Lafzullah

Tefsîru's-Sa'dî — Teysîru'l-Kerîmi'r-Rahmân (blok edisyonu, ayrı tahrir) — الزخرف 43:70 – الجاثية 45:37

المؤلف / المصدر: Tafsir As-Saadi

المحتويات
  1. الزخرف 43:70
  2. الزخرف 43:71
  3. الزخرف 43:72
  4. الزخرف 43:73
  5. الزخرف 43:74
  6. الزخرف 43:75
  7. الزخرف 43:76
  8. الزخرف 43:77
  9. الزخرف 43:78
  10. الزخرف 43:79
  11. الزخرف 43:80
  12. الزخرف 43:81
  13. الزخرف 43:82
  14. الزخرف 43:83
  15. الزخرف 43:84
  16. الزخرف 43:85
  17. الزخرف 43:86
  18. الزخرف 43:87
  19. الزخرف 43:88
  20. الزخرف 43:89
  21. الدخان 44:1
  22. الدخان 44:2
  23. الدخان 44:3
  24. الدخان 44:4
  25. الدخان 44:5
  26. الدخان 44:6
  27. الدخان 44:7
  28. الدخان 44:8
  29. الدخان 44:9
  30. الدخان 44:10
  31. الدخان 44:11
  32. الدخان 44:12
  33. الدخان 44:13
  34. الدخان 44:14
  35. الدخان 44:15
  36. الدخان 44:16
  37. الدخان 44:17
  38. الدخان 44:18
  39. الدخان 44:19
  40. الدخان 44:20
  41. الدخان 44:21
  42. الدخان 44:22
  43. الدخان 44:23
  44. الدخان 44:24
  45. الدخان 44:25
  46. الدخان 44:26
  47. الدخان 44:27
  48. الدخان 44:28
  49. الدخان 44:29
  50. الدخان 44:30
  51. الدخان 44:31
  52. الدخان 44:32
  53. الدخان 44:33
  54. الدخان 44:34
  55. الدخان 44:35
  56. الدخان 44:36
  57. الدخان 44:37
  58. الدخان 44:38
  59. الدخان 44:39
  60. الدخان 44:40
  61. الدخان 44:41
  62. الدخان 44:42
  63. الدخان 44:43
  64. الدخان 44:44
  65. الدخان 44:45
  66. الدخان 44:46
  67. الدخان 44:47
  68. الدخان 44:48
  69. الدخان 44:49
  70. الدخان 44:50
  71. الدخان 44:51
  72. الدخان 44:52
  73. الدخان 44:53
  74. الدخان 44:54
  75. الدخان 44:55
  76. الدخان 44:56
  77. الدخان 44:57
  78. الدخان 44:58
  79. الدخان 44:59
  80. الجاثية 45:1
  81. الجاثية 45:2
  82. الجاثية 45:3
  83. الجاثية 45:4
  84. الجاثية 45:5
  85. الجاثية 45:6
  86. الجاثية 45:7
  87. الجاثية 45:8
  88. الجاثية 45:9
  89. الجاثية 45:10
  90. الجاثية 45:11
  91. الجاثية 45:12
  92. الجاثية 45:13
  93. الجاثية 45:14
  94. الجاثية 45:15
  95. الجاثية 45:16
  96. الجاثية 45:17
  97. الجاثية 45:18
  98. الجاثية 45:19
  99. الجاثية 45:20
  100. الجاثية 45:21
  101. الجاثية 45:22
  102. الجاثية 45:23
  103. الجاثية 45:24
  104. الجاثية 45:25
  105. الجاثية 45:26
  106. الجاثية 45:27
  107. الجاثية 45:28
  108. الجاثية 45:29
  109. الجاثية 45:30
  110. الجاثية 45:31
  111. الجاثية 45:32
  112. الجاثية 45:33
  113. الجاثية 45:34
  114. الجاثية 45:35
  115. الجاثية 45:36
  116. الجاثية 45:37

الزخرف 43:70

{66} يقول تعالى: ما ينتظر المكذِّبون؟! وما يتوقَّعون {إلاَّ الساعة أن تأتِيَهم بغتةً وهم لا يشعرونَ}؛ أي: فإذا جاءت؛ فلا تسألوا عن أحوال من كَذَّب بها واستهزأ بمن جاء بها. {67} وإن الأخِلاَّء يومَ القيامةِ، المتخالِّين على الكفر والتكذيب ومعصية الله، {بعضُهم لبعض عدوٌّ}: لأنَّ خُلَّتَهم ومحبَّتهم في الدُّنيا لغير الله، فانقلبت يوم القيامة عداوة {إلاَّ المتَّقين}: للشرك والمعاصي؛ فإنَّ محبَّتهم تدوم وتتَّصل بدوام مَنْ كانت المحبَّة لأجلِهِ. {68} ثُمَّ ذكر ثواب المتَّقين، وأنَّ الله تعالى يناديهم يوم القيامةِ بما يسرُّ قلوبَهم ويذهب عنهم كلَّ آفةٍ وشرٍّ، فيقول:{يا عبادِ لا خوفٌ عليكُم اليومَ ولا أنتُم تَحۡزَنونَ}؛ أي: لا خوفٌ يلحقُكم فيما تستقبِلونه من الأمور، ولا حزنٌ يُصيبُكم فيما مضى منها، وإذا انتفى المكروه من كلِّ وجه؛ ثبت المحبوب المطلوب. {69}{الذين آمنوا بآياتنا وكَانوا مُسلِمِينَ}؛ أي: وصفهم الإيمانُ بآيات الله، وذلك يشمل للتصديق بها، وما لا يتمُّ التصديق إلاَّ به من العلم بمعناها والعمل بمقتضاها، وكانوا مسلمينَ لله منقادينَ له في جميع أحوالِهِم، فجمعوا بين الاتِّصاف بعمل الظاهر والباطن. {70}{ادخُلوا الجنَّةَ}: التي هي دارُ القرار {أنتُم وأزواجُكم}؛ أي: مَنْ كان على مثل عملِكُم من كلِّ مقارن لكم من زوجةٍ وولدٍ وصاحبٍ وغيرهم، {تُحۡبَرونَ}؛ أي: تَنعمون وتُكْرمون، ويأتيكم من فضل ربِّكم من الخيرات والسرور والأفراح واللَّذَّات ما لا تُعَبِّرُ الألسنُ عن وصفه. {71}{يطافُ عليهم بصحافٍ من ذهبٍ وأكوابٍ}؛ أي: تدور عليهم خدَّامهم من الولدانِ المخلَّدين بطعامِهم بأحسنِ الأواني وأفخرِها، وهي صحافُ الذهب، وبشرابهم بألطف الأواني، وهي الأكواب التي لا عرى لها، وهي من أصفى الأواني، من فضة أعظم من صفاءِ القوارير، {وفيها}؛ أي: الجنة {ما تشتهيه الأنفسُ وتلذُّ الأعينُ}: وهذا اللفظ جامعٌ، يأتي على كلِّ نعيم وفرح وقرَّة عين وسرور قلبٍ؛ فكلُّ ما تشتهيه النُّفوس من مطاعم ومشارب وملابس ومناكح، ولذّته العيون من مناظر حسنةٍ وأشجارٍ محدقةٍ ونعم مونقةٍ ومبانٍ مزخرفةٍ؛ فإنَّه حاصلٌ فيها معدٌّ لأهلها على أكمل الوجوه وأفضلها؛ كما قال تعالى:{لهم فيها فاكهةٌ ولهم ما يَدَّعونَ}. {وأنتم فيها خالدونَ}: وهذا هو تمامُ نعيم أهل الجنة، وهو الخُلْدُ الدائمُ فيها، الذي يتضمَّن دوام نعيمِها وزيادتَه وعدم انقطاعه. {72}{وتلك الجنَّة}: الموصوفة بأكمل الصفات هي {التي أورِثۡتُموها بما كُنتُم تعملونَ}؛ أي: أورثكم الله إيَّاها بأعمالكم، وجعلها من فضلِهِ جزاء لها، وأودع فيها من رحمتِهِ ما أودعَ. {73}{لكم فيها فاكهةٌ كثيرةٌ}؛ كما في الآية الأخرى:{فيهما من كلِّ فاكهةٍ زوجانِ}، {منها تأكلونَ}؛ أي: مما تتخيَّرون من تلك الفواكه الشهيَّة والثمار اللذَّيذة تأكلون. ولما ذكر نعيم الجنة عقَّبه بذكر عذاب جهنم، فقال:

الزخرف 43:71

{66} يقول تعالى: ما ينتظر المكذِّبون؟! وما يتوقَّعون {إلاَّ الساعة أن تأتِيَهم بغتةً وهم لا يشعرونَ}؛ أي: فإذا جاءت؛ فلا تسألوا عن أحوال من كَذَّب بها واستهزأ بمن جاء بها. {67} وإن الأخِلاَّء يومَ القيامةِ، المتخالِّين على الكفر والتكذيب ومعصية الله، {بعضُهم لبعض عدوٌّ}: لأنَّ خُلَّتَهم ومحبَّتهم في الدُّنيا لغير الله، فانقلبت يوم القيامة عداوة {إلاَّ المتَّقين}: للشرك والمعاصي؛ فإنَّ محبَّتهم تدوم وتتَّصل بدوام مَنْ كانت المحبَّة لأجلِهِ. {68} ثُمَّ ذكر ثواب المتَّقين، وأنَّ الله تعالى يناديهم يوم القيامةِ بما يسرُّ قلوبَهم ويذهب عنهم كلَّ آفةٍ وشرٍّ، فيقول:{يا عبادِ لا خوفٌ عليكُم اليومَ ولا أنتُم تَحۡزَنونَ}؛ أي: لا خوفٌ يلحقُكم فيما تستقبِلونه من الأمور، ولا حزنٌ يُصيبُكم فيما مضى منها، وإذا انتفى المكروه من كلِّ وجه؛ ثبت المحبوب المطلوب. {69}{الذين آمنوا بآياتنا وكَانوا مُسلِمِينَ}؛ أي: وصفهم الإيمانُ بآيات الله، وذلك يشمل للتصديق بها، وما لا يتمُّ التصديق إلاَّ به من العلم بمعناها والعمل بمقتضاها، وكانوا مسلمينَ لله منقادينَ له في جميع أحوالِهِم، فجمعوا بين الاتِّصاف بعمل الظاهر والباطن. {70}{ادخُلوا الجنَّةَ}: التي هي دارُ القرار {أنتُم وأزواجُكم}؛ أي: مَنْ كان على مثل عملِكُم من كلِّ مقارن لكم من زوجةٍ وولدٍ وصاحبٍ وغيرهم، {تُحۡبَرونَ}؛ أي: تَنعمون وتُكْرمون، ويأتيكم من فضل ربِّكم من الخيرات والسرور والأفراح واللَّذَّات ما لا تُعَبِّرُ الألسنُ عن وصفه. {71}{يطافُ عليهم بصحافٍ من ذهبٍ وأكوابٍ}؛ أي: تدور عليهم خدَّامهم من الولدانِ المخلَّدين بطعامِهم بأحسنِ الأواني وأفخرِها، وهي صحافُ الذهب، وبشرابهم بألطف الأواني، وهي الأكواب التي لا عرى لها، وهي من أصفى الأواني، من فضة أعظم من صفاءِ القوارير، {وفيها}؛ أي: الجنة {ما تشتهيه الأنفسُ وتلذُّ الأعينُ}: وهذا اللفظ جامعٌ، يأتي على كلِّ نعيم وفرح وقرَّة عين وسرور قلبٍ؛ فكلُّ ما تشتهيه النُّفوس من مطاعم ومشارب وملابس ومناكح، ولذّته العيون من مناظر حسنةٍ وأشجارٍ محدقةٍ ونعم مونقةٍ ومبانٍ مزخرفةٍ؛ فإنَّه حاصلٌ فيها معدٌّ لأهلها على أكمل الوجوه وأفضلها؛ كما قال تعالى:{لهم فيها فاكهةٌ ولهم ما يَدَّعونَ}. {وأنتم فيها خالدونَ}: وهذا هو تمامُ نعيم أهل الجنة، وهو الخُلْدُ الدائمُ فيها، الذي يتضمَّن دوام نعيمِها وزيادتَه وعدم انقطاعه. {72}{وتلك الجنَّة}: الموصوفة بأكمل الصفات هي {التي أورِثۡتُموها بما كُنتُم تعملونَ}؛ أي: أورثكم الله إيَّاها بأعمالكم، وجعلها من فضلِهِ جزاء لها، وأودع فيها من رحمتِهِ ما أودعَ. {73}{لكم فيها فاكهةٌ كثيرةٌ}؛ كما في الآية الأخرى:{فيهما من كلِّ فاكهةٍ زوجانِ}، {منها تأكلونَ}؛ أي: مما تتخيَّرون من تلك الفواكه الشهيَّة والثمار اللذَّيذة تأكلون. ولما ذكر نعيم الجنة عقَّبه بذكر عذاب جهنم، فقال:

الزخرف 43:72

{66} يقول تعالى: ما ينتظر المكذِّبون؟! وما يتوقَّعون {إلاَّ الساعة أن تأتِيَهم بغتةً وهم لا يشعرونَ}؛ أي: فإذا جاءت؛ فلا تسألوا عن أحوال من كَذَّب بها واستهزأ بمن جاء بها. {67} وإن الأخِلاَّء يومَ القيامةِ، المتخالِّين على الكفر والتكذيب ومعصية الله، {بعضُهم لبعض عدوٌّ}: لأنَّ خُلَّتَهم ومحبَّتهم في الدُّنيا لغير الله، فانقلبت يوم القيامة عداوة {إلاَّ المتَّقين}: للشرك والمعاصي؛ فإنَّ محبَّتهم تدوم وتتَّصل بدوام مَنْ كانت المحبَّة لأجلِهِ. {68} ثُمَّ ذكر ثواب المتَّقين، وأنَّ الله تعالى يناديهم يوم القيامةِ بما يسرُّ قلوبَهم ويذهب عنهم كلَّ آفةٍ وشرٍّ، فيقول:{يا عبادِ لا خوفٌ عليكُم اليومَ ولا أنتُم تَحۡزَنونَ}؛ أي: لا خوفٌ يلحقُكم فيما تستقبِلونه من الأمور، ولا حزنٌ يُصيبُكم فيما مضى منها، وإذا انتفى المكروه من كلِّ وجه؛ ثبت المحبوب المطلوب. {69}{الذين آمنوا بآياتنا وكَانوا مُسلِمِينَ}؛ أي: وصفهم الإيمانُ بآيات الله، وذلك يشمل للتصديق بها، وما لا يتمُّ التصديق إلاَّ به من العلم بمعناها والعمل بمقتضاها، وكانوا مسلمينَ لله منقادينَ له في جميع أحوالِهِم، فجمعوا بين الاتِّصاف بعمل الظاهر والباطن. {70}{ادخُلوا الجنَّةَ}: التي هي دارُ القرار {أنتُم وأزواجُكم}؛ أي: مَنْ كان على مثل عملِكُم من كلِّ مقارن لكم من زوجةٍ وولدٍ وصاحبٍ وغيرهم، {تُحۡبَرونَ}؛ أي: تَنعمون وتُكْرمون، ويأتيكم من فضل ربِّكم من الخيرات والسرور والأفراح واللَّذَّات ما لا تُعَبِّرُ الألسنُ عن وصفه. {71}{يطافُ عليهم بصحافٍ من ذهبٍ وأكوابٍ}؛ أي: تدور عليهم خدَّامهم من الولدانِ المخلَّدين بطعامِهم بأحسنِ الأواني وأفخرِها، وهي صحافُ الذهب، وبشرابهم بألطف الأواني، وهي الأكواب التي لا عرى لها، وهي من أصفى الأواني، من فضة أعظم من صفاءِ القوارير، {وفيها}؛ أي: الجنة {ما تشتهيه الأنفسُ وتلذُّ الأعينُ}: وهذا اللفظ جامعٌ، يأتي على كلِّ نعيم وفرح وقرَّة عين وسرور قلبٍ؛ فكلُّ ما تشتهيه النُّفوس من مطاعم ومشارب وملابس ومناكح، ولذّته العيون من مناظر حسنةٍ وأشجارٍ محدقةٍ ونعم مونقةٍ ومبانٍ مزخرفةٍ؛ فإنَّه حاصلٌ فيها معدٌّ لأهلها على أكمل الوجوه وأفضلها؛ كما قال تعالى:{لهم فيها فاكهةٌ ولهم ما يَدَّعونَ}. {وأنتم فيها خالدونَ}: وهذا هو تمامُ نعيم أهل الجنة، وهو الخُلْدُ الدائمُ فيها، الذي يتضمَّن دوام نعيمِها وزيادتَه وعدم انقطاعه. {72}{وتلك الجنَّة}: الموصوفة بأكمل الصفات هي {التي أورِثۡتُموها بما كُنتُم تعملونَ}؛ أي: أورثكم الله إيَّاها بأعمالكم، وجعلها من فضلِهِ جزاء لها، وأودع فيها من رحمتِهِ ما أودعَ. {73}{لكم فيها فاكهةٌ كثيرةٌ}؛ كما في الآية الأخرى:{فيهما من كلِّ فاكهةٍ زوجانِ}، {منها تأكلونَ}؛ أي: مما تتخيَّرون من تلك الفواكه الشهيَّة والثمار اللذَّيذة تأكلون. ولما ذكر نعيم الجنة عقَّبه بذكر عذاب جهنم، فقال:

الزخرف 43:73

{66} يقول تعالى: ما ينتظر المكذِّبون؟! وما يتوقَّعون {إلاَّ الساعة أن تأتِيَهم بغتةً وهم لا يشعرونَ}؛ أي: فإذا جاءت؛ فلا تسألوا عن أحوال من كَذَّب بها واستهزأ بمن جاء بها. {67} وإن الأخِلاَّء يومَ القيامةِ، المتخالِّين على الكفر والتكذيب ومعصية الله، {بعضُهم لبعض عدوٌّ}: لأنَّ خُلَّتَهم ومحبَّتهم في الدُّنيا لغير الله، فانقلبت يوم القيامة عداوة {إلاَّ المتَّقين}: للشرك والمعاصي؛ فإنَّ محبَّتهم تدوم وتتَّصل بدوام مَنْ كانت المحبَّة لأجلِهِ. {68} ثُمَّ ذكر ثواب المتَّقين، وأنَّ الله تعالى يناديهم يوم القيامةِ بما يسرُّ قلوبَهم ويذهب عنهم كلَّ آفةٍ وشرٍّ، فيقول:{يا عبادِ لا خوفٌ عليكُم اليومَ ولا أنتُم تَحۡزَنونَ}؛ أي: لا خوفٌ يلحقُكم فيما تستقبِلونه من الأمور، ولا حزنٌ يُصيبُكم فيما مضى منها، وإذا انتفى المكروه من كلِّ وجه؛ ثبت المحبوب المطلوب. {69}{الذين آمنوا بآياتنا وكَانوا مُسلِمِينَ}؛ أي: وصفهم الإيمانُ بآيات الله، وذلك يشمل للتصديق بها، وما لا يتمُّ التصديق إلاَّ به من العلم بمعناها والعمل بمقتضاها، وكانوا مسلمينَ لله منقادينَ له في جميع أحوالِهِم، فجمعوا بين الاتِّصاف بعمل الظاهر والباطن. {70}{ادخُلوا الجنَّةَ}: التي هي دارُ القرار {أنتُم وأزواجُكم}؛ أي: مَنْ كان على مثل عملِكُم من كلِّ مقارن لكم من زوجةٍ وولدٍ وصاحبٍ وغيرهم، {تُحۡبَرونَ}؛ أي: تَنعمون وتُكْرمون، ويأتيكم من فضل ربِّكم من الخيرات والسرور والأفراح واللَّذَّات ما لا تُعَبِّرُ الألسنُ عن وصفه. {71}{يطافُ عليهم بصحافٍ من ذهبٍ وأكوابٍ}؛ أي: تدور عليهم خدَّامهم من الولدانِ المخلَّدين بطعامِهم بأحسنِ الأواني وأفخرِها، وهي صحافُ الذهب، وبشرابهم بألطف الأواني، وهي الأكواب التي لا عرى لها، وهي من أصفى الأواني، من فضة أعظم من صفاءِ القوارير، {وفيها}؛ أي: الجنة {ما تشتهيه الأنفسُ وتلذُّ الأعينُ}: وهذا اللفظ جامعٌ، يأتي على كلِّ نعيم وفرح وقرَّة عين وسرور قلبٍ؛ فكلُّ ما تشتهيه النُّفوس من مطاعم ومشارب وملابس ومناكح، ولذّته العيون من مناظر حسنةٍ وأشجارٍ محدقةٍ ونعم مونقةٍ ومبانٍ مزخرفةٍ؛ فإنَّه حاصلٌ فيها معدٌّ لأهلها على أكمل الوجوه وأفضلها؛ كما قال تعالى:{لهم فيها فاكهةٌ ولهم ما يَدَّعونَ}. {وأنتم فيها خالدونَ}: وهذا هو تمامُ نعيم أهل الجنة، وهو الخُلْدُ الدائمُ فيها، الذي يتضمَّن دوام نعيمِها وزيادتَه وعدم انقطاعه. {72}{وتلك الجنَّة}: الموصوفة بأكمل الصفات هي {التي أورِثۡتُموها بما كُنتُم تعملونَ}؛ أي: أورثكم الله إيَّاها بأعمالكم، وجعلها من فضلِهِ جزاء لها، وأودع فيها من رحمتِهِ ما أودعَ. {73}{لكم فيها فاكهةٌ كثيرةٌ}؛ كما في الآية الأخرى:{فيهما من كلِّ فاكهةٍ زوجانِ}، {منها تأكلونَ}؛ أي: مما تتخيَّرون من تلك الفواكه الشهيَّة والثمار اللذَّيذة تأكلون. ولما ذكر نعيم الجنة عقَّبه بذكر عذاب جهنم، فقال:

الزخرف 43:74

{74}{إنَّ المجرمينَ}: الذين أجرموا بكفرهم وتكذيبهم {في عذاب جهنَّم}؛ أي: منغمرون فيه، محيطٌ بهم العذاب من كلِّ جانب، {خالدونَ}: فيه لا يخرُجونَ منه أبداً. {75} و {لا يُفَتَّرُ عنهم}: العذابُ ساعةً [لا بإزالته] ولا بتهوين عذابه، {وهم فيه مُبۡلِسونَ}؛ أي: آيسون من كلِّ خير، غير راجين للفرج، وذلك أنَّهم ينادون ربَّهم، فيقولون:{ربَّنا أخۡرِجۡنا منها فإنۡ عُدۡنا فإنَّا ظالمونَ. قال اخسؤوا فيها ولا تُكَلِّمونَ}. {76} وهذا العذابُ العظيم بما قدَّمت أيديهم وبما ظلموا به أنفسَهم، والله لم يظلِمْهم ولم يعاقِبْهم بلا ذنبٍ ولا جرم. {77}{ونادوا}: وهم في النار لعلَّهم يحصل لهم استراحةٌ: {يا مالِكُ ليقضِ علينا ربُّك}؛ أي: لِيُمِتْنا فنستريحَ؛ فإنَّنا في غمٍّ شديدٍ وعذابٍ غليظٍ لا صبر لنا عليه ولا جَلَد، فَـ {قال} لهم مالكٌ خازنُ النار حين طلبوا منه أن يَدْعُوَ الله لهم أن يقضي عليهم: {إنَّكم ماكثونَ}؛ أي: مقيمون فيها لا تخرجون عنها أبداً، فلم يحصُلْ لهم ما قصدوه، بل أجابهم بنقيض قصدِهِم، وزادَهم غمًّا إلى غمِّهم. {78} ثم وبَّخهم بما فعلوا، فقال:{لقد جئناكم بالحقِّ}: الذي يوجب عليكم أن تتَّبِعوه، فلو تبعْتُموه؛ لفزتُم وسعدتُم، {ولكنَّ أكثركم للحقِّ كارهونَ}: فلذلك شقيتُم شقاوةً لا سعادة بعدها.

الزخرف 43:75

{74}{إنَّ المجرمينَ}: الذين أجرموا بكفرهم وتكذيبهم {في عذاب جهنَّم}؛ أي: منغمرون فيه، محيطٌ بهم العذاب من كلِّ جانب، {خالدونَ}: فيه لا يخرُجونَ منه أبداً. {75} و {لا يُفَتَّرُ عنهم}: العذابُ ساعةً [لا بإزالته] ولا بتهوين عذابه، {وهم فيه مُبۡلِسونَ}؛ أي: آيسون من كلِّ خير، غير راجين للفرج، وذلك أنَّهم ينادون ربَّهم، فيقولون:{ربَّنا أخۡرِجۡنا منها فإنۡ عُدۡنا فإنَّا ظالمونَ. قال اخسؤوا فيها ولا تُكَلِّمونَ}. {76} وهذا العذابُ العظيم بما قدَّمت أيديهم وبما ظلموا به أنفسَهم، والله لم يظلِمْهم ولم يعاقِبْهم بلا ذنبٍ ولا جرم. {77}{ونادوا}: وهم في النار لعلَّهم يحصل لهم استراحةٌ: {يا مالِكُ ليقضِ علينا ربُّك}؛ أي: لِيُمِتْنا فنستريحَ؛ فإنَّنا في غمٍّ شديدٍ وعذابٍ غليظٍ لا صبر لنا عليه ولا جَلَد، فَـ {قال} لهم مالكٌ خازنُ النار حين طلبوا منه أن يَدْعُوَ الله لهم أن يقضي عليهم: {إنَّكم ماكثونَ}؛ أي: مقيمون فيها لا تخرجون عنها أبداً، فلم يحصُلْ لهم ما قصدوه، بل أجابهم بنقيض قصدِهِم، وزادَهم غمًّا إلى غمِّهم. {78} ثم وبَّخهم بما فعلوا، فقال:{لقد جئناكم بالحقِّ}: الذي يوجب عليكم أن تتَّبِعوه، فلو تبعْتُموه؛ لفزتُم وسعدتُم، {ولكنَّ أكثركم للحقِّ كارهونَ}: فلذلك شقيتُم شقاوةً لا سعادة بعدها.

الزخرف 43:76

{74}{إنَّ المجرمينَ}: الذين أجرموا بكفرهم وتكذيبهم {في عذاب جهنَّم}؛ أي: منغمرون فيه، محيطٌ بهم العذاب من كلِّ جانب، {خالدونَ}: فيه لا يخرُجونَ منه أبداً. {75} و {لا يُفَتَّرُ عنهم}: العذابُ ساعةً [لا بإزالته] ولا بتهوين عذابه، {وهم فيه مُبۡلِسونَ}؛ أي: آيسون من كلِّ خير، غير راجين للفرج، وذلك أنَّهم ينادون ربَّهم، فيقولون:{ربَّنا أخۡرِجۡنا منها فإنۡ عُدۡنا فإنَّا ظالمونَ. قال اخسؤوا فيها ولا تُكَلِّمونَ}. {76} وهذا العذابُ العظيم بما قدَّمت أيديهم وبما ظلموا به أنفسَهم، والله لم يظلِمْهم ولم يعاقِبْهم بلا ذنبٍ ولا جرم. {77}{ونادوا}: وهم في النار لعلَّهم يحصل لهم استراحةٌ: {يا مالِكُ ليقضِ علينا ربُّك}؛ أي: لِيُمِتْنا فنستريحَ؛ فإنَّنا في غمٍّ شديدٍ وعذابٍ غليظٍ لا صبر لنا عليه ولا جَلَد، فَـ {قال} لهم مالكٌ خازنُ النار حين طلبوا منه أن يَدْعُوَ الله لهم أن يقضي عليهم: {إنَّكم ماكثونَ}؛ أي: مقيمون فيها لا تخرجون عنها أبداً، فلم يحصُلْ لهم ما قصدوه، بل أجابهم بنقيض قصدِهِم، وزادَهم غمًّا إلى غمِّهم. {78} ثم وبَّخهم بما فعلوا، فقال:{لقد جئناكم بالحقِّ}: الذي يوجب عليكم أن تتَّبِعوه، فلو تبعْتُموه؛ لفزتُم وسعدتُم، {ولكنَّ أكثركم للحقِّ كارهونَ}: فلذلك شقيتُم شقاوةً لا سعادة بعدها.

الزخرف 43:77

{74}{إنَّ المجرمينَ}: الذين أجرموا بكفرهم وتكذيبهم {في عذاب جهنَّم}؛ أي: منغمرون فيه، محيطٌ بهم العذاب من كلِّ جانب، {خالدونَ}: فيه لا يخرُجونَ منه أبداً. {75} و {لا يُفَتَّرُ عنهم}: العذابُ ساعةً [لا بإزالته] ولا بتهوين عذابه، {وهم فيه مُبۡلِسونَ}؛ أي: آيسون من كلِّ خير، غير راجين للفرج، وذلك أنَّهم ينادون ربَّهم، فيقولون:{ربَّنا أخۡرِجۡنا منها فإنۡ عُدۡنا فإنَّا ظالمونَ. قال اخسؤوا فيها ولا تُكَلِّمونَ}. {76} وهذا العذابُ العظيم بما قدَّمت أيديهم وبما ظلموا به أنفسَهم، والله لم يظلِمْهم ولم يعاقِبْهم بلا ذنبٍ ولا جرم. {77}{ونادوا}: وهم في النار لعلَّهم يحصل لهم استراحةٌ: {يا مالِكُ ليقضِ علينا ربُّك}؛ أي: لِيُمِتْنا فنستريحَ؛ فإنَّنا في غمٍّ شديدٍ وعذابٍ غليظٍ لا صبر لنا عليه ولا جَلَد، فَـ {قال} لهم مالكٌ خازنُ النار حين طلبوا منه أن يَدْعُوَ الله لهم أن يقضي عليهم: {إنَّكم ماكثونَ}؛ أي: مقيمون فيها لا تخرجون عنها أبداً، فلم يحصُلْ لهم ما قصدوه، بل أجابهم بنقيض قصدِهِم، وزادَهم غمًّا إلى غمِّهم. {78} ثم وبَّخهم بما فعلوا، فقال:{لقد جئناكم بالحقِّ}: الذي يوجب عليكم أن تتَّبِعوه، فلو تبعْتُموه؛ لفزتُم وسعدتُم، {ولكنَّ أكثركم للحقِّ كارهونَ}: فلذلك شقيتُم شقاوةً لا سعادة بعدها.

الزخرف 43:78

{74}{إنَّ المجرمينَ}: الذين أجرموا بكفرهم وتكذيبهم {في عذاب جهنَّم}؛ أي: منغمرون فيه، محيطٌ بهم العذاب من كلِّ جانب، {خالدونَ}: فيه لا يخرُجونَ منه أبداً. {75} و {لا يُفَتَّرُ عنهم}: العذابُ ساعةً [لا بإزالته] ولا بتهوين عذابه، {وهم فيه مُبۡلِسونَ}؛ أي: آيسون من كلِّ خير، غير راجين للفرج، وذلك أنَّهم ينادون ربَّهم، فيقولون:{ربَّنا أخۡرِجۡنا منها فإنۡ عُدۡنا فإنَّا ظالمونَ. قال اخسؤوا فيها ولا تُكَلِّمونَ}. {76} وهذا العذابُ العظيم بما قدَّمت أيديهم وبما ظلموا به أنفسَهم، والله لم يظلِمْهم ولم يعاقِبْهم بلا ذنبٍ ولا جرم. {77}{ونادوا}: وهم في النار لعلَّهم يحصل لهم استراحةٌ: {يا مالِكُ ليقضِ علينا ربُّك}؛ أي: لِيُمِتْنا فنستريحَ؛ فإنَّنا في غمٍّ شديدٍ وعذابٍ غليظٍ لا صبر لنا عليه ولا جَلَد، فَـ {قال} لهم مالكٌ خازنُ النار حين طلبوا منه أن يَدْعُوَ الله لهم أن يقضي عليهم: {إنَّكم ماكثونَ}؛ أي: مقيمون فيها لا تخرجون عنها أبداً، فلم يحصُلْ لهم ما قصدوه، بل أجابهم بنقيض قصدِهِم، وزادَهم غمًّا إلى غمِّهم. {78} ثم وبَّخهم بما فعلوا، فقال:{لقد جئناكم بالحقِّ}: الذي يوجب عليكم أن تتَّبِعوه، فلو تبعْتُموه؛ لفزتُم وسعدتُم، {ولكنَّ أكثركم للحقِّ كارهونَ}: فلذلك شقيتُم شقاوةً لا سعادة بعدها.

الزخرف 43:79

{79} يقول تعالى: {أم أبرموا}؛ أي: أبرمَ المكذِّبون بالحقِّ المعاندون له {أمراً}؛ أي: كادوا كيداً ومكروا للحقِّ ولمن جاء بالحقِّ ليدحضوه بما موَّهوا من الباطل المزخرف المزوَّق، {فإنَّا مبرِمون}؛ أي: محكمون أمراً ومدبِّرون تدبيراً يعلو تدبيرَهم وينقضُهُ ويبطِلُه. وهو ما قيَّضه الله من الأسباب والأدلَّة لإحقاق الحقِّ وإبطال الباطل؛ كما قال تعالى:{بل نَقۡذِفُ بالحقِّ على الباطل فيدمغُهُ}. {80}{أم يحسبونَ}: بجهلهم وظلمِهِم {أنَّا لا نسمعُ سرَّهم}: الذي لم يتكلَّموا به، بل هو سرٌّ في قلوبهم، {ونجواهم}؛ أي: كلامهم الخفيَّ الذي يتناجَوْن به؛ أي: فلذلك أقدموا على المعاصي، وظنُّوا أنَّها لا تبعةَ لها ولا مجازاة على ما خفي منها، فردَّ الله عليهم بقوله:{بلى}؛ أي: إنا نعلم سرَّهم ونجواهم، {ورسُلُنا}: الملائكة الكرام {لديهم يكتُبونَ}: كلَّ ما عملوه، وسيحفظُ ذلك عليهم حتى يَرِدوا القيامةَ فيجدوا ما عملوا حاضراً، ولا يظلم ربُّك أحداً.

الزخرف 43:80

{79} يقول تعالى: {أم أبرموا}؛ أي: أبرمَ المكذِّبون بالحقِّ المعاندون له {أمراً}؛ أي: كادوا كيداً ومكروا للحقِّ ولمن جاء بالحقِّ ليدحضوه بما موَّهوا من الباطل المزخرف المزوَّق، {فإنَّا مبرِمون}؛ أي: محكمون أمراً ومدبِّرون تدبيراً يعلو تدبيرَهم وينقضُهُ ويبطِلُه. وهو ما قيَّضه الله من الأسباب والأدلَّة لإحقاق الحقِّ وإبطال الباطل؛ كما قال تعالى:{بل نَقۡذِفُ بالحقِّ على الباطل فيدمغُهُ}. {80}{أم يحسبونَ}: بجهلهم وظلمِهِم {أنَّا لا نسمعُ سرَّهم}: الذي لم يتكلَّموا به، بل هو سرٌّ في قلوبهم، {ونجواهم}؛ أي: كلامهم الخفيَّ الذي يتناجَوْن به؛ أي: فلذلك أقدموا على المعاصي، وظنُّوا أنَّها لا تبعةَ لها ولا مجازاة على ما خفي منها، فردَّ الله عليهم بقوله:{بلى}؛ أي: إنا نعلم سرَّهم ونجواهم، {ورسُلُنا}: الملائكة الكرام {لديهم يكتُبونَ}: كلَّ ما عملوه، وسيحفظُ ذلك عليهم حتى يَرِدوا القيامةَ فيجدوا ما عملوا حاضراً، ولا يظلم ربُّك أحداً.

الزخرف 43:81

{81} أي: قل يا أيُّها الرسول الكريم للذين جعلوا لله ولداً، وهو الواحد الأحد، الفرد الصَّمد، الذي لم يتَّخذ صاحبة ولا ولداً، ولم يكن له كفواً أحدٌ:{قل إن كان للرحمن ولدٌ فأنا أوَّلُ العابدينَ}: لذلك الولد؛ لأنه جزءٌ من والده، وأنا أولى الخلق انقياداً للأوامر المحبوبة لله، ولكنِّي أولُ المنكرين لذلك، وأشدُّهم له نفياً، فعلم بذلك بطلانه؛ فهذا احتجاجٌ عظيم عند من عرفَ أحوال الرسل، وأنَّه إذا علم أنَّهم أكملُ الخلق، وأنَّ كلَّ خير فهم أول الناس سبقاً إليه وتكميلاً له. وكلُّ شرٍّ فهم أولُ الناس تركاً له وإنكاراً له وبعداً منه؛ فلو كان للرحمن ولدٌ، وهو الحقُّ؛ لكان محمدُ بنُ عبد الله أفضلَ الرسل أول مَنْ عَبَدَه، ولم يسبقْه إليه المشركون. ويُحتمل أنَّ معنى الآية: لو كان للرحمن ولدٌ؛ فأنا أولُ العابدين لله، ومن عبادتي لله إثباتُ ما أثبته ونفيُ ما نفاه؛ فهذا من العبادة القوليَّة الاعتقاديَّة، ويلزم من هذا لو كان حقًّا؛ لكنتُ أول مثبتٍ له، فعلم بذلك بطلانُ دعوى المشركين وفسادها عقلاً ونقلاً. {82}{سبحانَ ربِّ السمواتِ والأرض ربِّ العرش عمَّا يصفونَ}: من الشريك والظَّهير والعوين والولد وغير ذلك مما نسبه إليه المشركون. {83}{فَذَرۡهم يخوضوا ويلعبوا}؛ أي: يخوضوا بالباطل ويلعبوا بالمحال؛ فعلومُهم ضارةٌ غير نافعةٍ، وهي الخوض والبحث بالعلوم التي يعارِضون بها الحقَّ وما جاءت به الرسل، وأعمالهم لعبٌ وسفاهةٌ لا تزكِّي النفوس ولا تثمِرُ المعارفَ، ولهذا توعَّدهم بما أمامهم يوم القيامةِ، فقال:{حتى يلاقوا يومَهم الذي يوعَدونَ}: فسيعلمون فيه ماذا حَصَّلوا، وما حَصَلوا عليه من الشقاءِ الدائم والعذاب المستمرِّ.

الزخرف 43:82

{81} أي: قل يا أيُّها الرسول الكريم للذين جعلوا لله ولداً، وهو الواحد الأحد، الفرد الصَّمد، الذي لم يتَّخذ صاحبة ولا ولداً، ولم يكن له كفواً أحدٌ:{قل إن كان للرحمن ولدٌ فأنا أوَّلُ العابدينَ}: لذلك الولد؛ لأنه جزءٌ من والده، وأنا أولى الخلق انقياداً للأوامر المحبوبة لله، ولكنِّي أولُ المنكرين لذلك، وأشدُّهم له نفياً، فعلم بذلك بطلانه؛ فهذا احتجاجٌ عظيم عند من عرفَ أحوال الرسل، وأنَّه إذا علم أنَّهم أكملُ الخلق، وأنَّ كلَّ خير فهم أول الناس سبقاً إليه وتكميلاً له. وكلُّ شرٍّ فهم أولُ الناس تركاً له وإنكاراً له وبعداً منه؛ فلو كان للرحمن ولدٌ، وهو الحقُّ؛ لكان محمدُ بنُ عبد الله أفضلَ الرسل أول مَنْ عَبَدَه، ولم يسبقْه إليه المشركون. ويُحتمل أنَّ معنى الآية: لو كان للرحمن ولدٌ؛ فأنا أولُ العابدين لله، ومن عبادتي لله إثباتُ ما أثبته ونفيُ ما نفاه؛ فهذا من العبادة القوليَّة الاعتقاديَّة، ويلزم من هذا لو كان حقًّا؛ لكنتُ أول مثبتٍ له، فعلم بذلك بطلانُ دعوى المشركين وفسادها عقلاً ونقلاً. {82}{سبحانَ ربِّ السمواتِ والأرض ربِّ العرش عمَّا يصفونَ}: من الشريك والظَّهير والعوين والولد وغير ذلك مما نسبه إليه المشركون. {83}{فَذَرۡهم يخوضوا ويلعبوا}؛ أي: يخوضوا بالباطل ويلعبوا بالمحال؛ فعلومُهم ضارةٌ غير نافعةٍ، وهي الخوض والبحث بالعلوم التي يعارِضون بها الحقَّ وما جاءت به الرسل، وأعمالهم لعبٌ وسفاهةٌ لا تزكِّي النفوس ولا تثمِرُ المعارفَ، ولهذا توعَّدهم بما أمامهم يوم القيامةِ، فقال:{حتى يلاقوا يومَهم الذي يوعَدونَ}: فسيعلمون فيه ماذا حَصَّلوا، وما حَصَلوا عليه من الشقاءِ الدائم والعذاب المستمرِّ.

الزخرف 43:83

{81} أي: قل يا أيُّها الرسول الكريم للذين جعلوا لله ولداً، وهو الواحد الأحد، الفرد الصَّمد، الذي لم يتَّخذ صاحبة ولا ولداً، ولم يكن له كفواً أحدٌ:{قل إن كان للرحمن ولدٌ فأنا أوَّلُ العابدينَ}: لذلك الولد؛ لأنه جزءٌ من والده، وأنا أولى الخلق انقياداً للأوامر المحبوبة لله، ولكنِّي أولُ المنكرين لذلك، وأشدُّهم له نفياً، فعلم بذلك بطلانه؛ فهذا احتجاجٌ عظيم عند من عرفَ أحوال الرسل، وأنَّه إذا علم أنَّهم أكملُ الخلق، وأنَّ كلَّ خير فهم أول الناس سبقاً إليه وتكميلاً له. وكلُّ شرٍّ فهم أولُ الناس تركاً له وإنكاراً له وبعداً منه؛ فلو كان للرحمن ولدٌ، وهو الحقُّ؛ لكان محمدُ بنُ عبد الله أفضلَ الرسل أول مَنْ عَبَدَه، ولم يسبقْه إليه المشركون. ويُحتمل أنَّ معنى الآية: لو كان للرحمن ولدٌ؛ فأنا أولُ العابدين لله، ومن عبادتي لله إثباتُ ما أثبته ونفيُ ما نفاه؛ فهذا من العبادة القوليَّة الاعتقاديَّة، ويلزم من هذا لو كان حقًّا؛ لكنتُ أول مثبتٍ له، فعلم بذلك بطلانُ دعوى المشركين وفسادها عقلاً ونقلاً. {82}{سبحانَ ربِّ السمواتِ والأرض ربِّ العرش عمَّا يصفونَ}: من الشريك والظَّهير والعوين والولد وغير ذلك مما نسبه إليه المشركون. {83}{فَذَرۡهم يخوضوا ويلعبوا}؛ أي: يخوضوا بالباطل ويلعبوا بالمحال؛ فعلومُهم ضارةٌ غير نافعةٍ، وهي الخوض والبحث بالعلوم التي يعارِضون بها الحقَّ وما جاءت به الرسل، وأعمالهم لعبٌ وسفاهةٌ لا تزكِّي النفوس ولا تثمِرُ المعارفَ، ولهذا توعَّدهم بما أمامهم يوم القيامةِ، فقال:{حتى يلاقوا يومَهم الذي يوعَدونَ}: فسيعلمون فيه ماذا حَصَّلوا، وما حَصَلوا عليه من الشقاءِ الدائم والعذاب المستمرِّ.

الزخرف 43:84

{84} يخبر تعالى أنَّه وحده المألوهُ المعبودُ في السماواتِ والأرض، فأهل السماوات كلُّهم، والمؤمنون من أهل الأرض يعبدُونَه ويعظِّمونه ويخضعون لجلاله ويفتِقرون لكماله، {تسبِّحُ له السمواتُ السبع والأرضُ ومن فيهن}، {وإن من شيءٍ إلاَّ يسبِّحُ بحمدِه}، {ولله يسجُدُ من في السمواتِ والأرض طوعاً وكرهاً}. فهو تعالى المألوه المعبودُ الذي يألهه الخلائق كلُّهم طائعين مختارين وكارهين، وهذه كقولِهِ تعالى:{وهو الله في السماواتِ وفي الأرض}؛ أي: ألوهيَّته ومحبته فيهما وأما هو فإنه فوق عرشه بائن من خلقه متوحدٌ بجلاله متمجدٌ بكماله. {وهو الحكيمُ}: الذي أحكم ما خلقه، وأتقن ما شرعه؛ فما خلق شيئاً إلاَّ لحكمةٍ، ولا شرع شيئاً إلاَّ لحكمةٍ، وحكمهُ القدريُّ والشرعيُّ والجزائيُّ مشتملٌ على الحكمة، {العليم}: بكلِّ شيء، يعلم السِّر وأخفى، ولا يعزُبُ عنه مثقالُ ذرَّة في العالم العلويِّ والسفليِّ ولا أصغر منها ولا أكبر. {85}{وتبارك الذي له ملك السمواتِ والأرض وما بينهما}: {تبارك}؛ بمعنى: تعالى وتعاظم وكثُر خيرُه واتَّسعت صفاتُه وعظُم ملكُه، ولهذا ذكر سَعَةَ ملكِه للسمواتِ والأرض وما بينهما، وسَعَةَ علمِهِ، وأنَّه بكلِّ شيءٍ عليمٌ، حتى إنه تعالى انفردَ بعلم الغيوب ، التي لم يطَّلع عليها أحدٌ من الخلق؛ لا نبيٌّ مرسلٌ ولا ملكٌ مقربٌ، ولهذا قال:{وعنده علمُ الساعةِ}: قدَّم الظرفَ ليفيد الحصر؛ أي: لا يعلم متى تجيء الساعةُ إلاَّ هو. ومن تمام ملكِهِ وسعته أنَّه مالك الدُّنيا والآخرة، ولهذا قال:{وإليه ترجعون}؛ أي: في الآخرة فيحكم بينكم بحكمِهِ العدل. {86} ومن تمام ملكِهِ أنَّه لا يملكُ أحدٌ من خلقِهِ من الأمر شيئاً، ولا يقدِم على الشفاعة عنده أحدٌ إلاَّ بإذنه. {ولا يملكُ الذين يدعونَ من دونِهِ الشفاعةَ}؛ أي: كلُّ مَنْ دُعِيَ من دون الله من الأنبياء والملائكة وغيرهم لا يملكونَ الشفاعةَ ولا يشفعونَ إلاَّ بإذن الله ولا يشفعونَ إلاَّ لِمن ارتضى، ولهذا قال:{إلاَّ مَنۡ شَهِدَ بالحقِّ}؛ أي: نطق بلسانه مقرًّا بقلبه عالماً بما شهد به، ويشترطُ أن تكونَ شهادته بالحقِّ، وهو الشهادةُ لله تعالى بالوحدانيَّةِ، ولرسله بالنبوَّة والرسالة، وصحَّة ما جاؤوا به من أصول الدين وفروعه وحقائقه وشرائعه؛ فهؤلاء الذين تنفع فيهم شفاعةُ الشافعين، وهؤلاء الناجون من عقاب الله، الحائزون لثوابه. {87} ثم قال تعالى: {ولئن سألتَهم مَن خَلَقَهُم لَيقولنَّ اللهُ}؛ أي: ولئن سألت المشركين عن توحيد الربوبيَّة ومَن هو الخالق؛ لأقرُّوا أنَّه الله وحدَه لا شريك له، {فأنَّى يُؤۡفَكونَ}؛ أي: فكيف يُصْرَفون عن عبادة الله والإخلاص له وحدَه؟! فإقرارهُم بتوحيد الرُّبوبيَّة يلزمهم به الإقرار بتوحيد الألوهية، وهو من أكبر الأدلَّة على بطلان الشرك. {88}{وقيله ياربِّ إنَّ هؤلاء قومٌ لا يؤمنون}: هذا معطوف على قولِهِ: {وعندهُ علمُ الساعةِ}؛ أي: وعنده علم قيلِهِ؛ أي: الرسول - صلى الله عليه وسلم - شاكياً لربِّهِ تكذيب قومِهِ، متحزِّناً على ذلك، متحسِّراً على عدم إيمانهم؛ فالله تعالى عالمٌ بهذه الحال، قادرٌ على معاجلتهم بالعقوبة، ولكنه تعالى حليمٌ، يمهلُ العباد، ويستأني بهم لعلَّهم يتوبون ويرجِعون. {89} ولهذا قال: {فاصفحۡ عنهم وقُلۡ سلامٌ}؛ أي: اصفح عنهم ما يأتيك من أذيَّتِهِمْ القوليَّة والفعليَّة، واعفُ عنهم، ولا يبدر منك لهم إلاَّ السلامُ الذي يقابِل به أولو الألباب والبصائر للجاهلين؛ كما قال تعالى عن عباده الصالحين:{وإذا خاطَبَهُمُ الجاهلونَ}؛ أي: خطاباً بمقتضى جهلهم، {قالوا سلاماً}. فامتثل - صلى الله عليه وسلم - لأمر ربِّه، وتلقَّى ما يصدُرُ إليه من قومِهِ وغيرهم من الأذى بالعفو والصفح، ولم يقابِلْهم عليه السلام إلاَّ بالإحسان إليهم والخطاب الجميل؛ فصلوات الله وسلامُه على مَن خصه الله بالخُلُق العظيم الذي فَضَلَ به أهلَ الأرض والسماء، وارتفعَ به أعلى من كواكبِ الجوزاءِ، وقوله:{فسوفَ يَعلمونَ}؛ أي: غِبَّ ذُنوبهم وعاقبةَ جُرمهم. تم تفسير سورة الزخرف. ولله الحمد والمنة. * * *

الزخرف 43:85

{84} يخبر تعالى أنَّه وحده المألوهُ المعبودُ في السماواتِ والأرض، فأهل السماوات كلُّهم، والمؤمنون من أهل الأرض يعبدُونَه ويعظِّمونه ويخضعون لجلاله ويفتِقرون لكماله، {تسبِّحُ له السمواتُ السبع والأرضُ ومن فيهن}، {وإن من شيءٍ إلاَّ يسبِّحُ بحمدِه}، {ولله يسجُدُ من في السمواتِ والأرض طوعاً وكرهاً}. فهو تعالى المألوه المعبودُ الذي يألهه الخلائق كلُّهم طائعين مختارين وكارهين، وهذه كقولِهِ تعالى:{وهو الله في السماواتِ وفي الأرض}؛ أي: ألوهيَّته ومحبته فيهما وأما هو فإنه فوق عرشه بائن من خلقه متوحدٌ بجلاله متمجدٌ بكماله. {وهو الحكيمُ}: الذي أحكم ما خلقه، وأتقن ما شرعه؛ فما خلق شيئاً إلاَّ لحكمةٍ، ولا شرع شيئاً إلاَّ لحكمةٍ، وحكمهُ القدريُّ والشرعيُّ والجزائيُّ مشتملٌ على الحكمة، {العليم}: بكلِّ شيء، يعلم السِّر وأخفى، ولا يعزُبُ عنه مثقالُ ذرَّة في العالم العلويِّ والسفليِّ ولا أصغر منها ولا أكبر. {85}{وتبارك الذي له ملك السمواتِ والأرض وما بينهما}: {تبارك}؛ بمعنى: تعالى وتعاظم وكثُر خيرُه واتَّسعت صفاتُه وعظُم ملكُه، ولهذا ذكر سَعَةَ ملكِه للسمواتِ والأرض وما بينهما، وسَعَةَ علمِهِ، وأنَّه بكلِّ شيءٍ عليمٌ، حتى إنه تعالى انفردَ بعلم الغيوب ، التي لم يطَّلع عليها أحدٌ من الخلق؛ لا نبيٌّ مرسلٌ ولا ملكٌ مقربٌ، ولهذا قال:{وعنده علمُ الساعةِ}: قدَّم الظرفَ ليفيد الحصر؛ أي: لا يعلم متى تجيء الساعةُ إلاَّ هو. ومن تمام ملكِهِ وسعته أنَّه مالك الدُّنيا والآخرة، ولهذا قال:{وإليه ترجعون}؛ أي: في الآخرة فيحكم بينكم بحكمِهِ العدل. {86} ومن تمام ملكِهِ أنَّه لا يملكُ أحدٌ من خلقِهِ من الأمر شيئاً، ولا يقدِم على الشفاعة عنده أحدٌ إلاَّ بإذنه. {ولا يملكُ الذين يدعونَ من دونِهِ الشفاعةَ}؛ أي: كلُّ مَنْ دُعِيَ من دون الله من الأنبياء والملائكة وغيرهم لا يملكونَ الشفاعةَ ولا يشفعونَ إلاَّ بإذن الله ولا يشفعونَ إلاَّ لِمن ارتضى، ولهذا قال:{إلاَّ مَنۡ شَهِدَ بالحقِّ}؛ أي: نطق بلسانه مقرًّا بقلبه عالماً بما شهد به، ويشترطُ أن تكونَ شهادته بالحقِّ، وهو الشهادةُ لله تعالى بالوحدانيَّةِ، ولرسله بالنبوَّة والرسالة، وصحَّة ما جاؤوا به من أصول الدين وفروعه وحقائقه وشرائعه؛ فهؤلاء الذين تنفع فيهم شفاعةُ الشافعين، وهؤلاء الناجون من عقاب الله، الحائزون لثوابه. {87} ثم قال تعالى: {ولئن سألتَهم مَن خَلَقَهُم لَيقولنَّ اللهُ}؛ أي: ولئن سألت المشركين عن توحيد الربوبيَّة ومَن هو الخالق؛ لأقرُّوا أنَّه الله وحدَه لا شريك له، {فأنَّى يُؤۡفَكونَ}؛ أي: فكيف يُصْرَفون عن عبادة الله والإخلاص له وحدَه؟! فإقرارهُم بتوحيد الرُّبوبيَّة يلزمهم به الإقرار بتوحيد الألوهية، وهو من أكبر الأدلَّة على بطلان الشرك. {88}{وقيله ياربِّ إنَّ هؤلاء قومٌ لا يؤمنون}: هذا معطوف على قولِهِ: {وعندهُ علمُ الساعةِ}؛ أي: وعنده علم قيلِهِ؛ أي: الرسول - صلى الله عليه وسلم - شاكياً لربِّهِ تكذيب قومِهِ، متحزِّناً على ذلك، متحسِّراً على عدم إيمانهم؛ فالله تعالى عالمٌ بهذه الحال، قادرٌ على معاجلتهم بالعقوبة، ولكنه تعالى حليمٌ، يمهلُ العباد، ويستأني بهم لعلَّهم يتوبون ويرجِعون. {89} ولهذا قال: {فاصفحۡ عنهم وقُلۡ سلامٌ}؛ أي: اصفح عنهم ما يأتيك من أذيَّتِهِمْ القوليَّة والفعليَّة، واعفُ عنهم، ولا يبدر منك لهم إلاَّ السلامُ الذي يقابِل به أولو الألباب والبصائر للجاهلين؛ كما قال تعالى عن عباده الصالحين:{وإذا خاطَبَهُمُ الجاهلونَ}؛ أي: خطاباً بمقتضى جهلهم، {قالوا سلاماً}. فامتثل - صلى الله عليه وسلم - لأمر ربِّه، وتلقَّى ما يصدُرُ إليه من قومِهِ وغيرهم من الأذى بالعفو والصفح، ولم يقابِلْهم عليه السلام إلاَّ بالإحسان إليهم والخطاب الجميل؛ فصلوات الله وسلامُه على مَن خصه الله بالخُلُق العظيم الذي فَضَلَ به أهلَ الأرض والسماء، وارتفعَ به أعلى من كواكبِ الجوزاءِ، وقوله:{فسوفَ يَعلمونَ}؛ أي: غِبَّ ذُنوبهم وعاقبةَ جُرمهم. تم تفسير سورة الزخرف. ولله الحمد والمنة. * * *

الزخرف 43:86

{84} يخبر تعالى أنَّه وحده المألوهُ المعبودُ في السماواتِ والأرض، فأهل السماوات كلُّهم، والمؤمنون من أهل الأرض يعبدُونَه ويعظِّمونه ويخضعون لجلاله ويفتِقرون لكماله، {تسبِّحُ له السمواتُ السبع والأرضُ ومن فيهن}، {وإن من شيءٍ إلاَّ يسبِّحُ بحمدِه}، {ولله يسجُدُ من في السمواتِ والأرض طوعاً وكرهاً}. فهو تعالى المألوه المعبودُ الذي يألهه الخلائق كلُّهم طائعين مختارين وكارهين، وهذه كقولِهِ تعالى:{وهو الله في السماواتِ وفي الأرض}؛ أي: ألوهيَّته ومحبته فيهما وأما هو فإنه فوق عرشه بائن من خلقه متوحدٌ بجلاله متمجدٌ بكماله. {وهو الحكيمُ}: الذي أحكم ما خلقه، وأتقن ما شرعه؛ فما خلق شيئاً إلاَّ لحكمةٍ، ولا شرع شيئاً إلاَّ لحكمةٍ، وحكمهُ القدريُّ والشرعيُّ والجزائيُّ مشتملٌ على الحكمة، {العليم}: بكلِّ شيء، يعلم السِّر وأخفى، ولا يعزُبُ عنه مثقالُ ذرَّة في العالم العلويِّ والسفليِّ ولا أصغر منها ولا أكبر. {85}{وتبارك الذي له ملك السمواتِ والأرض وما بينهما}: {تبارك}؛ بمعنى: تعالى وتعاظم وكثُر خيرُه واتَّسعت صفاتُه وعظُم ملكُه، ولهذا ذكر سَعَةَ ملكِه للسمواتِ والأرض وما بينهما، وسَعَةَ علمِهِ، وأنَّه بكلِّ شيءٍ عليمٌ، حتى إنه تعالى انفردَ بعلم الغيوب ، التي لم يطَّلع عليها أحدٌ من الخلق؛ لا نبيٌّ مرسلٌ ولا ملكٌ مقربٌ، ولهذا قال:{وعنده علمُ الساعةِ}: قدَّم الظرفَ ليفيد الحصر؛ أي: لا يعلم متى تجيء الساعةُ إلاَّ هو. ومن تمام ملكِهِ وسعته أنَّه مالك الدُّنيا والآخرة، ولهذا قال:{وإليه ترجعون}؛ أي: في الآخرة فيحكم بينكم بحكمِهِ العدل. {86} ومن تمام ملكِهِ أنَّه لا يملكُ أحدٌ من خلقِهِ من الأمر شيئاً، ولا يقدِم على الشفاعة عنده أحدٌ إلاَّ بإذنه. {ولا يملكُ الذين يدعونَ من دونِهِ الشفاعةَ}؛ أي: كلُّ مَنْ دُعِيَ من دون الله من الأنبياء والملائكة وغيرهم لا يملكونَ الشفاعةَ ولا يشفعونَ إلاَّ بإذن الله ولا يشفعونَ إلاَّ لِمن ارتضى، ولهذا قال:{إلاَّ مَنۡ شَهِدَ بالحقِّ}؛ أي: نطق بلسانه مقرًّا بقلبه عالماً بما شهد به، ويشترطُ أن تكونَ شهادته بالحقِّ، وهو الشهادةُ لله تعالى بالوحدانيَّةِ، ولرسله بالنبوَّة والرسالة، وصحَّة ما جاؤوا به من أصول الدين وفروعه وحقائقه وشرائعه؛ فهؤلاء الذين تنفع فيهم شفاعةُ الشافعين، وهؤلاء الناجون من عقاب الله، الحائزون لثوابه. {87} ثم قال تعالى: {ولئن سألتَهم مَن خَلَقَهُم لَيقولنَّ اللهُ}؛ أي: ولئن سألت المشركين عن توحيد الربوبيَّة ومَن هو الخالق؛ لأقرُّوا أنَّه الله وحدَه لا شريك له، {فأنَّى يُؤۡفَكونَ}؛ أي: فكيف يُصْرَفون عن عبادة الله والإخلاص له وحدَه؟! فإقرارهُم بتوحيد الرُّبوبيَّة يلزمهم به الإقرار بتوحيد الألوهية، وهو من أكبر الأدلَّة على بطلان الشرك. {88}{وقيله ياربِّ إنَّ هؤلاء قومٌ لا يؤمنون}: هذا معطوف على قولِهِ: {وعندهُ علمُ الساعةِ}؛ أي: وعنده علم قيلِهِ؛ أي: الرسول - صلى الله عليه وسلم - شاكياً لربِّهِ تكذيب قومِهِ، متحزِّناً على ذلك، متحسِّراً على عدم إيمانهم؛ فالله تعالى عالمٌ بهذه الحال، قادرٌ على معاجلتهم بالعقوبة، ولكنه تعالى حليمٌ، يمهلُ العباد، ويستأني بهم لعلَّهم يتوبون ويرجِعون. {89} ولهذا قال: {فاصفحۡ عنهم وقُلۡ سلامٌ}؛ أي: اصفح عنهم ما يأتيك من أذيَّتِهِمْ القوليَّة والفعليَّة، واعفُ عنهم، ولا يبدر منك لهم إلاَّ السلامُ الذي يقابِل به أولو الألباب والبصائر للجاهلين؛ كما قال تعالى عن عباده الصالحين:{وإذا خاطَبَهُمُ الجاهلونَ}؛ أي: خطاباً بمقتضى جهلهم، {قالوا سلاماً}. فامتثل - صلى الله عليه وسلم - لأمر ربِّه، وتلقَّى ما يصدُرُ إليه من قومِهِ وغيرهم من الأذى بالعفو والصفح، ولم يقابِلْهم عليه السلام إلاَّ بالإحسان إليهم والخطاب الجميل؛ فصلوات الله وسلامُه على مَن خصه الله بالخُلُق العظيم الذي فَضَلَ به أهلَ الأرض والسماء، وارتفعَ به أعلى من كواكبِ الجوزاءِ، وقوله:{فسوفَ يَعلمونَ}؛ أي: غِبَّ ذُنوبهم وعاقبةَ جُرمهم. تم تفسير سورة الزخرف. ولله الحمد والمنة. * * *

الزخرف 43:87

{84} يخبر تعالى أنَّه وحده المألوهُ المعبودُ في السماواتِ والأرض، فأهل السماوات كلُّهم، والمؤمنون من أهل الأرض يعبدُونَه ويعظِّمونه ويخضعون لجلاله ويفتِقرون لكماله، {تسبِّحُ له السمواتُ السبع والأرضُ ومن فيهن}، {وإن من شيءٍ إلاَّ يسبِّحُ بحمدِه}، {ولله يسجُدُ من في السمواتِ والأرض طوعاً وكرهاً}. فهو تعالى المألوه المعبودُ الذي يألهه الخلائق كلُّهم طائعين مختارين وكارهين، وهذه كقولِهِ تعالى:{وهو الله في السماواتِ وفي الأرض}؛ أي: ألوهيَّته ومحبته فيهما وأما هو فإنه فوق عرشه بائن من خلقه متوحدٌ بجلاله متمجدٌ بكماله. {وهو الحكيمُ}: الذي أحكم ما خلقه، وأتقن ما شرعه؛ فما خلق شيئاً إلاَّ لحكمةٍ، ولا شرع شيئاً إلاَّ لحكمةٍ، وحكمهُ القدريُّ والشرعيُّ والجزائيُّ مشتملٌ على الحكمة، {العليم}: بكلِّ شيء، يعلم السِّر وأخفى، ولا يعزُبُ عنه مثقالُ ذرَّة في العالم العلويِّ والسفليِّ ولا أصغر منها ولا أكبر. {85}{وتبارك الذي له ملك السمواتِ والأرض وما بينهما}: {تبارك}؛ بمعنى: تعالى وتعاظم وكثُر خيرُه واتَّسعت صفاتُه وعظُم ملكُه، ولهذا ذكر سَعَةَ ملكِه للسمواتِ والأرض وما بينهما، وسَعَةَ علمِهِ، وأنَّه بكلِّ شيءٍ عليمٌ، حتى إنه تعالى انفردَ بعلم الغيوب ، التي لم يطَّلع عليها أحدٌ من الخلق؛ لا نبيٌّ مرسلٌ ولا ملكٌ مقربٌ، ولهذا قال:{وعنده علمُ الساعةِ}: قدَّم الظرفَ ليفيد الحصر؛ أي: لا يعلم متى تجيء الساعةُ إلاَّ هو. ومن تمام ملكِهِ وسعته أنَّه مالك الدُّنيا والآخرة، ولهذا قال:{وإليه ترجعون}؛ أي: في الآخرة فيحكم بينكم بحكمِهِ العدل. {86} ومن تمام ملكِهِ أنَّه لا يملكُ أحدٌ من خلقِهِ من الأمر شيئاً، ولا يقدِم على الشفاعة عنده أحدٌ إلاَّ بإذنه. {ولا يملكُ الذين يدعونَ من دونِهِ الشفاعةَ}؛ أي: كلُّ مَنْ دُعِيَ من دون الله من الأنبياء والملائكة وغيرهم لا يملكونَ الشفاعةَ ولا يشفعونَ إلاَّ بإذن الله ولا يشفعونَ إلاَّ لِمن ارتضى، ولهذا قال:{إلاَّ مَنۡ شَهِدَ بالحقِّ}؛ أي: نطق بلسانه مقرًّا بقلبه عالماً بما شهد به، ويشترطُ أن تكونَ شهادته بالحقِّ، وهو الشهادةُ لله تعالى بالوحدانيَّةِ، ولرسله بالنبوَّة والرسالة، وصحَّة ما جاؤوا به من أصول الدين وفروعه وحقائقه وشرائعه؛ فهؤلاء الذين تنفع فيهم شفاعةُ الشافعين، وهؤلاء الناجون من عقاب الله، الحائزون لثوابه. {87} ثم قال تعالى: {ولئن سألتَهم مَن خَلَقَهُم لَيقولنَّ اللهُ}؛ أي: ولئن سألت المشركين عن توحيد الربوبيَّة ومَن هو الخالق؛ لأقرُّوا أنَّه الله وحدَه لا شريك له، {فأنَّى يُؤۡفَكونَ}؛ أي: فكيف يُصْرَفون عن عبادة الله والإخلاص له وحدَه؟! فإقرارهُم بتوحيد الرُّبوبيَّة يلزمهم به الإقرار بتوحيد الألوهية، وهو من أكبر الأدلَّة على بطلان الشرك. {88}{وقيله ياربِّ إنَّ هؤلاء قومٌ لا يؤمنون}: هذا معطوف على قولِهِ: {وعندهُ علمُ الساعةِ}؛ أي: وعنده علم قيلِهِ؛ أي: الرسول - صلى الله عليه وسلم - شاكياً لربِّهِ تكذيب قومِهِ، متحزِّناً على ذلك، متحسِّراً على عدم إيمانهم؛ فالله تعالى عالمٌ بهذه الحال، قادرٌ على معاجلتهم بالعقوبة، ولكنه تعالى حليمٌ، يمهلُ العباد، ويستأني بهم لعلَّهم يتوبون ويرجِعون. {89} ولهذا قال: {فاصفحۡ عنهم وقُلۡ سلامٌ}؛ أي: اصفح عنهم ما يأتيك من أذيَّتِهِمْ القوليَّة والفعليَّة، واعفُ عنهم، ولا يبدر منك لهم إلاَّ السلامُ الذي يقابِل به أولو الألباب والبصائر للجاهلين؛ كما قال تعالى عن عباده الصالحين:{وإذا خاطَبَهُمُ الجاهلونَ}؛ أي: خطاباً بمقتضى جهلهم، {قالوا سلاماً}. فامتثل - صلى الله عليه وسلم - لأمر ربِّه، وتلقَّى ما يصدُرُ إليه من قومِهِ وغيرهم من الأذى بالعفو والصفح، ولم يقابِلْهم عليه السلام إلاَّ بالإحسان إليهم والخطاب الجميل؛ فصلوات الله وسلامُه على مَن خصه الله بالخُلُق العظيم الذي فَضَلَ به أهلَ الأرض والسماء، وارتفعَ به أعلى من كواكبِ الجوزاءِ، وقوله:{فسوفَ يَعلمونَ}؛ أي: غِبَّ ذُنوبهم وعاقبةَ جُرمهم. تم تفسير سورة الزخرف. ولله الحمد والمنة. * * *

الزخرف 43:88

{84} يخبر تعالى أنَّه وحده المألوهُ المعبودُ في السماواتِ والأرض، فأهل السماوات كلُّهم، والمؤمنون من أهل الأرض يعبدُونَه ويعظِّمونه ويخضعون لجلاله ويفتِقرون لكماله، {تسبِّحُ له السمواتُ السبع والأرضُ ومن فيهن}، {وإن من شيءٍ إلاَّ يسبِّحُ بحمدِه}، {ولله يسجُدُ من في السمواتِ والأرض طوعاً وكرهاً}. فهو تعالى المألوه المعبودُ الذي يألهه الخلائق كلُّهم طائعين مختارين وكارهين، وهذه كقولِهِ تعالى:{وهو الله في السماواتِ وفي الأرض}؛ أي: ألوهيَّته ومحبته فيهما وأما هو فإنه فوق عرشه بائن من خلقه متوحدٌ بجلاله متمجدٌ بكماله. {وهو الحكيمُ}: الذي أحكم ما خلقه، وأتقن ما شرعه؛ فما خلق شيئاً إلاَّ لحكمةٍ، ولا شرع شيئاً إلاَّ لحكمةٍ، وحكمهُ القدريُّ والشرعيُّ والجزائيُّ مشتملٌ على الحكمة، {العليم}: بكلِّ شيء، يعلم السِّر وأخفى، ولا يعزُبُ عنه مثقالُ ذرَّة في العالم العلويِّ والسفليِّ ولا أصغر منها ولا أكبر. {85}{وتبارك الذي له ملك السمواتِ والأرض وما بينهما}: {تبارك}؛ بمعنى: تعالى وتعاظم وكثُر خيرُه واتَّسعت صفاتُه وعظُم ملكُه، ولهذا ذكر سَعَةَ ملكِه للسمواتِ والأرض وما بينهما، وسَعَةَ علمِهِ، وأنَّه بكلِّ شيءٍ عليمٌ، حتى إنه تعالى انفردَ بعلم الغيوب ، التي لم يطَّلع عليها أحدٌ من الخلق؛ لا نبيٌّ مرسلٌ ولا ملكٌ مقربٌ، ولهذا قال:{وعنده علمُ الساعةِ}: قدَّم الظرفَ ليفيد الحصر؛ أي: لا يعلم متى تجيء الساعةُ إلاَّ هو. ومن تمام ملكِهِ وسعته أنَّه مالك الدُّنيا والآخرة، ولهذا قال:{وإليه ترجعون}؛ أي: في الآخرة فيحكم بينكم بحكمِهِ العدل. {86} ومن تمام ملكِهِ أنَّه لا يملكُ أحدٌ من خلقِهِ من الأمر شيئاً، ولا يقدِم على الشفاعة عنده أحدٌ إلاَّ بإذنه. {ولا يملكُ الذين يدعونَ من دونِهِ الشفاعةَ}؛ أي: كلُّ مَنْ دُعِيَ من دون الله من الأنبياء والملائكة وغيرهم لا يملكونَ الشفاعةَ ولا يشفعونَ إلاَّ بإذن الله ولا يشفعونَ إلاَّ لِمن ارتضى، ولهذا قال:{إلاَّ مَنۡ شَهِدَ بالحقِّ}؛ أي: نطق بلسانه مقرًّا بقلبه عالماً بما شهد به، ويشترطُ أن تكونَ شهادته بالحقِّ، وهو الشهادةُ لله تعالى بالوحدانيَّةِ، ولرسله بالنبوَّة والرسالة، وصحَّة ما جاؤوا به من أصول الدين وفروعه وحقائقه وشرائعه؛ فهؤلاء الذين تنفع فيهم شفاعةُ الشافعين، وهؤلاء الناجون من عقاب الله، الحائزون لثوابه. {87} ثم قال تعالى: {ولئن سألتَهم مَن خَلَقَهُم لَيقولنَّ اللهُ}؛ أي: ولئن سألت المشركين عن توحيد الربوبيَّة ومَن هو الخالق؛ لأقرُّوا أنَّه الله وحدَه لا شريك له، {فأنَّى يُؤۡفَكونَ}؛ أي: فكيف يُصْرَفون عن عبادة الله والإخلاص له وحدَه؟! فإقرارهُم بتوحيد الرُّبوبيَّة يلزمهم به الإقرار بتوحيد الألوهية، وهو من أكبر الأدلَّة على بطلان الشرك. {88}{وقيله ياربِّ إنَّ هؤلاء قومٌ لا يؤمنون}: هذا معطوف على قولِهِ: {وعندهُ علمُ الساعةِ}؛ أي: وعنده علم قيلِهِ؛ أي: الرسول - صلى الله عليه وسلم - شاكياً لربِّهِ تكذيب قومِهِ، متحزِّناً على ذلك، متحسِّراً على عدم إيمانهم؛ فالله تعالى عالمٌ بهذه الحال، قادرٌ على معاجلتهم بالعقوبة، ولكنه تعالى حليمٌ، يمهلُ العباد، ويستأني بهم لعلَّهم يتوبون ويرجِعون. {89} ولهذا قال: {فاصفحۡ عنهم وقُلۡ سلامٌ}؛ أي: اصفح عنهم ما يأتيك من أذيَّتِهِمْ القوليَّة والفعليَّة، واعفُ عنهم، ولا يبدر منك لهم إلاَّ السلامُ الذي يقابِل به أولو الألباب والبصائر للجاهلين؛ كما قال تعالى عن عباده الصالحين:{وإذا خاطَبَهُمُ الجاهلونَ}؛ أي: خطاباً بمقتضى جهلهم، {قالوا سلاماً}. فامتثل - صلى الله عليه وسلم - لأمر ربِّه، وتلقَّى ما يصدُرُ إليه من قومِهِ وغيرهم من الأذى بالعفو والصفح، ولم يقابِلْهم عليه السلام إلاَّ بالإحسان إليهم والخطاب الجميل؛ فصلوات الله وسلامُه على مَن خصه الله بالخُلُق العظيم الذي فَضَلَ به أهلَ الأرض والسماء، وارتفعَ به أعلى من كواكبِ الجوزاءِ، وقوله:{فسوفَ يَعلمونَ}؛ أي: غِبَّ ذُنوبهم وعاقبةَ جُرمهم. تم تفسير سورة الزخرف. ولله الحمد والمنة. * * *

الزخرف 43:89

{84} يخبر تعالى أنَّه وحده المألوهُ المعبودُ في السماواتِ والأرض، فأهل السماوات كلُّهم، والمؤمنون من أهل الأرض يعبدُونَه ويعظِّمونه ويخضعون لجلاله ويفتِقرون لكماله، {تسبِّحُ له السمواتُ السبع والأرضُ ومن فيهن}، {وإن من شيءٍ إلاَّ يسبِّحُ بحمدِه}، {ولله يسجُدُ من في السمواتِ والأرض طوعاً وكرهاً}. فهو تعالى المألوه المعبودُ الذي يألهه الخلائق كلُّهم طائعين مختارين وكارهين، وهذه كقولِهِ تعالى:{وهو الله في السماواتِ وفي الأرض}؛ أي: ألوهيَّته ومحبته فيهما وأما هو فإنه فوق عرشه بائن من خلقه متوحدٌ بجلاله متمجدٌ بكماله. {وهو الحكيمُ}: الذي أحكم ما خلقه، وأتقن ما شرعه؛ فما خلق شيئاً إلاَّ لحكمةٍ، ولا شرع شيئاً إلاَّ لحكمةٍ، وحكمهُ القدريُّ والشرعيُّ والجزائيُّ مشتملٌ على الحكمة، {العليم}: بكلِّ شيء، يعلم السِّر وأخفى، ولا يعزُبُ عنه مثقالُ ذرَّة في العالم العلويِّ والسفليِّ ولا أصغر منها ولا أكبر. {85}{وتبارك الذي له ملك السمواتِ والأرض وما بينهما}: {تبارك}؛ بمعنى: تعالى وتعاظم وكثُر خيرُه واتَّسعت صفاتُه وعظُم ملكُه، ولهذا ذكر سَعَةَ ملكِه للسمواتِ والأرض وما بينهما، وسَعَةَ علمِهِ، وأنَّه بكلِّ شيءٍ عليمٌ، حتى إنه تعالى انفردَ بعلم الغيوب ، التي لم يطَّلع عليها أحدٌ من الخلق؛ لا نبيٌّ مرسلٌ ولا ملكٌ مقربٌ، ولهذا قال:{وعنده علمُ الساعةِ}: قدَّم الظرفَ ليفيد الحصر؛ أي: لا يعلم متى تجيء الساعةُ إلاَّ هو. ومن تمام ملكِهِ وسعته أنَّه مالك الدُّنيا والآخرة، ولهذا قال:{وإليه ترجعون}؛ أي: في الآخرة فيحكم بينكم بحكمِهِ العدل. {86} ومن تمام ملكِهِ أنَّه لا يملكُ أحدٌ من خلقِهِ من الأمر شيئاً، ولا يقدِم على الشفاعة عنده أحدٌ إلاَّ بإذنه. {ولا يملكُ الذين يدعونَ من دونِهِ الشفاعةَ}؛ أي: كلُّ مَنْ دُعِيَ من دون الله من الأنبياء والملائكة وغيرهم لا يملكونَ الشفاعةَ ولا يشفعونَ إلاَّ بإذن الله ولا يشفعونَ إلاَّ لِمن ارتضى، ولهذا قال:{إلاَّ مَنۡ شَهِدَ بالحقِّ}؛ أي: نطق بلسانه مقرًّا بقلبه عالماً بما شهد به، ويشترطُ أن تكونَ شهادته بالحقِّ، وهو الشهادةُ لله تعالى بالوحدانيَّةِ، ولرسله بالنبوَّة والرسالة، وصحَّة ما جاؤوا به من أصول الدين وفروعه وحقائقه وشرائعه؛ فهؤلاء الذين تنفع فيهم شفاعةُ الشافعين، وهؤلاء الناجون من عقاب الله، الحائزون لثوابه. {87} ثم قال تعالى: {ولئن سألتَهم مَن خَلَقَهُم لَيقولنَّ اللهُ}؛ أي: ولئن سألت المشركين عن توحيد الربوبيَّة ومَن هو الخالق؛ لأقرُّوا أنَّه الله وحدَه لا شريك له، {فأنَّى يُؤۡفَكونَ}؛ أي: فكيف يُصْرَفون عن عبادة الله والإخلاص له وحدَه؟! فإقرارهُم بتوحيد الرُّبوبيَّة يلزمهم به الإقرار بتوحيد الألوهية، وهو من أكبر الأدلَّة على بطلان الشرك. {88}{وقيله ياربِّ إنَّ هؤلاء قومٌ لا يؤمنون}: هذا معطوف على قولِهِ: {وعندهُ علمُ الساعةِ}؛ أي: وعنده علم قيلِهِ؛ أي: الرسول - صلى الله عليه وسلم - شاكياً لربِّهِ تكذيب قومِهِ، متحزِّناً على ذلك، متحسِّراً على عدم إيمانهم؛ فالله تعالى عالمٌ بهذه الحال، قادرٌ على معاجلتهم بالعقوبة، ولكنه تعالى حليمٌ، يمهلُ العباد، ويستأني بهم لعلَّهم يتوبون ويرجِعون. {89} ولهذا قال: {فاصفحۡ عنهم وقُلۡ سلامٌ}؛ أي: اصفح عنهم ما يأتيك من أذيَّتِهِمْ القوليَّة والفعليَّة، واعفُ عنهم، ولا يبدر منك لهم إلاَّ السلامُ الذي يقابِل به أولو الألباب والبصائر للجاهلين؛ كما قال تعالى عن عباده الصالحين:{وإذا خاطَبَهُمُ الجاهلونَ}؛ أي: خطاباً بمقتضى جهلهم، {قالوا سلاماً}. فامتثل - صلى الله عليه وسلم - لأمر ربِّه، وتلقَّى ما يصدُرُ إليه من قومِهِ وغيرهم من الأذى بالعفو والصفح، ولم يقابِلْهم عليه السلام إلاَّ بالإحسان إليهم والخطاب الجميل؛ فصلوات الله وسلامُه على مَن خصه الله بالخُلُق العظيم الذي فَضَلَ به أهلَ الأرض والسماء، وارتفعَ به أعلى من كواكبِ الجوزاءِ، وقوله:{فسوفَ يَعلمونَ}؛ أي: غِبَّ ذُنوبهم وعاقبةَ جُرمهم. تم تفسير سورة الزخرف. ولله الحمد والمنة. * * *

الدخان 44:1

وهي مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {1 ـ 3} هذا قسمٌ بالقرآن على القرآن، فأقسم بالكتاب المبين لكلِّ ما يحتاج إلى بيانه أنَّه أنزله {في ليلةٍ مباركةٍ}؛ أي: كثيرة الخير والبركة، وهي ليلةُ القدرِ، التي هي خيرٌ من ألف شهرٍ، فأنزل أفضلَ الكلام بأفضل الليالي والأيام على أفضل الأنام بلغة العرب الكرام؛ لينذِرَ به قوماً عمَّتهم الجهالةُ وغلبت عليهم الشَّقاوة، فيستضيئوا بنوره، ويقتبِسوا من هُداه، ويسيروا وراءه، فيحصُلُ لهم الخير الدنيويُّ والخير الأخرويُّ، ولهذا قال:{إنَّا كُنَّا منذِرينَ}. {4}{فيها}؛ أي: في تلك الليلة الفاضلة التي نَزَلَ فيها القرآن، {يُفۡرَقُ كلُّ أمرٍ حكيم}؛ أي: يفصل ويميَّز ويُكتب كلُّ أمر قدريٍّ وشرعيٍّ حكم الله به. وهذه الكتابة والفرقان الذي يكون في ليلة القدر إحدى الكتابات التي تُكتب وتميَّز، فتطابق الكتابَ الأوَّلَ الذي كتبَ الله به مقاديرَ الخلائق وآجالهم وأرزاقهم وأعمالهم وأحوالهم. ثم إنَّ الله تعالى قد وَكَلَ ملائكةً تكتب ما سيجري على العبد وهو في بطن أمِّه. ثم وَكَلَهم بعد خروجه إلى الدنيا؛ وَكَلَ به كراماً كاتبين يكتبون ويحفظون عليه أعماله. ثم إنَّه تعالى يقدِّرُ في ليلة القدر ما يكونُ في السنةِ، وكلُّ هذا من تمام علمه وكمال حكمتِهِ وإتقان حفظِهِ واعتنائه تعالى بخلقه. {5}{أمراً من عندنا}؛ أي: هذا الأمر الحكيم أمرٌ صادرٌ من عندنا. {إنَّا كنَّا مرسلينَ}: للرسل ومنزلينَ للكتب، والرسلُ تبلِّغ أوامر المرسَل وتخبِرُ بأقدارِهِ. {6}{رحمةً من ربِّك}؛ أي: إن إرسال الرسل وإنزال الكتب التي أفضلُها القرآن رحمةٌ من ربِّ العباد بالعباد؛ فما رحم الله عبادَه برحمةٍ أجلَّ من هدايتهم بالكتب والرسل، وكلُّ خير ينالونه في الدُّنيا والآخرة؛ فإنَّه من أجل ذلك وبسببه. {إنَّه هو السميعُ العليم}؛ أي: يسمع جميع الأصوات، ويعلم جميع الأمور الظاهرة والباطنة، وقد علم تعالى ضرورةَ العباد إلى رسله وكتبه، فرحمهم بذلك ومنَّ عليهم؛ فلله تعالى الحمدُ والمنةُ والإحسان. {7 ـ 8}{ربِّ السموات والأرض وما بينهما}؛ أي: خالق ذلك ومدبِّره والمتصرِّف فيه بما يشاء، {إن كنتُم موقِنين}؛ أي: عالمين بذلك علماً مفيداً لليقين؛ فاعْلموا أنَّ الربَّ للمخلوقات هو إلهها الحقُّ، ولهذا قال:{لا إله إلاَّ هو}؛ أي: لا معبود إلاَّ وجهه، {يحيي ويميتُ}؛ أي: هو المتصرِّف وحده بالإحياء والإماتة، وسيجمعكم بعد موتكم فيَجْزيكم بعَمَلِكم، إن خيراً فخيرٌ، وإن شرًّا فشرٌّ. {ربُّكم وربُّ آبائكم الأوَّلين}؛ أي: ربُّ الأوَّلين والآخرين؛ مربِّيهم بالنعم، الدافع عنهم النقم. {9} فلما قرَّر تعالى ربوبيَّته وألوهيَّته بما يوجب العلم التامَّ ويدفعُ الشكَّ؛ أخبر أنَّ الكافرين مع هذا البيان:{في شكٍّ يلعبونَ}؛ أي: منغمرون في الشُّكوك والشُّبهات، غافلون عمَّا خُلقوا له، قد اشتغلوا باللعب الباطل الذي لا يُجدي عليهم إلاَّ الضَّرر. {10 ـ 16}{فارتقِبۡ}؛ أي: انتظر فيهم العذابَ؛ فإنَّه قد قربَ وآنَ أوانه، {يومَ تأتي السماءُ بدخانٍ مبينٍ. يغشى الناسَ}؛ أي: يعمُّهم ذلك الدخان، ويقال لهم:{هذا عذابٌ أليمٌ}. واختلف المفسِّرون في المراد بهذا الدُّخان: فقيل: إنَّه الدخان الذي يغشى الناسَ ويعمُّهم حين تقرب النار من المجرمين في يوم القيامة، وأنَّ الله توعَّدهم بعذاب يوم القيامةِ، وأمر نبيَّه أن ينتظر بهم ذلك اليوم. ويؤيد هذا المعنى أنَّ هذه الطريقة هي طريقةُ القرآن في توعُّد الكفَّار والتأنِّي بهم وترهيبهم بذلك اليوم وعذابه وتسلية الرسول والمؤمنين بالانتظار بمن آذاهم. ويؤيِّده أيضاً أنَّه قال في هذه الآية:{أنَّى لهم الذِّكۡرى وقد جاءَهُم رسولٌ مبينٌ}، وهذا يُقال يومَ القيامةِ للكفار حين يطلبون الرجوعَ إلى الدُّنيا، فيقال: قد ذهب وقتُ الرجوع. وقيل: إنَّ المراد بذلك ما أصاب كفارَ قريش حين امتنعوا من الإيمان واستَكْبروا على الحقِّ، فدعا عليهم النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال:«اللهمَّ أعِنِّي عليهم بسنينَ كَسِني يوسُفَ». فأرسل الله عليهم الجوع العظيم، حتى أكلوا الميتات والعظام، وصاروا يَرَوْنَ الذي بين السماء والأرض كهيئة الدخان، وليس به، وذلك من شدَّة الجوع، فيكون على هذا قولُه:{يوم تأتي السماءُ بدخانٍ}: أن ذلك بالنسبة إلى أبصارهم وما يشاهدون، وليس بدخانٍ حقيقةً، ولم يزالوا بهذه الحالة حتى اسْتَرْحموا رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، وسألوه أن يَدْعُوَ اللهَ لهم أن يكشِفَه الله عنهم، [فَدَعا رَبَّه]؛ فكشفه الله عنهم، وعلى هذا فيكون قوله:{إنَّا كاشِفو العذابِ قليلاً إنَّكم عائدونَ}: إخبارٌ بأنَّ الله سيصرِفُه عنهم ، وتوعُّدٌ لهم أن يعودوا إلى الاستكبار والتكذيب، وإخبارٌ بوقوعه، فوقع، وأنَّ الله سيعاقِبُهم بالبطشة الكبرى، قالوا: وهي وقعةُ بدرٍ. وفي هذا القول نظرٌ ظاهرٌ. وقيل: إنَّ المراد بذلك أن ذلك من أشراط الساعة، وأنَّه يكون في آخرِ الزَّمان دخانٌ يأخذُ بأنفاس الناس ويصيبُ المؤمنين منه كهيئةِ الدُّخان. والقول هو الأول. وفي الآية احتمالُ أنَّ المراد بقوله:{فارۡتَقِبۡ يوم تأتي السماءُ بدُخانٍ مبينٍ. يغشى الناسَ هذا عذابٌ أليمٌ. ربَّنا اكشِفۡ عنَّا العذابَ إنَّا مؤمنونَ. أنَّى لهم الذِّكرى وقد جاءهُم رسولٌ مبينٌ. ثم تولَّوا عنه وقالوا معلمٌ مجنونٌ}: أنَّ هذا كلَّه [يكون] يوم القيامةِ، وأنَّ قولَه تعالى:{إنَّا كاشفو العذابِ قليلاً إنَّكم عائدونَ. يوم نَبۡطِشُ البطشةَ الكُبرى إنَّا منتقمونَ}: أنَّ هذا ما وقع لقريش كما تقدم. وإذا أنزلت هذه الآيات على هذين المعنيين؛ لم تجد في اللفظ ما يمنعُ من ذلك، بل تَجِدُها مطابقةً لهما أتمَّ المطابقة، وهذا الذي يظهر عندي ويترجَّح. والله أعلم.

الدخان 44:2

وهي مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {1 ـ 3} هذا قسمٌ بالقرآن على القرآن، فأقسم بالكتاب المبين لكلِّ ما يحتاج إلى بيانه أنَّه أنزله {في ليلةٍ مباركةٍ}؛ أي: كثيرة الخير والبركة، وهي ليلةُ القدرِ، التي هي خيرٌ من ألف شهرٍ، فأنزل أفضلَ الكلام بأفضل الليالي والأيام على أفضل الأنام بلغة العرب الكرام؛ لينذِرَ به قوماً عمَّتهم الجهالةُ وغلبت عليهم الشَّقاوة، فيستضيئوا بنوره، ويقتبِسوا من هُداه، ويسيروا وراءه، فيحصُلُ لهم الخير الدنيويُّ والخير الأخرويُّ، ولهذا قال:{إنَّا كُنَّا منذِرينَ}. {4}{فيها}؛ أي: في تلك الليلة الفاضلة التي نَزَلَ فيها القرآن، {يُفۡرَقُ كلُّ أمرٍ حكيم}؛ أي: يفصل ويميَّز ويُكتب كلُّ أمر قدريٍّ وشرعيٍّ حكم الله به. وهذه الكتابة والفرقان الذي يكون في ليلة القدر إحدى الكتابات التي تُكتب وتميَّز، فتطابق الكتابَ الأوَّلَ الذي كتبَ الله به مقاديرَ الخلائق وآجالهم وأرزاقهم وأعمالهم وأحوالهم. ثم إنَّ الله تعالى قد وَكَلَ ملائكةً تكتب ما سيجري على العبد وهو في بطن أمِّه. ثم وَكَلَهم بعد خروجه إلى الدنيا؛ وَكَلَ به كراماً كاتبين يكتبون ويحفظون عليه أعماله. ثم إنَّه تعالى يقدِّرُ في ليلة القدر ما يكونُ في السنةِ، وكلُّ هذا من تمام علمه وكمال حكمتِهِ وإتقان حفظِهِ واعتنائه تعالى بخلقه. {5}{أمراً من عندنا}؛ أي: هذا الأمر الحكيم أمرٌ صادرٌ من عندنا. {إنَّا كنَّا مرسلينَ}: للرسل ومنزلينَ للكتب، والرسلُ تبلِّغ أوامر المرسَل وتخبِرُ بأقدارِهِ. {6}{رحمةً من ربِّك}؛ أي: إن إرسال الرسل وإنزال الكتب التي أفضلُها القرآن رحمةٌ من ربِّ العباد بالعباد؛ فما رحم الله عبادَه برحمةٍ أجلَّ من هدايتهم بالكتب والرسل، وكلُّ خير ينالونه في الدُّنيا والآخرة؛ فإنَّه من أجل ذلك وبسببه. {إنَّه هو السميعُ العليم}؛ أي: يسمع جميع الأصوات، ويعلم جميع الأمور الظاهرة والباطنة، وقد علم تعالى ضرورةَ العباد إلى رسله وكتبه، فرحمهم بذلك ومنَّ عليهم؛ فلله تعالى الحمدُ والمنةُ والإحسان. {7 ـ 8}{ربِّ السموات والأرض وما بينهما}؛ أي: خالق ذلك ومدبِّره والمتصرِّف فيه بما يشاء، {إن كنتُم موقِنين}؛ أي: عالمين بذلك علماً مفيداً لليقين؛ فاعْلموا أنَّ الربَّ للمخلوقات هو إلهها الحقُّ، ولهذا قال:{لا إله إلاَّ هو}؛ أي: لا معبود إلاَّ وجهه، {يحيي ويميتُ}؛ أي: هو المتصرِّف وحده بالإحياء والإماتة، وسيجمعكم بعد موتكم فيَجْزيكم بعَمَلِكم، إن خيراً فخيرٌ، وإن شرًّا فشرٌّ. {ربُّكم وربُّ آبائكم الأوَّلين}؛ أي: ربُّ الأوَّلين والآخرين؛ مربِّيهم بالنعم، الدافع عنهم النقم. {9} فلما قرَّر تعالى ربوبيَّته وألوهيَّته بما يوجب العلم التامَّ ويدفعُ الشكَّ؛ أخبر أنَّ الكافرين مع هذا البيان:{في شكٍّ يلعبونَ}؛ أي: منغمرون في الشُّكوك والشُّبهات، غافلون عمَّا خُلقوا له، قد اشتغلوا باللعب الباطل الذي لا يُجدي عليهم إلاَّ الضَّرر. {10 ـ 16}{فارتقِبۡ}؛ أي: انتظر فيهم العذابَ؛ فإنَّه قد قربَ وآنَ أوانه، {يومَ تأتي السماءُ بدخانٍ مبينٍ. يغشى الناسَ}؛ أي: يعمُّهم ذلك الدخان، ويقال لهم:{هذا عذابٌ أليمٌ}. واختلف المفسِّرون في المراد بهذا الدُّخان: فقيل: إنَّه الدخان الذي يغشى الناسَ ويعمُّهم حين تقرب النار من المجرمين في يوم القيامة، وأنَّ الله توعَّدهم بعذاب يوم القيامةِ، وأمر نبيَّه أن ينتظر بهم ذلك اليوم. ويؤيد هذا المعنى أنَّ هذه الطريقة هي طريقةُ القرآن في توعُّد الكفَّار والتأنِّي بهم وترهيبهم بذلك اليوم وعذابه وتسلية الرسول والمؤمنين بالانتظار بمن آذاهم. ويؤيِّده أيضاً أنَّه قال في هذه الآية:{أنَّى لهم الذِّكۡرى وقد جاءَهُم رسولٌ مبينٌ}، وهذا يُقال يومَ القيامةِ للكفار حين يطلبون الرجوعَ إلى الدُّنيا، فيقال: قد ذهب وقتُ الرجوع. وقيل: إنَّ المراد بذلك ما أصاب كفارَ قريش حين امتنعوا من الإيمان واستَكْبروا على الحقِّ، فدعا عليهم النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال:«اللهمَّ أعِنِّي عليهم بسنينَ كَسِني يوسُفَ». فأرسل الله عليهم الجوع العظيم، حتى أكلوا الميتات والعظام، وصاروا يَرَوْنَ الذي بين السماء والأرض كهيئة الدخان، وليس به، وذلك من شدَّة الجوع، فيكون على هذا قولُه:{يوم تأتي السماءُ بدخانٍ}: أن ذلك بالنسبة إلى أبصارهم وما يشاهدون، وليس بدخانٍ حقيقةً، ولم يزالوا بهذه الحالة حتى اسْتَرْحموا رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، وسألوه أن يَدْعُوَ اللهَ لهم أن يكشِفَه الله عنهم، [فَدَعا رَبَّه]؛ فكشفه الله عنهم، وعلى هذا فيكون قوله:{إنَّا كاشِفو العذابِ قليلاً إنَّكم عائدونَ}: إخبارٌ بأنَّ الله سيصرِفُه عنهم ، وتوعُّدٌ لهم أن يعودوا إلى الاستكبار والتكذيب، وإخبارٌ بوقوعه، فوقع، وأنَّ الله سيعاقِبُهم بالبطشة الكبرى، قالوا: وهي وقعةُ بدرٍ. وفي هذا القول نظرٌ ظاهرٌ. وقيل: إنَّ المراد بذلك أن ذلك من أشراط الساعة، وأنَّه يكون في آخرِ الزَّمان دخانٌ يأخذُ بأنفاس الناس ويصيبُ المؤمنين منه كهيئةِ الدُّخان. والقول هو الأول. وفي الآية احتمالُ أنَّ المراد بقوله:{فارۡتَقِبۡ يوم تأتي السماءُ بدُخانٍ مبينٍ. يغشى الناسَ هذا عذابٌ أليمٌ. ربَّنا اكشِفۡ عنَّا العذابَ إنَّا مؤمنونَ. أنَّى لهم الذِّكرى وقد جاءهُم رسولٌ مبينٌ. ثم تولَّوا عنه وقالوا معلمٌ مجنونٌ}: أنَّ هذا كلَّه [يكون] يوم القيامةِ، وأنَّ قولَه تعالى:{إنَّا كاشفو العذابِ قليلاً إنَّكم عائدونَ. يوم نَبۡطِشُ البطشةَ الكُبرى إنَّا منتقمونَ}: أنَّ هذا ما وقع لقريش كما تقدم. وإذا أنزلت هذه الآيات على هذين المعنيين؛ لم تجد في اللفظ ما يمنعُ من ذلك، بل تَجِدُها مطابقةً لهما أتمَّ المطابقة، وهذا الذي يظهر عندي ويترجَّح. والله أعلم.

الدخان 44:3

وهي مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {1 ـ 3} هذا قسمٌ بالقرآن على القرآن، فأقسم بالكتاب المبين لكلِّ ما يحتاج إلى بيانه أنَّه أنزله {في ليلةٍ مباركةٍ}؛ أي: كثيرة الخير والبركة، وهي ليلةُ القدرِ، التي هي خيرٌ من ألف شهرٍ، فأنزل أفضلَ الكلام بأفضل الليالي والأيام على أفضل الأنام بلغة العرب الكرام؛ لينذِرَ به قوماً عمَّتهم الجهالةُ وغلبت عليهم الشَّقاوة، فيستضيئوا بنوره، ويقتبِسوا من هُداه، ويسيروا وراءه، فيحصُلُ لهم الخير الدنيويُّ والخير الأخرويُّ، ولهذا قال:{إنَّا كُنَّا منذِرينَ}. {4}{فيها}؛ أي: في تلك الليلة الفاضلة التي نَزَلَ فيها القرآن، {يُفۡرَقُ كلُّ أمرٍ حكيم}؛ أي: يفصل ويميَّز ويُكتب كلُّ أمر قدريٍّ وشرعيٍّ حكم الله به. وهذه الكتابة والفرقان الذي يكون في ليلة القدر إحدى الكتابات التي تُكتب وتميَّز، فتطابق الكتابَ الأوَّلَ الذي كتبَ الله به مقاديرَ الخلائق وآجالهم وأرزاقهم وأعمالهم وأحوالهم. ثم إنَّ الله تعالى قد وَكَلَ ملائكةً تكتب ما سيجري على العبد وهو في بطن أمِّه. ثم وَكَلَهم بعد خروجه إلى الدنيا؛ وَكَلَ به كراماً كاتبين يكتبون ويحفظون عليه أعماله. ثم إنَّه تعالى يقدِّرُ في ليلة القدر ما يكونُ في السنةِ، وكلُّ هذا من تمام علمه وكمال حكمتِهِ وإتقان حفظِهِ واعتنائه تعالى بخلقه. {5}{أمراً من عندنا}؛ أي: هذا الأمر الحكيم أمرٌ صادرٌ من عندنا. {إنَّا كنَّا مرسلينَ}: للرسل ومنزلينَ للكتب، والرسلُ تبلِّغ أوامر المرسَل وتخبِرُ بأقدارِهِ. {6}{رحمةً من ربِّك}؛ أي: إن إرسال الرسل وإنزال الكتب التي أفضلُها القرآن رحمةٌ من ربِّ العباد بالعباد؛ فما رحم الله عبادَه برحمةٍ أجلَّ من هدايتهم بالكتب والرسل، وكلُّ خير ينالونه في الدُّنيا والآخرة؛ فإنَّه من أجل ذلك وبسببه. {إنَّه هو السميعُ العليم}؛ أي: يسمع جميع الأصوات، ويعلم جميع الأمور الظاهرة والباطنة، وقد علم تعالى ضرورةَ العباد إلى رسله وكتبه، فرحمهم بذلك ومنَّ عليهم؛ فلله تعالى الحمدُ والمنةُ والإحسان. {7 ـ 8}{ربِّ السموات والأرض وما بينهما}؛ أي: خالق ذلك ومدبِّره والمتصرِّف فيه بما يشاء، {إن كنتُم موقِنين}؛ أي: عالمين بذلك علماً مفيداً لليقين؛ فاعْلموا أنَّ الربَّ للمخلوقات هو إلهها الحقُّ، ولهذا قال:{لا إله إلاَّ هو}؛ أي: لا معبود إلاَّ وجهه، {يحيي ويميتُ}؛ أي: هو المتصرِّف وحده بالإحياء والإماتة، وسيجمعكم بعد موتكم فيَجْزيكم بعَمَلِكم، إن خيراً فخيرٌ، وإن شرًّا فشرٌّ. {ربُّكم وربُّ آبائكم الأوَّلين}؛ أي: ربُّ الأوَّلين والآخرين؛ مربِّيهم بالنعم، الدافع عنهم النقم. {9} فلما قرَّر تعالى ربوبيَّته وألوهيَّته بما يوجب العلم التامَّ ويدفعُ الشكَّ؛ أخبر أنَّ الكافرين مع هذا البيان:{في شكٍّ يلعبونَ}؛ أي: منغمرون في الشُّكوك والشُّبهات، غافلون عمَّا خُلقوا له، قد اشتغلوا باللعب الباطل الذي لا يُجدي عليهم إلاَّ الضَّرر. {10 ـ 16}{فارتقِبۡ}؛ أي: انتظر فيهم العذابَ؛ فإنَّه قد قربَ وآنَ أوانه، {يومَ تأتي السماءُ بدخانٍ مبينٍ. يغشى الناسَ}؛ أي: يعمُّهم ذلك الدخان، ويقال لهم:{هذا عذابٌ أليمٌ}. واختلف المفسِّرون في المراد بهذا الدُّخان: فقيل: إنَّه الدخان الذي يغشى الناسَ ويعمُّهم حين تقرب النار من المجرمين في يوم القيامة، وأنَّ الله توعَّدهم بعذاب يوم القيامةِ، وأمر نبيَّه أن ينتظر بهم ذلك اليوم. ويؤيد هذا المعنى أنَّ هذه الطريقة هي طريقةُ القرآن في توعُّد الكفَّار والتأنِّي بهم وترهيبهم بذلك اليوم وعذابه وتسلية الرسول والمؤمنين بالانتظار بمن آذاهم. ويؤيِّده أيضاً أنَّه قال في هذه الآية:{أنَّى لهم الذِّكۡرى وقد جاءَهُم رسولٌ مبينٌ}، وهذا يُقال يومَ القيامةِ للكفار حين يطلبون الرجوعَ إلى الدُّنيا، فيقال: قد ذهب وقتُ الرجوع. وقيل: إنَّ المراد بذلك ما أصاب كفارَ قريش حين امتنعوا من الإيمان واستَكْبروا على الحقِّ، فدعا عليهم النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال:«اللهمَّ أعِنِّي عليهم بسنينَ كَسِني يوسُفَ». فأرسل الله عليهم الجوع العظيم، حتى أكلوا الميتات والعظام، وصاروا يَرَوْنَ الذي بين السماء والأرض كهيئة الدخان، وليس به، وذلك من شدَّة الجوع، فيكون على هذا قولُه:{يوم تأتي السماءُ بدخانٍ}: أن ذلك بالنسبة إلى أبصارهم وما يشاهدون، وليس بدخانٍ حقيقةً، ولم يزالوا بهذه الحالة حتى اسْتَرْحموا رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، وسألوه أن يَدْعُوَ اللهَ لهم أن يكشِفَه الله عنهم، [فَدَعا رَبَّه]؛ فكشفه الله عنهم، وعلى هذا فيكون قوله:{إنَّا كاشِفو العذابِ قليلاً إنَّكم عائدونَ}: إخبارٌ بأنَّ الله سيصرِفُه عنهم ، وتوعُّدٌ لهم أن يعودوا إلى الاستكبار والتكذيب، وإخبارٌ بوقوعه، فوقع، وأنَّ الله سيعاقِبُهم بالبطشة الكبرى، قالوا: وهي وقعةُ بدرٍ. وفي هذا القول نظرٌ ظاهرٌ. وقيل: إنَّ المراد بذلك أن ذلك من أشراط الساعة، وأنَّه يكون في آخرِ الزَّمان دخانٌ يأخذُ بأنفاس الناس ويصيبُ المؤمنين منه كهيئةِ الدُّخان. والقول هو الأول. وفي الآية احتمالُ أنَّ المراد بقوله:{فارۡتَقِبۡ يوم تأتي السماءُ بدُخانٍ مبينٍ. يغشى الناسَ هذا عذابٌ أليمٌ. ربَّنا اكشِفۡ عنَّا العذابَ إنَّا مؤمنونَ. أنَّى لهم الذِّكرى وقد جاءهُم رسولٌ مبينٌ. ثم تولَّوا عنه وقالوا معلمٌ مجنونٌ}: أنَّ هذا كلَّه [يكون] يوم القيامةِ، وأنَّ قولَه تعالى:{إنَّا كاشفو العذابِ قليلاً إنَّكم عائدونَ. يوم نَبۡطِشُ البطشةَ الكُبرى إنَّا منتقمونَ}: أنَّ هذا ما وقع لقريش كما تقدم. وإذا أنزلت هذه الآيات على هذين المعنيين؛ لم تجد في اللفظ ما يمنعُ من ذلك، بل تَجِدُها مطابقةً لهما أتمَّ المطابقة، وهذا الذي يظهر عندي ويترجَّح. والله أعلم.

الدخان 44:4

وهي مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {1 ـ 3} هذا قسمٌ بالقرآن على القرآن، فأقسم بالكتاب المبين لكلِّ ما يحتاج إلى بيانه أنَّه أنزله {في ليلةٍ مباركةٍ}؛ أي: كثيرة الخير والبركة، وهي ليلةُ القدرِ، التي هي خيرٌ من ألف شهرٍ، فأنزل أفضلَ الكلام بأفضل الليالي والأيام على أفضل الأنام بلغة العرب الكرام؛ لينذِرَ به قوماً عمَّتهم الجهالةُ وغلبت عليهم الشَّقاوة، فيستضيئوا بنوره، ويقتبِسوا من هُداه، ويسيروا وراءه، فيحصُلُ لهم الخير الدنيويُّ والخير الأخرويُّ، ولهذا قال:{إنَّا كُنَّا منذِرينَ}. {4}{فيها}؛ أي: في تلك الليلة الفاضلة التي نَزَلَ فيها القرآن، {يُفۡرَقُ كلُّ أمرٍ حكيم}؛ أي: يفصل ويميَّز ويُكتب كلُّ أمر قدريٍّ وشرعيٍّ حكم الله به. وهذه الكتابة والفرقان الذي يكون في ليلة القدر إحدى الكتابات التي تُكتب وتميَّز، فتطابق الكتابَ الأوَّلَ الذي كتبَ الله به مقاديرَ الخلائق وآجالهم وأرزاقهم وأعمالهم وأحوالهم. ثم إنَّ الله تعالى قد وَكَلَ ملائكةً تكتب ما سيجري على العبد وهو في بطن أمِّه. ثم وَكَلَهم بعد خروجه إلى الدنيا؛ وَكَلَ به كراماً كاتبين يكتبون ويحفظون عليه أعماله. ثم إنَّه تعالى يقدِّرُ في ليلة القدر ما يكونُ في السنةِ، وكلُّ هذا من تمام علمه وكمال حكمتِهِ وإتقان حفظِهِ واعتنائه تعالى بخلقه. {5}{أمراً من عندنا}؛ أي: هذا الأمر الحكيم أمرٌ صادرٌ من عندنا. {إنَّا كنَّا مرسلينَ}: للرسل ومنزلينَ للكتب، والرسلُ تبلِّغ أوامر المرسَل وتخبِرُ بأقدارِهِ. {6}{رحمةً من ربِّك}؛ أي: إن إرسال الرسل وإنزال الكتب التي أفضلُها القرآن رحمةٌ من ربِّ العباد بالعباد؛ فما رحم الله عبادَه برحمةٍ أجلَّ من هدايتهم بالكتب والرسل، وكلُّ خير ينالونه في الدُّنيا والآخرة؛ فإنَّه من أجل ذلك وبسببه. {إنَّه هو السميعُ العليم}؛ أي: يسمع جميع الأصوات، ويعلم جميع الأمور الظاهرة والباطنة، وقد علم تعالى ضرورةَ العباد إلى رسله وكتبه، فرحمهم بذلك ومنَّ عليهم؛ فلله تعالى الحمدُ والمنةُ والإحسان. {7 ـ 8}{ربِّ السموات والأرض وما بينهما}؛ أي: خالق ذلك ومدبِّره والمتصرِّف فيه بما يشاء، {إن كنتُم موقِنين}؛ أي: عالمين بذلك علماً مفيداً لليقين؛ فاعْلموا أنَّ الربَّ للمخلوقات هو إلهها الحقُّ، ولهذا قال:{لا إله إلاَّ هو}؛ أي: لا معبود إلاَّ وجهه، {يحيي ويميتُ}؛ أي: هو المتصرِّف وحده بالإحياء والإماتة، وسيجمعكم بعد موتكم فيَجْزيكم بعَمَلِكم، إن خيراً فخيرٌ، وإن شرًّا فشرٌّ. {ربُّكم وربُّ آبائكم الأوَّلين}؛ أي: ربُّ الأوَّلين والآخرين؛ مربِّيهم بالنعم، الدافع عنهم النقم. {9} فلما قرَّر تعالى ربوبيَّته وألوهيَّته بما يوجب العلم التامَّ ويدفعُ الشكَّ؛ أخبر أنَّ الكافرين مع هذا البيان:{في شكٍّ يلعبونَ}؛ أي: منغمرون في الشُّكوك والشُّبهات، غافلون عمَّا خُلقوا له، قد اشتغلوا باللعب الباطل الذي لا يُجدي عليهم إلاَّ الضَّرر. {10 ـ 16}{فارتقِبۡ}؛ أي: انتظر فيهم العذابَ؛ فإنَّه قد قربَ وآنَ أوانه، {يومَ تأتي السماءُ بدخانٍ مبينٍ. يغشى الناسَ}؛ أي: يعمُّهم ذلك الدخان، ويقال لهم:{هذا عذابٌ أليمٌ}. واختلف المفسِّرون في المراد بهذا الدُّخان: فقيل: إنَّه الدخان الذي يغشى الناسَ ويعمُّهم حين تقرب النار من المجرمين في يوم القيامة، وأنَّ الله توعَّدهم بعذاب يوم القيامةِ، وأمر نبيَّه أن ينتظر بهم ذلك اليوم. ويؤيد هذا المعنى أنَّ هذه الطريقة هي طريقةُ القرآن في توعُّد الكفَّار والتأنِّي بهم وترهيبهم بذلك اليوم وعذابه وتسلية الرسول والمؤمنين بالانتظار بمن آذاهم. ويؤيِّده أيضاً أنَّه قال في هذه الآية:{أنَّى لهم الذِّكۡرى وقد جاءَهُم رسولٌ مبينٌ}، وهذا يُقال يومَ القيامةِ للكفار حين يطلبون الرجوعَ إلى الدُّنيا، فيقال: قد ذهب وقتُ الرجوع. وقيل: إنَّ المراد بذلك ما أصاب كفارَ قريش حين امتنعوا من الإيمان واستَكْبروا على الحقِّ، فدعا عليهم النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال:«اللهمَّ أعِنِّي عليهم بسنينَ كَسِني يوسُفَ». فأرسل الله عليهم الجوع العظيم، حتى أكلوا الميتات والعظام، وصاروا يَرَوْنَ الذي بين السماء والأرض كهيئة الدخان، وليس به، وذلك من شدَّة الجوع، فيكون على هذا قولُه:{يوم تأتي السماءُ بدخانٍ}: أن ذلك بالنسبة إلى أبصارهم وما يشاهدون، وليس بدخانٍ حقيقةً، ولم يزالوا بهذه الحالة حتى اسْتَرْحموا رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، وسألوه أن يَدْعُوَ اللهَ لهم أن يكشِفَه الله عنهم، [فَدَعا رَبَّه]؛ فكشفه الله عنهم، وعلى هذا فيكون قوله:{إنَّا كاشِفو العذابِ قليلاً إنَّكم عائدونَ}: إخبارٌ بأنَّ الله سيصرِفُه عنهم ، وتوعُّدٌ لهم أن يعودوا إلى الاستكبار والتكذيب، وإخبارٌ بوقوعه، فوقع، وأنَّ الله سيعاقِبُهم بالبطشة الكبرى، قالوا: وهي وقعةُ بدرٍ. وفي هذا القول نظرٌ ظاهرٌ. وقيل: إنَّ المراد بذلك أن ذلك من أشراط الساعة، وأنَّه يكون في آخرِ الزَّمان دخانٌ يأخذُ بأنفاس الناس ويصيبُ المؤمنين منه كهيئةِ الدُّخان. والقول هو الأول. وفي الآية احتمالُ أنَّ المراد بقوله:{فارۡتَقِبۡ يوم تأتي السماءُ بدُخانٍ مبينٍ. يغشى الناسَ هذا عذابٌ أليمٌ. ربَّنا اكشِفۡ عنَّا العذابَ إنَّا مؤمنونَ. أنَّى لهم الذِّكرى وقد جاءهُم رسولٌ مبينٌ. ثم تولَّوا عنه وقالوا معلمٌ مجنونٌ}: أنَّ هذا كلَّه [يكون] يوم القيامةِ، وأنَّ قولَه تعالى:{إنَّا كاشفو العذابِ قليلاً إنَّكم عائدونَ. يوم نَبۡطِشُ البطشةَ الكُبرى إنَّا منتقمونَ}: أنَّ هذا ما وقع لقريش كما تقدم. وإذا أنزلت هذه الآيات على هذين المعنيين؛ لم تجد في اللفظ ما يمنعُ من ذلك، بل تَجِدُها مطابقةً لهما أتمَّ المطابقة، وهذا الذي يظهر عندي ويترجَّح. والله أعلم.

الدخان 44:5

وهي مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {1 ـ 3} هذا قسمٌ بالقرآن على القرآن، فأقسم بالكتاب المبين لكلِّ ما يحتاج إلى بيانه أنَّه أنزله {في ليلةٍ مباركةٍ}؛ أي: كثيرة الخير والبركة، وهي ليلةُ القدرِ، التي هي خيرٌ من ألف شهرٍ، فأنزل أفضلَ الكلام بأفضل الليالي والأيام على أفضل الأنام بلغة العرب الكرام؛ لينذِرَ به قوماً عمَّتهم الجهالةُ وغلبت عليهم الشَّقاوة، فيستضيئوا بنوره، ويقتبِسوا من هُداه، ويسيروا وراءه، فيحصُلُ لهم الخير الدنيويُّ والخير الأخرويُّ، ولهذا قال:{إنَّا كُنَّا منذِرينَ}. {4}{فيها}؛ أي: في تلك الليلة الفاضلة التي نَزَلَ فيها القرآن، {يُفۡرَقُ كلُّ أمرٍ حكيم}؛ أي: يفصل ويميَّز ويُكتب كلُّ أمر قدريٍّ وشرعيٍّ حكم الله به. وهذه الكتابة والفرقان الذي يكون في ليلة القدر إحدى الكتابات التي تُكتب وتميَّز، فتطابق الكتابَ الأوَّلَ الذي كتبَ الله به مقاديرَ الخلائق وآجالهم وأرزاقهم وأعمالهم وأحوالهم. ثم إنَّ الله تعالى قد وَكَلَ ملائكةً تكتب ما سيجري على العبد وهو في بطن أمِّه. ثم وَكَلَهم بعد خروجه إلى الدنيا؛ وَكَلَ به كراماً كاتبين يكتبون ويحفظون عليه أعماله. ثم إنَّه تعالى يقدِّرُ في ليلة القدر ما يكونُ في السنةِ، وكلُّ هذا من تمام علمه وكمال حكمتِهِ وإتقان حفظِهِ واعتنائه تعالى بخلقه. {5}{أمراً من عندنا}؛ أي: هذا الأمر الحكيم أمرٌ صادرٌ من عندنا. {إنَّا كنَّا مرسلينَ}: للرسل ومنزلينَ للكتب، والرسلُ تبلِّغ أوامر المرسَل وتخبِرُ بأقدارِهِ. {6}{رحمةً من ربِّك}؛ أي: إن إرسال الرسل وإنزال الكتب التي أفضلُها القرآن رحمةٌ من ربِّ العباد بالعباد؛ فما رحم الله عبادَه برحمةٍ أجلَّ من هدايتهم بالكتب والرسل، وكلُّ خير ينالونه في الدُّنيا والآخرة؛ فإنَّه من أجل ذلك وبسببه. {إنَّه هو السميعُ العليم}؛ أي: يسمع جميع الأصوات، ويعلم جميع الأمور الظاهرة والباطنة، وقد علم تعالى ضرورةَ العباد إلى رسله وكتبه، فرحمهم بذلك ومنَّ عليهم؛ فلله تعالى الحمدُ والمنةُ والإحسان. {7 ـ 8}{ربِّ السموات والأرض وما بينهما}؛ أي: خالق ذلك ومدبِّره والمتصرِّف فيه بما يشاء، {إن كنتُم موقِنين}؛ أي: عالمين بذلك علماً مفيداً لليقين؛ فاعْلموا أنَّ الربَّ للمخلوقات هو إلهها الحقُّ، ولهذا قال:{لا إله إلاَّ هو}؛ أي: لا معبود إلاَّ وجهه، {يحيي ويميتُ}؛ أي: هو المتصرِّف وحده بالإحياء والإماتة، وسيجمعكم بعد موتكم فيَجْزيكم بعَمَلِكم، إن خيراً فخيرٌ، وإن شرًّا فشرٌّ. {ربُّكم وربُّ آبائكم الأوَّلين}؛ أي: ربُّ الأوَّلين والآخرين؛ مربِّيهم بالنعم، الدافع عنهم النقم. {9} فلما قرَّر تعالى ربوبيَّته وألوهيَّته بما يوجب العلم التامَّ ويدفعُ الشكَّ؛ أخبر أنَّ الكافرين مع هذا البيان:{في شكٍّ يلعبونَ}؛ أي: منغمرون في الشُّكوك والشُّبهات، غافلون عمَّا خُلقوا له، قد اشتغلوا باللعب الباطل الذي لا يُجدي عليهم إلاَّ الضَّرر. {10 ـ 16}{فارتقِبۡ}؛ أي: انتظر فيهم العذابَ؛ فإنَّه قد قربَ وآنَ أوانه، {يومَ تأتي السماءُ بدخانٍ مبينٍ. يغشى الناسَ}؛ أي: يعمُّهم ذلك الدخان، ويقال لهم:{هذا عذابٌ أليمٌ}. واختلف المفسِّرون في المراد بهذا الدُّخان: فقيل: إنَّه الدخان الذي يغشى الناسَ ويعمُّهم حين تقرب النار من المجرمين في يوم القيامة، وأنَّ الله توعَّدهم بعذاب يوم القيامةِ، وأمر نبيَّه أن ينتظر بهم ذلك اليوم. ويؤيد هذا المعنى أنَّ هذه الطريقة هي طريقةُ القرآن في توعُّد الكفَّار والتأنِّي بهم وترهيبهم بذلك اليوم وعذابه وتسلية الرسول والمؤمنين بالانتظار بمن آذاهم. ويؤيِّده أيضاً أنَّه قال في هذه الآية:{أنَّى لهم الذِّكۡرى وقد جاءَهُم رسولٌ مبينٌ}، وهذا يُقال يومَ القيامةِ للكفار حين يطلبون الرجوعَ إلى الدُّنيا، فيقال: قد ذهب وقتُ الرجوع. وقيل: إنَّ المراد بذلك ما أصاب كفارَ قريش حين امتنعوا من الإيمان واستَكْبروا على الحقِّ، فدعا عليهم النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال:«اللهمَّ أعِنِّي عليهم بسنينَ كَسِني يوسُفَ». فأرسل الله عليهم الجوع العظيم، حتى أكلوا الميتات والعظام، وصاروا يَرَوْنَ الذي بين السماء والأرض كهيئة الدخان، وليس به، وذلك من شدَّة الجوع، فيكون على هذا قولُه:{يوم تأتي السماءُ بدخانٍ}: أن ذلك بالنسبة إلى أبصارهم وما يشاهدون، وليس بدخانٍ حقيقةً، ولم يزالوا بهذه الحالة حتى اسْتَرْحموا رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، وسألوه أن يَدْعُوَ اللهَ لهم أن يكشِفَه الله عنهم، [فَدَعا رَبَّه]؛ فكشفه الله عنهم، وعلى هذا فيكون قوله:{إنَّا كاشِفو العذابِ قليلاً إنَّكم عائدونَ}: إخبارٌ بأنَّ الله سيصرِفُه عنهم ، وتوعُّدٌ لهم أن يعودوا إلى الاستكبار والتكذيب، وإخبارٌ بوقوعه، فوقع، وأنَّ الله سيعاقِبُهم بالبطشة الكبرى، قالوا: وهي وقعةُ بدرٍ. وفي هذا القول نظرٌ ظاهرٌ. وقيل: إنَّ المراد بذلك أن ذلك من أشراط الساعة، وأنَّه يكون في آخرِ الزَّمان دخانٌ يأخذُ بأنفاس الناس ويصيبُ المؤمنين منه كهيئةِ الدُّخان. والقول هو الأول. وفي الآية احتمالُ أنَّ المراد بقوله:{فارۡتَقِبۡ يوم تأتي السماءُ بدُخانٍ مبينٍ. يغشى الناسَ هذا عذابٌ أليمٌ. ربَّنا اكشِفۡ عنَّا العذابَ إنَّا مؤمنونَ. أنَّى لهم الذِّكرى وقد جاءهُم رسولٌ مبينٌ. ثم تولَّوا عنه وقالوا معلمٌ مجنونٌ}: أنَّ هذا كلَّه [يكون] يوم القيامةِ، وأنَّ قولَه تعالى:{إنَّا كاشفو العذابِ قليلاً إنَّكم عائدونَ. يوم نَبۡطِشُ البطشةَ الكُبرى إنَّا منتقمونَ}: أنَّ هذا ما وقع لقريش كما تقدم. وإذا أنزلت هذه الآيات على هذين المعنيين؛ لم تجد في اللفظ ما يمنعُ من ذلك، بل تَجِدُها مطابقةً لهما أتمَّ المطابقة، وهذا الذي يظهر عندي ويترجَّح. والله أعلم.

الدخان 44:6

وهي مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {1 ـ 3} هذا قسمٌ بالقرآن على القرآن، فأقسم بالكتاب المبين لكلِّ ما يحتاج إلى بيانه أنَّه أنزله {في ليلةٍ مباركةٍ}؛ أي: كثيرة الخير والبركة، وهي ليلةُ القدرِ، التي هي خيرٌ من ألف شهرٍ، فأنزل أفضلَ الكلام بأفضل الليالي والأيام على أفضل الأنام بلغة العرب الكرام؛ لينذِرَ به قوماً عمَّتهم الجهالةُ وغلبت عليهم الشَّقاوة، فيستضيئوا بنوره، ويقتبِسوا من هُداه، ويسيروا وراءه، فيحصُلُ لهم الخير الدنيويُّ والخير الأخرويُّ، ولهذا قال:{إنَّا كُنَّا منذِرينَ}. {4}{فيها}؛ أي: في تلك الليلة الفاضلة التي نَزَلَ فيها القرآن، {يُفۡرَقُ كلُّ أمرٍ حكيم}؛ أي: يفصل ويميَّز ويُكتب كلُّ أمر قدريٍّ وشرعيٍّ حكم الله به. وهذه الكتابة والفرقان الذي يكون في ليلة القدر إحدى الكتابات التي تُكتب وتميَّز، فتطابق الكتابَ الأوَّلَ الذي كتبَ الله به مقاديرَ الخلائق وآجالهم وأرزاقهم وأعمالهم وأحوالهم. ثم إنَّ الله تعالى قد وَكَلَ ملائكةً تكتب ما سيجري على العبد وهو في بطن أمِّه. ثم وَكَلَهم بعد خروجه إلى الدنيا؛ وَكَلَ به كراماً كاتبين يكتبون ويحفظون عليه أعماله. ثم إنَّه تعالى يقدِّرُ في ليلة القدر ما يكونُ في السنةِ، وكلُّ هذا من تمام علمه وكمال حكمتِهِ وإتقان حفظِهِ واعتنائه تعالى بخلقه. {5}{أمراً من عندنا}؛ أي: هذا الأمر الحكيم أمرٌ صادرٌ من عندنا. {إنَّا كنَّا مرسلينَ}: للرسل ومنزلينَ للكتب، والرسلُ تبلِّغ أوامر المرسَل وتخبِرُ بأقدارِهِ. {6}{رحمةً من ربِّك}؛ أي: إن إرسال الرسل وإنزال الكتب التي أفضلُها القرآن رحمةٌ من ربِّ العباد بالعباد؛ فما رحم الله عبادَه برحمةٍ أجلَّ من هدايتهم بالكتب والرسل، وكلُّ خير ينالونه في الدُّنيا والآخرة؛ فإنَّه من أجل ذلك وبسببه. {إنَّه هو السميعُ العليم}؛ أي: يسمع جميع الأصوات، ويعلم جميع الأمور الظاهرة والباطنة، وقد علم تعالى ضرورةَ العباد إلى رسله وكتبه، فرحمهم بذلك ومنَّ عليهم؛ فلله تعالى الحمدُ والمنةُ والإحسان. {7 ـ 8}{ربِّ السموات والأرض وما بينهما}؛ أي: خالق ذلك ومدبِّره والمتصرِّف فيه بما يشاء، {إن كنتُم موقِنين}؛ أي: عالمين بذلك علماً مفيداً لليقين؛ فاعْلموا أنَّ الربَّ للمخلوقات هو إلهها الحقُّ، ولهذا قال:{لا إله إلاَّ هو}؛ أي: لا معبود إلاَّ وجهه، {يحيي ويميتُ}؛ أي: هو المتصرِّف وحده بالإحياء والإماتة، وسيجمعكم بعد موتكم فيَجْزيكم بعَمَلِكم، إن خيراً فخيرٌ، وإن شرًّا فشرٌّ. {ربُّكم وربُّ آبائكم الأوَّلين}؛ أي: ربُّ الأوَّلين والآخرين؛ مربِّيهم بالنعم، الدافع عنهم النقم. {9} فلما قرَّر تعالى ربوبيَّته وألوهيَّته بما يوجب العلم التامَّ ويدفعُ الشكَّ؛ أخبر أنَّ الكافرين مع هذا البيان:{في شكٍّ يلعبونَ}؛ أي: منغمرون في الشُّكوك والشُّبهات، غافلون عمَّا خُلقوا له، قد اشتغلوا باللعب الباطل الذي لا يُجدي عليهم إلاَّ الضَّرر. {10 ـ 16}{فارتقِبۡ}؛ أي: انتظر فيهم العذابَ؛ فإنَّه قد قربَ وآنَ أوانه، {يومَ تأتي السماءُ بدخانٍ مبينٍ. يغشى الناسَ}؛ أي: يعمُّهم ذلك الدخان، ويقال لهم:{هذا عذابٌ أليمٌ}. واختلف المفسِّرون في المراد بهذا الدُّخان: فقيل: إنَّه الدخان الذي يغشى الناسَ ويعمُّهم حين تقرب النار من المجرمين في يوم القيامة، وأنَّ الله توعَّدهم بعذاب يوم القيامةِ، وأمر نبيَّه أن ينتظر بهم ذلك اليوم. ويؤيد هذا المعنى أنَّ هذه الطريقة هي طريقةُ القرآن في توعُّد الكفَّار والتأنِّي بهم وترهيبهم بذلك اليوم وعذابه وتسلية الرسول والمؤمنين بالانتظار بمن آذاهم. ويؤيِّده أيضاً أنَّه قال في هذه الآية:{أنَّى لهم الذِّكۡرى وقد جاءَهُم رسولٌ مبينٌ}، وهذا يُقال يومَ القيامةِ للكفار حين يطلبون الرجوعَ إلى الدُّنيا، فيقال: قد ذهب وقتُ الرجوع. وقيل: إنَّ المراد بذلك ما أصاب كفارَ قريش حين امتنعوا من الإيمان واستَكْبروا على الحقِّ، فدعا عليهم النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال:«اللهمَّ أعِنِّي عليهم بسنينَ كَسِني يوسُفَ». فأرسل الله عليهم الجوع العظيم، حتى أكلوا الميتات والعظام، وصاروا يَرَوْنَ الذي بين السماء والأرض كهيئة الدخان، وليس به، وذلك من شدَّة الجوع، فيكون على هذا قولُه:{يوم تأتي السماءُ بدخانٍ}: أن ذلك بالنسبة إلى أبصارهم وما يشاهدون، وليس بدخانٍ حقيقةً، ولم يزالوا بهذه الحالة حتى اسْتَرْحموا رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، وسألوه أن يَدْعُوَ اللهَ لهم أن يكشِفَه الله عنهم، [فَدَعا رَبَّه]؛ فكشفه الله عنهم، وعلى هذا فيكون قوله:{إنَّا كاشِفو العذابِ قليلاً إنَّكم عائدونَ}: إخبارٌ بأنَّ الله سيصرِفُه عنهم ، وتوعُّدٌ لهم أن يعودوا إلى الاستكبار والتكذيب، وإخبارٌ بوقوعه، فوقع، وأنَّ الله سيعاقِبُهم بالبطشة الكبرى، قالوا: وهي وقعةُ بدرٍ. وفي هذا القول نظرٌ ظاهرٌ. وقيل: إنَّ المراد بذلك أن ذلك من أشراط الساعة، وأنَّه يكون في آخرِ الزَّمان دخانٌ يأخذُ بأنفاس الناس ويصيبُ المؤمنين منه كهيئةِ الدُّخان. والقول هو الأول. وفي الآية احتمالُ أنَّ المراد بقوله:{فارۡتَقِبۡ يوم تأتي السماءُ بدُخانٍ مبينٍ. يغشى الناسَ هذا عذابٌ أليمٌ. ربَّنا اكشِفۡ عنَّا العذابَ إنَّا مؤمنونَ. أنَّى لهم الذِّكرى وقد جاءهُم رسولٌ مبينٌ. ثم تولَّوا عنه وقالوا معلمٌ مجنونٌ}: أنَّ هذا كلَّه [يكون] يوم القيامةِ، وأنَّ قولَه تعالى:{إنَّا كاشفو العذابِ قليلاً إنَّكم عائدونَ. يوم نَبۡطِشُ البطشةَ الكُبرى إنَّا منتقمونَ}: أنَّ هذا ما وقع لقريش كما تقدم. وإذا أنزلت هذه الآيات على هذين المعنيين؛ لم تجد في اللفظ ما يمنعُ من ذلك، بل تَجِدُها مطابقةً لهما أتمَّ المطابقة، وهذا الذي يظهر عندي ويترجَّح. والله أعلم.

الدخان 44:7

وهي مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {1 ـ 3} هذا قسمٌ بالقرآن على القرآن، فأقسم بالكتاب المبين لكلِّ ما يحتاج إلى بيانه أنَّه أنزله {في ليلةٍ مباركةٍ}؛ أي: كثيرة الخير والبركة، وهي ليلةُ القدرِ، التي هي خيرٌ من ألف شهرٍ، فأنزل أفضلَ الكلام بأفضل الليالي والأيام على أفضل الأنام بلغة العرب الكرام؛ لينذِرَ به قوماً عمَّتهم الجهالةُ وغلبت عليهم الشَّقاوة، فيستضيئوا بنوره، ويقتبِسوا من هُداه، ويسيروا وراءه، فيحصُلُ لهم الخير الدنيويُّ والخير الأخرويُّ، ولهذا قال:{إنَّا كُنَّا منذِرينَ}. {4}{فيها}؛ أي: في تلك الليلة الفاضلة التي نَزَلَ فيها القرآن، {يُفۡرَقُ كلُّ أمرٍ حكيم}؛ أي: يفصل ويميَّز ويُكتب كلُّ أمر قدريٍّ وشرعيٍّ حكم الله به. وهذه الكتابة والفرقان الذي يكون في ليلة القدر إحدى الكتابات التي تُكتب وتميَّز، فتطابق الكتابَ الأوَّلَ الذي كتبَ الله به مقاديرَ الخلائق وآجالهم وأرزاقهم وأعمالهم وأحوالهم. ثم إنَّ الله تعالى قد وَكَلَ ملائكةً تكتب ما سيجري على العبد وهو في بطن أمِّه. ثم وَكَلَهم بعد خروجه إلى الدنيا؛ وَكَلَ به كراماً كاتبين يكتبون ويحفظون عليه أعماله. ثم إنَّه تعالى يقدِّرُ في ليلة القدر ما يكونُ في السنةِ، وكلُّ هذا من تمام علمه وكمال حكمتِهِ وإتقان حفظِهِ واعتنائه تعالى بخلقه. {5}{أمراً من عندنا}؛ أي: هذا الأمر الحكيم أمرٌ صادرٌ من عندنا. {إنَّا كنَّا مرسلينَ}: للرسل ومنزلينَ للكتب، والرسلُ تبلِّغ أوامر المرسَل وتخبِرُ بأقدارِهِ. {6}{رحمةً من ربِّك}؛ أي: إن إرسال الرسل وإنزال الكتب التي أفضلُها القرآن رحمةٌ من ربِّ العباد بالعباد؛ فما رحم الله عبادَه برحمةٍ أجلَّ من هدايتهم بالكتب والرسل، وكلُّ خير ينالونه في الدُّنيا والآخرة؛ فإنَّه من أجل ذلك وبسببه. {إنَّه هو السميعُ العليم}؛ أي: يسمع جميع الأصوات، ويعلم جميع الأمور الظاهرة والباطنة، وقد علم تعالى ضرورةَ العباد إلى رسله وكتبه، فرحمهم بذلك ومنَّ عليهم؛ فلله تعالى الحمدُ والمنةُ والإحسان. {7 ـ 8}{ربِّ السموات والأرض وما بينهما}؛ أي: خالق ذلك ومدبِّره والمتصرِّف فيه بما يشاء، {إن كنتُم موقِنين}؛ أي: عالمين بذلك علماً مفيداً لليقين؛ فاعْلموا أنَّ الربَّ للمخلوقات هو إلهها الحقُّ، ولهذا قال:{لا إله إلاَّ هو}؛ أي: لا معبود إلاَّ وجهه، {يحيي ويميتُ}؛ أي: هو المتصرِّف وحده بالإحياء والإماتة، وسيجمعكم بعد موتكم فيَجْزيكم بعَمَلِكم، إن خيراً فخيرٌ، وإن شرًّا فشرٌّ. {ربُّكم وربُّ آبائكم الأوَّلين}؛ أي: ربُّ الأوَّلين والآخرين؛ مربِّيهم بالنعم، الدافع عنهم النقم. {9} فلما قرَّر تعالى ربوبيَّته وألوهيَّته بما يوجب العلم التامَّ ويدفعُ الشكَّ؛ أخبر أنَّ الكافرين مع هذا البيان:{في شكٍّ يلعبونَ}؛ أي: منغمرون في الشُّكوك والشُّبهات، غافلون عمَّا خُلقوا له، قد اشتغلوا باللعب الباطل الذي لا يُجدي عليهم إلاَّ الضَّرر. {10 ـ 16}{فارتقِبۡ}؛ أي: انتظر فيهم العذابَ؛ فإنَّه قد قربَ وآنَ أوانه، {يومَ تأتي السماءُ بدخانٍ مبينٍ. يغشى الناسَ}؛ أي: يعمُّهم ذلك الدخان، ويقال لهم:{هذا عذابٌ أليمٌ}. واختلف المفسِّرون في المراد بهذا الدُّخان: فقيل: إنَّه الدخان الذي يغشى الناسَ ويعمُّهم حين تقرب النار من المجرمين في يوم القيامة، وأنَّ الله توعَّدهم بعذاب يوم القيامةِ، وأمر نبيَّه أن ينتظر بهم ذلك اليوم. ويؤيد هذا المعنى أنَّ هذه الطريقة هي طريقةُ القرآن في توعُّد الكفَّار والتأنِّي بهم وترهيبهم بذلك اليوم وعذابه وتسلية الرسول والمؤمنين بالانتظار بمن آذاهم. ويؤيِّده أيضاً أنَّه قال في هذه الآية:{أنَّى لهم الذِّكۡرى وقد جاءَهُم رسولٌ مبينٌ}، وهذا يُقال يومَ القيامةِ للكفار حين يطلبون الرجوعَ إلى الدُّنيا، فيقال: قد ذهب وقتُ الرجوع. وقيل: إنَّ المراد بذلك ما أصاب كفارَ قريش حين امتنعوا من الإيمان واستَكْبروا على الحقِّ، فدعا عليهم النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال:«اللهمَّ أعِنِّي عليهم بسنينَ كَسِني يوسُفَ». فأرسل الله عليهم الجوع العظيم، حتى أكلوا الميتات والعظام، وصاروا يَرَوْنَ الذي بين السماء والأرض كهيئة الدخان، وليس به، وذلك من شدَّة الجوع، فيكون على هذا قولُه:{يوم تأتي السماءُ بدخانٍ}: أن ذلك بالنسبة إلى أبصارهم وما يشاهدون، وليس بدخانٍ حقيقةً، ولم يزالوا بهذه الحالة حتى اسْتَرْحموا رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، وسألوه أن يَدْعُوَ اللهَ لهم أن يكشِفَه الله عنهم، [فَدَعا رَبَّه]؛ فكشفه الله عنهم، وعلى هذا فيكون قوله:{إنَّا كاشِفو العذابِ قليلاً إنَّكم عائدونَ}: إخبارٌ بأنَّ الله سيصرِفُه عنهم ، وتوعُّدٌ لهم أن يعودوا إلى الاستكبار والتكذيب، وإخبارٌ بوقوعه، فوقع، وأنَّ الله سيعاقِبُهم بالبطشة الكبرى، قالوا: وهي وقعةُ بدرٍ. وفي هذا القول نظرٌ ظاهرٌ. وقيل: إنَّ المراد بذلك أن ذلك من أشراط الساعة، وأنَّه يكون في آخرِ الزَّمان دخانٌ يأخذُ بأنفاس الناس ويصيبُ المؤمنين منه كهيئةِ الدُّخان. والقول هو الأول. وفي الآية احتمالُ أنَّ المراد بقوله:{فارۡتَقِبۡ يوم تأتي السماءُ بدُخانٍ مبينٍ. يغشى الناسَ هذا عذابٌ أليمٌ. ربَّنا اكشِفۡ عنَّا العذابَ إنَّا مؤمنونَ. أنَّى لهم الذِّكرى وقد جاءهُم رسولٌ مبينٌ. ثم تولَّوا عنه وقالوا معلمٌ مجنونٌ}: أنَّ هذا كلَّه [يكون] يوم القيامةِ، وأنَّ قولَه تعالى:{إنَّا كاشفو العذابِ قليلاً إنَّكم عائدونَ. يوم نَبۡطِشُ البطشةَ الكُبرى إنَّا منتقمونَ}: أنَّ هذا ما وقع لقريش كما تقدم. وإذا أنزلت هذه الآيات على هذين المعنيين؛ لم تجد في اللفظ ما يمنعُ من ذلك، بل تَجِدُها مطابقةً لهما أتمَّ المطابقة، وهذا الذي يظهر عندي ويترجَّح. والله أعلم.

الدخان 44:8

وهي مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {1 ـ 3} هذا قسمٌ بالقرآن على القرآن، فأقسم بالكتاب المبين لكلِّ ما يحتاج إلى بيانه أنَّه أنزله {في ليلةٍ مباركةٍ}؛ أي: كثيرة الخير والبركة، وهي ليلةُ القدرِ، التي هي خيرٌ من ألف شهرٍ، فأنزل أفضلَ الكلام بأفضل الليالي والأيام على أفضل الأنام بلغة العرب الكرام؛ لينذِرَ به قوماً عمَّتهم الجهالةُ وغلبت عليهم الشَّقاوة، فيستضيئوا بنوره، ويقتبِسوا من هُداه، ويسيروا وراءه، فيحصُلُ لهم الخير الدنيويُّ والخير الأخرويُّ، ولهذا قال:{إنَّا كُنَّا منذِرينَ}. {4}{فيها}؛ أي: في تلك الليلة الفاضلة التي نَزَلَ فيها القرآن، {يُفۡرَقُ كلُّ أمرٍ حكيم}؛ أي: يفصل ويميَّز ويُكتب كلُّ أمر قدريٍّ وشرعيٍّ حكم الله به. وهذه الكتابة والفرقان الذي يكون في ليلة القدر إحدى الكتابات التي تُكتب وتميَّز، فتطابق الكتابَ الأوَّلَ الذي كتبَ الله به مقاديرَ الخلائق وآجالهم وأرزاقهم وأعمالهم وأحوالهم. ثم إنَّ الله تعالى قد وَكَلَ ملائكةً تكتب ما سيجري على العبد وهو في بطن أمِّه. ثم وَكَلَهم بعد خروجه إلى الدنيا؛ وَكَلَ به كراماً كاتبين يكتبون ويحفظون عليه أعماله. ثم إنَّه تعالى يقدِّرُ في ليلة القدر ما يكونُ في السنةِ، وكلُّ هذا من تمام علمه وكمال حكمتِهِ وإتقان حفظِهِ واعتنائه تعالى بخلقه. {5}{أمراً من عندنا}؛ أي: هذا الأمر الحكيم أمرٌ صادرٌ من عندنا. {إنَّا كنَّا مرسلينَ}: للرسل ومنزلينَ للكتب، والرسلُ تبلِّغ أوامر المرسَل وتخبِرُ بأقدارِهِ. {6}{رحمةً من ربِّك}؛ أي: إن إرسال الرسل وإنزال الكتب التي أفضلُها القرآن رحمةٌ من ربِّ العباد بالعباد؛ فما رحم الله عبادَه برحمةٍ أجلَّ من هدايتهم بالكتب والرسل، وكلُّ خير ينالونه في الدُّنيا والآخرة؛ فإنَّه من أجل ذلك وبسببه. {إنَّه هو السميعُ العليم}؛ أي: يسمع جميع الأصوات، ويعلم جميع الأمور الظاهرة والباطنة، وقد علم تعالى ضرورةَ العباد إلى رسله وكتبه، فرحمهم بذلك ومنَّ عليهم؛ فلله تعالى الحمدُ والمنةُ والإحسان. {7 ـ 8}{ربِّ السموات والأرض وما بينهما}؛ أي: خالق ذلك ومدبِّره والمتصرِّف فيه بما يشاء، {إن كنتُم موقِنين}؛ أي: عالمين بذلك علماً مفيداً لليقين؛ فاعْلموا أنَّ الربَّ للمخلوقات هو إلهها الحقُّ، ولهذا قال:{لا إله إلاَّ هو}؛ أي: لا معبود إلاَّ وجهه، {يحيي ويميتُ}؛ أي: هو المتصرِّف وحده بالإحياء والإماتة، وسيجمعكم بعد موتكم فيَجْزيكم بعَمَلِكم، إن خيراً فخيرٌ، وإن شرًّا فشرٌّ. {ربُّكم وربُّ آبائكم الأوَّلين}؛ أي: ربُّ الأوَّلين والآخرين؛ مربِّيهم بالنعم، الدافع عنهم النقم. {9} فلما قرَّر تعالى ربوبيَّته وألوهيَّته بما يوجب العلم التامَّ ويدفعُ الشكَّ؛ أخبر أنَّ الكافرين مع هذا البيان:{في شكٍّ يلعبونَ}؛ أي: منغمرون في الشُّكوك والشُّبهات، غافلون عمَّا خُلقوا له، قد اشتغلوا باللعب الباطل الذي لا يُجدي عليهم إلاَّ الضَّرر. {10 ـ 16}{فارتقِبۡ}؛ أي: انتظر فيهم العذابَ؛ فإنَّه قد قربَ وآنَ أوانه، {يومَ تأتي السماءُ بدخانٍ مبينٍ. يغشى الناسَ}؛ أي: يعمُّهم ذلك الدخان، ويقال لهم:{هذا عذابٌ أليمٌ}. واختلف المفسِّرون في المراد بهذا الدُّخان: فقيل: إنَّه الدخان الذي يغشى الناسَ ويعمُّهم حين تقرب النار من المجرمين في يوم القيامة، وأنَّ الله توعَّدهم بعذاب يوم القيامةِ، وأمر نبيَّه أن ينتظر بهم ذلك اليوم. ويؤيد هذا المعنى أنَّ هذه الطريقة هي طريقةُ القرآن في توعُّد الكفَّار والتأنِّي بهم وترهيبهم بذلك اليوم وعذابه وتسلية الرسول والمؤمنين بالانتظار بمن آذاهم. ويؤيِّده أيضاً أنَّه قال في هذه الآية:{أنَّى لهم الذِّكۡرى وقد جاءَهُم رسولٌ مبينٌ}، وهذا يُقال يومَ القيامةِ للكفار حين يطلبون الرجوعَ إلى الدُّنيا، فيقال: قد ذهب وقتُ الرجوع. وقيل: إنَّ المراد بذلك ما أصاب كفارَ قريش حين امتنعوا من الإيمان واستَكْبروا على الحقِّ، فدعا عليهم النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال:«اللهمَّ أعِنِّي عليهم بسنينَ كَسِني يوسُفَ». فأرسل الله عليهم الجوع العظيم، حتى أكلوا الميتات والعظام، وصاروا يَرَوْنَ الذي بين السماء والأرض كهيئة الدخان، وليس به، وذلك من شدَّة الجوع، فيكون على هذا قولُه:{يوم تأتي السماءُ بدخانٍ}: أن ذلك بالنسبة إلى أبصارهم وما يشاهدون، وليس بدخانٍ حقيقةً، ولم يزالوا بهذه الحالة حتى اسْتَرْحموا رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، وسألوه أن يَدْعُوَ اللهَ لهم أن يكشِفَه الله عنهم، [فَدَعا رَبَّه]؛ فكشفه الله عنهم، وعلى هذا فيكون قوله:{إنَّا كاشِفو العذابِ قليلاً إنَّكم عائدونَ}: إخبارٌ بأنَّ الله سيصرِفُه عنهم ، وتوعُّدٌ لهم أن يعودوا إلى الاستكبار والتكذيب، وإخبارٌ بوقوعه، فوقع، وأنَّ الله سيعاقِبُهم بالبطشة الكبرى، قالوا: وهي وقعةُ بدرٍ. وفي هذا القول نظرٌ ظاهرٌ. وقيل: إنَّ المراد بذلك أن ذلك من أشراط الساعة، وأنَّه يكون في آخرِ الزَّمان دخانٌ يأخذُ بأنفاس الناس ويصيبُ المؤمنين منه كهيئةِ الدُّخان. والقول هو الأول. وفي الآية احتمالُ أنَّ المراد بقوله:{فارۡتَقِبۡ يوم تأتي السماءُ بدُخانٍ مبينٍ. يغشى الناسَ هذا عذابٌ أليمٌ. ربَّنا اكشِفۡ عنَّا العذابَ إنَّا مؤمنونَ. أنَّى لهم الذِّكرى وقد جاءهُم رسولٌ مبينٌ. ثم تولَّوا عنه وقالوا معلمٌ مجنونٌ}: أنَّ هذا كلَّه [يكون] يوم القيامةِ، وأنَّ قولَه تعالى:{إنَّا كاشفو العذابِ قليلاً إنَّكم عائدونَ. يوم نَبۡطِشُ البطشةَ الكُبرى إنَّا منتقمونَ}: أنَّ هذا ما وقع لقريش كما تقدم. وإذا أنزلت هذه الآيات على هذين المعنيين؛ لم تجد في اللفظ ما يمنعُ من ذلك، بل تَجِدُها مطابقةً لهما أتمَّ المطابقة، وهذا الذي يظهر عندي ويترجَّح. والله أعلم.

الدخان 44:9

وهي مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {1 ـ 3} هذا قسمٌ بالقرآن على القرآن، فأقسم بالكتاب المبين لكلِّ ما يحتاج إلى بيانه أنَّه أنزله {في ليلةٍ مباركةٍ}؛ أي: كثيرة الخير والبركة، وهي ليلةُ القدرِ، التي هي خيرٌ من ألف شهرٍ، فأنزل أفضلَ الكلام بأفضل الليالي والأيام على أفضل الأنام بلغة العرب الكرام؛ لينذِرَ به قوماً عمَّتهم الجهالةُ وغلبت عليهم الشَّقاوة، فيستضيئوا بنوره، ويقتبِسوا من هُداه، ويسيروا وراءه، فيحصُلُ لهم الخير الدنيويُّ والخير الأخرويُّ، ولهذا قال:{إنَّا كُنَّا منذِرينَ}. {4}{فيها}؛ أي: في تلك الليلة الفاضلة التي نَزَلَ فيها القرآن، {يُفۡرَقُ كلُّ أمرٍ حكيم}؛ أي: يفصل ويميَّز ويُكتب كلُّ أمر قدريٍّ وشرعيٍّ حكم الله به. وهذه الكتابة والفرقان الذي يكون في ليلة القدر إحدى الكتابات التي تُكتب وتميَّز، فتطابق الكتابَ الأوَّلَ الذي كتبَ الله به مقاديرَ الخلائق وآجالهم وأرزاقهم وأعمالهم وأحوالهم. ثم إنَّ الله تعالى قد وَكَلَ ملائكةً تكتب ما سيجري على العبد وهو في بطن أمِّه. ثم وَكَلَهم بعد خروجه إلى الدنيا؛ وَكَلَ به كراماً كاتبين يكتبون ويحفظون عليه أعماله. ثم إنَّه تعالى يقدِّرُ في ليلة القدر ما يكونُ في السنةِ، وكلُّ هذا من تمام علمه وكمال حكمتِهِ وإتقان حفظِهِ واعتنائه تعالى بخلقه. {5}{أمراً من عندنا}؛ أي: هذا الأمر الحكيم أمرٌ صادرٌ من عندنا. {إنَّا كنَّا مرسلينَ}: للرسل ومنزلينَ للكتب، والرسلُ تبلِّغ أوامر المرسَل وتخبِرُ بأقدارِهِ. {6}{رحمةً من ربِّك}؛ أي: إن إرسال الرسل وإنزال الكتب التي أفضلُها القرآن رحمةٌ من ربِّ العباد بالعباد؛ فما رحم الله عبادَه برحمةٍ أجلَّ من هدايتهم بالكتب والرسل، وكلُّ خير ينالونه في الدُّنيا والآخرة؛ فإنَّه من أجل ذلك وبسببه. {إنَّه هو السميعُ العليم}؛ أي: يسمع جميع الأصوات، ويعلم جميع الأمور الظاهرة والباطنة، وقد علم تعالى ضرورةَ العباد إلى رسله وكتبه، فرحمهم بذلك ومنَّ عليهم؛ فلله تعالى الحمدُ والمنةُ والإحسان. {7 ـ 8}{ربِّ السموات والأرض وما بينهما}؛ أي: خالق ذلك ومدبِّره والمتصرِّف فيه بما يشاء، {إن كنتُم موقِنين}؛ أي: عالمين بذلك علماً مفيداً لليقين؛ فاعْلموا أنَّ الربَّ للمخلوقات هو إلهها الحقُّ، ولهذا قال:{لا إله إلاَّ هو}؛ أي: لا معبود إلاَّ وجهه، {يحيي ويميتُ}؛ أي: هو المتصرِّف وحده بالإحياء والإماتة، وسيجمعكم بعد موتكم فيَجْزيكم بعَمَلِكم، إن خيراً فخيرٌ، وإن شرًّا فشرٌّ. {ربُّكم وربُّ آبائكم الأوَّلين}؛ أي: ربُّ الأوَّلين والآخرين؛ مربِّيهم بالنعم، الدافع عنهم النقم. {9} فلما قرَّر تعالى ربوبيَّته وألوهيَّته بما يوجب العلم التامَّ ويدفعُ الشكَّ؛ أخبر أنَّ الكافرين مع هذا البيان:{في شكٍّ يلعبونَ}؛ أي: منغمرون في الشُّكوك والشُّبهات، غافلون عمَّا خُلقوا له، قد اشتغلوا باللعب الباطل الذي لا يُجدي عليهم إلاَّ الضَّرر. {10 ـ 16}{فارتقِبۡ}؛ أي: انتظر فيهم العذابَ؛ فإنَّه قد قربَ وآنَ أوانه، {يومَ تأتي السماءُ بدخانٍ مبينٍ. يغشى الناسَ}؛ أي: يعمُّهم ذلك الدخان، ويقال لهم:{هذا عذابٌ أليمٌ}. واختلف المفسِّرون في المراد بهذا الدُّخان: فقيل: إنَّه الدخان الذي يغشى الناسَ ويعمُّهم حين تقرب النار من المجرمين في يوم القيامة، وأنَّ الله توعَّدهم بعذاب يوم القيامةِ، وأمر نبيَّه أن ينتظر بهم ذلك اليوم. ويؤيد هذا المعنى أنَّ هذه الطريقة هي طريقةُ القرآن في توعُّد الكفَّار والتأنِّي بهم وترهيبهم بذلك اليوم وعذابه وتسلية الرسول والمؤمنين بالانتظار بمن آذاهم. ويؤيِّده أيضاً أنَّه قال في هذه الآية:{أنَّى لهم الذِّكۡرى وقد جاءَهُم رسولٌ مبينٌ}، وهذا يُقال يومَ القيامةِ للكفار حين يطلبون الرجوعَ إلى الدُّنيا، فيقال: قد ذهب وقتُ الرجوع. وقيل: إنَّ المراد بذلك ما أصاب كفارَ قريش حين امتنعوا من الإيمان واستَكْبروا على الحقِّ، فدعا عليهم النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال:«اللهمَّ أعِنِّي عليهم بسنينَ كَسِني يوسُفَ». فأرسل الله عليهم الجوع العظيم، حتى أكلوا الميتات والعظام، وصاروا يَرَوْنَ الذي بين السماء والأرض كهيئة الدخان، وليس به، وذلك من شدَّة الجوع، فيكون على هذا قولُه:{يوم تأتي السماءُ بدخانٍ}: أن ذلك بالنسبة إلى أبصارهم وما يشاهدون، وليس بدخانٍ حقيقةً، ولم يزالوا بهذه الحالة حتى اسْتَرْحموا رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، وسألوه أن يَدْعُوَ اللهَ لهم أن يكشِفَه الله عنهم، [فَدَعا رَبَّه]؛ فكشفه الله عنهم، وعلى هذا فيكون قوله:{إنَّا كاشِفو العذابِ قليلاً إنَّكم عائدونَ}: إخبارٌ بأنَّ الله سيصرِفُه عنهم ، وتوعُّدٌ لهم أن يعودوا إلى الاستكبار والتكذيب، وإخبارٌ بوقوعه، فوقع، وأنَّ الله سيعاقِبُهم بالبطشة الكبرى، قالوا: وهي وقعةُ بدرٍ. وفي هذا القول نظرٌ ظاهرٌ. وقيل: إنَّ المراد بذلك أن ذلك من أشراط الساعة، وأنَّه يكون في آخرِ الزَّمان دخانٌ يأخذُ بأنفاس الناس ويصيبُ المؤمنين منه كهيئةِ الدُّخان. والقول هو الأول. وفي الآية احتمالُ أنَّ المراد بقوله:{فارۡتَقِبۡ يوم تأتي السماءُ بدُخانٍ مبينٍ. يغشى الناسَ هذا عذابٌ أليمٌ. ربَّنا اكشِفۡ عنَّا العذابَ إنَّا مؤمنونَ. أنَّى لهم الذِّكرى وقد جاءهُم رسولٌ مبينٌ. ثم تولَّوا عنه وقالوا معلمٌ مجنونٌ}: أنَّ هذا كلَّه [يكون] يوم القيامةِ، وأنَّ قولَه تعالى:{إنَّا كاشفو العذابِ قليلاً إنَّكم عائدونَ. يوم نَبۡطِشُ البطشةَ الكُبرى إنَّا منتقمونَ}: أنَّ هذا ما وقع لقريش كما تقدم. وإذا أنزلت هذه الآيات على هذين المعنيين؛ لم تجد في اللفظ ما يمنعُ من ذلك، بل تَجِدُها مطابقةً لهما أتمَّ المطابقة، وهذا الذي يظهر عندي ويترجَّح. والله أعلم.

الدخان 44:10

وهي مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {1 ـ 3} هذا قسمٌ بالقرآن على القرآن، فأقسم بالكتاب المبين لكلِّ ما يحتاج إلى بيانه أنَّه أنزله {في ليلةٍ مباركةٍ}؛ أي: كثيرة الخير والبركة، وهي ليلةُ القدرِ، التي هي خيرٌ من ألف شهرٍ، فأنزل أفضلَ الكلام بأفضل الليالي والأيام على أفضل الأنام بلغة العرب الكرام؛ لينذِرَ به قوماً عمَّتهم الجهالةُ وغلبت عليهم الشَّقاوة، فيستضيئوا بنوره، ويقتبِسوا من هُداه، ويسيروا وراءه، فيحصُلُ لهم الخير الدنيويُّ والخير الأخرويُّ، ولهذا قال:{إنَّا كُنَّا منذِرينَ}. {4}{فيها}؛ أي: في تلك الليلة الفاضلة التي نَزَلَ فيها القرآن، {يُفۡرَقُ كلُّ أمرٍ حكيم}؛ أي: يفصل ويميَّز ويُكتب كلُّ أمر قدريٍّ وشرعيٍّ حكم الله به. وهذه الكتابة والفرقان الذي يكون في ليلة القدر إحدى الكتابات التي تُكتب وتميَّز، فتطابق الكتابَ الأوَّلَ الذي كتبَ الله به مقاديرَ الخلائق وآجالهم وأرزاقهم وأعمالهم وأحوالهم. ثم إنَّ الله تعالى قد وَكَلَ ملائكةً تكتب ما سيجري على العبد وهو في بطن أمِّه. ثم وَكَلَهم بعد خروجه إلى الدنيا؛ وَكَلَ به كراماً كاتبين يكتبون ويحفظون عليه أعماله. ثم إنَّه تعالى يقدِّرُ في ليلة القدر ما يكونُ في السنةِ، وكلُّ هذا من تمام علمه وكمال حكمتِهِ وإتقان حفظِهِ واعتنائه تعالى بخلقه. {5}{أمراً من عندنا}؛ أي: هذا الأمر الحكيم أمرٌ صادرٌ من عندنا. {إنَّا كنَّا مرسلينَ}: للرسل ومنزلينَ للكتب، والرسلُ تبلِّغ أوامر المرسَل وتخبِرُ بأقدارِهِ. {6}{رحمةً من ربِّك}؛ أي: إن إرسال الرسل وإنزال الكتب التي أفضلُها القرآن رحمةٌ من ربِّ العباد بالعباد؛ فما رحم الله عبادَه برحمةٍ أجلَّ من هدايتهم بالكتب والرسل، وكلُّ خير ينالونه في الدُّنيا والآخرة؛ فإنَّه من أجل ذلك وبسببه. {إنَّه هو السميعُ العليم}؛ أي: يسمع جميع الأصوات، ويعلم جميع الأمور الظاهرة والباطنة، وقد علم تعالى ضرورةَ العباد إلى رسله وكتبه، فرحمهم بذلك ومنَّ عليهم؛ فلله تعالى الحمدُ والمنةُ والإحسان. {7 ـ 8}{ربِّ السموات والأرض وما بينهما}؛ أي: خالق ذلك ومدبِّره والمتصرِّف فيه بما يشاء، {إن كنتُم موقِنين}؛ أي: عالمين بذلك علماً مفيداً لليقين؛ فاعْلموا أنَّ الربَّ للمخلوقات هو إلهها الحقُّ، ولهذا قال:{لا إله إلاَّ هو}؛ أي: لا معبود إلاَّ وجهه، {يحيي ويميتُ}؛ أي: هو المتصرِّف وحده بالإحياء والإماتة، وسيجمعكم بعد موتكم فيَجْزيكم بعَمَلِكم، إن خيراً فخيرٌ، وإن شرًّا فشرٌّ. {ربُّكم وربُّ آبائكم الأوَّلين}؛ أي: ربُّ الأوَّلين والآخرين؛ مربِّيهم بالنعم، الدافع عنهم النقم. {9} فلما قرَّر تعالى ربوبيَّته وألوهيَّته بما يوجب العلم التامَّ ويدفعُ الشكَّ؛ أخبر أنَّ الكافرين مع هذا البيان:{في شكٍّ يلعبونَ}؛ أي: منغمرون في الشُّكوك والشُّبهات، غافلون عمَّا خُلقوا له، قد اشتغلوا باللعب الباطل الذي لا يُجدي عليهم إلاَّ الضَّرر. {10 ـ 16}{فارتقِبۡ}؛ أي: انتظر فيهم العذابَ؛ فإنَّه قد قربَ وآنَ أوانه، {يومَ تأتي السماءُ بدخانٍ مبينٍ. يغشى الناسَ}؛ أي: يعمُّهم ذلك الدخان، ويقال لهم:{هذا عذابٌ أليمٌ}. واختلف المفسِّرون في المراد بهذا الدُّخان: فقيل: إنَّه الدخان الذي يغشى الناسَ ويعمُّهم حين تقرب النار من المجرمين في يوم القيامة، وأنَّ الله توعَّدهم بعذاب يوم القيامةِ، وأمر نبيَّه أن ينتظر بهم ذلك اليوم. ويؤيد هذا المعنى أنَّ هذه الطريقة هي طريقةُ القرآن في توعُّد الكفَّار والتأنِّي بهم وترهيبهم بذلك اليوم وعذابه وتسلية الرسول والمؤمنين بالانتظار بمن آذاهم. ويؤيِّده أيضاً أنَّه قال في هذه الآية:{أنَّى لهم الذِّكۡرى وقد جاءَهُم رسولٌ مبينٌ}، وهذا يُقال يومَ القيامةِ للكفار حين يطلبون الرجوعَ إلى الدُّنيا، فيقال: قد ذهب وقتُ الرجوع. وقيل: إنَّ المراد بذلك ما أصاب كفارَ قريش حين امتنعوا من الإيمان واستَكْبروا على الحقِّ، فدعا عليهم النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال:«اللهمَّ أعِنِّي عليهم بسنينَ كَسِني يوسُفَ». فأرسل الله عليهم الجوع العظيم، حتى أكلوا الميتات والعظام، وصاروا يَرَوْنَ الذي بين السماء والأرض كهيئة الدخان، وليس به، وذلك من شدَّة الجوع، فيكون على هذا قولُه:{يوم تأتي السماءُ بدخانٍ}: أن ذلك بالنسبة إلى أبصارهم وما يشاهدون، وليس بدخانٍ حقيقةً، ولم يزالوا بهذه الحالة حتى اسْتَرْحموا رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، وسألوه أن يَدْعُوَ اللهَ لهم أن يكشِفَه الله عنهم، [فَدَعا رَبَّه]؛ فكشفه الله عنهم، وعلى هذا فيكون قوله:{إنَّا كاشِفو العذابِ قليلاً إنَّكم عائدونَ}: إخبارٌ بأنَّ الله سيصرِفُه عنهم ، وتوعُّدٌ لهم أن يعودوا إلى الاستكبار والتكذيب، وإخبارٌ بوقوعه، فوقع، وأنَّ الله سيعاقِبُهم بالبطشة الكبرى، قالوا: وهي وقعةُ بدرٍ. وفي هذا القول نظرٌ ظاهرٌ. وقيل: إنَّ المراد بذلك أن ذلك من أشراط الساعة، وأنَّه يكون في آخرِ الزَّمان دخانٌ يأخذُ بأنفاس الناس ويصيبُ المؤمنين منه كهيئةِ الدُّخان. والقول هو الأول. وفي الآية احتمالُ أنَّ المراد بقوله:{فارۡتَقِبۡ يوم تأتي السماءُ بدُخانٍ مبينٍ. يغشى الناسَ هذا عذابٌ أليمٌ. ربَّنا اكشِفۡ عنَّا العذابَ إنَّا مؤمنونَ. أنَّى لهم الذِّكرى وقد جاءهُم رسولٌ مبينٌ. ثم تولَّوا عنه وقالوا معلمٌ مجنونٌ}: أنَّ هذا كلَّه [يكون] يوم القيامةِ، وأنَّ قولَه تعالى:{إنَّا كاشفو العذابِ قليلاً إنَّكم عائدونَ. يوم نَبۡطِشُ البطشةَ الكُبرى إنَّا منتقمونَ}: أنَّ هذا ما وقع لقريش كما تقدم. وإذا أنزلت هذه الآيات على هذين المعنيين؛ لم تجد في اللفظ ما يمنعُ من ذلك، بل تَجِدُها مطابقةً لهما أتمَّ المطابقة، وهذا الذي يظهر عندي ويترجَّح. والله أعلم.

الدخان 44:11

وهي مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {1 ـ 3} هذا قسمٌ بالقرآن على القرآن، فأقسم بالكتاب المبين لكلِّ ما يحتاج إلى بيانه أنَّه أنزله {في ليلةٍ مباركةٍ}؛ أي: كثيرة الخير والبركة، وهي ليلةُ القدرِ، التي هي خيرٌ من ألف شهرٍ، فأنزل أفضلَ الكلام بأفضل الليالي والأيام على أفضل الأنام بلغة العرب الكرام؛ لينذِرَ به قوماً عمَّتهم الجهالةُ وغلبت عليهم الشَّقاوة، فيستضيئوا بنوره، ويقتبِسوا من هُداه، ويسيروا وراءه، فيحصُلُ لهم الخير الدنيويُّ والخير الأخرويُّ، ولهذا قال:{إنَّا كُنَّا منذِرينَ}. {4}{فيها}؛ أي: في تلك الليلة الفاضلة التي نَزَلَ فيها القرآن، {يُفۡرَقُ كلُّ أمرٍ حكيم}؛ أي: يفصل ويميَّز ويُكتب كلُّ أمر قدريٍّ وشرعيٍّ حكم الله به. وهذه الكتابة والفرقان الذي يكون في ليلة القدر إحدى الكتابات التي تُكتب وتميَّز، فتطابق الكتابَ الأوَّلَ الذي كتبَ الله به مقاديرَ الخلائق وآجالهم وأرزاقهم وأعمالهم وأحوالهم. ثم إنَّ الله تعالى قد وَكَلَ ملائكةً تكتب ما سيجري على العبد وهو في بطن أمِّه. ثم وَكَلَهم بعد خروجه إلى الدنيا؛ وَكَلَ به كراماً كاتبين يكتبون ويحفظون عليه أعماله. ثم إنَّه تعالى يقدِّرُ في ليلة القدر ما يكونُ في السنةِ، وكلُّ هذا من تمام علمه وكمال حكمتِهِ وإتقان حفظِهِ واعتنائه تعالى بخلقه. {5}{أمراً من عندنا}؛ أي: هذا الأمر الحكيم أمرٌ صادرٌ من عندنا. {إنَّا كنَّا مرسلينَ}: للرسل ومنزلينَ للكتب، والرسلُ تبلِّغ أوامر المرسَل وتخبِرُ بأقدارِهِ. {6}{رحمةً من ربِّك}؛ أي: إن إرسال الرسل وإنزال الكتب التي أفضلُها القرآن رحمةٌ من ربِّ العباد بالعباد؛ فما رحم الله عبادَه برحمةٍ أجلَّ من هدايتهم بالكتب والرسل، وكلُّ خير ينالونه في الدُّنيا والآخرة؛ فإنَّه من أجل ذلك وبسببه. {إنَّه هو السميعُ العليم}؛ أي: يسمع جميع الأصوات، ويعلم جميع الأمور الظاهرة والباطنة، وقد علم تعالى ضرورةَ العباد إلى رسله وكتبه، فرحمهم بذلك ومنَّ عليهم؛ فلله تعالى الحمدُ والمنةُ والإحسان. {7 ـ 8}{ربِّ السموات والأرض وما بينهما}؛ أي: خالق ذلك ومدبِّره والمتصرِّف فيه بما يشاء، {إن كنتُم موقِنين}؛ أي: عالمين بذلك علماً مفيداً لليقين؛ فاعْلموا أنَّ الربَّ للمخلوقات هو إلهها الحقُّ، ولهذا قال:{لا إله إلاَّ هو}؛ أي: لا معبود إلاَّ وجهه، {يحيي ويميتُ}؛ أي: هو المتصرِّف وحده بالإحياء والإماتة، وسيجمعكم بعد موتكم فيَجْزيكم بعَمَلِكم، إن خيراً فخيرٌ، وإن شرًّا فشرٌّ. {ربُّكم وربُّ آبائكم الأوَّلين}؛ أي: ربُّ الأوَّلين والآخرين؛ مربِّيهم بالنعم، الدافع عنهم النقم. {9} فلما قرَّر تعالى ربوبيَّته وألوهيَّته بما يوجب العلم التامَّ ويدفعُ الشكَّ؛ أخبر أنَّ الكافرين مع هذا البيان:{في شكٍّ يلعبونَ}؛ أي: منغمرون في الشُّكوك والشُّبهات، غافلون عمَّا خُلقوا له، قد اشتغلوا باللعب الباطل الذي لا يُجدي عليهم إلاَّ الضَّرر. {10 ـ 16}{فارتقِبۡ}؛ أي: انتظر فيهم العذابَ؛ فإنَّه قد قربَ وآنَ أوانه، {يومَ تأتي السماءُ بدخانٍ مبينٍ. يغشى الناسَ}؛ أي: يعمُّهم ذلك الدخان، ويقال لهم:{هذا عذابٌ أليمٌ}. واختلف المفسِّرون في المراد بهذا الدُّخان: فقيل: إنَّه الدخان الذي يغشى الناسَ ويعمُّهم حين تقرب النار من المجرمين في يوم القيامة، وأنَّ الله توعَّدهم بعذاب يوم القيامةِ، وأمر نبيَّه أن ينتظر بهم ذلك اليوم. ويؤيد هذا المعنى أنَّ هذه الطريقة هي طريقةُ القرآن في توعُّد الكفَّار والتأنِّي بهم وترهيبهم بذلك اليوم وعذابه وتسلية الرسول والمؤمنين بالانتظار بمن آذاهم. ويؤيِّده أيضاً أنَّه قال في هذه الآية:{أنَّى لهم الذِّكۡرى وقد جاءَهُم رسولٌ مبينٌ}، وهذا يُقال يومَ القيامةِ للكفار حين يطلبون الرجوعَ إلى الدُّنيا، فيقال: قد ذهب وقتُ الرجوع. وقيل: إنَّ المراد بذلك ما أصاب كفارَ قريش حين امتنعوا من الإيمان واستَكْبروا على الحقِّ، فدعا عليهم النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال:«اللهمَّ أعِنِّي عليهم بسنينَ كَسِني يوسُفَ». فأرسل الله عليهم الجوع العظيم، حتى أكلوا الميتات والعظام، وصاروا يَرَوْنَ الذي بين السماء والأرض كهيئة الدخان، وليس به، وذلك من شدَّة الجوع، فيكون على هذا قولُه:{يوم تأتي السماءُ بدخانٍ}: أن ذلك بالنسبة إلى أبصارهم وما يشاهدون، وليس بدخانٍ حقيقةً، ولم يزالوا بهذه الحالة حتى اسْتَرْحموا رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، وسألوه أن يَدْعُوَ اللهَ لهم أن يكشِفَه الله عنهم، [فَدَعا رَبَّه]؛ فكشفه الله عنهم، وعلى هذا فيكون قوله:{إنَّا كاشِفو العذابِ قليلاً إنَّكم عائدونَ}: إخبارٌ بأنَّ الله سيصرِفُه عنهم ، وتوعُّدٌ لهم أن يعودوا إلى الاستكبار والتكذيب، وإخبارٌ بوقوعه، فوقع، وأنَّ الله سيعاقِبُهم بالبطشة الكبرى، قالوا: وهي وقعةُ بدرٍ. وفي هذا القول نظرٌ ظاهرٌ. وقيل: إنَّ المراد بذلك أن ذلك من أشراط الساعة، وأنَّه يكون في آخرِ الزَّمان دخانٌ يأخذُ بأنفاس الناس ويصيبُ المؤمنين منه كهيئةِ الدُّخان. والقول هو الأول. وفي الآية احتمالُ أنَّ المراد بقوله:{فارۡتَقِبۡ يوم تأتي السماءُ بدُخانٍ مبينٍ. يغشى الناسَ هذا عذابٌ أليمٌ. ربَّنا اكشِفۡ عنَّا العذابَ إنَّا مؤمنونَ. أنَّى لهم الذِّكرى وقد جاءهُم رسولٌ مبينٌ. ثم تولَّوا عنه وقالوا معلمٌ مجنونٌ}: أنَّ هذا كلَّه [يكون] يوم القيامةِ، وأنَّ قولَه تعالى:{إنَّا كاشفو العذابِ قليلاً إنَّكم عائدونَ. يوم نَبۡطِشُ البطشةَ الكُبرى إنَّا منتقمونَ}: أنَّ هذا ما وقع لقريش كما تقدم. وإذا أنزلت هذه الآيات على هذين المعنيين؛ لم تجد في اللفظ ما يمنعُ من ذلك، بل تَجِدُها مطابقةً لهما أتمَّ المطابقة، وهذا الذي يظهر عندي ويترجَّح. والله أعلم.

الدخان 44:12

وهي مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {1 ـ 3} هذا قسمٌ بالقرآن على القرآن، فأقسم بالكتاب المبين لكلِّ ما يحتاج إلى بيانه أنَّه أنزله {في ليلةٍ مباركةٍ}؛ أي: كثيرة الخير والبركة، وهي ليلةُ القدرِ، التي هي خيرٌ من ألف شهرٍ، فأنزل أفضلَ الكلام بأفضل الليالي والأيام على أفضل الأنام بلغة العرب الكرام؛ لينذِرَ به قوماً عمَّتهم الجهالةُ وغلبت عليهم الشَّقاوة، فيستضيئوا بنوره، ويقتبِسوا من هُداه، ويسيروا وراءه، فيحصُلُ لهم الخير الدنيويُّ والخير الأخرويُّ، ولهذا قال:{إنَّا كُنَّا منذِرينَ}. {4}{فيها}؛ أي: في تلك الليلة الفاضلة التي نَزَلَ فيها القرآن، {يُفۡرَقُ كلُّ أمرٍ حكيم}؛ أي: يفصل ويميَّز ويُكتب كلُّ أمر قدريٍّ وشرعيٍّ حكم الله به. وهذه الكتابة والفرقان الذي يكون في ليلة القدر إحدى الكتابات التي تُكتب وتميَّز، فتطابق الكتابَ الأوَّلَ الذي كتبَ الله به مقاديرَ الخلائق وآجالهم وأرزاقهم وأعمالهم وأحوالهم. ثم إنَّ الله تعالى قد وَكَلَ ملائكةً تكتب ما سيجري على العبد وهو في بطن أمِّه. ثم وَكَلَهم بعد خروجه إلى الدنيا؛ وَكَلَ به كراماً كاتبين يكتبون ويحفظون عليه أعماله. ثم إنَّه تعالى يقدِّرُ في ليلة القدر ما يكونُ في السنةِ، وكلُّ هذا من تمام علمه وكمال حكمتِهِ وإتقان حفظِهِ واعتنائه تعالى بخلقه. {5}{أمراً من عندنا}؛ أي: هذا الأمر الحكيم أمرٌ صادرٌ من عندنا. {إنَّا كنَّا مرسلينَ}: للرسل ومنزلينَ للكتب، والرسلُ تبلِّغ أوامر المرسَل وتخبِرُ بأقدارِهِ. {6}{رحمةً من ربِّك}؛ أي: إن إرسال الرسل وإنزال الكتب التي أفضلُها القرآن رحمةٌ من ربِّ العباد بالعباد؛ فما رحم الله عبادَه برحمةٍ أجلَّ من هدايتهم بالكتب والرسل، وكلُّ خير ينالونه في الدُّنيا والآخرة؛ فإنَّه من أجل ذلك وبسببه. {إنَّه هو السميعُ العليم}؛ أي: يسمع جميع الأصوات، ويعلم جميع الأمور الظاهرة والباطنة، وقد علم تعالى ضرورةَ العباد إلى رسله وكتبه، فرحمهم بذلك ومنَّ عليهم؛ فلله تعالى الحمدُ والمنةُ والإحسان. {7 ـ 8}{ربِّ السموات والأرض وما بينهما}؛ أي: خالق ذلك ومدبِّره والمتصرِّف فيه بما يشاء، {إن كنتُم موقِنين}؛ أي: عالمين بذلك علماً مفيداً لليقين؛ فاعْلموا أنَّ الربَّ للمخلوقات هو إلهها الحقُّ، ولهذا قال:{لا إله إلاَّ هو}؛ أي: لا معبود إلاَّ وجهه، {يحيي ويميتُ}؛ أي: هو المتصرِّف وحده بالإحياء والإماتة، وسيجمعكم بعد موتكم فيَجْزيكم بعَمَلِكم، إن خيراً فخيرٌ، وإن شرًّا فشرٌّ. {ربُّكم وربُّ آبائكم الأوَّلين}؛ أي: ربُّ الأوَّلين والآخرين؛ مربِّيهم بالنعم، الدافع عنهم النقم. {9} فلما قرَّر تعالى ربوبيَّته وألوهيَّته بما يوجب العلم التامَّ ويدفعُ الشكَّ؛ أخبر أنَّ الكافرين مع هذا البيان:{في شكٍّ يلعبونَ}؛ أي: منغمرون في الشُّكوك والشُّبهات، غافلون عمَّا خُلقوا له، قد اشتغلوا باللعب الباطل الذي لا يُجدي عليهم إلاَّ الضَّرر. {10 ـ 16}{فارتقِبۡ}؛ أي: انتظر فيهم العذابَ؛ فإنَّه قد قربَ وآنَ أوانه، {يومَ تأتي السماءُ بدخانٍ مبينٍ. يغشى الناسَ}؛ أي: يعمُّهم ذلك الدخان، ويقال لهم:{هذا عذابٌ أليمٌ}. واختلف المفسِّرون في المراد بهذا الدُّخان: فقيل: إنَّه الدخان الذي يغشى الناسَ ويعمُّهم حين تقرب النار من المجرمين في يوم القيامة، وأنَّ الله توعَّدهم بعذاب يوم القيامةِ، وأمر نبيَّه أن ينتظر بهم ذلك اليوم. ويؤيد هذا المعنى أنَّ هذه الطريقة هي طريقةُ القرآن في توعُّد الكفَّار والتأنِّي بهم وترهيبهم بذلك اليوم وعذابه وتسلية الرسول والمؤمنين بالانتظار بمن آذاهم. ويؤيِّده أيضاً أنَّه قال في هذه الآية:{أنَّى لهم الذِّكۡرى وقد جاءَهُم رسولٌ مبينٌ}، وهذا يُقال يومَ القيامةِ للكفار حين يطلبون الرجوعَ إلى الدُّنيا، فيقال: قد ذهب وقتُ الرجوع. وقيل: إنَّ المراد بذلك ما أصاب كفارَ قريش حين امتنعوا من الإيمان واستَكْبروا على الحقِّ، فدعا عليهم النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال:«اللهمَّ أعِنِّي عليهم بسنينَ كَسِني يوسُفَ». فأرسل الله عليهم الجوع العظيم، حتى أكلوا الميتات والعظام، وصاروا يَرَوْنَ الذي بين السماء والأرض كهيئة الدخان، وليس به، وذلك من شدَّة الجوع، فيكون على هذا قولُه:{يوم تأتي السماءُ بدخانٍ}: أن ذلك بالنسبة إلى أبصارهم وما يشاهدون، وليس بدخانٍ حقيقةً، ولم يزالوا بهذه الحالة حتى اسْتَرْحموا رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، وسألوه أن يَدْعُوَ اللهَ لهم أن يكشِفَه الله عنهم، [فَدَعا رَبَّه]؛ فكشفه الله عنهم، وعلى هذا فيكون قوله:{إنَّا كاشِفو العذابِ قليلاً إنَّكم عائدونَ}: إخبارٌ بأنَّ الله سيصرِفُه عنهم ، وتوعُّدٌ لهم أن يعودوا إلى الاستكبار والتكذيب، وإخبارٌ بوقوعه، فوقع، وأنَّ الله سيعاقِبُهم بالبطشة الكبرى، قالوا: وهي وقعةُ بدرٍ. وفي هذا القول نظرٌ ظاهرٌ. وقيل: إنَّ المراد بذلك أن ذلك من أشراط الساعة، وأنَّه يكون في آخرِ الزَّمان دخانٌ يأخذُ بأنفاس الناس ويصيبُ المؤمنين منه كهيئةِ الدُّخان. والقول هو الأول. وفي الآية احتمالُ أنَّ المراد بقوله:{فارۡتَقِبۡ يوم تأتي السماءُ بدُخانٍ مبينٍ. يغشى الناسَ هذا عذابٌ أليمٌ. ربَّنا اكشِفۡ عنَّا العذابَ إنَّا مؤمنونَ. أنَّى لهم الذِّكرى وقد جاءهُم رسولٌ مبينٌ. ثم تولَّوا عنه وقالوا معلمٌ مجنونٌ}: أنَّ هذا كلَّه [يكون] يوم القيامةِ، وأنَّ قولَه تعالى:{إنَّا كاشفو العذابِ قليلاً إنَّكم عائدونَ. يوم نَبۡطِشُ البطشةَ الكُبرى إنَّا منتقمونَ}: أنَّ هذا ما وقع لقريش كما تقدم. وإذا أنزلت هذه الآيات على هذين المعنيين؛ لم تجد في اللفظ ما يمنعُ من ذلك، بل تَجِدُها مطابقةً لهما أتمَّ المطابقة، وهذا الذي يظهر عندي ويترجَّح. والله أعلم.

الدخان 44:13

وهي مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {1 ـ 3} هذا قسمٌ بالقرآن على القرآن، فأقسم بالكتاب المبين لكلِّ ما يحتاج إلى بيانه أنَّه أنزله {في ليلةٍ مباركةٍ}؛ أي: كثيرة الخير والبركة، وهي ليلةُ القدرِ، التي هي خيرٌ من ألف شهرٍ، فأنزل أفضلَ الكلام بأفضل الليالي والأيام على أفضل الأنام بلغة العرب الكرام؛ لينذِرَ به قوماً عمَّتهم الجهالةُ وغلبت عليهم الشَّقاوة، فيستضيئوا بنوره، ويقتبِسوا من هُداه، ويسيروا وراءه، فيحصُلُ لهم الخير الدنيويُّ والخير الأخرويُّ، ولهذا قال:{إنَّا كُنَّا منذِرينَ}. {4}{فيها}؛ أي: في تلك الليلة الفاضلة التي نَزَلَ فيها القرآن، {يُفۡرَقُ كلُّ أمرٍ حكيم}؛ أي: يفصل ويميَّز ويُكتب كلُّ أمر قدريٍّ وشرعيٍّ حكم الله به. وهذه الكتابة والفرقان الذي يكون في ليلة القدر إحدى الكتابات التي تُكتب وتميَّز، فتطابق الكتابَ الأوَّلَ الذي كتبَ الله به مقاديرَ الخلائق وآجالهم وأرزاقهم وأعمالهم وأحوالهم. ثم إنَّ الله تعالى قد وَكَلَ ملائكةً تكتب ما سيجري على العبد وهو في بطن أمِّه. ثم وَكَلَهم بعد خروجه إلى الدنيا؛ وَكَلَ به كراماً كاتبين يكتبون ويحفظون عليه أعماله. ثم إنَّه تعالى يقدِّرُ في ليلة القدر ما يكونُ في السنةِ، وكلُّ هذا من تمام علمه وكمال حكمتِهِ وإتقان حفظِهِ واعتنائه تعالى بخلقه. {5}{أمراً من عندنا}؛ أي: هذا الأمر الحكيم أمرٌ صادرٌ من عندنا. {إنَّا كنَّا مرسلينَ}: للرسل ومنزلينَ للكتب، والرسلُ تبلِّغ أوامر المرسَل وتخبِرُ بأقدارِهِ. {6}{رحمةً من ربِّك}؛ أي: إن إرسال الرسل وإنزال الكتب التي أفضلُها القرآن رحمةٌ من ربِّ العباد بالعباد؛ فما رحم الله عبادَه برحمةٍ أجلَّ من هدايتهم بالكتب والرسل، وكلُّ خير ينالونه في الدُّنيا والآخرة؛ فإنَّه من أجل ذلك وبسببه. {إنَّه هو السميعُ العليم}؛ أي: يسمع جميع الأصوات، ويعلم جميع الأمور الظاهرة والباطنة، وقد علم تعالى ضرورةَ العباد إلى رسله وكتبه، فرحمهم بذلك ومنَّ عليهم؛ فلله تعالى الحمدُ والمنةُ والإحسان. {7 ـ 8}{ربِّ السموات والأرض وما بينهما}؛ أي: خالق ذلك ومدبِّره والمتصرِّف فيه بما يشاء، {إن كنتُم موقِنين}؛ أي: عالمين بذلك علماً مفيداً لليقين؛ فاعْلموا أنَّ الربَّ للمخلوقات هو إلهها الحقُّ، ولهذا قال:{لا إله إلاَّ هو}؛ أي: لا معبود إلاَّ وجهه، {يحيي ويميتُ}؛ أي: هو المتصرِّف وحده بالإحياء والإماتة، وسيجمعكم بعد موتكم فيَجْزيكم بعَمَلِكم، إن خيراً فخيرٌ، وإن شرًّا فشرٌّ. {ربُّكم وربُّ آبائكم الأوَّلين}؛ أي: ربُّ الأوَّلين والآخرين؛ مربِّيهم بالنعم، الدافع عنهم النقم. {9} فلما قرَّر تعالى ربوبيَّته وألوهيَّته بما يوجب العلم التامَّ ويدفعُ الشكَّ؛ أخبر أنَّ الكافرين مع هذا البيان:{في شكٍّ يلعبونَ}؛ أي: منغمرون في الشُّكوك والشُّبهات، غافلون عمَّا خُلقوا له، قد اشتغلوا باللعب الباطل الذي لا يُجدي عليهم إلاَّ الضَّرر. {10 ـ 16}{فارتقِبۡ}؛ أي: انتظر فيهم العذابَ؛ فإنَّه قد قربَ وآنَ أوانه، {يومَ تأتي السماءُ بدخانٍ مبينٍ. يغشى الناسَ}؛ أي: يعمُّهم ذلك الدخان، ويقال لهم:{هذا عذابٌ أليمٌ}. واختلف المفسِّرون في المراد بهذا الدُّخان: فقيل: إنَّه الدخان الذي يغشى الناسَ ويعمُّهم حين تقرب النار من المجرمين في يوم القيامة، وأنَّ الله توعَّدهم بعذاب يوم القيامةِ، وأمر نبيَّه أن ينتظر بهم ذلك اليوم. ويؤيد هذا المعنى أنَّ هذه الطريقة هي طريقةُ القرآن في توعُّد الكفَّار والتأنِّي بهم وترهيبهم بذلك اليوم وعذابه وتسلية الرسول والمؤمنين بالانتظار بمن آذاهم. ويؤيِّده أيضاً أنَّه قال في هذه الآية:{أنَّى لهم الذِّكۡرى وقد جاءَهُم رسولٌ مبينٌ}، وهذا يُقال يومَ القيامةِ للكفار حين يطلبون الرجوعَ إلى الدُّنيا، فيقال: قد ذهب وقتُ الرجوع. وقيل: إنَّ المراد بذلك ما أصاب كفارَ قريش حين امتنعوا من الإيمان واستَكْبروا على الحقِّ، فدعا عليهم النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال:«اللهمَّ أعِنِّي عليهم بسنينَ كَسِني يوسُفَ». فأرسل الله عليهم الجوع العظيم، حتى أكلوا الميتات والعظام، وصاروا يَرَوْنَ الذي بين السماء والأرض كهيئة الدخان، وليس به، وذلك من شدَّة الجوع، فيكون على هذا قولُه:{يوم تأتي السماءُ بدخانٍ}: أن ذلك بالنسبة إلى أبصارهم وما يشاهدون، وليس بدخانٍ حقيقةً، ولم يزالوا بهذه الحالة حتى اسْتَرْحموا رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، وسألوه أن يَدْعُوَ اللهَ لهم أن يكشِفَه الله عنهم، [فَدَعا رَبَّه]؛ فكشفه الله عنهم، وعلى هذا فيكون قوله:{إنَّا كاشِفو العذابِ قليلاً إنَّكم عائدونَ}: إخبارٌ بأنَّ الله سيصرِفُه عنهم ، وتوعُّدٌ لهم أن يعودوا إلى الاستكبار والتكذيب، وإخبارٌ بوقوعه، فوقع، وأنَّ الله سيعاقِبُهم بالبطشة الكبرى، قالوا: وهي وقعةُ بدرٍ. وفي هذا القول نظرٌ ظاهرٌ. وقيل: إنَّ المراد بذلك أن ذلك من أشراط الساعة، وأنَّه يكون في آخرِ الزَّمان دخانٌ يأخذُ بأنفاس الناس ويصيبُ المؤمنين منه كهيئةِ الدُّخان. والقول هو الأول. وفي الآية احتمالُ أنَّ المراد بقوله:{فارۡتَقِبۡ يوم تأتي السماءُ بدُخانٍ مبينٍ. يغشى الناسَ هذا عذابٌ أليمٌ. ربَّنا اكشِفۡ عنَّا العذابَ إنَّا مؤمنونَ. أنَّى لهم الذِّكرى وقد جاءهُم رسولٌ مبينٌ. ثم تولَّوا عنه وقالوا معلمٌ مجنونٌ}: أنَّ هذا كلَّه [يكون] يوم القيامةِ، وأنَّ قولَه تعالى:{إنَّا كاشفو العذابِ قليلاً إنَّكم عائدونَ. يوم نَبۡطِشُ البطشةَ الكُبرى إنَّا منتقمونَ}: أنَّ هذا ما وقع لقريش كما تقدم. وإذا أنزلت هذه الآيات على هذين المعنيين؛ لم تجد في اللفظ ما يمنعُ من ذلك، بل تَجِدُها مطابقةً لهما أتمَّ المطابقة، وهذا الذي يظهر عندي ويترجَّح. والله أعلم.

الدخان 44:14

وهي مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {1 ـ 3} هذا قسمٌ بالقرآن على القرآن، فأقسم بالكتاب المبين لكلِّ ما يحتاج إلى بيانه أنَّه أنزله {في ليلةٍ مباركةٍ}؛ أي: كثيرة الخير والبركة، وهي ليلةُ القدرِ، التي هي خيرٌ من ألف شهرٍ، فأنزل أفضلَ الكلام بأفضل الليالي والأيام على أفضل الأنام بلغة العرب الكرام؛ لينذِرَ به قوماً عمَّتهم الجهالةُ وغلبت عليهم الشَّقاوة، فيستضيئوا بنوره، ويقتبِسوا من هُداه، ويسيروا وراءه، فيحصُلُ لهم الخير الدنيويُّ والخير الأخرويُّ، ولهذا قال:{إنَّا كُنَّا منذِرينَ}. {4}{فيها}؛ أي: في تلك الليلة الفاضلة التي نَزَلَ فيها القرآن، {يُفۡرَقُ كلُّ أمرٍ حكيم}؛ أي: يفصل ويميَّز ويُكتب كلُّ أمر قدريٍّ وشرعيٍّ حكم الله به. وهذه الكتابة والفرقان الذي يكون في ليلة القدر إحدى الكتابات التي تُكتب وتميَّز، فتطابق الكتابَ الأوَّلَ الذي كتبَ الله به مقاديرَ الخلائق وآجالهم وأرزاقهم وأعمالهم وأحوالهم. ثم إنَّ الله تعالى قد وَكَلَ ملائكةً تكتب ما سيجري على العبد وهو في بطن أمِّه. ثم وَكَلَهم بعد خروجه إلى الدنيا؛ وَكَلَ به كراماً كاتبين يكتبون ويحفظون عليه أعماله. ثم إنَّه تعالى يقدِّرُ في ليلة القدر ما يكونُ في السنةِ، وكلُّ هذا من تمام علمه وكمال حكمتِهِ وإتقان حفظِهِ واعتنائه تعالى بخلقه. {5}{أمراً من عندنا}؛ أي: هذا الأمر الحكيم أمرٌ صادرٌ من عندنا. {إنَّا كنَّا مرسلينَ}: للرسل ومنزلينَ للكتب، والرسلُ تبلِّغ أوامر المرسَل وتخبِرُ بأقدارِهِ. {6}{رحمةً من ربِّك}؛ أي: إن إرسال الرسل وإنزال الكتب التي أفضلُها القرآن رحمةٌ من ربِّ العباد بالعباد؛ فما رحم الله عبادَه برحمةٍ أجلَّ من هدايتهم بالكتب والرسل، وكلُّ خير ينالونه في الدُّنيا والآخرة؛ فإنَّه من أجل ذلك وبسببه. {إنَّه هو السميعُ العليم}؛ أي: يسمع جميع الأصوات، ويعلم جميع الأمور الظاهرة والباطنة، وقد علم تعالى ضرورةَ العباد إلى رسله وكتبه، فرحمهم بذلك ومنَّ عليهم؛ فلله تعالى الحمدُ والمنةُ والإحسان. {7 ـ 8}{ربِّ السموات والأرض وما بينهما}؛ أي: خالق ذلك ومدبِّره والمتصرِّف فيه بما يشاء، {إن كنتُم موقِنين}؛ أي: عالمين بذلك علماً مفيداً لليقين؛ فاعْلموا أنَّ الربَّ للمخلوقات هو إلهها الحقُّ، ولهذا قال:{لا إله إلاَّ هو}؛ أي: لا معبود إلاَّ وجهه، {يحيي ويميتُ}؛ أي: هو المتصرِّف وحده بالإحياء والإماتة، وسيجمعكم بعد موتكم فيَجْزيكم بعَمَلِكم، إن خيراً فخيرٌ، وإن شرًّا فشرٌّ. {ربُّكم وربُّ آبائكم الأوَّلين}؛ أي: ربُّ الأوَّلين والآخرين؛ مربِّيهم بالنعم، الدافع عنهم النقم. {9} فلما قرَّر تعالى ربوبيَّته وألوهيَّته بما يوجب العلم التامَّ ويدفعُ الشكَّ؛ أخبر أنَّ الكافرين مع هذا البيان:{في شكٍّ يلعبونَ}؛ أي: منغمرون في الشُّكوك والشُّبهات، غافلون عمَّا خُلقوا له، قد اشتغلوا باللعب الباطل الذي لا يُجدي عليهم إلاَّ الضَّرر. {10 ـ 16}{فارتقِبۡ}؛ أي: انتظر فيهم العذابَ؛ فإنَّه قد قربَ وآنَ أوانه، {يومَ تأتي السماءُ بدخانٍ مبينٍ. يغشى الناسَ}؛ أي: يعمُّهم ذلك الدخان، ويقال لهم:{هذا عذابٌ أليمٌ}. واختلف المفسِّرون في المراد بهذا الدُّخان: فقيل: إنَّه الدخان الذي يغشى الناسَ ويعمُّهم حين تقرب النار من المجرمين في يوم القيامة، وأنَّ الله توعَّدهم بعذاب يوم القيامةِ، وأمر نبيَّه أن ينتظر بهم ذلك اليوم. ويؤيد هذا المعنى أنَّ هذه الطريقة هي طريقةُ القرآن في توعُّد الكفَّار والتأنِّي بهم وترهيبهم بذلك اليوم وعذابه وتسلية الرسول والمؤمنين بالانتظار بمن آذاهم. ويؤيِّده أيضاً أنَّه قال في هذه الآية:{أنَّى لهم الذِّكۡرى وقد جاءَهُم رسولٌ مبينٌ}، وهذا يُقال يومَ القيامةِ للكفار حين يطلبون الرجوعَ إلى الدُّنيا، فيقال: قد ذهب وقتُ الرجوع. وقيل: إنَّ المراد بذلك ما أصاب كفارَ قريش حين امتنعوا من الإيمان واستَكْبروا على الحقِّ، فدعا عليهم النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال:«اللهمَّ أعِنِّي عليهم بسنينَ كَسِني يوسُفَ». فأرسل الله عليهم الجوع العظيم، حتى أكلوا الميتات والعظام، وصاروا يَرَوْنَ الذي بين السماء والأرض كهيئة الدخان، وليس به، وذلك من شدَّة الجوع، فيكون على هذا قولُه:{يوم تأتي السماءُ بدخانٍ}: أن ذلك بالنسبة إلى أبصارهم وما يشاهدون، وليس بدخانٍ حقيقةً، ولم يزالوا بهذه الحالة حتى اسْتَرْحموا رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، وسألوه أن يَدْعُوَ اللهَ لهم أن يكشِفَه الله عنهم، [فَدَعا رَبَّه]؛ فكشفه الله عنهم، وعلى هذا فيكون قوله:{إنَّا كاشِفو العذابِ قليلاً إنَّكم عائدونَ}: إخبارٌ بأنَّ الله سيصرِفُه عنهم ، وتوعُّدٌ لهم أن يعودوا إلى الاستكبار والتكذيب، وإخبارٌ بوقوعه، فوقع، وأنَّ الله سيعاقِبُهم بالبطشة الكبرى، قالوا: وهي وقعةُ بدرٍ. وفي هذا القول نظرٌ ظاهرٌ. وقيل: إنَّ المراد بذلك أن ذلك من أشراط الساعة، وأنَّه يكون في آخرِ الزَّمان دخانٌ يأخذُ بأنفاس الناس ويصيبُ المؤمنين منه كهيئةِ الدُّخان. والقول هو الأول. وفي الآية احتمالُ أنَّ المراد بقوله:{فارۡتَقِبۡ يوم تأتي السماءُ بدُخانٍ مبينٍ. يغشى الناسَ هذا عذابٌ أليمٌ. ربَّنا اكشِفۡ عنَّا العذابَ إنَّا مؤمنونَ. أنَّى لهم الذِّكرى وقد جاءهُم رسولٌ مبينٌ. ثم تولَّوا عنه وقالوا معلمٌ مجنونٌ}: أنَّ هذا كلَّه [يكون] يوم القيامةِ، وأنَّ قولَه تعالى:{إنَّا كاشفو العذابِ قليلاً إنَّكم عائدونَ. يوم نَبۡطِشُ البطشةَ الكُبرى إنَّا منتقمونَ}: أنَّ هذا ما وقع لقريش كما تقدم. وإذا أنزلت هذه الآيات على هذين المعنيين؛ لم تجد في اللفظ ما يمنعُ من ذلك، بل تَجِدُها مطابقةً لهما أتمَّ المطابقة، وهذا الذي يظهر عندي ويترجَّح. والله أعلم.

الدخان 44:15

وهي مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {1 ـ 3} هذا قسمٌ بالقرآن على القرآن، فأقسم بالكتاب المبين لكلِّ ما يحتاج إلى بيانه أنَّه أنزله {في ليلةٍ مباركةٍ}؛ أي: كثيرة الخير والبركة، وهي ليلةُ القدرِ، التي هي خيرٌ من ألف شهرٍ، فأنزل أفضلَ الكلام بأفضل الليالي والأيام على أفضل الأنام بلغة العرب الكرام؛ لينذِرَ به قوماً عمَّتهم الجهالةُ وغلبت عليهم الشَّقاوة، فيستضيئوا بنوره، ويقتبِسوا من هُداه، ويسيروا وراءه، فيحصُلُ لهم الخير الدنيويُّ والخير الأخرويُّ، ولهذا قال:{إنَّا كُنَّا منذِرينَ}. {4}{فيها}؛ أي: في تلك الليلة الفاضلة التي نَزَلَ فيها القرآن، {يُفۡرَقُ كلُّ أمرٍ حكيم}؛ أي: يفصل ويميَّز ويُكتب كلُّ أمر قدريٍّ وشرعيٍّ حكم الله به. وهذه الكتابة والفرقان الذي يكون في ليلة القدر إحدى الكتابات التي تُكتب وتميَّز، فتطابق الكتابَ الأوَّلَ الذي كتبَ الله به مقاديرَ الخلائق وآجالهم وأرزاقهم وأعمالهم وأحوالهم. ثم إنَّ الله تعالى قد وَكَلَ ملائكةً تكتب ما سيجري على العبد وهو في بطن أمِّه. ثم وَكَلَهم بعد خروجه إلى الدنيا؛ وَكَلَ به كراماً كاتبين يكتبون ويحفظون عليه أعماله. ثم إنَّه تعالى يقدِّرُ في ليلة القدر ما يكونُ في السنةِ، وكلُّ هذا من تمام علمه وكمال حكمتِهِ وإتقان حفظِهِ واعتنائه تعالى بخلقه. {5}{أمراً من عندنا}؛ أي: هذا الأمر الحكيم أمرٌ صادرٌ من عندنا. {إنَّا كنَّا مرسلينَ}: للرسل ومنزلينَ للكتب، والرسلُ تبلِّغ أوامر المرسَل وتخبِرُ بأقدارِهِ. {6}{رحمةً من ربِّك}؛ أي: إن إرسال الرسل وإنزال الكتب التي أفضلُها القرآن رحمةٌ من ربِّ العباد بالعباد؛ فما رحم الله عبادَه برحمةٍ أجلَّ من هدايتهم بالكتب والرسل، وكلُّ خير ينالونه في الدُّنيا والآخرة؛ فإنَّه من أجل ذلك وبسببه. {إنَّه هو السميعُ العليم}؛ أي: يسمع جميع الأصوات، ويعلم جميع الأمور الظاهرة والباطنة، وقد علم تعالى ضرورةَ العباد إلى رسله وكتبه، فرحمهم بذلك ومنَّ عليهم؛ فلله تعالى الحمدُ والمنةُ والإحسان. {7 ـ 8}{ربِّ السموات والأرض وما بينهما}؛ أي: خالق ذلك ومدبِّره والمتصرِّف فيه بما يشاء، {إن كنتُم موقِنين}؛ أي: عالمين بذلك علماً مفيداً لليقين؛ فاعْلموا أنَّ الربَّ للمخلوقات هو إلهها الحقُّ، ولهذا قال:{لا إله إلاَّ هو}؛ أي: لا معبود إلاَّ وجهه، {يحيي ويميتُ}؛ أي: هو المتصرِّف وحده بالإحياء والإماتة، وسيجمعكم بعد موتكم فيَجْزيكم بعَمَلِكم، إن خيراً فخيرٌ، وإن شرًّا فشرٌّ. {ربُّكم وربُّ آبائكم الأوَّلين}؛ أي: ربُّ الأوَّلين والآخرين؛ مربِّيهم بالنعم، الدافع عنهم النقم. {9} فلما قرَّر تعالى ربوبيَّته وألوهيَّته بما يوجب العلم التامَّ ويدفعُ الشكَّ؛ أخبر أنَّ الكافرين مع هذا البيان:{في شكٍّ يلعبونَ}؛ أي: منغمرون في الشُّكوك والشُّبهات، غافلون عمَّا خُلقوا له، قد اشتغلوا باللعب الباطل الذي لا يُجدي عليهم إلاَّ الضَّرر. {10 ـ 16}{فارتقِبۡ}؛ أي: انتظر فيهم العذابَ؛ فإنَّه قد قربَ وآنَ أوانه، {يومَ تأتي السماءُ بدخانٍ مبينٍ. يغشى الناسَ}؛ أي: يعمُّهم ذلك الدخان، ويقال لهم:{هذا عذابٌ أليمٌ}. واختلف المفسِّرون في المراد بهذا الدُّخان: فقيل: إنَّه الدخان الذي يغشى الناسَ ويعمُّهم حين تقرب النار من المجرمين في يوم القيامة، وأنَّ الله توعَّدهم بعذاب يوم القيامةِ، وأمر نبيَّه أن ينتظر بهم ذلك اليوم. ويؤيد هذا المعنى أنَّ هذه الطريقة هي طريقةُ القرآن في توعُّد الكفَّار والتأنِّي بهم وترهيبهم بذلك اليوم وعذابه وتسلية الرسول والمؤمنين بالانتظار بمن آذاهم. ويؤيِّده أيضاً أنَّه قال في هذه الآية:{أنَّى لهم الذِّكۡرى وقد جاءَهُم رسولٌ مبينٌ}، وهذا يُقال يومَ القيامةِ للكفار حين يطلبون الرجوعَ إلى الدُّنيا، فيقال: قد ذهب وقتُ الرجوع. وقيل: إنَّ المراد بذلك ما أصاب كفارَ قريش حين امتنعوا من الإيمان واستَكْبروا على الحقِّ، فدعا عليهم النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال:«اللهمَّ أعِنِّي عليهم بسنينَ كَسِني يوسُفَ». فأرسل الله عليهم الجوع العظيم، حتى أكلوا الميتات والعظام، وصاروا يَرَوْنَ الذي بين السماء والأرض كهيئة الدخان، وليس به، وذلك من شدَّة الجوع، فيكون على هذا قولُه:{يوم تأتي السماءُ بدخانٍ}: أن ذلك بالنسبة إلى أبصارهم وما يشاهدون، وليس بدخانٍ حقيقةً، ولم يزالوا بهذه الحالة حتى اسْتَرْحموا رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، وسألوه أن يَدْعُوَ اللهَ لهم أن يكشِفَه الله عنهم، [فَدَعا رَبَّه]؛ فكشفه الله عنهم، وعلى هذا فيكون قوله:{إنَّا كاشِفو العذابِ قليلاً إنَّكم عائدونَ}: إخبارٌ بأنَّ الله سيصرِفُه عنهم ، وتوعُّدٌ لهم أن يعودوا إلى الاستكبار والتكذيب، وإخبارٌ بوقوعه، فوقع، وأنَّ الله سيعاقِبُهم بالبطشة الكبرى، قالوا: وهي وقعةُ بدرٍ. وفي هذا القول نظرٌ ظاهرٌ. وقيل: إنَّ المراد بذلك أن ذلك من أشراط الساعة، وأنَّه يكون في آخرِ الزَّمان دخانٌ يأخذُ بأنفاس الناس ويصيبُ المؤمنين منه كهيئةِ الدُّخان. والقول هو الأول. وفي الآية احتمالُ أنَّ المراد بقوله:{فارۡتَقِبۡ يوم تأتي السماءُ بدُخانٍ مبينٍ. يغشى الناسَ هذا عذابٌ أليمٌ. ربَّنا اكشِفۡ عنَّا العذابَ إنَّا مؤمنونَ. أنَّى لهم الذِّكرى وقد جاءهُم رسولٌ مبينٌ. ثم تولَّوا عنه وقالوا معلمٌ مجنونٌ}: أنَّ هذا كلَّه [يكون] يوم القيامةِ، وأنَّ قولَه تعالى:{إنَّا كاشفو العذابِ قليلاً إنَّكم عائدونَ. يوم نَبۡطِشُ البطشةَ الكُبرى إنَّا منتقمونَ}: أنَّ هذا ما وقع لقريش كما تقدم. وإذا أنزلت هذه الآيات على هذين المعنيين؛ لم تجد في اللفظ ما يمنعُ من ذلك، بل تَجِدُها مطابقةً لهما أتمَّ المطابقة، وهذا الذي يظهر عندي ويترجَّح. والله أعلم.

الدخان 44:16

وهي مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {1 ـ 3} هذا قسمٌ بالقرآن على القرآن، فأقسم بالكتاب المبين لكلِّ ما يحتاج إلى بيانه أنَّه أنزله {في ليلةٍ مباركةٍ}؛ أي: كثيرة الخير والبركة، وهي ليلةُ القدرِ، التي هي خيرٌ من ألف شهرٍ، فأنزل أفضلَ الكلام بأفضل الليالي والأيام على أفضل الأنام بلغة العرب الكرام؛ لينذِرَ به قوماً عمَّتهم الجهالةُ وغلبت عليهم الشَّقاوة، فيستضيئوا بنوره، ويقتبِسوا من هُداه، ويسيروا وراءه، فيحصُلُ لهم الخير الدنيويُّ والخير الأخرويُّ، ولهذا قال:{إنَّا كُنَّا منذِرينَ}. {4}{فيها}؛ أي: في تلك الليلة الفاضلة التي نَزَلَ فيها القرآن، {يُفۡرَقُ كلُّ أمرٍ حكيم}؛ أي: يفصل ويميَّز ويُكتب كلُّ أمر قدريٍّ وشرعيٍّ حكم الله به. وهذه الكتابة والفرقان الذي يكون في ليلة القدر إحدى الكتابات التي تُكتب وتميَّز، فتطابق الكتابَ الأوَّلَ الذي كتبَ الله به مقاديرَ الخلائق وآجالهم وأرزاقهم وأعمالهم وأحوالهم. ثم إنَّ الله تعالى قد وَكَلَ ملائكةً تكتب ما سيجري على العبد وهو في بطن أمِّه. ثم وَكَلَهم بعد خروجه إلى الدنيا؛ وَكَلَ به كراماً كاتبين يكتبون ويحفظون عليه أعماله. ثم إنَّه تعالى يقدِّرُ في ليلة القدر ما يكونُ في السنةِ، وكلُّ هذا من تمام علمه وكمال حكمتِهِ وإتقان حفظِهِ واعتنائه تعالى بخلقه. {5}{أمراً من عندنا}؛ أي: هذا الأمر الحكيم أمرٌ صادرٌ من عندنا. {إنَّا كنَّا مرسلينَ}: للرسل ومنزلينَ للكتب، والرسلُ تبلِّغ أوامر المرسَل وتخبِرُ بأقدارِهِ. {6}{رحمةً من ربِّك}؛ أي: إن إرسال الرسل وإنزال الكتب التي أفضلُها القرآن رحمةٌ من ربِّ العباد بالعباد؛ فما رحم الله عبادَه برحمةٍ أجلَّ من هدايتهم بالكتب والرسل، وكلُّ خير ينالونه في الدُّنيا والآخرة؛ فإنَّه من أجل ذلك وبسببه. {إنَّه هو السميعُ العليم}؛ أي: يسمع جميع الأصوات، ويعلم جميع الأمور الظاهرة والباطنة، وقد علم تعالى ضرورةَ العباد إلى رسله وكتبه، فرحمهم بذلك ومنَّ عليهم؛ فلله تعالى الحمدُ والمنةُ والإحسان. {7 ـ 8}{ربِّ السموات والأرض وما بينهما}؛ أي: خالق ذلك ومدبِّره والمتصرِّف فيه بما يشاء، {إن كنتُم موقِنين}؛ أي: عالمين بذلك علماً مفيداً لليقين؛ فاعْلموا أنَّ الربَّ للمخلوقات هو إلهها الحقُّ، ولهذا قال:{لا إله إلاَّ هو}؛ أي: لا معبود إلاَّ وجهه، {يحيي ويميتُ}؛ أي: هو المتصرِّف وحده بالإحياء والإماتة، وسيجمعكم بعد موتكم فيَجْزيكم بعَمَلِكم، إن خيراً فخيرٌ، وإن شرًّا فشرٌّ. {ربُّكم وربُّ آبائكم الأوَّلين}؛ أي: ربُّ الأوَّلين والآخرين؛ مربِّيهم بالنعم، الدافع عنهم النقم. {9} فلما قرَّر تعالى ربوبيَّته وألوهيَّته بما يوجب العلم التامَّ ويدفعُ الشكَّ؛ أخبر أنَّ الكافرين مع هذا البيان:{في شكٍّ يلعبونَ}؛ أي: منغمرون في الشُّكوك والشُّبهات، غافلون عمَّا خُلقوا له، قد اشتغلوا باللعب الباطل الذي لا يُجدي عليهم إلاَّ الضَّرر. {10 ـ 16}{فارتقِبۡ}؛ أي: انتظر فيهم العذابَ؛ فإنَّه قد قربَ وآنَ أوانه، {يومَ تأتي السماءُ بدخانٍ مبينٍ. يغشى الناسَ}؛ أي: يعمُّهم ذلك الدخان، ويقال لهم:{هذا عذابٌ أليمٌ}. واختلف المفسِّرون في المراد بهذا الدُّخان: فقيل: إنَّه الدخان الذي يغشى الناسَ ويعمُّهم حين تقرب النار من المجرمين في يوم القيامة، وأنَّ الله توعَّدهم بعذاب يوم القيامةِ، وأمر نبيَّه أن ينتظر بهم ذلك اليوم. ويؤيد هذا المعنى أنَّ هذه الطريقة هي طريقةُ القرآن في توعُّد الكفَّار والتأنِّي بهم وترهيبهم بذلك اليوم وعذابه وتسلية الرسول والمؤمنين بالانتظار بمن آذاهم. ويؤيِّده أيضاً أنَّه قال في هذه الآية:{أنَّى لهم الذِّكۡرى وقد جاءَهُم رسولٌ مبينٌ}، وهذا يُقال يومَ القيامةِ للكفار حين يطلبون الرجوعَ إلى الدُّنيا، فيقال: قد ذهب وقتُ الرجوع. وقيل: إنَّ المراد بذلك ما أصاب كفارَ قريش حين امتنعوا من الإيمان واستَكْبروا على الحقِّ، فدعا عليهم النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال:«اللهمَّ أعِنِّي عليهم بسنينَ كَسِني يوسُفَ». فأرسل الله عليهم الجوع العظيم، حتى أكلوا الميتات والعظام، وصاروا يَرَوْنَ الذي بين السماء والأرض كهيئة الدخان، وليس به، وذلك من شدَّة الجوع، فيكون على هذا قولُه:{يوم تأتي السماءُ بدخانٍ}: أن ذلك بالنسبة إلى أبصارهم وما يشاهدون، وليس بدخانٍ حقيقةً، ولم يزالوا بهذه الحالة حتى اسْتَرْحموا رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، وسألوه أن يَدْعُوَ اللهَ لهم أن يكشِفَه الله عنهم، [فَدَعا رَبَّه]؛ فكشفه الله عنهم، وعلى هذا فيكون قوله:{إنَّا كاشِفو العذابِ قليلاً إنَّكم عائدونَ}: إخبارٌ بأنَّ الله سيصرِفُه عنهم ، وتوعُّدٌ لهم أن يعودوا إلى الاستكبار والتكذيب، وإخبارٌ بوقوعه، فوقع، وأنَّ الله سيعاقِبُهم بالبطشة الكبرى، قالوا: وهي وقعةُ بدرٍ. وفي هذا القول نظرٌ ظاهرٌ. وقيل: إنَّ المراد بذلك أن ذلك من أشراط الساعة، وأنَّه يكون في آخرِ الزَّمان دخانٌ يأخذُ بأنفاس الناس ويصيبُ المؤمنين منه كهيئةِ الدُّخان. والقول هو الأول. وفي الآية احتمالُ أنَّ المراد بقوله:{فارۡتَقِبۡ يوم تأتي السماءُ بدُخانٍ مبينٍ. يغشى الناسَ هذا عذابٌ أليمٌ. ربَّنا اكشِفۡ عنَّا العذابَ إنَّا مؤمنونَ. أنَّى لهم الذِّكرى وقد جاءهُم رسولٌ مبينٌ. ثم تولَّوا عنه وقالوا معلمٌ مجنونٌ}: أنَّ هذا كلَّه [يكون] يوم القيامةِ، وأنَّ قولَه تعالى:{إنَّا كاشفو العذابِ قليلاً إنَّكم عائدونَ. يوم نَبۡطِشُ البطشةَ الكُبرى إنَّا منتقمونَ}: أنَّ هذا ما وقع لقريش كما تقدم. وإذا أنزلت هذه الآيات على هذين المعنيين؛ لم تجد في اللفظ ما يمنعُ من ذلك، بل تَجِدُها مطابقةً لهما أتمَّ المطابقة، وهذا الذي يظهر عندي ويترجَّح. والله أعلم.

الدخان 44:17

{17} لما ذكر تعالى تكذيبَ من كذَّب الرسول محمداً - صلى الله عليه وسلم -؛ ذكر أن لهم سلفاً من المكذِّبين، فذكر قصَّتهم مع موسى، وما أحلَّ الله بهم؛ ليرتدعَ هؤلاء المكذِّبون عن ما هم عليه، فقال:{ولقد فتنَّا قبلهم قوم فرعون}؛ أي: ابتليناهم واختبرناهم بإرسال رسولنا موسى بن عمران إليهم، الرسول الكريم الذي فيه من الكرم ومكارم الأخلاق ما ليس في غيره. {18}{أنۡ أدُّوا إليَّ عبادَ الله}؛ أي: قال لفرعون وملئهِ: أدُّوا إليَّ عباد الله؛ يعني بهم: بني إسرائيل؛ أي: أرسلوهم وأطلقوهم من عذابكم وسومكم إيَّاهم سوء العذاب؛ فإنَّهم عشيرتي وأفضل العالمين في زمانهم، وأنتم قد ظلمتُموهم واستعبدتُموهم بغير حقٍّ، فأرسلوهم ليعبدوا ربَّهم. {إنِّي لكم رسولٌ أمينٌ}؛ أي: رسول من ربِّ العالمين، أمينٌ على ما أرسلني به، لا أكتُمُكم منه شيئاً، ولا أزيد فيه ولا أنقُصُ، وهذا يوجبُ تمامَ الانقياد له. {19}{وأن لا تَعۡلوا على الله}: بالاستكبار عن عبادتِهِ والعلوِّ على عباد الله. {إنِّي آتيكُم بسلطانٍ مبينٍ}؛ أي: بحجَّة بيِّنةٍ ظاهرةٍ، وهو ما أتى به من المعجزات الباهرات والأدلَّة القاهرات. {20} فكذَّبوه وهمُّوا بقتله، فلجأ إلى الله من شرِّهم، فقال:{وإنِّي عذتُ بربِّي وربِّكم أن تَرۡجُمونِ}؛ أي: تقتلوني أشرَّ القِتلاتِ بالرجم بالحجارة. {21}{وإن لم تؤمنوا لي فاۡعَتِزلوِن}؛ أي: لكم ثلاث مراتب: الإيماُن بي، وهو مقصودي منكم. فإنْ لم تَحْصُل منكم هذه المرتبة؛ فاعتزلون لا عليَّ ولا لي؛ فاكفوني شرَّكم. فلم تحُصل منهم المرتبة الأولى ولا الثانية، بل لم يزالوا متمرِّدين عاتين على الله محاربين لنبيِّه موسى عليه السلام غير ممكِّنين له من قومه بني إسرائيل. {22}{فدعا ربَّه أنَّ هؤلاء قومٌ مجرمونَ}؛ أي: قد أجرموا جرماً يوجب تعجيل العقوبةِ، فأخبر عليه السلام بحالهم، وهذا دعاء بالحال التي هي أبلغ من المقال؛ كما قال عن نفسه عليه السلام:{ربِّ إنِّي لما أنزلتَ إليَّ من خيرٍ فقيرٌ}. {23} فأمره الله أن يسريَ بعباده ليلاً، وأخبره أنَّ فرعون وقومه سيتَّبِعونه. {24}{واتۡرُكِ البحرَ رهواً}؛ [أي: بحاله]، وذلك أنَّه لما سرى موسى ببني إسرائيل كما أمره الله، ثم تبعهم فرعونُ، فأمر الله موسى أن يضرِبَ البحر، فضربه، فصار اثني عشر طريقاً، وصار الماء من بين تلك الطرق كالجبال العظيمةِ، فسلكه موسى وقومُه، فلما خرجوا منه؛ أمره الله أن يترُكَه {رهواً}؛ أي: بحاله؛ ليسلُكَه فرعونُ وجنودُه. {إنَّهم جندٌ مغرَقون}: فلمَّا تكامل قومُ موسى خارجين منه وقومُ فرعونَ داخلينَ فيه؛ أمره الله تعالى أن يَلْتَطِمَ عليهم، فغرقوا عن آخرهم، وتركوا ما مُتِّعوا به من الحياة الدُّنيا، وأورثه الله بني إسرائيل الذين كانوا مستعبَدِين لهم. {25 ـ 28} ولهذا قال: {كم تركوا من جناتٍ وعيونٍ. وزروع ومقام كريم. ونعمةٍ كانوا فيها فاكهينَ. كذلك وأوۡرَثۡناها}؛ أي: هذه النعمة المذكورة {قوماً آخرينَ}. وفي الآية الأخرى:{كذلك وأوۡرَثۡناها بني إسرائيلَ}. {29}{فما بكتۡ عليهم السماءُ والأرضُ}؛ أي: لمَّا أتلفهم الله وأهلكهم لم تبكِ عليهم السماء والأرض؛ أي: لم يُحزنْ عليهم ولم يُؤس على فراقهم، بل كلٌّ استبشر بهلاكِهِم وتلفِهِم، حتى السماء والأرض؛ لأنَّهم ما خَلَّفوا من آثارِهم إلاَّ ما يسوِّدُ وجوهَهم ويوجبُ عليهم اللعنةَ والمقتَ من العالمين. {وما كانوا مُنظَرين}؛ أي: ممهَلين عن العقوبة، بل اصطلمتْهم في الحال. {30 ـ 31} ثم امتنَّ تعالى على بني إسرائيلَ، فقال:{ولقد نَجَّيۡنا بني إسرائيلَ من العذابِ المهينِ}: الذي كانوا فيه {من فرعونَ}: إذ يذبحُ أبناءَهم ويستحيي نساءَهم، {إنَّه كان عالياً}؛ أي: مستكبراً في الأرض بغير الحقِّ، {من المسرفين}: المتجاوزين لحدودِ الله المتجرِّئين على محارمه. {32}{ولقد اختَرۡناهم}؛ أي: اصطفيناهم وانتَقَيْناهم {على علم}: منَّا بهم وباستحقاقهم لذلك الفضل {على العالَمين}؛ أي: عالمي زمانهم ومَنْ قبلهم وبعدَهم، حتى أتى اللهُ بأمة محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - ففضَلوا العالمينَ كلَّهم، وجعلهم الله خير أمَّة أخرجت للناس، وامتنَّ عليهم بما لم يمتنَّ به على غيرهم. {33}{وآتَيۡناهم}؛ أي: بني إسرائيل {من الآياتِ}: الباهرة والمعجزات الظاهرةِ {ما فيه بلاءٌ مبينٌ}؛ أي: إحسانٌ كثيرٌ ظاهرٌ منَّا عليهم وحجَّة عليهم على صحَّة ما جاءهم به نبيُّهم موسى عليه السلام.

الدخان 44:18

{17} لما ذكر تعالى تكذيبَ من كذَّب الرسول محمداً - صلى الله عليه وسلم -؛ ذكر أن لهم سلفاً من المكذِّبين، فذكر قصَّتهم مع موسى، وما أحلَّ الله بهم؛ ليرتدعَ هؤلاء المكذِّبون عن ما هم عليه، فقال:{ولقد فتنَّا قبلهم قوم فرعون}؛ أي: ابتليناهم واختبرناهم بإرسال رسولنا موسى بن عمران إليهم، الرسول الكريم الذي فيه من الكرم ومكارم الأخلاق ما ليس في غيره. {18}{أنۡ أدُّوا إليَّ عبادَ الله}؛ أي: قال لفرعون وملئهِ: أدُّوا إليَّ عباد الله؛ يعني بهم: بني إسرائيل؛ أي: أرسلوهم وأطلقوهم من عذابكم وسومكم إيَّاهم سوء العذاب؛ فإنَّهم عشيرتي وأفضل العالمين في زمانهم، وأنتم قد ظلمتُموهم واستعبدتُموهم بغير حقٍّ، فأرسلوهم ليعبدوا ربَّهم. {إنِّي لكم رسولٌ أمينٌ}؛ أي: رسول من ربِّ العالمين، أمينٌ على ما أرسلني به، لا أكتُمُكم منه شيئاً، ولا أزيد فيه ولا أنقُصُ، وهذا يوجبُ تمامَ الانقياد له. {19}{وأن لا تَعۡلوا على الله}: بالاستكبار عن عبادتِهِ والعلوِّ على عباد الله. {إنِّي آتيكُم بسلطانٍ مبينٍ}؛ أي: بحجَّة بيِّنةٍ ظاهرةٍ، وهو ما أتى به من المعجزات الباهرات والأدلَّة القاهرات. {20} فكذَّبوه وهمُّوا بقتله، فلجأ إلى الله من شرِّهم، فقال:{وإنِّي عذتُ بربِّي وربِّكم أن تَرۡجُمونِ}؛ أي: تقتلوني أشرَّ القِتلاتِ بالرجم بالحجارة. {21}{وإن لم تؤمنوا لي فاۡعَتِزلوِن}؛ أي: لكم ثلاث مراتب: الإيماُن بي، وهو مقصودي منكم. فإنْ لم تَحْصُل منكم هذه المرتبة؛ فاعتزلون لا عليَّ ولا لي؛ فاكفوني شرَّكم. فلم تحُصل منهم المرتبة الأولى ولا الثانية، بل لم يزالوا متمرِّدين عاتين على الله محاربين لنبيِّه موسى عليه السلام غير ممكِّنين له من قومه بني إسرائيل. {22}{فدعا ربَّه أنَّ هؤلاء قومٌ مجرمونَ}؛ أي: قد أجرموا جرماً يوجب تعجيل العقوبةِ، فأخبر عليه السلام بحالهم، وهذا دعاء بالحال التي هي أبلغ من المقال؛ كما قال عن نفسه عليه السلام:{ربِّ إنِّي لما أنزلتَ إليَّ من خيرٍ فقيرٌ}. {23} فأمره الله أن يسريَ بعباده ليلاً، وأخبره أنَّ فرعون وقومه سيتَّبِعونه. {24}{واتۡرُكِ البحرَ رهواً}؛ [أي: بحاله]، وذلك أنَّه لما سرى موسى ببني إسرائيل كما أمره الله، ثم تبعهم فرعونُ، فأمر الله موسى أن يضرِبَ البحر، فضربه، فصار اثني عشر طريقاً، وصار الماء من بين تلك الطرق كالجبال العظيمةِ، فسلكه موسى وقومُه، فلما خرجوا منه؛ أمره الله أن يترُكَه {رهواً}؛ أي: بحاله؛ ليسلُكَه فرعونُ وجنودُه. {إنَّهم جندٌ مغرَقون}: فلمَّا تكامل قومُ موسى خارجين منه وقومُ فرعونَ داخلينَ فيه؛ أمره الله تعالى أن يَلْتَطِمَ عليهم، فغرقوا عن آخرهم، وتركوا ما مُتِّعوا به من الحياة الدُّنيا، وأورثه الله بني إسرائيل الذين كانوا مستعبَدِين لهم. {25 ـ 28} ولهذا قال: {كم تركوا من جناتٍ وعيونٍ. وزروع ومقام كريم. ونعمةٍ كانوا فيها فاكهينَ. كذلك وأوۡرَثۡناها}؛ أي: هذه النعمة المذكورة {قوماً آخرينَ}. وفي الآية الأخرى:{كذلك وأوۡرَثۡناها بني إسرائيلَ}. {29}{فما بكتۡ عليهم السماءُ والأرضُ}؛ أي: لمَّا أتلفهم الله وأهلكهم لم تبكِ عليهم السماء والأرض؛ أي: لم يُحزنْ عليهم ولم يُؤس على فراقهم، بل كلٌّ استبشر بهلاكِهِم وتلفِهِم، حتى السماء والأرض؛ لأنَّهم ما خَلَّفوا من آثارِهم إلاَّ ما يسوِّدُ وجوهَهم ويوجبُ عليهم اللعنةَ والمقتَ من العالمين. {وما كانوا مُنظَرين}؛ أي: ممهَلين عن العقوبة، بل اصطلمتْهم في الحال. {30 ـ 31} ثم امتنَّ تعالى على بني إسرائيلَ، فقال:{ولقد نَجَّيۡنا بني إسرائيلَ من العذابِ المهينِ}: الذي كانوا فيه {من فرعونَ}: إذ يذبحُ أبناءَهم ويستحيي نساءَهم، {إنَّه كان عالياً}؛ أي: مستكبراً في الأرض بغير الحقِّ، {من المسرفين}: المتجاوزين لحدودِ الله المتجرِّئين على محارمه. {32}{ولقد اختَرۡناهم}؛ أي: اصطفيناهم وانتَقَيْناهم {على علم}: منَّا بهم وباستحقاقهم لذلك الفضل {على العالَمين}؛ أي: عالمي زمانهم ومَنْ قبلهم وبعدَهم، حتى أتى اللهُ بأمة محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - ففضَلوا العالمينَ كلَّهم، وجعلهم الله خير أمَّة أخرجت للناس، وامتنَّ عليهم بما لم يمتنَّ به على غيرهم. {33}{وآتَيۡناهم}؛ أي: بني إسرائيل {من الآياتِ}: الباهرة والمعجزات الظاهرةِ {ما فيه بلاءٌ مبينٌ}؛ أي: إحسانٌ كثيرٌ ظاهرٌ منَّا عليهم وحجَّة عليهم على صحَّة ما جاءهم به نبيُّهم موسى عليه السلام.

الدخان 44:19

{17} لما ذكر تعالى تكذيبَ من كذَّب الرسول محمداً - صلى الله عليه وسلم -؛ ذكر أن لهم سلفاً من المكذِّبين، فذكر قصَّتهم مع موسى، وما أحلَّ الله بهم؛ ليرتدعَ هؤلاء المكذِّبون عن ما هم عليه، فقال:{ولقد فتنَّا قبلهم قوم فرعون}؛ أي: ابتليناهم واختبرناهم بإرسال رسولنا موسى بن عمران إليهم، الرسول الكريم الذي فيه من الكرم ومكارم الأخلاق ما ليس في غيره. {18}{أنۡ أدُّوا إليَّ عبادَ الله}؛ أي: قال لفرعون وملئهِ: أدُّوا إليَّ عباد الله؛ يعني بهم: بني إسرائيل؛ أي: أرسلوهم وأطلقوهم من عذابكم وسومكم إيَّاهم سوء العذاب؛ فإنَّهم عشيرتي وأفضل العالمين في زمانهم، وأنتم قد ظلمتُموهم واستعبدتُموهم بغير حقٍّ، فأرسلوهم ليعبدوا ربَّهم. {إنِّي لكم رسولٌ أمينٌ}؛ أي: رسول من ربِّ العالمين، أمينٌ على ما أرسلني به، لا أكتُمُكم منه شيئاً، ولا أزيد فيه ولا أنقُصُ، وهذا يوجبُ تمامَ الانقياد له. {19}{وأن لا تَعۡلوا على الله}: بالاستكبار عن عبادتِهِ والعلوِّ على عباد الله. {إنِّي آتيكُم بسلطانٍ مبينٍ}؛ أي: بحجَّة بيِّنةٍ ظاهرةٍ، وهو ما أتى به من المعجزات الباهرات والأدلَّة القاهرات. {20} فكذَّبوه وهمُّوا بقتله، فلجأ إلى الله من شرِّهم، فقال:{وإنِّي عذتُ بربِّي وربِّكم أن تَرۡجُمونِ}؛ أي: تقتلوني أشرَّ القِتلاتِ بالرجم بالحجارة. {21}{وإن لم تؤمنوا لي فاۡعَتِزلوِن}؛ أي: لكم ثلاث مراتب: الإيماُن بي، وهو مقصودي منكم. فإنْ لم تَحْصُل منكم هذه المرتبة؛ فاعتزلون لا عليَّ ولا لي؛ فاكفوني شرَّكم. فلم تحُصل منهم المرتبة الأولى ولا الثانية، بل لم يزالوا متمرِّدين عاتين على الله محاربين لنبيِّه موسى عليه السلام غير ممكِّنين له من قومه بني إسرائيل. {22}{فدعا ربَّه أنَّ هؤلاء قومٌ مجرمونَ}؛ أي: قد أجرموا جرماً يوجب تعجيل العقوبةِ، فأخبر عليه السلام بحالهم، وهذا دعاء بالحال التي هي أبلغ من المقال؛ كما قال عن نفسه عليه السلام:{ربِّ إنِّي لما أنزلتَ إليَّ من خيرٍ فقيرٌ}. {23} فأمره الله أن يسريَ بعباده ليلاً، وأخبره أنَّ فرعون وقومه سيتَّبِعونه. {24}{واتۡرُكِ البحرَ رهواً}؛ [أي: بحاله]، وذلك أنَّه لما سرى موسى ببني إسرائيل كما أمره الله، ثم تبعهم فرعونُ، فأمر الله موسى أن يضرِبَ البحر، فضربه، فصار اثني عشر طريقاً، وصار الماء من بين تلك الطرق كالجبال العظيمةِ، فسلكه موسى وقومُه، فلما خرجوا منه؛ أمره الله أن يترُكَه {رهواً}؛ أي: بحاله؛ ليسلُكَه فرعونُ وجنودُه. {إنَّهم جندٌ مغرَقون}: فلمَّا تكامل قومُ موسى خارجين منه وقومُ فرعونَ داخلينَ فيه؛ أمره الله تعالى أن يَلْتَطِمَ عليهم، فغرقوا عن آخرهم، وتركوا ما مُتِّعوا به من الحياة الدُّنيا، وأورثه الله بني إسرائيل الذين كانوا مستعبَدِين لهم. {25 ـ 28} ولهذا قال: {كم تركوا من جناتٍ وعيونٍ. وزروع ومقام كريم. ونعمةٍ كانوا فيها فاكهينَ. كذلك وأوۡرَثۡناها}؛ أي: هذه النعمة المذكورة {قوماً آخرينَ}. وفي الآية الأخرى:{كذلك وأوۡرَثۡناها بني إسرائيلَ}. {29}{فما بكتۡ عليهم السماءُ والأرضُ}؛ أي: لمَّا أتلفهم الله وأهلكهم لم تبكِ عليهم السماء والأرض؛ أي: لم يُحزنْ عليهم ولم يُؤس على فراقهم، بل كلٌّ استبشر بهلاكِهِم وتلفِهِم، حتى السماء والأرض؛ لأنَّهم ما خَلَّفوا من آثارِهم إلاَّ ما يسوِّدُ وجوهَهم ويوجبُ عليهم اللعنةَ والمقتَ من العالمين. {وما كانوا مُنظَرين}؛ أي: ممهَلين عن العقوبة، بل اصطلمتْهم في الحال. {30 ـ 31} ثم امتنَّ تعالى على بني إسرائيلَ، فقال:{ولقد نَجَّيۡنا بني إسرائيلَ من العذابِ المهينِ}: الذي كانوا فيه {من فرعونَ}: إذ يذبحُ أبناءَهم ويستحيي نساءَهم، {إنَّه كان عالياً}؛ أي: مستكبراً في الأرض بغير الحقِّ، {من المسرفين}: المتجاوزين لحدودِ الله المتجرِّئين على محارمه. {32}{ولقد اختَرۡناهم}؛ أي: اصطفيناهم وانتَقَيْناهم {على علم}: منَّا بهم وباستحقاقهم لذلك الفضل {على العالَمين}؛ أي: عالمي زمانهم ومَنْ قبلهم وبعدَهم، حتى أتى اللهُ بأمة محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - ففضَلوا العالمينَ كلَّهم، وجعلهم الله خير أمَّة أخرجت للناس، وامتنَّ عليهم بما لم يمتنَّ به على غيرهم. {33}{وآتَيۡناهم}؛ أي: بني إسرائيل {من الآياتِ}: الباهرة والمعجزات الظاهرةِ {ما فيه بلاءٌ مبينٌ}؛ أي: إحسانٌ كثيرٌ ظاهرٌ منَّا عليهم وحجَّة عليهم على صحَّة ما جاءهم به نبيُّهم موسى عليه السلام.

الدخان 44:20

{17} لما ذكر تعالى تكذيبَ من كذَّب الرسول محمداً - صلى الله عليه وسلم -؛ ذكر أن لهم سلفاً من المكذِّبين، فذكر قصَّتهم مع موسى، وما أحلَّ الله بهم؛ ليرتدعَ هؤلاء المكذِّبون عن ما هم عليه، فقال:{ولقد فتنَّا قبلهم قوم فرعون}؛ أي: ابتليناهم واختبرناهم بإرسال رسولنا موسى بن عمران إليهم، الرسول الكريم الذي فيه من الكرم ومكارم الأخلاق ما ليس في غيره. {18}{أنۡ أدُّوا إليَّ عبادَ الله}؛ أي: قال لفرعون وملئهِ: أدُّوا إليَّ عباد الله؛ يعني بهم: بني إسرائيل؛ أي: أرسلوهم وأطلقوهم من عذابكم وسومكم إيَّاهم سوء العذاب؛ فإنَّهم عشيرتي وأفضل العالمين في زمانهم، وأنتم قد ظلمتُموهم واستعبدتُموهم بغير حقٍّ، فأرسلوهم ليعبدوا ربَّهم. {إنِّي لكم رسولٌ أمينٌ}؛ أي: رسول من ربِّ العالمين، أمينٌ على ما أرسلني به، لا أكتُمُكم منه شيئاً، ولا أزيد فيه ولا أنقُصُ، وهذا يوجبُ تمامَ الانقياد له. {19}{وأن لا تَعۡلوا على الله}: بالاستكبار عن عبادتِهِ والعلوِّ على عباد الله. {إنِّي آتيكُم بسلطانٍ مبينٍ}؛ أي: بحجَّة بيِّنةٍ ظاهرةٍ، وهو ما أتى به من المعجزات الباهرات والأدلَّة القاهرات. {20} فكذَّبوه وهمُّوا بقتله، فلجأ إلى الله من شرِّهم، فقال:{وإنِّي عذتُ بربِّي وربِّكم أن تَرۡجُمونِ}؛ أي: تقتلوني أشرَّ القِتلاتِ بالرجم بالحجارة. {21}{وإن لم تؤمنوا لي فاۡعَتِزلوِن}؛ أي: لكم ثلاث مراتب: الإيماُن بي، وهو مقصودي منكم. فإنْ لم تَحْصُل منكم هذه المرتبة؛ فاعتزلون لا عليَّ ولا لي؛ فاكفوني شرَّكم. فلم تحُصل منهم المرتبة الأولى ولا الثانية، بل لم يزالوا متمرِّدين عاتين على الله محاربين لنبيِّه موسى عليه السلام غير ممكِّنين له من قومه بني إسرائيل. {22}{فدعا ربَّه أنَّ هؤلاء قومٌ مجرمونَ}؛ أي: قد أجرموا جرماً يوجب تعجيل العقوبةِ، فأخبر عليه السلام بحالهم، وهذا دعاء بالحال التي هي أبلغ من المقال؛ كما قال عن نفسه عليه السلام:{ربِّ إنِّي لما أنزلتَ إليَّ من خيرٍ فقيرٌ}. {23} فأمره الله أن يسريَ بعباده ليلاً، وأخبره أنَّ فرعون وقومه سيتَّبِعونه. {24}{واتۡرُكِ البحرَ رهواً}؛ [أي: بحاله]، وذلك أنَّه لما سرى موسى ببني إسرائيل كما أمره الله، ثم تبعهم فرعونُ، فأمر الله موسى أن يضرِبَ البحر، فضربه، فصار اثني عشر طريقاً، وصار الماء من بين تلك الطرق كالجبال العظيمةِ، فسلكه موسى وقومُه، فلما خرجوا منه؛ أمره الله أن يترُكَه {رهواً}؛ أي: بحاله؛ ليسلُكَه فرعونُ وجنودُه. {إنَّهم جندٌ مغرَقون}: فلمَّا تكامل قومُ موسى خارجين منه وقومُ فرعونَ داخلينَ فيه؛ أمره الله تعالى أن يَلْتَطِمَ عليهم، فغرقوا عن آخرهم، وتركوا ما مُتِّعوا به من الحياة الدُّنيا، وأورثه الله بني إسرائيل الذين كانوا مستعبَدِين لهم. {25 ـ 28} ولهذا قال: {كم تركوا من جناتٍ وعيونٍ. وزروع ومقام كريم. ونعمةٍ كانوا فيها فاكهينَ. كذلك وأوۡرَثۡناها}؛ أي: هذه النعمة المذكورة {قوماً آخرينَ}. وفي الآية الأخرى:{كذلك وأوۡرَثۡناها بني إسرائيلَ}. {29}{فما بكتۡ عليهم السماءُ والأرضُ}؛ أي: لمَّا أتلفهم الله وأهلكهم لم تبكِ عليهم السماء والأرض؛ أي: لم يُحزنْ عليهم ولم يُؤس على فراقهم، بل كلٌّ استبشر بهلاكِهِم وتلفِهِم، حتى السماء والأرض؛ لأنَّهم ما خَلَّفوا من آثارِهم إلاَّ ما يسوِّدُ وجوهَهم ويوجبُ عليهم اللعنةَ والمقتَ من العالمين. {وما كانوا مُنظَرين}؛ أي: ممهَلين عن العقوبة، بل اصطلمتْهم في الحال. {30 ـ 31} ثم امتنَّ تعالى على بني إسرائيلَ، فقال:{ولقد نَجَّيۡنا بني إسرائيلَ من العذابِ المهينِ}: الذي كانوا فيه {من فرعونَ}: إذ يذبحُ أبناءَهم ويستحيي نساءَهم، {إنَّه كان عالياً}؛ أي: مستكبراً في الأرض بغير الحقِّ، {من المسرفين}: المتجاوزين لحدودِ الله المتجرِّئين على محارمه. {32}{ولقد اختَرۡناهم}؛ أي: اصطفيناهم وانتَقَيْناهم {على علم}: منَّا بهم وباستحقاقهم لذلك الفضل {على العالَمين}؛ أي: عالمي زمانهم ومَنْ قبلهم وبعدَهم، حتى أتى اللهُ بأمة محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - ففضَلوا العالمينَ كلَّهم، وجعلهم الله خير أمَّة أخرجت للناس، وامتنَّ عليهم بما لم يمتنَّ به على غيرهم. {33}{وآتَيۡناهم}؛ أي: بني إسرائيل {من الآياتِ}: الباهرة والمعجزات الظاهرةِ {ما فيه بلاءٌ مبينٌ}؛ أي: إحسانٌ كثيرٌ ظاهرٌ منَّا عليهم وحجَّة عليهم على صحَّة ما جاءهم به نبيُّهم موسى عليه السلام.

الدخان 44:21

{17} لما ذكر تعالى تكذيبَ من كذَّب الرسول محمداً - صلى الله عليه وسلم -؛ ذكر أن لهم سلفاً من المكذِّبين، فذكر قصَّتهم مع موسى، وما أحلَّ الله بهم؛ ليرتدعَ هؤلاء المكذِّبون عن ما هم عليه، فقال:{ولقد فتنَّا قبلهم قوم فرعون}؛ أي: ابتليناهم واختبرناهم بإرسال رسولنا موسى بن عمران إليهم، الرسول الكريم الذي فيه من الكرم ومكارم الأخلاق ما ليس في غيره. {18}{أنۡ أدُّوا إليَّ عبادَ الله}؛ أي: قال لفرعون وملئهِ: أدُّوا إليَّ عباد الله؛ يعني بهم: بني إسرائيل؛ أي: أرسلوهم وأطلقوهم من عذابكم وسومكم إيَّاهم سوء العذاب؛ فإنَّهم عشيرتي وأفضل العالمين في زمانهم، وأنتم قد ظلمتُموهم واستعبدتُموهم بغير حقٍّ، فأرسلوهم ليعبدوا ربَّهم. {إنِّي لكم رسولٌ أمينٌ}؛ أي: رسول من ربِّ العالمين، أمينٌ على ما أرسلني به، لا أكتُمُكم منه شيئاً، ولا أزيد فيه ولا أنقُصُ، وهذا يوجبُ تمامَ الانقياد له. {19}{وأن لا تَعۡلوا على الله}: بالاستكبار عن عبادتِهِ والعلوِّ على عباد الله. {إنِّي آتيكُم بسلطانٍ مبينٍ}؛ أي: بحجَّة بيِّنةٍ ظاهرةٍ، وهو ما أتى به من المعجزات الباهرات والأدلَّة القاهرات. {20} فكذَّبوه وهمُّوا بقتله، فلجأ إلى الله من شرِّهم، فقال:{وإنِّي عذتُ بربِّي وربِّكم أن تَرۡجُمونِ}؛ أي: تقتلوني أشرَّ القِتلاتِ بالرجم بالحجارة. {21}{وإن لم تؤمنوا لي فاۡعَتِزلوِن}؛ أي: لكم ثلاث مراتب: الإيماُن بي، وهو مقصودي منكم. فإنْ لم تَحْصُل منكم هذه المرتبة؛ فاعتزلون لا عليَّ ولا لي؛ فاكفوني شرَّكم. فلم تحُصل منهم المرتبة الأولى ولا الثانية، بل لم يزالوا متمرِّدين عاتين على الله محاربين لنبيِّه موسى عليه السلام غير ممكِّنين له من قومه بني إسرائيل. {22}{فدعا ربَّه أنَّ هؤلاء قومٌ مجرمونَ}؛ أي: قد أجرموا جرماً يوجب تعجيل العقوبةِ، فأخبر عليه السلام بحالهم، وهذا دعاء بالحال التي هي أبلغ من المقال؛ كما قال عن نفسه عليه السلام:{ربِّ إنِّي لما أنزلتَ إليَّ من خيرٍ فقيرٌ}. {23} فأمره الله أن يسريَ بعباده ليلاً، وأخبره أنَّ فرعون وقومه سيتَّبِعونه. {24}{واتۡرُكِ البحرَ رهواً}؛ [أي: بحاله]، وذلك أنَّه لما سرى موسى ببني إسرائيل كما أمره الله، ثم تبعهم فرعونُ، فأمر الله موسى أن يضرِبَ البحر، فضربه، فصار اثني عشر طريقاً، وصار الماء من بين تلك الطرق كالجبال العظيمةِ، فسلكه موسى وقومُه، فلما خرجوا منه؛ أمره الله أن يترُكَه {رهواً}؛ أي: بحاله؛ ليسلُكَه فرعونُ وجنودُه. {إنَّهم جندٌ مغرَقون}: فلمَّا تكامل قومُ موسى خارجين منه وقومُ فرعونَ داخلينَ فيه؛ أمره الله تعالى أن يَلْتَطِمَ عليهم، فغرقوا عن آخرهم، وتركوا ما مُتِّعوا به من الحياة الدُّنيا، وأورثه الله بني إسرائيل الذين كانوا مستعبَدِين لهم. {25 ـ 28} ولهذا قال: {كم تركوا من جناتٍ وعيونٍ. وزروع ومقام كريم. ونعمةٍ كانوا فيها فاكهينَ. كذلك وأوۡرَثۡناها}؛ أي: هذه النعمة المذكورة {قوماً آخرينَ}. وفي الآية الأخرى:{كذلك وأوۡرَثۡناها بني إسرائيلَ}. {29}{فما بكتۡ عليهم السماءُ والأرضُ}؛ أي: لمَّا أتلفهم الله وأهلكهم لم تبكِ عليهم السماء والأرض؛ أي: لم يُحزنْ عليهم ولم يُؤس على فراقهم، بل كلٌّ استبشر بهلاكِهِم وتلفِهِم، حتى السماء والأرض؛ لأنَّهم ما خَلَّفوا من آثارِهم إلاَّ ما يسوِّدُ وجوهَهم ويوجبُ عليهم اللعنةَ والمقتَ من العالمين. {وما كانوا مُنظَرين}؛ أي: ممهَلين عن العقوبة، بل اصطلمتْهم في الحال. {30 ـ 31} ثم امتنَّ تعالى على بني إسرائيلَ، فقال:{ولقد نَجَّيۡنا بني إسرائيلَ من العذابِ المهينِ}: الذي كانوا فيه {من فرعونَ}: إذ يذبحُ أبناءَهم ويستحيي نساءَهم، {إنَّه كان عالياً}؛ أي: مستكبراً في الأرض بغير الحقِّ، {من المسرفين}: المتجاوزين لحدودِ الله المتجرِّئين على محارمه. {32}{ولقد اختَرۡناهم}؛ أي: اصطفيناهم وانتَقَيْناهم {على علم}: منَّا بهم وباستحقاقهم لذلك الفضل {على العالَمين}؛ أي: عالمي زمانهم ومَنْ قبلهم وبعدَهم، حتى أتى اللهُ بأمة محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - ففضَلوا العالمينَ كلَّهم، وجعلهم الله خير أمَّة أخرجت للناس، وامتنَّ عليهم بما لم يمتنَّ به على غيرهم. {33}{وآتَيۡناهم}؛ أي: بني إسرائيل {من الآياتِ}: الباهرة والمعجزات الظاهرةِ {ما فيه بلاءٌ مبينٌ}؛ أي: إحسانٌ كثيرٌ ظاهرٌ منَّا عليهم وحجَّة عليهم على صحَّة ما جاءهم به نبيُّهم موسى عليه السلام.

الدخان 44:22

{17} لما ذكر تعالى تكذيبَ من كذَّب الرسول محمداً - صلى الله عليه وسلم -؛ ذكر أن لهم سلفاً من المكذِّبين، فذكر قصَّتهم مع موسى، وما أحلَّ الله بهم؛ ليرتدعَ هؤلاء المكذِّبون عن ما هم عليه، فقال:{ولقد فتنَّا قبلهم قوم فرعون}؛ أي: ابتليناهم واختبرناهم بإرسال رسولنا موسى بن عمران إليهم، الرسول الكريم الذي فيه من الكرم ومكارم الأخلاق ما ليس في غيره. {18}{أنۡ أدُّوا إليَّ عبادَ الله}؛ أي: قال لفرعون وملئهِ: أدُّوا إليَّ عباد الله؛ يعني بهم: بني إسرائيل؛ أي: أرسلوهم وأطلقوهم من عذابكم وسومكم إيَّاهم سوء العذاب؛ فإنَّهم عشيرتي وأفضل العالمين في زمانهم، وأنتم قد ظلمتُموهم واستعبدتُموهم بغير حقٍّ، فأرسلوهم ليعبدوا ربَّهم. {إنِّي لكم رسولٌ أمينٌ}؛ أي: رسول من ربِّ العالمين، أمينٌ على ما أرسلني به، لا أكتُمُكم منه شيئاً، ولا أزيد فيه ولا أنقُصُ، وهذا يوجبُ تمامَ الانقياد له. {19}{وأن لا تَعۡلوا على الله}: بالاستكبار عن عبادتِهِ والعلوِّ على عباد الله. {إنِّي آتيكُم بسلطانٍ مبينٍ}؛ أي: بحجَّة بيِّنةٍ ظاهرةٍ، وهو ما أتى به من المعجزات الباهرات والأدلَّة القاهرات. {20} فكذَّبوه وهمُّوا بقتله، فلجأ إلى الله من شرِّهم، فقال:{وإنِّي عذتُ بربِّي وربِّكم أن تَرۡجُمونِ}؛ أي: تقتلوني أشرَّ القِتلاتِ بالرجم بالحجارة. {21}{وإن لم تؤمنوا لي فاۡعَتِزلوِن}؛ أي: لكم ثلاث مراتب: الإيماُن بي، وهو مقصودي منكم. فإنْ لم تَحْصُل منكم هذه المرتبة؛ فاعتزلون لا عليَّ ولا لي؛ فاكفوني شرَّكم. فلم تحُصل منهم المرتبة الأولى ولا الثانية، بل لم يزالوا متمرِّدين عاتين على الله محاربين لنبيِّه موسى عليه السلام غير ممكِّنين له من قومه بني إسرائيل. {22}{فدعا ربَّه أنَّ هؤلاء قومٌ مجرمونَ}؛ أي: قد أجرموا جرماً يوجب تعجيل العقوبةِ، فأخبر عليه السلام بحالهم، وهذا دعاء بالحال التي هي أبلغ من المقال؛ كما قال عن نفسه عليه السلام:{ربِّ إنِّي لما أنزلتَ إليَّ من خيرٍ فقيرٌ}. {23} فأمره الله أن يسريَ بعباده ليلاً، وأخبره أنَّ فرعون وقومه سيتَّبِعونه. {24}{واتۡرُكِ البحرَ رهواً}؛ [أي: بحاله]، وذلك أنَّه لما سرى موسى ببني إسرائيل كما أمره الله، ثم تبعهم فرعونُ، فأمر الله موسى أن يضرِبَ البحر، فضربه، فصار اثني عشر طريقاً، وصار الماء من بين تلك الطرق كالجبال العظيمةِ، فسلكه موسى وقومُه، فلما خرجوا منه؛ أمره الله أن يترُكَه {رهواً}؛ أي: بحاله؛ ليسلُكَه فرعونُ وجنودُه. {إنَّهم جندٌ مغرَقون}: فلمَّا تكامل قومُ موسى خارجين منه وقومُ فرعونَ داخلينَ فيه؛ أمره الله تعالى أن يَلْتَطِمَ عليهم، فغرقوا عن آخرهم، وتركوا ما مُتِّعوا به من الحياة الدُّنيا، وأورثه الله بني إسرائيل الذين كانوا مستعبَدِين لهم. {25 ـ 28} ولهذا قال: {كم تركوا من جناتٍ وعيونٍ. وزروع ومقام كريم. ونعمةٍ كانوا فيها فاكهينَ. كذلك وأوۡرَثۡناها}؛ أي: هذه النعمة المذكورة {قوماً آخرينَ}. وفي الآية الأخرى:{كذلك وأوۡرَثۡناها بني إسرائيلَ}. {29}{فما بكتۡ عليهم السماءُ والأرضُ}؛ أي: لمَّا أتلفهم الله وأهلكهم لم تبكِ عليهم السماء والأرض؛ أي: لم يُحزنْ عليهم ولم يُؤس على فراقهم، بل كلٌّ استبشر بهلاكِهِم وتلفِهِم، حتى السماء والأرض؛ لأنَّهم ما خَلَّفوا من آثارِهم إلاَّ ما يسوِّدُ وجوهَهم ويوجبُ عليهم اللعنةَ والمقتَ من العالمين. {وما كانوا مُنظَرين}؛ أي: ممهَلين عن العقوبة، بل اصطلمتْهم في الحال. {30 ـ 31} ثم امتنَّ تعالى على بني إسرائيلَ، فقال:{ولقد نَجَّيۡنا بني إسرائيلَ من العذابِ المهينِ}: الذي كانوا فيه {من فرعونَ}: إذ يذبحُ أبناءَهم ويستحيي نساءَهم، {إنَّه كان عالياً}؛ أي: مستكبراً في الأرض بغير الحقِّ، {من المسرفين}: المتجاوزين لحدودِ الله المتجرِّئين على محارمه. {32}{ولقد اختَرۡناهم}؛ أي: اصطفيناهم وانتَقَيْناهم {على علم}: منَّا بهم وباستحقاقهم لذلك الفضل {على العالَمين}؛ أي: عالمي زمانهم ومَنْ قبلهم وبعدَهم، حتى أتى اللهُ بأمة محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - ففضَلوا العالمينَ كلَّهم، وجعلهم الله خير أمَّة أخرجت للناس، وامتنَّ عليهم بما لم يمتنَّ به على غيرهم. {33}{وآتَيۡناهم}؛ أي: بني إسرائيل {من الآياتِ}: الباهرة والمعجزات الظاهرةِ {ما فيه بلاءٌ مبينٌ}؛ أي: إحسانٌ كثيرٌ ظاهرٌ منَّا عليهم وحجَّة عليهم على صحَّة ما جاءهم به نبيُّهم موسى عليه السلام.

الدخان 44:23

{17} لما ذكر تعالى تكذيبَ من كذَّب الرسول محمداً - صلى الله عليه وسلم -؛ ذكر أن لهم سلفاً من المكذِّبين، فذكر قصَّتهم مع موسى، وما أحلَّ الله بهم؛ ليرتدعَ هؤلاء المكذِّبون عن ما هم عليه، فقال:{ولقد فتنَّا قبلهم قوم فرعون}؛ أي: ابتليناهم واختبرناهم بإرسال رسولنا موسى بن عمران إليهم، الرسول الكريم الذي فيه من الكرم ومكارم الأخلاق ما ليس في غيره. {18}{أنۡ أدُّوا إليَّ عبادَ الله}؛ أي: قال لفرعون وملئهِ: أدُّوا إليَّ عباد الله؛ يعني بهم: بني إسرائيل؛ أي: أرسلوهم وأطلقوهم من عذابكم وسومكم إيَّاهم سوء العذاب؛ فإنَّهم عشيرتي وأفضل العالمين في زمانهم، وأنتم قد ظلمتُموهم واستعبدتُموهم بغير حقٍّ، فأرسلوهم ليعبدوا ربَّهم. {إنِّي لكم رسولٌ أمينٌ}؛ أي: رسول من ربِّ العالمين، أمينٌ على ما أرسلني به، لا أكتُمُكم منه شيئاً، ولا أزيد فيه ولا أنقُصُ، وهذا يوجبُ تمامَ الانقياد له. {19}{وأن لا تَعۡلوا على الله}: بالاستكبار عن عبادتِهِ والعلوِّ على عباد الله. {إنِّي آتيكُم بسلطانٍ مبينٍ}؛ أي: بحجَّة بيِّنةٍ ظاهرةٍ، وهو ما أتى به من المعجزات الباهرات والأدلَّة القاهرات. {20} فكذَّبوه وهمُّوا بقتله، فلجأ إلى الله من شرِّهم، فقال:{وإنِّي عذتُ بربِّي وربِّكم أن تَرۡجُمونِ}؛ أي: تقتلوني أشرَّ القِتلاتِ بالرجم بالحجارة. {21}{وإن لم تؤمنوا لي فاۡعَتِزلوِن}؛ أي: لكم ثلاث مراتب: الإيماُن بي، وهو مقصودي منكم. فإنْ لم تَحْصُل منكم هذه المرتبة؛ فاعتزلون لا عليَّ ولا لي؛ فاكفوني شرَّكم. فلم تحُصل منهم المرتبة الأولى ولا الثانية، بل لم يزالوا متمرِّدين عاتين على الله محاربين لنبيِّه موسى عليه السلام غير ممكِّنين له من قومه بني إسرائيل. {22}{فدعا ربَّه أنَّ هؤلاء قومٌ مجرمونَ}؛ أي: قد أجرموا جرماً يوجب تعجيل العقوبةِ، فأخبر عليه السلام بحالهم، وهذا دعاء بالحال التي هي أبلغ من المقال؛ كما قال عن نفسه عليه السلام:{ربِّ إنِّي لما أنزلتَ إليَّ من خيرٍ فقيرٌ}. {23} فأمره الله أن يسريَ بعباده ليلاً، وأخبره أنَّ فرعون وقومه سيتَّبِعونه. {24}{واتۡرُكِ البحرَ رهواً}؛ [أي: بحاله]، وذلك أنَّه لما سرى موسى ببني إسرائيل كما أمره الله، ثم تبعهم فرعونُ، فأمر الله موسى أن يضرِبَ البحر، فضربه، فصار اثني عشر طريقاً، وصار الماء من بين تلك الطرق كالجبال العظيمةِ، فسلكه موسى وقومُه، فلما خرجوا منه؛ أمره الله أن يترُكَه {رهواً}؛ أي: بحاله؛ ليسلُكَه فرعونُ وجنودُه. {إنَّهم جندٌ مغرَقون}: فلمَّا تكامل قومُ موسى خارجين منه وقومُ فرعونَ داخلينَ فيه؛ أمره الله تعالى أن يَلْتَطِمَ عليهم، فغرقوا عن آخرهم، وتركوا ما مُتِّعوا به من الحياة الدُّنيا، وأورثه الله بني إسرائيل الذين كانوا مستعبَدِين لهم. {25 ـ 28} ولهذا قال: {كم تركوا من جناتٍ وعيونٍ. وزروع ومقام كريم. ونعمةٍ كانوا فيها فاكهينَ. كذلك وأوۡرَثۡناها}؛ أي: هذه النعمة المذكورة {قوماً آخرينَ}. وفي الآية الأخرى:{كذلك وأوۡرَثۡناها بني إسرائيلَ}. {29}{فما بكتۡ عليهم السماءُ والأرضُ}؛ أي: لمَّا أتلفهم الله وأهلكهم لم تبكِ عليهم السماء والأرض؛ أي: لم يُحزنْ عليهم ولم يُؤس على فراقهم، بل كلٌّ استبشر بهلاكِهِم وتلفِهِم، حتى السماء والأرض؛ لأنَّهم ما خَلَّفوا من آثارِهم إلاَّ ما يسوِّدُ وجوهَهم ويوجبُ عليهم اللعنةَ والمقتَ من العالمين. {وما كانوا مُنظَرين}؛ أي: ممهَلين عن العقوبة، بل اصطلمتْهم في الحال. {30 ـ 31} ثم امتنَّ تعالى على بني إسرائيلَ، فقال:{ولقد نَجَّيۡنا بني إسرائيلَ من العذابِ المهينِ}: الذي كانوا فيه {من فرعونَ}: إذ يذبحُ أبناءَهم ويستحيي نساءَهم، {إنَّه كان عالياً}؛ أي: مستكبراً في الأرض بغير الحقِّ، {من المسرفين}: المتجاوزين لحدودِ الله المتجرِّئين على محارمه. {32}{ولقد اختَرۡناهم}؛ أي: اصطفيناهم وانتَقَيْناهم {على علم}: منَّا بهم وباستحقاقهم لذلك الفضل {على العالَمين}؛ أي: عالمي زمانهم ومَنْ قبلهم وبعدَهم، حتى أتى اللهُ بأمة محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - ففضَلوا العالمينَ كلَّهم، وجعلهم الله خير أمَّة أخرجت للناس، وامتنَّ عليهم بما لم يمتنَّ به على غيرهم. {33}{وآتَيۡناهم}؛ أي: بني إسرائيل {من الآياتِ}: الباهرة والمعجزات الظاهرةِ {ما فيه بلاءٌ مبينٌ}؛ أي: إحسانٌ كثيرٌ ظاهرٌ منَّا عليهم وحجَّة عليهم على صحَّة ما جاءهم به نبيُّهم موسى عليه السلام.

الدخان 44:24

{17} لما ذكر تعالى تكذيبَ من كذَّب الرسول محمداً - صلى الله عليه وسلم -؛ ذكر أن لهم سلفاً من المكذِّبين، فذكر قصَّتهم مع موسى، وما أحلَّ الله بهم؛ ليرتدعَ هؤلاء المكذِّبون عن ما هم عليه، فقال:{ولقد فتنَّا قبلهم قوم فرعون}؛ أي: ابتليناهم واختبرناهم بإرسال رسولنا موسى بن عمران إليهم، الرسول الكريم الذي فيه من الكرم ومكارم الأخلاق ما ليس في غيره. {18}{أنۡ أدُّوا إليَّ عبادَ الله}؛ أي: قال لفرعون وملئهِ: أدُّوا إليَّ عباد الله؛ يعني بهم: بني إسرائيل؛ أي: أرسلوهم وأطلقوهم من عذابكم وسومكم إيَّاهم سوء العذاب؛ فإنَّهم عشيرتي وأفضل العالمين في زمانهم، وأنتم قد ظلمتُموهم واستعبدتُموهم بغير حقٍّ، فأرسلوهم ليعبدوا ربَّهم. {إنِّي لكم رسولٌ أمينٌ}؛ أي: رسول من ربِّ العالمين، أمينٌ على ما أرسلني به، لا أكتُمُكم منه شيئاً، ولا أزيد فيه ولا أنقُصُ، وهذا يوجبُ تمامَ الانقياد له. {19}{وأن لا تَعۡلوا على الله}: بالاستكبار عن عبادتِهِ والعلوِّ على عباد الله. {إنِّي آتيكُم بسلطانٍ مبينٍ}؛ أي: بحجَّة بيِّنةٍ ظاهرةٍ، وهو ما أتى به من المعجزات الباهرات والأدلَّة القاهرات. {20} فكذَّبوه وهمُّوا بقتله، فلجأ إلى الله من شرِّهم، فقال:{وإنِّي عذتُ بربِّي وربِّكم أن تَرۡجُمونِ}؛ أي: تقتلوني أشرَّ القِتلاتِ بالرجم بالحجارة. {21}{وإن لم تؤمنوا لي فاۡعَتِزلوِن}؛ أي: لكم ثلاث مراتب: الإيماُن بي، وهو مقصودي منكم. فإنْ لم تَحْصُل منكم هذه المرتبة؛ فاعتزلون لا عليَّ ولا لي؛ فاكفوني شرَّكم. فلم تحُصل منهم المرتبة الأولى ولا الثانية، بل لم يزالوا متمرِّدين عاتين على الله محاربين لنبيِّه موسى عليه السلام غير ممكِّنين له من قومه بني إسرائيل. {22}{فدعا ربَّه أنَّ هؤلاء قومٌ مجرمونَ}؛ أي: قد أجرموا جرماً يوجب تعجيل العقوبةِ، فأخبر عليه السلام بحالهم، وهذا دعاء بالحال التي هي أبلغ من المقال؛ كما قال عن نفسه عليه السلام:{ربِّ إنِّي لما أنزلتَ إليَّ من خيرٍ فقيرٌ}. {23} فأمره الله أن يسريَ بعباده ليلاً، وأخبره أنَّ فرعون وقومه سيتَّبِعونه. {24}{واتۡرُكِ البحرَ رهواً}؛ [أي: بحاله]، وذلك أنَّه لما سرى موسى ببني إسرائيل كما أمره الله، ثم تبعهم فرعونُ، فأمر الله موسى أن يضرِبَ البحر، فضربه، فصار اثني عشر طريقاً، وصار الماء من بين تلك الطرق كالجبال العظيمةِ، فسلكه موسى وقومُه، فلما خرجوا منه؛ أمره الله أن يترُكَه {رهواً}؛ أي: بحاله؛ ليسلُكَه فرعونُ وجنودُه. {إنَّهم جندٌ مغرَقون}: فلمَّا تكامل قومُ موسى خارجين منه وقومُ فرعونَ داخلينَ فيه؛ أمره الله تعالى أن يَلْتَطِمَ عليهم، فغرقوا عن آخرهم، وتركوا ما مُتِّعوا به من الحياة الدُّنيا، وأورثه الله بني إسرائيل الذين كانوا مستعبَدِين لهم. {25 ـ 28} ولهذا قال: {كم تركوا من جناتٍ وعيونٍ. وزروع ومقام كريم. ونعمةٍ كانوا فيها فاكهينَ. كذلك وأوۡرَثۡناها}؛ أي: هذه النعمة المذكورة {قوماً آخرينَ}. وفي الآية الأخرى:{كذلك وأوۡرَثۡناها بني إسرائيلَ}. {29}{فما بكتۡ عليهم السماءُ والأرضُ}؛ أي: لمَّا أتلفهم الله وأهلكهم لم تبكِ عليهم السماء والأرض؛ أي: لم يُحزنْ عليهم ولم يُؤس على فراقهم، بل كلٌّ استبشر بهلاكِهِم وتلفِهِم، حتى السماء والأرض؛ لأنَّهم ما خَلَّفوا من آثارِهم إلاَّ ما يسوِّدُ وجوهَهم ويوجبُ عليهم اللعنةَ والمقتَ من العالمين. {وما كانوا مُنظَرين}؛ أي: ممهَلين عن العقوبة، بل اصطلمتْهم في الحال. {30 ـ 31} ثم امتنَّ تعالى على بني إسرائيلَ، فقال:{ولقد نَجَّيۡنا بني إسرائيلَ من العذابِ المهينِ}: الذي كانوا فيه {من فرعونَ}: إذ يذبحُ أبناءَهم ويستحيي نساءَهم، {إنَّه كان عالياً}؛ أي: مستكبراً في الأرض بغير الحقِّ، {من المسرفين}: المتجاوزين لحدودِ الله المتجرِّئين على محارمه. {32}{ولقد اختَرۡناهم}؛ أي: اصطفيناهم وانتَقَيْناهم {على علم}: منَّا بهم وباستحقاقهم لذلك الفضل {على العالَمين}؛ أي: عالمي زمانهم ومَنْ قبلهم وبعدَهم، حتى أتى اللهُ بأمة محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - ففضَلوا العالمينَ كلَّهم، وجعلهم الله خير أمَّة أخرجت للناس، وامتنَّ عليهم بما لم يمتنَّ به على غيرهم. {33}{وآتَيۡناهم}؛ أي: بني إسرائيل {من الآياتِ}: الباهرة والمعجزات الظاهرةِ {ما فيه بلاءٌ مبينٌ}؛ أي: إحسانٌ كثيرٌ ظاهرٌ منَّا عليهم وحجَّة عليهم على صحَّة ما جاءهم به نبيُّهم موسى عليه السلام.

الدخان 44:25

{17} لما ذكر تعالى تكذيبَ من كذَّب الرسول محمداً - صلى الله عليه وسلم -؛ ذكر أن لهم سلفاً من المكذِّبين، فذكر قصَّتهم مع موسى، وما أحلَّ الله بهم؛ ليرتدعَ هؤلاء المكذِّبون عن ما هم عليه، فقال:{ولقد فتنَّا قبلهم قوم فرعون}؛ أي: ابتليناهم واختبرناهم بإرسال رسولنا موسى بن عمران إليهم، الرسول الكريم الذي فيه من الكرم ومكارم الأخلاق ما ليس في غيره. {18}{أنۡ أدُّوا إليَّ عبادَ الله}؛ أي: قال لفرعون وملئهِ: أدُّوا إليَّ عباد الله؛ يعني بهم: بني إسرائيل؛ أي: أرسلوهم وأطلقوهم من عذابكم وسومكم إيَّاهم سوء العذاب؛ فإنَّهم عشيرتي وأفضل العالمين في زمانهم، وأنتم قد ظلمتُموهم واستعبدتُموهم بغير حقٍّ، فأرسلوهم ليعبدوا ربَّهم. {إنِّي لكم رسولٌ أمينٌ}؛ أي: رسول من ربِّ العالمين، أمينٌ على ما أرسلني به، لا أكتُمُكم منه شيئاً، ولا أزيد فيه ولا أنقُصُ، وهذا يوجبُ تمامَ الانقياد له. {19}{وأن لا تَعۡلوا على الله}: بالاستكبار عن عبادتِهِ والعلوِّ على عباد الله. {إنِّي آتيكُم بسلطانٍ مبينٍ}؛ أي: بحجَّة بيِّنةٍ ظاهرةٍ، وهو ما أتى به من المعجزات الباهرات والأدلَّة القاهرات. {20} فكذَّبوه وهمُّوا بقتله، فلجأ إلى الله من شرِّهم، فقال:{وإنِّي عذتُ بربِّي وربِّكم أن تَرۡجُمونِ}؛ أي: تقتلوني أشرَّ القِتلاتِ بالرجم بالحجارة. {21}{وإن لم تؤمنوا لي فاۡعَتِزلوِن}؛ أي: لكم ثلاث مراتب: الإيماُن بي، وهو مقصودي منكم. فإنْ لم تَحْصُل منكم هذه المرتبة؛ فاعتزلون لا عليَّ ولا لي؛ فاكفوني شرَّكم. فلم تحُصل منهم المرتبة الأولى ولا الثانية، بل لم يزالوا متمرِّدين عاتين على الله محاربين لنبيِّه موسى عليه السلام غير ممكِّنين له من قومه بني إسرائيل. {22}{فدعا ربَّه أنَّ هؤلاء قومٌ مجرمونَ}؛ أي: قد أجرموا جرماً يوجب تعجيل العقوبةِ، فأخبر عليه السلام بحالهم، وهذا دعاء بالحال التي هي أبلغ من المقال؛ كما قال عن نفسه عليه السلام:{ربِّ إنِّي لما أنزلتَ إليَّ من خيرٍ فقيرٌ}. {23} فأمره الله أن يسريَ بعباده ليلاً، وأخبره أنَّ فرعون وقومه سيتَّبِعونه. {24}{واتۡرُكِ البحرَ رهواً}؛ [أي: بحاله]، وذلك أنَّه لما سرى موسى ببني إسرائيل كما أمره الله، ثم تبعهم فرعونُ، فأمر الله موسى أن يضرِبَ البحر، فضربه، فصار اثني عشر طريقاً، وصار الماء من بين تلك الطرق كالجبال العظيمةِ، فسلكه موسى وقومُه، فلما خرجوا منه؛ أمره الله أن يترُكَه {رهواً}؛ أي: بحاله؛ ليسلُكَه فرعونُ وجنودُه. {إنَّهم جندٌ مغرَقون}: فلمَّا تكامل قومُ موسى خارجين منه وقومُ فرعونَ داخلينَ فيه؛ أمره الله تعالى أن يَلْتَطِمَ عليهم، فغرقوا عن آخرهم، وتركوا ما مُتِّعوا به من الحياة الدُّنيا، وأورثه الله بني إسرائيل الذين كانوا مستعبَدِين لهم. {25 ـ 28} ولهذا قال: {كم تركوا من جناتٍ وعيونٍ. وزروع ومقام كريم. ونعمةٍ كانوا فيها فاكهينَ. كذلك وأوۡرَثۡناها}؛ أي: هذه النعمة المذكورة {قوماً آخرينَ}. وفي الآية الأخرى:{كذلك وأوۡرَثۡناها بني إسرائيلَ}. {29}{فما بكتۡ عليهم السماءُ والأرضُ}؛ أي: لمَّا أتلفهم الله وأهلكهم لم تبكِ عليهم السماء والأرض؛ أي: لم يُحزنْ عليهم ولم يُؤس على فراقهم، بل كلٌّ استبشر بهلاكِهِم وتلفِهِم، حتى السماء والأرض؛ لأنَّهم ما خَلَّفوا من آثارِهم إلاَّ ما يسوِّدُ وجوهَهم ويوجبُ عليهم اللعنةَ والمقتَ من العالمين. {وما كانوا مُنظَرين}؛ أي: ممهَلين عن العقوبة، بل اصطلمتْهم في الحال. {30 ـ 31} ثم امتنَّ تعالى على بني إسرائيلَ، فقال:{ولقد نَجَّيۡنا بني إسرائيلَ من العذابِ المهينِ}: الذي كانوا فيه {من فرعونَ}: إذ يذبحُ أبناءَهم ويستحيي نساءَهم، {إنَّه كان عالياً}؛ أي: مستكبراً في الأرض بغير الحقِّ، {من المسرفين}: المتجاوزين لحدودِ الله المتجرِّئين على محارمه. {32}{ولقد اختَرۡناهم}؛ أي: اصطفيناهم وانتَقَيْناهم {على علم}: منَّا بهم وباستحقاقهم لذلك الفضل {على العالَمين}؛ أي: عالمي زمانهم ومَنْ قبلهم وبعدَهم، حتى أتى اللهُ بأمة محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - ففضَلوا العالمينَ كلَّهم، وجعلهم الله خير أمَّة أخرجت للناس، وامتنَّ عليهم بما لم يمتنَّ به على غيرهم. {33}{وآتَيۡناهم}؛ أي: بني إسرائيل {من الآياتِ}: الباهرة والمعجزات الظاهرةِ {ما فيه بلاءٌ مبينٌ}؛ أي: إحسانٌ كثيرٌ ظاهرٌ منَّا عليهم وحجَّة عليهم على صحَّة ما جاءهم به نبيُّهم موسى عليه السلام.

الدخان 44:26

{17} لما ذكر تعالى تكذيبَ من كذَّب الرسول محمداً - صلى الله عليه وسلم -؛ ذكر أن لهم سلفاً من المكذِّبين، فذكر قصَّتهم مع موسى، وما أحلَّ الله بهم؛ ليرتدعَ هؤلاء المكذِّبون عن ما هم عليه، فقال:{ولقد فتنَّا قبلهم قوم فرعون}؛ أي: ابتليناهم واختبرناهم بإرسال رسولنا موسى بن عمران إليهم، الرسول الكريم الذي فيه من الكرم ومكارم الأخلاق ما ليس في غيره. {18}{أنۡ أدُّوا إليَّ عبادَ الله}؛ أي: قال لفرعون وملئهِ: أدُّوا إليَّ عباد الله؛ يعني بهم: بني إسرائيل؛ أي: أرسلوهم وأطلقوهم من عذابكم وسومكم إيَّاهم سوء العذاب؛ فإنَّهم عشيرتي وأفضل العالمين في زمانهم، وأنتم قد ظلمتُموهم واستعبدتُموهم بغير حقٍّ، فأرسلوهم ليعبدوا ربَّهم. {إنِّي لكم رسولٌ أمينٌ}؛ أي: رسول من ربِّ العالمين، أمينٌ على ما أرسلني به، لا أكتُمُكم منه شيئاً، ولا أزيد فيه ولا أنقُصُ، وهذا يوجبُ تمامَ الانقياد له. {19}{وأن لا تَعۡلوا على الله}: بالاستكبار عن عبادتِهِ والعلوِّ على عباد الله. {إنِّي آتيكُم بسلطانٍ مبينٍ}؛ أي: بحجَّة بيِّنةٍ ظاهرةٍ، وهو ما أتى به من المعجزات الباهرات والأدلَّة القاهرات. {20} فكذَّبوه وهمُّوا بقتله، فلجأ إلى الله من شرِّهم، فقال:{وإنِّي عذتُ بربِّي وربِّكم أن تَرۡجُمونِ}؛ أي: تقتلوني أشرَّ القِتلاتِ بالرجم بالحجارة. {21}{وإن لم تؤمنوا لي فاۡعَتِزلوِن}؛ أي: لكم ثلاث مراتب: الإيماُن بي، وهو مقصودي منكم. فإنْ لم تَحْصُل منكم هذه المرتبة؛ فاعتزلون لا عليَّ ولا لي؛ فاكفوني شرَّكم. فلم تحُصل منهم المرتبة الأولى ولا الثانية، بل لم يزالوا متمرِّدين عاتين على الله محاربين لنبيِّه موسى عليه السلام غير ممكِّنين له من قومه بني إسرائيل. {22}{فدعا ربَّه أنَّ هؤلاء قومٌ مجرمونَ}؛ أي: قد أجرموا جرماً يوجب تعجيل العقوبةِ، فأخبر عليه السلام بحالهم، وهذا دعاء بالحال التي هي أبلغ من المقال؛ كما قال عن نفسه عليه السلام:{ربِّ إنِّي لما أنزلتَ إليَّ من خيرٍ فقيرٌ}. {23} فأمره الله أن يسريَ بعباده ليلاً، وأخبره أنَّ فرعون وقومه سيتَّبِعونه. {24}{واتۡرُكِ البحرَ رهواً}؛ [أي: بحاله]، وذلك أنَّه لما سرى موسى ببني إسرائيل كما أمره الله، ثم تبعهم فرعونُ، فأمر الله موسى أن يضرِبَ البحر، فضربه، فصار اثني عشر طريقاً، وصار الماء من بين تلك الطرق كالجبال العظيمةِ، فسلكه موسى وقومُه، فلما خرجوا منه؛ أمره الله أن يترُكَه {رهواً}؛ أي: بحاله؛ ليسلُكَه فرعونُ وجنودُه. {إنَّهم جندٌ مغرَقون}: فلمَّا تكامل قومُ موسى خارجين منه وقومُ فرعونَ داخلينَ فيه؛ أمره الله تعالى أن يَلْتَطِمَ عليهم، فغرقوا عن آخرهم، وتركوا ما مُتِّعوا به من الحياة الدُّنيا، وأورثه الله بني إسرائيل الذين كانوا مستعبَدِين لهم. {25 ـ 28} ولهذا قال: {كم تركوا من جناتٍ وعيونٍ. وزروع ومقام كريم. ونعمةٍ كانوا فيها فاكهينَ. كذلك وأوۡرَثۡناها}؛ أي: هذه النعمة المذكورة {قوماً آخرينَ}. وفي الآية الأخرى:{كذلك وأوۡرَثۡناها بني إسرائيلَ}. {29}{فما بكتۡ عليهم السماءُ والأرضُ}؛ أي: لمَّا أتلفهم الله وأهلكهم لم تبكِ عليهم السماء والأرض؛ أي: لم يُحزنْ عليهم ولم يُؤس على فراقهم، بل كلٌّ استبشر بهلاكِهِم وتلفِهِم، حتى السماء والأرض؛ لأنَّهم ما خَلَّفوا من آثارِهم إلاَّ ما يسوِّدُ وجوهَهم ويوجبُ عليهم اللعنةَ والمقتَ من العالمين. {وما كانوا مُنظَرين}؛ أي: ممهَلين عن العقوبة، بل اصطلمتْهم في الحال. {30 ـ 31} ثم امتنَّ تعالى على بني إسرائيلَ، فقال:{ولقد نَجَّيۡنا بني إسرائيلَ من العذابِ المهينِ}: الذي كانوا فيه {من فرعونَ}: إذ يذبحُ أبناءَهم ويستحيي نساءَهم، {إنَّه كان عالياً}؛ أي: مستكبراً في الأرض بغير الحقِّ، {من المسرفين}: المتجاوزين لحدودِ الله المتجرِّئين على محارمه. {32}{ولقد اختَرۡناهم}؛ أي: اصطفيناهم وانتَقَيْناهم {على علم}: منَّا بهم وباستحقاقهم لذلك الفضل {على العالَمين}؛ أي: عالمي زمانهم ومَنْ قبلهم وبعدَهم، حتى أتى اللهُ بأمة محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - ففضَلوا العالمينَ كلَّهم، وجعلهم الله خير أمَّة أخرجت للناس، وامتنَّ عليهم بما لم يمتنَّ به على غيرهم. {33}{وآتَيۡناهم}؛ أي: بني إسرائيل {من الآياتِ}: الباهرة والمعجزات الظاهرةِ {ما فيه بلاءٌ مبينٌ}؛ أي: إحسانٌ كثيرٌ ظاهرٌ منَّا عليهم وحجَّة عليهم على صحَّة ما جاءهم به نبيُّهم موسى عليه السلام.

الدخان 44:27

{17} لما ذكر تعالى تكذيبَ من كذَّب الرسول محمداً - صلى الله عليه وسلم -؛ ذكر أن لهم سلفاً من المكذِّبين، فذكر قصَّتهم مع موسى، وما أحلَّ الله بهم؛ ليرتدعَ هؤلاء المكذِّبون عن ما هم عليه، فقال:{ولقد فتنَّا قبلهم قوم فرعون}؛ أي: ابتليناهم واختبرناهم بإرسال رسولنا موسى بن عمران إليهم، الرسول الكريم الذي فيه من الكرم ومكارم الأخلاق ما ليس في غيره. {18}{أنۡ أدُّوا إليَّ عبادَ الله}؛ أي: قال لفرعون وملئهِ: أدُّوا إليَّ عباد الله؛ يعني بهم: بني إسرائيل؛ أي: أرسلوهم وأطلقوهم من عذابكم وسومكم إيَّاهم سوء العذاب؛ فإنَّهم عشيرتي وأفضل العالمين في زمانهم، وأنتم قد ظلمتُموهم واستعبدتُموهم بغير حقٍّ، فأرسلوهم ليعبدوا ربَّهم. {إنِّي لكم رسولٌ أمينٌ}؛ أي: رسول من ربِّ العالمين، أمينٌ على ما أرسلني به، لا أكتُمُكم منه شيئاً، ولا أزيد فيه ولا أنقُصُ، وهذا يوجبُ تمامَ الانقياد له. {19}{وأن لا تَعۡلوا على الله}: بالاستكبار عن عبادتِهِ والعلوِّ على عباد الله. {إنِّي آتيكُم بسلطانٍ مبينٍ}؛ أي: بحجَّة بيِّنةٍ ظاهرةٍ، وهو ما أتى به من المعجزات الباهرات والأدلَّة القاهرات. {20} فكذَّبوه وهمُّوا بقتله، فلجأ إلى الله من شرِّهم، فقال:{وإنِّي عذتُ بربِّي وربِّكم أن تَرۡجُمونِ}؛ أي: تقتلوني أشرَّ القِتلاتِ بالرجم بالحجارة. {21}{وإن لم تؤمنوا لي فاۡعَتِزلوِن}؛ أي: لكم ثلاث مراتب: الإيماُن بي، وهو مقصودي منكم. فإنْ لم تَحْصُل منكم هذه المرتبة؛ فاعتزلون لا عليَّ ولا لي؛ فاكفوني شرَّكم. فلم تحُصل منهم المرتبة الأولى ولا الثانية، بل لم يزالوا متمرِّدين عاتين على الله محاربين لنبيِّه موسى عليه السلام غير ممكِّنين له من قومه بني إسرائيل. {22}{فدعا ربَّه أنَّ هؤلاء قومٌ مجرمونَ}؛ أي: قد أجرموا جرماً يوجب تعجيل العقوبةِ، فأخبر عليه السلام بحالهم، وهذا دعاء بالحال التي هي أبلغ من المقال؛ كما قال عن نفسه عليه السلام:{ربِّ إنِّي لما أنزلتَ إليَّ من خيرٍ فقيرٌ}. {23} فأمره الله أن يسريَ بعباده ليلاً، وأخبره أنَّ فرعون وقومه سيتَّبِعونه. {24}{واتۡرُكِ البحرَ رهواً}؛ [أي: بحاله]، وذلك أنَّه لما سرى موسى ببني إسرائيل كما أمره الله، ثم تبعهم فرعونُ، فأمر الله موسى أن يضرِبَ البحر، فضربه، فصار اثني عشر طريقاً، وصار الماء من بين تلك الطرق كالجبال العظيمةِ، فسلكه موسى وقومُه، فلما خرجوا منه؛ أمره الله أن يترُكَه {رهواً}؛ أي: بحاله؛ ليسلُكَه فرعونُ وجنودُه. {إنَّهم جندٌ مغرَقون}: فلمَّا تكامل قومُ موسى خارجين منه وقومُ فرعونَ داخلينَ فيه؛ أمره الله تعالى أن يَلْتَطِمَ عليهم، فغرقوا عن آخرهم، وتركوا ما مُتِّعوا به من الحياة الدُّنيا، وأورثه الله بني إسرائيل الذين كانوا مستعبَدِين لهم. {25 ـ 28} ولهذا قال: {كم تركوا من جناتٍ وعيونٍ. وزروع ومقام كريم. ونعمةٍ كانوا فيها فاكهينَ. كذلك وأوۡرَثۡناها}؛ أي: هذه النعمة المذكورة {قوماً آخرينَ}. وفي الآية الأخرى:{كذلك وأوۡرَثۡناها بني إسرائيلَ}. {29}{فما بكتۡ عليهم السماءُ والأرضُ}؛ أي: لمَّا أتلفهم الله وأهلكهم لم تبكِ عليهم السماء والأرض؛ أي: لم يُحزنْ عليهم ولم يُؤس على فراقهم، بل كلٌّ استبشر بهلاكِهِم وتلفِهِم، حتى السماء والأرض؛ لأنَّهم ما خَلَّفوا من آثارِهم إلاَّ ما يسوِّدُ وجوهَهم ويوجبُ عليهم اللعنةَ والمقتَ من العالمين. {وما كانوا مُنظَرين}؛ أي: ممهَلين عن العقوبة، بل اصطلمتْهم في الحال. {30 ـ 31} ثم امتنَّ تعالى على بني إسرائيلَ، فقال:{ولقد نَجَّيۡنا بني إسرائيلَ من العذابِ المهينِ}: الذي كانوا فيه {من فرعونَ}: إذ يذبحُ أبناءَهم ويستحيي نساءَهم، {إنَّه كان عالياً}؛ أي: مستكبراً في الأرض بغير الحقِّ، {من المسرفين}: المتجاوزين لحدودِ الله المتجرِّئين على محارمه. {32}{ولقد اختَرۡناهم}؛ أي: اصطفيناهم وانتَقَيْناهم {على علم}: منَّا بهم وباستحقاقهم لذلك الفضل {على العالَمين}؛ أي: عالمي زمانهم ومَنْ قبلهم وبعدَهم، حتى أتى اللهُ بأمة محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - ففضَلوا العالمينَ كلَّهم، وجعلهم الله خير أمَّة أخرجت للناس، وامتنَّ عليهم بما لم يمتنَّ به على غيرهم. {33}{وآتَيۡناهم}؛ أي: بني إسرائيل {من الآياتِ}: الباهرة والمعجزات الظاهرةِ {ما فيه بلاءٌ مبينٌ}؛ أي: إحسانٌ كثيرٌ ظاهرٌ منَّا عليهم وحجَّة عليهم على صحَّة ما جاءهم به نبيُّهم موسى عليه السلام.

الدخان 44:28

{17} لما ذكر تعالى تكذيبَ من كذَّب الرسول محمداً - صلى الله عليه وسلم -؛ ذكر أن لهم سلفاً من المكذِّبين، فذكر قصَّتهم مع موسى، وما أحلَّ الله بهم؛ ليرتدعَ هؤلاء المكذِّبون عن ما هم عليه، فقال:{ولقد فتنَّا قبلهم قوم فرعون}؛ أي: ابتليناهم واختبرناهم بإرسال رسولنا موسى بن عمران إليهم، الرسول الكريم الذي فيه من الكرم ومكارم الأخلاق ما ليس في غيره. {18}{أنۡ أدُّوا إليَّ عبادَ الله}؛ أي: قال لفرعون وملئهِ: أدُّوا إليَّ عباد الله؛ يعني بهم: بني إسرائيل؛ أي: أرسلوهم وأطلقوهم من عذابكم وسومكم إيَّاهم سوء العذاب؛ فإنَّهم عشيرتي وأفضل العالمين في زمانهم، وأنتم قد ظلمتُموهم واستعبدتُموهم بغير حقٍّ، فأرسلوهم ليعبدوا ربَّهم. {إنِّي لكم رسولٌ أمينٌ}؛ أي: رسول من ربِّ العالمين، أمينٌ على ما أرسلني به، لا أكتُمُكم منه شيئاً، ولا أزيد فيه ولا أنقُصُ، وهذا يوجبُ تمامَ الانقياد له. {19}{وأن لا تَعۡلوا على الله}: بالاستكبار عن عبادتِهِ والعلوِّ على عباد الله. {إنِّي آتيكُم بسلطانٍ مبينٍ}؛ أي: بحجَّة بيِّنةٍ ظاهرةٍ، وهو ما أتى به من المعجزات الباهرات والأدلَّة القاهرات. {20} فكذَّبوه وهمُّوا بقتله، فلجأ إلى الله من شرِّهم، فقال:{وإنِّي عذتُ بربِّي وربِّكم أن تَرۡجُمونِ}؛ أي: تقتلوني أشرَّ القِتلاتِ بالرجم بالحجارة. {21}{وإن لم تؤمنوا لي فاۡعَتِزلوِن}؛ أي: لكم ثلاث مراتب: الإيماُن بي، وهو مقصودي منكم. فإنْ لم تَحْصُل منكم هذه المرتبة؛ فاعتزلون لا عليَّ ولا لي؛ فاكفوني شرَّكم. فلم تحُصل منهم المرتبة الأولى ولا الثانية، بل لم يزالوا متمرِّدين عاتين على الله محاربين لنبيِّه موسى عليه السلام غير ممكِّنين له من قومه بني إسرائيل. {22}{فدعا ربَّه أنَّ هؤلاء قومٌ مجرمونَ}؛ أي: قد أجرموا جرماً يوجب تعجيل العقوبةِ، فأخبر عليه السلام بحالهم، وهذا دعاء بالحال التي هي أبلغ من المقال؛ كما قال عن نفسه عليه السلام:{ربِّ إنِّي لما أنزلتَ إليَّ من خيرٍ فقيرٌ}. {23} فأمره الله أن يسريَ بعباده ليلاً، وأخبره أنَّ فرعون وقومه سيتَّبِعونه. {24}{واتۡرُكِ البحرَ رهواً}؛ [أي: بحاله]، وذلك أنَّه لما سرى موسى ببني إسرائيل كما أمره الله، ثم تبعهم فرعونُ، فأمر الله موسى أن يضرِبَ البحر، فضربه، فصار اثني عشر طريقاً، وصار الماء من بين تلك الطرق كالجبال العظيمةِ، فسلكه موسى وقومُه، فلما خرجوا منه؛ أمره الله أن يترُكَه {رهواً}؛ أي: بحاله؛ ليسلُكَه فرعونُ وجنودُه. {إنَّهم جندٌ مغرَقون}: فلمَّا تكامل قومُ موسى خارجين منه وقومُ فرعونَ داخلينَ فيه؛ أمره الله تعالى أن يَلْتَطِمَ عليهم، فغرقوا عن آخرهم، وتركوا ما مُتِّعوا به من الحياة الدُّنيا، وأورثه الله بني إسرائيل الذين كانوا مستعبَدِين لهم. {25 ـ 28} ولهذا قال: {كم تركوا من جناتٍ وعيونٍ. وزروع ومقام كريم. ونعمةٍ كانوا فيها فاكهينَ. كذلك وأوۡرَثۡناها}؛ أي: هذه النعمة المذكورة {قوماً آخرينَ}. وفي الآية الأخرى:{كذلك وأوۡرَثۡناها بني إسرائيلَ}. {29}{فما بكتۡ عليهم السماءُ والأرضُ}؛ أي: لمَّا أتلفهم الله وأهلكهم لم تبكِ عليهم السماء والأرض؛ أي: لم يُحزنْ عليهم ولم يُؤس على فراقهم، بل كلٌّ استبشر بهلاكِهِم وتلفِهِم، حتى السماء والأرض؛ لأنَّهم ما خَلَّفوا من آثارِهم إلاَّ ما يسوِّدُ وجوهَهم ويوجبُ عليهم اللعنةَ والمقتَ من العالمين. {وما كانوا مُنظَرين}؛ أي: ممهَلين عن العقوبة، بل اصطلمتْهم في الحال. {30 ـ 31} ثم امتنَّ تعالى على بني إسرائيلَ، فقال:{ولقد نَجَّيۡنا بني إسرائيلَ من العذابِ المهينِ}: الذي كانوا فيه {من فرعونَ}: إذ يذبحُ أبناءَهم ويستحيي نساءَهم، {إنَّه كان عالياً}؛ أي: مستكبراً في الأرض بغير الحقِّ، {من المسرفين}: المتجاوزين لحدودِ الله المتجرِّئين على محارمه. {32}{ولقد اختَرۡناهم}؛ أي: اصطفيناهم وانتَقَيْناهم {على علم}: منَّا بهم وباستحقاقهم لذلك الفضل {على العالَمين}؛ أي: عالمي زمانهم ومَنْ قبلهم وبعدَهم، حتى أتى اللهُ بأمة محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - ففضَلوا العالمينَ كلَّهم، وجعلهم الله خير أمَّة أخرجت للناس، وامتنَّ عليهم بما لم يمتنَّ به على غيرهم. {33}{وآتَيۡناهم}؛ أي: بني إسرائيل {من الآياتِ}: الباهرة والمعجزات الظاهرةِ {ما فيه بلاءٌ مبينٌ}؛ أي: إحسانٌ كثيرٌ ظاهرٌ منَّا عليهم وحجَّة عليهم على صحَّة ما جاءهم به نبيُّهم موسى عليه السلام.

الدخان 44:29

{17} لما ذكر تعالى تكذيبَ من كذَّب الرسول محمداً - صلى الله عليه وسلم -؛ ذكر أن لهم سلفاً من المكذِّبين، فذكر قصَّتهم مع موسى، وما أحلَّ الله بهم؛ ليرتدعَ هؤلاء المكذِّبون عن ما هم عليه، فقال:{ولقد فتنَّا قبلهم قوم فرعون}؛ أي: ابتليناهم واختبرناهم بإرسال رسولنا موسى بن عمران إليهم، الرسول الكريم الذي فيه من الكرم ومكارم الأخلاق ما ليس في غيره. {18}{أنۡ أدُّوا إليَّ عبادَ الله}؛ أي: قال لفرعون وملئهِ: أدُّوا إليَّ عباد الله؛ يعني بهم: بني إسرائيل؛ أي: أرسلوهم وأطلقوهم من عذابكم وسومكم إيَّاهم سوء العذاب؛ فإنَّهم عشيرتي وأفضل العالمين في زمانهم، وأنتم قد ظلمتُموهم واستعبدتُموهم بغير حقٍّ، فأرسلوهم ليعبدوا ربَّهم. {إنِّي لكم رسولٌ أمينٌ}؛ أي: رسول من ربِّ العالمين، أمينٌ على ما أرسلني به، لا أكتُمُكم منه شيئاً، ولا أزيد فيه ولا أنقُصُ، وهذا يوجبُ تمامَ الانقياد له. {19}{وأن لا تَعۡلوا على الله}: بالاستكبار عن عبادتِهِ والعلوِّ على عباد الله. {إنِّي آتيكُم بسلطانٍ مبينٍ}؛ أي: بحجَّة بيِّنةٍ ظاهرةٍ، وهو ما أتى به من المعجزات الباهرات والأدلَّة القاهرات. {20} فكذَّبوه وهمُّوا بقتله، فلجأ إلى الله من شرِّهم، فقال:{وإنِّي عذتُ بربِّي وربِّكم أن تَرۡجُمونِ}؛ أي: تقتلوني أشرَّ القِتلاتِ بالرجم بالحجارة. {21}{وإن لم تؤمنوا لي فاۡعَتِزلوِن}؛ أي: لكم ثلاث مراتب: الإيماُن بي، وهو مقصودي منكم. فإنْ لم تَحْصُل منكم هذه المرتبة؛ فاعتزلون لا عليَّ ولا لي؛ فاكفوني شرَّكم. فلم تحُصل منهم المرتبة الأولى ولا الثانية، بل لم يزالوا متمرِّدين عاتين على الله محاربين لنبيِّه موسى عليه السلام غير ممكِّنين له من قومه بني إسرائيل. {22}{فدعا ربَّه أنَّ هؤلاء قومٌ مجرمونَ}؛ أي: قد أجرموا جرماً يوجب تعجيل العقوبةِ، فأخبر عليه السلام بحالهم، وهذا دعاء بالحال التي هي أبلغ من المقال؛ كما قال عن نفسه عليه السلام:{ربِّ إنِّي لما أنزلتَ إليَّ من خيرٍ فقيرٌ}. {23} فأمره الله أن يسريَ بعباده ليلاً، وأخبره أنَّ فرعون وقومه سيتَّبِعونه. {24}{واتۡرُكِ البحرَ رهواً}؛ [أي: بحاله]، وذلك أنَّه لما سرى موسى ببني إسرائيل كما أمره الله، ثم تبعهم فرعونُ، فأمر الله موسى أن يضرِبَ البحر، فضربه، فصار اثني عشر طريقاً، وصار الماء من بين تلك الطرق كالجبال العظيمةِ، فسلكه موسى وقومُه، فلما خرجوا منه؛ أمره الله أن يترُكَه {رهواً}؛ أي: بحاله؛ ليسلُكَه فرعونُ وجنودُه. {إنَّهم جندٌ مغرَقون}: فلمَّا تكامل قومُ موسى خارجين منه وقومُ فرعونَ داخلينَ فيه؛ أمره الله تعالى أن يَلْتَطِمَ عليهم، فغرقوا عن آخرهم، وتركوا ما مُتِّعوا به من الحياة الدُّنيا، وأورثه الله بني إسرائيل الذين كانوا مستعبَدِين لهم. {25 ـ 28} ولهذا قال: {كم تركوا من جناتٍ وعيونٍ. وزروع ومقام كريم. ونعمةٍ كانوا فيها فاكهينَ. كذلك وأوۡرَثۡناها}؛ أي: هذه النعمة المذكورة {قوماً آخرينَ}. وفي الآية الأخرى:{كذلك وأوۡرَثۡناها بني إسرائيلَ}. {29}{فما بكتۡ عليهم السماءُ والأرضُ}؛ أي: لمَّا أتلفهم الله وأهلكهم لم تبكِ عليهم السماء والأرض؛ أي: لم يُحزنْ عليهم ولم يُؤس على فراقهم، بل كلٌّ استبشر بهلاكِهِم وتلفِهِم، حتى السماء والأرض؛ لأنَّهم ما خَلَّفوا من آثارِهم إلاَّ ما يسوِّدُ وجوهَهم ويوجبُ عليهم اللعنةَ والمقتَ من العالمين. {وما كانوا مُنظَرين}؛ أي: ممهَلين عن العقوبة، بل اصطلمتْهم في الحال. {30 ـ 31} ثم امتنَّ تعالى على بني إسرائيلَ، فقال:{ولقد نَجَّيۡنا بني إسرائيلَ من العذابِ المهينِ}: الذي كانوا فيه {من فرعونَ}: إذ يذبحُ أبناءَهم ويستحيي نساءَهم، {إنَّه كان عالياً}؛ أي: مستكبراً في الأرض بغير الحقِّ، {من المسرفين}: المتجاوزين لحدودِ الله المتجرِّئين على محارمه. {32}{ولقد اختَرۡناهم}؛ أي: اصطفيناهم وانتَقَيْناهم {على علم}: منَّا بهم وباستحقاقهم لذلك الفضل {على العالَمين}؛ أي: عالمي زمانهم ومَنْ قبلهم وبعدَهم، حتى أتى اللهُ بأمة محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - ففضَلوا العالمينَ كلَّهم، وجعلهم الله خير أمَّة أخرجت للناس، وامتنَّ عليهم بما لم يمتنَّ به على غيرهم. {33}{وآتَيۡناهم}؛ أي: بني إسرائيل {من الآياتِ}: الباهرة والمعجزات الظاهرةِ {ما فيه بلاءٌ مبينٌ}؛ أي: إحسانٌ كثيرٌ ظاهرٌ منَّا عليهم وحجَّة عليهم على صحَّة ما جاءهم به نبيُّهم موسى عليه السلام.

الدخان 44:30

{17} لما ذكر تعالى تكذيبَ من كذَّب الرسول محمداً - صلى الله عليه وسلم -؛ ذكر أن لهم سلفاً من المكذِّبين، فذكر قصَّتهم مع موسى، وما أحلَّ الله بهم؛ ليرتدعَ هؤلاء المكذِّبون عن ما هم عليه، فقال:{ولقد فتنَّا قبلهم قوم فرعون}؛ أي: ابتليناهم واختبرناهم بإرسال رسولنا موسى بن عمران إليهم، الرسول الكريم الذي فيه من الكرم ومكارم الأخلاق ما ليس في غيره. {18}{أنۡ أدُّوا إليَّ عبادَ الله}؛ أي: قال لفرعون وملئهِ: أدُّوا إليَّ عباد الله؛ يعني بهم: بني إسرائيل؛ أي: أرسلوهم وأطلقوهم من عذابكم وسومكم إيَّاهم سوء العذاب؛ فإنَّهم عشيرتي وأفضل العالمين في زمانهم، وأنتم قد ظلمتُموهم واستعبدتُموهم بغير حقٍّ، فأرسلوهم ليعبدوا ربَّهم. {إنِّي لكم رسولٌ أمينٌ}؛ أي: رسول من ربِّ العالمين، أمينٌ على ما أرسلني به، لا أكتُمُكم منه شيئاً، ولا أزيد فيه ولا أنقُصُ، وهذا يوجبُ تمامَ الانقياد له. {19}{وأن لا تَعۡلوا على الله}: بالاستكبار عن عبادتِهِ والعلوِّ على عباد الله. {إنِّي آتيكُم بسلطانٍ مبينٍ}؛ أي: بحجَّة بيِّنةٍ ظاهرةٍ، وهو ما أتى به من المعجزات الباهرات والأدلَّة القاهرات. {20} فكذَّبوه وهمُّوا بقتله، فلجأ إلى الله من شرِّهم، فقال:{وإنِّي عذتُ بربِّي وربِّكم أن تَرۡجُمونِ}؛ أي: تقتلوني أشرَّ القِتلاتِ بالرجم بالحجارة. {21}{وإن لم تؤمنوا لي فاۡعَتِزلوِن}؛ أي: لكم ثلاث مراتب: الإيماُن بي، وهو مقصودي منكم. فإنْ لم تَحْصُل منكم هذه المرتبة؛ فاعتزلون لا عليَّ ولا لي؛ فاكفوني شرَّكم. فلم تحُصل منهم المرتبة الأولى ولا الثانية، بل لم يزالوا متمرِّدين عاتين على الله محاربين لنبيِّه موسى عليه السلام غير ممكِّنين له من قومه بني إسرائيل. {22}{فدعا ربَّه أنَّ هؤلاء قومٌ مجرمونَ}؛ أي: قد أجرموا جرماً يوجب تعجيل العقوبةِ، فأخبر عليه السلام بحالهم، وهذا دعاء بالحال التي هي أبلغ من المقال؛ كما قال عن نفسه عليه السلام:{ربِّ إنِّي لما أنزلتَ إليَّ من خيرٍ فقيرٌ}. {23} فأمره الله أن يسريَ بعباده ليلاً، وأخبره أنَّ فرعون وقومه سيتَّبِعونه. {24}{واتۡرُكِ البحرَ رهواً}؛ [أي: بحاله]، وذلك أنَّه لما سرى موسى ببني إسرائيل كما أمره الله، ثم تبعهم فرعونُ، فأمر الله موسى أن يضرِبَ البحر، فضربه، فصار اثني عشر طريقاً، وصار الماء من بين تلك الطرق كالجبال العظيمةِ، فسلكه موسى وقومُه، فلما خرجوا منه؛ أمره الله أن يترُكَه {رهواً}؛ أي: بحاله؛ ليسلُكَه فرعونُ وجنودُه. {إنَّهم جندٌ مغرَقون}: فلمَّا تكامل قومُ موسى خارجين منه وقومُ فرعونَ داخلينَ فيه؛ أمره الله تعالى أن يَلْتَطِمَ عليهم، فغرقوا عن آخرهم، وتركوا ما مُتِّعوا به من الحياة الدُّنيا، وأورثه الله بني إسرائيل الذين كانوا مستعبَدِين لهم. {25 ـ 28} ولهذا قال: {كم تركوا من جناتٍ وعيونٍ. وزروع ومقام كريم. ونعمةٍ كانوا فيها فاكهينَ. كذلك وأوۡرَثۡناها}؛ أي: هذه النعمة المذكورة {قوماً آخرينَ}. وفي الآية الأخرى:{كذلك وأوۡرَثۡناها بني إسرائيلَ}. {29}{فما بكتۡ عليهم السماءُ والأرضُ}؛ أي: لمَّا أتلفهم الله وأهلكهم لم تبكِ عليهم السماء والأرض؛ أي: لم يُحزنْ عليهم ولم يُؤس على فراقهم، بل كلٌّ استبشر بهلاكِهِم وتلفِهِم، حتى السماء والأرض؛ لأنَّهم ما خَلَّفوا من آثارِهم إلاَّ ما يسوِّدُ وجوهَهم ويوجبُ عليهم اللعنةَ والمقتَ من العالمين. {وما كانوا مُنظَرين}؛ أي: ممهَلين عن العقوبة، بل اصطلمتْهم في الحال. {30 ـ 31} ثم امتنَّ تعالى على بني إسرائيلَ، فقال:{ولقد نَجَّيۡنا بني إسرائيلَ من العذابِ المهينِ}: الذي كانوا فيه {من فرعونَ}: إذ يذبحُ أبناءَهم ويستحيي نساءَهم، {إنَّه كان عالياً}؛ أي: مستكبراً في الأرض بغير الحقِّ، {من المسرفين}: المتجاوزين لحدودِ الله المتجرِّئين على محارمه. {32}{ولقد اختَرۡناهم}؛ أي: اصطفيناهم وانتَقَيْناهم {على علم}: منَّا بهم وباستحقاقهم لذلك الفضل {على العالَمين}؛ أي: عالمي زمانهم ومَنْ قبلهم وبعدَهم، حتى أتى اللهُ بأمة محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - ففضَلوا العالمينَ كلَّهم، وجعلهم الله خير أمَّة أخرجت للناس، وامتنَّ عليهم بما لم يمتنَّ به على غيرهم. {33}{وآتَيۡناهم}؛ أي: بني إسرائيل {من الآياتِ}: الباهرة والمعجزات الظاهرةِ {ما فيه بلاءٌ مبينٌ}؛ أي: إحسانٌ كثيرٌ ظاهرٌ منَّا عليهم وحجَّة عليهم على صحَّة ما جاءهم به نبيُّهم موسى عليه السلام.

الدخان 44:31

{17} لما ذكر تعالى تكذيبَ من كذَّب الرسول محمداً - صلى الله عليه وسلم -؛ ذكر أن لهم سلفاً من المكذِّبين، فذكر قصَّتهم مع موسى، وما أحلَّ الله بهم؛ ليرتدعَ هؤلاء المكذِّبون عن ما هم عليه، فقال:{ولقد فتنَّا قبلهم قوم فرعون}؛ أي: ابتليناهم واختبرناهم بإرسال رسولنا موسى بن عمران إليهم، الرسول الكريم الذي فيه من الكرم ومكارم الأخلاق ما ليس في غيره. {18}{أنۡ أدُّوا إليَّ عبادَ الله}؛ أي: قال لفرعون وملئهِ: أدُّوا إليَّ عباد الله؛ يعني بهم: بني إسرائيل؛ أي: أرسلوهم وأطلقوهم من عذابكم وسومكم إيَّاهم سوء العذاب؛ فإنَّهم عشيرتي وأفضل العالمين في زمانهم، وأنتم قد ظلمتُموهم واستعبدتُموهم بغير حقٍّ، فأرسلوهم ليعبدوا ربَّهم. {إنِّي لكم رسولٌ أمينٌ}؛ أي: رسول من ربِّ العالمين، أمينٌ على ما أرسلني به، لا أكتُمُكم منه شيئاً، ولا أزيد فيه ولا أنقُصُ، وهذا يوجبُ تمامَ الانقياد له. {19}{وأن لا تَعۡلوا على الله}: بالاستكبار عن عبادتِهِ والعلوِّ على عباد الله. {إنِّي آتيكُم بسلطانٍ مبينٍ}؛ أي: بحجَّة بيِّنةٍ ظاهرةٍ، وهو ما أتى به من المعجزات الباهرات والأدلَّة القاهرات. {20} فكذَّبوه وهمُّوا بقتله، فلجأ إلى الله من شرِّهم، فقال:{وإنِّي عذتُ بربِّي وربِّكم أن تَرۡجُمونِ}؛ أي: تقتلوني أشرَّ القِتلاتِ بالرجم بالحجارة. {21}{وإن لم تؤمنوا لي فاۡعَتِزلوِن}؛ أي: لكم ثلاث مراتب: الإيماُن بي، وهو مقصودي منكم. فإنْ لم تَحْصُل منكم هذه المرتبة؛ فاعتزلون لا عليَّ ولا لي؛ فاكفوني شرَّكم. فلم تحُصل منهم المرتبة الأولى ولا الثانية، بل لم يزالوا متمرِّدين عاتين على الله محاربين لنبيِّه موسى عليه السلام غير ممكِّنين له من قومه بني إسرائيل. {22}{فدعا ربَّه أنَّ هؤلاء قومٌ مجرمونَ}؛ أي: قد أجرموا جرماً يوجب تعجيل العقوبةِ، فأخبر عليه السلام بحالهم، وهذا دعاء بالحال التي هي أبلغ من المقال؛ كما قال عن نفسه عليه السلام:{ربِّ إنِّي لما أنزلتَ إليَّ من خيرٍ فقيرٌ}. {23} فأمره الله أن يسريَ بعباده ليلاً، وأخبره أنَّ فرعون وقومه سيتَّبِعونه. {24}{واتۡرُكِ البحرَ رهواً}؛ [أي: بحاله]، وذلك أنَّه لما سرى موسى ببني إسرائيل كما أمره الله، ثم تبعهم فرعونُ، فأمر الله موسى أن يضرِبَ البحر، فضربه، فصار اثني عشر طريقاً، وصار الماء من بين تلك الطرق كالجبال العظيمةِ، فسلكه موسى وقومُه، فلما خرجوا منه؛ أمره الله أن يترُكَه {رهواً}؛ أي: بحاله؛ ليسلُكَه فرعونُ وجنودُه. {إنَّهم جندٌ مغرَقون}: فلمَّا تكامل قومُ موسى خارجين منه وقومُ فرعونَ داخلينَ فيه؛ أمره الله تعالى أن يَلْتَطِمَ عليهم، فغرقوا عن آخرهم، وتركوا ما مُتِّعوا به من الحياة الدُّنيا، وأورثه الله بني إسرائيل الذين كانوا مستعبَدِين لهم. {25 ـ 28} ولهذا قال: {كم تركوا من جناتٍ وعيونٍ. وزروع ومقام كريم. ونعمةٍ كانوا فيها فاكهينَ. كذلك وأوۡرَثۡناها}؛ أي: هذه النعمة المذكورة {قوماً آخرينَ}. وفي الآية الأخرى:{كذلك وأوۡرَثۡناها بني إسرائيلَ}. {29}{فما بكتۡ عليهم السماءُ والأرضُ}؛ أي: لمَّا أتلفهم الله وأهلكهم لم تبكِ عليهم السماء والأرض؛ أي: لم يُحزنْ عليهم ولم يُؤس على فراقهم، بل كلٌّ استبشر بهلاكِهِم وتلفِهِم، حتى السماء والأرض؛ لأنَّهم ما خَلَّفوا من آثارِهم إلاَّ ما يسوِّدُ وجوهَهم ويوجبُ عليهم اللعنةَ والمقتَ من العالمين. {وما كانوا مُنظَرين}؛ أي: ممهَلين عن العقوبة، بل اصطلمتْهم في الحال. {30 ـ 31} ثم امتنَّ تعالى على بني إسرائيلَ، فقال:{ولقد نَجَّيۡنا بني إسرائيلَ من العذابِ المهينِ}: الذي كانوا فيه {من فرعونَ}: إذ يذبحُ أبناءَهم ويستحيي نساءَهم، {إنَّه كان عالياً}؛ أي: مستكبراً في الأرض بغير الحقِّ، {من المسرفين}: المتجاوزين لحدودِ الله المتجرِّئين على محارمه. {32}{ولقد اختَرۡناهم}؛ أي: اصطفيناهم وانتَقَيْناهم {على علم}: منَّا بهم وباستحقاقهم لذلك الفضل {على العالَمين}؛ أي: عالمي زمانهم ومَنْ قبلهم وبعدَهم، حتى أتى اللهُ بأمة محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - ففضَلوا العالمينَ كلَّهم، وجعلهم الله خير أمَّة أخرجت للناس، وامتنَّ عليهم بما لم يمتنَّ به على غيرهم. {33}{وآتَيۡناهم}؛ أي: بني إسرائيل {من الآياتِ}: الباهرة والمعجزات الظاهرةِ {ما فيه بلاءٌ مبينٌ}؛ أي: إحسانٌ كثيرٌ ظاهرٌ منَّا عليهم وحجَّة عليهم على صحَّة ما جاءهم به نبيُّهم موسى عليه السلام.

الدخان 44:32

{17} لما ذكر تعالى تكذيبَ من كذَّب الرسول محمداً - صلى الله عليه وسلم -؛ ذكر أن لهم سلفاً من المكذِّبين، فذكر قصَّتهم مع موسى، وما أحلَّ الله بهم؛ ليرتدعَ هؤلاء المكذِّبون عن ما هم عليه، فقال:{ولقد فتنَّا قبلهم قوم فرعون}؛ أي: ابتليناهم واختبرناهم بإرسال رسولنا موسى بن عمران إليهم، الرسول الكريم الذي فيه من الكرم ومكارم الأخلاق ما ليس في غيره. {18}{أنۡ أدُّوا إليَّ عبادَ الله}؛ أي: قال لفرعون وملئهِ: أدُّوا إليَّ عباد الله؛ يعني بهم: بني إسرائيل؛ أي: أرسلوهم وأطلقوهم من عذابكم وسومكم إيَّاهم سوء العذاب؛ فإنَّهم عشيرتي وأفضل العالمين في زمانهم، وأنتم قد ظلمتُموهم واستعبدتُموهم بغير حقٍّ، فأرسلوهم ليعبدوا ربَّهم. {إنِّي لكم رسولٌ أمينٌ}؛ أي: رسول من ربِّ العالمين، أمينٌ على ما أرسلني به، لا أكتُمُكم منه شيئاً، ولا أزيد فيه ولا أنقُصُ، وهذا يوجبُ تمامَ الانقياد له. {19}{وأن لا تَعۡلوا على الله}: بالاستكبار عن عبادتِهِ والعلوِّ على عباد الله. {إنِّي آتيكُم بسلطانٍ مبينٍ}؛ أي: بحجَّة بيِّنةٍ ظاهرةٍ، وهو ما أتى به من المعجزات الباهرات والأدلَّة القاهرات. {20} فكذَّبوه وهمُّوا بقتله، فلجأ إلى الله من شرِّهم، فقال:{وإنِّي عذتُ بربِّي وربِّكم أن تَرۡجُمونِ}؛ أي: تقتلوني أشرَّ القِتلاتِ بالرجم بالحجارة. {21}{وإن لم تؤمنوا لي فاۡعَتِزلوِن}؛ أي: لكم ثلاث مراتب: الإيماُن بي، وهو مقصودي منكم. فإنْ لم تَحْصُل منكم هذه المرتبة؛ فاعتزلون لا عليَّ ولا لي؛ فاكفوني شرَّكم. فلم تحُصل منهم المرتبة الأولى ولا الثانية، بل لم يزالوا متمرِّدين عاتين على الله محاربين لنبيِّه موسى عليه السلام غير ممكِّنين له من قومه بني إسرائيل. {22}{فدعا ربَّه أنَّ هؤلاء قومٌ مجرمونَ}؛ أي: قد أجرموا جرماً يوجب تعجيل العقوبةِ، فأخبر عليه السلام بحالهم، وهذا دعاء بالحال التي هي أبلغ من المقال؛ كما قال عن نفسه عليه السلام:{ربِّ إنِّي لما أنزلتَ إليَّ من خيرٍ فقيرٌ}. {23} فأمره الله أن يسريَ بعباده ليلاً، وأخبره أنَّ فرعون وقومه سيتَّبِعونه. {24}{واتۡرُكِ البحرَ رهواً}؛ [أي: بحاله]، وذلك أنَّه لما سرى موسى ببني إسرائيل كما أمره الله، ثم تبعهم فرعونُ، فأمر الله موسى أن يضرِبَ البحر، فضربه، فصار اثني عشر طريقاً، وصار الماء من بين تلك الطرق كالجبال العظيمةِ، فسلكه موسى وقومُه، فلما خرجوا منه؛ أمره الله أن يترُكَه {رهواً}؛ أي: بحاله؛ ليسلُكَه فرعونُ وجنودُه. {إنَّهم جندٌ مغرَقون}: فلمَّا تكامل قومُ موسى خارجين منه وقومُ فرعونَ داخلينَ فيه؛ أمره الله تعالى أن يَلْتَطِمَ عليهم، فغرقوا عن آخرهم، وتركوا ما مُتِّعوا به من الحياة الدُّنيا، وأورثه الله بني إسرائيل الذين كانوا مستعبَدِين لهم. {25 ـ 28} ولهذا قال: {كم تركوا من جناتٍ وعيونٍ. وزروع ومقام كريم. ونعمةٍ كانوا فيها فاكهينَ. كذلك وأوۡرَثۡناها}؛ أي: هذه النعمة المذكورة {قوماً آخرينَ}. وفي الآية الأخرى:{كذلك وأوۡرَثۡناها بني إسرائيلَ}. {29}{فما بكتۡ عليهم السماءُ والأرضُ}؛ أي: لمَّا أتلفهم الله وأهلكهم لم تبكِ عليهم السماء والأرض؛ أي: لم يُحزنْ عليهم ولم يُؤس على فراقهم، بل كلٌّ استبشر بهلاكِهِم وتلفِهِم، حتى السماء والأرض؛ لأنَّهم ما خَلَّفوا من آثارِهم إلاَّ ما يسوِّدُ وجوهَهم ويوجبُ عليهم اللعنةَ والمقتَ من العالمين. {وما كانوا مُنظَرين}؛ أي: ممهَلين عن العقوبة، بل اصطلمتْهم في الحال. {30 ـ 31} ثم امتنَّ تعالى على بني إسرائيلَ، فقال:{ولقد نَجَّيۡنا بني إسرائيلَ من العذابِ المهينِ}: الذي كانوا فيه {من فرعونَ}: إذ يذبحُ أبناءَهم ويستحيي نساءَهم، {إنَّه كان عالياً}؛ أي: مستكبراً في الأرض بغير الحقِّ، {من المسرفين}: المتجاوزين لحدودِ الله المتجرِّئين على محارمه. {32}{ولقد اختَرۡناهم}؛ أي: اصطفيناهم وانتَقَيْناهم {على علم}: منَّا بهم وباستحقاقهم لذلك الفضل {على العالَمين}؛ أي: عالمي زمانهم ومَنْ قبلهم وبعدَهم، حتى أتى اللهُ بأمة محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - ففضَلوا العالمينَ كلَّهم، وجعلهم الله خير أمَّة أخرجت للناس، وامتنَّ عليهم بما لم يمتنَّ به على غيرهم. {33}{وآتَيۡناهم}؛ أي: بني إسرائيل {من الآياتِ}: الباهرة والمعجزات الظاهرةِ {ما فيه بلاءٌ مبينٌ}؛ أي: إحسانٌ كثيرٌ ظاهرٌ منَّا عليهم وحجَّة عليهم على صحَّة ما جاءهم به نبيُّهم موسى عليه السلام.

الدخان 44:33

{17} لما ذكر تعالى تكذيبَ من كذَّب الرسول محمداً - صلى الله عليه وسلم -؛ ذكر أن لهم سلفاً من المكذِّبين، فذكر قصَّتهم مع موسى، وما أحلَّ الله بهم؛ ليرتدعَ هؤلاء المكذِّبون عن ما هم عليه، فقال:{ولقد فتنَّا قبلهم قوم فرعون}؛ أي: ابتليناهم واختبرناهم بإرسال رسولنا موسى بن عمران إليهم، الرسول الكريم الذي فيه من الكرم ومكارم الأخلاق ما ليس في غيره. {18}{أنۡ أدُّوا إليَّ عبادَ الله}؛ أي: قال لفرعون وملئهِ: أدُّوا إليَّ عباد الله؛ يعني بهم: بني إسرائيل؛ أي: أرسلوهم وأطلقوهم من عذابكم وسومكم إيَّاهم سوء العذاب؛ فإنَّهم عشيرتي وأفضل العالمين في زمانهم، وأنتم قد ظلمتُموهم واستعبدتُموهم بغير حقٍّ، فأرسلوهم ليعبدوا ربَّهم. {إنِّي لكم رسولٌ أمينٌ}؛ أي: رسول من ربِّ العالمين، أمينٌ على ما أرسلني به، لا أكتُمُكم منه شيئاً، ولا أزيد فيه ولا أنقُصُ، وهذا يوجبُ تمامَ الانقياد له. {19}{وأن لا تَعۡلوا على الله}: بالاستكبار عن عبادتِهِ والعلوِّ على عباد الله. {إنِّي آتيكُم بسلطانٍ مبينٍ}؛ أي: بحجَّة بيِّنةٍ ظاهرةٍ، وهو ما أتى به من المعجزات الباهرات والأدلَّة القاهرات. {20} فكذَّبوه وهمُّوا بقتله، فلجأ إلى الله من شرِّهم، فقال:{وإنِّي عذتُ بربِّي وربِّكم أن تَرۡجُمونِ}؛ أي: تقتلوني أشرَّ القِتلاتِ بالرجم بالحجارة. {21}{وإن لم تؤمنوا لي فاۡعَتِزلوِن}؛ أي: لكم ثلاث مراتب: الإيماُن بي، وهو مقصودي منكم. فإنْ لم تَحْصُل منكم هذه المرتبة؛ فاعتزلون لا عليَّ ولا لي؛ فاكفوني شرَّكم. فلم تحُصل منهم المرتبة الأولى ولا الثانية، بل لم يزالوا متمرِّدين عاتين على الله محاربين لنبيِّه موسى عليه السلام غير ممكِّنين له من قومه بني إسرائيل. {22}{فدعا ربَّه أنَّ هؤلاء قومٌ مجرمونَ}؛ أي: قد أجرموا جرماً يوجب تعجيل العقوبةِ، فأخبر عليه السلام بحالهم، وهذا دعاء بالحال التي هي أبلغ من المقال؛ كما قال عن نفسه عليه السلام:{ربِّ إنِّي لما أنزلتَ إليَّ من خيرٍ فقيرٌ}. {23} فأمره الله أن يسريَ بعباده ليلاً، وأخبره أنَّ فرعون وقومه سيتَّبِعونه. {24}{واتۡرُكِ البحرَ رهواً}؛ [أي: بحاله]، وذلك أنَّه لما سرى موسى ببني إسرائيل كما أمره الله، ثم تبعهم فرعونُ، فأمر الله موسى أن يضرِبَ البحر، فضربه، فصار اثني عشر طريقاً، وصار الماء من بين تلك الطرق كالجبال العظيمةِ، فسلكه موسى وقومُه، فلما خرجوا منه؛ أمره الله أن يترُكَه {رهواً}؛ أي: بحاله؛ ليسلُكَه فرعونُ وجنودُه. {إنَّهم جندٌ مغرَقون}: فلمَّا تكامل قومُ موسى خارجين منه وقومُ فرعونَ داخلينَ فيه؛ أمره الله تعالى أن يَلْتَطِمَ عليهم، فغرقوا عن آخرهم، وتركوا ما مُتِّعوا به من الحياة الدُّنيا، وأورثه الله بني إسرائيل الذين كانوا مستعبَدِين لهم. {25 ـ 28} ولهذا قال: {كم تركوا من جناتٍ وعيونٍ. وزروع ومقام كريم. ونعمةٍ كانوا فيها فاكهينَ. كذلك وأوۡرَثۡناها}؛ أي: هذه النعمة المذكورة {قوماً آخرينَ}. وفي الآية الأخرى:{كذلك وأوۡرَثۡناها بني إسرائيلَ}. {29}{فما بكتۡ عليهم السماءُ والأرضُ}؛ أي: لمَّا أتلفهم الله وأهلكهم لم تبكِ عليهم السماء والأرض؛ أي: لم يُحزنْ عليهم ولم يُؤس على فراقهم، بل كلٌّ استبشر بهلاكِهِم وتلفِهِم، حتى السماء والأرض؛ لأنَّهم ما خَلَّفوا من آثارِهم إلاَّ ما يسوِّدُ وجوهَهم ويوجبُ عليهم اللعنةَ والمقتَ من العالمين. {وما كانوا مُنظَرين}؛ أي: ممهَلين عن العقوبة، بل اصطلمتْهم في الحال. {30 ـ 31} ثم امتنَّ تعالى على بني إسرائيلَ، فقال:{ولقد نَجَّيۡنا بني إسرائيلَ من العذابِ المهينِ}: الذي كانوا فيه {من فرعونَ}: إذ يذبحُ أبناءَهم ويستحيي نساءَهم، {إنَّه كان عالياً}؛ أي: مستكبراً في الأرض بغير الحقِّ، {من المسرفين}: المتجاوزين لحدودِ الله المتجرِّئين على محارمه. {32}{ولقد اختَرۡناهم}؛ أي: اصطفيناهم وانتَقَيْناهم {على علم}: منَّا بهم وباستحقاقهم لذلك الفضل {على العالَمين}؛ أي: عالمي زمانهم ومَنْ قبلهم وبعدَهم، حتى أتى اللهُ بأمة محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - ففضَلوا العالمينَ كلَّهم، وجعلهم الله خير أمَّة أخرجت للناس، وامتنَّ عليهم بما لم يمتنَّ به على غيرهم. {33}{وآتَيۡناهم}؛ أي: بني إسرائيل {من الآياتِ}: الباهرة والمعجزات الظاهرةِ {ما فيه بلاءٌ مبينٌ}؛ أي: إحسانٌ كثيرٌ ظاهرٌ منَّا عليهم وحجَّة عليهم على صحَّة ما جاءهم به نبيُّهم موسى عليه السلام.

الدخان 44:34

{34 ـ 35} يخبر تعالى {إنَّ هؤلاء}: المكذِّبين، يقولون: مستبعِدين للبعث والنُّشور: {إنۡ هي إلاَّ موتَتُنا الأولى وما نحنُ بمُنشَرينَ}؛ أي: ما هي إلاَّ الحياة الدُّنيا؛ فلا بعثَ ولا نشورَ، ولا جنةَ ولا نارَ. {36} ثم قالوا متجرِّئين على ربِّهم معجزين له: {فأتوا بآبائِنا إن كنتُم صادقينَ}: وهذا من اقتراح الجَهَلَةِ المعانِدين في مكان سحيقٍ؛ فأيُّ ملازمة بين صدق الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأنَّه متوقِّف على الإتيان بآبائهم؛ فإنَّ الآيات قد قامت على صدِق ما جاءهم به وتواترتْ تواتراً عظيماً من كلِّ وجه؟! {37} قال تعالى: {أهم خيرٌ}؛ أي: هؤلاء المخاطبون، {أم قومُ تُبَّع والذين من قبلِهِم أهۡلَكۡناهم إنَّهم كانوا مجرمين}؟ فإنَّهم ليسوا خيراً منهم، وقد اشتركوا في الإجرام؛ فليتوقَّعوا من الهلاك ما أصاب إخوانهم المجرمين.

الدخان 44:35

{34 ـ 35} يخبر تعالى {إنَّ هؤلاء}: المكذِّبين، يقولون: مستبعِدين للبعث والنُّشور: {إنۡ هي إلاَّ موتَتُنا الأولى وما نحنُ بمُنشَرينَ}؛ أي: ما هي إلاَّ الحياة الدُّنيا؛ فلا بعثَ ولا نشورَ، ولا جنةَ ولا نارَ. {36} ثم قالوا متجرِّئين على ربِّهم معجزين له: {فأتوا بآبائِنا إن كنتُم صادقينَ}: وهذا من اقتراح الجَهَلَةِ المعانِدين في مكان سحيقٍ؛ فأيُّ ملازمة بين صدق الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأنَّه متوقِّف على الإتيان بآبائهم؛ فإنَّ الآيات قد قامت على صدِق ما جاءهم به وتواترتْ تواتراً عظيماً من كلِّ وجه؟! {37} قال تعالى: {أهم خيرٌ}؛ أي: هؤلاء المخاطبون، {أم قومُ تُبَّع والذين من قبلِهِم أهۡلَكۡناهم إنَّهم كانوا مجرمين}؟ فإنَّهم ليسوا خيراً منهم، وقد اشتركوا في الإجرام؛ فليتوقَّعوا من الهلاك ما أصاب إخوانهم المجرمين.

الدخان 44:36

{34 ـ 35} يخبر تعالى {إنَّ هؤلاء}: المكذِّبين، يقولون: مستبعِدين للبعث والنُّشور: {إنۡ هي إلاَّ موتَتُنا الأولى وما نحنُ بمُنشَرينَ}؛ أي: ما هي إلاَّ الحياة الدُّنيا؛ فلا بعثَ ولا نشورَ، ولا جنةَ ولا نارَ. {36} ثم قالوا متجرِّئين على ربِّهم معجزين له: {فأتوا بآبائِنا إن كنتُم صادقينَ}: وهذا من اقتراح الجَهَلَةِ المعانِدين في مكان سحيقٍ؛ فأيُّ ملازمة بين صدق الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأنَّه متوقِّف على الإتيان بآبائهم؛ فإنَّ الآيات قد قامت على صدِق ما جاءهم به وتواترتْ تواتراً عظيماً من كلِّ وجه؟! {37} قال تعالى: {أهم خيرٌ}؛ أي: هؤلاء المخاطبون، {أم قومُ تُبَّع والذين من قبلِهِم أهۡلَكۡناهم إنَّهم كانوا مجرمين}؟ فإنَّهم ليسوا خيراً منهم، وقد اشتركوا في الإجرام؛ فليتوقَّعوا من الهلاك ما أصاب إخوانهم المجرمين.

الدخان 44:37

{34 ـ 35} يخبر تعالى {إنَّ هؤلاء}: المكذِّبين، يقولون: مستبعِدين للبعث والنُّشور: {إنۡ هي إلاَّ موتَتُنا الأولى وما نحنُ بمُنشَرينَ}؛ أي: ما هي إلاَّ الحياة الدُّنيا؛ فلا بعثَ ولا نشورَ، ولا جنةَ ولا نارَ. {36} ثم قالوا متجرِّئين على ربِّهم معجزين له: {فأتوا بآبائِنا إن كنتُم صادقينَ}: وهذا من اقتراح الجَهَلَةِ المعانِدين في مكان سحيقٍ؛ فأيُّ ملازمة بين صدق الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأنَّه متوقِّف على الإتيان بآبائهم؛ فإنَّ الآيات قد قامت على صدِق ما جاءهم به وتواترتْ تواتراً عظيماً من كلِّ وجه؟! {37} قال تعالى: {أهم خيرٌ}؛ أي: هؤلاء المخاطبون، {أم قومُ تُبَّع والذين من قبلِهِم أهۡلَكۡناهم إنَّهم كانوا مجرمين}؟ فإنَّهم ليسوا خيراً منهم، وقد اشتركوا في الإجرام؛ فليتوقَّعوا من الهلاك ما أصاب إخوانهم المجرمين.

الدخان 44:38

{38 ـ 39} يخبر تعالى عن كمال قدرتِهِ وتمام حكمتِهِ، وأنَّه ما خَلَقَ السماواتِ والأرض لاعباً، ولا لهواً، وسدىً من غير فائدة، وأنَّه ما خلقهما {إلاَّ بالحقِّ}؛ أي: نفسُ خلقهما بالحقِّ، وخلقُهما مشتملٌ على الحقِّ، وأنه أوجدهما لِيَعبدوه وحدَه لا شريك له، وليأمر العبادَ وينهاهم ويثيبَهم ويعاقِبَهم. {ولكنَّ أكثرَهم لا يعلمونَ}؛ فلذلك لم يتفكَّروا في خَلْقِ السماواتِ والأرض. {40}{إنَّ يوم الفصل}: وهو يوم القيامة، الذي يفصِلُ الله به بين الأولين والآخرين وبين كل مختلفين، {ميقاتُهم}؛ أي: الخلائق {أجمعين}: كلُّهم سيجمعُهم الله فيه، ويحضِرُهم ويحضِرُ أعمالهم، ويكون الجزاء عليها. {41} لا ينفع {مولى عن مولى شيئاً}: لا قريب عن قريبه، ولا صديق عن صديقه، {ولا هم يُنصَرونَ}؛ أي: يمنعون من عذاب الله عزَّ وجلَّ؛ لأنَّ أحداً من الخلق لا يملك من الأمر شيئاً. {42}{إلاَّ مَن رَحِمَ اللهُ إنَّه هو العزيزُ الرحيمُ}: فإنَّه هو الذي ينتفع ويرتفع برحمةِ الله تعالى التي تسبَّب إليها، وسعى لها سعيها في الدنيا. ثم قال تعالى:

الدخان 44:39

{38 ـ 39} يخبر تعالى عن كمال قدرتِهِ وتمام حكمتِهِ، وأنَّه ما خَلَقَ السماواتِ والأرض لاعباً، ولا لهواً، وسدىً من غير فائدة، وأنَّه ما خلقهما {إلاَّ بالحقِّ}؛ أي: نفسُ خلقهما بالحقِّ، وخلقُهما مشتملٌ على الحقِّ، وأنه أوجدهما لِيَعبدوه وحدَه لا شريك له، وليأمر العبادَ وينهاهم ويثيبَهم ويعاقِبَهم. {ولكنَّ أكثرَهم لا يعلمونَ}؛ فلذلك لم يتفكَّروا في خَلْقِ السماواتِ والأرض. {40}{إنَّ يوم الفصل}: وهو يوم القيامة، الذي يفصِلُ الله به بين الأولين والآخرين وبين كل مختلفين، {ميقاتُهم}؛ أي: الخلائق {أجمعين}: كلُّهم سيجمعُهم الله فيه، ويحضِرُهم ويحضِرُ أعمالهم، ويكون الجزاء عليها. {41} لا ينفع {مولى عن مولى شيئاً}: لا قريب عن قريبه، ولا صديق عن صديقه، {ولا هم يُنصَرونَ}؛ أي: يمنعون من عذاب الله عزَّ وجلَّ؛ لأنَّ أحداً من الخلق لا يملك من الأمر شيئاً. {42}{إلاَّ مَن رَحِمَ اللهُ إنَّه هو العزيزُ الرحيمُ}: فإنَّه هو الذي ينتفع ويرتفع برحمةِ الله تعالى التي تسبَّب إليها، وسعى لها سعيها في الدنيا. ثم قال تعالى:

الدخان 44:40

{38 ـ 39} يخبر تعالى عن كمال قدرتِهِ وتمام حكمتِهِ، وأنَّه ما خَلَقَ السماواتِ والأرض لاعباً، ولا لهواً، وسدىً من غير فائدة، وأنَّه ما خلقهما {إلاَّ بالحقِّ}؛ أي: نفسُ خلقهما بالحقِّ، وخلقُهما مشتملٌ على الحقِّ، وأنه أوجدهما لِيَعبدوه وحدَه لا شريك له، وليأمر العبادَ وينهاهم ويثيبَهم ويعاقِبَهم. {ولكنَّ أكثرَهم لا يعلمونَ}؛ فلذلك لم يتفكَّروا في خَلْقِ السماواتِ والأرض. {40}{إنَّ يوم الفصل}: وهو يوم القيامة، الذي يفصِلُ الله به بين الأولين والآخرين وبين كل مختلفين، {ميقاتُهم}؛ أي: الخلائق {أجمعين}: كلُّهم سيجمعُهم الله فيه، ويحضِرُهم ويحضِرُ أعمالهم، ويكون الجزاء عليها. {41} لا ينفع {مولى عن مولى شيئاً}: لا قريب عن قريبه، ولا صديق عن صديقه، {ولا هم يُنصَرونَ}؛ أي: يمنعون من عذاب الله عزَّ وجلَّ؛ لأنَّ أحداً من الخلق لا يملك من الأمر شيئاً. {42}{إلاَّ مَن رَحِمَ اللهُ إنَّه هو العزيزُ الرحيمُ}: فإنَّه هو الذي ينتفع ويرتفع برحمةِ الله تعالى التي تسبَّب إليها، وسعى لها سعيها في الدنيا. ثم قال تعالى:

الدخان 44:41

{38 ـ 39} يخبر تعالى عن كمال قدرتِهِ وتمام حكمتِهِ، وأنَّه ما خَلَقَ السماواتِ والأرض لاعباً، ولا لهواً، وسدىً من غير فائدة، وأنَّه ما خلقهما {إلاَّ بالحقِّ}؛ أي: نفسُ خلقهما بالحقِّ، وخلقُهما مشتملٌ على الحقِّ، وأنه أوجدهما لِيَعبدوه وحدَه لا شريك له، وليأمر العبادَ وينهاهم ويثيبَهم ويعاقِبَهم. {ولكنَّ أكثرَهم لا يعلمونَ}؛ فلذلك لم يتفكَّروا في خَلْقِ السماواتِ والأرض. {40}{إنَّ يوم الفصل}: وهو يوم القيامة، الذي يفصِلُ الله به بين الأولين والآخرين وبين كل مختلفين، {ميقاتُهم}؛ أي: الخلائق {أجمعين}: كلُّهم سيجمعُهم الله فيه، ويحضِرُهم ويحضِرُ أعمالهم، ويكون الجزاء عليها. {41} لا ينفع {مولى عن مولى شيئاً}: لا قريب عن قريبه، ولا صديق عن صديقه، {ولا هم يُنصَرونَ}؛ أي: يمنعون من عذاب الله عزَّ وجلَّ؛ لأنَّ أحداً من الخلق لا يملك من الأمر شيئاً. {42}{إلاَّ مَن رَحِمَ اللهُ إنَّه هو العزيزُ الرحيمُ}: فإنَّه هو الذي ينتفع ويرتفع برحمةِ الله تعالى التي تسبَّب إليها، وسعى لها سعيها في الدنيا. ثم قال تعالى:

الدخان 44:42

{38 ـ 39} يخبر تعالى عن كمال قدرتِهِ وتمام حكمتِهِ، وأنَّه ما خَلَقَ السماواتِ والأرض لاعباً، ولا لهواً، وسدىً من غير فائدة، وأنَّه ما خلقهما {إلاَّ بالحقِّ}؛ أي: نفسُ خلقهما بالحقِّ، وخلقُهما مشتملٌ على الحقِّ، وأنه أوجدهما لِيَعبدوه وحدَه لا شريك له، وليأمر العبادَ وينهاهم ويثيبَهم ويعاقِبَهم. {ولكنَّ أكثرَهم لا يعلمونَ}؛ فلذلك لم يتفكَّروا في خَلْقِ السماواتِ والأرض. {40}{إنَّ يوم الفصل}: وهو يوم القيامة، الذي يفصِلُ الله به بين الأولين والآخرين وبين كل مختلفين، {ميقاتُهم}؛ أي: الخلائق {أجمعين}: كلُّهم سيجمعُهم الله فيه، ويحضِرُهم ويحضِرُ أعمالهم، ويكون الجزاء عليها. {41} لا ينفع {مولى عن مولى شيئاً}: لا قريب عن قريبه، ولا صديق عن صديقه، {ولا هم يُنصَرونَ}؛ أي: يمنعون من عذاب الله عزَّ وجلَّ؛ لأنَّ أحداً من الخلق لا يملك من الأمر شيئاً. {42}{إلاَّ مَن رَحِمَ اللهُ إنَّه هو العزيزُ الرحيمُ}: فإنَّه هو الذي ينتفع ويرتفع برحمةِ الله تعالى التي تسبَّب إليها، وسعى لها سعيها في الدنيا. ثم قال تعالى:

الدخان 44:43

{43 ـ 50} لما ذَكَرَ يوم القيامة، وأنه يفصِلُ بين عباده فيه؛ ذَكَرَ افتراقهم إلى فريقين: فريقٍ في الجنة، وفريقٍ في السعير، وهم الآثمون بعمل الكفر والمعاصي، وأنَّ طعامهم {شجرة الزَّقُّوم}: شرُّ الأشجار وأفظعُها، وأنَّ طعامها {كالمهل}؛ أي: كالصديد المنتن خبيث الريح والطعم شديد الحرارة، {يَغۡلي في} بطونهم {كغَلۡي الحميم}، ويُقال للمعذَّب:{ذُقۡ}: هذا العذاب الأليم والعقاب الوخيم، {إنَّك أنتَ العزيزُ الكريمُ}؛ أي: بزعمك أنك عزيزٌ ستمتنع من عذاب الله، وأنك كريم على الله لا يصيبُك بعذابٍ؛ فاليوم تبيَّن لك أنَّك أنت الذَّليل المهان الخسيس. {إنَّ هذا} العذاب العظيم، {ما كنتُم به تمترونَ}؛ أي: تشكُّون؛ فالآن صار عندكم حقَّ اليقين.

الدخان 44:44

{43 ـ 50} لما ذَكَرَ يوم القيامة، وأنه يفصِلُ بين عباده فيه؛ ذَكَرَ افتراقهم إلى فريقين: فريقٍ في الجنة، وفريقٍ في السعير، وهم الآثمون بعمل الكفر والمعاصي، وأنَّ طعامهم {شجرة الزَّقُّوم}: شرُّ الأشجار وأفظعُها، وأنَّ طعامها {كالمهل}؛ أي: كالصديد المنتن خبيث الريح والطعم شديد الحرارة، {يَغۡلي في} بطونهم {كغَلۡي الحميم}، ويُقال للمعذَّب:{ذُقۡ}: هذا العذاب الأليم والعقاب الوخيم، {إنَّك أنتَ العزيزُ الكريمُ}؛ أي: بزعمك أنك عزيزٌ ستمتنع من عذاب الله، وأنك كريم على الله لا يصيبُك بعذابٍ؛ فاليوم تبيَّن لك أنَّك أنت الذَّليل المهان الخسيس. {إنَّ هذا} العذاب العظيم، {ما كنتُم به تمترونَ}؛ أي: تشكُّون؛ فالآن صار عندكم حقَّ اليقين.

الدخان 44:45

{43 ـ 50} لما ذَكَرَ يوم القيامة، وأنه يفصِلُ بين عباده فيه؛ ذَكَرَ افتراقهم إلى فريقين: فريقٍ في الجنة، وفريقٍ في السعير، وهم الآثمون بعمل الكفر والمعاصي، وأنَّ طعامهم {شجرة الزَّقُّوم}: شرُّ الأشجار وأفظعُها، وأنَّ طعامها {كالمهل}؛ أي: كالصديد المنتن خبيث الريح والطعم شديد الحرارة، {يَغۡلي في} بطونهم {كغَلۡي الحميم}، ويُقال للمعذَّب:{ذُقۡ}: هذا العذاب الأليم والعقاب الوخيم، {إنَّك أنتَ العزيزُ الكريمُ}؛ أي: بزعمك أنك عزيزٌ ستمتنع من عذاب الله، وأنك كريم على الله لا يصيبُك بعذابٍ؛ فاليوم تبيَّن لك أنَّك أنت الذَّليل المهان الخسيس. {إنَّ هذا} العذاب العظيم، {ما كنتُم به تمترونَ}؛ أي: تشكُّون؛ فالآن صار عندكم حقَّ اليقين.

الدخان 44:46

{43 ـ 50} لما ذَكَرَ يوم القيامة، وأنه يفصِلُ بين عباده فيه؛ ذَكَرَ افتراقهم إلى فريقين: فريقٍ في الجنة، وفريقٍ في السعير، وهم الآثمون بعمل الكفر والمعاصي، وأنَّ طعامهم {شجرة الزَّقُّوم}: شرُّ الأشجار وأفظعُها، وأنَّ طعامها {كالمهل}؛ أي: كالصديد المنتن خبيث الريح والطعم شديد الحرارة، {يَغۡلي في} بطونهم {كغَلۡي الحميم}، ويُقال للمعذَّب:{ذُقۡ}: هذا العذاب الأليم والعقاب الوخيم، {إنَّك أنتَ العزيزُ الكريمُ}؛ أي: بزعمك أنك عزيزٌ ستمتنع من عذاب الله، وأنك كريم على الله لا يصيبُك بعذابٍ؛ فاليوم تبيَّن لك أنَّك أنت الذَّليل المهان الخسيس. {إنَّ هذا} العذاب العظيم، {ما كنتُم به تمترونَ}؛ أي: تشكُّون؛ فالآن صار عندكم حقَّ اليقين.

الدخان 44:47

{43 ـ 50} لما ذَكَرَ يوم القيامة، وأنه يفصِلُ بين عباده فيه؛ ذَكَرَ افتراقهم إلى فريقين: فريقٍ في الجنة، وفريقٍ في السعير، وهم الآثمون بعمل الكفر والمعاصي، وأنَّ طعامهم {شجرة الزَّقُّوم}: شرُّ الأشجار وأفظعُها، وأنَّ طعامها {كالمهل}؛ أي: كالصديد المنتن خبيث الريح والطعم شديد الحرارة، {يَغۡلي في} بطونهم {كغَلۡي الحميم}، ويُقال للمعذَّب:{ذُقۡ}: هذا العذاب الأليم والعقاب الوخيم، {إنَّك أنتَ العزيزُ الكريمُ}؛ أي: بزعمك أنك عزيزٌ ستمتنع من عذاب الله، وأنك كريم على الله لا يصيبُك بعذابٍ؛ فاليوم تبيَّن لك أنَّك أنت الذَّليل المهان الخسيس. {إنَّ هذا} العذاب العظيم، {ما كنتُم به تمترونَ}؛ أي: تشكُّون؛ فالآن صار عندكم حقَّ اليقين.

الدخان 44:48

{43 ـ 50} لما ذَكَرَ يوم القيامة، وأنه يفصِلُ بين عباده فيه؛ ذَكَرَ افتراقهم إلى فريقين: فريقٍ في الجنة، وفريقٍ في السعير، وهم الآثمون بعمل الكفر والمعاصي، وأنَّ طعامهم {شجرة الزَّقُّوم}: شرُّ الأشجار وأفظعُها، وأنَّ طعامها {كالمهل}؛ أي: كالصديد المنتن خبيث الريح والطعم شديد الحرارة، {يَغۡلي في} بطونهم {كغَلۡي الحميم}، ويُقال للمعذَّب:{ذُقۡ}: هذا العذاب الأليم والعقاب الوخيم، {إنَّك أنتَ العزيزُ الكريمُ}؛ أي: بزعمك أنك عزيزٌ ستمتنع من عذاب الله، وأنك كريم على الله لا يصيبُك بعذابٍ؛ فاليوم تبيَّن لك أنَّك أنت الذَّليل المهان الخسيس. {إنَّ هذا} العذاب العظيم، {ما كنتُم به تمترونَ}؛ أي: تشكُّون؛ فالآن صار عندكم حقَّ اليقين.

الدخان 44:49

{43 ـ 50} لما ذَكَرَ يوم القيامة، وأنه يفصِلُ بين عباده فيه؛ ذَكَرَ افتراقهم إلى فريقين: فريقٍ في الجنة، وفريقٍ في السعير، وهم الآثمون بعمل الكفر والمعاصي، وأنَّ طعامهم {شجرة الزَّقُّوم}: شرُّ الأشجار وأفظعُها، وأنَّ طعامها {كالمهل}؛ أي: كالصديد المنتن خبيث الريح والطعم شديد الحرارة، {يَغۡلي في} بطونهم {كغَلۡي الحميم}، ويُقال للمعذَّب:{ذُقۡ}: هذا العذاب الأليم والعقاب الوخيم، {إنَّك أنتَ العزيزُ الكريمُ}؛ أي: بزعمك أنك عزيزٌ ستمتنع من عذاب الله، وأنك كريم على الله لا يصيبُك بعذابٍ؛ فاليوم تبيَّن لك أنَّك أنت الذَّليل المهان الخسيس. {إنَّ هذا} العذاب العظيم، {ما كنتُم به تمترونَ}؛ أي: تشكُّون؛ فالآن صار عندكم حقَّ اليقين.

الدخان 44:50

{43 ـ 50} لما ذَكَرَ يوم القيامة، وأنه يفصِلُ بين عباده فيه؛ ذَكَرَ افتراقهم إلى فريقين: فريقٍ في الجنة، وفريقٍ في السعير، وهم الآثمون بعمل الكفر والمعاصي، وأنَّ طعامهم {شجرة الزَّقُّوم}: شرُّ الأشجار وأفظعُها، وأنَّ طعامها {كالمهل}؛ أي: كالصديد المنتن خبيث الريح والطعم شديد الحرارة، {يَغۡلي في} بطونهم {كغَلۡي الحميم}، ويُقال للمعذَّب:{ذُقۡ}: هذا العذاب الأليم والعقاب الوخيم، {إنَّك أنتَ العزيزُ الكريمُ}؛ أي: بزعمك أنك عزيزٌ ستمتنع من عذاب الله، وأنك كريم على الله لا يصيبُك بعذابٍ؛ فاليوم تبيَّن لك أنَّك أنت الذَّليل المهان الخسيس. {إنَّ هذا} العذاب العظيم، {ما كنتُم به تمترونَ}؛ أي: تشكُّون؛ فالآن صار عندكم حقَّ اليقين.

الدخان 44:51

{51 ـ 53} هذا جزاءُ المتَّقين لله، الذي اتَّقوا سَخَطه وعذابه بتركهم المعاصي وفعلهم الطاعات، فلمَّا انتفى السخط عنهم والعذابُ؛ ثبت لهم الرِّضا من الله والثواب العظيم في ظلٍّ ظليل من كثرة الأشجار والفواكه، وعيونٍ سارحةٍ تجري من تحتهم الأنهار يفجِّرونها تفجيراً، في جنات النعيم، فأضاف الجناتِ إلى النعيم؛ لأن كُلَّ ما اشتملت عليه، كله نعيمٌ وسرورٌ كامل من كلِّ وجهٍ، ما فيه منغصٌ ولا مكدرٌ بوجه من الوجوه، ولباسُهم من الحرير الأخضر من السندس والإستبرق؛ أي: غليظ الحرير ورقيقه ممَّا تشتهيهُ أنفسُهم، {متقابلين}: في قلوبهم ووجوههم في كمال الراحة والطمأنينة والمحبَّة والعشرة الحسنة والآداب المستحسنة. {54}{كذلك}: النعيم التام والسرور الكامل، {وزوَّجۡناهم بحورٍ} ؛ أي: نساء جميلات من جمالهنَّ وحسنهنَّ أنَّه يَحارُ الطرفُ في حسنهنَّ، وينبهر العقل بجمالهنَّ وينخلبُ اللبُّ لكمالهن، {عينٍ}؛ أي: ضخام الأعين حسانها. {55}{يَدۡعون فيها}: أي: الجنة {بكلِّ فاكهةٍ}: مما له اسمٌ في الدُّنيا ومما لا يوجدُ له اسمٌ ولا نظير في الدنيا؛ فمهما طلبوه من أنواع الفاكهة وأجناسها؛ أحضر لهم في الحال من غير تعبٍ ولا كلفةٍ، آمنين من انقطاع ذلك، وآمنين من مضرَّته، وآمنين من كلِّ مكدِّر، وآمنين من الخروج منها والموت. {56} ولهذا قال: {لا يذوقون فيها الموتَ إلاَّ الموتةَ الأولى}؛ أي: ليس فيها موتٌ بالكلِّية، ولو كان فيها موتٌ يُستثنى؛ لم يستثنِ الموتةَ الأولى التي هي الموتة في الدنيا، فتمَّ لهم كلُّ محبوب مطلوب، {ووقاهم عذابَ الجحيم}. {57}{فضلاً من ربِّك}؛ أي: حصول النعيم واندفاع العذاب عنهم من فضل الله عليهم وكرمِهِ؛ فإنَّه تعالى هو الذي وفَّقهم للأعمال الصالحة، التي بها نالوا خير الآخرة وأعطاهم أيضاً ما لمْ تبلُغْه أعمالُهم. {ذلك هو الفوزُ العظيمُ}: وأيُّ فوزٍ أعظمُ من نيل رضوان الله وجنَّته والسلامة من عذابه وسخطِهِ. {58}{فإنما يَسَّرۡناه}؛ أي: القرآن {بلسانِكَ}؛ أي: سهَّلْناه بلسانك الذي هو أفصحُ الألسنةِ على الإطلاق وأجلُّها، فتيسر به لفظه، وتيسر به معناه، {لعلَّهم يتذكَّرون}: ما فيه نفعُهم فيفعلونَه، وما فيه ضررُهم فيترُكونه. {59}{فارتَقِبۡ}؛ أي: انتظرْ ما وعدك ربُّك من الخير والنصر. {إنَّهم مرتقبونَ}: ما يحلُّ بهم من العذاب، وفرقٌ بين الارتقابين: رسول الله وأتباعه يرتقبون الخير في الدُّنيا والآخرة، وضدُّهم يرتقبون الشرَّ في الدُّنيا والآخرة. تم تفسير سورة الدخان. ولله الحمد والمنة. * * *

الدخان 44:52

{51 ـ 53} هذا جزاءُ المتَّقين لله، الذي اتَّقوا سَخَطه وعذابه بتركهم المعاصي وفعلهم الطاعات، فلمَّا انتفى السخط عنهم والعذابُ؛ ثبت لهم الرِّضا من الله والثواب العظيم في ظلٍّ ظليل من كثرة الأشجار والفواكه، وعيونٍ سارحةٍ تجري من تحتهم الأنهار يفجِّرونها تفجيراً، في جنات النعيم، فأضاف الجناتِ إلى النعيم؛ لأن كُلَّ ما اشتملت عليه، كله نعيمٌ وسرورٌ كامل من كلِّ وجهٍ، ما فيه منغصٌ ولا مكدرٌ بوجه من الوجوه، ولباسُهم من الحرير الأخضر من السندس والإستبرق؛ أي: غليظ الحرير ورقيقه ممَّا تشتهيهُ أنفسُهم، {متقابلين}: في قلوبهم ووجوههم في كمال الراحة والطمأنينة والمحبَّة والعشرة الحسنة والآداب المستحسنة. {54}{كذلك}: النعيم التام والسرور الكامل، {وزوَّجۡناهم بحورٍ} ؛ أي: نساء جميلات من جمالهنَّ وحسنهنَّ أنَّه يَحارُ الطرفُ في حسنهنَّ، وينبهر العقل بجمالهنَّ وينخلبُ اللبُّ لكمالهن، {عينٍ}؛ أي: ضخام الأعين حسانها. {55}{يَدۡعون فيها}: أي: الجنة {بكلِّ فاكهةٍ}: مما له اسمٌ في الدُّنيا ومما لا يوجدُ له اسمٌ ولا نظير في الدنيا؛ فمهما طلبوه من أنواع الفاكهة وأجناسها؛ أحضر لهم في الحال من غير تعبٍ ولا كلفةٍ، آمنين من انقطاع ذلك، وآمنين من مضرَّته، وآمنين من كلِّ مكدِّر، وآمنين من الخروج منها والموت. {56} ولهذا قال: {لا يذوقون فيها الموتَ إلاَّ الموتةَ الأولى}؛ أي: ليس فيها موتٌ بالكلِّية، ولو كان فيها موتٌ يُستثنى؛ لم يستثنِ الموتةَ الأولى التي هي الموتة في الدنيا، فتمَّ لهم كلُّ محبوب مطلوب، {ووقاهم عذابَ الجحيم}. {57}{فضلاً من ربِّك}؛ أي: حصول النعيم واندفاع العذاب عنهم من فضل الله عليهم وكرمِهِ؛ فإنَّه تعالى هو الذي وفَّقهم للأعمال الصالحة، التي بها نالوا خير الآخرة وأعطاهم أيضاً ما لمْ تبلُغْه أعمالُهم. {ذلك هو الفوزُ العظيمُ}: وأيُّ فوزٍ أعظمُ من نيل رضوان الله وجنَّته والسلامة من عذابه وسخطِهِ. {58}{فإنما يَسَّرۡناه}؛ أي: القرآن {بلسانِكَ}؛ أي: سهَّلْناه بلسانك الذي هو أفصحُ الألسنةِ على الإطلاق وأجلُّها، فتيسر به لفظه، وتيسر به معناه، {لعلَّهم يتذكَّرون}: ما فيه نفعُهم فيفعلونَه، وما فيه ضررُهم فيترُكونه. {59}{فارتَقِبۡ}؛ أي: انتظرْ ما وعدك ربُّك من الخير والنصر. {إنَّهم مرتقبونَ}: ما يحلُّ بهم من العذاب، وفرقٌ بين الارتقابين: رسول الله وأتباعه يرتقبون الخير في الدُّنيا والآخرة، وضدُّهم يرتقبون الشرَّ في الدُّنيا والآخرة. تم تفسير سورة الدخان. ولله الحمد والمنة. * * *

الدخان 44:53

{51 ـ 53} هذا جزاءُ المتَّقين لله، الذي اتَّقوا سَخَطه وعذابه بتركهم المعاصي وفعلهم الطاعات، فلمَّا انتفى السخط عنهم والعذابُ؛ ثبت لهم الرِّضا من الله والثواب العظيم في ظلٍّ ظليل من كثرة الأشجار والفواكه، وعيونٍ سارحةٍ تجري من تحتهم الأنهار يفجِّرونها تفجيراً، في جنات النعيم، فأضاف الجناتِ إلى النعيم؛ لأن كُلَّ ما اشتملت عليه، كله نعيمٌ وسرورٌ كامل من كلِّ وجهٍ، ما فيه منغصٌ ولا مكدرٌ بوجه من الوجوه، ولباسُهم من الحرير الأخضر من السندس والإستبرق؛ أي: غليظ الحرير ورقيقه ممَّا تشتهيهُ أنفسُهم، {متقابلين}: في قلوبهم ووجوههم في كمال الراحة والطمأنينة والمحبَّة والعشرة الحسنة والآداب المستحسنة. {54}{كذلك}: النعيم التام والسرور الكامل، {وزوَّجۡناهم بحورٍ} ؛ أي: نساء جميلات من جمالهنَّ وحسنهنَّ أنَّه يَحارُ الطرفُ في حسنهنَّ، وينبهر العقل بجمالهنَّ وينخلبُ اللبُّ لكمالهن، {عينٍ}؛ أي: ضخام الأعين حسانها. {55}{يَدۡعون فيها}: أي: الجنة {بكلِّ فاكهةٍ}: مما له اسمٌ في الدُّنيا ومما لا يوجدُ له اسمٌ ولا نظير في الدنيا؛ فمهما طلبوه من أنواع الفاكهة وأجناسها؛ أحضر لهم في الحال من غير تعبٍ ولا كلفةٍ، آمنين من انقطاع ذلك، وآمنين من مضرَّته، وآمنين من كلِّ مكدِّر، وآمنين من الخروج منها والموت. {56} ولهذا قال: {لا يذوقون فيها الموتَ إلاَّ الموتةَ الأولى}؛ أي: ليس فيها موتٌ بالكلِّية، ولو كان فيها موتٌ يُستثنى؛ لم يستثنِ الموتةَ الأولى التي هي الموتة في الدنيا، فتمَّ لهم كلُّ محبوب مطلوب، {ووقاهم عذابَ الجحيم}. {57}{فضلاً من ربِّك}؛ أي: حصول النعيم واندفاع العذاب عنهم من فضل الله عليهم وكرمِهِ؛ فإنَّه تعالى هو الذي وفَّقهم للأعمال الصالحة، التي بها نالوا خير الآخرة وأعطاهم أيضاً ما لمْ تبلُغْه أعمالُهم. {ذلك هو الفوزُ العظيمُ}: وأيُّ فوزٍ أعظمُ من نيل رضوان الله وجنَّته والسلامة من عذابه وسخطِهِ. {58}{فإنما يَسَّرۡناه}؛ أي: القرآن {بلسانِكَ}؛ أي: سهَّلْناه بلسانك الذي هو أفصحُ الألسنةِ على الإطلاق وأجلُّها، فتيسر به لفظه، وتيسر به معناه، {لعلَّهم يتذكَّرون}: ما فيه نفعُهم فيفعلونَه، وما فيه ضررُهم فيترُكونه. {59}{فارتَقِبۡ}؛ أي: انتظرْ ما وعدك ربُّك من الخير والنصر. {إنَّهم مرتقبونَ}: ما يحلُّ بهم من العذاب، وفرقٌ بين الارتقابين: رسول الله وأتباعه يرتقبون الخير في الدُّنيا والآخرة، وضدُّهم يرتقبون الشرَّ في الدُّنيا والآخرة. تم تفسير سورة الدخان. ولله الحمد والمنة. * * *

الدخان 44:54

{51 ـ 53} هذا جزاءُ المتَّقين لله، الذي اتَّقوا سَخَطه وعذابه بتركهم المعاصي وفعلهم الطاعات، فلمَّا انتفى السخط عنهم والعذابُ؛ ثبت لهم الرِّضا من الله والثواب العظيم في ظلٍّ ظليل من كثرة الأشجار والفواكه، وعيونٍ سارحةٍ تجري من تحتهم الأنهار يفجِّرونها تفجيراً، في جنات النعيم، فأضاف الجناتِ إلى النعيم؛ لأن كُلَّ ما اشتملت عليه، كله نعيمٌ وسرورٌ كامل من كلِّ وجهٍ، ما فيه منغصٌ ولا مكدرٌ بوجه من الوجوه، ولباسُهم من الحرير الأخضر من السندس والإستبرق؛ أي: غليظ الحرير ورقيقه ممَّا تشتهيهُ أنفسُهم، {متقابلين}: في قلوبهم ووجوههم في كمال الراحة والطمأنينة والمحبَّة والعشرة الحسنة والآداب المستحسنة. {54}{كذلك}: النعيم التام والسرور الكامل، {وزوَّجۡناهم بحورٍ} ؛ أي: نساء جميلات من جمالهنَّ وحسنهنَّ أنَّه يَحارُ الطرفُ في حسنهنَّ، وينبهر العقل بجمالهنَّ وينخلبُ اللبُّ لكمالهن، {عينٍ}؛ أي: ضخام الأعين حسانها. {55}{يَدۡعون فيها}: أي: الجنة {بكلِّ فاكهةٍ}: مما له اسمٌ في الدُّنيا ومما لا يوجدُ له اسمٌ ولا نظير في الدنيا؛ فمهما طلبوه من أنواع الفاكهة وأجناسها؛ أحضر لهم في الحال من غير تعبٍ ولا كلفةٍ، آمنين من انقطاع ذلك، وآمنين من مضرَّته، وآمنين من كلِّ مكدِّر، وآمنين من الخروج منها والموت. {56} ولهذا قال: {لا يذوقون فيها الموتَ إلاَّ الموتةَ الأولى}؛ أي: ليس فيها موتٌ بالكلِّية، ولو كان فيها موتٌ يُستثنى؛ لم يستثنِ الموتةَ الأولى التي هي الموتة في الدنيا، فتمَّ لهم كلُّ محبوب مطلوب، {ووقاهم عذابَ الجحيم}. {57}{فضلاً من ربِّك}؛ أي: حصول النعيم واندفاع العذاب عنهم من فضل الله عليهم وكرمِهِ؛ فإنَّه تعالى هو الذي وفَّقهم للأعمال الصالحة، التي بها نالوا خير الآخرة وأعطاهم أيضاً ما لمْ تبلُغْه أعمالُهم. {ذلك هو الفوزُ العظيمُ}: وأيُّ فوزٍ أعظمُ من نيل رضوان الله وجنَّته والسلامة من عذابه وسخطِهِ. {58}{فإنما يَسَّرۡناه}؛ أي: القرآن {بلسانِكَ}؛ أي: سهَّلْناه بلسانك الذي هو أفصحُ الألسنةِ على الإطلاق وأجلُّها، فتيسر به لفظه، وتيسر به معناه، {لعلَّهم يتذكَّرون}: ما فيه نفعُهم فيفعلونَه، وما فيه ضررُهم فيترُكونه. {59}{فارتَقِبۡ}؛ أي: انتظرْ ما وعدك ربُّك من الخير والنصر. {إنَّهم مرتقبونَ}: ما يحلُّ بهم من العذاب، وفرقٌ بين الارتقابين: رسول الله وأتباعه يرتقبون الخير في الدُّنيا والآخرة، وضدُّهم يرتقبون الشرَّ في الدُّنيا والآخرة. تم تفسير سورة الدخان. ولله الحمد والمنة. * * *

الدخان 44:55

{51 ـ 53} هذا جزاءُ المتَّقين لله، الذي اتَّقوا سَخَطه وعذابه بتركهم المعاصي وفعلهم الطاعات، فلمَّا انتفى السخط عنهم والعذابُ؛ ثبت لهم الرِّضا من الله والثواب العظيم في ظلٍّ ظليل من كثرة الأشجار والفواكه، وعيونٍ سارحةٍ تجري من تحتهم الأنهار يفجِّرونها تفجيراً، في جنات النعيم، فأضاف الجناتِ إلى النعيم؛ لأن كُلَّ ما اشتملت عليه، كله نعيمٌ وسرورٌ كامل من كلِّ وجهٍ، ما فيه منغصٌ ولا مكدرٌ بوجه من الوجوه، ولباسُهم من الحرير الأخضر من السندس والإستبرق؛ أي: غليظ الحرير ورقيقه ممَّا تشتهيهُ أنفسُهم، {متقابلين}: في قلوبهم ووجوههم في كمال الراحة والطمأنينة والمحبَّة والعشرة الحسنة والآداب المستحسنة. {54}{كذلك}: النعيم التام والسرور الكامل، {وزوَّجۡناهم بحورٍ} ؛ أي: نساء جميلات من جمالهنَّ وحسنهنَّ أنَّه يَحارُ الطرفُ في حسنهنَّ، وينبهر العقل بجمالهنَّ وينخلبُ اللبُّ لكمالهن، {عينٍ}؛ أي: ضخام الأعين حسانها. {55}{يَدۡعون فيها}: أي: الجنة {بكلِّ فاكهةٍ}: مما له اسمٌ في الدُّنيا ومما لا يوجدُ له اسمٌ ولا نظير في الدنيا؛ فمهما طلبوه من أنواع الفاكهة وأجناسها؛ أحضر لهم في الحال من غير تعبٍ ولا كلفةٍ، آمنين من انقطاع ذلك، وآمنين من مضرَّته، وآمنين من كلِّ مكدِّر، وآمنين من الخروج منها والموت. {56} ولهذا قال: {لا يذوقون فيها الموتَ إلاَّ الموتةَ الأولى}؛ أي: ليس فيها موتٌ بالكلِّية، ولو كان فيها موتٌ يُستثنى؛ لم يستثنِ الموتةَ الأولى التي هي الموتة في الدنيا، فتمَّ لهم كلُّ محبوب مطلوب، {ووقاهم عذابَ الجحيم}. {57}{فضلاً من ربِّك}؛ أي: حصول النعيم واندفاع العذاب عنهم من فضل الله عليهم وكرمِهِ؛ فإنَّه تعالى هو الذي وفَّقهم للأعمال الصالحة، التي بها نالوا خير الآخرة وأعطاهم أيضاً ما لمْ تبلُغْه أعمالُهم. {ذلك هو الفوزُ العظيمُ}: وأيُّ فوزٍ أعظمُ من نيل رضوان الله وجنَّته والسلامة من عذابه وسخطِهِ. {58}{فإنما يَسَّرۡناه}؛ أي: القرآن {بلسانِكَ}؛ أي: سهَّلْناه بلسانك الذي هو أفصحُ الألسنةِ على الإطلاق وأجلُّها، فتيسر به لفظه، وتيسر به معناه، {لعلَّهم يتذكَّرون}: ما فيه نفعُهم فيفعلونَه، وما فيه ضررُهم فيترُكونه. {59}{فارتَقِبۡ}؛ أي: انتظرْ ما وعدك ربُّك من الخير والنصر. {إنَّهم مرتقبونَ}: ما يحلُّ بهم من العذاب، وفرقٌ بين الارتقابين: رسول الله وأتباعه يرتقبون الخير في الدُّنيا والآخرة، وضدُّهم يرتقبون الشرَّ في الدُّنيا والآخرة. تم تفسير سورة الدخان. ولله الحمد والمنة. * * *

الدخان 44:56

{51 ـ 53} هذا جزاءُ المتَّقين لله، الذي اتَّقوا سَخَطه وعذابه بتركهم المعاصي وفعلهم الطاعات، فلمَّا انتفى السخط عنهم والعذابُ؛ ثبت لهم الرِّضا من الله والثواب العظيم في ظلٍّ ظليل من كثرة الأشجار والفواكه، وعيونٍ سارحةٍ تجري من تحتهم الأنهار يفجِّرونها تفجيراً، في جنات النعيم، فأضاف الجناتِ إلى النعيم؛ لأن كُلَّ ما اشتملت عليه، كله نعيمٌ وسرورٌ كامل من كلِّ وجهٍ، ما فيه منغصٌ ولا مكدرٌ بوجه من الوجوه، ولباسُهم من الحرير الأخضر من السندس والإستبرق؛ أي: غليظ الحرير ورقيقه ممَّا تشتهيهُ أنفسُهم، {متقابلين}: في قلوبهم ووجوههم في كمال الراحة والطمأنينة والمحبَّة والعشرة الحسنة والآداب المستحسنة. {54}{كذلك}: النعيم التام والسرور الكامل، {وزوَّجۡناهم بحورٍ} ؛ أي: نساء جميلات من جمالهنَّ وحسنهنَّ أنَّه يَحارُ الطرفُ في حسنهنَّ، وينبهر العقل بجمالهنَّ وينخلبُ اللبُّ لكمالهن، {عينٍ}؛ أي: ضخام الأعين حسانها. {55}{يَدۡعون فيها}: أي: الجنة {بكلِّ فاكهةٍ}: مما له اسمٌ في الدُّنيا ومما لا يوجدُ له اسمٌ ولا نظير في الدنيا؛ فمهما طلبوه من أنواع الفاكهة وأجناسها؛ أحضر لهم في الحال من غير تعبٍ ولا كلفةٍ، آمنين من انقطاع ذلك، وآمنين من مضرَّته، وآمنين من كلِّ مكدِّر، وآمنين من الخروج منها والموت. {56} ولهذا قال: {لا يذوقون فيها الموتَ إلاَّ الموتةَ الأولى}؛ أي: ليس فيها موتٌ بالكلِّية، ولو كان فيها موتٌ يُستثنى؛ لم يستثنِ الموتةَ الأولى التي هي الموتة في الدنيا، فتمَّ لهم كلُّ محبوب مطلوب، {ووقاهم عذابَ الجحيم}. {57}{فضلاً من ربِّك}؛ أي: حصول النعيم واندفاع العذاب عنهم من فضل الله عليهم وكرمِهِ؛ فإنَّه تعالى هو الذي وفَّقهم للأعمال الصالحة، التي بها نالوا خير الآخرة وأعطاهم أيضاً ما لمْ تبلُغْه أعمالُهم. {ذلك هو الفوزُ العظيمُ}: وأيُّ فوزٍ أعظمُ من نيل رضوان الله وجنَّته والسلامة من عذابه وسخطِهِ. {58}{فإنما يَسَّرۡناه}؛ أي: القرآن {بلسانِكَ}؛ أي: سهَّلْناه بلسانك الذي هو أفصحُ الألسنةِ على الإطلاق وأجلُّها، فتيسر به لفظه، وتيسر به معناه، {لعلَّهم يتذكَّرون}: ما فيه نفعُهم فيفعلونَه، وما فيه ضررُهم فيترُكونه. {59}{فارتَقِبۡ}؛ أي: انتظرْ ما وعدك ربُّك من الخير والنصر. {إنَّهم مرتقبونَ}: ما يحلُّ بهم من العذاب، وفرقٌ بين الارتقابين: رسول الله وأتباعه يرتقبون الخير في الدُّنيا والآخرة، وضدُّهم يرتقبون الشرَّ في الدُّنيا والآخرة. تم تفسير سورة الدخان. ولله الحمد والمنة. * * *

الدخان 44:57

{51 ـ 53} هذا جزاءُ المتَّقين لله، الذي اتَّقوا سَخَطه وعذابه بتركهم المعاصي وفعلهم الطاعات، فلمَّا انتفى السخط عنهم والعذابُ؛ ثبت لهم الرِّضا من الله والثواب العظيم في ظلٍّ ظليل من كثرة الأشجار والفواكه، وعيونٍ سارحةٍ تجري من تحتهم الأنهار يفجِّرونها تفجيراً، في جنات النعيم، فأضاف الجناتِ إلى النعيم؛ لأن كُلَّ ما اشتملت عليه، كله نعيمٌ وسرورٌ كامل من كلِّ وجهٍ، ما فيه منغصٌ ولا مكدرٌ بوجه من الوجوه، ولباسُهم من الحرير الأخضر من السندس والإستبرق؛ أي: غليظ الحرير ورقيقه ممَّا تشتهيهُ أنفسُهم، {متقابلين}: في قلوبهم ووجوههم في كمال الراحة والطمأنينة والمحبَّة والعشرة الحسنة والآداب المستحسنة. {54}{كذلك}: النعيم التام والسرور الكامل، {وزوَّجۡناهم بحورٍ} ؛ أي: نساء جميلات من جمالهنَّ وحسنهنَّ أنَّه يَحارُ الطرفُ في حسنهنَّ، وينبهر العقل بجمالهنَّ وينخلبُ اللبُّ لكمالهن، {عينٍ}؛ أي: ضخام الأعين حسانها. {55}{يَدۡعون فيها}: أي: الجنة {بكلِّ فاكهةٍ}: مما له اسمٌ في الدُّنيا ومما لا يوجدُ له اسمٌ ولا نظير في الدنيا؛ فمهما طلبوه من أنواع الفاكهة وأجناسها؛ أحضر لهم في الحال من غير تعبٍ ولا كلفةٍ، آمنين من انقطاع ذلك، وآمنين من مضرَّته، وآمنين من كلِّ مكدِّر، وآمنين من الخروج منها والموت. {56} ولهذا قال: {لا يذوقون فيها الموتَ إلاَّ الموتةَ الأولى}؛ أي: ليس فيها موتٌ بالكلِّية، ولو كان فيها موتٌ يُستثنى؛ لم يستثنِ الموتةَ الأولى التي هي الموتة في الدنيا، فتمَّ لهم كلُّ محبوب مطلوب، {ووقاهم عذابَ الجحيم}. {57}{فضلاً من ربِّك}؛ أي: حصول النعيم واندفاع العذاب عنهم من فضل الله عليهم وكرمِهِ؛ فإنَّه تعالى هو الذي وفَّقهم للأعمال الصالحة، التي بها نالوا خير الآخرة وأعطاهم أيضاً ما لمْ تبلُغْه أعمالُهم. {ذلك هو الفوزُ العظيمُ}: وأيُّ فوزٍ أعظمُ من نيل رضوان الله وجنَّته والسلامة من عذابه وسخطِهِ. {58}{فإنما يَسَّرۡناه}؛ أي: القرآن {بلسانِكَ}؛ أي: سهَّلْناه بلسانك الذي هو أفصحُ الألسنةِ على الإطلاق وأجلُّها، فتيسر به لفظه، وتيسر به معناه، {لعلَّهم يتذكَّرون}: ما فيه نفعُهم فيفعلونَه، وما فيه ضررُهم فيترُكونه. {59}{فارتَقِبۡ}؛ أي: انتظرْ ما وعدك ربُّك من الخير والنصر. {إنَّهم مرتقبونَ}: ما يحلُّ بهم من العذاب، وفرقٌ بين الارتقابين: رسول الله وأتباعه يرتقبون الخير في الدُّنيا والآخرة، وضدُّهم يرتقبون الشرَّ في الدُّنيا والآخرة. تم تفسير سورة الدخان. ولله الحمد والمنة. * * *

الدخان 44:58

{51 ـ 53} هذا جزاءُ المتَّقين لله، الذي اتَّقوا سَخَطه وعذابه بتركهم المعاصي وفعلهم الطاعات، فلمَّا انتفى السخط عنهم والعذابُ؛ ثبت لهم الرِّضا من الله والثواب العظيم في ظلٍّ ظليل من كثرة الأشجار والفواكه، وعيونٍ سارحةٍ تجري من تحتهم الأنهار يفجِّرونها تفجيراً، في جنات النعيم، فأضاف الجناتِ إلى النعيم؛ لأن كُلَّ ما اشتملت عليه، كله نعيمٌ وسرورٌ كامل من كلِّ وجهٍ، ما فيه منغصٌ ولا مكدرٌ بوجه من الوجوه، ولباسُهم من الحرير الأخضر من السندس والإستبرق؛ أي: غليظ الحرير ورقيقه ممَّا تشتهيهُ أنفسُهم، {متقابلين}: في قلوبهم ووجوههم في كمال الراحة والطمأنينة والمحبَّة والعشرة الحسنة والآداب المستحسنة. {54}{كذلك}: النعيم التام والسرور الكامل، {وزوَّجۡناهم بحورٍ} ؛ أي: نساء جميلات من جمالهنَّ وحسنهنَّ أنَّه يَحارُ الطرفُ في حسنهنَّ، وينبهر العقل بجمالهنَّ وينخلبُ اللبُّ لكمالهن، {عينٍ}؛ أي: ضخام الأعين حسانها. {55}{يَدۡعون فيها}: أي: الجنة {بكلِّ فاكهةٍ}: مما له اسمٌ في الدُّنيا ومما لا يوجدُ له اسمٌ ولا نظير في الدنيا؛ فمهما طلبوه من أنواع الفاكهة وأجناسها؛ أحضر لهم في الحال من غير تعبٍ ولا كلفةٍ، آمنين من انقطاع ذلك، وآمنين من مضرَّته، وآمنين من كلِّ مكدِّر، وآمنين من الخروج منها والموت. {56} ولهذا قال: {لا يذوقون فيها الموتَ إلاَّ الموتةَ الأولى}؛ أي: ليس فيها موتٌ بالكلِّية، ولو كان فيها موتٌ يُستثنى؛ لم يستثنِ الموتةَ الأولى التي هي الموتة في الدنيا، فتمَّ لهم كلُّ محبوب مطلوب، {ووقاهم عذابَ الجحيم}. {57}{فضلاً من ربِّك}؛ أي: حصول النعيم واندفاع العذاب عنهم من فضل الله عليهم وكرمِهِ؛ فإنَّه تعالى هو الذي وفَّقهم للأعمال الصالحة، التي بها نالوا خير الآخرة وأعطاهم أيضاً ما لمْ تبلُغْه أعمالُهم. {ذلك هو الفوزُ العظيمُ}: وأيُّ فوزٍ أعظمُ من نيل رضوان الله وجنَّته والسلامة من عذابه وسخطِهِ. {58}{فإنما يَسَّرۡناه}؛ أي: القرآن {بلسانِكَ}؛ أي: سهَّلْناه بلسانك الذي هو أفصحُ الألسنةِ على الإطلاق وأجلُّها، فتيسر به لفظه، وتيسر به معناه، {لعلَّهم يتذكَّرون}: ما فيه نفعُهم فيفعلونَه، وما فيه ضررُهم فيترُكونه. {59}{فارتَقِبۡ}؛ أي: انتظرْ ما وعدك ربُّك من الخير والنصر. {إنَّهم مرتقبونَ}: ما يحلُّ بهم من العذاب، وفرقٌ بين الارتقابين: رسول الله وأتباعه يرتقبون الخير في الدُّنيا والآخرة، وضدُّهم يرتقبون الشرَّ في الدُّنيا والآخرة. تم تفسير سورة الدخان. ولله الحمد والمنة. * * *

الدخان 44:59

{51 ـ 53} هذا جزاءُ المتَّقين لله، الذي اتَّقوا سَخَطه وعذابه بتركهم المعاصي وفعلهم الطاعات، فلمَّا انتفى السخط عنهم والعذابُ؛ ثبت لهم الرِّضا من الله والثواب العظيم في ظلٍّ ظليل من كثرة الأشجار والفواكه، وعيونٍ سارحةٍ تجري من تحتهم الأنهار يفجِّرونها تفجيراً، في جنات النعيم، فأضاف الجناتِ إلى النعيم؛ لأن كُلَّ ما اشتملت عليه، كله نعيمٌ وسرورٌ كامل من كلِّ وجهٍ، ما فيه منغصٌ ولا مكدرٌ بوجه من الوجوه، ولباسُهم من الحرير الأخضر من السندس والإستبرق؛ أي: غليظ الحرير ورقيقه ممَّا تشتهيهُ أنفسُهم، {متقابلين}: في قلوبهم ووجوههم في كمال الراحة والطمأنينة والمحبَّة والعشرة الحسنة والآداب المستحسنة. {54}{كذلك}: النعيم التام والسرور الكامل، {وزوَّجۡناهم بحورٍ} ؛ أي: نساء جميلات من جمالهنَّ وحسنهنَّ أنَّه يَحارُ الطرفُ في حسنهنَّ، وينبهر العقل بجمالهنَّ وينخلبُ اللبُّ لكمالهن، {عينٍ}؛ أي: ضخام الأعين حسانها. {55}{يَدۡعون فيها}: أي: الجنة {بكلِّ فاكهةٍ}: مما له اسمٌ في الدُّنيا ومما لا يوجدُ له اسمٌ ولا نظير في الدنيا؛ فمهما طلبوه من أنواع الفاكهة وأجناسها؛ أحضر لهم في الحال من غير تعبٍ ولا كلفةٍ، آمنين من انقطاع ذلك، وآمنين من مضرَّته، وآمنين من كلِّ مكدِّر، وآمنين من الخروج منها والموت. {56} ولهذا قال: {لا يذوقون فيها الموتَ إلاَّ الموتةَ الأولى}؛ أي: ليس فيها موتٌ بالكلِّية، ولو كان فيها موتٌ يُستثنى؛ لم يستثنِ الموتةَ الأولى التي هي الموتة في الدنيا، فتمَّ لهم كلُّ محبوب مطلوب، {ووقاهم عذابَ الجحيم}. {57}{فضلاً من ربِّك}؛ أي: حصول النعيم واندفاع العذاب عنهم من فضل الله عليهم وكرمِهِ؛ فإنَّه تعالى هو الذي وفَّقهم للأعمال الصالحة، التي بها نالوا خير الآخرة وأعطاهم أيضاً ما لمْ تبلُغْه أعمالُهم. {ذلك هو الفوزُ العظيمُ}: وأيُّ فوزٍ أعظمُ من نيل رضوان الله وجنَّته والسلامة من عذابه وسخطِهِ. {58}{فإنما يَسَّرۡناه}؛ أي: القرآن {بلسانِكَ}؛ أي: سهَّلْناه بلسانك الذي هو أفصحُ الألسنةِ على الإطلاق وأجلُّها، فتيسر به لفظه، وتيسر به معناه، {لعلَّهم يتذكَّرون}: ما فيه نفعُهم فيفعلونَه، وما فيه ضررُهم فيترُكونه. {59}{فارتَقِبۡ}؛ أي: انتظرْ ما وعدك ربُّك من الخير والنصر. {إنَّهم مرتقبونَ}: ما يحلُّ بهم من العذاب، وفرقٌ بين الارتقابين: رسول الله وأتباعه يرتقبون الخير في الدُّنيا والآخرة، وضدُّهم يرتقبون الشرَّ في الدُّنيا والآخرة. تم تفسير سورة الدخان. ولله الحمد والمنة. * * *

الجاثية 45:1

وهي مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {1 ـ 2} يخبرُ تعالى خبراً يتضمَّن الأمرَ بتعظيم القرآن والاعتناء به؛ أنَّه {تنۡزيلٌ من اللهِ}: المألوه المعبود؛ لما اتَّصف به من صفاتِ الكمال، وانفردَ به من النعم، الذي له العزَّة الكاملة والحكمة التَّامَّة. {3 ـ 5} ثم أيَّد ذلك بما ذكره من الآيات الأفقيَّة والنفسيَّة؛ من خلق السماوات والأرض، وما بثَّ فيهما من الدوابِّ، وما أودعَ فيهما من المنافع، وما أنزل اللهُ من الماءِ الذي يحيي به اللهُ البلاد والعباد؛ فهذه كلُّها آياتٌ بيناتٌ وأدلة واضحاتٌ على صدقِ هذا القرآن العظيم وصحَّة ما اشتمل عليه من الحكم والأحكام، ودالاَّت أيضاً على ما لله تعالى من الكمال، وعلى البعث والنُّشور. {6 ـ 10} ثم قسَّم تعالى الناسَ بالنسبة إلى الانتفاع بآياتِهِ وعدمِهِ إلى قسمين: قسمٌ يستدلُّون بها، ويتفكَّرون بها، وينتفعون فيرتفعون، وهم المؤمنون باللهِ وملائكتِهِ وكتبِهِ ورسلِهِ واليوم الآخر إيماناً تامًّا، وصل بهم إلى درجة اليقين، فزكَّى منهم العقول، وازدادتْ به معارفُهم وألبابُهم وعلومُهم. وقسمٌ يسمعُ آيات اللة سماعاً تقومُ به الحجةُ عليه، ثم يعرِض عنها ويستكبرُ، كأنه ما سمعها؛ لأنها لم تزكِّ قلبه ولا طهَّرته، بل بسبب استكباره عنها؛ ازداد طغيانُهُ، وأنه إذا علم من آيات الله شيئاً؛ اتَّخذها هزواً، فتوعَّده الله تعالى بالويل، فقال:{ويلٌ لكلِّ أفَّاكٍ أثيم}؛ أي: كذابٍ في مقاله، أثيمٍ في فعاله، وأخبر أن له عذاباً أليماً، وأن {من ورائهم جهنَّم}: تكفي في عقوبتهم البليغة، وأنه {لا يُغني عنهم ما كَسَبوا}: من الأموال {شيئاً ولا ما اتَّخذوا من دون اللهِ أولياءَ}: يستنصرون بهم، فخذلوهم أحوجَ ما كانوا إليهم لو نفعوا. {11} فلمَّا بيَّن آياته القرآنيَّة والعيانيَّة، وأن الناس فيها على قسمين؛ أخبر أن القرآن المشتملَ على هذه المطالب العالية؛ أنَّه هدىً، فقال:{هذا هدىً}: وهذا وصفٌ عامٌّ لجميع القرآن؛ فإنَّه يهدي إلى معرفة الله تعالى بصفاته المقدَّسة وأفعاله الحميدة، ويهدي إلى معرفة رسله وأوليائهم وأعدائهم وأوصافهم، ويهدي إلى الأعمال الصالحة، ويدعو إليها، ويبيِّن الأعمال السَّيئة وينهى عنها، ويهدي إلى بيان الجزاء على الأعمال، ويبيِّن الجزاء الدُّنيويَّ والأخرويَّ؛ فالمهتدون اهتَدَوا به فأفلحوا وسعدوا. {والذين كَفَروا بآيات ربِّهم}: الواضحة القاطعة، التي لا يكفرُ بها إلاَّ من اشتدَّ ظلمُه، وتضاعف طغيانه، {لهم عذابٌ من رجزٍ أليم}.

الجاثية 45:2

وهي مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {1 ـ 2} يخبرُ تعالى خبراً يتضمَّن الأمرَ بتعظيم القرآن والاعتناء به؛ أنَّه {تنۡزيلٌ من اللهِ}: المألوه المعبود؛ لما اتَّصف به من صفاتِ الكمال، وانفردَ به من النعم، الذي له العزَّة الكاملة والحكمة التَّامَّة. {3 ـ 5} ثم أيَّد ذلك بما ذكره من الآيات الأفقيَّة والنفسيَّة؛ من خلق السماوات والأرض، وما بثَّ فيهما من الدوابِّ، وما أودعَ فيهما من المنافع، وما أنزل اللهُ من الماءِ الذي يحيي به اللهُ البلاد والعباد؛ فهذه كلُّها آياتٌ بيناتٌ وأدلة واضحاتٌ على صدقِ هذا القرآن العظيم وصحَّة ما اشتمل عليه من الحكم والأحكام، ودالاَّت أيضاً على ما لله تعالى من الكمال، وعلى البعث والنُّشور. {6 ـ 10} ثم قسَّم تعالى الناسَ بالنسبة إلى الانتفاع بآياتِهِ وعدمِهِ إلى قسمين: قسمٌ يستدلُّون بها، ويتفكَّرون بها، وينتفعون فيرتفعون، وهم المؤمنون باللهِ وملائكتِهِ وكتبِهِ ورسلِهِ واليوم الآخر إيماناً تامًّا، وصل بهم إلى درجة اليقين، فزكَّى منهم العقول، وازدادتْ به معارفُهم وألبابُهم وعلومُهم. وقسمٌ يسمعُ آيات اللة سماعاً تقومُ به الحجةُ عليه، ثم يعرِض عنها ويستكبرُ، كأنه ما سمعها؛ لأنها لم تزكِّ قلبه ولا طهَّرته، بل بسبب استكباره عنها؛ ازداد طغيانُهُ، وأنه إذا علم من آيات الله شيئاً؛ اتَّخذها هزواً، فتوعَّده الله تعالى بالويل، فقال:{ويلٌ لكلِّ أفَّاكٍ أثيم}؛ أي: كذابٍ في مقاله، أثيمٍ في فعاله، وأخبر أن له عذاباً أليماً، وأن {من ورائهم جهنَّم}: تكفي في عقوبتهم البليغة، وأنه {لا يُغني عنهم ما كَسَبوا}: من الأموال {شيئاً ولا ما اتَّخذوا من دون اللهِ أولياءَ}: يستنصرون بهم، فخذلوهم أحوجَ ما كانوا إليهم لو نفعوا. {11} فلمَّا بيَّن آياته القرآنيَّة والعيانيَّة، وأن الناس فيها على قسمين؛ أخبر أن القرآن المشتملَ على هذه المطالب العالية؛ أنَّه هدىً، فقال:{هذا هدىً}: وهذا وصفٌ عامٌّ لجميع القرآن؛ فإنَّه يهدي إلى معرفة الله تعالى بصفاته المقدَّسة وأفعاله الحميدة، ويهدي إلى معرفة رسله وأوليائهم وأعدائهم وأوصافهم، ويهدي إلى الأعمال الصالحة، ويدعو إليها، ويبيِّن الأعمال السَّيئة وينهى عنها، ويهدي إلى بيان الجزاء على الأعمال، ويبيِّن الجزاء الدُّنيويَّ والأخرويَّ؛ فالمهتدون اهتَدَوا به فأفلحوا وسعدوا. {والذين كَفَروا بآيات ربِّهم}: الواضحة القاطعة، التي لا يكفرُ بها إلاَّ من اشتدَّ ظلمُه، وتضاعف طغيانه، {لهم عذابٌ من رجزٍ أليم}.

الجاثية 45:3

وهي مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {1 ـ 2} يخبرُ تعالى خبراً يتضمَّن الأمرَ بتعظيم القرآن والاعتناء به؛ أنَّه {تنۡزيلٌ من اللهِ}: المألوه المعبود؛ لما اتَّصف به من صفاتِ الكمال، وانفردَ به من النعم، الذي له العزَّة الكاملة والحكمة التَّامَّة. {3 ـ 5} ثم أيَّد ذلك بما ذكره من الآيات الأفقيَّة والنفسيَّة؛ من خلق السماوات والأرض، وما بثَّ فيهما من الدوابِّ، وما أودعَ فيهما من المنافع، وما أنزل اللهُ من الماءِ الذي يحيي به اللهُ البلاد والعباد؛ فهذه كلُّها آياتٌ بيناتٌ وأدلة واضحاتٌ على صدقِ هذا القرآن العظيم وصحَّة ما اشتمل عليه من الحكم والأحكام، ودالاَّت أيضاً على ما لله تعالى من الكمال، وعلى البعث والنُّشور. {6 ـ 10} ثم قسَّم تعالى الناسَ بالنسبة إلى الانتفاع بآياتِهِ وعدمِهِ إلى قسمين: قسمٌ يستدلُّون بها، ويتفكَّرون بها، وينتفعون فيرتفعون، وهم المؤمنون باللهِ وملائكتِهِ وكتبِهِ ورسلِهِ واليوم الآخر إيماناً تامًّا، وصل بهم إلى درجة اليقين، فزكَّى منهم العقول، وازدادتْ به معارفُهم وألبابُهم وعلومُهم. وقسمٌ يسمعُ آيات اللة سماعاً تقومُ به الحجةُ عليه، ثم يعرِض عنها ويستكبرُ، كأنه ما سمعها؛ لأنها لم تزكِّ قلبه ولا طهَّرته، بل بسبب استكباره عنها؛ ازداد طغيانُهُ، وأنه إذا علم من آيات الله شيئاً؛ اتَّخذها هزواً، فتوعَّده الله تعالى بالويل، فقال:{ويلٌ لكلِّ أفَّاكٍ أثيم}؛ أي: كذابٍ في مقاله، أثيمٍ في فعاله، وأخبر أن له عذاباً أليماً، وأن {من ورائهم جهنَّم}: تكفي في عقوبتهم البليغة، وأنه {لا يُغني عنهم ما كَسَبوا}: من الأموال {شيئاً ولا ما اتَّخذوا من دون اللهِ أولياءَ}: يستنصرون بهم، فخذلوهم أحوجَ ما كانوا إليهم لو نفعوا. {11} فلمَّا بيَّن آياته القرآنيَّة والعيانيَّة، وأن الناس فيها على قسمين؛ أخبر أن القرآن المشتملَ على هذه المطالب العالية؛ أنَّه هدىً، فقال:{هذا هدىً}: وهذا وصفٌ عامٌّ لجميع القرآن؛ فإنَّه يهدي إلى معرفة الله تعالى بصفاته المقدَّسة وأفعاله الحميدة، ويهدي إلى معرفة رسله وأوليائهم وأعدائهم وأوصافهم، ويهدي إلى الأعمال الصالحة، ويدعو إليها، ويبيِّن الأعمال السَّيئة وينهى عنها، ويهدي إلى بيان الجزاء على الأعمال، ويبيِّن الجزاء الدُّنيويَّ والأخرويَّ؛ فالمهتدون اهتَدَوا به فأفلحوا وسعدوا. {والذين كَفَروا بآيات ربِّهم}: الواضحة القاطعة، التي لا يكفرُ بها إلاَّ من اشتدَّ ظلمُه، وتضاعف طغيانه، {لهم عذابٌ من رجزٍ أليم}.

الجاثية 45:4

وهي مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {1 ـ 2} يخبرُ تعالى خبراً يتضمَّن الأمرَ بتعظيم القرآن والاعتناء به؛ أنَّه {تنۡزيلٌ من اللهِ}: المألوه المعبود؛ لما اتَّصف به من صفاتِ الكمال، وانفردَ به من النعم، الذي له العزَّة الكاملة والحكمة التَّامَّة. {3 ـ 5} ثم أيَّد ذلك بما ذكره من الآيات الأفقيَّة والنفسيَّة؛ من خلق السماوات والأرض، وما بثَّ فيهما من الدوابِّ، وما أودعَ فيهما من المنافع، وما أنزل اللهُ من الماءِ الذي يحيي به اللهُ البلاد والعباد؛ فهذه كلُّها آياتٌ بيناتٌ وأدلة واضحاتٌ على صدقِ هذا القرآن العظيم وصحَّة ما اشتمل عليه من الحكم والأحكام، ودالاَّت أيضاً على ما لله تعالى من الكمال، وعلى البعث والنُّشور. {6 ـ 10} ثم قسَّم تعالى الناسَ بالنسبة إلى الانتفاع بآياتِهِ وعدمِهِ إلى قسمين: قسمٌ يستدلُّون بها، ويتفكَّرون بها، وينتفعون فيرتفعون، وهم المؤمنون باللهِ وملائكتِهِ وكتبِهِ ورسلِهِ واليوم الآخر إيماناً تامًّا، وصل بهم إلى درجة اليقين، فزكَّى منهم العقول، وازدادتْ به معارفُهم وألبابُهم وعلومُهم. وقسمٌ يسمعُ آيات اللة سماعاً تقومُ به الحجةُ عليه، ثم يعرِض عنها ويستكبرُ، كأنه ما سمعها؛ لأنها لم تزكِّ قلبه ولا طهَّرته، بل بسبب استكباره عنها؛ ازداد طغيانُهُ، وأنه إذا علم من آيات الله شيئاً؛ اتَّخذها هزواً، فتوعَّده الله تعالى بالويل، فقال:{ويلٌ لكلِّ أفَّاكٍ أثيم}؛ أي: كذابٍ في مقاله، أثيمٍ في فعاله، وأخبر أن له عذاباً أليماً، وأن {من ورائهم جهنَّم}: تكفي في عقوبتهم البليغة، وأنه {لا يُغني عنهم ما كَسَبوا}: من الأموال {شيئاً ولا ما اتَّخذوا من دون اللهِ أولياءَ}: يستنصرون بهم، فخذلوهم أحوجَ ما كانوا إليهم لو نفعوا. {11} فلمَّا بيَّن آياته القرآنيَّة والعيانيَّة، وأن الناس فيها على قسمين؛ أخبر أن القرآن المشتملَ على هذه المطالب العالية؛ أنَّه هدىً، فقال:{هذا هدىً}: وهذا وصفٌ عامٌّ لجميع القرآن؛ فإنَّه يهدي إلى معرفة الله تعالى بصفاته المقدَّسة وأفعاله الحميدة، ويهدي إلى معرفة رسله وأوليائهم وأعدائهم وأوصافهم، ويهدي إلى الأعمال الصالحة، ويدعو إليها، ويبيِّن الأعمال السَّيئة وينهى عنها، ويهدي إلى بيان الجزاء على الأعمال، ويبيِّن الجزاء الدُّنيويَّ والأخرويَّ؛ فالمهتدون اهتَدَوا به فأفلحوا وسعدوا. {والذين كَفَروا بآيات ربِّهم}: الواضحة القاطعة، التي لا يكفرُ بها إلاَّ من اشتدَّ ظلمُه، وتضاعف طغيانه، {لهم عذابٌ من رجزٍ أليم}.

الجاثية 45:5

وهي مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {1 ـ 2} يخبرُ تعالى خبراً يتضمَّن الأمرَ بتعظيم القرآن والاعتناء به؛ أنَّه {تنۡزيلٌ من اللهِ}: المألوه المعبود؛ لما اتَّصف به من صفاتِ الكمال، وانفردَ به من النعم، الذي له العزَّة الكاملة والحكمة التَّامَّة. {3 ـ 5} ثم أيَّد ذلك بما ذكره من الآيات الأفقيَّة والنفسيَّة؛ من خلق السماوات والأرض، وما بثَّ فيهما من الدوابِّ، وما أودعَ فيهما من المنافع، وما أنزل اللهُ من الماءِ الذي يحيي به اللهُ البلاد والعباد؛ فهذه كلُّها آياتٌ بيناتٌ وأدلة واضحاتٌ على صدقِ هذا القرآن العظيم وصحَّة ما اشتمل عليه من الحكم والأحكام، ودالاَّت أيضاً على ما لله تعالى من الكمال، وعلى البعث والنُّشور. {6 ـ 10} ثم قسَّم تعالى الناسَ بالنسبة إلى الانتفاع بآياتِهِ وعدمِهِ إلى قسمين: قسمٌ يستدلُّون بها، ويتفكَّرون بها، وينتفعون فيرتفعون، وهم المؤمنون باللهِ وملائكتِهِ وكتبِهِ ورسلِهِ واليوم الآخر إيماناً تامًّا، وصل بهم إلى درجة اليقين، فزكَّى منهم العقول، وازدادتْ به معارفُهم وألبابُهم وعلومُهم. وقسمٌ يسمعُ آيات اللة سماعاً تقومُ به الحجةُ عليه، ثم يعرِض عنها ويستكبرُ، كأنه ما سمعها؛ لأنها لم تزكِّ قلبه ولا طهَّرته، بل بسبب استكباره عنها؛ ازداد طغيانُهُ، وأنه إذا علم من آيات الله شيئاً؛ اتَّخذها هزواً، فتوعَّده الله تعالى بالويل، فقال:{ويلٌ لكلِّ أفَّاكٍ أثيم}؛ أي: كذابٍ في مقاله، أثيمٍ في فعاله، وأخبر أن له عذاباً أليماً، وأن {من ورائهم جهنَّم}: تكفي في عقوبتهم البليغة، وأنه {لا يُغني عنهم ما كَسَبوا}: من الأموال {شيئاً ولا ما اتَّخذوا من دون اللهِ أولياءَ}: يستنصرون بهم، فخذلوهم أحوجَ ما كانوا إليهم لو نفعوا. {11} فلمَّا بيَّن آياته القرآنيَّة والعيانيَّة، وأن الناس فيها على قسمين؛ أخبر أن القرآن المشتملَ على هذه المطالب العالية؛ أنَّه هدىً، فقال:{هذا هدىً}: وهذا وصفٌ عامٌّ لجميع القرآن؛ فإنَّه يهدي إلى معرفة الله تعالى بصفاته المقدَّسة وأفعاله الحميدة، ويهدي إلى معرفة رسله وأوليائهم وأعدائهم وأوصافهم، ويهدي إلى الأعمال الصالحة، ويدعو إليها، ويبيِّن الأعمال السَّيئة وينهى عنها، ويهدي إلى بيان الجزاء على الأعمال، ويبيِّن الجزاء الدُّنيويَّ والأخرويَّ؛ فالمهتدون اهتَدَوا به فأفلحوا وسعدوا. {والذين كَفَروا بآيات ربِّهم}: الواضحة القاطعة، التي لا يكفرُ بها إلاَّ من اشتدَّ ظلمُه، وتضاعف طغيانه، {لهم عذابٌ من رجزٍ أليم}.

الجاثية 45:6

وهي مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {1 ـ 2} يخبرُ تعالى خبراً يتضمَّن الأمرَ بتعظيم القرآن والاعتناء به؛ أنَّه {تنۡزيلٌ من اللهِ}: المألوه المعبود؛ لما اتَّصف به من صفاتِ الكمال، وانفردَ به من النعم، الذي له العزَّة الكاملة والحكمة التَّامَّة. {3 ـ 5} ثم أيَّد ذلك بما ذكره من الآيات الأفقيَّة والنفسيَّة؛ من خلق السماوات والأرض، وما بثَّ فيهما من الدوابِّ، وما أودعَ فيهما من المنافع، وما أنزل اللهُ من الماءِ الذي يحيي به اللهُ البلاد والعباد؛ فهذه كلُّها آياتٌ بيناتٌ وأدلة واضحاتٌ على صدقِ هذا القرآن العظيم وصحَّة ما اشتمل عليه من الحكم والأحكام، ودالاَّت أيضاً على ما لله تعالى من الكمال، وعلى البعث والنُّشور. {6 ـ 10} ثم قسَّم تعالى الناسَ بالنسبة إلى الانتفاع بآياتِهِ وعدمِهِ إلى قسمين: قسمٌ يستدلُّون بها، ويتفكَّرون بها، وينتفعون فيرتفعون، وهم المؤمنون باللهِ وملائكتِهِ وكتبِهِ ورسلِهِ واليوم الآخر إيماناً تامًّا، وصل بهم إلى درجة اليقين، فزكَّى منهم العقول، وازدادتْ به معارفُهم وألبابُهم وعلومُهم. وقسمٌ يسمعُ آيات اللة سماعاً تقومُ به الحجةُ عليه، ثم يعرِض عنها ويستكبرُ، كأنه ما سمعها؛ لأنها لم تزكِّ قلبه ولا طهَّرته، بل بسبب استكباره عنها؛ ازداد طغيانُهُ، وأنه إذا علم من آيات الله شيئاً؛ اتَّخذها هزواً، فتوعَّده الله تعالى بالويل، فقال:{ويلٌ لكلِّ أفَّاكٍ أثيم}؛ أي: كذابٍ في مقاله، أثيمٍ في فعاله، وأخبر أن له عذاباً أليماً، وأن {من ورائهم جهنَّم}: تكفي في عقوبتهم البليغة، وأنه {لا يُغني عنهم ما كَسَبوا}: من الأموال {شيئاً ولا ما اتَّخذوا من دون اللهِ أولياءَ}: يستنصرون بهم، فخذلوهم أحوجَ ما كانوا إليهم لو نفعوا. {11} فلمَّا بيَّن آياته القرآنيَّة والعيانيَّة، وأن الناس فيها على قسمين؛ أخبر أن القرآن المشتملَ على هذه المطالب العالية؛ أنَّه هدىً، فقال:{هذا هدىً}: وهذا وصفٌ عامٌّ لجميع القرآن؛ فإنَّه يهدي إلى معرفة الله تعالى بصفاته المقدَّسة وأفعاله الحميدة، ويهدي إلى معرفة رسله وأوليائهم وأعدائهم وأوصافهم، ويهدي إلى الأعمال الصالحة، ويدعو إليها، ويبيِّن الأعمال السَّيئة وينهى عنها، ويهدي إلى بيان الجزاء على الأعمال، ويبيِّن الجزاء الدُّنيويَّ والأخرويَّ؛ فالمهتدون اهتَدَوا به فأفلحوا وسعدوا. {والذين كَفَروا بآيات ربِّهم}: الواضحة القاطعة، التي لا يكفرُ بها إلاَّ من اشتدَّ ظلمُه، وتضاعف طغيانه، {لهم عذابٌ من رجزٍ أليم}.

الجاثية 45:7

وهي مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {1 ـ 2} يخبرُ تعالى خبراً يتضمَّن الأمرَ بتعظيم القرآن والاعتناء به؛ أنَّه {تنۡزيلٌ من اللهِ}: المألوه المعبود؛ لما اتَّصف به من صفاتِ الكمال، وانفردَ به من النعم، الذي له العزَّة الكاملة والحكمة التَّامَّة. {3 ـ 5} ثم أيَّد ذلك بما ذكره من الآيات الأفقيَّة والنفسيَّة؛ من خلق السماوات والأرض، وما بثَّ فيهما من الدوابِّ، وما أودعَ فيهما من المنافع، وما أنزل اللهُ من الماءِ الذي يحيي به اللهُ البلاد والعباد؛ فهذه كلُّها آياتٌ بيناتٌ وأدلة واضحاتٌ على صدقِ هذا القرآن العظيم وصحَّة ما اشتمل عليه من الحكم والأحكام، ودالاَّت أيضاً على ما لله تعالى من الكمال، وعلى البعث والنُّشور. {6 ـ 10} ثم قسَّم تعالى الناسَ بالنسبة إلى الانتفاع بآياتِهِ وعدمِهِ إلى قسمين: قسمٌ يستدلُّون بها، ويتفكَّرون بها، وينتفعون فيرتفعون، وهم المؤمنون باللهِ وملائكتِهِ وكتبِهِ ورسلِهِ واليوم الآخر إيماناً تامًّا، وصل بهم إلى درجة اليقين، فزكَّى منهم العقول، وازدادتْ به معارفُهم وألبابُهم وعلومُهم. وقسمٌ يسمعُ آيات اللة سماعاً تقومُ به الحجةُ عليه، ثم يعرِض عنها ويستكبرُ، كأنه ما سمعها؛ لأنها لم تزكِّ قلبه ولا طهَّرته، بل بسبب استكباره عنها؛ ازداد طغيانُهُ، وأنه إذا علم من آيات الله شيئاً؛ اتَّخذها هزواً، فتوعَّده الله تعالى بالويل، فقال:{ويلٌ لكلِّ أفَّاكٍ أثيم}؛ أي: كذابٍ في مقاله، أثيمٍ في فعاله، وأخبر أن له عذاباً أليماً، وأن {من ورائهم جهنَّم}: تكفي في عقوبتهم البليغة، وأنه {لا يُغني عنهم ما كَسَبوا}: من الأموال {شيئاً ولا ما اتَّخذوا من دون اللهِ أولياءَ}: يستنصرون بهم، فخذلوهم أحوجَ ما كانوا إليهم لو نفعوا. {11} فلمَّا بيَّن آياته القرآنيَّة والعيانيَّة، وأن الناس فيها على قسمين؛ أخبر أن القرآن المشتملَ على هذه المطالب العالية؛ أنَّه هدىً، فقال:{هذا هدىً}: وهذا وصفٌ عامٌّ لجميع القرآن؛ فإنَّه يهدي إلى معرفة الله تعالى بصفاته المقدَّسة وأفعاله الحميدة، ويهدي إلى معرفة رسله وأوليائهم وأعدائهم وأوصافهم، ويهدي إلى الأعمال الصالحة، ويدعو إليها، ويبيِّن الأعمال السَّيئة وينهى عنها، ويهدي إلى بيان الجزاء على الأعمال، ويبيِّن الجزاء الدُّنيويَّ والأخرويَّ؛ فالمهتدون اهتَدَوا به فأفلحوا وسعدوا. {والذين كَفَروا بآيات ربِّهم}: الواضحة القاطعة، التي لا يكفرُ بها إلاَّ من اشتدَّ ظلمُه، وتضاعف طغيانه، {لهم عذابٌ من رجزٍ أليم}.

الجاثية 45:8

وهي مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {1 ـ 2} يخبرُ تعالى خبراً يتضمَّن الأمرَ بتعظيم القرآن والاعتناء به؛ أنَّه {تنۡزيلٌ من اللهِ}: المألوه المعبود؛ لما اتَّصف به من صفاتِ الكمال، وانفردَ به من النعم، الذي له العزَّة الكاملة والحكمة التَّامَّة. {3 ـ 5} ثم أيَّد ذلك بما ذكره من الآيات الأفقيَّة والنفسيَّة؛ من خلق السماوات والأرض، وما بثَّ فيهما من الدوابِّ، وما أودعَ فيهما من المنافع، وما أنزل اللهُ من الماءِ الذي يحيي به اللهُ البلاد والعباد؛ فهذه كلُّها آياتٌ بيناتٌ وأدلة واضحاتٌ على صدقِ هذا القرآن العظيم وصحَّة ما اشتمل عليه من الحكم والأحكام، ودالاَّت أيضاً على ما لله تعالى من الكمال، وعلى البعث والنُّشور. {6 ـ 10} ثم قسَّم تعالى الناسَ بالنسبة إلى الانتفاع بآياتِهِ وعدمِهِ إلى قسمين: قسمٌ يستدلُّون بها، ويتفكَّرون بها، وينتفعون فيرتفعون، وهم المؤمنون باللهِ وملائكتِهِ وكتبِهِ ورسلِهِ واليوم الآخر إيماناً تامًّا، وصل بهم إلى درجة اليقين، فزكَّى منهم العقول، وازدادتْ به معارفُهم وألبابُهم وعلومُهم. وقسمٌ يسمعُ آيات اللة سماعاً تقومُ به الحجةُ عليه، ثم يعرِض عنها ويستكبرُ، كأنه ما سمعها؛ لأنها لم تزكِّ قلبه ولا طهَّرته، بل بسبب استكباره عنها؛ ازداد طغيانُهُ، وأنه إذا علم من آيات الله شيئاً؛ اتَّخذها هزواً، فتوعَّده الله تعالى بالويل، فقال:{ويلٌ لكلِّ أفَّاكٍ أثيم}؛ أي: كذابٍ في مقاله، أثيمٍ في فعاله، وأخبر أن له عذاباً أليماً، وأن {من ورائهم جهنَّم}: تكفي في عقوبتهم البليغة، وأنه {لا يُغني عنهم ما كَسَبوا}: من الأموال {شيئاً ولا ما اتَّخذوا من دون اللهِ أولياءَ}: يستنصرون بهم، فخذلوهم أحوجَ ما كانوا إليهم لو نفعوا. {11} فلمَّا بيَّن آياته القرآنيَّة والعيانيَّة، وأن الناس فيها على قسمين؛ أخبر أن القرآن المشتملَ على هذه المطالب العالية؛ أنَّه هدىً، فقال:{هذا هدىً}: وهذا وصفٌ عامٌّ لجميع القرآن؛ فإنَّه يهدي إلى معرفة الله تعالى بصفاته المقدَّسة وأفعاله الحميدة، ويهدي إلى معرفة رسله وأوليائهم وأعدائهم وأوصافهم، ويهدي إلى الأعمال الصالحة، ويدعو إليها، ويبيِّن الأعمال السَّيئة وينهى عنها، ويهدي إلى بيان الجزاء على الأعمال، ويبيِّن الجزاء الدُّنيويَّ والأخرويَّ؛ فالمهتدون اهتَدَوا به فأفلحوا وسعدوا. {والذين كَفَروا بآيات ربِّهم}: الواضحة القاطعة، التي لا يكفرُ بها إلاَّ من اشتدَّ ظلمُه، وتضاعف طغيانه، {لهم عذابٌ من رجزٍ أليم}.

الجاثية 45:9

وهي مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {1 ـ 2} يخبرُ تعالى خبراً يتضمَّن الأمرَ بتعظيم القرآن والاعتناء به؛ أنَّه {تنۡزيلٌ من اللهِ}: المألوه المعبود؛ لما اتَّصف به من صفاتِ الكمال، وانفردَ به من النعم، الذي له العزَّة الكاملة والحكمة التَّامَّة. {3 ـ 5} ثم أيَّد ذلك بما ذكره من الآيات الأفقيَّة والنفسيَّة؛ من خلق السماوات والأرض، وما بثَّ فيهما من الدوابِّ، وما أودعَ فيهما من المنافع، وما أنزل اللهُ من الماءِ الذي يحيي به اللهُ البلاد والعباد؛ فهذه كلُّها آياتٌ بيناتٌ وأدلة واضحاتٌ على صدقِ هذا القرآن العظيم وصحَّة ما اشتمل عليه من الحكم والأحكام، ودالاَّت أيضاً على ما لله تعالى من الكمال، وعلى البعث والنُّشور. {6 ـ 10} ثم قسَّم تعالى الناسَ بالنسبة إلى الانتفاع بآياتِهِ وعدمِهِ إلى قسمين: قسمٌ يستدلُّون بها، ويتفكَّرون بها، وينتفعون فيرتفعون، وهم المؤمنون باللهِ وملائكتِهِ وكتبِهِ ورسلِهِ واليوم الآخر إيماناً تامًّا، وصل بهم إلى درجة اليقين، فزكَّى منهم العقول، وازدادتْ به معارفُهم وألبابُهم وعلومُهم. وقسمٌ يسمعُ آيات اللة سماعاً تقومُ به الحجةُ عليه، ثم يعرِض عنها ويستكبرُ، كأنه ما سمعها؛ لأنها لم تزكِّ قلبه ولا طهَّرته، بل بسبب استكباره عنها؛ ازداد طغيانُهُ، وأنه إذا علم من آيات الله شيئاً؛ اتَّخذها هزواً، فتوعَّده الله تعالى بالويل، فقال:{ويلٌ لكلِّ أفَّاكٍ أثيم}؛ أي: كذابٍ في مقاله، أثيمٍ في فعاله، وأخبر أن له عذاباً أليماً، وأن {من ورائهم جهنَّم}: تكفي في عقوبتهم البليغة، وأنه {لا يُغني عنهم ما كَسَبوا}: من الأموال {شيئاً ولا ما اتَّخذوا من دون اللهِ أولياءَ}: يستنصرون بهم، فخذلوهم أحوجَ ما كانوا إليهم لو نفعوا. {11} فلمَّا بيَّن آياته القرآنيَّة والعيانيَّة، وأن الناس فيها على قسمين؛ أخبر أن القرآن المشتملَ على هذه المطالب العالية؛ أنَّه هدىً، فقال:{هذا هدىً}: وهذا وصفٌ عامٌّ لجميع القرآن؛ فإنَّه يهدي إلى معرفة الله تعالى بصفاته المقدَّسة وأفعاله الحميدة، ويهدي إلى معرفة رسله وأوليائهم وأعدائهم وأوصافهم، ويهدي إلى الأعمال الصالحة، ويدعو إليها، ويبيِّن الأعمال السَّيئة وينهى عنها، ويهدي إلى بيان الجزاء على الأعمال، ويبيِّن الجزاء الدُّنيويَّ والأخرويَّ؛ فالمهتدون اهتَدَوا به فأفلحوا وسعدوا. {والذين كَفَروا بآيات ربِّهم}: الواضحة القاطعة، التي لا يكفرُ بها إلاَّ من اشتدَّ ظلمُه، وتضاعف طغيانه، {لهم عذابٌ من رجزٍ أليم}.

الجاثية 45:10

وهي مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {1 ـ 2} يخبرُ تعالى خبراً يتضمَّن الأمرَ بتعظيم القرآن والاعتناء به؛ أنَّه {تنۡزيلٌ من اللهِ}: المألوه المعبود؛ لما اتَّصف به من صفاتِ الكمال، وانفردَ به من النعم، الذي له العزَّة الكاملة والحكمة التَّامَّة. {3 ـ 5} ثم أيَّد ذلك بما ذكره من الآيات الأفقيَّة والنفسيَّة؛ من خلق السماوات والأرض، وما بثَّ فيهما من الدوابِّ، وما أودعَ فيهما من المنافع، وما أنزل اللهُ من الماءِ الذي يحيي به اللهُ البلاد والعباد؛ فهذه كلُّها آياتٌ بيناتٌ وأدلة واضحاتٌ على صدقِ هذا القرآن العظيم وصحَّة ما اشتمل عليه من الحكم والأحكام، ودالاَّت أيضاً على ما لله تعالى من الكمال، وعلى البعث والنُّشور. {6 ـ 10} ثم قسَّم تعالى الناسَ بالنسبة إلى الانتفاع بآياتِهِ وعدمِهِ إلى قسمين: قسمٌ يستدلُّون بها، ويتفكَّرون بها، وينتفعون فيرتفعون، وهم المؤمنون باللهِ وملائكتِهِ وكتبِهِ ورسلِهِ واليوم الآخر إيماناً تامًّا، وصل بهم إلى درجة اليقين، فزكَّى منهم العقول، وازدادتْ به معارفُهم وألبابُهم وعلومُهم. وقسمٌ يسمعُ آيات اللة سماعاً تقومُ به الحجةُ عليه، ثم يعرِض عنها ويستكبرُ، كأنه ما سمعها؛ لأنها لم تزكِّ قلبه ولا طهَّرته، بل بسبب استكباره عنها؛ ازداد طغيانُهُ، وأنه إذا علم من آيات الله شيئاً؛ اتَّخذها هزواً، فتوعَّده الله تعالى بالويل، فقال:{ويلٌ لكلِّ أفَّاكٍ أثيم}؛ أي: كذابٍ في مقاله، أثيمٍ في فعاله، وأخبر أن له عذاباً أليماً، وأن {من ورائهم جهنَّم}: تكفي في عقوبتهم البليغة، وأنه {لا يُغني عنهم ما كَسَبوا}: من الأموال {شيئاً ولا ما اتَّخذوا من دون اللهِ أولياءَ}: يستنصرون بهم، فخذلوهم أحوجَ ما كانوا إليهم لو نفعوا. {11} فلمَّا بيَّن آياته القرآنيَّة والعيانيَّة، وأن الناس فيها على قسمين؛ أخبر أن القرآن المشتملَ على هذه المطالب العالية؛ أنَّه هدىً، فقال:{هذا هدىً}: وهذا وصفٌ عامٌّ لجميع القرآن؛ فإنَّه يهدي إلى معرفة الله تعالى بصفاته المقدَّسة وأفعاله الحميدة، ويهدي إلى معرفة رسله وأوليائهم وأعدائهم وأوصافهم، ويهدي إلى الأعمال الصالحة، ويدعو إليها، ويبيِّن الأعمال السَّيئة وينهى عنها، ويهدي إلى بيان الجزاء على الأعمال، ويبيِّن الجزاء الدُّنيويَّ والأخرويَّ؛ فالمهتدون اهتَدَوا به فأفلحوا وسعدوا. {والذين كَفَروا بآيات ربِّهم}: الواضحة القاطعة، التي لا يكفرُ بها إلاَّ من اشتدَّ ظلمُه، وتضاعف طغيانه، {لهم عذابٌ من رجزٍ أليم}.

الجاثية 45:11

وهي مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {1 ـ 2} يخبرُ تعالى خبراً يتضمَّن الأمرَ بتعظيم القرآن والاعتناء به؛ أنَّه {تنۡزيلٌ من اللهِ}: المألوه المعبود؛ لما اتَّصف به من صفاتِ الكمال، وانفردَ به من النعم، الذي له العزَّة الكاملة والحكمة التَّامَّة. {3 ـ 5} ثم أيَّد ذلك بما ذكره من الآيات الأفقيَّة والنفسيَّة؛ من خلق السماوات والأرض، وما بثَّ فيهما من الدوابِّ، وما أودعَ فيهما من المنافع، وما أنزل اللهُ من الماءِ الذي يحيي به اللهُ البلاد والعباد؛ فهذه كلُّها آياتٌ بيناتٌ وأدلة واضحاتٌ على صدقِ هذا القرآن العظيم وصحَّة ما اشتمل عليه من الحكم والأحكام، ودالاَّت أيضاً على ما لله تعالى من الكمال، وعلى البعث والنُّشور. {6 ـ 10} ثم قسَّم تعالى الناسَ بالنسبة إلى الانتفاع بآياتِهِ وعدمِهِ إلى قسمين: قسمٌ يستدلُّون بها، ويتفكَّرون بها، وينتفعون فيرتفعون، وهم المؤمنون باللهِ وملائكتِهِ وكتبِهِ ورسلِهِ واليوم الآخر إيماناً تامًّا، وصل بهم إلى درجة اليقين، فزكَّى منهم العقول، وازدادتْ به معارفُهم وألبابُهم وعلومُهم. وقسمٌ يسمعُ آيات اللة سماعاً تقومُ به الحجةُ عليه، ثم يعرِض عنها ويستكبرُ، كأنه ما سمعها؛ لأنها لم تزكِّ قلبه ولا طهَّرته، بل بسبب استكباره عنها؛ ازداد طغيانُهُ، وأنه إذا علم من آيات الله شيئاً؛ اتَّخذها هزواً، فتوعَّده الله تعالى بالويل، فقال:{ويلٌ لكلِّ أفَّاكٍ أثيم}؛ أي: كذابٍ في مقاله، أثيمٍ في فعاله، وأخبر أن له عذاباً أليماً، وأن {من ورائهم جهنَّم}: تكفي في عقوبتهم البليغة، وأنه {لا يُغني عنهم ما كَسَبوا}: من الأموال {شيئاً ولا ما اتَّخذوا من دون اللهِ أولياءَ}: يستنصرون بهم، فخذلوهم أحوجَ ما كانوا إليهم لو نفعوا. {11} فلمَّا بيَّن آياته القرآنيَّة والعيانيَّة، وأن الناس فيها على قسمين؛ أخبر أن القرآن المشتملَ على هذه المطالب العالية؛ أنَّه هدىً، فقال:{هذا هدىً}: وهذا وصفٌ عامٌّ لجميع القرآن؛ فإنَّه يهدي إلى معرفة الله تعالى بصفاته المقدَّسة وأفعاله الحميدة، ويهدي إلى معرفة رسله وأوليائهم وأعدائهم وأوصافهم، ويهدي إلى الأعمال الصالحة، ويدعو إليها، ويبيِّن الأعمال السَّيئة وينهى عنها، ويهدي إلى بيان الجزاء على الأعمال، ويبيِّن الجزاء الدُّنيويَّ والأخرويَّ؛ فالمهتدون اهتَدَوا به فأفلحوا وسعدوا. {والذين كَفَروا بآيات ربِّهم}: الواضحة القاطعة، التي لا يكفرُ بها إلاَّ من اشتدَّ ظلمُه، وتضاعف طغيانه، {لهم عذابٌ من رجزٍ أليم}.

الجاثية 45:12

{12} يخبر تعالى عن فضله على عباده وإحسانه إليهم بتسخير البحر لسير المراكب والسُّفن بأمره وتيسيره ، {لتَبۡتَغوا من فضله}: بأنواع التجارات والمكاسب، {ولعلَّكم تشكرون}: الله تعالى؛ فإنكم إذا شكرتُموه؛ زادكم من نعمِهِ وأثابكم على شكركم أجراً جزيلاً. {13}{وسخَّر لكم ما في السمواتِ وما في الأرض جميعاً منه}؛ أي: من فضله وإحسانه، وهذا شامل لأجرام السماواتِ والأرض، ولما أودعَ الله فيهما من الشمس والقمر والكواكب الثَّوابت والسيَّارات وأنواع الحيوانات وأصناف الأشجار والثَّمرات وأجناس المعادن وغير ذلك ممَّا هو معدٌّ لمصالح بني آدم ومصالح ما هو من ضروراتِهِ؛ فهذا يوجب عليهم أن يبذلوا غايةَ جهدِهِم في شكر نعمته، وأن تغلغلَ أفكارهم في تدبُّر آياته وحكمِهِ، ولهذا قال:{إنَّ في ذلك لآياتٍ لقوم يتفكَّرون}. وجملة ذلك أنَّ خلقها وتدبيرها وتسخيرها دالٌّ على نفوذ مشيئة الله وكمال قدرتِهِ. وما فيها من الإحكام والإتقان وبديع الصنعة وحسن الخِلْقة دالٌّ على كمال حكمته وعلمه. وما فيها من السعة والعظمة والكثرة دالٌّ على سعة ملكه وسلطانه. وما فيها من التخصيصات والأشياء المتضادَّات دليلٌ على أنه الفعَّال لما يريد. وما فيها من المنافع والمصالح الدينيَّة والدنيويَّة دليلٌ على سعة رحمته وشمول فضلِهِ وإحسانِهِ وبديع لطفهِ وبرِّه، وكلُّ ذلك دالٌّ على أنّه وحدَه المألوه المعبودُ الذي لا تنبغي العبادة والذُّلُّ والمحبَّة إلا له، وأنَّ رسله صادقون فيما جاؤوا به. فهذه أدلةٌ عقليةٌ واضحةٌ لا تقبل ريباً ولا شكًّا.

الجاثية 45:13

{12} يخبر تعالى عن فضله على عباده وإحسانه إليهم بتسخير البحر لسير المراكب والسُّفن بأمره وتيسيره ، {لتَبۡتَغوا من فضله}: بأنواع التجارات والمكاسب، {ولعلَّكم تشكرون}: الله تعالى؛ فإنكم إذا شكرتُموه؛ زادكم من نعمِهِ وأثابكم على شكركم أجراً جزيلاً. {13}{وسخَّر لكم ما في السمواتِ وما في الأرض جميعاً منه}؛ أي: من فضله وإحسانه، وهذا شامل لأجرام السماواتِ والأرض، ولما أودعَ الله فيهما من الشمس والقمر والكواكب الثَّوابت والسيَّارات وأنواع الحيوانات وأصناف الأشجار والثَّمرات وأجناس المعادن وغير ذلك ممَّا هو معدٌّ لمصالح بني آدم ومصالح ما هو من ضروراتِهِ؛ فهذا يوجب عليهم أن يبذلوا غايةَ جهدِهِم في شكر نعمته، وأن تغلغلَ أفكارهم في تدبُّر آياته وحكمِهِ، ولهذا قال:{إنَّ في ذلك لآياتٍ لقوم يتفكَّرون}. وجملة ذلك أنَّ خلقها وتدبيرها وتسخيرها دالٌّ على نفوذ مشيئة الله وكمال قدرتِهِ. وما فيها من الإحكام والإتقان وبديع الصنعة وحسن الخِلْقة دالٌّ على كمال حكمته وعلمه. وما فيها من السعة والعظمة والكثرة دالٌّ على سعة ملكه وسلطانه. وما فيها من التخصيصات والأشياء المتضادَّات دليلٌ على أنه الفعَّال لما يريد. وما فيها من المنافع والمصالح الدينيَّة والدنيويَّة دليلٌ على سعة رحمته وشمول فضلِهِ وإحسانِهِ وبديع لطفهِ وبرِّه، وكلُّ ذلك دالٌّ على أنّه وحدَه المألوه المعبودُ الذي لا تنبغي العبادة والذُّلُّ والمحبَّة إلا له، وأنَّ رسله صادقون فيما جاؤوا به. فهذه أدلةٌ عقليةٌ واضحةٌ لا تقبل ريباً ولا شكًّا.

الجاثية 45:14

{14 ـ 15} يأمر تعالى عبادَه المؤمنين بحسن الخلق والصَّبر على أذيَّة المشركين به الذين {لا يرجون أيام الله}؛ أي: لا يرجون ثوابَه ولا يخافون وقائعَه في العاصين؛ فإنَّه تعالى سيجزي كلَّ قوم {بما كانوا يكسبون}: فأنتم يا معشر المؤمنين يجزيكم على إيمانكم وصفحكم وصبركم ثواباً جزيلاً، وهم إن استمرُّوا على تكذيبهم؛ فلا يحلُّ بكم ما حلَّ بهم من العذاب الشديد والخزي، ولهذا قال:{مَن عَمِلَ صالحاً فلنفسِهِ ومَن أساءَ فعليها ثم إلى ربِّكم تُرۡجَعون}.

الجاثية 45:15

{14 ـ 15} يأمر تعالى عبادَه المؤمنين بحسن الخلق والصَّبر على أذيَّة المشركين به الذين {لا يرجون أيام الله}؛ أي: لا يرجون ثوابَه ولا يخافون وقائعَه في العاصين؛ فإنَّه تعالى سيجزي كلَّ قوم {بما كانوا يكسبون}: فأنتم يا معشر المؤمنين يجزيكم على إيمانكم وصفحكم وصبركم ثواباً جزيلاً، وهم إن استمرُّوا على تكذيبهم؛ فلا يحلُّ بكم ما حلَّ بهم من العذاب الشديد والخزي، ولهذا قال:{مَن عَمِلَ صالحاً فلنفسِهِ ومَن أساءَ فعليها ثم إلى ربِّكم تُرۡجَعون}.

الجاثية 45:16

{16} أي: ولقد أنعمنا على بني إسرائيل نعماً لم تحصُل لغيرهم من الناس، وآتيناهم {الكتاب}؛ أي: التوراة والإنجيل والحكم بين الناس والنبوَّة التي امتازوا بها، وصارت النبوَّة في ذرِّيَّة إبراهيم عليه السلام، أكثرهم من بني إسرائيل، {ورزَقۡناهم من الطيِّبات}: من المآكل والمشارب والملابس وإنزال المنِّ والسلوى عليهم، {وفضَّلناهم على العالمين}؛ أي: على الخلق بهذه النعم. ويخرج من هذا العموم اللفظي هذه الأمة؛ فإنهم خير أمة أخرجت للناس، والسياق يدلُّ على أن المراد غير هذه الأمة؛ فإن الله يقصُّ علينا ما امتنَّ به على بني إسرائيل وميَّزهم على غيرهم. وأيضاً؛ فإن الفضائل التي فاق بها بنو إسرائيل من الكتاب والحكم والنبوة وغيرها من النعوت قد حصلت كلُّها لهذه الأمة، وزادت عليهم هذه الأمة فضائل كثيرة؛ فهذه الشريعة شريعة بني إسرائيل جزء منها؛ فإنَّ هذا الكتاب مهيمنٌ على سائر الكتب السابقة، ومحمدٌ - صلى الله عليه وسلم - مصدِّق لجميع المرسلين. {17}{وآتيناهم}؛ أي: آتينا بني إسرائيل {بيناتٍ}؛ أي: دلالاتٍ تبيِّن الحقَّ من الباطل {من الأمر}: القدريّ الذي أوصله الله إليهم، وتلك الآيات هي المعجزاتُ التي رأوها على يد موسى عليه السلام؛ فهذه النعم التي أنعم الله بها على بني إسرائيل تقتضي الحالُ أن يقوموا بها على أكمل الوجوه، وأنْ يجتمعوا على الحقِّ الذي بيَّنه الله لهم، ولكن انعكسَ الأمر، فعاملوها بعكس ما يجبُ، وافترقوا فيما أمروا بالاجتماع به، ولهذا قال:{فما اختلفوا إلاَّ من بعدِ ما جاءهم العلمُ}؛ أي: الموجب لعدم الاختلاف، وإنَّما حملهم على الاختلاف، البغيُ من بعضهم على بعض والظُّلم. {إنَّ ربَّك يقضي بينهم يوم القيامةِ فيما كانوا فيه يختلفون}: فيميِّز المحقَّ من المبطل، والذي حمله على الاختلاف الهوى أو غيره.

الجاثية 45:17

{16} أي: ولقد أنعمنا على بني إسرائيل نعماً لم تحصُل لغيرهم من الناس، وآتيناهم {الكتاب}؛ أي: التوراة والإنجيل والحكم بين الناس والنبوَّة التي امتازوا بها، وصارت النبوَّة في ذرِّيَّة إبراهيم عليه السلام، أكثرهم من بني إسرائيل، {ورزَقۡناهم من الطيِّبات}: من المآكل والمشارب والملابس وإنزال المنِّ والسلوى عليهم، {وفضَّلناهم على العالمين}؛ أي: على الخلق بهذه النعم. ويخرج من هذا العموم اللفظي هذه الأمة؛ فإنهم خير أمة أخرجت للناس، والسياق يدلُّ على أن المراد غير هذه الأمة؛ فإن الله يقصُّ علينا ما امتنَّ به على بني إسرائيل وميَّزهم على غيرهم. وأيضاً؛ فإن الفضائل التي فاق بها بنو إسرائيل من الكتاب والحكم والنبوة وغيرها من النعوت قد حصلت كلُّها لهذه الأمة، وزادت عليهم هذه الأمة فضائل كثيرة؛ فهذه الشريعة شريعة بني إسرائيل جزء منها؛ فإنَّ هذا الكتاب مهيمنٌ على سائر الكتب السابقة، ومحمدٌ - صلى الله عليه وسلم - مصدِّق لجميع المرسلين. {17}{وآتيناهم}؛ أي: آتينا بني إسرائيل {بيناتٍ}؛ أي: دلالاتٍ تبيِّن الحقَّ من الباطل {من الأمر}: القدريّ الذي أوصله الله إليهم، وتلك الآيات هي المعجزاتُ التي رأوها على يد موسى عليه السلام؛ فهذه النعم التي أنعم الله بها على بني إسرائيل تقتضي الحالُ أن يقوموا بها على أكمل الوجوه، وأنْ يجتمعوا على الحقِّ الذي بيَّنه الله لهم، ولكن انعكسَ الأمر، فعاملوها بعكس ما يجبُ، وافترقوا فيما أمروا بالاجتماع به، ولهذا قال:{فما اختلفوا إلاَّ من بعدِ ما جاءهم العلمُ}؛ أي: الموجب لعدم الاختلاف، وإنَّما حملهم على الاختلاف، البغيُ من بعضهم على بعض والظُّلم. {إنَّ ربَّك يقضي بينهم يوم القيامةِ فيما كانوا فيه يختلفون}: فيميِّز المحقَّ من المبطل، والذي حمله على الاختلاف الهوى أو غيره.

الجاثية 45:18

{18} أي: ثمَّ شرعنا لك شريعةً كاملةً تدعو إلى كلِّ خير، وتنهى عن كل شرٍّ من أمرنا الشرعيِّ، {فاتَّبِعۡها}؛ فإنَّ في اتِّباعها السعادة الأبديَّة والصلاح والفلاح، {ولا تتَّبِعۡ أهواء الذين لا يعلمونَ}؛ أي: الذين تكون أهويتُهم غيرَ تابعةٍ للعلم ولا ماشيةٍ خلفه، وهم كلُّ من خالف شريعةَ الرسول - صلى الله عليه وسلم - هواه وإرادتُه؛ فإنَّه من أهواء الذين لا يعلمون. {19}{إنَّهم لن يُغنوا عنك من اللهِ شيئاً}؛ أي: لا ينفعونك عند الله، فيحصِّلوا لك الخير، ويدفعوا عنك الشرَّ إنِ اتَّبعتهم على أهوائهم، ولا تصلُحُ أن توافِقَهم وتوالِيَهم؛ فإنَّك وإياهم متباينون، وبعضهم وليٌّ لبعض. {والله وليُّ المتَّقين}: يخرجهم من الظلمات إلى النور بسبب تقواهم وعملهم بطاعته.

الجاثية 45:19

{18} أي: ثمَّ شرعنا لك شريعةً كاملةً تدعو إلى كلِّ خير، وتنهى عن كل شرٍّ من أمرنا الشرعيِّ، {فاتَّبِعۡها}؛ فإنَّ في اتِّباعها السعادة الأبديَّة والصلاح والفلاح، {ولا تتَّبِعۡ أهواء الذين لا يعلمونَ}؛ أي: الذين تكون أهويتُهم غيرَ تابعةٍ للعلم ولا ماشيةٍ خلفه، وهم كلُّ من خالف شريعةَ الرسول - صلى الله عليه وسلم - هواه وإرادتُه؛ فإنَّه من أهواء الذين لا يعلمون. {19}{إنَّهم لن يُغنوا عنك من اللهِ شيئاً}؛ أي: لا ينفعونك عند الله، فيحصِّلوا لك الخير، ويدفعوا عنك الشرَّ إنِ اتَّبعتهم على أهوائهم، ولا تصلُحُ أن توافِقَهم وتوالِيَهم؛ فإنَّك وإياهم متباينون، وبعضهم وليٌّ لبعض. {والله وليُّ المتَّقين}: يخرجهم من الظلمات إلى النور بسبب تقواهم وعملهم بطاعته.

الجاثية 45:20

{20} أي: {هذا} القرآن الكريم والذِّكْر الحكيم {بصائرُ للناس}؛ أي: يحصُلُ به التبصرةُ في جميع الأمور للناس، فيحصُلُ به الانتفاع للمؤمنين، {و} الهدى والرحمةُ {لقوم يوقنونَ}: فيهتدون به إلى الصراط المستقيم في أصول الدِّين وفروعه، ويحصُلُ به الخير والسرور والسعادة في الدُّنيا والآخرة، وهي الرحمة، فتزكو به نفوسُهم، وتزدادُ به عقولُهم، ويزيدُ به إيمانُهم ويقينُهم، وتقوم به الحجَّةُ على من أصرَّ وعاند.

الجاثية 45:21

{21} أي: أم حسب المسيئون المكثِرون من الذُّنوب المقصِّرون في حقوق ربِّهم، {أن نجعَلَهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات}: بأن قاموا بحقوق ربِّهم، واجتنبوا مساخِطَه، ولم يزالوا مؤثِرين رضاه على هوى أنفسهم؛ أي: أحسبوا أن يكونوا {سواءً} في الدُّنيا والآخرة؟ ساء ما ظنُّوا وحسبوا، وساء ما حكموا به؛ فإنَّه حكمٌ يخالف حكمة أحكم الحاكمين وخير العادلين، ويناقِضُ العقول السليمة والفطر المستقيمة، ويضادُّ ما نزلت به الكتب وأخبرت به الرُّسل، بل الحكم الواقع القطعيُّ أنَّ المؤمنين العاملين الصالحات، لهم النَّصر والفلاح والسعادة والثواب في العاجل والآجل؛ كلٌّ على قدر إحسانه، وأنَّ المسيئين لهم الغضبُ والإهانةُ والعذاب والشقاء في الدُّنيا والآخرة.

الجاثية 45:22

{22} أي: خلق الله السماواتِ والأرضَ بالحكمة، ولِيُعْبَدَ وحدَه لا شريك له، ثم يجازي بعد ذلك من أمرهم بعبادته، وأنعم عليهم بالنِّعم الظاهرة والباطنة؛ هل شكروا الله تعالى وقاموا بالمأمور؟ أم كفروا فاستحقُّوا جزاء الكَفور؟

الجاثية 45:23

{23} يقول تعالى: {أفرأيتَ}: الرجل الضالَّ الذي، {اتَّخذ إلهه هواهُ}: فما هَوِيَهُ سلكه؛ سواء كان يُرْضي الله أم يسخطه، {وأضلَّه الله على علم}: من الله [تعالى] أنَّه لا تَليق به الهداية. ولا يزكو عليها، {وخَتَمَ على سمعِهِ}: فلا يسمع ما ينفعُه، {وقلبِهِ}: فلا يعي الخير، {وجَعَلَ على بصرِهِ غشاوةً}: تمنعُه من نظر الحقِّ. {فمن يهديه من بعد الله}؛ أي: لا أحد يهديه، وقد سدَّ الله عليه أبوابَ الهداية، وفتح له أبواب الغِواية، وما ظلمه الله، ولكن هو الذي ظلم نفسه، وتسبَّب لمنع رحمة الله عليه. {أفلا تذكَّرون}: ما ينفعكم فتسلكونه وما يضرُّكم فتجتنبونه؟! {24}{وقالوا}؛ أي: منكرو البعث: {ما هي إلاَّ حياتُنا الدُّنيا نموت ونحيا وما يُهۡلِكُنا إلاَّ الدَّهر}: إن هي إلاَّ عاداتٌ وجريٌ على رسوم الليل والنهار، يموت أناس ويحيا أناس، وما مات؛ فليس براجع إلى الله ولا مجازيه بعمله. وقولهم هذا صادرٌ عن غير علم، {إنۡ هم إلاَّ يظنُّون}: فأنكروا المعاد، وكذبوا الرسل الصادقين من غير دليل دلَّهم ولا برهان، إنْ هي إلاَّ ظنون واستبعاداتٌ خالية عن الحقيقة. {25} ولهذا قال تعالى: {وإذا تُتلى عليهم آياتُنا بيِّناتٍ ما كان حجَّتَهم إلاَّ أن قالوا ائتوا بآبائنا إن كنتُم صادقين}: وهذا جراءة منهم على الله؛ حيث اقترحوا هذا الاقتراح، وزعموا أنَّ صدق رسل الله متوقِّف على الإتيان بآبائهم، وإنَّهم لو جاؤوهم بكلِّ آيةٍ؛ لم يؤمنوا؛ إلاَّ إن اتَّبعتهم الرسل على ما قالوا، وهم كَذَبَةٌ فيما قالوا، وإنما قصدُهم دفع دعوة الرسل، لا بيانُ الحق. {26} قال تعالى: {قلِ اللهُ يحييكم ثم يميتُكم ثم يجمعُكم إلى يوم القيامةِ لا ريبَ فيه ولكنَّ أكثر الناس لا يعلمون}: وإلاَّ؛ فلو وصل العلم باليوم الآخر إلى قلوبهم؛ لعملوا له أعمالاً وتهيؤوا له.

الجاثية 45:24

{23} يقول تعالى: {أفرأيتَ}: الرجل الضالَّ الذي، {اتَّخذ إلهه هواهُ}: فما هَوِيَهُ سلكه؛ سواء كان يُرْضي الله أم يسخطه، {وأضلَّه الله على علم}: من الله [تعالى] أنَّه لا تَليق به الهداية. ولا يزكو عليها، {وخَتَمَ على سمعِهِ}: فلا يسمع ما ينفعُه، {وقلبِهِ}: فلا يعي الخير، {وجَعَلَ على بصرِهِ غشاوةً}: تمنعُه من نظر الحقِّ. {فمن يهديه من بعد الله}؛ أي: لا أحد يهديه، وقد سدَّ الله عليه أبوابَ الهداية، وفتح له أبواب الغِواية، وما ظلمه الله، ولكن هو الذي ظلم نفسه، وتسبَّب لمنع رحمة الله عليه. {أفلا تذكَّرون}: ما ينفعكم فتسلكونه وما يضرُّكم فتجتنبونه؟! {24}{وقالوا}؛ أي: منكرو البعث: {ما هي إلاَّ حياتُنا الدُّنيا نموت ونحيا وما يُهۡلِكُنا إلاَّ الدَّهر}: إن هي إلاَّ عاداتٌ وجريٌ على رسوم الليل والنهار، يموت أناس ويحيا أناس، وما مات؛ فليس براجع إلى الله ولا مجازيه بعمله. وقولهم هذا صادرٌ عن غير علم، {إنۡ هم إلاَّ يظنُّون}: فأنكروا المعاد، وكذبوا الرسل الصادقين من غير دليل دلَّهم ولا برهان، إنْ هي إلاَّ ظنون واستبعاداتٌ خالية عن الحقيقة. {25} ولهذا قال تعالى: {وإذا تُتلى عليهم آياتُنا بيِّناتٍ ما كان حجَّتَهم إلاَّ أن قالوا ائتوا بآبائنا إن كنتُم صادقين}: وهذا جراءة منهم على الله؛ حيث اقترحوا هذا الاقتراح، وزعموا أنَّ صدق رسل الله متوقِّف على الإتيان بآبائهم، وإنَّهم لو جاؤوهم بكلِّ آيةٍ؛ لم يؤمنوا؛ إلاَّ إن اتَّبعتهم الرسل على ما قالوا، وهم كَذَبَةٌ فيما قالوا، وإنما قصدُهم دفع دعوة الرسل، لا بيانُ الحق. {26} قال تعالى: {قلِ اللهُ يحييكم ثم يميتُكم ثم يجمعُكم إلى يوم القيامةِ لا ريبَ فيه ولكنَّ أكثر الناس لا يعلمون}: وإلاَّ؛ فلو وصل العلم باليوم الآخر إلى قلوبهم؛ لعملوا له أعمالاً وتهيؤوا له.

الجاثية 45:25

{23} يقول تعالى: {أفرأيتَ}: الرجل الضالَّ الذي، {اتَّخذ إلهه هواهُ}: فما هَوِيَهُ سلكه؛ سواء كان يُرْضي الله أم يسخطه، {وأضلَّه الله على علم}: من الله [تعالى] أنَّه لا تَليق به الهداية. ولا يزكو عليها، {وخَتَمَ على سمعِهِ}: فلا يسمع ما ينفعُه، {وقلبِهِ}: فلا يعي الخير، {وجَعَلَ على بصرِهِ غشاوةً}: تمنعُه من نظر الحقِّ. {فمن يهديه من بعد الله}؛ أي: لا أحد يهديه، وقد سدَّ الله عليه أبوابَ الهداية، وفتح له أبواب الغِواية، وما ظلمه الله، ولكن هو الذي ظلم نفسه، وتسبَّب لمنع رحمة الله عليه. {أفلا تذكَّرون}: ما ينفعكم فتسلكونه وما يضرُّكم فتجتنبونه؟! {24}{وقالوا}؛ أي: منكرو البعث: {ما هي إلاَّ حياتُنا الدُّنيا نموت ونحيا وما يُهۡلِكُنا إلاَّ الدَّهر}: إن هي إلاَّ عاداتٌ وجريٌ على رسوم الليل والنهار، يموت أناس ويحيا أناس، وما مات؛ فليس براجع إلى الله ولا مجازيه بعمله. وقولهم هذا صادرٌ عن غير علم، {إنۡ هم إلاَّ يظنُّون}: فأنكروا المعاد، وكذبوا الرسل الصادقين من غير دليل دلَّهم ولا برهان، إنْ هي إلاَّ ظنون واستبعاداتٌ خالية عن الحقيقة. {25} ولهذا قال تعالى: {وإذا تُتلى عليهم آياتُنا بيِّناتٍ ما كان حجَّتَهم إلاَّ أن قالوا ائتوا بآبائنا إن كنتُم صادقين}: وهذا جراءة منهم على الله؛ حيث اقترحوا هذا الاقتراح، وزعموا أنَّ صدق رسل الله متوقِّف على الإتيان بآبائهم، وإنَّهم لو جاؤوهم بكلِّ آيةٍ؛ لم يؤمنوا؛ إلاَّ إن اتَّبعتهم الرسل على ما قالوا، وهم كَذَبَةٌ فيما قالوا، وإنما قصدُهم دفع دعوة الرسل، لا بيانُ الحق. {26} قال تعالى: {قلِ اللهُ يحييكم ثم يميتُكم ثم يجمعُكم إلى يوم القيامةِ لا ريبَ فيه ولكنَّ أكثر الناس لا يعلمون}: وإلاَّ؛ فلو وصل العلم باليوم الآخر إلى قلوبهم؛ لعملوا له أعمالاً وتهيؤوا له.

الجاثية 45:26

{23} يقول تعالى: {أفرأيتَ}: الرجل الضالَّ الذي، {اتَّخذ إلهه هواهُ}: فما هَوِيَهُ سلكه؛ سواء كان يُرْضي الله أم يسخطه، {وأضلَّه الله على علم}: من الله [تعالى] أنَّه لا تَليق به الهداية. ولا يزكو عليها، {وخَتَمَ على سمعِهِ}: فلا يسمع ما ينفعُه، {وقلبِهِ}: فلا يعي الخير، {وجَعَلَ على بصرِهِ غشاوةً}: تمنعُه من نظر الحقِّ. {فمن يهديه من بعد الله}؛ أي: لا أحد يهديه، وقد سدَّ الله عليه أبوابَ الهداية، وفتح له أبواب الغِواية، وما ظلمه الله، ولكن هو الذي ظلم نفسه، وتسبَّب لمنع رحمة الله عليه. {أفلا تذكَّرون}: ما ينفعكم فتسلكونه وما يضرُّكم فتجتنبونه؟! {24}{وقالوا}؛ أي: منكرو البعث: {ما هي إلاَّ حياتُنا الدُّنيا نموت ونحيا وما يُهۡلِكُنا إلاَّ الدَّهر}: إن هي إلاَّ عاداتٌ وجريٌ على رسوم الليل والنهار، يموت أناس ويحيا أناس، وما مات؛ فليس براجع إلى الله ولا مجازيه بعمله. وقولهم هذا صادرٌ عن غير علم، {إنۡ هم إلاَّ يظنُّون}: فأنكروا المعاد، وكذبوا الرسل الصادقين من غير دليل دلَّهم ولا برهان، إنْ هي إلاَّ ظنون واستبعاداتٌ خالية عن الحقيقة. {25} ولهذا قال تعالى: {وإذا تُتلى عليهم آياتُنا بيِّناتٍ ما كان حجَّتَهم إلاَّ أن قالوا ائتوا بآبائنا إن كنتُم صادقين}: وهذا جراءة منهم على الله؛ حيث اقترحوا هذا الاقتراح، وزعموا أنَّ صدق رسل الله متوقِّف على الإتيان بآبائهم، وإنَّهم لو جاؤوهم بكلِّ آيةٍ؛ لم يؤمنوا؛ إلاَّ إن اتَّبعتهم الرسل على ما قالوا، وهم كَذَبَةٌ فيما قالوا، وإنما قصدُهم دفع دعوة الرسل، لا بيانُ الحق. {26} قال تعالى: {قلِ اللهُ يحييكم ثم يميتُكم ثم يجمعُكم إلى يوم القيامةِ لا ريبَ فيه ولكنَّ أكثر الناس لا يعلمون}: وإلاَّ؛ فلو وصل العلم باليوم الآخر إلى قلوبهم؛ لعملوا له أعمالاً وتهيؤوا له.

الجاثية 45:27

{27} يخبر تعالى عن سعة ملكِهِ وانفرادِهِ بالتصرُّف والتدبير في جميع الأوقات، وأنَّه {يوم تقومُ الساعةُ}؛ ويَجمع الخلائق لموقف القيامة؛ يحصُلُ الخسار على المبطلين، الذين أتوا بالباطل ليدحِضوا به الحقَّ، وكانت أعمالهم باطلةً لأنَّها متعلِّقة بالباطل، فبطلت في يوم القيامة، اليوم الذي تستبين فيه الحقائق واضمحلَّت عنهم، وفاتَهم الثوابُ، وحصلوا على أليم العقاب. {28} ثم وصف تعالى شدَّة يوم القيامةِ وهَوْلَهُ ليحذره العباد ويستعدَّ له العُبَّاد، فقال:{وترى}: أيُّها الرائي لذلك اليوم، {كلَّ أمَّةٍ جاثيةً}: على ركبها خوفاً وذعراً وانتظاراً لحكم الملك الرحمن. {كلُّ أمة تُدعى إلى كتابها}؛ أي: إلى شريعة نبيِّهم الذي جاءهم من عند الله، وهل قاموا بها فيحصُلُ [لهم] الثواب والنجاة؟ أم ضيعوها فيحصُلُ لهم الخسران؟ فأمَّة موسى يُدعون إلى شريعة موسى، وأمَّة عيسى كذلك، وأمَّة محمد كذلك، وهكذا غيرهم؛ كلُّ أمة تُدعى إلى شرعها الذي كلفت به، هذا أحد الاحتمالات في الآية، وهو معنى صحيحٌ في نفسه، غير مشكوك فيه. ويحتمل أن المراد بقوله:{كلُّ أمَّة تُدعى إلى كتابها}؛ أي: إلى كتاب أعمالها وما سطر عليها من خير وشرٍّ، وأنَّ كلَّ أحدٍ يُجازى بما عمله بنفسه؛ كقوله تعالى:{مَنۡ عَمِلَ صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها}. ويحتمل أن المعنيين كليهما مرادٌ من الآية. {29} ويدل على هذا قولُه: {هذا كتابُنا ينطِقُ عليكم بالحقِّ}؛ أي: هذا كتابنا الذي أنزلنا عليكم يفصِلُ [بينكم] بالحقِّ الذي هو العدل، {إنَّا كنا نَسۡتَنسِخُ ما كنتُم تعملون}: فهذا كتابُ الأعمال. {30} ولهذا فصَّل ما يفعل الله بالفريقين، فقال:{فأمَّا الذين آمنوا وعملوا الصالحات}: إيماناً صحيحاً، وصدَّقوا إيمانَهم بالأعمال الصالحة من واجبات ومستحبَّات، {فيدخِلُهم ربُّهم في رحمتِهِ}: التي محلُّها الجنة، وما فيها من النعيم المقيم والعيش السليم. {ذلك هو الفوزُ المبينُ}؛ أي: المفاز والنجاة والربح والفلاح الواضح البيِّن، الذي إذا حصل للعبد؛ حصل له كلُّ خير، واندفع عنه كلُّ شرٍّ. {31}{وأمَّا الذين كفروا}: بالله، فيقال لهم توبيخاً وتقريعاً:{أفلم تكن آياتي تُتۡلى عليكم}، وقد دلَّتكم على ما فيه صلاحكم ونهتْكم عما فيه ضررُكم، وهي أكبر نعمة وصلت إليكم لو وفِّقتم لها، ولكن استكبرتُم عنها وأعرضتُم وكفرتُم بها، فجنيتُم أكبر جناية، وأجرمتم أشدَّ الجرم؛ فاليوم تجزون ما كنتم تعملون. {32} ويوبَّخون أيضاً بقوله: {وإذا قيل إنَّ وعدَ الله حقٌّ والساعة لا ريبَ فيها قلتم}: منكرين لذلك: {ما ندري ما الساعة إن نظنُّ إلاَّ ظنًّا وما نحن بمستيقنينَ}: فهذه حالهم في الدُّنيا، وحال البعث الإنكار له، وردُّوا قولَ مَنْ جاء به. {33} قال تعالى: {وبدا لهم سيئاتُ ما عملوا}؛ أي: وظهر لهم يوم القيامةِ عقوباتُ أعمالهم، {وحاق بهم}؛ أي: نزل {ما كانوا به يستهزِئون}؛ أي: نزل بهم العذابُ الذي كانوا في الدُّنيا يستهزئون بوقوعه وبمن جاء به. {34}{وقيل اليوم ننساكم}؛ أي: نترككم في العذاب {كما نسيتُم لقاء يومكم هذا}؛ فإنَّ الجزاء من جنس العمل، {ومأواكم النارُ}؛ أي: هي مقرُّكم ومصيركم. {وما لكم من ناصرينَ}: ينصرونَكم من عذابِ الله ويدفعون عنكم عقابه. {35}{ذلكم}: الذي حصل لكم من العذاب. بسبب {أنَّكم اتَّخذتم آياتِ الله هزواً}: مع أنها موجبةٌ للجدِّ والاجتهاد وتلقِّيها بالسرور والاستبشار والفرح، {وغرَّتۡكُم الحياة الدُّنيا}: بزخارفها ولذَّاتها وشهواتها، فاطمأننتُم إليها، وعملتم لها، وتركتم العمل للدار الباقية. {فاليومَ لا يُخۡرَجونَ منها ولا هم يُسۡتَعۡتَبونَ}؛ أي: ولا يُمْهَلون ولا يردُّون إلى الدُّنيا ليعملوا صالحاً. {36}{فلله الحمدُ}: كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، {ربِّ السمواتِ وربِّ الأرض ربِّ العالمين}؛ أي: له الحمد على ربوبيته لسائر الخلق ؛ حيث خلقهم وربَّاهم، وأنعم عليهم بالنعم الظاهرة والباطنة. {37}{وله الكبرياءُ في السمواتِ والأرض}؛ أي: له الجلال والعظمة والمجدُ؛ فالحمد فيه الثناء على الله بصفات الكمال ومحبَّته تعالى وإكرامه، والكبرياء فيها عظمتُه وجلالُه، والعبادة مبنيَّة على ركنين: محبة الله والذُّلُّ له، وهما ناشئان عن العلم بمحامد الله وجلاله وكبريائه، {وهو العزيز}: القاهر لكلِّ شيء. {الحكيم}: الذي يضعُ الأشياء مواضِعَها؛ فلا يشرع ما يشرعُه إلاَّ لحكمة ومصلحة، ولا يخلُقُ ما يخلُقُه إلاَّ لفائدةٍ ومنفعةٍ. تم تفسير سورة الجاثية. ولله الحمد والمنة والفضل. * * *

الجاثية 45:28

{27} يخبر تعالى عن سعة ملكِهِ وانفرادِهِ بالتصرُّف والتدبير في جميع الأوقات، وأنَّه {يوم تقومُ الساعةُ}؛ ويَجمع الخلائق لموقف القيامة؛ يحصُلُ الخسار على المبطلين، الذين أتوا بالباطل ليدحِضوا به الحقَّ، وكانت أعمالهم باطلةً لأنَّها متعلِّقة بالباطل، فبطلت في يوم القيامة، اليوم الذي تستبين فيه الحقائق واضمحلَّت عنهم، وفاتَهم الثوابُ، وحصلوا على أليم العقاب. {28} ثم وصف تعالى شدَّة يوم القيامةِ وهَوْلَهُ ليحذره العباد ويستعدَّ له العُبَّاد، فقال:{وترى}: أيُّها الرائي لذلك اليوم، {كلَّ أمَّةٍ جاثيةً}: على ركبها خوفاً وذعراً وانتظاراً لحكم الملك الرحمن. {كلُّ أمة تُدعى إلى كتابها}؛ أي: إلى شريعة نبيِّهم الذي جاءهم من عند الله، وهل قاموا بها فيحصُلُ [لهم] الثواب والنجاة؟ أم ضيعوها فيحصُلُ لهم الخسران؟ فأمَّة موسى يُدعون إلى شريعة موسى، وأمَّة عيسى كذلك، وأمَّة محمد كذلك، وهكذا غيرهم؛ كلُّ أمة تُدعى إلى شرعها الذي كلفت به، هذا أحد الاحتمالات في الآية، وهو معنى صحيحٌ في نفسه، غير مشكوك فيه. ويحتمل أن المراد بقوله:{كلُّ أمَّة تُدعى إلى كتابها}؛ أي: إلى كتاب أعمالها وما سطر عليها من خير وشرٍّ، وأنَّ كلَّ أحدٍ يُجازى بما عمله بنفسه؛ كقوله تعالى:{مَنۡ عَمِلَ صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها}. ويحتمل أن المعنيين كليهما مرادٌ من الآية. {29} ويدل على هذا قولُه: {هذا كتابُنا ينطِقُ عليكم بالحقِّ}؛ أي: هذا كتابنا الذي أنزلنا عليكم يفصِلُ [بينكم] بالحقِّ الذي هو العدل، {إنَّا كنا نَسۡتَنسِخُ ما كنتُم تعملون}: فهذا كتابُ الأعمال. {30} ولهذا فصَّل ما يفعل الله بالفريقين، فقال:{فأمَّا الذين آمنوا وعملوا الصالحات}: إيماناً صحيحاً، وصدَّقوا إيمانَهم بالأعمال الصالحة من واجبات ومستحبَّات، {فيدخِلُهم ربُّهم في رحمتِهِ}: التي محلُّها الجنة، وما فيها من النعيم المقيم والعيش السليم. {ذلك هو الفوزُ المبينُ}؛ أي: المفاز والنجاة والربح والفلاح الواضح البيِّن، الذي إذا حصل للعبد؛ حصل له كلُّ خير، واندفع عنه كلُّ شرٍّ. {31}{وأمَّا الذين كفروا}: بالله، فيقال لهم توبيخاً وتقريعاً:{أفلم تكن آياتي تُتۡلى عليكم}، وقد دلَّتكم على ما فيه صلاحكم ونهتْكم عما فيه ضررُكم، وهي أكبر نعمة وصلت إليكم لو وفِّقتم لها، ولكن استكبرتُم عنها وأعرضتُم وكفرتُم بها، فجنيتُم أكبر جناية، وأجرمتم أشدَّ الجرم؛ فاليوم تجزون ما كنتم تعملون. {32} ويوبَّخون أيضاً بقوله: {وإذا قيل إنَّ وعدَ الله حقٌّ والساعة لا ريبَ فيها قلتم}: منكرين لذلك: {ما ندري ما الساعة إن نظنُّ إلاَّ ظنًّا وما نحن بمستيقنينَ}: فهذه حالهم في الدُّنيا، وحال البعث الإنكار له، وردُّوا قولَ مَنْ جاء به. {33} قال تعالى: {وبدا لهم سيئاتُ ما عملوا}؛ أي: وظهر لهم يوم القيامةِ عقوباتُ أعمالهم، {وحاق بهم}؛ أي: نزل {ما كانوا به يستهزِئون}؛ أي: نزل بهم العذابُ الذي كانوا في الدُّنيا يستهزئون بوقوعه وبمن جاء به. {34}{وقيل اليوم ننساكم}؛ أي: نترككم في العذاب {كما نسيتُم لقاء يومكم هذا}؛ فإنَّ الجزاء من جنس العمل، {ومأواكم النارُ}؛ أي: هي مقرُّكم ومصيركم. {وما لكم من ناصرينَ}: ينصرونَكم من عذابِ الله ويدفعون عنكم عقابه. {35}{ذلكم}: الذي حصل لكم من العذاب. بسبب {أنَّكم اتَّخذتم آياتِ الله هزواً}: مع أنها موجبةٌ للجدِّ والاجتهاد وتلقِّيها بالسرور والاستبشار والفرح، {وغرَّتۡكُم الحياة الدُّنيا}: بزخارفها ولذَّاتها وشهواتها، فاطمأننتُم إليها، وعملتم لها، وتركتم العمل للدار الباقية. {فاليومَ لا يُخۡرَجونَ منها ولا هم يُسۡتَعۡتَبونَ}؛ أي: ولا يُمْهَلون ولا يردُّون إلى الدُّنيا ليعملوا صالحاً. {36}{فلله الحمدُ}: كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، {ربِّ السمواتِ وربِّ الأرض ربِّ العالمين}؛ أي: له الحمد على ربوبيته لسائر الخلق ؛ حيث خلقهم وربَّاهم، وأنعم عليهم بالنعم الظاهرة والباطنة. {37}{وله الكبرياءُ في السمواتِ والأرض}؛ أي: له الجلال والعظمة والمجدُ؛ فالحمد فيه الثناء على الله بصفات الكمال ومحبَّته تعالى وإكرامه، والكبرياء فيها عظمتُه وجلالُه، والعبادة مبنيَّة على ركنين: محبة الله والذُّلُّ له، وهما ناشئان عن العلم بمحامد الله وجلاله وكبريائه، {وهو العزيز}: القاهر لكلِّ شيء. {الحكيم}: الذي يضعُ الأشياء مواضِعَها؛ فلا يشرع ما يشرعُه إلاَّ لحكمة ومصلحة، ولا يخلُقُ ما يخلُقُه إلاَّ لفائدةٍ ومنفعةٍ. تم تفسير سورة الجاثية. ولله الحمد والمنة والفضل. * * *

الجاثية 45:29

{27} يخبر تعالى عن سعة ملكِهِ وانفرادِهِ بالتصرُّف والتدبير في جميع الأوقات، وأنَّه {يوم تقومُ الساعةُ}؛ ويَجمع الخلائق لموقف القيامة؛ يحصُلُ الخسار على المبطلين، الذين أتوا بالباطل ليدحِضوا به الحقَّ، وكانت أعمالهم باطلةً لأنَّها متعلِّقة بالباطل، فبطلت في يوم القيامة، اليوم الذي تستبين فيه الحقائق واضمحلَّت عنهم، وفاتَهم الثوابُ، وحصلوا على أليم العقاب. {28} ثم وصف تعالى شدَّة يوم القيامةِ وهَوْلَهُ ليحذره العباد ويستعدَّ له العُبَّاد، فقال:{وترى}: أيُّها الرائي لذلك اليوم، {كلَّ أمَّةٍ جاثيةً}: على ركبها خوفاً وذعراً وانتظاراً لحكم الملك الرحمن. {كلُّ أمة تُدعى إلى كتابها}؛ أي: إلى شريعة نبيِّهم الذي جاءهم من عند الله، وهل قاموا بها فيحصُلُ [لهم] الثواب والنجاة؟ أم ضيعوها فيحصُلُ لهم الخسران؟ فأمَّة موسى يُدعون إلى شريعة موسى، وأمَّة عيسى كذلك، وأمَّة محمد كذلك، وهكذا غيرهم؛ كلُّ أمة تُدعى إلى شرعها الذي كلفت به، هذا أحد الاحتمالات في الآية، وهو معنى صحيحٌ في نفسه، غير مشكوك فيه. ويحتمل أن المراد بقوله:{كلُّ أمَّة تُدعى إلى كتابها}؛ أي: إلى كتاب أعمالها وما سطر عليها من خير وشرٍّ، وأنَّ كلَّ أحدٍ يُجازى بما عمله بنفسه؛ كقوله تعالى:{مَنۡ عَمِلَ صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها}. ويحتمل أن المعنيين كليهما مرادٌ من الآية. {29} ويدل على هذا قولُه: {هذا كتابُنا ينطِقُ عليكم بالحقِّ}؛ أي: هذا كتابنا الذي أنزلنا عليكم يفصِلُ [بينكم] بالحقِّ الذي هو العدل، {إنَّا كنا نَسۡتَنسِخُ ما كنتُم تعملون}: فهذا كتابُ الأعمال. {30} ولهذا فصَّل ما يفعل الله بالفريقين، فقال:{فأمَّا الذين آمنوا وعملوا الصالحات}: إيماناً صحيحاً، وصدَّقوا إيمانَهم بالأعمال الصالحة من واجبات ومستحبَّات، {فيدخِلُهم ربُّهم في رحمتِهِ}: التي محلُّها الجنة، وما فيها من النعيم المقيم والعيش السليم. {ذلك هو الفوزُ المبينُ}؛ أي: المفاز والنجاة والربح والفلاح الواضح البيِّن، الذي إذا حصل للعبد؛ حصل له كلُّ خير، واندفع عنه كلُّ شرٍّ. {31}{وأمَّا الذين كفروا}: بالله، فيقال لهم توبيخاً وتقريعاً:{أفلم تكن آياتي تُتۡلى عليكم}، وقد دلَّتكم على ما فيه صلاحكم ونهتْكم عما فيه ضررُكم، وهي أكبر نعمة وصلت إليكم لو وفِّقتم لها، ولكن استكبرتُم عنها وأعرضتُم وكفرتُم بها، فجنيتُم أكبر جناية، وأجرمتم أشدَّ الجرم؛ فاليوم تجزون ما كنتم تعملون. {32} ويوبَّخون أيضاً بقوله: {وإذا قيل إنَّ وعدَ الله حقٌّ والساعة لا ريبَ فيها قلتم}: منكرين لذلك: {ما ندري ما الساعة إن نظنُّ إلاَّ ظنًّا وما نحن بمستيقنينَ}: فهذه حالهم في الدُّنيا، وحال البعث الإنكار له، وردُّوا قولَ مَنْ جاء به. {33} قال تعالى: {وبدا لهم سيئاتُ ما عملوا}؛ أي: وظهر لهم يوم القيامةِ عقوباتُ أعمالهم، {وحاق بهم}؛ أي: نزل {ما كانوا به يستهزِئون}؛ أي: نزل بهم العذابُ الذي كانوا في الدُّنيا يستهزئون بوقوعه وبمن جاء به. {34}{وقيل اليوم ننساكم}؛ أي: نترككم في العذاب {كما نسيتُم لقاء يومكم هذا}؛ فإنَّ الجزاء من جنس العمل، {ومأواكم النارُ}؛ أي: هي مقرُّكم ومصيركم. {وما لكم من ناصرينَ}: ينصرونَكم من عذابِ الله ويدفعون عنكم عقابه. {35}{ذلكم}: الذي حصل لكم من العذاب. بسبب {أنَّكم اتَّخذتم آياتِ الله هزواً}: مع أنها موجبةٌ للجدِّ والاجتهاد وتلقِّيها بالسرور والاستبشار والفرح، {وغرَّتۡكُم الحياة الدُّنيا}: بزخارفها ولذَّاتها وشهواتها، فاطمأننتُم إليها، وعملتم لها، وتركتم العمل للدار الباقية. {فاليومَ لا يُخۡرَجونَ منها ولا هم يُسۡتَعۡتَبونَ}؛ أي: ولا يُمْهَلون ولا يردُّون إلى الدُّنيا ليعملوا صالحاً. {36}{فلله الحمدُ}: كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، {ربِّ السمواتِ وربِّ الأرض ربِّ العالمين}؛ أي: له الحمد على ربوبيته لسائر الخلق ؛ حيث خلقهم وربَّاهم، وأنعم عليهم بالنعم الظاهرة والباطنة. {37}{وله الكبرياءُ في السمواتِ والأرض}؛ أي: له الجلال والعظمة والمجدُ؛ فالحمد فيه الثناء على الله بصفات الكمال ومحبَّته تعالى وإكرامه، والكبرياء فيها عظمتُه وجلالُه، والعبادة مبنيَّة على ركنين: محبة الله والذُّلُّ له، وهما ناشئان عن العلم بمحامد الله وجلاله وكبريائه، {وهو العزيز}: القاهر لكلِّ شيء. {الحكيم}: الذي يضعُ الأشياء مواضِعَها؛ فلا يشرع ما يشرعُه إلاَّ لحكمة ومصلحة، ولا يخلُقُ ما يخلُقُه إلاَّ لفائدةٍ ومنفعةٍ. تم تفسير سورة الجاثية. ولله الحمد والمنة والفضل. * * *

الجاثية 45:30

{27} يخبر تعالى عن سعة ملكِهِ وانفرادِهِ بالتصرُّف والتدبير في جميع الأوقات، وأنَّه {يوم تقومُ الساعةُ}؛ ويَجمع الخلائق لموقف القيامة؛ يحصُلُ الخسار على المبطلين، الذين أتوا بالباطل ليدحِضوا به الحقَّ، وكانت أعمالهم باطلةً لأنَّها متعلِّقة بالباطل، فبطلت في يوم القيامة، اليوم الذي تستبين فيه الحقائق واضمحلَّت عنهم، وفاتَهم الثوابُ، وحصلوا على أليم العقاب. {28} ثم وصف تعالى شدَّة يوم القيامةِ وهَوْلَهُ ليحذره العباد ويستعدَّ له العُبَّاد، فقال:{وترى}: أيُّها الرائي لذلك اليوم، {كلَّ أمَّةٍ جاثيةً}: على ركبها خوفاً وذعراً وانتظاراً لحكم الملك الرحمن. {كلُّ أمة تُدعى إلى كتابها}؛ أي: إلى شريعة نبيِّهم الذي جاءهم من عند الله، وهل قاموا بها فيحصُلُ [لهم] الثواب والنجاة؟ أم ضيعوها فيحصُلُ لهم الخسران؟ فأمَّة موسى يُدعون إلى شريعة موسى، وأمَّة عيسى كذلك، وأمَّة محمد كذلك، وهكذا غيرهم؛ كلُّ أمة تُدعى إلى شرعها الذي كلفت به، هذا أحد الاحتمالات في الآية، وهو معنى صحيحٌ في نفسه، غير مشكوك فيه. ويحتمل أن المراد بقوله:{كلُّ أمَّة تُدعى إلى كتابها}؛ أي: إلى كتاب أعمالها وما سطر عليها من خير وشرٍّ، وأنَّ كلَّ أحدٍ يُجازى بما عمله بنفسه؛ كقوله تعالى:{مَنۡ عَمِلَ صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها}. ويحتمل أن المعنيين كليهما مرادٌ من الآية. {29} ويدل على هذا قولُه: {هذا كتابُنا ينطِقُ عليكم بالحقِّ}؛ أي: هذا كتابنا الذي أنزلنا عليكم يفصِلُ [بينكم] بالحقِّ الذي هو العدل، {إنَّا كنا نَسۡتَنسِخُ ما كنتُم تعملون}: فهذا كتابُ الأعمال. {30} ولهذا فصَّل ما يفعل الله بالفريقين، فقال:{فأمَّا الذين آمنوا وعملوا الصالحات}: إيماناً صحيحاً، وصدَّقوا إيمانَهم بالأعمال الصالحة من واجبات ومستحبَّات، {فيدخِلُهم ربُّهم في رحمتِهِ}: التي محلُّها الجنة، وما فيها من النعيم المقيم والعيش السليم. {ذلك هو الفوزُ المبينُ}؛ أي: المفاز والنجاة والربح والفلاح الواضح البيِّن، الذي إذا حصل للعبد؛ حصل له كلُّ خير، واندفع عنه كلُّ شرٍّ. {31}{وأمَّا الذين كفروا}: بالله، فيقال لهم توبيخاً وتقريعاً:{أفلم تكن آياتي تُتۡلى عليكم}، وقد دلَّتكم على ما فيه صلاحكم ونهتْكم عما فيه ضررُكم، وهي أكبر نعمة وصلت إليكم لو وفِّقتم لها، ولكن استكبرتُم عنها وأعرضتُم وكفرتُم بها، فجنيتُم أكبر جناية، وأجرمتم أشدَّ الجرم؛ فاليوم تجزون ما كنتم تعملون. {32} ويوبَّخون أيضاً بقوله: {وإذا قيل إنَّ وعدَ الله حقٌّ والساعة لا ريبَ فيها قلتم}: منكرين لذلك: {ما ندري ما الساعة إن نظنُّ إلاَّ ظنًّا وما نحن بمستيقنينَ}: فهذه حالهم في الدُّنيا، وحال البعث الإنكار له، وردُّوا قولَ مَنْ جاء به. {33} قال تعالى: {وبدا لهم سيئاتُ ما عملوا}؛ أي: وظهر لهم يوم القيامةِ عقوباتُ أعمالهم، {وحاق بهم}؛ أي: نزل {ما كانوا به يستهزِئون}؛ أي: نزل بهم العذابُ الذي كانوا في الدُّنيا يستهزئون بوقوعه وبمن جاء به. {34}{وقيل اليوم ننساكم}؛ أي: نترككم في العذاب {كما نسيتُم لقاء يومكم هذا}؛ فإنَّ الجزاء من جنس العمل، {ومأواكم النارُ}؛ أي: هي مقرُّكم ومصيركم. {وما لكم من ناصرينَ}: ينصرونَكم من عذابِ الله ويدفعون عنكم عقابه. {35}{ذلكم}: الذي حصل لكم من العذاب. بسبب {أنَّكم اتَّخذتم آياتِ الله هزواً}: مع أنها موجبةٌ للجدِّ والاجتهاد وتلقِّيها بالسرور والاستبشار والفرح، {وغرَّتۡكُم الحياة الدُّنيا}: بزخارفها ولذَّاتها وشهواتها، فاطمأننتُم إليها، وعملتم لها، وتركتم العمل للدار الباقية. {فاليومَ لا يُخۡرَجونَ منها ولا هم يُسۡتَعۡتَبونَ}؛ أي: ولا يُمْهَلون ولا يردُّون إلى الدُّنيا ليعملوا صالحاً. {36}{فلله الحمدُ}: كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، {ربِّ السمواتِ وربِّ الأرض ربِّ العالمين}؛ أي: له الحمد على ربوبيته لسائر الخلق ؛ حيث خلقهم وربَّاهم، وأنعم عليهم بالنعم الظاهرة والباطنة. {37}{وله الكبرياءُ في السمواتِ والأرض}؛ أي: له الجلال والعظمة والمجدُ؛ فالحمد فيه الثناء على الله بصفات الكمال ومحبَّته تعالى وإكرامه، والكبرياء فيها عظمتُه وجلالُه، والعبادة مبنيَّة على ركنين: محبة الله والذُّلُّ له، وهما ناشئان عن العلم بمحامد الله وجلاله وكبريائه، {وهو العزيز}: القاهر لكلِّ شيء. {الحكيم}: الذي يضعُ الأشياء مواضِعَها؛ فلا يشرع ما يشرعُه إلاَّ لحكمة ومصلحة، ولا يخلُقُ ما يخلُقُه إلاَّ لفائدةٍ ومنفعةٍ. تم تفسير سورة الجاثية. ولله الحمد والمنة والفضل. * * *

الجاثية 45:31

{27} يخبر تعالى عن سعة ملكِهِ وانفرادِهِ بالتصرُّف والتدبير في جميع الأوقات، وأنَّه {يوم تقومُ الساعةُ}؛ ويَجمع الخلائق لموقف القيامة؛ يحصُلُ الخسار على المبطلين، الذين أتوا بالباطل ليدحِضوا به الحقَّ، وكانت أعمالهم باطلةً لأنَّها متعلِّقة بالباطل، فبطلت في يوم القيامة، اليوم الذي تستبين فيه الحقائق واضمحلَّت عنهم، وفاتَهم الثوابُ، وحصلوا على أليم العقاب. {28} ثم وصف تعالى شدَّة يوم القيامةِ وهَوْلَهُ ليحذره العباد ويستعدَّ له العُبَّاد، فقال:{وترى}: أيُّها الرائي لذلك اليوم، {كلَّ أمَّةٍ جاثيةً}: على ركبها خوفاً وذعراً وانتظاراً لحكم الملك الرحمن. {كلُّ أمة تُدعى إلى كتابها}؛ أي: إلى شريعة نبيِّهم الذي جاءهم من عند الله، وهل قاموا بها فيحصُلُ [لهم] الثواب والنجاة؟ أم ضيعوها فيحصُلُ لهم الخسران؟ فأمَّة موسى يُدعون إلى شريعة موسى، وأمَّة عيسى كذلك، وأمَّة محمد كذلك، وهكذا غيرهم؛ كلُّ أمة تُدعى إلى شرعها الذي كلفت به، هذا أحد الاحتمالات في الآية، وهو معنى صحيحٌ في نفسه، غير مشكوك فيه. ويحتمل أن المراد بقوله:{كلُّ أمَّة تُدعى إلى كتابها}؛ أي: إلى كتاب أعمالها وما سطر عليها من خير وشرٍّ، وأنَّ كلَّ أحدٍ يُجازى بما عمله بنفسه؛ كقوله تعالى:{مَنۡ عَمِلَ صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها}. ويحتمل أن المعنيين كليهما مرادٌ من الآية. {29} ويدل على هذا قولُه: {هذا كتابُنا ينطِقُ عليكم بالحقِّ}؛ أي: هذا كتابنا الذي أنزلنا عليكم يفصِلُ [بينكم] بالحقِّ الذي هو العدل، {إنَّا كنا نَسۡتَنسِخُ ما كنتُم تعملون}: فهذا كتابُ الأعمال. {30} ولهذا فصَّل ما يفعل الله بالفريقين، فقال:{فأمَّا الذين آمنوا وعملوا الصالحات}: إيماناً صحيحاً، وصدَّقوا إيمانَهم بالأعمال الصالحة من واجبات ومستحبَّات، {فيدخِلُهم ربُّهم في رحمتِهِ}: التي محلُّها الجنة، وما فيها من النعيم المقيم والعيش السليم. {ذلك هو الفوزُ المبينُ}؛ أي: المفاز والنجاة والربح والفلاح الواضح البيِّن، الذي إذا حصل للعبد؛ حصل له كلُّ خير، واندفع عنه كلُّ شرٍّ. {31}{وأمَّا الذين كفروا}: بالله، فيقال لهم توبيخاً وتقريعاً:{أفلم تكن آياتي تُتۡلى عليكم}، وقد دلَّتكم على ما فيه صلاحكم ونهتْكم عما فيه ضررُكم، وهي أكبر نعمة وصلت إليكم لو وفِّقتم لها، ولكن استكبرتُم عنها وأعرضتُم وكفرتُم بها، فجنيتُم أكبر جناية، وأجرمتم أشدَّ الجرم؛ فاليوم تجزون ما كنتم تعملون. {32} ويوبَّخون أيضاً بقوله: {وإذا قيل إنَّ وعدَ الله حقٌّ والساعة لا ريبَ فيها قلتم}: منكرين لذلك: {ما ندري ما الساعة إن نظنُّ إلاَّ ظنًّا وما نحن بمستيقنينَ}: فهذه حالهم في الدُّنيا، وحال البعث الإنكار له، وردُّوا قولَ مَنْ جاء به. {33} قال تعالى: {وبدا لهم سيئاتُ ما عملوا}؛ أي: وظهر لهم يوم القيامةِ عقوباتُ أعمالهم، {وحاق بهم}؛ أي: نزل {ما كانوا به يستهزِئون}؛ أي: نزل بهم العذابُ الذي كانوا في الدُّنيا يستهزئون بوقوعه وبمن جاء به. {34}{وقيل اليوم ننساكم}؛ أي: نترككم في العذاب {كما نسيتُم لقاء يومكم هذا}؛ فإنَّ الجزاء من جنس العمل، {ومأواكم النارُ}؛ أي: هي مقرُّكم ومصيركم. {وما لكم من ناصرينَ}: ينصرونَكم من عذابِ الله ويدفعون عنكم عقابه. {35}{ذلكم}: الذي حصل لكم من العذاب. بسبب {أنَّكم اتَّخذتم آياتِ الله هزواً}: مع أنها موجبةٌ للجدِّ والاجتهاد وتلقِّيها بالسرور والاستبشار والفرح، {وغرَّتۡكُم الحياة الدُّنيا}: بزخارفها ولذَّاتها وشهواتها، فاطمأننتُم إليها، وعملتم لها، وتركتم العمل للدار الباقية. {فاليومَ لا يُخۡرَجونَ منها ولا هم يُسۡتَعۡتَبونَ}؛ أي: ولا يُمْهَلون ولا يردُّون إلى الدُّنيا ليعملوا صالحاً. {36}{فلله الحمدُ}: كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، {ربِّ السمواتِ وربِّ الأرض ربِّ العالمين}؛ أي: له الحمد على ربوبيته لسائر الخلق ؛ حيث خلقهم وربَّاهم، وأنعم عليهم بالنعم الظاهرة والباطنة. {37}{وله الكبرياءُ في السمواتِ والأرض}؛ أي: له الجلال والعظمة والمجدُ؛ فالحمد فيه الثناء على الله بصفات الكمال ومحبَّته تعالى وإكرامه، والكبرياء فيها عظمتُه وجلالُه، والعبادة مبنيَّة على ركنين: محبة الله والذُّلُّ له، وهما ناشئان عن العلم بمحامد الله وجلاله وكبريائه، {وهو العزيز}: القاهر لكلِّ شيء. {الحكيم}: الذي يضعُ الأشياء مواضِعَها؛ فلا يشرع ما يشرعُه إلاَّ لحكمة ومصلحة، ولا يخلُقُ ما يخلُقُه إلاَّ لفائدةٍ ومنفعةٍ. تم تفسير سورة الجاثية. ولله الحمد والمنة والفضل. * * *

الجاثية 45:32

{27} يخبر تعالى عن سعة ملكِهِ وانفرادِهِ بالتصرُّف والتدبير في جميع الأوقات، وأنَّه {يوم تقومُ الساعةُ}؛ ويَجمع الخلائق لموقف القيامة؛ يحصُلُ الخسار على المبطلين، الذين أتوا بالباطل ليدحِضوا به الحقَّ، وكانت أعمالهم باطلةً لأنَّها متعلِّقة بالباطل، فبطلت في يوم القيامة، اليوم الذي تستبين فيه الحقائق واضمحلَّت عنهم، وفاتَهم الثوابُ، وحصلوا على أليم العقاب. {28} ثم وصف تعالى شدَّة يوم القيامةِ وهَوْلَهُ ليحذره العباد ويستعدَّ له العُبَّاد، فقال:{وترى}: أيُّها الرائي لذلك اليوم، {كلَّ أمَّةٍ جاثيةً}: على ركبها خوفاً وذعراً وانتظاراً لحكم الملك الرحمن. {كلُّ أمة تُدعى إلى كتابها}؛ أي: إلى شريعة نبيِّهم الذي جاءهم من عند الله، وهل قاموا بها فيحصُلُ [لهم] الثواب والنجاة؟ أم ضيعوها فيحصُلُ لهم الخسران؟ فأمَّة موسى يُدعون إلى شريعة موسى، وأمَّة عيسى كذلك، وأمَّة محمد كذلك، وهكذا غيرهم؛ كلُّ أمة تُدعى إلى شرعها الذي كلفت به، هذا أحد الاحتمالات في الآية، وهو معنى صحيحٌ في نفسه، غير مشكوك فيه. ويحتمل أن المراد بقوله:{كلُّ أمَّة تُدعى إلى كتابها}؛ أي: إلى كتاب أعمالها وما سطر عليها من خير وشرٍّ، وأنَّ كلَّ أحدٍ يُجازى بما عمله بنفسه؛ كقوله تعالى:{مَنۡ عَمِلَ صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها}. ويحتمل أن المعنيين كليهما مرادٌ من الآية. {29} ويدل على هذا قولُه: {هذا كتابُنا ينطِقُ عليكم بالحقِّ}؛ أي: هذا كتابنا الذي أنزلنا عليكم يفصِلُ [بينكم] بالحقِّ الذي هو العدل، {إنَّا كنا نَسۡتَنسِخُ ما كنتُم تعملون}: فهذا كتابُ الأعمال. {30} ولهذا فصَّل ما يفعل الله بالفريقين، فقال:{فأمَّا الذين آمنوا وعملوا الصالحات}: إيماناً صحيحاً، وصدَّقوا إيمانَهم بالأعمال الصالحة من واجبات ومستحبَّات، {فيدخِلُهم ربُّهم في رحمتِهِ}: التي محلُّها الجنة، وما فيها من النعيم المقيم والعيش السليم. {ذلك هو الفوزُ المبينُ}؛ أي: المفاز والنجاة والربح والفلاح الواضح البيِّن، الذي إذا حصل للعبد؛ حصل له كلُّ خير، واندفع عنه كلُّ شرٍّ. {31}{وأمَّا الذين كفروا}: بالله، فيقال لهم توبيخاً وتقريعاً:{أفلم تكن آياتي تُتۡلى عليكم}، وقد دلَّتكم على ما فيه صلاحكم ونهتْكم عما فيه ضررُكم، وهي أكبر نعمة وصلت إليكم لو وفِّقتم لها، ولكن استكبرتُم عنها وأعرضتُم وكفرتُم بها، فجنيتُم أكبر جناية، وأجرمتم أشدَّ الجرم؛ فاليوم تجزون ما كنتم تعملون. {32} ويوبَّخون أيضاً بقوله: {وإذا قيل إنَّ وعدَ الله حقٌّ والساعة لا ريبَ فيها قلتم}: منكرين لذلك: {ما ندري ما الساعة إن نظنُّ إلاَّ ظنًّا وما نحن بمستيقنينَ}: فهذه حالهم في الدُّنيا، وحال البعث الإنكار له، وردُّوا قولَ مَنْ جاء به. {33} قال تعالى: {وبدا لهم سيئاتُ ما عملوا}؛ أي: وظهر لهم يوم القيامةِ عقوباتُ أعمالهم، {وحاق بهم}؛ أي: نزل {ما كانوا به يستهزِئون}؛ أي: نزل بهم العذابُ الذي كانوا في الدُّنيا يستهزئون بوقوعه وبمن جاء به. {34}{وقيل اليوم ننساكم}؛ أي: نترككم في العذاب {كما نسيتُم لقاء يومكم هذا}؛ فإنَّ الجزاء من جنس العمل، {ومأواكم النارُ}؛ أي: هي مقرُّكم ومصيركم. {وما لكم من ناصرينَ}: ينصرونَكم من عذابِ الله ويدفعون عنكم عقابه. {35}{ذلكم}: الذي حصل لكم من العذاب. بسبب {أنَّكم اتَّخذتم آياتِ الله هزواً}: مع أنها موجبةٌ للجدِّ والاجتهاد وتلقِّيها بالسرور والاستبشار والفرح، {وغرَّتۡكُم الحياة الدُّنيا}: بزخارفها ولذَّاتها وشهواتها، فاطمأننتُم إليها، وعملتم لها، وتركتم العمل للدار الباقية. {فاليومَ لا يُخۡرَجونَ منها ولا هم يُسۡتَعۡتَبونَ}؛ أي: ولا يُمْهَلون ولا يردُّون إلى الدُّنيا ليعملوا صالحاً. {36}{فلله الحمدُ}: كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، {ربِّ السمواتِ وربِّ الأرض ربِّ العالمين}؛ أي: له الحمد على ربوبيته لسائر الخلق ؛ حيث خلقهم وربَّاهم، وأنعم عليهم بالنعم الظاهرة والباطنة. {37}{وله الكبرياءُ في السمواتِ والأرض}؛ أي: له الجلال والعظمة والمجدُ؛ فالحمد فيه الثناء على الله بصفات الكمال ومحبَّته تعالى وإكرامه، والكبرياء فيها عظمتُه وجلالُه، والعبادة مبنيَّة على ركنين: محبة الله والذُّلُّ له، وهما ناشئان عن العلم بمحامد الله وجلاله وكبريائه، {وهو العزيز}: القاهر لكلِّ شيء. {الحكيم}: الذي يضعُ الأشياء مواضِعَها؛ فلا يشرع ما يشرعُه إلاَّ لحكمة ومصلحة، ولا يخلُقُ ما يخلُقُه إلاَّ لفائدةٍ ومنفعةٍ. تم تفسير سورة الجاثية. ولله الحمد والمنة والفضل. * * *

الجاثية 45:33

{27} يخبر تعالى عن سعة ملكِهِ وانفرادِهِ بالتصرُّف والتدبير في جميع الأوقات، وأنَّه {يوم تقومُ الساعةُ}؛ ويَجمع الخلائق لموقف القيامة؛ يحصُلُ الخسار على المبطلين، الذين أتوا بالباطل ليدحِضوا به الحقَّ، وكانت أعمالهم باطلةً لأنَّها متعلِّقة بالباطل، فبطلت في يوم القيامة، اليوم الذي تستبين فيه الحقائق واضمحلَّت عنهم، وفاتَهم الثوابُ، وحصلوا على أليم العقاب. {28} ثم وصف تعالى شدَّة يوم القيامةِ وهَوْلَهُ ليحذره العباد ويستعدَّ له العُبَّاد، فقال:{وترى}: أيُّها الرائي لذلك اليوم، {كلَّ أمَّةٍ جاثيةً}: على ركبها خوفاً وذعراً وانتظاراً لحكم الملك الرحمن. {كلُّ أمة تُدعى إلى كتابها}؛ أي: إلى شريعة نبيِّهم الذي جاءهم من عند الله، وهل قاموا بها فيحصُلُ [لهم] الثواب والنجاة؟ أم ضيعوها فيحصُلُ لهم الخسران؟ فأمَّة موسى يُدعون إلى شريعة موسى، وأمَّة عيسى كذلك، وأمَّة محمد كذلك، وهكذا غيرهم؛ كلُّ أمة تُدعى إلى شرعها الذي كلفت به، هذا أحد الاحتمالات في الآية، وهو معنى صحيحٌ في نفسه، غير مشكوك فيه. ويحتمل أن المراد بقوله:{كلُّ أمَّة تُدعى إلى كتابها}؛ أي: إلى كتاب أعمالها وما سطر عليها من خير وشرٍّ، وأنَّ كلَّ أحدٍ يُجازى بما عمله بنفسه؛ كقوله تعالى:{مَنۡ عَمِلَ صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها}. ويحتمل أن المعنيين كليهما مرادٌ من الآية. {29} ويدل على هذا قولُه: {هذا كتابُنا ينطِقُ عليكم بالحقِّ}؛ أي: هذا كتابنا الذي أنزلنا عليكم يفصِلُ [بينكم] بالحقِّ الذي هو العدل، {إنَّا كنا نَسۡتَنسِخُ ما كنتُم تعملون}: فهذا كتابُ الأعمال. {30} ولهذا فصَّل ما يفعل الله بالفريقين، فقال:{فأمَّا الذين آمنوا وعملوا الصالحات}: إيماناً صحيحاً، وصدَّقوا إيمانَهم بالأعمال الصالحة من واجبات ومستحبَّات، {فيدخِلُهم ربُّهم في رحمتِهِ}: التي محلُّها الجنة، وما فيها من النعيم المقيم والعيش السليم. {ذلك هو الفوزُ المبينُ}؛ أي: المفاز والنجاة والربح والفلاح الواضح البيِّن، الذي إذا حصل للعبد؛ حصل له كلُّ خير، واندفع عنه كلُّ شرٍّ. {31}{وأمَّا الذين كفروا}: بالله، فيقال لهم توبيخاً وتقريعاً:{أفلم تكن آياتي تُتۡلى عليكم}، وقد دلَّتكم على ما فيه صلاحكم ونهتْكم عما فيه ضررُكم، وهي أكبر نعمة وصلت إليكم لو وفِّقتم لها، ولكن استكبرتُم عنها وأعرضتُم وكفرتُم بها، فجنيتُم أكبر جناية، وأجرمتم أشدَّ الجرم؛ فاليوم تجزون ما كنتم تعملون. {32} ويوبَّخون أيضاً بقوله: {وإذا قيل إنَّ وعدَ الله حقٌّ والساعة لا ريبَ فيها قلتم}: منكرين لذلك: {ما ندري ما الساعة إن نظنُّ إلاَّ ظنًّا وما نحن بمستيقنينَ}: فهذه حالهم في الدُّنيا، وحال البعث الإنكار له، وردُّوا قولَ مَنْ جاء به. {33} قال تعالى: {وبدا لهم سيئاتُ ما عملوا}؛ أي: وظهر لهم يوم القيامةِ عقوباتُ أعمالهم، {وحاق بهم}؛ أي: نزل {ما كانوا به يستهزِئون}؛ أي: نزل بهم العذابُ الذي كانوا في الدُّنيا يستهزئون بوقوعه وبمن جاء به. {34}{وقيل اليوم ننساكم}؛ أي: نترككم في العذاب {كما نسيتُم لقاء يومكم هذا}؛ فإنَّ الجزاء من جنس العمل، {ومأواكم النارُ}؛ أي: هي مقرُّكم ومصيركم. {وما لكم من ناصرينَ}: ينصرونَكم من عذابِ الله ويدفعون عنكم عقابه. {35}{ذلكم}: الذي حصل لكم من العذاب. بسبب {أنَّكم اتَّخذتم آياتِ الله هزواً}: مع أنها موجبةٌ للجدِّ والاجتهاد وتلقِّيها بالسرور والاستبشار والفرح، {وغرَّتۡكُم الحياة الدُّنيا}: بزخارفها ولذَّاتها وشهواتها، فاطمأننتُم إليها، وعملتم لها، وتركتم العمل للدار الباقية. {فاليومَ لا يُخۡرَجونَ منها ولا هم يُسۡتَعۡتَبونَ}؛ أي: ولا يُمْهَلون ولا يردُّون إلى الدُّنيا ليعملوا صالحاً. {36}{فلله الحمدُ}: كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، {ربِّ السمواتِ وربِّ الأرض ربِّ العالمين}؛ أي: له الحمد على ربوبيته لسائر الخلق ؛ حيث خلقهم وربَّاهم، وأنعم عليهم بالنعم الظاهرة والباطنة. {37}{وله الكبرياءُ في السمواتِ والأرض}؛ أي: له الجلال والعظمة والمجدُ؛ فالحمد فيه الثناء على الله بصفات الكمال ومحبَّته تعالى وإكرامه، والكبرياء فيها عظمتُه وجلالُه، والعبادة مبنيَّة على ركنين: محبة الله والذُّلُّ له، وهما ناشئان عن العلم بمحامد الله وجلاله وكبريائه، {وهو العزيز}: القاهر لكلِّ شيء. {الحكيم}: الذي يضعُ الأشياء مواضِعَها؛ فلا يشرع ما يشرعُه إلاَّ لحكمة ومصلحة، ولا يخلُقُ ما يخلُقُه إلاَّ لفائدةٍ ومنفعةٍ. تم تفسير سورة الجاثية. ولله الحمد والمنة والفضل. * * *

الجاثية 45:34

{27} يخبر تعالى عن سعة ملكِهِ وانفرادِهِ بالتصرُّف والتدبير في جميع الأوقات، وأنَّه {يوم تقومُ الساعةُ}؛ ويَجمع الخلائق لموقف القيامة؛ يحصُلُ الخسار على المبطلين، الذين أتوا بالباطل ليدحِضوا به الحقَّ، وكانت أعمالهم باطلةً لأنَّها متعلِّقة بالباطل، فبطلت في يوم القيامة، اليوم الذي تستبين فيه الحقائق واضمحلَّت عنهم، وفاتَهم الثوابُ، وحصلوا على أليم العقاب. {28} ثم وصف تعالى شدَّة يوم القيامةِ وهَوْلَهُ ليحذره العباد ويستعدَّ له العُبَّاد، فقال:{وترى}: أيُّها الرائي لذلك اليوم، {كلَّ أمَّةٍ جاثيةً}: على ركبها خوفاً وذعراً وانتظاراً لحكم الملك الرحمن. {كلُّ أمة تُدعى إلى كتابها}؛ أي: إلى شريعة نبيِّهم الذي جاءهم من عند الله، وهل قاموا بها فيحصُلُ [لهم] الثواب والنجاة؟ أم ضيعوها فيحصُلُ لهم الخسران؟ فأمَّة موسى يُدعون إلى شريعة موسى، وأمَّة عيسى كذلك، وأمَّة محمد كذلك، وهكذا غيرهم؛ كلُّ أمة تُدعى إلى شرعها الذي كلفت به، هذا أحد الاحتمالات في الآية، وهو معنى صحيحٌ في نفسه، غير مشكوك فيه. ويحتمل أن المراد بقوله:{كلُّ أمَّة تُدعى إلى كتابها}؛ أي: إلى كتاب أعمالها وما سطر عليها من خير وشرٍّ، وأنَّ كلَّ أحدٍ يُجازى بما عمله بنفسه؛ كقوله تعالى:{مَنۡ عَمِلَ صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها}. ويحتمل أن المعنيين كليهما مرادٌ من الآية. {29} ويدل على هذا قولُه: {هذا كتابُنا ينطِقُ عليكم بالحقِّ}؛ أي: هذا كتابنا الذي أنزلنا عليكم يفصِلُ [بينكم] بالحقِّ الذي هو العدل، {إنَّا كنا نَسۡتَنسِخُ ما كنتُم تعملون}: فهذا كتابُ الأعمال. {30} ولهذا فصَّل ما يفعل الله بالفريقين، فقال:{فأمَّا الذين آمنوا وعملوا الصالحات}: إيماناً صحيحاً، وصدَّقوا إيمانَهم بالأعمال الصالحة من واجبات ومستحبَّات، {فيدخِلُهم ربُّهم في رحمتِهِ}: التي محلُّها الجنة، وما فيها من النعيم المقيم والعيش السليم. {ذلك هو الفوزُ المبينُ}؛ أي: المفاز والنجاة والربح والفلاح الواضح البيِّن، الذي إذا حصل للعبد؛ حصل له كلُّ خير، واندفع عنه كلُّ شرٍّ. {31}{وأمَّا الذين كفروا}: بالله، فيقال لهم توبيخاً وتقريعاً:{أفلم تكن آياتي تُتۡلى عليكم}، وقد دلَّتكم على ما فيه صلاحكم ونهتْكم عما فيه ضررُكم، وهي أكبر نعمة وصلت إليكم لو وفِّقتم لها، ولكن استكبرتُم عنها وأعرضتُم وكفرتُم بها، فجنيتُم أكبر جناية، وأجرمتم أشدَّ الجرم؛ فاليوم تجزون ما كنتم تعملون. {32} ويوبَّخون أيضاً بقوله: {وإذا قيل إنَّ وعدَ الله حقٌّ والساعة لا ريبَ فيها قلتم}: منكرين لذلك: {ما ندري ما الساعة إن نظنُّ إلاَّ ظنًّا وما نحن بمستيقنينَ}: فهذه حالهم في الدُّنيا، وحال البعث الإنكار له، وردُّوا قولَ مَنْ جاء به. {33} قال تعالى: {وبدا لهم سيئاتُ ما عملوا}؛ أي: وظهر لهم يوم القيامةِ عقوباتُ أعمالهم، {وحاق بهم}؛ أي: نزل {ما كانوا به يستهزِئون}؛ أي: نزل بهم العذابُ الذي كانوا في الدُّنيا يستهزئون بوقوعه وبمن جاء به. {34}{وقيل اليوم ننساكم}؛ أي: نترككم في العذاب {كما نسيتُم لقاء يومكم هذا}؛ فإنَّ الجزاء من جنس العمل، {ومأواكم النارُ}؛ أي: هي مقرُّكم ومصيركم. {وما لكم من ناصرينَ}: ينصرونَكم من عذابِ الله ويدفعون عنكم عقابه. {35}{ذلكم}: الذي حصل لكم من العذاب. بسبب {أنَّكم اتَّخذتم آياتِ الله هزواً}: مع أنها موجبةٌ للجدِّ والاجتهاد وتلقِّيها بالسرور والاستبشار والفرح، {وغرَّتۡكُم الحياة الدُّنيا}: بزخارفها ولذَّاتها وشهواتها، فاطمأننتُم إليها، وعملتم لها، وتركتم العمل للدار الباقية. {فاليومَ لا يُخۡرَجونَ منها ولا هم يُسۡتَعۡتَبونَ}؛ أي: ولا يُمْهَلون ولا يردُّون إلى الدُّنيا ليعملوا صالحاً. {36}{فلله الحمدُ}: كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، {ربِّ السمواتِ وربِّ الأرض ربِّ العالمين}؛ أي: له الحمد على ربوبيته لسائر الخلق ؛ حيث خلقهم وربَّاهم، وأنعم عليهم بالنعم الظاهرة والباطنة. {37}{وله الكبرياءُ في السمواتِ والأرض}؛ أي: له الجلال والعظمة والمجدُ؛ فالحمد فيه الثناء على الله بصفات الكمال ومحبَّته تعالى وإكرامه، والكبرياء فيها عظمتُه وجلالُه، والعبادة مبنيَّة على ركنين: محبة الله والذُّلُّ له، وهما ناشئان عن العلم بمحامد الله وجلاله وكبريائه، {وهو العزيز}: القاهر لكلِّ شيء. {الحكيم}: الذي يضعُ الأشياء مواضِعَها؛ فلا يشرع ما يشرعُه إلاَّ لحكمة ومصلحة، ولا يخلُقُ ما يخلُقُه إلاَّ لفائدةٍ ومنفعةٍ. تم تفسير سورة الجاثية. ولله الحمد والمنة والفضل. * * *

الجاثية 45:35

{27} يخبر تعالى عن سعة ملكِهِ وانفرادِهِ بالتصرُّف والتدبير في جميع الأوقات، وأنَّه {يوم تقومُ الساعةُ}؛ ويَجمع الخلائق لموقف القيامة؛ يحصُلُ الخسار على المبطلين، الذين أتوا بالباطل ليدحِضوا به الحقَّ، وكانت أعمالهم باطلةً لأنَّها متعلِّقة بالباطل، فبطلت في يوم القيامة، اليوم الذي تستبين فيه الحقائق واضمحلَّت عنهم، وفاتَهم الثوابُ، وحصلوا على أليم العقاب. {28} ثم وصف تعالى شدَّة يوم القيامةِ وهَوْلَهُ ليحذره العباد ويستعدَّ له العُبَّاد، فقال:{وترى}: أيُّها الرائي لذلك اليوم، {كلَّ أمَّةٍ جاثيةً}: على ركبها خوفاً وذعراً وانتظاراً لحكم الملك الرحمن. {كلُّ أمة تُدعى إلى كتابها}؛ أي: إلى شريعة نبيِّهم الذي جاءهم من عند الله، وهل قاموا بها فيحصُلُ [لهم] الثواب والنجاة؟ أم ضيعوها فيحصُلُ لهم الخسران؟ فأمَّة موسى يُدعون إلى شريعة موسى، وأمَّة عيسى كذلك، وأمَّة محمد كذلك، وهكذا غيرهم؛ كلُّ أمة تُدعى إلى شرعها الذي كلفت به، هذا أحد الاحتمالات في الآية، وهو معنى صحيحٌ في نفسه، غير مشكوك فيه. ويحتمل أن المراد بقوله:{كلُّ أمَّة تُدعى إلى كتابها}؛ أي: إلى كتاب أعمالها وما سطر عليها من خير وشرٍّ، وأنَّ كلَّ أحدٍ يُجازى بما عمله بنفسه؛ كقوله تعالى:{مَنۡ عَمِلَ صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها}. ويحتمل أن المعنيين كليهما مرادٌ من الآية. {29} ويدل على هذا قولُه: {هذا كتابُنا ينطِقُ عليكم بالحقِّ}؛ أي: هذا كتابنا الذي أنزلنا عليكم يفصِلُ [بينكم] بالحقِّ الذي هو العدل، {إنَّا كنا نَسۡتَنسِخُ ما كنتُم تعملون}: فهذا كتابُ الأعمال. {30} ولهذا فصَّل ما يفعل الله بالفريقين، فقال:{فأمَّا الذين آمنوا وعملوا الصالحات}: إيماناً صحيحاً، وصدَّقوا إيمانَهم بالأعمال الصالحة من واجبات ومستحبَّات، {فيدخِلُهم ربُّهم في رحمتِهِ}: التي محلُّها الجنة، وما فيها من النعيم المقيم والعيش السليم. {ذلك هو الفوزُ المبينُ}؛ أي: المفاز والنجاة والربح والفلاح الواضح البيِّن، الذي إذا حصل للعبد؛ حصل له كلُّ خير، واندفع عنه كلُّ شرٍّ. {31}{وأمَّا الذين كفروا}: بالله، فيقال لهم توبيخاً وتقريعاً:{أفلم تكن آياتي تُتۡلى عليكم}، وقد دلَّتكم على ما فيه صلاحكم ونهتْكم عما فيه ضررُكم، وهي أكبر نعمة وصلت إليكم لو وفِّقتم لها، ولكن استكبرتُم عنها وأعرضتُم وكفرتُم بها، فجنيتُم أكبر جناية، وأجرمتم أشدَّ الجرم؛ فاليوم تجزون ما كنتم تعملون. {32} ويوبَّخون أيضاً بقوله: {وإذا قيل إنَّ وعدَ الله حقٌّ والساعة لا ريبَ فيها قلتم}: منكرين لذلك: {ما ندري ما الساعة إن نظنُّ إلاَّ ظنًّا وما نحن بمستيقنينَ}: فهذه حالهم في الدُّنيا، وحال البعث الإنكار له، وردُّوا قولَ مَنْ جاء به. {33} قال تعالى: {وبدا لهم سيئاتُ ما عملوا}؛ أي: وظهر لهم يوم القيامةِ عقوباتُ أعمالهم، {وحاق بهم}؛ أي: نزل {ما كانوا به يستهزِئون}؛ أي: نزل بهم العذابُ الذي كانوا في الدُّنيا يستهزئون بوقوعه وبمن جاء به. {34}{وقيل اليوم ننساكم}؛ أي: نترككم في العذاب {كما نسيتُم لقاء يومكم هذا}؛ فإنَّ الجزاء من جنس العمل، {ومأواكم النارُ}؛ أي: هي مقرُّكم ومصيركم. {وما لكم من ناصرينَ}: ينصرونَكم من عذابِ الله ويدفعون عنكم عقابه. {35}{ذلكم}: الذي حصل لكم من العذاب. بسبب {أنَّكم اتَّخذتم آياتِ الله هزواً}: مع أنها موجبةٌ للجدِّ والاجتهاد وتلقِّيها بالسرور والاستبشار والفرح، {وغرَّتۡكُم الحياة الدُّنيا}: بزخارفها ولذَّاتها وشهواتها، فاطمأننتُم إليها، وعملتم لها، وتركتم العمل للدار الباقية. {فاليومَ لا يُخۡرَجونَ منها ولا هم يُسۡتَعۡتَبونَ}؛ أي: ولا يُمْهَلون ولا يردُّون إلى الدُّنيا ليعملوا صالحاً. {36}{فلله الحمدُ}: كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، {ربِّ السمواتِ وربِّ الأرض ربِّ العالمين}؛ أي: له الحمد على ربوبيته لسائر الخلق ؛ حيث خلقهم وربَّاهم، وأنعم عليهم بالنعم الظاهرة والباطنة. {37}{وله الكبرياءُ في السمواتِ والأرض}؛ أي: له الجلال والعظمة والمجدُ؛ فالحمد فيه الثناء على الله بصفات الكمال ومحبَّته تعالى وإكرامه، والكبرياء فيها عظمتُه وجلالُه، والعبادة مبنيَّة على ركنين: محبة الله والذُّلُّ له، وهما ناشئان عن العلم بمحامد الله وجلاله وكبريائه، {وهو العزيز}: القاهر لكلِّ شيء. {الحكيم}: الذي يضعُ الأشياء مواضِعَها؛ فلا يشرع ما يشرعُه إلاَّ لحكمة ومصلحة، ولا يخلُقُ ما يخلُقُه إلاَّ لفائدةٍ ومنفعةٍ. تم تفسير سورة الجاثية. ولله الحمد والمنة والفضل. * * *

الجاثية 45:36

{27} يخبر تعالى عن سعة ملكِهِ وانفرادِهِ بالتصرُّف والتدبير في جميع الأوقات، وأنَّه {يوم تقومُ الساعةُ}؛ ويَجمع الخلائق لموقف القيامة؛ يحصُلُ الخسار على المبطلين، الذين أتوا بالباطل ليدحِضوا به الحقَّ، وكانت أعمالهم باطلةً لأنَّها متعلِّقة بالباطل، فبطلت في يوم القيامة، اليوم الذي تستبين فيه الحقائق واضمحلَّت عنهم، وفاتَهم الثوابُ، وحصلوا على أليم العقاب. {28} ثم وصف تعالى شدَّة يوم القيامةِ وهَوْلَهُ ليحذره العباد ويستعدَّ له العُبَّاد، فقال:{وترى}: أيُّها الرائي لذلك اليوم، {كلَّ أمَّةٍ جاثيةً}: على ركبها خوفاً وذعراً وانتظاراً لحكم الملك الرحمن. {كلُّ أمة تُدعى إلى كتابها}؛ أي: إلى شريعة نبيِّهم الذي جاءهم من عند الله، وهل قاموا بها فيحصُلُ [لهم] الثواب والنجاة؟ أم ضيعوها فيحصُلُ لهم الخسران؟ فأمَّة موسى يُدعون إلى شريعة موسى، وأمَّة عيسى كذلك، وأمَّة محمد كذلك، وهكذا غيرهم؛ كلُّ أمة تُدعى إلى شرعها الذي كلفت به، هذا أحد الاحتمالات في الآية، وهو معنى صحيحٌ في نفسه، غير مشكوك فيه. ويحتمل أن المراد بقوله:{كلُّ أمَّة تُدعى إلى كتابها}؛ أي: إلى كتاب أعمالها وما سطر عليها من خير وشرٍّ، وأنَّ كلَّ أحدٍ يُجازى بما عمله بنفسه؛ كقوله تعالى:{مَنۡ عَمِلَ صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها}. ويحتمل أن المعنيين كليهما مرادٌ من الآية. {29} ويدل على هذا قولُه: {هذا كتابُنا ينطِقُ عليكم بالحقِّ}؛ أي: هذا كتابنا الذي أنزلنا عليكم يفصِلُ [بينكم] بالحقِّ الذي هو العدل، {إنَّا كنا نَسۡتَنسِخُ ما كنتُم تعملون}: فهذا كتابُ الأعمال. {30} ولهذا فصَّل ما يفعل الله بالفريقين، فقال:{فأمَّا الذين آمنوا وعملوا الصالحات}: إيماناً صحيحاً، وصدَّقوا إيمانَهم بالأعمال الصالحة من واجبات ومستحبَّات، {فيدخِلُهم ربُّهم في رحمتِهِ}: التي محلُّها الجنة، وما فيها من النعيم المقيم والعيش السليم. {ذلك هو الفوزُ المبينُ}؛ أي: المفاز والنجاة والربح والفلاح الواضح البيِّن، الذي إذا حصل للعبد؛ حصل له كلُّ خير، واندفع عنه كلُّ شرٍّ. {31}{وأمَّا الذين كفروا}: بالله، فيقال لهم توبيخاً وتقريعاً:{أفلم تكن آياتي تُتۡلى عليكم}، وقد دلَّتكم على ما فيه صلاحكم ونهتْكم عما فيه ضررُكم، وهي أكبر نعمة وصلت إليكم لو وفِّقتم لها، ولكن استكبرتُم عنها وأعرضتُم وكفرتُم بها، فجنيتُم أكبر جناية، وأجرمتم أشدَّ الجرم؛ فاليوم تجزون ما كنتم تعملون. {32} ويوبَّخون أيضاً بقوله: {وإذا قيل إنَّ وعدَ الله حقٌّ والساعة لا ريبَ فيها قلتم}: منكرين لذلك: {ما ندري ما الساعة إن نظنُّ إلاَّ ظنًّا وما نحن بمستيقنينَ}: فهذه حالهم في الدُّنيا، وحال البعث الإنكار له، وردُّوا قولَ مَنْ جاء به. {33} قال تعالى: {وبدا لهم سيئاتُ ما عملوا}؛ أي: وظهر لهم يوم القيامةِ عقوباتُ أعمالهم، {وحاق بهم}؛ أي: نزل {ما كانوا به يستهزِئون}؛ أي: نزل بهم العذابُ الذي كانوا في الدُّنيا يستهزئون بوقوعه وبمن جاء به. {34}{وقيل اليوم ننساكم}؛ أي: نترككم في العذاب {كما نسيتُم لقاء يومكم هذا}؛ فإنَّ الجزاء من جنس العمل، {ومأواكم النارُ}؛ أي: هي مقرُّكم ومصيركم. {وما لكم من ناصرينَ}: ينصرونَكم من عذابِ الله ويدفعون عنكم عقابه. {35}{ذلكم}: الذي حصل لكم من العذاب. بسبب {أنَّكم اتَّخذتم آياتِ الله هزواً}: مع أنها موجبةٌ للجدِّ والاجتهاد وتلقِّيها بالسرور والاستبشار والفرح، {وغرَّتۡكُم الحياة الدُّنيا}: بزخارفها ولذَّاتها وشهواتها، فاطمأننتُم إليها، وعملتم لها، وتركتم العمل للدار الباقية. {فاليومَ لا يُخۡرَجونَ منها ولا هم يُسۡتَعۡتَبونَ}؛ أي: ولا يُمْهَلون ولا يردُّون إلى الدُّنيا ليعملوا صالحاً. {36}{فلله الحمدُ}: كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، {ربِّ السمواتِ وربِّ الأرض ربِّ العالمين}؛ أي: له الحمد على ربوبيته لسائر الخلق ؛ حيث خلقهم وربَّاهم، وأنعم عليهم بالنعم الظاهرة والباطنة. {37}{وله الكبرياءُ في السمواتِ والأرض}؛ أي: له الجلال والعظمة والمجدُ؛ فالحمد فيه الثناء على الله بصفات الكمال ومحبَّته تعالى وإكرامه، والكبرياء فيها عظمتُه وجلالُه، والعبادة مبنيَّة على ركنين: محبة الله والذُّلُّ له، وهما ناشئان عن العلم بمحامد الله وجلاله وكبريائه، {وهو العزيز}: القاهر لكلِّ شيء. {الحكيم}: الذي يضعُ الأشياء مواضِعَها؛ فلا يشرع ما يشرعُه إلاَّ لحكمة ومصلحة، ولا يخلُقُ ما يخلُقُه إلاَّ لفائدةٍ ومنفعةٍ. تم تفسير سورة الجاثية. ولله الحمد والمنة والفضل. * * *

الجاثية 45:37

{27} يخبر تعالى عن سعة ملكِهِ وانفرادِهِ بالتصرُّف والتدبير في جميع الأوقات، وأنَّه {يوم تقومُ الساعةُ}؛ ويَجمع الخلائق لموقف القيامة؛ يحصُلُ الخسار على المبطلين، الذين أتوا بالباطل ليدحِضوا به الحقَّ، وكانت أعمالهم باطلةً لأنَّها متعلِّقة بالباطل، فبطلت في يوم القيامة، اليوم الذي تستبين فيه الحقائق واضمحلَّت عنهم، وفاتَهم الثوابُ، وحصلوا على أليم العقاب. {28} ثم وصف تعالى شدَّة يوم القيامةِ وهَوْلَهُ ليحذره العباد ويستعدَّ له العُبَّاد، فقال:{وترى}: أيُّها الرائي لذلك اليوم، {كلَّ أمَّةٍ جاثيةً}: على ركبها خوفاً وذعراً وانتظاراً لحكم الملك الرحمن. {كلُّ أمة تُدعى إلى كتابها}؛ أي: إلى شريعة نبيِّهم الذي جاءهم من عند الله، وهل قاموا بها فيحصُلُ [لهم] الثواب والنجاة؟ أم ضيعوها فيحصُلُ لهم الخسران؟ فأمَّة موسى يُدعون إلى شريعة موسى، وأمَّة عيسى كذلك، وأمَّة محمد كذلك، وهكذا غيرهم؛ كلُّ أمة تُدعى إلى شرعها الذي كلفت به، هذا أحد الاحتمالات في الآية، وهو معنى صحيحٌ في نفسه، غير مشكوك فيه. ويحتمل أن المراد بقوله:{كلُّ أمَّة تُدعى إلى كتابها}؛ أي: إلى كتاب أعمالها وما سطر عليها من خير وشرٍّ، وأنَّ كلَّ أحدٍ يُجازى بما عمله بنفسه؛ كقوله تعالى:{مَنۡ عَمِلَ صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها}. ويحتمل أن المعنيين كليهما مرادٌ من الآية. {29} ويدل على هذا قولُه: {هذا كتابُنا ينطِقُ عليكم بالحقِّ}؛ أي: هذا كتابنا الذي أنزلنا عليكم يفصِلُ [بينكم] بالحقِّ الذي هو العدل، {إنَّا كنا نَسۡتَنسِخُ ما كنتُم تعملون}: فهذا كتابُ الأعمال. {30} ولهذا فصَّل ما يفعل الله بالفريقين، فقال:{فأمَّا الذين آمنوا وعملوا الصالحات}: إيماناً صحيحاً، وصدَّقوا إيمانَهم بالأعمال الصالحة من واجبات ومستحبَّات، {فيدخِلُهم ربُّهم في رحمتِهِ}: التي محلُّها الجنة، وما فيها من النعيم المقيم والعيش السليم. {ذلك هو الفوزُ المبينُ}؛ أي: المفاز والنجاة والربح والفلاح الواضح البيِّن، الذي إذا حصل للعبد؛ حصل له كلُّ خير، واندفع عنه كلُّ شرٍّ. {31}{وأمَّا الذين كفروا}: بالله، فيقال لهم توبيخاً وتقريعاً:{أفلم تكن آياتي تُتۡلى عليكم}، وقد دلَّتكم على ما فيه صلاحكم ونهتْكم عما فيه ضررُكم، وهي أكبر نعمة وصلت إليكم لو وفِّقتم لها، ولكن استكبرتُم عنها وأعرضتُم وكفرتُم بها، فجنيتُم أكبر جناية، وأجرمتم أشدَّ الجرم؛ فاليوم تجزون ما كنتم تعملون. {32} ويوبَّخون أيضاً بقوله: {وإذا قيل إنَّ وعدَ الله حقٌّ والساعة لا ريبَ فيها قلتم}: منكرين لذلك: {ما ندري ما الساعة إن نظنُّ إلاَّ ظنًّا وما نحن بمستيقنينَ}: فهذه حالهم في الدُّنيا، وحال البعث الإنكار له، وردُّوا قولَ مَنْ جاء به. {33} قال تعالى: {وبدا لهم سيئاتُ ما عملوا}؛ أي: وظهر لهم يوم القيامةِ عقوباتُ أعمالهم، {وحاق بهم}؛ أي: نزل {ما كانوا به يستهزِئون}؛ أي: نزل بهم العذابُ الذي كانوا في الدُّنيا يستهزئون بوقوعه وبمن جاء به. {34}{وقيل اليوم ننساكم}؛ أي: نترككم في العذاب {كما نسيتُم لقاء يومكم هذا}؛ فإنَّ الجزاء من جنس العمل، {ومأواكم النارُ}؛ أي: هي مقرُّكم ومصيركم. {وما لكم من ناصرينَ}: ينصرونَكم من عذابِ الله ويدفعون عنكم عقابه. {35}{ذلكم}: الذي حصل لكم من العذاب. بسبب {أنَّكم اتَّخذتم آياتِ الله هزواً}: مع أنها موجبةٌ للجدِّ والاجتهاد وتلقِّيها بالسرور والاستبشار والفرح، {وغرَّتۡكُم الحياة الدُّنيا}: بزخارفها ولذَّاتها وشهواتها، فاطمأننتُم إليها، وعملتم لها، وتركتم العمل للدار الباقية. {فاليومَ لا يُخۡرَجونَ منها ولا هم يُسۡتَعۡتَبونَ}؛ أي: ولا يُمْهَلون ولا يردُّون إلى الدُّنيا ليعملوا صالحاً. {36}{فلله الحمدُ}: كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، {ربِّ السمواتِ وربِّ الأرض ربِّ العالمين}؛ أي: له الحمد على ربوبيته لسائر الخلق ؛ حيث خلقهم وربَّاهم، وأنعم عليهم بالنعم الظاهرة والباطنة. {37}{وله الكبرياءُ في السمواتِ والأرض}؛ أي: له الجلال والعظمة والمجدُ؛ فالحمد فيه الثناء على الله بصفات الكمال ومحبَّته تعالى وإكرامه، والكبرياء فيها عظمتُه وجلالُه، والعبادة مبنيَّة على ركنين: محبة الله والذُّلُّ له، وهما ناشئان عن العلم بمحامد الله وجلاله وكبريائه، {وهو العزيز}: القاهر لكلِّ شيء. {الحكيم}: الذي يضعُ الأشياء مواضِعَها؛ فلا يشرع ما يشرعُه إلاَّ لحكمة ومصلحة، ولا يخلُقُ ما يخلُقُه إلاَّ لفائدةٍ ومنفعةٍ. تم تفسير سورة الجاثية. ولله الحمد والمنة والفضل. * * *