Tefsîru's-Sa'dî — Teysîru'l-Kerîmi'r-Rahmân (blok edisyonu, ayrı tahrir) — الأعراف 7:167 – الأنفال 8:75
المحتويات
- الأعراف 7:167
- الأعراف 7:168
- الأعراف 7:169
- الأعراف 7:170
- الأعراف 7:171
- الأعراف 7:172
- الأعراف 7:173
- الأعراف 7:174
- الأعراف 7:175
- الأعراف 7:176
- الأعراف 7:177
- الأعراف 7:178
- الأعراف 7:179
- الأعراف 7:180
- الأعراف 7:181
- الأعراف 7:182
- الأعراف 7:183
- الأعراف 7:184
- الأعراف 7:185
- الأعراف 7:186
- الأعراف 7:187
- الأعراف 7:188
- الأعراف 7:189
- الأعراف 7:190
- الأعراف 7:191
- الأعراف 7:192
- الأعراف 7:193
- الأعراف 7:194
- الأعراف 7:195
- الأعراف 7:196
- الأعراف 7:197
- الأعراف 7:198
- الأعراف 7:199
- الأعراف 7:200
- الأعراف 7:201
- الأعراف 7:202
- الأعراف 7:203
- الأعراف 7:204
- الأعراف 7:205
- الأعراف 7:206
- الأنفال 8:1
- الأنفال 8:2
- الأنفال 8:3
- الأنفال 8:4
- الأنفال 8:5
- الأنفال 8:6
- الأنفال 8:7
- الأنفال 8:8
- الأنفال 8:9
- الأنفال 8:10
- الأنفال 8:11
- الأنفال 8:12
- الأنفال 8:13
- الأنفال 8:14
- الأنفال 8:15
- الأنفال 8:16
- الأنفال 8:17
- الأنفال 8:18
- الأنفال 8:19
- الأنفال 8:20
- الأنفال 8:21
- الأنفال 8:22
- الأنفال 8:23
- الأنفال 8:24
- الأنفال 8:25
- الأنفال 8:26
- الأنفال 8:27
- الأنفال 8:28
- الأنفال 8:29
- الأنفال 8:30
- الأنفال 8:31
- الأنفال 8:32
- الأنفال 8:33
- الأنفال 8:34
- الأنفال 8:35
- الأنفال 8:36
- الأنفال 8:37
- الأنفال 8:38
- الأنفال 8:39
- الأنفال 8:40
- الأنفال 8:41
- الأنفال 8:42
- الأنفال 8:43
- الأنفال 8:44
- الأنفال 8:45
- الأنفال 8:46
- الأنفال 8:47
- الأنفال 8:48
- الأنفال 8:49
- الأنفال 8:50
- الأنفال 8:51
- الأنفال 8:52
- الأنفال 8:53
- الأنفال 8:54
- الأنفال 8:55
- الأنفال 8:56
- الأنفال 8:57
- الأنفال 8:58
- الأنفال 8:59
- الأنفال 8:60
- الأنفال 8:61
- الأنفال 8:62
- الأنفال 8:63
- الأنفال 8:64
- الأنفال 8:65
- الأنفال 8:66
- الأنفال 8:67
- الأنفال 8:68
- الأنفال 8:69
- الأنفال 8:70
- الأنفال 8:71
- الأنفال 8:72
- الأنفال 8:73
- الأنفال 8:74
- الأنفال 8:75
الأعراف 7:167
{103} أي: ثم بعثنا من بعد أولئك الرسل موسى الكليم الإمام العظيم والرسول الكريم إلى قوم عتاةٍ جبابرةٍ ـ وهم فرعون وملؤه من أشرافهم وكبرائهم ـ فأراهم من آيات الله العظيمة ما لم يشاهَدْ له نظيرٌ. {فظلموا بها}: بأن لم ينقادوا لحقِّها الذي مَن لم ينقدْ له فهو ظالمٌ، بل استكبروا عنها، {فانظرۡ كيفَ كان عاقبةُ المفسدينَ}: كيف أهلَكَهُمُ الله وأتْبَعَهم الذمَّ واللعنة في الدنيا، ويوم القيامة بئس الرِّفْدُ المرفود.
{104} وهذا مجمل فصَّله بقوله: {وقال موسى}: حين جاء إلى فرعون يدعوه إلى الإيمان: {يا فرعونُ إنِّي رسولٌ من ربِّ العالَمين}؛ أي: إني رسولٌ من مُرسِل عظيم، وهو ربُّ العالَمين، الشامل للعالم العلويِّ والسفليِّ، مربِّي جميع خلقِهِ بأنواع التدابير الإلهيَّة، التي من جملتها أنه لا يترُكُهم سدىً، بل يرسل إليهم الرسل مبشِّرين ومنذرين، وهو الذي لا يقدر أحدٌ أن يتجرَّأ عليه ويدَّعي أنه أرسله ولم يرسله.
{105} فإذا كان هذا شأنه، وأنا قد اختارني واصطفاني لرسالته؛ فحقيقٌ عليَّ أن لا أكذب عليه ولا أقول عليه إلا الحقَّ؛ فإني لو قلتُ غير ذلك؛ لعاجلني بالعقوبة، وأخذني أخذ عزيز مقتدر؛ فهذا موجبٌ لأن ينقادوا له ويتَبعوه، خصوصاً وقد جاءهم ببيِّنة من الله واضحةٍ على صحَّة ما جاء به من الحقِّ، فوجب عليهم أن يعملوا بمقصود رسالته، ولها مقصودان عظيمان: إيمانُهم به واتِّباعُهم له، وإرسالُ بني إسرائيل الشعب الذي فضَّله الله على العالمين أولاد الأنبياء وسلسلة يعقوب عليه السلام الذي موسى عليه الصلاة والسلام واحدٌ منهم.
{106} فقال له فرعون: {إن كنتَ جئتَ بآيةٍ فأت بها إن كنتَ من الصادقين}.
{107}{فألقى} موسى {عصاه}: في الأرض، {فإذا هي ثعبانٌ مبينٌ}؛ أي: حية ظاهرةٌ تسعى وهم يشاهدونها.
{108}{ونزع يده}: من جيبه، {فإذا هي بيضاء للناظرين}: من غير سوءٍ؛ فهاتان آيتان كبيرتان دالَّتان على صحة ما جاء به موسى وصدقِهِ، وأنَّه رسولُ ربِّ العالمين.
{109} ولكن الذين لا يؤمنون لو جاءتهم كلُّ آيةٍ لا يؤمنون حتى يروا العذاب الأليم؛ فلهذا {قال الملأ من قوم فرعون} حين بهرهم ما رأوا من الآيات ولم يؤمنوا وطلبوا لها التأويلات الفاسدة: {إنَّ هذا لساحرٌ عليمٌ}؛ أي: ماهرٌ في سحره.
{110} ثم خوَّفوا ضعفاءَ الأحلام وسفهاء العقول بأنه {يريدُ} موسى بفعلِهِ هذا {أن يخرِجَكم من أرضكم}؛ أي: يريد أن يجليكم من أوطانكم، {فماذا تأمرونَ}؟ أي: إنهم تشاوروا فيما بينهم ما يفعلون بموسى، وما يندفع به ضررهم بزعمهم عنهم؛ فإنَّ ما جاء به إن لم يقابَلْ بما يبطِلُه ويدحضه، وإلا؛ دخل في عقول أكثر الناس.
{111 ـ 112} فحينئذ انعقد رأيهم إلى أن قالوا لفرعون: {أرۡجِهِ وأخاه}؛ أي: احبسهما وأمهلهما، وابعثْ في المدائن أناساً يحشُرون أهل المملكة ويأتون بكل سَحَّارٍ عليم؛ أي: يجيئون بالسحرة المهرة؛ ليقابلوا ما جاء به موسى، فقالوا: يا موسى {اجعلۡ بيننا وبينَكَ موعداً لا نُخۡلِفُهُ نحن ولا أنت مكاناً سُوىً. قال موعِدۡكم يومُ الزينةِ وأن يُحۡشَرَ الناس ضحىً. فتولَّى فرعونُ فجمَعَ كيدَه ثم أتى}.
{113} وقال هنا: {وجاء السحرةُ فرعونَ}: طالبين منه الجزاء إن غلبوا، فقالوا:{إنَّ لنا لأجراً إن كُنَّا نحنُ الغالبينَ}.
{114} فقالَ فرعونُ: {نعم}: لكم أجر، {وإنَّكم لمن المقرَّبين}: فوعَدَهم الأجر والتقريب وعلو المنزلة عنده؛ ليجتهدوا ويبذُلوا، وسعهم وطاقتهم في مغالبة موسى.
{115} فلما حضروا مع موسى بحضرة الخلق العظيم، {قالوا}: على وجه التألِّي وعدم المبالاة بما جاء به موسى، {يا موسى إما أن تُلۡقِيَ}: ما معك، {وإما أن نكونَ نحنُ الملقينَ}.
{116} فقالَ موسى: {ألقوا}: لأجل أن يرى الناسُ ما معهم وما مع موسى، {فلما ألقَوۡا}: حبالَهم وعصيَّهم إذا هي من سحرهم كأنها حياتٌ تسعى، فسحروا {أعين الناس واسترهبوهم وجاؤوا بسحرٍ عظيم}: لم يوجدْ له نظيرٌ من السحر.
{117}{وأوحَيۡنا إلى موسى أن ألقِ عصاك}: فألقاها، {فإذا هي}: حيَّةٌ تسعى فتلقفت جميعَ ما يأفِكونَ؛ أي: يكذِّبون به ويموِّهون.
{118}{فوقع الحقُّ}؛ أي: تبين، وظهر، واستعلن في ذلك المجمع، {وبَطَلَ ما كانوا يعملون}.
{119}{فغُلِبوا هنالك}؛ أي: في ذلك المقام، {وانقلبوا صاغرينَ}؛ أي: حقيرين قد اضمحلَّ باطلُهم وتلاشى سحرهم ولم يحصُل لهم المقصود الذي ظنوا حصوله.
{120 ـ 122} وأعظم من تبيَّن له الحقُّ العظيم أهل الصنف والسحر [الذين] يعرفون من أنواع السحر وجزئياتِهِ ما لا يعرفه غيرُهم، فعرفوا أن هذه آية عظيمة من آيات الله، لا يدان لأحد بها، فألقي {السحرةُ ساجدينَ. قالوا آمنا بربِّ العالمين. ربِّ موسى وهارون}؛ أي: وصدَّقنا بما بُعِثَ به موسى من الآيات البينات.
{123} فقال لهم {فرعونُ} متهدِّداً لهم على الإيمان: {آمنتُم به قبل أن آذنَ لكم}: كان الخبيث حاكماً مستبداً على الأبدان والأقوال، قد تقرَّر عنده وعندهم أن قوله هو المطاع وأمره نافذٌ فيهم ولا خروج لأحدٍ عن قوله وحكمه، وبهذه الحالة تنحطُّ الأمم وتضعف عقولها ونفوذها وتعجز عن المدافعة عن حقوقها، ولهذا قال الله عنه:{فاستخفَّ قومَه فأطاعوه}، وقال هنا:{آمنتُم به قبلَ أن آذنَ لكم}؛ أي: فهذا سوءُ أدبٍ منكم وتجرُّؤ عليَّ، ثم موَّه على قومه وقال:{إنَّ هذا لَمَكرٌ مكرتُموه في المدينة لتُخۡرِجوا منها أهلها}؛ أي: إن موسى كبيركم الذي علَّمكم السحر، فتواطأتم أنتم وهو على أن تنغلِبوا له فيظهرَ فتتَّبعونه ثم يتَّبعكم الناس أو جمهورهم، فتُخْرِجوا منها أهلها، وهذا كذب يعلم هو ومن سبر الأحوال أن موسى عليه الصلاة والسلام لم يجتمع بأحدٍ منهم، وأنهم جُمِعوا على نظر فرعون ورسله، وأن ما جاء به موسى آية إلهيَّة، وأن السحرة قد بذلوا مجهودهم في مغالبة موسى حتى عجزوا وتبيَّن لهم الحق فاتبعوه. ثم توعَّدهم فرعون بقوله: فلسوف {تعلمونَ}: ما أحِلُّ بكم من العقوبة.
{124}{لأقطِّعنَّ أيديَكم وأرجلَكم من خلافٍ}: زعم الخبيثُ أنَّهم مفسدون في الأرض، وسيصنع بهم ما يُصنع بالمفسدين من تقطيع الأيدي والأرجل من خلافٍ؛ أي: اليد اليمنى والرجل اليسرى، {ثم لأصَلِّبَنَّكُم}: في جذوع النخل؛ لتختَزوا بزعمه {أجمعينَ}؛ أي: لا أفعل هذا الفعل بأحدٍ دون أحدٍ، بل كلُّكم سيذوق هذا العذاب.
{125} فقال السحرة الذين آمنوا لفرعون حين تهدَّدهم: {إنَّا إلى ربِّنا منقلبونَ}؛ أي: فلا نبالي بعقوبتك؛ فالله خيرٌ وأبقى؛ فاقضِ ما أنت قاضٍ.
{126}{وما تَنقِمُ منَّا}؛ أي: وما تعيب منَّا على إنكارك علينا وتوعُّدك لنا؛ فليس لنا ذنبٌ {إلَّا أنۡ آمنَّا بآيات ربِّنا لما جاءتۡنا} ؛ فإنْ كان هذا ذنباً يُعاب عليه ويستحقُّ صاحبه العقوبة؛ فهو ذنبُنا. ثم دعوا الله أن يثبِّتهم ويصبِّرهم، فقالوا:{ربَّنا أفرغۡ}؛ أي: أفض {عليۡنا صبراً}؛ أي: عظيماً كما يدلُّ عليه التنكير؛ لأنَّ هذه محنة عظيمة تؤدي إلى ذهاب النفس، فيحتاج فيها من الصبر إلى شيء كثير؛ ليثبت الفؤاد ويطمئن المؤمن على إيمانِهِ ويزول عنه الانزعاج الكثير. {وتوفَّنا مسلمينَ}؛ أي: منقادين لأمرك متَّبعين لرسولك. والظاهر أنه أوقع بهم ما توعَّدهم عليه، وأنَّ الله تعالى ثبَّتهم على الإيمان.
{127} هذا وفرعون وملؤه وعامتهم المتبعون للملأ قد استكبروا عن آيات الله وجحدوا بها ظلماً وعلوًّا وقالوا لفرعون مهيجين له على الإيقاع بموسى وزاعمين أن ما جاء باطل وفساد: {أتذرُ موسى وقومَه ليفسِدوا في الأرض}: بالدعوة إلى الله وإلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال التي هي الصلاح في الأرض وما هم عليه هو الفساد، ولكنَّ الظالمين لا يبالون بما يقولون، {وَيَذَرَكَ وآلهتَكَ}؛ أي: يدعك أنت وآلهتك، وينهى عنك، ويصد الناس عن اتباعك، فقال فرعونُ مجيباً لهم بأنه سيدع بني إسرائيل مع موسى بحالةٍ لا ينمون فيها ويأمنُ فرعونُ وقومُه بزعمه من ضررهم:{سَنُقَتِّلُ أبناءَهم ونستحيي نساءَهم}؛ أي: نستبقيهنَّ فلا نقتلهنَّ؛ فإذا فعلْنا ذلك؛ أمنَّا مِن كثرتِهِم، وكنَّا مستخدمين لباقيهم ومسخِّرين لهم على ما نشاء من الأعمال، {وإنَّا فوقَهم قاهرونَ}: لا خروج لهم عن حكمنا ولا قدرة. وهذا نهاية الجَبَروت من فرعون والعتوِّ والقسوة.
{128} فقال {موسى لقومه}: موصياً لهم ـ في هذه الحالة التي لا يقدرون معها على شيء ولا مقاومة ـ بالمقاومة الإلهية والاستعانة الربانيَّة: {استعينوا بالله}؛ أي: اعتمدوا عليه في جلب ما ينفعكم ودفع ما يضرُّكم، وثِقوا بالله أنه سيتمُّ أمركم، {واصبروا}؛ أي: الزموا الصبر على ما يحلُّ بكم منتظرين للفرج. {إنَّ الأرض لله}: ليست لفرعون ولا لقومه حتى يتحكَّموا فيها، {يورِثُها مَن يشاءُ من عبادِهِ}؛ أي: يداولها بين الناس على حسب مشيئته وحكمته، ولكن العاقبة للمتَّقين؛ فإنهم وإن امتُحِنوا مدة ابتلاء من الله وحكمة؛ فإنَّ النصر لهم، {والعاقبةُ}: الحميدة لهم على قومهم. وهذه وظيفة العبد؛ أنَّه عند القدرة أن يفعل من الأسباب الدافعة عنه أذى الغير ما يقدر عليه وعند العجز أن يصبر ويستعين الله وينتظر الفرج.
{129}{قالوا}: لموسى متضجِّرين من طول ما مكثوا في عذاب فرعون وأذيَّته: {أوذينا من قبل أن تأتِيَنا}: فإنهم يسوموننا سوء العذاب يذبِّحون أبناءنا ويستحيون نساءنا، {ومن بعدِ ما جئتنا}: كذلك، فقال لهم موسى مرجياً لهم بالفرج والخلاص من شرِّهم:{عسى ربُّكم أن يُهۡلِكَ عدوَّكم ويستخلِفَكم في الأرض}؛ أي: يمكِّنكم فيها ويجعل لكم التدبير فيها، {فينظرَ كيف تعملونَ}: هل تشكُرون أم تكفُرون؟ وهذا وعدٌ أنجزه الله لمَّا جاء الوقت الذي أراده الله.
{130} قال الله تعالى في بيان ما عامل به آلَ فرعون في هذه المدة الأخيرة ـ إنها على عادته وسنته في الأمم أن يأخُذَهم {بالبأساء والضرَّاء لعلهم يضَّرَّعون} الآيات ـ: {ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين}؛ أي: بالدُّهور والجدب، {ونقص من الثمرات لعلهم يذَّكَّرون}؛ أي: يتَّعظون أنَّ ما حلَّ بهم وأصابهم معاتبة من الله لهم لعلَّهم يرجِعون عن كفرهم، فلم ينجعْ فيهم ولا أفاد، بل استمرُّوا على الظُّلم والفساد.
{131}{فإذا جاءتهم الحسنةُ}؛ أي: الخصب وإدرار الرزق، {قالوا لنا هذه}؛ أي: نحن مستحقُّون لها، فلم يشكروا الله عليها، {وإن تصِبۡهم سيئةٌ}؛ أي: قحط وجدب، {يطَّيَّروا بموسى ومن معه}؛ أي: يقولوا: إنما جاءنا بسبب مجيء موسى واتباع بني إسرائيل له. قال الله تعالى:{ألا إنَّما طائِرُهم عند الله}؛ أي: بقضائه وقدرته، ليس كما قالوا، بل إن ذنوبهم وكفرهم هو السبب في ذلك، بل أكثرهم لا يعلمونَ؛ أي: فلذلك قالوا ما قالوا.
{132}{وقالوا}: مبيِّنين لموسى أنهم لا يزالون ولا يزولون عن باطلهم: {مهما تأتِنا به من آيةٍ لِتَسۡحَرَنا بها فما نحن لك بمؤمنين}؛ أي: قد تقرَّر عندنا أنك ساحرٌ؛ فمهما جئت بآية؛ جزمنا أنها سحرٌ؛ فلا نؤمن لك ولا نصدِّق. وهذا غاية ما يكون من العناد أن يبلغ بالكافرين إلى أن تستوي عندهم الحالات سواء نزلت عليهم الآيات أم لم تنزل.
{133}{فأرسلنا عليهم الطوفان}؛ أي: الماء الكثير الذي أغرق أشجارهم وزروعهم وأضرَّهم ضرراً كثيراً، {والجراد}: فأكل ثمارَهم وزروعَهم ونباتهم، {والقُمَّلَ}: قيل: إنه الدُّباء؛ أي: صغار الجراد، والظاهر أنه القمل المعروف، {والضفادع}: فملأت أوعيتهم وأقلقتهم وآذتهم أذيَّة شديدةً، {والدم}: إما أن يكونَ الرعاف، أو كما قال كثير من المفسرين: إنَّ ماءهم الذي يشربون انقلب دماً، فكانوا لا يشربون إلاَّ دماً ولا يطبخون [إلاّ بدم]. {آياتٍ مفصَّلاتٍ}؛ أي: أدلَّة وبيِّنات على أنَّهم كانوا كاذبين ظالمين، وعلى أن ما جاء به موسى حقٌّ وصدقٌ. {فاستكبروا}: لما رأوا الآيات، {وكانوا}: في سابق أمرهم {قوماً مجرمين}: فلذلك عاقبهم الله تعالى بأن أبقاهم على الغيِّ والضلال.
{134}{ولما وقع عليهم الرِّجۡزُ}؛ أي: العذاب؛ يحتمل أنَّ المراد به الطاعون كما قاله كثيرٌ من المفسِّرين، ويحتمل أن يُراد به ما تقدَّم من الآيات الطوفان والجراد والقمَّل والضفادع والدَّم؛ فإنها رجزٌ وعذابٌ، وإنهم كلَّما أصابهم واحد منها؛ {قالوا يا موسى ادعُ لنا ربك بما عَهدَ عندك}؛ أي: تشفَّعوا بموسى بما عَهدَ الله عنده من الوحي والشرع. {لئن كشفتَ عنَّا الرِّجۡزَ لنؤمننَّ لك ولنرسلنَّ معك بني إسرائيل}: وهم في ذلك كذبةٌ لا قصدَ لهم إلا زوالُ ما حلَّ بهم من العذاب، وظنُّوا إذا رفع لا يصيبهم غيره.
{135}{فلما كشَفۡنا عنهم الرِّجۡزَ إلى أجل هم بالغوهُ}؛ أي: إلى مدة قدر الله بقاءهم إليها، وليس كشفاً مؤبَّداً، وإنما هو موقت، {إذا هم ينكُثون}: العهد الذي عاهدوا عليه موسى ووعدوه بالإيمان به وإرسال بني إسرائيل؛ فلا آمنوا به ولا أرسلوا معه بني إسرائيل، بل استمرُّوا على كفرهم يعمهون وعلى تعذيب بني إسرائيل دائبين.
{136}{فانتقمنا منهم}؛ أي: حين جاء الوقت الموقَّت لهلاكهم؛ أمر الله موسى أن يسري ببني إسرائيل ليلاً، وأخبره أن فرعون سيتبعُهم هو وجنوده. {فأرسلَ فرعونُ في المدائن حاشرين} يجمعونَ الناس لِيَتْبَعوا بني إسرائيل، وقالوا لهم:{إنَّ هؤلاء لَشِرۡذمةٌ قليلون. وإنَّهم لنا لغائظونَ. وإنَّا لجميعٌ حاذرون. فأخۡرَجۡناهم من جناتٍ وعيون. وكنوزٍ ومقام كريم. كذلك وأورَثۡناها بني إسرائيل. فأتۡبعوهم مشرقينَ. فلما تراءى الجمعانِ قال أصحابُ موسى إنا لَمُدۡرَكونَ. قال كلاَّ إن معي ربي سيهدين. فأوحَيۡنا إلى موسى أنِ اضرِبۡ بعصاك البحرَ فانفلق فكان كلُّ فرقٍ كالطودِ العظيم. وأزلفنا ثَمَّ الآخرين. وأنجينا موسى ومن معه أجمعين. ثم أغرقنا الآخرين}. وقال هنا:{فأغرَقۡناهم في اليمِّ بأنَّهم كذَّبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين}؛ أي: بسبب تكذيبهم بآيات الله، وإعراضهم عمَّا دلَّت عليه من الحقِّ.
{137}{وأورثنا القوم الذين كانوا يُسۡتَضۡعَفونَ}: في الأرض؛ أي: بني إسرائيل الذين كانوا خدمة لآل فرعون يسومونهم سوء العذاب، أورثهم الله {مشارقَ الأرض ومغاربها}: والمراد بالأرض ها هنا أرض مصر التي كانوا فيها مستضعفين أذلين؛ أي: ملَّكهم الله جميعها ومكَّنهم فيها، {التي باركنا فيها وتمَّتۡ كلمةُ ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا}: حين قال لهم موسى: {استعينوا باللَّهِ واصبِروا إنَّ الأرضَ للَّه يورِثها من يشاءُ من عباده والعاقبةُ للمتَّقين}، {ودمَّرۡنا ما كان يصنعُ فرعونُ وقومُهُ}: من الأبنية الهائلة والمساكن المزخرفة، {وما كانوا يعرِشون}: فتلك بيوتهم [خاوية] بما ظلموا إن في ذلك لآية لقوم يعلمون.
{138}{وجاوزنا ببني إسرائيل البحر}: بعدما أنجاهم الله من عدوِّهم فرعون وقومه وأهلكهم الله، وبنو إسرائيل ينظرون، {فأتَوۡا}؛ أي: مرُّوا {على قوم يعكُفون على أصنامٍ لهم}؛ أي: يقيمون عندها ويتبرَّكون بها ويعبُدونها، فقالوا من جهلهم وسَفَهِهم لنبيِّهم موسى بعدما أراهم الله من الآيات ما أراهم:{يا موسى اجعلۡ لنا إلهاً كما لهم آلهةٌ}؛ أي: اشرع لنا أن نتَّخذ أصناماً آلهة كما اتَّخذها هؤلاء، فقال لهم موسى:{إنَّكم قومٌ تجهلونَ}: وأيُّ جهل أعظم من جَهِل ربَّه وخالقَه، وأراد أن يسوِّيَ به غيره ممَّن لا يملِكُ نفعاً ولا ضرًّا ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً؟!
{139} ولهذا قال لهم موسى: {إنَّ هؤلاء مُتَبَّرٌ ما هم فيه وباطلٌ ما كانوا يعملونَ}: لأن دعاءهم إياها باطلٌ وهي باطلة بنفسها؛ فالعمل باطلٌ وغايته باطلةٌ.
{140}{قال أغيرَ الله أبغيكم إلهاً}؛ أي: أطلب لكم إلهاً غير الله المألوه الكامل في ذاته وصفاته وأفعاله. {وهو فضَّلكم على العالمين}: فيقتضي أن تقابلوا فضله وتفضيله بالشكرِ، وذلك بإفراد الله وحدَه بالعبادة والكفرِ بما يُدعى من دونه.
{141} ثم ذكَّرهم ما امتنَّ الله به عليهم فقال: {وإذ أنجيناكم من آل فرعونَ}؛ أي: من فرعون وآله، {يسومونكم سوءَ العذابِ}؛ أي: يوجِّهون إليكم من العذاب أسوأه، وهو أنهم كانوا يذبحون {أبناءكم ويَسۡتَحيون نساءَكم وفي ذلِكم}؛ أي: النجاة من عذابهم، {بلاءٌ من ربِّكم عظيمٌ}؛ أي: نعمةٌ جليلةٌ ومنحةٌ جزيلةٌ، أو وفي ذلك العذاب الصادر منهم لكم بلاءٌ من ربِّكم عليكم عظيم.
{142} فلما ذكَّرهم موسى ووعظهم؛ انتَهَوْا عن ذلك، ولما أتمَّ الله نعمته عليهم بالنجاة من عدوهم وتمكينهم في الأرض؛ أرادَ تبارك وتعالى أن يُتِمَّ نعمته عليهم بإنزال الكتاب الذي فيه الأحكام الشرعيَّة والعقائد المرضيَّة، فواعد موسى ثلاثين ليلة، وأتمَّها بعشر، فصارت أربعين ليلة؛ ليستعدَّ موسى ويتهيَّأ لوعد الله ويكون لنزولها موقع كبير لديهم وتشوق إلى إنزالها، ولما ذهب موسى إلى ميقات ربِّه، قال لهارون موصياً له على بني إسرائيل من حرصه عليهم وشفقته:{اخۡلُفۡني في قَوۡمي}؛ أي: كنْ خليفتي فيهم، واعمل فيهم بما كنت أعمل، {وأصلِحۡ}؛ أي: اتَّبع طريق الصلاح، {ولا تتَّبِعۡ سبيلَ المفسدين}: وهم الذين يعملون بالمعاصي.
{143}{ولمَّا جاء موسى لميقاتنا}: الذي وقَّتْناه له لإنزال الكتاب، {وكلَّمَه ربُّه}: بما كلَّمه من وحيه وأمره ونهيه؛ تشوَّق إلى رؤية الله، ونَزَعَتْ نفسُه لذلك حبًّا لربِّه ومودَّة لرؤيته، فـ {قال ربِّ أرني أنظرۡ إليك}، فقال الله:{لن تَراني}؛ أي: لن تقدِرَ الآن على رؤيتي؛ فإنَّ الله تبارك وتعالى أنشأ الخلق في هذه الدار على نشأة لا يقدرون بها ولا يثبتون لرؤية الله، وليس في هذا دليلٌ على أنَّهم لا يرونه في الجنة؛ فإنه قد دلَّت النصوص القرآنيَّة والأحاديث النبويَّة على أن أهل الجنة يرون ربَّهم تبارك وتعالى ويتمتَّعون بالنظر إلى وجهه الكريم. وأنه يُنْشِئُهم نشأةً كاملةً يقدرون معها على رؤية الله تعالى، ولهذا رتَّب الله الرؤية في هذه الآية على ثبوت الجبل، فقال مقنعاً لموسى في عدم إجابتِهِ للرؤية:{ولكِنِ انظرۡ إلى الجبل فإنِ استقرَّ مكانَه}: إذا تجلَّى اللهُ له، {فسوف تراني فلمَّا تجلَّى ربُّه للجبل}: الأصمِّ الغليظ، {جعله دكًّا}؛ أي: انهال مثل الرمل انزعاجاً من رؤية الله وعدم ثبوتٍ لها، {وخرَّ موسى}: حين رأى ما رأى، صَعِقاً فتبيَّن له حينئذٍ أنه إذا لم يثبت الجبلُ لرؤية الله؛ فموسى أولى أن لا يثبتَ لذلك، واستغفر ربَّه لما صدر منه من السؤال الذي لم يوافقْ موضعاً، و {قالَ سبحانك}؛ أي: تنزيهاً لك وتعظيماً عما لا يليق بجلالك، {تبتُ إليك}: من جميع الذنوب وسوء الأدب معك، {وأنا أول المؤمنين}؛ أي: جدَّد عليه الصلاة والسلام إيمانه بما كمَّل اللهُ له مما كان يجهله قبل ذلك.
{144} فلما منعه الله من رؤيته بعدما كان متشوقاً إليها؛ أعطاه خيراً كثيراً، فقال:{يا موسى إنِّي اصطفيتُك على الناس}؛ أي: اخترتك واجتبيتك وفضَّلتك وخصصتك بفضائل عظيمة ومناقب جليلة، {برسالاتي}: التي لا أجعلها ولا أخصُّ بها إلا أفضل الخلق، {وبكلامي}: إيَّاك من غير واسطة، وهذه فضيلة اختُصَّ بها موسى الكليم، وعُرِف بها من بين إخوانه من المرسلين، {فخُذۡ ما آتيتُك}: من النعم، وخذ ما آتيتُك من الأمر والنهي بانشراح صدرٍ، وتلقَّه بالقَبول والانقياد، {وكن من الشاكرين}: لله على ما خصَّك وفضَّلك.
{145}{وكتبنا له في الألواح من كلِّ شيء}: يحتاج إليه العباد {موعظة}: ترغِّب النفوس في أفعال الخير وترهِّبهم من أفعال الشر، {وتفصيلاً لكلِّ شيء}: من الأحكام الشرعيَّة والعقائد والأخلاق والآداب، {فخذۡها بقوَّةٍ}؛ أي: بجدٍّ واجتهاد على إقامتها، {وأمُرۡ قومَك يأخذوا بأحسنها}: وهي الأوامر الواجبة والمستحبَّة؛ فإنها أحسنها. وفي هذا دليلٌ على أن أوامر الله في كل شريعة كاملة عادلة حسنة. {سأريكم دارَ الفاسقينَ}: بعدما أهلكهم الله وأبقى ديارهم عبرةً بعدهم يعتبر بها المؤمنون الموفَّقون المتواضعون.
{146} وأما غيرهم؛ فقال عنهم:{سأصرِفُ عن آياتي}؛ أي: عن الاعتبار في الآيات الأفقية والنفسيَّة والفهم لآيات الكتاب، {الذين يتكبَّرون في الأرض بغير الحقِّ}؛ أي: يتكبَّرون على عباد الله وعلى الحقِّ وعلى من جاء به؛ فمن كان بهذه الصفة؛ حَرَمَهُ الله خيراً كثيراً، وخَذَلَه، ولم يَفْقَهْ من آيات الله ما ينتفع به، بل ربَّما انقلبت عليه الحقائقُ واستحسن القبيحَ، {وإن يَرَوۡا كلَّ آيةٍ لا يؤمنوا بها}: لإعراضهم واعتراضهم ومحادَّتهم لله ورسوله، {وإن يَرَوۡا سبيلَ الرُّشد}؛ أي: الهدى والاستقامة، وهو الصراط الموصل إلى الله وإلى دار كرامته، {لا يتَّخذوه [سبيلاً]}؛ أي: لا يسلكوه ولا يرغبوا فيه، {وإن يَرَوۡا سبيلَ الغَيِّ}؛ أي: الغواية الموصل لصاحبه إلى دار الشقاء، {يتَّخذوه سبيلاً}. والسبب في انحرافهم هذا الانحراف، {ذلك بأنَّهم كذَّبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين}: فردُّهم لآيات الله وغفلتُهم عمَّا يُراد بها واحتقارهم لها هو الذي أوجب لهم من سلوك طريق الغي وترك طريق الرُّشْدِ ما أوجب.
{147}{والذين كذبوا بآياتنا}: العظيمة الدالَّة على صحَّة ما أرسلنا به رسلنا، {ولقاء الآخرة حَبِطَتۡ أعمالُهم}: لأنَّها على غير أساس، وقد فقد شرطها، وهو الإيمان بآيات الله والتصديق بجزائه. {هل يُجۡزَوۡنَ}: في بطلان أعمالهم وحصول ضدِّ مقصودهم {إلَّا ما كانوا يعملونَ}: فإن أعمال مَنْ لا يؤمن باليومِ الآخر لا يرجو فيها ثواباً، وليس لها غايةٌ تنتهي إليه؛ فلذلك اضمحلَّت وبطلت.
{148}{واتَّخذ قوم موسى مِن بعدِهِ من حُلِيِّهم عجلاً جسداً}: صاغه السامِرِيُّ وألقى عليه قبضةً من أثر الرسول فصار {له خُوارٌ} وصوتٌ، فعبدوه واتَّخذوه إلهاً، وقال: هذا إلهكم وإله موسى، فنسي موسى، وذهب يطلبه، وهذا من سفههم وقلة بصيرتهم؛ كيف اشتبه عليهم ربُّ الأرض والسماوات بعجل من أنقص المخلوقات؟! ولهذا قال مبيناً أنه ليس فيه من الصفات الذاتيَّة ولا الفعليَّة ما يوجِب أن يكون إلهاً:{ألم يَرَوۡا أنَّه لا يكلِّمهم}؛ أي: وعدم الكلام نقصٌ عظيمٌ؛ فهم أكمل حالة من هذا الحيوان أو الجماد الذي لا يتكلَّم، {ولا يهديهم سبيلاً}؛ أي: لا يدلُّهم طريقاً دينيًّا ولا يحصِّل لهم مصلحةً دنيويَّةً؛ لأن من المتقرِّر في العقول والفطر أنَّ اتِّخاذَ إلهٍ لا يتكلم ولا ينفع ولا يضرُّ من أبطل الباطل وأسمج السفه، ولهذا قال:{اتَّخذوه وكانوا ظالمينَ}: حيث وضعوا العبادة في غير موضعها، وأشركوا بالله ما لم ينزِّل به سلطاناً. وفيها دليلٌ على أنَّ من أنكر كلام الله؛ فقد أنكر خصائص إلهيَّة الله تعالى؛ لأن الله ذكر أن عدم الكلام دليلٌ على عدم صلاحيَّة الذي لا يتكلَّم للإلهيَّة.
{149}{ولمَّا}: رجع موسى إلى قومه، فوجدهم على هذه الحال، وأخبرهم بضلالهم؛ ندموا، و {سُقِطَ في أيديهم}؛ أي: من الهمِّ والندم على فعلهم، {ورأوا أنَّهم قد ضلُّوا}: فتنصَّلوا إلى الله وتضرَّعوا، {وقالوا لئن لم يرحَمۡنا ربُّنا}: فيدُّلنا عليه، ويرزقنا عبادته، ويوفِّقُنا لصالح الأعمال، {ويغفِرۡ لنا}: ما صدر منا من عبادة العجل؛ {لَنَكونَنَّ من الخاسرينَ}: الذين خسروا الدنيا والآخرة.
{150}{ولما رجع موسى إلى قومِهِ غضبان أسِفاً}؛ أي: ممتلئاً غضباً وغيظاً عليهم لتمام غيرته عليه [الصلاة و] السلام وكمال نصحه وشفقته، {قال بئسَما خَلَفۡتُموني من بعدي}؛ أي: بئس الحالة التي خلفتموني بها من بعد ذهابي عنكم؛ فإنها حالةٌ تفضي إلى الهلاك الأبدي والشقاء السرمديِّ. {أعَجِلۡتُم أمرَ ربِّكُم}: حيث وَعَدَكم بإنزال الكتاب فبادرتُم برأيكم الفاسد إلى هذه الخصلة القبيحة، {وألقى الألواحَ}؛ أي: رماها من الغضب، {وأخذ برأس أخيه}: هارونَ ولحيتِهِ، {يجرُّه إليه}: وقال له: {ما منعك إذ رأيتَهم ضلُّوا. أن لا تتَّبِعَني أفعصيتَ أمري}: لك بقولي: {اخلُفۡني في قومي وأصۡلِحۡ ولا تتَّبِعۡ سبيل المفسدين}؟! فقال:{يا ابنَ أمَّ لا تأخُذۡ بلحيتي ولا برأسي إني خشيتُ أن تقولَ فرَّقۡتَ بين بني إسرائيل ولم ترقُبۡ قولي} و {قال} هنا: {ابنَ أمَّ}: هذا ترقيقٌ لأخيه بذكر الأمِّ وحدها، وإلاَّ فهو شقيقه لأمِّه وأبيه. {إنَّ القوم استضعفوني}؛ أي: احتقروني حين قلتُ لهم: يا قوم! إنما فُتِنْتُم به، وإنَّ ربَّكم الرحمن؛ فاتَّبِعوني وأطيعوا أمري، {وكادوا يَقۡتُلونَني}؛ أي: فلا تظنَّ بي تقصيراً، {فلا تُشۡمِتۡ بيَ الأعداء}: بنهرِك لي ومسِّك إيَّايَ بسوءٍ فإنَّ الأعداء حريصون على أن يجدوا عليَّ عثرةً أو يطَّلعوا لي على زَلَّة، {ولا تجعلني مع القوم الظالمين}: فتعامِلُني معاملتهم.
{151} فندم موسى عليه السلام على ما استعجل من صنعِهِ بأخيه قبل أن يعلم براءتَهُ مما ظنَّه فيه من التقصير، و {قال ربِّ اغفِرۡ لي ولأخي}: هارون، {وأدخِلۡنا في رحمتِكَ}؛ أي: في وسطها، واجعل رحمتك تحيطُ بنا من كل جانب؛ فإنها حصنٌ حصينٌ من جميع الشرور وثَمَّ كلُّ خير وسرور. {وأنت أرحمُ الراحمين}؛ أي: أرحم بنا من كلِّ راحم، أرحم بنا من آبائنا وأمَّهاتنا وأولادنا وأنفسنا.
{152} قال الله تعالى مبيناً حال أهل العجل الذين عبدوه: {إنَّ الذين اتَّخذوا العجل}؛ أي: إلهاً، {سينالُهم غضبٌ من ربِّهم وذلَّةٌ في الحياة الدُّنيا}: كما أغضبوا ربَّهم واستهانوا بأمره. {وكذلك نجزي المفترين}: فكلُّ مفترٍ على الله كاذب على شرعه متقوِّل عليه ما لم يقلْ؛ فإنَّ له نصيباً من الغضب من الله والذُّلِّ في الحياة الدنيا.
{153} وقد نالهم غضبُ الله حيث أمرهم أن يقتُلوا أنفسهم، وأنَّه لا يرضى الله عنهم إلاَّ بذلك، فقتل بعضُهم بعضاً، وانجلت المعركة على قتلى كثيرةٍ، ثم تاب الله عليهم بعد ذلك، ولهذا ذكر حكماً عامًّا يدخُلون فيه هم وغيرهم، فقال:{والذين عمِلوا السيئاتِ}: من شرك وكبائر وصغائر، {ثم تابوا من بعدها}: بأن ندموا على ما مضى وأقلعوا عنها وعزموا على أن لا يعودوا، {وآمنوا}: بالله وبما أوجبَ الله الإيمان به، ولا يتمُّ الإيمان إلا بأعمال القلوب وأعمال الجوارح المترتِّبة على الإيمان. {إنَّ ربَّك من بعدها}؛ أي: بعد هذه الحالة ـ حالة التوبة من السيئات والرجوع إلى الطاعات ـ {لغفورٌ}: يغفر السيئات ويمحوها، ولو كانت قُراب الأرض. {رحيمٌ}: بقبول التوبة والتوفيق لأفعال الخير وقبولها.
{154}{ولما سَكَتَ عن موسى الغضبُ}؛ أي: سكن غضبه وتراجعت نفسُهُ، وعَرَفَ ما هو فيه؛ اشتغل بأهمِّ الأشياء عنده، فَأَخَذَ {الألواحَ}: التي ألقاها، وهي ألواحٌ عظيمة المقدار جليلةٌ {في نُسۡخَتِها}؛ أي: مشتملة ومتضمِّنة {هدىً ورحمةٌ}؛ أي: فيها الهدى من الضَّلالة، وبيان الحقِّ من الباطل، وأعمال الخير وأعمال الشر، والهدى لأحسن الأعمال والأخلاق والآداب، ورحمة وسعادة لمن عمل بها وعلم أحكامها ومعانيها، ولكن؛ ليس كل أحدٍ يقبل هدى الله ورحمته، وإنما يقبلُ ذلك، وينقاد له، ويتلقَّاه بالقَبول، {الذين هُم لربِّهم يرهَبونَ}؛ أي: يخافون منه ويخشونه، وأما مَنْ لم يخفِ الله ولا المقام بين يديه؛ فإنه لا يزداد بها إلا عتوًّا ونفوراً، وتقوم عليه حجة الله فيها.
{155}{و} لما تاب بنو إسرائيل، وتراجعوا إلى رُشْدِهم، {اختار موسى} منهم {سبعين رجلاً}: من خيارهم ليعتذروا لقومهم عند ربِّهم، ووعدهم الله ميقاتاً يحضُرون فيه، فلما حضروا؛ قالوا: يا موسى! أرِنا الله جهرةً! فتجرؤوا على الله جراءة كبيرة، وأساؤوا الأدب معه، فأخذتهم الرجفةُ، فصعقوا وهلكوا، فلم يزل موسى عليه الصلاة والسلام يتضرَّع إلى الله ويتبتَّل ويقول:{ربِّ لو شئتَ أهلكتَهم من قبلُ}: أن يحضُروا، ويكونون في حالة يعتذرون فيها لقومهم فصاروا هم الظالمين. {أتُهۡلِكُنا بما فعل السفهاءُ منَّا}؛ أي: ضعفاء العقول سفهاء الأحلام، فتضرَّع إلى الله، واعتذر بأنَّ المتجرِّئين على الله ليس لهم عقولٌ كاملةٌ تردعُهم عما قالوا وفعلوا، وبأنهم حصل لهم فتنةٌ يخطر بها الإنسان ويخاف من ذهاب دينه، فقال:{إنۡ هي إلَّا فتنتُك تُضِلُّ بها من تشاءُ وتهدي من تشاءُ أنت وَلِيُّنا فاغۡفِرۡ لنا وارۡحَمۡنا وأنت خير الغافرين}؛ أي: أنت خير من غفر، وأولى من رحم، وأكرم من أعطى وتفضَّل، فكأنَّ موسى عليه الصلاة والسلام قال: المقصود يا ربِّ بالقصد الأول لنا كلّنا، هو التزام طاعتك والإيمان بك، وأن من حَضَرَه عقله ورشده وتمَّ على ما وهبته من التوفيق؛ فإنه لم يزل مستقيماً، وأما من ضَعُفَ عقلُه وسَفِه رأيُهُ وصرفته الفتنة؛ فهو الذي فعل ما فعل لذينك السببين، ومع هذا؛ فأنت أرحم الراحمين وخير الغافرين؛ فاغفر لنا وارحمنا! فأجاب الله سؤاله، وأحياهم من بعد موتهم، وغفر لهم ذنوبهم.
{156} وقال موسى في تمام دعائه: {واكتبۡ لنا في هذه الدنيا حسنةً}: من علم نافع ورزق واسع وعمل صالح، {وفي الآخرة}: حسنة، وهي ما أعد الله لأوليائه الصالحين من الثواب. {إنَّا هُدۡنا إليك}؛ أي: رجعنا مقرِّين بتقصيرنا منيبين في جميع أمورنا، {قال} الله تعالى: {عذابي أصيبُ به من أشاءُ}: ممَّن كان شقيًّا متعرضاً لأسبابه، {ورحمتي وسعتۡ كلَّ شيء}: من العالم العلويِّ والسفليِّ؛ البر والفاجر، المؤمن والكافر؛ فلا مخلوق إلا وقد وصلت إليه رحمة الله وغمره فضله وإحسانه، ولكن الرحمة الخاصة المقتضية لسعادة الدنيا والآخرة ليست لكل أحد، ولهذا قال عنها:{فسأكتُبها للذين يتَّقون}: المعاصي صغارها وكبارها، {ويؤتون الزَّكاة}: الواجبة مستحقيها، {والذين هم بآياتنا يؤمنون}.
{157} ومن تمام الإيمان بآيات الله معرفة معناها والعمل بمقتضاها، ومن ذلك اتباع النبي - صلى الله عليه وسلم - ظاهراً وباطناً في أصول الدين وفروعه:{الذين يتَّبِعون الرسول النبيَّ الأميَّ}: احترازٌ عن سائر الأنبياء؛ فإن المقصود بهذا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب والسياق في أحوال بني إسرائيل، وأن الإيمان بالنبيِّ محمد - صلى الله عليه وسلم - شرطٌ في دخولهم في الإيمان، وأن المؤمنين به المتَّبعين هم أهل الرحمة المطلقة التي كتبها الله لهم، ووصفه بالأمي لأنَّه من العرب الأمة الأميَّة التي لا تقرأ ولا تكتب وليس عندها قبل القرآن كتاب. {الذي يجِدونَهُ مكتوباً عندَهم في التوراة والإنجيل}: باسمه وصفته التي من أعظمها وأجلِّها ما يدعو إليه وينهى عنه، وأنه {يأمُرُهم بالمعروف}: وهو كل ما عُرِفَ حسنُهُ وصلاحه ونفعه. {وينهاهم عن المنكر}: وهو كلُّ ما عرف قبحه في العقول والفطر، فيأمرهم بالصلاة والزكاة والصوم والحج وصلة الأرحام وبر الوالدين والإحسان إلى الجار والمملوك وبذل النفع لسائر الخلق والصدق والعفاف والبر والنصيحة وما أشبه ذلك، وينهى عن الشرك بالله وقتل النفوس بغير حق والزِّنا وشرب ما يسكر العقل والظلم لسائر الخلق والكذب والفجور ونحو ذلك؛ فأعظم دليل يدلُّ على أنه رسول الله ما دعا إليه وأمر به ونهى عنه وأحلَّه وحرَّمه؛ فإنه يُحِلُّ الطيبات: من المطاعم والمشارب والمناكح. {ويحرِّمُ عليهم الخبائث}: من المطاعم والمشارب والمناكح والأقوال والأفعال. {ويَضَعُ عنهم إصۡرَهُم والأغلال التي كانت عليهم}؛ أي:ومِنْ وَصْفِهِ أنَّ دينه سهلٌ سَمْحٌ ميسَّر لا إصر فيه ولا أغلال ولا مشقات ولا تكاليف ثقال.{فالذين آمنوا به وعزَّروه}؛ أي: عظَّموه وبجَّلوه، {ونصروه واتَّبعوا النور الذي أنزلَ معه}: وهو القرآن الذي يُستضاء به في ظلمات الشَّكِّ والجهالات، ويقتدى به إذا تعارضت المقالات. {أولئك هم المفلحون}: الظافرون بخير الدُّنيا والآخرة، والناجون من شرِّهما؛ لأنَّهم أتوا بأكبر أسباب الفلاح، وأما مَن لم يؤمنْ بهذا النبيِّ الأميِّ، ويعزِّره، وينصره، ولم يتَّبع النور الذي أنزل معه؛ فأولئك هم الخاسرون.
{158} ولما دعا أهل التوراة من بني إسرائيل إلى اتباعه، وكان ربما توهَّم متوهِّم أن الحكم مقصورٌ عليهم، أتى بما يدلُّ على العموم، فقال:{قلۡ يا أيُّها الناس إني رسولُ الله إليكم جميعاً}؛ أي: عربيّكم وعجميّكم، أهل الكتاب منكم وغيرهم، {الذي له ملكُ السموات والأرض}: يتصرَّف فيهما بأحكامه الكونيَّة والتدابير السلطانيَّة وبأحكامه الشرعيَّة الدينيَّة، التي من جملتها أن أرسل إليكم رسولاً عظيماً يدعوكم إلى الله وإلى دار كرامته، ويحذِّركم من كلِّ ما يباعدكم منه ومن دار كرامته. {لا إله إلاَّ هو}؛ أي: لا معبود بحقٍّ إلا الله وحده لا شريك له، ولا تُعْرَفُ عبادته إلا من طريق رسله. {يحيي ويميتُ}؛ أي: من جملة تدابيره الإحياء والإماتة، التي لا يشاركه فيها أحدٌ، التي جعل الله الموت جسراً ومعبراً، يُعبَرُ منه إلى دار البقاء التي من آمن بها صدَّق الرسول محمداً - صلى الله عليه وسلم - قطعاً. {فآمنوا بالله ورسولِهِ النبيِّ الأميِّ}: إيماناً في القلب متضمناً لأعمال القلوب والجوارح، {الذي يؤمِنُ بالله وكلماته}؛ أي: آمنوا بهذا الرسول المستقيم في عقائده وأعماله، {واتَّبِعوه لعلكم تهتدونَ}: في مصالِحِكم الدينيَّة والدنيويَّة؛ فإنكم إذا لم تتَّبعوه؛ ضللتم ضلالاً بعيداً.
{159}{ومن قوم موسى أمَّةٌ}؛ أي: جماعة، {يهدون بالحقِّ وبه يعدِلونَ}؛ أي: يهدون [به] الناس في تعليمهم إياهم وفتواهم لهم، ويعدِلون به بينهم في الحكم بينهم قضاياهم؛ كما قال تعالى:{وَجَعَلۡناهم أئمةً يهدون بأمرِنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون}.
وفي هذا فضيلةٌ لأمة موسى عليه الصلاة والسلام، وأنَّ الله تعالى جعل منهم هُداةً يهدون بأمره. وكأنَّ الإتيان بهذه الآية الكريمة فيه نوعُ احتراز مما تقدَّم؛ فإنه تعالى ذكر فيما تقدَّم جملةً من معايب بني إسرائيل المنافية للكمال المناقضة للهداية، فربما توهَّم متوهِّم أن هذا يعمُّ جميعهم، فذكر تعالى أن منهم طائفة مستقيمة هادية مهدية.
{160}{وقطَّعناهم}؛ أي: قسَّمناهم {اثنتي عشرة أسباطاً أمماً}؛ أي: اثنتي عشرة قبيلةً متعارفةً متوالفةً، كل بني رجل من أولاد يعقوب قبيلة، {وأوحينا إلى موسى إذِ استسقاه قومُهُ}؛ أي: طلبوا منه أن يدعو الله تعالى أن يسقيهم ماء يشربون منه وتشرب منه مواشيهم، وذلك لأنَّهم ـ والله أعلم ـ في محلٍّ قليل الماء، فأوحى الله لموسى إجابة لِطلبَتِهِم:{أنِ اضربۡ بعصاك الحجرَ}: يُحتمل أنه حجرٌ معيَّن، ويُحتمل أنه اسم جنس يشمل أي حجر كان، فضربه، {فانبَجَستۡ}؛ أي: انفجرت من ذلك الحجر {اثنتا عشرة عيناً}: جارية سارحة، {قد علم كلُّ أناس مشرَبَهم}؛ أي: قد قسم على كل قبيلة من تلك القبائل الاثنتي عشرة، وجعل لكلٍّ منهم عيناً، فعلموها، واطمأنُّوا واستراحوا من التعب والمزاحمة، وهذا من تمام نعمة الله عليهم، {وظلَّلۡنا عليهم الغمام}: فكان يستُرهم من حرِّ الشمس، {وأنزلنا عليهم المنَّ}: وهو الحلوى، {والسَّلوى}: وهو لحم طير من أحسن أنواع الطيور وألذِّها، فجمع الله لهم بين الظلال والشراب والطعام الطيب من الحلوى واللحوم على وجه الراحة والطمأنينة، وقيل لهم:{كلوا من طيِّبات ما رَزَقۡناكم وما ظلمونا}: حين لم يشكُروا الله ولم يقوموا بما أوجب الله عليهم. {ولكن كانوا أنفسَهم يظلمونَ}: حيث فوَّتوها كلَّ خير وعرَّضوها للشرِّ والنقمة، وهذا كان مدة لبثهم في التيه.
{161}{وإذ قيلَ لهم اسكنوا هذه القريةَ}؛ أي: ادخلوها لتكون وطناً لكم ومسكناً، وهي إيلياء، {وكلوا منها حيث شئتُم}؛ أي: قرية كانت كثيرة الأشجار غزيرة الثمار رغيدة العيش؛ فلذلك أمرهم الله أن يأكلوا منها حيث شاؤوا، {وقولوا}: حين تدخلون الباب: {حِطَّةٌ}؛ أي: احطُطْ عنَّا خطايانا واعفُ عنا، {وادخُلوا الباب سجَّداً}؛ أي خاضعين لربكم مستكينين لعزَّته شاكرين لنعمته؛ فأمرهم بالخضوع وسؤال المغفرة، ووعدهم على ذلك مغفرة ذنوبهم والثواب العاجل والآجل، فقال:{نغفر لكم خطيئاتِكُم سنزيدُ المحسنينَ}: من خير الدنيا والآخرة.
{162} فلم يمتثلوا هذا الأمر الإلهيَّ، بل بدَّل الذين ظلموا منهم؛ أي: عصوا الله واستهانوا بأمره {قولاً غير الذي قيل لهم}: فقالوا بدل طلب المغفرة وقولهم حطة: حبَّة في شعيرة، وإذا بدلوا القول مع يسره وسهولته؛ فتبديلهم للفعل من باب أولى، ولهذا دخلوا يزحفون على أَسْتَاهِهم، {فأرسلنا عليهم}: حين خالفوا أمر الله وعَصَوْه {رِجزاً من السماء}؛ أي: عذاباً شديداً إما الطاعون وإما غيره من العقوبات السماويَّة، وما ظلمهم الله بعقابه، وإنَّما كان ذلك {بما كانوا يظلمونَ}.
{163}{واسۡألۡهُم}؛ أي: اسأل بني إسرائيل {عن القرية التي كانت حاضرةَ البحر}؛ أي: على ساحله في حال تعدِّيهم وعقاب الله إيَّاهم، {إذ يَعۡدونَ في السبتِ}: وكان الله تعالى قد أمرهم أن يعظِّموه ويحترموه ولا يصيدوا فيه صيداً، فابتلاهُم الله وامتحنهم، فكانت الحيتان تأتيهم يومَ سبتهم شُرَّعاً؛ أي: كثيرة طافية على وجه البحر. {ويوم لا يَسۡبِتونَ}؛ أي: إذا ذهب يوم السبت {لا تأتيهم}؛ أي: تذهب في البحر فلا يرون منها شيئاً. {كذلك نبلوهُم بما كانوا يفسُقون}: ففسقُهم هو الذي أوجب أن يبتلِيَهم الله وأن تكون لهم هذه المحنة، وإلاَّ؛ فلو لم يفسُقوا؛ لعافاهم الله، ولما عرَّضهم للبلاء والشرِّ.
{164} فتحيلوا على الصيد، فكانوا يحفرون لها حفراً، وينصبون لها الشباك؛ فإذا جاءت يوم السبت ووقعت في تلك الحفر والشِّباك؛ لم يأخذوها في ذلك اليوم؛ فإذا جاء يوم الأحد؛ أخذوها، وكثر فيهم ذلك، وانقسموا ثلاث فرق: معظمهم اعتَدَوا وتجرَّؤوا وأعلنوا بذلك. وفرقةٌ أعلنت بنهيهم والإنكار عليهم. وفرقةٌ اكتفتْ بإنكار أولئك عليهم ونهيهم لهم وقالوا:{لم تَعِظونَ قوماً اللهُ مهلِكُهم أو معذِّبهم عذاباً شديداً}: كأنَّهم يقولون: لا فائدة في وعظ مَن اقتحم محارم الله ولم يُصْغِ للنصيح بل استمرَّ على اعتدائه وطغيانه؛ فإنه لا بد أن يعاقبهم الله إما بهلاك أو عذاب شديد. فقال الواعظون: نعظهم وننهاهم {معذرةً إلى ربِّكم}؛ أي: لنُعْذَرَ فيهم، {ولعلَّهم يتَّقون}؛ أي: يتركون ما هم فيه من المعصية؛ فلا نيأس من هدايتهم؛ فربَّما نجع فيهم الوعظ وأثر فيهم اللوم، وهذا المقصود الأعظم من إنكار المنكر؛ ليكون معذرة وإقامة حجةٍ على المأمور المنهي، ولعل الله أن يهديه فيعمل بمقتضى ذلك الأمر والنهي.
{165}{فلما نسوا ما ذُكِّروا به}؛ أي: تركوا ما ذُكِّروا به واستمروا على غَيِّهم واعتدائهم، {أنۡجَيۡنا الذين ينهون عن السوء}: وهكذا سنة الله في عباده أن العقوبة إذا نزلت نجا منها الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، {وأخذنا الذين ظلموا}: وهم الذين اعتدَوْا في السبت {بعذابٍ بئيس}؛ أي: شديد {بما كانوا يفسُقون}.
وأما الفرقة الأخرى التي قالت للناهين: لم تعِظون قوماً الله مهلكهم؛ فاختلف المفسرون في نجاتِهِم وهلاكهم، والظاهرُ أنهم كانوا من الناجين؛ لأنَّ الله خصَّ الهلاك بالظالمين، وهو لم يذكر أنهم ظالمون، فدلَّ على أن العقوبة خاصَّة بالمعتدين في السبت، ولأنَّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرضُ كفاية إذا قام به البعض سقط عن الآخرين؛ فاكتفوا بإنكار أولئك، ولأنهم أنكروا عليهم بقولهم:{لم تَعِظونَ قوماً الله مهلِكُهم أو معذِّبهم عذاباً شديداً}: فأبدَوْا من غضبهم عليهم ما يقتضي أنَّهم كارهون أشدَّ الكراهة لفعلهم، وأنَّ الله سيعاقبهم أشدَّ العقوبة.
{166}{فلما عَتَوۡا عما نُهوا عنه}؛ أي: قسوا فلم يلينوا ولا اتَّعظوا، {قلنا لهم} قولاً قدريًّا: {كونوا قردةً خاسئين}: فانقلبوا بإذن الله قردةً وأبعدهم الله من رحمته.
{167} ثم ذكر ضَرْبَ الذلة والصغار على من بقي منهم، فقال:{وإذ تأذَّنَ ربُّك}؛ أي: أعلم إعلاماً صريحاً، {ليبعثنَّ عليهم إلى يوم القيامة من يسومُهم سوء العذاب}؛ أي: يهينُهم ويذلُّهم، {إنَّ ربَّك لسريع العقاب}: لمن عصاه، حتى إنه يعجِّل له العقوبة في الدنيا. {وإنَّه لغفورٌ رحيم}: لمن تاب إليه وأناب؛ يغفر له الذُّنوب، ويستُر عليه العيوب، ويرحمه بأن يتقبَّل منه الطاعات ويثيبه عليها بأنواع المثوبات، وقد فعل الله بهم ما وعدهم به؛ فلا يزالون في ذلٍّ وإهانة، تحت حكم غيرهم، لا تقوم لهم رايةٌ ولا ينصر لهم عَلَمٌ.
{168}{وقطَّعناهم في الأرض أمماً}؛ أي: فرَّقناهم ومزَّقناهم في الأرض بعدما كانوا مجتمعين، {منهم الصالحون}: القائمون بحقوق الله وحقوق عباده، {ومنهم دون ذلك}؛ أي: دون الصلاح: إما مقتصدون، وإما الظالمون لأنفسهم. {وبَلَوۡناهم}: على عادتنا وسنَّتنا {بالحسنات والسيئات}؛ أي: باليُسْر والعُسْر، {لعلَّهم يرجِعون}: عما هم عليه مقيمون من الرَّدى، ويراجعون ما خُلقوا له من الهدى، فلم يزالوا بين صالح وطالح ومقتصدٍ.
{169} حتى خلف {من بعدِهم خَلۡفٌ}: زاد شرُّهم {ورثوا}: بعدهم {الكتابَ}: وصار المرجع فيه إليهم، وصاروا يتصرَّفون فيه بأهوائهم، وتُبْذَلُ لهم الأموال ليفْتُوا ويحكموا بغير الحقِّ، وفشت فيهم الرشوة. {يأخُذون عَرَضَ هذا الأدنى ويقولونَ}: مقرِّين بأنه ذنب وأنهم ظلمة: {سَيُغۡفَرُ لنا}: وهذا قول خالٍ من الحقيقة؛ فإنه ليس استغفاراً وطلباً للمغفرة على الحقيقة؛ فلو كان ذلك؛ لندموا على ما فعلوا، وعزموا على أن لا يعودوا، ولكنهم إذا أتاهم عرضٌ آخر ورشوةٌ أخرى؛ يأخذوه، فاشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً، واستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير! قال الله تعالى في الإنكار عليهم وبيان جراءتهم:{ألم يؤخَذۡ عليهم ميثاقُ الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحقَّ}: فما بالُهم يقولون عليه غير الحقِّ اتِّباعاً لأهوائهم وميلاً مع مطامعهم؟! {و} الحالُ أنهم قد {دَرَسوا ما فيه}: فليس عليهم فيه إشكالٌ، بل قد أتوا أمرهم متعمِّدين، وكانوا في أمرهم مستبصرين، وهذا أعظمُ للذنب وأشدُّ للَّوم وأشنع للعقوبة، وهذا من نقص عقولهم وسفاهة رأيهم بإيثار الحياة الدُّنيا على الآخرة، ولهذا قال:{والدارُ الآخرة خيرٌ للذين يتَّقون}: ما حرَّم الله عليهم من المآكل التي تُصاب وتؤكل رشوة على الحكم بغير ما أنزل الله وغير ذلك من أنواع المحرمات. {أفلا تعقلون}؛ أي: أفلا يكون لكم عقولٌ توازن بين ما ينبغي إيثاره وما ينبغي الإيثار عليه، وما هو أولى بالسعي إليه والتقديم له على غيره؟! فخاصيَّة العقل النظر للعواقب، وأما من نَظَرَ إلى عاجل طفيف منقطع يفوِّت نعيماً عظيماً باقياً؛ فأنَّى له العقل والرأي؟!
{170} وإنما العقلاءُ حقيقة من وصفهم الله بقوله: {والذين يمسِّكونَ بالكتاب}؛ أي: يتمسَّكون به علماً وعملاً، فيعلمون ما فيه من الأحكام والأخبار التي علمها أشرف العلوم، ويعملون بما فيها من الأوامر التي هي قرة العيون وسرور القلوب وأفراح الأرواح وصلاح الدنيا والآخرة. ومن أعظم ما يجب التمسُّك به من المأمورات إقامة الصلاة ظاهراً وباطناً، ولهذا خصها بالذِّكر لفضلها وشرفها وكونها ميزان الإيمان وإقامتها داعيةٌ لإقامة غيرها من العبادات. ولما كان عملهم كلُّه إصلاحاً؛ قال تعالى:{إنَّا لا نُضيعَ أجر المصلحين}: في أقوالهم وأعمالهم ونيَّاتهم، مصلحين لأنفسهم ولغيرهم.
وهذه الآية وما أشبهها دلَّت على أنَّ الله بعث رسله عليهم الصلاة والسلام بالصلاح لا بالفساد، وبالمنافع لا بالمضار، وأنَّهم بُعِثوا بصلاح الدارين؛ فكلُّ مَن كان أصلح؛ كان أقرب إلى اتِّباعهم.
{171} ثم قال تعالى: {وإذ نَتَقۡنا الجبل فوقَهم}: حين امتنعوا من قَبول ما في التوراة، فألزمهم الله العمل، وَنَتقَ فوق رؤوسهم الجبل، فصار فوقهم:{كأنه ظُلَّة وظنُّوا أنه واقعٌ بهم}، وقيل لهم:{خذوا ما آتيناكم بقوَّةٍ}؛ أي: بجدٍّ واجتهاد. {واذكُروا ما فيه}: دراسة ومباحثة واتصافاً بالعمل به، {لعلَّكم تتَّقون}: إذا فعلتُم ذلك.
الأعراف 7:168
{103} أي: ثم بعثنا من بعد أولئك الرسل موسى الكليم الإمام العظيم والرسول الكريم إلى قوم عتاةٍ جبابرةٍ ـ وهم فرعون وملؤه من أشرافهم وكبرائهم ـ فأراهم من آيات الله العظيمة ما لم يشاهَدْ له نظيرٌ. {فظلموا بها}: بأن لم ينقادوا لحقِّها الذي مَن لم ينقدْ له فهو ظالمٌ، بل استكبروا عنها، {فانظرۡ كيفَ كان عاقبةُ المفسدينَ}: كيف أهلَكَهُمُ الله وأتْبَعَهم الذمَّ واللعنة في الدنيا، ويوم القيامة بئس الرِّفْدُ المرفود.
{104} وهذا مجمل فصَّله بقوله: {وقال موسى}: حين جاء إلى فرعون يدعوه إلى الإيمان: {يا فرعونُ إنِّي رسولٌ من ربِّ العالَمين}؛ أي: إني رسولٌ من مُرسِل عظيم، وهو ربُّ العالَمين، الشامل للعالم العلويِّ والسفليِّ، مربِّي جميع خلقِهِ بأنواع التدابير الإلهيَّة، التي من جملتها أنه لا يترُكُهم سدىً، بل يرسل إليهم الرسل مبشِّرين ومنذرين، وهو الذي لا يقدر أحدٌ أن يتجرَّأ عليه ويدَّعي أنه أرسله ولم يرسله.
{105} فإذا كان هذا شأنه، وأنا قد اختارني واصطفاني لرسالته؛ فحقيقٌ عليَّ أن لا أكذب عليه ولا أقول عليه إلا الحقَّ؛ فإني لو قلتُ غير ذلك؛ لعاجلني بالعقوبة، وأخذني أخذ عزيز مقتدر؛ فهذا موجبٌ لأن ينقادوا له ويتَبعوه، خصوصاً وقد جاءهم ببيِّنة من الله واضحةٍ على صحَّة ما جاء به من الحقِّ، فوجب عليهم أن يعملوا بمقصود رسالته، ولها مقصودان عظيمان: إيمانُهم به واتِّباعُهم له، وإرسالُ بني إسرائيل الشعب الذي فضَّله الله على العالمين أولاد الأنبياء وسلسلة يعقوب عليه السلام الذي موسى عليه الصلاة والسلام واحدٌ منهم.
{106} فقال له فرعون: {إن كنتَ جئتَ بآيةٍ فأت بها إن كنتَ من الصادقين}.
{107}{فألقى} موسى {عصاه}: في الأرض، {فإذا هي ثعبانٌ مبينٌ}؛ أي: حية ظاهرةٌ تسعى وهم يشاهدونها.
{108}{ونزع يده}: من جيبه، {فإذا هي بيضاء للناظرين}: من غير سوءٍ؛ فهاتان آيتان كبيرتان دالَّتان على صحة ما جاء به موسى وصدقِهِ، وأنَّه رسولُ ربِّ العالمين.
{109} ولكن الذين لا يؤمنون لو جاءتهم كلُّ آيةٍ لا يؤمنون حتى يروا العذاب الأليم؛ فلهذا {قال الملأ من قوم فرعون} حين بهرهم ما رأوا من الآيات ولم يؤمنوا وطلبوا لها التأويلات الفاسدة: {إنَّ هذا لساحرٌ عليمٌ}؛ أي: ماهرٌ في سحره.
{110} ثم خوَّفوا ضعفاءَ الأحلام وسفهاء العقول بأنه {يريدُ} موسى بفعلِهِ هذا {أن يخرِجَكم من أرضكم}؛ أي: يريد أن يجليكم من أوطانكم، {فماذا تأمرونَ}؟ أي: إنهم تشاوروا فيما بينهم ما يفعلون بموسى، وما يندفع به ضررهم بزعمهم عنهم؛ فإنَّ ما جاء به إن لم يقابَلْ بما يبطِلُه ويدحضه، وإلا؛ دخل في عقول أكثر الناس.
{111 ـ 112} فحينئذ انعقد رأيهم إلى أن قالوا لفرعون: {أرۡجِهِ وأخاه}؛ أي: احبسهما وأمهلهما، وابعثْ في المدائن أناساً يحشُرون أهل المملكة ويأتون بكل سَحَّارٍ عليم؛ أي: يجيئون بالسحرة المهرة؛ ليقابلوا ما جاء به موسى، فقالوا: يا موسى {اجعلۡ بيننا وبينَكَ موعداً لا نُخۡلِفُهُ نحن ولا أنت مكاناً سُوىً. قال موعِدۡكم يومُ الزينةِ وأن يُحۡشَرَ الناس ضحىً. فتولَّى فرعونُ فجمَعَ كيدَه ثم أتى}.
{113} وقال هنا: {وجاء السحرةُ فرعونَ}: طالبين منه الجزاء إن غلبوا، فقالوا:{إنَّ لنا لأجراً إن كُنَّا نحنُ الغالبينَ}.
{114} فقالَ فرعونُ: {نعم}: لكم أجر، {وإنَّكم لمن المقرَّبين}: فوعَدَهم الأجر والتقريب وعلو المنزلة عنده؛ ليجتهدوا ويبذُلوا، وسعهم وطاقتهم في مغالبة موسى.
{115} فلما حضروا مع موسى بحضرة الخلق العظيم، {قالوا}: على وجه التألِّي وعدم المبالاة بما جاء به موسى، {يا موسى إما أن تُلۡقِيَ}: ما معك، {وإما أن نكونَ نحنُ الملقينَ}.
{116} فقالَ موسى: {ألقوا}: لأجل أن يرى الناسُ ما معهم وما مع موسى، {فلما ألقَوۡا}: حبالَهم وعصيَّهم إذا هي من سحرهم كأنها حياتٌ تسعى، فسحروا {أعين الناس واسترهبوهم وجاؤوا بسحرٍ عظيم}: لم يوجدْ له نظيرٌ من السحر.
{117}{وأوحَيۡنا إلى موسى أن ألقِ عصاك}: فألقاها، {فإذا هي}: حيَّةٌ تسعى فتلقفت جميعَ ما يأفِكونَ؛ أي: يكذِّبون به ويموِّهون.
{118}{فوقع الحقُّ}؛ أي: تبين، وظهر، واستعلن في ذلك المجمع، {وبَطَلَ ما كانوا يعملون}.
{119}{فغُلِبوا هنالك}؛ أي: في ذلك المقام، {وانقلبوا صاغرينَ}؛ أي: حقيرين قد اضمحلَّ باطلُهم وتلاشى سحرهم ولم يحصُل لهم المقصود الذي ظنوا حصوله.
{120 ـ 122} وأعظم من تبيَّن له الحقُّ العظيم أهل الصنف والسحر [الذين] يعرفون من أنواع السحر وجزئياتِهِ ما لا يعرفه غيرُهم، فعرفوا أن هذه آية عظيمة من آيات الله، لا يدان لأحد بها، فألقي {السحرةُ ساجدينَ. قالوا آمنا بربِّ العالمين. ربِّ موسى وهارون}؛ أي: وصدَّقنا بما بُعِثَ به موسى من الآيات البينات.
{123} فقال لهم {فرعونُ} متهدِّداً لهم على الإيمان: {آمنتُم به قبل أن آذنَ لكم}: كان الخبيث حاكماً مستبداً على الأبدان والأقوال، قد تقرَّر عنده وعندهم أن قوله هو المطاع وأمره نافذٌ فيهم ولا خروج لأحدٍ عن قوله وحكمه، وبهذه الحالة تنحطُّ الأمم وتضعف عقولها ونفوذها وتعجز عن المدافعة عن حقوقها، ولهذا قال الله عنه:{فاستخفَّ قومَه فأطاعوه}، وقال هنا:{آمنتُم به قبلَ أن آذنَ لكم}؛ أي: فهذا سوءُ أدبٍ منكم وتجرُّؤ عليَّ، ثم موَّه على قومه وقال:{إنَّ هذا لَمَكرٌ مكرتُموه في المدينة لتُخۡرِجوا منها أهلها}؛ أي: إن موسى كبيركم الذي علَّمكم السحر، فتواطأتم أنتم وهو على أن تنغلِبوا له فيظهرَ فتتَّبعونه ثم يتَّبعكم الناس أو جمهورهم، فتُخْرِجوا منها أهلها، وهذا كذب يعلم هو ومن سبر الأحوال أن موسى عليه الصلاة والسلام لم يجتمع بأحدٍ منهم، وأنهم جُمِعوا على نظر فرعون ورسله، وأن ما جاء به موسى آية إلهيَّة، وأن السحرة قد بذلوا مجهودهم في مغالبة موسى حتى عجزوا وتبيَّن لهم الحق فاتبعوه. ثم توعَّدهم فرعون بقوله: فلسوف {تعلمونَ}: ما أحِلُّ بكم من العقوبة.
{124}{لأقطِّعنَّ أيديَكم وأرجلَكم من خلافٍ}: زعم الخبيثُ أنَّهم مفسدون في الأرض، وسيصنع بهم ما يُصنع بالمفسدين من تقطيع الأيدي والأرجل من خلافٍ؛ أي: اليد اليمنى والرجل اليسرى، {ثم لأصَلِّبَنَّكُم}: في جذوع النخل؛ لتختَزوا بزعمه {أجمعينَ}؛ أي: لا أفعل هذا الفعل بأحدٍ دون أحدٍ، بل كلُّكم سيذوق هذا العذاب.
{125} فقال السحرة الذين آمنوا لفرعون حين تهدَّدهم: {إنَّا إلى ربِّنا منقلبونَ}؛ أي: فلا نبالي بعقوبتك؛ فالله خيرٌ وأبقى؛ فاقضِ ما أنت قاضٍ.
{126}{وما تَنقِمُ منَّا}؛ أي: وما تعيب منَّا على إنكارك علينا وتوعُّدك لنا؛ فليس لنا ذنبٌ {إلَّا أنۡ آمنَّا بآيات ربِّنا لما جاءتۡنا} ؛ فإنْ كان هذا ذنباً يُعاب عليه ويستحقُّ صاحبه العقوبة؛ فهو ذنبُنا. ثم دعوا الله أن يثبِّتهم ويصبِّرهم، فقالوا:{ربَّنا أفرغۡ}؛ أي: أفض {عليۡنا صبراً}؛ أي: عظيماً كما يدلُّ عليه التنكير؛ لأنَّ هذه محنة عظيمة تؤدي إلى ذهاب النفس، فيحتاج فيها من الصبر إلى شيء كثير؛ ليثبت الفؤاد ويطمئن المؤمن على إيمانِهِ ويزول عنه الانزعاج الكثير. {وتوفَّنا مسلمينَ}؛ أي: منقادين لأمرك متَّبعين لرسولك. والظاهر أنه أوقع بهم ما توعَّدهم عليه، وأنَّ الله تعالى ثبَّتهم على الإيمان.
{127} هذا وفرعون وملؤه وعامتهم المتبعون للملأ قد استكبروا عن آيات الله وجحدوا بها ظلماً وعلوًّا وقالوا لفرعون مهيجين له على الإيقاع بموسى وزاعمين أن ما جاء باطل وفساد: {أتذرُ موسى وقومَه ليفسِدوا في الأرض}: بالدعوة إلى الله وإلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال التي هي الصلاح في الأرض وما هم عليه هو الفساد، ولكنَّ الظالمين لا يبالون بما يقولون، {وَيَذَرَكَ وآلهتَكَ}؛ أي: يدعك أنت وآلهتك، وينهى عنك، ويصد الناس عن اتباعك، فقال فرعونُ مجيباً لهم بأنه سيدع بني إسرائيل مع موسى بحالةٍ لا ينمون فيها ويأمنُ فرعونُ وقومُه بزعمه من ضررهم:{سَنُقَتِّلُ أبناءَهم ونستحيي نساءَهم}؛ أي: نستبقيهنَّ فلا نقتلهنَّ؛ فإذا فعلْنا ذلك؛ أمنَّا مِن كثرتِهِم، وكنَّا مستخدمين لباقيهم ومسخِّرين لهم على ما نشاء من الأعمال، {وإنَّا فوقَهم قاهرونَ}: لا خروج لهم عن حكمنا ولا قدرة. وهذا نهاية الجَبَروت من فرعون والعتوِّ والقسوة.
{128} فقال {موسى لقومه}: موصياً لهم ـ في هذه الحالة التي لا يقدرون معها على شيء ولا مقاومة ـ بالمقاومة الإلهية والاستعانة الربانيَّة: {استعينوا بالله}؛ أي: اعتمدوا عليه في جلب ما ينفعكم ودفع ما يضرُّكم، وثِقوا بالله أنه سيتمُّ أمركم، {واصبروا}؛ أي: الزموا الصبر على ما يحلُّ بكم منتظرين للفرج. {إنَّ الأرض لله}: ليست لفرعون ولا لقومه حتى يتحكَّموا فيها، {يورِثُها مَن يشاءُ من عبادِهِ}؛ أي: يداولها بين الناس على حسب مشيئته وحكمته، ولكن العاقبة للمتَّقين؛ فإنهم وإن امتُحِنوا مدة ابتلاء من الله وحكمة؛ فإنَّ النصر لهم، {والعاقبةُ}: الحميدة لهم على قومهم. وهذه وظيفة العبد؛ أنَّه عند القدرة أن يفعل من الأسباب الدافعة عنه أذى الغير ما يقدر عليه وعند العجز أن يصبر ويستعين الله وينتظر الفرج.
{129}{قالوا}: لموسى متضجِّرين من طول ما مكثوا في عذاب فرعون وأذيَّته: {أوذينا من قبل أن تأتِيَنا}: فإنهم يسوموننا سوء العذاب يذبِّحون أبناءنا ويستحيون نساءنا، {ومن بعدِ ما جئتنا}: كذلك، فقال لهم موسى مرجياً لهم بالفرج والخلاص من شرِّهم:{عسى ربُّكم أن يُهۡلِكَ عدوَّكم ويستخلِفَكم في الأرض}؛ أي: يمكِّنكم فيها ويجعل لكم التدبير فيها، {فينظرَ كيف تعملونَ}: هل تشكُرون أم تكفُرون؟ وهذا وعدٌ أنجزه الله لمَّا جاء الوقت الذي أراده الله.
{130} قال الله تعالى في بيان ما عامل به آلَ فرعون في هذه المدة الأخيرة ـ إنها على عادته وسنته في الأمم أن يأخُذَهم {بالبأساء والضرَّاء لعلهم يضَّرَّعون} الآيات ـ: {ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين}؛ أي: بالدُّهور والجدب، {ونقص من الثمرات لعلهم يذَّكَّرون}؛ أي: يتَّعظون أنَّ ما حلَّ بهم وأصابهم معاتبة من الله لهم لعلَّهم يرجِعون عن كفرهم، فلم ينجعْ فيهم ولا أفاد، بل استمرُّوا على الظُّلم والفساد.
{131}{فإذا جاءتهم الحسنةُ}؛ أي: الخصب وإدرار الرزق، {قالوا لنا هذه}؛ أي: نحن مستحقُّون لها، فلم يشكروا الله عليها، {وإن تصِبۡهم سيئةٌ}؛ أي: قحط وجدب، {يطَّيَّروا بموسى ومن معه}؛ أي: يقولوا: إنما جاءنا بسبب مجيء موسى واتباع بني إسرائيل له. قال الله تعالى:{ألا إنَّما طائِرُهم عند الله}؛ أي: بقضائه وقدرته، ليس كما قالوا، بل إن ذنوبهم وكفرهم هو السبب في ذلك، بل أكثرهم لا يعلمونَ؛ أي: فلذلك قالوا ما قالوا.
{132}{وقالوا}: مبيِّنين لموسى أنهم لا يزالون ولا يزولون عن باطلهم: {مهما تأتِنا به من آيةٍ لِتَسۡحَرَنا بها فما نحن لك بمؤمنين}؛ أي: قد تقرَّر عندنا أنك ساحرٌ؛ فمهما جئت بآية؛ جزمنا أنها سحرٌ؛ فلا نؤمن لك ولا نصدِّق. وهذا غاية ما يكون من العناد أن يبلغ بالكافرين إلى أن تستوي عندهم الحالات سواء نزلت عليهم الآيات أم لم تنزل.
{133}{فأرسلنا عليهم الطوفان}؛ أي: الماء الكثير الذي أغرق أشجارهم وزروعهم وأضرَّهم ضرراً كثيراً، {والجراد}: فأكل ثمارَهم وزروعَهم ونباتهم، {والقُمَّلَ}: قيل: إنه الدُّباء؛ أي: صغار الجراد، والظاهر أنه القمل المعروف، {والضفادع}: فملأت أوعيتهم وأقلقتهم وآذتهم أذيَّة شديدةً، {والدم}: إما أن يكونَ الرعاف، أو كما قال كثير من المفسرين: إنَّ ماءهم الذي يشربون انقلب دماً، فكانوا لا يشربون إلاَّ دماً ولا يطبخون [إلاّ بدم]. {آياتٍ مفصَّلاتٍ}؛ أي: أدلَّة وبيِّنات على أنَّهم كانوا كاذبين ظالمين، وعلى أن ما جاء به موسى حقٌّ وصدقٌ. {فاستكبروا}: لما رأوا الآيات، {وكانوا}: في سابق أمرهم {قوماً مجرمين}: فلذلك عاقبهم الله تعالى بأن أبقاهم على الغيِّ والضلال.
{134}{ولما وقع عليهم الرِّجۡزُ}؛ أي: العذاب؛ يحتمل أنَّ المراد به الطاعون كما قاله كثيرٌ من المفسِّرين، ويحتمل أن يُراد به ما تقدَّم من الآيات الطوفان والجراد والقمَّل والضفادع والدَّم؛ فإنها رجزٌ وعذابٌ، وإنهم كلَّما أصابهم واحد منها؛ {قالوا يا موسى ادعُ لنا ربك بما عَهدَ عندك}؛ أي: تشفَّعوا بموسى بما عَهدَ الله عنده من الوحي والشرع. {لئن كشفتَ عنَّا الرِّجۡزَ لنؤمننَّ لك ولنرسلنَّ معك بني إسرائيل}: وهم في ذلك كذبةٌ لا قصدَ لهم إلا زوالُ ما حلَّ بهم من العذاب، وظنُّوا إذا رفع لا يصيبهم غيره.
{135}{فلما كشَفۡنا عنهم الرِّجۡزَ إلى أجل هم بالغوهُ}؛ أي: إلى مدة قدر الله بقاءهم إليها، وليس كشفاً مؤبَّداً، وإنما هو موقت، {إذا هم ينكُثون}: العهد الذي عاهدوا عليه موسى ووعدوه بالإيمان به وإرسال بني إسرائيل؛ فلا آمنوا به ولا أرسلوا معه بني إسرائيل، بل استمرُّوا على كفرهم يعمهون وعلى تعذيب بني إسرائيل دائبين.
{136}{فانتقمنا منهم}؛ أي: حين جاء الوقت الموقَّت لهلاكهم؛ أمر الله موسى أن يسري ببني إسرائيل ليلاً، وأخبره أن فرعون سيتبعُهم هو وجنوده. {فأرسلَ فرعونُ في المدائن حاشرين} يجمعونَ الناس لِيَتْبَعوا بني إسرائيل، وقالوا لهم:{إنَّ هؤلاء لَشِرۡذمةٌ قليلون. وإنَّهم لنا لغائظونَ. وإنَّا لجميعٌ حاذرون. فأخۡرَجۡناهم من جناتٍ وعيون. وكنوزٍ ومقام كريم. كذلك وأورَثۡناها بني إسرائيل. فأتۡبعوهم مشرقينَ. فلما تراءى الجمعانِ قال أصحابُ موسى إنا لَمُدۡرَكونَ. قال كلاَّ إن معي ربي سيهدين. فأوحَيۡنا إلى موسى أنِ اضرِبۡ بعصاك البحرَ فانفلق فكان كلُّ فرقٍ كالطودِ العظيم. وأزلفنا ثَمَّ الآخرين. وأنجينا موسى ومن معه أجمعين. ثم أغرقنا الآخرين}. وقال هنا:{فأغرَقۡناهم في اليمِّ بأنَّهم كذَّبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين}؛ أي: بسبب تكذيبهم بآيات الله، وإعراضهم عمَّا دلَّت عليه من الحقِّ.
{137}{وأورثنا القوم الذين كانوا يُسۡتَضۡعَفونَ}: في الأرض؛ أي: بني إسرائيل الذين كانوا خدمة لآل فرعون يسومونهم سوء العذاب، أورثهم الله {مشارقَ الأرض ومغاربها}: والمراد بالأرض ها هنا أرض مصر التي كانوا فيها مستضعفين أذلين؛ أي: ملَّكهم الله جميعها ومكَّنهم فيها، {التي باركنا فيها وتمَّتۡ كلمةُ ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا}: حين قال لهم موسى: {استعينوا باللَّهِ واصبِروا إنَّ الأرضَ للَّه يورِثها من يشاءُ من عباده والعاقبةُ للمتَّقين}، {ودمَّرۡنا ما كان يصنعُ فرعونُ وقومُهُ}: من الأبنية الهائلة والمساكن المزخرفة، {وما كانوا يعرِشون}: فتلك بيوتهم [خاوية] بما ظلموا إن في ذلك لآية لقوم يعلمون.
{138}{وجاوزنا ببني إسرائيل البحر}: بعدما أنجاهم الله من عدوِّهم فرعون وقومه وأهلكهم الله، وبنو إسرائيل ينظرون، {فأتَوۡا}؛ أي: مرُّوا {على قوم يعكُفون على أصنامٍ لهم}؛ أي: يقيمون عندها ويتبرَّكون بها ويعبُدونها، فقالوا من جهلهم وسَفَهِهم لنبيِّهم موسى بعدما أراهم الله من الآيات ما أراهم:{يا موسى اجعلۡ لنا إلهاً كما لهم آلهةٌ}؛ أي: اشرع لنا أن نتَّخذ أصناماً آلهة كما اتَّخذها هؤلاء، فقال لهم موسى:{إنَّكم قومٌ تجهلونَ}: وأيُّ جهل أعظم من جَهِل ربَّه وخالقَه، وأراد أن يسوِّيَ به غيره ممَّن لا يملِكُ نفعاً ولا ضرًّا ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً؟!
{139} ولهذا قال لهم موسى: {إنَّ هؤلاء مُتَبَّرٌ ما هم فيه وباطلٌ ما كانوا يعملونَ}: لأن دعاءهم إياها باطلٌ وهي باطلة بنفسها؛ فالعمل باطلٌ وغايته باطلةٌ.
{140}{قال أغيرَ الله أبغيكم إلهاً}؛ أي: أطلب لكم إلهاً غير الله المألوه الكامل في ذاته وصفاته وأفعاله. {وهو فضَّلكم على العالمين}: فيقتضي أن تقابلوا فضله وتفضيله بالشكرِ، وذلك بإفراد الله وحدَه بالعبادة والكفرِ بما يُدعى من دونه.
{141} ثم ذكَّرهم ما امتنَّ الله به عليهم فقال: {وإذ أنجيناكم من آل فرعونَ}؛ أي: من فرعون وآله، {يسومونكم سوءَ العذابِ}؛ أي: يوجِّهون إليكم من العذاب أسوأه، وهو أنهم كانوا يذبحون {أبناءكم ويَسۡتَحيون نساءَكم وفي ذلِكم}؛ أي: النجاة من عذابهم، {بلاءٌ من ربِّكم عظيمٌ}؛ أي: نعمةٌ جليلةٌ ومنحةٌ جزيلةٌ، أو وفي ذلك العذاب الصادر منهم لكم بلاءٌ من ربِّكم عليكم عظيم.
{142} فلما ذكَّرهم موسى ووعظهم؛ انتَهَوْا عن ذلك، ولما أتمَّ الله نعمته عليهم بالنجاة من عدوهم وتمكينهم في الأرض؛ أرادَ تبارك وتعالى أن يُتِمَّ نعمته عليهم بإنزال الكتاب الذي فيه الأحكام الشرعيَّة والعقائد المرضيَّة، فواعد موسى ثلاثين ليلة، وأتمَّها بعشر، فصارت أربعين ليلة؛ ليستعدَّ موسى ويتهيَّأ لوعد الله ويكون لنزولها موقع كبير لديهم وتشوق إلى إنزالها، ولما ذهب موسى إلى ميقات ربِّه، قال لهارون موصياً له على بني إسرائيل من حرصه عليهم وشفقته:{اخۡلُفۡني في قَوۡمي}؛ أي: كنْ خليفتي فيهم، واعمل فيهم بما كنت أعمل، {وأصلِحۡ}؛ أي: اتَّبع طريق الصلاح، {ولا تتَّبِعۡ سبيلَ المفسدين}: وهم الذين يعملون بالمعاصي.
{143}{ولمَّا جاء موسى لميقاتنا}: الذي وقَّتْناه له لإنزال الكتاب، {وكلَّمَه ربُّه}: بما كلَّمه من وحيه وأمره ونهيه؛ تشوَّق إلى رؤية الله، ونَزَعَتْ نفسُه لذلك حبًّا لربِّه ومودَّة لرؤيته، فـ {قال ربِّ أرني أنظرۡ إليك}، فقال الله:{لن تَراني}؛ أي: لن تقدِرَ الآن على رؤيتي؛ فإنَّ الله تبارك وتعالى أنشأ الخلق في هذه الدار على نشأة لا يقدرون بها ولا يثبتون لرؤية الله، وليس في هذا دليلٌ على أنَّهم لا يرونه في الجنة؛ فإنه قد دلَّت النصوص القرآنيَّة والأحاديث النبويَّة على أن أهل الجنة يرون ربَّهم تبارك وتعالى ويتمتَّعون بالنظر إلى وجهه الكريم. وأنه يُنْشِئُهم نشأةً كاملةً يقدرون معها على رؤية الله تعالى، ولهذا رتَّب الله الرؤية في هذه الآية على ثبوت الجبل، فقال مقنعاً لموسى في عدم إجابتِهِ للرؤية:{ولكِنِ انظرۡ إلى الجبل فإنِ استقرَّ مكانَه}: إذا تجلَّى اللهُ له، {فسوف تراني فلمَّا تجلَّى ربُّه للجبل}: الأصمِّ الغليظ، {جعله دكًّا}؛ أي: انهال مثل الرمل انزعاجاً من رؤية الله وعدم ثبوتٍ لها، {وخرَّ موسى}: حين رأى ما رأى، صَعِقاً فتبيَّن له حينئذٍ أنه إذا لم يثبت الجبلُ لرؤية الله؛ فموسى أولى أن لا يثبتَ لذلك، واستغفر ربَّه لما صدر منه من السؤال الذي لم يوافقْ موضعاً، و {قالَ سبحانك}؛ أي: تنزيهاً لك وتعظيماً عما لا يليق بجلالك، {تبتُ إليك}: من جميع الذنوب وسوء الأدب معك، {وأنا أول المؤمنين}؛ أي: جدَّد عليه الصلاة والسلام إيمانه بما كمَّل اللهُ له مما كان يجهله قبل ذلك.
{144} فلما منعه الله من رؤيته بعدما كان متشوقاً إليها؛ أعطاه خيراً كثيراً، فقال:{يا موسى إنِّي اصطفيتُك على الناس}؛ أي: اخترتك واجتبيتك وفضَّلتك وخصصتك بفضائل عظيمة ومناقب جليلة، {برسالاتي}: التي لا أجعلها ولا أخصُّ بها إلا أفضل الخلق، {وبكلامي}: إيَّاك من غير واسطة، وهذه فضيلة اختُصَّ بها موسى الكليم، وعُرِف بها من بين إخوانه من المرسلين، {فخُذۡ ما آتيتُك}: من النعم، وخذ ما آتيتُك من الأمر والنهي بانشراح صدرٍ، وتلقَّه بالقَبول والانقياد، {وكن من الشاكرين}: لله على ما خصَّك وفضَّلك.
{145}{وكتبنا له في الألواح من كلِّ شيء}: يحتاج إليه العباد {موعظة}: ترغِّب النفوس في أفعال الخير وترهِّبهم من أفعال الشر، {وتفصيلاً لكلِّ شيء}: من الأحكام الشرعيَّة والعقائد والأخلاق والآداب، {فخذۡها بقوَّةٍ}؛ أي: بجدٍّ واجتهاد على إقامتها، {وأمُرۡ قومَك يأخذوا بأحسنها}: وهي الأوامر الواجبة والمستحبَّة؛ فإنها أحسنها. وفي هذا دليلٌ على أن أوامر الله في كل شريعة كاملة عادلة حسنة. {سأريكم دارَ الفاسقينَ}: بعدما أهلكهم الله وأبقى ديارهم عبرةً بعدهم يعتبر بها المؤمنون الموفَّقون المتواضعون.
{146} وأما غيرهم؛ فقال عنهم:{سأصرِفُ عن آياتي}؛ أي: عن الاعتبار في الآيات الأفقية والنفسيَّة والفهم لآيات الكتاب، {الذين يتكبَّرون في الأرض بغير الحقِّ}؛ أي: يتكبَّرون على عباد الله وعلى الحقِّ وعلى من جاء به؛ فمن كان بهذه الصفة؛ حَرَمَهُ الله خيراً كثيراً، وخَذَلَه، ولم يَفْقَهْ من آيات الله ما ينتفع به، بل ربَّما انقلبت عليه الحقائقُ واستحسن القبيحَ، {وإن يَرَوۡا كلَّ آيةٍ لا يؤمنوا بها}: لإعراضهم واعتراضهم ومحادَّتهم لله ورسوله، {وإن يَرَوۡا سبيلَ الرُّشد}؛ أي: الهدى والاستقامة، وهو الصراط الموصل إلى الله وإلى دار كرامته، {لا يتَّخذوه [سبيلاً]}؛ أي: لا يسلكوه ولا يرغبوا فيه، {وإن يَرَوۡا سبيلَ الغَيِّ}؛ أي: الغواية الموصل لصاحبه إلى دار الشقاء، {يتَّخذوه سبيلاً}. والسبب في انحرافهم هذا الانحراف، {ذلك بأنَّهم كذَّبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين}: فردُّهم لآيات الله وغفلتُهم عمَّا يُراد بها واحتقارهم لها هو الذي أوجب لهم من سلوك طريق الغي وترك طريق الرُّشْدِ ما أوجب.
{147}{والذين كذبوا بآياتنا}: العظيمة الدالَّة على صحَّة ما أرسلنا به رسلنا، {ولقاء الآخرة حَبِطَتۡ أعمالُهم}: لأنَّها على غير أساس، وقد فقد شرطها، وهو الإيمان بآيات الله والتصديق بجزائه. {هل يُجۡزَوۡنَ}: في بطلان أعمالهم وحصول ضدِّ مقصودهم {إلَّا ما كانوا يعملونَ}: فإن أعمال مَنْ لا يؤمن باليومِ الآخر لا يرجو فيها ثواباً، وليس لها غايةٌ تنتهي إليه؛ فلذلك اضمحلَّت وبطلت.
{148}{واتَّخذ قوم موسى مِن بعدِهِ من حُلِيِّهم عجلاً جسداً}: صاغه السامِرِيُّ وألقى عليه قبضةً من أثر الرسول فصار {له خُوارٌ} وصوتٌ، فعبدوه واتَّخذوه إلهاً، وقال: هذا إلهكم وإله موسى، فنسي موسى، وذهب يطلبه، وهذا من سفههم وقلة بصيرتهم؛ كيف اشتبه عليهم ربُّ الأرض والسماوات بعجل من أنقص المخلوقات؟! ولهذا قال مبيناً أنه ليس فيه من الصفات الذاتيَّة ولا الفعليَّة ما يوجِب أن يكون إلهاً:{ألم يَرَوۡا أنَّه لا يكلِّمهم}؛ أي: وعدم الكلام نقصٌ عظيمٌ؛ فهم أكمل حالة من هذا الحيوان أو الجماد الذي لا يتكلَّم، {ولا يهديهم سبيلاً}؛ أي: لا يدلُّهم طريقاً دينيًّا ولا يحصِّل لهم مصلحةً دنيويَّةً؛ لأن من المتقرِّر في العقول والفطر أنَّ اتِّخاذَ إلهٍ لا يتكلم ولا ينفع ولا يضرُّ من أبطل الباطل وأسمج السفه، ولهذا قال:{اتَّخذوه وكانوا ظالمينَ}: حيث وضعوا العبادة في غير موضعها، وأشركوا بالله ما لم ينزِّل به سلطاناً. وفيها دليلٌ على أنَّ من أنكر كلام الله؛ فقد أنكر خصائص إلهيَّة الله تعالى؛ لأن الله ذكر أن عدم الكلام دليلٌ على عدم صلاحيَّة الذي لا يتكلَّم للإلهيَّة.
{149}{ولمَّا}: رجع موسى إلى قومه، فوجدهم على هذه الحال، وأخبرهم بضلالهم؛ ندموا، و {سُقِطَ في أيديهم}؛ أي: من الهمِّ والندم على فعلهم، {ورأوا أنَّهم قد ضلُّوا}: فتنصَّلوا إلى الله وتضرَّعوا، {وقالوا لئن لم يرحَمۡنا ربُّنا}: فيدُّلنا عليه، ويرزقنا عبادته، ويوفِّقُنا لصالح الأعمال، {ويغفِرۡ لنا}: ما صدر منا من عبادة العجل؛ {لَنَكونَنَّ من الخاسرينَ}: الذين خسروا الدنيا والآخرة.
{150}{ولما رجع موسى إلى قومِهِ غضبان أسِفاً}؛ أي: ممتلئاً غضباً وغيظاً عليهم لتمام غيرته عليه [الصلاة و] السلام وكمال نصحه وشفقته، {قال بئسَما خَلَفۡتُموني من بعدي}؛ أي: بئس الحالة التي خلفتموني بها من بعد ذهابي عنكم؛ فإنها حالةٌ تفضي إلى الهلاك الأبدي والشقاء السرمديِّ. {أعَجِلۡتُم أمرَ ربِّكُم}: حيث وَعَدَكم بإنزال الكتاب فبادرتُم برأيكم الفاسد إلى هذه الخصلة القبيحة، {وألقى الألواحَ}؛ أي: رماها من الغضب، {وأخذ برأس أخيه}: هارونَ ولحيتِهِ، {يجرُّه إليه}: وقال له: {ما منعك إذ رأيتَهم ضلُّوا. أن لا تتَّبِعَني أفعصيتَ أمري}: لك بقولي: {اخلُفۡني في قومي وأصۡلِحۡ ولا تتَّبِعۡ سبيل المفسدين}؟! فقال:{يا ابنَ أمَّ لا تأخُذۡ بلحيتي ولا برأسي إني خشيتُ أن تقولَ فرَّقۡتَ بين بني إسرائيل ولم ترقُبۡ قولي} و {قال} هنا: {ابنَ أمَّ}: هذا ترقيقٌ لأخيه بذكر الأمِّ وحدها، وإلاَّ فهو شقيقه لأمِّه وأبيه. {إنَّ القوم استضعفوني}؛ أي: احتقروني حين قلتُ لهم: يا قوم! إنما فُتِنْتُم به، وإنَّ ربَّكم الرحمن؛ فاتَّبِعوني وأطيعوا أمري، {وكادوا يَقۡتُلونَني}؛ أي: فلا تظنَّ بي تقصيراً، {فلا تُشۡمِتۡ بيَ الأعداء}: بنهرِك لي ومسِّك إيَّايَ بسوءٍ فإنَّ الأعداء حريصون على أن يجدوا عليَّ عثرةً أو يطَّلعوا لي على زَلَّة، {ولا تجعلني مع القوم الظالمين}: فتعامِلُني معاملتهم.
{151} فندم موسى عليه السلام على ما استعجل من صنعِهِ بأخيه قبل أن يعلم براءتَهُ مما ظنَّه فيه من التقصير، و {قال ربِّ اغفِرۡ لي ولأخي}: هارون، {وأدخِلۡنا في رحمتِكَ}؛ أي: في وسطها، واجعل رحمتك تحيطُ بنا من كل جانب؛ فإنها حصنٌ حصينٌ من جميع الشرور وثَمَّ كلُّ خير وسرور. {وأنت أرحمُ الراحمين}؛ أي: أرحم بنا من كلِّ راحم، أرحم بنا من آبائنا وأمَّهاتنا وأولادنا وأنفسنا.
{152} قال الله تعالى مبيناً حال أهل العجل الذين عبدوه: {إنَّ الذين اتَّخذوا العجل}؛ أي: إلهاً، {سينالُهم غضبٌ من ربِّهم وذلَّةٌ في الحياة الدُّنيا}: كما أغضبوا ربَّهم واستهانوا بأمره. {وكذلك نجزي المفترين}: فكلُّ مفترٍ على الله كاذب على شرعه متقوِّل عليه ما لم يقلْ؛ فإنَّ له نصيباً من الغضب من الله والذُّلِّ في الحياة الدنيا.
{153} وقد نالهم غضبُ الله حيث أمرهم أن يقتُلوا أنفسهم، وأنَّه لا يرضى الله عنهم إلاَّ بذلك، فقتل بعضُهم بعضاً، وانجلت المعركة على قتلى كثيرةٍ، ثم تاب الله عليهم بعد ذلك، ولهذا ذكر حكماً عامًّا يدخُلون فيه هم وغيرهم، فقال:{والذين عمِلوا السيئاتِ}: من شرك وكبائر وصغائر، {ثم تابوا من بعدها}: بأن ندموا على ما مضى وأقلعوا عنها وعزموا على أن لا يعودوا، {وآمنوا}: بالله وبما أوجبَ الله الإيمان به، ولا يتمُّ الإيمان إلا بأعمال القلوب وأعمال الجوارح المترتِّبة على الإيمان. {إنَّ ربَّك من بعدها}؛ أي: بعد هذه الحالة ـ حالة التوبة من السيئات والرجوع إلى الطاعات ـ {لغفورٌ}: يغفر السيئات ويمحوها، ولو كانت قُراب الأرض. {رحيمٌ}: بقبول التوبة والتوفيق لأفعال الخير وقبولها.
{154}{ولما سَكَتَ عن موسى الغضبُ}؛ أي: سكن غضبه وتراجعت نفسُهُ، وعَرَفَ ما هو فيه؛ اشتغل بأهمِّ الأشياء عنده، فَأَخَذَ {الألواحَ}: التي ألقاها، وهي ألواحٌ عظيمة المقدار جليلةٌ {في نُسۡخَتِها}؛ أي: مشتملة ومتضمِّنة {هدىً ورحمةٌ}؛ أي: فيها الهدى من الضَّلالة، وبيان الحقِّ من الباطل، وأعمال الخير وأعمال الشر، والهدى لأحسن الأعمال والأخلاق والآداب، ورحمة وسعادة لمن عمل بها وعلم أحكامها ومعانيها، ولكن؛ ليس كل أحدٍ يقبل هدى الله ورحمته، وإنما يقبلُ ذلك، وينقاد له، ويتلقَّاه بالقَبول، {الذين هُم لربِّهم يرهَبونَ}؛ أي: يخافون منه ويخشونه، وأما مَنْ لم يخفِ الله ولا المقام بين يديه؛ فإنه لا يزداد بها إلا عتوًّا ونفوراً، وتقوم عليه حجة الله فيها.
{155}{و} لما تاب بنو إسرائيل، وتراجعوا إلى رُشْدِهم، {اختار موسى} منهم {سبعين رجلاً}: من خيارهم ليعتذروا لقومهم عند ربِّهم، ووعدهم الله ميقاتاً يحضُرون فيه، فلما حضروا؛ قالوا: يا موسى! أرِنا الله جهرةً! فتجرؤوا على الله جراءة كبيرة، وأساؤوا الأدب معه، فأخذتهم الرجفةُ، فصعقوا وهلكوا، فلم يزل موسى عليه الصلاة والسلام يتضرَّع إلى الله ويتبتَّل ويقول:{ربِّ لو شئتَ أهلكتَهم من قبلُ}: أن يحضُروا، ويكونون في حالة يعتذرون فيها لقومهم فصاروا هم الظالمين. {أتُهۡلِكُنا بما فعل السفهاءُ منَّا}؛ أي: ضعفاء العقول سفهاء الأحلام، فتضرَّع إلى الله، واعتذر بأنَّ المتجرِّئين على الله ليس لهم عقولٌ كاملةٌ تردعُهم عما قالوا وفعلوا، وبأنهم حصل لهم فتنةٌ يخطر بها الإنسان ويخاف من ذهاب دينه، فقال:{إنۡ هي إلَّا فتنتُك تُضِلُّ بها من تشاءُ وتهدي من تشاءُ أنت وَلِيُّنا فاغۡفِرۡ لنا وارۡحَمۡنا وأنت خير الغافرين}؛ أي: أنت خير من غفر، وأولى من رحم، وأكرم من أعطى وتفضَّل، فكأنَّ موسى عليه الصلاة والسلام قال: المقصود يا ربِّ بالقصد الأول لنا كلّنا، هو التزام طاعتك والإيمان بك، وأن من حَضَرَه عقله ورشده وتمَّ على ما وهبته من التوفيق؛ فإنه لم يزل مستقيماً، وأما من ضَعُفَ عقلُه وسَفِه رأيُهُ وصرفته الفتنة؛ فهو الذي فعل ما فعل لذينك السببين، ومع هذا؛ فأنت أرحم الراحمين وخير الغافرين؛ فاغفر لنا وارحمنا! فأجاب الله سؤاله، وأحياهم من بعد موتهم، وغفر لهم ذنوبهم.
{156} وقال موسى في تمام دعائه: {واكتبۡ لنا في هذه الدنيا حسنةً}: من علم نافع ورزق واسع وعمل صالح، {وفي الآخرة}: حسنة، وهي ما أعد الله لأوليائه الصالحين من الثواب. {إنَّا هُدۡنا إليك}؛ أي: رجعنا مقرِّين بتقصيرنا منيبين في جميع أمورنا، {قال} الله تعالى: {عذابي أصيبُ به من أشاءُ}: ممَّن كان شقيًّا متعرضاً لأسبابه، {ورحمتي وسعتۡ كلَّ شيء}: من العالم العلويِّ والسفليِّ؛ البر والفاجر، المؤمن والكافر؛ فلا مخلوق إلا وقد وصلت إليه رحمة الله وغمره فضله وإحسانه، ولكن الرحمة الخاصة المقتضية لسعادة الدنيا والآخرة ليست لكل أحد، ولهذا قال عنها:{فسأكتُبها للذين يتَّقون}: المعاصي صغارها وكبارها، {ويؤتون الزَّكاة}: الواجبة مستحقيها، {والذين هم بآياتنا يؤمنون}.
{157} ومن تمام الإيمان بآيات الله معرفة معناها والعمل بمقتضاها، ومن ذلك اتباع النبي - صلى الله عليه وسلم - ظاهراً وباطناً في أصول الدين وفروعه:{الذين يتَّبِعون الرسول النبيَّ الأميَّ}: احترازٌ عن سائر الأنبياء؛ فإن المقصود بهذا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب والسياق في أحوال بني إسرائيل، وأن الإيمان بالنبيِّ محمد - صلى الله عليه وسلم - شرطٌ في دخولهم في الإيمان، وأن المؤمنين به المتَّبعين هم أهل الرحمة المطلقة التي كتبها الله لهم، ووصفه بالأمي لأنَّه من العرب الأمة الأميَّة التي لا تقرأ ولا تكتب وليس عندها قبل القرآن كتاب. {الذي يجِدونَهُ مكتوباً عندَهم في التوراة والإنجيل}: باسمه وصفته التي من أعظمها وأجلِّها ما يدعو إليه وينهى عنه، وأنه {يأمُرُهم بالمعروف}: وهو كل ما عُرِفَ حسنُهُ وصلاحه ونفعه. {وينهاهم عن المنكر}: وهو كلُّ ما عرف قبحه في العقول والفطر، فيأمرهم بالصلاة والزكاة والصوم والحج وصلة الأرحام وبر الوالدين والإحسان إلى الجار والمملوك وبذل النفع لسائر الخلق والصدق والعفاف والبر والنصيحة وما أشبه ذلك، وينهى عن الشرك بالله وقتل النفوس بغير حق والزِّنا وشرب ما يسكر العقل والظلم لسائر الخلق والكذب والفجور ونحو ذلك؛ فأعظم دليل يدلُّ على أنه رسول الله ما دعا إليه وأمر به ونهى عنه وأحلَّه وحرَّمه؛ فإنه يُحِلُّ الطيبات: من المطاعم والمشارب والمناكح. {ويحرِّمُ عليهم الخبائث}: من المطاعم والمشارب والمناكح والأقوال والأفعال. {ويَضَعُ عنهم إصۡرَهُم والأغلال التي كانت عليهم}؛ أي:ومِنْ وَصْفِهِ أنَّ دينه سهلٌ سَمْحٌ ميسَّر لا إصر فيه ولا أغلال ولا مشقات ولا تكاليف ثقال.{فالذين آمنوا به وعزَّروه}؛ أي: عظَّموه وبجَّلوه، {ونصروه واتَّبعوا النور الذي أنزلَ معه}: وهو القرآن الذي يُستضاء به في ظلمات الشَّكِّ والجهالات، ويقتدى به إذا تعارضت المقالات. {أولئك هم المفلحون}: الظافرون بخير الدُّنيا والآخرة، والناجون من شرِّهما؛ لأنَّهم أتوا بأكبر أسباب الفلاح، وأما مَن لم يؤمنْ بهذا النبيِّ الأميِّ، ويعزِّره، وينصره، ولم يتَّبع النور الذي أنزل معه؛ فأولئك هم الخاسرون.
{158} ولما دعا أهل التوراة من بني إسرائيل إلى اتباعه، وكان ربما توهَّم متوهِّم أن الحكم مقصورٌ عليهم، أتى بما يدلُّ على العموم، فقال:{قلۡ يا أيُّها الناس إني رسولُ الله إليكم جميعاً}؛ أي: عربيّكم وعجميّكم، أهل الكتاب منكم وغيرهم، {الذي له ملكُ السموات والأرض}: يتصرَّف فيهما بأحكامه الكونيَّة والتدابير السلطانيَّة وبأحكامه الشرعيَّة الدينيَّة، التي من جملتها أن أرسل إليكم رسولاً عظيماً يدعوكم إلى الله وإلى دار كرامته، ويحذِّركم من كلِّ ما يباعدكم منه ومن دار كرامته. {لا إله إلاَّ هو}؛ أي: لا معبود بحقٍّ إلا الله وحده لا شريك له، ولا تُعْرَفُ عبادته إلا من طريق رسله. {يحيي ويميتُ}؛ أي: من جملة تدابيره الإحياء والإماتة، التي لا يشاركه فيها أحدٌ، التي جعل الله الموت جسراً ومعبراً، يُعبَرُ منه إلى دار البقاء التي من آمن بها صدَّق الرسول محمداً - صلى الله عليه وسلم - قطعاً. {فآمنوا بالله ورسولِهِ النبيِّ الأميِّ}: إيماناً في القلب متضمناً لأعمال القلوب والجوارح، {الذي يؤمِنُ بالله وكلماته}؛ أي: آمنوا بهذا الرسول المستقيم في عقائده وأعماله، {واتَّبِعوه لعلكم تهتدونَ}: في مصالِحِكم الدينيَّة والدنيويَّة؛ فإنكم إذا لم تتَّبعوه؛ ضللتم ضلالاً بعيداً.
{159}{ومن قوم موسى أمَّةٌ}؛ أي: جماعة، {يهدون بالحقِّ وبه يعدِلونَ}؛ أي: يهدون [به] الناس في تعليمهم إياهم وفتواهم لهم، ويعدِلون به بينهم في الحكم بينهم قضاياهم؛ كما قال تعالى:{وَجَعَلۡناهم أئمةً يهدون بأمرِنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون}.
وفي هذا فضيلةٌ لأمة موسى عليه الصلاة والسلام، وأنَّ الله تعالى جعل منهم هُداةً يهدون بأمره. وكأنَّ الإتيان بهذه الآية الكريمة فيه نوعُ احتراز مما تقدَّم؛ فإنه تعالى ذكر فيما تقدَّم جملةً من معايب بني إسرائيل المنافية للكمال المناقضة للهداية، فربما توهَّم متوهِّم أن هذا يعمُّ جميعهم، فذكر تعالى أن منهم طائفة مستقيمة هادية مهدية.
{160}{وقطَّعناهم}؛ أي: قسَّمناهم {اثنتي عشرة أسباطاً أمماً}؛ أي: اثنتي عشرة قبيلةً متعارفةً متوالفةً، كل بني رجل من أولاد يعقوب قبيلة، {وأوحينا إلى موسى إذِ استسقاه قومُهُ}؛ أي: طلبوا منه أن يدعو الله تعالى أن يسقيهم ماء يشربون منه وتشرب منه مواشيهم، وذلك لأنَّهم ـ والله أعلم ـ في محلٍّ قليل الماء، فأوحى الله لموسى إجابة لِطلبَتِهِم:{أنِ اضربۡ بعصاك الحجرَ}: يُحتمل أنه حجرٌ معيَّن، ويُحتمل أنه اسم جنس يشمل أي حجر كان، فضربه، {فانبَجَستۡ}؛ أي: انفجرت من ذلك الحجر {اثنتا عشرة عيناً}: جارية سارحة، {قد علم كلُّ أناس مشرَبَهم}؛ أي: قد قسم على كل قبيلة من تلك القبائل الاثنتي عشرة، وجعل لكلٍّ منهم عيناً، فعلموها، واطمأنُّوا واستراحوا من التعب والمزاحمة، وهذا من تمام نعمة الله عليهم، {وظلَّلۡنا عليهم الغمام}: فكان يستُرهم من حرِّ الشمس، {وأنزلنا عليهم المنَّ}: وهو الحلوى، {والسَّلوى}: وهو لحم طير من أحسن أنواع الطيور وألذِّها، فجمع الله لهم بين الظلال والشراب والطعام الطيب من الحلوى واللحوم على وجه الراحة والطمأنينة، وقيل لهم:{كلوا من طيِّبات ما رَزَقۡناكم وما ظلمونا}: حين لم يشكُروا الله ولم يقوموا بما أوجب الله عليهم. {ولكن كانوا أنفسَهم يظلمونَ}: حيث فوَّتوها كلَّ خير وعرَّضوها للشرِّ والنقمة، وهذا كان مدة لبثهم في التيه.
{161}{وإذ قيلَ لهم اسكنوا هذه القريةَ}؛ أي: ادخلوها لتكون وطناً لكم ومسكناً، وهي إيلياء، {وكلوا منها حيث شئتُم}؛ أي: قرية كانت كثيرة الأشجار غزيرة الثمار رغيدة العيش؛ فلذلك أمرهم الله أن يأكلوا منها حيث شاؤوا، {وقولوا}: حين تدخلون الباب: {حِطَّةٌ}؛ أي: احطُطْ عنَّا خطايانا واعفُ عنا، {وادخُلوا الباب سجَّداً}؛ أي خاضعين لربكم مستكينين لعزَّته شاكرين لنعمته؛ فأمرهم بالخضوع وسؤال المغفرة، ووعدهم على ذلك مغفرة ذنوبهم والثواب العاجل والآجل، فقال:{نغفر لكم خطيئاتِكُم سنزيدُ المحسنينَ}: من خير الدنيا والآخرة.
{162} فلم يمتثلوا هذا الأمر الإلهيَّ، بل بدَّل الذين ظلموا منهم؛ أي: عصوا الله واستهانوا بأمره {قولاً غير الذي قيل لهم}: فقالوا بدل طلب المغفرة وقولهم حطة: حبَّة في شعيرة، وإذا بدلوا القول مع يسره وسهولته؛ فتبديلهم للفعل من باب أولى، ولهذا دخلوا يزحفون على أَسْتَاهِهم، {فأرسلنا عليهم}: حين خالفوا أمر الله وعَصَوْه {رِجزاً من السماء}؛ أي: عذاباً شديداً إما الطاعون وإما غيره من العقوبات السماويَّة، وما ظلمهم الله بعقابه، وإنَّما كان ذلك {بما كانوا يظلمونَ}.
{163}{واسۡألۡهُم}؛ أي: اسأل بني إسرائيل {عن القرية التي كانت حاضرةَ البحر}؛ أي: على ساحله في حال تعدِّيهم وعقاب الله إيَّاهم، {إذ يَعۡدونَ في السبتِ}: وكان الله تعالى قد أمرهم أن يعظِّموه ويحترموه ولا يصيدوا فيه صيداً، فابتلاهُم الله وامتحنهم، فكانت الحيتان تأتيهم يومَ سبتهم شُرَّعاً؛ أي: كثيرة طافية على وجه البحر. {ويوم لا يَسۡبِتونَ}؛ أي: إذا ذهب يوم السبت {لا تأتيهم}؛ أي: تذهب في البحر فلا يرون منها شيئاً. {كذلك نبلوهُم بما كانوا يفسُقون}: ففسقُهم هو الذي أوجب أن يبتلِيَهم الله وأن تكون لهم هذه المحنة، وإلاَّ؛ فلو لم يفسُقوا؛ لعافاهم الله، ولما عرَّضهم للبلاء والشرِّ.
{164} فتحيلوا على الصيد، فكانوا يحفرون لها حفراً، وينصبون لها الشباك؛ فإذا جاءت يوم السبت ووقعت في تلك الحفر والشِّباك؛ لم يأخذوها في ذلك اليوم؛ فإذا جاء يوم الأحد؛ أخذوها، وكثر فيهم ذلك، وانقسموا ثلاث فرق: معظمهم اعتَدَوا وتجرَّؤوا وأعلنوا بذلك. وفرقةٌ أعلنت بنهيهم والإنكار عليهم. وفرقةٌ اكتفتْ بإنكار أولئك عليهم ونهيهم لهم وقالوا:{لم تَعِظونَ قوماً اللهُ مهلِكُهم أو معذِّبهم عذاباً شديداً}: كأنَّهم يقولون: لا فائدة في وعظ مَن اقتحم محارم الله ولم يُصْغِ للنصيح بل استمرَّ على اعتدائه وطغيانه؛ فإنه لا بد أن يعاقبهم الله إما بهلاك أو عذاب شديد. فقال الواعظون: نعظهم وننهاهم {معذرةً إلى ربِّكم}؛ أي: لنُعْذَرَ فيهم، {ولعلَّهم يتَّقون}؛ أي: يتركون ما هم فيه من المعصية؛ فلا نيأس من هدايتهم؛ فربَّما نجع فيهم الوعظ وأثر فيهم اللوم، وهذا المقصود الأعظم من إنكار المنكر؛ ليكون معذرة وإقامة حجةٍ على المأمور المنهي، ولعل الله أن يهديه فيعمل بمقتضى ذلك الأمر والنهي.
{165}{فلما نسوا ما ذُكِّروا به}؛ أي: تركوا ما ذُكِّروا به واستمروا على غَيِّهم واعتدائهم، {أنۡجَيۡنا الذين ينهون عن السوء}: وهكذا سنة الله في عباده أن العقوبة إذا نزلت نجا منها الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، {وأخذنا الذين ظلموا}: وهم الذين اعتدَوْا في السبت {بعذابٍ بئيس}؛ أي: شديد {بما كانوا يفسُقون}.
وأما الفرقة الأخرى التي قالت للناهين: لم تعِظون قوماً الله مهلكهم؛ فاختلف المفسرون في نجاتِهِم وهلاكهم، والظاهرُ أنهم كانوا من الناجين؛ لأنَّ الله خصَّ الهلاك بالظالمين، وهو لم يذكر أنهم ظالمون، فدلَّ على أن العقوبة خاصَّة بالمعتدين في السبت، ولأنَّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرضُ كفاية إذا قام به البعض سقط عن الآخرين؛ فاكتفوا بإنكار أولئك، ولأنهم أنكروا عليهم بقولهم:{لم تَعِظونَ قوماً الله مهلِكُهم أو معذِّبهم عذاباً شديداً}: فأبدَوْا من غضبهم عليهم ما يقتضي أنَّهم كارهون أشدَّ الكراهة لفعلهم، وأنَّ الله سيعاقبهم أشدَّ العقوبة.
{166}{فلما عَتَوۡا عما نُهوا عنه}؛ أي: قسوا فلم يلينوا ولا اتَّعظوا، {قلنا لهم} قولاً قدريًّا: {كونوا قردةً خاسئين}: فانقلبوا بإذن الله قردةً وأبعدهم الله من رحمته.
{167} ثم ذكر ضَرْبَ الذلة والصغار على من بقي منهم، فقال:{وإذ تأذَّنَ ربُّك}؛ أي: أعلم إعلاماً صريحاً، {ليبعثنَّ عليهم إلى يوم القيامة من يسومُهم سوء العذاب}؛ أي: يهينُهم ويذلُّهم، {إنَّ ربَّك لسريع العقاب}: لمن عصاه، حتى إنه يعجِّل له العقوبة في الدنيا. {وإنَّه لغفورٌ رحيم}: لمن تاب إليه وأناب؛ يغفر له الذُّنوب، ويستُر عليه العيوب، ويرحمه بأن يتقبَّل منه الطاعات ويثيبه عليها بأنواع المثوبات، وقد فعل الله بهم ما وعدهم به؛ فلا يزالون في ذلٍّ وإهانة، تحت حكم غيرهم، لا تقوم لهم رايةٌ ولا ينصر لهم عَلَمٌ.
{168}{وقطَّعناهم في الأرض أمماً}؛ أي: فرَّقناهم ومزَّقناهم في الأرض بعدما كانوا مجتمعين، {منهم الصالحون}: القائمون بحقوق الله وحقوق عباده، {ومنهم دون ذلك}؛ أي: دون الصلاح: إما مقتصدون، وإما الظالمون لأنفسهم. {وبَلَوۡناهم}: على عادتنا وسنَّتنا {بالحسنات والسيئات}؛ أي: باليُسْر والعُسْر، {لعلَّهم يرجِعون}: عما هم عليه مقيمون من الرَّدى، ويراجعون ما خُلقوا له من الهدى، فلم يزالوا بين صالح وطالح ومقتصدٍ.
{169} حتى خلف {من بعدِهم خَلۡفٌ}: زاد شرُّهم {ورثوا}: بعدهم {الكتابَ}: وصار المرجع فيه إليهم، وصاروا يتصرَّفون فيه بأهوائهم، وتُبْذَلُ لهم الأموال ليفْتُوا ويحكموا بغير الحقِّ، وفشت فيهم الرشوة. {يأخُذون عَرَضَ هذا الأدنى ويقولونَ}: مقرِّين بأنه ذنب وأنهم ظلمة: {سَيُغۡفَرُ لنا}: وهذا قول خالٍ من الحقيقة؛ فإنه ليس استغفاراً وطلباً للمغفرة على الحقيقة؛ فلو كان ذلك؛ لندموا على ما فعلوا، وعزموا على أن لا يعودوا، ولكنهم إذا أتاهم عرضٌ آخر ورشوةٌ أخرى؛ يأخذوه، فاشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً، واستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير! قال الله تعالى في الإنكار عليهم وبيان جراءتهم:{ألم يؤخَذۡ عليهم ميثاقُ الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحقَّ}: فما بالُهم يقولون عليه غير الحقِّ اتِّباعاً لأهوائهم وميلاً مع مطامعهم؟! {و} الحالُ أنهم قد {دَرَسوا ما فيه}: فليس عليهم فيه إشكالٌ، بل قد أتوا أمرهم متعمِّدين، وكانوا في أمرهم مستبصرين، وهذا أعظمُ للذنب وأشدُّ للَّوم وأشنع للعقوبة، وهذا من نقص عقولهم وسفاهة رأيهم بإيثار الحياة الدُّنيا على الآخرة، ولهذا قال:{والدارُ الآخرة خيرٌ للذين يتَّقون}: ما حرَّم الله عليهم من المآكل التي تُصاب وتؤكل رشوة على الحكم بغير ما أنزل الله وغير ذلك من أنواع المحرمات. {أفلا تعقلون}؛ أي: أفلا يكون لكم عقولٌ توازن بين ما ينبغي إيثاره وما ينبغي الإيثار عليه، وما هو أولى بالسعي إليه والتقديم له على غيره؟! فخاصيَّة العقل النظر للعواقب، وأما من نَظَرَ إلى عاجل طفيف منقطع يفوِّت نعيماً عظيماً باقياً؛ فأنَّى له العقل والرأي؟!
{170} وإنما العقلاءُ حقيقة من وصفهم الله بقوله: {والذين يمسِّكونَ بالكتاب}؛ أي: يتمسَّكون به علماً وعملاً، فيعلمون ما فيه من الأحكام والأخبار التي علمها أشرف العلوم، ويعملون بما فيها من الأوامر التي هي قرة العيون وسرور القلوب وأفراح الأرواح وصلاح الدنيا والآخرة. ومن أعظم ما يجب التمسُّك به من المأمورات إقامة الصلاة ظاهراً وباطناً، ولهذا خصها بالذِّكر لفضلها وشرفها وكونها ميزان الإيمان وإقامتها داعيةٌ لإقامة غيرها من العبادات. ولما كان عملهم كلُّه إصلاحاً؛ قال تعالى:{إنَّا لا نُضيعَ أجر المصلحين}: في أقوالهم وأعمالهم ونيَّاتهم، مصلحين لأنفسهم ولغيرهم.
وهذه الآية وما أشبهها دلَّت على أنَّ الله بعث رسله عليهم الصلاة والسلام بالصلاح لا بالفساد، وبالمنافع لا بالمضار، وأنَّهم بُعِثوا بصلاح الدارين؛ فكلُّ مَن كان أصلح؛ كان أقرب إلى اتِّباعهم.
{171} ثم قال تعالى: {وإذ نَتَقۡنا الجبل فوقَهم}: حين امتنعوا من قَبول ما في التوراة، فألزمهم الله العمل، وَنَتقَ فوق رؤوسهم الجبل، فصار فوقهم:{كأنه ظُلَّة وظنُّوا أنه واقعٌ بهم}، وقيل لهم:{خذوا ما آتيناكم بقوَّةٍ}؛ أي: بجدٍّ واجتهاد. {واذكُروا ما فيه}: دراسة ومباحثة واتصافاً بالعمل به، {لعلَّكم تتَّقون}: إذا فعلتُم ذلك.
الأعراف 7:169
{103} أي: ثم بعثنا من بعد أولئك الرسل موسى الكليم الإمام العظيم والرسول الكريم إلى قوم عتاةٍ جبابرةٍ ـ وهم فرعون وملؤه من أشرافهم وكبرائهم ـ فأراهم من آيات الله العظيمة ما لم يشاهَدْ له نظيرٌ. {فظلموا بها}: بأن لم ينقادوا لحقِّها الذي مَن لم ينقدْ له فهو ظالمٌ، بل استكبروا عنها، {فانظرۡ كيفَ كان عاقبةُ المفسدينَ}: كيف أهلَكَهُمُ الله وأتْبَعَهم الذمَّ واللعنة في الدنيا، ويوم القيامة بئس الرِّفْدُ المرفود.
{104} وهذا مجمل فصَّله بقوله: {وقال موسى}: حين جاء إلى فرعون يدعوه إلى الإيمان: {يا فرعونُ إنِّي رسولٌ من ربِّ العالَمين}؛ أي: إني رسولٌ من مُرسِل عظيم، وهو ربُّ العالَمين، الشامل للعالم العلويِّ والسفليِّ، مربِّي جميع خلقِهِ بأنواع التدابير الإلهيَّة، التي من جملتها أنه لا يترُكُهم سدىً، بل يرسل إليهم الرسل مبشِّرين ومنذرين، وهو الذي لا يقدر أحدٌ أن يتجرَّأ عليه ويدَّعي أنه أرسله ولم يرسله.
{105} فإذا كان هذا شأنه، وأنا قد اختارني واصطفاني لرسالته؛ فحقيقٌ عليَّ أن لا أكذب عليه ولا أقول عليه إلا الحقَّ؛ فإني لو قلتُ غير ذلك؛ لعاجلني بالعقوبة، وأخذني أخذ عزيز مقتدر؛ فهذا موجبٌ لأن ينقادوا له ويتَبعوه، خصوصاً وقد جاءهم ببيِّنة من الله واضحةٍ على صحَّة ما جاء به من الحقِّ، فوجب عليهم أن يعملوا بمقصود رسالته، ولها مقصودان عظيمان: إيمانُهم به واتِّباعُهم له، وإرسالُ بني إسرائيل الشعب الذي فضَّله الله على العالمين أولاد الأنبياء وسلسلة يعقوب عليه السلام الذي موسى عليه الصلاة والسلام واحدٌ منهم.
{106} فقال له فرعون: {إن كنتَ جئتَ بآيةٍ فأت بها إن كنتَ من الصادقين}.
{107}{فألقى} موسى {عصاه}: في الأرض، {فإذا هي ثعبانٌ مبينٌ}؛ أي: حية ظاهرةٌ تسعى وهم يشاهدونها.
{108}{ونزع يده}: من جيبه، {فإذا هي بيضاء للناظرين}: من غير سوءٍ؛ فهاتان آيتان كبيرتان دالَّتان على صحة ما جاء به موسى وصدقِهِ، وأنَّه رسولُ ربِّ العالمين.
{109} ولكن الذين لا يؤمنون لو جاءتهم كلُّ آيةٍ لا يؤمنون حتى يروا العذاب الأليم؛ فلهذا {قال الملأ من قوم فرعون} حين بهرهم ما رأوا من الآيات ولم يؤمنوا وطلبوا لها التأويلات الفاسدة: {إنَّ هذا لساحرٌ عليمٌ}؛ أي: ماهرٌ في سحره.
{110} ثم خوَّفوا ضعفاءَ الأحلام وسفهاء العقول بأنه {يريدُ} موسى بفعلِهِ هذا {أن يخرِجَكم من أرضكم}؛ أي: يريد أن يجليكم من أوطانكم، {فماذا تأمرونَ}؟ أي: إنهم تشاوروا فيما بينهم ما يفعلون بموسى، وما يندفع به ضررهم بزعمهم عنهم؛ فإنَّ ما جاء به إن لم يقابَلْ بما يبطِلُه ويدحضه، وإلا؛ دخل في عقول أكثر الناس.
{111 ـ 112} فحينئذ انعقد رأيهم إلى أن قالوا لفرعون: {أرۡجِهِ وأخاه}؛ أي: احبسهما وأمهلهما، وابعثْ في المدائن أناساً يحشُرون أهل المملكة ويأتون بكل سَحَّارٍ عليم؛ أي: يجيئون بالسحرة المهرة؛ ليقابلوا ما جاء به موسى، فقالوا: يا موسى {اجعلۡ بيننا وبينَكَ موعداً لا نُخۡلِفُهُ نحن ولا أنت مكاناً سُوىً. قال موعِدۡكم يومُ الزينةِ وأن يُحۡشَرَ الناس ضحىً. فتولَّى فرعونُ فجمَعَ كيدَه ثم أتى}.
{113} وقال هنا: {وجاء السحرةُ فرعونَ}: طالبين منه الجزاء إن غلبوا، فقالوا:{إنَّ لنا لأجراً إن كُنَّا نحنُ الغالبينَ}.
{114} فقالَ فرعونُ: {نعم}: لكم أجر، {وإنَّكم لمن المقرَّبين}: فوعَدَهم الأجر والتقريب وعلو المنزلة عنده؛ ليجتهدوا ويبذُلوا، وسعهم وطاقتهم في مغالبة موسى.
{115} فلما حضروا مع موسى بحضرة الخلق العظيم، {قالوا}: على وجه التألِّي وعدم المبالاة بما جاء به موسى، {يا موسى إما أن تُلۡقِيَ}: ما معك، {وإما أن نكونَ نحنُ الملقينَ}.
{116} فقالَ موسى: {ألقوا}: لأجل أن يرى الناسُ ما معهم وما مع موسى، {فلما ألقَوۡا}: حبالَهم وعصيَّهم إذا هي من سحرهم كأنها حياتٌ تسعى، فسحروا {أعين الناس واسترهبوهم وجاؤوا بسحرٍ عظيم}: لم يوجدْ له نظيرٌ من السحر.
{117}{وأوحَيۡنا إلى موسى أن ألقِ عصاك}: فألقاها، {فإذا هي}: حيَّةٌ تسعى فتلقفت جميعَ ما يأفِكونَ؛ أي: يكذِّبون به ويموِّهون.
{118}{فوقع الحقُّ}؛ أي: تبين، وظهر، واستعلن في ذلك المجمع، {وبَطَلَ ما كانوا يعملون}.
{119}{فغُلِبوا هنالك}؛ أي: في ذلك المقام، {وانقلبوا صاغرينَ}؛ أي: حقيرين قد اضمحلَّ باطلُهم وتلاشى سحرهم ولم يحصُل لهم المقصود الذي ظنوا حصوله.
{120 ـ 122} وأعظم من تبيَّن له الحقُّ العظيم أهل الصنف والسحر [الذين] يعرفون من أنواع السحر وجزئياتِهِ ما لا يعرفه غيرُهم، فعرفوا أن هذه آية عظيمة من آيات الله، لا يدان لأحد بها، فألقي {السحرةُ ساجدينَ. قالوا آمنا بربِّ العالمين. ربِّ موسى وهارون}؛ أي: وصدَّقنا بما بُعِثَ به موسى من الآيات البينات.
{123} فقال لهم {فرعونُ} متهدِّداً لهم على الإيمان: {آمنتُم به قبل أن آذنَ لكم}: كان الخبيث حاكماً مستبداً على الأبدان والأقوال، قد تقرَّر عنده وعندهم أن قوله هو المطاع وأمره نافذٌ فيهم ولا خروج لأحدٍ عن قوله وحكمه، وبهذه الحالة تنحطُّ الأمم وتضعف عقولها ونفوذها وتعجز عن المدافعة عن حقوقها، ولهذا قال الله عنه:{فاستخفَّ قومَه فأطاعوه}، وقال هنا:{آمنتُم به قبلَ أن آذنَ لكم}؛ أي: فهذا سوءُ أدبٍ منكم وتجرُّؤ عليَّ، ثم موَّه على قومه وقال:{إنَّ هذا لَمَكرٌ مكرتُموه في المدينة لتُخۡرِجوا منها أهلها}؛ أي: إن موسى كبيركم الذي علَّمكم السحر، فتواطأتم أنتم وهو على أن تنغلِبوا له فيظهرَ فتتَّبعونه ثم يتَّبعكم الناس أو جمهورهم، فتُخْرِجوا منها أهلها، وهذا كذب يعلم هو ومن سبر الأحوال أن موسى عليه الصلاة والسلام لم يجتمع بأحدٍ منهم، وأنهم جُمِعوا على نظر فرعون ورسله، وأن ما جاء به موسى آية إلهيَّة، وأن السحرة قد بذلوا مجهودهم في مغالبة موسى حتى عجزوا وتبيَّن لهم الحق فاتبعوه. ثم توعَّدهم فرعون بقوله: فلسوف {تعلمونَ}: ما أحِلُّ بكم من العقوبة.
{124}{لأقطِّعنَّ أيديَكم وأرجلَكم من خلافٍ}: زعم الخبيثُ أنَّهم مفسدون في الأرض، وسيصنع بهم ما يُصنع بالمفسدين من تقطيع الأيدي والأرجل من خلافٍ؛ أي: اليد اليمنى والرجل اليسرى، {ثم لأصَلِّبَنَّكُم}: في جذوع النخل؛ لتختَزوا بزعمه {أجمعينَ}؛ أي: لا أفعل هذا الفعل بأحدٍ دون أحدٍ، بل كلُّكم سيذوق هذا العذاب.
{125} فقال السحرة الذين آمنوا لفرعون حين تهدَّدهم: {إنَّا إلى ربِّنا منقلبونَ}؛ أي: فلا نبالي بعقوبتك؛ فالله خيرٌ وأبقى؛ فاقضِ ما أنت قاضٍ.
{126}{وما تَنقِمُ منَّا}؛ أي: وما تعيب منَّا على إنكارك علينا وتوعُّدك لنا؛ فليس لنا ذنبٌ {إلَّا أنۡ آمنَّا بآيات ربِّنا لما جاءتۡنا} ؛ فإنْ كان هذا ذنباً يُعاب عليه ويستحقُّ صاحبه العقوبة؛ فهو ذنبُنا. ثم دعوا الله أن يثبِّتهم ويصبِّرهم، فقالوا:{ربَّنا أفرغۡ}؛ أي: أفض {عليۡنا صبراً}؛ أي: عظيماً كما يدلُّ عليه التنكير؛ لأنَّ هذه محنة عظيمة تؤدي إلى ذهاب النفس، فيحتاج فيها من الصبر إلى شيء كثير؛ ليثبت الفؤاد ويطمئن المؤمن على إيمانِهِ ويزول عنه الانزعاج الكثير. {وتوفَّنا مسلمينَ}؛ أي: منقادين لأمرك متَّبعين لرسولك. والظاهر أنه أوقع بهم ما توعَّدهم عليه، وأنَّ الله تعالى ثبَّتهم على الإيمان.
{127} هذا وفرعون وملؤه وعامتهم المتبعون للملأ قد استكبروا عن آيات الله وجحدوا بها ظلماً وعلوًّا وقالوا لفرعون مهيجين له على الإيقاع بموسى وزاعمين أن ما جاء باطل وفساد: {أتذرُ موسى وقومَه ليفسِدوا في الأرض}: بالدعوة إلى الله وإلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال التي هي الصلاح في الأرض وما هم عليه هو الفساد، ولكنَّ الظالمين لا يبالون بما يقولون، {وَيَذَرَكَ وآلهتَكَ}؛ أي: يدعك أنت وآلهتك، وينهى عنك، ويصد الناس عن اتباعك، فقال فرعونُ مجيباً لهم بأنه سيدع بني إسرائيل مع موسى بحالةٍ لا ينمون فيها ويأمنُ فرعونُ وقومُه بزعمه من ضررهم:{سَنُقَتِّلُ أبناءَهم ونستحيي نساءَهم}؛ أي: نستبقيهنَّ فلا نقتلهنَّ؛ فإذا فعلْنا ذلك؛ أمنَّا مِن كثرتِهِم، وكنَّا مستخدمين لباقيهم ومسخِّرين لهم على ما نشاء من الأعمال، {وإنَّا فوقَهم قاهرونَ}: لا خروج لهم عن حكمنا ولا قدرة. وهذا نهاية الجَبَروت من فرعون والعتوِّ والقسوة.
{128} فقال {موسى لقومه}: موصياً لهم ـ في هذه الحالة التي لا يقدرون معها على شيء ولا مقاومة ـ بالمقاومة الإلهية والاستعانة الربانيَّة: {استعينوا بالله}؛ أي: اعتمدوا عليه في جلب ما ينفعكم ودفع ما يضرُّكم، وثِقوا بالله أنه سيتمُّ أمركم، {واصبروا}؛ أي: الزموا الصبر على ما يحلُّ بكم منتظرين للفرج. {إنَّ الأرض لله}: ليست لفرعون ولا لقومه حتى يتحكَّموا فيها، {يورِثُها مَن يشاءُ من عبادِهِ}؛ أي: يداولها بين الناس على حسب مشيئته وحكمته، ولكن العاقبة للمتَّقين؛ فإنهم وإن امتُحِنوا مدة ابتلاء من الله وحكمة؛ فإنَّ النصر لهم، {والعاقبةُ}: الحميدة لهم على قومهم. وهذه وظيفة العبد؛ أنَّه عند القدرة أن يفعل من الأسباب الدافعة عنه أذى الغير ما يقدر عليه وعند العجز أن يصبر ويستعين الله وينتظر الفرج.
{129}{قالوا}: لموسى متضجِّرين من طول ما مكثوا في عذاب فرعون وأذيَّته: {أوذينا من قبل أن تأتِيَنا}: فإنهم يسوموننا سوء العذاب يذبِّحون أبناءنا ويستحيون نساءنا، {ومن بعدِ ما جئتنا}: كذلك، فقال لهم موسى مرجياً لهم بالفرج والخلاص من شرِّهم:{عسى ربُّكم أن يُهۡلِكَ عدوَّكم ويستخلِفَكم في الأرض}؛ أي: يمكِّنكم فيها ويجعل لكم التدبير فيها، {فينظرَ كيف تعملونَ}: هل تشكُرون أم تكفُرون؟ وهذا وعدٌ أنجزه الله لمَّا جاء الوقت الذي أراده الله.
{130} قال الله تعالى في بيان ما عامل به آلَ فرعون في هذه المدة الأخيرة ـ إنها على عادته وسنته في الأمم أن يأخُذَهم {بالبأساء والضرَّاء لعلهم يضَّرَّعون} الآيات ـ: {ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين}؛ أي: بالدُّهور والجدب، {ونقص من الثمرات لعلهم يذَّكَّرون}؛ أي: يتَّعظون أنَّ ما حلَّ بهم وأصابهم معاتبة من الله لهم لعلَّهم يرجِعون عن كفرهم، فلم ينجعْ فيهم ولا أفاد، بل استمرُّوا على الظُّلم والفساد.
{131}{فإذا جاءتهم الحسنةُ}؛ أي: الخصب وإدرار الرزق، {قالوا لنا هذه}؛ أي: نحن مستحقُّون لها، فلم يشكروا الله عليها، {وإن تصِبۡهم سيئةٌ}؛ أي: قحط وجدب، {يطَّيَّروا بموسى ومن معه}؛ أي: يقولوا: إنما جاءنا بسبب مجيء موسى واتباع بني إسرائيل له. قال الله تعالى:{ألا إنَّما طائِرُهم عند الله}؛ أي: بقضائه وقدرته، ليس كما قالوا، بل إن ذنوبهم وكفرهم هو السبب في ذلك، بل أكثرهم لا يعلمونَ؛ أي: فلذلك قالوا ما قالوا.
{132}{وقالوا}: مبيِّنين لموسى أنهم لا يزالون ولا يزولون عن باطلهم: {مهما تأتِنا به من آيةٍ لِتَسۡحَرَنا بها فما نحن لك بمؤمنين}؛ أي: قد تقرَّر عندنا أنك ساحرٌ؛ فمهما جئت بآية؛ جزمنا أنها سحرٌ؛ فلا نؤمن لك ولا نصدِّق. وهذا غاية ما يكون من العناد أن يبلغ بالكافرين إلى أن تستوي عندهم الحالات سواء نزلت عليهم الآيات أم لم تنزل.
{133}{فأرسلنا عليهم الطوفان}؛ أي: الماء الكثير الذي أغرق أشجارهم وزروعهم وأضرَّهم ضرراً كثيراً، {والجراد}: فأكل ثمارَهم وزروعَهم ونباتهم، {والقُمَّلَ}: قيل: إنه الدُّباء؛ أي: صغار الجراد، والظاهر أنه القمل المعروف، {والضفادع}: فملأت أوعيتهم وأقلقتهم وآذتهم أذيَّة شديدةً، {والدم}: إما أن يكونَ الرعاف، أو كما قال كثير من المفسرين: إنَّ ماءهم الذي يشربون انقلب دماً، فكانوا لا يشربون إلاَّ دماً ولا يطبخون [إلاّ بدم]. {آياتٍ مفصَّلاتٍ}؛ أي: أدلَّة وبيِّنات على أنَّهم كانوا كاذبين ظالمين، وعلى أن ما جاء به موسى حقٌّ وصدقٌ. {فاستكبروا}: لما رأوا الآيات، {وكانوا}: في سابق أمرهم {قوماً مجرمين}: فلذلك عاقبهم الله تعالى بأن أبقاهم على الغيِّ والضلال.
{134}{ولما وقع عليهم الرِّجۡزُ}؛ أي: العذاب؛ يحتمل أنَّ المراد به الطاعون كما قاله كثيرٌ من المفسِّرين، ويحتمل أن يُراد به ما تقدَّم من الآيات الطوفان والجراد والقمَّل والضفادع والدَّم؛ فإنها رجزٌ وعذابٌ، وإنهم كلَّما أصابهم واحد منها؛ {قالوا يا موسى ادعُ لنا ربك بما عَهدَ عندك}؛ أي: تشفَّعوا بموسى بما عَهدَ الله عنده من الوحي والشرع. {لئن كشفتَ عنَّا الرِّجۡزَ لنؤمننَّ لك ولنرسلنَّ معك بني إسرائيل}: وهم في ذلك كذبةٌ لا قصدَ لهم إلا زوالُ ما حلَّ بهم من العذاب، وظنُّوا إذا رفع لا يصيبهم غيره.
{135}{فلما كشَفۡنا عنهم الرِّجۡزَ إلى أجل هم بالغوهُ}؛ أي: إلى مدة قدر الله بقاءهم إليها، وليس كشفاً مؤبَّداً، وإنما هو موقت، {إذا هم ينكُثون}: العهد الذي عاهدوا عليه موسى ووعدوه بالإيمان به وإرسال بني إسرائيل؛ فلا آمنوا به ولا أرسلوا معه بني إسرائيل، بل استمرُّوا على كفرهم يعمهون وعلى تعذيب بني إسرائيل دائبين.
{136}{فانتقمنا منهم}؛ أي: حين جاء الوقت الموقَّت لهلاكهم؛ أمر الله موسى أن يسري ببني إسرائيل ليلاً، وأخبره أن فرعون سيتبعُهم هو وجنوده. {فأرسلَ فرعونُ في المدائن حاشرين} يجمعونَ الناس لِيَتْبَعوا بني إسرائيل، وقالوا لهم:{إنَّ هؤلاء لَشِرۡذمةٌ قليلون. وإنَّهم لنا لغائظونَ. وإنَّا لجميعٌ حاذرون. فأخۡرَجۡناهم من جناتٍ وعيون. وكنوزٍ ومقام كريم. كذلك وأورَثۡناها بني إسرائيل. فأتۡبعوهم مشرقينَ. فلما تراءى الجمعانِ قال أصحابُ موسى إنا لَمُدۡرَكونَ. قال كلاَّ إن معي ربي سيهدين. فأوحَيۡنا إلى موسى أنِ اضرِبۡ بعصاك البحرَ فانفلق فكان كلُّ فرقٍ كالطودِ العظيم. وأزلفنا ثَمَّ الآخرين. وأنجينا موسى ومن معه أجمعين. ثم أغرقنا الآخرين}. وقال هنا:{فأغرَقۡناهم في اليمِّ بأنَّهم كذَّبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين}؛ أي: بسبب تكذيبهم بآيات الله، وإعراضهم عمَّا دلَّت عليه من الحقِّ.
{137}{وأورثنا القوم الذين كانوا يُسۡتَضۡعَفونَ}: في الأرض؛ أي: بني إسرائيل الذين كانوا خدمة لآل فرعون يسومونهم سوء العذاب، أورثهم الله {مشارقَ الأرض ومغاربها}: والمراد بالأرض ها هنا أرض مصر التي كانوا فيها مستضعفين أذلين؛ أي: ملَّكهم الله جميعها ومكَّنهم فيها، {التي باركنا فيها وتمَّتۡ كلمةُ ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا}: حين قال لهم موسى: {استعينوا باللَّهِ واصبِروا إنَّ الأرضَ للَّه يورِثها من يشاءُ من عباده والعاقبةُ للمتَّقين}، {ودمَّرۡنا ما كان يصنعُ فرعونُ وقومُهُ}: من الأبنية الهائلة والمساكن المزخرفة، {وما كانوا يعرِشون}: فتلك بيوتهم [خاوية] بما ظلموا إن في ذلك لآية لقوم يعلمون.
{138}{وجاوزنا ببني إسرائيل البحر}: بعدما أنجاهم الله من عدوِّهم فرعون وقومه وأهلكهم الله، وبنو إسرائيل ينظرون، {فأتَوۡا}؛ أي: مرُّوا {على قوم يعكُفون على أصنامٍ لهم}؛ أي: يقيمون عندها ويتبرَّكون بها ويعبُدونها، فقالوا من جهلهم وسَفَهِهم لنبيِّهم موسى بعدما أراهم الله من الآيات ما أراهم:{يا موسى اجعلۡ لنا إلهاً كما لهم آلهةٌ}؛ أي: اشرع لنا أن نتَّخذ أصناماً آلهة كما اتَّخذها هؤلاء، فقال لهم موسى:{إنَّكم قومٌ تجهلونَ}: وأيُّ جهل أعظم من جَهِل ربَّه وخالقَه، وأراد أن يسوِّيَ به غيره ممَّن لا يملِكُ نفعاً ولا ضرًّا ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً؟!
{139} ولهذا قال لهم موسى: {إنَّ هؤلاء مُتَبَّرٌ ما هم فيه وباطلٌ ما كانوا يعملونَ}: لأن دعاءهم إياها باطلٌ وهي باطلة بنفسها؛ فالعمل باطلٌ وغايته باطلةٌ.
{140}{قال أغيرَ الله أبغيكم إلهاً}؛ أي: أطلب لكم إلهاً غير الله المألوه الكامل في ذاته وصفاته وأفعاله. {وهو فضَّلكم على العالمين}: فيقتضي أن تقابلوا فضله وتفضيله بالشكرِ، وذلك بإفراد الله وحدَه بالعبادة والكفرِ بما يُدعى من دونه.
{141} ثم ذكَّرهم ما امتنَّ الله به عليهم فقال: {وإذ أنجيناكم من آل فرعونَ}؛ أي: من فرعون وآله، {يسومونكم سوءَ العذابِ}؛ أي: يوجِّهون إليكم من العذاب أسوأه، وهو أنهم كانوا يذبحون {أبناءكم ويَسۡتَحيون نساءَكم وفي ذلِكم}؛ أي: النجاة من عذابهم، {بلاءٌ من ربِّكم عظيمٌ}؛ أي: نعمةٌ جليلةٌ ومنحةٌ جزيلةٌ، أو وفي ذلك العذاب الصادر منهم لكم بلاءٌ من ربِّكم عليكم عظيم.
{142} فلما ذكَّرهم موسى ووعظهم؛ انتَهَوْا عن ذلك، ولما أتمَّ الله نعمته عليهم بالنجاة من عدوهم وتمكينهم في الأرض؛ أرادَ تبارك وتعالى أن يُتِمَّ نعمته عليهم بإنزال الكتاب الذي فيه الأحكام الشرعيَّة والعقائد المرضيَّة، فواعد موسى ثلاثين ليلة، وأتمَّها بعشر، فصارت أربعين ليلة؛ ليستعدَّ موسى ويتهيَّأ لوعد الله ويكون لنزولها موقع كبير لديهم وتشوق إلى إنزالها، ولما ذهب موسى إلى ميقات ربِّه، قال لهارون موصياً له على بني إسرائيل من حرصه عليهم وشفقته:{اخۡلُفۡني في قَوۡمي}؛ أي: كنْ خليفتي فيهم، واعمل فيهم بما كنت أعمل، {وأصلِحۡ}؛ أي: اتَّبع طريق الصلاح، {ولا تتَّبِعۡ سبيلَ المفسدين}: وهم الذين يعملون بالمعاصي.
{143}{ولمَّا جاء موسى لميقاتنا}: الذي وقَّتْناه له لإنزال الكتاب، {وكلَّمَه ربُّه}: بما كلَّمه من وحيه وأمره ونهيه؛ تشوَّق إلى رؤية الله، ونَزَعَتْ نفسُه لذلك حبًّا لربِّه ومودَّة لرؤيته، فـ {قال ربِّ أرني أنظرۡ إليك}، فقال الله:{لن تَراني}؛ أي: لن تقدِرَ الآن على رؤيتي؛ فإنَّ الله تبارك وتعالى أنشأ الخلق في هذه الدار على نشأة لا يقدرون بها ولا يثبتون لرؤية الله، وليس في هذا دليلٌ على أنَّهم لا يرونه في الجنة؛ فإنه قد دلَّت النصوص القرآنيَّة والأحاديث النبويَّة على أن أهل الجنة يرون ربَّهم تبارك وتعالى ويتمتَّعون بالنظر إلى وجهه الكريم. وأنه يُنْشِئُهم نشأةً كاملةً يقدرون معها على رؤية الله تعالى، ولهذا رتَّب الله الرؤية في هذه الآية على ثبوت الجبل، فقال مقنعاً لموسى في عدم إجابتِهِ للرؤية:{ولكِنِ انظرۡ إلى الجبل فإنِ استقرَّ مكانَه}: إذا تجلَّى اللهُ له، {فسوف تراني فلمَّا تجلَّى ربُّه للجبل}: الأصمِّ الغليظ، {جعله دكًّا}؛ أي: انهال مثل الرمل انزعاجاً من رؤية الله وعدم ثبوتٍ لها، {وخرَّ موسى}: حين رأى ما رأى، صَعِقاً فتبيَّن له حينئذٍ أنه إذا لم يثبت الجبلُ لرؤية الله؛ فموسى أولى أن لا يثبتَ لذلك، واستغفر ربَّه لما صدر منه من السؤال الذي لم يوافقْ موضعاً، و {قالَ سبحانك}؛ أي: تنزيهاً لك وتعظيماً عما لا يليق بجلالك، {تبتُ إليك}: من جميع الذنوب وسوء الأدب معك، {وأنا أول المؤمنين}؛ أي: جدَّد عليه الصلاة والسلام إيمانه بما كمَّل اللهُ له مما كان يجهله قبل ذلك.
{144} فلما منعه الله من رؤيته بعدما كان متشوقاً إليها؛ أعطاه خيراً كثيراً، فقال:{يا موسى إنِّي اصطفيتُك على الناس}؛ أي: اخترتك واجتبيتك وفضَّلتك وخصصتك بفضائل عظيمة ومناقب جليلة، {برسالاتي}: التي لا أجعلها ولا أخصُّ بها إلا أفضل الخلق، {وبكلامي}: إيَّاك من غير واسطة، وهذه فضيلة اختُصَّ بها موسى الكليم، وعُرِف بها من بين إخوانه من المرسلين، {فخُذۡ ما آتيتُك}: من النعم، وخذ ما آتيتُك من الأمر والنهي بانشراح صدرٍ، وتلقَّه بالقَبول والانقياد، {وكن من الشاكرين}: لله على ما خصَّك وفضَّلك.
{145}{وكتبنا له في الألواح من كلِّ شيء}: يحتاج إليه العباد {موعظة}: ترغِّب النفوس في أفعال الخير وترهِّبهم من أفعال الشر، {وتفصيلاً لكلِّ شيء}: من الأحكام الشرعيَّة والعقائد والأخلاق والآداب، {فخذۡها بقوَّةٍ}؛ أي: بجدٍّ واجتهاد على إقامتها، {وأمُرۡ قومَك يأخذوا بأحسنها}: وهي الأوامر الواجبة والمستحبَّة؛ فإنها أحسنها. وفي هذا دليلٌ على أن أوامر الله في كل شريعة كاملة عادلة حسنة. {سأريكم دارَ الفاسقينَ}: بعدما أهلكهم الله وأبقى ديارهم عبرةً بعدهم يعتبر بها المؤمنون الموفَّقون المتواضعون.
{146} وأما غيرهم؛ فقال عنهم:{سأصرِفُ عن آياتي}؛ أي: عن الاعتبار في الآيات الأفقية والنفسيَّة والفهم لآيات الكتاب، {الذين يتكبَّرون في الأرض بغير الحقِّ}؛ أي: يتكبَّرون على عباد الله وعلى الحقِّ وعلى من جاء به؛ فمن كان بهذه الصفة؛ حَرَمَهُ الله خيراً كثيراً، وخَذَلَه، ولم يَفْقَهْ من آيات الله ما ينتفع به، بل ربَّما انقلبت عليه الحقائقُ واستحسن القبيحَ، {وإن يَرَوۡا كلَّ آيةٍ لا يؤمنوا بها}: لإعراضهم واعتراضهم ومحادَّتهم لله ورسوله، {وإن يَرَوۡا سبيلَ الرُّشد}؛ أي: الهدى والاستقامة، وهو الصراط الموصل إلى الله وإلى دار كرامته، {لا يتَّخذوه [سبيلاً]}؛ أي: لا يسلكوه ولا يرغبوا فيه، {وإن يَرَوۡا سبيلَ الغَيِّ}؛ أي: الغواية الموصل لصاحبه إلى دار الشقاء، {يتَّخذوه سبيلاً}. والسبب في انحرافهم هذا الانحراف، {ذلك بأنَّهم كذَّبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين}: فردُّهم لآيات الله وغفلتُهم عمَّا يُراد بها واحتقارهم لها هو الذي أوجب لهم من سلوك طريق الغي وترك طريق الرُّشْدِ ما أوجب.
{147}{والذين كذبوا بآياتنا}: العظيمة الدالَّة على صحَّة ما أرسلنا به رسلنا، {ولقاء الآخرة حَبِطَتۡ أعمالُهم}: لأنَّها على غير أساس، وقد فقد شرطها، وهو الإيمان بآيات الله والتصديق بجزائه. {هل يُجۡزَوۡنَ}: في بطلان أعمالهم وحصول ضدِّ مقصودهم {إلَّا ما كانوا يعملونَ}: فإن أعمال مَنْ لا يؤمن باليومِ الآخر لا يرجو فيها ثواباً، وليس لها غايةٌ تنتهي إليه؛ فلذلك اضمحلَّت وبطلت.
{148}{واتَّخذ قوم موسى مِن بعدِهِ من حُلِيِّهم عجلاً جسداً}: صاغه السامِرِيُّ وألقى عليه قبضةً من أثر الرسول فصار {له خُوارٌ} وصوتٌ، فعبدوه واتَّخذوه إلهاً، وقال: هذا إلهكم وإله موسى، فنسي موسى، وذهب يطلبه، وهذا من سفههم وقلة بصيرتهم؛ كيف اشتبه عليهم ربُّ الأرض والسماوات بعجل من أنقص المخلوقات؟! ولهذا قال مبيناً أنه ليس فيه من الصفات الذاتيَّة ولا الفعليَّة ما يوجِب أن يكون إلهاً:{ألم يَرَوۡا أنَّه لا يكلِّمهم}؛ أي: وعدم الكلام نقصٌ عظيمٌ؛ فهم أكمل حالة من هذا الحيوان أو الجماد الذي لا يتكلَّم، {ولا يهديهم سبيلاً}؛ أي: لا يدلُّهم طريقاً دينيًّا ولا يحصِّل لهم مصلحةً دنيويَّةً؛ لأن من المتقرِّر في العقول والفطر أنَّ اتِّخاذَ إلهٍ لا يتكلم ولا ينفع ولا يضرُّ من أبطل الباطل وأسمج السفه، ولهذا قال:{اتَّخذوه وكانوا ظالمينَ}: حيث وضعوا العبادة في غير موضعها، وأشركوا بالله ما لم ينزِّل به سلطاناً. وفيها دليلٌ على أنَّ من أنكر كلام الله؛ فقد أنكر خصائص إلهيَّة الله تعالى؛ لأن الله ذكر أن عدم الكلام دليلٌ على عدم صلاحيَّة الذي لا يتكلَّم للإلهيَّة.
{149}{ولمَّا}: رجع موسى إلى قومه، فوجدهم على هذه الحال، وأخبرهم بضلالهم؛ ندموا، و {سُقِطَ في أيديهم}؛ أي: من الهمِّ والندم على فعلهم، {ورأوا أنَّهم قد ضلُّوا}: فتنصَّلوا إلى الله وتضرَّعوا، {وقالوا لئن لم يرحَمۡنا ربُّنا}: فيدُّلنا عليه، ويرزقنا عبادته، ويوفِّقُنا لصالح الأعمال، {ويغفِرۡ لنا}: ما صدر منا من عبادة العجل؛ {لَنَكونَنَّ من الخاسرينَ}: الذين خسروا الدنيا والآخرة.
{150}{ولما رجع موسى إلى قومِهِ غضبان أسِفاً}؛ أي: ممتلئاً غضباً وغيظاً عليهم لتمام غيرته عليه [الصلاة و] السلام وكمال نصحه وشفقته، {قال بئسَما خَلَفۡتُموني من بعدي}؛ أي: بئس الحالة التي خلفتموني بها من بعد ذهابي عنكم؛ فإنها حالةٌ تفضي إلى الهلاك الأبدي والشقاء السرمديِّ. {أعَجِلۡتُم أمرَ ربِّكُم}: حيث وَعَدَكم بإنزال الكتاب فبادرتُم برأيكم الفاسد إلى هذه الخصلة القبيحة، {وألقى الألواحَ}؛ أي: رماها من الغضب، {وأخذ برأس أخيه}: هارونَ ولحيتِهِ، {يجرُّه إليه}: وقال له: {ما منعك إذ رأيتَهم ضلُّوا. أن لا تتَّبِعَني أفعصيتَ أمري}: لك بقولي: {اخلُفۡني في قومي وأصۡلِحۡ ولا تتَّبِعۡ سبيل المفسدين}؟! فقال:{يا ابنَ أمَّ لا تأخُذۡ بلحيتي ولا برأسي إني خشيتُ أن تقولَ فرَّقۡتَ بين بني إسرائيل ولم ترقُبۡ قولي} و {قال} هنا: {ابنَ أمَّ}: هذا ترقيقٌ لأخيه بذكر الأمِّ وحدها، وإلاَّ فهو شقيقه لأمِّه وأبيه. {إنَّ القوم استضعفوني}؛ أي: احتقروني حين قلتُ لهم: يا قوم! إنما فُتِنْتُم به، وإنَّ ربَّكم الرحمن؛ فاتَّبِعوني وأطيعوا أمري، {وكادوا يَقۡتُلونَني}؛ أي: فلا تظنَّ بي تقصيراً، {فلا تُشۡمِتۡ بيَ الأعداء}: بنهرِك لي ومسِّك إيَّايَ بسوءٍ فإنَّ الأعداء حريصون على أن يجدوا عليَّ عثرةً أو يطَّلعوا لي على زَلَّة، {ولا تجعلني مع القوم الظالمين}: فتعامِلُني معاملتهم.
{151} فندم موسى عليه السلام على ما استعجل من صنعِهِ بأخيه قبل أن يعلم براءتَهُ مما ظنَّه فيه من التقصير، و {قال ربِّ اغفِرۡ لي ولأخي}: هارون، {وأدخِلۡنا في رحمتِكَ}؛ أي: في وسطها، واجعل رحمتك تحيطُ بنا من كل جانب؛ فإنها حصنٌ حصينٌ من جميع الشرور وثَمَّ كلُّ خير وسرور. {وأنت أرحمُ الراحمين}؛ أي: أرحم بنا من كلِّ راحم، أرحم بنا من آبائنا وأمَّهاتنا وأولادنا وأنفسنا.
{152} قال الله تعالى مبيناً حال أهل العجل الذين عبدوه: {إنَّ الذين اتَّخذوا العجل}؛ أي: إلهاً، {سينالُهم غضبٌ من ربِّهم وذلَّةٌ في الحياة الدُّنيا}: كما أغضبوا ربَّهم واستهانوا بأمره. {وكذلك نجزي المفترين}: فكلُّ مفترٍ على الله كاذب على شرعه متقوِّل عليه ما لم يقلْ؛ فإنَّ له نصيباً من الغضب من الله والذُّلِّ في الحياة الدنيا.
{153} وقد نالهم غضبُ الله حيث أمرهم أن يقتُلوا أنفسهم، وأنَّه لا يرضى الله عنهم إلاَّ بذلك، فقتل بعضُهم بعضاً، وانجلت المعركة على قتلى كثيرةٍ، ثم تاب الله عليهم بعد ذلك، ولهذا ذكر حكماً عامًّا يدخُلون فيه هم وغيرهم، فقال:{والذين عمِلوا السيئاتِ}: من شرك وكبائر وصغائر، {ثم تابوا من بعدها}: بأن ندموا على ما مضى وأقلعوا عنها وعزموا على أن لا يعودوا، {وآمنوا}: بالله وبما أوجبَ الله الإيمان به، ولا يتمُّ الإيمان إلا بأعمال القلوب وأعمال الجوارح المترتِّبة على الإيمان. {إنَّ ربَّك من بعدها}؛ أي: بعد هذه الحالة ـ حالة التوبة من السيئات والرجوع إلى الطاعات ـ {لغفورٌ}: يغفر السيئات ويمحوها، ولو كانت قُراب الأرض. {رحيمٌ}: بقبول التوبة والتوفيق لأفعال الخير وقبولها.
{154}{ولما سَكَتَ عن موسى الغضبُ}؛ أي: سكن غضبه وتراجعت نفسُهُ، وعَرَفَ ما هو فيه؛ اشتغل بأهمِّ الأشياء عنده، فَأَخَذَ {الألواحَ}: التي ألقاها، وهي ألواحٌ عظيمة المقدار جليلةٌ {في نُسۡخَتِها}؛ أي: مشتملة ومتضمِّنة {هدىً ورحمةٌ}؛ أي: فيها الهدى من الضَّلالة، وبيان الحقِّ من الباطل، وأعمال الخير وأعمال الشر، والهدى لأحسن الأعمال والأخلاق والآداب، ورحمة وسعادة لمن عمل بها وعلم أحكامها ومعانيها، ولكن؛ ليس كل أحدٍ يقبل هدى الله ورحمته، وإنما يقبلُ ذلك، وينقاد له، ويتلقَّاه بالقَبول، {الذين هُم لربِّهم يرهَبونَ}؛ أي: يخافون منه ويخشونه، وأما مَنْ لم يخفِ الله ولا المقام بين يديه؛ فإنه لا يزداد بها إلا عتوًّا ونفوراً، وتقوم عليه حجة الله فيها.
{155}{و} لما تاب بنو إسرائيل، وتراجعوا إلى رُشْدِهم، {اختار موسى} منهم {سبعين رجلاً}: من خيارهم ليعتذروا لقومهم عند ربِّهم، ووعدهم الله ميقاتاً يحضُرون فيه، فلما حضروا؛ قالوا: يا موسى! أرِنا الله جهرةً! فتجرؤوا على الله جراءة كبيرة، وأساؤوا الأدب معه، فأخذتهم الرجفةُ، فصعقوا وهلكوا، فلم يزل موسى عليه الصلاة والسلام يتضرَّع إلى الله ويتبتَّل ويقول:{ربِّ لو شئتَ أهلكتَهم من قبلُ}: أن يحضُروا، ويكونون في حالة يعتذرون فيها لقومهم فصاروا هم الظالمين. {أتُهۡلِكُنا بما فعل السفهاءُ منَّا}؛ أي: ضعفاء العقول سفهاء الأحلام، فتضرَّع إلى الله، واعتذر بأنَّ المتجرِّئين على الله ليس لهم عقولٌ كاملةٌ تردعُهم عما قالوا وفعلوا، وبأنهم حصل لهم فتنةٌ يخطر بها الإنسان ويخاف من ذهاب دينه، فقال:{إنۡ هي إلَّا فتنتُك تُضِلُّ بها من تشاءُ وتهدي من تشاءُ أنت وَلِيُّنا فاغۡفِرۡ لنا وارۡحَمۡنا وأنت خير الغافرين}؛ أي: أنت خير من غفر، وأولى من رحم، وأكرم من أعطى وتفضَّل، فكأنَّ موسى عليه الصلاة والسلام قال: المقصود يا ربِّ بالقصد الأول لنا كلّنا، هو التزام طاعتك والإيمان بك، وأن من حَضَرَه عقله ورشده وتمَّ على ما وهبته من التوفيق؛ فإنه لم يزل مستقيماً، وأما من ضَعُفَ عقلُه وسَفِه رأيُهُ وصرفته الفتنة؛ فهو الذي فعل ما فعل لذينك السببين، ومع هذا؛ فأنت أرحم الراحمين وخير الغافرين؛ فاغفر لنا وارحمنا! فأجاب الله سؤاله، وأحياهم من بعد موتهم، وغفر لهم ذنوبهم.
{156} وقال موسى في تمام دعائه: {واكتبۡ لنا في هذه الدنيا حسنةً}: من علم نافع ورزق واسع وعمل صالح، {وفي الآخرة}: حسنة، وهي ما أعد الله لأوليائه الصالحين من الثواب. {إنَّا هُدۡنا إليك}؛ أي: رجعنا مقرِّين بتقصيرنا منيبين في جميع أمورنا، {قال} الله تعالى: {عذابي أصيبُ به من أشاءُ}: ممَّن كان شقيًّا متعرضاً لأسبابه، {ورحمتي وسعتۡ كلَّ شيء}: من العالم العلويِّ والسفليِّ؛ البر والفاجر، المؤمن والكافر؛ فلا مخلوق إلا وقد وصلت إليه رحمة الله وغمره فضله وإحسانه، ولكن الرحمة الخاصة المقتضية لسعادة الدنيا والآخرة ليست لكل أحد، ولهذا قال عنها:{فسأكتُبها للذين يتَّقون}: المعاصي صغارها وكبارها، {ويؤتون الزَّكاة}: الواجبة مستحقيها، {والذين هم بآياتنا يؤمنون}.
{157} ومن تمام الإيمان بآيات الله معرفة معناها والعمل بمقتضاها، ومن ذلك اتباع النبي - صلى الله عليه وسلم - ظاهراً وباطناً في أصول الدين وفروعه:{الذين يتَّبِعون الرسول النبيَّ الأميَّ}: احترازٌ عن سائر الأنبياء؛ فإن المقصود بهذا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب والسياق في أحوال بني إسرائيل، وأن الإيمان بالنبيِّ محمد - صلى الله عليه وسلم - شرطٌ في دخولهم في الإيمان، وأن المؤمنين به المتَّبعين هم أهل الرحمة المطلقة التي كتبها الله لهم، ووصفه بالأمي لأنَّه من العرب الأمة الأميَّة التي لا تقرأ ولا تكتب وليس عندها قبل القرآن كتاب. {الذي يجِدونَهُ مكتوباً عندَهم في التوراة والإنجيل}: باسمه وصفته التي من أعظمها وأجلِّها ما يدعو إليه وينهى عنه، وأنه {يأمُرُهم بالمعروف}: وهو كل ما عُرِفَ حسنُهُ وصلاحه ونفعه. {وينهاهم عن المنكر}: وهو كلُّ ما عرف قبحه في العقول والفطر، فيأمرهم بالصلاة والزكاة والصوم والحج وصلة الأرحام وبر الوالدين والإحسان إلى الجار والمملوك وبذل النفع لسائر الخلق والصدق والعفاف والبر والنصيحة وما أشبه ذلك، وينهى عن الشرك بالله وقتل النفوس بغير حق والزِّنا وشرب ما يسكر العقل والظلم لسائر الخلق والكذب والفجور ونحو ذلك؛ فأعظم دليل يدلُّ على أنه رسول الله ما دعا إليه وأمر به ونهى عنه وأحلَّه وحرَّمه؛ فإنه يُحِلُّ الطيبات: من المطاعم والمشارب والمناكح. {ويحرِّمُ عليهم الخبائث}: من المطاعم والمشارب والمناكح والأقوال والأفعال. {ويَضَعُ عنهم إصۡرَهُم والأغلال التي كانت عليهم}؛ أي:ومِنْ وَصْفِهِ أنَّ دينه سهلٌ سَمْحٌ ميسَّر لا إصر فيه ولا أغلال ولا مشقات ولا تكاليف ثقال.{فالذين آمنوا به وعزَّروه}؛ أي: عظَّموه وبجَّلوه، {ونصروه واتَّبعوا النور الذي أنزلَ معه}: وهو القرآن الذي يُستضاء به في ظلمات الشَّكِّ والجهالات، ويقتدى به إذا تعارضت المقالات. {أولئك هم المفلحون}: الظافرون بخير الدُّنيا والآخرة، والناجون من شرِّهما؛ لأنَّهم أتوا بأكبر أسباب الفلاح، وأما مَن لم يؤمنْ بهذا النبيِّ الأميِّ، ويعزِّره، وينصره، ولم يتَّبع النور الذي أنزل معه؛ فأولئك هم الخاسرون.
{158} ولما دعا أهل التوراة من بني إسرائيل إلى اتباعه، وكان ربما توهَّم متوهِّم أن الحكم مقصورٌ عليهم، أتى بما يدلُّ على العموم، فقال:{قلۡ يا أيُّها الناس إني رسولُ الله إليكم جميعاً}؛ أي: عربيّكم وعجميّكم، أهل الكتاب منكم وغيرهم، {الذي له ملكُ السموات والأرض}: يتصرَّف فيهما بأحكامه الكونيَّة والتدابير السلطانيَّة وبأحكامه الشرعيَّة الدينيَّة، التي من جملتها أن أرسل إليكم رسولاً عظيماً يدعوكم إلى الله وإلى دار كرامته، ويحذِّركم من كلِّ ما يباعدكم منه ومن دار كرامته. {لا إله إلاَّ هو}؛ أي: لا معبود بحقٍّ إلا الله وحده لا شريك له، ولا تُعْرَفُ عبادته إلا من طريق رسله. {يحيي ويميتُ}؛ أي: من جملة تدابيره الإحياء والإماتة، التي لا يشاركه فيها أحدٌ، التي جعل الله الموت جسراً ومعبراً، يُعبَرُ منه إلى دار البقاء التي من آمن بها صدَّق الرسول محمداً - صلى الله عليه وسلم - قطعاً. {فآمنوا بالله ورسولِهِ النبيِّ الأميِّ}: إيماناً في القلب متضمناً لأعمال القلوب والجوارح، {الذي يؤمِنُ بالله وكلماته}؛ أي: آمنوا بهذا الرسول المستقيم في عقائده وأعماله، {واتَّبِعوه لعلكم تهتدونَ}: في مصالِحِكم الدينيَّة والدنيويَّة؛ فإنكم إذا لم تتَّبعوه؛ ضللتم ضلالاً بعيداً.
{159}{ومن قوم موسى أمَّةٌ}؛ أي: جماعة، {يهدون بالحقِّ وبه يعدِلونَ}؛ أي: يهدون [به] الناس في تعليمهم إياهم وفتواهم لهم، ويعدِلون به بينهم في الحكم بينهم قضاياهم؛ كما قال تعالى:{وَجَعَلۡناهم أئمةً يهدون بأمرِنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون}.
وفي هذا فضيلةٌ لأمة موسى عليه الصلاة والسلام، وأنَّ الله تعالى جعل منهم هُداةً يهدون بأمره. وكأنَّ الإتيان بهذه الآية الكريمة فيه نوعُ احتراز مما تقدَّم؛ فإنه تعالى ذكر فيما تقدَّم جملةً من معايب بني إسرائيل المنافية للكمال المناقضة للهداية، فربما توهَّم متوهِّم أن هذا يعمُّ جميعهم، فذكر تعالى أن منهم طائفة مستقيمة هادية مهدية.
{160}{وقطَّعناهم}؛ أي: قسَّمناهم {اثنتي عشرة أسباطاً أمماً}؛ أي: اثنتي عشرة قبيلةً متعارفةً متوالفةً، كل بني رجل من أولاد يعقوب قبيلة، {وأوحينا إلى موسى إذِ استسقاه قومُهُ}؛ أي: طلبوا منه أن يدعو الله تعالى أن يسقيهم ماء يشربون منه وتشرب منه مواشيهم، وذلك لأنَّهم ـ والله أعلم ـ في محلٍّ قليل الماء، فأوحى الله لموسى إجابة لِطلبَتِهِم:{أنِ اضربۡ بعصاك الحجرَ}: يُحتمل أنه حجرٌ معيَّن، ويُحتمل أنه اسم جنس يشمل أي حجر كان، فضربه، {فانبَجَستۡ}؛ أي: انفجرت من ذلك الحجر {اثنتا عشرة عيناً}: جارية سارحة، {قد علم كلُّ أناس مشرَبَهم}؛ أي: قد قسم على كل قبيلة من تلك القبائل الاثنتي عشرة، وجعل لكلٍّ منهم عيناً، فعلموها، واطمأنُّوا واستراحوا من التعب والمزاحمة، وهذا من تمام نعمة الله عليهم، {وظلَّلۡنا عليهم الغمام}: فكان يستُرهم من حرِّ الشمس، {وأنزلنا عليهم المنَّ}: وهو الحلوى، {والسَّلوى}: وهو لحم طير من أحسن أنواع الطيور وألذِّها، فجمع الله لهم بين الظلال والشراب والطعام الطيب من الحلوى واللحوم على وجه الراحة والطمأنينة، وقيل لهم:{كلوا من طيِّبات ما رَزَقۡناكم وما ظلمونا}: حين لم يشكُروا الله ولم يقوموا بما أوجب الله عليهم. {ولكن كانوا أنفسَهم يظلمونَ}: حيث فوَّتوها كلَّ خير وعرَّضوها للشرِّ والنقمة، وهذا كان مدة لبثهم في التيه.
{161}{وإذ قيلَ لهم اسكنوا هذه القريةَ}؛ أي: ادخلوها لتكون وطناً لكم ومسكناً، وهي إيلياء، {وكلوا منها حيث شئتُم}؛ أي: قرية كانت كثيرة الأشجار غزيرة الثمار رغيدة العيش؛ فلذلك أمرهم الله أن يأكلوا منها حيث شاؤوا، {وقولوا}: حين تدخلون الباب: {حِطَّةٌ}؛ أي: احطُطْ عنَّا خطايانا واعفُ عنا، {وادخُلوا الباب سجَّداً}؛ أي خاضعين لربكم مستكينين لعزَّته شاكرين لنعمته؛ فأمرهم بالخضوع وسؤال المغفرة، ووعدهم على ذلك مغفرة ذنوبهم والثواب العاجل والآجل، فقال:{نغفر لكم خطيئاتِكُم سنزيدُ المحسنينَ}: من خير الدنيا والآخرة.
{162} فلم يمتثلوا هذا الأمر الإلهيَّ، بل بدَّل الذين ظلموا منهم؛ أي: عصوا الله واستهانوا بأمره {قولاً غير الذي قيل لهم}: فقالوا بدل طلب المغفرة وقولهم حطة: حبَّة في شعيرة، وإذا بدلوا القول مع يسره وسهولته؛ فتبديلهم للفعل من باب أولى، ولهذا دخلوا يزحفون على أَسْتَاهِهم، {فأرسلنا عليهم}: حين خالفوا أمر الله وعَصَوْه {رِجزاً من السماء}؛ أي: عذاباً شديداً إما الطاعون وإما غيره من العقوبات السماويَّة، وما ظلمهم الله بعقابه، وإنَّما كان ذلك {بما كانوا يظلمونَ}.
{163}{واسۡألۡهُم}؛ أي: اسأل بني إسرائيل {عن القرية التي كانت حاضرةَ البحر}؛ أي: على ساحله في حال تعدِّيهم وعقاب الله إيَّاهم، {إذ يَعۡدونَ في السبتِ}: وكان الله تعالى قد أمرهم أن يعظِّموه ويحترموه ولا يصيدوا فيه صيداً، فابتلاهُم الله وامتحنهم، فكانت الحيتان تأتيهم يومَ سبتهم شُرَّعاً؛ أي: كثيرة طافية على وجه البحر. {ويوم لا يَسۡبِتونَ}؛ أي: إذا ذهب يوم السبت {لا تأتيهم}؛ أي: تذهب في البحر فلا يرون منها شيئاً. {كذلك نبلوهُم بما كانوا يفسُقون}: ففسقُهم هو الذي أوجب أن يبتلِيَهم الله وأن تكون لهم هذه المحنة، وإلاَّ؛ فلو لم يفسُقوا؛ لعافاهم الله، ولما عرَّضهم للبلاء والشرِّ.
{164} فتحيلوا على الصيد، فكانوا يحفرون لها حفراً، وينصبون لها الشباك؛ فإذا جاءت يوم السبت ووقعت في تلك الحفر والشِّباك؛ لم يأخذوها في ذلك اليوم؛ فإذا جاء يوم الأحد؛ أخذوها، وكثر فيهم ذلك، وانقسموا ثلاث فرق: معظمهم اعتَدَوا وتجرَّؤوا وأعلنوا بذلك. وفرقةٌ أعلنت بنهيهم والإنكار عليهم. وفرقةٌ اكتفتْ بإنكار أولئك عليهم ونهيهم لهم وقالوا:{لم تَعِظونَ قوماً اللهُ مهلِكُهم أو معذِّبهم عذاباً شديداً}: كأنَّهم يقولون: لا فائدة في وعظ مَن اقتحم محارم الله ولم يُصْغِ للنصيح بل استمرَّ على اعتدائه وطغيانه؛ فإنه لا بد أن يعاقبهم الله إما بهلاك أو عذاب شديد. فقال الواعظون: نعظهم وننهاهم {معذرةً إلى ربِّكم}؛ أي: لنُعْذَرَ فيهم، {ولعلَّهم يتَّقون}؛ أي: يتركون ما هم فيه من المعصية؛ فلا نيأس من هدايتهم؛ فربَّما نجع فيهم الوعظ وأثر فيهم اللوم، وهذا المقصود الأعظم من إنكار المنكر؛ ليكون معذرة وإقامة حجةٍ على المأمور المنهي، ولعل الله أن يهديه فيعمل بمقتضى ذلك الأمر والنهي.
{165}{فلما نسوا ما ذُكِّروا به}؛ أي: تركوا ما ذُكِّروا به واستمروا على غَيِّهم واعتدائهم، {أنۡجَيۡنا الذين ينهون عن السوء}: وهكذا سنة الله في عباده أن العقوبة إذا نزلت نجا منها الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، {وأخذنا الذين ظلموا}: وهم الذين اعتدَوْا في السبت {بعذابٍ بئيس}؛ أي: شديد {بما كانوا يفسُقون}.
وأما الفرقة الأخرى التي قالت للناهين: لم تعِظون قوماً الله مهلكهم؛ فاختلف المفسرون في نجاتِهِم وهلاكهم، والظاهرُ أنهم كانوا من الناجين؛ لأنَّ الله خصَّ الهلاك بالظالمين، وهو لم يذكر أنهم ظالمون، فدلَّ على أن العقوبة خاصَّة بالمعتدين في السبت، ولأنَّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرضُ كفاية إذا قام به البعض سقط عن الآخرين؛ فاكتفوا بإنكار أولئك، ولأنهم أنكروا عليهم بقولهم:{لم تَعِظونَ قوماً الله مهلِكُهم أو معذِّبهم عذاباً شديداً}: فأبدَوْا من غضبهم عليهم ما يقتضي أنَّهم كارهون أشدَّ الكراهة لفعلهم، وأنَّ الله سيعاقبهم أشدَّ العقوبة.
{166}{فلما عَتَوۡا عما نُهوا عنه}؛ أي: قسوا فلم يلينوا ولا اتَّعظوا، {قلنا لهم} قولاً قدريًّا: {كونوا قردةً خاسئين}: فانقلبوا بإذن الله قردةً وأبعدهم الله من رحمته.
{167} ثم ذكر ضَرْبَ الذلة والصغار على من بقي منهم، فقال:{وإذ تأذَّنَ ربُّك}؛ أي: أعلم إعلاماً صريحاً، {ليبعثنَّ عليهم إلى يوم القيامة من يسومُهم سوء العذاب}؛ أي: يهينُهم ويذلُّهم، {إنَّ ربَّك لسريع العقاب}: لمن عصاه، حتى إنه يعجِّل له العقوبة في الدنيا. {وإنَّه لغفورٌ رحيم}: لمن تاب إليه وأناب؛ يغفر له الذُّنوب، ويستُر عليه العيوب، ويرحمه بأن يتقبَّل منه الطاعات ويثيبه عليها بأنواع المثوبات، وقد فعل الله بهم ما وعدهم به؛ فلا يزالون في ذلٍّ وإهانة، تحت حكم غيرهم، لا تقوم لهم رايةٌ ولا ينصر لهم عَلَمٌ.
{168}{وقطَّعناهم في الأرض أمماً}؛ أي: فرَّقناهم ومزَّقناهم في الأرض بعدما كانوا مجتمعين، {منهم الصالحون}: القائمون بحقوق الله وحقوق عباده، {ومنهم دون ذلك}؛ أي: دون الصلاح: إما مقتصدون، وإما الظالمون لأنفسهم. {وبَلَوۡناهم}: على عادتنا وسنَّتنا {بالحسنات والسيئات}؛ أي: باليُسْر والعُسْر، {لعلَّهم يرجِعون}: عما هم عليه مقيمون من الرَّدى، ويراجعون ما خُلقوا له من الهدى، فلم يزالوا بين صالح وطالح ومقتصدٍ.
{169} حتى خلف {من بعدِهم خَلۡفٌ}: زاد شرُّهم {ورثوا}: بعدهم {الكتابَ}: وصار المرجع فيه إليهم، وصاروا يتصرَّفون فيه بأهوائهم، وتُبْذَلُ لهم الأموال ليفْتُوا ويحكموا بغير الحقِّ، وفشت فيهم الرشوة. {يأخُذون عَرَضَ هذا الأدنى ويقولونَ}: مقرِّين بأنه ذنب وأنهم ظلمة: {سَيُغۡفَرُ لنا}: وهذا قول خالٍ من الحقيقة؛ فإنه ليس استغفاراً وطلباً للمغفرة على الحقيقة؛ فلو كان ذلك؛ لندموا على ما فعلوا، وعزموا على أن لا يعودوا، ولكنهم إذا أتاهم عرضٌ آخر ورشوةٌ أخرى؛ يأخذوه، فاشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً، واستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير! قال الله تعالى في الإنكار عليهم وبيان جراءتهم:{ألم يؤخَذۡ عليهم ميثاقُ الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحقَّ}: فما بالُهم يقولون عليه غير الحقِّ اتِّباعاً لأهوائهم وميلاً مع مطامعهم؟! {و} الحالُ أنهم قد {دَرَسوا ما فيه}: فليس عليهم فيه إشكالٌ، بل قد أتوا أمرهم متعمِّدين، وكانوا في أمرهم مستبصرين، وهذا أعظمُ للذنب وأشدُّ للَّوم وأشنع للعقوبة، وهذا من نقص عقولهم وسفاهة رأيهم بإيثار الحياة الدُّنيا على الآخرة، ولهذا قال:{والدارُ الآخرة خيرٌ للذين يتَّقون}: ما حرَّم الله عليهم من المآكل التي تُصاب وتؤكل رشوة على الحكم بغير ما أنزل الله وغير ذلك من أنواع المحرمات. {أفلا تعقلون}؛ أي: أفلا يكون لكم عقولٌ توازن بين ما ينبغي إيثاره وما ينبغي الإيثار عليه، وما هو أولى بالسعي إليه والتقديم له على غيره؟! فخاصيَّة العقل النظر للعواقب، وأما من نَظَرَ إلى عاجل طفيف منقطع يفوِّت نعيماً عظيماً باقياً؛ فأنَّى له العقل والرأي؟!
{170} وإنما العقلاءُ حقيقة من وصفهم الله بقوله: {والذين يمسِّكونَ بالكتاب}؛ أي: يتمسَّكون به علماً وعملاً، فيعلمون ما فيه من الأحكام والأخبار التي علمها أشرف العلوم، ويعملون بما فيها من الأوامر التي هي قرة العيون وسرور القلوب وأفراح الأرواح وصلاح الدنيا والآخرة. ومن أعظم ما يجب التمسُّك به من المأمورات إقامة الصلاة ظاهراً وباطناً، ولهذا خصها بالذِّكر لفضلها وشرفها وكونها ميزان الإيمان وإقامتها داعيةٌ لإقامة غيرها من العبادات. ولما كان عملهم كلُّه إصلاحاً؛ قال تعالى:{إنَّا لا نُضيعَ أجر المصلحين}: في أقوالهم وأعمالهم ونيَّاتهم، مصلحين لأنفسهم ولغيرهم.
وهذه الآية وما أشبهها دلَّت على أنَّ الله بعث رسله عليهم الصلاة والسلام بالصلاح لا بالفساد، وبالمنافع لا بالمضار، وأنَّهم بُعِثوا بصلاح الدارين؛ فكلُّ مَن كان أصلح؛ كان أقرب إلى اتِّباعهم.
{171} ثم قال تعالى: {وإذ نَتَقۡنا الجبل فوقَهم}: حين امتنعوا من قَبول ما في التوراة، فألزمهم الله العمل، وَنَتقَ فوق رؤوسهم الجبل، فصار فوقهم:{كأنه ظُلَّة وظنُّوا أنه واقعٌ بهم}، وقيل لهم:{خذوا ما آتيناكم بقوَّةٍ}؛ أي: بجدٍّ واجتهاد. {واذكُروا ما فيه}: دراسة ومباحثة واتصافاً بالعمل به، {لعلَّكم تتَّقون}: إذا فعلتُم ذلك.
الأعراف 7:170
{103} أي: ثم بعثنا من بعد أولئك الرسل موسى الكليم الإمام العظيم والرسول الكريم إلى قوم عتاةٍ جبابرةٍ ـ وهم فرعون وملؤه من أشرافهم وكبرائهم ـ فأراهم من آيات الله العظيمة ما لم يشاهَدْ له نظيرٌ. {فظلموا بها}: بأن لم ينقادوا لحقِّها الذي مَن لم ينقدْ له فهو ظالمٌ، بل استكبروا عنها، {فانظرۡ كيفَ كان عاقبةُ المفسدينَ}: كيف أهلَكَهُمُ الله وأتْبَعَهم الذمَّ واللعنة في الدنيا، ويوم القيامة بئس الرِّفْدُ المرفود.
{104} وهذا مجمل فصَّله بقوله: {وقال موسى}: حين جاء إلى فرعون يدعوه إلى الإيمان: {يا فرعونُ إنِّي رسولٌ من ربِّ العالَمين}؛ أي: إني رسولٌ من مُرسِل عظيم، وهو ربُّ العالَمين، الشامل للعالم العلويِّ والسفليِّ، مربِّي جميع خلقِهِ بأنواع التدابير الإلهيَّة، التي من جملتها أنه لا يترُكُهم سدىً، بل يرسل إليهم الرسل مبشِّرين ومنذرين، وهو الذي لا يقدر أحدٌ أن يتجرَّأ عليه ويدَّعي أنه أرسله ولم يرسله.
{105} فإذا كان هذا شأنه، وأنا قد اختارني واصطفاني لرسالته؛ فحقيقٌ عليَّ أن لا أكذب عليه ولا أقول عليه إلا الحقَّ؛ فإني لو قلتُ غير ذلك؛ لعاجلني بالعقوبة، وأخذني أخذ عزيز مقتدر؛ فهذا موجبٌ لأن ينقادوا له ويتَبعوه، خصوصاً وقد جاءهم ببيِّنة من الله واضحةٍ على صحَّة ما جاء به من الحقِّ، فوجب عليهم أن يعملوا بمقصود رسالته، ولها مقصودان عظيمان: إيمانُهم به واتِّباعُهم له، وإرسالُ بني إسرائيل الشعب الذي فضَّله الله على العالمين أولاد الأنبياء وسلسلة يعقوب عليه السلام الذي موسى عليه الصلاة والسلام واحدٌ منهم.
{106} فقال له فرعون: {إن كنتَ جئتَ بآيةٍ فأت بها إن كنتَ من الصادقين}.
{107}{فألقى} موسى {عصاه}: في الأرض، {فإذا هي ثعبانٌ مبينٌ}؛ أي: حية ظاهرةٌ تسعى وهم يشاهدونها.
{108}{ونزع يده}: من جيبه، {فإذا هي بيضاء للناظرين}: من غير سوءٍ؛ فهاتان آيتان كبيرتان دالَّتان على صحة ما جاء به موسى وصدقِهِ، وأنَّه رسولُ ربِّ العالمين.
{109} ولكن الذين لا يؤمنون لو جاءتهم كلُّ آيةٍ لا يؤمنون حتى يروا العذاب الأليم؛ فلهذا {قال الملأ من قوم فرعون} حين بهرهم ما رأوا من الآيات ولم يؤمنوا وطلبوا لها التأويلات الفاسدة: {إنَّ هذا لساحرٌ عليمٌ}؛ أي: ماهرٌ في سحره.
{110} ثم خوَّفوا ضعفاءَ الأحلام وسفهاء العقول بأنه {يريدُ} موسى بفعلِهِ هذا {أن يخرِجَكم من أرضكم}؛ أي: يريد أن يجليكم من أوطانكم، {فماذا تأمرونَ}؟ أي: إنهم تشاوروا فيما بينهم ما يفعلون بموسى، وما يندفع به ضررهم بزعمهم عنهم؛ فإنَّ ما جاء به إن لم يقابَلْ بما يبطِلُه ويدحضه، وإلا؛ دخل في عقول أكثر الناس.
{111 ـ 112} فحينئذ انعقد رأيهم إلى أن قالوا لفرعون: {أرۡجِهِ وأخاه}؛ أي: احبسهما وأمهلهما، وابعثْ في المدائن أناساً يحشُرون أهل المملكة ويأتون بكل سَحَّارٍ عليم؛ أي: يجيئون بالسحرة المهرة؛ ليقابلوا ما جاء به موسى، فقالوا: يا موسى {اجعلۡ بيننا وبينَكَ موعداً لا نُخۡلِفُهُ نحن ولا أنت مكاناً سُوىً. قال موعِدۡكم يومُ الزينةِ وأن يُحۡشَرَ الناس ضحىً. فتولَّى فرعونُ فجمَعَ كيدَه ثم أتى}.
{113} وقال هنا: {وجاء السحرةُ فرعونَ}: طالبين منه الجزاء إن غلبوا، فقالوا:{إنَّ لنا لأجراً إن كُنَّا نحنُ الغالبينَ}.
{114} فقالَ فرعونُ: {نعم}: لكم أجر، {وإنَّكم لمن المقرَّبين}: فوعَدَهم الأجر والتقريب وعلو المنزلة عنده؛ ليجتهدوا ويبذُلوا، وسعهم وطاقتهم في مغالبة موسى.
{115} فلما حضروا مع موسى بحضرة الخلق العظيم، {قالوا}: على وجه التألِّي وعدم المبالاة بما جاء به موسى، {يا موسى إما أن تُلۡقِيَ}: ما معك، {وإما أن نكونَ نحنُ الملقينَ}.
{116} فقالَ موسى: {ألقوا}: لأجل أن يرى الناسُ ما معهم وما مع موسى، {فلما ألقَوۡا}: حبالَهم وعصيَّهم إذا هي من سحرهم كأنها حياتٌ تسعى، فسحروا {أعين الناس واسترهبوهم وجاؤوا بسحرٍ عظيم}: لم يوجدْ له نظيرٌ من السحر.
{117}{وأوحَيۡنا إلى موسى أن ألقِ عصاك}: فألقاها، {فإذا هي}: حيَّةٌ تسعى فتلقفت جميعَ ما يأفِكونَ؛ أي: يكذِّبون به ويموِّهون.
{118}{فوقع الحقُّ}؛ أي: تبين، وظهر، واستعلن في ذلك المجمع، {وبَطَلَ ما كانوا يعملون}.
{119}{فغُلِبوا هنالك}؛ أي: في ذلك المقام، {وانقلبوا صاغرينَ}؛ أي: حقيرين قد اضمحلَّ باطلُهم وتلاشى سحرهم ولم يحصُل لهم المقصود الذي ظنوا حصوله.
{120 ـ 122} وأعظم من تبيَّن له الحقُّ العظيم أهل الصنف والسحر [الذين] يعرفون من أنواع السحر وجزئياتِهِ ما لا يعرفه غيرُهم، فعرفوا أن هذه آية عظيمة من آيات الله، لا يدان لأحد بها، فألقي {السحرةُ ساجدينَ. قالوا آمنا بربِّ العالمين. ربِّ موسى وهارون}؛ أي: وصدَّقنا بما بُعِثَ به موسى من الآيات البينات.
{123} فقال لهم {فرعونُ} متهدِّداً لهم على الإيمان: {آمنتُم به قبل أن آذنَ لكم}: كان الخبيث حاكماً مستبداً على الأبدان والأقوال، قد تقرَّر عنده وعندهم أن قوله هو المطاع وأمره نافذٌ فيهم ولا خروج لأحدٍ عن قوله وحكمه، وبهذه الحالة تنحطُّ الأمم وتضعف عقولها ونفوذها وتعجز عن المدافعة عن حقوقها، ولهذا قال الله عنه:{فاستخفَّ قومَه فأطاعوه}، وقال هنا:{آمنتُم به قبلَ أن آذنَ لكم}؛ أي: فهذا سوءُ أدبٍ منكم وتجرُّؤ عليَّ، ثم موَّه على قومه وقال:{إنَّ هذا لَمَكرٌ مكرتُموه في المدينة لتُخۡرِجوا منها أهلها}؛ أي: إن موسى كبيركم الذي علَّمكم السحر، فتواطأتم أنتم وهو على أن تنغلِبوا له فيظهرَ فتتَّبعونه ثم يتَّبعكم الناس أو جمهورهم، فتُخْرِجوا منها أهلها، وهذا كذب يعلم هو ومن سبر الأحوال أن موسى عليه الصلاة والسلام لم يجتمع بأحدٍ منهم، وأنهم جُمِعوا على نظر فرعون ورسله، وأن ما جاء به موسى آية إلهيَّة، وأن السحرة قد بذلوا مجهودهم في مغالبة موسى حتى عجزوا وتبيَّن لهم الحق فاتبعوه. ثم توعَّدهم فرعون بقوله: فلسوف {تعلمونَ}: ما أحِلُّ بكم من العقوبة.
{124}{لأقطِّعنَّ أيديَكم وأرجلَكم من خلافٍ}: زعم الخبيثُ أنَّهم مفسدون في الأرض، وسيصنع بهم ما يُصنع بالمفسدين من تقطيع الأيدي والأرجل من خلافٍ؛ أي: اليد اليمنى والرجل اليسرى، {ثم لأصَلِّبَنَّكُم}: في جذوع النخل؛ لتختَزوا بزعمه {أجمعينَ}؛ أي: لا أفعل هذا الفعل بأحدٍ دون أحدٍ، بل كلُّكم سيذوق هذا العذاب.
{125} فقال السحرة الذين آمنوا لفرعون حين تهدَّدهم: {إنَّا إلى ربِّنا منقلبونَ}؛ أي: فلا نبالي بعقوبتك؛ فالله خيرٌ وأبقى؛ فاقضِ ما أنت قاضٍ.
{126}{وما تَنقِمُ منَّا}؛ أي: وما تعيب منَّا على إنكارك علينا وتوعُّدك لنا؛ فليس لنا ذنبٌ {إلَّا أنۡ آمنَّا بآيات ربِّنا لما جاءتۡنا} ؛ فإنْ كان هذا ذنباً يُعاب عليه ويستحقُّ صاحبه العقوبة؛ فهو ذنبُنا. ثم دعوا الله أن يثبِّتهم ويصبِّرهم، فقالوا:{ربَّنا أفرغۡ}؛ أي: أفض {عليۡنا صبراً}؛ أي: عظيماً كما يدلُّ عليه التنكير؛ لأنَّ هذه محنة عظيمة تؤدي إلى ذهاب النفس، فيحتاج فيها من الصبر إلى شيء كثير؛ ليثبت الفؤاد ويطمئن المؤمن على إيمانِهِ ويزول عنه الانزعاج الكثير. {وتوفَّنا مسلمينَ}؛ أي: منقادين لأمرك متَّبعين لرسولك. والظاهر أنه أوقع بهم ما توعَّدهم عليه، وأنَّ الله تعالى ثبَّتهم على الإيمان.
{127} هذا وفرعون وملؤه وعامتهم المتبعون للملأ قد استكبروا عن آيات الله وجحدوا بها ظلماً وعلوًّا وقالوا لفرعون مهيجين له على الإيقاع بموسى وزاعمين أن ما جاء باطل وفساد: {أتذرُ موسى وقومَه ليفسِدوا في الأرض}: بالدعوة إلى الله وإلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال التي هي الصلاح في الأرض وما هم عليه هو الفساد، ولكنَّ الظالمين لا يبالون بما يقولون، {وَيَذَرَكَ وآلهتَكَ}؛ أي: يدعك أنت وآلهتك، وينهى عنك، ويصد الناس عن اتباعك، فقال فرعونُ مجيباً لهم بأنه سيدع بني إسرائيل مع موسى بحالةٍ لا ينمون فيها ويأمنُ فرعونُ وقومُه بزعمه من ضررهم:{سَنُقَتِّلُ أبناءَهم ونستحيي نساءَهم}؛ أي: نستبقيهنَّ فلا نقتلهنَّ؛ فإذا فعلْنا ذلك؛ أمنَّا مِن كثرتِهِم، وكنَّا مستخدمين لباقيهم ومسخِّرين لهم على ما نشاء من الأعمال، {وإنَّا فوقَهم قاهرونَ}: لا خروج لهم عن حكمنا ولا قدرة. وهذا نهاية الجَبَروت من فرعون والعتوِّ والقسوة.
{128} فقال {موسى لقومه}: موصياً لهم ـ في هذه الحالة التي لا يقدرون معها على شيء ولا مقاومة ـ بالمقاومة الإلهية والاستعانة الربانيَّة: {استعينوا بالله}؛ أي: اعتمدوا عليه في جلب ما ينفعكم ودفع ما يضرُّكم، وثِقوا بالله أنه سيتمُّ أمركم، {واصبروا}؛ أي: الزموا الصبر على ما يحلُّ بكم منتظرين للفرج. {إنَّ الأرض لله}: ليست لفرعون ولا لقومه حتى يتحكَّموا فيها، {يورِثُها مَن يشاءُ من عبادِهِ}؛ أي: يداولها بين الناس على حسب مشيئته وحكمته، ولكن العاقبة للمتَّقين؛ فإنهم وإن امتُحِنوا مدة ابتلاء من الله وحكمة؛ فإنَّ النصر لهم، {والعاقبةُ}: الحميدة لهم على قومهم. وهذه وظيفة العبد؛ أنَّه عند القدرة أن يفعل من الأسباب الدافعة عنه أذى الغير ما يقدر عليه وعند العجز أن يصبر ويستعين الله وينتظر الفرج.
{129}{قالوا}: لموسى متضجِّرين من طول ما مكثوا في عذاب فرعون وأذيَّته: {أوذينا من قبل أن تأتِيَنا}: فإنهم يسوموننا سوء العذاب يذبِّحون أبناءنا ويستحيون نساءنا، {ومن بعدِ ما جئتنا}: كذلك، فقال لهم موسى مرجياً لهم بالفرج والخلاص من شرِّهم:{عسى ربُّكم أن يُهۡلِكَ عدوَّكم ويستخلِفَكم في الأرض}؛ أي: يمكِّنكم فيها ويجعل لكم التدبير فيها، {فينظرَ كيف تعملونَ}: هل تشكُرون أم تكفُرون؟ وهذا وعدٌ أنجزه الله لمَّا جاء الوقت الذي أراده الله.
{130} قال الله تعالى في بيان ما عامل به آلَ فرعون في هذه المدة الأخيرة ـ إنها على عادته وسنته في الأمم أن يأخُذَهم {بالبأساء والضرَّاء لعلهم يضَّرَّعون} الآيات ـ: {ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين}؛ أي: بالدُّهور والجدب، {ونقص من الثمرات لعلهم يذَّكَّرون}؛ أي: يتَّعظون أنَّ ما حلَّ بهم وأصابهم معاتبة من الله لهم لعلَّهم يرجِعون عن كفرهم، فلم ينجعْ فيهم ولا أفاد، بل استمرُّوا على الظُّلم والفساد.
{131}{فإذا جاءتهم الحسنةُ}؛ أي: الخصب وإدرار الرزق، {قالوا لنا هذه}؛ أي: نحن مستحقُّون لها، فلم يشكروا الله عليها، {وإن تصِبۡهم سيئةٌ}؛ أي: قحط وجدب، {يطَّيَّروا بموسى ومن معه}؛ أي: يقولوا: إنما جاءنا بسبب مجيء موسى واتباع بني إسرائيل له. قال الله تعالى:{ألا إنَّما طائِرُهم عند الله}؛ أي: بقضائه وقدرته، ليس كما قالوا، بل إن ذنوبهم وكفرهم هو السبب في ذلك، بل أكثرهم لا يعلمونَ؛ أي: فلذلك قالوا ما قالوا.
{132}{وقالوا}: مبيِّنين لموسى أنهم لا يزالون ولا يزولون عن باطلهم: {مهما تأتِنا به من آيةٍ لِتَسۡحَرَنا بها فما نحن لك بمؤمنين}؛ أي: قد تقرَّر عندنا أنك ساحرٌ؛ فمهما جئت بآية؛ جزمنا أنها سحرٌ؛ فلا نؤمن لك ولا نصدِّق. وهذا غاية ما يكون من العناد أن يبلغ بالكافرين إلى أن تستوي عندهم الحالات سواء نزلت عليهم الآيات أم لم تنزل.
{133}{فأرسلنا عليهم الطوفان}؛ أي: الماء الكثير الذي أغرق أشجارهم وزروعهم وأضرَّهم ضرراً كثيراً، {والجراد}: فأكل ثمارَهم وزروعَهم ونباتهم، {والقُمَّلَ}: قيل: إنه الدُّباء؛ أي: صغار الجراد، والظاهر أنه القمل المعروف، {والضفادع}: فملأت أوعيتهم وأقلقتهم وآذتهم أذيَّة شديدةً، {والدم}: إما أن يكونَ الرعاف، أو كما قال كثير من المفسرين: إنَّ ماءهم الذي يشربون انقلب دماً، فكانوا لا يشربون إلاَّ دماً ولا يطبخون [إلاّ بدم]. {آياتٍ مفصَّلاتٍ}؛ أي: أدلَّة وبيِّنات على أنَّهم كانوا كاذبين ظالمين، وعلى أن ما جاء به موسى حقٌّ وصدقٌ. {فاستكبروا}: لما رأوا الآيات، {وكانوا}: في سابق أمرهم {قوماً مجرمين}: فلذلك عاقبهم الله تعالى بأن أبقاهم على الغيِّ والضلال.
{134}{ولما وقع عليهم الرِّجۡزُ}؛ أي: العذاب؛ يحتمل أنَّ المراد به الطاعون كما قاله كثيرٌ من المفسِّرين، ويحتمل أن يُراد به ما تقدَّم من الآيات الطوفان والجراد والقمَّل والضفادع والدَّم؛ فإنها رجزٌ وعذابٌ، وإنهم كلَّما أصابهم واحد منها؛ {قالوا يا موسى ادعُ لنا ربك بما عَهدَ عندك}؛ أي: تشفَّعوا بموسى بما عَهدَ الله عنده من الوحي والشرع. {لئن كشفتَ عنَّا الرِّجۡزَ لنؤمننَّ لك ولنرسلنَّ معك بني إسرائيل}: وهم في ذلك كذبةٌ لا قصدَ لهم إلا زوالُ ما حلَّ بهم من العذاب، وظنُّوا إذا رفع لا يصيبهم غيره.
{135}{فلما كشَفۡنا عنهم الرِّجۡزَ إلى أجل هم بالغوهُ}؛ أي: إلى مدة قدر الله بقاءهم إليها، وليس كشفاً مؤبَّداً، وإنما هو موقت، {إذا هم ينكُثون}: العهد الذي عاهدوا عليه موسى ووعدوه بالإيمان به وإرسال بني إسرائيل؛ فلا آمنوا به ولا أرسلوا معه بني إسرائيل، بل استمرُّوا على كفرهم يعمهون وعلى تعذيب بني إسرائيل دائبين.
{136}{فانتقمنا منهم}؛ أي: حين جاء الوقت الموقَّت لهلاكهم؛ أمر الله موسى أن يسري ببني إسرائيل ليلاً، وأخبره أن فرعون سيتبعُهم هو وجنوده. {فأرسلَ فرعونُ في المدائن حاشرين} يجمعونَ الناس لِيَتْبَعوا بني إسرائيل، وقالوا لهم:{إنَّ هؤلاء لَشِرۡذمةٌ قليلون. وإنَّهم لنا لغائظونَ. وإنَّا لجميعٌ حاذرون. فأخۡرَجۡناهم من جناتٍ وعيون. وكنوزٍ ومقام كريم. كذلك وأورَثۡناها بني إسرائيل. فأتۡبعوهم مشرقينَ. فلما تراءى الجمعانِ قال أصحابُ موسى إنا لَمُدۡرَكونَ. قال كلاَّ إن معي ربي سيهدين. فأوحَيۡنا إلى موسى أنِ اضرِبۡ بعصاك البحرَ فانفلق فكان كلُّ فرقٍ كالطودِ العظيم. وأزلفنا ثَمَّ الآخرين. وأنجينا موسى ومن معه أجمعين. ثم أغرقنا الآخرين}. وقال هنا:{فأغرَقۡناهم في اليمِّ بأنَّهم كذَّبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين}؛ أي: بسبب تكذيبهم بآيات الله، وإعراضهم عمَّا دلَّت عليه من الحقِّ.
{137}{وأورثنا القوم الذين كانوا يُسۡتَضۡعَفونَ}: في الأرض؛ أي: بني إسرائيل الذين كانوا خدمة لآل فرعون يسومونهم سوء العذاب، أورثهم الله {مشارقَ الأرض ومغاربها}: والمراد بالأرض ها هنا أرض مصر التي كانوا فيها مستضعفين أذلين؛ أي: ملَّكهم الله جميعها ومكَّنهم فيها، {التي باركنا فيها وتمَّتۡ كلمةُ ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا}: حين قال لهم موسى: {استعينوا باللَّهِ واصبِروا إنَّ الأرضَ للَّه يورِثها من يشاءُ من عباده والعاقبةُ للمتَّقين}، {ودمَّرۡنا ما كان يصنعُ فرعونُ وقومُهُ}: من الأبنية الهائلة والمساكن المزخرفة، {وما كانوا يعرِشون}: فتلك بيوتهم [خاوية] بما ظلموا إن في ذلك لآية لقوم يعلمون.
{138}{وجاوزنا ببني إسرائيل البحر}: بعدما أنجاهم الله من عدوِّهم فرعون وقومه وأهلكهم الله، وبنو إسرائيل ينظرون، {فأتَوۡا}؛ أي: مرُّوا {على قوم يعكُفون على أصنامٍ لهم}؛ أي: يقيمون عندها ويتبرَّكون بها ويعبُدونها، فقالوا من جهلهم وسَفَهِهم لنبيِّهم موسى بعدما أراهم الله من الآيات ما أراهم:{يا موسى اجعلۡ لنا إلهاً كما لهم آلهةٌ}؛ أي: اشرع لنا أن نتَّخذ أصناماً آلهة كما اتَّخذها هؤلاء، فقال لهم موسى:{إنَّكم قومٌ تجهلونَ}: وأيُّ جهل أعظم من جَهِل ربَّه وخالقَه، وأراد أن يسوِّيَ به غيره ممَّن لا يملِكُ نفعاً ولا ضرًّا ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً؟!
{139} ولهذا قال لهم موسى: {إنَّ هؤلاء مُتَبَّرٌ ما هم فيه وباطلٌ ما كانوا يعملونَ}: لأن دعاءهم إياها باطلٌ وهي باطلة بنفسها؛ فالعمل باطلٌ وغايته باطلةٌ.
{140}{قال أغيرَ الله أبغيكم إلهاً}؛ أي: أطلب لكم إلهاً غير الله المألوه الكامل في ذاته وصفاته وأفعاله. {وهو فضَّلكم على العالمين}: فيقتضي أن تقابلوا فضله وتفضيله بالشكرِ، وذلك بإفراد الله وحدَه بالعبادة والكفرِ بما يُدعى من دونه.
{141} ثم ذكَّرهم ما امتنَّ الله به عليهم فقال: {وإذ أنجيناكم من آل فرعونَ}؛ أي: من فرعون وآله، {يسومونكم سوءَ العذابِ}؛ أي: يوجِّهون إليكم من العذاب أسوأه، وهو أنهم كانوا يذبحون {أبناءكم ويَسۡتَحيون نساءَكم وفي ذلِكم}؛ أي: النجاة من عذابهم، {بلاءٌ من ربِّكم عظيمٌ}؛ أي: نعمةٌ جليلةٌ ومنحةٌ جزيلةٌ، أو وفي ذلك العذاب الصادر منهم لكم بلاءٌ من ربِّكم عليكم عظيم.
{142} فلما ذكَّرهم موسى ووعظهم؛ انتَهَوْا عن ذلك، ولما أتمَّ الله نعمته عليهم بالنجاة من عدوهم وتمكينهم في الأرض؛ أرادَ تبارك وتعالى أن يُتِمَّ نعمته عليهم بإنزال الكتاب الذي فيه الأحكام الشرعيَّة والعقائد المرضيَّة، فواعد موسى ثلاثين ليلة، وأتمَّها بعشر، فصارت أربعين ليلة؛ ليستعدَّ موسى ويتهيَّأ لوعد الله ويكون لنزولها موقع كبير لديهم وتشوق إلى إنزالها، ولما ذهب موسى إلى ميقات ربِّه، قال لهارون موصياً له على بني إسرائيل من حرصه عليهم وشفقته:{اخۡلُفۡني في قَوۡمي}؛ أي: كنْ خليفتي فيهم، واعمل فيهم بما كنت أعمل، {وأصلِحۡ}؛ أي: اتَّبع طريق الصلاح، {ولا تتَّبِعۡ سبيلَ المفسدين}: وهم الذين يعملون بالمعاصي.
{143}{ولمَّا جاء موسى لميقاتنا}: الذي وقَّتْناه له لإنزال الكتاب، {وكلَّمَه ربُّه}: بما كلَّمه من وحيه وأمره ونهيه؛ تشوَّق إلى رؤية الله، ونَزَعَتْ نفسُه لذلك حبًّا لربِّه ومودَّة لرؤيته، فـ {قال ربِّ أرني أنظرۡ إليك}، فقال الله:{لن تَراني}؛ أي: لن تقدِرَ الآن على رؤيتي؛ فإنَّ الله تبارك وتعالى أنشأ الخلق في هذه الدار على نشأة لا يقدرون بها ولا يثبتون لرؤية الله، وليس في هذا دليلٌ على أنَّهم لا يرونه في الجنة؛ فإنه قد دلَّت النصوص القرآنيَّة والأحاديث النبويَّة على أن أهل الجنة يرون ربَّهم تبارك وتعالى ويتمتَّعون بالنظر إلى وجهه الكريم. وأنه يُنْشِئُهم نشأةً كاملةً يقدرون معها على رؤية الله تعالى، ولهذا رتَّب الله الرؤية في هذه الآية على ثبوت الجبل، فقال مقنعاً لموسى في عدم إجابتِهِ للرؤية:{ولكِنِ انظرۡ إلى الجبل فإنِ استقرَّ مكانَه}: إذا تجلَّى اللهُ له، {فسوف تراني فلمَّا تجلَّى ربُّه للجبل}: الأصمِّ الغليظ، {جعله دكًّا}؛ أي: انهال مثل الرمل انزعاجاً من رؤية الله وعدم ثبوتٍ لها، {وخرَّ موسى}: حين رأى ما رأى، صَعِقاً فتبيَّن له حينئذٍ أنه إذا لم يثبت الجبلُ لرؤية الله؛ فموسى أولى أن لا يثبتَ لذلك، واستغفر ربَّه لما صدر منه من السؤال الذي لم يوافقْ موضعاً، و {قالَ سبحانك}؛ أي: تنزيهاً لك وتعظيماً عما لا يليق بجلالك، {تبتُ إليك}: من جميع الذنوب وسوء الأدب معك، {وأنا أول المؤمنين}؛ أي: جدَّد عليه الصلاة والسلام إيمانه بما كمَّل اللهُ له مما كان يجهله قبل ذلك.
{144} فلما منعه الله من رؤيته بعدما كان متشوقاً إليها؛ أعطاه خيراً كثيراً، فقال:{يا موسى إنِّي اصطفيتُك على الناس}؛ أي: اخترتك واجتبيتك وفضَّلتك وخصصتك بفضائل عظيمة ومناقب جليلة، {برسالاتي}: التي لا أجعلها ولا أخصُّ بها إلا أفضل الخلق، {وبكلامي}: إيَّاك من غير واسطة، وهذه فضيلة اختُصَّ بها موسى الكليم، وعُرِف بها من بين إخوانه من المرسلين، {فخُذۡ ما آتيتُك}: من النعم، وخذ ما آتيتُك من الأمر والنهي بانشراح صدرٍ، وتلقَّه بالقَبول والانقياد، {وكن من الشاكرين}: لله على ما خصَّك وفضَّلك.
{145}{وكتبنا له في الألواح من كلِّ شيء}: يحتاج إليه العباد {موعظة}: ترغِّب النفوس في أفعال الخير وترهِّبهم من أفعال الشر، {وتفصيلاً لكلِّ شيء}: من الأحكام الشرعيَّة والعقائد والأخلاق والآداب، {فخذۡها بقوَّةٍ}؛ أي: بجدٍّ واجتهاد على إقامتها، {وأمُرۡ قومَك يأخذوا بأحسنها}: وهي الأوامر الواجبة والمستحبَّة؛ فإنها أحسنها. وفي هذا دليلٌ على أن أوامر الله في كل شريعة كاملة عادلة حسنة. {سأريكم دارَ الفاسقينَ}: بعدما أهلكهم الله وأبقى ديارهم عبرةً بعدهم يعتبر بها المؤمنون الموفَّقون المتواضعون.
{146} وأما غيرهم؛ فقال عنهم:{سأصرِفُ عن آياتي}؛ أي: عن الاعتبار في الآيات الأفقية والنفسيَّة والفهم لآيات الكتاب، {الذين يتكبَّرون في الأرض بغير الحقِّ}؛ أي: يتكبَّرون على عباد الله وعلى الحقِّ وعلى من جاء به؛ فمن كان بهذه الصفة؛ حَرَمَهُ الله خيراً كثيراً، وخَذَلَه، ولم يَفْقَهْ من آيات الله ما ينتفع به، بل ربَّما انقلبت عليه الحقائقُ واستحسن القبيحَ، {وإن يَرَوۡا كلَّ آيةٍ لا يؤمنوا بها}: لإعراضهم واعتراضهم ومحادَّتهم لله ورسوله، {وإن يَرَوۡا سبيلَ الرُّشد}؛ أي: الهدى والاستقامة، وهو الصراط الموصل إلى الله وإلى دار كرامته، {لا يتَّخذوه [سبيلاً]}؛ أي: لا يسلكوه ولا يرغبوا فيه، {وإن يَرَوۡا سبيلَ الغَيِّ}؛ أي: الغواية الموصل لصاحبه إلى دار الشقاء، {يتَّخذوه سبيلاً}. والسبب في انحرافهم هذا الانحراف، {ذلك بأنَّهم كذَّبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين}: فردُّهم لآيات الله وغفلتُهم عمَّا يُراد بها واحتقارهم لها هو الذي أوجب لهم من سلوك طريق الغي وترك طريق الرُّشْدِ ما أوجب.
{147}{والذين كذبوا بآياتنا}: العظيمة الدالَّة على صحَّة ما أرسلنا به رسلنا، {ولقاء الآخرة حَبِطَتۡ أعمالُهم}: لأنَّها على غير أساس، وقد فقد شرطها، وهو الإيمان بآيات الله والتصديق بجزائه. {هل يُجۡزَوۡنَ}: في بطلان أعمالهم وحصول ضدِّ مقصودهم {إلَّا ما كانوا يعملونَ}: فإن أعمال مَنْ لا يؤمن باليومِ الآخر لا يرجو فيها ثواباً، وليس لها غايةٌ تنتهي إليه؛ فلذلك اضمحلَّت وبطلت.
{148}{واتَّخذ قوم موسى مِن بعدِهِ من حُلِيِّهم عجلاً جسداً}: صاغه السامِرِيُّ وألقى عليه قبضةً من أثر الرسول فصار {له خُوارٌ} وصوتٌ، فعبدوه واتَّخذوه إلهاً، وقال: هذا إلهكم وإله موسى، فنسي موسى، وذهب يطلبه، وهذا من سفههم وقلة بصيرتهم؛ كيف اشتبه عليهم ربُّ الأرض والسماوات بعجل من أنقص المخلوقات؟! ولهذا قال مبيناً أنه ليس فيه من الصفات الذاتيَّة ولا الفعليَّة ما يوجِب أن يكون إلهاً:{ألم يَرَوۡا أنَّه لا يكلِّمهم}؛ أي: وعدم الكلام نقصٌ عظيمٌ؛ فهم أكمل حالة من هذا الحيوان أو الجماد الذي لا يتكلَّم، {ولا يهديهم سبيلاً}؛ أي: لا يدلُّهم طريقاً دينيًّا ولا يحصِّل لهم مصلحةً دنيويَّةً؛ لأن من المتقرِّر في العقول والفطر أنَّ اتِّخاذَ إلهٍ لا يتكلم ولا ينفع ولا يضرُّ من أبطل الباطل وأسمج السفه، ولهذا قال:{اتَّخذوه وكانوا ظالمينَ}: حيث وضعوا العبادة في غير موضعها، وأشركوا بالله ما لم ينزِّل به سلطاناً. وفيها دليلٌ على أنَّ من أنكر كلام الله؛ فقد أنكر خصائص إلهيَّة الله تعالى؛ لأن الله ذكر أن عدم الكلام دليلٌ على عدم صلاحيَّة الذي لا يتكلَّم للإلهيَّة.
{149}{ولمَّا}: رجع موسى إلى قومه، فوجدهم على هذه الحال، وأخبرهم بضلالهم؛ ندموا، و {سُقِطَ في أيديهم}؛ أي: من الهمِّ والندم على فعلهم، {ورأوا أنَّهم قد ضلُّوا}: فتنصَّلوا إلى الله وتضرَّعوا، {وقالوا لئن لم يرحَمۡنا ربُّنا}: فيدُّلنا عليه، ويرزقنا عبادته، ويوفِّقُنا لصالح الأعمال، {ويغفِرۡ لنا}: ما صدر منا من عبادة العجل؛ {لَنَكونَنَّ من الخاسرينَ}: الذين خسروا الدنيا والآخرة.
{150}{ولما رجع موسى إلى قومِهِ غضبان أسِفاً}؛ أي: ممتلئاً غضباً وغيظاً عليهم لتمام غيرته عليه [الصلاة و] السلام وكمال نصحه وشفقته، {قال بئسَما خَلَفۡتُموني من بعدي}؛ أي: بئس الحالة التي خلفتموني بها من بعد ذهابي عنكم؛ فإنها حالةٌ تفضي إلى الهلاك الأبدي والشقاء السرمديِّ. {أعَجِلۡتُم أمرَ ربِّكُم}: حيث وَعَدَكم بإنزال الكتاب فبادرتُم برأيكم الفاسد إلى هذه الخصلة القبيحة، {وألقى الألواحَ}؛ أي: رماها من الغضب، {وأخذ برأس أخيه}: هارونَ ولحيتِهِ، {يجرُّه إليه}: وقال له: {ما منعك إذ رأيتَهم ضلُّوا. أن لا تتَّبِعَني أفعصيتَ أمري}: لك بقولي: {اخلُفۡني في قومي وأصۡلِحۡ ولا تتَّبِعۡ سبيل المفسدين}؟! فقال:{يا ابنَ أمَّ لا تأخُذۡ بلحيتي ولا برأسي إني خشيتُ أن تقولَ فرَّقۡتَ بين بني إسرائيل ولم ترقُبۡ قولي} و {قال} هنا: {ابنَ أمَّ}: هذا ترقيقٌ لأخيه بذكر الأمِّ وحدها، وإلاَّ فهو شقيقه لأمِّه وأبيه. {إنَّ القوم استضعفوني}؛ أي: احتقروني حين قلتُ لهم: يا قوم! إنما فُتِنْتُم به، وإنَّ ربَّكم الرحمن؛ فاتَّبِعوني وأطيعوا أمري، {وكادوا يَقۡتُلونَني}؛ أي: فلا تظنَّ بي تقصيراً، {فلا تُشۡمِتۡ بيَ الأعداء}: بنهرِك لي ومسِّك إيَّايَ بسوءٍ فإنَّ الأعداء حريصون على أن يجدوا عليَّ عثرةً أو يطَّلعوا لي على زَلَّة، {ولا تجعلني مع القوم الظالمين}: فتعامِلُني معاملتهم.
{151} فندم موسى عليه السلام على ما استعجل من صنعِهِ بأخيه قبل أن يعلم براءتَهُ مما ظنَّه فيه من التقصير، و {قال ربِّ اغفِرۡ لي ولأخي}: هارون، {وأدخِلۡنا في رحمتِكَ}؛ أي: في وسطها، واجعل رحمتك تحيطُ بنا من كل جانب؛ فإنها حصنٌ حصينٌ من جميع الشرور وثَمَّ كلُّ خير وسرور. {وأنت أرحمُ الراحمين}؛ أي: أرحم بنا من كلِّ راحم، أرحم بنا من آبائنا وأمَّهاتنا وأولادنا وأنفسنا.
{152} قال الله تعالى مبيناً حال أهل العجل الذين عبدوه: {إنَّ الذين اتَّخذوا العجل}؛ أي: إلهاً، {سينالُهم غضبٌ من ربِّهم وذلَّةٌ في الحياة الدُّنيا}: كما أغضبوا ربَّهم واستهانوا بأمره. {وكذلك نجزي المفترين}: فكلُّ مفترٍ على الله كاذب على شرعه متقوِّل عليه ما لم يقلْ؛ فإنَّ له نصيباً من الغضب من الله والذُّلِّ في الحياة الدنيا.
{153} وقد نالهم غضبُ الله حيث أمرهم أن يقتُلوا أنفسهم، وأنَّه لا يرضى الله عنهم إلاَّ بذلك، فقتل بعضُهم بعضاً، وانجلت المعركة على قتلى كثيرةٍ، ثم تاب الله عليهم بعد ذلك، ولهذا ذكر حكماً عامًّا يدخُلون فيه هم وغيرهم، فقال:{والذين عمِلوا السيئاتِ}: من شرك وكبائر وصغائر، {ثم تابوا من بعدها}: بأن ندموا على ما مضى وأقلعوا عنها وعزموا على أن لا يعودوا، {وآمنوا}: بالله وبما أوجبَ الله الإيمان به، ولا يتمُّ الإيمان إلا بأعمال القلوب وأعمال الجوارح المترتِّبة على الإيمان. {إنَّ ربَّك من بعدها}؛ أي: بعد هذه الحالة ـ حالة التوبة من السيئات والرجوع إلى الطاعات ـ {لغفورٌ}: يغفر السيئات ويمحوها، ولو كانت قُراب الأرض. {رحيمٌ}: بقبول التوبة والتوفيق لأفعال الخير وقبولها.
{154}{ولما سَكَتَ عن موسى الغضبُ}؛ أي: سكن غضبه وتراجعت نفسُهُ، وعَرَفَ ما هو فيه؛ اشتغل بأهمِّ الأشياء عنده، فَأَخَذَ {الألواحَ}: التي ألقاها، وهي ألواحٌ عظيمة المقدار جليلةٌ {في نُسۡخَتِها}؛ أي: مشتملة ومتضمِّنة {هدىً ورحمةٌ}؛ أي: فيها الهدى من الضَّلالة، وبيان الحقِّ من الباطل، وأعمال الخير وأعمال الشر، والهدى لأحسن الأعمال والأخلاق والآداب، ورحمة وسعادة لمن عمل بها وعلم أحكامها ومعانيها، ولكن؛ ليس كل أحدٍ يقبل هدى الله ورحمته، وإنما يقبلُ ذلك، وينقاد له، ويتلقَّاه بالقَبول، {الذين هُم لربِّهم يرهَبونَ}؛ أي: يخافون منه ويخشونه، وأما مَنْ لم يخفِ الله ولا المقام بين يديه؛ فإنه لا يزداد بها إلا عتوًّا ونفوراً، وتقوم عليه حجة الله فيها.
{155}{و} لما تاب بنو إسرائيل، وتراجعوا إلى رُشْدِهم، {اختار موسى} منهم {سبعين رجلاً}: من خيارهم ليعتذروا لقومهم عند ربِّهم، ووعدهم الله ميقاتاً يحضُرون فيه، فلما حضروا؛ قالوا: يا موسى! أرِنا الله جهرةً! فتجرؤوا على الله جراءة كبيرة، وأساؤوا الأدب معه، فأخذتهم الرجفةُ، فصعقوا وهلكوا، فلم يزل موسى عليه الصلاة والسلام يتضرَّع إلى الله ويتبتَّل ويقول:{ربِّ لو شئتَ أهلكتَهم من قبلُ}: أن يحضُروا، ويكونون في حالة يعتذرون فيها لقومهم فصاروا هم الظالمين. {أتُهۡلِكُنا بما فعل السفهاءُ منَّا}؛ أي: ضعفاء العقول سفهاء الأحلام، فتضرَّع إلى الله، واعتذر بأنَّ المتجرِّئين على الله ليس لهم عقولٌ كاملةٌ تردعُهم عما قالوا وفعلوا، وبأنهم حصل لهم فتنةٌ يخطر بها الإنسان ويخاف من ذهاب دينه، فقال:{إنۡ هي إلَّا فتنتُك تُضِلُّ بها من تشاءُ وتهدي من تشاءُ أنت وَلِيُّنا فاغۡفِرۡ لنا وارۡحَمۡنا وأنت خير الغافرين}؛ أي: أنت خير من غفر، وأولى من رحم، وأكرم من أعطى وتفضَّل، فكأنَّ موسى عليه الصلاة والسلام قال: المقصود يا ربِّ بالقصد الأول لنا كلّنا، هو التزام طاعتك والإيمان بك، وأن من حَضَرَه عقله ورشده وتمَّ على ما وهبته من التوفيق؛ فإنه لم يزل مستقيماً، وأما من ضَعُفَ عقلُه وسَفِه رأيُهُ وصرفته الفتنة؛ فهو الذي فعل ما فعل لذينك السببين، ومع هذا؛ فأنت أرحم الراحمين وخير الغافرين؛ فاغفر لنا وارحمنا! فأجاب الله سؤاله، وأحياهم من بعد موتهم، وغفر لهم ذنوبهم.
{156} وقال موسى في تمام دعائه: {واكتبۡ لنا في هذه الدنيا حسنةً}: من علم نافع ورزق واسع وعمل صالح، {وفي الآخرة}: حسنة، وهي ما أعد الله لأوليائه الصالحين من الثواب. {إنَّا هُدۡنا إليك}؛ أي: رجعنا مقرِّين بتقصيرنا منيبين في جميع أمورنا، {قال} الله تعالى: {عذابي أصيبُ به من أشاءُ}: ممَّن كان شقيًّا متعرضاً لأسبابه، {ورحمتي وسعتۡ كلَّ شيء}: من العالم العلويِّ والسفليِّ؛ البر والفاجر، المؤمن والكافر؛ فلا مخلوق إلا وقد وصلت إليه رحمة الله وغمره فضله وإحسانه، ولكن الرحمة الخاصة المقتضية لسعادة الدنيا والآخرة ليست لكل أحد، ولهذا قال عنها:{فسأكتُبها للذين يتَّقون}: المعاصي صغارها وكبارها، {ويؤتون الزَّكاة}: الواجبة مستحقيها، {والذين هم بآياتنا يؤمنون}.
{157} ومن تمام الإيمان بآيات الله معرفة معناها والعمل بمقتضاها، ومن ذلك اتباع النبي - صلى الله عليه وسلم - ظاهراً وباطناً في أصول الدين وفروعه:{الذين يتَّبِعون الرسول النبيَّ الأميَّ}: احترازٌ عن سائر الأنبياء؛ فإن المقصود بهذا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب والسياق في أحوال بني إسرائيل، وأن الإيمان بالنبيِّ محمد - صلى الله عليه وسلم - شرطٌ في دخولهم في الإيمان، وأن المؤمنين به المتَّبعين هم أهل الرحمة المطلقة التي كتبها الله لهم، ووصفه بالأمي لأنَّه من العرب الأمة الأميَّة التي لا تقرأ ولا تكتب وليس عندها قبل القرآن كتاب. {الذي يجِدونَهُ مكتوباً عندَهم في التوراة والإنجيل}: باسمه وصفته التي من أعظمها وأجلِّها ما يدعو إليه وينهى عنه، وأنه {يأمُرُهم بالمعروف}: وهو كل ما عُرِفَ حسنُهُ وصلاحه ونفعه. {وينهاهم عن المنكر}: وهو كلُّ ما عرف قبحه في العقول والفطر، فيأمرهم بالصلاة والزكاة والصوم والحج وصلة الأرحام وبر الوالدين والإحسان إلى الجار والمملوك وبذل النفع لسائر الخلق والصدق والعفاف والبر والنصيحة وما أشبه ذلك، وينهى عن الشرك بالله وقتل النفوس بغير حق والزِّنا وشرب ما يسكر العقل والظلم لسائر الخلق والكذب والفجور ونحو ذلك؛ فأعظم دليل يدلُّ على أنه رسول الله ما دعا إليه وأمر به ونهى عنه وأحلَّه وحرَّمه؛ فإنه يُحِلُّ الطيبات: من المطاعم والمشارب والمناكح. {ويحرِّمُ عليهم الخبائث}: من المطاعم والمشارب والمناكح والأقوال والأفعال. {ويَضَعُ عنهم إصۡرَهُم والأغلال التي كانت عليهم}؛ أي:ومِنْ وَصْفِهِ أنَّ دينه سهلٌ سَمْحٌ ميسَّر لا إصر فيه ولا أغلال ولا مشقات ولا تكاليف ثقال.{فالذين آمنوا به وعزَّروه}؛ أي: عظَّموه وبجَّلوه، {ونصروه واتَّبعوا النور الذي أنزلَ معه}: وهو القرآن الذي يُستضاء به في ظلمات الشَّكِّ والجهالات، ويقتدى به إذا تعارضت المقالات. {أولئك هم المفلحون}: الظافرون بخير الدُّنيا والآخرة، والناجون من شرِّهما؛ لأنَّهم أتوا بأكبر أسباب الفلاح، وأما مَن لم يؤمنْ بهذا النبيِّ الأميِّ، ويعزِّره، وينصره، ولم يتَّبع النور الذي أنزل معه؛ فأولئك هم الخاسرون.
{158} ولما دعا أهل التوراة من بني إسرائيل إلى اتباعه، وكان ربما توهَّم متوهِّم أن الحكم مقصورٌ عليهم، أتى بما يدلُّ على العموم، فقال:{قلۡ يا أيُّها الناس إني رسولُ الله إليكم جميعاً}؛ أي: عربيّكم وعجميّكم، أهل الكتاب منكم وغيرهم، {الذي له ملكُ السموات والأرض}: يتصرَّف فيهما بأحكامه الكونيَّة والتدابير السلطانيَّة وبأحكامه الشرعيَّة الدينيَّة، التي من جملتها أن أرسل إليكم رسولاً عظيماً يدعوكم إلى الله وإلى دار كرامته، ويحذِّركم من كلِّ ما يباعدكم منه ومن دار كرامته. {لا إله إلاَّ هو}؛ أي: لا معبود بحقٍّ إلا الله وحده لا شريك له، ولا تُعْرَفُ عبادته إلا من طريق رسله. {يحيي ويميتُ}؛ أي: من جملة تدابيره الإحياء والإماتة، التي لا يشاركه فيها أحدٌ، التي جعل الله الموت جسراً ومعبراً، يُعبَرُ منه إلى دار البقاء التي من آمن بها صدَّق الرسول محمداً - صلى الله عليه وسلم - قطعاً. {فآمنوا بالله ورسولِهِ النبيِّ الأميِّ}: إيماناً في القلب متضمناً لأعمال القلوب والجوارح، {الذي يؤمِنُ بالله وكلماته}؛ أي: آمنوا بهذا الرسول المستقيم في عقائده وأعماله، {واتَّبِعوه لعلكم تهتدونَ}: في مصالِحِكم الدينيَّة والدنيويَّة؛ فإنكم إذا لم تتَّبعوه؛ ضللتم ضلالاً بعيداً.
{159}{ومن قوم موسى أمَّةٌ}؛ أي: جماعة، {يهدون بالحقِّ وبه يعدِلونَ}؛ أي: يهدون [به] الناس في تعليمهم إياهم وفتواهم لهم، ويعدِلون به بينهم في الحكم بينهم قضاياهم؛ كما قال تعالى:{وَجَعَلۡناهم أئمةً يهدون بأمرِنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون}.
وفي هذا فضيلةٌ لأمة موسى عليه الصلاة والسلام، وأنَّ الله تعالى جعل منهم هُداةً يهدون بأمره. وكأنَّ الإتيان بهذه الآية الكريمة فيه نوعُ احتراز مما تقدَّم؛ فإنه تعالى ذكر فيما تقدَّم جملةً من معايب بني إسرائيل المنافية للكمال المناقضة للهداية، فربما توهَّم متوهِّم أن هذا يعمُّ جميعهم، فذكر تعالى أن منهم طائفة مستقيمة هادية مهدية.
{160}{وقطَّعناهم}؛ أي: قسَّمناهم {اثنتي عشرة أسباطاً أمماً}؛ أي: اثنتي عشرة قبيلةً متعارفةً متوالفةً، كل بني رجل من أولاد يعقوب قبيلة، {وأوحينا إلى موسى إذِ استسقاه قومُهُ}؛ أي: طلبوا منه أن يدعو الله تعالى أن يسقيهم ماء يشربون منه وتشرب منه مواشيهم، وذلك لأنَّهم ـ والله أعلم ـ في محلٍّ قليل الماء، فأوحى الله لموسى إجابة لِطلبَتِهِم:{أنِ اضربۡ بعصاك الحجرَ}: يُحتمل أنه حجرٌ معيَّن، ويُحتمل أنه اسم جنس يشمل أي حجر كان، فضربه، {فانبَجَستۡ}؛ أي: انفجرت من ذلك الحجر {اثنتا عشرة عيناً}: جارية سارحة، {قد علم كلُّ أناس مشرَبَهم}؛ أي: قد قسم على كل قبيلة من تلك القبائل الاثنتي عشرة، وجعل لكلٍّ منهم عيناً، فعلموها، واطمأنُّوا واستراحوا من التعب والمزاحمة، وهذا من تمام نعمة الله عليهم، {وظلَّلۡنا عليهم الغمام}: فكان يستُرهم من حرِّ الشمس، {وأنزلنا عليهم المنَّ}: وهو الحلوى، {والسَّلوى}: وهو لحم طير من أحسن أنواع الطيور وألذِّها، فجمع الله لهم بين الظلال والشراب والطعام الطيب من الحلوى واللحوم على وجه الراحة والطمأنينة، وقيل لهم:{كلوا من طيِّبات ما رَزَقۡناكم وما ظلمونا}: حين لم يشكُروا الله ولم يقوموا بما أوجب الله عليهم. {ولكن كانوا أنفسَهم يظلمونَ}: حيث فوَّتوها كلَّ خير وعرَّضوها للشرِّ والنقمة، وهذا كان مدة لبثهم في التيه.
{161}{وإذ قيلَ لهم اسكنوا هذه القريةَ}؛ أي: ادخلوها لتكون وطناً لكم ومسكناً، وهي إيلياء، {وكلوا منها حيث شئتُم}؛ أي: قرية كانت كثيرة الأشجار غزيرة الثمار رغيدة العيش؛ فلذلك أمرهم الله أن يأكلوا منها حيث شاؤوا، {وقولوا}: حين تدخلون الباب: {حِطَّةٌ}؛ أي: احطُطْ عنَّا خطايانا واعفُ عنا، {وادخُلوا الباب سجَّداً}؛ أي خاضعين لربكم مستكينين لعزَّته شاكرين لنعمته؛ فأمرهم بالخضوع وسؤال المغفرة، ووعدهم على ذلك مغفرة ذنوبهم والثواب العاجل والآجل، فقال:{نغفر لكم خطيئاتِكُم سنزيدُ المحسنينَ}: من خير الدنيا والآخرة.
{162} فلم يمتثلوا هذا الأمر الإلهيَّ، بل بدَّل الذين ظلموا منهم؛ أي: عصوا الله واستهانوا بأمره {قولاً غير الذي قيل لهم}: فقالوا بدل طلب المغفرة وقولهم حطة: حبَّة في شعيرة، وإذا بدلوا القول مع يسره وسهولته؛ فتبديلهم للفعل من باب أولى، ولهذا دخلوا يزحفون على أَسْتَاهِهم، {فأرسلنا عليهم}: حين خالفوا أمر الله وعَصَوْه {رِجزاً من السماء}؛ أي: عذاباً شديداً إما الطاعون وإما غيره من العقوبات السماويَّة، وما ظلمهم الله بعقابه، وإنَّما كان ذلك {بما كانوا يظلمونَ}.
{163}{واسۡألۡهُم}؛ أي: اسأل بني إسرائيل {عن القرية التي كانت حاضرةَ البحر}؛ أي: على ساحله في حال تعدِّيهم وعقاب الله إيَّاهم، {إذ يَعۡدونَ في السبتِ}: وكان الله تعالى قد أمرهم أن يعظِّموه ويحترموه ولا يصيدوا فيه صيداً، فابتلاهُم الله وامتحنهم، فكانت الحيتان تأتيهم يومَ سبتهم شُرَّعاً؛ أي: كثيرة طافية على وجه البحر. {ويوم لا يَسۡبِتونَ}؛ أي: إذا ذهب يوم السبت {لا تأتيهم}؛ أي: تذهب في البحر فلا يرون منها شيئاً. {كذلك نبلوهُم بما كانوا يفسُقون}: ففسقُهم هو الذي أوجب أن يبتلِيَهم الله وأن تكون لهم هذه المحنة، وإلاَّ؛ فلو لم يفسُقوا؛ لعافاهم الله، ولما عرَّضهم للبلاء والشرِّ.
{164} فتحيلوا على الصيد، فكانوا يحفرون لها حفراً، وينصبون لها الشباك؛ فإذا جاءت يوم السبت ووقعت في تلك الحفر والشِّباك؛ لم يأخذوها في ذلك اليوم؛ فإذا جاء يوم الأحد؛ أخذوها، وكثر فيهم ذلك، وانقسموا ثلاث فرق: معظمهم اعتَدَوا وتجرَّؤوا وأعلنوا بذلك. وفرقةٌ أعلنت بنهيهم والإنكار عليهم. وفرقةٌ اكتفتْ بإنكار أولئك عليهم ونهيهم لهم وقالوا:{لم تَعِظونَ قوماً اللهُ مهلِكُهم أو معذِّبهم عذاباً شديداً}: كأنَّهم يقولون: لا فائدة في وعظ مَن اقتحم محارم الله ولم يُصْغِ للنصيح بل استمرَّ على اعتدائه وطغيانه؛ فإنه لا بد أن يعاقبهم الله إما بهلاك أو عذاب شديد. فقال الواعظون: نعظهم وننهاهم {معذرةً إلى ربِّكم}؛ أي: لنُعْذَرَ فيهم، {ولعلَّهم يتَّقون}؛ أي: يتركون ما هم فيه من المعصية؛ فلا نيأس من هدايتهم؛ فربَّما نجع فيهم الوعظ وأثر فيهم اللوم، وهذا المقصود الأعظم من إنكار المنكر؛ ليكون معذرة وإقامة حجةٍ على المأمور المنهي، ولعل الله أن يهديه فيعمل بمقتضى ذلك الأمر والنهي.
{165}{فلما نسوا ما ذُكِّروا به}؛ أي: تركوا ما ذُكِّروا به واستمروا على غَيِّهم واعتدائهم، {أنۡجَيۡنا الذين ينهون عن السوء}: وهكذا سنة الله في عباده أن العقوبة إذا نزلت نجا منها الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، {وأخذنا الذين ظلموا}: وهم الذين اعتدَوْا في السبت {بعذابٍ بئيس}؛ أي: شديد {بما كانوا يفسُقون}.
وأما الفرقة الأخرى التي قالت للناهين: لم تعِظون قوماً الله مهلكهم؛ فاختلف المفسرون في نجاتِهِم وهلاكهم، والظاهرُ أنهم كانوا من الناجين؛ لأنَّ الله خصَّ الهلاك بالظالمين، وهو لم يذكر أنهم ظالمون، فدلَّ على أن العقوبة خاصَّة بالمعتدين في السبت، ولأنَّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرضُ كفاية إذا قام به البعض سقط عن الآخرين؛ فاكتفوا بإنكار أولئك، ولأنهم أنكروا عليهم بقولهم:{لم تَعِظونَ قوماً الله مهلِكُهم أو معذِّبهم عذاباً شديداً}: فأبدَوْا من غضبهم عليهم ما يقتضي أنَّهم كارهون أشدَّ الكراهة لفعلهم، وأنَّ الله سيعاقبهم أشدَّ العقوبة.
{166}{فلما عَتَوۡا عما نُهوا عنه}؛ أي: قسوا فلم يلينوا ولا اتَّعظوا، {قلنا لهم} قولاً قدريًّا: {كونوا قردةً خاسئين}: فانقلبوا بإذن الله قردةً وأبعدهم الله من رحمته.
{167} ثم ذكر ضَرْبَ الذلة والصغار على من بقي منهم، فقال:{وإذ تأذَّنَ ربُّك}؛ أي: أعلم إعلاماً صريحاً، {ليبعثنَّ عليهم إلى يوم القيامة من يسومُهم سوء العذاب}؛ أي: يهينُهم ويذلُّهم، {إنَّ ربَّك لسريع العقاب}: لمن عصاه، حتى إنه يعجِّل له العقوبة في الدنيا. {وإنَّه لغفورٌ رحيم}: لمن تاب إليه وأناب؛ يغفر له الذُّنوب، ويستُر عليه العيوب، ويرحمه بأن يتقبَّل منه الطاعات ويثيبه عليها بأنواع المثوبات، وقد فعل الله بهم ما وعدهم به؛ فلا يزالون في ذلٍّ وإهانة، تحت حكم غيرهم، لا تقوم لهم رايةٌ ولا ينصر لهم عَلَمٌ.
{168}{وقطَّعناهم في الأرض أمماً}؛ أي: فرَّقناهم ومزَّقناهم في الأرض بعدما كانوا مجتمعين، {منهم الصالحون}: القائمون بحقوق الله وحقوق عباده، {ومنهم دون ذلك}؛ أي: دون الصلاح: إما مقتصدون، وإما الظالمون لأنفسهم. {وبَلَوۡناهم}: على عادتنا وسنَّتنا {بالحسنات والسيئات}؛ أي: باليُسْر والعُسْر، {لعلَّهم يرجِعون}: عما هم عليه مقيمون من الرَّدى، ويراجعون ما خُلقوا له من الهدى، فلم يزالوا بين صالح وطالح ومقتصدٍ.
{169} حتى خلف {من بعدِهم خَلۡفٌ}: زاد شرُّهم {ورثوا}: بعدهم {الكتابَ}: وصار المرجع فيه إليهم، وصاروا يتصرَّفون فيه بأهوائهم، وتُبْذَلُ لهم الأموال ليفْتُوا ويحكموا بغير الحقِّ، وفشت فيهم الرشوة. {يأخُذون عَرَضَ هذا الأدنى ويقولونَ}: مقرِّين بأنه ذنب وأنهم ظلمة: {سَيُغۡفَرُ لنا}: وهذا قول خالٍ من الحقيقة؛ فإنه ليس استغفاراً وطلباً للمغفرة على الحقيقة؛ فلو كان ذلك؛ لندموا على ما فعلوا، وعزموا على أن لا يعودوا، ولكنهم إذا أتاهم عرضٌ آخر ورشوةٌ أخرى؛ يأخذوه، فاشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً، واستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير! قال الله تعالى في الإنكار عليهم وبيان جراءتهم:{ألم يؤخَذۡ عليهم ميثاقُ الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحقَّ}: فما بالُهم يقولون عليه غير الحقِّ اتِّباعاً لأهوائهم وميلاً مع مطامعهم؟! {و} الحالُ أنهم قد {دَرَسوا ما فيه}: فليس عليهم فيه إشكالٌ، بل قد أتوا أمرهم متعمِّدين، وكانوا في أمرهم مستبصرين، وهذا أعظمُ للذنب وأشدُّ للَّوم وأشنع للعقوبة، وهذا من نقص عقولهم وسفاهة رأيهم بإيثار الحياة الدُّنيا على الآخرة، ولهذا قال:{والدارُ الآخرة خيرٌ للذين يتَّقون}: ما حرَّم الله عليهم من المآكل التي تُصاب وتؤكل رشوة على الحكم بغير ما أنزل الله وغير ذلك من أنواع المحرمات. {أفلا تعقلون}؛ أي: أفلا يكون لكم عقولٌ توازن بين ما ينبغي إيثاره وما ينبغي الإيثار عليه، وما هو أولى بالسعي إليه والتقديم له على غيره؟! فخاصيَّة العقل النظر للعواقب، وأما من نَظَرَ إلى عاجل طفيف منقطع يفوِّت نعيماً عظيماً باقياً؛ فأنَّى له العقل والرأي؟!
{170} وإنما العقلاءُ حقيقة من وصفهم الله بقوله: {والذين يمسِّكونَ بالكتاب}؛ أي: يتمسَّكون به علماً وعملاً، فيعلمون ما فيه من الأحكام والأخبار التي علمها أشرف العلوم، ويعملون بما فيها من الأوامر التي هي قرة العيون وسرور القلوب وأفراح الأرواح وصلاح الدنيا والآخرة. ومن أعظم ما يجب التمسُّك به من المأمورات إقامة الصلاة ظاهراً وباطناً، ولهذا خصها بالذِّكر لفضلها وشرفها وكونها ميزان الإيمان وإقامتها داعيةٌ لإقامة غيرها من العبادات. ولما كان عملهم كلُّه إصلاحاً؛ قال تعالى:{إنَّا لا نُضيعَ أجر المصلحين}: في أقوالهم وأعمالهم ونيَّاتهم، مصلحين لأنفسهم ولغيرهم.
وهذه الآية وما أشبهها دلَّت على أنَّ الله بعث رسله عليهم الصلاة والسلام بالصلاح لا بالفساد، وبالمنافع لا بالمضار، وأنَّهم بُعِثوا بصلاح الدارين؛ فكلُّ مَن كان أصلح؛ كان أقرب إلى اتِّباعهم.
{171} ثم قال تعالى: {وإذ نَتَقۡنا الجبل فوقَهم}: حين امتنعوا من قَبول ما في التوراة، فألزمهم الله العمل، وَنَتقَ فوق رؤوسهم الجبل، فصار فوقهم:{كأنه ظُلَّة وظنُّوا أنه واقعٌ بهم}، وقيل لهم:{خذوا ما آتيناكم بقوَّةٍ}؛ أي: بجدٍّ واجتهاد. {واذكُروا ما فيه}: دراسة ومباحثة واتصافاً بالعمل به، {لعلَّكم تتَّقون}: إذا فعلتُم ذلك.
الأعراف 7:171
{103} أي: ثم بعثنا من بعد أولئك الرسل موسى الكليم الإمام العظيم والرسول الكريم إلى قوم عتاةٍ جبابرةٍ ـ وهم فرعون وملؤه من أشرافهم وكبرائهم ـ فأراهم من آيات الله العظيمة ما لم يشاهَدْ له نظيرٌ. {فظلموا بها}: بأن لم ينقادوا لحقِّها الذي مَن لم ينقدْ له فهو ظالمٌ، بل استكبروا عنها، {فانظرۡ كيفَ كان عاقبةُ المفسدينَ}: كيف أهلَكَهُمُ الله وأتْبَعَهم الذمَّ واللعنة في الدنيا، ويوم القيامة بئس الرِّفْدُ المرفود.
{104} وهذا مجمل فصَّله بقوله: {وقال موسى}: حين جاء إلى فرعون يدعوه إلى الإيمان: {يا فرعونُ إنِّي رسولٌ من ربِّ العالَمين}؛ أي: إني رسولٌ من مُرسِل عظيم، وهو ربُّ العالَمين، الشامل للعالم العلويِّ والسفليِّ، مربِّي جميع خلقِهِ بأنواع التدابير الإلهيَّة، التي من جملتها أنه لا يترُكُهم سدىً، بل يرسل إليهم الرسل مبشِّرين ومنذرين، وهو الذي لا يقدر أحدٌ أن يتجرَّأ عليه ويدَّعي أنه أرسله ولم يرسله.
{105} فإذا كان هذا شأنه، وأنا قد اختارني واصطفاني لرسالته؛ فحقيقٌ عليَّ أن لا أكذب عليه ولا أقول عليه إلا الحقَّ؛ فإني لو قلتُ غير ذلك؛ لعاجلني بالعقوبة، وأخذني أخذ عزيز مقتدر؛ فهذا موجبٌ لأن ينقادوا له ويتَبعوه، خصوصاً وقد جاءهم ببيِّنة من الله واضحةٍ على صحَّة ما جاء به من الحقِّ، فوجب عليهم أن يعملوا بمقصود رسالته، ولها مقصودان عظيمان: إيمانُهم به واتِّباعُهم له، وإرسالُ بني إسرائيل الشعب الذي فضَّله الله على العالمين أولاد الأنبياء وسلسلة يعقوب عليه السلام الذي موسى عليه الصلاة والسلام واحدٌ منهم.
{106} فقال له فرعون: {إن كنتَ جئتَ بآيةٍ فأت بها إن كنتَ من الصادقين}.
{107}{فألقى} موسى {عصاه}: في الأرض، {فإذا هي ثعبانٌ مبينٌ}؛ أي: حية ظاهرةٌ تسعى وهم يشاهدونها.
{108}{ونزع يده}: من جيبه، {فإذا هي بيضاء للناظرين}: من غير سوءٍ؛ فهاتان آيتان كبيرتان دالَّتان على صحة ما جاء به موسى وصدقِهِ، وأنَّه رسولُ ربِّ العالمين.
{109} ولكن الذين لا يؤمنون لو جاءتهم كلُّ آيةٍ لا يؤمنون حتى يروا العذاب الأليم؛ فلهذا {قال الملأ من قوم فرعون} حين بهرهم ما رأوا من الآيات ولم يؤمنوا وطلبوا لها التأويلات الفاسدة: {إنَّ هذا لساحرٌ عليمٌ}؛ أي: ماهرٌ في سحره.
{110} ثم خوَّفوا ضعفاءَ الأحلام وسفهاء العقول بأنه {يريدُ} موسى بفعلِهِ هذا {أن يخرِجَكم من أرضكم}؛ أي: يريد أن يجليكم من أوطانكم، {فماذا تأمرونَ}؟ أي: إنهم تشاوروا فيما بينهم ما يفعلون بموسى، وما يندفع به ضررهم بزعمهم عنهم؛ فإنَّ ما جاء به إن لم يقابَلْ بما يبطِلُه ويدحضه، وإلا؛ دخل في عقول أكثر الناس.
{111 ـ 112} فحينئذ انعقد رأيهم إلى أن قالوا لفرعون: {أرۡجِهِ وأخاه}؛ أي: احبسهما وأمهلهما، وابعثْ في المدائن أناساً يحشُرون أهل المملكة ويأتون بكل سَحَّارٍ عليم؛ أي: يجيئون بالسحرة المهرة؛ ليقابلوا ما جاء به موسى، فقالوا: يا موسى {اجعلۡ بيننا وبينَكَ موعداً لا نُخۡلِفُهُ نحن ولا أنت مكاناً سُوىً. قال موعِدۡكم يومُ الزينةِ وأن يُحۡشَرَ الناس ضحىً. فتولَّى فرعونُ فجمَعَ كيدَه ثم أتى}.
{113} وقال هنا: {وجاء السحرةُ فرعونَ}: طالبين منه الجزاء إن غلبوا، فقالوا:{إنَّ لنا لأجراً إن كُنَّا نحنُ الغالبينَ}.
{114} فقالَ فرعونُ: {نعم}: لكم أجر، {وإنَّكم لمن المقرَّبين}: فوعَدَهم الأجر والتقريب وعلو المنزلة عنده؛ ليجتهدوا ويبذُلوا، وسعهم وطاقتهم في مغالبة موسى.
{115} فلما حضروا مع موسى بحضرة الخلق العظيم، {قالوا}: على وجه التألِّي وعدم المبالاة بما جاء به موسى، {يا موسى إما أن تُلۡقِيَ}: ما معك، {وإما أن نكونَ نحنُ الملقينَ}.
{116} فقالَ موسى: {ألقوا}: لأجل أن يرى الناسُ ما معهم وما مع موسى، {فلما ألقَوۡا}: حبالَهم وعصيَّهم إذا هي من سحرهم كأنها حياتٌ تسعى، فسحروا {أعين الناس واسترهبوهم وجاؤوا بسحرٍ عظيم}: لم يوجدْ له نظيرٌ من السحر.
{117}{وأوحَيۡنا إلى موسى أن ألقِ عصاك}: فألقاها، {فإذا هي}: حيَّةٌ تسعى فتلقفت جميعَ ما يأفِكونَ؛ أي: يكذِّبون به ويموِّهون.
{118}{فوقع الحقُّ}؛ أي: تبين، وظهر، واستعلن في ذلك المجمع، {وبَطَلَ ما كانوا يعملون}.
{119}{فغُلِبوا هنالك}؛ أي: في ذلك المقام، {وانقلبوا صاغرينَ}؛ أي: حقيرين قد اضمحلَّ باطلُهم وتلاشى سحرهم ولم يحصُل لهم المقصود الذي ظنوا حصوله.
{120 ـ 122} وأعظم من تبيَّن له الحقُّ العظيم أهل الصنف والسحر [الذين] يعرفون من أنواع السحر وجزئياتِهِ ما لا يعرفه غيرُهم، فعرفوا أن هذه آية عظيمة من آيات الله، لا يدان لأحد بها، فألقي {السحرةُ ساجدينَ. قالوا آمنا بربِّ العالمين. ربِّ موسى وهارون}؛ أي: وصدَّقنا بما بُعِثَ به موسى من الآيات البينات.
{123} فقال لهم {فرعونُ} متهدِّداً لهم على الإيمان: {آمنتُم به قبل أن آذنَ لكم}: كان الخبيث حاكماً مستبداً على الأبدان والأقوال، قد تقرَّر عنده وعندهم أن قوله هو المطاع وأمره نافذٌ فيهم ولا خروج لأحدٍ عن قوله وحكمه، وبهذه الحالة تنحطُّ الأمم وتضعف عقولها ونفوذها وتعجز عن المدافعة عن حقوقها، ولهذا قال الله عنه:{فاستخفَّ قومَه فأطاعوه}، وقال هنا:{آمنتُم به قبلَ أن آذنَ لكم}؛ أي: فهذا سوءُ أدبٍ منكم وتجرُّؤ عليَّ، ثم موَّه على قومه وقال:{إنَّ هذا لَمَكرٌ مكرتُموه في المدينة لتُخۡرِجوا منها أهلها}؛ أي: إن موسى كبيركم الذي علَّمكم السحر، فتواطأتم أنتم وهو على أن تنغلِبوا له فيظهرَ فتتَّبعونه ثم يتَّبعكم الناس أو جمهورهم، فتُخْرِجوا منها أهلها، وهذا كذب يعلم هو ومن سبر الأحوال أن موسى عليه الصلاة والسلام لم يجتمع بأحدٍ منهم، وأنهم جُمِعوا على نظر فرعون ورسله، وأن ما جاء به موسى آية إلهيَّة، وأن السحرة قد بذلوا مجهودهم في مغالبة موسى حتى عجزوا وتبيَّن لهم الحق فاتبعوه. ثم توعَّدهم فرعون بقوله: فلسوف {تعلمونَ}: ما أحِلُّ بكم من العقوبة.
{124}{لأقطِّعنَّ أيديَكم وأرجلَكم من خلافٍ}: زعم الخبيثُ أنَّهم مفسدون في الأرض، وسيصنع بهم ما يُصنع بالمفسدين من تقطيع الأيدي والأرجل من خلافٍ؛ أي: اليد اليمنى والرجل اليسرى، {ثم لأصَلِّبَنَّكُم}: في جذوع النخل؛ لتختَزوا بزعمه {أجمعينَ}؛ أي: لا أفعل هذا الفعل بأحدٍ دون أحدٍ، بل كلُّكم سيذوق هذا العذاب.
{125} فقال السحرة الذين آمنوا لفرعون حين تهدَّدهم: {إنَّا إلى ربِّنا منقلبونَ}؛ أي: فلا نبالي بعقوبتك؛ فالله خيرٌ وأبقى؛ فاقضِ ما أنت قاضٍ.
{126}{وما تَنقِمُ منَّا}؛ أي: وما تعيب منَّا على إنكارك علينا وتوعُّدك لنا؛ فليس لنا ذنبٌ {إلَّا أنۡ آمنَّا بآيات ربِّنا لما جاءتۡنا} ؛ فإنْ كان هذا ذنباً يُعاب عليه ويستحقُّ صاحبه العقوبة؛ فهو ذنبُنا. ثم دعوا الله أن يثبِّتهم ويصبِّرهم، فقالوا:{ربَّنا أفرغۡ}؛ أي: أفض {عليۡنا صبراً}؛ أي: عظيماً كما يدلُّ عليه التنكير؛ لأنَّ هذه محنة عظيمة تؤدي إلى ذهاب النفس، فيحتاج فيها من الصبر إلى شيء كثير؛ ليثبت الفؤاد ويطمئن المؤمن على إيمانِهِ ويزول عنه الانزعاج الكثير. {وتوفَّنا مسلمينَ}؛ أي: منقادين لأمرك متَّبعين لرسولك. والظاهر أنه أوقع بهم ما توعَّدهم عليه، وأنَّ الله تعالى ثبَّتهم على الإيمان.
{127} هذا وفرعون وملؤه وعامتهم المتبعون للملأ قد استكبروا عن آيات الله وجحدوا بها ظلماً وعلوًّا وقالوا لفرعون مهيجين له على الإيقاع بموسى وزاعمين أن ما جاء باطل وفساد: {أتذرُ موسى وقومَه ليفسِدوا في الأرض}: بالدعوة إلى الله وإلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال التي هي الصلاح في الأرض وما هم عليه هو الفساد، ولكنَّ الظالمين لا يبالون بما يقولون، {وَيَذَرَكَ وآلهتَكَ}؛ أي: يدعك أنت وآلهتك، وينهى عنك، ويصد الناس عن اتباعك، فقال فرعونُ مجيباً لهم بأنه سيدع بني إسرائيل مع موسى بحالةٍ لا ينمون فيها ويأمنُ فرعونُ وقومُه بزعمه من ضررهم:{سَنُقَتِّلُ أبناءَهم ونستحيي نساءَهم}؛ أي: نستبقيهنَّ فلا نقتلهنَّ؛ فإذا فعلْنا ذلك؛ أمنَّا مِن كثرتِهِم، وكنَّا مستخدمين لباقيهم ومسخِّرين لهم على ما نشاء من الأعمال، {وإنَّا فوقَهم قاهرونَ}: لا خروج لهم عن حكمنا ولا قدرة. وهذا نهاية الجَبَروت من فرعون والعتوِّ والقسوة.
{128} فقال {موسى لقومه}: موصياً لهم ـ في هذه الحالة التي لا يقدرون معها على شيء ولا مقاومة ـ بالمقاومة الإلهية والاستعانة الربانيَّة: {استعينوا بالله}؛ أي: اعتمدوا عليه في جلب ما ينفعكم ودفع ما يضرُّكم، وثِقوا بالله أنه سيتمُّ أمركم، {واصبروا}؛ أي: الزموا الصبر على ما يحلُّ بكم منتظرين للفرج. {إنَّ الأرض لله}: ليست لفرعون ولا لقومه حتى يتحكَّموا فيها، {يورِثُها مَن يشاءُ من عبادِهِ}؛ أي: يداولها بين الناس على حسب مشيئته وحكمته، ولكن العاقبة للمتَّقين؛ فإنهم وإن امتُحِنوا مدة ابتلاء من الله وحكمة؛ فإنَّ النصر لهم، {والعاقبةُ}: الحميدة لهم على قومهم. وهذه وظيفة العبد؛ أنَّه عند القدرة أن يفعل من الأسباب الدافعة عنه أذى الغير ما يقدر عليه وعند العجز أن يصبر ويستعين الله وينتظر الفرج.
{129}{قالوا}: لموسى متضجِّرين من طول ما مكثوا في عذاب فرعون وأذيَّته: {أوذينا من قبل أن تأتِيَنا}: فإنهم يسوموننا سوء العذاب يذبِّحون أبناءنا ويستحيون نساءنا، {ومن بعدِ ما جئتنا}: كذلك، فقال لهم موسى مرجياً لهم بالفرج والخلاص من شرِّهم:{عسى ربُّكم أن يُهۡلِكَ عدوَّكم ويستخلِفَكم في الأرض}؛ أي: يمكِّنكم فيها ويجعل لكم التدبير فيها، {فينظرَ كيف تعملونَ}: هل تشكُرون أم تكفُرون؟ وهذا وعدٌ أنجزه الله لمَّا جاء الوقت الذي أراده الله.
{130} قال الله تعالى في بيان ما عامل به آلَ فرعون في هذه المدة الأخيرة ـ إنها على عادته وسنته في الأمم أن يأخُذَهم {بالبأساء والضرَّاء لعلهم يضَّرَّعون} الآيات ـ: {ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين}؛ أي: بالدُّهور والجدب، {ونقص من الثمرات لعلهم يذَّكَّرون}؛ أي: يتَّعظون أنَّ ما حلَّ بهم وأصابهم معاتبة من الله لهم لعلَّهم يرجِعون عن كفرهم، فلم ينجعْ فيهم ولا أفاد، بل استمرُّوا على الظُّلم والفساد.
{131}{فإذا جاءتهم الحسنةُ}؛ أي: الخصب وإدرار الرزق، {قالوا لنا هذه}؛ أي: نحن مستحقُّون لها، فلم يشكروا الله عليها، {وإن تصِبۡهم سيئةٌ}؛ أي: قحط وجدب، {يطَّيَّروا بموسى ومن معه}؛ أي: يقولوا: إنما جاءنا بسبب مجيء موسى واتباع بني إسرائيل له. قال الله تعالى:{ألا إنَّما طائِرُهم عند الله}؛ أي: بقضائه وقدرته، ليس كما قالوا، بل إن ذنوبهم وكفرهم هو السبب في ذلك، بل أكثرهم لا يعلمونَ؛ أي: فلذلك قالوا ما قالوا.
{132}{وقالوا}: مبيِّنين لموسى أنهم لا يزالون ولا يزولون عن باطلهم: {مهما تأتِنا به من آيةٍ لِتَسۡحَرَنا بها فما نحن لك بمؤمنين}؛ أي: قد تقرَّر عندنا أنك ساحرٌ؛ فمهما جئت بآية؛ جزمنا أنها سحرٌ؛ فلا نؤمن لك ولا نصدِّق. وهذا غاية ما يكون من العناد أن يبلغ بالكافرين إلى أن تستوي عندهم الحالات سواء نزلت عليهم الآيات أم لم تنزل.
{133}{فأرسلنا عليهم الطوفان}؛ أي: الماء الكثير الذي أغرق أشجارهم وزروعهم وأضرَّهم ضرراً كثيراً، {والجراد}: فأكل ثمارَهم وزروعَهم ونباتهم، {والقُمَّلَ}: قيل: إنه الدُّباء؛ أي: صغار الجراد، والظاهر أنه القمل المعروف، {والضفادع}: فملأت أوعيتهم وأقلقتهم وآذتهم أذيَّة شديدةً، {والدم}: إما أن يكونَ الرعاف، أو كما قال كثير من المفسرين: إنَّ ماءهم الذي يشربون انقلب دماً، فكانوا لا يشربون إلاَّ دماً ولا يطبخون [إلاّ بدم]. {آياتٍ مفصَّلاتٍ}؛ أي: أدلَّة وبيِّنات على أنَّهم كانوا كاذبين ظالمين، وعلى أن ما جاء به موسى حقٌّ وصدقٌ. {فاستكبروا}: لما رأوا الآيات، {وكانوا}: في سابق أمرهم {قوماً مجرمين}: فلذلك عاقبهم الله تعالى بأن أبقاهم على الغيِّ والضلال.
{134}{ولما وقع عليهم الرِّجۡزُ}؛ أي: العذاب؛ يحتمل أنَّ المراد به الطاعون كما قاله كثيرٌ من المفسِّرين، ويحتمل أن يُراد به ما تقدَّم من الآيات الطوفان والجراد والقمَّل والضفادع والدَّم؛ فإنها رجزٌ وعذابٌ، وإنهم كلَّما أصابهم واحد منها؛ {قالوا يا موسى ادعُ لنا ربك بما عَهدَ عندك}؛ أي: تشفَّعوا بموسى بما عَهدَ الله عنده من الوحي والشرع. {لئن كشفتَ عنَّا الرِّجۡزَ لنؤمننَّ لك ولنرسلنَّ معك بني إسرائيل}: وهم في ذلك كذبةٌ لا قصدَ لهم إلا زوالُ ما حلَّ بهم من العذاب، وظنُّوا إذا رفع لا يصيبهم غيره.
{135}{فلما كشَفۡنا عنهم الرِّجۡزَ إلى أجل هم بالغوهُ}؛ أي: إلى مدة قدر الله بقاءهم إليها، وليس كشفاً مؤبَّداً، وإنما هو موقت، {إذا هم ينكُثون}: العهد الذي عاهدوا عليه موسى ووعدوه بالإيمان به وإرسال بني إسرائيل؛ فلا آمنوا به ولا أرسلوا معه بني إسرائيل، بل استمرُّوا على كفرهم يعمهون وعلى تعذيب بني إسرائيل دائبين.
{136}{فانتقمنا منهم}؛ أي: حين جاء الوقت الموقَّت لهلاكهم؛ أمر الله موسى أن يسري ببني إسرائيل ليلاً، وأخبره أن فرعون سيتبعُهم هو وجنوده. {فأرسلَ فرعونُ في المدائن حاشرين} يجمعونَ الناس لِيَتْبَعوا بني إسرائيل، وقالوا لهم:{إنَّ هؤلاء لَشِرۡذمةٌ قليلون. وإنَّهم لنا لغائظونَ. وإنَّا لجميعٌ حاذرون. فأخۡرَجۡناهم من جناتٍ وعيون. وكنوزٍ ومقام كريم. كذلك وأورَثۡناها بني إسرائيل. فأتۡبعوهم مشرقينَ. فلما تراءى الجمعانِ قال أصحابُ موسى إنا لَمُدۡرَكونَ. قال كلاَّ إن معي ربي سيهدين. فأوحَيۡنا إلى موسى أنِ اضرِبۡ بعصاك البحرَ فانفلق فكان كلُّ فرقٍ كالطودِ العظيم. وأزلفنا ثَمَّ الآخرين. وأنجينا موسى ومن معه أجمعين. ثم أغرقنا الآخرين}. وقال هنا:{فأغرَقۡناهم في اليمِّ بأنَّهم كذَّبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين}؛ أي: بسبب تكذيبهم بآيات الله، وإعراضهم عمَّا دلَّت عليه من الحقِّ.
{137}{وأورثنا القوم الذين كانوا يُسۡتَضۡعَفونَ}: في الأرض؛ أي: بني إسرائيل الذين كانوا خدمة لآل فرعون يسومونهم سوء العذاب، أورثهم الله {مشارقَ الأرض ومغاربها}: والمراد بالأرض ها هنا أرض مصر التي كانوا فيها مستضعفين أذلين؛ أي: ملَّكهم الله جميعها ومكَّنهم فيها، {التي باركنا فيها وتمَّتۡ كلمةُ ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا}: حين قال لهم موسى: {استعينوا باللَّهِ واصبِروا إنَّ الأرضَ للَّه يورِثها من يشاءُ من عباده والعاقبةُ للمتَّقين}، {ودمَّرۡنا ما كان يصنعُ فرعونُ وقومُهُ}: من الأبنية الهائلة والمساكن المزخرفة، {وما كانوا يعرِشون}: فتلك بيوتهم [خاوية] بما ظلموا إن في ذلك لآية لقوم يعلمون.
{138}{وجاوزنا ببني إسرائيل البحر}: بعدما أنجاهم الله من عدوِّهم فرعون وقومه وأهلكهم الله، وبنو إسرائيل ينظرون، {فأتَوۡا}؛ أي: مرُّوا {على قوم يعكُفون على أصنامٍ لهم}؛ أي: يقيمون عندها ويتبرَّكون بها ويعبُدونها، فقالوا من جهلهم وسَفَهِهم لنبيِّهم موسى بعدما أراهم الله من الآيات ما أراهم:{يا موسى اجعلۡ لنا إلهاً كما لهم آلهةٌ}؛ أي: اشرع لنا أن نتَّخذ أصناماً آلهة كما اتَّخذها هؤلاء، فقال لهم موسى:{إنَّكم قومٌ تجهلونَ}: وأيُّ جهل أعظم من جَهِل ربَّه وخالقَه، وأراد أن يسوِّيَ به غيره ممَّن لا يملِكُ نفعاً ولا ضرًّا ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً؟!
{139} ولهذا قال لهم موسى: {إنَّ هؤلاء مُتَبَّرٌ ما هم فيه وباطلٌ ما كانوا يعملونَ}: لأن دعاءهم إياها باطلٌ وهي باطلة بنفسها؛ فالعمل باطلٌ وغايته باطلةٌ.
{140}{قال أغيرَ الله أبغيكم إلهاً}؛ أي: أطلب لكم إلهاً غير الله المألوه الكامل في ذاته وصفاته وأفعاله. {وهو فضَّلكم على العالمين}: فيقتضي أن تقابلوا فضله وتفضيله بالشكرِ، وذلك بإفراد الله وحدَه بالعبادة والكفرِ بما يُدعى من دونه.
{141} ثم ذكَّرهم ما امتنَّ الله به عليهم فقال: {وإذ أنجيناكم من آل فرعونَ}؛ أي: من فرعون وآله، {يسومونكم سوءَ العذابِ}؛ أي: يوجِّهون إليكم من العذاب أسوأه، وهو أنهم كانوا يذبحون {أبناءكم ويَسۡتَحيون نساءَكم وفي ذلِكم}؛ أي: النجاة من عذابهم، {بلاءٌ من ربِّكم عظيمٌ}؛ أي: نعمةٌ جليلةٌ ومنحةٌ جزيلةٌ، أو وفي ذلك العذاب الصادر منهم لكم بلاءٌ من ربِّكم عليكم عظيم.
{142} فلما ذكَّرهم موسى ووعظهم؛ انتَهَوْا عن ذلك، ولما أتمَّ الله نعمته عليهم بالنجاة من عدوهم وتمكينهم في الأرض؛ أرادَ تبارك وتعالى أن يُتِمَّ نعمته عليهم بإنزال الكتاب الذي فيه الأحكام الشرعيَّة والعقائد المرضيَّة، فواعد موسى ثلاثين ليلة، وأتمَّها بعشر، فصارت أربعين ليلة؛ ليستعدَّ موسى ويتهيَّأ لوعد الله ويكون لنزولها موقع كبير لديهم وتشوق إلى إنزالها، ولما ذهب موسى إلى ميقات ربِّه، قال لهارون موصياً له على بني إسرائيل من حرصه عليهم وشفقته:{اخۡلُفۡني في قَوۡمي}؛ أي: كنْ خليفتي فيهم، واعمل فيهم بما كنت أعمل، {وأصلِحۡ}؛ أي: اتَّبع طريق الصلاح، {ولا تتَّبِعۡ سبيلَ المفسدين}: وهم الذين يعملون بالمعاصي.
{143}{ولمَّا جاء موسى لميقاتنا}: الذي وقَّتْناه له لإنزال الكتاب، {وكلَّمَه ربُّه}: بما كلَّمه من وحيه وأمره ونهيه؛ تشوَّق إلى رؤية الله، ونَزَعَتْ نفسُه لذلك حبًّا لربِّه ومودَّة لرؤيته، فـ {قال ربِّ أرني أنظرۡ إليك}، فقال الله:{لن تَراني}؛ أي: لن تقدِرَ الآن على رؤيتي؛ فإنَّ الله تبارك وتعالى أنشأ الخلق في هذه الدار على نشأة لا يقدرون بها ولا يثبتون لرؤية الله، وليس في هذا دليلٌ على أنَّهم لا يرونه في الجنة؛ فإنه قد دلَّت النصوص القرآنيَّة والأحاديث النبويَّة على أن أهل الجنة يرون ربَّهم تبارك وتعالى ويتمتَّعون بالنظر إلى وجهه الكريم. وأنه يُنْشِئُهم نشأةً كاملةً يقدرون معها على رؤية الله تعالى، ولهذا رتَّب الله الرؤية في هذه الآية على ثبوت الجبل، فقال مقنعاً لموسى في عدم إجابتِهِ للرؤية:{ولكِنِ انظرۡ إلى الجبل فإنِ استقرَّ مكانَه}: إذا تجلَّى اللهُ له، {فسوف تراني فلمَّا تجلَّى ربُّه للجبل}: الأصمِّ الغليظ، {جعله دكًّا}؛ أي: انهال مثل الرمل انزعاجاً من رؤية الله وعدم ثبوتٍ لها، {وخرَّ موسى}: حين رأى ما رأى، صَعِقاً فتبيَّن له حينئذٍ أنه إذا لم يثبت الجبلُ لرؤية الله؛ فموسى أولى أن لا يثبتَ لذلك، واستغفر ربَّه لما صدر منه من السؤال الذي لم يوافقْ موضعاً، و {قالَ سبحانك}؛ أي: تنزيهاً لك وتعظيماً عما لا يليق بجلالك، {تبتُ إليك}: من جميع الذنوب وسوء الأدب معك، {وأنا أول المؤمنين}؛ أي: جدَّد عليه الصلاة والسلام إيمانه بما كمَّل اللهُ له مما كان يجهله قبل ذلك.
{144} فلما منعه الله من رؤيته بعدما كان متشوقاً إليها؛ أعطاه خيراً كثيراً، فقال:{يا موسى إنِّي اصطفيتُك على الناس}؛ أي: اخترتك واجتبيتك وفضَّلتك وخصصتك بفضائل عظيمة ومناقب جليلة، {برسالاتي}: التي لا أجعلها ولا أخصُّ بها إلا أفضل الخلق، {وبكلامي}: إيَّاك من غير واسطة، وهذه فضيلة اختُصَّ بها موسى الكليم، وعُرِف بها من بين إخوانه من المرسلين، {فخُذۡ ما آتيتُك}: من النعم، وخذ ما آتيتُك من الأمر والنهي بانشراح صدرٍ، وتلقَّه بالقَبول والانقياد، {وكن من الشاكرين}: لله على ما خصَّك وفضَّلك.
{145}{وكتبنا له في الألواح من كلِّ شيء}: يحتاج إليه العباد {موعظة}: ترغِّب النفوس في أفعال الخير وترهِّبهم من أفعال الشر، {وتفصيلاً لكلِّ شيء}: من الأحكام الشرعيَّة والعقائد والأخلاق والآداب، {فخذۡها بقوَّةٍ}؛ أي: بجدٍّ واجتهاد على إقامتها، {وأمُرۡ قومَك يأخذوا بأحسنها}: وهي الأوامر الواجبة والمستحبَّة؛ فإنها أحسنها. وفي هذا دليلٌ على أن أوامر الله في كل شريعة كاملة عادلة حسنة. {سأريكم دارَ الفاسقينَ}: بعدما أهلكهم الله وأبقى ديارهم عبرةً بعدهم يعتبر بها المؤمنون الموفَّقون المتواضعون.
{146} وأما غيرهم؛ فقال عنهم:{سأصرِفُ عن آياتي}؛ أي: عن الاعتبار في الآيات الأفقية والنفسيَّة والفهم لآيات الكتاب، {الذين يتكبَّرون في الأرض بغير الحقِّ}؛ أي: يتكبَّرون على عباد الله وعلى الحقِّ وعلى من جاء به؛ فمن كان بهذه الصفة؛ حَرَمَهُ الله خيراً كثيراً، وخَذَلَه، ولم يَفْقَهْ من آيات الله ما ينتفع به، بل ربَّما انقلبت عليه الحقائقُ واستحسن القبيحَ، {وإن يَرَوۡا كلَّ آيةٍ لا يؤمنوا بها}: لإعراضهم واعتراضهم ومحادَّتهم لله ورسوله، {وإن يَرَوۡا سبيلَ الرُّشد}؛ أي: الهدى والاستقامة، وهو الصراط الموصل إلى الله وإلى دار كرامته، {لا يتَّخذوه [سبيلاً]}؛ أي: لا يسلكوه ولا يرغبوا فيه، {وإن يَرَوۡا سبيلَ الغَيِّ}؛ أي: الغواية الموصل لصاحبه إلى دار الشقاء، {يتَّخذوه سبيلاً}. والسبب في انحرافهم هذا الانحراف، {ذلك بأنَّهم كذَّبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين}: فردُّهم لآيات الله وغفلتُهم عمَّا يُراد بها واحتقارهم لها هو الذي أوجب لهم من سلوك طريق الغي وترك طريق الرُّشْدِ ما أوجب.
{147}{والذين كذبوا بآياتنا}: العظيمة الدالَّة على صحَّة ما أرسلنا به رسلنا، {ولقاء الآخرة حَبِطَتۡ أعمالُهم}: لأنَّها على غير أساس، وقد فقد شرطها، وهو الإيمان بآيات الله والتصديق بجزائه. {هل يُجۡزَوۡنَ}: في بطلان أعمالهم وحصول ضدِّ مقصودهم {إلَّا ما كانوا يعملونَ}: فإن أعمال مَنْ لا يؤمن باليومِ الآخر لا يرجو فيها ثواباً، وليس لها غايةٌ تنتهي إليه؛ فلذلك اضمحلَّت وبطلت.
{148}{واتَّخذ قوم موسى مِن بعدِهِ من حُلِيِّهم عجلاً جسداً}: صاغه السامِرِيُّ وألقى عليه قبضةً من أثر الرسول فصار {له خُوارٌ} وصوتٌ، فعبدوه واتَّخذوه إلهاً، وقال: هذا إلهكم وإله موسى، فنسي موسى، وذهب يطلبه، وهذا من سفههم وقلة بصيرتهم؛ كيف اشتبه عليهم ربُّ الأرض والسماوات بعجل من أنقص المخلوقات؟! ولهذا قال مبيناً أنه ليس فيه من الصفات الذاتيَّة ولا الفعليَّة ما يوجِب أن يكون إلهاً:{ألم يَرَوۡا أنَّه لا يكلِّمهم}؛ أي: وعدم الكلام نقصٌ عظيمٌ؛ فهم أكمل حالة من هذا الحيوان أو الجماد الذي لا يتكلَّم، {ولا يهديهم سبيلاً}؛ أي: لا يدلُّهم طريقاً دينيًّا ولا يحصِّل لهم مصلحةً دنيويَّةً؛ لأن من المتقرِّر في العقول والفطر أنَّ اتِّخاذَ إلهٍ لا يتكلم ولا ينفع ولا يضرُّ من أبطل الباطل وأسمج السفه، ولهذا قال:{اتَّخذوه وكانوا ظالمينَ}: حيث وضعوا العبادة في غير موضعها، وأشركوا بالله ما لم ينزِّل به سلطاناً. وفيها دليلٌ على أنَّ من أنكر كلام الله؛ فقد أنكر خصائص إلهيَّة الله تعالى؛ لأن الله ذكر أن عدم الكلام دليلٌ على عدم صلاحيَّة الذي لا يتكلَّم للإلهيَّة.
{149}{ولمَّا}: رجع موسى إلى قومه، فوجدهم على هذه الحال، وأخبرهم بضلالهم؛ ندموا، و {سُقِطَ في أيديهم}؛ أي: من الهمِّ والندم على فعلهم، {ورأوا أنَّهم قد ضلُّوا}: فتنصَّلوا إلى الله وتضرَّعوا، {وقالوا لئن لم يرحَمۡنا ربُّنا}: فيدُّلنا عليه، ويرزقنا عبادته، ويوفِّقُنا لصالح الأعمال، {ويغفِرۡ لنا}: ما صدر منا من عبادة العجل؛ {لَنَكونَنَّ من الخاسرينَ}: الذين خسروا الدنيا والآخرة.
{150}{ولما رجع موسى إلى قومِهِ غضبان أسِفاً}؛ أي: ممتلئاً غضباً وغيظاً عليهم لتمام غيرته عليه [الصلاة و] السلام وكمال نصحه وشفقته، {قال بئسَما خَلَفۡتُموني من بعدي}؛ أي: بئس الحالة التي خلفتموني بها من بعد ذهابي عنكم؛ فإنها حالةٌ تفضي إلى الهلاك الأبدي والشقاء السرمديِّ. {أعَجِلۡتُم أمرَ ربِّكُم}: حيث وَعَدَكم بإنزال الكتاب فبادرتُم برأيكم الفاسد إلى هذه الخصلة القبيحة، {وألقى الألواحَ}؛ أي: رماها من الغضب، {وأخذ برأس أخيه}: هارونَ ولحيتِهِ، {يجرُّه إليه}: وقال له: {ما منعك إذ رأيتَهم ضلُّوا. أن لا تتَّبِعَني أفعصيتَ أمري}: لك بقولي: {اخلُفۡني في قومي وأصۡلِحۡ ولا تتَّبِعۡ سبيل المفسدين}؟! فقال:{يا ابنَ أمَّ لا تأخُذۡ بلحيتي ولا برأسي إني خشيتُ أن تقولَ فرَّقۡتَ بين بني إسرائيل ولم ترقُبۡ قولي} و {قال} هنا: {ابنَ أمَّ}: هذا ترقيقٌ لأخيه بذكر الأمِّ وحدها، وإلاَّ فهو شقيقه لأمِّه وأبيه. {إنَّ القوم استضعفوني}؛ أي: احتقروني حين قلتُ لهم: يا قوم! إنما فُتِنْتُم به، وإنَّ ربَّكم الرحمن؛ فاتَّبِعوني وأطيعوا أمري، {وكادوا يَقۡتُلونَني}؛ أي: فلا تظنَّ بي تقصيراً، {فلا تُشۡمِتۡ بيَ الأعداء}: بنهرِك لي ومسِّك إيَّايَ بسوءٍ فإنَّ الأعداء حريصون على أن يجدوا عليَّ عثرةً أو يطَّلعوا لي على زَلَّة، {ولا تجعلني مع القوم الظالمين}: فتعامِلُني معاملتهم.
{151} فندم موسى عليه السلام على ما استعجل من صنعِهِ بأخيه قبل أن يعلم براءتَهُ مما ظنَّه فيه من التقصير، و {قال ربِّ اغفِرۡ لي ولأخي}: هارون، {وأدخِلۡنا في رحمتِكَ}؛ أي: في وسطها، واجعل رحمتك تحيطُ بنا من كل جانب؛ فإنها حصنٌ حصينٌ من جميع الشرور وثَمَّ كلُّ خير وسرور. {وأنت أرحمُ الراحمين}؛ أي: أرحم بنا من كلِّ راحم، أرحم بنا من آبائنا وأمَّهاتنا وأولادنا وأنفسنا.
{152} قال الله تعالى مبيناً حال أهل العجل الذين عبدوه: {إنَّ الذين اتَّخذوا العجل}؛ أي: إلهاً، {سينالُهم غضبٌ من ربِّهم وذلَّةٌ في الحياة الدُّنيا}: كما أغضبوا ربَّهم واستهانوا بأمره. {وكذلك نجزي المفترين}: فكلُّ مفترٍ على الله كاذب على شرعه متقوِّل عليه ما لم يقلْ؛ فإنَّ له نصيباً من الغضب من الله والذُّلِّ في الحياة الدنيا.
{153} وقد نالهم غضبُ الله حيث أمرهم أن يقتُلوا أنفسهم، وأنَّه لا يرضى الله عنهم إلاَّ بذلك، فقتل بعضُهم بعضاً، وانجلت المعركة على قتلى كثيرةٍ، ثم تاب الله عليهم بعد ذلك، ولهذا ذكر حكماً عامًّا يدخُلون فيه هم وغيرهم، فقال:{والذين عمِلوا السيئاتِ}: من شرك وكبائر وصغائر، {ثم تابوا من بعدها}: بأن ندموا على ما مضى وأقلعوا عنها وعزموا على أن لا يعودوا، {وآمنوا}: بالله وبما أوجبَ الله الإيمان به، ولا يتمُّ الإيمان إلا بأعمال القلوب وأعمال الجوارح المترتِّبة على الإيمان. {إنَّ ربَّك من بعدها}؛ أي: بعد هذه الحالة ـ حالة التوبة من السيئات والرجوع إلى الطاعات ـ {لغفورٌ}: يغفر السيئات ويمحوها، ولو كانت قُراب الأرض. {رحيمٌ}: بقبول التوبة والتوفيق لأفعال الخير وقبولها.
{154}{ولما سَكَتَ عن موسى الغضبُ}؛ أي: سكن غضبه وتراجعت نفسُهُ، وعَرَفَ ما هو فيه؛ اشتغل بأهمِّ الأشياء عنده، فَأَخَذَ {الألواحَ}: التي ألقاها، وهي ألواحٌ عظيمة المقدار جليلةٌ {في نُسۡخَتِها}؛ أي: مشتملة ومتضمِّنة {هدىً ورحمةٌ}؛ أي: فيها الهدى من الضَّلالة، وبيان الحقِّ من الباطل، وأعمال الخير وأعمال الشر، والهدى لأحسن الأعمال والأخلاق والآداب، ورحمة وسعادة لمن عمل بها وعلم أحكامها ومعانيها، ولكن؛ ليس كل أحدٍ يقبل هدى الله ورحمته، وإنما يقبلُ ذلك، وينقاد له، ويتلقَّاه بالقَبول، {الذين هُم لربِّهم يرهَبونَ}؛ أي: يخافون منه ويخشونه، وأما مَنْ لم يخفِ الله ولا المقام بين يديه؛ فإنه لا يزداد بها إلا عتوًّا ونفوراً، وتقوم عليه حجة الله فيها.
{155}{و} لما تاب بنو إسرائيل، وتراجعوا إلى رُشْدِهم، {اختار موسى} منهم {سبعين رجلاً}: من خيارهم ليعتذروا لقومهم عند ربِّهم، ووعدهم الله ميقاتاً يحضُرون فيه، فلما حضروا؛ قالوا: يا موسى! أرِنا الله جهرةً! فتجرؤوا على الله جراءة كبيرة، وأساؤوا الأدب معه، فأخذتهم الرجفةُ، فصعقوا وهلكوا، فلم يزل موسى عليه الصلاة والسلام يتضرَّع إلى الله ويتبتَّل ويقول:{ربِّ لو شئتَ أهلكتَهم من قبلُ}: أن يحضُروا، ويكونون في حالة يعتذرون فيها لقومهم فصاروا هم الظالمين. {أتُهۡلِكُنا بما فعل السفهاءُ منَّا}؛ أي: ضعفاء العقول سفهاء الأحلام، فتضرَّع إلى الله، واعتذر بأنَّ المتجرِّئين على الله ليس لهم عقولٌ كاملةٌ تردعُهم عما قالوا وفعلوا، وبأنهم حصل لهم فتنةٌ يخطر بها الإنسان ويخاف من ذهاب دينه، فقال:{إنۡ هي إلَّا فتنتُك تُضِلُّ بها من تشاءُ وتهدي من تشاءُ أنت وَلِيُّنا فاغۡفِرۡ لنا وارۡحَمۡنا وأنت خير الغافرين}؛ أي: أنت خير من غفر، وأولى من رحم، وأكرم من أعطى وتفضَّل، فكأنَّ موسى عليه الصلاة والسلام قال: المقصود يا ربِّ بالقصد الأول لنا كلّنا، هو التزام طاعتك والإيمان بك، وأن من حَضَرَه عقله ورشده وتمَّ على ما وهبته من التوفيق؛ فإنه لم يزل مستقيماً، وأما من ضَعُفَ عقلُه وسَفِه رأيُهُ وصرفته الفتنة؛ فهو الذي فعل ما فعل لذينك السببين، ومع هذا؛ فأنت أرحم الراحمين وخير الغافرين؛ فاغفر لنا وارحمنا! فأجاب الله سؤاله، وأحياهم من بعد موتهم، وغفر لهم ذنوبهم.
{156} وقال موسى في تمام دعائه: {واكتبۡ لنا في هذه الدنيا حسنةً}: من علم نافع ورزق واسع وعمل صالح، {وفي الآخرة}: حسنة، وهي ما أعد الله لأوليائه الصالحين من الثواب. {إنَّا هُدۡنا إليك}؛ أي: رجعنا مقرِّين بتقصيرنا منيبين في جميع أمورنا، {قال} الله تعالى: {عذابي أصيبُ به من أشاءُ}: ممَّن كان شقيًّا متعرضاً لأسبابه، {ورحمتي وسعتۡ كلَّ شيء}: من العالم العلويِّ والسفليِّ؛ البر والفاجر، المؤمن والكافر؛ فلا مخلوق إلا وقد وصلت إليه رحمة الله وغمره فضله وإحسانه، ولكن الرحمة الخاصة المقتضية لسعادة الدنيا والآخرة ليست لكل أحد، ولهذا قال عنها:{فسأكتُبها للذين يتَّقون}: المعاصي صغارها وكبارها، {ويؤتون الزَّكاة}: الواجبة مستحقيها، {والذين هم بآياتنا يؤمنون}.
{157} ومن تمام الإيمان بآيات الله معرفة معناها والعمل بمقتضاها، ومن ذلك اتباع النبي - صلى الله عليه وسلم - ظاهراً وباطناً في أصول الدين وفروعه:{الذين يتَّبِعون الرسول النبيَّ الأميَّ}: احترازٌ عن سائر الأنبياء؛ فإن المقصود بهذا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب والسياق في أحوال بني إسرائيل، وأن الإيمان بالنبيِّ محمد - صلى الله عليه وسلم - شرطٌ في دخولهم في الإيمان، وأن المؤمنين به المتَّبعين هم أهل الرحمة المطلقة التي كتبها الله لهم، ووصفه بالأمي لأنَّه من العرب الأمة الأميَّة التي لا تقرأ ولا تكتب وليس عندها قبل القرآن كتاب. {الذي يجِدونَهُ مكتوباً عندَهم في التوراة والإنجيل}: باسمه وصفته التي من أعظمها وأجلِّها ما يدعو إليه وينهى عنه، وأنه {يأمُرُهم بالمعروف}: وهو كل ما عُرِفَ حسنُهُ وصلاحه ونفعه. {وينهاهم عن المنكر}: وهو كلُّ ما عرف قبحه في العقول والفطر، فيأمرهم بالصلاة والزكاة والصوم والحج وصلة الأرحام وبر الوالدين والإحسان إلى الجار والمملوك وبذل النفع لسائر الخلق والصدق والعفاف والبر والنصيحة وما أشبه ذلك، وينهى عن الشرك بالله وقتل النفوس بغير حق والزِّنا وشرب ما يسكر العقل والظلم لسائر الخلق والكذب والفجور ونحو ذلك؛ فأعظم دليل يدلُّ على أنه رسول الله ما دعا إليه وأمر به ونهى عنه وأحلَّه وحرَّمه؛ فإنه يُحِلُّ الطيبات: من المطاعم والمشارب والمناكح. {ويحرِّمُ عليهم الخبائث}: من المطاعم والمشارب والمناكح والأقوال والأفعال. {ويَضَعُ عنهم إصۡرَهُم والأغلال التي كانت عليهم}؛ أي:ومِنْ وَصْفِهِ أنَّ دينه سهلٌ سَمْحٌ ميسَّر لا إصر فيه ولا أغلال ولا مشقات ولا تكاليف ثقال.{فالذين آمنوا به وعزَّروه}؛ أي: عظَّموه وبجَّلوه، {ونصروه واتَّبعوا النور الذي أنزلَ معه}: وهو القرآن الذي يُستضاء به في ظلمات الشَّكِّ والجهالات، ويقتدى به إذا تعارضت المقالات. {أولئك هم المفلحون}: الظافرون بخير الدُّنيا والآخرة، والناجون من شرِّهما؛ لأنَّهم أتوا بأكبر أسباب الفلاح، وأما مَن لم يؤمنْ بهذا النبيِّ الأميِّ، ويعزِّره، وينصره، ولم يتَّبع النور الذي أنزل معه؛ فأولئك هم الخاسرون.
{158} ولما دعا أهل التوراة من بني إسرائيل إلى اتباعه، وكان ربما توهَّم متوهِّم أن الحكم مقصورٌ عليهم، أتى بما يدلُّ على العموم، فقال:{قلۡ يا أيُّها الناس إني رسولُ الله إليكم جميعاً}؛ أي: عربيّكم وعجميّكم، أهل الكتاب منكم وغيرهم، {الذي له ملكُ السموات والأرض}: يتصرَّف فيهما بأحكامه الكونيَّة والتدابير السلطانيَّة وبأحكامه الشرعيَّة الدينيَّة، التي من جملتها أن أرسل إليكم رسولاً عظيماً يدعوكم إلى الله وإلى دار كرامته، ويحذِّركم من كلِّ ما يباعدكم منه ومن دار كرامته. {لا إله إلاَّ هو}؛ أي: لا معبود بحقٍّ إلا الله وحده لا شريك له، ولا تُعْرَفُ عبادته إلا من طريق رسله. {يحيي ويميتُ}؛ أي: من جملة تدابيره الإحياء والإماتة، التي لا يشاركه فيها أحدٌ، التي جعل الله الموت جسراً ومعبراً، يُعبَرُ منه إلى دار البقاء التي من آمن بها صدَّق الرسول محمداً - صلى الله عليه وسلم - قطعاً. {فآمنوا بالله ورسولِهِ النبيِّ الأميِّ}: إيماناً في القلب متضمناً لأعمال القلوب والجوارح، {الذي يؤمِنُ بالله وكلماته}؛ أي: آمنوا بهذا الرسول المستقيم في عقائده وأعماله، {واتَّبِعوه لعلكم تهتدونَ}: في مصالِحِكم الدينيَّة والدنيويَّة؛ فإنكم إذا لم تتَّبعوه؛ ضللتم ضلالاً بعيداً.
{159}{ومن قوم موسى أمَّةٌ}؛ أي: جماعة، {يهدون بالحقِّ وبه يعدِلونَ}؛ أي: يهدون [به] الناس في تعليمهم إياهم وفتواهم لهم، ويعدِلون به بينهم في الحكم بينهم قضاياهم؛ كما قال تعالى:{وَجَعَلۡناهم أئمةً يهدون بأمرِنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون}.
وفي هذا فضيلةٌ لأمة موسى عليه الصلاة والسلام، وأنَّ الله تعالى جعل منهم هُداةً يهدون بأمره. وكأنَّ الإتيان بهذه الآية الكريمة فيه نوعُ احتراز مما تقدَّم؛ فإنه تعالى ذكر فيما تقدَّم جملةً من معايب بني إسرائيل المنافية للكمال المناقضة للهداية، فربما توهَّم متوهِّم أن هذا يعمُّ جميعهم، فذكر تعالى أن منهم طائفة مستقيمة هادية مهدية.
{160}{وقطَّعناهم}؛ أي: قسَّمناهم {اثنتي عشرة أسباطاً أمماً}؛ أي: اثنتي عشرة قبيلةً متعارفةً متوالفةً، كل بني رجل من أولاد يعقوب قبيلة، {وأوحينا إلى موسى إذِ استسقاه قومُهُ}؛ أي: طلبوا منه أن يدعو الله تعالى أن يسقيهم ماء يشربون منه وتشرب منه مواشيهم، وذلك لأنَّهم ـ والله أعلم ـ في محلٍّ قليل الماء، فأوحى الله لموسى إجابة لِطلبَتِهِم:{أنِ اضربۡ بعصاك الحجرَ}: يُحتمل أنه حجرٌ معيَّن، ويُحتمل أنه اسم جنس يشمل أي حجر كان، فضربه، {فانبَجَستۡ}؛ أي: انفجرت من ذلك الحجر {اثنتا عشرة عيناً}: جارية سارحة، {قد علم كلُّ أناس مشرَبَهم}؛ أي: قد قسم على كل قبيلة من تلك القبائل الاثنتي عشرة، وجعل لكلٍّ منهم عيناً، فعلموها، واطمأنُّوا واستراحوا من التعب والمزاحمة، وهذا من تمام نعمة الله عليهم، {وظلَّلۡنا عليهم الغمام}: فكان يستُرهم من حرِّ الشمس، {وأنزلنا عليهم المنَّ}: وهو الحلوى، {والسَّلوى}: وهو لحم طير من أحسن أنواع الطيور وألذِّها، فجمع الله لهم بين الظلال والشراب والطعام الطيب من الحلوى واللحوم على وجه الراحة والطمأنينة، وقيل لهم:{كلوا من طيِّبات ما رَزَقۡناكم وما ظلمونا}: حين لم يشكُروا الله ولم يقوموا بما أوجب الله عليهم. {ولكن كانوا أنفسَهم يظلمونَ}: حيث فوَّتوها كلَّ خير وعرَّضوها للشرِّ والنقمة، وهذا كان مدة لبثهم في التيه.
{161}{وإذ قيلَ لهم اسكنوا هذه القريةَ}؛ أي: ادخلوها لتكون وطناً لكم ومسكناً، وهي إيلياء، {وكلوا منها حيث شئتُم}؛ أي: قرية كانت كثيرة الأشجار غزيرة الثمار رغيدة العيش؛ فلذلك أمرهم الله أن يأكلوا منها حيث شاؤوا، {وقولوا}: حين تدخلون الباب: {حِطَّةٌ}؛ أي: احطُطْ عنَّا خطايانا واعفُ عنا، {وادخُلوا الباب سجَّداً}؛ أي خاضعين لربكم مستكينين لعزَّته شاكرين لنعمته؛ فأمرهم بالخضوع وسؤال المغفرة، ووعدهم على ذلك مغفرة ذنوبهم والثواب العاجل والآجل، فقال:{نغفر لكم خطيئاتِكُم سنزيدُ المحسنينَ}: من خير الدنيا والآخرة.
{162} فلم يمتثلوا هذا الأمر الإلهيَّ، بل بدَّل الذين ظلموا منهم؛ أي: عصوا الله واستهانوا بأمره {قولاً غير الذي قيل لهم}: فقالوا بدل طلب المغفرة وقولهم حطة: حبَّة في شعيرة، وإذا بدلوا القول مع يسره وسهولته؛ فتبديلهم للفعل من باب أولى، ولهذا دخلوا يزحفون على أَسْتَاهِهم، {فأرسلنا عليهم}: حين خالفوا أمر الله وعَصَوْه {رِجزاً من السماء}؛ أي: عذاباً شديداً إما الطاعون وإما غيره من العقوبات السماويَّة، وما ظلمهم الله بعقابه، وإنَّما كان ذلك {بما كانوا يظلمونَ}.
{163}{واسۡألۡهُم}؛ أي: اسأل بني إسرائيل {عن القرية التي كانت حاضرةَ البحر}؛ أي: على ساحله في حال تعدِّيهم وعقاب الله إيَّاهم، {إذ يَعۡدونَ في السبتِ}: وكان الله تعالى قد أمرهم أن يعظِّموه ويحترموه ولا يصيدوا فيه صيداً، فابتلاهُم الله وامتحنهم، فكانت الحيتان تأتيهم يومَ سبتهم شُرَّعاً؛ أي: كثيرة طافية على وجه البحر. {ويوم لا يَسۡبِتونَ}؛ أي: إذا ذهب يوم السبت {لا تأتيهم}؛ أي: تذهب في البحر فلا يرون منها شيئاً. {كذلك نبلوهُم بما كانوا يفسُقون}: ففسقُهم هو الذي أوجب أن يبتلِيَهم الله وأن تكون لهم هذه المحنة، وإلاَّ؛ فلو لم يفسُقوا؛ لعافاهم الله، ولما عرَّضهم للبلاء والشرِّ.
{164} فتحيلوا على الصيد، فكانوا يحفرون لها حفراً، وينصبون لها الشباك؛ فإذا جاءت يوم السبت ووقعت في تلك الحفر والشِّباك؛ لم يأخذوها في ذلك اليوم؛ فإذا جاء يوم الأحد؛ أخذوها، وكثر فيهم ذلك، وانقسموا ثلاث فرق: معظمهم اعتَدَوا وتجرَّؤوا وأعلنوا بذلك. وفرقةٌ أعلنت بنهيهم والإنكار عليهم. وفرقةٌ اكتفتْ بإنكار أولئك عليهم ونهيهم لهم وقالوا:{لم تَعِظونَ قوماً اللهُ مهلِكُهم أو معذِّبهم عذاباً شديداً}: كأنَّهم يقولون: لا فائدة في وعظ مَن اقتحم محارم الله ولم يُصْغِ للنصيح بل استمرَّ على اعتدائه وطغيانه؛ فإنه لا بد أن يعاقبهم الله إما بهلاك أو عذاب شديد. فقال الواعظون: نعظهم وننهاهم {معذرةً إلى ربِّكم}؛ أي: لنُعْذَرَ فيهم، {ولعلَّهم يتَّقون}؛ أي: يتركون ما هم فيه من المعصية؛ فلا نيأس من هدايتهم؛ فربَّما نجع فيهم الوعظ وأثر فيهم اللوم، وهذا المقصود الأعظم من إنكار المنكر؛ ليكون معذرة وإقامة حجةٍ على المأمور المنهي، ولعل الله أن يهديه فيعمل بمقتضى ذلك الأمر والنهي.
{165}{فلما نسوا ما ذُكِّروا به}؛ أي: تركوا ما ذُكِّروا به واستمروا على غَيِّهم واعتدائهم، {أنۡجَيۡنا الذين ينهون عن السوء}: وهكذا سنة الله في عباده أن العقوبة إذا نزلت نجا منها الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، {وأخذنا الذين ظلموا}: وهم الذين اعتدَوْا في السبت {بعذابٍ بئيس}؛ أي: شديد {بما كانوا يفسُقون}.
وأما الفرقة الأخرى التي قالت للناهين: لم تعِظون قوماً الله مهلكهم؛ فاختلف المفسرون في نجاتِهِم وهلاكهم، والظاهرُ أنهم كانوا من الناجين؛ لأنَّ الله خصَّ الهلاك بالظالمين، وهو لم يذكر أنهم ظالمون، فدلَّ على أن العقوبة خاصَّة بالمعتدين في السبت، ولأنَّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرضُ كفاية إذا قام به البعض سقط عن الآخرين؛ فاكتفوا بإنكار أولئك، ولأنهم أنكروا عليهم بقولهم:{لم تَعِظونَ قوماً الله مهلِكُهم أو معذِّبهم عذاباً شديداً}: فأبدَوْا من غضبهم عليهم ما يقتضي أنَّهم كارهون أشدَّ الكراهة لفعلهم، وأنَّ الله سيعاقبهم أشدَّ العقوبة.
{166}{فلما عَتَوۡا عما نُهوا عنه}؛ أي: قسوا فلم يلينوا ولا اتَّعظوا، {قلنا لهم} قولاً قدريًّا: {كونوا قردةً خاسئين}: فانقلبوا بإذن الله قردةً وأبعدهم الله من رحمته.
{167} ثم ذكر ضَرْبَ الذلة والصغار على من بقي منهم، فقال:{وإذ تأذَّنَ ربُّك}؛ أي: أعلم إعلاماً صريحاً، {ليبعثنَّ عليهم إلى يوم القيامة من يسومُهم سوء العذاب}؛ أي: يهينُهم ويذلُّهم، {إنَّ ربَّك لسريع العقاب}: لمن عصاه، حتى إنه يعجِّل له العقوبة في الدنيا. {وإنَّه لغفورٌ رحيم}: لمن تاب إليه وأناب؛ يغفر له الذُّنوب، ويستُر عليه العيوب، ويرحمه بأن يتقبَّل منه الطاعات ويثيبه عليها بأنواع المثوبات، وقد فعل الله بهم ما وعدهم به؛ فلا يزالون في ذلٍّ وإهانة، تحت حكم غيرهم، لا تقوم لهم رايةٌ ولا ينصر لهم عَلَمٌ.
{168}{وقطَّعناهم في الأرض أمماً}؛ أي: فرَّقناهم ومزَّقناهم في الأرض بعدما كانوا مجتمعين، {منهم الصالحون}: القائمون بحقوق الله وحقوق عباده، {ومنهم دون ذلك}؛ أي: دون الصلاح: إما مقتصدون، وإما الظالمون لأنفسهم. {وبَلَوۡناهم}: على عادتنا وسنَّتنا {بالحسنات والسيئات}؛ أي: باليُسْر والعُسْر، {لعلَّهم يرجِعون}: عما هم عليه مقيمون من الرَّدى، ويراجعون ما خُلقوا له من الهدى، فلم يزالوا بين صالح وطالح ومقتصدٍ.
{169} حتى خلف {من بعدِهم خَلۡفٌ}: زاد شرُّهم {ورثوا}: بعدهم {الكتابَ}: وصار المرجع فيه إليهم، وصاروا يتصرَّفون فيه بأهوائهم، وتُبْذَلُ لهم الأموال ليفْتُوا ويحكموا بغير الحقِّ، وفشت فيهم الرشوة. {يأخُذون عَرَضَ هذا الأدنى ويقولونَ}: مقرِّين بأنه ذنب وأنهم ظلمة: {سَيُغۡفَرُ لنا}: وهذا قول خالٍ من الحقيقة؛ فإنه ليس استغفاراً وطلباً للمغفرة على الحقيقة؛ فلو كان ذلك؛ لندموا على ما فعلوا، وعزموا على أن لا يعودوا، ولكنهم إذا أتاهم عرضٌ آخر ورشوةٌ أخرى؛ يأخذوه، فاشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً، واستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير! قال الله تعالى في الإنكار عليهم وبيان جراءتهم:{ألم يؤخَذۡ عليهم ميثاقُ الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحقَّ}: فما بالُهم يقولون عليه غير الحقِّ اتِّباعاً لأهوائهم وميلاً مع مطامعهم؟! {و} الحالُ أنهم قد {دَرَسوا ما فيه}: فليس عليهم فيه إشكالٌ، بل قد أتوا أمرهم متعمِّدين، وكانوا في أمرهم مستبصرين، وهذا أعظمُ للذنب وأشدُّ للَّوم وأشنع للعقوبة، وهذا من نقص عقولهم وسفاهة رأيهم بإيثار الحياة الدُّنيا على الآخرة، ولهذا قال:{والدارُ الآخرة خيرٌ للذين يتَّقون}: ما حرَّم الله عليهم من المآكل التي تُصاب وتؤكل رشوة على الحكم بغير ما أنزل الله وغير ذلك من أنواع المحرمات. {أفلا تعقلون}؛ أي: أفلا يكون لكم عقولٌ توازن بين ما ينبغي إيثاره وما ينبغي الإيثار عليه، وما هو أولى بالسعي إليه والتقديم له على غيره؟! فخاصيَّة العقل النظر للعواقب، وأما من نَظَرَ إلى عاجل طفيف منقطع يفوِّت نعيماً عظيماً باقياً؛ فأنَّى له العقل والرأي؟!
{170} وإنما العقلاءُ حقيقة من وصفهم الله بقوله: {والذين يمسِّكونَ بالكتاب}؛ أي: يتمسَّكون به علماً وعملاً، فيعلمون ما فيه من الأحكام والأخبار التي علمها أشرف العلوم، ويعملون بما فيها من الأوامر التي هي قرة العيون وسرور القلوب وأفراح الأرواح وصلاح الدنيا والآخرة. ومن أعظم ما يجب التمسُّك به من المأمورات إقامة الصلاة ظاهراً وباطناً، ولهذا خصها بالذِّكر لفضلها وشرفها وكونها ميزان الإيمان وإقامتها داعيةٌ لإقامة غيرها من العبادات. ولما كان عملهم كلُّه إصلاحاً؛ قال تعالى:{إنَّا لا نُضيعَ أجر المصلحين}: في أقوالهم وأعمالهم ونيَّاتهم، مصلحين لأنفسهم ولغيرهم.
وهذه الآية وما أشبهها دلَّت على أنَّ الله بعث رسله عليهم الصلاة والسلام بالصلاح لا بالفساد، وبالمنافع لا بالمضار، وأنَّهم بُعِثوا بصلاح الدارين؛ فكلُّ مَن كان أصلح؛ كان أقرب إلى اتِّباعهم.
{171} ثم قال تعالى: {وإذ نَتَقۡنا الجبل فوقَهم}: حين امتنعوا من قَبول ما في التوراة، فألزمهم الله العمل، وَنَتقَ فوق رؤوسهم الجبل، فصار فوقهم:{كأنه ظُلَّة وظنُّوا أنه واقعٌ بهم}، وقيل لهم:{خذوا ما آتيناكم بقوَّةٍ}؛ أي: بجدٍّ واجتهاد. {واذكُروا ما فيه}: دراسة ومباحثة واتصافاً بالعمل به، {لعلَّكم تتَّقون}: إذا فعلتُم ذلك.
الأعراف 7:172
{172 ـ 173} يقول تعالى: {وإذۡ أخَذَ ربُّك من بني آدمَ من ظهورهم ذُرِّيَّتهم}؛ أي: أخرج من أصلابهم ذريتهم، وجعلهم يتناسلون ويتوالدون قرناً بعد قرنٍ. {و}: حين أخرجهم من بطون أمَّهاتهم وأصلاب آبائهم، {أشهدهم على أنفسِهِم ألستُ بربِّكم}؛ أي: قرَّرهم بإثبات ربوبيَّته بما أودعه في فطرهم من الإقرار بأنه ربُّهم وخالقهم ومليكهم. قالوا: بلى؛ قد أقررنا بذلك؛ فإنَّ الله تعالى فطر عباده على الدين الحنيف القيم، فكلُّ أحدٍ فهو مفطورٌ على ذلك، ولكن الفطرة قد تُغيَّر وتُبدَّل بما يطرأ على العقول والعقائد الفاسدة ، ولهذا {قالوا بلى شَهِدۡنا أن تَقولوا يوم القيامةِ إنَّا كنَّا عن هذا غافلين}؛ أي: إنما امتحنَّاكم حتى أقررتم بما تقرَّر عندكم من أنَّ الله تعالى ربُّكم؛ خشية أن تنكِروا يوم القيامة فلا تقرُّوا بشيء من ذلك، وتزعمون أن حجَّة الله ما قامت عليكم، ولا عندكم بها علم، بل أنتم غافلون عنها لاهون؛ فاليوم قد انقطعت حجَّتكم، وثبتت الحجة البالغة لله عليكم. أو تحتجون أيضاً بحجَّة أخرى، فتقولون:{إنَّما أشركَ آباؤنا من قَبۡلُ وكُنَّا ذُرِّيَّةً من بعدِهم}: فحذونا حَذْوَهم، وتبعناهم في باطلهم. {أفتهلِكُنا بما فعل المبطلون}؟ فقد أودع الله في فطركم ما يدلُّكم على أن ما مع آبائكم باطلٌ، وأنَّ الحقَّ ما جاءت به الرسل، وهذا يقاوم ما وجدتم عليه آباءكم ويعلو عليه. نعم؛ قد يعرض للعبد من أقوال آبائه الضالِّين ومذاهبهم الفاسدة ما يظنُّه هو الحقَّ، وما ذاك إلا لإعراضه عن حجج الله وبيِّناته وآياته الأفقيَّة والنفسيَّة؛ فإعراضه عن ذلك وإقباله على ما قاله المبطلون، ربَّما صيَّره بحالة يُفضِّل بها الباطل على الحق.
هذا هو الصواب في تفسير هذه الآيات، وقد قيل: إن هذا يوم أخذ الله الميثاق على ذريَّة آدم حين استخرجهم من ظهره وأشهدهم على أنفسهم فشهدوا بذلك فاحتجَّ عليهم بما أمرهم به في ذلك الوقت على ظلمهم في كفرهم وعنادهم في الدنيا والآخرة! ولكن ليس في الآية ما يدلُّ على هذا، ولا له مناسبة، ولا تقتضيه حكمة الله تعالى، والواقع شاهدٌ بذلك؛ فإنَّ هذا العهد والميثاق الذي ذَكَروا أنه حين أخْرَجَ اللهُ ذُرِّيَّةَ آدم من ظهره حين كانوا في عالم كالذَّرِّ لا يذكُرُه أحدٌ ولا يخطُرُ ببال آدميٍّ؛ فكيف يحتجُّ الله عليهم بأمرٍ ليس عندهم به خبرٌ ولا له عينٌ ولا أثرٌ؟!
{174} ولهذا؛ لما كان هذا أمراً واضحاً جليًّا؛ قال تعالى:{وكذلك نفصِّل الآيات}؛ أي: نبيِّنها ونوضِّحها، {ولعلَّهم يرجعون}: إلى ما أودع الله في فِطَرِهم وإلى ما عاهدوا الله عليه فيرتدعوا عن القبائح.
الأعراف 7:173
{172 ـ 173} يقول تعالى: {وإذۡ أخَذَ ربُّك من بني آدمَ من ظهورهم ذُرِّيَّتهم}؛ أي: أخرج من أصلابهم ذريتهم، وجعلهم يتناسلون ويتوالدون قرناً بعد قرنٍ. {و}: حين أخرجهم من بطون أمَّهاتهم وأصلاب آبائهم، {أشهدهم على أنفسِهِم ألستُ بربِّكم}؛ أي: قرَّرهم بإثبات ربوبيَّته بما أودعه في فطرهم من الإقرار بأنه ربُّهم وخالقهم ومليكهم. قالوا: بلى؛ قد أقررنا بذلك؛ فإنَّ الله تعالى فطر عباده على الدين الحنيف القيم، فكلُّ أحدٍ فهو مفطورٌ على ذلك، ولكن الفطرة قد تُغيَّر وتُبدَّل بما يطرأ على العقول والعقائد الفاسدة ، ولهذا {قالوا بلى شَهِدۡنا أن تَقولوا يوم القيامةِ إنَّا كنَّا عن هذا غافلين}؛ أي: إنما امتحنَّاكم حتى أقررتم بما تقرَّر عندكم من أنَّ الله تعالى ربُّكم؛ خشية أن تنكِروا يوم القيامة فلا تقرُّوا بشيء من ذلك، وتزعمون أن حجَّة الله ما قامت عليكم، ولا عندكم بها علم، بل أنتم غافلون عنها لاهون؛ فاليوم قد انقطعت حجَّتكم، وثبتت الحجة البالغة لله عليكم. أو تحتجون أيضاً بحجَّة أخرى، فتقولون:{إنَّما أشركَ آباؤنا من قَبۡلُ وكُنَّا ذُرِّيَّةً من بعدِهم}: فحذونا حَذْوَهم، وتبعناهم في باطلهم. {أفتهلِكُنا بما فعل المبطلون}؟ فقد أودع الله في فطركم ما يدلُّكم على أن ما مع آبائكم باطلٌ، وأنَّ الحقَّ ما جاءت به الرسل، وهذا يقاوم ما وجدتم عليه آباءكم ويعلو عليه. نعم؛ قد يعرض للعبد من أقوال آبائه الضالِّين ومذاهبهم الفاسدة ما يظنُّه هو الحقَّ، وما ذاك إلا لإعراضه عن حجج الله وبيِّناته وآياته الأفقيَّة والنفسيَّة؛ فإعراضه عن ذلك وإقباله على ما قاله المبطلون، ربَّما صيَّره بحالة يُفضِّل بها الباطل على الحق.
هذا هو الصواب في تفسير هذه الآيات، وقد قيل: إن هذا يوم أخذ الله الميثاق على ذريَّة آدم حين استخرجهم من ظهره وأشهدهم على أنفسهم فشهدوا بذلك فاحتجَّ عليهم بما أمرهم به في ذلك الوقت على ظلمهم في كفرهم وعنادهم في الدنيا والآخرة! ولكن ليس في الآية ما يدلُّ على هذا، ولا له مناسبة، ولا تقتضيه حكمة الله تعالى، والواقع شاهدٌ بذلك؛ فإنَّ هذا العهد والميثاق الذي ذَكَروا أنه حين أخْرَجَ اللهُ ذُرِّيَّةَ آدم من ظهره حين كانوا في عالم كالذَّرِّ لا يذكُرُه أحدٌ ولا يخطُرُ ببال آدميٍّ؛ فكيف يحتجُّ الله عليهم بأمرٍ ليس عندهم به خبرٌ ولا له عينٌ ولا أثرٌ؟!
{174} ولهذا؛ لما كان هذا أمراً واضحاً جليًّا؛ قال تعالى:{وكذلك نفصِّل الآيات}؛ أي: نبيِّنها ونوضِّحها، {ولعلَّهم يرجعون}: إلى ما أودع الله في فِطَرِهم وإلى ما عاهدوا الله عليه فيرتدعوا عن القبائح.
الأعراف 7:174
{172 ـ 173} يقول تعالى: {وإذۡ أخَذَ ربُّك من بني آدمَ من ظهورهم ذُرِّيَّتهم}؛ أي: أخرج من أصلابهم ذريتهم، وجعلهم يتناسلون ويتوالدون قرناً بعد قرنٍ. {و}: حين أخرجهم من بطون أمَّهاتهم وأصلاب آبائهم، {أشهدهم على أنفسِهِم ألستُ بربِّكم}؛ أي: قرَّرهم بإثبات ربوبيَّته بما أودعه في فطرهم من الإقرار بأنه ربُّهم وخالقهم ومليكهم. قالوا: بلى؛ قد أقررنا بذلك؛ فإنَّ الله تعالى فطر عباده على الدين الحنيف القيم، فكلُّ أحدٍ فهو مفطورٌ على ذلك، ولكن الفطرة قد تُغيَّر وتُبدَّل بما يطرأ على العقول والعقائد الفاسدة ، ولهذا {قالوا بلى شَهِدۡنا أن تَقولوا يوم القيامةِ إنَّا كنَّا عن هذا غافلين}؛ أي: إنما امتحنَّاكم حتى أقررتم بما تقرَّر عندكم من أنَّ الله تعالى ربُّكم؛ خشية أن تنكِروا يوم القيامة فلا تقرُّوا بشيء من ذلك، وتزعمون أن حجَّة الله ما قامت عليكم، ولا عندكم بها علم، بل أنتم غافلون عنها لاهون؛ فاليوم قد انقطعت حجَّتكم، وثبتت الحجة البالغة لله عليكم. أو تحتجون أيضاً بحجَّة أخرى، فتقولون:{إنَّما أشركَ آباؤنا من قَبۡلُ وكُنَّا ذُرِّيَّةً من بعدِهم}: فحذونا حَذْوَهم، وتبعناهم في باطلهم. {أفتهلِكُنا بما فعل المبطلون}؟ فقد أودع الله في فطركم ما يدلُّكم على أن ما مع آبائكم باطلٌ، وأنَّ الحقَّ ما جاءت به الرسل، وهذا يقاوم ما وجدتم عليه آباءكم ويعلو عليه. نعم؛ قد يعرض للعبد من أقوال آبائه الضالِّين ومذاهبهم الفاسدة ما يظنُّه هو الحقَّ، وما ذاك إلا لإعراضه عن حجج الله وبيِّناته وآياته الأفقيَّة والنفسيَّة؛ فإعراضه عن ذلك وإقباله على ما قاله المبطلون، ربَّما صيَّره بحالة يُفضِّل بها الباطل على الحق.
هذا هو الصواب في تفسير هذه الآيات، وقد قيل: إن هذا يوم أخذ الله الميثاق على ذريَّة آدم حين استخرجهم من ظهره وأشهدهم على أنفسهم فشهدوا بذلك فاحتجَّ عليهم بما أمرهم به في ذلك الوقت على ظلمهم في كفرهم وعنادهم في الدنيا والآخرة! ولكن ليس في الآية ما يدلُّ على هذا، ولا له مناسبة، ولا تقتضيه حكمة الله تعالى، والواقع شاهدٌ بذلك؛ فإنَّ هذا العهد والميثاق الذي ذَكَروا أنه حين أخْرَجَ اللهُ ذُرِّيَّةَ آدم من ظهره حين كانوا في عالم كالذَّرِّ لا يذكُرُه أحدٌ ولا يخطُرُ ببال آدميٍّ؛ فكيف يحتجُّ الله عليهم بأمرٍ ليس عندهم به خبرٌ ولا له عينٌ ولا أثرٌ؟!
{174} ولهذا؛ لما كان هذا أمراً واضحاً جليًّا؛ قال تعالى:{وكذلك نفصِّل الآيات}؛ أي: نبيِّنها ونوضِّحها، {ولعلَّهم يرجعون}: إلى ما أودع الله في فِطَرِهم وإلى ما عاهدوا الله عليه فيرتدعوا عن القبائح.
الأعراف 7:175
{175} يقول تعالى لنبيه - صلى الله عليه وسلم -: {واتلُ عليهم نبأ الذي آتَيۡناه آياتِنا}؛ أي: علمناه [علم] كتاب الله فصار العالم الكبير والحبر النحرير فانسلخ منها فأتبعه الشيطان؛ أي: انسلخ من الاتِّصاف الحقيقيِّ بالعلم بآيات الله؛ فإنَّ العلم بذلك يصيِّر صاحبه متصفاً بمكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال ويرقى إلى أعلى الدرجات وأرفع المقامات؛ فترك هذا كتاب الله وراء ظهره، ونبذ الأخلاق التي يأمر بها الكتاب، وخلعها كما يُخْلَعُ اللباس، فلما انسلخ منها؛ أتْبَعَهُ الشيطانُ؛ أي: تسلَّط عليه حين خرج من الحصن الحصين وصار إلى أسفل سافلين، فأزَّه إلى المعاصي أزًّا، {فكان من الغاوين}: بعد أن كان من الراشدين المرشدين.
{176} وهذا لأنَّ الله تعالى خَذَلَه ووَكَلَه إلى نفسه؛ فلهذا قال تعالى:{ولو شِئۡنا لرَفَعۡناه بها}: بأن نوفِّقه للعمل بها، فيرتفع في الدنيا والآخرة، فيتحصَّن من أعدائه، {ولكنَّه}: فعل ما يقتضي الخذلان؛ فأخلدَ إلى الأرضِ؛ أي: إلى الشهوات السفليَّة والمقاصد الدنيويَّة، {واتَّبع هواه}: وترك طاعة مولاه. {فَمَثله}: في شدة حرصه على الدنيا وانقطاع قلبه إليها {كمثل الكلب إن تَحۡمِلۡ عليه يَلۡهَثۡ أو تترُكۡهُ يلهثۡ}؛ أي: لا يزال لاهثاً في كل حال، وهذا لا يزال حريصاً حرصاً قاطعاً قلبه لا يسدُّ فاقتَهُ شيءٌ من الدُّنيا. {ذلك مَثَلُ القوم الذين كذَّبوا بآياتنا}: بعد أن ساقها الله إليهم، فلم ينقادوا لها، بل كذَّبوا بها وردُّوها لهوانهم على الله واتِّباعهم لأهوائهم بغير هدى من الله. {فاقصُص القَصَص لعلَّهم يتفكَّرون}: في ضرب الأمثال وفي العبر والآيات؛ فإذا تفكَّروا؛ علموا، وإذا علموا؛ عملوا.
{177}{ساء مَثَلاً القومُ الذين كذَّبوا بآياتِنا وأنفسَهم كانوا يظلمونَ}؛ أي: ساء وقَبُح مَثَلُ مَن كذب بآيات الله، وظلم نفسه بأنواع المعاصي؛ فإنَّ مَثَلَهم مَثَلُ السَّوْء.
وهذا الذي آتاه الله آياته يُحتمل أنَّ المرادَ به شخصٌ معيَّن قد كان منه ما ذكره اللهُ فقص اللهُ قصَّته تنبيهاً للعباد، ويُحتمل أنَّ المراد بذلك أنه اسم جنس، وأنَّه شاملٌ لكلِّ من آتاه اللهُ آياته فانسلخ منها.
وفي هذه الآيات الترغيب في العمل بالعلم، وأنَّ ذلك رفعة من الله لصاحبه وعصمة من الشيطان، والترهيب من عدم العمل به، وأنه نزولٌ إلى أسفل سافلين وتسليط للشيطان عليه. وفيه أنَّ اتِّباع الهوى وإخلادَ العبد إلى الشهوات يكون سبباً للخذلان.
{178} ثم قال تعالى مبيناً أنه المنفرد بالهداية والإضلال: {مَن يهدِ الله}: بأن يوفِّقه للخيرات ويعصمه من المكروهات ويعلِّمه ما لم يكن يعلم، {فهو المهتدي}: حقًّا؛ لأنه آثر هدايته تعالى، {ومن يُضۡلِلۡ}: فيخذله ولا يوفِّقه للخير، {فأولئك هم الخاسرون}: لأنفسهم وأهليهم يوم القيامة، ألا ذلك هو الخسران المبين.
الأعراف 7:176
{175} يقول تعالى لنبيه - صلى الله عليه وسلم -: {واتلُ عليهم نبأ الذي آتَيۡناه آياتِنا}؛ أي: علمناه [علم] كتاب الله فصار العالم الكبير والحبر النحرير فانسلخ منها فأتبعه الشيطان؛ أي: انسلخ من الاتِّصاف الحقيقيِّ بالعلم بآيات الله؛ فإنَّ العلم بذلك يصيِّر صاحبه متصفاً بمكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال ويرقى إلى أعلى الدرجات وأرفع المقامات؛ فترك هذا كتاب الله وراء ظهره، ونبذ الأخلاق التي يأمر بها الكتاب، وخلعها كما يُخْلَعُ اللباس، فلما انسلخ منها؛ أتْبَعَهُ الشيطانُ؛ أي: تسلَّط عليه حين خرج من الحصن الحصين وصار إلى أسفل سافلين، فأزَّه إلى المعاصي أزًّا، {فكان من الغاوين}: بعد أن كان من الراشدين المرشدين.
{176} وهذا لأنَّ الله تعالى خَذَلَه ووَكَلَه إلى نفسه؛ فلهذا قال تعالى:{ولو شِئۡنا لرَفَعۡناه بها}: بأن نوفِّقه للعمل بها، فيرتفع في الدنيا والآخرة، فيتحصَّن من أعدائه، {ولكنَّه}: فعل ما يقتضي الخذلان؛ فأخلدَ إلى الأرضِ؛ أي: إلى الشهوات السفليَّة والمقاصد الدنيويَّة، {واتَّبع هواه}: وترك طاعة مولاه. {فَمَثله}: في شدة حرصه على الدنيا وانقطاع قلبه إليها {كمثل الكلب إن تَحۡمِلۡ عليه يَلۡهَثۡ أو تترُكۡهُ يلهثۡ}؛ أي: لا يزال لاهثاً في كل حال، وهذا لا يزال حريصاً حرصاً قاطعاً قلبه لا يسدُّ فاقتَهُ شيءٌ من الدُّنيا. {ذلك مَثَلُ القوم الذين كذَّبوا بآياتنا}: بعد أن ساقها الله إليهم، فلم ينقادوا لها، بل كذَّبوا بها وردُّوها لهوانهم على الله واتِّباعهم لأهوائهم بغير هدى من الله. {فاقصُص القَصَص لعلَّهم يتفكَّرون}: في ضرب الأمثال وفي العبر والآيات؛ فإذا تفكَّروا؛ علموا، وإذا علموا؛ عملوا.
{177}{ساء مَثَلاً القومُ الذين كذَّبوا بآياتِنا وأنفسَهم كانوا يظلمونَ}؛ أي: ساء وقَبُح مَثَلُ مَن كذب بآيات الله، وظلم نفسه بأنواع المعاصي؛ فإنَّ مَثَلَهم مَثَلُ السَّوْء.
وهذا الذي آتاه الله آياته يُحتمل أنَّ المرادَ به شخصٌ معيَّن قد كان منه ما ذكره اللهُ فقص اللهُ قصَّته تنبيهاً للعباد، ويُحتمل أنَّ المراد بذلك أنه اسم جنس، وأنَّه شاملٌ لكلِّ من آتاه اللهُ آياته فانسلخ منها.
وفي هذه الآيات الترغيب في العمل بالعلم، وأنَّ ذلك رفعة من الله لصاحبه وعصمة من الشيطان، والترهيب من عدم العمل به، وأنه نزولٌ إلى أسفل سافلين وتسليط للشيطان عليه. وفيه أنَّ اتِّباع الهوى وإخلادَ العبد إلى الشهوات يكون سبباً للخذلان.
{178} ثم قال تعالى مبيناً أنه المنفرد بالهداية والإضلال: {مَن يهدِ الله}: بأن يوفِّقه للخيرات ويعصمه من المكروهات ويعلِّمه ما لم يكن يعلم، {فهو المهتدي}: حقًّا؛ لأنه آثر هدايته تعالى، {ومن يُضۡلِلۡ}: فيخذله ولا يوفِّقه للخير، {فأولئك هم الخاسرون}: لأنفسهم وأهليهم يوم القيامة، ألا ذلك هو الخسران المبين.
الأعراف 7:177
{175} يقول تعالى لنبيه - صلى الله عليه وسلم -: {واتلُ عليهم نبأ الذي آتَيۡناه آياتِنا}؛ أي: علمناه [علم] كتاب الله فصار العالم الكبير والحبر النحرير فانسلخ منها فأتبعه الشيطان؛ أي: انسلخ من الاتِّصاف الحقيقيِّ بالعلم بآيات الله؛ فإنَّ العلم بذلك يصيِّر صاحبه متصفاً بمكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال ويرقى إلى أعلى الدرجات وأرفع المقامات؛ فترك هذا كتاب الله وراء ظهره، ونبذ الأخلاق التي يأمر بها الكتاب، وخلعها كما يُخْلَعُ اللباس، فلما انسلخ منها؛ أتْبَعَهُ الشيطانُ؛ أي: تسلَّط عليه حين خرج من الحصن الحصين وصار إلى أسفل سافلين، فأزَّه إلى المعاصي أزًّا، {فكان من الغاوين}: بعد أن كان من الراشدين المرشدين.
{176} وهذا لأنَّ الله تعالى خَذَلَه ووَكَلَه إلى نفسه؛ فلهذا قال تعالى:{ولو شِئۡنا لرَفَعۡناه بها}: بأن نوفِّقه للعمل بها، فيرتفع في الدنيا والآخرة، فيتحصَّن من أعدائه، {ولكنَّه}: فعل ما يقتضي الخذلان؛ فأخلدَ إلى الأرضِ؛ أي: إلى الشهوات السفليَّة والمقاصد الدنيويَّة، {واتَّبع هواه}: وترك طاعة مولاه. {فَمَثله}: في شدة حرصه على الدنيا وانقطاع قلبه إليها {كمثل الكلب إن تَحۡمِلۡ عليه يَلۡهَثۡ أو تترُكۡهُ يلهثۡ}؛ أي: لا يزال لاهثاً في كل حال، وهذا لا يزال حريصاً حرصاً قاطعاً قلبه لا يسدُّ فاقتَهُ شيءٌ من الدُّنيا. {ذلك مَثَلُ القوم الذين كذَّبوا بآياتنا}: بعد أن ساقها الله إليهم، فلم ينقادوا لها، بل كذَّبوا بها وردُّوها لهوانهم على الله واتِّباعهم لأهوائهم بغير هدى من الله. {فاقصُص القَصَص لعلَّهم يتفكَّرون}: في ضرب الأمثال وفي العبر والآيات؛ فإذا تفكَّروا؛ علموا، وإذا علموا؛ عملوا.
{177}{ساء مَثَلاً القومُ الذين كذَّبوا بآياتِنا وأنفسَهم كانوا يظلمونَ}؛ أي: ساء وقَبُح مَثَلُ مَن كذب بآيات الله، وظلم نفسه بأنواع المعاصي؛ فإنَّ مَثَلَهم مَثَلُ السَّوْء.
وهذا الذي آتاه الله آياته يُحتمل أنَّ المرادَ به شخصٌ معيَّن قد كان منه ما ذكره اللهُ فقص اللهُ قصَّته تنبيهاً للعباد، ويُحتمل أنَّ المراد بذلك أنه اسم جنس، وأنَّه شاملٌ لكلِّ من آتاه اللهُ آياته فانسلخ منها.
وفي هذه الآيات الترغيب في العمل بالعلم، وأنَّ ذلك رفعة من الله لصاحبه وعصمة من الشيطان، والترهيب من عدم العمل به، وأنه نزولٌ إلى أسفل سافلين وتسليط للشيطان عليه. وفيه أنَّ اتِّباع الهوى وإخلادَ العبد إلى الشهوات يكون سبباً للخذلان.
{178} ثم قال تعالى مبيناً أنه المنفرد بالهداية والإضلال: {مَن يهدِ الله}: بأن يوفِّقه للخيرات ويعصمه من المكروهات ويعلِّمه ما لم يكن يعلم، {فهو المهتدي}: حقًّا؛ لأنه آثر هدايته تعالى، {ومن يُضۡلِلۡ}: فيخذله ولا يوفِّقه للخير، {فأولئك هم الخاسرون}: لأنفسهم وأهليهم يوم القيامة، ألا ذلك هو الخسران المبين.
الأعراف 7:178
{175} يقول تعالى لنبيه - صلى الله عليه وسلم -: {واتلُ عليهم نبأ الذي آتَيۡناه آياتِنا}؛ أي: علمناه [علم] كتاب الله فصار العالم الكبير والحبر النحرير فانسلخ منها فأتبعه الشيطان؛ أي: انسلخ من الاتِّصاف الحقيقيِّ بالعلم بآيات الله؛ فإنَّ العلم بذلك يصيِّر صاحبه متصفاً بمكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال ويرقى إلى أعلى الدرجات وأرفع المقامات؛ فترك هذا كتاب الله وراء ظهره، ونبذ الأخلاق التي يأمر بها الكتاب، وخلعها كما يُخْلَعُ اللباس، فلما انسلخ منها؛ أتْبَعَهُ الشيطانُ؛ أي: تسلَّط عليه حين خرج من الحصن الحصين وصار إلى أسفل سافلين، فأزَّه إلى المعاصي أزًّا، {فكان من الغاوين}: بعد أن كان من الراشدين المرشدين.
{176} وهذا لأنَّ الله تعالى خَذَلَه ووَكَلَه إلى نفسه؛ فلهذا قال تعالى:{ولو شِئۡنا لرَفَعۡناه بها}: بأن نوفِّقه للعمل بها، فيرتفع في الدنيا والآخرة، فيتحصَّن من أعدائه، {ولكنَّه}: فعل ما يقتضي الخذلان؛ فأخلدَ إلى الأرضِ؛ أي: إلى الشهوات السفليَّة والمقاصد الدنيويَّة، {واتَّبع هواه}: وترك طاعة مولاه. {فَمَثله}: في شدة حرصه على الدنيا وانقطاع قلبه إليها {كمثل الكلب إن تَحۡمِلۡ عليه يَلۡهَثۡ أو تترُكۡهُ يلهثۡ}؛ أي: لا يزال لاهثاً في كل حال، وهذا لا يزال حريصاً حرصاً قاطعاً قلبه لا يسدُّ فاقتَهُ شيءٌ من الدُّنيا. {ذلك مَثَلُ القوم الذين كذَّبوا بآياتنا}: بعد أن ساقها الله إليهم، فلم ينقادوا لها، بل كذَّبوا بها وردُّوها لهوانهم على الله واتِّباعهم لأهوائهم بغير هدى من الله. {فاقصُص القَصَص لعلَّهم يتفكَّرون}: في ضرب الأمثال وفي العبر والآيات؛ فإذا تفكَّروا؛ علموا، وإذا علموا؛ عملوا.
{177}{ساء مَثَلاً القومُ الذين كذَّبوا بآياتِنا وأنفسَهم كانوا يظلمونَ}؛ أي: ساء وقَبُح مَثَلُ مَن كذب بآيات الله، وظلم نفسه بأنواع المعاصي؛ فإنَّ مَثَلَهم مَثَلُ السَّوْء.
وهذا الذي آتاه الله آياته يُحتمل أنَّ المرادَ به شخصٌ معيَّن قد كان منه ما ذكره اللهُ فقص اللهُ قصَّته تنبيهاً للعباد، ويُحتمل أنَّ المراد بذلك أنه اسم جنس، وأنَّه شاملٌ لكلِّ من آتاه اللهُ آياته فانسلخ منها.
وفي هذه الآيات الترغيب في العمل بالعلم، وأنَّ ذلك رفعة من الله لصاحبه وعصمة من الشيطان، والترهيب من عدم العمل به، وأنه نزولٌ إلى أسفل سافلين وتسليط للشيطان عليه. وفيه أنَّ اتِّباع الهوى وإخلادَ العبد إلى الشهوات يكون سبباً للخذلان.
{178} ثم قال تعالى مبيناً أنه المنفرد بالهداية والإضلال: {مَن يهدِ الله}: بأن يوفِّقه للخيرات ويعصمه من المكروهات ويعلِّمه ما لم يكن يعلم، {فهو المهتدي}: حقًّا؛ لأنه آثر هدايته تعالى، {ومن يُضۡلِلۡ}: فيخذله ولا يوفِّقه للخير، {فأولئك هم الخاسرون}: لأنفسهم وأهليهم يوم القيامة، ألا ذلك هو الخسران المبين.
الأعراف 7:179
{179} يقول تعالى مبيناً كثرة الغاوين الضالِّين المتَّبعين إبليس اللعين: {ولقد ذَرَأنا}؛ أي: أنشأنا، وبثثنا {لجهنَّم كثيراً من الجنِّ والإنس}: صارت البهائم أحسن حالة منهم. {لهم قلوبٌ لا يفقهون بها}؛ أي: لا يصلُ إليها فقهٌ ولا علمٌ إلاَّ مجرَّد قيام الحجة، {ولهم أعينٌ لا يبصرون بها}: ما ينفعُهم، بل فقدوا منفعتها وفائدتها، {ولهم آذانٌ لا يسمعون بها}: سماعاً يصل معناه إلى قلوبهم. {أولئك}: الذين بهذه الأوصاف القبيحة {كالأنعام}؛ أي: البهائم التي فقدت العقول، وهؤلاء آثروا ما يفنى على ما يبقى فسُلِبوا خاصية العقل. {بل هم أضلُّ}: من البهائم؛ فإنَّ الأنعام مستعملة فيما خُلِقت له، ولها أذهانٌ تدرك بها مضرَّتها من منفعتها؛ فلذلك كانت أحسن حالاً منهم. و {أولئك هم الغافلون}: الذين غفلوا عن أنفع الأشياء؛ غفلوا عن الإيمان بالله وطاعته وذِكْره، خُلِقَتْ لهم الأفئدة والأسماع والأبصار لتكونَ عوناً لهم على القيام بأوامر الله وحقوقه، فاستعانوا بها على ضدِّ هذا المقصود؛ فهؤلاء حقيقون بأن يكونوا ممَّن ذرأ الله لجهنَّم وخلقهم لها؛ فخلقهم للنار وبأعمال أهلها يعملون، وأما مَن استعمل هذه الجوارح في عبادة الله وانصبغ قلبُهُ بالإيمان بالله ومحبَّته ولم يغفل عن الله؛ فهؤلاء أهل الجنة وبأعمال أهل الجنة يعملون.
الأعراف 7:180
{180} هذا بيانٌ لعظيم جلاله وسعة أوصافه بأن له الأسماء الحسنى؛ أي: له كل اسم حسن، وضابطه أنه كل اسم دال على صفة كمال عظيمة، وبذلك كانت حسنى؛ فإنها لو دلَّت على غير صفة، بل كانت علماً محضاً؛ لم تكن حسنى، وكذلك لو دلَّت على صفة ليست بصفة كمال، بل إما صفة نقص أو صفة منقسمة إلى المدح والقدح؛ لم تكن حسنى؛ فكلُّ اسم من أسمائه دال على جميع الصفة التي اشتُقَّ منها، مستغرقٌ لجميع معناها، وذلك نحو:{العليم} الدال على أنَّ له علماً محيطاً عامًّا لجميع الأشياء فلا يخرج عن علمه مثقال ذرةٍ في الأرض ولا في السماء، و {الرحيم} الدال على أن له رحمة عظيمة واسعة لكلِّ شيء، و {القدير} الدال على أن له قدرة عامَّة لا يُعْجِزُها شيء ... ونحو ذلك. ومن تمام كونها حسنى أنَّه لا يُدعى إلا بها، ولذلك قال:{فادعوه بها}: وهذا شاملٌ لدعاء العبادة ودعاء المسألة، فيُدعى في كل مطلوب بما يناسب ذلك المطلوب، فيقول الداعي مثلاً: اللهمَّ! اغفر لي، وارحمني؛ إنك أنت الغفور الرحيم. وتب عليَّ يا توَّاب! وارزقني يا رزاق! والطفْ بي يا لطيف! ونحو ذلك.
وقوله:{وَذَروا الذين يُلحِدون في أسمائِهِ سيُجۡزَوۡن ما كانوا يعملون}؛ أي: عقوبة وعذاباً على إلحادهم في أسمائه. وحقيقة الإلحاد: الميلُ بها عما جُعِلَتْ له، إمَّا بأن يسمَّى بها من لا يستحقُّها؛ كتسمية المشركين بها لآلهتهم، وإما بنفي معانيها وتحريفها وأن يجعل لها معنى ما أراده الله ولا رسوله، وإما أن يشبِّه بها غيرها؛ فالواجب أن يُحذر الإلحاد فيها ويُحذر الملحدون فيها. وقد ثبت في الصحيح عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ لله تسعةً وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة».
الأعراف 7:181
{181} أي: ومن جملة من خلقنا أمة فاضلة كاملة في نفسها مكمِّلة لغيرها يهدون أنفسهم وغيرهم بالحقِّ فيعلمون الحقَّ ويعملون به ويعلِّمونه ويدعون إليه وإلى العمل به. {وبه يعدلون}: بين الناس في أحكامهم إذا حكموا في الأموال والدماء والحقوق والمقالات وغير ذلك. وهؤلاء أئمة الهدى ومصابيح الدُّجى، وهم الذين أنعم الله عليهم بالإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحقِّ والتواصي بالصبر، وهم الصدِّيقون الذين مرتبتهم تلي مرتبة الرسالة، وهم في أنفسهم مراتب متفاوتة؛ كل بحسب حاله وعلوِّ منزلته؛ فسبحان من يختصُّ برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
الأعراف 7:182
{182} أي: والذين كذَّبوا بآيات الله الدالَّة على صحة ما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - من الهدى فردُّوها ولم يقبلوها، {سنستدرِجُهم من حيث لا يعلمون}: بأن يدر لهم الأرزاق.
{183}{وأملي لهم}؛ أي: أمهلهم حتى يظنُّوا أنهم لا يؤخَذون ولا يعاقَبون، فيزدادون كفراً وطغياناً وشرًّا إلى شرِّهم، وبذلك تزيد عقوبتهم ويتضاعف عذابهم، فيضرُّون أنفسهم من حيث لا يعلمون. ولهذا قال:{إن كيدي متينٌ}؛ أي: قويٌّ بليغٌ.
{184}{أوَ لَمۡ يتفكَّروا ما بصاحبهم}: [محمدٍ]- صلى الله عليه وسلم - {من جِنَّةٍ}؛ أي: أولم يُعْمِلوا أفكارهم وينظروا هل في صاحبهم الذي يعرفونه ولا يخفى عليهم من حاله شيءٌ؛ هل هو مجنونٌ؟! فلينظروا في أخلاقه وهديه ودلِّه وصفاته، وينظروا فيما دعا إليه؛ فلا يجدون فيه من الصفات إلا أكملها، ولا من الأخلاق إلا أتمَّها، ولا من العقل والرأي إلا ما فاق به العالمين، ولا يدعو إلا لكلِّ خير، ولا ينهى إلا عن كلِّ شرٍّ! أفبهذا يا أولي الألباب جِنَّة ؟! أم هو الإمام العظيم والناصح المبين والماجد الكريم والرءوف الرحيم؟! ولهذا قال:{إن هو إلا نذيرٌ مبينٌ}؛ أي: يدعو الخلق إلى ما يُنجيهم من العذاب، ويحصِّل لهم الثواب.
{185}{أولم ينظروا في مَلَكوت السموات والأرض}: فإنهم إذا نظروا إليها؛ وجدوها أدلة دالة على توحيد ربِّها وعلى ما لَه من صفات الكمال. {و}: كذلك لينظروا إلى جميع {ما خَلَقَ الله من شيء}: فإن جميع أجزاء العالم يدلُّ أعظم دِلالة على علم الله وقدرته وحكمته وسَعَةِ رحمته وإحسانه ونفوذ مشيئته وغير ذلك من صفاته العظيمة الدالَّة على تفرُّده بالخلق والتدبير الموجبة لأن يكون هو المعبودَ المحمودَ المسبَّح الموحَّد المحبوب. وقوله:{وأنۡ عسى أن يكونَ قد اقترب أجَلُهم}؛ أي: لينظروا في خصوص حالهم، وينظروا لأنفسهم قبل أن يقتربَ أجلُهم ويفجأهم الموتُ وهم في غفلةٍ معرضونَ؛ فلا يتمكَّنون حينئذٍ من استدراك الفارط. {فبأيِّ حديثٍ بعدَه يؤمنون}؛ أي: إذا لم يؤمنوا بهذا الكتاب الجليل؛ فبأيِّ حديث يؤمنون به؟! أبكتب الكذب والضلال؟! أم بحديث كل مفترٍ دجَّال؟!
{186} ولكن الضالَّ لا حيلة فيه ولا سبيل إلى هدايته، ولهذا قال تعالى:{مَن يُضۡلِلِ الله فلا هاديَ له وَيَذَرُهم في طغيانِهِم يعمهونَ}؛ أي: متحيَّرون ، يتردَّدون لا يخرجون منه، ولا يهتدون إلى حقٍّ.
الأعراف 7:183
{182} أي: والذين كذَّبوا بآيات الله الدالَّة على صحة ما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - من الهدى فردُّوها ولم يقبلوها، {سنستدرِجُهم من حيث لا يعلمون}: بأن يدر لهم الأرزاق.
{183}{وأملي لهم}؛ أي: أمهلهم حتى يظنُّوا أنهم لا يؤخَذون ولا يعاقَبون، فيزدادون كفراً وطغياناً وشرًّا إلى شرِّهم، وبذلك تزيد عقوبتهم ويتضاعف عذابهم، فيضرُّون أنفسهم من حيث لا يعلمون. ولهذا قال:{إن كيدي متينٌ}؛ أي: قويٌّ بليغٌ.
{184}{أوَ لَمۡ يتفكَّروا ما بصاحبهم}: [محمدٍ]- صلى الله عليه وسلم - {من جِنَّةٍ}؛ أي: أولم يُعْمِلوا أفكارهم وينظروا هل في صاحبهم الذي يعرفونه ولا يخفى عليهم من حاله شيءٌ؛ هل هو مجنونٌ؟! فلينظروا في أخلاقه وهديه ودلِّه وصفاته، وينظروا فيما دعا إليه؛ فلا يجدون فيه من الصفات إلا أكملها، ولا من الأخلاق إلا أتمَّها، ولا من العقل والرأي إلا ما فاق به العالمين، ولا يدعو إلا لكلِّ خير، ولا ينهى إلا عن كلِّ شرٍّ! أفبهذا يا أولي الألباب جِنَّة ؟! أم هو الإمام العظيم والناصح المبين والماجد الكريم والرءوف الرحيم؟! ولهذا قال:{إن هو إلا نذيرٌ مبينٌ}؛ أي: يدعو الخلق إلى ما يُنجيهم من العذاب، ويحصِّل لهم الثواب.
{185}{أولم ينظروا في مَلَكوت السموات والأرض}: فإنهم إذا نظروا إليها؛ وجدوها أدلة دالة على توحيد ربِّها وعلى ما لَه من صفات الكمال. {و}: كذلك لينظروا إلى جميع {ما خَلَقَ الله من شيء}: فإن جميع أجزاء العالم يدلُّ أعظم دِلالة على علم الله وقدرته وحكمته وسَعَةِ رحمته وإحسانه ونفوذ مشيئته وغير ذلك من صفاته العظيمة الدالَّة على تفرُّده بالخلق والتدبير الموجبة لأن يكون هو المعبودَ المحمودَ المسبَّح الموحَّد المحبوب. وقوله:{وأنۡ عسى أن يكونَ قد اقترب أجَلُهم}؛ أي: لينظروا في خصوص حالهم، وينظروا لأنفسهم قبل أن يقتربَ أجلُهم ويفجأهم الموتُ وهم في غفلةٍ معرضونَ؛ فلا يتمكَّنون حينئذٍ من استدراك الفارط. {فبأيِّ حديثٍ بعدَه يؤمنون}؛ أي: إذا لم يؤمنوا بهذا الكتاب الجليل؛ فبأيِّ حديث يؤمنون به؟! أبكتب الكذب والضلال؟! أم بحديث كل مفترٍ دجَّال؟!
{186} ولكن الضالَّ لا حيلة فيه ولا سبيل إلى هدايته، ولهذا قال تعالى:{مَن يُضۡلِلِ الله فلا هاديَ له وَيَذَرُهم في طغيانِهِم يعمهونَ}؛ أي: متحيَّرون ، يتردَّدون لا يخرجون منه، ولا يهتدون إلى حقٍّ.
الأعراف 7:184
{182} أي: والذين كذَّبوا بآيات الله الدالَّة على صحة ما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - من الهدى فردُّوها ولم يقبلوها، {سنستدرِجُهم من حيث لا يعلمون}: بأن يدر لهم الأرزاق.
{183}{وأملي لهم}؛ أي: أمهلهم حتى يظنُّوا أنهم لا يؤخَذون ولا يعاقَبون، فيزدادون كفراً وطغياناً وشرًّا إلى شرِّهم، وبذلك تزيد عقوبتهم ويتضاعف عذابهم، فيضرُّون أنفسهم من حيث لا يعلمون. ولهذا قال:{إن كيدي متينٌ}؛ أي: قويٌّ بليغٌ.
{184}{أوَ لَمۡ يتفكَّروا ما بصاحبهم}: [محمدٍ]- صلى الله عليه وسلم - {من جِنَّةٍ}؛ أي: أولم يُعْمِلوا أفكارهم وينظروا هل في صاحبهم الذي يعرفونه ولا يخفى عليهم من حاله شيءٌ؛ هل هو مجنونٌ؟! فلينظروا في أخلاقه وهديه ودلِّه وصفاته، وينظروا فيما دعا إليه؛ فلا يجدون فيه من الصفات إلا أكملها، ولا من الأخلاق إلا أتمَّها، ولا من العقل والرأي إلا ما فاق به العالمين، ولا يدعو إلا لكلِّ خير، ولا ينهى إلا عن كلِّ شرٍّ! أفبهذا يا أولي الألباب جِنَّة ؟! أم هو الإمام العظيم والناصح المبين والماجد الكريم والرءوف الرحيم؟! ولهذا قال:{إن هو إلا نذيرٌ مبينٌ}؛ أي: يدعو الخلق إلى ما يُنجيهم من العذاب، ويحصِّل لهم الثواب.
{185}{أولم ينظروا في مَلَكوت السموات والأرض}: فإنهم إذا نظروا إليها؛ وجدوها أدلة دالة على توحيد ربِّها وعلى ما لَه من صفات الكمال. {و}: كذلك لينظروا إلى جميع {ما خَلَقَ الله من شيء}: فإن جميع أجزاء العالم يدلُّ أعظم دِلالة على علم الله وقدرته وحكمته وسَعَةِ رحمته وإحسانه ونفوذ مشيئته وغير ذلك من صفاته العظيمة الدالَّة على تفرُّده بالخلق والتدبير الموجبة لأن يكون هو المعبودَ المحمودَ المسبَّح الموحَّد المحبوب. وقوله:{وأنۡ عسى أن يكونَ قد اقترب أجَلُهم}؛ أي: لينظروا في خصوص حالهم، وينظروا لأنفسهم قبل أن يقتربَ أجلُهم ويفجأهم الموتُ وهم في غفلةٍ معرضونَ؛ فلا يتمكَّنون حينئذٍ من استدراك الفارط. {فبأيِّ حديثٍ بعدَه يؤمنون}؛ أي: إذا لم يؤمنوا بهذا الكتاب الجليل؛ فبأيِّ حديث يؤمنون به؟! أبكتب الكذب والضلال؟! أم بحديث كل مفترٍ دجَّال؟!
{186} ولكن الضالَّ لا حيلة فيه ولا سبيل إلى هدايته، ولهذا قال تعالى:{مَن يُضۡلِلِ الله فلا هاديَ له وَيَذَرُهم في طغيانِهِم يعمهونَ}؛ أي: متحيَّرون ، يتردَّدون لا يخرجون منه، ولا يهتدون إلى حقٍّ.
الأعراف 7:185
{182} أي: والذين كذَّبوا بآيات الله الدالَّة على صحة ما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - من الهدى فردُّوها ولم يقبلوها، {سنستدرِجُهم من حيث لا يعلمون}: بأن يدر لهم الأرزاق.
{183}{وأملي لهم}؛ أي: أمهلهم حتى يظنُّوا أنهم لا يؤخَذون ولا يعاقَبون، فيزدادون كفراً وطغياناً وشرًّا إلى شرِّهم، وبذلك تزيد عقوبتهم ويتضاعف عذابهم، فيضرُّون أنفسهم من حيث لا يعلمون. ولهذا قال:{إن كيدي متينٌ}؛ أي: قويٌّ بليغٌ.
{184}{أوَ لَمۡ يتفكَّروا ما بصاحبهم}: [محمدٍ]- صلى الله عليه وسلم - {من جِنَّةٍ}؛ أي: أولم يُعْمِلوا أفكارهم وينظروا هل في صاحبهم الذي يعرفونه ولا يخفى عليهم من حاله شيءٌ؛ هل هو مجنونٌ؟! فلينظروا في أخلاقه وهديه ودلِّه وصفاته، وينظروا فيما دعا إليه؛ فلا يجدون فيه من الصفات إلا أكملها، ولا من الأخلاق إلا أتمَّها، ولا من العقل والرأي إلا ما فاق به العالمين، ولا يدعو إلا لكلِّ خير، ولا ينهى إلا عن كلِّ شرٍّ! أفبهذا يا أولي الألباب جِنَّة ؟! أم هو الإمام العظيم والناصح المبين والماجد الكريم والرءوف الرحيم؟! ولهذا قال:{إن هو إلا نذيرٌ مبينٌ}؛ أي: يدعو الخلق إلى ما يُنجيهم من العذاب، ويحصِّل لهم الثواب.
{185}{أولم ينظروا في مَلَكوت السموات والأرض}: فإنهم إذا نظروا إليها؛ وجدوها أدلة دالة على توحيد ربِّها وعلى ما لَه من صفات الكمال. {و}: كذلك لينظروا إلى جميع {ما خَلَقَ الله من شيء}: فإن جميع أجزاء العالم يدلُّ أعظم دِلالة على علم الله وقدرته وحكمته وسَعَةِ رحمته وإحسانه ونفوذ مشيئته وغير ذلك من صفاته العظيمة الدالَّة على تفرُّده بالخلق والتدبير الموجبة لأن يكون هو المعبودَ المحمودَ المسبَّح الموحَّد المحبوب. وقوله:{وأنۡ عسى أن يكونَ قد اقترب أجَلُهم}؛ أي: لينظروا في خصوص حالهم، وينظروا لأنفسهم قبل أن يقتربَ أجلُهم ويفجأهم الموتُ وهم في غفلةٍ معرضونَ؛ فلا يتمكَّنون حينئذٍ من استدراك الفارط. {فبأيِّ حديثٍ بعدَه يؤمنون}؛ أي: إذا لم يؤمنوا بهذا الكتاب الجليل؛ فبأيِّ حديث يؤمنون به؟! أبكتب الكذب والضلال؟! أم بحديث كل مفترٍ دجَّال؟!
{186} ولكن الضالَّ لا حيلة فيه ولا سبيل إلى هدايته، ولهذا قال تعالى:{مَن يُضۡلِلِ الله فلا هاديَ له وَيَذَرُهم في طغيانِهِم يعمهونَ}؛ أي: متحيَّرون ، يتردَّدون لا يخرجون منه، ولا يهتدون إلى حقٍّ.
الأعراف 7:186
{182} أي: والذين كذَّبوا بآيات الله الدالَّة على صحة ما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - من الهدى فردُّوها ولم يقبلوها، {سنستدرِجُهم من حيث لا يعلمون}: بأن يدر لهم الأرزاق.
{183}{وأملي لهم}؛ أي: أمهلهم حتى يظنُّوا أنهم لا يؤخَذون ولا يعاقَبون، فيزدادون كفراً وطغياناً وشرًّا إلى شرِّهم، وبذلك تزيد عقوبتهم ويتضاعف عذابهم، فيضرُّون أنفسهم من حيث لا يعلمون. ولهذا قال:{إن كيدي متينٌ}؛ أي: قويٌّ بليغٌ.
{184}{أوَ لَمۡ يتفكَّروا ما بصاحبهم}: [محمدٍ]- صلى الله عليه وسلم - {من جِنَّةٍ}؛ أي: أولم يُعْمِلوا أفكارهم وينظروا هل في صاحبهم الذي يعرفونه ولا يخفى عليهم من حاله شيءٌ؛ هل هو مجنونٌ؟! فلينظروا في أخلاقه وهديه ودلِّه وصفاته، وينظروا فيما دعا إليه؛ فلا يجدون فيه من الصفات إلا أكملها، ولا من الأخلاق إلا أتمَّها، ولا من العقل والرأي إلا ما فاق به العالمين، ولا يدعو إلا لكلِّ خير، ولا ينهى إلا عن كلِّ شرٍّ! أفبهذا يا أولي الألباب جِنَّة ؟! أم هو الإمام العظيم والناصح المبين والماجد الكريم والرءوف الرحيم؟! ولهذا قال:{إن هو إلا نذيرٌ مبينٌ}؛ أي: يدعو الخلق إلى ما يُنجيهم من العذاب، ويحصِّل لهم الثواب.
{185}{أولم ينظروا في مَلَكوت السموات والأرض}: فإنهم إذا نظروا إليها؛ وجدوها أدلة دالة على توحيد ربِّها وعلى ما لَه من صفات الكمال. {و}: كذلك لينظروا إلى جميع {ما خَلَقَ الله من شيء}: فإن جميع أجزاء العالم يدلُّ أعظم دِلالة على علم الله وقدرته وحكمته وسَعَةِ رحمته وإحسانه ونفوذ مشيئته وغير ذلك من صفاته العظيمة الدالَّة على تفرُّده بالخلق والتدبير الموجبة لأن يكون هو المعبودَ المحمودَ المسبَّح الموحَّد المحبوب. وقوله:{وأنۡ عسى أن يكونَ قد اقترب أجَلُهم}؛ أي: لينظروا في خصوص حالهم، وينظروا لأنفسهم قبل أن يقتربَ أجلُهم ويفجأهم الموتُ وهم في غفلةٍ معرضونَ؛ فلا يتمكَّنون حينئذٍ من استدراك الفارط. {فبأيِّ حديثٍ بعدَه يؤمنون}؛ أي: إذا لم يؤمنوا بهذا الكتاب الجليل؛ فبأيِّ حديث يؤمنون به؟! أبكتب الكذب والضلال؟! أم بحديث كل مفترٍ دجَّال؟!
{186} ولكن الضالَّ لا حيلة فيه ولا سبيل إلى هدايته، ولهذا قال تعالى:{مَن يُضۡلِلِ الله فلا هاديَ له وَيَذَرُهم في طغيانِهِم يعمهونَ}؛ أي: متحيَّرون ، يتردَّدون لا يخرجون منه، ولا يهتدون إلى حقٍّ.
الأعراف 7:187
{187} يقول تعالى لرسوله محمد - صلى الله عليه وسلم -: {يسألونَك}؛ أي: المكذبون لك المتعنِّتون {عن الساعة أيان مُرۡساها}؛ أي: متى وقتها التي تجيء به؟ ومتى تحِلُّ بالخلق؟ {قل إنَّما علمُها عند ربي}؛ أي: إنه تعالى المختصُّ بعلمها، {لا يجلِّيها لوقتها إلا هو}؛ أي: لا يظهرها لوقتها الذي قُدِّر أن تقوم فيه إلا هو. {ثَقُلَتۡ في السموات والأرض}؛ أي: خفي علمها على أهل السماوات والأرض واشتدَّ أمرُها أيضاً عليهم فهم من الساعة مشفقون. {لا تأتيكم إلَّا بغتةً}؛ أي: فجأة من حيث لا يشعرون لم يستعدُّوا لها ولم يتهيؤوا لها. {يسألونك كأنَّك حَفِيٌّ عنها}؛ أي: هم حريصون على سؤالك عن الساعة كأنك مستحفٍ عن السؤال عنها، ولم يعلموا أنك لكمال علمك بربِّك وما ينفعُ السؤال عنه غير مبال بالسؤال [عنها، ولا حريص على ذلك، فَلِمَ لا يقتدون بك؟ ويكفون عن الاستحفاء عن هذا السؤال] الخالي من المصلحة المتعذِّر علمه؛ فإنَّه لا يعلمها نبيٌّ مرسلٌ ولا مَلَكٌ مقرَّب، وهي من الأمور التي أخفاها عن الخلق لكمال حكمته وسعة علمه. {قل إنَّما علمُها عند الله ولكنَّ أكثر الناس لا يعلمون}: فلذلك حرصوا على ما لا ينبغي الحرص عليه، وخصوصاً مثل حال هؤلاء الذين يتركون السؤال عن الأهمِّ ويَدَعون ما يجبُ عليهم من العلم، ثم يذهبون إلى ما لا سبيل لأحدٍ أن يدركه ولا هُم مطالبون بعلمه.
{188}{قل لا أملِكُ لنفسي نفعاً ولا ضرًّا}: فإني فقير مدبَّر، لا يأتيني خيرٌ إلا من الله، ولا يَدْفَعُ عني الشرَّ إلا هو، وليس لي من العلم إلا ما علمني الله تعالى. {ولو كنتُ أعلم الغيبَ لاستكثرتُ من الخير وما مسَّني السوءُ}؛ أي: لفعلت الأسباب التي أعلم أنها تنتج لي المصالح والمنافع، ولحذرتُ من كلِّ ما يفضي إلى سوءٍ ومكروهٍ؛ لعلمي بالأشياء قبل كونها، وعلمي بما تفضي إليه، ولكني لعدم علمي قد ينالني ما ينالني من السوء وقد يفوتني ما يفوتني من مصالح الدُّنيا ومنافعها؛ فهذا أدلُّ دليل على أني لا علم لي بالغيب. {إن أنا إلا نذيرٌ}: أنذر العقوبات الدينيَّة والدنيويَّة والأخرويَّة، وأبيِّن الأعمال المفضية إلى ذلك وأحذِّر منها. وبشير بالثواب العاجل والآجل، ببيان الأعمال الموصلة إليه والترغيب فيها، ولكن ليس كلُّ أحدٍ يقبل هذه البشارة والنذارة، وإنما ينتفع بذلك ويقبله المؤمنون.
وهذه الآيات الكريمات مبيِّنة جهل من يقصد النبي - صلى الله عليه وسلم - ويدعوه لحصول نفع أو دفع ضرٍّ؛ فإنَّه ليس بيده شيء من الأمر، ولا ينفع مَنْ لم ينفعْه الله، ولا يدفعُ الضرَّ عمَّن لم يدفعْه الله عنه، ولا له من العلم إلاَّ ما علَّمه الله [تعالى]، وإنما ينفع مَنْ قَبِلَ ما أرسل به من البشارة والنذارة وعمل بذلك؛ فهذا نفعه عليه السلام الذي فاق نفع الآباء والأمهات والأخلاَّء والإخوان، بما حثَّ العباد على كلِّ خير، وحذَّرهم عن كلِّ شرٍّ، وبينه لهم غاية البيان والإيضاح.
الأعراف 7:188
{187} يقول تعالى لرسوله محمد - صلى الله عليه وسلم -: {يسألونَك}؛ أي: المكذبون لك المتعنِّتون {عن الساعة أيان مُرۡساها}؛ أي: متى وقتها التي تجيء به؟ ومتى تحِلُّ بالخلق؟ {قل إنَّما علمُها عند ربي}؛ أي: إنه تعالى المختصُّ بعلمها، {لا يجلِّيها لوقتها إلا هو}؛ أي: لا يظهرها لوقتها الذي قُدِّر أن تقوم فيه إلا هو. {ثَقُلَتۡ في السموات والأرض}؛ أي: خفي علمها على أهل السماوات والأرض واشتدَّ أمرُها أيضاً عليهم فهم من الساعة مشفقون. {لا تأتيكم إلَّا بغتةً}؛ أي: فجأة من حيث لا يشعرون لم يستعدُّوا لها ولم يتهيؤوا لها. {يسألونك كأنَّك حَفِيٌّ عنها}؛ أي: هم حريصون على سؤالك عن الساعة كأنك مستحفٍ عن السؤال عنها، ولم يعلموا أنك لكمال علمك بربِّك وما ينفعُ السؤال عنه غير مبال بالسؤال [عنها، ولا حريص على ذلك، فَلِمَ لا يقتدون بك؟ ويكفون عن الاستحفاء عن هذا السؤال] الخالي من المصلحة المتعذِّر علمه؛ فإنَّه لا يعلمها نبيٌّ مرسلٌ ولا مَلَكٌ مقرَّب، وهي من الأمور التي أخفاها عن الخلق لكمال حكمته وسعة علمه. {قل إنَّما علمُها عند الله ولكنَّ أكثر الناس لا يعلمون}: فلذلك حرصوا على ما لا ينبغي الحرص عليه، وخصوصاً مثل حال هؤلاء الذين يتركون السؤال عن الأهمِّ ويَدَعون ما يجبُ عليهم من العلم، ثم يذهبون إلى ما لا سبيل لأحدٍ أن يدركه ولا هُم مطالبون بعلمه.
{188}{قل لا أملِكُ لنفسي نفعاً ولا ضرًّا}: فإني فقير مدبَّر، لا يأتيني خيرٌ إلا من الله، ولا يَدْفَعُ عني الشرَّ إلا هو، وليس لي من العلم إلا ما علمني الله تعالى. {ولو كنتُ أعلم الغيبَ لاستكثرتُ من الخير وما مسَّني السوءُ}؛ أي: لفعلت الأسباب التي أعلم أنها تنتج لي المصالح والمنافع، ولحذرتُ من كلِّ ما يفضي إلى سوءٍ ومكروهٍ؛ لعلمي بالأشياء قبل كونها، وعلمي بما تفضي إليه، ولكني لعدم علمي قد ينالني ما ينالني من السوء وقد يفوتني ما يفوتني من مصالح الدُّنيا ومنافعها؛ فهذا أدلُّ دليل على أني لا علم لي بالغيب. {إن أنا إلا نذيرٌ}: أنذر العقوبات الدينيَّة والدنيويَّة والأخرويَّة، وأبيِّن الأعمال المفضية إلى ذلك وأحذِّر منها. وبشير بالثواب العاجل والآجل، ببيان الأعمال الموصلة إليه والترغيب فيها، ولكن ليس كلُّ أحدٍ يقبل هذه البشارة والنذارة، وإنما ينتفع بذلك ويقبله المؤمنون.
وهذه الآيات الكريمات مبيِّنة جهل من يقصد النبي - صلى الله عليه وسلم - ويدعوه لحصول نفع أو دفع ضرٍّ؛ فإنَّه ليس بيده شيء من الأمر، ولا ينفع مَنْ لم ينفعْه الله، ولا يدفعُ الضرَّ عمَّن لم يدفعْه الله عنه، ولا له من العلم إلاَّ ما علَّمه الله [تعالى]، وإنما ينفع مَنْ قَبِلَ ما أرسل به من البشارة والنذارة وعمل بذلك؛ فهذا نفعه عليه السلام الذي فاق نفع الآباء والأمهات والأخلاَّء والإخوان، بما حثَّ العباد على كلِّ خير، وحذَّرهم عن كلِّ شرٍّ، وبينه لهم غاية البيان والإيضاح.
الأعراف 7:189
{189} أي: {هو الذي خلقكم}: أيها الرجال والنساء المنتشرون في الأرض على كثرتكم وتفرُّقكم، {من نفس واحدةٍ}: وهو آدمُ أبو البشر - صلى الله عليه وسلم -، {وجعل منها زوجَها}؛ أي: خلق من آدم زوجته حواء. لأجل أن يسكن إليها، لأنها إذا كانت منه؛ حصل بينهما من المناسبة والموافقة ما يقتضي سكونَ أحدهما إلى الآخر، فانقاد كلٌّ منهما إلى صاحبه بزمام الشهوة. {فلما تغشَّاها}؛ أي: تجلَّلها مجامعاً لها؛ قدَّر الباري أن يوجد من تلك الشهوة ـ وذلك الجماع ـ النسل، فحملتْ {حملاً خفيفاً}، وذلك في ابتداء الحمل لا تحس به الأنثى ولا يثقلها. {فلما} استمرَّت [به] و {أثقلت} به حين كبر في بطنها؛ فحينئذٍ صار في قلوبهما الشفقة على الولد وعلى خروجه حيًّا صحيحاً سالماً لا آفة فيه، فدَعَوَا {الله ربَّهما لئن آتَيۡتنَا}: ولداً: {صالحاً}؛ أي: صالح الخلقة تامّها لا نقص فيه، {لنكوننَّ من الشاكرين}.
{190}{فلما آتاهما صالحاً}: على وَفْق ما طَلَبَا وتمَّت عليهما النعمة فيه، {جعلا له شركاء فيما آتاهما}؛ أي: جعلا لله شركاء في ذلك الولد الذي انفرد الله بإيجاده والنعمة به وأقرَّ به أعين والديه، فعبَّداه لغير الله: إمّا أن يسمياه بعبد غير الله؛ كعبد الحارث وعبد العزَّى وعبد الكعبة ونحو ذلك، أو يشركا في الله في العبادة بعدما منَّ الله عليهما بما منَّ من النعم التي لا يحصيها أحدٌ من العباد، وهذا انتقالٌ من النوع إلى الجنس؛ فإنَّ أول الكلام في آدم وحواء، ثم انتقل [إلى] الكلام في الجنس، ولا شكَّ أنَّ هذا موجود في الذُّرية كثيراً؛ فلذلك قرَّرهم الله على بطلان الشرك، وأنهم في ذلك ظالمون أشدَّ الظلم، سواء كان الشرك في الأقوال أم في الأفعال؛ فإنَّ الخالق لهم من نفس واحدة، الذي خلق منها زوجها، وجعل لهم من أنفسهم أزواجاً، ثم جعل بينهم من المودَّة والرحمة ما يسكُنُ بعضُهم إلى بعض ويألفه ويلتذُّ به، ثم هداهم إلى ما به تحصل الشهوة واللَّذة والأولاد والنسل، ثم أوجد الذُّرية في بطون الأمهات وقتاً موقَّتاً تتشوَّف إليه نفوسهم ويدعون الله أن يخرِجَه سويًّا صحيحاً، فأتمَّ الله عليهم النعمة، وأنالهم مطلوبهم، أفلا يستحقُّ أن يعبدوه ولا يشركوا به في عبادته أحداً ويخلصوا له الدين؟!
{191 ـ 192} ولكنَّ الأمر جاء على العكس، فأشركوا بالله {مالا يَخۡلُقُ شيئاً وهم يُخۡلَقونَ. ولا يستطيعون لهم}؛ أي: لعابديها {نصراً ولا أنفسَهم ينصرونَ}: فإذا كانت لا تخلق شيئاً ولا مثقال ذرَّة، بل هي مخلوقة، ولا تستطيع أن تدفع المكروه عن من يعبُدُها ولا عن أنفسها؛ فكيف تُتَّخذ مع الله آلهة؟! إنْ هذا إلا أظلم الظلم وأسفه السفه.
{193} وإن تدعوا أيُّها المشركون، هذه الأصنام التي عبدتم من دون الله {إلى الهدى لا يتَّبعوكم سواءٌ عليكم أدعوتُموهم أم أنتم صامتونَ}: فصار الإنسانُ أحسنَ حالةً منها؛ لأنَّها لا تسمع ولا تبصِرُ ولا تَهْدي ولا تُهْدَى، وكل هذا إذا تصوَّره اللبيب العاقل تصوراً مجرداً؛ جزم ببطلان إلهيتها وسفاهة مَنْ عبدها.
الأعراف 7:190
{189} أي: {هو الذي خلقكم}: أيها الرجال والنساء المنتشرون في الأرض على كثرتكم وتفرُّقكم، {من نفس واحدةٍ}: وهو آدمُ أبو البشر - صلى الله عليه وسلم -، {وجعل منها زوجَها}؛ أي: خلق من آدم زوجته حواء. لأجل أن يسكن إليها، لأنها إذا كانت منه؛ حصل بينهما من المناسبة والموافقة ما يقتضي سكونَ أحدهما إلى الآخر، فانقاد كلٌّ منهما إلى صاحبه بزمام الشهوة. {فلما تغشَّاها}؛ أي: تجلَّلها مجامعاً لها؛ قدَّر الباري أن يوجد من تلك الشهوة ـ وذلك الجماع ـ النسل، فحملتْ {حملاً خفيفاً}، وذلك في ابتداء الحمل لا تحس به الأنثى ولا يثقلها. {فلما} استمرَّت [به] و {أثقلت} به حين كبر في بطنها؛ فحينئذٍ صار في قلوبهما الشفقة على الولد وعلى خروجه حيًّا صحيحاً سالماً لا آفة فيه، فدَعَوَا {الله ربَّهما لئن آتَيۡتنَا}: ولداً: {صالحاً}؛ أي: صالح الخلقة تامّها لا نقص فيه، {لنكوننَّ من الشاكرين}.
{190}{فلما آتاهما صالحاً}: على وَفْق ما طَلَبَا وتمَّت عليهما النعمة فيه، {جعلا له شركاء فيما آتاهما}؛ أي: جعلا لله شركاء في ذلك الولد الذي انفرد الله بإيجاده والنعمة به وأقرَّ به أعين والديه، فعبَّداه لغير الله: إمّا أن يسمياه بعبد غير الله؛ كعبد الحارث وعبد العزَّى وعبد الكعبة ونحو ذلك، أو يشركا في الله في العبادة بعدما منَّ الله عليهما بما منَّ من النعم التي لا يحصيها أحدٌ من العباد، وهذا انتقالٌ من النوع إلى الجنس؛ فإنَّ أول الكلام في آدم وحواء، ثم انتقل [إلى] الكلام في الجنس، ولا شكَّ أنَّ هذا موجود في الذُّرية كثيراً؛ فلذلك قرَّرهم الله على بطلان الشرك، وأنهم في ذلك ظالمون أشدَّ الظلم، سواء كان الشرك في الأقوال أم في الأفعال؛ فإنَّ الخالق لهم من نفس واحدة، الذي خلق منها زوجها، وجعل لهم من أنفسهم أزواجاً، ثم جعل بينهم من المودَّة والرحمة ما يسكُنُ بعضُهم إلى بعض ويألفه ويلتذُّ به، ثم هداهم إلى ما به تحصل الشهوة واللَّذة والأولاد والنسل، ثم أوجد الذُّرية في بطون الأمهات وقتاً موقَّتاً تتشوَّف إليه نفوسهم ويدعون الله أن يخرِجَه سويًّا صحيحاً، فأتمَّ الله عليهم النعمة، وأنالهم مطلوبهم، أفلا يستحقُّ أن يعبدوه ولا يشركوا به في عبادته أحداً ويخلصوا له الدين؟!
{191 ـ 192} ولكنَّ الأمر جاء على العكس، فأشركوا بالله {مالا يَخۡلُقُ شيئاً وهم يُخۡلَقونَ. ولا يستطيعون لهم}؛ أي: لعابديها {نصراً ولا أنفسَهم ينصرونَ}: فإذا كانت لا تخلق شيئاً ولا مثقال ذرَّة، بل هي مخلوقة، ولا تستطيع أن تدفع المكروه عن من يعبُدُها ولا عن أنفسها؛ فكيف تُتَّخذ مع الله آلهة؟! إنْ هذا إلا أظلم الظلم وأسفه السفه.
{193} وإن تدعوا أيُّها المشركون، هذه الأصنام التي عبدتم من دون الله {إلى الهدى لا يتَّبعوكم سواءٌ عليكم أدعوتُموهم أم أنتم صامتونَ}: فصار الإنسانُ أحسنَ حالةً منها؛ لأنَّها لا تسمع ولا تبصِرُ ولا تَهْدي ولا تُهْدَى، وكل هذا إذا تصوَّره اللبيب العاقل تصوراً مجرداً؛ جزم ببطلان إلهيتها وسفاهة مَنْ عبدها.
الأعراف 7:191
{189} أي: {هو الذي خلقكم}: أيها الرجال والنساء المنتشرون في الأرض على كثرتكم وتفرُّقكم، {من نفس واحدةٍ}: وهو آدمُ أبو البشر - صلى الله عليه وسلم -، {وجعل منها زوجَها}؛ أي: خلق من آدم زوجته حواء. لأجل أن يسكن إليها، لأنها إذا كانت منه؛ حصل بينهما من المناسبة والموافقة ما يقتضي سكونَ أحدهما إلى الآخر، فانقاد كلٌّ منهما إلى صاحبه بزمام الشهوة. {فلما تغشَّاها}؛ أي: تجلَّلها مجامعاً لها؛ قدَّر الباري أن يوجد من تلك الشهوة ـ وذلك الجماع ـ النسل، فحملتْ {حملاً خفيفاً}، وذلك في ابتداء الحمل لا تحس به الأنثى ولا يثقلها. {فلما} استمرَّت [به] و {أثقلت} به حين كبر في بطنها؛ فحينئذٍ صار في قلوبهما الشفقة على الولد وعلى خروجه حيًّا صحيحاً سالماً لا آفة فيه، فدَعَوَا {الله ربَّهما لئن آتَيۡتنَا}: ولداً: {صالحاً}؛ أي: صالح الخلقة تامّها لا نقص فيه، {لنكوننَّ من الشاكرين}.
{190}{فلما آتاهما صالحاً}: على وَفْق ما طَلَبَا وتمَّت عليهما النعمة فيه، {جعلا له شركاء فيما آتاهما}؛ أي: جعلا لله شركاء في ذلك الولد الذي انفرد الله بإيجاده والنعمة به وأقرَّ به أعين والديه، فعبَّداه لغير الله: إمّا أن يسمياه بعبد غير الله؛ كعبد الحارث وعبد العزَّى وعبد الكعبة ونحو ذلك، أو يشركا في الله في العبادة بعدما منَّ الله عليهما بما منَّ من النعم التي لا يحصيها أحدٌ من العباد، وهذا انتقالٌ من النوع إلى الجنس؛ فإنَّ أول الكلام في آدم وحواء، ثم انتقل [إلى] الكلام في الجنس، ولا شكَّ أنَّ هذا موجود في الذُّرية كثيراً؛ فلذلك قرَّرهم الله على بطلان الشرك، وأنهم في ذلك ظالمون أشدَّ الظلم، سواء كان الشرك في الأقوال أم في الأفعال؛ فإنَّ الخالق لهم من نفس واحدة، الذي خلق منها زوجها، وجعل لهم من أنفسهم أزواجاً، ثم جعل بينهم من المودَّة والرحمة ما يسكُنُ بعضُهم إلى بعض ويألفه ويلتذُّ به، ثم هداهم إلى ما به تحصل الشهوة واللَّذة والأولاد والنسل، ثم أوجد الذُّرية في بطون الأمهات وقتاً موقَّتاً تتشوَّف إليه نفوسهم ويدعون الله أن يخرِجَه سويًّا صحيحاً، فأتمَّ الله عليهم النعمة، وأنالهم مطلوبهم، أفلا يستحقُّ أن يعبدوه ولا يشركوا به في عبادته أحداً ويخلصوا له الدين؟!
{191 ـ 192} ولكنَّ الأمر جاء على العكس، فأشركوا بالله {مالا يَخۡلُقُ شيئاً وهم يُخۡلَقونَ. ولا يستطيعون لهم}؛ أي: لعابديها {نصراً ولا أنفسَهم ينصرونَ}: فإذا كانت لا تخلق شيئاً ولا مثقال ذرَّة، بل هي مخلوقة، ولا تستطيع أن تدفع المكروه عن من يعبُدُها ولا عن أنفسها؛ فكيف تُتَّخذ مع الله آلهة؟! إنْ هذا إلا أظلم الظلم وأسفه السفه.
{193} وإن تدعوا أيُّها المشركون، هذه الأصنام التي عبدتم من دون الله {إلى الهدى لا يتَّبعوكم سواءٌ عليكم أدعوتُموهم أم أنتم صامتونَ}: فصار الإنسانُ أحسنَ حالةً منها؛ لأنَّها لا تسمع ولا تبصِرُ ولا تَهْدي ولا تُهْدَى، وكل هذا إذا تصوَّره اللبيب العاقل تصوراً مجرداً؛ جزم ببطلان إلهيتها وسفاهة مَنْ عبدها.
الأعراف 7:192
{189} أي: {هو الذي خلقكم}: أيها الرجال والنساء المنتشرون في الأرض على كثرتكم وتفرُّقكم، {من نفس واحدةٍ}: وهو آدمُ أبو البشر - صلى الله عليه وسلم -، {وجعل منها زوجَها}؛ أي: خلق من آدم زوجته حواء. لأجل أن يسكن إليها، لأنها إذا كانت منه؛ حصل بينهما من المناسبة والموافقة ما يقتضي سكونَ أحدهما إلى الآخر، فانقاد كلٌّ منهما إلى صاحبه بزمام الشهوة. {فلما تغشَّاها}؛ أي: تجلَّلها مجامعاً لها؛ قدَّر الباري أن يوجد من تلك الشهوة ـ وذلك الجماع ـ النسل، فحملتْ {حملاً خفيفاً}، وذلك في ابتداء الحمل لا تحس به الأنثى ولا يثقلها. {فلما} استمرَّت [به] و {أثقلت} به حين كبر في بطنها؛ فحينئذٍ صار في قلوبهما الشفقة على الولد وعلى خروجه حيًّا صحيحاً سالماً لا آفة فيه، فدَعَوَا {الله ربَّهما لئن آتَيۡتنَا}: ولداً: {صالحاً}؛ أي: صالح الخلقة تامّها لا نقص فيه، {لنكوننَّ من الشاكرين}.
{190}{فلما آتاهما صالحاً}: على وَفْق ما طَلَبَا وتمَّت عليهما النعمة فيه، {جعلا له شركاء فيما آتاهما}؛ أي: جعلا لله شركاء في ذلك الولد الذي انفرد الله بإيجاده والنعمة به وأقرَّ به أعين والديه، فعبَّداه لغير الله: إمّا أن يسمياه بعبد غير الله؛ كعبد الحارث وعبد العزَّى وعبد الكعبة ونحو ذلك، أو يشركا في الله في العبادة بعدما منَّ الله عليهما بما منَّ من النعم التي لا يحصيها أحدٌ من العباد، وهذا انتقالٌ من النوع إلى الجنس؛ فإنَّ أول الكلام في آدم وحواء، ثم انتقل [إلى] الكلام في الجنس، ولا شكَّ أنَّ هذا موجود في الذُّرية كثيراً؛ فلذلك قرَّرهم الله على بطلان الشرك، وأنهم في ذلك ظالمون أشدَّ الظلم، سواء كان الشرك في الأقوال أم في الأفعال؛ فإنَّ الخالق لهم من نفس واحدة، الذي خلق منها زوجها، وجعل لهم من أنفسهم أزواجاً، ثم جعل بينهم من المودَّة والرحمة ما يسكُنُ بعضُهم إلى بعض ويألفه ويلتذُّ به، ثم هداهم إلى ما به تحصل الشهوة واللَّذة والأولاد والنسل، ثم أوجد الذُّرية في بطون الأمهات وقتاً موقَّتاً تتشوَّف إليه نفوسهم ويدعون الله أن يخرِجَه سويًّا صحيحاً، فأتمَّ الله عليهم النعمة، وأنالهم مطلوبهم، أفلا يستحقُّ أن يعبدوه ولا يشركوا به في عبادته أحداً ويخلصوا له الدين؟!
{191 ـ 192} ولكنَّ الأمر جاء على العكس، فأشركوا بالله {مالا يَخۡلُقُ شيئاً وهم يُخۡلَقونَ. ولا يستطيعون لهم}؛ أي: لعابديها {نصراً ولا أنفسَهم ينصرونَ}: فإذا كانت لا تخلق شيئاً ولا مثقال ذرَّة، بل هي مخلوقة، ولا تستطيع أن تدفع المكروه عن من يعبُدُها ولا عن أنفسها؛ فكيف تُتَّخذ مع الله آلهة؟! إنْ هذا إلا أظلم الظلم وأسفه السفه.
{193} وإن تدعوا أيُّها المشركون، هذه الأصنام التي عبدتم من دون الله {إلى الهدى لا يتَّبعوكم سواءٌ عليكم أدعوتُموهم أم أنتم صامتونَ}: فصار الإنسانُ أحسنَ حالةً منها؛ لأنَّها لا تسمع ولا تبصِرُ ولا تَهْدي ولا تُهْدَى، وكل هذا إذا تصوَّره اللبيب العاقل تصوراً مجرداً؛ جزم ببطلان إلهيتها وسفاهة مَنْ عبدها.
الأعراف 7:193
{189} أي: {هو الذي خلقكم}: أيها الرجال والنساء المنتشرون في الأرض على كثرتكم وتفرُّقكم، {من نفس واحدةٍ}: وهو آدمُ أبو البشر - صلى الله عليه وسلم -، {وجعل منها زوجَها}؛ أي: خلق من آدم زوجته حواء. لأجل أن يسكن إليها، لأنها إذا كانت منه؛ حصل بينهما من المناسبة والموافقة ما يقتضي سكونَ أحدهما إلى الآخر، فانقاد كلٌّ منهما إلى صاحبه بزمام الشهوة. {فلما تغشَّاها}؛ أي: تجلَّلها مجامعاً لها؛ قدَّر الباري أن يوجد من تلك الشهوة ـ وذلك الجماع ـ النسل، فحملتْ {حملاً خفيفاً}، وذلك في ابتداء الحمل لا تحس به الأنثى ولا يثقلها. {فلما} استمرَّت [به] و {أثقلت} به حين كبر في بطنها؛ فحينئذٍ صار في قلوبهما الشفقة على الولد وعلى خروجه حيًّا صحيحاً سالماً لا آفة فيه، فدَعَوَا {الله ربَّهما لئن آتَيۡتنَا}: ولداً: {صالحاً}؛ أي: صالح الخلقة تامّها لا نقص فيه، {لنكوننَّ من الشاكرين}.
{190}{فلما آتاهما صالحاً}: على وَفْق ما طَلَبَا وتمَّت عليهما النعمة فيه، {جعلا له شركاء فيما آتاهما}؛ أي: جعلا لله شركاء في ذلك الولد الذي انفرد الله بإيجاده والنعمة به وأقرَّ به أعين والديه، فعبَّداه لغير الله: إمّا أن يسمياه بعبد غير الله؛ كعبد الحارث وعبد العزَّى وعبد الكعبة ونحو ذلك، أو يشركا في الله في العبادة بعدما منَّ الله عليهما بما منَّ من النعم التي لا يحصيها أحدٌ من العباد، وهذا انتقالٌ من النوع إلى الجنس؛ فإنَّ أول الكلام في آدم وحواء، ثم انتقل [إلى] الكلام في الجنس، ولا شكَّ أنَّ هذا موجود في الذُّرية كثيراً؛ فلذلك قرَّرهم الله على بطلان الشرك، وأنهم في ذلك ظالمون أشدَّ الظلم، سواء كان الشرك في الأقوال أم في الأفعال؛ فإنَّ الخالق لهم من نفس واحدة، الذي خلق منها زوجها، وجعل لهم من أنفسهم أزواجاً، ثم جعل بينهم من المودَّة والرحمة ما يسكُنُ بعضُهم إلى بعض ويألفه ويلتذُّ به، ثم هداهم إلى ما به تحصل الشهوة واللَّذة والأولاد والنسل، ثم أوجد الذُّرية في بطون الأمهات وقتاً موقَّتاً تتشوَّف إليه نفوسهم ويدعون الله أن يخرِجَه سويًّا صحيحاً، فأتمَّ الله عليهم النعمة، وأنالهم مطلوبهم، أفلا يستحقُّ أن يعبدوه ولا يشركوا به في عبادته أحداً ويخلصوا له الدين؟!
{191 ـ 192} ولكنَّ الأمر جاء على العكس، فأشركوا بالله {مالا يَخۡلُقُ شيئاً وهم يُخۡلَقونَ. ولا يستطيعون لهم}؛ أي: لعابديها {نصراً ولا أنفسَهم ينصرونَ}: فإذا كانت لا تخلق شيئاً ولا مثقال ذرَّة، بل هي مخلوقة، ولا تستطيع أن تدفع المكروه عن من يعبُدُها ولا عن أنفسها؛ فكيف تُتَّخذ مع الله آلهة؟! إنْ هذا إلا أظلم الظلم وأسفه السفه.
{193} وإن تدعوا أيُّها المشركون، هذه الأصنام التي عبدتم من دون الله {إلى الهدى لا يتَّبعوكم سواءٌ عليكم أدعوتُموهم أم أنتم صامتونَ}: فصار الإنسانُ أحسنَ حالةً منها؛ لأنَّها لا تسمع ولا تبصِرُ ولا تَهْدي ولا تُهْدَى، وكل هذا إذا تصوَّره اللبيب العاقل تصوراً مجرداً؛ جزم ببطلان إلهيتها وسفاهة مَنْ عبدها.
الأعراف 7:194
{194} وهذا من نوع التحدي للمشركين العابدين للأوثان؛ يقول تعالى:{إنَّ الذين تَدۡعون من دونِ الله عبادٌ أمثالكم}؛ أي: لا فرق بينكم وبينهم؛ فكلُّكم عبيدٌ لله مملوكون؛ فإن كنتم كما تزعمون صادقين في أنها تستحقُّ من العبادة شيئاً؛ {فادۡعوهم فليستجيبوا لكم}: فإن استجابوا لكم وحصَّلوا مطلوبكم، وإلاَّ؛ تبيَّن أنكم كاذبون في هذه الدعوى مفترون على الله أعظم الفرية.
{195} وهذا لا يحتاج إلى تبيين فيه ؛ فإنَّكم إذا نظرتُم إليها؛ وجدتُم صورتها دالةً على أنه ليس لديها من النفع شيء، فليس لها أرجلٌ تمشي بها، ولا أيدٍ تبطش بها، ولا أعينٌ تبصر بها، ولا آذان تسمع بها؛ فهي عادمةٌ لجميع الآلات والقوى الموجودة في الإنسان؛ فإذا كانت لا تجيبكم إذا دعوتموها؛ فهي عبادٌ أمثالكم، بل أنتم أكمل منها وأقوى على كثير من الأشياء؛ فلأيِّ شيء عبدتموها؟! {قل ادعوا شركاءكم ثم كيدونِ فلا تُنظِرونِ}؛ أي: اجتمعوا أنتم وشركاؤكم على إيقاع السوء والمكروه بي من غير إمهال ولا إنظار فإنكم غير بالغين لشيء من المكروه بي.
{196} لأنَّ وَلِيِّيَ اللهُ الذي يتولاَّني فيجلب لي المنافع ويدفع عني المضار. {الذي نزَّل الكتابَ}: الذي فيه الهدى والشفاء والنور، وهو من تولِّيه وتربيته لعباده الخاصة الدينيَّة. {وهو يتولَّى الصالحين}: الذين صلحت نيَّاتهم وأعمالهم وأقوالهم؛ كما قال تعالى:{اللهُ وليُّ الذين آمنوا يخرِجُهم من الظُّلمات إلى النور}؛ فالمؤمنون الصالحون لمَّا تولَّوا ربَّهم بالإيمان والتقوى ولم يتولَّوا غيره ممَّن لا ينفع ولا يضرُّ؛ تولاَّهم الله ولطف بهم وأعانهم على ما فيه الخير والمصلحة لهم في دينهم ودنياهم ودفع عنهم بإيمانهم كلَّ مكروه؛ كما قال تعالى:{إنَّ الله يدافِعُ عن الذين آمنوا}.
الأعراف 7:195
{194} وهذا من نوع التحدي للمشركين العابدين للأوثان؛ يقول تعالى:{إنَّ الذين تَدۡعون من دونِ الله عبادٌ أمثالكم}؛ أي: لا فرق بينكم وبينهم؛ فكلُّكم عبيدٌ لله مملوكون؛ فإن كنتم كما تزعمون صادقين في أنها تستحقُّ من العبادة شيئاً؛ {فادۡعوهم فليستجيبوا لكم}: فإن استجابوا لكم وحصَّلوا مطلوبكم، وإلاَّ؛ تبيَّن أنكم كاذبون في هذه الدعوى مفترون على الله أعظم الفرية.
{195} وهذا لا يحتاج إلى تبيين فيه ؛ فإنَّكم إذا نظرتُم إليها؛ وجدتُم صورتها دالةً على أنه ليس لديها من النفع شيء، فليس لها أرجلٌ تمشي بها، ولا أيدٍ تبطش بها، ولا أعينٌ تبصر بها، ولا آذان تسمع بها؛ فهي عادمةٌ لجميع الآلات والقوى الموجودة في الإنسان؛ فإذا كانت لا تجيبكم إذا دعوتموها؛ فهي عبادٌ أمثالكم، بل أنتم أكمل منها وأقوى على كثير من الأشياء؛ فلأيِّ شيء عبدتموها؟! {قل ادعوا شركاءكم ثم كيدونِ فلا تُنظِرونِ}؛ أي: اجتمعوا أنتم وشركاؤكم على إيقاع السوء والمكروه بي من غير إمهال ولا إنظار فإنكم غير بالغين لشيء من المكروه بي.
{196} لأنَّ وَلِيِّيَ اللهُ الذي يتولاَّني فيجلب لي المنافع ويدفع عني المضار. {الذي نزَّل الكتابَ}: الذي فيه الهدى والشفاء والنور، وهو من تولِّيه وتربيته لعباده الخاصة الدينيَّة. {وهو يتولَّى الصالحين}: الذين صلحت نيَّاتهم وأعمالهم وأقوالهم؛ كما قال تعالى:{اللهُ وليُّ الذين آمنوا يخرِجُهم من الظُّلمات إلى النور}؛ فالمؤمنون الصالحون لمَّا تولَّوا ربَّهم بالإيمان والتقوى ولم يتولَّوا غيره ممَّن لا ينفع ولا يضرُّ؛ تولاَّهم الله ولطف بهم وأعانهم على ما فيه الخير والمصلحة لهم في دينهم ودنياهم ودفع عنهم بإيمانهم كلَّ مكروه؛ كما قال تعالى:{إنَّ الله يدافِعُ عن الذين آمنوا}.
الأعراف 7:196
{194} وهذا من نوع التحدي للمشركين العابدين للأوثان؛ يقول تعالى:{إنَّ الذين تَدۡعون من دونِ الله عبادٌ أمثالكم}؛ أي: لا فرق بينكم وبينهم؛ فكلُّكم عبيدٌ لله مملوكون؛ فإن كنتم كما تزعمون صادقين في أنها تستحقُّ من العبادة شيئاً؛ {فادۡعوهم فليستجيبوا لكم}: فإن استجابوا لكم وحصَّلوا مطلوبكم، وإلاَّ؛ تبيَّن أنكم كاذبون في هذه الدعوى مفترون على الله أعظم الفرية.
{195} وهذا لا يحتاج إلى تبيين فيه ؛ فإنَّكم إذا نظرتُم إليها؛ وجدتُم صورتها دالةً على أنه ليس لديها من النفع شيء، فليس لها أرجلٌ تمشي بها، ولا أيدٍ تبطش بها، ولا أعينٌ تبصر بها، ولا آذان تسمع بها؛ فهي عادمةٌ لجميع الآلات والقوى الموجودة في الإنسان؛ فإذا كانت لا تجيبكم إذا دعوتموها؛ فهي عبادٌ أمثالكم، بل أنتم أكمل منها وأقوى على كثير من الأشياء؛ فلأيِّ شيء عبدتموها؟! {قل ادعوا شركاءكم ثم كيدونِ فلا تُنظِرونِ}؛ أي: اجتمعوا أنتم وشركاؤكم على إيقاع السوء والمكروه بي من غير إمهال ولا إنظار فإنكم غير بالغين لشيء من المكروه بي.
{196} لأنَّ وَلِيِّيَ اللهُ الذي يتولاَّني فيجلب لي المنافع ويدفع عني المضار. {الذي نزَّل الكتابَ}: الذي فيه الهدى والشفاء والنور، وهو من تولِّيه وتربيته لعباده الخاصة الدينيَّة. {وهو يتولَّى الصالحين}: الذين صلحت نيَّاتهم وأعمالهم وأقوالهم؛ كما قال تعالى:{اللهُ وليُّ الذين آمنوا يخرِجُهم من الظُّلمات إلى النور}؛ فالمؤمنون الصالحون لمَّا تولَّوا ربَّهم بالإيمان والتقوى ولم يتولَّوا غيره ممَّن لا ينفع ولا يضرُّ؛ تولاَّهم الله ولطف بهم وأعانهم على ما فيه الخير والمصلحة لهم في دينهم ودنياهم ودفع عنهم بإيمانهم كلَّ مكروه؛ كما قال تعالى:{إنَّ الله يدافِعُ عن الذين آمنوا}.
الأعراف 7:197
{197 ـ 198} وهذا أيضاً في بيان عدم استحقاق هذه الأصنام التي يعبُدونها من دون الله شيئاً من العبادة؛ لأنها ليس لها استطاعةٌ ولا اقتدارٌ في نصر أنفسهم ولا في نصر عابديها، وليس لها قوة العقل والاستجابة؛ فلو دعوتَها إلى الهدى؛ لم تهتدِ، وهي صورٌ لا حياة فيها، فتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرونَ حقيقةً؛ لأنهم صوَّروها على صور الحيوانات من الآدميين أو غيرهم، وجعلوا لها أبصاراً وأعضاءً؛ فإذا رأيتها؛ قلت: هذه حيَّة؛ فإذا تأملتها؛ عرفت أنها جمادات لا حراك بها ولا حياة؛ فبأيِّ رأي اتَّخذها المشركون آلهةً مع الله؟! ولأيِّ مصلحة أو نفع عكفوا عندها وتقرَّبوا لها بأنواع العبادات؟! فإذا عُرِفَ هذا؛ عُرِفَ أن المشركين وآلهتهم التي عبدوها ولو اجتمعوا وأرادوا أن يكيدوا من تولاَّه فاطر السماوات والأرض متولِّي أحوال عباده الصالحين؛ لم يقدروا على كيده بمثقال ذرَّةٍ من الشرِّ؛ لكمال عجزهم وعجزها وكمال قوَّة الله واقتداره وقوَّة من احتمى بجلاله وتوكَّل عليه، وقيل: إنَّ معنى قوله: {وتَراهُم ينظُرونَ إليكَ وهم لا يبصِرونَ}: إنَّ الضمير يعود إلى المشركين المكذِّبين لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فتحسبهم ينظُرون إليك يا رسول الله نظر اعتبارٍ يتبيَّن به الصادق من الكاذب، ولكنهم لا يبصرون حقيقتك وما يتوسَّمه المتوسِّمون فيك من الجمال والكمال والصدق.
الأعراف 7:198
{197 ـ 198} وهذا أيضاً في بيان عدم استحقاق هذه الأصنام التي يعبُدونها من دون الله شيئاً من العبادة؛ لأنها ليس لها استطاعةٌ ولا اقتدارٌ في نصر أنفسهم ولا في نصر عابديها، وليس لها قوة العقل والاستجابة؛ فلو دعوتَها إلى الهدى؛ لم تهتدِ، وهي صورٌ لا حياة فيها، فتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرونَ حقيقةً؛ لأنهم صوَّروها على صور الحيوانات من الآدميين أو غيرهم، وجعلوا لها أبصاراً وأعضاءً؛ فإذا رأيتها؛ قلت: هذه حيَّة؛ فإذا تأملتها؛ عرفت أنها جمادات لا حراك بها ولا حياة؛ فبأيِّ رأي اتَّخذها المشركون آلهةً مع الله؟! ولأيِّ مصلحة أو نفع عكفوا عندها وتقرَّبوا لها بأنواع العبادات؟! فإذا عُرِفَ هذا؛ عُرِفَ أن المشركين وآلهتهم التي عبدوها ولو اجتمعوا وأرادوا أن يكيدوا من تولاَّه فاطر السماوات والأرض متولِّي أحوال عباده الصالحين؛ لم يقدروا على كيده بمثقال ذرَّةٍ من الشرِّ؛ لكمال عجزهم وعجزها وكمال قوَّة الله واقتداره وقوَّة من احتمى بجلاله وتوكَّل عليه، وقيل: إنَّ معنى قوله: {وتَراهُم ينظُرونَ إليكَ وهم لا يبصِرونَ}: إنَّ الضمير يعود إلى المشركين المكذِّبين لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فتحسبهم ينظُرون إليك يا رسول الله نظر اعتبارٍ يتبيَّن به الصادق من الكاذب، ولكنهم لا يبصرون حقيقتك وما يتوسَّمه المتوسِّمون فيك من الجمال والكمال والصدق.
الأعراف 7:199
{199} هذه الآية جامعة لِحُسْنِ الخلق مع الناس وما ينبغي في معاملتهم: فالذي ينبغي أن يعامَلَ به الناس: أن يأخذَ العفوَ؛ أي: ما سمحتْ به أنفسُهم وما سَهُلَ عليهم من الأعمال والأخلاق؛ فلا يكلِّفهم ما لا تسمح به طبائعهم، بل يشكُر من كلِّ أحدٍ ما قابله به من قول وفعل جميل أو ما هو دونَ ذلك، ويتجاوزُ عن تقصيرِهم ويغضُّ طرفه عن نقصهم ولا يتكبَّر على الصغير لصغره ولا ناقص العقل لنقصه ولا الفقير لفقره، بل يعامل الجميع باللُّطف والمقابلة بما تقتضيه الحال وتنشرح له صدورهم. {وأمُرۡ بالعُرۡفِ}؛ أي: بكل قول حسن وفعل جميل وخلق كامل للقريب والبعيد؛ فاجعل ما يأتي إلى الناس منك إما تعليم علم أو حث على خير من صلة رحم أو برِّ والدين أو إصلاح بين الناس أو نصيحة نافعة أو رأي مصيب أو معاونة على برٍّ وتقوى أو زجر عن قبيح أو إرشاد إلى تحصيل مصلحة دينيَّة أو دنيويَّة. ولما كان لا بدَّ من أذيَّة الجاهل؛ أمر الله تعالى أن يقابَلَ الجاهل بالإعراض عنه وعدم مقابلته بجهله؛ فمن آذاك بقوله أو فعله؛ لا تؤذه، ومن حَرَمَكَ لا تحرِمْه، ومن قطعك فَصِلْه، ومن ظلمك فاعدل فيه.
وأما ما ينبغي أن يعاملَ به العبدُ شياطين الجن؛ فقال تعالى:
الأعراف 7:200
{200} أي: أيَّ وقت وفي أيِّ حال، {ينزغنَّك من الشيطان نزغٌ}؛ أي: تحس منه بوسوسةٍ وتثبيطٍ عن الخير أو حثٍّ على الشرِّ وإيعازٍ إليه، {فاستعذۡ بالله}؛ أي: التجئ واعتصم بالله واحتم بحماه. فإنَّه سميعٌ لما تقول، {عليمٌ}: بنيَّتك وضعفك وقوة التجائك له فسيحميك من فتنته ويقيك من وسوسته؛ كما قال تعالى:{قل أعوذُ بربِّ الناس ... } إلى آخر السورة.
{201} ولما كان العبدُ لا بدَّ أن يغفل وينال منه الشيطان الذي لا يزال مرابطاً ينتظر غرَّته وغفلته؛ ذكر تعالى علامة المتَّقين من الغاوين، وأن المتَّقي إذا أحسَّ بذنب ومسَّه طائفٌ من الشيطان فأذنب بفعل محرَّم أو ترك واجبٍ؛ تذكَّر من أي باب أُتِيَ ومن أيِّ مدخل دخل الشيطان عليه، وتذكَّر ما أوجب الله عليه وما عليه من لوازم الإيمان، فأبصر، واستغفر الله تعالى، واستدرك ما فرط منه بالتوبة النصوح والحسنات الكثيرة، فرد شيطانه خاسئاً حسيراً؛ قد أفسد عليه كلَّ ما أدركه منه.
{202} وأما إخوان الشياطين وأولياؤهم؛ فإنهم إذا وقعوا في الذُّنوب لا يزالون يمدُّونهم في الغيِّ ذنباً بعد ذنبٍ، ولا يقصرون عن ذلك؛ فالشياطين لا تقصر عنهم بالإغواء؛ لأنها طمعت فيهم حين رأتهم سلسي القياد لها وهم لا يقصرون عن فعل الشرِّ.
الأعراف 7:201
{200} أي: أيَّ وقت وفي أيِّ حال، {ينزغنَّك من الشيطان نزغٌ}؛ أي: تحس منه بوسوسةٍ وتثبيطٍ عن الخير أو حثٍّ على الشرِّ وإيعازٍ إليه، {فاستعذۡ بالله}؛ أي: التجئ واعتصم بالله واحتم بحماه. فإنَّه سميعٌ لما تقول، {عليمٌ}: بنيَّتك وضعفك وقوة التجائك له فسيحميك من فتنته ويقيك من وسوسته؛ كما قال تعالى:{قل أعوذُ بربِّ الناس ... } إلى آخر السورة.
{201} ولما كان العبدُ لا بدَّ أن يغفل وينال منه الشيطان الذي لا يزال مرابطاً ينتظر غرَّته وغفلته؛ ذكر تعالى علامة المتَّقين من الغاوين، وأن المتَّقي إذا أحسَّ بذنب ومسَّه طائفٌ من الشيطان فأذنب بفعل محرَّم أو ترك واجبٍ؛ تذكَّر من أي باب أُتِيَ ومن أيِّ مدخل دخل الشيطان عليه، وتذكَّر ما أوجب الله عليه وما عليه من لوازم الإيمان، فأبصر، واستغفر الله تعالى، واستدرك ما فرط منه بالتوبة النصوح والحسنات الكثيرة، فرد شيطانه خاسئاً حسيراً؛ قد أفسد عليه كلَّ ما أدركه منه.
{202} وأما إخوان الشياطين وأولياؤهم؛ فإنهم إذا وقعوا في الذُّنوب لا يزالون يمدُّونهم في الغيِّ ذنباً بعد ذنبٍ، ولا يقصرون عن ذلك؛ فالشياطين لا تقصر عنهم بالإغواء؛ لأنها طمعت فيهم حين رأتهم سلسي القياد لها وهم لا يقصرون عن فعل الشرِّ.
الأعراف 7:202
{200} أي: أيَّ وقت وفي أيِّ حال، {ينزغنَّك من الشيطان نزغٌ}؛ أي: تحس منه بوسوسةٍ وتثبيطٍ عن الخير أو حثٍّ على الشرِّ وإيعازٍ إليه، {فاستعذۡ بالله}؛ أي: التجئ واعتصم بالله واحتم بحماه. فإنَّه سميعٌ لما تقول، {عليمٌ}: بنيَّتك وضعفك وقوة التجائك له فسيحميك من فتنته ويقيك من وسوسته؛ كما قال تعالى:{قل أعوذُ بربِّ الناس ... } إلى آخر السورة.
{201} ولما كان العبدُ لا بدَّ أن يغفل وينال منه الشيطان الذي لا يزال مرابطاً ينتظر غرَّته وغفلته؛ ذكر تعالى علامة المتَّقين من الغاوين، وأن المتَّقي إذا أحسَّ بذنب ومسَّه طائفٌ من الشيطان فأذنب بفعل محرَّم أو ترك واجبٍ؛ تذكَّر من أي باب أُتِيَ ومن أيِّ مدخل دخل الشيطان عليه، وتذكَّر ما أوجب الله عليه وما عليه من لوازم الإيمان، فأبصر، واستغفر الله تعالى، واستدرك ما فرط منه بالتوبة النصوح والحسنات الكثيرة، فرد شيطانه خاسئاً حسيراً؛ قد أفسد عليه كلَّ ما أدركه منه.
{202} وأما إخوان الشياطين وأولياؤهم؛ فإنهم إذا وقعوا في الذُّنوب لا يزالون يمدُّونهم في الغيِّ ذنباً بعد ذنبٍ، ولا يقصرون عن ذلك؛ فالشياطين لا تقصر عنهم بالإغواء؛ لأنها طمعت فيهم حين رأتهم سلسي القياد لها وهم لا يقصرون عن فعل الشرِّ.
الأعراف 7:203
{203} أي: لا يزال هؤلاء المكذِّبون لك في تعنُّت وعناد، ولو جاءتهم الآيات الدالَّة على الهدى والرشاد؛ فإذا جئتهم بشيء من الآيات الدالَّة على صدقك؛ لم ينقادوا. {وإذا لم تأتهم بآيةٍ}: من آيات الاقتراح التي يعيِّنونها، {قالوا لولا اجتبيتها}؛ أي: هلاَّ اخترت الآية فصارت الآية الفلانية أو المعجزة الفلانية، كأنك أنت المنزِّل للآيات المدبِّر لجميع المخلوقات، ولم يعلموا أنه ليس لك من الأمر شيء، أو [أنّ المعنى]: لولا اخترعتها من نفسك، {قل إنَّما أتَّبع ما يوحى إليَّ من ربي}: فأنا عبدٌ مُتَّبِعٌ مدبَّر، والله تعالى هو الذي ينزل الآيات ويرسلها على حسب ما اقتضاه حمده، وَطَلبَتْهُ حكمته البالغة؛ فإن أردتم آية لا تضمحلُّ على تعاقب الأوقات وحجة لا تبطل في جميع الآنات؛ فهذا:القرآن العظيم والذكر الحكيم.{بصائرُ من ربِّكم}: يستبصر به في جميع المطالب الإلهيَّة والمقاصد الإنسانيَّة، وهو الدليل والمدلول؛ فمن تفكَّر فيه وتدبَّره؛ علم أنه تنزيلٌ من حكيم حميدٍ، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وبه قامت الحجَّة على كلِّ من بلغه، ولكن أكثر الناس لا يؤمنون، وإلاَّ؛ فمن آمن؛ فهو {هدىً} له من الضلال {ورحمةٌ} له من الشقاء؛ فالمؤمن مهتدٍ بالقرآن، متَّبع له، سعيدٌ في دنياه وأخراه، وأما من لم يؤمنْ به؛ فإنه ضالٌّ شقيٌّ في الدنيا والآخرة.
الأعراف 7:204
{204} هذا الأمر عامٌّ في كلِّ من سمع كتاب الله يتلى؛ فإنه مأمور بالاستماع له والإنصات، والفرق بين الاستماع والإنصات أن الإنصات في الظاهر بترك التحدُّث أو الاشتغال بما يشغل عن استماعه، وأما الاستماع له؛ فهو أن يُلْقِيَ سَمْعَه ويحضِرَ قلبَه ويتدبَّر ما يستمع؛ فإنَّ من لازم على هذين الأمرين حين يُتلى كتاب الله؛ فإنه ينال خيراً كثيراً وعلماً غزيراً وإيماناً مستمرًّا متجدداً وهدىً متزايداً وبصيرةً في دينه، ولهذا رتَّب الله حصول الرحمة عليهما، فدلَّ ذلك على أن مَنْ تُلي عليه الكتاب فلم يستمع له وينصت أنه محروم الحظ من الرحمة، قد فاته خيرٌ كثير.
ومن أوكدِ ما يؤمر [به] مستمع القرآن أن يستمعَ له وينصتَ في الصلاة الجهرية إذا قرأ إمامُهُ؛ فإنَّه مأمورٌ بالإنصات حتى إنَّ أكثر العلماء يقولون: إنَّ اشتغاله بالإنصات أولى من قراءته الفاتحة وغيرها.
الأعراف 7:205
{205} الذكر لله تعالى يكون بالقلب ويكون باللسان ويكون بهما وهو أكمل أنواع الذكر وأحواله، فأمر الله عبده ورسوله محمداً أصلاً وغيره تبعاً بذكر ربِّه في نفسه؛ أي: مخلصاً خالياً، {تضرُّعاً}؛ أي: متضرعاً بلسانك مكرِّراً لأنواع الذكر، {وخِيفةً}: في قلبك؛ بأن تكون خائفاً من الله، وَجِلَ القلب منه خوفاً أن يكون عملك غير مقبول، وعلامة الخوف أن يسعى ويجتهد في تكميل العمل وإصلاحه والنصح به. {ودون الجهر من القول} ـ؛ أي: كن متوسطاً، لا تجهرْ بصلاتك ولا تخافِتْ بها وابتغ بين ذلك سبيلاً ـ {بالغدو}: أول النهار، {والآصال}: آخره، وهذان الوقتان [لذكرِ اللهِ] فيهما مزيَّةٌ وفضيلةٌ على غيرهما. {ولا تكن من الغافلينَ}: الذين نَسُوا الله فأنساهم أنفُسَهم؛ فإنَّهم حُرِموا خير الدنيا والآخرة، وأعرضوا عمَّن كلُّ السعادة والفوز في ذكره وعبوديَّته، وأقبلوا على مَن كلُّ الشقاوة والخيبة في الاشتغال به.
وهذه من الآداب التي ينبغي للعبد أن يراعِيَها حقَّ رعايتها، وهي الإكثار من ذكر الله آناء الليل والنهار، خصوصاً طرفي النهار، مخلصاً خاشعاً متضرِّعاً متذللاً ساكناً متواطئاً عليه قلبه ولسانه بأدبٍ ووَقارٍ وإقبال على الدُّعاء والذِّكر وإحضارٍ له بقلبه وعدم غفلة؛ فإنَّ الله لا يستجيبُ دعاءً من قلبٍ غافلٍ لاهٍ.
{206} ثم ذكر تعالى أن له عباداً مستديمين لعبادته، ملازمين لخدمته، وهم الملائكة. فلتعلموا أن الله لا يريدُ أن يتكثَّر بعبادتكم من قلَّة، ولا ليتعزَّز بها من ذِلَّة، وإنما يريدُ نفع أنفسكم، وأن تربحوا عليه أضعاف أضعاف ما عملتم، فقال:{إنَّ الذين عند ربِّك}: من الملائكة المقرَّبين وحملة العرش والكروبيين، {لا يستكبِرون عن عبادته}: بل يُذْعِنون لها وينقادون لأوامر ربِّهم، {ويسبِّحونه}: الليل والنهار لا يفترون. {وله} وحده لا شريك له {يسجُدون}: فليقتَدِ العبادُ بهؤلاء الملائكة الكرام، وليداوِموا على عبادة الملك العلاَّم.
تم تفسير سورة الأعراف.
ولله الحمد والشكر والثناء. وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم
* * *
الأعراف 7:206
{205} الذكر لله تعالى يكون بالقلب ويكون باللسان ويكون بهما وهو أكمل أنواع الذكر وأحواله، فأمر الله عبده ورسوله محمداً أصلاً وغيره تبعاً بذكر ربِّه في نفسه؛ أي: مخلصاً خالياً، {تضرُّعاً}؛ أي: متضرعاً بلسانك مكرِّراً لأنواع الذكر، {وخِيفةً}: في قلبك؛ بأن تكون خائفاً من الله، وَجِلَ القلب منه خوفاً أن يكون عملك غير مقبول، وعلامة الخوف أن يسعى ويجتهد في تكميل العمل وإصلاحه والنصح به. {ودون الجهر من القول} ـ؛ أي: كن متوسطاً، لا تجهرْ بصلاتك ولا تخافِتْ بها وابتغ بين ذلك سبيلاً ـ {بالغدو}: أول النهار، {والآصال}: آخره، وهذان الوقتان [لذكرِ اللهِ] فيهما مزيَّةٌ وفضيلةٌ على غيرهما. {ولا تكن من الغافلينَ}: الذين نَسُوا الله فأنساهم أنفُسَهم؛ فإنَّهم حُرِموا خير الدنيا والآخرة، وأعرضوا عمَّن كلُّ السعادة والفوز في ذكره وعبوديَّته، وأقبلوا على مَن كلُّ الشقاوة والخيبة في الاشتغال به.
وهذه من الآداب التي ينبغي للعبد أن يراعِيَها حقَّ رعايتها، وهي الإكثار من ذكر الله آناء الليل والنهار، خصوصاً طرفي النهار، مخلصاً خاشعاً متضرِّعاً متذللاً ساكناً متواطئاً عليه قلبه ولسانه بأدبٍ ووَقارٍ وإقبال على الدُّعاء والذِّكر وإحضارٍ له بقلبه وعدم غفلة؛ فإنَّ الله لا يستجيبُ دعاءً من قلبٍ غافلٍ لاهٍ.
{206} ثم ذكر تعالى أن له عباداً مستديمين لعبادته، ملازمين لخدمته، وهم الملائكة. فلتعلموا أن الله لا يريدُ أن يتكثَّر بعبادتكم من قلَّة، ولا ليتعزَّز بها من ذِلَّة، وإنما يريدُ نفع أنفسكم، وأن تربحوا عليه أضعاف أضعاف ما عملتم، فقال:{إنَّ الذين عند ربِّك}: من الملائكة المقرَّبين وحملة العرش والكروبيين، {لا يستكبِرون عن عبادته}: بل يُذْعِنون لها وينقادون لأوامر ربِّهم، {ويسبِّحونه}: الليل والنهار لا يفترون. {وله} وحده لا شريك له {يسجُدون}: فليقتَدِ العبادُ بهؤلاء الملائكة الكرام، وليداوِموا على عبادة الملك العلاَّم.
تم تفسير سورة الأعراف.
ولله الحمد والشكر والثناء. وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم
* * *
الأنفال 8:1
وهي مدنية
{1} الأنفال: هي الغنائم التي يُنَفِّلُها اللهُ لهذه الأمة من أموال الكفار. وكانت هذه الآيات في هذه السورة قد نزلت في قصَّة بدرٍ، أول غنيمة كبيرة غنمها المسلمون من المشركين، فحصل بين بعض المسلمين فيها نزاعٌ، فسألوا رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - عنها، فأنزل الله:{يسألونَكَ عن الأنفالِ}: كيف تُقْسَمُ؟ وعلى مَن تُقْسَمُ؟ {قل}: لهم الأنفال لله ورسولِهِ يضعانِها حيث شاءا؛ فلا اعتراض لكم على حكم الله ورسوله، بل عليكم إذا حكم الله ورسوله أن ترضوا بحكمهما وتسلِّموا الأمر لهما، وذلك داخلٌ في قوله:{فاتَّقوا الله}: بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، {وأصلِحوا ذاتَ بينِكم}؛ أي: أصلِحوا ما بينكم من التشاحن والتقاطع والتدابر بالتوادد والتحاب والتواصل؛ فبذلك تجتمع كلمتُكم ويزولُ ما يحصُلُ بسبب التقاطع من التخاصُم والتشاجُر والتنازع.
ويدخُلُ في إصلاح ذاتِ البين تحسينُ الخُلُق لهم والعفو عن المسيئين منهم؛ فإنه بذلك يزول كثير مما يكون في القلوب من البغضاء والتدابر، والأمر الجامع لذلك كله قوله:{وأطيعوا الله ورسولَه إن كنتم مؤمنين}: فإنَّ الإيمان يدعو إلى طاعة الله ورسوله؛ كما أنَّ من لم يطع الله ورسوله فليس بمؤمنٍ، ومن نقصت طاعتُهُ لله ورسوله؛ فذلك لنقص إيمانه.
{2} ولما كان الإيمانُ قسمين: إيماناً كاملاً يترتَّب عليه المدح والثناء والفوزُ التامُّ، وإيماناً دون ذلك؛ ذَكَرَ الإيمانَ الكامل، فقال:{إنما المؤمنون}: الألف واللام للاستغراق لشرائع الإيمان، {الذين إذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتۡ قلوبُهم}؛ أي: خافت ورهبت فأوجبت لهم خشية الله تعالى الانكفافَ عن المحارم؛ فإنَّ خوف الله تعالى أكبر علاماته أن يَحْجُزَ صاحبَه عن الذنوب. {وإذا تُلِيَتۡ عليهم آياتُهُ زادتهم إيماناً}: ووجه ذلك أنَّهم يلقون له السمع ويحضِرون قلوبهم لتدبُّره؛ فعند ذلك يزيد إيمانهم؛ لأنَّ التدبُّر من أعمال القلوب، ولأنَّه لا بدَّ أنْ يبيِّن لهم معنىً كانوا يجهلونَه ويتذكَّرون ما كانوا نَسوه أو يُحْدِثَ في قلوبهم رغبةً في الخير واشتياقاً إلى كرامة ربِّهم أو وَجَلاً من العقوبات وازدجاراً عن المعاصي، وكلُّ هذا مما يزداد به الإيمان. {وعلى ربِّهم}: وحده لا شريك له {يتوكَّلون}؛ أي: يعتَمِدون في قلوبهم على ربِّهم في جلب مصالحهم ودفع مضارِّهم الدينيَّة والدنيويَّة، ويثقون بأنَّ الله تعالى سيفعلُ ذلك، والتوكُّل هو الحامل للأعمال كلِّها؛ فلا توجَدُ ولا تكْمُلُ إلا به.
{3}{الذين يقيمون الصلاة}: من فرائض ونوافل، بأعمالها الظاهرة والباطنة؛ كحضور القلب فيها، الذي هو رُوح الصلاة ولُبُّها، {ومما رزقۡناهم ينفقونَ}: النفقاتِ الواجبةَ؛ كالزكوات والكفَّارات والنفقة على الزوجات والأقارب وما ملكت أيمانهم، والمستحبَّة؛ كالصدقة في جميع طرق الخير.
{4}{أولئك}: الذين اتَّصفوا بتلك الصفات، {هم المؤمنون حقًّا}: لأنهم جمعوا بين الإسلام والإيمان، بين الأعمال الباطنة والأعمال الظاهرة، بين العلم والعمل، بين أداء حقوق الله وحقوق عباده.
وقدَّم تعالى أعمال القلوب لأنَّها أصلٌ لأعمال الجوارح وأفضلُ منها. وفيها دليلٌ على أن الإيمان يزيدُ وينقُصُ؛ فيزيدُ بفعل الطاعة وينقُصُ بضدِّها. وأنه ينبغي للعبد أن يتعاهَدَ إيمانه ويُنْميه. وأنَّ أولى ما يحصُلُ به ذلك تدبُّر كتاب الله تعالى والتأمُّل لمعانيه. ثم ذكر ثواب المؤمنين حقًّا، فقال:{لهم درجاتٌ عند ربِّهم}؛ أي: عاليةٌ بحسب علوِّ أعمالهم. {ومغفرةٌ}: لذُنوبهم، {ورزقٌ كريمٌ}: وهو ما أعدَّ الله لهم في دار كرامته مما لا عين رأتْ ولا أذن سمعتْ ولا خطر على قلبِ بشرٍ. ودلَّ هذا على أنَّ مَن لم يصِلْ إلى درجتهم في الإيمان وإن دَخَلَ الجنة؛ فلن ينال ما نالوا من كرامةِ الله التامَّةِ.
قدَّم تعالى أمام هذه الغزوة الكبرى المباركة الصفات التي على المؤمنين أن يقوموا بها؛ لأنَّ مَن قام بها؛ استقامت أحوالُه وصَلَحَتْ أعمالُه، التي من أكبرها الجهاد في سبيله.
الأنفال 8:2
وهي مدنية
{1} الأنفال: هي الغنائم التي يُنَفِّلُها اللهُ لهذه الأمة من أموال الكفار. وكانت هذه الآيات في هذه السورة قد نزلت في قصَّة بدرٍ، أول غنيمة كبيرة غنمها المسلمون من المشركين، فحصل بين بعض المسلمين فيها نزاعٌ، فسألوا رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - عنها، فأنزل الله:{يسألونَكَ عن الأنفالِ}: كيف تُقْسَمُ؟ وعلى مَن تُقْسَمُ؟ {قل}: لهم الأنفال لله ورسولِهِ يضعانِها حيث شاءا؛ فلا اعتراض لكم على حكم الله ورسوله، بل عليكم إذا حكم الله ورسوله أن ترضوا بحكمهما وتسلِّموا الأمر لهما، وذلك داخلٌ في قوله:{فاتَّقوا الله}: بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، {وأصلِحوا ذاتَ بينِكم}؛ أي: أصلِحوا ما بينكم من التشاحن والتقاطع والتدابر بالتوادد والتحاب والتواصل؛ فبذلك تجتمع كلمتُكم ويزولُ ما يحصُلُ بسبب التقاطع من التخاصُم والتشاجُر والتنازع.
ويدخُلُ في إصلاح ذاتِ البين تحسينُ الخُلُق لهم والعفو عن المسيئين منهم؛ فإنه بذلك يزول كثير مما يكون في القلوب من البغضاء والتدابر، والأمر الجامع لذلك كله قوله:{وأطيعوا الله ورسولَه إن كنتم مؤمنين}: فإنَّ الإيمان يدعو إلى طاعة الله ورسوله؛ كما أنَّ من لم يطع الله ورسوله فليس بمؤمنٍ، ومن نقصت طاعتُهُ لله ورسوله؛ فذلك لنقص إيمانه.
{2} ولما كان الإيمانُ قسمين: إيماناً كاملاً يترتَّب عليه المدح والثناء والفوزُ التامُّ، وإيماناً دون ذلك؛ ذَكَرَ الإيمانَ الكامل، فقال:{إنما المؤمنون}: الألف واللام للاستغراق لشرائع الإيمان، {الذين إذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتۡ قلوبُهم}؛ أي: خافت ورهبت فأوجبت لهم خشية الله تعالى الانكفافَ عن المحارم؛ فإنَّ خوف الله تعالى أكبر علاماته أن يَحْجُزَ صاحبَه عن الذنوب. {وإذا تُلِيَتۡ عليهم آياتُهُ زادتهم إيماناً}: ووجه ذلك أنَّهم يلقون له السمع ويحضِرون قلوبهم لتدبُّره؛ فعند ذلك يزيد إيمانهم؛ لأنَّ التدبُّر من أعمال القلوب، ولأنَّه لا بدَّ أنْ يبيِّن لهم معنىً كانوا يجهلونَه ويتذكَّرون ما كانوا نَسوه أو يُحْدِثَ في قلوبهم رغبةً في الخير واشتياقاً إلى كرامة ربِّهم أو وَجَلاً من العقوبات وازدجاراً عن المعاصي، وكلُّ هذا مما يزداد به الإيمان. {وعلى ربِّهم}: وحده لا شريك له {يتوكَّلون}؛ أي: يعتَمِدون في قلوبهم على ربِّهم في جلب مصالحهم ودفع مضارِّهم الدينيَّة والدنيويَّة، ويثقون بأنَّ الله تعالى سيفعلُ ذلك، والتوكُّل هو الحامل للأعمال كلِّها؛ فلا توجَدُ ولا تكْمُلُ إلا به.
{3}{الذين يقيمون الصلاة}: من فرائض ونوافل، بأعمالها الظاهرة والباطنة؛ كحضور القلب فيها، الذي هو رُوح الصلاة ولُبُّها، {ومما رزقۡناهم ينفقونَ}: النفقاتِ الواجبةَ؛ كالزكوات والكفَّارات والنفقة على الزوجات والأقارب وما ملكت أيمانهم، والمستحبَّة؛ كالصدقة في جميع طرق الخير.
{4}{أولئك}: الذين اتَّصفوا بتلك الصفات، {هم المؤمنون حقًّا}: لأنهم جمعوا بين الإسلام والإيمان، بين الأعمال الباطنة والأعمال الظاهرة، بين العلم والعمل، بين أداء حقوق الله وحقوق عباده.
وقدَّم تعالى أعمال القلوب لأنَّها أصلٌ لأعمال الجوارح وأفضلُ منها. وفيها دليلٌ على أن الإيمان يزيدُ وينقُصُ؛ فيزيدُ بفعل الطاعة وينقُصُ بضدِّها. وأنه ينبغي للعبد أن يتعاهَدَ إيمانه ويُنْميه. وأنَّ أولى ما يحصُلُ به ذلك تدبُّر كتاب الله تعالى والتأمُّل لمعانيه. ثم ذكر ثواب المؤمنين حقًّا، فقال:{لهم درجاتٌ عند ربِّهم}؛ أي: عاليةٌ بحسب علوِّ أعمالهم. {ومغفرةٌ}: لذُنوبهم، {ورزقٌ كريمٌ}: وهو ما أعدَّ الله لهم في دار كرامته مما لا عين رأتْ ولا أذن سمعتْ ولا خطر على قلبِ بشرٍ. ودلَّ هذا على أنَّ مَن لم يصِلْ إلى درجتهم في الإيمان وإن دَخَلَ الجنة؛ فلن ينال ما نالوا من كرامةِ الله التامَّةِ.
قدَّم تعالى أمام هذه الغزوة الكبرى المباركة الصفات التي على المؤمنين أن يقوموا بها؛ لأنَّ مَن قام بها؛ استقامت أحوالُه وصَلَحَتْ أعمالُه، التي من أكبرها الجهاد في سبيله.
الأنفال 8:3
وهي مدنية
{1} الأنفال: هي الغنائم التي يُنَفِّلُها اللهُ لهذه الأمة من أموال الكفار. وكانت هذه الآيات في هذه السورة قد نزلت في قصَّة بدرٍ، أول غنيمة كبيرة غنمها المسلمون من المشركين، فحصل بين بعض المسلمين فيها نزاعٌ، فسألوا رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - عنها، فأنزل الله:{يسألونَكَ عن الأنفالِ}: كيف تُقْسَمُ؟ وعلى مَن تُقْسَمُ؟ {قل}: لهم الأنفال لله ورسولِهِ يضعانِها حيث شاءا؛ فلا اعتراض لكم على حكم الله ورسوله، بل عليكم إذا حكم الله ورسوله أن ترضوا بحكمهما وتسلِّموا الأمر لهما، وذلك داخلٌ في قوله:{فاتَّقوا الله}: بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، {وأصلِحوا ذاتَ بينِكم}؛ أي: أصلِحوا ما بينكم من التشاحن والتقاطع والتدابر بالتوادد والتحاب والتواصل؛ فبذلك تجتمع كلمتُكم ويزولُ ما يحصُلُ بسبب التقاطع من التخاصُم والتشاجُر والتنازع.
ويدخُلُ في إصلاح ذاتِ البين تحسينُ الخُلُق لهم والعفو عن المسيئين منهم؛ فإنه بذلك يزول كثير مما يكون في القلوب من البغضاء والتدابر، والأمر الجامع لذلك كله قوله:{وأطيعوا الله ورسولَه إن كنتم مؤمنين}: فإنَّ الإيمان يدعو إلى طاعة الله ورسوله؛ كما أنَّ من لم يطع الله ورسوله فليس بمؤمنٍ، ومن نقصت طاعتُهُ لله ورسوله؛ فذلك لنقص إيمانه.
{2} ولما كان الإيمانُ قسمين: إيماناً كاملاً يترتَّب عليه المدح والثناء والفوزُ التامُّ، وإيماناً دون ذلك؛ ذَكَرَ الإيمانَ الكامل، فقال:{إنما المؤمنون}: الألف واللام للاستغراق لشرائع الإيمان، {الذين إذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتۡ قلوبُهم}؛ أي: خافت ورهبت فأوجبت لهم خشية الله تعالى الانكفافَ عن المحارم؛ فإنَّ خوف الله تعالى أكبر علاماته أن يَحْجُزَ صاحبَه عن الذنوب. {وإذا تُلِيَتۡ عليهم آياتُهُ زادتهم إيماناً}: ووجه ذلك أنَّهم يلقون له السمع ويحضِرون قلوبهم لتدبُّره؛ فعند ذلك يزيد إيمانهم؛ لأنَّ التدبُّر من أعمال القلوب، ولأنَّه لا بدَّ أنْ يبيِّن لهم معنىً كانوا يجهلونَه ويتذكَّرون ما كانوا نَسوه أو يُحْدِثَ في قلوبهم رغبةً في الخير واشتياقاً إلى كرامة ربِّهم أو وَجَلاً من العقوبات وازدجاراً عن المعاصي، وكلُّ هذا مما يزداد به الإيمان. {وعلى ربِّهم}: وحده لا شريك له {يتوكَّلون}؛ أي: يعتَمِدون في قلوبهم على ربِّهم في جلب مصالحهم ودفع مضارِّهم الدينيَّة والدنيويَّة، ويثقون بأنَّ الله تعالى سيفعلُ ذلك، والتوكُّل هو الحامل للأعمال كلِّها؛ فلا توجَدُ ولا تكْمُلُ إلا به.
{3}{الذين يقيمون الصلاة}: من فرائض ونوافل، بأعمالها الظاهرة والباطنة؛ كحضور القلب فيها، الذي هو رُوح الصلاة ولُبُّها، {ومما رزقۡناهم ينفقونَ}: النفقاتِ الواجبةَ؛ كالزكوات والكفَّارات والنفقة على الزوجات والأقارب وما ملكت أيمانهم، والمستحبَّة؛ كالصدقة في جميع طرق الخير.
{4}{أولئك}: الذين اتَّصفوا بتلك الصفات، {هم المؤمنون حقًّا}: لأنهم جمعوا بين الإسلام والإيمان، بين الأعمال الباطنة والأعمال الظاهرة، بين العلم والعمل، بين أداء حقوق الله وحقوق عباده.
وقدَّم تعالى أعمال القلوب لأنَّها أصلٌ لأعمال الجوارح وأفضلُ منها. وفيها دليلٌ على أن الإيمان يزيدُ وينقُصُ؛ فيزيدُ بفعل الطاعة وينقُصُ بضدِّها. وأنه ينبغي للعبد أن يتعاهَدَ إيمانه ويُنْميه. وأنَّ أولى ما يحصُلُ به ذلك تدبُّر كتاب الله تعالى والتأمُّل لمعانيه. ثم ذكر ثواب المؤمنين حقًّا، فقال:{لهم درجاتٌ عند ربِّهم}؛ أي: عاليةٌ بحسب علوِّ أعمالهم. {ومغفرةٌ}: لذُنوبهم، {ورزقٌ كريمٌ}: وهو ما أعدَّ الله لهم في دار كرامته مما لا عين رأتْ ولا أذن سمعتْ ولا خطر على قلبِ بشرٍ. ودلَّ هذا على أنَّ مَن لم يصِلْ إلى درجتهم في الإيمان وإن دَخَلَ الجنة؛ فلن ينال ما نالوا من كرامةِ الله التامَّةِ.
قدَّم تعالى أمام هذه الغزوة الكبرى المباركة الصفات التي على المؤمنين أن يقوموا بها؛ لأنَّ مَن قام بها؛ استقامت أحوالُه وصَلَحَتْ أعمالُه، التي من أكبرها الجهاد في سبيله.
الأنفال 8:4
وهي مدنية
{1} الأنفال: هي الغنائم التي يُنَفِّلُها اللهُ لهذه الأمة من أموال الكفار. وكانت هذه الآيات في هذه السورة قد نزلت في قصَّة بدرٍ، أول غنيمة كبيرة غنمها المسلمون من المشركين، فحصل بين بعض المسلمين فيها نزاعٌ، فسألوا رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - عنها، فأنزل الله:{يسألونَكَ عن الأنفالِ}: كيف تُقْسَمُ؟ وعلى مَن تُقْسَمُ؟ {قل}: لهم الأنفال لله ورسولِهِ يضعانِها حيث شاءا؛ فلا اعتراض لكم على حكم الله ورسوله، بل عليكم إذا حكم الله ورسوله أن ترضوا بحكمهما وتسلِّموا الأمر لهما، وذلك داخلٌ في قوله:{فاتَّقوا الله}: بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، {وأصلِحوا ذاتَ بينِكم}؛ أي: أصلِحوا ما بينكم من التشاحن والتقاطع والتدابر بالتوادد والتحاب والتواصل؛ فبذلك تجتمع كلمتُكم ويزولُ ما يحصُلُ بسبب التقاطع من التخاصُم والتشاجُر والتنازع.
ويدخُلُ في إصلاح ذاتِ البين تحسينُ الخُلُق لهم والعفو عن المسيئين منهم؛ فإنه بذلك يزول كثير مما يكون في القلوب من البغضاء والتدابر، والأمر الجامع لذلك كله قوله:{وأطيعوا الله ورسولَه إن كنتم مؤمنين}: فإنَّ الإيمان يدعو إلى طاعة الله ورسوله؛ كما أنَّ من لم يطع الله ورسوله فليس بمؤمنٍ، ومن نقصت طاعتُهُ لله ورسوله؛ فذلك لنقص إيمانه.
{2} ولما كان الإيمانُ قسمين: إيماناً كاملاً يترتَّب عليه المدح والثناء والفوزُ التامُّ، وإيماناً دون ذلك؛ ذَكَرَ الإيمانَ الكامل، فقال:{إنما المؤمنون}: الألف واللام للاستغراق لشرائع الإيمان، {الذين إذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتۡ قلوبُهم}؛ أي: خافت ورهبت فأوجبت لهم خشية الله تعالى الانكفافَ عن المحارم؛ فإنَّ خوف الله تعالى أكبر علاماته أن يَحْجُزَ صاحبَه عن الذنوب. {وإذا تُلِيَتۡ عليهم آياتُهُ زادتهم إيماناً}: ووجه ذلك أنَّهم يلقون له السمع ويحضِرون قلوبهم لتدبُّره؛ فعند ذلك يزيد إيمانهم؛ لأنَّ التدبُّر من أعمال القلوب، ولأنَّه لا بدَّ أنْ يبيِّن لهم معنىً كانوا يجهلونَه ويتذكَّرون ما كانوا نَسوه أو يُحْدِثَ في قلوبهم رغبةً في الخير واشتياقاً إلى كرامة ربِّهم أو وَجَلاً من العقوبات وازدجاراً عن المعاصي، وكلُّ هذا مما يزداد به الإيمان. {وعلى ربِّهم}: وحده لا شريك له {يتوكَّلون}؛ أي: يعتَمِدون في قلوبهم على ربِّهم في جلب مصالحهم ودفع مضارِّهم الدينيَّة والدنيويَّة، ويثقون بأنَّ الله تعالى سيفعلُ ذلك، والتوكُّل هو الحامل للأعمال كلِّها؛ فلا توجَدُ ولا تكْمُلُ إلا به.
{3}{الذين يقيمون الصلاة}: من فرائض ونوافل، بأعمالها الظاهرة والباطنة؛ كحضور القلب فيها، الذي هو رُوح الصلاة ولُبُّها، {ومما رزقۡناهم ينفقونَ}: النفقاتِ الواجبةَ؛ كالزكوات والكفَّارات والنفقة على الزوجات والأقارب وما ملكت أيمانهم، والمستحبَّة؛ كالصدقة في جميع طرق الخير.
{4}{أولئك}: الذين اتَّصفوا بتلك الصفات، {هم المؤمنون حقًّا}: لأنهم جمعوا بين الإسلام والإيمان، بين الأعمال الباطنة والأعمال الظاهرة، بين العلم والعمل، بين أداء حقوق الله وحقوق عباده.
وقدَّم تعالى أعمال القلوب لأنَّها أصلٌ لأعمال الجوارح وأفضلُ منها. وفيها دليلٌ على أن الإيمان يزيدُ وينقُصُ؛ فيزيدُ بفعل الطاعة وينقُصُ بضدِّها. وأنه ينبغي للعبد أن يتعاهَدَ إيمانه ويُنْميه. وأنَّ أولى ما يحصُلُ به ذلك تدبُّر كتاب الله تعالى والتأمُّل لمعانيه. ثم ذكر ثواب المؤمنين حقًّا، فقال:{لهم درجاتٌ عند ربِّهم}؛ أي: عاليةٌ بحسب علوِّ أعمالهم. {ومغفرةٌ}: لذُنوبهم، {ورزقٌ كريمٌ}: وهو ما أعدَّ الله لهم في دار كرامته مما لا عين رأتْ ولا أذن سمعتْ ولا خطر على قلبِ بشرٍ. ودلَّ هذا على أنَّ مَن لم يصِلْ إلى درجتهم في الإيمان وإن دَخَلَ الجنة؛ فلن ينال ما نالوا من كرامةِ الله التامَّةِ.
قدَّم تعالى أمام هذه الغزوة الكبرى المباركة الصفات التي على المؤمنين أن يقوموا بها؛ لأنَّ مَن قام بها؛ استقامت أحوالُه وصَلَحَتْ أعمالُه، التي من أكبرها الجهاد في سبيله.
الأنفال 8:5
{5 ـ 6} فكما أنَّ إيمانهم هو الإيمان الحقيقي وجزاءهم هو الحقُّ الذي وعدهم الله به؛ كذلك أخرج الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - من بيته إلى لقاء المشركين في بدرٍ بالحقِّ الذي يحبُّه الله تعالى وقد قدَّره وقضاه، وإنْ كان المؤمنون لم يخطُرْ ببالهم في ذلك الخروج أنَّه يكون بينهم وبين عدوِّهم قتالٌ؛ فحين تبيَّن لهم أنَّ ذلك واقعٌ؛ جعل فريقٌ من المؤمنين يجادلون النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك ويكرهون لقاء عدوِّهم كأنَّما يُساقونَ إلى الموت وهم ينظُرون! والحال أن هذا لا ينبغي منهم، خصوصاً بعدما تبيَّن لهم أن خروجهم بالحقِّ ومما أمر الله به ورضيه؛ فبهذه الحال ليس للجدال فيها محلٌّ؛ لأنَّ الجدال محلُّه وفائدته عند اشتباه الحقِّ والتباس الأمر، فأما إذا وَضَحَ وبان؛ فليس إلا الانقياد والإذعان. هذا؛ وكثير من المؤمنين لم يجرِ منهم من هذه المجادلة شيءٌ ولا كرهوا لقاء عدوِّهم، وكذلك الذين عاتبهم الله انقادوا للجهاد أشدَّ الانقياد، وثبَّتهم الله، وقيَّض لهم من الأسباب ما تطمئنُّ به قلوبهم كما سيأتي ذكرُ بعضها.
{7} وكان أصلُ خروجهم يتعرَّضون لعير خرجت مع أبي سفيان بن حرب لقريش إلى الشام قافلة كبيرة، فلما سمعوا برجوعها من الشام؛ ندب النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - الناس، فخرج معه ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً معهم سبعون بعيراً يعتقبون عليها ويحملون عليها متاعَهم، فسمع بخبرهم قريشٌ، فخرجوا لمنع عيرهم في عَدَدٍ كثيرٍ وعُدَدٍ وافرة من السلاح والخيل والرجال، يبلغ عددهم قريباً من الألف، فوعد الله المؤمنين إحدى الطائفتين: إما أن يظفروا بالعير، أو بالنفير، فأحبوا العير لقلَّة ذات يد المسلمين ولأنَّها غير ذات الشوكة. ولكن الله تعالى أحبَّ لهم وأراد أمراً أعلى مما أحبُّوا، أراد أن يظفروا بالنَّفير الذي خرج فيه كبراء المشركين وصناديدُهم. فيريد اللهُ أن يُحِقَّ الحقَّ بكلماتِهِ فينصر أهله، {ويقطَعَ دابرَ الكافرين}؛ أي: يستأصل أهلَ الباطل ويُري عبادَهُ من نصرِهِ للحقِّ أمراً لم يكن يخطر ببالهم.
{8}{لِيُحِقَّ الحقَّ}: بما يُظْهِرُ من الشواهد والبراهين على صحته وصدقه، {ويُبۡطِل الباطل}: بما يقيم من الأدلة والشواهد على بطلانه، {ولو كره المجرمون}: فلا يبالي الله بهم.
الأنفال 8:6
{5 ـ 6} فكما أنَّ إيمانهم هو الإيمان الحقيقي وجزاءهم هو الحقُّ الذي وعدهم الله به؛ كذلك أخرج الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - من بيته إلى لقاء المشركين في بدرٍ بالحقِّ الذي يحبُّه الله تعالى وقد قدَّره وقضاه، وإنْ كان المؤمنون لم يخطُرْ ببالهم في ذلك الخروج أنَّه يكون بينهم وبين عدوِّهم قتالٌ؛ فحين تبيَّن لهم أنَّ ذلك واقعٌ؛ جعل فريقٌ من المؤمنين يجادلون النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك ويكرهون لقاء عدوِّهم كأنَّما يُساقونَ إلى الموت وهم ينظُرون! والحال أن هذا لا ينبغي منهم، خصوصاً بعدما تبيَّن لهم أن خروجهم بالحقِّ ومما أمر الله به ورضيه؛ فبهذه الحال ليس للجدال فيها محلٌّ؛ لأنَّ الجدال محلُّه وفائدته عند اشتباه الحقِّ والتباس الأمر، فأما إذا وَضَحَ وبان؛ فليس إلا الانقياد والإذعان. هذا؛ وكثير من المؤمنين لم يجرِ منهم من هذه المجادلة شيءٌ ولا كرهوا لقاء عدوِّهم، وكذلك الذين عاتبهم الله انقادوا للجهاد أشدَّ الانقياد، وثبَّتهم الله، وقيَّض لهم من الأسباب ما تطمئنُّ به قلوبهم كما سيأتي ذكرُ بعضها.
{7} وكان أصلُ خروجهم يتعرَّضون لعير خرجت مع أبي سفيان بن حرب لقريش إلى الشام قافلة كبيرة، فلما سمعوا برجوعها من الشام؛ ندب النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - الناس، فخرج معه ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً معهم سبعون بعيراً يعتقبون عليها ويحملون عليها متاعَهم، فسمع بخبرهم قريشٌ، فخرجوا لمنع عيرهم في عَدَدٍ كثيرٍ وعُدَدٍ وافرة من السلاح والخيل والرجال، يبلغ عددهم قريباً من الألف، فوعد الله المؤمنين إحدى الطائفتين: إما أن يظفروا بالعير، أو بالنفير، فأحبوا العير لقلَّة ذات يد المسلمين ولأنَّها غير ذات الشوكة. ولكن الله تعالى أحبَّ لهم وأراد أمراً أعلى مما أحبُّوا، أراد أن يظفروا بالنَّفير الذي خرج فيه كبراء المشركين وصناديدُهم. فيريد اللهُ أن يُحِقَّ الحقَّ بكلماتِهِ فينصر أهله، {ويقطَعَ دابرَ الكافرين}؛ أي: يستأصل أهلَ الباطل ويُري عبادَهُ من نصرِهِ للحقِّ أمراً لم يكن يخطر ببالهم.
{8}{لِيُحِقَّ الحقَّ}: بما يُظْهِرُ من الشواهد والبراهين على صحته وصدقه، {ويُبۡطِل الباطل}: بما يقيم من الأدلة والشواهد على بطلانه، {ولو كره المجرمون}: فلا يبالي الله بهم.
الأنفال 8:7
{5 ـ 6} فكما أنَّ إيمانهم هو الإيمان الحقيقي وجزاءهم هو الحقُّ الذي وعدهم الله به؛ كذلك أخرج الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - من بيته إلى لقاء المشركين في بدرٍ بالحقِّ الذي يحبُّه الله تعالى وقد قدَّره وقضاه، وإنْ كان المؤمنون لم يخطُرْ ببالهم في ذلك الخروج أنَّه يكون بينهم وبين عدوِّهم قتالٌ؛ فحين تبيَّن لهم أنَّ ذلك واقعٌ؛ جعل فريقٌ من المؤمنين يجادلون النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك ويكرهون لقاء عدوِّهم كأنَّما يُساقونَ إلى الموت وهم ينظُرون! والحال أن هذا لا ينبغي منهم، خصوصاً بعدما تبيَّن لهم أن خروجهم بالحقِّ ومما أمر الله به ورضيه؛ فبهذه الحال ليس للجدال فيها محلٌّ؛ لأنَّ الجدال محلُّه وفائدته عند اشتباه الحقِّ والتباس الأمر، فأما إذا وَضَحَ وبان؛ فليس إلا الانقياد والإذعان. هذا؛ وكثير من المؤمنين لم يجرِ منهم من هذه المجادلة شيءٌ ولا كرهوا لقاء عدوِّهم، وكذلك الذين عاتبهم الله انقادوا للجهاد أشدَّ الانقياد، وثبَّتهم الله، وقيَّض لهم من الأسباب ما تطمئنُّ به قلوبهم كما سيأتي ذكرُ بعضها.
{7} وكان أصلُ خروجهم يتعرَّضون لعير خرجت مع أبي سفيان بن حرب لقريش إلى الشام قافلة كبيرة، فلما سمعوا برجوعها من الشام؛ ندب النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - الناس، فخرج معه ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً معهم سبعون بعيراً يعتقبون عليها ويحملون عليها متاعَهم، فسمع بخبرهم قريشٌ، فخرجوا لمنع عيرهم في عَدَدٍ كثيرٍ وعُدَدٍ وافرة من السلاح والخيل والرجال، يبلغ عددهم قريباً من الألف، فوعد الله المؤمنين إحدى الطائفتين: إما أن يظفروا بالعير، أو بالنفير، فأحبوا العير لقلَّة ذات يد المسلمين ولأنَّها غير ذات الشوكة. ولكن الله تعالى أحبَّ لهم وأراد أمراً أعلى مما أحبُّوا، أراد أن يظفروا بالنَّفير الذي خرج فيه كبراء المشركين وصناديدُهم. فيريد اللهُ أن يُحِقَّ الحقَّ بكلماتِهِ فينصر أهله، {ويقطَعَ دابرَ الكافرين}؛ أي: يستأصل أهلَ الباطل ويُري عبادَهُ من نصرِهِ للحقِّ أمراً لم يكن يخطر ببالهم.
{8}{لِيُحِقَّ الحقَّ}: بما يُظْهِرُ من الشواهد والبراهين على صحته وصدقه، {ويُبۡطِل الباطل}: بما يقيم من الأدلة والشواهد على بطلانه، {ولو كره المجرمون}: فلا يبالي الله بهم.
الأنفال 8:8
{5 ـ 6} فكما أنَّ إيمانهم هو الإيمان الحقيقي وجزاءهم هو الحقُّ الذي وعدهم الله به؛ كذلك أخرج الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - من بيته إلى لقاء المشركين في بدرٍ بالحقِّ الذي يحبُّه الله تعالى وقد قدَّره وقضاه، وإنْ كان المؤمنون لم يخطُرْ ببالهم في ذلك الخروج أنَّه يكون بينهم وبين عدوِّهم قتالٌ؛ فحين تبيَّن لهم أنَّ ذلك واقعٌ؛ جعل فريقٌ من المؤمنين يجادلون النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك ويكرهون لقاء عدوِّهم كأنَّما يُساقونَ إلى الموت وهم ينظُرون! والحال أن هذا لا ينبغي منهم، خصوصاً بعدما تبيَّن لهم أن خروجهم بالحقِّ ومما أمر الله به ورضيه؛ فبهذه الحال ليس للجدال فيها محلٌّ؛ لأنَّ الجدال محلُّه وفائدته عند اشتباه الحقِّ والتباس الأمر، فأما إذا وَضَحَ وبان؛ فليس إلا الانقياد والإذعان. هذا؛ وكثير من المؤمنين لم يجرِ منهم من هذه المجادلة شيءٌ ولا كرهوا لقاء عدوِّهم، وكذلك الذين عاتبهم الله انقادوا للجهاد أشدَّ الانقياد، وثبَّتهم الله، وقيَّض لهم من الأسباب ما تطمئنُّ به قلوبهم كما سيأتي ذكرُ بعضها.
{7} وكان أصلُ خروجهم يتعرَّضون لعير خرجت مع أبي سفيان بن حرب لقريش إلى الشام قافلة كبيرة، فلما سمعوا برجوعها من الشام؛ ندب النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - الناس، فخرج معه ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً معهم سبعون بعيراً يعتقبون عليها ويحملون عليها متاعَهم، فسمع بخبرهم قريشٌ، فخرجوا لمنع عيرهم في عَدَدٍ كثيرٍ وعُدَدٍ وافرة من السلاح والخيل والرجال، يبلغ عددهم قريباً من الألف، فوعد الله المؤمنين إحدى الطائفتين: إما أن يظفروا بالعير، أو بالنفير، فأحبوا العير لقلَّة ذات يد المسلمين ولأنَّها غير ذات الشوكة. ولكن الله تعالى أحبَّ لهم وأراد أمراً أعلى مما أحبُّوا، أراد أن يظفروا بالنَّفير الذي خرج فيه كبراء المشركين وصناديدُهم. فيريد اللهُ أن يُحِقَّ الحقَّ بكلماتِهِ فينصر أهله، {ويقطَعَ دابرَ الكافرين}؛ أي: يستأصل أهلَ الباطل ويُري عبادَهُ من نصرِهِ للحقِّ أمراً لم يكن يخطر ببالهم.
{8}{لِيُحِقَّ الحقَّ}: بما يُظْهِرُ من الشواهد والبراهين على صحته وصدقه، {ويُبۡطِل الباطل}: بما يقيم من الأدلة والشواهد على بطلانه، {ولو كره المجرمون}: فلا يبالي الله بهم.
الأنفال 8:9
{9} أي: اذكروا نعمة الله عليكم لمَّا قارب التقاؤكم بعدوِّكم؛ استغثتُم بربِّكم وطلبتُم منه أن يعينكم وينصركم، {فاستجاب لكم}: وأغاثكم بعدَّة أمور؛ منها: أنَّ الله أمدَّكم {بألفٍ من الملائكة مردفينَ}؛ أي: يَرْدُفُ بعضُهم بعضاً.
{10}{وما جعله الله}؛ أي: إنزال الملائكة {إلا بشرى}؛ أي: لتستبشر بذلك نفوسكم، {ولتطمئنَّ به قلوبُكم}: وإلاَّ؛ فالنصر بيد الله، ليس بكثرة عَدَدٍ ولا عُدَدٍ. {إن الله عزيزٌ}: لا يغالبُه مغالبٌ، بل هو القهار الذي يخذل من بلغوا من الكثرة وقوة العدد والآلات ما بلغوا، {حكيمٌ}: حيث قدَّر الأمور بأسبابها ووضع الأشياء مواضعها.
{11} ومن نصرِهِ واستجابته لدعائكم أن أنزل عليكم نعاساً {يُغَشِّيكم}؛ أي: فيُذْهِب ما في قلوبكم من الخوف والوجل، ويكون {أمَنَةً}: لكم وعلامةً على النصر والطمأنينة. ومن ذلك أنه أنزل عليكم من السماء مطراً ليطهِّركم به من الحَدَث والخَبَث، وليطهِّركم به من وساوس الشيطان ورجزه، {ولِيَرۡبِطَ على قلوبكم}؛ أي: يثبِّتها؛ فإنَّ ثبات القلب أصلُ ثبات البدن، {ويُثَبِّتَ به الأقدام}: فإن الأرض كانت سهلةً دهسةً، فلما نزل عليها المطر؛ تلبَّدت، وثبتت به الأقدام.
{12} ومن ذلك أنَّ الله أوحى إلى الملائكة: {أنِّي معكم}: بالعون والنصر والتأييد، {فثبِّتوا الذين آمنوا}؛ أي: ألقوا في قلوبهم وألهموهم الجراءة على عدوِّهم ورغِّبوهم في الجهاد وفضله. {سألقي في قلوبِ الذين كَفَروا الرُّعۡبَ}: الذي هو أعظم جندٍ لكم عليهم؛ فإنَّ الله إذا ثبَّت المؤمنين وألقى الرعب في قلوب الكافرين؛ لم يقدِرِ الكافرون على الثَّبات لهم، ومَنَحَهُمُ الله أكتافهم، {فاضربوا فوقَ الأعناق}؛ أي: على الرقاب، {واضرِبوا منهم كلَّ بنانٍ}؛ أي: مفصل. وهذا خطابٌ: إما للملائكة الذين أوحى [اللهُ] إليهم أن يثبِّتوا الذين آمنوا فيكون في ذلك دليلٌ أنَّهم باشروا القتال يوم بدر، أو للمؤمنين يشجِّعهم الله ويعلِّمهم كيف يقتلون المشركين وأنهم لا يرحمونهم.
{13} ذلك لأنَّهم شاقُّوا اللهَ ورسولَه؛ أي: حاربوهما وبارزوهما بالعداوة، {ومَن يشاقِقِ اللهَ ورسوله فإنَّ الله شديد العقاب}: ومن عقابه تسليطُ أوليائه على أعدائه وتقتيلهم.
{14}{ذلكم}: العذاب المذكور، {فَذوقوهُ}: أيُّها المشاققون لله ورسولِهِ عذاباً معجَّلاً. {وأنَّ للكافرين عذابَ النارِ}.
وفي هذه القصة من آيات الله العظيمة ما يدلُّ على أن ما جاء به محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - رسول الله حقًّا:
منها: أنَّ الله وعَدَهم وعداً فأنجزَهُموه.
ومنها: ما قال الله تعالى: {قد كانَ لَكُمۡ آيةٌ في فئتينِ التَقَتا فئةٌ تقاتِلُ في سبيل اللهِ وأخرى كافرةٌ يَرَوۡنَهم مِثۡلَيۡهِم رَأيَ العين ... } الآية.
ومنها: إجابة دعوة الله للمؤمنين لما استغاثوه بما ذَكَره من الأسباب.
وفيها الاعتناءُ العظيم بحال عباده المؤمنين وتقييضُ الأسباب التي بها ثَبَتَ إيمانُهم، وثبتتْ أقدامُهم، وزال عنهم المكروه والوساوس الشيطانية.
ومنها: أن من لطف الله بعبده أن يُسَهِّلَ عليه طاعته وييسِّرها بأسبابٍ داخليَّة وخارجيَّة.
الأنفال 8:10
{9} أي: اذكروا نعمة الله عليكم لمَّا قارب التقاؤكم بعدوِّكم؛ استغثتُم بربِّكم وطلبتُم منه أن يعينكم وينصركم، {فاستجاب لكم}: وأغاثكم بعدَّة أمور؛ منها: أنَّ الله أمدَّكم {بألفٍ من الملائكة مردفينَ}؛ أي: يَرْدُفُ بعضُهم بعضاً.
{10}{وما جعله الله}؛ أي: إنزال الملائكة {إلا بشرى}؛ أي: لتستبشر بذلك نفوسكم، {ولتطمئنَّ به قلوبُكم}: وإلاَّ؛ فالنصر بيد الله، ليس بكثرة عَدَدٍ ولا عُدَدٍ. {إن الله عزيزٌ}: لا يغالبُه مغالبٌ، بل هو القهار الذي يخذل من بلغوا من الكثرة وقوة العدد والآلات ما بلغوا، {حكيمٌ}: حيث قدَّر الأمور بأسبابها ووضع الأشياء مواضعها.
{11} ومن نصرِهِ واستجابته لدعائكم أن أنزل عليكم نعاساً {يُغَشِّيكم}؛ أي: فيُذْهِب ما في قلوبكم من الخوف والوجل، ويكون {أمَنَةً}: لكم وعلامةً على النصر والطمأنينة. ومن ذلك أنه أنزل عليكم من السماء مطراً ليطهِّركم به من الحَدَث والخَبَث، وليطهِّركم به من وساوس الشيطان ورجزه، {ولِيَرۡبِطَ على قلوبكم}؛ أي: يثبِّتها؛ فإنَّ ثبات القلب أصلُ ثبات البدن، {ويُثَبِّتَ به الأقدام}: فإن الأرض كانت سهلةً دهسةً، فلما نزل عليها المطر؛ تلبَّدت، وثبتت به الأقدام.
{12} ومن ذلك أنَّ الله أوحى إلى الملائكة: {أنِّي معكم}: بالعون والنصر والتأييد، {فثبِّتوا الذين آمنوا}؛ أي: ألقوا في قلوبهم وألهموهم الجراءة على عدوِّهم ورغِّبوهم في الجهاد وفضله. {سألقي في قلوبِ الذين كَفَروا الرُّعۡبَ}: الذي هو أعظم جندٍ لكم عليهم؛ فإنَّ الله إذا ثبَّت المؤمنين وألقى الرعب في قلوب الكافرين؛ لم يقدِرِ الكافرون على الثَّبات لهم، ومَنَحَهُمُ الله أكتافهم، {فاضربوا فوقَ الأعناق}؛ أي: على الرقاب، {واضرِبوا منهم كلَّ بنانٍ}؛ أي: مفصل. وهذا خطابٌ: إما للملائكة الذين أوحى [اللهُ] إليهم أن يثبِّتوا الذين آمنوا فيكون في ذلك دليلٌ أنَّهم باشروا القتال يوم بدر، أو للمؤمنين يشجِّعهم الله ويعلِّمهم كيف يقتلون المشركين وأنهم لا يرحمونهم.
{13} ذلك لأنَّهم شاقُّوا اللهَ ورسولَه؛ أي: حاربوهما وبارزوهما بالعداوة، {ومَن يشاقِقِ اللهَ ورسوله فإنَّ الله شديد العقاب}: ومن عقابه تسليطُ أوليائه على أعدائه وتقتيلهم.
{14}{ذلكم}: العذاب المذكور، {فَذوقوهُ}: أيُّها المشاققون لله ورسولِهِ عذاباً معجَّلاً. {وأنَّ للكافرين عذابَ النارِ}.
وفي هذه القصة من آيات الله العظيمة ما يدلُّ على أن ما جاء به محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - رسول الله حقًّا:
منها: أنَّ الله وعَدَهم وعداً فأنجزَهُموه.
ومنها: ما قال الله تعالى: {قد كانَ لَكُمۡ آيةٌ في فئتينِ التَقَتا فئةٌ تقاتِلُ في سبيل اللهِ وأخرى كافرةٌ يَرَوۡنَهم مِثۡلَيۡهِم رَأيَ العين ... } الآية.
ومنها: إجابة دعوة الله للمؤمنين لما استغاثوه بما ذَكَره من الأسباب.
وفيها الاعتناءُ العظيم بحال عباده المؤمنين وتقييضُ الأسباب التي بها ثَبَتَ إيمانُهم، وثبتتْ أقدامُهم، وزال عنهم المكروه والوساوس الشيطانية.
ومنها: أن من لطف الله بعبده أن يُسَهِّلَ عليه طاعته وييسِّرها بأسبابٍ داخليَّة وخارجيَّة.
الأنفال 8:11
{9} أي: اذكروا نعمة الله عليكم لمَّا قارب التقاؤكم بعدوِّكم؛ استغثتُم بربِّكم وطلبتُم منه أن يعينكم وينصركم، {فاستجاب لكم}: وأغاثكم بعدَّة أمور؛ منها: أنَّ الله أمدَّكم {بألفٍ من الملائكة مردفينَ}؛ أي: يَرْدُفُ بعضُهم بعضاً.
{10}{وما جعله الله}؛ أي: إنزال الملائكة {إلا بشرى}؛ أي: لتستبشر بذلك نفوسكم، {ولتطمئنَّ به قلوبُكم}: وإلاَّ؛ فالنصر بيد الله، ليس بكثرة عَدَدٍ ولا عُدَدٍ. {إن الله عزيزٌ}: لا يغالبُه مغالبٌ، بل هو القهار الذي يخذل من بلغوا من الكثرة وقوة العدد والآلات ما بلغوا، {حكيمٌ}: حيث قدَّر الأمور بأسبابها ووضع الأشياء مواضعها.
{11} ومن نصرِهِ واستجابته لدعائكم أن أنزل عليكم نعاساً {يُغَشِّيكم}؛ أي: فيُذْهِب ما في قلوبكم من الخوف والوجل، ويكون {أمَنَةً}: لكم وعلامةً على النصر والطمأنينة. ومن ذلك أنه أنزل عليكم من السماء مطراً ليطهِّركم به من الحَدَث والخَبَث، وليطهِّركم به من وساوس الشيطان ورجزه، {ولِيَرۡبِطَ على قلوبكم}؛ أي: يثبِّتها؛ فإنَّ ثبات القلب أصلُ ثبات البدن، {ويُثَبِّتَ به الأقدام}: فإن الأرض كانت سهلةً دهسةً، فلما نزل عليها المطر؛ تلبَّدت، وثبتت به الأقدام.
{12} ومن ذلك أنَّ الله أوحى إلى الملائكة: {أنِّي معكم}: بالعون والنصر والتأييد، {فثبِّتوا الذين آمنوا}؛ أي: ألقوا في قلوبهم وألهموهم الجراءة على عدوِّهم ورغِّبوهم في الجهاد وفضله. {سألقي في قلوبِ الذين كَفَروا الرُّعۡبَ}: الذي هو أعظم جندٍ لكم عليهم؛ فإنَّ الله إذا ثبَّت المؤمنين وألقى الرعب في قلوب الكافرين؛ لم يقدِرِ الكافرون على الثَّبات لهم، ومَنَحَهُمُ الله أكتافهم، {فاضربوا فوقَ الأعناق}؛ أي: على الرقاب، {واضرِبوا منهم كلَّ بنانٍ}؛ أي: مفصل. وهذا خطابٌ: إما للملائكة الذين أوحى [اللهُ] إليهم أن يثبِّتوا الذين آمنوا فيكون في ذلك دليلٌ أنَّهم باشروا القتال يوم بدر، أو للمؤمنين يشجِّعهم الله ويعلِّمهم كيف يقتلون المشركين وأنهم لا يرحمونهم.
{13} ذلك لأنَّهم شاقُّوا اللهَ ورسولَه؛ أي: حاربوهما وبارزوهما بالعداوة، {ومَن يشاقِقِ اللهَ ورسوله فإنَّ الله شديد العقاب}: ومن عقابه تسليطُ أوليائه على أعدائه وتقتيلهم.
{14}{ذلكم}: العذاب المذكور، {فَذوقوهُ}: أيُّها المشاققون لله ورسولِهِ عذاباً معجَّلاً. {وأنَّ للكافرين عذابَ النارِ}.
وفي هذه القصة من آيات الله العظيمة ما يدلُّ على أن ما جاء به محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - رسول الله حقًّا:
منها: أنَّ الله وعَدَهم وعداً فأنجزَهُموه.
ومنها: ما قال الله تعالى: {قد كانَ لَكُمۡ آيةٌ في فئتينِ التَقَتا فئةٌ تقاتِلُ في سبيل اللهِ وأخرى كافرةٌ يَرَوۡنَهم مِثۡلَيۡهِم رَأيَ العين ... } الآية.
ومنها: إجابة دعوة الله للمؤمنين لما استغاثوه بما ذَكَره من الأسباب.
وفيها الاعتناءُ العظيم بحال عباده المؤمنين وتقييضُ الأسباب التي بها ثَبَتَ إيمانُهم، وثبتتْ أقدامُهم، وزال عنهم المكروه والوساوس الشيطانية.
ومنها: أن من لطف الله بعبده أن يُسَهِّلَ عليه طاعته وييسِّرها بأسبابٍ داخليَّة وخارجيَّة.
الأنفال 8:12
{9} أي: اذكروا نعمة الله عليكم لمَّا قارب التقاؤكم بعدوِّكم؛ استغثتُم بربِّكم وطلبتُم منه أن يعينكم وينصركم، {فاستجاب لكم}: وأغاثكم بعدَّة أمور؛ منها: أنَّ الله أمدَّكم {بألفٍ من الملائكة مردفينَ}؛ أي: يَرْدُفُ بعضُهم بعضاً.
{10}{وما جعله الله}؛ أي: إنزال الملائكة {إلا بشرى}؛ أي: لتستبشر بذلك نفوسكم، {ولتطمئنَّ به قلوبُكم}: وإلاَّ؛ فالنصر بيد الله، ليس بكثرة عَدَدٍ ولا عُدَدٍ. {إن الله عزيزٌ}: لا يغالبُه مغالبٌ، بل هو القهار الذي يخذل من بلغوا من الكثرة وقوة العدد والآلات ما بلغوا، {حكيمٌ}: حيث قدَّر الأمور بأسبابها ووضع الأشياء مواضعها.
{11} ومن نصرِهِ واستجابته لدعائكم أن أنزل عليكم نعاساً {يُغَشِّيكم}؛ أي: فيُذْهِب ما في قلوبكم من الخوف والوجل، ويكون {أمَنَةً}: لكم وعلامةً على النصر والطمأنينة. ومن ذلك أنه أنزل عليكم من السماء مطراً ليطهِّركم به من الحَدَث والخَبَث، وليطهِّركم به من وساوس الشيطان ورجزه، {ولِيَرۡبِطَ على قلوبكم}؛ أي: يثبِّتها؛ فإنَّ ثبات القلب أصلُ ثبات البدن، {ويُثَبِّتَ به الأقدام}: فإن الأرض كانت سهلةً دهسةً، فلما نزل عليها المطر؛ تلبَّدت، وثبتت به الأقدام.
{12} ومن ذلك أنَّ الله أوحى إلى الملائكة: {أنِّي معكم}: بالعون والنصر والتأييد، {فثبِّتوا الذين آمنوا}؛ أي: ألقوا في قلوبهم وألهموهم الجراءة على عدوِّهم ورغِّبوهم في الجهاد وفضله. {سألقي في قلوبِ الذين كَفَروا الرُّعۡبَ}: الذي هو أعظم جندٍ لكم عليهم؛ فإنَّ الله إذا ثبَّت المؤمنين وألقى الرعب في قلوب الكافرين؛ لم يقدِرِ الكافرون على الثَّبات لهم، ومَنَحَهُمُ الله أكتافهم، {فاضربوا فوقَ الأعناق}؛ أي: على الرقاب، {واضرِبوا منهم كلَّ بنانٍ}؛ أي: مفصل. وهذا خطابٌ: إما للملائكة الذين أوحى [اللهُ] إليهم أن يثبِّتوا الذين آمنوا فيكون في ذلك دليلٌ أنَّهم باشروا القتال يوم بدر، أو للمؤمنين يشجِّعهم الله ويعلِّمهم كيف يقتلون المشركين وأنهم لا يرحمونهم.
{13} ذلك لأنَّهم شاقُّوا اللهَ ورسولَه؛ أي: حاربوهما وبارزوهما بالعداوة، {ومَن يشاقِقِ اللهَ ورسوله فإنَّ الله شديد العقاب}: ومن عقابه تسليطُ أوليائه على أعدائه وتقتيلهم.
{14}{ذلكم}: العذاب المذكور، {فَذوقوهُ}: أيُّها المشاققون لله ورسولِهِ عذاباً معجَّلاً. {وأنَّ للكافرين عذابَ النارِ}.
وفي هذه القصة من آيات الله العظيمة ما يدلُّ على أن ما جاء به محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - رسول الله حقًّا:
منها: أنَّ الله وعَدَهم وعداً فأنجزَهُموه.
ومنها: ما قال الله تعالى: {قد كانَ لَكُمۡ آيةٌ في فئتينِ التَقَتا فئةٌ تقاتِلُ في سبيل اللهِ وأخرى كافرةٌ يَرَوۡنَهم مِثۡلَيۡهِم رَأيَ العين ... } الآية.
ومنها: إجابة دعوة الله للمؤمنين لما استغاثوه بما ذَكَره من الأسباب.
وفيها الاعتناءُ العظيم بحال عباده المؤمنين وتقييضُ الأسباب التي بها ثَبَتَ إيمانُهم، وثبتتْ أقدامُهم، وزال عنهم المكروه والوساوس الشيطانية.
ومنها: أن من لطف الله بعبده أن يُسَهِّلَ عليه طاعته وييسِّرها بأسبابٍ داخليَّة وخارجيَّة.
الأنفال 8:13
{9} أي: اذكروا نعمة الله عليكم لمَّا قارب التقاؤكم بعدوِّكم؛ استغثتُم بربِّكم وطلبتُم منه أن يعينكم وينصركم، {فاستجاب لكم}: وأغاثكم بعدَّة أمور؛ منها: أنَّ الله أمدَّكم {بألفٍ من الملائكة مردفينَ}؛ أي: يَرْدُفُ بعضُهم بعضاً.
{10}{وما جعله الله}؛ أي: إنزال الملائكة {إلا بشرى}؛ أي: لتستبشر بذلك نفوسكم، {ولتطمئنَّ به قلوبُكم}: وإلاَّ؛ فالنصر بيد الله، ليس بكثرة عَدَدٍ ولا عُدَدٍ. {إن الله عزيزٌ}: لا يغالبُه مغالبٌ، بل هو القهار الذي يخذل من بلغوا من الكثرة وقوة العدد والآلات ما بلغوا، {حكيمٌ}: حيث قدَّر الأمور بأسبابها ووضع الأشياء مواضعها.
{11} ومن نصرِهِ واستجابته لدعائكم أن أنزل عليكم نعاساً {يُغَشِّيكم}؛ أي: فيُذْهِب ما في قلوبكم من الخوف والوجل، ويكون {أمَنَةً}: لكم وعلامةً على النصر والطمأنينة. ومن ذلك أنه أنزل عليكم من السماء مطراً ليطهِّركم به من الحَدَث والخَبَث، وليطهِّركم به من وساوس الشيطان ورجزه، {ولِيَرۡبِطَ على قلوبكم}؛ أي: يثبِّتها؛ فإنَّ ثبات القلب أصلُ ثبات البدن، {ويُثَبِّتَ به الأقدام}: فإن الأرض كانت سهلةً دهسةً، فلما نزل عليها المطر؛ تلبَّدت، وثبتت به الأقدام.
{12} ومن ذلك أنَّ الله أوحى إلى الملائكة: {أنِّي معكم}: بالعون والنصر والتأييد، {فثبِّتوا الذين آمنوا}؛ أي: ألقوا في قلوبهم وألهموهم الجراءة على عدوِّهم ورغِّبوهم في الجهاد وفضله. {سألقي في قلوبِ الذين كَفَروا الرُّعۡبَ}: الذي هو أعظم جندٍ لكم عليهم؛ فإنَّ الله إذا ثبَّت المؤمنين وألقى الرعب في قلوب الكافرين؛ لم يقدِرِ الكافرون على الثَّبات لهم، ومَنَحَهُمُ الله أكتافهم، {فاضربوا فوقَ الأعناق}؛ أي: على الرقاب، {واضرِبوا منهم كلَّ بنانٍ}؛ أي: مفصل. وهذا خطابٌ: إما للملائكة الذين أوحى [اللهُ] إليهم أن يثبِّتوا الذين آمنوا فيكون في ذلك دليلٌ أنَّهم باشروا القتال يوم بدر، أو للمؤمنين يشجِّعهم الله ويعلِّمهم كيف يقتلون المشركين وأنهم لا يرحمونهم.
{13} ذلك لأنَّهم شاقُّوا اللهَ ورسولَه؛ أي: حاربوهما وبارزوهما بالعداوة، {ومَن يشاقِقِ اللهَ ورسوله فإنَّ الله شديد العقاب}: ومن عقابه تسليطُ أوليائه على أعدائه وتقتيلهم.
{14}{ذلكم}: العذاب المذكور، {فَذوقوهُ}: أيُّها المشاققون لله ورسولِهِ عذاباً معجَّلاً. {وأنَّ للكافرين عذابَ النارِ}.
وفي هذه القصة من آيات الله العظيمة ما يدلُّ على أن ما جاء به محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - رسول الله حقًّا:
منها: أنَّ الله وعَدَهم وعداً فأنجزَهُموه.
ومنها: ما قال الله تعالى: {قد كانَ لَكُمۡ آيةٌ في فئتينِ التَقَتا فئةٌ تقاتِلُ في سبيل اللهِ وأخرى كافرةٌ يَرَوۡنَهم مِثۡلَيۡهِم رَأيَ العين ... } الآية.
ومنها: إجابة دعوة الله للمؤمنين لما استغاثوه بما ذَكَره من الأسباب.
وفيها الاعتناءُ العظيم بحال عباده المؤمنين وتقييضُ الأسباب التي بها ثَبَتَ إيمانُهم، وثبتتْ أقدامُهم، وزال عنهم المكروه والوساوس الشيطانية.
ومنها: أن من لطف الله بعبده أن يُسَهِّلَ عليه طاعته وييسِّرها بأسبابٍ داخليَّة وخارجيَّة.
الأنفال 8:14
{9} أي: اذكروا نعمة الله عليكم لمَّا قارب التقاؤكم بعدوِّكم؛ استغثتُم بربِّكم وطلبتُم منه أن يعينكم وينصركم، {فاستجاب لكم}: وأغاثكم بعدَّة أمور؛ منها: أنَّ الله أمدَّكم {بألفٍ من الملائكة مردفينَ}؛ أي: يَرْدُفُ بعضُهم بعضاً.
{10}{وما جعله الله}؛ أي: إنزال الملائكة {إلا بشرى}؛ أي: لتستبشر بذلك نفوسكم، {ولتطمئنَّ به قلوبُكم}: وإلاَّ؛ فالنصر بيد الله، ليس بكثرة عَدَدٍ ولا عُدَدٍ. {إن الله عزيزٌ}: لا يغالبُه مغالبٌ، بل هو القهار الذي يخذل من بلغوا من الكثرة وقوة العدد والآلات ما بلغوا، {حكيمٌ}: حيث قدَّر الأمور بأسبابها ووضع الأشياء مواضعها.
{11} ومن نصرِهِ واستجابته لدعائكم أن أنزل عليكم نعاساً {يُغَشِّيكم}؛ أي: فيُذْهِب ما في قلوبكم من الخوف والوجل، ويكون {أمَنَةً}: لكم وعلامةً على النصر والطمأنينة. ومن ذلك أنه أنزل عليكم من السماء مطراً ليطهِّركم به من الحَدَث والخَبَث، وليطهِّركم به من وساوس الشيطان ورجزه، {ولِيَرۡبِطَ على قلوبكم}؛ أي: يثبِّتها؛ فإنَّ ثبات القلب أصلُ ثبات البدن، {ويُثَبِّتَ به الأقدام}: فإن الأرض كانت سهلةً دهسةً، فلما نزل عليها المطر؛ تلبَّدت، وثبتت به الأقدام.
{12} ومن ذلك أنَّ الله أوحى إلى الملائكة: {أنِّي معكم}: بالعون والنصر والتأييد، {فثبِّتوا الذين آمنوا}؛ أي: ألقوا في قلوبهم وألهموهم الجراءة على عدوِّهم ورغِّبوهم في الجهاد وفضله. {سألقي في قلوبِ الذين كَفَروا الرُّعۡبَ}: الذي هو أعظم جندٍ لكم عليهم؛ فإنَّ الله إذا ثبَّت المؤمنين وألقى الرعب في قلوب الكافرين؛ لم يقدِرِ الكافرون على الثَّبات لهم، ومَنَحَهُمُ الله أكتافهم، {فاضربوا فوقَ الأعناق}؛ أي: على الرقاب، {واضرِبوا منهم كلَّ بنانٍ}؛ أي: مفصل. وهذا خطابٌ: إما للملائكة الذين أوحى [اللهُ] إليهم أن يثبِّتوا الذين آمنوا فيكون في ذلك دليلٌ أنَّهم باشروا القتال يوم بدر، أو للمؤمنين يشجِّعهم الله ويعلِّمهم كيف يقتلون المشركين وأنهم لا يرحمونهم.
{13} ذلك لأنَّهم شاقُّوا اللهَ ورسولَه؛ أي: حاربوهما وبارزوهما بالعداوة، {ومَن يشاقِقِ اللهَ ورسوله فإنَّ الله شديد العقاب}: ومن عقابه تسليطُ أوليائه على أعدائه وتقتيلهم.
{14}{ذلكم}: العذاب المذكور، {فَذوقوهُ}: أيُّها المشاققون لله ورسولِهِ عذاباً معجَّلاً. {وأنَّ للكافرين عذابَ النارِ}.
وفي هذه القصة من آيات الله العظيمة ما يدلُّ على أن ما جاء به محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - رسول الله حقًّا:
منها: أنَّ الله وعَدَهم وعداً فأنجزَهُموه.
ومنها: ما قال الله تعالى: {قد كانَ لَكُمۡ آيةٌ في فئتينِ التَقَتا فئةٌ تقاتِلُ في سبيل اللهِ وأخرى كافرةٌ يَرَوۡنَهم مِثۡلَيۡهِم رَأيَ العين ... } الآية.
ومنها: إجابة دعوة الله للمؤمنين لما استغاثوه بما ذَكَره من الأسباب.
وفيها الاعتناءُ العظيم بحال عباده المؤمنين وتقييضُ الأسباب التي بها ثَبَتَ إيمانُهم، وثبتتْ أقدامُهم، وزال عنهم المكروه والوساوس الشيطانية.
ومنها: أن من لطف الله بعبده أن يُسَهِّلَ عليه طاعته وييسِّرها بأسبابٍ داخليَّة وخارجيَّة.
الأنفال 8:15
{15} يأمر تعالى عبادَهُ المؤمنين بالشجاعة الإيمانيَّة والقوَّة في أمره والسعي في جَلْب الأسباب المقويَّة للقلوب والأبدان، ونهاهم عن الفرار إذا التقى الزحفان، فقال:{يا أيُّها الذين آمنوا إذا لقيتُمُ الذين كَفَروا زحفاً}؛ أي: في صفِّ القتال وتزاحف الرجال واقتراب بعضهم من بعض، {فلا تولُّوهم الأدبارَ}: بل اثبُتوا لقتالِهِم واصبِروا على جِلادِهم؛ فإنَّ في ذلك نُصرةً لدين الله وقوَّةً لقلوب المؤمنين وإرهاباً للكافرين.
{16}{ومَن يُوَلِّهِم يومئذٍ دُبُرَهُ إلا متحرِّفاً لقتال أو متحيِّزاً إلى فئةٍ فقد باء}؛ أي: رجع {بغضبٍ من الله ومأواه}؛ أي: مقره {جهنَّم وبئس المصير}.
وهذا يدلُّ على أن الفرار من الزحف من غير عذرٍ من أكبر الكبائر؛ كما وردت بذلك الأحاديث الصحيحة ، وكما نصَّ هنا على وعيده بهذا الوعيد الشديد. ومفهوم الآية أن المتحرِّف للقتال ـ وهو الذي ينحرفُ من جهة إلى أخرى ليكون أمكن له في القتال وأنكى لعدوِّه ـ فإنه لا بأس بذلك؛ لأنه لم يولِّ دُبُرَهُ فارًّا، وإنما ولَّى دُبُره ليستعلي على عدوِّه أو يأتيه من محلٍّ يصيب فيه غِرَّته أو ليخدِعَه بذلك أو غير ذلك من مقاصد المحاربين. وأن المتحيِّز إلى فئةٍ تمنعه وتعينه على قتال الكفار؛ فإنَّ ذلك جائزٌ؛ فإن كانت الفئة في العسكر؛ فالأمر في هذا واضح، وإن كانت الفئة في غير محلِّ المعركة؛ كانهزام المسلمين بين يدي الكافرين والتجائهم إلى بلد من بلدان المسلمين أو إلى عسكرٍ آخر من عسكر المسلمين؛ فقد ورد من آثار الصحابة ما يدلُّ على أنَّ هذا جائزٌ، ولعلَّ هذا يقيَّدُ بما إذا ظنَّ المسلمون أنَّ الانهزام أحمدُ عاقبة وأبقى عليهم، أما إذا ظنُّوا غلبتهم للكفار في ثباتهم لقتالهم؛ فيبعد في هذه الحال أن تكون من الأحوال المرخَّص فيها؛ لأنه على هذا لا يتصوَّر الفرار المنهيُّ عنه. وهذه الآية مطلقةٌ، وسيأتي في آخر السورة تقييدها بالعدد.
الأنفال 8:16
{15} يأمر تعالى عبادَهُ المؤمنين بالشجاعة الإيمانيَّة والقوَّة في أمره والسعي في جَلْب الأسباب المقويَّة للقلوب والأبدان، ونهاهم عن الفرار إذا التقى الزحفان، فقال:{يا أيُّها الذين آمنوا إذا لقيتُمُ الذين كَفَروا زحفاً}؛ أي: في صفِّ القتال وتزاحف الرجال واقتراب بعضهم من بعض، {فلا تولُّوهم الأدبارَ}: بل اثبُتوا لقتالِهِم واصبِروا على جِلادِهم؛ فإنَّ في ذلك نُصرةً لدين الله وقوَّةً لقلوب المؤمنين وإرهاباً للكافرين.
{16}{ومَن يُوَلِّهِم يومئذٍ دُبُرَهُ إلا متحرِّفاً لقتال أو متحيِّزاً إلى فئةٍ فقد باء}؛ أي: رجع {بغضبٍ من الله ومأواه}؛ أي: مقره {جهنَّم وبئس المصير}.
وهذا يدلُّ على أن الفرار من الزحف من غير عذرٍ من أكبر الكبائر؛ كما وردت بذلك الأحاديث الصحيحة ، وكما نصَّ هنا على وعيده بهذا الوعيد الشديد. ومفهوم الآية أن المتحرِّف للقتال ـ وهو الذي ينحرفُ من جهة إلى أخرى ليكون أمكن له في القتال وأنكى لعدوِّه ـ فإنه لا بأس بذلك؛ لأنه لم يولِّ دُبُرَهُ فارًّا، وإنما ولَّى دُبُره ليستعلي على عدوِّه أو يأتيه من محلٍّ يصيب فيه غِرَّته أو ليخدِعَه بذلك أو غير ذلك من مقاصد المحاربين. وأن المتحيِّز إلى فئةٍ تمنعه وتعينه على قتال الكفار؛ فإنَّ ذلك جائزٌ؛ فإن كانت الفئة في العسكر؛ فالأمر في هذا واضح، وإن كانت الفئة في غير محلِّ المعركة؛ كانهزام المسلمين بين يدي الكافرين والتجائهم إلى بلد من بلدان المسلمين أو إلى عسكرٍ آخر من عسكر المسلمين؛ فقد ورد من آثار الصحابة ما يدلُّ على أنَّ هذا جائزٌ، ولعلَّ هذا يقيَّدُ بما إذا ظنَّ المسلمون أنَّ الانهزام أحمدُ عاقبة وأبقى عليهم، أما إذا ظنُّوا غلبتهم للكفار في ثباتهم لقتالهم؛ فيبعد في هذه الحال أن تكون من الأحوال المرخَّص فيها؛ لأنه على هذا لا يتصوَّر الفرار المنهيُّ عنه. وهذه الآية مطلقةٌ، وسيأتي في آخر السورة تقييدها بالعدد.
الأنفال 8:17
{17} يقول تعالى لما انهزم المشركون يوم بدرٍ وقتلهم المسلمونَ: {فلم تقتُلوهم}: بحولِكم وقوَّتكم، {ولكنَّ الله قتلهم}: حيث أعانكم على ذلك بما تقدَّم ذكره، {وما رميتَ إذۡ رميتَ ولكنَّ الله رمى}: وذلك أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وقتَ القتال دخل العريش، وجعل يدعو الله، ويناشده في نصرته ، ثم خرج منه، فأخذ حَفْنَةً من تراب، فرماها في وجوه المشركين، فأوصلها الله إلى وجوههم، فما بقي منهم واحدٌ إلاَّ وقد أصاب وجهَهُ وفمه وعينيه منها ؛ فحينئذ انكسر حدهم وفتر زَندُهم وبان فيهم الفشل والضعف فانهزموا. يقول تعالى لنبيِّه: لستَ بقوَّتك حين رميتَ الترابَ أوصلتَهُ إلى أعينهم، وإنَّما أوصلناه إليهم بقوَّتنا واقتدارنا. {وَلِيُبۡلِيَ المؤمنينَ منه بلاءً حسناً}؛ أي: إن الله تعالى قادرٌ على انتصار المؤمنين من الكافرين من دون مباشرةِ قتال، ولكنَّ الله أراد أن يمتحنَ المؤمنين ويوصِلَهم بالجهاد إلى أعلى الدرجات وأرفع المقامات ويعطيهم أجراً حسناً وثواباً جزيلاً. {إنَّ الله سميعٌ عليمٌ}: يسمع تعالى ما أسرَّ به العبد وما أعلن، ويعلم ما في قلبه من النيات الصالحة وضدِّها، فيقدِّر على العباد أقداراً موافقةً لعلمه وحكمته ومصلحة عباده، ويجزي كلاًّ بحسب نيَّته وعمله.
{18}{ذلكم}: النصر من الله لكم، {وأنَّ الله موهنُ كيدِ الكافرين}؛ أي: مُضْعِفُ كلَّ مكر وكيد يكيدون به الإسلام وأهله، وجاعلُ مكرهم محيقاً بهم.
{19}{إن تستفتحوا}: أيُّها المشركون؛ أي: تطلبون من الله أن يوقع بأسه وعذابه على المعتدين الظالمين، {فقد جاءكم الفتحُ}: حين أوقع الله بكم من عقابِهِ ما كان نَكالاً لكم وعبرةً للمتقين. {وإن تنتهوا}: عن الاستفتاح {فهو خيرٌ لكم}: لأنَّه ربَّما أمهلكم ولم تُعَجَّلْ لكم النقمةُ. {وإن تعودوا}: إلى الاستفتاح وقتال حزب الله المؤمنين {نَعُدۡ}: في نصرهم عليكم، {ولن تُغۡنِيَ عنكم فئتُكم}؛ أي: أعوانكم وأنصاركم الذين تحاربون وتقاتلون معتمدين عليهم شيئاً. {وأنَّ الله مع المؤمنين}: ومن كان الله معه؛ فهو المنصور، وإن كان ضعيفاً قليلاً عدده.
وهذه المعيَّة التي أخبر الله أنه يؤيِّد بها المؤمنين تكون بحسب ما قاموا به من أعمال الإيمان؛ فإذا أديل العدوُّ على المؤمنين في بعض الأوقات؛ فليس ذلك إلا تفريطاً من المؤمنين وعدم قيامٍ بواجب الإيمان ومقتضاه، وإلاَّ؛ فلو قاموا بما أمر الله به من كلِّ وجهٍ؛ لما انهزم لهم رايةٌ انهزاماً مستقرًّا ولا أدِيلَ عليهم عدوُّهم أبداً.
الأنفال 8:18
{17} يقول تعالى لما انهزم المشركون يوم بدرٍ وقتلهم المسلمونَ: {فلم تقتُلوهم}: بحولِكم وقوَّتكم، {ولكنَّ الله قتلهم}: حيث أعانكم على ذلك بما تقدَّم ذكره، {وما رميتَ إذۡ رميتَ ولكنَّ الله رمى}: وذلك أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وقتَ القتال دخل العريش، وجعل يدعو الله، ويناشده في نصرته ، ثم خرج منه، فأخذ حَفْنَةً من تراب، فرماها في وجوه المشركين، فأوصلها الله إلى وجوههم، فما بقي منهم واحدٌ إلاَّ وقد أصاب وجهَهُ وفمه وعينيه منها ؛ فحينئذ انكسر حدهم وفتر زَندُهم وبان فيهم الفشل والضعف فانهزموا. يقول تعالى لنبيِّه: لستَ بقوَّتك حين رميتَ الترابَ أوصلتَهُ إلى أعينهم، وإنَّما أوصلناه إليهم بقوَّتنا واقتدارنا. {وَلِيُبۡلِيَ المؤمنينَ منه بلاءً حسناً}؛ أي: إن الله تعالى قادرٌ على انتصار المؤمنين من الكافرين من دون مباشرةِ قتال، ولكنَّ الله أراد أن يمتحنَ المؤمنين ويوصِلَهم بالجهاد إلى أعلى الدرجات وأرفع المقامات ويعطيهم أجراً حسناً وثواباً جزيلاً. {إنَّ الله سميعٌ عليمٌ}: يسمع تعالى ما أسرَّ به العبد وما أعلن، ويعلم ما في قلبه من النيات الصالحة وضدِّها، فيقدِّر على العباد أقداراً موافقةً لعلمه وحكمته ومصلحة عباده، ويجزي كلاًّ بحسب نيَّته وعمله.
{18}{ذلكم}: النصر من الله لكم، {وأنَّ الله موهنُ كيدِ الكافرين}؛ أي: مُضْعِفُ كلَّ مكر وكيد يكيدون به الإسلام وأهله، وجاعلُ مكرهم محيقاً بهم.
{19}{إن تستفتحوا}: أيُّها المشركون؛ أي: تطلبون من الله أن يوقع بأسه وعذابه على المعتدين الظالمين، {فقد جاءكم الفتحُ}: حين أوقع الله بكم من عقابِهِ ما كان نَكالاً لكم وعبرةً للمتقين. {وإن تنتهوا}: عن الاستفتاح {فهو خيرٌ لكم}: لأنَّه ربَّما أمهلكم ولم تُعَجَّلْ لكم النقمةُ. {وإن تعودوا}: إلى الاستفتاح وقتال حزب الله المؤمنين {نَعُدۡ}: في نصرهم عليكم، {ولن تُغۡنِيَ عنكم فئتُكم}؛ أي: أعوانكم وأنصاركم الذين تحاربون وتقاتلون معتمدين عليهم شيئاً. {وأنَّ الله مع المؤمنين}: ومن كان الله معه؛ فهو المنصور، وإن كان ضعيفاً قليلاً عدده.
وهذه المعيَّة التي أخبر الله أنه يؤيِّد بها المؤمنين تكون بحسب ما قاموا به من أعمال الإيمان؛ فإذا أديل العدوُّ على المؤمنين في بعض الأوقات؛ فليس ذلك إلا تفريطاً من المؤمنين وعدم قيامٍ بواجب الإيمان ومقتضاه، وإلاَّ؛ فلو قاموا بما أمر الله به من كلِّ وجهٍ؛ لما انهزم لهم رايةٌ انهزاماً مستقرًّا ولا أدِيلَ عليهم عدوُّهم أبداً.
الأنفال 8:19
{17} يقول تعالى لما انهزم المشركون يوم بدرٍ وقتلهم المسلمونَ: {فلم تقتُلوهم}: بحولِكم وقوَّتكم، {ولكنَّ الله قتلهم}: حيث أعانكم على ذلك بما تقدَّم ذكره، {وما رميتَ إذۡ رميتَ ولكنَّ الله رمى}: وذلك أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وقتَ القتال دخل العريش، وجعل يدعو الله، ويناشده في نصرته ، ثم خرج منه، فأخذ حَفْنَةً من تراب، فرماها في وجوه المشركين، فأوصلها الله إلى وجوههم، فما بقي منهم واحدٌ إلاَّ وقد أصاب وجهَهُ وفمه وعينيه منها ؛ فحينئذ انكسر حدهم وفتر زَندُهم وبان فيهم الفشل والضعف فانهزموا. يقول تعالى لنبيِّه: لستَ بقوَّتك حين رميتَ الترابَ أوصلتَهُ إلى أعينهم، وإنَّما أوصلناه إليهم بقوَّتنا واقتدارنا. {وَلِيُبۡلِيَ المؤمنينَ منه بلاءً حسناً}؛ أي: إن الله تعالى قادرٌ على انتصار المؤمنين من الكافرين من دون مباشرةِ قتال، ولكنَّ الله أراد أن يمتحنَ المؤمنين ويوصِلَهم بالجهاد إلى أعلى الدرجات وأرفع المقامات ويعطيهم أجراً حسناً وثواباً جزيلاً. {إنَّ الله سميعٌ عليمٌ}: يسمع تعالى ما أسرَّ به العبد وما أعلن، ويعلم ما في قلبه من النيات الصالحة وضدِّها، فيقدِّر على العباد أقداراً موافقةً لعلمه وحكمته ومصلحة عباده، ويجزي كلاًّ بحسب نيَّته وعمله.
{18}{ذلكم}: النصر من الله لكم، {وأنَّ الله موهنُ كيدِ الكافرين}؛ أي: مُضْعِفُ كلَّ مكر وكيد يكيدون به الإسلام وأهله، وجاعلُ مكرهم محيقاً بهم.
{19}{إن تستفتحوا}: أيُّها المشركون؛ أي: تطلبون من الله أن يوقع بأسه وعذابه على المعتدين الظالمين، {فقد جاءكم الفتحُ}: حين أوقع الله بكم من عقابِهِ ما كان نَكالاً لكم وعبرةً للمتقين. {وإن تنتهوا}: عن الاستفتاح {فهو خيرٌ لكم}: لأنَّه ربَّما أمهلكم ولم تُعَجَّلْ لكم النقمةُ. {وإن تعودوا}: إلى الاستفتاح وقتال حزب الله المؤمنين {نَعُدۡ}: في نصرهم عليكم، {ولن تُغۡنِيَ عنكم فئتُكم}؛ أي: أعوانكم وأنصاركم الذين تحاربون وتقاتلون معتمدين عليهم شيئاً. {وأنَّ الله مع المؤمنين}: ومن كان الله معه؛ فهو المنصور، وإن كان ضعيفاً قليلاً عدده.
وهذه المعيَّة التي أخبر الله أنه يؤيِّد بها المؤمنين تكون بحسب ما قاموا به من أعمال الإيمان؛ فإذا أديل العدوُّ على المؤمنين في بعض الأوقات؛ فليس ذلك إلا تفريطاً من المؤمنين وعدم قيامٍ بواجب الإيمان ومقتضاه، وإلاَّ؛ فلو قاموا بما أمر الله به من كلِّ وجهٍ؛ لما انهزم لهم رايةٌ انهزاماً مستقرًّا ولا أدِيلَ عليهم عدوُّهم أبداً.
الأنفال 8:20
{20} لما أخبر تعالى أنه مع المؤمنين؛ أمرهم أن يقوموا بمقتضى الإيمان الذي يدركون معيَّتَه، فقال:{يا أيُّها الذين آمنوا أطيعوا اللهَ ورسولَه}: بامتثال أمرِهما واجتنابِ نهيِهما. {ولا تَوَلَّوۡا عنه}؛ أي: عن هذا الأمر الذي هو طاعة الله وطاعة رسوله، {وأنتم تسمعونَ}: ما يُتلى عليكم من كتاب الله وأوامره ووصاياه ونصائحه؛ فتولِّيكم في هذه الحال من أقبح الأحوال.
{21}{ولا تكونوا كالذين قالوا سمِعۡنا وهم لا يسمعون}؛ أي: لا تكتفوا بمجرَّدِ الدعوى الخالية التي لا حقيقة لها؛ فإنها حالة لا يرضاها الله ولا رسوله، فليس الإيمانُ بالتمنِّي والتحلِّي، ولكنَّه ما وَقَرَ في القلوب، وصدَّقته الأعمال.
الأنفال 8:21
{20} لما أخبر تعالى أنه مع المؤمنين؛ أمرهم أن يقوموا بمقتضى الإيمان الذي يدركون معيَّتَه، فقال:{يا أيُّها الذين آمنوا أطيعوا اللهَ ورسولَه}: بامتثال أمرِهما واجتنابِ نهيِهما. {ولا تَوَلَّوۡا عنه}؛ أي: عن هذا الأمر الذي هو طاعة الله وطاعة رسوله، {وأنتم تسمعونَ}: ما يُتلى عليكم من كتاب الله وأوامره ووصاياه ونصائحه؛ فتولِّيكم في هذه الحال من أقبح الأحوال.
{21}{ولا تكونوا كالذين قالوا سمِعۡنا وهم لا يسمعون}؛ أي: لا تكتفوا بمجرَّدِ الدعوى الخالية التي لا حقيقة لها؛ فإنها حالة لا يرضاها الله ولا رسوله، فليس الإيمانُ بالتمنِّي والتحلِّي، ولكنَّه ما وَقَرَ في القلوب، وصدَّقته الأعمال.
الأنفال 8:22
{22} يقول تعالى: {إنَّ شرَّ الدوابِّ عند الله}: مَنْ لم تُفِذْ فيهم الآيات والنذر، وهم {الصُّمُّ}: عن استماع الحق، {البكم}: عن النطق به، {الذين لا يعقلونَ}: ما ينفعهم ويؤثرونَه على ما يضرُّهم؛ فهؤلاء شرٌّ عند الله من شرار الدواب ؛ لأنَّ الله أعطاهم أسماعاً وأبصاراً وأفئدة ليستعملوها في طاعة الله، فاستعملوها في معاصيه، وعدموا بذلك الخير الكثير؛ فإنَّهم كانوا بصدد أن يكونوا من خيار البريَّة، فأبوا هذا الطريق، واختاروا لأنفسهم أن يكونوا من شرِّ البريَّة. والسمعُ الذين نفاه الله عنهم سمعُ المعنى المؤثِّر في القلب، وأما سمعُ الحجَّة؛ فقد قامت حجَّة الله تعالى عليهم بما سمعوه من آياته.
{23} وإنما لم يُسمعْهم السماعَ النافع؛ لأنَّه لم يعلم فيهم خيراً يَصْلُحون به لسماع آياته. {ولو علم الله فيهم خيراً لأسمَعَهم ولو أسمَعَهم}: على الفرض والتقدير، {لَتَوَلَّوا}: عن الطاعة {وهم معرضونَ}: لا التفات لهم إلى الحقِّ بوجه من الوجوه. وهذا دليلٌ على أن الله تعالى لا يمنع الإيمان والخير إلاَّ لمن لا خير فيه الذي لا يزكو لديه ولا يثمرُ عنده، وله الحمد تعالى والحكمة في هذا.
الأنفال 8:23
{22} يقول تعالى: {إنَّ شرَّ الدوابِّ عند الله}: مَنْ لم تُفِذْ فيهم الآيات والنذر، وهم {الصُّمُّ}: عن استماع الحق، {البكم}: عن النطق به، {الذين لا يعقلونَ}: ما ينفعهم ويؤثرونَه على ما يضرُّهم؛ فهؤلاء شرٌّ عند الله من شرار الدواب ؛ لأنَّ الله أعطاهم أسماعاً وأبصاراً وأفئدة ليستعملوها في طاعة الله، فاستعملوها في معاصيه، وعدموا بذلك الخير الكثير؛ فإنَّهم كانوا بصدد أن يكونوا من خيار البريَّة، فأبوا هذا الطريق، واختاروا لأنفسهم أن يكونوا من شرِّ البريَّة. والسمعُ الذين نفاه الله عنهم سمعُ المعنى المؤثِّر في القلب، وأما سمعُ الحجَّة؛ فقد قامت حجَّة الله تعالى عليهم بما سمعوه من آياته.
{23} وإنما لم يُسمعْهم السماعَ النافع؛ لأنَّه لم يعلم فيهم خيراً يَصْلُحون به لسماع آياته. {ولو علم الله فيهم خيراً لأسمَعَهم ولو أسمَعَهم}: على الفرض والتقدير، {لَتَوَلَّوا}: عن الطاعة {وهم معرضونَ}: لا التفات لهم إلى الحقِّ بوجه من الوجوه. وهذا دليلٌ على أن الله تعالى لا يمنع الإيمان والخير إلاَّ لمن لا خير فيه الذي لا يزكو لديه ولا يثمرُ عنده، وله الحمد تعالى والحكمة في هذا.
الأنفال 8:24
{24} يأمر تعالى عباده المؤمنين بما يقتضيه الإيمان منهم، وهو الاستجابة لله وللرسول؛ أي: الانقياد لما أمرا به والمبادرة إلى ذلك والدعوة إليه، والاجتناب لما نهيا عنه والانكفاف عنه والنهي عنه. وقوله:{إذا دعاكم لما يُحييكم}: وصفٌ ملازمٌ لكل ما دعا الله ورسوله إليه وبيانٌ لفائدته وحكمته؛ فإن حياة القلب والروح بعبوديَّة الله تعالى ولزوم طاعته وطاعة رسوله على الدوام. ثم حذَّر عن عدم الاستجابة لله وللرسول، فقال:{واعلموا أنَّ الله يَحول بين المرء وقلبِهِ}: فإياكم أن تردُّوا أمر الله أول ما يأتيكم، فيُحال بينكم وبينه إذا أردتموه بعد ذلك، وتختلف قلوبكم؛ فإن الله يَحولُ بين المرء وقلبه؛ يقلِّب القلوب حيث شاء، ويصرِّفها أنَّى شاء، فليكثرِ العبد من قول: يا مقلِّب القلوب! ثبِّتْ قلبي على دينك. يا مصرِّف القلوب! اصرفْ قلبي إلى طاعتك. {وأنَّه إليه تُحشرون}؛ أي: تُجمعون ليوم لا ريبَ فيه، فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بعصيانه.
{25}{واتَّقوا فتنةً لا تُصيبَنَّ الذين ظلموا منكم خاصةً}: بل تصيب فاعل الظُّلم وغيره، وذلك إذا ظهر الظلم فلم يغيَّر؛ فإنَّ عقوبته تعمُّ الفاعل وغيره. وتقوى هذه الفتنة بالنهي عن المنكر وقمع أهل الشرِّ والفساد وأن لا يُمَكَّنوا من المعاصي والظُّلم مهما أمكن. {واعلموا أنَّ الله شديدُ العقاب}: لمن تعرَّض لمساخطِهِ وجانبَ رضاه.
الأنفال 8:25
{24} يأمر تعالى عباده المؤمنين بما يقتضيه الإيمان منهم، وهو الاستجابة لله وللرسول؛ أي: الانقياد لما أمرا به والمبادرة إلى ذلك والدعوة إليه، والاجتناب لما نهيا عنه والانكفاف عنه والنهي عنه. وقوله:{إذا دعاكم لما يُحييكم}: وصفٌ ملازمٌ لكل ما دعا الله ورسوله إليه وبيانٌ لفائدته وحكمته؛ فإن حياة القلب والروح بعبوديَّة الله تعالى ولزوم طاعته وطاعة رسوله على الدوام. ثم حذَّر عن عدم الاستجابة لله وللرسول، فقال:{واعلموا أنَّ الله يَحول بين المرء وقلبِهِ}: فإياكم أن تردُّوا أمر الله أول ما يأتيكم، فيُحال بينكم وبينه إذا أردتموه بعد ذلك، وتختلف قلوبكم؛ فإن الله يَحولُ بين المرء وقلبه؛ يقلِّب القلوب حيث شاء، ويصرِّفها أنَّى شاء، فليكثرِ العبد من قول: يا مقلِّب القلوب! ثبِّتْ قلبي على دينك. يا مصرِّف القلوب! اصرفْ قلبي إلى طاعتك. {وأنَّه إليه تُحشرون}؛ أي: تُجمعون ليوم لا ريبَ فيه، فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بعصيانه.
{25}{واتَّقوا فتنةً لا تُصيبَنَّ الذين ظلموا منكم خاصةً}: بل تصيب فاعل الظُّلم وغيره، وذلك إذا ظهر الظلم فلم يغيَّر؛ فإنَّ عقوبته تعمُّ الفاعل وغيره. وتقوى هذه الفتنة بالنهي عن المنكر وقمع أهل الشرِّ والفساد وأن لا يُمَكَّنوا من المعاصي والظُّلم مهما أمكن. {واعلموا أنَّ الله شديدُ العقاب}: لمن تعرَّض لمساخطِهِ وجانبَ رضاه.
الأنفال 8:26
{26} يقول تعالى ممتنًّا على عباده في نصرهم بعد الذِّلَّة وتكثيرهم بعد القِلَّة وإغنائهم بعد العيلة: {واذكُروا إذ أنتم قليلٌ مستَضۡعَفون في الأرض}؛ أي: مقهورون تحت حكم غيركم، {تخافون أن يَتَخَطَّفَكُم الناسُ}؛ أي: يأخذونكم، {فآواكم وأيَّدكم بنصرِهِ ورَزَقَكم من الطّيِّبات}: فجعل لكم بلداً تأوون إليه، وانتصر من أعدائكم على أيديكم، وغنمتم من أموالهم ما كنتم به أغنياء، {لعلَّكم تشكرونَ}: الله على مِنَّتِهِ العظيمة وإحسانه التامِّ بأن تعبدوه، ولا تشركوا به شيئاً.
الأنفال 8:27
{27} يأمر تعالى عباده المؤمنين أن يؤدُّوا ما ائتمنهم الله عليه من أوامره ونواهيه؛ فإنَّ الأمانة قد عرضها الله على السماوات والأرض والجبال فأبَيْنَ أن يَحْمِلْنها وأشفَقْنَ منها وحملها الإنسانُ إنَّه كان ظلوماً جهولاً؛ فمن أدَّى الأمانة؛ استحقَّ من الله الثواب الجزيل، ومن لم يؤدِّها، بل خانها؛ استحقَّ العقاب الوبيل، وصار خائناً لله وللرسول ولأمانته، منقصاً لنفسه بكونه اتَّصفت نفسه بأخس الصفات وأقبح الشيات، وهو الخيانة، مفوتاً لها أكمل الصفات وأتمها، وهي الأمانة.
{28} ولما كان العبد ممْتَحَناً بأمواله وأولاده، فربما حمله محبَّتهُ ذلك على تقديم هوى نفسه على أداء أمانته؛ أخبر الله تعالى أنَّ الأموال والأولاد فتنةٌ يبتلي الله بهما عباده، وأنها عاريَّة ستؤدَّى لمن أعطاها وتردُّ لمن استَوْدَعَها. {وأنَّ الله عنده أجرٌ عظيمٌ}: فإن كان لكم عقلٌ ورأيٌ؛ فآثِروا فضله العظيم على لذَّة صغيرةٍ فانيةٍ مضمحلَّةٍ؛ فالعاقل يوازِنُ بين الأشياء، ويؤثِرُ أولاها بالإيثار وأحقَّها بالتقديم.
الأنفال 8:28
{27} يأمر تعالى عباده المؤمنين أن يؤدُّوا ما ائتمنهم الله عليه من أوامره ونواهيه؛ فإنَّ الأمانة قد عرضها الله على السماوات والأرض والجبال فأبَيْنَ أن يَحْمِلْنها وأشفَقْنَ منها وحملها الإنسانُ إنَّه كان ظلوماً جهولاً؛ فمن أدَّى الأمانة؛ استحقَّ من الله الثواب الجزيل، ومن لم يؤدِّها، بل خانها؛ استحقَّ العقاب الوبيل، وصار خائناً لله وللرسول ولأمانته، منقصاً لنفسه بكونه اتَّصفت نفسه بأخس الصفات وأقبح الشيات، وهو الخيانة، مفوتاً لها أكمل الصفات وأتمها، وهي الأمانة.
{28} ولما كان العبد ممْتَحَناً بأمواله وأولاده، فربما حمله محبَّتهُ ذلك على تقديم هوى نفسه على أداء أمانته؛ أخبر الله تعالى أنَّ الأموال والأولاد فتنةٌ يبتلي الله بهما عباده، وأنها عاريَّة ستؤدَّى لمن أعطاها وتردُّ لمن استَوْدَعَها. {وأنَّ الله عنده أجرٌ عظيمٌ}: فإن كان لكم عقلٌ ورأيٌ؛ فآثِروا فضله العظيم على لذَّة صغيرةٍ فانيةٍ مضمحلَّةٍ؛ فالعاقل يوازِنُ بين الأشياء، ويؤثِرُ أولاها بالإيثار وأحقَّها بالتقديم.
الأنفال 8:29
{29} امتثالُ العبد لتقوى ربه عنوان السعادة وعلامة الفلاح، وقد رتَّب اللَّه على التقوى من خير الدنيا والآخرة شيئاً كثيراً، فذكر هنا أنَّ مَن اتَّقى اللَّه؛ حصل له أربعةُ أشياء، كلُّ واحدٍ منها خيرٌ من الدنيا وما فيها: الأول: الفُرقان، وهو العلم والهدى الذي يفرِّق به صاحبه بين الهدى والضلال والحقِّ والباطل والحلال والحرام وأهل السعادة من أهل الشقاوة. الثاني والثالث: تكفير السيئات ومغفرة الذنوب، وكل واحد منهما داخلٌ في الآخر عند الإطلاق، وعند الاجتماع يفسَّر تكفير السيئات بالذُّنوب الصغائر، ومغفرة الذنوب بتكفير الكبائر. الرابع: الأجر العظيم والثوابُ الجزيل لمن اتَّقاه وآثر رضاه على هوى نفسه. {والله ذو الفضل العظيم}.
الأنفال 8:30
{30} أي: {و} اذكر أيُّها الرسول ما مَنَّ الله بك عليك، {إذ يَمۡكُرُ بك الذين كفروا}: حين تشاور المشركون في دار الندوة فيما يصنعون بالنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: إما أن يُثْبِتوه عندهم بالحبس ويوثِقوه، وإما أن يقتلوه فيستريحوا بزعمهم من شرِّه! وإما أن يخرِجوه ويُجْلوه من ديارهم؛ فكلٌّ أبدى من هذه الآراء رأياً رآه، فاتفق رأيُهم على رأي رآه شريرهم أبو جهل لعنه الله، وهو أن يأخذوا من كلِّ قبيلةٍ من قبائل قريش فتى، ويعطوه سيفاً صارماً، ويقتله الجميع قِتلةَ رجل واحدٍ؛ ليتفرَّق دمُهُ في القبائل، فيرضى بنو هاشم ثَمَّ بديتِهِ، فلا يقدرون على مقاومة جميع قريش ، فترصَّدوا للنبي - صلى الله عليه وسلم - في الليل ليوقعوا به إذا قام من فراشه، فجاءه الوحي من السماء، وخَرَجَ عليهم، فَذَرَّ على رؤوسهم التراب وخرج، وأعمى الله أبصارهم عنه، حتى إذا استبطؤوه؛ جاءهم آتٍ وقال: خيَّبكم الله! قد خرج محمدٌ وذَرَّ على رؤوسكم الترابَ! فنفض كلٌّ منهم التراب [عن] رأسه ، ومنع الله رسولَه منهم، وأذِنَ له في الهجرة إلى المدينة، فهاجر إليها، وأيَّده الله بأصحابه المهاجرين والأنصار، ولم يزل أمره يعلو حتى دخل مكة عنوةً وقَهَرَ أهلها فأذعنوا له وصاروا تحت حكمِهِ بعد أن خرج مستخفياً منهم خائفاً على نفسه؛ فسبحان اللطيف بعبده الذي لا يغالبه مغالبٌ. وقوله:
الأنفال 8:31
{31} يقول تعالى في بيان عناد المكذِّبين للرسول - صلى الله عليه وسلم -: {وإذا تُتۡلى عليهم آياتُنا}: الدالَّة على صدق ما جاء به الرسول، {قالوا قد سَمِعۡنا لو نشاء لَقُلۡنا مثل هذا إن هذا إلا أساطيرُ الأوَّلين}: وهذا من عنادهم وظلمهم؛ وإلاَّ؛ فقد تحدَّاهم الله أن يأتوا بسورة من مثله، ويدعوا من استطاعوا من دون الله، فلم يقدروا على ذلك، وتبيَّن عجزهم؛ فهذا القول الصادر من هذا القائل مجرَّد دعوى كذَّبه الواقع، وقد علم أنه - صلى الله عليه وسلم - أميٌّ، لا يقرأ، ولا يكتب، ولا رحل ليدرس من أخبار الأولين، فأتى بهذا الكتاب الجليل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيلٌ من حكيم حميدٍ.
{32}{وإذۡ قالوا اللهمَّ إن كان هذا}: الذي يدعو إليه محمدٌ، {هو الحقَّ من عندك فأمطِرۡ علينا حجارةً من السماء أو ائتِنا بعذابٍ أليم}: قالوه على وجه الجزم منهم بباطلهم، والجهل بما ينبغي من الخطاب؛ فلو أنَّهم إذا قاموا على باطلهم من الشبه والتمويهات ما أوجب لهم أن يكونوا على بصيرةٍ ويقينٍ منه قالوا لمن ناظَرَهم وادَّعى أن الحقَّ معه: إنْ كان هذا هو الحقَّ من عندك؛ فاهِدنا له؛ لكان أولى لهم وأستر لظلمهم؛ فمذ قالوا:{اللهمَّ إن كان هذا هو الحقَّ من عندك ... } الآية؛ عُلم بمجرَّد قولهم أنهم السفهاء الأغبياء الجهلة الظالمون.
{33} فلو عاجلهم الله بالعقاب؛ لما أبقى منهم باقيةً، ولكنَّه تعالى دَفَعَ عنهم العذابَ بسبب وجود الرسول بين أظهرهم، فقال:{وما كان الله لِيُعَذِّبَهم وأنت فيهم}: فوجوده - صلى الله عليه وسلم -[بين أظهرهم] أمَنَةٌ لهم من العذاب، وكانوا مع قولهم هذه المقالة التي يظهِرونها على رؤوس الأشهاد يدرون بقُبحها، فكانوا يخافون من وقوعها فيهم، فيستغفرونَ الله تعالى؛ فلهذا قال:{وما كان الله ليُعَذِّبَهم وهم يستغفرونَ}: فهذا مانعٌ يمنع من وقوع العذاب بهم بعدما انعقدتْ أسبابُه.
{34} ثم قال: {وما لهم أن لا يعذِّبَهم الله}؛ أي: أيُّ شيء يمنعُهم من عذاب الله وقد فعلوا ما يوجِبُ ذلك؟ وهو صدُّ الناس عن المسجد الحرام، خصوصاً صدَّهم النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه الذين هم أولى به منهم، ولهذا قال:{وما كانوا}؛ أي: المشركون، {أولياءه}: يُحتمل أنَّ الضمير يعود إلى الله؛ أي: أولياء الله، ويحتمل أن يعود إلى المسجد الحرام؛ أي: وما كانوا أولى به من غيرهم. {إن أولياؤُهُ إلا المتَّقون}: وهم الذين آمنوا بالله ورسوله وأفردوا الله بالتوحيد والعبادة وأخلصوا له الدين. {ولكنَّ أكثرهم لا يعلمونَ}: فلذلك ادَّعوا لأنفسهم أمراً غيرُهم أولى به.
الأنفال 8:32
{31} يقول تعالى في بيان عناد المكذِّبين للرسول - صلى الله عليه وسلم -: {وإذا تُتۡلى عليهم آياتُنا}: الدالَّة على صدق ما جاء به الرسول، {قالوا قد سَمِعۡنا لو نشاء لَقُلۡنا مثل هذا إن هذا إلا أساطيرُ الأوَّلين}: وهذا من عنادهم وظلمهم؛ وإلاَّ؛ فقد تحدَّاهم الله أن يأتوا بسورة من مثله، ويدعوا من استطاعوا من دون الله، فلم يقدروا على ذلك، وتبيَّن عجزهم؛ فهذا القول الصادر من هذا القائل مجرَّد دعوى كذَّبه الواقع، وقد علم أنه - صلى الله عليه وسلم - أميٌّ، لا يقرأ، ولا يكتب، ولا رحل ليدرس من أخبار الأولين، فأتى بهذا الكتاب الجليل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيلٌ من حكيم حميدٍ.
{32}{وإذۡ قالوا اللهمَّ إن كان هذا}: الذي يدعو إليه محمدٌ، {هو الحقَّ من عندك فأمطِرۡ علينا حجارةً من السماء أو ائتِنا بعذابٍ أليم}: قالوه على وجه الجزم منهم بباطلهم، والجهل بما ينبغي من الخطاب؛ فلو أنَّهم إذا قاموا على باطلهم من الشبه والتمويهات ما أوجب لهم أن يكونوا على بصيرةٍ ويقينٍ منه قالوا لمن ناظَرَهم وادَّعى أن الحقَّ معه: إنْ كان هذا هو الحقَّ من عندك؛ فاهِدنا له؛ لكان أولى لهم وأستر لظلمهم؛ فمذ قالوا:{اللهمَّ إن كان هذا هو الحقَّ من عندك ... } الآية؛ عُلم بمجرَّد قولهم أنهم السفهاء الأغبياء الجهلة الظالمون.
{33} فلو عاجلهم الله بالعقاب؛ لما أبقى منهم باقيةً، ولكنَّه تعالى دَفَعَ عنهم العذابَ بسبب وجود الرسول بين أظهرهم، فقال:{وما كان الله لِيُعَذِّبَهم وأنت فيهم}: فوجوده - صلى الله عليه وسلم -[بين أظهرهم] أمَنَةٌ لهم من العذاب، وكانوا مع قولهم هذه المقالة التي يظهِرونها على رؤوس الأشهاد يدرون بقُبحها، فكانوا يخافون من وقوعها فيهم، فيستغفرونَ الله تعالى؛ فلهذا قال:{وما كان الله ليُعَذِّبَهم وهم يستغفرونَ}: فهذا مانعٌ يمنع من وقوع العذاب بهم بعدما انعقدتْ أسبابُه.
{34} ثم قال: {وما لهم أن لا يعذِّبَهم الله}؛ أي: أيُّ شيء يمنعُهم من عذاب الله وقد فعلوا ما يوجِبُ ذلك؟ وهو صدُّ الناس عن المسجد الحرام، خصوصاً صدَّهم النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه الذين هم أولى به منهم، ولهذا قال:{وما كانوا}؛ أي: المشركون، {أولياءه}: يُحتمل أنَّ الضمير يعود إلى الله؛ أي: أولياء الله، ويحتمل أن يعود إلى المسجد الحرام؛ أي: وما كانوا أولى به من غيرهم. {إن أولياؤُهُ إلا المتَّقون}: وهم الذين آمنوا بالله ورسوله وأفردوا الله بالتوحيد والعبادة وأخلصوا له الدين. {ولكنَّ أكثرهم لا يعلمونَ}: فلذلك ادَّعوا لأنفسهم أمراً غيرُهم أولى به.
الأنفال 8:33
{31} يقول تعالى في بيان عناد المكذِّبين للرسول - صلى الله عليه وسلم -: {وإذا تُتۡلى عليهم آياتُنا}: الدالَّة على صدق ما جاء به الرسول، {قالوا قد سَمِعۡنا لو نشاء لَقُلۡنا مثل هذا إن هذا إلا أساطيرُ الأوَّلين}: وهذا من عنادهم وظلمهم؛ وإلاَّ؛ فقد تحدَّاهم الله أن يأتوا بسورة من مثله، ويدعوا من استطاعوا من دون الله، فلم يقدروا على ذلك، وتبيَّن عجزهم؛ فهذا القول الصادر من هذا القائل مجرَّد دعوى كذَّبه الواقع، وقد علم أنه - صلى الله عليه وسلم - أميٌّ، لا يقرأ، ولا يكتب، ولا رحل ليدرس من أخبار الأولين، فأتى بهذا الكتاب الجليل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيلٌ من حكيم حميدٍ.
{32}{وإذۡ قالوا اللهمَّ إن كان هذا}: الذي يدعو إليه محمدٌ، {هو الحقَّ من عندك فأمطِرۡ علينا حجارةً من السماء أو ائتِنا بعذابٍ أليم}: قالوه على وجه الجزم منهم بباطلهم، والجهل بما ينبغي من الخطاب؛ فلو أنَّهم إذا قاموا على باطلهم من الشبه والتمويهات ما أوجب لهم أن يكونوا على بصيرةٍ ويقينٍ منه قالوا لمن ناظَرَهم وادَّعى أن الحقَّ معه: إنْ كان هذا هو الحقَّ من عندك؛ فاهِدنا له؛ لكان أولى لهم وأستر لظلمهم؛ فمذ قالوا:{اللهمَّ إن كان هذا هو الحقَّ من عندك ... } الآية؛ عُلم بمجرَّد قولهم أنهم السفهاء الأغبياء الجهلة الظالمون.
{33} فلو عاجلهم الله بالعقاب؛ لما أبقى منهم باقيةً، ولكنَّه تعالى دَفَعَ عنهم العذابَ بسبب وجود الرسول بين أظهرهم، فقال:{وما كان الله لِيُعَذِّبَهم وأنت فيهم}: فوجوده - صلى الله عليه وسلم -[بين أظهرهم] أمَنَةٌ لهم من العذاب، وكانوا مع قولهم هذه المقالة التي يظهِرونها على رؤوس الأشهاد يدرون بقُبحها، فكانوا يخافون من وقوعها فيهم، فيستغفرونَ الله تعالى؛ فلهذا قال:{وما كان الله ليُعَذِّبَهم وهم يستغفرونَ}: فهذا مانعٌ يمنع من وقوع العذاب بهم بعدما انعقدتْ أسبابُه.
{34} ثم قال: {وما لهم أن لا يعذِّبَهم الله}؛ أي: أيُّ شيء يمنعُهم من عذاب الله وقد فعلوا ما يوجِبُ ذلك؟ وهو صدُّ الناس عن المسجد الحرام، خصوصاً صدَّهم النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه الذين هم أولى به منهم، ولهذا قال:{وما كانوا}؛ أي: المشركون، {أولياءه}: يُحتمل أنَّ الضمير يعود إلى الله؛ أي: أولياء الله، ويحتمل أن يعود إلى المسجد الحرام؛ أي: وما كانوا أولى به من غيرهم. {إن أولياؤُهُ إلا المتَّقون}: وهم الذين آمنوا بالله ورسوله وأفردوا الله بالتوحيد والعبادة وأخلصوا له الدين. {ولكنَّ أكثرهم لا يعلمونَ}: فلذلك ادَّعوا لأنفسهم أمراً غيرُهم أولى به.
الأنفال 8:34
{31} يقول تعالى في بيان عناد المكذِّبين للرسول - صلى الله عليه وسلم -: {وإذا تُتۡلى عليهم آياتُنا}: الدالَّة على صدق ما جاء به الرسول، {قالوا قد سَمِعۡنا لو نشاء لَقُلۡنا مثل هذا إن هذا إلا أساطيرُ الأوَّلين}: وهذا من عنادهم وظلمهم؛ وإلاَّ؛ فقد تحدَّاهم الله أن يأتوا بسورة من مثله، ويدعوا من استطاعوا من دون الله، فلم يقدروا على ذلك، وتبيَّن عجزهم؛ فهذا القول الصادر من هذا القائل مجرَّد دعوى كذَّبه الواقع، وقد علم أنه - صلى الله عليه وسلم - أميٌّ، لا يقرأ، ولا يكتب، ولا رحل ليدرس من أخبار الأولين، فأتى بهذا الكتاب الجليل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيلٌ من حكيم حميدٍ.
{32}{وإذۡ قالوا اللهمَّ إن كان هذا}: الذي يدعو إليه محمدٌ، {هو الحقَّ من عندك فأمطِرۡ علينا حجارةً من السماء أو ائتِنا بعذابٍ أليم}: قالوه على وجه الجزم منهم بباطلهم، والجهل بما ينبغي من الخطاب؛ فلو أنَّهم إذا قاموا على باطلهم من الشبه والتمويهات ما أوجب لهم أن يكونوا على بصيرةٍ ويقينٍ منه قالوا لمن ناظَرَهم وادَّعى أن الحقَّ معه: إنْ كان هذا هو الحقَّ من عندك؛ فاهِدنا له؛ لكان أولى لهم وأستر لظلمهم؛ فمذ قالوا:{اللهمَّ إن كان هذا هو الحقَّ من عندك ... } الآية؛ عُلم بمجرَّد قولهم أنهم السفهاء الأغبياء الجهلة الظالمون.
{33} فلو عاجلهم الله بالعقاب؛ لما أبقى منهم باقيةً، ولكنَّه تعالى دَفَعَ عنهم العذابَ بسبب وجود الرسول بين أظهرهم، فقال:{وما كان الله لِيُعَذِّبَهم وأنت فيهم}: فوجوده - صلى الله عليه وسلم -[بين أظهرهم] أمَنَةٌ لهم من العذاب، وكانوا مع قولهم هذه المقالة التي يظهِرونها على رؤوس الأشهاد يدرون بقُبحها، فكانوا يخافون من وقوعها فيهم، فيستغفرونَ الله تعالى؛ فلهذا قال:{وما كان الله ليُعَذِّبَهم وهم يستغفرونَ}: فهذا مانعٌ يمنع من وقوع العذاب بهم بعدما انعقدتْ أسبابُه.
{34} ثم قال: {وما لهم أن لا يعذِّبَهم الله}؛ أي: أيُّ شيء يمنعُهم من عذاب الله وقد فعلوا ما يوجِبُ ذلك؟ وهو صدُّ الناس عن المسجد الحرام، خصوصاً صدَّهم النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه الذين هم أولى به منهم، ولهذا قال:{وما كانوا}؛ أي: المشركون، {أولياءه}: يُحتمل أنَّ الضمير يعود إلى الله؛ أي: أولياء الله، ويحتمل أن يعود إلى المسجد الحرام؛ أي: وما كانوا أولى به من غيرهم. {إن أولياؤُهُ إلا المتَّقون}: وهم الذين آمنوا بالله ورسوله وأفردوا الله بالتوحيد والعبادة وأخلصوا له الدين. {ولكنَّ أكثرهم لا يعلمونَ}: فلذلك ادَّعوا لأنفسهم أمراً غيرُهم أولى به.
الأنفال 8:35
{35} يعني: أن الله تعالى إنما جعل بيته الحرام ليقامَ فيه دينُه وتُخْلَصَ له فيه العبادة؛ فالمؤمنون هم الذين قاموا بهذا الأمر، وأما هؤلاء المشركون الذين يصدُّون عنه؛ فما كان صلاتُهم فيه، التي هي أكبر أنواع العبادات {إلَّا مُكاءً وتصديةً}؛ أي: صفيراً وتصفيقاً؛ فعلَ الجهلة الأغبياء، الذين ليس في قلوبهم تعظيمٌ لربِّهم ولا معرفة بحقوقه ولا احترام لأفضل البقاع وأشرفها؛ فإذا كانت هذه صلاتهم فيه؛ فكيف ببقيَّة العبادات؟! فبأيِّ شيء كانوا أولى بهذا البيت من المؤمنين، الذين هم في صلاتهم خاشعون، والذين هم عن اللغو معرضون؟! ... إلى آخر ما وصفهم الله به من الصفات الحميدة والأفعال السديدة لا جرم أورثهم الله بيته الحرام ومكَّنهم منه، وقال [لهم] بعدما مكَّن لهم فيه: {يا أيُّها الذين آمنوا إنَّما المشركون نَجَسٌ فلا يَقۡرَبوا المسجدَ الحرامَ بعد عامهم هذا}، وقال هنا:{فذوقوا العذابَ بما كنتُم تكفرون}.
الأنفال 8:36
{36} يقول تعالى مبيناً لعداوة المشركين وكيدهم ومكرهم ومبارزتهم لله ولرسوله وسعيهم في إطفاء نوره وإخماد كلمتِهِ، وأنَّ وبالَ مكرِهم سيعود عليهم، ولا يَحيقُ المكر السِّيئ إلاَّ بأهله، فقال:{إنَّ الذين كفروا ينفقون أموالَهم لِيَصُدُّوا عن سبيل الله}؛ أي:ليبطلوا الحقَّ، وينصروا الباطل، ويَبْطُلَ توحيدُ الرحمن، ويقومَ دينُ عبادة الأوثان.{فسينفقونها}؛ أي: فسيصدِرون هذه النفقة، وتَخِفُّ عليهم، لتمسُّكهم بالباطل، وشدة بغضهم للحق، ولكنها ستكون {عليهم حسرةً}؛ أي: ندامةً وخزياً وذلاًّ، {ثم يُغۡلَبون}: فتذهب أموالهم وما أمَّلوا، ويعذَّبون في الآخرة أشدَّ العذاب، ولهذا قال:{والذين كفروا إلى جهنَّم يُحشرون}؛ أي: يجمعون إليها ليذوقوا عذابها، وذلك لأنَّها دار الخبث والخبثاء.
{37} والله تعالى يريد أن يَميز الخبيثَ من الطيب، ويجعلَ كلَّ واحدةٍ على حِدَةٍ وفي دار تخصُّه، فيجعل الخبيث بعضه على بعض من الأعمال والأموال والأشخاص، {فَيَرۡكُمَهُ جميعا فيجعله في جهنم أولئك هم الخاسرون}: الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة، ألا ذلك هو الخسران المبين.
الأنفال 8:37
{36} يقول تعالى مبيناً لعداوة المشركين وكيدهم ومكرهم ومبارزتهم لله ولرسوله وسعيهم في إطفاء نوره وإخماد كلمتِهِ، وأنَّ وبالَ مكرِهم سيعود عليهم، ولا يَحيقُ المكر السِّيئ إلاَّ بأهله، فقال:{إنَّ الذين كفروا ينفقون أموالَهم لِيَصُدُّوا عن سبيل الله}؛ أي:ليبطلوا الحقَّ، وينصروا الباطل، ويَبْطُلَ توحيدُ الرحمن، ويقومَ دينُ عبادة الأوثان.{فسينفقونها}؛ أي: فسيصدِرون هذه النفقة، وتَخِفُّ عليهم، لتمسُّكهم بالباطل، وشدة بغضهم للحق، ولكنها ستكون {عليهم حسرةً}؛ أي: ندامةً وخزياً وذلاًّ، {ثم يُغۡلَبون}: فتذهب أموالهم وما أمَّلوا، ويعذَّبون في الآخرة أشدَّ العذاب، ولهذا قال:{والذين كفروا إلى جهنَّم يُحشرون}؛ أي: يجمعون إليها ليذوقوا عذابها، وذلك لأنَّها دار الخبث والخبثاء.
{37} والله تعالى يريد أن يَميز الخبيثَ من الطيب، ويجعلَ كلَّ واحدةٍ على حِدَةٍ وفي دار تخصُّه، فيجعل الخبيث بعضه على بعض من الأعمال والأموال والأشخاص، {فَيَرۡكُمَهُ جميعا فيجعله في جهنم أولئك هم الخاسرون}: الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة، ألا ذلك هو الخسران المبين.
الأنفال 8:38
{38} هذا من لطفه تعالى بعباده؛ لا يمنعُهُ كفرُ العباد ولا استمرارُهم في العناد من أن يدعُوهم إلى طريق الرشاد والهدى وينهاهم عما يُهْلِكُهم من أسباب الغيِّ والرَّدى، فقال:{قل للذين كفروا إن يَنتَهوا}: عن كفرهم، وذلك بالإسلام لله وحده لا شريك له، {يُغۡفَرۡ لهم ما قد سَلَفَ}: منهم من الجرائم. {وإن يعودوا}: إلى كفرِهم وعنادهم، {فقد مضتۡ سُنَّةُ الأولين}: بإهلاك الأمم المكذِّبة؛ فلينتظروا ما حلَّ بالمعاندين؛ فسوف يأتيهم أنباءُ ما كانوا به يستهزئون. فهذا خطابُهُ للمكذِّبين.
{39} وأمَّا خطابه للمؤمنين عندما أمرهم بمعاملة الكافرين؛ فقال:{وقاتلوهم حتى لا تكونَ فتنةٌ}؛ أي:شركٌ وصدٌّ عن سبيل الله، ويذعنوا لأحكام الإسلام.{ويكونَ الدِّينُ كلُّه لله}: فهذا المقصود من القتال والجهاد لأعداء الدين: أن يُدْفَعَ شرُّهم عن الدين، وأن يُذَبَّ عن دين الله الذي خَلقَ الخلق له، حتى يكون هو العالي على سائر الأديان. {فإن انتهوا}: عن ما هم عليه من الظلم، {فإنَّ الله بما يعملون بصير}: لا تخفى عليه منهم خافيةٌ.
{40}{وإن تولَّوا}: عن الطاعة، وأوضعوا في الإضاعة، {فاعلموا أنَّ الله مولاكم نعم المولى}: الذي يتولَّى عباده المؤمنين، ويوصِلُ إليهم مصالحهم وييسِّر لهم منافعهم الدينيَّة والدنيويَّة. {ونعم النصيرُ}: الذي ينصُرُهم فيدفع عنهم كيدَ الفجَّار وتكالب الأشرار، ومَن كان الله مولاه وناصره؛ فلا خوفٌ عليه، ومَنْ كان الله عليه؛ فلا عزَّ له ولا قائمة له.
الأنفال 8:39
{38} هذا من لطفه تعالى بعباده؛ لا يمنعُهُ كفرُ العباد ولا استمرارُهم في العناد من أن يدعُوهم إلى طريق الرشاد والهدى وينهاهم عما يُهْلِكُهم من أسباب الغيِّ والرَّدى، فقال:{قل للذين كفروا إن يَنتَهوا}: عن كفرهم، وذلك بالإسلام لله وحده لا شريك له، {يُغۡفَرۡ لهم ما قد سَلَفَ}: منهم من الجرائم. {وإن يعودوا}: إلى كفرِهم وعنادهم، {فقد مضتۡ سُنَّةُ الأولين}: بإهلاك الأمم المكذِّبة؛ فلينتظروا ما حلَّ بالمعاندين؛ فسوف يأتيهم أنباءُ ما كانوا به يستهزئون. فهذا خطابُهُ للمكذِّبين.
{39} وأمَّا خطابه للمؤمنين عندما أمرهم بمعاملة الكافرين؛ فقال:{وقاتلوهم حتى لا تكونَ فتنةٌ}؛ أي:شركٌ وصدٌّ عن سبيل الله، ويذعنوا لأحكام الإسلام.{ويكونَ الدِّينُ كلُّه لله}: فهذا المقصود من القتال والجهاد لأعداء الدين: أن يُدْفَعَ شرُّهم عن الدين، وأن يُذَبَّ عن دين الله الذي خَلقَ الخلق له، حتى يكون هو العالي على سائر الأديان. {فإن انتهوا}: عن ما هم عليه من الظلم، {فإنَّ الله بما يعملون بصير}: لا تخفى عليه منهم خافيةٌ.
{40}{وإن تولَّوا}: عن الطاعة، وأوضعوا في الإضاعة، {فاعلموا أنَّ الله مولاكم نعم المولى}: الذي يتولَّى عباده المؤمنين، ويوصِلُ إليهم مصالحهم وييسِّر لهم منافعهم الدينيَّة والدنيويَّة. {ونعم النصيرُ}: الذي ينصُرُهم فيدفع عنهم كيدَ الفجَّار وتكالب الأشرار، ومَن كان الله مولاه وناصره؛ فلا خوفٌ عليه، ومَنْ كان الله عليه؛ فلا عزَّ له ولا قائمة له.
الأنفال 8:40
{38} هذا من لطفه تعالى بعباده؛ لا يمنعُهُ كفرُ العباد ولا استمرارُهم في العناد من أن يدعُوهم إلى طريق الرشاد والهدى وينهاهم عما يُهْلِكُهم من أسباب الغيِّ والرَّدى، فقال:{قل للذين كفروا إن يَنتَهوا}: عن كفرهم، وذلك بالإسلام لله وحده لا شريك له، {يُغۡفَرۡ لهم ما قد سَلَفَ}: منهم من الجرائم. {وإن يعودوا}: إلى كفرِهم وعنادهم، {فقد مضتۡ سُنَّةُ الأولين}: بإهلاك الأمم المكذِّبة؛ فلينتظروا ما حلَّ بالمعاندين؛ فسوف يأتيهم أنباءُ ما كانوا به يستهزئون. فهذا خطابُهُ للمكذِّبين.
{39} وأمَّا خطابه للمؤمنين عندما أمرهم بمعاملة الكافرين؛ فقال:{وقاتلوهم حتى لا تكونَ فتنةٌ}؛ أي:شركٌ وصدٌّ عن سبيل الله، ويذعنوا لأحكام الإسلام.{ويكونَ الدِّينُ كلُّه لله}: فهذا المقصود من القتال والجهاد لأعداء الدين: أن يُدْفَعَ شرُّهم عن الدين، وأن يُذَبَّ عن دين الله الذي خَلقَ الخلق له، حتى يكون هو العالي على سائر الأديان. {فإن انتهوا}: عن ما هم عليه من الظلم، {فإنَّ الله بما يعملون بصير}: لا تخفى عليه منهم خافيةٌ.
{40}{وإن تولَّوا}: عن الطاعة، وأوضعوا في الإضاعة، {فاعلموا أنَّ الله مولاكم نعم المولى}: الذي يتولَّى عباده المؤمنين، ويوصِلُ إليهم مصالحهم وييسِّر لهم منافعهم الدينيَّة والدنيويَّة. {ونعم النصيرُ}: الذي ينصُرُهم فيدفع عنهم كيدَ الفجَّار وتكالب الأشرار، ومَن كان الله مولاه وناصره؛ فلا خوفٌ عليه، ومَنْ كان الله عليه؛ فلا عزَّ له ولا قائمة له.
الأنفال 8:41
{41} يقول تعالى: {واعلموا أنَّما غنمتُم من شيءٍ}؛ أي: أخذتم من مال الكفار قهراً بحقٍّ قليلاً كان أو كثيراً، {فأنَّ لله خُمُسَه}؛ أي: وباقيه لكم أيها الغانمون؛ لأنه أضاف الغنيمة إليهم، وأخرج منها خمسها، فدلَّ على أن الباقي لهم، يُقسم على ما قسمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: للراجل سهمٌ، وللفارس سهمان لفرسه وسهم له، وأما هذا الخمس؛ فيقسم خمسة أسهم: سهمٌ لله ولرسوله يُصْرَف في مصالح المسلمين العامة من غير تعيين لمصلحة؛ لأنَّ الله جعله له ولرسوله، والله ورسوله غنيَّان عنه، فعُلِمَ أنه لعباد الله؛ فإذا لم يعيِّن الله له مصرفاً؛ دلَّ على أن مَصْرِفَه للمصالح العامة. والخمس الثاني: لذي القربى، وهم قرابة النبي - صلى الله عليه وسلم - من بني هاشم وبني المطلب، وأضافه الله إلى القرابة دليلاً على أنَّ العلة فيه مجرَّد القرابة، فيستوي فيه غنيُّهم وفقيرهم ذكرهم وأنثاهم. والخمس الثالث: لليتامى، وهم الذين فقدت آباؤهم وهم صغارٌ، جعل الله لهم خُمُسَ الخمس رحمةً بهم، حيث كانوا عاجزين عن القيام بمصالحهم، وقد فُقِدَ من يقوم بمصالحهم. والخمس الرابع: للمساكين؛ أي: المحتاجين الفقراء من صغار وكبار ذكور وإناث. والخمس الخامس: لابن السبيل، و [هو] الغريب المنقطَعُ به في غير بلده، وبعض المفسرين يقول: إن خمس الغنيمة لا يخرُجُ عن هذه الأصناف، ولا يلزم أن يكونوا فيه على السواء، بل ذلك تَبَعٌ للمصلحة، وهذا هو الأولى.
وجعل الله أداء الخُمُس على وجهه شرطاً للإيمان، فقال:{إن كُنتم آمنتُم بالله وما أنزلۡنا على عبدِنا يوم الفرقان}: وهو يوم بدرٍ، الذي فرَّق الله به بين الحقِّ والباطل، وأظهر الحقَّ وأبطل الباطل. {يوم التقى الجمعانِ}: جمع المسلمين وجمع الكافرين؛ أي: إن كان إيمانُكم بالله وبالحقِّ الذي أنزله الله على رسوله يوم الفرقان الذي حصل فيه من الآيات والبراهين ما دلَّ على أن ما جاء به هو الحقُّ. {والله على كلِّ شيء قدير}: لا يغالبه أحدٌ إلا غلبه.
{42}{إذ أنتم بالعُدۡوَةِ الدُّنيا}؛ أي: بعُدْوَة الوادي القريبة من المدينة. وهم بعدوته؛ أي: جانبه البعيدة من المدينة؛ فقد جمعكم وادٍ واحدٌ. {والركب}: الذي خرجتُم لطلبه، وأراد الله غيره {أسفلَ منكم}: مما يلي ساحل البحر. {ولو تواعدتُم}: أنتم وإيَّاهم على هذا الوصف وبهذه الحال، {لاختلفتُم في الميعادِ}؛ أي: لا بدَّ من تقدُّم أو تأخُّر أو اختيار منزل أو غير ذلك مما يعرض لكم أو لهم يصدُفُكم عن ميعادهم. ولكنَّ: اللهَ جمعكم على هذه الحال، {لِيَقۡضِيَ الله أمرا كان مفعولا}؛ أي: مقدراً في الأزل لا بدَّ من وقوعه. {لِيَهۡلِكَ مَنۡ هَلَكَ عن بيِّنة}؛ أي: ليكون حجَّة وبيَّنة للمعاند، فيختار الكفر على بصيرة وجزم ببطلانه، فلا يبقى له عذرٌ عند الله. {ويحيا مَنۡ حَيَّ عن بيِّنةٍ}؛ أي: يزداد المؤمن بصيرةً ويقيناً بما أرى الله الطائفتين من أدلَّة الحقِّ وبراهينه ما هو تذكرة لأولي الألباب. {وإن الله لسميعٌ عليمٌ}: سميعٌ لجميع الأصوات باختلاف اللُّغات على تفنُّن الحاجات، عليمٌ بالظواهر والضمائر والسرائر والغيب والشهادة.
الأنفال 8:42
{41} يقول تعالى: {واعلموا أنَّما غنمتُم من شيءٍ}؛ أي: أخذتم من مال الكفار قهراً بحقٍّ قليلاً كان أو كثيراً، {فأنَّ لله خُمُسَه}؛ أي: وباقيه لكم أيها الغانمون؛ لأنه أضاف الغنيمة إليهم، وأخرج منها خمسها، فدلَّ على أن الباقي لهم، يُقسم على ما قسمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: للراجل سهمٌ، وللفارس سهمان لفرسه وسهم له، وأما هذا الخمس؛ فيقسم خمسة أسهم: سهمٌ لله ولرسوله يُصْرَف في مصالح المسلمين العامة من غير تعيين لمصلحة؛ لأنَّ الله جعله له ولرسوله، والله ورسوله غنيَّان عنه، فعُلِمَ أنه لعباد الله؛ فإذا لم يعيِّن الله له مصرفاً؛ دلَّ على أن مَصْرِفَه للمصالح العامة. والخمس الثاني: لذي القربى، وهم قرابة النبي - صلى الله عليه وسلم - من بني هاشم وبني المطلب، وأضافه الله إلى القرابة دليلاً على أنَّ العلة فيه مجرَّد القرابة، فيستوي فيه غنيُّهم وفقيرهم ذكرهم وأنثاهم. والخمس الثالث: لليتامى، وهم الذين فقدت آباؤهم وهم صغارٌ، جعل الله لهم خُمُسَ الخمس رحمةً بهم، حيث كانوا عاجزين عن القيام بمصالحهم، وقد فُقِدَ من يقوم بمصالحهم. والخمس الرابع: للمساكين؛ أي: المحتاجين الفقراء من صغار وكبار ذكور وإناث. والخمس الخامس: لابن السبيل، و [هو] الغريب المنقطَعُ به في غير بلده، وبعض المفسرين يقول: إن خمس الغنيمة لا يخرُجُ عن هذه الأصناف، ولا يلزم أن يكونوا فيه على السواء، بل ذلك تَبَعٌ للمصلحة، وهذا هو الأولى.
وجعل الله أداء الخُمُس على وجهه شرطاً للإيمان، فقال:{إن كُنتم آمنتُم بالله وما أنزلۡنا على عبدِنا يوم الفرقان}: وهو يوم بدرٍ، الذي فرَّق الله به بين الحقِّ والباطل، وأظهر الحقَّ وأبطل الباطل. {يوم التقى الجمعانِ}: جمع المسلمين وجمع الكافرين؛ أي: إن كان إيمانُكم بالله وبالحقِّ الذي أنزله الله على رسوله يوم الفرقان الذي حصل فيه من الآيات والبراهين ما دلَّ على أن ما جاء به هو الحقُّ. {والله على كلِّ شيء قدير}: لا يغالبه أحدٌ إلا غلبه.
{42}{إذ أنتم بالعُدۡوَةِ الدُّنيا}؛ أي: بعُدْوَة الوادي القريبة من المدينة. وهم بعدوته؛ أي: جانبه البعيدة من المدينة؛ فقد جمعكم وادٍ واحدٌ. {والركب}: الذي خرجتُم لطلبه، وأراد الله غيره {أسفلَ منكم}: مما يلي ساحل البحر. {ولو تواعدتُم}: أنتم وإيَّاهم على هذا الوصف وبهذه الحال، {لاختلفتُم في الميعادِ}؛ أي: لا بدَّ من تقدُّم أو تأخُّر أو اختيار منزل أو غير ذلك مما يعرض لكم أو لهم يصدُفُكم عن ميعادهم. ولكنَّ: اللهَ جمعكم على هذه الحال، {لِيَقۡضِيَ الله أمرا كان مفعولا}؛ أي: مقدراً في الأزل لا بدَّ من وقوعه. {لِيَهۡلِكَ مَنۡ هَلَكَ عن بيِّنة}؛ أي: ليكون حجَّة وبيَّنة للمعاند، فيختار الكفر على بصيرة وجزم ببطلانه، فلا يبقى له عذرٌ عند الله. {ويحيا مَنۡ حَيَّ عن بيِّنةٍ}؛ أي: يزداد المؤمن بصيرةً ويقيناً بما أرى الله الطائفتين من أدلَّة الحقِّ وبراهينه ما هو تذكرة لأولي الألباب. {وإن الله لسميعٌ عليمٌ}: سميعٌ لجميع الأصوات باختلاف اللُّغات على تفنُّن الحاجات، عليمٌ بالظواهر والضمائر والسرائر والغيب والشهادة.
الأنفال 8:43
{43} وكان الله قد أرى رسولَه المشركين في الرؤيا العدو قليلاً، فبشَّر بذلك أصحابه، فاطمأنَّت قلوبُهم وثبتت أفئدتهم. {ولو أراكَهم اللهُ كثيراً}: فأخبرتَ بذلك أصحابك، {لَفَشِلۡتُم ولَتَنازَعۡتُم في الأمر}: فمنكم من يرى الإقدامَ على قتالهم ومنكم من لا يرى ذلك، والتنازع مما يوجب الفشل ، {ولكنَّ الله سلَّم}؛ أي: لطف بكم. {إنَّه عليمٌ بذات الصُّدور}؛ أي: بما فيها من ثبات وجَزَع وصدق وكذب، فعلم الله من قلوبكم ما صار سبباً للطفه وإحسانِهِ بكم وصدق رؤيا رسوله، فأرى الله المؤمنين عدوَّهم قليلاً في أعينهم، ويقلِّلكم يا معشر المؤمنين في أعينهم؛ فكلٌّ من الطائفتين ترى الأخرى قليلة؛ لِتُقْدِمَ كلٌّ منهما على الأخرى. {ليقضيَ اللهُ أمراً كان مفعولاً}: من نصر المؤمنين، وخذلان الكافرين، وقتل قادتهم ورؤساء الضلال منهم، ولم يَبْقَ منهم أحدٌ له اسم يذكر، فيتيسَّر بعد ذلك انقيادُهم إذا دُعوا إلى الإسلام، فصار أيضاً لطفاً بالباقين، الذين مَنَّ الله عليهم بالإسلام. {وإلى الله تُرۡجَعُ الأمور}؛ أي: جميع أمور الخلائق تَرْجِعُ إلى الله، فَيميزُ الخبيثَ من الطيب، ويحكمُ في الخلائق بحكمه العادل الذي لا جَوْر فيه ولا ظلم.
الأنفال 8:44
{43} وكان الله قد أرى رسولَه المشركين في الرؤيا العدو قليلاً، فبشَّر بذلك أصحابه، فاطمأنَّت قلوبُهم وثبتت أفئدتهم. {ولو أراكَهم اللهُ كثيراً}: فأخبرتَ بذلك أصحابك، {لَفَشِلۡتُم ولَتَنازَعۡتُم في الأمر}: فمنكم من يرى الإقدامَ على قتالهم ومنكم من لا يرى ذلك، والتنازع مما يوجب الفشل ، {ولكنَّ الله سلَّم}؛ أي: لطف بكم. {إنَّه عليمٌ بذات الصُّدور}؛ أي: بما فيها من ثبات وجَزَع وصدق وكذب، فعلم الله من قلوبكم ما صار سبباً للطفه وإحسانِهِ بكم وصدق رؤيا رسوله، فأرى الله المؤمنين عدوَّهم قليلاً في أعينهم، ويقلِّلكم يا معشر المؤمنين في أعينهم؛ فكلٌّ من الطائفتين ترى الأخرى قليلة؛ لِتُقْدِمَ كلٌّ منهما على الأخرى. {ليقضيَ اللهُ أمراً كان مفعولاً}: من نصر المؤمنين، وخذلان الكافرين، وقتل قادتهم ورؤساء الضلال منهم، ولم يَبْقَ منهم أحدٌ له اسم يذكر، فيتيسَّر بعد ذلك انقيادُهم إذا دُعوا إلى الإسلام، فصار أيضاً لطفاً بالباقين، الذين مَنَّ الله عليهم بالإسلام. {وإلى الله تُرۡجَعُ الأمور}؛ أي: جميع أمور الخلائق تَرْجِعُ إلى الله، فَيميزُ الخبيثَ من الطيب، ويحكمُ في الخلائق بحكمه العادل الذي لا جَوْر فيه ولا ظلم.
الأنفال 8:45
{45} يقول تعالى: {يا أيُّها الذين آمنوا إذا لَقيتُم فئةً}؛ أي: طائفة من الكفار تقاتلكم، {فاثبُتوا}: لقتالها، واستعمِلوا الصبر وحبس النفس على هذه الطاعة الكبيرة، التي عاقبتُها العزُّ والنصر، واستعينوا على ذلك بالإكثار من ذكر اللَّه. {لعلَّكم تفلحون}؛ أي: تدركون ما تطلبون من الانتصار على أعدائكم؛ فالصبرُ والثبات والإكثار من ذِكْر الله من أكبر الأسباب للنصر.
{46}{وأطيعوا الله ورسوله}: في استعمال ما أمرا به والمشي خلف ذلك في جميع الأحوال، {ولا تنازعوا}: تنازعاً يوجِبُ تشتُت القلوب وتفرقها، {فتفشلوا}؛ أي: تجبُنوا، {وتذهبَ ريحُكم}؛ أي: تنحلُّ عزائمكم وتُفرَّقُ قوتكم ويُرْفَعُ ما وُعِدتم به من النصر على طاعة الله ورسوله، {واصبروا}: نفوسَكم على طاعة الله. {إنَّ الله مع الصابرين}: بالعون والنصر والتأييد.
{47} واخشعوا لربكم واخضعوا له، {ولا تكونوا كالذين خَرَجوا من ديارهم بطراً ورِئاءَ الناس ويصدُّون عن سبيل الله}؛ أي: هذا مقصدهم الذي خرجوا إليه، وهذا الذي أبرزهم من ديارِهم؛ لقصدِ الأشَرِ والبطر في الأرض، وليراهم الناس ويفخروا لديهم، والمقصود الأعظم أنهم خرجوا ليصدُّوا عن سبيل الله من أراد سلوكه. {والله بما يعملون محيطٌ}: فلذلك أخبركم بمقاصدهم، وحذَّركم أن تشبَّهوا بهم؛ فإنه سيعاقبهم على ذلك أشدَّ العقوبة، فليكنْ قصدُكم في خروجكم وجهَ الله تعالى، وإعلاء دين الله، والصدَّ عن الطرق الموصلة إلى سَخَطِ الله وعقابِهِ، وجَذْبَ الناس إلى سبيل الله القويم الموصل لجنات النعيم.
{48}{وإذ زيَّنَ لهم الشيطان أعمالهم}: حسَّنها في قلوبهم [وخدعهم]، {وقال لا غالبَ لكمُ اليومَ من الناس}: فإنكم في عَدَدٍ وعُدَدٍ وهيئةٍ لا يقاومكم فيها محمدٌ ومن معه. {وإني جارٌ لكم}: من أن يأتيكم أحدٌ ممَّن تخشون غائلته؛ لأنَّ إبليس قد تبدَّى لقريش في صورة سراقة بن مالك بن جُعْشُم المدلجي، وكانوا يخافون من بني مدلج لعداوةٍ كانت بينهم، فقال لهم الشيطان: أنا جارٌ لكم! فاطمأنت نفوسُهم وأتوا على حَرْدٍ قادرينَ. فلما {تراءتِ الفئتان}: المسلمون والكافرون، فرأى الشيطان جبريلَ عليه السلام يَزَع الملائكة؛ خاف خوفاً شديداً، {ونكص على عقبيه}؛ أي: ولى مدبراً، {وقال}: لمن خدعهم وغرهم: {إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون}؛ أي: أرى الملائكة الذين لا يدان لأحد بقتالهم؛ {إني أخاف الله}؛ أي: أخاف أن يعاجِلَني بالعقوبة في الدنيا، {والله شديد العقاب}.
ومن المحتمل أن يكون الشيطان [قد] سوَّلَ لهم، ووسوس في صدورهم أنَّه لا غالبَ لهم اليوم من الناس وأنَّه جار لهم، فلما أوردهم موارِدَهم؛ نكص عنهم، وتبرَّأ منهم؛ كما قال تعالى:{كَمَثَل الشيطان إذۡ قال للإنسانِ اكفُرۡ فلمَّا كَفَرَ قال إنِّي بريءٌ منك إني أخافُ اللهَ ربَّ العالمين فكانَ عاقِبَتَهُما أنَّهما في النارِ خالِدَيۡن فيها وذلك جزاء الظالمين}.
{49}{إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرضٌ}؛ أي: شكٌّ وشبهةٌ من ضعفاء الإيمان للمؤمنين حين أقدموا مع قلَّتهم على قتال المشركين مع كثرتهم: {غرَّ هؤلاء دينُهم}؛ أي: أوردهم الدينُ الذي هم عليه هذه الموارد التي لا يدان لهم بها ولا استطاعةَ لهم بها، يقولونه احتقاراً لهم واستخفافاً لعقولهم، وهم والله الأخفاءُ عقولاً الضعفاءُ أحلاماً؛ فإنَّ الإيمان يوجبُ لصاحبه الإقدام على الأمور الهائلةِ التي لا يقدِمُ عليها الجيوش العظام؛ فإنَّ المؤمن المتوكِّل على الله الذي يعلم أنه ما من حولٍ ولا قوةٍ ولا استطاعةٍ لأحدٍ إلا بالله تعالى، وأنَّ الخلق لو اجتمعوا كلُّهم على نفع شخص بمثقال ذرَّةٍ؛ لم ينفعوه، ولو اجتمعوا على أن يضرُّوه؛ لم يضرُّوه؛ إلا بشيءٍ قد كتبه الله عليه، وعلم أنَّه على الحقِّ، وأن الله تعالى حكيمٌ رحيمٌ في كلِّ ما قدَّره وقضاه؛ فإنَّه لا يبالي بما أقدم عليه من قوَّةٍ وكثرةٍ، وكان واثقاً بربِّه مطمئن القلب لا فزعاً ولا جباناً، ولهذا قال:{ومن يتوكَّلۡ على الله فإنَّ الله عزيزٌ}: لا يغالِبُ قوتَه قوةٌ. {حكيمٌ}: فيما قضاه وأجراه.
الأنفال 8:46
{45} يقول تعالى: {يا أيُّها الذين آمنوا إذا لَقيتُم فئةً}؛ أي: طائفة من الكفار تقاتلكم، {فاثبُتوا}: لقتالها، واستعمِلوا الصبر وحبس النفس على هذه الطاعة الكبيرة، التي عاقبتُها العزُّ والنصر، واستعينوا على ذلك بالإكثار من ذكر اللَّه. {لعلَّكم تفلحون}؛ أي: تدركون ما تطلبون من الانتصار على أعدائكم؛ فالصبرُ والثبات والإكثار من ذِكْر الله من أكبر الأسباب للنصر.
{46}{وأطيعوا الله ورسوله}: في استعمال ما أمرا به والمشي خلف ذلك في جميع الأحوال، {ولا تنازعوا}: تنازعاً يوجِبُ تشتُت القلوب وتفرقها، {فتفشلوا}؛ أي: تجبُنوا، {وتذهبَ ريحُكم}؛ أي: تنحلُّ عزائمكم وتُفرَّقُ قوتكم ويُرْفَعُ ما وُعِدتم به من النصر على طاعة الله ورسوله، {واصبروا}: نفوسَكم على طاعة الله. {إنَّ الله مع الصابرين}: بالعون والنصر والتأييد.
{47} واخشعوا لربكم واخضعوا له، {ولا تكونوا كالذين خَرَجوا من ديارهم بطراً ورِئاءَ الناس ويصدُّون عن سبيل الله}؛ أي: هذا مقصدهم الذي خرجوا إليه، وهذا الذي أبرزهم من ديارِهم؛ لقصدِ الأشَرِ والبطر في الأرض، وليراهم الناس ويفخروا لديهم، والمقصود الأعظم أنهم خرجوا ليصدُّوا عن سبيل الله من أراد سلوكه. {والله بما يعملون محيطٌ}: فلذلك أخبركم بمقاصدهم، وحذَّركم أن تشبَّهوا بهم؛ فإنه سيعاقبهم على ذلك أشدَّ العقوبة، فليكنْ قصدُكم في خروجكم وجهَ الله تعالى، وإعلاء دين الله، والصدَّ عن الطرق الموصلة إلى سَخَطِ الله وعقابِهِ، وجَذْبَ الناس إلى سبيل الله القويم الموصل لجنات النعيم.
{48}{وإذ زيَّنَ لهم الشيطان أعمالهم}: حسَّنها في قلوبهم [وخدعهم]، {وقال لا غالبَ لكمُ اليومَ من الناس}: فإنكم في عَدَدٍ وعُدَدٍ وهيئةٍ لا يقاومكم فيها محمدٌ ومن معه. {وإني جارٌ لكم}: من أن يأتيكم أحدٌ ممَّن تخشون غائلته؛ لأنَّ إبليس قد تبدَّى لقريش في صورة سراقة بن مالك بن جُعْشُم المدلجي، وكانوا يخافون من بني مدلج لعداوةٍ كانت بينهم، فقال لهم الشيطان: أنا جارٌ لكم! فاطمأنت نفوسُهم وأتوا على حَرْدٍ قادرينَ. فلما {تراءتِ الفئتان}: المسلمون والكافرون، فرأى الشيطان جبريلَ عليه السلام يَزَع الملائكة؛ خاف خوفاً شديداً، {ونكص على عقبيه}؛ أي: ولى مدبراً، {وقال}: لمن خدعهم وغرهم: {إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون}؛ أي: أرى الملائكة الذين لا يدان لأحد بقتالهم؛ {إني أخاف الله}؛ أي: أخاف أن يعاجِلَني بالعقوبة في الدنيا، {والله شديد العقاب}.
ومن المحتمل أن يكون الشيطان [قد] سوَّلَ لهم، ووسوس في صدورهم أنَّه لا غالبَ لهم اليوم من الناس وأنَّه جار لهم، فلما أوردهم موارِدَهم؛ نكص عنهم، وتبرَّأ منهم؛ كما قال تعالى:{كَمَثَل الشيطان إذۡ قال للإنسانِ اكفُرۡ فلمَّا كَفَرَ قال إنِّي بريءٌ منك إني أخافُ اللهَ ربَّ العالمين فكانَ عاقِبَتَهُما أنَّهما في النارِ خالِدَيۡن فيها وذلك جزاء الظالمين}.
{49}{إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرضٌ}؛ أي: شكٌّ وشبهةٌ من ضعفاء الإيمان للمؤمنين حين أقدموا مع قلَّتهم على قتال المشركين مع كثرتهم: {غرَّ هؤلاء دينُهم}؛ أي: أوردهم الدينُ الذي هم عليه هذه الموارد التي لا يدان لهم بها ولا استطاعةَ لهم بها، يقولونه احتقاراً لهم واستخفافاً لعقولهم، وهم والله الأخفاءُ عقولاً الضعفاءُ أحلاماً؛ فإنَّ الإيمان يوجبُ لصاحبه الإقدام على الأمور الهائلةِ التي لا يقدِمُ عليها الجيوش العظام؛ فإنَّ المؤمن المتوكِّل على الله الذي يعلم أنه ما من حولٍ ولا قوةٍ ولا استطاعةٍ لأحدٍ إلا بالله تعالى، وأنَّ الخلق لو اجتمعوا كلُّهم على نفع شخص بمثقال ذرَّةٍ؛ لم ينفعوه، ولو اجتمعوا على أن يضرُّوه؛ لم يضرُّوه؛ إلا بشيءٍ قد كتبه الله عليه، وعلم أنَّه على الحقِّ، وأن الله تعالى حكيمٌ رحيمٌ في كلِّ ما قدَّره وقضاه؛ فإنَّه لا يبالي بما أقدم عليه من قوَّةٍ وكثرةٍ، وكان واثقاً بربِّه مطمئن القلب لا فزعاً ولا جباناً، ولهذا قال:{ومن يتوكَّلۡ على الله فإنَّ الله عزيزٌ}: لا يغالِبُ قوتَه قوةٌ. {حكيمٌ}: فيما قضاه وأجراه.
الأنفال 8:47
{45} يقول تعالى: {يا أيُّها الذين آمنوا إذا لَقيتُم فئةً}؛ أي: طائفة من الكفار تقاتلكم، {فاثبُتوا}: لقتالها، واستعمِلوا الصبر وحبس النفس على هذه الطاعة الكبيرة، التي عاقبتُها العزُّ والنصر، واستعينوا على ذلك بالإكثار من ذكر اللَّه. {لعلَّكم تفلحون}؛ أي: تدركون ما تطلبون من الانتصار على أعدائكم؛ فالصبرُ والثبات والإكثار من ذِكْر الله من أكبر الأسباب للنصر.
{46}{وأطيعوا الله ورسوله}: في استعمال ما أمرا به والمشي خلف ذلك في جميع الأحوال، {ولا تنازعوا}: تنازعاً يوجِبُ تشتُت القلوب وتفرقها، {فتفشلوا}؛ أي: تجبُنوا، {وتذهبَ ريحُكم}؛ أي: تنحلُّ عزائمكم وتُفرَّقُ قوتكم ويُرْفَعُ ما وُعِدتم به من النصر على طاعة الله ورسوله، {واصبروا}: نفوسَكم على طاعة الله. {إنَّ الله مع الصابرين}: بالعون والنصر والتأييد.
{47} واخشعوا لربكم واخضعوا له، {ولا تكونوا كالذين خَرَجوا من ديارهم بطراً ورِئاءَ الناس ويصدُّون عن سبيل الله}؛ أي: هذا مقصدهم الذي خرجوا إليه، وهذا الذي أبرزهم من ديارِهم؛ لقصدِ الأشَرِ والبطر في الأرض، وليراهم الناس ويفخروا لديهم، والمقصود الأعظم أنهم خرجوا ليصدُّوا عن سبيل الله من أراد سلوكه. {والله بما يعملون محيطٌ}: فلذلك أخبركم بمقاصدهم، وحذَّركم أن تشبَّهوا بهم؛ فإنه سيعاقبهم على ذلك أشدَّ العقوبة، فليكنْ قصدُكم في خروجكم وجهَ الله تعالى، وإعلاء دين الله، والصدَّ عن الطرق الموصلة إلى سَخَطِ الله وعقابِهِ، وجَذْبَ الناس إلى سبيل الله القويم الموصل لجنات النعيم.
{48}{وإذ زيَّنَ لهم الشيطان أعمالهم}: حسَّنها في قلوبهم [وخدعهم]، {وقال لا غالبَ لكمُ اليومَ من الناس}: فإنكم في عَدَدٍ وعُدَدٍ وهيئةٍ لا يقاومكم فيها محمدٌ ومن معه. {وإني جارٌ لكم}: من أن يأتيكم أحدٌ ممَّن تخشون غائلته؛ لأنَّ إبليس قد تبدَّى لقريش في صورة سراقة بن مالك بن جُعْشُم المدلجي، وكانوا يخافون من بني مدلج لعداوةٍ كانت بينهم، فقال لهم الشيطان: أنا جارٌ لكم! فاطمأنت نفوسُهم وأتوا على حَرْدٍ قادرينَ. فلما {تراءتِ الفئتان}: المسلمون والكافرون، فرأى الشيطان جبريلَ عليه السلام يَزَع الملائكة؛ خاف خوفاً شديداً، {ونكص على عقبيه}؛ أي: ولى مدبراً، {وقال}: لمن خدعهم وغرهم: {إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون}؛ أي: أرى الملائكة الذين لا يدان لأحد بقتالهم؛ {إني أخاف الله}؛ أي: أخاف أن يعاجِلَني بالعقوبة في الدنيا، {والله شديد العقاب}.
ومن المحتمل أن يكون الشيطان [قد] سوَّلَ لهم، ووسوس في صدورهم أنَّه لا غالبَ لهم اليوم من الناس وأنَّه جار لهم، فلما أوردهم موارِدَهم؛ نكص عنهم، وتبرَّأ منهم؛ كما قال تعالى:{كَمَثَل الشيطان إذۡ قال للإنسانِ اكفُرۡ فلمَّا كَفَرَ قال إنِّي بريءٌ منك إني أخافُ اللهَ ربَّ العالمين فكانَ عاقِبَتَهُما أنَّهما في النارِ خالِدَيۡن فيها وذلك جزاء الظالمين}.
{49}{إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرضٌ}؛ أي: شكٌّ وشبهةٌ من ضعفاء الإيمان للمؤمنين حين أقدموا مع قلَّتهم على قتال المشركين مع كثرتهم: {غرَّ هؤلاء دينُهم}؛ أي: أوردهم الدينُ الذي هم عليه هذه الموارد التي لا يدان لهم بها ولا استطاعةَ لهم بها، يقولونه احتقاراً لهم واستخفافاً لعقولهم، وهم والله الأخفاءُ عقولاً الضعفاءُ أحلاماً؛ فإنَّ الإيمان يوجبُ لصاحبه الإقدام على الأمور الهائلةِ التي لا يقدِمُ عليها الجيوش العظام؛ فإنَّ المؤمن المتوكِّل على الله الذي يعلم أنه ما من حولٍ ولا قوةٍ ولا استطاعةٍ لأحدٍ إلا بالله تعالى، وأنَّ الخلق لو اجتمعوا كلُّهم على نفع شخص بمثقال ذرَّةٍ؛ لم ينفعوه، ولو اجتمعوا على أن يضرُّوه؛ لم يضرُّوه؛ إلا بشيءٍ قد كتبه الله عليه، وعلم أنَّه على الحقِّ، وأن الله تعالى حكيمٌ رحيمٌ في كلِّ ما قدَّره وقضاه؛ فإنَّه لا يبالي بما أقدم عليه من قوَّةٍ وكثرةٍ، وكان واثقاً بربِّه مطمئن القلب لا فزعاً ولا جباناً، ولهذا قال:{ومن يتوكَّلۡ على الله فإنَّ الله عزيزٌ}: لا يغالِبُ قوتَه قوةٌ. {حكيمٌ}: فيما قضاه وأجراه.
الأنفال 8:48
{45} يقول تعالى: {يا أيُّها الذين آمنوا إذا لَقيتُم فئةً}؛ أي: طائفة من الكفار تقاتلكم، {فاثبُتوا}: لقتالها، واستعمِلوا الصبر وحبس النفس على هذه الطاعة الكبيرة، التي عاقبتُها العزُّ والنصر، واستعينوا على ذلك بالإكثار من ذكر اللَّه. {لعلَّكم تفلحون}؛ أي: تدركون ما تطلبون من الانتصار على أعدائكم؛ فالصبرُ والثبات والإكثار من ذِكْر الله من أكبر الأسباب للنصر.
{46}{وأطيعوا الله ورسوله}: في استعمال ما أمرا به والمشي خلف ذلك في جميع الأحوال، {ولا تنازعوا}: تنازعاً يوجِبُ تشتُت القلوب وتفرقها، {فتفشلوا}؛ أي: تجبُنوا، {وتذهبَ ريحُكم}؛ أي: تنحلُّ عزائمكم وتُفرَّقُ قوتكم ويُرْفَعُ ما وُعِدتم به من النصر على طاعة الله ورسوله، {واصبروا}: نفوسَكم على طاعة الله. {إنَّ الله مع الصابرين}: بالعون والنصر والتأييد.
{47} واخشعوا لربكم واخضعوا له، {ولا تكونوا كالذين خَرَجوا من ديارهم بطراً ورِئاءَ الناس ويصدُّون عن سبيل الله}؛ أي: هذا مقصدهم الذي خرجوا إليه، وهذا الذي أبرزهم من ديارِهم؛ لقصدِ الأشَرِ والبطر في الأرض، وليراهم الناس ويفخروا لديهم، والمقصود الأعظم أنهم خرجوا ليصدُّوا عن سبيل الله من أراد سلوكه. {والله بما يعملون محيطٌ}: فلذلك أخبركم بمقاصدهم، وحذَّركم أن تشبَّهوا بهم؛ فإنه سيعاقبهم على ذلك أشدَّ العقوبة، فليكنْ قصدُكم في خروجكم وجهَ الله تعالى، وإعلاء دين الله، والصدَّ عن الطرق الموصلة إلى سَخَطِ الله وعقابِهِ، وجَذْبَ الناس إلى سبيل الله القويم الموصل لجنات النعيم.
{48}{وإذ زيَّنَ لهم الشيطان أعمالهم}: حسَّنها في قلوبهم [وخدعهم]، {وقال لا غالبَ لكمُ اليومَ من الناس}: فإنكم في عَدَدٍ وعُدَدٍ وهيئةٍ لا يقاومكم فيها محمدٌ ومن معه. {وإني جارٌ لكم}: من أن يأتيكم أحدٌ ممَّن تخشون غائلته؛ لأنَّ إبليس قد تبدَّى لقريش في صورة سراقة بن مالك بن جُعْشُم المدلجي، وكانوا يخافون من بني مدلج لعداوةٍ كانت بينهم، فقال لهم الشيطان: أنا جارٌ لكم! فاطمأنت نفوسُهم وأتوا على حَرْدٍ قادرينَ. فلما {تراءتِ الفئتان}: المسلمون والكافرون، فرأى الشيطان جبريلَ عليه السلام يَزَع الملائكة؛ خاف خوفاً شديداً، {ونكص على عقبيه}؛ أي: ولى مدبراً، {وقال}: لمن خدعهم وغرهم: {إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون}؛ أي: أرى الملائكة الذين لا يدان لأحد بقتالهم؛ {إني أخاف الله}؛ أي: أخاف أن يعاجِلَني بالعقوبة في الدنيا، {والله شديد العقاب}.
ومن المحتمل أن يكون الشيطان [قد] سوَّلَ لهم، ووسوس في صدورهم أنَّه لا غالبَ لهم اليوم من الناس وأنَّه جار لهم، فلما أوردهم موارِدَهم؛ نكص عنهم، وتبرَّأ منهم؛ كما قال تعالى:{كَمَثَل الشيطان إذۡ قال للإنسانِ اكفُرۡ فلمَّا كَفَرَ قال إنِّي بريءٌ منك إني أخافُ اللهَ ربَّ العالمين فكانَ عاقِبَتَهُما أنَّهما في النارِ خالِدَيۡن فيها وذلك جزاء الظالمين}.
{49}{إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرضٌ}؛ أي: شكٌّ وشبهةٌ من ضعفاء الإيمان للمؤمنين حين أقدموا مع قلَّتهم على قتال المشركين مع كثرتهم: {غرَّ هؤلاء دينُهم}؛ أي: أوردهم الدينُ الذي هم عليه هذه الموارد التي لا يدان لهم بها ولا استطاعةَ لهم بها، يقولونه احتقاراً لهم واستخفافاً لعقولهم، وهم والله الأخفاءُ عقولاً الضعفاءُ أحلاماً؛ فإنَّ الإيمان يوجبُ لصاحبه الإقدام على الأمور الهائلةِ التي لا يقدِمُ عليها الجيوش العظام؛ فإنَّ المؤمن المتوكِّل على الله الذي يعلم أنه ما من حولٍ ولا قوةٍ ولا استطاعةٍ لأحدٍ إلا بالله تعالى، وأنَّ الخلق لو اجتمعوا كلُّهم على نفع شخص بمثقال ذرَّةٍ؛ لم ينفعوه، ولو اجتمعوا على أن يضرُّوه؛ لم يضرُّوه؛ إلا بشيءٍ قد كتبه الله عليه، وعلم أنَّه على الحقِّ، وأن الله تعالى حكيمٌ رحيمٌ في كلِّ ما قدَّره وقضاه؛ فإنَّه لا يبالي بما أقدم عليه من قوَّةٍ وكثرةٍ، وكان واثقاً بربِّه مطمئن القلب لا فزعاً ولا جباناً، ولهذا قال:{ومن يتوكَّلۡ على الله فإنَّ الله عزيزٌ}: لا يغالِبُ قوتَه قوةٌ. {حكيمٌ}: فيما قضاه وأجراه.
الأنفال 8:49
{45} يقول تعالى: {يا أيُّها الذين آمنوا إذا لَقيتُم فئةً}؛ أي: طائفة من الكفار تقاتلكم، {فاثبُتوا}: لقتالها، واستعمِلوا الصبر وحبس النفس على هذه الطاعة الكبيرة، التي عاقبتُها العزُّ والنصر، واستعينوا على ذلك بالإكثار من ذكر اللَّه. {لعلَّكم تفلحون}؛ أي: تدركون ما تطلبون من الانتصار على أعدائكم؛ فالصبرُ والثبات والإكثار من ذِكْر الله من أكبر الأسباب للنصر.
{46}{وأطيعوا الله ورسوله}: في استعمال ما أمرا به والمشي خلف ذلك في جميع الأحوال، {ولا تنازعوا}: تنازعاً يوجِبُ تشتُت القلوب وتفرقها، {فتفشلوا}؛ أي: تجبُنوا، {وتذهبَ ريحُكم}؛ أي: تنحلُّ عزائمكم وتُفرَّقُ قوتكم ويُرْفَعُ ما وُعِدتم به من النصر على طاعة الله ورسوله، {واصبروا}: نفوسَكم على طاعة الله. {إنَّ الله مع الصابرين}: بالعون والنصر والتأييد.
{47} واخشعوا لربكم واخضعوا له، {ولا تكونوا كالذين خَرَجوا من ديارهم بطراً ورِئاءَ الناس ويصدُّون عن سبيل الله}؛ أي: هذا مقصدهم الذي خرجوا إليه، وهذا الذي أبرزهم من ديارِهم؛ لقصدِ الأشَرِ والبطر في الأرض، وليراهم الناس ويفخروا لديهم، والمقصود الأعظم أنهم خرجوا ليصدُّوا عن سبيل الله من أراد سلوكه. {والله بما يعملون محيطٌ}: فلذلك أخبركم بمقاصدهم، وحذَّركم أن تشبَّهوا بهم؛ فإنه سيعاقبهم على ذلك أشدَّ العقوبة، فليكنْ قصدُكم في خروجكم وجهَ الله تعالى، وإعلاء دين الله، والصدَّ عن الطرق الموصلة إلى سَخَطِ الله وعقابِهِ، وجَذْبَ الناس إلى سبيل الله القويم الموصل لجنات النعيم.
{48}{وإذ زيَّنَ لهم الشيطان أعمالهم}: حسَّنها في قلوبهم [وخدعهم]، {وقال لا غالبَ لكمُ اليومَ من الناس}: فإنكم في عَدَدٍ وعُدَدٍ وهيئةٍ لا يقاومكم فيها محمدٌ ومن معه. {وإني جارٌ لكم}: من أن يأتيكم أحدٌ ممَّن تخشون غائلته؛ لأنَّ إبليس قد تبدَّى لقريش في صورة سراقة بن مالك بن جُعْشُم المدلجي، وكانوا يخافون من بني مدلج لعداوةٍ كانت بينهم، فقال لهم الشيطان: أنا جارٌ لكم! فاطمأنت نفوسُهم وأتوا على حَرْدٍ قادرينَ. فلما {تراءتِ الفئتان}: المسلمون والكافرون، فرأى الشيطان جبريلَ عليه السلام يَزَع الملائكة؛ خاف خوفاً شديداً، {ونكص على عقبيه}؛ أي: ولى مدبراً، {وقال}: لمن خدعهم وغرهم: {إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون}؛ أي: أرى الملائكة الذين لا يدان لأحد بقتالهم؛ {إني أخاف الله}؛ أي: أخاف أن يعاجِلَني بالعقوبة في الدنيا، {والله شديد العقاب}.
ومن المحتمل أن يكون الشيطان [قد] سوَّلَ لهم، ووسوس في صدورهم أنَّه لا غالبَ لهم اليوم من الناس وأنَّه جار لهم، فلما أوردهم موارِدَهم؛ نكص عنهم، وتبرَّأ منهم؛ كما قال تعالى:{كَمَثَل الشيطان إذۡ قال للإنسانِ اكفُرۡ فلمَّا كَفَرَ قال إنِّي بريءٌ منك إني أخافُ اللهَ ربَّ العالمين فكانَ عاقِبَتَهُما أنَّهما في النارِ خالِدَيۡن فيها وذلك جزاء الظالمين}.
{49}{إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرضٌ}؛ أي: شكٌّ وشبهةٌ من ضعفاء الإيمان للمؤمنين حين أقدموا مع قلَّتهم على قتال المشركين مع كثرتهم: {غرَّ هؤلاء دينُهم}؛ أي: أوردهم الدينُ الذي هم عليه هذه الموارد التي لا يدان لهم بها ولا استطاعةَ لهم بها، يقولونه احتقاراً لهم واستخفافاً لعقولهم، وهم والله الأخفاءُ عقولاً الضعفاءُ أحلاماً؛ فإنَّ الإيمان يوجبُ لصاحبه الإقدام على الأمور الهائلةِ التي لا يقدِمُ عليها الجيوش العظام؛ فإنَّ المؤمن المتوكِّل على الله الذي يعلم أنه ما من حولٍ ولا قوةٍ ولا استطاعةٍ لأحدٍ إلا بالله تعالى، وأنَّ الخلق لو اجتمعوا كلُّهم على نفع شخص بمثقال ذرَّةٍ؛ لم ينفعوه، ولو اجتمعوا على أن يضرُّوه؛ لم يضرُّوه؛ إلا بشيءٍ قد كتبه الله عليه، وعلم أنَّه على الحقِّ، وأن الله تعالى حكيمٌ رحيمٌ في كلِّ ما قدَّره وقضاه؛ فإنَّه لا يبالي بما أقدم عليه من قوَّةٍ وكثرةٍ، وكان واثقاً بربِّه مطمئن القلب لا فزعاً ولا جباناً، ولهذا قال:{ومن يتوكَّلۡ على الله فإنَّ الله عزيزٌ}: لا يغالِبُ قوتَه قوةٌ. {حكيمٌ}: فيما قضاه وأجراه.
الأنفال 8:50
{50} يقول تعالى: {ولو ترى}: الذين كفروا بآيات الله حين توفَّاهم الملائكةُ الموكلون بقبض أرواحهم وقد اشتد بهم القلق وعظم كربهم والملائكة {يضرِبون وجوهَهم وأدبارَهم}: يقولون لهم: أخرجوا أنفسكم! ونفوسُهم متمنِّعة متعصِّية على الخروج؛ لعلمها ما أمامها من العذاب الأليم. ولهذا قال:{وذوقوا عذابَ الحريق}؛ أي: العذاب الشديد المحرق.
{51} ذلك العذاب حصل لكم غير ظلم ولا جور من ربكم، وإنما هو بما قدَّمت أيديكم من المعاصي التي أثرت لكم ما أثرت.
{52} وهذه سنة الله في الأولين والآخرين؛ فإنَّ دأب هؤلاء المكذِّبين؛ أي: سنتهم وما أجرى اللَّه عليهم من الهلاك بذنوبهم، {كدأب آل فرعون والذين من قبلهم}: من الأمم المكذبة، {كفروا بآياتِ الله فأخَذَهم الله}: بالعقاب {بذنوبهم إنَّ الله قويٌّ شديد العقاب}: لا يعجِزُه أحدٌ يريد أخذه. {ما من دابَّةٍ إلا هو آخذٌ بناصيتها}.
الأنفال 8:51
{50} يقول تعالى: {ولو ترى}: الذين كفروا بآيات الله حين توفَّاهم الملائكةُ الموكلون بقبض أرواحهم وقد اشتد بهم القلق وعظم كربهم والملائكة {يضرِبون وجوهَهم وأدبارَهم}: يقولون لهم: أخرجوا أنفسكم! ونفوسُهم متمنِّعة متعصِّية على الخروج؛ لعلمها ما أمامها من العذاب الأليم. ولهذا قال:{وذوقوا عذابَ الحريق}؛ أي: العذاب الشديد المحرق.
{51} ذلك العذاب حصل لكم غير ظلم ولا جور من ربكم، وإنما هو بما قدَّمت أيديكم من المعاصي التي أثرت لكم ما أثرت.
{52} وهذه سنة الله في الأولين والآخرين؛ فإنَّ دأب هؤلاء المكذِّبين؛ أي: سنتهم وما أجرى اللَّه عليهم من الهلاك بذنوبهم، {كدأب آل فرعون والذين من قبلهم}: من الأمم المكذبة، {كفروا بآياتِ الله فأخَذَهم الله}: بالعقاب {بذنوبهم إنَّ الله قويٌّ شديد العقاب}: لا يعجِزُه أحدٌ يريد أخذه. {ما من دابَّةٍ إلا هو آخذٌ بناصيتها}.
الأنفال 8:52
{50} يقول تعالى: {ولو ترى}: الذين كفروا بآيات الله حين توفَّاهم الملائكةُ الموكلون بقبض أرواحهم وقد اشتد بهم القلق وعظم كربهم والملائكة {يضرِبون وجوهَهم وأدبارَهم}: يقولون لهم: أخرجوا أنفسكم! ونفوسُهم متمنِّعة متعصِّية على الخروج؛ لعلمها ما أمامها من العذاب الأليم. ولهذا قال:{وذوقوا عذابَ الحريق}؛ أي: العذاب الشديد المحرق.
{51} ذلك العذاب حصل لكم غير ظلم ولا جور من ربكم، وإنما هو بما قدَّمت أيديكم من المعاصي التي أثرت لكم ما أثرت.
{52} وهذه سنة الله في الأولين والآخرين؛ فإنَّ دأب هؤلاء المكذِّبين؛ أي: سنتهم وما أجرى اللَّه عليهم من الهلاك بذنوبهم، {كدأب آل فرعون والذين من قبلهم}: من الأمم المكذبة، {كفروا بآياتِ الله فأخَذَهم الله}: بالعقاب {بذنوبهم إنَّ الله قويٌّ شديد العقاب}: لا يعجِزُه أحدٌ يريد أخذه. {ما من دابَّةٍ إلا هو آخذٌ بناصيتها}.
الأنفال 8:53
{53}{ذلك}: العذاب الذي أوقعه الله بالأمم المكذِّبة وأزال عنهم ما هم فيه من النِّعم والنعيم بسبب ذنوبهم وتغييرهم ما بأنفسهم، فإنَّ {الله لم يكن مغيِّراً نعمةً أنعمها على قوم}: من نعم الدِّين والدُّنيا، بل يبقيها ويزيدُهم منها إن ازدادوا له شكراً، {حتى يغيِّروا ما بأنفسهم}: من الطاعة إلى المعصية، فيكفروا نعمة الله، ويبدِّلوا بها كفراً، فيسلُبُهم إيَّاها ويغيِّرها عليهم كما غيروا ما بأنفسهم، ولله الحكمة في ذلك والعدل والإحسان إلى عباده ؛ حيث لم يعاقبهم إلاَّ بظُلمهم، وحيث جَذَبَ قلوب أوليائه إليه بما يذيقُ العباد من النَّكال إذا خالفوا أمره. {وأنَّ الله سميعٌ عليمٌ}: يسمع جميعَ ما نطق به الناطقون، سواءٌ من أسرَّ القول ومن جهر به. ويعلم ما تنطوي عليه الضمائرُ وتخفيه السرائرُ، فيُجري على عباده من الأقدار ما اقتضاه علمُهُ، وجرت به مشيئتُهُ.
{54}{كدأب آل فرعون}؛ أي: فرعون وقومه، {والذين من قبلهم كذَّبوا بآيات ربِّهم}: حين جاءتهم، {فأهۡلَكۡناهم بذُنوبهم}: كل بحسب جرمه، {وأغۡرَقنا آلَ فرعون وكلٌّ}: من المهلَكين المعذَّبين {كانوا ظالمين}: لأنفسهم ساعين في هلاكها، لم يظلمْهُمُ الله ولا أخَذَهم بغير جُرم اقترفوه؛ فليحذرِ المخاطَبون أن يشابهوهم في الظلم، فيُحِلَّ الله بهم من عقابه ما أحلَّ بأولئك الفاسقين.
الأنفال 8:54
{53}{ذلك}: العذاب الذي أوقعه الله بالأمم المكذِّبة وأزال عنهم ما هم فيه من النِّعم والنعيم بسبب ذنوبهم وتغييرهم ما بأنفسهم، فإنَّ {الله لم يكن مغيِّراً نعمةً أنعمها على قوم}: من نعم الدِّين والدُّنيا، بل يبقيها ويزيدُهم منها إن ازدادوا له شكراً، {حتى يغيِّروا ما بأنفسهم}: من الطاعة إلى المعصية، فيكفروا نعمة الله، ويبدِّلوا بها كفراً، فيسلُبُهم إيَّاها ويغيِّرها عليهم كما غيروا ما بأنفسهم، ولله الحكمة في ذلك والعدل والإحسان إلى عباده ؛ حيث لم يعاقبهم إلاَّ بظُلمهم، وحيث جَذَبَ قلوب أوليائه إليه بما يذيقُ العباد من النَّكال إذا خالفوا أمره. {وأنَّ الله سميعٌ عليمٌ}: يسمع جميعَ ما نطق به الناطقون، سواءٌ من أسرَّ القول ومن جهر به. ويعلم ما تنطوي عليه الضمائرُ وتخفيه السرائرُ، فيُجري على عباده من الأقدار ما اقتضاه علمُهُ، وجرت به مشيئتُهُ.
{54}{كدأب آل فرعون}؛ أي: فرعون وقومه، {والذين من قبلهم كذَّبوا بآيات ربِّهم}: حين جاءتهم، {فأهۡلَكۡناهم بذُنوبهم}: كل بحسب جرمه، {وأغۡرَقنا آلَ فرعون وكلٌّ}: من المهلَكين المعذَّبين {كانوا ظالمين}: لأنفسهم ساعين في هلاكها، لم يظلمْهُمُ الله ولا أخَذَهم بغير جُرم اقترفوه؛ فليحذرِ المخاطَبون أن يشابهوهم في الظلم، فيُحِلَّ الله بهم من عقابه ما أحلَّ بأولئك الفاسقين.
الأنفال 8:55
{55 ـ 56} هؤلاء الذين جمعوا هذه الخصالَ الثلاث ـ الكفر وعدم الإيمان والخيانة ـ بحيث لا يثبُتون على عهدٍ عاهدوه ولا قول قالوه هم {شرُّ الدوابِّ عند الله}: فهم شرٌّ من الحمير والكلاب وغيرها؛ لأنَّ الخير معدوم منهم، والشرَّ متوقَّع فيهم.
{57} فإذْهابُ هؤلاء ومحقُهم هو المتعيِّن؛ لئلاَّ يسري داؤهم لغيرهم، ولهذا قال:{فإمَّا تَثۡقَفَنَّهُم في الحربِ}؛ أي: تجدنَّهم في حال المحاربة؛ بحيث لا يكون لهم عهدٌ وميثاقٌ. {فشَرِّدۡ بهم مَنۡ خلفَهم}؛ أي: نكِّل بهم غيرهم، وأوقِعْ بهم من العقوبة ما يصيرون عبرةً لمن بعدهم، {لعلَّهم}؛ أي: من خلفهم [يتقون] صنيعهم؛ لئلاَّ يصيبهم ما أصابهم. وهذه من فوائد العقوبات والحدود المرتَّبة على المعاصي أنها سببٌ لازدجار من لم يعمل المعاصي بل وزجراً لمن عملها أن لا يعاوِدَها. ودل تقييدُ هذه العقوبة في الحرب أنَّ الكافر ولو كان كثير الخيانة سريع الغدر؛ أنه إذا أُعْطِيَ عهداً؛ لا يجوز خيانته وعقوبته.
الأنفال 8:56
{55 ـ 56} هؤلاء الذين جمعوا هذه الخصالَ الثلاث ـ الكفر وعدم الإيمان والخيانة ـ بحيث لا يثبُتون على عهدٍ عاهدوه ولا قول قالوه هم {شرُّ الدوابِّ عند الله}: فهم شرٌّ من الحمير والكلاب وغيرها؛ لأنَّ الخير معدوم منهم، والشرَّ متوقَّع فيهم.
{57} فإذْهابُ هؤلاء ومحقُهم هو المتعيِّن؛ لئلاَّ يسري داؤهم لغيرهم، ولهذا قال:{فإمَّا تَثۡقَفَنَّهُم في الحربِ}؛ أي: تجدنَّهم في حال المحاربة؛ بحيث لا يكون لهم عهدٌ وميثاقٌ. {فشَرِّدۡ بهم مَنۡ خلفَهم}؛ أي: نكِّل بهم غيرهم، وأوقِعْ بهم من العقوبة ما يصيرون عبرةً لمن بعدهم، {لعلَّهم}؛ أي: من خلفهم [يتقون] صنيعهم؛ لئلاَّ يصيبهم ما أصابهم. وهذه من فوائد العقوبات والحدود المرتَّبة على المعاصي أنها سببٌ لازدجار من لم يعمل المعاصي بل وزجراً لمن عملها أن لا يعاوِدَها. ودل تقييدُ هذه العقوبة في الحرب أنَّ الكافر ولو كان كثير الخيانة سريع الغدر؛ أنه إذا أُعْطِيَ عهداً؛ لا يجوز خيانته وعقوبته.
الأنفال 8:57
{55 ـ 56} هؤلاء الذين جمعوا هذه الخصالَ الثلاث ـ الكفر وعدم الإيمان والخيانة ـ بحيث لا يثبُتون على عهدٍ عاهدوه ولا قول قالوه هم {شرُّ الدوابِّ عند الله}: فهم شرٌّ من الحمير والكلاب وغيرها؛ لأنَّ الخير معدوم منهم، والشرَّ متوقَّع فيهم.
{57} فإذْهابُ هؤلاء ومحقُهم هو المتعيِّن؛ لئلاَّ يسري داؤهم لغيرهم، ولهذا قال:{فإمَّا تَثۡقَفَنَّهُم في الحربِ}؛ أي: تجدنَّهم في حال المحاربة؛ بحيث لا يكون لهم عهدٌ وميثاقٌ. {فشَرِّدۡ بهم مَنۡ خلفَهم}؛ أي: نكِّل بهم غيرهم، وأوقِعْ بهم من العقوبة ما يصيرون عبرةً لمن بعدهم، {لعلَّهم}؛ أي: من خلفهم [يتقون] صنيعهم؛ لئلاَّ يصيبهم ما أصابهم. وهذه من فوائد العقوبات والحدود المرتَّبة على المعاصي أنها سببٌ لازدجار من لم يعمل المعاصي بل وزجراً لمن عملها أن لا يعاوِدَها. ودل تقييدُ هذه العقوبة في الحرب أنَّ الكافر ولو كان كثير الخيانة سريع الغدر؛ أنه إذا أُعْطِيَ عهداً؛ لا يجوز خيانته وعقوبته.
الأنفال 8:58
{58} أي: وإذا كان بينك وبين قوم عهدٌ وميثاقٌ على ترك القتال، فخفتَ منهم خيانةً؛ بأن ظهر من قرائن أحوالهم ما يدلُّ على خيانتهم من غير تصريح منهم بالخيانة. {فانبِذۡ إليهم}: عهدَهم؛ أي: ارمه عليهم، وأخبرهم أنَّه لا عهدَ بينك وبينهم {على سواءٍ}؛ أي: حتى يستوي علمُك وعلمُهم بذلك، ولا يحلُّ لك أن تغدرهم أو تسعى في شيء مما مَنَعَهُ موجبُ العهدِ حتى تخبرهم بذلك. {إنَّ الله لا يُحِبُّ الخائنين}: بل يُبْغِضُهم أشدَّ البغض؛ فلا بدَّ من أمرٍ بيِّنٍ يبرئكم من الخيانة. ودلَّت الآية على أنه إذا وجدت الخيانة [المحققة] منهم؛ لم يحتج أن ينبذ إليهم عهدَهم؛ لأنَّه لم يخفَ منهم، بل عُلِمَ ذلك، ولعدم الفائدة، ولقوله:{على سواءٍ}، وهنا قد كان معلوماً عند الجميع غدرُكم. ودلَّ مفهومُها أيضاً أنه إذا لم يخفْ منهم خيانةً؛ بأنْ لم يوجدْ منهم ما يدلُّ على ذلك؛ أنَّه لا يجوز نبذ العهد إليهم، بل يجب الوفاء [به] إلى أن تتمَّ مدتُه.
الأنفال 8:59
{59} أي: لا يحسب الكافرون بربِّهم المكذِّبون بآياته أنهم سبقوا الله وفاتوه؛ فإنهم لا يعجزونه، والله لهم بالمرصاد، وله تعالى الحكمة البالغة في إمهالهم وعدم معاجلتهم بالعقوبة، التي من جملتها ابتلاء عباده المؤمنين وامتحانُهم وتزوُّدهم من طاعته ومراضيه ما يصلون به إلى المنازل العالية واتصافُهم بأخلاق وصفات لم يكونوا بغيره بالغيها؛ فلهذا قال لعباده المؤمنين:
الأنفال 8:60
{60} أي: {وأعدُّوا}: لأعدائكم الكفار الساعين في هلاككم وإبطال دينكم، {ما استطعتُم من قوَّةٍ}؛ أي: كل ما تقدرون عليه من القوَّة العقليَّة والبدنيَّة وأنواع الأسلحة ونحو ذلك مما يعين على قتالهم، فدخل في ذلك أنواع الصناعات التي تُعمل فيها أصنافُ الأسلحة والآلات من المدافع والرشاشات والبنادق والطيارات الجويَّة والمراكب البريَّة والبحريَّة [والحصون] والقلاع والخنادق وآلات الدفاع والرأي والسياسة التي بها يتقدَّم المسلمون ويندفعُ عنهم به شرُّ أعدائهم وتعلُّم الرمي والشجاعة والتدبير، ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ألا إنَّ القوَّة الرمي». ومن ذلك الاستعداد بالمراكب المحتاج إليها عند القتال، ولهذا قال تعالى:{ومِن رِباط الخيل تُرهِبونَ به عدوَّ الله وعدوَّكم}: وهذه العلة موجودةٌ فيها في ذلك الزمان، وهي إرهاب الأعداء. والحكمُ يدور مع علَّته؛ فإذا كان موجوداً شيء أكثر إرهاباً منها ـ كالسيارات البريَّة والهوائيَّة المعدَّة للقتال التي تكون النكاية فيها أشد؛ كانت مأموراً
بالاستعداد بها والسعي لتحصيلها، حتى إنها إذا لم توجد إلا بتعلُّم الصناعة؛ وجب ذلك؛ لأنَّ ما لا يتمُّ الواجب إلا به فهو واجب. وقوله:{تُرۡهِبونَ به عدوَّ اللهِ وعدوَّكم}: ممن تعلمون أنهم أعداؤكم، {وآخرين مِن دونهم لا تعلمونَهم}: ممَّن سيقاتلونكم بعد هذا الوقت الذي يخاطبهم الله به، {الله يعلمُهم}: فلذلك أمرهم بالاستعداد لهم. ومن أعظم ما يُعين على قتالهم بذلُ النفقات المالية في جهاد الكفار، ولهذا قال تعالى مرغباً في ذلك:{وما تنفقوا من شيءٍ في سبيل الله}: قليلاً كان أو كثيراً، {يوفَّ إليكم}: أجره يوم القيامة مضاعفاً أضعافاً كثيرة، حتى إن النفقة في سبيل الله تضاعف إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، {وأنتم لا تُظلمون}؛ أي: لا تُنْقَصون من أجرها وثوابها شيئاً.
الأنفال 8:61
{61} يقول تعالى {وإن جنحوا}؛ أي: الكفار المحاربون؛ أي: مالوا إلى السَّلْم؛ أي: الصلح وترك القتال، {فاجنحۡ لها وتوكَّلۡ على الله}؛ أي: أجبهم إلى ما طلبوا متوكلاً على ربِّك؛ فإنَّ في ذلك فوائد كثيرةً: منها: أن طلب العافية مطلوبٌ كلَّ وقت؛ فإذا كانوا هم المبتدئين في ذلك؛ كان أولى لإجابتهم.
ومنها: أن في ذلك إجماماً لِقُواكم واستعداداً منكم لقتالهم في وقت آخر إن احتيج إلى ذلك. ومنها: أنَّكم إذا أصلحتُم وأمن بعضكم بعضاً وتمكَّن كلٌّ من معرفة ما عليه الآخر؛ فإن الإسلام يعلو ولا يُعلى عليه؛ فكلُّ مَن له عقلٌ وبصيرة إذا كان معه إنصافٌ؛ فلا بدَّ أن يؤثره على غيره من الأديان؛ لحسنه في أوامره ونواهيه، وحسنه في معاملته للخلق والعدل فيهم. وأنه لا جور فيه ولا ظلم بوجه؛ فحينئذ يكثر الراغبون فيه والمتَّبعون له، فصار هذا السلم عوناً للمسلمين على الكافرين.
{62 ـ 63} ولا يُخاف من السلم إلا خَصْلة واحدة، وهي أن يكون الكفار قصدهم بذلك خَدْع المسلمين وانتهاز الفرصة فيهم، فأخبرهم الله أنَّه حسبُهم وكافيهم خداعهم، وأنَّ ذلك يعود عليهم ضرره، فقال:{وإن يريدوا أن يَخۡدَعوك فإنَّ حسبَك الله}؛ أي: كافيك ما يؤذيك، وهو القائم بمصالحك ومهمَّاتك؛ فقد سبق لك من كفايته لك ونصره ما يطمئنُّ به قلبك، فَلَهُوَ {الذي أيَّدك بنصره وبالمؤمنين}؛ أي: أعانك بمعونة سماويَّة، وهو النصر منه الذي لا يقاومه شيء، ومعونة بالمؤمنين بأن قيَّضهم لنصرك، {وألَّف بين قلوبهم}: فاجتمعوا، وائتلفوا، وازدادت قوَّتهم بسبب اجتماعهم، ولم يكن هذا بسعي أحدٍ، ولا بقوَّة غير قوَّة الله، فلو {أنفقت ما في الأرض جميعاً}: من ذهبٍ وفضة وغيرهما لتأليفهم بعد تلك النفرة والفرقة الشديدة، {ما ألَّفۡتَ بين قلوبهم}: لأنه لا يقدر على تقليب القلوب إلا الله تعالى. {ولكنَّ الله ألَّف بينهم إنَّه عزيزٌ حكيمٌ}: ومن عزَّته أن ألَّف بين قلوبهم وجمعها بعد الفرقة؛ كما قال تعالى:{واذكُروا نعمة الله عليكم إذ كنتُم أعداءً فألَّفَ بين قلوبِكُم فأصبحتُم بنعمتِهِ إخواناً وكنتُم على شفا حُفۡرَةٍ من النار فأنقذكم منها}.
{64} ثم قال تعالى: {يا أيها النبيُّ حسبك الله}؛ أي: كافيك، {ومن اتَّبعك من المؤمنين}؛ أي: وكافي أتباعك من المؤمنين. وهذا وعدٌ من الله لعباده المؤمنين المتَّبعين لرسوله بالكفاية والنصرة على الأعداء؛ فإذا أتوا بالسبب الذي هو الإيمان والاتباع؛ فلا بدَّ أن يكفِيَهم ما أهمَّهم من أمور الدين والدنيا، وإنما تتخلَّف الكفاية بتخلُّف شرطها.
الأنفال 8:62
{61} يقول تعالى {وإن جنحوا}؛ أي: الكفار المحاربون؛ أي: مالوا إلى السَّلْم؛ أي: الصلح وترك القتال، {فاجنحۡ لها وتوكَّلۡ على الله}؛ أي: أجبهم إلى ما طلبوا متوكلاً على ربِّك؛ فإنَّ في ذلك فوائد كثيرةً: منها: أن طلب العافية مطلوبٌ كلَّ وقت؛ فإذا كانوا هم المبتدئين في ذلك؛ كان أولى لإجابتهم.
ومنها: أن في ذلك إجماماً لِقُواكم واستعداداً منكم لقتالهم في وقت آخر إن احتيج إلى ذلك. ومنها: أنَّكم إذا أصلحتُم وأمن بعضكم بعضاً وتمكَّن كلٌّ من معرفة ما عليه الآخر؛ فإن الإسلام يعلو ولا يُعلى عليه؛ فكلُّ مَن له عقلٌ وبصيرة إذا كان معه إنصافٌ؛ فلا بدَّ أن يؤثره على غيره من الأديان؛ لحسنه في أوامره ونواهيه، وحسنه في معاملته للخلق والعدل فيهم. وأنه لا جور فيه ولا ظلم بوجه؛ فحينئذ يكثر الراغبون فيه والمتَّبعون له، فصار هذا السلم عوناً للمسلمين على الكافرين.
{62 ـ 63} ولا يُخاف من السلم إلا خَصْلة واحدة، وهي أن يكون الكفار قصدهم بذلك خَدْع المسلمين وانتهاز الفرصة فيهم، فأخبرهم الله أنَّه حسبُهم وكافيهم خداعهم، وأنَّ ذلك يعود عليهم ضرره، فقال:{وإن يريدوا أن يَخۡدَعوك فإنَّ حسبَك الله}؛ أي: كافيك ما يؤذيك، وهو القائم بمصالحك ومهمَّاتك؛ فقد سبق لك من كفايته لك ونصره ما يطمئنُّ به قلبك، فَلَهُوَ {الذي أيَّدك بنصره وبالمؤمنين}؛ أي: أعانك بمعونة سماويَّة، وهو النصر منه الذي لا يقاومه شيء، ومعونة بالمؤمنين بأن قيَّضهم لنصرك، {وألَّف بين قلوبهم}: فاجتمعوا، وائتلفوا، وازدادت قوَّتهم بسبب اجتماعهم، ولم يكن هذا بسعي أحدٍ، ولا بقوَّة غير قوَّة الله، فلو {أنفقت ما في الأرض جميعاً}: من ذهبٍ وفضة وغيرهما لتأليفهم بعد تلك النفرة والفرقة الشديدة، {ما ألَّفۡتَ بين قلوبهم}: لأنه لا يقدر على تقليب القلوب إلا الله تعالى. {ولكنَّ الله ألَّف بينهم إنَّه عزيزٌ حكيمٌ}: ومن عزَّته أن ألَّف بين قلوبهم وجمعها بعد الفرقة؛ كما قال تعالى:{واذكُروا نعمة الله عليكم إذ كنتُم أعداءً فألَّفَ بين قلوبِكُم فأصبحتُم بنعمتِهِ إخواناً وكنتُم على شفا حُفۡرَةٍ من النار فأنقذكم منها}.
{64} ثم قال تعالى: {يا أيها النبيُّ حسبك الله}؛ أي: كافيك، {ومن اتَّبعك من المؤمنين}؛ أي: وكافي أتباعك من المؤمنين. وهذا وعدٌ من الله لعباده المؤمنين المتَّبعين لرسوله بالكفاية والنصرة على الأعداء؛ فإذا أتوا بالسبب الذي هو الإيمان والاتباع؛ فلا بدَّ أن يكفِيَهم ما أهمَّهم من أمور الدين والدنيا، وإنما تتخلَّف الكفاية بتخلُّف شرطها.
الأنفال 8:63
{61} يقول تعالى {وإن جنحوا}؛ أي: الكفار المحاربون؛ أي: مالوا إلى السَّلْم؛ أي: الصلح وترك القتال، {فاجنحۡ لها وتوكَّلۡ على الله}؛ أي: أجبهم إلى ما طلبوا متوكلاً على ربِّك؛ فإنَّ في ذلك فوائد كثيرةً: منها: أن طلب العافية مطلوبٌ كلَّ وقت؛ فإذا كانوا هم المبتدئين في ذلك؛ كان أولى لإجابتهم.
ومنها: أن في ذلك إجماماً لِقُواكم واستعداداً منكم لقتالهم في وقت آخر إن احتيج إلى ذلك. ومنها: أنَّكم إذا أصلحتُم وأمن بعضكم بعضاً وتمكَّن كلٌّ من معرفة ما عليه الآخر؛ فإن الإسلام يعلو ولا يُعلى عليه؛ فكلُّ مَن له عقلٌ وبصيرة إذا كان معه إنصافٌ؛ فلا بدَّ أن يؤثره على غيره من الأديان؛ لحسنه في أوامره ونواهيه، وحسنه في معاملته للخلق والعدل فيهم. وأنه لا جور فيه ولا ظلم بوجه؛ فحينئذ يكثر الراغبون فيه والمتَّبعون له، فصار هذا السلم عوناً للمسلمين على الكافرين.
{62 ـ 63} ولا يُخاف من السلم إلا خَصْلة واحدة، وهي أن يكون الكفار قصدهم بذلك خَدْع المسلمين وانتهاز الفرصة فيهم، فأخبرهم الله أنَّه حسبُهم وكافيهم خداعهم، وأنَّ ذلك يعود عليهم ضرره، فقال:{وإن يريدوا أن يَخۡدَعوك فإنَّ حسبَك الله}؛ أي: كافيك ما يؤذيك، وهو القائم بمصالحك ومهمَّاتك؛ فقد سبق لك من كفايته لك ونصره ما يطمئنُّ به قلبك، فَلَهُوَ {الذي أيَّدك بنصره وبالمؤمنين}؛ أي: أعانك بمعونة سماويَّة، وهو النصر منه الذي لا يقاومه شيء، ومعونة بالمؤمنين بأن قيَّضهم لنصرك، {وألَّف بين قلوبهم}: فاجتمعوا، وائتلفوا، وازدادت قوَّتهم بسبب اجتماعهم، ولم يكن هذا بسعي أحدٍ، ولا بقوَّة غير قوَّة الله، فلو {أنفقت ما في الأرض جميعاً}: من ذهبٍ وفضة وغيرهما لتأليفهم بعد تلك النفرة والفرقة الشديدة، {ما ألَّفۡتَ بين قلوبهم}: لأنه لا يقدر على تقليب القلوب إلا الله تعالى. {ولكنَّ الله ألَّف بينهم إنَّه عزيزٌ حكيمٌ}: ومن عزَّته أن ألَّف بين قلوبهم وجمعها بعد الفرقة؛ كما قال تعالى:{واذكُروا نعمة الله عليكم إذ كنتُم أعداءً فألَّفَ بين قلوبِكُم فأصبحتُم بنعمتِهِ إخواناً وكنتُم على شفا حُفۡرَةٍ من النار فأنقذكم منها}.
{64} ثم قال تعالى: {يا أيها النبيُّ حسبك الله}؛ أي: كافيك، {ومن اتَّبعك من المؤمنين}؛ أي: وكافي أتباعك من المؤمنين. وهذا وعدٌ من الله لعباده المؤمنين المتَّبعين لرسوله بالكفاية والنصرة على الأعداء؛ فإذا أتوا بالسبب الذي هو الإيمان والاتباع؛ فلا بدَّ أن يكفِيَهم ما أهمَّهم من أمور الدين والدنيا، وإنما تتخلَّف الكفاية بتخلُّف شرطها.
الأنفال 8:64
{61} يقول تعالى {وإن جنحوا}؛ أي: الكفار المحاربون؛ أي: مالوا إلى السَّلْم؛ أي: الصلح وترك القتال، {فاجنحۡ لها وتوكَّلۡ على الله}؛ أي: أجبهم إلى ما طلبوا متوكلاً على ربِّك؛ فإنَّ في ذلك فوائد كثيرةً: منها: أن طلب العافية مطلوبٌ كلَّ وقت؛ فإذا كانوا هم المبتدئين في ذلك؛ كان أولى لإجابتهم.
ومنها: أن في ذلك إجماماً لِقُواكم واستعداداً منكم لقتالهم في وقت آخر إن احتيج إلى ذلك. ومنها: أنَّكم إذا أصلحتُم وأمن بعضكم بعضاً وتمكَّن كلٌّ من معرفة ما عليه الآخر؛ فإن الإسلام يعلو ولا يُعلى عليه؛ فكلُّ مَن له عقلٌ وبصيرة إذا كان معه إنصافٌ؛ فلا بدَّ أن يؤثره على غيره من الأديان؛ لحسنه في أوامره ونواهيه، وحسنه في معاملته للخلق والعدل فيهم. وأنه لا جور فيه ولا ظلم بوجه؛ فحينئذ يكثر الراغبون فيه والمتَّبعون له، فصار هذا السلم عوناً للمسلمين على الكافرين.
{62 ـ 63} ولا يُخاف من السلم إلا خَصْلة واحدة، وهي أن يكون الكفار قصدهم بذلك خَدْع المسلمين وانتهاز الفرصة فيهم، فأخبرهم الله أنَّه حسبُهم وكافيهم خداعهم، وأنَّ ذلك يعود عليهم ضرره، فقال:{وإن يريدوا أن يَخۡدَعوك فإنَّ حسبَك الله}؛ أي: كافيك ما يؤذيك، وهو القائم بمصالحك ومهمَّاتك؛ فقد سبق لك من كفايته لك ونصره ما يطمئنُّ به قلبك، فَلَهُوَ {الذي أيَّدك بنصره وبالمؤمنين}؛ أي: أعانك بمعونة سماويَّة، وهو النصر منه الذي لا يقاومه شيء، ومعونة بالمؤمنين بأن قيَّضهم لنصرك، {وألَّف بين قلوبهم}: فاجتمعوا، وائتلفوا، وازدادت قوَّتهم بسبب اجتماعهم، ولم يكن هذا بسعي أحدٍ، ولا بقوَّة غير قوَّة الله، فلو {أنفقت ما في الأرض جميعاً}: من ذهبٍ وفضة وغيرهما لتأليفهم بعد تلك النفرة والفرقة الشديدة، {ما ألَّفۡتَ بين قلوبهم}: لأنه لا يقدر على تقليب القلوب إلا الله تعالى. {ولكنَّ الله ألَّف بينهم إنَّه عزيزٌ حكيمٌ}: ومن عزَّته أن ألَّف بين قلوبهم وجمعها بعد الفرقة؛ كما قال تعالى:{واذكُروا نعمة الله عليكم إذ كنتُم أعداءً فألَّفَ بين قلوبِكُم فأصبحتُم بنعمتِهِ إخواناً وكنتُم على شفا حُفۡرَةٍ من النار فأنقذكم منها}.
{64} ثم قال تعالى: {يا أيها النبيُّ حسبك الله}؛ أي: كافيك، {ومن اتَّبعك من المؤمنين}؛ أي: وكافي أتباعك من المؤمنين. وهذا وعدٌ من الله لعباده المؤمنين المتَّبعين لرسوله بالكفاية والنصرة على الأعداء؛ فإذا أتوا بالسبب الذي هو الإيمان والاتباع؛ فلا بدَّ أن يكفِيَهم ما أهمَّهم من أمور الدين والدنيا، وإنما تتخلَّف الكفاية بتخلُّف شرطها.
الأنفال 8:65
{65} يقول تعالى لنبيه - صلى الله عليه وسلم -: {يا أيُّها النبيُّ حرِّض المؤمنين على القتال}؛ أي: حُثَّهم ونهِّضْهم إليه بكل ما يقوِّي عزائمهم وينشط هممهم؛ من الترغيب في الجهاد ومقارعة الأعداء، والترهيب من ضدِّ ذلك، وذكر فضائل الشجاعة والصبر، وما يترتَّب على ذلك من خير الدنيا والآخرة، وذكر مضارِّ الجبن، وأنه من الأخلاق الرذيلة المنقصة للدين والمروءة، وأن الشجاعة بالمؤمنين أولى من غيرهم، {إن تكونوا تألَمونَ فإنَّهم يألَمونَ كما تألَمونَ وترجونَ من الله ما لا يرجون}. {إن يكن منكم}: أيها المؤمنون، {عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكُم مائةٌ يغلبوا ألفاً من الذين كفروا}: يكون الواحد بنسبة عشرة من الكفار، وذلك بأنَّ الكفار {قومٌ لا يفقهون}؛ أي: لا علم عندهم بما أعدَّ الله للمجاهدين في سبيله؛ فهم يقاتلون لأجل العلوِّ في الأرض والفساد فيها، وأنتم تفقهون المقصود من القتال أنَّه لإعلاء كلمة الله، وإظهار دينه، والذبِّ عن كتاب الله وحصول الفوز الأكبر عند الله، وهذه كلُّها دواعٍ للشجاعة والصبر والإقدام على القتال.
{66} ثُمَّ إن هذا الحكم خففه الله على العباد، فقال:{الآن خفَّف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً}: فلذلك اقتضت رحمته وحكمته التخفيف. {فإن يكن منكم مائةٌ صابرةٌ يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألفٌ يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين}: بعونه وتأييده.
وهذه الآيات صورتها صورة الإخبار عن المؤمنين بأنهم إذا بلغوا هذا المقدار المعيَّن يغلبون ذلك المقدار المعيَّن، في مقابلته من الكفار، وأن الله يمتنُّ عليهم بما جعل فيهم من الشجاعة الإيمانية، ولكنَّ معناها وحقيقتها الأمر، وأنَّ الله أمر المؤمنين في أول الأمر أن الواحد لا يجوز له أن يفرَّ من العشرة والعشرة من المائة والمائة من الألف، ثم إنَّ الله خفَّف ذلك، فصار لا يجوز فرار المسلمين من مثليهم من الكفار؛ فإن زادوا على مثليهم؛ جاز لهم الفرار.
ولكن يرِدُ على هذا أمران:
أحدهما: أنها بصورة الخبر، والأصل في الخبر أن يكون على بابه، وأنَّ المقصود بذلك الامتنان والإخبار بالواقع.
والثاني: تقييدُ ذلك العدد أن يكونوا صابرين؛ بأن يكونوا متدرِّبين على الصبر، ومفهوم هذا أنَّهم إذا لم يكونوا صابرين؛ فإنه يجوز لهم الفرار، ولو أقل من مثليهم، إذا غَلَبَ على ظنِّهم الضرر؛ كما تقتضيه الحكمة الإلهية.
ويجاب عن الأول بأنَّ قوله:{الآن خفَّف الله عنكم ... } إلى آخرها: دليلٌ على أن هذا الأمر لازمٌ وأمر محتَّم، ثم إن الله خفَّفه إلى ذلك العدد؛ فهذا ظاهرٌ في أنه أمر، وإن كان في صيغة الخبر، وقد يقال: إن في إتيانه بلفظ الخبر نكتةٌ بديعة لا توجد فيه إذا كان بلفظ الأمر، وهي تقوية قلوب المؤمنين، والبشارة بأنهم سيغلبون الكافرين.
ويجاب عن الثاني: أن المقصود بتقييد ذلك بالصابرين أنه حثٌّ على الصبر، وأنه ينبغي منكم أن تفعلوا الأسباب الموجبة لذلك؛ فإذا فعلوها؛ صارت الأسباب الإيمانيَّة والأسباب الماديَّة مبشِّرة بحصول ما أخبر الله به من النصر لهذا العدد القليل.
الأنفال 8:66
{65} يقول تعالى لنبيه - صلى الله عليه وسلم -: {يا أيُّها النبيُّ حرِّض المؤمنين على القتال}؛ أي: حُثَّهم ونهِّضْهم إليه بكل ما يقوِّي عزائمهم وينشط هممهم؛ من الترغيب في الجهاد ومقارعة الأعداء، والترهيب من ضدِّ ذلك، وذكر فضائل الشجاعة والصبر، وما يترتَّب على ذلك من خير الدنيا والآخرة، وذكر مضارِّ الجبن، وأنه من الأخلاق الرذيلة المنقصة للدين والمروءة، وأن الشجاعة بالمؤمنين أولى من غيرهم، {إن تكونوا تألَمونَ فإنَّهم يألَمونَ كما تألَمونَ وترجونَ من الله ما لا يرجون}. {إن يكن منكم}: أيها المؤمنون، {عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكُم مائةٌ يغلبوا ألفاً من الذين كفروا}: يكون الواحد بنسبة عشرة من الكفار، وذلك بأنَّ الكفار {قومٌ لا يفقهون}؛ أي: لا علم عندهم بما أعدَّ الله للمجاهدين في سبيله؛ فهم يقاتلون لأجل العلوِّ في الأرض والفساد فيها، وأنتم تفقهون المقصود من القتال أنَّه لإعلاء كلمة الله، وإظهار دينه، والذبِّ عن كتاب الله وحصول الفوز الأكبر عند الله، وهذه كلُّها دواعٍ للشجاعة والصبر والإقدام على القتال.
{66} ثُمَّ إن هذا الحكم خففه الله على العباد، فقال:{الآن خفَّف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً}: فلذلك اقتضت رحمته وحكمته التخفيف. {فإن يكن منكم مائةٌ صابرةٌ يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألفٌ يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين}: بعونه وتأييده.
وهذه الآيات صورتها صورة الإخبار عن المؤمنين بأنهم إذا بلغوا هذا المقدار المعيَّن يغلبون ذلك المقدار المعيَّن، في مقابلته من الكفار، وأن الله يمتنُّ عليهم بما جعل فيهم من الشجاعة الإيمانية، ولكنَّ معناها وحقيقتها الأمر، وأنَّ الله أمر المؤمنين في أول الأمر أن الواحد لا يجوز له أن يفرَّ من العشرة والعشرة من المائة والمائة من الألف، ثم إنَّ الله خفَّف ذلك، فصار لا يجوز فرار المسلمين من مثليهم من الكفار؛ فإن زادوا على مثليهم؛ جاز لهم الفرار.
ولكن يرِدُ على هذا أمران:
أحدهما: أنها بصورة الخبر، والأصل في الخبر أن يكون على بابه، وأنَّ المقصود بذلك الامتنان والإخبار بالواقع.
والثاني: تقييدُ ذلك العدد أن يكونوا صابرين؛ بأن يكونوا متدرِّبين على الصبر، ومفهوم هذا أنَّهم إذا لم يكونوا صابرين؛ فإنه يجوز لهم الفرار، ولو أقل من مثليهم، إذا غَلَبَ على ظنِّهم الضرر؛ كما تقتضيه الحكمة الإلهية.
ويجاب عن الأول بأنَّ قوله:{الآن خفَّف الله عنكم ... } إلى آخرها: دليلٌ على أن هذا الأمر لازمٌ وأمر محتَّم، ثم إن الله خفَّفه إلى ذلك العدد؛ فهذا ظاهرٌ في أنه أمر، وإن كان في صيغة الخبر، وقد يقال: إن في إتيانه بلفظ الخبر نكتةٌ بديعة لا توجد فيه إذا كان بلفظ الأمر، وهي تقوية قلوب المؤمنين، والبشارة بأنهم سيغلبون الكافرين.
ويجاب عن الثاني: أن المقصود بتقييد ذلك بالصابرين أنه حثٌّ على الصبر، وأنه ينبغي منكم أن تفعلوا الأسباب الموجبة لذلك؛ فإذا فعلوها؛ صارت الأسباب الإيمانيَّة والأسباب الماديَّة مبشِّرة بحصول ما أخبر الله به من النصر لهذا العدد القليل.
الأنفال 8:67
{67} هذه معاتبة من الله لرسوله وللمؤمنين يوم بدر إذ أسروا المشركين وأبقوهم لأجل الفداء، وكان رأي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في هذه الحال قتلَهم واستئصالهم، فقال تعالى:{ما كان لنبيٍّ أن يكونَ له أسرى حتَّى يُثۡخِنَ في الأرض}؛ أي: ما ينبغي ولا يليق به إذا قاتل الكفار الذين يريدون أن يطفئوا نور الله، ويسعَوْن لإخماد دينه وأن لا يبقى على وجه الأرض مَن يعبدُ الله أن يتسرَّع إلى أسرهم وإبقائهم لأجل الفداء الذي يحصُلُ منهم، وهو عَرَضٌ قليلٌ بالنسبة إلى المصلحة المقتضية لإبادتهم وإبطال شرِّهم؛ فما دام لهم شرٌّ وصولةٌ؛ فالأوفق أن لا يؤسروا؛ فإذا أُثخنوا، وبَطَلَ شرُّهم، واضمحلَّ أمرُهم؛ فحينئذٍ لا بأس بأخذ الأسرى منهم وإبقائهم. يقول تعالى:{تريدون}: بأخذكم الفداء وإبقائهم {عَرَضَ الحياة الدُّنيا}؛ أي: لا لمصلحة تعودُ إلى دينكم. {والله يريدُ الآخرة}: بإعزاز دينه ونصر أوليائه وجعل كلمتهم عاليةً فوق غيرهم، فيأمركم بما يوصل إلى ذلك. {والله عزيزٌ حكيمٌ}؛ أي: كامل العزة، لو شاء أن ينتصر من الكفار من دون قتال؛ لفعلَ، ولكنه حكيمٌ يبتلي بعضكم ببعض.
{68}{لولا كتابٌ من الله سَبَقَ}: به القضاء والقدر؛ أنَّه قد أحلَّ لكم الغنائم، وأنَّ الله رفع عنكم أيُّها الأمة العذاب، {لمسَّكم فيما أخذتم عذابٌ عظيمٌ}. وفي الحديث:«لو نزل عذابٌ يوم بدر؛ ما نجا منه إلا عمر».
{69}{فكلوا مما غنمتُم حلالاً طيِّباً}: وهذا من لطفه تعالى بهذه الأمة أن أحلَّ لها الغنائم ولم تحلَّ لأمة قبلها، {واتَّقوا الله}: في جميع أموركم، ولازموها شكراً لنعم الله عليكم. {إنَّ الله غفورٌ}: يغفر لمن تاب إليه جميع الذنوب، ويغفر لمن لم يشركْ به شيئاً جميع المعاصي، {رحيمٌ}: بكم حيث أباح لكم الغنائم وجعلها حلالاً طيباً.
الأنفال 8:68
{67} هذه معاتبة من الله لرسوله وللمؤمنين يوم بدر إذ أسروا المشركين وأبقوهم لأجل الفداء، وكان رأي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في هذه الحال قتلَهم واستئصالهم، فقال تعالى:{ما كان لنبيٍّ أن يكونَ له أسرى حتَّى يُثۡخِنَ في الأرض}؛ أي: ما ينبغي ولا يليق به إذا قاتل الكفار الذين يريدون أن يطفئوا نور الله، ويسعَوْن لإخماد دينه وأن لا يبقى على وجه الأرض مَن يعبدُ الله أن يتسرَّع إلى أسرهم وإبقائهم لأجل الفداء الذي يحصُلُ منهم، وهو عَرَضٌ قليلٌ بالنسبة إلى المصلحة المقتضية لإبادتهم وإبطال شرِّهم؛ فما دام لهم شرٌّ وصولةٌ؛ فالأوفق أن لا يؤسروا؛ فإذا أُثخنوا، وبَطَلَ شرُّهم، واضمحلَّ أمرُهم؛ فحينئذٍ لا بأس بأخذ الأسرى منهم وإبقائهم. يقول تعالى:{تريدون}: بأخذكم الفداء وإبقائهم {عَرَضَ الحياة الدُّنيا}؛ أي: لا لمصلحة تعودُ إلى دينكم. {والله يريدُ الآخرة}: بإعزاز دينه ونصر أوليائه وجعل كلمتهم عاليةً فوق غيرهم، فيأمركم بما يوصل إلى ذلك. {والله عزيزٌ حكيمٌ}؛ أي: كامل العزة، لو شاء أن ينتصر من الكفار من دون قتال؛ لفعلَ، ولكنه حكيمٌ يبتلي بعضكم ببعض.
{68}{لولا كتابٌ من الله سَبَقَ}: به القضاء والقدر؛ أنَّه قد أحلَّ لكم الغنائم، وأنَّ الله رفع عنكم أيُّها الأمة العذاب، {لمسَّكم فيما أخذتم عذابٌ عظيمٌ}. وفي الحديث:«لو نزل عذابٌ يوم بدر؛ ما نجا منه إلا عمر».
{69}{فكلوا مما غنمتُم حلالاً طيِّباً}: وهذا من لطفه تعالى بهذه الأمة أن أحلَّ لها الغنائم ولم تحلَّ لأمة قبلها، {واتَّقوا الله}: في جميع أموركم، ولازموها شكراً لنعم الله عليكم. {إنَّ الله غفورٌ}: يغفر لمن تاب إليه جميع الذنوب، ويغفر لمن لم يشركْ به شيئاً جميع المعاصي، {رحيمٌ}: بكم حيث أباح لكم الغنائم وجعلها حلالاً طيباً.
الأنفال 8:69
{67} هذه معاتبة من الله لرسوله وللمؤمنين يوم بدر إذ أسروا المشركين وأبقوهم لأجل الفداء، وكان رأي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في هذه الحال قتلَهم واستئصالهم، فقال تعالى:{ما كان لنبيٍّ أن يكونَ له أسرى حتَّى يُثۡخِنَ في الأرض}؛ أي: ما ينبغي ولا يليق به إذا قاتل الكفار الذين يريدون أن يطفئوا نور الله، ويسعَوْن لإخماد دينه وأن لا يبقى على وجه الأرض مَن يعبدُ الله أن يتسرَّع إلى أسرهم وإبقائهم لأجل الفداء الذي يحصُلُ منهم، وهو عَرَضٌ قليلٌ بالنسبة إلى المصلحة المقتضية لإبادتهم وإبطال شرِّهم؛ فما دام لهم شرٌّ وصولةٌ؛ فالأوفق أن لا يؤسروا؛ فإذا أُثخنوا، وبَطَلَ شرُّهم، واضمحلَّ أمرُهم؛ فحينئذٍ لا بأس بأخذ الأسرى منهم وإبقائهم. يقول تعالى:{تريدون}: بأخذكم الفداء وإبقائهم {عَرَضَ الحياة الدُّنيا}؛ أي: لا لمصلحة تعودُ إلى دينكم. {والله يريدُ الآخرة}: بإعزاز دينه ونصر أوليائه وجعل كلمتهم عاليةً فوق غيرهم، فيأمركم بما يوصل إلى ذلك. {والله عزيزٌ حكيمٌ}؛ أي: كامل العزة، لو شاء أن ينتصر من الكفار من دون قتال؛ لفعلَ، ولكنه حكيمٌ يبتلي بعضكم ببعض.
{68}{لولا كتابٌ من الله سَبَقَ}: به القضاء والقدر؛ أنَّه قد أحلَّ لكم الغنائم، وأنَّ الله رفع عنكم أيُّها الأمة العذاب، {لمسَّكم فيما أخذتم عذابٌ عظيمٌ}. وفي الحديث:«لو نزل عذابٌ يوم بدر؛ ما نجا منه إلا عمر».
{69}{فكلوا مما غنمتُم حلالاً طيِّباً}: وهذا من لطفه تعالى بهذه الأمة أن أحلَّ لها الغنائم ولم تحلَّ لأمة قبلها، {واتَّقوا الله}: في جميع أموركم، ولازموها شكراً لنعم الله عليكم. {إنَّ الله غفورٌ}: يغفر لمن تاب إليه جميع الذنوب، ويغفر لمن لم يشركْ به شيئاً جميع المعاصي، {رحيمٌ}: بكم حيث أباح لكم الغنائم وجعلها حلالاً طيباً.
الأنفال 8:70
{70} وهذه نزلت في أسارى يوم بدر ، وكان من جملتهم العباس عمُّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلما طلب منه الفداء؛ ادَّعى أنه مسلم قبل ذلك، فلم يسقِطوا عنه الفداء، فأنزل الله تعالى جبراً لخاطره ومَنْ كان على مثل حالِهِ:{يا أيُّها النبيُّ قلۡ لِمَن في أيديكم من الأسرى إن يعلم اللهُ في قلوبكم خيراً يؤتِكُم خيراً ممَّا أُخِذَ منكم}؛ أي: من المال، بأن ييسِّر لكم من فضله خيراً كثيراً مما أخذ منكم، {ويَغۡفِرۡ لكم}: ذنوبكم ويدخلكم الجنة. {والله غفورٌ رحيمٌ}: وقد أنجز الله وعده للعباس وغيره، فحصل له بعد ذلك من المال شيءٌ كثيرٌ، حتى إنه مرَّة لما قدم على النبي - صلى الله عليه وسلم - مال كثير؛ أتاه العباس، فأمره أن يأخذ منه بثوبه ما يطيق حملَه، فأخذ منه ما كاد أن يعجزَ عن حمله.
{71}{وإن يريدوا خيانَتَكَ}: في السعي لحربك ومنابذتك، {فقد خانوا الله من قبلُ فأمۡكَنَ منهم}: فليحذَروا خيانتك؛ فإنه تعالى قادرٌ عليهم، وهم تحت قبضته. {والله عليمٌ حكيمٌ}؛ أي: عليم بكل شيء، حكيم يضع الأشياء مواضعها، ومن علمه وحكمته أن شَرَعَ لكم هذه الأحكام الجليلة الجميلة، وقد تكفَّل بكفايتكم شأنَ الأسرى وشرَّهم إن أرادوا خيانةً.
الأنفال 8:71
{70} وهذه نزلت في أسارى يوم بدر ، وكان من جملتهم العباس عمُّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلما طلب منه الفداء؛ ادَّعى أنه مسلم قبل ذلك، فلم يسقِطوا عنه الفداء، فأنزل الله تعالى جبراً لخاطره ومَنْ كان على مثل حالِهِ:{يا أيُّها النبيُّ قلۡ لِمَن في أيديكم من الأسرى إن يعلم اللهُ في قلوبكم خيراً يؤتِكُم خيراً ممَّا أُخِذَ منكم}؛ أي: من المال، بأن ييسِّر لكم من فضله خيراً كثيراً مما أخذ منكم، {ويَغۡفِرۡ لكم}: ذنوبكم ويدخلكم الجنة. {والله غفورٌ رحيمٌ}: وقد أنجز الله وعده للعباس وغيره، فحصل له بعد ذلك من المال شيءٌ كثيرٌ، حتى إنه مرَّة لما قدم على النبي - صلى الله عليه وسلم - مال كثير؛ أتاه العباس، فأمره أن يأخذ منه بثوبه ما يطيق حملَه، فأخذ منه ما كاد أن يعجزَ عن حمله.
{71}{وإن يريدوا خيانَتَكَ}: في السعي لحربك ومنابذتك، {فقد خانوا الله من قبلُ فأمۡكَنَ منهم}: فليحذَروا خيانتك؛ فإنه تعالى قادرٌ عليهم، وهم تحت قبضته. {والله عليمٌ حكيمٌ}؛ أي: عليم بكل شيء، حكيم يضع الأشياء مواضعها، ومن علمه وحكمته أن شَرَعَ لكم هذه الأحكام الجليلة الجميلة، وقد تكفَّل بكفايتكم شأنَ الأسرى وشرَّهم إن أرادوا خيانةً.
الأنفال 8:72
{72} هذا عقدُ موالاة ومحبَّة عقدها الله بين المهاجرين الذين آمنوا وهاجروا في سبيل الله وتركوا أوطانهم لله لأجل الجهاد في سبيل الله وبين الأنصار الذين آوَوْا رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه وأعانوهم في ديارهم وأموالهم وأنفسهم؛ فهؤلاء بعضُهم أولياءُ بعض؛ لكمال إيمانهم وتمام اتِّصال بعضهم ببعض. {والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا} فإنَّهم قطعوا ولايتكم بانفصالهم عنكم في وقت شدَّة الحاجة إلى الرجال، فلمَّا لم يهاجروا؛ لم يكن لهم من ولاية المؤمنين شيءٌ، لكنَّهم {إن استنصروكم في الدين}؛ أي: لأجل قتال من قاتلهم؛ [لأجل دينهم]{فعليكُمُ النصرُ}: والقتال معهم، وأما من قاتلوهم لغير ذلك من المقاصد؛ فليس عليكم نصرهم. وقوله تعالى:{إلَّا على قوم بينكم وبينَهم ميثاقٌ}؛ أي: عهدٌ بترك القتال؛ فإنهم إذا أراد المؤمنون المتميِّزون الذين لم يهاجروا قتالهم؛ فلا تعينوهم عليهم؛ لأجل ما بينَكم وبينَهم من الميثاق. {والله بما تعملونَ بصيرٌ}: يعلمُ ما أنتم عليه من الأحوال، فيشرعُ لكم من الأحكام ما يَليقُ بكم.
الأنفال 8:73
{73} لما عقد الولاية بين المؤمنين؛ أخبر أن الكفار حيث جمعهم الكفر فبعضُهم أولياء بعض ؛ فلا يواليهم إلاَّ كافر مثلهم، وقوله:{إلَّا تفعلوه}؛ أي: موالاة المؤمنين ومعاداة الكافرين؛ بأن والَيْتموهم كلَّهم أو عاديتموهم كلَّهم أو واليتم الكافرين وعاديتم المؤمنين، {تكن فتنةٌ في الأرض وفسادٌ كبيرٌ}: فإنه يحصُلُ بذلك من الشرِّ ما لا ينحصر من اختلاط الحقِّ بالباطل والمؤمن بالكافر وعدم كثير من العبادات الكبار كالجهاد والهجرة وغير ذلك من مقاصد الشرع والدين التي تفوت إذا لم يُتَّخذ المؤمنون وحدهم أولياء بعضهم لبعض.
الآيات السابقات في ذكر عقد الموالاة بين المؤمنين من المهاجرين والأنصار. وهذه الآيات في بيان مدحهم وثوابهم:
الأنفال 8:74
{74} فقال: {والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آوَوۡا ونصروا أولئك هم المؤمنون }: من المهاجرين والأنصار؛ هم: المؤمنون {حقًّا}؛ لأنهم صدَّقوا إيمانهم بما قاموا به من الهجرة والنصرة والموالاة بعضهم لبعض وجهادهم لأعدائهم من الكفار والمنافقين. {لهم مغفرة}: من الله تُمحى بها سيئاتهم وتضمحلُّ بها زلاَّتُهم. {و} لهم {رزقٌ كريمٌ}؛ أي: خير كثير من الربِّ الكريم في جنات النعيم، وربما حصل لهم من الثواب المعجَّل ما تَقَرُّ به أعينهم، وتطمئنُّ به قلوبهم.
{75} وكذلك مَن جاء بعد هؤلاء المهاجرين والأنصار ممَّن اتَّبعهم بإحسان فآمن وهاجر وجاهد في سبيل الله. {فأولئك منكم}: لهم ما لكم وعليهم ما عليكم؛ فهذه الموالاة الإيمانية، وقد كانت في أول الإسلام لها وقع كبيرٌ وشأنٌ عظيم، حتى إنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - آخى بين المهاجرين والأنصار أخوَّة خاصَّة غير الأخوة الإيمانية العامة، وحتى كانوا يتوارثون بها، فأنزل الله:{وأولو الأرحام بعضُهم أولى ببعض في كتاب الله} فلا يرثه إلا أقاربه من العصبات وأصحاب الفروض فإن لم يكونوا؛ فأقرب قراباته من ذوي الأرحام كما دلَّ عليه عموم الآية الكريمة، وقوله:{في كتاب الله}؛ أي: في حكمه وشرعه. {إنَّ الله بكلِّ شيء عليمٌ}: ومنه ما يعلمه من أحوالكم التي يجري من شرائعه الدينية عليكم ما يناسبها.
تم تفسير سورة الأنفال. ولله الحمد والمنة.
* * *
الأنفال 8:75
{74} فقال: {والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آوَوۡا ونصروا أولئك هم المؤمنون }: من المهاجرين والأنصار؛ هم: المؤمنون {حقًّا}؛ لأنهم صدَّقوا إيمانهم بما قاموا به من الهجرة والنصرة والموالاة بعضهم لبعض وجهادهم لأعدائهم من الكفار والمنافقين. {لهم مغفرة}: من الله تُمحى بها سيئاتهم وتضمحلُّ بها زلاَّتُهم. {و} لهم {رزقٌ كريمٌ}؛ أي: خير كثير من الربِّ الكريم في جنات النعيم، وربما حصل لهم من الثواب المعجَّل ما تَقَرُّ به أعينهم، وتطمئنُّ به قلوبهم.
{75} وكذلك مَن جاء بعد هؤلاء المهاجرين والأنصار ممَّن اتَّبعهم بإحسان فآمن وهاجر وجاهد في سبيل الله. {فأولئك منكم}: لهم ما لكم وعليهم ما عليكم؛ فهذه الموالاة الإيمانية، وقد كانت في أول الإسلام لها وقع كبيرٌ وشأنٌ عظيم، حتى إنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - آخى بين المهاجرين والأنصار أخوَّة خاصَّة غير الأخوة الإيمانية العامة، وحتى كانوا يتوارثون بها، فأنزل الله:{وأولو الأرحام بعضُهم أولى ببعض في كتاب الله} فلا يرثه إلا أقاربه من العصبات وأصحاب الفروض فإن لم يكونوا؛ فأقرب قراباته من ذوي الأرحام كما دلَّ عليه عموم الآية الكريمة، وقوله:{في كتاب الله}؛ أي: في حكمه وشرعه. {إنَّ الله بكلِّ شيء عليمٌ}: ومنه ما يعلمه من أحوالكم التي يجري من شرائعه الدينية عليكم ما يناسبها.
تم تفسير سورة الأنفال. ولله الحمد والمنة.
* * *