Lafzullah

Tefsîru's-Sa'dî — Teysîru'l-Kerîmi'r-Rahmân (blok edisyonu, ayrı tahrir) — الصافات 37:102 – ص 38:71

المؤلف / المصدر: Tafsir As-Saadi

المحتويات
  1. الصافات 37:102
  2. الصافات 37:103
  3. الصافات 37:104
  4. الصافات 37:105
  5. الصافات 37:106
  6. الصافات 37:107
  7. الصافات 37:108
  8. الصافات 37:109
  9. الصافات 37:110
  10. الصافات 37:111
  11. الصافات 37:112
  12. الصافات 37:113
  13. الصافات 37:114
  14. الصافات 37:115
  15. الصافات 37:116
  16. الصافات 37:117
  17. الصافات 37:118
  18. الصافات 37:119
  19. الصافات 37:120
  20. الصافات 37:121
  21. الصافات 37:122
  22. الصافات 37:123
  23. الصافات 37:124
  24. الصافات 37:125
  25. الصافات 37:126
  26. الصافات 37:127
  27. الصافات 37:128
  28. الصافات 37:129
  29. الصافات 37:130
  30. الصافات 37:131
  31. الصافات 37:132
  32. الصافات 37:133
  33. الصافات 37:134
  34. الصافات 37:135
  35. الصافات 37:136
  36. الصافات 37:137
  37. الصافات 37:138
  38. الصافات 37:139
  39. الصافات 37:140
  40. الصافات 37:141
  41. الصافات 37:142
  42. الصافات 37:143
  43. الصافات 37:144
  44. الصافات 37:145
  45. الصافات 37:146
  46. الصافات 37:147
  47. الصافات 37:148
  48. الصافات 37:149
  49. الصافات 37:150
  50. الصافات 37:151
  51. الصافات 37:152
  52. الصافات 37:153
  53. الصافات 37:154
  54. الصافات 37:155
  55. الصافات 37:156
  56. الصافات 37:157
  57. الصافات 37:158
  58. الصافات 37:159
  59. الصافات 37:160
  60. الصافات 37:161
  61. الصافات 37:162
  62. الصافات 37:163
  63. الصافات 37:164
  64. الصافات 37:165
  65. الصافات 37:166
  66. الصافات 37:167
  67. الصافات 37:168
  68. الصافات 37:169
  69. الصافات 37:170
  70. الصافات 37:171
  71. الصافات 37:172
  72. الصافات 37:173
  73. الصافات 37:174
  74. الصافات 37:175
  75. الصافات 37:176
  76. الصافات 37:177
  77. الصافات 37:178
  78. الصافات 37:179
  79. الصافات 37:180
  80. الصافات 37:181
  81. الصافات 37:182
  82. ص 38:1
  83. ص 38:2
  84. ص 38:3
  85. ص 38:4
  86. ص 38:5
  87. ص 38:6
  88. ص 38:7
  89. ص 38:8
  90. ص 38:9
  91. ص 38:10
  92. ص 38:11
  93. ص 38:12
  94. ص 38:13
  95. ص 38:14
  96. ص 38:15
  97. ص 38:16
  98. ص 38:17
  99. ص 38:18
  100. ص 38:19
  101. ص 38:20
  102. ص 38:21
  103. ص 38:22
  104. ص 38:23
  105. ص 38:24
  106. ص 38:25
  107. ص 38:26
  108. ص 38:27
  109. ص 38:28
  110. ص 38:29
  111. ص 38:30
  112. ص 38:31
  113. ص 38:32
  114. ص 38:33
  115. ص 38:34
  116. ص 38:35
  117. ص 38:36
  118. ص 38:37
  119. ص 38:38
  120. ص 38:39
  121. ص 38:40
  122. ص 38:41
  123. ص 38:42
  124. ص 38:43
  125. ص 38:44
  126. ص 38:45
  127. ص 38:46
  128. ص 38:47
  129. ص 38:48
  130. ص 38:49
  131. ص 38:50
  132. ص 38:51
  133. ص 38:52
  134. ص 38:53
  135. ص 38:54
  136. ص 38:55
  137. ص 38:56
  138. ص 38:57
  139. ص 38:58
  140. ص 38:59
  141. ص 38:60
  142. ص 38:61
  143. ص 38:62
  144. ص 38:63
  145. ص 38:64
  146. ص 38:65
  147. ص 38:66
  148. ص 38:67
  149. ص 38:68
  150. ص 38:69
  151. ص 38:70
  152. ص 38:71

الصافات 37:102

{83 ـ 84}؛ أي: وإنَّ من شيعة نوح عليه السلام ومَنْ هو على طريقتِهِ في النبوَّة والرسالة ودعوة الخلقِ إلى اللَّه وإجابةِ الدُّعاء إبراهيم الخليل عليه السلام. {إذۡ جاء ربَّه بقلبٍ سليم}: من الشركِ والشُّبَهِ والشَّهَوات المانعة من تصوُّر الحقِّ والعمل به. وإذا كان قلبُ العبدِ سليماً؛ سَلِمَ من كلِّ شرٍّ، وحصل له كلُّ خيرٍ. {85 ـ 87} ومن سلامته أنه سليمٌ من غشِّ الخلق وحَسَدِهم وغير ذلك من مساوئ الأخلاق، ولهذا نصح الخلق في الله، وبدأ بأبيه وقومِهِ، فقال:{إذۡ قال لأبيه وقومِهِ ماذا تَعۡبُدونَ}؟ هذا استفهامٌ على وجه الإنكار وإلزامٌ لهم بالحجة. {أإفكاً آلهةً دون الله تريدونَ}؟ أي: أتعبدون من دون آلهة كذباً ليست بآلهة، ولا تصلُحُ للعبادة؟! {فما ظنُّكم بربِّ العالمين}: أن يفعل بكم وقد عبدتُم معه غيره؟! وهذا ترهيبٌ لهم بالجزاء بالعقابِ على الإقامة على شركهم، وما الذي ظننتُم بربِّ العالمين من النقص حتى جعلتُم له أنداداً وشركاء؟! {88 ـ 93} فأراد عليه السلام أن يكسِرَ أصنامهم ويتمكَّن من ذلك، فانتهز الفرصةَ في حين غفلةٍ منهم لما ذهبوا إلى عيدٍ من أعيادهم، فخرج معهم، {فَنَظَرَ نظرةً في النجوم. فقال: إني سقيمٌ}: في الحديث الصحيح: «لم يكذبْ إبراهيمُ عليه السلام إلاَّ ثلاثَ كذباتٍ: قولُهُ: إني سقيمٌ، وقوله: بل فعله كبيرُهُم هذا، وقوله عن زوجته: إنها أختي». والقصدُ أنَّه تخلَّف عنهم ليتمَّ له الكيدُ بآلهتهم. ولهذا {تولَّوا عنه مدبِرينَ}، فلما وجد الفرصة؛ {فراغ إلى آلهتهم}؛ أي: أسرع إليها على وجه الخفية والمراوغة، {فقال} متهكِّماً بها: {ألا تأكُلونَ. ما لكم لا تنطقونَ}؛ أي: فكيف يليقُ أن تُعْبَدَ وهي أنقص من الحيوانات التي تأكُلُ و تُكلِّم، وهذه جمادٌ لا تأكل ولا تُكلِّم؟! {فراغَ عليهم ضرباً باليمين}؛ أي: جعل يضربها بقوَّتِهِ ونشاطِهِ حتى جعلها جذاذاً؛ إلاَّ كبيراً لهم لعلَّهم إليه يرجِعون. {94 ـ 96}{فأقبلوا إليه يزِفُّونَ}؛ أي: يسرعون ويُهْرَعون؛ يريدون أن يوقعوا به بعد ما بحثوا و {قالوا: مَنۡ فَعَلَ هذا بآلهتنا إنَّه لمن الظالمين}؟ {وقيل لهم: سمِعۡنا فتى يذكُرُهم يُقالُ له: إبراهيمُ}، يقول {تالله لأكيدنَّ أصنامَكُم بعدَ أن تُوَلُّوا مدبِرين}. فوبَّخوه ولاموه، فقال:{بل فَعَلَه كبيرُهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطِقون. فرجَعَوا إلى أنفسِهِم فقالوا إنَّكم أنتم الظالمونَ. ثم نُكِسوا على رؤوسِهِم لقد علمتَ ما هؤلاء ينطِقون. قال أفتعبدُونَ من دون اللهِ ما لا ينفعكم شيئاً ولا يضرُّكم ... } الآية، و {قال} هنا: {أتعبدُونَ ما تَنۡحِتونَ}؛ أي: تنحِتونه بأيديكم وتصنعونه؛ فكيف تعبُدونهم وأنتم الذين صنعتُموهم، وتتركون الإخلاصَ لله الذي {خَلَقَكُم وما تعمَلون}؟! {97 ـ 98}{قالوا ابنوا له بنياناً}؛ أي: عالياً مرتفعاً وأوقِدوا فيه النارَ، {فألقوه في الجحيم}: جزاءً على ما فعل من تكسير آلهتهم، وأرادوا {به كيداً}: ليقتُلوه أشنعَ قِتْلَةٍ؛ {فجعلناهُمُ الأسفلينَ}: ردَّ الله كيدَهم في نُحورهم، وجَعَلَ النار على إبراهيم برداً وسلاماً. {99}{و} لما فعلوا فيه هذا الفعل، وأقام عليهم الحجة، وأعذر منهم؛ {قال إنِّي ذاهبٌ إلى ربِّي}؛ أي: مهاجر إليه، قاصدٌ إلى الأرض المباركة أرض الشام {سيهدينِ}: يدلُّني على ما فيه الخير لي من أمر ديني ودنياي. وقال في الآية الأخرى:{وأعۡتَزِلُكم وما تَدۡعونَ من دونِ الله وأدۡعو ربِّي عسى ألاَّ أكونَ بِدُعاءِ ربي شَقِيًّا}. {100}{ربِّ هَبۡ لي}: ولداً يكون {من الصالحين}، وذلك عندما أيس من قومه، ولم يَرَ فيهم خيراً؛ دعا الله أن يَهَبَ له غلاماً صالحاً ينفع الله به في حياتِهِ وبعد مماتِهِ. {101} فاستجابَ اللَّه له وقال: {فبشَّرناه بغلام حَليم}: وهذا إسماعيلُ عليه السلام بلا شكٍّ؛ فإنَّه ذكر بعدَه البشارة بإسحاقَ، ولأنَّ الله تعالى قال في بُشراه بإسحاقَ:{فبشَّرنۡاها بإسحاقَ ومِن وراء إسحاقَ يعقوبَ}: فدلَّ على أنَّ إسحاقَ غير الذبيح، ووَصَفَ الله إسماعيلَ عليه السلام بالحلم، وهو يتضمَّنُ الصبرَ وحسنَ الخُلُق وسَعَةَ الصدر والعفو عَمَّنْ جنى. {102}{فلمَّا بَلَغَ الغلامُ معه السعيَ}؛ أي: أدرك أن يسعى معه، وبلغ سنًّا يكون في الغالب أحبَّ ما يكون لوالديه؛ قد ذهبتْ مشقَّتُه وأقبلتْ منفعتُهُ، فقال له إبراهيمُ عليه السلام:{إنِّي أرى في المنام أنِّي أذۡبَحُكَ}؛ أي: قد رأيت في النوم والرؤيا أنَّ الله يأمُرُني بِذَبْحِكَ، ورؤيا الأنبياءِ وحيٌ. {فانۡظُرۡ ماذا ترى}؛ فإنَّ أمر الله تعالى لا بدَّ من تنفيذِهِ، فقال إسماعيلُ صابراً محتسباً مرضياً لربِّه وبارًّا بوالده:{يا أبتِ افۡعَلۡ ما تُؤۡمَرۡ}؛ أي: امضِ لما أمَرَكَ الله، {سَتَجِدُني إن شاء الله من الصابرينَ}: أخبر أباه أنَّه موطِّنٌ نفسَه على الصبر، وقَرَنَ ذلك بمشيئة الله تعالى؛ لأنَّه لا يكون شيءٌ بدون مشيئةِ الله. {103}{فلمَّا أسۡلَما}؛ أي: إبراهيم وابنه إسماعيل: إبراهيم جازماً بقتل ابنه وثمرةِ فؤادِهِ امتثالاً لأمر ربِّه وخوفاً من عقابه، والابن قد وطَّن نفسه على الصبر، وهانتْ عليه في طاعة ربِّه ورضا والده، {وَتَلَّه للجبينِ}؛ أي: تلَّ إبراهيمُ إسماعيلَ على جبينِهِ لِيُضْجِعَه فيذبَحَه، وقد انكبَّ لوجهِهِ؛ لئلاَّ ينظرَ وقت الذبح إلى وجهِهِ. {104 ـ 105}{وناديناه}: في تلك الحال المزعجة والأمر المدهش: {أن يا إبراهيمُ. قد صَدَّقۡتَ الرؤيا}؛ أي: قد فعلتَ ما أُمِرْتَ به؛ فإنَّك وطَّنْتَ نفسك على ذلك، وفعلتَ كلَّ سبب، ولم يبقَ إلاَّ إمرار السكين على حلقه. {إنَّا كذلك نَجۡزي المحسنين}: في عبادتنا، المقدِّمين رضانا على شهواتِ أنفسهم. {106}{إنَّ هذا}: الذي امتحنَّا به إبراهيمَ عليه السلام {لهو البَلاءُ المُبينُ}؛ أي: الواضح الذي تَبَيَّنَ به صفاءُ إبراهيم وكمالُ محبَّتِهِ لربِّه وخلَّتِهِ؛ فإن إسماعيلَ عليه الصلاة (والسلام) لما وَهَبَهُ الله لإبراهيم؛ أحبَّه حبًّا شديداً، وهو خليل الرحمن، والخلَّة أعلى أنواع المحبة، وهو منصبٌ لا يقبل المشاركة، ويقتضي أن تكونَ جميعُ أجزاء القلب متعلقةً بالمحبوب، فلما تعلقتْ شعبةٌ من شُعَبِ قلبِهِ بابنه إسماعيلَ؛ أراد الله تعالى أن يُصَفِّي وُدَّه ويختبرَ خُلَّتَهَ، فأمره أن يذبح مَنْ زاحَمَ حبُّه حبَّ ربِّه، فلما قَدَّمَ حبَّ الله وآثره على هواه وعزم على ذبحِهِ وزال ما في القلب من المزاحم، بقي الذبحُ لا فائدة فيه؛ فلهذا قال:{إنَّ هذا لهو البلاءُ المبينُ}. {107}{وفديناه بِذبۡحٍ عظيم}؛ أي: صار بَدَلَه ذبحٌ من الغنم عظيمٌ ذبحه إبراهيم، فكان عظيماً: من جهة أنَّه كان فداء لإسماعيلَ، ومن جهة أنَّه من جملة العبادات الجليلة، ومن جهة أنه كان قرباناً وسنةً إلى يوم القيامةِ. {108 ـ 109}{وتركنا عليه في الآخرين. سلام على إبراهيم}؛ أي: وأبقينا عليه ثناءً صادقاً في الآخرين؛ كما كان في الأولين؛ فكل وقت بعد إبراهيم عليه السلام؛ فإنَّه فيه محبوبٌ معظَّم مثنى عليه. {سلامٌ على إبراهيم}؛ أي: تحية عليه؛ كقوله:{قُل الحمدُ لله وسلامٌ على عبادِهِ الذين اصطفى}. {110}{إنَّا كذلك نجزي المحسنين}: في عبادة الله ومعاملة خلقِهِ أن نُفَرِّجَ عنهم الشدائدَ، ونَجْعَلَ لهم العاقبة والثناء الحسن. {111}{إنَّه من عبادِنا المؤمنينَ}: بما أمر الله بالإيمان به، الذين بَلَغَ بهم الإيمانُ إلى درجة اليقين؛ كما قال تعالى:{وكذلك نُري إبراهيمَ مَلَكوتَ السمواتِ والأرضِ وليكون من الموقنين}. {112}{وبَشَّرۡناهُ بإسحاقَ نَبِيًّا من الصالحين}: هذه البشارة الثانية بإسحاقَ؛ الذي من ورائِهِ يعقوبَ، فَبُشِّرَ بوجوده وبقائه ووجود ذُرِّيَّتِهِ وكونه نبيًّا من الصالحين؛ فهي بشاراتٌ متعدِّدة. {113}{وبارَكۡنا عليه وعلى إسحاقَ}؛ أي: أنْزَلْنا عليهما البركةَ التي هي النمو والزيادة في علمهما وعملهما وذريتهما، فنشر الله من ذُرِّيَّتِهِما ثلاث أمم عظيمة: أمة العرب من ذُرِّيَّةِ إسماعيلَ، وأمة بني إسرائيل، وأمة الروم من ذُرِّيَّةِ إسحاقَ. {ومن ذُرِّيَّتِهِما محسنٌ وظالمٌ لنفسِهِ مبينٌ}؛ أي: منهم الصالح والطالح، والعادل والظالم، الذي تبيَّن ظلمُهُ بكفرِهِ وشركِهِ، ولعل هذا من باب دفع الإيهام؛ فإنَّه لمَّا قال:{وبارَكۡنا عليه وعلى إسحاقَ}؛ اقتضى ذلك البركة في ذُرِّيَّتِهِما، وأنَّ من تمام البركة أن تكون الذُّرِّيَّة كلُّهم محسنين، فأخبر الله تعالى أنَّ منهم محسناً وظالماً. والله أعلم.

الصافات 37:103

{83 ـ 84}؛ أي: وإنَّ من شيعة نوح عليه السلام ومَنْ هو على طريقتِهِ في النبوَّة والرسالة ودعوة الخلقِ إلى اللَّه وإجابةِ الدُّعاء إبراهيم الخليل عليه السلام. {إذۡ جاء ربَّه بقلبٍ سليم}: من الشركِ والشُّبَهِ والشَّهَوات المانعة من تصوُّر الحقِّ والعمل به. وإذا كان قلبُ العبدِ سليماً؛ سَلِمَ من كلِّ شرٍّ، وحصل له كلُّ خيرٍ. {85 ـ 87} ومن سلامته أنه سليمٌ من غشِّ الخلق وحَسَدِهم وغير ذلك من مساوئ الأخلاق، ولهذا نصح الخلق في الله، وبدأ بأبيه وقومِهِ، فقال:{إذۡ قال لأبيه وقومِهِ ماذا تَعۡبُدونَ}؟ هذا استفهامٌ على وجه الإنكار وإلزامٌ لهم بالحجة. {أإفكاً آلهةً دون الله تريدونَ}؟ أي: أتعبدون من دون آلهة كذباً ليست بآلهة، ولا تصلُحُ للعبادة؟! {فما ظنُّكم بربِّ العالمين}: أن يفعل بكم وقد عبدتُم معه غيره؟! وهذا ترهيبٌ لهم بالجزاء بالعقابِ على الإقامة على شركهم، وما الذي ظننتُم بربِّ العالمين من النقص حتى جعلتُم له أنداداً وشركاء؟! {88 ـ 93} فأراد عليه السلام أن يكسِرَ أصنامهم ويتمكَّن من ذلك، فانتهز الفرصةَ في حين غفلةٍ منهم لما ذهبوا إلى عيدٍ من أعيادهم، فخرج معهم، {فَنَظَرَ نظرةً في النجوم. فقال: إني سقيمٌ}: في الحديث الصحيح: «لم يكذبْ إبراهيمُ عليه السلام إلاَّ ثلاثَ كذباتٍ: قولُهُ: إني سقيمٌ، وقوله: بل فعله كبيرُهُم هذا، وقوله عن زوجته: إنها أختي». والقصدُ أنَّه تخلَّف عنهم ليتمَّ له الكيدُ بآلهتهم. ولهذا {تولَّوا عنه مدبِرينَ}، فلما وجد الفرصة؛ {فراغ إلى آلهتهم}؛ أي: أسرع إليها على وجه الخفية والمراوغة، {فقال} متهكِّماً بها: {ألا تأكُلونَ. ما لكم لا تنطقونَ}؛ أي: فكيف يليقُ أن تُعْبَدَ وهي أنقص من الحيوانات التي تأكُلُ و تُكلِّم، وهذه جمادٌ لا تأكل ولا تُكلِّم؟! {فراغَ عليهم ضرباً باليمين}؛ أي: جعل يضربها بقوَّتِهِ ونشاطِهِ حتى جعلها جذاذاً؛ إلاَّ كبيراً لهم لعلَّهم إليه يرجِعون. {94 ـ 96}{فأقبلوا إليه يزِفُّونَ}؛ أي: يسرعون ويُهْرَعون؛ يريدون أن يوقعوا به بعد ما بحثوا و {قالوا: مَنۡ فَعَلَ هذا بآلهتنا إنَّه لمن الظالمين}؟ {وقيل لهم: سمِعۡنا فتى يذكُرُهم يُقالُ له: إبراهيمُ}، يقول {تالله لأكيدنَّ أصنامَكُم بعدَ أن تُوَلُّوا مدبِرين}. فوبَّخوه ولاموه، فقال:{بل فَعَلَه كبيرُهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطِقون. فرجَعَوا إلى أنفسِهِم فقالوا إنَّكم أنتم الظالمونَ. ثم نُكِسوا على رؤوسِهِم لقد علمتَ ما هؤلاء ينطِقون. قال أفتعبدُونَ من دون اللهِ ما لا ينفعكم شيئاً ولا يضرُّكم ... } الآية، و {قال} هنا: {أتعبدُونَ ما تَنۡحِتونَ}؛ أي: تنحِتونه بأيديكم وتصنعونه؛ فكيف تعبُدونهم وأنتم الذين صنعتُموهم، وتتركون الإخلاصَ لله الذي {خَلَقَكُم وما تعمَلون}؟! {97 ـ 98}{قالوا ابنوا له بنياناً}؛ أي: عالياً مرتفعاً وأوقِدوا فيه النارَ، {فألقوه في الجحيم}: جزاءً على ما فعل من تكسير آلهتهم، وأرادوا {به كيداً}: ليقتُلوه أشنعَ قِتْلَةٍ؛ {فجعلناهُمُ الأسفلينَ}: ردَّ الله كيدَهم في نُحورهم، وجَعَلَ النار على إبراهيم برداً وسلاماً. {99}{و} لما فعلوا فيه هذا الفعل، وأقام عليهم الحجة، وأعذر منهم؛ {قال إنِّي ذاهبٌ إلى ربِّي}؛ أي: مهاجر إليه، قاصدٌ إلى الأرض المباركة أرض الشام {سيهدينِ}: يدلُّني على ما فيه الخير لي من أمر ديني ودنياي. وقال في الآية الأخرى:{وأعۡتَزِلُكم وما تَدۡعونَ من دونِ الله وأدۡعو ربِّي عسى ألاَّ أكونَ بِدُعاءِ ربي شَقِيًّا}. {100}{ربِّ هَبۡ لي}: ولداً يكون {من الصالحين}، وذلك عندما أيس من قومه، ولم يَرَ فيهم خيراً؛ دعا الله أن يَهَبَ له غلاماً صالحاً ينفع الله به في حياتِهِ وبعد مماتِهِ. {101} فاستجابَ اللَّه له وقال: {فبشَّرناه بغلام حَليم}: وهذا إسماعيلُ عليه السلام بلا شكٍّ؛ فإنَّه ذكر بعدَه البشارة بإسحاقَ، ولأنَّ الله تعالى قال في بُشراه بإسحاقَ:{فبشَّرنۡاها بإسحاقَ ومِن وراء إسحاقَ يعقوبَ}: فدلَّ على أنَّ إسحاقَ غير الذبيح، ووَصَفَ الله إسماعيلَ عليه السلام بالحلم، وهو يتضمَّنُ الصبرَ وحسنَ الخُلُق وسَعَةَ الصدر والعفو عَمَّنْ جنى. {102}{فلمَّا بَلَغَ الغلامُ معه السعيَ}؛ أي: أدرك أن يسعى معه، وبلغ سنًّا يكون في الغالب أحبَّ ما يكون لوالديه؛ قد ذهبتْ مشقَّتُه وأقبلتْ منفعتُهُ، فقال له إبراهيمُ عليه السلام:{إنِّي أرى في المنام أنِّي أذۡبَحُكَ}؛ أي: قد رأيت في النوم والرؤيا أنَّ الله يأمُرُني بِذَبْحِكَ، ورؤيا الأنبياءِ وحيٌ. {فانۡظُرۡ ماذا ترى}؛ فإنَّ أمر الله تعالى لا بدَّ من تنفيذِهِ، فقال إسماعيلُ صابراً محتسباً مرضياً لربِّه وبارًّا بوالده:{يا أبتِ افۡعَلۡ ما تُؤۡمَرۡ}؛ أي: امضِ لما أمَرَكَ الله، {سَتَجِدُني إن شاء الله من الصابرينَ}: أخبر أباه أنَّه موطِّنٌ نفسَه على الصبر، وقَرَنَ ذلك بمشيئة الله تعالى؛ لأنَّه لا يكون شيءٌ بدون مشيئةِ الله. {103}{فلمَّا أسۡلَما}؛ أي: إبراهيم وابنه إسماعيل: إبراهيم جازماً بقتل ابنه وثمرةِ فؤادِهِ امتثالاً لأمر ربِّه وخوفاً من عقابه، والابن قد وطَّن نفسه على الصبر، وهانتْ عليه في طاعة ربِّه ورضا والده، {وَتَلَّه للجبينِ}؛ أي: تلَّ إبراهيمُ إسماعيلَ على جبينِهِ لِيُضْجِعَه فيذبَحَه، وقد انكبَّ لوجهِهِ؛ لئلاَّ ينظرَ وقت الذبح إلى وجهِهِ. {104 ـ 105}{وناديناه}: في تلك الحال المزعجة والأمر المدهش: {أن يا إبراهيمُ. قد صَدَّقۡتَ الرؤيا}؛ أي: قد فعلتَ ما أُمِرْتَ به؛ فإنَّك وطَّنْتَ نفسك على ذلك، وفعلتَ كلَّ سبب، ولم يبقَ إلاَّ إمرار السكين على حلقه. {إنَّا كذلك نَجۡزي المحسنين}: في عبادتنا، المقدِّمين رضانا على شهواتِ أنفسهم. {106}{إنَّ هذا}: الذي امتحنَّا به إبراهيمَ عليه السلام {لهو البَلاءُ المُبينُ}؛ أي: الواضح الذي تَبَيَّنَ به صفاءُ إبراهيم وكمالُ محبَّتِهِ لربِّه وخلَّتِهِ؛ فإن إسماعيلَ عليه الصلاة (والسلام) لما وَهَبَهُ الله لإبراهيم؛ أحبَّه حبًّا شديداً، وهو خليل الرحمن، والخلَّة أعلى أنواع المحبة، وهو منصبٌ لا يقبل المشاركة، ويقتضي أن تكونَ جميعُ أجزاء القلب متعلقةً بالمحبوب، فلما تعلقتْ شعبةٌ من شُعَبِ قلبِهِ بابنه إسماعيلَ؛ أراد الله تعالى أن يُصَفِّي وُدَّه ويختبرَ خُلَّتَهَ، فأمره أن يذبح مَنْ زاحَمَ حبُّه حبَّ ربِّه، فلما قَدَّمَ حبَّ الله وآثره على هواه وعزم على ذبحِهِ وزال ما في القلب من المزاحم، بقي الذبحُ لا فائدة فيه؛ فلهذا قال:{إنَّ هذا لهو البلاءُ المبينُ}. {107}{وفديناه بِذبۡحٍ عظيم}؛ أي: صار بَدَلَه ذبحٌ من الغنم عظيمٌ ذبحه إبراهيم، فكان عظيماً: من جهة أنَّه كان فداء لإسماعيلَ، ومن جهة أنَّه من جملة العبادات الجليلة، ومن جهة أنه كان قرباناً وسنةً إلى يوم القيامةِ. {108 ـ 109}{وتركنا عليه في الآخرين. سلام على إبراهيم}؛ أي: وأبقينا عليه ثناءً صادقاً في الآخرين؛ كما كان في الأولين؛ فكل وقت بعد إبراهيم عليه السلام؛ فإنَّه فيه محبوبٌ معظَّم مثنى عليه. {سلامٌ على إبراهيم}؛ أي: تحية عليه؛ كقوله:{قُل الحمدُ لله وسلامٌ على عبادِهِ الذين اصطفى}. {110}{إنَّا كذلك نجزي المحسنين}: في عبادة الله ومعاملة خلقِهِ أن نُفَرِّجَ عنهم الشدائدَ، ونَجْعَلَ لهم العاقبة والثناء الحسن. {111}{إنَّه من عبادِنا المؤمنينَ}: بما أمر الله بالإيمان به، الذين بَلَغَ بهم الإيمانُ إلى درجة اليقين؛ كما قال تعالى:{وكذلك نُري إبراهيمَ مَلَكوتَ السمواتِ والأرضِ وليكون من الموقنين}. {112}{وبَشَّرۡناهُ بإسحاقَ نَبِيًّا من الصالحين}: هذه البشارة الثانية بإسحاقَ؛ الذي من ورائِهِ يعقوبَ، فَبُشِّرَ بوجوده وبقائه ووجود ذُرِّيَّتِهِ وكونه نبيًّا من الصالحين؛ فهي بشاراتٌ متعدِّدة. {113}{وبارَكۡنا عليه وعلى إسحاقَ}؛ أي: أنْزَلْنا عليهما البركةَ التي هي النمو والزيادة في علمهما وعملهما وذريتهما، فنشر الله من ذُرِّيَّتِهِما ثلاث أمم عظيمة: أمة العرب من ذُرِّيَّةِ إسماعيلَ، وأمة بني إسرائيل، وأمة الروم من ذُرِّيَّةِ إسحاقَ. {ومن ذُرِّيَّتِهِما محسنٌ وظالمٌ لنفسِهِ مبينٌ}؛ أي: منهم الصالح والطالح، والعادل والظالم، الذي تبيَّن ظلمُهُ بكفرِهِ وشركِهِ، ولعل هذا من باب دفع الإيهام؛ فإنَّه لمَّا قال:{وبارَكۡنا عليه وعلى إسحاقَ}؛ اقتضى ذلك البركة في ذُرِّيَّتِهِما، وأنَّ من تمام البركة أن تكون الذُّرِّيَّة كلُّهم محسنين، فأخبر الله تعالى أنَّ منهم محسناً وظالماً. والله أعلم.

الصافات 37:104

{83 ـ 84}؛ أي: وإنَّ من شيعة نوح عليه السلام ومَنْ هو على طريقتِهِ في النبوَّة والرسالة ودعوة الخلقِ إلى اللَّه وإجابةِ الدُّعاء إبراهيم الخليل عليه السلام. {إذۡ جاء ربَّه بقلبٍ سليم}: من الشركِ والشُّبَهِ والشَّهَوات المانعة من تصوُّر الحقِّ والعمل به. وإذا كان قلبُ العبدِ سليماً؛ سَلِمَ من كلِّ شرٍّ، وحصل له كلُّ خيرٍ. {85 ـ 87} ومن سلامته أنه سليمٌ من غشِّ الخلق وحَسَدِهم وغير ذلك من مساوئ الأخلاق، ولهذا نصح الخلق في الله، وبدأ بأبيه وقومِهِ، فقال:{إذۡ قال لأبيه وقومِهِ ماذا تَعۡبُدونَ}؟ هذا استفهامٌ على وجه الإنكار وإلزامٌ لهم بالحجة. {أإفكاً آلهةً دون الله تريدونَ}؟ أي: أتعبدون من دون آلهة كذباً ليست بآلهة، ولا تصلُحُ للعبادة؟! {فما ظنُّكم بربِّ العالمين}: أن يفعل بكم وقد عبدتُم معه غيره؟! وهذا ترهيبٌ لهم بالجزاء بالعقابِ على الإقامة على شركهم، وما الذي ظننتُم بربِّ العالمين من النقص حتى جعلتُم له أنداداً وشركاء؟! {88 ـ 93} فأراد عليه السلام أن يكسِرَ أصنامهم ويتمكَّن من ذلك، فانتهز الفرصةَ في حين غفلةٍ منهم لما ذهبوا إلى عيدٍ من أعيادهم، فخرج معهم، {فَنَظَرَ نظرةً في النجوم. فقال: إني سقيمٌ}: في الحديث الصحيح: «لم يكذبْ إبراهيمُ عليه السلام إلاَّ ثلاثَ كذباتٍ: قولُهُ: إني سقيمٌ، وقوله: بل فعله كبيرُهُم هذا، وقوله عن زوجته: إنها أختي». والقصدُ أنَّه تخلَّف عنهم ليتمَّ له الكيدُ بآلهتهم. ولهذا {تولَّوا عنه مدبِرينَ}، فلما وجد الفرصة؛ {فراغ إلى آلهتهم}؛ أي: أسرع إليها على وجه الخفية والمراوغة، {فقال} متهكِّماً بها: {ألا تأكُلونَ. ما لكم لا تنطقونَ}؛ أي: فكيف يليقُ أن تُعْبَدَ وهي أنقص من الحيوانات التي تأكُلُ و تُكلِّم، وهذه جمادٌ لا تأكل ولا تُكلِّم؟! {فراغَ عليهم ضرباً باليمين}؛ أي: جعل يضربها بقوَّتِهِ ونشاطِهِ حتى جعلها جذاذاً؛ إلاَّ كبيراً لهم لعلَّهم إليه يرجِعون. {94 ـ 96}{فأقبلوا إليه يزِفُّونَ}؛ أي: يسرعون ويُهْرَعون؛ يريدون أن يوقعوا به بعد ما بحثوا و {قالوا: مَنۡ فَعَلَ هذا بآلهتنا إنَّه لمن الظالمين}؟ {وقيل لهم: سمِعۡنا فتى يذكُرُهم يُقالُ له: إبراهيمُ}، يقول {تالله لأكيدنَّ أصنامَكُم بعدَ أن تُوَلُّوا مدبِرين}. فوبَّخوه ولاموه، فقال:{بل فَعَلَه كبيرُهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطِقون. فرجَعَوا إلى أنفسِهِم فقالوا إنَّكم أنتم الظالمونَ. ثم نُكِسوا على رؤوسِهِم لقد علمتَ ما هؤلاء ينطِقون. قال أفتعبدُونَ من دون اللهِ ما لا ينفعكم شيئاً ولا يضرُّكم ... } الآية، و {قال} هنا: {أتعبدُونَ ما تَنۡحِتونَ}؛ أي: تنحِتونه بأيديكم وتصنعونه؛ فكيف تعبُدونهم وأنتم الذين صنعتُموهم، وتتركون الإخلاصَ لله الذي {خَلَقَكُم وما تعمَلون}؟! {97 ـ 98}{قالوا ابنوا له بنياناً}؛ أي: عالياً مرتفعاً وأوقِدوا فيه النارَ، {فألقوه في الجحيم}: جزاءً على ما فعل من تكسير آلهتهم، وأرادوا {به كيداً}: ليقتُلوه أشنعَ قِتْلَةٍ؛ {فجعلناهُمُ الأسفلينَ}: ردَّ الله كيدَهم في نُحورهم، وجَعَلَ النار على إبراهيم برداً وسلاماً. {99}{و} لما فعلوا فيه هذا الفعل، وأقام عليهم الحجة، وأعذر منهم؛ {قال إنِّي ذاهبٌ إلى ربِّي}؛ أي: مهاجر إليه، قاصدٌ إلى الأرض المباركة أرض الشام {سيهدينِ}: يدلُّني على ما فيه الخير لي من أمر ديني ودنياي. وقال في الآية الأخرى:{وأعۡتَزِلُكم وما تَدۡعونَ من دونِ الله وأدۡعو ربِّي عسى ألاَّ أكونَ بِدُعاءِ ربي شَقِيًّا}. {100}{ربِّ هَبۡ لي}: ولداً يكون {من الصالحين}، وذلك عندما أيس من قومه، ولم يَرَ فيهم خيراً؛ دعا الله أن يَهَبَ له غلاماً صالحاً ينفع الله به في حياتِهِ وبعد مماتِهِ. {101} فاستجابَ اللَّه له وقال: {فبشَّرناه بغلام حَليم}: وهذا إسماعيلُ عليه السلام بلا شكٍّ؛ فإنَّه ذكر بعدَه البشارة بإسحاقَ، ولأنَّ الله تعالى قال في بُشراه بإسحاقَ:{فبشَّرنۡاها بإسحاقَ ومِن وراء إسحاقَ يعقوبَ}: فدلَّ على أنَّ إسحاقَ غير الذبيح، ووَصَفَ الله إسماعيلَ عليه السلام بالحلم، وهو يتضمَّنُ الصبرَ وحسنَ الخُلُق وسَعَةَ الصدر والعفو عَمَّنْ جنى. {102}{فلمَّا بَلَغَ الغلامُ معه السعيَ}؛ أي: أدرك أن يسعى معه، وبلغ سنًّا يكون في الغالب أحبَّ ما يكون لوالديه؛ قد ذهبتْ مشقَّتُه وأقبلتْ منفعتُهُ، فقال له إبراهيمُ عليه السلام:{إنِّي أرى في المنام أنِّي أذۡبَحُكَ}؛ أي: قد رأيت في النوم والرؤيا أنَّ الله يأمُرُني بِذَبْحِكَ، ورؤيا الأنبياءِ وحيٌ. {فانۡظُرۡ ماذا ترى}؛ فإنَّ أمر الله تعالى لا بدَّ من تنفيذِهِ، فقال إسماعيلُ صابراً محتسباً مرضياً لربِّه وبارًّا بوالده:{يا أبتِ افۡعَلۡ ما تُؤۡمَرۡ}؛ أي: امضِ لما أمَرَكَ الله، {سَتَجِدُني إن شاء الله من الصابرينَ}: أخبر أباه أنَّه موطِّنٌ نفسَه على الصبر، وقَرَنَ ذلك بمشيئة الله تعالى؛ لأنَّه لا يكون شيءٌ بدون مشيئةِ الله. {103}{فلمَّا أسۡلَما}؛ أي: إبراهيم وابنه إسماعيل: إبراهيم جازماً بقتل ابنه وثمرةِ فؤادِهِ امتثالاً لأمر ربِّه وخوفاً من عقابه، والابن قد وطَّن نفسه على الصبر، وهانتْ عليه في طاعة ربِّه ورضا والده، {وَتَلَّه للجبينِ}؛ أي: تلَّ إبراهيمُ إسماعيلَ على جبينِهِ لِيُضْجِعَه فيذبَحَه، وقد انكبَّ لوجهِهِ؛ لئلاَّ ينظرَ وقت الذبح إلى وجهِهِ. {104 ـ 105}{وناديناه}: في تلك الحال المزعجة والأمر المدهش: {أن يا إبراهيمُ. قد صَدَّقۡتَ الرؤيا}؛ أي: قد فعلتَ ما أُمِرْتَ به؛ فإنَّك وطَّنْتَ نفسك على ذلك، وفعلتَ كلَّ سبب، ولم يبقَ إلاَّ إمرار السكين على حلقه. {إنَّا كذلك نَجۡزي المحسنين}: في عبادتنا، المقدِّمين رضانا على شهواتِ أنفسهم. {106}{إنَّ هذا}: الذي امتحنَّا به إبراهيمَ عليه السلام {لهو البَلاءُ المُبينُ}؛ أي: الواضح الذي تَبَيَّنَ به صفاءُ إبراهيم وكمالُ محبَّتِهِ لربِّه وخلَّتِهِ؛ فإن إسماعيلَ عليه الصلاة (والسلام) لما وَهَبَهُ الله لإبراهيم؛ أحبَّه حبًّا شديداً، وهو خليل الرحمن، والخلَّة أعلى أنواع المحبة، وهو منصبٌ لا يقبل المشاركة، ويقتضي أن تكونَ جميعُ أجزاء القلب متعلقةً بالمحبوب، فلما تعلقتْ شعبةٌ من شُعَبِ قلبِهِ بابنه إسماعيلَ؛ أراد الله تعالى أن يُصَفِّي وُدَّه ويختبرَ خُلَّتَهَ، فأمره أن يذبح مَنْ زاحَمَ حبُّه حبَّ ربِّه، فلما قَدَّمَ حبَّ الله وآثره على هواه وعزم على ذبحِهِ وزال ما في القلب من المزاحم، بقي الذبحُ لا فائدة فيه؛ فلهذا قال:{إنَّ هذا لهو البلاءُ المبينُ}. {107}{وفديناه بِذبۡحٍ عظيم}؛ أي: صار بَدَلَه ذبحٌ من الغنم عظيمٌ ذبحه إبراهيم، فكان عظيماً: من جهة أنَّه كان فداء لإسماعيلَ، ومن جهة أنَّه من جملة العبادات الجليلة، ومن جهة أنه كان قرباناً وسنةً إلى يوم القيامةِ. {108 ـ 109}{وتركنا عليه في الآخرين. سلام على إبراهيم}؛ أي: وأبقينا عليه ثناءً صادقاً في الآخرين؛ كما كان في الأولين؛ فكل وقت بعد إبراهيم عليه السلام؛ فإنَّه فيه محبوبٌ معظَّم مثنى عليه. {سلامٌ على إبراهيم}؛ أي: تحية عليه؛ كقوله:{قُل الحمدُ لله وسلامٌ على عبادِهِ الذين اصطفى}. {110}{إنَّا كذلك نجزي المحسنين}: في عبادة الله ومعاملة خلقِهِ أن نُفَرِّجَ عنهم الشدائدَ، ونَجْعَلَ لهم العاقبة والثناء الحسن. {111}{إنَّه من عبادِنا المؤمنينَ}: بما أمر الله بالإيمان به، الذين بَلَغَ بهم الإيمانُ إلى درجة اليقين؛ كما قال تعالى:{وكذلك نُري إبراهيمَ مَلَكوتَ السمواتِ والأرضِ وليكون من الموقنين}. {112}{وبَشَّرۡناهُ بإسحاقَ نَبِيًّا من الصالحين}: هذه البشارة الثانية بإسحاقَ؛ الذي من ورائِهِ يعقوبَ، فَبُشِّرَ بوجوده وبقائه ووجود ذُرِّيَّتِهِ وكونه نبيًّا من الصالحين؛ فهي بشاراتٌ متعدِّدة. {113}{وبارَكۡنا عليه وعلى إسحاقَ}؛ أي: أنْزَلْنا عليهما البركةَ التي هي النمو والزيادة في علمهما وعملهما وذريتهما، فنشر الله من ذُرِّيَّتِهِما ثلاث أمم عظيمة: أمة العرب من ذُرِّيَّةِ إسماعيلَ، وأمة بني إسرائيل، وأمة الروم من ذُرِّيَّةِ إسحاقَ. {ومن ذُرِّيَّتِهِما محسنٌ وظالمٌ لنفسِهِ مبينٌ}؛ أي: منهم الصالح والطالح، والعادل والظالم، الذي تبيَّن ظلمُهُ بكفرِهِ وشركِهِ، ولعل هذا من باب دفع الإيهام؛ فإنَّه لمَّا قال:{وبارَكۡنا عليه وعلى إسحاقَ}؛ اقتضى ذلك البركة في ذُرِّيَّتِهِما، وأنَّ من تمام البركة أن تكون الذُّرِّيَّة كلُّهم محسنين، فأخبر الله تعالى أنَّ منهم محسناً وظالماً. والله أعلم.

الصافات 37:105

{83 ـ 84}؛ أي: وإنَّ من شيعة نوح عليه السلام ومَنْ هو على طريقتِهِ في النبوَّة والرسالة ودعوة الخلقِ إلى اللَّه وإجابةِ الدُّعاء إبراهيم الخليل عليه السلام. {إذۡ جاء ربَّه بقلبٍ سليم}: من الشركِ والشُّبَهِ والشَّهَوات المانعة من تصوُّر الحقِّ والعمل به. وإذا كان قلبُ العبدِ سليماً؛ سَلِمَ من كلِّ شرٍّ، وحصل له كلُّ خيرٍ. {85 ـ 87} ومن سلامته أنه سليمٌ من غشِّ الخلق وحَسَدِهم وغير ذلك من مساوئ الأخلاق، ولهذا نصح الخلق في الله، وبدأ بأبيه وقومِهِ، فقال:{إذۡ قال لأبيه وقومِهِ ماذا تَعۡبُدونَ}؟ هذا استفهامٌ على وجه الإنكار وإلزامٌ لهم بالحجة. {أإفكاً آلهةً دون الله تريدونَ}؟ أي: أتعبدون من دون آلهة كذباً ليست بآلهة، ولا تصلُحُ للعبادة؟! {فما ظنُّكم بربِّ العالمين}: أن يفعل بكم وقد عبدتُم معه غيره؟! وهذا ترهيبٌ لهم بالجزاء بالعقابِ على الإقامة على شركهم، وما الذي ظننتُم بربِّ العالمين من النقص حتى جعلتُم له أنداداً وشركاء؟! {88 ـ 93} فأراد عليه السلام أن يكسِرَ أصنامهم ويتمكَّن من ذلك، فانتهز الفرصةَ في حين غفلةٍ منهم لما ذهبوا إلى عيدٍ من أعيادهم، فخرج معهم، {فَنَظَرَ نظرةً في النجوم. فقال: إني سقيمٌ}: في الحديث الصحيح: «لم يكذبْ إبراهيمُ عليه السلام إلاَّ ثلاثَ كذباتٍ: قولُهُ: إني سقيمٌ، وقوله: بل فعله كبيرُهُم هذا، وقوله عن زوجته: إنها أختي». والقصدُ أنَّه تخلَّف عنهم ليتمَّ له الكيدُ بآلهتهم. ولهذا {تولَّوا عنه مدبِرينَ}، فلما وجد الفرصة؛ {فراغ إلى آلهتهم}؛ أي: أسرع إليها على وجه الخفية والمراوغة، {فقال} متهكِّماً بها: {ألا تأكُلونَ. ما لكم لا تنطقونَ}؛ أي: فكيف يليقُ أن تُعْبَدَ وهي أنقص من الحيوانات التي تأكُلُ و تُكلِّم، وهذه جمادٌ لا تأكل ولا تُكلِّم؟! {فراغَ عليهم ضرباً باليمين}؛ أي: جعل يضربها بقوَّتِهِ ونشاطِهِ حتى جعلها جذاذاً؛ إلاَّ كبيراً لهم لعلَّهم إليه يرجِعون. {94 ـ 96}{فأقبلوا إليه يزِفُّونَ}؛ أي: يسرعون ويُهْرَعون؛ يريدون أن يوقعوا به بعد ما بحثوا و {قالوا: مَنۡ فَعَلَ هذا بآلهتنا إنَّه لمن الظالمين}؟ {وقيل لهم: سمِعۡنا فتى يذكُرُهم يُقالُ له: إبراهيمُ}، يقول {تالله لأكيدنَّ أصنامَكُم بعدَ أن تُوَلُّوا مدبِرين}. فوبَّخوه ولاموه، فقال:{بل فَعَلَه كبيرُهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطِقون. فرجَعَوا إلى أنفسِهِم فقالوا إنَّكم أنتم الظالمونَ. ثم نُكِسوا على رؤوسِهِم لقد علمتَ ما هؤلاء ينطِقون. قال أفتعبدُونَ من دون اللهِ ما لا ينفعكم شيئاً ولا يضرُّكم ... } الآية، و {قال} هنا: {أتعبدُونَ ما تَنۡحِتونَ}؛ أي: تنحِتونه بأيديكم وتصنعونه؛ فكيف تعبُدونهم وأنتم الذين صنعتُموهم، وتتركون الإخلاصَ لله الذي {خَلَقَكُم وما تعمَلون}؟! {97 ـ 98}{قالوا ابنوا له بنياناً}؛ أي: عالياً مرتفعاً وأوقِدوا فيه النارَ، {فألقوه في الجحيم}: جزاءً على ما فعل من تكسير آلهتهم، وأرادوا {به كيداً}: ليقتُلوه أشنعَ قِتْلَةٍ؛ {فجعلناهُمُ الأسفلينَ}: ردَّ الله كيدَهم في نُحورهم، وجَعَلَ النار على إبراهيم برداً وسلاماً. {99}{و} لما فعلوا فيه هذا الفعل، وأقام عليهم الحجة، وأعذر منهم؛ {قال إنِّي ذاهبٌ إلى ربِّي}؛ أي: مهاجر إليه، قاصدٌ إلى الأرض المباركة أرض الشام {سيهدينِ}: يدلُّني على ما فيه الخير لي من أمر ديني ودنياي. وقال في الآية الأخرى:{وأعۡتَزِلُكم وما تَدۡعونَ من دونِ الله وأدۡعو ربِّي عسى ألاَّ أكونَ بِدُعاءِ ربي شَقِيًّا}. {100}{ربِّ هَبۡ لي}: ولداً يكون {من الصالحين}، وذلك عندما أيس من قومه، ولم يَرَ فيهم خيراً؛ دعا الله أن يَهَبَ له غلاماً صالحاً ينفع الله به في حياتِهِ وبعد مماتِهِ. {101} فاستجابَ اللَّه له وقال: {فبشَّرناه بغلام حَليم}: وهذا إسماعيلُ عليه السلام بلا شكٍّ؛ فإنَّه ذكر بعدَه البشارة بإسحاقَ، ولأنَّ الله تعالى قال في بُشراه بإسحاقَ:{فبشَّرنۡاها بإسحاقَ ومِن وراء إسحاقَ يعقوبَ}: فدلَّ على أنَّ إسحاقَ غير الذبيح، ووَصَفَ الله إسماعيلَ عليه السلام بالحلم، وهو يتضمَّنُ الصبرَ وحسنَ الخُلُق وسَعَةَ الصدر والعفو عَمَّنْ جنى. {102}{فلمَّا بَلَغَ الغلامُ معه السعيَ}؛ أي: أدرك أن يسعى معه، وبلغ سنًّا يكون في الغالب أحبَّ ما يكون لوالديه؛ قد ذهبتْ مشقَّتُه وأقبلتْ منفعتُهُ، فقال له إبراهيمُ عليه السلام:{إنِّي أرى في المنام أنِّي أذۡبَحُكَ}؛ أي: قد رأيت في النوم والرؤيا أنَّ الله يأمُرُني بِذَبْحِكَ، ورؤيا الأنبياءِ وحيٌ. {فانۡظُرۡ ماذا ترى}؛ فإنَّ أمر الله تعالى لا بدَّ من تنفيذِهِ، فقال إسماعيلُ صابراً محتسباً مرضياً لربِّه وبارًّا بوالده:{يا أبتِ افۡعَلۡ ما تُؤۡمَرۡ}؛ أي: امضِ لما أمَرَكَ الله، {سَتَجِدُني إن شاء الله من الصابرينَ}: أخبر أباه أنَّه موطِّنٌ نفسَه على الصبر، وقَرَنَ ذلك بمشيئة الله تعالى؛ لأنَّه لا يكون شيءٌ بدون مشيئةِ الله. {103}{فلمَّا أسۡلَما}؛ أي: إبراهيم وابنه إسماعيل: إبراهيم جازماً بقتل ابنه وثمرةِ فؤادِهِ امتثالاً لأمر ربِّه وخوفاً من عقابه، والابن قد وطَّن نفسه على الصبر، وهانتْ عليه في طاعة ربِّه ورضا والده، {وَتَلَّه للجبينِ}؛ أي: تلَّ إبراهيمُ إسماعيلَ على جبينِهِ لِيُضْجِعَه فيذبَحَه، وقد انكبَّ لوجهِهِ؛ لئلاَّ ينظرَ وقت الذبح إلى وجهِهِ. {104 ـ 105}{وناديناه}: في تلك الحال المزعجة والأمر المدهش: {أن يا إبراهيمُ. قد صَدَّقۡتَ الرؤيا}؛ أي: قد فعلتَ ما أُمِرْتَ به؛ فإنَّك وطَّنْتَ نفسك على ذلك، وفعلتَ كلَّ سبب، ولم يبقَ إلاَّ إمرار السكين على حلقه. {إنَّا كذلك نَجۡزي المحسنين}: في عبادتنا، المقدِّمين رضانا على شهواتِ أنفسهم. {106}{إنَّ هذا}: الذي امتحنَّا به إبراهيمَ عليه السلام {لهو البَلاءُ المُبينُ}؛ أي: الواضح الذي تَبَيَّنَ به صفاءُ إبراهيم وكمالُ محبَّتِهِ لربِّه وخلَّتِهِ؛ فإن إسماعيلَ عليه الصلاة (والسلام) لما وَهَبَهُ الله لإبراهيم؛ أحبَّه حبًّا شديداً، وهو خليل الرحمن، والخلَّة أعلى أنواع المحبة، وهو منصبٌ لا يقبل المشاركة، ويقتضي أن تكونَ جميعُ أجزاء القلب متعلقةً بالمحبوب، فلما تعلقتْ شعبةٌ من شُعَبِ قلبِهِ بابنه إسماعيلَ؛ أراد الله تعالى أن يُصَفِّي وُدَّه ويختبرَ خُلَّتَهَ، فأمره أن يذبح مَنْ زاحَمَ حبُّه حبَّ ربِّه، فلما قَدَّمَ حبَّ الله وآثره على هواه وعزم على ذبحِهِ وزال ما في القلب من المزاحم، بقي الذبحُ لا فائدة فيه؛ فلهذا قال:{إنَّ هذا لهو البلاءُ المبينُ}. {107}{وفديناه بِذبۡحٍ عظيم}؛ أي: صار بَدَلَه ذبحٌ من الغنم عظيمٌ ذبحه إبراهيم، فكان عظيماً: من جهة أنَّه كان فداء لإسماعيلَ، ومن جهة أنَّه من جملة العبادات الجليلة، ومن جهة أنه كان قرباناً وسنةً إلى يوم القيامةِ. {108 ـ 109}{وتركنا عليه في الآخرين. سلام على إبراهيم}؛ أي: وأبقينا عليه ثناءً صادقاً في الآخرين؛ كما كان في الأولين؛ فكل وقت بعد إبراهيم عليه السلام؛ فإنَّه فيه محبوبٌ معظَّم مثنى عليه. {سلامٌ على إبراهيم}؛ أي: تحية عليه؛ كقوله:{قُل الحمدُ لله وسلامٌ على عبادِهِ الذين اصطفى}. {110}{إنَّا كذلك نجزي المحسنين}: في عبادة الله ومعاملة خلقِهِ أن نُفَرِّجَ عنهم الشدائدَ، ونَجْعَلَ لهم العاقبة والثناء الحسن. {111}{إنَّه من عبادِنا المؤمنينَ}: بما أمر الله بالإيمان به، الذين بَلَغَ بهم الإيمانُ إلى درجة اليقين؛ كما قال تعالى:{وكذلك نُري إبراهيمَ مَلَكوتَ السمواتِ والأرضِ وليكون من الموقنين}. {112}{وبَشَّرۡناهُ بإسحاقَ نَبِيًّا من الصالحين}: هذه البشارة الثانية بإسحاقَ؛ الذي من ورائِهِ يعقوبَ، فَبُشِّرَ بوجوده وبقائه ووجود ذُرِّيَّتِهِ وكونه نبيًّا من الصالحين؛ فهي بشاراتٌ متعدِّدة. {113}{وبارَكۡنا عليه وعلى إسحاقَ}؛ أي: أنْزَلْنا عليهما البركةَ التي هي النمو والزيادة في علمهما وعملهما وذريتهما، فنشر الله من ذُرِّيَّتِهِما ثلاث أمم عظيمة: أمة العرب من ذُرِّيَّةِ إسماعيلَ، وأمة بني إسرائيل، وأمة الروم من ذُرِّيَّةِ إسحاقَ. {ومن ذُرِّيَّتِهِما محسنٌ وظالمٌ لنفسِهِ مبينٌ}؛ أي: منهم الصالح والطالح، والعادل والظالم، الذي تبيَّن ظلمُهُ بكفرِهِ وشركِهِ، ولعل هذا من باب دفع الإيهام؛ فإنَّه لمَّا قال:{وبارَكۡنا عليه وعلى إسحاقَ}؛ اقتضى ذلك البركة في ذُرِّيَّتِهِما، وأنَّ من تمام البركة أن تكون الذُّرِّيَّة كلُّهم محسنين، فأخبر الله تعالى أنَّ منهم محسناً وظالماً. والله أعلم.

الصافات 37:106

{83 ـ 84}؛ أي: وإنَّ من شيعة نوح عليه السلام ومَنْ هو على طريقتِهِ في النبوَّة والرسالة ودعوة الخلقِ إلى اللَّه وإجابةِ الدُّعاء إبراهيم الخليل عليه السلام. {إذۡ جاء ربَّه بقلبٍ سليم}: من الشركِ والشُّبَهِ والشَّهَوات المانعة من تصوُّر الحقِّ والعمل به. وإذا كان قلبُ العبدِ سليماً؛ سَلِمَ من كلِّ شرٍّ، وحصل له كلُّ خيرٍ. {85 ـ 87} ومن سلامته أنه سليمٌ من غشِّ الخلق وحَسَدِهم وغير ذلك من مساوئ الأخلاق، ولهذا نصح الخلق في الله، وبدأ بأبيه وقومِهِ، فقال:{إذۡ قال لأبيه وقومِهِ ماذا تَعۡبُدونَ}؟ هذا استفهامٌ على وجه الإنكار وإلزامٌ لهم بالحجة. {أإفكاً آلهةً دون الله تريدونَ}؟ أي: أتعبدون من دون آلهة كذباً ليست بآلهة، ولا تصلُحُ للعبادة؟! {فما ظنُّكم بربِّ العالمين}: أن يفعل بكم وقد عبدتُم معه غيره؟! وهذا ترهيبٌ لهم بالجزاء بالعقابِ على الإقامة على شركهم، وما الذي ظننتُم بربِّ العالمين من النقص حتى جعلتُم له أنداداً وشركاء؟! {88 ـ 93} فأراد عليه السلام أن يكسِرَ أصنامهم ويتمكَّن من ذلك، فانتهز الفرصةَ في حين غفلةٍ منهم لما ذهبوا إلى عيدٍ من أعيادهم، فخرج معهم، {فَنَظَرَ نظرةً في النجوم. فقال: إني سقيمٌ}: في الحديث الصحيح: «لم يكذبْ إبراهيمُ عليه السلام إلاَّ ثلاثَ كذباتٍ: قولُهُ: إني سقيمٌ، وقوله: بل فعله كبيرُهُم هذا، وقوله عن زوجته: إنها أختي». والقصدُ أنَّه تخلَّف عنهم ليتمَّ له الكيدُ بآلهتهم. ولهذا {تولَّوا عنه مدبِرينَ}، فلما وجد الفرصة؛ {فراغ إلى آلهتهم}؛ أي: أسرع إليها على وجه الخفية والمراوغة، {فقال} متهكِّماً بها: {ألا تأكُلونَ. ما لكم لا تنطقونَ}؛ أي: فكيف يليقُ أن تُعْبَدَ وهي أنقص من الحيوانات التي تأكُلُ و تُكلِّم، وهذه جمادٌ لا تأكل ولا تُكلِّم؟! {فراغَ عليهم ضرباً باليمين}؛ أي: جعل يضربها بقوَّتِهِ ونشاطِهِ حتى جعلها جذاذاً؛ إلاَّ كبيراً لهم لعلَّهم إليه يرجِعون. {94 ـ 96}{فأقبلوا إليه يزِفُّونَ}؛ أي: يسرعون ويُهْرَعون؛ يريدون أن يوقعوا به بعد ما بحثوا و {قالوا: مَنۡ فَعَلَ هذا بآلهتنا إنَّه لمن الظالمين}؟ {وقيل لهم: سمِعۡنا فتى يذكُرُهم يُقالُ له: إبراهيمُ}، يقول {تالله لأكيدنَّ أصنامَكُم بعدَ أن تُوَلُّوا مدبِرين}. فوبَّخوه ولاموه، فقال:{بل فَعَلَه كبيرُهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطِقون. فرجَعَوا إلى أنفسِهِم فقالوا إنَّكم أنتم الظالمونَ. ثم نُكِسوا على رؤوسِهِم لقد علمتَ ما هؤلاء ينطِقون. قال أفتعبدُونَ من دون اللهِ ما لا ينفعكم شيئاً ولا يضرُّكم ... } الآية، و {قال} هنا: {أتعبدُونَ ما تَنۡحِتونَ}؛ أي: تنحِتونه بأيديكم وتصنعونه؛ فكيف تعبُدونهم وأنتم الذين صنعتُموهم، وتتركون الإخلاصَ لله الذي {خَلَقَكُم وما تعمَلون}؟! {97 ـ 98}{قالوا ابنوا له بنياناً}؛ أي: عالياً مرتفعاً وأوقِدوا فيه النارَ، {فألقوه في الجحيم}: جزاءً على ما فعل من تكسير آلهتهم، وأرادوا {به كيداً}: ليقتُلوه أشنعَ قِتْلَةٍ؛ {فجعلناهُمُ الأسفلينَ}: ردَّ الله كيدَهم في نُحورهم، وجَعَلَ النار على إبراهيم برداً وسلاماً. {99}{و} لما فعلوا فيه هذا الفعل، وأقام عليهم الحجة، وأعذر منهم؛ {قال إنِّي ذاهبٌ إلى ربِّي}؛ أي: مهاجر إليه، قاصدٌ إلى الأرض المباركة أرض الشام {سيهدينِ}: يدلُّني على ما فيه الخير لي من أمر ديني ودنياي. وقال في الآية الأخرى:{وأعۡتَزِلُكم وما تَدۡعونَ من دونِ الله وأدۡعو ربِّي عسى ألاَّ أكونَ بِدُعاءِ ربي شَقِيًّا}. {100}{ربِّ هَبۡ لي}: ولداً يكون {من الصالحين}، وذلك عندما أيس من قومه، ولم يَرَ فيهم خيراً؛ دعا الله أن يَهَبَ له غلاماً صالحاً ينفع الله به في حياتِهِ وبعد مماتِهِ. {101} فاستجابَ اللَّه له وقال: {فبشَّرناه بغلام حَليم}: وهذا إسماعيلُ عليه السلام بلا شكٍّ؛ فإنَّه ذكر بعدَه البشارة بإسحاقَ، ولأنَّ الله تعالى قال في بُشراه بإسحاقَ:{فبشَّرنۡاها بإسحاقَ ومِن وراء إسحاقَ يعقوبَ}: فدلَّ على أنَّ إسحاقَ غير الذبيح، ووَصَفَ الله إسماعيلَ عليه السلام بالحلم، وهو يتضمَّنُ الصبرَ وحسنَ الخُلُق وسَعَةَ الصدر والعفو عَمَّنْ جنى. {102}{فلمَّا بَلَغَ الغلامُ معه السعيَ}؛ أي: أدرك أن يسعى معه، وبلغ سنًّا يكون في الغالب أحبَّ ما يكون لوالديه؛ قد ذهبتْ مشقَّتُه وأقبلتْ منفعتُهُ، فقال له إبراهيمُ عليه السلام:{إنِّي أرى في المنام أنِّي أذۡبَحُكَ}؛ أي: قد رأيت في النوم والرؤيا أنَّ الله يأمُرُني بِذَبْحِكَ، ورؤيا الأنبياءِ وحيٌ. {فانۡظُرۡ ماذا ترى}؛ فإنَّ أمر الله تعالى لا بدَّ من تنفيذِهِ، فقال إسماعيلُ صابراً محتسباً مرضياً لربِّه وبارًّا بوالده:{يا أبتِ افۡعَلۡ ما تُؤۡمَرۡ}؛ أي: امضِ لما أمَرَكَ الله، {سَتَجِدُني إن شاء الله من الصابرينَ}: أخبر أباه أنَّه موطِّنٌ نفسَه على الصبر، وقَرَنَ ذلك بمشيئة الله تعالى؛ لأنَّه لا يكون شيءٌ بدون مشيئةِ الله. {103}{فلمَّا أسۡلَما}؛ أي: إبراهيم وابنه إسماعيل: إبراهيم جازماً بقتل ابنه وثمرةِ فؤادِهِ امتثالاً لأمر ربِّه وخوفاً من عقابه، والابن قد وطَّن نفسه على الصبر، وهانتْ عليه في طاعة ربِّه ورضا والده، {وَتَلَّه للجبينِ}؛ أي: تلَّ إبراهيمُ إسماعيلَ على جبينِهِ لِيُضْجِعَه فيذبَحَه، وقد انكبَّ لوجهِهِ؛ لئلاَّ ينظرَ وقت الذبح إلى وجهِهِ. {104 ـ 105}{وناديناه}: في تلك الحال المزعجة والأمر المدهش: {أن يا إبراهيمُ. قد صَدَّقۡتَ الرؤيا}؛ أي: قد فعلتَ ما أُمِرْتَ به؛ فإنَّك وطَّنْتَ نفسك على ذلك، وفعلتَ كلَّ سبب، ولم يبقَ إلاَّ إمرار السكين على حلقه. {إنَّا كذلك نَجۡزي المحسنين}: في عبادتنا، المقدِّمين رضانا على شهواتِ أنفسهم. {106}{إنَّ هذا}: الذي امتحنَّا به إبراهيمَ عليه السلام {لهو البَلاءُ المُبينُ}؛ أي: الواضح الذي تَبَيَّنَ به صفاءُ إبراهيم وكمالُ محبَّتِهِ لربِّه وخلَّتِهِ؛ فإن إسماعيلَ عليه الصلاة (والسلام) لما وَهَبَهُ الله لإبراهيم؛ أحبَّه حبًّا شديداً، وهو خليل الرحمن، والخلَّة أعلى أنواع المحبة، وهو منصبٌ لا يقبل المشاركة، ويقتضي أن تكونَ جميعُ أجزاء القلب متعلقةً بالمحبوب، فلما تعلقتْ شعبةٌ من شُعَبِ قلبِهِ بابنه إسماعيلَ؛ أراد الله تعالى أن يُصَفِّي وُدَّه ويختبرَ خُلَّتَهَ، فأمره أن يذبح مَنْ زاحَمَ حبُّه حبَّ ربِّه، فلما قَدَّمَ حبَّ الله وآثره على هواه وعزم على ذبحِهِ وزال ما في القلب من المزاحم، بقي الذبحُ لا فائدة فيه؛ فلهذا قال:{إنَّ هذا لهو البلاءُ المبينُ}. {107}{وفديناه بِذبۡحٍ عظيم}؛ أي: صار بَدَلَه ذبحٌ من الغنم عظيمٌ ذبحه إبراهيم، فكان عظيماً: من جهة أنَّه كان فداء لإسماعيلَ، ومن جهة أنَّه من جملة العبادات الجليلة، ومن جهة أنه كان قرباناً وسنةً إلى يوم القيامةِ. {108 ـ 109}{وتركنا عليه في الآخرين. سلام على إبراهيم}؛ أي: وأبقينا عليه ثناءً صادقاً في الآخرين؛ كما كان في الأولين؛ فكل وقت بعد إبراهيم عليه السلام؛ فإنَّه فيه محبوبٌ معظَّم مثنى عليه. {سلامٌ على إبراهيم}؛ أي: تحية عليه؛ كقوله:{قُل الحمدُ لله وسلامٌ على عبادِهِ الذين اصطفى}. {110}{إنَّا كذلك نجزي المحسنين}: في عبادة الله ومعاملة خلقِهِ أن نُفَرِّجَ عنهم الشدائدَ، ونَجْعَلَ لهم العاقبة والثناء الحسن. {111}{إنَّه من عبادِنا المؤمنينَ}: بما أمر الله بالإيمان به، الذين بَلَغَ بهم الإيمانُ إلى درجة اليقين؛ كما قال تعالى:{وكذلك نُري إبراهيمَ مَلَكوتَ السمواتِ والأرضِ وليكون من الموقنين}. {112}{وبَشَّرۡناهُ بإسحاقَ نَبِيًّا من الصالحين}: هذه البشارة الثانية بإسحاقَ؛ الذي من ورائِهِ يعقوبَ، فَبُشِّرَ بوجوده وبقائه ووجود ذُرِّيَّتِهِ وكونه نبيًّا من الصالحين؛ فهي بشاراتٌ متعدِّدة. {113}{وبارَكۡنا عليه وعلى إسحاقَ}؛ أي: أنْزَلْنا عليهما البركةَ التي هي النمو والزيادة في علمهما وعملهما وذريتهما، فنشر الله من ذُرِّيَّتِهِما ثلاث أمم عظيمة: أمة العرب من ذُرِّيَّةِ إسماعيلَ، وأمة بني إسرائيل، وأمة الروم من ذُرِّيَّةِ إسحاقَ. {ومن ذُرِّيَّتِهِما محسنٌ وظالمٌ لنفسِهِ مبينٌ}؛ أي: منهم الصالح والطالح، والعادل والظالم، الذي تبيَّن ظلمُهُ بكفرِهِ وشركِهِ، ولعل هذا من باب دفع الإيهام؛ فإنَّه لمَّا قال:{وبارَكۡنا عليه وعلى إسحاقَ}؛ اقتضى ذلك البركة في ذُرِّيَّتِهِما، وأنَّ من تمام البركة أن تكون الذُّرِّيَّة كلُّهم محسنين، فأخبر الله تعالى أنَّ منهم محسناً وظالماً. والله أعلم.

الصافات 37:107

{83 ـ 84}؛ أي: وإنَّ من شيعة نوح عليه السلام ومَنْ هو على طريقتِهِ في النبوَّة والرسالة ودعوة الخلقِ إلى اللَّه وإجابةِ الدُّعاء إبراهيم الخليل عليه السلام. {إذۡ جاء ربَّه بقلبٍ سليم}: من الشركِ والشُّبَهِ والشَّهَوات المانعة من تصوُّر الحقِّ والعمل به. وإذا كان قلبُ العبدِ سليماً؛ سَلِمَ من كلِّ شرٍّ، وحصل له كلُّ خيرٍ. {85 ـ 87} ومن سلامته أنه سليمٌ من غشِّ الخلق وحَسَدِهم وغير ذلك من مساوئ الأخلاق، ولهذا نصح الخلق في الله، وبدأ بأبيه وقومِهِ، فقال:{إذۡ قال لأبيه وقومِهِ ماذا تَعۡبُدونَ}؟ هذا استفهامٌ على وجه الإنكار وإلزامٌ لهم بالحجة. {أإفكاً آلهةً دون الله تريدونَ}؟ أي: أتعبدون من دون آلهة كذباً ليست بآلهة، ولا تصلُحُ للعبادة؟! {فما ظنُّكم بربِّ العالمين}: أن يفعل بكم وقد عبدتُم معه غيره؟! وهذا ترهيبٌ لهم بالجزاء بالعقابِ على الإقامة على شركهم، وما الذي ظننتُم بربِّ العالمين من النقص حتى جعلتُم له أنداداً وشركاء؟! {88 ـ 93} فأراد عليه السلام أن يكسِرَ أصنامهم ويتمكَّن من ذلك، فانتهز الفرصةَ في حين غفلةٍ منهم لما ذهبوا إلى عيدٍ من أعيادهم، فخرج معهم، {فَنَظَرَ نظرةً في النجوم. فقال: إني سقيمٌ}: في الحديث الصحيح: «لم يكذبْ إبراهيمُ عليه السلام إلاَّ ثلاثَ كذباتٍ: قولُهُ: إني سقيمٌ، وقوله: بل فعله كبيرُهُم هذا، وقوله عن زوجته: إنها أختي». والقصدُ أنَّه تخلَّف عنهم ليتمَّ له الكيدُ بآلهتهم. ولهذا {تولَّوا عنه مدبِرينَ}، فلما وجد الفرصة؛ {فراغ إلى آلهتهم}؛ أي: أسرع إليها على وجه الخفية والمراوغة، {فقال} متهكِّماً بها: {ألا تأكُلونَ. ما لكم لا تنطقونَ}؛ أي: فكيف يليقُ أن تُعْبَدَ وهي أنقص من الحيوانات التي تأكُلُ و تُكلِّم، وهذه جمادٌ لا تأكل ولا تُكلِّم؟! {فراغَ عليهم ضرباً باليمين}؛ أي: جعل يضربها بقوَّتِهِ ونشاطِهِ حتى جعلها جذاذاً؛ إلاَّ كبيراً لهم لعلَّهم إليه يرجِعون. {94 ـ 96}{فأقبلوا إليه يزِفُّونَ}؛ أي: يسرعون ويُهْرَعون؛ يريدون أن يوقعوا به بعد ما بحثوا و {قالوا: مَنۡ فَعَلَ هذا بآلهتنا إنَّه لمن الظالمين}؟ {وقيل لهم: سمِعۡنا فتى يذكُرُهم يُقالُ له: إبراهيمُ}، يقول {تالله لأكيدنَّ أصنامَكُم بعدَ أن تُوَلُّوا مدبِرين}. فوبَّخوه ولاموه، فقال:{بل فَعَلَه كبيرُهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطِقون. فرجَعَوا إلى أنفسِهِم فقالوا إنَّكم أنتم الظالمونَ. ثم نُكِسوا على رؤوسِهِم لقد علمتَ ما هؤلاء ينطِقون. قال أفتعبدُونَ من دون اللهِ ما لا ينفعكم شيئاً ولا يضرُّكم ... } الآية، و {قال} هنا: {أتعبدُونَ ما تَنۡحِتونَ}؛ أي: تنحِتونه بأيديكم وتصنعونه؛ فكيف تعبُدونهم وأنتم الذين صنعتُموهم، وتتركون الإخلاصَ لله الذي {خَلَقَكُم وما تعمَلون}؟! {97 ـ 98}{قالوا ابنوا له بنياناً}؛ أي: عالياً مرتفعاً وأوقِدوا فيه النارَ، {فألقوه في الجحيم}: جزاءً على ما فعل من تكسير آلهتهم، وأرادوا {به كيداً}: ليقتُلوه أشنعَ قِتْلَةٍ؛ {فجعلناهُمُ الأسفلينَ}: ردَّ الله كيدَهم في نُحورهم، وجَعَلَ النار على إبراهيم برداً وسلاماً. {99}{و} لما فعلوا فيه هذا الفعل، وأقام عليهم الحجة، وأعذر منهم؛ {قال إنِّي ذاهبٌ إلى ربِّي}؛ أي: مهاجر إليه، قاصدٌ إلى الأرض المباركة أرض الشام {سيهدينِ}: يدلُّني على ما فيه الخير لي من أمر ديني ودنياي. وقال في الآية الأخرى:{وأعۡتَزِلُكم وما تَدۡعونَ من دونِ الله وأدۡعو ربِّي عسى ألاَّ أكونَ بِدُعاءِ ربي شَقِيًّا}. {100}{ربِّ هَبۡ لي}: ولداً يكون {من الصالحين}، وذلك عندما أيس من قومه، ولم يَرَ فيهم خيراً؛ دعا الله أن يَهَبَ له غلاماً صالحاً ينفع الله به في حياتِهِ وبعد مماتِهِ. {101} فاستجابَ اللَّه له وقال: {فبشَّرناه بغلام حَليم}: وهذا إسماعيلُ عليه السلام بلا شكٍّ؛ فإنَّه ذكر بعدَه البشارة بإسحاقَ، ولأنَّ الله تعالى قال في بُشراه بإسحاقَ:{فبشَّرنۡاها بإسحاقَ ومِن وراء إسحاقَ يعقوبَ}: فدلَّ على أنَّ إسحاقَ غير الذبيح، ووَصَفَ الله إسماعيلَ عليه السلام بالحلم، وهو يتضمَّنُ الصبرَ وحسنَ الخُلُق وسَعَةَ الصدر والعفو عَمَّنْ جنى. {102}{فلمَّا بَلَغَ الغلامُ معه السعيَ}؛ أي: أدرك أن يسعى معه، وبلغ سنًّا يكون في الغالب أحبَّ ما يكون لوالديه؛ قد ذهبتْ مشقَّتُه وأقبلتْ منفعتُهُ، فقال له إبراهيمُ عليه السلام:{إنِّي أرى في المنام أنِّي أذۡبَحُكَ}؛ أي: قد رأيت في النوم والرؤيا أنَّ الله يأمُرُني بِذَبْحِكَ، ورؤيا الأنبياءِ وحيٌ. {فانۡظُرۡ ماذا ترى}؛ فإنَّ أمر الله تعالى لا بدَّ من تنفيذِهِ، فقال إسماعيلُ صابراً محتسباً مرضياً لربِّه وبارًّا بوالده:{يا أبتِ افۡعَلۡ ما تُؤۡمَرۡ}؛ أي: امضِ لما أمَرَكَ الله، {سَتَجِدُني إن شاء الله من الصابرينَ}: أخبر أباه أنَّه موطِّنٌ نفسَه على الصبر، وقَرَنَ ذلك بمشيئة الله تعالى؛ لأنَّه لا يكون شيءٌ بدون مشيئةِ الله. {103}{فلمَّا أسۡلَما}؛ أي: إبراهيم وابنه إسماعيل: إبراهيم جازماً بقتل ابنه وثمرةِ فؤادِهِ امتثالاً لأمر ربِّه وخوفاً من عقابه، والابن قد وطَّن نفسه على الصبر، وهانتْ عليه في طاعة ربِّه ورضا والده، {وَتَلَّه للجبينِ}؛ أي: تلَّ إبراهيمُ إسماعيلَ على جبينِهِ لِيُضْجِعَه فيذبَحَه، وقد انكبَّ لوجهِهِ؛ لئلاَّ ينظرَ وقت الذبح إلى وجهِهِ. {104 ـ 105}{وناديناه}: في تلك الحال المزعجة والأمر المدهش: {أن يا إبراهيمُ. قد صَدَّقۡتَ الرؤيا}؛ أي: قد فعلتَ ما أُمِرْتَ به؛ فإنَّك وطَّنْتَ نفسك على ذلك، وفعلتَ كلَّ سبب، ولم يبقَ إلاَّ إمرار السكين على حلقه. {إنَّا كذلك نَجۡزي المحسنين}: في عبادتنا، المقدِّمين رضانا على شهواتِ أنفسهم. {106}{إنَّ هذا}: الذي امتحنَّا به إبراهيمَ عليه السلام {لهو البَلاءُ المُبينُ}؛ أي: الواضح الذي تَبَيَّنَ به صفاءُ إبراهيم وكمالُ محبَّتِهِ لربِّه وخلَّتِهِ؛ فإن إسماعيلَ عليه الصلاة (والسلام) لما وَهَبَهُ الله لإبراهيم؛ أحبَّه حبًّا شديداً، وهو خليل الرحمن، والخلَّة أعلى أنواع المحبة، وهو منصبٌ لا يقبل المشاركة، ويقتضي أن تكونَ جميعُ أجزاء القلب متعلقةً بالمحبوب، فلما تعلقتْ شعبةٌ من شُعَبِ قلبِهِ بابنه إسماعيلَ؛ أراد الله تعالى أن يُصَفِّي وُدَّه ويختبرَ خُلَّتَهَ، فأمره أن يذبح مَنْ زاحَمَ حبُّه حبَّ ربِّه، فلما قَدَّمَ حبَّ الله وآثره على هواه وعزم على ذبحِهِ وزال ما في القلب من المزاحم، بقي الذبحُ لا فائدة فيه؛ فلهذا قال:{إنَّ هذا لهو البلاءُ المبينُ}. {107}{وفديناه بِذبۡحٍ عظيم}؛ أي: صار بَدَلَه ذبحٌ من الغنم عظيمٌ ذبحه إبراهيم، فكان عظيماً: من جهة أنَّه كان فداء لإسماعيلَ، ومن جهة أنَّه من جملة العبادات الجليلة، ومن جهة أنه كان قرباناً وسنةً إلى يوم القيامةِ. {108 ـ 109}{وتركنا عليه في الآخرين. سلام على إبراهيم}؛ أي: وأبقينا عليه ثناءً صادقاً في الآخرين؛ كما كان في الأولين؛ فكل وقت بعد إبراهيم عليه السلام؛ فإنَّه فيه محبوبٌ معظَّم مثنى عليه. {سلامٌ على إبراهيم}؛ أي: تحية عليه؛ كقوله:{قُل الحمدُ لله وسلامٌ على عبادِهِ الذين اصطفى}. {110}{إنَّا كذلك نجزي المحسنين}: في عبادة الله ومعاملة خلقِهِ أن نُفَرِّجَ عنهم الشدائدَ، ونَجْعَلَ لهم العاقبة والثناء الحسن. {111}{إنَّه من عبادِنا المؤمنينَ}: بما أمر الله بالإيمان به، الذين بَلَغَ بهم الإيمانُ إلى درجة اليقين؛ كما قال تعالى:{وكذلك نُري إبراهيمَ مَلَكوتَ السمواتِ والأرضِ وليكون من الموقنين}. {112}{وبَشَّرۡناهُ بإسحاقَ نَبِيًّا من الصالحين}: هذه البشارة الثانية بإسحاقَ؛ الذي من ورائِهِ يعقوبَ، فَبُشِّرَ بوجوده وبقائه ووجود ذُرِّيَّتِهِ وكونه نبيًّا من الصالحين؛ فهي بشاراتٌ متعدِّدة. {113}{وبارَكۡنا عليه وعلى إسحاقَ}؛ أي: أنْزَلْنا عليهما البركةَ التي هي النمو والزيادة في علمهما وعملهما وذريتهما، فنشر الله من ذُرِّيَّتِهِما ثلاث أمم عظيمة: أمة العرب من ذُرِّيَّةِ إسماعيلَ، وأمة بني إسرائيل، وأمة الروم من ذُرِّيَّةِ إسحاقَ. {ومن ذُرِّيَّتِهِما محسنٌ وظالمٌ لنفسِهِ مبينٌ}؛ أي: منهم الصالح والطالح، والعادل والظالم، الذي تبيَّن ظلمُهُ بكفرِهِ وشركِهِ، ولعل هذا من باب دفع الإيهام؛ فإنَّه لمَّا قال:{وبارَكۡنا عليه وعلى إسحاقَ}؛ اقتضى ذلك البركة في ذُرِّيَّتِهِما، وأنَّ من تمام البركة أن تكون الذُّرِّيَّة كلُّهم محسنين، فأخبر الله تعالى أنَّ منهم محسناً وظالماً. والله أعلم.

الصافات 37:108

{83 ـ 84}؛ أي: وإنَّ من شيعة نوح عليه السلام ومَنْ هو على طريقتِهِ في النبوَّة والرسالة ودعوة الخلقِ إلى اللَّه وإجابةِ الدُّعاء إبراهيم الخليل عليه السلام. {إذۡ جاء ربَّه بقلبٍ سليم}: من الشركِ والشُّبَهِ والشَّهَوات المانعة من تصوُّر الحقِّ والعمل به. وإذا كان قلبُ العبدِ سليماً؛ سَلِمَ من كلِّ شرٍّ، وحصل له كلُّ خيرٍ. {85 ـ 87} ومن سلامته أنه سليمٌ من غشِّ الخلق وحَسَدِهم وغير ذلك من مساوئ الأخلاق، ولهذا نصح الخلق في الله، وبدأ بأبيه وقومِهِ، فقال:{إذۡ قال لأبيه وقومِهِ ماذا تَعۡبُدونَ}؟ هذا استفهامٌ على وجه الإنكار وإلزامٌ لهم بالحجة. {أإفكاً آلهةً دون الله تريدونَ}؟ أي: أتعبدون من دون آلهة كذباً ليست بآلهة، ولا تصلُحُ للعبادة؟! {فما ظنُّكم بربِّ العالمين}: أن يفعل بكم وقد عبدتُم معه غيره؟! وهذا ترهيبٌ لهم بالجزاء بالعقابِ على الإقامة على شركهم، وما الذي ظننتُم بربِّ العالمين من النقص حتى جعلتُم له أنداداً وشركاء؟! {88 ـ 93} فأراد عليه السلام أن يكسِرَ أصنامهم ويتمكَّن من ذلك، فانتهز الفرصةَ في حين غفلةٍ منهم لما ذهبوا إلى عيدٍ من أعيادهم، فخرج معهم، {فَنَظَرَ نظرةً في النجوم. فقال: إني سقيمٌ}: في الحديث الصحيح: «لم يكذبْ إبراهيمُ عليه السلام إلاَّ ثلاثَ كذباتٍ: قولُهُ: إني سقيمٌ، وقوله: بل فعله كبيرُهُم هذا، وقوله عن زوجته: إنها أختي». والقصدُ أنَّه تخلَّف عنهم ليتمَّ له الكيدُ بآلهتهم. ولهذا {تولَّوا عنه مدبِرينَ}، فلما وجد الفرصة؛ {فراغ إلى آلهتهم}؛ أي: أسرع إليها على وجه الخفية والمراوغة، {فقال} متهكِّماً بها: {ألا تأكُلونَ. ما لكم لا تنطقونَ}؛ أي: فكيف يليقُ أن تُعْبَدَ وهي أنقص من الحيوانات التي تأكُلُ و تُكلِّم، وهذه جمادٌ لا تأكل ولا تُكلِّم؟! {فراغَ عليهم ضرباً باليمين}؛ أي: جعل يضربها بقوَّتِهِ ونشاطِهِ حتى جعلها جذاذاً؛ إلاَّ كبيراً لهم لعلَّهم إليه يرجِعون. {94 ـ 96}{فأقبلوا إليه يزِفُّونَ}؛ أي: يسرعون ويُهْرَعون؛ يريدون أن يوقعوا به بعد ما بحثوا و {قالوا: مَنۡ فَعَلَ هذا بآلهتنا إنَّه لمن الظالمين}؟ {وقيل لهم: سمِعۡنا فتى يذكُرُهم يُقالُ له: إبراهيمُ}، يقول {تالله لأكيدنَّ أصنامَكُم بعدَ أن تُوَلُّوا مدبِرين}. فوبَّخوه ولاموه، فقال:{بل فَعَلَه كبيرُهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطِقون. فرجَعَوا إلى أنفسِهِم فقالوا إنَّكم أنتم الظالمونَ. ثم نُكِسوا على رؤوسِهِم لقد علمتَ ما هؤلاء ينطِقون. قال أفتعبدُونَ من دون اللهِ ما لا ينفعكم شيئاً ولا يضرُّكم ... } الآية، و {قال} هنا: {أتعبدُونَ ما تَنۡحِتونَ}؛ أي: تنحِتونه بأيديكم وتصنعونه؛ فكيف تعبُدونهم وأنتم الذين صنعتُموهم، وتتركون الإخلاصَ لله الذي {خَلَقَكُم وما تعمَلون}؟! {97 ـ 98}{قالوا ابنوا له بنياناً}؛ أي: عالياً مرتفعاً وأوقِدوا فيه النارَ، {فألقوه في الجحيم}: جزاءً على ما فعل من تكسير آلهتهم، وأرادوا {به كيداً}: ليقتُلوه أشنعَ قِتْلَةٍ؛ {فجعلناهُمُ الأسفلينَ}: ردَّ الله كيدَهم في نُحورهم، وجَعَلَ النار على إبراهيم برداً وسلاماً. {99}{و} لما فعلوا فيه هذا الفعل، وأقام عليهم الحجة، وأعذر منهم؛ {قال إنِّي ذاهبٌ إلى ربِّي}؛ أي: مهاجر إليه، قاصدٌ إلى الأرض المباركة أرض الشام {سيهدينِ}: يدلُّني على ما فيه الخير لي من أمر ديني ودنياي. وقال في الآية الأخرى:{وأعۡتَزِلُكم وما تَدۡعونَ من دونِ الله وأدۡعو ربِّي عسى ألاَّ أكونَ بِدُعاءِ ربي شَقِيًّا}. {100}{ربِّ هَبۡ لي}: ولداً يكون {من الصالحين}، وذلك عندما أيس من قومه، ولم يَرَ فيهم خيراً؛ دعا الله أن يَهَبَ له غلاماً صالحاً ينفع الله به في حياتِهِ وبعد مماتِهِ. {101} فاستجابَ اللَّه له وقال: {فبشَّرناه بغلام حَليم}: وهذا إسماعيلُ عليه السلام بلا شكٍّ؛ فإنَّه ذكر بعدَه البشارة بإسحاقَ، ولأنَّ الله تعالى قال في بُشراه بإسحاقَ:{فبشَّرنۡاها بإسحاقَ ومِن وراء إسحاقَ يعقوبَ}: فدلَّ على أنَّ إسحاقَ غير الذبيح، ووَصَفَ الله إسماعيلَ عليه السلام بالحلم، وهو يتضمَّنُ الصبرَ وحسنَ الخُلُق وسَعَةَ الصدر والعفو عَمَّنْ جنى. {102}{فلمَّا بَلَغَ الغلامُ معه السعيَ}؛ أي: أدرك أن يسعى معه، وبلغ سنًّا يكون في الغالب أحبَّ ما يكون لوالديه؛ قد ذهبتْ مشقَّتُه وأقبلتْ منفعتُهُ، فقال له إبراهيمُ عليه السلام:{إنِّي أرى في المنام أنِّي أذۡبَحُكَ}؛ أي: قد رأيت في النوم والرؤيا أنَّ الله يأمُرُني بِذَبْحِكَ، ورؤيا الأنبياءِ وحيٌ. {فانۡظُرۡ ماذا ترى}؛ فإنَّ أمر الله تعالى لا بدَّ من تنفيذِهِ، فقال إسماعيلُ صابراً محتسباً مرضياً لربِّه وبارًّا بوالده:{يا أبتِ افۡعَلۡ ما تُؤۡمَرۡ}؛ أي: امضِ لما أمَرَكَ الله، {سَتَجِدُني إن شاء الله من الصابرينَ}: أخبر أباه أنَّه موطِّنٌ نفسَه على الصبر، وقَرَنَ ذلك بمشيئة الله تعالى؛ لأنَّه لا يكون شيءٌ بدون مشيئةِ الله. {103}{فلمَّا أسۡلَما}؛ أي: إبراهيم وابنه إسماعيل: إبراهيم جازماً بقتل ابنه وثمرةِ فؤادِهِ امتثالاً لأمر ربِّه وخوفاً من عقابه، والابن قد وطَّن نفسه على الصبر، وهانتْ عليه في طاعة ربِّه ورضا والده، {وَتَلَّه للجبينِ}؛ أي: تلَّ إبراهيمُ إسماعيلَ على جبينِهِ لِيُضْجِعَه فيذبَحَه، وقد انكبَّ لوجهِهِ؛ لئلاَّ ينظرَ وقت الذبح إلى وجهِهِ. {104 ـ 105}{وناديناه}: في تلك الحال المزعجة والأمر المدهش: {أن يا إبراهيمُ. قد صَدَّقۡتَ الرؤيا}؛ أي: قد فعلتَ ما أُمِرْتَ به؛ فإنَّك وطَّنْتَ نفسك على ذلك، وفعلتَ كلَّ سبب، ولم يبقَ إلاَّ إمرار السكين على حلقه. {إنَّا كذلك نَجۡزي المحسنين}: في عبادتنا، المقدِّمين رضانا على شهواتِ أنفسهم. {106}{إنَّ هذا}: الذي امتحنَّا به إبراهيمَ عليه السلام {لهو البَلاءُ المُبينُ}؛ أي: الواضح الذي تَبَيَّنَ به صفاءُ إبراهيم وكمالُ محبَّتِهِ لربِّه وخلَّتِهِ؛ فإن إسماعيلَ عليه الصلاة (والسلام) لما وَهَبَهُ الله لإبراهيم؛ أحبَّه حبًّا شديداً، وهو خليل الرحمن، والخلَّة أعلى أنواع المحبة، وهو منصبٌ لا يقبل المشاركة، ويقتضي أن تكونَ جميعُ أجزاء القلب متعلقةً بالمحبوب، فلما تعلقتْ شعبةٌ من شُعَبِ قلبِهِ بابنه إسماعيلَ؛ أراد الله تعالى أن يُصَفِّي وُدَّه ويختبرَ خُلَّتَهَ، فأمره أن يذبح مَنْ زاحَمَ حبُّه حبَّ ربِّه، فلما قَدَّمَ حبَّ الله وآثره على هواه وعزم على ذبحِهِ وزال ما في القلب من المزاحم، بقي الذبحُ لا فائدة فيه؛ فلهذا قال:{إنَّ هذا لهو البلاءُ المبينُ}. {107}{وفديناه بِذبۡحٍ عظيم}؛ أي: صار بَدَلَه ذبحٌ من الغنم عظيمٌ ذبحه إبراهيم، فكان عظيماً: من جهة أنَّه كان فداء لإسماعيلَ، ومن جهة أنَّه من جملة العبادات الجليلة، ومن جهة أنه كان قرباناً وسنةً إلى يوم القيامةِ. {108 ـ 109}{وتركنا عليه في الآخرين. سلام على إبراهيم}؛ أي: وأبقينا عليه ثناءً صادقاً في الآخرين؛ كما كان في الأولين؛ فكل وقت بعد إبراهيم عليه السلام؛ فإنَّه فيه محبوبٌ معظَّم مثنى عليه. {سلامٌ على إبراهيم}؛ أي: تحية عليه؛ كقوله:{قُل الحمدُ لله وسلامٌ على عبادِهِ الذين اصطفى}. {110}{إنَّا كذلك نجزي المحسنين}: في عبادة الله ومعاملة خلقِهِ أن نُفَرِّجَ عنهم الشدائدَ، ونَجْعَلَ لهم العاقبة والثناء الحسن. {111}{إنَّه من عبادِنا المؤمنينَ}: بما أمر الله بالإيمان به، الذين بَلَغَ بهم الإيمانُ إلى درجة اليقين؛ كما قال تعالى:{وكذلك نُري إبراهيمَ مَلَكوتَ السمواتِ والأرضِ وليكون من الموقنين}. {112}{وبَشَّرۡناهُ بإسحاقَ نَبِيًّا من الصالحين}: هذه البشارة الثانية بإسحاقَ؛ الذي من ورائِهِ يعقوبَ، فَبُشِّرَ بوجوده وبقائه ووجود ذُرِّيَّتِهِ وكونه نبيًّا من الصالحين؛ فهي بشاراتٌ متعدِّدة. {113}{وبارَكۡنا عليه وعلى إسحاقَ}؛ أي: أنْزَلْنا عليهما البركةَ التي هي النمو والزيادة في علمهما وعملهما وذريتهما، فنشر الله من ذُرِّيَّتِهِما ثلاث أمم عظيمة: أمة العرب من ذُرِّيَّةِ إسماعيلَ، وأمة بني إسرائيل، وأمة الروم من ذُرِّيَّةِ إسحاقَ. {ومن ذُرِّيَّتِهِما محسنٌ وظالمٌ لنفسِهِ مبينٌ}؛ أي: منهم الصالح والطالح، والعادل والظالم، الذي تبيَّن ظلمُهُ بكفرِهِ وشركِهِ، ولعل هذا من باب دفع الإيهام؛ فإنَّه لمَّا قال:{وبارَكۡنا عليه وعلى إسحاقَ}؛ اقتضى ذلك البركة في ذُرِّيَّتِهِما، وأنَّ من تمام البركة أن تكون الذُّرِّيَّة كلُّهم محسنين، فأخبر الله تعالى أنَّ منهم محسناً وظالماً. والله أعلم.

الصافات 37:109

{83 ـ 84}؛ أي: وإنَّ من شيعة نوح عليه السلام ومَنْ هو على طريقتِهِ في النبوَّة والرسالة ودعوة الخلقِ إلى اللَّه وإجابةِ الدُّعاء إبراهيم الخليل عليه السلام. {إذۡ جاء ربَّه بقلبٍ سليم}: من الشركِ والشُّبَهِ والشَّهَوات المانعة من تصوُّر الحقِّ والعمل به. وإذا كان قلبُ العبدِ سليماً؛ سَلِمَ من كلِّ شرٍّ، وحصل له كلُّ خيرٍ. {85 ـ 87} ومن سلامته أنه سليمٌ من غشِّ الخلق وحَسَدِهم وغير ذلك من مساوئ الأخلاق، ولهذا نصح الخلق في الله، وبدأ بأبيه وقومِهِ، فقال:{إذۡ قال لأبيه وقومِهِ ماذا تَعۡبُدونَ}؟ هذا استفهامٌ على وجه الإنكار وإلزامٌ لهم بالحجة. {أإفكاً آلهةً دون الله تريدونَ}؟ أي: أتعبدون من دون آلهة كذباً ليست بآلهة، ولا تصلُحُ للعبادة؟! {فما ظنُّكم بربِّ العالمين}: أن يفعل بكم وقد عبدتُم معه غيره؟! وهذا ترهيبٌ لهم بالجزاء بالعقابِ على الإقامة على شركهم، وما الذي ظننتُم بربِّ العالمين من النقص حتى جعلتُم له أنداداً وشركاء؟! {88 ـ 93} فأراد عليه السلام أن يكسِرَ أصنامهم ويتمكَّن من ذلك، فانتهز الفرصةَ في حين غفلةٍ منهم لما ذهبوا إلى عيدٍ من أعيادهم، فخرج معهم، {فَنَظَرَ نظرةً في النجوم. فقال: إني سقيمٌ}: في الحديث الصحيح: «لم يكذبْ إبراهيمُ عليه السلام إلاَّ ثلاثَ كذباتٍ: قولُهُ: إني سقيمٌ، وقوله: بل فعله كبيرُهُم هذا، وقوله عن زوجته: إنها أختي». والقصدُ أنَّه تخلَّف عنهم ليتمَّ له الكيدُ بآلهتهم. ولهذا {تولَّوا عنه مدبِرينَ}، فلما وجد الفرصة؛ {فراغ إلى آلهتهم}؛ أي: أسرع إليها على وجه الخفية والمراوغة، {فقال} متهكِّماً بها: {ألا تأكُلونَ. ما لكم لا تنطقونَ}؛ أي: فكيف يليقُ أن تُعْبَدَ وهي أنقص من الحيوانات التي تأكُلُ و تُكلِّم، وهذه جمادٌ لا تأكل ولا تُكلِّم؟! {فراغَ عليهم ضرباً باليمين}؛ أي: جعل يضربها بقوَّتِهِ ونشاطِهِ حتى جعلها جذاذاً؛ إلاَّ كبيراً لهم لعلَّهم إليه يرجِعون. {94 ـ 96}{فأقبلوا إليه يزِفُّونَ}؛ أي: يسرعون ويُهْرَعون؛ يريدون أن يوقعوا به بعد ما بحثوا و {قالوا: مَنۡ فَعَلَ هذا بآلهتنا إنَّه لمن الظالمين}؟ {وقيل لهم: سمِعۡنا فتى يذكُرُهم يُقالُ له: إبراهيمُ}، يقول {تالله لأكيدنَّ أصنامَكُم بعدَ أن تُوَلُّوا مدبِرين}. فوبَّخوه ولاموه، فقال:{بل فَعَلَه كبيرُهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطِقون. فرجَعَوا إلى أنفسِهِم فقالوا إنَّكم أنتم الظالمونَ. ثم نُكِسوا على رؤوسِهِم لقد علمتَ ما هؤلاء ينطِقون. قال أفتعبدُونَ من دون اللهِ ما لا ينفعكم شيئاً ولا يضرُّكم ... } الآية، و {قال} هنا: {أتعبدُونَ ما تَنۡحِتونَ}؛ أي: تنحِتونه بأيديكم وتصنعونه؛ فكيف تعبُدونهم وأنتم الذين صنعتُموهم، وتتركون الإخلاصَ لله الذي {خَلَقَكُم وما تعمَلون}؟! {97 ـ 98}{قالوا ابنوا له بنياناً}؛ أي: عالياً مرتفعاً وأوقِدوا فيه النارَ، {فألقوه في الجحيم}: جزاءً على ما فعل من تكسير آلهتهم، وأرادوا {به كيداً}: ليقتُلوه أشنعَ قِتْلَةٍ؛ {فجعلناهُمُ الأسفلينَ}: ردَّ الله كيدَهم في نُحورهم، وجَعَلَ النار على إبراهيم برداً وسلاماً. {99}{و} لما فعلوا فيه هذا الفعل، وأقام عليهم الحجة، وأعذر منهم؛ {قال إنِّي ذاهبٌ إلى ربِّي}؛ أي: مهاجر إليه، قاصدٌ إلى الأرض المباركة أرض الشام {سيهدينِ}: يدلُّني على ما فيه الخير لي من أمر ديني ودنياي. وقال في الآية الأخرى:{وأعۡتَزِلُكم وما تَدۡعونَ من دونِ الله وأدۡعو ربِّي عسى ألاَّ أكونَ بِدُعاءِ ربي شَقِيًّا}. {100}{ربِّ هَبۡ لي}: ولداً يكون {من الصالحين}، وذلك عندما أيس من قومه، ولم يَرَ فيهم خيراً؛ دعا الله أن يَهَبَ له غلاماً صالحاً ينفع الله به في حياتِهِ وبعد مماتِهِ. {101} فاستجابَ اللَّه له وقال: {فبشَّرناه بغلام حَليم}: وهذا إسماعيلُ عليه السلام بلا شكٍّ؛ فإنَّه ذكر بعدَه البشارة بإسحاقَ، ولأنَّ الله تعالى قال في بُشراه بإسحاقَ:{فبشَّرنۡاها بإسحاقَ ومِن وراء إسحاقَ يعقوبَ}: فدلَّ على أنَّ إسحاقَ غير الذبيح، ووَصَفَ الله إسماعيلَ عليه السلام بالحلم، وهو يتضمَّنُ الصبرَ وحسنَ الخُلُق وسَعَةَ الصدر والعفو عَمَّنْ جنى. {102}{فلمَّا بَلَغَ الغلامُ معه السعيَ}؛ أي: أدرك أن يسعى معه، وبلغ سنًّا يكون في الغالب أحبَّ ما يكون لوالديه؛ قد ذهبتْ مشقَّتُه وأقبلتْ منفعتُهُ، فقال له إبراهيمُ عليه السلام:{إنِّي أرى في المنام أنِّي أذۡبَحُكَ}؛ أي: قد رأيت في النوم والرؤيا أنَّ الله يأمُرُني بِذَبْحِكَ، ورؤيا الأنبياءِ وحيٌ. {فانۡظُرۡ ماذا ترى}؛ فإنَّ أمر الله تعالى لا بدَّ من تنفيذِهِ، فقال إسماعيلُ صابراً محتسباً مرضياً لربِّه وبارًّا بوالده:{يا أبتِ افۡعَلۡ ما تُؤۡمَرۡ}؛ أي: امضِ لما أمَرَكَ الله، {سَتَجِدُني إن شاء الله من الصابرينَ}: أخبر أباه أنَّه موطِّنٌ نفسَه على الصبر، وقَرَنَ ذلك بمشيئة الله تعالى؛ لأنَّه لا يكون شيءٌ بدون مشيئةِ الله. {103}{فلمَّا أسۡلَما}؛ أي: إبراهيم وابنه إسماعيل: إبراهيم جازماً بقتل ابنه وثمرةِ فؤادِهِ امتثالاً لأمر ربِّه وخوفاً من عقابه، والابن قد وطَّن نفسه على الصبر، وهانتْ عليه في طاعة ربِّه ورضا والده، {وَتَلَّه للجبينِ}؛ أي: تلَّ إبراهيمُ إسماعيلَ على جبينِهِ لِيُضْجِعَه فيذبَحَه، وقد انكبَّ لوجهِهِ؛ لئلاَّ ينظرَ وقت الذبح إلى وجهِهِ. {104 ـ 105}{وناديناه}: في تلك الحال المزعجة والأمر المدهش: {أن يا إبراهيمُ. قد صَدَّقۡتَ الرؤيا}؛ أي: قد فعلتَ ما أُمِرْتَ به؛ فإنَّك وطَّنْتَ نفسك على ذلك، وفعلتَ كلَّ سبب، ولم يبقَ إلاَّ إمرار السكين على حلقه. {إنَّا كذلك نَجۡزي المحسنين}: في عبادتنا، المقدِّمين رضانا على شهواتِ أنفسهم. {106}{إنَّ هذا}: الذي امتحنَّا به إبراهيمَ عليه السلام {لهو البَلاءُ المُبينُ}؛ أي: الواضح الذي تَبَيَّنَ به صفاءُ إبراهيم وكمالُ محبَّتِهِ لربِّه وخلَّتِهِ؛ فإن إسماعيلَ عليه الصلاة (والسلام) لما وَهَبَهُ الله لإبراهيم؛ أحبَّه حبًّا شديداً، وهو خليل الرحمن، والخلَّة أعلى أنواع المحبة، وهو منصبٌ لا يقبل المشاركة، ويقتضي أن تكونَ جميعُ أجزاء القلب متعلقةً بالمحبوب، فلما تعلقتْ شعبةٌ من شُعَبِ قلبِهِ بابنه إسماعيلَ؛ أراد الله تعالى أن يُصَفِّي وُدَّه ويختبرَ خُلَّتَهَ، فأمره أن يذبح مَنْ زاحَمَ حبُّه حبَّ ربِّه، فلما قَدَّمَ حبَّ الله وآثره على هواه وعزم على ذبحِهِ وزال ما في القلب من المزاحم، بقي الذبحُ لا فائدة فيه؛ فلهذا قال:{إنَّ هذا لهو البلاءُ المبينُ}. {107}{وفديناه بِذبۡحٍ عظيم}؛ أي: صار بَدَلَه ذبحٌ من الغنم عظيمٌ ذبحه إبراهيم، فكان عظيماً: من جهة أنَّه كان فداء لإسماعيلَ، ومن جهة أنَّه من جملة العبادات الجليلة، ومن جهة أنه كان قرباناً وسنةً إلى يوم القيامةِ. {108 ـ 109}{وتركنا عليه في الآخرين. سلام على إبراهيم}؛ أي: وأبقينا عليه ثناءً صادقاً في الآخرين؛ كما كان في الأولين؛ فكل وقت بعد إبراهيم عليه السلام؛ فإنَّه فيه محبوبٌ معظَّم مثنى عليه. {سلامٌ على إبراهيم}؛ أي: تحية عليه؛ كقوله:{قُل الحمدُ لله وسلامٌ على عبادِهِ الذين اصطفى}. {110}{إنَّا كذلك نجزي المحسنين}: في عبادة الله ومعاملة خلقِهِ أن نُفَرِّجَ عنهم الشدائدَ، ونَجْعَلَ لهم العاقبة والثناء الحسن. {111}{إنَّه من عبادِنا المؤمنينَ}: بما أمر الله بالإيمان به، الذين بَلَغَ بهم الإيمانُ إلى درجة اليقين؛ كما قال تعالى:{وكذلك نُري إبراهيمَ مَلَكوتَ السمواتِ والأرضِ وليكون من الموقنين}. {112}{وبَشَّرۡناهُ بإسحاقَ نَبِيًّا من الصالحين}: هذه البشارة الثانية بإسحاقَ؛ الذي من ورائِهِ يعقوبَ، فَبُشِّرَ بوجوده وبقائه ووجود ذُرِّيَّتِهِ وكونه نبيًّا من الصالحين؛ فهي بشاراتٌ متعدِّدة. {113}{وبارَكۡنا عليه وعلى إسحاقَ}؛ أي: أنْزَلْنا عليهما البركةَ التي هي النمو والزيادة في علمهما وعملهما وذريتهما، فنشر الله من ذُرِّيَّتِهِما ثلاث أمم عظيمة: أمة العرب من ذُرِّيَّةِ إسماعيلَ، وأمة بني إسرائيل، وأمة الروم من ذُرِّيَّةِ إسحاقَ. {ومن ذُرِّيَّتِهِما محسنٌ وظالمٌ لنفسِهِ مبينٌ}؛ أي: منهم الصالح والطالح، والعادل والظالم، الذي تبيَّن ظلمُهُ بكفرِهِ وشركِهِ، ولعل هذا من باب دفع الإيهام؛ فإنَّه لمَّا قال:{وبارَكۡنا عليه وعلى إسحاقَ}؛ اقتضى ذلك البركة في ذُرِّيَّتِهِما، وأنَّ من تمام البركة أن تكون الذُّرِّيَّة كلُّهم محسنين، فأخبر الله تعالى أنَّ منهم محسناً وظالماً. والله أعلم.

الصافات 37:110

{83 ـ 84}؛ أي: وإنَّ من شيعة نوح عليه السلام ومَنْ هو على طريقتِهِ في النبوَّة والرسالة ودعوة الخلقِ إلى اللَّه وإجابةِ الدُّعاء إبراهيم الخليل عليه السلام. {إذۡ جاء ربَّه بقلبٍ سليم}: من الشركِ والشُّبَهِ والشَّهَوات المانعة من تصوُّر الحقِّ والعمل به. وإذا كان قلبُ العبدِ سليماً؛ سَلِمَ من كلِّ شرٍّ، وحصل له كلُّ خيرٍ. {85 ـ 87} ومن سلامته أنه سليمٌ من غشِّ الخلق وحَسَدِهم وغير ذلك من مساوئ الأخلاق، ولهذا نصح الخلق في الله، وبدأ بأبيه وقومِهِ، فقال:{إذۡ قال لأبيه وقومِهِ ماذا تَعۡبُدونَ}؟ هذا استفهامٌ على وجه الإنكار وإلزامٌ لهم بالحجة. {أإفكاً آلهةً دون الله تريدونَ}؟ أي: أتعبدون من دون آلهة كذباً ليست بآلهة، ولا تصلُحُ للعبادة؟! {فما ظنُّكم بربِّ العالمين}: أن يفعل بكم وقد عبدتُم معه غيره؟! وهذا ترهيبٌ لهم بالجزاء بالعقابِ على الإقامة على شركهم، وما الذي ظننتُم بربِّ العالمين من النقص حتى جعلتُم له أنداداً وشركاء؟! {88 ـ 93} فأراد عليه السلام أن يكسِرَ أصنامهم ويتمكَّن من ذلك، فانتهز الفرصةَ في حين غفلةٍ منهم لما ذهبوا إلى عيدٍ من أعيادهم، فخرج معهم، {فَنَظَرَ نظرةً في النجوم. فقال: إني سقيمٌ}: في الحديث الصحيح: «لم يكذبْ إبراهيمُ عليه السلام إلاَّ ثلاثَ كذباتٍ: قولُهُ: إني سقيمٌ، وقوله: بل فعله كبيرُهُم هذا، وقوله عن زوجته: إنها أختي». والقصدُ أنَّه تخلَّف عنهم ليتمَّ له الكيدُ بآلهتهم. ولهذا {تولَّوا عنه مدبِرينَ}، فلما وجد الفرصة؛ {فراغ إلى آلهتهم}؛ أي: أسرع إليها على وجه الخفية والمراوغة، {فقال} متهكِّماً بها: {ألا تأكُلونَ. ما لكم لا تنطقونَ}؛ أي: فكيف يليقُ أن تُعْبَدَ وهي أنقص من الحيوانات التي تأكُلُ و تُكلِّم، وهذه جمادٌ لا تأكل ولا تُكلِّم؟! {فراغَ عليهم ضرباً باليمين}؛ أي: جعل يضربها بقوَّتِهِ ونشاطِهِ حتى جعلها جذاذاً؛ إلاَّ كبيراً لهم لعلَّهم إليه يرجِعون. {94 ـ 96}{فأقبلوا إليه يزِفُّونَ}؛ أي: يسرعون ويُهْرَعون؛ يريدون أن يوقعوا به بعد ما بحثوا و {قالوا: مَنۡ فَعَلَ هذا بآلهتنا إنَّه لمن الظالمين}؟ {وقيل لهم: سمِعۡنا فتى يذكُرُهم يُقالُ له: إبراهيمُ}، يقول {تالله لأكيدنَّ أصنامَكُم بعدَ أن تُوَلُّوا مدبِرين}. فوبَّخوه ولاموه، فقال:{بل فَعَلَه كبيرُهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطِقون. فرجَعَوا إلى أنفسِهِم فقالوا إنَّكم أنتم الظالمونَ. ثم نُكِسوا على رؤوسِهِم لقد علمتَ ما هؤلاء ينطِقون. قال أفتعبدُونَ من دون اللهِ ما لا ينفعكم شيئاً ولا يضرُّكم ... } الآية، و {قال} هنا: {أتعبدُونَ ما تَنۡحِتونَ}؛ أي: تنحِتونه بأيديكم وتصنعونه؛ فكيف تعبُدونهم وأنتم الذين صنعتُموهم، وتتركون الإخلاصَ لله الذي {خَلَقَكُم وما تعمَلون}؟! {97 ـ 98}{قالوا ابنوا له بنياناً}؛ أي: عالياً مرتفعاً وأوقِدوا فيه النارَ، {فألقوه في الجحيم}: جزاءً على ما فعل من تكسير آلهتهم، وأرادوا {به كيداً}: ليقتُلوه أشنعَ قِتْلَةٍ؛ {فجعلناهُمُ الأسفلينَ}: ردَّ الله كيدَهم في نُحورهم، وجَعَلَ النار على إبراهيم برداً وسلاماً. {99}{و} لما فعلوا فيه هذا الفعل، وأقام عليهم الحجة، وأعذر منهم؛ {قال إنِّي ذاهبٌ إلى ربِّي}؛ أي: مهاجر إليه، قاصدٌ إلى الأرض المباركة أرض الشام {سيهدينِ}: يدلُّني على ما فيه الخير لي من أمر ديني ودنياي. وقال في الآية الأخرى:{وأعۡتَزِلُكم وما تَدۡعونَ من دونِ الله وأدۡعو ربِّي عسى ألاَّ أكونَ بِدُعاءِ ربي شَقِيًّا}. {100}{ربِّ هَبۡ لي}: ولداً يكون {من الصالحين}، وذلك عندما أيس من قومه، ولم يَرَ فيهم خيراً؛ دعا الله أن يَهَبَ له غلاماً صالحاً ينفع الله به في حياتِهِ وبعد مماتِهِ. {101} فاستجابَ اللَّه له وقال: {فبشَّرناه بغلام حَليم}: وهذا إسماعيلُ عليه السلام بلا شكٍّ؛ فإنَّه ذكر بعدَه البشارة بإسحاقَ، ولأنَّ الله تعالى قال في بُشراه بإسحاقَ:{فبشَّرنۡاها بإسحاقَ ومِن وراء إسحاقَ يعقوبَ}: فدلَّ على أنَّ إسحاقَ غير الذبيح، ووَصَفَ الله إسماعيلَ عليه السلام بالحلم، وهو يتضمَّنُ الصبرَ وحسنَ الخُلُق وسَعَةَ الصدر والعفو عَمَّنْ جنى. {102}{فلمَّا بَلَغَ الغلامُ معه السعيَ}؛ أي: أدرك أن يسعى معه، وبلغ سنًّا يكون في الغالب أحبَّ ما يكون لوالديه؛ قد ذهبتْ مشقَّتُه وأقبلتْ منفعتُهُ، فقال له إبراهيمُ عليه السلام:{إنِّي أرى في المنام أنِّي أذۡبَحُكَ}؛ أي: قد رأيت في النوم والرؤيا أنَّ الله يأمُرُني بِذَبْحِكَ، ورؤيا الأنبياءِ وحيٌ. {فانۡظُرۡ ماذا ترى}؛ فإنَّ أمر الله تعالى لا بدَّ من تنفيذِهِ، فقال إسماعيلُ صابراً محتسباً مرضياً لربِّه وبارًّا بوالده:{يا أبتِ افۡعَلۡ ما تُؤۡمَرۡ}؛ أي: امضِ لما أمَرَكَ الله، {سَتَجِدُني إن شاء الله من الصابرينَ}: أخبر أباه أنَّه موطِّنٌ نفسَه على الصبر، وقَرَنَ ذلك بمشيئة الله تعالى؛ لأنَّه لا يكون شيءٌ بدون مشيئةِ الله. {103}{فلمَّا أسۡلَما}؛ أي: إبراهيم وابنه إسماعيل: إبراهيم جازماً بقتل ابنه وثمرةِ فؤادِهِ امتثالاً لأمر ربِّه وخوفاً من عقابه، والابن قد وطَّن نفسه على الصبر، وهانتْ عليه في طاعة ربِّه ورضا والده، {وَتَلَّه للجبينِ}؛ أي: تلَّ إبراهيمُ إسماعيلَ على جبينِهِ لِيُضْجِعَه فيذبَحَه، وقد انكبَّ لوجهِهِ؛ لئلاَّ ينظرَ وقت الذبح إلى وجهِهِ. {104 ـ 105}{وناديناه}: في تلك الحال المزعجة والأمر المدهش: {أن يا إبراهيمُ. قد صَدَّقۡتَ الرؤيا}؛ أي: قد فعلتَ ما أُمِرْتَ به؛ فإنَّك وطَّنْتَ نفسك على ذلك، وفعلتَ كلَّ سبب، ولم يبقَ إلاَّ إمرار السكين على حلقه. {إنَّا كذلك نَجۡزي المحسنين}: في عبادتنا، المقدِّمين رضانا على شهواتِ أنفسهم. {106}{إنَّ هذا}: الذي امتحنَّا به إبراهيمَ عليه السلام {لهو البَلاءُ المُبينُ}؛ أي: الواضح الذي تَبَيَّنَ به صفاءُ إبراهيم وكمالُ محبَّتِهِ لربِّه وخلَّتِهِ؛ فإن إسماعيلَ عليه الصلاة (والسلام) لما وَهَبَهُ الله لإبراهيم؛ أحبَّه حبًّا شديداً، وهو خليل الرحمن، والخلَّة أعلى أنواع المحبة، وهو منصبٌ لا يقبل المشاركة، ويقتضي أن تكونَ جميعُ أجزاء القلب متعلقةً بالمحبوب، فلما تعلقتْ شعبةٌ من شُعَبِ قلبِهِ بابنه إسماعيلَ؛ أراد الله تعالى أن يُصَفِّي وُدَّه ويختبرَ خُلَّتَهَ، فأمره أن يذبح مَنْ زاحَمَ حبُّه حبَّ ربِّه، فلما قَدَّمَ حبَّ الله وآثره على هواه وعزم على ذبحِهِ وزال ما في القلب من المزاحم، بقي الذبحُ لا فائدة فيه؛ فلهذا قال:{إنَّ هذا لهو البلاءُ المبينُ}. {107}{وفديناه بِذبۡحٍ عظيم}؛ أي: صار بَدَلَه ذبحٌ من الغنم عظيمٌ ذبحه إبراهيم، فكان عظيماً: من جهة أنَّه كان فداء لإسماعيلَ، ومن جهة أنَّه من جملة العبادات الجليلة، ومن جهة أنه كان قرباناً وسنةً إلى يوم القيامةِ. {108 ـ 109}{وتركنا عليه في الآخرين. سلام على إبراهيم}؛ أي: وأبقينا عليه ثناءً صادقاً في الآخرين؛ كما كان في الأولين؛ فكل وقت بعد إبراهيم عليه السلام؛ فإنَّه فيه محبوبٌ معظَّم مثنى عليه. {سلامٌ على إبراهيم}؛ أي: تحية عليه؛ كقوله:{قُل الحمدُ لله وسلامٌ على عبادِهِ الذين اصطفى}. {110}{إنَّا كذلك نجزي المحسنين}: في عبادة الله ومعاملة خلقِهِ أن نُفَرِّجَ عنهم الشدائدَ، ونَجْعَلَ لهم العاقبة والثناء الحسن. {111}{إنَّه من عبادِنا المؤمنينَ}: بما أمر الله بالإيمان به، الذين بَلَغَ بهم الإيمانُ إلى درجة اليقين؛ كما قال تعالى:{وكذلك نُري إبراهيمَ مَلَكوتَ السمواتِ والأرضِ وليكون من الموقنين}. {112}{وبَشَّرۡناهُ بإسحاقَ نَبِيًّا من الصالحين}: هذه البشارة الثانية بإسحاقَ؛ الذي من ورائِهِ يعقوبَ، فَبُشِّرَ بوجوده وبقائه ووجود ذُرِّيَّتِهِ وكونه نبيًّا من الصالحين؛ فهي بشاراتٌ متعدِّدة. {113}{وبارَكۡنا عليه وعلى إسحاقَ}؛ أي: أنْزَلْنا عليهما البركةَ التي هي النمو والزيادة في علمهما وعملهما وذريتهما، فنشر الله من ذُرِّيَّتِهِما ثلاث أمم عظيمة: أمة العرب من ذُرِّيَّةِ إسماعيلَ، وأمة بني إسرائيل، وأمة الروم من ذُرِّيَّةِ إسحاقَ. {ومن ذُرِّيَّتِهِما محسنٌ وظالمٌ لنفسِهِ مبينٌ}؛ أي: منهم الصالح والطالح، والعادل والظالم، الذي تبيَّن ظلمُهُ بكفرِهِ وشركِهِ، ولعل هذا من باب دفع الإيهام؛ فإنَّه لمَّا قال:{وبارَكۡنا عليه وعلى إسحاقَ}؛ اقتضى ذلك البركة في ذُرِّيَّتِهِما، وأنَّ من تمام البركة أن تكون الذُّرِّيَّة كلُّهم محسنين، فأخبر الله تعالى أنَّ منهم محسناً وظالماً. والله أعلم.

الصافات 37:111

{83 ـ 84}؛ أي: وإنَّ من شيعة نوح عليه السلام ومَنْ هو على طريقتِهِ في النبوَّة والرسالة ودعوة الخلقِ إلى اللَّه وإجابةِ الدُّعاء إبراهيم الخليل عليه السلام. {إذۡ جاء ربَّه بقلبٍ سليم}: من الشركِ والشُّبَهِ والشَّهَوات المانعة من تصوُّر الحقِّ والعمل به. وإذا كان قلبُ العبدِ سليماً؛ سَلِمَ من كلِّ شرٍّ، وحصل له كلُّ خيرٍ. {85 ـ 87} ومن سلامته أنه سليمٌ من غشِّ الخلق وحَسَدِهم وغير ذلك من مساوئ الأخلاق، ولهذا نصح الخلق في الله، وبدأ بأبيه وقومِهِ، فقال:{إذۡ قال لأبيه وقومِهِ ماذا تَعۡبُدونَ}؟ هذا استفهامٌ على وجه الإنكار وإلزامٌ لهم بالحجة. {أإفكاً آلهةً دون الله تريدونَ}؟ أي: أتعبدون من دون آلهة كذباً ليست بآلهة، ولا تصلُحُ للعبادة؟! {فما ظنُّكم بربِّ العالمين}: أن يفعل بكم وقد عبدتُم معه غيره؟! وهذا ترهيبٌ لهم بالجزاء بالعقابِ على الإقامة على شركهم، وما الذي ظننتُم بربِّ العالمين من النقص حتى جعلتُم له أنداداً وشركاء؟! {88 ـ 93} فأراد عليه السلام أن يكسِرَ أصنامهم ويتمكَّن من ذلك، فانتهز الفرصةَ في حين غفلةٍ منهم لما ذهبوا إلى عيدٍ من أعيادهم، فخرج معهم، {فَنَظَرَ نظرةً في النجوم. فقال: إني سقيمٌ}: في الحديث الصحيح: «لم يكذبْ إبراهيمُ عليه السلام إلاَّ ثلاثَ كذباتٍ: قولُهُ: إني سقيمٌ، وقوله: بل فعله كبيرُهُم هذا، وقوله عن زوجته: إنها أختي». والقصدُ أنَّه تخلَّف عنهم ليتمَّ له الكيدُ بآلهتهم. ولهذا {تولَّوا عنه مدبِرينَ}، فلما وجد الفرصة؛ {فراغ إلى آلهتهم}؛ أي: أسرع إليها على وجه الخفية والمراوغة، {فقال} متهكِّماً بها: {ألا تأكُلونَ. ما لكم لا تنطقونَ}؛ أي: فكيف يليقُ أن تُعْبَدَ وهي أنقص من الحيوانات التي تأكُلُ و تُكلِّم، وهذه جمادٌ لا تأكل ولا تُكلِّم؟! {فراغَ عليهم ضرباً باليمين}؛ أي: جعل يضربها بقوَّتِهِ ونشاطِهِ حتى جعلها جذاذاً؛ إلاَّ كبيراً لهم لعلَّهم إليه يرجِعون. {94 ـ 96}{فأقبلوا إليه يزِفُّونَ}؛ أي: يسرعون ويُهْرَعون؛ يريدون أن يوقعوا به بعد ما بحثوا و {قالوا: مَنۡ فَعَلَ هذا بآلهتنا إنَّه لمن الظالمين}؟ {وقيل لهم: سمِعۡنا فتى يذكُرُهم يُقالُ له: إبراهيمُ}، يقول {تالله لأكيدنَّ أصنامَكُم بعدَ أن تُوَلُّوا مدبِرين}. فوبَّخوه ولاموه، فقال:{بل فَعَلَه كبيرُهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطِقون. فرجَعَوا إلى أنفسِهِم فقالوا إنَّكم أنتم الظالمونَ. ثم نُكِسوا على رؤوسِهِم لقد علمتَ ما هؤلاء ينطِقون. قال أفتعبدُونَ من دون اللهِ ما لا ينفعكم شيئاً ولا يضرُّكم ... } الآية، و {قال} هنا: {أتعبدُونَ ما تَنۡحِتونَ}؛ أي: تنحِتونه بأيديكم وتصنعونه؛ فكيف تعبُدونهم وأنتم الذين صنعتُموهم، وتتركون الإخلاصَ لله الذي {خَلَقَكُم وما تعمَلون}؟! {97 ـ 98}{قالوا ابنوا له بنياناً}؛ أي: عالياً مرتفعاً وأوقِدوا فيه النارَ، {فألقوه في الجحيم}: جزاءً على ما فعل من تكسير آلهتهم، وأرادوا {به كيداً}: ليقتُلوه أشنعَ قِتْلَةٍ؛ {فجعلناهُمُ الأسفلينَ}: ردَّ الله كيدَهم في نُحورهم، وجَعَلَ النار على إبراهيم برداً وسلاماً. {99}{و} لما فعلوا فيه هذا الفعل، وأقام عليهم الحجة، وأعذر منهم؛ {قال إنِّي ذاهبٌ إلى ربِّي}؛ أي: مهاجر إليه، قاصدٌ إلى الأرض المباركة أرض الشام {سيهدينِ}: يدلُّني على ما فيه الخير لي من أمر ديني ودنياي. وقال في الآية الأخرى:{وأعۡتَزِلُكم وما تَدۡعونَ من دونِ الله وأدۡعو ربِّي عسى ألاَّ أكونَ بِدُعاءِ ربي شَقِيًّا}. {100}{ربِّ هَبۡ لي}: ولداً يكون {من الصالحين}، وذلك عندما أيس من قومه، ولم يَرَ فيهم خيراً؛ دعا الله أن يَهَبَ له غلاماً صالحاً ينفع الله به في حياتِهِ وبعد مماتِهِ. {101} فاستجابَ اللَّه له وقال: {فبشَّرناه بغلام حَليم}: وهذا إسماعيلُ عليه السلام بلا شكٍّ؛ فإنَّه ذكر بعدَه البشارة بإسحاقَ، ولأنَّ الله تعالى قال في بُشراه بإسحاقَ:{فبشَّرنۡاها بإسحاقَ ومِن وراء إسحاقَ يعقوبَ}: فدلَّ على أنَّ إسحاقَ غير الذبيح، ووَصَفَ الله إسماعيلَ عليه السلام بالحلم، وهو يتضمَّنُ الصبرَ وحسنَ الخُلُق وسَعَةَ الصدر والعفو عَمَّنْ جنى. {102}{فلمَّا بَلَغَ الغلامُ معه السعيَ}؛ أي: أدرك أن يسعى معه، وبلغ سنًّا يكون في الغالب أحبَّ ما يكون لوالديه؛ قد ذهبتْ مشقَّتُه وأقبلتْ منفعتُهُ، فقال له إبراهيمُ عليه السلام:{إنِّي أرى في المنام أنِّي أذۡبَحُكَ}؛ أي: قد رأيت في النوم والرؤيا أنَّ الله يأمُرُني بِذَبْحِكَ، ورؤيا الأنبياءِ وحيٌ. {فانۡظُرۡ ماذا ترى}؛ فإنَّ أمر الله تعالى لا بدَّ من تنفيذِهِ، فقال إسماعيلُ صابراً محتسباً مرضياً لربِّه وبارًّا بوالده:{يا أبتِ افۡعَلۡ ما تُؤۡمَرۡ}؛ أي: امضِ لما أمَرَكَ الله، {سَتَجِدُني إن شاء الله من الصابرينَ}: أخبر أباه أنَّه موطِّنٌ نفسَه على الصبر، وقَرَنَ ذلك بمشيئة الله تعالى؛ لأنَّه لا يكون شيءٌ بدون مشيئةِ الله. {103}{فلمَّا أسۡلَما}؛ أي: إبراهيم وابنه إسماعيل: إبراهيم جازماً بقتل ابنه وثمرةِ فؤادِهِ امتثالاً لأمر ربِّه وخوفاً من عقابه، والابن قد وطَّن نفسه على الصبر، وهانتْ عليه في طاعة ربِّه ورضا والده، {وَتَلَّه للجبينِ}؛ أي: تلَّ إبراهيمُ إسماعيلَ على جبينِهِ لِيُضْجِعَه فيذبَحَه، وقد انكبَّ لوجهِهِ؛ لئلاَّ ينظرَ وقت الذبح إلى وجهِهِ. {104 ـ 105}{وناديناه}: في تلك الحال المزعجة والأمر المدهش: {أن يا إبراهيمُ. قد صَدَّقۡتَ الرؤيا}؛ أي: قد فعلتَ ما أُمِرْتَ به؛ فإنَّك وطَّنْتَ نفسك على ذلك، وفعلتَ كلَّ سبب، ولم يبقَ إلاَّ إمرار السكين على حلقه. {إنَّا كذلك نَجۡزي المحسنين}: في عبادتنا، المقدِّمين رضانا على شهواتِ أنفسهم. {106}{إنَّ هذا}: الذي امتحنَّا به إبراهيمَ عليه السلام {لهو البَلاءُ المُبينُ}؛ أي: الواضح الذي تَبَيَّنَ به صفاءُ إبراهيم وكمالُ محبَّتِهِ لربِّه وخلَّتِهِ؛ فإن إسماعيلَ عليه الصلاة (والسلام) لما وَهَبَهُ الله لإبراهيم؛ أحبَّه حبًّا شديداً، وهو خليل الرحمن، والخلَّة أعلى أنواع المحبة، وهو منصبٌ لا يقبل المشاركة، ويقتضي أن تكونَ جميعُ أجزاء القلب متعلقةً بالمحبوب، فلما تعلقتْ شعبةٌ من شُعَبِ قلبِهِ بابنه إسماعيلَ؛ أراد الله تعالى أن يُصَفِّي وُدَّه ويختبرَ خُلَّتَهَ، فأمره أن يذبح مَنْ زاحَمَ حبُّه حبَّ ربِّه، فلما قَدَّمَ حبَّ الله وآثره على هواه وعزم على ذبحِهِ وزال ما في القلب من المزاحم، بقي الذبحُ لا فائدة فيه؛ فلهذا قال:{إنَّ هذا لهو البلاءُ المبينُ}. {107}{وفديناه بِذبۡحٍ عظيم}؛ أي: صار بَدَلَه ذبحٌ من الغنم عظيمٌ ذبحه إبراهيم، فكان عظيماً: من جهة أنَّه كان فداء لإسماعيلَ، ومن جهة أنَّه من جملة العبادات الجليلة، ومن جهة أنه كان قرباناً وسنةً إلى يوم القيامةِ. {108 ـ 109}{وتركنا عليه في الآخرين. سلام على إبراهيم}؛ أي: وأبقينا عليه ثناءً صادقاً في الآخرين؛ كما كان في الأولين؛ فكل وقت بعد إبراهيم عليه السلام؛ فإنَّه فيه محبوبٌ معظَّم مثنى عليه. {سلامٌ على إبراهيم}؛ أي: تحية عليه؛ كقوله:{قُل الحمدُ لله وسلامٌ على عبادِهِ الذين اصطفى}. {110}{إنَّا كذلك نجزي المحسنين}: في عبادة الله ومعاملة خلقِهِ أن نُفَرِّجَ عنهم الشدائدَ، ونَجْعَلَ لهم العاقبة والثناء الحسن. {111}{إنَّه من عبادِنا المؤمنينَ}: بما أمر الله بالإيمان به، الذين بَلَغَ بهم الإيمانُ إلى درجة اليقين؛ كما قال تعالى:{وكذلك نُري إبراهيمَ مَلَكوتَ السمواتِ والأرضِ وليكون من الموقنين}. {112}{وبَشَّرۡناهُ بإسحاقَ نَبِيًّا من الصالحين}: هذه البشارة الثانية بإسحاقَ؛ الذي من ورائِهِ يعقوبَ، فَبُشِّرَ بوجوده وبقائه ووجود ذُرِّيَّتِهِ وكونه نبيًّا من الصالحين؛ فهي بشاراتٌ متعدِّدة. {113}{وبارَكۡنا عليه وعلى إسحاقَ}؛ أي: أنْزَلْنا عليهما البركةَ التي هي النمو والزيادة في علمهما وعملهما وذريتهما، فنشر الله من ذُرِّيَّتِهِما ثلاث أمم عظيمة: أمة العرب من ذُرِّيَّةِ إسماعيلَ، وأمة بني إسرائيل، وأمة الروم من ذُرِّيَّةِ إسحاقَ. {ومن ذُرِّيَّتِهِما محسنٌ وظالمٌ لنفسِهِ مبينٌ}؛ أي: منهم الصالح والطالح، والعادل والظالم، الذي تبيَّن ظلمُهُ بكفرِهِ وشركِهِ، ولعل هذا من باب دفع الإيهام؛ فإنَّه لمَّا قال:{وبارَكۡنا عليه وعلى إسحاقَ}؛ اقتضى ذلك البركة في ذُرِّيَّتِهِما، وأنَّ من تمام البركة أن تكون الذُّرِّيَّة كلُّهم محسنين، فأخبر الله تعالى أنَّ منهم محسناً وظالماً. والله أعلم.

الصافات 37:112

{83 ـ 84}؛ أي: وإنَّ من شيعة نوح عليه السلام ومَنْ هو على طريقتِهِ في النبوَّة والرسالة ودعوة الخلقِ إلى اللَّه وإجابةِ الدُّعاء إبراهيم الخليل عليه السلام. {إذۡ جاء ربَّه بقلبٍ سليم}: من الشركِ والشُّبَهِ والشَّهَوات المانعة من تصوُّر الحقِّ والعمل به. وإذا كان قلبُ العبدِ سليماً؛ سَلِمَ من كلِّ شرٍّ، وحصل له كلُّ خيرٍ. {85 ـ 87} ومن سلامته أنه سليمٌ من غشِّ الخلق وحَسَدِهم وغير ذلك من مساوئ الأخلاق، ولهذا نصح الخلق في الله، وبدأ بأبيه وقومِهِ، فقال:{إذۡ قال لأبيه وقومِهِ ماذا تَعۡبُدونَ}؟ هذا استفهامٌ على وجه الإنكار وإلزامٌ لهم بالحجة. {أإفكاً آلهةً دون الله تريدونَ}؟ أي: أتعبدون من دون آلهة كذباً ليست بآلهة، ولا تصلُحُ للعبادة؟! {فما ظنُّكم بربِّ العالمين}: أن يفعل بكم وقد عبدتُم معه غيره؟! وهذا ترهيبٌ لهم بالجزاء بالعقابِ على الإقامة على شركهم، وما الذي ظننتُم بربِّ العالمين من النقص حتى جعلتُم له أنداداً وشركاء؟! {88 ـ 93} فأراد عليه السلام أن يكسِرَ أصنامهم ويتمكَّن من ذلك، فانتهز الفرصةَ في حين غفلةٍ منهم لما ذهبوا إلى عيدٍ من أعيادهم، فخرج معهم، {فَنَظَرَ نظرةً في النجوم. فقال: إني سقيمٌ}: في الحديث الصحيح: «لم يكذبْ إبراهيمُ عليه السلام إلاَّ ثلاثَ كذباتٍ: قولُهُ: إني سقيمٌ، وقوله: بل فعله كبيرُهُم هذا، وقوله عن زوجته: إنها أختي». والقصدُ أنَّه تخلَّف عنهم ليتمَّ له الكيدُ بآلهتهم. ولهذا {تولَّوا عنه مدبِرينَ}، فلما وجد الفرصة؛ {فراغ إلى آلهتهم}؛ أي: أسرع إليها على وجه الخفية والمراوغة، {فقال} متهكِّماً بها: {ألا تأكُلونَ. ما لكم لا تنطقونَ}؛ أي: فكيف يليقُ أن تُعْبَدَ وهي أنقص من الحيوانات التي تأكُلُ و تُكلِّم، وهذه جمادٌ لا تأكل ولا تُكلِّم؟! {فراغَ عليهم ضرباً باليمين}؛ أي: جعل يضربها بقوَّتِهِ ونشاطِهِ حتى جعلها جذاذاً؛ إلاَّ كبيراً لهم لعلَّهم إليه يرجِعون. {94 ـ 96}{فأقبلوا إليه يزِفُّونَ}؛ أي: يسرعون ويُهْرَعون؛ يريدون أن يوقعوا به بعد ما بحثوا و {قالوا: مَنۡ فَعَلَ هذا بآلهتنا إنَّه لمن الظالمين}؟ {وقيل لهم: سمِعۡنا فتى يذكُرُهم يُقالُ له: إبراهيمُ}، يقول {تالله لأكيدنَّ أصنامَكُم بعدَ أن تُوَلُّوا مدبِرين}. فوبَّخوه ولاموه، فقال:{بل فَعَلَه كبيرُهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطِقون. فرجَعَوا إلى أنفسِهِم فقالوا إنَّكم أنتم الظالمونَ. ثم نُكِسوا على رؤوسِهِم لقد علمتَ ما هؤلاء ينطِقون. قال أفتعبدُونَ من دون اللهِ ما لا ينفعكم شيئاً ولا يضرُّكم ... } الآية، و {قال} هنا: {أتعبدُونَ ما تَنۡحِتونَ}؛ أي: تنحِتونه بأيديكم وتصنعونه؛ فكيف تعبُدونهم وأنتم الذين صنعتُموهم، وتتركون الإخلاصَ لله الذي {خَلَقَكُم وما تعمَلون}؟! {97 ـ 98}{قالوا ابنوا له بنياناً}؛ أي: عالياً مرتفعاً وأوقِدوا فيه النارَ، {فألقوه في الجحيم}: جزاءً على ما فعل من تكسير آلهتهم، وأرادوا {به كيداً}: ليقتُلوه أشنعَ قِتْلَةٍ؛ {فجعلناهُمُ الأسفلينَ}: ردَّ الله كيدَهم في نُحورهم، وجَعَلَ النار على إبراهيم برداً وسلاماً. {99}{و} لما فعلوا فيه هذا الفعل، وأقام عليهم الحجة، وأعذر منهم؛ {قال إنِّي ذاهبٌ إلى ربِّي}؛ أي: مهاجر إليه، قاصدٌ إلى الأرض المباركة أرض الشام {سيهدينِ}: يدلُّني على ما فيه الخير لي من أمر ديني ودنياي. وقال في الآية الأخرى:{وأعۡتَزِلُكم وما تَدۡعونَ من دونِ الله وأدۡعو ربِّي عسى ألاَّ أكونَ بِدُعاءِ ربي شَقِيًّا}. {100}{ربِّ هَبۡ لي}: ولداً يكون {من الصالحين}، وذلك عندما أيس من قومه، ولم يَرَ فيهم خيراً؛ دعا الله أن يَهَبَ له غلاماً صالحاً ينفع الله به في حياتِهِ وبعد مماتِهِ. {101} فاستجابَ اللَّه له وقال: {فبشَّرناه بغلام حَليم}: وهذا إسماعيلُ عليه السلام بلا شكٍّ؛ فإنَّه ذكر بعدَه البشارة بإسحاقَ، ولأنَّ الله تعالى قال في بُشراه بإسحاقَ:{فبشَّرنۡاها بإسحاقَ ومِن وراء إسحاقَ يعقوبَ}: فدلَّ على أنَّ إسحاقَ غير الذبيح، ووَصَفَ الله إسماعيلَ عليه السلام بالحلم، وهو يتضمَّنُ الصبرَ وحسنَ الخُلُق وسَعَةَ الصدر والعفو عَمَّنْ جنى. {102}{فلمَّا بَلَغَ الغلامُ معه السعيَ}؛ أي: أدرك أن يسعى معه، وبلغ سنًّا يكون في الغالب أحبَّ ما يكون لوالديه؛ قد ذهبتْ مشقَّتُه وأقبلتْ منفعتُهُ، فقال له إبراهيمُ عليه السلام:{إنِّي أرى في المنام أنِّي أذۡبَحُكَ}؛ أي: قد رأيت في النوم والرؤيا أنَّ الله يأمُرُني بِذَبْحِكَ، ورؤيا الأنبياءِ وحيٌ. {فانۡظُرۡ ماذا ترى}؛ فإنَّ أمر الله تعالى لا بدَّ من تنفيذِهِ، فقال إسماعيلُ صابراً محتسباً مرضياً لربِّه وبارًّا بوالده:{يا أبتِ افۡعَلۡ ما تُؤۡمَرۡ}؛ أي: امضِ لما أمَرَكَ الله، {سَتَجِدُني إن شاء الله من الصابرينَ}: أخبر أباه أنَّه موطِّنٌ نفسَه على الصبر، وقَرَنَ ذلك بمشيئة الله تعالى؛ لأنَّه لا يكون شيءٌ بدون مشيئةِ الله. {103}{فلمَّا أسۡلَما}؛ أي: إبراهيم وابنه إسماعيل: إبراهيم جازماً بقتل ابنه وثمرةِ فؤادِهِ امتثالاً لأمر ربِّه وخوفاً من عقابه، والابن قد وطَّن نفسه على الصبر، وهانتْ عليه في طاعة ربِّه ورضا والده، {وَتَلَّه للجبينِ}؛ أي: تلَّ إبراهيمُ إسماعيلَ على جبينِهِ لِيُضْجِعَه فيذبَحَه، وقد انكبَّ لوجهِهِ؛ لئلاَّ ينظرَ وقت الذبح إلى وجهِهِ. {104 ـ 105}{وناديناه}: في تلك الحال المزعجة والأمر المدهش: {أن يا إبراهيمُ. قد صَدَّقۡتَ الرؤيا}؛ أي: قد فعلتَ ما أُمِرْتَ به؛ فإنَّك وطَّنْتَ نفسك على ذلك، وفعلتَ كلَّ سبب، ولم يبقَ إلاَّ إمرار السكين على حلقه. {إنَّا كذلك نَجۡزي المحسنين}: في عبادتنا، المقدِّمين رضانا على شهواتِ أنفسهم. {106}{إنَّ هذا}: الذي امتحنَّا به إبراهيمَ عليه السلام {لهو البَلاءُ المُبينُ}؛ أي: الواضح الذي تَبَيَّنَ به صفاءُ إبراهيم وكمالُ محبَّتِهِ لربِّه وخلَّتِهِ؛ فإن إسماعيلَ عليه الصلاة (والسلام) لما وَهَبَهُ الله لإبراهيم؛ أحبَّه حبًّا شديداً، وهو خليل الرحمن، والخلَّة أعلى أنواع المحبة، وهو منصبٌ لا يقبل المشاركة، ويقتضي أن تكونَ جميعُ أجزاء القلب متعلقةً بالمحبوب، فلما تعلقتْ شعبةٌ من شُعَبِ قلبِهِ بابنه إسماعيلَ؛ أراد الله تعالى أن يُصَفِّي وُدَّه ويختبرَ خُلَّتَهَ، فأمره أن يذبح مَنْ زاحَمَ حبُّه حبَّ ربِّه، فلما قَدَّمَ حبَّ الله وآثره على هواه وعزم على ذبحِهِ وزال ما في القلب من المزاحم، بقي الذبحُ لا فائدة فيه؛ فلهذا قال:{إنَّ هذا لهو البلاءُ المبينُ}. {107}{وفديناه بِذبۡحٍ عظيم}؛ أي: صار بَدَلَه ذبحٌ من الغنم عظيمٌ ذبحه إبراهيم، فكان عظيماً: من جهة أنَّه كان فداء لإسماعيلَ، ومن جهة أنَّه من جملة العبادات الجليلة، ومن جهة أنه كان قرباناً وسنةً إلى يوم القيامةِ. {108 ـ 109}{وتركنا عليه في الآخرين. سلام على إبراهيم}؛ أي: وأبقينا عليه ثناءً صادقاً في الآخرين؛ كما كان في الأولين؛ فكل وقت بعد إبراهيم عليه السلام؛ فإنَّه فيه محبوبٌ معظَّم مثنى عليه. {سلامٌ على إبراهيم}؛ أي: تحية عليه؛ كقوله:{قُل الحمدُ لله وسلامٌ على عبادِهِ الذين اصطفى}. {110}{إنَّا كذلك نجزي المحسنين}: في عبادة الله ومعاملة خلقِهِ أن نُفَرِّجَ عنهم الشدائدَ، ونَجْعَلَ لهم العاقبة والثناء الحسن. {111}{إنَّه من عبادِنا المؤمنينَ}: بما أمر الله بالإيمان به، الذين بَلَغَ بهم الإيمانُ إلى درجة اليقين؛ كما قال تعالى:{وكذلك نُري إبراهيمَ مَلَكوتَ السمواتِ والأرضِ وليكون من الموقنين}. {112}{وبَشَّرۡناهُ بإسحاقَ نَبِيًّا من الصالحين}: هذه البشارة الثانية بإسحاقَ؛ الذي من ورائِهِ يعقوبَ، فَبُشِّرَ بوجوده وبقائه ووجود ذُرِّيَّتِهِ وكونه نبيًّا من الصالحين؛ فهي بشاراتٌ متعدِّدة. {113}{وبارَكۡنا عليه وعلى إسحاقَ}؛ أي: أنْزَلْنا عليهما البركةَ التي هي النمو والزيادة في علمهما وعملهما وذريتهما، فنشر الله من ذُرِّيَّتِهِما ثلاث أمم عظيمة: أمة العرب من ذُرِّيَّةِ إسماعيلَ، وأمة بني إسرائيل، وأمة الروم من ذُرِّيَّةِ إسحاقَ. {ومن ذُرِّيَّتِهِما محسنٌ وظالمٌ لنفسِهِ مبينٌ}؛ أي: منهم الصالح والطالح، والعادل والظالم، الذي تبيَّن ظلمُهُ بكفرِهِ وشركِهِ، ولعل هذا من باب دفع الإيهام؛ فإنَّه لمَّا قال:{وبارَكۡنا عليه وعلى إسحاقَ}؛ اقتضى ذلك البركة في ذُرِّيَّتِهِما، وأنَّ من تمام البركة أن تكون الذُّرِّيَّة كلُّهم محسنين، فأخبر الله تعالى أنَّ منهم محسناً وظالماً. والله أعلم.

الصافات 37:113

{83 ـ 84}؛ أي: وإنَّ من شيعة نوح عليه السلام ومَنْ هو على طريقتِهِ في النبوَّة والرسالة ودعوة الخلقِ إلى اللَّه وإجابةِ الدُّعاء إبراهيم الخليل عليه السلام. {إذۡ جاء ربَّه بقلبٍ سليم}: من الشركِ والشُّبَهِ والشَّهَوات المانعة من تصوُّر الحقِّ والعمل به. وإذا كان قلبُ العبدِ سليماً؛ سَلِمَ من كلِّ شرٍّ، وحصل له كلُّ خيرٍ. {85 ـ 87} ومن سلامته أنه سليمٌ من غشِّ الخلق وحَسَدِهم وغير ذلك من مساوئ الأخلاق، ولهذا نصح الخلق في الله، وبدأ بأبيه وقومِهِ، فقال:{إذۡ قال لأبيه وقومِهِ ماذا تَعۡبُدونَ}؟ هذا استفهامٌ على وجه الإنكار وإلزامٌ لهم بالحجة. {أإفكاً آلهةً دون الله تريدونَ}؟ أي: أتعبدون من دون آلهة كذباً ليست بآلهة، ولا تصلُحُ للعبادة؟! {فما ظنُّكم بربِّ العالمين}: أن يفعل بكم وقد عبدتُم معه غيره؟! وهذا ترهيبٌ لهم بالجزاء بالعقابِ على الإقامة على شركهم، وما الذي ظننتُم بربِّ العالمين من النقص حتى جعلتُم له أنداداً وشركاء؟! {88 ـ 93} فأراد عليه السلام أن يكسِرَ أصنامهم ويتمكَّن من ذلك، فانتهز الفرصةَ في حين غفلةٍ منهم لما ذهبوا إلى عيدٍ من أعيادهم، فخرج معهم، {فَنَظَرَ نظرةً في النجوم. فقال: إني سقيمٌ}: في الحديث الصحيح: «لم يكذبْ إبراهيمُ عليه السلام إلاَّ ثلاثَ كذباتٍ: قولُهُ: إني سقيمٌ، وقوله: بل فعله كبيرُهُم هذا، وقوله عن زوجته: إنها أختي». والقصدُ أنَّه تخلَّف عنهم ليتمَّ له الكيدُ بآلهتهم. ولهذا {تولَّوا عنه مدبِرينَ}، فلما وجد الفرصة؛ {فراغ إلى آلهتهم}؛ أي: أسرع إليها على وجه الخفية والمراوغة، {فقال} متهكِّماً بها: {ألا تأكُلونَ. ما لكم لا تنطقونَ}؛ أي: فكيف يليقُ أن تُعْبَدَ وهي أنقص من الحيوانات التي تأكُلُ و تُكلِّم، وهذه جمادٌ لا تأكل ولا تُكلِّم؟! {فراغَ عليهم ضرباً باليمين}؛ أي: جعل يضربها بقوَّتِهِ ونشاطِهِ حتى جعلها جذاذاً؛ إلاَّ كبيراً لهم لعلَّهم إليه يرجِعون. {94 ـ 96}{فأقبلوا إليه يزِفُّونَ}؛ أي: يسرعون ويُهْرَعون؛ يريدون أن يوقعوا به بعد ما بحثوا و {قالوا: مَنۡ فَعَلَ هذا بآلهتنا إنَّه لمن الظالمين}؟ {وقيل لهم: سمِعۡنا فتى يذكُرُهم يُقالُ له: إبراهيمُ}، يقول {تالله لأكيدنَّ أصنامَكُم بعدَ أن تُوَلُّوا مدبِرين}. فوبَّخوه ولاموه، فقال:{بل فَعَلَه كبيرُهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطِقون. فرجَعَوا إلى أنفسِهِم فقالوا إنَّكم أنتم الظالمونَ. ثم نُكِسوا على رؤوسِهِم لقد علمتَ ما هؤلاء ينطِقون. قال أفتعبدُونَ من دون اللهِ ما لا ينفعكم شيئاً ولا يضرُّكم ... } الآية، و {قال} هنا: {أتعبدُونَ ما تَنۡحِتونَ}؛ أي: تنحِتونه بأيديكم وتصنعونه؛ فكيف تعبُدونهم وأنتم الذين صنعتُموهم، وتتركون الإخلاصَ لله الذي {خَلَقَكُم وما تعمَلون}؟! {97 ـ 98}{قالوا ابنوا له بنياناً}؛ أي: عالياً مرتفعاً وأوقِدوا فيه النارَ، {فألقوه في الجحيم}: جزاءً على ما فعل من تكسير آلهتهم، وأرادوا {به كيداً}: ليقتُلوه أشنعَ قِتْلَةٍ؛ {فجعلناهُمُ الأسفلينَ}: ردَّ الله كيدَهم في نُحورهم، وجَعَلَ النار على إبراهيم برداً وسلاماً. {99}{و} لما فعلوا فيه هذا الفعل، وأقام عليهم الحجة، وأعذر منهم؛ {قال إنِّي ذاهبٌ إلى ربِّي}؛ أي: مهاجر إليه، قاصدٌ إلى الأرض المباركة أرض الشام {سيهدينِ}: يدلُّني على ما فيه الخير لي من أمر ديني ودنياي. وقال في الآية الأخرى:{وأعۡتَزِلُكم وما تَدۡعونَ من دونِ الله وأدۡعو ربِّي عسى ألاَّ أكونَ بِدُعاءِ ربي شَقِيًّا}. {100}{ربِّ هَبۡ لي}: ولداً يكون {من الصالحين}، وذلك عندما أيس من قومه، ولم يَرَ فيهم خيراً؛ دعا الله أن يَهَبَ له غلاماً صالحاً ينفع الله به في حياتِهِ وبعد مماتِهِ. {101} فاستجابَ اللَّه له وقال: {فبشَّرناه بغلام حَليم}: وهذا إسماعيلُ عليه السلام بلا شكٍّ؛ فإنَّه ذكر بعدَه البشارة بإسحاقَ، ولأنَّ الله تعالى قال في بُشراه بإسحاقَ:{فبشَّرنۡاها بإسحاقَ ومِن وراء إسحاقَ يعقوبَ}: فدلَّ على أنَّ إسحاقَ غير الذبيح، ووَصَفَ الله إسماعيلَ عليه السلام بالحلم، وهو يتضمَّنُ الصبرَ وحسنَ الخُلُق وسَعَةَ الصدر والعفو عَمَّنْ جنى. {102}{فلمَّا بَلَغَ الغلامُ معه السعيَ}؛ أي: أدرك أن يسعى معه، وبلغ سنًّا يكون في الغالب أحبَّ ما يكون لوالديه؛ قد ذهبتْ مشقَّتُه وأقبلتْ منفعتُهُ، فقال له إبراهيمُ عليه السلام:{إنِّي أرى في المنام أنِّي أذۡبَحُكَ}؛ أي: قد رأيت في النوم والرؤيا أنَّ الله يأمُرُني بِذَبْحِكَ، ورؤيا الأنبياءِ وحيٌ. {فانۡظُرۡ ماذا ترى}؛ فإنَّ أمر الله تعالى لا بدَّ من تنفيذِهِ، فقال إسماعيلُ صابراً محتسباً مرضياً لربِّه وبارًّا بوالده:{يا أبتِ افۡعَلۡ ما تُؤۡمَرۡ}؛ أي: امضِ لما أمَرَكَ الله، {سَتَجِدُني إن شاء الله من الصابرينَ}: أخبر أباه أنَّه موطِّنٌ نفسَه على الصبر، وقَرَنَ ذلك بمشيئة الله تعالى؛ لأنَّه لا يكون شيءٌ بدون مشيئةِ الله. {103}{فلمَّا أسۡلَما}؛ أي: إبراهيم وابنه إسماعيل: إبراهيم جازماً بقتل ابنه وثمرةِ فؤادِهِ امتثالاً لأمر ربِّه وخوفاً من عقابه، والابن قد وطَّن نفسه على الصبر، وهانتْ عليه في طاعة ربِّه ورضا والده، {وَتَلَّه للجبينِ}؛ أي: تلَّ إبراهيمُ إسماعيلَ على جبينِهِ لِيُضْجِعَه فيذبَحَه، وقد انكبَّ لوجهِهِ؛ لئلاَّ ينظرَ وقت الذبح إلى وجهِهِ. {104 ـ 105}{وناديناه}: في تلك الحال المزعجة والأمر المدهش: {أن يا إبراهيمُ. قد صَدَّقۡتَ الرؤيا}؛ أي: قد فعلتَ ما أُمِرْتَ به؛ فإنَّك وطَّنْتَ نفسك على ذلك، وفعلتَ كلَّ سبب، ولم يبقَ إلاَّ إمرار السكين على حلقه. {إنَّا كذلك نَجۡزي المحسنين}: في عبادتنا، المقدِّمين رضانا على شهواتِ أنفسهم. {106}{إنَّ هذا}: الذي امتحنَّا به إبراهيمَ عليه السلام {لهو البَلاءُ المُبينُ}؛ أي: الواضح الذي تَبَيَّنَ به صفاءُ إبراهيم وكمالُ محبَّتِهِ لربِّه وخلَّتِهِ؛ فإن إسماعيلَ عليه الصلاة (والسلام) لما وَهَبَهُ الله لإبراهيم؛ أحبَّه حبًّا شديداً، وهو خليل الرحمن، والخلَّة أعلى أنواع المحبة، وهو منصبٌ لا يقبل المشاركة، ويقتضي أن تكونَ جميعُ أجزاء القلب متعلقةً بالمحبوب، فلما تعلقتْ شعبةٌ من شُعَبِ قلبِهِ بابنه إسماعيلَ؛ أراد الله تعالى أن يُصَفِّي وُدَّه ويختبرَ خُلَّتَهَ، فأمره أن يذبح مَنْ زاحَمَ حبُّه حبَّ ربِّه، فلما قَدَّمَ حبَّ الله وآثره على هواه وعزم على ذبحِهِ وزال ما في القلب من المزاحم، بقي الذبحُ لا فائدة فيه؛ فلهذا قال:{إنَّ هذا لهو البلاءُ المبينُ}. {107}{وفديناه بِذبۡحٍ عظيم}؛ أي: صار بَدَلَه ذبحٌ من الغنم عظيمٌ ذبحه إبراهيم، فكان عظيماً: من جهة أنَّه كان فداء لإسماعيلَ، ومن جهة أنَّه من جملة العبادات الجليلة، ومن جهة أنه كان قرباناً وسنةً إلى يوم القيامةِ. {108 ـ 109}{وتركنا عليه في الآخرين. سلام على إبراهيم}؛ أي: وأبقينا عليه ثناءً صادقاً في الآخرين؛ كما كان في الأولين؛ فكل وقت بعد إبراهيم عليه السلام؛ فإنَّه فيه محبوبٌ معظَّم مثنى عليه. {سلامٌ على إبراهيم}؛ أي: تحية عليه؛ كقوله:{قُل الحمدُ لله وسلامٌ على عبادِهِ الذين اصطفى}. {110}{إنَّا كذلك نجزي المحسنين}: في عبادة الله ومعاملة خلقِهِ أن نُفَرِّجَ عنهم الشدائدَ، ونَجْعَلَ لهم العاقبة والثناء الحسن. {111}{إنَّه من عبادِنا المؤمنينَ}: بما أمر الله بالإيمان به، الذين بَلَغَ بهم الإيمانُ إلى درجة اليقين؛ كما قال تعالى:{وكذلك نُري إبراهيمَ مَلَكوتَ السمواتِ والأرضِ وليكون من الموقنين}. {112}{وبَشَّرۡناهُ بإسحاقَ نَبِيًّا من الصالحين}: هذه البشارة الثانية بإسحاقَ؛ الذي من ورائِهِ يعقوبَ، فَبُشِّرَ بوجوده وبقائه ووجود ذُرِّيَّتِهِ وكونه نبيًّا من الصالحين؛ فهي بشاراتٌ متعدِّدة. {113}{وبارَكۡنا عليه وعلى إسحاقَ}؛ أي: أنْزَلْنا عليهما البركةَ التي هي النمو والزيادة في علمهما وعملهما وذريتهما، فنشر الله من ذُرِّيَّتِهِما ثلاث أمم عظيمة: أمة العرب من ذُرِّيَّةِ إسماعيلَ، وأمة بني إسرائيل، وأمة الروم من ذُرِّيَّةِ إسحاقَ. {ومن ذُرِّيَّتِهِما محسنٌ وظالمٌ لنفسِهِ مبينٌ}؛ أي: منهم الصالح والطالح، والعادل والظالم، الذي تبيَّن ظلمُهُ بكفرِهِ وشركِهِ، ولعل هذا من باب دفع الإيهام؛ فإنَّه لمَّا قال:{وبارَكۡنا عليه وعلى إسحاقَ}؛ اقتضى ذلك البركة في ذُرِّيَّتِهِما، وأنَّ من تمام البركة أن تكون الذُّرِّيَّة كلُّهم محسنين، فأخبر الله تعالى أنَّ منهم محسناً وظالماً. والله أعلم.

الصافات 37:114

{114 ـ 122} يذكُرُ تعالى منَّته على عبديه ورسوليه موسى وهارون ابني عمران بالنبوَّة والرسالة والدعوة إلى الله تعالى، ونجاتهما وقومهما من عدوِّهما فرعون، ونصرهما عليه، حتى أغرقه الله وهم ينظرون، وإنزال الله عليهما الكتاب المستَبين، وهو التوراة التي فيها الأحكام والمواعظُ وتفصيلُ كلِّ شيء، وأنَّ الله هداهما الصراطَ المستقيم؛ بأنْ شَرَعَ لهما ديناً ذا أحكام وشرائع مستقيمةٍ موصلةٍ إلى الله، ومَنَّ عليهما بسلوكِهِ. {وتَرَكۡنا عليهما في الآخرين. سلامٌ على موسى وهارونَ}؛ أي: أبقى عليهما ثناء حسناً وتحيَّةً في الآخرين، ومن باب أولى وأحرى في الأوَّلين. {إنَّا كذلك نَجۡزي المحسنين. إنَّهما من عبادِنا المؤمنينَ}.

الصافات 37:115

{114 ـ 122} يذكُرُ تعالى منَّته على عبديه ورسوليه موسى وهارون ابني عمران بالنبوَّة والرسالة والدعوة إلى الله تعالى، ونجاتهما وقومهما من عدوِّهما فرعون، ونصرهما عليه، حتى أغرقه الله وهم ينظرون، وإنزال الله عليهما الكتاب المستَبين، وهو التوراة التي فيها الأحكام والمواعظُ وتفصيلُ كلِّ شيء، وأنَّ الله هداهما الصراطَ المستقيم؛ بأنْ شَرَعَ لهما ديناً ذا أحكام وشرائع مستقيمةٍ موصلةٍ إلى الله، ومَنَّ عليهما بسلوكِهِ. {وتَرَكۡنا عليهما في الآخرين. سلامٌ على موسى وهارونَ}؛ أي: أبقى عليهما ثناء حسناً وتحيَّةً في الآخرين، ومن باب أولى وأحرى في الأوَّلين. {إنَّا كذلك نَجۡزي المحسنين. إنَّهما من عبادِنا المؤمنينَ}.

الصافات 37:116

{114 ـ 122} يذكُرُ تعالى منَّته على عبديه ورسوليه موسى وهارون ابني عمران بالنبوَّة والرسالة والدعوة إلى الله تعالى، ونجاتهما وقومهما من عدوِّهما فرعون، ونصرهما عليه، حتى أغرقه الله وهم ينظرون، وإنزال الله عليهما الكتاب المستَبين، وهو التوراة التي فيها الأحكام والمواعظُ وتفصيلُ كلِّ شيء، وأنَّ الله هداهما الصراطَ المستقيم؛ بأنْ شَرَعَ لهما ديناً ذا أحكام وشرائع مستقيمةٍ موصلةٍ إلى الله، ومَنَّ عليهما بسلوكِهِ. {وتَرَكۡنا عليهما في الآخرين. سلامٌ على موسى وهارونَ}؛ أي: أبقى عليهما ثناء حسناً وتحيَّةً في الآخرين، ومن باب أولى وأحرى في الأوَّلين. {إنَّا كذلك نَجۡزي المحسنين. إنَّهما من عبادِنا المؤمنينَ}.

الصافات 37:117

{114 ـ 122} يذكُرُ تعالى منَّته على عبديه ورسوليه موسى وهارون ابني عمران بالنبوَّة والرسالة والدعوة إلى الله تعالى، ونجاتهما وقومهما من عدوِّهما فرعون، ونصرهما عليه، حتى أغرقه الله وهم ينظرون، وإنزال الله عليهما الكتاب المستَبين، وهو التوراة التي فيها الأحكام والمواعظُ وتفصيلُ كلِّ شيء، وأنَّ الله هداهما الصراطَ المستقيم؛ بأنْ شَرَعَ لهما ديناً ذا أحكام وشرائع مستقيمةٍ موصلةٍ إلى الله، ومَنَّ عليهما بسلوكِهِ. {وتَرَكۡنا عليهما في الآخرين. سلامٌ على موسى وهارونَ}؛ أي: أبقى عليهما ثناء حسناً وتحيَّةً في الآخرين، ومن باب أولى وأحرى في الأوَّلين. {إنَّا كذلك نَجۡزي المحسنين. إنَّهما من عبادِنا المؤمنينَ}.

الصافات 37:118

{114 ـ 122} يذكُرُ تعالى منَّته على عبديه ورسوليه موسى وهارون ابني عمران بالنبوَّة والرسالة والدعوة إلى الله تعالى، ونجاتهما وقومهما من عدوِّهما فرعون، ونصرهما عليه، حتى أغرقه الله وهم ينظرون، وإنزال الله عليهما الكتاب المستَبين، وهو التوراة التي فيها الأحكام والمواعظُ وتفصيلُ كلِّ شيء، وأنَّ الله هداهما الصراطَ المستقيم؛ بأنْ شَرَعَ لهما ديناً ذا أحكام وشرائع مستقيمةٍ موصلةٍ إلى الله، ومَنَّ عليهما بسلوكِهِ. {وتَرَكۡنا عليهما في الآخرين. سلامٌ على موسى وهارونَ}؛ أي: أبقى عليهما ثناء حسناً وتحيَّةً في الآخرين، ومن باب أولى وأحرى في الأوَّلين. {إنَّا كذلك نَجۡزي المحسنين. إنَّهما من عبادِنا المؤمنينَ}.

الصافات 37:119

{114 ـ 122} يذكُرُ تعالى منَّته على عبديه ورسوليه موسى وهارون ابني عمران بالنبوَّة والرسالة والدعوة إلى الله تعالى، ونجاتهما وقومهما من عدوِّهما فرعون، ونصرهما عليه، حتى أغرقه الله وهم ينظرون، وإنزال الله عليهما الكتاب المستَبين، وهو التوراة التي فيها الأحكام والمواعظُ وتفصيلُ كلِّ شيء، وأنَّ الله هداهما الصراطَ المستقيم؛ بأنْ شَرَعَ لهما ديناً ذا أحكام وشرائع مستقيمةٍ موصلةٍ إلى الله، ومَنَّ عليهما بسلوكِهِ. {وتَرَكۡنا عليهما في الآخرين. سلامٌ على موسى وهارونَ}؛ أي: أبقى عليهما ثناء حسناً وتحيَّةً في الآخرين، ومن باب أولى وأحرى في الأوَّلين. {إنَّا كذلك نَجۡزي المحسنين. إنَّهما من عبادِنا المؤمنينَ}.

الصافات 37:120

{114 ـ 122} يذكُرُ تعالى منَّته على عبديه ورسوليه موسى وهارون ابني عمران بالنبوَّة والرسالة والدعوة إلى الله تعالى، ونجاتهما وقومهما من عدوِّهما فرعون، ونصرهما عليه، حتى أغرقه الله وهم ينظرون، وإنزال الله عليهما الكتاب المستَبين، وهو التوراة التي فيها الأحكام والمواعظُ وتفصيلُ كلِّ شيء، وأنَّ الله هداهما الصراطَ المستقيم؛ بأنْ شَرَعَ لهما ديناً ذا أحكام وشرائع مستقيمةٍ موصلةٍ إلى الله، ومَنَّ عليهما بسلوكِهِ. {وتَرَكۡنا عليهما في الآخرين. سلامٌ على موسى وهارونَ}؛ أي: أبقى عليهما ثناء حسناً وتحيَّةً في الآخرين، ومن باب أولى وأحرى في الأوَّلين. {إنَّا كذلك نَجۡزي المحسنين. إنَّهما من عبادِنا المؤمنينَ}.

الصافات 37:121

{114 ـ 122} يذكُرُ تعالى منَّته على عبديه ورسوليه موسى وهارون ابني عمران بالنبوَّة والرسالة والدعوة إلى الله تعالى، ونجاتهما وقومهما من عدوِّهما فرعون، ونصرهما عليه، حتى أغرقه الله وهم ينظرون، وإنزال الله عليهما الكتاب المستَبين، وهو التوراة التي فيها الأحكام والمواعظُ وتفصيلُ كلِّ شيء، وأنَّ الله هداهما الصراطَ المستقيم؛ بأنْ شَرَعَ لهما ديناً ذا أحكام وشرائع مستقيمةٍ موصلةٍ إلى الله، ومَنَّ عليهما بسلوكِهِ. {وتَرَكۡنا عليهما في الآخرين. سلامٌ على موسى وهارونَ}؛ أي: أبقى عليهما ثناء حسناً وتحيَّةً في الآخرين، ومن باب أولى وأحرى في الأوَّلين. {إنَّا كذلك نَجۡزي المحسنين. إنَّهما من عبادِنا المؤمنينَ}.

الصافات 37:122

{114 ـ 122} يذكُرُ تعالى منَّته على عبديه ورسوليه موسى وهارون ابني عمران بالنبوَّة والرسالة والدعوة إلى الله تعالى، ونجاتهما وقومهما من عدوِّهما فرعون، ونصرهما عليه، حتى أغرقه الله وهم ينظرون، وإنزال الله عليهما الكتاب المستَبين، وهو التوراة التي فيها الأحكام والمواعظُ وتفصيلُ كلِّ شيء، وأنَّ الله هداهما الصراطَ المستقيم؛ بأنْ شَرَعَ لهما ديناً ذا أحكام وشرائع مستقيمةٍ موصلةٍ إلى الله، ومَنَّ عليهما بسلوكِهِ. {وتَرَكۡنا عليهما في الآخرين. سلامٌ على موسى وهارونَ}؛ أي: أبقى عليهما ثناء حسناً وتحيَّةً في الآخرين، ومن باب أولى وأحرى في الأوَّلين. {إنَّا كذلك نَجۡزي المحسنين. إنَّهما من عبادِنا المؤمنينَ}.

الصافات 37:123

{123 ـ 132} يمدحُ تعالى عبدَه ورسولَه إلياس عليه الصلاةُ والسلام بالنبوَّةِ والرسالة والدَّعوة إلى الله، وأنَّه أمر قومَه بالتَّقوى وعبادة الله وحدَه، ونهاهم عن عبادَتِهِم صنماً لهم يُقالُ له: بعلٌ، وتركِهِم عبادَة الله الذي خَلَقَ الخلقَ، وأحسنَ خَلْقَهم وربَّاهم فأحسنَ تربِيتهم، وأدرَّ عليهم النِّعَمَ الظاهرة والباطنة، وأنَّكم كيف تركتُم عبادةَ مَنْ هذا شأنُه إلى عبادة صنم لا يضرُّ ولا ينفع ولا يخلُق ولا يرزُقُ، بل لا يأكل ولا يتكلَّم، وهل هذا إلاَّ من أعظم الضلال والسَّفه والغيِّ. {فكذَّبوه}: فيما دعاهم إليه، فلم ينقادوا له، قال الله متوعِّداً لهم:{فإنَّهم لَمُحۡضَرونَ}؛ أي: يوم القيامةِ في العذاب، ولم يذكرْ لهم عقوبةً دنيويَّةً {إلاَّ عباد الله المُخۡلَصينَ}؛ أي: الذين أخلصهم الله ومَنَّ عليهم باتِّباع نبيِّهم؛ فإنَّهم غير محضرين في العذاب، وإنَّما لهم من الله جزيل الثواب. {وتركنا عليه}؛ أي: على إلياس {في الآخِرين}: ثناءً حسناً. {سلامٌ على إل ياسينَ}؛ أي: تحية من الله ومن عبادِهِ عليه. {إنَّا كذلك نَجۡزي المُحۡسِنينَ. إنَّه من عبادِنا المؤمنينَ}: فأثنى اللهُ عليه كما أثنى على إخوانِهِ صلواتُ الله وسلامُه عليهم أجمعينَ.

الصافات 37:124

{123 ـ 132} يمدحُ تعالى عبدَه ورسولَه إلياس عليه الصلاةُ والسلام بالنبوَّةِ والرسالة والدَّعوة إلى الله، وأنَّه أمر قومَه بالتَّقوى وعبادة الله وحدَه، ونهاهم عن عبادَتِهِم صنماً لهم يُقالُ له: بعلٌ، وتركِهِم عبادَة الله الذي خَلَقَ الخلقَ، وأحسنَ خَلْقَهم وربَّاهم فأحسنَ تربِيتهم، وأدرَّ عليهم النِّعَمَ الظاهرة والباطنة، وأنَّكم كيف تركتُم عبادةَ مَنْ هذا شأنُه إلى عبادة صنم لا يضرُّ ولا ينفع ولا يخلُق ولا يرزُقُ، بل لا يأكل ولا يتكلَّم، وهل هذا إلاَّ من أعظم الضلال والسَّفه والغيِّ. {فكذَّبوه}: فيما دعاهم إليه، فلم ينقادوا له، قال الله متوعِّداً لهم:{فإنَّهم لَمُحۡضَرونَ}؛ أي: يوم القيامةِ في العذاب، ولم يذكرْ لهم عقوبةً دنيويَّةً {إلاَّ عباد الله المُخۡلَصينَ}؛ أي: الذين أخلصهم الله ومَنَّ عليهم باتِّباع نبيِّهم؛ فإنَّهم غير محضرين في العذاب، وإنَّما لهم من الله جزيل الثواب. {وتركنا عليه}؛ أي: على إلياس {في الآخِرين}: ثناءً حسناً. {سلامٌ على إل ياسينَ}؛ أي: تحية من الله ومن عبادِهِ عليه. {إنَّا كذلك نَجۡزي المُحۡسِنينَ. إنَّه من عبادِنا المؤمنينَ}: فأثنى اللهُ عليه كما أثنى على إخوانِهِ صلواتُ الله وسلامُه عليهم أجمعينَ.

الصافات 37:125

{123 ـ 132} يمدحُ تعالى عبدَه ورسولَه إلياس عليه الصلاةُ والسلام بالنبوَّةِ والرسالة والدَّعوة إلى الله، وأنَّه أمر قومَه بالتَّقوى وعبادة الله وحدَه، ونهاهم عن عبادَتِهِم صنماً لهم يُقالُ له: بعلٌ، وتركِهِم عبادَة الله الذي خَلَقَ الخلقَ، وأحسنَ خَلْقَهم وربَّاهم فأحسنَ تربِيتهم، وأدرَّ عليهم النِّعَمَ الظاهرة والباطنة، وأنَّكم كيف تركتُم عبادةَ مَنْ هذا شأنُه إلى عبادة صنم لا يضرُّ ولا ينفع ولا يخلُق ولا يرزُقُ، بل لا يأكل ولا يتكلَّم، وهل هذا إلاَّ من أعظم الضلال والسَّفه والغيِّ. {فكذَّبوه}: فيما دعاهم إليه، فلم ينقادوا له، قال الله متوعِّداً لهم:{فإنَّهم لَمُحۡضَرونَ}؛ أي: يوم القيامةِ في العذاب، ولم يذكرْ لهم عقوبةً دنيويَّةً {إلاَّ عباد الله المُخۡلَصينَ}؛ أي: الذين أخلصهم الله ومَنَّ عليهم باتِّباع نبيِّهم؛ فإنَّهم غير محضرين في العذاب، وإنَّما لهم من الله جزيل الثواب. {وتركنا عليه}؛ أي: على إلياس {في الآخِرين}: ثناءً حسناً. {سلامٌ على إل ياسينَ}؛ أي: تحية من الله ومن عبادِهِ عليه. {إنَّا كذلك نَجۡزي المُحۡسِنينَ. إنَّه من عبادِنا المؤمنينَ}: فأثنى اللهُ عليه كما أثنى على إخوانِهِ صلواتُ الله وسلامُه عليهم أجمعينَ.

الصافات 37:126

{123 ـ 132} يمدحُ تعالى عبدَه ورسولَه إلياس عليه الصلاةُ والسلام بالنبوَّةِ والرسالة والدَّعوة إلى الله، وأنَّه أمر قومَه بالتَّقوى وعبادة الله وحدَه، ونهاهم عن عبادَتِهِم صنماً لهم يُقالُ له: بعلٌ، وتركِهِم عبادَة الله الذي خَلَقَ الخلقَ، وأحسنَ خَلْقَهم وربَّاهم فأحسنَ تربِيتهم، وأدرَّ عليهم النِّعَمَ الظاهرة والباطنة، وأنَّكم كيف تركتُم عبادةَ مَنْ هذا شأنُه إلى عبادة صنم لا يضرُّ ولا ينفع ولا يخلُق ولا يرزُقُ، بل لا يأكل ولا يتكلَّم، وهل هذا إلاَّ من أعظم الضلال والسَّفه والغيِّ. {فكذَّبوه}: فيما دعاهم إليه، فلم ينقادوا له، قال الله متوعِّداً لهم:{فإنَّهم لَمُحۡضَرونَ}؛ أي: يوم القيامةِ في العذاب، ولم يذكرْ لهم عقوبةً دنيويَّةً {إلاَّ عباد الله المُخۡلَصينَ}؛ أي: الذين أخلصهم الله ومَنَّ عليهم باتِّباع نبيِّهم؛ فإنَّهم غير محضرين في العذاب، وإنَّما لهم من الله جزيل الثواب. {وتركنا عليه}؛ أي: على إلياس {في الآخِرين}: ثناءً حسناً. {سلامٌ على إل ياسينَ}؛ أي: تحية من الله ومن عبادِهِ عليه. {إنَّا كذلك نَجۡزي المُحۡسِنينَ. إنَّه من عبادِنا المؤمنينَ}: فأثنى اللهُ عليه كما أثنى على إخوانِهِ صلواتُ الله وسلامُه عليهم أجمعينَ.

الصافات 37:127

{123 ـ 132} يمدحُ تعالى عبدَه ورسولَه إلياس عليه الصلاةُ والسلام بالنبوَّةِ والرسالة والدَّعوة إلى الله، وأنَّه أمر قومَه بالتَّقوى وعبادة الله وحدَه، ونهاهم عن عبادَتِهِم صنماً لهم يُقالُ له: بعلٌ، وتركِهِم عبادَة الله الذي خَلَقَ الخلقَ، وأحسنَ خَلْقَهم وربَّاهم فأحسنَ تربِيتهم، وأدرَّ عليهم النِّعَمَ الظاهرة والباطنة، وأنَّكم كيف تركتُم عبادةَ مَنْ هذا شأنُه إلى عبادة صنم لا يضرُّ ولا ينفع ولا يخلُق ولا يرزُقُ، بل لا يأكل ولا يتكلَّم، وهل هذا إلاَّ من أعظم الضلال والسَّفه والغيِّ. {فكذَّبوه}: فيما دعاهم إليه، فلم ينقادوا له، قال الله متوعِّداً لهم:{فإنَّهم لَمُحۡضَرونَ}؛ أي: يوم القيامةِ في العذاب، ولم يذكرْ لهم عقوبةً دنيويَّةً {إلاَّ عباد الله المُخۡلَصينَ}؛ أي: الذين أخلصهم الله ومَنَّ عليهم باتِّباع نبيِّهم؛ فإنَّهم غير محضرين في العذاب، وإنَّما لهم من الله جزيل الثواب. {وتركنا عليه}؛ أي: على إلياس {في الآخِرين}: ثناءً حسناً. {سلامٌ على إل ياسينَ}؛ أي: تحية من الله ومن عبادِهِ عليه. {إنَّا كذلك نَجۡزي المُحۡسِنينَ. إنَّه من عبادِنا المؤمنينَ}: فأثنى اللهُ عليه كما أثنى على إخوانِهِ صلواتُ الله وسلامُه عليهم أجمعينَ.

الصافات 37:128

{123 ـ 132} يمدحُ تعالى عبدَه ورسولَه إلياس عليه الصلاةُ والسلام بالنبوَّةِ والرسالة والدَّعوة إلى الله، وأنَّه أمر قومَه بالتَّقوى وعبادة الله وحدَه، ونهاهم عن عبادَتِهِم صنماً لهم يُقالُ له: بعلٌ، وتركِهِم عبادَة الله الذي خَلَقَ الخلقَ، وأحسنَ خَلْقَهم وربَّاهم فأحسنَ تربِيتهم، وأدرَّ عليهم النِّعَمَ الظاهرة والباطنة، وأنَّكم كيف تركتُم عبادةَ مَنْ هذا شأنُه إلى عبادة صنم لا يضرُّ ولا ينفع ولا يخلُق ولا يرزُقُ، بل لا يأكل ولا يتكلَّم، وهل هذا إلاَّ من أعظم الضلال والسَّفه والغيِّ. {فكذَّبوه}: فيما دعاهم إليه، فلم ينقادوا له، قال الله متوعِّداً لهم:{فإنَّهم لَمُحۡضَرونَ}؛ أي: يوم القيامةِ في العذاب، ولم يذكرْ لهم عقوبةً دنيويَّةً {إلاَّ عباد الله المُخۡلَصينَ}؛ أي: الذين أخلصهم الله ومَنَّ عليهم باتِّباع نبيِّهم؛ فإنَّهم غير محضرين في العذاب، وإنَّما لهم من الله جزيل الثواب. {وتركنا عليه}؛ أي: على إلياس {في الآخِرين}: ثناءً حسناً. {سلامٌ على إل ياسينَ}؛ أي: تحية من الله ومن عبادِهِ عليه. {إنَّا كذلك نَجۡزي المُحۡسِنينَ. إنَّه من عبادِنا المؤمنينَ}: فأثنى اللهُ عليه كما أثنى على إخوانِهِ صلواتُ الله وسلامُه عليهم أجمعينَ.

الصافات 37:129

{123 ـ 132} يمدحُ تعالى عبدَه ورسولَه إلياس عليه الصلاةُ والسلام بالنبوَّةِ والرسالة والدَّعوة إلى الله، وأنَّه أمر قومَه بالتَّقوى وعبادة الله وحدَه، ونهاهم عن عبادَتِهِم صنماً لهم يُقالُ له: بعلٌ، وتركِهِم عبادَة الله الذي خَلَقَ الخلقَ، وأحسنَ خَلْقَهم وربَّاهم فأحسنَ تربِيتهم، وأدرَّ عليهم النِّعَمَ الظاهرة والباطنة، وأنَّكم كيف تركتُم عبادةَ مَنْ هذا شأنُه إلى عبادة صنم لا يضرُّ ولا ينفع ولا يخلُق ولا يرزُقُ، بل لا يأكل ولا يتكلَّم، وهل هذا إلاَّ من أعظم الضلال والسَّفه والغيِّ. {فكذَّبوه}: فيما دعاهم إليه، فلم ينقادوا له، قال الله متوعِّداً لهم:{فإنَّهم لَمُحۡضَرونَ}؛ أي: يوم القيامةِ في العذاب، ولم يذكرْ لهم عقوبةً دنيويَّةً {إلاَّ عباد الله المُخۡلَصينَ}؛ أي: الذين أخلصهم الله ومَنَّ عليهم باتِّباع نبيِّهم؛ فإنَّهم غير محضرين في العذاب، وإنَّما لهم من الله جزيل الثواب. {وتركنا عليه}؛ أي: على إلياس {في الآخِرين}: ثناءً حسناً. {سلامٌ على إل ياسينَ}؛ أي: تحية من الله ومن عبادِهِ عليه. {إنَّا كذلك نَجۡزي المُحۡسِنينَ. إنَّه من عبادِنا المؤمنينَ}: فأثنى اللهُ عليه كما أثنى على إخوانِهِ صلواتُ الله وسلامُه عليهم أجمعينَ.

الصافات 37:130

{123 ـ 132} يمدحُ تعالى عبدَه ورسولَه إلياس عليه الصلاةُ والسلام بالنبوَّةِ والرسالة والدَّعوة إلى الله، وأنَّه أمر قومَه بالتَّقوى وعبادة الله وحدَه، ونهاهم عن عبادَتِهِم صنماً لهم يُقالُ له: بعلٌ، وتركِهِم عبادَة الله الذي خَلَقَ الخلقَ، وأحسنَ خَلْقَهم وربَّاهم فأحسنَ تربِيتهم، وأدرَّ عليهم النِّعَمَ الظاهرة والباطنة، وأنَّكم كيف تركتُم عبادةَ مَنْ هذا شأنُه إلى عبادة صنم لا يضرُّ ولا ينفع ولا يخلُق ولا يرزُقُ، بل لا يأكل ولا يتكلَّم، وهل هذا إلاَّ من أعظم الضلال والسَّفه والغيِّ. {فكذَّبوه}: فيما دعاهم إليه، فلم ينقادوا له، قال الله متوعِّداً لهم:{فإنَّهم لَمُحۡضَرونَ}؛ أي: يوم القيامةِ في العذاب، ولم يذكرْ لهم عقوبةً دنيويَّةً {إلاَّ عباد الله المُخۡلَصينَ}؛ أي: الذين أخلصهم الله ومَنَّ عليهم باتِّباع نبيِّهم؛ فإنَّهم غير محضرين في العذاب، وإنَّما لهم من الله جزيل الثواب. {وتركنا عليه}؛ أي: على إلياس {في الآخِرين}: ثناءً حسناً. {سلامٌ على إل ياسينَ}؛ أي: تحية من الله ومن عبادِهِ عليه. {إنَّا كذلك نَجۡزي المُحۡسِنينَ. إنَّه من عبادِنا المؤمنينَ}: فأثنى اللهُ عليه كما أثنى على إخوانِهِ صلواتُ الله وسلامُه عليهم أجمعينَ.

الصافات 37:131

{123 ـ 132} يمدحُ تعالى عبدَه ورسولَه إلياس عليه الصلاةُ والسلام بالنبوَّةِ والرسالة والدَّعوة إلى الله، وأنَّه أمر قومَه بالتَّقوى وعبادة الله وحدَه، ونهاهم عن عبادَتِهِم صنماً لهم يُقالُ له: بعلٌ، وتركِهِم عبادَة الله الذي خَلَقَ الخلقَ، وأحسنَ خَلْقَهم وربَّاهم فأحسنَ تربِيتهم، وأدرَّ عليهم النِّعَمَ الظاهرة والباطنة، وأنَّكم كيف تركتُم عبادةَ مَنْ هذا شأنُه إلى عبادة صنم لا يضرُّ ولا ينفع ولا يخلُق ولا يرزُقُ، بل لا يأكل ولا يتكلَّم، وهل هذا إلاَّ من أعظم الضلال والسَّفه والغيِّ. {فكذَّبوه}: فيما دعاهم إليه، فلم ينقادوا له، قال الله متوعِّداً لهم:{فإنَّهم لَمُحۡضَرونَ}؛ أي: يوم القيامةِ في العذاب، ولم يذكرْ لهم عقوبةً دنيويَّةً {إلاَّ عباد الله المُخۡلَصينَ}؛ أي: الذين أخلصهم الله ومَنَّ عليهم باتِّباع نبيِّهم؛ فإنَّهم غير محضرين في العذاب، وإنَّما لهم من الله جزيل الثواب. {وتركنا عليه}؛ أي: على إلياس {في الآخِرين}: ثناءً حسناً. {سلامٌ على إل ياسينَ}؛ أي: تحية من الله ومن عبادِهِ عليه. {إنَّا كذلك نَجۡزي المُحۡسِنينَ. إنَّه من عبادِنا المؤمنينَ}: فأثنى اللهُ عليه كما أثنى على إخوانِهِ صلواتُ الله وسلامُه عليهم أجمعينَ.

الصافات 37:132

{123 ـ 132} يمدحُ تعالى عبدَه ورسولَه إلياس عليه الصلاةُ والسلام بالنبوَّةِ والرسالة والدَّعوة إلى الله، وأنَّه أمر قومَه بالتَّقوى وعبادة الله وحدَه، ونهاهم عن عبادَتِهِم صنماً لهم يُقالُ له: بعلٌ، وتركِهِم عبادَة الله الذي خَلَقَ الخلقَ، وأحسنَ خَلْقَهم وربَّاهم فأحسنَ تربِيتهم، وأدرَّ عليهم النِّعَمَ الظاهرة والباطنة، وأنَّكم كيف تركتُم عبادةَ مَنْ هذا شأنُه إلى عبادة صنم لا يضرُّ ولا ينفع ولا يخلُق ولا يرزُقُ، بل لا يأكل ولا يتكلَّم، وهل هذا إلاَّ من أعظم الضلال والسَّفه والغيِّ. {فكذَّبوه}: فيما دعاهم إليه، فلم ينقادوا له، قال الله متوعِّداً لهم:{فإنَّهم لَمُحۡضَرونَ}؛ أي: يوم القيامةِ في العذاب، ولم يذكرْ لهم عقوبةً دنيويَّةً {إلاَّ عباد الله المُخۡلَصينَ}؛ أي: الذين أخلصهم الله ومَنَّ عليهم باتِّباع نبيِّهم؛ فإنَّهم غير محضرين في العذاب، وإنَّما لهم من الله جزيل الثواب. {وتركنا عليه}؛ أي: على إلياس {في الآخِرين}: ثناءً حسناً. {سلامٌ على إل ياسينَ}؛ أي: تحية من الله ومن عبادِهِ عليه. {إنَّا كذلك نَجۡزي المُحۡسِنينَ. إنَّه من عبادِنا المؤمنينَ}: فأثنى اللهُ عليه كما أثنى على إخوانِهِ صلواتُ الله وسلامُه عليهم أجمعينَ.

الصافات 37:133

{133 ـ 138} وهذا ثناءٌ منه تعالى على عبدِهِ ورسولِهِ لوطٍ بالنبوَّة والرسالة ودعوتِهِ إلى الله قومَه ونهِيِهم عن الشرك وفعل الفاحشةِ، فلمَّا لم ينتهوا؛ نجَّاه الله وأهلَه أجمعين، فَسَرَوْا ليلاً، فنجَوْا؛ {إلاَّ عجوزاً في الغابرين}؛ أي: الباقين المعذَّبين، وهي زوجة لوطٍ، لم تكن على دينِهِ. {ثم دمَّرۡنا الآخرين}: بأن قَلَبْنا عليهم ديارَهم فجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها، وأمْطَرْنا عليها حجارةً من سِجِّيل منضودٍ حتى هَمَدوا وخَمَدوا، {وإنَّكُم لتمرُّون عليهم}؛ أي: على ديار قوم لوطٍ {مصبحينَ. وبالليل}؛ أي: في هذه الأوقات يكثُرُ تَرَدُّدُكم إليها ومروركم بها، فلم تقبل الشك والمِرْيَةَ. {أفلا تعقلونَ}: الآياتِ والعِبَرَ وتنزجِرون عمَّا يوجِبُ الهلاكَ؟!

الصافات 37:134

{133 ـ 138} وهذا ثناءٌ منه تعالى على عبدِهِ ورسولِهِ لوطٍ بالنبوَّة والرسالة ودعوتِهِ إلى الله قومَه ونهِيِهم عن الشرك وفعل الفاحشةِ، فلمَّا لم ينتهوا؛ نجَّاه الله وأهلَه أجمعين، فَسَرَوْا ليلاً، فنجَوْا؛ {إلاَّ عجوزاً في الغابرين}؛ أي: الباقين المعذَّبين، وهي زوجة لوطٍ، لم تكن على دينِهِ. {ثم دمَّرۡنا الآخرين}: بأن قَلَبْنا عليهم ديارَهم فجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها، وأمْطَرْنا عليها حجارةً من سِجِّيل منضودٍ حتى هَمَدوا وخَمَدوا، {وإنَّكُم لتمرُّون عليهم}؛ أي: على ديار قوم لوطٍ {مصبحينَ. وبالليل}؛ أي: في هذه الأوقات يكثُرُ تَرَدُّدُكم إليها ومروركم بها، فلم تقبل الشك والمِرْيَةَ. {أفلا تعقلونَ}: الآياتِ والعِبَرَ وتنزجِرون عمَّا يوجِبُ الهلاكَ؟!

الصافات 37:135

{133 ـ 138} وهذا ثناءٌ منه تعالى على عبدِهِ ورسولِهِ لوطٍ بالنبوَّة والرسالة ودعوتِهِ إلى الله قومَه ونهِيِهم عن الشرك وفعل الفاحشةِ، فلمَّا لم ينتهوا؛ نجَّاه الله وأهلَه أجمعين، فَسَرَوْا ليلاً، فنجَوْا؛ {إلاَّ عجوزاً في الغابرين}؛ أي: الباقين المعذَّبين، وهي زوجة لوطٍ، لم تكن على دينِهِ. {ثم دمَّرۡنا الآخرين}: بأن قَلَبْنا عليهم ديارَهم فجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها، وأمْطَرْنا عليها حجارةً من سِجِّيل منضودٍ حتى هَمَدوا وخَمَدوا، {وإنَّكُم لتمرُّون عليهم}؛ أي: على ديار قوم لوطٍ {مصبحينَ. وبالليل}؛ أي: في هذه الأوقات يكثُرُ تَرَدُّدُكم إليها ومروركم بها، فلم تقبل الشك والمِرْيَةَ. {أفلا تعقلونَ}: الآياتِ والعِبَرَ وتنزجِرون عمَّا يوجِبُ الهلاكَ؟!

الصافات 37:136

{133 ـ 138} وهذا ثناءٌ منه تعالى على عبدِهِ ورسولِهِ لوطٍ بالنبوَّة والرسالة ودعوتِهِ إلى الله قومَه ونهِيِهم عن الشرك وفعل الفاحشةِ، فلمَّا لم ينتهوا؛ نجَّاه الله وأهلَه أجمعين، فَسَرَوْا ليلاً، فنجَوْا؛ {إلاَّ عجوزاً في الغابرين}؛ أي: الباقين المعذَّبين، وهي زوجة لوطٍ، لم تكن على دينِهِ. {ثم دمَّرۡنا الآخرين}: بأن قَلَبْنا عليهم ديارَهم فجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها، وأمْطَرْنا عليها حجارةً من سِجِّيل منضودٍ حتى هَمَدوا وخَمَدوا، {وإنَّكُم لتمرُّون عليهم}؛ أي: على ديار قوم لوطٍ {مصبحينَ. وبالليل}؛ أي: في هذه الأوقات يكثُرُ تَرَدُّدُكم إليها ومروركم بها، فلم تقبل الشك والمِرْيَةَ. {أفلا تعقلونَ}: الآياتِ والعِبَرَ وتنزجِرون عمَّا يوجِبُ الهلاكَ؟!

الصافات 37:137

{133 ـ 138} وهذا ثناءٌ منه تعالى على عبدِهِ ورسولِهِ لوطٍ بالنبوَّة والرسالة ودعوتِهِ إلى الله قومَه ونهِيِهم عن الشرك وفعل الفاحشةِ، فلمَّا لم ينتهوا؛ نجَّاه الله وأهلَه أجمعين، فَسَرَوْا ليلاً، فنجَوْا؛ {إلاَّ عجوزاً في الغابرين}؛ أي: الباقين المعذَّبين، وهي زوجة لوطٍ، لم تكن على دينِهِ. {ثم دمَّرۡنا الآخرين}: بأن قَلَبْنا عليهم ديارَهم فجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها، وأمْطَرْنا عليها حجارةً من سِجِّيل منضودٍ حتى هَمَدوا وخَمَدوا، {وإنَّكُم لتمرُّون عليهم}؛ أي: على ديار قوم لوطٍ {مصبحينَ. وبالليل}؛ أي: في هذه الأوقات يكثُرُ تَرَدُّدُكم إليها ومروركم بها، فلم تقبل الشك والمِرْيَةَ. {أفلا تعقلونَ}: الآياتِ والعِبَرَ وتنزجِرون عمَّا يوجِبُ الهلاكَ؟!

الصافات 37:138

{133 ـ 138} وهذا ثناءٌ منه تعالى على عبدِهِ ورسولِهِ لوطٍ بالنبوَّة والرسالة ودعوتِهِ إلى الله قومَه ونهِيِهم عن الشرك وفعل الفاحشةِ، فلمَّا لم ينتهوا؛ نجَّاه الله وأهلَه أجمعين، فَسَرَوْا ليلاً، فنجَوْا؛ {إلاَّ عجوزاً في الغابرين}؛ أي: الباقين المعذَّبين، وهي زوجة لوطٍ، لم تكن على دينِهِ. {ثم دمَّرۡنا الآخرين}: بأن قَلَبْنا عليهم ديارَهم فجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها، وأمْطَرْنا عليها حجارةً من سِجِّيل منضودٍ حتى هَمَدوا وخَمَدوا، {وإنَّكُم لتمرُّون عليهم}؛ أي: على ديار قوم لوطٍ {مصبحينَ. وبالليل}؛ أي: في هذه الأوقات يكثُرُ تَرَدُّدُكم إليها ومروركم بها، فلم تقبل الشك والمِرْيَةَ. {أفلا تعقلونَ}: الآياتِ والعِبَرَ وتنزجِرون عمَّا يوجِبُ الهلاكَ؟!

الصافات 37:139

{139} وهذا ثناءٌ منه تعالى على عبدِهِ ورسولِهِ يونسَ بن متَّى؛ كما أثنى على إخوانِهِ المرسَلين بالنبوَّة والرسالة والدَّعوة إلى الله. {140} وذكر تعالى عنه أنَّه عاقَبَه عقوبةً دنيويَّةً أنجاه منها بسبب إيمانِهِ وأعمالِهِ الصالحة، فقال:{إذۡ أبَقَ}؛ أي: من ربِّه مغاضِباً له ظانًّا أنه لا يقدِرُ عليه ويحبِسُه في بطن الحوت، ولم يذكُرِ الله ما غاضبَ عليه ولا ذَنْبَهُ الذي ارتكبه؛ لعدم فائِدَتِنا بذكرِهِ، وإنَّما فائدتُنا بما ذكرنا عنه أنه أذنبَ، وعاقبه الله مع كونِهِ من الرُّسل الكرام، وأنَّه نجَّاه بعد ذلك، وأزال عنه الملامَ، وقيَّضَ له ما هو سببُ صلاحِهِ. فلمَّا أبَقَ؛ لجأ {إلى الفلك المشحونِ}: بالركاب والأمتعة. {141} فلما رَكِبَ مع غيره والفلك شاحن؛ ثقلتِ السفينةُ، فاحتاجوا إلى إلقاءِ بعضِ الركبانِ، وكأنَّهم لم يجِدوا لأحدٍ مزيَّةً في ذلك، فاقترعوا على أنَّ مَنْ قُرِعَ وغُلِبَ؛ ألقي في البحر؛ عدلاً من أهل السفينة، وإذا أراد الله أمراً؛ هيَّأ أسبابه، فلما اقترعوا؛ أصابتِ القرعةُ يونسَ. {فكان من المُدۡحَضينَ}؛ أي: المغلوبين، فألقي في البحر. {142}{فالۡتَقَمَهُ الحوتُ وهو}: وقت التقامِهِ {مُليمٌ}؛ أي: فاعلٌ ما يُلام عليه، وهو مغاضبتُهُ لربِّه. {143 ـ 144}{فلولا أنَّه كان من المسبِّحينَ}؛ أي: في وقتِه السابقِ بكثرةِ عبادته لربِّه وتسبيحِهِ وتحميدِهِ وفي بطن الحوت حيث قال: {لا إله إلا أنت سبحانَكَ إنِّي كُنۡتُ من الظالمين}؛ {لَلَبِثَ في بطنِهِ إلى يوم يُبۡعَثونَ}؛ أي: لكانتْ مقبرتَهَ، ولكن بسبب تسبيحِهِ وعبادتِهِ لله؛ نجَّاه الله تعالى، وكذلك ينجي الله المؤمنين عند وقوعهم في الشدائد. {145}{فَنبَذۡناه بالعراءِ}: بأنْ قَذَفَهُ الحوت من بطنِهِ بالعراء، وهي الأرض الخالية العاريةُ من كلِّ أحدٍ، بل ربَّما كانت عارية من الأشجارِ والظِّلال. {وهو سقيمٌ}؛ أي: قد سَقِمَ ومَرِضَ بسبب حبسِهِ في بطن الحوت حتى صار مثل الفرخ الممعوط من البيضة. {146}{وأنبَتۡنا عليه شجرةً من يَقۡطينٍ}: تُظِلُّه بظلِّها الظليل؛ لأنَّها باردةُ الظِّلال، ولا يسقُطُ عليها ذبابٌ، وهذا من لطفِهِ به وبرِّه. {147 ـ 148} ثم لَطَفَ به لطفاً آخرَ، وامتنَّ عليه مِنَّةً عظمى، وهو أنَّه أرسله {إلى مائةِ ألفٍ}: من الناس {أو يَزيدونَ}: عنها، والمعنى أنَّهم إنْ لم يزيدوا عنها؛ لم ينقُصوا، فدعاهم إلى الله تعالى، {فآمنوا}: فصاروا في موازينِهِ؛ لأنَّه الدَّاعي لهم، {فمتَّعۡناهم إلى حينٍ}: بأن صَرَفَ الله عنهم العذابَ بعد ما انعقدتْ أسبابُهُ؛ قال تعالى:{فلولا كانتۡ قريةٌ آمَنَتۡ فَنَفَعَها إيمانُها إلاَّ قومَ يونُسَ لما آمنوا كَشَفۡنا عنهم عذابَ الخِزۡي في الحياة الدُّنيا ومَتَّعۡناهم إلى حينٍ}.

الصافات 37:140

{139} وهذا ثناءٌ منه تعالى على عبدِهِ ورسولِهِ يونسَ بن متَّى؛ كما أثنى على إخوانِهِ المرسَلين بالنبوَّة والرسالة والدَّعوة إلى الله. {140} وذكر تعالى عنه أنَّه عاقَبَه عقوبةً دنيويَّةً أنجاه منها بسبب إيمانِهِ وأعمالِهِ الصالحة، فقال:{إذۡ أبَقَ}؛ أي: من ربِّه مغاضِباً له ظانًّا أنه لا يقدِرُ عليه ويحبِسُه في بطن الحوت، ولم يذكُرِ الله ما غاضبَ عليه ولا ذَنْبَهُ الذي ارتكبه؛ لعدم فائِدَتِنا بذكرِهِ، وإنَّما فائدتُنا بما ذكرنا عنه أنه أذنبَ، وعاقبه الله مع كونِهِ من الرُّسل الكرام، وأنَّه نجَّاه بعد ذلك، وأزال عنه الملامَ، وقيَّضَ له ما هو سببُ صلاحِهِ. فلمَّا أبَقَ؛ لجأ {إلى الفلك المشحونِ}: بالركاب والأمتعة. {141} فلما رَكِبَ مع غيره والفلك شاحن؛ ثقلتِ السفينةُ، فاحتاجوا إلى إلقاءِ بعضِ الركبانِ، وكأنَّهم لم يجِدوا لأحدٍ مزيَّةً في ذلك، فاقترعوا على أنَّ مَنْ قُرِعَ وغُلِبَ؛ ألقي في البحر؛ عدلاً من أهل السفينة، وإذا أراد الله أمراً؛ هيَّأ أسبابه، فلما اقترعوا؛ أصابتِ القرعةُ يونسَ. {فكان من المُدۡحَضينَ}؛ أي: المغلوبين، فألقي في البحر. {142}{فالۡتَقَمَهُ الحوتُ وهو}: وقت التقامِهِ {مُليمٌ}؛ أي: فاعلٌ ما يُلام عليه، وهو مغاضبتُهُ لربِّه. {143 ـ 144}{فلولا أنَّه كان من المسبِّحينَ}؛ أي: في وقتِه السابقِ بكثرةِ عبادته لربِّه وتسبيحِهِ وتحميدِهِ وفي بطن الحوت حيث قال: {لا إله إلا أنت سبحانَكَ إنِّي كُنۡتُ من الظالمين}؛ {لَلَبِثَ في بطنِهِ إلى يوم يُبۡعَثونَ}؛ أي: لكانتْ مقبرتَهَ، ولكن بسبب تسبيحِهِ وعبادتِهِ لله؛ نجَّاه الله تعالى، وكذلك ينجي الله المؤمنين عند وقوعهم في الشدائد. {145}{فَنبَذۡناه بالعراءِ}: بأنْ قَذَفَهُ الحوت من بطنِهِ بالعراء، وهي الأرض الخالية العاريةُ من كلِّ أحدٍ، بل ربَّما كانت عارية من الأشجارِ والظِّلال. {وهو سقيمٌ}؛ أي: قد سَقِمَ ومَرِضَ بسبب حبسِهِ في بطن الحوت حتى صار مثل الفرخ الممعوط من البيضة. {146}{وأنبَتۡنا عليه شجرةً من يَقۡطينٍ}: تُظِلُّه بظلِّها الظليل؛ لأنَّها باردةُ الظِّلال، ولا يسقُطُ عليها ذبابٌ، وهذا من لطفِهِ به وبرِّه. {147 ـ 148} ثم لَطَفَ به لطفاً آخرَ، وامتنَّ عليه مِنَّةً عظمى، وهو أنَّه أرسله {إلى مائةِ ألفٍ}: من الناس {أو يَزيدونَ}: عنها، والمعنى أنَّهم إنْ لم يزيدوا عنها؛ لم ينقُصوا، فدعاهم إلى الله تعالى، {فآمنوا}: فصاروا في موازينِهِ؛ لأنَّه الدَّاعي لهم، {فمتَّعۡناهم إلى حينٍ}: بأن صَرَفَ الله عنهم العذابَ بعد ما انعقدتْ أسبابُهُ؛ قال تعالى:{فلولا كانتۡ قريةٌ آمَنَتۡ فَنَفَعَها إيمانُها إلاَّ قومَ يونُسَ لما آمنوا كَشَفۡنا عنهم عذابَ الخِزۡي في الحياة الدُّنيا ومَتَّعۡناهم إلى حينٍ}.

الصافات 37:141

{139} وهذا ثناءٌ منه تعالى على عبدِهِ ورسولِهِ يونسَ بن متَّى؛ كما أثنى على إخوانِهِ المرسَلين بالنبوَّة والرسالة والدَّعوة إلى الله. {140} وذكر تعالى عنه أنَّه عاقَبَه عقوبةً دنيويَّةً أنجاه منها بسبب إيمانِهِ وأعمالِهِ الصالحة، فقال:{إذۡ أبَقَ}؛ أي: من ربِّه مغاضِباً له ظانًّا أنه لا يقدِرُ عليه ويحبِسُه في بطن الحوت، ولم يذكُرِ الله ما غاضبَ عليه ولا ذَنْبَهُ الذي ارتكبه؛ لعدم فائِدَتِنا بذكرِهِ، وإنَّما فائدتُنا بما ذكرنا عنه أنه أذنبَ، وعاقبه الله مع كونِهِ من الرُّسل الكرام، وأنَّه نجَّاه بعد ذلك، وأزال عنه الملامَ، وقيَّضَ له ما هو سببُ صلاحِهِ. فلمَّا أبَقَ؛ لجأ {إلى الفلك المشحونِ}: بالركاب والأمتعة. {141} فلما رَكِبَ مع غيره والفلك شاحن؛ ثقلتِ السفينةُ، فاحتاجوا إلى إلقاءِ بعضِ الركبانِ، وكأنَّهم لم يجِدوا لأحدٍ مزيَّةً في ذلك، فاقترعوا على أنَّ مَنْ قُرِعَ وغُلِبَ؛ ألقي في البحر؛ عدلاً من أهل السفينة، وإذا أراد الله أمراً؛ هيَّأ أسبابه، فلما اقترعوا؛ أصابتِ القرعةُ يونسَ. {فكان من المُدۡحَضينَ}؛ أي: المغلوبين، فألقي في البحر. {142}{فالۡتَقَمَهُ الحوتُ وهو}: وقت التقامِهِ {مُليمٌ}؛ أي: فاعلٌ ما يُلام عليه، وهو مغاضبتُهُ لربِّه. {143 ـ 144}{فلولا أنَّه كان من المسبِّحينَ}؛ أي: في وقتِه السابقِ بكثرةِ عبادته لربِّه وتسبيحِهِ وتحميدِهِ وفي بطن الحوت حيث قال: {لا إله إلا أنت سبحانَكَ إنِّي كُنۡتُ من الظالمين}؛ {لَلَبِثَ في بطنِهِ إلى يوم يُبۡعَثونَ}؛ أي: لكانتْ مقبرتَهَ، ولكن بسبب تسبيحِهِ وعبادتِهِ لله؛ نجَّاه الله تعالى، وكذلك ينجي الله المؤمنين عند وقوعهم في الشدائد. {145}{فَنبَذۡناه بالعراءِ}: بأنْ قَذَفَهُ الحوت من بطنِهِ بالعراء، وهي الأرض الخالية العاريةُ من كلِّ أحدٍ، بل ربَّما كانت عارية من الأشجارِ والظِّلال. {وهو سقيمٌ}؛ أي: قد سَقِمَ ومَرِضَ بسبب حبسِهِ في بطن الحوت حتى صار مثل الفرخ الممعوط من البيضة. {146}{وأنبَتۡنا عليه شجرةً من يَقۡطينٍ}: تُظِلُّه بظلِّها الظليل؛ لأنَّها باردةُ الظِّلال، ولا يسقُطُ عليها ذبابٌ، وهذا من لطفِهِ به وبرِّه. {147 ـ 148} ثم لَطَفَ به لطفاً آخرَ، وامتنَّ عليه مِنَّةً عظمى، وهو أنَّه أرسله {إلى مائةِ ألفٍ}: من الناس {أو يَزيدونَ}: عنها، والمعنى أنَّهم إنْ لم يزيدوا عنها؛ لم ينقُصوا، فدعاهم إلى الله تعالى، {فآمنوا}: فصاروا في موازينِهِ؛ لأنَّه الدَّاعي لهم، {فمتَّعۡناهم إلى حينٍ}: بأن صَرَفَ الله عنهم العذابَ بعد ما انعقدتْ أسبابُهُ؛ قال تعالى:{فلولا كانتۡ قريةٌ آمَنَتۡ فَنَفَعَها إيمانُها إلاَّ قومَ يونُسَ لما آمنوا كَشَفۡنا عنهم عذابَ الخِزۡي في الحياة الدُّنيا ومَتَّعۡناهم إلى حينٍ}.

الصافات 37:142

{139} وهذا ثناءٌ منه تعالى على عبدِهِ ورسولِهِ يونسَ بن متَّى؛ كما أثنى على إخوانِهِ المرسَلين بالنبوَّة والرسالة والدَّعوة إلى الله. {140} وذكر تعالى عنه أنَّه عاقَبَه عقوبةً دنيويَّةً أنجاه منها بسبب إيمانِهِ وأعمالِهِ الصالحة، فقال:{إذۡ أبَقَ}؛ أي: من ربِّه مغاضِباً له ظانًّا أنه لا يقدِرُ عليه ويحبِسُه في بطن الحوت، ولم يذكُرِ الله ما غاضبَ عليه ولا ذَنْبَهُ الذي ارتكبه؛ لعدم فائِدَتِنا بذكرِهِ، وإنَّما فائدتُنا بما ذكرنا عنه أنه أذنبَ، وعاقبه الله مع كونِهِ من الرُّسل الكرام، وأنَّه نجَّاه بعد ذلك، وأزال عنه الملامَ، وقيَّضَ له ما هو سببُ صلاحِهِ. فلمَّا أبَقَ؛ لجأ {إلى الفلك المشحونِ}: بالركاب والأمتعة. {141} فلما رَكِبَ مع غيره والفلك شاحن؛ ثقلتِ السفينةُ، فاحتاجوا إلى إلقاءِ بعضِ الركبانِ، وكأنَّهم لم يجِدوا لأحدٍ مزيَّةً في ذلك، فاقترعوا على أنَّ مَنْ قُرِعَ وغُلِبَ؛ ألقي في البحر؛ عدلاً من أهل السفينة، وإذا أراد الله أمراً؛ هيَّأ أسبابه، فلما اقترعوا؛ أصابتِ القرعةُ يونسَ. {فكان من المُدۡحَضينَ}؛ أي: المغلوبين، فألقي في البحر. {142}{فالۡتَقَمَهُ الحوتُ وهو}: وقت التقامِهِ {مُليمٌ}؛ أي: فاعلٌ ما يُلام عليه، وهو مغاضبتُهُ لربِّه. {143 ـ 144}{فلولا أنَّه كان من المسبِّحينَ}؛ أي: في وقتِه السابقِ بكثرةِ عبادته لربِّه وتسبيحِهِ وتحميدِهِ وفي بطن الحوت حيث قال: {لا إله إلا أنت سبحانَكَ إنِّي كُنۡتُ من الظالمين}؛ {لَلَبِثَ في بطنِهِ إلى يوم يُبۡعَثونَ}؛ أي: لكانتْ مقبرتَهَ، ولكن بسبب تسبيحِهِ وعبادتِهِ لله؛ نجَّاه الله تعالى، وكذلك ينجي الله المؤمنين عند وقوعهم في الشدائد. {145}{فَنبَذۡناه بالعراءِ}: بأنْ قَذَفَهُ الحوت من بطنِهِ بالعراء، وهي الأرض الخالية العاريةُ من كلِّ أحدٍ، بل ربَّما كانت عارية من الأشجارِ والظِّلال. {وهو سقيمٌ}؛ أي: قد سَقِمَ ومَرِضَ بسبب حبسِهِ في بطن الحوت حتى صار مثل الفرخ الممعوط من البيضة. {146}{وأنبَتۡنا عليه شجرةً من يَقۡطينٍ}: تُظِلُّه بظلِّها الظليل؛ لأنَّها باردةُ الظِّلال، ولا يسقُطُ عليها ذبابٌ، وهذا من لطفِهِ به وبرِّه. {147 ـ 148} ثم لَطَفَ به لطفاً آخرَ، وامتنَّ عليه مِنَّةً عظمى، وهو أنَّه أرسله {إلى مائةِ ألفٍ}: من الناس {أو يَزيدونَ}: عنها، والمعنى أنَّهم إنْ لم يزيدوا عنها؛ لم ينقُصوا، فدعاهم إلى الله تعالى، {فآمنوا}: فصاروا في موازينِهِ؛ لأنَّه الدَّاعي لهم، {فمتَّعۡناهم إلى حينٍ}: بأن صَرَفَ الله عنهم العذابَ بعد ما انعقدتْ أسبابُهُ؛ قال تعالى:{فلولا كانتۡ قريةٌ آمَنَتۡ فَنَفَعَها إيمانُها إلاَّ قومَ يونُسَ لما آمنوا كَشَفۡنا عنهم عذابَ الخِزۡي في الحياة الدُّنيا ومَتَّعۡناهم إلى حينٍ}.

الصافات 37:143

{139} وهذا ثناءٌ منه تعالى على عبدِهِ ورسولِهِ يونسَ بن متَّى؛ كما أثنى على إخوانِهِ المرسَلين بالنبوَّة والرسالة والدَّعوة إلى الله. {140} وذكر تعالى عنه أنَّه عاقَبَه عقوبةً دنيويَّةً أنجاه منها بسبب إيمانِهِ وأعمالِهِ الصالحة، فقال:{إذۡ أبَقَ}؛ أي: من ربِّه مغاضِباً له ظانًّا أنه لا يقدِرُ عليه ويحبِسُه في بطن الحوت، ولم يذكُرِ الله ما غاضبَ عليه ولا ذَنْبَهُ الذي ارتكبه؛ لعدم فائِدَتِنا بذكرِهِ، وإنَّما فائدتُنا بما ذكرنا عنه أنه أذنبَ، وعاقبه الله مع كونِهِ من الرُّسل الكرام، وأنَّه نجَّاه بعد ذلك، وأزال عنه الملامَ، وقيَّضَ له ما هو سببُ صلاحِهِ. فلمَّا أبَقَ؛ لجأ {إلى الفلك المشحونِ}: بالركاب والأمتعة. {141} فلما رَكِبَ مع غيره والفلك شاحن؛ ثقلتِ السفينةُ، فاحتاجوا إلى إلقاءِ بعضِ الركبانِ، وكأنَّهم لم يجِدوا لأحدٍ مزيَّةً في ذلك، فاقترعوا على أنَّ مَنْ قُرِعَ وغُلِبَ؛ ألقي في البحر؛ عدلاً من أهل السفينة، وإذا أراد الله أمراً؛ هيَّأ أسبابه، فلما اقترعوا؛ أصابتِ القرعةُ يونسَ. {فكان من المُدۡحَضينَ}؛ أي: المغلوبين، فألقي في البحر. {142}{فالۡتَقَمَهُ الحوتُ وهو}: وقت التقامِهِ {مُليمٌ}؛ أي: فاعلٌ ما يُلام عليه، وهو مغاضبتُهُ لربِّه. {143 ـ 144}{فلولا أنَّه كان من المسبِّحينَ}؛ أي: في وقتِه السابقِ بكثرةِ عبادته لربِّه وتسبيحِهِ وتحميدِهِ وفي بطن الحوت حيث قال: {لا إله إلا أنت سبحانَكَ إنِّي كُنۡتُ من الظالمين}؛ {لَلَبِثَ في بطنِهِ إلى يوم يُبۡعَثونَ}؛ أي: لكانتْ مقبرتَهَ، ولكن بسبب تسبيحِهِ وعبادتِهِ لله؛ نجَّاه الله تعالى، وكذلك ينجي الله المؤمنين عند وقوعهم في الشدائد. {145}{فَنبَذۡناه بالعراءِ}: بأنْ قَذَفَهُ الحوت من بطنِهِ بالعراء، وهي الأرض الخالية العاريةُ من كلِّ أحدٍ، بل ربَّما كانت عارية من الأشجارِ والظِّلال. {وهو سقيمٌ}؛ أي: قد سَقِمَ ومَرِضَ بسبب حبسِهِ في بطن الحوت حتى صار مثل الفرخ الممعوط من البيضة. {146}{وأنبَتۡنا عليه شجرةً من يَقۡطينٍ}: تُظِلُّه بظلِّها الظليل؛ لأنَّها باردةُ الظِّلال، ولا يسقُطُ عليها ذبابٌ، وهذا من لطفِهِ به وبرِّه. {147 ـ 148} ثم لَطَفَ به لطفاً آخرَ، وامتنَّ عليه مِنَّةً عظمى، وهو أنَّه أرسله {إلى مائةِ ألفٍ}: من الناس {أو يَزيدونَ}: عنها، والمعنى أنَّهم إنْ لم يزيدوا عنها؛ لم ينقُصوا، فدعاهم إلى الله تعالى، {فآمنوا}: فصاروا في موازينِهِ؛ لأنَّه الدَّاعي لهم، {فمتَّعۡناهم إلى حينٍ}: بأن صَرَفَ الله عنهم العذابَ بعد ما انعقدتْ أسبابُهُ؛ قال تعالى:{فلولا كانتۡ قريةٌ آمَنَتۡ فَنَفَعَها إيمانُها إلاَّ قومَ يونُسَ لما آمنوا كَشَفۡنا عنهم عذابَ الخِزۡي في الحياة الدُّنيا ومَتَّعۡناهم إلى حينٍ}.

الصافات 37:144

{139} وهذا ثناءٌ منه تعالى على عبدِهِ ورسولِهِ يونسَ بن متَّى؛ كما أثنى على إخوانِهِ المرسَلين بالنبوَّة والرسالة والدَّعوة إلى الله. {140} وذكر تعالى عنه أنَّه عاقَبَه عقوبةً دنيويَّةً أنجاه منها بسبب إيمانِهِ وأعمالِهِ الصالحة، فقال:{إذۡ أبَقَ}؛ أي: من ربِّه مغاضِباً له ظانًّا أنه لا يقدِرُ عليه ويحبِسُه في بطن الحوت، ولم يذكُرِ الله ما غاضبَ عليه ولا ذَنْبَهُ الذي ارتكبه؛ لعدم فائِدَتِنا بذكرِهِ، وإنَّما فائدتُنا بما ذكرنا عنه أنه أذنبَ، وعاقبه الله مع كونِهِ من الرُّسل الكرام، وأنَّه نجَّاه بعد ذلك، وأزال عنه الملامَ، وقيَّضَ له ما هو سببُ صلاحِهِ. فلمَّا أبَقَ؛ لجأ {إلى الفلك المشحونِ}: بالركاب والأمتعة. {141} فلما رَكِبَ مع غيره والفلك شاحن؛ ثقلتِ السفينةُ، فاحتاجوا إلى إلقاءِ بعضِ الركبانِ، وكأنَّهم لم يجِدوا لأحدٍ مزيَّةً في ذلك، فاقترعوا على أنَّ مَنْ قُرِعَ وغُلِبَ؛ ألقي في البحر؛ عدلاً من أهل السفينة، وإذا أراد الله أمراً؛ هيَّأ أسبابه، فلما اقترعوا؛ أصابتِ القرعةُ يونسَ. {فكان من المُدۡحَضينَ}؛ أي: المغلوبين، فألقي في البحر. {142}{فالۡتَقَمَهُ الحوتُ وهو}: وقت التقامِهِ {مُليمٌ}؛ أي: فاعلٌ ما يُلام عليه، وهو مغاضبتُهُ لربِّه. {143 ـ 144}{فلولا أنَّه كان من المسبِّحينَ}؛ أي: في وقتِه السابقِ بكثرةِ عبادته لربِّه وتسبيحِهِ وتحميدِهِ وفي بطن الحوت حيث قال: {لا إله إلا أنت سبحانَكَ إنِّي كُنۡتُ من الظالمين}؛ {لَلَبِثَ في بطنِهِ إلى يوم يُبۡعَثونَ}؛ أي: لكانتْ مقبرتَهَ، ولكن بسبب تسبيحِهِ وعبادتِهِ لله؛ نجَّاه الله تعالى، وكذلك ينجي الله المؤمنين عند وقوعهم في الشدائد. {145}{فَنبَذۡناه بالعراءِ}: بأنْ قَذَفَهُ الحوت من بطنِهِ بالعراء، وهي الأرض الخالية العاريةُ من كلِّ أحدٍ، بل ربَّما كانت عارية من الأشجارِ والظِّلال. {وهو سقيمٌ}؛ أي: قد سَقِمَ ومَرِضَ بسبب حبسِهِ في بطن الحوت حتى صار مثل الفرخ الممعوط من البيضة. {146}{وأنبَتۡنا عليه شجرةً من يَقۡطينٍ}: تُظِلُّه بظلِّها الظليل؛ لأنَّها باردةُ الظِّلال، ولا يسقُطُ عليها ذبابٌ، وهذا من لطفِهِ به وبرِّه. {147 ـ 148} ثم لَطَفَ به لطفاً آخرَ، وامتنَّ عليه مِنَّةً عظمى، وهو أنَّه أرسله {إلى مائةِ ألفٍ}: من الناس {أو يَزيدونَ}: عنها، والمعنى أنَّهم إنْ لم يزيدوا عنها؛ لم ينقُصوا، فدعاهم إلى الله تعالى، {فآمنوا}: فصاروا في موازينِهِ؛ لأنَّه الدَّاعي لهم، {فمتَّعۡناهم إلى حينٍ}: بأن صَرَفَ الله عنهم العذابَ بعد ما انعقدتْ أسبابُهُ؛ قال تعالى:{فلولا كانتۡ قريةٌ آمَنَتۡ فَنَفَعَها إيمانُها إلاَّ قومَ يونُسَ لما آمنوا كَشَفۡنا عنهم عذابَ الخِزۡي في الحياة الدُّنيا ومَتَّعۡناهم إلى حينٍ}.

الصافات 37:145

{139} وهذا ثناءٌ منه تعالى على عبدِهِ ورسولِهِ يونسَ بن متَّى؛ كما أثنى على إخوانِهِ المرسَلين بالنبوَّة والرسالة والدَّعوة إلى الله. {140} وذكر تعالى عنه أنَّه عاقَبَه عقوبةً دنيويَّةً أنجاه منها بسبب إيمانِهِ وأعمالِهِ الصالحة، فقال:{إذۡ أبَقَ}؛ أي: من ربِّه مغاضِباً له ظانًّا أنه لا يقدِرُ عليه ويحبِسُه في بطن الحوت، ولم يذكُرِ الله ما غاضبَ عليه ولا ذَنْبَهُ الذي ارتكبه؛ لعدم فائِدَتِنا بذكرِهِ، وإنَّما فائدتُنا بما ذكرنا عنه أنه أذنبَ، وعاقبه الله مع كونِهِ من الرُّسل الكرام، وأنَّه نجَّاه بعد ذلك، وأزال عنه الملامَ، وقيَّضَ له ما هو سببُ صلاحِهِ. فلمَّا أبَقَ؛ لجأ {إلى الفلك المشحونِ}: بالركاب والأمتعة. {141} فلما رَكِبَ مع غيره والفلك شاحن؛ ثقلتِ السفينةُ، فاحتاجوا إلى إلقاءِ بعضِ الركبانِ، وكأنَّهم لم يجِدوا لأحدٍ مزيَّةً في ذلك، فاقترعوا على أنَّ مَنْ قُرِعَ وغُلِبَ؛ ألقي في البحر؛ عدلاً من أهل السفينة، وإذا أراد الله أمراً؛ هيَّأ أسبابه، فلما اقترعوا؛ أصابتِ القرعةُ يونسَ. {فكان من المُدۡحَضينَ}؛ أي: المغلوبين، فألقي في البحر. {142}{فالۡتَقَمَهُ الحوتُ وهو}: وقت التقامِهِ {مُليمٌ}؛ أي: فاعلٌ ما يُلام عليه، وهو مغاضبتُهُ لربِّه. {143 ـ 144}{فلولا أنَّه كان من المسبِّحينَ}؛ أي: في وقتِه السابقِ بكثرةِ عبادته لربِّه وتسبيحِهِ وتحميدِهِ وفي بطن الحوت حيث قال: {لا إله إلا أنت سبحانَكَ إنِّي كُنۡتُ من الظالمين}؛ {لَلَبِثَ في بطنِهِ إلى يوم يُبۡعَثونَ}؛ أي: لكانتْ مقبرتَهَ، ولكن بسبب تسبيحِهِ وعبادتِهِ لله؛ نجَّاه الله تعالى، وكذلك ينجي الله المؤمنين عند وقوعهم في الشدائد. {145}{فَنبَذۡناه بالعراءِ}: بأنْ قَذَفَهُ الحوت من بطنِهِ بالعراء، وهي الأرض الخالية العاريةُ من كلِّ أحدٍ، بل ربَّما كانت عارية من الأشجارِ والظِّلال. {وهو سقيمٌ}؛ أي: قد سَقِمَ ومَرِضَ بسبب حبسِهِ في بطن الحوت حتى صار مثل الفرخ الممعوط من البيضة. {146}{وأنبَتۡنا عليه شجرةً من يَقۡطينٍ}: تُظِلُّه بظلِّها الظليل؛ لأنَّها باردةُ الظِّلال، ولا يسقُطُ عليها ذبابٌ، وهذا من لطفِهِ به وبرِّه. {147 ـ 148} ثم لَطَفَ به لطفاً آخرَ، وامتنَّ عليه مِنَّةً عظمى، وهو أنَّه أرسله {إلى مائةِ ألفٍ}: من الناس {أو يَزيدونَ}: عنها، والمعنى أنَّهم إنْ لم يزيدوا عنها؛ لم ينقُصوا، فدعاهم إلى الله تعالى، {فآمنوا}: فصاروا في موازينِهِ؛ لأنَّه الدَّاعي لهم، {فمتَّعۡناهم إلى حينٍ}: بأن صَرَفَ الله عنهم العذابَ بعد ما انعقدتْ أسبابُهُ؛ قال تعالى:{فلولا كانتۡ قريةٌ آمَنَتۡ فَنَفَعَها إيمانُها إلاَّ قومَ يونُسَ لما آمنوا كَشَفۡنا عنهم عذابَ الخِزۡي في الحياة الدُّنيا ومَتَّعۡناهم إلى حينٍ}.

الصافات 37:146

{139} وهذا ثناءٌ منه تعالى على عبدِهِ ورسولِهِ يونسَ بن متَّى؛ كما أثنى على إخوانِهِ المرسَلين بالنبوَّة والرسالة والدَّعوة إلى الله. {140} وذكر تعالى عنه أنَّه عاقَبَه عقوبةً دنيويَّةً أنجاه منها بسبب إيمانِهِ وأعمالِهِ الصالحة، فقال:{إذۡ أبَقَ}؛ أي: من ربِّه مغاضِباً له ظانًّا أنه لا يقدِرُ عليه ويحبِسُه في بطن الحوت، ولم يذكُرِ الله ما غاضبَ عليه ولا ذَنْبَهُ الذي ارتكبه؛ لعدم فائِدَتِنا بذكرِهِ، وإنَّما فائدتُنا بما ذكرنا عنه أنه أذنبَ، وعاقبه الله مع كونِهِ من الرُّسل الكرام، وأنَّه نجَّاه بعد ذلك، وأزال عنه الملامَ، وقيَّضَ له ما هو سببُ صلاحِهِ. فلمَّا أبَقَ؛ لجأ {إلى الفلك المشحونِ}: بالركاب والأمتعة. {141} فلما رَكِبَ مع غيره والفلك شاحن؛ ثقلتِ السفينةُ، فاحتاجوا إلى إلقاءِ بعضِ الركبانِ، وكأنَّهم لم يجِدوا لأحدٍ مزيَّةً في ذلك، فاقترعوا على أنَّ مَنْ قُرِعَ وغُلِبَ؛ ألقي في البحر؛ عدلاً من أهل السفينة، وإذا أراد الله أمراً؛ هيَّأ أسبابه، فلما اقترعوا؛ أصابتِ القرعةُ يونسَ. {فكان من المُدۡحَضينَ}؛ أي: المغلوبين، فألقي في البحر. {142}{فالۡتَقَمَهُ الحوتُ وهو}: وقت التقامِهِ {مُليمٌ}؛ أي: فاعلٌ ما يُلام عليه، وهو مغاضبتُهُ لربِّه. {143 ـ 144}{فلولا أنَّه كان من المسبِّحينَ}؛ أي: في وقتِه السابقِ بكثرةِ عبادته لربِّه وتسبيحِهِ وتحميدِهِ وفي بطن الحوت حيث قال: {لا إله إلا أنت سبحانَكَ إنِّي كُنۡتُ من الظالمين}؛ {لَلَبِثَ في بطنِهِ إلى يوم يُبۡعَثونَ}؛ أي: لكانتْ مقبرتَهَ، ولكن بسبب تسبيحِهِ وعبادتِهِ لله؛ نجَّاه الله تعالى، وكذلك ينجي الله المؤمنين عند وقوعهم في الشدائد. {145}{فَنبَذۡناه بالعراءِ}: بأنْ قَذَفَهُ الحوت من بطنِهِ بالعراء، وهي الأرض الخالية العاريةُ من كلِّ أحدٍ، بل ربَّما كانت عارية من الأشجارِ والظِّلال. {وهو سقيمٌ}؛ أي: قد سَقِمَ ومَرِضَ بسبب حبسِهِ في بطن الحوت حتى صار مثل الفرخ الممعوط من البيضة. {146}{وأنبَتۡنا عليه شجرةً من يَقۡطينٍ}: تُظِلُّه بظلِّها الظليل؛ لأنَّها باردةُ الظِّلال، ولا يسقُطُ عليها ذبابٌ، وهذا من لطفِهِ به وبرِّه. {147 ـ 148} ثم لَطَفَ به لطفاً آخرَ، وامتنَّ عليه مِنَّةً عظمى، وهو أنَّه أرسله {إلى مائةِ ألفٍ}: من الناس {أو يَزيدونَ}: عنها، والمعنى أنَّهم إنْ لم يزيدوا عنها؛ لم ينقُصوا، فدعاهم إلى الله تعالى، {فآمنوا}: فصاروا في موازينِهِ؛ لأنَّه الدَّاعي لهم، {فمتَّعۡناهم إلى حينٍ}: بأن صَرَفَ الله عنهم العذابَ بعد ما انعقدتْ أسبابُهُ؛ قال تعالى:{فلولا كانتۡ قريةٌ آمَنَتۡ فَنَفَعَها إيمانُها إلاَّ قومَ يونُسَ لما آمنوا كَشَفۡنا عنهم عذابَ الخِزۡي في الحياة الدُّنيا ومَتَّعۡناهم إلى حينٍ}.

الصافات 37:147

{139} وهذا ثناءٌ منه تعالى على عبدِهِ ورسولِهِ يونسَ بن متَّى؛ كما أثنى على إخوانِهِ المرسَلين بالنبوَّة والرسالة والدَّعوة إلى الله. {140} وذكر تعالى عنه أنَّه عاقَبَه عقوبةً دنيويَّةً أنجاه منها بسبب إيمانِهِ وأعمالِهِ الصالحة، فقال:{إذۡ أبَقَ}؛ أي: من ربِّه مغاضِباً له ظانًّا أنه لا يقدِرُ عليه ويحبِسُه في بطن الحوت، ولم يذكُرِ الله ما غاضبَ عليه ولا ذَنْبَهُ الذي ارتكبه؛ لعدم فائِدَتِنا بذكرِهِ، وإنَّما فائدتُنا بما ذكرنا عنه أنه أذنبَ، وعاقبه الله مع كونِهِ من الرُّسل الكرام، وأنَّه نجَّاه بعد ذلك، وأزال عنه الملامَ، وقيَّضَ له ما هو سببُ صلاحِهِ. فلمَّا أبَقَ؛ لجأ {إلى الفلك المشحونِ}: بالركاب والأمتعة. {141} فلما رَكِبَ مع غيره والفلك شاحن؛ ثقلتِ السفينةُ، فاحتاجوا إلى إلقاءِ بعضِ الركبانِ، وكأنَّهم لم يجِدوا لأحدٍ مزيَّةً في ذلك، فاقترعوا على أنَّ مَنْ قُرِعَ وغُلِبَ؛ ألقي في البحر؛ عدلاً من أهل السفينة، وإذا أراد الله أمراً؛ هيَّأ أسبابه، فلما اقترعوا؛ أصابتِ القرعةُ يونسَ. {فكان من المُدۡحَضينَ}؛ أي: المغلوبين، فألقي في البحر. {142}{فالۡتَقَمَهُ الحوتُ وهو}: وقت التقامِهِ {مُليمٌ}؛ أي: فاعلٌ ما يُلام عليه، وهو مغاضبتُهُ لربِّه. {143 ـ 144}{فلولا أنَّه كان من المسبِّحينَ}؛ أي: في وقتِه السابقِ بكثرةِ عبادته لربِّه وتسبيحِهِ وتحميدِهِ وفي بطن الحوت حيث قال: {لا إله إلا أنت سبحانَكَ إنِّي كُنۡتُ من الظالمين}؛ {لَلَبِثَ في بطنِهِ إلى يوم يُبۡعَثونَ}؛ أي: لكانتْ مقبرتَهَ، ولكن بسبب تسبيحِهِ وعبادتِهِ لله؛ نجَّاه الله تعالى، وكذلك ينجي الله المؤمنين عند وقوعهم في الشدائد. {145}{فَنبَذۡناه بالعراءِ}: بأنْ قَذَفَهُ الحوت من بطنِهِ بالعراء، وهي الأرض الخالية العاريةُ من كلِّ أحدٍ، بل ربَّما كانت عارية من الأشجارِ والظِّلال. {وهو سقيمٌ}؛ أي: قد سَقِمَ ومَرِضَ بسبب حبسِهِ في بطن الحوت حتى صار مثل الفرخ الممعوط من البيضة. {146}{وأنبَتۡنا عليه شجرةً من يَقۡطينٍ}: تُظِلُّه بظلِّها الظليل؛ لأنَّها باردةُ الظِّلال، ولا يسقُطُ عليها ذبابٌ، وهذا من لطفِهِ به وبرِّه. {147 ـ 148} ثم لَطَفَ به لطفاً آخرَ، وامتنَّ عليه مِنَّةً عظمى، وهو أنَّه أرسله {إلى مائةِ ألفٍ}: من الناس {أو يَزيدونَ}: عنها، والمعنى أنَّهم إنْ لم يزيدوا عنها؛ لم ينقُصوا، فدعاهم إلى الله تعالى، {فآمنوا}: فصاروا في موازينِهِ؛ لأنَّه الدَّاعي لهم، {فمتَّعۡناهم إلى حينٍ}: بأن صَرَفَ الله عنهم العذابَ بعد ما انعقدتْ أسبابُهُ؛ قال تعالى:{فلولا كانتۡ قريةٌ آمَنَتۡ فَنَفَعَها إيمانُها إلاَّ قومَ يونُسَ لما آمنوا كَشَفۡنا عنهم عذابَ الخِزۡي في الحياة الدُّنيا ومَتَّعۡناهم إلى حينٍ}.

الصافات 37:148

{139} وهذا ثناءٌ منه تعالى على عبدِهِ ورسولِهِ يونسَ بن متَّى؛ كما أثنى على إخوانِهِ المرسَلين بالنبوَّة والرسالة والدَّعوة إلى الله. {140} وذكر تعالى عنه أنَّه عاقَبَه عقوبةً دنيويَّةً أنجاه منها بسبب إيمانِهِ وأعمالِهِ الصالحة، فقال:{إذۡ أبَقَ}؛ أي: من ربِّه مغاضِباً له ظانًّا أنه لا يقدِرُ عليه ويحبِسُه في بطن الحوت، ولم يذكُرِ الله ما غاضبَ عليه ولا ذَنْبَهُ الذي ارتكبه؛ لعدم فائِدَتِنا بذكرِهِ، وإنَّما فائدتُنا بما ذكرنا عنه أنه أذنبَ، وعاقبه الله مع كونِهِ من الرُّسل الكرام، وأنَّه نجَّاه بعد ذلك، وأزال عنه الملامَ، وقيَّضَ له ما هو سببُ صلاحِهِ. فلمَّا أبَقَ؛ لجأ {إلى الفلك المشحونِ}: بالركاب والأمتعة. {141} فلما رَكِبَ مع غيره والفلك شاحن؛ ثقلتِ السفينةُ، فاحتاجوا إلى إلقاءِ بعضِ الركبانِ، وكأنَّهم لم يجِدوا لأحدٍ مزيَّةً في ذلك، فاقترعوا على أنَّ مَنْ قُرِعَ وغُلِبَ؛ ألقي في البحر؛ عدلاً من أهل السفينة، وإذا أراد الله أمراً؛ هيَّأ أسبابه، فلما اقترعوا؛ أصابتِ القرعةُ يونسَ. {فكان من المُدۡحَضينَ}؛ أي: المغلوبين، فألقي في البحر. {142}{فالۡتَقَمَهُ الحوتُ وهو}: وقت التقامِهِ {مُليمٌ}؛ أي: فاعلٌ ما يُلام عليه، وهو مغاضبتُهُ لربِّه. {143 ـ 144}{فلولا أنَّه كان من المسبِّحينَ}؛ أي: في وقتِه السابقِ بكثرةِ عبادته لربِّه وتسبيحِهِ وتحميدِهِ وفي بطن الحوت حيث قال: {لا إله إلا أنت سبحانَكَ إنِّي كُنۡتُ من الظالمين}؛ {لَلَبِثَ في بطنِهِ إلى يوم يُبۡعَثونَ}؛ أي: لكانتْ مقبرتَهَ، ولكن بسبب تسبيحِهِ وعبادتِهِ لله؛ نجَّاه الله تعالى، وكذلك ينجي الله المؤمنين عند وقوعهم في الشدائد. {145}{فَنبَذۡناه بالعراءِ}: بأنْ قَذَفَهُ الحوت من بطنِهِ بالعراء، وهي الأرض الخالية العاريةُ من كلِّ أحدٍ، بل ربَّما كانت عارية من الأشجارِ والظِّلال. {وهو سقيمٌ}؛ أي: قد سَقِمَ ومَرِضَ بسبب حبسِهِ في بطن الحوت حتى صار مثل الفرخ الممعوط من البيضة. {146}{وأنبَتۡنا عليه شجرةً من يَقۡطينٍ}: تُظِلُّه بظلِّها الظليل؛ لأنَّها باردةُ الظِّلال، ولا يسقُطُ عليها ذبابٌ، وهذا من لطفِهِ به وبرِّه. {147 ـ 148} ثم لَطَفَ به لطفاً آخرَ، وامتنَّ عليه مِنَّةً عظمى، وهو أنَّه أرسله {إلى مائةِ ألفٍ}: من الناس {أو يَزيدونَ}: عنها، والمعنى أنَّهم إنْ لم يزيدوا عنها؛ لم ينقُصوا، فدعاهم إلى الله تعالى، {فآمنوا}: فصاروا في موازينِهِ؛ لأنَّه الدَّاعي لهم، {فمتَّعۡناهم إلى حينٍ}: بأن صَرَفَ الله عنهم العذابَ بعد ما انعقدتْ أسبابُهُ؛ قال تعالى:{فلولا كانتۡ قريةٌ آمَنَتۡ فَنَفَعَها إيمانُها إلاَّ قومَ يونُسَ لما آمنوا كَشَفۡنا عنهم عذابَ الخِزۡي في الحياة الدُّنيا ومَتَّعۡناهم إلى حينٍ}.

الصافات 37:149

{149} يقول تعالى لنبيِّه - صلى الله عليه وسلم - {فاسۡتَفۡتِهِمۡ}؛ أي: اسأل المشركين باللهِ غيرَه، الذين عبدوا الملائكةَ وزَعَموا أنَّها بناتُ الله، فجمعوا بين الشركِ بالله ووصفِهِ بما لا يَليقُ بجلالِهِ. {ألربِّكَ البناتُ ولهم البنونَ}؛ أي: هذه قسمةٌ ضيزى، وقولٌ جائرٌ من جهة جعلهم الولدَ لله تعالى، ومن جهة جعلِهِم أردأ القسمينِ وأخسَّهما له، وهو البناتُ، التي لا يَرْضَوْنَهُنَّ لأنفسِهِم؛ كما قال في الآية الأخرى:{ويَجۡعَلونَ لله البناتِ سبحانَه ولهم ما يَشۡتَهونَ}، ومن جهةِ جعلِهِم الملائكةَ بناتٍ لله، وحكمِهِم بذلك. {150} قال تعالى في بيان كَذِبِهم: {أمۡ خَلَقۡنا الملائكةَ إناثاً وهم شاهِدونَ}: خَلْقَهم؛ أي: ليس الأمر كذلك؛ فإنَّهم ما شَهِدوا خلقَهم، فدلَّ على أنَّهم قالوا هذا القول بلا علم، بل افتراءٌ على الله. {151 ـ 157} ولهذا قال: {ألا إنَّهم من إفۡكِهِم}؛ أي: كذبهم الواضح؛ {ليَقولونَ وَلَدَ اللهُ وإنَّهم لَكاذبونَ. أصطفى}؛ أي: اختار {البناتِ على البنينَ. مالَكُم كيفَ تَحۡكُمونَ}: هذا الحكمَ الجائرَ. {أفلا تَذَكَّرونَ}: وتميِّزونَ هذا القول الباطل الجائر؟ فإنَّكم لو تَذَكَّرْتُم؛ لم تقولوا هذا القول. {أم لكم سلطانٌ مبينٌ}؛ أي: حجَّة ظاهرةٌ على قولكم من كتابٍ أو رسول، وكلُّ هذا غير واقع، ولهذا قال:{فأتوا بكتابِكُم إن كُنتُم صادقينَ}: فإنَّ مَنْ يقولُ قولاً لا يُقيم عليه حجَّة شرعيَّة؛ فإنَّه كاذبٌ متعمِّدٌ أو قائلٌ على الله بلا علم.

الصافات 37:150

{149} يقول تعالى لنبيِّه - صلى الله عليه وسلم - {فاسۡتَفۡتِهِمۡ}؛ أي: اسأل المشركين باللهِ غيرَه، الذين عبدوا الملائكةَ وزَعَموا أنَّها بناتُ الله، فجمعوا بين الشركِ بالله ووصفِهِ بما لا يَليقُ بجلالِهِ. {ألربِّكَ البناتُ ولهم البنونَ}؛ أي: هذه قسمةٌ ضيزى، وقولٌ جائرٌ من جهة جعلهم الولدَ لله تعالى، ومن جهة جعلِهِم أردأ القسمينِ وأخسَّهما له، وهو البناتُ، التي لا يَرْضَوْنَهُنَّ لأنفسِهِم؛ كما قال في الآية الأخرى:{ويَجۡعَلونَ لله البناتِ سبحانَه ولهم ما يَشۡتَهونَ}، ومن جهةِ جعلِهِم الملائكةَ بناتٍ لله، وحكمِهِم بذلك. {150} قال تعالى في بيان كَذِبِهم: {أمۡ خَلَقۡنا الملائكةَ إناثاً وهم شاهِدونَ}: خَلْقَهم؛ أي: ليس الأمر كذلك؛ فإنَّهم ما شَهِدوا خلقَهم، فدلَّ على أنَّهم قالوا هذا القول بلا علم، بل افتراءٌ على الله. {151 ـ 157} ولهذا قال: {ألا إنَّهم من إفۡكِهِم}؛ أي: كذبهم الواضح؛ {ليَقولونَ وَلَدَ اللهُ وإنَّهم لَكاذبونَ. أصطفى}؛ أي: اختار {البناتِ على البنينَ. مالَكُم كيفَ تَحۡكُمونَ}: هذا الحكمَ الجائرَ. {أفلا تَذَكَّرونَ}: وتميِّزونَ هذا القول الباطل الجائر؟ فإنَّكم لو تَذَكَّرْتُم؛ لم تقولوا هذا القول. {أم لكم سلطانٌ مبينٌ}؛ أي: حجَّة ظاهرةٌ على قولكم من كتابٍ أو رسول، وكلُّ هذا غير واقع، ولهذا قال:{فأتوا بكتابِكُم إن كُنتُم صادقينَ}: فإنَّ مَنْ يقولُ قولاً لا يُقيم عليه حجَّة شرعيَّة؛ فإنَّه كاذبٌ متعمِّدٌ أو قائلٌ على الله بلا علم.

الصافات 37:151

{149} يقول تعالى لنبيِّه - صلى الله عليه وسلم - {فاسۡتَفۡتِهِمۡ}؛ أي: اسأل المشركين باللهِ غيرَه، الذين عبدوا الملائكةَ وزَعَموا أنَّها بناتُ الله، فجمعوا بين الشركِ بالله ووصفِهِ بما لا يَليقُ بجلالِهِ. {ألربِّكَ البناتُ ولهم البنونَ}؛ أي: هذه قسمةٌ ضيزى، وقولٌ جائرٌ من جهة جعلهم الولدَ لله تعالى، ومن جهة جعلِهِم أردأ القسمينِ وأخسَّهما له، وهو البناتُ، التي لا يَرْضَوْنَهُنَّ لأنفسِهِم؛ كما قال في الآية الأخرى:{ويَجۡعَلونَ لله البناتِ سبحانَه ولهم ما يَشۡتَهونَ}، ومن جهةِ جعلِهِم الملائكةَ بناتٍ لله، وحكمِهِم بذلك. {150} قال تعالى في بيان كَذِبِهم: {أمۡ خَلَقۡنا الملائكةَ إناثاً وهم شاهِدونَ}: خَلْقَهم؛ أي: ليس الأمر كذلك؛ فإنَّهم ما شَهِدوا خلقَهم، فدلَّ على أنَّهم قالوا هذا القول بلا علم، بل افتراءٌ على الله. {151 ـ 157} ولهذا قال: {ألا إنَّهم من إفۡكِهِم}؛ أي: كذبهم الواضح؛ {ليَقولونَ وَلَدَ اللهُ وإنَّهم لَكاذبونَ. أصطفى}؛ أي: اختار {البناتِ على البنينَ. مالَكُم كيفَ تَحۡكُمونَ}: هذا الحكمَ الجائرَ. {أفلا تَذَكَّرونَ}: وتميِّزونَ هذا القول الباطل الجائر؟ فإنَّكم لو تَذَكَّرْتُم؛ لم تقولوا هذا القول. {أم لكم سلطانٌ مبينٌ}؛ أي: حجَّة ظاهرةٌ على قولكم من كتابٍ أو رسول، وكلُّ هذا غير واقع، ولهذا قال:{فأتوا بكتابِكُم إن كُنتُم صادقينَ}: فإنَّ مَنْ يقولُ قولاً لا يُقيم عليه حجَّة شرعيَّة؛ فإنَّه كاذبٌ متعمِّدٌ أو قائلٌ على الله بلا علم.

الصافات 37:152

{149} يقول تعالى لنبيِّه - صلى الله عليه وسلم - {فاسۡتَفۡتِهِمۡ}؛ أي: اسأل المشركين باللهِ غيرَه، الذين عبدوا الملائكةَ وزَعَموا أنَّها بناتُ الله، فجمعوا بين الشركِ بالله ووصفِهِ بما لا يَليقُ بجلالِهِ. {ألربِّكَ البناتُ ولهم البنونَ}؛ أي: هذه قسمةٌ ضيزى، وقولٌ جائرٌ من جهة جعلهم الولدَ لله تعالى، ومن جهة جعلِهِم أردأ القسمينِ وأخسَّهما له، وهو البناتُ، التي لا يَرْضَوْنَهُنَّ لأنفسِهِم؛ كما قال في الآية الأخرى:{ويَجۡعَلونَ لله البناتِ سبحانَه ولهم ما يَشۡتَهونَ}، ومن جهةِ جعلِهِم الملائكةَ بناتٍ لله، وحكمِهِم بذلك. {150} قال تعالى في بيان كَذِبِهم: {أمۡ خَلَقۡنا الملائكةَ إناثاً وهم شاهِدونَ}: خَلْقَهم؛ أي: ليس الأمر كذلك؛ فإنَّهم ما شَهِدوا خلقَهم، فدلَّ على أنَّهم قالوا هذا القول بلا علم، بل افتراءٌ على الله. {151 ـ 157} ولهذا قال: {ألا إنَّهم من إفۡكِهِم}؛ أي: كذبهم الواضح؛ {ليَقولونَ وَلَدَ اللهُ وإنَّهم لَكاذبونَ. أصطفى}؛ أي: اختار {البناتِ على البنينَ. مالَكُم كيفَ تَحۡكُمونَ}: هذا الحكمَ الجائرَ. {أفلا تَذَكَّرونَ}: وتميِّزونَ هذا القول الباطل الجائر؟ فإنَّكم لو تَذَكَّرْتُم؛ لم تقولوا هذا القول. {أم لكم سلطانٌ مبينٌ}؛ أي: حجَّة ظاهرةٌ على قولكم من كتابٍ أو رسول، وكلُّ هذا غير واقع، ولهذا قال:{فأتوا بكتابِكُم إن كُنتُم صادقينَ}: فإنَّ مَنْ يقولُ قولاً لا يُقيم عليه حجَّة شرعيَّة؛ فإنَّه كاذبٌ متعمِّدٌ أو قائلٌ على الله بلا علم.

الصافات 37:153

{149} يقول تعالى لنبيِّه - صلى الله عليه وسلم - {فاسۡتَفۡتِهِمۡ}؛ أي: اسأل المشركين باللهِ غيرَه، الذين عبدوا الملائكةَ وزَعَموا أنَّها بناتُ الله، فجمعوا بين الشركِ بالله ووصفِهِ بما لا يَليقُ بجلالِهِ. {ألربِّكَ البناتُ ولهم البنونَ}؛ أي: هذه قسمةٌ ضيزى، وقولٌ جائرٌ من جهة جعلهم الولدَ لله تعالى، ومن جهة جعلِهِم أردأ القسمينِ وأخسَّهما له، وهو البناتُ، التي لا يَرْضَوْنَهُنَّ لأنفسِهِم؛ كما قال في الآية الأخرى:{ويَجۡعَلونَ لله البناتِ سبحانَه ولهم ما يَشۡتَهونَ}، ومن جهةِ جعلِهِم الملائكةَ بناتٍ لله، وحكمِهِم بذلك. {150} قال تعالى في بيان كَذِبِهم: {أمۡ خَلَقۡنا الملائكةَ إناثاً وهم شاهِدونَ}: خَلْقَهم؛ أي: ليس الأمر كذلك؛ فإنَّهم ما شَهِدوا خلقَهم، فدلَّ على أنَّهم قالوا هذا القول بلا علم، بل افتراءٌ على الله. {151 ـ 157} ولهذا قال: {ألا إنَّهم من إفۡكِهِم}؛ أي: كذبهم الواضح؛ {ليَقولونَ وَلَدَ اللهُ وإنَّهم لَكاذبونَ. أصطفى}؛ أي: اختار {البناتِ على البنينَ. مالَكُم كيفَ تَحۡكُمونَ}: هذا الحكمَ الجائرَ. {أفلا تَذَكَّرونَ}: وتميِّزونَ هذا القول الباطل الجائر؟ فإنَّكم لو تَذَكَّرْتُم؛ لم تقولوا هذا القول. {أم لكم سلطانٌ مبينٌ}؛ أي: حجَّة ظاهرةٌ على قولكم من كتابٍ أو رسول، وكلُّ هذا غير واقع، ولهذا قال:{فأتوا بكتابِكُم إن كُنتُم صادقينَ}: فإنَّ مَنْ يقولُ قولاً لا يُقيم عليه حجَّة شرعيَّة؛ فإنَّه كاذبٌ متعمِّدٌ أو قائلٌ على الله بلا علم.

الصافات 37:154

{149} يقول تعالى لنبيِّه - صلى الله عليه وسلم - {فاسۡتَفۡتِهِمۡ}؛ أي: اسأل المشركين باللهِ غيرَه، الذين عبدوا الملائكةَ وزَعَموا أنَّها بناتُ الله، فجمعوا بين الشركِ بالله ووصفِهِ بما لا يَليقُ بجلالِهِ. {ألربِّكَ البناتُ ولهم البنونَ}؛ أي: هذه قسمةٌ ضيزى، وقولٌ جائرٌ من جهة جعلهم الولدَ لله تعالى، ومن جهة جعلِهِم أردأ القسمينِ وأخسَّهما له، وهو البناتُ، التي لا يَرْضَوْنَهُنَّ لأنفسِهِم؛ كما قال في الآية الأخرى:{ويَجۡعَلونَ لله البناتِ سبحانَه ولهم ما يَشۡتَهونَ}، ومن جهةِ جعلِهِم الملائكةَ بناتٍ لله، وحكمِهِم بذلك. {150} قال تعالى في بيان كَذِبِهم: {أمۡ خَلَقۡنا الملائكةَ إناثاً وهم شاهِدونَ}: خَلْقَهم؛ أي: ليس الأمر كذلك؛ فإنَّهم ما شَهِدوا خلقَهم، فدلَّ على أنَّهم قالوا هذا القول بلا علم، بل افتراءٌ على الله. {151 ـ 157} ولهذا قال: {ألا إنَّهم من إفۡكِهِم}؛ أي: كذبهم الواضح؛ {ليَقولونَ وَلَدَ اللهُ وإنَّهم لَكاذبونَ. أصطفى}؛ أي: اختار {البناتِ على البنينَ. مالَكُم كيفَ تَحۡكُمونَ}: هذا الحكمَ الجائرَ. {أفلا تَذَكَّرونَ}: وتميِّزونَ هذا القول الباطل الجائر؟ فإنَّكم لو تَذَكَّرْتُم؛ لم تقولوا هذا القول. {أم لكم سلطانٌ مبينٌ}؛ أي: حجَّة ظاهرةٌ على قولكم من كتابٍ أو رسول، وكلُّ هذا غير واقع، ولهذا قال:{فأتوا بكتابِكُم إن كُنتُم صادقينَ}: فإنَّ مَنْ يقولُ قولاً لا يُقيم عليه حجَّة شرعيَّة؛ فإنَّه كاذبٌ متعمِّدٌ أو قائلٌ على الله بلا علم.

الصافات 37:155

{149} يقول تعالى لنبيِّه - صلى الله عليه وسلم - {فاسۡتَفۡتِهِمۡ}؛ أي: اسأل المشركين باللهِ غيرَه، الذين عبدوا الملائكةَ وزَعَموا أنَّها بناتُ الله، فجمعوا بين الشركِ بالله ووصفِهِ بما لا يَليقُ بجلالِهِ. {ألربِّكَ البناتُ ولهم البنونَ}؛ أي: هذه قسمةٌ ضيزى، وقولٌ جائرٌ من جهة جعلهم الولدَ لله تعالى، ومن جهة جعلِهِم أردأ القسمينِ وأخسَّهما له، وهو البناتُ، التي لا يَرْضَوْنَهُنَّ لأنفسِهِم؛ كما قال في الآية الأخرى:{ويَجۡعَلونَ لله البناتِ سبحانَه ولهم ما يَشۡتَهونَ}، ومن جهةِ جعلِهِم الملائكةَ بناتٍ لله، وحكمِهِم بذلك. {150} قال تعالى في بيان كَذِبِهم: {أمۡ خَلَقۡنا الملائكةَ إناثاً وهم شاهِدونَ}: خَلْقَهم؛ أي: ليس الأمر كذلك؛ فإنَّهم ما شَهِدوا خلقَهم، فدلَّ على أنَّهم قالوا هذا القول بلا علم، بل افتراءٌ على الله. {151 ـ 157} ولهذا قال: {ألا إنَّهم من إفۡكِهِم}؛ أي: كذبهم الواضح؛ {ليَقولونَ وَلَدَ اللهُ وإنَّهم لَكاذبونَ. أصطفى}؛ أي: اختار {البناتِ على البنينَ. مالَكُم كيفَ تَحۡكُمونَ}: هذا الحكمَ الجائرَ. {أفلا تَذَكَّرونَ}: وتميِّزونَ هذا القول الباطل الجائر؟ فإنَّكم لو تَذَكَّرْتُم؛ لم تقولوا هذا القول. {أم لكم سلطانٌ مبينٌ}؛ أي: حجَّة ظاهرةٌ على قولكم من كتابٍ أو رسول، وكلُّ هذا غير واقع، ولهذا قال:{فأتوا بكتابِكُم إن كُنتُم صادقينَ}: فإنَّ مَنْ يقولُ قولاً لا يُقيم عليه حجَّة شرعيَّة؛ فإنَّه كاذبٌ متعمِّدٌ أو قائلٌ على الله بلا علم.

الصافات 37:156

{149} يقول تعالى لنبيِّه - صلى الله عليه وسلم - {فاسۡتَفۡتِهِمۡ}؛ أي: اسأل المشركين باللهِ غيرَه، الذين عبدوا الملائكةَ وزَعَموا أنَّها بناتُ الله، فجمعوا بين الشركِ بالله ووصفِهِ بما لا يَليقُ بجلالِهِ. {ألربِّكَ البناتُ ولهم البنونَ}؛ أي: هذه قسمةٌ ضيزى، وقولٌ جائرٌ من جهة جعلهم الولدَ لله تعالى، ومن جهة جعلِهِم أردأ القسمينِ وأخسَّهما له، وهو البناتُ، التي لا يَرْضَوْنَهُنَّ لأنفسِهِم؛ كما قال في الآية الأخرى:{ويَجۡعَلونَ لله البناتِ سبحانَه ولهم ما يَشۡتَهونَ}، ومن جهةِ جعلِهِم الملائكةَ بناتٍ لله، وحكمِهِم بذلك. {150} قال تعالى في بيان كَذِبِهم: {أمۡ خَلَقۡنا الملائكةَ إناثاً وهم شاهِدونَ}: خَلْقَهم؛ أي: ليس الأمر كذلك؛ فإنَّهم ما شَهِدوا خلقَهم، فدلَّ على أنَّهم قالوا هذا القول بلا علم، بل افتراءٌ على الله. {151 ـ 157} ولهذا قال: {ألا إنَّهم من إفۡكِهِم}؛ أي: كذبهم الواضح؛ {ليَقولونَ وَلَدَ اللهُ وإنَّهم لَكاذبونَ. أصطفى}؛ أي: اختار {البناتِ على البنينَ. مالَكُم كيفَ تَحۡكُمونَ}: هذا الحكمَ الجائرَ. {أفلا تَذَكَّرونَ}: وتميِّزونَ هذا القول الباطل الجائر؟ فإنَّكم لو تَذَكَّرْتُم؛ لم تقولوا هذا القول. {أم لكم سلطانٌ مبينٌ}؛ أي: حجَّة ظاهرةٌ على قولكم من كتابٍ أو رسول، وكلُّ هذا غير واقع، ولهذا قال:{فأتوا بكتابِكُم إن كُنتُم صادقينَ}: فإنَّ مَنْ يقولُ قولاً لا يُقيم عليه حجَّة شرعيَّة؛ فإنَّه كاذبٌ متعمِّدٌ أو قائلٌ على الله بلا علم.

الصافات 37:157

{149} يقول تعالى لنبيِّه - صلى الله عليه وسلم - {فاسۡتَفۡتِهِمۡ}؛ أي: اسأل المشركين باللهِ غيرَه، الذين عبدوا الملائكةَ وزَعَموا أنَّها بناتُ الله، فجمعوا بين الشركِ بالله ووصفِهِ بما لا يَليقُ بجلالِهِ. {ألربِّكَ البناتُ ولهم البنونَ}؛ أي: هذه قسمةٌ ضيزى، وقولٌ جائرٌ من جهة جعلهم الولدَ لله تعالى، ومن جهة جعلِهِم أردأ القسمينِ وأخسَّهما له، وهو البناتُ، التي لا يَرْضَوْنَهُنَّ لأنفسِهِم؛ كما قال في الآية الأخرى:{ويَجۡعَلونَ لله البناتِ سبحانَه ولهم ما يَشۡتَهونَ}، ومن جهةِ جعلِهِم الملائكةَ بناتٍ لله، وحكمِهِم بذلك. {150} قال تعالى في بيان كَذِبِهم: {أمۡ خَلَقۡنا الملائكةَ إناثاً وهم شاهِدونَ}: خَلْقَهم؛ أي: ليس الأمر كذلك؛ فإنَّهم ما شَهِدوا خلقَهم، فدلَّ على أنَّهم قالوا هذا القول بلا علم، بل افتراءٌ على الله. {151 ـ 157} ولهذا قال: {ألا إنَّهم من إفۡكِهِم}؛ أي: كذبهم الواضح؛ {ليَقولونَ وَلَدَ اللهُ وإنَّهم لَكاذبونَ. أصطفى}؛ أي: اختار {البناتِ على البنينَ. مالَكُم كيفَ تَحۡكُمونَ}: هذا الحكمَ الجائرَ. {أفلا تَذَكَّرونَ}: وتميِّزونَ هذا القول الباطل الجائر؟ فإنَّكم لو تَذَكَّرْتُم؛ لم تقولوا هذا القول. {أم لكم سلطانٌ مبينٌ}؛ أي: حجَّة ظاهرةٌ على قولكم من كتابٍ أو رسول، وكلُّ هذا غير واقع، ولهذا قال:{فأتوا بكتابِكُم إن كُنتُم صادقينَ}: فإنَّ مَنْ يقولُ قولاً لا يُقيم عليه حجَّة شرعيَّة؛ فإنَّه كاذبٌ متعمِّدٌ أو قائلٌ على الله بلا علم.

الصافات 37:158

{158} أي: جعل هؤلاء المشركون باللهِ بين اللهِ وبين الجِنَّةِ نَسَباً؛ حيث زَعَموا أنَّ الملائكةَ بناتُ الله، وأنَّ أمهاتِهِم سَرَواتُ الجنِّ! والحالُ أنَّ الجِنَّةَ قد علمتْ أنَّهم مُحْضَرونَ بين يدي الله لِيُجازِيَهم؛ فهم عبادٌ أذلاَّءٌ؛ فلو كان بينَهم وبينَه نسبٌ؛ لم يكونوا كذلك. {159 ـ 160}{سبحانَ الله}: الملك العظيم، والكامل الحليم، عما يصِفه به المشركون من كل وصفٍ أوجَبَه كفرُهم وشركُهم. {إلاَّ عبادَ الله المخلَصين}: فإنَّه لم يُنَزِّهْ نفسَه عمَّا وَصَفوه به؛ لأنَّهم لم يَصِفوه إلاَّ بما يليق بجلالِهِ، وبذلك كانوا مخلَصين.

الصافات 37:159

{158} أي: جعل هؤلاء المشركون باللهِ بين اللهِ وبين الجِنَّةِ نَسَباً؛ حيث زَعَموا أنَّ الملائكةَ بناتُ الله، وأنَّ أمهاتِهِم سَرَواتُ الجنِّ! والحالُ أنَّ الجِنَّةَ قد علمتْ أنَّهم مُحْضَرونَ بين يدي الله لِيُجازِيَهم؛ فهم عبادٌ أذلاَّءٌ؛ فلو كان بينَهم وبينَه نسبٌ؛ لم يكونوا كذلك. {159 ـ 160}{سبحانَ الله}: الملك العظيم، والكامل الحليم، عما يصِفه به المشركون من كل وصفٍ أوجَبَه كفرُهم وشركُهم. {إلاَّ عبادَ الله المخلَصين}: فإنَّه لم يُنَزِّهْ نفسَه عمَّا وَصَفوه به؛ لأنَّهم لم يَصِفوه إلاَّ بما يليق بجلالِهِ، وبذلك كانوا مخلَصين.

الصافات 37:160

{158} أي: جعل هؤلاء المشركون باللهِ بين اللهِ وبين الجِنَّةِ نَسَباً؛ حيث زَعَموا أنَّ الملائكةَ بناتُ الله، وأنَّ أمهاتِهِم سَرَواتُ الجنِّ! والحالُ أنَّ الجِنَّةَ قد علمتْ أنَّهم مُحْضَرونَ بين يدي الله لِيُجازِيَهم؛ فهم عبادٌ أذلاَّءٌ؛ فلو كان بينَهم وبينَه نسبٌ؛ لم يكونوا كذلك. {159 ـ 160}{سبحانَ الله}: الملك العظيم، والكامل الحليم، عما يصِفه به المشركون من كل وصفٍ أوجَبَه كفرُهم وشركُهم. {إلاَّ عبادَ الله المخلَصين}: فإنَّه لم يُنَزِّهْ نفسَه عمَّا وَصَفوه به؛ لأنَّهم لم يَصِفوه إلاَّ بما يليق بجلالِهِ، وبذلك كانوا مخلَصين.

الصافات 37:161

{161 ـ 163} أي: إنَّكم أيُّها المشركون ومَنْ عَبَدْتُموه مع الله لا تقدِرون أن تَفْتِنوا وتُضِلُّوا أحداً إلاَّ مَنْ قضى الله أنَّه من أهل الجحيم، فَنَفَذَ فيه القضاءُ الإلهيُّ. والمقصودُ من هذا بيانُ عجزِهم وعجزِ آلهتهم عن إضلال أحدٍ، وبيانُ كمال قدرةِ الله تعالى؛ أي: فلا تَطْمَعوا بإضلال عبادِ الله المخلَصين وحزبِه المفلحين.

الصافات 37:162

{161 ـ 163} أي: إنَّكم أيُّها المشركون ومَنْ عَبَدْتُموه مع الله لا تقدِرون أن تَفْتِنوا وتُضِلُّوا أحداً إلاَّ مَنْ قضى الله أنَّه من أهل الجحيم، فَنَفَذَ فيه القضاءُ الإلهيُّ. والمقصودُ من هذا بيانُ عجزِهم وعجزِ آلهتهم عن إضلال أحدٍ، وبيانُ كمال قدرةِ الله تعالى؛ أي: فلا تَطْمَعوا بإضلال عبادِ الله المخلَصين وحزبِه المفلحين.

الصافات 37:163

{161 ـ 163} أي: إنَّكم أيُّها المشركون ومَنْ عَبَدْتُموه مع الله لا تقدِرون أن تَفْتِنوا وتُضِلُّوا أحداً إلاَّ مَنْ قضى الله أنَّه من أهل الجحيم، فَنَفَذَ فيه القضاءُ الإلهيُّ. والمقصودُ من هذا بيانُ عجزِهم وعجزِ آلهتهم عن إضلال أحدٍ، وبيانُ كمال قدرةِ الله تعالى؛ أي: فلا تَطْمَعوا بإضلال عبادِ الله المخلَصين وحزبِه المفلحين.

الصافات 37:164

{164 ـ 166} هذا فيه بيانُ براءة الملائكة عليهم السلام عمَّا قاله فيهم المشركونَ، وأنَّهم عبادُ الله، لا يعصونَه طرفةَ عينٍ؛ فما منهم من أحدٍ إلاَّ وله مقامٌ وتدبيرٌ قد أمره الله به لا يتعدَّاه ولا يتجاوزه، وليس لهم من الأمر شيءٌ، {وإنَّا لنحنُ الصافُّون}: في طاعة الله وخدمتِهِ، {وإنَّا لنحنُ المسبِّحونَ}: لله عما لا يَليقُ به؛ فكيف مع هذا يَصْلُحون أن يكونوا شركاء لله، تعالى الله!

الصافات 37:165

{164 ـ 166} هذا فيه بيانُ براءة الملائكة عليهم السلام عمَّا قاله فيهم المشركونَ، وأنَّهم عبادُ الله، لا يعصونَه طرفةَ عينٍ؛ فما منهم من أحدٍ إلاَّ وله مقامٌ وتدبيرٌ قد أمره الله به لا يتعدَّاه ولا يتجاوزه، وليس لهم من الأمر شيءٌ، {وإنَّا لنحنُ الصافُّون}: في طاعة الله وخدمتِهِ، {وإنَّا لنحنُ المسبِّحونَ}: لله عما لا يَليقُ به؛ فكيف مع هذا يَصْلُحون أن يكونوا شركاء لله، تعالى الله!

الصافات 37:166

{164 ـ 166} هذا فيه بيانُ براءة الملائكة عليهم السلام عمَّا قاله فيهم المشركونَ، وأنَّهم عبادُ الله، لا يعصونَه طرفةَ عينٍ؛ فما منهم من أحدٍ إلاَّ وله مقامٌ وتدبيرٌ قد أمره الله به لا يتعدَّاه ولا يتجاوزه، وليس لهم من الأمر شيءٌ، {وإنَّا لنحنُ الصافُّون}: في طاعة الله وخدمتِهِ، {وإنَّا لنحنُ المسبِّحونَ}: لله عما لا يَليقُ به؛ فكيف مع هذا يَصْلُحون أن يكونوا شركاء لله، تعالى الله!

الصافات 37:167

{167 ـ 170} يخبرُ تعالى أنَّ هؤلاء المشركين يُظْهِرونَ التمنِّي ويقولون: لو جاءنا من الذِّكْرِ والكتبِ ما جاء الأولين؛ لأخْلَصْنا لله العبادة، بل لكنَّا المخلِصينَ على الحقيقةِ، وهم كَذَبَةٌ في ذلك؛ فقد جاءهم أفضلُ الكتب فكفروا به، فعُلِمَ أنَّهم متمرِّدونَ على الحقِّ. {فسوف يعلمونَ}: العذابَ حين يقعُ بهم. {171 ـ 179} ولا يحسبوا أيضاً أنَّهم في الدنيا غالبون، بل قد سَبَقَتْ كلمةُ الله التي لا مردَّ لها ولا مخالفَ لها لعبادِهِ المرسَلين وجندِهِ المفلِحين أنَّهم الغالبونَ لغيرِهِم المنصورون من ربِّهم نصراً عزيزاً يتمكَّنون فيه من إقامة دينهم. وهذه بشارةٌ عظيمةٌ لمن اتَّصف بأنَّه من جندِ الله؛ بأن كانت أحوالُهُ مستقيمةً، وقاتلَ مَنْ أمر بقتالهم أنه غالبٌ منصورٌ. ثم أمر رسولَه بالإعراض عَمَّنْ عاندوا ولم يَقْبَلوا الحقَّ، وأنَّه ما بقي إلاَّ انتظارُ ما يَحِلُّ بهم من العذاب، ولهذا قال:{وأبصرهم فسوفَ يُبۡصِرونَ}: مَنْ يَحِلُّ به النَّكالُ؛ فإنَّه سيحلُّ بهم. {فإذا نَزَلَ بساحتِهِم}؛ أي: نزل عليهم وقريباً منهم، {فساء صَباحُ المُنۡذَرينَ}؛ لأنَّه صباح الشرِّ والعقوبة والاستئصال. ثم كرَّر الأمر بالتولِّي عنهم وتهديدهم بوقوع العذاب. {180 ـ 182} ولما ذكر في هذه السورة كثيراً من أقوالهم الشنيعة التي وَصَفوه بها؛ نزَّهَ نفسَه عنها، فقال:{سبحانَ ربِّك}؛ أي: تنزَّه وتعالى، {ربِّ العزَّةِ}؛ أي: الذي عزَّ فقهر كلَّ شيء، واعتزَّ عن كل سوءٍ يصفونه به، {وسلامٌ على المرسلين}: لسلامتهم من الذُّنوب والآفات، وسلامة ما وصفوا به فاطر الأرض والسماوات. {والحمدُ لله ربِّ العالمين}: الألف واللام للاستغراق؛ فجميعُ أنواع الحمدِ من الصفاتِ الكاملةِ العظيمةِ والأفعالِ التي ربَّى بها العالمينَ وأدَرَّ عليهم فيها النِّعم وصَرَفَ عنهم بها النِّقَمَ ودَبَّرَهم تعالى في حَرَكاتِهِم وسكونِهِم وفي جميع أحوالِهِم كلِّها لله تعالى؛ فهو المقدَّسُ عن النقص، المحمودُ بكلِّ كمال، المحبوبُ المعظَّم، ورسلُهُ سالمون مسلَّم عليهم، ومن اتَّبَعَهم في ذلك له السلامةُ في الدُّنيا والآخرة، وأعداؤُهُ لهم الهلاك والعطبُ في الدُّنيا والآخرة. تم تفسير سورة الصافات في 6 شوال سنة 1343. على يد جامعِهِ وكاتبِهِ عبد الرحمن بن ناصر السعدي. وصلى الله على محمدٍ وسلم تسليماً. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

الصافات 37:168

{167 ـ 170} يخبرُ تعالى أنَّ هؤلاء المشركين يُظْهِرونَ التمنِّي ويقولون: لو جاءنا من الذِّكْرِ والكتبِ ما جاء الأولين؛ لأخْلَصْنا لله العبادة، بل لكنَّا المخلِصينَ على الحقيقةِ، وهم كَذَبَةٌ في ذلك؛ فقد جاءهم أفضلُ الكتب فكفروا به، فعُلِمَ أنَّهم متمرِّدونَ على الحقِّ. {فسوف يعلمونَ}: العذابَ حين يقعُ بهم. {171 ـ 179} ولا يحسبوا أيضاً أنَّهم في الدنيا غالبون، بل قد سَبَقَتْ كلمةُ الله التي لا مردَّ لها ولا مخالفَ لها لعبادِهِ المرسَلين وجندِهِ المفلِحين أنَّهم الغالبونَ لغيرِهِم المنصورون من ربِّهم نصراً عزيزاً يتمكَّنون فيه من إقامة دينهم. وهذه بشارةٌ عظيمةٌ لمن اتَّصف بأنَّه من جندِ الله؛ بأن كانت أحوالُهُ مستقيمةً، وقاتلَ مَنْ أمر بقتالهم أنه غالبٌ منصورٌ. ثم أمر رسولَه بالإعراض عَمَّنْ عاندوا ولم يَقْبَلوا الحقَّ، وأنَّه ما بقي إلاَّ انتظارُ ما يَحِلُّ بهم من العذاب، ولهذا قال:{وأبصرهم فسوفَ يُبۡصِرونَ}: مَنْ يَحِلُّ به النَّكالُ؛ فإنَّه سيحلُّ بهم. {فإذا نَزَلَ بساحتِهِم}؛ أي: نزل عليهم وقريباً منهم، {فساء صَباحُ المُنۡذَرينَ}؛ لأنَّه صباح الشرِّ والعقوبة والاستئصال. ثم كرَّر الأمر بالتولِّي عنهم وتهديدهم بوقوع العذاب. {180 ـ 182} ولما ذكر في هذه السورة كثيراً من أقوالهم الشنيعة التي وَصَفوه بها؛ نزَّهَ نفسَه عنها، فقال:{سبحانَ ربِّك}؛ أي: تنزَّه وتعالى، {ربِّ العزَّةِ}؛ أي: الذي عزَّ فقهر كلَّ شيء، واعتزَّ عن كل سوءٍ يصفونه به، {وسلامٌ على المرسلين}: لسلامتهم من الذُّنوب والآفات، وسلامة ما وصفوا به فاطر الأرض والسماوات. {والحمدُ لله ربِّ العالمين}: الألف واللام للاستغراق؛ فجميعُ أنواع الحمدِ من الصفاتِ الكاملةِ العظيمةِ والأفعالِ التي ربَّى بها العالمينَ وأدَرَّ عليهم فيها النِّعم وصَرَفَ عنهم بها النِّقَمَ ودَبَّرَهم تعالى في حَرَكاتِهِم وسكونِهِم وفي جميع أحوالِهِم كلِّها لله تعالى؛ فهو المقدَّسُ عن النقص، المحمودُ بكلِّ كمال، المحبوبُ المعظَّم، ورسلُهُ سالمون مسلَّم عليهم، ومن اتَّبَعَهم في ذلك له السلامةُ في الدُّنيا والآخرة، وأعداؤُهُ لهم الهلاك والعطبُ في الدُّنيا والآخرة. تم تفسير سورة الصافات في 6 شوال سنة 1343. على يد جامعِهِ وكاتبِهِ عبد الرحمن بن ناصر السعدي. وصلى الله على محمدٍ وسلم تسليماً. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

الصافات 37:169

{167 ـ 170} يخبرُ تعالى أنَّ هؤلاء المشركين يُظْهِرونَ التمنِّي ويقولون: لو جاءنا من الذِّكْرِ والكتبِ ما جاء الأولين؛ لأخْلَصْنا لله العبادة، بل لكنَّا المخلِصينَ على الحقيقةِ، وهم كَذَبَةٌ في ذلك؛ فقد جاءهم أفضلُ الكتب فكفروا به، فعُلِمَ أنَّهم متمرِّدونَ على الحقِّ. {فسوف يعلمونَ}: العذابَ حين يقعُ بهم. {171 ـ 179} ولا يحسبوا أيضاً أنَّهم في الدنيا غالبون، بل قد سَبَقَتْ كلمةُ الله التي لا مردَّ لها ولا مخالفَ لها لعبادِهِ المرسَلين وجندِهِ المفلِحين أنَّهم الغالبونَ لغيرِهِم المنصورون من ربِّهم نصراً عزيزاً يتمكَّنون فيه من إقامة دينهم. وهذه بشارةٌ عظيمةٌ لمن اتَّصف بأنَّه من جندِ الله؛ بأن كانت أحوالُهُ مستقيمةً، وقاتلَ مَنْ أمر بقتالهم أنه غالبٌ منصورٌ. ثم أمر رسولَه بالإعراض عَمَّنْ عاندوا ولم يَقْبَلوا الحقَّ، وأنَّه ما بقي إلاَّ انتظارُ ما يَحِلُّ بهم من العذاب، ولهذا قال:{وأبصرهم فسوفَ يُبۡصِرونَ}: مَنْ يَحِلُّ به النَّكالُ؛ فإنَّه سيحلُّ بهم. {فإذا نَزَلَ بساحتِهِم}؛ أي: نزل عليهم وقريباً منهم، {فساء صَباحُ المُنۡذَرينَ}؛ لأنَّه صباح الشرِّ والعقوبة والاستئصال. ثم كرَّر الأمر بالتولِّي عنهم وتهديدهم بوقوع العذاب. {180 ـ 182} ولما ذكر في هذه السورة كثيراً من أقوالهم الشنيعة التي وَصَفوه بها؛ نزَّهَ نفسَه عنها، فقال:{سبحانَ ربِّك}؛ أي: تنزَّه وتعالى، {ربِّ العزَّةِ}؛ أي: الذي عزَّ فقهر كلَّ شيء، واعتزَّ عن كل سوءٍ يصفونه به، {وسلامٌ على المرسلين}: لسلامتهم من الذُّنوب والآفات، وسلامة ما وصفوا به فاطر الأرض والسماوات. {والحمدُ لله ربِّ العالمين}: الألف واللام للاستغراق؛ فجميعُ أنواع الحمدِ من الصفاتِ الكاملةِ العظيمةِ والأفعالِ التي ربَّى بها العالمينَ وأدَرَّ عليهم فيها النِّعم وصَرَفَ عنهم بها النِّقَمَ ودَبَّرَهم تعالى في حَرَكاتِهِم وسكونِهِم وفي جميع أحوالِهِم كلِّها لله تعالى؛ فهو المقدَّسُ عن النقص، المحمودُ بكلِّ كمال، المحبوبُ المعظَّم، ورسلُهُ سالمون مسلَّم عليهم، ومن اتَّبَعَهم في ذلك له السلامةُ في الدُّنيا والآخرة، وأعداؤُهُ لهم الهلاك والعطبُ في الدُّنيا والآخرة. تم تفسير سورة الصافات في 6 شوال سنة 1343. على يد جامعِهِ وكاتبِهِ عبد الرحمن بن ناصر السعدي. وصلى الله على محمدٍ وسلم تسليماً. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

الصافات 37:170

{167 ـ 170} يخبرُ تعالى أنَّ هؤلاء المشركين يُظْهِرونَ التمنِّي ويقولون: لو جاءنا من الذِّكْرِ والكتبِ ما جاء الأولين؛ لأخْلَصْنا لله العبادة، بل لكنَّا المخلِصينَ على الحقيقةِ، وهم كَذَبَةٌ في ذلك؛ فقد جاءهم أفضلُ الكتب فكفروا به، فعُلِمَ أنَّهم متمرِّدونَ على الحقِّ. {فسوف يعلمونَ}: العذابَ حين يقعُ بهم. {171 ـ 179} ولا يحسبوا أيضاً أنَّهم في الدنيا غالبون، بل قد سَبَقَتْ كلمةُ الله التي لا مردَّ لها ولا مخالفَ لها لعبادِهِ المرسَلين وجندِهِ المفلِحين أنَّهم الغالبونَ لغيرِهِم المنصورون من ربِّهم نصراً عزيزاً يتمكَّنون فيه من إقامة دينهم. وهذه بشارةٌ عظيمةٌ لمن اتَّصف بأنَّه من جندِ الله؛ بأن كانت أحوالُهُ مستقيمةً، وقاتلَ مَنْ أمر بقتالهم أنه غالبٌ منصورٌ. ثم أمر رسولَه بالإعراض عَمَّنْ عاندوا ولم يَقْبَلوا الحقَّ، وأنَّه ما بقي إلاَّ انتظارُ ما يَحِلُّ بهم من العذاب، ولهذا قال:{وأبصرهم فسوفَ يُبۡصِرونَ}: مَنْ يَحِلُّ به النَّكالُ؛ فإنَّه سيحلُّ بهم. {فإذا نَزَلَ بساحتِهِم}؛ أي: نزل عليهم وقريباً منهم، {فساء صَباحُ المُنۡذَرينَ}؛ لأنَّه صباح الشرِّ والعقوبة والاستئصال. ثم كرَّر الأمر بالتولِّي عنهم وتهديدهم بوقوع العذاب. {180 ـ 182} ولما ذكر في هذه السورة كثيراً من أقوالهم الشنيعة التي وَصَفوه بها؛ نزَّهَ نفسَه عنها، فقال:{سبحانَ ربِّك}؛ أي: تنزَّه وتعالى، {ربِّ العزَّةِ}؛ أي: الذي عزَّ فقهر كلَّ شيء، واعتزَّ عن كل سوءٍ يصفونه به، {وسلامٌ على المرسلين}: لسلامتهم من الذُّنوب والآفات، وسلامة ما وصفوا به فاطر الأرض والسماوات. {والحمدُ لله ربِّ العالمين}: الألف واللام للاستغراق؛ فجميعُ أنواع الحمدِ من الصفاتِ الكاملةِ العظيمةِ والأفعالِ التي ربَّى بها العالمينَ وأدَرَّ عليهم فيها النِّعم وصَرَفَ عنهم بها النِّقَمَ ودَبَّرَهم تعالى في حَرَكاتِهِم وسكونِهِم وفي جميع أحوالِهِم كلِّها لله تعالى؛ فهو المقدَّسُ عن النقص، المحمودُ بكلِّ كمال، المحبوبُ المعظَّم، ورسلُهُ سالمون مسلَّم عليهم، ومن اتَّبَعَهم في ذلك له السلامةُ في الدُّنيا والآخرة، وأعداؤُهُ لهم الهلاك والعطبُ في الدُّنيا والآخرة. تم تفسير سورة الصافات في 6 شوال سنة 1343. على يد جامعِهِ وكاتبِهِ عبد الرحمن بن ناصر السعدي. وصلى الله على محمدٍ وسلم تسليماً. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

الصافات 37:171

{167 ـ 170} يخبرُ تعالى أنَّ هؤلاء المشركين يُظْهِرونَ التمنِّي ويقولون: لو جاءنا من الذِّكْرِ والكتبِ ما جاء الأولين؛ لأخْلَصْنا لله العبادة، بل لكنَّا المخلِصينَ على الحقيقةِ، وهم كَذَبَةٌ في ذلك؛ فقد جاءهم أفضلُ الكتب فكفروا به، فعُلِمَ أنَّهم متمرِّدونَ على الحقِّ. {فسوف يعلمونَ}: العذابَ حين يقعُ بهم. {171 ـ 179} ولا يحسبوا أيضاً أنَّهم في الدنيا غالبون، بل قد سَبَقَتْ كلمةُ الله التي لا مردَّ لها ولا مخالفَ لها لعبادِهِ المرسَلين وجندِهِ المفلِحين أنَّهم الغالبونَ لغيرِهِم المنصورون من ربِّهم نصراً عزيزاً يتمكَّنون فيه من إقامة دينهم. وهذه بشارةٌ عظيمةٌ لمن اتَّصف بأنَّه من جندِ الله؛ بأن كانت أحوالُهُ مستقيمةً، وقاتلَ مَنْ أمر بقتالهم أنه غالبٌ منصورٌ. ثم أمر رسولَه بالإعراض عَمَّنْ عاندوا ولم يَقْبَلوا الحقَّ، وأنَّه ما بقي إلاَّ انتظارُ ما يَحِلُّ بهم من العذاب، ولهذا قال:{وأبصرهم فسوفَ يُبۡصِرونَ}: مَنْ يَحِلُّ به النَّكالُ؛ فإنَّه سيحلُّ بهم. {فإذا نَزَلَ بساحتِهِم}؛ أي: نزل عليهم وقريباً منهم، {فساء صَباحُ المُنۡذَرينَ}؛ لأنَّه صباح الشرِّ والعقوبة والاستئصال. ثم كرَّر الأمر بالتولِّي عنهم وتهديدهم بوقوع العذاب. {180 ـ 182} ولما ذكر في هذه السورة كثيراً من أقوالهم الشنيعة التي وَصَفوه بها؛ نزَّهَ نفسَه عنها، فقال:{سبحانَ ربِّك}؛ أي: تنزَّه وتعالى، {ربِّ العزَّةِ}؛ أي: الذي عزَّ فقهر كلَّ شيء، واعتزَّ عن كل سوءٍ يصفونه به، {وسلامٌ على المرسلين}: لسلامتهم من الذُّنوب والآفات، وسلامة ما وصفوا به فاطر الأرض والسماوات. {والحمدُ لله ربِّ العالمين}: الألف واللام للاستغراق؛ فجميعُ أنواع الحمدِ من الصفاتِ الكاملةِ العظيمةِ والأفعالِ التي ربَّى بها العالمينَ وأدَرَّ عليهم فيها النِّعم وصَرَفَ عنهم بها النِّقَمَ ودَبَّرَهم تعالى في حَرَكاتِهِم وسكونِهِم وفي جميع أحوالِهِم كلِّها لله تعالى؛ فهو المقدَّسُ عن النقص، المحمودُ بكلِّ كمال، المحبوبُ المعظَّم، ورسلُهُ سالمون مسلَّم عليهم، ومن اتَّبَعَهم في ذلك له السلامةُ في الدُّنيا والآخرة، وأعداؤُهُ لهم الهلاك والعطبُ في الدُّنيا والآخرة. تم تفسير سورة الصافات في 6 شوال سنة 1343. على يد جامعِهِ وكاتبِهِ عبد الرحمن بن ناصر السعدي. وصلى الله على محمدٍ وسلم تسليماً. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

الصافات 37:172

{167 ـ 170} يخبرُ تعالى أنَّ هؤلاء المشركين يُظْهِرونَ التمنِّي ويقولون: لو جاءنا من الذِّكْرِ والكتبِ ما جاء الأولين؛ لأخْلَصْنا لله العبادة، بل لكنَّا المخلِصينَ على الحقيقةِ، وهم كَذَبَةٌ في ذلك؛ فقد جاءهم أفضلُ الكتب فكفروا به، فعُلِمَ أنَّهم متمرِّدونَ على الحقِّ. {فسوف يعلمونَ}: العذابَ حين يقعُ بهم. {171 ـ 179} ولا يحسبوا أيضاً أنَّهم في الدنيا غالبون، بل قد سَبَقَتْ كلمةُ الله التي لا مردَّ لها ولا مخالفَ لها لعبادِهِ المرسَلين وجندِهِ المفلِحين أنَّهم الغالبونَ لغيرِهِم المنصورون من ربِّهم نصراً عزيزاً يتمكَّنون فيه من إقامة دينهم. وهذه بشارةٌ عظيمةٌ لمن اتَّصف بأنَّه من جندِ الله؛ بأن كانت أحوالُهُ مستقيمةً، وقاتلَ مَنْ أمر بقتالهم أنه غالبٌ منصورٌ. ثم أمر رسولَه بالإعراض عَمَّنْ عاندوا ولم يَقْبَلوا الحقَّ، وأنَّه ما بقي إلاَّ انتظارُ ما يَحِلُّ بهم من العذاب، ولهذا قال:{وأبصرهم فسوفَ يُبۡصِرونَ}: مَنْ يَحِلُّ به النَّكالُ؛ فإنَّه سيحلُّ بهم. {فإذا نَزَلَ بساحتِهِم}؛ أي: نزل عليهم وقريباً منهم، {فساء صَباحُ المُنۡذَرينَ}؛ لأنَّه صباح الشرِّ والعقوبة والاستئصال. ثم كرَّر الأمر بالتولِّي عنهم وتهديدهم بوقوع العذاب. {180 ـ 182} ولما ذكر في هذه السورة كثيراً من أقوالهم الشنيعة التي وَصَفوه بها؛ نزَّهَ نفسَه عنها، فقال:{سبحانَ ربِّك}؛ أي: تنزَّه وتعالى، {ربِّ العزَّةِ}؛ أي: الذي عزَّ فقهر كلَّ شيء، واعتزَّ عن كل سوءٍ يصفونه به، {وسلامٌ على المرسلين}: لسلامتهم من الذُّنوب والآفات، وسلامة ما وصفوا به فاطر الأرض والسماوات. {والحمدُ لله ربِّ العالمين}: الألف واللام للاستغراق؛ فجميعُ أنواع الحمدِ من الصفاتِ الكاملةِ العظيمةِ والأفعالِ التي ربَّى بها العالمينَ وأدَرَّ عليهم فيها النِّعم وصَرَفَ عنهم بها النِّقَمَ ودَبَّرَهم تعالى في حَرَكاتِهِم وسكونِهِم وفي جميع أحوالِهِم كلِّها لله تعالى؛ فهو المقدَّسُ عن النقص، المحمودُ بكلِّ كمال، المحبوبُ المعظَّم، ورسلُهُ سالمون مسلَّم عليهم، ومن اتَّبَعَهم في ذلك له السلامةُ في الدُّنيا والآخرة، وأعداؤُهُ لهم الهلاك والعطبُ في الدُّنيا والآخرة. تم تفسير سورة الصافات في 6 شوال سنة 1343. على يد جامعِهِ وكاتبِهِ عبد الرحمن بن ناصر السعدي. وصلى الله على محمدٍ وسلم تسليماً. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

الصافات 37:173

{167 ـ 170} يخبرُ تعالى أنَّ هؤلاء المشركين يُظْهِرونَ التمنِّي ويقولون: لو جاءنا من الذِّكْرِ والكتبِ ما جاء الأولين؛ لأخْلَصْنا لله العبادة، بل لكنَّا المخلِصينَ على الحقيقةِ، وهم كَذَبَةٌ في ذلك؛ فقد جاءهم أفضلُ الكتب فكفروا به، فعُلِمَ أنَّهم متمرِّدونَ على الحقِّ. {فسوف يعلمونَ}: العذابَ حين يقعُ بهم. {171 ـ 179} ولا يحسبوا أيضاً أنَّهم في الدنيا غالبون، بل قد سَبَقَتْ كلمةُ الله التي لا مردَّ لها ولا مخالفَ لها لعبادِهِ المرسَلين وجندِهِ المفلِحين أنَّهم الغالبونَ لغيرِهِم المنصورون من ربِّهم نصراً عزيزاً يتمكَّنون فيه من إقامة دينهم. وهذه بشارةٌ عظيمةٌ لمن اتَّصف بأنَّه من جندِ الله؛ بأن كانت أحوالُهُ مستقيمةً، وقاتلَ مَنْ أمر بقتالهم أنه غالبٌ منصورٌ. ثم أمر رسولَه بالإعراض عَمَّنْ عاندوا ولم يَقْبَلوا الحقَّ، وأنَّه ما بقي إلاَّ انتظارُ ما يَحِلُّ بهم من العذاب، ولهذا قال:{وأبصرهم فسوفَ يُبۡصِرونَ}: مَنْ يَحِلُّ به النَّكالُ؛ فإنَّه سيحلُّ بهم. {فإذا نَزَلَ بساحتِهِم}؛ أي: نزل عليهم وقريباً منهم، {فساء صَباحُ المُنۡذَرينَ}؛ لأنَّه صباح الشرِّ والعقوبة والاستئصال. ثم كرَّر الأمر بالتولِّي عنهم وتهديدهم بوقوع العذاب. {180 ـ 182} ولما ذكر في هذه السورة كثيراً من أقوالهم الشنيعة التي وَصَفوه بها؛ نزَّهَ نفسَه عنها، فقال:{سبحانَ ربِّك}؛ أي: تنزَّه وتعالى، {ربِّ العزَّةِ}؛ أي: الذي عزَّ فقهر كلَّ شيء، واعتزَّ عن كل سوءٍ يصفونه به، {وسلامٌ على المرسلين}: لسلامتهم من الذُّنوب والآفات، وسلامة ما وصفوا به فاطر الأرض والسماوات. {والحمدُ لله ربِّ العالمين}: الألف واللام للاستغراق؛ فجميعُ أنواع الحمدِ من الصفاتِ الكاملةِ العظيمةِ والأفعالِ التي ربَّى بها العالمينَ وأدَرَّ عليهم فيها النِّعم وصَرَفَ عنهم بها النِّقَمَ ودَبَّرَهم تعالى في حَرَكاتِهِم وسكونِهِم وفي جميع أحوالِهِم كلِّها لله تعالى؛ فهو المقدَّسُ عن النقص، المحمودُ بكلِّ كمال، المحبوبُ المعظَّم، ورسلُهُ سالمون مسلَّم عليهم، ومن اتَّبَعَهم في ذلك له السلامةُ في الدُّنيا والآخرة، وأعداؤُهُ لهم الهلاك والعطبُ في الدُّنيا والآخرة. تم تفسير سورة الصافات في 6 شوال سنة 1343. على يد جامعِهِ وكاتبِهِ عبد الرحمن بن ناصر السعدي. وصلى الله على محمدٍ وسلم تسليماً. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

الصافات 37:174

{167 ـ 170} يخبرُ تعالى أنَّ هؤلاء المشركين يُظْهِرونَ التمنِّي ويقولون: لو جاءنا من الذِّكْرِ والكتبِ ما جاء الأولين؛ لأخْلَصْنا لله العبادة، بل لكنَّا المخلِصينَ على الحقيقةِ، وهم كَذَبَةٌ في ذلك؛ فقد جاءهم أفضلُ الكتب فكفروا به، فعُلِمَ أنَّهم متمرِّدونَ على الحقِّ. {فسوف يعلمونَ}: العذابَ حين يقعُ بهم. {171 ـ 179} ولا يحسبوا أيضاً أنَّهم في الدنيا غالبون، بل قد سَبَقَتْ كلمةُ الله التي لا مردَّ لها ولا مخالفَ لها لعبادِهِ المرسَلين وجندِهِ المفلِحين أنَّهم الغالبونَ لغيرِهِم المنصورون من ربِّهم نصراً عزيزاً يتمكَّنون فيه من إقامة دينهم. وهذه بشارةٌ عظيمةٌ لمن اتَّصف بأنَّه من جندِ الله؛ بأن كانت أحوالُهُ مستقيمةً، وقاتلَ مَنْ أمر بقتالهم أنه غالبٌ منصورٌ. ثم أمر رسولَه بالإعراض عَمَّنْ عاندوا ولم يَقْبَلوا الحقَّ، وأنَّه ما بقي إلاَّ انتظارُ ما يَحِلُّ بهم من العذاب، ولهذا قال:{وأبصرهم فسوفَ يُبۡصِرونَ}: مَنْ يَحِلُّ به النَّكالُ؛ فإنَّه سيحلُّ بهم. {فإذا نَزَلَ بساحتِهِم}؛ أي: نزل عليهم وقريباً منهم، {فساء صَباحُ المُنۡذَرينَ}؛ لأنَّه صباح الشرِّ والعقوبة والاستئصال. ثم كرَّر الأمر بالتولِّي عنهم وتهديدهم بوقوع العذاب. {180 ـ 182} ولما ذكر في هذه السورة كثيراً من أقوالهم الشنيعة التي وَصَفوه بها؛ نزَّهَ نفسَه عنها، فقال:{سبحانَ ربِّك}؛ أي: تنزَّه وتعالى، {ربِّ العزَّةِ}؛ أي: الذي عزَّ فقهر كلَّ شيء، واعتزَّ عن كل سوءٍ يصفونه به، {وسلامٌ على المرسلين}: لسلامتهم من الذُّنوب والآفات، وسلامة ما وصفوا به فاطر الأرض والسماوات. {والحمدُ لله ربِّ العالمين}: الألف واللام للاستغراق؛ فجميعُ أنواع الحمدِ من الصفاتِ الكاملةِ العظيمةِ والأفعالِ التي ربَّى بها العالمينَ وأدَرَّ عليهم فيها النِّعم وصَرَفَ عنهم بها النِّقَمَ ودَبَّرَهم تعالى في حَرَكاتِهِم وسكونِهِم وفي جميع أحوالِهِم كلِّها لله تعالى؛ فهو المقدَّسُ عن النقص، المحمودُ بكلِّ كمال، المحبوبُ المعظَّم، ورسلُهُ سالمون مسلَّم عليهم، ومن اتَّبَعَهم في ذلك له السلامةُ في الدُّنيا والآخرة، وأعداؤُهُ لهم الهلاك والعطبُ في الدُّنيا والآخرة. تم تفسير سورة الصافات في 6 شوال سنة 1343. على يد جامعِهِ وكاتبِهِ عبد الرحمن بن ناصر السعدي. وصلى الله على محمدٍ وسلم تسليماً. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

الصافات 37:175

{167 ـ 170} يخبرُ تعالى أنَّ هؤلاء المشركين يُظْهِرونَ التمنِّي ويقولون: لو جاءنا من الذِّكْرِ والكتبِ ما جاء الأولين؛ لأخْلَصْنا لله العبادة، بل لكنَّا المخلِصينَ على الحقيقةِ، وهم كَذَبَةٌ في ذلك؛ فقد جاءهم أفضلُ الكتب فكفروا به، فعُلِمَ أنَّهم متمرِّدونَ على الحقِّ. {فسوف يعلمونَ}: العذابَ حين يقعُ بهم. {171 ـ 179} ولا يحسبوا أيضاً أنَّهم في الدنيا غالبون، بل قد سَبَقَتْ كلمةُ الله التي لا مردَّ لها ولا مخالفَ لها لعبادِهِ المرسَلين وجندِهِ المفلِحين أنَّهم الغالبونَ لغيرِهِم المنصورون من ربِّهم نصراً عزيزاً يتمكَّنون فيه من إقامة دينهم. وهذه بشارةٌ عظيمةٌ لمن اتَّصف بأنَّه من جندِ الله؛ بأن كانت أحوالُهُ مستقيمةً، وقاتلَ مَنْ أمر بقتالهم أنه غالبٌ منصورٌ. ثم أمر رسولَه بالإعراض عَمَّنْ عاندوا ولم يَقْبَلوا الحقَّ، وأنَّه ما بقي إلاَّ انتظارُ ما يَحِلُّ بهم من العذاب، ولهذا قال:{وأبصرهم فسوفَ يُبۡصِرونَ}: مَنْ يَحِلُّ به النَّكالُ؛ فإنَّه سيحلُّ بهم. {فإذا نَزَلَ بساحتِهِم}؛ أي: نزل عليهم وقريباً منهم، {فساء صَباحُ المُنۡذَرينَ}؛ لأنَّه صباح الشرِّ والعقوبة والاستئصال. ثم كرَّر الأمر بالتولِّي عنهم وتهديدهم بوقوع العذاب. {180 ـ 182} ولما ذكر في هذه السورة كثيراً من أقوالهم الشنيعة التي وَصَفوه بها؛ نزَّهَ نفسَه عنها، فقال:{سبحانَ ربِّك}؛ أي: تنزَّه وتعالى، {ربِّ العزَّةِ}؛ أي: الذي عزَّ فقهر كلَّ شيء، واعتزَّ عن كل سوءٍ يصفونه به، {وسلامٌ على المرسلين}: لسلامتهم من الذُّنوب والآفات، وسلامة ما وصفوا به فاطر الأرض والسماوات. {والحمدُ لله ربِّ العالمين}: الألف واللام للاستغراق؛ فجميعُ أنواع الحمدِ من الصفاتِ الكاملةِ العظيمةِ والأفعالِ التي ربَّى بها العالمينَ وأدَرَّ عليهم فيها النِّعم وصَرَفَ عنهم بها النِّقَمَ ودَبَّرَهم تعالى في حَرَكاتِهِم وسكونِهِم وفي جميع أحوالِهِم كلِّها لله تعالى؛ فهو المقدَّسُ عن النقص، المحمودُ بكلِّ كمال، المحبوبُ المعظَّم، ورسلُهُ سالمون مسلَّم عليهم، ومن اتَّبَعَهم في ذلك له السلامةُ في الدُّنيا والآخرة، وأعداؤُهُ لهم الهلاك والعطبُ في الدُّنيا والآخرة. تم تفسير سورة الصافات في 6 شوال سنة 1343. على يد جامعِهِ وكاتبِهِ عبد الرحمن بن ناصر السعدي. وصلى الله على محمدٍ وسلم تسليماً. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

الصافات 37:176

{167 ـ 170} يخبرُ تعالى أنَّ هؤلاء المشركين يُظْهِرونَ التمنِّي ويقولون: لو جاءنا من الذِّكْرِ والكتبِ ما جاء الأولين؛ لأخْلَصْنا لله العبادة، بل لكنَّا المخلِصينَ على الحقيقةِ، وهم كَذَبَةٌ في ذلك؛ فقد جاءهم أفضلُ الكتب فكفروا به، فعُلِمَ أنَّهم متمرِّدونَ على الحقِّ. {فسوف يعلمونَ}: العذابَ حين يقعُ بهم. {171 ـ 179} ولا يحسبوا أيضاً أنَّهم في الدنيا غالبون، بل قد سَبَقَتْ كلمةُ الله التي لا مردَّ لها ولا مخالفَ لها لعبادِهِ المرسَلين وجندِهِ المفلِحين أنَّهم الغالبونَ لغيرِهِم المنصورون من ربِّهم نصراً عزيزاً يتمكَّنون فيه من إقامة دينهم. وهذه بشارةٌ عظيمةٌ لمن اتَّصف بأنَّه من جندِ الله؛ بأن كانت أحوالُهُ مستقيمةً، وقاتلَ مَنْ أمر بقتالهم أنه غالبٌ منصورٌ. ثم أمر رسولَه بالإعراض عَمَّنْ عاندوا ولم يَقْبَلوا الحقَّ، وأنَّه ما بقي إلاَّ انتظارُ ما يَحِلُّ بهم من العذاب، ولهذا قال:{وأبصرهم فسوفَ يُبۡصِرونَ}: مَنْ يَحِلُّ به النَّكالُ؛ فإنَّه سيحلُّ بهم. {فإذا نَزَلَ بساحتِهِم}؛ أي: نزل عليهم وقريباً منهم، {فساء صَباحُ المُنۡذَرينَ}؛ لأنَّه صباح الشرِّ والعقوبة والاستئصال. ثم كرَّر الأمر بالتولِّي عنهم وتهديدهم بوقوع العذاب. {180 ـ 182} ولما ذكر في هذه السورة كثيراً من أقوالهم الشنيعة التي وَصَفوه بها؛ نزَّهَ نفسَه عنها، فقال:{سبحانَ ربِّك}؛ أي: تنزَّه وتعالى، {ربِّ العزَّةِ}؛ أي: الذي عزَّ فقهر كلَّ شيء، واعتزَّ عن كل سوءٍ يصفونه به، {وسلامٌ على المرسلين}: لسلامتهم من الذُّنوب والآفات، وسلامة ما وصفوا به فاطر الأرض والسماوات. {والحمدُ لله ربِّ العالمين}: الألف واللام للاستغراق؛ فجميعُ أنواع الحمدِ من الصفاتِ الكاملةِ العظيمةِ والأفعالِ التي ربَّى بها العالمينَ وأدَرَّ عليهم فيها النِّعم وصَرَفَ عنهم بها النِّقَمَ ودَبَّرَهم تعالى في حَرَكاتِهِم وسكونِهِم وفي جميع أحوالِهِم كلِّها لله تعالى؛ فهو المقدَّسُ عن النقص، المحمودُ بكلِّ كمال، المحبوبُ المعظَّم، ورسلُهُ سالمون مسلَّم عليهم، ومن اتَّبَعَهم في ذلك له السلامةُ في الدُّنيا والآخرة، وأعداؤُهُ لهم الهلاك والعطبُ في الدُّنيا والآخرة. تم تفسير سورة الصافات في 6 شوال سنة 1343. على يد جامعِهِ وكاتبِهِ عبد الرحمن بن ناصر السعدي. وصلى الله على محمدٍ وسلم تسليماً. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

الصافات 37:177

{167 ـ 170} يخبرُ تعالى أنَّ هؤلاء المشركين يُظْهِرونَ التمنِّي ويقولون: لو جاءنا من الذِّكْرِ والكتبِ ما جاء الأولين؛ لأخْلَصْنا لله العبادة، بل لكنَّا المخلِصينَ على الحقيقةِ، وهم كَذَبَةٌ في ذلك؛ فقد جاءهم أفضلُ الكتب فكفروا به، فعُلِمَ أنَّهم متمرِّدونَ على الحقِّ. {فسوف يعلمونَ}: العذابَ حين يقعُ بهم. {171 ـ 179} ولا يحسبوا أيضاً أنَّهم في الدنيا غالبون، بل قد سَبَقَتْ كلمةُ الله التي لا مردَّ لها ولا مخالفَ لها لعبادِهِ المرسَلين وجندِهِ المفلِحين أنَّهم الغالبونَ لغيرِهِم المنصورون من ربِّهم نصراً عزيزاً يتمكَّنون فيه من إقامة دينهم. وهذه بشارةٌ عظيمةٌ لمن اتَّصف بأنَّه من جندِ الله؛ بأن كانت أحوالُهُ مستقيمةً، وقاتلَ مَنْ أمر بقتالهم أنه غالبٌ منصورٌ. ثم أمر رسولَه بالإعراض عَمَّنْ عاندوا ولم يَقْبَلوا الحقَّ، وأنَّه ما بقي إلاَّ انتظارُ ما يَحِلُّ بهم من العذاب، ولهذا قال:{وأبصرهم فسوفَ يُبۡصِرونَ}: مَنْ يَحِلُّ به النَّكالُ؛ فإنَّه سيحلُّ بهم. {فإذا نَزَلَ بساحتِهِم}؛ أي: نزل عليهم وقريباً منهم، {فساء صَباحُ المُنۡذَرينَ}؛ لأنَّه صباح الشرِّ والعقوبة والاستئصال. ثم كرَّر الأمر بالتولِّي عنهم وتهديدهم بوقوع العذاب. {180 ـ 182} ولما ذكر في هذه السورة كثيراً من أقوالهم الشنيعة التي وَصَفوه بها؛ نزَّهَ نفسَه عنها، فقال:{سبحانَ ربِّك}؛ أي: تنزَّه وتعالى، {ربِّ العزَّةِ}؛ أي: الذي عزَّ فقهر كلَّ شيء، واعتزَّ عن كل سوءٍ يصفونه به، {وسلامٌ على المرسلين}: لسلامتهم من الذُّنوب والآفات، وسلامة ما وصفوا به فاطر الأرض والسماوات. {والحمدُ لله ربِّ العالمين}: الألف واللام للاستغراق؛ فجميعُ أنواع الحمدِ من الصفاتِ الكاملةِ العظيمةِ والأفعالِ التي ربَّى بها العالمينَ وأدَرَّ عليهم فيها النِّعم وصَرَفَ عنهم بها النِّقَمَ ودَبَّرَهم تعالى في حَرَكاتِهِم وسكونِهِم وفي جميع أحوالِهِم كلِّها لله تعالى؛ فهو المقدَّسُ عن النقص، المحمودُ بكلِّ كمال، المحبوبُ المعظَّم، ورسلُهُ سالمون مسلَّم عليهم، ومن اتَّبَعَهم في ذلك له السلامةُ في الدُّنيا والآخرة، وأعداؤُهُ لهم الهلاك والعطبُ في الدُّنيا والآخرة. تم تفسير سورة الصافات في 6 شوال سنة 1343. على يد جامعِهِ وكاتبِهِ عبد الرحمن بن ناصر السعدي. وصلى الله على محمدٍ وسلم تسليماً. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

الصافات 37:178

{167 ـ 170} يخبرُ تعالى أنَّ هؤلاء المشركين يُظْهِرونَ التمنِّي ويقولون: لو جاءنا من الذِّكْرِ والكتبِ ما جاء الأولين؛ لأخْلَصْنا لله العبادة، بل لكنَّا المخلِصينَ على الحقيقةِ، وهم كَذَبَةٌ في ذلك؛ فقد جاءهم أفضلُ الكتب فكفروا به، فعُلِمَ أنَّهم متمرِّدونَ على الحقِّ. {فسوف يعلمونَ}: العذابَ حين يقعُ بهم. {171 ـ 179} ولا يحسبوا أيضاً أنَّهم في الدنيا غالبون، بل قد سَبَقَتْ كلمةُ الله التي لا مردَّ لها ولا مخالفَ لها لعبادِهِ المرسَلين وجندِهِ المفلِحين أنَّهم الغالبونَ لغيرِهِم المنصورون من ربِّهم نصراً عزيزاً يتمكَّنون فيه من إقامة دينهم. وهذه بشارةٌ عظيمةٌ لمن اتَّصف بأنَّه من جندِ الله؛ بأن كانت أحوالُهُ مستقيمةً، وقاتلَ مَنْ أمر بقتالهم أنه غالبٌ منصورٌ. ثم أمر رسولَه بالإعراض عَمَّنْ عاندوا ولم يَقْبَلوا الحقَّ، وأنَّه ما بقي إلاَّ انتظارُ ما يَحِلُّ بهم من العذاب، ولهذا قال:{وأبصرهم فسوفَ يُبۡصِرونَ}: مَنْ يَحِلُّ به النَّكالُ؛ فإنَّه سيحلُّ بهم. {فإذا نَزَلَ بساحتِهِم}؛ أي: نزل عليهم وقريباً منهم، {فساء صَباحُ المُنۡذَرينَ}؛ لأنَّه صباح الشرِّ والعقوبة والاستئصال. ثم كرَّر الأمر بالتولِّي عنهم وتهديدهم بوقوع العذاب. {180 ـ 182} ولما ذكر في هذه السورة كثيراً من أقوالهم الشنيعة التي وَصَفوه بها؛ نزَّهَ نفسَه عنها، فقال:{سبحانَ ربِّك}؛ أي: تنزَّه وتعالى، {ربِّ العزَّةِ}؛ أي: الذي عزَّ فقهر كلَّ شيء، واعتزَّ عن كل سوءٍ يصفونه به، {وسلامٌ على المرسلين}: لسلامتهم من الذُّنوب والآفات، وسلامة ما وصفوا به فاطر الأرض والسماوات. {والحمدُ لله ربِّ العالمين}: الألف واللام للاستغراق؛ فجميعُ أنواع الحمدِ من الصفاتِ الكاملةِ العظيمةِ والأفعالِ التي ربَّى بها العالمينَ وأدَرَّ عليهم فيها النِّعم وصَرَفَ عنهم بها النِّقَمَ ودَبَّرَهم تعالى في حَرَكاتِهِم وسكونِهِم وفي جميع أحوالِهِم كلِّها لله تعالى؛ فهو المقدَّسُ عن النقص، المحمودُ بكلِّ كمال، المحبوبُ المعظَّم، ورسلُهُ سالمون مسلَّم عليهم، ومن اتَّبَعَهم في ذلك له السلامةُ في الدُّنيا والآخرة، وأعداؤُهُ لهم الهلاك والعطبُ في الدُّنيا والآخرة. تم تفسير سورة الصافات في 6 شوال سنة 1343. على يد جامعِهِ وكاتبِهِ عبد الرحمن بن ناصر السعدي. وصلى الله على محمدٍ وسلم تسليماً. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

الصافات 37:179

{167 ـ 170} يخبرُ تعالى أنَّ هؤلاء المشركين يُظْهِرونَ التمنِّي ويقولون: لو جاءنا من الذِّكْرِ والكتبِ ما جاء الأولين؛ لأخْلَصْنا لله العبادة، بل لكنَّا المخلِصينَ على الحقيقةِ، وهم كَذَبَةٌ في ذلك؛ فقد جاءهم أفضلُ الكتب فكفروا به، فعُلِمَ أنَّهم متمرِّدونَ على الحقِّ. {فسوف يعلمونَ}: العذابَ حين يقعُ بهم. {171 ـ 179} ولا يحسبوا أيضاً أنَّهم في الدنيا غالبون، بل قد سَبَقَتْ كلمةُ الله التي لا مردَّ لها ولا مخالفَ لها لعبادِهِ المرسَلين وجندِهِ المفلِحين أنَّهم الغالبونَ لغيرِهِم المنصورون من ربِّهم نصراً عزيزاً يتمكَّنون فيه من إقامة دينهم. وهذه بشارةٌ عظيمةٌ لمن اتَّصف بأنَّه من جندِ الله؛ بأن كانت أحوالُهُ مستقيمةً، وقاتلَ مَنْ أمر بقتالهم أنه غالبٌ منصورٌ. ثم أمر رسولَه بالإعراض عَمَّنْ عاندوا ولم يَقْبَلوا الحقَّ، وأنَّه ما بقي إلاَّ انتظارُ ما يَحِلُّ بهم من العذاب، ولهذا قال:{وأبصرهم فسوفَ يُبۡصِرونَ}: مَنْ يَحِلُّ به النَّكالُ؛ فإنَّه سيحلُّ بهم. {فإذا نَزَلَ بساحتِهِم}؛ أي: نزل عليهم وقريباً منهم، {فساء صَباحُ المُنۡذَرينَ}؛ لأنَّه صباح الشرِّ والعقوبة والاستئصال. ثم كرَّر الأمر بالتولِّي عنهم وتهديدهم بوقوع العذاب. {180 ـ 182} ولما ذكر في هذه السورة كثيراً من أقوالهم الشنيعة التي وَصَفوه بها؛ نزَّهَ نفسَه عنها، فقال:{سبحانَ ربِّك}؛ أي: تنزَّه وتعالى، {ربِّ العزَّةِ}؛ أي: الذي عزَّ فقهر كلَّ شيء، واعتزَّ عن كل سوءٍ يصفونه به، {وسلامٌ على المرسلين}: لسلامتهم من الذُّنوب والآفات، وسلامة ما وصفوا به فاطر الأرض والسماوات. {والحمدُ لله ربِّ العالمين}: الألف واللام للاستغراق؛ فجميعُ أنواع الحمدِ من الصفاتِ الكاملةِ العظيمةِ والأفعالِ التي ربَّى بها العالمينَ وأدَرَّ عليهم فيها النِّعم وصَرَفَ عنهم بها النِّقَمَ ودَبَّرَهم تعالى في حَرَكاتِهِم وسكونِهِم وفي جميع أحوالِهِم كلِّها لله تعالى؛ فهو المقدَّسُ عن النقص، المحمودُ بكلِّ كمال، المحبوبُ المعظَّم، ورسلُهُ سالمون مسلَّم عليهم، ومن اتَّبَعَهم في ذلك له السلامةُ في الدُّنيا والآخرة، وأعداؤُهُ لهم الهلاك والعطبُ في الدُّنيا والآخرة. تم تفسير سورة الصافات في 6 شوال سنة 1343. على يد جامعِهِ وكاتبِهِ عبد الرحمن بن ناصر السعدي. وصلى الله على محمدٍ وسلم تسليماً. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

الصافات 37:180

{167 ـ 170} يخبرُ تعالى أنَّ هؤلاء المشركين يُظْهِرونَ التمنِّي ويقولون: لو جاءنا من الذِّكْرِ والكتبِ ما جاء الأولين؛ لأخْلَصْنا لله العبادة، بل لكنَّا المخلِصينَ على الحقيقةِ، وهم كَذَبَةٌ في ذلك؛ فقد جاءهم أفضلُ الكتب فكفروا به، فعُلِمَ أنَّهم متمرِّدونَ على الحقِّ. {فسوف يعلمونَ}: العذابَ حين يقعُ بهم. {171 ـ 179} ولا يحسبوا أيضاً أنَّهم في الدنيا غالبون، بل قد سَبَقَتْ كلمةُ الله التي لا مردَّ لها ولا مخالفَ لها لعبادِهِ المرسَلين وجندِهِ المفلِحين أنَّهم الغالبونَ لغيرِهِم المنصورون من ربِّهم نصراً عزيزاً يتمكَّنون فيه من إقامة دينهم. وهذه بشارةٌ عظيمةٌ لمن اتَّصف بأنَّه من جندِ الله؛ بأن كانت أحوالُهُ مستقيمةً، وقاتلَ مَنْ أمر بقتالهم أنه غالبٌ منصورٌ. ثم أمر رسولَه بالإعراض عَمَّنْ عاندوا ولم يَقْبَلوا الحقَّ، وأنَّه ما بقي إلاَّ انتظارُ ما يَحِلُّ بهم من العذاب، ولهذا قال:{وأبصرهم فسوفَ يُبۡصِرونَ}: مَنْ يَحِلُّ به النَّكالُ؛ فإنَّه سيحلُّ بهم. {فإذا نَزَلَ بساحتِهِم}؛ أي: نزل عليهم وقريباً منهم، {فساء صَباحُ المُنۡذَرينَ}؛ لأنَّه صباح الشرِّ والعقوبة والاستئصال. ثم كرَّر الأمر بالتولِّي عنهم وتهديدهم بوقوع العذاب. {180 ـ 182} ولما ذكر في هذه السورة كثيراً من أقوالهم الشنيعة التي وَصَفوه بها؛ نزَّهَ نفسَه عنها، فقال:{سبحانَ ربِّك}؛ أي: تنزَّه وتعالى، {ربِّ العزَّةِ}؛ أي: الذي عزَّ فقهر كلَّ شيء، واعتزَّ عن كل سوءٍ يصفونه به، {وسلامٌ على المرسلين}: لسلامتهم من الذُّنوب والآفات، وسلامة ما وصفوا به فاطر الأرض والسماوات. {والحمدُ لله ربِّ العالمين}: الألف واللام للاستغراق؛ فجميعُ أنواع الحمدِ من الصفاتِ الكاملةِ العظيمةِ والأفعالِ التي ربَّى بها العالمينَ وأدَرَّ عليهم فيها النِّعم وصَرَفَ عنهم بها النِّقَمَ ودَبَّرَهم تعالى في حَرَكاتِهِم وسكونِهِم وفي جميع أحوالِهِم كلِّها لله تعالى؛ فهو المقدَّسُ عن النقص، المحمودُ بكلِّ كمال، المحبوبُ المعظَّم، ورسلُهُ سالمون مسلَّم عليهم، ومن اتَّبَعَهم في ذلك له السلامةُ في الدُّنيا والآخرة، وأعداؤُهُ لهم الهلاك والعطبُ في الدُّنيا والآخرة. تم تفسير سورة الصافات في 6 شوال سنة 1343. على يد جامعِهِ وكاتبِهِ عبد الرحمن بن ناصر السعدي. وصلى الله على محمدٍ وسلم تسليماً. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

الصافات 37:181

{167 ـ 170} يخبرُ تعالى أنَّ هؤلاء المشركين يُظْهِرونَ التمنِّي ويقولون: لو جاءنا من الذِّكْرِ والكتبِ ما جاء الأولين؛ لأخْلَصْنا لله العبادة، بل لكنَّا المخلِصينَ على الحقيقةِ، وهم كَذَبَةٌ في ذلك؛ فقد جاءهم أفضلُ الكتب فكفروا به، فعُلِمَ أنَّهم متمرِّدونَ على الحقِّ. {فسوف يعلمونَ}: العذابَ حين يقعُ بهم. {171 ـ 179} ولا يحسبوا أيضاً أنَّهم في الدنيا غالبون، بل قد سَبَقَتْ كلمةُ الله التي لا مردَّ لها ولا مخالفَ لها لعبادِهِ المرسَلين وجندِهِ المفلِحين أنَّهم الغالبونَ لغيرِهِم المنصورون من ربِّهم نصراً عزيزاً يتمكَّنون فيه من إقامة دينهم. وهذه بشارةٌ عظيمةٌ لمن اتَّصف بأنَّه من جندِ الله؛ بأن كانت أحوالُهُ مستقيمةً، وقاتلَ مَنْ أمر بقتالهم أنه غالبٌ منصورٌ. ثم أمر رسولَه بالإعراض عَمَّنْ عاندوا ولم يَقْبَلوا الحقَّ، وأنَّه ما بقي إلاَّ انتظارُ ما يَحِلُّ بهم من العذاب، ولهذا قال:{وأبصرهم فسوفَ يُبۡصِرونَ}: مَنْ يَحِلُّ به النَّكالُ؛ فإنَّه سيحلُّ بهم. {فإذا نَزَلَ بساحتِهِم}؛ أي: نزل عليهم وقريباً منهم، {فساء صَباحُ المُنۡذَرينَ}؛ لأنَّه صباح الشرِّ والعقوبة والاستئصال. ثم كرَّر الأمر بالتولِّي عنهم وتهديدهم بوقوع العذاب. {180 ـ 182} ولما ذكر في هذه السورة كثيراً من أقوالهم الشنيعة التي وَصَفوه بها؛ نزَّهَ نفسَه عنها، فقال:{سبحانَ ربِّك}؛ أي: تنزَّه وتعالى، {ربِّ العزَّةِ}؛ أي: الذي عزَّ فقهر كلَّ شيء، واعتزَّ عن كل سوءٍ يصفونه به، {وسلامٌ على المرسلين}: لسلامتهم من الذُّنوب والآفات، وسلامة ما وصفوا به فاطر الأرض والسماوات. {والحمدُ لله ربِّ العالمين}: الألف واللام للاستغراق؛ فجميعُ أنواع الحمدِ من الصفاتِ الكاملةِ العظيمةِ والأفعالِ التي ربَّى بها العالمينَ وأدَرَّ عليهم فيها النِّعم وصَرَفَ عنهم بها النِّقَمَ ودَبَّرَهم تعالى في حَرَكاتِهِم وسكونِهِم وفي جميع أحوالِهِم كلِّها لله تعالى؛ فهو المقدَّسُ عن النقص، المحمودُ بكلِّ كمال، المحبوبُ المعظَّم، ورسلُهُ سالمون مسلَّم عليهم، ومن اتَّبَعَهم في ذلك له السلامةُ في الدُّنيا والآخرة، وأعداؤُهُ لهم الهلاك والعطبُ في الدُّنيا والآخرة. تم تفسير سورة الصافات في 6 شوال سنة 1343. على يد جامعِهِ وكاتبِهِ عبد الرحمن بن ناصر السعدي. وصلى الله على محمدٍ وسلم تسليماً. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

الصافات 37:182

{167 ـ 170} يخبرُ تعالى أنَّ هؤلاء المشركين يُظْهِرونَ التمنِّي ويقولون: لو جاءنا من الذِّكْرِ والكتبِ ما جاء الأولين؛ لأخْلَصْنا لله العبادة، بل لكنَّا المخلِصينَ على الحقيقةِ، وهم كَذَبَةٌ في ذلك؛ فقد جاءهم أفضلُ الكتب فكفروا به، فعُلِمَ أنَّهم متمرِّدونَ على الحقِّ. {فسوف يعلمونَ}: العذابَ حين يقعُ بهم. {171 ـ 179} ولا يحسبوا أيضاً أنَّهم في الدنيا غالبون، بل قد سَبَقَتْ كلمةُ الله التي لا مردَّ لها ولا مخالفَ لها لعبادِهِ المرسَلين وجندِهِ المفلِحين أنَّهم الغالبونَ لغيرِهِم المنصورون من ربِّهم نصراً عزيزاً يتمكَّنون فيه من إقامة دينهم. وهذه بشارةٌ عظيمةٌ لمن اتَّصف بأنَّه من جندِ الله؛ بأن كانت أحوالُهُ مستقيمةً، وقاتلَ مَنْ أمر بقتالهم أنه غالبٌ منصورٌ. ثم أمر رسولَه بالإعراض عَمَّنْ عاندوا ولم يَقْبَلوا الحقَّ، وأنَّه ما بقي إلاَّ انتظارُ ما يَحِلُّ بهم من العذاب، ولهذا قال:{وأبصرهم فسوفَ يُبۡصِرونَ}: مَنْ يَحِلُّ به النَّكالُ؛ فإنَّه سيحلُّ بهم. {فإذا نَزَلَ بساحتِهِم}؛ أي: نزل عليهم وقريباً منهم، {فساء صَباحُ المُنۡذَرينَ}؛ لأنَّه صباح الشرِّ والعقوبة والاستئصال. ثم كرَّر الأمر بالتولِّي عنهم وتهديدهم بوقوع العذاب. {180 ـ 182} ولما ذكر في هذه السورة كثيراً من أقوالهم الشنيعة التي وَصَفوه بها؛ نزَّهَ نفسَه عنها، فقال:{سبحانَ ربِّك}؛ أي: تنزَّه وتعالى، {ربِّ العزَّةِ}؛ أي: الذي عزَّ فقهر كلَّ شيء، واعتزَّ عن كل سوءٍ يصفونه به، {وسلامٌ على المرسلين}: لسلامتهم من الذُّنوب والآفات، وسلامة ما وصفوا به فاطر الأرض والسماوات. {والحمدُ لله ربِّ العالمين}: الألف واللام للاستغراق؛ فجميعُ أنواع الحمدِ من الصفاتِ الكاملةِ العظيمةِ والأفعالِ التي ربَّى بها العالمينَ وأدَرَّ عليهم فيها النِّعم وصَرَفَ عنهم بها النِّقَمَ ودَبَّرَهم تعالى في حَرَكاتِهِم وسكونِهِم وفي جميع أحوالِهِم كلِّها لله تعالى؛ فهو المقدَّسُ عن النقص، المحمودُ بكلِّ كمال، المحبوبُ المعظَّم، ورسلُهُ سالمون مسلَّم عليهم، ومن اتَّبَعَهم في ذلك له السلامةُ في الدُّنيا والآخرة، وأعداؤُهُ لهم الهلاك والعطبُ في الدُّنيا والآخرة. تم تفسير سورة الصافات في 6 شوال سنة 1343. على يد جامعِهِ وكاتبِهِ عبد الرحمن بن ناصر السعدي. وصلى الله على محمدٍ وسلم تسليماً. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

ص 38:1

المجلد السابع من تيسير الكريم المنان في تفسير آيات القرآن لجامعه عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله السعدي غفر الله له ولوالديه وجميع المسلمين وهي مكية {1} هذا بيانٌ من الله تعالى لحال القرآن وحال المكذِّبين به معه ومع من جاء به، فقال:{ص والقرآنِ ذي الذِّكۡرِ}؛ أي: ذي القَدْر العظيم والشرف، المذكِّر للعباد كلَّ ما يحتاجون إليه من العلم بأسماء الله وصفاته وأفعاله، ومن العلم بأحكام الله الشرعية، ومن العلم بأحكام المعاد والجزاء؛ فهو مذكِّرٌ لهم في أصول دينهم وفروعه. وهنا لا يُحتاجُ إلى ذِكْرِ المقسَم عليه؛ فإنَّ حقيقة الأمر أنَّ المقسم به وعليه شيءٌ واحدٌ، وهو هذا القرآن الموصوف بهذا الوصف الجليل. {2} فإذا كان القرآن بهذا الوصف؛ عُلِمَ ضرورةُ العبادِ إليه فوق كلِّ ضرورةٍ، وكان الواجبُ عليهم تلقِّيه بالإيمان والتَّصديق والإقبال على استخراج ما يُتَذَكَّرُ به منه، فهدى الله مَنْ هدى لهذا، وأبى الكافرون به وبمن أنزلَه، وصار معهم عِزَّةٌ وشقاقٌ، عزَّةٌ وامتناعٌ عن الإيمان به، واستكبارٌ وشقاقٌ له؛ أي: مشاقَّة ومخاصمة في ردِّه وإبطاله وفي القَدْح بمن جاء به. {3} فتوعَّدهم بإهلاك القرون الماضية المكذِّبة بالرسل، وأنَّهم حين جاءهم الهلاكُ؛ نادَوْا واستغاثوا في صرف العذاب عنهم، ولكنْ {لاتَ حينَ مناص}؛ أي: وليس الوقت وقتَ خلاصٍ مما وقعوا فيه ولا فرج لما أصابهم، فليحذَرْ هؤلاء أن يَدوموا على عزَّتِهِم وشقاقِهِم؛ فيصيبُهم ما أصابهم. {4}{وعَجِبوا أن جاءهم منذرٌ منهم}؛ أي: عجب هؤلاء المكذِّبون في أمرٍ ليس محلَّ عجبٍ أن جاءهم منذرٌ منهم ليتمكَّنوا من التلقِّي عنه وليعرفوه حقَّ المعرفة، ولأنَّه من قومهم؛ فلا تأخُذُهم النَّخوة القوميَّة عن اتِّباعِهِ؛ فهذا مما يوجبُ الشكر عليهم وتمامَ الانقيادِ له، ولكنَّهم عكسوا القضيَّة، فتعجَّبوا تعجُّب إنكار، وقالوا من كفرهم وظلمهم:{هذا ساحرٌ كذابٌ}! {5} وذنبُهُ عندَهم أنَّه {جعل الآلهة إلهاً واحداً}؛ أي: كيف ينهى عن اتِّخاذ الشركاء والأنداد ويأمُرُ بإخلاص العبادة لله وحده؟! {إنَّ هذا}: الذي جاء به {لشيءٌ عُجابٌ}؛ أي: يقضى منه العجب لبطلانِهِ وفسادِهِ عندهم. {6}{وانطَلَقَ الملأ منهم}: المقبولُ قولُهم، محرِّضينَ قومَهم على التمسُّك بما هم عليه من الشرك. {أنِ امۡشوا واصبِروا على آلِهَتِكُم}؛ أي: استمرَّوا عليها وجاهدوا نفوسَكم في الصبر عليها وعلى عبادتها، ولا يردُّكم عنها رادٌّ، ولا يصدَّنَّكم عن عبادتها صادٌّ. {إنَّ هذا}: الذي جاء به محمدٌ من النهي عن عبادتها {لشيءٌ يُرادُ}؛ أي: يُقْصَدُ؛ أي: له قصدٌ ونيةٌ غير صالحة في ذلك، وهذه شبهةٌ لا تَروج إلاَّ على السُّفهاء؛ فإنَّ مَنْ دعا إلى قول حقٍّ أو غير حقٍّ لا يُرَدُّ قولُه بالقدح في نيَّتِهِ؛ فنيَّتُهُ وعملُه له، وإنَّما يُرَدُّ بمقابلتِهِ بما يُبْطِلُهُ ويفسِدُهُ من الحُجج والبراهين، وهم قصدُهم أنَّ محمداً ما دعاكم إلى ما دعاكم إلاَّ ليرأس فيكم ويكونَ معظَّماً عندكم متبوعاً. {7}{ما سمعنا بهذا}: القول الذي قاله والدين الذي دعا إليه {في الملَّةِ الآخرةِ}؛ أي: في الوقت الأخير، فلا أدْرَكْنا عليه آباءنا، ولا آباؤنا أدركوا آباءهم عليه؛ فامضوا على الذي مضى عليه آباؤكم؛ فإنَّه الحقُّ، وما هذا الذي دعا إليه محمدٌ إلاَّ اختلاقٌ اخْتَلَقَهُ وكذبٌ افتراه. وهذه أيضاً شبهةٌ من جنس شبهتهم الأولى؛ حيث ردُّوا الحقَّ بما ليس بحجَّة لردِّ أدنى قول، وهو أنَّه قولٌ مخالف لما عليه آباؤهم الضالُّون؛ فأين في هذا ما يدلُّ على بطلانه؟! {8}{أأُنزِلَ عليه الذِّكۡرُ من بيننا}؛ أي: ما الذي فضَّله علينا حتى ينزل الذِّكْر عليه من دوننا ويخصَّه الله به؟! وهذه أيضاً شبهةٌ، أين البرهانُ فيها على ردِّ ما قاله؟ وهل جميع الرسل إلاَّ بهذا الوصف؟! يمنُّ الله عليهم برسالته ويأمُرُهم بدعوة الخلق إلى الله. ولهذا؛ لما كانت هذه الأقوالُ الصادرةُ منهم لا يَصْلُحُ شيءٌ منها لردِّ ما جاء به الرسول؛ أخبر تعالى من أين صَدَرَتْ، وأنَّهم {في شكٍّ من ذِكۡري}: ليس عندَهم علمٌ ولا بيِّنةٌ، فلما وقعوا في الشكِّ وارتَضَوا به وجاءهم الحقُّ الواضحُ وكانوا جازمين بإقامتهم على شكِّهم؛ قالوا ما قالوا من تلك الأقوال لدفع الحقِّ، لا عن بيِّنة من أمرهم، وإنَّما ذلك من باب الائتفاكِ منهم. ومن المعلوم أنَّ مَنْ هو بهذه الصفة يتكلَّم عن شكٍّ وعنادٍ؛ فإنَّ قولَه غيرُ مقبول ولا قادح أدنى قدحٍ في الحقِّ، وأنَّه يتوجَّه عليه الذمُّ واللوم بمجرَّد كلامه، ولهذا توعَّدهم بالعذاب، فقال:{بل لَمَّا يَذوقوا عذابِ}؛ أي: قالوا هذه الأقوالَ وتجرَّؤوا عليها؛ حيث كانوا ممتَّعين في الدُّنيا، لم يصبْهم من عذاب الله شيءٌ؛ فلو ذاقوا عذابَه؛ لم يتجرَّؤوا. {9}{أم عِندَهُم خزائنُ رحمةِ ربِّك العزيز الوهَّاب}: فيعطون منها مَنْ شاؤوا ويمنعونَ منها مَن شاؤوا؛ حيث قالوا:{أأنزِلَ عليه الذِّكۡرُ مِن بَيۡنِنا}؛ أي: هذا فضلُه تعالى ورحمتُه، وليس ذلك بأيديهم حتى يتجرؤوا على الله. {10}{أم لهم مُلۡكُ السمواتِ والأرض وما بينَهما}: بحيثُ يكونون قادرين على ما يريدون، {فَلۡيَرۡتَقوا في الأسبابِ}: الموصلة لهم إلى السماء، فيقطعوا الرحمةَ عن رسول الله! فكيف يتكلَّمون وهم أعجزُ خلق الله وأضعفُهم بما تكلَّموا به؟! {11} أم قصدُهم التحزُّب والتجنُّد والتعاون على نصر الباطل وخذلان الحقِّ، وهو الواقعُ؛ فإنَّ هذا المقصودَ لا يتمُّ لهم، بل سعيُهم خائبٌ، وجندُهم مهزومٌ، ولهذا قال:{جندٌ ما هنالك مهزومٌ من الأحزابِ}.

ص 38:2

المجلد السابع من تيسير الكريم المنان في تفسير آيات القرآن لجامعه عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله السعدي غفر الله له ولوالديه وجميع المسلمين وهي مكية {1} هذا بيانٌ من الله تعالى لحال القرآن وحال المكذِّبين به معه ومع من جاء به، فقال:{ص والقرآنِ ذي الذِّكۡرِ}؛ أي: ذي القَدْر العظيم والشرف، المذكِّر للعباد كلَّ ما يحتاجون إليه من العلم بأسماء الله وصفاته وأفعاله، ومن العلم بأحكام الله الشرعية، ومن العلم بأحكام المعاد والجزاء؛ فهو مذكِّرٌ لهم في أصول دينهم وفروعه. وهنا لا يُحتاجُ إلى ذِكْرِ المقسَم عليه؛ فإنَّ حقيقة الأمر أنَّ المقسم به وعليه شيءٌ واحدٌ، وهو هذا القرآن الموصوف بهذا الوصف الجليل. {2} فإذا كان القرآن بهذا الوصف؛ عُلِمَ ضرورةُ العبادِ إليه فوق كلِّ ضرورةٍ، وكان الواجبُ عليهم تلقِّيه بالإيمان والتَّصديق والإقبال على استخراج ما يُتَذَكَّرُ به منه، فهدى الله مَنْ هدى لهذا، وأبى الكافرون به وبمن أنزلَه، وصار معهم عِزَّةٌ وشقاقٌ، عزَّةٌ وامتناعٌ عن الإيمان به، واستكبارٌ وشقاقٌ له؛ أي: مشاقَّة ومخاصمة في ردِّه وإبطاله وفي القَدْح بمن جاء به. {3} فتوعَّدهم بإهلاك القرون الماضية المكذِّبة بالرسل، وأنَّهم حين جاءهم الهلاكُ؛ نادَوْا واستغاثوا في صرف العذاب عنهم، ولكنْ {لاتَ حينَ مناص}؛ أي: وليس الوقت وقتَ خلاصٍ مما وقعوا فيه ولا فرج لما أصابهم، فليحذَرْ هؤلاء أن يَدوموا على عزَّتِهِم وشقاقِهِم؛ فيصيبُهم ما أصابهم. {4}{وعَجِبوا أن جاءهم منذرٌ منهم}؛ أي: عجب هؤلاء المكذِّبون في أمرٍ ليس محلَّ عجبٍ أن جاءهم منذرٌ منهم ليتمكَّنوا من التلقِّي عنه وليعرفوه حقَّ المعرفة، ولأنَّه من قومهم؛ فلا تأخُذُهم النَّخوة القوميَّة عن اتِّباعِهِ؛ فهذا مما يوجبُ الشكر عليهم وتمامَ الانقيادِ له، ولكنَّهم عكسوا القضيَّة، فتعجَّبوا تعجُّب إنكار، وقالوا من كفرهم وظلمهم:{هذا ساحرٌ كذابٌ}! {5} وذنبُهُ عندَهم أنَّه {جعل الآلهة إلهاً واحداً}؛ أي: كيف ينهى عن اتِّخاذ الشركاء والأنداد ويأمُرُ بإخلاص العبادة لله وحده؟! {إنَّ هذا}: الذي جاء به {لشيءٌ عُجابٌ}؛ أي: يقضى منه العجب لبطلانِهِ وفسادِهِ عندهم. {6}{وانطَلَقَ الملأ منهم}: المقبولُ قولُهم، محرِّضينَ قومَهم على التمسُّك بما هم عليه من الشرك. {أنِ امۡشوا واصبِروا على آلِهَتِكُم}؛ أي: استمرَّوا عليها وجاهدوا نفوسَكم في الصبر عليها وعلى عبادتها، ولا يردُّكم عنها رادٌّ، ولا يصدَّنَّكم عن عبادتها صادٌّ. {إنَّ هذا}: الذي جاء به محمدٌ من النهي عن عبادتها {لشيءٌ يُرادُ}؛ أي: يُقْصَدُ؛ أي: له قصدٌ ونيةٌ غير صالحة في ذلك، وهذه شبهةٌ لا تَروج إلاَّ على السُّفهاء؛ فإنَّ مَنْ دعا إلى قول حقٍّ أو غير حقٍّ لا يُرَدُّ قولُه بالقدح في نيَّتِهِ؛ فنيَّتُهُ وعملُه له، وإنَّما يُرَدُّ بمقابلتِهِ بما يُبْطِلُهُ ويفسِدُهُ من الحُجج والبراهين، وهم قصدُهم أنَّ محمداً ما دعاكم إلى ما دعاكم إلاَّ ليرأس فيكم ويكونَ معظَّماً عندكم متبوعاً. {7}{ما سمعنا بهذا}: القول الذي قاله والدين الذي دعا إليه {في الملَّةِ الآخرةِ}؛ أي: في الوقت الأخير، فلا أدْرَكْنا عليه آباءنا، ولا آباؤنا أدركوا آباءهم عليه؛ فامضوا على الذي مضى عليه آباؤكم؛ فإنَّه الحقُّ، وما هذا الذي دعا إليه محمدٌ إلاَّ اختلاقٌ اخْتَلَقَهُ وكذبٌ افتراه. وهذه أيضاً شبهةٌ من جنس شبهتهم الأولى؛ حيث ردُّوا الحقَّ بما ليس بحجَّة لردِّ أدنى قول، وهو أنَّه قولٌ مخالف لما عليه آباؤهم الضالُّون؛ فأين في هذا ما يدلُّ على بطلانه؟! {8}{أأُنزِلَ عليه الذِّكۡرُ من بيننا}؛ أي: ما الذي فضَّله علينا حتى ينزل الذِّكْر عليه من دوننا ويخصَّه الله به؟! وهذه أيضاً شبهةٌ، أين البرهانُ فيها على ردِّ ما قاله؟ وهل جميع الرسل إلاَّ بهذا الوصف؟! يمنُّ الله عليهم برسالته ويأمُرُهم بدعوة الخلق إلى الله. ولهذا؛ لما كانت هذه الأقوالُ الصادرةُ منهم لا يَصْلُحُ شيءٌ منها لردِّ ما جاء به الرسول؛ أخبر تعالى من أين صَدَرَتْ، وأنَّهم {في شكٍّ من ذِكۡري}: ليس عندَهم علمٌ ولا بيِّنةٌ، فلما وقعوا في الشكِّ وارتَضَوا به وجاءهم الحقُّ الواضحُ وكانوا جازمين بإقامتهم على شكِّهم؛ قالوا ما قالوا من تلك الأقوال لدفع الحقِّ، لا عن بيِّنة من أمرهم، وإنَّما ذلك من باب الائتفاكِ منهم. ومن المعلوم أنَّ مَنْ هو بهذه الصفة يتكلَّم عن شكٍّ وعنادٍ؛ فإنَّ قولَه غيرُ مقبول ولا قادح أدنى قدحٍ في الحقِّ، وأنَّه يتوجَّه عليه الذمُّ واللوم بمجرَّد كلامه، ولهذا توعَّدهم بالعذاب، فقال:{بل لَمَّا يَذوقوا عذابِ}؛ أي: قالوا هذه الأقوالَ وتجرَّؤوا عليها؛ حيث كانوا ممتَّعين في الدُّنيا، لم يصبْهم من عذاب الله شيءٌ؛ فلو ذاقوا عذابَه؛ لم يتجرَّؤوا. {9}{أم عِندَهُم خزائنُ رحمةِ ربِّك العزيز الوهَّاب}: فيعطون منها مَنْ شاؤوا ويمنعونَ منها مَن شاؤوا؛ حيث قالوا:{أأنزِلَ عليه الذِّكۡرُ مِن بَيۡنِنا}؛ أي: هذا فضلُه تعالى ورحمتُه، وليس ذلك بأيديهم حتى يتجرؤوا على الله. {10}{أم لهم مُلۡكُ السمواتِ والأرض وما بينَهما}: بحيثُ يكونون قادرين على ما يريدون، {فَلۡيَرۡتَقوا في الأسبابِ}: الموصلة لهم إلى السماء، فيقطعوا الرحمةَ عن رسول الله! فكيف يتكلَّمون وهم أعجزُ خلق الله وأضعفُهم بما تكلَّموا به؟! {11} أم قصدُهم التحزُّب والتجنُّد والتعاون على نصر الباطل وخذلان الحقِّ، وهو الواقعُ؛ فإنَّ هذا المقصودَ لا يتمُّ لهم، بل سعيُهم خائبٌ، وجندُهم مهزومٌ، ولهذا قال:{جندٌ ما هنالك مهزومٌ من الأحزابِ}.

ص 38:3

المجلد السابع من تيسير الكريم المنان في تفسير آيات القرآن لجامعه عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله السعدي غفر الله له ولوالديه وجميع المسلمين وهي مكية {1} هذا بيانٌ من الله تعالى لحال القرآن وحال المكذِّبين به معه ومع من جاء به، فقال:{ص والقرآنِ ذي الذِّكۡرِ}؛ أي: ذي القَدْر العظيم والشرف، المذكِّر للعباد كلَّ ما يحتاجون إليه من العلم بأسماء الله وصفاته وأفعاله، ومن العلم بأحكام الله الشرعية، ومن العلم بأحكام المعاد والجزاء؛ فهو مذكِّرٌ لهم في أصول دينهم وفروعه. وهنا لا يُحتاجُ إلى ذِكْرِ المقسَم عليه؛ فإنَّ حقيقة الأمر أنَّ المقسم به وعليه شيءٌ واحدٌ، وهو هذا القرآن الموصوف بهذا الوصف الجليل. {2} فإذا كان القرآن بهذا الوصف؛ عُلِمَ ضرورةُ العبادِ إليه فوق كلِّ ضرورةٍ، وكان الواجبُ عليهم تلقِّيه بالإيمان والتَّصديق والإقبال على استخراج ما يُتَذَكَّرُ به منه، فهدى الله مَنْ هدى لهذا، وأبى الكافرون به وبمن أنزلَه، وصار معهم عِزَّةٌ وشقاقٌ، عزَّةٌ وامتناعٌ عن الإيمان به، واستكبارٌ وشقاقٌ له؛ أي: مشاقَّة ومخاصمة في ردِّه وإبطاله وفي القَدْح بمن جاء به. {3} فتوعَّدهم بإهلاك القرون الماضية المكذِّبة بالرسل، وأنَّهم حين جاءهم الهلاكُ؛ نادَوْا واستغاثوا في صرف العذاب عنهم، ولكنْ {لاتَ حينَ مناص}؛ أي: وليس الوقت وقتَ خلاصٍ مما وقعوا فيه ولا فرج لما أصابهم، فليحذَرْ هؤلاء أن يَدوموا على عزَّتِهِم وشقاقِهِم؛ فيصيبُهم ما أصابهم. {4}{وعَجِبوا أن جاءهم منذرٌ منهم}؛ أي: عجب هؤلاء المكذِّبون في أمرٍ ليس محلَّ عجبٍ أن جاءهم منذرٌ منهم ليتمكَّنوا من التلقِّي عنه وليعرفوه حقَّ المعرفة، ولأنَّه من قومهم؛ فلا تأخُذُهم النَّخوة القوميَّة عن اتِّباعِهِ؛ فهذا مما يوجبُ الشكر عليهم وتمامَ الانقيادِ له، ولكنَّهم عكسوا القضيَّة، فتعجَّبوا تعجُّب إنكار، وقالوا من كفرهم وظلمهم:{هذا ساحرٌ كذابٌ}! {5} وذنبُهُ عندَهم أنَّه {جعل الآلهة إلهاً واحداً}؛ أي: كيف ينهى عن اتِّخاذ الشركاء والأنداد ويأمُرُ بإخلاص العبادة لله وحده؟! {إنَّ هذا}: الذي جاء به {لشيءٌ عُجابٌ}؛ أي: يقضى منه العجب لبطلانِهِ وفسادِهِ عندهم. {6}{وانطَلَقَ الملأ منهم}: المقبولُ قولُهم، محرِّضينَ قومَهم على التمسُّك بما هم عليه من الشرك. {أنِ امۡشوا واصبِروا على آلِهَتِكُم}؛ أي: استمرَّوا عليها وجاهدوا نفوسَكم في الصبر عليها وعلى عبادتها، ولا يردُّكم عنها رادٌّ، ولا يصدَّنَّكم عن عبادتها صادٌّ. {إنَّ هذا}: الذي جاء به محمدٌ من النهي عن عبادتها {لشيءٌ يُرادُ}؛ أي: يُقْصَدُ؛ أي: له قصدٌ ونيةٌ غير صالحة في ذلك، وهذه شبهةٌ لا تَروج إلاَّ على السُّفهاء؛ فإنَّ مَنْ دعا إلى قول حقٍّ أو غير حقٍّ لا يُرَدُّ قولُه بالقدح في نيَّتِهِ؛ فنيَّتُهُ وعملُه له، وإنَّما يُرَدُّ بمقابلتِهِ بما يُبْطِلُهُ ويفسِدُهُ من الحُجج والبراهين، وهم قصدُهم أنَّ محمداً ما دعاكم إلى ما دعاكم إلاَّ ليرأس فيكم ويكونَ معظَّماً عندكم متبوعاً. {7}{ما سمعنا بهذا}: القول الذي قاله والدين الذي دعا إليه {في الملَّةِ الآخرةِ}؛ أي: في الوقت الأخير، فلا أدْرَكْنا عليه آباءنا، ولا آباؤنا أدركوا آباءهم عليه؛ فامضوا على الذي مضى عليه آباؤكم؛ فإنَّه الحقُّ، وما هذا الذي دعا إليه محمدٌ إلاَّ اختلاقٌ اخْتَلَقَهُ وكذبٌ افتراه. وهذه أيضاً شبهةٌ من جنس شبهتهم الأولى؛ حيث ردُّوا الحقَّ بما ليس بحجَّة لردِّ أدنى قول، وهو أنَّه قولٌ مخالف لما عليه آباؤهم الضالُّون؛ فأين في هذا ما يدلُّ على بطلانه؟! {8}{أأُنزِلَ عليه الذِّكۡرُ من بيننا}؛ أي: ما الذي فضَّله علينا حتى ينزل الذِّكْر عليه من دوننا ويخصَّه الله به؟! وهذه أيضاً شبهةٌ، أين البرهانُ فيها على ردِّ ما قاله؟ وهل جميع الرسل إلاَّ بهذا الوصف؟! يمنُّ الله عليهم برسالته ويأمُرُهم بدعوة الخلق إلى الله. ولهذا؛ لما كانت هذه الأقوالُ الصادرةُ منهم لا يَصْلُحُ شيءٌ منها لردِّ ما جاء به الرسول؛ أخبر تعالى من أين صَدَرَتْ، وأنَّهم {في شكٍّ من ذِكۡري}: ليس عندَهم علمٌ ولا بيِّنةٌ، فلما وقعوا في الشكِّ وارتَضَوا به وجاءهم الحقُّ الواضحُ وكانوا جازمين بإقامتهم على شكِّهم؛ قالوا ما قالوا من تلك الأقوال لدفع الحقِّ، لا عن بيِّنة من أمرهم، وإنَّما ذلك من باب الائتفاكِ منهم. ومن المعلوم أنَّ مَنْ هو بهذه الصفة يتكلَّم عن شكٍّ وعنادٍ؛ فإنَّ قولَه غيرُ مقبول ولا قادح أدنى قدحٍ في الحقِّ، وأنَّه يتوجَّه عليه الذمُّ واللوم بمجرَّد كلامه، ولهذا توعَّدهم بالعذاب، فقال:{بل لَمَّا يَذوقوا عذابِ}؛ أي: قالوا هذه الأقوالَ وتجرَّؤوا عليها؛ حيث كانوا ممتَّعين في الدُّنيا، لم يصبْهم من عذاب الله شيءٌ؛ فلو ذاقوا عذابَه؛ لم يتجرَّؤوا. {9}{أم عِندَهُم خزائنُ رحمةِ ربِّك العزيز الوهَّاب}: فيعطون منها مَنْ شاؤوا ويمنعونَ منها مَن شاؤوا؛ حيث قالوا:{أأنزِلَ عليه الذِّكۡرُ مِن بَيۡنِنا}؛ أي: هذا فضلُه تعالى ورحمتُه، وليس ذلك بأيديهم حتى يتجرؤوا على الله. {10}{أم لهم مُلۡكُ السمواتِ والأرض وما بينَهما}: بحيثُ يكونون قادرين على ما يريدون، {فَلۡيَرۡتَقوا في الأسبابِ}: الموصلة لهم إلى السماء، فيقطعوا الرحمةَ عن رسول الله! فكيف يتكلَّمون وهم أعجزُ خلق الله وأضعفُهم بما تكلَّموا به؟! {11} أم قصدُهم التحزُّب والتجنُّد والتعاون على نصر الباطل وخذلان الحقِّ، وهو الواقعُ؛ فإنَّ هذا المقصودَ لا يتمُّ لهم، بل سعيُهم خائبٌ، وجندُهم مهزومٌ، ولهذا قال:{جندٌ ما هنالك مهزومٌ من الأحزابِ}.

ص 38:4

المجلد السابع من تيسير الكريم المنان في تفسير آيات القرآن لجامعه عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله السعدي غفر الله له ولوالديه وجميع المسلمين وهي مكية {1} هذا بيانٌ من الله تعالى لحال القرآن وحال المكذِّبين به معه ومع من جاء به، فقال:{ص والقرآنِ ذي الذِّكۡرِ}؛ أي: ذي القَدْر العظيم والشرف، المذكِّر للعباد كلَّ ما يحتاجون إليه من العلم بأسماء الله وصفاته وأفعاله، ومن العلم بأحكام الله الشرعية، ومن العلم بأحكام المعاد والجزاء؛ فهو مذكِّرٌ لهم في أصول دينهم وفروعه. وهنا لا يُحتاجُ إلى ذِكْرِ المقسَم عليه؛ فإنَّ حقيقة الأمر أنَّ المقسم به وعليه شيءٌ واحدٌ، وهو هذا القرآن الموصوف بهذا الوصف الجليل. {2} فإذا كان القرآن بهذا الوصف؛ عُلِمَ ضرورةُ العبادِ إليه فوق كلِّ ضرورةٍ، وكان الواجبُ عليهم تلقِّيه بالإيمان والتَّصديق والإقبال على استخراج ما يُتَذَكَّرُ به منه، فهدى الله مَنْ هدى لهذا، وأبى الكافرون به وبمن أنزلَه، وصار معهم عِزَّةٌ وشقاقٌ، عزَّةٌ وامتناعٌ عن الإيمان به، واستكبارٌ وشقاقٌ له؛ أي: مشاقَّة ومخاصمة في ردِّه وإبطاله وفي القَدْح بمن جاء به. {3} فتوعَّدهم بإهلاك القرون الماضية المكذِّبة بالرسل، وأنَّهم حين جاءهم الهلاكُ؛ نادَوْا واستغاثوا في صرف العذاب عنهم، ولكنْ {لاتَ حينَ مناص}؛ أي: وليس الوقت وقتَ خلاصٍ مما وقعوا فيه ولا فرج لما أصابهم، فليحذَرْ هؤلاء أن يَدوموا على عزَّتِهِم وشقاقِهِم؛ فيصيبُهم ما أصابهم. {4}{وعَجِبوا أن جاءهم منذرٌ منهم}؛ أي: عجب هؤلاء المكذِّبون في أمرٍ ليس محلَّ عجبٍ أن جاءهم منذرٌ منهم ليتمكَّنوا من التلقِّي عنه وليعرفوه حقَّ المعرفة، ولأنَّه من قومهم؛ فلا تأخُذُهم النَّخوة القوميَّة عن اتِّباعِهِ؛ فهذا مما يوجبُ الشكر عليهم وتمامَ الانقيادِ له، ولكنَّهم عكسوا القضيَّة، فتعجَّبوا تعجُّب إنكار، وقالوا من كفرهم وظلمهم:{هذا ساحرٌ كذابٌ}! {5} وذنبُهُ عندَهم أنَّه {جعل الآلهة إلهاً واحداً}؛ أي: كيف ينهى عن اتِّخاذ الشركاء والأنداد ويأمُرُ بإخلاص العبادة لله وحده؟! {إنَّ هذا}: الذي جاء به {لشيءٌ عُجابٌ}؛ أي: يقضى منه العجب لبطلانِهِ وفسادِهِ عندهم. {6}{وانطَلَقَ الملأ منهم}: المقبولُ قولُهم، محرِّضينَ قومَهم على التمسُّك بما هم عليه من الشرك. {أنِ امۡشوا واصبِروا على آلِهَتِكُم}؛ أي: استمرَّوا عليها وجاهدوا نفوسَكم في الصبر عليها وعلى عبادتها، ولا يردُّكم عنها رادٌّ، ولا يصدَّنَّكم عن عبادتها صادٌّ. {إنَّ هذا}: الذي جاء به محمدٌ من النهي عن عبادتها {لشيءٌ يُرادُ}؛ أي: يُقْصَدُ؛ أي: له قصدٌ ونيةٌ غير صالحة في ذلك، وهذه شبهةٌ لا تَروج إلاَّ على السُّفهاء؛ فإنَّ مَنْ دعا إلى قول حقٍّ أو غير حقٍّ لا يُرَدُّ قولُه بالقدح في نيَّتِهِ؛ فنيَّتُهُ وعملُه له، وإنَّما يُرَدُّ بمقابلتِهِ بما يُبْطِلُهُ ويفسِدُهُ من الحُجج والبراهين، وهم قصدُهم أنَّ محمداً ما دعاكم إلى ما دعاكم إلاَّ ليرأس فيكم ويكونَ معظَّماً عندكم متبوعاً. {7}{ما سمعنا بهذا}: القول الذي قاله والدين الذي دعا إليه {في الملَّةِ الآخرةِ}؛ أي: في الوقت الأخير، فلا أدْرَكْنا عليه آباءنا، ولا آباؤنا أدركوا آباءهم عليه؛ فامضوا على الذي مضى عليه آباؤكم؛ فإنَّه الحقُّ، وما هذا الذي دعا إليه محمدٌ إلاَّ اختلاقٌ اخْتَلَقَهُ وكذبٌ افتراه. وهذه أيضاً شبهةٌ من جنس شبهتهم الأولى؛ حيث ردُّوا الحقَّ بما ليس بحجَّة لردِّ أدنى قول، وهو أنَّه قولٌ مخالف لما عليه آباؤهم الضالُّون؛ فأين في هذا ما يدلُّ على بطلانه؟! {8}{أأُنزِلَ عليه الذِّكۡرُ من بيننا}؛ أي: ما الذي فضَّله علينا حتى ينزل الذِّكْر عليه من دوننا ويخصَّه الله به؟! وهذه أيضاً شبهةٌ، أين البرهانُ فيها على ردِّ ما قاله؟ وهل جميع الرسل إلاَّ بهذا الوصف؟! يمنُّ الله عليهم برسالته ويأمُرُهم بدعوة الخلق إلى الله. ولهذا؛ لما كانت هذه الأقوالُ الصادرةُ منهم لا يَصْلُحُ شيءٌ منها لردِّ ما جاء به الرسول؛ أخبر تعالى من أين صَدَرَتْ، وأنَّهم {في شكٍّ من ذِكۡري}: ليس عندَهم علمٌ ولا بيِّنةٌ، فلما وقعوا في الشكِّ وارتَضَوا به وجاءهم الحقُّ الواضحُ وكانوا جازمين بإقامتهم على شكِّهم؛ قالوا ما قالوا من تلك الأقوال لدفع الحقِّ، لا عن بيِّنة من أمرهم، وإنَّما ذلك من باب الائتفاكِ منهم. ومن المعلوم أنَّ مَنْ هو بهذه الصفة يتكلَّم عن شكٍّ وعنادٍ؛ فإنَّ قولَه غيرُ مقبول ولا قادح أدنى قدحٍ في الحقِّ، وأنَّه يتوجَّه عليه الذمُّ واللوم بمجرَّد كلامه، ولهذا توعَّدهم بالعذاب، فقال:{بل لَمَّا يَذوقوا عذابِ}؛ أي: قالوا هذه الأقوالَ وتجرَّؤوا عليها؛ حيث كانوا ممتَّعين في الدُّنيا، لم يصبْهم من عذاب الله شيءٌ؛ فلو ذاقوا عذابَه؛ لم يتجرَّؤوا. {9}{أم عِندَهُم خزائنُ رحمةِ ربِّك العزيز الوهَّاب}: فيعطون منها مَنْ شاؤوا ويمنعونَ منها مَن شاؤوا؛ حيث قالوا:{أأنزِلَ عليه الذِّكۡرُ مِن بَيۡنِنا}؛ أي: هذا فضلُه تعالى ورحمتُه، وليس ذلك بأيديهم حتى يتجرؤوا على الله. {10}{أم لهم مُلۡكُ السمواتِ والأرض وما بينَهما}: بحيثُ يكونون قادرين على ما يريدون، {فَلۡيَرۡتَقوا في الأسبابِ}: الموصلة لهم إلى السماء، فيقطعوا الرحمةَ عن رسول الله! فكيف يتكلَّمون وهم أعجزُ خلق الله وأضعفُهم بما تكلَّموا به؟! {11} أم قصدُهم التحزُّب والتجنُّد والتعاون على نصر الباطل وخذلان الحقِّ، وهو الواقعُ؛ فإنَّ هذا المقصودَ لا يتمُّ لهم، بل سعيُهم خائبٌ، وجندُهم مهزومٌ، ولهذا قال:{جندٌ ما هنالك مهزومٌ من الأحزابِ}.

ص 38:5

المجلد السابع من تيسير الكريم المنان في تفسير آيات القرآن لجامعه عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله السعدي غفر الله له ولوالديه وجميع المسلمين وهي مكية {1} هذا بيانٌ من الله تعالى لحال القرآن وحال المكذِّبين به معه ومع من جاء به، فقال:{ص والقرآنِ ذي الذِّكۡرِ}؛ أي: ذي القَدْر العظيم والشرف، المذكِّر للعباد كلَّ ما يحتاجون إليه من العلم بأسماء الله وصفاته وأفعاله، ومن العلم بأحكام الله الشرعية، ومن العلم بأحكام المعاد والجزاء؛ فهو مذكِّرٌ لهم في أصول دينهم وفروعه. وهنا لا يُحتاجُ إلى ذِكْرِ المقسَم عليه؛ فإنَّ حقيقة الأمر أنَّ المقسم به وعليه شيءٌ واحدٌ، وهو هذا القرآن الموصوف بهذا الوصف الجليل. {2} فإذا كان القرآن بهذا الوصف؛ عُلِمَ ضرورةُ العبادِ إليه فوق كلِّ ضرورةٍ، وكان الواجبُ عليهم تلقِّيه بالإيمان والتَّصديق والإقبال على استخراج ما يُتَذَكَّرُ به منه، فهدى الله مَنْ هدى لهذا، وأبى الكافرون به وبمن أنزلَه، وصار معهم عِزَّةٌ وشقاقٌ، عزَّةٌ وامتناعٌ عن الإيمان به، واستكبارٌ وشقاقٌ له؛ أي: مشاقَّة ومخاصمة في ردِّه وإبطاله وفي القَدْح بمن جاء به. {3} فتوعَّدهم بإهلاك القرون الماضية المكذِّبة بالرسل، وأنَّهم حين جاءهم الهلاكُ؛ نادَوْا واستغاثوا في صرف العذاب عنهم، ولكنْ {لاتَ حينَ مناص}؛ أي: وليس الوقت وقتَ خلاصٍ مما وقعوا فيه ولا فرج لما أصابهم، فليحذَرْ هؤلاء أن يَدوموا على عزَّتِهِم وشقاقِهِم؛ فيصيبُهم ما أصابهم. {4}{وعَجِبوا أن جاءهم منذرٌ منهم}؛ أي: عجب هؤلاء المكذِّبون في أمرٍ ليس محلَّ عجبٍ أن جاءهم منذرٌ منهم ليتمكَّنوا من التلقِّي عنه وليعرفوه حقَّ المعرفة، ولأنَّه من قومهم؛ فلا تأخُذُهم النَّخوة القوميَّة عن اتِّباعِهِ؛ فهذا مما يوجبُ الشكر عليهم وتمامَ الانقيادِ له، ولكنَّهم عكسوا القضيَّة، فتعجَّبوا تعجُّب إنكار، وقالوا من كفرهم وظلمهم:{هذا ساحرٌ كذابٌ}! {5} وذنبُهُ عندَهم أنَّه {جعل الآلهة إلهاً واحداً}؛ أي: كيف ينهى عن اتِّخاذ الشركاء والأنداد ويأمُرُ بإخلاص العبادة لله وحده؟! {إنَّ هذا}: الذي جاء به {لشيءٌ عُجابٌ}؛ أي: يقضى منه العجب لبطلانِهِ وفسادِهِ عندهم. {6}{وانطَلَقَ الملأ منهم}: المقبولُ قولُهم، محرِّضينَ قومَهم على التمسُّك بما هم عليه من الشرك. {أنِ امۡشوا واصبِروا على آلِهَتِكُم}؛ أي: استمرَّوا عليها وجاهدوا نفوسَكم في الصبر عليها وعلى عبادتها، ولا يردُّكم عنها رادٌّ، ولا يصدَّنَّكم عن عبادتها صادٌّ. {إنَّ هذا}: الذي جاء به محمدٌ من النهي عن عبادتها {لشيءٌ يُرادُ}؛ أي: يُقْصَدُ؛ أي: له قصدٌ ونيةٌ غير صالحة في ذلك، وهذه شبهةٌ لا تَروج إلاَّ على السُّفهاء؛ فإنَّ مَنْ دعا إلى قول حقٍّ أو غير حقٍّ لا يُرَدُّ قولُه بالقدح في نيَّتِهِ؛ فنيَّتُهُ وعملُه له، وإنَّما يُرَدُّ بمقابلتِهِ بما يُبْطِلُهُ ويفسِدُهُ من الحُجج والبراهين، وهم قصدُهم أنَّ محمداً ما دعاكم إلى ما دعاكم إلاَّ ليرأس فيكم ويكونَ معظَّماً عندكم متبوعاً. {7}{ما سمعنا بهذا}: القول الذي قاله والدين الذي دعا إليه {في الملَّةِ الآخرةِ}؛ أي: في الوقت الأخير، فلا أدْرَكْنا عليه آباءنا، ولا آباؤنا أدركوا آباءهم عليه؛ فامضوا على الذي مضى عليه آباؤكم؛ فإنَّه الحقُّ، وما هذا الذي دعا إليه محمدٌ إلاَّ اختلاقٌ اخْتَلَقَهُ وكذبٌ افتراه. وهذه أيضاً شبهةٌ من جنس شبهتهم الأولى؛ حيث ردُّوا الحقَّ بما ليس بحجَّة لردِّ أدنى قول، وهو أنَّه قولٌ مخالف لما عليه آباؤهم الضالُّون؛ فأين في هذا ما يدلُّ على بطلانه؟! {8}{أأُنزِلَ عليه الذِّكۡرُ من بيننا}؛ أي: ما الذي فضَّله علينا حتى ينزل الذِّكْر عليه من دوننا ويخصَّه الله به؟! وهذه أيضاً شبهةٌ، أين البرهانُ فيها على ردِّ ما قاله؟ وهل جميع الرسل إلاَّ بهذا الوصف؟! يمنُّ الله عليهم برسالته ويأمُرُهم بدعوة الخلق إلى الله. ولهذا؛ لما كانت هذه الأقوالُ الصادرةُ منهم لا يَصْلُحُ شيءٌ منها لردِّ ما جاء به الرسول؛ أخبر تعالى من أين صَدَرَتْ، وأنَّهم {في شكٍّ من ذِكۡري}: ليس عندَهم علمٌ ولا بيِّنةٌ، فلما وقعوا في الشكِّ وارتَضَوا به وجاءهم الحقُّ الواضحُ وكانوا جازمين بإقامتهم على شكِّهم؛ قالوا ما قالوا من تلك الأقوال لدفع الحقِّ، لا عن بيِّنة من أمرهم، وإنَّما ذلك من باب الائتفاكِ منهم. ومن المعلوم أنَّ مَنْ هو بهذه الصفة يتكلَّم عن شكٍّ وعنادٍ؛ فإنَّ قولَه غيرُ مقبول ولا قادح أدنى قدحٍ في الحقِّ، وأنَّه يتوجَّه عليه الذمُّ واللوم بمجرَّد كلامه، ولهذا توعَّدهم بالعذاب، فقال:{بل لَمَّا يَذوقوا عذابِ}؛ أي: قالوا هذه الأقوالَ وتجرَّؤوا عليها؛ حيث كانوا ممتَّعين في الدُّنيا، لم يصبْهم من عذاب الله شيءٌ؛ فلو ذاقوا عذابَه؛ لم يتجرَّؤوا. {9}{أم عِندَهُم خزائنُ رحمةِ ربِّك العزيز الوهَّاب}: فيعطون منها مَنْ شاؤوا ويمنعونَ منها مَن شاؤوا؛ حيث قالوا:{أأنزِلَ عليه الذِّكۡرُ مِن بَيۡنِنا}؛ أي: هذا فضلُه تعالى ورحمتُه، وليس ذلك بأيديهم حتى يتجرؤوا على الله. {10}{أم لهم مُلۡكُ السمواتِ والأرض وما بينَهما}: بحيثُ يكونون قادرين على ما يريدون، {فَلۡيَرۡتَقوا في الأسبابِ}: الموصلة لهم إلى السماء، فيقطعوا الرحمةَ عن رسول الله! فكيف يتكلَّمون وهم أعجزُ خلق الله وأضعفُهم بما تكلَّموا به؟! {11} أم قصدُهم التحزُّب والتجنُّد والتعاون على نصر الباطل وخذلان الحقِّ، وهو الواقعُ؛ فإنَّ هذا المقصودَ لا يتمُّ لهم، بل سعيُهم خائبٌ، وجندُهم مهزومٌ، ولهذا قال:{جندٌ ما هنالك مهزومٌ من الأحزابِ}.

ص 38:6

المجلد السابع من تيسير الكريم المنان في تفسير آيات القرآن لجامعه عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله السعدي غفر الله له ولوالديه وجميع المسلمين وهي مكية {1} هذا بيانٌ من الله تعالى لحال القرآن وحال المكذِّبين به معه ومع من جاء به، فقال:{ص والقرآنِ ذي الذِّكۡرِ}؛ أي: ذي القَدْر العظيم والشرف، المذكِّر للعباد كلَّ ما يحتاجون إليه من العلم بأسماء الله وصفاته وأفعاله، ومن العلم بأحكام الله الشرعية، ومن العلم بأحكام المعاد والجزاء؛ فهو مذكِّرٌ لهم في أصول دينهم وفروعه. وهنا لا يُحتاجُ إلى ذِكْرِ المقسَم عليه؛ فإنَّ حقيقة الأمر أنَّ المقسم به وعليه شيءٌ واحدٌ، وهو هذا القرآن الموصوف بهذا الوصف الجليل. {2} فإذا كان القرآن بهذا الوصف؛ عُلِمَ ضرورةُ العبادِ إليه فوق كلِّ ضرورةٍ، وكان الواجبُ عليهم تلقِّيه بالإيمان والتَّصديق والإقبال على استخراج ما يُتَذَكَّرُ به منه، فهدى الله مَنْ هدى لهذا، وأبى الكافرون به وبمن أنزلَه، وصار معهم عِزَّةٌ وشقاقٌ، عزَّةٌ وامتناعٌ عن الإيمان به، واستكبارٌ وشقاقٌ له؛ أي: مشاقَّة ومخاصمة في ردِّه وإبطاله وفي القَدْح بمن جاء به. {3} فتوعَّدهم بإهلاك القرون الماضية المكذِّبة بالرسل، وأنَّهم حين جاءهم الهلاكُ؛ نادَوْا واستغاثوا في صرف العذاب عنهم، ولكنْ {لاتَ حينَ مناص}؛ أي: وليس الوقت وقتَ خلاصٍ مما وقعوا فيه ولا فرج لما أصابهم، فليحذَرْ هؤلاء أن يَدوموا على عزَّتِهِم وشقاقِهِم؛ فيصيبُهم ما أصابهم. {4}{وعَجِبوا أن جاءهم منذرٌ منهم}؛ أي: عجب هؤلاء المكذِّبون في أمرٍ ليس محلَّ عجبٍ أن جاءهم منذرٌ منهم ليتمكَّنوا من التلقِّي عنه وليعرفوه حقَّ المعرفة، ولأنَّه من قومهم؛ فلا تأخُذُهم النَّخوة القوميَّة عن اتِّباعِهِ؛ فهذا مما يوجبُ الشكر عليهم وتمامَ الانقيادِ له، ولكنَّهم عكسوا القضيَّة، فتعجَّبوا تعجُّب إنكار، وقالوا من كفرهم وظلمهم:{هذا ساحرٌ كذابٌ}! {5} وذنبُهُ عندَهم أنَّه {جعل الآلهة إلهاً واحداً}؛ أي: كيف ينهى عن اتِّخاذ الشركاء والأنداد ويأمُرُ بإخلاص العبادة لله وحده؟! {إنَّ هذا}: الذي جاء به {لشيءٌ عُجابٌ}؛ أي: يقضى منه العجب لبطلانِهِ وفسادِهِ عندهم. {6}{وانطَلَقَ الملأ منهم}: المقبولُ قولُهم، محرِّضينَ قومَهم على التمسُّك بما هم عليه من الشرك. {أنِ امۡشوا واصبِروا على آلِهَتِكُم}؛ أي: استمرَّوا عليها وجاهدوا نفوسَكم في الصبر عليها وعلى عبادتها، ولا يردُّكم عنها رادٌّ، ولا يصدَّنَّكم عن عبادتها صادٌّ. {إنَّ هذا}: الذي جاء به محمدٌ من النهي عن عبادتها {لشيءٌ يُرادُ}؛ أي: يُقْصَدُ؛ أي: له قصدٌ ونيةٌ غير صالحة في ذلك، وهذه شبهةٌ لا تَروج إلاَّ على السُّفهاء؛ فإنَّ مَنْ دعا إلى قول حقٍّ أو غير حقٍّ لا يُرَدُّ قولُه بالقدح في نيَّتِهِ؛ فنيَّتُهُ وعملُه له، وإنَّما يُرَدُّ بمقابلتِهِ بما يُبْطِلُهُ ويفسِدُهُ من الحُجج والبراهين، وهم قصدُهم أنَّ محمداً ما دعاكم إلى ما دعاكم إلاَّ ليرأس فيكم ويكونَ معظَّماً عندكم متبوعاً. {7}{ما سمعنا بهذا}: القول الذي قاله والدين الذي دعا إليه {في الملَّةِ الآخرةِ}؛ أي: في الوقت الأخير، فلا أدْرَكْنا عليه آباءنا، ولا آباؤنا أدركوا آباءهم عليه؛ فامضوا على الذي مضى عليه آباؤكم؛ فإنَّه الحقُّ، وما هذا الذي دعا إليه محمدٌ إلاَّ اختلاقٌ اخْتَلَقَهُ وكذبٌ افتراه. وهذه أيضاً شبهةٌ من جنس شبهتهم الأولى؛ حيث ردُّوا الحقَّ بما ليس بحجَّة لردِّ أدنى قول، وهو أنَّه قولٌ مخالف لما عليه آباؤهم الضالُّون؛ فأين في هذا ما يدلُّ على بطلانه؟! {8}{أأُنزِلَ عليه الذِّكۡرُ من بيننا}؛ أي: ما الذي فضَّله علينا حتى ينزل الذِّكْر عليه من دوننا ويخصَّه الله به؟! وهذه أيضاً شبهةٌ، أين البرهانُ فيها على ردِّ ما قاله؟ وهل جميع الرسل إلاَّ بهذا الوصف؟! يمنُّ الله عليهم برسالته ويأمُرُهم بدعوة الخلق إلى الله. ولهذا؛ لما كانت هذه الأقوالُ الصادرةُ منهم لا يَصْلُحُ شيءٌ منها لردِّ ما جاء به الرسول؛ أخبر تعالى من أين صَدَرَتْ، وأنَّهم {في شكٍّ من ذِكۡري}: ليس عندَهم علمٌ ولا بيِّنةٌ، فلما وقعوا في الشكِّ وارتَضَوا به وجاءهم الحقُّ الواضحُ وكانوا جازمين بإقامتهم على شكِّهم؛ قالوا ما قالوا من تلك الأقوال لدفع الحقِّ، لا عن بيِّنة من أمرهم، وإنَّما ذلك من باب الائتفاكِ منهم. ومن المعلوم أنَّ مَنْ هو بهذه الصفة يتكلَّم عن شكٍّ وعنادٍ؛ فإنَّ قولَه غيرُ مقبول ولا قادح أدنى قدحٍ في الحقِّ، وأنَّه يتوجَّه عليه الذمُّ واللوم بمجرَّد كلامه، ولهذا توعَّدهم بالعذاب، فقال:{بل لَمَّا يَذوقوا عذابِ}؛ أي: قالوا هذه الأقوالَ وتجرَّؤوا عليها؛ حيث كانوا ممتَّعين في الدُّنيا، لم يصبْهم من عذاب الله شيءٌ؛ فلو ذاقوا عذابَه؛ لم يتجرَّؤوا. {9}{أم عِندَهُم خزائنُ رحمةِ ربِّك العزيز الوهَّاب}: فيعطون منها مَنْ شاؤوا ويمنعونَ منها مَن شاؤوا؛ حيث قالوا:{أأنزِلَ عليه الذِّكۡرُ مِن بَيۡنِنا}؛ أي: هذا فضلُه تعالى ورحمتُه، وليس ذلك بأيديهم حتى يتجرؤوا على الله. {10}{أم لهم مُلۡكُ السمواتِ والأرض وما بينَهما}: بحيثُ يكونون قادرين على ما يريدون، {فَلۡيَرۡتَقوا في الأسبابِ}: الموصلة لهم إلى السماء، فيقطعوا الرحمةَ عن رسول الله! فكيف يتكلَّمون وهم أعجزُ خلق الله وأضعفُهم بما تكلَّموا به؟! {11} أم قصدُهم التحزُّب والتجنُّد والتعاون على نصر الباطل وخذلان الحقِّ، وهو الواقعُ؛ فإنَّ هذا المقصودَ لا يتمُّ لهم، بل سعيُهم خائبٌ، وجندُهم مهزومٌ، ولهذا قال:{جندٌ ما هنالك مهزومٌ من الأحزابِ}.

ص 38:7

المجلد السابع من تيسير الكريم المنان في تفسير آيات القرآن لجامعه عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله السعدي غفر الله له ولوالديه وجميع المسلمين وهي مكية {1} هذا بيانٌ من الله تعالى لحال القرآن وحال المكذِّبين به معه ومع من جاء به، فقال:{ص والقرآنِ ذي الذِّكۡرِ}؛ أي: ذي القَدْر العظيم والشرف، المذكِّر للعباد كلَّ ما يحتاجون إليه من العلم بأسماء الله وصفاته وأفعاله، ومن العلم بأحكام الله الشرعية، ومن العلم بأحكام المعاد والجزاء؛ فهو مذكِّرٌ لهم في أصول دينهم وفروعه. وهنا لا يُحتاجُ إلى ذِكْرِ المقسَم عليه؛ فإنَّ حقيقة الأمر أنَّ المقسم به وعليه شيءٌ واحدٌ، وهو هذا القرآن الموصوف بهذا الوصف الجليل. {2} فإذا كان القرآن بهذا الوصف؛ عُلِمَ ضرورةُ العبادِ إليه فوق كلِّ ضرورةٍ، وكان الواجبُ عليهم تلقِّيه بالإيمان والتَّصديق والإقبال على استخراج ما يُتَذَكَّرُ به منه، فهدى الله مَنْ هدى لهذا، وأبى الكافرون به وبمن أنزلَه، وصار معهم عِزَّةٌ وشقاقٌ، عزَّةٌ وامتناعٌ عن الإيمان به، واستكبارٌ وشقاقٌ له؛ أي: مشاقَّة ومخاصمة في ردِّه وإبطاله وفي القَدْح بمن جاء به. {3} فتوعَّدهم بإهلاك القرون الماضية المكذِّبة بالرسل، وأنَّهم حين جاءهم الهلاكُ؛ نادَوْا واستغاثوا في صرف العذاب عنهم، ولكنْ {لاتَ حينَ مناص}؛ أي: وليس الوقت وقتَ خلاصٍ مما وقعوا فيه ولا فرج لما أصابهم، فليحذَرْ هؤلاء أن يَدوموا على عزَّتِهِم وشقاقِهِم؛ فيصيبُهم ما أصابهم. {4}{وعَجِبوا أن جاءهم منذرٌ منهم}؛ أي: عجب هؤلاء المكذِّبون في أمرٍ ليس محلَّ عجبٍ أن جاءهم منذرٌ منهم ليتمكَّنوا من التلقِّي عنه وليعرفوه حقَّ المعرفة، ولأنَّه من قومهم؛ فلا تأخُذُهم النَّخوة القوميَّة عن اتِّباعِهِ؛ فهذا مما يوجبُ الشكر عليهم وتمامَ الانقيادِ له، ولكنَّهم عكسوا القضيَّة، فتعجَّبوا تعجُّب إنكار، وقالوا من كفرهم وظلمهم:{هذا ساحرٌ كذابٌ}! {5} وذنبُهُ عندَهم أنَّه {جعل الآلهة إلهاً واحداً}؛ أي: كيف ينهى عن اتِّخاذ الشركاء والأنداد ويأمُرُ بإخلاص العبادة لله وحده؟! {إنَّ هذا}: الذي جاء به {لشيءٌ عُجابٌ}؛ أي: يقضى منه العجب لبطلانِهِ وفسادِهِ عندهم. {6}{وانطَلَقَ الملأ منهم}: المقبولُ قولُهم، محرِّضينَ قومَهم على التمسُّك بما هم عليه من الشرك. {أنِ امۡشوا واصبِروا على آلِهَتِكُم}؛ أي: استمرَّوا عليها وجاهدوا نفوسَكم في الصبر عليها وعلى عبادتها، ولا يردُّكم عنها رادٌّ، ولا يصدَّنَّكم عن عبادتها صادٌّ. {إنَّ هذا}: الذي جاء به محمدٌ من النهي عن عبادتها {لشيءٌ يُرادُ}؛ أي: يُقْصَدُ؛ أي: له قصدٌ ونيةٌ غير صالحة في ذلك، وهذه شبهةٌ لا تَروج إلاَّ على السُّفهاء؛ فإنَّ مَنْ دعا إلى قول حقٍّ أو غير حقٍّ لا يُرَدُّ قولُه بالقدح في نيَّتِهِ؛ فنيَّتُهُ وعملُه له، وإنَّما يُرَدُّ بمقابلتِهِ بما يُبْطِلُهُ ويفسِدُهُ من الحُجج والبراهين، وهم قصدُهم أنَّ محمداً ما دعاكم إلى ما دعاكم إلاَّ ليرأس فيكم ويكونَ معظَّماً عندكم متبوعاً. {7}{ما سمعنا بهذا}: القول الذي قاله والدين الذي دعا إليه {في الملَّةِ الآخرةِ}؛ أي: في الوقت الأخير، فلا أدْرَكْنا عليه آباءنا، ولا آباؤنا أدركوا آباءهم عليه؛ فامضوا على الذي مضى عليه آباؤكم؛ فإنَّه الحقُّ، وما هذا الذي دعا إليه محمدٌ إلاَّ اختلاقٌ اخْتَلَقَهُ وكذبٌ افتراه. وهذه أيضاً شبهةٌ من جنس شبهتهم الأولى؛ حيث ردُّوا الحقَّ بما ليس بحجَّة لردِّ أدنى قول، وهو أنَّه قولٌ مخالف لما عليه آباؤهم الضالُّون؛ فأين في هذا ما يدلُّ على بطلانه؟! {8}{أأُنزِلَ عليه الذِّكۡرُ من بيننا}؛ أي: ما الذي فضَّله علينا حتى ينزل الذِّكْر عليه من دوننا ويخصَّه الله به؟! وهذه أيضاً شبهةٌ، أين البرهانُ فيها على ردِّ ما قاله؟ وهل جميع الرسل إلاَّ بهذا الوصف؟! يمنُّ الله عليهم برسالته ويأمُرُهم بدعوة الخلق إلى الله. ولهذا؛ لما كانت هذه الأقوالُ الصادرةُ منهم لا يَصْلُحُ شيءٌ منها لردِّ ما جاء به الرسول؛ أخبر تعالى من أين صَدَرَتْ، وأنَّهم {في شكٍّ من ذِكۡري}: ليس عندَهم علمٌ ولا بيِّنةٌ، فلما وقعوا في الشكِّ وارتَضَوا به وجاءهم الحقُّ الواضحُ وكانوا جازمين بإقامتهم على شكِّهم؛ قالوا ما قالوا من تلك الأقوال لدفع الحقِّ، لا عن بيِّنة من أمرهم، وإنَّما ذلك من باب الائتفاكِ منهم. ومن المعلوم أنَّ مَنْ هو بهذه الصفة يتكلَّم عن شكٍّ وعنادٍ؛ فإنَّ قولَه غيرُ مقبول ولا قادح أدنى قدحٍ في الحقِّ، وأنَّه يتوجَّه عليه الذمُّ واللوم بمجرَّد كلامه، ولهذا توعَّدهم بالعذاب، فقال:{بل لَمَّا يَذوقوا عذابِ}؛ أي: قالوا هذه الأقوالَ وتجرَّؤوا عليها؛ حيث كانوا ممتَّعين في الدُّنيا، لم يصبْهم من عذاب الله شيءٌ؛ فلو ذاقوا عذابَه؛ لم يتجرَّؤوا. {9}{أم عِندَهُم خزائنُ رحمةِ ربِّك العزيز الوهَّاب}: فيعطون منها مَنْ شاؤوا ويمنعونَ منها مَن شاؤوا؛ حيث قالوا:{أأنزِلَ عليه الذِّكۡرُ مِن بَيۡنِنا}؛ أي: هذا فضلُه تعالى ورحمتُه، وليس ذلك بأيديهم حتى يتجرؤوا على الله. {10}{أم لهم مُلۡكُ السمواتِ والأرض وما بينَهما}: بحيثُ يكونون قادرين على ما يريدون، {فَلۡيَرۡتَقوا في الأسبابِ}: الموصلة لهم إلى السماء، فيقطعوا الرحمةَ عن رسول الله! فكيف يتكلَّمون وهم أعجزُ خلق الله وأضعفُهم بما تكلَّموا به؟! {11} أم قصدُهم التحزُّب والتجنُّد والتعاون على نصر الباطل وخذلان الحقِّ، وهو الواقعُ؛ فإنَّ هذا المقصودَ لا يتمُّ لهم، بل سعيُهم خائبٌ، وجندُهم مهزومٌ، ولهذا قال:{جندٌ ما هنالك مهزومٌ من الأحزابِ}.

ص 38:8

المجلد السابع من تيسير الكريم المنان في تفسير آيات القرآن لجامعه عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله السعدي غفر الله له ولوالديه وجميع المسلمين وهي مكية {1} هذا بيانٌ من الله تعالى لحال القرآن وحال المكذِّبين به معه ومع من جاء به، فقال:{ص والقرآنِ ذي الذِّكۡرِ}؛ أي: ذي القَدْر العظيم والشرف، المذكِّر للعباد كلَّ ما يحتاجون إليه من العلم بأسماء الله وصفاته وأفعاله، ومن العلم بأحكام الله الشرعية، ومن العلم بأحكام المعاد والجزاء؛ فهو مذكِّرٌ لهم في أصول دينهم وفروعه. وهنا لا يُحتاجُ إلى ذِكْرِ المقسَم عليه؛ فإنَّ حقيقة الأمر أنَّ المقسم به وعليه شيءٌ واحدٌ، وهو هذا القرآن الموصوف بهذا الوصف الجليل. {2} فإذا كان القرآن بهذا الوصف؛ عُلِمَ ضرورةُ العبادِ إليه فوق كلِّ ضرورةٍ، وكان الواجبُ عليهم تلقِّيه بالإيمان والتَّصديق والإقبال على استخراج ما يُتَذَكَّرُ به منه، فهدى الله مَنْ هدى لهذا، وأبى الكافرون به وبمن أنزلَه، وصار معهم عِزَّةٌ وشقاقٌ، عزَّةٌ وامتناعٌ عن الإيمان به، واستكبارٌ وشقاقٌ له؛ أي: مشاقَّة ومخاصمة في ردِّه وإبطاله وفي القَدْح بمن جاء به. {3} فتوعَّدهم بإهلاك القرون الماضية المكذِّبة بالرسل، وأنَّهم حين جاءهم الهلاكُ؛ نادَوْا واستغاثوا في صرف العذاب عنهم، ولكنْ {لاتَ حينَ مناص}؛ أي: وليس الوقت وقتَ خلاصٍ مما وقعوا فيه ولا فرج لما أصابهم، فليحذَرْ هؤلاء أن يَدوموا على عزَّتِهِم وشقاقِهِم؛ فيصيبُهم ما أصابهم. {4}{وعَجِبوا أن جاءهم منذرٌ منهم}؛ أي: عجب هؤلاء المكذِّبون في أمرٍ ليس محلَّ عجبٍ أن جاءهم منذرٌ منهم ليتمكَّنوا من التلقِّي عنه وليعرفوه حقَّ المعرفة، ولأنَّه من قومهم؛ فلا تأخُذُهم النَّخوة القوميَّة عن اتِّباعِهِ؛ فهذا مما يوجبُ الشكر عليهم وتمامَ الانقيادِ له، ولكنَّهم عكسوا القضيَّة، فتعجَّبوا تعجُّب إنكار، وقالوا من كفرهم وظلمهم:{هذا ساحرٌ كذابٌ}! {5} وذنبُهُ عندَهم أنَّه {جعل الآلهة إلهاً واحداً}؛ أي: كيف ينهى عن اتِّخاذ الشركاء والأنداد ويأمُرُ بإخلاص العبادة لله وحده؟! {إنَّ هذا}: الذي جاء به {لشيءٌ عُجابٌ}؛ أي: يقضى منه العجب لبطلانِهِ وفسادِهِ عندهم. {6}{وانطَلَقَ الملأ منهم}: المقبولُ قولُهم، محرِّضينَ قومَهم على التمسُّك بما هم عليه من الشرك. {أنِ امۡشوا واصبِروا على آلِهَتِكُم}؛ أي: استمرَّوا عليها وجاهدوا نفوسَكم في الصبر عليها وعلى عبادتها، ولا يردُّكم عنها رادٌّ، ولا يصدَّنَّكم عن عبادتها صادٌّ. {إنَّ هذا}: الذي جاء به محمدٌ من النهي عن عبادتها {لشيءٌ يُرادُ}؛ أي: يُقْصَدُ؛ أي: له قصدٌ ونيةٌ غير صالحة في ذلك، وهذه شبهةٌ لا تَروج إلاَّ على السُّفهاء؛ فإنَّ مَنْ دعا إلى قول حقٍّ أو غير حقٍّ لا يُرَدُّ قولُه بالقدح في نيَّتِهِ؛ فنيَّتُهُ وعملُه له، وإنَّما يُرَدُّ بمقابلتِهِ بما يُبْطِلُهُ ويفسِدُهُ من الحُجج والبراهين، وهم قصدُهم أنَّ محمداً ما دعاكم إلى ما دعاكم إلاَّ ليرأس فيكم ويكونَ معظَّماً عندكم متبوعاً. {7}{ما سمعنا بهذا}: القول الذي قاله والدين الذي دعا إليه {في الملَّةِ الآخرةِ}؛ أي: في الوقت الأخير، فلا أدْرَكْنا عليه آباءنا، ولا آباؤنا أدركوا آباءهم عليه؛ فامضوا على الذي مضى عليه آباؤكم؛ فإنَّه الحقُّ، وما هذا الذي دعا إليه محمدٌ إلاَّ اختلاقٌ اخْتَلَقَهُ وكذبٌ افتراه. وهذه أيضاً شبهةٌ من جنس شبهتهم الأولى؛ حيث ردُّوا الحقَّ بما ليس بحجَّة لردِّ أدنى قول، وهو أنَّه قولٌ مخالف لما عليه آباؤهم الضالُّون؛ فأين في هذا ما يدلُّ على بطلانه؟! {8}{أأُنزِلَ عليه الذِّكۡرُ من بيننا}؛ أي: ما الذي فضَّله علينا حتى ينزل الذِّكْر عليه من دوننا ويخصَّه الله به؟! وهذه أيضاً شبهةٌ، أين البرهانُ فيها على ردِّ ما قاله؟ وهل جميع الرسل إلاَّ بهذا الوصف؟! يمنُّ الله عليهم برسالته ويأمُرُهم بدعوة الخلق إلى الله. ولهذا؛ لما كانت هذه الأقوالُ الصادرةُ منهم لا يَصْلُحُ شيءٌ منها لردِّ ما جاء به الرسول؛ أخبر تعالى من أين صَدَرَتْ، وأنَّهم {في شكٍّ من ذِكۡري}: ليس عندَهم علمٌ ولا بيِّنةٌ، فلما وقعوا في الشكِّ وارتَضَوا به وجاءهم الحقُّ الواضحُ وكانوا جازمين بإقامتهم على شكِّهم؛ قالوا ما قالوا من تلك الأقوال لدفع الحقِّ، لا عن بيِّنة من أمرهم، وإنَّما ذلك من باب الائتفاكِ منهم. ومن المعلوم أنَّ مَنْ هو بهذه الصفة يتكلَّم عن شكٍّ وعنادٍ؛ فإنَّ قولَه غيرُ مقبول ولا قادح أدنى قدحٍ في الحقِّ، وأنَّه يتوجَّه عليه الذمُّ واللوم بمجرَّد كلامه، ولهذا توعَّدهم بالعذاب، فقال:{بل لَمَّا يَذوقوا عذابِ}؛ أي: قالوا هذه الأقوالَ وتجرَّؤوا عليها؛ حيث كانوا ممتَّعين في الدُّنيا، لم يصبْهم من عذاب الله شيءٌ؛ فلو ذاقوا عذابَه؛ لم يتجرَّؤوا. {9}{أم عِندَهُم خزائنُ رحمةِ ربِّك العزيز الوهَّاب}: فيعطون منها مَنْ شاؤوا ويمنعونَ منها مَن شاؤوا؛ حيث قالوا:{أأنزِلَ عليه الذِّكۡرُ مِن بَيۡنِنا}؛ أي: هذا فضلُه تعالى ورحمتُه، وليس ذلك بأيديهم حتى يتجرؤوا على الله. {10}{أم لهم مُلۡكُ السمواتِ والأرض وما بينَهما}: بحيثُ يكونون قادرين على ما يريدون، {فَلۡيَرۡتَقوا في الأسبابِ}: الموصلة لهم إلى السماء، فيقطعوا الرحمةَ عن رسول الله! فكيف يتكلَّمون وهم أعجزُ خلق الله وأضعفُهم بما تكلَّموا به؟! {11} أم قصدُهم التحزُّب والتجنُّد والتعاون على نصر الباطل وخذلان الحقِّ، وهو الواقعُ؛ فإنَّ هذا المقصودَ لا يتمُّ لهم، بل سعيُهم خائبٌ، وجندُهم مهزومٌ، ولهذا قال:{جندٌ ما هنالك مهزومٌ من الأحزابِ}.

ص 38:9

المجلد السابع من تيسير الكريم المنان في تفسير آيات القرآن لجامعه عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله السعدي غفر الله له ولوالديه وجميع المسلمين وهي مكية {1} هذا بيانٌ من الله تعالى لحال القرآن وحال المكذِّبين به معه ومع من جاء به، فقال:{ص والقرآنِ ذي الذِّكۡرِ}؛ أي: ذي القَدْر العظيم والشرف، المذكِّر للعباد كلَّ ما يحتاجون إليه من العلم بأسماء الله وصفاته وأفعاله، ومن العلم بأحكام الله الشرعية، ومن العلم بأحكام المعاد والجزاء؛ فهو مذكِّرٌ لهم في أصول دينهم وفروعه. وهنا لا يُحتاجُ إلى ذِكْرِ المقسَم عليه؛ فإنَّ حقيقة الأمر أنَّ المقسم به وعليه شيءٌ واحدٌ، وهو هذا القرآن الموصوف بهذا الوصف الجليل. {2} فإذا كان القرآن بهذا الوصف؛ عُلِمَ ضرورةُ العبادِ إليه فوق كلِّ ضرورةٍ، وكان الواجبُ عليهم تلقِّيه بالإيمان والتَّصديق والإقبال على استخراج ما يُتَذَكَّرُ به منه، فهدى الله مَنْ هدى لهذا، وأبى الكافرون به وبمن أنزلَه، وصار معهم عِزَّةٌ وشقاقٌ، عزَّةٌ وامتناعٌ عن الإيمان به، واستكبارٌ وشقاقٌ له؛ أي: مشاقَّة ومخاصمة في ردِّه وإبطاله وفي القَدْح بمن جاء به. {3} فتوعَّدهم بإهلاك القرون الماضية المكذِّبة بالرسل، وأنَّهم حين جاءهم الهلاكُ؛ نادَوْا واستغاثوا في صرف العذاب عنهم، ولكنْ {لاتَ حينَ مناص}؛ أي: وليس الوقت وقتَ خلاصٍ مما وقعوا فيه ولا فرج لما أصابهم، فليحذَرْ هؤلاء أن يَدوموا على عزَّتِهِم وشقاقِهِم؛ فيصيبُهم ما أصابهم. {4}{وعَجِبوا أن جاءهم منذرٌ منهم}؛ أي: عجب هؤلاء المكذِّبون في أمرٍ ليس محلَّ عجبٍ أن جاءهم منذرٌ منهم ليتمكَّنوا من التلقِّي عنه وليعرفوه حقَّ المعرفة، ولأنَّه من قومهم؛ فلا تأخُذُهم النَّخوة القوميَّة عن اتِّباعِهِ؛ فهذا مما يوجبُ الشكر عليهم وتمامَ الانقيادِ له، ولكنَّهم عكسوا القضيَّة، فتعجَّبوا تعجُّب إنكار، وقالوا من كفرهم وظلمهم:{هذا ساحرٌ كذابٌ}! {5} وذنبُهُ عندَهم أنَّه {جعل الآلهة إلهاً واحداً}؛ أي: كيف ينهى عن اتِّخاذ الشركاء والأنداد ويأمُرُ بإخلاص العبادة لله وحده؟! {إنَّ هذا}: الذي جاء به {لشيءٌ عُجابٌ}؛ أي: يقضى منه العجب لبطلانِهِ وفسادِهِ عندهم. {6}{وانطَلَقَ الملأ منهم}: المقبولُ قولُهم، محرِّضينَ قومَهم على التمسُّك بما هم عليه من الشرك. {أنِ امۡشوا واصبِروا على آلِهَتِكُم}؛ أي: استمرَّوا عليها وجاهدوا نفوسَكم في الصبر عليها وعلى عبادتها، ولا يردُّكم عنها رادٌّ، ولا يصدَّنَّكم عن عبادتها صادٌّ. {إنَّ هذا}: الذي جاء به محمدٌ من النهي عن عبادتها {لشيءٌ يُرادُ}؛ أي: يُقْصَدُ؛ أي: له قصدٌ ونيةٌ غير صالحة في ذلك، وهذه شبهةٌ لا تَروج إلاَّ على السُّفهاء؛ فإنَّ مَنْ دعا إلى قول حقٍّ أو غير حقٍّ لا يُرَدُّ قولُه بالقدح في نيَّتِهِ؛ فنيَّتُهُ وعملُه له، وإنَّما يُرَدُّ بمقابلتِهِ بما يُبْطِلُهُ ويفسِدُهُ من الحُجج والبراهين، وهم قصدُهم أنَّ محمداً ما دعاكم إلى ما دعاكم إلاَّ ليرأس فيكم ويكونَ معظَّماً عندكم متبوعاً. {7}{ما سمعنا بهذا}: القول الذي قاله والدين الذي دعا إليه {في الملَّةِ الآخرةِ}؛ أي: في الوقت الأخير، فلا أدْرَكْنا عليه آباءنا، ولا آباؤنا أدركوا آباءهم عليه؛ فامضوا على الذي مضى عليه آباؤكم؛ فإنَّه الحقُّ، وما هذا الذي دعا إليه محمدٌ إلاَّ اختلاقٌ اخْتَلَقَهُ وكذبٌ افتراه. وهذه أيضاً شبهةٌ من جنس شبهتهم الأولى؛ حيث ردُّوا الحقَّ بما ليس بحجَّة لردِّ أدنى قول، وهو أنَّه قولٌ مخالف لما عليه آباؤهم الضالُّون؛ فأين في هذا ما يدلُّ على بطلانه؟! {8}{أأُنزِلَ عليه الذِّكۡرُ من بيننا}؛ أي: ما الذي فضَّله علينا حتى ينزل الذِّكْر عليه من دوننا ويخصَّه الله به؟! وهذه أيضاً شبهةٌ، أين البرهانُ فيها على ردِّ ما قاله؟ وهل جميع الرسل إلاَّ بهذا الوصف؟! يمنُّ الله عليهم برسالته ويأمُرُهم بدعوة الخلق إلى الله. ولهذا؛ لما كانت هذه الأقوالُ الصادرةُ منهم لا يَصْلُحُ شيءٌ منها لردِّ ما جاء به الرسول؛ أخبر تعالى من أين صَدَرَتْ، وأنَّهم {في شكٍّ من ذِكۡري}: ليس عندَهم علمٌ ولا بيِّنةٌ، فلما وقعوا في الشكِّ وارتَضَوا به وجاءهم الحقُّ الواضحُ وكانوا جازمين بإقامتهم على شكِّهم؛ قالوا ما قالوا من تلك الأقوال لدفع الحقِّ، لا عن بيِّنة من أمرهم، وإنَّما ذلك من باب الائتفاكِ منهم. ومن المعلوم أنَّ مَنْ هو بهذه الصفة يتكلَّم عن شكٍّ وعنادٍ؛ فإنَّ قولَه غيرُ مقبول ولا قادح أدنى قدحٍ في الحقِّ، وأنَّه يتوجَّه عليه الذمُّ واللوم بمجرَّد كلامه، ولهذا توعَّدهم بالعذاب، فقال:{بل لَمَّا يَذوقوا عذابِ}؛ أي: قالوا هذه الأقوالَ وتجرَّؤوا عليها؛ حيث كانوا ممتَّعين في الدُّنيا، لم يصبْهم من عذاب الله شيءٌ؛ فلو ذاقوا عذابَه؛ لم يتجرَّؤوا. {9}{أم عِندَهُم خزائنُ رحمةِ ربِّك العزيز الوهَّاب}: فيعطون منها مَنْ شاؤوا ويمنعونَ منها مَن شاؤوا؛ حيث قالوا:{أأنزِلَ عليه الذِّكۡرُ مِن بَيۡنِنا}؛ أي: هذا فضلُه تعالى ورحمتُه، وليس ذلك بأيديهم حتى يتجرؤوا على الله. {10}{أم لهم مُلۡكُ السمواتِ والأرض وما بينَهما}: بحيثُ يكونون قادرين على ما يريدون، {فَلۡيَرۡتَقوا في الأسبابِ}: الموصلة لهم إلى السماء، فيقطعوا الرحمةَ عن رسول الله! فكيف يتكلَّمون وهم أعجزُ خلق الله وأضعفُهم بما تكلَّموا به؟! {11} أم قصدُهم التحزُّب والتجنُّد والتعاون على نصر الباطل وخذلان الحقِّ، وهو الواقعُ؛ فإنَّ هذا المقصودَ لا يتمُّ لهم، بل سعيُهم خائبٌ، وجندُهم مهزومٌ، ولهذا قال:{جندٌ ما هنالك مهزومٌ من الأحزابِ}.

ص 38:10

المجلد السابع من تيسير الكريم المنان في تفسير آيات القرآن لجامعه عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله السعدي غفر الله له ولوالديه وجميع المسلمين وهي مكية {1} هذا بيانٌ من الله تعالى لحال القرآن وحال المكذِّبين به معه ومع من جاء به، فقال:{ص والقرآنِ ذي الذِّكۡرِ}؛ أي: ذي القَدْر العظيم والشرف، المذكِّر للعباد كلَّ ما يحتاجون إليه من العلم بأسماء الله وصفاته وأفعاله، ومن العلم بأحكام الله الشرعية، ومن العلم بأحكام المعاد والجزاء؛ فهو مذكِّرٌ لهم في أصول دينهم وفروعه. وهنا لا يُحتاجُ إلى ذِكْرِ المقسَم عليه؛ فإنَّ حقيقة الأمر أنَّ المقسم به وعليه شيءٌ واحدٌ، وهو هذا القرآن الموصوف بهذا الوصف الجليل. {2} فإذا كان القرآن بهذا الوصف؛ عُلِمَ ضرورةُ العبادِ إليه فوق كلِّ ضرورةٍ، وكان الواجبُ عليهم تلقِّيه بالإيمان والتَّصديق والإقبال على استخراج ما يُتَذَكَّرُ به منه، فهدى الله مَنْ هدى لهذا، وأبى الكافرون به وبمن أنزلَه، وصار معهم عِزَّةٌ وشقاقٌ، عزَّةٌ وامتناعٌ عن الإيمان به، واستكبارٌ وشقاقٌ له؛ أي: مشاقَّة ومخاصمة في ردِّه وإبطاله وفي القَدْح بمن جاء به. {3} فتوعَّدهم بإهلاك القرون الماضية المكذِّبة بالرسل، وأنَّهم حين جاءهم الهلاكُ؛ نادَوْا واستغاثوا في صرف العذاب عنهم، ولكنْ {لاتَ حينَ مناص}؛ أي: وليس الوقت وقتَ خلاصٍ مما وقعوا فيه ولا فرج لما أصابهم، فليحذَرْ هؤلاء أن يَدوموا على عزَّتِهِم وشقاقِهِم؛ فيصيبُهم ما أصابهم. {4}{وعَجِبوا أن جاءهم منذرٌ منهم}؛ أي: عجب هؤلاء المكذِّبون في أمرٍ ليس محلَّ عجبٍ أن جاءهم منذرٌ منهم ليتمكَّنوا من التلقِّي عنه وليعرفوه حقَّ المعرفة، ولأنَّه من قومهم؛ فلا تأخُذُهم النَّخوة القوميَّة عن اتِّباعِهِ؛ فهذا مما يوجبُ الشكر عليهم وتمامَ الانقيادِ له، ولكنَّهم عكسوا القضيَّة، فتعجَّبوا تعجُّب إنكار، وقالوا من كفرهم وظلمهم:{هذا ساحرٌ كذابٌ}! {5} وذنبُهُ عندَهم أنَّه {جعل الآلهة إلهاً واحداً}؛ أي: كيف ينهى عن اتِّخاذ الشركاء والأنداد ويأمُرُ بإخلاص العبادة لله وحده؟! {إنَّ هذا}: الذي جاء به {لشيءٌ عُجابٌ}؛ أي: يقضى منه العجب لبطلانِهِ وفسادِهِ عندهم. {6}{وانطَلَقَ الملأ منهم}: المقبولُ قولُهم، محرِّضينَ قومَهم على التمسُّك بما هم عليه من الشرك. {أنِ امۡشوا واصبِروا على آلِهَتِكُم}؛ أي: استمرَّوا عليها وجاهدوا نفوسَكم في الصبر عليها وعلى عبادتها، ولا يردُّكم عنها رادٌّ، ولا يصدَّنَّكم عن عبادتها صادٌّ. {إنَّ هذا}: الذي جاء به محمدٌ من النهي عن عبادتها {لشيءٌ يُرادُ}؛ أي: يُقْصَدُ؛ أي: له قصدٌ ونيةٌ غير صالحة في ذلك، وهذه شبهةٌ لا تَروج إلاَّ على السُّفهاء؛ فإنَّ مَنْ دعا إلى قول حقٍّ أو غير حقٍّ لا يُرَدُّ قولُه بالقدح في نيَّتِهِ؛ فنيَّتُهُ وعملُه له، وإنَّما يُرَدُّ بمقابلتِهِ بما يُبْطِلُهُ ويفسِدُهُ من الحُجج والبراهين، وهم قصدُهم أنَّ محمداً ما دعاكم إلى ما دعاكم إلاَّ ليرأس فيكم ويكونَ معظَّماً عندكم متبوعاً. {7}{ما سمعنا بهذا}: القول الذي قاله والدين الذي دعا إليه {في الملَّةِ الآخرةِ}؛ أي: في الوقت الأخير، فلا أدْرَكْنا عليه آباءنا، ولا آباؤنا أدركوا آباءهم عليه؛ فامضوا على الذي مضى عليه آباؤكم؛ فإنَّه الحقُّ، وما هذا الذي دعا إليه محمدٌ إلاَّ اختلاقٌ اخْتَلَقَهُ وكذبٌ افتراه. وهذه أيضاً شبهةٌ من جنس شبهتهم الأولى؛ حيث ردُّوا الحقَّ بما ليس بحجَّة لردِّ أدنى قول، وهو أنَّه قولٌ مخالف لما عليه آباؤهم الضالُّون؛ فأين في هذا ما يدلُّ على بطلانه؟! {8}{أأُنزِلَ عليه الذِّكۡرُ من بيننا}؛ أي: ما الذي فضَّله علينا حتى ينزل الذِّكْر عليه من دوننا ويخصَّه الله به؟! وهذه أيضاً شبهةٌ، أين البرهانُ فيها على ردِّ ما قاله؟ وهل جميع الرسل إلاَّ بهذا الوصف؟! يمنُّ الله عليهم برسالته ويأمُرُهم بدعوة الخلق إلى الله. ولهذا؛ لما كانت هذه الأقوالُ الصادرةُ منهم لا يَصْلُحُ شيءٌ منها لردِّ ما جاء به الرسول؛ أخبر تعالى من أين صَدَرَتْ، وأنَّهم {في شكٍّ من ذِكۡري}: ليس عندَهم علمٌ ولا بيِّنةٌ، فلما وقعوا في الشكِّ وارتَضَوا به وجاءهم الحقُّ الواضحُ وكانوا جازمين بإقامتهم على شكِّهم؛ قالوا ما قالوا من تلك الأقوال لدفع الحقِّ، لا عن بيِّنة من أمرهم، وإنَّما ذلك من باب الائتفاكِ منهم. ومن المعلوم أنَّ مَنْ هو بهذه الصفة يتكلَّم عن شكٍّ وعنادٍ؛ فإنَّ قولَه غيرُ مقبول ولا قادح أدنى قدحٍ في الحقِّ، وأنَّه يتوجَّه عليه الذمُّ واللوم بمجرَّد كلامه، ولهذا توعَّدهم بالعذاب، فقال:{بل لَمَّا يَذوقوا عذابِ}؛ أي: قالوا هذه الأقوالَ وتجرَّؤوا عليها؛ حيث كانوا ممتَّعين في الدُّنيا، لم يصبْهم من عذاب الله شيءٌ؛ فلو ذاقوا عذابَه؛ لم يتجرَّؤوا. {9}{أم عِندَهُم خزائنُ رحمةِ ربِّك العزيز الوهَّاب}: فيعطون منها مَنْ شاؤوا ويمنعونَ منها مَن شاؤوا؛ حيث قالوا:{أأنزِلَ عليه الذِّكۡرُ مِن بَيۡنِنا}؛ أي: هذا فضلُه تعالى ورحمتُه، وليس ذلك بأيديهم حتى يتجرؤوا على الله. {10}{أم لهم مُلۡكُ السمواتِ والأرض وما بينَهما}: بحيثُ يكونون قادرين على ما يريدون، {فَلۡيَرۡتَقوا في الأسبابِ}: الموصلة لهم إلى السماء، فيقطعوا الرحمةَ عن رسول الله! فكيف يتكلَّمون وهم أعجزُ خلق الله وأضعفُهم بما تكلَّموا به؟! {11} أم قصدُهم التحزُّب والتجنُّد والتعاون على نصر الباطل وخذلان الحقِّ، وهو الواقعُ؛ فإنَّ هذا المقصودَ لا يتمُّ لهم، بل سعيُهم خائبٌ، وجندُهم مهزومٌ، ولهذا قال:{جندٌ ما هنالك مهزومٌ من الأحزابِ}.

ص 38:11

المجلد السابع من تيسير الكريم المنان في تفسير آيات القرآن لجامعه عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله السعدي غفر الله له ولوالديه وجميع المسلمين وهي مكية {1} هذا بيانٌ من الله تعالى لحال القرآن وحال المكذِّبين به معه ومع من جاء به، فقال:{ص والقرآنِ ذي الذِّكۡرِ}؛ أي: ذي القَدْر العظيم والشرف، المذكِّر للعباد كلَّ ما يحتاجون إليه من العلم بأسماء الله وصفاته وأفعاله، ومن العلم بأحكام الله الشرعية، ومن العلم بأحكام المعاد والجزاء؛ فهو مذكِّرٌ لهم في أصول دينهم وفروعه. وهنا لا يُحتاجُ إلى ذِكْرِ المقسَم عليه؛ فإنَّ حقيقة الأمر أنَّ المقسم به وعليه شيءٌ واحدٌ، وهو هذا القرآن الموصوف بهذا الوصف الجليل. {2} فإذا كان القرآن بهذا الوصف؛ عُلِمَ ضرورةُ العبادِ إليه فوق كلِّ ضرورةٍ، وكان الواجبُ عليهم تلقِّيه بالإيمان والتَّصديق والإقبال على استخراج ما يُتَذَكَّرُ به منه، فهدى الله مَنْ هدى لهذا، وأبى الكافرون به وبمن أنزلَه، وصار معهم عِزَّةٌ وشقاقٌ، عزَّةٌ وامتناعٌ عن الإيمان به، واستكبارٌ وشقاقٌ له؛ أي: مشاقَّة ومخاصمة في ردِّه وإبطاله وفي القَدْح بمن جاء به. {3} فتوعَّدهم بإهلاك القرون الماضية المكذِّبة بالرسل، وأنَّهم حين جاءهم الهلاكُ؛ نادَوْا واستغاثوا في صرف العذاب عنهم، ولكنْ {لاتَ حينَ مناص}؛ أي: وليس الوقت وقتَ خلاصٍ مما وقعوا فيه ولا فرج لما أصابهم، فليحذَرْ هؤلاء أن يَدوموا على عزَّتِهِم وشقاقِهِم؛ فيصيبُهم ما أصابهم. {4}{وعَجِبوا أن جاءهم منذرٌ منهم}؛ أي: عجب هؤلاء المكذِّبون في أمرٍ ليس محلَّ عجبٍ أن جاءهم منذرٌ منهم ليتمكَّنوا من التلقِّي عنه وليعرفوه حقَّ المعرفة، ولأنَّه من قومهم؛ فلا تأخُذُهم النَّخوة القوميَّة عن اتِّباعِهِ؛ فهذا مما يوجبُ الشكر عليهم وتمامَ الانقيادِ له، ولكنَّهم عكسوا القضيَّة، فتعجَّبوا تعجُّب إنكار، وقالوا من كفرهم وظلمهم:{هذا ساحرٌ كذابٌ}! {5} وذنبُهُ عندَهم أنَّه {جعل الآلهة إلهاً واحداً}؛ أي: كيف ينهى عن اتِّخاذ الشركاء والأنداد ويأمُرُ بإخلاص العبادة لله وحده؟! {إنَّ هذا}: الذي جاء به {لشيءٌ عُجابٌ}؛ أي: يقضى منه العجب لبطلانِهِ وفسادِهِ عندهم. {6}{وانطَلَقَ الملأ منهم}: المقبولُ قولُهم، محرِّضينَ قومَهم على التمسُّك بما هم عليه من الشرك. {أنِ امۡشوا واصبِروا على آلِهَتِكُم}؛ أي: استمرَّوا عليها وجاهدوا نفوسَكم في الصبر عليها وعلى عبادتها، ولا يردُّكم عنها رادٌّ، ولا يصدَّنَّكم عن عبادتها صادٌّ. {إنَّ هذا}: الذي جاء به محمدٌ من النهي عن عبادتها {لشيءٌ يُرادُ}؛ أي: يُقْصَدُ؛ أي: له قصدٌ ونيةٌ غير صالحة في ذلك، وهذه شبهةٌ لا تَروج إلاَّ على السُّفهاء؛ فإنَّ مَنْ دعا إلى قول حقٍّ أو غير حقٍّ لا يُرَدُّ قولُه بالقدح في نيَّتِهِ؛ فنيَّتُهُ وعملُه له، وإنَّما يُرَدُّ بمقابلتِهِ بما يُبْطِلُهُ ويفسِدُهُ من الحُجج والبراهين، وهم قصدُهم أنَّ محمداً ما دعاكم إلى ما دعاكم إلاَّ ليرأس فيكم ويكونَ معظَّماً عندكم متبوعاً. {7}{ما سمعنا بهذا}: القول الذي قاله والدين الذي دعا إليه {في الملَّةِ الآخرةِ}؛ أي: في الوقت الأخير، فلا أدْرَكْنا عليه آباءنا، ولا آباؤنا أدركوا آباءهم عليه؛ فامضوا على الذي مضى عليه آباؤكم؛ فإنَّه الحقُّ، وما هذا الذي دعا إليه محمدٌ إلاَّ اختلاقٌ اخْتَلَقَهُ وكذبٌ افتراه. وهذه أيضاً شبهةٌ من جنس شبهتهم الأولى؛ حيث ردُّوا الحقَّ بما ليس بحجَّة لردِّ أدنى قول، وهو أنَّه قولٌ مخالف لما عليه آباؤهم الضالُّون؛ فأين في هذا ما يدلُّ على بطلانه؟! {8}{أأُنزِلَ عليه الذِّكۡرُ من بيننا}؛ أي: ما الذي فضَّله علينا حتى ينزل الذِّكْر عليه من دوننا ويخصَّه الله به؟! وهذه أيضاً شبهةٌ، أين البرهانُ فيها على ردِّ ما قاله؟ وهل جميع الرسل إلاَّ بهذا الوصف؟! يمنُّ الله عليهم برسالته ويأمُرُهم بدعوة الخلق إلى الله. ولهذا؛ لما كانت هذه الأقوالُ الصادرةُ منهم لا يَصْلُحُ شيءٌ منها لردِّ ما جاء به الرسول؛ أخبر تعالى من أين صَدَرَتْ، وأنَّهم {في شكٍّ من ذِكۡري}: ليس عندَهم علمٌ ولا بيِّنةٌ، فلما وقعوا في الشكِّ وارتَضَوا به وجاءهم الحقُّ الواضحُ وكانوا جازمين بإقامتهم على شكِّهم؛ قالوا ما قالوا من تلك الأقوال لدفع الحقِّ، لا عن بيِّنة من أمرهم، وإنَّما ذلك من باب الائتفاكِ منهم. ومن المعلوم أنَّ مَنْ هو بهذه الصفة يتكلَّم عن شكٍّ وعنادٍ؛ فإنَّ قولَه غيرُ مقبول ولا قادح أدنى قدحٍ في الحقِّ، وأنَّه يتوجَّه عليه الذمُّ واللوم بمجرَّد كلامه، ولهذا توعَّدهم بالعذاب، فقال:{بل لَمَّا يَذوقوا عذابِ}؛ أي: قالوا هذه الأقوالَ وتجرَّؤوا عليها؛ حيث كانوا ممتَّعين في الدُّنيا، لم يصبْهم من عذاب الله شيءٌ؛ فلو ذاقوا عذابَه؛ لم يتجرَّؤوا. {9}{أم عِندَهُم خزائنُ رحمةِ ربِّك العزيز الوهَّاب}: فيعطون منها مَنْ شاؤوا ويمنعونَ منها مَن شاؤوا؛ حيث قالوا:{أأنزِلَ عليه الذِّكۡرُ مِن بَيۡنِنا}؛ أي: هذا فضلُه تعالى ورحمتُه، وليس ذلك بأيديهم حتى يتجرؤوا على الله. {10}{أم لهم مُلۡكُ السمواتِ والأرض وما بينَهما}: بحيثُ يكونون قادرين على ما يريدون، {فَلۡيَرۡتَقوا في الأسبابِ}: الموصلة لهم إلى السماء، فيقطعوا الرحمةَ عن رسول الله! فكيف يتكلَّمون وهم أعجزُ خلق الله وأضعفُهم بما تكلَّموا به؟! {11} أم قصدُهم التحزُّب والتجنُّد والتعاون على نصر الباطل وخذلان الحقِّ، وهو الواقعُ؛ فإنَّ هذا المقصودَ لا يتمُّ لهم، بل سعيُهم خائبٌ، وجندُهم مهزومٌ، ولهذا قال:{جندٌ ما هنالك مهزومٌ من الأحزابِ}.

ص 38:12

{12 ـ 15} يحذِّرُهم تعالى أن يَفْعَلَ بهم ما فعل بالأمم من قبلهم، الذين كانوا أعظم قوَّةً منهم وتحزُّباً على الباطل. {قومُ نوح وعادٌ}: قوم هود وفرعونُ ذي الأوتادِ؛ أي: الجنود العظيمة والقوَّة الهائلة، {وثمودُ}: قوم صالح، {وقومُ لوطٍ وأصحابُ الأيۡكَةِ}؛ أي: الأشجار والبساتين الملتفَّة، وهم قوم شعيب. {أولئك الأحزابُ}: الذين اجتمعوا بقوَّتهم وعَددِهِم وعُدَدِهِم على ردِّ الحقِّ، فلم تُغْنِ عنهم شيئاً {إن كُلٌّ}: من هؤلاء {إلاَّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فحقَّ}: عليهم {عقاب}: الله، وهؤلاء ما الذي يطهِّرهم ويزكِّيهم أن لا يُصيبَهم ما أصاب أولئك؟! فلينتظروا {صيحة واحدة ما لها من فَواقٍ}؛ أي: من رجوع وردٍّ، تهلِكُهم، وتستأصِلُهم إن أقاموا على ما هم عليه.

ص 38:13

{12 ـ 15} يحذِّرُهم تعالى أن يَفْعَلَ بهم ما فعل بالأمم من قبلهم، الذين كانوا أعظم قوَّةً منهم وتحزُّباً على الباطل. {قومُ نوح وعادٌ}: قوم هود وفرعونُ ذي الأوتادِ؛ أي: الجنود العظيمة والقوَّة الهائلة، {وثمودُ}: قوم صالح، {وقومُ لوطٍ وأصحابُ الأيۡكَةِ}؛ أي: الأشجار والبساتين الملتفَّة، وهم قوم شعيب. {أولئك الأحزابُ}: الذين اجتمعوا بقوَّتهم وعَددِهِم وعُدَدِهِم على ردِّ الحقِّ، فلم تُغْنِ عنهم شيئاً {إن كُلٌّ}: من هؤلاء {إلاَّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فحقَّ}: عليهم {عقاب}: الله، وهؤلاء ما الذي يطهِّرهم ويزكِّيهم أن لا يُصيبَهم ما أصاب أولئك؟! فلينتظروا {صيحة واحدة ما لها من فَواقٍ}؛ أي: من رجوع وردٍّ، تهلِكُهم، وتستأصِلُهم إن أقاموا على ما هم عليه.

ص 38:14

{12 ـ 15} يحذِّرُهم تعالى أن يَفْعَلَ بهم ما فعل بالأمم من قبلهم، الذين كانوا أعظم قوَّةً منهم وتحزُّباً على الباطل. {قومُ نوح وعادٌ}: قوم هود وفرعونُ ذي الأوتادِ؛ أي: الجنود العظيمة والقوَّة الهائلة، {وثمودُ}: قوم صالح، {وقومُ لوطٍ وأصحابُ الأيۡكَةِ}؛ أي: الأشجار والبساتين الملتفَّة، وهم قوم شعيب. {أولئك الأحزابُ}: الذين اجتمعوا بقوَّتهم وعَددِهِم وعُدَدِهِم على ردِّ الحقِّ، فلم تُغْنِ عنهم شيئاً {إن كُلٌّ}: من هؤلاء {إلاَّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فحقَّ}: عليهم {عقاب}: الله، وهؤلاء ما الذي يطهِّرهم ويزكِّيهم أن لا يُصيبَهم ما أصاب أولئك؟! فلينتظروا {صيحة واحدة ما لها من فَواقٍ}؛ أي: من رجوع وردٍّ، تهلِكُهم، وتستأصِلُهم إن أقاموا على ما هم عليه.

ص 38:15

{12 ـ 15} يحذِّرُهم تعالى أن يَفْعَلَ بهم ما فعل بالأمم من قبلهم، الذين كانوا أعظم قوَّةً منهم وتحزُّباً على الباطل. {قومُ نوح وعادٌ}: قوم هود وفرعونُ ذي الأوتادِ؛ أي: الجنود العظيمة والقوَّة الهائلة، {وثمودُ}: قوم صالح، {وقومُ لوطٍ وأصحابُ الأيۡكَةِ}؛ أي: الأشجار والبساتين الملتفَّة، وهم قوم شعيب. {أولئك الأحزابُ}: الذين اجتمعوا بقوَّتهم وعَددِهِم وعُدَدِهِم على ردِّ الحقِّ، فلم تُغْنِ عنهم شيئاً {إن كُلٌّ}: من هؤلاء {إلاَّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فحقَّ}: عليهم {عقاب}: الله، وهؤلاء ما الذي يطهِّرهم ويزكِّيهم أن لا يُصيبَهم ما أصاب أولئك؟! فلينتظروا {صيحة واحدة ما لها من فَواقٍ}؛ أي: من رجوع وردٍّ، تهلِكُهم، وتستأصِلُهم إن أقاموا على ما هم عليه.

ص 38:16

{16} أي: قال هؤلاءِ المكذِّبون من جَهْلِهِم ومعانَدَتِهِم الحقَّ مستعجلين للعذاب: {ربَّنا عَجِّلۡ لنا قِطَّنا}؛ أي: قِسْطَنا وما قسم لنا من العذابِ عاجلاً {قبلَ يوم الحسابِ}: ولجُّوا في هذا القول، وزعموا أنَّك يا محمدُ إن كنتَ صادقاً؛ فعلامةُ صدقِكَ أن تأتينا بالعذاب.

ص 38:17

{17} فقال لرسوله: {اصۡبِرۡ على ما يَقولونَ}: كما صبر مَنْ قَبْلَكَ من الرُّسل؛ فإنَّ قولَهم لا يضرُّ الحقَّ شيئاً، ولا يضرُّونك في شيءٍ، وإنَّما يضرُّون أنفسَهم. لمَّا أمر الله رسولَه بالصبر على قومه؛ أمَرَه أن يستعينَ على الصبر بالعبادةِ لله وحدَه، ويتذكَّرَ حال العابدين؛ كما قال في الآية الأخرى:{فاصۡبِرۡ على ما يَقولونَ وسَبِّحۡ بِحَمۡدِ ربِّكَ قبلَ طُلوع الشمسِ وقبلَ غُروبها}. ومن أعظم العابدين نبيُّ الله داود عليه الصلاة والسلام، ذو {الأيۡدِ}؛ أي: القوة العظيمة على عبادةِ الله تعالى في بدنِهِ وقلبِهِ. {إنَّه أوَّابٌ}؛ أي: رجاعٌ إلى الله في جميع الأمور بالإنابة إليه بالحبِّ والتألُّه والخوف والرجا وكثرَةِ التضرُّع والدُّعاء، رجاعٌ إليه عندما يقعُ منه بعض الخلل بالإقلاع والتوبة النَّصوح. {18 ـ 19} ومن شدة إنابته لربِّه وعبادتِهِ أن سَخَّرَ الله الجبال معه تسبِّحُ معه بحمدِ ربِّها {بالعشيِّ والإشراقِ}: أول النهار وآخره، {و} سخَّر {الطيرَ محشورةً}: معه مجموعةً. {كلٌّ}: من الجبال والطير {له} تعالى {أوابٌ}: امتثالاً لقوله تعالى: {يا جبالُ أوِّبي معه والطير}: فهذه منَّةُ الله عليه بالعبادة. {20} ثم ذكر منَّته عليه بالملك العظيم، فقال:{وشَدَدۡنا مُلۡكَه}؛ أي: قوَّيْناه بما أعطيناه من الأسباب وكثرة العَدَدِ والعُدَدِ التي بها قوَّى اللهُ ملكَه. ثم ذكر مِنَّتَه عليه بالعلم، فقال:{وآتَيۡناه الحكمةَ}؛ أي: النبوَّة والعلم العظيم {وفصلَ الخطابِ}؛ أي: الخصومات بين الناس.

ص 38:18

{17} فقال لرسوله: {اصۡبِرۡ على ما يَقولونَ}: كما صبر مَنْ قَبْلَكَ من الرُّسل؛ فإنَّ قولَهم لا يضرُّ الحقَّ شيئاً، ولا يضرُّونك في شيءٍ، وإنَّما يضرُّون أنفسَهم. لمَّا أمر الله رسولَه بالصبر على قومه؛ أمَرَه أن يستعينَ على الصبر بالعبادةِ لله وحدَه، ويتذكَّرَ حال العابدين؛ كما قال في الآية الأخرى:{فاصۡبِرۡ على ما يَقولونَ وسَبِّحۡ بِحَمۡدِ ربِّكَ قبلَ طُلوع الشمسِ وقبلَ غُروبها}. ومن أعظم العابدين نبيُّ الله داود عليه الصلاة والسلام، ذو {الأيۡدِ}؛ أي: القوة العظيمة على عبادةِ الله تعالى في بدنِهِ وقلبِهِ. {إنَّه أوَّابٌ}؛ أي: رجاعٌ إلى الله في جميع الأمور بالإنابة إليه بالحبِّ والتألُّه والخوف والرجا وكثرَةِ التضرُّع والدُّعاء، رجاعٌ إليه عندما يقعُ منه بعض الخلل بالإقلاع والتوبة النَّصوح. {18 ـ 19} ومن شدة إنابته لربِّه وعبادتِهِ أن سَخَّرَ الله الجبال معه تسبِّحُ معه بحمدِ ربِّها {بالعشيِّ والإشراقِ}: أول النهار وآخره، {و} سخَّر {الطيرَ محشورةً}: معه مجموعةً. {كلٌّ}: من الجبال والطير {له} تعالى {أوابٌ}: امتثالاً لقوله تعالى: {يا جبالُ أوِّبي معه والطير}: فهذه منَّةُ الله عليه بالعبادة. {20} ثم ذكر منَّته عليه بالملك العظيم، فقال:{وشَدَدۡنا مُلۡكَه}؛ أي: قوَّيْناه بما أعطيناه من الأسباب وكثرة العَدَدِ والعُدَدِ التي بها قوَّى اللهُ ملكَه. ثم ذكر مِنَّتَه عليه بالعلم، فقال:{وآتَيۡناه الحكمةَ}؛ أي: النبوَّة والعلم العظيم {وفصلَ الخطابِ}؛ أي: الخصومات بين الناس.

ص 38:19

{17} فقال لرسوله: {اصۡبِرۡ على ما يَقولونَ}: كما صبر مَنْ قَبْلَكَ من الرُّسل؛ فإنَّ قولَهم لا يضرُّ الحقَّ شيئاً، ولا يضرُّونك في شيءٍ، وإنَّما يضرُّون أنفسَهم. لمَّا أمر الله رسولَه بالصبر على قومه؛ أمَرَه أن يستعينَ على الصبر بالعبادةِ لله وحدَه، ويتذكَّرَ حال العابدين؛ كما قال في الآية الأخرى:{فاصۡبِرۡ على ما يَقولونَ وسَبِّحۡ بِحَمۡدِ ربِّكَ قبلَ طُلوع الشمسِ وقبلَ غُروبها}. ومن أعظم العابدين نبيُّ الله داود عليه الصلاة والسلام، ذو {الأيۡدِ}؛ أي: القوة العظيمة على عبادةِ الله تعالى في بدنِهِ وقلبِهِ. {إنَّه أوَّابٌ}؛ أي: رجاعٌ إلى الله في جميع الأمور بالإنابة إليه بالحبِّ والتألُّه والخوف والرجا وكثرَةِ التضرُّع والدُّعاء، رجاعٌ إليه عندما يقعُ منه بعض الخلل بالإقلاع والتوبة النَّصوح. {18 ـ 19} ومن شدة إنابته لربِّه وعبادتِهِ أن سَخَّرَ الله الجبال معه تسبِّحُ معه بحمدِ ربِّها {بالعشيِّ والإشراقِ}: أول النهار وآخره، {و} سخَّر {الطيرَ محشورةً}: معه مجموعةً. {كلٌّ}: من الجبال والطير {له} تعالى {أوابٌ}: امتثالاً لقوله تعالى: {يا جبالُ أوِّبي معه والطير}: فهذه منَّةُ الله عليه بالعبادة. {20} ثم ذكر منَّته عليه بالملك العظيم، فقال:{وشَدَدۡنا مُلۡكَه}؛ أي: قوَّيْناه بما أعطيناه من الأسباب وكثرة العَدَدِ والعُدَدِ التي بها قوَّى اللهُ ملكَه. ثم ذكر مِنَّتَه عليه بالعلم، فقال:{وآتَيۡناه الحكمةَ}؛ أي: النبوَّة والعلم العظيم {وفصلَ الخطابِ}؛ أي: الخصومات بين الناس.

ص 38:20

{17} فقال لرسوله: {اصۡبِرۡ على ما يَقولونَ}: كما صبر مَنْ قَبْلَكَ من الرُّسل؛ فإنَّ قولَهم لا يضرُّ الحقَّ شيئاً، ولا يضرُّونك في شيءٍ، وإنَّما يضرُّون أنفسَهم. لمَّا أمر الله رسولَه بالصبر على قومه؛ أمَرَه أن يستعينَ على الصبر بالعبادةِ لله وحدَه، ويتذكَّرَ حال العابدين؛ كما قال في الآية الأخرى:{فاصۡبِرۡ على ما يَقولونَ وسَبِّحۡ بِحَمۡدِ ربِّكَ قبلَ طُلوع الشمسِ وقبلَ غُروبها}. ومن أعظم العابدين نبيُّ الله داود عليه الصلاة والسلام، ذو {الأيۡدِ}؛ أي: القوة العظيمة على عبادةِ الله تعالى في بدنِهِ وقلبِهِ. {إنَّه أوَّابٌ}؛ أي: رجاعٌ إلى الله في جميع الأمور بالإنابة إليه بالحبِّ والتألُّه والخوف والرجا وكثرَةِ التضرُّع والدُّعاء، رجاعٌ إليه عندما يقعُ منه بعض الخلل بالإقلاع والتوبة النَّصوح. {18 ـ 19} ومن شدة إنابته لربِّه وعبادتِهِ أن سَخَّرَ الله الجبال معه تسبِّحُ معه بحمدِ ربِّها {بالعشيِّ والإشراقِ}: أول النهار وآخره، {و} سخَّر {الطيرَ محشورةً}: معه مجموعةً. {كلٌّ}: من الجبال والطير {له} تعالى {أوابٌ}: امتثالاً لقوله تعالى: {يا جبالُ أوِّبي معه والطير}: فهذه منَّةُ الله عليه بالعبادة. {20} ثم ذكر منَّته عليه بالملك العظيم، فقال:{وشَدَدۡنا مُلۡكَه}؛ أي: قوَّيْناه بما أعطيناه من الأسباب وكثرة العَدَدِ والعُدَدِ التي بها قوَّى اللهُ ملكَه. ثم ذكر مِنَّتَه عليه بالعلم، فقال:{وآتَيۡناه الحكمةَ}؛ أي: النبوَّة والعلم العظيم {وفصلَ الخطابِ}؛ أي: الخصومات بين الناس.

ص 38:21

{21} لما ذكر تعالى أنَّه آتى نبيَّه داود الفصل في الخطاب بين الناس، وكان معروفاً بذلك مقصوداً؛ ذَكَرَ تعالى نبأ خصمينِ اختصما عنده في قضيَّةٍ جعلهما الله فتنةً لداود وموعظةً لخلل ارتَكَبَهُ، فتاب الله عليه وغَفَرَ له وقيَّضَ له هذه القضيَّة، فقال لنبيِّه محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -: {وهل أتاك نبأُ الخصم}: فإنَّه نبأ عجيبٌ، {إذ تَسَوَّروا}: على داود {المحرابَ}؛ أي: محلَّ عبادتِهِ من غير إذنٍ ولا استئذانٍ، ولم يدخُلوا عليه مع باب. {22} فلذلك لما دَخَلوا عليه بهذه الصورةِ؛ فَزِعَ منهم وخاف، فقالوا له: نحن خصمانِ؛ فلا تخفْ، {بغى بعضُنا على بعضٍ}: بالظلم، {فاحۡكُم بينَنا بالحقِّ}؛ أي: بالعدل ولا تَمِلْ مع أحدِنا، {ولا تُشۡطِطۡ واهۡدِنا إلى سواءِ الصِّراطِ}. {23} والمقصود من هذا أن الخصمين قد عُرِفَ أنَّ قصدَهما الحقُّ الواضحُ الصرفُ، وإذا كان ذلك؛ فسيقصُّون عليه نبأهم بالحقِّ، فلم يشمئزَّ نبيُّ الله داود من وعِظِهما له ولم يؤنِّبْهما، فقال أحدُهما:{إنَّ هذا أخي}: نصَّ على الأخوَّة في الدين أو النسب أو الصداقة؛ لاقتضائِها عدم البغي، وأن بغيَه الصادرَ منه أعظمُ من غيره، {له تسعٌ وتسعون نعجةً}؛ أي: زوجة، وذلك خير كثيرٌ يوجِبُ عليه القناعة بما آتاه الله، {ولي نعجةٌ واحدةٌ}، فطمع فيها، {فقال أكۡفِلۡنيها}؛ أي: دعها لي وخَلِّها في كفالتي، {وعَزَّني في الخطاب}؛ أي: غلبني في القول، فلم يزلْ بي حتى أدركها أو كادَ. {24} فقال داود لما سمع كلامَه، ومن المعلوم من السياق السابق من كلامِهِما أنَّ هذا هو الواقع؛ فلهذا لم يحتج أن يتكلَّم الآخرُ؛ فلا وجهَ للاعتراض بقول القائل: لِمَ حَكَمَ داودُ قبل أن يسمعَ كلام الخصم الآخر؟ {لقد ظَلَمَكَ بسؤال نعجتِكَ إلى نعاجِهِ}: وهذه عادةُ الخُلَطاء والقرناءِ الكثير منهم، فقال:{وإنَّ كثيراً من الخُلَطاءِ لَيَبۡغي بعضُهم على بعضٍ}: لأنَّ الظُّلم من صفة النفوس {إلاَّ الذين آمنوا وعملوا الصالحاتِ}: فإنَّ ما مَعَهم من الإيمان والعمل الصالح يمنعُهم من الظُّلم، {وقليلٌ ما هم}؛ كما قال تعالى:{وقليلٌ من عِبادي الشَّكُورُ}. {وظنَّ داودُ}: حين حَكَمَ بينَهما {أنَّما فَتَنَّاهُ}؛ أي: اختبرناه ودبَّرْنا عليه هذه القضيةَ ليتنبَّهَ، {فاسۡتَغۡفَرَ ربَّه}: لما صدر منه، {وخَرَّ راكعاً}؛ أي: ساجداً، {وأناب}: لله تعالى بالتوبة النصوح والعبادة. {25}{فغفرنا له ذلك}: الذي صَدَرَ منه، وأكرمه الله بأنواع الكراماتِ، فقال:{وإنَّ له عندَنا لَزُلۡفى}؛ أي: منزلة عالية وقربة منَّا، {وحسنَ مآبٍ}؛ أي: مرجع. وهذا الذنبُ الذي صَدَرَ من داود عليه السلام لم يَذْكُرْهُ الله لعدم الحاجةِ إلى ذكرِهِ؛ فالتعرُّضُ له من باب التكلُّف، وإنَّما الفائدةُ ما قصَّه الله علينا من لطفِهِ به وتوبتِهِ وإنابتِهِ وأنَّه ارتفع محلُّه فكان بعد التوبةِ أحسنَ منه قبلَها. {26}{يا داود إنَّا جَعَلۡناكَ خليفةً في الأرض}: تنفِّذُ فيها القضايا الدينيَّةَ والدنيويَّةَ، {فاحۡكُم بين الناسِ بالحقِّ}؛ أي: العدل، وهذا لا يتمكَّن منه إلا بعلم بالواجب وعلم بالواقع وقدرةٍ على تنفيذ الحقِّ، {ولا تَتَّبِع الهوى}: فتميل مع أحدٍ لقرابةٍ أو صداقةٍ أو محبةٍ أو بغضٍ للآخر، {فيضلَّك}: الهوى {عن سبيل الله}: ويخرِجَك عن الصراط المستقيم. {إنَّ الذين يَضِلُّون عن سبيل الله}: خصوصاً المتعمِّدين منهم {لهم عذابٌ شديدٌ بما نسوا يومَ الحسابِ}؛ فلو ذَكَروه ووقع خوفُهُ في قلوبِهِم؛ لم يَميلوا مع الهوى الفاتن.

ص 38:22

{21} لما ذكر تعالى أنَّه آتى نبيَّه داود الفصل في الخطاب بين الناس، وكان معروفاً بذلك مقصوداً؛ ذَكَرَ تعالى نبأ خصمينِ اختصما عنده في قضيَّةٍ جعلهما الله فتنةً لداود وموعظةً لخلل ارتَكَبَهُ، فتاب الله عليه وغَفَرَ له وقيَّضَ له هذه القضيَّة، فقال لنبيِّه محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -: {وهل أتاك نبأُ الخصم}: فإنَّه نبأ عجيبٌ، {إذ تَسَوَّروا}: على داود {المحرابَ}؛ أي: محلَّ عبادتِهِ من غير إذنٍ ولا استئذانٍ، ولم يدخُلوا عليه مع باب. {22} فلذلك لما دَخَلوا عليه بهذه الصورةِ؛ فَزِعَ منهم وخاف، فقالوا له: نحن خصمانِ؛ فلا تخفْ، {بغى بعضُنا على بعضٍ}: بالظلم، {فاحۡكُم بينَنا بالحقِّ}؛ أي: بالعدل ولا تَمِلْ مع أحدِنا، {ولا تُشۡطِطۡ واهۡدِنا إلى سواءِ الصِّراطِ}. {23} والمقصود من هذا أن الخصمين قد عُرِفَ أنَّ قصدَهما الحقُّ الواضحُ الصرفُ، وإذا كان ذلك؛ فسيقصُّون عليه نبأهم بالحقِّ، فلم يشمئزَّ نبيُّ الله داود من وعِظِهما له ولم يؤنِّبْهما، فقال أحدُهما:{إنَّ هذا أخي}: نصَّ على الأخوَّة في الدين أو النسب أو الصداقة؛ لاقتضائِها عدم البغي، وأن بغيَه الصادرَ منه أعظمُ من غيره، {له تسعٌ وتسعون نعجةً}؛ أي: زوجة، وذلك خير كثيرٌ يوجِبُ عليه القناعة بما آتاه الله، {ولي نعجةٌ واحدةٌ}، فطمع فيها، {فقال أكۡفِلۡنيها}؛ أي: دعها لي وخَلِّها في كفالتي، {وعَزَّني في الخطاب}؛ أي: غلبني في القول، فلم يزلْ بي حتى أدركها أو كادَ. {24} فقال داود لما سمع كلامَه، ومن المعلوم من السياق السابق من كلامِهِما أنَّ هذا هو الواقع؛ فلهذا لم يحتج أن يتكلَّم الآخرُ؛ فلا وجهَ للاعتراض بقول القائل: لِمَ حَكَمَ داودُ قبل أن يسمعَ كلام الخصم الآخر؟ {لقد ظَلَمَكَ بسؤال نعجتِكَ إلى نعاجِهِ}: وهذه عادةُ الخُلَطاء والقرناءِ الكثير منهم، فقال:{وإنَّ كثيراً من الخُلَطاءِ لَيَبۡغي بعضُهم على بعضٍ}: لأنَّ الظُّلم من صفة النفوس {إلاَّ الذين آمنوا وعملوا الصالحاتِ}: فإنَّ ما مَعَهم من الإيمان والعمل الصالح يمنعُهم من الظُّلم، {وقليلٌ ما هم}؛ كما قال تعالى:{وقليلٌ من عِبادي الشَّكُورُ}. {وظنَّ داودُ}: حين حَكَمَ بينَهما {أنَّما فَتَنَّاهُ}؛ أي: اختبرناه ودبَّرْنا عليه هذه القضيةَ ليتنبَّهَ، {فاسۡتَغۡفَرَ ربَّه}: لما صدر منه، {وخَرَّ راكعاً}؛ أي: ساجداً، {وأناب}: لله تعالى بالتوبة النصوح والعبادة. {25}{فغفرنا له ذلك}: الذي صَدَرَ منه، وأكرمه الله بأنواع الكراماتِ، فقال:{وإنَّ له عندَنا لَزُلۡفى}؛ أي: منزلة عالية وقربة منَّا، {وحسنَ مآبٍ}؛ أي: مرجع. وهذا الذنبُ الذي صَدَرَ من داود عليه السلام لم يَذْكُرْهُ الله لعدم الحاجةِ إلى ذكرِهِ؛ فالتعرُّضُ له من باب التكلُّف، وإنَّما الفائدةُ ما قصَّه الله علينا من لطفِهِ به وتوبتِهِ وإنابتِهِ وأنَّه ارتفع محلُّه فكان بعد التوبةِ أحسنَ منه قبلَها. {26}{يا داود إنَّا جَعَلۡناكَ خليفةً في الأرض}: تنفِّذُ فيها القضايا الدينيَّةَ والدنيويَّةَ، {فاحۡكُم بين الناسِ بالحقِّ}؛ أي: العدل، وهذا لا يتمكَّن منه إلا بعلم بالواجب وعلم بالواقع وقدرةٍ على تنفيذ الحقِّ، {ولا تَتَّبِع الهوى}: فتميل مع أحدٍ لقرابةٍ أو صداقةٍ أو محبةٍ أو بغضٍ للآخر، {فيضلَّك}: الهوى {عن سبيل الله}: ويخرِجَك عن الصراط المستقيم. {إنَّ الذين يَضِلُّون عن سبيل الله}: خصوصاً المتعمِّدين منهم {لهم عذابٌ شديدٌ بما نسوا يومَ الحسابِ}؛ فلو ذَكَروه ووقع خوفُهُ في قلوبِهِم؛ لم يَميلوا مع الهوى الفاتن.

ص 38:23

{21} لما ذكر تعالى أنَّه آتى نبيَّه داود الفصل في الخطاب بين الناس، وكان معروفاً بذلك مقصوداً؛ ذَكَرَ تعالى نبأ خصمينِ اختصما عنده في قضيَّةٍ جعلهما الله فتنةً لداود وموعظةً لخلل ارتَكَبَهُ، فتاب الله عليه وغَفَرَ له وقيَّضَ له هذه القضيَّة، فقال لنبيِّه محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -: {وهل أتاك نبأُ الخصم}: فإنَّه نبأ عجيبٌ، {إذ تَسَوَّروا}: على داود {المحرابَ}؛ أي: محلَّ عبادتِهِ من غير إذنٍ ولا استئذانٍ، ولم يدخُلوا عليه مع باب. {22} فلذلك لما دَخَلوا عليه بهذه الصورةِ؛ فَزِعَ منهم وخاف، فقالوا له: نحن خصمانِ؛ فلا تخفْ، {بغى بعضُنا على بعضٍ}: بالظلم، {فاحۡكُم بينَنا بالحقِّ}؛ أي: بالعدل ولا تَمِلْ مع أحدِنا، {ولا تُشۡطِطۡ واهۡدِنا إلى سواءِ الصِّراطِ}. {23} والمقصود من هذا أن الخصمين قد عُرِفَ أنَّ قصدَهما الحقُّ الواضحُ الصرفُ، وإذا كان ذلك؛ فسيقصُّون عليه نبأهم بالحقِّ، فلم يشمئزَّ نبيُّ الله داود من وعِظِهما له ولم يؤنِّبْهما، فقال أحدُهما:{إنَّ هذا أخي}: نصَّ على الأخوَّة في الدين أو النسب أو الصداقة؛ لاقتضائِها عدم البغي، وأن بغيَه الصادرَ منه أعظمُ من غيره، {له تسعٌ وتسعون نعجةً}؛ أي: زوجة، وذلك خير كثيرٌ يوجِبُ عليه القناعة بما آتاه الله، {ولي نعجةٌ واحدةٌ}، فطمع فيها، {فقال أكۡفِلۡنيها}؛ أي: دعها لي وخَلِّها في كفالتي، {وعَزَّني في الخطاب}؛ أي: غلبني في القول، فلم يزلْ بي حتى أدركها أو كادَ. {24} فقال داود لما سمع كلامَه، ومن المعلوم من السياق السابق من كلامِهِما أنَّ هذا هو الواقع؛ فلهذا لم يحتج أن يتكلَّم الآخرُ؛ فلا وجهَ للاعتراض بقول القائل: لِمَ حَكَمَ داودُ قبل أن يسمعَ كلام الخصم الآخر؟ {لقد ظَلَمَكَ بسؤال نعجتِكَ إلى نعاجِهِ}: وهذه عادةُ الخُلَطاء والقرناءِ الكثير منهم، فقال:{وإنَّ كثيراً من الخُلَطاءِ لَيَبۡغي بعضُهم على بعضٍ}: لأنَّ الظُّلم من صفة النفوس {إلاَّ الذين آمنوا وعملوا الصالحاتِ}: فإنَّ ما مَعَهم من الإيمان والعمل الصالح يمنعُهم من الظُّلم، {وقليلٌ ما هم}؛ كما قال تعالى:{وقليلٌ من عِبادي الشَّكُورُ}. {وظنَّ داودُ}: حين حَكَمَ بينَهما {أنَّما فَتَنَّاهُ}؛ أي: اختبرناه ودبَّرْنا عليه هذه القضيةَ ليتنبَّهَ، {فاسۡتَغۡفَرَ ربَّه}: لما صدر منه، {وخَرَّ راكعاً}؛ أي: ساجداً، {وأناب}: لله تعالى بالتوبة النصوح والعبادة. {25}{فغفرنا له ذلك}: الذي صَدَرَ منه، وأكرمه الله بأنواع الكراماتِ، فقال:{وإنَّ له عندَنا لَزُلۡفى}؛ أي: منزلة عالية وقربة منَّا، {وحسنَ مآبٍ}؛ أي: مرجع. وهذا الذنبُ الذي صَدَرَ من داود عليه السلام لم يَذْكُرْهُ الله لعدم الحاجةِ إلى ذكرِهِ؛ فالتعرُّضُ له من باب التكلُّف، وإنَّما الفائدةُ ما قصَّه الله علينا من لطفِهِ به وتوبتِهِ وإنابتِهِ وأنَّه ارتفع محلُّه فكان بعد التوبةِ أحسنَ منه قبلَها. {26}{يا داود إنَّا جَعَلۡناكَ خليفةً في الأرض}: تنفِّذُ فيها القضايا الدينيَّةَ والدنيويَّةَ، {فاحۡكُم بين الناسِ بالحقِّ}؛ أي: العدل، وهذا لا يتمكَّن منه إلا بعلم بالواجب وعلم بالواقع وقدرةٍ على تنفيذ الحقِّ، {ولا تَتَّبِع الهوى}: فتميل مع أحدٍ لقرابةٍ أو صداقةٍ أو محبةٍ أو بغضٍ للآخر، {فيضلَّك}: الهوى {عن سبيل الله}: ويخرِجَك عن الصراط المستقيم. {إنَّ الذين يَضِلُّون عن سبيل الله}: خصوصاً المتعمِّدين منهم {لهم عذابٌ شديدٌ بما نسوا يومَ الحسابِ}؛ فلو ذَكَروه ووقع خوفُهُ في قلوبِهِم؛ لم يَميلوا مع الهوى الفاتن.

ص 38:24

{21} لما ذكر تعالى أنَّه آتى نبيَّه داود الفصل في الخطاب بين الناس، وكان معروفاً بذلك مقصوداً؛ ذَكَرَ تعالى نبأ خصمينِ اختصما عنده في قضيَّةٍ جعلهما الله فتنةً لداود وموعظةً لخلل ارتَكَبَهُ، فتاب الله عليه وغَفَرَ له وقيَّضَ له هذه القضيَّة، فقال لنبيِّه محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -: {وهل أتاك نبأُ الخصم}: فإنَّه نبأ عجيبٌ، {إذ تَسَوَّروا}: على داود {المحرابَ}؛ أي: محلَّ عبادتِهِ من غير إذنٍ ولا استئذانٍ، ولم يدخُلوا عليه مع باب. {22} فلذلك لما دَخَلوا عليه بهذه الصورةِ؛ فَزِعَ منهم وخاف، فقالوا له: نحن خصمانِ؛ فلا تخفْ، {بغى بعضُنا على بعضٍ}: بالظلم، {فاحۡكُم بينَنا بالحقِّ}؛ أي: بالعدل ولا تَمِلْ مع أحدِنا، {ولا تُشۡطِطۡ واهۡدِنا إلى سواءِ الصِّراطِ}. {23} والمقصود من هذا أن الخصمين قد عُرِفَ أنَّ قصدَهما الحقُّ الواضحُ الصرفُ، وإذا كان ذلك؛ فسيقصُّون عليه نبأهم بالحقِّ، فلم يشمئزَّ نبيُّ الله داود من وعِظِهما له ولم يؤنِّبْهما، فقال أحدُهما:{إنَّ هذا أخي}: نصَّ على الأخوَّة في الدين أو النسب أو الصداقة؛ لاقتضائِها عدم البغي، وأن بغيَه الصادرَ منه أعظمُ من غيره، {له تسعٌ وتسعون نعجةً}؛ أي: زوجة، وذلك خير كثيرٌ يوجِبُ عليه القناعة بما آتاه الله، {ولي نعجةٌ واحدةٌ}، فطمع فيها، {فقال أكۡفِلۡنيها}؛ أي: دعها لي وخَلِّها في كفالتي، {وعَزَّني في الخطاب}؛ أي: غلبني في القول، فلم يزلْ بي حتى أدركها أو كادَ. {24} فقال داود لما سمع كلامَه، ومن المعلوم من السياق السابق من كلامِهِما أنَّ هذا هو الواقع؛ فلهذا لم يحتج أن يتكلَّم الآخرُ؛ فلا وجهَ للاعتراض بقول القائل: لِمَ حَكَمَ داودُ قبل أن يسمعَ كلام الخصم الآخر؟ {لقد ظَلَمَكَ بسؤال نعجتِكَ إلى نعاجِهِ}: وهذه عادةُ الخُلَطاء والقرناءِ الكثير منهم، فقال:{وإنَّ كثيراً من الخُلَطاءِ لَيَبۡغي بعضُهم على بعضٍ}: لأنَّ الظُّلم من صفة النفوس {إلاَّ الذين آمنوا وعملوا الصالحاتِ}: فإنَّ ما مَعَهم من الإيمان والعمل الصالح يمنعُهم من الظُّلم، {وقليلٌ ما هم}؛ كما قال تعالى:{وقليلٌ من عِبادي الشَّكُورُ}. {وظنَّ داودُ}: حين حَكَمَ بينَهما {أنَّما فَتَنَّاهُ}؛ أي: اختبرناه ودبَّرْنا عليه هذه القضيةَ ليتنبَّهَ، {فاسۡتَغۡفَرَ ربَّه}: لما صدر منه، {وخَرَّ راكعاً}؛ أي: ساجداً، {وأناب}: لله تعالى بالتوبة النصوح والعبادة. {25}{فغفرنا له ذلك}: الذي صَدَرَ منه، وأكرمه الله بأنواع الكراماتِ، فقال:{وإنَّ له عندَنا لَزُلۡفى}؛ أي: منزلة عالية وقربة منَّا، {وحسنَ مآبٍ}؛ أي: مرجع. وهذا الذنبُ الذي صَدَرَ من داود عليه السلام لم يَذْكُرْهُ الله لعدم الحاجةِ إلى ذكرِهِ؛ فالتعرُّضُ له من باب التكلُّف، وإنَّما الفائدةُ ما قصَّه الله علينا من لطفِهِ به وتوبتِهِ وإنابتِهِ وأنَّه ارتفع محلُّه فكان بعد التوبةِ أحسنَ منه قبلَها. {26}{يا داود إنَّا جَعَلۡناكَ خليفةً في الأرض}: تنفِّذُ فيها القضايا الدينيَّةَ والدنيويَّةَ، {فاحۡكُم بين الناسِ بالحقِّ}؛ أي: العدل، وهذا لا يتمكَّن منه إلا بعلم بالواجب وعلم بالواقع وقدرةٍ على تنفيذ الحقِّ، {ولا تَتَّبِع الهوى}: فتميل مع أحدٍ لقرابةٍ أو صداقةٍ أو محبةٍ أو بغضٍ للآخر، {فيضلَّك}: الهوى {عن سبيل الله}: ويخرِجَك عن الصراط المستقيم. {إنَّ الذين يَضِلُّون عن سبيل الله}: خصوصاً المتعمِّدين منهم {لهم عذابٌ شديدٌ بما نسوا يومَ الحسابِ}؛ فلو ذَكَروه ووقع خوفُهُ في قلوبِهِم؛ لم يَميلوا مع الهوى الفاتن.

ص 38:25

{21} لما ذكر تعالى أنَّه آتى نبيَّه داود الفصل في الخطاب بين الناس، وكان معروفاً بذلك مقصوداً؛ ذَكَرَ تعالى نبأ خصمينِ اختصما عنده في قضيَّةٍ جعلهما الله فتنةً لداود وموعظةً لخلل ارتَكَبَهُ، فتاب الله عليه وغَفَرَ له وقيَّضَ له هذه القضيَّة، فقال لنبيِّه محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -: {وهل أتاك نبأُ الخصم}: فإنَّه نبأ عجيبٌ، {إذ تَسَوَّروا}: على داود {المحرابَ}؛ أي: محلَّ عبادتِهِ من غير إذنٍ ولا استئذانٍ، ولم يدخُلوا عليه مع باب. {22} فلذلك لما دَخَلوا عليه بهذه الصورةِ؛ فَزِعَ منهم وخاف، فقالوا له: نحن خصمانِ؛ فلا تخفْ، {بغى بعضُنا على بعضٍ}: بالظلم، {فاحۡكُم بينَنا بالحقِّ}؛ أي: بالعدل ولا تَمِلْ مع أحدِنا، {ولا تُشۡطِطۡ واهۡدِنا إلى سواءِ الصِّراطِ}. {23} والمقصود من هذا أن الخصمين قد عُرِفَ أنَّ قصدَهما الحقُّ الواضحُ الصرفُ، وإذا كان ذلك؛ فسيقصُّون عليه نبأهم بالحقِّ، فلم يشمئزَّ نبيُّ الله داود من وعِظِهما له ولم يؤنِّبْهما، فقال أحدُهما:{إنَّ هذا أخي}: نصَّ على الأخوَّة في الدين أو النسب أو الصداقة؛ لاقتضائِها عدم البغي، وأن بغيَه الصادرَ منه أعظمُ من غيره، {له تسعٌ وتسعون نعجةً}؛ أي: زوجة، وذلك خير كثيرٌ يوجِبُ عليه القناعة بما آتاه الله، {ولي نعجةٌ واحدةٌ}، فطمع فيها، {فقال أكۡفِلۡنيها}؛ أي: دعها لي وخَلِّها في كفالتي، {وعَزَّني في الخطاب}؛ أي: غلبني في القول، فلم يزلْ بي حتى أدركها أو كادَ. {24} فقال داود لما سمع كلامَه، ومن المعلوم من السياق السابق من كلامِهِما أنَّ هذا هو الواقع؛ فلهذا لم يحتج أن يتكلَّم الآخرُ؛ فلا وجهَ للاعتراض بقول القائل: لِمَ حَكَمَ داودُ قبل أن يسمعَ كلام الخصم الآخر؟ {لقد ظَلَمَكَ بسؤال نعجتِكَ إلى نعاجِهِ}: وهذه عادةُ الخُلَطاء والقرناءِ الكثير منهم، فقال:{وإنَّ كثيراً من الخُلَطاءِ لَيَبۡغي بعضُهم على بعضٍ}: لأنَّ الظُّلم من صفة النفوس {إلاَّ الذين آمنوا وعملوا الصالحاتِ}: فإنَّ ما مَعَهم من الإيمان والعمل الصالح يمنعُهم من الظُّلم، {وقليلٌ ما هم}؛ كما قال تعالى:{وقليلٌ من عِبادي الشَّكُورُ}. {وظنَّ داودُ}: حين حَكَمَ بينَهما {أنَّما فَتَنَّاهُ}؛ أي: اختبرناه ودبَّرْنا عليه هذه القضيةَ ليتنبَّهَ، {فاسۡتَغۡفَرَ ربَّه}: لما صدر منه، {وخَرَّ راكعاً}؛ أي: ساجداً، {وأناب}: لله تعالى بالتوبة النصوح والعبادة. {25}{فغفرنا له ذلك}: الذي صَدَرَ منه، وأكرمه الله بأنواع الكراماتِ، فقال:{وإنَّ له عندَنا لَزُلۡفى}؛ أي: منزلة عالية وقربة منَّا، {وحسنَ مآبٍ}؛ أي: مرجع. وهذا الذنبُ الذي صَدَرَ من داود عليه السلام لم يَذْكُرْهُ الله لعدم الحاجةِ إلى ذكرِهِ؛ فالتعرُّضُ له من باب التكلُّف، وإنَّما الفائدةُ ما قصَّه الله علينا من لطفِهِ به وتوبتِهِ وإنابتِهِ وأنَّه ارتفع محلُّه فكان بعد التوبةِ أحسنَ منه قبلَها. {26}{يا داود إنَّا جَعَلۡناكَ خليفةً في الأرض}: تنفِّذُ فيها القضايا الدينيَّةَ والدنيويَّةَ، {فاحۡكُم بين الناسِ بالحقِّ}؛ أي: العدل، وهذا لا يتمكَّن منه إلا بعلم بالواجب وعلم بالواقع وقدرةٍ على تنفيذ الحقِّ، {ولا تَتَّبِع الهوى}: فتميل مع أحدٍ لقرابةٍ أو صداقةٍ أو محبةٍ أو بغضٍ للآخر، {فيضلَّك}: الهوى {عن سبيل الله}: ويخرِجَك عن الصراط المستقيم. {إنَّ الذين يَضِلُّون عن سبيل الله}: خصوصاً المتعمِّدين منهم {لهم عذابٌ شديدٌ بما نسوا يومَ الحسابِ}؛ فلو ذَكَروه ووقع خوفُهُ في قلوبِهِم؛ لم يَميلوا مع الهوى الفاتن.

ص 38:26

{21} لما ذكر تعالى أنَّه آتى نبيَّه داود الفصل في الخطاب بين الناس، وكان معروفاً بذلك مقصوداً؛ ذَكَرَ تعالى نبأ خصمينِ اختصما عنده في قضيَّةٍ جعلهما الله فتنةً لداود وموعظةً لخلل ارتَكَبَهُ، فتاب الله عليه وغَفَرَ له وقيَّضَ له هذه القضيَّة، فقال لنبيِّه محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -: {وهل أتاك نبأُ الخصم}: فإنَّه نبأ عجيبٌ، {إذ تَسَوَّروا}: على داود {المحرابَ}؛ أي: محلَّ عبادتِهِ من غير إذنٍ ولا استئذانٍ، ولم يدخُلوا عليه مع باب. {22} فلذلك لما دَخَلوا عليه بهذه الصورةِ؛ فَزِعَ منهم وخاف، فقالوا له: نحن خصمانِ؛ فلا تخفْ، {بغى بعضُنا على بعضٍ}: بالظلم، {فاحۡكُم بينَنا بالحقِّ}؛ أي: بالعدل ولا تَمِلْ مع أحدِنا، {ولا تُشۡطِطۡ واهۡدِنا إلى سواءِ الصِّراطِ}. {23} والمقصود من هذا أن الخصمين قد عُرِفَ أنَّ قصدَهما الحقُّ الواضحُ الصرفُ، وإذا كان ذلك؛ فسيقصُّون عليه نبأهم بالحقِّ، فلم يشمئزَّ نبيُّ الله داود من وعِظِهما له ولم يؤنِّبْهما، فقال أحدُهما:{إنَّ هذا أخي}: نصَّ على الأخوَّة في الدين أو النسب أو الصداقة؛ لاقتضائِها عدم البغي، وأن بغيَه الصادرَ منه أعظمُ من غيره، {له تسعٌ وتسعون نعجةً}؛ أي: زوجة، وذلك خير كثيرٌ يوجِبُ عليه القناعة بما آتاه الله، {ولي نعجةٌ واحدةٌ}، فطمع فيها، {فقال أكۡفِلۡنيها}؛ أي: دعها لي وخَلِّها في كفالتي، {وعَزَّني في الخطاب}؛ أي: غلبني في القول، فلم يزلْ بي حتى أدركها أو كادَ. {24} فقال داود لما سمع كلامَه، ومن المعلوم من السياق السابق من كلامِهِما أنَّ هذا هو الواقع؛ فلهذا لم يحتج أن يتكلَّم الآخرُ؛ فلا وجهَ للاعتراض بقول القائل: لِمَ حَكَمَ داودُ قبل أن يسمعَ كلام الخصم الآخر؟ {لقد ظَلَمَكَ بسؤال نعجتِكَ إلى نعاجِهِ}: وهذه عادةُ الخُلَطاء والقرناءِ الكثير منهم، فقال:{وإنَّ كثيراً من الخُلَطاءِ لَيَبۡغي بعضُهم على بعضٍ}: لأنَّ الظُّلم من صفة النفوس {إلاَّ الذين آمنوا وعملوا الصالحاتِ}: فإنَّ ما مَعَهم من الإيمان والعمل الصالح يمنعُهم من الظُّلم، {وقليلٌ ما هم}؛ كما قال تعالى:{وقليلٌ من عِبادي الشَّكُورُ}. {وظنَّ داودُ}: حين حَكَمَ بينَهما {أنَّما فَتَنَّاهُ}؛ أي: اختبرناه ودبَّرْنا عليه هذه القضيةَ ليتنبَّهَ، {فاسۡتَغۡفَرَ ربَّه}: لما صدر منه، {وخَرَّ راكعاً}؛ أي: ساجداً، {وأناب}: لله تعالى بالتوبة النصوح والعبادة. {25}{فغفرنا له ذلك}: الذي صَدَرَ منه، وأكرمه الله بأنواع الكراماتِ، فقال:{وإنَّ له عندَنا لَزُلۡفى}؛ أي: منزلة عالية وقربة منَّا، {وحسنَ مآبٍ}؛ أي: مرجع. وهذا الذنبُ الذي صَدَرَ من داود عليه السلام لم يَذْكُرْهُ الله لعدم الحاجةِ إلى ذكرِهِ؛ فالتعرُّضُ له من باب التكلُّف، وإنَّما الفائدةُ ما قصَّه الله علينا من لطفِهِ به وتوبتِهِ وإنابتِهِ وأنَّه ارتفع محلُّه فكان بعد التوبةِ أحسنَ منه قبلَها. {26}{يا داود إنَّا جَعَلۡناكَ خليفةً في الأرض}: تنفِّذُ فيها القضايا الدينيَّةَ والدنيويَّةَ، {فاحۡكُم بين الناسِ بالحقِّ}؛ أي: العدل، وهذا لا يتمكَّن منه إلا بعلم بالواجب وعلم بالواقع وقدرةٍ على تنفيذ الحقِّ، {ولا تَتَّبِع الهوى}: فتميل مع أحدٍ لقرابةٍ أو صداقةٍ أو محبةٍ أو بغضٍ للآخر، {فيضلَّك}: الهوى {عن سبيل الله}: ويخرِجَك عن الصراط المستقيم. {إنَّ الذين يَضِلُّون عن سبيل الله}: خصوصاً المتعمِّدين منهم {لهم عذابٌ شديدٌ بما نسوا يومَ الحسابِ}؛ فلو ذَكَروه ووقع خوفُهُ في قلوبِهِم؛ لم يَميلوا مع الهوى الفاتن.

ص 38:27

{27} يخبر تعالى عن تمام حكمتِهِ في خلقه السماواتِ والأرضَ، وأنَّه لم يخلُقْهما {باطلاً}؛ أي: عبثاً ولعباً من غير فائدةٍ ولا مصلحةٍ. {ذلك ظنُّ الذين كفروا}: بربِّهم حيث ظنُّوا ما لا يَليقُ بجلالِهِ. {فويلٌ للذين كَفَروا من النارِ}: فإنَّها التي تأخُذُ الحقَّ منهم وتَبْلُغُ منهم كلَّ مبلغ. وإنَّما خلق الله السماواتِ والأرض بالحقِّ وللحقِّ، فخلقهما لِيَعْلَمَ العبادُ كمالَ علمِهِ وقدرتِهِ وسعةَ سلطانه، وأنه تعالى وحدَه المعبودُ دون من لم يَخْلُقْ مثقال ذَرَّةٍ من السماواتِ والأرض، وأنَّ البعث حقٌّ، وسيفصِلُ الله بين أهل الخير والشرِّ، ولا يظنُّ الجاهل بحكمة الله أن يُسَوِّيَ الله بينهما في حكمه. {28} ولهذا قال: {أم نجعلُ الذين آمنوا وعَمِلوا الصالحاتِ كالمفسدينَ في الأرض أم نَجۡعَلُ المتَّقينَ كالفجَّارِ}: هذا غيرُ لائقٍ بحكمتِنا وحكمِنا. {29}{كتابٌ أنزلناه إليك مبارَكٌ}: فيه خيرٌ كثيرٌ وعلمٌ غزيرٌ، فيه كلُّ هدى من ضلالة وشفاء من داء ونور يُسْتَضاء به في الظُّلمات، وكلُّ حكم يحتاج إليه المكلَّفون، وفيه من الأدلَّة القطعيَّة على كلِّ مطلوب ما كان به أجَلَّ كتاب طَرَقَ العالَمَ منذ أنشأه الله، {لِيَدَّبَّروا آياتِهِ}؛ أي: هذه الحكمة من إنزاله؛ ليتدبَّر الناسُ آياتِهِ، فيستخرِجوا علمَها، ويتأمَّلوا أسرارها وحِكَمَها؛ فإنَّه بالتدبُّر فيه والتأمُّل لمعانيه وإعادة الفكر فيها مرةً بعد مرةٍ تُدْرَكُ بركتُهُ وخيرُهُ، وهذا يدلُّ على الحثِّ على تدبُّرِ القرآن، وأنَّه من أفضل الأعمال، وأنَّ القراءة المشتملة على التدبُّرِ أفضل من سرعةِ التلاوةِ التي لا يحصُلُ بها هذا المقصودُ، {ولِيَتَذَكَّرَ أولو الألبابِ}؛ أي: أولو العقول الصحيحة، يتذكَّرون بتدبُّرهم لها كلَّ علم ومطلوب. فدَّل هذا على أنه بحسب لُبِّ الإنسان وعقله يحصُلُ له التذكُّر والانتفاعُ بهذا الكتاب.

ص 38:28

{27} يخبر تعالى عن تمام حكمتِهِ في خلقه السماواتِ والأرضَ، وأنَّه لم يخلُقْهما {باطلاً}؛ أي: عبثاً ولعباً من غير فائدةٍ ولا مصلحةٍ. {ذلك ظنُّ الذين كفروا}: بربِّهم حيث ظنُّوا ما لا يَليقُ بجلالِهِ. {فويلٌ للذين كَفَروا من النارِ}: فإنَّها التي تأخُذُ الحقَّ منهم وتَبْلُغُ منهم كلَّ مبلغ. وإنَّما خلق الله السماواتِ والأرض بالحقِّ وللحقِّ، فخلقهما لِيَعْلَمَ العبادُ كمالَ علمِهِ وقدرتِهِ وسعةَ سلطانه، وأنه تعالى وحدَه المعبودُ دون من لم يَخْلُقْ مثقال ذَرَّةٍ من السماواتِ والأرض، وأنَّ البعث حقٌّ، وسيفصِلُ الله بين أهل الخير والشرِّ، ولا يظنُّ الجاهل بحكمة الله أن يُسَوِّيَ الله بينهما في حكمه. {28} ولهذا قال: {أم نجعلُ الذين آمنوا وعَمِلوا الصالحاتِ كالمفسدينَ في الأرض أم نَجۡعَلُ المتَّقينَ كالفجَّارِ}: هذا غيرُ لائقٍ بحكمتِنا وحكمِنا. {29}{كتابٌ أنزلناه إليك مبارَكٌ}: فيه خيرٌ كثيرٌ وعلمٌ غزيرٌ، فيه كلُّ هدى من ضلالة وشفاء من داء ونور يُسْتَضاء به في الظُّلمات، وكلُّ حكم يحتاج إليه المكلَّفون، وفيه من الأدلَّة القطعيَّة على كلِّ مطلوب ما كان به أجَلَّ كتاب طَرَقَ العالَمَ منذ أنشأه الله، {لِيَدَّبَّروا آياتِهِ}؛ أي: هذه الحكمة من إنزاله؛ ليتدبَّر الناسُ آياتِهِ، فيستخرِجوا علمَها، ويتأمَّلوا أسرارها وحِكَمَها؛ فإنَّه بالتدبُّر فيه والتأمُّل لمعانيه وإعادة الفكر فيها مرةً بعد مرةٍ تُدْرَكُ بركتُهُ وخيرُهُ، وهذا يدلُّ على الحثِّ على تدبُّرِ القرآن، وأنَّه من أفضل الأعمال، وأنَّ القراءة المشتملة على التدبُّرِ أفضل من سرعةِ التلاوةِ التي لا يحصُلُ بها هذا المقصودُ، {ولِيَتَذَكَّرَ أولو الألبابِ}؛ أي: أولو العقول الصحيحة، يتذكَّرون بتدبُّرهم لها كلَّ علم ومطلوب. فدَّل هذا على أنه بحسب لُبِّ الإنسان وعقله يحصُلُ له التذكُّر والانتفاعُ بهذا الكتاب.

ص 38:29

{27} يخبر تعالى عن تمام حكمتِهِ في خلقه السماواتِ والأرضَ، وأنَّه لم يخلُقْهما {باطلاً}؛ أي: عبثاً ولعباً من غير فائدةٍ ولا مصلحةٍ. {ذلك ظنُّ الذين كفروا}: بربِّهم حيث ظنُّوا ما لا يَليقُ بجلالِهِ. {فويلٌ للذين كَفَروا من النارِ}: فإنَّها التي تأخُذُ الحقَّ منهم وتَبْلُغُ منهم كلَّ مبلغ. وإنَّما خلق الله السماواتِ والأرض بالحقِّ وللحقِّ، فخلقهما لِيَعْلَمَ العبادُ كمالَ علمِهِ وقدرتِهِ وسعةَ سلطانه، وأنه تعالى وحدَه المعبودُ دون من لم يَخْلُقْ مثقال ذَرَّةٍ من السماواتِ والأرض، وأنَّ البعث حقٌّ، وسيفصِلُ الله بين أهل الخير والشرِّ، ولا يظنُّ الجاهل بحكمة الله أن يُسَوِّيَ الله بينهما في حكمه. {28} ولهذا قال: {أم نجعلُ الذين آمنوا وعَمِلوا الصالحاتِ كالمفسدينَ في الأرض أم نَجۡعَلُ المتَّقينَ كالفجَّارِ}: هذا غيرُ لائقٍ بحكمتِنا وحكمِنا. {29}{كتابٌ أنزلناه إليك مبارَكٌ}: فيه خيرٌ كثيرٌ وعلمٌ غزيرٌ، فيه كلُّ هدى من ضلالة وشفاء من داء ونور يُسْتَضاء به في الظُّلمات، وكلُّ حكم يحتاج إليه المكلَّفون، وفيه من الأدلَّة القطعيَّة على كلِّ مطلوب ما كان به أجَلَّ كتاب طَرَقَ العالَمَ منذ أنشأه الله، {لِيَدَّبَّروا آياتِهِ}؛ أي: هذه الحكمة من إنزاله؛ ليتدبَّر الناسُ آياتِهِ، فيستخرِجوا علمَها، ويتأمَّلوا أسرارها وحِكَمَها؛ فإنَّه بالتدبُّر فيه والتأمُّل لمعانيه وإعادة الفكر فيها مرةً بعد مرةٍ تُدْرَكُ بركتُهُ وخيرُهُ، وهذا يدلُّ على الحثِّ على تدبُّرِ القرآن، وأنَّه من أفضل الأعمال، وأنَّ القراءة المشتملة على التدبُّرِ أفضل من سرعةِ التلاوةِ التي لا يحصُلُ بها هذا المقصودُ، {ولِيَتَذَكَّرَ أولو الألبابِ}؛ أي: أولو العقول الصحيحة، يتذكَّرون بتدبُّرهم لها كلَّ علم ومطلوب. فدَّل هذا على أنه بحسب لُبِّ الإنسان وعقله يحصُلُ له التذكُّر والانتفاعُ بهذا الكتاب.

ص 38:30

{30} لما أثنى الله تعالى على داودَ وذَكَرَ ما جرى له ومنه؛ أثنى على ابنِهِ سليمانَ عليهما السلام، فقال:{ووَهَبۡنا لداودَ سليمانَ}؛ أي: أنْعَمْنا به عليه وأقررْنا به عينَه. {نعم العبدُ}: سليمانُ عليه السلام، فإنَّه اتَّصف بما يوجب المدح، وهو {إنَّه أوابٌ}؛ أي: رجاعٌ إلى الله في جميع أحوالِهِ بالتألُّه والإنابة والمحبَّة والذِّكر والدُّعاء والتضرُّع والاجتهاد في مرضاة الله وتقديمها على كل شيءٍ. {31 ـ 33} ولهذا؛ لما عُرِضَتِ [عليه] الخيل الجياد السبق {الصافناتُ}؛ أي: التي من وصفها الصُّفونُ، وهو رفع إحدى قوائِمِها عند الوقوف، وكان لها منظرٌ رائقٌ وجمالٌ معجبٌ، خصوصاً للمحتاج إليها؛ كالملوك؛ فما زالتْ تُعْرَضُ عليه حتى غابتِ الشمس في الحجاب، فألهتْه عن صلاة المساءِ وذِكْرِهِ، فقال ندماً على ما مضى منه، وتقرُّباً إلى الله بما ألهاه عن ذكرِهِ، وتقديماً لحبِّ الله على حبِّ غيره:{إنِّي أحببتُ حُبَّ الخيرِ}: وضمَّنَ أحببتُ معنى آثرتُ؛ أي: آثرتُ حبَّ الخير الذي هو المالُ عموماً وفي الموضع المرادُ الخيل {عن ذِكۡرِ ربِّي حتى تَوارَتۡ بالحجابِ. ردُّوها عليَّ}: فردُّوها، {فطَفِقَ}: فيها {مسحاً بالسُّوقِ والأعناقِ}؛ أي: جعل يعقِرُها بسيفِهِ في سوقِها وأعناقها. {34}{ولقد فتنَّا سليمانَ}؛ أي: ابتليْناه واختبرْناه بذَهابِ ملكِهِ وانفصالِهِ عنه بسبب خلل اقتضتْه الطبيعةُ البشريةُ، {وألقَيۡنا على كرسيِّه جسداً}؛ أي: شيطاناً قضى الله وقَدَّر أن يجلسَ على كرسيِّ ملكِهِ ويتصرَّفَ في الملك في مدَّةِ فتنة سليمان، {ثم أنابَ}: سليمانُ إلى الله تعالى، وتابَ. {35 ـ 39} فَـ {قَالَ ربِّ اغۡفِرۡ لي وَهَبۡ لي مُلۡكاً لا ينبغي لأحدٍ من بعدي إنَّك أنت الوهابُ}: فاستجاب الله له، وغفر له، وردَّ عليه مُلْكَه، وزادَه ملكاً لم يحصُلْ لأحدٍ من بعده، وهو تسخيرُ الشياطين له يبنونَ ما يريدُ ويغوصون له في البحر يستخرِجون الدُّرَّ والحُلِيَّ، ومَنْ عصاه منهم؛ قَرَّنَه في الأصفاد وأوثقه، وقلنا له:{هذا عطاؤنا}: فَقُرَّ به عيناً، {فامنُنۡ}: على من شئتَ، {أو أمۡسِكۡ}: مَنْ شئتَ {بغير حسابٍ}؛ أي: لا حرج عليك في ذلك ولا حسابَ؛ لعلمه تعالى بكمال عدلِهِ وحسن أحكامِهِ. {40} ولا تحسبنَّ هذا لسليمانَ في الدُّنيا دون الآخرة، بل له في الآخرة خيرٌ عظيمٌ، ولهذا قال:{وإنَّ له عندَنا لَزُلۡفى وحسنَ مآبٍ}؛ أي: هو من المقرَّبين عند اللهِ المكرَمين بأنواع الكراماتِ لله. فصل فيما تبيَّن لنا من الفوائد والحكم في قصة داود وسليمان عليهما السلام. فمنها: أنَّ الله تعالى يقصُّ على نبيِّه محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - أخبارَ من قبله ليثبِّتَ فؤاده وتطمئنَّ نفسه، ويذكر له من عباداتهم وشدَّة صبرهم وإنابتهم ما يشوِّقُه إلى منافستهم والتقرُّب إلى الله الذي تقرَّبوا له والصبر على أذى قومه، ولهذا في هذا الموضع لما ذَكَرَ الله ما ذكر من أذيَّةِ قومِهِ وكلامِهم فيه وفيما جاء به؛ أمره بالصبر، وأن يذكر عبده داود فيتسلى به. ومنها: أنَّ الله تعالى يمدحُ ويحبُّ القوَّة في طاعته؛ قوَّةَ القلب والبدن؛ فإنَّه يحصُلُ منها من آثار الطاعة وحسنِها وكثرتِها ما لا يحصُلُ مع الوهن وعدم القوَّة، وأنَّ العبد ينبغي له تعاطي أسبابها وعدم الركونِ إلى الكسل والبطالة المخلَّةِ بالقوَّة المضعفة للنفس. ومنها: أنَّ الرجوع إلى الله في جميع الأمورِ من أوصاف أنبياء الله وخواصِّ خلقِهِ؛ كما أثنى الله على داود وسليمان بذلك؛ فَلْيَقْتَدِ بهما المقتدون، ولْيَهْتَدِ بُهداهم السالكون، {أولئك الذين هدى الله فبِهُداهُمُ اقۡتَدِه}. ومنها: ما أكرم الله به نبيَّه داود عليه السلامُ من حسن الصوت العظيم الذي جعل اللَّه بسببه الجبال الصُّمَّ والطيور البُهْمَ يجاوِبْنه إذا رجَّع صوتَه بالتسبيح، ويسبِّحْن معه بالعشيِّ والإشراق. ومنها: أنَّ من أكبر نعم الله على عبدِهِ أن يرزُقَه العلم النافع ويعرِفَ الحُكْمَ والفصلَ بين الناس؛ كما امتنَّ الله به على عبدِهِ داود عليه السلام. ومنها: اعتناءُ الله تعالى بأنبيائِهِ وأصفيائِهِ عندما يقع منهم بعضُ الخلل بفتنتِهِ إيَّاهم وابتلائهم بما به يزول عنهم المحذورُ، ويعودون إلى أكمل من حالتهم الأولى؛ كما جرى لداود وسليمان عليهما السلام. ومنها: أنَّ الأنبياءَ صلوات الله وسلامه عليهم معصومون من الخطأ فيما يبلِّغون عن الله تعالى؛ لأنَّ مقصودَ الرسالة لا يحصُلُ إلاَّ بذلك، وأنَّه قد يجري منهم بعضُ مقتضيات الطبيعة من المعاصي، ولكنَّ الله يتداركُهم ويبادِرُهم بلطفِهِ. ومنها: أن داود عليه السلام في أغلب أحواله لازماً محرابه لخدمةِ ربِّه، ولهذا تسوَّر الخصمان عليه المحرابَ؛ لأنَّه كان إذا خلا في محرابه؛ لا يأتيه أحدٌ، فلم يجعلْ كلَّ وقتِهِ للناس مع كثرةِ ما يَرِدُ عليه من الأحكام، بل جعل له وقتاً يخلو فيه بربِّه وتَقَرُّ عينُه بعبادتِهِ، وتعينُه على الإخلاص في جميع أموره. ومنها: أنَّه ينبغي استعمال الأدبِ في الدخول على الحكَّام وغيرهم؛ فإنَّ الخصمين لما دخلا على داود في حالةٍ غير معتادةٍ ومن غير الباب المعهود؛ فَزِعَ منهم، واشتدَّ عليه ذلك، ورآه غيرُ لائقٍ بالحال. ومنها: أنَّه لا يمنعُ الحاكمَ من الحكم بالحقِّ سوءُ أدبِ الخصم وفعلِهِ ما لا ينبغي. ومنها: كمال حلم داود عليه السلام؛ فإنَّه ما غضب عليهما حين جاءاه بغير استئذان، وهو الملكُ، ولا انتهرهما، ولا وبَّخهما. ومنها: جوازُ قول المظلموم لِمَنْ ظَلَمَه: أنت ظَلَمْتَني أو: يا ظالم! ونحو ذلك أو باغٍ عليَّ! لقولهما: {خصمان بغى بعضُنا على بعضٍ}. ومنها: أنَّ الموعوظ والمنصوح، ولو كان كبير القدرِ جليل العلم، إذا نَصَحَهُ أحدٌ أو وَعَظَه؛ لا يغضبُ ولا يشمئزُّ، بل يبادِرُه بالقَبول والشكر؛ فإنَّ الخصمين نَصَحا داود، فلم يشمئزَّ ولم يغضبْ ولم يَثْنِهِ ذلك عن الحقِّ، بل حكم بالحقِّ الصرف. ومنها: أنَّ المخالطةَ بين الأقارب والأصحاب وكثرةَ التعلُّقاتِ الدنيويَّة الماليَّة موجبةٌ للتعادي بينهم، وبغي بعضِهم على بعضٍ، وأنَّه لا يردُّ عن ذلك إلاَّ استعمال تقوى الله والصبر على الأمور بالإيمان والعمل الصالح، وأنَّ هذا من أقل شيءٍ في الناس. ومنها: أنَّ الاستغفار والعبادة، خصوصاً الصلاة، من مكفرات الذنوب؛ فإنَّ الله رتَّب مغفرةَ ذنبِ داود على استغفارِهِ وسجودِهِ. ومنها: إكرامُ الله لعبدِهِ داود وسليمان بالقرب منه وحسن الثوابِ، وأنْ لا يظنَّ أن ما جرى لهما منقصٌ لدرجتهما عند الله تعالى، وهذا مِنْ تمام لطفِهِ بعباده المخلِصين؛ أنَّه إذا غفر لهم وأزال أثر ذنوبهم؛ أزال الآثار المترتِّبة عليه كلَّها، حتى ما يقع في قلوب الخلق؛ فإنَّهم إذا علموا ببعض ذنوبهم؛ وقع في قلوبهم نزولهم عن درجتهم الأولى، فأزال الله تعالى هذه الآثار، وما ذاك بعزيز على الكريم الغفار. ومنها: أنَّ الحكم بين الناس مرتبةٌ دينيةٌ تولاَّها رسل الله وخواصُّ خلقه، وأنَّ وظيفة القائم بها الحكمُ بالحقِّ ومجانبةُ الهوى؛ فالحكمُ بالحقِّ يقتضي العلم بالأمور الشرعيَّة والعلم بصورة القضيَّةِ المحكوم بها وكيفيَّة إدخالها في الحكم الشرعي؛ فالجاهلُ بأحدِ الأمرين لا يَصْلُحُ للحكم، ولا يحلُّ له الإقدام عليه. ومنها: أنَّه ينبغي للحاكم أن يَحْذَرَ الهوى ويَجْعَلَه منه على بال؛ فإنَّ النفوس لا تَخْلو منه، بل يجاهدُ نفسَه بأن يكونَ الحقُّ مقصودَه، وأن يلقي عنه وقتَ الحكم كلَّ محبةٍ أو بغضٍ لأحدِ الخصمين. ومنها: أنَّ سليمان عليه السلام من فضائل داود ومن مِنَنِ الله عليه حيث وَهَبَه له، وأنَّ من أكبر نعم الله على عبدِهِ أن يَهَبَ له ولداً صالحاً؛ فإنْ كان عالماً؛ كان نوراً على نور. ومنها: ثناءُ الله تعالى على سليمان ومدحِهِ في قوله: {نِعۡمَ العبدُ إنَّه أوَّابٌ}. ومنها: كثرة خيرِ الله وبرِّه بعبيده أنْ يَمُنَّ عليهم بصالح الأعمال ومكارم الأخلاق، ثم يُثني عليهم بها، وهو المتفضل الوهاب. ومنها: تقديم سليمان محبَّةَ الله تعالى على محبَّةِ كل شيء. ومنها: أنَّ كل ما شغل العبد عن الله؛ فإنَّه مشؤومٌ مذمومٌ؛ فليفارِقْه ولْيُقْبِلْ على ما هو أنفعُ له. ومنها: القاعدة المشهورةُ: من ترك شيئاً لله؛ عوَّضَه الله خيراً منه. فسليمان عليه السلام عَقَرَ الجيادَ الصافناتِ المحبوبةَ للنفوس تقديماً لمحبَّة الله، فعوَّضه الله خيراً من ذلك؛ بأنْ سخَّرَ له الريح الرُّخاءَ الليِّنة التي تجري بأمره إلى حيثُ أراد وقصد، غدوُّها شهرٌ ورواحُها شهرٌ، وسخَّر له الشياطين أهل الاقتدار على الأعمال التي لا يقدِرُ عليها الآدميُّون. ومنها: أنَّ تسخير الشياطين لا تكون لأحدٍ بعد سليمان عليه السلام. ومنها: أنَّ سليمان عليه السلام كان مَلِكاً نبيًّا، يفعلُ ما أراد، ولكنَّه لا يريد إلاَّ العدل، بخلاف النبيِّ العبد؛ فإنَّه تكون إرادتُه تابعةً لأمر اللَّه؛ فلا يفعل ولا يترك إلاَّ بالأمر؛ كحال نبيِّنا - صلى الله عليه وسلم -، وهذه الحال أكمل.

ص 38:31

{30} لما أثنى الله تعالى على داودَ وذَكَرَ ما جرى له ومنه؛ أثنى على ابنِهِ سليمانَ عليهما السلام، فقال:{ووَهَبۡنا لداودَ سليمانَ}؛ أي: أنْعَمْنا به عليه وأقررْنا به عينَه. {نعم العبدُ}: سليمانُ عليه السلام، فإنَّه اتَّصف بما يوجب المدح، وهو {إنَّه أوابٌ}؛ أي: رجاعٌ إلى الله في جميع أحوالِهِ بالتألُّه والإنابة والمحبَّة والذِّكر والدُّعاء والتضرُّع والاجتهاد في مرضاة الله وتقديمها على كل شيءٍ. {31 ـ 33} ولهذا؛ لما عُرِضَتِ [عليه] الخيل الجياد السبق {الصافناتُ}؛ أي: التي من وصفها الصُّفونُ، وهو رفع إحدى قوائِمِها عند الوقوف، وكان لها منظرٌ رائقٌ وجمالٌ معجبٌ، خصوصاً للمحتاج إليها؛ كالملوك؛ فما زالتْ تُعْرَضُ عليه حتى غابتِ الشمس في الحجاب، فألهتْه عن صلاة المساءِ وذِكْرِهِ، فقال ندماً على ما مضى منه، وتقرُّباً إلى الله بما ألهاه عن ذكرِهِ، وتقديماً لحبِّ الله على حبِّ غيره:{إنِّي أحببتُ حُبَّ الخيرِ}: وضمَّنَ أحببتُ معنى آثرتُ؛ أي: آثرتُ حبَّ الخير الذي هو المالُ عموماً وفي الموضع المرادُ الخيل {عن ذِكۡرِ ربِّي حتى تَوارَتۡ بالحجابِ. ردُّوها عليَّ}: فردُّوها، {فطَفِقَ}: فيها {مسحاً بالسُّوقِ والأعناقِ}؛ أي: جعل يعقِرُها بسيفِهِ في سوقِها وأعناقها. {34}{ولقد فتنَّا سليمانَ}؛ أي: ابتليْناه واختبرْناه بذَهابِ ملكِهِ وانفصالِهِ عنه بسبب خلل اقتضتْه الطبيعةُ البشريةُ، {وألقَيۡنا على كرسيِّه جسداً}؛ أي: شيطاناً قضى الله وقَدَّر أن يجلسَ على كرسيِّ ملكِهِ ويتصرَّفَ في الملك في مدَّةِ فتنة سليمان، {ثم أنابَ}: سليمانُ إلى الله تعالى، وتابَ. {35 ـ 39} فَـ {قَالَ ربِّ اغۡفِرۡ لي وَهَبۡ لي مُلۡكاً لا ينبغي لأحدٍ من بعدي إنَّك أنت الوهابُ}: فاستجاب الله له، وغفر له، وردَّ عليه مُلْكَه، وزادَه ملكاً لم يحصُلْ لأحدٍ من بعده، وهو تسخيرُ الشياطين له يبنونَ ما يريدُ ويغوصون له في البحر يستخرِجون الدُّرَّ والحُلِيَّ، ومَنْ عصاه منهم؛ قَرَّنَه في الأصفاد وأوثقه، وقلنا له:{هذا عطاؤنا}: فَقُرَّ به عيناً، {فامنُنۡ}: على من شئتَ، {أو أمۡسِكۡ}: مَنْ شئتَ {بغير حسابٍ}؛ أي: لا حرج عليك في ذلك ولا حسابَ؛ لعلمه تعالى بكمال عدلِهِ وحسن أحكامِهِ. {40} ولا تحسبنَّ هذا لسليمانَ في الدُّنيا دون الآخرة، بل له في الآخرة خيرٌ عظيمٌ، ولهذا قال:{وإنَّ له عندَنا لَزُلۡفى وحسنَ مآبٍ}؛ أي: هو من المقرَّبين عند اللهِ المكرَمين بأنواع الكراماتِ لله. فصل فيما تبيَّن لنا من الفوائد والحكم في قصة داود وسليمان عليهما السلام. فمنها: أنَّ الله تعالى يقصُّ على نبيِّه محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - أخبارَ من قبله ليثبِّتَ فؤاده وتطمئنَّ نفسه، ويذكر له من عباداتهم وشدَّة صبرهم وإنابتهم ما يشوِّقُه إلى منافستهم والتقرُّب إلى الله الذي تقرَّبوا له والصبر على أذى قومه، ولهذا في هذا الموضع لما ذَكَرَ الله ما ذكر من أذيَّةِ قومِهِ وكلامِهم فيه وفيما جاء به؛ أمره بالصبر، وأن يذكر عبده داود فيتسلى به. ومنها: أنَّ الله تعالى يمدحُ ويحبُّ القوَّة في طاعته؛ قوَّةَ القلب والبدن؛ فإنَّه يحصُلُ منها من آثار الطاعة وحسنِها وكثرتِها ما لا يحصُلُ مع الوهن وعدم القوَّة، وأنَّ العبد ينبغي له تعاطي أسبابها وعدم الركونِ إلى الكسل والبطالة المخلَّةِ بالقوَّة المضعفة للنفس. ومنها: أنَّ الرجوع إلى الله في جميع الأمورِ من أوصاف أنبياء الله وخواصِّ خلقِهِ؛ كما أثنى الله على داود وسليمان بذلك؛ فَلْيَقْتَدِ بهما المقتدون، ولْيَهْتَدِ بُهداهم السالكون، {أولئك الذين هدى الله فبِهُداهُمُ اقۡتَدِه}. ومنها: ما أكرم الله به نبيَّه داود عليه السلامُ من حسن الصوت العظيم الذي جعل اللَّه بسببه الجبال الصُّمَّ والطيور البُهْمَ يجاوِبْنه إذا رجَّع صوتَه بالتسبيح، ويسبِّحْن معه بالعشيِّ والإشراق. ومنها: أنَّ من أكبر نعم الله على عبدِهِ أن يرزُقَه العلم النافع ويعرِفَ الحُكْمَ والفصلَ بين الناس؛ كما امتنَّ الله به على عبدِهِ داود عليه السلام. ومنها: اعتناءُ الله تعالى بأنبيائِهِ وأصفيائِهِ عندما يقع منهم بعضُ الخلل بفتنتِهِ إيَّاهم وابتلائهم بما به يزول عنهم المحذورُ، ويعودون إلى أكمل من حالتهم الأولى؛ كما جرى لداود وسليمان عليهما السلام. ومنها: أنَّ الأنبياءَ صلوات الله وسلامه عليهم معصومون من الخطأ فيما يبلِّغون عن الله تعالى؛ لأنَّ مقصودَ الرسالة لا يحصُلُ إلاَّ بذلك، وأنَّه قد يجري منهم بعضُ مقتضيات الطبيعة من المعاصي، ولكنَّ الله يتداركُهم ويبادِرُهم بلطفِهِ. ومنها: أن داود عليه السلام في أغلب أحواله لازماً محرابه لخدمةِ ربِّه، ولهذا تسوَّر الخصمان عليه المحرابَ؛ لأنَّه كان إذا خلا في محرابه؛ لا يأتيه أحدٌ، فلم يجعلْ كلَّ وقتِهِ للناس مع كثرةِ ما يَرِدُ عليه من الأحكام، بل جعل له وقتاً يخلو فيه بربِّه وتَقَرُّ عينُه بعبادتِهِ، وتعينُه على الإخلاص في جميع أموره. ومنها: أنَّه ينبغي استعمال الأدبِ في الدخول على الحكَّام وغيرهم؛ فإنَّ الخصمين لما دخلا على داود في حالةٍ غير معتادةٍ ومن غير الباب المعهود؛ فَزِعَ منهم، واشتدَّ عليه ذلك، ورآه غيرُ لائقٍ بالحال. ومنها: أنَّه لا يمنعُ الحاكمَ من الحكم بالحقِّ سوءُ أدبِ الخصم وفعلِهِ ما لا ينبغي. ومنها: كمال حلم داود عليه السلام؛ فإنَّه ما غضب عليهما حين جاءاه بغير استئذان، وهو الملكُ، ولا انتهرهما، ولا وبَّخهما. ومنها: جوازُ قول المظلموم لِمَنْ ظَلَمَه: أنت ظَلَمْتَني أو: يا ظالم! ونحو ذلك أو باغٍ عليَّ! لقولهما: {خصمان بغى بعضُنا على بعضٍ}. ومنها: أنَّ الموعوظ والمنصوح، ولو كان كبير القدرِ جليل العلم، إذا نَصَحَهُ أحدٌ أو وَعَظَه؛ لا يغضبُ ولا يشمئزُّ، بل يبادِرُه بالقَبول والشكر؛ فإنَّ الخصمين نَصَحا داود، فلم يشمئزَّ ولم يغضبْ ولم يَثْنِهِ ذلك عن الحقِّ، بل حكم بالحقِّ الصرف. ومنها: أنَّ المخالطةَ بين الأقارب والأصحاب وكثرةَ التعلُّقاتِ الدنيويَّة الماليَّة موجبةٌ للتعادي بينهم، وبغي بعضِهم على بعضٍ، وأنَّه لا يردُّ عن ذلك إلاَّ استعمال تقوى الله والصبر على الأمور بالإيمان والعمل الصالح، وأنَّ هذا من أقل شيءٍ في الناس. ومنها: أنَّ الاستغفار والعبادة، خصوصاً الصلاة، من مكفرات الذنوب؛ فإنَّ الله رتَّب مغفرةَ ذنبِ داود على استغفارِهِ وسجودِهِ. ومنها: إكرامُ الله لعبدِهِ داود وسليمان بالقرب منه وحسن الثوابِ، وأنْ لا يظنَّ أن ما جرى لهما منقصٌ لدرجتهما عند الله تعالى، وهذا مِنْ تمام لطفِهِ بعباده المخلِصين؛ أنَّه إذا غفر لهم وأزال أثر ذنوبهم؛ أزال الآثار المترتِّبة عليه كلَّها، حتى ما يقع في قلوب الخلق؛ فإنَّهم إذا علموا ببعض ذنوبهم؛ وقع في قلوبهم نزولهم عن درجتهم الأولى، فأزال الله تعالى هذه الآثار، وما ذاك بعزيز على الكريم الغفار. ومنها: أنَّ الحكم بين الناس مرتبةٌ دينيةٌ تولاَّها رسل الله وخواصُّ خلقه، وأنَّ وظيفة القائم بها الحكمُ بالحقِّ ومجانبةُ الهوى؛ فالحكمُ بالحقِّ يقتضي العلم بالأمور الشرعيَّة والعلم بصورة القضيَّةِ المحكوم بها وكيفيَّة إدخالها في الحكم الشرعي؛ فالجاهلُ بأحدِ الأمرين لا يَصْلُحُ للحكم، ولا يحلُّ له الإقدام عليه. ومنها: أنَّه ينبغي للحاكم أن يَحْذَرَ الهوى ويَجْعَلَه منه على بال؛ فإنَّ النفوس لا تَخْلو منه، بل يجاهدُ نفسَه بأن يكونَ الحقُّ مقصودَه، وأن يلقي عنه وقتَ الحكم كلَّ محبةٍ أو بغضٍ لأحدِ الخصمين. ومنها: أنَّ سليمان عليه السلام من فضائل داود ومن مِنَنِ الله عليه حيث وَهَبَه له، وأنَّ من أكبر نعم الله على عبدِهِ أن يَهَبَ له ولداً صالحاً؛ فإنْ كان عالماً؛ كان نوراً على نور. ومنها: ثناءُ الله تعالى على سليمان ومدحِهِ في قوله: {نِعۡمَ العبدُ إنَّه أوَّابٌ}. ومنها: كثرة خيرِ الله وبرِّه بعبيده أنْ يَمُنَّ عليهم بصالح الأعمال ومكارم الأخلاق، ثم يُثني عليهم بها، وهو المتفضل الوهاب. ومنها: تقديم سليمان محبَّةَ الله تعالى على محبَّةِ كل شيء. ومنها: أنَّ كل ما شغل العبد عن الله؛ فإنَّه مشؤومٌ مذمومٌ؛ فليفارِقْه ولْيُقْبِلْ على ما هو أنفعُ له. ومنها: القاعدة المشهورةُ: من ترك شيئاً لله؛ عوَّضَه الله خيراً منه. فسليمان عليه السلام عَقَرَ الجيادَ الصافناتِ المحبوبةَ للنفوس تقديماً لمحبَّة الله، فعوَّضه الله خيراً من ذلك؛ بأنْ سخَّرَ له الريح الرُّخاءَ الليِّنة التي تجري بأمره إلى حيثُ أراد وقصد، غدوُّها شهرٌ ورواحُها شهرٌ، وسخَّر له الشياطين أهل الاقتدار على الأعمال التي لا يقدِرُ عليها الآدميُّون. ومنها: أنَّ تسخير الشياطين لا تكون لأحدٍ بعد سليمان عليه السلام. ومنها: أنَّ سليمان عليه السلام كان مَلِكاً نبيًّا، يفعلُ ما أراد، ولكنَّه لا يريد إلاَّ العدل، بخلاف النبيِّ العبد؛ فإنَّه تكون إرادتُه تابعةً لأمر اللَّه؛ فلا يفعل ولا يترك إلاَّ بالأمر؛ كحال نبيِّنا - صلى الله عليه وسلم -، وهذه الحال أكمل.

ص 38:32

{30} لما أثنى الله تعالى على داودَ وذَكَرَ ما جرى له ومنه؛ أثنى على ابنِهِ سليمانَ عليهما السلام، فقال:{ووَهَبۡنا لداودَ سليمانَ}؛ أي: أنْعَمْنا به عليه وأقررْنا به عينَه. {نعم العبدُ}: سليمانُ عليه السلام، فإنَّه اتَّصف بما يوجب المدح، وهو {إنَّه أوابٌ}؛ أي: رجاعٌ إلى الله في جميع أحوالِهِ بالتألُّه والإنابة والمحبَّة والذِّكر والدُّعاء والتضرُّع والاجتهاد في مرضاة الله وتقديمها على كل شيءٍ. {31 ـ 33} ولهذا؛ لما عُرِضَتِ [عليه] الخيل الجياد السبق {الصافناتُ}؛ أي: التي من وصفها الصُّفونُ، وهو رفع إحدى قوائِمِها عند الوقوف، وكان لها منظرٌ رائقٌ وجمالٌ معجبٌ، خصوصاً للمحتاج إليها؛ كالملوك؛ فما زالتْ تُعْرَضُ عليه حتى غابتِ الشمس في الحجاب، فألهتْه عن صلاة المساءِ وذِكْرِهِ، فقال ندماً على ما مضى منه، وتقرُّباً إلى الله بما ألهاه عن ذكرِهِ، وتقديماً لحبِّ الله على حبِّ غيره:{إنِّي أحببتُ حُبَّ الخيرِ}: وضمَّنَ أحببتُ معنى آثرتُ؛ أي: آثرتُ حبَّ الخير الذي هو المالُ عموماً وفي الموضع المرادُ الخيل {عن ذِكۡرِ ربِّي حتى تَوارَتۡ بالحجابِ. ردُّوها عليَّ}: فردُّوها، {فطَفِقَ}: فيها {مسحاً بالسُّوقِ والأعناقِ}؛ أي: جعل يعقِرُها بسيفِهِ في سوقِها وأعناقها. {34}{ولقد فتنَّا سليمانَ}؛ أي: ابتليْناه واختبرْناه بذَهابِ ملكِهِ وانفصالِهِ عنه بسبب خلل اقتضتْه الطبيعةُ البشريةُ، {وألقَيۡنا على كرسيِّه جسداً}؛ أي: شيطاناً قضى الله وقَدَّر أن يجلسَ على كرسيِّ ملكِهِ ويتصرَّفَ في الملك في مدَّةِ فتنة سليمان، {ثم أنابَ}: سليمانُ إلى الله تعالى، وتابَ. {35 ـ 39} فَـ {قَالَ ربِّ اغۡفِرۡ لي وَهَبۡ لي مُلۡكاً لا ينبغي لأحدٍ من بعدي إنَّك أنت الوهابُ}: فاستجاب الله له، وغفر له، وردَّ عليه مُلْكَه، وزادَه ملكاً لم يحصُلْ لأحدٍ من بعده، وهو تسخيرُ الشياطين له يبنونَ ما يريدُ ويغوصون له في البحر يستخرِجون الدُّرَّ والحُلِيَّ، ومَنْ عصاه منهم؛ قَرَّنَه في الأصفاد وأوثقه، وقلنا له:{هذا عطاؤنا}: فَقُرَّ به عيناً، {فامنُنۡ}: على من شئتَ، {أو أمۡسِكۡ}: مَنْ شئتَ {بغير حسابٍ}؛ أي: لا حرج عليك في ذلك ولا حسابَ؛ لعلمه تعالى بكمال عدلِهِ وحسن أحكامِهِ. {40} ولا تحسبنَّ هذا لسليمانَ في الدُّنيا دون الآخرة، بل له في الآخرة خيرٌ عظيمٌ، ولهذا قال:{وإنَّ له عندَنا لَزُلۡفى وحسنَ مآبٍ}؛ أي: هو من المقرَّبين عند اللهِ المكرَمين بأنواع الكراماتِ لله. فصل فيما تبيَّن لنا من الفوائد والحكم في قصة داود وسليمان عليهما السلام. فمنها: أنَّ الله تعالى يقصُّ على نبيِّه محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - أخبارَ من قبله ليثبِّتَ فؤاده وتطمئنَّ نفسه، ويذكر له من عباداتهم وشدَّة صبرهم وإنابتهم ما يشوِّقُه إلى منافستهم والتقرُّب إلى الله الذي تقرَّبوا له والصبر على أذى قومه، ولهذا في هذا الموضع لما ذَكَرَ الله ما ذكر من أذيَّةِ قومِهِ وكلامِهم فيه وفيما جاء به؛ أمره بالصبر، وأن يذكر عبده داود فيتسلى به. ومنها: أنَّ الله تعالى يمدحُ ويحبُّ القوَّة في طاعته؛ قوَّةَ القلب والبدن؛ فإنَّه يحصُلُ منها من آثار الطاعة وحسنِها وكثرتِها ما لا يحصُلُ مع الوهن وعدم القوَّة، وأنَّ العبد ينبغي له تعاطي أسبابها وعدم الركونِ إلى الكسل والبطالة المخلَّةِ بالقوَّة المضعفة للنفس. ومنها: أنَّ الرجوع إلى الله في جميع الأمورِ من أوصاف أنبياء الله وخواصِّ خلقِهِ؛ كما أثنى الله على داود وسليمان بذلك؛ فَلْيَقْتَدِ بهما المقتدون، ولْيَهْتَدِ بُهداهم السالكون، {أولئك الذين هدى الله فبِهُداهُمُ اقۡتَدِه}. ومنها: ما أكرم الله به نبيَّه داود عليه السلامُ من حسن الصوت العظيم الذي جعل اللَّه بسببه الجبال الصُّمَّ والطيور البُهْمَ يجاوِبْنه إذا رجَّع صوتَه بالتسبيح، ويسبِّحْن معه بالعشيِّ والإشراق. ومنها: أنَّ من أكبر نعم الله على عبدِهِ أن يرزُقَه العلم النافع ويعرِفَ الحُكْمَ والفصلَ بين الناس؛ كما امتنَّ الله به على عبدِهِ داود عليه السلام. ومنها: اعتناءُ الله تعالى بأنبيائِهِ وأصفيائِهِ عندما يقع منهم بعضُ الخلل بفتنتِهِ إيَّاهم وابتلائهم بما به يزول عنهم المحذورُ، ويعودون إلى أكمل من حالتهم الأولى؛ كما جرى لداود وسليمان عليهما السلام. ومنها: أنَّ الأنبياءَ صلوات الله وسلامه عليهم معصومون من الخطأ فيما يبلِّغون عن الله تعالى؛ لأنَّ مقصودَ الرسالة لا يحصُلُ إلاَّ بذلك، وأنَّه قد يجري منهم بعضُ مقتضيات الطبيعة من المعاصي، ولكنَّ الله يتداركُهم ويبادِرُهم بلطفِهِ. ومنها: أن داود عليه السلام في أغلب أحواله لازماً محرابه لخدمةِ ربِّه، ولهذا تسوَّر الخصمان عليه المحرابَ؛ لأنَّه كان إذا خلا في محرابه؛ لا يأتيه أحدٌ، فلم يجعلْ كلَّ وقتِهِ للناس مع كثرةِ ما يَرِدُ عليه من الأحكام، بل جعل له وقتاً يخلو فيه بربِّه وتَقَرُّ عينُه بعبادتِهِ، وتعينُه على الإخلاص في جميع أموره. ومنها: أنَّه ينبغي استعمال الأدبِ في الدخول على الحكَّام وغيرهم؛ فإنَّ الخصمين لما دخلا على داود في حالةٍ غير معتادةٍ ومن غير الباب المعهود؛ فَزِعَ منهم، واشتدَّ عليه ذلك، ورآه غيرُ لائقٍ بالحال. ومنها: أنَّه لا يمنعُ الحاكمَ من الحكم بالحقِّ سوءُ أدبِ الخصم وفعلِهِ ما لا ينبغي. ومنها: كمال حلم داود عليه السلام؛ فإنَّه ما غضب عليهما حين جاءاه بغير استئذان، وهو الملكُ، ولا انتهرهما، ولا وبَّخهما. ومنها: جوازُ قول المظلموم لِمَنْ ظَلَمَه: أنت ظَلَمْتَني أو: يا ظالم! ونحو ذلك أو باغٍ عليَّ! لقولهما: {خصمان بغى بعضُنا على بعضٍ}. ومنها: أنَّ الموعوظ والمنصوح، ولو كان كبير القدرِ جليل العلم، إذا نَصَحَهُ أحدٌ أو وَعَظَه؛ لا يغضبُ ولا يشمئزُّ، بل يبادِرُه بالقَبول والشكر؛ فإنَّ الخصمين نَصَحا داود، فلم يشمئزَّ ولم يغضبْ ولم يَثْنِهِ ذلك عن الحقِّ، بل حكم بالحقِّ الصرف. ومنها: أنَّ المخالطةَ بين الأقارب والأصحاب وكثرةَ التعلُّقاتِ الدنيويَّة الماليَّة موجبةٌ للتعادي بينهم، وبغي بعضِهم على بعضٍ، وأنَّه لا يردُّ عن ذلك إلاَّ استعمال تقوى الله والصبر على الأمور بالإيمان والعمل الصالح، وأنَّ هذا من أقل شيءٍ في الناس. ومنها: أنَّ الاستغفار والعبادة، خصوصاً الصلاة، من مكفرات الذنوب؛ فإنَّ الله رتَّب مغفرةَ ذنبِ داود على استغفارِهِ وسجودِهِ. ومنها: إكرامُ الله لعبدِهِ داود وسليمان بالقرب منه وحسن الثوابِ، وأنْ لا يظنَّ أن ما جرى لهما منقصٌ لدرجتهما عند الله تعالى، وهذا مِنْ تمام لطفِهِ بعباده المخلِصين؛ أنَّه إذا غفر لهم وأزال أثر ذنوبهم؛ أزال الآثار المترتِّبة عليه كلَّها، حتى ما يقع في قلوب الخلق؛ فإنَّهم إذا علموا ببعض ذنوبهم؛ وقع في قلوبهم نزولهم عن درجتهم الأولى، فأزال الله تعالى هذه الآثار، وما ذاك بعزيز على الكريم الغفار. ومنها: أنَّ الحكم بين الناس مرتبةٌ دينيةٌ تولاَّها رسل الله وخواصُّ خلقه، وأنَّ وظيفة القائم بها الحكمُ بالحقِّ ومجانبةُ الهوى؛ فالحكمُ بالحقِّ يقتضي العلم بالأمور الشرعيَّة والعلم بصورة القضيَّةِ المحكوم بها وكيفيَّة إدخالها في الحكم الشرعي؛ فالجاهلُ بأحدِ الأمرين لا يَصْلُحُ للحكم، ولا يحلُّ له الإقدام عليه. ومنها: أنَّه ينبغي للحاكم أن يَحْذَرَ الهوى ويَجْعَلَه منه على بال؛ فإنَّ النفوس لا تَخْلو منه، بل يجاهدُ نفسَه بأن يكونَ الحقُّ مقصودَه، وأن يلقي عنه وقتَ الحكم كلَّ محبةٍ أو بغضٍ لأحدِ الخصمين. ومنها: أنَّ سليمان عليه السلام من فضائل داود ومن مِنَنِ الله عليه حيث وَهَبَه له، وأنَّ من أكبر نعم الله على عبدِهِ أن يَهَبَ له ولداً صالحاً؛ فإنْ كان عالماً؛ كان نوراً على نور. ومنها: ثناءُ الله تعالى على سليمان ومدحِهِ في قوله: {نِعۡمَ العبدُ إنَّه أوَّابٌ}. ومنها: كثرة خيرِ الله وبرِّه بعبيده أنْ يَمُنَّ عليهم بصالح الأعمال ومكارم الأخلاق، ثم يُثني عليهم بها، وهو المتفضل الوهاب. ومنها: تقديم سليمان محبَّةَ الله تعالى على محبَّةِ كل شيء. ومنها: أنَّ كل ما شغل العبد عن الله؛ فإنَّه مشؤومٌ مذمومٌ؛ فليفارِقْه ولْيُقْبِلْ على ما هو أنفعُ له. ومنها: القاعدة المشهورةُ: من ترك شيئاً لله؛ عوَّضَه الله خيراً منه. فسليمان عليه السلام عَقَرَ الجيادَ الصافناتِ المحبوبةَ للنفوس تقديماً لمحبَّة الله، فعوَّضه الله خيراً من ذلك؛ بأنْ سخَّرَ له الريح الرُّخاءَ الليِّنة التي تجري بأمره إلى حيثُ أراد وقصد، غدوُّها شهرٌ ورواحُها شهرٌ، وسخَّر له الشياطين أهل الاقتدار على الأعمال التي لا يقدِرُ عليها الآدميُّون. ومنها: أنَّ تسخير الشياطين لا تكون لأحدٍ بعد سليمان عليه السلام. ومنها: أنَّ سليمان عليه السلام كان مَلِكاً نبيًّا، يفعلُ ما أراد، ولكنَّه لا يريد إلاَّ العدل، بخلاف النبيِّ العبد؛ فإنَّه تكون إرادتُه تابعةً لأمر اللَّه؛ فلا يفعل ولا يترك إلاَّ بالأمر؛ كحال نبيِّنا - صلى الله عليه وسلم -، وهذه الحال أكمل.

ص 38:33

{30} لما أثنى الله تعالى على داودَ وذَكَرَ ما جرى له ومنه؛ أثنى على ابنِهِ سليمانَ عليهما السلام، فقال:{ووَهَبۡنا لداودَ سليمانَ}؛ أي: أنْعَمْنا به عليه وأقررْنا به عينَه. {نعم العبدُ}: سليمانُ عليه السلام، فإنَّه اتَّصف بما يوجب المدح، وهو {إنَّه أوابٌ}؛ أي: رجاعٌ إلى الله في جميع أحوالِهِ بالتألُّه والإنابة والمحبَّة والذِّكر والدُّعاء والتضرُّع والاجتهاد في مرضاة الله وتقديمها على كل شيءٍ. {31 ـ 33} ولهذا؛ لما عُرِضَتِ [عليه] الخيل الجياد السبق {الصافناتُ}؛ أي: التي من وصفها الصُّفونُ، وهو رفع إحدى قوائِمِها عند الوقوف، وكان لها منظرٌ رائقٌ وجمالٌ معجبٌ، خصوصاً للمحتاج إليها؛ كالملوك؛ فما زالتْ تُعْرَضُ عليه حتى غابتِ الشمس في الحجاب، فألهتْه عن صلاة المساءِ وذِكْرِهِ، فقال ندماً على ما مضى منه، وتقرُّباً إلى الله بما ألهاه عن ذكرِهِ، وتقديماً لحبِّ الله على حبِّ غيره:{إنِّي أحببتُ حُبَّ الخيرِ}: وضمَّنَ أحببتُ معنى آثرتُ؛ أي: آثرتُ حبَّ الخير الذي هو المالُ عموماً وفي الموضع المرادُ الخيل {عن ذِكۡرِ ربِّي حتى تَوارَتۡ بالحجابِ. ردُّوها عليَّ}: فردُّوها، {فطَفِقَ}: فيها {مسحاً بالسُّوقِ والأعناقِ}؛ أي: جعل يعقِرُها بسيفِهِ في سوقِها وأعناقها. {34}{ولقد فتنَّا سليمانَ}؛ أي: ابتليْناه واختبرْناه بذَهابِ ملكِهِ وانفصالِهِ عنه بسبب خلل اقتضتْه الطبيعةُ البشريةُ، {وألقَيۡنا على كرسيِّه جسداً}؛ أي: شيطاناً قضى الله وقَدَّر أن يجلسَ على كرسيِّ ملكِهِ ويتصرَّفَ في الملك في مدَّةِ فتنة سليمان، {ثم أنابَ}: سليمانُ إلى الله تعالى، وتابَ. {35 ـ 39} فَـ {قَالَ ربِّ اغۡفِرۡ لي وَهَبۡ لي مُلۡكاً لا ينبغي لأحدٍ من بعدي إنَّك أنت الوهابُ}: فاستجاب الله له، وغفر له، وردَّ عليه مُلْكَه، وزادَه ملكاً لم يحصُلْ لأحدٍ من بعده، وهو تسخيرُ الشياطين له يبنونَ ما يريدُ ويغوصون له في البحر يستخرِجون الدُّرَّ والحُلِيَّ، ومَنْ عصاه منهم؛ قَرَّنَه في الأصفاد وأوثقه، وقلنا له:{هذا عطاؤنا}: فَقُرَّ به عيناً، {فامنُنۡ}: على من شئتَ، {أو أمۡسِكۡ}: مَنْ شئتَ {بغير حسابٍ}؛ أي: لا حرج عليك في ذلك ولا حسابَ؛ لعلمه تعالى بكمال عدلِهِ وحسن أحكامِهِ. {40} ولا تحسبنَّ هذا لسليمانَ في الدُّنيا دون الآخرة، بل له في الآخرة خيرٌ عظيمٌ، ولهذا قال:{وإنَّ له عندَنا لَزُلۡفى وحسنَ مآبٍ}؛ أي: هو من المقرَّبين عند اللهِ المكرَمين بأنواع الكراماتِ لله. فصل فيما تبيَّن لنا من الفوائد والحكم في قصة داود وسليمان عليهما السلام. فمنها: أنَّ الله تعالى يقصُّ على نبيِّه محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - أخبارَ من قبله ليثبِّتَ فؤاده وتطمئنَّ نفسه، ويذكر له من عباداتهم وشدَّة صبرهم وإنابتهم ما يشوِّقُه إلى منافستهم والتقرُّب إلى الله الذي تقرَّبوا له والصبر على أذى قومه، ولهذا في هذا الموضع لما ذَكَرَ الله ما ذكر من أذيَّةِ قومِهِ وكلامِهم فيه وفيما جاء به؛ أمره بالصبر، وأن يذكر عبده داود فيتسلى به. ومنها: أنَّ الله تعالى يمدحُ ويحبُّ القوَّة في طاعته؛ قوَّةَ القلب والبدن؛ فإنَّه يحصُلُ منها من آثار الطاعة وحسنِها وكثرتِها ما لا يحصُلُ مع الوهن وعدم القوَّة، وأنَّ العبد ينبغي له تعاطي أسبابها وعدم الركونِ إلى الكسل والبطالة المخلَّةِ بالقوَّة المضعفة للنفس. ومنها: أنَّ الرجوع إلى الله في جميع الأمورِ من أوصاف أنبياء الله وخواصِّ خلقِهِ؛ كما أثنى الله على داود وسليمان بذلك؛ فَلْيَقْتَدِ بهما المقتدون، ولْيَهْتَدِ بُهداهم السالكون، {أولئك الذين هدى الله فبِهُداهُمُ اقۡتَدِه}. ومنها: ما أكرم الله به نبيَّه داود عليه السلامُ من حسن الصوت العظيم الذي جعل اللَّه بسببه الجبال الصُّمَّ والطيور البُهْمَ يجاوِبْنه إذا رجَّع صوتَه بالتسبيح، ويسبِّحْن معه بالعشيِّ والإشراق. ومنها: أنَّ من أكبر نعم الله على عبدِهِ أن يرزُقَه العلم النافع ويعرِفَ الحُكْمَ والفصلَ بين الناس؛ كما امتنَّ الله به على عبدِهِ داود عليه السلام. ومنها: اعتناءُ الله تعالى بأنبيائِهِ وأصفيائِهِ عندما يقع منهم بعضُ الخلل بفتنتِهِ إيَّاهم وابتلائهم بما به يزول عنهم المحذورُ، ويعودون إلى أكمل من حالتهم الأولى؛ كما جرى لداود وسليمان عليهما السلام. ومنها: أنَّ الأنبياءَ صلوات الله وسلامه عليهم معصومون من الخطأ فيما يبلِّغون عن الله تعالى؛ لأنَّ مقصودَ الرسالة لا يحصُلُ إلاَّ بذلك، وأنَّه قد يجري منهم بعضُ مقتضيات الطبيعة من المعاصي، ولكنَّ الله يتداركُهم ويبادِرُهم بلطفِهِ. ومنها: أن داود عليه السلام في أغلب أحواله لازماً محرابه لخدمةِ ربِّه، ولهذا تسوَّر الخصمان عليه المحرابَ؛ لأنَّه كان إذا خلا في محرابه؛ لا يأتيه أحدٌ، فلم يجعلْ كلَّ وقتِهِ للناس مع كثرةِ ما يَرِدُ عليه من الأحكام، بل جعل له وقتاً يخلو فيه بربِّه وتَقَرُّ عينُه بعبادتِهِ، وتعينُه على الإخلاص في جميع أموره. ومنها: أنَّه ينبغي استعمال الأدبِ في الدخول على الحكَّام وغيرهم؛ فإنَّ الخصمين لما دخلا على داود في حالةٍ غير معتادةٍ ومن غير الباب المعهود؛ فَزِعَ منهم، واشتدَّ عليه ذلك، ورآه غيرُ لائقٍ بالحال. ومنها: أنَّه لا يمنعُ الحاكمَ من الحكم بالحقِّ سوءُ أدبِ الخصم وفعلِهِ ما لا ينبغي. ومنها: كمال حلم داود عليه السلام؛ فإنَّه ما غضب عليهما حين جاءاه بغير استئذان، وهو الملكُ، ولا انتهرهما، ولا وبَّخهما. ومنها: جوازُ قول المظلموم لِمَنْ ظَلَمَه: أنت ظَلَمْتَني أو: يا ظالم! ونحو ذلك أو باغٍ عليَّ! لقولهما: {خصمان بغى بعضُنا على بعضٍ}. ومنها: أنَّ الموعوظ والمنصوح، ولو كان كبير القدرِ جليل العلم، إذا نَصَحَهُ أحدٌ أو وَعَظَه؛ لا يغضبُ ولا يشمئزُّ، بل يبادِرُه بالقَبول والشكر؛ فإنَّ الخصمين نَصَحا داود، فلم يشمئزَّ ولم يغضبْ ولم يَثْنِهِ ذلك عن الحقِّ، بل حكم بالحقِّ الصرف. ومنها: أنَّ المخالطةَ بين الأقارب والأصحاب وكثرةَ التعلُّقاتِ الدنيويَّة الماليَّة موجبةٌ للتعادي بينهم، وبغي بعضِهم على بعضٍ، وأنَّه لا يردُّ عن ذلك إلاَّ استعمال تقوى الله والصبر على الأمور بالإيمان والعمل الصالح، وأنَّ هذا من أقل شيءٍ في الناس. ومنها: أنَّ الاستغفار والعبادة، خصوصاً الصلاة، من مكفرات الذنوب؛ فإنَّ الله رتَّب مغفرةَ ذنبِ داود على استغفارِهِ وسجودِهِ. ومنها: إكرامُ الله لعبدِهِ داود وسليمان بالقرب منه وحسن الثوابِ، وأنْ لا يظنَّ أن ما جرى لهما منقصٌ لدرجتهما عند الله تعالى، وهذا مِنْ تمام لطفِهِ بعباده المخلِصين؛ أنَّه إذا غفر لهم وأزال أثر ذنوبهم؛ أزال الآثار المترتِّبة عليه كلَّها، حتى ما يقع في قلوب الخلق؛ فإنَّهم إذا علموا ببعض ذنوبهم؛ وقع في قلوبهم نزولهم عن درجتهم الأولى، فأزال الله تعالى هذه الآثار، وما ذاك بعزيز على الكريم الغفار. ومنها: أنَّ الحكم بين الناس مرتبةٌ دينيةٌ تولاَّها رسل الله وخواصُّ خلقه، وأنَّ وظيفة القائم بها الحكمُ بالحقِّ ومجانبةُ الهوى؛ فالحكمُ بالحقِّ يقتضي العلم بالأمور الشرعيَّة والعلم بصورة القضيَّةِ المحكوم بها وكيفيَّة إدخالها في الحكم الشرعي؛ فالجاهلُ بأحدِ الأمرين لا يَصْلُحُ للحكم، ولا يحلُّ له الإقدام عليه. ومنها: أنَّه ينبغي للحاكم أن يَحْذَرَ الهوى ويَجْعَلَه منه على بال؛ فإنَّ النفوس لا تَخْلو منه، بل يجاهدُ نفسَه بأن يكونَ الحقُّ مقصودَه، وأن يلقي عنه وقتَ الحكم كلَّ محبةٍ أو بغضٍ لأحدِ الخصمين. ومنها: أنَّ سليمان عليه السلام من فضائل داود ومن مِنَنِ الله عليه حيث وَهَبَه له، وأنَّ من أكبر نعم الله على عبدِهِ أن يَهَبَ له ولداً صالحاً؛ فإنْ كان عالماً؛ كان نوراً على نور. ومنها: ثناءُ الله تعالى على سليمان ومدحِهِ في قوله: {نِعۡمَ العبدُ إنَّه أوَّابٌ}. ومنها: كثرة خيرِ الله وبرِّه بعبيده أنْ يَمُنَّ عليهم بصالح الأعمال ومكارم الأخلاق، ثم يُثني عليهم بها، وهو المتفضل الوهاب. ومنها: تقديم سليمان محبَّةَ الله تعالى على محبَّةِ كل شيء. ومنها: أنَّ كل ما شغل العبد عن الله؛ فإنَّه مشؤومٌ مذمومٌ؛ فليفارِقْه ولْيُقْبِلْ على ما هو أنفعُ له. ومنها: القاعدة المشهورةُ: من ترك شيئاً لله؛ عوَّضَه الله خيراً منه. فسليمان عليه السلام عَقَرَ الجيادَ الصافناتِ المحبوبةَ للنفوس تقديماً لمحبَّة الله، فعوَّضه الله خيراً من ذلك؛ بأنْ سخَّرَ له الريح الرُّخاءَ الليِّنة التي تجري بأمره إلى حيثُ أراد وقصد، غدوُّها شهرٌ ورواحُها شهرٌ، وسخَّر له الشياطين أهل الاقتدار على الأعمال التي لا يقدِرُ عليها الآدميُّون. ومنها: أنَّ تسخير الشياطين لا تكون لأحدٍ بعد سليمان عليه السلام. ومنها: أنَّ سليمان عليه السلام كان مَلِكاً نبيًّا، يفعلُ ما أراد، ولكنَّه لا يريد إلاَّ العدل، بخلاف النبيِّ العبد؛ فإنَّه تكون إرادتُه تابعةً لأمر اللَّه؛ فلا يفعل ولا يترك إلاَّ بالأمر؛ كحال نبيِّنا - صلى الله عليه وسلم -، وهذه الحال أكمل.

ص 38:34

{30} لما أثنى الله تعالى على داودَ وذَكَرَ ما جرى له ومنه؛ أثنى على ابنِهِ سليمانَ عليهما السلام، فقال:{ووَهَبۡنا لداودَ سليمانَ}؛ أي: أنْعَمْنا به عليه وأقررْنا به عينَه. {نعم العبدُ}: سليمانُ عليه السلام، فإنَّه اتَّصف بما يوجب المدح، وهو {إنَّه أوابٌ}؛ أي: رجاعٌ إلى الله في جميع أحوالِهِ بالتألُّه والإنابة والمحبَّة والذِّكر والدُّعاء والتضرُّع والاجتهاد في مرضاة الله وتقديمها على كل شيءٍ. {31 ـ 33} ولهذا؛ لما عُرِضَتِ [عليه] الخيل الجياد السبق {الصافناتُ}؛ أي: التي من وصفها الصُّفونُ، وهو رفع إحدى قوائِمِها عند الوقوف، وكان لها منظرٌ رائقٌ وجمالٌ معجبٌ، خصوصاً للمحتاج إليها؛ كالملوك؛ فما زالتْ تُعْرَضُ عليه حتى غابتِ الشمس في الحجاب، فألهتْه عن صلاة المساءِ وذِكْرِهِ، فقال ندماً على ما مضى منه، وتقرُّباً إلى الله بما ألهاه عن ذكرِهِ، وتقديماً لحبِّ الله على حبِّ غيره:{إنِّي أحببتُ حُبَّ الخيرِ}: وضمَّنَ أحببتُ معنى آثرتُ؛ أي: آثرتُ حبَّ الخير الذي هو المالُ عموماً وفي الموضع المرادُ الخيل {عن ذِكۡرِ ربِّي حتى تَوارَتۡ بالحجابِ. ردُّوها عليَّ}: فردُّوها، {فطَفِقَ}: فيها {مسحاً بالسُّوقِ والأعناقِ}؛ أي: جعل يعقِرُها بسيفِهِ في سوقِها وأعناقها. {34}{ولقد فتنَّا سليمانَ}؛ أي: ابتليْناه واختبرْناه بذَهابِ ملكِهِ وانفصالِهِ عنه بسبب خلل اقتضتْه الطبيعةُ البشريةُ، {وألقَيۡنا على كرسيِّه جسداً}؛ أي: شيطاناً قضى الله وقَدَّر أن يجلسَ على كرسيِّ ملكِهِ ويتصرَّفَ في الملك في مدَّةِ فتنة سليمان، {ثم أنابَ}: سليمانُ إلى الله تعالى، وتابَ. {35 ـ 39} فَـ {قَالَ ربِّ اغۡفِرۡ لي وَهَبۡ لي مُلۡكاً لا ينبغي لأحدٍ من بعدي إنَّك أنت الوهابُ}: فاستجاب الله له، وغفر له، وردَّ عليه مُلْكَه، وزادَه ملكاً لم يحصُلْ لأحدٍ من بعده، وهو تسخيرُ الشياطين له يبنونَ ما يريدُ ويغوصون له في البحر يستخرِجون الدُّرَّ والحُلِيَّ، ومَنْ عصاه منهم؛ قَرَّنَه في الأصفاد وأوثقه، وقلنا له:{هذا عطاؤنا}: فَقُرَّ به عيناً، {فامنُنۡ}: على من شئتَ، {أو أمۡسِكۡ}: مَنْ شئتَ {بغير حسابٍ}؛ أي: لا حرج عليك في ذلك ولا حسابَ؛ لعلمه تعالى بكمال عدلِهِ وحسن أحكامِهِ. {40} ولا تحسبنَّ هذا لسليمانَ في الدُّنيا دون الآخرة، بل له في الآخرة خيرٌ عظيمٌ، ولهذا قال:{وإنَّ له عندَنا لَزُلۡفى وحسنَ مآبٍ}؛ أي: هو من المقرَّبين عند اللهِ المكرَمين بأنواع الكراماتِ لله. فصل فيما تبيَّن لنا من الفوائد والحكم في قصة داود وسليمان عليهما السلام. فمنها: أنَّ الله تعالى يقصُّ على نبيِّه محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - أخبارَ من قبله ليثبِّتَ فؤاده وتطمئنَّ نفسه، ويذكر له من عباداتهم وشدَّة صبرهم وإنابتهم ما يشوِّقُه إلى منافستهم والتقرُّب إلى الله الذي تقرَّبوا له والصبر على أذى قومه، ولهذا في هذا الموضع لما ذَكَرَ الله ما ذكر من أذيَّةِ قومِهِ وكلامِهم فيه وفيما جاء به؛ أمره بالصبر، وأن يذكر عبده داود فيتسلى به. ومنها: أنَّ الله تعالى يمدحُ ويحبُّ القوَّة في طاعته؛ قوَّةَ القلب والبدن؛ فإنَّه يحصُلُ منها من آثار الطاعة وحسنِها وكثرتِها ما لا يحصُلُ مع الوهن وعدم القوَّة، وأنَّ العبد ينبغي له تعاطي أسبابها وعدم الركونِ إلى الكسل والبطالة المخلَّةِ بالقوَّة المضعفة للنفس. ومنها: أنَّ الرجوع إلى الله في جميع الأمورِ من أوصاف أنبياء الله وخواصِّ خلقِهِ؛ كما أثنى الله على داود وسليمان بذلك؛ فَلْيَقْتَدِ بهما المقتدون، ولْيَهْتَدِ بُهداهم السالكون، {أولئك الذين هدى الله فبِهُداهُمُ اقۡتَدِه}. ومنها: ما أكرم الله به نبيَّه داود عليه السلامُ من حسن الصوت العظيم الذي جعل اللَّه بسببه الجبال الصُّمَّ والطيور البُهْمَ يجاوِبْنه إذا رجَّع صوتَه بالتسبيح، ويسبِّحْن معه بالعشيِّ والإشراق. ومنها: أنَّ من أكبر نعم الله على عبدِهِ أن يرزُقَه العلم النافع ويعرِفَ الحُكْمَ والفصلَ بين الناس؛ كما امتنَّ الله به على عبدِهِ داود عليه السلام. ومنها: اعتناءُ الله تعالى بأنبيائِهِ وأصفيائِهِ عندما يقع منهم بعضُ الخلل بفتنتِهِ إيَّاهم وابتلائهم بما به يزول عنهم المحذورُ، ويعودون إلى أكمل من حالتهم الأولى؛ كما جرى لداود وسليمان عليهما السلام. ومنها: أنَّ الأنبياءَ صلوات الله وسلامه عليهم معصومون من الخطأ فيما يبلِّغون عن الله تعالى؛ لأنَّ مقصودَ الرسالة لا يحصُلُ إلاَّ بذلك، وأنَّه قد يجري منهم بعضُ مقتضيات الطبيعة من المعاصي، ولكنَّ الله يتداركُهم ويبادِرُهم بلطفِهِ. ومنها: أن داود عليه السلام في أغلب أحواله لازماً محرابه لخدمةِ ربِّه، ولهذا تسوَّر الخصمان عليه المحرابَ؛ لأنَّه كان إذا خلا في محرابه؛ لا يأتيه أحدٌ، فلم يجعلْ كلَّ وقتِهِ للناس مع كثرةِ ما يَرِدُ عليه من الأحكام، بل جعل له وقتاً يخلو فيه بربِّه وتَقَرُّ عينُه بعبادتِهِ، وتعينُه على الإخلاص في جميع أموره. ومنها: أنَّه ينبغي استعمال الأدبِ في الدخول على الحكَّام وغيرهم؛ فإنَّ الخصمين لما دخلا على داود في حالةٍ غير معتادةٍ ومن غير الباب المعهود؛ فَزِعَ منهم، واشتدَّ عليه ذلك، ورآه غيرُ لائقٍ بالحال. ومنها: أنَّه لا يمنعُ الحاكمَ من الحكم بالحقِّ سوءُ أدبِ الخصم وفعلِهِ ما لا ينبغي. ومنها: كمال حلم داود عليه السلام؛ فإنَّه ما غضب عليهما حين جاءاه بغير استئذان، وهو الملكُ، ولا انتهرهما، ولا وبَّخهما. ومنها: جوازُ قول المظلموم لِمَنْ ظَلَمَه: أنت ظَلَمْتَني أو: يا ظالم! ونحو ذلك أو باغٍ عليَّ! لقولهما: {خصمان بغى بعضُنا على بعضٍ}. ومنها: أنَّ الموعوظ والمنصوح، ولو كان كبير القدرِ جليل العلم، إذا نَصَحَهُ أحدٌ أو وَعَظَه؛ لا يغضبُ ولا يشمئزُّ، بل يبادِرُه بالقَبول والشكر؛ فإنَّ الخصمين نَصَحا داود، فلم يشمئزَّ ولم يغضبْ ولم يَثْنِهِ ذلك عن الحقِّ، بل حكم بالحقِّ الصرف. ومنها: أنَّ المخالطةَ بين الأقارب والأصحاب وكثرةَ التعلُّقاتِ الدنيويَّة الماليَّة موجبةٌ للتعادي بينهم، وبغي بعضِهم على بعضٍ، وأنَّه لا يردُّ عن ذلك إلاَّ استعمال تقوى الله والصبر على الأمور بالإيمان والعمل الصالح، وأنَّ هذا من أقل شيءٍ في الناس. ومنها: أنَّ الاستغفار والعبادة، خصوصاً الصلاة، من مكفرات الذنوب؛ فإنَّ الله رتَّب مغفرةَ ذنبِ داود على استغفارِهِ وسجودِهِ. ومنها: إكرامُ الله لعبدِهِ داود وسليمان بالقرب منه وحسن الثوابِ، وأنْ لا يظنَّ أن ما جرى لهما منقصٌ لدرجتهما عند الله تعالى، وهذا مِنْ تمام لطفِهِ بعباده المخلِصين؛ أنَّه إذا غفر لهم وأزال أثر ذنوبهم؛ أزال الآثار المترتِّبة عليه كلَّها، حتى ما يقع في قلوب الخلق؛ فإنَّهم إذا علموا ببعض ذنوبهم؛ وقع في قلوبهم نزولهم عن درجتهم الأولى، فأزال الله تعالى هذه الآثار، وما ذاك بعزيز على الكريم الغفار. ومنها: أنَّ الحكم بين الناس مرتبةٌ دينيةٌ تولاَّها رسل الله وخواصُّ خلقه، وأنَّ وظيفة القائم بها الحكمُ بالحقِّ ومجانبةُ الهوى؛ فالحكمُ بالحقِّ يقتضي العلم بالأمور الشرعيَّة والعلم بصورة القضيَّةِ المحكوم بها وكيفيَّة إدخالها في الحكم الشرعي؛ فالجاهلُ بأحدِ الأمرين لا يَصْلُحُ للحكم، ولا يحلُّ له الإقدام عليه. ومنها: أنَّه ينبغي للحاكم أن يَحْذَرَ الهوى ويَجْعَلَه منه على بال؛ فإنَّ النفوس لا تَخْلو منه، بل يجاهدُ نفسَه بأن يكونَ الحقُّ مقصودَه، وأن يلقي عنه وقتَ الحكم كلَّ محبةٍ أو بغضٍ لأحدِ الخصمين. ومنها: أنَّ سليمان عليه السلام من فضائل داود ومن مِنَنِ الله عليه حيث وَهَبَه له، وأنَّ من أكبر نعم الله على عبدِهِ أن يَهَبَ له ولداً صالحاً؛ فإنْ كان عالماً؛ كان نوراً على نور. ومنها: ثناءُ الله تعالى على سليمان ومدحِهِ في قوله: {نِعۡمَ العبدُ إنَّه أوَّابٌ}. ومنها: كثرة خيرِ الله وبرِّه بعبيده أنْ يَمُنَّ عليهم بصالح الأعمال ومكارم الأخلاق، ثم يُثني عليهم بها، وهو المتفضل الوهاب. ومنها: تقديم سليمان محبَّةَ الله تعالى على محبَّةِ كل شيء. ومنها: أنَّ كل ما شغل العبد عن الله؛ فإنَّه مشؤومٌ مذمومٌ؛ فليفارِقْه ولْيُقْبِلْ على ما هو أنفعُ له. ومنها: القاعدة المشهورةُ: من ترك شيئاً لله؛ عوَّضَه الله خيراً منه. فسليمان عليه السلام عَقَرَ الجيادَ الصافناتِ المحبوبةَ للنفوس تقديماً لمحبَّة الله، فعوَّضه الله خيراً من ذلك؛ بأنْ سخَّرَ له الريح الرُّخاءَ الليِّنة التي تجري بأمره إلى حيثُ أراد وقصد، غدوُّها شهرٌ ورواحُها شهرٌ، وسخَّر له الشياطين أهل الاقتدار على الأعمال التي لا يقدِرُ عليها الآدميُّون. ومنها: أنَّ تسخير الشياطين لا تكون لأحدٍ بعد سليمان عليه السلام. ومنها: أنَّ سليمان عليه السلام كان مَلِكاً نبيًّا، يفعلُ ما أراد، ولكنَّه لا يريد إلاَّ العدل، بخلاف النبيِّ العبد؛ فإنَّه تكون إرادتُه تابعةً لأمر اللَّه؛ فلا يفعل ولا يترك إلاَّ بالأمر؛ كحال نبيِّنا - صلى الله عليه وسلم -، وهذه الحال أكمل.

ص 38:35

{30} لما أثنى الله تعالى على داودَ وذَكَرَ ما جرى له ومنه؛ أثنى على ابنِهِ سليمانَ عليهما السلام، فقال:{ووَهَبۡنا لداودَ سليمانَ}؛ أي: أنْعَمْنا به عليه وأقررْنا به عينَه. {نعم العبدُ}: سليمانُ عليه السلام، فإنَّه اتَّصف بما يوجب المدح، وهو {إنَّه أوابٌ}؛ أي: رجاعٌ إلى الله في جميع أحوالِهِ بالتألُّه والإنابة والمحبَّة والذِّكر والدُّعاء والتضرُّع والاجتهاد في مرضاة الله وتقديمها على كل شيءٍ. {31 ـ 33} ولهذا؛ لما عُرِضَتِ [عليه] الخيل الجياد السبق {الصافناتُ}؛ أي: التي من وصفها الصُّفونُ، وهو رفع إحدى قوائِمِها عند الوقوف، وكان لها منظرٌ رائقٌ وجمالٌ معجبٌ، خصوصاً للمحتاج إليها؛ كالملوك؛ فما زالتْ تُعْرَضُ عليه حتى غابتِ الشمس في الحجاب، فألهتْه عن صلاة المساءِ وذِكْرِهِ، فقال ندماً على ما مضى منه، وتقرُّباً إلى الله بما ألهاه عن ذكرِهِ، وتقديماً لحبِّ الله على حبِّ غيره:{إنِّي أحببتُ حُبَّ الخيرِ}: وضمَّنَ أحببتُ معنى آثرتُ؛ أي: آثرتُ حبَّ الخير الذي هو المالُ عموماً وفي الموضع المرادُ الخيل {عن ذِكۡرِ ربِّي حتى تَوارَتۡ بالحجابِ. ردُّوها عليَّ}: فردُّوها، {فطَفِقَ}: فيها {مسحاً بالسُّوقِ والأعناقِ}؛ أي: جعل يعقِرُها بسيفِهِ في سوقِها وأعناقها. {34}{ولقد فتنَّا سليمانَ}؛ أي: ابتليْناه واختبرْناه بذَهابِ ملكِهِ وانفصالِهِ عنه بسبب خلل اقتضتْه الطبيعةُ البشريةُ، {وألقَيۡنا على كرسيِّه جسداً}؛ أي: شيطاناً قضى الله وقَدَّر أن يجلسَ على كرسيِّ ملكِهِ ويتصرَّفَ في الملك في مدَّةِ فتنة سليمان، {ثم أنابَ}: سليمانُ إلى الله تعالى، وتابَ. {35 ـ 39} فَـ {قَالَ ربِّ اغۡفِرۡ لي وَهَبۡ لي مُلۡكاً لا ينبغي لأحدٍ من بعدي إنَّك أنت الوهابُ}: فاستجاب الله له، وغفر له، وردَّ عليه مُلْكَه، وزادَه ملكاً لم يحصُلْ لأحدٍ من بعده، وهو تسخيرُ الشياطين له يبنونَ ما يريدُ ويغوصون له في البحر يستخرِجون الدُّرَّ والحُلِيَّ، ومَنْ عصاه منهم؛ قَرَّنَه في الأصفاد وأوثقه، وقلنا له:{هذا عطاؤنا}: فَقُرَّ به عيناً، {فامنُنۡ}: على من شئتَ، {أو أمۡسِكۡ}: مَنْ شئتَ {بغير حسابٍ}؛ أي: لا حرج عليك في ذلك ولا حسابَ؛ لعلمه تعالى بكمال عدلِهِ وحسن أحكامِهِ. {40} ولا تحسبنَّ هذا لسليمانَ في الدُّنيا دون الآخرة، بل له في الآخرة خيرٌ عظيمٌ، ولهذا قال:{وإنَّ له عندَنا لَزُلۡفى وحسنَ مآبٍ}؛ أي: هو من المقرَّبين عند اللهِ المكرَمين بأنواع الكراماتِ لله. فصل فيما تبيَّن لنا من الفوائد والحكم في قصة داود وسليمان عليهما السلام. فمنها: أنَّ الله تعالى يقصُّ على نبيِّه محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - أخبارَ من قبله ليثبِّتَ فؤاده وتطمئنَّ نفسه، ويذكر له من عباداتهم وشدَّة صبرهم وإنابتهم ما يشوِّقُه إلى منافستهم والتقرُّب إلى الله الذي تقرَّبوا له والصبر على أذى قومه، ولهذا في هذا الموضع لما ذَكَرَ الله ما ذكر من أذيَّةِ قومِهِ وكلامِهم فيه وفيما جاء به؛ أمره بالصبر، وأن يذكر عبده داود فيتسلى به. ومنها: أنَّ الله تعالى يمدحُ ويحبُّ القوَّة في طاعته؛ قوَّةَ القلب والبدن؛ فإنَّه يحصُلُ منها من آثار الطاعة وحسنِها وكثرتِها ما لا يحصُلُ مع الوهن وعدم القوَّة، وأنَّ العبد ينبغي له تعاطي أسبابها وعدم الركونِ إلى الكسل والبطالة المخلَّةِ بالقوَّة المضعفة للنفس. ومنها: أنَّ الرجوع إلى الله في جميع الأمورِ من أوصاف أنبياء الله وخواصِّ خلقِهِ؛ كما أثنى الله على داود وسليمان بذلك؛ فَلْيَقْتَدِ بهما المقتدون، ولْيَهْتَدِ بُهداهم السالكون، {أولئك الذين هدى الله فبِهُداهُمُ اقۡتَدِه}. ومنها: ما أكرم الله به نبيَّه داود عليه السلامُ من حسن الصوت العظيم الذي جعل اللَّه بسببه الجبال الصُّمَّ والطيور البُهْمَ يجاوِبْنه إذا رجَّع صوتَه بالتسبيح، ويسبِّحْن معه بالعشيِّ والإشراق. ومنها: أنَّ من أكبر نعم الله على عبدِهِ أن يرزُقَه العلم النافع ويعرِفَ الحُكْمَ والفصلَ بين الناس؛ كما امتنَّ الله به على عبدِهِ داود عليه السلام. ومنها: اعتناءُ الله تعالى بأنبيائِهِ وأصفيائِهِ عندما يقع منهم بعضُ الخلل بفتنتِهِ إيَّاهم وابتلائهم بما به يزول عنهم المحذورُ، ويعودون إلى أكمل من حالتهم الأولى؛ كما جرى لداود وسليمان عليهما السلام. ومنها: أنَّ الأنبياءَ صلوات الله وسلامه عليهم معصومون من الخطأ فيما يبلِّغون عن الله تعالى؛ لأنَّ مقصودَ الرسالة لا يحصُلُ إلاَّ بذلك، وأنَّه قد يجري منهم بعضُ مقتضيات الطبيعة من المعاصي، ولكنَّ الله يتداركُهم ويبادِرُهم بلطفِهِ. ومنها: أن داود عليه السلام في أغلب أحواله لازماً محرابه لخدمةِ ربِّه، ولهذا تسوَّر الخصمان عليه المحرابَ؛ لأنَّه كان إذا خلا في محرابه؛ لا يأتيه أحدٌ، فلم يجعلْ كلَّ وقتِهِ للناس مع كثرةِ ما يَرِدُ عليه من الأحكام، بل جعل له وقتاً يخلو فيه بربِّه وتَقَرُّ عينُه بعبادتِهِ، وتعينُه على الإخلاص في جميع أموره. ومنها: أنَّه ينبغي استعمال الأدبِ في الدخول على الحكَّام وغيرهم؛ فإنَّ الخصمين لما دخلا على داود في حالةٍ غير معتادةٍ ومن غير الباب المعهود؛ فَزِعَ منهم، واشتدَّ عليه ذلك، ورآه غيرُ لائقٍ بالحال. ومنها: أنَّه لا يمنعُ الحاكمَ من الحكم بالحقِّ سوءُ أدبِ الخصم وفعلِهِ ما لا ينبغي. ومنها: كمال حلم داود عليه السلام؛ فإنَّه ما غضب عليهما حين جاءاه بغير استئذان، وهو الملكُ، ولا انتهرهما، ولا وبَّخهما. ومنها: جوازُ قول المظلموم لِمَنْ ظَلَمَه: أنت ظَلَمْتَني أو: يا ظالم! ونحو ذلك أو باغٍ عليَّ! لقولهما: {خصمان بغى بعضُنا على بعضٍ}. ومنها: أنَّ الموعوظ والمنصوح، ولو كان كبير القدرِ جليل العلم، إذا نَصَحَهُ أحدٌ أو وَعَظَه؛ لا يغضبُ ولا يشمئزُّ، بل يبادِرُه بالقَبول والشكر؛ فإنَّ الخصمين نَصَحا داود، فلم يشمئزَّ ولم يغضبْ ولم يَثْنِهِ ذلك عن الحقِّ، بل حكم بالحقِّ الصرف. ومنها: أنَّ المخالطةَ بين الأقارب والأصحاب وكثرةَ التعلُّقاتِ الدنيويَّة الماليَّة موجبةٌ للتعادي بينهم، وبغي بعضِهم على بعضٍ، وأنَّه لا يردُّ عن ذلك إلاَّ استعمال تقوى الله والصبر على الأمور بالإيمان والعمل الصالح، وأنَّ هذا من أقل شيءٍ في الناس. ومنها: أنَّ الاستغفار والعبادة، خصوصاً الصلاة، من مكفرات الذنوب؛ فإنَّ الله رتَّب مغفرةَ ذنبِ داود على استغفارِهِ وسجودِهِ. ومنها: إكرامُ الله لعبدِهِ داود وسليمان بالقرب منه وحسن الثوابِ، وأنْ لا يظنَّ أن ما جرى لهما منقصٌ لدرجتهما عند الله تعالى، وهذا مِنْ تمام لطفِهِ بعباده المخلِصين؛ أنَّه إذا غفر لهم وأزال أثر ذنوبهم؛ أزال الآثار المترتِّبة عليه كلَّها، حتى ما يقع في قلوب الخلق؛ فإنَّهم إذا علموا ببعض ذنوبهم؛ وقع في قلوبهم نزولهم عن درجتهم الأولى، فأزال الله تعالى هذه الآثار، وما ذاك بعزيز على الكريم الغفار. ومنها: أنَّ الحكم بين الناس مرتبةٌ دينيةٌ تولاَّها رسل الله وخواصُّ خلقه، وأنَّ وظيفة القائم بها الحكمُ بالحقِّ ومجانبةُ الهوى؛ فالحكمُ بالحقِّ يقتضي العلم بالأمور الشرعيَّة والعلم بصورة القضيَّةِ المحكوم بها وكيفيَّة إدخالها في الحكم الشرعي؛ فالجاهلُ بأحدِ الأمرين لا يَصْلُحُ للحكم، ولا يحلُّ له الإقدام عليه. ومنها: أنَّه ينبغي للحاكم أن يَحْذَرَ الهوى ويَجْعَلَه منه على بال؛ فإنَّ النفوس لا تَخْلو منه، بل يجاهدُ نفسَه بأن يكونَ الحقُّ مقصودَه، وأن يلقي عنه وقتَ الحكم كلَّ محبةٍ أو بغضٍ لأحدِ الخصمين. ومنها: أنَّ سليمان عليه السلام من فضائل داود ومن مِنَنِ الله عليه حيث وَهَبَه له، وأنَّ من أكبر نعم الله على عبدِهِ أن يَهَبَ له ولداً صالحاً؛ فإنْ كان عالماً؛ كان نوراً على نور. ومنها: ثناءُ الله تعالى على سليمان ومدحِهِ في قوله: {نِعۡمَ العبدُ إنَّه أوَّابٌ}. ومنها: كثرة خيرِ الله وبرِّه بعبيده أنْ يَمُنَّ عليهم بصالح الأعمال ومكارم الأخلاق، ثم يُثني عليهم بها، وهو المتفضل الوهاب. ومنها: تقديم سليمان محبَّةَ الله تعالى على محبَّةِ كل شيء. ومنها: أنَّ كل ما شغل العبد عن الله؛ فإنَّه مشؤومٌ مذمومٌ؛ فليفارِقْه ولْيُقْبِلْ على ما هو أنفعُ له. ومنها: القاعدة المشهورةُ: من ترك شيئاً لله؛ عوَّضَه الله خيراً منه. فسليمان عليه السلام عَقَرَ الجيادَ الصافناتِ المحبوبةَ للنفوس تقديماً لمحبَّة الله، فعوَّضه الله خيراً من ذلك؛ بأنْ سخَّرَ له الريح الرُّخاءَ الليِّنة التي تجري بأمره إلى حيثُ أراد وقصد، غدوُّها شهرٌ ورواحُها شهرٌ، وسخَّر له الشياطين أهل الاقتدار على الأعمال التي لا يقدِرُ عليها الآدميُّون. ومنها: أنَّ تسخير الشياطين لا تكون لأحدٍ بعد سليمان عليه السلام. ومنها: أنَّ سليمان عليه السلام كان مَلِكاً نبيًّا، يفعلُ ما أراد، ولكنَّه لا يريد إلاَّ العدل، بخلاف النبيِّ العبد؛ فإنَّه تكون إرادتُه تابعةً لأمر اللَّه؛ فلا يفعل ولا يترك إلاَّ بالأمر؛ كحال نبيِّنا - صلى الله عليه وسلم -، وهذه الحال أكمل.

ص 38:36

{30} لما أثنى الله تعالى على داودَ وذَكَرَ ما جرى له ومنه؛ أثنى على ابنِهِ سليمانَ عليهما السلام، فقال:{ووَهَبۡنا لداودَ سليمانَ}؛ أي: أنْعَمْنا به عليه وأقررْنا به عينَه. {نعم العبدُ}: سليمانُ عليه السلام، فإنَّه اتَّصف بما يوجب المدح، وهو {إنَّه أوابٌ}؛ أي: رجاعٌ إلى الله في جميع أحوالِهِ بالتألُّه والإنابة والمحبَّة والذِّكر والدُّعاء والتضرُّع والاجتهاد في مرضاة الله وتقديمها على كل شيءٍ. {31 ـ 33} ولهذا؛ لما عُرِضَتِ [عليه] الخيل الجياد السبق {الصافناتُ}؛ أي: التي من وصفها الصُّفونُ، وهو رفع إحدى قوائِمِها عند الوقوف، وكان لها منظرٌ رائقٌ وجمالٌ معجبٌ، خصوصاً للمحتاج إليها؛ كالملوك؛ فما زالتْ تُعْرَضُ عليه حتى غابتِ الشمس في الحجاب، فألهتْه عن صلاة المساءِ وذِكْرِهِ، فقال ندماً على ما مضى منه، وتقرُّباً إلى الله بما ألهاه عن ذكرِهِ، وتقديماً لحبِّ الله على حبِّ غيره:{إنِّي أحببتُ حُبَّ الخيرِ}: وضمَّنَ أحببتُ معنى آثرتُ؛ أي: آثرتُ حبَّ الخير الذي هو المالُ عموماً وفي الموضع المرادُ الخيل {عن ذِكۡرِ ربِّي حتى تَوارَتۡ بالحجابِ. ردُّوها عليَّ}: فردُّوها، {فطَفِقَ}: فيها {مسحاً بالسُّوقِ والأعناقِ}؛ أي: جعل يعقِرُها بسيفِهِ في سوقِها وأعناقها. {34}{ولقد فتنَّا سليمانَ}؛ أي: ابتليْناه واختبرْناه بذَهابِ ملكِهِ وانفصالِهِ عنه بسبب خلل اقتضتْه الطبيعةُ البشريةُ، {وألقَيۡنا على كرسيِّه جسداً}؛ أي: شيطاناً قضى الله وقَدَّر أن يجلسَ على كرسيِّ ملكِهِ ويتصرَّفَ في الملك في مدَّةِ فتنة سليمان، {ثم أنابَ}: سليمانُ إلى الله تعالى، وتابَ. {35 ـ 39} فَـ {قَالَ ربِّ اغۡفِرۡ لي وَهَبۡ لي مُلۡكاً لا ينبغي لأحدٍ من بعدي إنَّك أنت الوهابُ}: فاستجاب الله له، وغفر له، وردَّ عليه مُلْكَه، وزادَه ملكاً لم يحصُلْ لأحدٍ من بعده، وهو تسخيرُ الشياطين له يبنونَ ما يريدُ ويغوصون له في البحر يستخرِجون الدُّرَّ والحُلِيَّ، ومَنْ عصاه منهم؛ قَرَّنَه في الأصفاد وأوثقه، وقلنا له:{هذا عطاؤنا}: فَقُرَّ به عيناً، {فامنُنۡ}: على من شئتَ، {أو أمۡسِكۡ}: مَنْ شئتَ {بغير حسابٍ}؛ أي: لا حرج عليك في ذلك ولا حسابَ؛ لعلمه تعالى بكمال عدلِهِ وحسن أحكامِهِ. {40} ولا تحسبنَّ هذا لسليمانَ في الدُّنيا دون الآخرة، بل له في الآخرة خيرٌ عظيمٌ، ولهذا قال:{وإنَّ له عندَنا لَزُلۡفى وحسنَ مآبٍ}؛ أي: هو من المقرَّبين عند اللهِ المكرَمين بأنواع الكراماتِ لله. فصل فيما تبيَّن لنا من الفوائد والحكم في قصة داود وسليمان عليهما السلام. فمنها: أنَّ الله تعالى يقصُّ على نبيِّه محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - أخبارَ من قبله ليثبِّتَ فؤاده وتطمئنَّ نفسه، ويذكر له من عباداتهم وشدَّة صبرهم وإنابتهم ما يشوِّقُه إلى منافستهم والتقرُّب إلى الله الذي تقرَّبوا له والصبر على أذى قومه، ولهذا في هذا الموضع لما ذَكَرَ الله ما ذكر من أذيَّةِ قومِهِ وكلامِهم فيه وفيما جاء به؛ أمره بالصبر، وأن يذكر عبده داود فيتسلى به. ومنها: أنَّ الله تعالى يمدحُ ويحبُّ القوَّة في طاعته؛ قوَّةَ القلب والبدن؛ فإنَّه يحصُلُ منها من آثار الطاعة وحسنِها وكثرتِها ما لا يحصُلُ مع الوهن وعدم القوَّة، وأنَّ العبد ينبغي له تعاطي أسبابها وعدم الركونِ إلى الكسل والبطالة المخلَّةِ بالقوَّة المضعفة للنفس. ومنها: أنَّ الرجوع إلى الله في جميع الأمورِ من أوصاف أنبياء الله وخواصِّ خلقِهِ؛ كما أثنى الله على داود وسليمان بذلك؛ فَلْيَقْتَدِ بهما المقتدون، ولْيَهْتَدِ بُهداهم السالكون، {أولئك الذين هدى الله فبِهُداهُمُ اقۡتَدِه}. ومنها: ما أكرم الله به نبيَّه داود عليه السلامُ من حسن الصوت العظيم الذي جعل اللَّه بسببه الجبال الصُّمَّ والطيور البُهْمَ يجاوِبْنه إذا رجَّع صوتَه بالتسبيح، ويسبِّحْن معه بالعشيِّ والإشراق. ومنها: أنَّ من أكبر نعم الله على عبدِهِ أن يرزُقَه العلم النافع ويعرِفَ الحُكْمَ والفصلَ بين الناس؛ كما امتنَّ الله به على عبدِهِ داود عليه السلام. ومنها: اعتناءُ الله تعالى بأنبيائِهِ وأصفيائِهِ عندما يقع منهم بعضُ الخلل بفتنتِهِ إيَّاهم وابتلائهم بما به يزول عنهم المحذورُ، ويعودون إلى أكمل من حالتهم الأولى؛ كما جرى لداود وسليمان عليهما السلام. ومنها: أنَّ الأنبياءَ صلوات الله وسلامه عليهم معصومون من الخطأ فيما يبلِّغون عن الله تعالى؛ لأنَّ مقصودَ الرسالة لا يحصُلُ إلاَّ بذلك، وأنَّه قد يجري منهم بعضُ مقتضيات الطبيعة من المعاصي، ولكنَّ الله يتداركُهم ويبادِرُهم بلطفِهِ. ومنها: أن داود عليه السلام في أغلب أحواله لازماً محرابه لخدمةِ ربِّه، ولهذا تسوَّر الخصمان عليه المحرابَ؛ لأنَّه كان إذا خلا في محرابه؛ لا يأتيه أحدٌ، فلم يجعلْ كلَّ وقتِهِ للناس مع كثرةِ ما يَرِدُ عليه من الأحكام، بل جعل له وقتاً يخلو فيه بربِّه وتَقَرُّ عينُه بعبادتِهِ، وتعينُه على الإخلاص في جميع أموره. ومنها: أنَّه ينبغي استعمال الأدبِ في الدخول على الحكَّام وغيرهم؛ فإنَّ الخصمين لما دخلا على داود في حالةٍ غير معتادةٍ ومن غير الباب المعهود؛ فَزِعَ منهم، واشتدَّ عليه ذلك، ورآه غيرُ لائقٍ بالحال. ومنها: أنَّه لا يمنعُ الحاكمَ من الحكم بالحقِّ سوءُ أدبِ الخصم وفعلِهِ ما لا ينبغي. ومنها: كمال حلم داود عليه السلام؛ فإنَّه ما غضب عليهما حين جاءاه بغير استئذان، وهو الملكُ، ولا انتهرهما، ولا وبَّخهما. ومنها: جوازُ قول المظلموم لِمَنْ ظَلَمَه: أنت ظَلَمْتَني أو: يا ظالم! ونحو ذلك أو باغٍ عليَّ! لقولهما: {خصمان بغى بعضُنا على بعضٍ}. ومنها: أنَّ الموعوظ والمنصوح، ولو كان كبير القدرِ جليل العلم، إذا نَصَحَهُ أحدٌ أو وَعَظَه؛ لا يغضبُ ولا يشمئزُّ، بل يبادِرُه بالقَبول والشكر؛ فإنَّ الخصمين نَصَحا داود، فلم يشمئزَّ ولم يغضبْ ولم يَثْنِهِ ذلك عن الحقِّ، بل حكم بالحقِّ الصرف. ومنها: أنَّ المخالطةَ بين الأقارب والأصحاب وكثرةَ التعلُّقاتِ الدنيويَّة الماليَّة موجبةٌ للتعادي بينهم، وبغي بعضِهم على بعضٍ، وأنَّه لا يردُّ عن ذلك إلاَّ استعمال تقوى الله والصبر على الأمور بالإيمان والعمل الصالح، وأنَّ هذا من أقل شيءٍ في الناس. ومنها: أنَّ الاستغفار والعبادة، خصوصاً الصلاة، من مكفرات الذنوب؛ فإنَّ الله رتَّب مغفرةَ ذنبِ داود على استغفارِهِ وسجودِهِ. ومنها: إكرامُ الله لعبدِهِ داود وسليمان بالقرب منه وحسن الثوابِ، وأنْ لا يظنَّ أن ما جرى لهما منقصٌ لدرجتهما عند الله تعالى، وهذا مِنْ تمام لطفِهِ بعباده المخلِصين؛ أنَّه إذا غفر لهم وأزال أثر ذنوبهم؛ أزال الآثار المترتِّبة عليه كلَّها، حتى ما يقع في قلوب الخلق؛ فإنَّهم إذا علموا ببعض ذنوبهم؛ وقع في قلوبهم نزولهم عن درجتهم الأولى، فأزال الله تعالى هذه الآثار، وما ذاك بعزيز على الكريم الغفار. ومنها: أنَّ الحكم بين الناس مرتبةٌ دينيةٌ تولاَّها رسل الله وخواصُّ خلقه، وأنَّ وظيفة القائم بها الحكمُ بالحقِّ ومجانبةُ الهوى؛ فالحكمُ بالحقِّ يقتضي العلم بالأمور الشرعيَّة والعلم بصورة القضيَّةِ المحكوم بها وكيفيَّة إدخالها في الحكم الشرعي؛ فالجاهلُ بأحدِ الأمرين لا يَصْلُحُ للحكم، ولا يحلُّ له الإقدام عليه. ومنها: أنَّه ينبغي للحاكم أن يَحْذَرَ الهوى ويَجْعَلَه منه على بال؛ فإنَّ النفوس لا تَخْلو منه، بل يجاهدُ نفسَه بأن يكونَ الحقُّ مقصودَه، وأن يلقي عنه وقتَ الحكم كلَّ محبةٍ أو بغضٍ لأحدِ الخصمين. ومنها: أنَّ سليمان عليه السلام من فضائل داود ومن مِنَنِ الله عليه حيث وَهَبَه له، وأنَّ من أكبر نعم الله على عبدِهِ أن يَهَبَ له ولداً صالحاً؛ فإنْ كان عالماً؛ كان نوراً على نور. ومنها: ثناءُ الله تعالى على سليمان ومدحِهِ في قوله: {نِعۡمَ العبدُ إنَّه أوَّابٌ}. ومنها: كثرة خيرِ الله وبرِّه بعبيده أنْ يَمُنَّ عليهم بصالح الأعمال ومكارم الأخلاق، ثم يُثني عليهم بها، وهو المتفضل الوهاب. ومنها: تقديم سليمان محبَّةَ الله تعالى على محبَّةِ كل شيء. ومنها: أنَّ كل ما شغل العبد عن الله؛ فإنَّه مشؤومٌ مذمومٌ؛ فليفارِقْه ولْيُقْبِلْ على ما هو أنفعُ له. ومنها: القاعدة المشهورةُ: من ترك شيئاً لله؛ عوَّضَه الله خيراً منه. فسليمان عليه السلام عَقَرَ الجيادَ الصافناتِ المحبوبةَ للنفوس تقديماً لمحبَّة الله، فعوَّضه الله خيراً من ذلك؛ بأنْ سخَّرَ له الريح الرُّخاءَ الليِّنة التي تجري بأمره إلى حيثُ أراد وقصد، غدوُّها شهرٌ ورواحُها شهرٌ، وسخَّر له الشياطين أهل الاقتدار على الأعمال التي لا يقدِرُ عليها الآدميُّون. ومنها: أنَّ تسخير الشياطين لا تكون لأحدٍ بعد سليمان عليه السلام. ومنها: أنَّ سليمان عليه السلام كان مَلِكاً نبيًّا، يفعلُ ما أراد، ولكنَّه لا يريد إلاَّ العدل، بخلاف النبيِّ العبد؛ فإنَّه تكون إرادتُه تابعةً لأمر اللَّه؛ فلا يفعل ولا يترك إلاَّ بالأمر؛ كحال نبيِّنا - صلى الله عليه وسلم -، وهذه الحال أكمل.

ص 38:37

{30} لما أثنى الله تعالى على داودَ وذَكَرَ ما جرى له ومنه؛ أثنى على ابنِهِ سليمانَ عليهما السلام، فقال:{ووَهَبۡنا لداودَ سليمانَ}؛ أي: أنْعَمْنا به عليه وأقررْنا به عينَه. {نعم العبدُ}: سليمانُ عليه السلام، فإنَّه اتَّصف بما يوجب المدح، وهو {إنَّه أوابٌ}؛ أي: رجاعٌ إلى الله في جميع أحوالِهِ بالتألُّه والإنابة والمحبَّة والذِّكر والدُّعاء والتضرُّع والاجتهاد في مرضاة الله وتقديمها على كل شيءٍ. {31 ـ 33} ولهذا؛ لما عُرِضَتِ [عليه] الخيل الجياد السبق {الصافناتُ}؛ أي: التي من وصفها الصُّفونُ، وهو رفع إحدى قوائِمِها عند الوقوف، وكان لها منظرٌ رائقٌ وجمالٌ معجبٌ، خصوصاً للمحتاج إليها؛ كالملوك؛ فما زالتْ تُعْرَضُ عليه حتى غابتِ الشمس في الحجاب، فألهتْه عن صلاة المساءِ وذِكْرِهِ، فقال ندماً على ما مضى منه، وتقرُّباً إلى الله بما ألهاه عن ذكرِهِ، وتقديماً لحبِّ الله على حبِّ غيره:{إنِّي أحببتُ حُبَّ الخيرِ}: وضمَّنَ أحببتُ معنى آثرتُ؛ أي: آثرتُ حبَّ الخير الذي هو المالُ عموماً وفي الموضع المرادُ الخيل {عن ذِكۡرِ ربِّي حتى تَوارَتۡ بالحجابِ. ردُّوها عليَّ}: فردُّوها، {فطَفِقَ}: فيها {مسحاً بالسُّوقِ والأعناقِ}؛ أي: جعل يعقِرُها بسيفِهِ في سوقِها وأعناقها. {34}{ولقد فتنَّا سليمانَ}؛ أي: ابتليْناه واختبرْناه بذَهابِ ملكِهِ وانفصالِهِ عنه بسبب خلل اقتضتْه الطبيعةُ البشريةُ، {وألقَيۡنا على كرسيِّه جسداً}؛ أي: شيطاناً قضى الله وقَدَّر أن يجلسَ على كرسيِّ ملكِهِ ويتصرَّفَ في الملك في مدَّةِ فتنة سليمان، {ثم أنابَ}: سليمانُ إلى الله تعالى، وتابَ. {35 ـ 39} فَـ {قَالَ ربِّ اغۡفِرۡ لي وَهَبۡ لي مُلۡكاً لا ينبغي لأحدٍ من بعدي إنَّك أنت الوهابُ}: فاستجاب الله له، وغفر له، وردَّ عليه مُلْكَه، وزادَه ملكاً لم يحصُلْ لأحدٍ من بعده، وهو تسخيرُ الشياطين له يبنونَ ما يريدُ ويغوصون له في البحر يستخرِجون الدُّرَّ والحُلِيَّ، ومَنْ عصاه منهم؛ قَرَّنَه في الأصفاد وأوثقه، وقلنا له:{هذا عطاؤنا}: فَقُرَّ به عيناً، {فامنُنۡ}: على من شئتَ، {أو أمۡسِكۡ}: مَنْ شئتَ {بغير حسابٍ}؛ أي: لا حرج عليك في ذلك ولا حسابَ؛ لعلمه تعالى بكمال عدلِهِ وحسن أحكامِهِ. {40} ولا تحسبنَّ هذا لسليمانَ في الدُّنيا دون الآخرة، بل له في الآخرة خيرٌ عظيمٌ، ولهذا قال:{وإنَّ له عندَنا لَزُلۡفى وحسنَ مآبٍ}؛ أي: هو من المقرَّبين عند اللهِ المكرَمين بأنواع الكراماتِ لله. فصل فيما تبيَّن لنا من الفوائد والحكم في قصة داود وسليمان عليهما السلام. فمنها: أنَّ الله تعالى يقصُّ على نبيِّه محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - أخبارَ من قبله ليثبِّتَ فؤاده وتطمئنَّ نفسه، ويذكر له من عباداتهم وشدَّة صبرهم وإنابتهم ما يشوِّقُه إلى منافستهم والتقرُّب إلى الله الذي تقرَّبوا له والصبر على أذى قومه، ولهذا في هذا الموضع لما ذَكَرَ الله ما ذكر من أذيَّةِ قومِهِ وكلامِهم فيه وفيما جاء به؛ أمره بالصبر، وأن يذكر عبده داود فيتسلى به. ومنها: أنَّ الله تعالى يمدحُ ويحبُّ القوَّة في طاعته؛ قوَّةَ القلب والبدن؛ فإنَّه يحصُلُ منها من آثار الطاعة وحسنِها وكثرتِها ما لا يحصُلُ مع الوهن وعدم القوَّة، وأنَّ العبد ينبغي له تعاطي أسبابها وعدم الركونِ إلى الكسل والبطالة المخلَّةِ بالقوَّة المضعفة للنفس. ومنها: أنَّ الرجوع إلى الله في جميع الأمورِ من أوصاف أنبياء الله وخواصِّ خلقِهِ؛ كما أثنى الله على داود وسليمان بذلك؛ فَلْيَقْتَدِ بهما المقتدون، ولْيَهْتَدِ بُهداهم السالكون، {أولئك الذين هدى الله فبِهُداهُمُ اقۡتَدِه}. ومنها: ما أكرم الله به نبيَّه داود عليه السلامُ من حسن الصوت العظيم الذي جعل اللَّه بسببه الجبال الصُّمَّ والطيور البُهْمَ يجاوِبْنه إذا رجَّع صوتَه بالتسبيح، ويسبِّحْن معه بالعشيِّ والإشراق. ومنها: أنَّ من أكبر نعم الله على عبدِهِ أن يرزُقَه العلم النافع ويعرِفَ الحُكْمَ والفصلَ بين الناس؛ كما امتنَّ الله به على عبدِهِ داود عليه السلام. ومنها: اعتناءُ الله تعالى بأنبيائِهِ وأصفيائِهِ عندما يقع منهم بعضُ الخلل بفتنتِهِ إيَّاهم وابتلائهم بما به يزول عنهم المحذورُ، ويعودون إلى أكمل من حالتهم الأولى؛ كما جرى لداود وسليمان عليهما السلام. ومنها: أنَّ الأنبياءَ صلوات الله وسلامه عليهم معصومون من الخطأ فيما يبلِّغون عن الله تعالى؛ لأنَّ مقصودَ الرسالة لا يحصُلُ إلاَّ بذلك، وأنَّه قد يجري منهم بعضُ مقتضيات الطبيعة من المعاصي، ولكنَّ الله يتداركُهم ويبادِرُهم بلطفِهِ. ومنها: أن داود عليه السلام في أغلب أحواله لازماً محرابه لخدمةِ ربِّه، ولهذا تسوَّر الخصمان عليه المحرابَ؛ لأنَّه كان إذا خلا في محرابه؛ لا يأتيه أحدٌ، فلم يجعلْ كلَّ وقتِهِ للناس مع كثرةِ ما يَرِدُ عليه من الأحكام، بل جعل له وقتاً يخلو فيه بربِّه وتَقَرُّ عينُه بعبادتِهِ، وتعينُه على الإخلاص في جميع أموره. ومنها: أنَّه ينبغي استعمال الأدبِ في الدخول على الحكَّام وغيرهم؛ فإنَّ الخصمين لما دخلا على داود في حالةٍ غير معتادةٍ ومن غير الباب المعهود؛ فَزِعَ منهم، واشتدَّ عليه ذلك، ورآه غيرُ لائقٍ بالحال. ومنها: أنَّه لا يمنعُ الحاكمَ من الحكم بالحقِّ سوءُ أدبِ الخصم وفعلِهِ ما لا ينبغي. ومنها: كمال حلم داود عليه السلام؛ فإنَّه ما غضب عليهما حين جاءاه بغير استئذان، وهو الملكُ، ولا انتهرهما، ولا وبَّخهما. ومنها: جوازُ قول المظلموم لِمَنْ ظَلَمَه: أنت ظَلَمْتَني أو: يا ظالم! ونحو ذلك أو باغٍ عليَّ! لقولهما: {خصمان بغى بعضُنا على بعضٍ}. ومنها: أنَّ الموعوظ والمنصوح، ولو كان كبير القدرِ جليل العلم، إذا نَصَحَهُ أحدٌ أو وَعَظَه؛ لا يغضبُ ولا يشمئزُّ، بل يبادِرُه بالقَبول والشكر؛ فإنَّ الخصمين نَصَحا داود، فلم يشمئزَّ ولم يغضبْ ولم يَثْنِهِ ذلك عن الحقِّ، بل حكم بالحقِّ الصرف. ومنها: أنَّ المخالطةَ بين الأقارب والأصحاب وكثرةَ التعلُّقاتِ الدنيويَّة الماليَّة موجبةٌ للتعادي بينهم، وبغي بعضِهم على بعضٍ، وأنَّه لا يردُّ عن ذلك إلاَّ استعمال تقوى الله والصبر على الأمور بالإيمان والعمل الصالح، وأنَّ هذا من أقل شيءٍ في الناس. ومنها: أنَّ الاستغفار والعبادة، خصوصاً الصلاة، من مكفرات الذنوب؛ فإنَّ الله رتَّب مغفرةَ ذنبِ داود على استغفارِهِ وسجودِهِ. ومنها: إكرامُ الله لعبدِهِ داود وسليمان بالقرب منه وحسن الثوابِ، وأنْ لا يظنَّ أن ما جرى لهما منقصٌ لدرجتهما عند الله تعالى، وهذا مِنْ تمام لطفِهِ بعباده المخلِصين؛ أنَّه إذا غفر لهم وأزال أثر ذنوبهم؛ أزال الآثار المترتِّبة عليه كلَّها، حتى ما يقع في قلوب الخلق؛ فإنَّهم إذا علموا ببعض ذنوبهم؛ وقع في قلوبهم نزولهم عن درجتهم الأولى، فأزال الله تعالى هذه الآثار، وما ذاك بعزيز على الكريم الغفار. ومنها: أنَّ الحكم بين الناس مرتبةٌ دينيةٌ تولاَّها رسل الله وخواصُّ خلقه، وأنَّ وظيفة القائم بها الحكمُ بالحقِّ ومجانبةُ الهوى؛ فالحكمُ بالحقِّ يقتضي العلم بالأمور الشرعيَّة والعلم بصورة القضيَّةِ المحكوم بها وكيفيَّة إدخالها في الحكم الشرعي؛ فالجاهلُ بأحدِ الأمرين لا يَصْلُحُ للحكم، ولا يحلُّ له الإقدام عليه. ومنها: أنَّه ينبغي للحاكم أن يَحْذَرَ الهوى ويَجْعَلَه منه على بال؛ فإنَّ النفوس لا تَخْلو منه، بل يجاهدُ نفسَه بأن يكونَ الحقُّ مقصودَه، وأن يلقي عنه وقتَ الحكم كلَّ محبةٍ أو بغضٍ لأحدِ الخصمين. ومنها: أنَّ سليمان عليه السلام من فضائل داود ومن مِنَنِ الله عليه حيث وَهَبَه له، وأنَّ من أكبر نعم الله على عبدِهِ أن يَهَبَ له ولداً صالحاً؛ فإنْ كان عالماً؛ كان نوراً على نور. ومنها: ثناءُ الله تعالى على سليمان ومدحِهِ في قوله: {نِعۡمَ العبدُ إنَّه أوَّابٌ}. ومنها: كثرة خيرِ الله وبرِّه بعبيده أنْ يَمُنَّ عليهم بصالح الأعمال ومكارم الأخلاق، ثم يُثني عليهم بها، وهو المتفضل الوهاب. ومنها: تقديم سليمان محبَّةَ الله تعالى على محبَّةِ كل شيء. ومنها: أنَّ كل ما شغل العبد عن الله؛ فإنَّه مشؤومٌ مذمومٌ؛ فليفارِقْه ولْيُقْبِلْ على ما هو أنفعُ له. ومنها: القاعدة المشهورةُ: من ترك شيئاً لله؛ عوَّضَه الله خيراً منه. فسليمان عليه السلام عَقَرَ الجيادَ الصافناتِ المحبوبةَ للنفوس تقديماً لمحبَّة الله، فعوَّضه الله خيراً من ذلك؛ بأنْ سخَّرَ له الريح الرُّخاءَ الليِّنة التي تجري بأمره إلى حيثُ أراد وقصد، غدوُّها شهرٌ ورواحُها شهرٌ، وسخَّر له الشياطين أهل الاقتدار على الأعمال التي لا يقدِرُ عليها الآدميُّون. ومنها: أنَّ تسخير الشياطين لا تكون لأحدٍ بعد سليمان عليه السلام. ومنها: أنَّ سليمان عليه السلام كان مَلِكاً نبيًّا، يفعلُ ما أراد، ولكنَّه لا يريد إلاَّ العدل، بخلاف النبيِّ العبد؛ فإنَّه تكون إرادتُه تابعةً لأمر اللَّه؛ فلا يفعل ولا يترك إلاَّ بالأمر؛ كحال نبيِّنا - صلى الله عليه وسلم -، وهذه الحال أكمل.

ص 38:38

{30} لما أثنى الله تعالى على داودَ وذَكَرَ ما جرى له ومنه؛ أثنى على ابنِهِ سليمانَ عليهما السلام، فقال:{ووَهَبۡنا لداودَ سليمانَ}؛ أي: أنْعَمْنا به عليه وأقررْنا به عينَه. {نعم العبدُ}: سليمانُ عليه السلام، فإنَّه اتَّصف بما يوجب المدح، وهو {إنَّه أوابٌ}؛ أي: رجاعٌ إلى الله في جميع أحوالِهِ بالتألُّه والإنابة والمحبَّة والذِّكر والدُّعاء والتضرُّع والاجتهاد في مرضاة الله وتقديمها على كل شيءٍ. {31 ـ 33} ولهذا؛ لما عُرِضَتِ [عليه] الخيل الجياد السبق {الصافناتُ}؛ أي: التي من وصفها الصُّفونُ، وهو رفع إحدى قوائِمِها عند الوقوف، وكان لها منظرٌ رائقٌ وجمالٌ معجبٌ، خصوصاً للمحتاج إليها؛ كالملوك؛ فما زالتْ تُعْرَضُ عليه حتى غابتِ الشمس في الحجاب، فألهتْه عن صلاة المساءِ وذِكْرِهِ، فقال ندماً على ما مضى منه، وتقرُّباً إلى الله بما ألهاه عن ذكرِهِ، وتقديماً لحبِّ الله على حبِّ غيره:{إنِّي أحببتُ حُبَّ الخيرِ}: وضمَّنَ أحببتُ معنى آثرتُ؛ أي: آثرتُ حبَّ الخير الذي هو المالُ عموماً وفي الموضع المرادُ الخيل {عن ذِكۡرِ ربِّي حتى تَوارَتۡ بالحجابِ. ردُّوها عليَّ}: فردُّوها، {فطَفِقَ}: فيها {مسحاً بالسُّوقِ والأعناقِ}؛ أي: جعل يعقِرُها بسيفِهِ في سوقِها وأعناقها. {34}{ولقد فتنَّا سليمانَ}؛ أي: ابتليْناه واختبرْناه بذَهابِ ملكِهِ وانفصالِهِ عنه بسبب خلل اقتضتْه الطبيعةُ البشريةُ، {وألقَيۡنا على كرسيِّه جسداً}؛ أي: شيطاناً قضى الله وقَدَّر أن يجلسَ على كرسيِّ ملكِهِ ويتصرَّفَ في الملك في مدَّةِ فتنة سليمان، {ثم أنابَ}: سليمانُ إلى الله تعالى، وتابَ. {35 ـ 39} فَـ {قَالَ ربِّ اغۡفِرۡ لي وَهَبۡ لي مُلۡكاً لا ينبغي لأحدٍ من بعدي إنَّك أنت الوهابُ}: فاستجاب الله له، وغفر له، وردَّ عليه مُلْكَه، وزادَه ملكاً لم يحصُلْ لأحدٍ من بعده، وهو تسخيرُ الشياطين له يبنونَ ما يريدُ ويغوصون له في البحر يستخرِجون الدُّرَّ والحُلِيَّ، ومَنْ عصاه منهم؛ قَرَّنَه في الأصفاد وأوثقه، وقلنا له:{هذا عطاؤنا}: فَقُرَّ به عيناً، {فامنُنۡ}: على من شئتَ، {أو أمۡسِكۡ}: مَنْ شئتَ {بغير حسابٍ}؛ أي: لا حرج عليك في ذلك ولا حسابَ؛ لعلمه تعالى بكمال عدلِهِ وحسن أحكامِهِ. {40} ولا تحسبنَّ هذا لسليمانَ في الدُّنيا دون الآخرة، بل له في الآخرة خيرٌ عظيمٌ، ولهذا قال:{وإنَّ له عندَنا لَزُلۡفى وحسنَ مآبٍ}؛ أي: هو من المقرَّبين عند اللهِ المكرَمين بأنواع الكراماتِ لله. فصل فيما تبيَّن لنا من الفوائد والحكم في قصة داود وسليمان عليهما السلام. فمنها: أنَّ الله تعالى يقصُّ على نبيِّه محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - أخبارَ من قبله ليثبِّتَ فؤاده وتطمئنَّ نفسه، ويذكر له من عباداتهم وشدَّة صبرهم وإنابتهم ما يشوِّقُه إلى منافستهم والتقرُّب إلى الله الذي تقرَّبوا له والصبر على أذى قومه، ولهذا في هذا الموضع لما ذَكَرَ الله ما ذكر من أذيَّةِ قومِهِ وكلامِهم فيه وفيما جاء به؛ أمره بالصبر، وأن يذكر عبده داود فيتسلى به. ومنها: أنَّ الله تعالى يمدحُ ويحبُّ القوَّة في طاعته؛ قوَّةَ القلب والبدن؛ فإنَّه يحصُلُ منها من آثار الطاعة وحسنِها وكثرتِها ما لا يحصُلُ مع الوهن وعدم القوَّة، وأنَّ العبد ينبغي له تعاطي أسبابها وعدم الركونِ إلى الكسل والبطالة المخلَّةِ بالقوَّة المضعفة للنفس. ومنها: أنَّ الرجوع إلى الله في جميع الأمورِ من أوصاف أنبياء الله وخواصِّ خلقِهِ؛ كما أثنى الله على داود وسليمان بذلك؛ فَلْيَقْتَدِ بهما المقتدون، ولْيَهْتَدِ بُهداهم السالكون، {أولئك الذين هدى الله فبِهُداهُمُ اقۡتَدِه}. ومنها: ما أكرم الله به نبيَّه داود عليه السلامُ من حسن الصوت العظيم الذي جعل اللَّه بسببه الجبال الصُّمَّ والطيور البُهْمَ يجاوِبْنه إذا رجَّع صوتَه بالتسبيح، ويسبِّحْن معه بالعشيِّ والإشراق. ومنها: أنَّ من أكبر نعم الله على عبدِهِ أن يرزُقَه العلم النافع ويعرِفَ الحُكْمَ والفصلَ بين الناس؛ كما امتنَّ الله به على عبدِهِ داود عليه السلام. ومنها: اعتناءُ الله تعالى بأنبيائِهِ وأصفيائِهِ عندما يقع منهم بعضُ الخلل بفتنتِهِ إيَّاهم وابتلائهم بما به يزول عنهم المحذورُ، ويعودون إلى أكمل من حالتهم الأولى؛ كما جرى لداود وسليمان عليهما السلام. ومنها: أنَّ الأنبياءَ صلوات الله وسلامه عليهم معصومون من الخطأ فيما يبلِّغون عن الله تعالى؛ لأنَّ مقصودَ الرسالة لا يحصُلُ إلاَّ بذلك، وأنَّه قد يجري منهم بعضُ مقتضيات الطبيعة من المعاصي، ولكنَّ الله يتداركُهم ويبادِرُهم بلطفِهِ. ومنها: أن داود عليه السلام في أغلب أحواله لازماً محرابه لخدمةِ ربِّه، ولهذا تسوَّر الخصمان عليه المحرابَ؛ لأنَّه كان إذا خلا في محرابه؛ لا يأتيه أحدٌ، فلم يجعلْ كلَّ وقتِهِ للناس مع كثرةِ ما يَرِدُ عليه من الأحكام، بل جعل له وقتاً يخلو فيه بربِّه وتَقَرُّ عينُه بعبادتِهِ، وتعينُه على الإخلاص في جميع أموره. ومنها: أنَّه ينبغي استعمال الأدبِ في الدخول على الحكَّام وغيرهم؛ فإنَّ الخصمين لما دخلا على داود في حالةٍ غير معتادةٍ ومن غير الباب المعهود؛ فَزِعَ منهم، واشتدَّ عليه ذلك، ورآه غيرُ لائقٍ بالحال. ومنها: أنَّه لا يمنعُ الحاكمَ من الحكم بالحقِّ سوءُ أدبِ الخصم وفعلِهِ ما لا ينبغي. ومنها: كمال حلم داود عليه السلام؛ فإنَّه ما غضب عليهما حين جاءاه بغير استئذان، وهو الملكُ، ولا انتهرهما، ولا وبَّخهما. ومنها: جوازُ قول المظلموم لِمَنْ ظَلَمَه: أنت ظَلَمْتَني أو: يا ظالم! ونحو ذلك أو باغٍ عليَّ! لقولهما: {خصمان بغى بعضُنا على بعضٍ}. ومنها: أنَّ الموعوظ والمنصوح، ولو كان كبير القدرِ جليل العلم، إذا نَصَحَهُ أحدٌ أو وَعَظَه؛ لا يغضبُ ولا يشمئزُّ، بل يبادِرُه بالقَبول والشكر؛ فإنَّ الخصمين نَصَحا داود، فلم يشمئزَّ ولم يغضبْ ولم يَثْنِهِ ذلك عن الحقِّ، بل حكم بالحقِّ الصرف. ومنها: أنَّ المخالطةَ بين الأقارب والأصحاب وكثرةَ التعلُّقاتِ الدنيويَّة الماليَّة موجبةٌ للتعادي بينهم، وبغي بعضِهم على بعضٍ، وأنَّه لا يردُّ عن ذلك إلاَّ استعمال تقوى الله والصبر على الأمور بالإيمان والعمل الصالح، وأنَّ هذا من أقل شيءٍ في الناس. ومنها: أنَّ الاستغفار والعبادة، خصوصاً الصلاة، من مكفرات الذنوب؛ فإنَّ الله رتَّب مغفرةَ ذنبِ داود على استغفارِهِ وسجودِهِ. ومنها: إكرامُ الله لعبدِهِ داود وسليمان بالقرب منه وحسن الثوابِ، وأنْ لا يظنَّ أن ما جرى لهما منقصٌ لدرجتهما عند الله تعالى، وهذا مِنْ تمام لطفِهِ بعباده المخلِصين؛ أنَّه إذا غفر لهم وأزال أثر ذنوبهم؛ أزال الآثار المترتِّبة عليه كلَّها، حتى ما يقع في قلوب الخلق؛ فإنَّهم إذا علموا ببعض ذنوبهم؛ وقع في قلوبهم نزولهم عن درجتهم الأولى، فأزال الله تعالى هذه الآثار، وما ذاك بعزيز على الكريم الغفار. ومنها: أنَّ الحكم بين الناس مرتبةٌ دينيةٌ تولاَّها رسل الله وخواصُّ خلقه، وأنَّ وظيفة القائم بها الحكمُ بالحقِّ ومجانبةُ الهوى؛ فالحكمُ بالحقِّ يقتضي العلم بالأمور الشرعيَّة والعلم بصورة القضيَّةِ المحكوم بها وكيفيَّة إدخالها في الحكم الشرعي؛ فالجاهلُ بأحدِ الأمرين لا يَصْلُحُ للحكم، ولا يحلُّ له الإقدام عليه. ومنها: أنَّه ينبغي للحاكم أن يَحْذَرَ الهوى ويَجْعَلَه منه على بال؛ فإنَّ النفوس لا تَخْلو منه، بل يجاهدُ نفسَه بأن يكونَ الحقُّ مقصودَه، وأن يلقي عنه وقتَ الحكم كلَّ محبةٍ أو بغضٍ لأحدِ الخصمين. ومنها: أنَّ سليمان عليه السلام من فضائل داود ومن مِنَنِ الله عليه حيث وَهَبَه له، وأنَّ من أكبر نعم الله على عبدِهِ أن يَهَبَ له ولداً صالحاً؛ فإنْ كان عالماً؛ كان نوراً على نور. ومنها: ثناءُ الله تعالى على سليمان ومدحِهِ في قوله: {نِعۡمَ العبدُ إنَّه أوَّابٌ}. ومنها: كثرة خيرِ الله وبرِّه بعبيده أنْ يَمُنَّ عليهم بصالح الأعمال ومكارم الأخلاق، ثم يُثني عليهم بها، وهو المتفضل الوهاب. ومنها: تقديم سليمان محبَّةَ الله تعالى على محبَّةِ كل شيء. ومنها: أنَّ كل ما شغل العبد عن الله؛ فإنَّه مشؤومٌ مذمومٌ؛ فليفارِقْه ولْيُقْبِلْ على ما هو أنفعُ له. ومنها: القاعدة المشهورةُ: من ترك شيئاً لله؛ عوَّضَه الله خيراً منه. فسليمان عليه السلام عَقَرَ الجيادَ الصافناتِ المحبوبةَ للنفوس تقديماً لمحبَّة الله، فعوَّضه الله خيراً من ذلك؛ بأنْ سخَّرَ له الريح الرُّخاءَ الليِّنة التي تجري بأمره إلى حيثُ أراد وقصد، غدوُّها شهرٌ ورواحُها شهرٌ، وسخَّر له الشياطين أهل الاقتدار على الأعمال التي لا يقدِرُ عليها الآدميُّون. ومنها: أنَّ تسخير الشياطين لا تكون لأحدٍ بعد سليمان عليه السلام. ومنها: أنَّ سليمان عليه السلام كان مَلِكاً نبيًّا، يفعلُ ما أراد، ولكنَّه لا يريد إلاَّ العدل، بخلاف النبيِّ العبد؛ فإنَّه تكون إرادتُه تابعةً لأمر اللَّه؛ فلا يفعل ولا يترك إلاَّ بالأمر؛ كحال نبيِّنا - صلى الله عليه وسلم -، وهذه الحال أكمل.

ص 38:39

{30} لما أثنى الله تعالى على داودَ وذَكَرَ ما جرى له ومنه؛ أثنى على ابنِهِ سليمانَ عليهما السلام، فقال:{ووَهَبۡنا لداودَ سليمانَ}؛ أي: أنْعَمْنا به عليه وأقررْنا به عينَه. {نعم العبدُ}: سليمانُ عليه السلام، فإنَّه اتَّصف بما يوجب المدح، وهو {إنَّه أوابٌ}؛ أي: رجاعٌ إلى الله في جميع أحوالِهِ بالتألُّه والإنابة والمحبَّة والذِّكر والدُّعاء والتضرُّع والاجتهاد في مرضاة الله وتقديمها على كل شيءٍ. {31 ـ 33} ولهذا؛ لما عُرِضَتِ [عليه] الخيل الجياد السبق {الصافناتُ}؛ أي: التي من وصفها الصُّفونُ، وهو رفع إحدى قوائِمِها عند الوقوف، وكان لها منظرٌ رائقٌ وجمالٌ معجبٌ، خصوصاً للمحتاج إليها؛ كالملوك؛ فما زالتْ تُعْرَضُ عليه حتى غابتِ الشمس في الحجاب، فألهتْه عن صلاة المساءِ وذِكْرِهِ، فقال ندماً على ما مضى منه، وتقرُّباً إلى الله بما ألهاه عن ذكرِهِ، وتقديماً لحبِّ الله على حبِّ غيره:{إنِّي أحببتُ حُبَّ الخيرِ}: وضمَّنَ أحببتُ معنى آثرتُ؛ أي: آثرتُ حبَّ الخير الذي هو المالُ عموماً وفي الموضع المرادُ الخيل {عن ذِكۡرِ ربِّي حتى تَوارَتۡ بالحجابِ. ردُّوها عليَّ}: فردُّوها، {فطَفِقَ}: فيها {مسحاً بالسُّوقِ والأعناقِ}؛ أي: جعل يعقِرُها بسيفِهِ في سوقِها وأعناقها. {34}{ولقد فتنَّا سليمانَ}؛ أي: ابتليْناه واختبرْناه بذَهابِ ملكِهِ وانفصالِهِ عنه بسبب خلل اقتضتْه الطبيعةُ البشريةُ، {وألقَيۡنا على كرسيِّه جسداً}؛ أي: شيطاناً قضى الله وقَدَّر أن يجلسَ على كرسيِّ ملكِهِ ويتصرَّفَ في الملك في مدَّةِ فتنة سليمان، {ثم أنابَ}: سليمانُ إلى الله تعالى، وتابَ. {35 ـ 39} فَـ {قَالَ ربِّ اغۡفِرۡ لي وَهَبۡ لي مُلۡكاً لا ينبغي لأحدٍ من بعدي إنَّك أنت الوهابُ}: فاستجاب الله له، وغفر له، وردَّ عليه مُلْكَه، وزادَه ملكاً لم يحصُلْ لأحدٍ من بعده، وهو تسخيرُ الشياطين له يبنونَ ما يريدُ ويغوصون له في البحر يستخرِجون الدُّرَّ والحُلِيَّ، ومَنْ عصاه منهم؛ قَرَّنَه في الأصفاد وأوثقه، وقلنا له:{هذا عطاؤنا}: فَقُرَّ به عيناً، {فامنُنۡ}: على من شئتَ، {أو أمۡسِكۡ}: مَنْ شئتَ {بغير حسابٍ}؛ أي: لا حرج عليك في ذلك ولا حسابَ؛ لعلمه تعالى بكمال عدلِهِ وحسن أحكامِهِ. {40} ولا تحسبنَّ هذا لسليمانَ في الدُّنيا دون الآخرة، بل له في الآخرة خيرٌ عظيمٌ، ولهذا قال:{وإنَّ له عندَنا لَزُلۡفى وحسنَ مآبٍ}؛ أي: هو من المقرَّبين عند اللهِ المكرَمين بأنواع الكراماتِ لله. فصل فيما تبيَّن لنا من الفوائد والحكم في قصة داود وسليمان عليهما السلام. فمنها: أنَّ الله تعالى يقصُّ على نبيِّه محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - أخبارَ من قبله ليثبِّتَ فؤاده وتطمئنَّ نفسه، ويذكر له من عباداتهم وشدَّة صبرهم وإنابتهم ما يشوِّقُه إلى منافستهم والتقرُّب إلى الله الذي تقرَّبوا له والصبر على أذى قومه، ولهذا في هذا الموضع لما ذَكَرَ الله ما ذكر من أذيَّةِ قومِهِ وكلامِهم فيه وفيما جاء به؛ أمره بالصبر، وأن يذكر عبده داود فيتسلى به. ومنها: أنَّ الله تعالى يمدحُ ويحبُّ القوَّة في طاعته؛ قوَّةَ القلب والبدن؛ فإنَّه يحصُلُ منها من آثار الطاعة وحسنِها وكثرتِها ما لا يحصُلُ مع الوهن وعدم القوَّة، وأنَّ العبد ينبغي له تعاطي أسبابها وعدم الركونِ إلى الكسل والبطالة المخلَّةِ بالقوَّة المضعفة للنفس. ومنها: أنَّ الرجوع إلى الله في جميع الأمورِ من أوصاف أنبياء الله وخواصِّ خلقِهِ؛ كما أثنى الله على داود وسليمان بذلك؛ فَلْيَقْتَدِ بهما المقتدون، ولْيَهْتَدِ بُهداهم السالكون، {أولئك الذين هدى الله فبِهُداهُمُ اقۡتَدِه}. ومنها: ما أكرم الله به نبيَّه داود عليه السلامُ من حسن الصوت العظيم الذي جعل اللَّه بسببه الجبال الصُّمَّ والطيور البُهْمَ يجاوِبْنه إذا رجَّع صوتَه بالتسبيح، ويسبِّحْن معه بالعشيِّ والإشراق. ومنها: أنَّ من أكبر نعم الله على عبدِهِ أن يرزُقَه العلم النافع ويعرِفَ الحُكْمَ والفصلَ بين الناس؛ كما امتنَّ الله به على عبدِهِ داود عليه السلام. ومنها: اعتناءُ الله تعالى بأنبيائِهِ وأصفيائِهِ عندما يقع منهم بعضُ الخلل بفتنتِهِ إيَّاهم وابتلائهم بما به يزول عنهم المحذورُ، ويعودون إلى أكمل من حالتهم الأولى؛ كما جرى لداود وسليمان عليهما السلام. ومنها: أنَّ الأنبياءَ صلوات الله وسلامه عليهم معصومون من الخطأ فيما يبلِّغون عن الله تعالى؛ لأنَّ مقصودَ الرسالة لا يحصُلُ إلاَّ بذلك، وأنَّه قد يجري منهم بعضُ مقتضيات الطبيعة من المعاصي، ولكنَّ الله يتداركُهم ويبادِرُهم بلطفِهِ. ومنها: أن داود عليه السلام في أغلب أحواله لازماً محرابه لخدمةِ ربِّه، ولهذا تسوَّر الخصمان عليه المحرابَ؛ لأنَّه كان إذا خلا في محرابه؛ لا يأتيه أحدٌ، فلم يجعلْ كلَّ وقتِهِ للناس مع كثرةِ ما يَرِدُ عليه من الأحكام، بل جعل له وقتاً يخلو فيه بربِّه وتَقَرُّ عينُه بعبادتِهِ، وتعينُه على الإخلاص في جميع أموره. ومنها: أنَّه ينبغي استعمال الأدبِ في الدخول على الحكَّام وغيرهم؛ فإنَّ الخصمين لما دخلا على داود في حالةٍ غير معتادةٍ ومن غير الباب المعهود؛ فَزِعَ منهم، واشتدَّ عليه ذلك، ورآه غيرُ لائقٍ بالحال. ومنها: أنَّه لا يمنعُ الحاكمَ من الحكم بالحقِّ سوءُ أدبِ الخصم وفعلِهِ ما لا ينبغي. ومنها: كمال حلم داود عليه السلام؛ فإنَّه ما غضب عليهما حين جاءاه بغير استئذان، وهو الملكُ، ولا انتهرهما، ولا وبَّخهما. ومنها: جوازُ قول المظلموم لِمَنْ ظَلَمَه: أنت ظَلَمْتَني أو: يا ظالم! ونحو ذلك أو باغٍ عليَّ! لقولهما: {خصمان بغى بعضُنا على بعضٍ}. ومنها: أنَّ الموعوظ والمنصوح، ولو كان كبير القدرِ جليل العلم، إذا نَصَحَهُ أحدٌ أو وَعَظَه؛ لا يغضبُ ولا يشمئزُّ، بل يبادِرُه بالقَبول والشكر؛ فإنَّ الخصمين نَصَحا داود، فلم يشمئزَّ ولم يغضبْ ولم يَثْنِهِ ذلك عن الحقِّ، بل حكم بالحقِّ الصرف. ومنها: أنَّ المخالطةَ بين الأقارب والأصحاب وكثرةَ التعلُّقاتِ الدنيويَّة الماليَّة موجبةٌ للتعادي بينهم، وبغي بعضِهم على بعضٍ، وأنَّه لا يردُّ عن ذلك إلاَّ استعمال تقوى الله والصبر على الأمور بالإيمان والعمل الصالح، وأنَّ هذا من أقل شيءٍ في الناس. ومنها: أنَّ الاستغفار والعبادة، خصوصاً الصلاة، من مكفرات الذنوب؛ فإنَّ الله رتَّب مغفرةَ ذنبِ داود على استغفارِهِ وسجودِهِ. ومنها: إكرامُ الله لعبدِهِ داود وسليمان بالقرب منه وحسن الثوابِ، وأنْ لا يظنَّ أن ما جرى لهما منقصٌ لدرجتهما عند الله تعالى، وهذا مِنْ تمام لطفِهِ بعباده المخلِصين؛ أنَّه إذا غفر لهم وأزال أثر ذنوبهم؛ أزال الآثار المترتِّبة عليه كلَّها، حتى ما يقع في قلوب الخلق؛ فإنَّهم إذا علموا ببعض ذنوبهم؛ وقع في قلوبهم نزولهم عن درجتهم الأولى، فأزال الله تعالى هذه الآثار، وما ذاك بعزيز على الكريم الغفار. ومنها: أنَّ الحكم بين الناس مرتبةٌ دينيةٌ تولاَّها رسل الله وخواصُّ خلقه، وأنَّ وظيفة القائم بها الحكمُ بالحقِّ ومجانبةُ الهوى؛ فالحكمُ بالحقِّ يقتضي العلم بالأمور الشرعيَّة والعلم بصورة القضيَّةِ المحكوم بها وكيفيَّة إدخالها في الحكم الشرعي؛ فالجاهلُ بأحدِ الأمرين لا يَصْلُحُ للحكم، ولا يحلُّ له الإقدام عليه. ومنها: أنَّه ينبغي للحاكم أن يَحْذَرَ الهوى ويَجْعَلَه منه على بال؛ فإنَّ النفوس لا تَخْلو منه، بل يجاهدُ نفسَه بأن يكونَ الحقُّ مقصودَه، وأن يلقي عنه وقتَ الحكم كلَّ محبةٍ أو بغضٍ لأحدِ الخصمين. ومنها: أنَّ سليمان عليه السلام من فضائل داود ومن مِنَنِ الله عليه حيث وَهَبَه له، وأنَّ من أكبر نعم الله على عبدِهِ أن يَهَبَ له ولداً صالحاً؛ فإنْ كان عالماً؛ كان نوراً على نور. ومنها: ثناءُ الله تعالى على سليمان ومدحِهِ في قوله: {نِعۡمَ العبدُ إنَّه أوَّابٌ}. ومنها: كثرة خيرِ الله وبرِّه بعبيده أنْ يَمُنَّ عليهم بصالح الأعمال ومكارم الأخلاق، ثم يُثني عليهم بها، وهو المتفضل الوهاب. ومنها: تقديم سليمان محبَّةَ الله تعالى على محبَّةِ كل شيء. ومنها: أنَّ كل ما شغل العبد عن الله؛ فإنَّه مشؤومٌ مذمومٌ؛ فليفارِقْه ولْيُقْبِلْ على ما هو أنفعُ له. ومنها: القاعدة المشهورةُ: من ترك شيئاً لله؛ عوَّضَه الله خيراً منه. فسليمان عليه السلام عَقَرَ الجيادَ الصافناتِ المحبوبةَ للنفوس تقديماً لمحبَّة الله، فعوَّضه الله خيراً من ذلك؛ بأنْ سخَّرَ له الريح الرُّخاءَ الليِّنة التي تجري بأمره إلى حيثُ أراد وقصد، غدوُّها شهرٌ ورواحُها شهرٌ، وسخَّر له الشياطين أهل الاقتدار على الأعمال التي لا يقدِرُ عليها الآدميُّون. ومنها: أنَّ تسخير الشياطين لا تكون لأحدٍ بعد سليمان عليه السلام. ومنها: أنَّ سليمان عليه السلام كان مَلِكاً نبيًّا، يفعلُ ما أراد، ولكنَّه لا يريد إلاَّ العدل، بخلاف النبيِّ العبد؛ فإنَّه تكون إرادتُه تابعةً لأمر اللَّه؛ فلا يفعل ولا يترك إلاَّ بالأمر؛ كحال نبيِّنا - صلى الله عليه وسلم -، وهذه الحال أكمل.

ص 38:40

{30} لما أثنى الله تعالى على داودَ وذَكَرَ ما جرى له ومنه؛ أثنى على ابنِهِ سليمانَ عليهما السلام، فقال:{ووَهَبۡنا لداودَ سليمانَ}؛ أي: أنْعَمْنا به عليه وأقررْنا به عينَه. {نعم العبدُ}: سليمانُ عليه السلام، فإنَّه اتَّصف بما يوجب المدح، وهو {إنَّه أوابٌ}؛ أي: رجاعٌ إلى الله في جميع أحوالِهِ بالتألُّه والإنابة والمحبَّة والذِّكر والدُّعاء والتضرُّع والاجتهاد في مرضاة الله وتقديمها على كل شيءٍ. {31 ـ 33} ولهذا؛ لما عُرِضَتِ [عليه] الخيل الجياد السبق {الصافناتُ}؛ أي: التي من وصفها الصُّفونُ، وهو رفع إحدى قوائِمِها عند الوقوف، وكان لها منظرٌ رائقٌ وجمالٌ معجبٌ، خصوصاً للمحتاج إليها؛ كالملوك؛ فما زالتْ تُعْرَضُ عليه حتى غابتِ الشمس في الحجاب، فألهتْه عن صلاة المساءِ وذِكْرِهِ، فقال ندماً على ما مضى منه، وتقرُّباً إلى الله بما ألهاه عن ذكرِهِ، وتقديماً لحبِّ الله على حبِّ غيره:{إنِّي أحببتُ حُبَّ الخيرِ}: وضمَّنَ أحببتُ معنى آثرتُ؛ أي: آثرتُ حبَّ الخير الذي هو المالُ عموماً وفي الموضع المرادُ الخيل {عن ذِكۡرِ ربِّي حتى تَوارَتۡ بالحجابِ. ردُّوها عليَّ}: فردُّوها، {فطَفِقَ}: فيها {مسحاً بالسُّوقِ والأعناقِ}؛ أي: جعل يعقِرُها بسيفِهِ في سوقِها وأعناقها. {34}{ولقد فتنَّا سليمانَ}؛ أي: ابتليْناه واختبرْناه بذَهابِ ملكِهِ وانفصالِهِ عنه بسبب خلل اقتضتْه الطبيعةُ البشريةُ، {وألقَيۡنا على كرسيِّه جسداً}؛ أي: شيطاناً قضى الله وقَدَّر أن يجلسَ على كرسيِّ ملكِهِ ويتصرَّفَ في الملك في مدَّةِ فتنة سليمان، {ثم أنابَ}: سليمانُ إلى الله تعالى، وتابَ. {35 ـ 39} فَـ {قَالَ ربِّ اغۡفِرۡ لي وَهَبۡ لي مُلۡكاً لا ينبغي لأحدٍ من بعدي إنَّك أنت الوهابُ}: فاستجاب الله له، وغفر له، وردَّ عليه مُلْكَه، وزادَه ملكاً لم يحصُلْ لأحدٍ من بعده، وهو تسخيرُ الشياطين له يبنونَ ما يريدُ ويغوصون له في البحر يستخرِجون الدُّرَّ والحُلِيَّ، ومَنْ عصاه منهم؛ قَرَّنَه في الأصفاد وأوثقه، وقلنا له:{هذا عطاؤنا}: فَقُرَّ به عيناً، {فامنُنۡ}: على من شئتَ، {أو أمۡسِكۡ}: مَنْ شئتَ {بغير حسابٍ}؛ أي: لا حرج عليك في ذلك ولا حسابَ؛ لعلمه تعالى بكمال عدلِهِ وحسن أحكامِهِ. {40} ولا تحسبنَّ هذا لسليمانَ في الدُّنيا دون الآخرة، بل له في الآخرة خيرٌ عظيمٌ، ولهذا قال:{وإنَّ له عندَنا لَزُلۡفى وحسنَ مآبٍ}؛ أي: هو من المقرَّبين عند اللهِ المكرَمين بأنواع الكراماتِ لله. فصل فيما تبيَّن لنا من الفوائد والحكم في قصة داود وسليمان عليهما السلام. فمنها: أنَّ الله تعالى يقصُّ على نبيِّه محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - أخبارَ من قبله ليثبِّتَ فؤاده وتطمئنَّ نفسه، ويذكر له من عباداتهم وشدَّة صبرهم وإنابتهم ما يشوِّقُه إلى منافستهم والتقرُّب إلى الله الذي تقرَّبوا له والصبر على أذى قومه، ولهذا في هذا الموضع لما ذَكَرَ الله ما ذكر من أذيَّةِ قومِهِ وكلامِهم فيه وفيما جاء به؛ أمره بالصبر، وأن يذكر عبده داود فيتسلى به. ومنها: أنَّ الله تعالى يمدحُ ويحبُّ القوَّة في طاعته؛ قوَّةَ القلب والبدن؛ فإنَّه يحصُلُ منها من آثار الطاعة وحسنِها وكثرتِها ما لا يحصُلُ مع الوهن وعدم القوَّة، وأنَّ العبد ينبغي له تعاطي أسبابها وعدم الركونِ إلى الكسل والبطالة المخلَّةِ بالقوَّة المضعفة للنفس. ومنها: أنَّ الرجوع إلى الله في جميع الأمورِ من أوصاف أنبياء الله وخواصِّ خلقِهِ؛ كما أثنى الله على داود وسليمان بذلك؛ فَلْيَقْتَدِ بهما المقتدون، ولْيَهْتَدِ بُهداهم السالكون، {أولئك الذين هدى الله فبِهُداهُمُ اقۡتَدِه}. ومنها: ما أكرم الله به نبيَّه داود عليه السلامُ من حسن الصوت العظيم الذي جعل اللَّه بسببه الجبال الصُّمَّ والطيور البُهْمَ يجاوِبْنه إذا رجَّع صوتَه بالتسبيح، ويسبِّحْن معه بالعشيِّ والإشراق. ومنها: أنَّ من أكبر نعم الله على عبدِهِ أن يرزُقَه العلم النافع ويعرِفَ الحُكْمَ والفصلَ بين الناس؛ كما امتنَّ الله به على عبدِهِ داود عليه السلام. ومنها: اعتناءُ الله تعالى بأنبيائِهِ وأصفيائِهِ عندما يقع منهم بعضُ الخلل بفتنتِهِ إيَّاهم وابتلائهم بما به يزول عنهم المحذورُ، ويعودون إلى أكمل من حالتهم الأولى؛ كما جرى لداود وسليمان عليهما السلام. ومنها: أنَّ الأنبياءَ صلوات الله وسلامه عليهم معصومون من الخطأ فيما يبلِّغون عن الله تعالى؛ لأنَّ مقصودَ الرسالة لا يحصُلُ إلاَّ بذلك، وأنَّه قد يجري منهم بعضُ مقتضيات الطبيعة من المعاصي، ولكنَّ الله يتداركُهم ويبادِرُهم بلطفِهِ. ومنها: أن داود عليه السلام في أغلب أحواله لازماً محرابه لخدمةِ ربِّه، ولهذا تسوَّر الخصمان عليه المحرابَ؛ لأنَّه كان إذا خلا في محرابه؛ لا يأتيه أحدٌ، فلم يجعلْ كلَّ وقتِهِ للناس مع كثرةِ ما يَرِدُ عليه من الأحكام، بل جعل له وقتاً يخلو فيه بربِّه وتَقَرُّ عينُه بعبادتِهِ، وتعينُه على الإخلاص في جميع أموره. ومنها: أنَّه ينبغي استعمال الأدبِ في الدخول على الحكَّام وغيرهم؛ فإنَّ الخصمين لما دخلا على داود في حالةٍ غير معتادةٍ ومن غير الباب المعهود؛ فَزِعَ منهم، واشتدَّ عليه ذلك، ورآه غيرُ لائقٍ بالحال. ومنها: أنَّه لا يمنعُ الحاكمَ من الحكم بالحقِّ سوءُ أدبِ الخصم وفعلِهِ ما لا ينبغي. ومنها: كمال حلم داود عليه السلام؛ فإنَّه ما غضب عليهما حين جاءاه بغير استئذان، وهو الملكُ، ولا انتهرهما، ولا وبَّخهما. ومنها: جوازُ قول المظلموم لِمَنْ ظَلَمَه: أنت ظَلَمْتَني أو: يا ظالم! ونحو ذلك أو باغٍ عليَّ! لقولهما: {خصمان بغى بعضُنا على بعضٍ}. ومنها: أنَّ الموعوظ والمنصوح، ولو كان كبير القدرِ جليل العلم، إذا نَصَحَهُ أحدٌ أو وَعَظَه؛ لا يغضبُ ولا يشمئزُّ، بل يبادِرُه بالقَبول والشكر؛ فإنَّ الخصمين نَصَحا داود، فلم يشمئزَّ ولم يغضبْ ولم يَثْنِهِ ذلك عن الحقِّ، بل حكم بالحقِّ الصرف. ومنها: أنَّ المخالطةَ بين الأقارب والأصحاب وكثرةَ التعلُّقاتِ الدنيويَّة الماليَّة موجبةٌ للتعادي بينهم، وبغي بعضِهم على بعضٍ، وأنَّه لا يردُّ عن ذلك إلاَّ استعمال تقوى الله والصبر على الأمور بالإيمان والعمل الصالح، وأنَّ هذا من أقل شيءٍ في الناس. ومنها: أنَّ الاستغفار والعبادة، خصوصاً الصلاة، من مكفرات الذنوب؛ فإنَّ الله رتَّب مغفرةَ ذنبِ داود على استغفارِهِ وسجودِهِ. ومنها: إكرامُ الله لعبدِهِ داود وسليمان بالقرب منه وحسن الثوابِ، وأنْ لا يظنَّ أن ما جرى لهما منقصٌ لدرجتهما عند الله تعالى، وهذا مِنْ تمام لطفِهِ بعباده المخلِصين؛ أنَّه إذا غفر لهم وأزال أثر ذنوبهم؛ أزال الآثار المترتِّبة عليه كلَّها، حتى ما يقع في قلوب الخلق؛ فإنَّهم إذا علموا ببعض ذنوبهم؛ وقع في قلوبهم نزولهم عن درجتهم الأولى، فأزال الله تعالى هذه الآثار، وما ذاك بعزيز على الكريم الغفار. ومنها: أنَّ الحكم بين الناس مرتبةٌ دينيةٌ تولاَّها رسل الله وخواصُّ خلقه، وأنَّ وظيفة القائم بها الحكمُ بالحقِّ ومجانبةُ الهوى؛ فالحكمُ بالحقِّ يقتضي العلم بالأمور الشرعيَّة والعلم بصورة القضيَّةِ المحكوم بها وكيفيَّة إدخالها في الحكم الشرعي؛ فالجاهلُ بأحدِ الأمرين لا يَصْلُحُ للحكم، ولا يحلُّ له الإقدام عليه. ومنها: أنَّه ينبغي للحاكم أن يَحْذَرَ الهوى ويَجْعَلَه منه على بال؛ فإنَّ النفوس لا تَخْلو منه، بل يجاهدُ نفسَه بأن يكونَ الحقُّ مقصودَه، وأن يلقي عنه وقتَ الحكم كلَّ محبةٍ أو بغضٍ لأحدِ الخصمين. ومنها: أنَّ سليمان عليه السلام من فضائل داود ومن مِنَنِ الله عليه حيث وَهَبَه له، وأنَّ من أكبر نعم الله على عبدِهِ أن يَهَبَ له ولداً صالحاً؛ فإنْ كان عالماً؛ كان نوراً على نور. ومنها: ثناءُ الله تعالى على سليمان ومدحِهِ في قوله: {نِعۡمَ العبدُ إنَّه أوَّابٌ}. ومنها: كثرة خيرِ الله وبرِّه بعبيده أنْ يَمُنَّ عليهم بصالح الأعمال ومكارم الأخلاق، ثم يُثني عليهم بها، وهو المتفضل الوهاب. ومنها: تقديم سليمان محبَّةَ الله تعالى على محبَّةِ كل شيء. ومنها: أنَّ كل ما شغل العبد عن الله؛ فإنَّه مشؤومٌ مذمومٌ؛ فليفارِقْه ولْيُقْبِلْ على ما هو أنفعُ له. ومنها: القاعدة المشهورةُ: من ترك شيئاً لله؛ عوَّضَه الله خيراً منه. فسليمان عليه السلام عَقَرَ الجيادَ الصافناتِ المحبوبةَ للنفوس تقديماً لمحبَّة الله، فعوَّضه الله خيراً من ذلك؛ بأنْ سخَّرَ له الريح الرُّخاءَ الليِّنة التي تجري بأمره إلى حيثُ أراد وقصد، غدوُّها شهرٌ ورواحُها شهرٌ، وسخَّر له الشياطين أهل الاقتدار على الأعمال التي لا يقدِرُ عليها الآدميُّون. ومنها: أنَّ تسخير الشياطين لا تكون لأحدٍ بعد سليمان عليه السلام. ومنها: أنَّ سليمان عليه السلام كان مَلِكاً نبيًّا، يفعلُ ما أراد، ولكنَّه لا يريد إلاَّ العدل، بخلاف النبيِّ العبد؛ فإنَّه تكون إرادتُه تابعةً لأمر اللَّه؛ فلا يفعل ولا يترك إلاَّ بالأمر؛ كحال نبيِّنا - صلى الله عليه وسلم -، وهذه الحال أكمل.

ص 38:41

{41} أي: {واذكر}: في هذا الكتاب ذي الذكر {عبدَنا أيُّوبَ}: بأحسن الذِّكْر، وأثْنِ عليه بأحسن الثناء؛ حين أصابه الضُّرُّ فصبر على ضُرِّه، فلم يشتكِ لغير ربِّه، ولا لجأ إلاَّ إليه. فـ {نادى ربَّه}: داعياً، وإليه لا إلى غيره شاكياً، فقال: ربِّ {إنِّي مَسَّنِيَ الشيطانُ بِنُصۡبٍ وعذابٍ}؛ أي: بأمر مُشِقٍّ متعبٍ معذبٍ، وكان سُلِّطَ على جسدِهِ فنفخ فيه حتى تقرَّحَ ثم تقيَّحَ بعد ذلك، واشتدَّ به الأمر، وكذلك هلك أهلُه ومالُه. {42} فقيل له: {اركُضۡ برِجۡلِكَ}؛ أي: اضربِ الأرض بها؛ لينبعَ لك منها عينٌ تغتسلُ منها وتشربُ، فيذهب عنك الضرُّ والأذى، ففعل ذلك، فذهب عنه الضرُّ وشفاه الله تعالى. {43}{ووهَبۡنا له أهلَه}: قيل: إنَّ الله تعالى أحياهم له {ومثلَهُم معهم}: في الدنيا، وأغناه الله وأعطاه مالاً عظيماً، {رحمةً منَّا}: بعبدنا أيوبَ حيث صَبَرَ فأثبناه من رحمتنا ثواباً عاجلاً وآجلاً. {وذِكرى لأولي الألبابِ}؛ أي: وليتذكَّر أولو العقول بحالةِ أيُّوب ويعتبِروا فيعلموا أنَّ مَنْ صَبَرَ على الضُّرِّ؛ فإنَّ الله تعالى يُثيبه ثواباً عاجلاً وآجلاً ويستجيبُ دعاءه إذا دعاه. {44}{وخُذۡ بيدِكَ ضِغۡثاً}؛ أي: حزمة شماريخ، {فاضۡرِبۡ به ولا تَحۡنَثۡ}: قال المفسِّرون: وكان في مرضه وضُرِّه قد غضب على زوجتِهِ في بعض الأمور، فحلف لئن شفاهُ الله ليضرِبَنَّها مائةَ جلدةٍ، فلمَّا شفاه الله، وكانت امرأتُه صالحةً محسنةً إليه؛ رحمها الله ورحمه، فأفْتاه أن يضرِبَها بِضِغْثٍ فيه مائةُ شمراخ ضربةً واحدةً فيبَرَّ في يمينه. {إنا وجَدۡناه}؛ أي: أيوب {صابراً}؛ أي: ابتليناه بالضُّرِّ العظيم فصبر لوجه الله تعالى. {نعم العبدُ}: الذي كَمَّلَ مراتبَ العبوديَّة في حال السرَّاءِ والضرَّاءِ والشدَّة والرَّخاء، {إنَّه أوابٌ}؛ أي: كثير الرجوع إلى الله في مطالبه الدينيَّة والدنيويَّة، كثير الذِّكْرِ لربِّه والدعاء والمحبة والتألُّه.

ص 38:42

{41} أي: {واذكر}: في هذا الكتاب ذي الذكر {عبدَنا أيُّوبَ}: بأحسن الذِّكْر، وأثْنِ عليه بأحسن الثناء؛ حين أصابه الضُّرُّ فصبر على ضُرِّه، فلم يشتكِ لغير ربِّه، ولا لجأ إلاَّ إليه. فـ {نادى ربَّه}: داعياً، وإليه لا إلى غيره شاكياً، فقال: ربِّ {إنِّي مَسَّنِيَ الشيطانُ بِنُصۡبٍ وعذابٍ}؛ أي: بأمر مُشِقٍّ متعبٍ معذبٍ، وكان سُلِّطَ على جسدِهِ فنفخ فيه حتى تقرَّحَ ثم تقيَّحَ بعد ذلك، واشتدَّ به الأمر، وكذلك هلك أهلُه ومالُه. {42} فقيل له: {اركُضۡ برِجۡلِكَ}؛ أي: اضربِ الأرض بها؛ لينبعَ لك منها عينٌ تغتسلُ منها وتشربُ، فيذهب عنك الضرُّ والأذى، ففعل ذلك، فذهب عنه الضرُّ وشفاه الله تعالى. {43}{ووهَبۡنا له أهلَه}: قيل: إنَّ الله تعالى أحياهم له {ومثلَهُم معهم}: في الدنيا، وأغناه الله وأعطاه مالاً عظيماً، {رحمةً منَّا}: بعبدنا أيوبَ حيث صَبَرَ فأثبناه من رحمتنا ثواباً عاجلاً وآجلاً. {وذِكرى لأولي الألبابِ}؛ أي: وليتذكَّر أولو العقول بحالةِ أيُّوب ويعتبِروا فيعلموا أنَّ مَنْ صَبَرَ على الضُّرِّ؛ فإنَّ الله تعالى يُثيبه ثواباً عاجلاً وآجلاً ويستجيبُ دعاءه إذا دعاه. {44}{وخُذۡ بيدِكَ ضِغۡثاً}؛ أي: حزمة شماريخ، {فاضۡرِبۡ به ولا تَحۡنَثۡ}: قال المفسِّرون: وكان في مرضه وضُرِّه قد غضب على زوجتِهِ في بعض الأمور، فحلف لئن شفاهُ الله ليضرِبَنَّها مائةَ جلدةٍ، فلمَّا شفاه الله، وكانت امرأتُه صالحةً محسنةً إليه؛ رحمها الله ورحمه، فأفْتاه أن يضرِبَها بِضِغْثٍ فيه مائةُ شمراخ ضربةً واحدةً فيبَرَّ في يمينه. {إنا وجَدۡناه}؛ أي: أيوب {صابراً}؛ أي: ابتليناه بالضُّرِّ العظيم فصبر لوجه الله تعالى. {نعم العبدُ}: الذي كَمَّلَ مراتبَ العبوديَّة في حال السرَّاءِ والضرَّاءِ والشدَّة والرَّخاء، {إنَّه أوابٌ}؛ أي: كثير الرجوع إلى الله في مطالبه الدينيَّة والدنيويَّة، كثير الذِّكْرِ لربِّه والدعاء والمحبة والتألُّه.

ص 38:43

{41} أي: {واذكر}: في هذا الكتاب ذي الذكر {عبدَنا أيُّوبَ}: بأحسن الذِّكْر، وأثْنِ عليه بأحسن الثناء؛ حين أصابه الضُّرُّ فصبر على ضُرِّه، فلم يشتكِ لغير ربِّه، ولا لجأ إلاَّ إليه. فـ {نادى ربَّه}: داعياً، وإليه لا إلى غيره شاكياً، فقال: ربِّ {إنِّي مَسَّنِيَ الشيطانُ بِنُصۡبٍ وعذابٍ}؛ أي: بأمر مُشِقٍّ متعبٍ معذبٍ، وكان سُلِّطَ على جسدِهِ فنفخ فيه حتى تقرَّحَ ثم تقيَّحَ بعد ذلك، واشتدَّ به الأمر، وكذلك هلك أهلُه ومالُه. {42} فقيل له: {اركُضۡ برِجۡلِكَ}؛ أي: اضربِ الأرض بها؛ لينبعَ لك منها عينٌ تغتسلُ منها وتشربُ، فيذهب عنك الضرُّ والأذى، ففعل ذلك، فذهب عنه الضرُّ وشفاه الله تعالى. {43}{ووهَبۡنا له أهلَه}: قيل: إنَّ الله تعالى أحياهم له {ومثلَهُم معهم}: في الدنيا، وأغناه الله وأعطاه مالاً عظيماً، {رحمةً منَّا}: بعبدنا أيوبَ حيث صَبَرَ فأثبناه من رحمتنا ثواباً عاجلاً وآجلاً. {وذِكرى لأولي الألبابِ}؛ أي: وليتذكَّر أولو العقول بحالةِ أيُّوب ويعتبِروا فيعلموا أنَّ مَنْ صَبَرَ على الضُّرِّ؛ فإنَّ الله تعالى يُثيبه ثواباً عاجلاً وآجلاً ويستجيبُ دعاءه إذا دعاه. {44}{وخُذۡ بيدِكَ ضِغۡثاً}؛ أي: حزمة شماريخ، {فاضۡرِبۡ به ولا تَحۡنَثۡ}: قال المفسِّرون: وكان في مرضه وضُرِّه قد غضب على زوجتِهِ في بعض الأمور، فحلف لئن شفاهُ الله ليضرِبَنَّها مائةَ جلدةٍ، فلمَّا شفاه الله، وكانت امرأتُه صالحةً محسنةً إليه؛ رحمها الله ورحمه، فأفْتاه أن يضرِبَها بِضِغْثٍ فيه مائةُ شمراخ ضربةً واحدةً فيبَرَّ في يمينه. {إنا وجَدۡناه}؛ أي: أيوب {صابراً}؛ أي: ابتليناه بالضُّرِّ العظيم فصبر لوجه الله تعالى. {نعم العبدُ}: الذي كَمَّلَ مراتبَ العبوديَّة في حال السرَّاءِ والضرَّاءِ والشدَّة والرَّخاء، {إنَّه أوابٌ}؛ أي: كثير الرجوع إلى الله في مطالبه الدينيَّة والدنيويَّة، كثير الذِّكْرِ لربِّه والدعاء والمحبة والتألُّه.

ص 38:44

{41} أي: {واذكر}: في هذا الكتاب ذي الذكر {عبدَنا أيُّوبَ}: بأحسن الذِّكْر، وأثْنِ عليه بأحسن الثناء؛ حين أصابه الضُّرُّ فصبر على ضُرِّه، فلم يشتكِ لغير ربِّه، ولا لجأ إلاَّ إليه. فـ {نادى ربَّه}: داعياً، وإليه لا إلى غيره شاكياً، فقال: ربِّ {إنِّي مَسَّنِيَ الشيطانُ بِنُصۡبٍ وعذابٍ}؛ أي: بأمر مُشِقٍّ متعبٍ معذبٍ، وكان سُلِّطَ على جسدِهِ فنفخ فيه حتى تقرَّحَ ثم تقيَّحَ بعد ذلك، واشتدَّ به الأمر، وكذلك هلك أهلُه ومالُه. {42} فقيل له: {اركُضۡ برِجۡلِكَ}؛ أي: اضربِ الأرض بها؛ لينبعَ لك منها عينٌ تغتسلُ منها وتشربُ، فيذهب عنك الضرُّ والأذى، ففعل ذلك، فذهب عنه الضرُّ وشفاه الله تعالى. {43}{ووهَبۡنا له أهلَه}: قيل: إنَّ الله تعالى أحياهم له {ومثلَهُم معهم}: في الدنيا، وأغناه الله وأعطاه مالاً عظيماً، {رحمةً منَّا}: بعبدنا أيوبَ حيث صَبَرَ فأثبناه من رحمتنا ثواباً عاجلاً وآجلاً. {وذِكرى لأولي الألبابِ}؛ أي: وليتذكَّر أولو العقول بحالةِ أيُّوب ويعتبِروا فيعلموا أنَّ مَنْ صَبَرَ على الضُّرِّ؛ فإنَّ الله تعالى يُثيبه ثواباً عاجلاً وآجلاً ويستجيبُ دعاءه إذا دعاه. {44}{وخُذۡ بيدِكَ ضِغۡثاً}؛ أي: حزمة شماريخ، {فاضۡرِبۡ به ولا تَحۡنَثۡ}: قال المفسِّرون: وكان في مرضه وضُرِّه قد غضب على زوجتِهِ في بعض الأمور، فحلف لئن شفاهُ الله ليضرِبَنَّها مائةَ جلدةٍ، فلمَّا شفاه الله، وكانت امرأتُه صالحةً محسنةً إليه؛ رحمها الله ورحمه، فأفْتاه أن يضرِبَها بِضِغْثٍ فيه مائةُ شمراخ ضربةً واحدةً فيبَرَّ في يمينه. {إنا وجَدۡناه}؛ أي: أيوب {صابراً}؛ أي: ابتليناه بالضُّرِّ العظيم فصبر لوجه الله تعالى. {نعم العبدُ}: الذي كَمَّلَ مراتبَ العبوديَّة في حال السرَّاءِ والضرَّاءِ والشدَّة والرَّخاء، {إنَّه أوابٌ}؛ أي: كثير الرجوع إلى الله في مطالبه الدينيَّة والدنيويَّة، كثير الذِّكْرِ لربِّه والدعاء والمحبة والتألُّه.

ص 38:45

{45} يقول تعالى: {واذۡكُرۡ عِبَادَنا}: الذين أخلصوا لنا العبادةَ ذكراً حسناً {إبراهيم}: الخليل {و} ابنه {إسحاقَ} وابن ابنه {يعقوب أولي الأيدي}؛ أي: القوَّة على عبادة اللَّه تعالى، {والأبصار}؛ أي: البصيرة في دين اللَّه. فوصَفَهم بالعلم النافع والعمل الصالح الكثير. {46}{إنَّا أخۡلَصۡنَاهم بخالصةٍ}: عظيمة وخصيصةٍ جسيمةٍ، وهي:{ذِكۡرى الدارِ}: جعلنا ذكرى الدارِ الآخرةِ في قلوبهم والعملَ لها صفوةَ وقتِهِم. والإخلاصُ والمراقبةُ لله وَصْفُهُمُ الدائمُ، وجَعَلْناهم ذكرى الدار، يتذكَّر بأحوالِهِم المتذكِّرُ ويعتبرُ بهم المعتبِرُ، ويُذْكَرونَ بأحسن الذِّكر. {47}{وإنَّهم عندنا لَمِنَ المُصۡطَفَيۡنَ}: الذين اصطفاهم الله من صفوة خلقه {الأخيار}: الذين لهم كلُّ خُلُق كريم وعمل مستقيم.

ص 38:46

{45} يقول تعالى: {واذۡكُرۡ عِبَادَنا}: الذين أخلصوا لنا العبادةَ ذكراً حسناً {إبراهيم}: الخليل {و} ابنه {إسحاقَ} وابن ابنه {يعقوب أولي الأيدي}؛ أي: القوَّة على عبادة اللَّه تعالى، {والأبصار}؛ أي: البصيرة في دين اللَّه. فوصَفَهم بالعلم النافع والعمل الصالح الكثير. {46}{إنَّا أخۡلَصۡنَاهم بخالصةٍ}: عظيمة وخصيصةٍ جسيمةٍ، وهي:{ذِكۡرى الدارِ}: جعلنا ذكرى الدارِ الآخرةِ في قلوبهم والعملَ لها صفوةَ وقتِهِم. والإخلاصُ والمراقبةُ لله وَصْفُهُمُ الدائمُ، وجَعَلْناهم ذكرى الدار، يتذكَّر بأحوالِهِم المتذكِّرُ ويعتبرُ بهم المعتبِرُ، ويُذْكَرونَ بأحسن الذِّكر. {47}{وإنَّهم عندنا لَمِنَ المُصۡطَفَيۡنَ}: الذين اصطفاهم الله من صفوة خلقه {الأخيار}: الذين لهم كلُّ خُلُق كريم وعمل مستقيم.

ص 38:47

{45} يقول تعالى: {واذۡكُرۡ عِبَادَنا}: الذين أخلصوا لنا العبادةَ ذكراً حسناً {إبراهيم}: الخليل {و} ابنه {إسحاقَ} وابن ابنه {يعقوب أولي الأيدي}؛ أي: القوَّة على عبادة اللَّه تعالى، {والأبصار}؛ أي: البصيرة في دين اللَّه. فوصَفَهم بالعلم النافع والعمل الصالح الكثير. {46}{إنَّا أخۡلَصۡنَاهم بخالصةٍ}: عظيمة وخصيصةٍ جسيمةٍ، وهي:{ذِكۡرى الدارِ}: جعلنا ذكرى الدارِ الآخرةِ في قلوبهم والعملَ لها صفوةَ وقتِهِم. والإخلاصُ والمراقبةُ لله وَصْفُهُمُ الدائمُ، وجَعَلْناهم ذكرى الدار، يتذكَّر بأحوالِهِم المتذكِّرُ ويعتبرُ بهم المعتبِرُ، ويُذْكَرونَ بأحسن الذِّكر. {47}{وإنَّهم عندنا لَمِنَ المُصۡطَفَيۡنَ}: الذين اصطفاهم الله من صفوة خلقه {الأخيار}: الذين لهم كلُّ خُلُق كريم وعمل مستقيم.

ص 38:48

{48} أي: واذكر هؤلاء الأنبياء بأحسن الذِّكْر، وأثنِ عليهم أحسن الثناء؛ فإنَّ كلاًّ منهم من الأخيار، الذين اختارهم الله من الخلق، واختار لهم أكمل الأحوال من الأعمال والأخلاق والصفاتِ الحميدةِ والخصال السديدةِ. {49} هذا؛ أي: ذِكْرُ هؤلاء الأنبياء الصفوة، وذِكْر أوصافهم {ذِكۡرٌ}: في هذا القرآن ذي الذكر، يَتَذَكَّرُ بأحوالهم المتذكِّرون، ويشتاقُ إلى الاقتداء بأوصافهم الحميدةِ المقتدونَ، ويُعَرفُ ما منَّ الله عليهم به من الأوصاف الزكيَّة، وما نَشَرَ لهم من الثناء بين البريَّة. فهذا نوعٌ من أنواع الذكر، وهو ذكر أهل الخير. ومن أنواع الذِّكْر ذِكْرُ جزاء أهل الخير وأهل الشرِّ ولهذا قال: {وإنَّ للمتقين}: ربَّهم؛ بامتثال الأوامر واجتناب النواهي من كلِّ مؤمن ومؤمنة {لَحُسۡنَ مآبٍ}؛ أي: لمآباً حسناً ومرجعاً مستحسناً.

ص 38:49

{48} أي: واذكر هؤلاء الأنبياء بأحسن الذِّكْر، وأثنِ عليهم أحسن الثناء؛ فإنَّ كلاًّ منهم من الأخيار، الذين اختارهم الله من الخلق، واختار لهم أكمل الأحوال من الأعمال والأخلاق والصفاتِ الحميدةِ والخصال السديدةِ. {49} هذا؛ أي: ذِكْرُ هؤلاء الأنبياء الصفوة، وذِكْر أوصافهم {ذِكۡرٌ}: في هذا القرآن ذي الذكر، يَتَذَكَّرُ بأحوالهم المتذكِّرون، ويشتاقُ إلى الاقتداء بأوصافهم الحميدةِ المقتدونَ، ويُعَرفُ ما منَّ الله عليهم به من الأوصاف الزكيَّة، وما نَشَرَ لهم من الثناء بين البريَّة. فهذا نوعٌ من أنواع الذكر، وهو ذكر أهل الخير. ومن أنواع الذِّكْر ذِكْرُ جزاء أهل الخير وأهل الشرِّ ولهذا قال: {وإنَّ للمتقين}: ربَّهم؛ بامتثال الأوامر واجتناب النواهي من كلِّ مؤمن ومؤمنة {لَحُسۡنَ مآبٍ}؛ أي: لمآباً حسناً ومرجعاً مستحسناً. {50} ثم فسَّره وفصَّله فقال: {جناتِ عدنٍ}؛ أي: جنات إقامةٍ لا يبغي صاحبها بدلاً منها من كمالها وتمام نعيمها، وليسوا بخارجين منها ولا بمُخْرَجينَ، {مفتَّحةً لهم الأبوابُ}؛ أي: مفتحة لأجلهم أبوابُ منازِلِها ومساكِنِها، لا يحتاجونَ أن يَفْتَحوها هم، بل هم مخدومونَ، وهذا دليلٌ أيضاً على الأمان التامِّ، وأنَّه ليس في جناتِ عدنٍ ما يوجِبُ أن تُغَلَّقَ لأجلِهِ أبوابُها. {51}{متكئين فيها}: على الأرائك المزيَّنات والمجالس المزخرفات. {يَدۡعون فيها}؛ أي: يأمرون خدَّامهم أن يأتوا {بفاكهةٍ كثيرةٍ وشرابٍ}: من كلِّ ما تشتهيه نفوسُهم وتلذُّه أعينُهم، وهذا يدلُّ على كمال النعيم وكمال الراحة والطُّمأنينة وتمام اللَّذَّة. {52}{وعندَهم}: من أزواجهم الحور العين {قاصراتُ} طرفهن على أزواجهنَّ، وطَرْفِ أزواجهنَّ عليهنَّ لجمالهم كلِّهم ومحبَّة كلٍّ منهما للآخر وعدم طموحِهِ لغيره، وأنَّه لا يبغي بصاحبه بدلاً ولا عنه عِوَضاً، {أترابٌ}؛ أي: على سنٍّ واحدٍ، أعدل سنِّ الشباب وأحسنُه وألذُّه. {53}{هذا ما توعَدونَ}: أيُّها المتَّقونَ {ليوم الحسابِ}: جزاء على أعمالِكُم الصالحة. {54}{إنَّ هذا لرِزۡقُنا}: الذين أوردناه على أهل دار النعيم {ما له من نفادٍ}؛ أي: انقطاع، بل هو دائمٌ مستقرٌّ في جميع الأوقات، متزايدٌ في جميع الآنات، وليس هذا بعظيم على الربِّ الكريم، الرءوف الرحيم، البَرِّ الجواد، الواسع الغني، الحميد اللطيف، الرحمن، الملك الديان، الجليل الجميل المنان، ذي الفضل الباهر والكرم المتواتر، الذي لا تُحصى نعمُه ولا يُحاط ببعض بِرِّه.

ص 38:50

{50} ثم فسَّره وفصَّله فقال: {جناتِ عدنٍ}؛ أي: جنات إقامةٍ لا يبغي صاحبها بدلاً منها من كمالها وتمام نعيمها، وليسوا بخارجين منها ولا بمُخْرَجينَ، {مفتَّحةً لهم الأبوابُ}؛ أي: مفتحة لأجلهم أبوابُ منازِلِها ومساكِنِها، لا يحتاجونَ أن يَفْتَحوها هم، بل هم مخدومونَ، وهذا دليلٌ أيضاً على الأمان التامِّ، وأنَّه ليس في جناتِ عدنٍ ما يوجِبُ أن تُغَلَّقَ لأجلِهِ أبوابُها. {51}{متكئين فيها}: على الأرائك المزيَّنات والمجالس المزخرفات. {يَدۡعون فيها}؛ أي: يأمرون خدَّامهم أن يأتوا {بفاكهةٍ كثيرةٍ وشرابٍ}: من كلِّ ما تشتهيه نفوسُهم وتلذُّه أعينُهم، وهذا يدلُّ على كمال النعيم وكمال الراحة والطُّمأنينة وتمام اللَّذَّة. {52}{وعندَهم}: من أزواجهم الحور العين {قاصراتُ} طرفهن على أزواجهنَّ، وطَرْفِ أزواجهنَّ عليهنَّ لجمالهم كلِّهم ومحبَّة كلٍّ منهما للآخر وعدم طموحِهِ لغيره، وأنَّه لا يبغي بصاحبه بدلاً ولا عنه عِوَضاً، {أترابٌ}؛ أي: على سنٍّ واحدٍ، أعدل سنِّ الشباب وأحسنُه وألذُّه. {53}{هذا ما توعَدونَ}: أيُّها المتَّقونَ {ليوم الحسابِ}: جزاء على أعمالِكُم الصالحة. {54}{إنَّ هذا لرِزۡقُنا}: الذين أوردناه على أهل دار النعيم {ما له من نفادٍ}؛ أي: انقطاع، بل هو دائمٌ مستقرٌّ في جميع الأوقات، متزايدٌ في جميع الآنات، وليس هذا بعظيم على الربِّ الكريم، الرءوف الرحيم، البَرِّ الجواد، الواسع الغني، الحميد اللطيف، الرحمن، الملك الديان، الجليل الجميل المنان، ذي الفضل الباهر والكرم المتواتر، الذي لا تُحصى نعمُه ولا يُحاط ببعض بِرِّه.

ص 38:51

{50} ثم فسَّره وفصَّله فقال: {جناتِ عدنٍ}؛ أي: جنات إقامةٍ لا يبغي صاحبها بدلاً منها من كمالها وتمام نعيمها، وليسوا بخارجين منها ولا بمُخْرَجينَ، {مفتَّحةً لهم الأبوابُ}؛ أي: مفتحة لأجلهم أبوابُ منازِلِها ومساكِنِها، لا يحتاجونَ أن يَفْتَحوها هم، بل هم مخدومونَ، وهذا دليلٌ أيضاً على الأمان التامِّ، وأنَّه ليس في جناتِ عدنٍ ما يوجِبُ أن تُغَلَّقَ لأجلِهِ أبوابُها. {51}{متكئين فيها}: على الأرائك المزيَّنات والمجالس المزخرفات. {يَدۡعون فيها}؛ أي: يأمرون خدَّامهم أن يأتوا {بفاكهةٍ كثيرةٍ وشرابٍ}: من كلِّ ما تشتهيه نفوسُهم وتلذُّه أعينُهم، وهذا يدلُّ على كمال النعيم وكمال الراحة والطُّمأنينة وتمام اللَّذَّة. {52}{وعندَهم}: من أزواجهم الحور العين {قاصراتُ} طرفهن على أزواجهنَّ، وطَرْفِ أزواجهنَّ عليهنَّ لجمالهم كلِّهم ومحبَّة كلٍّ منهما للآخر وعدم طموحِهِ لغيره، وأنَّه لا يبغي بصاحبه بدلاً ولا عنه عِوَضاً، {أترابٌ}؛ أي: على سنٍّ واحدٍ، أعدل سنِّ الشباب وأحسنُه وألذُّه. {53}{هذا ما توعَدونَ}: أيُّها المتَّقونَ {ليوم الحسابِ}: جزاء على أعمالِكُم الصالحة. {54}{إنَّ هذا لرِزۡقُنا}: الذين أوردناه على أهل دار النعيم {ما له من نفادٍ}؛ أي: انقطاع، بل هو دائمٌ مستقرٌّ في جميع الأوقات، متزايدٌ في جميع الآنات، وليس هذا بعظيم على الربِّ الكريم، الرءوف الرحيم، البَرِّ الجواد، الواسع الغني، الحميد اللطيف، الرحمن، الملك الديان، الجليل الجميل المنان، ذي الفضل الباهر والكرم المتواتر، الذي لا تُحصى نعمُه ولا يُحاط ببعض بِرِّه.

ص 38:52

{50} ثم فسَّره وفصَّله فقال: {جناتِ عدنٍ}؛ أي: جنات إقامةٍ لا يبغي صاحبها بدلاً منها من كمالها وتمام نعيمها، وليسوا بخارجين منها ولا بمُخْرَجينَ، {مفتَّحةً لهم الأبوابُ}؛ أي: مفتحة لأجلهم أبوابُ منازِلِها ومساكِنِها، لا يحتاجونَ أن يَفْتَحوها هم، بل هم مخدومونَ، وهذا دليلٌ أيضاً على الأمان التامِّ، وأنَّه ليس في جناتِ عدنٍ ما يوجِبُ أن تُغَلَّقَ لأجلِهِ أبوابُها. {51}{متكئين فيها}: على الأرائك المزيَّنات والمجالس المزخرفات. {يَدۡعون فيها}؛ أي: يأمرون خدَّامهم أن يأتوا {بفاكهةٍ كثيرةٍ وشرابٍ}: من كلِّ ما تشتهيه نفوسُهم وتلذُّه أعينُهم، وهذا يدلُّ على كمال النعيم وكمال الراحة والطُّمأنينة وتمام اللَّذَّة. {52}{وعندَهم}: من أزواجهم الحور العين {قاصراتُ} طرفهن على أزواجهنَّ، وطَرْفِ أزواجهنَّ عليهنَّ لجمالهم كلِّهم ومحبَّة كلٍّ منهما للآخر وعدم طموحِهِ لغيره، وأنَّه لا يبغي بصاحبه بدلاً ولا عنه عِوَضاً، {أترابٌ}؛ أي: على سنٍّ واحدٍ، أعدل سنِّ الشباب وأحسنُه وألذُّه. {53}{هذا ما توعَدونَ}: أيُّها المتَّقونَ {ليوم الحسابِ}: جزاء على أعمالِكُم الصالحة. {54}{إنَّ هذا لرِزۡقُنا}: الذين أوردناه على أهل دار النعيم {ما له من نفادٍ}؛ أي: انقطاع، بل هو دائمٌ مستقرٌّ في جميع الأوقات، متزايدٌ في جميع الآنات، وليس هذا بعظيم على الربِّ الكريم، الرءوف الرحيم، البَرِّ الجواد، الواسع الغني، الحميد اللطيف، الرحمن، الملك الديان، الجليل الجميل المنان، ذي الفضل الباهر والكرم المتواتر، الذي لا تُحصى نعمُه ولا يُحاط ببعض بِرِّه.

ص 38:53

{50} ثم فسَّره وفصَّله فقال: {جناتِ عدنٍ}؛ أي: جنات إقامةٍ لا يبغي صاحبها بدلاً منها من كمالها وتمام نعيمها، وليسوا بخارجين منها ولا بمُخْرَجينَ، {مفتَّحةً لهم الأبوابُ}؛ أي: مفتحة لأجلهم أبوابُ منازِلِها ومساكِنِها، لا يحتاجونَ أن يَفْتَحوها هم، بل هم مخدومونَ، وهذا دليلٌ أيضاً على الأمان التامِّ، وأنَّه ليس في جناتِ عدنٍ ما يوجِبُ أن تُغَلَّقَ لأجلِهِ أبوابُها. {51}{متكئين فيها}: على الأرائك المزيَّنات والمجالس المزخرفات. {يَدۡعون فيها}؛ أي: يأمرون خدَّامهم أن يأتوا {بفاكهةٍ كثيرةٍ وشرابٍ}: من كلِّ ما تشتهيه نفوسُهم وتلذُّه أعينُهم، وهذا يدلُّ على كمال النعيم وكمال الراحة والطُّمأنينة وتمام اللَّذَّة. {52}{وعندَهم}: من أزواجهم الحور العين {قاصراتُ} طرفهن على أزواجهنَّ، وطَرْفِ أزواجهنَّ عليهنَّ لجمالهم كلِّهم ومحبَّة كلٍّ منهما للآخر وعدم طموحِهِ لغيره، وأنَّه لا يبغي بصاحبه بدلاً ولا عنه عِوَضاً، {أترابٌ}؛ أي: على سنٍّ واحدٍ، أعدل سنِّ الشباب وأحسنُه وألذُّه. {53}{هذا ما توعَدونَ}: أيُّها المتَّقونَ {ليوم الحسابِ}: جزاء على أعمالِكُم الصالحة. {54}{إنَّ هذا لرِزۡقُنا}: الذين أوردناه على أهل دار النعيم {ما له من نفادٍ}؛ أي: انقطاع، بل هو دائمٌ مستقرٌّ في جميع الأوقات، متزايدٌ في جميع الآنات، وليس هذا بعظيم على الربِّ الكريم، الرءوف الرحيم، البَرِّ الجواد، الواسع الغني، الحميد اللطيف، الرحمن، الملك الديان، الجليل الجميل المنان، ذي الفضل الباهر والكرم المتواتر، الذي لا تُحصى نعمُه ولا يُحاط ببعض بِرِّه.

ص 38:54

{50} ثم فسَّره وفصَّله فقال: {جناتِ عدنٍ}؛ أي: جنات إقامةٍ لا يبغي صاحبها بدلاً منها من كمالها وتمام نعيمها، وليسوا بخارجين منها ولا بمُخْرَجينَ، {مفتَّحةً لهم الأبوابُ}؛ أي: مفتحة لأجلهم أبوابُ منازِلِها ومساكِنِها، لا يحتاجونَ أن يَفْتَحوها هم، بل هم مخدومونَ، وهذا دليلٌ أيضاً على الأمان التامِّ، وأنَّه ليس في جناتِ عدنٍ ما يوجِبُ أن تُغَلَّقَ لأجلِهِ أبوابُها. {51}{متكئين فيها}: على الأرائك المزيَّنات والمجالس المزخرفات. {يَدۡعون فيها}؛ أي: يأمرون خدَّامهم أن يأتوا {بفاكهةٍ كثيرةٍ وشرابٍ}: من كلِّ ما تشتهيه نفوسُهم وتلذُّه أعينُهم، وهذا يدلُّ على كمال النعيم وكمال الراحة والطُّمأنينة وتمام اللَّذَّة. {52}{وعندَهم}: من أزواجهم الحور العين {قاصراتُ} طرفهن على أزواجهنَّ، وطَرْفِ أزواجهنَّ عليهنَّ لجمالهم كلِّهم ومحبَّة كلٍّ منهما للآخر وعدم طموحِهِ لغيره، وأنَّه لا يبغي بصاحبه بدلاً ولا عنه عِوَضاً، {أترابٌ}؛ أي: على سنٍّ واحدٍ، أعدل سنِّ الشباب وأحسنُه وألذُّه. {53}{هذا ما توعَدونَ}: أيُّها المتَّقونَ {ليوم الحسابِ}: جزاء على أعمالِكُم الصالحة. {54}{إنَّ هذا لرِزۡقُنا}: الذين أوردناه على أهل دار النعيم {ما له من نفادٍ}؛ أي: انقطاع، بل هو دائمٌ مستقرٌّ في جميع الأوقات، متزايدٌ في جميع الآنات، وليس هذا بعظيم على الربِّ الكريم، الرءوف الرحيم، البَرِّ الجواد، الواسع الغني، الحميد اللطيف، الرحمن، الملك الديان، الجليل الجميل المنان، ذي الفضل الباهر والكرم المتواتر، الذي لا تُحصى نعمُه ولا يُحاط ببعض بِرِّه.

ص 38:55

{55}{هذا} الجزاء للمتَّقين ما وصفناه، {وإنَّ للطَّاغين}؛ أي: للمتجاوزين للحدِّ في الكفر والمعاصي {لَشَرَّ مآبٍ}؛ أي: لشرَّ مرجع ومُنْقَلَبٍ. {56} ثم فَصَّلَه فقال: {جَهَنَّم}: التي جمع فيها كلَّ عذاب واشتدَّ حرُّها وانتهى قرُّها {يَصۡلَوۡنها}؛ أي: يعذَّبون فيها عذاباً يحيطُ بهم من كل وجهٍ، لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل. {فبئس المِهادُ}: المعدُّ لهم مسكناً ومستقرًّا. {57}{هذا}: المهاد، هذا العذاب الشديد والخزي والفضيحة والنَّكالُ. {فَلۡيَذوقوهُ حميمٌ}: ماءٌ حارٌّ قد اشتدَّ حرُّه، يشربونه فيقطِّع أمعاءهم، {وغَسَّاقٌ}: وهو أكرهُ ما يكون من الشرابِ من قيح وصديدٍ، مرِّ المذاق، كريه الرائحة. {58}{وآخرُ من شكلِهِ}؛ أي: من نوعه {أزواجٌ}؛ أي: عدَّة أصناف من أصناف العذاب، يعذَّبون بها ويُخْزَوْنَ بها. {59 ـ 60} وعند توارُدِهِم على النار يشتُمُ بعضُهم بعضاً ويقول بعضُهم لبعضٍ: {هذا فوجٌ مقتحمٌ معكم}: النار {لا مرحباً بهم إنَّهم صالوا النار. قالوا}؛ أي: الفوج المقبِلُ المقتحم: {بل أنتُم لا مرحباً بكم أنتم قدَّمۡتُموه}؛ أي: العذاب {لنا}: بدعوتِكُم لنا وفِتْنَتِكم وإضْلالِكُم وتسبُّبكم. {فبئس القرارُ}: قرار الجميع قرار السَّوْء والشرِّ. {61} ثم دعوا على المغوين لهم: {قالوا ربَّنا مَن قَدَّمَ لنا هذا فَزِدۡهُ عذاباً ضِعۡفاً في النارِ}. وقال في الآية الأخرى:{قال لِكُلٍّ ضعفٌ ولكن لا تعلمون}. {62}{وقالوا}: وهم في النار: {ما لَنا لا نرى رِجالاً كُنَّا نعدُّهم من الأشرارِ}؛ أي: كنَّا نزعُمُ أنَّهم من الأشرارِ المستحقِّين لعذاب النار، وهم المؤمنون، تَفَقَّدَهُم أهلُ النار قبَّحَهم الله؛ هل يَرَوْنَهم في النار؟ {63}{أتَّخَذۡناهُم سِخۡرِيًّا أم زاغَتۡ عنهُمُ الأبصارُ}؛ أي: عدم رؤيتنا لهم دائرٌ بين أمرينِ: إمَّا أنَّنا غالِطونَ في عدِّنا إيَّاهم من الأشرارِ، بل هم من الأخيارِ، وإنَّما كلامُنا لهم من باب السُّخرية والاستهزاء بهم، وهذا هو الواقع؛ كما قال تعالى لأهل النار:{إنَّه كان فريقٌ من عِبادي يقولون رَبَّنا آمَنَّا فاغۡفِرۡ لنا، وارۡحَمۡنا وأنت خيرُ الراحمين. فاتَّخَذۡتُموهم سِخۡريًّا حتى أنۡسَوۡكُم ذِكۡري وكنتُم منهم تضحكونَ}. والأمرُ الثاني: أنَّهم لعلَّهم زاغتْ أبصارُنا عن رؤيتهم معنا في العذاب، وإلاَّ؛ فهم معنا معذَّبون، ولكن تجاوزَتْهُم أبصارُنا! فيُحتمل أنَّ هذا الذي في قلوبهم، فتكون العقائدُ التي اعتقدوها في الدُّنيا وكثرة ما حكموا لأهل الإيمان بالنار تمكَّنتْ من قلوبِهم وصارتْ صبغةً لها، فدخلوا النار وهم بهذه الحالة، فقالوا ما قالوا. ويُحتمل أنَّ كلامَهم هذا كلامُ تمويهٍ؛ كما موَّهوا في الدُّنيا موَّهوا حتى في النار، ولهذا يقول أهلُ الأعراف لأهل النار:{أهؤلاء الذين أقۡسَمۡتُم لا ينالُهُمُ الله برحمةٍ، ادۡخُلوا الجنةَ لا خوفٌ عليكم ولا أنتم تحزنونَ}. {64} قال تعالى مؤكِّداً ما أخبر به، وهو أصدقُ القائلين:{إنَّ ذلك}: الذي ذكرتُ لكم {لَحَقٌّ}: ما فيه شكٌّ ولا مِرْيةٌ {تخاصُمُ أهل النارِ}.

ص 38:56

{55}{هذا} الجزاء للمتَّقين ما وصفناه، {وإنَّ للطَّاغين}؛ أي: للمتجاوزين للحدِّ في الكفر والمعاصي {لَشَرَّ مآبٍ}؛ أي: لشرَّ مرجع ومُنْقَلَبٍ. {56} ثم فَصَّلَه فقال: {جَهَنَّم}: التي جمع فيها كلَّ عذاب واشتدَّ حرُّها وانتهى قرُّها {يَصۡلَوۡنها}؛ أي: يعذَّبون فيها عذاباً يحيطُ بهم من كل وجهٍ، لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل. {فبئس المِهادُ}: المعدُّ لهم مسكناً ومستقرًّا. {57}{هذا}: المهاد، هذا العذاب الشديد والخزي والفضيحة والنَّكالُ. {فَلۡيَذوقوهُ حميمٌ}: ماءٌ حارٌّ قد اشتدَّ حرُّه، يشربونه فيقطِّع أمعاءهم، {وغَسَّاقٌ}: وهو أكرهُ ما يكون من الشرابِ من قيح وصديدٍ، مرِّ المذاق، كريه الرائحة. {58}{وآخرُ من شكلِهِ}؛ أي: من نوعه {أزواجٌ}؛ أي: عدَّة أصناف من أصناف العذاب، يعذَّبون بها ويُخْزَوْنَ بها. {59 ـ 60} وعند توارُدِهِم على النار يشتُمُ بعضُهم بعضاً ويقول بعضُهم لبعضٍ: {هذا فوجٌ مقتحمٌ معكم}: النار {لا مرحباً بهم إنَّهم صالوا النار. قالوا}؛ أي: الفوج المقبِلُ المقتحم: {بل أنتُم لا مرحباً بكم أنتم قدَّمۡتُموه}؛ أي: العذاب {لنا}: بدعوتِكُم لنا وفِتْنَتِكم وإضْلالِكُم وتسبُّبكم. {فبئس القرارُ}: قرار الجميع قرار السَّوْء والشرِّ. {61} ثم دعوا على المغوين لهم: {قالوا ربَّنا مَن قَدَّمَ لنا هذا فَزِدۡهُ عذاباً ضِعۡفاً في النارِ}. وقال في الآية الأخرى:{قال لِكُلٍّ ضعفٌ ولكن لا تعلمون}. {62}{وقالوا}: وهم في النار: {ما لَنا لا نرى رِجالاً كُنَّا نعدُّهم من الأشرارِ}؛ أي: كنَّا نزعُمُ أنَّهم من الأشرارِ المستحقِّين لعذاب النار، وهم المؤمنون، تَفَقَّدَهُم أهلُ النار قبَّحَهم الله؛ هل يَرَوْنَهم في النار؟ {63}{أتَّخَذۡناهُم سِخۡرِيًّا أم زاغَتۡ عنهُمُ الأبصارُ}؛ أي: عدم رؤيتنا لهم دائرٌ بين أمرينِ: إمَّا أنَّنا غالِطونَ في عدِّنا إيَّاهم من الأشرارِ، بل هم من الأخيارِ، وإنَّما كلامُنا لهم من باب السُّخرية والاستهزاء بهم، وهذا هو الواقع؛ كما قال تعالى لأهل النار:{إنَّه كان فريقٌ من عِبادي يقولون رَبَّنا آمَنَّا فاغۡفِرۡ لنا، وارۡحَمۡنا وأنت خيرُ الراحمين. فاتَّخَذۡتُموهم سِخۡريًّا حتى أنۡسَوۡكُم ذِكۡري وكنتُم منهم تضحكونَ}. والأمرُ الثاني: أنَّهم لعلَّهم زاغتْ أبصارُنا عن رؤيتهم معنا في العذاب، وإلاَّ؛ فهم معنا معذَّبون، ولكن تجاوزَتْهُم أبصارُنا! فيُحتمل أنَّ هذا الذي في قلوبهم، فتكون العقائدُ التي اعتقدوها في الدُّنيا وكثرة ما حكموا لأهل الإيمان بالنار تمكَّنتْ من قلوبِهم وصارتْ صبغةً لها، فدخلوا النار وهم بهذه الحالة، فقالوا ما قالوا. ويُحتمل أنَّ كلامَهم هذا كلامُ تمويهٍ؛ كما موَّهوا في الدُّنيا موَّهوا حتى في النار، ولهذا يقول أهلُ الأعراف لأهل النار:{أهؤلاء الذين أقۡسَمۡتُم لا ينالُهُمُ الله برحمةٍ، ادۡخُلوا الجنةَ لا خوفٌ عليكم ولا أنتم تحزنونَ}. {64} قال تعالى مؤكِّداً ما أخبر به، وهو أصدقُ القائلين:{إنَّ ذلك}: الذي ذكرتُ لكم {لَحَقٌّ}: ما فيه شكٌّ ولا مِرْيةٌ {تخاصُمُ أهل النارِ}.

ص 38:57

{55}{هذا} الجزاء للمتَّقين ما وصفناه، {وإنَّ للطَّاغين}؛ أي: للمتجاوزين للحدِّ في الكفر والمعاصي {لَشَرَّ مآبٍ}؛ أي: لشرَّ مرجع ومُنْقَلَبٍ. {56} ثم فَصَّلَه فقال: {جَهَنَّم}: التي جمع فيها كلَّ عذاب واشتدَّ حرُّها وانتهى قرُّها {يَصۡلَوۡنها}؛ أي: يعذَّبون فيها عذاباً يحيطُ بهم من كل وجهٍ، لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل. {فبئس المِهادُ}: المعدُّ لهم مسكناً ومستقرًّا. {57}{هذا}: المهاد، هذا العذاب الشديد والخزي والفضيحة والنَّكالُ. {فَلۡيَذوقوهُ حميمٌ}: ماءٌ حارٌّ قد اشتدَّ حرُّه، يشربونه فيقطِّع أمعاءهم، {وغَسَّاقٌ}: وهو أكرهُ ما يكون من الشرابِ من قيح وصديدٍ، مرِّ المذاق، كريه الرائحة. {58}{وآخرُ من شكلِهِ}؛ أي: من نوعه {أزواجٌ}؛ أي: عدَّة أصناف من أصناف العذاب، يعذَّبون بها ويُخْزَوْنَ بها. {59 ـ 60} وعند توارُدِهِم على النار يشتُمُ بعضُهم بعضاً ويقول بعضُهم لبعضٍ: {هذا فوجٌ مقتحمٌ معكم}: النار {لا مرحباً بهم إنَّهم صالوا النار. قالوا}؛ أي: الفوج المقبِلُ المقتحم: {بل أنتُم لا مرحباً بكم أنتم قدَّمۡتُموه}؛ أي: العذاب {لنا}: بدعوتِكُم لنا وفِتْنَتِكم وإضْلالِكُم وتسبُّبكم. {فبئس القرارُ}: قرار الجميع قرار السَّوْء والشرِّ. {61} ثم دعوا على المغوين لهم: {قالوا ربَّنا مَن قَدَّمَ لنا هذا فَزِدۡهُ عذاباً ضِعۡفاً في النارِ}. وقال في الآية الأخرى:{قال لِكُلٍّ ضعفٌ ولكن لا تعلمون}. {62}{وقالوا}: وهم في النار: {ما لَنا لا نرى رِجالاً كُنَّا نعدُّهم من الأشرارِ}؛ أي: كنَّا نزعُمُ أنَّهم من الأشرارِ المستحقِّين لعذاب النار، وهم المؤمنون، تَفَقَّدَهُم أهلُ النار قبَّحَهم الله؛ هل يَرَوْنَهم في النار؟ {63}{أتَّخَذۡناهُم سِخۡرِيًّا أم زاغَتۡ عنهُمُ الأبصارُ}؛ أي: عدم رؤيتنا لهم دائرٌ بين أمرينِ: إمَّا أنَّنا غالِطونَ في عدِّنا إيَّاهم من الأشرارِ، بل هم من الأخيارِ، وإنَّما كلامُنا لهم من باب السُّخرية والاستهزاء بهم، وهذا هو الواقع؛ كما قال تعالى لأهل النار:{إنَّه كان فريقٌ من عِبادي يقولون رَبَّنا آمَنَّا فاغۡفِرۡ لنا، وارۡحَمۡنا وأنت خيرُ الراحمين. فاتَّخَذۡتُموهم سِخۡريًّا حتى أنۡسَوۡكُم ذِكۡري وكنتُم منهم تضحكونَ}. والأمرُ الثاني: أنَّهم لعلَّهم زاغتْ أبصارُنا عن رؤيتهم معنا في العذاب، وإلاَّ؛ فهم معنا معذَّبون، ولكن تجاوزَتْهُم أبصارُنا! فيُحتمل أنَّ هذا الذي في قلوبهم، فتكون العقائدُ التي اعتقدوها في الدُّنيا وكثرة ما حكموا لأهل الإيمان بالنار تمكَّنتْ من قلوبِهم وصارتْ صبغةً لها، فدخلوا النار وهم بهذه الحالة، فقالوا ما قالوا. ويُحتمل أنَّ كلامَهم هذا كلامُ تمويهٍ؛ كما موَّهوا في الدُّنيا موَّهوا حتى في النار، ولهذا يقول أهلُ الأعراف لأهل النار:{أهؤلاء الذين أقۡسَمۡتُم لا ينالُهُمُ الله برحمةٍ، ادۡخُلوا الجنةَ لا خوفٌ عليكم ولا أنتم تحزنونَ}. {64} قال تعالى مؤكِّداً ما أخبر به، وهو أصدقُ القائلين:{إنَّ ذلك}: الذي ذكرتُ لكم {لَحَقٌّ}: ما فيه شكٌّ ولا مِرْيةٌ {تخاصُمُ أهل النارِ}.

ص 38:58

{55}{هذا} الجزاء للمتَّقين ما وصفناه، {وإنَّ للطَّاغين}؛ أي: للمتجاوزين للحدِّ في الكفر والمعاصي {لَشَرَّ مآبٍ}؛ أي: لشرَّ مرجع ومُنْقَلَبٍ. {56} ثم فَصَّلَه فقال: {جَهَنَّم}: التي جمع فيها كلَّ عذاب واشتدَّ حرُّها وانتهى قرُّها {يَصۡلَوۡنها}؛ أي: يعذَّبون فيها عذاباً يحيطُ بهم من كل وجهٍ، لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل. {فبئس المِهادُ}: المعدُّ لهم مسكناً ومستقرًّا. {57}{هذا}: المهاد، هذا العذاب الشديد والخزي والفضيحة والنَّكالُ. {فَلۡيَذوقوهُ حميمٌ}: ماءٌ حارٌّ قد اشتدَّ حرُّه، يشربونه فيقطِّع أمعاءهم، {وغَسَّاقٌ}: وهو أكرهُ ما يكون من الشرابِ من قيح وصديدٍ، مرِّ المذاق، كريه الرائحة. {58}{وآخرُ من شكلِهِ}؛ أي: من نوعه {أزواجٌ}؛ أي: عدَّة أصناف من أصناف العذاب، يعذَّبون بها ويُخْزَوْنَ بها. {59 ـ 60} وعند توارُدِهِم على النار يشتُمُ بعضُهم بعضاً ويقول بعضُهم لبعضٍ: {هذا فوجٌ مقتحمٌ معكم}: النار {لا مرحباً بهم إنَّهم صالوا النار. قالوا}؛ أي: الفوج المقبِلُ المقتحم: {بل أنتُم لا مرحباً بكم أنتم قدَّمۡتُموه}؛ أي: العذاب {لنا}: بدعوتِكُم لنا وفِتْنَتِكم وإضْلالِكُم وتسبُّبكم. {فبئس القرارُ}: قرار الجميع قرار السَّوْء والشرِّ. {61} ثم دعوا على المغوين لهم: {قالوا ربَّنا مَن قَدَّمَ لنا هذا فَزِدۡهُ عذاباً ضِعۡفاً في النارِ}. وقال في الآية الأخرى:{قال لِكُلٍّ ضعفٌ ولكن لا تعلمون}. {62}{وقالوا}: وهم في النار: {ما لَنا لا نرى رِجالاً كُنَّا نعدُّهم من الأشرارِ}؛ أي: كنَّا نزعُمُ أنَّهم من الأشرارِ المستحقِّين لعذاب النار، وهم المؤمنون، تَفَقَّدَهُم أهلُ النار قبَّحَهم الله؛ هل يَرَوْنَهم في النار؟ {63}{أتَّخَذۡناهُم سِخۡرِيًّا أم زاغَتۡ عنهُمُ الأبصارُ}؛ أي: عدم رؤيتنا لهم دائرٌ بين أمرينِ: إمَّا أنَّنا غالِطونَ في عدِّنا إيَّاهم من الأشرارِ، بل هم من الأخيارِ، وإنَّما كلامُنا لهم من باب السُّخرية والاستهزاء بهم، وهذا هو الواقع؛ كما قال تعالى لأهل النار:{إنَّه كان فريقٌ من عِبادي يقولون رَبَّنا آمَنَّا فاغۡفِرۡ لنا، وارۡحَمۡنا وأنت خيرُ الراحمين. فاتَّخَذۡتُموهم سِخۡريًّا حتى أنۡسَوۡكُم ذِكۡري وكنتُم منهم تضحكونَ}. والأمرُ الثاني: أنَّهم لعلَّهم زاغتْ أبصارُنا عن رؤيتهم معنا في العذاب، وإلاَّ؛ فهم معنا معذَّبون، ولكن تجاوزَتْهُم أبصارُنا! فيُحتمل أنَّ هذا الذي في قلوبهم، فتكون العقائدُ التي اعتقدوها في الدُّنيا وكثرة ما حكموا لأهل الإيمان بالنار تمكَّنتْ من قلوبِهم وصارتْ صبغةً لها، فدخلوا النار وهم بهذه الحالة، فقالوا ما قالوا. ويُحتمل أنَّ كلامَهم هذا كلامُ تمويهٍ؛ كما موَّهوا في الدُّنيا موَّهوا حتى في النار، ولهذا يقول أهلُ الأعراف لأهل النار:{أهؤلاء الذين أقۡسَمۡتُم لا ينالُهُمُ الله برحمةٍ، ادۡخُلوا الجنةَ لا خوفٌ عليكم ولا أنتم تحزنونَ}. {64} قال تعالى مؤكِّداً ما أخبر به، وهو أصدقُ القائلين:{إنَّ ذلك}: الذي ذكرتُ لكم {لَحَقٌّ}: ما فيه شكٌّ ولا مِرْيةٌ {تخاصُمُ أهل النارِ}.

ص 38:59

{55}{هذا} الجزاء للمتَّقين ما وصفناه، {وإنَّ للطَّاغين}؛ أي: للمتجاوزين للحدِّ في الكفر والمعاصي {لَشَرَّ مآبٍ}؛ أي: لشرَّ مرجع ومُنْقَلَبٍ. {56} ثم فَصَّلَه فقال: {جَهَنَّم}: التي جمع فيها كلَّ عذاب واشتدَّ حرُّها وانتهى قرُّها {يَصۡلَوۡنها}؛ أي: يعذَّبون فيها عذاباً يحيطُ بهم من كل وجهٍ، لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل. {فبئس المِهادُ}: المعدُّ لهم مسكناً ومستقرًّا. {57}{هذا}: المهاد، هذا العذاب الشديد والخزي والفضيحة والنَّكالُ. {فَلۡيَذوقوهُ حميمٌ}: ماءٌ حارٌّ قد اشتدَّ حرُّه، يشربونه فيقطِّع أمعاءهم، {وغَسَّاقٌ}: وهو أكرهُ ما يكون من الشرابِ من قيح وصديدٍ، مرِّ المذاق، كريه الرائحة. {58}{وآخرُ من شكلِهِ}؛ أي: من نوعه {أزواجٌ}؛ أي: عدَّة أصناف من أصناف العذاب، يعذَّبون بها ويُخْزَوْنَ بها. {59 ـ 60} وعند توارُدِهِم على النار يشتُمُ بعضُهم بعضاً ويقول بعضُهم لبعضٍ: {هذا فوجٌ مقتحمٌ معكم}: النار {لا مرحباً بهم إنَّهم صالوا النار. قالوا}؛ أي: الفوج المقبِلُ المقتحم: {بل أنتُم لا مرحباً بكم أنتم قدَّمۡتُموه}؛ أي: العذاب {لنا}: بدعوتِكُم لنا وفِتْنَتِكم وإضْلالِكُم وتسبُّبكم. {فبئس القرارُ}: قرار الجميع قرار السَّوْء والشرِّ. {61} ثم دعوا على المغوين لهم: {قالوا ربَّنا مَن قَدَّمَ لنا هذا فَزِدۡهُ عذاباً ضِعۡفاً في النارِ}. وقال في الآية الأخرى:{قال لِكُلٍّ ضعفٌ ولكن لا تعلمون}. {62}{وقالوا}: وهم في النار: {ما لَنا لا نرى رِجالاً كُنَّا نعدُّهم من الأشرارِ}؛ أي: كنَّا نزعُمُ أنَّهم من الأشرارِ المستحقِّين لعذاب النار، وهم المؤمنون، تَفَقَّدَهُم أهلُ النار قبَّحَهم الله؛ هل يَرَوْنَهم في النار؟ {63}{أتَّخَذۡناهُم سِخۡرِيًّا أم زاغَتۡ عنهُمُ الأبصارُ}؛ أي: عدم رؤيتنا لهم دائرٌ بين أمرينِ: إمَّا أنَّنا غالِطونَ في عدِّنا إيَّاهم من الأشرارِ، بل هم من الأخيارِ، وإنَّما كلامُنا لهم من باب السُّخرية والاستهزاء بهم، وهذا هو الواقع؛ كما قال تعالى لأهل النار:{إنَّه كان فريقٌ من عِبادي يقولون رَبَّنا آمَنَّا فاغۡفِرۡ لنا، وارۡحَمۡنا وأنت خيرُ الراحمين. فاتَّخَذۡتُموهم سِخۡريًّا حتى أنۡسَوۡكُم ذِكۡري وكنتُم منهم تضحكونَ}. والأمرُ الثاني: أنَّهم لعلَّهم زاغتْ أبصارُنا عن رؤيتهم معنا في العذاب، وإلاَّ؛ فهم معنا معذَّبون، ولكن تجاوزَتْهُم أبصارُنا! فيُحتمل أنَّ هذا الذي في قلوبهم، فتكون العقائدُ التي اعتقدوها في الدُّنيا وكثرة ما حكموا لأهل الإيمان بالنار تمكَّنتْ من قلوبِهم وصارتْ صبغةً لها، فدخلوا النار وهم بهذه الحالة، فقالوا ما قالوا. ويُحتمل أنَّ كلامَهم هذا كلامُ تمويهٍ؛ كما موَّهوا في الدُّنيا موَّهوا حتى في النار، ولهذا يقول أهلُ الأعراف لأهل النار:{أهؤلاء الذين أقۡسَمۡتُم لا ينالُهُمُ الله برحمةٍ، ادۡخُلوا الجنةَ لا خوفٌ عليكم ولا أنتم تحزنونَ}. {64} قال تعالى مؤكِّداً ما أخبر به، وهو أصدقُ القائلين:{إنَّ ذلك}: الذي ذكرتُ لكم {لَحَقٌّ}: ما فيه شكٌّ ولا مِرْيةٌ {تخاصُمُ أهل النارِ}.

ص 38:60

{55}{هذا} الجزاء للمتَّقين ما وصفناه، {وإنَّ للطَّاغين}؛ أي: للمتجاوزين للحدِّ في الكفر والمعاصي {لَشَرَّ مآبٍ}؛ أي: لشرَّ مرجع ومُنْقَلَبٍ. {56} ثم فَصَّلَه فقال: {جَهَنَّم}: التي جمع فيها كلَّ عذاب واشتدَّ حرُّها وانتهى قرُّها {يَصۡلَوۡنها}؛ أي: يعذَّبون فيها عذاباً يحيطُ بهم من كل وجهٍ، لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل. {فبئس المِهادُ}: المعدُّ لهم مسكناً ومستقرًّا. {57}{هذا}: المهاد، هذا العذاب الشديد والخزي والفضيحة والنَّكالُ. {فَلۡيَذوقوهُ حميمٌ}: ماءٌ حارٌّ قد اشتدَّ حرُّه، يشربونه فيقطِّع أمعاءهم، {وغَسَّاقٌ}: وهو أكرهُ ما يكون من الشرابِ من قيح وصديدٍ، مرِّ المذاق، كريه الرائحة. {58}{وآخرُ من شكلِهِ}؛ أي: من نوعه {أزواجٌ}؛ أي: عدَّة أصناف من أصناف العذاب، يعذَّبون بها ويُخْزَوْنَ بها. {59 ـ 60} وعند توارُدِهِم على النار يشتُمُ بعضُهم بعضاً ويقول بعضُهم لبعضٍ: {هذا فوجٌ مقتحمٌ معكم}: النار {لا مرحباً بهم إنَّهم صالوا النار. قالوا}؛ أي: الفوج المقبِلُ المقتحم: {بل أنتُم لا مرحباً بكم أنتم قدَّمۡتُموه}؛ أي: العذاب {لنا}: بدعوتِكُم لنا وفِتْنَتِكم وإضْلالِكُم وتسبُّبكم. {فبئس القرارُ}: قرار الجميع قرار السَّوْء والشرِّ. {61} ثم دعوا على المغوين لهم: {قالوا ربَّنا مَن قَدَّمَ لنا هذا فَزِدۡهُ عذاباً ضِعۡفاً في النارِ}. وقال في الآية الأخرى:{قال لِكُلٍّ ضعفٌ ولكن لا تعلمون}. {62}{وقالوا}: وهم في النار: {ما لَنا لا نرى رِجالاً كُنَّا نعدُّهم من الأشرارِ}؛ أي: كنَّا نزعُمُ أنَّهم من الأشرارِ المستحقِّين لعذاب النار، وهم المؤمنون، تَفَقَّدَهُم أهلُ النار قبَّحَهم الله؛ هل يَرَوْنَهم في النار؟ {63}{أتَّخَذۡناهُم سِخۡرِيًّا أم زاغَتۡ عنهُمُ الأبصارُ}؛ أي: عدم رؤيتنا لهم دائرٌ بين أمرينِ: إمَّا أنَّنا غالِطونَ في عدِّنا إيَّاهم من الأشرارِ، بل هم من الأخيارِ، وإنَّما كلامُنا لهم من باب السُّخرية والاستهزاء بهم، وهذا هو الواقع؛ كما قال تعالى لأهل النار:{إنَّه كان فريقٌ من عِبادي يقولون رَبَّنا آمَنَّا فاغۡفِرۡ لنا، وارۡحَمۡنا وأنت خيرُ الراحمين. فاتَّخَذۡتُموهم سِخۡريًّا حتى أنۡسَوۡكُم ذِكۡري وكنتُم منهم تضحكونَ}. والأمرُ الثاني: أنَّهم لعلَّهم زاغتْ أبصارُنا عن رؤيتهم معنا في العذاب، وإلاَّ؛ فهم معنا معذَّبون، ولكن تجاوزَتْهُم أبصارُنا! فيُحتمل أنَّ هذا الذي في قلوبهم، فتكون العقائدُ التي اعتقدوها في الدُّنيا وكثرة ما حكموا لأهل الإيمان بالنار تمكَّنتْ من قلوبِهم وصارتْ صبغةً لها، فدخلوا النار وهم بهذه الحالة، فقالوا ما قالوا. ويُحتمل أنَّ كلامَهم هذا كلامُ تمويهٍ؛ كما موَّهوا في الدُّنيا موَّهوا حتى في النار، ولهذا يقول أهلُ الأعراف لأهل النار:{أهؤلاء الذين أقۡسَمۡتُم لا ينالُهُمُ الله برحمةٍ، ادۡخُلوا الجنةَ لا خوفٌ عليكم ولا أنتم تحزنونَ}. {64} قال تعالى مؤكِّداً ما أخبر به، وهو أصدقُ القائلين:{إنَّ ذلك}: الذي ذكرتُ لكم {لَحَقٌّ}: ما فيه شكٌّ ولا مِرْيةٌ {تخاصُمُ أهل النارِ}.

ص 38:61

{55}{هذا} الجزاء للمتَّقين ما وصفناه، {وإنَّ للطَّاغين}؛ أي: للمتجاوزين للحدِّ في الكفر والمعاصي {لَشَرَّ مآبٍ}؛ أي: لشرَّ مرجع ومُنْقَلَبٍ. {56} ثم فَصَّلَه فقال: {جَهَنَّم}: التي جمع فيها كلَّ عذاب واشتدَّ حرُّها وانتهى قرُّها {يَصۡلَوۡنها}؛ أي: يعذَّبون فيها عذاباً يحيطُ بهم من كل وجهٍ، لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل. {فبئس المِهادُ}: المعدُّ لهم مسكناً ومستقرًّا. {57}{هذا}: المهاد، هذا العذاب الشديد والخزي والفضيحة والنَّكالُ. {فَلۡيَذوقوهُ حميمٌ}: ماءٌ حارٌّ قد اشتدَّ حرُّه، يشربونه فيقطِّع أمعاءهم، {وغَسَّاقٌ}: وهو أكرهُ ما يكون من الشرابِ من قيح وصديدٍ، مرِّ المذاق، كريه الرائحة. {58}{وآخرُ من شكلِهِ}؛ أي: من نوعه {أزواجٌ}؛ أي: عدَّة أصناف من أصناف العذاب، يعذَّبون بها ويُخْزَوْنَ بها. {59 ـ 60} وعند توارُدِهِم على النار يشتُمُ بعضُهم بعضاً ويقول بعضُهم لبعضٍ: {هذا فوجٌ مقتحمٌ معكم}: النار {لا مرحباً بهم إنَّهم صالوا النار. قالوا}؛ أي: الفوج المقبِلُ المقتحم: {بل أنتُم لا مرحباً بكم أنتم قدَّمۡتُموه}؛ أي: العذاب {لنا}: بدعوتِكُم لنا وفِتْنَتِكم وإضْلالِكُم وتسبُّبكم. {فبئس القرارُ}: قرار الجميع قرار السَّوْء والشرِّ. {61} ثم دعوا على المغوين لهم: {قالوا ربَّنا مَن قَدَّمَ لنا هذا فَزِدۡهُ عذاباً ضِعۡفاً في النارِ}. وقال في الآية الأخرى:{قال لِكُلٍّ ضعفٌ ولكن لا تعلمون}. {62}{وقالوا}: وهم في النار: {ما لَنا لا نرى رِجالاً كُنَّا نعدُّهم من الأشرارِ}؛ أي: كنَّا نزعُمُ أنَّهم من الأشرارِ المستحقِّين لعذاب النار، وهم المؤمنون، تَفَقَّدَهُم أهلُ النار قبَّحَهم الله؛ هل يَرَوْنَهم في النار؟ {63}{أتَّخَذۡناهُم سِخۡرِيًّا أم زاغَتۡ عنهُمُ الأبصارُ}؛ أي: عدم رؤيتنا لهم دائرٌ بين أمرينِ: إمَّا أنَّنا غالِطونَ في عدِّنا إيَّاهم من الأشرارِ، بل هم من الأخيارِ، وإنَّما كلامُنا لهم من باب السُّخرية والاستهزاء بهم، وهذا هو الواقع؛ كما قال تعالى لأهل النار:{إنَّه كان فريقٌ من عِبادي يقولون رَبَّنا آمَنَّا فاغۡفِرۡ لنا، وارۡحَمۡنا وأنت خيرُ الراحمين. فاتَّخَذۡتُموهم سِخۡريًّا حتى أنۡسَوۡكُم ذِكۡري وكنتُم منهم تضحكونَ}. والأمرُ الثاني: أنَّهم لعلَّهم زاغتْ أبصارُنا عن رؤيتهم معنا في العذاب، وإلاَّ؛ فهم معنا معذَّبون، ولكن تجاوزَتْهُم أبصارُنا! فيُحتمل أنَّ هذا الذي في قلوبهم، فتكون العقائدُ التي اعتقدوها في الدُّنيا وكثرة ما حكموا لأهل الإيمان بالنار تمكَّنتْ من قلوبِهم وصارتْ صبغةً لها، فدخلوا النار وهم بهذه الحالة، فقالوا ما قالوا. ويُحتمل أنَّ كلامَهم هذا كلامُ تمويهٍ؛ كما موَّهوا في الدُّنيا موَّهوا حتى في النار، ولهذا يقول أهلُ الأعراف لأهل النار:{أهؤلاء الذين أقۡسَمۡتُم لا ينالُهُمُ الله برحمةٍ، ادۡخُلوا الجنةَ لا خوفٌ عليكم ولا أنتم تحزنونَ}. {64} قال تعالى مؤكِّداً ما أخبر به، وهو أصدقُ القائلين:{إنَّ ذلك}: الذي ذكرتُ لكم {لَحَقٌّ}: ما فيه شكٌّ ولا مِرْيةٌ {تخاصُمُ أهل النارِ}.

ص 38:62

{55}{هذا} الجزاء للمتَّقين ما وصفناه، {وإنَّ للطَّاغين}؛ أي: للمتجاوزين للحدِّ في الكفر والمعاصي {لَشَرَّ مآبٍ}؛ أي: لشرَّ مرجع ومُنْقَلَبٍ. {56} ثم فَصَّلَه فقال: {جَهَنَّم}: التي جمع فيها كلَّ عذاب واشتدَّ حرُّها وانتهى قرُّها {يَصۡلَوۡنها}؛ أي: يعذَّبون فيها عذاباً يحيطُ بهم من كل وجهٍ، لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل. {فبئس المِهادُ}: المعدُّ لهم مسكناً ومستقرًّا. {57}{هذا}: المهاد، هذا العذاب الشديد والخزي والفضيحة والنَّكالُ. {فَلۡيَذوقوهُ حميمٌ}: ماءٌ حارٌّ قد اشتدَّ حرُّه، يشربونه فيقطِّع أمعاءهم، {وغَسَّاقٌ}: وهو أكرهُ ما يكون من الشرابِ من قيح وصديدٍ، مرِّ المذاق، كريه الرائحة. {58}{وآخرُ من شكلِهِ}؛ أي: من نوعه {أزواجٌ}؛ أي: عدَّة أصناف من أصناف العذاب، يعذَّبون بها ويُخْزَوْنَ بها. {59 ـ 60} وعند توارُدِهِم على النار يشتُمُ بعضُهم بعضاً ويقول بعضُهم لبعضٍ: {هذا فوجٌ مقتحمٌ معكم}: النار {لا مرحباً بهم إنَّهم صالوا النار. قالوا}؛ أي: الفوج المقبِلُ المقتحم: {بل أنتُم لا مرحباً بكم أنتم قدَّمۡتُموه}؛ أي: العذاب {لنا}: بدعوتِكُم لنا وفِتْنَتِكم وإضْلالِكُم وتسبُّبكم. {فبئس القرارُ}: قرار الجميع قرار السَّوْء والشرِّ. {61} ثم دعوا على المغوين لهم: {قالوا ربَّنا مَن قَدَّمَ لنا هذا فَزِدۡهُ عذاباً ضِعۡفاً في النارِ}. وقال في الآية الأخرى:{قال لِكُلٍّ ضعفٌ ولكن لا تعلمون}. {62}{وقالوا}: وهم في النار: {ما لَنا لا نرى رِجالاً كُنَّا نعدُّهم من الأشرارِ}؛ أي: كنَّا نزعُمُ أنَّهم من الأشرارِ المستحقِّين لعذاب النار، وهم المؤمنون، تَفَقَّدَهُم أهلُ النار قبَّحَهم الله؛ هل يَرَوْنَهم في النار؟ {63}{أتَّخَذۡناهُم سِخۡرِيًّا أم زاغَتۡ عنهُمُ الأبصارُ}؛ أي: عدم رؤيتنا لهم دائرٌ بين أمرينِ: إمَّا أنَّنا غالِطونَ في عدِّنا إيَّاهم من الأشرارِ، بل هم من الأخيارِ، وإنَّما كلامُنا لهم من باب السُّخرية والاستهزاء بهم، وهذا هو الواقع؛ كما قال تعالى لأهل النار:{إنَّه كان فريقٌ من عِبادي يقولون رَبَّنا آمَنَّا فاغۡفِرۡ لنا، وارۡحَمۡنا وأنت خيرُ الراحمين. فاتَّخَذۡتُموهم سِخۡريًّا حتى أنۡسَوۡكُم ذِكۡري وكنتُم منهم تضحكونَ}. والأمرُ الثاني: أنَّهم لعلَّهم زاغتْ أبصارُنا عن رؤيتهم معنا في العذاب، وإلاَّ؛ فهم معنا معذَّبون، ولكن تجاوزَتْهُم أبصارُنا! فيُحتمل أنَّ هذا الذي في قلوبهم، فتكون العقائدُ التي اعتقدوها في الدُّنيا وكثرة ما حكموا لأهل الإيمان بالنار تمكَّنتْ من قلوبِهم وصارتْ صبغةً لها، فدخلوا النار وهم بهذه الحالة، فقالوا ما قالوا. ويُحتمل أنَّ كلامَهم هذا كلامُ تمويهٍ؛ كما موَّهوا في الدُّنيا موَّهوا حتى في النار، ولهذا يقول أهلُ الأعراف لأهل النار:{أهؤلاء الذين أقۡسَمۡتُم لا ينالُهُمُ الله برحمةٍ، ادۡخُلوا الجنةَ لا خوفٌ عليكم ولا أنتم تحزنونَ}. {64} قال تعالى مؤكِّداً ما أخبر به، وهو أصدقُ القائلين:{إنَّ ذلك}: الذي ذكرتُ لكم {لَحَقٌّ}: ما فيه شكٌّ ولا مِرْيةٌ {تخاصُمُ أهل النارِ}.

ص 38:63

{55}{هذا} الجزاء للمتَّقين ما وصفناه، {وإنَّ للطَّاغين}؛ أي: للمتجاوزين للحدِّ في الكفر والمعاصي {لَشَرَّ مآبٍ}؛ أي: لشرَّ مرجع ومُنْقَلَبٍ. {56} ثم فَصَّلَه فقال: {جَهَنَّم}: التي جمع فيها كلَّ عذاب واشتدَّ حرُّها وانتهى قرُّها {يَصۡلَوۡنها}؛ أي: يعذَّبون فيها عذاباً يحيطُ بهم من كل وجهٍ، لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل. {فبئس المِهادُ}: المعدُّ لهم مسكناً ومستقرًّا. {57}{هذا}: المهاد، هذا العذاب الشديد والخزي والفضيحة والنَّكالُ. {فَلۡيَذوقوهُ حميمٌ}: ماءٌ حارٌّ قد اشتدَّ حرُّه، يشربونه فيقطِّع أمعاءهم، {وغَسَّاقٌ}: وهو أكرهُ ما يكون من الشرابِ من قيح وصديدٍ، مرِّ المذاق، كريه الرائحة. {58}{وآخرُ من شكلِهِ}؛ أي: من نوعه {أزواجٌ}؛ أي: عدَّة أصناف من أصناف العذاب، يعذَّبون بها ويُخْزَوْنَ بها. {59 ـ 60} وعند توارُدِهِم على النار يشتُمُ بعضُهم بعضاً ويقول بعضُهم لبعضٍ: {هذا فوجٌ مقتحمٌ معكم}: النار {لا مرحباً بهم إنَّهم صالوا النار. قالوا}؛ أي: الفوج المقبِلُ المقتحم: {بل أنتُم لا مرحباً بكم أنتم قدَّمۡتُموه}؛ أي: العذاب {لنا}: بدعوتِكُم لنا وفِتْنَتِكم وإضْلالِكُم وتسبُّبكم. {فبئس القرارُ}: قرار الجميع قرار السَّوْء والشرِّ. {61} ثم دعوا على المغوين لهم: {قالوا ربَّنا مَن قَدَّمَ لنا هذا فَزِدۡهُ عذاباً ضِعۡفاً في النارِ}. وقال في الآية الأخرى:{قال لِكُلٍّ ضعفٌ ولكن لا تعلمون}. {62}{وقالوا}: وهم في النار: {ما لَنا لا نرى رِجالاً كُنَّا نعدُّهم من الأشرارِ}؛ أي: كنَّا نزعُمُ أنَّهم من الأشرارِ المستحقِّين لعذاب النار، وهم المؤمنون، تَفَقَّدَهُم أهلُ النار قبَّحَهم الله؛ هل يَرَوْنَهم في النار؟ {63}{أتَّخَذۡناهُم سِخۡرِيًّا أم زاغَتۡ عنهُمُ الأبصارُ}؛ أي: عدم رؤيتنا لهم دائرٌ بين أمرينِ: إمَّا أنَّنا غالِطونَ في عدِّنا إيَّاهم من الأشرارِ، بل هم من الأخيارِ، وإنَّما كلامُنا لهم من باب السُّخرية والاستهزاء بهم، وهذا هو الواقع؛ كما قال تعالى لأهل النار:{إنَّه كان فريقٌ من عِبادي يقولون رَبَّنا آمَنَّا فاغۡفِرۡ لنا، وارۡحَمۡنا وأنت خيرُ الراحمين. فاتَّخَذۡتُموهم سِخۡريًّا حتى أنۡسَوۡكُم ذِكۡري وكنتُم منهم تضحكونَ}. والأمرُ الثاني: أنَّهم لعلَّهم زاغتْ أبصارُنا عن رؤيتهم معنا في العذاب، وإلاَّ؛ فهم معنا معذَّبون، ولكن تجاوزَتْهُم أبصارُنا! فيُحتمل أنَّ هذا الذي في قلوبهم، فتكون العقائدُ التي اعتقدوها في الدُّنيا وكثرة ما حكموا لأهل الإيمان بالنار تمكَّنتْ من قلوبِهم وصارتْ صبغةً لها، فدخلوا النار وهم بهذه الحالة، فقالوا ما قالوا. ويُحتمل أنَّ كلامَهم هذا كلامُ تمويهٍ؛ كما موَّهوا في الدُّنيا موَّهوا حتى في النار، ولهذا يقول أهلُ الأعراف لأهل النار:{أهؤلاء الذين أقۡسَمۡتُم لا ينالُهُمُ الله برحمةٍ، ادۡخُلوا الجنةَ لا خوفٌ عليكم ولا أنتم تحزنونَ}. {64} قال تعالى مؤكِّداً ما أخبر به، وهو أصدقُ القائلين:{إنَّ ذلك}: الذي ذكرتُ لكم {لَحَقٌّ}: ما فيه شكٌّ ولا مِرْيةٌ {تخاصُمُ أهل النارِ}.

ص 38:64

{55}{هذا} الجزاء للمتَّقين ما وصفناه، {وإنَّ للطَّاغين}؛ أي: للمتجاوزين للحدِّ في الكفر والمعاصي {لَشَرَّ مآبٍ}؛ أي: لشرَّ مرجع ومُنْقَلَبٍ. {56} ثم فَصَّلَه فقال: {جَهَنَّم}: التي جمع فيها كلَّ عذاب واشتدَّ حرُّها وانتهى قرُّها {يَصۡلَوۡنها}؛ أي: يعذَّبون فيها عذاباً يحيطُ بهم من كل وجهٍ، لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل. {فبئس المِهادُ}: المعدُّ لهم مسكناً ومستقرًّا. {57}{هذا}: المهاد، هذا العذاب الشديد والخزي والفضيحة والنَّكالُ. {فَلۡيَذوقوهُ حميمٌ}: ماءٌ حارٌّ قد اشتدَّ حرُّه، يشربونه فيقطِّع أمعاءهم، {وغَسَّاقٌ}: وهو أكرهُ ما يكون من الشرابِ من قيح وصديدٍ، مرِّ المذاق، كريه الرائحة. {58}{وآخرُ من شكلِهِ}؛ أي: من نوعه {أزواجٌ}؛ أي: عدَّة أصناف من أصناف العذاب، يعذَّبون بها ويُخْزَوْنَ بها. {59 ـ 60} وعند توارُدِهِم على النار يشتُمُ بعضُهم بعضاً ويقول بعضُهم لبعضٍ: {هذا فوجٌ مقتحمٌ معكم}: النار {لا مرحباً بهم إنَّهم صالوا النار. قالوا}؛ أي: الفوج المقبِلُ المقتحم: {بل أنتُم لا مرحباً بكم أنتم قدَّمۡتُموه}؛ أي: العذاب {لنا}: بدعوتِكُم لنا وفِتْنَتِكم وإضْلالِكُم وتسبُّبكم. {فبئس القرارُ}: قرار الجميع قرار السَّوْء والشرِّ. {61} ثم دعوا على المغوين لهم: {قالوا ربَّنا مَن قَدَّمَ لنا هذا فَزِدۡهُ عذاباً ضِعۡفاً في النارِ}. وقال في الآية الأخرى:{قال لِكُلٍّ ضعفٌ ولكن لا تعلمون}. {62}{وقالوا}: وهم في النار: {ما لَنا لا نرى رِجالاً كُنَّا نعدُّهم من الأشرارِ}؛ أي: كنَّا نزعُمُ أنَّهم من الأشرارِ المستحقِّين لعذاب النار، وهم المؤمنون، تَفَقَّدَهُم أهلُ النار قبَّحَهم الله؛ هل يَرَوْنَهم في النار؟ {63}{أتَّخَذۡناهُم سِخۡرِيًّا أم زاغَتۡ عنهُمُ الأبصارُ}؛ أي: عدم رؤيتنا لهم دائرٌ بين أمرينِ: إمَّا أنَّنا غالِطونَ في عدِّنا إيَّاهم من الأشرارِ، بل هم من الأخيارِ، وإنَّما كلامُنا لهم من باب السُّخرية والاستهزاء بهم، وهذا هو الواقع؛ كما قال تعالى لأهل النار:{إنَّه كان فريقٌ من عِبادي يقولون رَبَّنا آمَنَّا فاغۡفِرۡ لنا، وارۡحَمۡنا وأنت خيرُ الراحمين. فاتَّخَذۡتُموهم سِخۡريًّا حتى أنۡسَوۡكُم ذِكۡري وكنتُم منهم تضحكونَ}. والأمرُ الثاني: أنَّهم لعلَّهم زاغتْ أبصارُنا عن رؤيتهم معنا في العذاب، وإلاَّ؛ فهم معنا معذَّبون، ولكن تجاوزَتْهُم أبصارُنا! فيُحتمل أنَّ هذا الذي في قلوبهم، فتكون العقائدُ التي اعتقدوها في الدُّنيا وكثرة ما حكموا لأهل الإيمان بالنار تمكَّنتْ من قلوبِهم وصارتْ صبغةً لها، فدخلوا النار وهم بهذه الحالة، فقالوا ما قالوا. ويُحتمل أنَّ كلامَهم هذا كلامُ تمويهٍ؛ كما موَّهوا في الدُّنيا موَّهوا حتى في النار، ولهذا يقول أهلُ الأعراف لأهل النار:{أهؤلاء الذين أقۡسَمۡتُم لا ينالُهُمُ الله برحمةٍ، ادۡخُلوا الجنةَ لا خوفٌ عليكم ولا أنتم تحزنونَ}. {64} قال تعالى مؤكِّداً ما أخبر به، وهو أصدقُ القائلين:{إنَّ ذلك}: الذي ذكرتُ لكم {لَحَقٌّ}: ما فيه شكٌّ ولا مِرْيةٌ {تخاصُمُ أهل النارِ}.

ص 38:65

{65}{قل}: يا أيُّها الرسولُ لهؤلاء المكذِّبين إنْ طَلَبوا منك ما ليس لك ولا بيدِكَ: {إنَّما أنا منذرٌ}: هذا نهايةُ ما عندي، وأمَّا الأمرُ؛ فلله تعالى، ولكني آمرُكُم وأنهاكُم وأحثُّكم على الخير وأزجُرُكم عن الشرِّ؛ فمنِ اهتدى فلنفسِهِ، ومن ضلَّ فعليها. {وما مِنۡ إلهٍ إلاَّ الله}؛ أي: ما أحدٌ يؤلَّه ويُعبدُ بحقِّ إلاَّ الله، {الواحدُ القهارُ}: هذا تقريرٌ لألوهيَّته بهذا البرهان القاطع، وهو وحدتُه تعالى وقهرُه لكلِّ شيء؛ فإنَّ القهر ملازمٌ للوحدة؛ فلا يكون قهّارَيْنِ متساوِيَيْنِ في قهرهما أبداً، فالذي يقهر جميع الأشياءِ هو الواحدُ الذي لا نظير له، وهو الذي يستحقُّ أن يُعْبَدَ وحدَه كما كان قاهراً وحدَه. {66} وقرَّر ذلك أيضاً بتوحيد الربوبيَّة، فقال:{ربُّ السمواتِ والأرضِ وما بينَهما}؛ أي: خالقُهما ومربِّيهما ومدبِّرُهما بجميع أنواع التدابير، {العزيزُ}: الذي له القوة التي بها خَلَقَ المخلوقاتِ العظيمة. {الغفَّارُ}: لجميع الذنوب؛ صغيرها وكبيرها، لمن تاب إليه وأقلع منها. فهذا الذي يحبُّ، ويستحقُّ أن يُعْبَدَ دونَ مَنْ لا يخلُق، ولا يرزُق ولا يضرُّ، ولا ينفعُ، ولا يملِكُ من الأمر شيئاً، وليس له قوَّةُ الاقتدار، ولا بيدِهِ مغفرةُ الذُّنوب والأوزار. {67 ـ 68}{قل}: لهم مخوفاً ومحذِّراً ومنهضاً لهم ومنذراً: {هو نبأٌ عظيمٌ}؛ أي: ما أنبأتُكم به من البعث والنشور والجزاء على الأعمال خبرٌ عظيم ينبغي الاهتمام الشديد بشأنه، ولا ينبغي إغفالُه. ولكنْ {أنتُم عنه معرِضونَ}: كأنَّه ليس أمامكم حسابٌ ولا عقابٌ ولا ثوابٌ. {69 ـ 70} فإنْ شَكَكْتُم في قولي وامْتَرَيْتُم في خبري؛ فإني أخبركم بأخبارٍ لا علم لي بها ولا دَرَسْتُها في كتاب؛ فإخباري بها على وجهها من غير زيادةٍ ولا نقصٍ أكبرُ شاهدٍ لصدقي وأدلُّ دليل على حقِّ ما جئتُكم به، ولهذا قال:{ما كان لي من علم بالملأ الأعلى}؛ أي: الملائكة؛ {إذۡ يَخۡتَصِمونَ}؛ لولا تعليم الله إيَّاي وإيحاؤه إليَّ، ولهذا قال:{إن يوحى إليَّ إلاَّ أنَّما أنا نذيرٌ مبينٌ}؛ أي: ظاهر النذارة جليُّها؛ فلا نذير أبلغ من نذارتِهِ - صلى الله عليه وسلم -. {71 ـ 72} ثم ذَكَرَ اختصام الملأ الأعلى، فقال:{إذ قال ربُّك للملائكة}: على وجه الإخبارِ، {إنِّي خالقٌ بشراً من طينٍ}؛ أي: مادَّتُه من طين، {فإذا سَوَّيۡتُهُ}؛ أي: سويت جسمه وتمَّ، {ونفختُ فيه من روحي فَقَعوا له ساجدينَ}. {73 ـ 74} فوطَّن الملائكةُ الكرامُ أنفسَهم على ذلك حين يتمُّ خلقُهُ ونفخُ الروح فيه امتثالاً لربِّهم وإكراماً لآدم عليه السلام، فلما تمَّ خلقُه في بدنِهِ وروحِهِ، وامتحنَ الله آدمَ والملائكةَ في العلم، وظهر فضلُه عليهم؛ أمرهم الله بالسجودِ، فسجدوا {كلُّهم أجمعون، إلاَّ إبليسَ}: لم يسجد، {استَكۡبَرَ}: عن أمر ربِّه، واستكبر على آدم، {وكان من الكافرينَ}: في علم الله تعالى. {75} فقال اللهُ له موبِّخاً ومعاتباً: {ما مَنَعَكَ أن تسجدَ لما خلقتُ بيديَّ}؛ أي: شرَّفْتُه وكرَّمْتُه واختصصتُه بهذه الخصيصة التي اختصَّ بها عن سائر الخلق، وذلك يقتضي عدم التكبُّر عليه. {أستكبرتَ}: في امتناعِك {أم كنتَ من العالينَ}. {76}{قال} إبليسُ معارضاً لربِّه مناقضاً: {أنا خيرٌ منه خَلَقۡتَني من نارٍ وخَلَقۡتَهُ من طين}: وبزعمِهِ أنَّ عنصر النار خيرٌ من عنصر الطين، وهذا من القياس الفاسدِ؛ فإنَّ عنصرَ النار مادَّةُ الشرِّ والفساد والعلوِّ والطيش والخفَّة، وعنصرُ الطِّين مادَّةُ الرزانة والتواضُع وإخراج أنواع الأشجارِ والنباتات، وهو يغلِبُ النار ويطفِئُها، والنارُ تحتاج إلى مادَّةٍ تقومُ بها والطينُ قائمٌ بنفسِهِ. فهذا قياسُ شيخ القوم، الذي عارض به الأمر الشفاهيَّ من الله، قد تبيَّن غايةُ بطلانِهِ وفسادِهِ؛ فما بالُك بأقيسةِ التلاميذ الذين عارضوا الحقَّ بأقْيِسَتِهِم؛ فإنَّها كلَّها أعظمُ بطلاناً وفساداً من هذا القياس. {77 ـ 78} فقال الله له: اخرج {منها}؛ أي: من السماء والمحلِّ الكريم، {فإنَّك رجيمٌ}؛ أي: مبعد مدحور، {وإنَّ عليك لعنتي} أي: طردي وإبعادي {إلى يوم الدين}: دائماً أبداً. {79}{قال ربِّ فأنظِرۡني إلى يوم يبعثون}: لشدَّة عداوتِهِ لآدمَ وذرَّيَّته؛ ليتمكَّن من إغواء مَنْ قَدَّرَ الله أن يُغْوِيَه. {80 ـ 81} فـ {قال} الله مجيباً لدعوتِهِ حيث اقتضتْ حكمتُهُ ذلك: {إنَّكَ من المُنۡظَرين. إلى يوم الوقتِ المعلوم}: حين تُسْتَكْمَلُ الذريَّةُ، ويتمُّ الامتحان. {82 ـ 83} فلما علم أنه مُنْظَرٌ؛ بادى ربَّه من خبثه بشدَّة العداوةِ لربِّه ولآدم وذُرِّيَّتِهِ، فقال:{فبعزَّتِك لأغۡوِيَنَّهُم أجمعينَ}: يُحتمل أنَّ الباء للقسم، وأنَّه أقسم بعزَّةِ الله ليغوينَّهم كلَّهم أجمعين {إلاَّ عبادك منهم المخلَصين}: علم أنَّ الله سيحفظُهم من كيدِهِ. ويُحتمل أنَّ الباء للاستعانة، وأنَّه لما علم أنه عاجزٌ من كل وجهٍ، وأنه لا يضلُّ أحداً إلاَّ بمشيئة الله تعالى، فاستعانَ بعزَّةِ الله على إغواءِ ذُرِّيَّةِ آدمَ. هذا وهو عدوُّ الله حقًّا، ونحن يا ربَّنا العاجزونَ المقصرونَ، المقرُّونَ لك بكل نعمةٍ، ذُرِّيَّةُ من شَرَّفْتَه وكرَّمْتَه؛ فنستعين بعزَّتك العظيمة، وقدرتك، ورحمتك الواسعة لكلِّ مخلوق، ورحمتك التي أوصلتَ إلينا بها ما أوصلتَ من النعم الدينيَّة والدنيويَّة، وصرفتَ بها ما عنَّا صرفتَ من النِّقم، أن تعينَنا على محاربتِهِ وعداوتِهِ والسلامة من شرِّه وشركِهِ، ونحسنُ الظَّنَّ بك أن تجيبَ دعاءنا، ونؤمنُ بوعدِك الذي قلت لنا:{وقال ربُّكم ادۡعوني أسۡتَجِبۡ لكُم}؛ فقد دَعَوْناك كما أمَرْتَنا، فاستجِبْ لنا كما وَعَدْتَنا. {إنَّك لا تُخۡلِفُ الميعاد}. {84 ـ 85}{قال} الله تعالى: {فالحقُّ والحقَّ أقولُ}؛ أي: الحقُّ وصفي والحقُّ قولي، {لأملأنَّ جهنَّم منك ومِمَّن تَبِعَكَ منهم أجمعينَ}. {86} فلما بيَّنَ الرسول للناس الدليلَ، ووضَّح لهم السبيلَ؛ قال الله له:{قل ما أسألُكُم عليه}؛ أي: على دعائي إياكم {من أجرٍ وما أنا من المتكلِّفين}: أدَّعي أمراً ليس لي، وأقفو ما ليس لي به علمٌ، لا أتَّبِعُ إلاَّ ما يُوحى إليَّ. {87}{إنۡ هو}؛ أي: هذا الوحي والقرآن {إلاَّ ذِكۡرٌ للعالَمين}: يتذكَّرون به كلَّ ما ينفعُهم من مصالح دينهم ودُنياهم، فيكون شرفاً ورفعةً للعالمين به وإقامةَ حجَّة على المعاندين. فهذه السورة العظيمة مشتملةٌ على الذِّكْر الحكيم، والنبأ العظيم، وإقامةِ الحُجَج والبراهين على مَنْ كذَّب بالقرآن، وعارَضَه، وكذَّب مَنْ جاء به، والإخبار عن عباد الله المخلَصين، وجزاء المتَّقين والطاغين؛ فلهذا أقسم في أولها بأنَّه ذو الذِّكْر، ووصفه في آخرها بأنَّه ذِكْرٌ للعالمين، وأكثَرَ التَّذْكيرَ بها فيما بين ذلك؛ كقوله:{واذۡكُرۡ عَبۡدَنا}، {واذۡكُرۡ عِبَادَنا}، {رحمةً منّا وذِكۡرى}، {هذا ذكرٌ}. اللهمَّ علِّمْنا منه ما جهلنا، وذكِّرْنا منه ما نَسينا نِسيانَ غفلةٍ ونسيان تركٍ. {88}{ولَتَعۡلَمُنَّ نبأه}؛ أي: خبره {بعد حينٍ}: وذلك حين يقع عليهم العذابُ، وتتقطَّع عنهم الأسبابُ. تم تفسير سورة ص بمنِّه تعالى وعونه. * * *

ص 38:66

{65}{قل}: يا أيُّها الرسولُ لهؤلاء المكذِّبين إنْ طَلَبوا منك ما ليس لك ولا بيدِكَ: {إنَّما أنا منذرٌ}: هذا نهايةُ ما عندي، وأمَّا الأمرُ؛ فلله تعالى، ولكني آمرُكُم وأنهاكُم وأحثُّكم على الخير وأزجُرُكم عن الشرِّ؛ فمنِ اهتدى فلنفسِهِ، ومن ضلَّ فعليها. {وما مِنۡ إلهٍ إلاَّ الله}؛ أي: ما أحدٌ يؤلَّه ويُعبدُ بحقِّ إلاَّ الله، {الواحدُ القهارُ}: هذا تقريرٌ لألوهيَّته بهذا البرهان القاطع، وهو وحدتُه تعالى وقهرُه لكلِّ شيء؛ فإنَّ القهر ملازمٌ للوحدة؛ فلا يكون قهّارَيْنِ متساوِيَيْنِ في قهرهما أبداً، فالذي يقهر جميع الأشياءِ هو الواحدُ الذي لا نظير له، وهو الذي يستحقُّ أن يُعْبَدَ وحدَه كما كان قاهراً وحدَه. {66} وقرَّر ذلك أيضاً بتوحيد الربوبيَّة، فقال:{ربُّ السمواتِ والأرضِ وما بينَهما}؛ أي: خالقُهما ومربِّيهما ومدبِّرُهما بجميع أنواع التدابير، {العزيزُ}: الذي له القوة التي بها خَلَقَ المخلوقاتِ العظيمة. {الغفَّارُ}: لجميع الذنوب؛ صغيرها وكبيرها، لمن تاب إليه وأقلع منها. فهذا الذي يحبُّ، ويستحقُّ أن يُعْبَدَ دونَ مَنْ لا يخلُق، ولا يرزُق ولا يضرُّ، ولا ينفعُ، ولا يملِكُ من الأمر شيئاً، وليس له قوَّةُ الاقتدار، ولا بيدِهِ مغفرةُ الذُّنوب والأوزار. {67 ـ 68}{قل}: لهم مخوفاً ومحذِّراً ومنهضاً لهم ومنذراً: {هو نبأٌ عظيمٌ}؛ أي: ما أنبأتُكم به من البعث والنشور والجزاء على الأعمال خبرٌ عظيم ينبغي الاهتمام الشديد بشأنه، ولا ينبغي إغفالُه. ولكنْ {أنتُم عنه معرِضونَ}: كأنَّه ليس أمامكم حسابٌ ولا عقابٌ ولا ثوابٌ. {69 ـ 70} فإنْ شَكَكْتُم في قولي وامْتَرَيْتُم في خبري؛ فإني أخبركم بأخبارٍ لا علم لي بها ولا دَرَسْتُها في كتاب؛ فإخباري بها على وجهها من غير زيادةٍ ولا نقصٍ أكبرُ شاهدٍ لصدقي وأدلُّ دليل على حقِّ ما جئتُكم به، ولهذا قال:{ما كان لي من علم بالملأ الأعلى}؛ أي: الملائكة؛ {إذۡ يَخۡتَصِمونَ}؛ لولا تعليم الله إيَّاي وإيحاؤه إليَّ، ولهذا قال:{إن يوحى إليَّ إلاَّ أنَّما أنا نذيرٌ مبينٌ}؛ أي: ظاهر النذارة جليُّها؛ فلا نذير أبلغ من نذارتِهِ - صلى الله عليه وسلم -. {71 ـ 72} ثم ذَكَرَ اختصام الملأ الأعلى، فقال:{إذ قال ربُّك للملائكة}: على وجه الإخبارِ، {إنِّي خالقٌ بشراً من طينٍ}؛ أي: مادَّتُه من طين، {فإذا سَوَّيۡتُهُ}؛ أي: سويت جسمه وتمَّ، {ونفختُ فيه من روحي فَقَعوا له ساجدينَ}. {73 ـ 74} فوطَّن الملائكةُ الكرامُ أنفسَهم على ذلك حين يتمُّ خلقُهُ ونفخُ الروح فيه امتثالاً لربِّهم وإكراماً لآدم عليه السلام، فلما تمَّ خلقُه في بدنِهِ وروحِهِ، وامتحنَ الله آدمَ والملائكةَ في العلم، وظهر فضلُه عليهم؛ أمرهم الله بالسجودِ، فسجدوا {كلُّهم أجمعون، إلاَّ إبليسَ}: لم يسجد، {استَكۡبَرَ}: عن أمر ربِّه، واستكبر على آدم، {وكان من الكافرينَ}: في علم الله تعالى. {75} فقال اللهُ له موبِّخاً ومعاتباً: {ما مَنَعَكَ أن تسجدَ لما خلقتُ بيديَّ}؛ أي: شرَّفْتُه وكرَّمْتُه واختصصتُه بهذه الخصيصة التي اختصَّ بها عن سائر الخلق، وذلك يقتضي عدم التكبُّر عليه. {أستكبرتَ}: في امتناعِك {أم كنتَ من العالينَ}. {76}{قال} إبليسُ معارضاً لربِّه مناقضاً: {أنا خيرٌ منه خَلَقۡتَني من نارٍ وخَلَقۡتَهُ من طين}: وبزعمِهِ أنَّ عنصر النار خيرٌ من عنصر الطين، وهذا من القياس الفاسدِ؛ فإنَّ عنصرَ النار مادَّةُ الشرِّ والفساد والعلوِّ والطيش والخفَّة، وعنصرُ الطِّين مادَّةُ الرزانة والتواضُع وإخراج أنواع الأشجارِ والنباتات، وهو يغلِبُ النار ويطفِئُها، والنارُ تحتاج إلى مادَّةٍ تقومُ بها والطينُ قائمٌ بنفسِهِ. فهذا قياسُ شيخ القوم، الذي عارض به الأمر الشفاهيَّ من الله، قد تبيَّن غايةُ بطلانِهِ وفسادِهِ؛ فما بالُك بأقيسةِ التلاميذ الذين عارضوا الحقَّ بأقْيِسَتِهِم؛ فإنَّها كلَّها أعظمُ بطلاناً وفساداً من هذا القياس. {77 ـ 78} فقال الله له: اخرج {منها}؛ أي: من السماء والمحلِّ الكريم، {فإنَّك رجيمٌ}؛ أي: مبعد مدحور، {وإنَّ عليك لعنتي} أي: طردي وإبعادي {إلى يوم الدين}: دائماً أبداً. {79}{قال ربِّ فأنظِرۡني إلى يوم يبعثون}: لشدَّة عداوتِهِ لآدمَ وذرَّيَّته؛ ليتمكَّن من إغواء مَنْ قَدَّرَ الله أن يُغْوِيَه. {80 ـ 81} فـ {قال} الله مجيباً لدعوتِهِ حيث اقتضتْ حكمتُهُ ذلك: {إنَّكَ من المُنۡظَرين. إلى يوم الوقتِ المعلوم}: حين تُسْتَكْمَلُ الذريَّةُ، ويتمُّ الامتحان. {82 ـ 83} فلما علم أنه مُنْظَرٌ؛ بادى ربَّه من خبثه بشدَّة العداوةِ لربِّه ولآدم وذُرِّيَّتِهِ، فقال:{فبعزَّتِك لأغۡوِيَنَّهُم أجمعينَ}: يُحتمل أنَّ الباء للقسم، وأنَّه أقسم بعزَّةِ الله ليغوينَّهم كلَّهم أجمعين {إلاَّ عبادك منهم المخلَصين}: علم أنَّ الله سيحفظُهم من كيدِهِ. ويُحتمل أنَّ الباء للاستعانة، وأنَّه لما علم أنه عاجزٌ من كل وجهٍ، وأنه لا يضلُّ أحداً إلاَّ بمشيئة الله تعالى، فاستعانَ بعزَّةِ الله على إغواءِ ذُرِّيَّةِ آدمَ. هذا وهو عدوُّ الله حقًّا، ونحن يا ربَّنا العاجزونَ المقصرونَ، المقرُّونَ لك بكل نعمةٍ، ذُرِّيَّةُ من شَرَّفْتَه وكرَّمْتَه؛ فنستعين بعزَّتك العظيمة، وقدرتك، ورحمتك الواسعة لكلِّ مخلوق، ورحمتك التي أوصلتَ إلينا بها ما أوصلتَ من النعم الدينيَّة والدنيويَّة، وصرفتَ بها ما عنَّا صرفتَ من النِّقم، أن تعينَنا على محاربتِهِ وعداوتِهِ والسلامة من شرِّه وشركِهِ، ونحسنُ الظَّنَّ بك أن تجيبَ دعاءنا، ونؤمنُ بوعدِك الذي قلت لنا:{وقال ربُّكم ادۡعوني أسۡتَجِبۡ لكُم}؛ فقد دَعَوْناك كما أمَرْتَنا، فاستجِبْ لنا كما وَعَدْتَنا. {إنَّك لا تُخۡلِفُ الميعاد}. {84 ـ 85}{قال} الله تعالى: {فالحقُّ والحقَّ أقولُ}؛ أي: الحقُّ وصفي والحقُّ قولي، {لأملأنَّ جهنَّم منك ومِمَّن تَبِعَكَ منهم أجمعينَ}. {86} فلما بيَّنَ الرسول للناس الدليلَ، ووضَّح لهم السبيلَ؛ قال الله له:{قل ما أسألُكُم عليه}؛ أي: على دعائي إياكم {من أجرٍ وما أنا من المتكلِّفين}: أدَّعي أمراً ليس لي، وأقفو ما ليس لي به علمٌ، لا أتَّبِعُ إلاَّ ما يُوحى إليَّ. {87}{إنۡ هو}؛ أي: هذا الوحي والقرآن {إلاَّ ذِكۡرٌ للعالَمين}: يتذكَّرون به كلَّ ما ينفعُهم من مصالح دينهم ودُنياهم، فيكون شرفاً ورفعةً للعالمين به وإقامةَ حجَّة على المعاندين. فهذه السورة العظيمة مشتملةٌ على الذِّكْر الحكيم، والنبأ العظيم، وإقامةِ الحُجَج والبراهين على مَنْ كذَّب بالقرآن، وعارَضَه، وكذَّب مَنْ جاء به، والإخبار عن عباد الله المخلَصين، وجزاء المتَّقين والطاغين؛ فلهذا أقسم في أولها بأنَّه ذو الذِّكْر، ووصفه في آخرها بأنَّه ذِكْرٌ للعالمين، وأكثَرَ التَّذْكيرَ بها فيما بين ذلك؛ كقوله:{واذۡكُرۡ عَبۡدَنا}، {واذۡكُرۡ عِبَادَنا}، {رحمةً منّا وذِكۡرى}، {هذا ذكرٌ}. اللهمَّ علِّمْنا منه ما جهلنا، وذكِّرْنا منه ما نَسينا نِسيانَ غفلةٍ ونسيان تركٍ. {88}{ولَتَعۡلَمُنَّ نبأه}؛ أي: خبره {بعد حينٍ}: وذلك حين يقع عليهم العذابُ، وتتقطَّع عنهم الأسبابُ. تم تفسير سورة ص بمنِّه تعالى وعونه. * * *

ص 38:67

{65}{قل}: يا أيُّها الرسولُ لهؤلاء المكذِّبين إنْ طَلَبوا منك ما ليس لك ولا بيدِكَ: {إنَّما أنا منذرٌ}: هذا نهايةُ ما عندي، وأمَّا الأمرُ؛ فلله تعالى، ولكني آمرُكُم وأنهاكُم وأحثُّكم على الخير وأزجُرُكم عن الشرِّ؛ فمنِ اهتدى فلنفسِهِ، ومن ضلَّ فعليها. {وما مِنۡ إلهٍ إلاَّ الله}؛ أي: ما أحدٌ يؤلَّه ويُعبدُ بحقِّ إلاَّ الله، {الواحدُ القهارُ}: هذا تقريرٌ لألوهيَّته بهذا البرهان القاطع، وهو وحدتُه تعالى وقهرُه لكلِّ شيء؛ فإنَّ القهر ملازمٌ للوحدة؛ فلا يكون قهّارَيْنِ متساوِيَيْنِ في قهرهما أبداً، فالذي يقهر جميع الأشياءِ هو الواحدُ الذي لا نظير له، وهو الذي يستحقُّ أن يُعْبَدَ وحدَه كما كان قاهراً وحدَه. {66} وقرَّر ذلك أيضاً بتوحيد الربوبيَّة، فقال:{ربُّ السمواتِ والأرضِ وما بينَهما}؛ أي: خالقُهما ومربِّيهما ومدبِّرُهما بجميع أنواع التدابير، {العزيزُ}: الذي له القوة التي بها خَلَقَ المخلوقاتِ العظيمة. {الغفَّارُ}: لجميع الذنوب؛ صغيرها وكبيرها، لمن تاب إليه وأقلع منها. فهذا الذي يحبُّ، ويستحقُّ أن يُعْبَدَ دونَ مَنْ لا يخلُق، ولا يرزُق ولا يضرُّ، ولا ينفعُ، ولا يملِكُ من الأمر شيئاً، وليس له قوَّةُ الاقتدار، ولا بيدِهِ مغفرةُ الذُّنوب والأوزار. {67 ـ 68}{قل}: لهم مخوفاً ومحذِّراً ومنهضاً لهم ومنذراً: {هو نبأٌ عظيمٌ}؛ أي: ما أنبأتُكم به من البعث والنشور والجزاء على الأعمال خبرٌ عظيم ينبغي الاهتمام الشديد بشأنه، ولا ينبغي إغفالُه. ولكنْ {أنتُم عنه معرِضونَ}: كأنَّه ليس أمامكم حسابٌ ولا عقابٌ ولا ثوابٌ. {69 ـ 70} فإنْ شَكَكْتُم في قولي وامْتَرَيْتُم في خبري؛ فإني أخبركم بأخبارٍ لا علم لي بها ولا دَرَسْتُها في كتاب؛ فإخباري بها على وجهها من غير زيادةٍ ولا نقصٍ أكبرُ شاهدٍ لصدقي وأدلُّ دليل على حقِّ ما جئتُكم به، ولهذا قال:{ما كان لي من علم بالملأ الأعلى}؛ أي: الملائكة؛ {إذۡ يَخۡتَصِمونَ}؛ لولا تعليم الله إيَّاي وإيحاؤه إليَّ، ولهذا قال:{إن يوحى إليَّ إلاَّ أنَّما أنا نذيرٌ مبينٌ}؛ أي: ظاهر النذارة جليُّها؛ فلا نذير أبلغ من نذارتِهِ - صلى الله عليه وسلم -. {71 ـ 72} ثم ذَكَرَ اختصام الملأ الأعلى، فقال:{إذ قال ربُّك للملائكة}: على وجه الإخبارِ، {إنِّي خالقٌ بشراً من طينٍ}؛ أي: مادَّتُه من طين، {فإذا سَوَّيۡتُهُ}؛ أي: سويت جسمه وتمَّ، {ونفختُ فيه من روحي فَقَعوا له ساجدينَ}. {73 ـ 74} فوطَّن الملائكةُ الكرامُ أنفسَهم على ذلك حين يتمُّ خلقُهُ ونفخُ الروح فيه امتثالاً لربِّهم وإكراماً لآدم عليه السلام، فلما تمَّ خلقُه في بدنِهِ وروحِهِ، وامتحنَ الله آدمَ والملائكةَ في العلم، وظهر فضلُه عليهم؛ أمرهم الله بالسجودِ، فسجدوا {كلُّهم أجمعون، إلاَّ إبليسَ}: لم يسجد، {استَكۡبَرَ}: عن أمر ربِّه، واستكبر على آدم، {وكان من الكافرينَ}: في علم الله تعالى. {75} فقال اللهُ له موبِّخاً ومعاتباً: {ما مَنَعَكَ أن تسجدَ لما خلقتُ بيديَّ}؛ أي: شرَّفْتُه وكرَّمْتُه واختصصتُه بهذه الخصيصة التي اختصَّ بها عن سائر الخلق، وذلك يقتضي عدم التكبُّر عليه. {أستكبرتَ}: في امتناعِك {أم كنتَ من العالينَ}. {76}{قال} إبليسُ معارضاً لربِّه مناقضاً: {أنا خيرٌ منه خَلَقۡتَني من نارٍ وخَلَقۡتَهُ من طين}: وبزعمِهِ أنَّ عنصر النار خيرٌ من عنصر الطين، وهذا من القياس الفاسدِ؛ فإنَّ عنصرَ النار مادَّةُ الشرِّ والفساد والعلوِّ والطيش والخفَّة، وعنصرُ الطِّين مادَّةُ الرزانة والتواضُع وإخراج أنواع الأشجارِ والنباتات، وهو يغلِبُ النار ويطفِئُها، والنارُ تحتاج إلى مادَّةٍ تقومُ بها والطينُ قائمٌ بنفسِهِ. فهذا قياسُ شيخ القوم، الذي عارض به الأمر الشفاهيَّ من الله، قد تبيَّن غايةُ بطلانِهِ وفسادِهِ؛ فما بالُك بأقيسةِ التلاميذ الذين عارضوا الحقَّ بأقْيِسَتِهِم؛ فإنَّها كلَّها أعظمُ بطلاناً وفساداً من هذا القياس. {77 ـ 78} فقال الله له: اخرج {منها}؛ أي: من السماء والمحلِّ الكريم، {فإنَّك رجيمٌ}؛ أي: مبعد مدحور، {وإنَّ عليك لعنتي} أي: طردي وإبعادي {إلى يوم الدين}: دائماً أبداً. {79}{قال ربِّ فأنظِرۡني إلى يوم يبعثون}: لشدَّة عداوتِهِ لآدمَ وذرَّيَّته؛ ليتمكَّن من إغواء مَنْ قَدَّرَ الله أن يُغْوِيَه. {80 ـ 81} فـ {قال} الله مجيباً لدعوتِهِ حيث اقتضتْ حكمتُهُ ذلك: {إنَّكَ من المُنۡظَرين. إلى يوم الوقتِ المعلوم}: حين تُسْتَكْمَلُ الذريَّةُ، ويتمُّ الامتحان. {82 ـ 83} فلما علم أنه مُنْظَرٌ؛ بادى ربَّه من خبثه بشدَّة العداوةِ لربِّه ولآدم وذُرِّيَّتِهِ، فقال:{فبعزَّتِك لأغۡوِيَنَّهُم أجمعينَ}: يُحتمل أنَّ الباء للقسم، وأنَّه أقسم بعزَّةِ الله ليغوينَّهم كلَّهم أجمعين {إلاَّ عبادك منهم المخلَصين}: علم أنَّ الله سيحفظُهم من كيدِهِ. ويُحتمل أنَّ الباء للاستعانة، وأنَّه لما علم أنه عاجزٌ من كل وجهٍ، وأنه لا يضلُّ أحداً إلاَّ بمشيئة الله تعالى، فاستعانَ بعزَّةِ الله على إغواءِ ذُرِّيَّةِ آدمَ. هذا وهو عدوُّ الله حقًّا، ونحن يا ربَّنا العاجزونَ المقصرونَ، المقرُّونَ لك بكل نعمةٍ، ذُرِّيَّةُ من شَرَّفْتَه وكرَّمْتَه؛ فنستعين بعزَّتك العظيمة، وقدرتك، ورحمتك الواسعة لكلِّ مخلوق، ورحمتك التي أوصلتَ إلينا بها ما أوصلتَ من النعم الدينيَّة والدنيويَّة، وصرفتَ بها ما عنَّا صرفتَ من النِّقم، أن تعينَنا على محاربتِهِ وعداوتِهِ والسلامة من شرِّه وشركِهِ، ونحسنُ الظَّنَّ بك أن تجيبَ دعاءنا، ونؤمنُ بوعدِك الذي قلت لنا:{وقال ربُّكم ادۡعوني أسۡتَجِبۡ لكُم}؛ فقد دَعَوْناك كما أمَرْتَنا، فاستجِبْ لنا كما وَعَدْتَنا. {إنَّك لا تُخۡلِفُ الميعاد}. {84 ـ 85}{قال} الله تعالى: {فالحقُّ والحقَّ أقولُ}؛ أي: الحقُّ وصفي والحقُّ قولي، {لأملأنَّ جهنَّم منك ومِمَّن تَبِعَكَ منهم أجمعينَ}. {86} فلما بيَّنَ الرسول للناس الدليلَ، ووضَّح لهم السبيلَ؛ قال الله له:{قل ما أسألُكُم عليه}؛ أي: على دعائي إياكم {من أجرٍ وما أنا من المتكلِّفين}: أدَّعي أمراً ليس لي، وأقفو ما ليس لي به علمٌ، لا أتَّبِعُ إلاَّ ما يُوحى إليَّ. {87}{إنۡ هو}؛ أي: هذا الوحي والقرآن {إلاَّ ذِكۡرٌ للعالَمين}: يتذكَّرون به كلَّ ما ينفعُهم من مصالح دينهم ودُنياهم، فيكون شرفاً ورفعةً للعالمين به وإقامةَ حجَّة على المعاندين. فهذه السورة العظيمة مشتملةٌ على الذِّكْر الحكيم، والنبأ العظيم، وإقامةِ الحُجَج والبراهين على مَنْ كذَّب بالقرآن، وعارَضَه، وكذَّب مَنْ جاء به، والإخبار عن عباد الله المخلَصين، وجزاء المتَّقين والطاغين؛ فلهذا أقسم في أولها بأنَّه ذو الذِّكْر، ووصفه في آخرها بأنَّه ذِكْرٌ للعالمين، وأكثَرَ التَّذْكيرَ بها فيما بين ذلك؛ كقوله:{واذۡكُرۡ عَبۡدَنا}، {واذۡكُرۡ عِبَادَنا}، {رحمةً منّا وذِكۡرى}، {هذا ذكرٌ}. اللهمَّ علِّمْنا منه ما جهلنا، وذكِّرْنا منه ما نَسينا نِسيانَ غفلةٍ ونسيان تركٍ. {88}{ولَتَعۡلَمُنَّ نبأه}؛ أي: خبره {بعد حينٍ}: وذلك حين يقع عليهم العذابُ، وتتقطَّع عنهم الأسبابُ. تم تفسير سورة ص بمنِّه تعالى وعونه. * * *

ص 38:68

{65}{قل}: يا أيُّها الرسولُ لهؤلاء المكذِّبين إنْ طَلَبوا منك ما ليس لك ولا بيدِكَ: {إنَّما أنا منذرٌ}: هذا نهايةُ ما عندي، وأمَّا الأمرُ؛ فلله تعالى، ولكني آمرُكُم وأنهاكُم وأحثُّكم على الخير وأزجُرُكم عن الشرِّ؛ فمنِ اهتدى فلنفسِهِ، ومن ضلَّ فعليها. {وما مِنۡ إلهٍ إلاَّ الله}؛ أي: ما أحدٌ يؤلَّه ويُعبدُ بحقِّ إلاَّ الله، {الواحدُ القهارُ}: هذا تقريرٌ لألوهيَّته بهذا البرهان القاطع، وهو وحدتُه تعالى وقهرُه لكلِّ شيء؛ فإنَّ القهر ملازمٌ للوحدة؛ فلا يكون قهّارَيْنِ متساوِيَيْنِ في قهرهما أبداً، فالذي يقهر جميع الأشياءِ هو الواحدُ الذي لا نظير له، وهو الذي يستحقُّ أن يُعْبَدَ وحدَه كما كان قاهراً وحدَه. {66} وقرَّر ذلك أيضاً بتوحيد الربوبيَّة، فقال:{ربُّ السمواتِ والأرضِ وما بينَهما}؛ أي: خالقُهما ومربِّيهما ومدبِّرُهما بجميع أنواع التدابير، {العزيزُ}: الذي له القوة التي بها خَلَقَ المخلوقاتِ العظيمة. {الغفَّارُ}: لجميع الذنوب؛ صغيرها وكبيرها، لمن تاب إليه وأقلع منها. فهذا الذي يحبُّ، ويستحقُّ أن يُعْبَدَ دونَ مَنْ لا يخلُق، ولا يرزُق ولا يضرُّ، ولا ينفعُ، ولا يملِكُ من الأمر شيئاً، وليس له قوَّةُ الاقتدار، ولا بيدِهِ مغفرةُ الذُّنوب والأوزار. {67 ـ 68}{قل}: لهم مخوفاً ومحذِّراً ومنهضاً لهم ومنذراً: {هو نبأٌ عظيمٌ}؛ أي: ما أنبأتُكم به من البعث والنشور والجزاء على الأعمال خبرٌ عظيم ينبغي الاهتمام الشديد بشأنه، ولا ينبغي إغفالُه. ولكنْ {أنتُم عنه معرِضونَ}: كأنَّه ليس أمامكم حسابٌ ولا عقابٌ ولا ثوابٌ. {69 ـ 70} فإنْ شَكَكْتُم في قولي وامْتَرَيْتُم في خبري؛ فإني أخبركم بأخبارٍ لا علم لي بها ولا دَرَسْتُها في كتاب؛ فإخباري بها على وجهها من غير زيادةٍ ولا نقصٍ أكبرُ شاهدٍ لصدقي وأدلُّ دليل على حقِّ ما جئتُكم به، ولهذا قال:{ما كان لي من علم بالملأ الأعلى}؛ أي: الملائكة؛ {إذۡ يَخۡتَصِمونَ}؛ لولا تعليم الله إيَّاي وإيحاؤه إليَّ، ولهذا قال:{إن يوحى إليَّ إلاَّ أنَّما أنا نذيرٌ مبينٌ}؛ أي: ظاهر النذارة جليُّها؛ فلا نذير أبلغ من نذارتِهِ - صلى الله عليه وسلم -. {71 ـ 72} ثم ذَكَرَ اختصام الملأ الأعلى، فقال:{إذ قال ربُّك للملائكة}: على وجه الإخبارِ، {إنِّي خالقٌ بشراً من طينٍ}؛ أي: مادَّتُه من طين، {فإذا سَوَّيۡتُهُ}؛ أي: سويت جسمه وتمَّ، {ونفختُ فيه من روحي فَقَعوا له ساجدينَ}. {73 ـ 74} فوطَّن الملائكةُ الكرامُ أنفسَهم على ذلك حين يتمُّ خلقُهُ ونفخُ الروح فيه امتثالاً لربِّهم وإكراماً لآدم عليه السلام، فلما تمَّ خلقُه في بدنِهِ وروحِهِ، وامتحنَ الله آدمَ والملائكةَ في العلم، وظهر فضلُه عليهم؛ أمرهم الله بالسجودِ، فسجدوا {كلُّهم أجمعون، إلاَّ إبليسَ}: لم يسجد، {استَكۡبَرَ}: عن أمر ربِّه، واستكبر على آدم، {وكان من الكافرينَ}: في علم الله تعالى. {75} فقال اللهُ له موبِّخاً ومعاتباً: {ما مَنَعَكَ أن تسجدَ لما خلقتُ بيديَّ}؛ أي: شرَّفْتُه وكرَّمْتُه واختصصتُه بهذه الخصيصة التي اختصَّ بها عن سائر الخلق، وذلك يقتضي عدم التكبُّر عليه. {أستكبرتَ}: في امتناعِك {أم كنتَ من العالينَ}. {76}{قال} إبليسُ معارضاً لربِّه مناقضاً: {أنا خيرٌ منه خَلَقۡتَني من نارٍ وخَلَقۡتَهُ من طين}: وبزعمِهِ أنَّ عنصر النار خيرٌ من عنصر الطين، وهذا من القياس الفاسدِ؛ فإنَّ عنصرَ النار مادَّةُ الشرِّ والفساد والعلوِّ والطيش والخفَّة، وعنصرُ الطِّين مادَّةُ الرزانة والتواضُع وإخراج أنواع الأشجارِ والنباتات، وهو يغلِبُ النار ويطفِئُها، والنارُ تحتاج إلى مادَّةٍ تقومُ بها والطينُ قائمٌ بنفسِهِ. فهذا قياسُ شيخ القوم، الذي عارض به الأمر الشفاهيَّ من الله، قد تبيَّن غايةُ بطلانِهِ وفسادِهِ؛ فما بالُك بأقيسةِ التلاميذ الذين عارضوا الحقَّ بأقْيِسَتِهِم؛ فإنَّها كلَّها أعظمُ بطلاناً وفساداً من هذا القياس. {77 ـ 78} فقال الله له: اخرج {منها}؛ أي: من السماء والمحلِّ الكريم، {فإنَّك رجيمٌ}؛ أي: مبعد مدحور، {وإنَّ عليك لعنتي} أي: طردي وإبعادي {إلى يوم الدين}: دائماً أبداً. {79}{قال ربِّ فأنظِرۡني إلى يوم يبعثون}: لشدَّة عداوتِهِ لآدمَ وذرَّيَّته؛ ليتمكَّن من إغواء مَنْ قَدَّرَ الله أن يُغْوِيَه. {80 ـ 81} فـ {قال} الله مجيباً لدعوتِهِ حيث اقتضتْ حكمتُهُ ذلك: {إنَّكَ من المُنۡظَرين. إلى يوم الوقتِ المعلوم}: حين تُسْتَكْمَلُ الذريَّةُ، ويتمُّ الامتحان. {82 ـ 83} فلما علم أنه مُنْظَرٌ؛ بادى ربَّه من خبثه بشدَّة العداوةِ لربِّه ولآدم وذُرِّيَّتِهِ، فقال:{فبعزَّتِك لأغۡوِيَنَّهُم أجمعينَ}: يُحتمل أنَّ الباء للقسم، وأنَّه أقسم بعزَّةِ الله ليغوينَّهم كلَّهم أجمعين {إلاَّ عبادك منهم المخلَصين}: علم أنَّ الله سيحفظُهم من كيدِهِ. ويُحتمل أنَّ الباء للاستعانة، وأنَّه لما علم أنه عاجزٌ من كل وجهٍ، وأنه لا يضلُّ أحداً إلاَّ بمشيئة الله تعالى، فاستعانَ بعزَّةِ الله على إغواءِ ذُرِّيَّةِ آدمَ. هذا وهو عدوُّ الله حقًّا، ونحن يا ربَّنا العاجزونَ المقصرونَ، المقرُّونَ لك بكل نعمةٍ، ذُرِّيَّةُ من شَرَّفْتَه وكرَّمْتَه؛ فنستعين بعزَّتك العظيمة، وقدرتك، ورحمتك الواسعة لكلِّ مخلوق، ورحمتك التي أوصلتَ إلينا بها ما أوصلتَ من النعم الدينيَّة والدنيويَّة، وصرفتَ بها ما عنَّا صرفتَ من النِّقم، أن تعينَنا على محاربتِهِ وعداوتِهِ والسلامة من شرِّه وشركِهِ، ونحسنُ الظَّنَّ بك أن تجيبَ دعاءنا، ونؤمنُ بوعدِك الذي قلت لنا:{وقال ربُّكم ادۡعوني أسۡتَجِبۡ لكُم}؛ فقد دَعَوْناك كما أمَرْتَنا، فاستجِبْ لنا كما وَعَدْتَنا. {إنَّك لا تُخۡلِفُ الميعاد}. {84 ـ 85}{قال} الله تعالى: {فالحقُّ والحقَّ أقولُ}؛ أي: الحقُّ وصفي والحقُّ قولي، {لأملأنَّ جهنَّم منك ومِمَّن تَبِعَكَ منهم أجمعينَ}. {86} فلما بيَّنَ الرسول للناس الدليلَ، ووضَّح لهم السبيلَ؛ قال الله له:{قل ما أسألُكُم عليه}؛ أي: على دعائي إياكم {من أجرٍ وما أنا من المتكلِّفين}: أدَّعي أمراً ليس لي، وأقفو ما ليس لي به علمٌ، لا أتَّبِعُ إلاَّ ما يُوحى إليَّ. {87}{إنۡ هو}؛ أي: هذا الوحي والقرآن {إلاَّ ذِكۡرٌ للعالَمين}: يتذكَّرون به كلَّ ما ينفعُهم من مصالح دينهم ودُنياهم، فيكون شرفاً ورفعةً للعالمين به وإقامةَ حجَّة على المعاندين. فهذه السورة العظيمة مشتملةٌ على الذِّكْر الحكيم، والنبأ العظيم، وإقامةِ الحُجَج والبراهين على مَنْ كذَّب بالقرآن، وعارَضَه، وكذَّب مَنْ جاء به، والإخبار عن عباد الله المخلَصين، وجزاء المتَّقين والطاغين؛ فلهذا أقسم في أولها بأنَّه ذو الذِّكْر، ووصفه في آخرها بأنَّه ذِكْرٌ للعالمين، وأكثَرَ التَّذْكيرَ بها فيما بين ذلك؛ كقوله:{واذۡكُرۡ عَبۡدَنا}، {واذۡكُرۡ عِبَادَنا}، {رحمةً منّا وذِكۡرى}، {هذا ذكرٌ}. اللهمَّ علِّمْنا منه ما جهلنا، وذكِّرْنا منه ما نَسينا نِسيانَ غفلةٍ ونسيان تركٍ. {88}{ولَتَعۡلَمُنَّ نبأه}؛ أي: خبره {بعد حينٍ}: وذلك حين يقع عليهم العذابُ، وتتقطَّع عنهم الأسبابُ. تم تفسير سورة ص بمنِّه تعالى وعونه. * * *

ص 38:69

{65}{قل}: يا أيُّها الرسولُ لهؤلاء المكذِّبين إنْ طَلَبوا منك ما ليس لك ولا بيدِكَ: {إنَّما أنا منذرٌ}: هذا نهايةُ ما عندي، وأمَّا الأمرُ؛ فلله تعالى، ولكني آمرُكُم وأنهاكُم وأحثُّكم على الخير وأزجُرُكم عن الشرِّ؛ فمنِ اهتدى فلنفسِهِ، ومن ضلَّ فعليها. {وما مِنۡ إلهٍ إلاَّ الله}؛ أي: ما أحدٌ يؤلَّه ويُعبدُ بحقِّ إلاَّ الله، {الواحدُ القهارُ}: هذا تقريرٌ لألوهيَّته بهذا البرهان القاطع، وهو وحدتُه تعالى وقهرُه لكلِّ شيء؛ فإنَّ القهر ملازمٌ للوحدة؛ فلا يكون قهّارَيْنِ متساوِيَيْنِ في قهرهما أبداً، فالذي يقهر جميع الأشياءِ هو الواحدُ الذي لا نظير له، وهو الذي يستحقُّ أن يُعْبَدَ وحدَه كما كان قاهراً وحدَه. {66} وقرَّر ذلك أيضاً بتوحيد الربوبيَّة، فقال:{ربُّ السمواتِ والأرضِ وما بينَهما}؛ أي: خالقُهما ومربِّيهما ومدبِّرُهما بجميع أنواع التدابير، {العزيزُ}: الذي له القوة التي بها خَلَقَ المخلوقاتِ العظيمة. {الغفَّارُ}: لجميع الذنوب؛ صغيرها وكبيرها، لمن تاب إليه وأقلع منها. فهذا الذي يحبُّ، ويستحقُّ أن يُعْبَدَ دونَ مَنْ لا يخلُق، ولا يرزُق ولا يضرُّ، ولا ينفعُ، ولا يملِكُ من الأمر شيئاً، وليس له قوَّةُ الاقتدار، ولا بيدِهِ مغفرةُ الذُّنوب والأوزار. {67 ـ 68}{قل}: لهم مخوفاً ومحذِّراً ومنهضاً لهم ومنذراً: {هو نبأٌ عظيمٌ}؛ أي: ما أنبأتُكم به من البعث والنشور والجزاء على الأعمال خبرٌ عظيم ينبغي الاهتمام الشديد بشأنه، ولا ينبغي إغفالُه. ولكنْ {أنتُم عنه معرِضونَ}: كأنَّه ليس أمامكم حسابٌ ولا عقابٌ ولا ثوابٌ. {69 ـ 70} فإنْ شَكَكْتُم في قولي وامْتَرَيْتُم في خبري؛ فإني أخبركم بأخبارٍ لا علم لي بها ولا دَرَسْتُها في كتاب؛ فإخباري بها على وجهها من غير زيادةٍ ولا نقصٍ أكبرُ شاهدٍ لصدقي وأدلُّ دليل على حقِّ ما جئتُكم به، ولهذا قال:{ما كان لي من علم بالملأ الأعلى}؛ أي: الملائكة؛ {إذۡ يَخۡتَصِمونَ}؛ لولا تعليم الله إيَّاي وإيحاؤه إليَّ، ولهذا قال:{إن يوحى إليَّ إلاَّ أنَّما أنا نذيرٌ مبينٌ}؛ أي: ظاهر النذارة جليُّها؛ فلا نذير أبلغ من نذارتِهِ - صلى الله عليه وسلم -. {71 ـ 72} ثم ذَكَرَ اختصام الملأ الأعلى، فقال:{إذ قال ربُّك للملائكة}: على وجه الإخبارِ، {إنِّي خالقٌ بشراً من طينٍ}؛ أي: مادَّتُه من طين، {فإذا سَوَّيۡتُهُ}؛ أي: سويت جسمه وتمَّ، {ونفختُ فيه من روحي فَقَعوا له ساجدينَ}. {73 ـ 74} فوطَّن الملائكةُ الكرامُ أنفسَهم على ذلك حين يتمُّ خلقُهُ ونفخُ الروح فيه امتثالاً لربِّهم وإكراماً لآدم عليه السلام، فلما تمَّ خلقُه في بدنِهِ وروحِهِ، وامتحنَ الله آدمَ والملائكةَ في العلم، وظهر فضلُه عليهم؛ أمرهم الله بالسجودِ، فسجدوا {كلُّهم أجمعون، إلاَّ إبليسَ}: لم يسجد، {استَكۡبَرَ}: عن أمر ربِّه، واستكبر على آدم، {وكان من الكافرينَ}: في علم الله تعالى. {75} فقال اللهُ له موبِّخاً ومعاتباً: {ما مَنَعَكَ أن تسجدَ لما خلقتُ بيديَّ}؛ أي: شرَّفْتُه وكرَّمْتُه واختصصتُه بهذه الخصيصة التي اختصَّ بها عن سائر الخلق، وذلك يقتضي عدم التكبُّر عليه. {أستكبرتَ}: في امتناعِك {أم كنتَ من العالينَ}. {76}{قال} إبليسُ معارضاً لربِّه مناقضاً: {أنا خيرٌ منه خَلَقۡتَني من نارٍ وخَلَقۡتَهُ من طين}: وبزعمِهِ أنَّ عنصر النار خيرٌ من عنصر الطين، وهذا من القياس الفاسدِ؛ فإنَّ عنصرَ النار مادَّةُ الشرِّ والفساد والعلوِّ والطيش والخفَّة، وعنصرُ الطِّين مادَّةُ الرزانة والتواضُع وإخراج أنواع الأشجارِ والنباتات، وهو يغلِبُ النار ويطفِئُها، والنارُ تحتاج إلى مادَّةٍ تقومُ بها والطينُ قائمٌ بنفسِهِ. فهذا قياسُ شيخ القوم، الذي عارض به الأمر الشفاهيَّ من الله، قد تبيَّن غايةُ بطلانِهِ وفسادِهِ؛ فما بالُك بأقيسةِ التلاميذ الذين عارضوا الحقَّ بأقْيِسَتِهِم؛ فإنَّها كلَّها أعظمُ بطلاناً وفساداً من هذا القياس. {77 ـ 78} فقال الله له: اخرج {منها}؛ أي: من السماء والمحلِّ الكريم، {فإنَّك رجيمٌ}؛ أي: مبعد مدحور، {وإنَّ عليك لعنتي} أي: طردي وإبعادي {إلى يوم الدين}: دائماً أبداً. {79}{قال ربِّ فأنظِرۡني إلى يوم يبعثون}: لشدَّة عداوتِهِ لآدمَ وذرَّيَّته؛ ليتمكَّن من إغواء مَنْ قَدَّرَ الله أن يُغْوِيَه. {80 ـ 81} فـ {قال} الله مجيباً لدعوتِهِ حيث اقتضتْ حكمتُهُ ذلك: {إنَّكَ من المُنۡظَرين. إلى يوم الوقتِ المعلوم}: حين تُسْتَكْمَلُ الذريَّةُ، ويتمُّ الامتحان. {82 ـ 83} فلما علم أنه مُنْظَرٌ؛ بادى ربَّه من خبثه بشدَّة العداوةِ لربِّه ولآدم وذُرِّيَّتِهِ، فقال:{فبعزَّتِك لأغۡوِيَنَّهُم أجمعينَ}: يُحتمل أنَّ الباء للقسم، وأنَّه أقسم بعزَّةِ الله ليغوينَّهم كلَّهم أجمعين {إلاَّ عبادك منهم المخلَصين}: علم أنَّ الله سيحفظُهم من كيدِهِ. ويُحتمل أنَّ الباء للاستعانة، وأنَّه لما علم أنه عاجزٌ من كل وجهٍ، وأنه لا يضلُّ أحداً إلاَّ بمشيئة الله تعالى، فاستعانَ بعزَّةِ الله على إغواءِ ذُرِّيَّةِ آدمَ. هذا وهو عدوُّ الله حقًّا، ونحن يا ربَّنا العاجزونَ المقصرونَ، المقرُّونَ لك بكل نعمةٍ، ذُرِّيَّةُ من شَرَّفْتَه وكرَّمْتَه؛ فنستعين بعزَّتك العظيمة، وقدرتك، ورحمتك الواسعة لكلِّ مخلوق، ورحمتك التي أوصلتَ إلينا بها ما أوصلتَ من النعم الدينيَّة والدنيويَّة، وصرفتَ بها ما عنَّا صرفتَ من النِّقم، أن تعينَنا على محاربتِهِ وعداوتِهِ والسلامة من شرِّه وشركِهِ، ونحسنُ الظَّنَّ بك أن تجيبَ دعاءنا، ونؤمنُ بوعدِك الذي قلت لنا:{وقال ربُّكم ادۡعوني أسۡتَجِبۡ لكُم}؛ فقد دَعَوْناك كما أمَرْتَنا، فاستجِبْ لنا كما وَعَدْتَنا. {إنَّك لا تُخۡلِفُ الميعاد}. {84 ـ 85}{قال} الله تعالى: {فالحقُّ والحقَّ أقولُ}؛ أي: الحقُّ وصفي والحقُّ قولي، {لأملأنَّ جهنَّم منك ومِمَّن تَبِعَكَ منهم أجمعينَ}. {86} فلما بيَّنَ الرسول للناس الدليلَ، ووضَّح لهم السبيلَ؛ قال الله له:{قل ما أسألُكُم عليه}؛ أي: على دعائي إياكم {من أجرٍ وما أنا من المتكلِّفين}: أدَّعي أمراً ليس لي، وأقفو ما ليس لي به علمٌ، لا أتَّبِعُ إلاَّ ما يُوحى إليَّ. {87}{إنۡ هو}؛ أي: هذا الوحي والقرآن {إلاَّ ذِكۡرٌ للعالَمين}: يتذكَّرون به كلَّ ما ينفعُهم من مصالح دينهم ودُنياهم، فيكون شرفاً ورفعةً للعالمين به وإقامةَ حجَّة على المعاندين. فهذه السورة العظيمة مشتملةٌ على الذِّكْر الحكيم، والنبأ العظيم، وإقامةِ الحُجَج والبراهين على مَنْ كذَّب بالقرآن، وعارَضَه، وكذَّب مَنْ جاء به، والإخبار عن عباد الله المخلَصين، وجزاء المتَّقين والطاغين؛ فلهذا أقسم في أولها بأنَّه ذو الذِّكْر، ووصفه في آخرها بأنَّه ذِكْرٌ للعالمين، وأكثَرَ التَّذْكيرَ بها فيما بين ذلك؛ كقوله:{واذۡكُرۡ عَبۡدَنا}، {واذۡكُرۡ عِبَادَنا}، {رحمةً منّا وذِكۡرى}، {هذا ذكرٌ}. اللهمَّ علِّمْنا منه ما جهلنا، وذكِّرْنا منه ما نَسينا نِسيانَ غفلةٍ ونسيان تركٍ. {88}{ولَتَعۡلَمُنَّ نبأه}؛ أي: خبره {بعد حينٍ}: وذلك حين يقع عليهم العذابُ، وتتقطَّع عنهم الأسبابُ. تم تفسير سورة ص بمنِّه تعالى وعونه. * * *

ص 38:70

{65}{قل}: يا أيُّها الرسولُ لهؤلاء المكذِّبين إنْ طَلَبوا منك ما ليس لك ولا بيدِكَ: {إنَّما أنا منذرٌ}: هذا نهايةُ ما عندي، وأمَّا الأمرُ؛ فلله تعالى، ولكني آمرُكُم وأنهاكُم وأحثُّكم على الخير وأزجُرُكم عن الشرِّ؛ فمنِ اهتدى فلنفسِهِ، ومن ضلَّ فعليها. {وما مِنۡ إلهٍ إلاَّ الله}؛ أي: ما أحدٌ يؤلَّه ويُعبدُ بحقِّ إلاَّ الله، {الواحدُ القهارُ}: هذا تقريرٌ لألوهيَّته بهذا البرهان القاطع، وهو وحدتُه تعالى وقهرُه لكلِّ شيء؛ فإنَّ القهر ملازمٌ للوحدة؛ فلا يكون قهّارَيْنِ متساوِيَيْنِ في قهرهما أبداً، فالذي يقهر جميع الأشياءِ هو الواحدُ الذي لا نظير له، وهو الذي يستحقُّ أن يُعْبَدَ وحدَه كما كان قاهراً وحدَه. {66} وقرَّر ذلك أيضاً بتوحيد الربوبيَّة، فقال:{ربُّ السمواتِ والأرضِ وما بينَهما}؛ أي: خالقُهما ومربِّيهما ومدبِّرُهما بجميع أنواع التدابير، {العزيزُ}: الذي له القوة التي بها خَلَقَ المخلوقاتِ العظيمة. {الغفَّارُ}: لجميع الذنوب؛ صغيرها وكبيرها، لمن تاب إليه وأقلع منها. فهذا الذي يحبُّ، ويستحقُّ أن يُعْبَدَ دونَ مَنْ لا يخلُق، ولا يرزُق ولا يضرُّ، ولا ينفعُ، ولا يملِكُ من الأمر شيئاً، وليس له قوَّةُ الاقتدار، ولا بيدِهِ مغفرةُ الذُّنوب والأوزار. {67 ـ 68}{قل}: لهم مخوفاً ومحذِّراً ومنهضاً لهم ومنذراً: {هو نبأٌ عظيمٌ}؛ أي: ما أنبأتُكم به من البعث والنشور والجزاء على الأعمال خبرٌ عظيم ينبغي الاهتمام الشديد بشأنه، ولا ينبغي إغفالُه. ولكنْ {أنتُم عنه معرِضونَ}: كأنَّه ليس أمامكم حسابٌ ولا عقابٌ ولا ثوابٌ. {69 ـ 70} فإنْ شَكَكْتُم في قولي وامْتَرَيْتُم في خبري؛ فإني أخبركم بأخبارٍ لا علم لي بها ولا دَرَسْتُها في كتاب؛ فإخباري بها على وجهها من غير زيادةٍ ولا نقصٍ أكبرُ شاهدٍ لصدقي وأدلُّ دليل على حقِّ ما جئتُكم به، ولهذا قال:{ما كان لي من علم بالملأ الأعلى}؛ أي: الملائكة؛ {إذۡ يَخۡتَصِمونَ}؛ لولا تعليم الله إيَّاي وإيحاؤه إليَّ، ولهذا قال:{إن يوحى إليَّ إلاَّ أنَّما أنا نذيرٌ مبينٌ}؛ أي: ظاهر النذارة جليُّها؛ فلا نذير أبلغ من نذارتِهِ - صلى الله عليه وسلم -. {71 ـ 72} ثم ذَكَرَ اختصام الملأ الأعلى، فقال:{إذ قال ربُّك للملائكة}: على وجه الإخبارِ، {إنِّي خالقٌ بشراً من طينٍ}؛ أي: مادَّتُه من طين، {فإذا سَوَّيۡتُهُ}؛ أي: سويت جسمه وتمَّ، {ونفختُ فيه من روحي فَقَعوا له ساجدينَ}. {73 ـ 74} فوطَّن الملائكةُ الكرامُ أنفسَهم على ذلك حين يتمُّ خلقُهُ ونفخُ الروح فيه امتثالاً لربِّهم وإكراماً لآدم عليه السلام، فلما تمَّ خلقُه في بدنِهِ وروحِهِ، وامتحنَ الله آدمَ والملائكةَ في العلم، وظهر فضلُه عليهم؛ أمرهم الله بالسجودِ، فسجدوا {كلُّهم أجمعون، إلاَّ إبليسَ}: لم يسجد، {استَكۡبَرَ}: عن أمر ربِّه، واستكبر على آدم، {وكان من الكافرينَ}: في علم الله تعالى. {75} فقال اللهُ له موبِّخاً ومعاتباً: {ما مَنَعَكَ أن تسجدَ لما خلقتُ بيديَّ}؛ أي: شرَّفْتُه وكرَّمْتُه واختصصتُه بهذه الخصيصة التي اختصَّ بها عن سائر الخلق، وذلك يقتضي عدم التكبُّر عليه. {أستكبرتَ}: في امتناعِك {أم كنتَ من العالينَ}. {76}{قال} إبليسُ معارضاً لربِّه مناقضاً: {أنا خيرٌ منه خَلَقۡتَني من نارٍ وخَلَقۡتَهُ من طين}: وبزعمِهِ أنَّ عنصر النار خيرٌ من عنصر الطين، وهذا من القياس الفاسدِ؛ فإنَّ عنصرَ النار مادَّةُ الشرِّ والفساد والعلوِّ والطيش والخفَّة، وعنصرُ الطِّين مادَّةُ الرزانة والتواضُع وإخراج أنواع الأشجارِ والنباتات، وهو يغلِبُ النار ويطفِئُها، والنارُ تحتاج إلى مادَّةٍ تقومُ بها والطينُ قائمٌ بنفسِهِ. فهذا قياسُ شيخ القوم، الذي عارض به الأمر الشفاهيَّ من الله، قد تبيَّن غايةُ بطلانِهِ وفسادِهِ؛ فما بالُك بأقيسةِ التلاميذ الذين عارضوا الحقَّ بأقْيِسَتِهِم؛ فإنَّها كلَّها أعظمُ بطلاناً وفساداً من هذا القياس. {77 ـ 78} فقال الله له: اخرج {منها}؛ أي: من السماء والمحلِّ الكريم، {فإنَّك رجيمٌ}؛ أي: مبعد مدحور، {وإنَّ عليك لعنتي} أي: طردي وإبعادي {إلى يوم الدين}: دائماً أبداً. {79}{قال ربِّ فأنظِرۡني إلى يوم يبعثون}: لشدَّة عداوتِهِ لآدمَ وذرَّيَّته؛ ليتمكَّن من إغواء مَنْ قَدَّرَ الله أن يُغْوِيَه. {80 ـ 81} فـ {قال} الله مجيباً لدعوتِهِ حيث اقتضتْ حكمتُهُ ذلك: {إنَّكَ من المُنۡظَرين. إلى يوم الوقتِ المعلوم}: حين تُسْتَكْمَلُ الذريَّةُ، ويتمُّ الامتحان. {82 ـ 83} فلما علم أنه مُنْظَرٌ؛ بادى ربَّه من خبثه بشدَّة العداوةِ لربِّه ولآدم وذُرِّيَّتِهِ، فقال:{فبعزَّتِك لأغۡوِيَنَّهُم أجمعينَ}: يُحتمل أنَّ الباء للقسم، وأنَّه أقسم بعزَّةِ الله ليغوينَّهم كلَّهم أجمعين {إلاَّ عبادك منهم المخلَصين}: علم أنَّ الله سيحفظُهم من كيدِهِ. ويُحتمل أنَّ الباء للاستعانة، وأنَّه لما علم أنه عاجزٌ من كل وجهٍ، وأنه لا يضلُّ أحداً إلاَّ بمشيئة الله تعالى، فاستعانَ بعزَّةِ الله على إغواءِ ذُرِّيَّةِ آدمَ. هذا وهو عدوُّ الله حقًّا، ونحن يا ربَّنا العاجزونَ المقصرونَ، المقرُّونَ لك بكل نعمةٍ، ذُرِّيَّةُ من شَرَّفْتَه وكرَّمْتَه؛ فنستعين بعزَّتك العظيمة، وقدرتك، ورحمتك الواسعة لكلِّ مخلوق، ورحمتك التي أوصلتَ إلينا بها ما أوصلتَ من النعم الدينيَّة والدنيويَّة، وصرفتَ بها ما عنَّا صرفتَ من النِّقم، أن تعينَنا على محاربتِهِ وعداوتِهِ والسلامة من شرِّه وشركِهِ، ونحسنُ الظَّنَّ بك أن تجيبَ دعاءنا، ونؤمنُ بوعدِك الذي قلت لنا:{وقال ربُّكم ادۡعوني أسۡتَجِبۡ لكُم}؛ فقد دَعَوْناك كما أمَرْتَنا، فاستجِبْ لنا كما وَعَدْتَنا. {إنَّك لا تُخۡلِفُ الميعاد}. {84 ـ 85}{قال} الله تعالى: {فالحقُّ والحقَّ أقولُ}؛ أي: الحقُّ وصفي والحقُّ قولي، {لأملأنَّ جهنَّم منك ومِمَّن تَبِعَكَ منهم أجمعينَ}. {86} فلما بيَّنَ الرسول للناس الدليلَ، ووضَّح لهم السبيلَ؛ قال الله له:{قل ما أسألُكُم عليه}؛ أي: على دعائي إياكم {من أجرٍ وما أنا من المتكلِّفين}: أدَّعي أمراً ليس لي، وأقفو ما ليس لي به علمٌ، لا أتَّبِعُ إلاَّ ما يُوحى إليَّ. {87}{إنۡ هو}؛ أي: هذا الوحي والقرآن {إلاَّ ذِكۡرٌ للعالَمين}: يتذكَّرون به كلَّ ما ينفعُهم من مصالح دينهم ودُنياهم، فيكون شرفاً ورفعةً للعالمين به وإقامةَ حجَّة على المعاندين. فهذه السورة العظيمة مشتملةٌ على الذِّكْر الحكيم، والنبأ العظيم، وإقامةِ الحُجَج والبراهين على مَنْ كذَّب بالقرآن، وعارَضَه، وكذَّب مَنْ جاء به، والإخبار عن عباد الله المخلَصين، وجزاء المتَّقين والطاغين؛ فلهذا أقسم في أولها بأنَّه ذو الذِّكْر، ووصفه في آخرها بأنَّه ذِكْرٌ للعالمين، وأكثَرَ التَّذْكيرَ بها فيما بين ذلك؛ كقوله:{واذۡكُرۡ عَبۡدَنا}، {واذۡكُرۡ عِبَادَنا}، {رحمةً منّا وذِكۡرى}، {هذا ذكرٌ}. اللهمَّ علِّمْنا منه ما جهلنا، وذكِّرْنا منه ما نَسينا نِسيانَ غفلةٍ ونسيان تركٍ. {88}{ولَتَعۡلَمُنَّ نبأه}؛ أي: خبره {بعد حينٍ}: وذلك حين يقع عليهم العذابُ، وتتقطَّع عنهم الأسبابُ. تم تفسير سورة ص بمنِّه تعالى وعونه. * * *

ص 38:71

{65}{قل}: يا أيُّها الرسولُ لهؤلاء المكذِّبين إنْ طَلَبوا منك ما ليس لك ولا بيدِكَ: {إنَّما أنا منذرٌ}: هذا نهايةُ ما عندي، وأمَّا الأمرُ؛ فلله تعالى، ولكني آمرُكُم وأنهاكُم وأحثُّكم على الخير وأزجُرُكم عن الشرِّ؛ فمنِ اهتدى فلنفسِهِ، ومن ضلَّ فعليها. {وما مِنۡ إلهٍ إلاَّ الله}؛ أي: ما أحدٌ يؤلَّه ويُعبدُ بحقِّ إلاَّ الله، {الواحدُ القهارُ}: هذا تقريرٌ لألوهيَّته بهذا البرهان القاطع، وهو وحدتُه تعالى وقهرُه لكلِّ شيء؛ فإنَّ القهر ملازمٌ للوحدة؛ فلا يكون قهّارَيْنِ متساوِيَيْنِ في قهرهما أبداً، فالذي يقهر جميع الأشياءِ هو الواحدُ الذي لا نظير له، وهو الذي يستحقُّ أن يُعْبَدَ وحدَه كما كان قاهراً وحدَه. {66} وقرَّر ذلك أيضاً بتوحيد الربوبيَّة، فقال:{ربُّ السمواتِ والأرضِ وما بينَهما}؛ أي: خالقُهما ومربِّيهما ومدبِّرُهما بجميع أنواع التدابير، {العزيزُ}: الذي له القوة التي بها خَلَقَ المخلوقاتِ العظيمة. {الغفَّارُ}: لجميع الذنوب؛ صغيرها وكبيرها، لمن تاب إليه وأقلع منها. فهذا الذي يحبُّ، ويستحقُّ أن يُعْبَدَ دونَ مَنْ لا يخلُق، ولا يرزُق ولا يضرُّ، ولا ينفعُ، ولا يملِكُ من الأمر شيئاً، وليس له قوَّةُ الاقتدار، ولا بيدِهِ مغفرةُ الذُّنوب والأوزار. {67 ـ 68}{قل}: لهم مخوفاً ومحذِّراً ومنهضاً لهم ومنذراً: {هو نبأٌ عظيمٌ}؛ أي: ما أنبأتُكم به من البعث والنشور والجزاء على الأعمال خبرٌ عظيم ينبغي الاهتمام الشديد بشأنه، ولا ينبغي إغفالُه. ولكنْ {أنتُم عنه معرِضونَ}: كأنَّه ليس أمامكم حسابٌ ولا عقابٌ ولا ثوابٌ. {69 ـ 70} فإنْ شَكَكْتُم في قولي وامْتَرَيْتُم في خبري؛ فإني أخبركم بأخبارٍ لا علم لي بها ولا دَرَسْتُها في كتاب؛ فإخباري بها على وجهها من غير زيادةٍ ولا نقصٍ أكبرُ شاهدٍ لصدقي وأدلُّ دليل على حقِّ ما جئتُكم به، ولهذا قال:{ما كان لي من علم بالملأ الأعلى}؛ أي: الملائكة؛ {إذۡ يَخۡتَصِمونَ}؛ لولا تعليم الله إيَّاي وإيحاؤه إليَّ، ولهذا قال:{إن يوحى إليَّ إلاَّ أنَّما أنا نذيرٌ مبينٌ}؛ أي: ظاهر النذارة جليُّها؛ فلا نذير أبلغ من نذارتِهِ - صلى الله عليه وسلم -. {71 ـ 72} ثم ذَكَرَ اختصام الملأ الأعلى، فقال:{إذ قال ربُّك للملائكة}: على وجه الإخبارِ، {إنِّي خالقٌ بشراً من طينٍ}؛ أي: مادَّتُه من طين، {فإذا سَوَّيۡتُهُ}؛ أي: سويت جسمه وتمَّ، {ونفختُ فيه من روحي فَقَعوا له ساجدينَ}. {73 ـ 74} فوطَّن الملائكةُ الكرامُ أنفسَهم على ذلك حين يتمُّ خلقُهُ ونفخُ الروح فيه امتثالاً لربِّهم وإكراماً لآدم عليه السلام، فلما تمَّ خلقُه في بدنِهِ وروحِهِ، وامتحنَ الله آدمَ والملائكةَ في العلم، وظهر فضلُه عليهم؛ أمرهم الله بالسجودِ، فسجدوا {كلُّهم أجمعون، إلاَّ إبليسَ}: لم يسجد، {استَكۡبَرَ}: عن أمر ربِّه، واستكبر على آدم، {وكان من الكافرينَ}: في علم الله تعالى. {75} فقال اللهُ له موبِّخاً ومعاتباً: {ما مَنَعَكَ أن تسجدَ لما خلقتُ بيديَّ}؛ أي: شرَّفْتُه وكرَّمْتُه واختصصتُه بهذه الخصيصة التي اختصَّ بها عن سائر الخلق، وذلك يقتضي عدم التكبُّر عليه. {أستكبرتَ}: في امتناعِك {أم كنتَ من العالينَ}. {76}{قال} إبليسُ معارضاً لربِّه مناقضاً: {أنا خيرٌ منه خَلَقۡتَني من نارٍ وخَلَقۡتَهُ من طين}: وبزعمِهِ أنَّ عنصر النار خيرٌ من عنصر الطين، وهذا من القياس الفاسدِ؛ فإنَّ عنصرَ النار مادَّةُ الشرِّ والفساد والعلوِّ والطيش والخفَّة، وعنصرُ الطِّين مادَّةُ الرزانة والتواضُع وإخراج أنواع الأشجارِ والنباتات، وهو يغلِبُ النار ويطفِئُها، والنارُ تحتاج إلى مادَّةٍ تقومُ بها والطينُ قائمٌ بنفسِهِ. فهذا قياسُ شيخ القوم، الذي عارض به الأمر الشفاهيَّ من الله، قد تبيَّن غايةُ بطلانِهِ وفسادِهِ؛ فما بالُك بأقيسةِ التلاميذ الذين عارضوا الحقَّ بأقْيِسَتِهِم؛ فإنَّها كلَّها أعظمُ بطلاناً وفساداً من هذا القياس. {77 ـ 78} فقال الله له: اخرج {منها}؛ أي: من السماء والمحلِّ الكريم، {فإنَّك رجيمٌ}؛ أي: مبعد مدحور، {وإنَّ عليك لعنتي} أي: طردي وإبعادي {إلى يوم الدين}: دائماً أبداً. {79}{قال ربِّ فأنظِرۡني إلى يوم يبعثون}: لشدَّة عداوتِهِ لآدمَ وذرَّيَّته؛ ليتمكَّن من إغواء مَنْ قَدَّرَ الله أن يُغْوِيَه. {80 ـ 81} فـ {قال} الله مجيباً لدعوتِهِ حيث اقتضتْ حكمتُهُ ذلك: {إنَّكَ من المُنۡظَرين. إلى يوم الوقتِ المعلوم}: حين تُسْتَكْمَلُ الذريَّةُ، ويتمُّ الامتحان. {82 ـ 83} فلما علم أنه مُنْظَرٌ؛ بادى ربَّه من خبثه بشدَّة العداوةِ لربِّه ولآدم وذُرِّيَّتِهِ، فقال:{فبعزَّتِك لأغۡوِيَنَّهُم أجمعينَ}: يُحتمل أنَّ الباء للقسم، وأنَّه أقسم بعزَّةِ الله ليغوينَّهم كلَّهم أجمعين {إلاَّ عبادك منهم المخلَصين}: علم أنَّ الله سيحفظُهم من كيدِهِ. ويُحتمل أنَّ الباء للاستعانة، وأنَّه لما علم أنه عاجزٌ من كل وجهٍ، وأنه لا يضلُّ أحداً إلاَّ بمشيئة الله تعالى، فاستعانَ بعزَّةِ الله على إغواءِ ذُرِّيَّةِ آدمَ. هذا وهو عدوُّ الله حقًّا، ونحن يا ربَّنا العاجزونَ المقصرونَ، المقرُّونَ لك بكل نعمةٍ، ذُرِّيَّةُ من شَرَّفْتَه وكرَّمْتَه؛ فنستعين بعزَّتك العظيمة، وقدرتك، ورحمتك الواسعة لكلِّ مخلوق، ورحمتك التي أوصلتَ إلينا بها ما أوصلتَ من النعم الدينيَّة والدنيويَّة، وصرفتَ بها ما عنَّا صرفتَ من النِّقم، أن تعينَنا على محاربتِهِ وعداوتِهِ والسلامة من شرِّه وشركِهِ، ونحسنُ الظَّنَّ بك أن تجيبَ دعاءنا، ونؤمنُ بوعدِك الذي قلت لنا:{وقال ربُّكم ادۡعوني أسۡتَجِبۡ لكُم}؛ فقد دَعَوْناك كما أمَرْتَنا، فاستجِبْ لنا كما وَعَدْتَنا. {إنَّك لا تُخۡلِفُ الميعاد}. {84 ـ 85}{قال} الله تعالى: {فالحقُّ والحقَّ أقولُ}؛ أي: الحقُّ وصفي والحقُّ قولي، {لأملأنَّ جهنَّم منك ومِمَّن تَبِعَكَ منهم أجمعينَ}. {86} فلما بيَّنَ الرسول للناس الدليلَ، ووضَّح لهم السبيلَ؛ قال الله له:{قل ما أسألُكُم عليه}؛ أي: على دعائي إياكم {من أجرٍ وما أنا من المتكلِّفين}: أدَّعي أمراً ليس لي، وأقفو ما ليس لي به علمٌ، لا أتَّبِعُ إلاَّ ما يُوحى إليَّ. {87}{إنۡ هو}؛ أي: هذا الوحي والقرآن {إلاَّ ذِكۡرٌ للعالَمين}: يتذكَّرون به كلَّ ما ينفعُهم من مصالح دينهم ودُنياهم، فيكون شرفاً ورفعةً للعالمين به وإقامةَ حجَّة على المعاندين. فهذه السورة العظيمة مشتملةٌ على الذِّكْر الحكيم، والنبأ العظيم، وإقامةِ الحُجَج والبراهين على مَنْ كذَّب بالقرآن، وعارَضَه، وكذَّب مَنْ جاء به، والإخبار عن عباد الله المخلَصين، وجزاء المتَّقين والطاغين؛ فلهذا أقسم في أولها بأنَّه ذو الذِّكْر، ووصفه في آخرها بأنَّه ذِكْرٌ للعالمين، وأكثَرَ التَّذْكيرَ بها فيما بين ذلك؛ كقوله:{واذۡكُرۡ عَبۡدَنا}، {واذۡكُرۡ عِبَادَنا}، {رحمةً منّا وذِكۡرى}، {هذا ذكرٌ}. اللهمَّ علِّمْنا منه ما جهلنا، وذكِّرْنا منه ما نَسينا نِسيانَ غفلةٍ ونسيان تركٍ. {88}{ولَتَعۡلَمُنَّ نبأه}؛ أي: خبره {بعد حينٍ}: وذلك حين يقع عليهم العذابُ، وتتقطَّع عنهم الأسبابُ. تم تفسير سورة ص بمنِّه تعالى وعونه. * * *