاسدة . . كان ذلك بمثابة رفع الحمل الثقيل ، الذى كان ينوء بحمله . لا جرم كانت هذه الآية واردة على سبيل التمثيل ، واقرأ إن شئت قوله - تعالى - :( وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ . فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِّنَ الساجدين . واعبد رَبَّكَ حتى يَأْتِيَكَ اليقين ) ويبدو لنا أن هذا القول الثانى ، هو الأقرب إلى الصواب . لأن الكلام هنا ليس عن الذنوب التى ارتكبها النبى صلى الله عليه وسلم قبل البعثة - كما يرى بعض المفسرين - وإنما الكلام هنا عن النعم التى أنعم بها - سبحانه - عليه والتى من مظاهرها توفيقه للقيام بأعباء الرسالة ، وبإقناع كثير من الناس بأنه على الحق ، واستجابتهم له صلى الله عليه وسلم .

الشرح 94:4

وقوله - سبحانه - : ( وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ) بيان لنعمة ثالثة من نعمه - تعالى - على نبيه صلى الله عليه وسلم . أى : لقد شرحنا لك - أيها الرسول الكريم - صدرك ، وأزلنا عن قلبك الحيرة التى كانت تعتريك قبل تبليغ الرسالة وبعد تبليغها ، بأن يسرنا لك كل صعب .وفوق ذلك فقد رفعنا كل ذكرك ، بأن جعنالك رفيع الشأن ، سامى المنزلة ، عظيم القدر ، ومن مظاهر ذلك : أننا جعلنا اسمك مقرونا باسمنا فى النطق بالشهادتين .وفى الأذان ، وفى الإِقامة ، وفى التشهد ، وفى غير ذلك من العبادات ، وأننا فضلناك على جميع رسلنا ، بل على جميع الخلق على الإِطلاق ، وأننا أعطيناك الشفاعة العظمى ، وجعلنا طاعتك من طاعتنا .قال الآلوسى : أخرج أبو يعلى ، وابن جرير . . عن أبى سعيد الخدرى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال : " أتانى جبريل فقال لى : أتدرى كيف رفعك ذكرك؟ قلت : الله - تعالى- أعلم . قال : " إذا ذُكِرتُ ذُكِرتَ معى " " .

الشرح 94:5

ثم أضاف - سبحانه - إلى هذه النعم الجليلة ، ما يدخل السرور على قلبه صلى الله عليه وسلم وما يبعث الأمل فى نفسه وفى نفوس أصحابه ، بأن بين لهم سنة من سننه التى لا تتخلف فقال : ( فَإِنَّ مَعَ العسر يُسْراً ) .والفاء للإِفصاح ، ومع بمعنى بَعْد ، وأل فى العسر لاستغراق أنواع العسر المعروفة للمخاطبين . من فقر ، وضعف ، وقلة فى الوسائل التى تؤدى إلى إدراك المطلوب . والجملة الثانية مؤكدة ومقررة للجملة الأولى . والتنكير فى قوله ( يسرا ) للتفخيم .والمعنى : إذا تقرر عندك ما أخبرنا به ، من شرح الصدر ، ووضع الوزر . ورفع الذكر . . فاعلم أنه ما من عسر إلا ويعقبه يسر ، وما من شدة إلا ويأتى بعدها الفرج ، وما من غم أو هم ، إلا وينكشف ، وتحل محله المسرة . . وما دام الأمر كذلك ، فتذرع أنت وأصحابك بالصبر ، واعتصموا بالتوكل على الله ، فإن العاقبة لكم .ففى هاتين الآيتين ما فيهما من تسلية للنبى صلى الله عليه وسلم ولأتباعه ، ومن وعد صادق بأن كل صعب يلين ، وكل شديد يهون ، وكل عسير يتيسر . متى صبر الإِنسان الصبر الجميل ، وتسلح بالعزيمة القوية ، وبالإِيمان العميق بقضاء الله - تعالى - وقدره .وأكد - سبحانه - هاتين الآيتين ، لأن هذه القضية قد تكون موضع شك ، خصوصا بالنسبة لمن تكاثرت عليهم الهموم وألوان المتاعب ، فأراد الله - سبحانه - أن يؤكد للناس فى كل زمان ومكان ، أن اليسر يعقب العسر لا محالة ، والفرج يأتى بعد الضيق ، فعلى المؤمن أن يقابل المصائب بصبر جميل ، وبأمل كبير فى تيسير الله وفرجه ونصره .وقال - سبحانه - ( مَعَ العسر يُسْراً ) ولم يقل بعد العسر يسرا ، للإِشعار بأن هذا اليسر ، ليس بعد العسر بزمن طويل ، وإنما هو سيأتى فى أعقابه بدون مهلة طويلة ، متى وطن الإِنسان نفسه على الصبر والأمل فى فرج الله - تعالى - .وقد ساق الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهاتين الآيتين بعض الآثار ، منها ما رواه ابن أبى حاتم ، عن عائد بن شريح قال : سمعت أنس بن مالك يقول : " كان النبى صلى الله عليه وسلم جالسا وحياله حجر فقال : " لو جاء العسر فدخل فهذا الحجر ، لجاء اليسر حتى يدخل عليه فيخرجه " " .وعن الحسن قال : كانوا يقولون : لا يغلب عسر واحد يسرين اثنين .وعن قتادة : ذكر لنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم بشر أصحابه فقال : " لن يغلب عسر يسرين " ومعنى هذا أن العسر مُعَرَّف فى الحالين ، فهو مفرد ، واليسر مُنَكَّر فمتعدد ، ولهذا قال : " لن يغلب عسر يسرين " فالعسر الأول عين الثانى ، واليسر تعدد . .وقال صاحب الكشاف : فإن قلت : كيف تعلق قوله : ( فَإِنَّ مَعَ العسر يُسْراً ) ، كأنه قال : خولناك ما خولناك فلا تيأس من فضل الله ، فإن مع العسر الذى أنتم فيه يسرا .

الشرح 94:6

فإن قلت " إن مع " للصحبة ، فما معى اصطحاب اليسر للعسر؟ قلت : أراد أن الله يصيبهم بيسر بعد العسر الذى كانوا فيه بزمان قريب ، فقرب اليسر المترقب حتى جعله كالمقارن للعسر ، زيادة فى التسلية ، وتقوية القلوب .فإن قلت : فما المراد باليسرين؟ قلت : يجوز أن يراد بهما ما تيسر لهم من الفتوح فى أيام النبى صلى الله عليه وسلم ، وما تيسر لهم فى أيام الخلفاء . . وأن يراد يسر الدنيا ويسر الآخرة .فإن قلت : فما معنى هذا التنكير؟ قلت التفخيم ، كأنه قال : إن مع العسر يسرا عظيما وأى يسر . .

الشرح 94:7

وبعد هذا التعديد لتلك النعم العظيمة ، أمر الله - تعالى - نبيه صلى الله عليه وسلم فى الاجتهاد فى العبادة فقال - تعالى - : ( فَإِذَا فَرَغْتَ فانصب وإلى رَبِّكَ فارغب ) .وأصل الفراغ خول الإِناء مما بداخله من طعام أو غيره ، والمراد به هنا الخلو من الأعمال التى تشغل الإِنسان ، والنصب : التعب والاجتهاد فى تحصيل المطلوب .أى : فإذا فرغت - أيها الرسول الكريم - من عمل من الأعمال ، فاجتهد فى مزاولة عمل آخر من الأعمال التى تقربك من الله - تعالى - ، كالصلاة ، والتهجد ، وقراءة القرآن الكريم .واجعل رغبتك فى جميع أعمالك وعباداتك ، من أجل إرضاء ربك ، لا من أجل شئ آخر ، فهو وحده القادر على إبلاغك ما تريد ، وتحقيق آمالك .فالمقصود بهاتين الآيتين حثه صلى الله عليه وسلم وحث أتباعه فى شخصه على استدامة العمل الصالح ، وعدم الانقطاع عنه ، مع إخلاص النية لله - تعالى - فإن المواظبة على الأعمال الصالحة مع الإخلاص فيها ، تؤدى إلى السعادة التى ليس بعدها سعادة .ولقد استجاب صلى الله عليه وسلم لهذا الإِرشاد الحكيم ، " فقد قام الليل حتى تورمت قدماه ، وعندما سئل مل كل هذه العبادة ، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك؟ قال : " أفلا أكون عبدا شكورا " " .وسار أصحابه من بعده على هذا الهدىالقويم : فعمروا حياتهم بالباقيات الصالحات من الأعمال ، دون أن يكون للفراغ السيئ ، مكان فى حياتهم ، بل واصلوا الجهاد بالجهاد ، وأعمال البر بمثلها .ومن أقوال عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - : إنى لأكره لأحدكم أن يكون خاليا ، لا فى عمل دنيا ولا دين " .وفى رواية أنه قال : " إنى لأنظر إلى الرجل فيعجبنى ، فإذا قيل : إنه لا عمل له سقط من عينى " .

الشرح 94:8

وبعد هذا التعديد لتلك النعم العظيمة ، أمر الله - تعالى - نبيه صلى الله عليه وسلم فى الاجتهاد فى العبادة فقال - تعالى - : ( فَإِذَا فَرَغْتَ فانصب وإلى رَبِّكَ فارغب ) .وأصل الفراغ خول الإِناء مما بداخله من طعام أو غيره ، والمراد به هنا الخلو من الأعمال التى تشغل الإِنسان ، والنصب : التعب والاجتهاد فى تحصيل المطلوب .أى : فإذا فرغت - أيها الرسول الكريم - من عمل من الأعمال ، فاجتهد فى مزاولة عمل آخر من الأعمال التى تقربك من الله - تعالى - ، كالصلاة ، والتهجد ، وقراءة القرآن الكريم .واجعل رغبتك فى جميع أعمالك وعباداتك ، من أجل إرضاء ربك ، لا من أجل شئ آخر ، فهو وحده القادر على إبلاغك ما تريد ، وتحقيق آمالك .فالمقصود بهاتين الآيتين حثه صلى الله عليه وسلم وحث أتباعه فى شخصه على استدامة العمل الصالح ، وعدم الانقطاع عنه ، مع إخلاص النية لله - تعالى - فإن المواظبة على الأعمال الصالحة مع الإخلاص فيها ، تؤدى إلى السعادة التى ليس بعدها سعادة .ولقد استجاب صلى الله عليه وسلم لهذا الإِرشاد الحكيم ، " فقد قام الليل حتى تورمت قدماه ، وعندما سئل مل كل هذه العبادة ، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك؟ قال : " أفلا أكون عبدا شكورا " " .وسار أصحابه من بعده على هذا الهدىالقويم : فعمروا حياتهم بالباقيات الصالحات من الأعمال ، دون أن يكون للفراغ السيئ ، مكان فى حياتهم ، بل واصلوا الجهاد بالجهاد ، وأعمال البر بمثلها .ومن أقوال عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - : إنى لأكره لأحدكم أن يكون خاليا ، لا فى عمل دنيا ولا دين " .وفى رواية أنه قال : " إنى لأنظر إلى الرجل فيعجبنى ، فإذا قيل : إنه لا عمل له سقط من عينى " .نسأل الله - تعالى - أن يجعلنا جميعا ممن يعمرون أوقاتهم بالأعمال الصالحة ، والخالصة لوجهه الكريم .وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

التين 95:1

إلا أن خلافهم فى المراد بقوله - تعالى - : ( والتين والزيتون ) ، وقد ذكر الإِمام القرطبى هذا الخلاف فقال ما ملخصه : قوله : ( والتين والزيتون ) : قال ابن عباس وغيره : هو تينكم الذى تأكلون ، وزيتونكم الذى تعصرون منه الزيت . قال - تعالى - : ( وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَآءَ تَنبُتُ بالدهن وَصِبْغٍ لِّلآكِلِيِنَ ) وهى شجرة الزيتون .وقال أبو ذر : " أهدى للنبى صلى الله عليه وسلم سلة تين ، فقال : " كلوا " وأكل منها . ثم قال : " لو قلت إن فاكهة نزلت من الجنة ، لقلت هذه . . " " .وعن معاذ : أنه استاك بقضيب زيتون ، وقال : سمعت النبى صلى الله عليه وسلم يقول : " نعم السواك الزيتون من الشجرة المباركة " .وقال الإِمام ابن جرير بعد أن ساق ملة من الأقوال من المقصود بالتين والزيتون : والصواب من القول فى ذلك عندنا ، قول من قال : التين : هو التين الذى يؤكل . والزيتون : هو الزيتون الذى يعصر منه الزيت ، لأن ذلك هو المعروف عند العرب ، ولا يعرف جبل يسمى تينا ، ولا جبل يقال له زيتون . إلا أن يقول قائل : المراد من الكلام القسم بمنابت التين ، ومنابت الزيتون ، فيكون ذلك مذهبا ، وإن لم يكن على صحة ذلك أنه كذلك ، دلالة فى ظاهر التنزيل ..وما ذهب إليه الإِمامان : ابن جرير والقرطبى ، من أن المراد بالتين والزيتون ، حقيقتهما ، هو الذى نميل إليه ، لأنه هو الظاهر من معنى اللفظ ، ولأنه ليس هناك من ضرورة تحمل على مخالفته ، ولله - تعالى - أن يقسم بما شاء من مخلوقاته ، فهو صاحب الخلق والأمر ، تبارك الله رب العالمين .

التين 95:2

اتفق المفسرون على أن المراد بطور سينين : الجبل الذى كلم الله - تعالى - عليه موسى - عليه السلام - وسينين ، وسيناء ، وسينا ، اسم للبقعة التى فيها هذا الجبل ، بإضافة " طور " إلى ما بعده ، من إضافة الموصوف إلى الصفة .قال الإِمام الشوكانى : " وطور سينين " هو الجبل الذى كلم الله عليه موسى ، اسمه الطور . ومعنى سينين : المبارك الحسن . . وقال مجاهد : سينين كل جبل فيه شجر مثمر ، فهو سينين وسيناء . وقال الأخفش : طور : جبل . وسينين شجر ، واحدته سينه ، ولم ينصرف سينين كما لم ينصرف سيناء ، لأنه جعل اسما للبقعة .وأقسم - سبحانه - به ، لأنه من البقاع المباركة ، وأعظم بركة حلت به ووقعت فيه ، تكليم الله - تعالى - ، لنبيه موسى - عليه السلام - .

التين 95:3

كما اتفقوا - أيضا - على أن المراد بالبلد الأمين : مكة المكرمة ، وسمى بالأمين لأن من دخله كان آمنا ، وقد حرمها - تعالى - على جميع خلقه ، وحرم شجرها وحيوانها ، وفى الحديث الصحيح ، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال بعد فتحتها : " إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض فهى حرام إلى أن يقوم الساعة ، لم تحل لأحد قبلى ، ولن تحل لأحد بعدى ، ولم تحل لى إلا ساعة من نهار ، فلا يُعْضَد - أى : يقطع - شجرها - ولا ينفر صيدها ، ولا تحل لقطتها إلا لمنشد . . " .

التين 95:4

وجملة : ( لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان في أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ . . . ) وما عطف عليه جواب القسم .أى : وحق التين الذى هو أحسن الثمار ، صورة وطعما وفائدة ، وحق الزيتون الذى يكفى الناس حوائج طعامهم وإضاءتهم ، وحق هذا البلد الأمين ، وهو مكة المكرمة ، وحق طور سنين الذى كلم الله - تعالى - عليه نبيه موسى تكليما . . وحق هذه الأشياء . . لقد خلقلنا الإِنسان فى أعدل قامة ، وأجمل صورة ، وأحسن هيئة ، ومنحناه بعد ذلك ما لم نمنحه لغيره ، من بيان فصيح ، ومن عقل راجح ، ومن علم واسع ، ومن إرادة وقدرة على تقحيق ما يبتغيه فى هذه الحياة ، بإذننا ومشيئتنا .والتقويم فى الأصل : تصيير الشئ على الصورة التى ينبغى أن يكون عليها فى التعديل والتركيب . تقول : قومت الشئ تقويماً ، إذا جعلته على أحسن الوجوه التى ينبغى أن يكون عليها . . فى التعديل والتركيب . تقول : قومت الشئ تقويماً ، إذا جعلته على أحسن الوجوه التى ينبغى أن يكون عليها . . وهذا الحسن يشمل الظاهر والباطن للإِنسان .والمراد بالإِنسان هنا : جنسه . أى : لقد خلقنا - بقدرتنا وحكمتنا - جنس الإِنسان فى أكمل صورة ، وأحكم عقل . .

التين 95:5

وقوله - تعالى - : ( ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ ) معطفو على ما قبله وداخل فى حيز القسم . وضمير الغائب يعود إلى الإِنسان .وحقيقة الرد : إرجاع الشئ إلى مكانه السابق ، والمراد به هنا : تصيير الإِنسان على حالة غير الحالة التى كان عليها ، وأسفل : أفعل تفضيل ، أى : أشد سفالة مما كان يتوقع .وللمفسرين فى هذه الآية الكريمة اتجاهات منها : أن المراد بالرد هنا : الرد على الكبر والضعف ، كما قال - تعالى - : ( الله الذي خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَهُوَ العليم القدير ) وعلى هذا الرأى يكون المردودين إلى أسفل سافلين ، أى : إلى أرذل العمر ، هم بعض أفراد جنس الإِنسان ، لأنه من المشاهد أن بعض الناس هم الذين يعيشون تلك الفترة الطويلة من العمر ، كما قال - تعالى - : ( هُوَ الذي خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لتبلغوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُواْ شُيُوخاً وَمِنكُمْ مَّن يتوفى مِن قَبْلُ ولتبلغوا أَجَلاً مُّسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) وقد رجح ابن جرير هذا الرأى فقال : " وأولى الأقوال فى ذلك عندى بالصحة ، وأشبهها بتأويل الآية ، قول من قال معناه : ثم رددناه إلى أرذل العمر .إلى عمر الخرفى الذين ذهبت عقولهم من الهرم والكبر ، فهو فى أسفل من سفل فى إدبار العمر ، وذهاب العقل . . " .ومنها : أن المراد بالرد هنا : الرد إلى النار ، والمعنى : لقد خلنا الإِنسان فى أحسن تقويم ، ثم رددناه إلى أقبح صورة ، وأخس هيئة . . حيث ألقينا به فى أسفل سافلين ، أى : فى النار ، بسبب استحبابه العمى على الهدى ، والكفر على الإِيمان .وقد رجح هذا الرأى ابن كثير فقال : قوله : ( ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ ) أى : إلى النار . . أى : ثم بعد هذا الحسن والنضارة ، مصيره إلى النار ، إن لم يطع الله - تعالى - ويتبع الرسل . ولهذا قال : ( إِلاَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات . . . ) .

التين 95:6

( إِلاَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات . . . )وعلى هذا الرأى - أيضا - ، يكون المردودون إلى " أسفل سافلين " أى : إلى النار ، هم بعض أفراد جنس الإِنسان ، وهم الكفار ، والفاسقون عن أمره - تعالى - .ومنها : أن المراد بالرد إلى أسفل سافلين هنا : الانحراف والارتداد عن الفطرة التى فطر الله - تعالى - الناس عليها ، بأن يعبد الإِنسان مخلوقاً مثله ، ويترك عبادة خالقه ، ويطيع نفسه وشهواته وهواه . . ويترك طاعة ربه - عز وجل - .وقد فصل الأستاذ الإِمام هذا المعنى فقال ما ملخصه : " أقسم - سبحانه - أنه قوم الإِنسان أحسن تقويم ، وركبه أحسن تركيب ، وأكد - سبحانه - ذلك بالقسم ، لأن الناس بسبب غفلتهم عما كرمهم الله به ، صاروا كأنهم ظنوا أنفسهم كسائر أنواع العجماوات ، يفعلون كما تفعل ، لا يمنعهم حياء ولا تردهم حشمة . فانحطت بذلك نفوسهم عن مقامها ، الذى كان لها بمقتضى الفطرة . . فهذا قوله : ( ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ ) ، أى : صيرناه أسفل من كثير من الحيوانات التى كانت أسفل منه ، لأن الحيوان المفترس - مثلاً - إنما يصدر فى عمله عن فطرته التى فطر عليها ، لم ينزل عن مقامه ، ولم ينحط عن منزلته فى الوجود .أما الإِنسان فإنه بإهماله عقله ، وجهله بما ينبغى أن يعمله لتوفير سعادته وسعادة إخوانه ، ينقلب أرذل من سائر أنواع الحيوان ، ولطالما قلت : " إذا فسد الإِنسان فلا تسل عما يصدر عنه من هذيان أو عدوان " .والذى يتأمل الرأى الثانى والثالث يرى أن بينهما تلازماً ، لأن الانحراف عن الفطرة السوية يؤدى إلى الدخول فى النار وبئس القرار ، وهذان الرأيان أولى بالقبول ، لأن الاستثناء فى قوله - تعالى - بعد ذلك : ( إِلاَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ) يؤيد ذلك ، إذ المعنى عليها : لقد خلقنا الإِنسان فى أحسن تقويم ، ثم رددناه إلى النار بسبب انحرافه عن الفطرة ، وإيثاره الغى على الرشد ، والكفر على الإِيمان .إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، وساروا على مقتضى فطرتهم ، فأخلصوا لله - تعالى - العبادة والطاعة . . فلهم أجر غير مقطوع عنهم أو غير ممنون به عليهم ، بل هم قد اكتسبوا هذا الأجر الدائم العظيم ، بسبب إيمانهم وعملهم الصالح .قال الآلوسى ما ملخصه : قوله : ( ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ ) ، " ثم " هنا للتراخى الزمانى أو الرتبى ، والرد يجوز أن يكون بمعنى الجعل ، فينصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر . فأسفل مفعول ثان ، والمعنى : ثم جعلناه من أهل النار ، الذين هم أقبح ، وأسفل من كل سافل . . ويجوز أن يكون الرد بمعناه المعروف ، وأسفل منصوب بنزع الخافض .أى : رددناه إلى أسفل الأمكنة السافلة وهو جهنم . .وقوله : ( إِلاَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات ) استثناء متصل من ضمير " رددناه العائد على الإِنسان ، فإنه فى معنى الجمع ، فالمؤمنون لا يردون أسفل سافلين يوم القيامة ، بل يزدادون بهجة إلى بهجتهم . وحسنا على حسنهم . . " .

التين 95:7

و " ما " فى قوله - سبحانه - : ( فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بالدين ) اسم استفهام مبتدأ ، وخبره جملة " يكذبك " . والخطاب للإِنسان الذين خلقه الله - تعالى - فى أحسن تقويم ، ففى الكلام التفات من الغيبة إلى الخطاب . والاستفهام للإِنكار والتعجيب من هذا الإِنسان .والمعنى : فأى شئ يحملك - أيها الإِنسان - على التكذيب بالدين وبالبعث وبالجزاء ، بعد أن خلقناك فى أحسن تقويم ، وبعد أن أقمنا لك الأدلة على أن دين الإِسلام هو الدين الحق ، وعلى أن رسولنا صادق فيما يبلغك عن ربه - عز وجل -؟فالمقصود بقوله - تعالى - : ( يُكَذِّبُكَ ) : يجعلك مكذباً ، أى : لا عذر لك فى التكذيب بالحق ، وقيل : الخطاب للنبى صلى الله عليه وسلم ، وتكون " ما " بمعنى " مَنْ " ويكون الاستفهام بها عن ذوات المخاطبين ، أى : فمن ذا الذى يكذبك - أيها الرسول الكريم - ويكذب بيوم الدين والجزاء ، بعد أن ظهرت الدلائل على صدقك . . ؟إن كل عاقل يجب عليه أن يصدقك ولا يكذبك ، ولا يعرض عنك .

التين 95:8

والاستفهام فى قوله - تعالى - : ( أَلَيْسَ الله بِأَحْكَمِ الحاكمين ) للتقرير : إذا الجملة الكريمة تحقيق لما ذكر من خلق الإِنسان فى أحسن تقويم ، ثم رده إلى أسفل سافلين .فكأنه - تعالى - يقول : إن الذى فعل ذلك كله هو أحكم الحاكمين خلقاً وإيجاداً . وصنعاً وتدبيراً ، وقضاء وتقديراً ، فيجب على كل عاقل أن يخلص له العبادة والطاعة وأن يتبع رسوله صلى الله عليه وسلم فى كل ما جاء به من عند ربه - عز وجل - .وقد روى الإِمام الترمذى عن أبى هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من قرأ منكم ( والتين والزيتون . . . ) ثم انتهى إلى قوله - تعالى - ( أَلَيْسَ الله بِأَحْكَمِ الحاكمين ) فليقل : بلى ، وأنا على ذلك من الشاهدين " .نسأل الله - تعالى - أن يجعلنا جميعاً من عباده الصالحين .وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

العلق 96:1

وقد أجمع المحققون من العلماء ، على ن هذه الآيات الكريمة ، أول ما نزل على الرسول صلى الله عليه وسلم من قرآن على الإطلاق ، فقد أخرج الشيخان وغيرهما عن عائشة قالت : أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحى ، الرؤيا الصالحة فى النوم . فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح . ثم حبب إليه الخلاء فكان يخلو بغار حراء فيتحنث - أى : فيتعبد - فيه الليالى ذوات العدد ، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لذلك ، حتى جاءه الحق وهو فى غار حراء . فجاءه الملك فقال له : ( اقرأ ) قال : ما أنا بقارئ ، قال صلى الله عليه وسلم فأخذنى فغطنى حتى بلغ منى الجهد ، ثم أرسلنى فقال : ( اقرأ ) فقلت : ما أنا بقارئ ، فأخذنى فغطنى الثانية حتى بلغ منى الجهد ، ثم أرسلنى فقال : ( اقرأ ) فقلت : ما أنا بقارئ ، فأخذنى فغطنى الثالثة حتى بلغ منى الجهد ، ثم أرسلنى فقال : ( اقرأ باسم رَبِّكَ الذي خَلَقَ . خَلَقَ الإنسان مِنْ عَلَقٍ . . ) .وما ورد من أحاديث تفيد أن أول سورة نزلت هى " سورة الفاتحة " فمحمول على أن أول سورة نزلت كاملة هى سورة الفاتحة .كذلك ما ورد من أحاديث فى أن أول ما نزل سورة المدثر ، محمول على أن أول ما نزل بعد فترة الوحى . أما صدر سورة العلق فكان نزوله قبل ذلك .قال الآلوسى - بعد أن ساق الأحاديث التى وردت فى ذلك - : " وبالجملة فالصحيح - كما قال بعض وهو الذى أختاره - أن صدر هذه السورة الكريمة ، هو أول ما نزل من القرآن على الإِطلاق . وفى شرح مسلم : الصواب أن أول ما نزل " اقرأ " أى : مطلقاً ، وأول ما نزل بعد فترة الوحى ، " يأيها المدثر " ، وأما قول من قال من المفسرين ، أول ما نزل الفاتحة ، فبطلانه أظهر من أن يذكر " .والذى نرجحه ونميل إليه أن أول من قرآن على الإطلاق ، هو صدر هذه السورة لكريمة إلى قوله ( مَا لَمْ يَعْلَمْ ) ، لورود الأحاديث الصحيحة بذلك . أما بقيتها فكان نزوله متأخراً .قال الأستاذ الإِمام " أما بقية السورة فهو متأخر النزول قطعاً ، وما فيه من ذكر أحوال المكذبين ، يدل على أنه إنما نزل بعد شيوع خبر البعثة ، وظهور أمر النبوة ، وتحرش قريش لإيذائه صلى الله عليه وسلم " .وقد افتتحت السورة الكريمة بطلب القراءة من النبى صلى الله عليه وسلم مع أنه كان أميا لتهيئة ذهنه لما سيلقى عليه صلى الله عليه وسلم من وحى . . فقال - سبحانه - : ( اقرأ باسم رَبِّكَ الذي خَلَقَ ) . أى : اقرأ - أيها الرسول الكريم - ما سنوحيه إليك من قرآن الكريم- ما سنوحيه إليك من قرآن كريم - ولتكن قراءتك ملتبسة باسم ربك ، وبقدرته وإرادته ، لا باسم غيره ، فهو - سبحانه - الذى خلق الأشياء جميعها ، والذى لا يعجزه أن يجعلك قارئاً ، بعد كونك لم تكن كذلك .وقال - سبحانه - ذاته بقوله : ( الذي خَلَقَ ) للتذكير بهذه النعمة ، لأن الخلق هو أعظم النعم ، وعليه تترتب جميعها .

العلق 96:2

وجملة ( خَلَقَ الإنسان مِنْ عَلَقٍ ) بدل من قوله ( الذي خَلَقَ ) بدل بعض من كل ، إذ خلق الإِنسان بمثل جزءا من خلق المخلوقات التى لا يعلمها إلا الله .و " العلق " الدم الجامد ، وهو الطورالثانى من أطوار خلق الإِنسان .وقيل : العلق : مجموعة من الخلايا التى نشأت بطريقة الانقسام عن البويضة الملقحة ، وسمى " علقا " لتعلقه بجدار الرحم .والمقصود من هذه الجملة الكريمة بيان مظهر من مظاهر قدرته - تعالى - فكأنه - سبحانه - يقول : إن من كان قادراً على أن يخلق من الدم الجامد إنساناً يسمع ويرى ويعقل . . قادر - أيضاً - على أن يجعل منك - أيها الرسول الكريم - قارئاً ، وإن لم تسبق لك القراءة .وخص - سبحانه - خلق الإِنسان بالذكر ، لأنه أشرف المخلوقات ولأن فيه من بدائع الصنع والتدبير ما فيه .

العلق 96:3

وقوله - تعالى - ( اقرأ وَرَبُّكَ الأكرم ) أى : امض لما أمرتك به من القراءة ، فإن ربك الذى أمرك بالقراءة هو الأكرم من كل كريم ، والأعظم من كل عظيم .قالوا : وإنما كرر - سبحانه - الأمر بالقراءة ، لأنه من الملكات التى لا ترسخ فى النفس إلا بالتكرار والإِعادة مرة فمرة .وجملة ( وَرَبُّكَ الأكرم ) مستأنفة لقصد بيان أنه - تعالى - أكرم من كل من يلتمس منه العطاء ، وأنه - سبحانه - قادر على أن يمنح نبيه نعمة القراءة ، بعد أن كان يجهلها .

العلق 96:4

وقوله - تعالى - : ( الذى عَلَّمَ بالقلم ) أى : علم الإنسان الكتابة بالقلم ، ولم يكن له علم بها ، فاستطاع عن طريقها أن يتفاهم مع غيره ، وأن يضبط العلوم والمعارف ، وأن يعرف أخبار الماضين وأحوالهم ، وأن يتخاطب بها مع الذين بينه وبينهم المسافات الطويلة .ومفعولا " علَّم " محذوفان ، دل عليهما قوله ( بالقلم ) أى : علم ناسا التكابة بالقلم .وتخصيص هذه الصفة بالذكر ، للإِيماء إلى إزالة ما قد يخطر بباله صلى الله عليه وسلم من تعذر الراءة بالنسبة له ، لجهله بالكتابة ، فكأنه - تعالى - يقول له : إن من علم غيرك القراءة والكتابة بالقلم ، قادر على تعليمك القراءة وأنت لا تعرف الكتابة ، ليكون ذلك من معجزاتك الدالة على صدقك ، وكفاك بالعلم فى الأمة معجزة .

العلق 96:5

وجملة ( عَلَّمَ الإنسان مَا لَمْ يَعْلَمْ ) خبر عن قوله - تعالى - : ( وَرَبُّكَ الأكرم ) وما بينهما اعتراض ، ويصح أن تكون بدل اشتمال مما قبلها وهو قوله ( عَلَّمَ بالقلم ) أى : علم الإِنسان بالقلم وبدونه ما لم يكن يعلمه من الأمور على اختلافها ، والمراد بالإِنسان فى هذه الآيات جنسه .والمتأمل فى هذه الآيات الكريمة ، يراها قد جمعت أصول الصفات الإِلهية ، كالوجود ، والوحدانية ، والقدرة والعلم ، والكرم .قال الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآيات : فأول شئ من القرآن هذه الآيات الكريمات المباركات ، وهو أول رحمة رحم الله بها العباد ، وأول نعمة أنعم الله بها عليهم ، وفيها التنبيه على ابتداء خلق الإِنسان من علقه ، وأن من كرمه - تعالى - أن علم الإِنسان ما لم يعلم ، فشرفه وكرمه بالعلم ، وهو القدر الذى امتاز به أبو البرية آدم على الملائكة . .وقال المرحوم الشيخ محمد عبده : ثم إنه لا يوجد بيان أبرع ولا دليل أقطع على فضل القراءة والكتابة والعلم بجميع أنواعه ، من افتتاح الله كتابه وابتدائه الوحى ، بهذه الآيات الباهرات ، فإن لم يهتد المسلمون بهذا الهدى ، ولم ينبههم النظر فيه إلى النهوض ، وإلى تمزيق تلك الحجب التى حجبت عن أبصارهم نور العلم . . وإن لم يسترشدوا بفاتحة هذا الكتاب المبين ، ولم يستضيئوا بهذا الضياء الساطع . . فلا أرشدهم الله . .

العلق 96:6

ثم بين - سبحانه - بعد ذلك الأسباب التى تحمل الإِنسان على الطغيان فقال : ( كَلاَّ إِنَّ الإنسان ليطغى . أَن رَّآهُ استغنى ) .و " كلا " حرف ردع وزجر لمن تكبر وتمرد . . فهو زجر عما تضمنه ما بعدها ، لأن ما قبلها ليس فيه ما يوجب الزجر والردع ، ويصح أن تكون " كلا " هنا بمعنى حقا . وقوله : ( يطغى ) من الطغيان ، وهو تجاوز الحق فى التكبر والتمرد . والضمير فى قوله ( رآه ) يعود على الإِنسان الطاغى ، والجملة متعلقة بقوله ( يطغى ) بحذف لام التعليل ، والرؤية بمعنى العلم .والمعنى : حقا إن الإِنسان ليتعاظم ويتكبر ويتمرد على الحق .والمراد بالإِنسان هنا : جنسه؛ لأن من طبع الإِنسان أن يطغى ، إذا ما كثرت النعم بين يديه ، إلا من عصمه الله - تعالى - منهذا الخُلُقِ الذميم ، بأن شكره - سبحانه - على نعمه ، واستعملها فى طاعته .

العلق 96:7

لأنه رأى نفسه ذا غنى فى المال والجاه والعشيرة ، ورآها - لغروره وبطره - ليست فى حاجة إلى غيره .والمراد بالإِنسان هنا : جنسه؛ لأن من طبع الإِنسان أن يطغى ، إذا ما كثرت النعم بين يديه ، إلا من عصمه الله - تعالى - منهذا الخُلُقِ الذميم ، بأن شكره - سبحانه - على نعمه ، واستعملها فى طاعته .وقيل المراد بالإِنسان هنا : أبو جهل ، وأن هذه الآيات وما بعدها حتى آخر السورة قد نزلت فى أبى جهل ، فقد أخرج البخارى عن ابن عباس قال : قال أبو جهل : لئن رأيت محمدا يصلى عند الكعبة ، لأطأن على عنقه ، فبلغ ذلك النبى صلى الله عليه وسلم فقال : " لئن فعل لأخذته الملائكة " . ونزول هذه الآيات فى شأن أبى جهل لا يمنع عموم حكمها ، ويدخل فى هذا الحكم دخولا أوليا أبو جهل ، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب .

العلق 96:8

وقوله - تعالى - : ( إِنَّ إلى رَبِّكَ الرجعى ) تهديد ووعيد لهذا الطاغى ، والرُّجْعَى : مصدر بمعنى الرجوع . تقول : رجع إليه رجوعا ومرجعا ورجعى بمعنى واحد .والمعنى : لا تحزن - أيها الرسول الكريم - مما تفوه به هذا الطاغى وأمثاله ، فإن إلى ربك وحده مرجعهم ، وسيشاهدون بأعينهم ما أعددناه لهم من عذاب مهين ، وسيعلمون حق العلم أن ما يتعاظمون به من مال ، لن يغنى عنهم من عذاب الله شيئا يوم القيامة .

العلق 96:9

ثم عجَّب - سبحانه - نبيه صلى الله عليه وسلم من حال هذا الشقى وأمثاله ، فقال : ( أَرَأَيْتَ الذي ينهى . عَبْداً إِذَا صلى ) . فالاستفهام فى قوله - تعالى - : ( أَرَأَيْتَ . . . ) للتعجيب من جهالة هذا الطاغى ، وانطماس بصيرته ، حيث نهى عن الخير ، وأمر بالشر ، والمراد بالعبد : رسول الله صلى الله عليه وسلم وتنكيره للتفخيم والتعظيم .أى : أرأيت وعلمت - أيها الرسول الكريم - حالا أعجب وأشنع من حال هذا الطاغى الأحمق ، الذى ينهاك عن إقامة العبادة لربك الذى خلقك وخلقه .

العلق 96:10

ثم عجَّب - سبحانه - نبيه صلى الله عليه وسلم من حال هذا الشقى وأمثاله ، فقال : ( أَرَأَيْتَ الذي ينهى . عَبْداً إِذَا صلى ) . فالاستفهام فى قوله - تعالى - : ( أَرَأَيْتَ . . . ) للتعجيب من جهالة هذا الطاغى ، وانطماس بصيرته ، حيث نهى عن الخير ، وأمر بالشر ، والمراد بالعبد : رسول الله صلى الله عليه وسلم وتنكيره للتفخيم والتعظيم .أى : أرأيت وعلمت - أيها الرسول الكريم - حالا أعجب وأشنع من حال هذا الطاغى الأحمق ، الذى ينهاك عن إقامة العبادة لربك الذى خلقك وخلقه .

العلق 96:11

وقوله - سبحانه - : ( أَرَأَيْتَ إِن كَانَ على الهدى . أَوْ أَمَرَ بالتقوى ) خطاب آخر للنبى صلى الله عليه وسلم أى : أرأيت - أيها الرسول الكريم - إن صار هذا الإِنسان - الطاغى والكافر - على الهدى ، فاتبع الحق ، ودعا إلى البر والتقوى . . أما كان ذلك خيرا له من الإِصرار على الكفر .

العلق 96:12

ومن نهيه إياك عن الصلاة ، فجواب الشرط محذوف للعلم به .فالمراد بالهدى : اهتداؤه إلى الصراط المستقيم ، والمراد بالتقوى : صيانة نفسه عن كل ما يغضب الله - تعالى - ، وأمره غيره بذلك .

العلق 96:13

وقوله - تعالى - : ( أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وتولى . أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ الله يرى ) .أى : أرأيت - أيها الرسول الكريم - إن كذب هذا الكافر بما جئته به من عندنا ، وتولى وأعرض عما تدعوه إليه من إيمان وطاعة لله رب العالمين . أرأيت إن فعل ذلك ، أفلا أرشده عقله إلى أن خالق هذا الكون يراه ، وسيجازيه بما يستحقه من عذاب مهين؟فالمقصود من هذه الآيات الكريمة التى تكرر فيها لفظ " أرأيت " ثلاث مرات : تسلية النبى صلى الله عليه وسلم . وتعجيبه من حال هذا الإِنسان الطاغى الشقى ، الذى أصر على كفره . وآثر الغى على الرشد . والشرك على الإِيمان . . وتهديد هذا الكافر الطاغى بسوء المصير ، لأن الله - تعالى - مطلع على أعماله القبيحة . . وسيعاقبه العقاب الأكبر .

العلق 96:14

قال صاحب الكشاف : فإن قلت : فأين جواب الشرط - أى فى قوله - تعالى - : ( أَرَأَيْتَ إِن كَانَ على الهدى ) ؟ قلت : هو محذوف تقديره : إن كان على الهدى ، ألم يعلم بأن الله يرى ، وإنما حذف لدلالة ذكره فى جواب الشرط الثانى .فإن قلت : فكيف صح أن يكون " ألم يعلم " جوابا للشرط؟ قلت : كما صح فى قولك : إن أكرمتك أتكرمنى؟ وإن أحسن إليك زيد هل تحسن إليه؟ ..

العلق 96:15

وقوله - سبحانه - : ( كَلاَّ لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعاً بالناصية ) ردع وزجر لهذا الكافر الطاغى الناهى عن الخير ، ولكل من يحاول أن يفعل فعله .والسفع : الجذب بشدة على سبيل الإِذلال والإِهانة ، تقول : سفعت بالشئ ، إذا جذبته جذبا شديدا بحيث لا يمكنه التفلت أو الهرب . . . وقيل : هو الاحتراق ، من قولهم : فلان سفعته النار ، إذا أحرقته وغيرت وجهه وجسده . والناصية : الشعر الذى يكون فى مقدمة الرأس . أى : كلا ليس الأمر كما فعل هذا الإِنسان الطاغى ، ولئن لم يقلع عما هو فيه من كفر وغرور ، لنقهرنه ، ولنذلنه ، ولنعذبنه عذابا شديدا فى الدنيا والآخرة .والتعبير بقوله - تعالى - : ( لَنَسْفَعاً بالناصية ) يشعر بالأخذ الشديد ، والإِذلال المهين ، لأنه كان من المعروف عند العرب ، أنهم كانوا إذا أرادوا إذلال إِنسان وعقابه ، سحبوه من شعر رأسه .والتعريف فى الناصية ، للعهد التقديرى . أى : بناصية ذلك الإِنسان الطاغى ، الذى كذب وتولى ، ونهى عن إقامة الصلاة .

العلق 96:16

وقوله - تعالى - : ( نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ ) بدل من الناصية ، وجاز إبدال النكرة من المعرفة ، لأن النكرة قد وصفت ، فاستقلت بالفائدة .وخاطئة : اسم فاعل من خطئ فلان - كعلم - فهو خاطئ وهو الذى يأتى الذنب متعمدا ، ووصفت الناصية بأنها خاطئة مبالغة فى تعمد هذا الإِنسان الارتكاب المنكر ، على حد قولهم : نهار صائم ، أى : صائم صاحبه ، ولأن الناصية هى مظهر الغرور والكبرياء .أى : لئن لم ينته هذا الفاجر المغرور عن كفره . . لنذلنه إذلالا شديدا . . ولنسحبنه إلى النار من ناصيته التى طالما كذبت بالحق ، وتعمدت ارتكاب المنكر . .

العلق 96:17

وقوله - سبحانه - : ( فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ ) رد على غروره وتفاخره بعشيرته ، فقد جاء فى الحديث الشريف أن أبا جهل عندما نهى النبى صلى الله عليه وسلم عن الصلاة ، نهره النبى صلى الله عليه وسلم وزجره وأغلظ له القول . . فقال أبو جهل : أتهددنى يا محمد وأنا أكثر هذا الوادى ناديا ، فأنزل الله - سبحانه - : ( فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ . سَنَدْعُ الزبانية ) .وأصل النادى : المكان الذى يجتمع فيه الناس للحديث ، ولا يسمى المكان بهذا الاسم إلا إذا كان معدا لهذا الغرض ، ومنه دار الندوة ، وهى دار كان أهل مكة يجتمعون فيها للتشاور فى مختلف أمورهم ، وسمى بذلك لأن الناس يَنْدُون إليه ، أى : يذهبون إليه ، أو ينتدون فيه ، أى : يجتمعون للحديث فيه . يقال : ندا القوم نَدْواً - من باب غزا - إذا اجتمعوا .والأمر فى قوله - تعالى - : ( فَلْيَدْعُ ) للتعجيز ، والكلام على حذف مضاف . أى : فليدع هذا الشقى المغرور أهله وعشيرته لإيذاء النبى صلى الله عليه وسلم ، ولمنعه من الصلاة ، إن قدروا على ذلك ، فنحن من جانبنا سندع الزبانية ، وهم الملائكة الغلاظ الموكلون بعقاب هذا المغرور وأمثاله .

العلق 96:18

ولفظ الزبانية فى كلام العرب : يطلق على رجال الشرطة الذين يزبنون الناس ، أى : يدفعونهم إلى ما يريدون دفعهم إليه بقوة وشدة وغلظة ، جمع زِبْنيَّة ، وأصل اشتقاقه من الزَّبْنِ ، وهو الدفع الشديد ، ومنه قولهم : حرب زبون ، إذا اشتد الدفع والقتال فيها ، وناقة زبون إذا كانت تركل من يحلبها .والمقصود بهاتين الآيتين ، التهكم بهذا الإِنسان المغرور ، والاستخفاف به وبكل من يستنجد به ، ووعيده بأنه إن استمر فى غروره ونهيه عن الصلاة فسيسلط الله - تعالى - عليه ملائكة غلاظا شدادا . لا قبل له ولا لقومه بهم .

العلق 96:19

وقوله - تعالى - : ( كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ واسجد واقترب ) ردع آخر لهذا الكافر عن الغرور والبطر والطغيان ، وإبطال لدعواه أنه سيدع أهل نادية ، وتأكيد لعجزه عن منع الرسول صلى الله عليه وسلم عن الصلاة . أى : كلا ليس الأمر كما قال هذا المغرور من أن أهله وعشيرته سينصرونه ، وسيقفون إلى جانبه فى منعك أيها الرسول الكريم - من الصلاة ، فإنهم وغيرهم أعجز نم أن يفعلوا ذلك ، وعليك - أيها الرسول الكريم - أن تمضى فى طريقك وأن تواظب على أداء الصلاة فى المكان الذى تختاره ، ولا تطع هذا الشقى ، فإنه جاهل مغرور ، واسجد لربك وتقرب إليه - تعالى - بالعبادة والطاعة ، وداوم على ذلك . فالمقصود بهذه الآية الكريمة ، حض النبى صلى الله عليه على المداومة على الصلاة فى الكعبة ، وعدم المبالاة بنهى الناهين عن ذلك ، فإنهم أحقر من أن يفعلوا شيئا . . نسأل الله - تعالى - أن يجعلنا جميعا من عباده الصالحين . وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

القدر 97:1

الضمير المنصوب فى قوله - تعالى - ( أَنزَلْنَاهُ ) يعود إلى القرآن الكريم ، وفى الإِتيان بهذا الضمير للقرآن ، مع أنه لم يجر له ذكر ، تنويه بشأنه ، وإيذان بشهره أمره . حتى إنه ليُسْتَغْنَى عن التصريح به ، لحضوره فى أذهان المسلمين .والمراد بإنزاله : ابتداء نزوله على النبى صلى الله عليه وسلم ، لأنه من المعروف أن القرآن الكريم ، قد نزل على النبى صلى الله عليه سولم منجما ، فى مدة ثلاث وعشرين سنة تقريبا .ويصح أن يكون المراد بأنزلناه ، أى : أنزلناه جملة من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا ، ثم نزل بعد ذلك منجما على النبى صلى الله عليه وسلم .قال الإِمام ابن كثير : قال ابن عباس وغيره : أنزل الله - تعالى - القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة من السماء الدنيا ، ثم نزل مفصلا بحسب الوقائع ، فى ثلاث وعشرين سنة ، على رسول الله صلى الله عليه وسلم .والقَدْر الذى أضيفت إليه الليلة ، بمعنى الشرف والعظمة ، مأخوذ من قولهم : لفلان قدر عند فلان ، أى : له منزلة رفيعة ، وشرف عظيم ، فسميت هذه الليلة بذلك ، لعظم قدرها وشرفها ، إذ هى الليلة التى نزل فيها قرآن ذو قدر ، بواسطة ملك ذى قدر ، على رسول ذى قدر ، لأجل إكرام أمه ذات قدر ، هذه الأمة يزداد قدرها وثوابها عند الله - تعالى - إذا ما أحيوا تلك الليلة بالعبادات والطاعات .

القدر 97:2

ويصح أن يكون المراد بالقدر هنا : التقدير ، لأن الله - تعالى - يقدر فيها ما يشاء تقديره بعباده ، إلا أن القول الأول أظهر ، لأن قوله - سبحانه - بعد ذلك : ( وَمَآ أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ القدر ) يفيد التعظيم والتفخيم .أى : إنا ابتدأنا بقدرتنا وحكمتنا ، إنزال هذا القرآن العظيم ، على رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم فى ليلة القدر ، التى لها ما لها عندنا من قدر وشرف وعظم . . لأن للطاعات فيها قدرا كبيرا ، ثوابا جزيلا .وليلة القدر هذه هى الليلة التى قال الله - تعالى - فى شأنها فى سورة الدخان : ( إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ . فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ . أَمْراً مِّنْ عِنْدِنَآ إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ . رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السميع العليم ) وهذه الليلة هى من ليالى شهر رمضان ، بدليل قوله - تعالى - : ( شَهْرُ رَمَضَانَ الذي أُنْزِلَ فِيهِ القرآن هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الهدى والفرقان ) قال بعض العلماء : ومن تسديد ترتيب المصحف ، أن سورة القدر وضعت عقب سورة العلق ، مع أنها أقل عددَ آياتٍ من سورة البينة وسور بعدها ، وكأن ذلك إيماء إلى أن الضمير فى ( أنزلناه ) يعود إلى القرآن ، الذى ابتدئ نزوله بسورة العلق .وقال صاحب الكشاف : عظم - سبحانه - القرآن من ثلاثة أوجه : أحدها : أن أسند إنزاله إليه ، وجعله مختصا به دون غيره ، والثانى : أنه جاء بضميره دون اسمه الظاهر ، شهادة له بالنباهة والاستغناء عن التنبيه عليه ، والثالث : الرفع من مقدار الوقت الذى أنزل فيه .روى أنه جملة واحدة فى ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا ، وأملاه جبريل على السفرة ثم كان ينزل به على رسول الله صلى الله عليه وسلم نجوما فى ثلاث وعشرين سنة .وعن الشعبى : المعنى أنا ابتدأنا إنزاله فى ليلة القدر . .وقوله - تعالى - : ( وَمَآ أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ القدر ) تنويه آخر بشرف هذه الليلة ، وتفخيم لشأنها ، حتى لكأن عظمتها أكبر من أن تحيط بها الكلمات والألفاظ .أى : وما الذى يدريك بمقدار عظمتها وعلو قدرها ، إن الذى يعلم مقدار شرفها هو الله - تعالى - علام الغيوب .

القدر 97:3

ثم - بين - سبحانه - مظاهر فضلها فقال : ( لَيْلَةُ القدر خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ ) أى : ليلة القدر أفضل من ألف شهر ، بسبب ما أنزل فيها من قرآن كريم يهدى للتى هى أقوم . ويخرج الناس من الظلمات إلى النور ، وبسبب أن العباد فيها أكثر ثواباً ، وأعظم فضلا من العبادة فى أشهر كثيرة ليس فيها ليلة القدر .والعمل القليل قد يفضل العمل الكثير ، باعتبار الزمان والمكان ، وإخلاص النية ، وحسن الأداء ، ولله - تعالى - أن يخص بعض الأزمنة والأمكنة والأشخاص بفضائل متميزة .والتحديد بألف شهر يمكن أن يكون مقصودا . ويمكن أن يراد منه التكثير . وأن المراد أن أقل عدد تفضله هذه الليلة هو هذا العدد . فيكون المعنى : أن هذه الليلة تفضل الدهر كله .

القدر 97:4

ثم ذكر - سبحانه - بعد ذلك مزية أخرى لهذه الليلة المباركة فقال : ( تَنَزَّلُ الملائكة والروح فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ ) .أى : ومن مزايا وفضائل هذه الليلة أيضا ، أن الملائكة - وعلى رأسهم الروح الأمين جبريل - ينزلون فيها أفواجا إلى الأرض ، بأمره - تعالى - وإذنه ، وهم جميعا إنما ينزلونمن أجل أمر من الأمور التى يريد إبلاغها إلى عباده ، وأصل " تنزل " تتنزل ، فحذفت إحدى التاءين تخفيفا ، ونزول الملائكة إلى الأرض ، من أجل نشر البركات التى تحفهم ، فنزولهم فى تلك الليلة يدل على شرفها ، وعلى رحمة الله - تعالى - بعباده .والروح : هو جبريل ، وذكره بخصوصه بعد ذكر الملائكة ، من باب ذكر الخاص بعد العام ، لمزيد الفضل ، واختصاصه بأمور لا يشاركه فيها غيره .وقوله - سبحانه - ( بِإِذْنِ رَبِّهِم ) متعلق بقوله : ( تنزل ) ، والباء للسببية ، أى : يتنزلون بسبب إذن ربهم لهم فى النزول .قال الجمل ما ملخصه . وقوله : ( مِّن كُلِّ أَمْرٍ ) يجوز فى " من " وجهان : أحدهما أنها بمعنى اللام ، وتتعلق بتنزل ، تنزل من أجل كل أمر قضى إلى العام القابل .والثانى : أنها بمعنى الباء ، أى : تنزل بكل أمر قضاه الله - تعالى - فيها من موت وحياة ورزق .وليس المراد أن تقدير الله لا يحدث إلا فى تلك الليلة بل المراد إظهار تلك المقادير لملائكته .

القدر 97:5

وقوله - تعالى - : ( سَلاَمٌ هِيَ حتى مَطْلَعِ الفجر ) بيان لمزية ثالثة من مزايا هذه الليلة ، وقوله ( سَلاَمٌ ) مصدر بمعنى السلامة ، وهو خبر مقدم ، و ( هى ) مبتدأ مؤخر ، وإنما قدم الخبر تعجيلا للمسّرة ، وقد أخبر عن هذه الليلة بالمصدر على سبيل المبالغة ، أو على سبيل تأويل المصدر باسم الفاعل ، أو على تقدير مضاف . . والمراد بمطلع الفجر : طلوعه وبزوغه .أى : هذه الليلة يظلها ويشملها السلام المستمر ، والأمان الدائم ، لكل مؤمن يحييها فى طاعة الله - تعالى - إلى أن يطلع الفجر ، أو هى ذات سلامة حتى مطلع الفجر ، أو هى سالمة من كل أذى وسوء لكل مؤمن ومؤمنة حتى طلوع الفجر .هذا وقد أفاض العلماء فى الحديث عن فضائل ليلة القدر ، وعن وقتها . وعن خصائصها . . وقد لخص الإِمام القرطبى ذلك تلخيصا حسناً فقال : وهنا ثلاث مسائل :الأولى : فى تعيين ليلة القدر . . والذى عليه المعظم أنها ليلة سبع وعشرين . . والجمهور على أنها فى كل عام من رمضان . . وقيل : أخفاها - سبحانه - فى جميع شهر رمضان ، ليجتهدوا فى العمل والعبادة طمعا فى إدراكها .الثانية : فى علاماتها : ومنها أن تطلع الشمس فى صبيحتها بيضاء لاشعاع لها .الثالثة : فى فضائلها . . وحسبك قوله - تعالى - ( لَيْلَةُ القدر خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ ) وقوله : ( تَنَزَّلُ الملائكة والروح فِيهَا ) وفى الصحيحين " من قام ليلة القدر إيماناً واحتسابا غفر الله له ما تقدم من ذنبه . . " .نسأل الله - تعالى - أن يجعلنا من المنتفعين بهذه الليلة المباركة .وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

البينة 98:1

" مِنْ " فى قوله - تعالى - ( مِنْ أَهْلِ الكتاب ) للبيان ، وقوله - سبحانه - ( مُنفَكِّينَ ) : للعلماء فى معنى هذا اللفظ أقوال متعددة ، منها : أنه اسم فاعل من انفك بمعنى انفصل ، يقال : فككت الشئ فانفك إذا افترق ما كان ملتحما منه .والبينة : الحجة الظاهرة التى يتميز بها الحق من الباطل ، وأصلها من البيان بمعنى الظهور والوضوح ، لأن بها تتضح الأمور ، أو من البينونة بمعنى الانفصال ، لأن بها ينفصل الحق عن الباطل بعد التباسهما .

البينة 98:2

والمراد بها هنا : رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لقوله - تعالى - بعد ذلك : ( رَسُولٌ مِّنَ الله يَتْلُواْ صُحُفاً مُّطَهَّرَةً ) ، ولأنه صلى الله عليه وسلم كان فى ذاته برهانا على صحة ما ادعاه من النبوة ، لتحليه بكمال العقل وبمكارم الأخلاق ، ولإِتيانه بالمعجزات التى تؤيد أنه صادق فيما يبلغه عن ربه .والمعنى : لم يكن الذين كفورا من أهل الكتاب ، وهم اليهود والنصارى ، ولم يكن - أيضاً - الذين كذبوا الحق من المشركين ، ولم يكن الجميع بمفارقين وبمنفصلين عن كفرهم وشركهم ، ( حتى تَأْتِيَهُمُ البينة ) التى هى الرسول صلى الله عليه وسلم فلما أتتهم هذه البينة ، منهم من آمن ومنهم من استمر على كفره وشركه وضلاله .وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله : " كان الكفار من الفريقين ، أهل الكتاب ، وعبدة الأصنام ، يقولون قبل مبعث النبى صلى الله عليه وسلم : لا ننفك عما نحن عليه من ديننا ، ولا نتركه حتى يبعث النبى المكتوب فى التوراة والإنجيل ، وهو محمد صلى الله عليه وسلم ، فحكى الله - تعالى - ما كانوا يقولونه ، ثم قال : ( وَمَا تَفَرَّقَ الذين أُوتُواْ الكتاب ) ، يعنى أنهم كانوا يَعِدُون باجتماع الكلمة ، والاتفاق على الحق ، إذا جاءهم الرسول ، ثم ما فرقهم عن الحق ، ولا أقرهم على الكفر ، إلا مجئ الرسول صلى الله عليه وسلم ، ونظيره فى الكلام أن يقول الفقير الفاسق لمن يعظه : لست بمنفك عما أنا فيه حتى يرزقنى الله - تعالى - الغنى ، فيرزقه الله الغنى فيزداد فسقا ، فيقول له واعظة : لم تكن منفكا عن الفسق حتى توسر ، وما غمست رأسك فى الفسق إلا بعد اليسار ، يذكره ما كان يقوله توبيخا وإلزاما .وانفكاك الشئ من الشئ ، أن يزايله بعد التحامه به . كالعظم إذا انفك من مفصله .والمعنى : أنهم متشبثون بدينهم لا يتركونه إلا عند مجئ البينة .ومنهم من يرى : أن ( مُنفَكِّينَ ) بمعنى متروكين لا بمعنى تاركين ، أى : لم يكونوا جميعا متروكين على ما هم عليه من الكفر والشرك ، حتى تأتيهم البينة ، على معنى قوله - تعالى - : ( أَيَحْسَبُ الإنسان أَن يُتْرَكَ سُدًى ) أو المعنى : لم يكن هؤلاء القوم منفكين من أمر الله - تعالى - وقدرته ونظره لهم ، حتى يبعث الله - تعالى - إليهم رسولا منذرا ، تقوم عليهم به الحجة ، ويتم على من آمن النعمة ، فكأنه - تعالى - قال : ما كانوا ليتركوا سدى ..وهناك أقوال أخرى فى معنى الآية رأينا أن نضرب عنها صفحا لضعفها .وقد قدم الله - تعالى - ذكر أهل الكتاب فى البيان ، لأن كفرهم أشنع وأقبح . إذ كانوا يقرأون الكتب ، ويعرفون أوصاف النبى صلى الله عليه وسلم فكانت قدرتهم على معرفة صدقه أكبر وأتم . وفى التعبير عنهم بأهل الكتاب دون اليهود والنصارى ، تسجيل للغفلة وسوء النية عليهم . حيث علموا الكتاب . وعرفوا عن طريقه أن هناك رسولا كريما قد أرسله الله - تعالى - لهدايتهم ، ومع ذلك كفروا به ، كما قال - تعالى - : ( فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ الله عَلَى الكافرين ) وقوله - سبحانه - : ( رَسُولٌ مِّنَ الله يَتْلُواْ صُحُفاً مُّطَهَّرَةً ) بدل من " البيِّنَةِ " على سبيل المبالغة ، حيث جعل - سبحانه - الرسول نفس البيئة .أى : لم يفارقوا دينهم حتى جاءهم رسول كريم ، كائن من عند الله - تعالى - لكى يقرأ على مسامعهم صحفا من القرآن الكريم ، مطهرة ، أى : منزهة عن الشرك والكفر والباطل .

البينة 98:3

وهذه الصحف من صفاتها - أيضا - أنها ( فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ ) أى : فيها سور آيات قرآنية مستقيمة لا عوج فيها ، بل هى ناطقة بالحق والخير والصدق والهداية ، وبأخبار الأنبياء السابقين وبأحوالهم مع أقوامهم .فقوله : ( قَيِّمَةٌ ) بمعنى مستقيمة لا عوج فيها ولا اضطراب ، من قولهم : قام فلان يقوم ، إذا استوى على قدميه فى استقامة .

البينة 98:4

ثم بين - سبحانه - ما كان عليه أهل الكتاب من جحودهم للحق ، ومن إنكارهم له مع علمهم به ، فقال - تعالى - ( وَمَا تَفَرَّقَ الذين أُوتُواْ الكتاب إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ البينة ) . أى : أن الجاحدين والمعاندين والحاسدين لك - أيها الرسول الكريم - من أهل الكتاب ، ما تفرقوا فى أمره ، وما اختلفوا فى شأن نبوتك . . إلأا من بعد أن جئتهم أنت بما يدل على صدقك ، دلالة لا يجحدها إلا جهول ، ولا ينكرها إلا حسود ، ولا يعرض عنها إلا من طغى وآثر الحياة الدنيا .فالآية الكريمة كلام مستأنف ، المقصود به تسليته صلى الله عليه وسلم عما أصابه من هؤلاء الجاحدين فكأنه - سبحانه - يقول له : لا تحزن - أيها الرسول الكريم - لإِعراض من أعرض عن دعوتك من أهل الكتاب ، فإن إعراضهم لم يكن عن جهل ، وإنما عن عناد وجحود وحسد لك على ما آتاك الله من فضله .وإنما خص - سبحانه - هنا أهل الكتاب بالذكر ، مع أن الكلام فى أول السورة كان فيهم وفى المشركين ، للدلالة على شناعة حالهم ، وقبح فعالهم ، لأن الإِعراض عن الحق ممن له كتاب ، أشد قبحا ونكرا ، ممن ليس له كتاب وهم المشركون .والاستثناء فى الآية مفرغ ، والمستثنى منه عموم الأوقات . والمعنى : لم يتفرق الجاحدون من الذين أوتوا الكتاب فى وقت من الأوقات ، إلا فى الوقت الكائن بعد مجئ البينة لهم .ومن الآيات القرآنية الكثيرة التى وردت فى هذا المعنى قوله - تعالى - ( وَمَا تفرقوا إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ العلم بَغْياً بَيْنَهُمْ ).

البينة 98:5

ثم بين - سبحانه - ما كان يجب عليهم أن يفعلوه ، فقال : ( وَمَآ أمروا إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين حُنَفَآءَ وَيُقِيمُواْ الصلاة وَيُؤْتُواْ الزكاة وَذَلِكَ دِينُ القيمة ) .والواو فى قوله - تعالى - ( وَمَآ أمروا ) للحال ، فهذه الجملة حالية ، والمقصود منها بيان أن هؤلاء الضالين ، قد بلغوا النهاية فى قبح الأفعال ، وفى فساد العقول ، إذ أنهم تفرقوا واختلفوا وأعرضوا عن الهدى ، فى حال أنهم لم يؤمروا إلا بما فيه صلاحهم .وقوله : ( حنفاء ) من الحَنف ، وهو الميل من الدين الباطل إلى الدين الحق . كما أن الجنف هو الميل من الحق إلى الباطل .أى : أن هؤلاء الكافرين من أهل الكتاب تفرقوا واختلفوا فى شأن الحق ، والحال ، أنهم لم يؤمروا إلا بعبادة الله - تعالى - وحده ، مخلصين له الطاعة ، ومائلين عن الأديان الباطلة إلى الدين الحق ، مؤمنين بجميع الرسل بدون تفرقة بينهم ، إذ ملتهم جميعا وادحدة ، ولم يؤمروا - أيضا - إلا بإقامة الصلاة فى أوقاتها بخشوع وإخلاص لله رب العالمين ، وبإيتاء الزكاة التى تطهرهم وتزكيهم .( وذلك ) الذى أمرناهم به من إخلاص العبادة لنا ، ومن أداء فرائضنا ( دِينُ القيمة ) . أى : دين الملة المستقيمة القيمة ، أو دين الكتب القيمة .ولفظ " القيمة " بزنة فيعلة - من القوامة ، وهى غاية الاستقامة ، وهذا اللفظ صفة لموصوف محذوف .

البينة 98:6

ثم - بين - سبحانه - سوء عاقبة هؤلاء الجاحدين من أهل الكتاب ومن المشركين فقال : ( إِنَّ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب والمشركين فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ ) .أى : إن الذين أصروا على كفرهم بعد أن تبين لهم ، من اليهود والنصارى ، ومن المشركين الذين هم عبدة الأصنام . . مكانهم المهيأ لهم هو نار جهنم ، حالة كونهم خالدين فيها خلودا أبديا ( أولئك ) الموصوفون بتلك الصفات الذميمة ( هُمْ شَرُّ البرية ) أى : هم شر كل صنف من أصناف المخلوقات ، لإِصرارهم على الكفر والإِشراك مع علمهم بالحق .ولفظ " البرية " من البرَى وهو التراب ، لأنهم قد خلقوا فى الأصل منه ، يقال : فلان برَاه الله - تعالى - يبرُوه بَرْواً . أى : خلقه وقرأ نافع بالهمز ، من قولهم برأ الله - تعالى - الخلق يبرؤهم ، أى : خلقهم .وقدم سبحانه - أهل الكتاب فى المذمة ، لأن جنايتهم فى حق الرسول صلى الله عليه وسلم أشد ، إذا كانوا يستفتحون به على المشركين ويقولون لهم : إن نبيا قد أظللنا زمانه ، وإننا عند مبعثه سنتبعه .. فلما بعث صلى الله عليه وسلم كفروا به .وقد تضمنت هذه الآية الكريمة أمرين : الأول : أن هؤلاء الضالين خالدون فى النار ، والثانى : أنهم شر المخلوقات التى خلقها الله - تعالى - .

البينة 98:7

ثم بين - سبحانه - بعد ذلك حسن عاقبة المؤمنين فقال : ( إِنَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات ) أى : وعملوا الأعمال الصالحات ( أولئك هُمْ خَيْرُ البرية ) أى : أولئك هم خير المخلوقات التى خلقها الله - تعالى - .

البينة 98:8

( جَزَآؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الأنهار خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً ) أى : خالدين فى تلك الجنات خلودا أبديا .( رِّضِىَ الله عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ) أى : قبل الله - تعالى - منهم أعمالهم ورضيها عنده ، وفرحوا هم ورضوا بما أعطاهم من خير عميم .فالمراد برضاء - تعالى - عنهم : قبوله لأعمالهم ، وبرضاهم عنه : فرحهم بما أعطاهم من فضله . ( ذلك ) أى : العطاء الجزيل ( لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ ) أى : كائن وثابت لمن خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى .نسأل الله - تعالى - أن يجعلنا جميعا من أصحاب الميمنة .وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

الزلزلة 99:1

قوله - تعالى - : ( زُلْزِلَتِ ) أى : حركت تحريكا شديدا لا يعلم مقداره إلا الله - تعالى - ، إذ الزلزال : الحركة الشديدة مع الاضطراب ، وهو بفتح الزاى اسم لذلك ، وبكسرها مصدر بمعنى التحرك والاضطراب ، وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : ( إِذَا رُجَّتِ الأرض رَجّاً ) ويكون هذا الزلزال الشديد ، عندما يأذن الله - تعالى - بقيام الساعة ، ويبعث الناس للحساب .وافتتح - سبحانه - الكلام بظرف الزمان ( إذا ) ، لإِفادة تحقق وقوع الشرط .وقوله : ( زِلْزَالَهَا ) مصدر مضاف لفاعله . أى : إذا زلزلت الأرض زلزالها الذى لا يماثله زلزال آخر فى شدته وعظمته وهوله ، كما قال - تعالى - : ( ياأيها الناس اتقوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ الساعة شَيْءٌ عَظِيمٌ ) .

الزلزلة 99:2

وقوله - تعالى - : ( وَأَخْرَجَتِ الأرض أَثْقَالَهَا ) بيان لأثر آخر من آثار ما يحدث فى هذا اليوم الهائل الشديد .والأثقال : جمع ثِقْل - بكسر فسكون - وهو المتاع الثقيل ، ومنه قوله - تعالى - : ( وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إلى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأنفس ) والمراد بها هنا : ما يكون فى جوف الأرض من أموات وكنوز وغير ذلك مما يكون فى باطنها . قال أبو عبيدة والأخفش : إذا كان الميت فى جوف الأرض فهو ثقل لها ، وإذا كان فوقها فهو ثقل عليها ، وإنما سمى الجن والإِنس بالثقلين لأن الأرض تثقل بهم . . .

الزلزلة 99:3

والمراد بالإِنسان فى قوله - سبحانه - : ( وَقَالَ الإنسان مَا لَهَا ) جنسه فيشمل المؤمن والكافر .وقوله ( ما لها ) مبتدأ وخبر ، والاستفهام : المقصود به التعجب مما حدث من أهوال .أى : وقال كل إنسان على سبيل الدهشة والحيرة ، أى : شئ حدث للأرض ، حتى جعلها تضطرب هذا الاضطراب الشديد .قال الجمل : وفى المراد بالإِنسان هنا قولان : أحدهما : أنه اسم جنس يعم المؤمن والكافر ، وهذا يدل على قول من جعل الزلزلة من أشراط الساعة ، فيسأل بعضهم بعضا عن ذلك . والثانى : أنه الكافر خاصة ، وهذا يدل على قول من جعلها زلزلة القيامة ، لأن المؤمن عارف بها فلا يسأل عنها ، والكافر جاحد لها ، فإذا وقعت سأل عنها . .

الزلزلة 99:4

وقوله - سبحانه - : ( يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا ) جواب الشرط ، و " أخبارها " مفعول ثان لقوله : ( تُحَدِّثُ ) والمفعول الأول محذوف . أى : إذا زلزلت الأرض زلزالها ، وأخرجت الأرض أثقالها . وقال الإِنسان ماذا حدث لها . . عندئذ تحدِّثُ الأرضُ الخلائقَ أخبارَها ، بأن تشهد للطائع بأنه كان كذلك ، وتشهد الفاسق بأنه كان كذلك .أخرج الإِمام أحمد والترمذى والنسائى عن أبى هريرة قال : " قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية ( يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا ) ثم قال : " أتدرون ما أخبارها "؟ قالوا : الله ورسوله أعلم . قال : " فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد وأمة بما عُمِل على ظهرها ، بأن تقول : عمل كذا وكذا يوم كذا وكذا . فهذه أخبارها . " " .والظاهر أن هذا التحديث من الأرض على سبيل الحقيقة ، بأن يخلق الله - تعالى - فيها حياة وإدراكا ، فتشهد بما عمل عليها من عمل صالح أو طالح ، كما تشهد على من فعل ذلك .وقيل : هذا مثل ضربه الله - تعالى - والمقصود منه أن كل إنسان فى هذا اليوم سيتبين جزاء عمله ، وما أعده الله - تعالى - له على ما قدم فى حياته الأولى ، ونظير ذلك أن تقول : إن هذه الدار لتحدثنا بأنها كانت مسكونة .قال بعض العلماء ما ملخصه : قوله : ( يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا ) يومئذ بدل من إذا . أى : فى ذلك الوقت تحدثك الأرض أحاديثها ، وتحديث الأرض تمثيل - كما قال الطبرى وغيره - أى : أن حالها وما يقع فيها من الانقلاب ، وما لم يعهد من الخراب ، يعلم السائل ويفهمه الخبر ، وأن ما يراه لم يكن بسبب من الأسباب التى وضعها السنة الإِلهية ، حال استقرار نظام الكون ، بل ذلك بسبب ( بِأَنَّ رَبَّكَ أوحى لَهَا )

الزلزلة 99:5

( بِأَنَّ رَبَّكَ أوحى لَهَا )أى : أن ما يحدث للأرض يومئذ ، إنما هو بأمر إلهى خاص . بأن قال لها كونى كذلك فكانت كما قال لها .وعدى فعل " أوحى " باللام - مع أن حقه أن يتعدى بإلى كما فى قوله - تعالى - ( وأوحى رَبُّكَ إلى النحل ) لتضمينه معنى " قال " كما فى قوله - سبحانه - ( فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائتيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ ) والمعنى : إن الأرض تحدث الناس عن أخبارها ، وتبينها لهم ، وتشهد عليهم . . . بسبب أن ربك الذى خلقك فسواك فعدلك - أيها الإِنسان - قد أمرها بذلك .

الزلزلة 99:6

ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أحوال الناس فى هذا اليوم فقال : ( يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ الناس أَشْتَاتاً لِّيُرَوْاْ أَعْمَالَهُمْ ) .والجملة الكريمة بدل من جملة " يومئذ تحدث أخبارها " ، وقوله ( يَصْدُرُ ) فعل مضارع من الصدَر - بفتح الدال - على الرجوع عن الشرب ، يقال : صدرَ الناس عن الوِرْد ، إذا انصرفوا عنه . و ( أَشْتَاتاً ) جمع شتيت ، أى : متفرق ، ومنه قولهم : شتت الله جمع الأعداء ، أى فرق أمرهم .وقوله - تعالى - ( لِّيُرَوْاْ ) فعل مضارع مبنى للمجهول ، وماضيه المبنى للمعلوم " أراه " بمعنى أطلعه . أى : فى هذا اليوم الذى تتزلزل فيه الأرض زلزلة شديدة . . يخرج الناس من قبورهم متجهين أشتاتا إلى موقف الحساب ، وكل واحد منهم مشغول بنفسه ، لكى يبصروا جزاء أعالهم ، التى عملوها فى دنياهم .وجاء فعل " ليروا " مبنيا للمجهول ، لأن المقصود رؤيتهم لأعمالهم ، وليس المقصود تعيين من يريهم إياها .

الزلزلة 99:7

ثم فصل - سبحانه - ما يترتب على هذه الرؤية من جزاء فقال : ( فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ . وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ) و " المثقال " مفعال من الثقل ، ويطلق على الشئ القليل الذى يحتمل الوزن ، و " الذرة " تطلق على أصغر النمل ، وعلى الغبار الدقيق الذى يتطاير من التراب عند النفخ فيه . والمقصود المبالغة فى الجزاء على الأعمال مهما بلغ صغرها ، وحقر وزنها . والفاء : للتفريع على ما تقدم . أى : فى هذا اليوم يخرج الناس من قبورهم متفرقين لا يلوى أحد على أحد . متجهين إلى موقف الحساب ليطلعوا على جزاء أعاملهم الدنيوية . . فمن كان منهم قد عمل فى دنياه عملا صالحا رأى ثماره الطيبة ، حتى ولو كان هذا العمل فى نهاية القلة ، ومن كان منهم قد عمل عملا سيئا فى دنياه ، رأى ثماره السيئة ، حتى ولو كان هذا العمل - أيضا - فى أدنى درجات القلة . فأنت ترى أن هاتين الآيتين قد جمعتا أسمى وأحكم ألوان الترغيب والترهيب ، ولذا قال كعب الأحبار : لقد أنزل الله - تعالى - على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم آيتين ، أحصتا ما فى التوراة والإِنجيل والزبور والصحف ، ثم قرأ هاتين الآيتين . وقد ساق الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهاتين عددا من الأحاديث ، منها : ما أخرجه الإِمام أحمد . " أن صعصعة بن معاوية ، أتى النبى صلى الله عليه وسلم فقرأ عليه هاتين الآيتين ، فقال : حسبى لا أبالى أن لا أسمع غيرها " وفى صحيح البخارى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " اتقوا النار ولو بشق تمرة ، ولو بكلمة طيبة " . وفى الصحيح - أيضاً - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تفرغ من دلوك فى إناء المستقى ، ولو أن تلقى أخاك ووجهك إليه منبسط " . وكان صلى الله عليه وسلم يقول لعائشة : " يا عائشة ، استترى من النار ولو بشق تمرة ، فإنها تسد من الجائع مسدها من الشبعان . يا عائشة . إياك ومحقرات الذنوب ، فإن لها من الله - تعالى - طالبا " . ومن الآيات الكريمة التى وردت فى معنى هاتين الآيتين قوله - تعالى - ( إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً ) وقوله - سبحانه - : ( وَنَضَعُ الموازين القسط لِيَوْمِ القيامة فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وكفى بِنَا حَاسِبِينَ ) نسأل الله - تعالى - أن يجعلنا جميعا ممن يواظبون على فعل الخيرات . وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

الزلزلة 99:8

ثم فصل - سبحانه - ما يترتب على هذه الرؤية من جزاء فقال : ( فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ .وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ )و " المثقال " مفعال من الثقل ، ويطلق على الشئ القليل الذى يحتمل الوزن ، و " الذرة " تطلق على أصغر النمل ، وعلى الغبار الدقيق الذى يتطاير من التراب عند النفخ فيه . والمقصود المبالغة فى الجزاء على الأعمال مهما بلغ صغرها ، وحقر وزنها .والفاء : للتفريع على ما تقدم . أى : فى هذا اليوم يخرج الناس من قبورهم متفرقين لا يلوى أحد على أحد . متجهين إلى موقف الحساب ليطلعوا على جزاء أعاملهم الدنيوية . . فمن كان منهم قد عمل فى دنياه عملا صالحا رأى ثماره الطيبة ، حتى ولو كان هذا العمل فى نهاية القلة ، ومن كان منهم قد عمل عملا سيئا فى دنياه ، رأى ثماره السيئة ، حتى ولو كان هذا العمل - أيضا - فى أدنى درجات القلة .فأنت ترى أن هاتين الآيتين قد جمعتا أسمى وأحكم ألوان الترغيب والترهيب ، ولذا قال كعب الأحبار : لقد أنزل الله - تعلى - على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم آيتين ، أحصتا ما فى التوراة والإِنجيل والزبور والصحف ، ثم قرأ هاتين الآيتين .وقد ساق الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهاتين عددا من الأحاديث ، منها : ما أخرجه الإِمام أحمد . " أن صعصعة بن معاوية ، أتى النبى صلى الله عليه وسلم فقرأ عليه هاتين الآيتين ، فقال : حسبى لا أبالى أن لا أسمع غيرها " وفى صحيح البخارى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " اتقوا النار ولو بشق تمرة ، ولو بكلمة طيبة " .وفى الصحيح - أيضاً - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تفرغ من دلوك فى إناء المستقى ، ولو أن تلقى أخاك ووجهك إليه منبسط " .وكان صلى الله عليه وسلم يقول لعائشة : " يا عائشة ، استترى من النار ولو بشق تمرة ، فإنها تسد من الجائع مسدها من الشبعان . يا عائشة . إياك ومحقرات الذنوب ، فإن لها من الله - تعالى - طالبا " .ومن الآيات الكريمة التى وردت فى معنى هاتين الآيتين قوله - تعالى - ( إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً ) وقوله - سبحانه - : ( وَنَضَعُ الموازين القسط لِيَوْمِ القيامة فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وكفى بِنَا حَاسِبِينَ ) نسأل الله - تعالى - أن يجعلنا جميعا ممن يواظبون على فعل الخيرات .وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

العاديات 100:1

العاديات : جمع عادية ، اسم فاعل من العدو ، وهو المشى السريع ، وأصل الياء فى العاديات واو ، فلما وقعت متطرفة بعد كسرة قلبت ياء ، مثل الغازيات من الغزو .والضَّبْح : اضطراب النَّفَسِ المتردد فى الحنجرة دون أن يخرج من الفم ، والمراد به هنا : صوت أنفاس الخيل عند جريها بسرعة . وقيل : الضج نوع من السير والعدو ، يقال : ضَبَحَتْ الخيل ، إذا عدَتْ بشدة . وهو مصدر منصوب بفعله المقدر ، أى : يضبحن ضحبا ، والجملة حال من " العاديات " .

العاديات 100:2

والموريات : جمع مُورِيَة ، اسم فاعل من الإِيراء ، وهو إخراج النار ، تقول : أَوْرَى فلان ، إذا أخرج النار بزند ونحوه .والقَدْح : ضَرْب شىءٍ لكى يخرج من بينهما شرر النار .والمراد به هنا : النار التى تخرج من أثر احتكاك حوافر الخيل بالحجارة خلال عدوها بسرعة .

العاديات 100:3

و ( المغيرات) جمع مغيرة . وفعله أغار ، تقول : أغار فلان على فلان ، إذا باغته بفعل يؤذيه . و ( صبحا ) منصوب على الظرفية .

العاديات 100:4

وقوله : ( فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً ) أى : هيجن وأثرن " النقع " أى : الغبار من شدة الجرى . تقول : أثرت الغبار أثيره ، إذا هيجته وحركته . والنون فى " أثرن " ضمير العاديات .

العاديات 100:5

وقوله : ( فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً ) أى : فتوسطن فى ذلك الوقت جمعو الأعداء ، ففرقنها ، ومزقنها ، تقول : وسَطْتُ القومَ أسِطُهم وَسْطاً ، إذا صرت فى وسطهم .والمراد بالعاديات ، والموريات ، والمغيرات : خيل المجاهدين فى سبيل الله ، والكلام على حذف الموصوف . والمعنى : وحق الخيل التى يعتلى صهواتها المجاهدون من أجل إعلاء كلمة الله - تعالى - . والتى تجرى بهم فى ساحات القتال ، فيسمع صوت أنفاسها ، والتى تظهر شرر النار من أثر ضك حوافرها بالحجارة وما يشبهها والتى تغير على العدو فى وقت الصباح ، فتثير الغبار ، وتمزق جمعو الأعداء .وحق هذه الخيل الموصوفة بتلك الصفات . . ( إِنَّ الإنسان لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ ) .وقد أقسم - سبحانه - بالخيل المستعملة للجهاد فى سبيله ، للتنبيه على فضلها ، وفضل ربطها ، ولما فيها من المنافع الدينية والدنيوية ، ولما يترتب على استعمالها فى تلك الأغراض من أجر وغنيمة ، ومن ترويع لجموع المشركين ، وتمزيق لصفوفهم .وأسند - سبحانه - الإِغارة إليها - مع أنها فى الحقيقة لراكبيها - ، لأن الخيول هى عدة الإِغارة ، وهى على رأس الوسائل لبلوغ النصر على الأعداء .وقيل : المراد بالعاديات : الإِبل ، إلا أن الأوصاف فى الآيات الكريمة من الضج والإِغارة . . تؤيد أن المراد بها الخيل .قال صاحب الكشاف : أقسم - سبحانه - بخيل الغزاة تعدو فتضبح . والضبح : صوت أنفاسها إذا عدون .فإن قلت : علام عطف " فأثرن "؟ قلت : على الفعل الذى وضع اسم الفاعل موضعه ، وهو قوله ( فالمغيرات صُبْحاً ) وذلك لصحة عطف الفعل على الاسم الذى يشبه الفعل كاسم الفاعل - لأن المعنى : واللائى عدون ، فأورين ، فأغرن .فأثرن الغبار .والتعبير بالفاء فى قوله - تعالى - : ( فَأَثَرْنَ ) ( فَوَسَطْنَ ) . وبالفعل الماضى ، للإِشارة إلى أن إثارة الغبار ، وتمزيق صفوف الأعداء ، قد تحقق بسرعة ، وأن الظفر بالمطلوب قد تم على أحسن الوجوه .

العاديات 100:6

وقوله - سبحانه - : ( إِنَّ الإنسان لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ ) جواب القسم . والكنود : الجحود ، يقال : فلان كند النعمة - من باب دخل - ، إذا جحدها ولم يشكر الله عليها . وكند الحبل : أى قطعة ، وأصل الكنود : الأرض التى لا تنبت شيئا ، فشبه بها الإِنسان الذى يمنع الحق والخير ، ويجحد ما عليه من حقوق وواجبات .أى : إن فى طبع الإِنسان - إلا من عصمه الله - تعالى - الكنود لربه والكفران لنعمته ، والنسيان لمننه وإحسانه ، والغفلة عن المواظبة على شكره - تعالى - ، والتضرع إليه - سبحانه - عند الشدائد والضراء . . والتشاغل عن ذلك عند العافية والرخاء .فالمراد بالإِنسان هنا : جنسه ، إذ أن هذه الصفة غالبة على طبع الإِنسان بنسب متفاوتة ، ولا يسلم منها إلا من عصمه الله - تعالى - .وقيل : المراد بالإِنسان هنا : الكافر ، وأن المقصود به ، الوليد بن المغيرة .والأولى أن يكون المراد به الجنس ، ويدخل فيه الكافر دخولا أوليا .

العاديات 100:7

وقوله - تعالى - : ( وَإِنَّهُ على ذَلِكَ لَشَهِيدٌ ) أى : وإن الإِنسان على كنوده وجحوده لنعم ربه " لشهيد " أى : لشاهد على نفسه بذلك ، لظهور أثر هذه الصفة عليه ظهروا واضحا ، إذ هو عند لجاجه فى الطغيان يجحد الجلى من النعم ، ويعبد من دون خالقه أصناما ، مع أنه إذا سئل عن خالقه اعترف وأقر بأن خالقه هو الله - تعالى - ، كما قال - سبحانه - : ( وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ الله ) قال الإِمام الشيخ محمد عبده : قوله : ( وَإِنَّهُ على ذَلِكَ لَشَهِيدٌ ) أى : وإن الإِنسان لشهيد على كنوده ، وكفره لنعمة ربه ، لأنه يفخلر بالقسوة على من دونه ، وبقوة الحيلة على من فوقه ، وبكثرة ما فى يده من المال مع الحذق فى تحصيله ، وقلما يفتخر بالمرحمة ، وبكثرة البذل - اللهم إلا أن يريد غشا للسامع - وفى ذلك كله شهادة على نفسه بالكنود ، لأن ما يفتخر به ليس من حق شكر النعمة ، بل من آيات كفرها .ومنهم من يرى أن الضمير فى قوله - تعالى - هنا ( وأنه ) يعود على الخالق - سبحانه - أى : وإن الله - تعالى - لعليهم ولشهيد على ما يسلكه هذا الإِنسان من جحود ، فيكون المقصود من الآية الكريمة ، التهديد والوعيد .قالوا : والأول أولى ، لأنه هو الذى يتسق مع سياق الآيات ، ومع اتحاد الضمائر فيها .

العاديات 100:8

وقوله - تعالى - : ( وَإِنَّهُ لِحُبِّ الخير لَشَدِيدٌ ) أى : وإن هذا الإِنسان لشديد الحب لجمع المال ، ولكسبه من مختلف الوجوه بدون تفرقة - فى كثير من الأحيان - بين الحلال والحرام ، ولكنزه والتكثر منه ، وبالبخل به على من يستحقه .وصدق الله إذ يقول : ( قُل لَّوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإنفاق وَكَانَ الإنسان قَتُوراً ) .

العاديات 100:9

وقوله - تعالى - : ( أَفَلاَ يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي القبور . وَحُصِّلَ مَا فِي الصدور . إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ ) تهديد لهذا الإِنسان الكنود . . وتحريض له على التفكر والاعتبار ، وتذكير له بأهوال يوم القيامة .أى : أيفعل ما يفعل هذا الإِنسان الجحود لنعم ربه . . فلا يعلم مآله وعاقبته ( إِذَا بُعْثِرَ ) . أى : إذا أثير وأخرج وقلب رأسا على عقب ( مَا فِي القبور ) من أموات حيث أعاد - سبحانه - إليهم الحياة ، وبعثهم للحساب والجزاء ، كما قال - تعالى - : ( وَإِذَا القبور بُعْثِرَتْ ) أى : أثيرت وأخرج ما فيها . يقال : بعثر فلان متاعه ، إذا جعل أسفله أعلاه .

العاديات 100:10

( وَحُصِّلَ مَا فِي الصدور ) أى : وجمع ما فى القلوب من خير وشر وأظهر ما كانت تخفيه ، وأبرز ما كان مستورا فيها ، بحيث لا يبقى لها سبيل إلى الإِخفاء أو الكتمان .وأصل التحصيل : إخراج اللب من القشر ، والمراد به هنا : إظهار وإبراز ما كانت تخفيه الصدور ، والمجازاة على ذلك . ومفعول ( يعلم ) محذوف ، لتذهب النفس فيه كل مذهب ويجول الفكر فى استحضاره وتقديره .

العاديات 100:11

وقوله - تعالى - : ( إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ ) جملة مستأنفة لزيادة التهديد ووالوعيد .أى : إن رب المبعوثين للحساب والجزاء ، ليعلم علما تاما ً بأحوالهم الظاهرة والباطنة ، فى ذلك اليوم الهائل الشديد الذى يبعث فيه الناس من قبورهم ، وسيجازى - سبحانه - الذين أساؤوا بما عملوا ، وسيجازى الذين أحسنوا بالحسنى .نسأل الله - تعالى - أن يجعلنا من أهل طاعته ومثوبته .وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

القارعة 101:1

لفظ " القارعة " اسم فاعل من القرع ، وهو الضرب بشدة بحيث يحصل منه صوت شديد .والمراد بها هنا : القيامة ، ومبدؤها النفخة الأولى ، ونهايتها : قضاء الله - تعالى - بين خلقه ، بحكمه العادل ، وجزائه لكل فريق بما يستحقه من جنة أو نار .وسميت القيامة بذلك . كما سميت بالطامة ، والصاخة ، والحاقة ، والغاشية . . إلخ - لأنها قترع القلوب بأهوالها ، وتجعل الأجرام العلوية والسفلية يصطك بعضها ببعض ، فيحصل لها ما يحصل من تزلزل واضطراب وتقرع أعداء الله - تعالى - بالخزى والعذاب والنكال ، كما قال - تعالى - : ( وَلاَ يَزَالُ الذين كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ ) والاستفهام فى قوله - سبحانه - : ( وَمَآ أَدْرَاكَ مَا القارعة ) استفهام عن حقيقتها ، والمقصود به التهويل من أمرها ، والتفظيع من حالها ، وتنبيه النفوس إلى ما يكون فيها من شدائد ، تفزع لها القلوب فزعا لا تحيط العبارة بتصويره ، ولا تستطيع العقول أن تدرك كنهه .

القارعة 101:2

و " القارعة " : مبتدأ ، و " ما " : مبتدأ ثان ، و " القارعة " : خبر المبتدأ الثانى ، وجملة المبتدأ الثانى وخبره فى محل رفع خبر المبتدأ الأول .

القارعة 101:3

وقوله - سبحانه - : ( وَمَآ أَدْرَاكَ مَا القارعة ) معطوف على جملة " ما القارعة " والخطاب فى قوله ( وَمَآ أَدْرَاكَ ) لكل من يصلح له .أى : وما أدراك - أيها المخاطب - ما كنهها فى الشدة؟ إنها فى الشدة والهول شئ عظيم . لا يعلم مقدارها إلا الله - تعالى - .فالمقصود من الآيات الكريمة : تعظيم شأنها ، والتعجيب من حالها ، وأنها تختلف عن قوارع الدنيا - مهما بلغ عظمها - اختلافا كبيرا .

القارعة 101:4

وبعد أن بين - سبحانه - أن معرفة حقيقتها أمر عسير . . أتبع ذلك ببيان أحوال الناس وقت وقوعها فقال : ( يَوْمَ يَكُونُ الناس كالفراش المبثوث ) .و " يوم " منصوب بفعل مقدر . والفراش : هو الحشرة التى تتهافت نحو النار ، وسمى بذلك لأنه يتفرش وينتشر من حولها .والمبثوث : المنتشر المتفرق . تقول : بثثت الشئ ، إذا فرقته ، ومنه قوله - تعالى - : ( وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ ) أى : متناثرة متفرقة .أى : تحصل القارعة يوم يكون الناس فى انتشارهم وكثرتهم واضطرابهم وإقبالهم نحو الداعى لهم نحو أرض المحشر . . كالحشرات الصغيرة المتهافتة نحو النار .فأنت ترى أنه - سبحانه - قد شبه الناس فى هذا الوقت العصيب ، بالفراش المتفرق المنتشر فى كل اتجاه ، وذلك لأن الناس فى هذا اليوم يكونون فى فزع ، يجعل كل واحد منهم مشغولا بنفسه ، وفى حالة شديدة من الخوف والاضطراب .

القارعة 101:5

وقوله - سبحانه - : ( وَتَكُونُ الجبال كالعهن المنفوش ) بيان لحالة أخرى من الأحوال التى يكون عليها هذا الكون يوم القيامة .والعهن : الصوف ذو الألوان المتعددة ، والمنفوش : المفرق بعضه عن بعض .أى : وتكون الجبال فى ذلك اليوم ، كالصوف الذى ينفش ويفرق باليد ونحوها . لخفته وتناثر أجزائه ، حتى يسهل غزله .والمتأمل فى هذه الآيات الكريمة ، يراها قد اشتملت على أقوا الأساليب وأبلغها ، فى التحذير من أهوال يوم القيامة ، وفى الحض على الاستعداد له بالإِيمان والعمل الصالح .لأنها قد ابتدأت بلفظ القارعة ، المؤذن بأمر عظيم ، ثم ثنت بالاستفهام المستعمل فى التهويل ، ثم أعادت اللفظ بذاته بدون إضمار له زيادة فى تعظيم أمره ، ثم جعلت الخطاب لكل من يصلح له ، ثم شبهت الناس فى تشبيها تقشعر منه الجلود ، ثم وصفت الجبال - وهى المعروفة بصلابتها ورسوخها - بأنها ستكون فى هذا اليوم كالصوف المتناثر الممزق .

القارعة 101:6

ثم بين - سبحانه - أحوال السعداء والأشقياء فى هذا اليوم فقال : ( فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ . فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ ) .أى : فأما من ثقلت موازين حسناته ، ورجحت أعماله الصالحة على غيرها .

القارعة 101:7

فهو فى عيشة مرضية . أو فى عيشة ذات رضا من صاحبها ، لأنها عيشة هنية كريمة .

القارعة 101:8

( وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ ) أى : خفت موازين حسناته ، وثقلت موازين سيئاته ، ( فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ ) أى : فمرجعه ومأواه الذى يأوى إليه ، نار سحيقة يهوى إليها بدون رحمة أو شفقة ، بسبب كفره وفسوقه .فالمراد بالأم هنا : المرجع والمأوى ، وبالهاوية : النار التى يسقط فيها ، وسميت النار بذلك . لشدة عمقها . وسمى المأوى أُمًّا ، لأن الإِنسان يأوى إليه كما يأوى ويلجأ إلى أمه .ويرى بعضهم أن المراد بأمه هنا الحقيقة ، لأن العرب يكنون عن حال المرء بحال أمه فى الخير وفى الشر ، لشدة محبتها له .

القارعة 101:9

قال صاحب الكشاف : قوله : ( فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ ) من قولهم إذا دعوا على الرجل بالهلكة ، هوت أمه ، لأنه إذا هوى - أى سقط وهلك . . فقد هوت أمه ثكلا وحزنا . . فكأنه قيل : وأما من خفت موازينه فقد هلك .وقيل : " هاوية " من أسماء النار ، وكأنها النار العميقة لهوى أهل النار فيها مهوى بعيدا ، كما روى : " يهوى فيها سبعين خريفا " أى : فمأواه النار .وقيل للمأوى : أم ، على التشبيه ، لأن الأم مأوى الولد ومفزعه . .وقال بعض العلماء : واعلم أنه يجب علينا أن نؤمن بما ذكره الله - تعالى - من الميزان فى هذه الآية وما يشبهها ، وليس علينا أن نبحث فيما وراء ذلك مما لم يثبت عن الله - تعالى - ورسوله صلى الله عليه وسلم ونكل ما وراء ذلك إلى علام الغيوب ، على أن وزن الأعمال ، أو وزن صحائفها أو وزن الصور الجميلة ، كل ذلك أمر ممكن ، لا يترتب على فرض وقوعه محالن فوقوع شئ من ذلك ، لا يعجز الله - تعالى - ولا يقف أمام قدرته الغالبة .

القارعة 101:10

ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة ، بما يزيد من هول هذه الهاوية فقال : ( وَمَآ أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ . نَارٌ حَامِيَةٌ )أى : وأى شئ يخبرك بكنه تلك النار السحيقة؟ إننا نحن الذين نخبرك بذلك فنقول لك - أيها المخاطب - على سبيل التحذير من العمل الذى يؤدى إليها .

القارعة 101:11

إنها نار قد بلغت النهاية فى حرارتها .نسأل الله تعالى - أن يعيذنا جميعا منها .وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

التكاثر 102:1

قوله - سبحانه - : ( أَلْهَاكُمُ ) من اللهو وهو الغفلة عن مواطن الخير ، والانشغال عما هو نافع .والتكاثر : التبارى والتباهى بالكثرة فى شئ مرغوب فيه كالمال والجاه . .أى : شغلكم - أيها الناس - التباهى والتفاخر بكثرة الأموال والأولاد والعشيرة ، كما ألهاكم حب الدنيا عن القيام بما كلفناكم به . .

التكاثر 102:2

( حتى زُرْتُمُ المقابر ) أى : بقيتم على هذه الحال ، حتى أتاكم الموت ، ودفنتم فى قبوركم ، وانصرف عنكم أحب الناس إليكم ، وبقيتم وحدكم .والخطاب عام لكل عاقل ، ويدخل فيه المشركون والفاسقون ، الذين آثروا الدنيا على الآخرة دخولا أوليا .فالمراد بزيارة المقابر : انتهاء الآجال ، والدفن فى القبور بعد الموت . وعبر - سبحانه - عن ذلك بالزيارة . لأن الميت يأتى إلى القبر كالزائر له ، ثم بعد ذلك يخرج منه يوم البعث والنشور ، للحساب والجزاء ، فوجوده فى القبر إنما هو وجود مؤقت بوقت يعلمه الله - تعالى - .وقد روى أن أعرابيا عندما سمع هذه الآية قال : بعثوا ورب الكعبة ، فقيل له كيف ذلك؟ فقال : لأن الزائر لابد أن يرتحل .وقد نهى النبى صلى الله عليه وسلم عن التهالك على حطام الدنيا ، فى أحاديث كثيرة منها ما رواه مسلم فى صحيحه عن عبد الله بن الشَّخَّير قال : انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول : " ألهاكم التكاثر قال : يقول ابن آدم مالى مالى ، وهل لك من مالك يابن آدم ، آدم إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت ، أو تصدقت فأمضيت " .

التكاثر 102:3

وقوله - تعالى - : ( كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ . ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ) ردع وزجر عن الانشغال عن طاعة الله ، وعن التكاثر بالأموال والأولاد .وكرر لفظ " كلا " ثلاث مرات فى هذه السورة ، لتأكيد هذا الزجر والردع عن كل ما يشغل الإِنسان عن وجوه الخير والبر .والتبعير بقوله : ( سَوْفَ ) لزيادة الزجر ، ولتحقيق حصول العلم ، وحذف مفعول ( تَعْلَمُونَ ) لظهوره من المقام . أى : اتركوا التشاغل بالدنيا والتفاخر بالأموال ، فإنكم إن بقيتم على ذلك بدون توبة صادقة ، فسوف تعرفون سوء عاقبة ذلك معرفة لا يخامرهها شك ، ولا يفارقها ريب .

التكاثر 102:4

وجملة ( ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ) مؤكدة تأكيدا لفظيا للجملة التى قبلها ، وهذا التأكيد المقصود منه المبالغة فى الردع والزجر والتحذير من التكاثر والتفاخر . .

التكاثر 102:5

ثم أضاف - سبحانه - إلى كل ما سبق من تحذيرات ، زواجر أخرى فقال : ( كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليقين . لَتَرَوُنَّ الجحيم . ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ اليقين ) . .وجواب " لو " محذوف لقصد التهويل ، و " اليقين " فعيل بمعنى مفعول ، وعلم اليقين هو العلم الجازم المطابق للواقع الذى لا شك فيه . والإِضافة فيه من إضافة الموصوف إلى الصفة ، أو من إضافة العام إلى الخاص .أى : لو تعلمون - علما موثوقا به - سوء عاقبة انشغالكم عن ذكر الله - تعالى - وتكاثركم وتفاخركم بالأموال والأولاد . . لشغلكم هذا العلم اليقينى عما أنتم عليه من التشاغل والتكاثر .فالمقصود بهذه الجملة الكريمة : الزيادة فى ردعهم ، لأنه من عادة الغافلين المكابرين . أنك إذا ذكرتهم بالحق وبالرشاد . . زعموا أنهم ليسوا فى حاجة إلى هذا الإرشاد ، لأنهم أهل علم ومعرفة بالعواقب ، فكانت هذه الآية الكريمة بمثابة تنبيههم بأنهم ليسوا على شئ من العلم الصحيح ، لأنهم لو كانوا كذلك لما تفاخروا ، ولما تكاثروا .

التكاثر 102:6

وقوله - سبحانه - : ( لَتَرَوُنَّ الجحيم ) جواب قسم مقدر ، قصد به تأكيد الوعيد الشديد فى التهديد ، وبيان أن المهدد به رؤية الجحيم فى الآخرة ، أى : والله لترون الجحيم فى الآخرة .

التكاثر 102:7

ثم أكد - سبحانه - هذا المعنى تأكيدا قويا فقال : ( ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ اليقين ) أى : ثم لترون الجحيم رؤية هى ذات اليقين ونفسه وعينه ، وذلك لأن تشاهدوها مشاهدة حقيقية ، بحيث لا يلتبس عليكم أمرها .وقد قالوا إن مراتب العلم ثلاثة : علم اليقين وهو ما كان ناتجا عن الأدلة والبراهين .وعين اليقين : وهو ما كان عن مشاهدة وانكشاف .وحق اليقين : وهو ما كان عن ملابسة ومخالطة .ومثال ذلك أن تعلم بالأدلة أن العبة موجودة ، فذلك علم اليقين ، فإذا رأيتها بعينيك فذلك عين اليقين ، فإذا ما دخلت فى جوفها فذلك حق اليقين . .فأنت ترى أنه - سبحانه - قد حذر الناس من الاشتغال عن طاعته ، ومن التباهى والتكاثر ، بأبلغ أساليب التأكيد وأقواها .

التكاثر 102:8

ثم ختم - سبحانه - السورة بقوله : ( ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النعيم ) ، والمراد بالنعيم هنا : ما يتنعم به الإِنسان خلال حياته الدنيوية من مال وولد ، ومن طعام وشراب ، ومن متعه وشهوة . . من النعومة التى هى ضد الخشونة .أى : ثم إنكم بعد ذلك - أيها الناس - والله لتسألن يوم القيامة عن ألوان النعم التى منحكم الله - تعالى - إياها ، فمن أدى ما يجب عليه نحوها من شكر الله - تعالى - عليها كان من السعداء ، ومن جحدها وغمطها وشغلته عن طاعة ربه ، وتباهى وتفاخر بها . . كان من الأشقياء ، كما قال - تعالى - : ( وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ ) فالمراد بالسؤال إنما هو سؤال التكريم والتبشير للمؤمنين الشاكرين ، وسؤال الإِهانة والتوبيخ للفاسقين الجاحدين .والآية الكريمة دعوة حارة للناس ، إلى شكر نعمه - تعالى - واستعمالها فيما خلقت له .قال القرطبى ما ملخصه : والسؤال يكون للمؤمن والكافر . . والجمع بين الأخبار التى وردت فى ذلك : أن الكل يسألون ، ولكن سؤال الكافر توبيخ ، لأنه قد ترك الشكر ، وسؤال المؤمن سؤال تشريف ، لأنه قد شكر ، وهذا النعيم فى كل نعمة . .نسأل الله - تعالى - أن يجعلنا من عباده الشاكرين . .وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

العصر 103:1

للعلماء أقوال متعددة فى المقصود بالعصر هنا فمنهم من يرى أن المقصود به : الدهر كله ، لما فيه من العبر التى تدل دلالة واضحة على عظيم قدرة الله - تعالى - ، ولما فيه من الأحداث التى يراها الناس بأعينهم ، ويعرفونها عن غيرهم . .فهم يرون ويسمعون كم من غنى قد صار فقيرا ، وقوى قد صار ضعيفا ، ومسرور قد أصبح حزينا . . ورحم الله القائل :أشاب الصغير وأفنى الكبير ... كر الغداة ومر العشىقال القرطبى : قوله - تعالى - : ( والعصر ) أى : الدهر ، قال ابن عباس وغيره فالعصر مثل الدهر . . وأقسم به - سبحانه - لما فيه من التنبيه بتصرف الأحوال وتبدلها .ومنهم من يرى أن المقصود به : وقت صلاة العصر ، وقد صدر صاحب الكشاف تفسيره لهذه الآية بهذا الرأى فقال : أقسم - سبحانه - بصلاة العصر لفضلها ، بدليل قوله - تعالى - : ( حَافِظُواْ عَلَى الصلوات والصلاة الوسطى ) - وهى صلاة العصر - ، وقوله صلى الله عليه وسلم : " من فاتته صلاة العصر فكأنما وَتِرَ أهله وماله " ولأن التكليف فى أدائها أشق لتهافت الناس فى تجاراتهم ومكاسبهم آخر النهار . .ومنهم من يرى أن المراد بالعصر هنا : عصر النبوة . لأفضليته بالنسبة لما سبقه من عصور .وقد رجح الإِمام ابن جرير القول الأول فقال : والصواب من القول فى ذلك أن يقال : إن ربنا أقسم بالعصر ، والعصر اسم الدهر ، وهو العشى ، والليل والنهار . .

العصر 103:2

وقوله - سبحانه - : ( إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ . . . ) جواب القسم ، والمراد بالإِنسان : جنسه ويدخل فيه الكافر دخولا أوليا . والخسر مثل الخسران ، كالكفر بمعنى الكفران . .أى : إن جنس الإِنسان لا يخلو من خسران ونقصان وفقدان للربح فى مساعيه وأعماله طوال عمره ، وإن هذا الخسران يتفاوت قوة وضعفا .فأخسر الأخسرين هو الكافر الذى أشرك مع خالقه إلها آخر فى العبادة ، وأقل الناس خسارة هو المؤمن الذى خلط عملا صالحا بآخر سيئا ثم تاب إلى الله - تعالى - توبة صادقة .وجاء الكلام بأسلوب القسم ، لتأكيد المقسم عليه ، وهو أن جنس الإِنسان فى خسر .وقال - سبحانه - ( لَفِى خُسْرٍ ) للإِشعار بأن الإِنسان كأنه مغمور بالخسر ، وأن هذا الخسران قد أحاط به من كل جانب ، وتنكير لفظ " خسر " للتهويل . أى : لفى خسر عظيم .

العصر 103:3

وقوله - سبحانه - : ( إِلاَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات . . . ) استثناء مما قبله ، والمقصود بهذه الآية الكريمة تسلية المؤمنين الصادقين . . وتبشيرهم بأنهم ليسوا من هذا الفريق الخاسر .وقوله - تعالى - : ( وَتَوَاصَوْاْ ) فعل ماض ، من الوصية وهى تقديم النصح للغير مقرونا بالوعظ .و " الحق " : هو الأمر الذى ثبتت صحته ثبوتا قاطعا . .و " الصبر " : قوة فى النفس تعينها على احتمال المكاره والمشاق ..أى : أن جميع الناس فى خسران ونقصان . . إلا الذين آمنوا بالله - تعالى - إيمانا حقا ، وعملوا الأعمال الصالحات ، من صلاة وزكاة وصيام وحج . . وغير ذلك من وجوه الخير ، وأوصى بعضهم بعضا بالتمسك بالحق ، الذى على رأسه الثبات على الإِيمان وعلى العمل الصالح . . وأوصى بعضهم بعضا كذلك بالصبر على طاعة الله - تعالى - ، وعلى البلايا والمصائب والآلام . . التى لا تخلو عنها الحياة .فهؤلاء المؤمنون الصادقون ، الذين أوصى بعضهم بعضا بهذه الفضائل ليسوا من بين الناس الذين هم فى خسران ونقصان ، لأن إيمانهم الصادق وعملهم الصالح . . قد حماهم من الخسران . .قال بعض العلماء : وقد اشتملت هذه السورة الكريمة على الوعيد الشديد ، وذلك لأنه - تعالى - حكم بالخسارة على جميع الناس ، إلا من كان متصفا بهذه الأشياء الأربعة ، وهى : الإِيمان ، والعمل الصالح ، والتواصى بالحق ، والتواصى بالصبر ، فدل ذلك على أن النجاة معلقة بمجموع هذه الأمور ، وأنه كما يجب على الإِنسان أن يأتى من الأعمال ما فيه الخير والنفع ، يجب عليه - أيضا - أن يدعو غيره إلى الدين ، وينصحه بعمل الخير والبر ، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، ويحب لأخيه ما يحب لنفسه ، وأن يثبت على ذلك ، فلا يحيد عنه ، ولا يزحزحه عن الدعوة إليه ما يلاقيه من مشاق .نسأل الله - تعالى - أن يجعلنا من أصحاب هذه الصفات .وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

الهمزة 104:1

الويل : لفظ يدل على الذم وعلى طلب العذاب والهلكة . . وقيل : اسم لواد فى جهنم .والهُمَزة من الهَمْز ، بمعنى الطعن فى أعراض الناس ، ورميهم بما يؤذيهم . .واللُّمَزة من اللمز ، بمعنى السخرية من الغير ، عن طريق الإِشارة باليد أو العين أو غيرهما .قال الجمل : الهمزة واللمزة : هم المشاؤون بالنميمة ، المفرقون بين الأحبة الباغون العيب للبرئ ، فعلى هذا هما بمعنى واحد .وقيل : الهمزة الذى يعيبك فى الغيب ، واللمزة الذى يعيبك فى الوجه وقيل : العكس .وحاصل هذه الأقوال يرجع إلى أصل واحد ، وهو الطعن وإظهار العيب ، ويدخل فى ذلك من يحاكى الناس فى أقوالهم وأفعالهم وأصواتهم ليضحكوا منه . .ولفظ " ويل " مبتدأ وساغ الابتداء مع كونه نكرة ، لأنه دعاء عليهم ، وقوله : ( لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ ) خبره ، وهمزة ولمزة وصفان لموصوف محذوف .أى : عذاب شديد ، وخزى عظيم ، لكل من يطعن فى أعراض الناس ، ويغض من شأنهم ، ويحقر أعمالهم وصفاتهم ، وينسب إليهم ما هم برآء منه من عيوب .والتعبير بقوله : ( هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ ) يدل على أن تلك الصفات القبيحة ، كانت عادة متأصلة فيهم ، لأن اللفظ الذى بزنة فُعَلَة - بضم الفاء وفتح العين - يؤتى به للدلالة على أن الموصوف به ديدنه ودأبه الإِتيان بهذا الوصف ، ومنه قولهم : فلان ضُحَكة : إذا كان يكثر من الضحك .كما أن لفظ " فُعْلَة " - بضم الفاء وسكون العين - يؤتى به للدلالة على أن الموصوف به ، يكثر أن يفعل به ذلك ، ومنه قولهم : فلان ضُحْكة ، إذا كان الناس يكثرون الضحك منه .

الهمزة 104:2

وقوله - سبحانه - : ( الذى جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ ) زيادة تشنيع وتقبيح للهمزة اللمزة . .ومعنى " عدده " : جعله عدته وذخيرته ، وأكثر من عده وإحصائه لحرصه عليه ، والجملة الكريمة فى محل نصب على الذم .أى : عذاب وهلاك لكل إنسان مكثر من الطعن فى أعراض الناس ، ومن صفاته الذميمة أنه فعل ذلك بسبب أنه جمع مالا كثيرا ، وأنفق الأوقات الطويلة فى عده مرة بعد أخرى ، حبا له وشغفا به وتوهما منه أن هذا المال الكثير هو مناط التفاضل بين الناس .وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائى ( جمَّع ) - بتشديد الميم - وهو مبالغة فى ( جمع ) بتخفيف الميم .

الهمزة 104:3

وقوله - تعالى - : ( يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ ) ، صفة أخرى من صفاته القبيحة ، والجملة يصح أن تكون مستأنفة استنئافا بيانيا ، جوابا لسؤال مقدر ، كأنه قيل : ما باله يجمع المال ويهتم به؟ فكان الجواب : يحسب أن ماله أخلده .ويصح أن تكون حالا من فاعل " جمع " أى : هذا الجاهل المغرور جمع المال وعدده ، حالة كونه يظن أن ماله يخلده فى الدنيا ، ويجعله فى مأمن من حوادث الدهر .قال الأستاذ الإِمام محمد عبده : أى أن الذى يحمل هذا الهمزة اللمزة على الحط من أقدار الناس ، هو جمعه المال وتعديده . . فكلما نظر إلى كثرة ما عنده منه ، انتفخ وظن أنه من رفعة المكانة ، بحيث يكون كل ذ فضل ومزية دونه . . ويظن أن ما عنده من المال ، قد حفظ له حياته التى هو فيها ، وأرصدها عليه ، فهو لا يفارقها إلى حياة أخرى ، يعاقب فيها على ما كسب من سيئ الأعمال . .

الهمزة 104:4

ثم بين - سبحانه - بعد ذلك سوء عاقبة هذا الجاهل المغرور فقال : ( كَلاَّ لَيُنبَذَنَّ فِي الحطمة . وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الحطمة ) .و " كلا " حرف زجر وردع ، والمراد به هنا إبطال ما توهمه هذا المغرور من حسبانه أن ماله سيخلده . والنبذ : الطرح للشئ والإِلقاء به مع التحقير والتصغير من شأنه .والحُطَمة من الحَطْم ، وهو كسر الشئ بشدة وقوة ، ويقال : رجل حطمة ، إذا كان شديداً فى تحطيمه وكسره لغيره ، والمراد بالحطمة هنا : النارر الشديدة الاشتعال : التى لا تبقى على شئ إلا وأحرقته .أى : كلا ليس الأمر كما زعم هذا الهمزة واللمزة ، من أن ماله سيخلده ، بل الحق أنه والله ليطرحن بسبب أفعاله القبيحة فى النار التى تحطم كل شئ يلقى فيها ، والتى لا يعرف مقدار شدتها واشتعالها إلا الله - تعالى - .

الهمزة 104:5

فالمقصود بالاستفهام فى قوله - تعالى - : ( وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الحطمة ) تهويل أمر هذه النار ، وتفظيع شأنها ، وبيان أن كنهها لا تدركه عقول البشر . .

الهمزة 104:6

وقوله - سبحانه - ( نَارُ الله الموقدة ) بيان للحطمة وتفصيل لأمرها بعد إبهامها .أىك الحطمة هى نار الله - تعالى - الشديدة الإِحراق ، وأضيفت إلى الله - تعالى لزيادة الترويع والتخويف منها ، لأن خالقها - عز وجل - هو الذى لا يعجزه شئ .

الهمزة 104:7

وقوله - تعالى - : ( التي تَطَّلِعُ عَلَى الأفئدة ) صفة أخرى من صفات هذه النار ، وقوله : ( تَطَّلِعُ ) من الاطلاع ، بمعنى الوصول إلى الشئ بسرعة ، والكشف عن خباياه ، والنفاذ إلى منتهاه .أى : سيلقى بهذا الشقى فى نار الله - تعالى - الموقدة ، التى تصل إلى أعماق الأفئدة والقلوب ، فتحيط بها ، وتنفذ إليها ، فتحرقها إحراقا تاما .وخصت الأفئدة التى هى القلوب بالذكر ، لأنها ألطف ما فى الأبدان وأشدها تألما بأدنى أذى يصيبها ، أو لأنها محل العقائد الزائفة ، والنيات الخبيثة ، ومنشأ الأعمال السيئة ، التى استحق هذا الهمزة اللمزة بسببها العقاب الشديد .

الهمزة 104:8

ثم وصف - سبحانه - هذه النار بصفة ثالثة فقال : ( إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ ) أى : إن هذه النار من صفاتها - أيضا - أنها مطبقة ومغلقة عليهم بحيث لا يستطيعون الخروج منها ، فقوله ( مُّؤْصَدَةٌ ) اسم مفعول من قولك أوصدت الباب ، إذا أغلقته بشدة ، بحيث لا يستطاع الخروج منه . .

الهمزة 104:9

ثم وصف - سبحانه - هذه النار بصفة ثالثة فقال : ( إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ ) أى : إن هذه النار من صفاتها - أيضا - أنها مطبقة ومغلقة عليهم بحيث لا يستطيعون الخروج منها ، فقوله ( مُّؤْصَدَةٌ ) اسم مفعول من قولك أوصدت الباب ، إذا أغلقته بشدة ، بحيث لا يستطاع الخروج منه . .

الفيل 105:1

الاستفهام فى قوله - تعالى - : ( أَلَمْ تَرَ . . . ) للتقرير بما تواتر نقله وعمله صلى الله عليه وسلم وعلمه غيره علما مستفيضا . . حتى إن العرب كانوا يؤرخون بتلك الحادثة ، فيقولون : هذا الأمر حدث فى عام الفيل ، أو بعده أو قبله . . والمراد بالرؤية هنا : العلم المحقق .وعبر - سبحانه - عن العلم بالرؤية ، لأن خبر هذه القصة - كما أشرنا كان من الشهرة بمكان ، فالعلم الحاصل بها مساو فى قوة الثبوت للرؤية والمشاهدة .والمعنى : لقد علمت - أيها الرسول الكريم - علما لا يخالطه ريب أو لبس ، ما فعله ربك بأصحاب الفيل ، الذين جاءوا لهدم الكعبة ، حيث أهلكناهم إهلاكا شنيعا ، كانت فى العبرة والعظة ، والدلالة الواضحة على قدرتنا ، وعلى حمايتنا لبيتنا الحرام .وأوقع - سبحانه - الاستفهام عن كيفية ما أنزله بهم ، لا عن الفعل ذاته ، لأن الكيفية أكثر دلالة على قدرته - تعالى - وعلى أنه - سبحانه - لا يعجزه شئ .وفى التعبير بقوله : ( فَعَلَ رَبُّكَ . . . ) إشارة إلى أن هذا الفعل لا يقدر عليه أحد سواه - سبحانه - فهو الذى ربى نبيه صلى الله عليه وسلم وتعهده بالرعاية ، وهو الكفيل بنصره على أعدائه ، كما نصر أهل مكة ، على جيوش الحبشة . . وهم أصحاب الفيل .ووصفوا بأنهم " أصحاب الفيل " لأنهم أحضروا معهم الفيلة ، ليستعينوا بها على هدم الكعبة ، وعلى إذلال أهل مكة .

الفيل 105:2

والاستفهام فى قوله - تعالى - : ( أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ ) للتقرير - أيضا - أى : لقد جعل الله - تعالى - مكر أصحابا الفيل وسعيهم لتخريب الكعبة ، فى ( تَضْلِيلٍ ) أى : فى تخسير وإبطال وتضييع ، بأن تبرهم - سبحانه - تتبيرا ودمرهم تدميرا .والكيد : إرادة وقوع الإِضرار بالغير فى خفية ، وسمى - سبحانه - ما فعله أبراهة وجيشه كيدا ، مع أنهم جاءوا لهدم الكعبة جهارا نهارا . . لأنهم كانوا يضمرون من الحقد والحسد والعداوة لأهل مكة ، أكثر مما كانوا يظهرونه ، فهم - كما قال - تعالى - : ( قَدْ بَدَتِ البغضآء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ . . ) والمقصود بالتضليل هن : التضييع والإِبطال . تقول : ضللت كيد فلان ، إذا جعلته باطلا ضائعا .

الفيل 105:3

ثم بين - سبحانه - مظاهر إبطاله لكيدهم فقال : ( وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ ) .والطير : اسم جمع لكل ما من شأنه أن يطير فى الهواء ، وتنكيره للتنويع والتهويل ، والأبابيل : اسم جمع لا واحد له من لفظه ، وقيل هو جمع إِبَّالة ، وهى حزمة الحطب الكبيرة ، شبهت بها الجماعة من الطير فى تضامنها وتلاصقها .أى : لقد جعل الله - تعالى - كيد هؤلاء المعتدين فى تضييع وتخسير . . بأن أرسل إليهم جماعات عظيمة من الطير ، أتتهم من كل جانب فى تتابع ، فكانت سببا فى إهلاكهم والقضاء عليهم .. ( وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ ).

الفيل 105:4

وجملة : " ترميهم بحجارة من سجيل " بيان لما فعلته تلك الطيور بإذن الله - تعالى - ، وهى حال من قوله ( طيرا ) ، والسجيل : الطين اليابس المتحجر . .قال بعض العلماء : قوله : ( تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ ) أى : من طين متحجر محرق . أو بحجارة من جملة العذاب المكتوب المدون فى السجيل ، وهو الديوان الذى كتب فيه عذاب الكفار ، كما أن السجيل هو الديوان الذى كتبت فيه أعمالهم . واشتقاقه من الإِسجال بمعنى الإِرسال .وعن عكرمة : كانت ترميهم بحجارة معها كالحِمَّصةِ ، فإذا أصاب أحدَهم حجرٌ منها ، خرج به الجُدَرِى ، وكان ذلك أول يوم رئى فيه الجدرى بأرض العرب .وقال ابن عباس : كان الحجر إذا وقع على أحدهم نفط جلده أى : احترق - فكان ذلك أول الجدرى . وقيل : إن أول ما رؤيت الحصبة والجدرى بأرض العرب ذلك العام .وقال ابن جُزَى فى تفسيره : إن الحجر كان يدخل من رأس أحدهم ويخرج من أسفله .ووقع فى سائرهم الجدرى والأسقام ، وانصرفوا وماتوا فى الطريق متفرقين ، وتمزق أبرهة قطعة قطعة . .

الفيل 105:5

وقوله - سبحانه - ( فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ ) بيان للآثار الفظيعة التى ترتبت على ما فعلته الحجارة التى أرسلتها الطيور عليهم بإذن الله - تعالى - .والعصف : ورق الزرع الذى يبقى فى الأرض بعد الحصاد وتعصفه الرياح فتأكله الحيوانات . أو هو التبن الذى تأكله الدواب .أى : سلط الله - تعالى - عليهم طيرا ترميهم بحجارة من طين متحجر ، فصاروا بسبب ذلك صرعى هالكين ، حالهم فى تمزقهم وتناثرهم كحال أوراق الأشجار اليابسة أو التبن الذى تأكله الدواب .وهكذا نرى السورة الكريمة قد ساقت من مظاهرة قدرة الله - تعالى - ما يزيد المؤمنين إيمانا على إيمانهم ، وثباتا على ثباتهم ، وما يحمل الكافرين على الاهتداء إلى الحق ، والإِقلاع عن الشرك والجحود لو كانوا يعقلون .نسأل الله - تعالى - أن يجعلنا من عباده الشاكرين .وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

قريش 106:1

الإِيلاف : مصدر آلفت الشئ إيلافا و " إلفا " إذا لزمته وتعودت عليه . وتقول : آلفت فلانا الشئ ، إذا ألزمته إياه . والإِيلاف - أيضا - اجتماع الشمل مع الالتئام ، ومنه قوله - تعالى - ( واذكروا نِعْمَتَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً . . . ) ولفظ " إيلاف " مضاف لمفعوله وهو قريش ، والفاعل هو الله - تعالى - : و " قريش " هم ولد النضر بن كنانه - على الأرجح - وهو الجد الثالث عشر للنبى صلى الله عليه وسلم .قال القرطبى ما ملخصه : وأما قريش فهم بنو النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس ، بن مضر ، فكل من كان من ولد النضر فهو قرشى .وسموا قريشا ، لتجمعهم بعد التفرق ، إذ التقرش : التكسب ، ويقال : قرَشَ فلان يقرُشُ قَرْشا - كقتل - ، إذا كسب المال وجمعه . .وقوله : ( إِيلاَفِهِمْ ) بدل أو عطف بيان من قوله ( لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ ) ، وهو من أسلوب الإِجمال فالتفصيل للعناية بالخبر ، ليتمكن فى ذهن السامع كما فى قوله - تعالى - : ( لعلي أَبْلُغُ الأسباب . أَسْبَابَ السماوات . . . ) واللام فى قوله - تعالى - : ( لإِيلاَفِ . . . ) للتعليل . والجار والمجرور متعلق بقوله - تعالى - : ( فَلْيَعْبُدُواْ . . . ) وتقدير الكلام : من الواجب على أهل مكة أن يخلصوا العبادة لله - لأنه - سبحانه - هو الذى جمعهم بعد تفرق ، وألف بينهم ، وهيأ لهم رحلتين فيهما ما فيهما من النفع والأمن .وزيدت الفاء فى قوله - تعالى - : ( فَلْيَعْبُدُواْ . . . ) لما فى الكلام من معنى الشرط ، فكأنه - سبحانه - يقول لهم : إن لم تعبدونى من أجل نعمى التى لا تحصى ، فاعبدونى من أجل أنى جعلتكم تألفون هاتين الرحلتين النافعتين فى أمان واطمئنان ، وأنى جمعت شملكم ، وألفت بينكم . .قال صاحب الكشاف : " لإِيلاف قريش " متعلق بقوله : ( فَلْيَعْبُدُواْ ) أمرهم أن يعبدوه لأجل إيلافهم الرحتلين .فإن قلت : فلم دخلت الفاء؟ قلت : لما فى الكلام من معنى الشرط ، لأن المعنى : إما لا فليعبدوه لإِيلافهم . على معنى أن نعم الله عليهم لا تحصى ، فإن لم يعبدوه لسائر نعمه ، فليعبدوه لهذه الواحدة التى هى نعمة ظاهرة .وقيل المعنى : اعجبوا لإِيلاف قريش . وقيل هو متعلق بما قبله - فى السورة السابقة - أى : فجعلهم كعصف مأكول . لإِيلاف قريش ، وهذا بمنزلة التضمين فى الشعر ، وهو أن يتعلق معنى البيت بالذى قبله . .

قريش 106:2

وقوله - سبحانه - : ( رِحْلَةَ الشتآء والصيف ) بيان لمظهر من مظاهر هذا الإِيلاف الذى منحه - سبحانه - لهم ، والرحلة هنا : اسم لارتحال القوم من مكان إلى آخر ، ولفظ " رحلة " منصوب على أنه مفعول به لقوله ( إِيلاَفِهِمْ ) . .والمراد بهذه الرحلة : ارتحالهم فى الشتاء إلى بلاد اليمن ، وفى الصيف إلى بلاد الشام ، من أجل التجارة ، واجتلاب الربح .واستدرار الرزق ، والاستكثار من القوت واللباس وما يشبههما من مطالب الحياة .وقيل : المراد برحلة الشتاء والصيف : رحلة الناس إليهم فى الشتاء والصيف للحج والعمرة ، فقد كان الناس يأتون إلى مكىة فى الشتاء والصيف لهذه الاغراض ، فيجد أهل مكة من وراء ذلك الخير والنفع ، كما قال - تعالى - : ( لِّيَشْهَدُواْ مَنَافِعَ لَهُمْ ).

قريش 106:3

وبعد أن ذكرهم - سببحانه - بنعمه أمرهم بشكره ، فقال : ( فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هذا البيت . . . ) أى : إن كان الأمر كما ذكرنا لهم ، فليخلصوا العبادة لله - تعالى - الذى حمى لهم البيت الحرام ، والكعبة المشرفة ، ممن أرادهما بسوء . .

قريش 106:4

( الذي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ ) أى : الذى وسع لهم الرزق ، ومهد لهم سبيله ، عن طريق الوفود التى تأتى إليهم من مشارق الأرض ومغاربها .( وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ ) أى : والذى أوجد لهم الأمن بعد الخوف ، والسعة بعد الضيق ، ببركة هذا البيت الحرام .وتنكير " جوع " و " خوف " للتعظيم ، أى : أطعمهم بدلا من جوع شديد ، وآمنهم بدلا من خوف عظيم ، كانوا معرضين لهما ، وذلك كله من فضله - سبحانه - عليهم ، ومن رحمته بهم ، حيث أتم عليهم نعمتين بهما تكمل السعادة ، ويجتمع السرور .ومن الآيات التى تشبه هذه الآية قوله - تعالى - : ( أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ الناس مِنْ حَوْلِهِمْ . . . ) وقوله - سبحانه - : ( أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً يجبى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِّزْقاً . . . ) وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

الماعون 107:1

( فَذَلِكَ الذي يَدُعُّ اليتيم )أى : فذلك الذى يكذب بالبعث والحساب والجزاء ، من أبرز صفاته القبيحة . أنه " يدع اليتيم " أى : يقسو عليه ، ويزجره زجرا عنيفا ، ويسد كل باب خير فى وجهه ، ويمع كل حق له . .فقوله : ( يَدُعُّ ) من الدع وهو الدفع الشديد ، والتعنيف الشنيع للغير . .

الماعون 107:2

( وَلاَ يَحُضُّ على طَعَامِ المسكين ) أى : أن من صفاته الذميمة - أيضا - أنه لا يحث أهله وغيرهم من الأغنياء على بذل الطعام للبائس المسكين ، وذلك لشحه الشديد ، واستيلاء الشيطان عليه ، وانطماس بصيرته عن كل خير .وفى هذه الآية والتى قبلها دلالة واضحة على أن هذا الانسان المكذب الدين قد بلغ النهاية فى السوء والقبح ، فهو لقسوة قلبه لا يعطف على يتيم ، بل يحتقره ويمنع عنه كل خير ، وهو لخبث نفسه لا يفعل الخير ، ولا يحض غيره على فعله ، بل يحض على الشرور والآثام .ولما كانت هذه الصفات الذميمة ، لا تؤدى إلى إخلاص أو خشوع لله - تعالى - وإنما تؤدى إلى الرياء وعدم المبالاة بأداء التكاليف التى أوجبها - سبحانه - على خلقه . .

الماعون 107:3

لما كان الأمر كذلك ، وصف - سبحانه - هؤلاء المكذبين بالبعث والجزاء بأوصاف أخرى ، فقال : ( فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ . الذين هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ . الذين هُمْ يُرَآءُونَ . وَيَمْنَعُونَ الماعون ) .والفاء فى قوله : ( فَوَيْلٌ ) للتفريع والتسبب ، والويل : الدعاء بالهلاك والعذاب الشديد .وهو مبتدأ ، وقوله ( لِّلْمُصَلِّينَ ) خبره .

الماعون 107:4

والمراد بالسهو هنا : الغفلة والترك وعدم المبالاة . . أى : فهلاك شديد ، وعذاب عظيم ، لمن جمع هذه الصفات الثلاث ، بعد تكذيبه بيوم الدين ، وقسوته على اليتيم ، وامتناعه عن إطعام المسكين .وهذه الصفات الثلاث أولها : الترك للصلاة ، وعدم المبالاة بها ، والإِخلال بشروطها وأركانها وسننها وآدابها .

الماعون 107:5

وثانيها : أداؤها رياء وخداعا لا عن إخلاص وطاعة لله رب العالمين كما قال - تعالى - :( إِنَّ المنافقين يُخَادِعُونَ الله وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قاموا إِلَى الصلاة قَامُواْ كسالى يُرَآءُونَ الناس وَلاَ يَذْكُرُونَ الله إِلاَّ قَلِيلاً )

الماعون 107:6

وثالثها : منع الماعون : أى منع الخير والمعروف والبر عن الناس . فالمراد بمنع الماعون : مع كل فضل وخير عن سواهم . فلفظ " الماعون " أصله " معونة " والألف عوض من الهاء . والعون : هو مساعدة الغير على بلوغ حاجته . . فالمراد بالماعون : ما يستعان به على قضاء الحوائج ، من إناء أو فأس ، أو نار ، أو ما يشبه ذلك .ومنهم من يرى أن المراد بالماعون هنا : الزكاة لأنه جرت عادة القرآن الكريم أن يذكر الزكاة بعد الصلاة .قال الإِمام ابن كثير : قوله : ( وَيَمْنَعُونَ الماعون ) أى : لا أحسنوا عبادة ربهم ، ولا أحسنوا إلى خلقه ، حتى ولا بإعارة ما ينتفع به ، ويستعان به ، مع بقاء عينه ورجوعه إليهم ، فهؤلاء لمنع الزكاة ومنع القربات أولى وأولى . .وسئل ابن مسعود عن الماعون فقال : هو ما يتعاوره الناس بينهم من الفأس والقِدْر . .وهكذا نرى السورة الكريمة قد ذمت المكذبين بيوم الدين ذما شديدا حيث وصفتهم بأقبح الصفات وأشنعها .نسأل الله - تعالى - أن يعيذنا من ذلك .وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

الماعون 107:7

وثالثها : منع الماعون : أى منع الخير والمعروف والبر عن الناس . فالمراد بمنع الماعون : مع كل فضل وخير عن سواهم . فلفظ " الماعون " أصله " معونة " والألف عوض من الهاء . والعون : هو مساعدة الغير على بلوغ حاجته . . فالمراد بالماعون : ما يستعان به على قضاء الحوائج ، من إناء أو فأس ، أو نار ، أو ما يشبه ذلك .ومنهم من يرى أن المراد بالماعون هنا : الزكاة لأنه جرت عادة القرآن الكريم أن يذكر الزكاة بعد الصلاة .قال الإِمام ابن كثير : قوله : ( وَيَمْنَعُونَ الماعون ) أى : لا أحسنوا عبادة ربهم ، ولا أحسنوا إلى خلقه ، حتى ولا بإعارة ما ينتفع به ، ويستعان به ، مع بقاء عينه ورجوعه إليهم ، فهؤلاء لمنع الزكاة ومنع القربات أولى وأولى . .وسئل ابن مسعود عن الماعون فقال : هو ما يتعاوره الناس بينهم من الفأس والقِدْر . .وهكذا نرى السورة الكريمة قد ذمت المكذبين بيوم الدين ذما شديدا حيث وصفتهم بأقبح الصفات وأشنعها .نسأل الله - تعالى - أن يعيذنا من ذلك .وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

الكوثر 108:1

الكوثر : فَوْعل من الكثرة ، مثل النَّوْفل من النفل ، ومعناه : الشئ البالغ فى الكثرة حد الإِفراط ، والعرب تسمى كل شئ كثر عدده ، وعظم شأنه : كوثرا ، وقد قيل لأعرابية بعد رجوع ابنها من سفر : بم آب ابنك؟ قالت : آب بكوثر . أى : بشئ كثير .قال الإِمام القرطبى ما ملخصه : واختلف أهل التأويل فى الكوثر الذى أعطيه النبى صلى الله عليه وسلم على ستة عشر قولاً : الأول : أنه نهى فى الجنة ، رواه البخارى عن أنس ، ورواه الترمذى - أيضاً - عن ابن عمر . . الثانى : أنه حوض للنبى صلى الله عليه وسلم فى الموقف . . الثالث : أنه النبوة والكتاب . . الرابع : أنه القرآن . . الخامس : الإِسلام .ثم قال - رحمه الله - قلت : أصح هذه الأقوال الأول والثانى ، لأنه ثابت عن النبى صلى الله عليه وسلم نص فى الكوثر . . وجميع ما قيل بعد ذلك فى تفسيره قد أعطيه صلى الله عليه وسلم زيادة على حوضه . . .وافتتح - سبحانه - الكلام بحرف التأكيد ، للاهتمام بالخبر ، وللإِشعار بأن المعطى شئ عظيم . . أى : إنا أعطيناك بفضلنا وإحساننا - أيها الرسول الكريم - الكوثر ، أى : الخير الكثير الذى من جملته هذا النهر العظيم ، والحوض المطهر . . فأبشر بذلك أنت وأمتك ، ولا تلتفت إلى ما يقوله أعداؤك فى شأنك .

الكوثر 108:2

والفاء فى قوله - تعالى - : ( فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانحر ) لترتيب ما بعدها على ما قبلها ، والمراد بالصلاة : المداومة عليها .أى : ما دمنا قد أعطيناك هذه النعم الجزيلة ، فداوم على شكرك لنا ، بأن تواظب على أداء الصلاة أداء تاما ، وبأن تجعلها خالصة لربك وخالقك ، وبأن تواظب - أيضاً - على نحرك الإِبل تقرباً إلى ربك . كما قال - سبحانه - ( قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للَّهِ رَبِّ العالمين . لاَ شَرِيكَ لَهُ وبذلك أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ المسلمين )

الكوثر 108:3

ثم بشره - سبحانه - ببشارة أخرى فقال : ( إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبتر ) والشانئ : هو المبغض لغيره ، يقال : شَنَأَ فلان شَنْئاً ، إذا أبغضه وكرهه .والأبتر فى الأصل : هو الحيوان المقطوع الذنب ، والمراد به هنا : الإِنسان الذى لا يبقى له ذكر . ولا يدوم له أثر . .شبه بقاء الذكر الحسن بذنب الحيوان ، لأنه تابع له وهو زينته ، وشبه الحرمان من ذلك ببتر الذي وقطعه .والمعنى : إن مبغضك وكارهك - أيها الرسول الكريم - هو المقطوع عن كل خير ، والمحروم من كل ذكر حسن .قال الإِمام ابن كثير : " كان العاص بن وائل إذا ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : دعوه فإنه رجل أبتر لا عقب له ، فإذا هلك انقطع ذكره ، فأنزل الله - تعالى - هذه السورة " .وقال السدى : كانوا إذا مات ذكور الرجل قالوا : بتر ، فلما مات أبناء النبى صلى الله عليه وسلم قالوا : بتر محمد فأنزل الله هذه الآية .وهذا يرجع إلى ما قلناه من أن الأبتر إذا مات انقطع ذكره ، فتوهموا لجهلهم أنه إذا مات بنوه ينقطع ذكره ، وحاشا وكلا ، بل أبقى الله ذكره على رءوس الأشهاد ، وأوجب شرعه على رقاب العباد ، مستمرا على دوام الآباد ، إلى يوم الحشر والمعاد ، صلوات الله وسلامه عليه دائماً إلى يوم الثناد . . .نسأل الله - تعالى - أن يجعلنا من أهل شفاعته يوم القيامة .وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

الكافرون 109:1

أى : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين الذين جاؤوك ليساوموك على أن تعبد آلهتهم مدة ، وهم يعبدون إلهك مدة أخرى . . قل لهم على سبيل الحزم والتأكيد " لا أعبد " أنا الذى تعبدونه من آلهة باطلة ، ولا أنتم عابدون الإِله الحق الذى أعبده ، لجهلكم وجحودكم . وعكوفكم على ما كان عليه آباؤكم من ضلال .وافتتحت السورة الكريمة بفعل الأمر " قل " للاهتمام لما سيأتى بعده من كلام المقصود منه إبلاغه إليهم ، وتكليفهم بالعمل به .ونودوا بوصف الكافرين ، لأنهم كانوا كذلك ، ولأن فى هذا النداء تحقيرا واستخفافا بهم .

الكافرون 109:2

و " ما " هنا موصولة بمعنى الذى ، وأوثرت على " مَن " لأنهم ما كانوا يشكون فى ذات الآلهة التى يعبدونها ، ولافى ذات الإلهة الحق الذى يبعده النبى صلى الله عليه وسلم ، وإنما كانوا يشكون فى أوصافه - تعالى - ، من زعمهم أن هذه الأصنام ما يعبدونها إلا من أجل التقرب إليه .ويقولون : ( هؤلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ الله ) مع أن الله - تعالى - منزه عن ذلك ، فالمقصود من " ما " هنا : الصفة ، وليس الذات ، فكأنه قال : لا أعبد الباطل الذى تعبدونه ، وأنتم لجهلكم لا تعبدون الإله الحق الذى أعبده .

الكافرون 109:3

وقوله - تعالى - : ( وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ . وَلاَ أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ ) تأكيد وتقرير لما اشتمل عليه الكلام السابق . . " وما " هنا مصدرية ، فكأنه قبل : ولا أنا عابد عبادتكم ، ولا أنتم عابدون عبادتى .فالآيتان السابقتان تنفيان الاتحاد بينه صلى الله عليه وسلم وبينهم فى المعبود ، وهاتان الآيتان تنفيان الاتحاد فى العبادة ، والمقصود من ذلك المبالغة التامة فى البراءة من معبوداتهم الباطلة ، ومن عبادتهم الفاسدة ، وأنه صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين ، لا يعبدون إلا الله - عز وجل - ، وهم بذلك يكونون قد اهتدوا إلى العبادة الصحيحة .

الكافرون 109:4

وقوله - تعالى - : ( وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ . وَلاَ أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ ) تأكيد وتقرير لما اشتمل عليه الكلام السابق . . " وما " هنا مصدرية ، فكأنه قبل : ولا أنا عابد عبادتكم ، ولا أنتم عابدون عبادتى .فالآيتان السابقتان تنفيان الاتحاد بينه صلى الله عليه وسلم وبينهم فى المعبود ، وهاتان الآيتان تنفيان الاتحاد فى العبادة ، والمقصود من ذلك المبالغة التامة فى البراءة من معبوداتهم الباطلة ، ومن عبادتهم الفاسدة ، وأنه صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين ، لا يعبدون إلا الله - عز وجل - ، وهم بذلك يكونون قد اهتدوا إلى العبادة الصحيحة .

الكافرون 109:5

وقوله - تعالى - : ( وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ . وَلاَ أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ ) تأكيد وتقرير لما اشتمل عليه الكلام السابق . . " وما " هنا مصدرية ، فكأنه قبل : ولا أنا عابد عبادتكم ، ولا أنتم عابدون عبادتى .فالآيتان السابقتان تنفيان الاتحاد بينه صلى الله عليه وسلم وبينهم فى المعبود ، وهاتان الآيتان تنفيان الاتحاد فى العبادة ، والمقصود من ذلك المبالغة التامة فى البراءة من معبوداتهم الباطلة ، ومن عبادتهم الفاسدة ، وأنه صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين ، لا يعبدون إلا الله - عز وجل - ، وهم بذلك يكونون قد اهتدوا إلى العبادة الصحيحة .

الكافرون 109:6

وقوله - تعالى - : ( لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ) تذييل مؤكد لما قبله . والدين : يطلق بمعنى العقيدة التى يعتقدها الإِنسان يدين بها ، وبمعنى الملة التى تجرى أقواله وأفعاله على مقتضاها ، وبمعنى الحساب والجزاء . ومنه قولهم : دنت فلانا بما صنع ، أى : جازيته على صنيعه .واللفظ هنا شامل لكل ذلك ، أى : لكم - أيها الكافرون - دينكم وعقيدتكم التى تعتقدونها ولا تتجاوزكم إلى غيركم من المؤمنين الصادقين ، فلا عن رسولهم ومرشدهم صلى الله عليه وسلم ، ولى دينى وعقيدتى التى هى عقيدة التوحيد ، والتى بايعنى عليها أتباعى المؤمنون ، وهى مقصورة علينا ، وأنتم محرومون منها ، وسترون سوء عاقبة مخالفتكم لى .وقدم - سبحانه - المسند على المسند إليه ، لإِفادة القصد والاختصاص فكأنه قيل : لكم دينكم لا لغيركم ، ولى دينى لا لغيرى والله - تعالى - هو أحكم الحاكمين بينى وبينكم .وبذلك نرى السورة الكريمة ، قد قطعت كل أمل توهم الكافرون عن طريقه الوصول إلى مهادنة النبى صلى الله عليه وسلم ، وإلى الاستجابة لشئ من مطالبهم الفاسدة ، وإنما هو صلى الله عليه وسلم برئ براءة تامة منهم ومن معبوداتهم وعباداتهم .وصلى على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

النصر 110:1

النصر : التغلب على العدو ، والإِعانة على بلوغ الغاية ، ومنه قولهم : قد نصر الغيث الأرض ، أى : أعان على إظهار نباتها .والمراد به هنا : إعانة الله - تعالى - لنبيه صلى الله عليه وسلم على أعدائه ، حتى حقق له النصر عليهم .والفتح : يطلق على فتح البلاد عَنْوَةً والتغلب على أهلها ، ويطلق على الفصل والحكم بين الناس ، ومنه قوله - تعالى - : ( رَبَّنَا افتح بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بالحق وَأَنتَ خَيْرُ الفاتحين ) والمراد به : هنا فتح مكة . وما ترتب عليه من إعزاز الدين ، وإظهار كلمة الحق .

النصر 110:2

قال الإِمام ابن كثير : والمراد بالفتح هنا فتح مكة قولا واحدا ، فإن أحياء العرب كانت تتلوم - أى : تنتظر - بإسلامها فتح مكة ، يقولون : إن ظهر على قومه فهو نبى ، فلما فتح الله عليه مكة ، دخلوا فى دين الله أفواجا ، فلم تمض سنتان حتى استوسقت - أى : اجتمعت - جزيرة العرب على الإِيمان ، ولم يبق فى سائر قبائل العرب إلا مظهر للإِسلام ، ولله الحمد والمنة .والأفواج : جمع فوج ، وهو الجماعة والطائفة من الناس

النصر 110:3

وقوله ( فَسَبِّحْ ) جواب إذا والمعنى : إذا أتم الله - عليك - أيها الرسول الكريم - وعلى أصحابك النصر ، وصارت لكم الكلمة العليا على أعدائكم ، وفتح لكم مكة ، وشاهدت الناس يدخلون فى دين الإِسلام ، جماعات ثم جماعات كثيرة بدون قتال يذكر .إذا علمت ورأيت كل ذلك ، فداوم وواظب على تسبيح ربك ، وتنزيهه عن كل ما لا يليق به شكرا له على نعمه ، وداوم - أيضا - على طلب مغفرته لك وللمؤمنين .( إنه ) عز وجل - ( كان ) وما زال ( توابا ) أى : كثير القبول لتوبة عباده التائبين إليه ، كما قال - سبحانه - : ( وَهُوَ الذي يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُواْ عَنِ السيئات وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ) نسأل الله - تعالى - أن يجعلنا من عباده التائبين توبة صادقة نصوحا .وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

المسد 111:1

معنى ( تَبَّتْ ) هلكت وخسرت ، ومنه قوله - تعالى - : ( وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاَّ فِي تَبَابٍ ) - سبحانه - : ( وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ ) وقوله : ( وَتَبَّ ) أى : وقد تب وهلك وخسر ، فالجملة الأولى دعاء عليك بالهلاك والخسران ، والجملة الثانية : إخبار عن أن هذا الدعاء قد استجيب ، وأن الخسران قد نزل به فعلا .أى : خسرت وخابت يدا أبى لهب ، وقد نزل هذا الهلاك والخسران به ، بسبب عداوته الشديدة للحق ، الذى جاء به النبى صلى الله عليه وسلم من عند ربه - سبحانه - .والمراد باليدين هنا : ذاته ونفسه ، من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل ، كما فى قوله - تعالى - : ( ذلك بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ ) ويجوز أن يكون المراد باليدين حقيقتهما ، وذلك لأنه كان يقول : يعدنى محمد صلى الله عليه وسلم بأشياء ، لا أدرى أنها كائنة ، يزعم أنها بعد الموت ، فلم يضع فى يدى شئ من ذلك ، ثم ينفخ فى يديه ويقول : تبا لكما ما أرى فيكما شيئا .

المسد 111:2

وقوله - سبحانه - ( مَآ أغنى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ ) كلام مستأنف للانتقال من ذمه والدعاء عليه بالهلاك ، إلى بيان أن ماله وجاهه . . لن يغنى عنه من عذاب الله - تعالى - شيئا .أى : أن أبا لهب لن يغنى عنه ماله الكثير ، وكسبه الوفير من حطام الدنيا . . لن يغنى عنه شيئا من عذاب الله - تعالى - ، أو شيئا من انتشار رسالة الله - تعالى - فى الأرض ، فإن الله - سبحانه - ناصر نبيه صلى الله عليه وسلم ومؤيده بروح منه .والتعبير بالماضى فى قوله : ( مَآ أغنى . . . ) لتحقيق وقوع عدم الإِغناء .والراجح أن " ما " الأولى نافية ، والثانية موصولة ، أى : ما أغنى عنه شيئا ماله الذى ورثه عن أبيه ، وأيضا ما أغنى عنه شيئا ماله الذى جمعه واكتسبه هو بنفسه عن طريق التجارة وغيرها .

المسد 111:3

وقوله - سبحانه - : ( سيصلى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ ) بيان للعاقبة السيئة التى تنتظره ، بعد هذا الذم والتأنيب والوعيد . أى : سيلقى بأبى لهب فى نار شديدة الحرارة ، تشوى الوجوه والأبدان ، ووصف - سبحانه - النار بأنها " ذات لهب " لزيادة تقرير المناسبة بين اسمه وكفره ، إذ هو معروف بأبى لهب ، والنار موصوفة بأنها ذات لهب شديد .

المسد 111:4

ثم أعقب - سبحانه - ذلك ، بذم زوجه التى كانت تشاركه العداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( وامرأته حَمَّالَةَ الحطب . فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ ) .وقوله : ( وامرأته ) معطوف على الضمير المستتر العائد على أبى لهب فى قوله ( سيصلى ) وانتصاب لفظ " حمالةَ " على الذم بفعل مضمر ، لأن المقصود به هنا الذم ، وقرأ الجمهور ( حَمَّالَةَ ) - بالرفع - على أنه صفة لها ، أو خبر لمبتدأ محذوف ، أى : هى حمالة الحطب .والمقصود بقوله - تعالى - ( حَمَّالَةَ الحطب ) الحقيقة ، فقد روى أنها كانت تحمل بنفسها حزمة الشَّوْك والحسك والسَّعْدَان ، فتنثرها بالليل فى طريقه صلى الله عليه وسلم ، لإِيذائه به ، ويصح أن يكون المراد بهذه الجملة الكناية عن مشيها بين الناس بالنميمة ، وإشاعة السوء حول الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه يقول لمن يمشى بالنميمة ليفسد بين الناس ، إنسان يحمل الحطب بين الناس ، أى : أنه يفسد بينهم .ويصح أن يكون المقصود بهذه الجملة ، حملها للذنوب والخطايا ، من قولهم : فلان يَحْطِب على ظهره ، إذا كان يكتسب الذنوب والخطايا ، فاستعير الحطب لذلك .وقد رجح الإِمام ابن جرير القول الأول ، لأنها كانت تحمل الشوك فتطرحه فى طريق النبى صلى الله عليه وسلم .

المسد 111:5

وقوله - سبحانه - : ( فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ ) زيادة فى تبشيع صورتها ، وتحقير هيئتها .والجيد : العنق ، والمسد : الليف المتين الذى فتل بشدة ، يقال : حبل ممسود ، أى مفتول فتلا قويا .والمعنى : سيصلى أبو لهب نارا شديدة ، وستصلى معه امرأته التى تضع الشوك فى طريق النبى صلى الله عليه وسلم هذه النار المشتعلة - أيضا - ، وسيزيد الله - تعالى - فى إذلالها وتحقيرها ، بأن يأمر ملائكته بأن تضع فى عنقها حبلا مفتولا فتلا قويا ، على سبيل الإِذلال والإِهانة لها ، لأنها كانت فى الدنيا تزعم أنها من بنات الأشراف الأكابر .روى عن سعيد بن المسيب أنه قال : كان لها قلادة ثمينة فقالت : لأبيعنها ولأنفقن ثمنها فى عداوة محمد صلى الله عليه وسلم فأبدلها الله عنها حبلا فى جيدها من مسد النار .والذى يتأمل هذه السورة الكريمة ، يراها قد اشتملت على أوضح الأدلة وأبلغ المعجزات الدالة على صدق النبى صلى الله عليه وسلم فيما يبلغه عن ربه ، فإن الله - تعالى - قد أخبر بشقاء أبى لهب وامرأته ، وأنهما سيصليان نارا ذات لهب . . وقد علما بما جاء فى هذه السورة من عقاب الله لهما . . ومع ذلك فقد بقيا على كفرهما حتى فارقا الحياة ، دون أن ينطقا بكلمة التوحيد ، ولو فى الظاهر - فثبت أن هذا القرآن من عند الله ، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم صادق فيما يبلغه عن ربه - عز وجل - .نسأل الله - تعالى - أن يلحقنا بعباده الصالحين .وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

الإخلاص 112:1

قد افتتحت بفعل الأمر " قل " لإِظهار العناية بما بعد هذا الأمر من توجيهات حكيمة ، ولتلقينه صلى الله عليه وسلم الرد على المشركين الذين سألوه أن ينسب لهم ربه .و ( هو ) ضمير الشأن مبتدأ ، والجملة التى بعده خبر عنه .والأحد : هو الواحد فى ذاته وفى صفاته وفى أفعاله ، وفى كل شأن من شئونه ، فهو منزه عن التركيب من جواهر متعددة ، أو من مادة معينة ، كما أنه - عز وجل - منزه عن الجسمية والتحيز ، ومشابهة غيره .وفى الإِتيان بضمير الشأن هنا : إشارة إلى فخامة مضمون الجملة ، مع ما فى ذلك من زيادة التحقيق والتقرير ، لأن الضمير يشير إلى شئ مبهم تترقبه النفس ، فإذا جاء الكلام من بعده زال الإِبهام ، وتمكن الكلام من النفس فضل تمكن .وجئ بالخبر نكره وهو لفظ " أحد " لأن المقصود الإِخبار عن الله - تعالى - بأنه واحد ، ولو قيل : الله الأحد ، لأفاد أنه لا واحد سواه ، وليس هذا المعنى مقصودا هنا ، وإنما المقصود إثبات أنه واحد فى ذاته وصفاته وأفعاله . . ونفى ما زعمه المشركون وغيرهم ، من أنه - تعالى - مركب من أصول مادية أو غير مادية ، أو من أنه له شريك فى ملكه .

الإخلاص 112:2

وقوله - سبحانه - ( الله الصمد ) أى : الله - تعالى - هو الذى يَصْمدُ إليه الخلق فى حوائجهم ، ويقصدونه وحده بالسؤال والطلب . . مأخوذ من قولهم صمد فلان إلى فلان . بمعنى توجه إليه بطلب العون والمساعدة .قال صاحب الكشاف : والصمد فعل بمعنى مفعول ، من صمد إليه إذا قصده ، وهو - سبحانه - المصمود إليه فى الحوائج ، والمعنى : هو الله الذى تعرفونه وتقرون بأنه خالق السموات والأرض ، وخالقكم ، وهو واحد متوحد بالإِلهية لا يشارك فيها ، وهو الذى يصمد إليه كل مخلوق لا يستغنون عنه ، وهو الغنى عنهم . .وجاء لفظ " الصمد " محلى بأل ، لإِفادة الحصر فى الواقع ونفس الأمر ، فإن قصد الخلق إليه - سبحانه - فى الحوائج ، أعم من الصد الإِرادى ، والقصد الطبيعى ، والقصد بحسب الاستعداد الأصلى ، الثابت لجميع المخلوقات إذ الكل متجه إليه - تعالى - طوعا وكرها .

الإخلاص 112:3

وقوله - سبحانه - : ( لَمْ يَلِدْ ) تنزيه له - تعالى - عن أن يكون له ولد أو بنت ، لأن الولادة تقتضى انفصال مادة منه ، وذلك يقتضى التركيب المنافى للأحدية والصمدية ، أو لأن الولد من جنس أبيه ، وهو - تعالى - منزه عن مجانسه أحد .وقوله : ( وَلَمْ يُولَدْ ) تنزيه له - تعالى - عن أن يكون له أب أو أم ، لأن المولودية تقتضى - أيضا - التركيب المنافى للأحدية والصمدية ، أو لاقتضائها سبق العدم ، أو المجانسة ، وكل ذلك مستحيل عليه - تعالى - فهو - سبحانه - :( الأول والآخر والظاهر والباطن وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ )

الإخلاص 112:4

وقوله - عز وجل - ( وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ ) تنزيه له - تعالى - عن الشبيه والنظير والمماثل .والكفؤ : هو المكافئ والمماثل والمشابه لغيره فى العمل أو فى القدرة .أى : ولم يكن أحد من خلقه مكافئاً ولا مشاكلا ولا مناظرا له - تعالى - فى ذاته ، أو صفاته ، أو أفعاله ، فهو كما قال - تعالى - : ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السميع البصير ) وبذلك نرى أن هذه السورة الكريمة قد تضمنت نفى الشصرك بجميع ألوانه .فقد نفى - سبحانه - عن ذاته التعددد بقوله : ( الله أَحَدٌ ) ونفى عن ذاته النقص والاحتياج بقوله : ( الله الصمد ) ونفى عن ذاته أن يكون والدا أو مولودا بقوله : ( لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ) ، ونفى عن نفسه الأنداد والأشباه بقوله : ( وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ ) .كما نراها قد تضمنت الرد على المشركين وأهل الكتاب ، وغيرهم من أصحاب الفرق الضالة ، الذين يقولون ، بالتثليث ، وبأن هناك آلهة أخرى تشارك الله - تعالى - فى ملكه .وبغير ذلك من الأقاويل الفاسدة والعقائد الزائفة . . - سبحانه وتعالى - عما يقولون علوا كبيرا .وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

الفلق 113:1

الفلق : أصله شق الشئ عن الشئ ، وفصل بعض عن بعض ، والمراد به هنا : الصبح ، وسمى فلقا لإِنفلاق الليل وانشقاقه عنه ، كما فى قوله - تعالى - : ( فَالِقُ الإصباح ) أى : شاقٌّ ظلمة آخر الليل عن بياض الفجر . .ويصح أن يكون المراد به ، كل ما يفلقه الله - تعالى - من مخلوقات كالأرض التى تنفلق عن النبات ، والجبال التى تنفلق عن عيون الماء . .أى : قل - أيها الرسول الكريم - أعوذ وأستجير وأعتصم ، بالله - تعالى - الذى فلق الليل ، فانشق عنه الصباح ، والذى هو رب جميع الكائنات ، ومبدع كل المخلوقات . .

الفلق 113:2

قل أعوذ بهذا الرب العظيم ( مِن شَرِّ مَا خَلَقَ ) أى : من شر كل ذى شر من المخلوقات ، لأنه لا عاصم من شرها إلا خالقها - عز وجل - إذ هو المالك لها ، والمتصرف فى أمرها ، والقابض على ناصيتها ، والقادر على تبديل أحوالها ، وتغيير شئونها .

الفلق 113:3

ثم قال - تعالى - : ( وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ ) والغاسق : الليل عندما يشتد ظلامه ، ومنه قوله - تعالى - : ( أَقِمِ الصلاة لِدُلُوكِ الشمس إلى غَسَقِ الليل . . . ) أى : إلى ظلامه .وقوله : ( وقب ) من الوقوب ، وهو الدخول ، يقال : وقبت الشمس إذا غابت وتوارت فى الأفق . أى : وقل أعوذ به - تعالى - من شر الليل إذا اشتد ظلامه ، وأسدل ستاره على كل شئ واختفى تحت جنحه ما كان ظاهرا .ومن شأن الليل عندما يكون كذلك ، أن يكون مخيفا مرعبا ، لأن الإِنسان لا يتبين ما استتر تحته من أعداء .

الفلق 113:4

ثم قال - سبحانه - : ( وَمِن شَرِّ النفاثات فِي العقد ) وأصل النفاثات جمع نفَّاثَة ، وهذا اللفظ صيغة مبالغة من النَّفث ، وهو النفخ مع ريق قليل يخرج من الفم .والعُقَد : جمع عُقْدة من العَقْدِ الذى هو ضد الحل ، وهى اسم لكل ما ربط وأحكم ربطه .والمراد بالنفاثات فى العقد : النساء السواحر ، اللائى يعقدن عقدا فى خيوط وينفثن عليها من أجل السحر .وجئ بصيغة التأنيث فى لفظ " النفاثات " لأن معظم السحرة كن من النساء .ويصح أن يكون النفاثات صفة للنفوس التى تفعل ذلك ، فيكون هذا اللفظ شاملا للذكور والإِناث .وقيل المراد بالنفاثات فى العقد : النمامون الذين يسعون بين الناس والفساد ، فيقطعون بما أمر الله به أن يوصل . . وعلى ذلك تكون فى " النفاثة " للمبالغة كعلامة وفهامة ، وليست للتأنيث .أى : وقل - أيضا - أستجير بالله - تعالى - من شرور السحرة والنمامين ، ومن كل الذين يفسدون فى الأرض ولا يصلحون .

الفلق 113:5

ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بقوله : ( وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ ) أى إذا ظهر ما فى نفسه من الحسد وعمل بمقتضاه بترتيب مقدمات الشر ، ومبادى الأضرار بالمحسود قولا وفعلا ..وقد نهى النبى صلى الله عليه وسلم عن الحسد فى أحاديث كثيرة منها قوله : " لا تباغضوا ولا تحاسدوا . . " .ومنها قوله : " إياكم والحسد فإنه يأكل الحسنات ، كما تأكل النار الحطب " .هذا ، وقد تكلم العلماء كلاما طويلا عند تفسيرهم لقوله - تعالى - : ( وَمِن شَرِّ النفاثات فِي العقد ) عن السحر ، فمنهم من ذهب إلى أنه لا حقيقة له وإنما هو تخييل وتمويه . .وجمهورهم على إثباته ، وأن له آثارا حقيقية ، وأن الساحر قد يأتى بأشياء غير عادية ، إلا أن الفاعل الحقيقى فى كل ذلك هو الله - تعالى - .وقد بسطنا القول فى هذه المسألة عند تفسيرنا لقوله - تعالى - فى سورة البقرة : ( واتبعوا مَا تَتْلُواْ الشياطين على مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ ولكن الشياطين كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ الناس السحر . . . ) نسأل الله - تعالى - أن يعيذنا من شرار خلقه . .وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم . .

الناس 114:1

أى : قل - أيها الرسول الكريم - أعوذ وألتجئ وأعتصم " برب الناس " أى : بمربيهم ومصلح أمورهم ، وراعى شئونهم . . إذ الرب هو الذى يقوم بتدبير أمر غيره ، وإصلاح حاله . .

الناس 114:2

( مَلِكِ الناس ) أى المالك لأمرهم ملكا تاما . والمتصرف فى شئونهم تصراف كاملا . .

الناس 114:3

( إله الناس ) أى : الذى يدين له الناس بالعبودية والخضوع والطاعة لأنه هو وحده الذى خلقهم وأوجدهم فى هذه الحياة ، وأسبغ عليهم من النعم ما لا يحصى . .وبدأ - سبحانه - بإضافة الناس إلى ربهم ، لأن الربوبية من أوائل نعم الله - تعالى - على عباده ، وثنى بذكر المالك ، لأنه إنما يدرك ذلك بعد أن يصير عاقلا مدركا ، وختم بالإِضافة إلى الألوهية ، لأن الإِنسان بعد أن يدرك ويتعلم ، يدرك أن المستحق للعبادة هو الله رب العالمين .قال الجمل : وقد وقع ترتيب هذه الإِضافات على الوجه الأكمل ، الدال على الوحدانية ، لأن من رأى ما عليه من النعم الظاهرة والباطنة ، علم أن له مربيا ، فإذا درج فى العروج . .علم أنه - تعالى - غنى عن الكل ، والكل راجع إليه ، وعن أمره تجرى أمورهم ، فيعلم أنه ملكهم ، ثم يعلم بانفراده بتدبيرهم بعد إبداعهم ، أنه المستحق للألوهية بلا مشارك فيها . .وإنما خصت هذه الصفات بالإضافة إلى الناس - مع أنه - سبحانه - رب كل شئ - على سبيل التشريف لجنس الإِنسان ، ولأن الناس هم الذين أخطأوا فى حقه - تعالى - ، إذ منهم من عبد الأصنام ، ومنهم من عبد النار ، ومنهم من عبد الشمس إلى غير ذلك من المبعودات الباطلة التى هى مخلوقاتة له - تعالى - .قال صاحب الكشاف : فإن قلت : لم قيل : " برب الناس " مضافا إليهم خاصة . قلت : لأن الاستعاذة وقعت من شر الموسوس فى صدور الناس . فكأنه قيل : أعوذ من شر الموسوس إلى الناس بربهم ، الذى يملك عليهم أمورهم ، كما يستغيث بعض الموالى إذا اعتراهم خطب بسيدهم ومخدومهم ووالى أمرهم .فإن قلت : " ملك الناس . إله الناس " ما هما من رب الناس؟ قلت : هما عطفا بيان ، كقولك : سيرة أبى حفص عمر الفاروق . بين بملك الناس ، ثم زيد بيانا بإله الناس . .فإن قلت : فهلا اكتفى بإظهار المضاف إليه الذى هو الناس مرة واحدة؟ قلت : أظهر المضاف إليه الذى هو الناس لأن عطف البيان للبيان ، فكان مظنة للإِظهار دون الإِضمار . .

الناس 114:4

وقوله - سبحانه - : ( مِن شَرِّ الوسواس الخناس ) متعلق بقوله ( أَعُوذُ ) .والوسواس : اسم للوسوسة وهى الصوت الخفى ، والمصدر الوِسْوَاس - بالكسر - ، والمراد به هنا : الوصف . من باب إطلاق اسم المصدر على الفاعل ، أو هو وصف مثل : الثرثار .و " الخناس " صيغة مبالغة من الخنوس ، وهو الرجوع والتأخر ، والمراد به : الذى يلقى فى نفس الإِنسان أحاديث السوء .

الناس 114:5

وقوله : ( الذى يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ الناس ) صفة لهذا الوسواس الخناس وزيادة توضيح له . .

الناس 114:6

وقوله : ( مِنَ الجنة والناس ) زيادة بيان للذى يوسوس فى صدور الناس ، وأن الوسوسة بالسوء تأتى من نوعين من المخلوقات : تأتى من الشياطين المعبر عنهم بالجِنّةِ . . وتأتى من الناس .وقدم - سبحانه - الجِنَّة على الناس ، لأنهم هم أصل الوسواس ، إذ أنهم مختفون عنا ، ولا نراهم ، كما قال - تعالى - : ( إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ ) فلفظ الجِنَّة - بكسر الجيم - مأخوذ من الجَنِّ - بفتح الجيم - على معنى الخفاء والاستتار .والمعنى : قل - أيها الرسول الكريم - أعوذ وأعتصم وأستجير ، برب الناس ، ومالكهم ومعبودهم الحق ، من شر الشيطان الموسوس بالشر ، والذى يخنس ويتأخر ويندحر ، إذا ما تيقظ له الإِنسان ، واستعان عليه بذكر الله - تعالى - .والذى من صفاته - أيضا - أنه يوسوس فى صدور الناس بالسوء والفحشاء ، حيث يلقى فيها خفية ، ما يضلها عن طريق الهدى والرشاد .وهذا الوسواس الخناس ، قد يكون من الجن ، وقد يكون من الإِنس ، فعليك - أيها الرسول الكريم - أن تستعيذ بالله - تعالى - من شر النوعين جميعا .قال - تعالى - : ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإنس والجن يُوحِي بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القول غُرُوراً . . . ) قال قتادة : إن من الجن شياطين ، وإن من الإِنس شيطاطين ، فنعوذ بالله من شياطين الإِنس والجن .وقال الإِمام ابن كثير : هذه ثلاث صفات من صفات الله - عز وجل - الربوبية ، والملك ، والألوهية .فهو رب كل شئ ومليكه وإله ، فميع الأشياء مخلوقة له . . فأمر سبحانه - المستعيذ أن يتعوذ بالمتصف بهذه الصفات ، من شر الوسواس الخناس ، وهو الشيطان الموكل بالإِنسان ، فإنه ما من أحد من بنى آدم ، إلا وله قرين يزين له الفواحش . . والمعصوم من عمصه الله .وقد ثبت فى الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " " ما منكم من أحد إلا قد وكل به قرينه " قالوا : وأنت يا رسول الله؟ قال : " نعم ، إلا أن الله - تعالى - أعاننى عليه فأسلم ، فلا يأمرنى إلا بخير " " .ومن الأحاديث التى وردت فى فضل هذه السور الثلاث : الإِخلاص والمعوذتين ، ما أخرجه البخارى عن عائشة - رضى الله عنها - " أن النبى صلى الله عليه وسلم كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة ، جمع كفيه ثم ينفث فيهما فيقرأ هذه السور ، فم يمسح بهما ما استطاع من جسده ، ويبدأ بها على رأسه ووجهه ، وما أقبل من جسده ، يفعل ذلك ثلاث مرات " .