Lafzullah

Tefsîru's-Sa'dî — Teysîru'l-Kerîmi'r-Rahmân (blok edisyonu, ayrı tahrir) — البقرة 2:186 – آل عمران 3:53

المؤلف / المصدر: Tafsir As-Saadi

المحتويات
  1. البقرة 2:186
  2. البقرة 2:187
  3. البقرة 2:188
  4. البقرة 2:189
  5. البقرة 2:190
  6. البقرة 2:191
  7. البقرة 2:192
  8. البقرة 2:193
  9. البقرة 2:194
  10. البقرة 2:195
  11. البقرة 2:196
  12. البقرة 2:197
  13. البقرة 2:198
  14. البقرة 2:199
  15. البقرة 2:200
  16. البقرة 2:201
  17. البقرة 2:202
  18. البقرة 2:203
  19. البقرة 2:204
  20. البقرة 2:205
  21. البقرة 2:206
  22. البقرة 2:207
  23. البقرة 2:208
  24. البقرة 2:209
  25. البقرة 2:210
  26. البقرة 2:211
  27. البقرة 2:212
  28. البقرة 2:213
  29. البقرة 2:214
  30. البقرة 2:215
  31. البقرة 2:216
  32. البقرة 2:217
  33. البقرة 2:218
  34. البقرة 2:219
  35. البقرة 2:220
  36. البقرة 2:221
  37. البقرة 2:222
  38. البقرة 2:223
  39. البقرة 2:224
  40. البقرة 2:225
  41. البقرة 2:226
  42. البقرة 2:227
  43. البقرة 2:228
  44. البقرة 2:229
  45. البقرة 2:230
  46. البقرة 2:231
  47. البقرة 2:232
  48. البقرة 2:233
  49. البقرة 2:234
  50. البقرة 2:235
  51. البقرة 2:236
  52. البقرة 2:237
  53. البقرة 2:238
  54. البقرة 2:239
  55. البقرة 2:240
  56. البقرة 2:241
  57. البقرة 2:242
  58. البقرة 2:243
  59. البقرة 2:244
  60. البقرة 2:245
  61. البقرة 2:246
  62. البقرة 2:247
  63. البقرة 2:248
  64. البقرة 2:249
  65. البقرة 2:250
  66. البقرة 2:251
  67. البقرة 2:252
  68. البقرة 2:253
  69. البقرة 2:254
  70. البقرة 2:255
  71. البقرة 2:256
  72. البقرة 2:257
  73. البقرة 2:258
  74. البقرة 2:259
  75. البقرة 2:260
  76. البقرة 2:261
  77. البقرة 2:262
  78. البقرة 2:263
  79. البقرة 2:264
  80. البقرة 2:265
  81. البقرة 2:266
  82. البقرة 2:267
  83. البقرة 2:268
  84. البقرة 2:269
  85. البقرة 2:270
  86. البقرة 2:271
  87. البقرة 2:272
  88. البقرة 2:273
  89. البقرة 2:274
  90. البقرة 2:275
  91. البقرة 2:276
  92. البقرة 2:277
  93. البقرة 2:278
  94. البقرة 2:279
  95. البقرة 2:280
  96. البقرة 2:281
  97. البقرة 2:282
  98. البقرة 2:283
  99. البقرة 2:284
  100. البقرة 2:285
  101. البقرة 2:286
  102. آل عمران 3:1
  103. آل عمران 3:2
  104. آل عمران 3:3
  105. آل عمران 3:4
  106. آل عمران 3:5
  107. آل عمران 3:6
  108. آل عمران 3:7
  109. آل عمران 3:8
  110. آل عمران 3:9
  111. آل عمران 3:10
  112. آل عمران 3:11
  113. آل عمران 3:12
  114. آل عمران 3:13
  115. آل عمران 3:14
  116. آل عمران 3:15
  117. آل عمران 3:16
  118. آل عمران 3:17
  119. آل عمران 3:18
  120. آل عمران 3:19
  121. آل عمران 3:20
  122. آل عمران 3:21
  123. آل عمران 3:22
  124. آل عمران 3:23
  125. آل عمران 3:24
  126. آل عمران 3:25
  127. آل عمران 3:26
  128. آل عمران 3:27
  129. آل عمران 3:28
  130. آل عمران 3:29
  131. آل عمران 3:30
  132. آل عمران 3:31
  133. آل عمران 3:32
  134. آل عمران 3:33
  135. آل عمران 3:34
  136. آل عمران 3:35
  137. آل عمران 3:36
  138. آل عمران 3:37
  139. آل عمران 3:38
  140. آل عمران 3:39
  141. آل عمران 3:40
  142. آل عمران 3:41
  143. آل عمران 3:42
  144. آل عمران 3:43
  145. آل عمران 3:44
  146. آل عمران 3:45
  147. آل عمران 3:46
  148. آل عمران 3:47
  149. آل عمران 3:48
  150. آل عمران 3:49
  151. آل عمران 3:50
  152. آل عمران 3:51
  153. آل عمران 3:52
  154. آل عمران 3:53

البقرة 2:186

{186} هذا جواب سؤال. سأل النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - بعضُ أصحابه فقالوا: يا رسول الله، أقريب ربنا فنناجيه، أم بعيد فنناديه؟ فنزل {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب}؛ لأنه تعالى الرقيب الشهيد المطلع على السر وأخفى يعلم خائنةَ الأعين وما تخفي الصدور فهو قريب أيضاً من داعيه بالإجابة، ولهذا قال:{أجيب دعوة الداع إذا دعان}؛ والدعاء نوعان: دعاء عبادة، ودعاء مسألة. والقرب نوعان: قرب بعلمه من كل خلقه، وقرب من عابديه وداعيه بالإجابة والمعونة والتوفيق. فمن دعا ربه بقلب حاضر ودعاء مشروع ولم يمنع مانع من إجابة الدعاء كأكل الحرام ونحوه فإن الله قد وعده بالإجابة، وخصوصاً إذا أتى بأسباب إجابة الدعاء وهي الاستجابة لله تعالى بالانقياد لأوامره ونواهيه القولية والفعلية والإيمان به الموجب للاستجابة، فلهذا قال:{فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون}؛ أي: يحصل لهم الرشد الذي هو الهداية للإيمان والأعمال الصالحة ويزول عنهم الغي المنافي للإيمان والأعمال الصالحة، ولأن الإيمان بالله والاستجابة لأمره سبب لحصول العلم كما قال تعالى:{يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقاناً}. ثم قال تعالى:

البقرة 2:187

{187} كان في أول فرض الصيام يحرم على المسلمين الأكل والشرب والجماع في الليل بعد النوم ، فحصلت المشقة لبعضهم، فخفف الله تعالى عنهم ذلك وأباح في ليالي الصيام كلها الأكل والشرب والجماع، سواء نام أو لم ينم، لكونهم يختانون أنفسهم بترك بعض ما أمروا به، {فتاب}؛ الله {عليكم}؛ بأن وسع لكم أمراً كان لولا توسعته موجباً للإثم، {وعفا عنكم}؛ ما سلف من التخون {فالآن}؛ بعد هذه الرخصة والسعة من الله {باشروهن}؛ وطئاً وقبلة ولمساً وغير ذلك {وابتغوا ما كتب الله لكم}؛ أي: انووا في مباشرتكم لزوجاتكم التقرب إلى الله تعالى، والمقصود الأعظم من الوطء، وهو حصول الذرية وإعفاف فرجه وفرج زوجته، وحصول مقاصد النكاح، ومما كتب الله لكم ليلة القدر الموافقة لليالي صيام رمضان، فلا ينبغي لكم أن تشتغلوا بهذه اللذة عنها وتضيعوها، فاللذة مدركة وليلة القدر إذا فاتت لم تدرك. {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر}؛ هذا غاية للأكل والشرب والجماع، وفيه أنه إذا أكل ونحوه شاكًّا في طلوع الفجر فلا بأس عليه، وفيه دليل على استحباب السحور للأمر، وأنه يستحب تأخيره، أخذاً من معنى رخصة الله وتسهيله على العباد، وفيه أيضاً دليل على أنه يجوز أن يدركه الفجر وهو جنب من الجماع قبل أن يغتسل، ويصح صيامه لأن لازم إباحة الجماع إلى طلوع الفجر، أن يدركه الفجر وهو جنب، ولازم الحق حق {ثم}؛ إذا طلع الفجر {أتموا الصيام}؛ أي: الإمساك عن المفطرات {إلى الليل}؛ وهو غروب الشمس، ولما كان إباحة الوطء في ليالي الصيام ليست إباحة عامة لكل أحد، فإن المعتكف لا يحل له ذلك استثناه بقوله:{ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد}؛ أي: وأنتم متصفون بذلك. ودلت الآية على مشروعية الاعتكاف وهو لزوم المسجد لطاعة الله تعالى وانقطاعاً إليه، وأن الاعتكاف لا يصح إلا في مسجدٍ، ويستفاد من تعريف المساجد أنها المساجد المعروفة عندهم، وهي التي تقام فيها الصلوات الخمس، وفيه أن الوطء من مفسدات الاعتكاف. تلك المذكورات وهو تحريم الأكل والشرب والجماع، ونحوه من المفطرات في الصيام، وتحريم الفطر على غير المعذور، وتحريم الوطء على المعتكف، ونحو ذلك من المحرمات {حدود الله}؛ التي حدها لعباده ونهاهم عنها فقال:{فلا تقربوها}؛ أبلغ من قوله فلا تفعلوها؛ لأن القربان يشمل النهي عن فعل المحرم بنفسه، والنهي عن وسائله الموصلة إليه. والعبد مأمور بترك المحرمات والبعد منها غاية ما يمكنه، وترك كل سبب يدعو إليها، وأما الأوامر فيقول الله فيها تلك حدود الله فلا تعتدوها فينهى عن مجاوزتها {كذلك}؛ أي: بيَّن الله لعباده الأحكام السابقة أتم تبيين وأوضحها لهم أكمل إيضاح {يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون}؛ فإنهم إذا بان لهم الحق اتبعوه، وإذا تبين لهم الباطل اجتنبوه، فإن الإنسان قد يفعل المحرم، على وجه الجهل بأنه محرم ولو علم تحريمه لم يفعله، فإذا بين الله للناس آياته؛ لم يبق لهم عذر ولا حجة، فكان ذلك سبباً للتقوى.

البقرة 2:188

{188} أي: ولا تأخذوا أموالكم أي أموال غيركم، أضافه إليهم لأنه ينبغي للمسلم أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، ويحترم ماله كما يحترم ماله، ولأن أكله لمال غيره يجرئ غيره على أكل ماله عند القدرة، ولما كان أكلها نوعين: نوعاً بحقٍّ ونوعاً بباطل، وكان المحرم إنما هو أكلها بالباطل قيده تعالى بذلك، ويدخل بذلك أكلها على وجه الغصب والسرقة والخيانة في وديعة أو عارية أو نحو ذلك، ويدخل فيه أيضاً أخذها على وجه المعاوضة بمعاوضة محرمة، كعقود الربا والقمار كلها فإنها من أكل المال بالباطل، لأنه ليس في مقابلة عوض مباح، ويدخل في ذلك أخذها بسبب غش في البيع والشراء والإجارة ونحوها، ويدخل في ذلك استعمال الأجراء وأكل أجرتهم، وكذلك أخذهم أجرة على عمل لم يقوموا بواجبه، ويدخل في ذلك أخذ الأجرة على العبادات والقربات التي لا تصح حتى يقصد بها وجه الله تعالى، ويدخل في ذلك الأخذ من الزكوات والصدقات والأوقاف والوصايا، لمن ليس له حق منها أو فوق حقه، فكل هذا ونحوه من أكل المال بالباطل، فلا يحل ذلك بوجه من الوجوه حتى ولو حصل فيه النزاع والارتفاع إلى حاكم الشرع، وأدلى من يريد أكلها بالباطل بحجة غلبت حجة المحق، وحكم له الحاكم بذلك، فإن حكم الحاكم لا يبيح محرماً ولا يحلل حراماً، إنما يحكم على نحو مما يسمع، وإلا فحقائق الأمور باقية، فليس في حكم الحاكم للمبطل راحة ولا شبهة ولا استراحة، فمن أدلى إلى الحاكم بحجة باطلة، وحكم له بذلك فإنه لا يحل له، ويكون آكلاً لمال غيره بالباطل والإثم، وهو عالم بذلك فيكون أبلغ في عقوبته وأشد في نكاله. وعلى هذا؛ فالوكيل إذا علم أن موكله مبطل في دعواه لم يحل له أن يخاصم عن الخائن كما قال تعالى:{ولا تكن للخائنين خصيماً}.

البقرة 2:189

{189} فقوله تعالى: {يسألونك عن الأهلة}؛ ـ جمع هلال ـ ما فائدتها وحكمتها أو عن ذاتها {قل هي مواقيت للناس}؛ أي: جعلها الله تعالى بلطفه ورحمته على هذا التدبير، يبدو الهلال ضعيفاً في أول الشهر، ثم يتزايد إلى نصفه، ثم يشرع في النقص إلى كماله، وهكذا ليعرف الناس بذلك مواقيت عباداتهم؛ من الصيام وأوقات الزكاة والكفارات وأوقات الحج، ولما كان الحج يقع في أشهر معلومات، ويستغرق أوقاتاً كثيرة قال:{والحج}؛ وكذلك تعرف بذلك أوقات الديون المؤجلات، ومدة الإجارات ومدة العدد والحمل، وغير ذلك مما هو من حاجات الخلق، فجعله تعالى حساباً يعرفه كل أحد من صغير وكبير وعالم وجاهل، فلو كان الحساب بالسنة الشمسية لم يعرفه إلا النادر من الناس. {وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها}؛ وهذا كما كان الأنصار وغيرهم من العرب إذا أحرموا لم يدخلوا البيوت من أبوابها؛ تعبداً بذلك وظنًّا أنه برٌّ، فأخبر تعالى أنه ليس من البرِّ ؛ لأن الله تعالى لم يشرعه لهم، وكل من تعبد بعبادة لم يشرعها الله ولا رسوله فهو متعبد ببدعة، وأمرهم أن يأتوا البيوت من أبوابها؛ لما فيه من السهولة عليهم التي هي قاعدة من قواعد الشرع. ويستفاد من إشارة الآية أنه ينبغي في كل أمر من الأمور أن يأتيه الإنسان من الطريق السهل القريب الذي قد جعل له موصلاً، فالآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، ينبغي أن ينظر في حالة المأمور، ويستعمل معه الرفق والسياسة التي بها يحصل المقصود أو بعضه، والمتعلم والمعلم ينبغي أن يسلك أقرب طريق وأسهله يحصل به مقصوده، وهكذا كل من حاول أمراً من الأمور، وأتاه من أبوابه، وثابر عليه فلا بد أن يحصل له المقصود بعون الملك المعبود. {واتقوا الله}؛ هذا هو البرُّ الذي أمر الله به، وهو لزوم تقواه على الدوام بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، فإنه سبب للفلاح الذي هو الفوز بالمطلوب والنجاة من المرهوب، فمن لم يتق الله تعالى لم يكن له سبيل إلى الفلاح، ومن اتقاه فاز بالفلاح والنجاح.

البقرة 2:190

{190} هذه الآيات تتضمن الأمر بالقتال في سبيل الله، وهذا كان بعد الهجرة إلى المدينة، لَمَّا قَوِيَ المسلمون للقتال أمرهم الله به بعدما كانوا مأمورين بكفِّ أيديهم، وفي تخصيص القتال {في سبيل الله}؛ حث على الإخلاص ونهيٌ عن الاقتتال في الفتن بين المسلمين، {الذين يقاتلونكم}؛ أي: الذين هم مستعدون لقتالكم، وهم المكلفون الرجال غير الشيوخ الذين لا رأي لهم ولا قتال. والنهي عن الاعتداء يشمل أنواع الاعتداء كلها من قتل من لا يقاتل من النساء والمجانين والأطفال والرهبان ونحوهم، والتمثيل بالقتلى وقتل الحيوانات وقطع الأشجار ونحوها، لغير مصلحة تعود للمسلمين، ومن الاعتداء مقاتلة من تقبل منهم الجزية، إذا بذلوها فإن ذلك لا يجوز. {191 ـ 192}{واقتلوهم حيث ثقفتموهم}؛ هذا أمر بقتالهم أينما وجدوا في كل وقت وفي كل زمان قتال مدافعة وقتال مهاجمة، ثم استثنى من هذا العموم قتالهم {عند المسجد الحرام}؛ وأنه لا يجوز إلا أن يَبْدَؤوا بالقتال فإنهم يُقَاتَلُون جزاء لهم على اعتدائهم، وهذا مستمر في كل وقت حتى ينتهوا عن كفرهم فيسلموا، فإن الله يتوب عليهم ولو حصل منهم ما حصل من الكفر بالله والشرك في المسجد الحرام وصد الرسول والمؤمنين عنه، وهذا من رحمته وكرمه بعباده. ولما كان القتال عند المسجد الحرام يتوهم أنه مفسدة في هذا البلد الحرام أخبر تعالى أن المفسدة بالفتنة عنده بالشرك والصد عن دينه أشد من مفسدة القتل، فليس عليكم أيها المسلمون حرج في قتالهم. ويستدل في هذه الآية على القاعدة المشهورة وهي أنه يرتكب أخف المفسدتين لدفع أعلاهما. {193} ثم ذكر تعالى المقصود من القتال في سبيله، وأنه ليس المقصود به سفك دماء الكفار وأخذ أموالهم، ولكن المقصود به أن {يكون الدين لله} تعالى، فيظهر دين الله تعالى على سائر الأديان، ويدفع كل ما يعارضه من الشرك وغيره وهو المراد بالفتنة، فإذا حصل هذا المقصود فلا قتل ولا قتال. {فإن انتهوا}؛ عن قتالكم عند المسجد الحرام، {فلا عدوان إلا على الظالمين}؛ أي: فليس عليهم منكم اعتداء إلا من ظلم منهم؛ فإنه يستحق المعاقبة بقدر ظلمه.

البقرة 2:191

{190} هذه الآيات تتضمن الأمر بالقتال في سبيل الله، وهذا كان بعد الهجرة إلى المدينة، لَمَّا قَوِيَ المسلمون للقتال أمرهم الله به بعدما كانوا مأمورين بكفِّ أيديهم، وفي تخصيص القتال {في سبيل الله}؛ حث على الإخلاص ونهيٌ عن الاقتتال في الفتن بين المسلمين، {الذين يقاتلونكم}؛ أي: الذين هم مستعدون لقتالكم، وهم المكلفون الرجال غير الشيوخ الذين لا رأي لهم ولا قتال. والنهي عن الاعتداء يشمل أنواع الاعتداء كلها من قتل من لا يقاتل من النساء والمجانين والأطفال والرهبان ونحوهم، والتمثيل بالقتلى وقتل الحيوانات وقطع الأشجار ونحوها، لغير مصلحة تعود للمسلمين، ومن الاعتداء مقاتلة من تقبل منهم الجزية، إذا بذلوها فإن ذلك لا يجوز. {191 ـ 192}{واقتلوهم حيث ثقفتموهم}؛ هذا أمر بقتالهم أينما وجدوا في كل وقت وفي كل زمان قتال مدافعة وقتال مهاجمة، ثم استثنى من هذا العموم قتالهم {عند المسجد الحرام}؛ وأنه لا يجوز إلا أن يَبْدَؤوا بالقتال فإنهم يُقَاتَلُون جزاء لهم على اعتدائهم، وهذا مستمر في كل وقت حتى ينتهوا عن كفرهم فيسلموا، فإن الله يتوب عليهم ولو حصل منهم ما حصل من الكفر بالله والشرك في المسجد الحرام وصد الرسول والمؤمنين عنه، وهذا من رحمته وكرمه بعباده. ولما كان القتال عند المسجد الحرام يتوهم أنه مفسدة في هذا البلد الحرام أخبر تعالى أن المفسدة بالفتنة عنده بالشرك والصد عن دينه أشد من مفسدة القتل، فليس عليكم أيها المسلمون حرج في قتالهم. ويستدل في هذه الآية على القاعدة المشهورة وهي أنه يرتكب أخف المفسدتين لدفع أعلاهما. {193} ثم ذكر تعالى المقصود من القتال في سبيله، وأنه ليس المقصود به سفك دماء الكفار وأخذ أموالهم، ولكن المقصود به أن {يكون الدين لله} تعالى، فيظهر دين الله تعالى على سائر الأديان، ويدفع كل ما يعارضه من الشرك وغيره وهو المراد بالفتنة، فإذا حصل هذا المقصود فلا قتل ولا قتال. {فإن انتهوا}؛ عن قتالكم عند المسجد الحرام، {فلا عدوان إلا على الظالمين}؛ أي: فليس عليهم منكم اعتداء إلا من ظلم منهم؛ فإنه يستحق المعاقبة بقدر ظلمه.

البقرة 2:192

{190} هذه الآيات تتضمن الأمر بالقتال في سبيل الله، وهذا كان بعد الهجرة إلى المدينة، لَمَّا قَوِيَ المسلمون للقتال أمرهم الله به بعدما كانوا مأمورين بكفِّ أيديهم، وفي تخصيص القتال {في سبيل الله}؛ حث على الإخلاص ونهيٌ عن الاقتتال في الفتن بين المسلمين، {الذين يقاتلونكم}؛ أي: الذين هم مستعدون لقتالكم، وهم المكلفون الرجال غير الشيوخ الذين لا رأي لهم ولا قتال. والنهي عن الاعتداء يشمل أنواع الاعتداء كلها من قتل من لا يقاتل من النساء والمجانين والأطفال والرهبان ونحوهم، والتمثيل بالقتلى وقتل الحيوانات وقطع الأشجار ونحوها، لغير مصلحة تعود للمسلمين، ومن الاعتداء مقاتلة من تقبل منهم الجزية، إذا بذلوها فإن ذلك لا يجوز. {191 ـ 192}{واقتلوهم حيث ثقفتموهم}؛ هذا أمر بقتالهم أينما وجدوا في كل وقت وفي كل زمان قتال مدافعة وقتال مهاجمة، ثم استثنى من هذا العموم قتالهم {عند المسجد الحرام}؛ وأنه لا يجوز إلا أن يَبْدَؤوا بالقتال فإنهم يُقَاتَلُون جزاء لهم على اعتدائهم، وهذا مستمر في كل وقت حتى ينتهوا عن كفرهم فيسلموا، فإن الله يتوب عليهم ولو حصل منهم ما حصل من الكفر بالله والشرك في المسجد الحرام وصد الرسول والمؤمنين عنه، وهذا من رحمته وكرمه بعباده. ولما كان القتال عند المسجد الحرام يتوهم أنه مفسدة في هذا البلد الحرام أخبر تعالى أن المفسدة بالفتنة عنده بالشرك والصد عن دينه أشد من مفسدة القتل، فليس عليكم أيها المسلمون حرج في قتالهم. ويستدل في هذه الآية على القاعدة المشهورة وهي أنه يرتكب أخف المفسدتين لدفع أعلاهما. {193} ثم ذكر تعالى المقصود من القتال في سبيله، وأنه ليس المقصود به سفك دماء الكفار وأخذ أموالهم، ولكن المقصود به أن {يكون الدين لله} تعالى، فيظهر دين الله تعالى على سائر الأديان، ويدفع كل ما يعارضه من الشرك وغيره وهو المراد بالفتنة، فإذا حصل هذا المقصود فلا قتل ولا قتال. {فإن انتهوا}؛ عن قتالكم عند المسجد الحرام، {فلا عدوان إلا على الظالمين}؛ أي: فليس عليهم منكم اعتداء إلا من ظلم منهم؛ فإنه يستحق المعاقبة بقدر ظلمه.

البقرة 2:193

{190} هذه الآيات تتضمن الأمر بالقتال في سبيل الله، وهذا كان بعد الهجرة إلى المدينة، لَمَّا قَوِيَ المسلمون للقتال أمرهم الله به بعدما كانوا مأمورين بكفِّ أيديهم، وفي تخصيص القتال {في سبيل الله}؛ حث على الإخلاص ونهيٌ عن الاقتتال في الفتن بين المسلمين، {الذين يقاتلونكم}؛ أي: الذين هم مستعدون لقتالكم، وهم المكلفون الرجال غير الشيوخ الذين لا رأي لهم ولا قتال. والنهي عن الاعتداء يشمل أنواع الاعتداء كلها من قتل من لا يقاتل من النساء والمجانين والأطفال والرهبان ونحوهم، والتمثيل بالقتلى وقتل الحيوانات وقطع الأشجار ونحوها، لغير مصلحة تعود للمسلمين، ومن الاعتداء مقاتلة من تقبل منهم الجزية، إذا بذلوها فإن ذلك لا يجوز. {191 ـ 192}{واقتلوهم حيث ثقفتموهم}؛ هذا أمر بقتالهم أينما وجدوا في كل وقت وفي كل زمان قتال مدافعة وقتال مهاجمة، ثم استثنى من هذا العموم قتالهم {عند المسجد الحرام}؛ وأنه لا يجوز إلا أن يَبْدَؤوا بالقتال فإنهم يُقَاتَلُون جزاء لهم على اعتدائهم، وهذا مستمر في كل وقت حتى ينتهوا عن كفرهم فيسلموا، فإن الله يتوب عليهم ولو حصل منهم ما حصل من الكفر بالله والشرك في المسجد الحرام وصد الرسول والمؤمنين عنه، وهذا من رحمته وكرمه بعباده. ولما كان القتال عند المسجد الحرام يتوهم أنه مفسدة في هذا البلد الحرام أخبر تعالى أن المفسدة بالفتنة عنده بالشرك والصد عن دينه أشد من مفسدة القتل، فليس عليكم أيها المسلمون حرج في قتالهم. ويستدل في هذه الآية على القاعدة المشهورة وهي أنه يرتكب أخف المفسدتين لدفع أعلاهما. {193} ثم ذكر تعالى المقصود من القتال في سبيله، وأنه ليس المقصود به سفك دماء الكفار وأخذ أموالهم، ولكن المقصود به أن {يكون الدين لله} تعالى، فيظهر دين الله تعالى على سائر الأديان، ويدفع كل ما يعارضه من الشرك وغيره وهو المراد بالفتنة، فإذا حصل هذا المقصود فلا قتل ولا قتال. {فإن انتهوا}؛ عن قتالكم عند المسجد الحرام، {فلا عدوان إلا على الظالمين}؛ أي: فليس عليهم منكم اعتداء إلا من ظلم منهم؛ فإنه يستحق المعاقبة بقدر ظلمه.

البقرة 2:194

{194} يقول تعالى: {الشهر الحرام بالشهر الحرام} يحتمل أن يكون المراد به ما وقع من صد المشركين للنبي - صلى الله عليه وسلم -، وأصحابه عام الحديبية عن الدخول لمكة وقاضوهم على دخولها من قابل، وكان الصد والقضاء في شهر حرام وهو ذو القعدة فيكون هذا بهذا، فيكون فيه تطييب لقلوب الصحابة بتمام نسكهم وكماله، ويحتمل أن يكون المعنى أنكم إن قاتلتموهم في الشهر الحرام، فقد قاتلوكم فيه وهم المعتدون، فليس عليكم في ذلك حرج، وعلى هذا فيكون قوله:{والحرمات قصاص}؛ من باب عطف العام على الخاص، أي كل شيء يحترم من شهر حرام أو بلد حرام أو إحرام، أو ما هو أعم من ذلك جميع ما أمر الشرع باحترامه، فمن تجرأ عليها فإنه يقتص منه: فمن قاتل في الشهر الحرام قوتل، ومن هتك البلد الحرام أخذ منه الحد ولم يكن له حرمة، ومن قتل مكافئاً له قتل به، ومن جرحه، أو قطع عضواً منه اقتص منه، ومن أخذ مال غيره المحترم؛ أخذ منه بدله، ولكن هل لصاحب الحق أن يأخذ من ماله بقدر حقه أم لا؟ خلاف بين العلماء، الراجح من ذلك أنه إن كان سبب الحق ظاهراً كالضيف إذا لم يقره غيره، والزوجة والقريب إذا امتنع من تجب عليه، النفقة من الإنفاق عليه، فإنه يجوز أخذه من ماله، وإن كان السبب خفيًّا كمن جحد دَيْن غيره أو خانه في وديعة أو سرق منه ونحو ذلك، فإنه لا يجوز له أن يأخذ من ماله مقابلة له جمعاً بين الأدلة، ولهذا قال تعالى توكيداً وتقوية لما تقدم:{فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم}؛ هذا تفسير لصفة المقاصة وأنها هي المماثلة في مقابلة المعتدي. ولما كانت النفوس ـ في الغالب ـ لا تقف على حدها إذا رخص لها في المعاقبة لطلبها التشفي أمر تعالى بلزوم تقواه التي هي الوقوف عند حدوده وعدم تجاوزها وأخبر تعالى أنه {مع المتقين}؛ أي: بالعون والنصر والتأييد والتوفيق، ومن كان الله معه حصل له السعادة الأبدية، ومن لم يلزم التقوى تخلى عنه وليه، وخذله فَوَكَلَه إلى نفسه، فصار هلاكه أقرب إليه من حبل الوريد.

البقرة 2:195

{195} يأمر تعالى عباده بالنفقة في سبيله، وهو إخراج الأموال في الطرق الموصلة إلى الله، وهي كل طرق الخير من صدقة على مسكين أو قريب أو إنفاق على من تجب مؤنته، وأعظم ذلك وأول ما دخل في ذلك الإنفاق في الجهاد في سبيل الله، فإن النفقة فيه جهاد بالمال وهو فرض كالجهاد بالبدن، وفيها من المصالح العظيمة الإعانة على تقوية المسلمين و [على] توهية الشرك وأهله وعلى إقامة دين الله وإعزازه، فالجهاد في سبيل الله، لا يقوم إلا على ساق النفقة، فالنفقة له كالروح لا يمكن وجوده بدونها، وفي ترك الإنفاق في سبيل الله إبطال للجهاد وتسليط للأعداء، وشدة تكالبهم، فيكون قوله تعالى:{ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة}؛ كالتعليل لذلك. والإلقاء باليد إلى التهلكة يرجع إلى أمرين: ترك ما أمر به العبد إذا كان تركه موجباً أو مقارباً لهلاك البدن أو الروح، وفعل ما هو سبب موصل إلى تلف النفس أو الروح فيدخل تحت ذلك أمور كثيرة، فمن ذلك ترك الجهاد في سبيل الله، أو النفقة فيه الموجب لتسلط الأعداء، ومن ذلك تغرير الإنسان بنفسه في مقاتلة أو سفر مخوف أو محل مسبعة أو حيات، أو يصعد شجراً أو بنياناً خطراً، أو يدخل تحت شيء فيه خطر ونحو ذلك، فهذا ونحوه ممن ألقى بيده إلى التهلكة، ومن ذلك الإقامة على معاصي الله واليأس من التوبة، ومنها ترك ما أمر الله به من الفرائض التي تركها هلاك للروح والدين. ولما كانت النفقة في سبيل الله نوعاً من أنواع الإحسان أمر بالإحسان عموماً فقال:{وأحسنوا إن الله يحب المحسنين}؛ وهذا يشمل جميع أنواع الإحسان لأنه لم يقيده بشيء دون شيء، فيدخل فيه الإحسان بالمال كما تقدم، ويدخل فيه الإحسان بالجاه بالشفاعات ونحو ذلك، ويدخل في ذلك الإحسان بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتعليم العلم النافع، ويدخل في ذلك قضاء حوائج الناس من تفريج كرباتهم، وإزالة شداتهم وعيادة مرضاهم وتشييع جنائزهم وإرشاد ضالهم وإعانة من يعمل عملاً، والعمل لمن لا يحسن العمل، ونحو ذلك مما هو من الإحسان الذي أمر الله به، ويدخل في الإحسان أيضاً الإحسان في عبادة الله تعالى، وهو كما ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك» ، فمن اتصف بهذه الصفات كان من الذين قال الله فيهم:{للذين أحسنوا الحسنى وزيادة}؛ وكان الله معه يسدده ويرشده ويعينه على كل أموره. ولما فرغ تعالى من ذكر أحكام الصيام والجهاد ذكر أحكام الحج فقال:

البقرة 2:196

{196} يستدل بقوله: {وأتموا الحج والعمرة}؛ على أمور: أحدها وجوب الحج والعمرة وفرضيتهما. الثاني وجوب إتمامهما بأركانهما وواجباتهما التي قد دل عليها فعل النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقوله:«خذوا عني مناسككم». الثالث أن فيه حجة لمن قال بوجوب العمرة. الرابع أن الحج والعمرة يجب إتمامهما بالشروع فيهما ولو كانا نفلاً. الخامس الأمر بإتقانهما وإحسانهما، وهذا قدر زائد على فعل ما يلزم لهما. السادس فيه الأمر بإخلاصهما {لله} تعالى. السابع أنه لا يخرج المحرم بهما بشيء من الأشياء حتى يكملهما، إلا بما استثناه الله وهو الحصر، فلهذا قال:{فإن أحصرتم}؛ أي: منعتم من الوصول إلى البيت لتكميلهما بمرض أو ضلالة أو عدو، ونحو ذلك من أنواع الحصر الذي هو المنع {فما استيسر من الهدي}؛ أي: فاذبحوا ما استيسر من الهدي وهو سبع بدنة أو سبع بقرة أو شاة يذبحها المحصر، ويحلق، ويحل من إحرامه بسبب الحصر كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأصحابه لما صدهم المشركون عام الحديبية ، فإن لم يجد الهدي فليصم بدله عشرة أيام كما في المتمتع ثم يحل. ثم قال تعالى:{ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهديُ محله}؛ وهذا من محظورات الإحرام إزالة الشعر بحلق أو غيره لأن المعنى واحد من الرأس أو من البدن، لأن المقصود من ذلك، حصول الشعث والمنع من الترفه بإزالته وهو موجود في بقية الشعر، وقاس كثير من العلماء على إزالة الشعر تقليم الأظفار بجامع الترفه، ويستمر المنع مما ذكر حتى يبلغ الهدي محله وهو يوم النحر، والأفضل أن يكون الحلق بعد النحر كما تدل عليه الآية. ويستدل بهذه الآية على أن المتمتع إذا ساق الهدي لم يتحلل من عمرته قبل يوم النحر، فإذا طاف وسعى للعمرة أحرم بالحج، ولم يكن له إحلال بسبب سوق الهدي، وإنما منع تبارك وتعالى من ذلك لما فيه من الذل والخضوع لله والانكسار له والتواضع الذي هو عين مصلحة العبد، وليس عليه في ذلك من ضرر؛ فإذا حصل الضرر بأن كان به أذى من مرض ينتفع بحلق رأسه له أو قروح أو قمل ونحو ذلك، فإنه يحل له أن يحلق رأسه، ولكن يكون عليه فدية من صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين ، أو نسك ما يجزي في أضحية فهو مخير، والنسك أفضل فالصدقة فالصيام، ومثل هذا، كل ما كان في معنى ذلك من تقليم الأظفار أو تغطية الرأس أو لبس المخيط أو الطيب؛ فإنه يجوز عند الضرورة مع وجوب الفدية المذكورة، لأن القصد من الجميع إزالة ما به يترفه. ثم قال تعالى:{فإذا أمنتم}؛ أي: بأن قدرتم على البيت من غير مانع عدو وغيره {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج}؛ بأن توصل بها إليه، وانتفع بتمتعه بعد الفراغ منها {فما استيسر من الهدي}؛ أي فعليه ما تيسر من الهدي، وهو ما يجزي في أضحية، وهذا دم نسك مقابلة لحصول النسكين له في سفرة واحدة، ولإنعام الله عليه بحصول الانتفاع بالمتعة بعد فراغ العمرة وقبل الشروع في الحج، ومثلها القِران لحصول النسكين له، ويدل مفهوم الآية على أن المفرد للحج ليس عليه هدي، ودلت الآية على جواز بل فضيلة المتعة وعلى جواز فعلها في أشهر الحج {فمن لم يجد}؛ أي الهدي أو ثمنه {فصيام ثلاثة أيام في الحج}؛ أول جوازها من حين الإحرام بالعمرة، وآخرها ثلاثة أيام بعد النحر، أيام رمي الجمار والمبيت بمنى، ولكن الأفضل منها أن يصوم السابع والثامن والتاسع {وسبعة إذا رجعتم}؛ أي: فرغتم من أعمال الحج، فيجوز فعلها في مكة، وفي الطريق، وعند وصوله إلى أهله. ذلك المذكور من وجوب الهدي على المتمتع {لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام}؛ بأن كان عنه مسافة قصر فأكثر أو بعيداً عنه عرفا، فهذا الذي يجب عليه الهدي لحصول النسكين له في سفر واحد، وأما من كان أهله من حاضري المسجد الحرام، فليس عليه هدي لعدم الموجب لذلك. {واتقوا الله}؛ أي: في جميع أموركم بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، ومن ذلك امتثالكم لهذه المأمورات واجتناب هذه المحظورات المذكورة في هذه الآية {واعلموا أن الله شديد العقاب}؛ أي: لمن عصاه، وهذا هو الموجب للتقوى، فإن من خاف عقاب الله؛ انكف عما يوجب العقاب، كما أن من رجا ثواب الله؛ عمل لما يوصله إلى الثواب، وأما من لم يخف العقاب، ولم يرج الثواب؛ اقتحم المحارم، وتجرأ على ترك الواجبات.

البقرة 2:197

{197} يخبر تعالى أن {الحج} واقع في {أشهر معلومات}؛ عند المخاطبين مشهورات بحيث لا تحتاج إلى تخصيص، كما احتاج الصيام إلى تعيين شهره، وكما بين تعالى أوقات الصلوات الخمس، وأما الحج فقد كان من ملة إبراهيم التي لم تزل مستمرة في ذريته معروفة بينهم. والمراد بالأشهر المعلومات عند الجمهور: شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة، فهي التي يقع فيها الإحرام بالحج غالباً {فمن فرض فيهن الحج}؛ أي: أحرم به، لأن الشروع فيه يصيره فرضاً، ولو كان نفلاً. واستدل بهذه الآية الشافعي ومن تابعه على أنه لا يجوز الإحرام بالحج قبل أشهره، قلت: لو قيل [أنّ] فيها دلالة لقول الجمهور بصحة الإحرام بالحج قبل أشهره لكان قريباً، فإن قوله:{فمن فرض فيهن الحج}؛ دليل على أن الفرض قد يقع في الأشهر المذكورة، وقد لا يقع فيها وإلا لم يقيده، وقوله:{فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج}؛ أي: يجب أن تعظموا الإحرام بالحج وخصوصاً الواقع في أشهره، وتصونوه عن كل ما يفسده أو ينقصه من الرفث وهو الجماع، ومقدماته الفعلية والقولية، خصوصاً عند النساء بحضرتهن، والفسوق وهو جميع المعاصي، ومنها محظورات الإحرام، والجدال وهو المماراة والمنازعة والمخاصمة، لكونها تثير الشر وتوقع العداوة، والمقصود من الحج الذل والانكسار لله والتقرب إليه بما أمكن من القربات والتنزه عن مقارفة السيئات، فإنه بذلك يكون مبروراً، والمبرور ليس له جزاء إلا الجنة ، وهذه الأشياء وإن كانت ممنوعة في كل مكان وزمان، فإنه يتغلظ المنع عنها في الحج. واعلم أنه لا يتم التقرب إلى الله بترك المعاصي حتى يفعل الأوامر، ولهذا قال تعالى:{وما تفعلوا من خير يعلمه الله}؛ أتى بمن لتنصيص العموم فكل خير وقربة وعبادة داخل في ذلك، أي: فإن الله به عليم، وهذا يتضمن غاية الحث على أفعال الخير خصوصاً في تلك البقاع الشريفة والحرمات المنيفة، فإنه ينبغي تدارك ما أمكن تداركه فيها من صلاة وصيام وصدقة وطواف وإحسان قولي وفعلي، ثم أمر تعالى بالتزود لهذا السفر المبارك؛ فإن التزود فيه الاستغناء عن المخلوقين، والكف عن أموالهم سؤالاً واستشرافاً، وفي الإكثار منه نفع، وإعانة للمسافرين، وزيادة قربة لرب العالمين، وهذا الزاد الذي المراد منه إقامة البِنْية بُلْغَةٌ ومتاع، وأما الزاد الحقيقي المستمر نفعه لصاحبه في دنياه وأخراه فهو زاد التقوى؛ الذي هو زاد إلى دار القرار، وهو الموصل لأكمل لذة وأجل نعيم دائماً أبداً، ومن ترك هذا الزاد فهو المنقطع به، الذي هو عرضة لكل شر وممنوع من الوصول إلى دار المتقين، فهذا مدح للتقوى، ثم أمر بها أولي الألباب فقال:{واتقوني يا أولي الألباب}؛ أي: يا أهل العقول الرزينة، اتقوا ربكم، الذي تقواه أعظم ما تأمر به العقولُ، وتركها دليل على الجهل وفساد الرأي.

البقرة 2:198

{198} لما أمر تعالى بالتقوى أخبر تعالى أن ابتغاء فضل الله بالتكسب في مواسم الحج وغيره ليس فيه حرج إذا لم يشغل عما يحب إذا كان المقصود هو الحج، وكان الكسب حلالاً منسوباً إلى فضل الله؛ لا منسوباً إلى حذق العبد والوقوف مع السبب ونسيان المسبب، فإن هذا هو الحرج بعينه وفي قوله:{فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام}؛ دلالة على أمور: أحدها: الوقوف بعرفة، وأنه كان معروفاً أنه ركن من أركان الحج، فالإفاضة من عرفات لا تكون إلا بعد الوقوف. الثاني: الأمر بذكر الله عند المشعر الحرام وهو المزدلفة، وذلك أيضاً معروف يكون ليلة النحر بائتاً بها، وبعد صلاة الفجر يقف في المزدلفة داعياً حتى يسفر جدًّا، ويدخل في ذكر الله عنده إيقاع الفرائض والنوافل فيه. الثالث: أن الوقوف بمزدلفة متأخر عن الوقوف بعرفة كما تدل عليه الفاء والترتيب. الرابع والخامس: أن عرفات ومزدلفة كلاهما من مشاعر الحج المقصود فعلها وإظهارها. السادس: أن مزدلفة في الحرم كما قيده بالحرام. السابع: أن عرفة في الحل كما هو مفهوم التقييد بمزدلفة. {واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين}؛ أي اذكروا الله تعالى كما منَّ عليكم بالهداية بعد الضلال، وكما علمكم ما لم تكونوا تعلمون. فهذه من أكبر النعم التي يجب شكرها ومقابلتها بذكر المنعم بالقلب واللسان. {199}{ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس}؛ أي: ثم أفيضوا من مزدلفة من حيث أفاض الناس من لدن إبراهيم عليه السلام إلى الآن، والمقصود من هذه الإفاضة كان معروفاً عندهم، وهو رمي الجمار، وذبح الهدايا، والطواف والسعي والمبيت بمنى ليالي التشريق، وتكميل باقي المناسك، ولما كانت هذه الإفاضة يقصد بها ما ذكر والمذكورات آخر المناسك، أمر تعالى عند الفراغ منها باستغفاره والإكثار من ذكره، فالاستغفار للخلل الواقع من العبد في أداء عبادته وتقصيره فيها، وذكر الله شكر الله على إنعامه عليه بالتوفيق لهذه العبادة العظيمة والمنة الجسيمة، وهكذا ينبغي للعبد كلما فرغ من عبادة أن يستغفر الله عن التقصير، ويشكره على التوفيق، لا كمن يرى أنه قد أكمل العبادة، ومنَّ بها على ربه، وجعلت له محلاًّ ومنزلة رفيعة، فهذا حقيق بالمقت ورد العمل، كما أن الأول حقيق بالقبول والتوفيق لأعمال أخر. {200 ـ 201 ـ 202} ثم أخبر تعالى عن أحوال الخلق، وأن الجميع يسألونه مطالبهم، ويستدفعونه ما يضرهم، ولكن مقاصدهم تختلف، فمنهم {من يقول ربنا آتنا في الدنيا}؛ أي: يسأله من مطالب الدنيا ما هو من شهواته، وليس له في الآخرة من نصيب لرغبته عنها، وقصر همته على الدنيا، ومنهم من يدعو الله لمصلحة الدارين، ويفتقر إليه في مهمات دينه ودنياه، وكل من هؤلاء وهؤلاء لهم نصيب من كسبهم وعملهم، وسيجازيهم تعالى على حسب أعمالهم وهماتهم ونياتهم جزاءً دائراً بين العدل والفضل، يحمد عليه أكمل حمد وأتمه. وفي هذه الآية دليل على أن الله يجيب دعوة كل داعٍ مسلماً أو كافراً أو فاسقاً، ولكن ليست إجابته دعاء من دعاه دليلاً على محبته له وقربه منه إلا في مطالب الآخرة ومهمات الدين، والحسنة المطلوبة في الدنيا، يدخل فيها كل ما يحسن وقعه عند العبد من رزق هني واسع حلال، وزوجة صالحة، وولد تقر به العين، وراحة، وعلم نافع، وعمل صالح، ونحو ذلك من المطالب المحبوبة والمباحة، وحسنة الآخرة هي السلامة من العقوبات في القبر والموقف والنار، وحصول رضا الله، والفوز بالنعيم المقيم، والقرب من الرب الرحيم، فصار هذا الدعاء أجمع دعاء وأكمله وأولاه بالإيثار، ولهذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم -، يكثر من الدعاء به والحث عليه.

البقرة 2:199

{198} لما أمر تعالى بالتقوى أخبر تعالى أن ابتغاء فضل الله بالتكسب في مواسم الحج وغيره ليس فيه حرج إذا لم يشغل عما يحب إذا كان المقصود هو الحج، وكان الكسب حلالاً منسوباً إلى فضل الله؛ لا منسوباً إلى حذق العبد والوقوف مع السبب ونسيان المسبب، فإن هذا هو الحرج بعينه وفي قوله:{فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام}؛ دلالة على أمور: أحدها: الوقوف بعرفة، وأنه كان معروفاً أنه ركن من أركان الحج، فالإفاضة من عرفات لا تكون إلا بعد الوقوف. الثاني: الأمر بذكر الله عند المشعر الحرام وهو المزدلفة، وذلك أيضاً معروف يكون ليلة النحر بائتاً بها، وبعد صلاة الفجر يقف في المزدلفة داعياً حتى يسفر جدًّا، ويدخل في ذكر الله عنده إيقاع الفرائض والنوافل فيه. الثالث: أن الوقوف بمزدلفة متأخر عن الوقوف بعرفة كما تدل عليه الفاء والترتيب. الرابع والخامس: أن عرفات ومزدلفة كلاهما من مشاعر الحج المقصود فعلها وإظهارها. السادس: أن مزدلفة في الحرم كما قيده بالحرام. السابع: أن عرفة في الحل كما هو مفهوم التقييد بمزدلفة. {واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين}؛ أي اذكروا الله تعالى كما منَّ عليكم بالهداية بعد الضلال، وكما علمكم ما لم تكونوا تعلمون. فهذه من أكبر النعم التي يجب شكرها ومقابلتها بذكر المنعم بالقلب واللسان. {199}{ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس}؛ أي: ثم أفيضوا من مزدلفة من حيث أفاض الناس من لدن إبراهيم عليه السلام إلى الآن، والمقصود من هذه الإفاضة كان معروفاً عندهم، وهو رمي الجمار، وذبح الهدايا، والطواف والسعي والمبيت بمنى ليالي التشريق، وتكميل باقي المناسك، ولما كانت هذه الإفاضة يقصد بها ما ذكر والمذكورات آخر المناسك، أمر تعالى عند الفراغ منها باستغفاره والإكثار من ذكره، فالاستغفار للخلل الواقع من العبد في أداء عبادته وتقصيره فيها، وذكر الله شكر الله على إنعامه عليه بالتوفيق لهذه العبادة العظيمة والمنة الجسيمة، وهكذا ينبغي للعبد كلما فرغ من عبادة أن يستغفر الله عن التقصير، ويشكره على التوفيق، لا كمن يرى أنه قد أكمل العبادة، ومنَّ بها على ربه، وجعلت له محلاًّ ومنزلة رفيعة، فهذا حقيق بالمقت ورد العمل، كما أن الأول حقيق بالقبول والتوفيق لأعمال أخر. {200 ـ 201 ـ 202} ثم أخبر تعالى عن أحوال الخلق، وأن الجميع يسألونه مطالبهم، ويستدفعونه ما يضرهم، ولكن مقاصدهم تختلف، فمنهم {من يقول ربنا آتنا في الدنيا}؛ أي: يسأله من مطالب الدنيا ما هو من شهواته، وليس له في الآخرة من نصيب لرغبته عنها، وقصر همته على الدنيا، ومنهم من يدعو الله لمصلحة الدارين، ويفتقر إليه في مهمات دينه ودنياه، وكل من هؤلاء وهؤلاء لهم نصيب من كسبهم وعملهم، وسيجازيهم تعالى على حسب أعمالهم وهماتهم ونياتهم جزاءً دائراً بين العدل والفضل، يحمد عليه أكمل حمد وأتمه. وفي هذه الآية دليل على أن الله يجيب دعوة كل داعٍ مسلماً أو كافراً أو فاسقاً، ولكن ليست إجابته دعاء من دعاه دليلاً على محبته له وقربه منه إلا في مطالب الآخرة ومهمات الدين، والحسنة المطلوبة في الدنيا، يدخل فيها كل ما يحسن وقعه عند العبد من رزق هني واسع حلال، وزوجة صالحة، وولد تقر به العين، وراحة، وعلم نافع، وعمل صالح، ونحو ذلك من المطالب المحبوبة والمباحة، وحسنة الآخرة هي السلامة من العقوبات في القبر والموقف والنار، وحصول رضا الله، والفوز بالنعيم المقيم، والقرب من الرب الرحيم، فصار هذا الدعاء أجمع دعاء وأكمله وأولاه بالإيثار، ولهذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم -، يكثر من الدعاء به والحث عليه.

البقرة 2:200

{198} لما أمر تعالى بالتقوى أخبر تعالى أن ابتغاء فضل الله بالتكسب في مواسم الحج وغيره ليس فيه حرج إذا لم يشغل عما يحب إذا كان المقصود هو الحج، وكان الكسب حلالاً منسوباً إلى فضل الله؛ لا منسوباً إلى حذق العبد والوقوف مع السبب ونسيان المسبب، فإن هذا هو الحرج بعينه وفي قوله:{فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام}؛ دلالة على أمور: أحدها: الوقوف بعرفة، وأنه كان معروفاً أنه ركن من أركان الحج، فالإفاضة من عرفات لا تكون إلا بعد الوقوف. الثاني: الأمر بذكر الله عند المشعر الحرام وهو المزدلفة، وذلك أيضاً معروف يكون ليلة النحر بائتاً بها، وبعد صلاة الفجر يقف في المزدلفة داعياً حتى يسفر جدًّا، ويدخل في ذكر الله عنده إيقاع الفرائض والنوافل فيه. الثالث: أن الوقوف بمزدلفة متأخر عن الوقوف بعرفة كما تدل عليه الفاء والترتيب. الرابع والخامس: أن عرفات ومزدلفة كلاهما من مشاعر الحج المقصود فعلها وإظهارها. السادس: أن مزدلفة في الحرم كما قيده بالحرام. السابع: أن عرفة في الحل كما هو مفهوم التقييد بمزدلفة. {واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين}؛ أي اذكروا الله تعالى كما منَّ عليكم بالهداية بعد الضلال، وكما علمكم ما لم تكونوا تعلمون. فهذه من أكبر النعم التي يجب شكرها ومقابلتها بذكر المنعم بالقلب واللسان. {199}{ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس}؛ أي: ثم أفيضوا من مزدلفة من حيث أفاض الناس من لدن إبراهيم عليه السلام إلى الآن، والمقصود من هذه الإفاضة كان معروفاً عندهم، وهو رمي الجمار، وذبح الهدايا، والطواف والسعي والمبيت بمنى ليالي التشريق، وتكميل باقي المناسك، ولما كانت هذه الإفاضة يقصد بها ما ذكر والمذكورات آخر المناسك، أمر تعالى عند الفراغ منها باستغفاره والإكثار من ذكره، فالاستغفار للخلل الواقع من العبد في أداء عبادته وتقصيره فيها، وذكر الله شكر الله على إنعامه عليه بالتوفيق لهذه العبادة العظيمة والمنة الجسيمة، وهكذا ينبغي للعبد كلما فرغ من عبادة أن يستغفر الله عن التقصير، ويشكره على التوفيق، لا كمن يرى أنه قد أكمل العبادة، ومنَّ بها على ربه، وجعلت له محلاًّ ومنزلة رفيعة، فهذا حقيق بالمقت ورد العمل، كما أن الأول حقيق بالقبول والتوفيق لأعمال أخر. {200 ـ 201 ـ 202} ثم أخبر تعالى عن أحوال الخلق، وأن الجميع يسألونه مطالبهم، ويستدفعونه ما يضرهم، ولكن مقاصدهم تختلف، فمنهم {من يقول ربنا آتنا في الدنيا}؛ أي: يسأله من مطالب الدنيا ما هو من شهواته، وليس له في الآخرة من نصيب لرغبته عنها، وقصر همته على الدنيا، ومنهم من يدعو الله لمصلحة الدارين، ويفتقر إليه في مهمات دينه ودنياه، وكل من هؤلاء وهؤلاء لهم نصيب من كسبهم وعملهم، وسيجازيهم تعالى على حسب أعمالهم وهماتهم ونياتهم جزاءً دائراً بين العدل والفضل، يحمد عليه أكمل حمد وأتمه. وفي هذه الآية دليل على أن الله يجيب دعوة كل داعٍ مسلماً أو كافراً أو فاسقاً، ولكن ليست إجابته دعاء من دعاه دليلاً على محبته له وقربه منه إلا في مطالب الآخرة ومهمات الدين، والحسنة المطلوبة في الدنيا، يدخل فيها كل ما يحسن وقعه عند العبد من رزق هني واسع حلال، وزوجة صالحة، وولد تقر به العين، وراحة، وعلم نافع، وعمل صالح، ونحو ذلك من المطالب المحبوبة والمباحة، وحسنة الآخرة هي السلامة من العقوبات في القبر والموقف والنار، وحصول رضا الله، والفوز بالنعيم المقيم، والقرب من الرب الرحيم، فصار هذا الدعاء أجمع دعاء وأكمله وأولاه بالإيثار، ولهذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم -، يكثر من الدعاء به والحث عليه.

البقرة 2:201

{198} لما أمر تعالى بالتقوى أخبر تعالى أن ابتغاء فضل الله بالتكسب في مواسم الحج وغيره ليس فيه حرج إذا لم يشغل عما يحب إذا كان المقصود هو الحج، وكان الكسب حلالاً منسوباً إلى فضل الله؛ لا منسوباً إلى حذق العبد والوقوف مع السبب ونسيان المسبب، فإن هذا هو الحرج بعينه وفي قوله:{فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام}؛ دلالة على أمور: أحدها: الوقوف بعرفة، وأنه كان معروفاً أنه ركن من أركان الحج، فالإفاضة من عرفات لا تكون إلا بعد الوقوف. الثاني: الأمر بذكر الله عند المشعر الحرام وهو المزدلفة، وذلك أيضاً معروف يكون ليلة النحر بائتاً بها، وبعد صلاة الفجر يقف في المزدلفة داعياً حتى يسفر جدًّا، ويدخل في ذكر الله عنده إيقاع الفرائض والنوافل فيه. الثالث: أن الوقوف بمزدلفة متأخر عن الوقوف بعرفة كما تدل عليه الفاء والترتيب. الرابع والخامس: أن عرفات ومزدلفة كلاهما من مشاعر الحج المقصود فعلها وإظهارها. السادس: أن مزدلفة في الحرم كما قيده بالحرام. السابع: أن عرفة في الحل كما هو مفهوم التقييد بمزدلفة. {واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين}؛ أي اذكروا الله تعالى كما منَّ عليكم بالهداية بعد الضلال، وكما علمكم ما لم تكونوا تعلمون. فهذه من أكبر النعم التي يجب شكرها ومقابلتها بذكر المنعم بالقلب واللسان. {199}{ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس}؛ أي: ثم أفيضوا من مزدلفة من حيث أفاض الناس من لدن إبراهيم عليه السلام إلى الآن، والمقصود من هذه الإفاضة كان معروفاً عندهم، وهو رمي الجمار، وذبح الهدايا، والطواف والسعي والمبيت بمنى ليالي التشريق، وتكميل باقي المناسك، ولما كانت هذه الإفاضة يقصد بها ما ذكر والمذكورات آخر المناسك، أمر تعالى عند الفراغ منها باستغفاره والإكثار من ذكره، فالاستغفار للخلل الواقع من العبد في أداء عبادته وتقصيره فيها، وذكر الله شكر الله على إنعامه عليه بالتوفيق لهذه العبادة العظيمة والمنة الجسيمة، وهكذا ينبغي للعبد كلما فرغ من عبادة أن يستغفر الله عن التقصير، ويشكره على التوفيق، لا كمن يرى أنه قد أكمل العبادة، ومنَّ بها على ربه، وجعلت له محلاًّ ومنزلة رفيعة، فهذا حقيق بالمقت ورد العمل، كما أن الأول حقيق بالقبول والتوفيق لأعمال أخر. {200 ـ 201 ـ 202} ثم أخبر تعالى عن أحوال الخلق، وأن الجميع يسألونه مطالبهم، ويستدفعونه ما يضرهم، ولكن مقاصدهم تختلف، فمنهم {من يقول ربنا آتنا في الدنيا}؛ أي: يسأله من مطالب الدنيا ما هو من شهواته، وليس له في الآخرة من نصيب لرغبته عنها، وقصر همته على الدنيا، ومنهم من يدعو الله لمصلحة الدارين، ويفتقر إليه في مهمات دينه ودنياه، وكل من هؤلاء وهؤلاء لهم نصيب من كسبهم وعملهم، وسيجازيهم تعالى على حسب أعمالهم وهماتهم ونياتهم جزاءً دائراً بين العدل والفضل، يحمد عليه أكمل حمد وأتمه. وفي هذه الآية دليل على أن الله يجيب دعوة كل داعٍ مسلماً أو كافراً أو فاسقاً، ولكن ليست إجابته دعاء من دعاه دليلاً على محبته له وقربه منه إلا في مطالب الآخرة ومهمات الدين، والحسنة المطلوبة في الدنيا، يدخل فيها كل ما يحسن وقعه عند العبد من رزق هني واسع حلال، وزوجة صالحة، وولد تقر به العين، وراحة، وعلم نافع، وعمل صالح، ونحو ذلك من المطالب المحبوبة والمباحة، وحسنة الآخرة هي السلامة من العقوبات في القبر والموقف والنار، وحصول رضا الله، والفوز بالنعيم المقيم، والقرب من الرب الرحيم، فصار هذا الدعاء أجمع دعاء وأكمله وأولاه بالإيثار، ولهذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم -، يكثر من الدعاء به والحث عليه.

البقرة 2:202

{198} لما أمر تعالى بالتقوى أخبر تعالى أن ابتغاء فضل الله بالتكسب في مواسم الحج وغيره ليس فيه حرج إذا لم يشغل عما يحب إذا كان المقصود هو الحج، وكان الكسب حلالاً منسوباً إلى فضل الله؛ لا منسوباً إلى حذق العبد والوقوف مع السبب ونسيان المسبب، فإن هذا هو الحرج بعينه وفي قوله:{فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام}؛ دلالة على أمور: أحدها: الوقوف بعرفة، وأنه كان معروفاً أنه ركن من أركان الحج، فالإفاضة من عرفات لا تكون إلا بعد الوقوف. الثاني: الأمر بذكر الله عند المشعر الحرام وهو المزدلفة، وذلك أيضاً معروف يكون ليلة النحر بائتاً بها، وبعد صلاة الفجر يقف في المزدلفة داعياً حتى يسفر جدًّا، ويدخل في ذكر الله عنده إيقاع الفرائض والنوافل فيه. الثالث: أن الوقوف بمزدلفة متأخر عن الوقوف بعرفة كما تدل عليه الفاء والترتيب. الرابع والخامس: أن عرفات ومزدلفة كلاهما من مشاعر الحج المقصود فعلها وإظهارها. السادس: أن مزدلفة في الحرم كما قيده بالحرام. السابع: أن عرفة في الحل كما هو مفهوم التقييد بمزدلفة. {واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين}؛ أي اذكروا الله تعالى كما منَّ عليكم بالهداية بعد الضلال، وكما علمكم ما لم تكونوا تعلمون. فهذه من أكبر النعم التي يجب شكرها ومقابلتها بذكر المنعم بالقلب واللسان. {199}{ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس}؛ أي: ثم أفيضوا من مزدلفة من حيث أفاض الناس من لدن إبراهيم عليه السلام إلى الآن، والمقصود من هذه الإفاضة كان معروفاً عندهم، وهو رمي الجمار، وذبح الهدايا، والطواف والسعي والمبيت بمنى ليالي التشريق، وتكميل باقي المناسك، ولما كانت هذه الإفاضة يقصد بها ما ذكر والمذكورات آخر المناسك، أمر تعالى عند الفراغ منها باستغفاره والإكثار من ذكره، فالاستغفار للخلل الواقع من العبد في أداء عبادته وتقصيره فيها، وذكر الله شكر الله على إنعامه عليه بالتوفيق لهذه العبادة العظيمة والمنة الجسيمة، وهكذا ينبغي للعبد كلما فرغ من عبادة أن يستغفر الله عن التقصير، ويشكره على التوفيق، لا كمن يرى أنه قد أكمل العبادة، ومنَّ بها على ربه، وجعلت له محلاًّ ومنزلة رفيعة، فهذا حقيق بالمقت ورد العمل، كما أن الأول حقيق بالقبول والتوفيق لأعمال أخر. {200 ـ 201 ـ 202} ثم أخبر تعالى عن أحوال الخلق، وأن الجميع يسألونه مطالبهم، ويستدفعونه ما يضرهم، ولكن مقاصدهم تختلف، فمنهم {من يقول ربنا آتنا في الدنيا}؛ أي: يسأله من مطالب الدنيا ما هو من شهواته، وليس له في الآخرة من نصيب لرغبته عنها، وقصر همته على الدنيا، ومنهم من يدعو الله لمصلحة الدارين، ويفتقر إليه في مهمات دينه ودنياه، وكل من هؤلاء وهؤلاء لهم نصيب من كسبهم وعملهم، وسيجازيهم تعالى على حسب أعمالهم وهماتهم ونياتهم جزاءً دائراً بين العدل والفضل، يحمد عليه أكمل حمد وأتمه. وفي هذه الآية دليل على أن الله يجيب دعوة كل داعٍ مسلماً أو كافراً أو فاسقاً، ولكن ليست إجابته دعاء من دعاه دليلاً على محبته له وقربه منه إلا في مطالب الآخرة ومهمات الدين، والحسنة المطلوبة في الدنيا، يدخل فيها كل ما يحسن وقعه عند العبد من رزق هني واسع حلال، وزوجة صالحة، وولد تقر به العين، وراحة، وعلم نافع، وعمل صالح، ونحو ذلك من المطالب المحبوبة والمباحة، وحسنة الآخرة هي السلامة من العقوبات في القبر والموقف والنار، وحصول رضا الله، والفوز بالنعيم المقيم، والقرب من الرب الرحيم، فصار هذا الدعاء أجمع دعاء وأكمله وأولاه بالإيثار، ولهذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم -، يكثر من الدعاء به والحث عليه.

البقرة 2:203

{203} يأمر تعالى بذكره في الأيام المعدودات وهي أيام التشريق الثلاثة بعد العيد لمزيتها وشرفها، وكون بقية المناسك تفعل بها، ولكون الناس أضيافاً لله فيها، ولهذا حرم صيامها، فللذكر فيها مزية ليست لغيرها، ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله» ، ويدخل في ذكر الله فيها؛ ذكره عند رمي الجمار، وعند الذبح، والذكر المقيد عقب الفرائض، بل قال بعض العلماء إنه يستحب فيها التكبير المطلق كالعشر وليس ببعيد {فمن تعجل في يومين}؛ أي: خرج من منى، ونفر منها قبل غروب شمس اليوم الثاني {فلا إثم عليه ومن تأخر}؛ بأن بات بها ليلة الثالث، ورمى من الغد {فلا إثم عليه}؛ وهذا تخفيف من الله تعالى على عباده في إباحة كلا الأمرين، ولكن من المعلوم أنه إذا أبيح كلا الأمرين، فالتأخُّر أفضل؛ لأنه أكثر عبادة. ولما كان نفي الحرج قد يفهم منه نفي الحرج في ذلك المذكور وفي غيره، والحاصل أن الحرج منفي عن المتقدم والمتأخر فقط، قيده بقوله:{لمن اتقى}؛ أي: اتقى الله في جميع أموره وأحوال الحج، فمن اتقى الله في كل شيء، حصل له نفي الحرج في كل شيء، ومن اتقاه في شيء دون شيء كان الجزاء من جنس العمل {واتقوا الله}؛ بامتثال أوامره، واجتناب معاصيه {واعلموا أنكم إليه تحشرون}؛ فمجازيكم بأعمالكم، فمن اتقاه وجد جزاء التقوى عنده، ومن لم يتقه عاقبه أشدَّ العقوبة، فالعلم بالجزاء من أعظم الدواعي لتقوى الله، فلهذا حثَّ تعالى على العلم بذلك.

البقرة 2:204

{204} لما أمر تعالى بالإكثار من ذكره، وخصوصاً في الأوقات الفاضلة الذي هو خيرٌ ومصلحة وبرٌّ أخبر تعالى بحال من يتكلم بلسانه، ويخالف فعلُه قولَه، فالكلام إما أن يرفع الإنسان أو يخفضه فقال:{ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا}؛ أي: إذا تكلم راق كلامُه السامعَ، وإذا نطق ظننته يتكلم بكلام نافع، ويؤكد ما يقول بأنه {يشهد الله على ما في قلبه}؛ بأن يخبر أن الله يعلم أن ما في قلبه موافق لما نطق به، وهو كاذب في ذلك لأنه يخالف قوله فعله، فلو كان صادقاً لتوافق القول والفعل كحال المؤمن غير المنافق، ولهذا قال:{وهو ألد الخصام}؛ أي: إذا خاصمته، وجدت فيه من اللدد والصعوبة والتعصب وما يترتب على ذلك ما هو من مقابح الصفات، ليس كأخلاق المؤمنين؛ الذين جعلوا السهولة مركبهم والانقياد للحق وظيفتهم والسماحة سجيتهم. {205}{وإذا تولى}؛ هذا الذي يعجبك قوله إذا حضر عندك {سعى في الأرض ليفسد فيها}؛ أي: يجتهد على أعمال المعاصي التي هي إفساد في الأرض فيهلك بسبب ذلك {الحرث والنسل}؛ فالزروع والثمار والمواشي تتلف، وتنقص، وتقل بركتها بسبب العمل في المعاصي، {والله لا يحب الفساد}؛ فإذا كان لا يحب الفساد فهو يبغض العبد المفسد في الأرض غاية البغض، وإن قال بلسانه قولاً حسناً. ففي هذه الآية دليل على أن الأقوال التي تصدر من الأشخاص ليست دليلاً على صدقٍ ولا كذبٍ ولا برٍّ ولا فجورٍ، حتى يوجد العمل المصدق لها، المزكي لها، وأنه ينبغي اختبار أحوال الشهود والمحق والمبطل من الناس ببرِّ أعمالهم، والنظر لقرائن أحوالهم، وأن لا يغتر بتمويههم وتزكيتهم أنفسهم، ثم ذكر أن هذا المفسد في الأرض بمعاصي الله إذا أمر بتقوى الله تكبر وأنف. {206}{وأخذته العزة بالإثم}؛ فيجمع بين العمل بالمعاصي والتكبر على الناصحين {فحسبه جهنم}؛ التي هي دار العاصين والمتكبرين {وبئس المهاد}؛ أي المستقر والمسكن، عذاب دائم، وهمٌ لا ينقطع، ويأس مستمر، لا يخفف عنهم العذاب ولا يرجون الثواب، جزاءً لجنايتهم ومقابلة لأعمالهم، فعياذاً بالله من أحوالهم.

البقرة 2:205

{204} لما أمر تعالى بالإكثار من ذكره، وخصوصاً في الأوقات الفاضلة الذي هو خيرٌ ومصلحة وبرٌّ أخبر تعالى بحال من يتكلم بلسانه، ويخالف فعلُه قولَه، فالكلام إما أن يرفع الإنسان أو يخفضه فقال:{ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا}؛ أي: إذا تكلم راق كلامُه السامعَ، وإذا نطق ظننته يتكلم بكلام نافع، ويؤكد ما يقول بأنه {يشهد الله على ما في قلبه}؛ بأن يخبر أن الله يعلم أن ما في قلبه موافق لما نطق به، وهو كاذب في ذلك لأنه يخالف قوله فعله، فلو كان صادقاً لتوافق القول والفعل كحال المؤمن غير المنافق، ولهذا قال:{وهو ألد الخصام}؛ أي: إذا خاصمته، وجدت فيه من اللدد والصعوبة والتعصب وما يترتب على ذلك ما هو من مقابح الصفات، ليس كأخلاق المؤمنين؛ الذين جعلوا السهولة مركبهم والانقياد للحق وظيفتهم والسماحة سجيتهم. {205}{وإذا تولى}؛ هذا الذي يعجبك قوله إذا حضر عندك {سعى في الأرض ليفسد فيها}؛ أي: يجتهد على أعمال المعاصي التي هي إفساد في الأرض فيهلك بسبب ذلك {الحرث والنسل}؛ فالزروع والثمار والمواشي تتلف، وتنقص، وتقل بركتها بسبب العمل في المعاصي، {والله لا يحب الفساد}؛ فإذا كان لا يحب الفساد فهو يبغض العبد المفسد في الأرض غاية البغض، وإن قال بلسانه قولاً حسناً. ففي هذه الآية دليل على أن الأقوال التي تصدر من الأشخاص ليست دليلاً على صدقٍ ولا كذبٍ ولا برٍّ ولا فجورٍ، حتى يوجد العمل المصدق لها، المزكي لها، وأنه ينبغي اختبار أحوال الشهود والمحق والمبطل من الناس ببرِّ أعمالهم، والنظر لقرائن أحوالهم، وأن لا يغتر بتمويههم وتزكيتهم أنفسهم، ثم ذكر أن هذا المفسد في الأرض بمعاصي الله إذا أمر بتقوى الله تكبر وأنف. {206}{وأخذته العزة بالإثم}؛ فيجمع بين العمل بالمعاصي والتكبر على الناصحين {فحسبه جهنم}؛ التي هي دار العاصين والمتكبرين {وبئس المهاد}؛ أي المستقر والمسكن، عذاب دائم، وهمٌ لا ينقطع، ويأس مستمر، لا يخفف عنهم العذاب ولا يرجون الثواب، جزاءً لجنايتهم ومقابلة لأعمالهم، فعياذاً بالله من أحوالهم.

البقرة 2:206

{204} لما أمر تعالى بالإكثار من ذكره، وخصوصاً في الأوقات الفاضلة الذي هو خيرٌ ومصلحة وبرٌّ أخبر تعالى بحال من يتكلم بلسانه، ويخالف فعلُه قولَه، فالكلام إما أن يرفع الإنسان أو يخفضه فقال:{ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا}؛ أي: إذا تكلم راق كلامُه السامعَ، وإذا نطق ظننته يتكلم بكلام نافع، ويؤكد ما يقول بأنه {يشهد الله على ما في قلبه}؛ بأن يخبر أن الله يعلم أن ما في قلبه موافق لما نطق به، وهو كاذب في ذلك لأنه يخالف قوله فعله، فلو كان صادقاً لتوافق القول والفعل كحال المؤمن غير المنافق، ولهذا قال:{وهو ألد الخصام}؛ أي: إذا خاصمته، وجدت فيه من اللدد والصعوبة والتعصب وما يترتب على ذلك ما هو من مقابح الصفات، ليس كأخلاق المؤمنين؛ الذين جعلوا السهولة مركبهم والانقياد للحق وظيفتهم والسماحة سجيتهم. {205}{وإذا تولى}؛ هذا الذي يعجبك قوله إذا حضر عندك {سعى في الأرض ليفسد فيها}؛ أي: يجتهد على أعمال المعاصي التي هي إفساد في الأرض فيهلك بسبب ذلك {الحرث والنسل}؛ فالزروع والثمار والمواشي تتلف، وتنقص، وتقل بركتها بسبب العمل في المعاصي، {والله لا يحب الفساد}؛ فإذا كان لا يحب الفساد فهو يبغض العبد المفسد في الأرض غاية البغض، وإن قال بلسانه قولاً حسناً. ففي هذه الآية دليل على أن الأقوال التي تصدر من الأشخاص ليست دليلاً على صدقٍ ولا كذبٍ ولا برٍّ ولا فجورٍ، حتى يوجد العمل المصدق لها، المزكي لها، وأنه ينبغي اختبار أحوال الشهود والمحق والمبطل من الناس ببرِّ أعمالهم، والنظر لقرائن أحوالهم، وأن لا يغتر بتمويههم وتزكيتهم أنفسهم، ثم ذكر أن هذا المفسد في الأرض بمعاصي الله إذا أمر بتقوى الله تكبر وأنف. {206}{وأخذته العزة بالإثم}؛ فيجمع بين العمل بالمعاصي والتكبر على الناصحين {فحسبه جهنم}؛ التي هي دار العاصين والمتكبرين {وبئس المهاد}؛ أي المستقر والمسكن، عذاب دائم، وهمٌ لا ينقطع، ويأس مستمر، لا يخفف عنهم العذاب ولا يرجون الثواب، جزاءً لجنايتهم ومقابلة لأعمالهم، فعياذاً بالله من أحوالهم.

البقرة 2:207

{207} [هؤلاء هم الموفقون الذين باعوا أنفسهم، وأرخصوها، وبذلوها طلباً لمرضاة الله، ورجاءً لثوابه، فهم بذلوا الثمن للملي الوفي، الرءوف بالعباد، الذي من رأفته ورحمته أن وفقهم لذلك، وقد وَعَدَ الوفاء بذلك، فقال:{إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأنَّ لهم الجنة ... } إلى آخر الآية. وفي هذه الآية أخبر أنهم اشتروا أنفسهم وبذلوها، وأخبر برأفته الموجبة لتحصيل ما طلبوا، وبذل ما به رغبوا، فلا تسأل بعد هذا عمّا يحصل لهم من الكريم، وما ينالهم من الفوز والتكريم].

البقرة 2:208

{208} هذا أمر من الله تعالى للمؤمنين أن يدخلوا {في السلم كافة}؛ أي: في جميع شرائع الدين، ولا يتركوا منها شيئاً، وأن لا يكونوا ممن اتخذ إلهه هواه؛ إن وافق الأمر المشروع هواه فعله، وإن خالفه تركه، بل الواجب أن يكون الهوى تبعاً للدين، وأن يفعل كل ما يقدر عليه من أفعال الخير، وما يعجز عنه يلتزمه، وينويه فيدركه بنيته، ولما كان الدخول في السلم كافة لا يمكن ولا يتصور إلا بمخالفة طرق الشيطان قال:{ولا تتبعوا خطوات الشيطان}؛ أي: في العمل بمعاصي الله، {إنه لكم عدو مبين}؛ والعدو المبين لا يأمر إلا بالسوء والفحشاء وما به الضرر عليكم، ولما كان العبد لا بد أن يقع منه خللٌ وزللٌ قال تعالى: {209}{فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات}؛ أي: على علم ويقين، {فاعلموا أن الله عزيز حكيم}، وفيه من الوعيد الشديد والتخويف ما يوجب ترك الزلل، فإن العزيز المقام الحكيم إذا عصاه العاصي، قهره بقوته، وعذبه بمقتضى حكمته، فإن من حكمته تعذيب العصاة والجناة.

البقرة 2:209

{208} هذا أمر من الله تعالى للمؤمنين أن يدخلوا {في السلم كافة}؛ أي: في جميع شرائع الدين، ولا يتركوا منها شيئاً، وأن لا يكونوا ممن اتخذ إلهه هواه؛ إن وافق الأمر المشروع هواه فعله، وإن خالفه تركه، بل الواجب أن يكون الهوى تبعاً للدين، وأن يفعل كل ما يقدر عليه من أفعال الخير، وما يعجز عنه يلتزمه، وينويه فيدركه بنيته، ولما كان الدخول في السلم كافة لا يمكن ولا يتصور إلا بمخالفة طرق الشيطان قال:{ولا تتبعوا خطوات الشيطان}؛ أي: في العمل بمعاصي الله، {إنه لكم عدو مبين}؛ والعدو المبين لا يأمر إلا بالسوء والفحشاء وما به الضرر عليكم، ولما كان العبد لا بد أن يقع منه خللٌ وزللٌ قال تعالى: {209}{فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات}؛ أي: على علم ويقين، {فاعلموا أن الله عزيز حكيم}، وفيه من الوعيد الشديد والتخويف ما يوجب ترك الزلل، فإن العزيز المقام الحكيم إذا عصاه العاصي، قهره بقوته، وعذبه بمقتضى حكمته، فإن من حكمته تعذيب العصاة والجناة.

البقرة 2:210

{210} وهذا فيه من الوعيد الشديد والتهديد ما تنخلع له القلوب، يقول تعالى: هل ينتظر الساعون في الفساد في الأرض، المتبعون لخطوات الشيطان، النابذون لأمر الله إلا يوم الجزاء بالأعمال، الذي قد حُشِي من الأهوال والشدائد والفظائع ما يقلقل قلوب الظالمين، ويحق به الجزاء السَّيئ على المفسدين، وذلك أن الله تعالى يطوي السماواتِ والأرضَ، وتنتثر الكواكبُ، وتُكوَّر الشمس والقمر، وتنزل الملائكة الكرام فتحيط بالخلائق، وينزل الباري تبارك وتعالى {في ظلل من الغمام} ليفصل بين عباده بالقضاء العدل، فتوضع الموازين، وتنشر الدواوين، وتبيَّض وجوه أهل السعادة، وتسوَّد وجوه أهل الشقاوة، ويتميز أهل الخير من أهل الشرِّ، وكل يجازى بعمله، فهنالك يعضُّ الظالم على يديه إذا علم حقيقة ما هو عليه. وهذه الآية وما أشبهها دليل لمذهب أهل السنة والجماعة المثبتين للصفات الاختيارية؛ كالاستواء، والنزول، والمجيء، ونحو ذلك من الصفات التي أخبر بها تعالى عن نفسه، أو أخبر بها عنه رسوله - صلى الله عليه وسلم -، فيثبتونها على وجه يليق بجلال الله وعظمته من غير تشبيه ولا تحريف، خلافاً للمعطلة على اختلاف أنواعهم، من الجهمية والمعتزلة والأشعرية ونحوهم، ممن ينفي هذه الصفات، ويتأول لأجلها الآيات بتأويلات ما أنزل الله عليها من سلطان، بل حقيقتها القدح في بيان الله وبيان رسوله، والزعم بأن كلامهم هو الذي تحصل به الهداية في هذا الباب، فهؤلاء ليس معهم دليل نقلي؛ بل ولا دليل عقلي. أما النقلي فقد اعترفوا أن النصوص الواردة في الكتاب والسنة، ظاهرها بل صريحها دال على مذهب أهل السنة والجماعة، وأنها تحتاج لدلالتها على مذهبهم الباطل أن تخرج عن ظاهرها ويزاد فيها وينقص، وهذا كما ترى لا يرتضيه من في قلبه مثقال ذرة من إيمان. وأما العقل فليس في العقل ما يدل على نفي هذه الصفات، بل العقل دل على أن الفاعل أكمل من الذي لا يقدر على الفعل، وأن فعله تعالى المتعلق بنفسه والمتعلق بخلقه هو كمال، فإن زعموا أن إثباتها يدل على التشبيه بخلقه، قيل لهم الكلام على الصفات يتبع الكلام على الذات، فكما أن لله ذاتاً لا تشبهها الذوات فلله صفات لا تشبهها الصفات، فصفاته تبع لذاته وصفات خلقه تبع لذواتهم، فليس في إثباتها ما يقتضي التشبيه بوجه، ويقال أيضاً لمن أثبت بعض الصفات، ونفى بعضاً، أو أثبت الأسماء دون الصفات: إما أن تثبت الجميع كما أثبته الله لنفسه، وأثبته رسوله، وإما أن تنفي الجميع، وتكون منكراً لرب العالمين. وأما إثباتك بعض ذلك ونفيك لبعضه فهذا تناقض، فَفَرِّقْ بين ما أثبته وبين ما نفيته، ولن تجد إلى الفرق سبيلاً. فإن قلت ما أثبته لا يقتضي تشبيهاً، قال لك أهل السنة والإثبات لما نفيته لا يقتضي تشبيهاً، فإن قلت لا أعقل من الذي نفيته إلا التشبيه، قال لك النفاة ونحن لا نعقل من الذي أثبته إلا التشبيه، فما أجبت به النفاة أجابك به أهل السنة لما نفيته. والحاصل أن من نفى شيئاً، وأثبت شيئاً مما دل الكتاب والسنة على إثباته فهو متناقض؛ لا يثبت له دليل شرعي ولا عقلي، بل قد خالف المعقول والمنقول.

البقرة 2:211

{211} يقول تعالى: {سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة}، تدل على الحق وعلى صدق الرسل فتيقنوها، وعرفوها، فلم يقوموا بشكر هذه النعمة التي تقتضي القيام بها، بل كفروا بها، وبدلوا نعمة الله كفراً؛ فلهذا استحقوا أن ينزل الله عليهم عقابه، ويحرمهم من ثوابه، وسمى الله تعالى كفر النعمة تبديلاً لها؛ لأن من أنعم الله عليه نعمة دينية أو دنيوية فلم يشكرها، ولم يقم بواجبها اضمحلت عنه، وذهبت وتبدلت بالكفر والمعاصي، فصار الكفر بدل النعمة، وأما من شكر الله تعالى، وقام بحقها فإنها تثبت، وتستمر، ويزيده الله منها.

البقرة 2:212

{212} يخبر تعالى أن الذين كفروا بالله وبآياته ورسله، ولم ينقادوا لشرعه أنهم زينت لهم الحياة الدنيا، فزينت في أعينهم وقلوبهم، فرضوا بها، واطمأنوا بها، فصارت أهواؤهم وإراداتهم وأعمالهم كلها لها، فأقبلوا عليها، وأكبوا على تحصيلها، وعظموها، وعظموا من شاركهم في صنيعهم، واحتقروا المؤمنين، واستهزؤوا بهم، وقالوا: أهؤلاء منَّ الله عليهم من بيننا، وهذا من ضعف عقولهم ونظرهم القاصر، فإن الدنيا دار ابتلاء وامتحان، وسيحصل الشقاء فيها لأهل الإيمان والكفران، بل المؤمن في الدنيا وإن ناله مكروه فإنه يصبر ويحتسب، فيخفف الله عنه بإيمانه وصبره ما لا يكون لغيره، وإنما الشأن كلُّ الشأن والتفضيل الحقيقي في الدار الباقية، فلهذا قال تعالى:{والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة}؛ فيكون المتقون في أعلى الدرجات متمتعين بأنواع النعيم والسرور والبهجة والحبور، والكفار تحتهم في أسفل الدركات، معذبين بأنواع العذاب والإهانة والشقاء السرمدي الذي لا منتهى له، ففي هذه الآية تسلية للمؤمنين، ونعي على الكافرين، ولما كانت الأرزاق الدنيوية والأخروية لا تحصل إلا بتقدير الله، ولن تنال إلا بمشيئة الله قال تعالى:{والله يرزق من يشاء بغير حساب}؛ فالرزق الدنيوي يحصل للمؤمن والكافر، وأما رزق القلوب من العلم والإيمان ومحبة الله وخشيته ورجائه ونحو ذلك فلا يعطيها إلا من يحبه.

البقرة 2:213

{213}؛ [أي: كانوا مجتمعين على الهدى، وذلك عشرة قرون بعد نوح عليه السلام، فلما اختلفوا في الدِّين، فكفر فريقٌ منهم، وبقي الفريقُ الآخرُ على الهدى، وحصل النزاع، بعث اللهُ الرُّسل؛ ليفصلوا بين الخلائق، ويقيموا الحجة عليهم، وقيل: بل كانوا]؛ أي: كان الناس مجتمعين على الكفر والضلال والشقاء ليس لهم نور ولا إيمان، فرحمهم الله تعالى بإرسال الرسل إليهم {مبشرين}؛ من أطاع الله بثمرات الطاعات من الرزق والقوة في البدن والقلب والحياة الطيبة، وأعلى ذلك الفوز برضوان الله والجنة {ومنذرين}؛ من عصى الله بثمرات المعصية من حرمان الرزق والضعف والإهانة والحياة الضيقة، وأشد ذلك سخط الله والنار، وأنزل الكتب عليهم بالحق؛ وهو الإخبارات الصادقة والأوامر العادلة. فكل ما اشتملت عليه الكتب فهو حق يفصل بين المختلفين في الأصول والفروع، وهذا هو الواجب عند الاختلاف والتنازع أن يرد الاختلاف إلى الله وإلى رسوله، ولولا أن في كتابه وسنة رسوله فصلَ النزاع لما أمر بالرد إليهما، ولما ذكر نعمته العظيمة بإنزال الكتب على أهل الكتاب، وكان هذا يقتضي اتفاقهم عليها واجتماعهم فأخبر تعالى أنهم بغى بعضهم على بعض، وحصل النزاع والخصام وكثرة الاختلاف، فاختلفوا في الكتاب الذي ينبغي أن يكونوا أولى الناس بالاجتماع عليه وذلك من بعد ما علموه وتيقنوه بالآيات البينات والأدلة القاطعات، وضلوا بذلك ضلالاً بعيداً، وهدى الله {الذين آمنوا}؛ من هذه الأمة {لما اختلفوا فيه من الحق}؛ فكل ما اختلف فيه أهل الكتاب، وأخطَؤوا فيه الحق والصواب، هدى الله للحق فيه هذه الأمة {بإذنه}؛ تعالى وتيسيره لهم ورحمته. {والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم}؛ فعم الخلق تعالى بالدعوة إلى الصراط المستقيم عدلاً منه تعالى وإقامة حجة على الخلق؛ لئلا يقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير، وهدى ـ بفضله ورحمته وإعانته ولطفه ـ مَنْ شاء مِنْ عباده، فهذا فضله وإحسانه، وذاك عدله وحكمته تبارك وتعالى.

البقرة 2:214

{214} يخبر تبارك وتعالى أنه لا بد أن يمتحن عباده بالسراء والضراء والمشقة كما فعل بمن قبلهم، فهي سنته الجارية التي لا تتغير ولا تتبدل، أن من قام بدينه وشرعه لا بد أن يبتليه، فإن صبر على أمر الله، ولم يبال بالمكاره الواقفة في سبيله، فهو الصادق الذي قد نال من السعادة كمالها ومن السيادة آلتها، ومن جعل فتنة الناس كعذاب الله، بأن صدته المكاره عما هو بصدده، وثنته المحن عن مقصده، فهو الكاذب في دعوى الإيمان، فإنه ليس الإيمان بالتحلي والتمني ومجرد الدعاوي؛ حتى تصدقه الأعمال أو تكذبه، فقد جرى على الأمم الأقدمين ما ذكر الله عنهم {مستهم البأساء والضراء}؛ أي: الفقر والأمراض في أبدانهم {وزلزلوا}؛ بأنواع المخاوف من التهديد بالقتل والنفي، وأخذ الأموال، وقتل الأحبة، وأنواع المضار، حتى وصلت بهم الحال، وآل بهم الزلزال إلى أن استبطؤوا نصر الله مع يقينهم به، ولكن لشدة الأمر وضيقه قال {الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله}؛ فلما كان الفرج عند الشدة، وكلما ضاق الأمر اتسع قال تعالى:{ألا إن نصر الله قريب}؛ فهكذا كل من قام بالحق فإنه يمتحن، فكلما اشتدت عليه وصعبت إذا صابر وثابر على ما هو عليه؛ انقلبت المحنة في حقه منحة، والمشقات راحات، وأعقبه ذلك الانتصار على الأعداء وشفاء ما في قلبه من الداء. وهذه الآية نظير قوله تعالى:{أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين}؛ وقوله تعالى:{ألم. أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون، ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين}؛ فعند الامتحان يكرم المرء أو يهان.

البقرة 2:215

{215} أي: يسألونك عن النفقة وهذا يعم السؤال عن المنفَق والمنفَق عليه، فأجابهم عنها فقال:{قل ما أنفقتم من خير}؛ أي: مال قليل أو كثير فأولى الناس به وأحقهم بالتقديم أعظمهم حقًّا عليك، وهم الوالدان الواجب برهما والمحرم عقوقهما، ومن أعظم برهما، النفقة عليهما، ومن أعظم العقوق ترك الإنفاق عليهما، ولهذا كانت النفقة عليهما واجبة على الولد الموسر، ومن بعد الوالدين الأقربون على اختلاف طبقاتهم، الأقرب، فالأقرب، على حسب القرب والحاجة، فالإنفاق عليهم صدقة وصلة {واليتامى}؛ وهم الصغار الذين لا كاسب لهم فهم في مظنة الحاجة، لعدم قيامهم بمصالح أنفسهم وفقد الكاسب، فوصى الله بهم العباد رحمة منه بهم ولطفاً {والمساكين}؛ وهم أهل الحاجات وأرباب الضرورات الذين أسكنتهم الحاجة، فينفَق عليهم لدفع حاجاتهم وإغنائهم {وابن السبيل}؛ أي: الغريب المنقطع به في غير بلده، فيعان على سفره بالنفقة التي توصله إلى مقصده. ولما خصص الله تعالى هؤلاء الأصناف لشدة الحاجة، عمم تعالى فقال:{وما تفعلوا من خير}؛ من صدقة على هؤلاء وغيرهم بل ومن جميع أنواع الطاعات والقربات لأنها تدخل في اسم الخير {فإن الله به عليم}؛ فيجازيكم عليه، ويحفظه لكم كلٌّ على حسب نيته وإخلاصه، وكثرة نفقته وقلتها، وشدة الحاجة إليها، وعظم وقعها ونفعها.

البقرة 2:216

{216} هذه الآية فيها فرض القتال في سبيل الله بعد ما كان المؤمنون مأمورين بتركه لضعفهم وعدم احتمالهم لذلك، فلما هاجر النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة، وكثر المسلمون، وقووا؛ أمرهم الله تعالى بالقتال، وأخبر أنه مكروه للنفوس، لما فيه من التعب والمشقة وحصول أنواع المخاوف والتعرض للمتالف، ومع هذا فهو خير محض لما فيه من الثواب العظيم والتحرز من العقاب الأليم والنصر على الأعداء والظفر بالغنائم، وغير ذلك مما هو مُربٍ على ما فيه من الكراهة {وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم}؛ وذلك مثل القعود عن الجهاد لطلب الراحة فإنه شرٌّ؛ لأنه يعقب الخذلان، وتسلط الأعداء على الإسلام وأهله، وحصول الذلِّ والهوان، وفوات الأجر العظيم، وحصول العقاب. وهذه الآيات عامة مطردة في أن أفعال الخير التي تكرهها النفوس لما فيها من المشقة أنها خير بلا شك، وأن أفعال الشر التي تحبها النفوس لما تتوهمه فيها من الراحة واللذة فهي شرٌّ بلا شك، وأما أحوال الدنيا فليس الأمر مطرداً، ولكن الغالب على العبد المؤمن أنه إذا أحب أمراً من الأمور فقيض الله له من الأسباب ما يصرفه عنه أنه خير له، فالأوفق له في ذلك أن يشكر الله، ويعتقد الخير في الواقع، لأنه يعلم أن الله تعالى أرحم بالعبد من نفسه، وأقدر على مصلحة عبده منه، وأعلم بمصلحته منه كما قال تعالى:{والله يعلم وأنتم لا تعلمون}؛ فاللائق بكم أن تتمشوا مع أقداره سواء سرتكم أو ساءتكم. ولما كان الأمر بالقتال لو لم يقيد؛ لشمل الأشهر الحرم وغيرها، استثنى تعالى القتال في الأشهر الحرم فقال:

البقرة 2:217

{217} الجمهور على أن تحريم القتال في الأشهر الحرم منسوخ بالأمر بقتال المشركين حيثما وجدوا. وقال بعض المفسرين: إنه لم ينسخ لأن المطلق محمول على المقيد، وهذه الآية مقيدة لعموم الأمر بالقتال مطلقاً، ولأن من جملة مزية الأشهر الحرم بل أكبر مزاياها تحريم القتال فيها، وهذا إنما هو في قتال الابتداء وأما قتال الدفع فإنه يجوز في الأشهر الحرم كما يجوز في البلد الحرام. ولما كانت هذه الآية نازلة بسبب ما حصل لسرية عبد الله بن جحش وقتلهم عمرو بن الحضرمي وأخذهم أموالهم ـ وكان ذلك على ما قيل في شهر رجب ـ عيرهم المشركون بالقتال بالأشهر الحرم وكانوا في تعييرهم ظالمين إذ فيهم من القبائح ما بعضه أعظم مما عيروا به المسلمين، قال تعالى في بيان ما فيهم:{وصد عن سبيل الله}؛ أي: صد المشركين من يريد الإيمان بالله وبرسوله وفتنتهم من آمن به وسعيهم في ردهم عن دينهم وكفرهم الحاصل في الشهر الحرام والبلد الحرام الذي هو بمجرده كاف في الشرِّ، فكيف وقد كان في شهر حرام وبلد حرام {وإخراج أهله}؛ أي: أهل المسجد الحرام وهم النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأصحابه لأنهم أحق به من المشركين وهم عُمَّاره على الحقيقة فأخرجوهم {منه}؛ ولم يمكنوهم من الوصول إليه مع أن هذا البيت سواء العاكف فيه والباد، فهذه الأمور كل واحد منها {أكبر من القتل}؛ في الشهر الحرام فكيف وقد اجتمعت فيهم فعلم أنهم فسقة ظلمة في تعييرهم المؤمنين. ثم أخبر تعالى أنهم لن يزالوا يقاتلون المؤمنين، وليس غرضهم في أموالهم وقتلهم وإنما غرضهم أن يرجعوهم عن دينهم ويكونوا كفاراً بعد إيمانهم حتى يكونوا من أصحاب السعير، فهم باذلون قدرتهم في ذلك ساعون بما أمكنهم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون. وهذا الوصف عامٌّ لكل الكفار لا يزالون يقاتلون غيرهم حتى يردوهم عن دينهم، وخصوصاً أهل الكتاب من اليهود والنصارى الذين بذلوا الجمعيات، ونشروا الدعاة، وبثوا الأطباء، وبنوا المدارس لجذب الأمم إلى دينهم، وتدخيلهم عليهم كل ما يمكنهم من الشبه التي تشككهم في دينهم، ولكن المرجو من الله تعالى الذي منَّ على المؤمنين بالإسلام، واختار لهم دينه القيم، وأكمل لهم دينه أن يتم عليهم نعمته بالقيام به أتم قيام، وأن يخذل كل من أراد أن يطفئ نوره، ويجعل كيدهم في نحورهم، وينصر دينه، ويعلي كلمته وتكون هذه الآية صادقة على هؤلاء الموجودين من الكفار كما صدقت على من قبلهم {إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله، فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون، والذين كفروا إلى جهنم يحشرون}؛ ثم أخبر تعالى أن من ارتد عن الإسلام بأن اختار عليه الكفر واستمر على ذلك حتى مات كافراً {فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة}؛ لعدم وجود شرطها وهو الإسلام {وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون}. ودلت الآية بمفهومها أن من ارتد ثم عاد إلى الإسلام أنه يرجع إليه عمله [الذي قبل ردته]، وكذلك من تاب من المعاصي فإنها تعود إليه أعماله المتقدمة.

البقرة 2:218

{218} هذه الأعمال الثلاثة هي عنوان السعادة وقطب رَحَى العبودية، وبها يعرف ما مع الإنسان من الربح والخسران، فأما الإيمان فلا تسأل عن فضيلته وكيف تسأل عن شيء هو الفاصل بين أهل السعادة وأهل الشقاوة، وأهل الجنة من أهل النار، وهو الذي إذا كان مع العبد قبلت أعمال الخير منه، وإذا عدم منه لم يقبل له صرف ولا عدل ولا فرض ولا نفل، وأما الهجرة فهي مفارقة المحبوب المألوف لرضا الله تعالى فيترك المهاجر وطنه وأمواله وأهله وخلانه تقرباً إلى الله ونصرة لدينه، وأما الجهاد فهو بذل الجهد في مقارعة الأعداء، والسعي التام في نصرة دين الله وقمع دين الشيطان، وهو ذروة الأعمال الصالحة وجزاؤه أفضل الجزاء، وهو السبب الأكبر لتوسيع دائرة الإسلام، وخذلان عباد الأصنام وأمن المسلمين على أنفسهم وأموالهم وأولادهم، فمن قام بهذه الأعمال الثلاثة على لأوائها ومشقتها، كان لغيرها أشد قياماً به وتكميلاً، فحقيق بهؤلاء أن يكونوا هم الراجون رحمة الله لأنهم أتوا بالسبب الموجب للرحمة، وفي هذا دليل على أن الرجاء لا يكون إلا بعد القيام بأسباب السعادة، وأما الرجاء المقارن للكسل وعدم القيام بالأسباب فهذا عجز وتمنٍّ وغرور، وهو دالٌّ على ضعف همة صاحبه، ونقص عقله، بمنزلة من يرجو وجود الولد بلا نكاح، ووجود الغلة بلا بذر وسقي ونحو ذلك. وفي قوله:{أولئك يرجون رحمة الله}؛ إشارة إلى أن العبد ولو أتى من الأعمال بما أتى به لا ينبغي له أن يعتمد عليها ويعول عليها، بل يرجو رحمة ربه ويرجو قبول أعماله ومغفرة ذنوبه وستر عيوبه، ولهذا قال:{والله غفور}؛ أي: لمن تاب توبة نصوحاً، {رحيم}؛ وسعت رحمته كلَّ شيء وعمَّ جُودُه وإحسانُه كلَّ حيٍّ، وفي هذا دليل على أن من قام بهذه الأعمال المذكورة حصل له مغفرة الله، إذ الحسنات يذهبن السيئات، وحصلت له رحمة الله، وإذا حصلت له المغفرة اندفعت عنه عقوبات الدنيا والآخرة التي هي آثار الذنوب التي قد غفرت، واضمحلت آثارها، وإذا حصلت له الرحمة حصل على كل خير في الدنيا والآخرة، بل أعمالهم المذكورة من رحمة الله بهم، فلولا توفيقه إياهم لم يريدوها، ولولا إقدارهم عليها، لم يقدروا عليها ولولا إحسانه لم يتمها ويقبلها منهم، فله الفضل أولاً وآخراً وهو الذي مَنَّ بالسبب والمسبب، ثم قال تعالى:

البقرة 2:219

{219} أي: يسألك يا أيها الرسولُ، المؤمنون عن أحكام الخمر والميسر، وقد كانا مستعمليْنِ في الجاهلية وأول الإسلام، فكأنه وقع فيهما إشكال، فلهذا سألوا عن حكمهما، فأمر الله تعالى نبيَّه أن يبين لهم منافعهما ومضارهما ليكون ذلك مقدمة لتحريمهما وتحتيم تركهما، فأخبر أن إثمهما ومضارهما وما يصدر عنهما من ذهاب العقل والمال والصد عن ذكر الله وعن الصلاة والعداوة والبغضاء أكبر مما يظنونه من نفعهما من كسب المال بالتجارة بالخمر وتحصيله بالقمار والطرب للنفوس عند تعاطيهما، وكان هذا البيان زاجراً للنفوس عنهما لأن العاقل يرجح ما ترجحت مصلحته، ويجتنب ما ترجحت مضرته، ولكن لما كانوا قد ألفوهما، وصعب التحتيم بتركهما أول وهلة؛ قدم هذه الآية مقدمة للتحريم الذي ذكره في قوله:{يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان} إلى قوله: {منتهون}، وهذا من لطفه ورحمته وحكمته، ولهذا لما نزلت قال عمر رضي الله عنه: انتهينا انتهينا. فأما الخمر فهو كل مسكر خامر العقل وغطاه من أي نوع كان، وأما الميسر فهو كل المغالبات التي يكون فيها عوض من الطرفين من النرد والشطرنج وكل مغالبة قولية أو فعلية بعوض، سوى مسابقة الخيل والإبل والسهام؛ فإنها مباحة لكونها معينة على الجهاد؛ [فلهذا] رخص فيها الشارع. {وَيَسۡأَلُونَكَ مَاذَا يُنۡفِقُونَ قُلِ الۡعَفۡوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الۡآيَاتِ لَعَلَّكُمۡ تَتَفَكَّرُونَ (219) فِي الدُّنۡيَا وَالۡآخِرَةِ} وهذا سؤال عن مقدار ما ينفقونه من أموالهم، فيسر الله لهم الأمر وأمرهم أن ينفقوا العفو، وهو المتيسر من أموالهم الذي لا تتعلق به حاجتهم وضرورتهم، وهذا يرجع إلى كل أحد بحسبه من غني وفقير ومتوسط، كل له قدرة على إنفاق ما عفا من ماله ولو شق تمرة، ولهذا أمر الله رسوله - صلى الله عليه وسلم -، أن يأخذ العفو من أخلاق الناس وصدقاتهم، ولا يكلفهم ما يشق عليهم؛ ذلك بأن الله تعالى لم يأمرنا بما أمرنا به حاجة منه لنا أو تكليفاً لنا بما يشق، بل أمرنا بما فيه سعادتنا وما يسهل علينا وما به النفع لنا ولإخواننا فيستحق على ذلك أتم الحمد. ولما بين تعالى هذا البيان الشافي وأطلع العباد على أسرار شرعه قال:{كذلك يبين الله لكم الآيات}؛ أي: الدالات على الحق المحصلات للعلم النافع والفرقان، {لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة}؛ أي: لكي تستعملوا أفكاركم في أسرار شرعه، وتعرفوا أن أوامره فيها مصالح الدنيا والآخرة، وأيضاً لكي تتفكروا في الدنيا وسرعة انقضائها فترفضوها، وفي الآخرة وبقائها، وأنها دار الجزاء فتعمروها.

البقرة 2:220

{220} لما نزل قوله تعالى: {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً وسيصلون سعيراً}؛ شق ذلك على المسلمين وعزلوا طعامهم عن طعام اليتامى خوفاً على أنفسهم من تناولها ولو في هذه الحالة التي جرت العادة بالمشاركة فيها، وسألوا النبي - صلى الله عليه وسلم -، عن ذلك ، فأخبرهم تعالى أن المقصود إصلاح أموال اليتامى بحفظها وصيانتها والاتجار فيها، وأن خلطتهم إياهم في طعام وغيره جائز على وجه لا يضر باليتامى لأنهم إخوانكم ومن شأن الأخ مخالطة أخيه، والمرجع في ذلك إلى النية والعمل، فمن علم [اللهُ] من نيته أنه مصلح لليتيم وليس له طمع في ماله فلو دخل عليه شيء من غير قصد لم يكن عليه بأس، ومن علم الله من نيته أن قصده بالمخالطة التوصل إلى أكلها [وتناولها] فذلك الذي حُرِّجَ وأُثِّم، والوسائل لها أحكام المقاصد. وفي هذه الآية دليل على جواز أنواع المخالطات في المآكل والمشارب والعقود وغيرها، وهذه الرخصة لطف من الله تعالى وإحسان وتوسعة على المؤمنين وإلا، فلو {شاء الله لأعنتكم}؛ أي: شق عليكم بعدم الرخصة بذلك فحُرِّجْتُم وشُقَّ عليكم وأثمتم {إن الله عزيز}؛ أي: له القوة الكاملة والقهر لكل شيء ولكنه مع ذلك {حكيم}؛ لا يفعل إلا ما هو مقتضى حكمته الكاملة وعنايته التامة فعزته لا تنافي حكمته فلا يقال إنه ما شاء فعل وافق الحكمة أو خالفها، بل يقال إن أفعاله وكذلك أحكامه تابعة لحكمته فلا يخلق شيئًا عبثًا بل لا بد له من حكمة عرفناها أم لم نعرفها، وكذلك لم يشرع لعباده شيئًا مجردًا عن الحكمة، فلا يأمر إلا بما فيه مصلحة خالصة أو راجحة ولا ينهى إلا عما فيه مفسدة خالصة أو راجحة لتمام حكمته ورحمته.

البقرة 2:221

{221} أي: {ولا تنكحوا}؛ النساء، {المشركات}؛ ما دمن على شركهن {حتى يؤمن}؛ لأن المؤمنة ولو بلغت من الدمامة ما بلغت خير من المشركة ولو بلغت من الحسن ما بلغت، وهذه عامة في جميع النساء المشركات، وخصصتها آية المائدة في إباحة نساء أهل الكتاب كما قال تعالى:{والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب}؛ {ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا}؛ وهذا عام لا تخصيص فيه، ثم ذكر تعالى الحكمة في تحريم نكاح المسلم أو المسلمة لمن خالفهما في الدين فقال:{أولئك يدعون إلى النار}؛ أي: في أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم، فمخالطتهم على خطر منهم، والخطر ليس من الأخطار الدنيوية إنما هو الشقاء الأبدي. ويستفاد من تعليل الآية النهي عن مخالطة كل مشرك ومبتدع؛ لأنه إذا لم يجز التزوج مع أن فيه مصالح كثيرة؛ فالخلطة المجردة من باب أولى وخصوصاً الخلطة التي فيها ارتفاع المشرك ونحوه على المسلم كالخدمة ونحوها. وفي قوله:{ولا تنكحوا المشركين}؛ دليل على اعتبار الولي في النكاح {والله يدعو إلى الجنة والمغفرة}؛ أي: يدعو عباده لتحصيل الجنة والمغفرة التي من آثارها دفع العقوبات؛ وذلك بالدعوة إلى أسبابها من الأعمال الصالحة والتوبة النصوح والعلم النافع والعمل الصالح، {ويبين آياته}؛ أي: أحكامه وحكمها {للناس لعلهم يتذكرون}؛ فيوجب لهم ذلك التذكر لما نسوه وعلم ما جهلوه والامتثال لما ضيَّعوه. ثم قال تعالى:

البقرة 2:222

{222} يخبر تعالى عن سؤالهم عن المحيض وهل تكون المرأة بحالها بعد الحيض كما كانت قبل ذلك أم تجتنب مطلقاً كما يفعله اليهود؟ فأخبر تعالى أن الحيض أذى وإذا كان أذى فمن الحكمة أن يمنع الله تعالى عباده عن الأذى وحده، ولهذا قال:{فاعتزلوا النساء في المحيض}؛ أي: مكان الحيض وهو الوطء في الفرج خاصة فهذا المحرم إجماعاً، وتخصيص الاعتزال في المحيض يدل على أن مباشرة الحائض وملامستها في غير الوطء في الفرج جائز، لكن قوله:{ولا تقربوهن حتى يطهرن}؛ يدل على ترك المباشرة فيما قرب من الفرج وذلك فيما بين السرة والركبة ينبغي تركه كما كان النبي - صلى الله عليه وسلم -، إذا أراد أن يباشر امرأته وهي حائض أمرها أن تتزر فيباشرها ، وحد هذا الاعتزال وعدم القربان للحيض {حتى يطهرن}؛ أي: ينقطع دمهن، فإذا انقطع الدم زال المنع الموجود وقت جريانه، الذي كان لحله شرطان: انقطاع الدم والاغتسال منه، فلما انقطع الدم زال الشرط الأول وبقي الثاني فلهذا قال:{فإذا تطهرن}؛ أي: اغتسلن، {فأتوهن من حيث أمركم الله}؛ أي: في القبل لا في الدبر لأنه محل الحرث، وفيه دليل على وجوب الاغتسال للحائض وإن انقطاع الدم شرط لصحته، ولما كان هذا المنع لطفاً منه تعالى بعباده وصيانة عن الأذى، قال تعالى:{إن الله يحب التوابين}؛ أي: من ذنوبهم على الدوام، {ويحب المتطهرين}؛ أي: المتنزهين عن الآثام، وهذا يشمل التطهر الحسي من الأنجاس والأحداث، ففيه مشروعية الطهارة مطلقاً؛ لأن الله تعالى يحب المتصف بها، ولهذا كانت الطهارة مطلقاً شرطاً لصحة الصلاة والطواف وجواز مس المصحف، ويشمل التطهر المعنوي عن الأخلاق الرذيلة والصفات القبيحة والأفعال الخسيسة. {223}{نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أَنى شئتم}؛ مقبلة ومدبرة غير أنه لا يكون إلا في القبل لكونه موضع الحرث وهو الموضع الذي يكون منه الولد، وفيه دليل على تحريم الوطء في الدبر؛ لأن الله لم يبح إتيان المرأة إلا في الموضع الذي منه الحرث. وقد تكاثرت الأحاديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، في تحريم ذلك ولعن فاعله. {وقدموا لأنفسكم}؛ أي: من التقرب إلى الله بفعل الخيرات، ومن ذلك أن يباشر الرجل امرأته ويجامعها على وجه القربة والاحتساب وعلى رجاء تحصيل الذرية الذين ينفع الله بهم. {واتقوا الله}؛ أي: في جميع أحوالكم كونوا ملازمين لتقوى الله مستعينين على ذلك بعلمكم، {أنكم ملاقوه}؛ ومجازيكم على أعمالكم الصالحة وغيرها، [ثم قال]: {وبشر المؤمنين}؛ لم يذكر المبَشر به ليدل على العموم وأن لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وكل خير واندفاع كل ضير رُتِّب على الإيمان فهو داخل في هذه البشارة، وفيها محبة الله للمؤمنين ومحبة ما يسرهم واستحباب تنشيطهم وتشويقهم بما أعد الله لهم من الجزاء الدنيوي والأخروي.

البقرة 2:223

{222} يخبر تعالى عن سؤالهم عن المحيض وهل تكون المرأة بحالها بعد الحيض كما كانت قبل ذلك أم تجتنب مطلقاً كما يفعله اليهود؟ فأخبر تعالى أن الحيض أذى وإذا كان أذى فمن الحكمة أن يمنع الله تعالى عباده عن الأذى وحده، ولهذا قال:{فاعتزلوا النساء في المحيض}؛ أي: مكان الحيض وهو الوطء في الفرج خاصة فهذا المحرم إجماعاً، وتخصيص الاعتزال في المحيض يدل على أن مباشرة الحائض وملامستها في غير الوطء في الفرج جائز، لكن قوله:{ولا تقربوهن حتى يطهرن}؛ يدل على ترك المباشرة فيما قرب من الفرج وذلك فيما بين السرة والركبة ينبغي تركه كما كان النبي - صلى الله عليه وسلم -، إذا أراد أن يباشر امرأته وهي حائض أمرها أن تتزر فيباشرها ، وحد هذا الاعتزال وعدم القربان للحيض {حتى يطهرن}؛ أي: ينقطع دمهن، فإذا انقطع الدم زال المنع الموجود وقت جريانه، الذي كان لحله شرطان: انقطاع الدم والاغتسال منه، فلما انقطع الدم زال الشرط الأول وبقي الثاني فلهذا قال:{فإذا تطهرن}؛ أي: اغتسلن، {فأتوهن من حيث أمركم الله}؛ أي: في القبل لا في الدبر لأنه محل الحرث، وفيه دليل على وجوب الاغتسال للحائض وإن انقطاع الدم شرط لصحته، ولما كان هذا المنع لطفاً منه تعالى بعباده وصيانة عن الأذى، قال تعالى:{إن الله يحب التوابين}؛ أي: من ذنوبهم على الدوام، {ويحب المتطهرين}؛ أي: المتنزهين عن الآثام، وهذا يشمل التطهر الحسي من الأنجاس والأحداث، ففيه مشروعية الطهارة مطلقاً؛ لأن الله تعالى يحب المتصف بها، ولهذا كانت الطهارة مطلقاً شرطاً لصحة الصلاة والطواف وجواز مس المصحف، ويشمل التطهر المعنوي عن الأخلاق الرذيلة والصفات القبيحة والأفعال الخسيسة. {223}{نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أَنى شئتم}؛ مقبلة ومدبرة غير أنه لا يكون إلا في القبل لكونه موضع الحرث وهو الموضع الذي يكون منه الولد، وفيه دليل على تحريم الوطء في الدبر؛ لأن الله لم يبح إتيان المرأة إلا في الموضع الذي منه الحرث. وقد تكاثرت الأحاديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، في تحريم ذلك ولعن فاعله. {وقدموا لأنفسكم}؛ أي: من التقرب إلى الله بفعل الخيرات، ومن ذلك أن يباشر الرجل امرأته ويجامعها على وجه القربة والاحتساب وعلى رجاء تحصيل الذرية الذين ينفع الله بهم. {واتقوا الله}؛ أي: في جميع أحوالكم كونوا ملازمين لتقوى الله مستعينين على ذلك بعلمكم، {أنكم ملاقوه}؛ ومجازيكم على أعمالكم الصالحة وغيرها، [ثم قال]: {وبشر المؤمنين}؛ لم يذكر المبَشر به ليدل على العموم وأن لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وكل خير واندفاع كل ضير رُتِّب على الإيمان فهو داخل في هذه البشارة، وفيها محبة الله للمؤمنين ومحبة ما يسرهم واستحباب تنشيطهم وتشويقهم بما أعد الله لهم من الجزاء الدنيوي والأخروي.

البقرة 2:224

{224} المقصود من اليمين والقسم تعظيم المُقْسَمِ به وتأكيد المُقْسَم عليه. وكان الله تعالى قد أمر بحفظ الأيمان وكان مقتضى ذلك حفظها في كل شيء، ولكن الله تعالى استثنى من ذلك إذا كان البر باليمين يتضمن ترك ما هو أحب إليه فنهى عباده أن يجعلوا أيمانهم عرضة أي مانعة وحائلة عن أن يبروا أي يفعلوا خيراً ويتقوا شرًّا ويصلحوا بين الناس، فمن حلف على ترك واجب وجب حِنْثه وحرم إقامته على يمينه، ومن حلف على ترك مستحب استحب له الحِنْثُ، ومن حلف على فعل محرَّم وجب الحِنْثُ، أو على فعل مكروه استحب الحِنْث. وأما المباح فينبغي فيه حفظ اليمين عن الحِنْث. ويستدل بهذه الآية على القاعدة المشهورة أنه إذا تزاحمت المصالح قدم أهمها، فهنا تتميم اليمين مصلحة، وامتثال أوامر الله في هذه الأشياء مصلحة أكبر من ذلك، فقدمت لذلك. ثم ختم الآية بهذين الاسمين الكريمين فقال:{والله سميع}؛ أي: لجميع الأصوات، {عليم}؛ بالمقاصد والنيات، ومنه سماعه لأقوال الحالفين وعلمه بمقاصدهم هل هي خير أم شرٌّ، وفي ضمن ذلك التحذير من مجازاته، وأن أعمالكم ونياتكم قد استقر علمها عنده. ثم قال تعالى:

البقرة 2:225

{225} أي: لا يؤاخذكم بما يجري على ألسنتكم من الأيمان اللاغية التي يتكلم بها العبد، من غير قصد منه، ولا كسب قلب، ولكنها جرت على لسانه، كقول الرجل في عرض كلامه: لا والله وبلى والله، وكحلفه على أمر ماضٍ يظن صدق نفسه، وإنما المؤاخذة على ما قصده القلب، وفي هذا دليل على اعتبار المقاصد في الأقوال كما هي معتبرة في الأفعال، والله غفور لمن تاب إليه، حليم بمن عصاه حيث لم يعاجلْه بالعقوبة، بل حلم عنه، وستر، وصفح مع قدرته عليه وكونه بين يديه.

البقرة 2:226

{226} وهذا من الأيمان الخاصة بالزوجة في أمر خاص وهو حلف الرجل على ترك وطء زوجته مطلقاً أو مقيداً بأقل من أربعة أشهر أو أكثر، فمن آلى من زوجته خاصة فإن كان لدون أربعة أشهر فهذا مثل سائر الأيمان إن حنث كفَّر وإن أتم يمينه فلا شيء عليه، وليس لزوجته عليه سبيل لأنه مَلَّكَه أربعة أشهر، وإن كان أبداً أو مدة تزيد على أربعة أشهر ضربت له مدة أربعة أشهر من يمينه إذا طلبت زوجته ذلك لأنه حق لها، فإذا تمت أمر بالفيئة وهو الوطء، فإن وطئ فلا شيء عليه إلا كفارة اليمين، وإن امتنع أجبر على الطلاق، فإن امتنع طلق عليه الحاكم ولكن الفيئة والرجوع إلى زوجته أحب إلى الله تعالى، ولهذا قال:{فإن فاءوا}؛ أي: رجعوا إلى ما حلفوا على تركه وهو الوطء، {فإن الله غفور}؛ يغفر لهم ما حصل منهم من الحلف بسبب رجوعهم {رحيم}؛ حيث جعل لأيمانهم كفارة وتحلة ولم يجعلها لازمة لهم غير قابلة للانفكاك، ورحيم بهم أيضاً حيث فاءوا إلى زوجاتهم وحنوا عليهن ورحموهن. {227}{وإن عزموا الطلاق}؛ أي امتنعوا من الفيئة فكان ذلك دليلاً على رغبتهم عنهن وعدم إرادتهم لأزواجهم، وهذا لا يكون إلا عزماً على الطلاق فإن حصل هذا الحق الواجب منه مباشرة وإلا أجبره الحاكم عليه أو قام به {فإن الله سميع عليم}؛ فيه وعيد وتهديد لمن يحلف هذا الحلف ويقصد بذلك المضارة والمشاقة. ويستدل بهذه الآية على أن الإيلاء خاص بالزوجة لقوله من نسائهم، وعلى وجوب الوطء في كل أربعة أشهر مرة؛ لأنه بعد الأربعة يجبر إما على الوطء أو على الطلاق، ولا يكون ذلك إلا لتركه واجباً.

البقرة 2:227

{226} وهذا من الأيمان الخاصة بالزوجة في أمر خاص وهو حلف الرجل على ترك وطء زوجته مطلقاً أو مقيداً بأقل من أربعة أشهر أو أكثر، فمن آلى من زوجته خاصة فإن كان لدون أربعة أشهر فهذا مثل سائر الأيمان إن حنث كفَّر وإن أتم يمينه فلا شيء عليه، وليس لزوجته عليه سبيل لأنه مَلَّكَه أربعة أشهر، وإن كان أبداً أو مدة تزيد على أربعة أشهر ضربت له مدة أربعة أشهر من يمينه إذا طلبت زوجته ذلك لأنه حق لها، فإذا تمت أمر بالفيئة وهو الوطء، فإن وطئ فلا شيء عليه إلا كفارة اليمين، وإن امتنع أجبر على الطلاق، فإن امتنع طلق عليه الحاكم ولكن الفيئة والرجوع إلى زوجته أحب إلى الله تعالى، ولهذا قال:{فإن فاءوا}؛ أي: رجعوا إلى ما حلفوا على تركه وهو الوطء، {فإن الله غفور}؛ يغفر لهم ما حصل منهم من الحلف بسبب رجوعهم {رحيم}؛ حيث جعل لأيمانهم كفارة وتحلة ولم يجعلها لازمة لهم غير قابلة للانفكاك، ورحيم بهم أيضاً حيث فاءوا إلى زوجاتهم وحنوا عليهن ورحموهن. {227}{وإن عزموا الطلاق}؛ أي امتنعوا من الفيئة فكان ذلك دليلاً على رغبتهم عنهن وعدم إرادتهم لأزواجهم، وهذا لا يكون إلا عزماً على الطلاق فإن حصل هذا الحق الواجب منه مباشرة وإلا أجبره الحاكم عليه أو قام به {فإن الله سميع عليم}؛ فيه وعيد وتهديد لمن يحلف هذا الحلف ويقصد بذلك المضارة والمشاقة. ويستدل بهذه الآية على أن الإيلاء خاص بالزوجة لقوله من نسائهم، وعلى وجوب الوطء في كل أربعة أشهر مرة؛ لأنه بعد الأربعة يجبر إما على الوطء أو على الطلاق، ولا يكون ذلك إلا لتركه واجباً.

البقرة 2:228

{228} أي: النساء [اللاتي] طلقهن أزواجهن {يتربصن بأنفسهن}؛ أي: ينتظرن ويعتددن مدة {ثلاثة قروء}؛ أي: حيض أو أطهار على اختلاف العلماء في المراد بذلك مع أن الصحيح أن القرء الحيض، ولهذه العدة عدة حكم منها العلم ببراءة الرحم إذا تكررت عليها ثلاثة الأقراء علم أنه ليس في رحمها حمل فلا يفضي إلى اختلاط الأنساب، ولهذا أوجب تعالى عليهن الإخبار عن، {ما خلق الله في أرحامهن}؛ وحرم عليهن كتمان ذلك من حمل أو حيض، لأن كتمان ذلك يفضي إلى مفاسد كثيرة فكتمان الحمل موجب أن تلحقه بغير من هو له رغبة فيه أو استعجالاً لانقضاء العدة فإذا ألحقته بغير أبيه حصل من قطع الرحم والإرث واحتجاب محارمه وأقاربه عنه، وربما تزوج ذوات محارمه وحصل في مقابلة ذلك إلحاقه بغير أبيه وثبوت توابع ذلك من الإرث منه وله، ومن جعل أقارب الملحق به أقارب له وفي ذلك من الشر والفساد ما لا يعلمه إلا رب العباد، ولو لم يكن في ذلك إلا إقامتها مع من نكاحها باطل في حقه، وفيه الإصرار على الكبيرة العظيمة وهي الزنا لكفى بذلك شرًّا. وأما كتمان الحيض فإن استعجلت فأخبرت به وهي كاذبة ففيه من انقطاع حق الزوج عنها وإباحتها لغيره وما يتفرع عن ذلك من الشرِّ كما ذكرنا، وإن كذبت وأخبرت بعدم وجود الحيض لتطول العدة فتأخذ منه نفقة غير واجبة عليه بل هي سحت عليها محرمة من جهتين: من كونها لا تستحقه، ومن كونها نسبته إلى حكم الشرع وهي كاذبة، وربما راجعها بعد انقضاء العدة فيكون ذلك سفاحاً لكونها أجنبية منه، فلهذا قال تعالى:{ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر}. فصدور الكتمان منهن دليل على عدم إيمانهن بالله واليوم الآخر وإلا فلو آمنَّ بالله واليوم الآخر وعرفن أنهن مجزيات عن أعمالهن لم يصدر منهن شيء من ذلك، وفي ذلك دليل على قبول خبر المرأة عما تخبر بها عن نفسها من الأمر الذي لا يطلع عليه غيرها كالحمل والحيض ونحوهما. ثم قال تعالى:{وبعولتهن أحق بردهن في ذلك}؛ أي: لأزواجهن ما دامت متربصة في تلك العدة أن يردوهن إلى نكاحهن {إن أرادوا إصلاحاً}؛ أي: رغبة وألفة ومودة، ومفهوم الآية أنهم إن لم يريدوا الإصلاح فليسوا بأحق بردهن فلا يحل لهم أن يراجعوهن لقصد المضارة لها وتطويل العدة عليها، وهل يملك ذلك مع هذا القصد؟ فيه قولان: الجمهور على أنه يملك ذلك مع التحريم، والصحيح أنه إذا لم يرد الإصلاح لا يملك ذلك كما هو ظاهر الآية الكريمة، وهذه حكمة أخرى في هذا التربص، وهي أنه ربما أن زوجها ندم على فراقه لها فجعلت له هذه المدة ليتروى بها ويقطع نظره، وهذا يدل على محبته تعالى للألفة بين الزوجين وكراهته للفراق كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أبغض الحلال إلى الله الطلاق» ، وهذا خاص في الطلاق الرجعي، وأما الطلاق البائن فليس البعل بأحق برجعتها، بل إن تراضيا على التراجع فلا بد من عقد جديد مجتمع الشروط. ثم قال تعالى:{ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف}؛ أي: وللنساء على بعولتهن من الحقوق واللوازم مثل الذي عليهن لأزواجهن من الحقوق اللازمة والمستحبة، ومرجع الحقوق بين الزوجين إلى المعروف وهو العادة الجارية في ذلك البلد وذلك الزمان من مثلها لمثله، ويختلف ذلك باختلاف الأزمنة والأمكنة والأحوال والأشخاص والعوائد، وفي هذا دليل على أن النفقة والكسوة والمعاشرة والمسكن وكذلك الوطء الكل يرجع إلى المعروف، فهذا موجب العقد المطلق، وأما مع الشرط فعلى شرطهما، إلا شرطاً أحل حراماً أو حرم حلالاً. {وللرجال عليهن درجة}؛ أي: رفعة ورياسة وزيادة حق عليها كما قال تعالى: {الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم}؛ ومنصب النبوة والقضاء والإمامة الصغرى والكبرى وسائر الولايات [مختصٌّ] بالرجال، وله ضعفا ما لها في كثير من الأمور كالميراث ونحوه {والله عزيز حكيم}؛ أي: له العزة القاهرة والسلطان العظيم الذي دانت له جميع الأشياء، ولكنه مع عزته حكيم في تصرفه. ويخرج من عموم هذه الآية الحوامل فعدتهن وضع الحمل، واللاتي لم يدخل بهن فليس لهن عدة، والإماء فعدتهن حيضتان كما هو قول الصحابة رضي الله عنهم، وسياق الآية يدل على أن المراد بها الحرة.

البقرة 2:229

{229} كان الطلاق في الجاهلية واستمر أول الإسلام يطلق الرجل زوجته بلا نهاية، فكان إذا أراد مضارتها طلقها فإذا شارفت انقضاء عدتها راجعها ثم طلقها وصنع بها مثل ذلك أبداً، فيحصل عليها من الضرر ما الله به عليم. فأخبر تعالى أن {الطلاق}؛ أي: الذي تحصل به الرجعة، {مرتان}؛ ليتمكن الزوج إن لم يرد المضارة من ارتجاعها ويراجع رأيه في هذه المدة، وأما ما فوقها فليس محلاًّ لذلك؛ لأن من زاد على الثنتين فإما متجرئ على المحرم أو ليس له رغبة في إمساكها بل قصده المضارة، فلهذا أمر تعالى الزوج أن يمسك زوجته {بمعروف}؛ أي: عشرة حسنة ويجري مجرى أمثاله مع زوجاتهم، وهذا هو الأرجح، وإلا يسرحها ويفارقها، {بإحسان}؛ ومن الإحسان أن لا يأخذ على فراقه لها شيئاً من مالها لأنه ظلم وأخذ للمال في غير مقابلة بشيء، فلهذا قال:{ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً إلا أن يخافا أن لا يقيما حدود الله}؛ وهي المخالعة بالمعروف بأن كرهت الزوجة زوجها لخُلُقِه أو خَلْقِه أو نقص دينه، وخافت أن لا تطيع الله فيه {فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به}؛ لأنه عوض لتحصيل مقصودها من الفرقة، وفي هذا مشروعية الخلع إذا وجدت هذه الحكمة {تلك}؛ أي: ما تقدم من الأحكام الشرعية، {حدود الله}؛ أي: أحكامه التي شرعها لكم وأمر بالوقوف معها {ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون}، وأي ظلم أعظم ممن اقتحم الحلال وتعدى منه إلى الحرام فلم يسعه ما أحل الله؟ والظلم ثلاثة أقسام: ظلم العبد فيما بينه وبين الله، وظلم العبد الأكبر الذي هو الشرك، وظلم العبد فيما بينه وبين الخلق. فالشرك لا يغفره الله إلاَّ بالتوبة، وحقوق العباد لا يترك الله منها شيئاً، والظلم الذي بين العبد وربه فيما دون الشرك تحت المشيئة والحكمة.

البقرة 2:230

{230} يقول تعالى: {فإن طلقها}؛ أي: الطلقة الثالثة {فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجًا غيره}؛ أي: نكاحاً صحيحاً ويطأها، لأن النكاح الشرعي لا يكون إلا صحيحاً ويدخل فيه العقد والوطء وهذا بالاتفاق، ويتعين أن يكون نكاح الثاني نكاح رغبة، فإن قصد به تحليلها للأول فليس بنكاح ولا يفيد التحليل، ولا يفيد وطء السيد لأنه ليس بزوج، فإذا تزوجها الثاني راغباً، ووطأها، ثم فارقها وانقضت عدتها {فلا جناح عليهما}؛ أي: على الزوج الأول والزوجة {أن يتراجعا}؛ أي: يجددا عقداً جديداً بينهما لإضافته التراجع إليهما، فدل على اعتبار التراضي، ولكن يشترط في التراجع أن يظنا {أن يقيما حدود الله}؛ بأن يقوم كل منهما بحق صاحبه، وذلك إذا ندما على عشرتهما السابقة الموجبة للفراق، وعزما أن يبدلاها بعشرة حسنة، فهنا لا جناح عليهما في التراجع. ومفهوم الآية الكريمة أنهما إن لم يظنا أن يقيما حدود الله بأن غلب على ظنهما أن الحال السابقة باقية والعشرة السيئة غير زائلة أن عليهما في ذلك جناحاً، لأن جميع الأمور إن لم يقم فيها أمر الله ويسلك بها طاعته لم يحل الإقدام عليها، وفي هذا دلالة على أنه ينبغي للإنسان إذا أراد أن يدخل في أمر من الأمور، خصوصاً الولايات الصغار والكبار، أن ينظر في نفسه، فإن رأى من نفسه قوة على ذلك ووثق بها أقدم وإلا أحجم. ولما بيَّن تعالى هذه الأحكام العظيمة قال:{وتلك حدود الله}؛ أي: شرائعه التي حددها وبينها ووضحها، {يبينها لقوم يعلمون}؛ لأنهم هم المنتفعون بها النافعون لغيرهم، وفي هذا من فضيلة أهل العلم ما لا يخفى، لأن الله تعالى جعل تبيينه لحدوده خاصًّا بهم وأنهم المقصودون بذلك، وفيه أن الله تعالى يحب من عباده معرفة حدود ما أنزل على رسوله والتفقه بها. {231} ثم قال تعالى: {وإذا طلقتم النساء}؛ أي: طلاقاً رجعياً بواحدة أو اثنتين {فبلغن أجلهن}؛ أي: قاربن انقضاء عدتهن {فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف}؛ أي: إما أن تراجعوهن ونيتكم القيام بحقوقهن، أو تتركوهن بلا رجعة ولا إضرار، ولهذا قال:{ولا تمسكوهن ضرارًا}؛ أي: مضارة بهن {لتعتدوا} في فعلكم هذا الحلال إلى الحرام، فالحلال الإمساك بالمعروف والحرام المضارة، {ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه}، ولو كان الحق يعود للمخلوق فالضرر عائد إلى من أراد الضرار، {ولا تتخذوا آيات الله هزواً}، لما بين تعالى حدوده غاية التبيين وكان المقصود العلم بها والعمل والوقوف معها وعدم مجاوزتها، لأنه تعالى لم ينزلها عبثاً بل أنزلها بالحق والصدق والجد، نهى عن اتخاذها هزواً، أي: لعباً بها وهو التجري عليها وعدم الامتثال لواجبها، مثل: استعمال المضارة في الإمساك أو الفراق أو كثرة الطلاق أو جمع الثلاث، والله من رحمته جعل له واحدة بعد واحدة رفقاً به، وسعياً في مصلحته. {واذكروا نعمة الله عليكم}؛ عموماً باللسان حمداً وثناء وبالقلب اعترافاً وإقراراً وبالأركان بصرفها في طاعة الله {وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة}؛ أي: السنة، اللذين بَيَّن لكم بهما طرق الخير، ورغبكم فيها، وطرق الشر، وحذركم إياها، وعرفكم نفسه ووقائعه في أوليائه وأعدائه، وعلمكم ما لم تكونوا تعلمون، وقيل المراد بالحكمة أسرار الشريعة، فالكتاب فيه الحكم، والحكمة فيها بيان حكمة الله في أوامره ونواهيه، وكلا المعنيين صحيح، ولهذا قال:{يعظكم به}؛ أي: بما أنزل عليكم، وهذا مما يقوي أن المراد بالحكمة أسرارُ الشريعة لأن الموعظة ببيان الحكم والحكمة والترغيب أو الترهيب، فالحكم به يزول الجهل، والحكمة مع الترغيب يوجب الرغبة، والحكمة مع الترهيب يوجب الرهبة {واتقوا الله} في جميع أموركم {واعلموا أن الله بكل شيء عليم}؛ فلهذا بين لكم هذه الأحكام بغاية الإتقان والإحكام التي هي جارية مع المصالح في كل زمان ومكان، فله الحمد والمنة.

البقرة 2:231

{230} يقول تعالى: {فإن طلقها}؛ أي: الطلقة الثالثة {فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجًا غيره}؛ أي: نكاحاً صحيحاً ويطأها، لأن النكاح الشرعي لا يكون إلا صحيحاً ويدخل فيه العقد والوطء وهذا بالاتفاق، ويتعين أن يكون نكاح الثاني نكاح رغبة، فإن قصد به تحليلها للأول فليس بنكاح ولا يفيد التحليل، ولا يفيد وطء السيد لأنه ليس بزوج، فإذا تزوجها الثاني راغباً، ووطأها، ثم فارقها وانقضت عدتها {فلا جناح عليهما}؛ أي: على الزوج الأول والزوجة {أن يتراجعا}؛ أي: يجددا عقداً جديداً بينهما لإضافته التراجع إليهما، فدل على اعتبار التراضي، ولكن يشترط في التراجع أن يظنا {أن يقيما حدود الله}؛ بأن يقوم كل منهما بحق صاحبه، وذلك إذا ندما على عشرتهما السابقة الموجبة للفراق، وعزما أن يبدلاها بعشرة حسنة، فهنا لا جناح عليهما في التراجع. ومفهوم الآية الكريمة أنهما إن لم يظنا أن يقيما حدود الله بأن غلب على ظنهما أن الحال السابقة باقية والعشرة السيئة غير زائلة أن عليهما في ذلك جناحاً، لأن جميع الأمور إن لم يقم فيها أمر الله ويسلك بها طاعته لم يحل الإقدام عليها، وفي هذا دلالة على أنه ينبغي للإنسان إذا أراد أن يدخل في أمر من الأمور، خصوصاً الولايات الصغار والكبار، أن ينظر في نفسه، فإن رأى من نفسه قوة على ذلك ووثق بها أقدم وإلا أحجم. ولما بيَّن تعالى هذه الأحكام العظيمة قال:{وتلك حدود الله}؛ أي: شرائعه التي حددها وبينها ووضحها، {يبينها لقوم يعلمون}؛ لأنهم هم المنتفعون بها النافعون لغيرهم، وفي هذا من فضيلة أهل العلم ما لا يخفى، لأن الله تعالى جعل تبيينه لحدوده خاصًّا بهم وأنهم المقصودون بذلك، وفيه أن الله تعالى يحب من عباده معرفة حدود ما أنزل على رسوله والتفقه بها. {231} ثم قال تعالى: {وإذا طلقتم النساء}؛ أي: طلاقاً رجعياً بواحدة أو اثنتين {فبلغن أجلهن}؛ أي: قاربن انقضاء عدتهن {فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف}؛ أي: إما أن تراجعوهن ونيتكم القيام بحقوقهن، أو تتركوهن بلا رجعة ولا إضرار، ولهذا قال:{ولا تمسكوهن ضرارًا}؛ أي: مضارة بهن {لتعتدوا} في فعلكم هذا الحلال إلى الحرام، فالحلال الإمساك بالمعروف والحرام المضارة، {ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه}، ولو كان الحق يعود للمخلوق فالضرر عائد إلى من أراد الضرار، {ولا تتخذوا آيات الله هزواً}، لما بين تعالى حدوده غاية التبيين وكان المقصود العلم بها والعمل والوقوف معها وعدم مجاوزتها، لأنه تعالى لم ينزلها عبثاً بل أنزلها بالحق والصدق والجد، نهى عن اتخاذها هزواً، أي: لعباً بها وهو التجري عليها وعدم الامتثال لواجبها، مثل: استعمال المضارة في الإمساك أو الفراق أو كثرة الطلاق أو جمع الثلاث، والله من رحمته جعل له واحدة بعد واحدة رفقاً به، وسعياً في مصلحته. {واذكروا نعمة الله عليكم}؛ عموماً باللسان حمداً وثناء وبالقلب اعترافاً وإقراراً وبالأركان بصرفها في طاعة الله {وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة}؛ أي: السنة، اللذين بَيَّن لكم بهما طرق الخير، ورغبكم فيها، وطرق الشر، وحذركم إياها، وعرفكم نفسه ووقائعه في أوليائه وأعدائه، وعلمكم ما لم تكونوا تعلمون، وقيل المراد بالحكمة أسرار الشريعة، فالكتاب فيه الحكم، والحكمة فيها بيان حكمة الله في أوامره ونواهيه، وكلا المعنيين صحيح، ولهذا قال:{يعظكم به}؛ أي: بما أنزل عليكم، وهذا مما يقوي أن المراد بالحكمة أسرارُ الشريعة لأن الموعظة ببيان الحكم والحكمة والترغيب أو الترهيب، فالحكم به يزول الجهل، والحكمة مع الترغيب يوجب الرغبة، والحكمة مع الترهيب يوجب الرهبة {واتقوا الله} في جميع أموركم {واعلموا أن الله بكل شيء عليم}؛ فلهذا بين لكم هذه الأحكام بغاية الإتقان والإحكام التي هي جارية مع المصالح في كل زمان ومكان، فله الحمد والمنة.

البقرة 2:232

{232} هذا خطاب لأولياء المرأة المطلقة دون الثلاث إذا خرجت من العدة وأراد زوجها أن ينكحها ورضيت بذلك فلا يجوز لوليها من أب وغيره أن يعضلها أي يمنعها من التزوج به حنقاً عليه وغضباً واشمئزازاً لما فعل من الطلاق الأول، وذكر أن من كان يؤمن بالله واليوم الآخر؛ فإيمانه يمنعه من العضل، ذلك {أزكى لكم وأطهر}؛ وأطيب مما يظن الولي أن عدم تزويجه هو الرأي واللائق وأنه يقابل بطلاقه الأول بعدم تزويجه كما هو عادة المترفعين المتكبرين، فإن كان يظن أن المصلحة في عدم تزويجه. فالله {يعلم وأنتم لا تعلمون}؛ فامتثلوا أمر من هو عالم بمصالحكم، مريد لها قادر عليها، ميسر لها من الوجه الذي تعرفون وغيره. وفي هذه الآية دليل على أنه لا بد من الولي في النكاح لأنه نهى الأولياء عن العضل، ولا ينهاهم إلا عن أمر هو تحت تدبيرهم ولهم فيه حق. ثم قال تعالى:

البقرة 2:233

{233} هذا خبر بمعنى الأمر تنزيلاً له منزلة المتقرر الذي لا يحتاج إلى أمر بأن {يرضعن أولادهن حولين}؛ ولما كان الحول يطلق على الكامل وعلى معظم الحول قال:{كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة}؛ فإذا تم للرضيع حولان فقد تم رضاعه وصار اللبن بعد ذلك بمنزلة سائر الأغذية، فلهذا كان الرضاع بعد الحولين غير معتبر لا يُحَرِّم. ويؤخذ من هذا النص ومن قوله تعالى:{وحمله وفصاله ثلاثون شهراً}؛ أن أقل مدة الحمل ستة أشهر وأنه يمكن وجود الولد بها {وعلى المولود له}؛ أي: الأب، {رزقهن وكسوتهن بالمعروف}؛ وهذا شامل لما إذا كانت في حباله أو مطلقة، فإن على الأب رزقها؛ أي: نفقتها وكسوتها وهي الأجرة للرضاع، ودل هذا على أنها إذا كانت في حباله لا يجب لها أجرة غير النفقة والكسوة وكل بحسب حاله، فلهذا قال:{لا تكلف نفس إلا وسعها}؛ فلا يكلف الفقير أن ينفق نفقة الغني ولا من لم يجد شيئاً بالنفقة حتى يجد {لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده}؛ أي: لا يحل أن تضار الوالدة بسبب ولدها، إما أن تمنع من إرضاعه أو لا تعطى ما يجب لها من النفقة والكسوة أو الأجرة {ولا مولود له بولده}؛ بأن تمتنع من إرضاعه على وجه المضارة [له] أو تطلب زيادة عن الواجب ونحو ذلك من أنواع الضرر، ودل قوله:{مولود له}؛ أن الولد لأبيه لأنه موهوب له ولأنه من كسبه، فلذلك جاز له الأخذ من ماله رضيَ أو لم يرضَ، بخلاف الأم. وقوله:{وعلى الوارث مثل ذلك}؛ أي: على وارث الطفل إذا عدم الأب، وكان الطفل ليس له مال مثل ما على الأب من النفقة للمرضع والكسوة، فدل على وجوب نفقة الأقارب المعسرين على القريب الوارث الموسر، {فإن أرادا}؛ أي: الأبوان، {فصالاً}؛ أي: فطام الصبي قبل الحولين، {عن تراضٍ منهما}؛ بأن يكونا راضيين، {وتشاور}؛ فيما بينهما هل هو مصلحة للصبي أم لا؟ فإن كان مصلحة ورضيا {فلا جناح عليهما}؛ في فطامه قبل الحولين، فدلت الآية بمفهومها على أنه إن رضي أحدهما دون الآخر أو لم يكن مصلحة للطفل أنه لا يجوز فطامه. وقوله:{وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم}؛ أي: تطلبوا لهم المراضع غير أمهاتهم على غير وجه المضارة، {فلا جناح عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف}؛ أي: للمرضعات، {والله بما تعملون بصير}؛ فمجازيكم على ذلك بالخير والشر.

البقرة 2:234

{234} أي: إذا توفي الزوج مكثت زوجته متربصة أربعة أشهر وعشرة أيام وجوباً، والحكمة في ذلك ليتبين الحمل في مدة الأربعة ويتحرك في ابتدائه في الشهر الخامس، وهذا العام مخصوص بالحوامل، فإن عدتهن بوضع الحمل، وكذلك الأمة عدتها على النصف من عدة الحرة شهران وخمسة أيام. وقوله:{فإذا بلغن أجلهن}؛ أي: انقضت عدتهن، {فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن}؛ أي: من مراجعتها للزينة والطيب، {بالمعروف}؛ أي: على وجه غير محرم ولا مكروه، وفي هذا وجوب الإحداد مدة العدة على المتوفى عنها زوجها دون غيرها من المطلقات والمفارقات وهو مجمع عليه بين العلماء، {والله بما تعملون خبير}؛ أي: عالم بأعمالكم ظاهرها وباطنها جليِّها وخفيها فمجازيكم عليها، وفي خطابه للأولياء بقوله:{فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن}؛ دليل على أن الولي ينظر على المرأة ويمنعها مما لا يجوز فعله، ويجبرها على ما يجب وأنه مخاطب بذلك واجب عليه.

البقرة 2:235

{235} هذا حكم المعتدة من وفاة أو المبانة في الحياة، فيحرم على غير مبينها أن يصرح لها في الخطبة وهو المراد بقوله:{ولكن لا تواعدوهن سرًّا}؛ وأما التعريض فقد أسقط تعالى فيه الجناح، والفرق بينهما أن التصريح لا يحتمل غير النكاح فلهذا حرم خوفاً من استعجالها وكذبها في انقضاء عدتها رغبة في النكاح، ففيه دلالة على منع وسائل المحرم وقضاء لحق زوجها الأول بعدم مواعدتها لغيره مدة عدتها، وأما التعريض وهو الذي يحتمل النكاح وغيره فهو جائز للبائن كأن يقول [لها]: إني أريد التزوج وإني أحب أن تشاوريني عند انقضاء عدتك ونحو ذلك، فهذا جائز لأنه ليس بمنزلة الصريح، وفي النفوس داعٍ قوي إليه، وكذا إضمار الإنسان في نفسه أن يتزوج من هي في عدتها إذا انقضت، ولهذا قال:{أو أكننتم في أنفسكم علم الله أنكم ستذكرونهن}؛ هذا التفصيل كله في مقدمات العقد، وأما عقد النكاح فلا يحل، {حتى يبلغ الكتاب أجله}؛ أي: تنقضي العدة. {واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم}؛ أي: فانووا الخير ولا تنووا الشرَّ خوفاً من عقابه ورجاء لثوابه، {واعلموا أن الله غفور}؛ لمن صدرت منه الذنوب فتاب منها، ورجع إلى ربه، {حليم}؛ حيث لم يعاجل العاصينَ على معاصيهم مع قدرته عليهم.

البقرة 2:236

{236} أي: ليس عليكم ـ يا معشر الأزواج ـ جناح وإثم بتطليق النساء قبل المسيس وفرض المهر وإن كان في ذلك كسر لها فإنه ينجبر بالمتعة فعليكم أن تمتعوهن؛ بأن تعطوهن شيئاً من المال جبراً لخواطرهن {على الموسع قدره وعلى المقتر}؛ أي: المعسر، {قدره}؛ وهذا يرجع إلى العرف وأنه يختلف باختلاف الأحوال ولهذا قال:{متاعاً بالمعروف}؛ فهذا حق واجب {على المحسنين}؛ ليس لهم أن يبخسوهن، فكما تسببوا لتشوفهن واشتياقهن وتعلق قلوبهن، ثم لم يعطوهن ما رغبن فيه فعليهم في مقابلة ذلك المتعة. فلله ما أحسن هذا الحكم الإلهي وأدله على حكمة شارعه ورحمته! ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون؟! فهذا حكم المطلقات قبل المسيس وقبل فرض المهر، ثم ذكر حكم المفروض لهن فقال:

البقرة 2:237

{237} أي: إذا طلقتم النساء قبل المسيس وبعد فرض المهر فللمطلقات من المهر المفروض نصفه ولكم نصفه، هذا هو الواجب ما لم يدخله عفو ومسامحة بأن تعفو عن نصفها لزوجها إذا كان يصح عفوها، {أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح}؛ وهو الزوج على الصحيح لأنه الذي بيده حل عقدته، ولأن الولي لا يصح أن يعفو عن ما وجب للمرأة لكونه غير مالك ولا وكيل، وقيل: إنه الأب وهو الذي يدل عليه لفظ الآية الكريمة. ثم رغب في العفو وأن من عفا كان أقرب لتقواه لكونه إحساناً موجباً لشرح الصدر، ولكون الإنسان لا ينبغي أن يهمل نفسه من الإحسان والمعروف، وينسى الفضل الذي هو أعلى درجات المعاملة، لأن معاملة الناس فيما بينهم على درجتين: إما عدل وإنصاف واجب، وهو أخذ الواجب وإعطاء الواجب، وإما فضل وإحسان، وهو إعطاء ما ليس بواجب والتسامح في الحقوق والغض مما في النفس، فلا ينبغي للإنسان أن ينسى هذه الدرجة ولو في بعض الأوقات، وخصوصاً لمن بينك وبينه معاملة أو مخالطة، فإن اللهَ مجازٍ المحسنين بالفضل والكرم، ولهذا قال:{إن الله بما تعملون بصير}. ثم قال تعالى:

البقرة 2:238

{238} يأمر تعالى بالمحافظة {على الصلوات}؛ عموماً وعلى، {الصلاة الوسطى}؛ وهي العصر خصوصاً، والمحافظة عليها أداؤها بوقتها وشروطها وأركانها وخشوعها وجميعِ ما لها من واجب ومستحب. وبالمحافظة على الصلوات تحصل المحافظة على سائر العبادات وتفيد النهيَ عن الفحشاء والمنكر، خصوصاً إذا أكملها كما أمر بقوله:{وقوموا لله قانتين}؛ أي: ذليلين مخلصين خاشعين، فإن القنوت دوام الطاعة مع الخشوع. {239} وقوله: {فإن خفتم}؛ حذف المتعلق ليعم الخوف من العدو والسبع وفواتِ ما يتضرر العبد بفوته فصلوا {رجالاً}؛ ماشين على أرجلكم، {أو ركباناً}؛ على الخيل والإبل وسائر المركوبات، وفي هذه الحال لا يلزمه الاستقبال. فهذه صفة صلاة المعذور بالخوف فإذا حصل الأمن صلى صلاة كاملة ويدخل في قوله:{فإذا أمنتم فاذكروا الله}؛ تكميل الصلوات، ويدخل فيه أيضاً الإكثار من ذكر الله شكراً له على نعمة الأمن وعلى نعمة التعليم لما فيه سعادة العبد. وفي الآية الكريمة فضيلة العلم وأن على من علمه الله ما لم يكن يعلم الإكثارَ من ذكر الله، وفيه الإشعارُ أيضاً أن الإكثار من ذكره سبب لتعليم علوم أخر لأن الشكر مقرون بالمزيد. ثم قال تعالى:

البقرة 2:239

{238} يأمر تعالى بالمحافظة {على الصلوات}؛ عموماً وعلى، {الصلاة الوسطى}؛ وهي العصر خصوصاً، والمحافظة عليها أداؤها بوقتها وشروطها وأركانها وخشوعها وجميعِ ما لها من واجب ومستحب. وبالمحافظة على الصلوات تحصل المحافظة على سائر العبادات وتفيد النهيَ عن الفحشاء والمنكر، خصوصاً إذا أكملها كما أمر بقوله:{وقوموا لله قانتين}؛ أي: ذليلين مخلصين خاشعين، فإن القنوت دوام الطاعة مع الخشوع. {239} وقوله: {فإن خفتم}؛ حذف المتعلق ليعم الخوف من العدو والسبع وفواتِ ما يتضرر العبد بفوته فصلوا {رجالاً}؛ ماشين على أرجلكم، {أو ركباناً}؛ على الخيل والإبل وسائر المركوبات، وفي هذه الحال لا يلزمه الاستقبال. فهذه صفة صلاة المعذور بالخوف فإذا حصل الأمن صلى صلاة كاملة ويدخل في قوله:{فإذا أمنتم فاذكروا الله}؛ تكميل الصلوات، ويدخل فيه أيضاً الإكثار من ذكر الله شكراً له على نعمة الأمن وعلى نعمة التعليم لما فيه سعادة العبد. وفي الآية الكريمة فضيلة العلم وأن على من علمه الله ما لم يكن يعلم الإكثارَ من ذكر الله، وفيه الإشعارُ أيضاً أن الإكثار من ذكره سبب لتعليم علوم أخر لأن الشكر مقرون بالمزيد. ثم قال تعالى:

البقرة 2:240

{240} اشتهر عند كثير من المفسرين أن هذه الآية الكريمة نسختها الآية التي قبلها وهي قوله تعالى: {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً}؛ وأن الأمر كان على الزوجة أن تتربص حولاً كاملاً ثم نسخ بأربعة أشهر وعشر، ويجيبون عن تقدم الآية الناسخة أن ذلك تقدم في الوضع لا في النزول لأن شرط الناسخ أن يتأخر عن المنسوخ، وهذا القول لا دليل عليه، ومن تأمل الآيتين اتضح له أن القول الآخر في الآية هو الصواب، وأن الآية الأولى في وجوب التربص أربعة أشهر وعشراً على وجه التحتيم على المرأة، وأما في هذه الآية فإنها وصية لأهل الميت أن يبقوا زوجة ميتهم عندهم حولاً كاملاً جبراً لخاطرها وبرًّا بميتهم، ولهذا قال:{وصية لأزواجهم}؛ أي: وصية من الله لأهل الميت أن يستوصوا بزوجته ويمتعوها ولا يخرجوها، فإن رغبت أقامت في وصيتها وإن أحبت الخروج فلا حرج عليها، ولهذا قال:{فإن خرجن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن}؛ أي: من التجمل واللباس، لكن الشرط أن يكون بالمعروف الذي لا يخرجها عن حدود الدين والاعتبار. وختم الآية بهذين الاسمين العظيمين الدالين على كمال العزة وكمال الحكمة، لأن هذه أحكام صدرت عن عزته، ودلت على كمال حكمته حيث وضعها في مواضعها اللائقة بها.

البقرة 2:241

{241 ـ 242} لما بين في الآية السابقة إمتاع المفارقة بالموت ذكر هنا أن كل مطلقة فلها على زوجها أن يمتعها ويعطيها ما يناسب حاله وحالها وأنه حق إنما يقوم به المتقون، فهو من خصال التقوى الواجبة أو المستحبة، فإن كانت المرأة لم يسم لها صداق وطلقها قبل الدخول فتقدم أنه يجب عليه بحسب يساره وإعساره، وإن كان مسمى لها فمتاعها نصف المسمى، وإن كانت مدخولاً بها صارت المتعة مستحبة في قول جمهور العلماء ومن العلماء من أوجب ذلك استدلالاً بقوله:{حقاً على المتقين}؛ والأصل في الحق أنه واجب خصوصاً وقد أضافه إلى المتقين، وأصل التقوى واجبة، فلما بين تعالى هذه الأحكام الجليلة بين الزوجين؛ أثنى على أحكامه، وعلى بيانه لها وتوضيحه، وموافقتها للعقول السليمة، وأن القصد من بيانه لعباده أن يعقلوا عنه ما بينه فيعقلونها حفظاً وفهماً وعملاً بها، فإن ذلك من تمام عقلها.

البقرة 2:242

{241 ـ 242} لما بين في الآية السابقة إمتاع المفارقة بالموت ذكر هنا أن كل مطلقة فلها على زوجها أن يمتعها ويعطيها ما يناسب حاله وحالها وأنه حق إنما يقوم به المتقون، فهو من خصال التقوى الواجبة أو المستحبة، فإن كانت المرأة لم يسم لها صداق وطلقها قبل الدخول فتقدم أنه يجب عليه بحسب يساره وإعساره، وإن كان مسمى لها فمتاعها نصف المسمى، وإن كانت مدخولاً بها صارت المتعة مستحبة في قول جمهور العلماء ومن العلماء من أوجب ذلك استدلالاً بقوله:{حقاً على المتقين}؛ والأصل في الحق أنه واجب خصوصاً وقد أضافه إلى المتقين، وأصل التقوى واجبة، فلما بين تعالى هذه الأحكام الجليلة بين الزوجين؛ أثنى على أحكامه، وعلى بيانه لها وتوضيحه، وموافقتها للعقول السليمة، وأن القصد من بيانه لعباده أن يعقلوا عنه ما بينه فيعقلونها حفظاً وفهماً وعملاً بها، فإن ذلك من تمام عقلها.

البقرة 2:243

{243} أي: ألم تسمع بهذه القصة العجيبة الجارية على من قبلكم من بني إسرائيل حيث حل الوباء بديارهم فخرجوا بهذه الكثرة فراراً من الموت فلم ينجِهِمُ الفرارُ ولا أغنى عنهم من وقوع ما كانوا يحذرون، فعاملهم بنقيض مقصودهم وأماتهم الله عن آخرهم، ثم تفضل عليهم فأحياهم إما بدعوة نبي كما قاله كثير من المفسرين وإما بغير ذلك، ولكن ذلك بفضله وإحسانه وهو لا يزال فضله على الناس وذلك موجب لشكرهم لنعم الله بالاعتراف بها وصرفها في مرضاة الله ومع ذلك فأكثر الناس قد قصروا بواجب الشكر. وفي هذه القصة عبرة بأنه على كل شيء قدير وذلك آية محسوسة على البعث؛ فإن هذه القصة معروفة منقولة نقلاً متواتراً عند بني إسرائيل ومن اتصل بهم، ولهذا أتى بها تعالى بأسلوب الأمر الذي قد تقرر عند المخاطبين، ويحتمل أن هؤلاء الذين خرجوا من ديارهم خوفاً من الأعداء وجبناً عن لقائهم، ويؤيد هذا أن الله ذكر بعدها الأمر بالقتال وأخبر عن بني إسرائيل أنهم كانوا مخرجين من ديارهم وأبنائهم، وعلى الاحتمالين فإن فيها ترغيباً في الجهاد وترهيباً من التقاعد عنه وأن ذلك لا يغني عن الموت شيئاً {قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم}.

البقرة 2:244

{244 ـ 245} جمع الله بين الأمر بالقتال في سبيله بالمال والبدن؛ لأن الجهاد لا يقوم إلا بالأمرين، وحث على الإخلاص فيه بأن يقاتل العبد لتكون كلمة الله هي العليا فإن الله {سميع}؛ للأقوال وإن خفيت {عليم}؛ بما تحتوي عليه القلوب من النيات الصالحة وضدها. وأيضاً فإنه إذا علم المجاهد في سبيله أن الله سميع عليم، هان عليه ذلك وعلم أنه بعينه ما يتحمل المتحملون من أجله وأنه لا بد أن يمدهم بعونه ولطفه. وتأمل هذا الحث اللطيف على النفقة وإن المنفق قد أقرض الله الملي الكريم ووعده المضاعفة الكثيرة كما قال تعالى:{مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة، والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم}؛ ولما كان المانع الأكبر من الإنفاق خوفَ الإملاقِ أخبر تعالى أنَّ الغنى والفقرَ بيد الله، وأنه يقبض الرزق على من يشاء ويبسطه على من يشاء، فلا يتأخر من يريد الإنفاق خوفَ الفقر، ولا يظن أنه ضائع، بل مرجع العباد كلهم إلى الله فيجد المنفقون والعاملون أجرهم عنده مدخراً أحوج ما يكونون إليه، ويكون له من الوقع العظيم ما لا يمكن التعبير عنه. والمراد بالقرض الحسن هو ما جمع أوصاف الحسن من النية الصالحة وسماحة النفس بالنفقة ووقوعها في محلها وأن لا يتبعها المنفِقُ مَنًّا ولا أذىً ولا مبطلاً ومنقصاً.

البقرة 2:245

{244 ـ 245} جمع الله بين الأمر بالقتال في سبيله بالمال والبدن؛ لأن الجهاد لا يقوم إلا بالأمرين، وحث على الإخلاص فيه بأن يقاتل العبد لتكون كلمة الله هي العليا فإن الله {سميع}؛ للأقوال وإن خفيت {عليم}؛ بما تحتوي عليه القلوب من النيات الصالحة وضدها. وأيضاً فإنه إذا علم المجاهد في سبيله أن الله سميع عليم، هان عليه ذلك وعلم أنه بعينه ما يتحمل المتحملون من أجله وأنه لا بد أن يمدهم بعونه ولطفه. وتأمل هذا الحث اللطيف على النفقة وإن المنفق قد أقرض الله الملي الكريم ووعده المضاعفة الكثيرة كما قال تعالى:{مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة، والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم}؛ ولما كان المانع الأكبر من الإنفاق خوفَ الإملاقِ أخبر تعالى أنَّ الغنى والفقرَ بيد الله، وأنه يقبض الرزق على من يشاء ويبسطه على من يشاء، فلا يتأخر من يريد الإنفاق خوفَ الفقر، ولا يظن أنه ضائع، بل مرجع العباد كلهم إلى الله فيجد المنفقون والعاملون أجرهم عنده مدخراً أحوج ما يكونون إليه، ويكون له من الوقع العظيم ما لا يمكن التعبير عنه. والمراد بالقرض الحسن هو ما جمع أوصاف الحسن من النية الصالحة وسماحة النفس بالنفقة ووقوعها في محلها وأن لا يتبعها المنفِقُ مَنًّا ولا أذىً ولا مبطلاً ومنقصاً.

البقرة 2:246

{246 ـ 247} يقص الله تعالى هذه القصة على الأمة ليعتبروا وليرغبوا في الجهاد ولا ينكلوا عنه، فإن الصابرين صارت لهم العواقب الحميدة في الدنيا والآخرة والناكلين خسروا الأمرين، فأخبر تعالى أن أهل الرأي من بني إسرائيل وأصحاب الكلمة النافذة تراودوا في شأن الجهاد واتفقوا على أن يطلبوا من نبيهم أن يعين لهم ملكاً لينقطع النزاع بتعيينه وتحصلَ الطاعة التامة ولا يبقى لقائل مقال، وأن نبيهم خشي أن طلبهم هذا مجردُ كلام لا فعل معه، فأجابوا نبيهم بالعزم الجازم وأنهم التزموا ذلك التزاماً تامًّا، وأن القتال متعين عليهم حيث كان وسيلة لاسترجاع ديارهم ورجوعهم إلى مقرهم ووطنهم، وأنه عين لهم نبيهم طالوت ملكاً يقودهم في هذا الأمر الذي لا بد له من قائد يحسن القيادة، وأنهم استغربوا تعيينه لطالوت وثَمَّ من هو أحق منه بيتاً وأكثر مالاً، فأجابهم نبيهم: إن الله اختاره عليكم بما آتاه الله من قوة العلم بالسياسة وقوة الجسم، اللذين هما آلة الشجاعة والنجدة وحسن التدبير، وأن الملك ليس بكثرة المال، ولا بكون صاحبه ممن كان الملك والسيادة في بيوتهم، فالله يؤتي ملكه من يشاء. ثم لم يكتف ذلك النبي الكريم بتقنيعهم بما ذكره من كفاءة طالوت واجتماع الصفات المطلوبة فيه حتى قال لهم: {248}{إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون}؛ وكان هذا التابوت قد استولت عليه الأعداء، فلم يكتفوا بالصفات المعنوية في طالوت ولا بتعيين الله له على لسان نبيهم حتى يؤيد ذلك هذه المعجزة ولهذا قال:{إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين}؛ فحينئذ سلموا وانقادوا. فلما ترأس فيهم طالوت وجندهم ورتبهم وفصل بهم إلى قتال عدوهم وكان قد رأى منهم من ضعف العزائم والهمم ما يحتاج إلى تمييز الصابر من الناكل فقال: {249 ـ 250}{إن الله مبتليكم بنهر}؛ تمرون عليه وقت حاجة إلى الماء، {فمن شرب منه فليس مني}؛ أي لا يتبعني؛ لأن ذلك برهان على قلة صبره ووفور جزعه {ومن لم يطعمه فإنه مني}؛ لصدقه وصبره، {إلا من اغترف غرفة بيده}؛ أي: فإنه مسامح فيها. فلما وصلوا إلى ذلك النهر وكانوا محتاجين إلى الماء شربوا كلهم منه {إلا قليلاً منهم}؛ فإنهم صبروا ولم يشربوا {فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا}؛ أي: الناكلون أو الذين عبروا {لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده}؛ فإن كان القائلون هم الناكلين فهذا قول يبررون به نكولهم، وإن كان القائلون هم الذين عبروا مع طالوت فإنه حصل معهم نوع استضعاف لأنفسهم، ولكن شجعهم على الثبات والإقدام أهل الإيمان الكامل حيث قالوا:{كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين}؛ بعونه وتأييده ونصره فثبتوا وصبروا لقتال عدوهم جالوت وجنوده. {251}{وقتل داود}؛ - صلى الله عليه وسلم -، {جالوت}؛ وحصل بذلك الفتح والنصر على عدوهم {وآتاه الله}؛ أي: داود {الملك والحكمة}؛ النبوة والعلوم النافعة وآتاه الله الحكمة وفصل الخطاب. ثم بين تعالى فائدة الجهاد فقال:{ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض}؛ باستيلاء الكفرة والفجار وأهل الشر والفساد {ولكن الله ذو فضل على العالمين}؛ حيث لطف بالمؤمنين ودافع عنهم وعن دينهم بما شرعه وبما قدره. فلما بين هذه القصة قال لرسوله - صلى الله عليه وسلم -: {252}{تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وإنك لمن المرسلين}؛ ومن جملة الأدلة على رسالته هذه القصة حيث أخبر بها وحياً من الله مطابقاً للواقع. وفي هذه القصة عِبَرٌ كثيرةٌ للأمة: منها: فضيلة الجهاد في سبيله وفوائده وثمراته وأنه السبب الوحيد في حفظ الدين وحفظ الأوطان وحفظ الأبدان والأموال، وأنَّ المجاهدين ولو شقت عليهم الأمور فإن عواقبهم حميدة، كما أن الناكلين ولو استراحوا قليلاً فإنهم سيتعبون طويلاً. ومنها: الانتداب لرياسة من فيه كفاءة وأن الكفاءة ترجع إلى أمرين: إلى العلم الذي هو علم السياسة والتدبير، وإلى القوة التي ينفذ بها الحق، وأن من اجتمع فيه الأمران فهو أحق من غيره. ومنها: الاستدلال بهذه القصة على ما قاله العلماء أنه ينبغي للأمير للجيوش أن يتفقدها عند فصولها؛ فيمنع من لا يصلح للقتال من رجال وخيل وركاب، لضعفه أو ضعف صبره أو لتخذيله أو خوف الضرر بصحبته، فإن هذا القسم ضرر محض على الناس. ومنها: أنه ينبغي عند حضور البأس تقوية المجاهدين وتشجيعهم وحثهم على القوة الإيمانية والاتِّكال الكامل على الله والاعتماد عليه، وسؤال الله التثبيت والإعانة على الصبر والنصر على الأعداء. ومنها: أن العزم على القتال والجهاد غير حقيقته، فقد يعزم الإنسان ولكن عند حضوره تنحل عزيمته، ولهذا من دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أسألك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد» ، فهؤلاء الذين عزموا على القتال وأتوا بكلام يدل على العزم المصمم لما جاء الوقت نكص أكثرهم، ويشبه هذا قوله - صلى الله عليه وسلم -: «وأسألك الرضا بعد القضا» ؛ لأن الرضا بعد وقوع القضاء المكروه للنفوس هو الرضا الحقيقي.

البقرة 2:247

{246 ـ 247} يقص الله تعالى هذه القصة على الأمة ليعتبروا وليرغبوا في الجهاد ولا ينكلوا عنه، فإن الصابرين صارت لهم العواقب الحميدة في الدنيا والآخرة والناكلين خسروا الأمرين، فأخبر تعالى أن أهل الرأي من بني إسرائيل وأصحاب الكلمة النافذة تراودوا في شأن الجهاد واتفقوا على أن يطلبوا من نبيهم أن يعين لهم ملكاً لينقطع النزاع بتعيينه وتحصلَ الطاعة التامة ولا يبقى لقائل مقال، وأن نبيهم خشي أن طلبهم هذا مجردُ كلام لا فعل معه، فأجابوا نبيهم بالعزم الجازم وأنهم التزموا ذلك التزاماً تامًّا، وأن القتال متعين عليهم حيث كان وسيلة لاسترجاع ديارهم ورجوعهم إلى مقرهم ووطنهم، وأنه عين لهم نبيهم طالوت ملكاً يقودهم في هذا الأمر الذي لا بد له من قائد يحسن القيادة، وأنهم استغربوا تعيينه لطالوت وثَمَّ من هو أحق منه بيتاً وأكثر مالاً، فأجابهم نبيهم: إن الله اختاره عليكم بما آتاه الله من قوة العلم بالسياسة وقوة الجسم، اللذين هما آلة الشجاعة والنجدة وحسن التدبير، وأن الملك ليس بكثرة المال، ولا بكون صاحبه ممن كان الملك والسيادة في بيوتهم، فالله يؤتي ملكه من يشاء. ثم لم يكتف ذلك النبي الكريم بتقنيعهم بما ذكره من كفاءة طالوت واجتماع الصفات المطلوبة فيه حتى قال لهم: {248}{إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون}؛ وكان هذا التابوت قد استولت عليه الأعداء، فلم يكتفوا بالصفات المعنوية في طالوت ولا بتعيين الله له على لسان نبيهم حتى يؤيد ذلك هذه المعجزة ولهذا قال:{إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين}؛ فحينئذ سلموا وانقادوا. فلما ترأس فيهم طالوت وجندهم ورتبهم وفصل بهم إلى قتال عدوهم وكان قد رأى منهم من ضعف العزائم والهمم ما يحتاج إلى تمييز الصابر من الناكل فقال: {249 ـ 250}{إن الله مبتليكم بنهر}؛ تمرون عليه وقت حاجة إلى الماء، {فمن شرب منه فليس مني}؛ أي لا يتبعني؛ لأن ذلك برهان على قلة صبره ووفور جزعه {ومن لم يطعمه فإنه مني}؛ لصدقه وصبره، {إلا من اغترف غرفة بيده}؛ أي: فإنه مسامح فيها. فلما وصلوا إلى ذلك النهر وكانوا محتاجين إلى الماء شربوا كلهم منه {إلا قليلاً منهم}؛ فإنهم صبروا ولم يشربوا {فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا}؛ أي: الناكلون أو الذين عبروا {لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده}؛ فإن كان القائلون هم الناكلين فهذا قول يبررون به نكولهم، وإن كان القائلون هم الذين عبروا مع طالوت فإنه حصل معهم نوع استضعاف لأنفسهم، ولكن شجعهم على الثبات والإقدام أهل الإيمان الكامل حيث قالوا:{كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين}؛ بعونه وتأييده ونصره فثبتوا وصبروا لقتال عدوهم جالوت وجنوده. {251}{وقتل داود}؛ - صلى الله عليه وسلم -، {جالوت}؛ وحصل بذلك الفتح والنصر على عدوهم {وآتاه الله}؛ أي: داود {الملك والحكمة}؛ النبوة والعلوم النافعة وآتاه الله الحكمة وفصل الخطاب. ثم بين تعالى فائدة الجهاد فقال:{ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض}؛ باستيلاء الكفرة والفجار وأهل الشر والفساد {ولكن الله ذو فضل على العالمين}؛ حيث لطف بالمؤمنين ودافع عنهم وعن دينهم بما شرعه وبما قدره. فلما بين هذه القصة قال لرسوله - صلى الله عليه وسلم -: {252}{تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وإنك لمن المرسلين}؛ ومن جملة الأدلة على رسالته هذه القصة حيث أخبر بها وحياً من الله مطابقاً للواقع. وفي هذه القصة عِبَرٌ كثيرةٌ للأمة: منها: فضيلة الجهاد في سبيله وفوائده وثمراته وأنه السبب الوحيد في حفظ الدين وحفظ الأوطان وحفظ الأبدان والأموال، وأنَّ المجاهدين ولو شقت عليهم الأمور فإن عواقبهم حميدة، كما أن الناكلين ولو استراحوا قليلاً فإنهم سيتعبون طويلاً. ومنها: الانتداب لرياسة من فيه كفاءة وأن الكفاءة ترجع إلى أمرين: إلى العلم الذي هو علم السياسة والتدبير، وإلى القوة التي ينفذ بها الحق، وأن من اجتمع فيه الأمران فهو أحق من غيره. ومنها: الاستدلال بهذه القصة على ما قاله العلماء أنه ينبغي للأمير للجيوش أن يتفقدها عند فصولها؛ فيمنع من لا يصلح للقتال من رجال وخيل وركاب، لضعفه أو ضعف صبره أو لتخذيله أو خوف الضرر بصحبته، فإن هذا القسم ضرر محض على الناس. ومنها: أنه ينبغي عند حضور البأس تقوية المجاهدين وتشجيعهم وحثهم على القوة الإيمانية والاتِّكال الكامل على الله والاعتماد عليه، وسؤال الله التثبيت والإعانة على الصبر والنصر على الأعداء. ومنها: أن العزم على القتال والجهاد غير حقيقته، فقد يعزم الإنسان ولكن عند حضوره تنحل عزيمته، ولهذا من دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أسألك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد» ، فهؤلاء الذين عزموا على القتال وأتوا بكلام يدل على العزم المصمم لما جاء الوقت نكص أكثرهم، ويشبه هذا قوله - صلى الله عليه وسلم -: «وأسألك الرضا بعد القضا» ؛ لأن الرضا بعد وقوع القضاء المكروه للنفوس هو الرضا الحقيقي.

البقرة 2:248

{246 ـ 247} يقص الله تعالى هذه القصة على الأمة ليعتبروا وليرغبوا في الجهاد ولا ينكلوا عنه، فإن الصابرين صارت لهم العواقب الحميدة في الدنيا والآخرة والناكلين خسروا الأمرين، فأخبر تعالى أن أهل الرأي من بني إسرائيل وأصحاب الكلمة النافذة تراودوا في شأن الجهاد واتفقوا على أن يطلبوا من نبيهم أن يعين لهم ملكاً لينقطع النزاع بتعيينه وتحصلَ الطاعة التامة ولا يبقى لقائل مقال، وأن نبيهم خشي أن طلبهم هذا مجردُ كلام لا فعل معه، فأجابوا نبيهم بالعزم الجازم وأنهم التزموا ذلك التزاماً تامًّا، وأن القتال متعين عليهم حيث كان وسيلة لاسترجاع ديارهم ورجوعهم إلى مقرهم ووطنهم، وأنه عين لهم نبيهم طالوت ملكاً يقودهم في هذا الأمر الذي لا بد له من قائد يحسن القيادة، وأنهم استغربوا تعيينه لطالوت وثَمَّ من هو أحق منه بيتاً وأكثر مالاً، فأجابهم نبيهم: إن الله اختاره عليكم بما آتاه الله من قوة العلم بالسياسة وقوة الجسم، اللذين هما آلة الشجاعة والنجدة وحسن التدبير، وأن الملك ليس بكثرة المال، ولا بكون صاحبه ممن كان الملك والسيادة في بيوتهم، فالله يؤتي ملكه من يشاء. ثم لم يكتف ذلك النبي الكريم بتقنيعهم بما ذكره من كفاءة طالوت واجتماع الصفات المطلوبة فيه حتى قال لهم: {248}{إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون}؛ وكان هذا التابوت قد استولت عليه الأعداء، فلم يكتفوا بالصفات المعنوية في طالوت ولا بتعيين الله له على لسان نبيهم حتى يؤيد ذلك هذه المعجزة ولهذا قال:{إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين}؛ فحينئذ سلموا وانقادوا. فلما ترأس فيهم طالوت وجندهم ورتبهم وفصل بهم إلى قتال عدوهم وكان قد رأى منهم من ضعف العزائم والهمم ما يحتاج إلى تمييز الصابر من الناكل فقال: {249 ـ 250}{إن الله مبتليكم بنهر}؛ تمرون عليه وقت حاجة إلى الماء، {فمن شرب منه فليس مني}؛ أي لا يتبعني؛ لأن ذلك برهان على قلة صبره ووفور جزعه {ومن لم يطعمه فإنه مني}؛ لصدقه وصبره، {إلا من اغترف غرفة بيده}؛ أي: فإنه مسامح فيها. فلما وصلوا إلى ذلك النهر وكانوا محتاجين إلى الماء شربوا كلهم منه {إلا قليلاً منهم}؛ فإنهم صبروا ولم يشربوا {فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا}؛ أي: الناكلون أو الذين عبروا {لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده}؛ فإن كان القائلون هم الناكلين فهذا قول يبررون به نكولهم، وإن كان القائلون هم الذين عبروا مع طالوت فإنه حصل معهم نوع استضعاف لأنفسهم، ولكن شجعهم على الثبات والإقدام أهل الإيمان الكامل حيث قالوا:{كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين}؛ بعونه وتأييده ونصره فثبتوا وصبروا لقتال عدوهم جالوت وجنوده. {251}{وقتل داود}؛ - صلى الله عليه وسلم -، {جالوت}؛ وحصل بذلك الفتح والنصر على عدوهم {وآتاه الله}؛ أي: داود {الملك والحكمة}؛ النبوة والعلوم النافعة وآتاه الله الحكمة وفصل الخطاب. ثم بين تعالى فائدة الجهاد فقال:{ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض}؛ باستيلاء الكفرة والفجار وأهل الشر والفساد {ولكن الله ذو فضل على العالمين}؛ حيث لطف بالمؤمنين ودافع عنهم وعن دينهم بما شرعه وبما قدره. فلما بين هذه القصة قال لرسوله - صلى الله عليه وسلم -: {252}{تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وإنك لمن المرسلين}؛ ومن جملة الأدلة على رسالته هذه القصة حيث أخبر بها وحياً من الله مطابقاً للواقع. وفي هذه القصة عِبَرٌ كثيرةٌ للأمة: منها: فضيلة الجهاد في سبيله وفوائده وثمراته وأنه السبب الوحيد في حفظ الدين وحفظ الأوطان وحفظ الأبدان والأموال، وأنَّ المجاهدين ولو شقت عليهم الأمور فإن عواقبهم حميدة، كما أن الناكلين ولو استراحوا قليلاً فإنهم سيتعبون طويلاً. ومنها: الانتداب لرياسة من فيه كفاءة وأن الكفاءة ترجع إلى أمرين: إلى العلم الذي هو علم السياسة والتدبير، وإلى القوة التي ينفذ بها الحق، وأن من اجتمع فيه الأمران فهو أحق من غيره. ومنها: الاستدلال بهذه القصة على ما قاله العلماء أنه ينبغي للأمير للجيوش أن يتفقدها عند فصولها؛ فيمنع من لا يصلح للقتال من رجال وخيل وركاب، لضعفه أو ضعف صبره أو لتخذيله أو خوف الضرر بصحبته، فإن هذا القسم ضرر محض على الناس. ومنها: أنه ينبغي عند حضور البأس تقوية المجاهدين وتشجيعهم وحثهم على القوة الإيمانية والاتِّكال الكامل على الله والاعتماد عليه، وسؤال الله التثبيت والإعانة على الصبر والنصر على الأعداء. ومنها: أن العزم على القتال والجهاد غير حقيقته، فقد يعزم الإنسان ولكن عند حضوره تنحل عزيمته، ولهذا من دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أسألك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد» ، فهؤلاء الذين عزموا على القتال وأتوا بكلام يدل على العزم المصمم لما جاء الوقت نكص أكثرهم، ويشبه هذا قوله - صلى الله عليه وسلم -: «وأسألك الرضا بعد القضا» ؛ لأن الرضا بعد وقوع القضاء المكروه للنفوس هو الرضا الحقيقي.

البقرة 2:249

{246 ـ 247} يقص الله تعالى هذه القصة على الأمة ليعتبروا وليرغبوا في الجهاد ولا ينكلوا عنه، فإن الصابرين صارت لهم العواقب الحميدة في الدنيا والآخرة والناكلين خسروا الأمرين، فأخبر تعالى أن أهل الرأي من بني إسرائيل وأصحاب الكلمة النافذة تراودوا في شأن الجهاد واتفقوا على أن يطلبوا من نبيهم أن يعين لهم ملكاً لينقطع النزاع بتعيينه وتحصلَ الطاعة التامة ولا يبقى لقائل مقال، وأن نبيهم خشي أن طلبهم هذا مجردُ كلام لا فعل معه، فأجابوا نبيهم بالعزم الجازم وأنهم التزموا ذلك التزاماً تامًّا، وأن القتال متعين عليهم حيث كان وسيلة لاسترجاع ديارهم ورجوعهم إلى مقرهم ووطنهم، وأنه عين لهم نبيهم طالوت ملكاً يقودهم في هذا الأمر الذي لا بد له من قائد يحسن القيادة، وأنهم استغربوا تعيينه لطالوت وثَمَّ من هو أحق منه بيتاً وأكثر مالاً، فأجابهم نبيهم: إن الله اختاره عليكم بما آتاه الله من قوة العلم بالسياسة وقوة الجسم، اللذين هما آلة الشجاعة والنجدة وحسن التدبير، وأن الملك ليس بكثرة المال، ولا بكون صاحبه ممن كان الملك والسيادة في بيوتهم، فالله يؤتي ملكه من يشاء. ثم لم يكتف ذلك النبي الكريم بتقنيعهم بما ذكره من كفاءة طالوت واجتماع الصفات المطلوبة فيه حتى قال لهم: {248}{إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون}؛ وكان هذا التابوت قد استولت عليه الأعداء، فلم يكتفوا بالصفات المعنوية في طالوت ولا بتعيين الله له على لسان نبيهم حتى يؤيد ذلك هذه المعجزة ولهذا قال:{إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين}؛ فحينئذ سلموا وانقادوا. فلما ترأس فيهم طالوت وجندهم ورتبهم وفصل بهم إلى قتال عدوهم وكان قد رأى منهم من ضعف العزائم والهمم ما يحتاج إلى تمييز الصابر من الناكل فقال: {249 ـ 250}{إن الله مبتليكم بنهر}؛ تمرون عليه وقت حاجة إلى الماء، {فمن شرب منه فليس مني}؛ أي لا يتبعني؛ لأن ذلك برهان على قلة صبره ووفور جزعه {ومن لم يطعمه فإنه مني}؛ لصدقه وصبره، {إلا من اغترف غرفة بيده}؛ أي: فإنه مسامح فيها. فلما وصلوا إلى ذلك النهر وكانوا محتاجين إلى الماء شربوا كلهم منه {إلا قليلاً منهم}؛ فإنهم صبروا ولم يشربوا {فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا}؛ أي: الناكلون أو الذين عبروا {لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده}؛ فإن كان القائلون هم الناكلين فهذا قول يبررون به نكولهم، وإن كان القائلون هم الذين عبروا مع طالوت فإنه حصل معهم نوع استضعاف لأنفسهم، ولكن شجعهم على الثبات والإقدام أهل الإيمان الكامل حيث قالوا:{كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين}؛ بعونه وتأييده ونصره فثبتوا وصبروا لقتال عدوهم جالوت وجنوده. {251}{وقتل داود}؛ - صلى الله عليه وسلم -، {جالوت}؛ وحصل بذلك الفتح والنصر على عدوهم {وآتاه الله}؛ أي: داود {الملك والحكمة}؛ النبوة والعلوم النافعة وآتاه الله الحكمة وفصل الخطاب. ثم بين تعالى فائدة الجهاد فقال:{ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض}؛ باستيلاء الكفرة والفجار وأهل الشر والفساد {ولكن الله ذو فضل على العالمين}؛ حيث لطف بالمؤمنين ودافع عنهم وعن دينهم بما شرعه وبما قدره. فلما بين هذه القصة قال لرسوله - صلى الله عليه وسلم -: {252}{تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وإنك لمن المرسلين}؛ ومن جملة الأدلة على رسالته هذه القصة حيث أخبر بها وحياً من الله مطابقاً للواقع. وفي هذه القصة عِبَرٌ كثيرةٌ للأمة: منها: فضيلة الجهاد في سبيله وفوائده وثمراته وأنه السبب الوحيد في حفظ الدين وحفظ الأوطان وحفظ الأبدان والأموال، وأنَّ المجاهدين ولو شقت عليهم الأمور فإن عواقبهم حميدة، كما أن الناكلين ولو استراحوا قليلاً فإنهم سيتعبون طويلاً. ومنها: الانتداب لرياسة من فيه كفاءة وأن الكفاءة ترجع إلى أمرين: إلى العلم الذي هو علم السياسة والتدبير، وإلى القوة التي ينفذ بها الحق، وأن من اجتمع فيه الأمران فهو أحق من غيره. ومنها: الاستدلال بهذه القصة على ما قاله العلماء أنه ينبغي للأمير للجيوش أن يتفقدها عند فصولها؛ فيمنع من لا يصلح للقتال من رجال وخيل وركاب، لضعفه أو ضعف صبره أو لتخذيله أو خوف الضرر بصحبته، فإن هذا القسم ضرر محض على الناس. ومنها: أنه ينبغي عند حضور البأس تقوية المجاهدين وتشجيعهم وحثهم على القوة الإيمانية والاتِّكال الكامل على الله والاعتماد عليه، وسؤال الله التثبيت والإعانة على الصبر والنصر على الأعداء. ومنها: أن العزم على القتال والجهاد غير حقيقته، فقد يعزم الإنسان ولكن عند حضوره تنحل عزيمته، ولهذا من دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أسألك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد» ، فهؤلاء الذين عزموا على القتال وأتوا بكلام يدل على العزم المصمم لما جاء الوقت نكص أكثرهم، ويشبه هذا قوله - صلى الله عليه وسلم -: «وأسألك الرضا بعد القضا» ؛ لأن الرضا بعد وقوع القضاء المكروه للنفوس هو الرضا الحقيقي.

البقرة 2:250

{246 ـ 247} يقص الله تعالى هذه القصة على الأمة ليعتبروا وليرغبوا في الجهاد ولا ينكلوا عنه، فإن الصابرين صارت لهم العواقب الحميدة في الدنيا والآخرة والناكلين خسروا الأمرين، فأخبر تعالى أن أهل الرأي من بني إسرائيل وأصحاب الكلمة النافذة تراودوا في شأن الجهاد واتفقوا على أن يطلبوا من نبيهم أن يعين لهم ملكاً لينقطع النزاع بتعيينه وتحصلَ الطاعة التامة ولا يبقى لقائل مقال، وأن نبيهم خشي أن طلبهم هذا مجردُ كلام لا فعل معه، فأجابوا نبيهم بالعزم الجازم وأنهم التزموا ذلك التزاماً تامًّا، وأن القتال متعين عليهم حيث كان وسيلة لاسترجاع ديارهم ورجوعهم إلى مقرهم ووطنهم، وأنه عين لهم نبيهم طالوت ملكاً يقودهم في هذا الأمر الذي لا بد له من قائد يحسن القيادة، وأنهم استغربوا تعيينه لطالوت وثَمَّ من هو أحق منه بيتاً وأكثر مالاً، فأجابهم نبيهم: إن الله اختاره عليكم بما آتاه الله من قوة العلم بالسياسة وقوة الجسم، اللذين هما آلة الشجاعة والنجدة وحسن التدبير، وأن الملك ليس بكثرة المال، ولا بكون صاحبه ممن كان الملك والسيادة في بيوتهم، فالله يؤتي ملكه من يشاء. ثم لم يكتف ذلك النبي الكريم بتقنيعهم بما ذكره من كفاءة طالوت واجتماع الصفات المطلوبة فيه حتى قال لهم: {248}{إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون}؛ وكان هذا التابوت قد استولت عليه الأعداء، فلم يكتفوا بالصفات المعنوية في طالوت ولا بتعيين الله له على لسان نبيهم حتى يؤيد ذلك هذه المعجزة ولهذا قال:{إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين}؛ فحينئذ سلموا وانقادوا. فلما ترأس فيهم طالوت وجندهم ورتبهم وفصل بهم إلى قتال عدوهم وكان قد رأى منهم من ضعف العزائم والهمم ما يحتاج إلى تمييز الصابر من الناكل فقال: {249 ـ 250}{إن الله مبتليكم بنهر}؛ تمرون عليه وقت حاجة إلى الماء، {فمن شرب منه فليس مني}؛ أي لا يتبعني؛ لأن ذلك برهان على قلة صبره ووفور جزعه {ومن لم يطعمه فإنه مني}؛ لصدقه وصبره، {إلا من اغترف غرفة بيده}؛ أي: فإنه مسامح فيها. فلما وصلوا إلى ذلك النهر وكانوا محتاجين إلى الماء شربوا كلهم منه {إلا قليلاً منهم}؛ فإنهم صبروا ولم يشربوا {فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا}؛ أي: الناكلون أو الذين عبروا {لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده}؛ فإن كان القائلون هم الناكلين فهذا قول يبررون به نكولهم، وإن كان القائلون هم الذين عبروا مع طالوت فإنه حصل معهم نوع استضعاف لأنفسهم، ولكن شجعهم على الثبات والإقدام أهل الإيمان الكامل حيث قالوا:{كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين}؛ بعونه وتأييده ونصره فثبتوا وصبروا لقتال عدوهم جالوت وجنوده. {251}{وقتل داود}؛ - صلى الله عليه وسلم -، {جالوت}؛ وحصل بذلك الفتح والنصر على عدوهم {وآتاه الله}؛ أي: داود {الملك والحكمة}؛ النبوة والعلوم النافعة وآتاه الله الحكمة وفصل الخطاب. ثم بين تعالى فائدة الجهاد فقال:{ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض}؛ باستيلاء الكفرة والفجار وأهل الشر والفساد {ولكن الله ذو فضل على العالمين}؛ حيث لطف بالمؤمنين ودافع عنهم وعن دينهم بما شرعه وبما قدره. فلما بين هذه القصة قال لرسوله - صلى الله عليه وسلم -: {252}{تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وإنك لمن المرسلين}؛ ومن جملة الأدلة على رسالته هذه القصة حيث أخبر بها وحياً من الله مطابقاً للواقع. وفي هذه القصة عِبَرٌ كثيرةٌ للأمة: منها: فضيلة الجهاد في سبيله وفوائده وثمراته وأنه السبب الوحيد في حفظ الدين وحفظ الأوطان وحفظ الأبدان والأموال، وأنَّ المجاهدين ولو شقت عليهم الأمور فإن عواقبهم حميدة، كما أن الناكلين ولو استراحوا قليلاً فإنهم سيتعبون طويلاً. ومنها: الانتداب لرياسة من فيه كفاءة وأن الكفاءة ترجع إلى أمرين: إلى العلم الذي هو علم السياسة والتدبير، وإلى القوة التي ينفذ بها الحق، وأن من اجتمع فيه الأمران فهو أحق من غيره. ومنها: الاستدلال بهذه القصة على ما قاله العلماء أنه ينبغي للأمير للجيوش أن يتفقدها عند فصولها؛ فيمنع من لا يصلح للقتال من رجال وخيل وركاب، لضعفه أو ضعف صبره أو لتخذيله أو خوف الضرر بصحبته، فإن هذا القسم ضرر محض على الناس. ومنها: أنه ينبغي عند حضور البأس تقوية المجاهدين وتشجيعهم وحثهم على القوة الإيمانية والاتِّكال الكامل على الله والاعتماد عليه، وسؤال الله التثبيت والإعانة على الصبر والنصر على الأعداء. ومنها: أن العزم على القتال والجهاد غير حقيقته، فقد يعزم الإنسان ولكن عند حضوره تنحل عزيمته، ولهذا من دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أسألك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد» ، فهؤلاء الذين عزموا على القتال وأتوا بكلام يدل على العزم المصمم لما جاء الوقت نكص أكثرهم، ويشبه هذا قوله - صلى الله عليه وسلم -: «وأسألك الرضا بعد القضا» ؛ لأن الرضا بعد وقوع القضاء المكروه للنفوس هو الرضا الحقيقي.

البقرة 2:251

{246 ـ 247} يقص الله تعالى هذه القصة على الأمة ليعتبروا وليرغبوا في الجهاد ولا ينكلوا عنه، فإن الصابرين صارت لهم العواقب الحميدة في الدنيا والآخرة والناكلين خسروا الأمرين، فأخبر تعالى أن أهل الرأي من بني إسرائيل وأصحاب الكلمة النافذة تراودوا في شأن الجهاد واتفقوا على أن يطلبوا من نبيهم أن يعين لهم ملكاً لينقطع النزاع بتعيينه وتحصلَ الطاعة التامة ولا يبقى لقائل مقال، وأن نبيهم خشي أن طلبهم هذا مجردُ كلام لا فعل معه، فأجابوا نبيهم بالعزم الجازم وأنهم التزموا ذلك التزاماً تامًّا، وأن القتال متعين عليهم حيث كان وسيلة لاسترجاع ديارهم ورجوعهم إلى مقرهم ووطنهم، وأنه عين لهم نبيهم طالوت ملكاً يقودهم في هذا الأمر الذي لا بد له من قائد يحسن القيادة، وأنهم استغربوا تعيينه لطالوت وثَمَّ من هو أحق منه بيتاً وأكثر مالاً، فأجابهم نبيهم: إن الله اختاره عليكم بما آتاه الله من قوة العلم بالسياسة وقوة الجسم، اللذين هما آلة الشجاعة والنجدة وحسن التدبير، وأن الملك ليس بكثرة المال، ولا بكون صاحبه ممن كان الملك والسيادة في بيوتهم، فالله يؤتي ملكه من يشاء. ثم لم يكتف ذلك النبي الكريم بتقنيعهم بما ذكره من كفاءة طالوت واجتماع الصفات المطلوبة فيه حتى قال لهم: {248}{إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون}؛ وكان هذا التابوت قد استولت عليه الأعداء، فلم يكتفوا بالصفات المعنوية في طالوت ولا بتعيين الله له على لسان نبيهم حتى يؤيد ذلك هذه المعجزة ولهذا قال:{إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين}؛ فحينئذ سلموا وانقادوا. فلما ترأس فيهم طالوت وجندهم ورتبهم وفصل بهم إلى قتال عدوهم وكان قد رأى منهم من ضعف العزائم والهمم ما يحتاج إلى تمييز الصابر من الناكل فقال: {249 ـ 250}{إن الله مبتليكم بنهر}؛ تمرون عليه وقت حاجة إلى الماء، {فمن شرب منه فليس مني}؛ أي لا يتبعني؛ لأن ذلك برهان على قلة صبره ووفور جزعه {ومن لم يطعمه فإنه مني}؛ لصدقه وصبره، {إلا من اغترف غرفة بيده}؛ أي: فإنه مسامح فيها. فلما وصلوا إلى ذلك النهر وكانوا محتاجين إلى الماء شربوا كلهم منه {إلا قليلاً منهم}؛ فإنهم صبروا ولم يشربوا {فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا}؛ أي: الناكلون أو الذين عبروا {لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده}؛ فإن كان القائلون هم الناكلين فهذا قول يبررون به نكولهم، وإن كان القائلون هم الذين عبروا مع طالوت فإنه حصل معهم نوع استضعاف لأنفسهم، ولكن شجعهم على الثبات والإقدام أهل الإيمان الكامل حيث قالوا:{كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين}؛ بعونه وتأييده ونصره فثبتوا وصبروا لقتال عدوهم جالوت وجنوده. {251}{وقتل داود}؛ - صلى الله عليه وسلم -، {جالوت}؛ وحصل بذلك الفتح والنصر على عدوهم {وآتاه الله}؛ أي: داود {الملك والحكمة}؛ النبوة والعلوم النافعة وآتاه الله الحكمة وفصل الخطاب. ثم بين تعالى فائدة الجهاد فقال:{ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض}؛ باستيلاء الكفرة والفجار وأهل الشر والفساد {ولكن الله ذو فضل على العالمين}؛ حيث لطف بالمؤمنين ودافع عنهم وعن دينهم بما شرعه وبما قدره. فلما بين هذه القصة قال لرسوله - صلى الله عليه وسلم -: {252}{تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وإنك لمن المرسلين}؛ ومن جملة الأدلة على رسالته هذه القصة حيث أخبر بها وحياً من الله مطابقاً للواقع. وفي هذه القصة عِبَرٌ كثيرةٌ للأمة: منها: فضيلة الجهاد في سبيله وفوائده وثمراته وأنه السبب الوحيد في حفظ الدين وحفظ الأوطان وحفظ الأبدان والأموال، وأنَّ المجاهدين ولو شقت عليهم الأمور فإن عواقبهم حميدة، كما أن الناكلين ولو استراحوا قليلاً فإنهم سيتعبون طويلاً. ومنها: الانتداب لرياسة من فيه كفاءة وأن الكفاءة ترجع إلى أمرين: إلى العلم الذي هو علم السياسة والتدبير، وإلى القوة التي ينفذ بها الحق، وأن من اجتمع فيه الأمران فهو أحق من غيره. ومنها: الاستدلال بهذه القصة على ما قاله العلماء أنه ينبغي للأمير للجيوش أن يتفقدها عند فصولها؛ فيمنع من لا يصلح للقتال من رجال وخيل وركاب، لضعفه أو ضعف صبره أو لتخذيله أو خوف الضرر بصحبته، فإن هذا القسم ضرر محض على الناس. ومنها: أنه ينبغي عند حضور البأس تقوية المجاهدين وتشجيعهم وحثهم على القوة الإيمانية والاتِّكال الكامل على الله والاعتماد عليه، وسؤال الله التثبيت والإعانة على الصبر والنصر على الأعداء. ومنها: أن العزم على القتال والجهاد غير حقيقته، فقد يعزم الإنسان ولكن عند حضوره تنحل عزيمته، ولهذا من دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أسألك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد» ، فهؤلاء الذين عزموا على القتال وأتوا بكلام يدل على العزم المصمم لما جاء الوقت نكص أكثرهم، ويشبه هذا قوله - صلى الله عليه وسلم -: «وأسألك الرضا بعد القضا» ؛ لأن الرضا بعد وقوع القضاء المكروه للنفوس هو الرضا الحقيقي.

البقرة 2:252

{246 ـ 247} يقص الله تعالى هذه القصة على الأمة ليعتبروا وليرغبوا في الجهاد ولا ينكلوا عنه، فإن الصابرين صارت لهم العواقب الحميدة في الدنيا والآخرة والناكلين خسروا الأمرين، فأخبر تعالى أن أهل الرأي من بني إسرائيل وأصحاب الكلمة النافذة تراودوا في شأن الجهاد واتفقوا على أن يطلبوا من نبيهم أن يعين لهم ملكاً لينقطع النزاع بتعيينه وتحصلَ الطاعة التامة ولا يبقى لقائل مقال، وأن نبيهم خشي أن طلبهم هذا مجردُ كلام لا فعل معه، فأجابوا نبيهم بالعزم الجازم وأنهم التزموا ذلك التزاماً تامًّا، وأن القتال متعين عليهم حيث كان وسيلة لاسترجاع ديارهم ورجوعهم إلى مقرهم ووطنهم، وأنه عين لهم نبيهم طالوت ملكاً يقودهم في هذا الأمر الذي لا بد له من قائد يحسن القيادة، وأنهم استغربوا تعيينه لطالوت وثَمَّ من هو أحق منه بيتاً وأكثر مالاً، فأجابهم نبيهم: إن الله اختاره عليكم بما آتاه الله من قوة العلم بالسياسة وقوة الجسم، اللذين هما آلة الشجاعة والنجدة وحسن التدبير، وأن الملك ليس بكثرة المال، ولا بكون صاحبه ممن كان الملك والسيادة في بيوتهم، فالله يؤتي ملكه من يشاء. ثم لم يكتف ذلك النبي الكريم بتقنيعهم بما ذكره من كفاءة طالوت واجتماع الصفات المطلوبة فيه حتى قال لهم: {248}{إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون}؛ وكان هذا التابوت قد استولت عليه الأعداء، فلم يكتفوا بالصفات المعنوية في طالوت ولا بتعيين الله له على لسان نبيهم حتى يؤيد ذلك هذه المعجزة ولهذا قال:{إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين}؛ فحينئذ سلموا وانقادوا. فلما ترأس فيهم طالوت وجندهم ورتبهم وفصل بهم إلى قتال عدوهم وكان قد رأى منهم من ضعف العزائم والهمم ما يحتاج إلى تمييز الصابر من الناكل فقال: {249 ـ 250}{إن الله مبتليكم بنهر}؛ تمرون عليه وقت حاجة إلى الماء، {فمن شرب منه فليس مني}؛ أي لا يتبعني؛ لأن ذلك برهان على قلة صبره ووفور جزعه {ومن لم يطعمه فإنه مني}؛ لصدقه وصبره، {إلا من اغترف غرفة بيده}؛ أي: فإنه مسامح فيها. فلما وصلوا إلى ذلك النهر وكانوا محتاجين إلى الماء شربوا كلهم منه {إلا قليلاً منهم}؛ فإنهم صبروا ولم يشربوا {فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا}؛ أي: الناكلون أو الذين عبروا {لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده}؛ فإن كان القائلون هم الناكلين فهذا قول يبررون به نكولهم، وإن كان القائلون هم الذين عبروا مع طالوت فإنه حصل معهم نوع استضعاف لأنفسهم، ولكن شجعهم على الثبات والإقدام أهل الإيمان الكامل حيث قالوا:{كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين}؛ بعونه وتأييده ونصره فثبتوا وصبروا لقتال عدوهم جالوت وجنوده. {251}{وقتل داود}؛ - صلى الله عليه وسلم -، {جالوت}؛ وحصل بذلك الفتح والنصر على عدوهم {وآتاه الله}؛ أي: داود {الملك والحكمة}؛ النبوة والعلوم النافعة وآتاه الله الحكمة وفصل الخطاب. ثم بين تعالى فائدة الجهاد فقال:{ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض}؛ باستيلاء الكفرة والفجار وأهل الشر والفساد {ولكن الله ذو فضل على العالمين}؛ حيث لطف بالمؤمنين ودافع عنهم وعن دينهم بما شرعه وبما قدره. فلما بين هذه القصة قال لرسوله - صلى الله عليه وسلم -: {252}{تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وإنك لمن المرسلين}؛ ومن جملة الأدلة على رسالته هذه القصة حيث أخبر بها وحياً من الله مطابقاً للواقع. وفي هذه القصة عِبَرٌ كثيرةٌ للأمة: منها: فضيلة الجهاد في سبيله وفوائده وثمراته وأنه السبب الوحيد في حفظ الدين وحفظ الأوطان وحفظ الأبدان والأموال، وأنَّ المجاهدين ولو شقت عليهم الأمور فإن عواقبهم حميدة، كما أن الناكلين ولو استراحوا قليلاً فإنهم سيتعبون طويلاً. ومنها: الانتداب لرياسة من فيه كفاءة وأن الكفاءة ترجع إلى أمرين: إلى العلم الذي هو علم السياسة والتدبير، وإلى القوة التي ينفذ بها الحق، وأن من اجتمع فيه الأمران فهو أحق من غيره. ومنها: الاستدلال بهذه القصة على ما قاله العلماء أنه ينبغي للأمير للجيوش أن يتفقدها عند فصولها؛ فيمنع من لا يصلح للقتال من رجال وخيل وركاب، لضعفه أو ضعف صبره أو لتخذيله أو خوف الضرر بصحبته، فإن هذا القسم ضرر محض على الناس. ومنها: أنه ينبغي عند حضور البأس تقوية المجاهدين وتشجيعهم وحثهم على القوة الإيمانية والاتِّكال الكامل على الله والاعتماد عليه، وسؤال الله التثبيت والإعانة على الصبر والنصر على الأعداء. ومنها: أن العزم على القتال والجهاد غير حقيقته، فقد يعزم الإنسان ولكن عند حضوره تنحل عزيمته، ولهذا من دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أسألك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد» ، فهؤلاء الذين عزموا على القتال وأتوا بكلام يدل على العزم المصمم لما جاء الوقت نكص أكثرهم، ويشبه هذا قوله - صلى الله عليه وسلم -: «وأسألك الرضا بعد القضا» ؛ لأن الرضا بعد وقوع القضاء المكروه للنفوس هو الرضا الحقيقي.

البقرة 2:253

{253} يخبر الباري أنه فاوت بين الرسل في الفضائل الجليلة والتخصيصات الجميلة، بحسب ما منَّ الله به عليهم وقاموا به من الإيمان الكامل واليقين الراسخ والأخلاق العالية والآداب السامية والدعوة والتعليم والنفع العميم، فمنهم من اتخذه خليلاً، ومنهم من كلمه تكليماً، ومنهم من رفعه فوق الخلائق درجات، وجميعهم لا سبيل لأحد من البشر إلى الوصول إلى فضلهم الشامخ. وخص عيسى بن مريم أنه آتاه البينات الدالة على أنه رسول الله حقًّا وعبده صدقاً وأن ما جاء به من عند الله كله حق، فجعله يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله وكلم الناس في المهد صبياً وأيده بروح القدس أي بروح الإيمان، فجعل روحانيتَهُ فائقةً روحانيةَ غيرِهِ، فحصل له بذلك القوة والتأييد، وإن كان أصل التأييد بهذه الروح عامًّا لكل مؤمن بحسب إيمانه كما قال:{وأيدهم بروح منه}؛ لكن ما لعيسى أعظم مما لغيره لهذا خصه الله بالذكر، وقيل: إن روح القدس هنا جبريل أيده الله بإعانته ومؤازرته لكن المعنى هو الأول. ولما أخبر عن كمال الرسل وما أعطاهم من الفضل والخصائص وأن دينهم واحد ودعوتهم إلى الخير واحدة، وكان موجب ذلك ومقتضاه أن تجتمع الأمم على تصديقهم والانقياد لهم لما آتاهم من البينات التي على مثلها يؤمن البشر، لكن أكثرهم انحرفوا عن الصراط المستقيم، ووقع الاختلاف بين الأمم فمنهم من آمن ومنهم من كفر ووقع لأجل ذلك الاقتتال، الذي هو موجب الاختلاف والتعادي، ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فما اختلفوا، ولو شاء الله أيضاً بعدما وقع الاختلاف الموجب للاقتتال ما اقتتلوا، ولكن حكمته اقتضت جريان الأمور على هذا النظام بحسب الأسباب. ففي هذه الآية أكبر شاهد على أنه تعالى يتصرف في جميع الأسباب المقتضية لمسبباتها، وأنه إن شاء أبقاها وإن شاء منعها، وكل ذلك تبع لحكمته وحده فإنه فعال لما يريد، فليس لإرادته ومشيئته ممانع ولا معارض ولا معاون.

البقرة 2:254

{254} يحث الله المؤمنين على النفقات في جميع طرق الخير، لأن حذف المعمول يفيد التعميم، ويذكرهم نعمته عليهم بأنه هو الذي رزقهم ونوَّع عليهم النعم، وأنه لم يأمرهم بإخراج جميع ما في أيديهم بل أتى بِمِنْ الدالة على التبعيض، فهذا مما يدعوهم إلى الإنفاق، ومما يدعوهم أيضاً إخبارهم أن هذه النفقات مدخرة عند الله في يوم لا تفيد فيه المعاوضات بالبيع ونحوه ولا التبرعات ولا الشفاعات فكل أحد يقول ما قدمت لحياتي، فتنقطع الأسباب كلها إلا الأسباب المتعلقة بطاعة الله والإيمان به يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. {وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحاً فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون}، {وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيراً وأعظم أجراً}. ثم قال تعالى:{والكافرون هم الظالمون}؛ وذلك لأن الله خلقهم لعبادته، ورزقهم، وعافاهم، ليستعينوا بذلك على طاعته، فخرجوا عما خلقهم الله له، وأشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً، واستعانوا بنعمه على الكفر والفسوق والعصيان، فلم يبقوا للعدل موضعاً، فلهذا حصر الظلم المطلق فيهم.

البقرة 2:255

{255} أخبر - صلى الله عليه وسلم - أن هذه الآية أعظم آيات القرآن لما احتوت عليه من معاني التوحيد والعظمة وسعة الصفات للباري تعالى، فأخبر أنه {الله}؛ الذي له جميع معاني الألوهية، وأنه لا يستحق الألوهية والعبودية إلا هو، فألوهية غيره وعبادة غيره باطلة، وأنه {الحي} الذي له جميع معاني الحياة الكاملة من السمع والبصر والقدرة والإرادة وغيرها من الصفات الذاتية، كما أن {القيوم}؛ تدخل فيه جميع صفات الأفعال لأنه القيوم الذي قام بنفسه واستغنى عن جميع مخلوقاته وقام بجميع الموجودات فأوجدها وأبقاها وأمدها بجميع ما تحتاج إليه في وجودها وبقائها. ومن كمال حياته وقيوميته أنه {لا تأخذه سنة}؛ أي: نعاس {ولا نوم}؛ لأن السنة والنوم إنما يعرضان للمخلوق الذي يعتريه الضعف والعجز والانحلال، ولا يعرضان لذي العظمة والكبرياء والجلال، وأخبر أنه مالك جميع ما في السماوات والأرض، فكلهم عبيد لله مماليك لا يخرج أحد منهم عن هذا الطور {إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبداً}؛ فهو المالك لجميع الممالك وهو الذي له صفات الملك والتصرف والسلطان والكبرياء، ومن تمام ملكه أنه لا {يشفع عنده}؛ أحد {إلا بإذنه}؛ فكل الوجهاء والشفعاء عبيد له مماليك لا يَقْدِمُون على شفاعة حتى يأذن لهم {قل لله الشفاعة جميعاً له ملك السموات والأرض}؛ والله لا يأذن لأحد أن يشفع إلا فيمن ارتضى ولا يرتضي إلا توحيده واتباع رسله، فمن لم يتصف بهذا فليس له في الشفاعة نصيب. ثم أخبر عن علمه الواسع المحيط وأنه يعلم ما بين أيدي الخلائق من الأمور المستقبلة التي لا نهاية لها {وما خلفهم}؛ من الأمور الماضية التي لا حد لها، وأنه لا تخفى عليه خافية {يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور}؛ وأن الخلق لا يحيط أحد بشيء من علم الله ومعلوماته {إلا بما شاء} منها وهو ما أطلعهم عليه من الأمور الشرعية والقدرية، وهو جزء يسير جدًّا مضمحل في علوم الباري ومعلوماته كما قال أعلم الخلق به وهم الرسل والملائكة:{سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا}؛ ثم أخبر عن عظمته وجلاله وأن كرسيه وسع السماوات والأرض، وأنه قد حفظهما ومن فيهما من العوالم بالأسباب والنظامات التي جعلها الله في المخلوقات، ومع ذلك فلا يؤوده أي يثقله حفظهما لكمال عظمته واقتداره وسعة حكمته في أحكامه {وهو العلي}؛ بذاته على جميع مخلوقاته، وهو العلي بعظمة صفاته، وهو العلي الذي قهر المخلوقات، ودانت له الموجودات، وخضعت له الصعاب، وذلت له الرقاب {العظيم}؛ الجامع لجميع صفات العظمة والكبرياء والمجد والبهاء، الذي تحبه القلوب، وتعظمه الأرواح، ويعرف العارفون أن عظمة كل شيء وإن جلت عن الصفة فإنها مضمحلة في جانب عظمة العلي العظيم. فآية احتوت على هذه المعاني التي هي أجل المعاني يحق أن تكون أعظم آيات القرآن، ويحق لمن قرأها متدبراً متفهماً أن يمتلئ قلبه من اليقين والعرفان والإيمان، وأن يكون محفوظاً بذلك من شرور الشيطان.

البقرة 2:256

{256} هذا بيان لكمال هذا الدين الإسلامي، وأنه لكمال براهينه، واتضاح آياته وكونه هو دين العقل والعلم ودين الفطرة والحكمة ودين الصلاح والإصلاح ودين الحق والرشد، فلكماله وقبول الفطر له لا يحتاج إلى الإكراه عليه، لأن الإكراه إنما يقع على ما تنفر عنه القلوب، ويتنافى مع الحقيقة والحق أو لما تخفى براهينه وآياته، وإلا فمن جاءه هذا الدين ورده ولم يقبله فإنه لعناده، فإنه {قد تبين الرشد من الغي} فلم يبق لأحد عذر ولا حجة إذا رده ولم يقبله. ولا منافاة بين هذا المعنى وبين الآيات الكثيرة الموجبة للجهاد، فإن الله أمر بالقتال ليكون الدين كله لله، ولدفع اعتداء المعتدين على الدين، وأجمع المسلمون على أن الجهاد ماضٍ مع البر والفاجر، وأنه من الفروض المستمرة الجهاد القولي والجهاد الفعلي، ومن ظن من المفسرين أن هذه الآية تنافي آيات الجهاد فجزم بأنها منسوخة فقوله ضعيف لفظاً ومعنى كما هو واضح بين لمن تدبر الآية الكريمة كما نبهنا عليه. ثم ذكر الله انقسام الناس إلى قسمين: قسم آمن بالله وحده لا شريك له وكفر بالطاغوت ـ وهو كل ما ينافي الإيمان بالله من الشرك وغيره ـ فهذا قد {استمسك بالعروة الوثقى} التي لا انفصام لها، بل هو مستقيم على الدين الصحيح حتى يصل به إلى الله وإلى دار كرامته. ويؤخذ القسم الثاني من مفهوم الآية أن من لم يؤمن بالله بل كفر به وآمن بالطاغوت فإنه هالك هلاكاً أبدياً ومعذب عذاباً سرمدياً. وقوله {والله سميع}؛ أي: لجميع الأصوات باختلاف اللغات على تفنن الحاجات، وسميع لدعاء الداعين وخضوع المتضرعين. {عليم}؛ بما أكنته الصدور، وما خفي من خفايا الأمور، فيجازي كل أحد بحسب ما يعلمه من نياته وعمله.

البقرة 2:257

{257} هذه الآية مترتبة على الآية التي قبلها، فالسابقة هي الأساس وهذه هي الثمرة. فأخبر تعالى أن الذين آمنوا بالله وصدقوا إيمانهم بالقيام بواجبات الإيمان وترك كل ما ينافيه أنه وليهم يتولاهم بولايته الخاصة، ويتولى تربيتهم، فيخرجهم من ظلمات الجهل والكفر والمعاصي والغفلة والإعراض، إلى نور العلم واليقين والإيمان والطاعة والإقبال الكامل على ربهم، وينور قلوبهم بما يقذفه فيها من نور الوحي والإيمان، وييسرهم لليسرى، ويجنبهم العسرى، وأما الذين كفروا فإنهم لما تولوا غير وليهم، ولاهم الله ما تولوا لأنفسهم، وخذلهم، ووكلهم إلى رعاية من تولاهم ممن ليس عنده نفع ولا ضر، فأضلوهم، وأشقوهم، وحرموهم هداية العلم النافع والعمل الصالح، وحرموهم السعادة، وصارت النار مثواهم خالدين فيها مخلدين. اللهم تولنا فيمن توليت.

البقرة 2:258

{258} يقص الله علينا من أنباء الرسل والسالفين ما به تتبين الحقائق، وتقوم البراهين المتنوعة على التوحيد، فأخبر تعالى عن خليله إبراهيم - صلى الله عليه وسلم -، حيث حاج هذا الملك الجبار، وهو نمرود البابلي المعطل المنكر لرب العالمين، وانتدب لمقاومة إبراهيم الخليل ومحاجته في هذا الأمر الذي لا يقبل شكًّا ولا إشكالاً ولا ريباً وهو توحيد الله وربوبيته الذي هو أجلى الأمور وأوضحها. ولكن هذا الجبار غره ملكه وأطغاه حتى وصلت به الحال إلى أن نفاه، وحاج إبراهيمَ الرسولَ العظيمَ الذي أعطاه الله من العلم واليقين ما لم يعط أحداً من الرسل سوى محمد - صلى الله عليه وسلم -، فقال إبراهيم مناظراً له:{ربي الذي يحيي ويميت}؛ أي: هو المنفرد بالخلق والتدبير والإحياء والإماتة، فذكر من هذا الجنس أظهرها وهو الإحياء والإماتة، فقال ذلك الجبار مباهتاً:{أنا أحيي وأميت}؛ وعنى بذلك أني أقتل من أردت قتله وأستبقي من أردت استبقاءه، ومن المعلوم أن هذا تمويه وتزوير عن المقصود، وأن المقصود أن الله تعالى هو الذي تفرد بإيجاد الحياة في المعدومات وردها على الأموات، وأنه هو الذي يميت العباد والحيوانات بآجالها بأسباب ربطها وبغير أسباب. فلما رآه الخليل مموهاً تمويهاً ربما راج على الهمج الرَّعاع قال إبراهيم ملزماً له بتصديق قوله إن كان كما يزعم:{فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب، فبهت الذي كفر}؛ أي: وقف وانقطعت حجته، واضمحلت شبهته. وليس هذا من الخليل انتقالاً من دليل إلى آخر، وإنما هو إلزام لنمرود بطرد دليله إن كان صادقاً وأتى بهذا الذي لا يقبل الترويج والتزوير والتمويه، فجميع الأدلة السمعية والعقلية والفطرية قد قامت شاهدة بتوحيد الله معترفة بانفراده بالخلق والتدبير وأن من هذا شأنه لا يستحق العبادة إلا هو، وجميع الرسل متفقون على هذا الأصل العظيم، ولم ينكره إلا معاند مكابر مماثل لهذا الجبار العنيد، فهذا من أدلة التوحيد، ثم ذكر أدلة كمال القدرة والبعث والجزاء فقال:

البقرة 2:259

{259} هذان دليلان عظيمان محسوسان في الدنيا قبل الآخرة على البعث والجزاء، واحد أجراه الله على يد رجل شاك في البعث على الصحيح كما تدل عليه الآية الكريمة، والآخر على يد خليله إبراهيم، كما أجرى دليل التوحيد السابق على يده. فهذا الرجل مرَّ على قرية قد دمرت تدميراً وخوت على عروشها قد مات أهلها وخربت عمارتها، فقال على وجه الشك والاستبعاد:{أنى يحيي هذه الله بعد موتها}؟ أي: ذلك بعيد وهي في هذه الحال، يعني وغيرها مثلها بحسب ما قام بقلبه تلك الساعة، فأراد الله رحمته ورحمة الناس حيث أماته الله مئة عام، وكان معه حمار فأماته معه، ومعه طعام وشراب فأبقاهما الله بحالهما كل هذه المدد الطويلة. فلما مضت الأعوام المائة بعثه الله فقال:{كم لبثت قال: لبثت يوماً أو بعض يوم}؛ وذلك بحسب ما ظنه، فقال الله:{بل لبثت مائة عام}؛ والظاهر أن هذه المجاوبة على يد بعض الأنبياء الكرام. ومن تمام رحمة الله به وبالناس أنه أراه الآية عياناً ليقتنع بها، فبعد ما عرف أنه ميت قد أحياه الله قيل له: انظر {إلى طعامك وشرابك لم يتسنه}؛ أي: لم يتغير في هذه المُدَد الطويلة. وذلك من آيات قدرة الله فإن الطعام والشراب خصوصاً ما ذكره المفسرون أنه فاكهة وعصير لا يلبث أن يتغير وهذا قد حفظه الله مئة عام وقيل له:{انظر إلى حمارك}؛ فإذا هو قد تمزق وتفرق وصار عظاماً نخرة، {وانظر إلى العظام كيف ننشزها}؛ أي: نرفع بعضها إلى بعض ونصل بعضها ببعض بعدما تفرقت وتمزقت {ثم نكسوها}؛ بعد الالتئام {لحماً}؛ ثم نعيد فيه الحياة {فلما تبين له}؛ رأيَ عين لا يقبل الريب بوجه من الوجوه {قال أعلم أن الله على كل شيء قدير}؛ فاعترف بقدرة الله على كل شيء وصار آية للناس، لأنهم قد عرفوا موته وموت حماره وعرفوا قضيته ثم شاهدوا هذه الآية الكبرى. هذا هو الصواب في هذا الرجل. وأما قول كثير من المفسرين: أن هذا الرجل مؤمن أو نبي من الأنبياء إما عزير أو غيره وأن قوله: {أنى يحيي هذه الله بعد موتها}؛ يعني كيف تعمر هذه القرية بعد أن كانت خراباً، وأن الله أماته ليريه ما يعيد لهذه القرية من عمارتها بالخلق وأنها عمرت في هذه المدة وتراجع الناس إليها وصارت عامرة بعد أن كانت دامرة، فهذا لا يدل عليه اللفظ بل ينافيه، ولا يدل عليه المعنى، فأي آية وبرهان برجوع البلدان الدامرة إلى العمارة، وهذه لم تزل تشاهد تعمر قرى ومساكن، وتخرب أخرى، وإنما الآية العظيمة في إحيائه بعد موته وإحياء حماره وإبقاء طعامه وشرابه لم يتعفن ولم يتغير، ثم قوله:{فلما تبين له}؛ صريح في أنه لم يتبين له إلا بعدما شاهد هذه الحال الدالة على كمال قدرته عيانا. {260} وأما البرهان الآخر فإن إبراهيم قال طالباً من الله أن يريه كيف يحيي الموتى فقال الله له: {أو لم تؤمن}؛ ليزيل الشبهة عن خليله، {قال}؛ إبراهيم:{بلى}؛ يا رب قد آمنت أنك على كل شيء قدير وأنك تحيي الموتى وتجازي العباد، ولكن أريد أن يطمئن قلبي وأصل إلى درجة عين اليقين، فأجاب الله دعوته كرامة له ورحمة بالعباد، {قال فخذ أربعة من الطير}؛ ولم يبين أي الطيور هي فالآية حاصلة بأي نوع منها وهو المقصود، {فصرهن إليك}؛ أي: ضمهن واذبحهن ومزقهن {ثم اجعل على كل جبل منهن جزءاً ثم ادعهن يأتينك سعياً واعلم أن الله عزيز حكيم}؛ ففعل ذلك وفرق أجزاءهن على الجبال التي حوله ودعاهن بأسمائهن فأقبلن إليه أي سريعات، لأن السعي السرعة، وليس المراد أنهن جئن على قوائمهن، وإنما جئن طائرات على أكمل ما يكون من الحياة، وخص الطيور بذلك لأن إحياءهن أكمل وأوضح من غيرهن، وأيضاً أزال في هذا كل وهم ربما يعرض للنفوس المبطلة، فجعلهن متعددات أربعة، ومزقهن جميعاً، وجعلهن على رؤوس الجبال، ليكون ذلك ظاهراً علناً يشاهد من قرب ومن بعد، وأنه نحاهن عنه كثيراً لئلا يظن أن يكون عاملاً حيلة من الحيل، وأيضاً أمره أن يدعوهن فجئن مسرعات، فصارت هذه الآية أكبر برهان على كمال عزة الله وحكمته. وفيه تنبيه على أن البعث فيه يظهر للعباد كمال عزة الله وحكمته وعظمته وسعة سلطانه وتمام عدله وفضله.

البقرة 2:260

{259} هذان دليلان عظيمان محسوسان في الدنيا قبل الآخرة على البعث والجزاء، واحد أجراه الله على يد رجل شاك في البعث على الصحيح كما تدل عليه الآية الكريمة، والآخر على يد خليله إبراهيم، كما أجرى دليل التوحيد السابق على يده. فهذا الرجل مرَّ على قرية قد دمرت تدميراً وخوت على عروشها قد مات أهلها وخربت عمارتها، فقال على وجه الشك والاستبعاد:{أنى يحيي هذه الله بعد موتها}؟ أي: ذلك بعيد وهي في هذه الحال، يعني وغيرها مثلها بحسب ما قام بقلبه تلك الساعة، فأراد الله رحمته ورحمة الناس حيث أماته الله مئة عام، وكان معه حمار فأماته معه، ومعه طعام وشراب فأبقاهما الله بحالهما كل هذه المدد الطويلة. فلما مضت الأعوام المائة بعثه الله فقال:{كم لبثت قال: لبثت يوماً أو بعض يوم}؛ وذلك بحسب ما ظنه، فقال الله:{بل لبثت مائة عام}؛ والظاهر أن هذه المجاوبة على يد بعض الأنبياء الكرام. ومن تمام رحمة الله به وبالناس أنه أراه الآية عياناً ليقتنع بها، فبعد ما عرف أنه ميت قد أحياه الله قيل له: انظر {إلى طعامك وشرابك لم يتسنه}؛ أي: لم يتغير في هذه المُدَد الطويلة. وذلك من آيات قدرة الله فإن الطعام والشراب خصوصاً ما ذكره المفسرون أنه فاكهة وعصير لا يلبث أن يتغير وهذا قد حفظه الله مئة عام وقيل له:{انظر إلى حمارك}؛ فإذا هو قد تمزق وتفرق وصار عظاماً نخرة، {وانظر إلى العظام كيف ننشزها}؛ أي: نرفع بعضها إلى بعض ونصل بعضها ببعض بعدما تفرقت وتمزقت {ثم نكسوها}؛ بعد الالتئام {لحماً}؛ ثم نعيد فيه الحياة {فلما تبين له}؛ رأيَ عين لا يقبل الريب بوجه من الوجوه {قال أعلم أن الله على كل شيء قدير}؛ فاعترف بقدرة الله على كل شيء وصار آية للناس، لأنهم قد عرفوا موته وموت حماره وعرفوا قضيته ثم شاهدوا هذه الآية الكبرى. هذا هو الصواب في هذا الرجل. وأما قول كثير من المفسرين: أن هذا الرجل مؤمن أو نبي من الأنبياء إما عزير أو غيره وأن قوله: {أنى يحيي هذه الله بعد موتها}؛ يعني كيف تعمر هذه القرية بعد أن كانت خراباً، وأن الله أماته ليريه ما يعيد لهذه القرية من عمارتها بالخلق وأنها عمرت في هذه المدة وتراجع الناس إليها وصارت عامرة بعد أن كانت دامرة، فهذا لا يدل عليه اللفظ بل ينافيه، ولا يدل عليه المعنى، فأي آية وبرهان برجوع البلدان الدامرة إلى العمارة، وهذه لم تزل تشاهد تعمر قرى ومساكن، وتخرب أخرى، وإنما الآية العظيمة في إحيائه بعد موته وإحياء حماره وإبقاء طعامه وشرابه لم يتعفن ولم يتغير، ثم قوله:{فلما تبين له}؛ صريح في أنه لم يتبين له إلا بعدما شاهد هذه الحال الدالة على كمال قدرته عيانا. {260} وأما البرهان الآخر فإن إبراهيم قال طالباً من الله أن يريه كيف يحيي الموتى فقال الله له: {أو لم تؤمن}؛ ليزيل الشبهة عن خليله، {قال}؛ إبراهيم:{بلى}؛ يا رب قد آمنت أنك على كل شيء قدير وأنك تحيي الموتى وتجازي العباد، ولكن أريد أن يطمئن قلبي وأصل إلى درجة عين اليقين، فأجاب الله دعوته كرامة له ورحمة بالعباد، {قال فخذ أربعة من الطير}؛ ولم يبين أي الطيور هي فالآية حاصلة بأي نوع منها وهو المقصود، {فصرهن إليك}؛ أي: ضمهن واذبحهن ومزقهن {ثم اجعل على كل جبل منهن جزءاً ثم ادعهن يأتينك سعياً واعلم أن الله عزيز حكيم}؛ ففعل ذلك وفرق أجزاءهن على الجبال التي حوله ودعاهن بأسمائهن فأقبلن إليه أي سريعات، لأن السعي السرعة، وليس المراد أنهن جئن على قوائمهن، وإنما جئن طائرات على أكمل ما يكون من الحياة، وخص الطيور بذلك لأن إحياءهن أكمل وأوضح من غيرهن، وأيضاً أزال في هذا كل وهم ربما يعرض للنفوس المبطلة، فجعلهن متعددات أربعة، ومزقهن جميعاً، وجعلهن على رؤوس الجبال، ليكون ذلك ظاهراً علناً يشاهد من قرب ومن بعد، وأنه نحاهن عنه كثيراً لئلا يظن أن يكون عاملاً حيلة من الحيل، وأيضاً أمره أن يدعوهن فجئن مسرعات، فصارت هذه الآية أكبر برهان على كمال عزة الله وحكمته. وفيه تنبيه على أن البعث فيه يظهر للعباد كمال عزة الله وحكمته وعظمته وسعة سلطانه وتمام عدله وفضله.

البقرة 2:261

{261} هذا حث عظيم من الله لعباده في إنفاق أموالهم في سبيله، وهو طريقه الموصل إليه، فيدخل في هذا إنفاقه في ترقية العلوم النافعة، وفي الاستعداد للجهاد في سبيله، وفي تجهز المجاهدين وتجهيزهم، وفي جميع المشاريع الخيرية النافعة للمسلمين، ويلي ذلك الإنفاق على المحتاجين والفقراء والمساكين، وقد يجتمع الأمران فيكون في النفقة دفع الحاجات والإعانة على الخير والطاعات، فهذه النفقات مضاعفة هذه المضاعفة بسبعمائة إلى أضعاف أكثر من ذلك، ولهذا قال:{والله يضاعف لمن يشاء}؛ وذلك بحسب ما يقوم بقلب المنفق من الإيمان والإخلاص التام وفي ثمرات نفقته ونفعها، فإن بعض طرق الخيرات يترتب على الإنفاق فيها منافع متسلسلة ومصالح متنوعة فكان الجزاء من جنس العمل. {262} ثم أيضاً ذكر ثواباً آخر للمنفقين أموالهم في سبيله نفقة صادرة مستوفية لشروطها منتفية موانعها، فلا يتبعون المنفق عليه، منًّا منهم عليه وتعداداً للنعم وأذية له قولية أو فعلية فهؤلاء {لهم أجرهم عند ربهم}؛ بحسب ما يعلمه منهم وبحسب نفقاتهم ونفعها وبفضله الذي لا تناله ولا تصل إليه صدقاتهم، {ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون}؛ فنفى عنهم المكروه الماضي بنفي الحزن، والمستقبل بنفي الخوف عليهم فقد حصل لهم المحبوب واندفع عنهم المكروه.

البقرة 2:262

{261} هذا حث عظيم من الله لعباده في إنفاق أموالهم في سبيله، وهو طريقه الموصل إليه، فيدخل في هذا إنفاقه في ترقية العلوم النافعة، وفي الاستعداد للجهاد في سبيله، وفي تجهز المجاهدين وتجهيزهم، وفي جميع المشاريع الخيرية النافعة للمسلمين، ويلي ذلك الإنفاق على المحتاجين والفقراء والمساكين، وقد يجتمع الأمران فيكون في النفقة دفع الحاجات والإعانة على الخير والطاعات، فهذه النفقات مضاعفة هذه المضاعفة بسبعمائة إلى أضعاف أكثر من ذلك، ولهذا قال:{والله يضاعف لمن يشاء}؛ وذلك بحسب ما يقوم بقلب المنفق من الإيمان والإخلاص التام وفي ثمرات نفقته ونفعها، فإن بعض طرق الخيرات يترتب على الإنفاق فيها منافع متسلسلة ومصالح متنوعة فكان الجزاء من جنس العمل. {262} ثم أيضاً ذكر ثواباً آخر للمنفقين أموالهم في سبيله نفقة صادرة مستوفية لشروطها منتفية موانعها، فلا يتبعون المنفق عليه، منًّا منهم عليه وتعداداً للنعم وأذية له قولية أو فعلية فهؤلاء {لهم أجرهم عند ربهم}؛ بحسب ما يعلمه منهم وبحسب نفقاتهم ونفعها وبفضله الذي لا تناله ولا تصل إليه صدقاتهم، {ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون}؛ فنفى عنهم المكروه الماضي بنفي الحزن، والمستقبل بنفي الخوف عليهم فقد حصل لهم المحبوب واندفع عنهم المكروه.

البقرة 2:263

{263} ذكر الله أربع مراتب للإحسان: المرتبة العليا: النفقة الصادرة عن نية صالحة ولم يتبعها المنفق منًّا ولا أذى. ثم يليها قول المعروف وهو الإحسان القولي بجميع وجوهه الذي فيه سرور المسلم، والاعتذار من السائل إذا لم يوافق عنده شيئاً، وغير ذلك من أقوال المعروف. والثالثة الإحسان بالعفو والمغفرة عمن أساء إليك بقول أو فعل. وهذان أفضل من الرابعة وخير منها وهي: التي يتبعها المتصدق الأذى للمعطي لأنه كدر إحسانه وفعل خيراً وشرًّا. فالخير المحض وإن كان مفضولاً خير من الخير الذي يخالطه شرٌّ وإن كان فاضلاً، وفي هذا التحذير العظيم لمن يؤذي من تصدق عليه كما يفعله أهل اللؤم والحمق والجهل، {والله}؛ تعالى {غني}؛ عن صدقاتهم وعن جميع عباده {حليم}؛ مع كمال غناه وسعة عطاياه يحلم عن العاصين، ولا يعاجلهم بالعقوبة بل يعافيهم، ويرزقهم، ويدر عليهم خيره، وهم مبارزون له بالمعاصي. ثم نهى أشد النهي عن المنِّ والأذى وضرب لذلك مثلاً:

البقرة 2:264

{264 ـ 266} ضرب الله في هذه الآيات ثلاثة أمثلة: للمنفق ابتغاء وجهه ولم يتبع نفقته منًّا ولا أذى، ولمن أتبعها منًّا وأذى، وللمرائي. فأما الأول فإنه لما كانت نفقته مقبولة مضاعفة لصدورها عن الإيمان والإخلاص التام {ابتغاء مرضاة الله وتثبيتاً من أنفسهم}؛ أي: ينفقون وهم ثابتون على وجه السماحة والصدق فمثل هذا العمل، {كمثل جنة بربوة}؛ وهو المكان المرتفع لأنه يتبين للرياح والشمس، والماء فيها غزير، فإن لم يصبها ذلك الوابل الغزير، حصل لها طلٌّ كافٍ لطيب منبتها وحسن أرضها وحصول جميع الأسباب الموفرة لنموها وازدهارها وإثمارها، ولهذا {آتت أكلها ضعفين}؛ أي: متضاعفاً، وهذه الجنة التي على هذا الوصف هي أعلى ما يطلبه الناس، فهذا العمل الفاضل بأعلى المنازل. وأما من أنفق لله ثم أتبع نفقته منًّا وأذى، أو عمل عملاً فأتى بمبطل لذلك العمل فهذا مثله مثال صاحب هذه الجنة، لكن سلط عليها {إعصار}؛ وهو الريح الشديدة {فيه نار فاحترقت}؛ وله ذرية ضعفاء وهو ضعيف قد أصابه الكبر، فهذه الحال من أفظع الأحوال، ولهذا صدَّر هذا المثل بقوله:{أيود أحدكم}؛ إلى آخرها بالاستفهام المتقرر عند المخاطبين فظاعته، فإن تَلَفَها دفعة واحدة بعد زهاء أشجارها وإيناع ثمارها مصيبة كبرى، ثم حصول هذه الفاجعة وصاحبها كبير قد ضعف عن العمل وله ذرية ضعفاء لا مساعدة منهم له ومؤنتهم عليه فاجعة أخرى، فصار صاحب هذا المثل الذي عمل لله ثم أبطل عمله بمنافٍ له يشبه حال صاحب الجنة التي جرى عليها ما جرى حين اشتدت ضرورته إليها. المثل الثالث الذي يرائي الناس وليس معه إيمان بالله ولا احتساب لثوابه حيث شبه قلبه بالصفوان وهو الحجر الأملس عليه تراب يظن الرائي أنه إذا أصابه المطر أنبت كما تنبت الأراضي الطيبة، ولكنه كالحجر الذي أصابه الوابل الشديد فأذهب ما عليه من التراب وتركه صلداً، وهذا مثل مطابق لقلب المرائي الذي ليس فيه إيمان بل هو قاسٍ لا يلين ولا يخشع، فهذا أعماله ونفقاته لا أصل لها تؤسس عليه ولا غاية لها تنتهي إليه، بل ما عمله فهو باطل لعدم شرطه. والذي قبله بطل بعد وجود الشرط لوجود المانع، والأول مقبول مضاعف لوجود شرطه الذي هو الإيمان والإخلاص والثبات وانتفاء الموانع المفسدة. وهذه الأمثال الثلاثة تنطبق على جميع العاملين، فليزن العبد نفسه وغيره بهذه الموازين العادلة والأمثال المطابقة {وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون}.

البقرة 2:265

{264 ـ 266} ضرب الله في هذه الآيات ثلاثة أمثلة: للمنفق ابتغاء وجهه ولم يتبع نفقته منًّا ولا أذى، ولمن أتبعها منًّا وأذى، وللمرائي. فأما الأول فإنه لما كانت نفقته مقبولة مضاعفة لصدورها عن الإيمان والإخلاص التام {ابتغاء مرضاة الله وتثبيتاً من أنفسهم}؛ أي: ينفقون وهم ثابتون على وجه السماحة والصدق فمثل هذا العمل، {كمثل جنة بربوة}؛ وهو المكان المرتفع لأنه يتبين للرياح والشمس، والماء فيها غزير، فإن لم يصبها ذلك الوابل الغزير، حصل لها طلٌّ كافٍ لطيب منبتها وحسن أرضها وحصول جميع الأسباب الموفرة لنموها وازدهارها وإثمارها، ولهذا {آتت أكلها ضعفين}؛ أي: متضاعفاً، وهذه الجنة التي على هذا الوصف هي أعلى ما يطلبه الناس، فهذا العمل الفاضل بأعلى المنازل. وأما من أنفق لله ثم أتبع نفقته منًّا وأذى، أو عمل عملاً فأتى بمبطل لذلك العمل فهذا مثله مثال صاحب هذه الجنة، لكن سلط عليها {إعصار}؛ وهو الريح الشديدة {فيه نار فاحترقت}؛ وله ذرية ضعفاء وهو ضعيف قد أصابه الكبر، فهذه الحال من أفظع الأحوال، ولهذا صدَّر هذا المثل بقوله:{أيود أحدكم}؛ إلى آخرها بالاستفهام المتقرر عند المخاطبين فظاعته، فإن تَلَفَها دفعة واحدة بعد زهاء أشجارها وإيناع ثمارها مصيبة كبرى، ثم حصول هذه الفاجعة وصاحبها كبير قد ضعف عن العمل وله ذرية ضعفاء لا مساعدة منهم له ومؤنتهم عليه فاجعة أخرى، فصار صاحب هذا المثل الذي عمل لله ثم أبطل عمله بمنافٍ له يشبه حال صاحب الجنة التي جرى عليها ما جرى حين اشتدت ضرورته إليها. المثل الثالث الذي يرائي الناس وليس معه إيمان بالله ولا احتساب لثوابه حيث شبه قلبه بالصفوان وهو الحجر الأملس عليه تراب يظن الرائي أنه إذا أصابه المطر أنبت كما تنبت الأراضي الطيبة، ولكنه كالحجر الذي أصابه الوابل الشديد فأذهب ما عليه من التراب وتركه صلداً، وهذا مثل مطابق لقلب المرائي الذي ليس فيه إيمان بل هو قاسٍ لا يلين ولا يخشع، فهذا أعماله ونفقاته لا أصل لها تؤسس عليه ولا غاية لها تنتهي إليه، بل ما عمله فهو باطل لعدم شرطه. والذي قبله بطل بعد وجود الشرط لوجود المانع، والأول مقبول مضاعف لوجود شرطه الذي هو الإيمان والإخلاص والثبات وانتفاء الموانع المفسدة. وهذه الأمثال الثلاثة تنطبق على جميع العاملين، فليزن العبد نفسه وغيره بهذه الموازين العادلة والأمثال المطابقة {وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون}.

البقرة 2:266

{264 ـ 266} ضرب الله في هذه الآيات ثلاثة أمثلة: للمنفق ابتغاء وجهه ولم يتبع نفقته منًّا ولا أذى، ولمن أتبعها منًّا وأذى، وللمرائي. فأما الأول فإنه لما كانت نفقته مقبولة مضاعفة لصدورها عن الإيمان والإخلاص التام {ابتغاء مرضاة الله وتثبيتاً من أنفسهم}؛ أي: ينفقون وهم ثابتون على وجه السماحة والصدق فمثل هذا العمل، {كمثل جنة بربوة}؛ وهو المكان المرتفع لأنه يتبين للرياح والشمس، والماء فيها غزير، فإن لم يصبها ذلك الوابل الغزير، حصل لها طلٌّ كافٍ لطيب منبتها وحسن أرضها وحصول جميع الأسباب الموفرة لنموها وازدهارها وإثمارها، ولهذا {آتت أكلها ضعفين}؛ أي: متضاعفاً، وهذه الجنة التي على هذا الوصف هي أعلى ما يطلبه الناس، فهذا العمل الفاضل بأعلى المنازل. وأما من أنفق لله ثم أتبع نفقته منًّا وأذى، أو عمل عملاً فأتى بمبطل لذلك العمل فهذا مثله مثال صاحب هذه الجنة، لكن سلط عليها {إعصار}؛ وهو الريح الشديدة {فيه نار فاحترقت}؛ وله ذرية ضعفاء وهو ضعيف قد أصابه الكبر، فهذه الحال من أفظع الأحوال، ولهذا صدَّر هذا المثل بقوله:{أيود أحدكم}؛ إلى آخرها بالاستفهام المتقرر عند المخاطبين فظاعته، فإن تَلَفَها دفعة واحدة بعد زهاء أشجارها وإيناع ثمارها مصيبة كبرى، ثم حصول هذه الفاجعة وصاحبها كبير قد ضعف عن العمل وله ذرية ضعفاء لا مساعدة منهم له ومؤنتهم عليه فاجعة أخرى، فصار صاحب هذا المثل الذي عمل لله ثم أبطل عمله بمنافٍ له يشبه حال صاحب الجنة التي جرى عليها ما جرى حين اشتدت ضرورته إليها. المثل الثالث الذي يرائي الناس وليس معه إيمان بالله ولا احتساب لثوابه حيث شبه قلبه بالصفوان وهو الحجر الأملس عليه تراب يظن الرائي أنه إذا أصابه المطر أنبت كما تنبت الأراضي الطيبة، ولكنه كالحجر الذي أصابه الوابل الشديد فأذهب ما عليه من التراب وتركه صلداً، وهذا مثل مطابق لقلب المرائي الذي ليس فيه إيمان بل هو قاسٍ لا يلين ولا يخشع، فهذا أعماله ونفقاته لا أصل لها تؤسس عليه ولا غاية لها تنتهي إليه، بل ما عمله فهو باطل لعدم شرطه. والذي قبله بطل بعد وجود الشرط لوجود المانع، والأول مقبول مضاعف لوجود شرطه الذي هو الإيمان والإخلاص والثبات وانتفاء الموانع المفسدة. وهذه الأمثال الثلاثة تنطبق على جميع العاملين، فليزن العبد نفسه وغيره بهذه الموازين العادلة والأمثال المطابقة {وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون}.

البقرة 2:267

{267 ـ 268} يحث الباري عباده على الإنفاق مما كسبوا في التجارات، ومما أخرج لهم من الأرض من الحبوب والثمار، وهذا يشمل زكاة النقدين والعروض كلها المعدة للبيع والشراء والخارج من الأرض من الحبوب والثمار. ويدخل في عمومها الفرض والنفل، وأمر تعالى أن يقصدوا الطيب منها ولا يقصدوا الخبيث وهو الرديء الدون يجعلونه لله، ولو بذله لهم من لهم حق عليه لم يرتضوه، ولم يقبلوه إلا على وجه المغاضاة والإغماض، فالواجب إخراج الوسط من هذه الأشياء والكمال إخراج العالي، والممنوع إخراج الرديء فإن هذا لا يجزي عن الواجب، ولا يحصل فيه الثواب التام في المندوب. {واعلموا أن الله غني حميد}؛ فهو غني عن جميع المخلوقين، وهو الغني عن نفقات المنفقين وعن طاعات الطائعين، وإنما أمرهم بها وحثهم عليها لنفعهم ومحض فضله وكرمه عليهم، ومع كمال غناه وسعة عطاياه فهو الحميد فيما يشرعه لعباده من الأحكام الموصلة لهم إلى دار السلام، وحميد في أفعاله التي لا تخرج عن الفضل والعدل والحكمة، وحميد الأوصاف لأن أوصافه كلها محاسن وكمالات لا يبلغ العباد كنهها ولا يدركون وصفها. فلما حثهم على الإنفاق النافع نهاهم عن الإمساك الضار، وبين لهم أنهم بين داعيين: داعي الرحمن يدعوهم إلى الخير ويعدهم عليه الخير والفضل والثواب العاجل والآجل وإخلاف ما أنفقوا، وداعي الشيطان الذي يحثهم على الإمساك، ويخوفهم إن أنفقوا أن يفتقروا. فمن كان مجيباً لداعي الرحمن، وأنفق مما رزقه الله فليُبْشِر بمغفرة الذنوب وحصول كل مطلوب، ومن كان مجيباً لداعي الشيطان فإنه إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير، فليختر العبد أي الأمرين أليق به. وختم الآية بأنه {واسع عليم}؛ أي واسع الصفات كثير الهبات عليم بمن يستحق المضاعفة من العاملين، وعليم بمن هو أهل فيوفقه لفعل الخيرات، وترك المنكرات.

البقرة 2:268

{267 ـ 268} يحث الباري عباده على الإنفاق مما كسبوا في التجارات، ومما أخرج لهم من الأرض من الحبوب والثمار، وهذا يشمل زكاة النقدين والعروض كلها المعدة للبيع والشراء والخارج من الأرض من الحبوب والثمار. ويدخل في عمومها الفرض والنفل، وأمر تعالى أن يقصدوا الطيب منها ولا يقصدوا الخبيث وهو الرديء الدون يجعلونه لله، ولو بذله لهم من لهم حق عليه لم يرتضوه، ولم يقبلوه إلا على وجه المغاضاة والإغماض، فالواجب إخراج الوسط من هذه الأشياء والكمال إخراج العالي، والممنوع إخراج الرديء فإن هذا لا يجزي عن الواجب، ولا يحصل فيه الثواب التام في المندوب. {واعلموا أن الله غني حميد}؛ فهو غني عن جميع المخلوقين، وهو الغني عن نفقات المنفقين وعن طاعات الطائعين، وإنما أمرهم بها وحثهم عليها لنفعهم ومحض فضله وكرمه عليهم، ومع كمال غناه وسعة عطاياه فهو الحميد فيما يشرعه لعباده من الأحكام الموصلة لهم إلى دار السلام، وحميد في أفعاله التي لا تخرج عن الفضل والعدل والحكمة، وحميد الأوصاف لأن أوصافه كلها محاسن وكمالات لا يبلغ العباد كنهها ولا يدركون وصفها. فلما حثهم على الإنفاق النافع نهاهم عن الإمساك الضار، وبين لهم أنهم بين داعيين: داعي الرحمن يدعوهم إلى الخير ويعدهم عليه الخير والفضل والثواب العاجل والآجل وإخلاف ما أنفقوا، وداعي الشيطان الذي يحثهم على الإمساك، ويخوفهم إن أنفقوا أن يفتقروا. فمن كان مجيباً لداعي الرحمن، وأنفق مما رزقه الله فليُبْشِر بمغفرة الذنوب وحصول كل مطلوب، ومن كان مجيباً لداعي الشيطان فإنه إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير، فليختر العبد أي الأمرين أليق به. وختم الآية بأنه {واسع عليم}؛ أي واسع الصفات كثير الهبات عليم بمن يستحق المضاعفة من العاملين، وعليم بمن هو أهل فيوفقه لفعل الخيرات، وترك المنكرات.

البقرة 2:269

{269} لما ذكر أحوال المنفقين للأموال، وأن الله أعطاهم، ومنَّ عليهم بالأموال التي يدركون بها النفقات في الطرق الخيرية، وينالون بها المقامات السنية، ذكر ما هو أفضل من ذلك وهو أنه يعطي الحكمة من يشاء من عباده، ومن أراد بهم خيراً من خلقه، والحكمة هي العلوم النافعة والمعارف الصائبة والعقول المسددة والألباب الرزينة وإصابة الصواب في الأقوال والأفعال، وهذا أفضل العطايا وأجل الهبات، ولهذا قال:{ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً}؛ لأنه خرج من ظلمة الجهالات إلى نور الهدى، ومن حمق الانحراف في الأقوال والأفعال إلى إصابة الصواب فيها وحصول السداد، ولأنه كمل نفسه بهذا الخير العظيم واستعد لنفع الخلق أعظم نفع في دينهم ودنياهم، وجميع الأمور لا تصلح إلا بالحكمة التي هي وضع الأشياء مواضعها وتنزيل الأمور منازلها، والإقدام في محل الإقدام، والإحجام في موضع الإحجام. ولكن ما يتذكر هذا الأمر العظيم وما يعرف قدر هذا العطاء الجسيم، {إلا أولو الألباب}؛ وهم أهل العقول الوافية والأحلام الكاملة، فهم الذين يعرفون النافع فيعملونه والضار فيتركونه، وهذان الأمران وهما بذل النفقات المالية وبذل الحكمة العلمية أفضل ما تقرب به المتقربون إلى الله وأعلى ما وصلوا به إلى أجل الكرامات، وهما اللذان ذكرهما النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله:«لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يعلمها الناس».

البقرة 2:270

{270 ـ 271} يخبر تعالى أنه مهما أنفق المنفقون أو تصدق المتصدقون أو نذر الناذرون فإن الله يعلم ذلك. ومضمون الإخبار بعلمه يدل على الجزاء وأن الله لا يضيع عنده مثقالُ ذرة، ويعلم ما صدرت عنه من نيات صالحة أو سيئة، وأن الظالمين الذين يمنعون ما أوجب الله عليهم، أو يقتحمون ما حرم عليهم، ليس لهم من دونه أنصار ينصرونهم ويمنعونهم. وأنه لا بد أن تقع بهم العقوبات، وأخبر أن الصدقة إن أبداها المتصدق فهي خير، وإن أخفاها وسلمها للفقير كان أفضل، لأن الإخفاء على الفقير إحسان آخر، وأيضاً فإنه يدل على قوة الإخلاص. وأحد السبعة الذين يظلهم الله في ظله من تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، وفي قوله:{وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم}؛ فائدة لطيفة، وهو أن إخفاءها خير من إظهارها إذا أعطيت الفقير. فأما إذا صرفت في مشروع خيري لم يكن في الآية ما يدل على فضيلة إخفائها، بل هنا قواعد الشرع تدل على مراعاة المصلحة، فربما كان الإظهار خيراً لحصول الأسوة والاقتداء وتنشيط النفوس على أعمال الخير. وقوله:{ويكفر عنكم من سيئاتكم}؛ في هذا أن الصدقات يجتمع فيها الأمران: حصول الخير وهو كثرة الحسنات والثواب والأجر، ودفع الشرِّ والبلاء الدنيوي والأخروي بتكفير السيئات {والله بما تعملون خبير}؛ فيجازي كلا بعمله بحسب حكمته.

البقرة 2:271

{270 ـ 271} يخبر تعالى أنه مهما أنفق المنفقون أو تصدق المتصدقون أو نذر الناذرون فإن الله يعلم ذلك. ومضمون الإخبار بعلمه يدل على الجزاء وأن الله لا يضيع عنده مثقالُ ذرة، ويعلم ما صدرت عنه من نيات صالحة أو سيئة، وأن الظالمين الذين يمنعون ما أوجب الله عليهم، أو يقتحمون ما حرم عليهم، ليس لهم من دونه أنصار ينصرونهم ويمنعونهم. وأنه لا بد أن تقع بهم العقوبات، وأخبر أن الصدقة إن أبداها المتصدق فهي خير، وإن أخفاها وسلمها للفقير كان أفضل، لأن الإخفاء على الفقير إحسان آخر، وأيضاً فإنه يدل على قوة الإخلاص. وأحد السبعة الذين يظلهم الله في ظله من تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، وفي قوله:{وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم}؛ فائدة لطيفة، وهو أن إخفاءها خير من إظهارها إذا أعطيت الفقير. فأما إذا صرفت في مشروع خيري لم يكن في الآية ما يدل على فضيلة إخفائها، بل هنا قواعد الشرع تدل على مراعاة المصلحة، فربما كان الإظهار خيراً لحصول الأسوة والاقتداء وتنشيط النفوس على أعمال الخير. وقوله:{ويكفر عنكم من سيئاتكم}؛ في هذا أن الصدقات يجتمع فيها الأمران: حصول الخير وهو كثرة الحسنات والثواب والأجر، ودفع الشرِّ والبلاء الدنيوي والأخروي بتكفير السيئات {والله بما تعملون خبير}؛ فيجازي كلا بعمله بحسب حكمته.

البقرة 2:272

{272} أي: إنما عليك أيها الرسول البلاغ وحث الناس على الخير وزجرهم عن الشرِّ، وأما الهداية فبيد الله تعالى. ويخبر عن المؤمنين حقاً أنهم لا ينفقون إلا لطلب مرضاة ربهم واحتساب ثوابه لأن إيمانهم يدعوهم إلى ذلك، فهذا خير وتزكية للمؤمنين، ويتضمن التذكير لهم بالإخلاص، وكرَّر علمه تعالى بنفقاتهم لإعلامهم أنه لا يضيع عنده مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها، ويؤت من لدنه أجراً عظيماً.

البقرة 2:273

{273} يعني أنه ينبغي أن تتحروا بصدقاتكم الفقراء الذين حبسوا أنفسهم في سبيل الله وعلى طاعته، وليس لهم إرادة في الاكتساب أو ليس لهم قدرة عليه وهم يتعففون إذا رآهم الجاهل ظن أنهم أغنياء {لا يسألون النّاس إلحافاً}؛ فهم لا يسألون بالكلية وإن سألوا اضطراراً لم يلحفوا في السؤال، فهذا الصنف من الفقراء أفضل ما وضعت فيهم النفقات لدفع حاجتهم وإعانة لهم على مقصدهم وطريق الخير وشكراً لهم على ما اتصفوا به من الصبر والنظر إلى الخالق لا إلى الخلق، ومع ذلك فالإنفاق في طرق الإحسان وعلى المحاويج حيثما كانوا فإنه خير وأجر وثواب عند الله ولهذا قال: {274}{الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون}؛ فإن الله يظلهم بظله يوم لا ظل إلا ظله، وإن الله ينيلهم الخيرات ويدفع عنهم الأحزان والمخاوف والكريهات. وقوله:{فلهم أجرهم عند ربهم}؛ أي: كل أحد منهم بحسب حاله، وتخصيص ذلك بأنه عند ربهم يدل على شرف هذه الحال ووقوعها في الموقع الأكبر كما في الحديث الصحيح «إن العبد ليتصدق بالتمرة من كسب طيب فيتقبلها الجبار بيده فيربيها لأحدكم كما يربي أحدكم فَلُوَّه حتى تكون مثل الجبل العظيم».

البقرة 2:274

{273} يعني أنه ينبغي أن تتحروا بصدقاتكم الفقراء الذين حبسوا أنفسهم في سبيل الله وعلى طاعته، وليس لهم إرادة في الاكتساب أو ليس لهم قدرة عليه وهم يتعففون إذا رآهم الجاهل ظن أنهم أغنياء {لا يسألون النّاس إلحافاً}؛ فهم لا يسألون بالكلية وإن سألوا اضطراراً لم يلحفوا في السؤال، فهذا الصنف من الفقراء أفضل ما وضعت فيهم النفقات لدفع حاجتهم وإعانة لهم على مقصدهم وطريق الخير وشكراً لهم على ما اتصفوا به من الصبر والنظر إلى الخالق لا إلى الخلق، ومع ذلك فالإنفاق في طرق الإحسان وعلى المحاويج حيثما كانوا فإنه خير وأجر وثواب عند الله ولهذا قال: {274}{الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون}؛ فإن الله يظلهم بظله يوم لا ظل إلا ظله، وإن الله ينيلهم الخيرات ويدفع عنهم الأحزان والمخاوف والكريهات. وقوله:{فلهم أجرهم عند ربهم}؛ أي: كل أحد منهم بحسب حاله، وتخصيص ذلك بأنه عند ربهم يدل على شرف هذه الحال ووقوعها في الموقع الأكبر كما في الحديث الصحيح «إن العبد ليتصدق بالتمرة من كسب طيب فيتقبلها الجبار بيده فيربيها لأحدكم كما يربي أحدكم فَلُوَّه حتى تكون مثل الجبل العظيم».

البقرة 2:275

{275} لما ذكر الله حالة المنفقين وما لهم من الله من الخيرات وما يكفر عنهم من الذنوب والخطيئات ذكر الظالمين أهل الربا والمعاملات الخبيثة، وأخبر أنهم يجازون بحسب أعمالهم، فكما كانوا في الدنيا في طلب المكاسب الخبيثة كالمجانين عوقبوا في البرزخ والقيامة أنهم لا يقومون من قبورهم إلى يوم بعثهم ونشورهم {إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس}؛ أي: من الجنون والصرع وذلك عقوبة وخزي وفضيحة لهم وجزاء لهم على مراباتهم ومجاهرتهم بقولهم: {إنما البيع مثل الربا}؛ فجمعوا ـ بجراءتهم ـ بين ما أحل الله وبين ما حرم الله واستباحوا بذلك الربا. ثم عرض تعالى التوبة على المرابين وغيرهم فقال:{فمن جاءه موعظة من ربه}؛ بيان مقرون به الوعد والوعيد {فانتهى}؛ عما كان يتعاطاه من الربا {فله ما سلف}؛ مما تجرأ عليه وتاب منه {وأمره إلى الله}؛ فيما يستقبل من زمانه فإن استمر على توبته، فالله لا يضيع أجر المحسنين. {ومن عاد}؛ بعد بيان الله وتذكيره وتوعده لأكل الربا {فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون}؛ في هذا أن الربا موجب لدخول النار والخلود فيها، وذلك لشناعته ما لم يمنع من الخلود مانع الإيمان، وهذا من جملة الأحكام التي تتوقف على وجود شروطها وانتفاء موانعها؛ وليس فيها حجة للخوارج كغيرها من آيات الوعيد، فالواجب أن تصدق جميع نصوص الكتاب والسنة فيؤمن العبد بما تواترت به النصوص من خروج من في قلبه أدنى مثقالِ حبة خردل من الإيمان من النار، ومن استحقاق هذه الموبقات لدخول النار إن لم يتب منها. {276} ثم أخبر تعالى أنه يمحق مكاسب المرابين ويربي صدقات المنفقين، عكس ما يتبادر لأذهان كثير من الخلق أن الإنفاق ينقص المال وأن الربا يزيده، فإن مادة الرزق وحصول ثمراته من الله تعالى، وما عند الله لا ينال إلا بطاعته وامتثال أمره، فالمتجرئ على الربا يعاقبه بنقيض مقصوده، وهذا مشاهد بالتجربة ومن أصدق من الله قيلاً {والله لا يحب كل كفار أثيم}؛ وهو الذي كفر نعمة الله، وجحد منَّة ربه وأثم بإصراره على معاصيه. ومفهوم الآية أن الله يحب من كان شكوراً على النعماء تائباً من المآثم والذنوب. ثم أدخل هذه الآية بين آيات الربا وهي قوله: {277 ـ 279}{إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة}؛ الآية لبيان أن أكبر الأسباب لاجتناب ما حرم الله من المكاسب الربوية تكميل الإيمان وحقوقه، خصوصاً إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، فإن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، والزكاة إحسان إلى الخلق ينافي تعاطي الربا الذي هو ظلم لهم وإساءة عليهم، ثم وجه الخطاب للمؤمنين وأمرهم أن يتقوه ويذروا ما بقي من معاملات الربا التي كانوا يتعاطونها قبل ذلك وأنهم إن لم يفعلوا ذلك فإنهم محارِبون لله ورسوله، وهذا من أعظم ما يدل على شناعة الربا حيث جعل المصرَّ عليه محارباً لله ورسوله، ثم قال:{وإن تبتم}؛ يعني من المعاملات الربوية {فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون}؛ الناس بأخذ الربا {ولا تظلمون}؛ ببخسكم رؤوس أموالكم، فكل من تاب من الربا فإن كانت معاملات سالفة فله ما سلف وأمره منظور فيه، وإن كانت معاملات موجودة وجب عليه أن يقتصر على رأس ماله، فإن أخذ زيادة فقد تجرأ على الربا. وفي هذه الآية بيان لحكمة الربا وأنه يتضمن الظلم للمحتاجين بأخذ الزيادة وتضاعف الربا عليهم وهو واجب إنظارهم، ولهذا قال: {280 ـ 281}{وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة}؛ أي: وإن كان الذي عليه الدَّين معسراً لا يقدر على الوفاء وجب على غريمه أن يُنْظِره إلى ميسرة، وهو يجب عليه إذا حصل له وفاء بأي طريق مباح أن يوفي ما عليه، وإن تصدق عليه غريمه بإسقاط الدَّينِ كلِّه أو بعضه فهو خير له، ويهون على العبد التزام الأمور الشرعية واجتناب المعاملات الربوية والإحسان إلى المعسرين؛ عِلْمُه بأن له يوماً يرجع فيه إلى الله ويوفيه عمله ولا يظلمه مثقال ذرة. كما ختم هذه الآية بقوله:{واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون}؛ ثم قال تعالى:

البقرة 2:276

{275} لما ذكر الله حالة المنفقين وما لهم من الله من الخيرات وما يكفر عنهم من الذنوب والخطيئات ذكر الظالمين أهل الربا والمعاملات الخبيثة، وأخبر أنهم يجازون بحسب أعمالهم، فكما كانوا في الدنيا في طلب المكاسب الخبيثة كالمجانين عوقبوا في البرزخ والقيامة أنهم لا يقومون من قبورهم إلى يوم بعثهم ونشورهم {إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس}؛ أي: من الجنون والصرع وذلك عقوبة وخزي وفضيحة لهم وجزاء لهم على مراباتهم ومجاهرتهم بقولهم: {إنما البيع مثل الربا}؛ فجمعوا ـ بجراءتهم ـ بين ما أحل الله وبين ما حرم الله واستباحوا بذلك الربا. ثم عرض تعالى التوبة على المرابين وغيرهم فقال:{فمن جاءه موعظة من ربه}؛ بيان مقرون به الوعد والوعيد {فانتهى}؛ عما كان يتعاطاه من الربا {فله ما سلف}؛ مما تجرأ عليه وتاب منه {وأمره إلى الله}؛ فيما يستقبل من زمانه فإن استمر على توبته، فالله لا يضيع أجر المحسنين. {ومن عاد}؛ بعد بيان الله وتذكيره وتوعده لأكل الربا {فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون}؛ في هذا أن الربا موجب لدخول النار والخلود فيها، وذلك لشناعته ما لم يمنع من الخلود مانع الإيمان، وهذا من جملة الأحكام التي تتوقف على وجود شروطها وانتفاء موانعها؛ وليس فيها حجة للخوارج كغيرها من آيات الوعيد، فالواجب أن تصدق جميع نصوص الكتاب والسنة فيؤمن العبد بما تواترت به النصوص من خروج من في قلبه أدنى مثقالِ حبة خردل من الإيمان من النار، ومن استحقاق هذه الموبقات لدخول النار إن لم يتب منها. {276} ثم أخبر تعالى أنه يمحق مكاسب المرابين ويربي صدقات المنفقين، عكس ما يتبادر لأذهان كثير من الخلق أن الإنفاق ينقص المال وأن الربا يزيده، فإن مادة الرزق وحصول ثمراته من الله تعالى، وما عند الله لا ينال إلا بطاعته وامتثال أمره، فالمتجرئ على الربا يعاقبه بنقيض مقصوده، وهذا مشاهد بالتجربة ومن أصدق من الله قيلاً {والله لا يحب كل كفار أثيم}؛ وهو الذي كفر نعمة الله، وجحد منَّة ربه وأثم بإصراره على معاصيه. ومفهوم الآية أن الله يحب من كان شكوراً على النعماء تائباً من المآثم والذنوب. ثم أدخل هذه الآية بين آيات الربا وهي قوله: {277 ـ 279}{إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة}؛ الآية لبيان أن أكبر الأسباب لاجتناب ما حرم الله من المكاسب الربوية تكميل الإيمان وحقوقه، خصوصاً إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، فإن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، والزكاة إحسان إلى الخلق ينافي تعاطي الربا الذي هو ظلم لهم وإساءة عليهم، ثم وجه الخطاب للمؤمنين وأمرهم أن يتقوه ويذروا ما بقي من معاملات الربا التي كانوا يتعاطونها قبل ذلك وأنهم إن لم يفعلوا ذلك فإنهم محارِبون لله ورسوله، وهذا من أعظم ما يدل على شناعة الربا حيث جعل المصرَّ عليه محارباً لله ورسوله، ثم قال:{وإن تبتم}؛ يعني من المعاملات الربوية {فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون}؛ الناس بأخذ الربا {ولا تظلمون}؛ ببخسكم رؤوس أموالكم، فكل من تاب من الربا فإن كانت معاملات سالفة فله ما سلف وأمره منظور فيه، وإن كانت معاملات موجودة وجب عليه أن يقتصر على رأس ماله، فإن أخذ زيادة فقد تجرأ على الربا. وفي هذه الآية بيان لحكمة الربا وأنه يتضمن الظلم للمحتاجين بأخذ الزيادة وتضاعف الربا عليهم وهو واجب إنظارهم، ولهذا قال: {280 ـ 281}{وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة}؛ أي: وإن كان الذي عليه الدَّين معسراً لا يقدر على الوفاء وجب على غريمه أن يُنْظِره إلى ميسرة، وهو يجب عليه إذا حصل له وفاء بأي طريق مباح أن يوفي ما عليه، وإن تصدق عليه غريمه بإسقاط الدَّينِ كلِّه أو بعضه فهو خير له، ويهون على العبد التزام الأمور الشرعية واجتناب المعاملات الربوية والإحسان إلى المعسرين؛ عِلْمُه بأن له يوماً يرجع فيه إلى الله ويوفيه عمله ولا يظلمه مثقال ذرة. كما ختم هذه الآية بقوله:{واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون}؛ ثم قال تعالى:

البقرة 2:277

{275} لما ذكر الله حالة المنفقين وما لهم من الله من الخيرات وما يكفر عنهم من الذنوب والخطيئات ذكر الظالمين أهل الربا والمعاملات الخبيثة، وأخبر أنهم يجازون بحسب أعمالهم، فكما كانوا في الدنيا في طلب المكاسب الخبيثة كالمجانين عوقبوا في البرزخ والقيامة أنهم لا يقومون من قبورهم إلى يوم بعثهم ونشورهم {إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس}؛ أي: من الجنون والصرع وذلك عقوبة وخزي وفضيحة لهم وجزاء لهم على مراباتهم ومجاهرتهم بقولهم: {إنما البيع مثل الربا}؛ فجمعوا ـ بجراءتهم ـ بين ما أحل الله وبين ما حرم الله واستباحوا بذلك الربا. ثم عرض تعالى التوبة على المرابين وغيرهم فقال:{فمن جاءه موعظة من ربه}؛ بيان مقرون به الوعد والوعيد {فانتهى}؛ عما كان يتعاطاه من الربا {فله ما سلف}؛ مما تجرأ عليه وتاب منه {وأمره إلى الله}؛ فيما يستقبل من زمانه فإن استمر على توبته، فالله لا يضيع أجر المحسنين. {ومن عاد}؛ بعد بيان الله وتذكيره وتوعده لأكل الربا {فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون}؛ في هذا أن الربا موجب لدخول النار والخلود فيها، وذلك لشناعته ما لم يمنع من الخلود مانع الإيمان، وهذا من جملة الأحكام التي تتوقف على وجود شروطها وانتفاء موانعها؛ وليس فيها حجة للخوارج كغيرها من آيات الوعيد، فالواجب أن تصدق جميع نصوص الكتاب والسنة فيؤمن العبد بما تواترت به النصوص من خروج من في قلبه أدنى مثقالِ حبة خردل من الإيمان من النار، ومن استحقاق هذه الموبقات لدخول النار إن لم يتب منها. {276} ثم أخبر تعالى أنه يمحق مكاسب المرابين ويربي صدقات المنفقين، عكس ما يتبادر لأذهان كثير من الخلق أن الإنفاق ينقص المال وأن الربا يزيده، فإن مادة الرزق وحصول ثمراته من الله تعالى، وما عند الله لا ينال إلا بطاعته وامتثال أمره، فالمتجرئ على الربا يعاقبه بنقيض مقصوده، وهذا مشاهد بالتجربة ومن أصدق من الله قيلاً {والله لا يحب كل كفار أثيم}؛ وهو الذي كفر نعمة الله، وجحد منَّة ربه وأثم بإصراره على معاصيه. ومفهوم الآية أن الله يحب من كان شكوراً على النعماء تائباً من المآثم والذنوب. ثم أدخل هذه الآية بين آيات الربا وهي قوله: {277 ـ 279}{إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة}؛ الآية لبيان أن أكبر الأسباب لاجتناب ما حرم الله من المكاسب الربوية تكميل الإيمان وحقوقه، خصوصاً إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، فإن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، والزكاة إحسان إلى الخلق ينافي تعاطي الربا الذي هو ظلم لهم وإساءة عليهم، ثم وجه الخطاب للمؤمنين وأمرهم أن يتقوه ويذروا ما بقي من معاملات الربا التي كانوا يتعاطونها قبل ذلك وأنهم إن لم يفعلوا ذلك فإنهم محارِبون لله ورسوله، وهذا من أعظم ما يدل على شناعة الربا حيث جعل المصرَّ عليه محارباً لله ورسوله، ثم قال:{وإن تبتم}؛ يعني من المعاملات الربوية {فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون}؛ الناس بأخذ الربا {ولا تظلمون}؛ ببخسكم رؤوس أموالكم، فكل من تاب من الربا فإن كانت معاملات سالفة فله ما سلف وأمره منظور فيه، وإن كانت معاملات موجودة وجب عليه أن يقتصر على رأس ماله، فإن أخذ زيادة فقد تجرأ على الربا. وفي هذه الآية بيان لحكمة الربا وأنه يتضمن الظلم للمحتاجين بأخذ الزيادة وتضاعف الربا عليهم وهو واجب إنظارهم، ولهذا قال: {280 ـ 281}{وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة}؛ أي: وإن كان الذي عليه الدَّين معسراً لا يقدر على الوفاء وجب على غريمه أن يُنْظِره إلى ميسرة، وهو يجب عليه إذا حصل له وفاء بأي طريق مباح أن يوفي ما عليه، وإن تصدق عليه غريمه بإسقاط الدَّينِ كلِّه أو بعضه فهو خير له، ويهون على العبد التزام الأمور الشرعية واجتناب المعاملات الربوية والإحسان إلى المعسرين؛ عِلْمُه بأن له يوماً يرجع فيه إلى الله ويوفيه عمله ولا يظلمه مثقال ذرة. كما ختم هذه الآية بقوله:{واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون}؛ ثم قال تعالى:

البقرة 2:278

{275} لما ذكر الله حالة المنفقين وما لهم من الله من الخيرات وما يكفر عنهم من الذنوب والخطيئات ذكر الظالمين أهل الربا والمعاملات الخبيثة، وأخبر أنهم يجازون بحسب أعمالهم، فكما كانوا في الدنيا في طلب المكاسب الخبيثة كالمجانين عوقبوا في البرزخ والقيامة أنهم لا يقومون من قبورهم إلى يوم بعثهم ونشورهم {إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس}؛ أي: من الجنون والصرع وذلك عقوبة وخزي وفضيحة لهم وجزاء لهم على مراباتهم ومجاهرتهم بقولهم: {إنما البيع مثل الربا}؛ فجمعوا ـ بجراءتهم ـ بين ما أحل الله وبين ما حرم الله واستباحوا بذلك الربا. ثم عرض تعالى التوبة على المرابين وغيرهم فقال:{فمن جاءه موعظة من ربه}؛ بيان مقرون به الوعد والوعيد {فانتهى}؛ عما كان يتعاطاه من الربا {فله ما سلف}؛ مما تجرأ عليه وتاب منه {وأمره إلى الله}؛ فيما يستقبل من زمانه فإن استمر على توبته، فالله لا يضيع أجر المحسنين. {ومن عاد}؛ بعد بيان الله وتذكيره وتوعده لأكل الربا {فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون}؛ في هذا أن الربا موجب لدخول النار والخلود فيها، وذلك لشناعته ما لم يمنع من الخلود مانع الإيمان، وهذا من جملة الأحكام التي تتوقف على وجود شروطها وانتفاء موانعها؛ وليس فيها حجة للخوارج كغيرها من آيات الوعيد، فالواجب أن تصدق جميع نصوص الكتاب والسنة فيؤمن العبد بما تواترت به النصوص من خروج من في قلبه أدنى مثقالِ حبة خردل من الإيمان من النار، ومن استحقاق هذه الموبقات لدخول النار إن لم يتب منها. {276} ثم أخبر تعالى أنه يمحق مكاسب المرابين ويربي صدقات المنفقين، عكس ما يتبادر لأذهان كثير من الخلق أن الإنفاق ينقص المال وأن الربا يزيده، فإن مادة الرزق وحصول ثمراته من الله تعالى، وما عند الله لا ينال إلا بطاعته وامتثال أمره، فالمتجرئ على الربا يعاقبه بنقيض مقصوده، وهذا مشاهد بالتجربة ومن أصدق من الله قيلاً {والله لا يحب كل كفار أثيم}؛ وهو الذي كفر نعمة الله، وجحد منَّة ربه وأثم بإصراره على معاصيه. ومفهوم الآية أن الله يحب من كان شكوراً على النعماء تائباً من المآثم والذنوب. ثم أدخل هذه الآية بين آيات الربا وهي قوله: {277 ـ 279}{إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة}؛ الآية لبيان أن أكبر الأسباب لاجتناب ما حرم الله من المكاسب الربوية تكميل الإيمان وحقوقه، خصوصاً إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، فإن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، والزكاة إحسان إلى الخلق ينافي تعاطي الربا الذي هو ظلم لهم وإساءة عليهم، ثم وجه الخطاب للمؤمنين وأمرهم أن يتقوه ويذروا ما بقي من معاملات الربا التي كانوا يتعاطونها قبل ذلك وأنهم إن لم يفعلوا ذلك فإنهم محارِبون لله ورسوله، وهذا من أعظم ما يدل على شناعة الربا حيث جعل المصرَّ عليه محارباً لله ورسوله، ثم قال:{وإن تبتم}؛ يعني من المعاملات الربوية {فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون}؛ الناس بأخذ الربا {ولا تظلمون}؛ ببخسكم رؤوس أموالكم، فكل من تاب من الربا فإن كانت معاملات سالفة فله ما سلف وأمره منظور فيه، وإن كانت معاملات موجودة وجب عليه أن يقتصر على رأس ماله، فإن أخذ زيادة فقد تجرأ على الربا. وفي هذه الآية بيان لحكمة الربا وأنه يتضمن الظلم للمحتاجين بأخذ الزيادة وتضاعف الربا عليهم وهو واجب إنظارهم، ولهذا قال: {280 ـ 281}{وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة}؛ أي: وإن كان الذي عليه الدَّين معسراً لا يقدر على الوفاء وجب على غريمه أن يُنْظِره إلى ميسرة، وهو يجب عليه إذا حصل له وفاء بأي طريق مباح أن يوفي ما عليه، وإن تصدق عليه غريمه بإسقاط الدَّينِ كلِّه أو بعضه فهو خير له، ويهون على العبد التزام الأمور الشرعية واجتناب المعاملات الربوية والإحسان إلى المعسرين؛ عِلْمُه بأن له يوماً يرجع فيه إلى الله ويوفيه عمله ولا يظلمه مثقال ذرة. كما ختم هذه الآية بقوله:{واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون}؛ ثم قال تعالى:

البقرة 2:279

{275} لما ذكر الله حالة المنفقين وما لهم من الله من الخيرات وما يكفر عنهم من الذنوب والخطيئات ذكر الظالمين أهل الربا والمعاملات الخبيثة، وأخبر أنهم يجازون بحسب أعمالهم، فكما كانوا في الدنيا في طلب المكاسب الخبيثة كالمجانين عوقبوا في البرزخ والقيامة أنهم لا يقومون من قبورهم إلى يوم بعثهم ونشورهم {إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس}؛ أي: من الجنون والصرع وذلك عقوبة وخزي وفضيحة لهم وجزاء لهم على مراباتهم ومجاهرتهم بقولهم: {إنما البيع مثل الربا}؛ فجمعوا ـ بجراءتهم ـ بين ما أحل الله وبين ما حرم الله واستباحوا بذلك الربا. ثم عرض تعالى التوبة على المرابين وغيرهم فقال:{فمن جاءه موعظة من ربه}؛ بيان مقرون به الوعد والوعيد {فانتهى}؛ عما كان يتعاطاه من الربا {فله ما سلف}؛ مما تجرأ عليه وتاب منه {وأمره إلى الله}؛ فيما يستقبل من زمانه فإن استمر على توبته، فالله لا يضيع أجر المحسنين. {ومن عاد}؛ بعد بيان الله وتذكيره وتوعده لأكل الربا {فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون}؛ في هذا أن الربا موجب لدخول النار والخلود فيها، وذلك لشناعته ما لم يمنع من الخلود مانع الإيمان، وهذا من جملة الأحكام التي تتوقف على وجود شروطها وانتفاء موانعها؛ وليس فيها حجة للخوارج كغيرها من آيات الوعيد، فالواجب أن تصدق جميع نصوص الكتاب والسنة فيؤمن العبد بما تواترت به النصوص من خروج من في قلبه أدنى مثقالِ حبة خردل من الإيمان من النار، ومن استحقاق هذه الموبقات لدخول النار إن لم يتب منها. {276} ثم أخبر تعالى أنه يمحق مكاسب المرابين ويربي صدقات المنفقين، عكس ما يتبادر لأذهان كثير من الخلق أن الإنفاق ينقص المال وأن الربا يزيده، فإن مادة الرزق وحصول ثمراته من الله تعالى، وما عند الله لا ينال إلا بطاعته وامتثال أمره، فالمتجرئ على الربا يعاقبه بنقيض مقصوده، وهذا مشاهد بالتجربة ومن أصدق من الله قيلاً {والله لا يحب كل كفار أثيم}؛ وهو الذي كفر نعمة الله، وجحد منَّة ربه وأثم بإصراره على معاصيه. ومفهوم الآية أن الله يحب من كان شكوراً على النعماء تائباً من المآثم والذنوب. ثم أدخل هذه الآية بين آيات الربا وهي قوله: {277 ـ 279}{إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة}؛ الآية لبيان أن أكبر الأسباب لاجتناب ما حرم الله من المكاسب الربوية تكميل الإيمان وحقوقه، خصوصاً إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، فإن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، والزكاة إحسان إلى الخلق ينافي تعاطي الربا الذي هو ظلم لهم وإساءة عليهم، ثم وجه الخطاب للمؤمنين وأمرهم أن يتقوه ويذروا ما بقي من معاملات الربا التي كانوا يتعاطونها قبل ذلك وأنهم إن لم يفعلوا ذلك فإنهم محارِبون لله ورسوله، وهذا من أعظم ما يدل على شناعة الربا حيث جعل المصرَّ عليه محارباً لله ورسوله، ثم قال:{وإن تبتم}؛ يعني من المعاملات الربوية {فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون}؛ الناس بأخذ الربا {ولا تظلمون}؛ ببخسكم رؤوس أموالكم، فكل من تاب من الربا فإن كانت معاملات سالفة فله ما سلف وأمره منظور فيه، وإن كانت معاملات موجودة وجب عليه أن يقتصر على رأس ماله، فإن أخذ زيادة فقد تجرأ على الربا. وفي هذه الآية بيان لحكمة الربا وأنه يتضمن الظلم للمحتاجين بأخذ الزيادة وتضاعف الربا عليهم وهو واجب إنظارهم، ولهذا قال: {280 ـ 281}{وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة}؛ أي: وإن كان الذي عليه الدَّين معسراً لا يقدر على الوفاء وجب على غريمه أن يُنْظِره إلى ميسرة، وهو يجب عليه إذا حصل له وفاء بأي طريق مباح أن يوفي ما عليه، وإن تصدق عليه غريمه بإسقاط الدَّينِ كلِّه أو بعضه فهو خير له، ويهون على العبد التزام الأمور الشرعية واجتناب المعاملات الربوية والإحسان إلى المعسرين؛ عِلْمُه بأن له يوماً يرجع فيه إلى الله ويوفيه عمله ولا يظلمه مثقال ذرة. كما ختم هذه الآية بقوله:{واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون}؛ ثم قال تعالى:

البقرة 2:280

{275} لما ذكر الله حالة المنفقين وما لهم من الله من الخيرات وما يكفر عنهم من الذنوب والخطيئات ذكر الظالمين أهل الربا والمعاملات الخبيثة، وأخبر أنهم يجازون بحسب أعمالهم، فكما كانوا في الدنيا في طلب المكاسب الخبيثة كالمجانين عوقبوا في البرزخ والقيامة أنهم لا يقومون من قبورهم إلى يوم بعثهم ونشورهم {إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس}؛ أي: من الجنون والصرع وذلك عقوبة وخزي وفضيحة لهم وجزاء لهم على مراباتهم ومجاهرتهم بقولهم: {إنما البيع مثل الربا}؛ فجمعوا ـ بجراءتهم ـ بين ما أحل الله وبين ما حرم الله واستباحوا بذلك الربا. ثم عرض تعالى التوبة على المرابين وغيرهم فقال:{فمن جاءه موعظة من ربه}؛ بيان مقرون به الوعد والوعيد {فانتهى}؛ عما كان يتعاطاه من الربا {فله ما سلف}؛ مما تجرأ عليه وتاب منه {وأمره إلى الله}؛ فيما يستقبل من زمانه فإن استمر على توبته، فالله لا يضيع أجر المحسنين. {ومن عاد}؛ بعد بيان الله وتذكيره وتوعده لأكل الربا {فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون}؛ في هذا أن الربا موجب لدخول النار والخلود فيها، وذلك لشناعته ما لم يمنع من الخلود مانع الإيمان، وهذا من جملة الأحكام التي تتوقف على وجود شروطها وانتفاء موانعها؛ وليس فيها حجة للخوارج كغيرها من آيات الوعيد، فالواجب أن تصدق جميع نصوص الكتاب والسنة فيؤمن العبد بما تواترت به النصوص من خروج من في قلبه أدنى مثقالِ حبة خردل من الإيمان من النار، ومن استحقاق هذه الموبقات لدخول النار إن لم يتب منها. {276} ثم أخبر تعالى أنه يمحق مكاسب المرابين ويربي صدقات المنفقين، عكس ما يتبادر لأذهان كثير من الخلق أن الإنفاق ينقص المال وأن الربا يزيده، فإن مادة الرزق وحصول ثمراته من الله تعالى، وما عند الله لا ينال إلا بطاعته وامتثال أمره، فالمتجرئ على الربا يعاقبه بنقيض مقصوده، وهذا مشاهد بالتجربة ومن أصدق من الله قيلاً {والله لا يحب كل كفار أثيم}؛ وهو الذي كفر نعمة الله، وجحد منَّة ربه وأثم بإصراره على معاصيه. ومفهوم الآية أن الله يحب من كان شكوراً على النعماء تائباً من المآثم والذنوب. ثم أدخل هذه الآية بين آيات الربا وهي قوله: {277 ـ 279}{إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة}؛ الآية لبيان أن أكبر الأسباب لاجتناب ما حرم الله من المكاسب الربوية تكميل الإيمان وحقوقه، خصوصاً إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، فإن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، والزكاة إحسان إلى الخلق ينافي تعاطي الربا الذي هو ظلم لهم وإساءة عليهم، ثم وجه الخطاب للمؤمنين وأمرهم أن يتقوه ويذروا ما بقي من معاملات الربا التي كانوا يتعاطونها قبل ذلك وأنهم إن لم يفعلوا ذلك فإنهم محارِبون لله ورسوله، وهذا من أعظم ما يدل على شناعة الربا حيث جعل المصرَّ عليه محارباً لله ورسوله، ثم قال:{وإن تبتم}؛ يعني من المعاملات الربوية {فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون}؛ الناس بأخذ الربا {ولا تظلمون}؛ ببخسكم رؤوس أموالكم، فكل من تاب من الربا فإن كانت معاملات سالفة فله ما سلف وأمره منظور فيه، وإن كانت معاملات موجودة وجب عليه أن يقتصر على رأس ماله، فإن أخذ زيادة فقد تجرأ على الربا. وفي هذه الآية بيان لحكمة الربا وأنه يتضمن الظلم للمحتاجين بأخذ الزيادة وتضاعف الربا عليهم وهو واجب إنظارهم، ولهذا قال: {280 ـ 281}{وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة}؛ أي: وإن كان الذي عليه الدَّين معسراً لا يقدر على الوفاء وجب على غريمه أن يُنْظِره إلى ميسرة، وهو يجب عليه إذا حصل له وفاء بأي طريق مباح أن يوفي ما عليه، وإن تصدق عليه غريمه بإسقاط الدَّينِ كلِّه أو بعضه فهو خير له، ويهون على العبد التزام الأمور الشرعية واجتناب المعاملات الربوية والإحسان إلى المعسرين؛ عِلْمُه بأن له يوماً يرجع فيه إلى الله ويوفيه عمله ولا يظلمه مثقال ذرة. كما ختم هذه الآية بقوله:{واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون}؛ ثم قال تعالى:

البقرة 2:281

{275} لما ذكر الله حالة المنفقين وما لهم من الله من الخيرات وما يكفر عنهم من الذنوب والخطيئات ذكر الظالمين أهل الربا والمعاملات الخبيثة، وأخبر أنهم يجازون بحسب أعمالهم، فكما كانوا في الدنيا في طلب المكاسب الخبيثة كالمجانين عوقبوا في البرزخ والقيامة أنهم لا يقومون من قبورهم إلى يوم بعثهم ونشورهم {إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس}؛ أي: من الجنون والصرع وذلك عقوبة وخزي وفضيحة لهم وجزاء لهم على مراباتهم ومجاهرتهم بقولهم: {إنما البيع مثل الربا}؛ فجمعوا ـ بجراءتهم ـ بين ما أحل الله وبين ما حرم الله واستباحوا بذلك الربا. ثم عرض تعالى التوبة على المرابين وغيرهم فقال:{فمن جاءه موعظة من ربه}؛ بيان مقرون به الوعد والوعيد {فانتهى}؛ عما كان يتعاطاه من الربا {فله ما سلف}؛ مما تجرأ عليه وتاب منه {وأمره إلى الله}؛ فيما يستقبل من زمانه فإن استمر على توبته، فالله لا يضيع أجر المحسنين. {ومن عاد}؛ بعد بيان الله وتذكيره وتوعده لأكل الربا {فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون}؛ في هذا أن الربا موجب لدخول النار والخلود فيها، وذلك لشناعته ما لم يمنع من الخلود مانع الإيمان، وهذا من جملة الأحكام التي تتوقف على وجود شروطها وانتفاء موانعها؛ وليس فيها حجة للخوارج كغيرها من آيات الوعيد، فالواجب أن تصدق جميع نصوص الكتاب والسنة فيؤمن العبد بما تواترت به النصوص من خروج من في قلبه أدنى مثقالِ حبة خردل من الإيمان من النار، ومن استحقاق هذه الموبقات لدخول النار إن لم يتب منها. {276} ثم أخبر تعالى أنه يمحق مكاسب المرابين ويربي صدقات المنفقين، عكس ما يتبادر لأذهان كثير من الخلق أن الإنفاق ينقص المال وأن الربا يزيده، فإن مادة الرزق وحصول ثمراته من الله تعالى، وما عند الله لا ينال إلا بطاعته وامتثال أمره، فالمتجرئ على الربا يعاقبه بنقيض مقصوده، وهذا مشاهد بالتجربة ومن أصدق من الله قيلاً {والله لا يحب كل كفار أثيم}؛ وهو الذي كفر نعمة الله، وجحد منَّة ربه وأثم بإصراره على معاصيه. ومفهوم الآية أن الله يحب من كان شكوراً على النعماء تائباً من المآثم والذنوب. ثم أدخل هذه الآية بين آيات الربا وهي قوله: {277 ـ 279}{إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة}؛ الآية لبيان أن أكبر الأسباب لاجتناب ما حرم الله من المكاسب الربوية تكميل الإيمان وحقوقه، خصوصاً إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، فإن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، والزكاة إحسان إلى الخلق ينافي تعاطي الربا الذي هو ظلم لهم وإساءة عليهم، ثم وجه الخطاب للمؤمنين وأمرهم أن يتقوه ويذروا ما بقي من معاملات الربا التي كانوا يتعاطونها قبل ذلك وأنهم إن لم يفعلوا ذلك فإنهم محارِبون لله ورسوله، وهذا من أعظم ما يدل على شناعة الربا حيث جعل المصرَّ عليه محارباً لله ورسوله، ثم قال:{وإن تبتم}؛ يعني من المعاملات الربوية {فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون}؛ الناس بأخذ الربا {ولا تظلمون}؛ ببخسكم رؤوس أموالكم، فكل من تاب من الربا فإن كانت معاملات سالفة فله ما سلف وأمره منظور فيه، وإن كانت معاملات موجودة وجب عليه أن يقتصر على رأس ماله، فإن أخذ زيادة فقد تجرأ على الربا. وفي هذه الآية بيان لحكمة الربا وأنه يتضمن الظلم للمحتاجين بأخذ الزيادة وتضاعف الربا عليهم وهو واجب إنظارهم، ولهذا قال: {280 ـ 281}{وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة}؛ أي: وإن كان الذي عليه الدَّين معسراً لا يقدر على الوفاء وجب على غريمه أن يُنْظِره إلى ميسرة، وهو يجب عليه إذا حصل له وفاء بأي طريق مباح أن يوفي ما عليه، وإن تصدق عليه غريمه بإسقاط الدَّينِ كلِّه أو بعضه فهو خير له، ويهون على العبد التزام الأمور الشرعية واجتناب المعاملات الربوية والإحسان إلى المعسرين؛ عِلْمُه بأن له يوماً يرجع فيه إلى الله ويوفيه عمله ولا يظلمه مثقال ذرة. كما ختم هذه الآية بقوله:{واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون}؛ ثم قال تعالى:

البقرة 2:282

{282} احتوت هذه الآيات على إرشاد الباري عباده في معاملاتهم إلى حفظ حقوقهم بالطرق النافعة والإصلاحات التي لا يقترح العقلاء أعلى ولا أكمل منها فإن فيها فوائد كثيرة: منها: جواز المعاملات في الديون سواء كانت ديون سلم أو شراء مؤجلاً ثمنه فكله جائز، لأن الله أخبر به عن المؤمنين، وما أخبر به عن المؤمنين فإنه من مقتضيات الإيمان وقد أقرهم عليه الملك الديان. ومنها: وجوب تسمية الأجل في جميع المداينات وحلول الإجارات. ومنها: أنه إذا كان الأجل مجهولاً فإنه لا يحل لأنه غرر وخطر فيدخل في الميسر. ومنها: أمره تعالى بكتابة الديون، وهذا الأمر قد يجب إذا وجب حفظ الحق كالذي للعبد عليه ولاية، كأموال اليتامى والأوقاف والوكلاء والأمناء، وقد يقارب الوجوب كما إذا كان الحق متمحضاً للعبد فقد يقوى الوجوب وقد يقوى الاستحباب، بحسب الأحوال المقتضية لذلك، وعلى كل حال فالكتابة من أعظم ما تحفظ به هذه المعاملات المؤجلة لكثرة النسيان ولوقوع المغالطات، وللاحتراز من الخونة الذين لا يخشون الله تعالى. ومنها: أمره تعالى للكاتب أن يكتب بين المتعاملين بالعدل فلا يميل مع أحدهما لقرابة ولا غيرها ولا على أحدهما لعداوة ونحوها. ومنها: أن الكتابة بين المتعاملين من أفضل الأعمال ومن الإحسان إليهما، وفيها حفظ حقوقهما وبراءة ذممهما كما أمره الله بذلك فليحتسب الكاتب بين الناس هذه الأمور ليحظى بثوابها. ومنها: أن الكاتب لا بد أن يكون عارفاً بالعدل معروفاً بالعدل، لأنه إذا لم يكن عارفاً بالعدل لم يتمكن منه، وإذا لم يكن معتبراً، عدلاً عند الناس، رضياً، لم تكن كتابته معتبرة، ولا حاصلاً بها المقصود الذي هو حفظ الحقوق. ومنها: أن من تمام الكتابة والعدل فيها أن يحسن الكاتب الإنشاء والألفاظ المعتبرة في كل معاملة بحسبها، وللعرف في هذا المقام اعتبار عظيم. ومنها: أن الكتابة من نعم الله على العباد التي لا تستقيم أمورهم الدينية ولا الدنيوية إلا بها، وأن من علَّمه الله الكتابة فقد تفضل عليه بفضل عظيم، فمن تمام شكره لنعمة الله تعالى أن يقضي بكتابته حاجات العباد ولا يمتنع من الكتابة ولهذا قال:{ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله}. ومنها: أن الذي يكتبه الكاتب هو اعتراف من عليه الحق إذا كان يحسن التعبير عن الحق الذي عليه، فإن كان لا يحسن ذلك لصغره أو سفهه أو جنونه أو خرسه أو عدم استطاعته، أملى عنه وليه، وقام وليه في ذلك مقامه. ومنها: أن الاعتراف من أعظم الطرق التي تُثبَت بها الحقوق حيث أمر الله تعالى أن يكتب الكاتب ما أملى عليه من عليه الحق. ومنها: ثبوت الولاية على القاصرين من الصغار والمجانين والسفهاء ونحوهم. ومنها: أن الولي يقوم مقام موليه في جميع اعترافاته المتعلقة بحقوقه. ومنها: أن من أمنته في معاملة وفوضته فيها فقوله في ذلك مقبول وهو نائب منابك، لأنه إذا كان الولي على القاصرين ينوب منابهم، فالذي وليته باختيارك وفوضت إليه الأمر أولى بالقبول واعتبار قوله وتقديمه على قولك عند الاختلاف. ومنها: أنه يجب على الذي عليه الحق إذا أملى على الكاتب أن يتقي الله ولا يبخس الحق الذي عليه فلا ينقصه في قدره ولا في وصفه ولا في شرط من شروطه أو قيد من قيوده، بل عليه أن يعترف بكل ما عليه من متعلقات الحق كما يجب ذلك إذا كان الحق على غيره له، فمن لم يفعل ذلك فهو من المطففين الباخسين. ومنها: وجوب الاعتراف بالحقوق الجلية والحقوق الخفية وأن ذلك من أعظم خصال التقوى، كما أن ترك الاعتراف بها من نواقض التقوى ونواقصها. ومنها: الإرشاد إلى الإشهاد في البيع فإن كانت في المداينات فحكمها حكم الكتابة كما تقدم، لأن الكتابة هي كتابة الشهادة، وإن كان البيع بيعاً حاضراً فينبغي الإشهاد فيه ولا حرج فيه بترك الكتابة لكثرته وحصول المشقة فيه. ومنها: الإرشاد إلى إشهاد رجلين عدلين فإن لم يمكن أو تعذر أو تعسر فرجل وامرأتان، وذلك شامل لجميع المعاملات، بيوع الإدارة وبيوع الديون وتوابعها من الشروط والوثائق وغيرها. وإذا قيل قد ثبت أنه - صلى الله عليه وسلم - قضى بالشاهد الواحد مع اليمين ، والآية الكريمة ليس فيها إلا شهادة رجلين أو رجل وامرأتين، قيل: الآية الكريمة فيها إرشاد الباري عباده إلى حفظ حقوقهم ولهذا أتى فيها بأكمل الطرق وأقواها، وليس فيها ما ينافي ما ذكره النبي - صلى الله عليه وسلم - من الحكم بالشاهد واليمين، فباب حفظ الحقوق في ابتداء الأمر يرشد فيه العبد إلى الاحتراز والتحفظ التام، وباب الحكم بين المتنازعين ينظر فيه إلى المرجحات والبينات بحسب حالها. ومنها: أن شهادة المرأتين قائمة مقام الرجل الواحد في الحقوق الدنيوية وأما في الأمور الدينية كالرواية والفتوى فإن المرأة فيه تقوم مقام الرجل، والفرق ظاهر بين البابين. ومنها: الإرشاد إلى الحكمة في كون شهادة المرأتين عن شهادة الرجل وأنه لضعف ذاكرة المرأة غالباً وقوة حافظة الرجل. ومنها: أن الشاهد لو نسي شهادته فذكره الشاهد الآخر فذكر، أنه لا يضر ذلك النسيان إذا زال بالتذكير لقوله:{أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى}؛ ومن باب أولى إذا نسي الشاهد ثم ذكر من دون تذكير، فإن الشهادة مدارها على العلم واليقين. ومنها: أن الشهادة لا بد أن تكون عن علم ويقين لا عن شكِّ، فمتى صار عند الشاهد ريب في شهادته ولو غلب على ظنه لم يحل له أن يشهد إلا بما يعلم. ومنها: أن الشاهد ليس له أن يمتنع إذا دعي للشهادة سواء دعي للتحمل أو للأداء وأن القيام بالشهادة من أفضل الأعمال الصالحة كما أمر الله بها وأخبر عن نفعها ومصالحها. ومنها: أنه لا يحل الإضرار بالكاتب ولا بالشهيد بأن يدعيا في وقت أو حالة تضرهما. وكما أنه نهي لأهل الحقوق والمتعاملين أن يضاروا الشهود والكتاب فإنه أيضاً نهي للكاتب والشهيد أن يضار المتعامليْن أو أحدهما. وفي هذا أيضاً أن الشاهد والكاتب إذا حصل عليهما ضرر في الكتابة والشهادة أنه يسقط عنهما الوجوب. وفيها: التنبيه على أن جميع المحسنين الفاعلين للمعروف لا يحل إضرارهم وتحميلهم ما لا يطيقون، فهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ وكذلك على من أحسن وفعل معروفاً أن يتمم إحسانه بترك الإضرار القولي والفعلي بمن أوقع به المعروف، فإن الإحسان لا يتم إلا بذلك. ومنها: أنه لا يجوز أخذ الأجرة على الكتابة والشهادة حيث وجبت لأنه حق أوجبه الله على الكاتب والشهيد، ولأنه من مضارة المتعاملين. ومنها: التنبيه على المصالح والفوائد المترتبة على العمل بهذه الإرشادات الجليلة وأن فيها حفظ الحقوق والعدل وقطع التنازع والسلامة من النسيان والذهول ولهذا قال: {ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا}؛ وهذه مصالح ضرورية للعباد. ومنها: أن تعلم الكتابة من الأمور الدينية، لأنها وسيلة إلى حفظ الدين والدنيا وسبب للإحسان. ومنها: أن من خصه الله بنعمة من النعم يحتاج الناس إليها فمن تمام شكر هذه النعمة أن يعود بها على عباد الله وأن يقضي بها حاجاتهم لتعليل الله النهي عن الامتناع عن الكتابة بتذكير الكاتب بقوله: {كما علمه الله}؛ ومع هذا فمن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته. ومنها: أن الإضرار بالشهود والكتاب فسوق بالإنسان، فإن الفسوق هو الخروج عن طاعة الله إلى معصيته، وهو يزيد وينقص ويتبعض، ولهذا لم يقل فأنتم فساق أو فاسقون بل قال:{فإنه فسوق بكم}؛ فبقدر خروج العبد عن طاعة ربه فإنه يحصل به من الفسوق بحسب ذلك، واستدل بقوله تعالى:{واتقوا الله ويعلمكم الله}؛ أن تقوى الله وسيلة إلى حصول العلم، وأوضح من هذا قوله تعالى:{يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقاناً}؛ أي: علماً تفرقون به بين الحقائق والحق والباطل. ومنها: أنه كما أنه من العلم النافع تعليم الأمور الدينية المتعلقة بالعبادات فمنه أيضاً تعليم الأمور الدنيوية المتعلقة بالمعاملات، فإن الله تعالى حفظ على العباد أمور دينهم ودنياهم، وكتابه العظيم فيه تبيان كل شيء. ومنها: مشروعية الوثيقة بالحقوق وهي الرهون والضمانات التي تكفل للعبد حصول حقه سواء عامل برًّا أو فاجراً أميناً أو خائناً، فكم في الوثائق من حفظ حقوق وانقطاع منازعات. ومنها: أن تمام الوثيقة في الرهن أن يكون مقبوضاً، ولا يدل ذلك على أنه لا يصح الرهن إلا بالقبض بل التقييد بكون الرهن مقبوضاً يدل على أنه قد يكون مقبوضاً تحصل به الثقة التامة وقد لا يكون مقبوضاً فيكون ناقصاً. ومنها: أنه يستدل بقوله: {283}{فرهان مقبوضة}؛ أنه إذا اختلف الراهن والمرتهن في مقدار الدين الذي به الرهن أن القول قول المرتهن صاحب الحق لأن الله جعل الرهن وثيقة به فلولا أنه يقبل قوله في ذلك لم تحصل به الوثيقة لعدم الكتابة والشهود. ومنها: أنه يجوز التعامل بغير وثيقة ولا شهود لقوله: {فإن أمن بعضكم بعضاً فليؤد الذي ائتمن أمانته}؛ ولكن في هذه الحال يحتاج إلى التقوى والخوف من الله وإلا فصاحب الحق مخاطر في حقه ولهذا أمر الله في هذه الحال من عليه الحق أن يتقي الله ويؤدي أمانته. ومنها: أن من ائتمنه معاملة فقد عمل معه معروفاً عظيماً ورضي بدينه وأمانته فيتأكد على من عليه الحق أداء الأمانة من الجهتين: أداء لحق الله وامتثالاً لأمره، ووفاء بحق صاحبه الذي رضي بأمانته ووثق به. ومنها: تحريم كتم الشهادة وأن كاتمها قد أثم قلبه الذي هو ملك الأعضاء، وذلك لأن كتمها كالشهادة بالباطل والزور فيها ضياع الحقوق وفساد المعاملات والإثم المتكرر في حقه وحق من عليه الحق. وأما تقييد الرهن بالسفر مع أنه يجوز حضراً وسفراً فللحاجة إليه لعدم الكاتب والشهيد. وختم الآية بأنه عليم بكل ما يعمله العباد كالترغيب لهم في المعاملات الحسنة والترهيب من المعاملات السيئة.

البقرة 2:283

{282} احتوت هذه الآيات على إرشاد الباري عباده في معاملاتهم إلى حفظ حقوقهم بالطرق النافعة والإصلاحات التي لا يقترح العقلاء أعلى ولا أكمل منها فإن فيها فوائد كثيرة: منها: جواز المعاملات في الديون سواء كانت ديون سلم أو شراء مؤجلاً ثمنه فكله جائز، لأن الله أخبر به عن المؤمنين، وما أخبر به عن المؤمنين فإنه من مقتضيات الإيمان وقد أقرهم عليه الملك الديان. ومنها: وجوب تسمية الأجل في جميع المداينات وحلول الإجارات. ومنها: أنه إذا كان الأجل مجهولاً فإنه لا يحل لأنه غرر وخطر فيدخل في الميسر. ومنها: أمره تعالى بكتابة الديون، وهذا الأمر قد يجب إذا وجب حفظ الحق كالذي للعبد عليه ولاية، كأموال اليتامى والأوقاف والوكلاء والأمناء، وقد يقارب الوجوب كما إذا كان الحق متمحضاً للعبد فقد يقوى الوجوب وقد يقوى الاستحباب، بحسب الأحوال المقتضية لذلك، وعلى كل حال فالكتابة من أعظم ما تحفظ به هذه المعاملات المؤجلة لكثرة النسيان ولوقوع المغالطات، وللاحتراز من الخونة الذين لا يخشون الله تعالى. ومنها: أمره تعالى للكاتب أن يكتب بين المتعاملين بالعدل فلا يميل مع أحدهما لقرابة ولا غيرها ولا على أحدهما لعداوة ونحوها. ومنها: أن الكتابة بين المتعاملين من أفضل الأعمال ومن الإحسان إليهما، وفيها حفظ حقوقهما وبراءة ذممهما كما أمره الله بذلك فليحتسب الكاتب بين الناس هذه الأمور ليحظى بثوابها. ومنها: أن الكاتب لا بد أن يكون عارفاً بالعدل معروفاً بالعدل، لأنه إذا لم يكن عارفاً بالعدل لم يتمكن منه، وإذا لم يكن معتبراً، عدلاً عند الناس، رضياً، لم تكن كتابته معتبرة، ولا حاصلاً بها المقصود الذي هو حفظ الحقوق. ومنها: أن من تمام الكتابة والعدل فيها أن يحسن الكاتب الإنشاء والألفاظ المعتبرة في كل معاملة بحسبها، وللعرف في هذا المقام اعتبار عظيم. ومنها: أن الكتابة من نعم الله على العباد التي لا تستقيم أمورهم الدينية ولا الدنيوية إلا بها، وأن من علَّمه الله الكتابة فقد تفضل عليه بفضل عظيم، فمن تمام شكره لنعمة الله تعالى أن يقضي بكتابته حاجات العباد ولا يمتنع من الكتابة ولهذا قال:{ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله}. ومنها: أن الذي يكتبه الكاتب هو اعتراف من عليه الحق إذا كان يحسن التعبير عن الحق الذي عليه، فإن كان لا يحسن ذلك لصغره أو سفهه أو جنونه أو خرسه أو عدم استطاعته، أملى عنه وليه، وقام وليه في ذلك مقامه. ومنها: أن الاعتراف من أعظم الطرق التي تُثبَت بها الحقوق حيث أمر الله تعالى أن يكتب الكاتب ما أملى عليه من عليه الحق. ومنها: ثبوت الولاية على القاصرين من الصغار والمجانين والسفهاء ونحوهم. ومنها: أن الولي يقوم مقام موليه في جميع اعترافاته المتعلقة بحقوقه. ومنها: أن من أمنته في معاملة وفوضته فيها فقوله في ذلك مقبول وهو نائب منابك، لأنه إذا كان الولي على القاصرين ينوب منابهم، فالذي وليته باختيارك وفوضت إليه الأمر أولى بالقبول واعتبار قوله وتقديمه على قولك عند الاختلاف. ومنها: أنه يجب على الذي عليه الحق إذا أملى على الكاتب أن يتقي الله ولا يبخس الحق الذي عليه فلا ينقصه في قدره ولا في وصفه ولا في شرط من شروطه أو قيد من قيوده، بل عليه أن يعترف بكل ما عليه من متعلقات الحق كما يجب ذلك إذا كان الحق على غيره له، فمن لم يفعل ذلك فهو من المطففين الباخسين. ومنها: وجوب الاعتراف بالحقوق الجلية والحقوق الخفية وأن ذلك من أعظم خصال التقوى، كما أن ترك الاعتراف بها من نواقض التقوى ونواقصها. ومنها: الإرشاد إلى الإشهاد في البيع فإن كانت في المداينات فحكمها حكم الكتابة كما تقدم، لأن الكتابة هي كتابة الشهادة، وإن كان البيع بيعاً حاضراً فينبغي الإشهاد فيه ولا حرج فيه بترك الكتابة لكثرته وحصول المشقة فيه. ومنها: الإرشاد إلى إشهاد رجلين عدلين فإن لم يمكن أو تعذر أو تعسر فرجل وامرأتان، وذلك شامل لجميع المعاملات، بيوع الإدارة وبيوع الديون وتوابعها من الشروط والوثائق وغيرها. وإذا قيل قد ثبت أنه - صلى الله عليه وسلم - قضى بالشاهد الواحد مع اليمين ، والآية الكريمة ليس فيها إلا شهادة رجلين أو رجل وامرأتين، قيل: الآية الكريمة فيها إرشاد الباري عباده إلى حفظ حقوقهم ولهذا أتى فيها بأكمل الطرق وأقواها، وليس فيها ما ينافي ما ذكره النبي - صلى الله عليه وسلم - من الحكم بالشاهد واليمين، فباب حفظ الحقوق في ابتداء الأمر يرشد فيه العبد إلى الاحتراز والتحفظ التام، وباب الحكم بين المتنازعين ينظر فيه إلى المرجحات والبينات بحسب حالها. ومنها: أن شهادة المرأتين قائمة مقام الرجل الواحد في الحقوق الدنيوية وأما في الأمور الدينية كالرواية والفتوى فإن المرأة فيه تقوم مقام الرجل، والفرق ظاهر بين البابين. ومنها: الإرشاد إلى الحكمة في كون شهادة المرأتين عن شهادة الرجل وأنه لضعف ذاكرة المرأة غالباً وقوة حافظة الرجل. ومنها: أن الشاهد لو نسي شهادته فذكره الشاهد الآخر فذكر، أنه لا يضر ذلك النسيان إذا زال بالتذكير لقوله:{أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى}؛ ومن باب أولى إذا نسي الشاهد ثم ذكر من دون تذكير، فإن الشهادة مدارها على العلم واليقين. ومنها: أن الشهادة لا بد أن تكون عن علم ويقين لا عن شكِّ، فمتى صار عند الشاهد ريب في شهادته ولو غلب على ظنه لم يحل له أن يشهد إلا بما يعلم. ومنها: أن الشاهد ليس له أن يمتنع إذا دعي للشهادة سواء دعي للتحمل أو للأداء وأن القيام بالشهادة من أفضل الأعمال الصالحة كما أمر الله بها وأخبر عن نفعها ومصالحها. ومنها: أنه لا يحل الإضرار بالكاتب ولا بالشهيد بأن يدعيا في وقت أو حالة تضرهما. وكما أنه نهي لأهل الحقوق والمتعاملين أن يضاروا الشهود والكتاب فإنه أيضاً نهي للكاتب والشهيد أن يضار المتعامليْن أو أحدهما. وفي هذا أيضاً أن الشاهد والكاتب إذا حصل عليهما ضرر في الكتابة والشهادة أنه يسقط عنهما الوجوب. وفيها: التنبيه على أن جميع المحسنين الفاعلين للمعروف لا يحل إضرارهم وتحميلهم ما لا يطيقون، فهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ وكذلك على من أحسن وفعل معروفاً أن يتمم إحسانه بترك الإضرار القولي والفعلي بمن أوقع به المعروف، فإن الإحسان لا يتم إلا بذلك. ومنها: أنه لا يجوز أخذ الأجرة على الكتابة والشهادة حيث وجبت لأنه حق أوجبه الله على الكاتب والشهيد، ولأنه من مضارة المتعاملين. ومنها: التنبيه على المصالح والفوائد المترتبة على العمل بهذه الإرشادات الجليلة وأن فيها حفظ الحقوق والعدل وقطع التنازع والسلامة من النسيان والذهول ولهذا قال: {ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا}؛ وهذه مصالح ضرورية للعباد. ومنها: أن تعلم الكتابة من الأمور الدينية، لأنها وسيلة إلى حفظ الدين والدنيا وسبب للإحسان. ومنها: أن من خصه الله بنعمة من النعم يحتاج الناس إليها فمن تمام شكر هذه النعمة أن يعود بها على عباد الله وأن يقضي بها حاجاتهم لتعليل الله النهي عن الامتناع عن الكتابة بتذكير الكاتب بقوله: {كما علمه الله}؛ ومع هذا فمن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته. ومنها: أن الإضرار بالشهود والكتاب فسوق بالإنسان، فإن الفسوق هو الخروج عن طاعة الله إلى معصيته، وهو يزيد وينقص ويتبعض، ولهذا لم يقل فأنتم فساق أو فاسقون بل قال:{فإنه فسوق بكم}؛ فبقدر خروج العبد عن طاعة ربه فإنه يحصل به من الفسوق بحسب ذلك، واستدل بقوله تعالى:{واتقوا الله ويعلمكم الله}؛ أن تقوى الله وسيلة إلى حصول العلم، وأوضح من هذا قوله تعالى:{يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقاناً}؛ أي: علماً تفرقون به بين الحقائق والحق والباطل. ومنها: أنه كما أنه من العلم النافع تعليم الأمور الدينية المتعلقة بالعبادات فمنه أيضاً تعليم الأمور الدنيوية المتعلقة بالمعاملات، فإن الله تعالى حفظ على العباد أمور دينهم ودنياهم، وكتابه العظيم فيه تبيان كل شيء. ومنها: مشروعية الوثيقة بالحقوق وهي الرهون والضمانات التي تكفل للعبد حصول حقه سواء عامل برًّا أو فاجراً أميناً أو خائناً، فكم في الوثائق من حفظ حقوق وانقطاع منازعات. ومنها: أن تمام الوثيقة في الرهن أن يكون مقبوضاً، ولا يدل ذلك على أنه لا يصح الرهن إلا بالقبض بل التقييد بكون الرهن مقبوضاً يدل على أنه قد يكون مقبوضاً تحصل به الثقة التامة وقد لا يكون مقبوضاً فيكون ناقصاً. ومنها: أنه يستدل بقوله: {283}{فرهان مقبوضة}؛ أنه إذا اختلف الراهن والمرتهن في مقدار الدين الذي به الرهن أن القول قول المرتهن صاحب الحق لأن الله جعل الرهن وثيقة به فلولا أنه يقبل قوله في ذلك لم تحصل به الوثيقة لعدم الكتابة والشهود. ومنها: أنه يجوز التعامل بغير وثيقة ولا شهود لقوله: {فإن أمن بعضكم بعضاً فليؤد الذي ائتمن أمانته}؛ ولكن في هذه الحال يحتاج إلى التقوى والخوف من الله وإلا فصاحب الحق مخاطر في حقه ولهذا أمر الله في هذه الحال من عليه الحق أن يتقي الله ويؤدي أمانته. ومنها: أن من ائتمنه معاملة فقد عمل معه معروفاً عظيماً ورضي بدينه وأمانته فيتأكد على من عليه الحق أداء الأمانة من الجهتين: أداء لحق الله وامتثالاً لأمره، ووفاء بحق صاحبه الذي رضي بأمانته ووثق به. ومنها: تحريم كتم الشهادة وأن كاتمها قد أثم قلبه الذي هو ملك الأعضاء، وذلك لأن كتمها كالشهادة بالباطل والزور فيها ضياع الحقوق وفساد المعاملات والإثم المتكرر في حقه وحق من عليه الحق. وأما تقييد الرهن بالسفر مع أنه يجوز حضراً وسفراً فللحاجة إليه لعدم الكاتب والشهيد. وختم الآية بأنه عليم بكل ما يعمله العباد كالترغيب لهم في المعاملات الحسنة والترهيب من المعاملات السيئة.

البقرة 2:284

{284} يخبر تعالى بعموم ملكه لأهل السماء والأرض وإحاطة علمه بما أبداه العباد وما أخفوه في أنفسهم، وأنه سيحاسبهم به {فيغفر لمن يشاء} وهو المنيب إلى ربه الأواب إليه، {إنه كان للأوابين غفوراً}؛ {ويعذب من يشاء} وهو المصر على المعاصي في باطنه وظاهره، وهذه الآية لا تنافي الأحاديث الواردة في العفو عما حدَّث به العبد نفسه ما لم يعمل أو يتكلم ، فتلك الخطرات التي تتحدث بها النفوس التي لا يتصف بها العبد ولا يصمم عليها، وأما هنا فهي العزائم المصممة والأوصاف الثابتة في النفوس، أوصاف الخير وأوصاف الشر، ولهذا قال:{ما في أنفسكم}؛ أي: استقر فيها وثبت من العزائم والأوصاف. وأخبر أنه {على كل شيء قدير}؛ فمن تمام قدرته محاسبة الخلائق وإيصال ما يستحقونه من الثواب والعقاب.

البقرة 2:285

{285 ـ 286} ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أن من قرأ هاتين الآيتين في ليلة كفتاه ؛ أي: من جميع الشرور، وذلك لما احتوتا عليه من المعاني الجليلة، فإن الله أمر في أول هذه السورة الناس بالإيمان بجميع أصوله في قوله:{قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا}؛ الآية، وأخبر في هذه الآية أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - ومن معه من المؤمنين آمنوا بهذه الأصول العظيمة وبجميع الرسل وجميع الكتب، ولم يصنعوا صنيع من آمن ببعض وكفر ببعض كحالة المنحرفين من أهل الأديان المنحرفة. وفي قرن المؤمنين بالرسول - صلى الله عليه وسلم - والإخبار عنهم جميعاً بخبر واحد شرف عظيم للمؤمنين، وفيه أنه - صلى الله عليه وسلم - مشارك للأمة في توجه الخطاب الشرعي له وقيامه التام به وأنه فاق المؤمنين بل فاق جميع المرسلين في القيام بالإيمان وحقوقه. وقوله:{وقالوا سمعنا وأطعنا}؛ هذا التزام من المؤمنين عام لجميع ما جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم - من الكتاب والسنة، وأنهم سمعوه سماع قبول وإذعان وانقياد. ومضمون ذلك تضرعهم إلى الله في طلب الإعانة على القيام به وأن الله يغفر لهم ما قصروا فيه من الواجبات وما ارتكبوه من المحرمات، وكذلك تضرعوا إلى الله في هذه الأدعية النافعة، والله تعالى قد أجاب دعاءهم على لسان نبيه - صلى الله عليه وسلم - فقال:«قد فعلت». فهذه الدعوات مقبولة من مجموع المؤمنين قطعاً ومن أفرادهم إذا لم يمنع من ذلك مانع في الأفراد، وذلك أن الله رفع عنهم المؤاخذة في الخطأ والنسيان وأن الله سهل عليهم شرعه غاية التسهيل، ولم يحملهم من المشاق والآصار والأغلال ما حمله على من قبلهم، ولم يحملهم فوق طاقتهم، وقد غفر لهم ورحمهم ونصرهم على القوم الكافرين. فنسأل الله تعالى بأسمائه وصفاته وبما منَّ به علينا من التزام دينه أن يحقق لنا ذلك وأن ينجز لنا ما وعدنا على لسان نبيه، وأن يصلح أحوال المؤمنين. ويؤخذ من هذا قاعدة التيسير ونفي الحرج في أمور الدين كلها، وقاعدة العفو عن النسيان والخطأ في العبادات وفي حقوق الله تعالى، وكذلك في حقوق الخلق من جهة رفع المأثم وتوجيه الذم، وأما وجوب ضمان المتلفات خطأً أو نسياناً في النفوس والأموال فإنه مرتب على الإتلاف بغير حق، وذلك شامل لحالة الخطأ والنسيان والعمد. تم تفسير سورة البقرة. ولله الحمد والثناء. وصلى الله على محمد وسلم.

البقرة 2:286

{285 ـ 286} ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أن من قرأ هاتين الآيتين في ليلة كفتاه ؛ أي: من جميع الشرور، وذلك لما احتوتا عليه من المعاني الجليلة، فإن الله أمر في أول هذه السورة الناس بالإيمان بجميع أصوله في قوله:{قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا}؛ الآية، وأخبر في هذه الآية أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - ومن معه من المؤمنين آمنوا بهذه الأصول العظيمة وبجميع الرسل وجميع الكتب، ولم يصنعوا صنيع من آمن ببعض وكفر ببعض كحالة المنحرفين من أهل الأديان المنحرفة. وفي قرن المؤمنين بالرسول - صلى الله عليه وسلم - والإخبار عنهم جميعاً بخبر واحد شرف عظيم للمؤمنين، وفيه أنه - صلى الله عليه وسلم - مشارك للأمة في توجه الخطاب الشرعي له وقيامه التام به وأنه فاق المؤمنين بل فاق جميع المرسلين في القيام بالإيمان وحقوقه. وقوله:{وقالوا سمعنا وأطعنا}؛ هذا التزام من المؤمنين عام لجميع ما جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم - من الكتاب والسنة، وأنهم سمعوه سماع قبول وإذعان وانقياد. ومضمون ذلك تضرعهم إلى الله في طلب الإعانة على القيام به وأن الله يغفر لهم ما قصروا فيه من الواجبات وما ارتكبوه من المحرمات، وكذلك تضرعوا إلى الله في هذه الأدعية النافعة، والله تعالى قد أجاب دعاءهم على لسان نبيه - صلى الله عليه وسلم - فقال:«قد فعلت». فهذه الدعوات مقبولة من مجموع المؤمنين قطعاً ومن أفرادهم إذا لم يمنع من ذلك مانع في الأفراد، وذلك أن الله رفع عنهم المؤاخذة في الخطأ والنسيان وأن الله سهل عليهم شرعه غاية التسهيل، ولم يحملهم من المشاق والآصار والأغلال ما حمله على من قبلهم، ولم يحملهم فوق طاقتهم، وقد غفر لهم ورحمهم ونصرهم على القوم الكافرين. فنسأل الله تعالى بأسمائه وصفاته وبما منَّ به علينا من التزام دينه أن يحقق لنا ذلك وأن ينجز لنا ما وعدنا على لسان نبيه، وأن يصلح أحوال المؤمنين. ويؤخذ من هذا قاعدة التيسير ونفي الحرج في أمور الدين كلها، وقاعدة العفو عن النسيان والخطأ في العبادات وفي حقوق الله تعالى، وكذلك في حقوق الخلق من جهة رفع المأثم وتوجيه الذم، وأما وجوب ضمان المتلفات خطأً أو نسياناً في النفوس والأموال فإنه مرتب على الإتلاف بغير حق، وذلك شامل لحالة الخطأ والنسيان والعمد. تم تفسير سورة البقرة. ولله الحمد والثناء. وصلى الله على محمد وسلم.

آل عمران 3:1

وهي مدنية {1}{الم}؛ من الحروف التي لا يعلم معناها إلا الله. {2} فأخبر تعالى أنه {الحي}؛ كامل الحياة {القيوم}؛ القائم بنفسه المقيم لأحوال خلقه، وقد أقام أحوالهم الدينية وأحوالهم الدنيوية والقدرية، فأنزل على رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - الكتاب بالحق الذي لا ريب فيه وهو مشتمل على الحق. {3 ـ 4}{مصدقاً لما بين يديه}؛ من الكتب أي شهد بما شهدت به ووافقها وصدق من جاء بها من المرسلين. وكذلك {أنزل التوراة والإنجيل من قبل} هذا الكتاب، {هدى للناس}؛ وأكمل الرسالة وختمها بمحمد - صلى الله عليه وسلم - وكتابه العظيم الذي هدى الله به الخلق من الضلالات واستنقذهم به من الجهالات، وفرق به بين الحق والباطل والسعادة والشقاوة، والصراط المستقيم وطرق الجحيم، فالذين آمنوا به، واهتدوا حصل لهم به الخير الكثير والثواب العاجل والآجل و {الذين كفروا بآيات الله}؛ التي بينها في كتابه وعلى لسان رسوله {لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام}؛ ممن عصاه. {5 ـ 6} ومن تمام قيوميته تعالى أن علمه محيط بالخلائق {لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء}؛ حتى ما في بطون الحوامل فهو {الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء}؛ من ذكر وأنثى وكامل الخلق وناقصه متنقلين في أطوار خلقته وبديع حكمته، فمن هذا شأنه مع عباده واعتناؤه العظيم بأحوالهم من حين أنشأهم إلى منتهى أمورهم لا مشارك له في ذلك فيتعين أنه لا يستحق العبادة إلا هو {لا إله إلا هو العزيز}؛ الذي قهر الخلائق بقوته، واعتز عن أن يوصف بنقص، أو ينعت بذم. {الحكيم}؛ في خلقه وشرعه.

آل عمران 3:2

وهي مدنية {1}{الم}؛ من الحروف التي لا يعلم معناها إلا الله. {2} فأخبر تعالى أنه {الحي}؛ كامل الحياة {القيوم}؛ القائم بنفسه المقيم لأحوال خلقه، وقد أقام أحوالهم الدينية وأحوالهم الدنيوية والقدرية، فأنزل على رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - الكتاب بالحق الذي لا ريب فيه وهو مشتمل على الحق. {3 ـ 4}{مصدقاً لما بين يديه}؛ من الكتب أي شهد بما شهدت به ووافقها وصدق من جاء بها من المرسلين. وكذلك {أنزل التوراة والإنجيل من قبل} هذا الكتاب، {هدى للناس}؛ وأكمل الرسالة وختمها بمحمد - صلى الله عليه وسلم - وكتابه العظيم الذي هدى الله به الخلق من الضلالات واستنقذهم به من الجهالات، وفرق به بين الحق والباطل والسعادة والشقاوة، والصراط المستقيم وطرق الجحيم، فالذين آمنوا به، واهتدوا حصل لهم به الخير الكثير والثواب العاجل والآجل و {الذين كفروا بآيات الله}؛ التي بينها في كتابه وعلى لسان رسوله {لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام}؛ ممن عصاه. {5 ـ 6} ومن تمام قيوميته تعالى أن علمه محيط بالخلائق {لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء}؛ حتى ما في بطون الحوامل فهو {الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء}؛ من ذكر وأنثى وكامل الخلق وناقصه متنقلين في أطوار خلقته وبديع حكمته، فمن هذا شأنه مع عباده واعتناؤه العظيم بأحوالهم من حين أنشأهم إلى منتهى أمورهم لا مشارك له في ذلك فيتعين أنه لا يستحق العبادة إلا هو {لا إله إلا هو العزيز}؛ الذي قهر الخلائق بقوته، واعتز عن أن يوصف بنقص، أو ينعت بذم. {الحكيم}؛ في خلقه وشرعه.

آل عمران 3:3

وهي مدنية {1}{الم}؛ من الحروف التي لا يعلم معناها إلا الله. {2} فأخبر تعالى أنه {الحي}؛ كامل الحياة {القيوم}؛ القائم بنفسه المقيم لأحوال خلقه، وقد أقام أحوالهم الدينية وأحوالهم الدنيوية والقدرية، فأنزل على رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - الكتاب بالحق الذي لا ريب فيه وهو مشتمل على الحق. {3 ـ 4}{مصدقاً لما بين يديه}؛ من الكتب أي شهد بما شهدت به ووافقها وصدق من جاء بها من المرسلين. وكذلك {أنزل التوراة والإنجيل من قبل} هذا الكتاب، {هدى للناس}؛ وأكمل الرسالة وختمها بمحمد - صلى الله عليه وسلم - وكتابه العظيم الذي هدى الله به الخلق من الضلالات واستنقذهم به من الجهالات، وفرق به بين الحق والباطل والسعادة والشقاوة، والصراط المستقيم وطرق الجحيم، فالذين آمنوا به، واهتدوا حصل لهم به الخير الكثير والثواب العاجل والآجل و {الذين كفروا بآيات الله}؛ التي بينها في كتابه وعلى لسان رسوله {لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام}؛ ممن عصاه. {5 ـ 6} ومن تمام قيوميته تعالى أن علمه محيط بالخلائق {لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء}؛ حتى ما في بطون الحوامل فهو {الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء}؛ من ذكر وأنثى وكامل الخلق وناقصه متنقلين في أطوار خلقته وبديع حكمته، فمن هذا شأنه مع عباده واعتناؤه العظيم بأحوالهم من حين أنشأهم إلى منتهى أمورهم لا مشارك له في ذلك فيتعين أنه لا يستحق العبادة إلا هو {لا إله إلا هو العزيز}؛ الذي قهر الخلائق بقوته، واعتز عن أن يوصف بنقص، أو ينعت بذم. {الحكيم}؛ في خلقه وشرعه.

آل عمران 3:4

وهي مدنية {1}{الم}؛ من الحروف التي لا يعلم معناها إلا الله. {2} فأخبر تعالى أنه {الحي}؛ كامل الحياة {القيوم}؛ القائم بنفسه المقيم لأحوال خلقه، وقد أقام أحوالهم الدينية وأحوالهم الدنيوية والقدرية، فأنزل على رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - الكتاب بالحق الذي لا ريب فيه وهو مشتمل على الحق. {3 ـ 4}{مصدقاً لما بين يديه}؛ من الكتب أي شهد بما شهدت به ووافقها وصدق من جاء بها من المرسلين. وكذلك {أنزل التوراة والإنجيل من قبل} هذا الكتاب، {هدى للناس}؛ وأكمل الرسالة وختمها بمحمد - صلى الله عليه وسلم - وكتابه العظيم الذي هدى الله به الخلق من الضلالات واستنقذهم به من الجهالات، وفرق به بين الحق والباطل والسعادة والشقاوة، والصراط المستقيم وطرق الجحيم، فالذين آمنوا به، واهتدوا حصل لهم به الخير الكثير والثواب العاجل والآجل و {الذين كفروا بآيات الله}؛ التي بينها في كتابه وعلى لسان رسوله {لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام}؛ ممن عصاه. {5 ـ 6} ومن تمام قيوميته تعالى أن علمه محيط بالخلائق {لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء}؛ حتى ما في بطون الحوامل فهو {الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء}؛ من ذكر وأنثى وكامل الخلق وناقصه متنقلين في أطوار خلقته وبديع حكمته، فمن هذا شأنه مع عباده واعتناؤه العظيم بأحوالهم من حين أنشأهم إلى منتهى أمورهم لا مشارك له في ذلك فيتعين أنه لا يستحق العبادة إلا هو {لا إله إلا هو العزيز}؛ الذي قهر الخلائق بقوته، واعتز عن أن يوصف بنقص، أو ينعت بذم. {الحكيم}؛ في خلقه وشرعه.

آل عمران 3:5

وهي مدنية {1}{الم}؛ من الحروف التي لا يعلم معناها إلا الله. {2} فأخبر تعالى أنه {الحي}؛ كامل الحياة {القيوم}؛ القائم بنفسه المقيم لأحوال خلقه، وقد أقام أحوالهم الدينية وأحوالهم الدنيوية والقدرية، فأنزل على رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - الكتاب بالحق الذي لا ريب فيه وهو مشتمل على الحق. {3 ـ 4}{مصدقاً لما بين يديه}؛ من الكتب أي شهد بما شهدت به ووافقها وصدق من جاء بها من المرسلين. وكذلك {أنزل التوراة والإنجيل من قبل} هذا الكتاب، {هدى للناس}؛ وأكمل الرسالة وختمها بمحمد - صلى الله عليه وسلم - وكتابه العظيم الذي هدى الله به الخلق من الضلالات واستنقذهم به من الجهالات، وفرق به بين الحق والباطل والسعادة والشقاوة، والصراط المستقيم وطرق الجحيم، فالذين آمنوا به، واهتدوا حصل لهم به الخير الكثير والثواب العاجل والآجل و {الذين كفروا بآيات الله}؛ التي بينها في كتابه وعلى لسان رسوله {لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام}؛ ممن عصاه. {5 ـ 6} ومن تمام قيوميته تعالى أن علمه محيط بالخلائق {لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء}؛ حتى ما في بطون الحوامل فهو {الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء}؛ من ذكر وأنثى وكامل الخلق وناقصه متنقلين في أطوار خلقته وبديع حكمته، فمن هذا شأنه مع عباده واعتناؤه العظيم بأحوالهم من حين أنشأهم إلى منتهى أمورهم لا مشارك له في ذلك فيتعين أنه لا يستحق العبادة إلا هو {لا إله إلا هو العزيز}؛ الذي قهر الخلائق بقوته، واعتز عن أن يوصف بنقص، أو ينعت بذم. {الحكيم}؛ في خلقه وشرعه.

آل عمران 3:6

وهي مدنية {1}{الم}؛ من الحروف التي لا يعلم معناها إلا الله. {2} فأخبر تعالى أنه {الحي}؛ كامل الحياة {القيوم}؛ القائم بنفسه المقيم لأحوال خلقه، وقد أقام أحوالهم الدينية وأحوالهم الدنيوية والقدرية، فأنزل على رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - الكتاب بالحق الذي لا ريب فيه وهو مشتمل على الحق. {3 ـ 4}{مصدقاً لما بين يديه}؛ من الكتب أي شهد بما شهدت به ووافقها وصدق من جاء بها من المرسلين. وكذلك {أنزل التوراة والإنجيل من قبل} هذا الكتاب، {هدى للناس}؛ وأكمل الرسالة وختمها بمحمد - صلى الله عليه وسلم - وكتابه العظيم الذي هدى الله به الخلق من الضلالات واستنقذهم به من الجهالات، وفرق به بين الحق والباطل والسعادة والشقاوة، والصراط المستقيم وطرق الجحيم، فالذين آمنوا به، واهتدوا حصل لهم به الخير الكثير والثواب العاجل والآجل و {الذين كفروا بآيات الله}؛ التي بينها في كتابه وعلى لسان رسوله {لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام}؛ ممن عصاه. {5 ـ 6} ومن تمام قيوميته تعالى أن علمه محيط بالخلائق {لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء}؛ حتى ما في بطون الحوامل فهو {الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء}؛ من ذكر وأنثى وكامل الخلق وناقصه متنقلين في أطوار خلقته وبديع حكمته، فمن هذا شأنه مع عباده واعتناؤه العظيم بأحوالهم من حين أنشأهم إلى منتهى أمورهم لا مشارك له في ذلك فيتعين أنه لا يستحق العبادة إلا هو {لا إله إلا هو العزيز}؛ الذي قهر الخلائق بقوته، واعتز عن أن يوصف بنقص، أو ينعت بذم. {الحكيم}؛ في خلقه وشرعه.

آل عمران 3:7

{7} يخبر تعالى عن عظمته وكمال قيوميته أنه هو الذي تفرد بإنزال هذا الكتاب العظيم، الذي لم يوجد، ولن يوجد له نظير أو مقارب في هدايته وبلاغته وإعجازه وإصلاحه للخلق، وأن هذا الكتاب يحتوي على المحكم الواضح المعاني، البين الذي لا يشتبه بغيره، ومنه آيات متشابهات تحتمل بعض المعاني، ولا يتعين منها واحد من الاحتمالين بمجردها حتى تضم إلى المحكم، فالذين في قلوبهم مرض وزيغ وانحراف لسوء قصدهم يتبعون المتشابه منه؛ فيستدلون به على مقالاتهم الباطلة، وآرائهم الزائفة، طلباً للفتنة وتحريفاً لكتابه، وتأويلاً له على مشاربهم ومذاهبهم ليَضِلوا ويُضِلوا. وأما أهل العلم الراسخون فيه الذين وصل العلم واليقين إلى أفئدتهم، فأثمر لهم العمل والمعارف فيعلمون أن القرآن كله من عند الله وأنه كله حق محكمه ومتشابهه، وأن الحق لا يتناقض ولا يختلف، فلعلمهم أن المحكمات معناها في غاية الصراحة والبيان، يردون إليها المشتبه الذي تحصل فيه الحيرة لناقص العلم وناقص المعرفة، فيردون المتشابه إلى المحكم فيعود كله محكماً ويقولون:{آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر}؛ للأمور النافعة والعلوم الصائبة {إلا أولو الألباب}؛ أي: أهل العقول الرزينة، ففي هذا دليل على أن هذا من علامة أولي الألباب وأن اتباع المتشابه من أوصاف أهل الآراء السقيمة والعقول الواهية والقصود السيئة. وقوله:{وما يعلم تأويله إلا الله}؛ إن أريد بالتأويل معرفة عاقبة الأمور وما تنتهي وتؤول إليه تعين الوقوف على {إلا الله} حيث هو تعالى المتفرد بالتأويل بهذا المعنى، وإن أريد بالتأويل معنى التفسير ومعرفة معنى الكلام كان العطف أولى؛ فيكون هذا مدحاً للراسخين في العلم، أنهم يعلمون كيف ينزلون نصوص الكتاب والسنة محكمها ومتشابهها. ولما كان المقام مقام انقسام إلى منحرفين ومستقيمين دعوا الله تعالى أن يثبتهم على الإيمان فقالوا: {8}{ربنا لا تزغ قلوبنا}؛ أي: لا تملها عن الحق إلى الباطل {بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة} تصلح بها أحوالنا؛ {إنك أنت الوهاب}؛ أي: كثير الفضل والهبات. وهذه الآية تصلح مثالاً للطريقة التي يتعين سلوكها في المتشابهات، وذلك أن الله تعالى ذكر عن الراسخين أنهم يسألونه أن لا يزيغ قلوبهم بعد إذ هداهم؛ وقد أخبر في آيات أخر الأسباب التي بها تزيغ قلوب أهل الانحراف وأن ذلك بسبب كسبهم كقوله:{فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم}؛ {ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم}؛ {ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة}؛ فالعبد إذا تولى عن ربه، ووالى عدوه، ورأى الحق فصدف عنه ورأى الباطل فاختاره ولاه الله ما تولى لنفسه، وأزاغ قلبه عقوبة له على زيغه، وما ظلمه الله ولكنه ظلم نفسه، فلا يلم إلا نفسه الأمارة بالسوء. والله أعلم.

آل عمران 3:8

{7} يخبر تعالى عن عظمته وكمال قيوميته أنه هو الذي تفرد بإنزال هذا الكتاب العظيم، الذي لم يوجد، ولن يوجد له نظير أو مقارب في هدايته وبلاغته وإعجازه وإصلاحه للخلق، وأن هذا الكتاب يحتوي على المحكم الواضح المعاني، البين الذي لا يشتبه بغيره، ومنه آيات متشابهات تحتمل بعض المعاني، ولا يتعين منها واحد من الاحتمالين بمجردها حتى تضم إلى المحكم، فالذين في قلوبهم مرض وزيغ وانحراف لسوء قصدهم يتبعون المتشابه منه؛ فيستدلون به على مقالاتهم الباطلة، وآرائهم الزائفة، طلباً للفتنة وتحريفاً لكتابه، وتأويلاً له على مشاربهم ومذاهبهم ليَضِلوا ويُضِلوا. وأما أهل العلم الراسخون فيه الذين وصل العلم واليقين إلى أفئدتهم، فأثمر لهم العمل والمعارف فيعلمون أن القرآن كله من عند الله وأنه كله حق محكمه ومتشابهه، وأن الحق لا يتناقض ولا يختلف، فلعلمهم أن المحكمات معناها في غاية الصراحة والبيان، يردون إليها المشتبه الذي تحصل فيه الحيرة لناقص العلم وناقص المعرفة، فيردون المتشابه إلى المحكم فيعود كله محكماً ويقولون:{آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر}؛ للأمور النافعة والعلوم الصائبة {إلا أولو الألباب}؛ أي: أهل العقول الرزينة، ففي هذا دليل على أن هذا من علامة أولي الألباب وأن اتباع المتشابه من أوصاف أهل الآراء السقيمة والعقول الواهية والقصود السيئة. وقوله:{وما يعلم تأويله إلا الله}؛ إن أريد بالتأويل معرفة عاقبة الأمور وما تنتهي وتؤول إليه تعين الوقوف على {إلا الله} حيث هو تعالى المتفرد بالتأويل بهذا المعنى، وإن أريد بالتأويل معنى التفسير ومعرفة معنى الكلام كان العطف أولى؛ فيكون هذا مدحاً للراسخين في العلم، أنهم يعلمون كيف ينزلون نصوص الكتاب والسنة محكمها ومتشابهها. ولما كان المقام مقام انقسام إلى منحرفين ومستقيمين دعوا الله تعالى أن يثبتهم على الإيمان فقالوا: {8}{ربنا لا تزغ قلوبنا}؛ أي: لا تملها عن الحق إلى الباطل {بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة} تصلح بها أحوالنا؛ {إنك أنت الوهاب}؛ أي: كثير الفضل والهبات. وهذه الآية تصلح مثالاً للطريقة التي يتعين سلوكها في المتشابهات، وذلك أن الله تعالى ذكر عن الراسخين أنهم يسألونه أن لا يزيغ قلوبهم بعد إذ هداهم؛ وقد أخبر في آيات أخر الأسباب التي بها تزيغ قلوب أهل الانحراف وأن ذلك بسبب كسبهم كقوله:{فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم}؛ {ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم}؛ {ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة}؛ فالعبد إذا تولى عن ربه، ووالى عدوه، ورأى الحق فصدف عنه ورأى الباطل فاختاره ولاه الله ما تولى لنفسه، وأزاغ قلبه عقوبة له على زيغه، وما ظلمه الله ولكنه ظلم نفسه، فلا يلم إلا نفسه الأمارة بالسوء. والله أعلم.

آل عمران 3:9

{9} هذا من تتمة كلام الراسخين في العلم، وهو يتضمن الإقرار بالبعث والجزاء واليقين التام، وأن الله لا بد أن يوقع ما وعد به، وذلك يستلزم موجبه ومقتضاه من العمل والاستعداد لذلك اليوم، فإن الإيمان بالبعث والجزاء أصل صلاح القلوب، وأصل الرغبة في الخير والرهبة من الشر اللذين هما أساس الخيرات.

آل عمران 3:10

{10 ـ 11} لما ذكر يوم القيامة، ذكر أن جميع من كفر بالله، وكذب رسل الله لا بد أن يدخلوا النار ويصلوها، وأن أموالهم وأولادهم لن تغني عنهم شيئاً من عذاب الله، وأنه سيجري عليهم في الدنيا من الأخْذات والعقوبات ما جرى على فرعون وسائر الأمم المكذبة بآيات الله، {أخذهم الله بذنوبهم}؛ وعجل لهم العقوبات الدنيوية متصلة بالعقوبات الأخروية {والله شديد العقاب}؛ فإياكم أن تَسْتَهْوِنوا بعقابه فيهون عليكم الإقامة على الكفر والتكذيب.

آل عمران 3:11

{10 ـ 11} لما ذكر يوم القيامة، ذكر أن جميع من كفر بالله، وكذب رسل الله لا بد أن يدخلوا النار ويصلوها، وأن أموالهم وأولادهم لن تغني عنهم شيئاً من عذاب الله، وأنه سيجري عليهم في الدنيا من الأخْذات والعقوبات ما جرى على فرعون وسائر الأمم المكذبة بآيات الله، {أخذهم الله بذنوبهم}؛ وعجل لهم العقوبات الدنيوية متصلة بالعقوبات الأخروية {والله شديد العقاب}؛ فإياكم أن تَسْتَهْوِنوا بعقابه فيهون عليكم الإقامة على الكفر والتكذيب.

آل عمران 3:12

{12 ـ 13} وهذا خبر وبشرى للمؤمنين، وتخويف للكافرين أنهم لا بد أن يغلبوا في هذه الدنيا، وقد وقع كما أخبر الله فغلبوا غلبة لم يكن لها مثيل ولا نظير، وجعل الله تعالى ما وقع في بدر من آياته الدالة على صدق رسوله، وأنه هو على الحق وأعداؤه على الباطل حيث التقت فئتان فئة المؤمنين لا يبلغون إلا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً مع قلة عُددهم، وفئة الكافرين يناهزون الألف مع استعدادهم التام في السلاح وغيره، فأيد الله المؤمنين بنصره فهزموهم بإذن الله. ففي هذا عبرة لأهل البصائر، فلولا أن هذا هو الحق الذي إذا قابل الباطل أزهقه، واضمحل الباطل لكان بحسب الأسباب الحسية الأمر بالعكس.

آل عمران 3:13

{12 ـ 13} وهذا خبر وبشرى للمؤمنين، وتخويف للكافرين أنهم لا بد أن يغلبوا في هذه الدنيا، وقد وقع كما أخبر الله فغلبوا غلبة لم يكن لها مثيل ولا نظير، وجعل الله تعالى ما وقع في بدر من آياته الدالة على صدق رسوله، وأنه هو على الحق وأعداؤه على الباطل حيث التقت فئتان فئة المؤمنين لا يبلغون إلا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً مع قلة عُددهم، وفئة الكافرين يناهزون الألف مع استعدادهم التام في السلاح وغيره، فأيد الله المؤمنين بنصره فهزموهم بإذن الله. ففي هذا عبرة لأهل البصائر، فلولا أن هذا هو الحق الذي إذا قابل الباطل أزهقه، واضمحل الباطل لكان بحسب الأسباب الحسية الأمر بالعكس.

آل عمران 3:14

{14} أخبر تعالى في هاتين الآيتين عن حالة الناس في إيثار الدنيا على الآخرة، وبين التفاوت العظيم والفرق الجسيم بين الدارين، فأخبر أن الناس زينت لهم هذه الأمور فرمقوها بالأبصار، واستحلوها بالقلوب، وعكفت على لذاتها النفوس، كل طائفة من الناس تميل إلى نوع من هذه الأنواع، قد جعلوها هي أكبر همهم ومبلغ علمهم، وهي مع هذا متاع قليل مُنْقَضٍ في مدة يسيرة، فهذا {متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب}. {15}ثم أخبر عن ذلك بأن المتقين لله القائمين بعبوديته لهم خير من هذه اللذات، فلهم أصناف الخيرات والنعيم المقيم مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ولهم رضوان الله الذي هو أكبر من كل شيء، ولهم الأزواجُ المطهرةُ من كل آفة ونقص، جميلاتُ الأخلاق كاملاتُ الخلائق، لأن النفي يستلزم ضده، فتطهيرها من الآفات مستلزم لوصفها بالكمالات.{والله بصير بالعباد}؛ فييسر كلًّا منهم لما خلق له، أما أهل السعادة فييسرهم للعمل لهذه الدار الباقية ويأخذون من هذه الحياة الدنيا ما يعينهم على عبادة الله وطاعته، وأما أهل الشقاوة والإعراض فيقيضهم لعمل أهل الشقاوة، ويرضون بالحياة الدنيا، ويطمئنون بها، ويتخذونها قراراً.

آل عمران 3:15

{14} أخبر تعالى في هاتين الآيتين عن حالة الناس في إيثار الدنيا على الآخرة، وبين التفاوت العظيم والفرق الجسيم بين الدارين، فأخبر أن الناس زينت لهم هذه الأمور فرمقوها بالأبصار، واستحلوها بالقلوب، وعكفت على لذاتها النفوس، كل طائفة من الناس تميل إلى نوع من هذه الأنواع، قد جعلوها هي أكبر همهم ومبلغ علمهم، وهي مع هذا متاع قليل مُنْقَضٍ في مدة يسيرة، فهذا {متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب}. {15}ثم أخبر عن ذلك بأن المتقين لله القائمين بعبوديته لهم خير من هذه اللذات، فلهم أصناف الخيرات والنعيم المقيم مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ولهم رضوان الله الذي هو أكبر من كل شيء، ولهم الأزواجُ المطهرةُ من كل آفة ونقص، جميلاتُ الأخلاق كاملاتُ الخلائق، لأن النفي يستلزم ضده، فتطهيرها من الآفات مستلزم لوصفها بالكمالات.{والله بصير بالعباد}؛ فييسر كلًّا منهم لما خلق له، أما أهل السعادة فييسرهم للعمل لهذه الدار الباقية ويأخذون من هذه الحياة الدنيا ما يعينهم على عبادة الله وطاعته، وأما أهل الشقاوة والإعراض فيقيضهم لعمل أهل الشقاوة، ويرضون بالحياة الدنيا، ويطمئنون بها، ويتخذونها قراراً.

آل عمران 3:16

{16} أي: هؤلاء الراسخون في العلم أهل العلم والإيمان يتوسلون إلى ربهم بإيمانهم لمغفرة ذنوبهم ووقايتهم عذاب النار، وهذا من الوسائل التي يحبها الله أن يتوسل العبد إلى ربه بما منَّ به عليه من الإيمان والأعمال الصالحة إلى تكميل نعم الله عليه بحصول الثواب الكامل واندفاع العقاب. {17} ثم وصفهم بأجمل الصفات: بالصبر الذي هو حبس النفوس على ما يحبه الله طلباً لمرضاته، يصبرون على طاعة الله ويصبرون عن معاصيه ويصبرون على أقداره المؤلمة، وبالصدق بالأقوال والأحوال وهو استواء الظاهر والباطن وصدق العزيمة على سلوك الصراط المستقيم، وبالقنوت الذي هو دوام الطاعة مع مصاحبة الخشوع والخضوع، وبالنفقات في سبل الخيرات وعلى الفقراء وأهل الحاجات، وبالاستغفار خصوصاً وقت الأسحار، فإنهم مدوا الصلاة إلى وقت السحر؛ فجلسوا يستغفرون الله تعالى.

آل عمران 3:17

{16} أي: هؤلاء الراسخون في العلم أهل العلم والإيمان يتوسلون إلى ربهم بإيمانهم لمغفرة ذنوبهم ووقايتهم عذاب النار، وهذا من الوسائل التي يحبها الله أن يتوسل العبد إلى ربه بما منَّ به عليه من الإيمان والأعمال الصالحة إلى تكميل نعم الله عليه بحصول الثواب الكامل واندفاع العقاب. {17} ثم وصفهم بأجمل الصفات: بالصبر الذي هو حبس النفوس على ما يحبه الله طلباً لمرضاته، يصبرون على طاعة الله ويصبرون عن معاصيه ويصبرون على أقداره المؤلمة، وبالصدق بالأقوال والأحوال وهو استواء الظاهر والباطن وصدق العزيمة على سلوك الصراط المستقيم، وبالقنوت الذي هو دوام الطاعة مع مصاحبة الخشوع والخضوع، وبالنفقات في سبل الخيرات وعلى الفقراء وأهل الحاجات، وبالاستغفار خصوصاً وقت الأسحار، فإنهم مدوا الصلاة إلى وقت السحر؛ فجلسوا يستغفرون الله تعالى.

آل عمران 3:18

{18} هذه أجل الشهادات الصادرة من الملك العظيم، ومن الملائكة، وأهل العلم على أجلِّ مشهود عليه وهو توحيد الله وقيامه بالقسط، وذلك يتضمن الشهادةَ على جميع الشرع وجميع أحكام الجزاء، فإن الشرع والدين أصله وقاعدته توحيد الله وإفراده بالعبودية والاعتراف بانفراده بصفات العظمة والكبرياء والمجد والعز والقدرة والجلال وبنعوت الجود والبر والرحمة والإحسان والجمال، وبكماله المطلق الذي لا يحصي أحد من الخلق أن يحيطوا بشيء منه أو يبلغوه أو يصلوا إلى الثناء عليه، والعبادات الشرعية والمعاملات وتوابعها والأمر والنهي كله عدل وقسط لا ظلمَ فيه ولا جورَ بوجه من الوجوه، بل هو في غاية الحكمة والإحكام، والجزاء على الأعمال الصالحة والسيئة كله قِسط وعدل، {قل أي شيء أكبر شهادة قل الله}؛ فتوحيد الله ودينه وجزاؤه قد ثبت ثبوتاً لا ريب فيه وهو أعظم الحقائق وأوضحها، وقد أقام الله على ذلك من البراهين والأدلة ما لا يمكن إحصاؤه وعده. وفي هذه الآية فضيلة العلم والعلماء لأن الله خصهم بالذكر من دون البشر، وقرن شهادتهم بشهادته وشهادة ملائكته وجعل شهادتهم من أكبر الأدلة والبراهين على توحيده ودينه وجزائه، وأنه يجب على المكلفين قبول هذه الشهادة العادلة الصادقة، وفي ضمن ذلك تعديلهم وأن الخلق تبع لهم وأنهم هم الأئمة والمتبوعون، وفي هذا من الفضل والشرف وعلو المكانة ما لا يقادر قدره.

آل عمران 3:19

{19} يخبر تعالى {إن الدين عند الله}؛ أي الدين الذي لا دين لله سواه ولا مقبول غيره هو {الإسلام}؛ وهو الانقياد لله وحده ظاهراً وباطناً بما شرعه على ألسنة رسله، قال تعالى:{ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين}؛ فمن دان بغير دين الإسلام فهو لم يدن لله حقيقة لأنه لم يسلك الطريق الذي شرعه على ألسنة رسله. ثم أخبر تعالى أن أهل الكتاب يعلمون ذلك وإنما اختلفوا فانحرفوا عنه عناداً وبغياً. وإلا فقد جاءهم العلم المقتضي لعدم الاختلاف الموجب للزوم الدين الحقيقي، ثم لما جاءهم محمد - صلى الله عليه وسلم - عرفوه حق المعرفة، ولكن الحسد والبغي والكفر بآيات الله هي التي صدتهم عن اتباع الحق {ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب}؛ أي: فلينتظروا ذلك فإنه آت وسيجزيهم الله بما كانوا يعملون.

آل عمران 3:20

{20} لما بين أن الدين الحقيقي عنده الإسلام، وكان أهل الكتاب قد شافهوا النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمجادلة وقامت عليهم الحجة فعاندوها، أمره الله تعالى عند ذلك أن يقول ويعلن أنه قد أسلم وجهه أي ظاهره وباطنه لله، وأن من اتبعه كذلك قد وافقوه على هذا الإذعان الخالص، وأن يقول للناس كلهم من أهل الكتاب والأميين أي الذين ليس لهم كتاب من العرب وغيرهم إن أسلمتم فأنتم على الطريق المستقيم والهدى والحق وإن توليتم فحسابكم على الله، وأنا ليس عليَّ إلا البلاغ، وقد أبلغتكم وأقمت عليكم الحجة.

آل عمران 3:21

{21 ـ 22} أي: الذين جمعوا بين هذه الشرور: الكفر بآيات الله، وتكذيب رسل الله، والجناية العظيمة على أعظم الخلق حقًّا على الخلق وهم الرسل وأئمة الهدى، الذين يأمرون الناس بالقسط الذي اتفقت عليه الأديان والعقول فهؤلاء قد {حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة}؛ واستحقوا العذاب الأليم، وليس لهم ناصر من عذاب الله ولا منقذ من عقوبته.

آل عمران 3:22

{21 ـ 22} أي: الذين جمعوا بين هذه الشرور: الكفر بآيات الله، وتكذيب رسل الله، والجناية العظيمة على أعظم الخلق حقًّا على الخلق وهم الرسل وأئمة الهدى، الذين يأمرون الناس بالقسط الذي اتفقت عليه الأديان والعقول فهؤلاء قد {حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة}؛ واستحقوا العذاب الأليم، وليس لهم ناصر من عذاب الله ولا منقذ من عقوبته.

آل عمران 3:23

{23 ـ 25} أي: ألا تنظر وتعجب من هؤلاء {الذين أوتوا نصيباً من الكتاب} و {يدعون إلى كتاب الله}؛ الذي يصدق ما أنزله على رسله {ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون}؛ عن اتباع الحق فكأنه قيل: لأي داعٍ دعاهم إلى هذا الإعراض وهم أحق بالاتباع وأعرفهم بحقيقة ما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم -؟ فذكر لذلك سببين: أمنهم وشهادتهم الباطلة لأنفسهم بالنجاة وأن النار لا تمسهم إلا أياماً معدودة حددوها بحسب أهوائهم الفاسدة، كأنَّ تدبير الملك راجع إليهم حيث قالوا:{لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى}؛ ومن المعلوم أن هذه أمانيّ باطلة شرعاً وعقلاً. والسبب الثاني: أنهم لما كذبوا بآيات الله، وافتروا عليه زين لهم الشيطان سوء عملهم، واغتروا بذلك وتراءى لهم أنه الحق عقوبة لهم على إعراضهم عن الحق، فهؤلاء كيف يكون حالهم إذا جمعهم الله يوم القيامة، ووفّى العاملين ما عملوا وجرى عدل الله في عباده؟ فهنالك لا تسأل عما يصلون إليه من العقاب وما يفوتهم من الخير والثواب، وذلك بما كسبت أيديهم، وما ربك بظلام للعبيد.

آل عمران 3:24

{23 ـ 25} أي: ألا تنظر وتعجب من هؤلاء {الذين أوتوا نصيباً من الكتاب} و {يدعون إلى كتاب الله}؛ الذي يصدق ما أنزله على رسله {ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون}؛ عن اتباع الحق فكأنه قيل: لأي داعٍ دعاهم إلى هذا الإعراض وهم أحق بالاتباع وأعرفهم بحقيقة ما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم -؟ فذكر لذلك سببين: أمنهم وشهادتهم الباطلة لأنفسهم بالنجاة وأن النار لا تمسهم إلا أياماً معدودة حددوها بحسب أهوائهم الفاسدة، كأنَّ تدبير الملك راجع إليهم حيث قالوا:{لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى}؛ ومن المعلوم أن هذه أمانيّ باطلة شرعاً وعقلاً. والسبب الثاني: أنهم لما كذبوا بآيات الله، وافتروا عليه زين لهم الشيطان سوء عملهم، واغتروا بذلك وتراءى لهم أنه الحق عقوبة لهم على إعراضهم عن الحق، فهؤلاء كيف يكون حالهم إذا جمعهم الله يوم القيامة، ووفّى العاملين ما عملوا وجرى عدل الله في عباده؟ فهنالك لا تسأل عما يصلون إليه من العقاب وما يفوتهم من الخير والثواب، وذلك بما كسبت أيديهم، وما ربك بظلام للعبيد.

آل عمران 3:25

{23 ـ 25} أي: ألا تنظر وتعجب من هؤلاء {الذين أوتوا نصيباً من الكتاب} و {يدعون إلى كتاب الله}؛ الذي يصدق ما أنزله على رسله {ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون}؛ عن اتباع الحق فكأنه قيل: لأي داعٍ دعاهم إلى هذا الإعراض وهم أحق بالاتباع وأعرفهم بحقيقة ما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم -؟ فذكر لذلك سببين: أمنهم وشهادتهم الباطلة لأنفسهم بالنجاة وأن النار لا تمسهم إلا أياماً معدودة حددوها بحسب أهوائهم الفاسدة، كأنَّ تدبير الملك راجع إليهم حيث قالوا:{لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى}؛ ومن المعلوم أن هذه أمانيّ باطلة شرعاً وعقلاً. والسبب الثاني: أنهم لما كذبوا بآيات الله، وافتروا عليه زين لهم الشيطان سوء عملهم، واغتروا بذلك وتراءى لهم أنه الحق عقوبة لهم على إعراضهم عن الحق، فهؤلاء كيف يكون حالهم إذا جمعهم الله يوم القيامة، ووفّى العاملين ما عملوا وجرى عدل الله في عباده؟ فهنالك لا تسأل عما يصلون إليه من العقاب وما يفوتهم من الخير والثواب، وذلك بما كسبت أيديهم، وما ربك بظلام للعبيد.

آل عمران 3:26

{26 ـ 27} يأمر تعالى نبيه - صلى الله عليه وسلم - أصلاً وغيره تبعاً أن يقول عن ربه معلناً بتفرده بتصريف الأمور، وتدبير العالم العلوي والسفلي، واستحقاقه باختصاصه بالملك المطلق والتصريف المحكم، وأنه يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء ويذل من يشاء، فليس الأمر بأماني أهل الكتاب ولا غيرهم، بل الأمر أمر الله، والتدبير له، فليس له معارض في تدبيره، ولا معاون في تقديره وأنه كما أنه المتصرف بمداولة الأيام بين الناس فهو المتصرف بنفس الزمان: يولج النهار في الليل ويولج الليل في النهار؛ أي: يدخل هذا على هذا ويحل هذا محل هذا ويزيد في هذا ما ينقص من هذا ليقيم بذلك مصالح خلقه، ويخرج الحي من الميت كما يخرج الزروع والأشجار المتنوعة من بذورها والمؤمن من الكافر والميت من الحي، كما يخرج الحبوب والنوى والزروع والأشجار والبيضة من الطائر، فهو الذي يخرج المتضادات بعضها من بعض، وقد انقادت له جميع العناصر. وقوله:{بيدك الخير}؛ أي: الخير كله منك ولا يأتي بالحسنات والخيرات إلا الله، وأما الشر فإنه لا يضاف إلى الله تعالى لا وصفاً ولا اسماً ولا فعلاً، ولكنه يدخل في مفعولاته ويندرج في قضائه وقدره، فالخير والشر كله داخل في القضاء والقدر فلا يقع في ملكه إلا ما شاءه، ولكن الشرَّ لا يضاف إلى الله، فلا يقال بيدك الخير والشر، بل يقال بيدك الخير كما قاله الله وقاله رسوله، وأما استدراك بعض المفسرين حيث قال: وكذلك الشر بيد الله فإنه وهم محض، ملحظهم حيث ظنوا أن تخصيص الخير بالذكر ينافي قضاءه وقدره العام، وجوابه ما فصلناه. وقوله:{وترزق من تشاء بغير حساب}؛ وقد ذكر الله في غير هذه الآية الأسباب التي ينال بها رزقه كقوله:{ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب}؛ {ومن يتوكل على الله فهو حسبه}؛ فعلى العباد أن لا يطلبوا الرزق إلا من الله، ويسعوا فيه بالأسباب التي يسرها الله وأباحها.

آل عمران 3:27

{26 ـ 27} يأمر تعالى نبيه - صلى الله عليه وسلم - أصلاً وغيره تبعاً أن يقول عن ربه معلناً بتفرده بتصريف الأمور، وتدبير العالم العلوي والسفلي، واستحقاقه باختصاصه بالملك المطلق والتصريف المحكم، وأنه يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء ويذل من يشاء، فليس الأمر بأماني أهل الكتاب ولا غيرهم، بل الأمر أمر الله، والتدبير له، فليس له معارض في تدبيره، ولا معاون في تقديره وأنه كما أنه المتصرف بمداولة الأيام بين الناس فهو المتصرف بنفس الزمان: يولج النهار في الليل ويولج الليل في النهار؛ أي: يدخل هذا على هذا ويحل هذا محل هذا ويزيد في هذا ما ينقص من هذا ليقيم بذلك مصالح خلقه، ويخرج الحي من الميت كما يخرج الزروع والأشجار المتنوعة من بذورها والمؤمن من الكافر والميت من الحي، كما يخرج الحبوب والنوى والزروع والأشجار والبيضة من الطائر، فهو الذي يخرج المتضادات بعضها من بعض، وقد انقادت له جميع العناصر. وقوله:{بيدك الخير}؛ أي: الخير كله منك ولا يأتي بالحسنات والخيرات إلا الله، وأما الشر فإنه لا يضاف إلى الله تعالى لا وصفاً ولا اسماً ولا فعلاً، ولكنه يدخل في مفعولاته ويندرج في قضائه وقدره، فالخير والشر كله داخل في القضاء والقدر فلا يقع في ملكه إلا ما شاءه، ولكن الشرَّ لا يضاف إلى الله، فلا يقال بيدك الخير والشر، بل يقال بيدك الخير كما قاله الله وقاله رسوله، وأما استدراك بعض المفسرين حيث قال: وكذلك الشر بيد الله فإنه وهم محض، ملحظهم حيث ظنوا أن تخصيص الخير بالذكر ينافي قضاءه وقدره العام، وجوابه ما فصلناه. وقوله:{وترزق من تشاء بغير حساب}؛ وقد ذكر الله في غير هذه الآية الأسباب التي ينال بها رزقه كقوله:{ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب}؛ {ومن يتوكل على الله فهو حسبه}؛ فعلى العباد أن لا يطلبوا الرزق إلا من الله، ويسعوا فيه بالأسباب التي يسرها الله وأباحها.

آل عمران 3:28

{28} هذا نهي من الله وتحذير للمؤمنين أن يتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين، فإن المؤمنين بعضهم أولياء بعض، والله وليهم {ومن يفعل ذلك}؛ التولي، {فليس من الله في شيء}؛ أي: فهو بريء من الله، والله بريء منه كقوله تعالى:{ومن يتولهم منكم فإنه منهم}؛ وقوله:{إلا أن تتقوا منهم تقاة}؛ أي: إلا أن تخافوا على أنفسكم في إبداء العداوة للكافرين فلكم في هذه الحال الرخصة في المسالمة والمهادنة لا في التولي الذي هو محبة القلب الذي تتبعه النصرة، {ويحذركم الله نفسه}؛ أي: فخافوه واخشوه وقدموا خشيته على خشية الناس فإنه هو الذي يتولى شؤون العباد، وقد أخذ بنواصيهم وإليه يرجعون وسيصيرون إليه، فيجازي من قدم خوفه ورجاءه على غيره بالثواب الجزيل، ويعاقب الكافرين ومن تولاهم بالعذاب الوبيل.

آل عمران 3:29

{29 ـ 30} يخبر تعالى بإحاطة علمه بما في الصدور سواء أخفاه العباد أو أبدوه، كما أن علمه محيط بكل شيء في السماء والأرض فلا تخفى عليه خافية، ومع إحاطة علمه فهو العظيم القدير على كل شيء الذي لا يمتنع عن إرادته موجود. ولما ذكر لهم من عظمته وسعة أوصافه ما يوجب للعباد أن يراقبوه في كل أحوالهم، ذكر لهم أيضاً داعياً آخر إلى مراقبته وتقواه وهو أنهم كلهم صائرون إليه وأعمالهم حينئذ من خير وشر محضرة، فحينئذ يغتبط أهل الخير بما قدموه لأنفسهم، ويتحسر أهل الشر إذا وجدوا ما عملوه محضراً، ويودون أن بينهم وبينه أمداً بعيداً. فإذا عرف العبد أنه ساعٍ إلى ربه وكادحٌ في هذه الحياة، وأنه لا بد أن يلاقي ربه ويلاقي سعيه أوجب له أخذ الحذر والتوقي من الأعمال التي توجب الفضيحة والعقوبة، والاستعداد بالأعمال الصالحة التي توجب السعادة والمثوبة، ولهذا قال تعالى:{ويحذركم الله نفسه}؛ وذلك بما يبدي لكم من أوصاف عظمته وكمال عدله وشدَّة نكاله، ومع شدَّة عقابه فإنه رءوف رحيم، ومن رأفته ورحمته أنه خوَّف العباد، وزجرهم عن الغيِّ والفساد، كما قال تعالى لما ذكر العقوبات:{ذلك يخوِّف الله به عباده، يا عباد فاتقون}؛ فرأفته ورحمته سهلت لهم الطرق التي ينالون بها الخيرات، ورأفته ورحمته حذرتهم من الطرق التي تفضي بهم إلى المكروهات. فنسأله تعالى أن يتمم علينا إحسانه بسلوك الصراط المستقيم والسلامة من الطرق التي تفضي بسالكها إلى الجحيم.

آل عمران 3:30

{29 ـ 30} يخبر تعالى بإحاطة علمه بما في الصدور سواء أخفاه العباد أو أبدوه، كما أن علمه محيط بكل شيء في السماء والأرض فلا تخفى عليه خافية، ومع إحاطة علمه فهو العظيم القدير على كل شيء الذي لا يمتنع عن إرادته موجود. ولما ذكر لهم من عظمته وسعة أوصافه ما يوجب للعباد أن يراقبوه في كل أحوالهم، ذكر لهم أيضاً داعياً آخر إلى مراقبته وتقواه وهو أنهم كلهم صائرون إليه وأعمالهم حينئذ من خير وشر محضرة، فحينئذ يغتبط أهل الخير بما قدموه لأنفسهم، ويتحسر أهل الشر إذا وجدوا ما عملوه محضراً، ويودون أن بينهم وبينه أمداً بعيداً. فإذا عرف العبد أنه ساعٍ إلى ربه وكادحٌ في هذه الحياة، وأنه لا بد أن يلاقي ربه ويلاقي سعيه أوجب له أخذ الحذر والتوقي من الأعمال التي توجب الفضيحة والعقوبة، والاستعداد بالأعمال الصالحة التي توجب السعادة والمثوبة، ولهذا قال تعالى:{ويحذركم الله نفسه}؛ وذلك بما يبدي لكم من أوصاف عظمته وكمال عدله وشدَّة نكاله، ومع شدَّة عقابه فإنه رءوف رحيم، ومن رأفته ورحمته أنه خوَّف العباد، وزجرهم عن الغيِّ والفساد، كما قال تعالى لما ذكر العقوبات:{ذلك يخوِّف الله به عباده، يا عباد فاتقون}؛ فرأفته ورحمته سهلت لهم الطرق التي ينالون بها الخيرات، ورأفته ورحمته حذرتهم من الطرق التي تفضي بهم إلى المكروهات. فنسأله تعالى أن يتمم علينا إحسانه بسلوك الصراط المستقيم والسلامة من الطرق التي تفضي بسالكها إلى الجحيم.

آل عمران 3:31

{31 ـ 32} هذه الآية هي الميزان التي يُعرَف بها من أحب الله حقيقة ومن ادعى ذلك دعوى مجردة؛ فعلامة محبة الله اتباع محمد - صلى الله عليه وسلم - الذي جعل متابعته وجميع ما يدعو إليه طريقاً إلى محبته ورضوانه فلا تُنال محبة الله ورضوانه وثوابه إلا بتصديق ما جاء به الرسول من الكتاب والسنة وامتثال أمرهما واجتناب نهيهما، فمن فعل ذلك أحبه الله وجازاه جزاء المحبين، وغفر له ذنوبه وستر عليه عيوبه، فكأنه قيل: ومع ذلك فما حقيقة اتباع الرسول وصفتها؟ فأجاب بقوله:{قل أطيعوا الله والرسول}؛ بامتثال الأمر واجتناب النهي وتصديق الخبر {فإن تولوا}؛ عن ذلك؛ فهذا هو الكفر والله {لا يحب الكافرين}.

آل عمران 3:32

{31 ـ 32} هذه الآية هي الميزان التي يُعرَف بها من أحب الله حقيقة ومن ادعى ذلك دعوى مجردة؛ فعلامة محبة الله اتباع محمد - صلى الله عليه وسلم - الذي جعل متابعته وجميع ما يدعو إليه طريقاً إلى محبته ورضوانه فلا تُنال محبة الله ورضوانه وثوابه إلا بتصديق ما جاء به الرسول من الكتاب والسنة وامتثال أمرهما واجتناب نهيهما، فمن فعل ذلك أحبه الله وجازاه جزاء المحبين، وغفر له ذنوبه وستر عليه عيوبه، فكأنه قيل: ومع ذلك فما حقيقة اتباع الرسول وصفتها؟ فأجاب بقوله:{قل أطيعوا الله والرسول}؛ بامتثال الأمر واجتناب النهي وتصديق الخبر {فإن تولوا}؛ عن ذلك؛ فهذا هو الكفر والله {لا يحب الكافرين}.

آل عمران 3:33

{33 ـ 55} لله تعالى من عباده أصفياء يصطفيهم ويختارهم ويمن عليهم بالفضائل العالية والنعوت السامية والعلوم النافعة والأعمال الصالحة والخصائص المتنوعة، فذكر هذه البيوت الكبار وما احتوت عليه من كُمَّل الرجال الذين حازوا أوصاف الكمال، وأن الفضل والخير تسلسل في ذراريهم، وشمل ذكورهم ونساءهم وهذا من أجل مننه وأفضل مواقع جوده وكرمه {والله سميع عليم}؛ يعلم من يستحق الفضل والتفضيل فيضع فضله حيث اقتضت حكمته. فلما قرر عظمة هذه البيوت ذكر قصة مريم وابنها عيسى - صلى الله عليه وسلم - وكيف تسلسلا من هذه البيوت الفاضلة، وكيف تنقلت بهما الأحوال من ابتداء أمرهما إلى آخره، وأن امرأة عمران قالت متضرعة إلى ربها متقربة إليه بهذه القربة التي يحبها، التي فيها تعظيم بيته وملازمة طاعته:{إني نذرت لك ما في بطني محرراً}؛ أي خادماً لبيت العبادة المشحون بالمتعبدين {فتقبل مني}؛ هذا العمل أي اجعله مؤسساً على الإيمان والإخلاص مثمراً للخير والثواب {إنك أنت السميع العليم. فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى}؛ كأن في هذا الكلام نوع تضرع منها وانكسار نفس حيث كان نذرها بناءً على أنه يكون ذكراً يحصل منه من القوة والخدمة والقيام بذلك ما يحصل من أهل القوة، والأنثى بخلاف ذلك، فجبر الله قلبها وتقبل الله نذرها، وصارت هذه الأنثى أكمل وأتم من كثير من الذكور، بل من أكثرهم، وحصل بها من المقاصد أعظم مما يحصل بالذكر، ولهذا قال:{فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتاً حسناً}؛ أي: ربيت تربية عجيبة دينية أخلاقية أدبية، كملت بها أحوالها، وصلحت بها أقوالها وأفعالها، ونما فيها كمالها، ويسر الله لها زكريا كافلاً، وهذا من مِنَّةِ الله على العبد أن يجعل من يتولى تربيته من الكاملين المصلحين. ثم إن الله تعالى أكرم مريم وزكريا حيث يسَّر لمريم من الرزق الحاصل بلا كدٍّ ولا تعب، وإنما هو كرامة أكرمها الله به، إذ {كلما دخل عليها زكريا المحراب}؛ وهو محل العبادة وفيه إشارة إلى كثرة صلاتها وملازمتها لمحرابها {وجد عندها رزقاً}؛ هنيئاً معدًّا قال:{أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزقُ من يشاء بغير حساب}؛ فلما رأى زكريا هذه الحال والبر واللطف من الله بها، ذكَّرَه أن يسأل الله تعالى حصول الولد على حين اليأس منه فقال:{رب هَب لي من لَدُنك ذرية طيبة إنك سميعُ الدُّعاء. فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أنَّ الله يبشرك بيحيى مصدقاً بكلمة من الله}؛ اسمه أي: الكلمة التي مِنَ الله عيسى بن مريم فكانت بشارته بهذا النبي الكريم تتضمن البشارة بعيسى بن مريم والتصديق له والشهادة له بالرسالة، فهذه الكلمة من الله كلمة شريفة اختص الله بها عيسى بن مريم، وإلا فهي من جملة كلماته التي أوجد بها المخلوقات، كما قال تعالى:{إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون}. وقوله:{وسيداً وحصوراً}؛ أي: هذا المبَشَّر به وهو يحيى سيد من فضلاء الرسل وكرامهم، والحصور قيل هو الذي لا يولد له ولا شهوة له في النساء، وقيل هو الذي عصم وحفظ من الذنوب والشهوات الضارة، وهذا أليق المعنيين، {ونبياً من الصالحين}؛ الذين بلغوا في الصلاح ذروته العالية، {قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر}؛ فهذان مانعان فمن أي طريق يا رب يحصل لي ذلك مع ما ينافي ذلك {قال كذلك الله يفعل ما يشاء}؛ فإنه كما اقتضت حكمته جريان الأمور بأسبابها المعروفة، فإنه قد يخرق ذلك لأنه الفعَّالُ لما يريد، الذي قد انقادت الأسباب لقدرته، ونفذت فيها مشيئته وإرادته فلا يتعاصى على قدرته شيء من الأسباب ولو بلغت في القوة ما بلغت {قال رب اجعل لي آية}؛ ليحصل السرور والاستبشار وإن كنت يا رب متيقناً ما أخبرتني به ولكن النفس تفرح، ويطمئن القلب إلى مقدمات الرحمة واللطف، {قال آيتك أن لا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزاً}؛ وفي هذه المدة {اذكر ربك كثيراً وسبح بالعشي والإبكار}؛ أول النهار وآخره، فمنع من الكلام في هذه المدة، فكان في هذا مناسبة لحصول الولد من بين الشيخ الكبير والمرأة العاقر، وكونه لا يقدر على مخاطبة الآدميين ولسانه منطلق بذكر الله وتسبيحه آية أخرى، فحينئذ حصل له الفرح والاستبشار، وشكر الله، وأكثر من الذكر والتسبيح بالعشايا والإبكار. وكان هذا المولود من بركات مريم بنت عمران على زكريا، فإن ما منَّ الله به عليها من ذلك الرزق الهني الذي يحصل بغير حساب ذكَّره وهيَّجه على التضرع والسؤال، والله تعالى هو المتفضل بالسبب والمسبب ولكنه يقدر أموراً محبوبة على يد من يحبه ليرفع الله قدره ويُعْظِمَ أجره، ثم عاد تعالى إلى ذكر مريم وأنها بلغت في العبادة والكمال مبلغاً عظيماً فقال تعالى:{وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك}؛ أي: اختارك ووهب لك من الصفات الجليلة والأخلاق الجميلة {وطهرك}؛ من الأخلاق الرذيلة {واصطفاك على نساء العالمين}؛ ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -: «كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم وخديجة بنت خويلد، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام» ، فنادتها الملائكة عن أمر الله لها بذلك لتغتبط بنعم الله وتشكر الله، وتقوم بحقوقه، وتشتغل بخدمته، ولهذا قال الملائكة:{يا مريم اقنتي لربك}؛ أي: أكثري من الطاعة والخضوع والخشوع لربك وأديمي ذلك {واركعي مع الراكعين}؛ أي: صلي مع المصلين فقامت بكل ما أمرت به وبرزت وفاقت في كمالها. ولما كانت هذه القصة وغيرها من أكبر الأدلة على رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - حيث أخبر بها مفصلة محققة لا زيادة فيها ولا نقص، وما ذاك إلا لأنه وحي من الله العزيز الحكيم لا بتعلم من الناس قال تعالى:{ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك، وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم}؛ حيث جاءت بها أمها فاختصموا أيهم يكفلها لأنها بنت إمامهم ومقدمهم، وكلهم يريد الخير والأجر من الله حتى وصلت بهم الخصومة إلى أن اقترعوا عليها فألقوا أقلامهم مقترعين، فأصابت القرعة زكريا رحمة من الله به وبها فأنت ـ يا أيها الرسول ـ لم تحضر تلك الحالة لتعرفها فتقصها على الناس، وإنما الله نبأك بها، وهذا هو المقصود الأعظم من سياق القصص أنه يحصل بها العبرة، وأعظم العبر والاستدلال بها على التوحيد والرسالة والبعث وغيرها من الأصول الكبار {إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقربين}؛ أي: له الوجاهة والجاه العظيم في الدنيا والآخرة عند الخلق، ومع ذلك فهو عند الله من المقربين الذين هم أقرب الخلائق إلى الله وأعلاهم درجة، وهذه بشارة لا يشبهها شيء من البشارات، ومن تمام هذه البشارة أنه {يكلم الناس في المهد}؛ فيكون تكليمه آية من آيات الله ورحمة منه بأمه وبالخلق، وكذلك يكلمهم {كهلاً}؛ أي: في حال كهولته، وهذا تكليم النبوة والدعوة والإرشاد، فكلامه في المهد فيه آيات وبراهين على صدقه ونبوته وبراءة أمِّه مما يظن بها من الظنون السيئة، وكلامه في كهولته فيه نفعه العظيم للخلق وكونه واسطة بينهم وبين ربهم في وحيه وتبليغ دينه وشرعه، ومع ذلك فهو {من الصالحين}؛ الذين أصلح الله قلوبهم بمعرفته وحبه، وألسنتهم بالثناء عليه وذكره وجوارحهم بطاعته وخدمته {قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر}؛ وهذا هو من الأمور المستغربة {قال كذلك الله يخلق ما يشاء}؛ ليعلم العباد أنه على كل شيء قدير وأنه لا ممانع لإرادته {إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون. ويعلمه الكتاب}؛ أي: جنس الكتب السابقة والحكم بين الناس ويعطيه النبوة ويجعله {رسولاً إلى بني إسرائيل}؛ ويؤيده بالآيات البينات والأدلة القاهرة حيث قال:{أني قد جئتكم بآية من ربكم}؛ تدلكم أني رسول الله حقاً، وذلك {أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله وأبرئ الأكمه}؛ وهو ممسوح العينين الذي فقد بصره وعيناه {والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم، إن في ذلك}؛ المذكور {لآية لكم إن كنتم مؤمنين. ومصدقاً لما بين يدي من التوراة}؛ فأيده الله بجنسين من الآيات والبراهين الخوارق المستغربة التي لا يمكن لغير الأنبياء الإتيان بها، والرسالة والدعوة والدين الذي جاء به وأنه دين التوراة ودين الأنبياء السابقين، وهذا أكبر الأدلة على صدق الصادقين، فإنه لو كان من الكاذبين لخالف ما جاءت به الرسل ولناقضهم في أصولهم وفروعهم، فعلم بذلك أنه رسول الله وأن ما جاء به حق لا ريب فيه، وأيضاً فقوله:{ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم}؛ أي: ولأخفف عنكم بعض الآصار والأغلال {فاتقوا الله وأطيعون. إن الله ربي وربكم فاعبدوه}؛ وهذا ما يدعو إليه جميع الرسل عبادة الله وحده لا شريك له وطاعتهم، وهذا هو الصراط المستقيم الذي من سلكه أوصله إلى جنات النعيم. فحينئذ اختلفت أحزاب بني إسرائيل في عيسى فمنهم من آمن به واتبعه ومنهم من كفر به وكذبه ورمى أمه بالفاحشة كاليهود {فلما أحس عيسى منهم الكفر}؛ والاتفاق على رد دعوته {قال}؛ نادباً لبني إسرائيل على مؤازرته:{من أنصاري إلى الله، قال الحواريون}؛ أي: الأنصار: {نحن أنصار الله آمنَّا بالله واشهد بأنا مسلمون}؛ وهذا من مِنَّةِ الله عليهم وعلى عيسى حيث ألهم هؤلاء الحواريين الإيمان به والانقياد لطاعته والنصرة لرسوله {ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول}؛ وهذا التزام تام للإيمان بكل ما أنزل الله ولطاعة رسوله {فاكتبنا مع الشاهدين}؛ لك بالوحدانية ولنبيك بالرسالة ولدينك بالحق والصدق. وأما من أحسَّ عيسى منهم الكفرَ وهم جمهور بني إسرائيل فإنهم {مكروا}؛ بعيسى {ومكر الله}؛ بهم {والله خير الماكرين}؛ فاتفقوا على قتله وصلبه، وشُبِّهَ لهم شَبَهُ عيسى فقبضوا على من شُبِّهَ لهم به وقال الله لعيسى:{إني متوفيك ورافعك إليَّ ومطهرك من الذين كفروا}؛ فرفعه الله إليه، وطهره من الذين كفروا، وصلبوا من قتلوه، ظانِّين أنه عيسى، وباؤوا بالإثم العظيم. وسينزل عيسى بن مريم في آخر هذه الأمة حكماً عدلاً يقتل الخنزير ويكسر الصليب ويتبع ما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم -، ويعلم الكاذبون غرورَهم وخداعَهم وأنهم مغرورون مخدوعون. وقوله:{وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة}؛ المراد بمن اتبعه الطائفة التي آمنت به ونصرهم الله على من انحرف عن دينه، ثم لما جاءت أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - كانوا هم أتباعه حقًّا فأيدهم ونصرهم على الكفار كلهم، وأظهرهم بالدين الذي جاءهم به محمد - صلى الله عليه وسلم - {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض}؛ الآية. ولكن حكمة الله عادلة فإنها اقتضت أن من تمسك بالدين نصره النصر المبين، وأن من ترك أمره ونهيه ونبذ شرعه وتجرأ على معاصيه أن يعاقبه ويسلط عليه الأعداء. والله عزيز حكيم. وقوله:{ثم إليَّ مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون}. ثم بين ما يفعله بهم فقال:

آل عمران 3:34

{33 ـ 55} لله تعالى من عباده أصفياء يصطفيهم ويختارهم ويمن عليهم بالفضائل العالية والنعوت السامية والعلوم النافعة والأعمال الصالحة والخصائص المتنوعة، فذكر هذه البيوت الكبار وما احتوت عليه من كُمَّل الرجال الذين حازوا أوصاف الكمال، وأن الفضل والخير تسلسل في ذراريهم، وشمل ذكورهم ونساءهم وهذا من أجل مننه وأفضل مواقع جوده وكرمه {والله سميع عليم}؛ يعلم من يستحق الفضل والتفضيل فيضع فضله حيث اقتضت حكمته. فلما قرر عظمة هذه البيوت ذكر قصة مريم وابنها عيسى - صلى الله عليه وسلم - وكيف تسلسلا من هذه البيوت الفاضلة، وكيف تنقلت بهما الأحوال من ابتداء أمرهما إلى آخره، وأن امرأة عمران قالت متضرعة إلى ربها متقربة إليه بهذه القربة التي يحبها، التي فيها تعظيم بيته وملازمة طاعته:{إني نذرت لك ما في بطني محرراً}؛ أي خادماً لبيت العبادة المشحون بالمتعبدين {فتقبل مني}؛ هذا العمل أي اجعله مؤسساً على الإيمان والإخلاص مثمراً للخير والثواب {إنك أنت السميع العليم. فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى}؛ كأن في هذا الكلام نوع تضرع منها وانكسار نفس حيث كان نذرها بناءً على أنه يكون ذكراً يحصل منه من القوة والخدمة والقيام بذلك ما يحصل من أهل القوة، والأنثى بخلاف ذلك، فجبر الله قلبها وتقبل الله نذرها، وصارت هذه الأنثى أكمل وأتم من كثير من الذكور، بل من أكثرهم، وحصل بها من المقاصد أعظم مما يحصل بالذكر، ولهذا قال:{فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتاً حسناً}؛ أي: ربيت تربية عجيبة دينية أخلاقية أدبية، كملت بها أحوالها، وصلحت بها أقوالها وأفعالها، ونما فيها كمالها، ويسر الله لها زكريا كافلاً، وهذا من مِنَّةِ الله على العبد أن يجعل من يتولى تربيته من الكاملين المصلحين. ثم إن الله تعالى أكرم مريم وزكريا حيث يسَّر لمريم من الرزق الحاصل بلا كدٍّ ولا تعب، وإنما هو كرامة أكرمها الله به، إذ {كلما دخل عليها زكريا المحراب}؛ وهو محل العبادة وفيه إشارة إلى كثرة صلاتها وملازمتها لمحرابها {وجد عندها رزقاً}؛ هنيئاً معدًّا قال:{أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزقُ من يشاء بغير حساب}؛ فلما رأى زكريا هذه الحال والبر واللطف من الله بها، ذكَّرَه أن يسأل الله تعالى حصول الولد على حين اليأس منه فقال:{رب هَب لي من لَدُنك ذرية طيبة إنك سميعُ الدُّعاء. فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أنَّ الله يبشرك بيحيى مصدقاً بكلمة من الله}؛ اسمه أي: الكلمة التي مِنَ الله عيسى بن مريم فكانت بشارته بهذا النبي الكريم تتضمن البشارة بعيسى بن مريم والتصديق له والشهادة له بالرسالة، فهذه الكلمة من الله كلمة شريفة اختص الله بها عيسى بن مريم، وإلا فهي من جملة كلماته التي أوجد بها المخلوقات، كما قال تعالى:{إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون}. وقوله:{وسيداً وحصوراً}؛ أي: هذا المبَشَّر به وهو يحيى سيد من فضلاء الرسل وكرامهم، والحصور قيل هو الذي لا يولد له ولا شهوة له في النساء، وقيل هو الذي عصم وحفظ من الذنوب والشهوات الضارة، وهذا أليق المعنيين، {ونبياً من الصالحين}؛ الذين بلغوا في الصلاح ذروته العالية، {قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر}؛ فهذان مانعان فمن أي طريق يا رب يحصل لي ذلك مع ما ينافي ذلك {قال كذلك الله يفعل ما يشاء}؛ فإنه كما اقتضت حكمته جريان الأمور بأسبابها المعروفة، فإنه قد يخرق ذلك لأنه الفعَّالُ لما يريد، الذي قد انقادت الأسباب لقدرته، ونفذت فيها مشيئته وإرادته فلا يتعاصى على قدرته شيء من الأسباب ولو بلغت في القوة ما بلغت {قال رب اجعل لي آية}؛ ليحصل السرور والاستبشار وإن كنت يا رب متيقناً ما أخبرتني به ولكن النفس تفرح، ويطمئن القلب إلى مقدمات الرحمة واللطف، {قال آيتك أن لا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزاً}؛ وفي هذه المدة {اذكر ربك كثيراً وسبح بالعشي والإبكار}؛ أول النهار وآخره، فمنع من الكلام في هذه المدة، فكان في هذا مناسبة لحصول الولد من بين الشيخ الكبير والمرأة العاقر، وكونه لا يقدر على مخاطبة الآدميين ولسانه منطلق بذكر الله وتسبيحه آية أخرى، فحينئذ حصل له الفرح والاستبشار، وشكر الله، وأكثر من الذكر والتسبيح بالعشايا والإبكار. وكان هذا المولود من بركات مريم بنت عمران على زكريا، فإن ما منَّ الله به عليها من ذلك الرزق الهني الذي يحصل بغير حساب ذكَّره وهيَّجه على التضرع والسؤال، والله تعالى هو المتفضل بالسبب والمسبب ولكنه يقدر أموراً محبوبة على يد من يحبه ليرفع الله قدره ويُعْظِمَ أجره، ثم عاد تعالى إلى ذكر مريم وأنها بلغت في العبادة والكمال مبلغاً عظيماً فقال تعالى:{وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك}؛ أي: اختارك ووهب لك من الصفات الجليلة والأخلاق الجميلة {وطهرك}؛ من الأخلاق الرذيلة {واصطفاك على نساء العالمين}؛ ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -: «كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم وخديجة بنت خويلد، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام» ، فنادتها الملائكة عن أمر الله لها بذلك لتغتبط بنعم الله وتشكر الله، وتقوم بحقوقه، وتشتغل بخدمته، ولهذا قال الملائكة:{يا مريم اقنتي لربك}؛ أي: أكثري من الطاعة والخضوع والخشوع لربك وأديمي ذلك {واركعي مع الراكعين}؛ أي: صلي مع المصلين فقامت بكل ما أمرت به وبرزت وفاقت في كمالها. ولما كانت هذه القصة وغيرها من أكبر الأدلة على رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - حيث أخبر بها مفصلة محققة لا زيادة فيها ولا نقص، وما ذاك إلا لأنه وحي من الله العزيز الحكيم لا بتعلم من الناس قال تعالى:{ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك، وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم}؛ حيث جاءت بها أمها فاختصموا أيهم يكفلها لأنها بنت إمامهم ومقدمهم، وكلهم يريد الخير والأجر من الله حتى وصلت بهم الخصومة إلى أن اقترعوا عليها فألقوا أقلامهم مقترعين، فأصابت القرعة زكريا رحمة من الله به وبها فأنت ـ يا أيها الرسول ـ لم تحضر تلك الحالة لتعرفها فتقصها على الناس، وإنما الله نبأك بها، وهذا هو المقصود الأعظم من سياق القصص أنه يحصل بها العبرة، وأعظم العبر والاستدلال بها على التوحيد والرسالة والبعث وغيرها من الأصول الكبار {إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقربين}؛ أي: له الوجاهة والجاه العظيم في الدنيا والآخرة عند الخلق، ومع ذلك فهو عند الله من المقربين الذين هم أقرب الخلائق إلى الله وأعلاهم درجة، وهذه بشارة لا يشبهها شيء من البشارات، ومن تمام هذه البشارة أنه {يكلم الناس في المهد}؛ فيكون تكليمه آية من آيات الله ورحمة منه بأمه وبالخلق، وكذلك يكلمهم {كهلاً}؛ أي: في حال كهولته، وهذا تكليم النبوة والدعوة والإرشاد، فكلامه في المهد فيه آيات وبراهين على صدقه ونبوته وبراءة أمِّه مما يظن بها من الظنون السيئة، وكلامه في كهولته فيه نفعه العظيم للخلق وكونه واسطة بينهم وبين ربهم في وحيه وتبليغ دينه وشرعه، ومع ذلك فهو {من الصالحين}؛ الذين أصلح الله قلوبهم بمعرفته وحبه، وألسنتهم بالثناء عليه وذكره وجوارحهم بطاعته وخدمته {قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر}؛ وهذا هو من الأمور المستغربة {قال كذلك الله يخلق ما يشاء}؛ ليعلم العباد أنه على كل شيء قدير وأنه لا ممانع لإرادته {إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون. ويعلمه الكتاب}؛ أي: جنس الكتب السابقة والحكم بين الناس ويعطيه النبوة ويجعله {رسولاً إلى بني إسرائيل}؛ ويؤيده بالآيات البينات والأدلة القاهرة حيث قال:{أني قد جئتكم بآية من ربكم}؛ تدلكم أني رسول الله حقاً، وذلك {أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله وأبرئ الأكمه}؛ وهو ممسوح العينين الذي فقد بصره وعيناه {والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم، إن في ذلك}؛ المذكور {لآية لكم إن كنتم مؤمنين. ومصدقاً لما بين يدي من التوراة}؛ فأيده الله بجنسين من الآيات والبراهين الخوارق المستغربة التي لا يمكن لغير الأنبياء الإتيان بها، والرسالة والدعوة والدين الذي جاء به وأنه دين التوراة ودين الأنبياء السابقين، وهذا أكبر الأدلة على صدق الصادقين، فإنه لو كان من الكاذبين لخالف ما جاءت به الرسل ولناقضهم في أصولهم وفروعهم، فعلم بذلك أنه رسول الله وأن ما جاء به حق لا ريب فيه، وأيضاً فقوله:{ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم}؛ أي: ولأخفف عنكم بعض الآصار والأغلال {فاتقوا الله وأطيعون. إن الله ربي وربكم فاعبدوه}؛ وهذا ما يدعو إليه جميع الرسل عبادة الله وحده لا شريك له وطاعتهم، وهذا هو الصراط المستقيم الذي من سلكه أوصله إلى جنات النعيم. فحينئذ اختلفت أحزاب بني إسرائيل في عيسى فمنهم من آمن به واتبعه ومنهم من كفر به وكذبه ورمى أمه بالفاحشة كاليهود {فلما أحس عيسى منهم الكفر}؛ والاتفاق على رد دعوته {قال}؛ نادباً لبني إسرائيل على مؤازرته:{من أنصاري إلى الله، قال الحواريون}؛ أي: الأنصار: {نحن أنصار الله آمنَّا بالله واشهد بأنا مسلمون}؛ وهذا من مِنَّةِ الله عليهم وعلى عيسى حيث ألهم هؤلاء الحواريين الإيمان به والانقياد لطاعته والنصرة لرسوله {ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول}؛ وهذا التزام تام للإيمان بكل ما أنزل الله ولطاعة رسوله {فاكتبنا مع الشاهدين}؛ لك بالوحدانية ولنبيك بالرسالة ولدينك بالحق والصدق. وأما من أحسَّ عيسى منهم الكفرَ وهم جمهور بني إسرائيل فإنهم {مكروا}؛ بعيسى {ومكر الله}؛ بهم {والله خير الماكرين}؛ فاتفقوا على قتله وصلبه، وشُبِّهَ لهم شَبَهُ عيسى فقبضوا على من شُبِّهَ لهم به وقال الله لعيسى:{إني متوفيك ورافعك إليَّ ومطهرك من الذين كفروا}؛ فرفعه الله إليه، وطهره من الذين كفروا، وصلبوا من قتلوه، ظانِّين أنه عيسى، وباؤوا بالإثم العظيم. وسينزل عيسى بن مريم في آخر هذه الأمة حكماً عدلاً يقتل الخنزير ويكسر الصليب ويتبع ما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم -، ويعلم الكاذبون غرورَهم وخداعَهم وأنهم مغرورون مخدوعون. وقوله:{وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة}؛ المراد بمن اتبعه الطائفة التي آمنت به ونصرهم الله على من انحرف عن دينه، ثم لما جاءت أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - كانوا هم أتباعه حقًّا فأيدهم ونصرهم على الكفار كلهم، وأظهرهم بالدين الذي جاءهم به محمد - صلى الله عليه وسلم - {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض}؛ الآية. ولكن حكمة الله عادلة فإنها اقتضت أن من تمسك بالدين نصره النصر المبين، وأن من ترك أمره ونهيه ونبذ شرعه وتجرأ على معاصيه أن يعاقبه ويسلط عليه الأعداء. والله عزيز حكيم. وقوله:{ثم إليَّ مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون}. ثم بين ما يفعله بهم فقال:

آل عمران 3:35

{33 ـ 55} لله تعالى من عباده أصفياء يصطفيهم ويختارهم ويمن عليهم بالفضائل العالية والنعوت السامية والعلوم النافعة والأعمال الصالحة والخصائص المتنوعة، فذكر هذه البيوت الكبار وما احتوت عليه من كُمَّل الرجال الذين حازوا أوصاف الكمال، وأن الفضل والخير تسلسل في ذراريهم، وشمل ذكورهم ونساءهم وهذا من أجل مننه وأفضل مواقع جوده وكرمه {والله سميع عليم}؛ يعلم من يستحق الفضل والتفضيل فيضع فضله حيث اقتضت حكمته. فلما قرر عظمة هذه البيوت ذكر قصة مريم وابنها عيسى - صلى الله عليه وسلم - وكيف تسلسلا من هذه البيوت الفاضلة، وكيف تنقلت بهما الأحوال من ابتداء أمرهما إلى آخره، وأن امرأة عمران قالت متضرعة إلى ربها متقربة إليه بهذه القربة التي يحبها، التي فيها تعظيم بيته وملازمة طاعته:{إني نذرت لك ما في بطني محرراً}؛ أي خادماً لبيت العبادة المشحون بالمتعبدين {فتقبل مني}؛ هذا العمل أي اجعله مؤسساً على الإيمان والإخلاص مثمراً للخير والثواب {إنك أنت السميع العليم. فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى}؛ كأن في هذا الكلام نوع تضرع منها وانكسار نفس حيث كان نذرها بناءً على أنه يكون ذكراً يحصل منه من القوة والخدمة والقيام بذلك ما يحصل من أهل القوة، والأنثى بخلاف ذلك، فجبر الله قلبها وتقبل الله نذرها، وصارت هذه الأنثى أكمل وأتم من كثير من الذكور، بل من أكثرهم، وحصل بها من المقاصد أعظم مما يحصل بالذكر، ولهذا قال:{فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتاً حسناً}؛ أي: ربيت تربية عجيبة دينية أخلاقية أدبية، كملت بها أحوالها، وصلحت بها أقوالها وأفعالها، ونما فيها كمالها، ويسر الله لها زكريا كافلاً، وهذا من مِنَّةِ الله على العبد أن يجعل من يتولى تربيته من الكاملين المصلحين. ثم إن الله تعالى أكرم مريم وزكريا حيث يسَّر لمريم من الرزق الحاصل بلا كدٍّ ولا تعب، وإنما هو كرامة أكرمها الله به، إذ {كلما دخل عليها زكريا المحراب}؛ وهو محل العبادة وفيه إشارة إلى كثرة صلاتها وملازمتها لمحرابها {وجد عندها رزقاً}؛ هنيئاً معدًّا قال:{أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزقُ من يشاء بغير حساب}؛ فلما رأى زكريا هذه الحال والبر واللطف من الله بها، ذكَّرَه أن يسأل الله تعالى حصول الولد على حين اليأس منه فقال:{رب هَب لي من لَدُنك ذرية طيبة إنك سميعُ الدُّعاء. فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أنَّ الله يبشرك بيحيى مصدقاً بكلمة من الله}؛ اسمه أي: الكلمة التي مِنَ الله عيسى بن مريم فكانت بشارته بهذا النبي الكريم تتضمن البشارة بعيسى بن مريم والتصديق له والشهادة له بالرسالة، فهذه الكلمة من الله كلمة شريفة اختص الله بها عيسى بن مريم، وإلا فهي من جملة كلماته التي أوجد بها المخلوقات، كما قال تعالى:{إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون}. وقوله:{وسيداً وحصوراً}؛ أي: هذا المبَشَّر به وهو يحيى سيد من فضلاء الرسل وكرامهم، والحصور قيل هو الذي لا يولد له ولا شهوة له في النساء، وقيل هو الذي عصم وحفظ من الذنوب والشهوات الضارة، وهذا أليق المعنيين، {ونبياً من الصالحين}؛ الذين بلغوا في الصلاح ذروته العالية، {قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر}؛ فهذان مانعان فمن أي طريق يا رب يحصل لي ذلك مع ما ينافي ذلك {قال كذلك الله يفعل ما يشاء}؛ فإنه كما اقتضت حكمته جريان الأمور بأسبابها المعروفة، فإنه قد يخرق ذلك لأنه الفعَّالُ لما يريد، الذي قد انقادت الأسباب لقدرته، ونفذت فيها مشيئته وإرادته فلا يتعاصى على قدرته شيء من الأسباب ولو بلغت في القوة ما بلغت {قال رب اجعل لي آية}؛ ليحصل السرور والاستبشار وإن كنت يا رب متيقناً ما أخبرتني به ولكن النفس تفرح، ويطمئن القلب إلى مقدمات الرحمة واللطف، {قال آيتك أن لا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزاً}؛ وفي هذه المدة {اذكر ربك كثيراً وسبح بالعشي والإبكار}؛ أول النهار وآخره، فمنع من الكلام في هذه المدة، فكان في هذا مناسبة لحصول الولد من بين الشيخ الكبير والمرأة العاقر، وكونه لا يقدر على مخاطبة الآدميين ولسانه منطلق بذكر الله وتسبيحه آية أخرى، فحينئذ حصل له الفرح والاستبشار، وشكر الله، وأكثر من الذكر والتسبيح بالعشايا والإبكار. وكان هذا المولود من بركات مريم بنت عمران على زكريا، فإن ما منَّ الله به عليها من ذلك الرزق الهني الذي يحصل بغير حساب ذكَّره وهيَّجه على التضرع والسؤال، والله تعالى هو المتفضل بالسبب والمسبب ولكنه يقدر أموراً محبوبة على يد من يحبه ليرفع الله قدره ويُعْظِمَ أجره، ثم عاد تعالى إلى ذكر مريم وأنها بلغت في العبادة والكمال مبلغاً عظيماً فقال تعالى:{وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك}؛ أي: اختارك ووهب لك من الصفات الجليلة والأخلاق الجميلة {وطهرك}؛ من الأخلاق الرذيلة {واصطفاك على نساء العالمين}؛ ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -: «كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم وخديجة بنت خويلد، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام» ، فنادتها الملائكة عن أمر الله لها بذلك لتغتبط بنعم الله وتشكر الله، وتقوم بحقوقه، وتشتغل بخدمته، ولهذا قال الملائكة:{يا مريم اقنتي لربك}؛ أي: أكثري من الطاعة والخضوع والخشوع لربك وأديمي ذلك {واركعي مع الراكعين}؛ أي: صلي مع المصلين فقامت بكل ما أمرت به وبرزت وفاقت في كمالها. ولما كانت هذه القصة وغيرها من أكبر الأدلة على رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - حيث أخبر بها مفصلة محققة لا زيادة فيها ولا نقص، وما ذاك إلا لأنه وحي من الله العزيز الحكيم لا بتعلم من الناس قال تعالى:{ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك، وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم}؛ حيث جاءت بها أمها فاختصموا أيهم يكفلها لأنها بنت إمامهم ومقدمهم، وكلهم يريد الخير والأجر من الله حتى وصلت بهم الخصومة إلى أن اقترعوا عليها فألقوا أقلامهم مقترعين، فأصابت القرعة زكريا رحمة من الله به وبها فأنت ـ يا أيها الرسول ـ لم تحضر تلك الحالة لتعرفها فتقصها على الناس، وإنما الله نبأك بها، وهذا هو المقصود الأعظم من سياق القصص أنه يحصل بها العبرة، وأعظم العبر والاستدلال بها على التوحيد والرسالة والبعث وغيرها من الأصول الكبار {إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقربين}؛ أي: له الوجاهة والجاه العظيم في الدنيا والآخرة عند الخلق، ومع ذلك فهو عند الله من المقربين الذين هم أقرب الخلائق إلى الله وأعلاهم درجة، وهذه بشارة لا يشبهها شيء من البشارات، ومن تمام هذه البشارة أنه {يكلم الناس في المهد}؛ فيكون تكليمه آية من آيات الله ورحمة منه بأمه وبالخلق، وكذلك يكلمهم {كهلاً}؛ أي: في حال كهولته، وهذا تكليم النبوة والدعوة والإرشاد، فكلامه في المهد فيه آيات وبراهين على صدقه ونبوته وبراءة أمِّه مما يظن بها من الظنون السيئة، وكلامه في كهولته فيه نفعه العظيم للخلق وكونه واسطة بينهم وبين ربهم في وحيه وتبليغ دينه وشرعه، ومع ذلك فهو {من الصالحين}؛ الذين أصلح الله قلوبهم بمعرفته وحبه، وألسنتهم بالثناء عليه وذكره وجوارحهم بطاعته وخدمته {قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر}؛ وهذا هو من الأمور المستغربة {قال كذلك الله يخلق ما يشاء}؛ ليعلم العباد أنه على كل شيء قدير وأنه لا ممانع لإرادته {إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون. ويعلمه الكتاب}؛ أي: جنس الكتب السابقة والحكم بين الناس ويعطيه النبوة ويجعله {رسولاً إلى بني إسرائيل}؛ ويؤيده بالآيات البينات والأدلة القاهرة حيث قال:{أني قد جئتكم بآية من ربكم}؛ تدلكم أني رسول الله حقاً، وذلك {أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله وأبرئ الأكمه}؛ وهو ممسوح العينين الذي فقد بصره وعيناه {والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم، إن في ذلك}؛ المذكور {لآية لكم إن كنتم مؤمنين. ومصدقاً لما بين يدي من التوراة}؛ فأيده الله بجنسين من الآيات والبراهين الخوارق المستغربة التي لا يمكن لغير الأنبياء الإتيان بها، والرسالة والدعوة والدين الذي جاء به وأنه دين التوراة ودين الأنبياء السابقين، وهذا أكبر الأدلة على صدق الصادقين، فإنه لو كان من الكاذبين لخالف ما جاءت به الرسل ولناقضهم في أصولهم وفروعهم، فعلم بذلك أنه رسول الله وأن ما جاء به حق لا ريب فيه، وأيضاً فقوله:{ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم}؛ أي: ولأخفف عنكم بعض الآصار والأغلال {فاتقوا الله وأطيعون. إن الله ربي وربكم فاعبدوه}؛ وهذا ما يدعو إليه جميع الرسل عبادة الله وحده لا شريك له وطاعتهم، وهذا هو الصراط المستقيم الذي من سلكه أوصله إلى جنات النعيم. فحينئذ اختلفت أحزاب بني إسرائيل في عيسى فمنهم من آمن به واتبعه ومنهم من كفر به وكذبه ورمى أمه بالفاحشة كاليهود {فلما أحس عيسى منهم الكفر}؛ والاتفاق على رد دعوته {قال}؛ نادباً لبني إسرائيل على مؤازرته:{من أنصاري إلى الله، قال الحواريون}؛ أي: الأنصار: {نحن أنصار الله آمنَّا بالله واشهد بأنا مسلمون}؛ وهذا من مِنَّةِ الله عليهم وعلى عيسى حيث ألهم هؤلاء الحواريين الإيمان به والانقياد لطاعته والنصرة لرسوله {ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول}؛ وهذا التزام تام للإيمان بكل ما أنزل الله ولطاعة رسوله {فاكتبنا مع الشاهدين}؛ لك بالوحدانية ولنبيك بالرسالة ولدينك بالحق والصدق. وأما من أحسَّ عيسى منهم الكفرَ وهم جمهور بني إسرائيل فإنهم {مكروا}؛ بعيسى {ومكر الله}؛ بهم {والله خير الماكرين}؛ فاتفقوا على قتله وصلبه، وشُبِّهَ لهم شَبَهُ عيسى فقبضوا على من شُبِّهَ لهم به وقال الله لعيسى:{إني متوفيك ورافعك إليَّ ومطهرك من الذين كفروا}؛ فرفعه الله إليه، وطهره من الذين كفروا، وصلبوا من قتلوه، ظانِّين أنه عيسى، وباؤوا بالإثم العظيم. وسينزل عيسى بن مريم في آخر هذه الأمة حكماً عدلاً يقتل الخنزير ويكسر الصليب ويتبع ما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم -، ويعلم الكاذبون غرورَهم وخداعَهم وأنهم مغرورون مخدوعون. وقوله:{وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة}؛ المراد بمن اتبعه الطائفة التي آمنت به ونصرهم الله على من انحرف عن دينه، ثم لما جاءت أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - كانوا هم أتباعه حقًّا فأيدهم ونصرهم على الكفار كلهم، وأظهرهم بالدين الذي جاءهم به محمد - صلى الله عليه وسلم - {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض}؛ الآية. ولكن حكمة الله عادلة فإنها اقتضت أن من تمسك بالدين نصره النصر المبين، وأن من ترك أمره ونهيه ونبذ شرعه وتجرأ على معاصيه أن يعاقبه ويسلط عليه الأعداء. والله عزيز حكيم. وقوله:{ثم إليَّ مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون}. ثم بين ما يفعله بهم فقال:

آل عمران 3:36

{33 ـ 55} لله تعالى من عباده أصفياء يصطفيهم ويختارهم ويمن عليهم بالفضائل العالية والنعوت السامية والعلوم النافعة والأعمال الصالحة والخصائص المتنوعة، فذكر هذه البيوت الكبار وما احتوت عليه من كُمَّل الرجال الذين حازوا أوصاف الكمال، وأن الفضل والخير تسلسل في ذراريهم، وشمل ذكورهم ونساءهم وهذا من أجل مننه وأفضل مواقع جوده وكرمه {والله سميع عليم}؛ يعلم من يستحق الفضل والتفضيل فيضع فضله حيث اقتضت حكمته. فلما قرر عظمة هذه البيوت ذكر قصة مريم وابنها عيسى - صلى الله عليه وسلم - وكيف تسلسلا من هذه البيوت الفاضلة، وكيف تنقلت بهما الأحوال من ابتداء أمرهما إلى آخره، وأن امرأة عمران قالت متضرعة إلى ربها متقربة إليه بهذه القربة التي يحبها، التي فيها تعظيم بيته وملازمة طاعته:{إني نذرت لك ما في بطني محرراً}؛ أي خادماً لبيت العبادة المشحون بالمتعبدين {فتقبل مني}؛ هذا العمل أي اجعله مؤسساً على الإيمان والإخلاص مثمراً للخير والثواب {إنك أنت السميع العليم. فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى}؛ كأن في هذا الكلام نوع تضرع منها وانكسار نفس حيث كان نذرها بناءً على أنه يكون ذكراً يحصل منه من القوة والخدمة والقيام بذلك ما يحصل من أهل القوة، والأنثى بخلاف ذلك، فجبر الله قلبها وتقبل الله نذرها، وصارت هذه الأنثى أكمل وأتم من كثير من الذكور، بل من أكثرهم، وحصل بها من المقاصد أعظم مما يحصل بالذكر، ولهذا قال:{فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتاً حسناً}؛ أي: ربيت تربية عجيبة دينية أخلاقية أدبية، كملت بها أحوالها، وصلحت بها أقوالها وأفعالها، ونما فيها كمالها، ويسر الله لها زكريا كافلاً، وهذا من مِنَّةِ الله على العبد أن يجعل من يتولى تربيته من الكاملين المصلحين. ثم إن الله تعالى أكرم مريم وزكريا حيث يسَّر لمريم من الرزق الحاصل بلا كدٍّ ولا تعب، وإنما هو كرامة أكرمها الله به، إذ {كلما دخل عليها زكريا المحراب}؛ وهو محل العبادة وفيه إشارة إلى كثرة صلاتها وملازمتها لمحرابها {وجد عندها رزقاً}؛ هنيئاً معدًّا قال:{أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزقُ من يشاء بغير حساب}؛ فلما رأى زكريا هذه الحال والبر واللطف من الله بها، ذكَّرَه أن يسأل الله تعالى حصول الولد على حين اليأس منه فقال:{رب هَب لي من لَدُنك ذرية طيبة إنك سميعُ الدُّعاء. فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أنَّ الله يبشرك بيحيى مصدقاً بكلمة من الله}؛ اسمه أي: الكلمة التي مِنَ الله عيسى بن مريم فكانت بشارته بهذا النبي الكريم تتضمن البشارة بعيسى بن مريم والتصديق له والشهادة له بالرسالة، فهذه الكلمة من الله كلمة شريفة اختص الله بها عيسى بن مريم، وإلا فهي من جملة كلماته التي أوجد بها المخلوقات، كما قال تعالى:{إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون}. وقوله:{وسيداً وحصوراً}؛ أي: هذا المبَشَّر به وهو يحيى سيد من فضلاء الرسل وكرامهم، والحصور قيل هو الذي لا يولد له ولا شهوة له في النساء، وقيل هو الذي عصم وحفظ من الذنوب والشهوات الضارة، وهذا أليق المعنيين، {ونبياً من الصالحين}؛ الذين بلغوا في الصلاح ذروته العالية، {قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر}؛ فهذان مانعان فمن أي طريق يا رب يحصل لي ذلك مع ما ينافي ذلك {قال كذلك الله يفعل ما يشاء}؛ فإنه كما اقتضت حكمته جريان الأمور بأسبابها المعروفة، فإنه قد يخرق ذلك لأنه الفعَّالُ لما يريد، الذي قد انقادت الأسباب لقدرته، ونفذت فيها مشيئته وإرادته فلا يتعاصى على قدرته شيء من الأسباب ولو بلغت في القوة ما بلغت {قال رب اجعل لي آية}؛ ليحصل السرور والاستبشار وإن كنت يا رب متيقناً ما أخبرتني به ولكن النفس تفرح، ويطمئن القلب إلى مقدمات الرحمة واللطف، {قال آيتك أن لا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزاً}؛ وفي هذه المدة {اذكر ربك كثيراً وسبح بالعشي والإبكار}؛ أول النهار وآخره، فمنع من الكلام في هذه المدة، فكان في هذا مناسبة لحصول الولد من بين الشيخ الكبير والمرأة العاقر، وكونه لا يقدر على مخاطبة الآدميين ولسانه منطلق بذكر الله وتسبيحه آية أخرى، فحينئذ حصل له الفرح والاستبشار، وشكر الله، وأكثر من الذكر والتسبيح بالعشايا والإبكار. وكان هذا المولود من بركات مريم بنت عمران على زكريا، فإن ما منَّ الله به عليها من ذلك الرزق الهني الذي يحصل بغير حساب ذكَّره وهيَّجه على التضرع والسؤال، والله تعالى هو المتفضل بالسبب والمسبب ولكنه يقدر أموراً محبوبة على يد من يحبه ليرفع الله قدره ويُعْظِمَ أجره، ثم عاد تعالى إلى ذكر مريم وأنها بلغت في العبادة والكمال مبلغاً عظيماً فقال تعالى:{وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك}؛ أي: اختارك ووهب لك من الصفات الجليلة والأخلاق الجميلة {وطهرك}؛ من الأخلاق الرذيلة {واصطفاك على نساء العالمين}؛ ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -: «كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم وخديجة بنت خويلد، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام» ، فنادتها الملائكة عن أمر الله لها بذلك لتغتبط بنعم الله وتشكر الله، وتقوم بحقوقه، وتشتغل بخدمته، ولهذا قال الملائكة:{يا مريم اقنتي لربك}؛ أي: أكثري من الطاعة والخضوع والخشوع لربك وأديمي ذلك {واركعي مع الراكعين}؛ أي: صلي مع المصلين فقامت بكل ما أمرت به وبرزت وفاقت في كمالها. ولما كانت هذه القصة وغيرها من أكبر الأدلة على رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - حيث أخبر بها مفصلة محققة لا زيادة فيها ولا نقص، وما ذاك إلا لأنه وحي من الله العزيز الحكيم لا بتعلم من الناس قال تعالى:{ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك، وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم}؛ حيث جاءت بها أمها فاختصموا أيهم يكفلها لأنها بنت إمامهم ومقدمهم، وكلهم يريد الخير والأجر من الله حتى وصلت بهم الخصومة إلى أن اقترعوا عليها فألقوا أقلامهم مقترعين، فأصابت القرعة زكريا رحمة من الله به وبها فأنت ـ يا أيها الرسول ـ لم تحضر تلك الحالة لتعرفها فتقصها على الناس، وإنما الله نبأك بها، وهذا هو المقصود الأعظم من سياق القصص أنه يحصل بها العبرة، وأعظم العبر والاستدلال بها على التوحيد والرسالة والبعث وغيرها من الأصول الكبار {إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقربين}؛ أي: له الوجاهة والجاه العظيم في الدنيا والآخرة عند الخلق، ومع ذلك فهو عند الله من المقربين الذين هم أقرب الخلائق إلى الله وأعلاهم درجة، وهذه بشارة لا يشبهها شيء من البشارات، ومن تمام هذه البشارة أنه {يكلم الناس في المهد}؛ فيكون تكليمه آية من آيات الله ورحمة منه بأمه وبالخلق، وكذلك يكلمهم {كهلاً}؛ أي: في حال كهولته، وهذا تكليم النبوة والدعوة والإرشاد، فكلامه في المهد فيه آيات وبراهين على صدقه ونبوته وبراءة أمِّه مما يظن بها من الظنون السيئة، وكلامه في كهولته فيه نفعه العظيم للخلق وكونه واسطة بينهم وبين ربهم في وحيه وتبليغ دينه وشرعه، ومع ذلك فهو {من الصالحين}؛ الذين أصلح الله قلوبهم بمعرفته وحبه، وألسنتهم بالثناء عليه وذكره وجوارحهم بطاعته وخدمته {قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر}؛ وهذا هو من الأمور المستغربة {قال كذلك الله يخلق ما يشاء}؛ ليعلم العباد أنه على كل شيء قدير وأنه لا ممانع لإرادته {إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون. ويعلمه الكتاب}؛ أي: جنس الكتب السابقة والحكم بين الناس ويعطيه النبوة ويجعله {رسولاً إلى بني إسرائيل}؛ ويؤيده بالآيات البينات والأدلة القاهرة حيث قال:{أني قد جئتكم بآية من ربكم}؛ تدلكم أني رسول الله حقاً، وذلك {أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله وأبرئ الأكمه}؛ وهو ممسوح العينين الذي فقد بصره وعيناه {والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم، إن في ذلك}؛ المذكور {لآية لكم إن كنتم مؤمنين. ومصدقاً لما بين يدي من التوراة}؛ فأيده الله بجنسين من الآيات والبراهين الخوارق المستغربة التي لا يمكن لغير الأنبياء الإتيان بها، والرسالة والدعوة والدين الذي جاء به وأنه دين التوراة ودين الأنبياء السابقين، وهذا أكبر الأدلة على صدق الصادقين، فإنه لو كان من الكاذبين لخالف ما جاءت به الرسل ولناقضهم في أصولهم وفروعهم، فعلم بذلك أنه رسول الله وأن ما جاء به حق لا ريب فيه، وأيضاً فقوله:{ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم}؛ أي: ولأخفف عنكم بعض الآصار والأغلال {فاتقوا الله وأطيعون. إن الله ربي وربكم فاعبدوه}؛ وهذا ما يدعو إليه جميع الرسل عبادة الله وحده لا شريك له وطاعتهم، وهذا هو الصراط المستقيم الذي من سلكه أوصله إلى جنات النعيم. فحينئذ اختلفت أحزاب بني إسرائيل في عيسى فمنهم من آمن به واتبعه ومنهم من كفر به وكذبه ورمى أمه بالفاحشة كاليهود {فلما أحس عيسى منهم الكفر}؛ والاتفاق على رد دعوته {قال}؛ نادباً لبني إسرائيل على مؤازرته:{من أنصاري إلى الله، قال الحواريون}؛ أي: الأنصار: {نحن أنصار الله آمنَّا بالله واشهد بأنا مسلمون}؛ وهذا من مِنَّةِ الله عليهم وعلى عيسى حيث ألهم هؤلاء الحواريين الإيمان به والانقياد لطاعته والنصرة لرسوله {ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول}؛ وهذا التزام تام للإيمان بكل ما أنزل الله ولطاعة رسوله {فاكتبنا مع الشاهدين}؛ لك بالوحدانية ولنبيك بالرسالة ولدينك بالحق والصدق. وأما من أحسَّ عيسى منهم الكفرَ وهم جمهور بني إسرائيل فإنهم {مكروا}؛ بعيسى {ومكر الله}؛ بهم {والله خير الماكرين}؛ فاتفقوا على قتله وصلبه، وشُبِّهَ لهم شَبَهُ عيسى فقبضوا على من شُبِّهَ لهم به وقال الله لعيسى:{إني متوفيك ورافعك إليَّ ومطهرك من الذين كفروا}؛ فرفعه الله إليه، وطهره من الذين كفروا، وصلبوا من قتلوه، ظانِّين أنه عيسى، وباؤوا بالإثم العظيم. وسينزل عيسى بن مريم في آخر هذه الأمة حكماً عدلاً يقتل الخنزير ويكسر الصليب ويتبع ما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم -، ويعلم الكاذبون غرورَهم وخداعَهم وأنهم مغرورون مخدوعون. وقوله:{وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة}؛ المراد بمن اتبعه الطائفة التي آمنت به ونصرهم الله على من انحرف عن دينه، ثم لما جاءت أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - كانوا هم أتباعه حقًّا فأيدهم ونصرهم على الكفار كلهم، وأظهرهم بالدين الذي جاءهم به محمد - صلى الله عليه وسلم - {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض}؛ الآية. ولكن حكمة الله عادلة فإنها اقتضت أن من تمسك بالدين نصره النصر المبين، وأن من ترك أمره ونهيه ونبذ شرعه وتجرأ على معاصيه أن يعاقبه ويسلط عليه الأعداء. والله عزيز حكيم. وقوله:{ثم إليَّ مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون}. ثم بين ما يفعله بهم فقال:

آل عمران 3:37

{33 ـ 55} لله تعالى من عباده أصفياء يصطفيهم ويختارهم ويمن عليهم بالفضائل العالية والنعوت السامية والعلوم النافعة والأعمال الصالحة والخصائص المتنوعة، فذكر هذه البيوت الكبار وما احتوت عليه من كُمَّل الرجال الذين حازوا أوصاف الكمال، وأن الفضل والخير تسلسل في ذراريهم، وشمل ذكورهم ونساءهم وهذا من أجل مننه وأفضل مواقع جوده وكرمه {والله سميع عليم}؛ يعلم من يستحق الفضل والتفضيل فيضع فضله حيث اقتضت حكمته. فلما قرر عظمة هذه البيوت ذكر قصة مريم وابنها عيسى - صلى الله عليه وسلم - وكيف تسلسلا من هذه البيوت الفاضلة، وكيف تنقلت بهما الأحوال من ابتداء أمرهما إلى آخره، وأن امرأة عمران قالت متضرعة إلى ربها متقربة إليه بهذه القربة التي يحبها، التي فيها تعظيم بيته وملازمة طاعته:{إني نذرت لك ما في بطني محرراً}؛ أي خادماً لبيت العبادة المشحون بالمتعبدين {فتقبل مني}؛ هذا العمل أي اجعله مؤسساً على الإيمان والإخلاص مثمراً للخير والثواب {إنك أنت السميع العليم. فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى}؛ كأن في هذا الكلام نوع تضرع منها وانكسار نفس حيث كان نذرها بناءً على أنه يكون ذكراً يحصل منه من القوة والخدمة والقيام بذلك ما يحصل من أهل القوة، والأنثى بخلاف ذلك، فجبر الله قلبها وتقبل الله نذرها، وصارت هذه الأنثى أكمل وأتم من كثير من الذكور، بل من أكثرهم، وحصل بها من المقاصد أعظم مما يحصل بالذكر، ولهذا قال:{فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتاً حسناً}؛ أي: ربيت تربية عجيبة دينية أخلاقية أدبية، كملت بها أحوالها، وصلحت بها أقوالها وأفعالها، ونما فيها كمالها، ويسر الله لها زكريا كافلاً، وهذا من مِنَّةِ الله على العبد أن يجعل من يتولى تربيته من الكاملين المصلحين. ثم إن الله تعالى أكرم مريم وزكريا حيث يسَّر لمريم من الرزق الحاصل بلا كدٍّ ولا تعب، وإنما هو كرامة أكرمها الله به، إذ {كلما دخل عليها زكريا المحراب}؛ وهو محل العبادة وفيه إشارة إلى كثرة صلاتها وملازمتها لمحرابها {وجد عندها رزقاً}؛ هنيئاً معدًّا قال:{أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزقُ من يشاء بغير حساب}؛ فلما رأى زكريا هذه الحال والبر واللطف من الله بها، ذكَّرَه أن يسأل الله تعالى حصول الولد على حين اليأس منه فقال:{رب هَب لي من لَدُنك ذرية طيبة إنك سميعُ الدُّعاء. فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أنَّ الله يبشرك بيحيى مصدقاً بكلمة من الله}؛ اسمه أي: الكلمة التي مِنَ الله عيسى بن مريم فكانت بشارته بهذا النبي الكريم تتضمن البشارة بعيسى بن مريم والتصديق له والشهادة له بالرسالة، فهذه الكلمة من الله كلمة شريفة اختص الله بها عيسى بن مريم، وإلا فهي من جملة كلماته التي أوجد بها المخلوقات، كما قال تعالى:{إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون}. وقوله:{وسيداً وحصوراً}؛ أي: هذا المبَشَّر به وهو يحيى سيد من فضلاء الرسل وكرامهم، والحصور قيل هو الذي لا يولد له ولا شهوة له في النساء، وقيل هو الذي عصم وحفظ من الذنوب والشهوات الضارة، وهذا أليق المعنيين، {ونبياً من الصالحين}؛ الذين بلغوا في الصلاح ذروته العالية، {قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر}؛ فهذان مانعان فمن أي طريق يا رب يحصل لي ذلك مع ما ينافي ذلك {قال كذلك الله يفعل ما يشاء}؛ فإنه كما اقتضت حكمته جريان الأمور بأسبابها المعروفة، فإنه قد يخرق ذلك لأنه الفعَّالُ لما يريد، الذي قد انقادت الأسباب لقدرته، ونفذت فيها مشيئته وإرادته فلا يتعاصى على قدرته شيء من الأسباب ولو بلغت في القوة ما بلغت {قال رب اجعل لي آية}؛ ليحصل السرور والاستبشار وإن كنت يا رب متيقناً ما أخبرتني به ولكن النفس تفرح، ويطمئن القلب إلى مقدمات الرحمة واللطف، {قال آيتك أن لا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزاً}؛ وفي هذه المدة {اذكر ربك كثيراً وسبح بالعشي والإبكار}؛ أول النهار وآخره، فمنع من الكلام في هذه المدة، فكان في هذا مناسبة لحصول الولد من بين الشيخ الكبير والمرأة العاقر، وكونه لا يقدر على مخاطبة الآدميين ولسانه منطلق بذكر الله وتسبيحه آية أخرى، فحينئذ حصل له الفرح والاستبشار، وشكر الله، وأكثر من الذكر والتسبيح بالعشايا والإبكار. وكان هذا المولود من بركات مريم بنت عمران على زكريا، فإن ما منَّ الله به عليها من ذلك الرزق الهني الذي يحصل بغير حساب ذكَّره وهيَّجه على التضرع والسؤال، والله تعالى هو المتفضل بالسبب والمسبب ولكنه يقدر أموراً محبوبة على يد من يحبه ليرفع الله قدره ويُعْظِمَ أجره، ثم عاد تعالى إلى ذكر مريم وأنها بلغت في العبادة والكمال مبلغاً عظيماً فقال تعالى:{وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك}؛ أي: اختارك ووهب لك من الصفات الجليلة والأخلاق الجميلة {وطهرك}؛ من الأخلاق الرذيلة {واصطفاك على نساء العالمين}؛ ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -: «كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم وخديجة بنت خويلد، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام» ، فنادتها الملائكة عن أمر الله لها بذلك لتغتبط بنعم الله وتشكر الله، وتقوم بحقوقه، وتشتغل بخدمته، ولهذا قال الملائكة:{يا مريم اقنتي لربك}؛ أي: أكثري من الطاعة والخضوع والخشوع لربك وأديمي ذلك {واركعي مع الراكعين}؛ أي: صلي مع المصلين فقامت بكل ما أمرت به وبرزت وفاقت في كمالها. ولما كانت هذه القصة وغيرها من أكبر الأدلة على رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - حيث أخبر بها مفصلة محققة لا زيادة فيها ولا نقص، وما ذاك إلا لأنه وحي من الله العزيز الحكيم لا بتعلم من الناس قال تعالى:{ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك، وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم}؛ حيث جاءت بها أمها فاختصموا أيهم يكفلها لأنها بنت إمامهم ومقدمهم، وكلهم يريد الخير والأجر من الله حتى وصلت بهم الخصومة إلى أن اقترعوا عليها فألقوا أقلامهم مقترعين، فأصابت القرعة زكريا رحمة من الله به وبها فأنت ـ يا أيها الرسول ـ لم تحضر تلك الحالة لتعرفها فتقصها على الناس، وإنما الله نبأك بها، وهذا هو المقصود الأعظم من سياق القصص أنه يحصل بها العبرة، وأعظم العبر والاستدلال بها على التوحيد والرسالة والبعث وغيرها من الأصول الكبار {إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقربين}؛ أي: له الوجاهة والجاه العظيم في الدنيا والآخرة عند الخلق، ومع ذلك فهو عند الله من المقربين الذين هم أقرب الخلائق إلى الله وأعلاهم درجة، وهذه بشارة لا يشبهها شيء من البشارات، ومن تمام هذه البشارة أنه {يكلم الناس في المهد}؛ فيكون تكليمه آية من آيات الله ورحمة منه بأمه وبالخلق، وكذلك يكلمهم {كهلاً}؛ أي: في حال كهولته، وهذا تكليم النبوة والدعوة والإرشاد، فكلامه في المهد فيه آيات وبراهين على صدقه ونبوته وبراءة أمِّه مما يظن بها من الظنون السيئة، وكلامه في كهولته فيه نفعه العظيم للخلق وكونه واسطة بينهم وبين ربهم في وحيه وتبليغ دينه وشرعه، ومع ذلك فهو {من الصالحين}؛ الذين أصلح الله قلوبهم بمعرفته وحبه، وألسنتهم بالثناء عليه وذكره وجوارحهم بطاعته وخدمته {قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر}؛ وهذا هو من الأمور المستغربة {قال كذلك الله يخلق ما يشاء}؛ ليعلم العباد أنه على كل شيء قدير وأنه لا ممانع لإرادته {إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون. ويعلمه الكتاب}؛ أي: جنس الكتب السابقة والحكم بين الناس ويعطيه النبوة ويجعله {رسولاً إلى بني إسرائيل}؛ ويؤيده بالآيات البينات والأدلة القاهرة حيث قال:{أني قد جئتكم بآية من ربكم}؛ تدلكم أني رسول الله حقاً، وذلك {أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله وأبرئ الأكمه}؛ وهو ممسوح العينين الذي فقد بصره وعيناه {والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم، إن في ذلك}؛ المذكور {لآية لكم إن كنتم مؤمنين. ومصدقاً لما بين يدي من التوراة}؛ فأيده الله بجنسين من الآيات والبراهين الخوارق المستغربة التي لا يمكن لغير الأنبياء الإتيان بها، والرسالة والدعوة والدين الذي جاء به وأنه دين التوراة ودين الأنبياء السابقين، وهذا أكبر الأدلة على صدق الصادقين، فإنه لو كان من الكاذبين لخالف ما جاءت به الرسل ولناقضهم في أصولهم وفروعهم، فعلم بذلك أنه رسول الله وأن ما جاء به حق لا ريب فيه، وأيضاً فقوله:{ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم}؛ أي: ولأخفف عنكم بعض الآصار والأغلال {فاتقوا الله وأطيعون. إن الله ربي وربكم فاعبدوه}؛ وهذا ما يدعو إليه جميع الرسل عبادة الله وحده لا شريك له وطاعتهم، وهذا هو الصراط المستقيم الذي من سلكه أوصله إلى جنات النعيم. فحينئذ اختلفت أحزاب بني إسرائيل في عيسى فمنهم من آمن به واتبعه ومنهم من كفر به وكذبه ورمى أمه بالفاحشة كاليهود {فلما أحس عيسى منهم الكفر}؛ والاتفاق على رد دعوته {قال}؛ نادباً لبني إسرائيل على مؤازرته:{من أنصاري إلى الله، قال الحواريون}؛ أي: الأنصار: {نحن أنصار الله آمنَّا بالله واشهد بأنا مسلمون}؛ وهذا من مِنَّةِ الله عليهم وعلى عيسى حيث ألهم هؤلاء الحواريين الإيمان به والانقياد لطاعته والنصرة لرسوله {ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول}؛ وهذا التزام تام للإيمان بكل ما أنزل الله ولطاعة رسوله {فاكتبنا مع الشاهدين}؛ لك بالوحدانية ولنبيك بالرسالة ولدينك بالحق والصدق. وأما من أحسَّ عيسى منهم الكفرَ وهم جمهور بني إسرائيل فإنهم {مكروا}؛ بعيسى {ومكر الله}؛ بهم {والله خير الماكرين}؛ فاتفقوا على قتله وصلبه، وشُبِّهَ لهم شَبَهُ عيسى فقبضوا على من شُبِّهَ لهم به وقال الله لعيسى:{إني متوفيك ورافعك إليَّ ومطهرك من الذين كفروا}؛ فرفعه الله إليه، وطهره من الذين كفروا، وصلبوا من قتلوه، ظانِّين أنه عيسى، وباؤوا بالإثم العظيم. وسينزل عيسى بن مريم في آخر هذه الأمة حكماً عدلاً يقتل الخنزير ويكسر الصليب ويتبع ما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم -، ويعلم الكاذبون غرورَهم وخداعَهم وأنهم مغرورون مخدوعون. وقوله:{وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة}؛ المراد بمن اتبعه الطائفة التي آمنت به ونصرهم الله على من انحرف عن دينه، ثم لما جاءت أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - كانوا هم أتباعه حقًّا فأيدهم ونصرهم على الكفار كلهم، وأظهرهم بالدين الذي جاءهم به محمد - صلى الله عليه وسلم - {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض}؛ الآية. ولكن حكمة الله عادلة فإنها اقتضت أن من تمسك بالدين نصره النصر المبين، وأن من ترك أمره ونهيه ونبذ شرعه وتجرأ على معاصيه أن يعاقبه ويسلط عليه الأعداء. والله عزيز حكيم. وقوله:{ثم إليَّ مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون}. ثم بين ما يفعله بهم فقال:

آل عمران 3:38

{33 ـ 55} لله تعالى من عباده أصفياء يصطفيهم ويختارهم ويمن عليهم بالفضائل العالية والنعوت السامية والعلوم النافعة والأعمال الصالحة والخصائص المتنوعة، فذكر هذه البيوت الكبار وما احتوت عليه من كُمَّل الرجال الذين حازوا أوصاف الكمال، وأن الفضل والخير تسلسل في ذراريهم، وشمل ذكورهم ونساءهم وهذا من أجل مننه وأفضل مواقع جوده وكرمه {والله سميع عليم}؛ يعلم من يستحق الفضل والتفضيل فيضع فضله حيث اقتضت حكمته. فلما قرر عظمة هذه البيوت ذكر قصة مريم وابنها عيسى - صلى الله عليه وسلم - وكيف تسلسلا من هذه البيوت الفاضلة، وكيف تنقلت بهما الأحوال من ابتداء أمرهما إلى آخره، وأن امرأة عمران قالت متضرعة إلى ربها متقربة إليه بهذه القربة التي يحبها، التي فيها تعظيم بيته وملازمة طاعته:{إني نذرت لك ما في بطني محرراً}؛ أي خادماً لبيت العبادة المشحون بالمتعبدين {فتقبل مني}؛ هذا العمل أي اجعله مؤسساً على الإيمان والإخلاص مثمراً للخير والثواب {إنك أنت السميع العليم. فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى}؛ كأن في هذا الكلام نوع تضرع منها وانكسار نفس حيث كان نذرها بناءً على أنه يكون ذكراً يحصل منه من القوة والخدمة والقيام بذلك ما يحصل من أهل القوة، والأنثى بخلاف ذلك، فجبر الله قلبها وتقبل الله نذرها، وصارت هذه الأنثى أكمل وأتم من كثير من الذكور، بل من أكثرهم، وحصل بها من المقاصد أعظم مما يحصل بالذكر، ولهذا قال:{فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتاً حسناً}؛ أي: ربيت تربية عجيبة دينية أخلاقية أدبية، كملت بها أحوالها، وصلحت بها أقوالها وأفعالها، ونما فيها كمالها، ويسر الله لها زكريا كافلاً، وهذا من مِنَّةِ الله على العبد أن يجعل من يتولى تربيته من الكاملين المصلحين. ثم إن الله تعالى أكرم مريم وزكريا حيث يسَّر لمريم من الرزق الحاصل بلا كدٍّ ولا تعب، وإنما هو كرامة أكرمها الله به، إذ {كلما دخل عليها زكريا المحراب}؛ وهو محل العبادة وفيه إشارة إلى كثرة صلاتها وملازمتها لمحرابها {وجد عندها رزقاً}؛ هنيئاً معدًّا قال:{أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزقُ من يشاء بغير حساب}؛ فلما رأى زكريا هذه الحال والبر واللطف من الله بها، ذكَّرَه أن يسأل الله تعالى حصول الولد على حين اليأس منه فقال:{رب هَب لي من لَدُنك ذرية طيبة إنك سميعُ الدُّعاء. فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أنَّ الله يبشرك بيحيى مصدقاً بكلمة من الله}؛ اسمه أي: الكلمة التي مِنَ الله عيسى بن مريم فكانت بشارته بهذا النبي الكريم تتضمن البشارة بعيسى بن مريم والتصديق له والشهادة له بالرسالة، فهذه الكلمة من الله كلمة شريفة اختص الله بها عيسى بن مريم، وإلا فهي من جملة كلماته التي أوجد بها المخلوقات، كما قال تعالى:{إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون}. وقوله:{وسيداً وحصوراً}؛ أي: هذا المبَشَّر به وهو يحيى سيد من فضلاء الرسل وكرامهم، والحصور قيل هو الذي لا يولد له ولا شهوة له في النساء، وقيل هو الذي عصم وحفظ من الذنوب والشهوات الضارة، وهذا أليق المعنيين، {ونبياً من الصالحين}؛ الذين بلغوا في الصلاح ذروته العالية، {قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر}؛ فهذان مانعان فمن أي طريق يا رب يحصل لي ذلك مع ما ينافي ذلك {قال كذلك الله يفعل ما يشاء}؛ فإنه كما اقتضت حكمته جريان الأمور بأسبابها المعروفة، فإنه قد يخرق ذلك لأنه الفعَّالُ لما يريد، الذي قد انقادت الأسباب لقدرته، ونفذت فيها مشيئته وإرادته فلا يتعاصى على قدرته شيء من الأسباب ولو بلغت في القوة ما بلغت {قال رب اجعل لي آية}؛ ليحصل السرور والاستبشار وإن كنت يا رب متيقناً ما أخبرتني به ولكن النفس تفرح، ويطمئن القلب إلى مقدمات الرحمة واللطف، {قال آيتك أن لا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزاً}؛ وفي هذه المدة {اذكر ربك كثيراً وسبح بالعشي والإبكار}؛ أول النهار وآخره، فمنع من الكلام في هذه المدة، فكان في هذا مناسبة لحصول الولد من بين الشيخ الكبير والمرأة العاقر، وكونه لا يقدر على مخاطبة الآدميين ولسانه منطلق بذكر الله وتسبيحه آية أخرى، فحينئذ حصل له الفرح والاستبشار، وشكر الله، وأكثر من الذكر والتسبيح بالعشايا والإبكار. وكان هذا المولود من بركات مريم بنت عمران على زكريا، فإن ما منَّ الله به عليها من ذلك الرزق الهني الذي يحصل بغير حساب ذكَّره وهيَّجه على التضرع والسؤال، والله تعالى هو المتفضل بالسبب والمسبب ولكنه يقدر أموراً محبوبة على يد من يحبه ليرفع الله قدره ويُعْظِمَ أجره، ثم عاد تعالى إلى ذكر مريم وأنها بلغت في العبادة والكمال مبلغاً عظيماً فقال تعالى:{وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك}؛ أي: اختارك ووهب لك من الصفات الجليلة والأخلاق الجميلة {وطهرك}؛ من الأخلاق الرذيلة {واصطفاك على نساء العالمين}؛ ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -: «كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم وخديجة بنت خويلد، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام» ، فنادتها الملائكة عن أمر الله لها بذلك لتغتبط بنعم الله وتشكر الله، وتقوم بحقوقه، وتشتغل بخدمته، ولهذا قال الملائكة:{يا مريم اقنتي لربك}؛ أي: أكثري من الطاعة والخضوع والخشوع لربك وأديمي ذلك {واركعي مع الراكعين}؛ أي: صلي مع المصلين فقامت بكل ما أمرت به وبرزت وفاقت في كمالها. ولما كانت هذه القصة وغيرها من أكبر الأدلة على رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - حيث أخبر بها مفصلة محققة لا زيادة فيها ولا نقص، وما ذاك إلا لأنه وحي من الله العزيز الحكيم لا بتعلم من الناس قال تعالى:{ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك، وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم}؛ حيث جاءت بها أمها فاختصموا أيهم يكفلها لأنها بنت إمامهم ومقدمهم، وكلهم يريد الخير والأجر من الله حتى وصلت بهم الخصومة إلى أن اقترعوا عليها فألقوا أقلامهم مقترعين، فأصابت القرعة زكريا رحمة من الله به وبها فأنت ـ يا أيها الرسول ـ لم تحضر تلك الحالة لتعرفها فتقصها على الناس، وإنما الله نبأك بها، وهذا هو المقصود الأعظم من سياق القصص أنه يحصل بها العبرة، وأعظم العبر والاستدلال بها على التوحيد والرسالة والبعث وغيرها من الأصول الكبار {إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقربين}؛ أي: له الوجاهة والجاه العظيم في الدنيا والآخرة عند الخلق، ومع ذلك فهو عند الله من المقربين الذين هم أقرب الخلائق إلى الله وأعلاهم درجة، وهذه بشارة لا يشبهها شيء من البشارات، ومن تمام هذه البشارة أنه {يكلم الناس في المهد}؛ فيكون تكليمه آية من آيات الله ورحمة منه بأمه وبالخلق، وكذلك يكلمهم {كهلاً}؛ أي: في حال كهولته، وهذا تكليم النبوة والدعوة والإرشاد، فكلامه في المهد فيه آيات وبراهين على صدقه ونبوته وبراءة أمِّه مما يظن بها من الظنون السيئة، وكلامه في كهولته فيه نفعه العظيم للخلق وكونه واسطة بينهم وبين ربهم في وحيه وتبليغ دينه وشرعه، ومع ذلك فهو {من الصالحين}؛ الذين أصلح الله قلوبهم بمعرفته وحبه، وألسنتهم بالثناء عليه وذكره وجوارحهم بطاعته وخدمته {قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر}؛ وهذا هو من الأمور المستغربة {قال كذلك الله يخلق ما يشاء}؛ ليعلم العباد أنه على كل شيء قدير وأنه لا ممانع لإرادته {إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون. ويعلمه الكتاب}؛ أي: جنس الكتب السابقة والحكم بين الناس ويعطيه النبوة ويجعله {رسولاً إلى بني إسرائيل}؛ ويؤيده بالآيات البينات والأدلة القاهرة حيث قال:{أني قد جئتكم بآية من ربكم}؛ تدلكم أني رسول الله حقاً، وذلك {أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله وأبرئ الأكمه}؛ وهو ممسوح العينين الذي فقد بصره وعيناه {والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم، إن في ذلك}؛ المذكور {لآية لكم إن كنتم مؤمنين. ومصدقاً لما بين يدي من التوراة}؛ فأيده الله بجنسين من الآيات والبراهين الخوارق المستغربة التي لا يمكن لغير الأنبياء الإتيان بها، والرسالة والدعوة والدين الذي جاء به وأنه دين التوراة ودين الأنبياء السابقين، وهذا أكبر الأدلة على صدق الصادقين، فإنه لو كان من الكاذبين لخالف ما جاءت به الرسل ولناقضهم في أصولهم وفروعهم، فعلم بذلك أنه رسول الله وأن ما جاء به حق لا ريب فيه، وأيضاً فقوله:{ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم}؛ أي: ولأخفف عنكم بعض الآصار والأغلال {فاتقوا الله وأطيعون. إن الله ربي وربكم فاعبدوه}؛ وهذا ما يدعو إليه جميع الرسل عبادة الله وحده لا شريك له وطاعتهم، وهذا هو الصراط المستقيم الذي من سلكه أوصله إلى جنات النعيم. فحينئذ اختلفت أحزاب بني إسرائيل في عيسى فمنهم من آمن به واتبعه ومنهم من كفر به وكذبه ورمى أمه بالفاحشة كاليهود {فلما أحس عيسى منهم الكفر}؛ والاتفاق على رد دعوته {قال}؛ نادباً لبني إسرائيل على مؤازرته:{من أنصاري إلى الله، قال الحواريون}؛ أي: الأنصار: {نحن أنصار الله آمنَّا بالله واشهد بأنا مسلمون}؛ وهذا من مِنَّةِ الله عليهم وعلى عيسى حيث ألهم هؤلاء الحواريين الإيمان به والانقياد لطاعته والنصرة لرسوله {ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول}؛ وهذا التزام تام للإيمان بكل ما أنزل الله ولطاعة رسوله {فاكتبنا مع الشاهدين}؛ لك بالوحدانية ولنبيك بالرسالة ولدينك بالحق والصدق. وأما من أحسَّ عيسى منهم الكفرَ وهم جمهور بني إسرائيل فإنهم {مكروا}؛ بعيسى {ومكر الله}؛ بهم {والله خير الماكرين}؛ فاتفقوا على قتله وصلبه، وشُبِّهَ لهم شَبَهُ عيسى فقبضوا على من شُبِّهَ لهم به وقال الله لعيسى:{إني متوفيك ورافعك إليَّ ومطهرك من الذين كفروا}؛ فرفعه الله إليه، وطهره من الذين كفروا، وصلبوا من قتلوه، ظانِّين أنه عيسى، وباؤوا بالإثم العظيم. وسينزل عيسى بن مريم في آخر هذه الأمة حكماً عدلاً يقتل الخنزير ويكسر الصليب ويتبع ما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم -، ويعلم الكاذبون غرورَهم وخداعَهم وأنهم مغرورون مخدوعون. وقوله:{وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة}؛ المراد بمن اتبعه الطائفة التي آمنت به ونصرهم الله على من انحرف عن دينه، ثم لما جاءت أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - كانوا هم أتباعه حقًّا فأيدهم ونصرهم على الكفار كلهم، وأظهرهم بالدين الذي جاءهم به محمد - صلى الله عليه وسلم - {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض}؛ الآية. ولكن حكمة الله عادلة فإنها اقتضت أن من تمسك بالدين نصره النصر المبين، وأن من ترك أمره ونهيه ونبذ شرعه وتجرأ على معاصيه أن يعاقبه ويسلط عليه الأعداء. والله عزيز حكيم. وقوله:{ثم إليَّ مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون}. ثم بين ما يفعله بهم فقال:

آل عمران 3:39

{33 ـ 55} لله تعالى من عباده أصفياء يصطفيهم ويختارهم ويمن عليهم بالفضائل العالية والنعوت السامية والعلوم النافعة والأعمال الصالحة والخصائص المتنوعة، فذكر هذه البيوت الكبار وما احتوت عليه من كُمَّل الرجال الذين حازوا أوصاف الكمال، وأن الفضل والخير تسلسل في ذراريهم، وشمل ذكورهم ونساءهم وهذا من أجل مننه وأفضل مواقع جوده وكرمه {والله سميع عليم}؛ يعلم من يستحق الفضل والتفضيل فيضع فضله حيث اقتضت حكمته. فلما قرر عظمة هذه البيوت ذكر قصة مريم وابنها عيسى - صلى الله عليه وسلم - وكيف تسلسلا من هذه البيوت الفاضلة، وكيف تنقلت بهما الأحوال من ابتداء أمرهما إلى آخره، وأن امرأة عمران قالت متضرعة إلى ربها متقربة إليه بهذه القربة التي يحبها، التي فيها تعظيم بيته وملازمة طاعته:{إني نذرت لك ما في بطني محرراً}؛ أي خادماً لبيت العبادة المشحون بالمتعبدين {فتقبل مني}؛ هذا العمل أي اجعله مؤسساً على الإيمان والإخلاص مثمراً للخير والثواب {إنك أنت السميع العليم. فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى}؛ كأن في هذا الكلام نوع تضرع منها وانكسار نفس حيث كان نذرها بناءً على أنه يكون ذكراً يحصل منه من القوة والخدمة والقيام بذلك ما يحصل من أهل القوة، والأنثى بخلاف ذلك، فجبر الله قلبها وتقبل الله نذرها، وصارت هذه الأنثى أكمل وأتم من كثير من الذكور، بل من أكثرهم، وحصل بها من المقاصد أعظم مما يحصل بالذكر، ولهذا قال:{فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتاً حسناً}؛ أي: ربيت تربية عجيبة دينية أخلاقية أدبية، كملت بها أحوالها، وصلحت بها أقوالها وأفعالها، ونما فيها كمالها، ويسر الله لها زكريا كافلاً، وهذا من مِنَّةِ الله على العبد أن يجعل من يتولى تربيته من الكاملين المصلحين. ثم إن الله تعالى أكرم مريم وزكريا حيث يسَّر لمريم من الرزق الحاصل بلا كدٍّ ولا تعب، وإنما هو كرامة أكرمها الله به، إذ {كلما دخل عليها زكريا المحراب}؛ وهو محل العبادة وفيه إشارة إلى كثرة صلاتها وملازمتها لمحرابها {وجد عندها رزقاً}؛ هنيئاً معدًّا قال:{أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزقُ من يشاء بغير حساب}؛ فلما رأى زكريا هذه الحال والبر واللطف من الله بها، ذكَّرَه أن يسأل الله تعالى حصول الولد على حين اليأس منه فقال:{رب هَب لي من لَدُنك ذرية طيبة إنك سميعُ الدُّعاء. فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أنَّ الله يبشرك بيحيى مصدقاً بكلمة من الله}؛ اسمه أي: الكلمة التي مِنَ الله عيسى بن مريم فكانت بشارته بهذا النبي الكريم تتضمن البشارة بعيسى بن مريم والتصديق له والشهادة له بالرسالة، فهذه الكلمة من الله كلمة شريفة اختص الله بها عيسى بن مريم، وإلا فهي من جملة كلماته التي أوجد بها المخلوقات، كما قال تعالى:{إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون}. وقوله:{وسيداً وحصوراً}؛ أي: هذا المبَشَّر به وهو يحيى سيد من فضلاء الرسل وكرامهم، والحصور قيل هو الذي لا يولد له ولا شهوة له في النساء، وقيل هو الذي عصم وحفظ من الذنوب والشهوات الضارة، وهذا أليق المعنيين، {ونبياً من الصالحين}؛ الذين بلغوا في الصلاح ذروته العالية، {قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر}؛ فهذان مانعان فمن أي طريق يا رب يحصل لي ذلك مع ما ينافي ذلك {قال كذلك الله يفعل ما يشاء}؛ فإنه كما اقتضت حكمته جريان الأمور بأسبابها المعروفة، فإنه قد يخرق ذلك لأنه الفعَّالُ لما يريد، الذي قد انقادت الأسباب لقدرته، ونفذت فيها مشيئته وإرادته فلا يتعاصى على قدرته شيء من الأسباب ولو بلغت في القوة ما بلغت {قال رب اجعل لي آية}؛ ليحصل السرور والاستبشار وإن كنت يا رب متيقناً ما أخبرتني به ولكن النفس تفرح، ويطمئن القلب إلى مقدمات الرحمة واللطف، {قال آيتك أن لا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزاً}؛ وفي هذه المدة {اذكر ربك كثيراً وسبح بالعشي والإبكار}؛ أول النهار وآخره، فمنع من الكلام في هذه المدة، فكان في هذا مناسبة لحصول الولد من بين الشيخ الكبير والمرأة العاقر، وكونه لا يقدر على مخاطبة الآدميين ولسانه منطلق بذكر الله وتسبيحه آية أخرى، فحينئذ حصل له الفرح والاستبشار، وشكر الله، وأكثر من الذكر والتسبيح بالعشايا والإبكار. وكان هذا المولود من بركات مريم بنت عمران على زكريا، فإن ما منَّ الله به عليها من ذلك الرزق الهني الذي يحصل بغير حساب ذكَّره وهيَّجه على التضرع والسؤال، والله تعالى هو المتفضل بالسبب والمسبب ولكنه يقدر أموراً محبوبة على يد من يحبه ليرفع الله قدره ويُعْظِمَ أجره، ثم عاد تعالى إلى ذكر مريم وأنها بلغت في العبادة والكمال مبلغاً عظيماً فقال تعالى:{وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك}؛ أي: اختارك ووهب لك من الصفات الجليلة والأخلاق الجميلة {وطهرك}؛ من الأخلاق الرذيلة {واصطفاك على نساء العالمين}؛ ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -: «كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم وخديجة بنت خويلد، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام» ، فنادتها الملائكة عن أمر الله لها بذلك لتغتبط بنعم الله وتشكر الله، وتقوم بحقوقه، وتشتغل بخدمته، ولهذا قال الملائكة:{يا مريم اقنتي لربك}؛ أي: أكثري من الطاعة والخضوع والخشوع لربك وأديمي ذلك {واركعي مع الراكعين}؛ أي: صلي مع المصلين فقامت بكل ما أمرت به وبرزت وفاقت في كمالها. ولما كانت هذه القصة وغيرها من أكبر الأدلة على رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - حيث أخبر بها مفصلة محققة لا زيادة فيها ولا نقص، وما ذاك إلا لأنه وحي من الله العزيز الحكيم لا بتعلم من الناس قال تعالى:{ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك، وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم}؛ حيث جاءت بها أمها فاختصموا أيهم يكفلها لأنها بنت إمامهم ومقدمهم، وكلهم يريد الخير والأجر من الله حتى وصلت بهم الخصومة إلى أن اقترعوا عليها فألقوا أقلامهم مقترعين، فأصابت القرعة زكريا رحمة من الله به وبها فأنت ـ يا أيها الرسول ـ لم تحضر تلك الحالة لتعرفها فتقصها على الناس، وإنما الله نبأك بها، وهذا هو المقصود الأعظم من سياق القصص أنه يحصل بها العبرة، وأعظم العبر والاستدلال بها على التوحيد والرسالة والبعث وغيرها من الأصول الكبار {إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقربين}؛ أي: له الوجاهة والجاه العظيم في الدنيا والآخرة عند الخلق، ومع ذلك فهو عند الله من المقربين الذين هم أقرب الخلائق إلى الله وأعلاهم درجة، وهذه بشارة لا يشبهها شيء من البشارات، ومن تمام هذه البشارة أنه {يكلم الناس في المهد}؛ فيكون تكليمه آية من آيات الله ورحمة منه بأمه وبالخلق، وكذلك يكلمهم {كهلاً}؛ أي: في حال كهولته، وهذا تكليم النبوة والدعوة والإرشاد، فكلامه في المهد فيه آيات وبراهين على صدقه ونبوته وبراءة أمِّه مما يظن بها من الظنون السيئة، وكلامه في كهولته فيه نفعه العظيم للخلق وكونه واسطة بينهم وبين ربهم في وحيه وتبليغ دينه وشرعه، ومع ذلك فهو {من الصالحين}؛ الذين أصلح الله قلوبهم بمعرفته وحبه، وألسنتهم بالثناء عليه وذكره وجوارحهم بطاعته وخدمته {قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر}؛ وهذا هو من الأمور المستغربة {قال كذلك الله يخلق ما يشاء}؛ ليعلم العباد أنه على كل شيء قدير وأنه لا ممانع لإرادته {إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون. ويعلمه الكتاب}؛ أي: جنس الكتب السابقة والحكم بين الناس ويعطيه النبوة ويجعله {رسولاً إلى بني إسرائيل}؛ ويؤيده بالآيات البينات والأدلة القاهرة حيث قال:{أني قد جئتكم بآية من ربكم}؛ تدلكم أني رسول الله حقاً، وذلك {أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله وأبرئ الأكمه}؛ وهو ممسوح العينين الذي فقد بصره وعيناه {والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم، إن في ذلك}؛ المذكور {لآية لكم إن كنتم مؤمنين. ومصدقاً لما بين يدي من التوراة}؛ فأيده الله بجنسين من الآيات والبراهين الخوارق المستغربة التي لا يمكن لغير الأنبياء الإتيان بها، والرسالة والدعوة والدين الذي جاء به وأنه دين التوراة ودين الأنبياء السابقين، وهذا أكبر الأدلة على صدق الصادقين، فإنه لو كان من الكاذبين لخالف ما جاءت به الرسل ولناقضهم في أصولهم وفروعهم، فعلم بذلك أنه رسول الله وأن ما جاء به حق لا ريب فيه، وأيضاً فقوله:{ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم}؛ أي: ولأخفف عنكم بعض الآصار والأغلال {فاتقوا الله وأطيعون. إن الله ربي وربكم فاعبدوه}؛ وهذا ما يدعو إليه جميع الرسل عبادة الله وحده لا شريك له وطاعتهم، وهذا هو الصراط المستقيم الذي من سلكه أوصله إلى جنات النعيم. فحينئذ اختلفت أحزاب بني إسرائيل في عيسى فمنهم من آمن به واتبعه ومنهم من كفر به وكذبه ورمى أمه بالفاحشة كاليهود {فلما أحس عيسى منهم الكفر}؛ والاتفاق على رد دعوته {قال}؛ نادباً لبني إسرائيل على مؤازرته:{من أنصاري إلى الله، قال الحواريون}؛ أي: الأنصار: {نحن أنصار الله آمنَّا بالله واشهد بأنا مسلمون}؛ وهذا من مِنَّةِ الله عليهم وعلى عيسى حيث ألهم هؤلاء الحواريين الإيمان به والانقياد لطاعته والنصرة لرسوله {ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول}؛ وهذا التزام تام للإيمان بكل ما أنزل الله ولطاعة رسوله {فاكتبنا مع الشاهدين}؛ لك بالوحدانية ولنبيك بالرسالة ولدينك بالحق والصدق. وأما من أحسَّ عيسى منهم الكفرَ وهم جمهور بني إسرائيل فإنهم {مكروا}؛ بعيسى {ومكر الله}؛ بهم {والله خير الماكرين}؛ فاتفقوا على قتله وصلبه، وشُبِّهَ لهم شَبَهُ عيسى فقبضوا على من شُبِّهَ لهم به وقال الله لعيسى:{إني متوفيك ورافعك إليَّ ومطهرك من الذين كفروا}؛ فرفعه الله إليه، وطهره من الذين كفروا، وصلبوا من قتلوه، ظانِّين أنه عيسى، وباؤوا بالإثم العظيم. وسينزل عيسى بن مريم في آخر هذه الأمة حكماً عدلاً يقتل الخنزير ويكسر الصليب ويتبع ما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم -، ويعلم الكاذبون غرورَهم وخداعَهم وأنهم مغرورون مخدوعون. وقوله:{وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة}؛ المراد بمن اتبعه الطائفة التي آمنت به ونصرهم الله على من انحرف عن دينه، ثم لما جاءت أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - كانوا هم أتباعه حقًّا فأيدهم ونصرهم على الكفار كلهم، وأظهرهم بالدين الذي جاءهم به محمد - صلى الله عليه وسلم - {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض}؛ الآية. ولكن حكمة الله عادلة فإنها اقتضت أن من تمسك بالدين نصره النصر المبين، وأن من ترك أمره ونهيه ونبذ شرعه وتجرأ على معاصيه أن يعاقبه ويسلط عليه الأعداء. والله عزيز حكيم. وقوله:{ثم إليَّ مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون}. ثم بين ما يفعله بهم فقال:

آل عمران 3:40

{33 ـ 55} لله تعالى من عباده أصفياء يصطفيهم ويختارهم ويمن عليهم بالفضائل العالية والنعوت السامية والعلوم النافعة والأعمال الصالحة والخصائص المتنوعة، فذكر هذه البيوت الكبار وما احتوت عليه من كُمَّل الرجال الذين حازوا أوصاف الكمال، وأن الفضل والخير تسلسل في ذراريهم، وشمل ذكورهم ونساءهم وهذا من أجل مننه وأفضل مواقع جوده وكرمه {والله سميع عليم}؛ يعلم من يستحق الفضل والتفضيل فيضع فضله حيث اقتضت حكمته. فلما قرر عظمة هذه البيوت ذكر قصة مريم وابنها عيسى - صلى الله عليه وسلم - وكيف تسلسلا من هذه البيوت الفاضلة، وكيف تنقلت بهما الأحوال من ابتداء أمرهما إلى آخره، وأن امرأة عمران قالت متضرعة إلى ربها متقربة إليه بهذه القربة التي يحبها، التي فيها تعظيم بيته وملازمة طاعته:{إني نذرت لك ما في بطني محرراً}؛ أي خادماً لبيت العبادة المشحون بالمتعبدين {فتقبل مني}؛ هذا العمل أي اجعله مؤسساً على الإيمان والإخلاص مثمراً للخير والثواب {إنك أنت السميع العليم. فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى}؛ كأن في هذا الكلام نوع تضرع منها وانكسار نفس حيث كان نذرها بناءً على أنه يكون ذكراً يحصل منه من القوة والخدمة والقيام بذلك ما يحصل من أهل القوة، والأنثى بخلاف ذلك، فجبر الله قلبها وتقبل الله نذرها، وصارت هذه الأنثى أكمل وأتم من كثير من الذكور، بل من أكثرهم، وحصل بها من المقاصد أعظم مما يحصل بالذكر، ولهذا قال:{فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتاً حسناً}؛ أي: ربيت تربية عجيبة دينية أخلاقية أدبية، كملت بها أحوالها، وصلحت بها أقوالها وأفعالها، ونما فيها كمالها، ويسر الله لها زكريا كافلاً، وهذا من مِنَّةِ الله على العبد أن يجعل من يتولى تربيته من الكاملين المصلحين. ثم إن الله تعالى أكرم مريم وزكريا حيث يسَّر لمريم من الرزق الحاصل بلا كدٍّ ولا تعب، وإنما هو كرامة أكرمها الله به، إذ {كلما دخل عليها زكريا المحراب}؛ وهو محل العبادة وفيه إشارة إلى كثرة صلاتها وملازمتها لمحرابها {وجد عندها رزقاً}؛ هنيئاً معدًّا قال:{أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزقُ من يشاء بغير حساب}؛ فلما رأى زكريا هذه الحال والبر واللطف من الله بها، ذكَّرَه أن يسأل الله تعالى حصول الولد على حين اليأس منه فقال:{رب هَب لي من لَدُنك ذرية طيبة إنك سميعُ الدُّعاء. فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أنَّ الله يبشرك بيحيى مصدقاً بكلمة من الله}؛ اسمه أي: الكلمة التي مِنَ الله عيسى بن مريم فكانت بشارته بهذا النبي الكريم تتضمن البشارة بعيسى بن مريم والتصديق له والشهادة له بالرسالة، فهذه الكلمة من الله كلمة شريفة اختص الله بها عيسى بن مريم، وإلا فهي من جملة كلماته التي أوجد بها المخلوقات، كما قال تعالى:{إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون}. وقوله:{وسيداً وحصوراً}؛ أي: هذا المبَشَّر به وهو يحيى سيد من فضلاء الرسل وكرامهم، والحصور قيل هو الذي لا يولد له ولا شهوة له في النساء، وقيل هو الذي عصم وحفظ من الذنوب والشهوات الضارة، وهذا أليق المعنيين، {ونبياً من الصالحين}؛ الذين بلغوا في الصلاح ذروته العالية، {قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر}؛ فهذان مانعان فمن أي طريق يا رب يحصل لي ذلك مع ما ينافي ذلك {قال كذلك الله يفعل ما يشاء}؛ فإنه كما اقتضت حكمته جريان الأمور بأسبابها المعروفة، فإنه قد يخرق ذلك لأنه الفعَّالُ لما يريد، الذي قد انقادت الأسباب لقدرته، ونفذت فيها مشيئته وإرادته فلا يتعاصى على قدرته شيء من الأسباب ولو بلغت في القوة ما بلغت {قال رب اجعل لي آية}؛ ليحصل السرور والاستبشار وإن كنت يا رب متيقناً ما أخبرتني به ولكن النفس تفرح، ويطمئن القلب إلى مقدمات الرحمة واللطف، {قال آيتك أن لا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزاً}؛ وفي هذه المدة {اذكر ربك كثيراً وسبح بالعشي والإبكار}؛ أول النهار وآخره، فمنع من الكلام في هذه المدة، فكان في هذا مناسبة لحصول الولد من بين الشيخ الكبير والمرأة العاقر، وكونه لا يقدر على مخاطبة الآدميين ولسانه منطلق بذكر الله وتسبيحه آية أخرى، فحينئذ حصل له الفرح والاستبشار، وشكر الله، وأكثر من الذكر والتسبيح بالعشايا والإبكار. وكان هذا المولود من بركات مريم بنت عمران على زكريا، فإن ما منَّ الله به عليها من ذلك الرزق الهني الذي يحصل بغير حساب ذكَّره وهيَّجه على التضرع والسؤال، والله تعالى هو المتفضل بالسبب والمسبب ولكنه يقدر أموراً محبوبة على يد من يحبه ليرفع الله قدره ويُعْظِمَ أجره، ثم عاد تعالى إلى ذكر مريم وأنها بلغت في العبادة والكمال مبلغاً عظيماً فقال تعالى:{وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك}؛ أي: اختارك ووهب لك من الصفات الجليلة والأخلاق الجميلة {وطهرك}؛ من الأخلاق الرذيلة {واصطفاك على نساء العالمين}؛ ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -: «كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم وخديجة بنت خويلد، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام» ، فنادتها الملائكة عن أمر الله لها بذلك لتغتبط بنعم الله وتشكر الله، وتقوم بحقوقه، وتشتغل بخدمته، ولهذا قال الملائكة:{يا مريم اقنتي لربك}؛ أي: أكثري من الطاعة والخضوع والخشوع لربك وأديمي ذلك {واركعي مع الراكعين}؛ أي: صلي مع المصلين فقامت بكل ما أمرت به وبرزت وفاقت في كمالها. ولما كانت هذه القصة وغيرها من أكبر الأدلة على رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - حيث أخبر بها مفصلة محققة لا زيادة فيها ولا نقص، وما ذاك إلا لأنه وحي من الله العزيز الحكيم لا بتعلم من الناس قال تعالى:{ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك، وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم}؛ حيث جاءت بها أمها فاختصموا أيهم يكفلها لأنها بنت إمامهم ومقدمهم، وكلهم يريد الخير والأجر من الله حتى وصلت بهم الخصومة إلى أن اقترعوا عليها فألقوا أقلامهم مقترعين، فأصابت القرعة زكريا رحمة من الله به وبها فأنت ـ يا أيها الرسول ـ لم تحضر تلك الحالة لتعرفها فتقصها على الناس، وإنما الله نبأك بها، وهذا هو المقصود الأعظم من سياق القصص أنه يحصل بها العبرة، وأعظم العبر والاستدلال بها على التوحيد والرسالة والبعث وغيرها من الأصول الكبار {إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقربين}؛ أي: له الوجاهة والجاه العظيم في الدنيا والآخرة عند الخلق، ومع ذلك فهو عند الله من المقربين الذين هم أقرب الخلائق إلى الله وأعلاهم درجة، وهذه بشارة لا يشبهها شيء من البشارات، ومن تمام هذه البشارة أنه {يكلم الناس في المهد}؛ فيكون تكليمه آية من آيات الله ورحمة منه بأمه وبالخلق، وكذلك يكلمهم {كهلاً}؛ أي: في حال كهولته، وهذا تكليم النبوة والدعوة والإرشاد، فكلامه في المهد فيه آيات وبراهين على صدقه ونبوته وبراءة أمِّه مما يظن بها من الظنون السيئة، وكلامه في كهولته فيه نفعه العظيم للخلق وكونه واسطة بينهم وبين ربهم في وحيه وتبليغ دينه وشرعه، ومع ذلك فهو {من الصالحين}؛ الذين أصلح الله قلوبهم بمعرفته وحبه، وألسنتهم بالثناء عليه وذكره وجوارحهم بطاعته وخدمته {قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر}؛ وهذا هو من الأمور المستغربة {قال كذلك الله يخلق ما يشاء}؛ ليعلم العباد أنه على كل شيء قدير وأنه لا ممانع لإرادته {إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون. ويعلمه الكتاب}؛ أي: جنس الكتب السابقة والحكم بين الناس ويعطيه النبوة ويجعله {رسولاً إلى بني إسرائيل}؛ ويؤيده بالآيات البينات والأدلة القاهرة حيث قال:{أني قد جئتكم بآية من ربكم}؛ تدلكم أني رسول الله حقاً، وذلك {أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله وأبرئ الأكمه}؛ وهو ممسوح العينين الذي فقد بصره وعيناه {والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم، إن في ذلك}؛ المذكور {لآية لكم إن كنتم مؤمنين. ومصدقاً لما بين يدي من التوراة}؛ فأيده الله بجنسين من الآيات والبراهين الخوارق المستغربة التي لا يمكن لغير الأنبياء الإتيان بها، والرسالة والدعوة والدين الذي جاء به وأنه دين التوراة ودين الأنبياء السابقين، وهذا أكبر الأدلة على صدق الصادقين، فإنه لو كان من الكاذبين لخالف ما جاءت به الرسل ولناقضهم في أصولهم وفروعهم، فعلم بذلك أنه رسول الله وأن ما جاء به حق لا ريب فيه، وأيضاً فقوله:{ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم}؛ أي: ولأخفف عنكم بعض الآصار والأغلال {فاتقوا الله وأطيعون. إن الله ربي وربكم فاعبدوه}؛ وهذا ما يدعو إليه جميع الرسل عبادة الله وحده لا شريك له وطاعتهم، وهذا هو الصراط المستقيم الذي من سلكه أوصله إلى جنات النعيم. فحينئذ اختلفت أحزاب بني إسرائيل في عيسى فمنهم من آمن به واتبعه ومنهم من كفر به وكذبه ورمى أمه بالفاحشة كاليهود {فلما أحس عيسى منهم الكفر}؛ والاتفاق على رد دعوته {قال}؛ نادباً لبني إسرائيل على مؤازرته:{من أنصاري إلى الله، قال الحواريون}؛ أي: الأنصار: {نحن أنصار الله آمنَّا بالله واشهد بأنا مسلمون}؛ وهذا من مِنَّةِ الله عليهم وعلى عيسى حيث ألهم هؤلاء الحواريين الإيمان به والانقياد لطاعته والنصرة لرسوله {ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول}؛ وهذا التزام تام للإيمان بكل ما أنزل الله ولطاعة رسوله {فاكتبنا مع الشاهدين}؛ لك بالوحدانية ولنبيك بالرسالة ولدينك بالحق والصدق. وأما من أحسَّ عيسى منهم الكفرَ وهم جمهور بني إسرائيل فإنهم {مكروا}؛ بعيسى {ومكر الله}؛ بهم {والله خير الماكرين}؛ فاتفقوا على قتله وصلبه، وشُبِّهَ لهم شَبَهُ عيسى فقبضوا على من شُبِّهَ لهم به وقال الله لعيسى:{إني متوفيك ورافعك إليَّ ومطهرك من الذين كفروا}؛ فرفعه الله إليه، وطهره من الذين كفروا، وصلبوا من قتلوه، ظانِّين أنه عيسى، وباؤوا بالإثم العظيم. وسينزل عيسى بن مريم في آخر هذه الأمة حكماً عدلاً يقتل الخنزير ويكسر الصليب ويتبع ما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم -، ويعلم الكاذبون غرورَهم وخداعَهم وأنهم مغرورون مخدوعون. وقوله:{وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة}؛ المراد بمن اتبعه الطائفة التي آمنت به ونصرهم الله على من انحرف عن دينه، ثم لما جاءت أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - كانوا هم أتباعه حقًّا فأيدهم ونصرهم على الكفار كلهم، وأظهرهم بالدين الذي جاءهم به محمد - صلى الله عليه وسلم - {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض}؛ الآية. ولكن حكمة الله عادلة فإنها اقتضت أن من تمسك بالدين نصره النصر المبين، وأن من ترك أمره ونهيه ونبذ شرعه وتجرأ على معاصيه أن يعاقبه ويسلط عليه الأعداء. والله عزيز حكيم. وقوله:{ثم إليَّ مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون}. ثم بين ما يفعله بهم فقال:

آل عمران 3:41

{33 ـ 55} لله تعالى من عباده أصفياء يصطفيهم ويختارهم ويمن عليهم بالفضائل العالية والنعوت السامية والعلوم النافعة والأعمال الصالحة والخصائص المتنوعة، فذكر هذه البيوت الكبار وما احتوت عليه من كُمَّل الرجال الذين حازوا أوصاف الكمال، وأن الفضل والخير تسلسل في ذراريهم، وشمل ذكورهم ونساءهم وهذا من أجل مننه وأفضل مواقع جوده وكرمه {والله سميع عليم}؛ يعلم من يستحق الفضل والتفضيل فيضع فضله حيث اقتضت حكمته. فلما قرر عظمة هذه البيوت ذكر قصة مريم وابنها عيسى - صلى الله عليه وسلم - وكيف تسلسلا من هذه البيوت الفاضلة، وكيف تنقلت بهما الأحوال من ابتداء أمرهما إلى آخره، وأن امرأة عمران قالت متضرعة إلى ربها متقربة إليه بهذه القربة التي يحبها، التي فيها تعظيم بيته وملازمة طاعته:{إني نذرت لك ما في بطني محرراً}؛ أي خادماً لبيت العبادة المشحون بالمتعبدين {فتقبل مني}؛ هذا العمل أي اجعله مؤسساً على الإيمان والإخلاص مثمراً للخير والثواب {إنك أنت السميع العليم. فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى}؛ كأن في هذا الكلام نوع تضرع منها وانكسار نفس حيث كان نذرها بناءً على أنه يكون ذكراً يحصل منه من القوة والخدمة والقيام بذلك ما يحصل من أهل القوة، والأنثى بخلاف ذلك، فجبر الله قلبها وتقبل الله نذرها، وصارت هذه الأنثى أكمل وأتم من كثير من الذكور، بل من أكثرهم، وحصل بها من المقاصد أعظم مما يحصل بالذكر، ولهذا قال:{فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتاً حسناً}؛ أي: ربيت تربية عجيبة دينية أخلاقية أدبية، كملت بها أحوالها، وصلحت بها أقوالها وأفعالها، ونما فيها كمالها، ويسر الله لها زكريا كافلاً، وهذا من مِنَّةِ الله على العبد أن يجعل من يتولى تربيته من الكاملين المصلحين. ثم إن الله تعالى أكرم مريم وزكريا حيث يسَّر لمريم من الرزق الحاصل بلا كدٍّ ولا تعب، وإنما هو كرامة أكرمها الله به، إذ {كلما دخل عليها زكريا المحراب}؛ وهو محل العبادة وفيه إشارة إلى كثرة صلاتها وملازمتها لمحرابها {وجد عندها رزقاً}؛ هنيئاً معدًّا قال:{أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزقُ من يشاء بغير حساب}؛ فلما رأى زكريا هذه الحال والبر واللطف من الله بها، ذكَّرَه أن يسأل الله تعالى حصول الولد على حين اليأس منه فقال:{رب هَب لي من لَدُنك ذرية طيبة إنك سميعُ الدُّعاء. فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أنَّ الله يبشرك بيحيى مصدقاً بكلمة من الله}؛ اسمه أي: الكلمة التي مِنَ الله عيسى بن مريم فكانت بشارته بهذا النبي الكريم تتضمن البشارة بعيسى بن مريم والتصديق له والشهادة له بالرسالة، فهذه الكلمة من الله كلمة شريفة اختص الله بها عيسى بن مريم، وإلا فهي من جملة كلماته التي أوجد بها المخلوقات، كما قال تعالى:{إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون}. وقوله:{وسيداً وحصوراً}؛ أي: هذا المبَشَّر به وهو يحيى سيد من فضلاء الرسل وكرامهم، والحصور قيل هو الذي لا يولد له ولا شهوة له في النساء، وقيل هو الذي عصم وحفظ من الذنوب والشهوات الضارة، وهذا أليق المعنيين، {ونبياً من الصالحين}؛ الذين بلغوا في الصلاح ذروته العالية، {قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر}؛ فهذان مانعان فمن أي طريق يا رب يحصل لي ذلك مع ما ينافي ذلك {قال كذلك الله يفعل ما يشاء}؛ فإنه كما اقتضت حكمته جريان الأمور بأسبابها المعروفة، فإنه قد يخرق ذلك لأنه الفعَّالُ لما يريد، الذي قد انقادت الأسباب لقدرته، ونفذت فيها مشيئته وإرادته فلا يتعاصى على قدرته شيء من الأسباب ولو بلغت في القوة ما بلغت {قال رب اجعل لي آية}؛ ليحصل السرور والاستبشار وإن كنت يا رب متيقناً ما أخبرتني به ولكن النفس تفرح، ويطمئن القلب إلى مقدمات الرحمة واللطف، {قال آيتك أن لا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزاً}؛ وفي هذه المدة {اذكر ربك كثيراً وسبح بالعشي والإبكار}؛ أول النهار وآخره، فمنع من الكلام في هذه المدة، فكان في هذا مناسبة لحصول الولد من بين الشيخ الكبير والمرأة العاقر، وكونه لا يقدر على مخاطبة الآدميين ولسانه منطلق بذكر الله وتسبيحه آية أخرى، فحينئذ حصل له الفرح والاستبشار، وشكر الله، وأكثر من الذكر والتسبيح بالعشايا والإبكار. وكان هذا المولود من بركات مريم بنت عمران على زكريا، فإن ما منَّ الله به عليها من ذلك الرزق الهني الذي يحصل بغير حساب ذكَّره وهيَّجه على التضرع والسؤال، والله تعالى هو المتفضل بالسبب والمسبب ولكنه يقدر أموراً محبوبة على يد من يحبه ليرفع الله قدره ويُعْظِمَ أجره، ثم عاد تعالى إلى ذكر مريم وأنها بلغت في العبادة والكمال مبلغاً عظيماً فقال تعالى:{وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك}؛ أي: اختارك ووهب لك من الصفات الجليلة والأخلاق الجميلة {وطهرك}؛ من الأخلاق الرذيلة {واصطفاك على نساء العالمين}؛ ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -: «كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم وخديجة بنت خويلد، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام» ، فنادتها الملائكة عن أمر الله لها بذلك لتغتبط بنعم الله وتشكر الله، وتقوم بحقوقه، وتشتغل بخدمته، ولهذا قال الملائكة:{يا مريم اقنتي لربك}؛ أي: أكثري من الطاعة والخضوع والخشوع لربك وأديمي ذلك {واركعي مع الراكعين}؛ أي: صلي مع المصلين فقامت بكل ما أمرت به وبرزت وفاقت في كمالها. ولما كانت هذه القصة وغيرها من أكبر الأدلة على رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - حيث أخبر بها مفصلة محققة لا زيادة فيها ولا نقص، وما ذاك إلا لأنه وحي من الله العزيز الحكيم لا بتعلم من الناس قال تعالى:{ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك، وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم}؛ حيث جاءت بها أمها فاختصموا أيهم يكفلها لأنها بنت إمامهم ومقدمهم، وكلهم يريد الخير والأجر من الله حتى وصلت بهم الخصومة إلى أن اقترعوا عليها فألقوا أقلامهم مقترعين، فأصابت القرعة زكريا رحمة من الله به وبها فأنت ـ يا أيها الرسول ـ لم تحضر تلك الحالة لتعرفها فتقصها على الناس، وإنما الله نبأك بها، وهذا هو المقصود الأعظم من سياق القصص أنه يحصل بها العبرة، وأعظم العبر والاستدلال بها على التوحيد والرسالة والبعث وغيرها من الأصول الكبار {إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقربين}؛ أي: له الوجاهة والجاه العظيم في الدنيا والآخرة عند الخلق، ومع ذلك فهو عند الله من المقربين الذين هم أقرب الخلائق إلى الله وأعلاهم درجة، وهذه بشارة لا يشبهها شيء من البشارات، ومن تمام هذه البشارة أنه {يكلم الناس في المهد}؛ فيكون تكليمه آية من آيات الله ورحمة منه بأمه وبالخلق، وكذلك يكلمهم {كهلاً}؛ أي: في حال كهولته، وهذا تكليم النبوة والدعوة والإرشاد، فكلامه في المهد فيه آيات وبراهين على صدقه ونبوته وبراءة أمِّه مما يظن بها من الظنون السيئة، وكلامه في كهولته فيه نفعه العظيم للخلق وكونه واسطة بينهم وبين ربهم في وحيه وتبليغ دينه وشرعه، ومع ذلك فهو {من الصالحين}؛ الذين أصلح الله قلوبهم بمعرفته وحبه، وألسنتهم بالثناء عليه وذكره وجوارحهم بطاعته وخدمته {قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر}؛ وهذا هو من الأمور المستغربة {قال كذلك الله يخلق ما يشاء}؛ ليعلم العباد أنه على كل شيء قدير وأنه لا ممانع لإرادته {إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون. ويعلمه الكتاب}؛ أي: جنس الكتب السابقة والحكم بين الناس ويعطيه النبوة ويجعله {رسولاً إلى بني إسرائيل}؛ ويؤيده بالآيات البينات والأدلة القاهرة حيث قال:{أني قد جئتكم بآية من ربكم}؛ تدلكم أني رسول الله حقاً، وذلك {أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله وأبرئ الأكمه}؛ وهو ممسوح العينين الذي فقد بصره وعيناه {والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم، إن في ذلك}؛ المذكور {لآية لكم إن كنتم مؤمنين. ومصدقاً لما بين يدي من التوراة}؛ فأيده الله بجنسين من الآيات والبراهين الخوارق المستغربة التي لا يمكن لغير الأنبياء الإتيان بها، والرسالة والدعوة والدين الذي جاء به وأنه دين التوراة ودين الأنبياء السابقين، وهذا أكبر الأدلة على صدق الصادقين، فإنه لو كان من الكاذبين لخالف ما جاءت به الرسل ولناقضهم في أصولهم وفروعهم، فعلم بذلك أنه رسول الله وأن ما جاء به حق لا ريب فيه، وأيضاً فقوله:{ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم}؛ أي: ولأخفف عنكم بعض الآصار والأغلال {فاتقوا الله وأطيعون. إن الله ربي وربكم فاعبدوه}؛ وهذا ما يدعو إليه جميع الرسل عبادة الله وحده لا شريك له وطاعتهم، وهذا هو الصراط المستقيم الذي من سلكه أوصله إلى جنات النعيم. فحينئذ اختلفت أحزاب بني إسرائيل في عيسى فمنهم من آمن به واتبعه ومنهم من كفر به وكذبه ورمى أمه بالفاحشة كاليهود {فلما أحس عيسى منهم الكفر}؛ والاتفاق على رد دعوته {قال}؛ نادباً لبني إسرائيل على مؤازرته:{من أنصاري إلى الله، قال الحواريون}؛ أي: الأنصار: {نحن أنصار الله آمنَّا بالله واشهد بأنا مسلمون}؛ وهذا من مِنَّةِ الله عليهم وعلى عيسى حيث ألهم هؤلاء الحواريين الإيمان به والانقياد لطاعته والنصرة لرسوله {ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول}؛ وهذا التزام تام للإيمان بكل ما أنزل الله ولطاعة رسوله {فاكتبنا مع الشاهدين}؛ لك بالوحدانية ولنبيك بالرسالة ولدينك بالحق والصدق. وأما من أحسَّ عيسى منهم الكفرَ وهم جمهور بني إسرائيل فإنهم {مكروا}؛ بعيسى {ومكر الله}؛ بهم {والله خير الماكرين}؛ فاتفقوا على قتله وصلبه، وشُبِّهَ لهم شَبَهُ عيسى فقبضوا على من شُبِّهَ لهم به وقال الله لعيسى:{إني متوفيك ورافعك إليَّ ومطهرك من الذين كفروا}؛ فرفعه الله إليه، وطهره من الذين كفروا، وصلبوا من قتلوه، ظانِّين أنه عيسى، وباؤوا بالإثم العظيم. وسينزل عيسى بن مريم في آخر هذه الأمة حكماً عدلاً يقتل الخنزير ويكسر الصليب ويتبع ما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم -، ويعلم الكاذبون غرورَهم وخداعَهم وأنهم مغرورون مخدوعون. وقوله:{وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة}؛ المراد بمن اتبعه الطائفة التي آمنت به ونصرهم الله على من انحرف عن دينه، ثم لما جاءت أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - كانوا هم أتباعه حقًّا فأيدهم ونصرهم على الكفار كلهم، وأظهرهم بالدين الذي جاءهم به محمد - صلى الله عليه وسلم - {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض}؛ الآية. ولكن حكمة الله عادلة فإنها اقتضت أن من تمسك بالدين نصره النصر المبين، وأن من ترك أمره ونهيه ونبذ شرعه وتجرأ على معاصيه أن يعاقبه ويسلط عليه الأعداء. والله عزيز حكيم. وقوله:{ثم إليَّ مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون}. ثم بين ما يفعله بهم فقال:

آل عمران 3:42

{33 ـ 55} لله تعالى من عباده أصفياء يصطفيهم ويختارهم ويمن عليهم بالفضائل العالية والنعوت السامية والعلوم النافعة والأعمال الصالحة والخصائص المتنوعة، فذكر هذه البيوت الكبار وما احتوت عليه من كُمَّل الرجال الذين حازوا أوصاف الكمال، وأن الفضل والخير تسلسل في ذراريهم، وشمل ذكورهم ونساءهم وهذا من أجل مننه وأفضل مواقع جوده وكرمه {والله سميع عليم}؛ يعلم من يستحق الفضل والتفضيل فيضع فضله حيث اقتضت حكمته. فلما قرر عظمة هذه البيوت ذكر قصة مريم وابنها عيسى - صلى الله عليه وسلم - وكيف تسلسلا من هذه البيوت الفاضلة، وكيف تنقلت بهما الأحوال من ابتداء أمرهما إلى آخره، وأن امرأة عمران قالت متضرعة إلى ربها متقربة إليه بهذه القربة التي يحبها، التي فيها تعظيم بيته وملازمة طاعته:{إني نذرت لك ما في بطني محرراً}؛ أي خادماً لبيت العبادة المشحون بالمتعبدين {فتقبل مني}؛ هذا العمل أي اجعله مؤسساً على الإيمان والإخلاص مثمراً للخير والثواب {إنك أنت السميع العليم. فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى}؛ كأن في هذا الكلام نوع تضرع منها وانكسار نفس حيث كان نذرها بناءً على أنه يكون ذكراً يحصل منه من القوة والخدمة والقيام بذلك ما يحصل من أهل القوة، والأنثى بخلاف ذلك، فجبر الله قلبها وتقبل الله نذرها، وصارت هذه الأنثى أكمل وأتم من كثير من الذكور، بل من أكثرهم، وحصل بها من المقاصد أعظم مما يحصل بالذكر، ولهذا قال:{فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتاً حسناً}؛ أي: ربيت تربية عجيبة دينية أخلاقية أدبية، كملت بها أحوالها، وصلحت بها أقوالها وأفعالها، ونما فيها كمالها، ويسر الله لها زكريا كافلاً، وهذا من مِنَّةِ الله على العبد أن يجعل من يتولى تربيته من الكاملين المصلحين. ثم إن الله تعالى أكرم مريم وزكريا حيث يسَّر لمريم من الرزق الحاصل بلا كدٍّ ولا تعب، وإنما هو كرامة أكرمها الله به، إذ {كلما دخل عليها زكريا المحراب}؛ وهو محل العبادة وفيه إشارة إلى كثرة صلاتها وملازمتها لمحرابها {وجد عندها رزقاً}؛ هنيئاً معدًّا قال:{أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزقُ من يشاء بغير حساب}؛ فلما رأى زكريا هذه الحال والبر واللطف من الله بها، ذكَّرَه أن يسأل الله تعالى حصول الولد على حين اليأس منه فقال:{رب هَب لي من لَدُنك ذرية طيبة إنك سميعُ الدُّعاء. فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أنَّ الله يبشرك بيحيى مصدقاً بكلمة من الله}؛ اسمه أي: الكلمة التي مِنَ الله عيسى بن مريم فكانت بشارته بهذا النبي الكريم تتضمن البشارة بعيسى بن مريم والتصديق له والشهادة له بالرسالة، فهذه الكلمة من الله كلمة شريفة اختص الله بها عيسى بن مريم، وإلا فهي من جملة كلماته التي أوجد بها المخلوقات، كما قال تعالى:{إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون}. وقوله:{وسيداً وحصوراً}؛ أي: هذا المبَشَّر به وهو يحيى سيد من فضلاء الرسل وكرامهم، والحصور قيل هو الذي لا يولد له ولا شهوة له في النساء، وقيل هو الذي عصم وحفظ من الذنوب والشهوات الضارة، وهذا أليق المعنيين، {ونبياً من الصالحين}؛ الذين بلغوا في الصلاح ذروته العالية، {قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر}؛ فهذان مانعان فمن أي طريق يا رب يحصل لي ذلك مع ما ينافي ذلك {قال كذلك الله يفعل ما يشاء}؛ فإنه كما اقتضت حكمته جريان الأمور بأسبابها المعروفة، فإنه قد يخرق ذلك لأنه الفعَّالُ لما يريد، الذي قد انقادت الأسباب لقدرته، ونفذت فيها مشيئته وإرادته فلا يتعاصى على قدرته شيء من الأسباب ولو بلغت في القوة ما بلغت {قال رب اجعل لي آية}؛ ليحصل السرور والاستبشار وإن كنت يا رب متيقناً ما أخبرتني به ولكن النفس تفرح، ويطمئن القلب إلى مقدمات الرحمة واللطف، {قال آيتك أن لا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزاً}؛ وفي هذه المدة {اذكر ربك كثيراً وسبح بالعشي والإبكار}؛ أول النهار وآخره، فمنع من الكلام في هذه المدة، فكان في هذا مناسبة لحصول الولد من بين الشيخ الكبير والمرأة العاقر، وكونه لا يقدر على مخاطبة الآدميين ولسانه منطلق بذكر الله وتسبيحه آية أخرى، فحينئذ حصل له الفرح والاستبشار، وشكر الله، وأكثر من الذكر والتسبيح بالعشايا والإبكار. وكان هذا المولود من بركات مريم بنت عمران على زكريا، فإن ما منَّ الله به عليها من ذلك الرزق الهني الذي يحصل بغير حساب ذكَّره وهيَّجه على التضرع والسؤال، والله تعالى هو المتفضل بالسبب والمسبب ولكنه يقدر أموراً محبوبة على يد من يحبه ليرفع الله قدره ويُعْظِمَ أجره، ثم عاد تعالى إلى ذكر مريم وأنها بلغت في العبادة والكمال مبلغاً عظيماً فقال تعالى:{وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك}؛ أي: اختارك ووهب لك من الصفات الجليلة والأخلاق الجميلة {وطهرك}؛ من الأخلاق الرذيلة {واصطفاك على نساء العالمين}؛ ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -: «كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم وخديجة بنت خويلد، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام» ، فنادتها الملائكة عن أمر الله لها بذلك لتغتبط بنعم الله وتشكر الله، وتقوم بحقوقه، وتشتغل بخدمته، ولهذا قال الملائكة:{يا مريم اقنتي لربك}؛ أي: أكثري من الطاعة والخضوع والخشوع لربك وأديمي ذلك {واركعي مع الراكعين}؛ أي: صلي مع المصلين فقامت بكل ما أمرت به وبرزت وفاقت في كمالها. ولما كانت هذه القصة وغيرها من أكبر الأدلة على رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - حيث أخبر بها مفصلة محققة لا زيادة فيها ولا نقص، وما ذاك إلا لأنه وحي من الله العزيز الحكيم لا بتعلم من الناس قال تعالى:{ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك، وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم}؛ حيث جاءت بها أمها فاختصموا أيهم يكفلها لأنها بنت إمامهم ومقدمهم، وكلهم يريد الخير والأجر من الله حتى وصلت بهم الخصومة إلى أن اقترعوا عليها فألقوا أقلامهم مقترعين، فأصابت القرعة زكريا رحمة من الله به وبها فأنت ـ يا أيها الرسول ـ لم تحضر تلك الحالة لتعرفها فتقصها على الناس، وإنما الله نبأك بها، وهذا هو المقصود الأعظم من سياق القصص أنه يحصل بها العبرة، وأعظم العبر والاستدلال بها على التوحيد والرسالة والبعث وغيرها من الأصول الكبار {إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقربين}؛ أي: له الوجاهة والجاه العظيم في الدنيا والآخرة عند الخلق، ومع ذلك فهو عند الله من المقربين الذين هم أقرب الخلائق إلى الله وأعلاهم درجة، وهذه بشارة لا يشبهها شيء من البشارات، ومن تمام هذه البشارة أنه {يكلم الناس في المهد}؛ فيكون تكليمه آية من آيات الله ورحمة منه بأمه وبالخلق، وكذلك يكلمهم {كهلاً}؛ أي: في حال كهولته، وهذا تكليم النبوة والدعوة والإرشاد، فكلامه في المهد فيه آيات وبراهين على صدقه ونبوته وبراءة أمِّه مما يظن بها من الظنون السيئة، وكلامه في كهولته فيه نفعه العظيم للخلق وكونه واسطة بينهم وبين ربهم في وحيه وتبليغ دينه وشرعه، ومع ذلك فهو {من الصالحين}؛ الذين أصلح الله قلوبهم بمعرفته وحبه، وألسنتهم بالثناء عليه وذكره وجوارحهم بطاعته وخدمته {قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر}؛ وهذا هو من الأمور المستغربة {قال كذلك الله يخلق ما يشاء}؛ ليعلم العباد أنه على كل شيء قدير وأنه لا ممانع لإرادته {إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون. ويعلمه الكتاب}؛ أي: جنس الكتب السابقة والحكم بين الناس ويعطيه النبوة ويجعله {رسولاً إلى بني إسرائيل}؛ ويؤيده بالآيات البينات والأدلة القاهرة حيث قال:{أني قد جئتكم بآية من ربكم}؛ تدلكم أني رسول الله حقاً، وذلك {أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله وأبرئ الأكمه}؛ وهو ممسوح العينين الذي فقد بصره وعيناه {والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم، إن في ذلك}؛ المذكور {لآية لكم إن كنتم مؤمنين. ومصدقاً لما بين يدي من التوراة}؛ فأيده الله بجنسين من الآيات والبراهين الخوارق المستغربة التي لا يمكن لغير الأنبياء الإتيان بها، والرسالة والدعوة والدين الذي جاء به وأنه دين التوراة ودين الأنبياء السابقين، وهذا أكبر الأدلة على صدق الصادقين، فإنه لو كان من الكاذبين لخالف ما جاءت به الرسل ولناقضهم في أصولهم وفروعهم، فعلم بذلك أنه رسول الله وأن ما جاء به حق لا ريب فيه، وأيضاً فقوله:{ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم}؛ أي: ولأخفف عنكم بعض الآصار والأغلال {فاتقوا الله وأطيعون. إن الله ربي وربكم فاعبدوه}؛ وهذا ما يدعو إليه جميع الرسل عبادة الله وحده لا شريك له وطاعتهم، وهذا هو الصراط المستقيم الذي من سلكه أوصله إلى جنات النعيم. فحينئذ اختلفت أحزاب بني إسرائيل في عيسى فمنهم من آمن به واتبعه ومنهم من كفر به وكذبه ورمى أمه بالفاحشة كاليهود {فلما أحس عيسى منهم الكفر}؛ والاتفاق على رد دعوته {قال}؛ نادباً لبني إسرائيل على مؤازرته:{من أنصاري إلى الله، قال الحواريون}؛ أي: الأنصار: {نحن أنصار الله آمنَّا بالله واشهد بأنا مسلمون}؛ وهذا من مِنَّةِ الله عليهم وعلى عيسى حيث ألهم هؤلاء الحواريين الإيمان به والانقياد لطاعته والنصرة لرسوله {ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول}؛ وهذا التزام تام للإيمان بكل ما أنزل الله ولطاعة رسوله {فاكتبنا مع الشاهدين}؛ لك بالوحدانية ولنبيك بالرسالة ولدينك بالحق والصدق. وأما من أحسَّ عيسى منهم الكفرَ وهم جمهور بني إسرائيل فإنهم {مكروا}؛ بعيسى {ومكر الله}؛ بهم {والله خير الماكرين}؛ فاتفقوا على قتله وصلبه، وشُبِّهَ لهم شَبَهُ عيسى فقبضوا على من شُبِّهَ لهم به وقال الله لعيسى:{إني متوفيك ورافعك إليَّ ومطهرك من الذين كفروا}؛ فرفعه الله إليه، وطهره من الذين كفروا، وصلبوا من قتلوه، ظانِّين أنه عيسى، وباؤوا بالإثم العظيم. وسينزل عيسى بن مريم في آخر هذه الأمة حكماً عدلاً يقتل الخنزير ويكسر الصليب ويتبع ما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم -، ويعلم الكاذبون غرورَهم وخداعَهم وأنهم مغرورون مخدوعون. وقوله:{وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة}؛ المراد بمن اتبعه الطائفة التي آمنت به ونصرهم الله على من انحرف عن دينه، ثم لما جاءت أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - كانوا هم أتباعه حقًّا فأيدهم ونصرهم على الكفار كلهم، وأظهرهم بالدين الذي جاءهم به محمد - صلى الله عليه وسلم - {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض}؛ الآية. ولكن حكمة الله عادلة فإنها اقتضت أن من تمسك بالدين نصره النصر المبين، وأن من ترك أمره ونهيه ونبذ شرعه وتجرأ على معاصيه أن يعاقبه ويسلط عليه الأعداء. والله عزيز حكيم. وقوله:{ثم إليَّ مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون}. ثم بين ما يفعله بهم فقال:

آل عمران 3:43

{33 ـ 55} لله تعالى من عباده أصفياء يصطفيهم ويختارهم ويمن عليهم بالفضائل العالية والنعوت السامية والعلوم النافعة والأعمال الصالحة والخصائص المتنوعة، فذكر هذه البيوت الكبار وما احتوت عليه من كُمَّل الرجال الذين حازوا أوصاف الكمال، وأن الفضل والخير تسلسل في ذراريهم، وشمل ذكورهم ونساءهم وهذا من أجل مننه وأفضل مواقع جوده وكرمه {والله سميع عليم}؛ يعلم من يستحق الفضل والتفضيل فيضع فضله حيث اقتضت حكمته. فلما قرر عظمة هذه البيوت ذكر قصة مريم وابنها عيسى - صلى الله عليه وسلم - وكيف تسلسلا من هذه البيوت الفاضلة، وكيف تنقلت بهما الأحوال من ابتداء أمرهما إلى آخره، وأن امرأة عمران قالت متضرعة إلى ربها متقربة إليه بهذه القربة التي يحبها، التي فيها تعظيم بيته وملازمة طاعته:{إني نذرت لك ما في بطني محرراً}؛ أي خادماً لبيت العبادة المشحون بالمتعبدين {فتقبل مني}؛ هذا العمل أي اجعله مؤسساً على الإيمان والإخلاص مثمراً للخير والثواب {إنك أنت السميع العليم. فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى}؛ كأن في هذا الكلام نوع تضرع منها وانكسار نفس حيث كان نذرها بناءً على أنه يكون ذكراً يحصل منه من القوة والخدمة والقيام بذلك ما يحصل من أهل القوة، والأنثى بخلاف ذلك، فجبر الله قلبها وتقبل الله نذرها، وصارت هذه الأنثى أكمل وأتم من كثير من الذكور، بل من أكثرهم، وحصل بها من المقاصد أعظم مما يحصل بالذكر، ولهذا قال:{فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتاً حسناً}؛ أي: ربيت تربية عجيبة دينية أخلاقية أدبية، كملت بها أحوالها، وصلحت بها أقوالها وأفعالها، ونما فيها كمالها، ويسر الله لها زكريا كافلاً، وهذا من مِنَّةِ الله على العبد أن يجعل من يتولى تربيته من الكاملين المصلحين. ثم إن الله تعالى أكرم مريم وزكريا حيث يسَّر لمريم من الرزق الحاصل بلا كدٍّ ولا تعب، وإنما هو كرامة أكرمها الله به، إذ {كلما دخل عليها زكريا المحراب}؛ وهو محل العبادة وفيه إشارة إلى كثرة صلاتها وملازمتها لمحرابها {وجد عندها رزقاً}؛ هنيئاً معدًّا قال:{أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزقُ من يشاء بغير حساب}؛ فلما رأى زكريا هذه الحال والبر واللطف من الله بها، ذكَّرَه أن يسأل الله تعالى حصول الولد على حين اليأس منه فقال:{رب هَب لي من لَدُنك ذرية طيبة إنك سميعُ الدُّعاء. فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أنَّ الله يبشرك بيحيى مصدقاً بكلمة من الله}؛ اسمه أي: الكلمة التي مِنَ الله عيسى بن مريم فكانت بشارته بهذا النبي الكريم تتضمن البشارة بعيسى بن مريم والتصديق له والشهادة له بالرسالة، فهذه الكلمة من الله كلمة شريفة اختص الله بها عيسى بن مريم، وإلا فهي من جملة كلماته التي أوجد بها المخلوقات، كما قال تعالى:{إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون}. وقوله:{وسيداً وحصوراً}؛ أي: هذا المبَشَّر به وهو يحيى سيد من فضلاء الرسل وكرامهم، والحصور قيل هو الذي لا يولد له ولا شهوة له في النساء، وقيل هو الذي عصم وحفظ من الذنوب والشهوات الضارة، وهذا أليق المعنيين، {ونبياً من الصالحين}؛ الذين بلغوا في الصلاح ذروته العالية، {قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر}؛ فهذان مانعان فمن أي طريق يا رب يحصل لي ذلك مع ما ينافي ذلك {قال كذلك الله يفعل ما يشاء}؛ فإنه كما اقتضت حكمته جريان الأمور بأسبابها المعروفة، فإنه قد يخرق ذلك لأنه الفعَّالُ لما يريد، الذي قد انقادت الأسباب لقدرته، ونفذت فيها مشيئته وإرادته فلا يتعاصى على قدرته شيء من الأسباب ولو بلغت في القوة ما بلغت {قال رب اجعل لي آية}؛ ليحصل السرور والاستبشار وإن كنت يا رب متيقناً ما أخبرتني به ولكن النفس تفرح، ويطمئن القلب إلى مقدمات الرحمة واللطف، {قال آيتك أن لا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزاً}؛ وفي هذه المدة {اذكر ربك كثيراً وسبح بالعشي والإبكار}؛ أول النهار وآخره، فمنع من الكلام في هذه المدة، فكان في هذا مناسبة لحصول الولد من بين الشيخ الكبير والمرأة العاقر، وكونه لا يقدر على مخاطبة الآدميين ولسانه منطلق بذكر الله وتسبيحه آية أخرى، فحينئذ حصل له الفرح والاستبشار، وشكر الله، وأكثر من الذكر والتسبيح بالعشايا والإبكار. وكان هذا المولود من بركات مريم بنت عمران على زكريا، فإن ما منَّ الله به عليها من ذلك الرزق الهني الذي يحصل بغير حساب ذكَّره وهيَّجه على التضرع والسؤال، والله تعالى هو المتفضل بالسبب والمسبب ولكنه يقدر أموراً محبوبة على يد من يحبه ليرفع الله قدره ويُعْظِمَ أجره، ثم عاد تعالى إلى ذكر مريم وأنها بلغت في العبادة والكمال مبلغاً عظيماً فقال تعالى:{وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك}؛ أي: اختارك ووهب لك من الصفات الجليلة والأخلاق الجميلة {وطهرك}؛ من الأخلاق الرذيلة {واصطفاك على نساء العالمين}؛ ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -: «كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم وخديجة بنت خويلد، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام» ، فنادتها الملائكة عن أمر الله لها بذلك لتغتبط بنعم الله وتشكر الله، وتقوم بحقوقه، وتشتغل بخدمته، ولهذا قال الملائكة:{يا مريم اقنتي لربك}؛ أي: أكثري من الطاعة والخضوع والخشوع لربك وأديمي ذلك {واركعي مع الراكعين}؛ أي: صلي مع المصلين فقامت بكل ما أمرت به وبرزت وفاقت في كمالها. ولما كانت هذه القصة وغيرها من أكبر الأدلة على رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - حيث أخبر بها مفصلة محققة لا زيادة فيها ولا نقص، وما ذاك إلا لأنه وحي من الله العزيز الحكيم لا بتعلم من الناس قال تعالى:{ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك، وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم}؛ حيث جاءت بها أمها فاختصموا أيهم يكفلها لأنها بنت إمامهم ومقدمهم، وكلهم يريد الخير والأجر من الله حتى وصلت بهم الخصومة إلى أن اقترعوا عليها فألقوا أقلامهم مقترعين، فأصابت القرعة زكريا رحمة من الله به وبها فأنت ـ يا أيها الرسول ـ لم تحضر تلك الحالة لتعرفها فتقصها على الناس، وإنما الله نبأك بها، وهذا هو المقصود الأعظم من سياق القصص أنه يحصل بها العبرة، وأعظم العبر والاستدلال بها على التوحيد والرسالة والبعث وغيرها من الأصول الكبار {إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقربين}؛ أي: له الوجاهة والجاه العظيم في الدنيا والآخرة عند الخلق، ومع ذلك فهو عند الله من المقربين الذين هم أقرب الخلائق إلى الله وأعلاهم درجة، وهذه بشارة لا يشبهها شيء من البشارات، ومن تمام هذه البشارة أنه {يكلم الناس في المهد}؛ فيكون تكليمه آية من آيات الله ورحمة منه بأمه وبالخلق، وكذلك يكلمهم {كهلاً}؛ أي: في حال كهولته، وهذا تكليم النبوة والدعوة والإرشاد، فكلامه في المهد فيه آيات وبراهين على صدقه ونبوته وبراءة أمِّه مما يظن بها من الظنون السيئة، وكلامه في كهولته فيه نفعه العظيم للخلق وكونه واسطة بينهم وبين ربهم في وحيه وتبليغ دينه وشرعه، ومع ذلك فهو {من الصالحين}؛ الذين أصلح الله قلوبهم بمعرفته وحبه، وألسنتهم بالثناء عليه وذكره وجوارحهم بطاعته وخدمته {قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر}؛ وهذا هو من الأمور المستغربة {قال كذلك الله يخلق ما يشاء}؛ ليعلم العباد أنه على كل شيء قدير وأنه لا ممانع لإرادته {إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون. ويعلمه الكتاب}؛ أي: جنس الكتب السابقة والحكم بين الناس ويعطيه النبوة ويجعله {رسولاً إلى بني إسرائيل}؛ ويؤيده بالآيات البينات والأدلة القاهرة حيث قال:{أني قد جئتكم بآية من ربكم}؛ تدلكم أني رسول الله حقاً، وذلك {أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله وأبرئ الأكمه}؛ وهو ممسوح العينين الذي فقد بصره وعيناه {والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم، إن في ذلك}؛ المذكور {لآية لكم إن كنتم مؤمنين. ومصدقاً لما بين يدي من التوراة}؛ فأيده الله بجنسين من الآيات والبراهين الخوارق المستغربة التي لا يمكن لغير الأنبياء الإتيان بها، والرسالة والدعوة والدين الذي جاء به وأنه دين التوراة ودين الأنبياء السابقين، وهذا أكبر الأدلة على صدق الصادقين، فإنه لو كان من الكاذبين لخالف ما جاءت به الرسل ولناقضهم في أصولهم وفروعهم، فعلم بذلك أنه رسول الله وأن ما جاء به حق لا ريب فيه، وأيضاً فقوله:{ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم}؛ أي: ولأخفف عنكم بعض الآصار والأغلال {فاتقوا الله وأطيعون. إن الله ربي وربكم فاعبدوه}؛ وهذا ما يدعو إليه جميع الرسل عبادة الله وحده لا شريك له وطاعتهم، وهذا هو الصراط المستقيم الذي من سلكه أوصله إلى جنات النعيم. فحينئذ اختلفت أحزاب بني إسرائيل في عيسى فمنهم من آمن به واتبعه ومنهم من كفر به وكذبه ورمى أمه بالفاحشة كاليهود {فلما أحس عيسى منهم الكفر}؛ والاتفاق على رد دعوته {قال}؛ نادباً لبني إسرائيل على مؤازرته:{من أنصاري إلى الله، قال الحواريون}؛ أي: الأنصار: {نحن أنصار الله آمنَّا بالله واشهد بأنا مسلمون}؛ وهذا من مِنَّةِ الله عليهم وعلى عيسى حيث ألهم هؤلاء الحواريين الإيمان به والانقياد لطاعته والنصرة لرسوله {ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول}؛ وهذا التزام تام للإيمان بكل ما أنزل الله ولطاعة رسوله {فاكتبنا مع الشاهدين}؛ لك بالوحدانية ولنبيك بالرسالة ولدينك بالحق والصدق. وأما من أحسَّ عيسى منهم الكفرَ وهم جمهور بني إسرائيل فإنهم {مكروا}؛ بعيسى {ومكر الله}؛ بهم {والله خير الماكرين}؛ فاتفقوا على قتله وصلبه، وشُبِّهَ لهم شَبَهُ عيسى فقبضوا على من شُبِّهَ لهم به وقال الله لعيسى:{إني متوفيك ورافعك إليَّ ومطهرك من الذين كفروا}؛ فرفعه الله إليه، وطهره من الذين كفروا، وصلبوا من قتلوه، ظانِّين أنه عيسى، وباؤوا بالإثم العظيم. وسينزل عيسى بن مريم في آخر هذه الأمة حكماً عدلاً يقتل الخنزير ويكسر الصليب ويتبع ما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم -، ويعلم الكاذبون غرورَهم وخداعَهم وأنهم مغرورون مخدوعون. وقوله:{وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة}؛ المراد بمن اتبعه الطائفة التي آمنت به ونصرهم الله على من انحرف عن دينه، ثم لما جاءت أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - كانوا هم أتباعه حقًّا فأيدهم ونصرهم على الكفار كلهم، وأظهرهم بالدين الذي جاءهم به محمد - صلى الله عليه وسلم - {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض}؛ الآية. ولكن حكمة الله عادلة فإنها اقتضت أن من تمسك بالدين نصره النصر المبين، وأن من ترك أمره ونهيه ونبذ شرعه وتجرأ على معاصيه أن يعاقبه ويسلط عليه الأعداء. والله عزيز حكيم. وقوله:{ثم إليَّ مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون}. ثم بين ما يفعله بهم فقال:

آل عمران 3:44

{33 ـ 55} لله تعالى من عباده أصفياء يصطفيهم ويختارهم ويمن عليهم بالفضائل العالية والنعوت السامية والعلوم النافعة والأعمال الصالحة والخصائص المتنوعة، فذكر هذه البيوت الكبار وما احتوت عليه من كُمَّل الرجال الذين حازوا أوصاف الكمال، وأن الفضل والخير تسلسل في ذراريهم، وشمل ذكورهم ونساءهم وهذا من أجل مننه وأفضل مواقع جوده وكرمه {والله سميع عليم}؛ يعلم من يستحق الفضل والتفضيل فيضع فضله حيث اقتضت حكمته. فلما قرر عظمة هذه البيوت ذكر قصة مريم وابنها عيسى - صلى الله عليه وسلم - وكيف تسلسلا من هذه البيوت الفاضلة، وكيف تنقلت بهما الأحوال من ابتداء أمرهما إلى آخره، وأن امرأة عمران قالت متضرعة إلى ربها متقربة إليه بهذه القربة التي يحبها، التي فيها تعظيم بيته وملازمة طاعته:{إني نذرت لك ما في بطني محرراً}؛ أي خادماً لبيت العبادة المشحون بالمتعبدين {فتقبل مني}؛ هذا العمل أي اجعله مؤسساً على الإيمان والإخلاص مثمراً للخير والثواب {إنك أنت السميع العليم. فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى}؛ كأن في هذا الكلام نوع تضرع منها وانكسار نفس حيث كان نذرها بناءً على أنه يكون ذكراً يحصل منه من القوة والخدمة والقيام بذلك ما يحصل من أهل القوة، والأنثى بخلاف ذلك، فجبر الله قلبها وتقبل الله نذرها، وصارت هذه الأنثى أكمل وأتم من كثير من الذكور، بل من أكثرهم، وحصل بها من المقاصد أعظم مما يحصل بالذكر، ولهذا قال:{فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتاً حسناً}؛ أي: ربيت تربية عجيبة دينية أخلاقية أدبية، كملت بها أحوالها، وصلحت بها أقوالها وأفعالها، ونما فيها كمالها، ويسر الله لها زكريا كافلاً، وهذا من مِنَّةِ الله على العبد أن يجعل من يتولى تربيته من الكاملين المصلحين. ثم إن الله تعالى أكرم مريم وزكريا حيث يسَّر لمريم من الرزق الحاصل بلا كدٍّ ولا تعب، وإنما هو كرامة أكرمها الله به، إذ {كلما دخل عليها زكريا المحراب}؛ وهو محل العبادة وفيه إشارة إلى كثرة صلاتها وملازمتها لمحرابها {وجد عندها رزقاً}؛ هنيئاً معدًّا قال:{أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزقُ من يشاء بغير حساب}؛ فلما رأى زكريا هذه الحال والبر واللطف من الله بها، ذكَّرَه أن يسأل الله تعالى حصول الولد على حين اليأس منه فقال:{رب هَب لي من لَدُنك ذرية طيبة إنك سميعُ الدُّعاء. فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أنَّ الله يبشرك بيحيى مصدقاً بكلمة من الله}؛ اسمه أي: الكلمة التي مِنَ الله عيسى بن مريم فكانت بشارته بهذا النبي الكريم تتضمن البشارة بعيسى بن مريم والتصديق له والشهادة له بالرسالة، فهذه الكلمة من الله كلمة شريفة اختص الله بها عيسى بن مريم، وإلا فهي من جملة كلماته التي أوجد بها المخلوقات، كما قال تعالى:{إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون}. وقوله:{وسيداً وحصوراً}؛ أي: هذا المبَشَّر به وهو يحيى سيد من فضلاء الرسل وكرامهم، والحصور قيل هو الذي لا يولد له ولا شهوة له في النساء، وقيل هو الذي عصم وحفظ من الذنوب والشهوات الضارة، وهذا أليق المعنيين، {ونبياً من الصالحين}؛ الذين بلغوا في الصلاح ذروته العالية، {قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر}؛ فهذان مانعان فمن أي طريق يا رب يحصل لي ذلك مع ما ينافي ذلك {قال كذلك الله يفعل ما يشاء}؛ فإنه كما اقتضت حكمته جريان الأمور بأسبابها المعروفة، فإنه قد يخرق ذلك لأنه الفعَّالُ لما يريد، الذي قد انقادت الأسباب لقدرته، ونفذت فيها مشيئته وإرادته فلا يتعاصى على قدرته شيء من الأسباب ولو بلغت في القوة ما بلغت {قال رب اجعل لي آية}؛ ليحصل السرور والاستبشار وإن كنت يا رب متيقناً ما أخبرتني به ولكن النفس تفرح، ويطمئن القلب إلى مقدمات الرحمة واللطف، {قال آيتك أن لا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزاً}؛ وفي هذه المدة {اذكر ربك كثيراً وسبح بالعشي والإبكار}؛ أول النهار وآخره، فمنع من الكلام في هذه المدة، فكان في هذا مناسبة لحصول الولد من بين الشيخ الكبير والمرأة العاقر، وكونه لا يقدر على مخاطبة الآدميين ولسانه منطلق بذكر الله وتسبيحه آية أخرى، فحينئذ حصل له الفرح والاستبشار، وشكر الله، وأكثر من الذكر والتسبيح بالعشايا والإبكار. وكان هذا المولود من بركات مريم بنت عمران على زكريا، فإن ما منَّ الله به عليها من ذلك الرزق الهني الذي يحصل بغير حساب ذكَّره وهيَّجه على التضرع والسؤال، والله تعالى هو المتفضل بالسبب والمسبب ولكنه يقدر أموراً محبوبة على يد من يحبه ليرفع الله قدره ويُعْظِمَ أجره، ثم عاد تعالى إلى ذكر مريم وأنها بلغت في العبادة والكمال مبلغاً عظيماً فقال تعالى:{وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك}؛ أي: اختارك ووهب لك من الصفات الجليلة والأخلاق الجميلة {وطهرك}؛ من الأخلاق الرذيلة {واصطفاك على نساء العالمين}؛ ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -: «كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم وخديجة بنت خويلد، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام» ، فنادتها الملائكة عن أمر الله لها بذلك لتغتبط بنعم الله وتشكر الله، وتقوم بحقوقه، وتشتغل بخدمته، ولهذا قال الملائكة:{يا مريم اقنتي لربك}؛ أي: أكثري من الطاعة والخضوع والخشوع لربك وأديمي ذلك {واركعي مع الراكعين}؛ أي: صلي مع المصلين فقامت بكل ما أمرت به وبرزت وفاقت في كمالها. ولما كانت هذه القصة وغيرها من أكبر الأدلة على رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - حيث أخبر بها مفصلة محققة لا زيادة فيها ولا نقص، وما ذاك إلا لأنه وحي من الله العزيز الحكيم لا بتعلم من الناس قال تعالى:{ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك، وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم}؛ حيث جاءت بها أمها فاختصموا أيهم يكفلها لأنها بنت إمامهم ومقدمهم، وكلهم يريد الخير والأجر من الله حتى وصلت بهم الخصومة إلى أن اقترعوا عليها فألقوا أقلامهم مقترعين، فأصابت القرعة زكريا رحمة من الله به وبها فأنت ـ يا أيها الرسول ـ لم تحضر تلك الحالة لتعرفها فتقصها على الناس، وإنما الله نبأك بها، وهذا هو المقصود الأعظم من سياق القصص أنه يحصل بها العبرة، وأعظم العبر والاستدلال بها على التوحيد والرسالة والبعث وغيرها من الأصول الكبار {إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقربين}؛ أي: له الوجاهة والجاه العظيم في الدنيا والآخرة عند الخلق، ومع ذلك فهو عند الله من المقربين الذين هم أقرب الخلائق إلى الله وأعلاهم درجة، وهذه بشارة لا يشبهها شيء من البشارات، ومن تمام هذه البشارة أنه {يكلم الناس في المهد}؛ فيكون تكليمه آية من آيات الله ورحمة منه بأمه وبالخلق، وكذلك يكلمهم {كهلاً}؛ أي: في حال كهولته، وهذا تكليم النبوة والدعوة والإرشاد، فكلامه في المهد فيه آيات وبراهين على صدقه ونبوته وبراءة أمِّه مما يظن بها من الظنون السيئة، وكلامه في كهولته فيه نفعه العظيم للخلق وكونه واسطة بينهم وبين ربهم في وحيه وتبليغ دينه وشرعه، ومع ذلك فهو {من الصالحين}؛ الذين أصلح الله قلوبهم بمعرفته وحبه، وألسنتهم بالثناء عليه وذكره وجوارحهم بطاعته وخدمته {قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر}؛ وهذا هو من الأمور المستغربة {قال كذلك الله يخلق ما يشاء}؛ ليعلم العباد أنه على كل شيء قدير وأنه لا ممانع لإرادته {إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون. ويعلمه الكتاب}؛ أي: جنس الكتب السابقة والحكم بين الناس ويعطيه النبوة ويجعله {رسولاً إلى بني إسرائيل}؛ ويؤيده بالآيات البينات والأدلة القاهرة حيث قال:{أني قد جئتكم بآية من ربكم}؛ تدلكم أني رسول الله حقاً، وذلك {أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله وأبرئ الأكمه}؛ وهو ممسوح العينين الذي فقد بصره وعيناه {والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم، إن في ذلك}؛ المذكور {لآية لكم إن كنتم مؤمنين. ومصدقاً لما بين يدي من التوراة}؛ فأيده الله بجنسين من الآيات والبراهين الخوارق المستغربة التي لا يمكن لغير الأنبياء الإتيان بها، والرسالة والدعوة والدين الذي جاء به وأنه دين التوراة ودين الأنبياء السابقين، وهذا أكبر الأدلة على صدق الصادقين، فإنه لو كان من الكاذبين لخالف ما جاءت به الرسل ولناقضهم في أصولهم وفروعهم، فعلم بذلك أنه رسول الله وأن ما جاء به حق لا ريب فيه، وأيضاً فقوله:{ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم}؛ أي: ولأخفف عنكم بعض الآصار والأغلال {فاتقوا الله وأطيعون. إن الله ربي وربكم فاعبدوه}؛ وهذا ما يدعو إليه جميع الرسل عبادة الله وحده لا شريك له وطاعتهم، وهذا هو الصراط المستقيم الذي من سلكه أوصله إلى جنات النعيم. فحينئذ اختلفت أحزاب بني إسرائيل في عيسى فمنهم من آمن به واتبعه ومنهم من كفر به وكذبه ورمى أمه بالفاحشة كاليهود {فلما أحس عيسى منهم الكفر}؛ والاتفاق على رد دعوته {قال}؛ نادباً لبني إسرائيل على مؤازرته:{من أنصاري إلى الله، قال الحواريون}؛ أي: الأنصار: {نحن أنصار الله آمنَّا بالله واشهد بأنا مسلمون}؛ وهذا من مِنَّةِ الله عليهم وعلى عيسى حيث ألهم هؤلاء الحواريين الإيمان به والانقياد لطاعته والنصرة لرسوله {ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول}؛ وهذا التزام تام للإيمان بكل ما أنزل الله ولطاعة رسوله {فاكتبنا مع الشاهدين}؛ لك بالوحدانية ولنبيك بالرسالة ولدينك بالحق والصدق. وأما من أحسَّ عيسى منهم الكفرَ وهم جمهور بني إسرائيل فإنهم {مكروا}؛ بعيسى {ومكر الله}؛ بهم {والله خير الماكرين}؛ فاتفقوا على قتله وصلبه، وشُبِّهَ لهم شَبَهُ عيسى فقبضوا على من شُبِّهَ لهم به وقال الله لعيسى:{إني متوفيك ورافعك إليَّ ومطهرك من الذين كفروا}؛ فرفعه الله إليه، وطهره من الذين كفروا، وصلبوا من قتلوه، ظانِّين أنه عيسى، وباؤوا بالإثم العظيم. وسينزل عيسى بن مريم في آخر هذه الأمة حكماً عدلاً يقتل الخنزير ويكسر الصليب ويتبع ما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم -، ويعلم الكاذبون غرورَهم وخداعَهم وأنهم مغرورون مخدوعون. وقوله:{وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة}؛ المراد بمن اتبعه الطائفة التي آمنت به ونصرهم الله على من انحرف عن دينه، ثم لما جاءت أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - كانوا هم أتباعه حقًّا فأيدهم ونصرهم على الكفار كلهم، وأظهرهم بالدين الذي جاءهم به محمد - صلى الله عليه وسلم - {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض}؛ الآية. ولكن حكمة الله عادلة فإنها اقتضت أن من تمسك بالدين نصره النصر المبين، وأن من ترك أمره ونهيه ونبذ شرعه وتجرأ على معاصيه أن يعاقبه ويسلط عليه الأعداء. والله عزيز حكيم. وقوله:{ثم إليَّ مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون}. ثم بين ما يفعله بهم فقال:

آل عمران 3:45

{33 ـ 55} لله تعالى من عباده أصفياء يصطفيهم ويختارهم ويمن عليهم بالفضائل العالية والنعوت السامية والعلوم النافعة والأعمال الصالحة والخصائص المتنوعة، فذكر هذه البيوت الكبار وما احتوت عليه من كُمَّل الرجال الذين حازوا أوصاف الكمال، وأن الفضل والخير تسلسل في ذراريهم، وشمل ذكورهم ونساءهم وهذا من أجل مننه وأفضل مواقع جوده وكرمه {والله سميع عليم}؛ يعلم من يستحق الفضل والتفضيل فيضع فضله حيث اقتضت حكمته. فلما قرر عظمة هذه البيوت ذكر قصة مريم وابنها عيسى - صلى الله عليه وسلم - وكيف تسلسلا من هذه البيوت الفاضلة، وكيف تنقلت بهما الأحوال من ابتداء أمرهما إلى آخره، وأن امرأة عمران قالت متضرعة إلى ربها متقربة إليه بهذه القربة التي يحبها، التي فيها تعظيم بيته وملازمة طاعته:{إني نذرت لك ما في بطني محرراً}؛ أي خادماً لبيت العبادة المشحون بالمتعبدين {فتقبل مني}؛ هذا العمل أي اجعله مؤسساً على الإيمان والإخلاص مثمراً للخير والثواب {إنك أنت السميع العليم. فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى}؛ كأن في هذا الكلام نوع تضرع منها وانكسار نفس حيث كان نذرها بناءً على أنه يكون ذكراً يحصل منه من القوة والخدمة والقيام بذلك ما يحصل من أهل القوة، والأنثى بخلاف ذلك، فجبر الله قلبها وتقبل الله نذرها، وصارت هذه الأنثى أكمل وأتم من كثير من الذكور، بل من أكثرهم، وحصل بها من المقاصد أعظم مما يحصل بالذكر، ولهذا قال:{فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتاً حسناً}؛ أي: ربيت تربية عجيبة دينية أخلاقية أدبية، كملت بها أحوالها، وصلحت بها أقوالها وأفعالها، ونما فيها كمالها، ويسر الله لها زكريا كافلاً، وهذا من مِنَّةِ الله على العبد أن يجعل من يتولى تربيته من الكاملين المصلحين. ثم إن الله تعالى أكرم مريم وزكريا حيث يسَّر لمريم من الرزق الحاصل بلا كدٍّ ولا تعب، وإنما هو كرامة أكرمها الله به، إذ {كلما دخل عليها زكريا المحراب}؛ وهو محل العبادة وفيه إشارة إلى كثرة صلاتها وملازمتها لمحرابها {وجد عندها رزقاً}؛ هنيئاً معدًّا قال:{أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزقُ من يشاء بغير حساب}؛ فلما رأى زكريا هذه الحال والبر واللطف من الله بها، ذكَّرَه أن يسأل الله تعالى حصول الولد على حين اليأس منه فقال:{رب هَب لي من لَدُنك ذرية طيبة إنك سميعُ الدُّعاء. فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أنَّ الله يبشرك بيحيى مصدقاً بكلمة من الله}؛ اسمه أي: الكلمة التي مِنَ الله عيسى بن مريم فكانت بشارته بهذا النبي الكريم تتضمن البشارة بعيسى بن مريم والتصديق له والشهادة له بالرسالة، فهذه الكلمة من الله كلمة شريفة اختص الله بها عيسى بن مريم، وإلا فهي من جملة كلماته التي أوجد بها المخلوقات، كما قال تعالى:{إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون}. وقوله:{وسيداً وحصوراً}؛ أي: هذا المبَشَّر به وهو يحيى سيد من فضلاء الرسل وكرامهم، والحصور قيل هو الذي لا يولد له ولا شهوة له في النساء، وقيل هو الذي عصم وحفظ من الذنوب والشهوات الضارة، وهذا أليق المعنيين، {ونبياً من الصالحين}؛ الذين بلغوا في الصلاح ذروته العالية، {قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر}؛ فهذان مانعان فمن أي طريق يا رب يحصل لي ذلك مع ما ينافي ذلك {قال كذلك الله يفعل ما يشاء}؛ فإنه كما اقتضت حكمته جريان الأمور بأسبابها المعروفة، فإنه قد يخرق ذلك لأنه الفعَّالُ لما يريد، الذي قد انقادت الأسباب لقدرته، ونفذت فيها مشيئته وإرادته فلا يتعاصى على قدرته شيء من الأسباب ولو بلغت في القوة ما بلغت {قال رب اجعل لي آية}؛ ليحصل السرور والاستبشار وإن كنت يا رب متيقناً ما أخبرتني به ولكن النفس تفرح، ويطمئن القلب إلى مقدمات الرحمة واللطف، {قال آيتك أن لا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزاً}؛ وفي هذه المدة {اذكر ربك كثيراً وسبح بالعشي والإبكار}؛ أول النهار وآخره، فمنع من الكلام في هذه المدة، فكان في هذا مناسبة لحصول الولد من بين الشيخ الكبير والمرأة العاقر، وكونه لا يقدر على مخاطبة الآدميين ولسانه منطلق بذكر الله وتسبيحه آية أخرى، فحينئذ حصل له الفرح والاستبشار، وشكر الله، وأكثر من الذكر والتسبيح بالعشايا والإبكار. وكان هذا المولود من بركات مريم بنت عمران على زكريا، فإن ما منَّ الله به عليها من ذلك الرزق الهني الذي يحصل بغير حساب ذكَّره وهيَّجه على التضرع والسؤال، والله تعالى هو المتفضل بالسبب والمسبب ولكنه يقدر أموراً محبوبة على يد من يحبه ليرفع الله قدره ويُعْظِمَ أجره، ثم عاد تعالى إلى ذكر مريم وأنها بلغت في العبادة والكمال مبلغاً عظيماً فقال تعالى:{وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك}؛ أي: اختارك ووهب لك من الصفات الجليلة والأخلاق الجميلة {وطهرك}؛ من الأخلاق الرذيلة {واصطفاك على نساء العالمين}؛ ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -: «كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم وخديجة بنت خويلد، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام» ، فنادتها الملائكة عن أمر الله لها بذلك لتغتبط بنعم الله وتشكر الله، وتقوم بحقوقه، وتشتغل بخدمته، ولهذا قال الملائكة:{يا مريم اقنتي لربك}؛ أي: أكثري من الطاعة والخضوع والخشوع لربك وأديمي ذلك {واركعي مع الراكعين}؛ أي: صلي مع المصلين فقامت بكل ما أمرت به وبرزت وفاقت في كمالها. ولما كانت هذه القصة وغيرها من أكبر الأدلة على رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - حيث أخبر بها مفصلة محققة لا زيادة فيها ولا نقص، وما ذاك إلا لأنه وحي من الله العزيز الحكيم لا بتعلم من الناس قال تعالى:{ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك، وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم}؛ حيث جاءت بها أمها فاختصموا أيهم يكفلها لأنها بنت إمامهم ومقدمهم، وكلهم يريد الخير والأجر من الله حتى وصلت بهم الخصومة إلى أن اقترعوا عليها فألقوا أقلامهم مقترعين، فأصابت القرعة زكريا رحمة من الله به وبها فأنت ـ يا أيها الرسول ـ لم تحضر تلك الحالة لتعرفها فتقصها على الناس، وإنما الله نبأك بها، وهذا هو المقصود الأعظم من سياق القصص أنه يحصل بها العبرة، وأعظم العبر والاستدلال بها على التوحيد والرسالة والبعث وغيرها من الأصول الكبار {إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقربين}؛ أي: له الوجاهة والجاه العظيم في الدنيا والآخرة عند الخلق، ومع ذلك فهو عند الله من المقربين الذين هم أقرب الخلائق إلى الله وأعلاهم درجة، وهذه بشارة لا يشبهها شيء من البشارات، ومن تمام هذه البشارة أنه {يكلم الناس في المهد}؛ فيكون تكليمه آية من آيات الله ورحمة منه بأمه وبالخلق، وكذلك يكلمهم {كهلاً}؛ أي: في حال كهولته، وهذا تكليم النبوة والدعوة والإرشاد، فكلامه في المهد فيه آيات وبراهين على صدقه ونبوته وبراءة أمِّه مما يظن بها من الظنون السيئة، وكلامه في كهولته فيه نفعه العظيم للخلق وكونه واسطة بينهم وبين ربهم في وحيه وتبليغ دينه وشرعه، ومع ذلك فهو {من الصالحين}؛ الذين أصلح الله قلوبهم بمعرفته وحبه، وألسنتهم بالثناء عليه وذكره وجوارحهم بطاعته وخدمته {قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر}؛ وهذا هو من الأمور المستغربة {قال كذلك الله يخلق ما يشاء}؛ ليعلم العباد أنه على كل شيء قدير وأنه لا ممانع لإرادته {إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون. ويعلمه الكتاب}؛ أي: جنس الكتب السابقة والحكم بين الناس ويعطيه النبوة ويجعله {رسولاً إلى بني إسرائيل}؛ ويؤيده بالآيات البينات والأدلة القاهرة حيث قال:{أني قد جئتكم بآية من ربكم}؛ تدلكم أني رسول الله حقاً، وذلك {أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله وأبرئ الأكمه}؛ وهو ممسوح العينين الذي فقد بصره وعيناه {والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم، إن في ذلك}؛ المذكور {لآية لكم إن كنتم مؤمنين. ومصدقاً لما بين يدي من التوراة}؛ فأيده الله بجنسين من الآيات والبراهين الخوارق المستغربة التي لا يمكن لغير الأنبياء الإتيان بها، والرسالة والدعوة والدين الذي جاء به وأنه دين التوراة ودين الأنبياء السابقين، وهذا أكبر الأدلة على صدق الصادقين، فإنه لو كان من الكاذبين لخالف ما جاءت به الرسل ولناقضهم في أصولهم وفروعهم، فعلم بذلك أنه رسول الله وأن ما جاء به حق لا ريب فيه، وأيضاً فقوله:{ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم}؛ أي: ولأخفف عنكم بعض الآصار والأغلال {فاتقوا الله وأطيعون. إن الله ربي وربكم فاعبدوه}؛ وهذا ما يدعو إليه جميع الرسل عبادة الله وحده لا شريك له وطاعتهم، وهذا هو الصراط المستقيم الذي من سلكه أوصله إلى جنات النعيم. فحينئذ اختلفت أحزاب بني إسرائيل في عيسى فمنهم من آمن به واتبعه ومنهم من كفر به وكذبه ورمى أمه بالفاحشة كاليهود {فلما أحس عيسى منهم الكفر}؛ والاتفاق على رد دعوته {قال}؛ نادباً لبني إسرائيل على مؤازرته:{من أنصاري إلى الله، قال الحواريون}؛ أي: الأنصار: {نحن أنصار الله آمنَّا بالله واشهد بأنا مسلمون}؛ وهذا من مِنَّةِ الله عليهم وعلى عيسى حيث ألهم هؤلاء الحواريين الإيمان به والانقياد لطاعته والنصرة لرسوله {ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول}؛ وهذا التزام تام للإيمان بكل ما أنزل الله ولطاعة رسوله {فاكتبنا مع الشاهدين}؛ لك بالوحدانية ولنبيك بالرسالة ولدينك بالحق والصدق. وأما من أحسَّ عيسى منهم الكفرَ وهم جمهور بني إسرائيل فإنهم {مكروا}؛ بعيسى {ومكر الله}؛ بهم {والله خير الماكرين}؛ فاتفقوا على قتله وصلبه، وشُبِّهَ لهم شَبَهُ عيسى فقبضوا على من شُبِّهَ لهم به وقال الله لعيسى:{إني متوفيك ورافعك إليَّ ومطهرك من الذين كفروا}؛ فرفعه الله إليه، وطهره من الذين كفروا، وصلبوا من قتلوه، ظانِّين أنه عيسى، وباؤوا بالإثم العظيم. وسينزل عيسى بن مريم في آخر هذه الأمة حكماً عدلاً يقتل الخنزير ويكسر الصليب ويتبع ما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم -، ويعلم الكاذبون غرورَهم وخداعَهم وأنهم مغرورون مخدوعون. وقوله:{وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة}؛ المراد بمن اتبعه الطائفة التي آمنت به ونصرهم الله على من انحرف عن دينه، ثم لما جاءت أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - كانوا هم أتباعه حقًّا فأيدهم ونصرهم على الكفار كلهم، وأظهرهم بالدين الذي جاءهم به محمد - صلى الله عليه وسلم - {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض}؛ الآية. ولكن حكمة الله عادلة فإنها اقتضت أن من تمسك بالدين نصره النصر المبين، وأن من ترك أمره ونهيه ونبذ شرعه وتجرأ على معاصيه أن يعاقبه ويسلط عليه الأعداء. والله عزيز حكيم. وقوله:{ثم إليَّ مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون}. ثم بين ما يفعله بهم فقال:

آل عمران 3:46

{33 ـ 55} لله تعالى من عباده أصفياء يصطفيهم ويختارهم ويمن عليهم بالفضائل العالية والنعوت السامية والعلوم النافعة والأعمال الصالحة والخصائص المتنوعة، فذكر هذه البيوت الكبار وما احتوت عليه من كُمَّل الرجال الذين حازوا أوصاف الكمال، وأن الفضل والخير تسلسل في ذراريهم، وشمل ذكورهم ونساءهم وهذا من أجل مننه وأفضل مواقع جوده وكرمه {والله سميع عليم}؛ يعلم من يستحق الفضل والتفضيل فيضع فضله حيث اقتضت حكمته. فلما قرر عظمة هذه البيوت ذكر قصة مريم وابنها عيسى - صلى الله عليه وسلم - وكيف تسلسلا من هذه البيوت الفاضلة، وكيف تنقلت بهما الأحوال من ابتداء أمرهما إلى آخره، وأن امرأة عمران قالت متضرعة إلى ربها متقربة إليه بهذه القربة التي يحبها، التي فيها تعظيم بيته وملازمة طاعته:{إني نذرت لك ما في بطني محرراً}؛ أي خادماً لبيت العبادة المشحون بالمتعبدين {فتقبل مني}؛ هذا العمل أي اجعله مؤسساً على الإيمان والإخلاص مثمراً للخير والثواب {إنك أنت السميع العليم. فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى}؛ كأن في هذا الكلام نوع تضرع منها وانكسار نفس حيث كان نذرها بناءً على أنه يكون ذكراً يحصل منه من القوة والخدمة والقيام بذلك ما يحصل من أهل القوة، والأنثى بخلاف ذلك، فجبر الله قلبها وتقبل الله نذرها، وصارت هذه الأنثى أكمل وأتم من كثير من الذكور، بل من أكثرهم، وحصل بها من المقاصد أعظم مما يحصل بالذكر، ولهذا قال:{فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتاً حسناً}؛ أي: ربيت تربية عجيبة دينية أخلاقية أدبية، كملت بها أحوالها، وصلحت بها أقوالها وأفعالها، ونما فيها كمالها، ويسر الله لها زكريا كافلاً، وهذا من مِنَّةِ الله على العبد أن يجعل من يتولى تربيته من الكاملين المصلحين. ثم إن الله تعالى أكرم مريم وزكريا حيث يسَّر لمريم من الرزق الحاصل بلا كدٍّ ولا تعب، وإنما هو كرامة أكرمها الله به، إذ {كلما دخل عليها زكريا المحراب}؛ وهو محل العبادة وفيه إشارة إلى كثرة صلاتها وملازمتها لمحرابها {وجد عندها رزقاً}؛ هنيئاً معدًّا قال:{أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزقُ من يشاء بغير حساب}؛ فلما رأى زكريا هذه الحال والبر واللطف من الله بها، ذكَّرَه أن يسأل الله تعالى حصول الولد على حين اليأس منه فقال:{رب هَب لي من لَدُنك ذرية طيبة إنك سميعُ الدُّعاء. فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أنَّ الله يبشرك بيحيى مصدقاً بكلمة من الله}؛ اسمه أي: الكلمة التي مِنَ الله عيسى بن مريم فكانت بشارته بهذا النبي الكريم تتضمن البشارة بعيسى بن مريم والتصديق له والشهادة له بالرسالة، فهذه الكلمة من الله كلمة شريفة اختص الله بها عيسى بن مريم، وإلا فهي من جملة كلماته التي أوجد بها المخلوقات، كما قال تعالى:{إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون}. وقوله:{وسيداً وحصوراً}؛ أي: هذا المبَشَّر به وهو يحيى سيد من فضلاء الرسل وكرامهم، والحصور قيل هو الذي لا يولد له ولا شهوة له في النساء، وقيل هو الذي عصم وحفظ من الذنوب والشهوات الضارة، وهذا أليق المعنيين، {ونبياً من الصالحين}؛ الذين بلغوا في الصلاح ذروته العالية، {قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر}؛ فهذان مانعان فمن أي طريق يا رب يحصل لي ذلك مع ما ينافي ذلك {قال كذلك الله يفعل ما يشاء}؛ فإنه كما اقتضت حكمته جريان الأمور بأسبابها المعروفة، فإنه قد يخرق ذلك لأنه الفعَّالُ لما يريد، الذي قد انقادت الأسباب لقدرته، ونفذت فيها مشيئته وإرادته فلا يتعاصى على قدرته شيء من الأسباب ولو بلغت في القوة ما بلغت {قال رب اجعل لي آية}؛ ليحصل السرور والاستبشار وإن كنت يا رب متيقناً ما أخبرتني به ولكن النفس تفرح، ويطمئن القلب إلى مقدمات الرحمة واللطف، {قال آيتك أن لا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزاً}؛ وفي هذه المدة {اذكر ربك كثيراً وسبح بالعشي والإبكار}؛ أول النهار وآخره، فمنع من الكلام في هذه المدة، فكان في هذا مناسبة لحصول الولد من بين الشيخ الكبير والمرأة العاقر، وكونه لا يقدر على مخاطبة الآدميين ولسانه منطلق بذكر الله وتسبيحه آية أخرى، فحينئذ حصل له الفرح والاستبشار، وشكر الله، وأكثر من الذكر والتسبيح بالعشايا والإبكار. وكان هذا المولود من بركات مريم بنت عمران على زكريا، فإن ما منَّ الله به عليها من ذلك الرزق الهني الذي يحصل بغير حساب ذكَّره وهيَّجه على التضرع والسؤال، والله تعالى هو المتفضل بالسبب والمسبب ولكنه يقدر أموراً محبوبة على يد من يحبه ليرفع الله قدره ويُعْظِمَ أجره، ثم عاد تعالى إلى ذكر مريم وأنها بلغت في العبادة والكمال مبلغاً عظيماً فقال تعالى:{وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك}؛ أي: اختارك ووهب لك من الصفات الجليلة والأخلاق الجميلة {وطهرك}؛ من الأخلاق الرذيلة {واصطفاك على نساء العالمين}؛ ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -: «كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم وخديجة بنت خويلد، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام» ، فنادتها الملائكة عن أمر الله لها بذلك لتغتبط بنعم الله وتشكر الله، وتقوم بحقوقه، وتشتغل بخدمته، ولهذا قال الملائكة:{يا مريم اقنتي لربك}؛ أي: أكثري من الطاعة والخضوع والخشوع لربك وأديمي ذلك {واركعي مع الراكعين}؛ أي: صلي مع المصلين فقامت بكل ما أمرت به وبرزت وفاقت في كمالها. ولما كانت هذه القصة وغيرها من أكبر الأدلة على رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - حيث أخبر بها مفصلة محققة لا زيادة فيها ولا نقص، وما ذاك إلا لأنه وحي من الله العزيز الحكيم لا بتعلم من الناس قال تعالى:{ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك، وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم}؛ حيث جاءت بها أمها فاختصموا أيهم يكفلها لأنها بنت إمامهم ومقدمهم، وكلهم يريد الخير والأجر من الله حتى وصلت بهم الخصومة إلى أن اقترعوا عليها فألقوا أقلامهم مقترعين، فأصابت القرعة زكريا رحمة من الله به وبها فأنت ـ يا أيها الرسول ـ لم تحضر تلك الحالة لتعرفها فتقصها على الناس، وإنما الله نبأك بها، وهذا هو المقصود الأعظم من سياق القصص أنه يحصل بها العبرة، وأعظم العبر والاستدلال بها على التوحيد والرسالة والبعث وغيرها من الأصول الكبار {إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقربين}؛ أي: له الوجاهة والجاه العظيم في الدنيا والآخرة عند الخلق، ومع ذلك فهو عند الله من المقربين الذين هم أقرب الخلائق إلى الله وأعلاهم درجة، وهذه بشارة لا يشبهها شيء من البشارات، ومن تمام هذه البشارة أنه {يكلم الناس في المهد}؛ فيكون تكليمه آية من آيات الله ورحمة منه بأمه وبالخلق، وكذلك يكلمهم {كهلاً}؛ أي: في حال كهولته، وهذا تكليم النبوة والدعوة والإرشاد، فكلامه في المهد فيه آيات وبراهين على صدقه ونبوته وبراءة أمِّه مما يظن بها من الظنون السيئة، وكلامه في كهولته فيه نفعه العظيم للخلق وكونه واسطة بينهم وبين ربهم في وحيه وتبليغ دينه وشرعه، ومع ذلك فهو {من الصالحين}؛ الذين أصلح الله قلوبهم بمعرفته وحبه، وألسنتهم بالثناء عليه وذكره وجوارحهم بطاعته وخدمته {قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر}؛ وهذا هو من الأمور المستغربة {قال كذلك الله يخلق ما يشاء}؛ ليعلم العباد أنه على كل شيء قدير وأنه لا ممانع لإرادته {إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون. ويعلمه الكتاب}؛ أي: جنس الكتب السابقة والحكم بين الناس ويعطيه النبوة ويجعله {رسولاً إلى بني إسرائيل}؛ ويؤيده بالآيات البينات والأدلة القاهرة حيث قال:{أني قد جئتكم بآية من ربكم}؛ تدلكم أني رسول الله حقاً، وذلك {أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله وأبرئ الأكمه}؛ وهو ممسوح العينين الذي فقد بصره وعيناه {والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم، إن في ذلك}؛ المذكور {لآية لكم إن كنتم مؤمنين. ومصدقاً لما بين يدي من التوراة}؛ فأيده الله بجنسين من الآيات والبراهين الخوارق المستغربة التي لا يمكن لغير الأنبياء الإتيان بها، والرسالة والدعوة والدين الذي جاء به وأنه دين التوراة ودين الأنبياء السابقين، وهذا أكبر الأدلة على صدق الصادقين، فإنه لو كان من الكاذبين لخالف ما جاءت به الرسل ولناقضهم في أصولهم وفروعهم، فعلم بذلك أنه رسول الله وأن ما جاء به حق لا ريب فيه، وأيضاً فقوله:{ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم}؛ أي: ولأخفف عنكم بعض الآصار والأغلال {فاتقوا الله وأطيعون. إن الله ربي وربكم فاعبدوه}؛ وهذا ما يدعو إليه جميع الرسل عبادة الله وحده لا شريك له وطاعتهم، وهذا هو الصراط المستقيم الذي من سلكه أوصله إلى جنات النعيم. فحينئذ اختلفت أحزاب بني إسرائيل في عيسى فمنهم من آمن به واتبعه ومنهم من كفر به وكذبه ورمى أمه بالفاحشة كاليهود {فلما أحس عيسى منهم الكفر}؛ والاتفاق على رد دعوته {قال}؛ نادباً لبني إسرائيل على مؤازرته:{من أنصاري إلى الله، قال الحواريون}؛ أي: الأنصار: {نحن أنصار الله آمنَّا بالله واشهد بأنا مسلمون}؛ وهذا من مِنَّةِ الله عليهم وعلى عيسى حيث ألهم هؤلاء الحواريين الإيمان به والانقياد لطاعته والنصرة لرسوله {ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول}؛ وهذا التزام تام للإيمان بكل ما أنزل الله ولطاعة رسوله {فاكتبنا مع الشاهدين}؛ لك بالوحدانية ولنبيك بالرسالة ولدينك بالحق والصدق. وأما من أحسَّ عيسى منهم الكفرَ وهم جمهور بني إسرائيل فإنهم {مكروا}؛ بعيسى {ومكر الله}؛ بهم {والله خير الماكرين}؛ فاتفقوا على قتله وصلبه، وشُبِّهَ لهم شَبَهُ عيسى فقبضوا على من شُبِّهَ لهم به وقال الله لعيسى:{إني متوفيك ورافعك إليَّ ومطهرك من الذين كفروا}؛ فرفعه الله إليه، وطهره من الذين كفروا، وصلبوا من قتلوه، ظانِّين أنه عيسى، وباؤوا بالإثم العظيم. وسينزل عيسى بن مريم في آخر هذه الأمة حكماً عدلاً يقتل الخنزير ويكسر الصليب ويتبع ما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم -، ويعلم الكاذبون غرورَهم وخداعَهم وأنهم مغرورون مخدوعون. وقوله:{وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة}؛ المراد بمن اتبعه الطائفة التي آمنت به ونصرهم الله على من انحرف عن دينه، ثم لما جاءت أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - كانوا هم أتباعه حقًّا فأيدهم ونصرهم على الكفار كلهم، وأظهرهم بالدين الذي جاءهم به محمد - صلى الله عليه وسلم - {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض}؛ الآية. ولكن حكمة الله عادلة فإنها اقتضت أن من تمسك بالدين نصره النصر المبين، وأن من ترك أمره ونهيه ونبذ شرعه وتجرأ على معاصيه أن يعاقبه ويسلط عليه الأعداء. والله عزيز حكيم. وقوله:{ثم إليَّ مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون}. ثم بين ما يفعله بهم فقال:

آل عمران 3:47

{33 ـ 55} لله تعالى من عباده أصفياء يصطفيهم ويختارهم ويمن عليهم بالفضائل العالية والنعوت السامية والعلوم النافعة والأعمال الصالحة والخصائص المتنوعة، فذكر هذه البيوت الكبار وما احتوت عليه من كُمَّل الرجال الذين حازوا أوصاف الكمال، وأن الفضل والخير تسلسل في ذراريهم، وشمل ذكورهم ونساءهم وهذا من أجل مننه وأفضل مواقع جوده وكرمه {والله سميع عليم}؛ يعلم من يستحق الفضل والتفضيل فيضع فضله حيث اقتضت حكمته. فلما قرر عظمة هذه البيوت ذكر قصة مريم وابنها عيسى - صلى الله عليه وسلم - وكيف تسلسلا من هذه البيوت الفاضلة، وكيف تنقلت بهما الأحوال من ابتداء أمرهما إلى آخره، وأن امرأة عمران قالت متضرعة إلى ربها متقربة إليه بهذه القربة التي يحبها، التي فيها تعظيم بيته وملازمة طاعته:{إني نذرت لك ما في بطني محرراً}؛ أي خادماً لبيت العبادة المشحون بالمتعبدين {فتقبل مني}؛ هذا العمل أي اجعله مؤسساً على الإيمان والإخلاص مثمراً للخير والثواب {إنك أنت السميع العليم. فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى}؛ كأن في هذا الكلام نوع تضرع منها وانكسار نفس حيث كان نذرها بناءً على أنه يكون ذكراً يحصل منه من القوة والخدمة والقيام بذلك ما يحصل من أهل القوة، والأنثى بخلاف ذلك، فجبر الله قلبها وتقبل الله نذرها، وصارت هذه الأنثى أكمل وأتم من كثير من الذكور، بل من أكثرهم، وحصل بها من المقاصد أعظم مما يحصل بالذكر، ولهذا قال:{فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتاً حسناً}؛ أي: ربيت تربية عجيبة دينية أخلاقية أدبية، كملت بها أحوالها، وصلحت بها أقوالها وأفعالها، ونما فيها كمالها، ويسر الله لها زكريا كافلاً، وهذا من مِنَّةِ الله على العبد أن يجعل من يتولى تربيته من الكاملين المصلحين. ثم إن الله تعالى أكرم مريم وزكريا حيث يسَّر لمريم من الرزق الحاصل بلا كدٍّ ولا تعب، وإنما هو كرامة أكرمها الله به، إذ {كلما دخل عليها زكريا المحراب}؛ وهو محل العبادة وفيه إشارة إلى كثرة صلاتها وملازمتها لمحرابها {وجد عندها رزقاً}؛ هنيئاً معدًّا قال:{أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزقُ من يشاء بغير حساب}؛ فلما رأى زكريا هذه الحال والبر واللطف من الله بها، ذكَّرَه أن يسأل الله تعالى حصول الولد على حين اليأس منه فقال:{رب هَب لي من لَدُنك ذرية طيبة إنك سميعُ الدُّعاء. فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أنَّ الله يبشرك بيحيى مصدقاً بكلمة من الله}؛ اسمه أي: الكلمة التي مِنَ الله عيسى بن مريم فكانت بشارته بهذا النبي الكريم تتضمن البشارة بعيسى بن مريم والتصديق له والشهادة له بالرسالة، فهذه الكلمة من الله كلمة شريفة اختص الله بها عيسى بن مريم، وإلا فهي من جملة كلماته التي أوجد بها المخلوقات، كما قال تعالى:{إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون}. وقوله:{وسيداً وحصوراً}؛ أي: هذا المبَشَّر به وهو يحيى سيد من فضلاء الرسل وكرامهم، والحصور قيل هو الذي لا يولد له ولا شهوة له في النساء، وقيل هو الذي عصم وحفظ من الذنوب والشهوات الضارة، وهذا أليق المعنيين، {ونبياً من الصالحين}؛ الذين بلغوا في الصلاح ذروته العالية، {قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر}؛ فهذان مانعان فمن أي طريق يا رب يحصل لي ذلك مع ما ينافي ذلك {قال كذلك الله يفعل ما يشاء}؛ فإنه كما اقتضت حكمته جريان الأمور بأسبابها المعروفة، فإنه قد يخرق ذلك لأنه الفعَّالُ لما يريد، الذي قد انقادت الأسباب لقدرته، ونفذت فيها مشيئته وإرادته فلا يتعاصى على قدرته شيء من الأسباب ولو بلغت في القوة ما بلغت {قال رب اجعل لي آية}؛ ليحصل السرور والاستبشار وإن كنت يا رب متيقناً ما أخبرتني به ولكن النفس تفرح، ويطمئن القلب إلى مقدمات الرحمة واللطف، {قال آيتك أن لا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزاً}؛ وفي هذه المدة {اذكر ربك كثيراً وسبح بالعشي والإبكار}؛ أول النهار وآخره، فمنع من الكلام في هذه المدة، فكان في هذا مناسبة لحصول الولد من بين الشيخ الكبير والمرأة العاقر، وكونه لا يقدر على مخاطبة الآدميين ولسانه منطلق بذكر الله وتسبيحه آية أخرى، فحينئذ حصل له الفرح والاستبشار، وشكر الله، وأكثر من الذكر والتسبيح بالعشايا والإبكار. وكان هذا المولود من بركات مريم بنت عمران على زكريا، فإن ما منَّ الله به عليها من ذلك الرزق الهني الذي يحصل بغير حساب ذكَّره وهيَّجه على التضرع والسؤال، والله تعالى هو المتفضل بالسبب والمسبب ولكنه يقدر أموراً محبوبة على يد من يحبه ليرفع الله قدره ويُعْظِمَ أجره، ثم عاد تعالى إلى ذكر مريم وأنها بلغت في العبادة والكمال مبلغاً عظيماً فقال تعالى:{وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك}؛ أي: اختارك ووهب لك من الصفات الجليلة والأخلاق الجميلة {وطهرك}؛ من الأخلاق الرذيلة {واصطفاك على نساء العالمين}؛ ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -: «كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم وخديجة بنت خويلد، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام» ، فنادتها الملائكة عن أمر الله لها بذلك لتغتبط بنعم الله وتشكر الله، وتقوم بحقوقه، وتشتغل بخدمته، ولهذا قال الملائكة:{يا مريم اقنتي لربك}؛ أي: أكثري من الطاعة والخضوع والخشوع لربك وأديمي ذلك {واركعي مع الراكعين}؛ أي: صلي مع المصلين فقامت بكل ما أمرت به وبرزت وفاقت في كمالها. ولما كانت هذه القصة وغيرها من أكبر الأدلة على رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - حيث أخبر بها مفصلة محققة لا زيادة فيها ولا نقص، وما ذاك إلا لأنه وحي من الله العزيز الحكيم لا بتعلم من الناس قال تعالى:{ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك، وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم}؛ حيث جاءت بها أمها فاختصموا أيهم يكفلها لأنها بنت إمامهم ومقدمهم، وكلهم يريد الخير والأجر من الله حتى وصلت بهم الخصومة إلى أن اقترعوا عليها فألقوا أقلامهم مقترعين، فأصابت القرعة زكريا رحمة من الله به وبها فأنت ـ يا أيها الرسول ـ لم تحضر تلك الحالة لتعرفها فتقصها على الناس، وإنما الله نبأك بها، وهذا هو المقصود الأعظم من سياق القصص أنه يحصل بها العبرة، وأعظم العبر والاستدلال بها على التوحيد والرسالة والبعث وغيرها من الأصول الكبار {إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقربين}؛ أي: له الوجاهة والجاه العظيم في الدنيا والآخرة عند الخلق، ومع ذلك فهو عند الله من المقربين الذين هم أقرب الخلائق إلى الله وأعلاهم درجة، وهذه بشارة لا يشبهها شيء من البشارات، ومن تمام هذه البشارة أنه {يكلم الناس في المهد}؛ فيكون تكليمه آية من آيات الله ورحمة منه بأمه وبالخلق، وكذلك يكلمهم {كهلاً}؛ أي: في حال كهولته، وهذا تكليم النبوة والدعوة والإرشاد، فكلامه في المهد فيه آيات وبراهين على صدقه ونبوته وبراءة أمِّه مما يظن بها من الظنون السيئة، وكلامه في كهولته فيه نفعه العظيم للخلق وكونه واسطة بينهم وبين ربهم في وحيه وتبليغ دينه وشرعه، ومع ذلك فهو {من الصالحين}؛ الذين أصلح الله قلوبهم بمعرفته وحبه، وألسنتهم بالثناء عليه وذكره وجوارحهم بطاعته وخدمته {قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر}؛ وهذا هو من الأمور المستغربة {قال كذلك الله يخلق ما يشاء}؛ ليعلم العباد أنه على كل شيء قدير وأنه لا ممانع لإرادته {إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون. ويعلمه الكتاب}؛ أي: جنس الكتب السابقة والحكم بين الناس ويعطيه النبوة ويجعله {رسولاً إلى بني إسرائيل}؛ ويؤيده بالآيات البينات والأدلة القاهرة حيث قال:{أني قد جئتكم بآية من ربكم}؛ تدلكم أني رسول الله حقاً، وذلك {أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله وأبرئ الأكمه}؛ وهو ممسوح العينين الذي فقد بصره وعيناه {والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم، إن في ذلك}؛ المذكور {لآية لكم إن كنتم مؤمنين. ومصدقاً لما بين يدي من التوراة}؛ فأيده الله بجنسين من الآيات والبراهين الخوارق المستغربة التي لا يمكن لغير الأنبياء الإتيان بها، والرسالة والدعوة والدين الذي جاء به وأنه دين التوراة ودين الأنبياء السابقين، وهذا أكبر الأدلة على صدق الصادقين، فإنه لو كان من الكاذبين لخالف ما جاءت به الرسل ولناقضهم في أصولهم وفروعهم، فعلم بذلك أنه رسول الله وأن ما جاء به حق لا ريب فيه، وأيضاً فقوله:{ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم}؛ أي: ولأخفف عنكم بعض الآصار والأغلال {فاتقوا الله وأطيعون. إن الله ربي وربكم فاعبدوه}؛ وهذا ما يدعو إليه جميع الرسل عبادة الله وحده لا شريك له وطاعتهم، وهذا هو الصراط المستقيم الذي من سلكه أوصله إلى جنات النعيم. فحينئذ اختلفت أحزاب بني إسرائيل في عيسى فمنهم من آمن به واتبعه ومنهم من كفر به وكذبه ورمى أمه بالفاحشة كاليهود {فلما أحس عيسى منهم الكفر}؛ والاتفاق على رد دعوته {قال}؛ نادباً لبني إسرائيل على مؤازرته:{من أنصاري إلى الله، قال الحواريون}؛ أي: الأنصار: {نحن أنصار الله آمنَّا بالله واشهد بأنا مسلمون}؛ وهذا من مِنَّةِ الله عليهم وعلى عيسى حيث ألهم هؤلاء الحواريين الإيمان به والانقياد لطاعته والنصرة لرسوله {ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول}؛ وهذا التزام تام للإيمان بكل ما أنزل الله ولطاعة رسوله {فاكتبنا مع الشاهدين}؛ لك بالوحدانية ولنبيك بالرسالة ولدينك بالحق والصدق. وأما من أحسَّ عيسى منهم الكفرَ وهم جمهور بني إسرائيل فإنهم {مكروا}؛ بعيسى {ومكر الله}؛ بهم {والله خير الماكرين}؛ فاتفقوا على قتله وصلبه، وشُبِّهَ لهم شَبَهُ عيسى فقبضوا على من شُبِّهَ لهم به وقال الله لعيسى:{إني متوفيك ورافعك إليَّ ومطهرك من الذين كفروا}؛ فرفعه الله إليه، وطهره من الذين كفروا، وصلبوا من قتلوه، ظانِّين أنه عيسى، وباؤوا بالإثم العظيم. وسينزل عيسى بن مريم في آخر هذه الأمة حكماً عدلاً يقتل الخنزير ويكسر الصليب ويتبع ما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم -، ويعلم الكاذبون غرورَهم وخداعَهم وأنهم مغرورون مخدوعون. وقوله:{وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة}؛ المراد بمن اتبعه الطائفة التي آمنت به ونصرهم الله على من انحرف عن دينه، ثم لما جاءت أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - كانوا هم أتباعه حقًّا فأيدهم ونصرهم على الكفار كلهم، وأظهرهم بالدين الذي جاءهم به محمد - صلى الله عليه وسلم - {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض}؛ الآية. ولكن حكمة الله عادلة فإنها اقتضت أن من تمسك بالدين نصره النصر المبين، وأن من ترك أمره ونهيه ونبذ شرعه وتجرأ على معاصيه أن يعاقبه ويسلط عليه الأعداء. والله عزيز حكيم. وقوله:{ثم إليَّ مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون}. ثم بين ما يفعله بهم فقال:

آل عمران 3:48

{33 ـ 55} لله تعالى من عباده أصفياء يصطفيهم ويختارهم ويمن عليهم بالفضائل العالية والنعوت السامية والعلوم النافعة والأعمال الصالحة والخصائص المتنوعة، فذكر هذه البيوت الكبار وما احتوت عليه من كُمَّل الرجال الذين حازوا أوصاف الكمال، وأن الفضل والخير تسلسل في ذراريهم، وشمل ذكورهم ونساءهم وهذا من أجل مننه وأفضل مواقع جوده وكرمه {والله سميع عليم}؛ يعلم من يستحق الفضل والتفضيل فيضع فضله حيث اقتضت حكمته. فلما قرر عظمة هذه البيوت ذكر قصة مريم وابنها عيسى - صلى الله عليه وسلم - وكيف تسلسلا من هذه البيوت الفاضلة، وكيف تنقلت بهما الأحوال من ابتداء أمرهما إلى آخره، وأن امرأة عمران قالت متضرعة إلى ربها متقربة إليه بهذه القربة التي يحبها، التي فيها تعظيم بيته وملازمة طاعته:{إني نذرت لك ما في بطني محرراً}؛ أي خادماً لبيت العبادة المشحون بالمتعبدين {فتقبل مني}؛ هذا العمل أي اجعله مؤسساً على الإيمان والإخلاص مثمراً للخير والثواب {إنك أنت السميع العليم. فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى}؛ كأن في هذا الكلام نوع تضرع منها وانكسار نفس حيث كان نذرها بناءً على أنه يكون ذكراً يحصل منه من القوة والخدمة والقيام بذلك ما يحصل من أهل القوة، والأنثى بخلاف ذلك، فجبر الله قلبها وتقبل الله نذرها، وصارت هذه الأنثى أكمل وأتم من كثير من الذكور، بل من أكثرهم، وحصل بها من المقاصد أعظم مما يحصل بالذكر، ولهذا قال:{فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتاً حسناً}؛ أي: ربيت تربية عجيبة دينية أخلاقية أدبية، كملت بها أحوالها، وصلحت بها أقوالها وأفعالها، ونما فيها كمالها، ويسر الله لها زكريا كافلاً، وهذا من مِنَّةِ الله على العبد أن يجعل من يتولى تربيته من الكاملين المصلحين. ثم إن الله تعالى أكرم مريم وزكريا حيث يسَّر لمريم من الرزق الحاصل بلا كدٍّ ولا تعب، وإنما هو كرامة أكرمها الله به، إذ {كلما دخل عليها زكريا المحراب}؛ وهو محل العبادة وفيه إشارة إلى كثرة صلاتها وملازمتها لمحرابها {وجد عندها رزقاً}؛ هنيئاً معدًّا قال:{أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزقُ من يشاء بغير حساب}؛ فلما رأى زكريا هذه الحال والبر واللطف من الله بها، ذكَّرَه أن يسأل الله تعالى حصول الولد على حين اليأس منه فقال:{رب هَب لي من لَدُنك ذرية طيبة إنك سميعُ الدُّعاء. فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أنَّ الله يبشرك بيحيى مصدقاً بكلمة من الله}؛ اسمه أي: الكلمة التي مِنَ الله عيسى بن مريم فكانت بشارته بهذا النبي الكريم تتضمن البشارة بعيسى بن مريم والتصديق له والشهادة له بالرسالة، فهذه الكلمة من الله كلمة شريفة اختص الله بها عيسى بن مريم، وإلا فهي من جملة كلماته التي أوجد بها المخلوقات، كما قال تعالى:{إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون}. وقوله:{وسيداً وحصوراً}؛ أي: هذا المبَشَّر به وهو يحيى سيد من فضلاء الرسل وكرامهم، والحصور قيل هو الذي لا يولد له ولا شهوة له في النساء، وقيل هو الذي عصم وحفظ من الذنوب والشهوات الضارة، وهذا أليق المعنيين، {ونبياً من الصالحين}؛ الذين بلغوا في الصلاح ذروته العالية، {قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر}؛ فهذان مانعان فمن أي طريق يا رب يحصل لي ذلك مع ما ينافي ذلك {قال كذلك الله يفعل ما يشاء}؛ فإنه كما اقتضت حكمته جريان الأمور بأسبابها المعروفة، فإنه قد يخرق ذلك لأنه الفعَّالُ لما يريد، الذي قد انقادت الأسباب لقدرته، ونفذت فيها مشيئته وإرادته فلا يتعاصى على قدرته شيء من الأسباب ولو بلغت في القوة ما بلغت {قال رب اجعل لي آية}؛ ليحصل السرور والاستبشار وإن كنت يا رب متيقناً ما أخبرتني به ولكن النفس تفرح، ويطمئن القلب إلى مقدمات الرحمة واللطف، {قال آيتك أن لا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزاً}؛ وفي هذه المدة {اذكر ربك كثيراً وسبح بالعشي والإبكار}؛ أول النهار وآخره، فمنع من الكلام في هذه المدة، فكان في هذا مناسبة لحصول الولد من بين الشيخ الكبير والمرأة العاقر، وكونه لا يقدر على مخاطبة الآدميين ولسانه منطلق بذكر الله وتسبيحه آية أخرى، فحينئذ حصل له الفرح والاستبشار، وشكر الله، وأكثر من الذكر والتسبيح بالعشايا والإبكار. وكان هذا المولود من بركات مريم بنت عمران على زكريا، فإن ما منَّ الله به عليها من ذلك الرزق الهني الذي يحصل بغير حساب ذكَّره وهيَّجه على التضرع والسؤال، والله تعالى هو المتفضل بالسبب والمسبب ولكنه يقدر أموراً محبوبة على يد من يحبه ليرفع الله قدره ويُعْظِمَ أجره، ثم عاد تعالى إلى ذكر مريم وأنها بلغت في العبادة والكمال مبلغاً عظيماً فقال تعالى:{وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك}؛ أي: اختارك ووهب لك من الصفات الجليلة والأخلاق الجميلة {وطهرك}؛ من الأخلاق الرذيلة {واصطفاك على نساء العالمين}؛ ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -: «كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم وخديجة بنت خويلد، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام» ، فنادتها الملائكة عن أمر الله لها بذلك لتغتبط بنعم الله وتشكر الله، وتقوم بحقوقه، وتشتغل بخدمته، ولهذا قال الملائكة:{يا مريم اقنتي لربك}؛ أي: أكثري من الطاعة والخضوع والخشوع لربك وأديمي ذلك {واركعي مع الراكعين}؛ أي: صلي مع المصلين فقامت بكل ما أمرت به وبرزت وفاقت في كمالها. ولما كانت هذه القصة وغيرها من أكبر الأدلة على رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - حيث أخبر بها مفصلة محققة لا زيادة فيها ولا نقص، وما ذاك إلا لأنه وحي من الله العزيز الحكيم لا بتعلم من الناس قال تعالى:{ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك، وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم}؛ حيث جاءت بها أمها فاختصموا أيهم يكفلها لأنها بنت إمامهم ومقدمهم، وكلهم يريد الخير والأجر من الله حتى وصلت بهم الخصومة إلى أن اقترعوا عليها فألقوا أقلامهم مقترعين، فأصابت القرعة زكريا رحمة من الله به وبها فأنت ـ يا أيها الرسول ـ لم تحضر تلك الحالة لتعرفها فتقصها على الناس، وإنما الله نبأك بها، وهذا هو المقصود الأعظم من سياق القصص أنه يحصل بها العبرة، وأعظم العبر والاستدلال بها على التوحيد والرسالة والبعث وغيرها من الأصول الكبار {إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقربين}؛ أي: له الوجاهة والجاه العظيم في الدنيا والآخرة عند الخلق، ومع ذلك فهو عند الله من المقربين الذين هم أقرب الخلائق إلى الله وأعلاهم درجة، وهذه بشارة لا يشبهها شيء من البشارات، ومن تمام هذه البشارة أنه {يكلم الناس في المهد}؛ فيكون تكليمه آية من آيات الله ورحمة منه بأمه وبالخلق، وكذلك يكلمهم {كهلاً}؛ أي: في حال كهولته، وهذا تكليم النبوة والدعوة والإرشاد، فكلامه في المهد فيه آيات وبراهين على صدقه ونبوته وبراءة أمِّه مما يظن بها من الظنون السيئة، وكلامه في كهولته فيه نفعه العظيم للخلق وكونه واسطة بينهم وبين ربهم في وحيه وتبليغ دينه وشرعه، ومع ذلك فهو {من الصالحين}؛ الذين أصلح الله قلوبهم بمعرفته وحبه، وألسنتهم بالثناء عليه وذكره وجوارحهم بطاعته وخدمته {قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر}؛ وهذا هو من الأمور المستغربة {قال كذلك الله يخلق ما يشاء}؛ ليعلم العباد أنه على كل شيء قدير وأنه لا ممانع لإرادته {إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون. ويعلمه الكتاب}؛ أي: جنس الكتب السابقة والحكم بين الناس ويعطيه النبوة ويجعله {رسولاً إلى بني إسرائيل}؛ ويؤيده بالآيات البينات والأدلة القاهرة حيث قال:{أني قد جئتكم بآية من ربكم}؛ تدلكم أني رسول الله حقاً، وذلك {أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله وأبرئ الأكمه}؛ وهو ممسوح العينين الذي فقد بصره وعيناه {والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم، إن في ذلك}؛ المذكور {لآية لكم إن كنتم مؤمنين. ومصدقاً لما بين يدي من التوراة}؛ فأيده الله بجنسين من الآيات والبراهين الخوارق المستغربة التي لا يمكن لغير الأنبياء الإتيان بها، والرسالة والدعوة والدين الذي جاء به وأنه دين التوراة ودين الأنبياء السابقين، وهذا أكبر الأدلة على صدق الصادقين، فإنه لو كان من الكاذبين لخالف ما جاءت به الرسل ولناقضهم في أصولهم وفروعهم، فعلم بذلك أنه رسول الله وأن ما جاء به حق لا ريب فيه، وأيضاً فقوله:{ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم}؛ أي: ولأخفف عنكم بعض الآصار والأغلال {فاتقوا الله وأطيعون. إن الله ربي وربكم فاعبدوه}؛ وهذا ما يدعو إليه جميع الرسل عبادة الله وحده لا شريك له وطاعتهم، وهذا هو الصراط المستقيم الذي من سلكه أوصله إلى جنات النعيم. فحينئذ اختلفت أحزاب بني إسرائيل في عيسى فمنهم من آمن به واتبعه ومنهم من كفر به وكذبه ورمى أمه بالفاحشة كاليهود {فلما أحس عيسى منهم الكفر}؛ والاتفاق على رد دعوته {قال}؛ نادباً لبني إسرائيل على مؤازرته:{من أنصاري إلى الله، قال الحواريون}؛ أي: الأنصار: {نحن أنصار الله آمنَّا بالله واشهد بأنا مسلمون}؛ وهذا من مِنَّةِ الله عليهم وعلى عيسى حيث ألهم هؤلاء الحواريين الإيمان به والانقياد لطاعته والنصرة لرسوله {ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول}؛ وهذا التزام تام للإيمان بكل ما أنزل الله ولطاعة رسوله {فاكتبنا مع الشاهدين}؛ لك بالوحدانية ولنبيك بالرسالة ولدينك بالحق والصدق. وأما من أحسَّ عيسى منهم الكفرَ وهم جمهور بني إسرائيل فإنهم {مكروا}؛ بعيسى {ومكر الله}؛ بهم {والله خير الماكرين}؛ فاتفقوا على قتله وصلبه، وشُبِّهَ لهم شَبَهُ عيسى فقبضوا على من شُبِّهَ لهم به وقال الله لعيسى:{إني متوفيك ورافعك إليَّ ومطهرك من الذين كفروا}؛ فرفعه الله إليه، وطهره من الذين كفروا، وصلبوا من قتلوه، ظانِّين أنه عيسى، وباؤوا بالإثم العظيم. وسينزل عيسى بن مريم في آخر هذه الأمة حكماً عدلاً يقتل الخنزير ويكسر الصليب ويتبع ما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم -، ويعلم الكاذبون غرورَهم وخداعَهم وأنهم مغرورون مخدوعون. وقوله:{وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة}؛ المراد بمن اتبعه الطائفة التي آمنت به ونصرهم الله على من انحرف عن دينه، ثم لما جاءت أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - كانوا هم أتباعه حقًّا فأيدهم ونصرهم على الكفار كلهم، وأظهرهم بالدين الذي جاءهم به محمد - صلى الله عليه وسلم - {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض}؛ الآية. ولكن حكمة الله عادلة فإنها اقتضت أن من تمسك بالدين نصره النصر المبين، وأن من ترك أمره ونهيه ونبذ شرعه وتجرأ على معاصيه أن يعاقبه ويسلط عليه الأعداء. والله عزيز حكيم. وقوله:{ثم إليَّ مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون}. ثم بين ما يفعله بهم فقال:

آل عمران 3:49

{33 ـ 55} لله تعالى من عباده أصفياء يصطفيهم ويختارهم ويمن عليهم بالفضائل العالية والنعوت السامية والعلوم النافعة والأعمال الصالحة والخصائص المتنوعة، فذكر هذه البيوت الكبار وما احتوت عليه من كُمَّل الرجال الذين حازوا أوصاف الكمال، وأن الفضل والخير تسلسل في ذراريهم، وشمل ذكورهم ونساءهم وهذا من أجل مننه وأفضل مواقع جوده وكرمه {والله سميع عليم}؛ يعلم من يستحق الفضل والتفضيل فيضع فضله حيث اقتضت حكمته. فلما قرر عظمة هذه البيوت ذكر قصة مريم وابنها عيسى - صلى الله عليه وسلم - وكيف تسلسلا من هذه البيوت الفاضلة، وكيف تنقلت بهما الأحوال من ابتداء أمرهما إلى آخره، وأن امرأة عمران قالت متضرعة إلى ربها متقربة إليه بهذه القربة التي يحبها، التي فيها تعظيم بيته وملازمة طاعته:{إني نذرت لك ما في بطني محرراً}؛ أي خادماً لبيت العبادة المشحون بالمتعبدين {فتقبل مني}؛ هذا العمل أي اجعله مؤسساً على الإيمان والإخلاص مثمراً للخير والثواب {إنك أنت السميع العليم. فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى}؛ كأن في هذا الكلام نوع تضرع منها وانكسار نفس حيث كان نذرها بناءً على أنه يكون ذكراً يحصل منه من القوة والخدمة والقيام بذلك ما يحصل من أهل القوة، والأنثى بخلاف ذلك، فجبر الله قلبها وتقبل الله نذرها، وصارت هذه الأنثى أكمل وأتم من كثير من الذكور، بل من أكثرهم، وحصل بها من المقاصد أعظم مما يحصل بالذكر، ولهذا قال:{فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتاً حسناً}؛ أي: ربيت تربية عجيبة دينية أخلاقية أدبية، كملت بها أحوالها، وصلحت بها أقوالها وأفعالها، ونما فيها كمالها، ويسر الله لها زكريا كافلاً، وهذا من مِنَّةِ الله على العبد أن يجعل من يتولى تربيته من الكاملين المصلحين. ثم إن الله تعالى أكرم مريم وزكريا حيث يسَّر لمريم من الرزق الحاصل بلا كدٍّ ولا تعب، وإنما هو كرامة أكرمها الله به، إذ {كلما دخل عليها زكريا المحراب}؛ وهو محل العبادة وفيه إشارة إلى كثرة صلاتها وملازمتها لمحرابها {وجد عندها رزقاً}؛ هنيئاً معدًّا قال:{أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزقُ من يشاء بغير حساب}؛ فلما رأى زكريا هذه الحال والبر واللطف من الله بها، ذكَّرَه أن يسأل الله تعالى حصول الولد على حين اليأس منه فقال:{رب هَب لي من لَدُنك ذرية طيبة إنك سميعُ الدُّعاء. فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أنَّ الله يبشرك بيحيى مصدقاً بكلمة من الله}؛ اسمه أي: الكلمة التي مِنَ الله عيسى بن مريم فكانت بشارته بهذا النبي الكريم تتضمن البشارة بعيسى بن مريم والتصديق له والشهادة له بالرسالة، فهذه الكلمة من الله كلمة شريفة اختص الله بها عيسى بن مريم، وإلا فهي من جملة كلماته التي أوجد بها المخلوقات، كما قال تعالى:{إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون}. وقوله:{وسيداً وحصوراً}؛ أي: هذا المبَشَّر به وهو يحيى سيد من فضلاء الرسل وكرامهم، والحصور قيل هو الذي لا يولد له ولا شهوة له في النساء، وقيل هو الذي عصم وحفظ من الذنوب والشهوات الضارة، وهذا أليق المعنيين، {ونبياً من الصالحين}؛ الذين بلغوا في الصلاح ذروته العالية، {قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر}؛ فهذان مانعان فمن أي طريق يا رب يحصل لي ذلك مع ما ينافي ذلك {قال كذلك الله يفعل ما يشاء}؛ فإنه كما اقتضت حكمته جريان الأمور بأسبابها المعروفة، فإنه قد يخرق ذلك لأنه الفعَّالُ لما يريد، الذي قد انقادت الأسباب لقدرته، ونفذت فيها مشيئته وإرادته فلا يتعاصى على قدرته شيء من الأسباب ولو بلغت في القوة ما بلغت {قال رب اجعل لي آية}؛ ليحصل السرور والاستبشار وإن كنت يا رب متيقناً ما أخبرتني به ولكن النفس تفرح، ويطمئن القلب إلى مقدمات الرحمة واللطف، {قال آيتك أن لا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزاً}؛ وفي هذه المدة {اذكر ربك كثيراً وسبح بالعشي والإبكار}؛ أول النهار وآخره، فمنع من الكلام في هذه المدة، فكان في هذا مناسبة لحصول الولد من بين الشيخ الكبير والمرأة العاقر، وكونه لا يقدر على مخاطبة الآدميين ولسانه منطلق بذكر الله وتسبيحه آية أخرى، فحينئذ حصل له الفرح والاستبشار، وشكر الله، وأكثر من الذكر والتسبيح بالعشايا والإبكار. وكان هذا المولود من بركات مريم بنت عمران على زكريا، فإن ما منَّ الله به عليها من ذلك الرزق الهني الذي يحصل بغير حساب ذكَّره وهيَّجه على التضرع والسؤال، والله تعالى هو المتفضل بالسبب والمسبب ولكنه يقدر أموراً محبوبة على يد من يحبه ليرفع الله قدره ويُعْظِمَ أجره، ثم عاد تعالى إلى ذكر مريم وأنها بلغت في العبادة والكمال مبلغاً عظيماً فقال تعالى:{وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك}؛ أي: اختارك ووهب لك من الصفات الجليلة والأخلاق الجميلة {وطهرك}؛ من الأخلاق الرذيلة {واصطفاك على نساء العالمين}؛ ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -: «كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم وخديجة بنت خويلد، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام» ، فنادتها الملائكة عن أمر الله لها بذلك لتغتبط بنعم الله وتشكر الله، وتقوم بحقوقه، وتشتغل بخدمته، ولهذا قال الملائكة:{يا مريم اقنتي لربك}؛ أي: أكثري من الطاعة والخضوع والخشوع لربك وأديمي ذلك {واركعي مع الراكعين}؛ أي: صلي مع المصلين فقامت بكل ما أمرت به وبرزت وفاقت في كمالها. ولما كانت هذه القصة وغيرها من أكبر الأدلة على رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - حيث أخبر بها مفصلة محققة لا زيادة فيها ولا نقص، وما ذاك إلا لأنه وحي من الله العزيز الحكيم لا بتعلم من الناس قال تعالى:{ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك، وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم}؛ حيث جاءت بها أمها فاختصموا أيهم يكفلها لأنها بنت إمامهم ومقدمهم، وكلهم يريد الخير والأجر من الله حتى وصلت بهم الخصومة إلى أن اقترعوا عليها فألقوا أقلامهم مقترعين، فأصابت القرعة زكريا رحمة من الله به وبها فأنت ـ يا أيها الرسول ـ لم تحضر تلك الحالة لتعرفها فتقصها على الناس، وإنما الله نبأك بها، وهذا هو المقصود الأعظم من سياق القصص أنه يحصل بها العبرة، وأعظم العبر والاستدلال بها على التوحيد والرسالة والبعث وغيرها من الأصول الكبار {إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقربين}؛ أي: له الوجاهة والجاه العظيم في الدنيا والآخرة عند الخلق، ومع ذلك فهو عند الله من المقربين الذين هم أقرب الخلائق إلى الله وأعلاهم درجة، وهذه بشارة لا يشبهها شيء من البشارات، ومن تمام هذه البشارة أنه {يكلم الناس في المهد}؛ فيكون تكليمه آية من آيات الله ورحمة منه بأمه وبالخلق، وكذلك يكلمهم {كهلاً}؛ أي: في حال كهولته، وهذا تكليم النبوة والدعوة والإرشاد، فكلامه في المهد فيه آيات وبراهين على صدقه ونبوته وبراءة أمِّه مما يظن بها من الظنون السيئة، وكلامه في كهولته فيه نفعه العظيم للخلق وكونه واسطة بينهم وبين ربهم في وحيه وتبليغ دينه وشرعه، ومع ذلك فهو {من الصالحين}؛ الذين أصلح الله قلوبهم بمعرفته وحبه، وألسنتهم بالثناء عليه وذكره وجوارحهم بطاعته وخدمته {قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر}؛ وهذا هو من الأمور المستغربة {قال كذلك الله يخلق ما يشاء}؛ ليعلم العباد أنه على كل شيء قدير وأنه لا ممانع لإرادته {إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون. ويعلمه الكتاب}؛ أي: جنس الكتب السابقة والحكم بين الناس ويعطيه النبوة ويجعله {رسولاً إلى بني إسرائيل}؛ ويؤيده بالآيات البينات والأدلة القاهرة حيث قال:{أني قد جئتكم بآية من ربكم}؛ تدلكم أني رسول الله حقاً، وذلك {أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله وأبرئ الأكمه}؛ وهو ممسوح العينين الذي فقد بصره وعيناه {والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم، إن في ذلك}؛ المذكور {لآية لكم إن كنتم مؤمنين. ومصدقاً لما بين يدي من التوراة}؛ فأيده الله بجنسين من الآيات والبراهين الخوارق المستغربة التي لا يمكن لغير الأنبياء الإتيان بها، والرسالة والدعوة والدين الذي جاء به وأنه دين التوراة ودين الأنبياء السابقين، وهذا أكبر الأدلة على صدق الصادقين، فإنه لو كان من الكاذبين لخالف ما جاءت به الرسل ولناقضهم في أصولهم وفروعهم، فعلم بذلك أنه رسول الله وأن ما جاء به حق لا ريب فيه، وأيضاً فقوله:{ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم}؛ أي: ولأخفف عنكم بعض الآصار والأغلال {فاتقوا الله وأطيعون. إن الله ربي وربكم فاعبدوه}؛ وهذا ما يدعو إليه جميع الرسل عبادة الله وحده لا شريك له وطاعتهم، وهذا هو الصراط المستقيم الذي من سلكه أوصله إلى جنات النعيم. فحينئذ اختلفت أحزاب بني إسرائيل في عيسى فمنهم من آمن به واتبعه ومنهم من كفر به وكذبه ورمى أمه بالفاحشة كاليهود {فلما أحس عيسى منهم الكفر}؛ والاتفاق على رد دعوته {قال}؛ نادباً لبني إسرائيل على مؤازرته:{من أنصاري إلى الله، قال الحواريون}؛ أي: الأنصار: {نحن أنصار الله آمنَّا بالله واشهد بأنا مسلمون}؛ وهذا من مِنَّةِ الله عليهم وعلى عيسى حيث ألهم هؤلاء الحواريين الإيمان به والانقياد لطاعته والنصرة لرسوله {ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول}؛ وهذا التزام تام للإيمان بكل ما أنزل الله ولطاعة رسوله {فاكتبنا مع الشاهدين}؛ لك بالوحدانية ولنبيك بالرسالة ولدينك بالحق والصدق. وأما من أحسَّ عيسى منهم الكفرَ وهم جمهور بني إسرائيل فإنهم {مكروا}؛ بعيسى {ومكر الله}؛ بهم {والله خير الماكرين}؛ فاتفقوا على قتله وصلبه، وشُبِّهَ لهم شَبَهُ عيسى فقبضوا على من شُبِّهَ لهم به وقال الله لعيسى:{إني متوفيك ورافعك إليَّ ومطهرك من الذين كفروا}؛ فرفعه الله إليه، وطهره من الذين كفروا، وصلبوا من قتلوه، ظانِّين أنه عيسى، وباؤوا بالإثم العظيم. وسينزل عيسى بن مريم في آخر هذه الأمة حكماً عدلاً يقتل الخنزير ويكسر الصليب ويتبع ما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم -، ويعلم الكاذبون غرورَهم وخداعَهم وأنهم مغرورون مخدوعون. وقوله:{وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة}؛ المراد بمن اتبعه الطائفة التي آمنت به ونصرهم الله على من انحرف عن دينه، ثم لما جاءت أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - كانوا هم أتباعه حقًّا فأيدهم ونصرهم على الكفار كلهم، وأظهرهم بالدين الذي جاءهم به محمد - صلى الله عليه وسلم - {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض}؛ الآية. ولكن حكمة الله عادلة فإنها اقتضت أن من تمسك بالدين نصره النصر المبين، وأن من ترك أمره ونهيه ونبذ شرعه وتجرأ على معاصيه أن يعاقبه ويسلط عليه الأعداء. والله عزيز حكيم. وقوله:{ثم إليَّ مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون}. ثم بين ما يفعله بهم فقال:

آل عمران 3:50

{33 ـ 55} لله تعالى من عباده أصفياء يصطفيهم ويختارهم ويمن عليهم بالفضائل العالية والنعوت السامية والعلوم النافعة والأعمال الصالحة والخصائص المتنوعة، فذكر هذه البيوت الكبار وما احتوت عليه من كُمَّل الرجال الذين حازوا أوصاف الكمال، وأن الفضل والخير تسلسل في ذراريهم، وشمل ذكورهم ونساءهم وهذا من أجل مننه وأفضل مواقع جوده وكرمه {والله سميع عليم}؛ يعلم من يستحق الفضل والتفضيل فيضع فضله حيث اقتضت حكمته. فلما قرر عظمة هذه البيوت ذكر قصة مريم وابنها عيسى - صلى الله عليه وسلم - وكيف تسلسلا من هذه البيوت الفاضلة، وكيف تنقلت بهما الأحوال من ابتداء أمرهما إلى آخره، وأن امرأة عمران قالت متضرعة إلى ربها متقربة إليه بهذه القربة التي يحبها، التي فيها تعظيم بيته وملازمة طاعته:{إني نذرت لك ما في بطني محرراً}؛ أي خادماً لبيت العبادة المشحون بالمتعبدين {فتقبل مني}؛ هذا العمل أي اجعله مؤسساً على الإيمان والإخلاص مثمراً للخير والثواب {إنك أنت السميع العليم. فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى}؛ كأن في هذا الكلام نوع تضرع منها وانكسار نفس حيث كان نذرها بناءً على أنه يكون ذكراً يحصل منه من القوة والخدمة والقيام بذلك ما يحصل من أهل القوة، والأنثى بخلاف ذلك، فجبر الله قلبها وتقبل الله نذرها، وصارت هذه الأنثى أكمل وأتم من كثير من الذكور، بل من أكثرهم، وحصل بها من المقاصد أعظم مما يحصل بالذكر، ولهذا قال:{فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتاً حسناً}؛ أي: ربيت تربية عجيبة دينية أخلاقية أدبية، كملت بها أحوالها، وصلحت بها أقوالها وأفعالها، ونما فيها كمالها، ويسر الله لها زكريا كافلاً، وهذا من مِنَّةِ الله على العبد أن يجعل من يتولى تربيته من الكاملين المصلحين. ثم إن الله تعالى أكرم مريم وزكريا حيث يسَّر لمريم من الرزق الحاصل بلا كدٍّ ولا تعب، وإنما هو كرامة أكرمها الله به، إذ {كلما دخل عليها زكريا المحراب}؛ وهو محل العبادة وفيه إشارة إلى كثرة صلاتها وملازمتها لمحرابها {وجد عندها رزقاً}؛ هنيئاً معدًّا قال:{أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزقُ من يشاء بغير حساب}؛ فلما رأى زكريا هذه الحال والبر واللطف من الله بها، ذكَّرَه أن يسأل الله تعالى حصول الولد على حين اليأس منه فقال:{رب هَب لي من لَدُنك ذرية طيبة إنك سميعُ الدُّعاء. فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أنَّ الله يبشرك بيحيى مصدقاً بكلمة من الله}؛ اسمه أي: الكلمة التي مِنَ الله عيسى بن مريم فكانت بشارته بهذا النبي الكريم تتضمن البشارة بعيسى بن مريم والتصديق له والشهادة له بالرسالة، فهذه الكلمة من الله كلمة شريفة اختص الله بها عيسى بن مريم، وإلا فهي من جملة كلماته التي أوجد بها المخلوقات، كما قال تعالى:{إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون}. وقوله:{وسيداً وحصوراً}؛ أي: هذا المبَشَّر به وهو يحيى سيد من فضلاء الرسل وكرامهم، والحصور قيل هو الذي لا يولد له ولا شهوة له في النساء، وقيل هو الذي عصم وحفظ من الذنوب والشهوات الضارة، وهذا أليق المعنيين، {ونبياً من الصالحين}؛ الذين بلغوا في الصلاح ذروته العالية، {قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر}؛ فهذان مانعان فمن أي طريق يا رب يحصل لي ذلك مع ما ينافي ذلك {قال كذلك الله يفعل ما يشاء}؛ فإنه كما اقتضت حكمته جريان الأمور بأسبابها المعروفة، فإنه قد يخرق ذلك لأنه الفعَّالُ لما يريد، الذي قد انقادت الأسباب لقدرته، ونفذت فيها مشيئته وإرادته فلا يتعاصى على قدرته شيء من الأسباب ولو بلغت في القوة ما بلغت {قال رب اجعل لي آية}؛ ليحصل السرور والاستبشار وإن كنت يا رب متيقناً ما أخبرتني به ولكن النفس تفرح، ويطمئن القلب إلى مقدمات الرحمة واللطف، {قال آيتك أن لا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزاً}؛ وفي هذه المدة {اذكر ربك كثيراً وسبح بالعشي والإبكار}؛ أول النهار وآخره، فمنع من الكلام في هذه المدة، فكان في هذا مناسبة لحصول الولد من بين الشيخ الكبير والمرأة العاقر، وكونه لا يقدر على مخاطبة الآدميين ولسانه منطلق بذكر الله وتسبيحه آية أخرى، فحينئذ حصل له الفرح والاستبشار، وشكر الله، وأكثر من الذكر والتسبيح بالعشايا والإبكار. وكان هذا المولود من بركات مريم بنت عمران على زكريا، فإن ما منَّ الله به عليها من ذلك الرزق الهني الذي يحصل بغير حساب ذكَّره وهيَّجه على التضرع والسؤال، والله تعالى هو المتفضل بالسبب والمسبب ولكنه يقدر أموراً محبوبة على يد من يحبه ليرفع الله قدره ويُعْظِمَ أجره، ثم عاد تعالى إلى ذكر مريم وأنها بلغت في العبادة والكمال مبلغاً عظيماً فقال تعالى:{وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك}؛ أي: اختارك ووهب لك من الصفات الجليلة والأخلاق الجميلة {وطهرك}؛ من الأخلاق الرذيلة {واصطفاك على نساء العالمين}؛ ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -: «كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم وخديجة بنت خويلد، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام» ، فنادتها الملائكة عن أمر الله لها بذلك لتغتبط بنعم الله وتشكر الله، وتقوم بحقوقه، وتشتغل بخدمته، ولهذا قال الملائكة:{يا مريم اقنتي لربك}؛ أي: أكثري من الطاعة والخضوع والخشوع لربك وأديمي ذلك {واركعي مع الراكعين}؛ أي: صلي مع المصلين فقامت بكل ما أمرت به وبرزت وفاقت في كمالها. ولما كانت هذه القصة وغيرها من أكبر الأدلة على رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - حيث أخبر بها مفصلة محققة لا زيادة فيها ولا نقص، وما ذاك إلا لأنه وحي من الله العزيز الحكيم لا بتعلم من الناس قال تعالى:{ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك، وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم}؛ حيث جاءت بها أمها فاختصموا أيهم يكفلها لأنها بنت إمامهم ومقدمهم، وكلهم يريد الخير والأجر من الله حتى وصلت بهم الخصومة إلى أن اقترعوا عليها فألقوا أقلامهم مقترعين، فأصابت القرعة زكريا رحمة من الله به وبها فأنت ـ يا أيها الرسول ـ لم تحضر تلك الحالة لتعرفها فتقصها على الناس، وإنما الله نبأك بها، وهذا هو المقصود الأعظم من سياق القصص أنه يحصل بها العبرة، وأعظم العبر والاستدلال بها على التوحيد والرسالة والبعث وغيرها من الأصول الكبار {إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقربين}؛ أي: له الوجاهة والجاه العظيم في الدنيا والآخرة عند الخلق، ومع ذلك فهو عند الله من المقربين الذين هم أقرب الخلائق إلى الله وأعلاهم درجة، وهذه بشارة لا يشبهها شيء من البشارات، ومن تمام هذه البشارة أنه {يكلم الناس في المهد}؛ فيكون تكليمه آية من آيات الله ورحمة منه بأمه وبالخلق، وكذلك يكلمهم {كهلاً}؛ أي: في حال كهولته، وهذا تكليم النبوة والدعوة والإرشاد، فكلامه في المهد فيه آيات وبراهين على صدقه ونبوته وبراءة أمِّه مما يظن بها من الظنون السيئة، وكلامه في كهولته فيه نفعه العظيم للخلق وكونه واسطة بينهم وبين ربهم في وحيه وتبليغ دينه وشرعه، ومع ذلك فهو {من الصالحين}؛ الذين أصلح الله قلوبهم بمعرفته وحبه، وألسنتهم بالثناء عليه وذكره وجوارحهم بطاعته وخدمته {قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر}؛ وهذا هو من الأمور المستغربة {قال كذلك الله يخلق ما يشاء}؛ ليعلم العباد أنه على كل شيء قدير وأنه لا ممانع لإرادته {إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون. ويعلمه الكتاب}؛ أي: جنس الكتب السابقة والحكم بين الناس ويعطيه النبوة ويجعله {رسولاً إلى بني إسرائيل}؛ ويؤيده بالآيات البينات والأدلة القاهرة حيث قال:{أني قد جئتكم بآية من ربكم}؛ تدلكم أني رسول الله حقاً، وذلك {أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله وأبرئ الأكمه}؛ وهو ممسوح العينين الذي فقد بصره وعيناه {والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم، إن في ذلك}؛ المذكور {لآية لكم إن كنتم مؤمنين. ومصدقاً لما بين يدي من التوراة}؛ فأيده الله بجنسين من الآيات والبراهين الخوارق المستغربة التي لا يمكن لغير الأنبياء الإتيان بها، والرسالة والدعوة والدين الذي جاء به وأنه دين التوراة ودين الأنبياء السابقين، وهذا أكبر الأدلة على صدق الصادقين، فإنه لو كان من الكاذبين لخالف ما جاءت به الرسل ولناقضهم في أصولهم وفروعهم، فعلم بذلك أنه رسول الله وأن ما جاء به حق لا ريب فيه، وأيضاً فقوله:{ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم}؛ أي: ولأخفف عنكم بعض الآصار والأغلال {فاتقوا الله وأطيعون. إن الله ربي وربكم فاعبدوه}؛ وهذا ما يدعو إليه جميع الرسل عبادة الله وحده لا شريك له وطاعتهم، وهذا هو الصراط المستقيم الذي من سلكه أوصله إلى جنات النعيم. فحينئذ اختلفت أحزاب بني إسرائيل في عيسى فمنهم من آمن به واتبعه ومنهم من كفر به وكذبه ورمى أمه بالفاحشة كاليهود {فلما أحس عيسى منهم الكفر}؛ والاتفاق على رد دعوته {قال}؛ نادباً لبني إسرائيل على مؤازرته:{من أنصاري إلى الله، قال الحواريون}؛ أي: الأنصار: {نحن أنصار الله آمنَّا بالله واشهد بأنا مسلمون}؛ وهذا من مِنَّةِ الله عليهم وعلى عيسى حيث ألهم هؤلاء الحواريين الإيمان به والانقياد لطاعته والنصرة لرسوله {ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول}؛ وهذا التزام تام للإيمان بكل ما أنزل الله ولطاعة رسوله {فاكتبنا مع الشاهدين}؛ لك بالوحدانية ولنبيك بالرسالة ولدينك بالحق والصدق. وأما من أحسَّ عيسى منهم الكفرَ وهم جمهور بني إسرائيل فإنهم {مكروا}؛ بعيسى {ومكر الله}؛ بهم {والله خير الماكرين}؛ فاتفقوا على قتله وصلبه، وشُبِّهَ لهم شَبَهُ عيسى فقبضوا على من شُبِّهَ لهم به وقال الله لعيسى:{إني متوفيك ورافعك إليَّ ومطهرك من الذين كفروا}؛ فرفعه الله إليه، وطهره من الذين كفروا، وصلبوا من قتلوه، ظانِّين أنه عيسى، وباؤوا بالإثم العظيم. وسينزل عيسى بن مريم في آخر هذه الأمة حكماً عدلاً يقتل الخنزير ويكسر الصليب ويتبع ما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم -، ويعلم الكاذبون غرورَهم وخداعَهم وأنهم مغرورون مخدوعون. وقوله:{وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة}؛ المراد بمن اتبعه الطائفة التي آمنت به ونصرهم الله على من انحرف عن دينه، ثم لما جاءت أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - كانوا هم أتباعه حقًّا فأيدهم ونصرهم على الكفار كلهم، وأظهرهم بالدين الذي جاءهم به محمد - صلى الله عليه وسلم - {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض}؛ الآية. ولكن حكمة الله عادلة فإنها اقتضت أن من تمسك بالدين نصره النصر المبين، وأن من ترك أمره ونهيه ونبذ شرعه وتجرأ على معاصيه أن يعاقبه ويسلط عليه الأعداء. والله عزيز حكيم. وقوله:{ثم إليَّ مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون}. ثم بين ما يفعله بهم فقال:

آل عمران 3:51

{33 ـ 55} لله تعالى من عباده أصفياء يصطفيهم ويختارهم ويمن عليهم بالفضائل العالية والنعوت السامية والعلوم النافعة والأعمال الصالحة والخصائص المتنوعة، فذكر هذه البيوت الكبار وما احتوت عليه من كُمَّل الرجال الذين حازوا أوصاف الكمال، وأن الفضل والخير تسلسل في ذراريهم، وشمل ذكورهم ونساءهم وهذا من أجل مننه وأفضل مواقع جوده وكرمه {والله سميع عليم}؛ يعلم من يستحق الفضل والتفضيل فيضع فضله حيث اقتضت حكمته. فلما قرر عظمة هذه البيوت ذكر قصة مريم وابنها عيسى - صلى الله عليه وسلم - وكيف تسلسلا من هذه البيوت الفاضلة، وكيف تنقلت بهما الأحوال من ابتداء أمرهما إلى آخره، وأن امرأة عمران قالت متضرعة إلى ربها متقربة إليه بهذه القربة التي يحبها، التي فيها تعظيم بيته وملازمة طاعته:{إني نذرت لك ما في بطني محرراً}؛ أي خادماً لبيت العبادة المشحون بالمتعبدين {فتقبل مني}؛ هذا العمل أي اجعله مؤسساً على الإيمان والإخلاص مثمراً للخير والثواب {إنك أنت السميع العليم. فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى}؛ كأن في هذا الكلام نوع تضرع منها وانكسار نفس حيث كان نذرها بناءً على أنه يكون ذكراً يحصل منه من القوة والخدمة والقيام بذلك ما يحصل من أهل القوة، والأنثى بخلاف ذلك، فجبر الله قلبها وتقبل الله نذرها، وصارت هذه الأنثى أكمل وأتم من كثير من الذكور، بل من أكثرهم، وحصل بها من المقاصد أعظم مما يحصل بالذكر، ولهذا قال:{فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتاً حسناً}؛ أي: ربيت تربية عجيبة دينية أخلاقية أدبية، كملت بها أحوالها، وصلحت بها أقوالها وأفعالها، ونما فيها كمالها، ويسر الله لها زكريا كافلاً، وهذا من مِنَّةِ الله على العبد أن يجعل من يتولى تربيته من الكاملين المصلحين. ثم إن الله تعالى أكرم مريم وزكريا حيث يسَّر لمريم من الرزق الحاصل بلا كدٍّ ولا تعب، وإنما هو كرامة أكرمها الله به، إذ {كلما دخل عليها زكريا المحراب}؛ وهو محل العبادة وفيه إشارة إلى كثرة صلاتها وملازمتها لمحرابها {وجد عندها رزقاً}؛ هنيئاً معدًّا قال:{أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزقُ من يشاء بغير حساب}؛ فلما رأى زكريا هذه الحال والبر واللطف من الله بها، ذكَّرَه أن يسأل الله تعالى حصول الولد على حين اليأس منه فقال:{رب هَب لي من لَدُنك ذرية طيبة إنك سميعُ الدُّعاء. فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أنَّ الله يبشرك بيحيى مصدقاً بكلمة من الله}؛ اسمه أي: الكلمة التي مِنَ الله عيسى بن مريم فكانت بشارته بهذا النبي الكريم تتضمن البشارة بعيسى بن مريم والتصديق له والشهادة له بالرسالة، فهذه الكلمة من الله كلمة شريفة اختص الله بها عيسى بن مريم، وإلا فهي من جملة كلماته التي أوجد بها المخلوقات، كما قال تعالى:{إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون}. وقوله:{وسيداً وحصوراً}؛ أي: هذا المبَشَّر به وهو يحيى سيد من فضلاء الرسل وكرامهم، والحصور قيل هو الذي لا يولد له ولا شهوة له في النساء، وقيل هو الذي عصم وحفظ من الذنوب والشهوات الضارة، وهذا أليق المعنيين، {ونبياً من الصالحين}؛ الذين بلغوا في الصلاح ذروته العالية، {قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر}؛ فهذان مانعان فمن أي طريق يا رب يحصل لي ذلك مع ما ينافي ذلك {قال كذلك الله يفعل ما يشاء}؛ فإنه كما اقتضت حكمته جريان الأمور بأسبابها المعروفة، فإنه قد يخرق ذلك لأنه الفعَّالُ لما يريد، الذي قد انقادت الأسباب لقدرته، ونفذت فيها مشيئته وإرادته فلا يتعاصى على قدرته شيء من الأسباب ولو بلغت في القوة ما بلغت {قال رب اجعل لي آية}؛ ليحصل السرور والاستبشار وإن كنت يا رب متيقناً ما أخبرتني به ولكن النفس تفرح، ويطمئن القلب إلى مقدمات الرحمة واللطف، {قال آيتك أن لا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزاً}؛ وفي هذه المدة {اذكر ربك كثيراً وسبح بالعشي والإبكار}؛ أول النهار وآخره، فمنع من الكلام في هذه المدة، فكان في هذا مناسبة لحصول الولد من بين الشيخ الكبير والمرأة العاقر، وكونه لا يقدر على مخاطبة الآدميين ولسانه منطلق بذكر الله وتسبيحه آية أخرى، فحينئذ حصل له الفرح والاستبشار، وشكر الله، وأكثر من الذكر والتسبيح بالعشايا والإبكار. وكان هذا المولود من بركات مريم بنت عمران على زكريا، فإن ما منَّ الله به عليها من ذلك الرزق الهني الذي يحصل بغير حساب ذكَّره وهيَّجه على التضرع والسؤال، والله تعالى هو المتفضل بالسبب والمسبب ولكنه يقدر أموراً محبوبة على يد من يحبه ليرفع الله قدره ويُعْظِمَ أجره، ثم عاد تعالى إلى ذكر مريم وأنها بلغت في العبادة والكمال مبلغاً عظيماً فقال تعالى:{وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك}؛ أي: اختارك ووهب لك من الصفات الجليلة والأخلاق الجميلة {وطهرك}؛ من الأخلاق الرذيلة {واصطفاك على نساء العالمين}؛ ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -: «كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم وخديجة بنت خويلد، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام» ، فنادتها الملائكة عن أمر الله لها بذلك لتغتبط بنعم الله وتشكر الله، وتقوم بحقوقه، وتشتغل بخدمته، ولهذا قال الملائكة:{يا مريم اقنتي لربك}؛ أي: أكثري من الطاعة والخضوع والخشوع لربك وأديمي ذلك {واركعي مع الراكعين}؛ أي: صلي مع المصلين فقامت بكل ما أمرت به وبرزت وفاقت في كمالها. ولما كانت هذه القصة وغيرها من أكبر الأدلة على رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - حيث أخبر بها مفصلة محققة لا زيادة فيها ولا نقص، وما ذاك إلا لأنه وحي من الله العزيز الحكيم لا بتعلم من الناس قال تعالى:{ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك، وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم}؛ حيث جاءت بها أمها فاختصموا أيهم يكفلها لأنها بنت إمامهم ومقدمهم، وكلهم يريد الخير والأجر من الله حتى وصلت بهم الخصومة إلى أن اقترعوا عليها فألقوا أقلامهم مقترعين، فأصابت القرعة زكريا رحمة من الله به وبها فأنت ـ يا أيها الرسول ـ لم تحضر تلك الحالة لتعرفها فتقصها على الناس، وإنما الله نبأك بها، وهذا هو المقصود الأعظم من سياق القصص أنه يحصل بها العبرة، وأعظم العبر والاستدلال بها على التوحيد والرسالة والبعث وغيرها من الأصول الكبار {إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقربين}؛ أي: له الوجاهة والجاه العظيم في الدنيا والآخرة عند الخلق، ومع ذلك فهو عند الله من المقربين الذين هم أقرب الخلائق إلى الله وأعلاهم درجة، وهذه بشارة لا يشبهها شيء من البشارات، ومن تمام هذه البشارة أنه {يكلم الناس في المهد}؛ فيكون تكليمه آية من آيات الله ورحمة منه بأمه وبالخلق، وكذلك يكلمهم {كهلاً}؛ أي: في حال كهولته، وهذا تكليم النبوة والدعوة والإرشاد، فكلامه في المهد فيه آيات وبراهين على صدقه ونبوته وبراءة أمِّه مما يظن بها من الظنون السيئة، وكلامه في كهولته فيه نفعه العظيم للخلق وكونه واسطة بينهم وبين ربهم في وحيه وتبليغ دينه وشرعه، ومع ذلك فهو {من الصالحين}؛ الذين أصلح الله قلوبهم بمعرفته وحبه، وألسنتهم بالثناء عليه وذكره وجوارحهم بطاعته وخدمته {قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر}؛ وهذا هو من الأمور المستغربة {قال كذلك الله يخلق ما يشاء}؛ ليعلم العباد أنه على كل شيء قدير وأنه لا ممانع لإرادته {إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون. ويعلمه الكتاب}؛ أي: جنس الكتب السابقة والحكم بين الناس ويعطيه النبوة ويجعله {رسولاً إلى بني إسرائيل}؛ ويؤيده بالآيات البينات والأدلة القاهرة حيث قال:{أني قد جئتكم بآية من ربكم}؛ تدلكم أني رسول الله حقاً، وذلك {أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله وأبرئ الأكمه}؛ وهو ممسوح العينين الذي فقد بصره وعيناه {والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم، إن في ذلك}؛ المذكور {لآية لكم إن كنتم مؤمنين. ومصدقاً لما بين يدي من التوراة}؛ فأيده الله بجنسين من الآيات والبراهين الخوارق المستغربة التي لا يمكن لغير الأنبياء الإتيان بها، والرسالة والدعوة والدين الذي جاء به وأنه دين التوراة ودين الأنبياء السابقين، وهذا أكبر الأدلة على صدق الصادقين، فإنه لو كان من الكاذبين لخالف ما جاءت به الرسل ولناقضهم في أصولهم وفروعهم، فعلم بذلك أنه رسول الله وأن ما جاء به حق لا ريب فيه، وأيضاً فقوله:{ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم}؛ أي: ولأخفف عنكم بعض الآصار والأغلال {فاتقوا الله وأطيعون. إن الله ربي وربكم فاعبدوه}؛ وهذا ما يدعو إليه جميع الرسل عبادة الله وحده لا شريك له وطاعتهم، وهذا هو الصراط المستقيم الذي من سلكه أوصله إلى جنات النعيم. فحينئذ اختلفت أحزاب بني إسرائيل في عيسى فمنهم من آمن به واتبعه ومنهم من كفر به وكذبه ورمى أمه بالفاحشة كاليهود {فلما أحس عيسى منهم الكفر}؛ والاتفاق على رد دعوته {قال}؛ نادباً لبني إسرائيل على مؤازرته:{من أنصاري إلى الله، قال الحواريون}؛ أي: الأنصار: {نحن أنصار الله آمنَّا بالله واشهد بأنا مسلمون}؛ وهذا من مِنَّةِ الله عليهم وعلى عيسى حيث ألهم هؤلاء الحواريين الإيمان به والانقياد لطاعته والنصرة لرسوله {ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول}؛ وهذا التزام تام للإيمان بكل ما أنزل الله ولطاعة رسوله {فاكتبنا مع الشاهدين}؛ لك بالوحدانية ولنبيك بالرسالة ولدينك بالحق والصدق. وأما من أحسَّ عيسى منهم الكفرَ وهم جمهور بني إسرائيل فإنهم {مكروا}؛ بعيسى {ومكر الله}؛ بهم {والله خير الماكرين}؛ فاتفقوا على قتله وصلبه، وشُبِّهَ لهم شَبَهُ عيسى فقبضوا على من شُبِّهَ لهم به وقال الله لعيسى:{إني متوفيك ورافعك إليَّ ومطهرك من الذين كفروا}؛ فرفعه الله إليه، وطهره من الذين كفروا، وصلبوا من قتلوه، ظانِّين أنه عيسى، وباؤوا بالإثم العظيم. وسينزل عيسى بن مريم في آخر هذه الأمة حكماً عدلاً يقتل الخنزير ويكسر الصليب ويتبع ما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم -، ويعلم الكاذبون غرورَهم وخداعَهم وأنهم مغرورون مخدوعون. وقوله:{وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة}؛ المراد بمن اتبعه الطائفة التي آمنت به ونصرهم الله على من انحرف عن دينه، ثم لما جاءت أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - كانوا هم أتباعه حقًّا فأيدهم ونصرهم على الكفار كلهم، وأظهرهم بالدين الذي جاءهم به محمد - صلى الله عليه وسلم - {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض}؛ الآية. ولكن حكمة الله عادلة فإنها اقتضت أن من تمسك بالدين نصره النصر المبين، وأن من ترك أمره ونهيه ونبذ شرعه وتجرأ على معاصيه أن يعاقبه ويسلط عليه الأعداء. والله عزيز حكيم. وقوله:{ثم إليَّ مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون}. ثم بين ما يفعله بهم فقال:

آل عمران 3:52

{33 ـ 55} لله تعالى من عباده أصفياء يصطفيهم ويختارهم ويمن عليهم بالفضائل العالية والنعوت السامية والعلوم النافعة والأعمال الصالحة والخصائص المتنوعة، فذكر هذه البيوت الكبار وما احتوت عليه من كُمَّل الرجال الذين حازوا أوصاف الكمال، وأن الفضل والخير تسلسل في ذراريهم، وشمل ذكورهم ونساءهم وهذا من أجل مننه وأفضل مواقع جوده وكرمه {والله سميع عليم}؛ يعلم من يستحق الفضل والتفضيل فيضع فضله حيث اقتضت حكمته. فلما قرر عظمة هذه البيوت ذكر قصة مريم وابنها عيسى - صلى الله عليه وسلم - وكيف تسلسلا من هذه البيوت الفاضلة، وكيف تنقلت بهما الأحوال من ابتداء أمرهما إلى آخره، وأن امرأة عمران قالت متضرعة إلى ربها متقربة إليه بهذه القربة التي يحبها، التي فيها تعظيم بيته وملازمة طاعته:{إني نذرت لك ما في بطني محرراً}؛ أي خادماً لبيت العبادة المشحون بالمتعبدين {فتقبل مني}؛ هذا العمل أي اجعله مؤسساً على الإيمان والإخلاص مثمراً للخير والثواب {إنك أنت السميع العليم. فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى}؛ كأن في هذا الكلام نوع تضرع منها وانكسار نفس حيث كان نذرها بناءً على أنه يكون ذكراً يحصل منه من القوة والخدمة والقيام بذلك ما يحصل من أهل القوة، والأنثى بخلاف ذلك، فجبر الله قلبها وتقبل الله نذرها، وصارت هذه الأنثى أكمل وأتم من كثير من الذكور، بل من أكثرهم، وحصل بها من المقاصد أعظم مما يحصل بالذكر، ولهذا قال:{فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتاً حسناً}؛ أي: ربيت تربية عجيبة دينية أخلاقية أدبية، كملت بها أحوالها، وصلحت بها أقوالها وأفعالها، ونما فيها كمالها، ويسر الله لها زكريا كافلاً، وهذا من مِنَّةِ الله على العبد أن يجعل من يتولى تربيته من الكاملين المصلحين. ثم إن الله تعالى أكرم مريم وزكريا حيث يسَّر لمريم من الرزق الحاصل بلا كدٍّ ولا تعب، وإنما هو كرامة أكرمها الله به، إذ {كلما دخل عليها زكريا المحراب}؛ وهو محل العبادة وفيه إشارة إلى كثرة صلاتها وملازمتها لمحرابها {وجد عندها رزقاً}؛ هنيئاً معدًّا قال:{أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزقُ من يشاء بغير حساب}؛ فلما رأى زكريا هذه الحال والبر واللطف من الله بها، ذكَّرَه أن يسأل الله تعالى حصول الولد على حين اليأس منه فقال:{رب هَب لي من لَدُنك ذرية طيبة إنك سميعُ الدُّعاء. فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أنَّ الله يبشرك بيحيى مصدقاً بكلمة من الله}؛ اسمه أي: الكلمة التي مِنَ الله عيسى بن مريم فكانت بشارته بهذا النبي الكريم تتضمن البشارة بعيسى بن مريم والتصديق له والشهادة له بالرسالة، فهذه الكلمة من الله كلمة شريفة اختص الله بها عيسى بن مريم، وإلا فهي من جملة كلماته التي أوجد بها المخلوقات، كما قال تعالى:{إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون}. وقوله:{وسيداً وحصوراً}؛ أي: هذا المبَشَّر به وهو يحيى سيد من فضلاء الرسل وكرامهم، والحصور قيل هو الذي لا يولد له ولا شهوة له في النساء، وقيل هو الذي عصم وحفظ من الذنوب والشهوات الضارة، وهذا أليق المعنيين، {ونبياً من الصالحين}؛ الذين بلغوا في الصلاح ذروته العالية، {قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر}؛ فهذان مانعان فمن أي طريق يا رب يحصل لي ذلك مع ما ينافي ذلك {قال كذلك الله يفعل ما يشاء}؛ فإنه كما اقتضت حكمته جريان الأمور بأسبابها المعروفة، فإنه قد يخرق ذلك لأنه الفعَّالُ لما يريد، الذي قد انقادت الأسباب لقدرته، ونفذت فيها مشيئته وإرادته فلا يتعاصى على قدرته شيء من الأسباب ولو بلغت في القوة ما بلغت {قال رب اجعل لي آية}؛ ليحصل السرور والاستبشار وإن كنت يا رب متيقناً ما أخبرتني به ولكن النفس تفرح، ويطمئن القلب إلى مقدمات الرحمة واللطف، {قال آيتك أن لا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزاً}؛ وفي هذه المدة {اذكر ربك كثيراً وسبح بالعشي والإبكار}؛ أول النهار وآخره، فمنع من الكلام في هذه المدة، فكان في هذا مناسبة لحصول الولد من بين الشيخ الكبير والمرأة العاقر، وكونه لا يقدر على مخاطبة الآدميين ولسانه منطلق بذكر الله وتسبيحه آية أخرى، فحينئذ حصل له الفرح والاستبشار، وشكر الله، وأكثر من الذكر والتسبيح بالعشايا والإبكار. وكان هذا المولود من بركات مريم بنت عمران على زكريا، فإن ما منَّ الله به عليها من ذلك الرزق الهني الذي يحصل بغير حساب ذكَّره وهيَّجه على التضرع والسؤال، والله تعالى هو المتفضل بالسبب والمسبب ولكنه يقدر أموراً محبوبة على يد من يحبه ليرفع الله قدره ويُعْظِمَ أجره، ثم عاد تعالى إلى ذكر مريم وأنها بلغت في العبادة والكمال مبلغاً عظيماً فقال تعالى:{وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك}؛ أي: اختارك ووهب لك من الصفات الجليلة والأخلاق الجميلة {وطهرك}؛ من الأخلاق الرذيلة {واصطفاك على نساء العالمين}؛ ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -: «كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم وخديجة بنت خويلد، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام» ، فنادتها الملائكة عن أمر الله لها بذلك لتغتبط بنعم الله وتشكر الله، وتقوم بحقوقه، وتشتغل بخدمته، ولهذا قال الملائكة:{يا مريم اقنتي لربك}؛ أي: أكثري من الطاعة والخضوع والخشوع لربك وأديمي ذلك {واركعي مع الراكعين}؛ أي: صلي مع المصلين فقامت بكل ما أمرت به وبرزت وفاقت في كمالها. ولما كانت هذه القصة وغيرها من أكبر الأدلة على رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - حيث أخبر بها مفصلة محققة لا زيادة فيها ولا نقص، وما ذاك إلا لأنه وحي من الله العزيز الحكيم لا بتعلم من الناس قال تعالى:{ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك، وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم}؛ حيث جاءت بها أمها فاختصموا أيهم يكفلها لأنها بنت إمامهم ومقدمهم، وكلهم يريد الخير والأجر من الله حتى وصلت بهم الخصومة إلى أن اقترعوا عليها فألقوا أقلامهم مقترعين، فأصابت القرعة زكريا رحمة من الله به وبها فأنت ـ يا أيها الرسول ـ لم تحضر تلك الحالة لتعرفها فتقصها على الناس، وإنما الله نبأك بها، وهذا هو المقصود الأعظم من سياق القصص أنه يحصل بها العبرة، وأعظم العبر والاستدلال بها على التوحيد والرسالة والبعث وغيرها من الأصول الكبار {إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقربين}؛ أي: له الوجاهة والجاه العظيم في الدنيا والآخرة عند الخلق، ومع ذلك فهو عند الله من المقربين الذين هم أقرب الخلائق إلى الله وأعلاهم درجة، وهذه بشارة لا يشبهها شيء من البشارات، ومن تمام هذه البشارة أنه {يكلم الناس في المهد}؛ فيكون تكليمه آية من آيات الله ورحمة منه بأمه وبالخلق، وكذلك يكلمهم {كهلاً}؛ أي: في حال كهولته، وهذا تكليم النبوة والدعوة والإرشاد، فكلامه في المهد فيه آيات وبراهين على صدقه ونبوته وبراءة أمِّه مما يظن بها من الظنون السيئة، وكلامه في كهولته فيه نفعه العظيم للخلق وكونه واسطة بينهم وبين ربهم في وحيه وتبليغ دينه وشرعه، ومع ذلك فهو {من الصالحين}؛ الذين أصلح الله قلوبهم بمعرفته وحبه، وألسنتهم بالثناء عليه وذكره وجوارحهم بطاعته وخدمته {قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر}؛ وهذا هو من الأمور المستغربة {قال كذلك الله يخلق ما يشاء}؛ ليعلم العباد أنه على كل شيء قدير وأنه لا ممانع لإرادته {إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون. ويعلمه الكتاب}؛ أي: جنس الكتب السابقة والحكم بين الناس ويعطيه النبوة ويجعله {رسولاً إلى بني إسرائيل}؛ ويؤيده بالآيات البينات والأدلة القاهرة حيث قال:{أني قد جئتكم بآية من ربكم}؛ تدلكم أني رسول الله حقاً، وذلك {أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله وأبرئ الأكمه}؛ وهو ممسوح العينين الذي فقد بصره وعيناه {والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم، إن في ذلك}؛ المذكور {لآية لكم إن كنتم مؤمنين. ومصدقاً لما بين يدي من التوراة}؛ فأيده الله بجنسين من الآيات والبراهين الخوارق المستغربة التي لا يمكن لغير الأنبياء الإتيان بها، والرسالة والدعوة والدين الذي جاء به وأنه دين التوراة ودين الأنبياء السابقين، وهذا أكبر الأدلة على صدق الصادقين، فإنه لو كان من الكاذبين لخالف ما جاءت به الرسل ولناقضهم في أصولهم وفروعهم، فعلم بذلك أنه رسول الله وأن ما جاء به حق لا ريب فيه، وأيضاً فقوله:{ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم}؛ أي: ولأخفف عنكم بعض الآصار والأغلال {فاتقوا الله وأطيعون. إن الله ربي وربكم فاعبدوه}؛ وهذا ما يدعو إليه جميع الرسل عبادة الله وحده لا شريك له وطاعتهم، وهذا هو الصراط المستقيم الذي من سلكه أوصله إلى جنات النعيم. فحينئذ اختلفت أحزاب بني إسرائيل في عيسى فمنهم من آمن به واتبعه ومنهم من كفر به وكذبه ورمى أمه بالفاحشة كاليهود {فلما أحس عيسى منهم الكفر}؛ والاتفاق على رد دعوته {قال}؛ نادباً لبني إسرائيل على مؤازرته:{من أنصاري إلى الله، قال الحواريون}؛ أي: الأنصار: {نحن أنصار الله آمنَّا بالله واشهد بأنا مسلمون}؛ وهذا من مِنَّةِ الله عليهم وعلى عيسى حيث ألهم هؤلاء الحواريين الإيمان به والانقياد لطاعته والنصرة لرسوله {ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول}؛ وهذا التزام تام للإيمان بكل ما أنزل الله ولطاعة رسوله {فاكتبنا مع الشاهدين}؛ لك بالوحدانية ولنبيك بالرسالة ولدينك بالحق والصدق. وأما من أحسَّ عيسى منهم الكفرَ وهم جمهور بني إسرائيل فإنهم {مكروا}؛ بعيسى {ومكر الله}؛ بهم {والله خير الماكرين}؛ فاتفقوا على قتله وصلبه، وشُبِّهَ لهم شَبَهُ عيسى فقبضوا على من شُبِّهَ لهم به وقال الله لعيسى:{إني متوفيك ورافعك إليَّ ومطهرك من الذين كفروا}؛ فرفعه الله إليه، وطهره من الذين كفروا، وصلبوا من قتلوه، ظانِّين أنه عيسى، وباؤوا بالإثم العظيم. وسينزل عيسى بن مريم في آخر هذه الأمة حكماً عدلاً يقتل الخنزير ويكسر الصليب ويتبع ما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم -، ويعلم الكاذبون غرورَهم وخداعَهم وأنهم مغرورون مخدوعون. وقوله:{وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة}؛ المراد بمن اتبعه الطائفة التي آمنت به ونصرهم الله على من انحرف عن دينه، ثم لما جاءت أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - كانوا هم أتباعه حقًّا فأيدهم ونصرهم على الكفار كلهم، وأظهرهم بالدين الذي جاءهم به محمد - صلى الله عليه وسلم - {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض}؛ الآية. ولكن حكمة الله عادلة فإنها اقتضت أن من تمسك بالدين نصره النصر المبين، وأن من ترك أمره ونهيه ونبذ شرعه وتجرأ على معاصيه أن يعاقبه ويسلط عليه الأعداء. والله عزيز حكيم. وقوله:{ثم إليَّ مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون}. ثم بين ما يفعله بهم فقال:

آل عمران 3:53

{33 ـ 55} لله تعالى من عباده أصفياء يصطفيهم ويختارهم ويمن عليهم بالفضائل العالية والنعوت السامية والعلوم النافعة والأعمال الصالحة والخصائص المتنوعة، فذكر هذه البيوت الكبار وما احتوت عليه من كُمَّل الرجال الذين حازوا أوصاف الكمال، وأن الفضل والخير تسلسل في ذراريهم، وشمل ذكورهم ونساءهم وهذا من أجل مننه وأفضل مواقع جوده وكرمه {والله سميع عليم}؛ يعلم من يستحق الفضل والتفضيل فيضع فضله حيث اقتضت حكمته. فلما قرر عظمة هذه البيوت ذكر قصة مريم وابنها عيسى - صلى الله عليه وسلم - وكيف تسلسلا من هذه البيوت الفاضلة، وكيف تنقلت بهما الأحوال من ابتداء أمرهما إلى آخره، وأن امرأة عمران قالت متضرعة إلى ربها متقربة إليه بهذه القربة التي يحبها، التي فيها تعظيم بيته وملازمة طاعته:{إني نذرت لك ما في بطني محرراً}؛ أي خادماً لبيت العبادة المشحون بالمتعبدين {فتقبل مني}؛ هذا العمل أي اجعله مؤسساً على الإيمان والإخلاص مثمراً للخير والثواب {إنك أنت السميع العليم. فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى}؛ كأن في هذا الكلام نوع تضرع منها وانكسار نفس حيث كان نذرها بناءً على أنه يكون ذكراً يحصل منه من القوة والخدمة والقيام بذلك ما يحصل من أهل القوة، والأنثى بخلاف ذلك، فجبر الله قلبها وتقبل الله نذرها، وصارت هذه الأنثى أكمل وأتم من كثير من الذكور، بل من أكثرهم، وحصل بها من المقاصد أعظم مما يحصل بالذكر، ولهذا قال:{فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتاً حسناً}؛ أي: ربيت تربية عجيبة دينية أخلاقية أدبية، كملت بها أحوالها، وصلحت بها أقوالها وأفعالها، ونما فيها كمالها، ويسر الله لها زكريا كافلاً، وهذا من مِنَّةِ الله على العبد أن يجعل من يتولى تربيته من الكاملين المصلحين. ثم إن الله تعالى أكرم مريم وزكريا حيث يسَّر لمريم من الرزق الحاصل بلا كدٍّ ولا تعب، وإنما هو كرامة أكرمها الله به، إذ {كلما دخل عليها زكريا المحراب}؛ وهو محل العبادة وفيه إشارة إلى كثرة صلاتها وملازمتها لمحرابها {وجد عندها رزقاً}؛ هنيئاً معدًّا قال:{أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزقُ من يشاء بغير حساب}؛ فلما رأى زكريا هذه الحال والبر واللطف من الله بها، ذكَّرَه أن يسأل الله تعالى حصول الولد على حين اليأس منه فقال:{رب هَب لي من لَدُنك ذرية طيبة إنك سميعُ الدُّعاء. فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أنَّ الله يبشرك بيحيى مصدقاً بكلمة من الله}؛ اسمه أي: الكلمة التي مِنَ الله عيسى بن مريم فكانت بشارته بهذا النبي الكريم تتضمن البشارة بعيسى بن مريم والتصديق له والشهادة له بالرسالة، فهذه الكلمة من الله كلمة شريفة اختص الله بها عيسى بن مريم، وإلا فهي من جملة كلماته التي أوجد بها المخلوقات، كما قال تعالى:{إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون}. وقوله:{وسيداً وحصوراً}؛ أي: هذا المبَشَّر به وهو يحيى سيد من فضلاء الرسل وكرامهم، والحصور قيل هو الذي لا يولد له ولا شهوة له في النساء، وقيل هو الذي عصم وحفظ من الذنوب والشهوات الضارة، وهذا أليق المعنيين، {ونبياً من الصالحين}؛ الذين بلغوا في الصلاح ذروته العالية، {قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر}؛ فهذان مانعان فمن أي طريق يا رب يحصل لي ذلك مع ما ينافي ذلك {قال كذلك الله يفعل ما يشاء}؛ فإنه كما اقتضت حكمته جريان الأمور بأسبابها المعروفة، فإنه قد يخرق ذلك لأنه الفعَّالُ لما يريد، الذي قد انقادت الأسباب لقدرته، ونفذت فيها مشيئته وإرادته فلا يتعاصى على قدرته شيء من الأسباب ولو بلغت في القوة ما بلغت {قال رب اجعل لي آية}؛ ليحصل السرور والاستبشار وإن كنت يا رب متيقناً ما أخبرتني به ولكن النفس تفرح، ويطمئن القلب إلى مقدمات الرحمة واللطف، {قال آيتك أن لا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزاً}؛ وفي هذه المدة {اذكر ربك كثيراً وسبح بالعشي والإبكار}؛ أول النهار وآخره، فمنع من الكلام في هذه المدة، فكان في هذا مناسبة لحصول الولد من بين الشيخ الكبير والمرأة العاقر، وكونه لا يقدر على مخاطبة الآدميين ولسانه منطلق بذكر الله وتسبيحه آية أخرى، فحينئذ حصل له الفرح والاستبشار، وشكر الله، وأكثر من الذكر والتسبيح بالعشايا والإبكار. وكان هذا المولود من بركات مريم بنت عمران على زكريا، فإن ما منَّ الله به عليها من ذلك الرزق الهني الذي يحصل بغير حساب ذكَّره وهيَّجه على التضرع والسؤال، والله تعالى هو المتفضل بالسبب والمسبب ولكنه يقدر أموراً محبوبة على يد من يحبه ليرفع الله قدره ويُعْظِمَ أجره، ثم عاد تعالى إلى ذكر مريم وأنها بلغت في العبادة والكمال مبلغاً عظيماً فقال تعالى:{وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك}؛ أي: اختارك ووهب لك من الصفات الجليلة والأخلاق الجميلة {وطهرك}؛ من الأخلاق الرذيلة {واصطفاك على نساء العالمين}؛ ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -: «كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم وخديجة بنت خويلد، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام» ، فنادتها الملائكة عن أمر الله لها بذلك لتغتبط بنعم الله وتشكر الله، وتقوم بحقوقه، وتشتغل بخدمته، ولهذا قال الملائكة:{يا مريم اقنتي لربك}؛ أي: أكثري من الطاعة والخضوع والخشوع لربك وأديمي ذلك {واركعي مع الراكعين}؛ أي: صلي مع المصلين فقامت بكل ما أمرت به وبرزت وفاقت في كمالها. ولما كانت هذه القصة وغيرها من أكبر الأدلة على رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - حيث أخبر بها مفصلة محققة لا زيادة فيها ولا نقص، وما ذاك إلا لأنه وحي من الله العزيز الحكيم لا بتعلم من الناس قال تعالى:{ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك، وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم}؛ حيث جاءت بها أمها فاختصموا أيهم يكفلها لأنها بنت إمامهم ومقدمهم، وكلهم يريد الخير والأجر من الله حتى وصلت بهم الخصومة إلى أن اقترعوا عليها فألقوا أقلامهم مقترعين، فأصابت القرعة زكريا رحمة من الله به وبها فأنت ـ يا أيها الرسول ـ لم تحضر تلك الحالة لتعرفها فتقصها على الناس، وإنما الله نبأك بها، وهذا هو المقصود الأعظم من سياق القصص أنه يحصل بها العبرة، وأعظم العبر والاستدلال بها على التوحيد والرسالة والبعث وغيرها من الأصول الكبار {إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقربين}؛ أي: له الوجاهة والجاه العظيم في الدنيا والآخرة عند الخلق، ومع ذلك فهو عند الله من المقربين الذين هم أقرب الخلائق إلى الله وأعلاهم درجة، وهذه بشارة لا يشبهها شيء من البشارات، ومن تمام هذه البشارة أنه {يكلم الناس في المهد}؛ فيكون تكليمه آية من آيات الله ورحمة منه بأمه وبالخلق، وكذلك يكلمهم {كهلاً}؛ أي: في حال كهولته، وهذا تكليم النبوة والدعوة والإرشاد، فكلامه في المهد فيه آيات وبراهين على صدقه ونبوته وبراءة أمِّه مما يظن بها من الظنون السيئة، وكلامه في كهولته فيه نفعه العظيم للخلق وكونه واسطة بينهم وبين ربهم في وحيه وتبليغ دينه وشرعه، ومع ذلك فهو {من الصالحين}؛ الذين أصلح الله قلوبهم بمعرفته وحبه، وألسنتهم بالثناء عليه وذكره وجوارحهم بطاعته وخدمته {قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر}؛ وهذا هو من الأمور المستغربة {قال كذلك الله يخلق ما يشاء}؛ ليعلم العباد أنه على كل شيء قدير وأنه لا ممانع لإرادته {إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون. ويعلمه الكتاب}؛ أي: جنس الكتب السابقة والحكم بين الناس ويعطيه النبوة ويجعله {رسولاً إلى بني إسرائيل}؛ ويؤيده بالآيات البينات والأدلة القاهرة حيث قال:{أني قد جئتكم بآية من ربكم}؛ تدلكم أني رسول الله حقاً، وذلك {أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله وأبرئ الأكمه}؛ وهو ممسوح العينين الذي فقد بصره وعيناه {والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم، إن في ذلك}؛ المذكور {لآية لكم إن كنتم مؤمنين. ومصدقاً لما بين يدي من التوراة}؛ فأيده الله بجنسين من الآيات والبراهين الخوارق المستغربة التي لا يمكن لغير الأنبياء الإتيان بها، والرسالة والدعوة والدين الذي جاء به وأنه دين التوراة ودين الأنبياء السابقين، وهذا أكبر الأدلة على صدق الصادقين، فإنه لو كان من الكاذبين لخالف ما جاءت به الرسل ولناقضهم في أصولهم وفروعهم، فعلم بذلك أنه رسول الله وأن ما جاء به حق لا ريب فيه، وأيضاً فقوله:{ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم}؛ أي: ولأخفف عنكم بعض الآصار والأغلال {فاتقوا الله وأطيعون. إن الله ربي وربكم فاعبدوه}؛ وهذا ما يدعو إليه جميع الرسل عبادة الله وحده لا شريك له وطاعتهم، وهذا هو الصراط المستقيم الذي من سلكه أوصله إلى جنات النعيم. فحينئذ اختلفت أحزاب بني إسرائيل في عيسى فمنهم من آمن به واتبعه ومنهم من كفر به وكذبه ورمى أمه بالفاحشة كاليهود {فلما أحس عيسى منهم الكفر}؛ والاتفاق على رد دعوته {قال}؛ نادباً لبني إسرائيل على مؤازرته:{من أنصاري إلى الله، قال الحواريون}؛ أي: الأنصار: {نحن أنصار الله آمنَّا بالله واشهد بأنا مسلمون}؛ وهذا من مِنَّةِ الله عليهم وعلى عيسى حيث ألهم هؤلاء الحواريين الإيمان به والانقياد لطاعته والنصرة لرسوله {ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول}؛ وهذا التزام تام للإيمان بكل ما أنزل الله ولطاعة رسوله {فاكتبنا مع الشاهدين}؛ لك بالوحدانية ولنبيك بالرسالة ولدينك بالحق والصدق. وأما من أحسَّ عيسى منهم الكفرَ وهم جمهور بني إسرائيل فإنهم {مكروا}؛ بعيسى {ومكر الله}؛ بهم {والله خير الماكرين}؛ فاتفقوا على قتله وصلبه، وشُبِّهَ لهم شَبَهُ عيسى فقبضوا على من شُبِّهَ لهم به وقال الله لعيسى:{إني متوفيك ورافعك إليَّ ومطهرك من الذين كفروا}؛ فرفعه الله إليه، وطهره من الذين كفروا، وصلبوا من قتلوه، ظانِّين أنه عيسى، وباؤوا بالإثم العظيم. وسينزل عيسى بن مريم في آخر هذه الأمة حكماً عدلاً يقتل الخنزير ويكسر الصليب ويتبع ما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم -، ويعلم الكاذبون غرورَهم وخداعَهم وأنهم مغرورون مخدوعون. وقوله:{وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة}؛ المراد بمن اتبعه الطائفة التي آمنت به ونصرهم الله على من انحرف عن دينه، ثم لما جاءت أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - كانوا هم أتباعه حقًّا فأيدهم ونصرهم على الكفار كلهم، وأظهرهم بالدين الذي جاءهم به محمد - صلى الله عليه وسلم - {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض}؛ الآية. ولكن حكمة الله عادلة فإنها اقتضت أن من تمسك بالدين نصره النصر المبين، وأن من ترك أمره ونهيه ونبذ شرعه وتجرأ على معاصيه أن يعاقبه ويسلط عليه الأعداء. والله عزيز حكيم. وقوله:{ثم إليَّ مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون}. ثم بين ما يفعله بهم فقال: