Tefsîru's-Sa'dî — Teysîru'l-Kerîmi'r-Rahmân (blok edisyonu, ayrı tahrir) — الذاريات 51:1 – الطور 52:49
المحتويات
- الذاريات 51:1
- الذاريات 51:2
- الذاريات 51:3
- الذاريات 51:4
- الذاريات 51:5
- الذاريات 51:6
- الذاريات 51:7
- الذاريات 51:8
- الذاريات 51:9
- الذاريات 51:10
- الذاريات 51:11
- الذاريات 51:12
- الذاريات 51:13
- الذاريات 51:14
- الذاريات 51:15
- الذاريات 51:16
- الذاريات 51:17
- الذاريات 51:18
- الذاريات 51:19
- الذاريات 51:20
- الذاريات 51:21
- الذاريات 51:22
- الذاريات 51:23
- الذاريات 51:24
- الذاريات 51:25
- الذاريات 51:26
- الذاريات 51:27
- الذاريات 51:28
- الذاريات 51:29
- الذاريات 51:30
- الذاريات 51:31
- الذاريات 51:32
- الذاريات 51:33
- الذاريات 51:34
- الذاريات 51:35
- الذاريات 51:36
- الذاريات 51:37
- الذاريات 51:38
- الذاريات 51:39
- الذاريات 51:40
- الذاريات 51:41
- الذاريات 51:42
- الذاريات 51:43
- الذاريات 51:44
- الذاريات 51:45
- الذاريات 51:46
- الذاريات 51:47
- الذاريات 51:48
- الذاريات 51:49
- الذاريات 51:50
- الذاريات 51:51
- الذاريات 51:52
- الذاريات 51:53
- الذاريات 51:54
- الذاريات 51:55
- الذاريات 51:56
- الذاريات 51:57
- الذاريات 51:58
- الذاريات 51:59
- الذاريات 51:60
- الطور 52:1
- الطور 52:2
- الطور 52:3
- الطور 52:4
- الطور 52:5
- الطور 52:6
- الطور 52:7
- الطور 52:8
- الطور 52:9
- الطور 52:10
- الطور 52:11
- الطور 52:12
- الطور 52:13
- الطور 52:14
- الطور 52:15
- الطور 52:16
- الطور 52:17
- الطور 52:18
- الطور 52:19
- الطور 52:20
- الطور 52:21
- الطور 52:22
- الطور 52:23
- الطور 52:24
- الطور 52:25
- الطور 52:26
- الطور 52:27
- الطور 52:28
- الطور 52:29
- الطور 52:30
- الطور 52:31
- الطور 52:32
- الطور 52:33
- الطور 52:34
- الطور 52:35
- الطور 52:36
- الطور 52:37
- الطور 52:38
- الطور 52:39
- الطور 52:40
- الطور 52:41
- الطور 52:42
- الطور 52:43
- الطور 52:44
- الطور 52:45
- الطور 52:46
- الطور 52:47
- الطور 52:48
- الطور 52:49
الذاريات 51:1
وهي مكية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
{1 ـ 6} هذا قسمٌ من الله الصادق قي قيله بهذه المخلوقات العظيمة، التي جعل اللهُ فيها من المصالح والمنافع ما جعل، على أنَّ وعدَه صدقٌ، وأنَّ الدين الذي هو يوم الجزاء والمحاسبة على الأعمال لواقعٌ لا محالةَ، ما له من دافع. فإذا أخبر به الصادقُ العظيم، وأقسم عليه، وأقام الأدلَّة والبراهين عليه؛ فلِمَ يكذِّب به المكذِّبون، ويعرِض عن العمل له العاملون؟! {والذَّارياتِ}: هي الرياح التي تذرو في هبوبها {ذرواً}: بلينها ولطفها وقوَّتها وإزعاجها، {فالحاملاتِ وِقراً}: هي السحاب، تحمل الماء الكثير، الذي ينفع الله به العباد والبلاد ، {فالجارياتِ يُسراً}: النجوم التي تجري على وجه اليُسر والسُّهولة، فتتزيَّن بها السماواتُ، ويُهتدَى بها في ظلمات البرِّ والبحر، ويُنْتَفَعُ بالاعتبار بها، والمقَسِّمات {أمراً}: الملائكة التي تقسِّم الأمر وتدبِّره بإذن الله؛ فكلٌّ منهم قد جعله الله على تدبير أمرٍ من أمور الدنيا والآخرة لا يتعدَّى ما حُدَّ له وقُدِّر ورُسِم ولا ينقص منه.
الذاريات 51:2
وهي مكية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
{1 ـ 6} هذا قسمٌ من الله الصادق قي قيله بهذه المخلوقات العظيمة، التي جعل اللهُ فيها من المصالح والمنافع ما جعل، على أنَّ وعدَه صدقٌ، وأنَّ الدين الذي هو يوم الجزاء والمحاسبة على الأعمال لواقعٌ لا محالةَ، ما له من دافع. فإذا أخبر به الصادقُ العظيم، وأقسم عليه، وأقام الأدلَّة والبراهين عليه؛ فلِمَ يكذِّب به المكذِّبون، ويعرِض عن العمل له العاملون؟! {والذَّارياتِ}: هي الرياح التي تذرو في هبوبها {ذرواً}: بلينها ولطفها وقوَّتها وإزعاجها، {فالحاملاتِ وِقراً}: هي السحاب، تحمل الماء الكثير، الذي ينفع الله به العباد والبلاد ، {فالجارياتِ يُسراً}: النجوم التي تجري على وجه اليُسر والسُّهولة، فتتزيَّن بها السماواتُ، ويُهتدَى بها في ظلمات البرِّ والبحر، ويُنْتَفَعُ بالاعتبار بها، والمقَسِّمات {أمراً}: الملائكة التي تقسِّم الأمر وتدبِّره بإذن الله؛ فكلٌّ منهم قد جعله الله على تدبير أمرٍ من أمور الدنيا والآخرة لا يتعدَّى ما حُدَّ له وقُدِّر ورُسِم ولا ينقص منه.
الذاريات 51:3
وهي مكية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
{1 ـ 6} هذا قسمٌ من الله الصادق قي قيله بهذه المخلوقات العظيمة، التي جعل اللهُ فيها من المصالح والمنافع ما جعل، على أنَّ وعدَه صدقٌ، وأنَّ الدين الذي هو يوم الجزاء والمحاسبة على الأعمال لواقعٌ لا محالةَ، ما له من دافع. فإذا أخبر به الصادقُ العظيم، وأقسم عليه، وأقام الأدلَّة والبراهين عليه؛ فلِمَ يكذِّب به المكذِّبون، ويعرِض عن العمل له العاملون؟! {والذَّارياتِ}: هي الرياح التي تذرو في هبوبها {ذرواً}: بلينها ولطفها وقوَّتها وإزعاجها، {فالحاملاتِ وِقراً}: هي السحاب، تحمل الماء الكثير، الذي ينفع الله به العباد والبلاد ، {فالجارياتِ يُسراً}: النجوم التي تجري على وجه اليُسر والسُّهولة، فتتزيَّن بها السماواتُ، ويُهتدَى بها في ظلمات البرِّ والبحر، ويُنْتَفَعُ بالاعتبار بها، والمقَسِّمات {أمراً}: الملائكة التي تقسِّم الأمر وتدبِّره بإذن الله؛ فكلٌّ منهم قد جعله الله على تدبير أمرٍ من أمور الدنيا والآخرة لا يتعدَّى ما حُدَّ له وقُدِّر ورُسِم ولا ينقص منه.
الذاريات 51:4
وهي مكية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
{1 ـ 6} هذا قسمٌ من الله الصادق قي قيله بهذه المخلوقات العظيمة، التي جعل اللهُ فيها من المصالح والمنافع ما جعل، على أنَّ وعدَه صدقٌ، وأنَّ الدين الذي هو يوم الجزاء والمحاسبة على الأعمال لواقعٌ لا محالةَ، ما له من دافع. فإذا أخبر به الصادقُ العظيم، وأقسم عليه، وأقام الأدلَّة والبراهين عليه؛ فلِمَ يكذِّب به المكذِّبون، ويعرِض عن العمل له العاملون؟! {والذَّارياتِ}: هي الرياح التي تذرو في هبوبها {ذرواً}: بلينها ولطفها وقوَّتها وإزعاجها، {فالحاملاتِ وِقراً}: هي السحاب، تحمل الماء الكثير، الذي ينفع الله به العباد والبلاد ، {فالجارياتِ يُسراً}: النجوم التي تجري على وجه اليُسر والسُّهولة، فتتزيَّن بها السماواتُ، ويُهتدَى بها في ظلمات البرِّ والبحر، ويُنْتَفَعُ بالاعتبار بها، والمقَسِّمات {أمراً}: الملائكة التي تقسِّم الأمر وتدبِّره بإذن الله؛ فكلٌّ منهم قد جعله الله على تدبير أمرٍ من أمور الدنيا والآخرة لا يتعدَّى ما حُدَّ له وقُدِّر ورُسِم ولا ينقص منه.
الذاريات 51:5
وهي مكية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
{1 ـ 6} هذا قسمٌ من الله الصادق قي قيله بهذه المخلوقات العظيمة، التي جعل اللهُ فيها من المصالح والمنافع ما جعل، على أنَّ وعدَه صدقٌ، وأنَّ الدين الذي هو يوم الجزاء والمحاسبة على الأعمال لواقعٌ لا محالةَ، ما له من دافع. فإذا أخبر به الصادقُ العظيم، وأقسم عليه، وأقام الأدلَّة والبراهين عليه؛ فلِمَ يكذِّب به المكذِّبون، ويعرِض عن العمل له العاملون؟! {والذَّارياتِ}: هي الرياح التي تذرو في هبوبها {ذرواً}: بلينها ولطفها وقوَّتها وإزعاجها، {فالحاملاتِ وِقراً}: هي السحاب، تحمل الماء الكثير، الذي ينفع الله به العباد والبلاد ، {فالجارياتِ يُسراً}: النجوم التي تجري على وجه اليُسر والسُّهولة، فتتزيَّن بها السماواتُ، ويُهتدَى بها في ظلمات البرِّ والبحر، ويُنْتَفَعُ بالاعتبار بها، والمقَسِّمات {أمراً}: الملائكة التي تقسِّم الأمر وتدبِّره بإذن الله؛ فكلٌّ منهم قد جعله الله على تدبير أمرٍ من أمور الدنيا والآخرة لا يتعدَّى ما حُدَّ له وقُدِّر ورُسِم ولا ينقص منه.
الذاريات 51:6
وهي مكية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
{1 ـ 6} هذا قسمٌ من الله الصادق قي قيله بهذه المخلوقات العظيمة، التي جعل اللهُ فيها من المصالح والمنافع ما جعل، على أنَّ وعدَه صدقٌ، وأنَّ الدين الذي هو يوم الجزاء والمحاسبة على الأعمال لواقعٌ لا محالةَ، ما له من دافع. فإذا أخبر به الصادقُ العظيم، وأقسم عليه، وأقام الأدلَّة والبراهين عليه؛ فلِمَ يكذِّب به المكذِّبون، ويعرِض عن العمل له العاملون؟! {والذَّارياتِ}: هي الرياح التي تذرو في هبوبها {ذرواً}: بلينها ولطفها وقوَّتها وإزعاجها، {فالحاملاتِ وِقراً}: هي السحاب، تحمل الماء الكثير، الذي ينفع الله به العباد والبلاد ، {فالجارياتِ يُسراً}: النجوم التي تجري على وجه اليُسر والسُّهولة، فتتزيَّن بها السماواتُ، ويُهتدَى بها في ظلمات البرِّ والبحر، ويُنْتَفَعُ بالاعتبار بها، والمقَسِّمات {أمراً}: الملائكة التي تقسِّم الأمر وتدبِّره بإذن الله؛ فكلٌّ منهم قد جعله الله على تدبير أمرٍ من أمور الدنيا والآخرة لا يتعدَّى ما حُدَّ له وقُدِّر ورُسِم ولا ينقص منه.
الذاريات 51:7
{7} أي: {والسماء}: ذات الطرائق الحسنة، التي تشبه حُبُكَ الرمال ومياه الغدران حين يحركها النسيم.
{8}{إنَّكم}: أيُّها المكذِّبون لمحمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، {لفي قول مختلفٍ}: منكم من يقولُ: ساحر! ومنكم من يقول: كاهن! ومنكم من يقول: مجنون! إلى غير ذلك من الأقوال المختلفة الدالَّة على حيرتهم وشكِّهم، وأنَّ ما هم عليه باطلٌ.
{9}{يؤفَكُ عنه من أُفِكَ}؛ أي: يُصْرَفُ عنه من صُرف عن الإيمان وانصرف [قلبه] عن أدلَّة الله اليقينيَّة وبراهينه. واختلافُ قولهم دليلٌ على فساده وبطلانه؛ كما أنَّ الحقَّ الذي جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - متَّفق؛ يصدِّقُ بعضه بعضاً، لا تناقض فيه ولا اختلاف، وذلك دليلٌ على صحَّته، وأنَّه من عند الله؛ فلو كان من عند غير الله؛ لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً.
الذاريات 51:8
{7} أي: {والسماء}: ذات الطرائق الحسنة، التي تشبه حُبُكَ الرمال ومياه الغدران حين يحركها النسيم.
{8}{إنَّكم}: أيُّها المكذِّبون لمحمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، {لفي قول مختلفٍ}: منكم من يقولُ: ساحر! ومنكم من يقول: كاهن! ومنكم من يقول: مجنون! إلى غير ذلك من الأقوال المختلفة الدالَّة على حيرتهم وشكِّهم، وأنَّ ما هم عليه باطلٌ.
{9}{يؤفَكُ عنه من أُفِكَ}؛ أي: يُصْرَفُ عنه من صُرف عن الإيمان وانصرف [قلبه] عن أدلَّة الله اليقينيَّة وبراهينه. واختلافُ قولهم دليلٌ على فساده وبطلانه؛ كما أنَّ الحقَّ الذي جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - متَّفق؛ يصدِّقُ بعضه بعضاً، لا تناقض فيه ولا اختلاف، وذلك دليلٌ على صحَّته، وأنَّه من عند الله؛ فلو كان من عند غير الله؛ لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً.
الذاريات 51:9
{7} أي: {والسماء}: ذات الطرائق الحسنة، التي تشبه حُبُكَ الرمال ومياه الغدران حين يحركها النسيم.
{8}{إنَّكم}: أيُّها المكذِّبون لمحمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، {لفي قول مختلفٍ}: منكم من يقولُ: ساحر! ومنكم من يقول: كاهن! ومنكم من يقول: مجنون! إلى غير ذلك من الأقوال المختلفة الدالَّة على حيرتهم وشكِّهم، وأنَّ ما هم عليه باطلٌ.
{9}{يؤفَكُ عنه من أُفِكَ}؛ أي: يُصْرَفُ عنه من صُرف عن الإيمان وانصرف [قلبه] عن أدلَّة الله اليقينيَّة وبراهينه. واختلافُ قولهم دليلٌ على فساده وبطلانه؛ كما أنَّ الحقَّ الذي جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - متَّفق؛ يصدِّقُ بعضه بعضاً، لا تناقض فيه ولا اختلاف، وذلك دليلٌ على صحَّته، وأنَّه من عند الله؛ فلو كان من عند غير الله؛ لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً.
الذاريات 51:10
{10} يقول تعالى: {قُتِلَ الخرَّاصونَ}؛ أي: قاتل الله الذين كَذَبوا على الله، وجحدوا آياته، وخاضوا بالباطل ليُدْحِضوا به الحقَّ، الذين يقولون على الله ما لا يعلمون.
{11}{الذين هم في غمرةٍ}؛ أي: في لُجَّةٍ من الكفر والجهل والضلال، {ساهون}.
{12}{يسألون}: على وجه الشكِّ والتكذيب: {أيَّان [يوم الدين] }: يبعثون؛ أي: متى يُبعثون؟! مستبعدين لذلك!
{13 ـ 14} فلا تسألْ عن حالهم وسوء مآلهم! {يوم هم على النار يُفتنون}؛ أي: يعذَّبون بسبب ما انطووا عليه من خبث الباطن والظاهر، ويُقالُ لهم:{ذوقوا فتنتكم}؛ أي: العذاب والنار، الذي هو أثر ما افتتنوا به من الابتلاء، الذي صيَّرهم إلى الكفر والضلال. {هذا}: العذابُ الذي وصلتم إليه هو {الذي كنتُم به تستعجلونَ}: فالآن تمتَّعوا بأنواع العقاب والنَّكال، والسلاسل والأغلال، والسخط والوَبال.
الذاريات 51:11
{10} يقول تعالى: {قُتِلَ الخرَّاصونَ}؛ أي: قاتل الله الذين كَذَبوا على الله، وجحدوا آياته، وخاضوا بالباطل ليُدْحِضوا به الحقَّ، الذين يقولون على الله ما لا يعلمون.
{11}{الذين هم في غمرةٍ}؛ أي: في لُجَّةٍ من الكفر والجهل والضلال، {ساهون}.
{12}{يسألون}: على وجه الشكِّ والتكذيب: {أيَّان [يوم الدين] }: يبعثون؛ أي: متى يُبعثون؟! مستبعدين لذلك!
{13 ـ 14} فلا تسألْ عن حالهم وسوء مآلهم! {يوم هم على النار يُفتنون}؛ أي: يعذَّبون بسبب ما انطووا عليه من خبث الباطن والظاهر، ويُقالُ لهم:{ذوقوا فتنتكم}؛ أي: العذاب والنار، الذي هو أثر ما افتتنوا به من الابتلاء، الذي صيَّرهم إلى الكفر والضلال. {هذا}: العذابُ الذي وصلتم إليه هو {الذي كنتُم به تستعجلونَ}: فالآن تمتَّعوا بأنواع العقاب والنَّكال، والسلاسل والأغلال، والسخط والوَبال.
الذاريات 51:12
{10} يقول تعالى: {قُتِلَ الخرَّاصونَ}؛ أي: قاتل الله الذين كَذَبوا على الله، وجحدوا آياته، وخاضوا بالباطل ليُدْحِضوا به الحقَّ، الذين يقولون على الله ما لا يعلمون.
{11}{الذين هم في غمرةٍ}؛ أي: في لُجَّةٍ من الكفر والجهل والضلال، {ساهون}.
{12}{يسألون}: على وجه الشكِّ والتكذيب: {أيَّان [يوم الدين] }: يبعثون؛ أي: متى يُبعثون؟! مستبعدين لذلك!
{13 ـ 14} فلا تسألْ عن حالهم وسوء مآلهم! {يوم هم على النار يُفتنون}؛ أي: يعذَّبون بسبب ما انطووا عليه من خبث الباطن والظاهر، ويُقالُ لهم:{ذوقوا فتنتكم}؛ أي: العذاب والنار، الذي هو أثر ما افتتنوا به من الابتلاء، الذي صيَّرهم إلى الكفر والضلال. {هذا}: العذابُ الذي وصلتم إليه هو {الذي كنتُم به تستعجلونَ}: فالآن تمتَّعوا بأنواع العقاب والنَّكال، والسلاسل والأغلال، والسخط والوَبال.
الذاريات 51:13
{10} يقول تعالى: {قُتِلَ الخرَّاصونَ}؛ أي: قاتل الله الذين كَذَبوا على الله، وجحدوا آياته، وخاضوا بالباطل ليُدْحِضوا به الحقَّ، الذين يقولون على الله ما لا يعلمون.
{11}{الذين هم في غمرةٍ}؛ أي: في لُجَّةٍ من الكفر والجهل والضلال، {ساهون}.
{12}{يسألون}: على وجه الشكِّ والتكذيب: {أيَّان [يوم الدين] }: يبعثون؛ أي: متى يُبعثون؟! مستبعدين لذلك!
{13 ـ 14} فلا تسألْ عن حالهم وسوء مآلهم! {يوم هم على النار يُفتنون}؛ أي: يعذَّبون بسبب ما انطووا عليه من خبث الباطن والظاهر، ويُقالُ لهم:{ذوقوا فتنتكم}؛ أي: العذاب والنار، الذي هو أثر ما افتتنوا به من الابتلاء، الذي صيَّرهم إلى الكفر والضلال. {هذا}: العذابُ الذي وصلتم إليه هو {الذي كنتُم به تستعجلونَ}: فالآن تمتَّعوا بأنواع العقاب والنَّكال، والسلاسل والأغلال، والسخط والوَبال.
الذاريات 51:14
{10} يقول تعالى: {قُتِلَ الخرَّاصونَ}؛ أي: قاتل الله الذين كَذَبوا على الله، وجحدوا آياته، وخاضوا بالباطل ليُدْحِضوا به الحقَّ، الذين يقولون على الله ما لا يعلمون.
{11}{الذين هم في غمرةٍ}؛ أي: في لُجَّةٍ من الكفر والجهل والضلال، {ساهون}.
{12}{يسألون}: على وجه الشكِّ والتكذيب: {أيَّان [يوم الدين] }: يبعثون؛ أي: متى يُبعثون؟! مستبعدين لذلك!
{13 ـ 14} فلا تسألْ عن حالهم وسوء مآلهم! {يوم هم على النار يُفتنون}؛ أي: يعذَّبون بسبب ما انطووا عليه من خبث الباطن والظاهر، ويُقالُ لهم:{ذوقوا فتنتكم}؛ أي: العذاب والنار، الذي هو أثر ما افتتنوا به من الابتلاء، الذي صيَّرهم إلى الكفر والضلال. {هذا}: العذابُ الذي وصلتم إليه هو {الذي كنتُم به تستعجلونَ}: فالآن تمتَّعوا بأنواع العقاب والنَّكال، والسلاسل والأغلال، والسخط والوَبال.
الذاريات 51:15
{15} يقول تعالى في ذكر ثواب المتَّقين وأعمالهم التي وصلوا بها إلى ذلك الجزاء: {إنَّ المتَّقينَ}؛ أي: الذين كانت التَّقوى شعارهم وطاعةُ اللهِ دثارهم، {في جناتٍ}: مشتملات على جميع أصناف الأشجار والفواكه، التي يوجد لها نظيرٌ في الدنيا، والتي لا يوجد لها نظيرٌ، مما لم تنظر العيونُ إلى مثله، ولم تسمع الآذانُ، ولم يخطرْ على قلب بشرٍ ، {وعيونٍ}: سارحة تشرب منها تلك البساتين، ويشربُ بها عبادُ الله يفجِّرونها تفجيراً.
{16}{آخذينَ ما آتاهم ربُّهم}: يُحتملُ أنَّ المعنى أنَّ أهل الجنَّة قد أعطاهم مولاهم جميع مناهم من جميع أصناف النعيم، فأخذوا ذلك راضين به، قد قرَّت به أعينُهم، وفرحتْ به نفوسُهم، ولم يطلبُوا منه بدلاً، ولا يبغون عنه حولاً، وكلٌّ قد ناله من النعيم ما لا يطلب عليه المزيد. ويُحتمل أنَّ هذا وصف المتَّقين في الدُّنيا، وأنَّهم آخذون ما آتاهم الله من الأوامر والنواهي؛ أي: قد تلقَّوها بالرحب وانشراح الصدر، منقادين لما أمر الله به بالامتثال على أكمل الوجوه، ولما نهى عنه بالانزجار عنه لله على أكمل وجه؛ فإنَّ الذي أعطاهم الله من الأوامر والنواهي هو أفضل العطايا التي حقُّها أن تُتَلَقَّى بالشُّكر لله عليها والانقياد.
والمعنى الأول ألصقُ بسياق الكلام؛ لأنَّه ذكر وصفهم في الدُّنيا وأعمالهم بقوله:{إنَّهم كانوا قبل ذلك}: الوقت الذي وصلوا به إلى النعيم {محسنين}: وهذا شاملٌ لإحسانهم بعبادة ربِّهم؛ بأن يعبدوه كأنهم يرونه؛ فإنْ لم يكونوا يرونه؛ فإنَّه يراهم، وللإحسان إلى عباد الله ببذل النفع والإحسان من مال أو علم أو جاهٍ أو نصيحةٍ أوأمرٍ بمعروف أو نهي عن منكرٍ، أو غير ذلك من وجوه البرِّ وطرق الخيرات، حتى إنَّه يدخُلُ في ذلك الإحسان بالقول والكلام الليِّن والإحسان إلى المماليك والبهائم المملوكة وغير المملوكة.
{17} ومن أفضل أنواع الإحسان في عبادة الخالق صلاةُ الليل الدالَّة على الإخلاص وتواطؤ القلب واللسان، ولهذا قال:{كانوا}؛ أي: المحسنون، {قليلاً من الليل ما يَهۡجَعونَ}؛ أي: كان هجوعهم؛ أي: نومهم بالليل قليلاً، وأمَّا أكثر الليل؛ فإنَّهم قانتون لربِّهم، ما بين صلاة وقراءة وذكر ودعاء وتضرُّع.
{18}{وبالأسحار}: التي هي قبيل الفجر، {هم يستغفرونَ}: الله تعالى، فمدُّوا صلاتهم إلى السحر، ثم جلسوا في خاتمة قيامهم بالليل يستغفرون الله تعالى استغفار المذنبِ لذنبه. وللاستغفار بالأسحار فضيلةٌ وخصيصةٌ ليست لغيره؛ كما قال تعالى في وصف أهل الإيمان والطاعة:{والمستغفرين بالأسحار}.
{19}{وفي أموالهم حقٌّ}: واجبٌ ومستحبٌّ {للسائل والمحروم}؛ أي: للمحتاجين الذين يطلبون من الناس والذين لا يسألونهم.
الذاريات 51:16
{15} يقول تعالى في ذكر ثواب المتَّقين وأعمالهم التي وصلوا بها إلى ذلك الجزاء: {إنَّ المتَّقينَ}؛ أي: الذين كانت التَّقوى شعارهم وطاعةُ اللهِ دثارهم، {في جناتٍ}: مشتملات على جميع أصناف الأشجار والفواكه، التي يوجد لها نظيرٌ في الدنيا، والتي لا يوجد لها نظيرٌ، مما لم تنظر العيونُ إلى مثله، ولم تسمع الآذانُ، ولم يخطرْ على قلب بشرٍ ، {وعيونٍ}: سارحة تشرب منها تلك البساتين، ويشربُ بها عبادُ الله يفجِّرونها تفجيراً.
{16}{آخذينَ ما آتاهم ربُّهم}: يُحتملُ أنَّ المعنى أنَّ أهل الجنَّة قد أعطاهم مولاهم جميع مناهم من جميع أصناف النعيم، فأخذوا ذلك راضين به، قد قرَّت به أعينُهم، وفرحتْ به نفوسُهم، ولم يطلبُوا منه بدلاً، ولا يبغون عنه حولاً، وكلٌّ قد ناله من النعيم ما لا يطلب عليه المزيد. ويُحتمل أنَّ هذا وصف المتَّقين في الدُّنيا، وأنَّهم آخذون ما آتاهم الله من الأوامر والنواهي؛ أي: قد تلقَّوها بالرحب وانشراح الصدر، منقادين لما أمر الله به بالامتثال على أكمل الوجوه، ولما نهى عنه بالانزجار عنه لله على أكمل وجه؛ فإنَّ الذي أعطاهم الله من الأوامر والنواهي هو أفضل العطايا التي حقُّها أن تُتَلَقَّى بالشُّكر لله عليها والانقياد.
والمعنى الأول ألصقُ بسياق الكلام؛ لأنَّه ذكر وصفهم في الدُّنيا وأعمالهم بقوله:{إنَّهم كانوا قبل ذلك}: الوقت الذي وصلوا به إلى النعيم {محسنين}: وهذا شاملٌ لإحسانهم بعبادة ربِّهم؛ بأن يعبدوه كأنهم يرونه؛ فإنْ لم يكونوا يرونه؛ فإنَّه يراهم، وللإحسان إلى عباد الله ببذل النفع والإحسان من مال أو علم أو جاهٍ أو نصيحةٍ أوأمرٍ بمعروف أو نهي عن منكرٍ، أو غير ذلك من وجوه البرِّ وطرق الخيرات، حتى إنَّه يدخُلُ في ذلك الإحسان بالقول والكلام الليِّن والإحسان إلى المماليك والبهائم المملوكة وغير المملوكة.
{17} ومن أفضل أنواع الإحسان في عبادة الخالق صلاةُ الليل الدالَّة على الإخلاص وتواطؤ القلب واللسان، ولهذا قال:{كانوا}؛ أي: المحسنون، {قليلاً من الليل ما يَهۡجَعونَ}؛ أي: كان هجوعهم؛ أي: نومهم بالليل قليلاً، وأمَّا أكثر الليل؛ فإنَّهم قانتون لربِّهم، ما بين صلاة وقراءة وذكر ودعاء وتضرُّع.
{18}{وبالأسحار}: التي هي قبيل الفجر، {هم يستغفرونَ}: الله تعالى، فمدُّوا صلاتهم إلى السحر، ثم جلسوا في خاتمة قيامهم بالليل يستغفرون الله تعالى استغفار المذنبِ لذنبه. وللاستغفار بالأسحار فضيلةٌ وخصيصةٌ ليست لغيره؛ كما قال تعالى في وصف أهل الإيمان والطاعة:{والمستغفرين بالأسحار}.
{19}{وفي أموالهم حقٌّ}: واجبٌ ومستحبٌّ {للسائل والمحروم}؛ أي: للمحتاجين الذين يطلبون من الناس والذين لا يسألونهم.
الذاريات 51:17
{15} يقول تعالى في ذكر ثواب المتَّقين وأعمالهم التي وصلوا بها إلى ذلك الجزاء: {إنَّ المتَّقينَ}؛ أي: الذين كانت التَّقوى شعارهم وطاعةُ اللهِ دثارهم، {في جناتٍ}: مشتملات على جميع أصناف الأشجار والفواكه، التي يوجد لها نظيرٌ في الدنيا، والتي لا يوجد لها نظيرٌ، مما لم تنظر العيونُ إلى مثله، ولم تسمع الآذانُ، ولم يخطرْ على قلب بشرٍ ، {وعيونٍ}: سارحة تشرب منها تلك البساتين، ويشربُ بها عبادُ الله يفجِّرونها تفجيراً.
{16}{آخذينَ ما آتاهم ربُّهم}: يُحتملُ أنَّ المعنى أنَّ أهل الجنَّة قد أعطاهم مولاهم جميع مناهم من جميع أصناف النعيم، فأخذوا ذلك راضين به، قد قرَّت به أعينُهم، وفرحتْ به نفوسُهم، ولم يطلبُوا منه بدلاً، ولا يبغون عنه حولاً، وكلٌّ قد ناله من النعيم ما لا يطلب عليه المزيد. ويُحتمل أنَّ هذا وصف المتَّقين في الدُّنيا، وأنَّهم آخذون ما آتاهم الله من الأوامر والنواهي؛ أي: قد تلقَّوها بالرحب وانشراح الصدر، منقادين لما أمر الله به بالامتثال على أكمل الوجوه، ولما نهى عنه بالانزجار عنه لله على أكمل وجه؛ فإنَّ الذي أعطاهم الله من الأوامر والنواهي هو أفضل العطايا التي حقُّها أن تُتَلَقَّى بالشُّكر لله عليها والانقياد.
والمعنى الأول ألصقُ بسياق الكلام؛ لأنَّه ذكر وصفهم في الدُّنيا وأعمالهم بقوله:{إنَّهم كانوا قبل ذلك}: الوقت الذي وصلوا به إلى النعيم {محسنين}: وهذا شاملٌ لإحسانهم بعبادة ربِّهم؛ بأن يعبدوه كأنهم يرونه؛ فإنْ لم يكونوا يرونه؛ فإنَّه يراهم، وللإحسان إلى عباد الله ببذل النفع والإحسان من مال أو علم أو جاهٍ أو نصيحةٍ أوأمرٍ بمعروف أو نهي عن منكرٍ، أو غير ذلك من وجوه البرِّ وطرق الخيرات، حتى إنَّه يدخُلُ في ذلك الإحسان بالقول والكلام الليِّن والإحسان إلى المماليك والبهائم المملوكة وغير المملوكة.
{17} ومن أفضل أنواع الإحسان في عبادة الخالق صلاةُ الليل الدالَّة على الإخلاص وتواطؤ القلب واللسان، ولهذا قال:{كانوا}؛ أي: المحسنون، {قليلاً من الليل ما يَهۡجَعونَ}؛ أي: كان هجوعهم؛ أي: نومهم بالليل قليلاً، وأمَّا أكثر الليل؛ فإنَّهم قانتون لربِّهم، ما بين صلاة وقراءة وذكر ودعاء وتضرُّع.
{18}{وبالأسحار}: التي هي قبيل الفجر، {هم يستغفرونَ}: الله تعالى، فمدُّوا صلاتهم إلى السحر، ثم جلسوا في خاتمة قيامهم بالليل يستغفرون الله تعالى استغفار المذنبِ لذنبه. وللاستغفار بالأسحار فضيلةٌ وخصيصةٌ ليست لغيره؛ كما قال تعالى في وصف أهل الإيمان والطاعة:{والمستغفرين بالأسحار}.
{19}{وفي أموالهم حقٌّ}: واجبٌ ومستحبٌّ {للسائل والمحروم}؛ أي: للمحتاجين الذين يطلبون من الناس والذين لا يسألونهم.
الذاريات 51:18
{15} يقول تعالى في ذكر ثواب المتَّقين وأعمالهم التي وصلوا بها إلى ذلك الجزاء: {إنَّ المتَّقينَ}؛ أي: الذين كانت التَّقوى شعارهم وطاعةُ اللهِ دثارهم، {في جناتٍ}: مشتملات على جميع أصناف الأشجار والفواكه، التي يوجد لها نظيرٌ في الدنيا، والتي لا يوجد لها نظيرٌ، مما لم تنظر العيونُ إلى مثله، ولم تسمع الآذانُ، ولم يخطرْ على قلب بشرٍ ، {وعيونٍ}: سارحة تشرب منها تلك البساتين، ويشربُ بها عبادُ الله يفجِّرونها تفجيراً.
{16}{آخذينَ ما آتاهم ربُّهم}: يُحتملُ أنَّ المعنى أنَّ أهل الجنَّة قد أعطاهم مولاهم جميع مناهم من جميع أصناف النعيم، فأخذوا ذلك راضين به، قد قرَّت به أعينُهم، وفرحتْ به نفوسُهم، ولم يطلبُوا منه بدلاً، ولا يبغون عنه حولاً، وكلٌّ قد ناله من النعيم ما لا يطلب عليه المزيد. ويُحتمل أنَّ هذا وصف المتَّقين في الدُّنيا، وأنَّهم آخذون ما آتاهم الله من الأوامر والنواهي؛ أي: قد تلقَّوها بالرحب وانشراح الصدر، منقادين لما أمر الله به بالامتثال على أكمل الوجوه، ولما نهى عنه بالانزجار عنه لله على أكمل وجه؛ فإنَّ الذي أعطاهم الله من الأوامر والنواهي هو أفضل العطايا التي حقُّها أن تُتَلَقَّى بالشُّكر لله عليها والانقياد.
والمعنى الأول ألصقُ بسياق الكلام؛ لأنَّه ذكر وصفهم في الدُّنيا وأعمالهم بقوله:{إنَّهم كانوا قبل ذلك}: الوقت الذي وصلوا به إلى النعيم {محسنين}: وهذا شاملٌ لإحسانهم بعبادة ربِّهم؛ بأن يعبدوه كأنهم يرونه؛ فإنْ لم يكونوا يرونه؛ فإنَّه يراهم، وللإحسان إلى عباد الله ببذل النفع والإحسان من مال أو علم أو جاهٍ أو نصيحةٍ أوأمرٍ بمعروف أو نهي عن منكرٍ، أو غير ذلك من وجوه البرِّ وطرق الخيرات، حتى إنَّه يدخُلُ في ذلك الإحسان بالقول والكلام الليِّن والإحسان إلى المماليك والبهائم المملوكة وغير المملوكة.
{17} ومن أفضل أنواع الإحسان في عبادة الخالق صلاةُ الليل الدالَّة على الإخلاص وتواطؤ القلب واللسان، ولهذا قال:{كانوا}؛ أي: المحسنون، {قليلاً من الليل ما يَهۡجَعونَ}؛ أي: كان هجوعهم؛ أي: نومهم بالليل قليلاً، وأمَّا أكثر الليل؛ فإنَّهم قانتون لربِّهم، ما بين صلاة وقراءة وذكر ودعاء وتضرُّع.
{18}{وبالأسحار}: التي هي قبيل الفجر، {هم يستغفرونَ}: الله تعالى، فمدُّوا صلاتهم إلى السحر، ثم جلسوا في خاتمة قيامهم بالليل يستغفرون الله تعالى استغفار المذنبِ لذنبه. وللاستغفار بالأسحار فضيلةٌ وخصيصةٌ ليست لغيره؛ كما قال تعالى في وصف أهل الإيمان والطاعة:{والمستغفرين بالأسحار}.
{19}{وفي أموالهم حقٌّ}: واجبٌ ومستحبٌّ {للسائل والمحروم}؛ أي: للمحتاجين الذين يطلبون من الناس والذين لا يسألونهم.
الذاريات 51:19
{15} يقول تعالى في ذكر ثواب المتَّقين وأعمالهم التي وصلوا بها إلى ذلك الجزاء: {إنَّ المتَّقينَ}؛ أي: الذين كانت التَّقوى شعارهم وطاعةُ اللهِ دثارهم، {في جناتٍ}: مشتملات على جميع أصناف الأشجار والفواكه، التي يوجد لها نظيرٌ في الدنيا، والتي لا يوجد لها نظيرٌ، مما لم تنظر العيونُ إلى مثله، ولم تسمع الآذانُ، ولم يخطرْ على قلب بشرٍ ، {وعيونٍ}: سارحة تشرب منها تلك البساتين، ويشربُ بها عبادُ الله يفجِّرونها تفجيراً.
{16}{آخذينَ ما آتاهم ربُّهم}: يُحتملُ أنَّ المعنى أنَّ أهل الجنَّة قد أعطاهم مولاهم جميع مناهم من جميع أصناف النعيم، فأخذوا ذلك راضين به، قد قرَّت به أعينُهم، وفرحتْ به نفوسُهم، ولم يطلبُوا منه بدلاً، ولا يبغون عنه حولاً، وكلٌّ قد ناله من النعيم ما لا يطلب عليه المزيد. ويُحتمل أنَّ هذا وصف المتَّقين في الدُّنيا، وأنَّهم آخذون ما آتاهم الله من الأوامر والنواهي؛ أي: قد تلقَّوها بالرحب وانشراح الصدر، منقادين لما أمر الله به بالامتثال على أكمل الوجوه، ولما نهى عنه بالانزجار عنه لله على أكمل وجه؛ فإنَّ الذي أعطاهم الله من الأوامر والنواهي هو أفضل العطايا التي حقُّها أن تُتَلَقَّى بالشُّكر لله عليها والانقياد.
والمعنى الأول ألصقُ بسياق الكلام؛ لأنَّه ذكر وصفهم في الدُّنيا وأعمالهم بقوله:{إنَّهم كانوا قبل ذلك}: الوقت الذي وصلوا به إلى النعيم {محسنين}: وهذا شاملٌ لإحسانهم بعبادة ربِّهم؛ بأن يعبدوه كأنهم يرونه؛ فإنْ لم يكونوا يرونه؛ فإنَّه يراهم، وللإحسان إلى عباد الله ببذل النفع والإحسان من مال أو علم أو جاهٍ أو نصيحةٍ أوأمرٍ بمعروف أو نهي عن منكرٍ، أو غير ذلك من وجوه البرِّ وطرق الخيرات، حتى إنَّه يدخُلُ في ذلك الإحسان بالقول والكلام الليِّن والإحسان إلى المماليك والبهائم المملوكة وغير المملوكة.
{17} ومن أفضل أنواع الإحسان في عبادة الخالق صلاةُ الليل الدالَّة على الإخلاص وتواطؤ القلب واللسان، ولهذا قال:{كانوا}؛ أي: المحسنون، {قليلاً من الليل ما يَهۡجَعونَ}؛ أي: كان هجوعهم؛ أي: نومهم بالليل قليلاً، وأمَّا أكثر الليل؛ فإنَّهم قانتون لربِّهم، ما بين صلاة وقراءة وذكر ودعاء وتضرُّع.
{18}{وبالأسحار}: التي هي قبيل الفجر، {هم يستغفرونَ}: الله تعالى، فمدُّوا صلاتهم إلى السحر، ثم جلسوا في خاتمة قيامهم بالليل يستغفرون الله تعالى استغفار المذنبِ لذنبه. وللاستغفار بالأسحار فضيلةٌ وخصيصةٌ ليست لغيره؛ كما قال تعالى في وصف أهل الإيمان والطاعة:{والمستغفرين بالأسحار}.
{19}{وفي أموالهم حقٌّ}: واجبٌ ومستحبٌّ {للسائل والمحروم}؛ أي: للمحتاجين الذين يطلبون من الناس والذين لا يسألونهم.
الذاريات 51:20
{20} يقول تعالى داعياً عباده إلى التفكُّر والاعتبار: {وفي الأرضِ آياتٌ للموقِنينَ}: وذلك شاملٌ لنفس الأرض وما فيها من جبال وبحارٍ وأنهارٍ وأشجارٍ ونباتٍ تدلُّ المتفكِّر فيها، المتأمِّل لمعانيها على عظمة خالقها وسعة سلطانه وعميم إحسانه وإحاطة علمه بالظواهر والبواطن.
{21} وكذلك في نفس العبد من العِبَرِ والحكمة والرحمة ما يدلُّ على أنَّ الله واحدٌ أحدٌ فردٌ صمدٌ ، وأنَّه لم يخلق الخلق سدىً.
{22} وقوله: {وفي السماء رزقُكُم}؛ أي: مادة رزقكم من الأمطار وصنوف الأقدار؛ الرزق الدينيُّ والدنيويُّ، وما توعدونه من الجزاء في الدنيا والآخرة؛ فإنَّه ينزل من عند الله كسائر الأقدار.
{23} فلما بيَّن الآيات ونبَّه عليها تنبيهاً ينتبه به الذكيُّ اللبيبُ؛ أقسم تعالى على أنَّ وعده وجزاءه حقٌّ، وشبَّه ذلك بأظهر الأشياء لنا، وهو النُّطق، فقال:{فوربِّ السماءِ والأرضِ إنَّه لَحَقٌّ مثلما أنَّكم تَنطِقونَ}؛ فكما أنَّكم لا تشكُّون في نطقكم؛ فكذلك ينبغي أن لا يعترِيَكم الشكُّ في البعث والجزاء.
الذاريات 51:21
{20} يقول تعالى داعياً عباده إلى التفكُّر والاعتبار: {وفي الأرضِ آياتٌ للموقِنينَ}: وذلك شاملٌ لنفس الأرض وما فيها من جبال وبحارٍ وأنهارٍ وأشجارٍ ونباتٍ تدلُّ المتفكِّر فيها، المتأمِّل لمعانيها على عظمة خالقها وسعة سلطانه وعميم إحسانه وإحاطة علمه بالظواهر والبواطن.
{21} وكذلك في نفس العبد من العِبَرِ والحكمة والرحمة ما يدلُّ على أنَّ الله واحدٌ أحدٌ فردٌ صمدٌ ، وأنَّه لم يخلق الخلق سدىً.
{22} وقوله: {وفي السماء رزقُكُم}؛ أي: مادة رزقكم من الأمطار وصنوف الأقدار؛ الرزق الدينيُّ والدنيويُّ، وما توعدونه من الجزاء في الدنيا والآخرة؛ فإنَّه ينزل من عند الله كسائر الأقدار.
{23} فلما بيَّن الآيات ونبَّه عليها تنبيهاً ينتبه به الذكيُّ اللبيبُ؛ أقسم تعالى على أنَّ وعده وجزاءه حقٌّ، وشبَّه ذلك بأظهر الأشياء لنا، وهو النُّطق، فقال:{فوربِّ السماءِ والأرضِ إنَّه لَحَقٌّ مثلما أنَّكم تَنطِقونَ}؛ فكما أنَّكم لا تشكُّون في نطقكم؛ فكذلك ينبغي أن لا يعترِيَكم الشكُّ في البعث والجزاء.
الذاريات 51:22
{20} يقول تعالى داعياً عباده إلى التفكُّر والاعتبار: {وفي الأرضِ آياتٌ للموقِنينَ}: وذلك شاملٌ لنفس الأرض وما فيها من جبال وبحارٍ وأنهارٍ وأشجارٍ ونباتٍ تدلُّ المتفكِّر فيها، المتأمِّل لمعانيها على عظمة خالقها وسعة سلطانه وعميم إحسانه وإحاطة علمه بالظواهر والبواطن.
{21} وكذلك في نفس العبد من العِبَرِ والحكمة والرحمة ما يدلُّ على أنَّ الله واحدٌ أحدٌ فردٌ صمدٌ ، وأنَّه لم يخلق الخلق سدىً.
{22} وقوله: {وفي السماء رزقُكُم}؛ أي: مادة رزقكم من الأمطار وصنوف الأقدار؛ الرزق الدينيُّ والدنيويُّ، وما توعدونه من الجزاء في الدنيا والآخرة؛ فإنَّه ينزل من عند الله كسائر الأقدار.
{23} فلما بيَّن الآيات ونبَّه عليها تنبيهاً ينتبه به الذكيُّ اللبيبُ؛ أقسم تعالى على أنَّ وعده وجزاءه حقٌّ، وشبَّه ذلك بأظهر الأشياء لنا، وهو النُّطق، فقال:{فوربِّ السماءِ والأرضِ إنَّه لَحَقٌّ مثلما أنَّكم تَنطِقونَ}؛ فكما أنَّكم لا تشكُّون في نطقكم؛ فكذلك ينبغي أن لا يعترِيَكم الشكُّ في البعث والجزاء.
الذاريات 51:23
{20} يقول تعالى داعياً عباده إلى التفكُّر والاعتبار: {وفي الأرضِ آياتٌ للموقِنينَ}: وذلك شاملٌ لنفس الأرض وما فيها من جبال وبحارٍ وأنهارٍ وأشجارٍ ونباتٍ تدلُّ المتفكِّر فيها، المتأمِّل لمعانيها على عظمة خالقها وسعة سلطانه وعميم إحسانه وإحاطة علمه بالظواهر والبواطن.
{21} وكذلك في نفس العبد من العِبَرِ والحكمة والرحمة ما يدلُّ على أنَّ الله واحدٌ أحدٌ فردٌ صمدٌ ، وأنَّه لم يخلق الخلق سدىً.
{22} وقوله: {وفي السماء رزقُكُم}؛ أي: مادة رزقكم من الأمطار وصنوف الأقدار؛ الرزق الدينيُّ والدنيويُّ، وما توعدونه من الجزاء في الدنيا والآخرة؛ فإنَّه ينزل من عند الله كسائر الأقدار.
{23} فلما بيَّن الآيات ونبَّه عليها تنبيهاً ينتبه به الذكيُّ اللبيبُ؛ أقسم تعالى على أنَّ وعده وجزاءه حقٌّ، وشبَّه ذلك بأظهر الأشياء لنا، وهو النُّطق، فقال:{فوربِّ السماءِ والأرضِ إنَّه لَحَقٌّ مثلما أنَّكم تَنطِقونَ}؛ فكما أنَّكم لا تشكُّون في نطقكم؛ فكذلك ينبغي أن لا يعترِيَكم الشكُّ في البعث والجزاء.
الذاريات 51:24
{24} يقول تعالى: {هل أتاك}؛ أي: أما جاءك؟ {حديثُ ضيفِ إبراهيمَ المُكۡرَمينَ}: ونبأهُم الغريب العجيب، وهم الملائكة الذين أرسلهم الله لإهلاك قوم لوطٍ، وأمرهم بالمرور على إبراهيم، فجاؤوه في صورة أضياف.
{25}{إذۡ دَخَلوا عليه فقالوا سلاماً قال}: مجيباً لهم: {سلامٌ}؛ أي: عليكم، {قومٌ منكَرون}؛ أي: أنتم قوم منكَرون، فأحبُّ أن تعرِّفوني بأنفسكم، ولم يعرفهم إلاَّ بعد ذلك.
{26} ولهذا راغ {إلى أهلِهِ}؛ أي: ذهب سريعاً في خفيةٍ ليحضر لهم قِراهم، {فجاء بعجلٍ سمينٍ}.
{27}{فقرَّبه إليهم}: وعرض عليهم الأكل، فَـ {قَالَ ألا تأكُلونَ}؟
{28}{فأوجسَ منهم خيفةً}: حين رأى أيديهم لا تصلُ إليه، {قالوا لا تخفۡ}: وأخبروه بما جاؤوا له، {وبشَّروه بغلام عليم}: وهو إسحاق عليه السلام.
{29} فلمَّا سمعت المرأةُ البشارةَ؛ {أقبلتۡ}: فرحةً مستبشرةً {في صَرَّةٍ}؛ أي: صيحة، {فصكَّتۡ وجهها}: وهذا من جنس ما يجري للنساء عند السرور ونحوه من الأقوال والأفعال المخالفة للطبيعة والعادة، {وقالتۡ عجوزٌ عقيمٌ}؛ أي: أنَّى لي الولد وأنا عجوزٌ قد بلغتُ من السنِّ ما لا تلد معه النساء! ومع ذلك؛ فأنا عقيمٌ غير صالح رحمي للولادة أصلاً؛ فثمَّ مانعان، كلٌّ منهما مانعٌ من الولد، وقد ذكرت المانع الثالث في سورة هودٍ في قولها:{وهذا بعلي شيخاً إنَّ هذا لشيءٌ عجيبٌ}.
{30}{قالوا كذلِكِ قال رَبُّكِ}؛ أي: الله الذي قدَّر ذلك وأمضاه؛ فلا عجب في قدرة الله [تعالى]، {إنَّه هو الحكيم العليم}؛ أي: الذي يضع الأشياء مواضعها، وقد وسعَ كلَّ شيء علماً، فسلِّموا لحكمه، واشكروه على نعمته.
{31}{قال فما خطبُكم أيُّها المرسلونَ} ؛ أي: قال لهم إبراهيم عليه السلام: ما شأنُكم أيُّها المرسلون؟! وماذا تريدون؟! لأنَّه استشعر أنهم رسلٌ أرسلهم الله لبعض الشؤون المهمَّة.
{32}{قالوا إنَّا أرۡسِلۡنا إلى قوم مجرمينَ}: وهم قومُ لوطٍ، قد أجرموا بإشراكهم بالله وتكذيبهم لرسولهم وإتيانهم الفاحشة التي لم يَسْبِقْهم إليها أحدٌ من العالمين.
{33 ـ 34}{لنرسلَ عليهم حجارةً من طينٍ. مسوَّمةً عند ربِّكَ للمسرفينَ}؛ أي: معلَّمة على كلِّ حجرٍ اسم صاحبه؛ لأنَّهم أسرفوا وتجاوزوا الحدَّ. فجعل إبراهيمُ يجادِلُهم في قوم لوطٍ، لعلَّ الله يدفعُ عنهم العذاب، فقيل له:{يا إبراهيمُ أعۡرِضۡ عن هذا إنَّه قد جاء أمرُ رَبِّك وإنَّهم آتيهم عذابٌ غيرُ مردودٍ}.
{35 ـ 36}{فأخۡرَجۡنا من كان فيها من المؤمنينَ. فما وَجَدۡنا فيها غيرَ بيتٍ من المسلمين}: وهم بيتُ لوطٍ عليه السلام؛ إلاَّ امرأتَه؛ فإنَّها من المهلكين.
{37}{وتركۡنا فيها آيةً للذين يخافون العذابَ الأليمَ}: يعتبرون بها ويعلمون أنَّ الله شديدُ العقاب، وأنَّ رسلَه صادقون مصدوقون.
فصل في ذكر بعض ما تضمَّنته هذه القصةُ من الحِكَم والأحكام
منها: أنَّ من الحكمة قصَّ الله على عباده نبأ الأخيار والفجَّار؛ ليعتبروا بهم ، وأين وصلت بهم الأحوال.
ومنها: فضيلة إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام؛ حيث ابتدأ الله قصَّته بما يدلُّ على الاهتمام بشأنها والاعتناء بها.
ومنها: مشروعيَّة الضيافة، وأنَّها من سنن إبراهيم الخليل، الذي أمر الله محمداً وأمته أن يتَّبعوا ملَّته، وساقها الله في هذا الموضع على وجه المدح والثناء.
ومنها: أنَّ الضَّيف يُكْرَمُ بأنواع الإكرام؛ بالقول والفعل؛ لأنَّ الله وصف أضياف إبراهيم بأنَّهم مكرمون؛ أي: أكرمهم إبراهيم، ووصفَ الله ما صنع بهم من الضيافة قولاً وفعلاً، ومكرمون أيضاً عند الله [تعالى].
ومنها: أنَّ إبراهيم عليه السلام قد كان بيته مأوىً للطارقين والأضياف؛ لأنَّهم دخلوا عليه من غير استئذانٍ، وإنَّما سلكوا طريق الأدب في ابتداء السلام، فردَّ عليهم إبراهيم سلاماً أكملَ من سلامهم وأتمَّ؛ لأنَّه أتى به جملة اسميَّة دالَّة على الثُّبوت والاستقرار.
ومنها: مشروعيَّة تعرُّف من جاء إلى الإنسان أو صار له فيه نوعُ اتِّصال؛ لأنَّ في ذلك فوائد كثيرة.
ومنها: أدب إبراهيم ولطفه في الكلام؛ حيث قال:{قومٌ منكرون}، ولم يقل: أنكرتكم، وبين اللفظين من الفرق ما لا يخفى.
ومنها: المبادرة إلى الضيافة والإسراع بها؛ لأن خير البرِّ عاجِلُه، ولهذا بادر إبراهيم بإحضار قِرى أضيافه.
ومنها: أنَّ الذَّبيحة الحاضرة التي قد أعدَّت لغير الضيف الحاضر إذا جعلت له ليس فيها أقل إهانةٍ، بل ذلك من الإكرام؛ كما فعل إبراهيم عليه السلام، وأخبر الله أنَّ ضيفه مكرمون.
ومنها: ما منَّ الله به على خليله إبراهيم من الكرم الكثير، وكون ذلك حاضراً لديه وفي بيته معدًّا لا يحتاج إلى أن يأتي به من السوق أو الجيران أو غير ذلك.
ومنها: أنَّ إبراهيم هو الذي خدم أضيافه، وهو خليل الرحمن وسيِّد من ضيَّف الضيفان.
ومنها: أنَّه قرَّبه إليهم في المكان الذي هم فيه، فلم يجْعله في موضع ويقولُ لهم تفضَّلوا أو ائتوا عليه؛ لأنَّ هذا أيسر وأحسن.
ومنها: حسن ملاطفة الضيف في الكلام الليِّن، خصوصاً عند تقديم الطعام إليه؛ فإنَّ إبراهيم عرض عليهم عرضاً لطيفاً، فقال:{ألا تأكلونَ}، ولم يقل: كلوا! ونحوه من الألفاظ التي غيرها أولى منها، بل أتى بأداة العرض، فقال:{ألا تأكلونَ}؛ فينبغي للمقتدي به أنْ يستعملَ من الألفاظ الحسنة ما هو المناسب واللائق بالحال؛ كقوله لأضيافه: ألا تأكلون؟ أو: ألا تتفضَّلون؟ أو تشرِّفوننا وتحسنون إلينا ... ونحو ذلك.
ومنها: أنَّ من خاف من أحدٍ لسبب من الأسباب؛ فإنَّ عليه أن يزيل عنه الخوف، ويذكر له ما يؤمِّن روعه ويسكِّن جأشه؛ كما قالت الملائكة لإبراهيم لمَّا خافهم:{لا تخفۡ}، وأخبروه بتلك البشارة السارَّة بعد الخوف منهم.
ومنها: شدَّة فرح سارة امرأة إبراهيم، حتى جرى منها ما جرى من صكِّ وجهها وصرَّتها غير المعهودة.
ومنها: ما أكرم الله به إبراهيم وزوجته سارة من البشارة بغلام عليم.
الذاريات 51:25
{24} يقول تعالى: {هل أتاك}؛ أي: أما جاءك؟ {حديثُ ضيفِ إبراهيمَ المُكۡرَمينَ}: ونبأهُم الغريب العجيب، وهم الملائكة الذين أرسلهم الله لإهلاك قوم لوطٍ، وأمرهم بالمرور على إبراهيم، فجاؤوه في صورة أضياف.
{25}{إذۡ دَخَلوا عليه فقالوا سلاماً قال}: مجيباً لهم: {سلامٌ}؛ أي: عليكم، {قومٌ منكَرون}؛ أي: أنتم قوم منكَرون، فأحبُّ أن تعرِّفوني بأنفسكم، ولم يعرفهم إلاَّ بعد ذلك.
{26} ولهذا راغ {إلى أهلِهِ}؛ أي: ذهب سريعاً في خفيةٍ ليحضر لهم قِراهم، {فجاء بعجلٍ سمينٍ}.
{27}{فقرَّبه إليهم}: وعرض عليهم الأكل، فَـ {قَالَ ألا تأكُلونَ}؟
{28}{فأوجسَ منهم خيفةً}: حين رأى أيديهم لا تصلُ إليه، {قالوا لا تخفۡ}: وأخبروه بما جاؤوا له، {وبشَّروه بغلام عليم}: وهو إسحاق عليه السلام.
{29} فلمَّا سمعت المرأةُ البشارةَ؛ {أقبلتۡ}: فرحةً مستبشرةً {في صَرَّةٍ}؛ أي: صيحة، {فصكَّتۡ وجهها}: وهذا من جنس ما يجري للنساء عند السرور ونحوه من الأقوال والأفعال المخالفة للطبيعة والعادة، {وقالتۡ عجوزٌ عقيمٌ}؛ أي: أنَّى لي الولد وأنا عجوزٌ قد بلغتُ من السنِّ ما لا تلد معه النساء! ومع ذلك؛ فأنا عقيمٌ غير صالح رحمي للولادة أصلاً؛ فثمَّ مانعان، كلٌّ منهما مانعٌ من الولد، وقد ذكرت المانع الثالث في سورة هودٍ في قولها:{وهذا بعلي شيخاً إنَّ هذا لشيءٌ عجيبٌ}.
{30}{قالوا كذلِكِ قال رَبُّكِ}؛ أي: الله الذي قدَّر ذلك وأمضاه؛ فلا عجب في قدرة الله [تعالى]، {إنَّه هو الحكيم العليم}؛ أي: الذي يضع الأشياء مواضعها، وقد وسعَ كلَّ شيء علماً، فسلِّموا لحكمه، واشكروه على نعمته.
{31}{قال فما خطبُكم أيُّها المرسلونَ} ؛ أي: قال لهم إبراهيم عليه السلام: ما شأنُكم أيُّها المرسلون؟! وماذا تريدون؟! لأنَّه استشعر أنهم رسلٌ أرسلهم الله لبعض الشؤون المهمَّة.
{32}{قالوا إنَّا أرۡسِلۡنا إلى قوم مجرمينَ}: وهم قومُ لوطٍ، قد أجرموا بإشراكهم بالله وتكذيبهم لرسولهم وإتيانهم الفاحشة التي لم يَسْبِقْهم إليها أحدٌ من العالمين.
{33 ـ 34}{لنرسلَ عليهم حجارةً من طينٍ. مسوَّمةً عند ربِّكَ للمسرفينَ}؛ أي: معلَّمة على كلِّ حجرٍ اسم صاحبه؛ لأنَّهم أسرفوا وتجاوزوا الحدَّ. فجعل إبراهيمُ يجادِلُهم في قوم لوطٍ، لعلَّ الله يدفعُ عنهم العذاب، فقيل له:{يا إبراهيمُ أعۡرِضۡ عن هذا إنَّه قد جاء أمرُ رَبِّك وإنَّهم آتيهم عذابٌ غيرُ مردودٍ}.
{35 ـ 36}{فأخۡرَجۡنا من كان فيها من المؤمنينَ. فما وَجَدۡنا فيها غيرَ بيتٍ من المسلمين}: وهم بيتُ لوطٍ عليه السلام؛ إلاَّ امرأتَه؛ فإنَّها من المهلكين.
{37}{وتركۡنا فيها آيةً للذين يخافون العذابَ الأليمَ}: يعتبرون بها ويعلمون أنَّ الله شديدُ العقاب، وأنَّ رسلَه صادقون مصدوقون.
فصل في ذكر بعض ما تضمَّنته هذه القصةُ من الحِكَم والأحكام
منها: أنَّ من الحكمة قصَّ الله على عباده نبأ الأخيار والفجَّار؛ ليعتبروا بهم ، وأين وصلت بهم الأحوال.
ومنها: فضيلة إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام؛ حيث ابتدأ الله قصَّته بما يدلُّ على الاهتمام بشأنها والاعتناء بها.
ومنها: مشروعيَّة الضيافة، وأنَّها من سنن إبراهيم الخليل، الذي أمر الله محمداً وأمته أن يتَّبعوا ملَّته، وساقها الله في هذا الموضع على وجه المدح والثناء.
ومنها: أنَّ الضَّيف يُكْرَمُ بأنواع الإكرام؛ بالقول والفعل؛ لأنَّ الله وصف أضياف إبراهيم بأنَّهم مكرمون؛ أي: أكرمهم إبراهيم، ووصفَ الله ما صنع بهم من الضيافة قولاً وفعلاً، ومكرمون أيضاً عند الله [تعالى].
ومنها: أنَّ إبراهيم عليه السلام قد كان بيته مأوىً للطارقين والأضياف؛ لأنَّهم دخلوا عليه من غير استئذانٍ، وإنَّما سلكوا طريق الأدب في ابتداء السلام، فردَّ عليهم إبراهيم سلاماً أكملَ من سلامهم وأتمَّ؛ لأنَّه أتى به جملة اسميَّة دالَّة على الثُّبوت والاستقرار.
ومنها: مشروعيَّة تعرُّف من جاء إلى الإنسان أو صار له فيه نوعُ اتِّصال؛ لأنَّ في ذلك فوائد كثيرة.
ومنها: أدب إبراهيم ولطفه في الكلام؛ حيث قال:{قومٌ منكرون}، ولم يقل: أنكرتكم، وبين اللفظين من الفرق ما لا يخفى.
ومنها: المبادرة إلى الضيافة والإسراع بها؛ لأن خير البرِّ عاجِلُه، ولهذا بادر إبراهيم بإحضار قِرى أضيافه.
ومنها: أنَّ الذَّبيحة الحاضرة التي قد أعدَّت لغير الضيف الحاضر إذا جعلت له ليس فيها أقل إهانةٍ، بل ذلك من الإكرام؛ كما فعل إبراهيم عليه السلام، وأخبر الله أنَّ ضيفه مكرمون.
ومنها: ما منَّ الله به على خليله إبراهيم من الكرم الكثير، وكون ذلك حاضراً لديه وفي بيته معدًّا لا يحتاج إلى أن يأتي به من السوق أو الجيران أو غير ذلك.
ومنها: أنَّ إبراهيم هو الذي خدم أضيافه، وهو خليل الرحمن وسيِّد من ضيَّف الضيفان.
ومنها: أنَّه قرَّبه إليهم في المكان الذي هم فيه، فلم يجْعله في موضع ويقولُ لهم تفضَّلوا أو ائتوا عليه؛ لأنَّ هذا أيسر وأحسن.
ومنها: حسن ملاطفة الضيف في الكلام الليِّن، خصوصاً عند تقديم الطعام إليه؛ فإنَّ إبراهيم عرض عليهم عرضاً لطيفاً، فقال:{ألا تأكلونَ}، ولم يقل: كلوا! ونحوه من الألفاظ التي غيرها أولى منها، بل أتى بأداة العرض، فقال:{ألا تأكلونَ}؛ فينبغي للمقتدي به أنْ يستعملَ من الألفاظ الحسنة ما هو المناسب واللائق بالحال؛ كقوله لأضيافه: ألا تأكلون؟ أو: ألا تتفضَّلون؟ أو تشرِّفوننا وتحسنون إلينا ... ونحو ذلك.
ومنها: أنَّ من خاف من أحدٍ لسبب من الأسباب؛ فإنَّ عليه أن يزيل عنه الخوف، ويذكر له ما يؤمِّن روعه ويسكِّن جأشه؛ كما قالت الملائكة لإبراهيم لمَّا خافهم:{لا تخفۡ}، وأخبروه بتلك البشارة السارَّة بعد الخوف منهم.
ومنها: شدَّة فرح سارة امرأة إبراهيم، حتى جرى منها ما جرى من صكِّ وجهها وصرَّتها غير المعهودة.
ومنها: ما أكرم الله به إبراهيم وزوجته سارة من البشارة بغلام عليم.
الذاريات 51:26
{24} يقول تعالى: {هل أتاك}؛ أي: أما جاءك؟ {حديثُ ضيفِ إبراهيمَ المُكۡرَمينَ}: ونبأهُم الغريب العجيب، وهم الملائكة الذين أرسلهم الله لإهلاك قوم لوطٍ، وأمرهم بالمرور على إبراهيم، فجاؤوه في صورة أضياف.
{25}{إذۡ دَخَلوا عليه فقالوا سلاماً قال}: مجيباً لهم: {سلامٌ}؛ أي: عليكم، {قومٌ منكَرون}؛ أي: أنتم قوم منكَرون، فأحبُّ أن تعرِّفوني بأنفسكم، ولم يعرفهم إلاَّ بعد ذلك.
{26} ولهذا راغ {إلى أهلِهِ}؛ أي: ذهب سريعاً في خفيةٍ ليحضر لهم قِراهم، {فجاء بعجلٍ سمينٍ}.
{27}{فقرَّبه إليهم}: وعرض عليهم الأكل، فَـ {قَالَ ألا تأكُلونَ}؟
{28}{فأوجسَ منهم خيفةً}: حين رأى أيديهم لا تصلُ إليه، {قالوا لا تخفۡ}: وأخبروه بما جاؤوا له، {وبشَّروه بغلام عليم}: وهو إسحاق عليه السلام.
{29} فلمَّا سمعت المرأةُ البشارةَ؛ {أقبلتۡ}: فرحةً مستبشرةً {في صَرَّةٍ}؛ أي: صيحة، {فصكَّتۡ وجهها}: وهذا من جنس ما يجري للنساء عند السرور ونحوه من الأقوال والأفعال المخالفة للطبيعة والعادة، {وقالتۡ عجوزٌ عقيمٌ}؛ أي: أنَّى لي الولد وأنا عجوزٌ قد بلغتُ من السنِّ ما لا تلد معه النساء! ومع ذلك؛ فأنا عقيمٌ غير صالح رحمي للولادة أصلاً؛ فثمَّ مانعان، كلٌّ منهما مانعٌ من الولد، وقد ذكرت المانع الثالث في سورة هودٍ في قولها:{وهذا بعلي شيخاً إنَّ هذا لشيءٌ عجيبٌ}.
{30}{قالوا كذلِكِ قال رَبُّكِ}؛ أي: الله الذي قدَّر ذلك وأمضاه؛ فلا عجب في قدرة الله [تعالى]، {إنَّه هو الحكيم العليم}؛ أي: الذي يضع الأشياء مواضعها، وقد وسعَ كلَّ شيء علماً، فسلِّموا لحكمه، واشكروه على نعمته.
{31}{قال فما خطبُكم أيُّها المرسلونَ} ؛ أي: قال لهم إبراهيم عليه السلام: ما شأنُكم أيُّها المرسلون؟! وماذا تريدون؟! لأنَّه استشعر أنهم رسلٌ أرسلهم الله لبعض الشؤون المهمَّة.
{32}{قالوا إنَّا أرۡسِلۡنا إلى قوم مجرمينَ}: وهم قومُ لوطٍ، قد أجرموا بإشراكهم بالله وتكذيبهم لرسولهم وإتيانهم الفاحشة التي لم يَسْبِقْهم إليها أحدٌ من العالمين.
{33 ـ 34}{لنرسلَ عليهم حجارةً من طينٍ. مسوَّمةً عند ربِّكَ للمسرفينَ}؛ أي: معلَّمة على كلِّ حجرٍ اسم صاحبه؛ لأنَّهم أسرفوا وتجاوزوا الحدَّ. فجعل إبراهيمُ يجادِلُهم في قوم لوطٍ، لعلَّ الله يدفعُ عنهم العذاب، فقيل له:{يا إبراهيمُ أعۡرِضۡ عن هذا إنَّه قد جاء أمرُ رَبِّك وإنَّهم آتيهم عذابٌ غيرُ مردودٍ}.
{35 ـ 36}{فأخۡرَجۡنا من كان فيها من المؤمنينَ. فما وَجَدۡنا فيها غيرَ بيتٍ من المسلمين}: وهم بيتُ لوطٍ عليه السلام؛ إلاَّ امرأتَه؛ فإنَّها من المهلكين.
{37}{وتركۡنا فيها آيةً للذين يخافون العذابَ الأليمَ}: يعتبرون بها ويعلمون أنَّ الله شديدُ العقاب، وأنَّ رسلَه صادقون مصدوقون.
فصل في ذكر بعض ما تضمَّنته هذه القصةُ من الحِكَم والأحكام
منها: أنَّ من الحكمة قصَّ الله على عباده نبأ الأخيار والفجَّار؛ ليعتبروا بهم ، وأين وصلت بهم الأحوال.
ومنها: فضيلة إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام؛ حيث ابتدأ الله قصَّته بما يدلُّ على الاهتمام بشأنها والاعتناء بها.
ومنها: مشروعيَّة الضيافة، وأنَّها من سنن إبراهيم الخليل، الذي أمر الله محمداً وأمته أن يتَّبعوا ملَّته، وساقها الله في هذا الموضع على وجه المدح والثناء.
ومنها: أنَّ الضَّيف يُكْرَمُ بأنواع الإكرام؛ بالقول والفعل؛ لأنَّ الله وصف أضياف إبراهيم بأنَّهم مكرمون؛ أي: أكرمهم إبراهيم، ووصفَ الله ما صنع بهم من الضيافة قولاً وفعلاً، ومكرمون أيضاً عند الله [تعالى].
ومنها: أنَّ إبراهيم عليه السلام قد كان بيته مأوىً للطارقين والأضياف؛ لأنَّهم دخلوا عليه من غير استئذانٍ، وإنَّما سلكوا طريق الأدب في ابتداء السلام، فردَّ عليهم إبراهيم سلاماً أكملَ من سلامهم وأتمَّ؛ لأنَّه أتى به جملة اسميَّة دالَّة على الثُّبوت والاستقرار.
ومنها: مشروعيَّة تعرُّف من جاء إلى الإنسان أو صار له فيه نوعُ اتِّصال؛ لأنَّ في ذلك فوائد كثيرة.
ومنها: أدب إبراهيم ولطفه في الكلام؛ حيث قال:{قومٌ منكرون}، ولم يقل: أنكرتكم، وبين اللفظين من الفرق ما لا يخفى.
ومنها: المبادرة إلى الضيافة والإسراع بها؛ لأن خير البرِّ عاجِلُه، ولهذا بادر إبراهيم بإحضار قِرى أضيافه.
ومنها: أنَّ الذَّبيحة الحاضرة التي قد أعدَّت لغير الضيف الحاضر إذا جعلت له ليس فيها أقل إهانةٍ، بل ذلك من الإكرام؛ كما فعل إبراهيم عليه السلام، وأخبر الله أنَّ ضيفه مكرمون.
ومنها: ما منَّ الله به على خليله إبراهيم من الكرم الكثير، وكون ذلك حاضراً لديه وفي بيته معدًّا لا يحتاج إلى أن يأتي به من السوق أو الجيران أو غير ذلك.
ومنها: أنَّ إبراهيم هو الذي خدم أضيافه، وهو خليل الرحمن وسيِّد من ضيَّف الضيفان.
ومنها: أنَّه قرَّبه إليهم في المكان الذي هم فيه، فلم يجْعله في موضع ويقولُ لهم تفضَّلوا أو ائتوا عليه؛ لأنَّ هذا أيسر وأحسن.
ومنها: حسن ملاطفة الضيف في الكلام الليِّن، خصوصاً عند تقديم الطعام إليه؛ فإنَّ إبراهيم عرض عليهم عرضاً لطيفاً، فقال:{ألا تأكلونَ}، ولم يقل: كلوا! ونحوه من الألفاظ التي غيرها أولى منها، بل أتى بأداة العرض، فقال:{ألا تأكلونَ}؛ فينبغي للمقتدي به أنْ يستعملَ من الألفاظ الحسنة ما هو المناسب واللائق بالحال؛ كقوله لأضيافه: ألا تأكلون؟ أو: ألا تتفضَّلون؟ أو تشرِّفوننا وتحسنون إلينا ... ونحو ذلك.
ومنها: أنَّ من خاف من أحدٍ لسبب من الأسباب؛ فإنَّ عليه أن يزيل عنه الخوف، ويذكر له ما يؤمِّن روعه ويسكِّن جأشه؛ كما قالت الملائكة لإبراهيم لمَّا خافهم:{لا تخفۡ}، وأخبروه بتلك البشارة السارَّة بعد الخوف منهم.
ومنها: شدَّة فرح سارة امرأة إبراهيم، حتى جرى منها ما جرى من صكِّ وجهها وصرَّتها غير المعهودة.
ومنها: ما أكرم الله به إبراهيم وزوجته سارة من البشارة بغلام عليم.
الذاريات 51:27
{24} يقول تعالى: {هل أتاك}؛ أي: أما جاءك؟ {حديثُ ضيفِ إبراهيمَ المُكۡرَمينَ}: ونبأهُم الغريب العجيب، وهم الملائكة الذين أرسلهم الله لإهلاك قوم لوطٍ، وأمرهم بالمرور على إبراهيم، فجاؤوه في صورة أضياف.
{25}{إذۡ دَخَلوا عليه فقالوا سلاماً قال}: مجيباً لهم: {سلامٌ}؛ أي: عليكم، {قومٌ منكَرون}؛ أي: أنتم قوم منكَرون، فأحبُّ أن تعرِّفوني بأنفسكم، ولم يعرفهم إلاَّ بعد ذلك.
{26} ولهذا راغ {إلى أهلِهِ}؛ أي: ذهب سريعاً في خفيةٍ ليحضر لهم قِراهم، {فجاء بعجلٍ سمينٍ}.
{27}{فقرَّبه إليهم}: وعرض عليهم الأكل، فَـ {قَالَ ألا تأكُلونَ}؟
{28}{فأوجسَ منهم خيفةً}: حين رأى أيديهم لا تصلُ إليه، {قالوا لا تخفۡ}: وأخبروه بما جاؤوا له، {وبشَّروه بغلام عليم}: وهو إسحاق عليه السلام.
{29} فلمَّا سمعت المرأةُ البشارةَ؛ {أقبلتۡ}: فرحةً مستبشرةً {في صَرَّةٍ}؛ أي: صيحة، {فصكَّتۡ وجهها}: وهذا من جنس ما يجري للنساء عند السرور ونحوه من الأقوال والأفعال المخالفة للطبيعة والعادة، {وقالتۡ عجوزٌ عقيمٌ}؛ أي: أنَّى لي الولد وأنا عجوزٌ قد بلغتُ من السنِّ ما لا تلد معه النساء! ومع ذلك؛ فأنا عقيمٌ غير صالح رحمي للولادة أصلاً؛ فثمَّ مانعان، كلٌّ منهما مانعٌ من الولد، وقد ذكرت المانع الثالث في سورة هودٍ في قولها:{وهذا بعلي شيخاً إنَّ هذا لشيءٌ عجيبٌ}.
{30}{قالوا كذلِكِ قال رَبُّكِ}؛ أي: الله الذي قدَّر ذلك وأمضاه؛ فلا عجب في قدرة الله [تعالى]، {إنَّه هو الحكيم العليم}؛ أي: الذي يضع الأشياء مواضعها، وقد وسعَ كلَّ شيء علماً، فسلِّموا لحكمه، واشكروه على نعمته.
{31}{قال فما خطبُكم أيُّها المرسلونَ} ؛ أي: قال لهم إبراهيم عليه السلام: ما شأنُكم أيُّها المرسلون؟! وماذا تريدون؟! لأنَّه استشعر أنهم رسلٌ أرسلهم الله لبعض الشؤون المهمَّة.
{32}{قالوا إنَّا أرۡسِلۡنا إلى قوم مجرمينَ}: وهم قومُ لوطٍ، قد أجرموا بإشراكهم بالله وتكذيبهم لرسولهم وإتيانهم الفاحشة التي لم يَسْبِقْهم إليها أحدٌ من العالمين.
{33 ـ 34}{لنرسلَ عليهم حجارةً من طينٍ. مسوَّمةً عند ربِّكَ للمسرفينَ}؛ أي: معلَّمة على كلِّ حجرٍ اسم صاحبه؛ لأنَّهم أسرفوا وتجاوزوا الحدَّ. فجعل إبراهيمُ يجادِلُهم في قوم لوطٍ، لعلَّ الله يدفعُ عنهم العذاب، فقيل له:{يا إبراهيمُ أعۡرِضۡ عن هذا إنَّه قد جاء أمرُ رَبِّك وإنَّهم آتيهم عذابٌ غيرُ مردودٍ}.
{35 ـ 36}{فأخۡرَجۡنا من كان فيها من المؤمنينَ. فما وَجَدۡنا فيها غيرَ بيتٍ من المسلمين}: وهم بيتُ لوطٍ عليه السلام؛ إلاَّ امرأتَه؛ فإنَّها من المهلكين.
{37}{وتركۡنا فيها آيةً للذين يخافون العذابَ الأليمَ}: يعتبرون بها ويعلمون أنَّ الله شديدُ العقاب، وأنَّ رسلَه صادقون مصدوقون.
فصل في ذكر بعض ما تضمَّنته هذه القصةُ من الحِكَم والأحكام
منها: أنَّ من الحكمة قصَّ الله على عباده نبأ الأخيار والفجَّار؛ ليعتبروا بهم ، وأين وصلت بهم الأحوال.
ومنها: فضيلة إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام؛ حيث ابتدأ الله قصَّته بما يدلُّ على الاهتمام بشأنها والاعتناء بها.
ومنها: مشروعيَّة الضيافة، وأنَّها من سنن إبراهيم الخليل، الذي أمر الله محمداً وأمته أن يتَّبعوا ملَّته، وساقها الله في هذا الموضع على وجه المدح والثناء.
ومنها: أنَّ الضَّيف يُكْرَمُ بأنواع الإكرام؛ بالقول والفعل؛ لأنَّ الله وصف أضياف إبراهيم بأنَّهم مكرمون؛ أي: أكرمهم إبراهيم، ووصفَ الله ما صنع بهم من الضيافة قولاً وفعلاً، ومكرمون أيضاً عند الله [تعالى].
ومنها: أنَّ إبراهيم عليه السلام قد كان بيته مأوىً للطارقين والأضياف؛ لأنَّهم دخلوا عليه من غير استئذانٍ، وإنَّما سلكوا طريق الأدب في ابتداء السلام، فردَّ عليهم إبراهيم سلاماً أكملَ من سلامهم وأتمَّ؛ لأنَّه أتى به جملة اسميَّة دالَّة على الثُّبوت والاستقرار.
ومنها: مشروعيَّة تعرُّف من جاء إلى الإنسان أو صار له فيه نوعُ اتِّصال؛ لأنَّ في ذلك فوائد كثيرة.
ومنها: أدب إبراهيم ولطفه في الكلام؛ حيث قال:{قومٌ منكرون}، ولم يقل: أنكرتكم، وبين اللفظين من الفرق ما لا يخفى.
ومنها: المبادرة إلى الضيافة والإسراع بها؛ لأن خير البرِّ عاجِلُه، ولهذا بادر إبراهيم بإحضار قِرى أضيافه.
ومنها: أنَّ الذَّبيحة الحاضرة التي قد أعدَّت لغير الضيف الحاضر إذا جعلت له ليس فيها أقل إهانةٍ، بل ذلك من الإكرام؛ كما فعل إبراهيم عليه السلام، وأخبر الله أنَّ ضيفه مكرمون.
ومنها: ما منَّ الله به على خليله إبراهيم من الكرم الكثير، وكون ذلك حاضراً لديه وفي بيته معدًّا لا يحتاج إلى أن يأتي به من السوق أو الجيران أو غير ذلك.
ومنها: أنَّ إبراهيم هو الذي خدم أضيافه، وهو خليل الرحمن وسيِّد من ضيَّف الضيفان.
ومنها: أنَّه قرَّبه إليهم في المكان الذي هم فيه، فلم يجْعله في موضع ويقولُ لهم تفضَّلوا أو ائتوا عليه؛ لأنَّ هذا أيسر وأحسن.
ومنها: حسن ملاطفة الضيف في الكلام الليِّن، خصوصاً عند تقديم الطعام إليه؛ فإنَّ إبراهيم عرض عليهم عرضاً لطيفاً، فقال:{ألا تأكلونَ}، ولم يقل: كلوا! ونحوه من الألفاظ التي غيرها أولى منها، بل أتى بأداة العرض، فقال:{ألا تأكلونَ}؛ فينبغي للمقتدي به أنْ يستعملَ من الألفاظ الحسنة ما هو المناسب واللائق بالحال؛ كقوله لأضيافه: ألا تأكلون؟ أو: ألا تتفضَّلون؟ أو تشرِّفوننا وتحسنون إلينا ... ونحو ذلك.
ومنها: أنَّ من خاف من أحدٍ لسبب من الأسباب؛ فإنَّ عليه أن يزيل عنه الخوف، ويذكر له ما يؤمِّن روعه ويسكِّن جأشه؛ كما قالت الملائكة لإبراهيم لمَّا خافهم:{لا تخفۡ}، وأخبروه بتلك البشارة السارَّة بعد الخوف منهم.
ومنها: شدَّة فرح سارة امرأة إبراهيم، حتى جرى منها ما جرى من صكِّ وجهها وصرَّتها غير المعهودة.
ومنها: ما أكرم الله به إبراهيم وزوجته سارة من البشارة بغلام عليم.
الذاريات 51:28
{24} يقول تعالى: {هل أتاك}؛ أي: أما جاءك؟ {حديثُ ضيفِ إبراهيمَ المُكۡرَمينَ}: ونبأهُم الغريب العجيب، وهم الملائكة الذين أرسلهم الله لإهلاك قوم لوطٍ، وأمرهم بالمرور على إبراهيم، فجاؤوه في صورة أضياف.
{25}{إذۡ دَخَلوا عليه فقالوا سلاماً قال}: مجيباً لهم: {سلامٌ}؛ أي: عليكم، {قومٌ منكَرون}؛ أي: أنتم قوم منكَرون، فأحبُّ أن تعرِّفوني بأنفسكم، ولم يعرفهم إلاَّ بعد ذلك.
{26} ولهذا راغ {إلى أهلِهِ}؛ أي: ذهب سريعاً في خفيةٍ ليحضر لهم قِراهم، {فجاء بعجلٍ سمينٍ}.
{27}{فقرَّبه إليهم}: وعرض عليهم الأكل، فَـ {قَالَ ألا تأكُلونَ}؟
{28}{فأوجسَ منهم خيفةً}: حين رأى أيديهم لا تصلُ إليه، {قالوا لا تخفۡ}: وأخبروه بما جاؤوا له، {وبشَّروه بغلام عليم}: وهو إسحاق عليه السلام.
{29} فلمَّا سمعت المرأةُ البشارةَ؛ {أقبلتۡ}: فرحةً مستبشرةً {في صَرَّةٍ}؛ أي: صيحة، {فصكَّتۡ وجهها}: وهذا من جنس ما يجري للنساء عند السرور ونحوه من الأقوال والأفعال المخالفة للطبيعة والعادة، {وقالتۡ عجوزٌ عقيمٌ}؛ أي: أنَّى لي الولد وأنا عجوزٌ قد بلغتُ من السنِّ ما لا تلد معه النساء! ومع ذلك؛ فأنا عقيمٌ غير صالح رحمي للولادة أصلاً؛ فثمَّ مانعان، كلٌّ منهما مانعٌ من الولد، وقد ذكرت المانع الثالث في سورة هودٍ في قولها:{وهذا بعلي شيخاً إنَّ هذا لشيءٌ عجيبٌ}.
{30}{قالوا كذلِكِ قال رَبُّكِ}؛ أي: الله الذي قدَّر ذلك وأمضاه؛ فلا عجب في قدرة الله [تعالى]، {إنَّه هو الحكيم العليم}؛ أي: الذي يضع الأشياء مواضعها، وقد وسعَ كلَّ شيء علماً، فسلِّموا لحكمه، واشكروه على نعمته.
{31}{قال فما خطبُكم أيُّها المرسلونَ} ؛ أي: قال لهم إبراهيم عليه السلام: ما شأنُكم أيُّها المرسلون؟! وماذا تريدون؟! لأنَّه استشعر أنهم رسلٌ أرسلهم الله لبعض الشؤون المهمَّة.
{32}{قالوا إنَّا أرۡسِلۡنا إلى قوم مجرمينَ}: وهم قومُ لوطٍ، قد أجرموا بإشراكهم بالله وتكذيبهم لرسولهم وإتيانهم الفاحشة التي لم يَسْبِقْهم إليها أحدٌ من العالمين.
{33 ـ 34}{لنرسلَ عليهم حجارةً من طينٍ. مسوَّمةً عند ربِّكَ للمسرفينَ}؛ أي: معلَّمة على كلِّ حجرٍ اسم صاحبه؛ لأنَّهم أسرفوا وتجاوزوا الحدَّ. فجعل إبراهيمُ يجادِلُهم في قوم لوطٍ، لعلَّ الله يدفعُ عنهم العذاب، فقيل له:{يا إبراهيمُ أعۡرِضۡ عن هذا إنَّه قد جاء أمرُ رَبِّك وإنَّهم آتيهم عذابٌ غيرُ مردودٍ}.
{35 ـ 36}{فأخۡرَجۡنا من كان فيها من المؤمنينَ. فما وَجَدۡنا فيها غيرَ بيتٍ من المسلمين}: وهم بيتُ لوطٍ عليه السلام؛ إلاَّ امرأتَه؛ فإنَّها من المهلكين.
{37}{وتركۡنا فيها آيةً للذين يخافون العذابَ الأليمَ}: يعتبرون بها ويعلمون أنَّ الله شديدُ العقاب، وأنَّ رسلَه صادقون مصدوقون.
فصل في ذكر بعض ما تضمَّنته هذه القصةُ من الحِكَم والأحكام
منها: أنَّ من الحكمة قصَّ الله على عباده نبأ الأخيار والفجَّار؛ ليعتبروا بهم ، وأين وصلت بهم الأحوال.
ومنها: فضيلة إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام؛ حيث ابتدأ الله قصَّته بما يدلُّ على الاهتمام بشأنها والاعتناء بها.
ومنها: مشروعيَّة الضيافة، وأنَّها من سنن إبراهيم الخليل، الذي أمر الله محمداً وأمته أن يتَّبعوا ملَّته، وساقها الله في هذا الموضع على وجه المدح والثناء.
ومنها: أنَّ الضَّيف يُكْرَمُ بأنواع الإكرام؛ بالقول والفعل؛ لأنَّ الله وصف أضياف إبراهيم بأنَّهم مكرمون؛ أي: أكرمهم إبراهيم، ووصفَ الله ما صنع بهم من الضيافة قولاً وفعلاً، ومكرمون أيضاً عند الله [تعالى].
ومنها: أنَّ إبراهيم عليه السلام قد كان بيته مأوىً للطارقين والأضياف؛ لأنَّهم دخلوا عليه من غير استئذانٍ، وإنَّما سلكوا طريق الأدب في ابتداء السلام، فردَّ عليهم إبراهيم سلاماً أكملَ من سلامهم وأتمَّ؛ لأنَّه أتى به جملة اسميَّة دالَّة على الثُّبوت والاستقرار.
ومنها: مشروعيَّة تعرُّف من جاء إلى الإنسان أو صار له فيه نوعُ اتِّصال؛ لأنَّ في ذلك فوائد كثيرة.
ومنها: أدب إبراهيم ولطفه في الكلام؛ حيث قال:{قومٌ منكرون}، ولم يقل: أنكرتكم، وبين اللفظين من الفرق ما لا يخفى.
ومنها: المبادرة إلى الضيافة والإسراع بها؛ لأن خير البرِّ عاجِلُه، ولهذا بادر إبراهيم بإحضار قِرى أضيافه.
ومنها: أنَّ الذَّبيحة الحاضرة التي قد أعدَّت لغير الضيف الحاضر إذا جعلت له ليس فيها أقل إهانةٍ، بل ذلك من الإكرام؛ كما فعل إبراهيم عليه السلام، وأخبر الله أنَّ ضيفه مكرمون.
ومنها: ما منَّ الله به على خليله إبراهيم من الكرم الكثير، وكون ذلك حاضراً لديه وفي بيته معدًّا لا يحتاج إلى أن يأتي به من السوق أو الجيران أو غير ذلك.
ومنها: أنَّ إبراهيم هو الذي خدم أضيافه، وهو خليل الرحمن وسيِّد من ضيَّف الضيفان.
ومنها: أنَّه قرَّبه إليهم في المكان الذي هم فيه، فلم يجْعله في موضع ويقولُ لهم تفضَّلوا أو ائتوا عليه؛ لأنَّ هذا أيسر وأحسن.
ومنها: حسن ملاطفة الضيف في الكلام الليِّن، خصوصاً عند تقديم الطعام إليه؛ فإنَّ إبراهيم عرض عليهم عرضاً لطيفاً، فقال:{ألا تأكلونَ}، ولم يقل: كلوا! ونحوه من الألفاظ التي غيرها أولى منها، بل أتى بأداة العرض، فقال:{ألا تأكلونَ}؛ فينبغي للمقتدي به أنْ يستعملَ من الألفاظ الحسنة ما هو المناسب واللائق بالحال؛ كقوله لأضيافه: ألا تأكلون؟ أو: ألا تتفضَّلون؟ أو تشرِّفوننا وتحسنون إلينا ... ونحو ذلك.
ومنها: أنَّ من خاف من أحدٍ لسبب من الأسباب؛ فإنَّ عليه أن يزيل عنه الخوف، ويذكر له ما يؤمِّن روعه ويسكِّن جأشه؛ كما قالت الملائكة لإبراهيم لمَّا خافهم:{لا تخفۡ}، وأخبروه بتلك البشارة السارَّة بعد الخوف منهم.
ومنها: شدَّة فرح سارة امرأة إبراهيم، حتى جرى منها ما جرى من صكِّ وجهها وصرَّتها غير المعهودة.
ومنها: ما أكرم الله به إبراهيم وزوجته سارة من البشارة بغلام عليم.
الذاريات 51:29
{24} يقول تعالى: {هل أتاك}؛ أي: أما جاءك؟ {حديثُ ضيفِ إبراهيمَ المُكۡرَمينَ}: ونبأهُم الغريب العجيب، وهم الملائكة الذين أرسلهم الله لإهلاك قوم لوطٍ، وأمرهم بالمرور على إبراهيم، فجاؤوه في صورة أضياف.
{25}{إذۡ دَخَلوا عليه فقالوا سلاماً قال}: مجيباً لهم: {سلامٌ}؛ أي: عليكم، {قومٌ منكَرون}؛ أي: أنتم قوم منكَرون، فأحبُّ أن تعرِّفوني بأنفسكم، ولم يعرفهم إلاَّ بعد ذلك.
{26} ولهذا راغ {إلى أهلِهِ}؛ أي: ذهب سريعاً في خفيةٍ ليحضر لهم قِراهم، {فجاء بعجلٍ سمينٍ}.
{27}{فقرَّبه إليهم}: وعرض عليهم الأكل، فَـ {قَالَ ألا تأكُلونَ}؟
{28}{فأوجسَ منهم خيفةً}: حين رأى أيديهم لا تصلُ إليه، {قالوا لا تخفۡ}: وأخبروه بما جاؤوا له، {وبشَّروه بغلام عليم}: وهو إسحاق عليه السلام.
{29} فلمَّا سمعت المرأةُ البشارةَ؛ {أقبلتۡ}: فرحةً مستبشرةً {في صَرَّةٍ}؛ أي: صيحة، {فصكَّتۡ وجهها}: وهذا من جنس ما يجري للنساء عند السرور ونحوه من الأقوال والأفعال المخالفة للطبيعة والعادة، {وقالتۡ عجوزٌ عقيمٌ}؛ أي: أنَّى لي الولد وأنا عجوزٌ قد بلغتُ من السنِّ ما لا تلد معه النساء! ومع ذلك؛ فأنا عقيمٌ غير صالح رحمي للولادة أصلاً؛ فثمَّ مانعان، كلٌّ منهما مانعٌ من الولد، وقد ذكرت المانع الثالث في سورة هودٍ في قولها:{وهذا بعلي شيخاً إنَّ هذا لشيءٌ عجيبٌ}.
{30}{قالوا كذلِكِ قال رَبُّكِ}؛ أي: الله الذي قدَّر ذلك وأمضاه؛ فلا عجب في قدرة الله [تعالى]، {إنَّه هو الحكيم العليم}؛ أي: الذي يضع الأشياء مواضعها، وقد وسعَ كلَّ شيء علماً، فسلِّموا لحكمه، واشكروه على نعمته.
{31}{قال فما خطبُكم أيُّها المرسلونَ} ؛ أي: قال لهم إبراهيم عليه السلام: ما شأنُكم أيُّها المرسلون؟! وماذا تريدون؟! لأنَّه استشعر أنهم رسلٌ أرسلهم الله لبعض الشؤون المهمَّة.
{32}{قالوا إنَّا أرۡسِلۡنا إلى قوم مجرمينَ}: وهم قومُ لوطٍ، قد أجرموا بإشراكهم بالله وتكذيبهم لرسولهم وإتيانهم الفاحشة التي لم يَسْبِقْهم إليها أحدٌ من العالمين.
{33 ـ 34}{لنرسلَ عليهم حجارةً من طينٍ. مسوَّمةً عند ربِّكَ للمسرفينَ}؛ أي: معلَّمة على كلِّ حجرٍ اسم صاحبه؛ لأنَّهم أسرفوا وتجاوزوا الحدَّ. فجعل إبراهيمُ يجادِلُهم في قوم لوطٍ، لعلَّ الله يدفعُ عنهم العذاب، فقيل له:{يا إبراهيمُ أعۡرِضۡ عن هذا إنَّه قد جاء أمرُ رَبِّك وإنَّهم آتيهم عذابٌ غيرُ مردودٍ}.
{35 ـ 36}{فأخۡرَجۡنا من كان فيها من المؤمنينَ. فما وَجَدۡنا فيها غيرَ بيتٍ من المسلمين}: وهم بيتُ لوطٍ عليه السلام؛ إلاَّ امرأتَه؛ فإنَّها من المهلكين.
{37}{وتركۡنا فيها آيةً للذين يخافون العذابَ الأليمَ}: يعتبرون بها ويعلمون أنَّ الله شديدُ العقاب، وأنَّ رسلَه صادقون مصدوقون.
فصل في ذكر بعض ما تضمَّنته هذه القصةُ من الحِكَم والأحكام
منها: أنَّ من الحكمة قصَّ الله على عباده نبأ الأخيار والفجَّار؛ ليعتبروا بهم ، وأين وصلت بهم الأحوال.
ومنها: فضيلة إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام؛ حيث ابتدأ الله قصَّته بما يدلُّ على الاهتمام بشأنها والاعتناء بها.
ومنها: مشروعيَّة الضيافة، وأنَّها من سنن إبراهيم الخليل، الذي أمر الله محمداً وأمته أن يتَّبعوا ملَّته، وساقها الله في هذا الموضع على وجه المدح والثناء.
ومنها: أنَّ الضَّيف يُكْرَمُ بأنواع الإكرام؛ بالقول والفعل؛ لأنَّ الله وصف أضياف إبراهيم بأنَّهم مكرمون؛ أي: أكرمهم إبراهيم، ووصفَ الله ما صنع بهم من الضيافة قولاً وفعلاً، ومكرمون أيضاً عند الله [تعالى].
ومنها: أنَّ إبراهيم عليه السلام قد كان بيته مأوىً للطارقين والأضياف؛ لأنَّهم دخلوا عليه من غير استئذانٍ، وإنَّما سلكوا طريق الأدب في ابتداء السلام، فردَّ عليهم إبراهيم سلاماً أكملَ من سلامهم وأتمَّ؛ لأنَّه أتى به جملة اسميَّة دالَّة على الثُّبوت والاستقرار.
ومنها: مشروعيَّة تعرُّف من جاء إلى الإنسان أو صار له فيه نوعُ اتِّصال؛ لأنَّ في ذلك فوائد كثيرة.
ومنها: أدب إبراهيم ولطفه في الكلام؛ حيث قال:{قومٌ منكرون}، ولم يقل: أنكرتكم، وبين اللفظين من الفرق ما لا يخفى.
ومنها: المبادرة إلى الضيافة والإسراع بها؛ لأن خير البرِّ عاجِلُه، ولهذا بادر إبراهيم بإحضار قِرى أضيافه.
ومنها: أنَّ الذَّبيحة الحاضرة التي قد أعدَّت لغير الضيف الحاضر إذا جعلت له ليس فيها أقل إهانةٍ، بل ذلك من الإكرام؛ كما فعل إبراهيم عليه السلام، وأخبر الله أنَّ ضيفه مكرمون.
ومنها: ما منَّ الله به على خليله إبراهيم من الكرم الكثير، وكون ذلك حاضراً لديه وفي بيته معدًّا لا يحتاج إلى أن يأتي به من السوق أو الجيران أو غير ذلك.
ومنها: أنَّ إبراهيم هو الذي خدم أضيافه، وهو خليل الرحمن وسيِّد من ضيَّف الضيفان.
ومنها: أنَّه قرَّبه إليهم في المكان الذي هم فيه، فلم يجْعله في موضع ويقولُ لهم تفضَّلوا أو ائتوا عليه؛ لأنَّ هذا أيسر وأحسن.
ومنها: حسن ملاطفة الضيف في الكلام الليِّن، خصوصاً عند تقديم الطعام إليه؛ فإنَّ إبراهيم عرض عليهم عرضاً لطيفاً، فقال:{ألا تأكلونَ}، ولم يقل: كلوا! ونحوه من الألفاظ التي غيرها أولى منها، بل أتى بأداة العرض، فقال:{ألا تأكلونَ}؛ فينبغي للمقتدي به أنْ يستعملَ من الألفاظ الحسنة ما هو المناسب واللائق بالحال؛ كقوله لأضيافه: ألا تأكلون؟ أو: ألا تتفضَّلون؟ أو تشرِّفوننا وتحسنون إلينا ... ونحو ذلك.
ومنها: أنَّ من خاف من أحدٍ لسبب من الأسباب؛ فإنَّ عليه أن يزيل عنه الخوف، ويذكر له ما يؤمِّن روعه ويسكِّن جأشه؛ كما قالت الملائكة لإبراهيم لمَّا خافهم:{لا تخفۡ}، وأخبروه بتلك البشارة السارَّة بعد الخوف منهم.
ومنها: شدَّة فرح سارة امرأة إبراهيم، حتى جرى منها ما جرى من صكِّ وجهها وصرَّتها غير المعهودة.
ومنها: ما أكرم الله به إبراهيم وزوجته سارة من البشارة بغلام عليم.
الذاريات 51:30
{24} يقول تعالى: {هل أتاك}؛ أي: أما جاءك؟ {حديثُ ضيفِ إبراهيمَ المُكۡرَمينَ}: ونبأهُم الغريب العجيب، وهم الملائكة الذين أرسلهم الله لإهلاك قوم لوطٍ، وأمرهم بالمرور على إبراهيم، فجاؤوه في صورة أضياف.
{25}{إذۡ دَخَلوا عليه فقالوا سلاماً قال}: مجيباً لهم: {سلامٌ}؛ أي: عليكم، {قومٌ منكَرون}؛ أي: أنتم قوم منكَرون، فأحبُّ أن تعرِّفوني بأنفسكم، ولم يعرفهم إلاَّ بعد ذلك.
{26} ولهذا راغ {إلى أهلِهِ}؛ أي: ذهب سريعاً في خفيةٍ ليحضر لهم قِراهم، {فجاء بعجلٍ سمينٍ}.
{27}{فقرَّبه إليهم}: وعرض عليهم الأكل، فَـ {قَالَ ألا تأكُلونَ}؟
{28}{فأوجسَ منهم خيفةً}: حين رأى أيديهم لا تصلُ إليه، {قالوا لا تخفۡ}: وأخبروه بما جاؤوا له، {وبشَّروه بغلام عليم}: وهو إسحاق عليه السلام.
{29} فلمَّا سمعت المرأةُ البشارةَ؛ {أقبلتۡ}: فرحةً مستبشرةً {في صَرَّةٍ}؛ أي: صيحة، {فصكَّتۡ وجهها}: وهذا من جنس ما يجري للنساء عند السرور ونحوه من الأقوال والأفعال المخالفة للطبيعة والعادة، {وقالتۡ عجوزٌ عقيمٌ}؛ أي: أنَّى لي الولد وأنا عجوزٌ قد بلغتُ من السنِّ ما لا تلد معه النساء! ومع ذلك؛ فأنا عقيمٌ غير صالح رحمي للولادة أصلاً؛ فثمَّ مانعان، كلٌّ منهما مانعٌ من الولد، وقد ذكرت المانع الثالث في سورة هودٍ في قولها:{وهذا بعلي شيخاً إنَّ هذا لشيءٌ عجيبٌ}.
{30}{قالوا كذلِكِ قال رَبُّكِ}؛ أي: الله الذي قدَّر ذلك وأمضاه؛ فلا عجب في قدرة الله [تعالى]، {إنَّه هو الحكيم العليم}؛ أي: الذي يضع الأشياء مواضعها، وقد وسعَ كلَّ شيء علماً، فسلِّموا لحكمه، واشكروه على نعمته.
{31}{قال فما خطبُكم أيُّها المرسلونَ} ؛ أي: قال لهم إبراهيم عليه السلام: ما شأنُكم أيُّها المرسلون؟! وماذا تريدون؟! لأنَّه استشعر أنهم رسلٌ أرسلهم الله لبعض الشؤون المهمَّة.
{32}{قالوا إنَّا أرۡسِلۡنا إلى قوم مجرمينَ}: وهم قومُ لوطٍ، قد أجرموا بإشراكهم بالله وتكذيبهم لرسولهم وإتيانهم الفاحشة التي لم يَسْبِقْهم إليها أحدٌ من العالمين.
{33 ـ 34}{لنرسلَ عليهم حجارةً من طينٍ. مسوَّمةً عند ربِّكَ للمسرفينَ}؛ أي: معلَّمة على كلِّ حجرٍ اسم صاحبه؛ لأنَّهم أسرفوا وتجاوزوا الحدَّ. فجعل إبراهيمُ يجادِلُهم في قوم لوطٍ، لعلَّ الله يدفعُ عنهم العذاب، فقيل له:{يا إبراهيمُ أعۡرِضۡ عن هذا إنَّه قد جاء أمرُ رَبِّك وإنَّهم آتيهم عذابٌ غيرُ مردودٍ}.
{35 ـ 36}{فأخۡرَجۡنا من كان فيها من المؤمنينَ. فما وَجَدۡنا فيها غيرَ بيتٍ من المسلمين}: وهم بيتُ لوطٍ عليه السلام؛ إلاَّ امرأتَه؛ فإنَّها من المهلكين.
{37}{وتركۡنا فيها آيةً للذين يخافون العذابَ الأليمَ}: يعتبرون بها ويعلمون أنَّ الله شديدُ العقاب، وأنَّ رسلَه صادقون مصدوقون.
فصل في ذكر بعض ما تضمَّنته هذه القصةُ من الحِكَم والأحكام
منها: أنَّ من الحكمة قصَّ الله على عباده نبأ الأخيار والفجَّار؛ ليعتبروا بهم ، وأين وصلت بهم الأحوال.
ومنها: فضيلة إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام؛ حيث ابتدأ الله قصَّته بما يدلُّ على الاهتمام بشأنها والاعتناء بها.
ومنها: مشروعيَّة الضيافة، وأنَّها من سنن إبراهيم الخليل، الذي أمر الله محمداً وأمته أن يتَّبعوا ملَّته، وساقها الله في هذا الموضع على وجه المدح والثناء.
ومنها: أنَّ الضَّيف يُكْرَمُ بأنواع الإكرام؛ بالقول والفعل؛ لأنَّ الله وصف أضياف إبراهيم بأنَّهم مكرمون؛ أي: أكرمهم إبراهيم، ووصفَ الله ما صنع بهم من الضيافة قولاً وفعلاً، ومكرمون أيضاً عند الله [تعالى].
ومنها: أنَّ إبراهيم عليه السلام قد كان بيته مأوىً للطارقين والأضياف؛ لأنَّهم دخلوا عليه من غير استئذانٍ، وإنَّما سلكوا طريق الأدب في ابتداء السلام، فردَّ عليهم إبراهيم سلاماً أكملَ من سلامهم وأتمَّ؛ لأنَّه أتى به جملة اسميَّة دالَّة على الثُّبوت والاستقرار.
ومنها: مشروعيَّة تعرُّف من جاء إلى الإنسان أو صار له فيه نوعُ اتِّصال؛ لأنَّ في ذلك فوائد كثيرة.
ومنها: أدب إبراهيم ولطفه في الكلام؛ حيث قال:{قومٌ منكرون}، ولم يقل: أنكرتكم، وبين اللفظين من الفرق ما لا يخفى.
ومنها: المبادرة إلى الضيافة والإسراع بها؛ لأن خير البرِّ عاجِلُه، ولهذا بادر إبراهيم بإحضار قِرى أضيافه.
ومنها: أنَّ الذَّبيحة الحاضرة التي قد أعدَّت لغير الضيف الحاضر إذا جعلت له ليس فيها أقل إهانةٍ، بل ذلك من الإكرام؛ كما فعل إبراهيم عليه السلام، وأخبر الله أنَّ ضيفه مكرمون.
ومنها: ما منَّ الله به على خليله إبراهيم من الكرم الكثير، وكون ذلك حاضراً لديه وفي بيته معدًّا لا يحتاج إلى أن يأتي به من السوق أو الجيران أو غير ذلك.
ومنها: أنَّ إبراهيم هو الذي خدم أضيافه، وهو خليل الرحمن وسيِّد من ضيَّف الضيفان.
ومنها: أنَّه قرَّبه إليهم في المكان الذي هم فيه، فلم يجْعله في موضع ويقولُ لهم تفضَّلوا أو ائتوا عليه؛ لأنَّ هذا أيسر وأحسن.
ومنها: حسن ملاطفة الضيف في الكلام الليِّن، خصوصاً عند تقديم الطعام إليه؛ فإنَّ إبراهيم عرض عليهم عرضاً لطيفاً، فقال:{ألا تأكلونَ}، ولم يقل: كلوا! ونحوه من الألفاظ التي غيرها أولى منها، بل أتى بأداة العرض، فقال:{ألا تأكلونَ}؛ فينبغي للمقتدي به أنْ يستعملَ من الألفاظ الحسنة ما هو المناسب واللائق بالحال؛ كقوله لأضيافه: ألا تأكلون؟ أو: ألا تتفضَّلون؟ أو تشرِّفوننا وتحسنون إلينا ... ونحو ذلك.
ومنها: أنَّ من خاف من أحدٍ لسبب من الأسباب؛ فإنَّ عليه أن يزيل عنه الخوف، ويذكر له ما يؤمِّن روعه ويسكِّن جأشه؛ كما قالت الملائكة لإبراهيم لمَّا خافهم:{لا تخفۡ}، وأخبروه بتلك البشارة السارَّة بعد الخوف منهم.
ومنها: شدَّة فرح سارة امرأة إبراهيم، حتى جرى منها ما جرى من صكِّ وجهها وصرَّتها غير المعهودة.
ومنها: ما أكرم الله به إبراهيم وزوجته سارة من البشارة بغلام عليم.
الذاريات 51:31
{24} يقول تعالى: {هل أتاك}؛ أي: أما جاءك؟ {حديثُ ضيفِ إبراهيمَ المُكۡرَمينَ}: ونبأهُم الغريب العجيب، وهم الملائكة الذين أرسلهم الله لإهلاك قوم لوطٍ، وأمرهم بالمرور على إبراهيم، فجاؤوه في صورة أضياف.
{25}{إذۡ دَخَلوا عليه فقالوا سلاماً قال}: مجيباً لهم: {سلامٌ}؛ أي: عليكم، {قومٌ منكَرون}؛ أي: أنتم قوم منكَرون، فأحبُّ أن تعرِّفوني بأنفسكم، ولم يعرفهم إلاَّ بعد ذلك.
{26} ولهذا راغ {إلى أهلِهِ}؛ أي: ذهب سريعاً في خفيةٍ ليحضر لهم قِراهم، {فجاء بعجلٍ سمينٍ}.
{27}{فقرَّبه إليهم}: وعرض عليهم الأكل، فَـ {قَالَ ألا تأكُلونَ}؟
{28}{فأوجسَ منهم خيفةً}: حين رأى أيديهم لا تصلُ إليه، {قالوا لا تخفۡ}: وأخبروه بما جاؤوا له، {وبشَّروه بغلام عليم}: وهو إسحاق عليه السلام.
{29} فلمَّا سمعت المرأةُ البشارةَ؛ {أقبلتۡ}: فرحةً مستبشرةً {في صَرَّةٍ}؛ أي: صيحة، {فصكَّتۡ وجهها}: وهذا من جنس ما يجري للنساء عند السرور ونحوه من الأقوال والأفعال المخالفة للطبيعة والعادة، {وقالتۡ عجوزٌ عقيمٌ}؛ أي: أنَّى لي الولد وأنا عجوزٌ قد بلغتُ من السنِّ ما لا تلد معه النساء! ومع ذلك؛ فأنا عقيمٌ غير صالح رحمي للولادة أصلاً؛ فثمَّ مانعان، كلٌّ منهما مانعٌ من الولد، وقد ذكرت المانع الثالث في سورة هودٍ في قولها:{وهذا بعلي شيخاً إنَّ هذا لشيءٌ عجيبٌ}.
{30}{قالوا كذلِكِ قال رَبُّكِ}؛ أي: الله الذي قدَّر ذلك وأمضاه؛ فلا عجب في قدرة الله [تعالى]، {إنَّه هو الحكيم العليم}؛ أي: الذي يضع الأشياء مواضعها، وقد وسعَ كلَّ شيء علماً، فسلِّموا لحكمه، واشكروه على نعمته.
{31}{قال فما خطبُكم أيُّها المرسلونَ} ؛ أي: قال لهم إبراهيم عليه السلام: ما شأنُكم أيُّها المرسلون؟! وماذا تريدون؟! لأنَّه استشعر أنهم رسلٌ أرسلهم الله لبعض الشؤون المهمَّة.
{32}{قالوا إنَّا أرۡسِلۡنا إلى قوم مجرمينَ}: وهم قومُ لوطٍ، قد أجرموا بإشراكهم بالله وتكذيبهم لرسولهم وإتيانهم الفاحشة التي لم يَسْبِقْهم إليها أحدٌ من العالمين.
{33 ـ 34}{لنرسلَ عليهم حجارةً من طينٍ. مسوَّمةً عند ربِّكَ للمسرفينَ}؛ أي: معلَّمة على كلِّ حجرٍ اسم صاحبه؛ لأنَّهم أسرفوا وتجاوزوا الحدَّ. فجعل إبراهيمُ يجادِلُهم في قوم لوطٍ، لعلَّ الله يدفعُ عنهم العذاب، فقيل له:{يا إبراهيمُ أعۡرِضۡ عن هذا إنَّه قد جاء أمرُ رَبِّك وإنَّهم آتيهم عذابٌ غيرُ مردودٍ}.
{35 ـ 36}{فأخۡرَجۡنا من كان فيها من المؤمنينَ. فما وَجَدۡنا فيها غيرَ بيتٍ من المسلمين}: وهم بيتُ لوطٍ عليه السلام؛ إلاَّ امرأتَه؛ فإنَّها من المهلكين.
{37}{وتركۡنا فيها آيةً للذين يخافون العذابَ الأليمَ}: يعتبرون بها ويعلمون أنَّ الله شديدُ العقاب، وأنَّ رسلَه صادقون مصدوقون.
فصل في ذكر بعض ما تضمَّنته هذه القصةُ من الحِكَم والأحكام
منها: أنَّ من الحكمة قصَّ الله على عباده نبأ الأخيار والفجَّار؛ ليعتبروا بهم ، وأين وصلت بهم الأحوال.
ومنها: فضيلة إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام؛ حيث ابتدأ الله قصَّته بما يدلُّ على الاهتمام بشأنها والاعتناء بها.
ومنها: مشروعيَّة الضيافة، وأنَّها من سنن إبراهيم الخليل، الذي أمر الله محمداً وأمته أن يتَّبعوا ملَّته، وساقها الله في هذا الموضع على وجه المدح والثناء.
ومنها: أنَّ الضَّيف يُكْرَمُ بأنواع الإكرام؛ بالقول والفعل؛ لأنَّ الله وصف أضياف إبراهيم بأنَّهم مكرمون؛ أي: أكرمهم إبراهيم، ووصفَ الله ما صنع بهم من الضيافة قولاً وفعلاً، ومكرمون أيضاً عند الله [تعالى].
ومنها: أنَّ إبراهيم عليه السلام قد كان بيته مأوىً للطارقين والأضياف؛ لأنَّهم دخلوا عليه من غير استئذانٍ، وإنَّما سلكوا طريق الأدب في ابتداء السلام، فردَّ عليهم إبراهيم سلاماً أكملَ من سلامهم وأتمَّ؛ لأنَّه أتى به جملة اسميَّة دالَّة على الثُّبوت والاستقرار.
ومنها: مشروعيَّة تعرُّف من جاء إلى الإنسان أو صار له فيه نوعُ اتِّصال؛ لأنَّ في ذلك فوائد كثيرة.
ومنها: أدب إبراهيم ولطفه في الكلام؛ حيث قال:{قومٌ منكرون}، ولم يقل: أنكرتكم، وبين اللفظين من الفرق ما لا يخفى.
ومنها: المبادرة إلى الضيافة والإسراع بها؛ لأن خير البرِّ عاجِلُه، ولهذا بادر إبراهيم بإحضار قِرى أضيافه.
ومنها: أنَّ الذَّبيحة الحاضرة التي قد أعدَّت لغير الضيف الحاضر إذا جعلت له ليس فيها أقل إهانةٍ، بل ذلك من الإكرام؛ كما فعل إبراهيم عليه السلام، وأخبر الله أنَّ ضيفه مكرمون.
ومنها: ما منَّ الله به على خليله إبراهيم من الكرم الكثير، وكون ذلك حاضراً لديه وفي بيته معدًّا لا يحتاج إلى أن يأتي به من السوق أو الجيران أو غير ذلك.
ومنها: أنَّ إبراهيم هو الذي خدم أضيافه، وهو خليل الرحمن وسيِّد من ضيَّف الضيفان.
ومنها: أنَّه قرَّبه إليهم في المكان الذي هم فيه، فلم يجْعله في موضع ويقولُ لهم تفضَّلوا أو ائتوا عليه؛ لأنَّ هذا أيسر وأحسن.
ومنها: حسن ملاطفة الضيف في الكلام الليِّن، خصوصاً عند تقديم الطعام إليه؛ فإنَّ إبراهيم عرض عليهم عرضاً لطيفاً، فقال:{ألا تأكلونَ}، ولم يقل: كلوا! ونحوه من الألفاظ التي غيرها أولى منها، بل أتى بأداة العرض، فقال:{ألا تأكلونَ}؛ فينبغي للمقتدي به أنْ يستعملَ من الألفاظ الحسنة ما هو المناسب واللائق بالحال؛ كقوله لأضيافه: ألا تأكلون؟ أو: ألا تتفضَّلون؟ أو تشرِّفوننا وتحسنون إلينا ... ونحو ذلك.
ومنها: أنَّ من خاف من أحدٍ لسبب من الأسباب؛ فإنَّ عليه أن يزيل عنه الخوف، ويذكر له ما يؤمِّن روعه ويسكِّن جأشه؛ كما قالت الملائكة لإبراهيم لمَّا خافهم:{لا تخفۡ}، وأخبروه بتلك البشارة السارَّة بعد الخوف منهم.
ومنها: شدَّة فرح سارة امرأة إبراهيم، حتى جرى منها ما جرى من صكِّ وجهها وصرَّتها غير المعهودة.
ومنها: ما أكرم الله به إبراهيم وزوجته سارة من البشارة بغلام عليم.
الذاريات 51:32
{24} يقول تعالى: {هل أتاك}؛ أي: أما جاءك؟ {حديثُ ضيفِ إبراهيمَ المُكۡرَمينَ}: ونبأهُم الغريب العجيب، وهم الملائكة الذين أرسلهم الله لإهلاك قوم لوطٍ، وأمرهم بالمرور على إبراهيم، فجاؤوه في صورة أضياف.
{25}{إذۡ دَخَلوا عليه فقالوا سلاماً قال}: مجيباً لهم: {سلامٌ}؛ أي: عليكم، {قومٌ منكَرون}؛ أي: أنتم قوم منكَرون، فأحبُّ أن تعرِّفوني بأنفسكم، ولم يعرفهم إلاَّ بعد ذلك.
{26} ولهذا راغ {إلى أهلِهِ}؛ أي: ذهب سريعاً في خفيةٍ ليحضر لهم قِراهم، {فجاء بعجلٍ سمينٍ}.
{27}{فقرَّبه إليهم}: وعرض عليهم الأكل، فَـ {قَالَ ألا تأكُلونَ}؟
{28}{فأوجسَ منهم خيفةً}: حين رأى أيديهم لا تصلُ إليه، {قالوا لا تخفۡ}: وأخبروه بما جاؤوا له، {وبشَّروه بغلام عليم}: وهو إسحاق عليه السلام.
{29} فلمَّا سمعت المرأةُ البشارةَ؛ {أقبلتۡ}: فرحةً مستبشرةً {في صَرَّةٍ}؛ أي: صيحة، {فصكَّتۡ وجهها}: وهذا من جنس ما يجري للنساء عند السرور ونحوه من الأقوال والأفعال المخالفة للطبيعة والعادة، {وقالتۡ عجوزٌ عقيمٌ}؛ أي: أنَّى لي الولد وأنا عجوزٌ قد بلغتُ من السنِّ ما لا تلد معه النساء! ومع ذلك؛ فأنا عقيمٌ غير صالح رحمي للولادة أصلاً؛ فثمَّ مانعان، كلٌّ منهما مانعٌ من الولد، وقد ذكرت المانع الثالث في سورة هودٍ في قولها:{وهذا بعلي شيخاً إنَّ هذا لشيءٌ عجيبٌ}.
{30}{قالوا كذلِكِ قال رَبُّكِ}؛ أي: الله الذي قدَّر ذلك وأمضاه؛ فلا عجب في قدرة الله [تعالى]، {إنَّه هو الحكيم العليم}؛ أي: الذي يضع الأشياء مواضعها، وقد وسعَ كلَّ شيء علماً، فسلِّموا لحكمه، واشكروه على نعمته.
{31}{قال فما خطبُكم أيُّها المرسلونَ} ؛ أي: قال لهم إبراهيم عليه السلام: ما شأنُكم أيُّها المرسلون؟! وماذا تريدون؟! لأنَّه استشعر أنهم رسلٌ أرسلهم الله لبعض الشؤون المهمَّة.
{32}{قالوا إنَّا أرۡسِلۡنا إلى قوم مجرمينَ}: وهم قومُ لوطٍ، قد أجرموا بإشراكهم بالله وتكذيبهم لرسولهم وإتيانهم الفاحشة التي لم يَسْبِقْهم إليها أحدٌ من العالمين.
{33 ـ 34}{لنرسلَ عليهم حجارةً من طينٍ. مسوَّمةً عند ربِّكَ للمسرفينَ}؛ أي: معلَّمة على كلِّ حجرٍ اسم صاحبه؛ لأنَّهم أسرفوا وتجاوزوا الحدَّ. فجعل إبراهيمُ يجادِلُهم في قوم لوطٍ، لعلَّ الله يدفعُ عنهم العذاب، فقيل له:{يا إبراهيمُ أعۡرِضۡ عن هذا إنَّه قد جاء أمرُ رَبِّك وإنَّهم آتيهم عذابٌ غيرُ مردودٍ}.
{35 ـ 36}{فأخۡرَجۡنا من كان فيها من المؤمنينَ. فما وَجَدۡنا فيها غيرَ بيتٍ من المسلمين}: وهم بيتُ لوطٍ عليه السلام؛ إلاَّ امرأتَه؛ فإنَّها من المهلكين.
{37}{وتركۡنا فيها آيةً للذين يخافون العذابَ الأليمَ}: يعتبرون بها ويعلمون أنَّ الله شديدُ العقاب، وأنَّ رسلَه صادقون مصدوقون.
فصل في ذكر بعض ما تضمَّنته هذه القصةُ من الحِكَم والأحكام
منها: أنَّ من الحكمة قصَّ الله على عباده نبأ الأخيار والفجَّار؛ ليعتبروا بهم ، وأين وصلت بهم الأحوال.
ومنها: فضيلة إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام؛ حيث ابتدأ الله قصَّته بما يدلُّ على الاهتمام بشأنها والاعتناء بها.
ومنها: مشروعيَّة الضيافة، وأنَّها من سنن إبراهيم الخليل، الذي أمر الله محمداً وأمته أن يتَّبعوا ملَّته، وساقها الله في هذا الموضع على وجه المدح والثناء.
ومنها: أنَّ الضَّيف يُكْرَمُ بأنواع الإكرام؛ بالقول والفعل؛ لأنَّ الله وصف أضياف إبراهيم بأنَّهم مكرمون؛ أي: أكرمهم إبراهيم، ووصفَ الله ما صنع بهم من الضيافة قولاً وفعلاً، ومكرمون أيضاً عند الله [تعالى].
ومنها: أنَّ إبراهيم عليه السلام قد كان بيته مأوىً للطارقين والأضياف؛ لأنَّهم دخلوا عليه من غير استئذانٍ، وإنَّما سلكوا طريق الأدب في ابتداء السلام، فردَّ عليهم إبراهيم سلاماً أكملَ من سلامهم وأتمَّ؛ لأنَّه أتى به جملة اسميَّة دالَّة على الثُّبوت والاستقرار.
ومنها: مشروعيَّة تعرُّف من جاء إلى الإنسان أو صار له فيه نوعُ اتِّصال؛ لأنَّ في ذلك فوائد كثيرة.
ومنها: أدب إبراهيم ولطفه في الكلام؛ حيث قال:{قومٌ منكرون}، ولم يقل: أنكرتكم، وبين اللفظين من الفرق ما لا يخفى.
ومنها: المبادرة إلى الضيافة والإسراع بها؛ لأن خير البرِّ عاجِلُه، ولهذا بادر إبراهيم بإحضار قِرى أضيافه.
ومنها: أنَّ الذَّبيحة الحاضرة التي قد أعدَّت لغير الضيف الحاضر إذا جعلت له ليس فيها أقل إهانةٍ، بل ذلك من الإكرام؛ كما فعل إبراهيم عليه السلام، وأخبر الله أنَّ ضيفه مكرمون.
ومنها: ما منَّ الله به على خليله إبراهيم من الكرم الكثير، وكون ذلك حاضراً لديه وفي بيته معدًّا لا يحتاج إلى أن يأتي به من السوق أو الجيران أو غير ذلك.
ومنها: أنَّ إبراهيم هو الذي خدم أضيافه، وهو خليل الرحمن وسيِّد من ضيَّف الضيفان.
ومنها: أنَّه قرَّبه إليهم في المكان الذي هم فيه، فلم يجْعله في موضع ويقولُ لهم تفضَّلوا أو ائتوا عليه؛ لأنَّ هذا أيسر وأحسن.
ومنها: حسن ملاطفة الضيف في الكلام الليِّن، خصوصاً عند تقديم الطعام إليه؛ فإنَّ إبراهيم عرض عليهم عرضاً لطيفاً، فقال:{ألا تأكلونَ}، ولم يقل: كلوا! ونحوه من الألفاظ التي غيرها أولى منها، بل أتى بأداة العرض، فقال:{ألا تأكلونَ}؛ فينبغي للمقتدي به أنْ يستعملَ من الألفاظ الحسنة ما هو المناسب واللائق بالحال؛ كقوله لأضيافه: ألا تأكلون؟ أو: ألا تتفضَّلون؟ أو تشرِّفوننا وتحسنون إلينا ... ونحو ذلك.
ومنها: أنَّ من خاف من أحدٍ لسبب من الأسباب؛ فإنَّ عليه أن يزيل عنه الخوف، ويذكر له ما يؤمِّن روعه ويسكِّن جأشه؛ كما قالت الملائكة لإبراهيم لمَّا خافهم:{لا تخفۡ}، وأخبروه بتلك البشارة السارَّة بعد الخوف منهم.
ومنها: شدَّة فرح سارة امرأة إبراهيم، حتى جرى منها ما جرى من صكِّ وجهها وصرَّتها غير المعهودة.
ومنها: ما أكرم الله به إبراهيم وزوجته سارة من البشارة بغلام عليم.
الذاريات 51:33
{24} يقول تعالى: {هل أتاك}؛ أي: أما جاءك؟ {حديثُ ضيفِ إبراهيمَ المُكۡرَمينَ}: ونبأهُم الغريب العجيب، وهم الملائكة الذين أرسلهم الله لإهلاك قوم لوطٍ، وأمرهم بالمرور على إبراهيم، فجاؤوه في صورة أضياف.
{25}{إذۡ دَخَلوا عليه فقالوا سلاماً قال}: مجيباً لهم: {سلامٌ}؛ أي: عليكم، {قومٌ منكَرون}؛ أي: أنتم قوم منكَرون، فأحبُّ أن تعرِّفوني بأنفسكم، ولم يعرفهم إلاَّ بعد ذلك.
{26} ولهذا راغ {إلى أهلِهِ}؛ أي: ذهب سريعاً في خفيةٍ ليحضر لهم قِراهم، {فجاء بعجلٍ سمينٍ}.
{27}{فقرَّبه إليهم}: وعرض عليهم الأكل، فَـ {قَالَ ألا تأكُلونَ}؟
{28}{فأوجسَ منهم خيفةً}: حين رأى أيديهم لا تصلُ إليه، {قالوا لا تخفۡ}: وأخبروه بما جاؤوا له، {وبشَّروه بغلام عليم}: وهو إسحاق عليه السلام.
{29} فلمَّا سمعت المرأةُ البشارةَ؛ {أقبلتۡ}: فرحةً مستبشرةً {في صَرَّةٍ}؛ أي: صيحة، {فصكَّتۡ وجهها}: وهذا من جنس ما يجري للنساء عند السرور ونحوه من الأقوال والأفعال المخالفة للطبيعة والعادة، {وقالتۡ عجوزٌ عقيمٌ}؛ أي: أنَّى لي الولد وأنا عجوزٌ قد بلغتُ من السنِّ ما لا تلد معه النساء! ومع ذلك؛ فأنا عقيمٌ غير صالح رحمي للولادة أصلاً؛ فثمَّ مانعان، كلٌّ منهما مانعٌ من الولد، وقد ذكرت المانع الثالث في سورة هودٍ في قولها:{وهذا بعلي شيخاً إنَّ هذا لشيءٌ عجيبٌ}.
{30}{قالوا كذلِكِ قال رَبُّكِ}؛ أي: الله الذي قدَّر ذلك وأمضاه؛ فلا عجب في قدرة الله [تعالى]، {إنَّه هو الحكيم العليم}؛ أي: الذي يضع الأشياء مواضعها، وقد وسعَ كلَّ شيء علماً، فسلِّموا لحكمه، واشكروه على نعمته.
{31}{قال فما خطبُكم أيُّها المرسلونَ} ؛ أي: قال لهم إبراهيم عليه السلام: ما شأنُكم أيُّها المرسلون؟! وماذا تريدون؟! لأنَّه استشعر أنهم رسلٌ أرسلهم الله لبعض الشؤون المهمَّة.
{32}{قالوا إنَّا أرۡسِلۡنا إلى قوم مجرمينَ}: وهم قومُ لوطٍ، قد أجرموا بإشراكهم بالله وتكذيبهم لرسولهم وإتيانهم الفاحشة التي لم يَسْبِقْهم إليها أحدٌ من العالمين.
{33 ـ 34}{لنرسلَ عليهم حجارةً من طينٍ. مسوَّمةً عند ربِّكَ للمسرفينَ}؛ أي: معلَّمة على كلِّ حجرٍ اسم صاحبه؛ لأنَّهم أسرفوا وتجاوزوا الحدَّ. فجعل إبراهيمُ يجادِلُهم في قوم لوطٍ، لعلَّ الله يدفعُ عنهم العذاب، فقيل له:{يا إبراهيمُ أعۡرِضۡ عن هذا إنَّه قد جاء أمرُ رَبِّك وإنَّهم آتيهم عذابٌ غيرُ مردودٍ}.
{35 ـ 36}{فأخۡرَجۡنا من كان فيها من المؤمنينَ. فما وَجَدۡنا فيها غيرَ بيتٍ من المسلمين}: وهم بيتُ لوطٍ عليه السلام؛ إلاَّ امرأتَه؛ فإنَّها من المهلكين.
{37}{وتركۡنا فيها آيةً للذين يخافون العذابَ الأليمَ}: يعتبرون بها ويعلمون أنَّ الله شديدُ العقاب، وأنَّ رسلَه صادقون مصدوقون.
فصل في ذكر بعض ما تضمَّنته هذه القصةُ من الحِكَم والأحكام
منها: أنَّ من الحكمة قصَّ الله على عباده نبأ الأخيار والفجَّار؛ ليعتبروا بهم ، وأين وصلت بهم الأحوال.
ومنها: فضيلة إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام؛ حيث ابتدأ الله قصَّته بما يدلُّ على الاهتمام بشأنها والاعتناء بها.
ومنها: مشروعيَّة الضيافة، وأنَّها من سنن إبراهيم الخليل، الذي أمر الله محمداً وأمته أن يتَّبعوا ملَّته، وساقها الله في هذا الموضع على وجه المدح والثناء.
ومنها: أنَّ الضَّيف يُكْرَمُ بأنواع الإكرام؛ بالقول والفعل؛ لأنَّ الله وصف أضياف إبراهيم بأنَّهم مكرمون؛ أي: أكرمهم إبراهيم، ووصفَ الله ما صنع بهم من الضيافة قولاً وفعلاً، ومكرمون أيضاً عند الله [تعالى].
ومنها: أنَّ إبراهيم عليه السلام قد كان بيته مأوىً للطارقين والأضياف؛ لأنَّهم دخلوا عليه من غير استئذانٍ، وإنَّما سلكوا طريق الأدب في ابتداء السلام، فردَّ عليهم إبراهيم سلاماً أكملَ من سلامهم وأتمَّ؛ لأنَّه أتى به جملة اسميَّة دالَّة على الثُّبوت والاستقرار.
ومنها: مشروعيَّة تعرُّف من جاء إلى الإنسان أو صار له فيه نوعُ اتِّصال؛ لأنَّ في ذلك فوائد كثيرة.
ومنها: أدب إبراهيم ولطفه في الكلام؛ حيث قال:{قومٌ منكرون}، ولم يقل: أنكرتكم، وبين اللفظين من الفرق ما لا يخفى.
ومنها: المبادرة إلى الضيافة والإسراع بها؛ لأن خير البرِّ عاجِلُه، ولهذا بادر إبراهيم بإحضار قِرى أضيافه.
ومنها: أنَّ الذَّبيحة الحاضرة التي قد أعدَّت لغير الضيف الحاضر إذا جعلت له ليس فيها أقل إهانةٍ، بل ذلك من الإكرام؛ كما فعل إبراهيم عليه السلام، وأخبر الله أنَّ ضيفه مكرمون.
ومنها: ما منَّ الله به على خليله إبراهيم من الكرم الكثير، وكون ذلك حاضراً لديه وفي بيته معدًّا لا يحتاج إلى أن يأتي به من السوق أو الجيران أو غير ذلك.
ومنها: أنَّ إبراهيم هو الذي خدم أضيافه، وهو خليل الرحمن وسيِّد من ضيَّف الضيفان.
ومنها: أنَّه قرَّبه إليهم في المكان الذي هم فيه، فلم يجْعله في موضع ويقولُ لهم تفضَّلوا أو ائتوا عليه؛ لأنَّ هذا أيسر وأحسن.
ومنها: حسن ملاطفة الضيف في الكلام الليِّن، خصوصاً عند تقديم الطعام إليه؛ فإنَّ إبراهيم عرض عليهم عرضاً لطيفاً، فقال:{ألا تأكلونَ}، ولم يقل: كلوا! ونحوه من الألفاظ التي غيرها أولى منها، بل أتى بأداة العرض، فقال:{ألا تأكلونَ}؛ فينبغي للمقتدي به أنْ يستعملَ من الألفاظ الحسنة ما هو المناسب واللائق بالحال؛ كقوله لأضيافه: ألا تأكلون؟ أو: ألا تتفضَّلون؟ أو تشرِّفوننا وتحسنون إلينا ... ونحو ذلك.
ومنها: أنَّ من خاف من أحدٍ لسبب من الأسباب؛ فإنَّ عليه أن يزيل عنه الخوف، ويذكر له ما يؤمِّن روعه ويسكِّن جأشه؛ كما قالت الملائكة لإبراهيم لمَّا خافهم:{لا تخفۡ}، وأخبروه بتلك البشارة السارَّة بعد الخوف منهم.
ومنها: شدَّة فرح سارة امرأة إبراهيم، حتى جرى منها ما جرى من صكِّ وجهها وصرَّتها غير المعهودة.
ومنها: ما أكرم الله به إبراهيم وزوجته سارة من البشارة بغلام عليم.
الذاريات 51:34
{24} يقول تعالى: {هل أتاك}؛ أي: أما جاءك؟ {حديثُ ضيفِ إبراهيمَ المُكۡرَمينَ}: ونبأهُم الغريب العجيب، وهم الملائكة الذين أرسلهم الله لإهلاك قوم لوطٍ، وأمرهم بالمرور على إبراهيم، فجاؤوه في صورة أضياف.
{25}{إذۡ دَخَلوا عليه فقالوا سلاماً قال}: مجيباً لهم: {سلامٌ}؛ أي: عليكم، {قومٌ منكَرون}؛ أي: أنتم قوم منكَرون، فأحبُّ أن تعرِّفوني بأنفسكم، ولم يعرفهم إلاَّ بعد ذلك.
{26} ولهذا راغ {إلى أهلِهِ}؛ أي: ذهب سريعاً في خفيةٍ ليحضر لهم قِراهم، {فجاء بعجلٍ سمينٍ}.
{27}{فقرَّبه إليهم}: وعرض عليهم الأكل، فَـ {قَالَ ألا تأكُلونَ}؟
{28}{فأوجسَ منهم خيفةً}: حين رأى أيديهم لا تصلُ إليه، {قالوا لا تخفۡ}: وأخبروه بما جاؤوا له، {وبشَّروه بغلام عليم}: وهو إسحاق عليه السلام.
{29} فلمَّا سمعت المرأةُ البشارةَ؛ {أقبلتۡ}: فرحةً مستبشرةً {في صَرَّةٍ}؛ أي: صيحة، {فصكَّتۡ وجهها}: وهذا من جنس ما يجري للنساء عند السرور ونحوه من الأقوال والأفعال المخالفة للطبيعة والعادة، {وقالتۡ عجوزٌ عقيمٌ}؛ أي: أنَّى لي الولد وأنا عجوزٌ قد بلغتُ من السنِّ ما لا تلد معه النساء! ومع ذلك؛ فأنا عقيمٌ غير صالح رحمي للولادة أصلاً؛ فثمَّ مانعان، كلٌّ منهما مانعٌ من الولد، وقد ذكرت المانع الثالث في سورة هودٍ في قولها:{وهذا بعلي شيخاً إنَّ هذا لشيءٌ عجيبٌ}.
{30}{قالوا كذلِكِ قال رَبُّكِ}؛ أي: الله الذي قدَّر ذلك وأمضاه؛ فلا عجب في قدرة الله [تعالى]، {إنَّه هو الحكيم العليم}؛ أي: الذي يضع الأشياء مواضعها، وقد وسعَ كلَّ شيء علماً، فسلِّموا لحكمه، واشكروه على نعمته.
{31}{قال فما خطبُكم أيُّها المرسلونَ} ؛ أي: قال لهم إبراهيم عليه السلام: ما شأنُكم أيُّها المرسلون؟! وماذا تريدون؟! لأنَّه استشعر أنهم رسلٌ أرسلهم الله لبعض الشؤون المهمَّة.
{32}{قالوا إنَّا أرۡسِلۡنا إلى قوم مجرمينَ}: وهم قومُ لوطٍ، قد أجرموا بإشراكهم بالله وتكذيبهم لرسولهم وإتيانهم الفاحشة التي لم يَسْبِقْهم إليها أحدٌ من العالمين.
{33 ـ 34}{لنرسلَ عليهم حجارةً من طينٍ. مسوَّمةً عند ربِّكَ للمسرفينَ}؛ أي: معلَّمة على كلِّ حجرٍ اسم صاحبه؛ لأنَّهم أسرفوا وتجاوزوا الحدَّ. فجعل إبراهيمُ يجادِلُهم في قوم لوطٍ، لعلَّ الله يدفعُ عنهم العذاب، فقيل له:{يا إبراهيمُ أعۡرِضۡ عن هذا إنَّه قد جاء أمرُ رَبِّك وإنَّهم آتيهم عذابٌ غيرُ مردودٍ}.
{35 ـ 36}{فأخۡرَجۡنا من كان فيها من المؤمنينَ. فما وَجَدۡنا فيها غيرَ بيتٍ من المسلمين}: وهم بيتُ لوطٍ عليه السلام؛ إلاَّ امرأتَه؛ فإنَّها من المهلكين.
{37}{وتركۡنا فيها آيةً للذين يخافون العذابَ الأليمَ}: يعتبرون بها ويعلمون أنَّ الله شديدُ العقاب، وأنَّ رسلَه صادقون مصدوقون.
فصل في ذكر بعض ما تضمَّنته هذه القصةُ من الحِكَم والأحكام
منها: أنَّ من الحكمة قصَّ الله على عباده نبأ الأخيار والفجَّار؛ ليعتبروا بهم ، وأين وصلت بهم الأحوال.
ومنها: فضيلة إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام؛ حيث ابتدأ الله قصَّته بما يدلُّ على الاهتمام بشأنها والاعتناء بها.
ومنها: مشروعيَّة الضيافة، وأنَّها من سنن إبراهيم الخليل، الذي أمر الله محمداً وأمته أن يتَّبعوا ملَّته، وساقها الله في هذا الموضع على وجه المدح والثناء.
ومنها: أنَّ الضَّيف يُكْرَمُ بأنواع الإكرام؛ بالقول والفعل؛ لأنَّ الله وصف أضياف إبراهيم بأنَّهم مكرمون؛ أي: أكرمهم إبراهيم، ووصفَ الله ما صنع بهم من الضيافة قولاً وفعلاً، ومكرمون أيضاً عند الله [تعالى].
ومنها: أنَّ إبراهيم عليه السلام قد كان بيته مأوىً للطارقين والأضياف؛ لأنَّهم دخلوا عليه من غير استئذانٍ، وإنَّما سلكوا طريق الأدب في ابتداء السلام، فردَّ عليهم إبراهيم سلاماً أكملَ من سلامهم وأتمَّ؛ لأنَّه أتى به جملة اسميَّة دالَّة على الثُّبوت والاستقرار.
ومنها: مشروعيَّة تعرُّف من جاء إلى الإنسان أو صار له فيه نوعُ اتِّصال؛ لأنَّ في ذلك فوائد كثيرة.
ومنها: أدب إبراهيم ولطفه في الكلام؛ حيث قال:{قومٌ منكرون}، ولم يقل: أنكرتكم، وبين اللفظين من الفرق ما لا يخفى.
ومنها: المبادرة إلى الضيافة والإسراع بها؛ لأن خير البرِّ عاجِلُه، ولهذا بادر إبراهيم بإحضار قِرى أضيافه.
ومنها: أنَّ الذَّبيحة الحاضرة التي قد أعدَّت لغير الضيف الحاضر إذا جعلت له ليس فيها أقل إهانةٍ، بل ذلك من الإكرام؛ كما فعل إبراهيم عليه السلام، وأخبر الله أنَّ ضيفه مكرمون.
ومنها: ما منَّ الله به على خليله إبراهيم من الكرم الكثير، وكون ذلك حاضراً لديه وفي بيته معدًّا لا يحتاج إلى أن يأتي به من السوق أو الجيران أو غير ذلك.
ومنها: أنَّ إبراهيم هو الذي خدم أضيافه، وهو خليل الرحمن وسيِّد من ضيَّف الضيفان.
ومنها: أنَّه قرَّبه إليهم في المكان الذي هم فيه، فلم يجْعله في موضع ويقولُ لهم تفضَّلوا أو ائتوا عليه؛ لأنَّ هذا أيسر وأحسن.
ومنها: حسن ملاطفة الضيف في الكلام الليِّن، خصوصاً عند تقديم الطعام إليه؛ فإنَّ إبراهيم عرض عليهم عرضاً لطيفاً، فقال:{ألا تأكلونَ}، ولم يقل: كلوا! ونحوه من الألفاظ التي غيرها أولى منها، بل أتى بأداة العرض، فقال:{ألا تأكلونَ}؛ فينبغي للمقتدي به أنْ يستعملَ من الألفاظ الحسنة ما هو المناسب واللائق بالحال؛ كقوله لأضيافه: ألا تأكلون؟ أو: ألا تتفضَّلون؟ أو تشرِّفوننا وتحسنون إلينا ... ونحو ذلك.
ومنها: أنَّ من خاف من أحدٍ لسبب من الأسباب؛ فإنَّ عليه أن يزيل عنه الخوف، ويذكر له ما يؤمِّن روعه ويسكِّن جأشه؛ كما قالت الملائكة لإبراهيم لمَّا خافهم:{لا تخفۡ}، وأخبروه بتلك البشارة السارَّة بعد الخوف منهم.
ومنها: شدَّة فرح سارة امرأة إبراهيم، حتى جرى منها ما جرى من صكِّ وجهها وصرَّتها غير المعهودة.
ومنها: ما أكرم الله به إبراهيم وزوجته سارة من البشارة بغلام عليم.
الذاريات 51:35
{24} يقول تعالى: {هل أتاك}؛ أي: أما جاءك؟ {حديثُ ضيفِ إبراهيمَ المُكۡرَمينَ}: ونبأهُم الغريب العجيب، وهم الملائكة الذين أرسلهم الله لإهلاك قوم لوطٍ، وأمرهم بالمرور على إبراهيم، فجاؤوه في صورة أضياف.
{25}{إذۡ دَخَلوا عليه فقالوا سلاماً قال}: مجيباً لهم: {سلامٌ}؛ أي: عليكم، {قومٌ منكَرون}؛ أي: أنتم قوم منكَرون، فأحبُّ أن تعرِّفوني بأنفسكم، ولم يعرفهم إلاَّ بعد ذلك.
{26} ولهذا راغ {إلى أهلِهِ}؛ أي: ذهب سريعاً في خفيةٍ ليحضر لهم قِراهم، {فجاء بعجلٍ سمينٍ}.
{27}{فقرَّبه إليهم}: وعرض عليهم الأكل، فَـ {قَالَ ألا تأكُلونَ}؟
{28}{فأوجسَ منهم خيفةً}: حين رأى أيديهم لا تصلُ إليه، {قالوا لا تخفۡ}: وأخبروه بما جاؤوا له، {وبشَّروه بغلام عليم}: وهو إسحاق عليه السلام.
{29} فلمَّا سمعت المرأةُ البشارةَ؛ {أقبلتۡ}: فرحةً مستبشرةً {في صَرَّةٍ}؛ أي: صيحة، {فصكَّتۡ وجهها}: وهذا من جنس ما يجري للنساء عند السرور ونحوه من الأقوال والأفعال المخالفة للطبيعة والعادة، {وقالتۡ عجوزٌ عقيمٌ}؛ أي: أنَّى لي الولد وأنا عجوزٌ قد بلغتُ من السنِّ ما لا تلد معه النساء! ومع ذلك؛ فأنا عقيمٌ غير صالح رحمي للولادة أصلاً؛ فثمَّ مانعان، كلٌّ منهما مانعٌ من الولد، وقد ذكرت المانع الثالث في سورة هودٍ في قولها:{وهذا بعلي شيخاً إنَّ هذا لشيءٌ عجيبٌ}.
{30}{قالوا كذلِكِ قال رَبُّكِ}؛ أي: الله الذي قدَّر ذلك وأمضاه؛ فلا عجب في قدرة الله [تعالى]، {إنَّه هو الحكيم العليم}؛ أي: الذي يضع الأشياء مواضعها، وقد وسعَ كلَّ شيء علماً، فسلِّموا لحكمه، واشكروه على نعمته.
{31}{قال فما خطبُكم أيُّها المرسلونَ} ؛ أي: قال لهم إبراهيم عليه السلام: ما شأنُكم أيُّها المرسلون؟! وماذا تريدون؟! لأنَّه استشعر أنهم رسلٌ أرسلهم الله لبعض الشؤون المهمَّة.
{32}{قالوا إنَّا أرۡسِلۡنا إلى قوم مجرمينَ}: وهم قومُ لوطٍ، قد أجرموا بإشراكهم بالله وتكذيبهم لرسولهم وإتيانهم الفاحشة التي لم يَسْبِقْهم إليها أحدٌ من العالمين.
{33 ـ 34}{لنرسلَ عليهم حجارةً من طينٍ. مسوَّمةً عند ربِّكَ للمسرفينَ}؛ أي: معلَّمة على كلِّ حجرٍ اسم صاحبه؛ لأنَّهم أسرفوا وتجاوزوا الحدَّ. فجعل إبراهيمُ يجادِلُهم في قوم لوطٍ، لعلَّ الله يدفعُ عنهم العذاب، فقيل له:{يا إبراهيمُ أعۡرِضۡ عن هذا إنَّه قد جاء أمرُ رَبِّك وإنَّهم آتيهم عذابٌ غيرُ مردودٍ}.
{35 ـ 36}{فأخۡرَجۡنا من كان فيها من المؤمنينَ. فما وَجَدۡنا فيها غيرَ بيتٍ من المسلمين}: وهم بيتُ لوطٍ عليه السلام؛ إلاَّ امرأتَه؛ فإنَّها من المهلكين.
{37}{وتركۡنا فيها آيةً للذين يخافون العذابَ الأليمَ}: يعتبرون بها ويعلمون أنَّ الله شديدُ العقاب، وأنَّ رسلَه صادقون مصدوقون.
فصل في ذكر بعض ما تضمَّنته هذه القصةُ من الحِكَم والأحكام
منها: أنَّ من الحكمة قصَّ الله على عباده نبأ الأخيار والفجَّار؛ ليعتبروا بهم ، وأين وصلت بهم الأحوال.
ومنها: فضيلة إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام؛ حيث ابتدأ الله قصَّته بما يدلُّ على الاهتمام بشأنها والاعتناء بها.
ومنها: مشروعيَّة الضيافة، وأنَّها من سنن إبراهيم الخليل، الذي أمر الله محمداً وأمته أن يتَّبعوا ملَّته، وساقها الله في هذا الموضع على وجه المدح والثناء.
ومنها: أنَّ الضَّيف يُكْرَمُ بأنواع الإكرام؛ بالقول والفعل؛ لأنَّ الله وصف أضياف إبراهيم بأنَّهم مكرمون؛ أي: أكرمهم إبراهيم، ووصفَ الله ما صنع بهم من الضيافة قولاً وفعلاً، ومكرمون أيضاً عند الله [تعالى].
ومنها: أنَّ إبراهيم عليه السلام قد كان بيته مأوىً للطارقين والأضياف؛ لأنَّهم دخلوا عليه من غير استئذانٍ، وإنَّما سلكوا طريق الأدب في ابتداء السلام، فردَّ عليهم إبراهيم سلاماً أكملَ من سلامهم وأتمَّ؛ لأنَّه أتى به جملة اسميَّة دالَّة على الثُّبوت والاستقرار.
ومنها: مشروعيَّة تعرُّف من جاء إلى الإنسان أو صار له فيه نوعُ اتِّصال؛ لأنَّ في ذلك فوائد كثيرة.
ومنها: أدب إبراهيم ولطفه في الكلام؛ حيث قال:{قومٌ منكرون}، ولم يقل: أنكرتكم، وبين اللفظين من الفرق ما لا يخفى.
ومنها: المبادرة إلى الضيافة والإسراع بها؛ لأن خير البرِّ عاجِلُه، ولهذا بادر إبراهيم بإحضار قِرى أضيافه.
ومنها: أنَّ الذَّبيحة الحاضرة التي قد أعدَّت لغير الضيف الحاضر إذا جعلت له ليس فيها أقل إهانةٍ، بل ذلك من الإكرام؛ كما فعل إبراهيم عليه السلام، وأخبر الله أنَّ ضيفه مكرمون.
ومنها: ما منَّ الله به على خليله إبراهيم من الكرم الكثير، وكون ذلك حاضراً لديه وفي بيته معدًّا لا يحتاج إلى أن يأتي به من السوق أو الجيران أو غير ذلك.
ومنها: أنَّ إبراهيم هو الذي خدم أضيافه، وهو خليل الرحمن وسيِّد من ضيَّف الضيفان.
ومنها: أنَّه قرَّبه إليهم في المكان الذي هم فيه، فلم يجْعله في موضع ويقولُ لهم تفضَّلوا أو ائتوا عليه؛ لأنَّ هذا أيسر وأحسن.
ومنها: حسن ملاطفة الضيف في الكلام الليِّن، خصوصاً عند تقديم الطعام إليه؛ فإنَّ إبراهيم عرض عليهم عرضاً لطيفاً، فقال:{ألا تأكلونَ}، ولم يقل: كلوا! ونحوه من الألفاظ التي غيرها أولى منها، بل أتى بأداة العرض، فقال:{ألا تأكلونَ}؛ فينبغي للمقتدي به أنْ يستعملَ من الألفاظ الحسنة ما هو المناسب واللائق بالحال؛ كقوله لأضيافه: ألا تأكلون؟ أو: ألا تتفضَّلون؟ أو تشرِّفوننا وتحسنون إلينا ... ونحو ذلك.
ومنها: أنَّ من خاف من أحدٍ لسبب من الأسباب؛ فإنَّ عليه أن يزيل عنه الخوف، ويذكر له ما يؤمِّن روعه ويسكِّن جأشه؛ كما قالت الملائكة لإبراهيم لمَّا خافهم:{لا تخفۡ}، وأخبروه بتلك البشارة السارَّة بعد الخوف منهم.
ومنها: شدَّة فرح سارة امرأة إبراهيم، حتى جرى منها ما جرى من صكِّ وجهها وصرَّتها غير المعهودة.
ومنها: ما أكرم الله به إبراهيم وزوجته سارة من البشارة بغلام عليم.
الذاريات 51:36
{24} يقول تعالى: {هل أتاك}؛ أي: أما جاءك؟ {حديثُ ضيفِ إبراهيمَ المُكۡرَمينَ}: ونبأهُم الغريب العجيب، وهم الملائكة الذين أرسلهم الله لإهلاك قوم لوطٍ، وأمرهم بالمرور على إبراهيم، فجاؤوه في صورة أضياف.
{25}{إذۡ دَخَلوا عليه فقالوا سلاماً قال}: مجيباً لهم: {سلامٌ}؛ أي: عليكم، {قومٌ منكَرون}؛ أي: أنتم قوم منكَرون، فأحبُّ أن تعرِّفوني بأنفسكم، ولم يعرفهم إلاَّ بعد ذلك.
{26} ولهذا راغ {إلى أهلِهِ}؛ أي: ذهب سريعاً في خفيةٍ ليحضر لهم قِراهم، {فجاء بعجلٍ سمينٍ}.
{27}{فقرَّبه إليهم}: وعرض عليهم الأكل، فَـ {قَالَ ألا تأكُلونَ}؟
{28}{فأوجسَ منهم خيفةً}: حين رأى أيديهم لا تصلُ إليه، {قالوا لا تخفۡ}: وأخبروه بما جاؤوا له، {وبشَّروه بغلام عليم}: وهو إسحاق عليه السلام.
{29} فلمَّا سمعت المرأةُ البشارةَ؛ {أقبلتۡ}: فرحةً مستبشرةً {في صَرَّةٍ}؛ أي: صيحة، {فصكَّتۡ وجهها}: وهذا من جنس ما يجري للنساء عند السرور ونحوه من الأقوال والأفعال المخالفة للطبيعة والعادة، {وقالتۡ عجوزٌ عقيمٌ}؛ أي: أنَّى لي الولد وأنا عجوزٌ قد بلغتُ من السنِّ ما لا تلد معه النساء! ومع ذلك؛ فأنا عقيمٌ غير صالح رحمي للولادة أصلاً؛ فثمَّ مانعان، كلٌّ منهما مانعٌ من الولد، وقد ذكرت المانع الثالث في سورة هودٍ في قولها:{وهذا بعلي شيخاً إنَّ هذا لشيءٌ عجيبٌ}.
{30}{قالوا كذلِكِ قال رَبُّكِ}؛ أي: الله الذي قدَّر ذلك وأمضاه؛ فلا عجب في قدرة الله [تعالى]، {إنَّه هو الحكيم العليم}؛ أي: الذي يضع الأشياء مواضعها، وقد وسعَ كلَّ شيء علماً، فسلِّموا لحكمه، واشكروه على نعمته.
{31}{قال فما خطبُكم أيُّها المرسلونَ} ؛ أي: قال لهم إبراهيم عليه السلام: ما شأنُكم أيُّها المرسلون؟! وماذا تريدون؟! لأنَّه استشعر أنهم رسلٌ أرسلهم الله لبعض الشؤون المهمَّة.
{32}{قالوا إنَّا أرۡسِلۡنا إلى قوم مجرمينَ}: وهم قومُ لوطٍ، قد أجرموا بإشراكهم بالله وتكذيبهم لرسولهم وإتيانهم الفاحشة التي لم يَسْبِقْهم إليها أحدٌ من العالمين.
{33 ـ 34}{لنرسلَ عليهم حجارةً من طينٍ. مسوَّمةً عند ربِّكَ للمسرفينَ}؛ أي: معلَّمة على كلِّ حجرٍ اسم صاحبه؛ لأنَّهم أسرفوا وتجاوزوا الحدَّ. فجعل إبراهيمُ يجادِلُهم في قوم لوطٍ، لعلَّ الله يدفعُ عنهم العذاب، فقيل له:{يا إبراهيمُ أعۡرِضۡ عن هذا إنَّه قد جاء أمرُ رَبِّك وإنَّهم آتيهم عذابٌ غيرُ مردودٍ}.
{35 ـ 36}{فأخۡرَجۡنا من كان فيها من المؤمنينَ. فما وَجَدۡنا فيها غيرَ بيتٍ من المسلمين}: وهم بيتُ لوطٍ عليه السلام؛ إلاَّ امرأتَه؛ فإنَّها من المهلكين.
{37}{وتركۡنا فيها آيةً للذين يخافون العذابَ الأليمَ}: يعتبرون بها ويعلمون أنَّ الله شديدُ العقاب، وأنَّ رسلَه صادقون مصدوقون.
فصل في ذكر بعض ما تضمَّنته هذه القصةُ من الحِكَم والأحكام
منها: أنَّ من الحكمة قصَّ الله على عباده نبأ الأخيار والفجَّار؛ ليعتبروا بهم ، وأين وصلت بهم الأحوال.
ومنها: فضيلة إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام؛ حيث ابتدأ الله قصَّته بما يدلُّ على الاهتمام بشأنها والاعتناء بها.
ومنها: مشروعيَّة الضيافة، وأنَّها من سنن إبراهيم الخليل، الذي أمر الله محمداً وأمته أن يتَّبعوا ملَّته، وساقها الله في هذا الموضع على وجه المدح والثناء.
ومنها: أنَّ الضَّيف يُكْرَمُ بأنواع الإكرام؛ بالقول والفعل؛ لأنَّ الله وصف أضياف إبراهيم بأنَّهم مكرمون؛ أي: أكرمهم إبراهيم، ووصفَ الله ما صنع بهم من الضيافة قولاً وفعلاً، ومكرمون أيضاً عند الله [تعالى].
ومنها: أنَّ إبراهيم عليه السلام قد كان بيته مأوىً للطارقين والأضياف؛ لأنَّهم دخلوا عليه من غير استئذانٍ، وإنَّما سلكوا طريق الأدب في ابتداء السلام، فردَّ عليهم إبراهيم سلاماً أكملَ من سلامهم وأتمَّ؛ لأنَّه أتى به جملة اسميَّة دالَّة على الثُّبوت والاستقرار.
ومنها: مشروعيَّة تعرُّف من جاء إلى الإنسان أو صار له فيه نوعُ اتِّصال؛ لأنَّ في ذلك فوائد كثيرة.
ومنها: أدب إبراهيم ولطفه في الكلام؛ حيث قال:{قومٌ منكرون}، ولم يقل: أنكرتكم، وبين اللفظين من الفرق ما لا يخفى.
ومنها: المبادرة إلى الضيافة والإسراع بها؛ لأن خير البرِّ عاجِلُه، ولهذا بادر إبراهيم بإحضار قِرى أضيافه.
ومنها: أنَّ الذَّبيحة الحاضرة التي قد أعدَّت لغير الضيف الحاضر إذا جعلت له ليس فيها أقل إهانةٍ، بل ذلك من الإكرام؛ كما فعل إبراهيم عليه السلام، وأخبر الله أنَّ ضيفه مكرمون.
ومنها: ما منَّ الله به على خليله إبراهيم من الكرم الكثير، وكون ذلك حاضراً لديه وفي بيته معدًّا لا يحتاج إلى أن يأتي به من السوق أو الجيران أو غير ذلك.
ومنها: أنَّ إبراهيم هو الذي خدم أضيافه، وهو خليل الرحمن وسيِّد من ضيَّف الضيفان.
ومنها: أنَّه قرَّبه إليهم في المكان الذي هم فيه، فلم يجْعله في موضع ويقولُ لهم تفضَّلوا أو ائتوا عليه؛ لأنَّ هذا أيسر وأحسن.
ومنها: حسن ملاطفة الضيف في الكلام الليِّن، خصوصاً عند تقديم الطعام إليه؛ فإنَّ إبراهيم عرض عليهم عرضاً لطيفاً، فقال:{ألا تأكلونَ}، ولم يقل: كلوا! ونحوه من الألفاظ التي غيرها أولى منها، بل أتى بأداة العرض، فقال:{ألا تأكلونَ}؛ فينبغي للمقتدي به أنْ يستعملَ من الألفاظ الحسنة ما هو المناسب واللائق بالحال؛ كقوله لأضيافه: ألا تأكلون؟ أو: ألا تتفضَّلون؟ أو تشرِّفوننا وتحسنون إلينا ... ونحو ذلك.
ومنها: أنَّ من خاف من أحدٍ لسبب من الأسباب؛ فإنَّ عليه أن يزيل عنه الخوف، ويذكر له ما يؤمِّن روعه ويسكِّن جأشه؛ كما قالت الملائكة لإبراهيم لمَّا خافهم:{لا تخفۡ}، وأخبروه بتلك البشارة السارَّة بعد الخوف منهم.
ومنها: شدَّة فرح سارة امرأة إبراهيم، حتى جرى منها ما جرى من صكِّ وجهها وصرَّتها غير المعهودة.
ومنها: ما أكرم الله به إبراهيم وزوجته سارة من البشارة بغلام عليم.
الذاريات 51:37
{24} يقول تعالى: {هل أتاك}؛ أي: أما جاءك؟ {حديثُ ضيفِ إبراهيمَ المُكۡرَمينَ}: ونبأهُم الغريب العجيب، وهم الملائكة الذين أرسلهم الله لإهلاك قوم لوطٍ، وأمرهم بالمرور على إبراهيم، فجاؤوه في صورة أضياف.
{25}{إذۡ دَخَلوا عليه فقالوا سلاماً قال}: مجيباً لهم: {سلامٌ}؛ أي: عليكم، {قومٌ منكَرون}؛ أي: أنتم قوم منكَرون، فأحبُّ أن تعرِّفوني بأنفسكم، ولم يعرفهم إلاَّ بعد ذلك.
{26} ولهذا راغ {إلى أهلِهِ}؛ أي: ذهب سريعاً في خفيةٍ ليحضر لهم قِراهم، {فجاء بعجلٍ سمينٍ}.
{27}{فقرَّبه إليهم}: وعرض عليهم الأكل، فَـ {قَالَ ألا تأكُلونَ}؟
{28}{فأوجسَ منهم خيفةً}: حين رأى أيديهم لا تصلُ إليه، {قالوا لا تخفۡ}: وأخبروه بما جاؤوا له، {وبشَّروه بغلام عليم}: وهو إسحاق عليه السلام.
{29} فلمَّا سمعت المرأةُ البشارةَ؛ {أقبلتۡ}: فرحةً مستبشرةً {في صَرَّةٍ}؛ أي: صيحة، {فصكَّتۡ وجهها}: وهذا من جنس ما يجري للنساء عند السرور ونحوه من الأقوال والأفعال المخالفة للطبيعة والعادة، {وقالتۡ عجوزٌ عقيمٌ}؛ أي: أنَّى لي الولد وأنا عجوزٌ قد بلغتُ من السنِّ ما لا تلد معه النساء! ومع ذلك؛ فأنا عقيمٌ غير صالح رحمي للولادة أصلاً؛ فثمَّ مانعان، كلٌّ منهما مانعٌ من الولد، وقد ذكرت المانع الثالث في سورة هودٍ في قولها:{وهذا بعلي شيخاً إنَّ هذا لشيءٌ عجيبٌ}.
{30}{قالوا كذلِكِ قال رَبُّكِ}؛ أي: الله الذي قدَّر ذلك وأمضاه؛ فلا عجب في قدرة الله [تعالى]، {إنَّه هو الحكيم العليم}؛ أي: الذي يضع الأشياء مواضعها، وقد وسعَ كلَّ شيء علماً، فسلِّموا لحكمه، واشكروه على نعمته.
{31}{قال فما خطبُكم أيُّها المرسلونَ} ؛ أي: قال لهم إبراهيم عليه السلام: ما شأنُكم أيُّها المرسلون؟! وماذا تريدون؟! لأنَّه استشعر أنهم رسلٌ أرسلهم الله لبعض الشؤون المهمَّة.
{32}{قالوا إنَّا أرۡسِلۡنا إلى قوم مجرمينَ}: وهم قومُ لوطٍ، قد أجرموا بإشراكهم بالله وتكذيبهم لرسولهم وإتيانهم الفاحشة التي لم يَسْبِقْهم إليها أحدٌ من العالمين.
{33 ـ 34}{لنرسلَ عليهم حجارةً من طينٍ. مسوَّمةً عند ربِّكَ للمسرفينَ}؛ أي: معلَّمة على كلِّ حجرٍ اسم صاحبه؛ لأنَّهم أسرفوا وتجاوزوا الحدَّ. فجعل إبراهيمُ يجادِلُهم في قوم لوطٍ، لعلَّ الله يدفعُ عنهم العذاب، فقيل له:{يا إبراهيمُ أعۡرِضۡ عن هذا إنَّه قد جاء أمرُ رَبِّك وإنَّهم آتيهم عذابٌ غيرُ مردودٍ}.
{35 ـ 36}{فأخۡرَجۡنا من كان فيها من المؤمنينَ. فما وَجَدۡنا فيها غيرَ بيتٍ من المسلمين}: وهم بيتُ لوطٍ عليه السلام؛ إلاَّ امرأتَه؛ فإنَّها من المهلكين.
{37}{وتركۡنا فيها آيةً للذين يخافون العذابَ الأليمَ}: يعتبرون بها ويعلمون أنَّ الله شديدُ العقاب، وأنَّ رسلَه صادقون مصدوقون.
فصل في ذكر بعض ما تضمَّنته هذه القصةُ من الحِكَم والأحكام
منها: أنَّ من الحكمة قصَّ الله على عباده نبأ الأخيار والفجَّار؛ ليعتبروا بهم ، وأين وصلت بهم الأحوال.
ومنها: فضيلة إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام؛ حيث ابتدأ الله قصَّته بما يدلُّ على الاهتمام بشأنها والاعتناء بها.
ومنها: مشروعيَّة الضيافة، وأنَّها من سنن إبراهيم الخليل، الذي أمر الله محمداً وأمته أن يتَّبعوا ملَّته، وساقها الله في هذا الموضع على وجه المدح والثناء.
ومنها: أنَّ الضَّيف يُكْرَمُ بأنواع الإكرام؛ بالقول والفعل؛ لأنَّ الله وصف أضياف إبراهيم بأنَّهم مكرمون؛ أي: أكرمهم إبراهيم، ووصفَ الله ما صنع بهم من الضيافة قولاً وفعلاً، ومكرمون أيضاً عند الله [تعالى].
ومنها: أنَّ إبراهيم عليه السلام قد كان بيته مأوىً للطارقين والأضياف؛ لأنَّهم دخلوا عليه من غير استئذانٍ، وإنَّما سلكوا طريق الأدب في ابتداء السلام، فردَّ عليهم إبراهيم سلاماً أكملَ من سلامهم وأتمَّ؛ لأنَّه أتى به جملة اسميَّة دالَّة على الثُّبوت والاستقرار.
ومنها: مشروعيَّة تعرُّف من جاء إلى الإنسان أو صار له فيه نوعُ اتِّصال؛ لأنَّ في ذلك فوائد كثيرة.
ومنها: أدب إبراهيم ولطفه في الكلام؛ حيث قال:{قومٌ منكرون}، ولم يقل: أنكرتكم، وبين اللفظين من الفرق ما لا يخفى.
ومنها: المبادرة إلى الضيافة والإسراع بها؛ لأن خير البرِّ عاجِلُه، ولهذا بادر إبراهيم بإحضار قِرى أضيافه.
ومنها: أنَّ الذَّبيحة الحاضرة التي قد أعدَّت لغير الضيف الحاضر إذا جعلت له ليس فيها أقل إهانةٍ، بل ذلك من الإكرام؛ كما فعل إبراهيم عليه السلام، وأخبر الله أنَّ ضيفه مكرمون.
ومنها: ما منَّ الله به على خليله إبراهيم من الكرم الكثير، وكون ذلك حاضراً لديه وفي بيته معدًّا لا يحتاج إلى أن يأتي به من السوق أو الجيران أو غير ذلك.
ومنها: أنَّ إبراهيم هو الذي خدم أضيافه، وهو خليل الرحمن وسيِّد من ضيَّف الضيفان.
ومنها: أنَّه قرَّبه إليهم في المكان الذي هم فيه، فلم يجْعله في موضع ويقولُ لهم تفضَّلوا أو ائتوا عليه؛ لأنَّ هذا أيسر وأحسن.
ومنها: حسن ملاطفة الضيف في الكلام الليِّن، خصوصاً عند تقديم الطعام إليه؛ فإنَّ إبراهيم عرض عليهم عرضاً لطيفاً، فقال:{ألا تأكلونَ}، ولم يقل: كلوا! ونحوه من الألفاظ التي غيرها أولى منها، بل أتى بأداة العرض، فقال:{ألا تأكلونَ}؛ فينبغي للمقتدي به أنْ يستعملَ من الألفاظ الحسنة ما هو المناسب واللائق بالحال؛ كقوله لأضيافه: ألا تأكلون؟ أو: ألا تتفضَّلون؟ أو تشرِّفوننا وتحسنون إلينا ... ونحو ذلك.
ومنها: أنَّ من خاف من أحدٍ لسبب من الأسباب؛ فإنَّ عليه أن يزيل عنه الخوف، ويذكر له ما يؤمِّن روعه ويسكِّن جأشه؛ كما قالت الملائكة لإبراهيم لمَّا خافهم:{لا تخفۡ}، وأخبروه بتلك البشارة السارَّة بعد الخوف منهم.
ومنها: شدَّة فرح سارة امرأة إبراهيم، حتى جرى منها ما جرى من صكِّ وجهها وصرَّتها غير المعهودة.
ومنها: ما أكرم الله به إبراهيم وزوجته سارة من البشارة بغلام عليم.
الذاريات 51:38
{38} أي: {وفي موسى}: وما أرسله الله به إلى فرعون وملئه بالآيات البينات والمعجزات الظاهرات آيةٌ للذين يخافون العذاب الأليم.
{39} فلمَّا أتى موسى فرعون بذلك السلطان المبين؛ تولَّى فرعون {بركنِهِ}؛ أي: أعرض بجانبه عن الحقِّ، ولم يلتفتْ إليه، وقدحوا فيه أعظم القدح، فقالوا:{ساحرٌ أو مجنونٌ}؛ أي: إن موسى لا يخلوا إمَّا أن يكون ما أتى به سحراً وشعبذةً ليس من الحقِّ قي شيء، وإمَّا أن يكون مجنوناً لا يؤاخَذُ بما صدر منه لعدم عقله! هذا وقد علموا ـ خصوصاً فرعون ـ أنَّ موسى صادقٌ؛ كما قال تعالى:{وجَحَدوا بها واسۡتَيۡقَنَتۡها أنفسُهم ظلماً وعلوًّا}، وقال موسى لفرعون:{لقد علمتَ ما أنزل هؤلاءِ إلاَّ ربُّ السمواتِ والأرض بصائرَ ... } الآية.
{40}{فأخذۡناه وجنودَه فنَبَذۡناهم في اليمِّ وهو مُليمٌ}؛ أي: مذنبٌ طاغٍ عاتٍ على الله، فأخذه [اللَّهُ] أخذَ عزيزٍ مقتدرٍ.
الذاريات 51:39
{38} أي: {وفي موسى}: وما أرسله الله به إلى فرعون وملئه بالآيات البينات والمعجزات الظاهرات آيةٌ للذين يخافون العذاب الأليم.
{39} فلمَّا أتى موسى فرعون بذلك السلطان المبين؛ تولَّى فرعون {بركنِهِ}؛ أي: أعرض بجانبه عن الحقِّ، ولم يلتفتْ إليه، وقدحوا فيه أعظم القدح، فقالوا:{ساحرٌ أو مجنونٌ}؛ أي: إن موسى لا يخلوا إمَّا أن يكون ما أتى به سحراً وشعبذةً ليس من الحقِّ قي شيء، وإمَّا أن يكون مجنوناً لا يؤاخَذُ بما صدر منه لعدم عقله! هذا وقد علموا ـ خصوصاً فرعون ـ أنَّ موسى صادقٌ؛ كما قال تعالى:{وجَحَدوا بها واسۡتَيۡقَنَتۡها أنفسُهم ظلماً وعلوًّا}، وقال موسى لفرعون:{لقد علمتَ ما أنزل هؤلاءِ إلاَّ ربُّ السمواتِ والأرض بصائرَ ... } الآية.
{40}{فأخذۡناه وجنودَه فنَبَذۡناهم في اليمِّ وهو مُليمٌ}؛ أي: مذنبٌ طاغٍ عاتٍ على الله، فأخذه [اللَّهُ] أخذَ عزيزٍ مقتدرٍ.
الذاريات 51:40
{38} أي: {وفي موسى}: وما أرسله الله به إلى فرعون وملئه بالآيات البينات والمعجزات الظاهرات آيةٌ للذين يخافون العذاب الأليم.
{39} فلمَّا أتى موسى فرعون بذلك السلطان المبين؛ تولَّى فرعون {بركنِهِ}؛ أي: أعرض بجانبه عن الحقِّ، ولم يلتفتْ إليه، وقدحوا فيه أعظم القدح، فقالوا:{ساحرٌ أو مجنونٌ}؛ أي: إن موسى لا يخلوا إمَّا أن يكون ما أتى به سحراً وشعبذةً ليس من الحقِّ قي شيء، وإمَّا أن يكون مجنوناً لا يؤاخَذُ بما صدر منه لعدم عقله! هذا وقد علموا ـ خصوصاً فرعون ـ أنَّ موسى صادقٌ؛ كما قال تعالى:{وجَحَدوا بها واسۡتَيۡقَنَتۡها أنفسُهم ظلماً وعلوًّا}، وقال موسى لفرعون:{لقد علمتَ ما أنزل هؤلاءِ إلاَّ ربُّ السمواتِ والأرض بصائرَ ... } الآية.
{40}{فأخذۡناه وجنودَه فنَبَذۡناهم في اليمِّ وهو مُليمٌ}؛ أي: مذنبٌ طاغٍ عاتٍ على الله، فأخذه [اللَّهُ] أخذَ عزيزٍ مقتدرٍ.
الذاريات 51:41
{41} أي: {و} آية لهم {في عادٍ}: القبيلة المعروفة، {إذۡ أرسَلۡنا عليهم الريحَ العقيمَ}؛ أي: التي لا خير فيها، حين كذَّبوا نبيَّهم هوداً عليه السلام.
{42}{ما تَذَرُ من شيءٍ أتتۡ عليه إلاَّ جَعَلَتۡهُ كالرَّميم}؛ أي: كالرِّمم البالية؛ فالذي أهلكهم على قوَّتهم وبطشهم دليلٌ على كمال قوَّته واقتداره، الذي لا يعجِزُه شيء، المنتقم ممَّن عصاه.
الذاريات 51:42
{41} أي: {و} آية لهم {في عادٍ}: القبيلة المعروفة، {إذۡ أرسَلۡنا عليهم الريحَ العقيمَ}؛ أي: التي لا خير فيها، حين كذَّبوا نبيَّهم هوداً عليه السلام.
{42}{ما تَذَرُ من شيءٍ أتتۡ عليه إلاَّ جَعَلَتۡهُ كالرَّميم}؛ أي: كالرِّمم البالية؛ فالذي أهلكهم على قوَّتهم وبطشهم دليلٌ على كمال قوَّته واقتداره، الذي لا يعجِزُه شيء، المنتقم ممَّن عصاه.
الذاريات 51:43
{43} أي: {وفي ثمودَ}: آيةٌ عظيمةٌ حين أرسل الله إليهم صالحاً عليه السلام، فكذَّبوه وعاندوه، وبعث الله له الناقة آيةً مبصرةً، فلم يزدْهم ذلك إلاَّ عتُوًّا ونفوراً، {قيل لهم تمتَّعوا حتى حينٍ}.
{44}{فعَتَوۡا عن أمرِ ربِّهم فأخَذَتۡهُمُ الصَّاعقةُ}؛ أي: الصيحة العظيمة المهلكة، {وهم ينظرونَ}: إلى عقوبتهم بأعينهم.
{45}{فما استَطاعوا من قيامٍ}: ينجون به من العذاب، {وما كانوا منتصِرينَ}: لأنفسهم.
الذاريات 51:44
{43} أي: {وفي ثمودَ}: آيةٌ عظيمةٌ حين أرسل الله إليهم صالحاً عليه السلام، فكذَّبوه وعاندوه، وبعث الله له الناقة آيةً مبصرةً، فلم يزدْهم ذلك إلاَّ عتُوًّا ونفوراً، {قيل لهم تمتَّعوا حتى حينٍ}.
{44}{فعَتَوۡا عن أمرِ ربِّهم فأخَذَتۡهُمُ الصَّاعقةُ}؛ أي: الصيحة العظيمة المهلكة، {وهم ينظرونَ}: إلى عقوبتهم بأعينهم.
{45}{فما استَطاعوا من قيامٍ}: ينجون به من العذاب، {وما كانوا منتصِرينَ}: لأنفسهم.
الذاريات 51:45
{43} أي: {وفي ثمودَ}: آيةٌ عظيمةٌ حين أرسل الله إليهم صالحاً عليه السلام، فكذَّبوه وعاندوه، وبعث الله له الناقة آيةً مبصرةً، فلم يزدْهم ذلك إلاَّ عتُوًّا ونفوراً، {قيل لهم تمتَّعوا حتى حينٍ}.
{44}{فعَتَوۡا عن أمرِ ربِّهم فأخَذَتۡهُمُ الصَّاعقةُ}؛ أي: الصيحة العظيمة المهلكة، {وهم ينظرونَ}: إلى عقوبتهم بأعينهم.
{45}{فما استَطاعوا من قيامٍ}: ينجون به من العذاب، {وما كانوا منتصِرينَ}: لأنفسهم.
الذاريات 51:46
{46} أي: وكذلك ما فعل الله بقوم نوح حين كذَّبوا نوحاً عليه السلام وفَسَقوا عن أمِر الله، فأرسل الله عليهم السماء والأرض بماءٍ منهمرٍ ، فأغرقهم عن آخرهم، ولم يُبْقِ من الكافرين ديَّاراً. وهذه عادة الله وسنَّتُه فيمَن عصاه.
الذاريات 51:47
{47} يقول تعالى مبيِّناً لقدرته العظيمة: {والسماءَ بَنَيۡناها}؛ أي: خلقناها وأتقنَّاها وجَعَلْناها سقفاً للأرض وما عليها، {بأيۡدٍ}؛ أي: بقوَّةٍ وقدرةٍ عظيمةٍ، {وإنَّا لَموسعونَ}: لأرجائها وأنحائها، وإنَّا لموسعون أيضاً على عبادنا بالرِّزق الذي ما ترك دابَّة في مهامه القفارِ ولُجج البحارِ وأقطار العالم العلويِّ والسفليِّ إلاَّ وأوصل إليها من الرزق ما يكفيها، وساق إليها من الإحسان ما يُغنيها. فسبحان من عمَّ بجوده جميع المخلوقات، وتبارك الذي وسعتْ رحمتُه جميع البريَّات.
{48}{والأرضَ فَرَشۡناها}؛ أي: جعلناها فراشاً للخلق يتمكَّنون فيها من كلِّ ما تتعلَّق به مصالحهم من مساكنَ وغراسٍ وزرعٍ وحرثٍ وجلوسٍ وسلوكٍ للسُّبل الموصلة إلى مقاصدهم ومآربهم. ولمَّا كان الفراشُ قد يكون صالحاً للانتفاع من كلِّ وجهٍ، وقد يكون من وجهٍ دون وجهٍ؛ أخبر تعالى أنه مَهَدَها أحسنَ مهادٍ على أكمل الوجوه وأحسنها، وأثنى على نفسه بذلك، فقال:{فنعمَ الماهِدونَ}: الذي مَهَدَ لعبادِهِ ما اقتضتْه حكمتُه ورحمتُه.
{49}{ومن كلِّ شيءٍ خَلَقۡنا زوجين}؛ أي: صنفين ذكرٍ وأنثى من كلِّ نوع من أنواع الحيوانات، {لعلَّكم تذكَّرونَ}: لنعم اللهِ التي أنعم بها عليكم في تقدير ذلك وحكمتِهِ؛ حيث جعل ما هو السبب لبقاء نوع الحيوانات كلها؛ لتقوموا بتنميتها وخدمتها وتربيتها فيحصل من ذلك ما يحصل من المنافع.
{50} فلما دعا العبادَ إلى النظر إلى آياته الموجبة لخشيته والإنابة إليه؛ أمر بما هو المقصود من ذلك، وهو الفرارُ إليه؛ أي: الفرار مما يكرهه الله ظاهراً وباطناً إلى ما يحبُّه ظاهراً وباطناً، فرارٌ من الجهل إلى العلم، ومن الكفر إلى الإيمان، ومن المعصية إلى الطاعة، من الغفلة إلى الذِّكر؛ فمن استكمل هذه الأمور؛ فقد استكمل الدين كلَّه، وزال عنه المرهوب، وحصل له غايةُ المراد والمطلوب. وسمى الله الرجوع إليه فراراً؛ لأنَّ في الرجوع إلى غيره أنواعَ المخاوف والمكاره، وفي الرجوع إليه أنواعَ المحابِّ والأمن والسرور والسعادة والفوزِ، فيفرُّ العبدُ من قضائه وقدره إلى قضائه وقدره، وكلُّ مَنْ خِفْتَ منه فررتَ منه إلاَّ الله تعالى؛ فإنَّه بحسب الخوف منه يكون الفرارُ إليه، {إنِّي لكُم منه نذيرٌ مبينٌ}؛ أي: منذرٌ لكم من عذاب الله ومخوِّفٌ بيِّن النذارة.
{51}{ولا تَجۡعَلوا مع الله إلهاً آخرَ}: هذا من الفرار إلى الله، بل هذا أصلُ الفرارِ إليه: أنْ يَفِرَّ العبدُ من اتِّخاذ آلهةٍ غير الله من الأوثان والأندادِ والقبورِ وغيرها مما عُبِدَ من دون الله، ويخلِصَ [العبدُ] لربِّه العبادة والخوف والرجاء والدعاء والإنابة.
الذاريات 51:48
{47} يقول تعالى مبيِّناً لقدرته العظيمة: {والسماءَ بَنَيۡناها}؛ أي: خلقناها وأتقنَّاها وجَعَلْناها سقفاً للأرض وما عليها، {بأيۡدٍ}؛ أي: بقوَّةٍ وقدرةٍ عظيمةٍ، {وإنَّا لَموسعونَ}: لأرجائها وأنحائها، وإنَّا لموسعون أيضاً على عبادنا بالرِّزق الذي ما ترك دابَّة في مهامه القفارِ ولُجج البحارِ وأقطار العالم العلويِّ والسفليِّ إلاَّ وأوصل إليها من الرزق ما يكفيها، وساق إليها من الإحسان ما يُغنيها. فسبحان من عمَّ بجوده جميع المخلوقات، وتبارك الذي وسعتْ رحمتُه جميع البريَّات.
{48}{والأرضَ فَرَشۡناها}؛ أي: جعلناها فراشاً للخلق يتمكَّنون فيها من كلِّ ما تتعلَّق به مصالحهم من مساكنَ وغراسٍ وزرعٍ وحرثٍ وجلوسٍ وسلوكٍ للسُّبل الموصلة إلى مقاصدهم ومآربهم. ولمَّا كان الفراشُ قد يكون صالحاً للانتفاع من كلِّ وجهٍ، وقد يكون من وجهٍ دون وجهٍ؛ أخبر تعالى أنه مَهَدَها أحسنَ مهادٍ على أكمل الوجوه وأحسنها، وأثنى على نفسه بذلك، فقال:{فنعمَ الماهِدونَ}: الذي مَهَدَ لعبادِهِ ما اقتضتْه حكمتُه ورحمتُه.
{49}{ومن كلِّ شيءٍ خَلَقۡنا زوجين}؛ أي: صنفين ذكرٍ وأنثى من كلِّ نوع من أنواع الحيوانات، {لعلَّكم تذكَّرونَ}: لنعم اللهِ التي أنعم بها عليكم في تقدير ذلك وحكمتِهِ؛ حيث جعل ما هو السبب لبقاء نوع الحيوانات كلها؛ لتقوموا بتنميتها وخدمتها وتربيتها فيحصل من ذلك ما يحصل من المنافع.
{50} فلما دعا العبادَ إلى النظر إلى آياته الموجبة لخشيته والإنابة إليه؛ أمر بما هو المقصود من ذلك، وهو الفرارُ إليه؛ أي: الفرار مما يكرهه الله ظاهراً وباطناً إلى ما يحبُّه ظاهراً وباطناً، فرارٌ من الجهل إلى العلم، ومن الكفر إلى الإيمان، ومن المعصية إلى الطاعة، من الغفلة إلى الذِّكر؛ فمن استكمل هذه الأمور؛ فقد استكمل الدين كلَّه، وزال عنه المرهوب، وحصل له غايةُ المراد والمطلوب. وسمى الله الرجوع إليه فراراً؛ لأنَّ في الرجوع إلى غيره أنواعَ المخاوف والمكاره، وفي الرجوع إليه أنواعَ المحابِّ والأمن والسرور والسعادة والفوزِ، فيفرُّ العبدُ من قضائه وقدره إلى قضائه وقدره، وكلُّ مَنْ خِفْتَ منه فررتَ منه إلاَّ الله تعالى؛ فإنَّه بحسب الخوف منه يكون الفرارُ إليه، {إنِّي لكُم منه نذيرٌ مبينٌ}؛ أي: منذرٌ لكم من عذاب الله ومخوِّفٌ بيِّن النذارة.
{51}{ولا تَجۡعَلوا مع الله إلهاً آخرَ}: هذا من الفرار إلى الله، بل هذا أصلُ الفرارِ إليه: أنْ يَفِرَّ العبدُ من اتِّخاذ آلهةٍ غير الله من الأوثان والأندادِ والقبورِ وغيرها مما عُبِدَ من دون الله، ويخلِصَ [العبدُ] لربِّه العبادة والخوف والرجاء والدعاء والإنابة.
الذاريات 51:49
{47} يقول تعالى مبيِّناً لقدرته العظيمة: {والسماءَ بَنَيۡناها}؛ أي: خلقناها وأتقنَّاها وجَعَلْناها سقفاً للأرض وما عليها، {بأيۡدٍ}؛ أي: بقوَّةٍ وقدرةٍ عظيمةٍ، {وإنَّا لَموسعونَ}: لأرجائها وأنحائها، وإنَّا لموسعون أيضاً على عبادنا بالرِّزق الذي ما ترك دابَّة في مهامه القفارِ ولُجج البحارِ وأقطار العالم العلويِّ والسفليِّ إلاَّ وأوصل إليها من الرزق ما يكفيها، وساق إليها من الإحسان ما يُغنيها. فسبحان من عمَّ بجوده جميع المخلوقات، وتبارك الذي وسعتْ رحمتُه جميع البريَّات.
{48}{والأرضَ فَرَشۡناها}؛ أي: جعلناها فراشاً للخلق يتمكَّنون فيها من كلِّ ما تتعلَّق به مصالحهم من مساكنَ وغراسٍ وزرعٍ وحرثٍ وجلوسٍ وسلوكٍ للسُّبل الموصلة إلى مقاصدهم ومآربهم. ولمَّا كان الفراشُ قد يكون صالحاً للانتفاع من كلِّ وجهٍ، وقد يكون من وجهٍ دون وجهٍ؛ أخبر تعالى أنه مَهَدَها أحسنَ مهادٍ على أكمل الوجوه وأحسنها، وأثنى على نفسه بذلك، فقال:{فنعمَ الماهِدونَ}: الذي مَهَدَ لعبادِهِ ما اقتضتْه حكمتُه ورحمتُه.
{49}{ومن كلِّ شيءٍ خَلَقۡنا زوجين}؛ أي: صنفين ذكرٍ وأنثى من كلِّ نوع من أنواع الحيوانات، {لعلَّكم تذكَّرونَ}: لنعم اللهِ التي أنعم بها عليكم في تقدير ذلك وحكمتِهِ؛ حيث جعل ما هو السبب لبقاء نوع الحيوانات كلها؛ لتقوموا بتنميتها وخدمتها وتربيتها فيحصل من ذلك ما يحصل من المنافع.
{50} فلما دعا العبادَ إلى النظر إلى آياته الموجبة لخشيته والإنابة إليه؛ أمر بما هو المقصود من ذلك، وهو الفرارُ إليه؛ أي: الفرار مما يكرهه الله ظاهراً وباطناً إلى ما يحبُّه ظاهراً وباطناً، فرارٌ من الجهل إلى العلم، ومن الكفر إلى الإيمان، ومن المعصية إلى الطاعة، من الغفلة إلى الذِّكر؛ فمن استكمل هذه الأمور؛ فقد استكمل الدين كلَّه، وزال عنه المرهوب، وحصل له غايةُ المراد والمطلوب. وسمى الله الرجوع إليه فراراً؛ لأنَّ في الرجوع إلى غيره أنواعَ المخاوف والمكاره، وفي الرجوع إليه أنواعَ المحابِّ والأمن والسرور والسعادة والفوزِ، فيفرُّ العبدُ من قضائه وقدره إلى قضائه وقدره، وكلُّ مَنْ خِفْتَ منه فررتَ منه إلاَّ الله تعالى؛ فإنَّه بحسب الخوف منه يكون الفرارُ إليه، {إنِّي لكُم منه نذيرٌ مبينٌ}؛ أي: منذرٌ لكم من عذاب الله ومخوِّفٌ بيِّن النذارة.
{51}{ولا تَجۡعَلوا مع الله إلهاً آخرَ}: هذا من الفرار إلى الله، بل هذا أصلُ الفرارِ إليه: أنْ يَفِرَّ العبدُ من اتِّخاذ آلهةٍ غير الله من الأوثان والأندادِ والقبورِ وغيرها مما عُبِدَ من دون الله، ويخلِصَ [العبدُ] لربِّه العبادة والخوف والرجاء والدعاء والإنابة.
الذاريات 51:50
{47} يقول تعالى مبيِّناً لقدرته العظيمة: {والسماءَ بَنَيۡناها}؛ أي: خلقناها وأتقنَّاها وجَعَلْناها سقفاً للأرض وما عليها، {بأيۡدٍ}؛ أي: بقوَّةٍ وقدرةٍ عظيمةٍ، {وإنَّا لَموسعونَ}: لأرجائها وأنحائها، وإنَّا لموسعون أيضاً على عبادنا بالرِّزق الذي ما ترك دابَّة في مهامه القفارِ ولُجج البحارِ وأقطار العالم العلويِّ والسفليِّ إلاَّ وأوصل إليها من الرزق ما يكفيها، وساق إليها من الإحسان ما يُغنيها. فسبحان من عمَّ بجوده جميع المخلوقات، وتبارك الذي وسعتْ رحمتُه جميع البريَّات.
{48}{والأرضَ فَرَشۡناها}؛ أي: جعلناها فراشاً للخلق يتمكَّنون فيها من كلِّ ما تتعلَّق به مصالحهم من مساكنَ وغراسٍ وزرعٍ وحرثٍ وجلوسٍ وسلوكٍ للسُّبل الموصلة إلى مقاصدهم ومآربهم. ولمَّا كان الفراشُ قد يكون صالحاً للانتفاع من كلِّ وجهٍ، وقد يكون من وجهٍ دون وجهٍ؛ أخبر تعالى أنه مَهَدَها أحسنَ مهادٍ على أكمل الوجوه وأحسنها، وأثنى على نفسه بذلك، فقال:{فنعمَ الماهِدونَ}: الذي مَهَدَ لعبادِهِ ما اقتضتْه حكمتُه ورحمتُه.
{49}{ومن كلِّ شيءٍ خَلَقۡنا زوجين}؛ أي: صنفين ذكرٍ وأنثى من كلِّ نوع من أنواع الحيوانات، {لعلَّكم تذكَّرونَ}: لنعم اللهِ التي أنعم بها عليكم في تقدير ذلك وحكمتِهِ؛ حيث جعل ما هو السبب لبقاء نوع الحيوانات كلها؛ لتقوموا بتنميتها وخدمتها وتربيتها فيحصل من ذلك ما يحصل من المنافع.
{50} فلما دعا العبادَ إلى النظر إلى آياته الموجبة لخشيته والإنابة إليه؛ أمر بما هو المقصود من ذلك، وهو الفرارُ إليه؛ أي: الفرار مما يكرهه الله ظاهراً وباطناً إلى ما يحبُّه ظاهراً وباطناً، فرارٌ من الجهل إلى العلم، ومن الكفر إلى الإيمان، ومن المعصية إلى الطاعة، من الغفلة إلى الذِّكر؛ فمن استكمل هذه الأمور؛ فقد استكمل الدين كلَّه، وزال عنه المرهوب، وحصل له غايةُ المراد والمطلوب. وسمى الله الرجوع إليه فراراً؛ لأنَّ في الرجوع إلى غيره أنواعَ المخاوف والمكاره، وفي الرجوع إليه أنواعَ المحابِّ والأمن والسرور والسعادة والفوزِ، فيفرُّ العبدُ من قضائه وقدره إلى قضائه وقدره، وكلُّ مَنْ خِفْتَ منه فررتَ منه إلاَّ الله تعالى؛ فإنَّه بحسب الخوف منه يكون الفرارُ إليه، {إنِّي لكُم منه نذيرٌ مبينٌ}؛ أي: منذرٌ لكم من عذاب الله ومخوِّفٌ بيِّن النذارة.
{51}{ولا تَجۡعَلوا مع الله إلهاً آخرَ}: هذا من الفرار إلى الله، بل هذا أصلُ الفرارِ إليه: أنْ يَفِرَّ العبدُ من اتِّخاذ آلهةٍ غير الله من الأوثان والأندادِ والقبورِ وغيرها مما عُبِدَ من دون الله، ويخلِصَ [العبدُ] لربِّه العبادة والخوف والرجاء والدعاء والإنابة.
الذاريات 51:51
{47} يقول تعالى مبيِّناً لقدرته العظيمة: {والسماءَ بَنَيۡناها}؛ أي: خلقناها وأتقنَّاها وجَعَلْناها سقفاً للأرض وما عليها، {بأيۡدٍ}؛ أي: بقوَّةٍ وقدرةٍ عظيمةٍ، {وإنَّا لَموسعونَ}: لأرجائها وأنحائها، وإنَّا لموسعون أيضاً على عبادنا بالرِّزق الذي ما ترك دابَّة في مهامه القفارِ ولُجج البحارِ وأقطار العالم العلويِّ والسفليِّ إلاَّ وأوصل إليها من الرزق ما يكفيها، وساق إليها من الإحسان ما يُغنيها. فسبحان من عمَّ بجوده جميع المخلوقات، وتبارك الذي وسعتْ رحمتُه جميع البريَّات.
{48}{والأرضَ فَرَشۡناها}؛ أي: جعلناها فراشاً للخلق يتمكَّنون فيها من كلِّ ما تتعلَّق به مصالحهم من مساكنَ وغراسٍ وزرعٍ وحرثٍ وجلوسٍ وسلوكٍ للسُّبل الموصلة إلى مقاصدهم ومآربهم. ولمَّا كان الفراشُ قد يكون صالحاً للانتفاع من كلِّ وجهٍ، وقد يكون من وجهٍ دون وجهٍ؛ أخبر تعالى أنه مَهَدَها أحسنَ مهادٍ على أكمل الوجوه وأحسنها، وأثنى على نفسه بذلك، فقال:{فنعمَ الماهِدونَ}: الذي مَهَدَ لعبادِهِ ما اقتضتْه حكمتُه ورحمتُه.
{49}{ومن كلِّ شيءٍ خَلَقۡنا زوجين}؛ أي: صنفين ذكرٍ وأنثى من كلِّ نوع من أنواع الحيوانات، {لعلَّكم تذكَّرونَ}: لنعم اللهِ التي أنعم بها عليكم في تقدير ذلك وحكمتِهِ؛ حيث جعل ما هو السبب لبقاء نوع الحيوانات كلها؛ لتقوموا بتنميتها وخدمتها وتربيتها فيحصل من ذلك ما يحصل من المنافع.
{50} فلما دعا العبادَ إلى النظر إلى آياته الموجبة لخشيته والإنابة إليه؛ أمر بما هو المقصود من ذلك، وهو الفرارُ إليه؛ أي: الفرار مما يكرهه الله ظاهراً وباطناً إلى ما يحبُّه ظاهراً وباطناً، فرارٌ من الجهل إلى العلم، ومن الكفر إلى الإيمان، ومن المعصية إلى الطاعة، من الغفلة إلى الذِّكر؛ فمن استكمل هذه الأمور؛ فقد استكمل الدين كلَّه، وزال عنه المرهوب، وحصل له غايةُ المراد والمطلوب. وسمى الله الرجوع إليه فراراً؛ لأنَّ في الرجوع إلى غيره أنواعَ المخاوف والمكاره، وفي الرجوع إليه أنواعَ المحابِّ والأمن والسرور والسعادة والفوزِ، فيفرُّ العبدُ من قضائه وقدره إلى قضائه وقدره، وكلُّ مَنْ خِفْتَ منه فررتَ منه إلاَّ الله تعالى؛ فإنَّه بحسب الخوف منه يكون الفرارُ إليه، {إنِّي لكُم منه نذيرٌ مبينٌ}؛ أي: منذرٌ لكم من عذاب الله ومخوِّفٌ بيِّن النذارة.
{51}{ولا تَجۡعَلوا مع الله إلهاً آخرَ}: هذا من الفرار إلى الله، بل هذا أصلُ الفرارِ إليه: أنْ يَفِرَّ العبدُ من اتِّخاذ آلهةٍ غير الله من الأوثان والأندادِ والقبورِ وغيرها مما عُبِدَ من دون الله، ويخلِصَ [العبدُ] لربِّه العبادة والخوف والرجاء والدعاء والإنابة.
الذاريات 51:52
{52} يقول الله مسلياً لرسوله - صلى الله عليه وسلم - عن تكذيب المشركين بالله، المكذِّبين له، القائلين فيه من الأقوال الشنيعة ما هو منزَّه عنه، وأنَّ هذه الأقوال ما زالتْ دأباً وعادةً للمجرمين المكذِّبين للرسل؛ فما أرسل اللهُ من رسول؛ إلاَّ رماه قومُه بالسحر أو الجنون.
{53} يقول الله تعالى: هذه الأقوال التي صَدَرَتْ منهم ـ الأولين والآخرين ـ هل هي أقوالٌ تواصَوْا بها، ولقَّن بعضُهم بعضاً بها؛ فلا يُستغرب بسبب ذلك اتِّفاقهم عليها؟! أم {هم قومٌ طاغونَ}؛ تشابهتْ قلوبُهم وأعمالهم بالكفر والطُّغيان، فتشابهت أقوالُهم الناشئة عن طغيانهم؟! وهذا هو الواقع؛ كما قال تعالى:{وقال الذين لا يعلمون لولا يُكَلِّمُنا الله أو تأتينا آيةٌ كذلك قال الذينَ من قَبۡلِهِم مثلَ قولِهِم تشابهتۡ قلوبُهم}، وكذلك المؤمنون لمَّا تشابهتْ قلوبُهم بالإذعان للحقِّ وطلبه والسعي فيه؛ بادروا إلى الإيمان برسُلِهم وتعظيمهم وتوقيرهم وخطابهم بالخطاب اللائق بهم.
الذاريات 51:53
{52} يقول الله مسلياً لرسوله - صلى الله عليه وسلم - عن تكذيب المشركين بالله، المكذِّبين له، القائلين فيه من الأقوال الشنيعة ما هو منزَّه عنه، وأنَّ هذه الأقوال ما زالتْ دأباً وعادةً للمجرمين المكذِّبين للرسل؛ فما أرسل اللهُ من رسول؛ إلاَّ رماه قومُه بالسحر أو الجنون.
{53} يقول الله تعالى: هذه الأقوال التي صَدَرَتْ منهم ـ الأولين والآخرين ـ هل هي أقوالٌ تواصَوْا بها، ولقَّن بعضُهم بعضاً بها؛ فلا يُستغرب بسبب ذلك اتِّفاقهم عليها؟! أم {هم قومٌ طاغونَ}؛ تشابهتْ قلوبُهم وأعمالهم بالكفر والطُّغيان، فتشابهت أقوالُهم الناشئة عن طغيانهم؟! وهذا هو الواقع؛ كما قال تعالى:{وقال الذين لا يعلمون لولا يُكَلِّمُنا الله أو تأتينا آيةٌ كذلك قال الذينَ من قَبۡلِهِم مثلَ قولِهِم تشابهتۡ قلوبُهم}، وكذلك المؤمنون لمَّا تشابهتْ قلوبُهم بالإذعان للحقِّ وطلبه والسعي فيه؛ بادروا إلى الإيمان برسُلِهم وتعظيمهم وتوقيرهم وخطابهم بالخطاب اللائق بهم.
الذاريات 51:54
{54} يقولُ تعالى آمراً رسولَه بالإعراض عن المعرضين المكذِّبين: {فتولَّ عنهم}؛ أي: لا تبالِ بهم، ولا تؤاخِذْهم، وأقبِلْ على شأنك؛ فليس عليك لومٌ في ذنبهم، وإنَّما عليك البلاغُ، وقد أدَّيت ما حملتَ وبلَّغتَ ما أرسلت به.
{55}{وذكِّرۡ فإنَّ الذِّكۡرى تنفعُ المؤمنين}: والتَّذكير نوعان: تذكيرٌ بما لم يُعْرَفْ تفصيله مما عُرِفَ مجملُه بالفِطَر والعقول ؛ فإنَّ الله فطر العقول على محبَّة الخير وإيثاره وكراهة الشرِّ والزُّهد فيه، وشرعُه موافقٌ لذلك؛ فكل أمرٍ ونهيٍ من الشرع؛ فهو من التذكير، وتمامُ التذكير أن يذكر ما في المأمور من الخير والحسن والمصالح، وما في المنهيِّ عنه من المضارِّ. والنوع الثاني من التذكير: تذكيرٌ بما هو معلومٌ للمؤمنين، ولكن انسحبتْ عليه الغفلةُ والذُّهول، فيذكَّرون بذلك، ويكرَّر عليهم؛ ليرسخ في أذهانهم، وينتبهوا، ويعملوا بما تَذَكَّروه من ذلك، وليحدثَ لهم نشاطاً وهمَّة توجب لهم الانتفاع والارتفاع. وأخبر الله أنَّ الذِّكرى تنفع المؤمنين؛ لأنَّ ما معهم من الإيمان والخشية والإنابة واتِّباع رضوان الله يوجب لهم أن تنفع فيهم الذِّكرى وتقع الموعظة منهم موقعها؛ كما قال تعالى:{فذكِّرۡ إن نفعتِ الذِّكرى. سَيَذَّكَّرُ مَن يَخۡشى. وَيَتَجَنَّبُها الأشقى}، وأما من ليس معه إيمانٌ ولا استعدادٌ لقبول التذكير؛ فهذا لا ينفع تذكيره؛ بمنزلة الأرض السبخة التي لا يفيدها المطر شيئاً. وهؤلاء الصنف لو جاءتهم كلُّ آية؛ لم يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم.
الذاريات 51:55
{54} يقولُ تعالى آمراً رسولَه بالإعراض عن المعرضين المكذِّبين: {فتولَّ عنهم}؛ أي: لا تبالِ بهم، ولا تؤاخِذْهم، وأقبِلْ على شأنك؛ فليس عليك لومٌ في ذنبهم، وإنَّما عليك البلاغُ، وقد أدَّيت ما حملتَ وبلَّغتَ ما أرسلت به.
{55}{وذكِّرۡ فإنَّ الذِّكۡرى تنفعُ المؤمنين}: والتَّذكير نوعان: تذكيرٌ بما لم يُعْرَفْ تفصيله مما عُرِفَ مجملُه بالفِطَر والعقول ؛ فإنَّ الله فطر العقول على محبَّة الخير وإيثاره وكراهة الشرِّ والزُّهد فيه، وشرعُه موافقٌ لذلك؛ فكل أمرٍ ونهيٍ من الشرع؛ فهو من التذكير، وتمامُ التذكير أن يذكر ما في المأمور من الخير والحسن والمصالح، وما في المنهيِّ عنه من المضارِّ. والنوع الثاني من التذكير: تذكيرٌ بما هو معلومٌ للمؤمنين، ولكن انسحبتْ عليه الغفلةُ والذُّهول، فيذكَّرون بذلك، ويكرَّر عليهم؛ ليرسخ في أذهانهم، وينتبهوا، ويعملوا بما تَذَكَّروه من ذلك، وليحدثَ لهم نشاطاً وهمَّة توجب لهم الانتفاع والارتفاع. وأخبر الله أنَّ الذِّكرى تنفع المؤمنين؛ لأنَّ ما معهم من الإيمان والخشية والإنابة واتِّباع رضوان الله يوجب لهم أن تنفع فيهم الذِّكرى وتقع الموعظة منهم موقعها؛ كما قال تعالى:{فذكِّرۡ إن نفعتِ الذِّكرى. سَيَذَّكَّرُ مَن يَخۡشى. وَيَتَجَنَّبُها الأشقى}، وأما من ليس معه إيمانٌ ولا استعدادٌ لقبول التذكير؛ فهذا لا ينفع تذكيره؛ بمنزلة الأرض السبخة التي لا يفيدها المطر شيئاً. وهؤلاء الصنف لو جاءتهم كلُّ آية؛ لم يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم.
الذاريات 51:56
{56} هذه الغاية التي خَلَقَ الله الجنَّ والإنس لها، وبعث جميعَ الرسل يدعون إليها، وهي عبادتُه المتضمِّنة لمعرفته ومحبَّته والإنابة إليه والإقبال عليه والإعراض عما سواه، وذلك متوقِّف على معرفة الله تعالى ؛ فإنَّ تمام العبادة متوقِّف على المعرفةِ بالله ، بل كلَّما ازداد العبد معرفةً بربِّه ؛ كانت عبادته أكمل؛ فهذا الذي خلق الله المكلَّفين لأجله؛ فما خَلَقَهم لحاجة منه إليهم.
{57} فما يريد {منهم من رزقٍ وما} يريدُ {أن يطعمونِ}: تعالى الغنيُّ المغني عن الحاجة إلى أحدٍ بوجه من الوجوه، وإنَّما جميع الخلق فقراءُ إليه في جميع حوائجهم ومطالبهم الضروريَّة وغيرها.
{58} ولهذا قال: {إنَّ الله هو الرزَّاقُ}؛ أي: كثير الرزق، الذي ما من دابَّةٍ في الأرض ولا في السماء إلاَّ على الله رزقُها، ويعلمُ مستقرَّها ومستودَعَها، {ذو القوَّةِ المتينُ}؛ أي: الذي له القوة والقدرةُ كلُّها، الذي أوجد بها الأجرام العظيمة السفليَّة والعلويَّة، وبها تصرَّف في الظواهر والبواطن، ونفذت مشيئته في جميع البريَّات؛ فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، ولا يعجِزُه هاربٌ، ولا يخرج عن سلطانه أحدٌ، ومن قوَّته أنه أوصل رزقه إلى جميع العالم، ومن قدرته وقوَّته أنه يبعث الأموات بعدما مزَّقهم البِلى، وعصفت بهم الرياحُ، وابتلعتْهم الطيور والسِّباع، وتفرَّقوا وتمزَّقوا في مهامه القفار ولُجج البحار؛ فلا يفوته منهم أحدٌ، ويعلم ما تَنْقُصُ الأرضُ منهم؛ فسبحان القويِّ المتين.
الذاريات 51:57
{56} هذه الغاية التي خَلَقَ الله الجنَّ والإنس لها، وبعث جميعَ الرسل يدعون إليها، وهي عبادتُه المتضمِّنة لمعرفته ومحبَّته والإنابة إليه والإقبال عليه والإعراض عما سواه، وذلك متوقِّف على معرفة الله تعالى ؛ فإنَّ تمام العبادة متوقِّف على المعرفةِ بالله ، بل كلَّما ازداد العبد معرفةً بربِّه ؛ كانت عبادته أكمل؛ فهذا الذي خلق الله المكلَّفين لأجله؛ فما خَلَقَهم لحاجة منه إليهم.
{57} فما يريد {منهم من رزقٍ وما} يريدُ {أن يطعمونِ}: تعالى الغنيُّ المغني عن الحاجة إلى أحدٍ بوجه من الوجوه، وإنَّما جميع الخلق فقراءُ إليه في جميع حوائجهم ومطالبهم الضروريَّة وغيرها.
{58} ولهذا قال: {إنَّ الله هو الرزَّاقُ}؛ أي: كثير الرزق، الذي ما من دابَّةٍ في الأرض ولا في السماء إلاَّ على الله رزقُها، ويعلمُ مستقرَّها ومستودَعَها، {ذو القوَّةِ المتينُ}؛ أي: الذي له القوة والقدرةُ كلُّها، الذي أوجد بها الأجرام العظيمة السفليَّة والعلويَّة، وبها تصرَّف في الظواهر والبواطن، ونفذت مشيئته في جميع البريَّات؛ فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، ولا يعجِزُه هاربٌ، ولا يخرج عن سلطانه أحدٌ، ومن قوَّته أنه أوصل رزقه إلى جميع العالم، ومن قدرته وقوَّته أنه يبعث الأموات بعدما مزَّقهم البِلى، وعصفت بهم الرياحُ، وابتلعتْهم الطيور والسِّباع، وتفرَّقوا وتمزَّقوا في مهامه القفار ولُجج البحار؛ فلا يفوته منهم أحدٌ، ويعلم ما تَنْقُصُ الأرضُ منهم؛ فسبحان القويِّ المتين.
الذاريات 51:58
{56} هذه الغاية التي خَلَقَ الله الجنَّ والإنس لها، وبعث جميعَ الرسل يدعون إليها، وهي عبادتُه المتضمِّنة لمعرفته ومحبَّته والإنابة إليه والإقبال عليه والإعراض عما سواه، وذلك متوقِّف على معرفة الله تعالى ؛ فإنَّ تمام العبادة متوقِّف على المعرفةِ بالله ، بل كلَّما ازداد العبد معرفةً بربِّه ؛ كانت عبادته أكمل؛ فهذا الذي خلق الله المكلَّفين لأجله؛ فما خَلَقَهم لحاجة منه إليهم.
{57} فما يريد {منهم من رزقٍ وما} يريدُ {أن يطعمونِ}: تعالى الغنيُّ المغني عن الحاجة إلى أحدٍ بوجه من الوجوه، وإنَّما جميع الخلق فقراءُ إليه في جميع حوائجهم ومطالبهم الضروريَّة وغيرها.
{58} ولهذا قال: {إنَّ الله هو الرزَّاقُ}؛ أي: كثير الرزق، الذي ما من دابَّةٍ في الأرض ولا في السماء إلاَّ على الله رزقُها، ويعلمُ مستقرَّها ومستودَعَها، {ذو القوَّةِ المتينُ}؛ أي: الذي له القوة والقدرةُ كلُّها، الذي أوجد بها الأجرام العظيمة السفليَّة والعلويَّة، وبها تصرَّف في الظواهر والبواطن، ونفذت مشيئته في جميع البريَّات؛ فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، ولا يعجِزُه هاربٌ، ولا يخرج عن سلطانه أحدٌ، ومن قوَّته أنه أوصل رزقه إلى جميع العالم، ومن قدرته وقوَّته أنه يبعث الأموات بعدما مزَّقهم البِلى، وعصفت بهم الرياحُ، وابتلعتْهم الطيور والسِّباع، وتفرَّقوا وتمزَّقوا في مهامه القفار ولُجج البحار؛ فلا يفوته منهم أحدٌ، ويعلم ما تَنْقُصُ الأرضُ منهم؛ فسبحان القويِّ المتين.
الذاريات 51:59
{59} أي: {فإنَّ للذين ظلموا}: بتكذيبهم محمداً - صلى الله عليه وسلم - من العذاب والنَّكال {ذَنوباً}؛ أي: نصيباً وقسطاً، مثل ما فُعِلَ بأصحابهم من أهل الظُّلم والتكذيب، {فلا يستعجلونَ}: بالعذاب؛ فإنَّ سنة الله في الأمم واحدةٌ؛ فكلُّ مكذِّب يدوم على تكذيبه من غير توبةٍ وإنابةٍ؛ فإنَّه لا بدَّ أن يقع عليه العذابُ ولو تأخَّر عنه مدَّة.
{60} ولهذا توعَّدهم الله بيوم القيامة، فقال:{فويلٌ للذين كفروا من يومهمُ الذي يوعَدون}: وهو يومُ القيامةِ، الذي قد وُعِدوا فيه بأنواع العذاب والنَّكال [والسلاسل] والأغلال؛ فلا مغيثَ ولا منقذَ لهم من عذاب الله. نعوذ بالله منه.
* * *
الذاريات 51:60
{59} أي: {فإنَّ للذين ظلموا}: بتكذيبهم محمداً - صلى الله عليه وسلم - من العذاب والنَّكال {ذَنوباً}؛ أي: نصيباً وقسطاً، مثل ما فُعِلَ بأصحابهم من أهل الظُّلم والتكذيب، {فلا يستعجلونَ}: بالعذاب؛ فإنَّ سنة الله في الأمم واحدةٌ؛ فكلُّ مكذِّب يدوم على تكذيبه من غير توبةٍ وإنابةٍ؛ فإنَّه لا بدَّ أن يقع عليه العذابُ ولو تأخَّر عنه مدَّة.
{60} ولهذا توعَّدهم الله بيوم القيامة، فقال:{فويلٌ للذين كفروا من يومهمُ الذي يوعَدون}: وهو يومُ القيامةِ، الذي قد وُعِدوا فيه بأنواع العذاب والنَّكال [والسلاسل] والأغلال؛ فلا مغيثَ ولا منقذَ لهم من عذاب الله. نعوذ بالله منه.
* * *
الطور 52:1
وهي مكية
بسم الله الرحمن الرحيم
{1} يقسم تعالى بهذه الأمور العظيمة المشتملة على الحِكَم الجليلة على البعث والجزاء للمتَّقين وللمكذِّبين ، فأقسم بالطور، وهو الجبلُ الذي كلَّم الله عليه موسى بن عمران عليه الصلاة السلام، وأوحى إليه ما أوحى من الأحكام، وفي ذلك من المنَّة عليه وعلى أمَّته ما هو من آيات الله العظيمة ونعمه التي لا يَقْدِرُ العباد لها على عدٍّ ولا ثمن.
{2}{وكتابٍ مسطورٍ}: يُحتمل أنَّ المراد به اللوحُ المحفوظ، الذي كتب الله به كلَّ شيءٍ، ويُحتمل أنَّ المراد به القرآن الكريم، الذي هو أفضل الكتب ، أنزله الله محتوياً على نبأ الأوَّلين والآخرين وعلوم السَّابقين واللاحقين.
{3} وقوله: {في رَقٍّ}؛ أي: ورقٍ {منشورٍ}؛ أي: مكتوبٍ، مسطرٍ، ظاهرٍ غير خفيٍّ، لا تخفى حالُه على كلِّ عاقل بصيرٍ.
{4}{والبيت المعمورِ}: وهو البيتُ الذي فوق السماء السابعة، المعمور مدى الأوقات بالملائكة الكرام، [الذي] يدخُله كلُّ يوم سبعون ألف مَلَك، يتعبَّدون فيه لربِّهم، ثمَّ لا يعودون إليه إلى يوم القيامةِ، وقيل: إنَّ البيت المعمور هو بيت الله الحرام المعمور بالطائفين والمصلِّين والذَّاكرين كلَّ وقت وبالوفود إليه بالحجِّ والعمرة؛ كما أقسم الله به في قوله:{وهذا البلدِ الأمين}، وحقيقٌ ببيت هو أفضل بيوت الأرض، الذي يَقْصِدُه الناس بالحجِّ والعمرة، أحد أركان الإسلام ومبانيه العظام، التي لا يتمُّ إلاَّ بها، وهو الذي بناه إبراهيمُ وإسماعيلُ، وجعله الله مثابةً للناس وأمناً؛ أنْ يُقْسِمَ الله به، ويبيِّن من عظمته ما هو اللائقُ به وبحرمته.
{5}{والسقفِ المرفوع}؛ أي: السماء التي جعلها الله سقفاً للمخلوقات وبناءً للأرض تستمدُّ منها أنوارها، ويُقتدى بعلاماتها ومنارها، ويُنْزِلُ اللهُ منها المطر والرحمة وأنواع الرزق.
{6}{والبحر المَسۡجورِ}: أي: المملوء ماءً، قد سجره الله ومنعه من أن يَفيضَ على وجه الأرض، مع أنَّ مقتضى الطبيعة أن يغمرَ وجه الأرض، ولكنَّ حكمته اقتضت أن يمنعه عن الجريان والفيضان؛ ليعيش مَنْ على وجه الأرض من أنواع الحيوان. وقيل: إنَّ المراد بالمسجور: الموقَد، الذي يوقَدُ ناراً يوم القيامةِ، فيصير ناراً تَلَظَّى، ممتلئاً على سعته من أصناف العذاب.
{7} هذه الأشياء التي أقسم الله بها ممَّا يدلُّ على أنَّها من آيات الله وأدلَّة توحيده وبراهين قدرته وبعثه الأموات، ولهذا قال:{إنَّ عذابَ ربِّك لواقعٌ}؛ أي: لابدَّ أن يقع، ولا يخلفُ اللهُ وعده وقيله.
{8}{ما له من دافع}: يدفعُه، ولا مانع يمنعُه، لأنَّ قدرة الله لا يغالبها مغالبٌ ولا يفوتها هاربٌ.
{9} ثم ذكر وصفَ ذلك اليوم الذي يقع فيه العذابُ، فقال:{يوم تمورُ السَّماء مَوۡراً}؛ أي: تدور السماء وتضطرب وتدوم حركتها بانزعاج وعدم سكونٍ.
{10}{وتسير الجبالُ سيراً}؛ أي: تزولُ عن أماكنها، وتسير كسير السحاب، وتتلوَّن كالعهن المنفوش، وتبثُّ بعد ذلك حتى تصير مثل الهباء، وذلك كلُّه لعظم هول يوم القيامةِ؛ [وفظاعة ما فيه من الأمور المزعجة والزلازل المقلقة التي أزعجت هذه الأجرام العظيمة] فكيف بالآدميِّ الضعيف؟!
{11}{فويلٌ يومئذٍ للمكذِّبين}: والويل كلمةٌ جامعةٌ لكلِّ عقوبةٍ وحزنٍ وعذابٍ وخوفٍ.
{12} ثم ذَكَرَ وصفَ المكذِّبين، الذين استحقُّوا به الويل، فقال:{الذين هم في خَوۡضٍ يلعبون}؛ أي: خوض بالباطل ولعب به؛ فعلومُهم وبحوثهم بالعلوم الضارَّة المتضمِّنة للتكذيب بالحقِّ والتصديق بالباطل، وأعمالُهم أعمال أهل الجهل والسَّفَه واللعب؛ بخلاف ما عليه أهل التصديق والإيمان من العلوم النافعة والأعمال الصالحة.
{13 ـ 14}{يومَ يُدَعُّونَ إلى نار جهنَّم دعاً}؛ أي:[يوم] يُدفعون إليها دفعاً، ويساقون إليها سوقاً عنيفاً، ويجرون على وجوههم، ويُقال لهم توبيخاً ولوماً:{هذه النارُ التي كنتمُ بها تكذِّبون}: فاليوم ذوقوا عذابَ الخُلد الذي لا يُبْلَغُ قدرهُ ولا يوصَفُ أمره.
{15}{أفسحرٌ هذا أم أنتم لا تُبصرونَ}: يُحتمل أنَّ الإشارة إلى النار والعذاب؛ كما تدلُّ عليه سياق الآيات ؛ أي: لما رأوا النار والعذاب؛ قيل لهم من باب التقريع: أهذا سحرٌ لا حقيقة له؛ فقد رأيتموه؟! أم أنتم في الدُّنيا لا تبصرون؛ أي: لا بصيرة لكم ولا علم عندَكم، بل كنتُم جاهلين بهذا الأمر، لم تقمْ عليكم الحجَّة؟! والجواب انتفاء الأمرين: أمَّا كونُه سحراً؛ فقد ظهر لهم أنَّه أحقُّ الحقِّ وأصدق الصدق المنافي للسحر من جميع الوجوه. وأمَّا كونُهم لا يبصرون؛ فإنَّ الأمر بخلاف ذلك، بل حجَّة الله قد قامت عليهم، ودعتهُمُ الرُّسل إلى الإيمان بذلك، وأقامت من الأدلَّة والبراهين على ذلك ما يجعله من أعظم الأمور المبرهَنَة الواضحة الجليَّة.
ويُحتمل أنَّ الإشارة بقولِهِ:{أفسحرٌ هذا أم أنتُم لا تبصرونَ}: إلى ما جاء به محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - من الحقِّ المبين والصراط المستقيم؛ أي: أفيتصوَّر مَن له عقلٌ أن يقولَ عنه: إنَّه سحرٌ، وهو أعظم الحقِّ وأجلُّه، ولكن لعدم بصيرتهم قالوا فيه ما قالوا.
{16}{اصۡلَوۡها}؛ أي: ادخلوا النار على وجهٍ تحيطُ بكم وتشملُ أبدانكم وتطَّلع على أفئدتكم، {فاصۡبِروا أو لا تصبروا سواءٌ عليكم}؛ أي: لا يفيدكم الصبر على النار شيئاً، ولا يتأسَّى بعضُكم ببعض، ولا يخفَّف عنكم العذاب، وليست من الأمور التي إذا صبر العبدُ عليها هانت مشقَّتها وزالت شدَّتها، وإنَّما فُعِلَ بهم ذلك بسبب أعمالهم الخبيثة وكسبهم، ولهذا قال:{إنَّما تُجۡزَوۡن ما كنتم تعملونَ}.
الطور 52:2
وهي مكية
بسم الله الرحمن الرحيم
{1} يقسم تعالى بهذه الأمور العظيمة المشتملة على الحِكَم الجليلة على البعث والجزاء للمتَّقين وللمكذِّبين ، فأقسم بالطور، وهو الجبلُ الذي كلَّم الله عليه موسى بن عمران عليه الصلاة السلام، وأوحى إليه ما أوحى من الأحكام، وفي ذلك من المنَّة عليه وعلى أمَّته ما هو من آيات الله العظيمة ونعمه التي لا يَقْدِرُ العباد لها على عدٍّ ولا ثمن.
{2}{وكتابٍ مسطورٍ}: يُحتمل أنَّ المراد به اللوحُ المحفوظ، الذي كتب الله به كلَّ شيءٍ، ويُحتمل أنَّ المراد به القرآن الكريم، الذي هو أفضل الكتب ، أنزله الله محتوياً على نبأ الأوَّلين والآخرين وعلوم السَّابقين واللاحقين.
{3} وقوله: {في رَقٍّ}؛ أي: ورقٍ {منشورٍ}؛ أي: مكتوبٍ، مسطرٍ، ظاهرٍ غير خفيٍّ، لا تخفى حالُه على كلِّ عاقل بصيرٍ.
{4}{والبيت المعمورِ}: وهو البيتُ الذي فوق السماء السابعة، المعمور مدى الأوقات بالملائكة الكرام، [الذي] يدخُله كلُّ يوم سبعون ألف مَلَك، يتعبَّدون فيه لربِّهم، ثمَّ لا يعودون إليه إلى يوم القيامةِ، وقيل: إنَّ البيت المعمور هو بيت الله الحرام المعمور بالطائفين والمصلِّين والذَّاكرين كلَّ وقت وبالوفود إليه بالحجِّ والعمرة؛ كما أقسم الله به في قوله:{وهذا البلدِ الأمين}، وحقيقٌ ببيت هو أفضل بيوت الأرض، الذي يَقْصِدُه الناس بالحجِّ والعمرة، أحد أركان الإسلام ومبانيه العظام، التي لا يتمُّ إلاَّ بها، وهو الذي بناه إبراهيمُ وإسماعيلُ، وجعله الله مثابةً للناس وأمناً؛ أنْ يُقْسِمَ الله به، ويبيِّن من عظمته ما هو اللائقُ به وبحرمته.
{5}{والسقفِ المرفوع}؛ أي: السماء التي جعلها الله سقفاً للمخلوقات وبناءً للأرض تستمدُّ منها أنوارها، ويُقتدى بعلاماتها ومنارها، ويُنْزِلُ اللهُ منها المطر والرحمة وأنواع الرزق.
{6}{والبحر المَسۡجورِ}: أي: المملوء ماءً، قد سجره الله ومنعه من أن يَفيضَ على وجه الأرض، مع أنَّ مقتضى الطبيعة أن يغمرَ وجه الأرض، ولكنَّ حكمته اقتضت أن يمنعه عن الجريان والفيضان؛ ليعيش مَنْ على وجه الأرض من أنواع الحيوان. وقيل: إنَّ المراد بالمسجور: الموقَد، الذي يوقَدُ ناراً يوم القيامةِ، فيصير ناراً تَلَظَّى، ممتلئاً على سعته من أصناف العذاب.
{7} هذه الأشياء التي أقسم الله بها ممَّا يدلُّ على أنَّها من آيات الله وأدلَّة توحيده وبراهين قدرته وبعثه الأموات، ولهذا قال:{إنَّ عذابَ ربِّك لواقعٌ}؛ أي: لابدَّ أن يقع، ولا يخلفُ اللهُ وعده وقيله.
{8}{ما له من دافع}: يدفعُه، ولا مانع يمنعُه، لأنَّ قدرة الله لا يغالبها مغالبٌ ولا يفوتها هاربٌ.
{9} ثم ذكر وصفَ ذلك اليوم الذي يقع فيه العذابُ، فقال:{يوم تمورُ السَّماء مَوۡراً}؛ أي: تدور السماء وتضطرب وتدوم حركتها بانزعاج وعدم سكونٍ.
{10}{وتسير الجبالُ سيراً}؛ أي: تزولُ عن أماكنها، وتسير كسير السحاب، وتتلوَّن كالعهن المنفوش، وتبثُّ بعد ذلك حتى تصير مثل الهباء، وذلك كلُّه لعظم هول يوم القيامةِ؛ [وفظاعة ما فيه من الأمور المزعجة والزلازل المقلقة التي أزعجت هذه الأجرام العظيمة] فكيف بالآدميِّ الضعيف؟!
{11}{فويلٌ يومئذٍ للمكذِّبين}: والويل كلمةٌ جامعةٌ لكلِّ عقوبةٍ وحزنٍ وعذابٍ وخوفٍ.
{12} ثم ذَكَرَ وصفَ المكذِّبين، الذين استحقُّوا به الويل، فقال:{الذين هم في خَوۡضٍ يلعبون}؛ أي: خوض بالباطل ولعب به؛ فعلومُهم وبحوثهم بالعلوم الضارَّة المتضمِّنة للتكذيب بالحقِّ والتصديق بالباطل، وأعمالُهم أعمال أهل الجهل والسَّفَه واللعب؛ بخلاف ما عليه أهل التصديق والإيمان من العلوم النافعة والأعمال الصالحة.
{13 ـ 14}{يومَ يُدَعُّونَ إلى نار جهنَّم دعاً}؛ أي:[يوم] يُدفعون إليها دفعاً، ويساقون إليها سوقاً عنيفاً، ويجرون على وجوههم، ويُقال لهم توبيخاً ولوماً:{هذه النارُ التي كنتمُ بها تكذِّبون}: فاليوم ذوقوا عذابَ الخُلد الذي لا يُبْلَغُ قدرهُ ولا يوصَفُ أمره.
{15}{أفسحرٌ هذا أم أنتم لا تُبصرونَ}: يُحتمل أنَّ الإشارة إلى النار والعذاب؛ كما تدلُّ عليه سياق الآيات ؛ أي: لما رأوا النار والعذاب؛ قيل لهم من باب التقريع: أهذا سحرٌ لا حقيقة له؛ فقد رأيتموه؟! أم أنتم في الدُّنيا لا تبصرون؛ أي: لا بصيرة لكم ولا علم عندَكم، بل كنتُم جاهلين بهذا الأمر، لم تقمْ عليكم الحجَّة؟! والجواب انتفاء الأمرين: أمَّا كونُه سحراً؛ فقد ظهر لهم أنَّه أحقُّ الحقِّ وأصدق الصدق المنافي للسحر من جميع الوجوه. وأمَّا كونُهم لا يبصرون؛ فإنَّ الأمر بخلاف ذلك، بل حجَّة الله قد قامت عليهم، ودعتهُمُ الرُّسل إلى الإيمان بذلك، وأقامت من الأدلَّة والبراهين على ذلك ما يجعله من أعظم الأمور المبرهَنَة الواضحة الجليَّة.
ويُحتمل أنَّ الإشارة بقولِهِ:{أفسحرٌ هذا أم أنتُم لا تبصرونَ}: إلى ما جاء به محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - من الحقِّ المبين والصراط المستقيم؛ أي: أفيتصوَّر مَن له عقلٌ أن يقولَ عنه: إنَّه سحرٌ، وهو أعظم الحقِّ وأجلُّه، ولكن لعدم بصيرتهم قالوا فيه ما قالوا.
{16}{اصۡلَوۡها}؛ أي: ادخلوا النار على وجهٍ تحيطُ بكم وتشملُ أبدانكم وتطَّلع على أفئدتكم، {فاصۡبِروا أو لا تصبروا سواءٌ عليكم}؛ أي: لا يفيدكم الصبر على النار شيئاً، ولا يتأسَّى بعضُكم ببعض، ولا يخفَّف عنكم العذاب، وليست من الأمور التي إذا صبر العبدُ عليها هانت مشقَّتها وزالت شدَّتها، وإنَّما فُعِلَ بهم ذلك بسبب أعمالهم الخبيثة وكسبهم، ولهذا قال:{إنَّما تُجۡزَوۡن ما كنتم تعملونَ}.
الطور 52:3
وهي مكية
بسم الله الرحمن الرحيم
{1} يقسم تعالى بهذه الأمور العظيمة المشتملة على الحِكَم الجليلة على البعث والجزاء للمتَّقين وللمكذِّبين ، فأقسم بالطور، وهو الجبلُ الذي كلَّم الله عليه موسى بن عمران عليه الصلاة السلام، وأوحى إليه ما أوحى من الأحكام، وفي ذلك من المنَّة عليه وعلى أمَّته ما هو من آيات الله العظيمة ونعمه التي لا يَقْدِرُ العباد لها على عدٍّ ولا ثمن.
{2}{وكتابٍ مسطورٍ}: يُحتمل أنَّ المراد به اللوحُ المحفوظ، الذي كتب الله به كلَّ شيءٍ، ويُحتمل أنَّ المراد به القرآن الكريم، الذي هو أفضل الكتب ، أنزله الله محتوياً على نبأ الأوَّلين والآخرين وعلوم السَّابقين واللاحقين.
{3} وقوله: {في رَقٍّ}؛ أي: ورقٍ {منشورٍ}؛ أي: مكتوبٍ، مسطرٍ، ظاهرٍ غير خفيٍّ، لا تخفى حالُه على كلِّ عاقل بصيرٍ.
{4}{والبيت المعمورِ}: وهو البيتُ الذي فوق السماء السابعة، المعمور مدى الأوقات بالملائكة الكرام، [الذي] يدخُله كلُّ يوم سبعون ألف مَلَك، يتعبَّدون فيه لربِّهم، ثمَّ لا يعودون إليه إلى يوم القيامةِ، وقيل: إنَّ البيت المعمور هو بيت الله الحرام المعمور بالطائفين والمصلِّين والذَّاكرين كلَّ وقت وبالوفود إليه بالحجِّ والعمرة؛ كما أقسم الله به في قوله:{وهذا البلدِ الأمين}، وحقيقٌ ببيت هو أفضل بيوت الأرض، الذي يَقْصِدُه الناس بالحجِّ والعمرة، أحد أركان الإسلام ومبانيه العظام، التي لا يتمُّ إلاَّ بها، وهو الذي بناه إبراهيمُ وإسماعيلُ، وجعله الله مثابةً للناس وأمناً؛ أنْ يُقْسِمَ الله به، ويبيِّن من عظمته ما هو اللائقُ به وبحرمته.
{5}{والسقفِ المرفوع}؛ أي: السماء التي جعلها الله سقفاً للمخلوقات وبناءً للأرض تستمدُّ منها أنوارها، ويُقتدى بعلاماتها ومنارها، ويُنْزِلُ اللهُ منها المطر والرحمة وأنواع الرزق.
{6}{والبحر المَسۡجورِ}: أي: المملوء ماءً، قد سجره الله ومنعه من أن يَفيضَ على وجه الأرض، مع أنَّ مقتضى الطبيعة أن يغمرَ وجه الأرض، ولكنَّ حكمته اقتضت أن يمنعه عن الجريان والفيضان؛ ليعيش مَنْ على وجه الأرض من أنواع الحيوان. وقيل: إنَّ المراد بالمسجور: الموقَد، الذي يوقَدُ ناراً يوم القيامةِ، فيصير ناراً تَلَظَّى، ممتلئاً على سعته من أصناف العذاب.
{7} هذه الأشياء التي أقسم الله بها ممَّا يدلُّ على أنَّها من آيات الله وأدلَّة توحيده وبراهين قدرته وبعثه الأموات، ولهذا قال:{إنَّ عذابَ ربِّك لواقعٌ}؛ أي: لابدَّ أن يقع، ولا يخلفُ اللهُ وعده وقيله.
{8}{ما له من دافع}: يدفعُه، ولا مانع يمنعُه، لأنَّ قدرة الله لا يغالبها مغالبٌ ولا يفوتها هاربٌ.
{9} ثم ذكر وصفَ ذلك اليوم الذي يقع فيه العذابُ، فقال:{يوم تمورُ السَّماء مَوۡراً}؛ أي: تدور السماء وتضطرب وتدوم حركتها بانزعاج وعدم سكونٍ.
{10}{وتسير الجبالُ سيراً}؛ أي: تزولُ عن أماكنها، وتسير كسير السحاب، وتتلوَّن كالعهن المنفوش، وتبثُّ بعد ذلك حتى تصير مثل الهباء، وذلك كلُّه لعظم هول يوم القيامةِ؛ [وفظاعة ما فيه من الأمور المزعجة والزلازل المقلقة التي أزعجت هذه الأجرام العظيمة] فكيف بالآدميِّ الضعيف؟!
{11}{فويلٌ يومئذٍ للمكذِّبين}: والويل كلمةٌ جامعةٌ لكلِّ عقوبةٍ وحزنٍ وعذابٍ وخوفٍ.
{12} ثم ذَكَرَ وصفَ المكذِّبين، الذين استحقُّوا به الويل، فقال:{الذين هم في خَوۡضٍ يلعبون}؛ أي: خوض بالباطل ولعب به؛ فعلومُهم وبحوثهم بالعلوم الضارَّة المتضمِّنة للتكذيب بالحقِّ والتصديق بالباطل، وأعمالُهم أعمال أهل الجهل والسَّفَه واللعب؛ بخلاف ما عليه أهل التصديق والإيمان من العلوم النافعة والأعمال الصالحة.
{13 ـ 14}{يومَ يُدَعُّونَ إلى نار جهنَّم دعاً}؛ أي:[يوم] يُدفعون إليها دفعاً، ويساقون إليها سوقاً عنيفاً، ويجرون على وجوههم، ويُقال لهم توبيخاً ولوماً:{هذه النارُ التي كنتمُ بها تكذِّبون}: فاليوم ذوقوا عذابَ الخُلد الذي لا يُبْلَغُ قدرهُ ولا يوصَفُ أمره.
{15}{أفسحرٌ هذا أم أنتم لا تُبصرونَ}: يُحتمل أنَّ الإشارة إلى النار والعذاب؛ كما تدلُّ عليه سياق الآيات ؛ أي: لما رأوا النار والعذاب؛ قيل لهم من باب التقريع: أهذا سحرٌ لا حقيقة له؛ فقد رأيتموه؟! أم أنتم في الدُّنيا لا تبصرون؛ أي: لا بصيرة لكم ولا علم عندَكم، بل كنتُم جاهلين بهذا الأمر، لم تقمْ عليكم الحجَّة؟! والجواب انتفاء الأمرين: أمَّا كونُه سحراً؛ فقد ظهر لهم أنَّه أحقُّ الحقِّ وأصدق الصدق المنافي للسحر من جميع الوجوه. وأمَّا كونُهم لا يبصرون؛ فإنَّ الأمر بخلاف ذلك، بل حجَّة الله قد قامت عليهم، ودعتهُمُ الرُّسل إلى الإيمان بذلك، وأقامت من الأدلَّة والبراهين على ذلك ما يجعله من أعظم الأمور المبرهَنَة الواضحة الجليَّة.
ويُحتمل أنَّ الإشارة بقولِهِ:{أفسحرٌ هذا أم أنتُم لا تبصرونَ}: إلى ما جاء به محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - من الحقِّ المبين والصراط المستقيم؛ أي: أفيتصوَّر مَن له عقلٌ أن يقولَ عنه: إنَّه سحرٌ، وهو أعظم الحقِّ وأجلُّه، ولكن لعدم بصيرتهم قالوا فيه ما قالوا.
{16}{اصۡلَوۡها}؛ أي: ادخلوا النار على وجهٍ تحيطُ بكم وتشملُ أبدانكم وتطَّلع على أفئدتكم، {فاصۡبِروا أو لا تصبروا سواءٌ عليكم}؛ أي: لا يفيدكم الصبر على النار شيئاً، ولا يتأسَّى بعضُكم ببعض، ولا يخفَّف عنكم العذاب، وليست من الأمور التي إذا صبر العبدُ عليها هانت مشقَّتها وزالت شدَّتها، وإنَّما فُعِلَ بهم ذلك بسبب أعمالهم الخبيثة وكسبهم، ولهذا قال:{إنَّما تُجۡزَوۡن ما كنتم تعملونَ}.
الطور 52:4
وهي مكية
بسم الله الرحمن الرحيم
{1} يقسم تعالى بهذه الأمور العظيمة المشتملة على الحِكَم الجليلة على البعث والجزاء للمتَّقين وللمكذِّبين ، فأقسم بالطور، وهو الجبلُ الذي كلَّم الله عليه موسى بن عمران عليه الصلاة السلام، وأوحى إليه ما أوحى من الأحكام، وفي ذلك من المنَّة عليه وعلى أمَّته ما هو من آيات الله العظيمة ونعمه التي لا يَقْدِرُ العباد لها على عدٍّ ولا ثمن.
{2}{وكتابٍ مسطورٍ}: يُحتمل أنَّ المراد به اللوحُ المحفوظ، الذي كتب الله به كلَّ شيءٍ، ويُحتمل أنَّ المراد به القرآن الكريم، الذي هو أفضل الكتب ، أنزله الله محتوياً على نبأ الأوَّلين والآخرين وعلوم السَّابقين واللاحقين.
{3} وقوله: {في رَقٍّ}؛ أي: ورقٍ {منشورٍ}؛ أي: مكتوبٍ، مسطرٍ، ظاهرٍ غير خفيٍّ، لا تخفى حالُه على كلِّ عاقل بصيرٍ.
{4}{والبيت المعمورِ}: وهو البيتُ الذي فوق السماء السابعة، المعمور مدى الأوقات بالملائكة الكرام، [الذي] يدخُله كلُّ يوم سبعون ألف مَلَك، يتعبَّدون فيه لربِّهم، ثمَّ لا يعودون إليه إلى يوم القيامةِ، وقيل: إنَّ البيت المعمور هو بيت الله الحرام المعمور بالطائفين والمصلِّين والذَّاكرين كلَّ وقت وبالوفود إليه بالحجِّ والعمرة؛ كما أقسم الله به في قوله:{وهذا البلدِ الأمين}، وحقيقٌ ببيت هو أفضل بيوت الأرض، الذي يَقْصِدُه الناس بالحجِّ والعمرة، أحد أركان الإسلام ومبانيه العظام، التي لا يتمُّ إلاَّ بها، وهو الذي بناه إبراهيمُ وإسماعيلُ، وجعله الله مثابةً للناس وأمناً؛ أنْ يُقْسِمَ الله به، ويبيِّن من عظمته ما هو اللائقُ به وبحرمته.
{5}{والسقفِ المرفوع}؛ أي: السماء التي جعلها الله سقفاً للمخلوقات وبناءً للأرض تستمدُّ منها أنوارها، ويُقتدى بعلاماتها ومنارها، ويُنْزِلُ اللهُ منها المطر والرحمة وأنواع الرزق.
{6}{والبحر المَسۡجورِ}: أي: المملوء ماءً، قد سجره الله ومنعه من أن يَفيضَ على وجه الأرض، مع أنَّ مقتضى الطبيعة أن يغمرَ وجه الأرض، ولكنَّ حكمته اقتضت أن يمنعه عن الجريان والفيضان؛ ليعيش مَنْ على وجه الأرض من أنواع الحيوان. وقيل: إنَّ المراد بالمسجور: الموقَد، الذي يوقَدُ ناراً يوم القيامةِ، فيصير ناراً تَلَظَّى، ممتلئاً على سعته من أصناف العذاب.
{7} هذه الأشياء التي أقسم الله بها ممَّا يدلُّ على أنَّها من آيات الله وأدلَّة توحيده وبراهين قدرته وبعثه الأموات، ولهذا قال:{إنَّ عذابَ ربِّك لواقعٌ}؛ أي: لابدَّ أن يقع، ولا يخلفُ اللهُ وعده وقيله.
{8}{ما له من دافع}: يدفعُه، ولا مانع يمنعُه، لأنَّ قدرة الله لا يغالبها مغالبٌ ولا يفوتها هاربٌ.
{9} ثم ذكر وصفَ ذلك اليوم الذي يقع فيه العذابُ، فقال:{يوم تمورُ السَّماء مَوۡراً}؛ أي: تدور السماء وتضطرب وتدوم حركتها بانزعاج وعدم سكونٍ.
{10}{وتسير الجبالُ سيراً}؛ أي: تزولُ عن أماكنها، وتسير كسير السحاب، وتتلوَّن كالعهن المنفوش، وتبثُّ بعد ذلك حتى تصير مثل الهباء، وذلك كلُّه لعظم هول يوم القيامةِ؛ [وفظاعة ما فيه من الأمور المزعجة والزلازل المقلقة التي أزعجت هذه الأجرام العظيمة] فكيف بالآدميِّ الضعيف؟!
{11}{فويلٌ يومئذٍ للمكذِّبين}: والويل كلمةٌ جامعةٌ لكلِّ عقوبةٍ وحزنٍ وعذابٍ وخوفٍ.
{12} ثم ذَكَرَ وصفَ المكذِّبين، الذين استحقُّوا به الويل، فقال:{الذين هم في خَوۡضٍ يلعبون}؛ أي: خوض بالباطل ولعب به؛ فعلومُهم وبحوثهم بالعلوم الضارَّة المتضمِّنة للتكذيب بالحقِّ والتصديق بالباطل، وأعمالُهم أعمال أهل الجهل والسَّفَه واللعب؛ بخلاف ما عليه أهل التصديق والإيمان من العلوم النافعة والأعمال الصالحة.
{13 ـ 14}{يومَ يُدَعُّونَ إلى نار جهنَّم دعاً}؛ أي:[يوم] يُدفعون إليها دفعاً، ويساقون إليها سوقاً عنيفاً، ويجرون على وجوههم، ويُقال لهم توبيخاً ولوماً:{هذه النارُ التي كنتمُ بها تكذِّبون}: فاليوم ذوقوا عذابَ الخُلد الذي لا يُبْلَغُ قدرهُ ولا يوصَفُ أمره.
{15}{أفسحرٌ هذا أم أنتم لا تُبصرونَ}: يُحتمل أنَّ الإشارة إلى النار والعذاب؛ كما تدلُّ عليه سياق الآيات ؛ أي: لما رأوا النار والعذاب؛ قيل لهم من باب التقريع: أهذا سحرٌ لا حقيقة له؛ فقد رأيتموه؟! أم أنتم في الدُّنيا لا تبصرون؛ أي: لا بصيرة لكم ولا علم عندَكم، بل كنتُم جاهلين بهذا الأمر، لم تقمْ عليكم الحجَّة؟! والجواب انتفاء الأمرين: أمَّا كونُه سحراً؛ فقد ظهر لهم أنَّه أحقُّ الحقِّ وأصدق الصدق المنافي للسحر من جميع الوجوه. وأمَّا كونُهم لا يبصرون؛ فإنَّ الأمر بخلاف ذلك، بل حجَّة الله قد قامت عليهم، ودعتهُمُ الرُّسل إلى الإيمان بذلك، وأقامت من الأدلَّة والبراهين على ذلك ما يجعله من أعظم الأمور المبرهَنَة الواضحة الجليَّة.
ويُحتمل أنَّ الإشارة بقولِهِ:{أفسحرٌ هذا أم أنتُم لا تبصرونَ}: إلى ما جاء به محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - من الحقِّ المبين والصراط المستقيم؛ أي: أفيتصوَّر مَن له عقلٌ أن يقولَ عنه: إنَّه سحرٌ، وهو أعظم الحقِّ وأجلُّه، ولكن لعدم بصيرتهم قالوا فيه ما قالوا.
{16}{اصۡلَوۡها}؛ أي: ادخلوا النار على وجهٍ تحيطُ بكم وتشملُ أبدانكم وتطَّلع على أفئدتكم، {فاصۡبِروا أو لا تصبروا سواءٌ عليكم}؛ أي: لا يفيدكم الصبر على النار شيئاً، ولا يتأسَّى بعضُكم ببعض، ولا يخفَّف عنكم العذاب، وليست من الأمور التي إذا صبر العبدُ عليها هانت مشقَّتها وزالت شدَّتها، وإنَّما فُعِلَ بهم ذلك بسبب أعمالهم الخبيثة وكسبهم، ولهذا قال:{إنَّما تُجۡزَوۡن ما كنتم تعملونَ}.
الطور 52:5
وهي مكية
بسم الله الرحمن الرحيم
{1} يقسم تعالى بهذه الأمور العظيمة المشتملة على الحِكَم الجليلة على البعث والجزاء للمتَّقين وللمكذِّبين ، فأقسم بالطور، وهو الجبلُ الذي كلَّم الله عليه موسى بن عمران عليه الصلاة السلام، وأوحى إليه ما أوحى من الأحكام، وفي ذلك من المنَّة عليه وعلى أمَّته ما هو من آيات الله العظيمة ونعمه التي لا يَقْدِرُ العباد لها على عدٍّ ولا ثمن.
{2}{وكتابٍ مسطورٍ}: يُحتمل أنَّ المراد به اللوحُ المحفوظ، الذي كتب الله به كلَّ شيءٍ، ويُحتمل أنَّ المراد به القرآن الكريم، الذي هو أفضل الكتب ، أنزله الله محتوياً على نبأ الأوَّلين والآخرين وعلوم السَّابقين واللاحقين.
{3} وقوله: {في رَقٍّ}؛ أي: ورقٍ {منشورٍ}؛ أي: مكتوبٍ، مسطرٍ، ظاهرٍ غير خفيٍّ، لا تخفى حالُه على كلِّ عاقل بصيرٍ.
{4}{والبيت المعمورِ}: وهو البيتُ الذي فوق السماء السابعة، المعمور مدى الأوقات بالملائكة الكرام، [الذي] يدخُله كلُّ يوم سبعون ألف مَلَك، يتعبَّدون فيه لربِّهم، ثمَّ لا يعودون إليه إلى يوم القيامةِ، وقيل: إنَّ البيت المعمور هو بيت الله الحرام المعمور بالطائفين والمصلِّين والذَّاكرين كلَّ وقت وبالوفود إليه بالحجِّ والعمرة؛ كما أقسم الله به في قوله:{وهذا البلدِ الأمين}، وحقيقٌ ببيت هو أفضل بيوت الأرض، الذي يَقْصِدُه الناس بالحجِّ والعمرة، أحد أركان الإسلام ومبانيه العظام، التي لا يتمُّ إلاَّ بها، وهو الذي بناه إبراهيمُ وإسماعيلُ، وجعله الله مثابةً للناس وأمناً؛ أنْ يُقْسِمَ الله به، ويبيِّن من عظمته ما هو اللائقُ به وبحرمته.
{5}{والسقفِ المرفوع}؛ أي: السماء التي جعلها الله سقفاً للمخلوقات وبناءً للأرض تستمدُّ منها أنوارها، ويُقتدى بعلاماتها ومنارها، ويُنْزِلُ اللهُ منها المطر والرحمة وأنواع الرزق.
{6}{والبحر المَسۡجورِ}: أي: المملوء ماءً، قد سجره الله ومنعه من أن يَفيضَ على وجه الأرض، مع أنَّ مقتضى الطبيعة أن يغمرَ وجه الأرض، ولكنَّ حكمته اقتضت أن يمنعه عن الجريان والفيضان؛ ليعيش مَنْ على وجه الأرض من أنواع الحيوان. وقيل: إنَّ المراد بالمسجور: الموقَد، الذي يوقَدُ ناراً يوم القيامةِ، فيصير ناراً تَلَظَّى، ممتلئاً على سعته من أصناف العذاب.
{7} هذه الأشياء التي أقسم الله بها ممَّا يدلُّ على أنَّها من آيات الله وأدلَّة توحيده وبراهين قدرته وبعثه الأموات، ولهذا قال:{إنَّ عذابَ ربِّك لواقعٌ}؛ أي: لابدَّ أن يقع، ولا يخلفُ اللهُ وعده وقيله.
{8}{ما له من دافع}: يدفعُه، ولا مانع يمنعُه، لأنَّ قدرة الله لا يغالبها مغالبٌ ولا يفوتها هاربٌ.
{9} ثم ذكر وصفَ ذلك اليوم الذي يقع فيه العذابُ، فقال:{يوم تمورُ السَّماء مَوۡراً}؛ أي: تدور السماء وتضطرب وتدوم حركتها بانزعاج وعدم سكونٍ.
{10}{وتسير الجبالُ سيراً}؛ أي: تزولُ عن أماكنها، وتسير كسير السحاب، وتتلوَّن كالعهن المنفوش، وتبثُّ بعد ذلك حتى تصير مثل الهباء، وذلك كلُّه لعظم هول يوم القيامةِ؛ [وفظاعة ما فيه من الأمور المزعجة والزلازل المقلقة التي أزعجت هذه الأجرام العظيمة] فكيف بالآدميِّ الضعيف؟!
{11}{فويلٌ يومئذٍ للمكذِّبين}: والويل كلمةٌ جامعةٌ لكلِّ عقوبةٍ وحزنٍ وعذابٍ وخوفٍ.
{12} ثم ذَكَرَ وصفَ المكذِّبين، الذين استحقُّوا به الويل، فقال:{الذين هم في خَوۡضٍ يلعبون}؛ أي: خوض بالباطل ولعب به؛ فعلومُهم وبحوثهم بالعلوم الضارَّة المتضمِّنة للتكذيب بالحقِّ والتصديق بالباطل، وأعمالُهم أعمال أهل الجهل والسَّفَه واللعب؛ بخلاف ما عليه أهل التصديق والإيمان من العلوم النافعة والأعمال الصالحة.
{13 ـ 14}{يومَ يُدَعُّونَ إلى نار جهنَّم دعاً}؛ أي:[يوم] يُدفعون إليها دفعاً، ويساقون إليها سوقاً عنيفاً، ويجرون على وجوههم، ويُقال لهم توبيخاً ولوماً:{هذه النارُ التي كنتمُ بها تكذِّبون}: فاليوم ذوقوا عذابَ الخُلد الذي لا يُبْلَغُ قدرهُ ولا يوصَفُ أمره.
{15}{أفسحرٌ هذا أم أنتم لا تُبصرونَ}: يُحتمل أنَّ الإشارة إلى النار والعذاب؛ كما تدلُّ عليه سياق الآيات ؛ أي: لما رأوا النار والعذاب؛ قيل لهم من باب التقريع: أهذا سحرٌ لا حقيقة له؛ فقد رأيتموه؟! أم أنتم في الدُّنيا لا تبصرون؛ أي: لا بصيرة لكم ولا علم عندَكم، بل كنتُم جاهلين بهذا الأمر، لم تقمْ عليكم الحجَّة؟! والجواب انتفاء الأمرين: أمَّا كونُه سحراً؛ فقد ظهر لهم أنَّه أحقُّ الحقِّ وأصدق الصدق المنافي للسحر من جميع الوجوه. وأمَّا كونُهم لا يبصرون؛ فإنَّ الأمر بخلاف ذلك، بل حجَّة الله قد قامت عليهم، ودعتهُمُ الرُّسل إلى الإيمان بذلك، وأقامت من الأدلَّة والبراهين على ذلك ما يجعله من أعظم الأمور المبرهَنَة الواضحة الجليَّة.
ويُحتمل أنَّ الإشارة بقولِهِ:{أفسحرٌ هذا أم أنتُم لا تبصرونَ}: إلى ما جاء به محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - من الحقِّ المبين والصراط المستقيم؛ أي: أفيتصوَّر مَن له عقلٌ أن يقولَ عنه: إنَّه سحرٌ، وهو أعظم الحقِّ وأجلُّه، ولكن لعدم بصيرتهم قالوا فيه ما قالوا.
{16}{اصۡلَوۡها}؛ أي: ادخلوا النار على وجهٍ تحيطُ بكم وتشملُ أبدانكم وتطَّلع على أفئدتكم، {فاصۡبِروا أو لا تصبروا سواءٌ عليكم}؛ أي: لا يفيدكم الصبر على النار شيئاً، ولا يتأسَّى بعضُكم ببعض، ولا يخفَّف عنكم العذاب، وليست من الأمور التي إذا صبر العبدُ عليها هانت مشقَّتها وزالت شدَّتها، وإنَّما فُعِلَ بهم ذلك بسبب أعمالهم الخبيثة وكسبهم، ولهذا قال:{إنَّما تُجۡزَوۡن ما كنتم تعملونَ}.
الطور 52:6
وهي مكية
بسم الله الرحمن الرحيم
{1} يقسم تعالى بهذه الأمور العظيمة المشتملة على الحِكَم الجليلة على البعث والجزاء للمتَّقين وللمكذِّبين ، فأقسم بالطور، وهو الجبلُ الذي كلَّم الله عليه موسى بن عمران عليه الصلاة السلام، وأوحى إليه ما أوحى من الأحكام، وفي ذلك من المنَّة عليه وعلى أمَّته ما هو من آيات الله العظيمة ونعمه التي لا يَقْدِرُ العباد لها على عدٍّ ولا ثمن.
{2}{وكتابٍ مسطورٍ}: يُحتمل أنَّ المراد به اللوحُ المحفوظ، الذي كتب الله به كلَّ شيءٍ، ويُحتمل أنَّ المراد به القرآن الكريم، الذي هو أفضل الكتب ، أنزله الله محتوياً على نبأ الأوَّلين والآخرين وعلوم السَّابقين واللاحقين.
{3} وقوله: {في رَقٍّ}؛ أي: ورقٍ {منشورٍ}؛ أي: مكتوبٍ، مسطرٍ، ظاهرٍ غير خفيٍّ، لا تخفى حالُه على كلِّ عاقل بصيرٍ.
{4}{والبيت المعمورِ}: وهو البيتُ الذي فوق السماء السابعة، المعمور مدى الأوقات بالملائكة الكرام، [الذي] يدخُله كلُّ يوم سبعون ألف مَلَك، يتعبَّدون فيه لربِّهم، ثمَّ لا يعودون إليه إلى يوم القيامةِ، وقيل: إنَّ البيت المعمور هو بيت الله الحرام المعمور بالطائفين والمصلِّين والذَّاكرين كلَّ وقت وبالوفود إليه بالحجِّ والعمرة؛ كما أقسم الله به في قوله:{وهذا البلدِ الأمين}، وحقيقٌ ببيت هو أفضل بيوت الأرض، الذي يَقْصِدُه الناس بالحجِّ والعمرة، أحد أركان الإسلام ومبانيه العظام، التي لا يتمُّ إلاَّ بها، وهو الذي بناه إبراهيمُ وإسماعيلُ، وجعله الله مثابةً للناس وأمناً؛ أنْ يُقْسِمَ الله به، ويبيِّن من عظمته ما هو اللائقُ به وبحرمته.
{5}{والسقفِ المرفوع}؛ أي: السماء التي جعلها الله سقفاً للمخلوقات وبناءً للأرض تستمدُّ منها أنوارها، ويُقتدى بعلاماتها ومنارها، ويُنْزِلُ اللهُ منها المطر والرحمة وأنواع الرزق.
{6}{والبحر المَسۡجورِ}: أي: المملوء ماءً، قد سجره الله ومنعه من أن يَفيضَ على وجه الأرض، مع أنَّ مقتضى الطبيعة أن يغمرَ وجه الأرض، ولكنَّ حكمته اقتضت أن يمنعه عن الجريان والفيضان؛ ليعيش مَنْ على وجه الأرض من أنواع الحيوان. وقيل: إنَّ المراد بالمسجور: الموقَد، الذي يوقَدُ ناراً يوم القيامةِ، فيصير ناراً تَلَظَّى، ممتلئاً على سعته من أصناف العذاب.
{7} هذه الأشياء التي أقسم الله بها ممَّا يدلُّ على أنَّها من آيات الله وأدلَّة توحيده وبراهين قدرته وبعثه الأموات، ولهذا قال:{إنَّ عذابَ ربِّك لواقعٌ}؛ أي: لابدَّ أن يقع، ولا يخلفُ اللهُ وعده وقيله.
{8}{ما له من دافع}: يدفعُه، ولا مانع يمنعُه، لأنَّ قدرة الله لا يغالبها مغالبٌ ولا يفوتها هاربٌ.
{9} ثم ذكر وصفَ ذلك اليوم الذي يقع فيه العذابُ، فقال:{يوم تمورُ السَّماء مَوۡراً}؛ أي: تدور السماء وتضطرب وتدوم حركتها بانزعاج وعدم سكونٍ.
{10}{وتسير الجبالُ سيراً}؛ أي: تزولُ عن أماكنها، وتسير كسير السحاب، وتتلوَّن كالعهن المنفوش، وتبثُّ بعد ذلك حتى تصير مثل الهباء، وذلك كلُّه لعظم هول يوم القيامةِ؛ [وفظاعة ما فيه من الأمور المزعجة والزلازل المقلقة التي أزعجت هذه الأجرام العظيمة] فكيف بالآدميِّ الضعيف؟!
{11}{فويلٌ يومئذٍ للمكذِّبين}: والويل كلمةٌ جامعةٌ لكلِّ عقوبةٍ وحزنٍ وعذابٍ وخوفٍ.
{12} ثم ذَكَرَ وصفَ المكذِّبين، الذين استحقُّوا به الويل، فقال:{الذين هم في خَوۡضٍ يلعبون}؛ أي: خوض بالباطل ولعب به؛ فعلومُهم وبحوثهم بالعلوم الضارَّة المتضمِّنة للتكذيب بالحقِّ والتصديق بالباطل، وأعمالُهم أعمال أهل الجهل والسَّفَه واللعب؛ بخلاف ما عليه أهل التصديق والإيمان من العلوم النافعة والأعمال الصالحة.
{13 ـ 14}{يومَ يُدَعُّونَ إلى نار جهنَّم دعاً}؛ أي:[يوم] يُدفعون إليها دفعاً، ويساقون إليها سوقاً عنيفاً، ويجرون على وجوههم، ويُقال لهم توبيخاً ولوماً:{هذه النارُ التي كنتمُ بها تكذِّبون}: فاليوم ذوقوا عذابَ الخُلد الذي لا يُبْلَغُ قدرهُ ولا يوصَفُ أمره.
{15}{أفسحرٌ هذا أم أنتم لا تُبصرونَ}: يُحتمل أنَّ الإشارة إلى النار والعذاب؛ كما تدلُّ عليه سياق الآيات ؛ أي: لما رأوا النار والعذاب؛ قيل لهم من باب التقريع: أهذا سحرٌ لا حقيقة له؛ فقد رأيتموه؟! أم أنتم في الدُّنيا لا تبصرون؛ أي: لا بصيرة لكم ولا علم عندَكم، بل كنتُم جاهلين بهذا الأمر، لم تقمْ عليكم الحجَّة؟! والجواب انتفاء الأمرين: أمَّا كونُه سحراً؛ فقد ظهر لهم أنَّه أحقُّ الحقِّ وأصدق الصدق المنافي للسحر من جميع الوجوه. وأمَّا كونُهم لا يبصرون؛ فإنَّ الأمر بخلاف ذلك، بل حجَّة الله قد قامت عليهم، ودعتهُمُ الرُّسل إلى الإيمان بذلك، وأقامت من الأدلَّة والبراهين على ذلك ما يجعله من أعظم الأمور المبرهَنَة الواضحة الجليَّة.
ويُحتمل أنَّ الإشارة بقولِهِ:{أفسحرٌ هذا أم أنتُم لا تبصرونَ}: إلى ما جاء به محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - من الحقِّ المبين والصراط المستقيم؛ أي: أفيتصوَّر مَن له عقلٌ أن يقولَ عنه: إنَّه سحرٌ، وهو أعظم الحقِّ وأجلُّه، ولكن لعدم بصيرتهم قالوا فيه ما قالوا.
{16}{اصۡلَوۡها}؛ أي: ادخلوا النار على وجهٍ تحيطُ بكم وتشملُ أبدانكم وتطَّلع على أفئدتكم، {فاصۡبِروا أو لا تصبروا سواءٌ عليكم}؛ أي: لا يفيدكم الصبر على النار شيئاً، ولا يتأسَّى بعضُكم ببعض، ولا يخفَّف عنكم العذاب، وليست من الأمور التي إذا صبر العبدُ عليها هانت مشقَّتها وزالت شدَّتها، وإنَّما فُعِلَ بهم ذلك بسبب أعمالهم الخبيثة وكسبهم، ولهذا قال:{إنَّما تُجۡزَوۡن ما كنتم تعملونَ}.
الطور 52:7
وهي مكية
بسم الله الرحمن الرحيم
{1} يقسم تعالى بهذه الأمور العظيمة المشتملة على الحِكَم الجليلة على البعث والجزاء للمتَّقين وللمكذِّبين ، فأقسم بالطور، وهو الجبلُ الذي كلَّم الله عليه موسى بن عمران عليه الصلاة السلام، وأوحى إليه ما أوحى من الأحكام، وفي ذلك من المنَّة عليه وعلى أمَّته ما هو من آيات الله العظيمة ونعمه التي لا يَقْدِرُ العباد لها على عدٍّ ولا ثمن.
{2}{وكتابٍ مسطورٍ}: يُحتمل أنَّ المراد به اللوحُ المحفوظ، الذي كتب الله به كلَّ شيءٍ، ويُحتمل أنَّ المراد به القرآن الكريم، الذي هو أفضل الكتب ، أنزله الله محتوياً على نبأ الأوَّلين والآخرين وعلوم السَّابقين واللاحقين.
{3} وقوله: {في رَقٍّ}؛ أي: ورقٍ {منشورٍ}؛ أي: مكتوبٍ، مسطرٍ، ظاهرٍ غير خفيٍّ، لا تخفى حالُه على كلِّ عاقل بصيرٍ.
{4}{والبيت المعمورِ}: وهو البيتُ الذي فوق السماء السابعة، المعمور مدى الأوقات بالملائكة الكرام، [الذي] يدخُله كلُّ يوم سبعون ألف مَلَك، يتعبَّدون فيه لربِّهم، ثمَّ لا يعودون إليه إلى يوم القيامةِ، وقيل: إنَّ البيت المعمور هو بيت الله الحرام المعمور بالطائفين والمصلِّين والذَّاكرين كلَّ وقت وبالوفود إليه بالحجِّ والعمرة؛ كما أقسم الله به في قوله:{وهذا البلدِ الأمين}، وحقيقٌ ببيت هو أفضل بيوت الأرض، الذي يَقْصِدُه الناس بالحجِّ والعمرة، أحد أركان الإسلام ومبانيه العظام، التي لا يتمُّ إلاَّ بها، وهو الذي بناه إبراهيمُ وإسماعيلُ، وجعله الله مثابةً للناس وأمناً؛ أنْ يُقْسِمَ الله به، ويبيِّن من عظمته ما هو اللائقُ به وبحرمته.
{5}{والسقفِ المرفوع}؛ أي: السماء التي جعلها الله سقفاً للمخلوقات وبناءً للأرض تستمدُّ منها أنوارها، ويُقتدى بعلاماتها ومنارها، ويُنْزِلُ اللهُ منها المطر والرحمة وأنواع الرزق.
{6}{والبحر المَسۡجورِ}: أي: المملوء ماءً، قد سجره الله ومنعه من أن يَفيضَ على وجه الأرض، مع أنَّ مقتضى الطبيعة أن يغمرَ وجه الأرض، ولكنَّ حكمته اقتضت أن يمنعه عن الجريان والفيضان؛ ليعيش مَنْ على وجه الأرض من أنواع الحيوان. وقيل: إنَّ المراد بالمسجور: الموقَد، الذي يوقَدُ ناراً يوم القيامةِ، فيصير ناراً تَلَظَّى، ممتلئاً على سعته من أصناف العذاب.
{7} هذه الأشياء التي أقسم الله بها ممَّا يدلُّ على أنَّها من آيات الله وأدلَّة توحيده وبراهين قدرته وبعثه الأموات، ولهذا قال:{إنَّ عذابَ ربِّك لواقعٌ}؛ أي: لابدَّ أن يقع، ولا يخلفُ اللهُ وعده وقيله.
{8}{ما له من دافع}: يدفعُه، ولا مانع يمنعُه، لأنَّ قدرة الله لا يغالبها مغالبٌ ولا يفوتها هاربٌ.
{9} ثم ذكر وصفَ ذلك اليوم الذي يقع فيه العذابُ، فقال:{يوم تمورُ السَّماء مَوۡراً}؛ أي: تدور السماء وتضطرب وتدوم حركتها بانزعاج وعدم سكونٍ.
{10}{وتسير الجبالُ سيراً}؛ أي: تزولُ عن أماكنها، وتسير كسير السحاب، وتتلوَّن كالعهن المنفوش، وتبثُّ بعد ذلك حتى تصير مثل الهباء، وذلك كلُّه لعظم هول يوم القيامةِ؛ [وفظاعة ما فيه من الأمور المزعجة والزلازل المقلقة التي أزعجت هذه الأجرام العظيمة] فكيف بالآدميِّ الضعيف؟!
{11}{فويلٌ يومئذٍ للمكذِّبين}: والويل كلمةٌ جامعةٌ لكلِّ عقوبةٍ وحزنٍ وعذابٍ وخوفٍ.
{12} ثم ذَكَرَ وصفَ المكذِّبين، الذين استحقُّوا به الويل، فقال:{الذين هم في خَوۡضٍ يلعبون}؛ أي: خوض بالباطل ولعب به؛ فعلومُهم وبحوثهم بالعلوم الضارَّة المتضمِّنة للتكذيب بالحقِّ والتصديق بالباطل، وأعمالُهم أعمال أهل الجهل والسَّفَه واللعب؛ بخلاف ما عليه أهل التصديق والإيمان من العلوم النافعة والأعمال الصالحة.
{13 ـ 14}{يومَ يُدَعُّونَ إلى نار جهنَّم دعاً}؛ أي:[يوم] يُدفعون إليها دفعاً، ويساقون إليها سوقاً عنيفاً، ويجرون على وجوههم، ويُقال لهم توبيخاً ولوماً:{هذه النارُ التي كنتمُ بها تكذِّبون}: فاليوم ذوقوا عذابَ الخُلد الذي لا يُبْلَغُ قدرهُ ولا يوصَفُ أمره.
{15}{أفسحرٌ هذا أم أنتم لا تُبصرونَ}: يُحتمل أنَّ الإشارة إلى النار والعذاب؛ كما تدلُّ عليه سياق الآيات ؛ أي: لما رأوا النار والعذاب؛ قيل لهم من باب التقريع: أهذا سحرٌ لا حقيقة له؛ فقد رأيتموه؟! أم أنتم في الدُّنيا لا تبصرون؛ أي: لا بصيرة لكم ولا علم عندَكم، بل كنتُم جاهلين بهذا الأمر، لم تقمْ عليكم الحجَّة؟! والجواب انتفاء الأمرين: أمَّا كونُه سحراً؛ فقد ظهر لهم أنَّه أحقُّ الحقِّ وأصدق الصدق المنافي للسحر من جميع الوجوه. وأمَّا كونُهم لا يبصرون؛ فإنَّ الأمر بخلاف ذلك، بل حجَّة الله قد قامت عليهم، ودعتهُمُ الرُّسل إلى الإيمان بذلك، وأقامت من الأدلَّة والبراهين على ذلك ما يجعله من أعظم الأمور المبرهَنَة الواضحة الجليَّة.
ويُحتمل أنَّ الإشارة بقولِهِ:{أفسحرٌ هذا أم أنتُم لا تبصرونَ}: إلى ما جاء به محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - من الحقِّ المبين والصراط المستقيم؛ أي: أفيتصوَّر مَن له عقلٌ أن يقولَ عنه: إنَّه سحرٌ، وهو أعظم الحقِّ وأجلُّه، ولكن لعدم بصيرتهم قالوا فيه ما قالوا.
{16}{اصۡلَوۡها}؛ أي: ادخلوا النار على وجهٍ تحيطُ بكم وتشملُ أبدانكم وتطَّلع على أفئدتكم، {فاصۡبِروا أو لا تصبروا سواءٌ عليكم}؛ أي: لا يفيدكم الصبر على النار شيئاً، ولا يتأسَّى بعضُكم ببعض، ولا يخفَّف عنكم العذاب، وليست من الأمور التي إذا صبر العبدُ عليها هانت مشقَّتها وزالت شدَّتها، وإنَّما فُعِلَ بهم ذلك بسبب أعمالهم الخبيثة وكسبهم، ولهذا قال:{إنَّما تُجۡزَوۡن ما كنتم تعملونَ}.
الطور 52:8
وهي مكية
بسم الله الرحمن الرحيم
{1} يقسم تعالى بهذه الأمور العظيمة المشتملة على الحِكَم الجليلة على البعث والجزاء للمتَّقين وللمكذِّبين ، فأقسم بالطور، وهو الجبلُ الذي كلَّم الله عليه موسى بن عمران عليه الصلاة السلام، وأوحى إليه ما أوحى من الأحكام، وفي ذلك من المنَّة عليه وعلى أمَّته ما هو من آيات الله العظيمة ونعمه التي لا يَقْدِرُ العباد لها على عدٍّ ولا ثمن.
{2}{وكتابٍ مسطورٍ}: يُحتمل أنَّ المراد به اللوحُ المحفوظ، الذي كتب الله به كلَّ شيءٍ، ويُحتمل أنَّ المراد به القرآن الكريم، الذي هو أفضل الكتب ، أنزله الله محتوياً على نبأ الأوَّلين والآخرين وعلوم السَّابقين واللاحقين.
{3} وقوله: {في رَقٍّ}؛ أي: ورقٍ {منشورٍ}؛ أي: مكتوبٍ، مسطرٍ، ظاهرٍ غير خفيٍّ، لا تخفى حالُه على كلِّ عاقل بصيرٍ.
{4}{والبيت المعمورِ}: وهو البيتُ الذي فوق السماء السابعة، المعمور مدى الأوقات بالملائكة الكرام، [الذي] يدخُله كلُّ يوم سبعون ألف مَلَك، يتعبَّدون فيه لربِّهم، ثمَّ لا يعودون إليه إلى يوم القيامةِ، وقيل: إنَّ البيت المعمور هو بيت الله الحرام المعمور بالطائفين والمصلِّين والذَّاكرين كلَّ وقت وبالوفود إليه بالحجِّ والعمرة؛ كما أقسم الله به في قوله:{وهذا البلدِ الأمين}، وحقيقٌ ببيت هو أفضل بيوت الأرض، الذي يَقْصِدُه الناس بالحجِّ والعمرة، أحد أركان الإسلام ومبانيه العظام، التي لا يتمُّ إلاَّ بها، وهو الذي بناه إبراهيمُ وإسماعيلُ، وجعله الله مثابةً للناس وأمناً؛ أنْ يُقْسِمَ الله به، ويبيِّن من عظمته ما هو اللائقُ به وبحرمته.
{5}{والسقفِ المرفوع}؛ أي: السماء التي جعلها الله سقفاً للمخلوقات وبناءً للأرض تستمدُّ منها أنوارها، ويُقتدى بعلاماتها ومنارها، ويُنْزِلُ اللهُ منها المطر والرحمة وأنواع الرزق.
{6}{والبحر المَسۡجورِ}: أي: المملوء ماءً، قد سجره الله ومنعه من أن يَفيضَ على وجه الأرض، مع أنَّ مقتضى الطبيعة أن يغمرَ وجه الأرض، ولكنَّ حكمته اقتضت أن يمنعه عن الجريان والفيضان؛ ليعيش مَنْ على وجه الأرض من أنواع الحيوان. وقيل: إنَّ المراد بالمسجور: الموقَد، الذي يوقَدُ ناراً يوم القيامةِ، فيصير ناراً تَلَظَّى، ممتلئاً على سعته من أصناف العذاب.
{7} هذه الأشياء التي أقسم الله بها ممَّا يدلُّ على أنَّها من آيات الله وأدلَّة توحيده وبراهين قدرته وبعثه الأموات، ولهذا قال:{إنَّ عذابَ ربِّك لواقعٌ}؛ أي: لابدَّ أن يقع، ولا يخلفُ اللهُ وعده وقيله.
{8}{ما له من دافع}: يدفعُه، ولا مانع يمنعُه، لأنَّ قدرة الله لا يغالبها مغالبٌ ولا يفوتها هاربٌ.
{9} ثم ذكر وصفَ ذلك اليوم الذي يقع فيه العذابُ، فقال:{يوم تمورُ السَّماء مَوۡراً}؛ أي: تدور السماء وتضطرب وتدوم حركتها بانزعاج وعدم سكونٍ.
{10}{وتسير الجبالُ سيراً}؛ أي: تزولُ عن أماكنها، وتسير كسير السحاب، وتتلوَّن كالعهن المنفوش، وتبثُّ بعد ذلك حتى تصير مثل الهباء، وذلك كلُّه لعظم هول يوم القيامةِ؛ [وفظاعة ما فيه من الأمور المزعجة والزلازل المقلقة التي أزعجت هذه الأجرام العظيمة] فكيف بالآدميِّ الضعيف؟!
{11}{فويلٌ يومئذٍ للمكذِّبين}: والويل كلمةٌ جامعةٌ لكلِّ عقوبةٍ وحزنٍ وعذابٍ وخوفٍ.
{12} ثم ذَكَرَ وصفَ المكذِّبين، الذين استحقُّوا به الويل، فقال:{الذين هم في خَوۡضٍ يلعبون}؛ أي: خوض بالباطل ولعب به؛ فعلومُهم وبحوثهم بالعلوم الضارَّة المتضمِّنة للتكذيب بالحقِّ والتصديق بالباطل، وأعمالُهم أعمال أهل الجهل والسَّفَه واللعب؛ بخلاف ما عليه أهل التصديق والإيمان من العلوم النافعة والأعمال الصالحة.
{13 ـ 14}{يومَ يُدَعُّونَ إلى نار جهنَّم دعاً}؛ أي:[يوم] يُدفعون إليها دفعاً، ويساقون إليها سوقاً عنيفاً، ويجرون على وجوههم، ويُقال لهم توبيخاً ولوماً:{هذه النارُ التي كنتمُ بها تكذِّبون}: فاليوم ذوقوا عذابَ الخُلد الذي لا يُبْلَغُ قدرهُ ولا يوصَفُ أمره.
{15}{أفسحرٌ هذا أم أنتم لا تُبصرونَ}: يُحتمل أنَّ الإشارة إلى النار والعذاب؛ كما تدلُّ عليه سياق الآيات ؛ أي: لما رأوا النار والعذاب؛ قيل لهم من باب التقريع: أهذا سحرٌ لا حقيقة له؛ فقد رأيتموه؟! أم أنتم في الدُّنيا لا تبصرون؛ أي: لا بصيرة لكم ولا علم عندَكم، بل كنتُم جاهلين بهذا الأمر، لم تقمْ عليكم الحجَّة؟! والجواب انتفاء الأمرين: أمَّا كونُه سحراً؛ فقد ظهر لهم أنَّه أحقُّ الحقِّ وأصدق الصدق المنافي للسحر من جميع الوجوه. وأمَّا كونُهم لا يبصرون؛ فإنَّ الأمر بخلاف ذلك، بل حجَّة الله قد قامت عليهم، ودعتهُمُ الرُّسل إلى الإيمان بذلك، وأقامت من الأدلَّة والبراهين على ذلك ما يجعله من أعظم الأمور المبرهَنَة الواضحة الجليَّة.
ويُحتمل أنَّ الإشارة بقولِهِ:{أفسحرٌ هذا أم أنتُم لا تبصرونَ}: إلى ما جاء به محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - من الحقِّ المبين والصراط المستقيم؛ أي: أفيتصوَّر مَن له عقلٌ أن يقولَ عنه: إنَّه سحرٌ، وهو أعظم الحقِّ وأجلُّه، ولكن لعدم بصيرتهم قالوا فيه ما قالوا.
{16}{اصۡلَوۡها}؛ أي: ادخلوا النار على وجهٍ تحيطُ بكم وتشملُ أبدانكم وتطَّلع على أفئدتكم، {فاصۡبِروا أو لا تصبروا سواءٌ عليكم}؛ أي: لا يفيدكم الصبر على النار شيئاً، ولا يتأسَّى بعضُكم ببعض، ولا يخفَّف عنكم العذاب، وليست من الأمور التي إذا صبر العبدُ عليها هانت مشقَّتها وزالت شدَّتها، وإنَّما فُعِلَ بهم ذلك بسبب أعمالهم الخبيثة وكسبهم، ولهذا قال:{إنَّما تُجۡزَوۡن ما كنتم تعملونَ}.
الطور 52:9
وهي مكية
بسم الله الرحمن الرحيم
{1} يقسم تعالى بهذه الأمور العظيمة المشتملة على الحِكَم الجليلة على البعث والجزاء للمتَّقين وللمكذِّبين ، فأقسم بالطور، وهو الجبلُ الذي كلَّم الله عليه موسى بن عمران عليه الصلاة السلام، وأوحى إليه ما أوحى من الأحكام، وفي ذلك من المنَّة عليه وعلى أمَّته ما هو من آيات الله العظيمة ونعمه التي لا يَقْدِرُ العباد لها على عدٍّ ولا ثمن.
{2}{وكتابٍ مسطورٍ}: يُحتمل أنَّ المراد به اللوحُ المحفوظ، الذي كتب الله به كلَّ شيءٍ، ويُحتمل أنَّ المراد به القرآن الكريم، الذي هو أفضل الكتب ، أنزله الله محتوياً على نبأ الأوَّلين والآخرين وعلوم السَّابقين واللاحقين.
{3} وقوله: {في رَقٍّ}؛ أي: ورقٍ {منشورٍ}؛ أي: مكتوبٍ، مسطرٍ، ظاهرٍ غير خفيٍّ، لا تخفى حالُه على كلِّ عاقل بصيرٍ.
{4}{والبيت المعمورِ}: وهو البيتُ الذي فوق السماء السابعة، المعمور مدى الأوقات بالملائكة الكرام، [الذي] يدخُله كلُّ يوم سبعون ألف مَلَك، يتعبَّدون فيه لربِّهم، ثمَّ لا يعودون إليه إلى يوم القيامةِ، وقيل: إنَّ البيت المعمور هو بيت الله الحرام المعمور بالطائفين والمصلِّين والذَّاكرين كلَّ وقت وبالوفود إليه بالحجِّ والعمرة؛ كما أقسم الله به في قوله:{وهذا البلدِ الأمين}، وحقيقٌ ببيت هو أفضل بيوت الأرض، الذي يَقْصِدُه الناس بالحجِّ والعمرة، أحد أركان الإسلام ومبانيه العظام، التي لا يتمُّ إلاَّ بها، وهو الذي بناه إبراهيمُ وإسماعيلُ، وجعله الله مثابةً للناس وأمناً؛ أنْ يُقْسِمَ الله به، ويبيِّن من عظمته ما هو اللائقُ به وبحرمته.
{5}{والسقفِ المرفوع}؛ أي: السماء التي جعلها الله سقفاً للمخلوقات وبناءً للأرض تستمدُّ منها أنوارها، ويُقتدى بعلاماتها ومنارها، ويُنْزِلُ اللهُ منها المطر والرحمة وأنواع الرزق.
{6}{والبحر المَسۡجورِ}: أي: المملوء ماءً، قد سجره الله ومنعه من أن يَفيضَ على وجه الأرض، مع أنَّ مقتضى الطبيعة أن يغمرَ وجه الأرض، ولكنَّ حكمته اقتضت أن يمنعه عن الجريان والفيضان؛ ليعيش مَنْ على وجه الأرض من أنواع الحيوان. وقيل: إنَّ المراد بالمسجور: الموقَد، الذي يوقَدُ ناراً يوم القيامةِ، فيصير ناراً تَلَظَّى، ممتلئاً على سعته من أصناف العذاب.
{7} هذه الأشياء التي أقسم الله بها ممَّا يدلُّ على أنَّها من آيات الله وأدلَّة توحيده وبراهين قدرته وبعثه الأموات، ولهذا قال:{إنَّ عذابَ ربِّك لواقعٌ}؛ أي: لابدَّ أن يقع، ولا يخلفُ اللهُ وعده وقيله.
{8}{ما له من دافع}: يدفعُه، ولا مانع يمنعُه، لأنَّ قدرة الله لا يغالبها مغالبٌ ولا يفوتها هاربٌ.
{9} ثم ذكر وصفَ ذلك اليوم الذي يقع فيه العذابُ، فقال:{يوم تمورُ السَّماء مَوۡراً}؛ أي: تدور السماء وتضطرب وتدوم حركتها بانزعاج وعدم سكونٍ.
{10}{وتسير الجبالُ سيراً}؛ أي: تزولُ عن أماكنها، وتسير كسير السحاب، وتتلوَّن كالعهن المنفوش، وتبثُّ بعد ذلك حتى تصير مثل الهباء، وذلك كلُّه لعظم هول يوم القيامةِ؛ [وفظاعة ما فيه من الأمور المزعجة والزلازل المقلقة التي أزعجت هذه الأجرام العظيمة] فكيف بالآدميِّ الضعيف؟!
{11}{فويلٌ يومئذٍ للمكذِّبين}: والويل كلمةٌ جامعةٌ لكلِّ عقوبةٍ وحزنٍ وعذابٍ وخوفٍ.
{12} ثم ذَكَرَ وصفَ المكذِّبين، الذين استحقُّوا به الويل، فقال:{الذين هم في خَوۡضٍ يلعبون}؛ أي: خوض بالباطل ولعب به؛ فعلومُهم وبحوثهم بالعلوم الضارَّة المتضمِّنة للتكذيب بالحقِّ والتصديق بالباطل، وأعمالُهم أعمال أهل الجهل والسَّفَه واللعب؛ بخلاف ما عليه أهل التصديق والإيمان من العلوم النافعة والأعمال الصالحة.
{13 ـ 14}{يومَ يُدَعُّونَ إلى نار جهنَّم دعاً}؛ أي:[يوم] يُدفعون إليها دفعاً، ويساقون إليها سوقاً عنيفاً، ويجرون على وجوههم، ويُقال لهم توبيخاً ولوماً:{هذه النارُ التي كنتمُ بها تكذِّبون}: فاليوم ذوقوا عذابَ الخُلد الذي لا يُبْلَغُ قدرهُ ولا يوصَفُ أمره.
{15}{أفسحرٌ هذا أم أنتم لا تُبصرونَ}: يُحتمل أنَّ الإشارة إلى النار والعذاب؛ كما تدلُّ عليه سياق الآيات ؛ أي: لما رأوا النار والعذاب؛ قيل لهم من باب التقريع: أهذا سحرٌ لا حقيقة له؛ فقد رأيتموه؟! أم أنتم في الدُّنيا لا تبصرون؛ أي: لا بصيرة لكم ولا علم عندَكم، بل كنتُم جاهلين بهذا الأمر، لم تقمْ عليكم الحجَّة؟! والجواب انتفاء الأمرين: أمَّا كونُه سحراً؛ فقد ظهر لهم أنَّه أحقُّ الحقِّ وأصدق الصدق المنافي للسحر من جميع الوجوه. وأمَّا كونُهم لا يبصرون؛ فإنَّ الأمر بخلاف ذلك، بل حجَّة الله قد قامت عليهم، ودعتهُمُ الرُّسل إلى الإيمان بذلك، وأقامت من الأدلَّة والبراهين على ذلك ما يجعله من أعظم الأمور المبرهَنَة الواضحة الجليَّة.
ويُحتمل أنَّ الإشارة بقولِهِ:{أفسحرٌ هذا أم أنتُم لا تبصرونَ}: إلى ما جاء به محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - من الحقِّ المبين والصراط المستقيم؛ أي: أفيتصوَّر مَن له عقلٌ أن يقولَ عنه: إنَّه سحرٌ، وهو أعظم الحقِّ وأجلُّه، ولكن لعدم بصيرتهم قالوا فيه ما قالوا.
{16}{اصۡلَوۡها}؛ أي: ادخلوا النار على وجهٍ تحيطُ بكم وتشملُ أبدانكم وتطَّلع على أفئدتكم، {فاصۡبِروا أو لا تصبروا سواءٌ عليكم}؛ أي: لا يفيدكم الصبر على النار شيئاً، ولا يتأسَّى بعضُكم ببعض، ولا يخفَّف عنكم العذاب، وليست من الأمور التي إذا صبر العبدُ عليها هانت مشقَّتها وزالت شدَّتها، وإنَّما فُعِلَ بهم ذلك بسبب أعمالهم الخبيثة وكسبهم، ولهذا قال:{إنَّما تُجۡزَوۡن ما كنتم تعملونَ}.
الطور 52:10
وهي مكية
بسم الله الرحمن الرحيم
{1} يقسم تعالى بهذه الأمور العظيمة المشتملة على الحِكَم الجليلة على البعث والجزاء للمتَّقين وللمكذِّبين ، فأقسم بالطور، وهو الجبلُ الذي كلَّم الله عليه موسى بن عمران عليه الصلاة السلام، وأوحى إليه ما أوحى من الأحكام، وفي ذلك من المنَّة عليه وعلى أمَّته ما هو من آيات الله العظيمة ونعمه التي لا يَقْدِرُ العباد لها على عدٍّ ولا ثمن.
{2}{وكتابٍ مسطورٍ}: يُحتمل أنَّ المراد به اللوحُ المحفوظ، الذي كتب الله به كلَّ شيءٍ، ويُحتمل أنَّ المراد به القرآن الكريم، الذي هو أفضل الكتب ، أنزله الله محتوياً على نبأ الأوَّلين والآخرين وعلوم السَّابقين واللاحقين.
{3} وقوله: {في رَقٍّ}؛ أي: ورقٍ {منشورٍ}؛ أي: مكتوبٍ، مسطرٍ، ظاهرٍ غير خفيٍّ، لا تخفى حالُه على كلِّ عاقل بصيرٍ.
{4}{والبيت المعمورِ}: وهو البيتُ الذي فوق السماء السابعة، المعمور مدى الأوقات بالملائكة الكرام، [الذي] يدخُله كلُّ يوم سبعون ألف مَلَك، يتعبَّدون فيه لربِّهم، ثمَّ لا يعودون إليه إلى يوم القيامةِ، وقيل: إنَّ البيت المعمور هو بيت الله الحرام المعمور بالطائفين والمصلِّين والذَّاكرين كلَّ وقت وبالوفود إليه بالحجِّ والعمرة؛ كما أقسم الله به في قوله:{وهذا البلدِ الأمين}، وحقيقٌ ببيت هو أفضل بيوت الأرض، الذي يَقْصِدُه الناس بالحجِّ والعمرة، أحد أركان الإسلام ومبانيه العظام، التي لا يتمُّ إلاَّ بها، وهو الذي بناه إبراهيمُ وإسماعيلُ، وجعله الله مثابةً للناس وأمناً؛ أنْ يُقْسِمَ الله به، ويبيِّن من عظمته ما هو اللائقُ به وبحرمته.
{5}{والسقفِ المرفوع}؛ أي: السماء التي جعلها الله سقفاً للمخلوقات وبناءً للأرض تستمدُّ منها أنوارها، ويُقتدى بعلاماتها ومنارها، ويُنْزِلُ اللهُ منها المطر والرحمة وأنواع الرزق.
{6}{والبحر المَسۡجورِ}: أي: المملوء ماءً، قد سجره الله ومنعه من أن يَفيضَ على وجه الأرض، مع أنَّ مقتضى الطبيعة أن يغمرَ وجه الأرض، ولكنَّ حكمته اقتضت أن يمنعه عن الجريان والفيضان؛ ليعيش مَنْ على وجه الأرض من أنواع الحيوان. وقيل: إنَّ المراد بالمسجور: الموقَد، الذي يوقَدُ ناراً يوم القيامةِ، فيصير ناراً تَلَظَّى، ممتلئاً على سعته من أصناف العذاب.
{7} هذه الأشياء التي أقسم الله بها ممَّا يدلُّ على أنَّها من آيات الله وأدلَّة توحيده وبراهين قدرته وبعثه الأموات، ولهذا قال:{إنَّ عذابَ ربِّك لواقعٌ}؛ أي: لابدَّ أن يقع، ولا يخلفُ اللهُ وعده وقيله.
{8}{ما له من دافع}: يدفعُه، ولا مانع يمنعُه، لأنَّ قدرة الله لا يغالبها مغالبٌ ولا يفوتها هاربٌ.
{9} ثم ذكر وصفَ ذلك اليوم الذي يقع فيه العذابُ، فقال:{يوم تمورُ السَّماء مَوۡراً}؛ أي: تدور السماء وتضطرب وتدوم حركتها بانزعاج وعدم سكونٍ.
{10}{وتسير الجبالُ سيراً}؛ أي: تزولُ عن أماكنها، وتسير كسير السحاب، وتتلوَّن كالعهن المنفوش، وتبثُّ بعد ذلك حتى تصير مثل الهباء، وذلك كلُّه لعظم هول يوم القيامةِ؛ [وفظاعة ما فيه من الأمور المزعجة والزلازل المقلقة التي أزعجت هذه الأجرام العظيمة] فكيف بالآدميِّ الضعيف؟!
{11}{فويلٌ يومئذٍ للمكذِّبين}: والويل كلمةٌ جامعةٌ لكلِّ عقوبةٍ وحزنٍ وعذابٍ وخوفٍ.
{12} ثم ذَكَرَ وصفَ المكذِّبين، الذين استحقُّوا به الويل، فقال:{الذين هم في خَوۡضٍ يلعبون}؛ أي: خوض بالباطل ولعب به؛ فعلومُهم وبحوثهم بالعلوم الضارَّة المتضمِّنة للتكذيب بالحقِّ والتصديق بالباطل، وأعمالُهم أعمال أهل الجهل والسَّفَه واللعب؛ بخلاف ما عليه أهل التصديق والإيمان من العلوم النافعة والأعمال الصالحة.
{13 ـ 14}{يومَ يُدَعُّونَ إلى نار جهنَّم دعاً}؛ أي:[يوم] يُدفعون إليها دفعاً، ويساقون إليها سوقاً عنيفاً، ويجرون على وجوههم، ويُقال لهم توبيخاً ولوماً:{هذه النارُ التي كنتمُ بها تكذِّبون}: فاليوم ذوقوا عذابَ الخُلد الذي لا يُبْلَغُ قدرهُ ولا يوصَفُ أمره.
{15}{أفسحرٌ هذا أم أنتم لا تُبصرونَ}: يُحتمل أنَّ الإشارة إلى النار والعذاب؛ كما تدلُّ عليه سياق الآيات ؛ أي: لما رأوا النار والعذاب؛ قيل لهم من باب التقريع: أهذا سحرٌ لا حقيقة له؛ فقد رأيتموه؟! أم أنتم في الدُّنيا لا تبصرون؛ أي: لا بصيرة لكم ولا علم عندَكم، بل كنتُم جاهلين بهذا الأمر، لم تقمْ عليكم الحجَّة؟! والجواب انتفاء الأمرين: أمَّا كونُه سحراً؛ فقد ظهر لهم أنَّه أحقُّ الحقِّ وأصدق الصدق المنافي للسحر من جميع الوجوه. وأمَّا كونُهم لا يبصرون؛ فإنَّ الأمر بخلاف ذلك، بل حجَّة الله قد قامت عليهم، ودعتهُمُ الرُّسل إلى الإيمان بذلك، وأقامت من الأدلَّة والبراهين على ذلك ما يجعله من أعظم الأمور المبرهَنَة الواضحة الجليَّة.
ويُحتمل أنَّ الإشارة بقولِهِ:{أفسحرٌ هذا أم أنتُم لا تبصرونَ}: إلى ما جاء به محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - من الحقِّ المبين والصراط المستقيم؛ أي: أفيتصوَّر مَن له عقلٌ أن يقولَ عنه: إنَّه سحرٌ، وهو أعظم الحقِّ وأجلُّه، ولكن لعدم بصيرتهم قالوا فيه ما قالوا.
{16}{اصۡلَوۡها}؛ أي: ادخلوا النار على وجهٍ تحيطُ بكم وتشملُ أبدانكم وتطَّلع على أفئدتكم، {فاصۡبِروا أو لا تصبروا سواءٌ عليكم}؛ أي: لا يفيدكم الصبر على النار شيئاً، ولا يتأسَّى بعضُكم ببعض، ولا يخفَّف عنكم العذاب، وليست من الأمور التي إذا صبر العبدُ عليها هانت مشقَّتها وزالت شدَّتها، وإنَّما فُعِلَ بهم ذلك بسبب أعمالهم الخبيثة وكسبهم، ولهذا قال:{إنَّما تُجۡزَوۡن ما كنتم تعملونَ}.
الطور 52:11
وهي مكية
بسم الله الرحمن الرحيم
{1} يقسم تعالى بهذه الأمور العظيمة المشتملة على الحِكَم الجليلة على البعث والجزاء للمتَّقين وللمكذِّبين ، فأقسم بالطور، وهو الجبلُ الذي كلَّم الله عليه موسى بن عمران عليه الصلاة السلام، وأوحى إليه ما أوحى من الأحكام، وفي ذلك من المنَّة عليه وعلى أمَّته ما هو من آيات الله العظيمة ونعمه التي لا يَقْدِرُ العباد لها على عدٍّ ولا ثمن.
{2}{وكتابٍ مسطورٍ}: يُحتمل أنَّ المراد به اللوحُ المحفوظ، الذي كتب الله به كلَّ شيءٍ، ويُحتمل أنَّ المراد به القرآن الكريم، الذي هو أفضل الكتب ، أنزله الله محتوياً على نبأ الأوَّلين والآخرين وعلوم السَّابقين واللاحقين.
{3} وقوله: {في رَقٍّ}؛ أي: ورقٍ {منشورٍ}؛ أي: مكتوبٍ، مسطرٍ، ظاهرٍ غير خفيٍّ، لا تخفى حالُه على كلِّ عاقل بصيرٍ.
{4}{والبيت المعمورِ}: وهو البيتُ الذي فوق السماء السابعة، المعمور مدى الأوقات بالملائكة الكرام، [الذي] يدخُله كلُّ يوم سبعون ألف مَلَك، يتعبَّدون فيه لربِّهم، ثمَّ لا يعودون إليه إلى يوم القيامةِ، وقيل: إنَّ البيت المعمور هو بيت الله الحرام المعمور بالطائفين والمصلِّين والذَّاكرين كلَّ وقت وبالوفود إليه بالحجِّ والعمرة؛ كما أقسم الله به في قوله:{وهذا البلدِ الأمين}، وحقيقٌ ببيت هو أفضل بيوت الأرض، الذي يَقْصِدُه الناس بالحجِّ والعمرة، أحد أركان الإسلام ومبانيه العظام، التي لا يتمُّ إلاَّ بها، وهو الذي بناه إبراهيمُ وإسماعيلُ، وجعله الله مثابةً للناس وأمناً؛ أنْ يُقْسِمَ الله به، ويبيِّن من عظمته ما هو اللائقُ به وبحرمته.
{5}{والسقفِ المرفوع}؛ أي: السماء التي جعلها الله سقفاً للمخلوقات وبناءً للأرض تستمدُّ منها أنوارها، ويُقتدى بعلاماتها ومنارها، ويُنْزِلُ اللهُ منها المطر والرحمة وأنواع الرزق.
{6}{والبحر المَسۡجورِ}: أي: المملوء ماءً، قد سجره الله ومنعه من أن يَفيضَ على وجه الأرض، مع أنَّ مقتضى الطبيعة أن يغمرَ وجه الأرض، ولكنَّ حكمته اقتضت أن يمنعه عن الجريان والفيضان؛ ليعيش مَنْ على وجه الأرض من أنواع الحيوان. وقيل: إنَّ المراد بالمسجور: الموقَد، الذي يوقَدُ ناراً يوم القيامةِ، فيصير ناراً تَلَظَّى، ممتلئاً على سعته من أصناف العذاب.
{7} هذه الأشياء التي أقسم الله بها ممَّا يدلُّ على أنَّها من آيات الله وأدلَّة توحيده وبراهين قدرته وبعثه الأموات، ولهذا قال:{إنَّ عذابَ ربِّك لواقعٌ}؛ أي: لابدَّ أن يقع، ولا يخلفُ اللهُ وعده وقيله.
{8}{ما له من دافع}: يدفعُه، ولا مانع يمنعُه، لأنَّ قدرة الله لا يغالبها مغالبٌ ولا يفوتها هاربٌ.
{9} ثم ذكر وصفَ ذلك اليوم الذي يقع فيه العذابُ، فقال:{يوم تمورُ السَّماء مَوۡراً}؛ أي: تدور السماء وتضطرب وتدوم حركتها بانزعاج وعدم سكونٍ.
{10}{وتسير الجبالُ سيراً}؛ أي: تزولُ عن أماكنها، وتسير كسير السحاب، وتتلوَّن كالعهن المنفوش، وتبثُّ بعد ذلك حتى تصير مثل الهباء، وذلك كلُّه لعظم هول يوم القيامةِ؛ [وفظاعة ما فيه من الأمور المزعجة والزلازل المقلقة التي أزعجت هذه الأجرام العظيمة] فكيف بالآدميِّ الضعيف؟!
{11}{فويلٌ يومئذٍ للمكذِّبين}: والويل كلمةٌ جامعةٌ لكلِّ عقوبةٍ وحزنٍ وعذابٍ وخوفٍ.
{12} ثم ذَكَرَ وصفَ المكذِّبين، الذين استحقُّوا به الويل، فقال:{الذين هم في خَوۡضٍ يلعبون}؛ أي: خوض بالباطل ولعب به؛ فعلومُهم وبحوثهم بالعلوم الضارَّة المتضمِّنة للتكذيب بالحقِّ والتصديق بالباطل، وأعمالُهم أعمال أهل الجهل والسَّفَه واللعب؛ بخلاف ما عليه أهل التصديق والإيمان من العلوم النافعة والأعمال الصالحة.
{13 ـ 14}{يومَ يُدَعُّونَ إلى نار جهنَّم دعاً}؛ أي:[يوم] يُدفعون إليها دفعاً، ويساقون إليها سوقاً عنيفاً، ويجرون على وجوههم، ويُقال لهم توبيخاً ولوماً:{هذه النارُ التي كنتمُ بها تكذِّبون}: فاليوم ذوقوا عذابَ الخُلد الذي لا يُبْلَغُ قدرهُ ولا يوصَفُ أمره.
{15}{أفسحرٌ هذا أم أنتم لا تُبصرونَ}: يُحتمل أنَّ الإشارة إلى النار والعذاب؛ كما تدلُّ عليه سياق الآيات ؛ أي: لما رأوا النار والعذاب؛ قيل لهم من باب التقريع: أهذا سحرٌ لا حقيقة له؛ فقد رأيتموه؟! أم أنتم في الدُّنيا لا تبصرون؛ أي: لا بصيرة لكم ولا علم عندَكم، بل كنتُم جاهلين بهذا الأمر، لم تقمْ عليكم الحجَّة؟! والجواب انتفاء الأمرين: أمَّا كونُه سحراً؛ فقد ظهر لهم أنَّه أحقُّ الحقِّ وأصدق الصدق المنافي للسحر من جميع الوجوه. وأمَّا كونُهم لا يبصرون؛ فإنَّ الأمر بخلاف ذلك، بل حجَّة الله قد قامت عليهم، ودعتهُمُ الرُّسل إلى الإيمان بذلك، وأقامت من الأدلَّة والبراهين على ذلك ما يجعله من أعظم الأمور المبرهَنَة الواضحة الجليَّة.
ويُحتمل أنَّ الإشارة بقولِهِ:{أفسحرٌ هذا أم أنتُم لا تبصرونَ}: إلى ما جاء به محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - من الحقِّ المبين والصراط المستقيم؛ أي: أفيتصوَّر مَن له عقلٌ أن يقولَ عنه: إنَّه سحرٌ، وهو أعظم الحقِّ وأجلُّه، ولكن لعدم بصيرتهم قالوا فيه ما قالوا.
{16}{اصۡلَوۡها}؛ أي: ادخلوا النار على وجهٍ تحيطُ بكم وتشملُ أبدانكم وتطَّلع على أفئدتكم، {فاصۡبِروا أو لا تصبروا سواءٌ عليكم}؛ أي: لا يفيدكم الصبر على النار شيئاً، ولا يتأسَّى بعضُكم ببعض، ولا يخفَّف عنكم العذاب، وليست من الأمور التي إذا صبر العبدُ عليها هانت مشقَّتها وزالت شدَّتها، وإنَّما فُعِلَ بهم ذلك بسبب أعمالهم الخبيثة وكسبهم، ولهذا قال:{إنَّما تُجۡزَوۡن ما كنتم تعملونَ}.
الطور 52:12
وهي مكية
بسم الله الرحمن الرحيم
{1} يقسم تعالى بهذه الأمور العظيمة المشتملة على الحِكَم الجليلة على البعث والجزاء للمتَّقين وللمكذِّبين ، فأقسم بالطور، وهو الجبلُ الذي كلَّم الله عليه موسى بن عمران عليه الصلاة السلام، وأوحى إليه ما أوحى من الأحكام، وفي ذلك من المنَّة عليه وعلى أمَّته ما هو من آيات الله العظيمة ونعمه التي لا يَقْدِرُ العباد لها على عدٍّ ولا ثمن.
{2}{وكتابٍ مسطورٍ}: يُحتمل أنَّ المراد به اللوحُ المحفوظ، الذي كتب الله به كلَّ شيءٍ، ويُحتمل أنَّ المراد به القرآن الكريم، الذي هو أفضل الكتب ، أنزله الله محتوياً على نبأ الأوَّلين والآخرين وعلوم السَّابقين واللاحقين.
{3} وقوله: {في رَقٍّ}؛ أي: ورقٍ {منشورٍ}؛ أي: مكتوبٍ، مسطرٍ، ظاهرٍ غير خفيٍّ، لا تخفى حالُه على كلِّ عاقل بصيرٍ.
{4}{والبيت المعمورِ}: وهو البيتُ الذي فوق السماء السابعة، المعمور مدى الأوقات بالملائكة الكرام، [الذي] يدخُله كلُّ يوم سبعون ألف مَلَك، يتعبَّدون فيه لربِّهم، ثمَّ لا يعودون إليه إلى يوم القيامةِ، وقيل: إنَّ البيت المعمور هو بيت الله الحرام المعمور بالطائفين والمصلِّين والذَّاكرين كلَّ وقت وبالوفود إليه بالحجِّ والعمرة؛ كما أقسم الله به في قوله:{وهذا البلدِ الأمين}، وحقيقٌ ببيت هو أفضل بيوت الأرض، الذي يَقْصِدُه الناس بالحجِّ والعمرة، أحد أركان الإسلام ومبانيه العظام، التي لا يتمُّ إلاَّ بها، وهو الذي بناه إبراهيمُ وإسماعيلُ، وجعله الله مثابةً للناس وأمناً؛ أنْ يُقْسِمَ الله به، ويبيِّن من عظمته ما هو اللائقُ به وبحرمته.
{5}{والسقفِ المرفوع}؛ أي: السماء التي جعلها الله سقفاً للمخلوقات وبناءً للأرض تستمدُّ منها أنوارها، ويُقتدى بعلاماتها ومنارها، ويُنْزِلُ اللهُ منها المطر والرحمة وأنواع الرزق.
{6}{والبحر المَسۡجورِ}: أي: المملوء ماءً، قد سجره الله ومنعه من أن يَفيضَ على وجه الأرض، مع أنَّ مقتضى الطبيعة أن يغمرَ وجه الأرض، ولكنَّ حكمته اقتضت أن يمنعه عن الجريان والفيضان؛ ليعيش مَنْ على وجه الأرض من أنواع الحيوان. وقيل: إنَّ المراد بالمسجور: الموقَد، الذي يوقَدُ ناراً يوم القيامةِ، فيصير ناراً تَلَظَّى، ممتلئاً على سعته من أصناف العذاب.
{7} هذه الأشياء التي أقسم الله بها ممَّا يدلُّ على أنَّها من آيات الله وأدلَّة توحيده وبراهين قدرته وبعثه الأموات، ولهذا قال:{إنَّ عذابَ ربِّك لواقعٌ}؛ أي: لابدَّ أن يقع، ولا يخلفُ اللهُ وعده وقيله.
{8}{ما له من دافع}: يدفعُه، ولا مانع يمنعُه، لأنَّ قدرة الله لا يغالبها مغالبٌ ولا يفوتها هاربٌ.
{9} ثم ذكر وصفَ ذلك اليوم الذي يقع فيه العذابُ، فقال:{يوم تمورُ السَّماء مَوۡراً}؛ أي: تدور السماء وتضطرب وتدوم حركتها بانزعاج وعدم سكونٍ.
{10}{وتسير الجبالُ سيراً}؛ أي: تزولُ عن أماكنها، وتسير كسير السحاب، وتتلوَّن كالعهن المنفوش، وتبثُّ بعد ذلك حتى تصير مثل الهباء، وذلك كلُّه لعظم هول يوم القيامةِ؛ [وفظاعة ما فيه من الأمور المزعجة والزلازل المقلقة التي أزعجت هذه الأجرام العظيمة] فكيف بالآدميِّ الضعيف؟!
{11}{فويلٌ يومئذٍ للمكذِّبين}: والويل كلمةٌ جامعةٌ لكلِّ عقوبةٍ وحزنٍ وعذابٍ وخوفٍ.
{12} ثم ذَكَرَ وصفَ المكذِّبين، الذين استحقُّوا به الويل، فقال:{الذين هم في خَوۡضٍ يلعبون}؛ أي: خوض بالباطل ولعب به؛ فعلومُهم وبحوثهم بالعلوم الضارَّة المتضمِّنة للتكذيب بالحقِّ والتصديق بالباطل، وأعمالُهم أعمال أهل الجهل والسَّفَه واللعب؛ بخلاف ما عليه أهل التصديق والإيمان من العلوم النافعة والأعمال الصالحة.
{13 ـ 14}{يومَ يُدَعُّونَ إلى نار جهنَّم دعاً}؛ أي:[يوم] يُدفعون إليها دفعاً، ويساقون إليها سوقاً عنيفاً، ويجرون على وجوههم، ويُقال لهم توبيخاً ولوماً:{هذه النارُ التي كنتمُ بها تكذِّبون}: فاليوم ذوقوا عذابَ الخُلد الذي لا يُبْلَغُ قدرهُ ولا يوصَفُ أمره.
{15}{أفسحرٌ هذا أم أنتم لا تُبصرونَ}: يُحتمل أنَّ الإشارة إلى النار والعذاب؛ كما تدلُّ عليه سياق الآيات ؛ أي: لما رأوا النار والعذاب؛ قيل لهم من باب التقريع: أهذا سحرٌ لا حقيقة له؛ فقد رأيتموه؟! أم أنتم في الدُّنيا لا تبصرون؛ أي: لا بصيرة لكم ولا علم عندَكم، بل كنتُم جاهلين بهذا الأمر، لم تقمْ عليكم الحجَّة؟! والجواب انتفاء الأمرين: أمَّا كونُه سحراً؛ فقد ظهر لهم أنَّه أحقُّ الحقِّ وأصدق الصدق المنافي للسحر من جميع الوجوه. وأمَّا كونُهم لا يبصرون؛ فإنَّ الأمر بخلاف ذلك، بل حجَّة الله قد قامت عليهم، ودعتهُمُ الرُّسل إلى الإيمان بذلك، وأقامت من الأدلَّة والبراهين على ذلك ما يجعله من أعظم الأمور المبرهَنَة الواضحة الجليَّة.
ويُحتمل أنَّ الإشارة بقولِهِ:{أفسحرٌ هذا أم أنتُم لا تبصرونَ}: إلى ما جاء به محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - من الحقِّ المبين والصراط المستقيم؛ أي: أفيتصوَّر مَن له عقلٌ أن يقولَ عنه: إنَّه سحرٌ، وهو أعظم الحقِّ وأجلُّه، ولكن لعدم بصيرتهم قالوا فيه ما قالوا.
{16}{اصۡلَوۡها}؛ أي: ادخلوا النار على وجهٍ تحيطُ بكم وتشملُ أبدانكم وتطَّلع على أفئدتكم، {فاصۡبِروا أو لا تصبروا سواءٌ عليكم}؛ أي: لا يفيدكم الصبر على النار شيئاً، ولا يتأسَّى بعضُكم ببعض، ولا يخفَّف عنكم العذاب، وليست من الأمور التي إذا صبر العبدُ عليها هانت مشقَّتها وزالت شدَّتها، وإنَّما فُعِلَ بهم ذلك بسبب أعمالهم الخبيثة وكسبهم، ولهذا قال:{إنَّما تُجۡزَوۡن ما كنتم تعملونَ}.
الطور 52:13
وهي مكية
بسم الله الرحمن الرحيم
{1} يقسم تعالى بهذه الأمور العظيمة المشتملة على الحِكَم الجليلة على البعث والجزاء للمتَّقين وللمكذِّبين ، فأقسم بالطور، وهو الجبلُ الذي كلَّم الله عليه موسى بن عمران عليه الصلاة السلام، وأوحى إليه ما أوحى من الأحكام، وفي ذلك من المنَّة عليه وعلى أمَّته ما هو من آيات الله العظيمة ونعمه التي لا يَقْدِرُ العباد لها على عدٍّ ولا ثمن.
{2}{وكتابٍ مسطورٍ}: يُحتمل أنَّ المراد به اللوحُ المحفوظ، الذي كتب الله به كلَّ شيءٍ، ويُحتمل أنَّ المراد به القرآن الكريم، الذي هو أفضل الكتب ، أنزله الله محتوياً على نبأ الأوَّلين والآخرين وعلوم السَّابقين واللاحقين.
{3} وقوله: {في رَقٍّ}؛ أي: ورقٍ {منشورٍ}؛ أي: مكتوبٍ، مسطرٍ، ظاهرٍ غير خفيٍّ، لا تخفى حالُه على كلِّ عاقل بصيرٍ.
{4}{والبيت المعمورِ}: وهو البيتُ الذي فوق السماء السابعة، المعمور مدى الأوقات بالملائكة الكرام، [الذي] يدخُله كلُّ يوم سبعون ألف مَلَك، يتعبَّدون فيه لربِّهم، ثمَّ لا يعودون إليه إلى يوم القيامةِ، وقيل: إنَّ البيت المعمور هو بيت الله الحرام المعمور بالطائفين والمصلِّين والذَّاكرين كلَّ وقت وبالوفود إليه بالحجِّ والعمرة؛ كما أقسم الله به في قوله:{وهذا البلدِ الأمين}، وحقيقٌ ببيت هو أفضل بيوت الأرض، الذي يَقْصِدُه الناس بالحجِّ والعمرة، أحد أركان الإسلام ومبانيه العظام، التي لا يتمُّ إلاَّ بها، وهو الذي بناه إبراهيمُ وإسماعيلُ، وجعله الله مثابةً للناس وأمناً؛ أنْ يُقْسِمَ الله به، ويبيِّن من عظمته ما هو اللائقُ به وبحرمته.
{5}{والسقفِ المرفوع}؛ أي: السماء التي جعلها الله سقفاً للمخلوقات وبناءً للأرض تستمدُّ منها أنوارها، ويُقتدى بعلاماتها ومنارها، ويُنْزِلُ اللهُ منها المطر والرحمة وأنواع الرزق.
{6}{والبحر المَسۡجورِ}: أي: المملوء ماءً، قد سجره الله ومنعه من أن يَفيضَ على وجه الأرض، مع أنَّ مقتضى الطبيعة أن يغمرَ وجه الأرض، ولكنَّ حكمته اقتضت أن يمنعه عن الجريان والفيضان؛ ليعيش مَنْ على وجه الأرض من أنواع الحيوان. وقيل: إنَّ المراد بالمسجور: الموقَد، الذي يوقَدُ ناراً يوم القيامةِ، فيصير ناراً تَلَظَّى، ممتلئاً على سعته من أصناف العذاب.
{7} هذه الأشياء التي أقسم الله بها ممَّا يدلُّ على أنَّها من آيات الله وأدلَّة توحيده وبراهين قدرته وبعثه الأموات، ولهذا قال:{إنَّ عذابَ ربِّك لواقعٌ}؛ أي: لابدَّ أن يقع، ولا يخلفُ اللهُ وعده وقيله.
{8}{ما له من دافع}: يدفعُه، ولا مانع يمنعُه، لأنَّ قدرة الله لا يغالبها مغالبٌ ولا يفوتها هاربٌ.
{9} ثم ذكر وصفَ ذلك اليوم الذي يقع فيه العذابُ، فقال:{يوم تمورُ السَّماء مَوۡراً}؛ أي: تدور السماء وتضطرب وتدوم حركتها بانزعاج وعدم سكونٍ.
{10}{وتسير الجبالُ سيراً}؛ أي: تزولُ عن أماكنها، وتسير كسير السحاب، وتتلوَّن كالعهن المنفوش، وتبثُّ بعد ذلك حتى تصير مثل الهباء، وذلك كلُّه لعظم هول يوم القيامةِ؛ [وفظاعة ما فيه من الأمور المزعجة والزلازل المقلقة التي أزعجت هذه الأجرام العظيمة] فكيف بالآدميِّ الضعيف؟!
{11}{فويلٌ يومئذٍ للمكذِّبين}: والويل كلمةٌ جامعةٌ لكلِّ عقوبةٍ وحزنٍ وعذابٍ وخوفٍ.
{12} ثم ذَكَرَ وصفَ المكذِّبين، الذين استحقُّوا به الويل، فقال:{الذين هم في خَوۡضٍ يلعبون}؛ أي: خوض بالباطل ولعب به؛ فعلومُهم وبحوثهم بالعلوم الضارَّة المتضمِّنة للتكذيب بالحقِّ والتصديق بالباطل، وأعمالُهم أعمال أهل الجهل والسَّفَه واللعب؛ بخلاف ما عليه أهل التصديق والإيمان من العلوم النافعة والأعمال الصالحة.
{13 ـ 14}{يومَ يُدَعُّونَ إلى نار جهنَّم دعاً}؛ أي:[يوم] يُدفعون إليها دفعاً، ويساقون إليها سوقاً عنيفاً، ويجرون على وجوههم، ويُقال لهم توبيخاً ولوماً:{هذه النارُ التي كنتمُ بها تكذِّبون}: فاليوم ذوقوا عذابَ الخُلد الذي لا يُبْلَغُ قدرهُ ولا يوصَفُ أمره.
{15}{أفسحرٌ هذا أم أنتم لا تُبصرونَ}: يُحتمل أنَّ الإشارة إلى النار والعذاب؛ كما تدلُّ عليه سياق الآيات ؛ أي: لما رأوا النار والعذاب؛ قيل لهم من باب التقريع: أهذا سحرٌ لا حقيقة له؛ فقد رأيتموه؟! أم أنتم في الدُّنيا لا تبصرون؛ أي: لا بصيرة لكم ولا علم عندَكم، بل كنتُم جاهلين بهذا الأمر، لم تقمْ عليكم الحجَّة؟! والجواب انتفاء الأمرين: أمَّا كونُه سحراً؛ فقد ظهر لهم أنَّه أحقُّ الحقِّ وأصدق الصدق المنافي للسحر من جميع الوجوه. وأمَّا كونُهم لا يبصرون؛ فإنَّ الأمر بخلاف ذلك، بل حجَّة الله قد قامت عليهم، ودعتهُمُ الرُّسل إلى الإيمان بذلك، وأقامت من الأدلَّة والبراهين على ذلك ما يجعله من أعظم الأمور المبرهَنَة الواضحة الجليَّة.
ويُحتمل أنَّ الإشارة بقولِهِ:{أفسحرٌ هذا أم أنتُم لا تبصرونَ}: إلى ما جاء به محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - من الحقِّ المبين والصراط المستقيم؛ أي: أفيتصوَّر مَن له عقلٌ أن يقولَ عنه: إنَّه سحرٌ، وهو أعظم الحقِّ وأجلُّه، ولكن لعدم بصيرتهم قالوا فيه ما قالوا.
{16}{اصۡلَوۡها}؛ أي: ادخلوا النار على وجهٍ تحيطُ بكم وتشملُ أبدانكم وتطَّلع على أفئدتكم، {فاصۡبِروا أو لا تصبروا سواءٌ عليكم}؛ أي: لا يفيدكم الصبر على النار شيئاً، ولا يتأسَّى بعضُكم ببعض، ولا يخفَّف عنكم العذاب، وليست من الأمور التي إذا صبر العبدُ عليها هانت مشقَّتها وزالت شدَّتها، وإنَّما فُعِلَ بهم ذلك بسبب أعمالهم الخبيثة وكسبهم، ولهذا قال:{إنَّما تُجۡزَوۡن ما كنتم تعملونَ}.
الطور 52:14
وهي مكية
بسم الله الرحمن الرحيم
{1} يقسم تعالى بهذه الأمور العظيمة المشتملة على الحِكَم الجليلة على البعث والجزاء للمتَّقين وللمكذِّبين ، فأقسم بالطور، وهو الجبلُ الذي كلَّم الله عليه موسى بن عمران عليه الصلاة السلام، وأوحى إليه ما أوحى من الأحكام، وفي ذلك من المنَّة عليه وعلى أمَّته ما هو من آيات الله العظيمة ونعمه التي لا يَقْدِرُ العباد لها على عدٍّ ولا ثمن.
{2}{وكتابٍ مسطورٍ}: يُحتمل أنَّ المراد به اللوحُ المحفوظ، الذي كتب الله به كلَّ شيءٍ، ويُحتمل أنَّ المراد به القرآن الكريم، الذي هو أفضل الكتب ، أنزله الله محتوياً على نبأ الأوَّلين والآخرين وعلوم السَّابقين واللاحقين.
{3} وقوله: {في رَقٍّ}؛ أي: ورقٍ {منشورٍ}؛ أي: مكتوبٍ، مسطرٍ، ظاهرٍ غير خفيٍّ، لا تخفى حالُه على كلِّ عاقل بصيرٍ.
{4}{والبيت المعمورِ}: وهو البيتُ الذي فوق السماء السابعة، المعمور مدى الأوقات بالملائكة الكرام، [الذي] يدخُله كلُّ يوم سبعون ألف مَلَك، يتعبَّدون فيه لربِّهم، ثمَّ لا يعودون إليه إلى يوم القيامةِ، وقيل: إنَّ البيت المعمور هو بيت الله الحرام المعمور بالطائفين والمصلِّين والذَّاكرين كلَّ وقت وبالوفود إليه بالحجِّ والعمرة؛ كما أقسم الله به في قوله:{وهذا البلدِ الأمين}، وحقيقٌ ببيت هو أفضل بيوت الأرض، الذي يَقْصِدُه الناس بالحجِّ والعمرة، أحد أركان الإسلام ومبانيه العظام، التي لا يتمُّ إلاَّ بها، وهو الذي بناه إبراهيمُ وإسماعيلُ، وجعله الله مثابةً للناس وأمناً؛ أنْ يُقْسِمَ الله به، ويبيِّن من عظمته ما هو اللائقُ به وبحرمته.
{5}{والسقفِ المرفوع}؛ أي: السماء التي جعلها الله سقفاً للمخلوقات وبناءً للأرض تستمدُّ منها أنوارها، ويُقتدى بعلاماتها ومنارها، ويُنْزِلُ اللهُ منها المطر والرحمة وأنواع الرزق.
{6}{والبحر المَسۡجورِ}: أي: المملوء ماءً، قد سجره الله ومنعه من أن يَفيضَ على وجه الأرض، مع أنَّ مقتضى الطبيعة أن يغمرَ وجه الأرض، ولكنَّ حكمته اقتضت أن يمنعه عن الجريان والفيضان؛ ليعيش مَنْ على وجه الأرض من أنواع الحيوان. وقيل: إنَّ المراد بالمسجور: الموقَد، الذي يوقَدُ ناراً يوم القيامةِ، فيصير ناراً تَلَظَّى، ممتلئاً على سعته من أصناف العذاب.
{7} هذه الأشياء التي أقسم الله بها ممَّا يدلُّ على أنَّها من آيات الله وأدلَّة توحيده وبراهين قدرته وبعثه الأموات، ولهذا قال:{إنَّ عذابَ ربِّك لواقعٌ}؛ أي: لابدَّ أن يقع، ولا يخلفُ اللهُ وعده وقيله.
{8}{ما له من دافع}: يدفعُه، ولا مانع يمنعُه، لأنَّ قدرة الله لا يغالبها مغالبٌ ولا يفوتها هاربٌ.
{9} ثم ذكر وصفَ ذلك اليوم الذي يقع فيه العذابُ، فقال:{يوم تمورُ السَّماء مَوۡراً}؛ أي: تدور السماء وتضطرب وتدوم حركتها بانزعاج وعدم سكونٍ.
{10}{وتسير الجبالُ سيراً}؛ أي: تزولُ عن أماكنها، وتسير كسير السحاب، وتتلوَّن كالعهن المنفوش، وتبثُّ بعد ذلك حتى تصير مثل الهباء، وذلك كلُّه لعظم هول يوم القيامةِ؛ [وفظاعة ما فيه من الأمور المزعجة والزلازل المقلقة التي أزعجت هذه الأجرام العظيمة] فكيف بالآدميِّ الضعيف؟!
{11}{فويلٌ يومئذٍ للمكذِّبين}: والويل كلمةٌ جامعةٌ لكلِّ عقوبةٍ وحزنٍ وعذابٍ وخوفٍ.
{12} ثم ذَكَرَ وصفَ المكذِّبين، الذين استحقُّوا به الويل، فقال:{الذين هم في خَوۡضٍ يلعبون}؛ أي: خوض بالباطل ولعب به؛ فعلومُهم وبحوثهم بالعلوم الضارَّة المتضمِّنة للتكذيب بالحقِّ والتصديق بالباطل، وأعمالُهم أعمال أهل الجهل والسَّفَه واللعب؛ بخلاف ما عليه أهل التصديق والإيمان من العلوم النافعة والأعمال الصالحة.
{13 ـ 14}{يومَ يُدَعُّونَ إلى نار جهنَّم دعاً}؛ أي:[يوم] يُدفعون إليها دفعاً، ويساقون إليها سوقاً عنيفاً، ويجرون على وجوههم، ويُقال لهم توبيخاً ولوماً:{هذه النارُ التي كنتمُ بها تكذِّبون}: فاليوم ذوقوا عذابَ الخُلد الذي لا يُبْلَغُ قدرهُ ولا يوصَفُ أمره.
{15}{أفسحرٌ هذا أم أنتم لا تُبصرونَ}: يُحتمل أنَّ الإشارة إلى النار والعذاب؛ كما تدلُّ عليه سياق الآيات ؛ أي: لما رأوا النار والعذاب؛ قيل لهم من باب التقريع: أهذا سحرٌ لا حقيقة له؛ فقد رأيتموه؟! أم أنتم في الدُّنيا لا تبصرون؛ أي: لا بصيرة لكم ولا علم عندَكم، بل كنتُم جاهلين بهذا الأمر، لم تقمْ عليكم الحجَّة؟! والجواب انتفاء الأمرين: أمَّا كونُه سحراً؛ فقد ظهر لهم أنَّه أحقُّ الحقِّ وأصدق الصدق المنافي للسحر من جميع الوجوه. وأمَّا كونُهم لا يبصرون؛ فإنَّ الأمر بخلاف ذلك، بل حجَّة الله قد قامت عليهم، ودعتهُمُ الرُّسل إلى الإيمان بذلك، وأقامت من الأدلَّة والبراهين على ذلك ما يجعله من أعظم الأمور المبرهَنَة الواضحة الجليَّة.
ويُحتمل أنَّ الإشارة بقولِهِ:{أفسحرٌ هذا أم أنتُم لا تبصرونَ}: إلى ما جاء به محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - من الحقِّ المبين والصراط المستقيم؛ أي: أفيتصوَّر مَن له عقلٌ أن يقولَ عنه: إنَّه سحرٌ، وهو أعظم الحقِّ وأجلُّه، ولكن لعدم بصيرتهم قالوا فيه ما قالوا.
{16}{اصۡلَوۡها}؛ أي: ادخلوا النار على وجهٍ تحيطُ بكم وتشملُ أبدانكم وتطَّلع على أفئدتكم، {فاصۡبِروا أو لا تصبروا سواءٌ عليكم}؛ أي: لا يفيدكم الصبر على النار شيئاً، ولا يتأسَّى بعضُكم ببعض، ولا يخفَّف عنكم العذاب، وليست من الأمور التي إذا صبر العبدُ عليها هانت مشقَّتها وزالت شدَّتها، وإنَّما فُعِلَ بهم ذلك بسبب أعمالهم الخبيثة وكسبهم، ولهذا قال:{إنَّما تُجۡزَوۡن ما كنتم تعملونَ}.
الطور 52:15
وهي مكية
بسم الله الرحمن الرحيم
{1} يقسم تعالى بهذه الأمور العظيمة المشتملة على الحِكَم الجليلة على البعث والجزاء للمتَّقين وللمكذِّبين ، فأقسم بالطور، وهو الجبلُ الذي كلَّم الله عليه موسى بن عمران عليه الصلاة السلام، وأوحى إليه ما أوحى من الأحكام، وفي ذلك من المنَّة عليه وعلى أمَّته ما هو من آيات الله العظيمة ونعمه التي لا يَقْدِرُ العباد لها على عدٍّ ولا ثمن.
{2}{وكتابٍ مسطورٍ}: يُحتمل أنَّ المراد به اللوحُ المحفوظ، الذي كتب الله به كلَّ شيءٍ، ويُحتمل أنَّ المراد به القرآن الكريم، الذي هو أفضل الكتب ، أنزله الله محتوياً على نبأ الأوَّلين والآخرين وعلوم السَّابقين واللاحقين.
{3} وقوله: {في رَقٍّ}؛ أي: ورقٍ {منشورٍ}؛ أي: مكتوبٍ، مسطرٍ، ظاهرٍ غير خفيٍّ، لا تخفى حالُه على كلِّ عاقل بصيرٍ.
{4}{والبيت المعمورِ}: وهو البيتُ الذي فوق السماء السابعة، المعمور مدى الأوقات بالملائكة الكرام، [الذي] يدخُله كلُّ يوم سبعون ألف مَلَك، يتعبَّدون فيه لربِّهم، ثمَّ لا يعودون إليه إلى يوم القيامةِ، وقيل: إنَّ البيت المعمور هو بيت الله الحرام المعمور بالطائفين والمصلِّين والذَّاكرين كلَّ وقت وبالوفود إليه بالحجِّ والعمرة؛ كما أقسم الله به في قوله:{وهذا البلدِ الأمين}، وحقيقٌ ببيت هو أفضل بيوت الأرض، الذي يَقْصِدُه الناس بالحجِّ والعمرة، أحد أركان الإسلام ومبانيه العظام، التي لا يتمُّ إلاَّ بها، وهو الذي بناه إبراهيمُ وإسماعيلُ، وجعله الله مثابةً للناس وأمناً؛ أنْ يُقْسِمَ الله به، ويبيِّن من عظمته ما هو اللائقُ به وبحرمته.
{5}{والسقفِ المرفوع}؛ أي: السماء التي جعلها الله سقفاً للمخلوقات وبناءً للأرض تستمدُّ منها أنوارها، ويُقتدى بعلاماتها ومنارها، ويُنْزِلُ اللهُ منها المطر والرحمة وأنواع الرزق.
{6}{والبحر المَسۡجورِ}: أي: المملوء ماءً، قد سجره الله ومنعه من أن يَفيضَ على وجه الأرض، مع أنَّ مقتضى الطبيعة أن يغمرَ وجه الأرض، ولكنَّ حكمته اقتضت أن يمنعه عن الجريان والفيضان؛ ليعيش مَنْ على وجه الأرض من أنواع الحيوان. وقيل: إنَّ المراد بالمسجور: الموقَد، الذي يوقَدُ ناراً يوم القيامةِ، فيصير ناراً تَلَظَّى، ممتلئاً على سعته من أصناف العذاب.
{7} هذه الأشياء التي أقسم الله بها ممَّا يدلُّ على أنَّها من آيات الله وأدلَّة توحيده وبراهين قدرته وبعثه الأموات، ولهذا قال:{إنَّ عذابَ ربِّك لواقعٌ}؛ أي: لابدَّ أن يقع، ولا يخلفُ اللهُ وعده وقيله.
{8}{ما له من دافع}: يدفعُه، ولا مانع يمنعُه، لأنَّ قدرة الله لا يغالبها مغالبٌ ولا يفوتها هاربٌ.
{9} ثم ذكر وصفَ ذلك اليوم الذي يقع فيه العذابُ، فقال:{يوم تمورُ السَّماء مَوۡراً}؛ أي: تدور السماء وتضطرب وتدوم حركتها بانزعاج وعدم سكونٍ.
{10}{وتسير الجبالُ سيراً}؛ أي: تزولُ عن أماكنها، وتسير كسير السحاب، وتتلوَّن كالعهن المنفوش، وتبثُّ بعد ذلك حتى تصير مثل الهباء، وذلك كلُّه لعظم هول يوم القيامةِ؛ [وفظاعة ما فيه من الأمور المزعجة والزلازل المقلقة التي أزعجت هذه الأجرام العظيمة] فكيف بالآدميِّ الضعيف؟!
{11}{فويلٌ يومئذٍ للمكذِّبين}: والويل كلمةٌ جامعةٌ لكلِّ عقوبةٍ وحزنٍ وعذابٍ وخوفٍ.
{12} ثم ذَكَرَ وصفَ المكذِّبين، الذين استحقُّوا به الويل، فقال:{الذين هم في خَوۡضٍ يلعبون}؛ أي: خوض بالباطل ولعب به؛ فعلومُهم وبحوثهم بالعلوم الضارَّة المتضمِّنة للتكذيب بالحقِّ والتصديق بالباطل، وأعمالُهم أعمال أهل الجهل والسَّفَه واللعب؛ بخلاف ما عليه أهل التصديق والإيمان من العلوم النافعة والأعمال الصالحة.
{13 ـ 14}{يومَ يُدَعُّونَ إلى نار جهنَّم دعاً}؛ أي:[يوم] يُدفعون إليها دفعاً، ويساقون إليها سوقاً عنيفاً، ويجرون على وجوههم، ويُقال لهم توبيخاً ولوماً:{هذه النارُ التي كنتمُ بها تكذِّبون}: فاليوم ذوقوا عذابَ الخُلد الذي لا يُبْلَغُ قدرهُ ولا يوصَفُ أمره.
{15}{أفسحرٌ هذا أم أنتم لا تُبصرونَ}: يُحتمل أنَّ الإشارة إلى النار والعذاب؛ كما تدلُّ عليه سياق الآيات ؛ أي: لما رأوا النار والعذاب؛ قيل لهم من باب التقريع: أهذا سحرٌ لا حقيقة له؛ فقد رأيتموه؟! أم أنتم في الدُّنيا لا تبصرون؛ أي: لا بصيرة لكم ولا علم عندَكم، بل كنتُم جاهلين بهذا الأمر، لم تقمْ عليكم الحجَّة؟! والجواب انتفاء الأمرين: أمَّا كونُه سحراً؛ فقد ظهر لهم أنَّه أحقُّ الحقِّ وأصدق الصدق المنافي للسحر من جميع الوجوه. وأمَّا كونُهم لا يبصرون؛ فإنَّ الأمر بخلاف ذلك، بل حجَّة الله قد قامت عليهم، ودعتهُمُ الرُّسل إلى الإيمان بذلك، وأقامت من الأدلَّة والبراهين على ذلك ما يجعله من أعظم الأمور المبرهَنَة الواضحة الجليَّة.
ويُحتمل أنَّ الإشارة بقولِهِ:{أفسحرٌ هذا أم أنتُم لا تبصرونَ}: إلى ما جاء به محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - من الحقِّ المبين والصراط المستقيم؛ أي: أفيتصوَّر مَن له عقلٌ أن يقولَ عنه: إنَّه سحرٌ، وهو أعظم الحقِّ وأجلُّه، ولكن لعدم بصيرتهم قالوا فيه ما قالوا.
{16}{اصۡلَوۡها}؛ أي: ادخلوا النار على وجهٍ تحيطُ بكم وتشملُ أبدانكم وتطَّلع على أفئدتكم، {فاصۡبِروا أو لا تصبروا سواءٌ عليكم}؛ أي: لا يفيدكم الصبر على النار شيئاً، ولا يتأسَّى بعضُكم ببعض، ولا يخفَّف عنكم العذاب، وليست من الأمور التي إذا صبر العبدُ عليها هانت مشقَّتها وزالت شدَّتها، وإنَّما فُعِلَ بهم ذلك بسبب أعمالهم الخبيثة وكسبهم، ولهذا قال:{إنَّما تُجۡزَوۡن ما كنتم تعملونَ}.
الطور 52:16
وهي مكية
بسم الله الرحمن الرحيم
{1} يقسم تعالى بهذه الأمور العظيمة المشتملة على الحِكَم الجليلة على البعث والجزاء للمتَّقين وللمكذِّبين ، فأقسم بالطور، وهو الجبلُ الذي كلَّم الله عليه موسى بن عمران عليه الصلاة السلام، وأوحى إليه ما أوحى من الأحكام، وفي ذلك من المنَّة عليه وعلى أمَّته ما هو من آيات الله العظيمة ونعمه التي لا يَقْدِرُ العباد لها على عدٍّ ولا ثمن.
{2}{وكتابٍ مسطورٍ}: يُحتمل أنَّ المراد به اللوحُ المحفوظ، الذي كتب الله به كلَّ شيءٍ، ويُحتمل أنَّ المراد به القرآن الكريم، الذي هو أفضل الكتب ، أنزله الله محتوياً على نبأ الأوَّلين والآخرين وعلوم السَّابقين واللاحقين.
{3} وقوله: {في رَقٍّ}؛ أي: ورقٍ {منشورٍ}؛ أي: مكتوبٍ، مسطرٍ، ظاهرٍ غير خفيٍّ، لا تخفى حالُه على كلِّ عاقل بصيرٍ.
{4}{والبيت المعمورِ}: وهو البيتُ الذي فوق السماء السابعة، المعمور مدى الأوقات بالملائكة الكرام، [الذي] يدخُله كلُّ يوم سبعون ألف مَلَك، يتعبَّدون فيه لربِّهم، ثمَّ لا يعودون إليه إلى يوم القيامةِ، وقيل: إنَّ البيت المعمور هو بيت الله الحرام المعمور بالطائفين والمصلِّين والذَّاكرين كلَّ وقت وبالوفود إليه بالحجِّ والعمرة؛ كما أقسم الله به في قوله:{وهذا البلدِ الأمين}، وحقيقٌ ببيت هو أفضل بيوت الأرض، الذي يَقْصِدُه الناس بالحجِّ والعمرة، أحد أركان الإسلام ومبانيه العظام، التي لا يتمُّ إلاَّ بها، وهو الذي بناه إبراهيمُ وإسماعيلُ، وجعله الله مثابةً للناس وأمناً؛ أنْ يُقْسِمَ الله به، ويبيِّن من عظمته ما هو اللائقُ به وبحرمته.
{5}{والسقفِ المرفوع}؛ أي: السماء التي جعلها الله سقفاً للمخلوقات وبناءً للأرض تستمدُّ منها أنوارها، ويُقتدى بعلاماتها ومنارها، ويُنْزِلُ اللهُ منها المطر والرحمة وأنواع الرزق.
{6}{والبحر المَسۡجورِ}: أي: المملوء ماءً، قد سجره الله ومنعه من أن يَفيضَ على وجه الأرض، مع أنَّ مقتضى الطبيعة أن يغمرَ وجه الأرض، ولكنَّ حكمته اقتضت أن يمنعه عن الجريان والفيضان؛ ليعيش مَنْ على وجه الأرض من أنواع الحيوان. وقيل: إنَّ المراد بالمسجور: الموقَد، الذي يوقَدُ ناراً يوم القيامةِ، فيصير ناراً تَلَظَّى، ممتلئاً على سعته من أصناف العذاب.
{7} هذه الأشياء التي أقسم الله بها ممَّا يدلُّ على أنَّها من آيات الله وأدلَّة توحيده وبراهين قدرته وبعثه الأموات، ولهذا قال:{إنَّ عذابَ ربِّك لواقعٌ}؛ أي: لابدَّ أن يقع، ولا يخلفُ اللهُ وعده وقيله.
{8}{ما له من دافع}: يدفعُه، ولا مانع يمنعُه، لأنَّ قدرة الله لا يغالبها مغالبٌ ولا يفوتها هاربٌ.
{9} ثم ذكر وصفَ ذلك اليوم الذي يقع فيه العذابُ، فقال:{يوم تمورُ السَّماء مَوۡراً}؛ أي: تدور السماء وتضطرب وتدوم حركتها بانزعاج وعدم سكونٍ.
{10}{وتسير الجبالُ سيراً}؛ أي: تزولُ عن أماكنها، وتسير كسير السحاب، وتتلوَّن كالعهن المنفوش، وتبثُّ بعد ذلك حتى تصير مثل الهباء، وذلك كلُّه لعظم هول يوم القيامةِ؛ [وفظاعة ما فيه من الأمور المزعجة والزلازل المقلقة التي أزعجت هذه الأجرام العظيمة] فكيف بالآدميِّ الضعيف؟!
{11}{فويلٌ يومئذٍ للمكذِّبين}: والويل كلمةٌ جامعةٌ لكلِّ عقوبةٍ وحزنٍ وعذابٍ وخوفٍ.
{12} ثم ذَكَرَ وصفَ المكذِّبين، الذين استحقُّوا به الويل، فقال:{الذين هم في خَوۡضٍ يلعبون}؛ أي: خوض بالباطل ولعب به؛ فعلومُهم وبحوثهم بالعلوم الضارَّة المتضمِّنة للتكذيب بالحقِّ والتصديق بالباطل، وأعمالُهم أعمال أهل الجهل والسَّفَه واللعب؛ بخلاف ما عليه أهل التصديق والإيمان من العلوم النافعة والأعمال الصالحة.
{13 ـ 14}{يومَ يُدَعُّونَ إلى نار جهنَّم دعاً}؛ أي:[يوم] يُدفعون إليها دفعاً، ويساقون إليها سوقاً عنيفاً، ويجرون على وجوههم، ويُقال لهم توبيخاً ولوماً:{هذه النارُ التي كنتمُ بها تكذِّبون}: فاليوم ذوقوا عذابَ الخُلد الذي لا يُبْلَغُ قدرهُ ولا يوصَفُ أمره.
{15}{أفسحرٌ هذا أم أنتم لا تُبصرونَ}: يُحتمل أنَّ الإشارة إلى النار والعذاب؛ كما تدلُّ عليه سياق الآيات ؛ أي: لما رأوا النار والعذاب؛ قيل لهم من باب التقريع: أهذا سحرٌ لا حقيقة له؛ فقد رأيتموه؟! أم أنتم في الدُّنيا لا تبصرون؛ أي: لا بصيرة لكم ولا علم عندَكم، بل كنتُم جاهلين بهذا الأمر، لم تقمْ عليكم الحجَّة؟! والجواب انتفاء الأمرين: أمَّا كونُه سحراً؛ فقد ظهر لهم أنَّه أحقُّ الحقِّ وأصدق الصدق المنافي للسحر من جميع الوجوه. وأمَّا كونُهم لا يبصرون؛ فإنَّ الأمر بخلاف ذلك، بل حجَّة الله قد قامت عليهم، ودعتهُمُ الرُّسل إلى الإيمان بذلك، وأقامت من الأدلَّة والبراهين على ذلك ما يجعله من أعظم الأمور المبرهَنَة الواضحة الجليَّة.
ويُحتمل أنَّ الإشارة بقولِهِ:{أفسحرٌ هذا أم أنتُم لا تبصرونَ}: إلى ما جاء به محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - من الحقِّ المبين والصراط المستقيم؛ أي: أفيتصوَّر مَن له عقلٌ أن يقولَ عنه: إنَّه سحرٌ، وهو أعظم الحقِّ وأجلُّه، ولكن لعدم بصيرتهم قالوا فيه ما قالوا.
{16}{اصۡلَوۡها}؛ أي: ادخلوا النار على وجهٍ تحيطُ بكم وتشملُ أبدانكم وتطَّلع على أفئدتكم، {فاصۡبِروا أو لا تصبروا سواءٌ عليكم}؛ أي: لا يفيدكم الصبر على النار شيئاً، ولا يتأسَّى بعضُكم ببعض، ولا يخفَّف عنكم العذاب، وليست من الأمور التي إذا صبر العبدُ عليها هانت مشقَّتها وزالت شدَّتها، وإنَّما فُعِلَ بهم ذلك بسبب أعمالهم الخبيثة وكسبهم، ولهذا قال:{إنَّما تُجۡزَوۡن ما كنتم تعملونَ}.
الطور 52:17
{17} لمَّا ذكر تعالى عقوبة المكذِّبين؛ ذكر نعيم المتَّقين؛ ليجمع بين الترغيب والترهيب، فتكون القلوبُ بين الخوف والرجاء، فقال:{إنَّ المتَّقين}: لربِّهم، الذين اتَّقوا سخطه وعذابه بفعل أسبابه من امتثال الأوامر واجتناب النواهي، {في جنَّاتٍ}؛ أي: بساتين، قد اكتست رياضها من الأشجار الملتفَّة والأنهار المتدفِّقة والقصور المُحْدِقة والمنازل المُزَخْرَفة، {ونعِيمٍ}: وهذا شاملٌ لنعيم القلب والروح والبدن.
{18}{فاكهين بما آتاهم ربُّهم}؛ أي: معجبين به، متمتِّعين على وجه الفرح والسرور بما أعطاهم الله من النعيم الذي لا يمكن وصفُه، و {لا تعلمُ نفسٌ ما أُخۡفِيَ لهم من قرَّةِ أعينٍ}، {ووقاهم ربُّهم عذابَ الجحيم}: فرزقهم المحبوب، ونجَّاهم من المرهوب، لمَّا فعلوا ما أحبَّه [اللَّهُ] وجانبوا ما يسخطه.
{19}{كلوا واشربوا}؛ أي: مما تشتهيه أنفسكم من أصناف المآكل والمشارب اللذيذة {هنيئاً}؛ أي: متهنِّئين بذلك على وجه البهجة والفرح والسرور والحبور، {بما كنتُم تعملون}؛ أي: نلتم ما نلتم بسبب أعمالكم الحسنة وأقوالكم المستحسنة.
{20}{متَّكِئينَ على سررٍ مصفوفةٍ}: الاتِّكاء هو الجلوس على وجه التمكُّن والراحة والاستقرار، والسرر هي الأرائك المزيَّنة بأنواع الزينة من اللباس الفاخر والفرش الزاهية. ووصف الله السُّرر بأنها مصفوفةٌ؛ ليدلَّ ذلك على كثرتها وحسن تنظيمها واجتماع أهلها وسرورهم بحسن معاشرتهم وملاطفة بعضهم بعضاً. فلمَّا اجتمع لهم من نعيم القلب والرُّوح والبدن ما لا يخطُرُ بالبال ولا يدور في الخيال من المآكل والمشارب اللذيذة والمجالس الحسنة الأنيقة؛ لم يبق إلاَّ التمتُّع بالنساء اللاتي لا يتمُّ سرورٌ إلاَّ بهنَّ، فذكر تعالى أنَّ لهم من الأزواج أكمل النساء أوصافاً وخلقاً وأخلاقاً، ولهذا قال:{وزوَّجۡناهم بحورٍ عينٍ}: وهنَّ النساء اللواتي قد جَمَعْنَ جمال الصورة الظاهرة وبهاءها ومن الأخلاق الفاضلة ما يوجب أن يحيِّرْنَ بحسنهنَّ الناظرين، ويسلبنَ عقول العالمين، وتكاد الأفئدة أن تطير شوقاً إليهن ورغبةً في وصالهنَّ، والعِيْن: حسان الأعين مليحاتها، التي صفا بياضها وسوادها.
الطور 52:18
{17} لمَّا ذكر تعالى عقوبة المكذِّبين؛ ذكر نعيم المتَّقين؛ ليجمع بين الترغيب والترهيب، فتكون القلوبُ بين الخوف والرجاء، فقال:{إنَّ المتَّقين}: لربِّهم، الذين اتَّقوا سخطه وعذابه بفعل أسبابه من امتثال الأوامر واجتناب النواهي، {في جنَّاتٍ}؛ أي: بساتين، قد اكتست رياضها من الأشجار الملتفَّة والأنهار المتدفِّقة والقصور المُحْدِقة والمنازل المُزَخْرَفة، {ونعِيمٍ}: وهذا شاملٌ لنعيم القلب والروح والبدن.
{18}{فاكهين بما آتاهم ربُّهم}؛ أي: معجبين به، متمتِّعين على وجه الفرح والسرور بما أعطاهم الله من النعيم الذي لا يمكن وصفُه، و {لا تعلمُ نفسٌ ما أُخۡفِيَ لهم من قرَّةِ أعينٍ}، {ووقاهم ربُّهم عذابَ الجحيم}: فرزقهم المحبوب، ونجَّاهم من المرهوب، لمَّا فعلوا ما أحبَّه [اللَّهُ] وجانبوا ما يسخطه.
{19}{كلوا واشربوا}؛ أي: مما تشتهيه أنفسكم من أصناف المآكل والمشارب اللذيذة {هنيئاً}؛ أي: متهنِّئين بذلك على وجه البهجة والفرح والسرور والحبور، {بما كنتُم تعملون}؛ أي: نلتم ما نلتم بسبب أعمالكم الحسنة وأقوالكم المستحسنة.
{20}{متَّكِئينَ على سررٍ مصفوفةٍ}: الاتِّكاء هو الجلوس على وجه التمكُّن والراحة والاستقرار، والسرر هي الأرائك المزيَّنة بأنواع الزينة من اللباس الفاخر والفرش الزاهية. ووصف الله السُّرر بأنها مصفوفةٌ؛ ليدلَّ ذلك على كثرتها وحسن تنظيمها واجتماع أهلها وسرورهم بحسن معاشرتهم وملاطفة بعضهم بعضاً. فلمَّا اجتمع لهم من نعيم القلب والرُّوح والبدن ما لا يخطُرُ بالبال ولا يدور في الخيال من المآكل والمشارب اللذيذة والمجالس الحسنة الأنيقة؛ لم يبق إلاَّ التمتُّع بالنساء اللاتي لا يتمُّ سرورٌ إلاَّ بهنَّ، فذكر تعالى أنَّ لهم من الأزواج أكمل النساء أوصافاً وخلقاً وأخلاقاً، ولهذا قال:{وزوَّجۡناهم بحورٍ عينٍ}: وهنَّ النساء اللواتي قد جَمَعْنَ جمال الصورة الظاهرة وبهاءها ومن الأخلاق الفاضلة ما يوجب أن يحيِّرْنَ بحسنهنَّ الناظرين، ويسلبنَ عقول العالمين، وتكاد الأفئدة أن تطير شوقاً إليهن ورغبةً في وصالهنَّ، والعِيْن: حسان الأعين مليحاتها، التي صفا بياضها وسوادها.
الطور 52:19
{17} لمَّا ذكر تعالى عقوبة المكذِّبين؛ ذكر نعيم المتَّقين؛ ليجمع بين الترغيب والترهيب، فتكون القلوبُ بين الخوف والرجاء، فقال:{إنَّ المتَّقين}: لربِّهم، الذين اتَّقوا سخطه وعذابه بفعل أسبابه من امتثال الأوامر واجتناب النواهي، {في جنَّاتٍ}؛ أي: بساتين، قد اكتست رياضها من الأشجار الملتفَّة والأنهار المتدفِّقة والقصور المُحْدِقة والمنازل المُزَخْرَفة، {ونعِيمٍ}: وهذا شاملٌ لنعيم القلب والروح والبدن.
{18}{فاكهين بما آتاهم ربُّهم}؛ أي: معجبين به، متمتِّعين على وجه الفرح والسرور بما أعطاهم الله من النعيم الذي لا يمكن وصفُه، و {لا تعلمُ نفسٌ ما أُخۡفِيَ لهم من قرَّةِ أعينٍ}، {ووقاهم ربُّهم عذابَ الجحيم}: فرزقهم المحبوب، ونجَّاهم من المرهوب، لمَّا فعلوا ما أحبَّه [اللَّهُ] وجانبوا ما يسخطه.
{19}{كلوا واشربوا}؛ أي: مما تشتهيه أنفسكم من أصناف المآكل والمشارب اللذيذة {هنيئاً}؛ أي: متهنِّئين بذلك على وجه البهجة والفرح والسرور والحبور، {بما كنتُم تعملون}؛ أي: نلتم ما نلتم بسبب أعمالكم الحسنة وأقوالكم المستحسنة.
{20}{متَّكِئينَ على سررٍ مصفوفةٍ}: الاتِّكاء هو الجلوس على وجه التمكُّن والراحة والاستقرار، والسرر هي الأرائك المزيَّنة بأنواع الزينة من اللباس الفاخر والفرش الزاهية. ووصف الله السُّرر بأنها مصفوفةٌ؛ ليدلَّ ذلك على كثرتها وحسن تنظيمها واجتماع أهلها وسرورهم بحسن معاشرتهم وملاطفة بعضهم بعضاً. فلمَّا اجتمع لهم من نعيم القلب والرُّوح والبدن ما لا يخطُرُ بالبال ولا يدور في الخيال من المآكل والمشارب اللذيذة والمجالس الحسنة الأنيقة؛ لم يبق إلاَّ التمتُّع بالنساء اللاتي لا يتمُّ سرورٌ إلاَّ بهنَّ، فذكر تعالى أنَّ لهم من الأزواج أكمل النساء أوصافاً وخلقاً وأخلاقاً، ولهذا قال:{وزوَّجۡناهم بحورٍ عينٍ}: وهنَّ النساء اللواتي قد جَمَعْنَ جمال الصورة الظاهرة وبهاءها ومن الأخلاق الفاضلة ما يوجب أن يحيِّرْنَ بحسنهنَّ الناظرين، ويسلبنَ عقول العالمين، وتكاد الأفئدة أن تطير شوقاً إليهن ورغبةً في وصالهنَّ، والعِيْن: حسان الأعين مليحاتها، التي صفا بياضها وسوادها.
الطور 52:20
{17} لمَّا ذكر تعالى عقوبة المكذِّبين؛ ذكر نعيم المتَّقين؛ ليجمع بين الترغيب والترهيب، فتكون القلوبُ بين الخوف والرجاء، فقال:{إنَّ المتَّقين}: لربِّهم، الذين اتَّقوا سخطه وعذابه بفعل أسبابه من امتثال الأوامر واجتناب النواهي، {في جنَّاتٍ}؛ أي: بساتين، قد اكتست رياضها من الأشجار الملتفَّة والأنهار المتدفِّقة والقصور المُحْدِقة والمنازل المُزَخْرَفة، {ونعِيمٍ}: وهذا شاملٌ لنعيم القلب والروح والبدن.
{18}{فاكهين بما آتاهم ربُّهم}؛ أي: معجبين به، متمتِّعين على وجه الفرح والسرور بما أعطاهم الله من النعيم الذي لا يمكن وصفُه، و {لا تعلمُ نفسٌ ما أُخۡفِيَ لهم من قرَّةِ أعينٍ}، {ووقاهم ربُّهم عذابَ الجحيم}: فرزقهم المحبوب، ونجَّاهم من المرهوب، لمَّا فعلوا ما أحبَّه [اللَّهُ] وجانبوا ما يسخطه.
{19}{كلوا واشربوا}؛ أي: مما تشتهيه أنفسكم من أصناف المآكل والمشارب اللذيذة {هنيئاً}؛ أي: متهنِّئين بذلك على وجه البهجة والفرح والسرور والحبور، {بما كنتُم تعملون}؛ أي: نلتم ما نلتم بسبب أعمالكم الحسنة وأقوالكم المستحسنة.
{20}{متَّكِئينَ على سررٍ مصفوفةٍ}: الاتِّكاء هو الجلوس على وجه التمكُّن والراحة والاستقرار، والسرر هي الأرائك المزيَّنة بأنواع الزينة من اللباس الفاخر والفرش الزاهية. ووصف الله السُّرر بأنها مصفوفةٌ؛ ليدلَّ ذلك على كثرتها وحسن تنظيمها واجتماع أهلها وسرورهم بحسن معاشرتهم وملاطفة بعضهم بعضاً. فلمَّا اجتمع لهم من نعيم القلب والرُّوح والبدن ما لا يخطُرُ بالبال ولا يدور في الخيال من المآكل والمشارب اللذيذة والمجالس الحسنة الأنيقة؛ لم يبق إلاَّ التمتُّع بالنساء اللاتي لا يتمُّ سرورٌ إلاَّ بهنَّ، فذكر تعالى أنَّ لهم من الأزواج أكمل النساء أوصافاً وخلقاً وأخلاقاً، ولهذا قال:{وزوَّجۡناهم بحورٍ عينٍ}: وهنَّ النساء اللواتي قد جَمَعْنَ جمال الصورة الظاهرة وبهاءها ومن الأخلاق الفاضلة ما يوجب أن يحيِّرْنَ بحسنهنَّ الناظرين، ويسلبنَ عقول العالمين، وتكاد الأفئدة أن تطير شوقاً إليهن ورغبةً في وصالهنَّ، والعِيْن: حسان الأعين مليحاتها، التي صفا بياضها وسوادها.
الطور 52:21
{21} وهذا من تمام نعيم [أهلِ] الجنَّة: أنْ ألحَقَ الله بهم ذُرِّيَّتهم الذين اتَّبعوهم بإيمان؛ أي: لحقوهم بالإيمان الصادر من آبائهم، فصارت الذُّرِّية تبعاً لهم بالإيمان، ومن باب أولى؛ إذا تبعتهم ذُرِّيَّتهم بإيمانهم الصادر من أنفسهم؛ فهولاء المذكورون يُلْحِقُهُمُ اللهُ بمنازل آبائهم في الجنة، وإن لم يبلغوها؛ جزاءً لآبائهم، وزيادةً في ثوابهم، ومع ذلك؛ لا يَنْقُصُ اللهُ الآباء من أعمالهم شيئاً. ولمَّا كان ربَّما توهَّم متوهِّم أن أهل النار كذلك يُلْحِقُ اللهُ بهم ذرِّيَّتهم ؛ أخبر أنه ليس حكم الدارين حكماً واحداً؛ فإنَّ النار دار العدل، ومن عدله تعالى أن لا يعذِّب أحداً إلاَّ بذنبٍ، ولهذا قال:{كلُّ امرئٍ بما كَسَبَ رهينٌ}؛ أي: مرتهنٌ بعمله؛ فلا تزر وازرةٌ وزرَ أخرى، ولا يُحْمَلُ على أحدٍ ذنبُ أحدٍ، فهذا اعتراضٌ من فوائده إزالة هذا الوهم المذكور.
{22} وقوله: {وأمددۡناهم}؛ أي: أمددنا أهل الجنة من فضلنا الواسع ورزقنا العميم، {بفاكهةٍ}: من العنب والرُّمان والتُّفاح وأصناف الفواكه اللذيذة الزائدة على ما به يتقوَّتون، {ولحمٍ ممَّا يشتهونَ}: من كلِّ ما طلبوه واشتهته أنفسُهم من لحوم الطير وغيرها.
{23}{يتنازَعون فيها كأساً}؛ أي: تدور كاسات الرحيق والخمر عليهم، ويتعاطَونها فيما بينهم، وتطوف عليهم الولدانُ المخلَّدون بأكواب وأباريق. {لا لغوٌ فيها ولا تأثيمٌ}؛ أي: ليس في الجنَّة كلامُ لغوٍ، وهو الذي لا فائدة فيه، ولا تأثيمٍ، وهو الذي فيه إثمٌ ومعصيةٌ. وإذا انتفى الأمران؛ ثبت الأمر الثالث، وهو أن كلامهم فيها سلامٌ طيبٌ طاهرٌ مسرٌّ للنفوس مفرحٌ للقلوب، يتعاشرون أحسن عشرة، ويتنادمون أطيب المنادمة، ولا يسمعون من ربِّهم إلاَّ ما يُقِرُّ أعينَهم ويدلُّ على رضاه عنهم ومحبَّته لهم.
{24}{ويطوف عليهم غلمانٌ لهم}؛ أي: خدمٌ شبابٌ، {كأنَّهم لؤلؤٌ [مكنون] } من حسنهم وبهائهم، يدورون عليهم بالخدمة وقضاء أشغالهم ، وهذا يدلُّ على كثرة نعيمهم وسعته وكمال راحتهم.
{25}{وأقبلَ بعضُهم على بعض يتساءلونَ}: عن أمور الدُّنيا وأحوالها.
{26}{قالوا}: في ذكر بيان الذي أوصَلَهم إلى ما هم فيه من الحبرة والسرور: {إنَّا كنَّا قبلُ}؛ أي: في دار الدُّنيا {في أهلِنا مشفقينَ}؛ أي: خائفين وجِلين، فتركْنَا من خوفه الذُّنوب، وأصلحنا لذلك العيوب.
{27}{فمنَّ اللهُ علينا}: بالهداية والتوفيق، {ووَقانا عذابَ السَّموم}؛ أي: العذاب الحار الشديد حرُّه.
{28}{إنَّا كنَّا من قبلُ ندعوه}: أن يَقِيَنا عذابَ السَّموم، ويوصِلَنا إلى النعيم، وهذا شاملٌ لدعاء العبادة ودعاء المسألة؛ أي: لم نزل نتقرَّب إليه بأنواع العبادات ، وندعوه في سائر الأوقات. {إنَّه هو البرُّ الرحيم}: فمن برِّه [بنا] ورحمته إيَّانا أنالَنا رضاه والجنة، ووقانا سخطه والنار.
الطور 52:22
{21} وهذا من تمام نعيم [أهلِ] الجنَّة: أنْ ألحَقَ الله بهم ذُرِّيَّتهم الذين اتَّبعوهم بإيمان؛ أي: لحقوهم بالإيمان الصادر من آبائهم، فصارت الذُّرِّية تبعاً لهم بالإيمان، ومن باب أولى؛ إذا تبعتهم ذُرِّيَّتهم بإيمانهم الصادر من أنفسهم؛ فهولاء المذكورون يُلْحِقُهُمُ اللهُ بمنازل آبائهم في الجنة، وإن لم يبلغوها؛ جزاءً لآبائهم، وزيادةً في ثوابهم، ومع ذلك؛ لا يَنْقُصُ اللهُ الآباء من أعمالهم شيئاً. ولمَّا كان ربَّما توهَّم متوهِّم أن أهل النار كذلك يُلْحِقُ اللهُ بهم ذرِّيَّتهم ؛ أخبر أنه ليس حكم الدارين حكماً واحداً؛ فإنَّ النار دار العدل، ومن عدله تعالى أن لا يعذِّب أحداً إلاَّ بذنبٍ، ولهذا قال:{كلُّ امرئٍ بما كَسَبَ رهينٌ}؛ أي: مرتهنٌ بعمله؛ فلا تزر وازرةٌ وزرَ أخرى، ولا يُحْمَلُ على أحدٍ ذنبُ أحدٍ، فهذا اعتراضٌ من فوائده إزالة هذا الوهم المذكور.
{22} وقوله: {وأمددۡناهم}؛ أي: أمددنا أهل الجنة من فضلنا الواسع ورزقنا العميم، {بفاكهةٍ}: من العنب والرُّمان والتُّفاح وأصناف الفواكه اللذيذة الزائدة على ما به يتقوَّتون، {ولحمٍ ممَّا يشتهونَ}: من كلِّ ما طلبوه واشتهته أنفسُهم من لحوم الطير وغيرها.
{23}{يتنازَعون فيها كأساً}؛ أي: تدور كاسات الرحيق والخمر عليهم، ويتعاطَونها فيما بينهم، وتطوف عليهم الولدانُ المخلَّدون بأكواب وأباريق. {لا لغوٌ فيها ولا تأثيمٌ}؛ أي: ليس في الجنَّة كلامُ لغوٍ، وهو الذي لا فائدة فيه، ولا تأثيمٍ، وهو الذي فيه إثمٌ ومعصيةٌ. وإذا انتفى الأمران؛ ثبت الأمر الثالث، وهو أن كلامهم فيها سلامٌ طيبٌ طاهرٌ مسرٌّ للنفوس مفرحٌ للقلوب، يتعاشرون أحسن عشرة، ويتنادمون أطيب المنادمة، ولا يسمعون من ربِّهم إلاَّ ما يُقِرُّ أعينَهم ويدلُّ على رضاه عنهم ومحبَّته لهم.
{24}{ويطوف عليهم غلمانٌ لهم}؛ أي: خدمٌ شبابٌ، {كأنَّهم لؤلؤٌ [مكنون] } من حسنهم وبهائهم، يدورون عليهم بالخدمة وقضاء أشغالهم ، وهذا يدلُّ على كثرة نعيمهم وسعته وكمال راحتهم.
{25}{وأقبلَ بعضُهم على بعض يتساءلونَ}: عن أمور الدُّنيا وأحوالها.
{26}{قالوا}: في ذكر بيان الذي أوصَلَهم إلى ما هم فيه من الحبرة والسرور: {إنَّا كنَّا قبلُ}؛ أي: في دار الدُّنيا {في أهلِنا مشفقينَ}؛ أي: خائفين وجِلين، فتركْنَا من خوفه الذُّنوب، وأصلحنا لذلك العيوب.
{27}{فمنَّ اللهُ علينا}: بالهداية والتوفيق، {ووَقانا عذابَ السَّموم}؛ أي: العذاب الحار الشديد حرُّه.
{28}{إنَّا كنَّا من قبلُ ندعوه}: أن يَقِيَنا عذابَ السَّموم، ويوصِلَنا إلى النعيم، وهذا شاملٌ لدعاء العبادة ودعاء المسألة؛ أي: لم نزل نتقرَّب إليه بأنواع العبادات ، وندعوه في سائر الأوقات. {إنَّه هو البرُّ الرحيم}: فمن برِّه [بنا] ورحمته إيَّانا أنالَنا رضاه والجنة، ووقانا سخطه والنار.
الطور 52:23
{21} وهذا من تمام نعيم [أهلِ] الجنَّة: أنْ ألحَقَ الله بهم ذُرِّيَّتهم الذين اتَّبعوهم بإيمان؛ أي: لحقوهم بالإيمان الصادر من آبائهم، فصارت الذُّرِّية تبعاً لهم بالإيمان، ومن باب أولى؛ إذا تبعتهم ذُرِّيَّتهم بإيمانهم الصادر من أنفسهم؛ فهولاء المذكورون يُلْحِقُهُمُ اللهُ بمنازل آبائهم في الجنة، وإن لم يبلغوها؛ جزاءً لآبائهم، وزيادةً في ثوابهم، ومع ذلك؛ لا يَنْقُصُ اللهُ الآباء من أعمالهم شيئاً. ولمَّا كان ربَّما توهَّم متوهِّم أن أهل النار كذلك يُلْحِقُ اللهُ بهم ذرِّيَّتهم ؛ أخبر أنه ليس حكم الدارين حكماً واحداً؛ فإنَّ النار دار العدل، ومن عدله تعالى أن لا يعذِّب أحداً إلاَّ بذنبٍ، ولهذا قال:{كلُّ امرئٍ بما كَسَبَ رهينٌ}؛ أي: مرتهنٌ بعمله؛ فلا تزر وازرةٌ وزرَ أخرى، ولا يُحْمَلُ على أحدٍ ذنبُ أحدٍ، فهذا اعتراضٌ من فوائده إزالة هذا الوهم المذكور.
{22} وقوله: {وأمددۡناهم}؛ أي: أمددنا أهل الجنة من فضلنا الواسع ورزقنا العميم، {بفاكهةٍ}: من العنب والرُّمان والتُّفاح وأصناف الفواكه اللذيذة الزائدة على ما به يتقوَّتون، {ولحمٍ ممَّا يشتهونَ}: من كلِّ ما طلبوه واشتهته أنفسُهم من لحوم الطير وغيرها.
{23}{يتنازَعون فيها كأساً}؛ أي: تدور كاسات الرحيق والخمر عليهم، ويتعاطَونها فيما بينهم، وتطوف عليهم الولدانُ المخلَّدون بأكواب وأباريق. {لا لغوٌ فيها ولا تأثيمٌ}؛ أي: ليس في الجنَّة كلامُ لغوٍ، وهو الذي لا فائدة فيه، ولا تأثيمٍ، وهو الذي فيه إثمٌ ومعصيةٌ. وإذا انتفى الأمران؛ ثبت الأمر الثالث، وهو أن كلامهم فيها سلامٌ طيبٌ طاهرٌ مسرٌّ للنفوس مفرحٌ للقلوب، يتعاشرون أحسن عشرة، ويتنادمون أطيب المنادمة، ولا يسمعون من ربِّهم إلاَّ ما يُقِرُّ أعينَهم ويدلُّ على رضاه عنهم ومحبَّته لهم.
{24}{ويطوف عليهم غلمانٌ لهم}؛ أي: خدمٌ شبابٌ، {كأنَّهم لؤلؤٌ [مكنون] } من حسنهم وبهائهم، يدورون عليهم بالخدمة وقضاء أشغالهم ، وهذا يدلُّ على كثرة نعيمهم وسعته وكمال راحتهم.
{25}{وأقبلَ بعضُهم على بعض يتساءلونَ}: عن أمور الدُّنيا وأحوالها.
{26}{قالوا}: في ذكر بيان الذي أوصَلَهم إلى ما هم فيه من الحبرة والسرور: {إنَّا كنَّا قبلُ}؛ أي: في دار الدُّنيا {في أهلِنا مشفقينَ}؛ أي: خائفين وجِلين، فتركْنَا من خوفه الذُّنوب، وأصلحنا لذلك العيوب.
{27}{فمنَّ اللهُ علينا}: بالهداية والتوفيق، {ووَقانا عذابَ السَّموم}؛ أي: العذاب الحار الشديد حرُّه.
{28}{إنَّا كنَّا من قبلُ ندعوه}: أن يَقِيَنا عذابَ السَّموم، ويوصِلَنا إلى النعيم، وهذا شاملٌ لدعاء العبادة ودعاء المسألة؛ أي: لم نزل نتقرَّب إليه بأنواع العبادات ، وندعوه في سائر الأوقات. {إنَّه هو البرُّ الرحيم}: فمن برِّه [بنا] ورحمته إيَّانا أنالَنا رضاه والجنة، ووقانا سخطه والنار.
الطور 52:24
{21} وهذا من تمام نعيم [أهلِ] الجنَّة: أنْ ألحَقَ الله بهم ذُرِّيَّتهم الذين اتَّبعوهم بإيمان؛ أي: لحقوهم بالإيمان الصادر من آبائهم، فصارت الذُّرِّية تبعاً لهم بالإيمان، ومن باب أولى؛ إذا تبعتهم ذُرِّيَّتهم بإيمانهم الصادر من أنفسهم؛ فهولاء المذكورون يُلْحِقُهُمُ اللهُ بمنازل آبائهم في الجنة، وإن لم يبلغوها؛ جزاءً لآبائهم، وزيادةً في ثوابهم، ومع ذلك؛ لا يَنْقُصُ اللهُ الآباء من أعمالهم شيئاً. ولمَّا كان ربَّما توهَّم متوهِّم أن أهل النار كذلك يُلْحِقُ اللهُ بهم ذرِّيَّتهم ؛ أخبر أنه ليس حكم الدارين حكماً واحداً؛ فإنَّ النار دار العدل، ومن عدله تعالى أن لا يعذِّب أحداً إلاَّ بذنبٍ، ولهذا قال:{كلُّ امرئٍ بما كَسَبَ رهينٌ}؛ أي: مرتهنٌ بعمله؛ فلا تزر وازرةٌ وزرَ أخرى، ولا يُحْمَلُ على أحدٍ ذنبُ أحدٍ، فهذا اعتراضٌ من فوائده إزالة هذا الوهم المذكور.
{22} وقوله: {وأمددۡناهم}؛ أي: أمددنا أهل الجنة من فضلنا الواسع ورزقنا العميم، {بفاكهةٍ}: من العنب والرُّمان والتُّفاح وأصناف الفواكه اللذيذة الزائدة على ما به يتقوَّتون، {ولحمٍ ممَّا يشتهونَ}: من كلِّ ما طلبوه واشتهته أنفسُهم من لحوم الطير وغيرها.
{23}{يتنازَعون فيها كأساً}؛ أي: تدور كاسات الرحيق والخمر عليهم، ويتعاطَونها فيما بينهم، وتطوف عليهم الولدانُ المخلَّدون بأكواب وأباريق. {لا لغوٌ فيها ولا تأثيمٌ}؛ أي: ليس في الجنَّة كلامُ لغوٍ، وهو الذي لا فائدة فيه، ولا تأثيمٍ، وهو الذي فيه إثمٌ ومعصيةٌ. وإذا انتفى الأمران؛ ثبت الأمر الثالث، وهو أن كلامهم فيها سلامٌ طيبٌ طاهرٌ مسرٌّ للنفوس مفرحٌ للقلوب، يتعاشرون أحسن عشرة، ويتنادمون أطيب المنادمة، ولا يسمعون من ربِّهم إلاَّ ما يُقِرُّ أعينَهم ويدلُّ على رضاه عنهم ومحبَّته لهم.
{24}{ويطوف عليهم غلمانٌ لهم}؛ أي: خدمٌ شبابٌ، {كأنَّهم لؤلؤٌ [مكنون] } من حسنهم وبهائهم، يدورون عليهم بالخدمة وقضاء أشغالهم ، وهذا يدلُّ على كثرة نعيمهم وسعته وكمال راحتهم.
{25}{وأقبلَ بعضُهم على بعض يتساءلونَ}: عن أمور الدُّنيا وأحوالها.
{26}{قالوا}: في ذكر بيان الذي أوصَلَهم إلى ما هم فيه من الحبرة والسرور: {إنَّا كنَّا قبلُ}؛ أي: في دار الدُّنيا {في أهلِنا مشفقينَ}؛ أي: خائفين وجِلين، فتركْنَا من خوفه الذُّنوب، وأصلحنا لذلك العيوب.
{27}{فمنَّ اللهُ علينا}: بالهداية والتوفيق، {ووَقانا عذابَ السَّموم}؛ أي: العذاب الحار الشديد حرُّه.
{28}{إنَّا كنَّا من قبلُ ندعوه}: أن يَقِيَنا عذابَ السَّموم، ويوصِلَنا إلى النعيم، وهذا شاملٌ لدعاء العبادة ودعاء المسألة؛ أي: لم نزل نتقرَّب إليه بأنواع العبادات ، وندعوه في سائر الأوقات. {إنَّه هو البرُّ الرحيم}: فمن برِّه [بنا] ورحمته إيَّانا أنالَنا رضاه والجنة، ووقانا سخطه والنار.
الطور 52:25
{21} وهذا من تمام نعيم [أهلِ] الجنَّة: أنْ ألحَقَ الله بهم ذُرِّيَّتهم الذين اتَّبعوهم بإيمان؛ أي: لحقوهم بالإيمان الصادر من آبائهم، فصارت الذُّرِّية تبعاً لهم بالإيمان، ومن باب أولى؛ إذا تبعتهم ذُرِّيَّتهم بإيمانهم الصادر من أنفسهم؛ فهولاء المذكورون يُلْحِقُهُمُ اللهُ بمنازل آبائهم في الجنة، وإن لم يبلغوها؛ جزاءً لآبائهم، وزيادةً في ثوابهم، ومع ذلك؛ لا يَنْقُصُ اللهُ الآباء من أعمالهم شيئاً. ولمَّا كان ربَّما توهَّم متوهِّم أن أهل النار كذلك يُلْحِقُ اللهُ بهم ذرِّيَّتهم ؛ أخبر أنه ليس حكم الدارين حكماً واحداً؛ فإنَّ النار دار العدل، ومن عدله تعالى أن لا يعذِّب أحداً إلاَّ بذنبٍ، ولهذا قال:{كلُّ امرئٍ بما كَسَبَ رهينٌ}؛ أي: مرتهنٌ بعمله؛ فلا تزر وازرةٌ وزرَ أخرى، ولا يُحْمَلُ على أحدٍ ذنبُ أحدٍ، فهذا اعتراضٌ من فوائده إزالة هذا الوهم المذكور.
{22} وقوله: {وأمددۡناهم}؛ أي: أمددنا أهل الجنة من فضلنا الواسع ورزقنا العميم، {بفاكهةٍ}: من العنب والرُّمان والتُّفاح وأصناف الفواكه اللذيذة الزائدة على ما به يتقوَّتون، {ولحمٍ ممَّا يشتهونَ}: من كلِّ ما طلبوه واشتهته أنفسُهم من لحوم الطير وغيرها.
{23}{يتنازَعون فيها كأساً}؛ أي: تدور كاسات الرحيق والخمر عليهم، ويتعاطَونها فيما بينهم، وتطوف عليهم الولدانُ المخلَّدون بأكواب وأباريق. {لا لغوٌ فيها ولا تأثيمٌ}؛ أي: ليس في الجنَّة كلامُ لغوٍ، وهو الذي لا فائدة فيه، ولا تأثيمٍ، وهو الذي فيه إثمٌ ومعصيةٌ. وإذا انتفى الأمران؛ ثبت الأمر الثالث، وهو أن كلامهم فيها سلامٌ طيبٌ طاهرٌ مسرٌّ للنفوس مفرحٌ للقلوب، يتعاشرون أحسن عشرة، ويتنادمون أطيب المنادمة، ولا يسمعون من ربِّهم إلاَّ ما يُقِرُّ أعينَهم ويدلُّ على رضاه عنهم ومحبَّته لهم.
{24}{ويطوف عليهم غلمانٌ لهم}؛ أي: خدمٌ شبابٌ، {كأنَّهم لؤلؤٌ [مكنون] } من حسنهم وبهائهم، يدورون عليهم بالخدمة وقضاء أشغالهم ، وهذا يدلُّ على كثرة نعيمهم وسعته وكمال راحتهم.
{25}{وأقبلَ بعضُهم على بعض يتساءلونَ}: عن أمور الدُّنيا وأحوالها.
{26}{قالوا}: في ذكر بيان الذي أوصَلَهم إلى ما هم فيه من الحبرة والسرور: {إنَّا كنَّا قبلُ}؛ أي: في دار الدُّنيا {في أهلِنا مشفقينَ}؛ أي: خائفين وجِلين، فتركْنَا من خوفه الذُّنوب، وأصلحنا لذلك العيوب.
{27}{فمنَّ اللهُ علينا}: بالهداية والتوفيق، {ووَقانا عذابَ السَّموم}؛ أي: العذاب الحار الشديد حرُّه.
{28}{إنَّا كنَّا من قبلُ ندعوه}: أن يَقِيَنا عذابَ السَّموم، ويوصِلَنا إلى النعيم، وهذا شاملٌ لدعاء العبادة ودعاء المسألة؛ أي: لم نزل نتقرَّب إليه بأنواع العبادات ، وندعوه في سائر الأوقات. {إنَّه هو البرُّ الرحيم}: فمن برِّه [بنا] ورحمته إيَّانا أنالَنا رضاه والجنة، ووقانا سخطه والنار.
الطور 52:26
{21} وهذا من تمام نعيم [أهلِ] الجنَّة: أنْ ألحَقَ الله بهم ذُرِّيَّتهم الذين اتَّبعوهم بإيمان؛ أي: لحقوهم بالإيمان الصادر من آبائهم، فصارت الذُّرِّية تبعاً لهم بالإيمان، ومن باب أولى؛ إذا تبعتهم ذُرِّيَّتهم بإيمانهم الصادر من أنفسهم؛ فهولاء المذكورون يُلْحِقُهُمُ اللهُ بمنازل آبائهم في الجنة، وإن لم يبلغوها؛ جزاءً لآبائهم، وزيادةً في ثوابهم، ومع ذلك؛ لا يَنْقُصُ اللهُ الآباء من أعمالهم شيئاً. ولمَّا كان ربَّما توهَّم متوهِّم أن أهل النار كذلك يُلْحِقُ اللهُ بهم ذرِّيَّتهم ؛ أخبر أنه ليس حكم الدارين حكماً واحداً؛ فإنَّ النار دار العدل، ومن عدله تعالى أن لا يعذِّب أحداً إلاَّ بذنبٍ، ولهذا قال:{كلُّ امرئٍ بما كَسَبَ رهينٌ}؛ أي: مرتهنٌ بعمله؛ فلا تزر وازرةٌ وزرَ أخرى، ولا يُحْمَلُ على أحدٍ ذنبُ أحدٍ، فهذا اعتراضٌ من فوائده إزالة هذا الوهم المذكور.
{22} وقوله: {وأمددۡناهم}؛ أي: أمددنا أهل الجنة من فضلنا الواسع ورزقنا العميم، {بفاكهةٍ}: من العنب والرُّمان والتُّفاح وأصناف الفواكه اللذيذة الزائدة على ما به يتقوَّتون، {ولحمٍ ممَّا يشتهونَ}: من كلِّ ما طلبوه واشتهته أنفسُهم من لحوم الطير وغيرها.
{23}{يتنازَعون فيها كأساً}؛ أي: تدور كاسات الرحيق والخمر عليهم، ويتعاطَونها فيما بينهم، وتطوف عليهم الولدانُ المخلَّدون بأكواب وأباريق. {لا لغوٌ فيها ولا تأثيمٌ}؛ أي: ليس في الجنَّة كلامُ لغوٍ، وهو الذي لا فائدة فيه، ولا تأثيمٍ، وهو الذي فيه إثمٌ ومعصيةٌ. وإذا انتفى الأمران؛ ثبت الأمر الثالث، وهو أن كلامهم فيها سلامٌ طيبٌ طاهرٌ مسرٌّ للنفوس مفرحٌ للقلوب، يتعاشرون أحسن عشرة، ويتنادمون أطيب المنادمة، ولا يسمعون من ربِّهم إلاَّ ما يُقِرُّ أعينَهم ويدلُّ على رضاه عنهم ومحبَّته لهم.
{24}{ويطوف عليهم غلمانٌ لهم}؛ أي: خدمٌ شبابٌ، {كأنَّهم لؤلؤٌ [مكنون] } من حسنهم وبهائهم، يدورون عليهم بالخدمة وقضاء أشغالهم ، وهذا يدلُّ على كثرة نعيمهم وسعته وكمال راحتهم.
{25}{وأقبلَ بعضُهم على بعض يتساءلونَ}: عن أمور الدُّنيا وأحوالها.
{26}{قالوا}: في ذكر بيان الذي أوصَلَهم إلى ما هم فيه من الحبرة والسرور: {إنَّا كنَّا قبلُ}؛ أي: في دار الدُّنيا {في أهلِنا مشفقينَ}؛ أي: خائفين وجِلين، فتركْنَا من خوفه الذُّنوب، وأصلحنا لذلك العيوب.
{27}{فمنَّ اللهُ علينا}: بالهداية والتوفيق، {ووَقانا عذابَ السَّموم}؛ أي: العذاب الحار الشديد حرُّه.
{28}{إنَّا كنَّا من قبلُ ندعوه}: أن يَقِيَنا عذابَ السَّموم، ويوصِلَنا إلى النعيم، وهذا شاملٌ لدعاء العبادة ودعاء المسألة؛ أي: لم نزل نتقرَّب إليه بأنواع العبادات ، وندعوه في سائر الأوقات. {إنَّه هو البرُّ الرحيم}: فمن برِّه [بنا] ورحمته إيَّانا أنالَنا رضاه والجنة، ووقانا سخطه والنار.
الطور 52:27
{21} وهذا من تمام نعيم [أهلِ] الجنَّة: أنْ ألحَقَ الله بهم ذُرِّيَّتهم الذين اتَّبعوهم بإيمان؛ أي: لحقوهم بالإيمان الصادر من آبائهم، فصارت الذُّرِّية تبعاً لهم بالإيمان، ومن باب أولى؛ إذا تبعتهم ذُرِّيَّتهم بإيمانهم الصادر من أنفسهم؛ فهولاء المذكورون يُلْحِقُهُمُ اللهُ بمنازل آبائهم في الجنة، وإن لم يبلغوها؛ جزاءً لآبائهم، وزيادةً في ثوابهم، ومع ذلك؛ لا يَنْقُصُ اللهُ الآباء من أعمالهم شيئاً. ولمَّا كان ربَّما توهَّم متوهِّم أن أهل النار كذلك يُلْحِقُ اللهُ بهم ذرِّيَّتهم ؛ أخبر أنه ليس حكم الدارين حكماً واحداً؛ فإنَّ النار دار العدل، ومن عدله تعالى أن لا يعذِّب أحداً إلاَّ بذنبٍ، ولهذا قال:{كلُّ امرئٍ بما كَسَبَ رهينٌ}؛ أي: مرتهنٌ بعمله؛ فلا تزر وازرةٌ وزرَ أخرى، ولا يُحْمَلُ على أحدٍ ذنبُ أحدٍ، فهذا اعتراضٌ من فوائده إزالة هذا الوهم المذكور.
{22} وقوله: {وأمددۡناهم}؛ أي: أمددنا أهل الجنة من فضلنا الواسع ورزقنا العميم، {بفاكهةٍ}: من العنب والرُّمان والتُّفاح وأصناف الفواكه اللذيذة الزائدة على ما به يتقوَّتون، {ولحمٍ ممَّا يشتهونَ}: من كلِّ ما طلبوه واشتهته أنفسُهم من لحوم الطير وغيرها.
{23}{يتنازَعون فيها كأساً}؛ أي: تدور كاسات الرحيق والخمر عليهم، ويتعاطَونها فيما بينهم، وتطوف عليهم الولدانُ المخلَّدون بأكواب وأباريق. {لا لغوٌ فيها ولا تأثيمٌ}؛ أي: ليس في الجنَّة كلامُ لغوٍ، وهو الذي لا فائدة فيه، ولا تأثيمٍ، وهو الذي فيه إثمٌ ومعصيةٌ. وإذا انتفى الأمران؛ ثبت الأمر الثالث، وهو أن كلامهم فيها سلامٌ طيبٌ طاهرٌ مسرٌّ للنفوس مفرحٌ للقلوب، يتعاشرون أحسن عشرة، ويتنادمون أطيب المنادمة، ولا يسمعون من ربِّهم إلاَّ ما يُقِرُّ أعينَهم ويدلُّ على رضاه عنهم ومحبَّته لهم.
{24}{ويطوف عليهم غلمانٌ لهم}؛ أي: خدمٌ شبابٌ، {كأنَّهم لؤلؤٌ [مكنون] } من حسنهم وبهائهم، يدورون عليهم بالخدمة وقضاء أشغالهم ، وهذا يدلُّ على كثرة نعيمهم وسعته وكمال راحتهم.
{25}{وأقبلَ بعضُهم على بعض يتساءلونَ}: عن أمور الدُّنيا وأحوالها.
{26}{قالوا}: في ذكر بيان الذي أوصَلَهم إلى ما هم فيه من الحبرة والسرور: {إنَّا كنَّا قبلُ}؛ أي: في دار الدُّنيا {في أهلِنا مشفقينَ}؛ أي: خائفين وجِلين، فتركْنَا من خوفه الذُّنوب، وأصلحنا لذلك العيوب.
{27}{فمنَّ اللهُ علينا}: بالهداية والتوفيق، {ووَقانا عذابَ السَّموم}؛ أي: العذاب الحار الشديد حرُّه.
{28}{إنَّا كنَّا من قبلُ ندعوه}: أن يَقِيَنا عذابَ السَّموم، ويوصِلَنا إلى النعيم، وهذا شاملٌ لدعاء العبادة ودعاء المسألة؛ أي: لم نزل نتقرَّب إليه بأنواع العبادات ، وندعوه في سائر الأوقات. {إنَّه هو البرُّ الرحيم}: فمن برِّه [بنا] ورحمته إيَّانا أنالَنا رضاه والجنة، ووقانا سخطه والنار.
الطور 52:28
{21} وهذا من تمام نعيم [أهلِ] الجنَّة: أنْ ألحَقَ الله بهم ذُرِّيَّتهم الذين اتَّبعوهم بإيمان؛ أي: لحقوهم بالإيمان الصادر من آبائهم، فصارت الذُّرِّية تبعاً لهم بالإيمان، ومن باب أولى؛ إذا تبعتهم ذُرِّيَّتهم بإيمانهم الصادر من أنفسهم؛ فهولاء المذكورون يُلْحِقُهُمُ اللهُ بمنازل آبائهم في الجنة، وإن لم يبلغوها؛ جزاءً لآبائهم، وزيادةً في ثوابهم، ومع ذلك؛ لا يَنْقُصُ اللهُ الآباء من أعمالهم شيئاً. ولمَّا كان ربَّما توهَّم متوهِّم أن أهل النار كذلك يُلْحِقُ اللهُ بهم ذرِّيَّتهم ؛ أخبر أنه ليس حكم الدارين حكماً واحداً؛ فإنَّ النار دار العدل، ومن عدله تعالى أن لا يعذِّب أحداً إلاَّ بذنبٍ، ولهذا قال:{كلُّ امرئٍ بما كَسَبَ رهينٌ}؛ أي: مرتهنٌ بعمله؛ فلا تزر وازرةٌ وزرَ أخرى، ولا يُحْمَلُ على أحدٍ ذنبُ أحدٍ، فهذا اعتراضٌ من فوائده إزالة هذا الوهم المذكور.
{22} وقوله: {وأمددۡناهم}؛ أي: أمددنا أهل الجنة من فضلنا الواسع ورزقنا العميم، {بفاكهةٍ}: من العنب والرُّمان والتُّفاح وأصناف الفواكه اللذيذة الزائدة على ما به يتقوَّتون، {ولحمٍ ممَّا يشتهونَ}: من كلِّ ما طلبوه واشتهته أنفسُهم من لحوم الطير وغيرها.
{23}{يتنازَعون فيها كأساً}؛ أي: تدور كاسات الرحيق والخمر عليهم، ويتعاطَونها فيما بينهم، وتطوف عليهم الولدانُ المخلَّدون بأكواب وأباريق. {لا لغوٌ فيها ولا تأثيمٌ}؛ أي: ليس في الجنَّة كلامُ لغوٍ، وهو الذي لا فائدة فيه، ولا تأثيمٍ، وهو الذي فيه إثمٌ ومعصيةٌ. وإذا انتفى الأمران؛ ثبت الأمر الثالث، وهو أن كلامهم فيها سلامٌ طيبٌ طاهرٌ مسرٌّ للنفوس مفرحٌ للقلوب، يتعاشرون أحسن عشرة، ويتنادمون أطيب المنادمة، ولا يسمعون من ربِّهم إلاَّ ما يُقِرُّ أعينَهم ويدلُّ على رضاه عنهم ومحبَّته لهم.
{24}{ويطوف عليهم غلمانٌ لهم}؛ أي: خدمٌ شبابٌ، {كأنَّهم لؤلؤٌ [مكنون] } من حسنهم وبهائهم، يدورون عليهم بالخدمة وقضاء أشغالهم ، وهذا يدلُّ على كثرة نعيمهم وسعته وكمال راحتهم.
{25}{وأقبلَ بعضُهم على بعض يتساءلونَ}: عن أمور الدُّنيا وأحوالها.
{26}{قالوا}: في ذكر بيان الذي أوصَلَهم إلى ما هم فيه من الحبرة والسرور: {إنَّا كنَّا قبلُ}؛ أي: في دار الدُّنيا {في أهلِنا مشفقينَ}؛ أي: خائفين وجِلين، فتركْنَا من خوفه الذُّنوب، وأصلحنا لذلك العيوب.
{27}{فمنَّ اللهُ علينا}: بالهداية والتوفيق، {ووَقانا عذابَ السَّموم}؛ أي: العذاب الحار الشديد حرُّه.
{28}{إنَّا كنَّا من قبلُ ندعوه}: أن يَقِيَنا عذابَ السَّموم، ويوصِلَنا إلى النعيم، وهذا شاملٌ لدعاء العبادة ودعاء المسألة؛ أي: لم نزل نتقرَّب إليه بأنواع العبادات ، وندعوه في سائر الأوقات. {إنَّه هو البرُّ الرحيم}: فمن برِّه [بنا] ورحمته إيَّانا أنالَنا رضاه والجنة، ووقانا سخطه والنار.
الطور 52:29
{29} يأمر الله تعالى رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يُذَكِّرَ الناس مسلمهم وكافرهم؛ لتقوم حجَّة الله على الظَّالمين، ويهتدي بتذكيره الموفَّقون، وأن لا يبالي بقول المشركين المكذِّبين وأذيَّتهم وأقوالهم التي يَصدُّون بها الناس عن اتِّباعه، مع علمهم أنَّه أبعدُ الناس عنها، ولهذا نفى عنه كلَّ نقص رَمَوْه به، فقال:{فما أنتَ بنعمةِ ربِّكَ}؛ أي: منَّه ولطفه {بكاهنٍ}؛ أي: له رِئْيٌ من الجنِّ يأتيه بخبر بعض الغيوب التي يضمُّ إليها مئة كذبةٍ، {ولا مجنونٍ}: فاقد العقل ، بل أنت أكملُ الناس عقلاً، وأبعدهم عن الشياطين، وأعظمهم صدقاً، وأجلُّهم، وأكملهم.
{30} وتارةً {يقولون} فيه: إنَّه {شاعرٌ}: يقول الشعر، والذي جاء به شعرٌ، والله يقول:{وما علَّمناه الشعرَ وما ينبغي له}، {نتربَّصُ به ريبَ المَنونِ}؛ أي: ننتظر به الموتَ، فيبطُلُ أمرُه ونستريح منه.
{31}{قل}: لهم جواباً لهذا الكلام السخيف: {تربَّصوا}؛ أي: انتظروا بي الموت، {فإنِّي معكم من المتربِّصين}: نتربَّص بكم أن يصيبكم الله بعذابٍ من عنده، أو بأيدينا.
{32}{أم تأمُرُهم أحلامُهم بهذا أم هم قومٌ طاغونَ}؛ أي: أهذا التكذيبُ لك والأقوال التي قالوها؛ هل صدرتْ عن عقولِهم وأحلامِهم؛ فبئس العقولُ والأحلامُ التي هذه نتائجها وهذه ثمراتها ؛ فإنَّ عقولاً جعلتْ أكملَ الخلق عقلاً مجنوناً، وجعلت أصدقَ الصِّدق وأحقَّ الحقِّ كذِباً وباطلاً؛ لهي العقول التي ينزَّه المجانين عنها؟ أم الذي حملهم على ذلك ظلمُهم وطغيانُهم؟ وهو الواقع؛ فالطغيانُ ليس له حدٌّ يقف عليه؛ فلا يُستغرب من الطاغي المتجاوزِ الحدَّ ، كلُّ قول وفعل صَدَرَ منه.
{33}{أم يقولون تَقَوَّلَه}؛ أي: تقوَّل محمدٌ القرآن وقاله من تلقاء نفسه، {بل لا يؤمنونَ}؛ فلو آمنوا؛ لم يقولوا ما قالوا.
{34}{فَلۡيَأتوا بحديثٍ مثلِهِ إنۡ كانوا صادقينَ}: إنَّه تقوَّله؛ فإنَّكم العرب الفصحاء والفحول البلغاء، وقد تحدَّاكم أن تأتوا بمثلِهِ؛ فتصدق معارضتكم، أو تقرُّوا بصدقه، وإنكم لو اجتمعتم أنتم والإنس والجنُّ؛ لم تقدروا على معارضته والإتيان بمثله؛ فحينئذٍ أنتم بين أمرين: إمَّا مؤمنون به مقتدون بهديِهِ، وإمَّا معاندون متَّبعون لما علمتُم من الباطل.
{35}{أم خُلِقوا من غير شيءٍ أم هُمُ الخالقونَ}: وهذا استدلالٌ عليهم بأمرٍ لا يمكنهم فيه إلاَّ التسليمُ للحقِّ، أو الخروج عن موجب العقل والدين. وبيان ذلك أنهم منكرون لتوحيد الله، مكذِّبون لرسوله، وذلك مستلزمٌ لإنكار أنَّ الله خَلَقَهم، وقد تقرَّر في العقل مع الشرع أنَّ ذلك لا يخلو من أحد ثلاثة أمورٍ: إمَّا أنهم {خُلِقوا من غير شيءٍ}؛ أي: لا خالق خلقهم؛ بل وجدوا من غير إيجادٍ ولا موجدٍ؛ وهذا عينُ المحال. {أم هم الخالقونَ}: لأنفسِهم؛ وهذا أيضاً محالٌ؛ فإنَّه لا يتصوَّر أن يوجِدَ أحدٌ نفسَه. فإذا بطل هذان الأمران وبان استحالتُهما؛ تعيَّن القسم الثالثُ، وهو أنَّ الله هو الذي خلقهم. وإذا تعين ذلك؛ عُلِمَ أنَّ الله تعالى هو المعبودُ وحدَه، الذي لا تنبغي العبادة ولا تَصْلُح إلاَّ له تعالى.
{36} وقوله: {أم خَلَقوا السمواتِ والأرضَ}: وهذا استفهامٌ يدلُّ على تقرير النفي؛ أي: ما خلقوا السماواتِ والأرضَ، فيكونوا شركاء لله، وهذا أمرٌ واضحٌ جدًّا. {بل} المكذبونَ {لا يوقنونَ}؛ أي: ليس عندهم [علم تامٌّ و] يقينٌ يوجب لهم الانتفاع بالأدلَّة الشرعيَّة والعقليَّة.
{37}{أمۡ عندَهم خزائنُ ربِّك أم هم المُصَيۡطِرونَ}؛ أي: أعند هؤلاء المكذِّبين خزائنُ رحمة ربِّك، فيعطوا من يشاؤون ويمنعوا من يشاؤون ؛ أي: فلذلك حجروا على الله أن يُعطي النبوَّة عبدَه ورسولَه محمداً - صلى الله عليه وسلم -، وكأنَّهم الوكلاء المفوَّضون على خزائن رحمة الله، وهم أحقرُ وأذلُّ من ذلك؛ فليس في أيديهم لأنفسهم نفعٌ ولا ضرٌّ ولا موتٌ ولا حياةٌ ولا نشورٌ؛ {أهم يقسِمونَ رحمةَ ربِّك نحنُ قَسَمۡنا بينهم معيشَتَهم في الحياة الدُّنيا}؟ {أم هم المُصَيۡطِرُونَ}؛ أي: المتسلِّطون على خلق الله وملكه بالقهر والغلبة؟! ليس الأمر كذلك، بل هم العاجزون الفقراء.
{38}{أمۡ لهم سُلَّمٌ يستمعون فيه}؛ أي: ألهم اطِّلاع على الغيب واستماعٌ له بين الملأ الأعلى، فيخبرون عن أمورٍ لا يعلمُها غيرُهم، {فليأتِ مستمِعُهم}: المدَّعي لذلك {بسلطانٍ مبينٍ}: وأنَّى له ذلك والله تعالى عالم الغيب والشهادة؛ فلا يُظْهِرُ على غيبه أحداً؛ إلاَّ من ارتضى من رسولٍ يخبره بما أراد من علمِهِ، وإذا كان محمدٌ - صلى الله عليه وسلم -، أفضل الرسل وأعلمهم وإمامهم، وهو المخبر بما أخبر به من توحيد الله ووعده ووعيده وغير ذلك من أخباره الصادقة، والمكذِّبون هم أهل الجهل والضَّلال والغيِّ والعناد؛ فأيُّ المخبرين أحقُّ بقَبول خبره، خصوصاً والرسول - صلى الله عليه وسلم - قد أقام من الأدلَّة والبراهين على ما أخبر به ما يوجِبُ أن يكون ذلك عين اليقين وأكمل الصدق، وهم لم يُقيموا على ما ادَّعَوْه شبهةً فضلاً عن إقامة حجَّة؟!
{39} وقوله: {أم له البناتُ}: كما زعمتُم، {ولكم البنونَ}: فتجمعون بين المحذورَيْن: جَعْلُكُم له الولد، واختيارُكُم له أنقص الصنفين؛ فهل بعد هذا التنقُّص لربِّ العالمين غايةٌ أو دونه نهايةٌ؟!
{40}{أم تسألُهُم}: يا أيُّها الرسولُ، {أجراً}: على تبليغ الرسالة، {فهم من مَغۡرَمٍ مُثۡقَلونَ}: ليس الأمر كذلك، بل أنت الحريص على تعليمهم تبرُّعاً من غير شيء، بل تبذلُ لهم الأموالَ الجزيلة على قَبول رسالتك والاستجابة لأمرِك ودعوتك ، وتعطي المؤلَّفة قلوبهم؛ ليتمكَّن العلم والإيمان من قلوبهم.
{41}{أم عندَهم الغيبُ فهم يكتبونَ}: ما كانوا يعلمونَه من الغُيوب، فيكونون قد اطِّلعوا على ما لم يطَّلع عليه رسولُ الله، فعارضوه وعاندوه بما عندَهم من علم الغيب، وقد عُلِمَ أنَّهم الأمَّة الأميَّة الجهَّال الضَّالون، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو الذي عنده من العلم أعظم من غيره، وأنبأه الله من علم الغيب على ما لم يَطَّلِعْ عليه أحدٌ من الخلق، وهذا كلُّه إلزامٌ لهم بالطرق العقليَّة والنقليَّة على فساد قولهم وتصوير بطلانِهِ بأحسن الطُّرق وأوضحها وأسلمها من الاعتراض.
{42} وقوله: {أم يريدون}: بقدحِهِم فيك وفيما جئتَ به {كيداً}: يُبْطلونَ به دينَك، ويفسدون به أمرَك. {فالذين كفروا هُمُ المَكيدونَ}؛ أي: كيدُهم في نحورهم، ومضرَّته عائدةٌ إليهم، وقد فعل الله ذلك، ولله الحمد، فلم يُبْقِ الكفارُ من مقدورهم من المكر شيئاً إلاَّ فعلوه، فنصر الله نبيَّه عليهم، وأظهر دينَه ، وخَذَلَهُم وانتصر منهم.
{43}{أم لهم إلهٌ غير اللهِ}؛ أي: ألهم إلهٌ يُدعى ويرجى نفعُه ويُخاف من ضرِّه غير الله تعالى؟ {سبحان اللهِ عمَّا يشرِكون}: فليس له شريكٌ في الملك، ولا شريكٌ في الوحدانيَّة والعبادة، وهذا هو المقصود من الكلام الذي سيق لأجله، وهو بطلانُ عبادة ما سوى الله، وبيانُ فسادها بتلك الأدلَّة القاطعة، وأنَّ ما عليه المشركون هو الباطل، وأنَّ الذي ينبغي أن يُعْبَدَ ويصلَّى له ويُسْجَدَ ويُخْلَصَ له دعاءُ العبادة ودعاءُ المسألة هو الله المألوهُ المعبود، كاملُ الأسماء والصفاتِ، كثيرُ النعوتِ الحسنة والأفعال الجميلة، ذو الجلال والإكرام والعزِّ الذي لا يُرام، الواحد الأحدُ، الفردُ الصمدُ، الكبيرُ الحميدُ المجيدُ.
الطور 52:30
{29} يأمر الله تعالى رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يُذَكِّرَ الناس مسلمهم وكافرهم؛ لتقوم حجَّة الله على الظَّالمين، ويهتدي بتذكيره الموفَّقون، وأن لا يبالي بقول المشركين المكذِّبين وأذيَّتهم وأقوالهم التي يَصدُّون بها الناس عن اتِّباعه، مع علمهم أنَّه أبعدُ الناس عنها، ولهذا نفى عنه كلَّ نقص رَمَوْه به، فقال:{فما أنتَ بنعمةِ ربِّكَ}؛ أي: منَّه ولطفه {بكاهنٍ}؛ أي: له رِئْيٌ من الجنِّ يأتيه بخبر بعض الغيوب التي يضمُّ إليها مئة كذبةٍ، {ولا مجنونٍ}: فاقد العقل ، بل أنت أكملُ الناس عقلاً، وأبعدهم عن الشياطين، وأعظمهم صدقاً، وأجلُّهم، وأكملهم.
{30} وتارةً {يقولون} فيه: إنَّه {شاعرٌ}: يقول الشعر، والذي جاء به شعرٌ، والله يقول:{وما علَّمناه الشعرَ وما ينبغي له}، {نتربَّصُ به ريبَ المَنونِ}؛ أي: ننتظر به الموتَ، فيبطُلُ أمرُه ونستريح منه.
{31}{قل}: لهم جواباً لهذا الكلام السخيف: {تربَّصوا}؛ أي: انتظروا بي الموت، {فإنِّي معكم من المتربِّصين}: نتربَّص بكم أن يصيبكم الله بعذابٍ من عنده، أو بأيدينا.
{32}{أم تأمُرُهم أحلامُهم بهذا أم هم قومٌ طاغونَ}؛ أي: أهذا التكذيبُ لك والأقوال التي قالوها؛ هل صدرتْ عن عقولِهم وأحلامِهم؛ فبئس العقولُ والأحلامُ التي هذه نتائجها وهذه ثمراتها ؛ فإنَّ عقولاً جعلتْ أكملَ الخلق عقلاً مجنوناً، وجعلت أصدقَ الصِّدق وأحقَّ الحقِّ كذِباً وباطلاً؛ لهي العقول التي ينزَّه المجانين عنها؟ أم الذي حملهم على ذلك ظلمُهم وطغيانُهم؟ وهو الواقع؛ فالطغيانُ ليس له حدٌّ يقف عليه؛ فلا يُستغرب من الطاغي المتجاوزِ الحدَّ ، كلُّ قول وفعل صَدَرَ منه.
{33}{أم يقولون تَقَوَّلَه}؛ أي: تقوَّل محمدٌ القرآن وقاله من تلقاء نفسه، {بل لا يؤمنونَ}؛ فلو آمنوا؛ لم يقولوا ما قالوا.
{34}{فَلۡيَأتوا بحديثٍ مثلِهِ إنۡ كانوا صادقينَ}: إنَّه تقوَّله؛ فإنَّكم العرب الفصحاء والفحول البلغاء، وقد تحدَّاكم أن تأتوا بمثلِهِ؛ فتصدق معارضتكم، أو تقرُّوا بصدقه، وإنكم لو اجتمعتم أنتم والإنس والجنُّ؛ لم تقدروا على معارضته والإتيان بمثله؛ فحينئذٍ أنتم بين أمرين: إمَّا مؤمنون به مقتدون بهديِهِ، وإمَّا معاندون متَّبعون لما علمتُم من الباطل.
{35}{أم خُلِقوا من غير شيءٍ أم هُمُ الخالقونَ}: وهذا استدلالٌ عليهم بأمرٍ لا يمكنهم فيه إلاَّ التسليمُ للحقِّ، أو الخروج عن موجب العقل والدين. وبيان ذلك أنهم منكرون لتوحيد الله، مكذِّبون لرسوله، وذلك مستلزمٌ لإنكار أنَّ الله خَلَقَهم، وقد تقرَّر في العقل مع الشرع أنَّ ذلك لا يخلو من أحد ثلاثة أمورٍ: إمَّا أنهم {خُلِقوا من غير شيءٍ}؛ أي: لا خالق خلقهم؛ بل وجدوا من غير إيجادٍ ولا موجدٍ؛ وهذا عينُ المحال. {أم هم الخالقونَ}: لأنفسِهم؛ وهذا أيضاً محالٌ؛ فإنَّه لا يتصوَّر أن يوجِدَ أحدٌ نفسَه. فإذا بطل هذان الأمران وبان استحالتُهما؛ تعيَّن القسم الثالثُ، وهو أنَّ الله هو الذي خلقهم. وإذا تعين ذلك؛ عُلِمَ أنَّ الله تعالى هو المعبودُ وحدَه، الذي لا تنبغي العبادة ولا تَصْلُح إلاَّ له تعالى.
{36} وقوله: {أم خَلَقوا السمواتِ والأرضَ}: وهذا استفهامٌ يدلُّ على تقرير النفي؛ أي: ما خلقوا السماواتِ والأرضَ، فيكونوا شركاء لله، وهذا أمرٌ واضحٌ جدًّا. {بل} المكذبونَ {لا يوقنونَ}؛ أي: ليس عندهم [علم تامٌّ و] يقينٌ يوجب لهم الانتفاع بالأدلَّة الشرعيَّة والعقليَّة.
{37}{أمۡ عندَهم خزائنُ ربِّك أم هم المُصَيۡطِرونَ}؛ أي: أعند هؤلاء المكذِّبين خزائنُ رحمة ربِّك، فيعطوا من يشاؤون ويمنعوا من يشاؤون ؛ أي: فلذلك حجروا على الله أن يُعطي النبوَّة عبدَه ورسولَه محمداً - صلى الله عليه وسلم -، وكأنَّهم الوكلاء المفوَّضون على خزائن رحمة الله، وهم أحقرُ وأذلُّ من ذلك؛ فليس في أيديهم لأنفسهم نفعٌ ولا ضرٌّ ولا موتٌ ولا حياةٌ ولا نشورٌ؛ {أهم يقسِمونَ رحمةَ ربِّك نحنُ قَسَمۡنا بينهم معيشَتَهم في الحياة الدُّنيا}؟ {أم هم المُصَيۡطِرُونَ}؛ أي: المتسلِّطون على خلق الله وملكه بالقهر والغلبة؟! ليس الأمر كذلك، بل هم العاجزون الفقراء.
{38}{أمۡ لهم سُلَّمٌ يستمعون فيه}؛ أي: ألهم اطِّلاع على الغيب واستماعٌ له بين الملأ الأعلى، فيخبرون عن أمورٍ لا يعلمُها غيرُهم، {فليأتِ مستمِعُهم}: المدَّعي لذلك {بسلطانٍ مبينٍ}: وأنَّى له ذلك والله تعالى عالم الغيب والشهادة؛ فلا يُظْهِرُ على غيبه أحداً؛ إلاَّ من ارتضى من رسولٍ يخبره بما أراد من علمِهِ، وإذا كان محمدٌ - صلى الله عليه وسلم -، أفضل الرسل وأعلمهم وإمامهم، وهو المخبر بما أخبر به من توحيد الله ووعده ووعيده وغير ذلك من أخباره الصادقة، والمكذِّبون هم أهل الجهل والضَّلال والغيِّ والعناد؛ فأيُّ المخبرين أحقُّ بقَبول خبره، خصوصاً والرسول - صلى الله عليه وسلم - قد أقام من الأدلَّة والبراهين على ما أخبر به ما يوجِبُ أن يكون ذلك عين اليقين وأكمل الصدق، وهم لم يُقيموا على ما ادَّعَوْه شبهةً فضلاً عن إقامة حجَّة؟!
{39} وقوله: {أم له البناتُ}: كما زعمتُم، {ولكم البنونَ}: فتجمعون بين المحذورَيْن: جَعْلُكُم له الولد، واختيارُكُم له أنقص الصنفين؛ فهل بعد هذا التنقُّص لربِّ العالمين غايةٌ أو دونه نهايةٌ؟!
{40}{أم تسألُهُم}: يا أيُّها الرسولُ، {أجراً}: على تبليغ الرسالة، {فهم من مَغۡرَمٍ مُثۡقَلونَ}: ليس الأمر كذلك، بل أنت الحريص على تعليمهم تبرُّعاً من غير شيء، بل تبذلُ لهم الأموالَ الجزيلة على قَبول رسالتك والاستجابة لأمرِك ودعوتك ، وتعطي المؤلَّفة قلوبهم؛ ليتمكَّن العلم والإيمان من قلوبهم.
{41}{أم عندَهم الغيبُ فهم يكتبونَ}: ما كانوا يعلمونَه من الغُيوب، فيكونون قد اطِّلعوا على ما لم يطَّلع عليه رسولُ الله، فعارضوه وعاندوه بما عندَهم من علم الغيب، وقد عُلِمَ أنَّهم الأمَّة الأميَّة الجهَّال الضَّالون، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو الذي عنده من العلم أعظم من غيره، وأنبأه الله من علم الغيب على ما لم يَطَّلِعْ عليه أحدٌ من الخلق، وهذا كلُّه إلزامٌ لهم بالطرق العقليَّة والنقليَّة على فساد قولهم وتصوير بطلانِهِ بأحسن الطُّرق وأوضحها وأسلمها من الاعتراض.
{42} وقوله: {أم يريدون}: بقدحِهِم فيك وفيما جئتَ به {كيداً}: يُبْطلونَ به دينَك، ويفسدون به أمرَك. {فالذين كفروا هُمُ المَكيدونَ}؛ أي: كيدُهم في نحورهم، ومضرَّته عائدةٌ إليهم، وقد فعل الله ذلك، ولله الحمد، فلم يُبْقِ الكفارُ من مقدورهم من المكر شيئاً إلاَّ فعلوه، فنصر الله نبيَّه عليهم، وأظهر دينَه ، وخَذَلَهُم وانتصر منهم.
{43}{أم لهم إلهٌ غير اللهِ}؛ أي: ألهم إلهٌ يُدعى ويرجى نفعُه ويُخاف من ضرِّه غير الله تعالى؟ {سبحان اللهِ عمَّا يشرِكون}: فليس له شريكٌ في الملك، ولا شريكٌ في الوحدانيَّة والعبادة، وهذا هو المقصود من الكلام الذي سيق لأجله، وهو بطلانُ عبادة ما سوى الله، وبيانُ فسادها بتلك الأدلَّة القاطعة، وأنَّ ما عليه المشركون هو الباطل، وأنَّ الذي ينبغي أن يُعْبَدَ ويصلَّى له ويُسْجَدَ ويُخْلَصَ له دعاءُ العبادة ودعاءُ المسألة هو الله المألوهُ المعبود، كاملُ الأسماء والصفاتِ، كثيرُ النعوتِ الحسنة والأفعال الجميلة، ذو الجلال والإكرام والعزِّ الذي لا يُرام، الواحد الأحدُ، الفردُ الصمدُ، الكبيرُ الحميدُ المجيدُ.
الطور 52:31
{29} يأمر الله تعالى رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يُذَكِّرَ الناس مسلمهم وكافرهم؛ لتقوم حجَّة الله على الظَّالمين، ويهتدي بتذكيره الموفَّقون، وأن لا يبالي بقول المشركين المكذِّبين وأذيَّتهم وأقوالهم التي يَصدُّون بها الناس عن اتِّباعه، مع علمهم أنَّه أبعدُ الناس عنها، ولهذا نفى عنه كلَّ نقص رَمَوْه به، فقال:{فما أنتَ بنعمةِ ربِّكَ}؛ أي: منَّه ولطفه {بكاهنٍ}؛ أي: له رِئْيٌ من الجنِّ يأتيه بخبر بعض الغيوب التي يضمُّ إليها مئة كذبةٍ، {ولا مجنونٍ}: فاقد العقل ، بل أنت أكملُ الناس عقلاً، وأبعدهم عن الشياطين، وأعظمهم صدقاً، وأجلُّهم، وأكملهم.
{30} وتارةً {يقولون} فيه: إنَّه {شاعرٌ}: يقول الشعر، والذي جاء به شعرٌ، والله يقول:{وما علَّمناه الشعرَ وما ينبغي له}، {نتربَّصُ به ريبَ المَنونِ}؛ أي: ننتظر به الموتَ، فيبطُلُ أمرُه ونستريح منه.
{31}{قل}: لهم جواباً لهذا الكلام السخيف: {تربَّصوا}؛ أي: انتظروا بي الموت، {فإنِّي معكم من المتربِّصين}: نتربَّص بكم أن يصيبكم الله بعذابٍ من عنده، أو بأيدينا.
{32}{أم تأمُرُهم أحلامُهم بهذا أم هم قومٌ طاغونَ}؛ أي: أهذا التكذيبُ لك والأقوال التي قالوها؛ هل صدرتْ عن عقولِهم وأحلامِهم؛ فبئس العقولُ والأحلامُ التي هذه نتائجها وهذه ثمراتها ؛ فإنَّ عقولاً جعلتْ أكملَ الخلق عقلاً مجنوناً، وجعلت أصدقَ الصِّدق وأحقَّ الحقِّ كذِباً وباطلاً؛ لهي العقول التي ينزَّه المجانين عنها؟ أم الذي حملهم على ذلك ظلمُهم وطغيانُهم؟ وهو الواقع؛ فالطغيانُ ليس له حدٌّ يقف عليه؛ فلا يُستغرب من الطاغي المتجاوزِ الحدَّ ، كلُّ قول وفعل صَدَرَ منه.
{33}{أم يقولون تَقَوَّلَه}؛ أي: تقوَّل محمدٌ القرآن وقاله من تلقاء نفسه، {بل لا يؤمنونَ}؛ فلو آمنوا؛ لم يقولوا ما قالوا.
{34}{فَلۡيَأتوا بحديثٍ مثلِهِ إنۡ كانوا صادقينَ}: إنَّه تقوَّله؛ فإنَّكم العرب الفصحاء والفحول البلغاء، وقد تحدَّاكم أن تأتوا بمثلِهِ؛ فتصدق معارضتكم، أو تقرُّوا بصدقه، وإنكم لو اجتمعتم أنتم والإنس والجنُّ؛ لم تقدروا على معارضته والإتيان بمثله؛ فحينئذٍ أنتم بين أمرين: إمَّا مؤمنون به مقتدون بهديِهِ، وإمَّا معاندون متَّبعون لما علمتُم من الباطل.
{35}{أم خُلِقوا من غير شيءٍ أم هُمُ الخالقونَ}: وهذا استدلالٌ عليهم بأمرٍ لا يمكنهم فيه إلاَّ التسليمُ للحقِّ، أو الخروج عن موجب العقل والدين. وبيان ذلك أنهم منكرون لتوحيد الله، مكذِّبون لرسوله، وذلك مستلزمٌ لإنكار أنَّ الله خَلَقَهم، وقد تقرَّر في العقل مع الشرع أنَّ ذلك لا يخلو من أحد ثلاثة أمورٍ: إمَّا أنهم {خُلِقوا من غير شيءٍ}؛ أي: لا خالق خلقهم؛ بل وجدوا من غير إيجادٍ ولا موجدٍ؛ وهذا عينُ المحال. {أم هم الخالقونَ}: لأنفسِهم؛ وهذا أيضاً محالٌ؛ فإنَّه لا يتصوَّر أن يوجِدَ أحدٌ نفسَه. فإذا بطل هذان الأمران وبان استحالتُهما؛ تعيَّن القسم الثالثُ، وهو أنَّ الله هو الذي خلقهم. وإذا تعين ذلك؛ عُلِمَ أنَّ الله تعالى هو المعبودُ وحدَه، الذي لا تنبغي العبادة ولا تَصْلُح إلاَّ له تعالى.
{36} وقوله: {أم خَلَقوا السمواتِ والأرضَ}: وهذا استفهامٌ يدلُّ على تقرير النفي؛ أي: ما خلقوا السماواتِ والأرضَ، فيكونوا شركاء لله، وهذا أمرٌ واضحٌ جدًّا. {بل} المكذبونَ {لا يوقنونَ}؛ أي: ليس عندهم [علم تامٌّ و] يقينٌ يوجب لهم الانتفاع بالأدلَّة الشرعيَّة والعقليَّة.
{37}{أمۡ عندَهم خزائنُ ربِّك أم هم المُصَيۡطِرونَ}؛ أي: أعند هؤلاء المكذِّبين خزائنُ رحمة ربِّك، فيعطوا من يشاؤون ويمنعوا من يشاؤون ؛ أي: فلذلك حجروا على الله أن يُعطي النبوَّة عبدَه ورسولَه محمداً - صلى الله عليه وسلم -، وكأنَّهم الوكلاء المفوَّضون على خزائن رحمة الله، وهم أحقرُ وأذلُّ من ذلك؛ فليس في أيديهم لأنفسهم نفعٌ ولا ضرٌّ ولا موتٌ ولا حياةٌ ولا نشورٌ؛ {أهم يقسِمونَ رحمةَ ربِّك نحنُ قَسَمۡنا بينهم معيشَتَهم في الحياة الدُّنيا}؟ {أم هم المُصَيۡطِرُونَ}؛ أي: المتسلِّطون على خلق الله وملكه بالقهر والغلبة؟! ليس الأمر كذلك، بل هم العاجزون الفقراء.
{38}{أمۡ لهم سُلَّمٌ يستمعون فيه}؛ أي: ألهم اطِّلاع على الغيب واستماعٌ له بين الملأ الأعلى، فيخبرون عن أمورٍ لا يعلمُها غيرُهم، {فليأتِ مستمِعُهم}: المدَّعي لذلك {بسلطانٍ مبينٍ}: وأنَّى له ذلك والله تعالى عالم الغيب والشهادة؛ فلا يُظْهِرُ على غيبه أحداً؛ إلاَّ من ارتضى من رسولٍ يخبره بما أراد من علمِهِ، وإذا كان محمدٌ - صلى الله عليه وسلم -، أفضل الرسل وأعلمهم وإمامهم، وهو المخبر بما أخبر به من توحيد الله ووعده ووعيده وغير ذلك من أخباره الصادقة، والمكذِّبون هم أهل الجهل والضَّلال والغيِّ والعناد؛ فأيُّ المخبرين أحقُّ بقَبول خبره، خصوصاً والرسول - صلى الله عليه وسلم - قد أقام من الأدلَّة والبراهين على ما أخبر به ما يوجِبُ أن يكون ذلك عين اليقين وأكمل الصدق، وهم لم يُقيموا على ما ادَّعَوْه شبهةً فضلاً عن إقامة حجَّة؟!
{39} وقوله: {أم له البناتُ}: كما زعمتُم، {ولكم البنونَ}: فتجمعون بين المحذورَيْن: جَعْلُكُم له الولد، واختيارُكُم له أنقص الصنفين؛ فهل بعد هذا التنقُّص لربِّ العالمين غايةٌ أو دونه نهايةٌ؟!
{40}{أم تسألُهُم}: يا أيُّها الرسولُ، {أجراً}: على تبليغ الرسالة، {فهم من مَغۡرَمٍ مُثۡقَلونَ}: ليس الأمر كذلك، بل أنت الحريص على تعليمهم تبرُّعاً من غير شيء، بل تبذلُ لهم الأموالَ الجزيلة على قَبول رسالتك والاستجابة لأمرِك ودعوتك ، وتعطي المؤلَّفة قلوبهم؛ ليتمكَّن العلم والإيمان من قلوبهم.
{41}{أم عندَهم الغيبُ فهم يكتبونَ}: ما كانوا يعلمونَه من الغُيوب، فيكونون قد اطِّلعوا على ما لم يطَّلع عليه رسولُ الله، فعارضوه وعاندوه بما عندَهم من علم الغيب، وقد عُلِمَ أنَّهم الأمَّة الأميَّة الجهَّال الضَّالون، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو الذي عنده من العلم أعظم من غيره، وأنبأه الله من علم الغيب على ما لم يَطَّلِعْ عليه أحدٌ من الخلق، وهذا كلُّه إلزامٌ لهم بالطرق العقليَّة والنقليَّة على فساد قولهم وتصوير بطلانِهِ بأحسن الطُّرق وأوضحها وأسلمها من الاعتراض.
{42} وقوله: {أم يريدون}: بقدحِهِم فيك وفيما جئتَ به {كيداً}: يُبْطلونَ به دينَك، ويفسدون به أمرَك. {فالذين كفروا هُمُ المَكيدونَ}؛ أي: كيدُهم في نحورهم، ومضرَّته عائدةٌ إليهم، وقد فعل الله ذلك، ولله الحمد، فلم يُبْقِ الكفارُ من مقدورهم من المكر شيئاً إلاَّ فعلوه، فنصر الله نبيَّه عليهم، وأظهر دينَه ، وخَذَلَهُم وانتصر منهم.
{43}{أم لهم إلهٌ غير اللهِ}؛ أي: ألهم إلهٌ يُدعى ويرجى نفعُه ويُخاف من ضرِّه غير الله تعالى؟ {سبحان اللهِ عمَّا يشرِكون}: فليس له شريكٌ في الملك، ولا شريكٌ في الوحدانيَّة والعبادة، وهذا هو المقصود من الكلام الذي سيق لأجله، وهو بطلانُ عبادة ما سوى الله، وبيانُ فسادها بتلك الأدلَّة القاطعة، وأنَّ ما عليه المشركون هو الباطل، وأنَّ الذي ينبغي أن يُعْبَدَ ويصلَّى له ويُسْجَدَ ويُخْلَصَ له دعاءُ العبادة ودعاءُ المسألة هو الله المألوهُ المعبود، كاملُ الأسماء والصفاتِ، كثيرُ النعوتِ الحسنة والأفعال الجميلة، ذو الجلال والإكرام والعزِّ الذي لا يُرام، الواحد الأحدُ، الفردُ الصمدُ، الكبيرُ الحميدُ المجيدُ.
الطور 52:32
{29} يأمر الله تعالى رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يُذَكِّرَ الناس مسلمهم وكافرهم؛ لتقوم حجَّة الله على الظَّالمين، ويهتدي بتذكيره الموفَّقون، وأن لا يبالي بقول المشركين المكذِّبين وأذيَّتهم وأقوالهم التي يَصدُّون بها الناس عن اتِّباعه، مع علمهم أنَّه أبعدُ الناس عنها، ولهذا نفى عنه كلَّ نقص رَمَوْه به، فقال:{فما أنتَ بنعمةِ ربِّكَ}؛ أي: منَّه ولطفه {بكاهنٍ}؛ أي: له رِئْيٌ من الجنِّ يأتيه بخبر بعض الغيوب التي يضمُّ إليها مئة كذبةٍ، {ولا مجنونٍ}: فاقد العقل ، بل أنت أكملُ الناس عقلاً، وأبعدهم عن الشياطين، وأعظمهم صدقاً، وأجلُّهم، وأكملهم.
{30} وتارةً {يقولون} فيه: إنَّه {شاعرٌ}: يقول الشعر، والذي جاء به شعرٌ، والله يقول:{وما علَّمناه الشعرَ وما ينبغي له}، {نتربَّصُ به ريبَ المَنونِ}؛ أي: ننتظر به الموتَ، فيبطُلُ أمرُه ونستريح منه.
{31}{قل}: لهم جواباً لهذا الكلام السخيف: {تربَّصوا}؛ أي: انتظروا بي الموت، {فإنِّي معكم من المتربِّصين}: نتربَّص بكم أن يصيبكم الله بعذابٍ من عنده، أو بأيدينا.
{32}{أم تأمُرُهم أحلامُهم بهذا أم هم قومٌ طاغونَ}؛ أي: أهذا التكذيبُ لك والأقوال التي قالوها؛ هل صدرتْ عن عقولِهم وأحلامِهم؛ فبئس العقولُ والأحلامُ التي هذه نتائجها وهذه ثمراتها ؛ فإنَّ عقولاً جعلتْ أكملَ الخلق عقلاً مجنوناً، وجعلت أصدقَ الصِّدق وأحقَّ الحقِّ كذِباً وباطلاً؛ لهي العقول التي ينزَّه المجانين عنها؟ أم الذي حملهم على ذلك ظلمُهم وطغيانُهم؟ وهو الواقع؛ فالطغيانُ ليس له حدٌّ يقف عليه؛ فلا يُستغرب من الطاغي المتجاوزِ الحدَّ ، كلُّ قول وفعل صَدَرَ منه.
{33}{أم يقولون تَقَوَّلَه}؛ أي: تقوَّل محمدٌ القرآن وقاله من تلقاء نفسه، {بل لا يؤمنونَ}؛ فلو آمنوا؛ لم يقولوا ما قالوا.
{34}{فَلۡيَأتوا بحديثٍ مثلِهِ إنۡ كانوا صادقينَ}: إنَّه تقوَّله؛ فإنَّكم العرب الفصحاء والفحول البلغاء، وقد تحدَّاكم أن تأتوا بمثلِهِ؛ فتصدق معارضتكم، أو تقرُّوا بصدقه، وإنكم لو اجتمعتم أنتم والإنس والجنُّ؛ لم تقدروا على معارضته والإتيان بمثله؛ فحينئذٍ أنتم بين أمرين: إمَّا مؤمنون به مقتدون بهديِهِ، وإمَّا معاندون متَّبعون لما علمتُم من الباطل.
{35}{أم خُلِقوا من غير شيءٍ أم هُمُ الخالقونَ}: وهذا استدلالٌ عليهم بأمرٍ لا يمكنهم فيه إلاَّ التسليمُ للحقِّ، أو الخروج عن موجب العقل والدين. وبيان ذلك أنهم منكرون لتوحيد الله، مكذِّبون لرسوله، وذلك مستلزمٌ لإنكار أنَّ الله خَلَقَهم، وقد تقرَّر في العقل مع الشرع أنَّ ذلك لا يخلو من أحد ثلاثة أمورٍ: إمَّا أنهم {خُلِقوا من غير شيءٍ}؛ أي: لا خالق خلقهم؛ بل وجدوا من غير إيجادٍ ولا موجدٍ؛ وهذا عينُ المحال. {أم هم الخالقونَ}: لأنفسِهم؛ وهذا أيضاً محالٌ؛ فإنَّه لا يتصوَّر أن يوجِدَ أحدٌ نفسَه. فإذا بطل هذان الأمران وبان استحالتُهما؛ تعيَّن القسم الثالثُ، وهو أنَّ الله هو الذي خلقهم. وإذا تعين ذلك؛ عُلِمَ أنَّ الله تعالى هو المعبودُ وحدَه، الذي لا تنبغي العبادة ولا تَصْلُح إلاَّ له تعالى.
{36} وقوله: {أم خَلَقوا السمواتِ والأرضَ}: وهذا استفهامٌ يدلُّ على تقرير النفي؛ أي: ما خلقوا السماواتِ والأرضَ، فيكونوا شركاء لله، وهذا أمرٌ واضحٌ جدًّا. {بل} المكذبونَ {لا يوقنونَ}؛ أي: ليس عندهم [علم تامٌّ و] يقينٌ يوجب لهم الانتفاع بالأدلَّة الشرعيَّة والعقليَّة.
{37}{أمۡ عندَهم خزائنُ ربِّك أم هم المُصَيۡطِرونَ}؛ أي: أعند هؤلاء المكذِّبين خزائنُ رحمة ربِّك، فيعطوا من يشاؤون ويمنعوا من يشاؤون ؛ أي: فلذلك حجروا على الله أن يُعطي النبوَّة عبدَه ورسولَه محمداً - صلى الله عليه وسلم -، وكأنَّهم الوكلاء المفوَّضون على خزائن رحمة الله، وهم أحقرُ وأذلُّ من ذلك؛ فليس في أيديهم لأنفسهم نفعٌ ولا ضرٌّ ولا موتٌ ولا حياةٌ ولا نشورٌ؛ {أهم يقسِمونَ رحمةَ ربِّك نحنُ قَسَمۡنا بينهم معيشَتَهم في الحياة الدُّنيا}؟ {أم هم المُصَيۡطِرُونَ}؛ أي: المتسلِّطون على خلق الله وملكه بالقهر والغلبة؟! ليس الأمر كذلك، بل هم العاجزون الفقراء.
{38}{أمۡ لهم سُلَّمٌ يستمعون فيه}؛ أي: ألهم اطِّلاع على الغيب واستماعٌ له بين الملأ الأعلى، فيخبرون عن أمورٍ لا يعلمُها غيرُهم، {فليأتِ مستمِعُهم}: المدَّعي لذلك {بسلطانٍ مبينٍ}: وأنَّى له ذلك والله تعالى عالم الغيب والشهادة؛ فلا يُظْهِرُ على غيبه أحداً؛ إلاَّ من ارتضى من رسولٍ يخبره بما أراد من علمِهِ، وإذا كان محمدٌ - صلى الله عليه وسلم -، أفضل الرسل وأعلمهم وإمامهم، وهو المخبر بما أخبر به من توحيد الله ووعده ووعيده وغير ذلك من أخباره الصادقة، والمكذِّبون هم أهل الجهل والضَّلال والغيِّ والعناد؛ فأيُّ المخبرين أحقُّ بقَبول خبره، خصوصاً والرسول - صلى الله عليه وسلم - قد أقام من الأدلَّة والبراهين على ما أخبر به ما يوجِبُ أن يكون ذلك عين اليقين وأكمل الصدق، وهم لم يُقيموا على ما ادَّعَوْه شبهةً فضلاً عن إقامة حجَّة؟!
{39} وقوله: {أم له البناتُ}: كما زعمتُم، {ولكم البنونَ}: فتجمعون بين المحذورَيْن: جَعْلُكُم له الولد، واختيارُكُم له أنقص الصنفين؛ فهل بعد هذا التنقُّص لربِّ العالمين غايةٌ أو دونه نهايةٌ؟!
{40}{أم تسألُهُم}: يا أيُّها الرسولُ، {أجراً}: على تبليغ الرسالة، {فهم من مَغۡرَمٍ مُثۡقَلونَ}: ليس الأمر كذلك، بل أنت الحريص على تعليمهم تبرُّعاً من غير شيء، بل تبذلُ لهم الأموالَ الجزيلة على قَبول رسالتك والاستجابة لأمرِك ودعوتك ، وتعطي المؤلَّفة قلوبهم؛ ليتمكَّن العلم والإيمان من قلوبهم.
{41}{أم عندَهم الغيبُ فهم يكتبونَ}: ما كانوا يعلمونَه من الغُيوب، فيكونون قد اطِّلعوا على ما لم يطَّلع عليه رسولُ الله، فعارضوه وعاندوه بما عندَهم من علم الغيب، وقد عُلِمَ أنَّهم الأمَّة الأميَّة الجهَّال الضَّالون، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو الذي عنده من العلم أعظم من غيره، وأنبأه الله من علم الغيب على ما لم يَطَّلِعْ عليه أحدٌ من الخلق، وهذا كلُّه إلزامٌ لهم بالطرق العقليَّة والنقليَّة على فساد قولهم وتصوير بطلانِهِ بأحسن الطُّرق وأوضحها وأسلمها من الاعتراض.
{42} وقوله: {أم يريدون}: بقدحِهِم فيك وفيما جئتَ به {كيداً}: يُبْطلونَ به دينَك، ويفسدون به أمرَك. {فالذين كفروا هُمُ المَكيدونَ}؛ أي: كيدُهم في نحورهم، ومضرَّته عائدةٌ إليهم، وقد فعل الله ذلك، ولله الحمد، فلم يُبْقِ الكفارُ من مقدورهم من المكر شيئاً إلاَّ فعلوه، فنصر الله نبيَّه عليهم، وأظهر دينَه ، وخَذَلَهُم وانتصر منهم.
{43}{أم لهم إلهٌ غير اللهِ}؛ أي: ألهم إلهٌ يُدعى ويرجى نفعُه ويُخاف من ضرِّه غير الله تعالى؟ {سبحان اللهِ عمَّا يشرِكون}: فليس له شريكٌ في الملك، ولا شريكٌ في الوحدانيَّة والعبادة، وهذا هو المقصود من الكلام الذي سيق لأجله، وهو بطلانُ عبادة ما سوى الله، وبيانُ فسادها بتلك الأدلَّة القاطعة، وأنَّ ما عليه المشركون هو الباطل، وأنَّ الذي ينبغي أن يُعْبَدَ ويصلَّى له ويُسْجَدَ ويُخْلَصَ له دعاءُ العبادة ودعاءُ المسألة هو الله المألوهُ المعبود، كاملُ الأسماء والصفاتِ، كثيرُ النعوتِ الحسنة والأفعال الجميلة، ذو الجلال والإكرام والعزِّ الذي لا يُرام، الواحد الأحدُ، الفردُ الصمدُ، الكبيرُ الحميدُ المجيدُ.
الطور 52:33
{29} يأمر الله تعالى رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يُذَكِّرَ الناس مسلمهم وكافرهم؛ لتقوم حجَّة الله على الظَّالمين، ويهتدي بتذكيره الموفَّقون، وأن لا يبالي بقول المشركين المكذِّبين وأذيَّتهم وأقوالهم التي يَصدُّون بها الناس عن اتِّباعه، مع علمهم أنَّه أبعدُ الناس عنها، ولهذا نفى عنه كلَّ نقص رَمَوْه به، فقال:{فما أنتَ بنعمةِ ربِّكَ}؛ أي: منَّه ولطفه {بكاهنٍ}؛ أي: له رِئْيٌ من الجنِّ يأتيه بخبر بعض الغيوب التي يضمُّ إليها مئة كذبةٍ، {ولا مجنونٍ}: فاقد العقل ، بل أنت أكملُ الناس عقلاً، وأبعدهم عن الشياطين، وأعظمهم صدقاً، وأجلُّهم، وأكملهم.
{30} وتارةً {يقولون} فيه: إنَّه {شاعرٌ}: يقول الشعر، والذي جاء به شعرٌ، والله يقول:{وما علَّمناه الشعرَ وما ينبغي له}، {نتربَّصُ به ريبَ المَنونِ}؛ أي: ننتظر به الموتَ، فيبطُلُ أمرُه ونستريح منه.
{31}{قل}: لهم جواباً لهذا الكلام السخيف: {تربَّصوا}؛ أي: انتظروا بي الموت، {فإنِّي معكم من المتربِّصين}: نتربَّص بكم أن يصيبكم الله بعذابٍ من عنده، أو بأيدينا.
{32}{أم تأمُرُهم أحلامُهم بهذا أم هم قومٌ طاغونَ}؛ أي: أهذا التكذيبُ لك والأقوال التي قالوها؛ هل صدرتْ عن عقولِهم وأحلامِهم؛ فبئس العقولُ والأحلامُ التي هذه نتائجها وهذه ثمراتها ؛ فإنَّ عقولاً جعلتْ أكملَ الخلق عقلاً مجنوناً، وجعلت أصدقَ الصِّدق وأحقَّ الحقِّ كذِباً وباطلاً؛ لهي العقول التي ينزَّه المجانين عنها؟ أم الذي حملهم على ذلك ظلمُهم وطغيانُهم؟ وهو الواقع؛ فالطغيانُ ليس له حدٌّ يقف عليه؛ فلا يُستغرب من الطاغي المتجاوزِ الحدَّ ، كلُّ قول وفعل صَدَرَ منه.
{33}{أم يقولون تَقَوَّلَه}؛ أي: تقوَّل محمدٌ القرآن وقاله من تلقاء نفسه، {بل لا يؤمنونَ}؛ فلو آمنوا؛ لم يقولوا ما قالوا.
{34}{فَلۡيَأتوا بحديثٍ مثلِهِ إنۡ كانوا صادقينَ}: إنَّه تقوَّله؛ فإنَّكم العرب الفصحاء والفحول البلغاء، وقد تحدَّاكم أن تأتوا بمثلِهِ؛ فتصدق معارضتكم، أو تقرُّوا بصدقه، وإنكم لو اجتمعتم أنتم والإنس والجنُّ؛ لم تقدروا على معارضته والإتيان بمثله؛ فحينئذٍ أنتم بين أمرين: إمَّا مؤمنون به مقتدون بهديِهِ، وإمَّا معاندون متَّبعون لما علمتُم من الباطل.
{35}{أم خُلِقوا من غير شيءٍ أم هُمُ الخالقونَ}: وهذا استدلالٌ عليهم بأمرٍ لا يمكنهم فيه إلاَّ التسليمُ للحقِّ، أو الخروج عن موجب العقل والدين. وبيان ذلك أنهم منكرون لتوحيد الله، مكذِّبون لرسوله، وذلك مستلزمٌ لإنكار أنَّ الله خَلَقَهم، وقد تقرَّر في العقل مع الشرع أنَّ ذلك لا يخلو من أحد ثلاثة أمورٍ: إمَّا أنهم {خُلِقوا من غير شيءٍ}؛ أي: لا خالق خلقهم؛ بل وجدوا من غير إيجادٍ ولا موجدٍ؛ وهذا عينُ المحال. {أم هم الخالقونَ}: لأنفسِهم؛ وهذا أيضاً محالٌ؛ فإنَّه لا يتصوَّر أن يوجِدَ أحدٌ نفسَه. فإذا بطل هذان الأمران وبان استحالتُهما؛ تعيَّن القسم الثالثُ، وهو أنَّ الله هو الذي خلقهم. وإذا تعين ذلك؛ عُلِمَ أنَّ الله تعالى هو المعبودُ وحدَه، الذي لا تنبغي العبادة ولا تَصْلُح إلاَّ له تعالى.
{36} وقوله: {أم خَلَقوا السمواتِ والأرضَ}: وهذا استفهامٌ يدلُّ على تقرير النفي؛ أي: ما خلقوا السماواتِ والأرضَ، فيكونوا شركاء لله، وهذا أمرٌ واضحٌ جدًّا. {بل} المكذبونَ {لا يوقنونَ}؛ أي: ليس عندهم [علم تامٌّ و] يقينٌ يوجب لهم الانتفاع بالأدلَّة الشرعيَّة والعقليَّة.
{37}{أمۡ عندَهم خزائنُ ربِّك أم هم المُصَيۡطِرونَ}؛ أي: أعند هؤلاء المكذِّبين خزائنُ رحمة ربِّك، فيعطوا من يشاؤون ويمنعوا من يشاؤون ؛ أي: فلذلك حجروا على الله أن يُعطي النبوَّة عبدَه ورسولَه محمداً - صلى الله عليه وسلم -، وكأنَّهم الوكلاء المفوَّضون على خزائن رحمة الله، وهم أحقرُ وأذلُّ من ذلك؛ فليس في أيديهم لأنفسهم نفعٌ ولا ضرٌّ ولا موتٌ ولا حياةٌ ولا نشورٌ؛ {أهم يقسِمونَ رحمةَ ربِّك نحنُ قَسَمۡنا بينهم معيشَتَهم في الحياة الدُّنيا}؟ {أم هم المُصَيۡطِرُونَ}؛ أي: المتسلِّطون على خلق الله وملكه بالقهر والغلبة؟! ليس الأمر كذلك، بل هم العاجزون الفقراء.
{38}{أمۡ لهم سُلَّمٌ يستمعون فيه}؛ أي: ألهم اطِّلاع على الغيب واستماعٌ له بين الملأ الأعلى، فيخبرون عن أمورٍ لا يعلمُها غيرُهم، {فليأتِ مستمِعُهم}: المدَّعي لذلك {بسلطانٍ مبينٍ}: وأنَّى له ذلك والله تعالى عالم الغيب والشهادة؛ فلا يُظْهِرُ على غيبه أحداً؛ إلاَّ من ارتضى من رسولٍ يخبره بما أراد من علمِهِ، وإذا كان محمدٌ - صلى الله عليه وسلم -، أفضل الرسل وأعلمهم وإمامهم، وهو المخبر بما أخبر به من توحيد الله ووعده ووعيده وغير ذلك من أخباره الصادقة، والمكذِّبون هم أهل الجهل والضَّلال والغيِّ والعناد؛ فأيُّ المخبرين أحقُّ بقَبول خبره، خصوصاً والرسول - صلى الله عليه وسلم - قد أقام من الأدلَّة والبراهين على ما أخبر به ما يوجِبُ أن يكون ذلك عين اليقين وأكمل الصدق، وهم لم يُقيموا على ما ادَّعَوْه شبهةً فضلاً عن إقامة حجَّة؟!
{39} وقوله: {أم له البناتُ}: كما زعمتُم، {ولكم البنونَ}: فتجمعون بين المحذورَيْن: جَعْلُكُم له الولد، واختيارُكُم له أنقص الصنفين؛ فهل بعد هذا التنقُّص لربِّ العالمين غايةٌ أو دونه نهايةٌ؟!
{40}{أم تسألُهُم}: يا أيُّها الرسولُ، {أجراً}: على تبليغ الرسالة، {فهم من مَغۡرَمٍ مُثۡقَلونَ}: ليس الأمر كذلك، بل أنت الحريص على تعليمهم تبرُّعاً من غير شيء، بل تبذلُ لهم الأموالَ الجزيلة على قَبول رسالتك والاستجابة لأمرِك ودعوتك ، وتعطي المؤلَّفة قلوبهم؛ ليتمكَّن العلم والإيمان من قلوبهم.
{41}{أم عندَهم الغيبُ فهم يكتبونَ}: ما كانوا يعلمونَه من الغُيوب، فيكونون قد اطِّلعوا على ما لم يطَّلع عليه رسولُ الله، فعارضوه وعاندوه بما عندَهم من علم الغيب، وقد عُلِمَ أنَّهم الأمَّة الأميَّة الجهَّال الضَّالون، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو الذي عنده من العلم أعظم من غيره، وأنبأه الله من علم الغيب على ما لم يَطَّلِعْ عليه أحدٌ من الخلق، وهذا كلُّه إلزامٌ لهم بالطرق العقليَّة والنقليَّة على فساد قولهم وتصوير بطلانِهِ بأحسن الطُّرق وأوضحها وأسلمها من الاعتراض.
{42} وقوله: {أم يريدون}: بقدحِهِم فيك وفيما جئتَ به {كيداً}: يُبْطلونَ به دينَك، ويفسدون به أمرَك. {فالذين كفروا هُمُ المَكيدونَ}؛ أي: كيدُهم في نحورهم، ومضرَّته عائدةٌ إليهم، وقد فعل الله ذلك، ولله الحمد، فلم يُبْقِ الكفارُ من مقدورهم من المكر شيئاً إلاَّ فعلوه، فنصر الله نبيَّه عليهم، وأظهر دينَه ، وخَذَلَهُم وانتصر منهم.
{43}{أم لهم إلهٌ غير اللهِ}؛ أي: ألهم إلهٌ يُدعى ويرجى نفعُه ويُخاف من ضرِّه غير الله تعالى؟ {سبحان اللهِ عمَّا يشرِكون}: فليس له شريكٌ في الملك، ولا شريكٌ في الوحدانيَّة والعبادة، وهذا هو المقصود من الكلام الذي سيق لأجله، وهو بطلانُ عبادة ما سوى الله، وبيانُ فسادها بتلك الأدلَّة القاطعة، وأنَّ ما عليه المشركون هو الباطل، وأنَّ الذي ينبغي أن يُعْبَدَ ويصلَّى له ويُسْجَدَ ويُخْلَصَ له دعاءُ العبادة ودعاءُ المسألة هو الله المألوهُ المعبود، كاملُ الأسماء والصفاتِ، كثيرُ النعوتِ الحسنة والأفعال الجميلة، ذو الجلال والإكرام والعزِّ الذي لا يُرام، الواحد الأحدُ، الفردُ الصمدُ، الكبيرُ الحميدُ المجيدُ.
الطور 52:34
{29} يأمر الله تعالى رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يُذَكِّرَ الناس مسلمهم وكافرهم؛ لتقوم حجَّة الله على الظَّالمين، ويهتدي بتذكيره الموفَّقون، وأن لا يبالي بقول المشركين المكذِّبين وأذيَّتهم وأقوالهم التي يَصدُّون بها الناس عن اتِّباعه، مع علمهم أنَّه أبعدُ الناس عنها، ولهذا نفى عنه كلَّ نقص رَمَوْه به، فقال:{فما أنتَ بنعمةِ ربِّكَ}؛ أي: منَّه ولطفه {بكاهنٍ}؛ أي: له رِئْيٌ من الجنِّ يأتيه بخبر بعض الغيوب التي يضمُّ إليها مئة كذبةٍ، {ولا مجنونٍ}: فاقد العقل ، بل أنت أكملُ الناس عقلاً، وأبعدهم عن الشياطين، وأعظمهم صدقاً، وأجلُّهم، وأكملهم.
{30} وتارةً {يقولون} فيه: إنَّه {شاعرٌ}: يقول الشعر، والذي جاء به شعرٌ، والله يقول:{وما علَّمناه الشعرَ وما ينبغي له}، {نتربَّصُ به ريبَ المَنونِ}؛ أي: ننتظر به الموتَ، فيبطُلُ أمرُه ونستريح منه.
{31}{قل}: لهم جواباً لهذا الكلام السخيف: {تربَّصوا}؛ أي: انتظروا بي الموت، {فإنِّي معكم من المتربِّصين}: نتربَّص بكم أن يصيبكم الله بعذابٍ من عنده، أو بأيدينا.
{32}{أم تأمُرُهم أحلامُهم بهذا أم هم قومٌ طاغونَ}؛ أي: أهذا التكذيبُ لك والأقوال التي قالوها؛ هل صدرتْ عن عقولِهم وأحلامِهم؛ فبئس العقولُ والأحلامُ التي هذه نتائجها وهذه ثمراتها ؛ فإنَّ عقولاً جعلتْ أكملَ الخلق عقلاً مجنوناً، وجعلت أصدقَ الصِّدق وأحقَّ الحقِّ كذِباً وباطلاً؛ لهي العقول التي ينزَّه المجانين عنها؟ أم الذي حملهم على ذلك ظلمُهم وطغيانُهم؟ وهو الواقع؛ فالطغيانُ ليس له حدٌّ يقف عليه؛ فلا يُستغرب من الطاغي المتجاوزِ الحدَّ ، كلُّ قول وفعل صَدَرَ منه.
{33}{أم يقولون تَقَوَّلَه}؛ أي: تقوَّل محمدٌ القرآن وقاله من تلقاء نفسه، {بل لا يؤمنونَ}؛ فلو آمنوا؛ لم يقولوا ما قالوا.
{34}{فَلۡيَأتوا بحديثٍ مثلِهِ إنۡ كانوا صادقينَ}: إنَّه تقوَّله؛ فإنَّكم العرب الفصحاء والفحول البلغاء، وقد تحدَّاكم أن تأتوا بمثلِهِ؛ فتصدق معارضتكم، أو تقرُّوا بصدقه، وإنكم لو اجتمعتم أنتم والإنس والجنُّ؛ لم تقدروا على معارضته والإتيان بمثله؛ فحينئذٍ أنتم بين أمرين: إمَّا مؤمنون به مقتدون بهديِهِ، وإمَّا معاندون متَّبعون لما علمتُم من الباطل.
{35}{أم خُلِقوا من غير شيءٍ أم هُمُ الخالقونَ}: وهذا استدلالٌ عليهم بأمرٍ لا يمكنهم فيه إلاَّ التسليمُ للحقِّ، أو الخروج عن موجب العقل والدين. وبيان ذلك أنهم منكرون لتوحيد الله، مكذِّبون لرسوله، وذلك مستلزمٌ لإنكار أنَّ الله خَلَقَهم، وقد تقرَّر في العقل مع الشرع أنَّ ذلك لا يخلو من أحد ثلاثة أمورٍ: إمَّا أنهم {خُلِقوا من غير شيءٍ}؛ أي: لا خالق خلقهم؛ بل وجدوا من غير إيجادٍ ولا موجدٍ؛ وهذا عينُ المحال. {أم هم الخالقونَ}: لأنفسِهم؛ وهذا أيضاً محالٌ؛ فإنَّه لا يتصوَّر أن يوجِدَ أحدٌ نفسَه. فإذا بطل هذان الأمران وبان استحالتُهما؛ تعيَّن القسم الثالثُ، وهو أنَّ الله هو الذي خلقهم. وإذا تعين ذلك؛ عُلِمَ أنَّ الله تعالى هو المعبودُ وحدَه، الذي لا تنبغي العبادة ولا تَصْلُح إلاَّ له تعالى.
{36} وقوله: {أم خَلَقوا السمواتِ والأرضَ}: وهذا استفهامٌ يدلُّ على تقرير النفي؛ أي: ما خلقوا السماواتِ والأرضَ، فيكونوا شركاء لله، وهذا أمرٌ واضحٌ جدًّا. {بل} المكذبونَ {لا يوقنونَ}؛ أي: ليس عندهم [علم تامٌّ و] يقينٌ يوجب لهم الانتفاع بالأدلَّة الشرعيَّة والعقليَّة.
{37}{أمۡ عندَهم خزائنُ ربِّك أم هم المُصَيۡطِرونَ}؛ أي: أعند هؤلاء المكذِّبين خزائنُ رحمة ربِّك، فيعطوا من يشاؤون ويمنعوا من يشاؤون ؛ أي: فلذلك حجروا على الله أن يُعطي النبوَّة عبدَه ورسولَه محمداً - صلى الله عليه وسلم -، وكأنَّهم الوكلاء المفوَّضون على خزائن رحمة الله، وهم أحقرُ وأذلُّ من ذلك؛ فليس في أيديهم لأنفسهم نفعٌ ولا ضرٌّ ولا موتٌ ولا حياةٌ ولا نشورٌ؛ {أهم يقسِمونَ رحمةَ ربِّك نحنُ قَسَمۡنا بينهم معيشَتَهم في الحياة الدُّنيا}؟ {أم هم المُصَيۡطِرُونَ}؛ أي: المتسلِّطون على خلق الله وملكه بالقهر والغلبة؟! ليس الأمر كذلك، بل هم العاجزون الفقراء.
{38}{أمۡ لهم سُلَّمٌ يستمعون فيه}؛ أي: ألهم اطِّلاع على الغيب واستماعٌ له بين الملأ الأعلى، فيخبرون عن أمورٍ لا يعلمُها غيرُهم، {فليأتِ مستمِعُهم}: المدَّعي لذلك {بسلطانٍ مبينٍ}: وأنَّى له ذلك والله تعالى عالم الغيب والشهادة؛ فلا يُظْهِرُ على غيبه أحداً؛ إلاَّ من ارتضى من رسولٍ يخبره بما أراد من علمِهِ، وإذا كان محمدٌ - صلى الله عليه وسلم -، أفضل الرسل وأعلمهم وإمامهم، وهو المخبر بما أخبر به من توحيد الله ووعده ووعيده وغير ذلك من أخباره الصادقة، والمكذِّبون هم أهل الجهل والضَّلال والغيِّ والعناد؛ فأيُّ المخبرين أحقُّ بقَبول خبره، خصوصاً والرسول - صلى الله عليه وسلم - قد أقام من الأدلَّة والبراهين على ما أخبر به ما يوجِبُ أن يكون ذلك عين اليقين وأكمل الصدق، وهم لم يُقيموا على ما ادَّعَوْه شبهةً فضلاً عن إقامة حجَّة؟!
{39} وقوله: {أم له البناتُ}: كما زعمتُم، {ولكم البنونَ}: فتجمعون بين المحذورَيْن: جَعْلُكُم له الولد، واختيارُكُم له أنقص الصنفين؛ فهل بعد هذا التنقُّص لربِّ العالمين غايةٌ أو دونه نهايةٌ؟!
{40}{أم تسألُهُم}: يا أيُّها الرسولُ، {أجراً}: على تبليغ الرسالة، {فهم من مَغۡرَمٍ مُثۡقَلونَ}: ليس الأمر كذلك، بل أنت الحريص على تعليمهم تبرُّعاً من غير شيء، بل تبذلُ لهم الأموالَ الجزيلة على قَبول رسالتك والاستجابة لأمرِك ودعوتك ، وتعطي المؤلَّفة قلوبهم؛ ليتمكَّن العلم والإيمان من قلوبهم.
{41}{أم عندَهم الغيبُ فهم يكتبونَ}: ما كانوا يعلمونَه من الغُيوب، فيكونون قد اطِّلعوا على ما لم يطَّلع عليه رسولُ الله، فعارضوه وعاندوه بما عندَهم من علم الغيب، وقد عُلِمَ أنَّهم الأمَّة الأميَّة الجهَّال الضَّالون، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو الذي عنده من العلم أعظم من غيره، وأنبأه الله من علم الغيب على ما لم يَطَّلِعْ عليه أحدٌ من الخلق، وهذا كلُّه إلزامٌ لهم بالطرق العقليَّة والنقليَّة على فساد قولهم وتصوير بطلانِهِ بأحسن الطُّرق وأوضحها وأسلمها من الاعتراض.
{42} وقوله: {أم يريدون}: بقدحِهِم فيك وفيما جئتَ به {كيداً}: يُبْطلونَ به دينَك، ويفسدون به أمرَك. {فالذين كفروا هُمُ المَكيدونَ}؛ أي: كيدُهم في نحورهم، ومضرَّته عائدةٌ إليهم، وقد فعل الله ذلك، ولله الحمد، فلم يُبْقِ الكفارُ من مقدورهم من المكر شيئاً إلاَّ فعلوه، فنصر الله نبيَّه عليهم، وأظهر دينَه ، وخَذَلَهُم وانتصر منهم.
{43}{أم لهم إلهٌ غير اللهِ}؛ أي: ألهم إلهٌ يُدعى ويرجى نفعُه ويُخاف من ضرِّه غير الله تعالى؟ {سبحان اللهِ عمَّا يشرِكون}: فليس له شريكٌ في الملك، ولا شريكٌ في الوحدانيَّة والعبادة، وهذا هو المقصود من الكلام الذي سيق لأجله، وهو بطلانُ عبادة ما سوى الله، وبيانُ فسادها بتلك الأدلَّة القاطعة، وأنَّ ما عليه المشركون هو الباطل، وأنَّ الذي ينبغي أن يُعْبَدَ ويصلَّى له ويُسْجَدَ ويُخْلَصَ له دعاءُ العبادة ودعاءُ المسألة هو الله المألوهُ المعبود، كاملُ الأسماء والصفاتِ، كثيرُ النعوتِ الحسنة والأفعال الجميلة، ذو الجلال والإكرام والعزِّ الذي لا يُرام، الواحد الأحدُ، الفردُ الصمدُ، الكبيرُ الحميدُ المجيدُ.
الطور 52:35
{29} يأمر الله تعالى رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يُذَكِّرَ الناس مسلمهم وكافرهم؛ لتقوم حجَّة الله على الظَّالمين، ويهتدي بتذكيره الموفَّقون، وأن لا يبالي بقول المشركين المكذِّبين وأذيَّتهم وأقوالهم التي يَصدُّون بها الناس عن اتِّباعه، مع علمهم أنَّه أبعدُ الناس عنها، ولهذا نفى عنه كلَّ نقص رَمَوْه به، فقال:{فما أنتَ بنعمةِ ربِّكَ}؛ أي: منَّه ولطفه {بكاهنٍ}؛ أي: له رِئْيٌ من الجنِّ يأتيه بخبر بعض الغيوب التي يضمُّ إليها مئة كذبةٍ، {ولا مجنونٍ}: فاقد العقل ، بل أنت أكملُ الناس عقلاً، وأبعدهم عن الشياطين، وأعظمهم صدقاً، وأجلُّهم، وأكملهم.
{30} وتارةً {يقولون} فيه: إنَّه {شاعرٌ}: يقول الشعر، والذي جاء به شعرٌ، والله يقول:{وما علَّمناه الشعرَ وما ينبغي له}، {نتربَّصُ به ريبَ المَنونِ}؛ أي: ننتظر به الموتَ، فيبطُلُ أمرُه ونستريح منه.
{31}{قل}: لهم جواباً لهذا الكلام السخيف: {تربَّصوا}؛ أي: انتظروا بي الموت، {فإنِّي معكم من المتربِّصين}: نتربَّص بكم أن يصيبكم الله بعذابٍ من عنده، أو بأيدينا.
{32}{أم تأمُرُهم أحلامُهم بهذا أم هم قومٌ طاغونَ}؛ أي: أهذا التكذيبُ لك والأقوال التي قالوها؛ هل صدرتْ عن عقولِهم وأحلامِهم؛ فبئس العقولُ والأحلامُ التي هذه نتائجها وهذه ثمراتها ؛ فإنَّ عقولاً جعلتْ أكملَ الخلق عقلاً مجنوناً، وجعلت أصدقَ الصِّدق وأحقَّ الحقِّ كذِباً وباطلاً؛ لهي العقول التي ينزَّه المجانين عنها؟ أم الذي حملهم على ذلك ظلمُهم وطغيانُهم؟ وهو الواقع؛ فالطغيانُ ليس له حدٌّ يقف عليه؛ فلا يُستغرب من الطاغي المتجاوزِ الحدَّ ، كلُّ قول وفعل صَدَرَ منه.
{33}{أم يقولون تَقَوَّلَه}؛ أي: تقوَّل محمدٌ القرآن وقاله من تلقاء نفسه، {بل لا يؤمنونَ}؛ فلو آمنوا؛ لم يقولوا ما قالوا.
{34}{فَلۡيَأتوا بحديثٍ مثلِهِ إنۡ كانوا صادقينَ}: إنَّه تقوَّله؛ فإنَّكم العرب الفصحاء والفحول البلغاء، وقد تحدَّاكم أن تأتوا بمثلِهِ؛ فتصدق معارضتكم، أو تقرُّوا بصدقه، وإنكم لو اجتمعتم أنتم والإنس والجنُّ؛ لم تقدروا على معارضته والإتيان بمثله؛ فحينئذٍ أنتم بين أمرين: إمَّا مؤمنون به مقتدون بهديِهِ، وإمَّا معاندون متَّبعون لما علمتُم من الباطل.
{35}{أم خُلِقوا من غير شيءٍ أم هُمُ الخالقونَ}: وهذا استدلالٌ عليهم بأمرٍ لا يمكنهم فيه إلاَّ التسليمُ للحقِّ، أو الخروج عن موجب العقل والدين. وبيان ذلك أنهم منكرون لتوحيد الله، مكذِّبون لرسوله، وذلك مستلزمٌ لإنكار أنَّ الله خَلَقَهم، وقد تقرَّر في العقل مع الشرع أنَّ ذلك لا يخلو من أحد ثلاثة أمورٍ: إمَّا أنهم {خُلِقوا من غير شيءٍ}؛ أي: لا خالق خلقهم؛ بل وجدوا من غير إيجادٍ ولا موجدٍ؛ وهذا عينُ المحال. {أم هم الخالقونَ}: لأنفسِهم؛ وهذا أيضاً محالٌ؛ فإنَّه لا يتصوَّر أن يوجِدَ أحدٌ نفسَه. فإذا بطل هذان الأمران وبان استحالتُهما؛ تعيَّن القسم الثالثُ، وهو أنَّ الله هو الذي خلقهم. وإذا تعين ذلك؛ عُلِمَ أنَّ الله تعالى هو المعبودُ وحدَه، الذي لا تنبغي العبادة ولا تَصْلُح إلاَّ له تعالى.
{36} وقوله: {أم خَلَقوا السمواتِ والأرضَ}: وهذا استفهامٌ يدلُّ على تقرير النفي؛ أي: ما خلقوا السماواتِ والأرضَ، فيكونوا شركاء لله، وهذا أمرٌ واضحٌ جدًّا. {بل} المكذبونَ {لا يوقنونَ}؛ أي: ليس عندهم [علم تامٌّ و] يقينٌ يوجب لهم الانتفاع بالأدلَّة الشرعيَّة والعقليَّة.
{37}{أمۡ عندَهم خزائنُ ربِّك أم هم المُصَيۡطِرونَ}؛ أي: أعند هؤلاء المكذِّبين خزائنُ رحمة ربِّك، فيعطوا من يشاؤون ويمنعوا من يشاؤون ؛ أي: فلذلك حجروا على الله أن يُعطي النبوَّة عبدَه ورسولَه محمداً - صلى الله عليه وسلم -، وكأنَّهم الوكلاء المفوَّضون على خزائن رحمة الله، وهم أحقرُ وأذلُّ من ذلك؛ فليس في أيديهم لأنفسهم نفعٌ ولا ضرٌّ ولا موتٌ ولا حياةٌ ولا نشورٌ؛ {أهم يقسِمونَ رحمةَ ربِّك نحنُ قَسَمۡنا بينهم معيشَتَهم في الحياة الدُّنيا}؟ {أم هم المُصَيۡطِرُونَ}؛ أي: المتسلِّطون على خلق الله وملكه بالقهر والغلبة؟! ليس الأمر كذلك، بل هم العاجزون الفقراء.
{38}{أمۡ لهم سُلَّمٌ يستمعون فيه}؛ أي: ألهم اطِّلاع على الغيب واستماعٌ له بين الملأ الأعلى، فيخبرون عن أمورٍ لا يعلمُها غيرُهم، {فليأتِ مستمِعُهم}: المدَّعي لذلك {بسلطانٍ مبينٍ}: وأنَّى له ذلك والله تعالى عالم الغيب والشهادة؛ فلا يُظْهِرُ على غيبه أحداً؛ إلاَّ من ارتضى من رسولٍ يخبره بما أراد من علمِهِ، وإذا كان محمدٌ - صلى الله عليه وسلم -، أفضل الرسل وأعلمهم وإمامهم، وهو المخبر بما أخبر به من توحيد الله ووعده ووعيده وغير ذلك من أخباره الصادقة، والمكذِّبون هم أهل الجهل والضَّلال والغيِّ والعناد؛ فأيُّ المخبرين أحقُّ بقَبول خبره، خصوصاً والرسول - صلى الله عليه وسلم - قد أقام من الأدلَّة والبراهين على ما أخبر به ما يوجِبُ أن يكون ذلك عين اليقين وأكمل الصدق، وهم لم يُقيموا على ما ادَّعَوْه شبهةً فضلاً عن إقامة حجَّة؟!
{39} وقوله: {أم له البناتُ}: كما زعمتُم، {ولكم البنونَ}: فتجمعون بين المحذورَيْن: جَعْلُكُم له الولد، واختيارُكُم له أنقص الصنفين؛ فهل بعد هذا التنقُّص لربِّ العالمين غايةٌ أو دونه نهايةٌ؟!
{40}{أم تسألُهُم}: يا أيُّها الرسولُ، {أجراً}: على تبليغ الرسالة، {فهم من مَغۡرَمٍ مُثۡقَلونَ}: ليس الأمر كذلك، بل أنت الحريص على تعليمهم تبرُّعاً من غير شيء، بل تبذلُ لهم الأموالَ الجزيلة على قَبول رسالتك والاستجابة لأمرِك ودعوتك ، وتعطي المؤلَّفة قلوبهم؛ ليتمكَّن العلم والإيمان من قلوبهم.
{41}{أم عندَهم الغيبُ فهم يكتبونَ}: ما كانوا يعلمونَه من الغُيوب، فيكونون قد اطِّلعوا على ما لم يطَّلع عليه رسولُ الله، فعارضوه وعاندوه بما عندَهم من علم الغيب، وقد عُلِمَ أنَّهم الأمَّة الأميَّة الجهَّال الضَّالون، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو الذي عنده من العلم أعظم من غيره، وأنبأه الله من علم الغيب على ما لم يَطَّلِعْ عليه أحدٌ من الخلق، وهذا كلُّه إلزامٌ لهم بالطرق العقليَّة والنقليَّة على فساد قولهم وتصوير بطلانِهِ بأحسن الطُّرق وأوضحها وأسلمها من الاعتراض.
{42} وقوله: {أم يريدون}: بقدحِهِم فيك وفيما جئتَ به {كيداً}: يُبْطلونَ به دينَك، ويفسدون به أمرَك. {فالذين كفروا هُمُ المَكيدونَ}؛ أي: كيدُهم في نحورهم، ومضرَّته عائدةٌ إليهم، وقد فعل الله ذلك، ولله الحمد، فلم يُبْقِ الكفارُ من مقدورهم من المكر شيئاً إلاَّ فعلوه، فنصر الله نبيَّه عليهم، وأظهر دينَه ، وخَذَلَهُم وانتصر منهم.
{43}{أم لهم إلهٌ غير اللهِ}؛ أي: ألهم إلهٌ يُدعى ويرجى نفعُه ويُخاف من ضرِّه غير الله تعالى؟ {سبحان اللهِ عمَّا يشرِكون}: فليس له شريكٌ في الملك، ولا شريكٌ في الوحدانيَّة والعبادة، وهذا هو المقصود من الكلام الذي سيق لأجله، وهو بطلانُ عبادة ما سوى الله، وبيانُ فسادها بتلك الأدلَّة القاطعة، وأنَّ ما عليه المشركون هو الباطل، وأنَّ الذي ينبغي أن يُعْبَدَ ويصلَّى له ويُسْجَدَ ويُخْلَصَ له دعاءُ العبادة ودعاءُ المسألة هو الله المألوهُ المعبود، كاملُ الأسماء والصفاتِ، كثيرُ النعوتِ الحسنة والأفعال الجميلة، ذو الجلال والإكرام والعزِّ الذي لا يُرام، الواحد الأحدُ، الفردُ الصمدُ، الكبيرُ الحميدُ المجيدُ.
الطور 52:36
{29} يأمر الله تعالى رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يُذَكِّرَ الناس مسلمهم وكافرهم؛ لتقوم حجَّة الله على الظَّالمين، ويهتدي بتذكيره الموفَّقون، وأن لا يبالي بقول المشركين المكذِّبين وأذيَّتهم وأقوالهم التي يَصدُّون بها الناس عن اتِّباعه، مع علمهم أنَّه أبعدُ الناس عنها، ولهذا نفى عنه كلَّ نقص رَمَوْه به، فقال:{فما أنتَ بنعمةِ ربِّكَ}؛ أي: منَّه ولطفه {بكاهنٍ}؛ أي: له رِئْيٌ من الجنِّ يأتيه بخبر بعض الغيوب التي يضمُّ إليها مئة كذبةٍ، {ولا مجنونٍ}: فاقد العقل ، بل أنت أكملُ الناس عقلاً، وأبعدهم عن الشياطين، وأعظمهم صدقاً، وأجلُّهم، وأكملهم.
{30} وتارةً {يقولون} فيه: إنَّه {شاعرٌ}: يقول الشعر، والذي جاء به شعرٌ، والله يقول:{وما علَّمناه الشعرَ وما ينبغي له}، {نتربَّصُ به ريبَ المَنونِ}؛ أي: ننتظر به الموتَ، فيبطُلُ أمرُه ونستريح منه.
{31}{قل}: لهم جواباً لهذا الكلام السخيف: {تربَّصوا}؛ أي: انتظروا بي الموت، {فإنِّي معكم من المتربِّصين}: نتربَّص بكم أن يصيبكم الله بعذابٍ من عنده، أو بأيدينا.
{32}{أم تأمُرُهم أحلامُهم بهذا أم هم قومٌ طاغونَ}؛ أي: أهذا التكذيبُ لك والأقوال التي قالوها؛ هل صدرتْ عن عقولِهم وأحلامِهم؛ فبئس العقولُ والأحلامُ التي هذه نتائجها وهذه ثمراتها ؛ فإنَّ عقولاً جعلتْ أكملَ الخلق عقلاً مجنوناً، وجعلت أصدقَ الصِّدق وأحقَّ الحقِّ كذِباً وباطلاً؛ لهي العقول التي ينزَّه المجانين عنها؟ أم الذي حملهم على ذلك ظلمُهم وطغيانُهم؟ وهو الواقع؛ فالطغيانُ ليس له حدٌّ يقف عليه؛ فلا يُستغرب من الطاغي المتجاوزِ الحدَّ ، كلُّ قول وفعل صَدَرَ منه.
{33}{أم يقولون تَقَوَّلَه}؛ أي: تقوَّل محمدٌ القرآن وقاله من تلقاء نفسه، {بل لا يؤمنونَ}؛ فلو آمنوا؛ لم يقولوا ما قالوا.
{34}{فَلۡيَأتوا بحديثٍ مثلِهِ إنۡ كانوا صادقينَ}: إنَّه تقوَّله؛ فإنَّكم العرب الفصحاء والفحول البلغاء، وقد تحدَّاكم أن تأتوا بمثلِهِ؛ فتصدق معارضتكم، أو تقرُّوا بصدقه، وإنكم لو اجتمعتم أنتم والإنس والجنُّ؛ لم تقدروا على معارضته والإتيان بمثله؛ فحينئذٍ أنتم بين أمرين: إمَّا مؤمنون به مقتدون بهديِهِ، وإمَّا معاندون متَّبعون لما علمتُم من الباطل.
{35}{أم خُلِقوا من غير شيءٍ أم هُمُ الخالقونَ}: وهذا استدلالٌ عليهم بأمرٍ لا يمكنهم فيه إلاَّ التسليمُ للحقِّ، أو الخروج عن موجب العقل والدين. وبيان ذلك أنهم منكرون لتوحيد الله، مكذِّبون لرسوله، وذلك مستلزمٌ لإنكار أنَّ الله خَلَقَهم، وقد تقرَّر في العقل مع الشرع أنَّ ذلك لا يخلو من أحد ثلاثة أمورٍ: إمَّا أنهم {خُلِقوا من غير شيءٍ}؛ أي: لا خالق خلقهم؛ بل وجدوا من غير إيجادٍ ولا موجدٍ؛ وهذا عينُ المحال. {أم هم الخالقونَ}: لأنفسِهم؛ وهذا أيضاً محالٌ؛ فإنَّه لا يتصوَّر أن يوجِدَ أحدٌ نفسَه. فإذا بطل هذان الأمران وبان استحالتُهما؛ تعيَّن القسم الثالثُ، وهو أنَّ الله هو الذي خلقهم. وإذا تعين ذلك؛ عُلِمَ أنَّ الله تعالى هو المعبودُ وحدَه، الذي لا تنبغي العبادة ولا تَصْلُح إلاَّ له تعالى.
{36} وقوله: {أم خَلَقوا السمواتِ والأرضَ}: وهذا استفهامٌ يدلُّ على تقرير النفي؛ أي: ما خلقوا السماواتِ والأرضَ، فيكونوا شركاء لله، وهذا أمرٌ واضحٌ جدًّا. {بل} المكذبونَ {لا يوقنونَ}؛ أي: ليس عندهم [علم تامٌّ و] يقينٌ يوجب لهم الانتفاع بالأدلَّة الشرعيَّة والعقليَّة.
{37}{أمۡ عندَهم خزائنُ ربِّك أم هم المُصَيۡطِرونَ}؛ أي: أعند هؤلاء المكذِّبين خزائنُ رحمة ربِّك، فيعطوا من يشاؤون ويمنعوا من يشاؤون ؛ أي: فلذلك حجروا على الله أن يُعطي النبوَّة عبدَه ورسولَه محمداً - صلى الله عليه وسلم -، وكأنَّهم الوكلاء المفوَّضون على خزائن رحمة الله، وهم أحقرُ وأذلُّ من ذلك؛ فليس في أيديهم لأنفسهم نفعٌ ولا ضرٌّ ولا موتٌ ولا حياةٌ ولا نشورٌ؛ {أهم يقسِمونَ رحمةَ ربِّك نحنُ قَسَمۡنا بينهم معيشَتَهم في الحياة الدُّنيا}؟ {أم هم المُصَيۡطِرُونَ}؛ أي: المتسلِّطون على خلق الله وملكه بالقهر والغلبة؟! ليس الأمر كذلك، بل هم العاجزون الفقراء.
{38}{أمۡ لهم سُلَّمٌ يستمعون فيه}؛ أي: ألهم اطِّلاع على الغيب واستماعٌ له بين الملأ الأعلى، فيخبرون عن أمورٍ لا يعلمُها غيرُهم، {فليأتِ مستمِعُهم}: المدَّعي لذلك {بسلطانٍ مبينٍ}: وأنَّى له ذلك والله تعالى عالم الغيب والشهادة؛ فلا يُظْهِرُ على غيبه أحداً؛ إلاَّ من ارتضى من رسولٍ يخبره بما أراد من علمِهِ، وإذا كان محمدٌ - صلى الله عليه وسلم -، أفضل الرسل وأعلمهم وإمامهم، وهو المخبر بما أخبر به من توحيد الله ووعده ووعيده وغير ذلك من أخباره الصادقة، والمكذِّبون هم أهل الجهل والضَّلال والغيِّ والعناد؛ فأيُّ المخبرين أحقُّ بقَبول خبره، خصوصاً والرسول - صلى الله عليه وسلم - قد أقام من الأدلَّة والبراهين على ما أخبر به ما يوجِبُ أن يكون ذلك عين اليقين وأكمل الصدق، وهم لم يُقيموا على ما ادَّعَوْه شبهةً فضلاً عن إقامة حجَّة؟!
{39} وقوله: {أم له البناتُ}: كما زعمتُم، {ولكم البنونَ}: فتجمعون بين المحذورَيْن: جَعْلُكُم له الولد، واختيارُكُم له أنقص الصنفين؛ فهل بعد هذا التنقُّص لربِّ العالمين غايةٌ أو دونه نهايةٌ؟!
{40}{أم تسألُهُم}: يا أيُّها الرسولُ، {أجراً}: على تبليغ الرسالة، {فهم من مَغۡرَمٍ مُثۡقَلونَ}: ليس الأمر كذلك، بل أنت الحريص على تعليمهم تبرُّعاً من غير شيء، بل تبذلُ لهم الأموالَ الجزيلة على قَبول رسالتك والاستجابة لأمرِك ودعوتك ، وتعطي المؤلَّفة قلوبهم؛ ليتمكَّن العلم والإيمان من قلوبهم.
{41}{أم عندَهم الغيبُ فهم يكتبونَ}: ما كانوا يعلمونَه من الغُيوب، فيكونون قد اطِّلعوا على ما لم يطَّلع عليه رسولُ الله، فعارضوه وعاندوه بما عندَهم من علم الغيب، وقد عُلِمَ أنَّهم الأمَّة الأميَّة الجهَّال الضَّالون، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو الذي عنده من العلم أعظم من غيره، وأنبأه الله من علم الغيب على ما لم يَطَّلِعْ عليه أحدٌ من الخلق، وهذا كلُّه إلزامٌ لهم بالطرق العقليَّة والنقليَّة على فساد قولهم وتصوير بطلانِهِ بأحسن الطُّرق وأوضحها وأسلمها من الاعتراض.
{42} وقوله: {أم يريدون}: بقدحِهِم فيك وفيما جئتَ به {كيداً}: يُبْطلونَ به دينَك، ويفسدون به أمرَك. {فالذين كفروا هُمُ المَكيدونَ}؛ أي: كيدُهم في نحورهم، ومضرَّته عائدةٌ إليهم، وقد فعل الله ذلك، ولله الحمد، فلم يُبْقِ الكفارُ من مقدورهم من المكر شيئاً إلاَّ فعلوه، فنصر الله نبيَّه عليهم، وأظهر دينَه ، وخَذَلَهُم وانتصر منهم.
{43}{أم لهم إلهٌ غير اللهِ}؛ أي: ألهم إلهٌ يُدعى ويرجى نفعُه ويُخاف من ضرِّه غير الله تعالى؟ {سبحان اللهِ عمَّا يشرِكون}: فليس له شريكٌ في الملك، ولا شريكٌ في الوحدانيَّة والعبادة، وهذا هو المقصود من الكلام الذي سيق لأجله، وهو بطلانُ عبادة ما سوى الله، وبيانُ فسادها بتلك الأدلَّة القاطعة، وأنَّ ما عليه المشركون هو الباطل، وأنَّ الذي ينبغي أن يُعْبَدَ ويصلَّى له ويُسْجَدَ ويُخْلَصَ له دعاءُ العبادة ودعاءُ المسألة هو الله المألوهُ المعبود، كاملُ الأسماء والصفاتِ، كثيرُ النعوتِ الحسنة والأفعال الجميلة، ذو الجلال والإكرام والعزِّ الذي لا يُرام، الواحد الأحدُ، الفردُ الصمدُ، الكبيرُ الحميدُ المجيدُ.
الطور 52:37
{29} يأمر الله تعالى رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يُذَكِّرَ الناس مسلمهم وكافرهم؛ لتقوم حجَّة الله على الظَّالمين، ويهتدي بتذكيره الموفَّقون، وأن لا يبالي بقول المشركين المكذِّبين وأذيَّتهم وأقوالهم التي يَصدُّون بها الناس عن اتِّباعه، مع علمهم أنَّه أبعدُ الناس عنها، ولهذا نفى عنه كلَّ نقص رَمَوْه به، فقال:{فما أنتَ بنعمةِ ربِّكَ}؛ أي: منَّه ولطفه {بكاهنٍ}؛ أي: له رِئْيٌ من الجنِّ يأتيه بخبر بعض الغيوب التي يضمُّ إليها مئة كذبةٍ، {ولا مجنونٍ}: فاقد العقل ، بل أنت أكملُ الناس عقلاً، وأبعدهم عن الشياطين، وأعظمهم صدقاً، وأجلُّهم، وأكملهم.
{30} وتارةً {يقولون} فيه: إنَّه {شاعرٌ}: يقول الشعر، والذي جاء به شعرٌ، والله يقول:{وما علَّمناه الشعرَ وما ينبغي له}، {نتربَّصُ به ريبَ المَنونِ}؛ أي: ننتظر به الموتَ، فيبطُلُ أمرُه ونستريح منه.
{31}{قل}: لهم جواباً لهذا الكلام السخيف: {تربَّصوا}؛ أي: انتظروا بي الموت، {فإنِّي معكم من المتربِّصين}: نتربَّص بكم أن يصيبكم الله بعذابٍ من عنده، أو بأيدينا.
{32}{أم تأمُرُهم أحلامُهم بهذا أم هم قومٌ طاغونَ}؛ أي: أهذا التكذيبُ لك والأقوال التي قالوها؛ هل صدرتْ عن عقولِهم وأحلامِهم؛ فبئس العقولُ والأحلامُ التي هذه نتائجها وهذه ثمراتها ؛ فإنَّ عقولاً جعلتْ أكملَ الخلق عقلاً مجنوناً، وجعلت أصدقَ الصِّدق وأحقَّ الحقِّ كذِباً وباطلاً؛ لهي العقول التي ينزَّه المجانين عنها؟ أم الذي حملهم على ذلك ظلمُهم وطغيانُهم؟ وهو الواقع؛ فالطغيانُ ليس له حدٌّ يقف عليه؛ فلا يُستغرب من الطاغي المتجاوزِ الحدَّ ، كلُّ قول وفعل صَدَرَ منه.
{33}{أم يقولون تَقَوَّلَه}؛ أي: تقوَّل محمدٌ القرآن وقاله من تلقاء نفسه، {بل لا يؤمنونَ}؛ فلو آمنوا؛ لم يقولوا ما قالوا.
{34}{فَلۡيَأتوا بحديثٍ مثلِهِ إنۡ كانوا صادقينَ}: إنَّه تقوَّله؛ فإنَّكم العرب الفصحاء والفحول البلغاء، وقد تحدَّاكم أن تأتوا بمثلِهِ؛ فتصدق معارضتكم، أو تقرُّوا بصدقه، وإنكم لو اجتمعتم أنتم والإنس والجنُّ؛ لم تقدروا على معارضته والإتيان بمثله؛ فحينئذٍ أنتم بين أمرين: إمَّا مؤمنون به مقتدون بهديِهِ، وإمَّا معاندون متَّبعون لما علمتُم من الباطل.
{35}{أم خُلِقوا من غير شيءٍ أم هُمُ الخالقونَ}: وهذا استدلالٌ عليهم بأمرٍ لا يمكنهم فيه إلاَّ التسليمُ للحقِّ، أو الخروج عن موجب العقل والدين. وبيان ذلك أنهم منكرون لتوحيد الله، مكذِّبون لرسوله، وذلك مستلزمٌ لإنكار أنَّ الله خَلَقَهم، وقد تقرَّر في العقل مع الشرع أنَّ ذلك لا يخلو من أحد ثلاثة أمورٍ: إمَّا أنهم {خُلِقوا من غير شيءٍ}؛ أي: لا خالق خلقهم؛ بل وجدوا من غير إيجادٍ ولا موجدٍ؛ وهذا عينُ المحال. {أم هم الخالقونَ}: لأنفسِهم؛ وهذا أيضاً محالٌ؛ فإنَّه لا يتصوَّر أن يوجِدَ أحدٌ نفسَه. فإذا بطل هذان الأمران وبان استحالتُهما؛ تعيَّن القسم الثالثُ، وهو أنَّ الله هو الذي خلقهم. وإذا تعين ذلك؛ عُلِمَ أنَّ الله تعالى هو المعبودُ وحدَه، الذي لا تنبغي العبادة ولا تَصْلُح إلاَّ له تعالى.
{36} وقوله: {أم خَلَقوا السمواتِ والأرضَ}: وهذا استفهامٌ يدلُّ على تقرير النفي؛ أي: ما خلقوا السماواتِ والأرضَ، فيكونوا شركاء لله، وهذا أمرٌ واضحٌ جدًّا. {بل} المكذبونَ {لا يوقنونَ}؛ أي: ليس عندهم [علم تامٌّ و] يقينٌ يوجب لهم الانتفاع بالأدلَّة الشرعيَّة والعقليَّة.
{37}{أمۡ عندَهم خزائنُ ربِّك أم هم المُصَيۡطِرونَ}؛ أي: أعند هؤلاء المكذِّبين خزائنُ رحمة ربِّك، فيعطوا من يشاؤون ويمنعوا من يشاؤون ؛ أي: فلذلك حجروا على الله أن يُعطي النبوَّة عبدَه ورسولَه محمداً - صلى الله عليه وسلم -، وكأنَّهم الوكلاء المفوَّضون على خزائن رحمة الله، وهم أحقرُ وأذلُّ من ذلك؛ فليس في أيديهم لأنفسهم نفعٌ ولا ضرٌّ ولا موتٌ ولا حياةٌ ولا نشورٌ؛ {أهم يقسِمونَ رحمةَ ربِّك نحنُ قَسَمۡنا بينهم معيشَتَهم في الحياة الدُّنيا}؟ {أم هم المُصَيۡطِرُونَ}؛ أي: المتسلِّطون على خلق الله وملكه بالقهر والغلبة؟! ليس الأمر كذلك، بل هم العاجزون الفقراء.
{38}{أمۡ لهم سُلَّمٌ يستمعون فيه}؛ أي: ألهم اطِّلاع على الغيب واستماعٌ له بين الملأ الأعلى، فيخبرون عن أمورٍ لا يعلمُها غيرُهم، {فليأتِ مستمِعُهم}: المدَّعي لذلك {بسلطانٍ مبينٍ}: وأنَّى له ذلك والله تعالى عالم الغيب والشهادة؛ فلا يُظْهِرُ على غيبه أحداً؛ إلاَّ من ارتضى من رسولٍ يخبره بما أراد من علمِهِ، وإذا كان محمدٌ - صلى الله عليه وسلم -، أفضل الرسل وأعلمهم وإمامهم، وهو المخبر بما أخبر به من توحيد الله ووعده ووعيده وغير ذلك من أخباره الصادقة، والمكذِّبون هم أهل الجهل والضَّلال والغيِّ والعناد؛ فأيُّ المخبرين أحقُّ بقَبول خبره، خصوصاً والرسول - صلى الله عليه وسلم - قد أقام من الأدلَّة والبراهين على ما أخبر به ما يوجِبُ أن يكون ذلك عين اليقين وأكمل الصدق، وهم لم يُقيموا على ما ادَّعَوْه شبهةً فضلاً عن إقامة حجَّة؟!
{39} وقوله: {أم له البناتُ}: كما زعمتُم، {ولكم البنونَ}: فتجمعون بين المحذورَيْن: جَعْلُكُم له الولد، واختيارُكُم له أنقص الصنفين؛ فهل بعد هذا التنقُّص لربِّ العالمين غايةٌ أو دونه نهايةٌ؟!
{40}{أم تسألُهُم}: يا أيُّها الرسولُ، {أجراً}: على تبليغ الرسالة، {فهم من مَغۡرَمٍ مُثۡقَلونَ}: ليس الأمر كذلك، بل أنت الحريص على تعليمهم تبرُّعاً من غير شيء، بل تبذلُ لهم الأموالَ الجزيلة على قَبول رسالتك والاستجابة لأمرِك ودعوتك ، وتعطي المؤلَّفة قلوبهم؛ ليتمكَّن العلم والإيمان من قلوبهم.
{41}{أم عندَهم الغيبُ فهم يكتبونَ}: ما كانوا يعلمونَه من الغُيوب، فيكونون قد اطِّلعوا على ما لم يطَّلع عليه رسولُ الله، فعارضوه وعاندوه بما عندَهم من علم الغيب، وقد عُلِمَ أنَّهم الأمَّة الأميَّة الجهَّال الضَّالون، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو الذي عنده من العلم أعظم من غيره، وأنبأه الله من علم الغيب على ما لم يَطَّلِعْ عليه أحدٌ من الخلق، وهذا كلُّه إلزامٌ لهم بالطرق العقليَّة والنقليَّة على فساد قولهم وتصوير بطلانِهِ بأحسن الطُّرق وأوضحها وأسلمها من الاعتراض.
{42} وقوله: {أم يريدون}: بقدحِهِم فيك وفيما جئتَ به {كيداً}: يُبْطلونَ به دينَك، ويفسدون به أمرَك. {فالذين كفروا هُمُ المَكيدونَ}؛ أي: كيدُهم في نحورهم، ومضرَّته عائدةٌ إليهم، وقد فعل الله ذلك، ولله الحمد، فلم يُبْقِ الكفارُ من مقدورهم من المكر شيئاً إلاَّ فعلوه، فنصر الله نبيَّه عليهم، وأظهر دينَه ، وخَذَلَهُم وانتصر منهم.
{43}{أم لهم إلهٌ غير اللهِ}؛ أي: ألهم إلهٌ يُدعى ويرجى نفعُه ويُخاف من ضرِّه غير الله تعالى؟ {سبحان اللهِ عمَّا يشرِكون}: فليس له شريكٌ في الملك، ولا شريكٌ في الوحدانيَّة والعبادة، وهذا هو المقصود من الكلام الذي سيق لأجله، وهو بطلانُ عبادة ما سوى الله، وبيانُ فسادها بتلك الأدلَّة القاطعة، وأنَّ ما عليه المشركون هو الباطل، وأنَّ الذي ينبغي أن يُعْبَدَ ويصلَّى له ويُسْجَدَ ويُخْلَصَ له دعاءُ العبادة ودعاءُ المسألة هو الله المألوهُ المعبود، كاملُ الأسماء والصفاتِ، كثيرُ النعوتِ الحسنة والأفعال الجميلة، ذو الجلال والإكرام والعزِّ الذي لا يُرام، الواحد الأحدُ، الفردُ الصمدُ، الكبيرُ الحميدُ المجيدُ.
الطور 52:38
{29} يأمر الله تعالى رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يُذَكِّرَ الناس مسلمهم وكافرهم؛ لتقوم حجَّة الله على الظَّالمين، ويهتدي بتذكيره الموفَّقون، وأن لا يبالي بقول المشركين المكذِّبين وأذيَّتهم وأقوالهم التي يَصدُّون بها الناس عن اتِّباعه، مع علمهم أنَّه أبعدُ الناس عنها، ولهذا نفى عنه كلَّ نقص رَمَوْه به، فقال:{فما أنتَ بنعمةِ ربِّكَ}؛ أي: منَّه ولطفه {بكاهنٍ}؛ أي: له رِئْيٌ من الجنِّ يأتيه بخبر بعض الغيوب التي يضمُّ إليها مئة كذبةٍ، {ولا مجنونٍ}: فاقد العقل ، بل أنت أكملُ الناس عقلاً، وأبعدهم عن الشياطين، وأعظمهم صدقاً، وأجلُّهم، وأكملهم.
{30} وتارةً {يقولون} فيه: إنَّه {شاعرٌ}: يقول الشعر، والذي جاء به شعرٌ، والله يقول:{وما علَّمناه الشعرَ وما ينبغي له}، {نتربَّصُ به ريبَ المَنونِ}؛ أي: ننتظر به الموتَ، فيبطُلُ أمرُه ونستريح منه.
{31}{قل}: لهم جواباً لهذا الكلام السخيف: {تربَّصوا}؛ أي: انتظروا بي الموت، {فإنِّي معكم من المتربِّصين}: نتربَّص بكم أن يصيبكم الله بعذابٍ من عنده، أو بأيدينا.
{32}{أم تأمُرُهم أحلامُهم بهذا أم هم قومٌ طاغونَ}؛ أي: أهذا التكذيبُ لك والأقوال التي قالوها؛ هل صدرتْ عن عقولِهم وأحلامِهم؛ فبئس العقولُ والأحلامُ التي هذه نتائجها وهذه ثمراتها ؛ فإنَّ عقولاً جعلتْ أكملَ الخلق عقلاً مجنوناً، وجعلت أصدقَ الصِّدق وأحقَّ الحقِّ كذِباً وباطلاً؛ لهي العقول التي ينزَّه المجانين عنها؟ أم الذي حملهم على ذلك ظلمُهم وطغيانُهم؟ وهو الواقع؛ فالطغيانُ ليس له حدٌّ يقف عليه؛ فلا يُستغرب من الطاغي المتجاوزِ الحدَّ ، كلُّ قول وفعل صَدَرَ منه.
{33}{أم يقولون تَقَوَّلَه}؛ أي: تقوَّل محمدٌ القرآن وقاله من تلقاء نفسه، {بل لا يؤمنونَ}؛ فلو آمنوا؛ لم يقولوا ما قالوا.
{34}{فَلۡيَأتوا بحديثٍ مثلِهِ إنۡ كانوا صادقينَ}: إنَّه تقوَّله؛ فإنَّكم العرب الفصحاء والفحول البلغاء، وقد تحدَّاكم أن تأتوا بمثلِهِ؛ فتصدق معارضتكم، أو تقرُّوا بصدقه، وإنكم لو اجتمعتم أنتم والإنس والجنُّ؛ لم تقدروا على معارضته والإتيان بمثله؛ فحينئذٍ أنتم بين أمرين: إمَّا مؤمنون به مقتدون بهديِهِ، وإمَّا معاندون متَّبعون لما علمتُم من الباطل.
{35}{أم خُلِقوا من غير شيءٍ أم هُمُ الخالقونَ}: وهذا استدلالٌ عليهم بأمرٍ لا يمكنهم فيه إلاَّ التسليمُ للحقِّ، أو الخروج عن موجب العقل والدين. وبيان ذلك أنهم منكرون لتوحيد الله، مكذِّبون لرسوله، وذلك مستلزمٌ لإنكار أنَّ الله خَلَقَهم، وقد تقرَّر في العقل مع الشرع أنَّ ذلك لا يخلو من أحد ثلاثة أمورٍ: إمَّا أنهم {خُلِقوا من غير شيءٍ}؛ أي: لا خالق خلقهم؛ بل وجدوا من غير إيجادٍ ولا موجدٍ؛ وهذا عينُ المحال. {أم هم الخالقونَ}: لأنفسِهم؛ وهذا أيضاً محالٌ؛ فإنَّه لا يتصوَّر أن يوجِدَ أحدٌ نفسَه. فإذا بطل هذان الأمران وبان استحالتُهما؛ تعيَّن القسم الثالثُ، وهو أنَّ الله هو الذي خلقهم. وإذا تعين ذلك؛ عُلِمَ أنَّ الله تعالى هو المعبودُ وحدَه، الذي لا تنبغي العبادة ولا تَصْلُح إلاَّ له تعالى.
{36} وقوله: {أم خَلَقوا السمواتِ والأرضَ}: وهذا استفهامٌ يدلُّ على تقرير النفي؛ أي: ما خلقوا السماواتِ والأرضَ، فيكونوا شركاء لله، وهذا أمرٌ واضحٌ جدًّا. {بل} المكذبونَ {لا يوقنونَ}؛ أي: ليس عندهم [علم تامٌّ و] يقينٌ يوجب لهم الانتفاع بالأدلَّة الشرعيَّة والعقليَّة.
{37}{أمۡ عندَهم خزائنُ ربِّك أم هم المُصَيۡطِرونَ}؛ أي: أعند هؤلاء المكذِّبين خزائنُ رحمة ربِّك، فيعطوا من يشاؤون ويمنعوا من يشاؤون ؛ أي: فلذلك حجروا على الله أن يُعطي النبوَّة عبدَه ورسولَه محمداً - صلى الله عليه وسلم -، وكأنَّهم الوكلاء المفوَّضون على خزائن رحمة الله، وهم أحقرُ وأذلُّ من ذلك؛ فليس في أيديهم لأنفسهم نفعٌ ولا ضرٌّ ولا موتٌ ولا حياةٌ ولا نشورٌ؛ {أهم يقسِمونَ رحمةَ ربِّك نحنُ قَسَمۡنا بينهم معيشَتَهم في الحياة الدُّنيا}؟ {أم هم المُصَيۡطِرُونَ}؛ أي: المتسلِّطون على خلق الله وملكه بالقهر والغلبة؟! ليس الأمر كذلك، بل هم العاجزون الفقراء.
{38}{أمۡ لهم سُلَّمٌ يستمعون فيه}؛ أي: ألهم اطِّلاع على الغيب واستماعٌ له بين الملأ الأعلى، فيخبرون عن أمورٍ لا يعلمُها غيرُهم، {فليأتِ مستمِعُهم}: المدَّعي لذلك {بسلطانٍ مبينٍ}: وأنَّى له ذلك والله تعالى عالم الغيب والشهادة؛ فلا يُظْهِرُ على غيبه أحداً؛ إلاَّ من ارتضى من رسولٍ يخبره بما أراد من علمِهِ، وإذا كان محمدٌ - صلى الله عليه وسلم -، أفضل الرسل وأعلمهم وإمامهم، وهو المخبر بما أخبر به من توحيد الله ووعده ووعيده وغير ذلك من أخباره الصادقة، والمكذِّبون هم أهل الجهل والضَّلال والغيِّ والعناد؛ فأيُّ المخبرين أحقُّ بقَبول خبره، خصوصاً والرسول - صلى الله عليه وسلم - قد أقام من الأدلَّة والبراهين على ما أخبر به ما يوجِبُ أن يكون ذلك عين اليقين وأكمل الصدق، وهم لم يُقيموا على ما ادَّعَوْه شبهةً فضلاً عن إقامة حجَّة؟!
{39} وقوله: {أم له البناتُ}: كما زعمتُم، {ولكم البنونَ}: فتجمعون بين المحذورَيْن: جَعْلُكُم له الولد، واختيارُكُم له أنقص الصنفين؛ فهل بعد هذا التنقُّص لربِّ العالمين غايةٌ أو دونه نهايةٌ؟!
{40}{أم تسألُهُم}: يا أيُّها الرسولُ، {أجراً}: على تبليغ الرسالة، {فهم من مَغۡرَمٍ مُثۡقَلونَ}: ليس الأمر كذلك، بل أنت الحريص على تعليمهم تبرُّعاً من غير شيء، بل تبذلُ لهم الأموالَ الجزيلة على قَبول رسالتك والاستجابة لأمرِك ودعوتك ، وتعطي المؤلَّفة قلوبهم؛ ليتمكَّن العلم والإيمان من قلوبهم.
{41}{أم عندَهم الغيبُ فهم يكتبونَ}: ما كانوا يعلمونَه من الغُيوب، فيكونون قد اطِّلعوا على ما لم يطَّلع عليه رسولُ الله، فعارضوه وعاندوه بما عندَهم من علم الغيب، وقد عُلِمَ أنَّهم الأمَّة الأميَّة الجهَّال الضَّالون، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو الذي عنده من العلم أعظم من غيره، وأنبأه الله من علم الغيب على ما لم يَطَّلِعْ عليه أحدٌ من الخلق، وهذا كلُّه إلزامٌ لهم بالطرق العقليَّة والنقليَّة على فساد قولهم وتصوير بطلانِهِ بأحسن الطُّرق وأوضحها وأسلمها من الاعتراض.
{42} وقوله: {أم يريدون}: بقدحِهِم فيك وفيما جئتَ به {كيداً}: يُبْطلونَ به دينَك، ويفسدون به أمرَك. {فالذين كفروا هُمُ المَكيدونَ}؛ أي: كيدُهم في نحورهم، ومضرَّته عائدةٌ إليهم، وقد فعل الله ذلك، ولله الحمد، فلم يُبْقِ الكفارُ من مقدورهم من المكر شيئاً إلاَّ فعلوه، فنصر الله نبيَّه عليهم، وأظهر دينَه ، وخَذَلَهُم وانتصر منهم.
{43}{أم لهم إلهٌ غير اللهِ}؛ أي: ألهم إلهٌ يُدعى ويرجى نفعُه ويُخاف من ضرِّه غير الله تعالى؟ {سبحان اللهِ عمَّا يشرِكون}: فليس له شريكٌ في الملك، ولا شريكٌ في الوحدانيَّة والعبادة، وهذا هو المقصود من الكلام الذي سيق لأجله، وهو بطلانُ عبادة ما سوى الله، وبيانُ فسادها بتلك الأدلَّة القاطعة، وأنَّ ما عليه المشركون هو الباطل، وأنَّ الذي ينبغي أن يُعْبَدَ ويصلَّى له ويُسْجَدَ ويُخْلَصَ له دعاءُ العبادة ودعاءُ المسألة هو الله المألوهُ المعبود، كاملُ الأسماء والصفاتِ، كثيرُ النعوتِ الحسنة والأفعال الجميلة، ذو الجلال والإكرام والعزِّ الذي لا يُرام، الواحد الأحدُ، الفردُ الصمدُ، الكبيرُ الحميدُ المجيدُ.
الطور 52:39
{29} يأمر الله تعالى رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يُذَكِّرَ الناس مسلمهم وكافرهم؛ لتقوم حجَّة الله على الظَّالمين، ويهتدي بتذكيره الموفَّقون، وأن لا يبالي بقول المشركين المكذِّبين وأذيَّتهم وأقوالهم التي يَصدُّون بها الناس عن اتِّباعه، مع علمهم أنَّه أبعدُ الناس عنها، ولهذا نفى عنه كلَّ نقص رَمَوْه به، فقال:{فما أنتَ بنعمةِ ربِّكَ}؛ أي: منَّه ولطفه {بكاهنٍ}؛ أي: له رِئْيٌ من الجنِّ يأتيه بخبر بعض الغيوب التي يضمُّ إليها مئة كذبةٍ، {ولا مجنونٍ}: فاقد العقل ، بل أنت أكملُ الناس عقلاً، وأبعدهم عن الشياطين، وأعظمهم صدقاً، وأجلُّهم، وأكملهم.
{30} وتارةً {يقولون} فيه: إنَّه {شاعرٌ}: يقول الشعر، والذي جاء به شعرٌ، والله يقول:{وما علَّمناه الشعرَ وما ينبغي له}، {نتربَّصُ به ريبَ المَنونِ}؛ أي: ننتظر به الموتَ، فيبطُلُ أمرُه ونستريح منه.
{31}{قل}: لهم جواباً لهذا الكلام السخيف: {تربَّصوا}؛ أي: انتظروا بي الموت، {فإنِّي معكم من المتربِّصين}: نتربَّص بكم أن يصيبكم الله بعذابٍ من عنده، أو بأيدينا.
{32}{أم تأمُرُهم أحلامُهم بهذا أم هم قومٌ طاغونَ}؛ أي: أهذا التكذيبُ لك والأقوال التي قالوها؛ هل صدرتْ عن عقولِهم وأحلامِهم؛ فبئس العقولُ والأحلامُ التي هذه نتائجها وهذه ثمراتها ؛ فإنَّ عقولاً جعلتْ أكملَ الخلق عقلاً مجنوناً، وجعلت أصدقَ الصِّدق وأحقَّ الحقِّ كذِباً وباطلاً؛ لهي العقول التي ينزَّه المجانين عنها؟ أم الذي حملهم على ذلك ظلمُهم وطغيانُهم؟ وهو الواقع؛ فالطغيانُ ليس له حدٌّ يقف عليه؛ فلا يُستغرب من الطاغي المتجاوزِ الحدَّ ، كلُّ قول وفعل صَدَرَ منه.
{33}{أم يقولون تَقَوَّلَه}؛ أي: تقوَّل محمدٌ القرآن وقاله من تلقاء نفسه، {بل لا يؤمنونَ}؛ فلو آمنوا؛ لم يقولوا ما قالوا.
{34}{فَلۡيَأتوا بحديثٍ مثلِهِ إنۡ كانوا صادقينَ}: إنَّه تقوَّله؛ فإنَّكم العرب الفصحاء والفحول البلغاء، وقد تحدَّاكم أن تأتوا بمثلِهِ؛ فتصدق معارضتكم، أو تقرُّوا بصدقه، وإنكم لو اجتمعتم أنتم والإنس والجنُّ؛ لم تقدروا على معارضته والإتيان بمثله؛ فحينئذٍ أنتم بين أمرين: إمَّا مؤمنون به مقتدون بهديِهِ، وإمَّا معاندون متَّبعون لما علمتُم من الباطل.
{35}{أم خُلِقوا من غير شيءٍ أم هُمُ الخالقونَ}: وهذا استدلالٌ عليهم بأمرٍ لا يمكنهم فيه إلاَّ التسليمُ للحقِّ، أو الخروج عن موجب العقل والدين. وبيان ذلك أنهم منكرون لتوحيد الله، مكذِّبون لرسوله، وذلك مستلزمٌ لإنكار أنَّ الله خَلَقَهم، وقد تقرَّر في العقل مع الشرع أنَّ ذلك لا يخلو من أحد ثلاثة أمورٍ: إمَّا أنهم {خُلِقوا من غير شيءٍ}؛ أي: لا خالق خلقهم؛ بل وجدوا من غير إيجادٍ ولا موجدٍ؛ وهذا عينُ المحال. {أم هم الخالقونَ}: لأنفسِهم؛ وهذا أيضاً محالٌ؛ فإنَّه لا يتصوَّر أن يوجِدَ أحدٌ نفسَه. فإذا بطل هذان الأمران وبان استحالتُهما؛ تعيَّن القسم الثالثُ، وهو أنَّ الله هو الذي خلقهم. وإذا تعين ذلك؛ عُلِمَ أنَّ الله تعالى هو المعبودُ وحدَه، الذي لا تنبغي العبادة ولا تَصْلُح إلاَّ له تعالى.
{36} وقوله: {أم خَلَقوا السمواتِ والأرضَ}: وهذا استفهامٌ يدلُّ على تقرير النفي؛ أي: ما خلقوا السماواتِ والأرضَ، فيكونوا شركاء لله، وهذا أمرٌ واضحٌ جدًّا. {بل} المكذبونَ {لا يوقنونَ}؛ أي: ليس عندهم [علم تامٌّ و] يقينٌ يوجب لهم الانتفاع بالأدلَّة الشرعيَّة والعقليَّة.
{37}{أمۡ عندَهم خزائنُ ربِّك أم هم المُصَيۡطِرونَ}؛ أي: أعند هؤلاء المكذِّبين خزائنُ رحمة ربِّك، فيعطوا من يشاؤون ويمنعوا من يشاؤون ؛ أي: فلذلك حجروا على الله أن يُعطي النبوَّة عبدَه ورسولَه محمداً - صلى الله عليه وسلم -، وكأنَّهم الوكلاء المفوَّضون على خزائن رحمة الله، وهم أحقرُ وأذلُّ من ذلك؛ فليس في أيديهم لأنفسهم نفعٌ ولا ضرٌّ ولا موتٌ ولا حياةٌ ولا نشورٌ؛ {أهم يقسِمونَ رحمةَ ربِّك نحنُ قَسَمۡنا بينهم معيشَتَهم في الحياة الدُّنيا}؟ {أم هم المُصَيۡطِرُونَ}؛ أي: المتسلِّطون على خلق الله وملكه بالقهر والغلبة؟! ليس الأمر كذلك، بل هم العاجزون الفقراء.
{38}{أمۡ لهم سُلَّمٌ يستمعون فيه}؛ أي: ألهم اطِّلاع على الغيب واستماعٌ له بين الملأ الأعلى، فيخبرون عن أمورٍ لا يعلمُها غيرُهم، {فليأتِ مستمِعُهم}: المدَّعي لذلك {بسلطانٍ مبينٍ}: وأنَّى له ذلك والله تعالى عالم الغيب والشهادة؛ فلا يُظْهِرُ على غيبه أحداً؛ إلاَّ من ارتضى من رسولٍ يخبره بما أراد من علمِهِ، وإذا كان محمدٌ - صلى الله عليه وسلم -، أفضل الرسل وأعلمهم وإمامهم، وهو المخبر بما أخبر به من توحيد الله ووعده ووعيده وغير ذلك من أخباره الصادقة، والمكذِّبون هم أهل الجهل والضَّلال والغيِّ والعناد؛ فأيُّ المخبرين أحقُّ بقَبول خبره، خصوصاً والرسول - صلى الله عليه وسلم - قد أقام من الأدلَّة والبراهين على ما أخبر به ما يوجِبُ أن يكون ذلك عين اليقين وأكمل الصدق، وهم لم يُقيموا على ما ادَّعَوْه شبهةً فضلاً عن إقامة حجَّة؟!
{39} وقوله: {أم له البناتُ}: كما زعمتُم، {ولكم البنونَ}: فتجمعون بين المحذورَيْن: جَعْلُكُم له الولد، واختيارُكُم له أنقص الصنفين؛ فهل بعد هذا التنقُّص لربِّ العالمين غايةٌ أو دونه نهايةٌ؟!
{40}{أم تسألُهُم}: يا أيُّها الرسولُ، {أجراً}: على تبليغ الرسالة، {فهم من مَغۡرَمٍ مُثۡقَلونَ}: ليس الأمر كذلك، بل أنت الحريص على تعليمهم تبرُّعاً من غير شيء، بل تبذلُ لهم الأموالَ الجزيلة على قَبول رسالتك والاستجابة لأمرِك ودعوتك ، وتعطي المؤلَّفة قلوبهم؛ ليتمكَّن العلم والإيمان من قلوبهم.
{41}{أم عندَهم الغيبُ فهم يكتبونَ}: ما كانوا يعلمونَه من الغُيوب، فيكونون قد اطِّلعوا على ما لم يطَّلع عليه رسولُ الله، فعارضوه وعاندوه بما عندَهم من علم الغيب، وقد عُلِمَ أنَّهم الأمَّة الأميَّة الجهَّال الضَّالون، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو الذي عنده من العلم أعظم من غيره، وأنبأه الله من علم الغيب على ما لم يَطَّلِعْ عليه أحدٌ من الخلق، وهذا كلُّه إلزامٌ لهم بالطرق العقليَّة والنقليَّة على فساد قولهم وتصوير بطلانِهِ بأحسن الطُّرق وأوضحها وأسلمها من الاعتراض.
{42} وقوله: {أم يريدون}: بقدحِهِم فيك وفيما جئتَ به {كيداً}: يُبْطلونَ به دينَك، ويفسدون به أمرَك. {فالذين كفروا هُمُ المَكيدونَ}؛ أي: كيدُهم في نحورهم، ومضرَّته عائدةٌ إليهم، وقد فعل الله ذلك، ولله الحمد، فلم يُبْقِ الكفارُ من مقدورهم من المكر شيئاً إلاَّ فعلوه، فنصر الله نبيَّه عليهم، وأظهر دينَه ، وخَذَلَهُم وانتصر منهم.
{43}{أم لهم إلهٌ غير اللهِ}؛ أي: ألهم إلهٌ يُدعى ويرجى نفعُه ويُخاف من ضرِّه غير الله تعالى؟ {سبحان اللهِ عمَّا يشرِكون}: فليس له شريكٌ في الملك، ولا شريكٌ في الوحدانيَّة والعبادة، وهذا هو المقصود من الكلام الذي سيق لأجله، وهو بطلانُ عبادة ما سوى الله، وبيانُ فسادها بتلك الأدلَّة القاطعة، وأنَّ ما عليه المشركون هو الباطل، وأنَّ الذي ينبغي أن يُعْبَدَ ويصلَّى له ويُسْجَدَ ويُخْلَصَ له دعاءُ العبادة ودعاءُ المسألة هو الله المألوهُ المعبود، كاملُ الأسماء والصفاتِ، كثيرُ النعوتِ الحسنة والأفعال الجميلة، ذو الجلال والإكرام والعزِّ الذي لا يُرام، الواحد الأحدُ، الفردُ الصمدُ، الكبيرُ الحميدُ المجيدُ.
الطور 52:40
{29} يأمر الله تعالى رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يُذَكِّرَ الناس مسلمهم وكافرهم؛ لتقوم حجَّة الله على الظَّالمين، ويهتدي بتذكيره الموفَّقون، وأن لا يبالي بقول المشركين المكذِّبين وأذيَّتهم وأقوالهم التي يَصدُّون بها الناس عن اتِّباعه، مع علمهم أنَّه أبعدُ الناس عنها، ولهذا نفى عنه كلَّ نقص رَمَوْه به، فقال:{فما أنتَ بنعمةِ ربِّكَ}؛ أي: منَّه ولطفه {بكاهنٍ}؛ أي: له رِئْيٌ من الجنِّ يأتيه بخبر بعض الغيوب التي يضمُّ إليها مئة كذبةٍ، {ولا مجنونٍ}: فاقد العقل ، بل أنت أكملُ الناس عقلاً، وأبعدهم عن الشياطين، وأعظمهم صدقاً، وأجلُّهم، وأكملهم.
{30} وتارةً {يقولون} فيه: إنَّه {شاعرٌ}: يقول الشعر، والذي جاء به شعرٌ، والله يقول:{وما علَّمناه الشعرَ وما ينبغي له}، {نتربَّصُ به ريبَ المَنونِ}؛ أي: ننتظر به الموتَ، فيبطُلُ أمرُه ونستريح منه.
{31}{قل}: لهم جواباً لهذا الكلام السخيف: {تربَّصوا}؛ أي: انتظروا بي الموت، {فإنِّي معكم من المتربِّصين}: نتربَّص بكم أن يصيبكم الله بعذابٍ من عنده، أو بأيدينا.
{32}{أم تأمُرُهم أحلامُهم بهذا أم هم قومٌ طاغونَ}؛ أي: أهذا التكذيبُ لك والأقوال التي قالوها؛ هل صدرتْ عن عقولِهم وأحلامِهم؛ فبئس العقولُ والأحلامُ التي هذه نتائجها وهذه ثمراتها ؛ فإنَّ عقولاً جعلتْ أكملَ الخلق عقلاً مجنوناً، وجعلت أصدقَ الصِّدق وأحقَّ الحقِّ كذِباً وباطلاً؛ لهي العقول التي ينزَّه المجانين عنها؟ أم الذي حملهم على ذلك ظلمُهم وطغيانُهم؟ وهو الواقع؛ فالطغيانُ ليس له حدٌّ يقف عليه؛ فلا يُستغرب من الطاغي المتجاوزِ الحدَّ ، كلُّ قول وفعل صَدَرَ منه.
{33}{أم يقولون تَقَوَّلَه}؛ أي: تقوَّل محمدٌ القرآن وقاله من تلقاء نفسه، {بل لا يؤمنونَ}؛ فلو آمنوا؛ لم يقولوا ما قالوا.
{34}{فَلۡيَأتوا بحديثٍ مثلِهِ إنۡ كانوا صادقينَ}: إنَّه تقوَّله؛ فإنَّكم العرب الفصحاء والفحول البلغاء، وقد تحدَّاكم أن تأتوا بمثلِهِ؛ فتصدق معارضتكم، أو تقرُّوا بصدقه، وإنكم لو اجتمعتم أنتم والإنس والجنُّ؛ لم تقدروا على معارضته والإتيان بمثله؛ فحينئذٍ أنتم بين أمرين: إمَّا مؤمنون به مقتدون بهديِهِ، وإمَّا معاندون متَّبعون لما علمتُم من الباطل.
{35}{أم خُلِقوا من غير شيءٍ أم هُمُ الخالقونَ}: وهذا استدلالٌ عليهم بأمرٍ لا يمكنهم فيه إلاَّ التسليمُ للحقِّ، أو الخروج عن موجب العقل والدين. وبيان ذلك أنهم منكرون لتوحيد الله، مكذِّبون لرسوله، وذلك مستلزمٌ لإنكار أنَّ الله خَلَقَهم، وقد تقرَّر في العقل مع الشرع أنَّ ذلك لا يخلو من أحد ثلاثة أمورٍ: إمَّا أنهم {خُلِقوا من غير شيءٍ}؛ أي: لا خالق خلقهم؛ بل وجدوا من غير إيجادٍ ولا موجدٍ؛ وهذا عينُ المحال. {أم هم الخالقونَ}: لأنفسِهم؛ وهذا أيضاً محالٌ؛ فإنَّه لا يتصوَّر أن يوجِدَ أحدٌ نفسَه. فإذا بطل هذان الأمران وبان استحالتُهما؛ تعيَّن القسم الثالثُ، وهو أنَّ الله هو الذي خلقهم. وإذا تعين ذلك؛ عُلِمَ أنَّ الله تعالى هو المعبودُ وحدَه، الذي لا تنبغي العبادة ولا تَصْلُح إلاَّ له تعالى.
{36} وقوله: {أم خَلَقوا السمواتِ والأرضَ}: وهذا استفهامٌ يدلُّ على تقرير النفي؛ أي: ما خلقوا السماواتِ والأرضَ، فيكونوا شركاء لله، وهذا أمرٌ واضحٌ جدًّا. {بل} المكذبونَ {لا يوقنونَ}؛ أي: ليس عندهم [علم تامٌّ و] يقينٌ يوجب لهم الانتفاع بالأدلَّة الشرعيَّة والعقليَّة.
{37}{أمۡ عندَهم خزائنُ ربِّك أم هم المُصَيۡطِرونَ}؛ أي: أعند هؤلاء المكذِّبين خزائنُ رحمة ربِّك، فيعطوا من يشاؤون ويمنعوا من يشاؤون ؛ أي: فلذلك حجروا على الله أن يُعطي النبوَّة عبدَه ورسولَه محمداً - صلى الله عليه وسلم -، وكأنَّهم الوكلاء المفوَّضون على خزائن رحمة الله، وهم أحقرُ وأذلُّ من ذلك؛ فليس في أيديهم لأنفسهم نفعٌ ولا ضرٌّ ولا موتٌ ولا حياةٌ ولا نشورٌ؛ {أهم يقسِمونَ رحمةَ ربِّك نحنُ قَسَمۡنا بينهم معيشَتَهم في الحياة الدُّنيا}؟ {أم هم المُصَيۡطِرُونَ}؛ أي: المتسلِّطون على خلق الله وملكه بالقهر والغلبة؟! ليس الأمر كذلك، بل هم العاجزون الفقراء.
{38}{أمۡ لهم سُلَّمٌ يستمعون فيه}؛ أي: ألهم اطِّلاع على الغيب واستماعٌ له بين الملأ الأعلى، فيخبرون عن أمورٍ لا يعلمُها غيرُهم، {فليأتِ مستمِعُهم}: المدَّعي لذلك {بسلطانٍ مبينٍ}: وأنَّى له ذلك والله تعالى عالم الغيب والشهادة؛ فلا يُظْهِرُ على غيبه أحداً؛ إلاَّ من ارتضى من رسولٍ يخبره بما أراد من علمِهِ، وإذا كان محمدٌ - صلى الله عليه وسلم -، أفضل الرسل وأعلمهم وإمامهم، وهو المخبر بما أخبر به من توحيد الله ووعده ووعيده وغير ذلك من أخباره الصادقة، والمكذِّبون هم أهل الجهل والضَّلال والغيِّ والعناد؛ فأيُّ المخبرين أحقُّ بقَبول خبره، خصوصاً والرسول - صلى الله عليه وسلم - قد أقام من الأدلَّة والبراهين على ما أخبر به ما يوجِبُ أن يكون ذلك عين اليقين وأكمل الصدق، وهم لم يُقيموا على ما ادَّعَوْه شبهةً فضلاً عن إقامة حجَّة؟!
{39} وقوله: {أم له البناتُ}: كما زعمتُم، {ولكم البنونَ}: فتجمعون بين المحذورَيْن: جَعْلُكُم له الولد، واختيارُكُم له أنقص الصنفين؛ فهل بعد هذا التنقُّص لربِّ العالمين غايةٌ أو دونه نهايةٌ؟!
{40}{أم تسألُهُم}: يا أيُّها الرسولُ، {أجراً}: على تبليغ الرسالة، {فهم من مَغۡرَمٍ مُثۡقَلونَ}: ليس الأمر كذلك، بل أنت الحريص على تعليمهم تبرُّعاً من غير شيء، بل تبذلُ لهم الأموالَ الجزيلة على قَبول رسالتك والاستجابة لأمرِك ودعوتك ، وتعطي المؤلَّفة قلوبهم؛ ليتمكَّن العلم والإيمان من قلوبهم.
{41}{أم عندَهم الغيبُ فهم يكتبونَ}: ما كانوا يعلمونَه من الغُيوب، فيكونون قد اطِّلعوا على ما لم يطَّلع عليه رسولُ الله، فعارضوه وعاندوه بما عندَهم من علم الغيب، وقد عُلِمَ أنَّهم الأمَّة الأميَّة الجهَّال الضَّالون، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو الذي عنده من العلم أعظم من غيره، وأنبأه الله من علم الغيب على ما لم يَطَّلِعْ عليه أحدٌ من الخلق، وهذا كلُّه إلزامٌ لهم بالطرق العقليَّة والنقليَّة على فساد قولهم وتصوير بطلانِهِ بأحسن الطُّرق وأوضحها وأسلمها من الاعتراض.
{42} وقوله: {أم يريدون}: بقدحِهِم فيك وفيما جئتَ به {كيداً}: يُبْطلونَ به دينَك، ويفسدون به أمرَك. {فالذين كفروا هُمُ المَكيدونَ}؛ أي: كيدُهم في نحورهم، ومضرَّته عائدةٌ إليهم، وقد فعل الله ذلك، ولله الحمد، فلم يُبْقِ الكفارُ من مقدورهم من المكر شيئاً إلاَّ فعلوه، فنصر الله نبيَّه عليهم، وأظهر دينَه ، وخَذَلَهُم وانتصر منهم.
{43}{أم لهم إلهٌ غير اللهِ}؛ أي: ألهم إلهٌ يُدعى ويرجى نفعُه ويُخاف من ضرِّه غير الله تعالى؟ {سبحان اللهِ عمَّا يشرِكون}: فليس له شريكٌ في الملك، ولا شريكٌ في الوحدانيَّة والعبادة، وهذا هو المقصود من الكلام الذي سيق لأجله، وهو بطلانُ عبادة ما سوى الله، وبيانُ فسادها بتلك الأدلَّة القاطعة، وأنَّ ما عليه المشركون هو الباطل، وأنَّ الذي ينبغي أن يُعْبَدَ ويصلَّى له ويُسْجَدَ ويُخْلَصَ له دعاءُ العبادة ودعاءُ المسألة هو الله المألوهُ المعبود، كاملُ الأسماء والصفاتِ، كثيرُ النعوتِ الحسنة والأفعال الجميلة، ذو الجلال والإكرام والعزِّ الذي لا يُرام، الواحد الأحدُ، الفردُ الصمدُ، الكبيرُ الحميدُ المجيدُ.
الطور 52:41
{29} يأمر الله تعالى رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يُذَكِّرَ الناس مسلمهم وكافرهم؛ لتقوم حجَّة الله على الظَّالمين، ويهتدي بتذكيره الموفَّقون، وأن لا يبالي بقول المشركين المكذِّبين وأذيَّتهم وأقوالهم التي يَصدُّون بها الناس عن اتِّباعه، مع علمهم أنَّه أبعدُ الناس عنها، ولهذا نفى عنه كلَّ نقص رَمَوْه به، فقال:{فما أنتَ بنعمةِ ربِّكَ}؛ أي: منَّه ولطفه {بكاهنٍ}؛ أي: له رِئْيٌ من الجنِّ يأتيه بخبر بعض الغيوب التي يضمُّ إليها مئة كذبةٍ، {ولا مجنونٍ}: فاقد العقل ، بل أنت أكملُ الناس عقلاً، وأبعدهم عن الشياطين، وأعظمهم صدقاً، وأجلُّهم، وأكملهم.
{30} وتارةً {يقولون} فيه: إنَّه {شاعرٌ}: يقول الشعر، والذي جاء به شعرٌ، والله يقول:{وما علَّمناه الشعرَ وما ينبغي له}، {نتربَّصُ به ريبَ المَنونِ}؛ أي: ننتظر به الموتَ، فيبطُلُ أمرُه ونستريح منه.
{31}{قل}: لهم جواباً لهذا الكلام السخيف: {تربَّصوا}؛ أي: انتظروا بي الموت، {فإنِّي معكم من المتربِّصين}: نتربَّص بكم أن يصيبكم الله بعذابٍ من عنده، أو بأيدينا.
{32}{أم تأمُرُهم أحلامُهم بهذا أم هم قومٌ طاغونَ}؛ أي: أهذا التكذيبُ لك والأقوال التي قالوها؛ هل صدرتْ عن عقولِهم وأحلامِهم؛ فبئس العقولُ والأحلامُ التي هذه نتائجها وهذه ثمراتها ؛ فإنَّ عقولاً جعلتْ أكملَ الخلق عقلاً مجنوناً، وجعلت أصدقَ الصِّدق وأحقَّ الحقِّ كذِباً وباطلاً؛ لهي العقول التي ينزَّه المجانين عنها؟ أم الذي حملهم على ذلك ظلمُهم وطغيانُهم؟ وهو الواقع؛ فالطغيانُ ليس له حدٌّ يقف عليه؛ فلا يُستغرب من الطاغي المتجاوزِ الحدَّ ، كلُّ قول وفعل صَدَرَ منه.
{33}{أم يقولون تَقَوَّلَه}؛ أي: تقوَّل محمدٌ القرآن وقاله من تلقاء نفسه، {بل لا يؤمنونَ}؛ فلو آمنوا؛ لم يقولوا ما قالوا.
{34}{فَلۡيَأتوا بحديثٍ مثلِهِ إنۡ كانوا صادقينَ}: إنَّه تقوَّله؛ فإنَّكم العرب الفصحاء والفحول البلغاء، وقد تحدَّاكم أن تأتوا بمثلِهِ؛ فتصدق معارضتكم، أو تقرُّوا بصدقه، وإنكم لو اجتمعتم أنتم والإنس والجنُّ؛ لم تقدروا على معارضته والإتيان بمثله؛ فحينئذٍ أنتم بين أمرين: إمَّا مؤمنون به مقتدون بهديِهِ، وإمَّا معاندون متَّبعون لما علمتُم من الباطل.
{35}{أم خُلِقوا من غير شيءٍ أم هُمُ الخالقونَ}: وهذا استدلالٌ عليهم بأمرٍ لا يمكنهم فيه إلاَّ التسليمُ للحقِّ، أو الخروج عن موجب العقل والدين. وبيان ذلك أنهم منكرون لتوحيد الله، مكذِّبون لرسوله، وذلك مستلزمٌ لإنكار أنَّ الله خَلَقَهم، وقد تقرَّر في العقل مع الشرع أنَّ ذلك لا يخلو من أحد ثلاثة أمورٍ: إمَّا أنهم {خُلِقوا من غير شيءٍ}؛ أي: لا خالق خلقهم؛ بل وجدوا من غير إيجادٍ ولا موجدٍ؛ وهذا عينُ المحال. {أم هم الخالقونَ}: لأنفسِهم؛ وهذا أيضاً محالٌ؛ فإنَّه لا يتصوَّر أن يوجِدَ أحدٌ نفسَه. فإذا بطل هذان الأمران وبان استحالتُهما؛ تعيَّن القسم الثالثُ، وهو أنَّ الله هو الذي خلقهم. وإذا تعين ذلك؛ عُلِمَ أنَّ الله تعالى هو المعبودُ وحدَه، الذي لا تنبغي العبادة ولا تَصْلُح إلاَّ له تعالى.
{36} وقوله: {أم خَلَقوا السمواتِ والأرضَ}: وهذا استفهامٌ يدلُّ على تقرير النفي؛ أي: ما خلقوا السماواتِ والأرضَ، فيكونوا شركاء لله، وهذا أمرٌ واضحٌ جدًّا. {بل} المكذبونَ {لا يوقنونَ}؛ أي: ليس عندهم [علم تامٌّ و] يقينٌ يوجب لهم الانتفاع بالأدلَّة الشرعيَّة والعقليَّة.
{37}{أمۡ عندَهم خزائنُ ربِّك أم هم المُصَيۡطِرونَ}؛ أي: أعند هؤلاء المكذِّبين خزائنُ رحمة ربِّك، فيعطوا من يشاؤون ويمنعوا من يشاؤون ؛ أي: فلذلك حجروا على الله أن يُعطي النبوَّة عبدَه ورسولَه محمداً - صلى الله عليه وسلم -، وكأنَّهم الوكلاء المفوَّضون على خزائن رحمة الله، وهم أحقرُ وأذلُّ من ذلك؛ فليس في أيديهم لأنفسهم نفعٌ ولا ضرٌّ ولا موتٌ ولا حياةٌ ولا نشورٌ؛ {أهم يقسِمونَ رحمةَ ربِّك نحنُ قَسَمۡنا بينهم معيشَتَهم في الحياة الدُّنيا}؟ {أم هم المُصَيۡطِرُونَ}؛ أي: المتسلِّطون على خلق الله وملكه بالقهر والغلبة؟! ليس الأمر كذلك، بل هم العاجزون الفقراء.
{38}{أمۡ لهم سُلَّمٌ يستمعون فيه}؛ أي: ألهم اطِّلاع على الغيب واستماعٌ له بين الملأ الأعلى، فيخبرون عن أمورٍ لا يعلمُها غيرُهم، {فليأتِ مستمِعُهم}: المدَّعي لذلك {بسلطانٍ مبينٍ}: وأنَّى له ذلك والله تعالى عالم الغيب والشهادة؛ فلا يُظْهِرُ على غيبه أحداً؛ إلاَّ من ارتضى من رسولٍ يخبره بما أراد من علمِهِ، وإذا كان محمدٌ - صلى الله عليه وسلم -، أفضل الرسل وأعلمهم وإمامهم، وهو المخبر بما أخبر به من توحيد الله ووعده ووعيده وغير ذلك من أخباره الصادقة، والمكذِّبون هم أهل الجهل والضَّلال والغيِّ والعناد؛ فأيُّ المخبرين أحقُّ بقَبول خبره، خصوصاً والرسول - صلى الله عليه وسلم - قد أقام من الأدلَّة والبراهين على ما أخبر به ما يوجِبُ أن يكون ذلك عين اليقين وأكمل الصدق، وهم لم يُقيموا على ما ادَّعَوْه شبهةً فضلاً عن إقامة حجَّة؟!
{39} وقوله: {أم له البناتُ}: كما زعمتُم، {ولكم البنونَ}: فتجمعون بين المحذورَيْن: جَعْلُكُم له الولد، واختيارُكُم له أنقص الصنفين؛ فهل بعد هذا التنقُّص لربِّ العالمين غايةٌ أو دونه نهايةٌ؟!
{40}{أم تسألُهُم}: يا أيُّها الرسولُ، {أجراً}: على تبليغ الرسالة، {فهم من مَغۡرَمٍ مُثۡقَلونَ}: ليس الأمر كذلك، بل أنت الحريص على تعليمهم تبرُّعاً من غير شيء، بل تبذلُ لهم الأموالَ الجزيلة على قَبول رسالتك والاستجابة لأمرِك ودعوتك ، وتعطي المؤلَّفة قلوبهم؛ ليتمكَّن العلم والإيمان من قلوبهم.
{41}{أم عندَهم الغيبُ فهم يكتبونَ}: ما كانوا يعلمونَه من الغُيوب، فيكونون قد اطِّلعوا على ما لم يطَّلع عليه رسولُ الله، فعارضوه وعاندوه بما عندَهم من علم الغيب، وقد عُلِمَ أنَّهم الأمَّة الأميَّة الجهَّال الضَّالون، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو الذي عنده من العلم أعظم من غيره، وأنبأه الله من علم الغيب على ما لم يَطَّلِعْ عليه أحدٌ من الخلق، وهذا كلُّه إلزامٌ لهم بالطرق العقليَّة والنقليَّة على فساد قولهم وتصوير بطلانِهِ بأحسن الطُّرق وأوضحها وأسلمها من الاعتراض.
{42} وقوله: {أم يريدون}: بقدحِهِم فيك وفيما جئتَ به {كيداً}: يُبْطلونَ به دينَك، ويفسدون به أمرَك. {فالذين كفروا هُمُ المَكيدونَ}؛ أي: كيدُهم في نحورهم، ومضرَّته عائدةٌ إليهم، وقد فعل الله ذلك، ولله الحمد، فلم يُبْقِ الكفارُ من مقدورهم من المكر شيئاً إلاَّ فعلوه، فنصر الله نبيَّه عليهم، وأظهر دينَه ، وخَذَلَهُم وانتصر منهم.
{43}{أم لهم إلهٌ غير اللهِ}؛ أي: ألهم إلهٌ يُدعى ويرجى نفعُه ويُخاف من ضرِّه غير الله تعالى؟ {سبحان اللهِ عمَّا يشرِكون}: فليس له شريكٌ في الملك، ولا شريكٌ في الوحدانيَّة والعبادة، وهذا هو المقصود من الكلام الذي سيق لأجله، وهو بطلانُ عبادة ما سوى الله، وبيانُ فسادها بتلك الأدلَّة القاطعة، وأنَّ ما عليه المشركون هو الباطل، وأنَّ الذي ينبغي أن يُعْبَدَ ويصلَّى له ويُسْجَدَ ويُخْلَصَ له دعاءُ العبادة ودعاءُ المسألة هو الله المألوهُ المعبود، كاملُ الأسماء والصفاتِ، كثيرُ النعوتِ الحسنة والأفعال الجميلة، ذو الجلال والإكرام والعزِّ الذي لا يُرام، الواحد الأحدُ، الفردُ الصمدُ، الكبيرُ الحميدُ المجيدُ.
الطور 52:42
{29} يأمر الله تعالى رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يُذَكِّرَ الناس مسلمهم وكافرهم؛ لتقوم حجَّة الله على الظَّالمين، ويهتدي بتذكيره الموفَّقون، وأن لا يبالي بقول المشركين المكذِّبين وأذيَّتهم وأقوالهم التي يَصدُّون بها الناس عن اتِّباعه، مع علمهم أنَّه أبعدُ الناس عنها، ولهذا نفى عنه كلَّ نقص رَمَوْه به، فقال:{فما أنتَ بنعمةِ ربِّكَ}؛ أي: منَّه ولطفه {بكاهنٍ}؛ أي: له رِئْيٌ من الجنِّ يأتيه بخبر بعض الغيوب التي يضمُّ إليها مئة كذبةٍ، {ولا مجنونٍ}: فاقد العقل ، بل أنت أكملُ الناس عقلاً، وأبعدهم عن الشياطين، وأعظمهم صدقاً، وأجلُّهم، وأكملهم.
{30} وتارةً {يقولون} فيه: إنَّه {شاعرٌ}: يقول الشعر، والذي جاء به شعرٌ، والله يقول:{وما علَّمناه الشعرَ وما ينبغي له}، {نتربَّصُ به ريبَ المَنونِ}؛ أي: ننتظر به الموتَ، فيبطُلُ أمرُه ونستريح منه.
{31}{قل}: لهم جواباً لهذا الكلام السخيف: {تربَّصوا}؛ أي: انتظروا بي الموت، {فإنِّي معكم من المتربِّصين}: نتربَّص بكم أن يصيبكم الله بعذابٍ من عنده، أو بأيدينا.
{32}{أم تأمُرُهم أحلامُهم بهذا أم هم قومٌ طاغونَ}؛ أي: أهذا التكذيبُ لك والأقوال التي قالوها؛ هل صدرتْ عن عقولِهم وأحلامِهم؛ فبئس العقولُ والأحلامُ التي هذه نتائجها وهذه ثمراتها ؛ فإنَّ عقولاً جعلتْ أكملَ الخلق عقلاً مجنوناً، وجعلت أصدقَ الصِّدق وأحقَّ الحقِّ كذِباً وباطلاً؛ لهي العقول التي ينزَّه المجانين عنها؟ أم الذي حملهم على ذلك ظلمُهم وطغيانُهم؟ وهو الواقع؛ فالطغيانُ ليس له حدٌّ يقف عليه؛ فلا يُستغرب من الطاغي المتجاوزِ الحدَّ ، كلُّ قول وفعل صَدَرَ منه.
{33}{أم يقولون تَقَوَّلَه}؛ أي: تقوَّل محمدٌ القرآن وقاله من تلقاء نفسه، {بل لا يؤمنونَ}؛ فلو آمنوا؛ لم يقولوا ما قالوا.
{34}{فَلۡيَأتوا بحديثٍ مثلِهِ إنۡ كانوا صادقينَ}: إنَّه تقوَّله؛ فإنَّكم العرب الفصحاء والفحول البلغاء، وقد تحدَّاكم أن تأتوا بمثلِهِ؛ فتصدق معارضتكم، أو تقرُّوا بصدقه، وإنكم لو اجتمعتم أنتم والإنس والجنُّ؛ لم تقدروا على معارضته والإتيان بمثله؛ فحينئذٍ أنتم بين أمرين: إمَّا مؤمنون به مقتدون بهديِهِ، وإمَّا معاندون متَّبعون لما علمتُم من الباطل.
{35}{أم خُلِقوا من غير شيءٍ أم هُمُ الخالقونَ}: وهذا استدلالٌ عليهم بأمرٍ لا يمكنهم فيه إلاَّ التسليمُ للحقِّ، أو الخروج عن موجب العقل والدين. وبيان ذلك أنهم منكرون لتوحيد الله، مكذِّبون لرسوله، وذلك مستلزمٌ لإنكار أنَّ الله خَلَقَهم، وقد تقرَّر في العقل مع الشرع أنَّ ذلك لا يخلو من أحد ثلاثة أمورٍ: إمَّا أنهم {خُلِقوا من غير شيءٍ}؛ أي: لا خالق خلقهم؛ بل وجدوا من غير إيجادٍ ولا موجدٍ؛ وهذا عينُ المحال. {أم هم الخالقونَ}: لأنفسِهم؛ وهذا أيضاً محالٌ؛ فإنَّه لا يتصوَّر أن يوجِدَ أحدٌ نفسَه. فإذا بطل هذان الأمران وبان استحالتُهما؛ تعيَّن القسم الثالثُ، وهو أنَّ الله هو الذي خلقهم. وإذا تعين ذلك؛ عُلِمَ أنَّ الله تعالى هو المعبودُ وحدَه، الذي لا تنبغي العبادة ولا تَصْلُح إلاَّ له تعالى.
{36} وقوله: {أم خَلَقوا السمواتِ والأرضَ}: وهذا استفهامٌ يدلُّ على تقرير النفي؛ أي: ما خلقوا السماواتِ والأرضَ، فيكونوا شركاء لله، وهذا أمرٌ واضحٌ جدًّا. {بل} المكذبونَ {لا يوقنونَ}؛ أي: ليس عندهم [علم تامٌّ و] يقينٌ يوجب لهم الانتفاع بالأدلَّة الشرعيَّة والعقليَّة.
{37}{أمۡ عندَهم خزائنُ ربِّك أم هم المُصَيۡطِرونَ}؛ أي: أعند هؤلاء المكذِّبين خزائنُ رحمة ربِّك، فيعطوا من يشاؤون ويمنعوا من يشاؤون ؛ أي: فلذلك حجروا على الله أن يُعطي النبوَّة عبدَه ورسولَه محمداً - صلى الله عليه وسلم -، وكأنَّهم الوكلاء المفوَّضون على خزائن رحمة الله، وهم أحقرُ وأذلُّ من ذلك؛ فليس في أيديهم لأنفسهم نفعٌ ولا ضرٌّ ولا موتٌ ولا حياةٌ ولا نشورٌ؛ {أهم يقسِمونَ رحمةَ ربِّك نحنُ قَسَمۡنا بينهم معيشَتَهم في الحياة الدُّنيا}؟ {أم هم المُصَيۡطِرُونَ}؛ أي: المتسلِّطون على خلق الله وملكه بالقهر والغلبة؟! ليس الأمر كذلك، بل هم العاجزون الفقراء.
{38}{أمۡ لهم سُلَّمٌ يستمعون فيه}؛ أي: ألهم اطِّلاع على الغيب واستماعٌ له بين الملأ الأعلى، فيخبرون عن أمورٍ لا يعلمُها غيرُهم، {فليأتِ مستمِعُهم}: المدَّعي لذلك {بسلطانٍ مبينٍ}: وأنَّى له ذلك والله تعالى عالم الغيب والشهادة؛ فلا يُظْهِرُ على غيبه أحداً؛ إلاَّ من ارتضى من رسولٍ يخبره بما أراد من علمِهِ، وإذا كان محمدٌ - صلى الله عليه وسلم -، أفضل الرسل وأعلمهم وإمامهم، وهو المخبر بما أخبر به من توحيد الله ووعده ووعيده وغير ذلك من أخباره الصادقة، والمكذِّبون هم أهل الجهل والضَّلال والغيِّ والعناد؛ فأيُّ المخبرين أحقُّ بقَبول خبره، خصوصاً والرسول - صلى الله عليه وسلم - قد أقام من الأدلَّة والبراهين على ما أخبر به ما يوجِبُ أن يكون ذلك عين اليقين وأكمل الصدق، وهم لم يُقيموا على ما ادَّعَوْه شبهةً فضلاً عن إقامة حجَّة؟!
{39} وقوله: {أم له البناتُ}: كما زعمتُم، {ولكم البنونَ}: فتجمعون بين المحذورَيْن: جَعْلُكُم له الولد، واختيارُكُم له أنقص الصنفين؛ فهل بعد هذا التنقُّص لربِّ العالمين غايةٌ أو دونه نهايةٌ؟!
{40}{أم تسألُهُم}: يا أيُّها الرسولُ، {أجراً}: على تبليغ الرسالة، {فهم من مَغۡرَمٍ مُثۡقَلونَ}: ليس الأمر كذلك، بل أنت الحريص على تعليمهم تبرُّعاً من غير شيء، بل تبذلُ لهم الأموالَ الجزيلة على قَبول رسالتك والاستجابة لأمرِك ودعوتك ، وتعطي المؤلَّفة قلوبهم؛ ليتمكَّن العلم والإيمان من قلوبهم.
{41}{أم عندَهم الغيبُ فهم يكتبونَ}: ما كانوا يعلمونَه من الغُيوب، فيكونون قد اطِّلعوا على ما لم يطَّلع عليه رسولُ الله، فعارضوه وعاندوه بما عندَهم من علم الغيب، وقد عُلِمَ أنَّهم الأمَّة الأميَّة الجهَّال الضَّالون، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو الذي عنده من العلم أعظم من غيره، وأنبأه الله من علم الغيب على ما لم يَطَّلِعْ عليه أحدٌ من الخلق، وهذا كلُّه إلزامٌ لهم بالطرق العقليَّة والنقليَّة على فساد قولهم وتصوير بطلانِهِ بأحسن الطُّرق وأوضحها وأسلمها من الاعتراض.
{42} وقوله: {أم يريدون}: بقدحِهِم فيك وفيما جئتَ به {كيداً}: يُبْطلونَ به دينَك، ويفسدون به أمرَك. {فالذين كفروا هُمُ المَكيدونَ}؛ أي: كيدُهم في نحورهم، ومضرَّته عائدةٌ إليهم، وقد فعل الله ذلك، ولله الحمد، فلم يُبْقِ الكفارُ من مقدورهم من المكر شيئاً إلاَّ فعلوه، فنصر الله نبيَّه عليهم، وأظهر دينَه ، وخَذَلَهُم وانتصر منهم.
{43}{أم لهم إلهٌ غير اللهِ}؛ أي: ألهم إلهٌ يُدعى ويرجى نفعُه ويُخاف من ضرِّه غير الله تعالى؟ {سبحان اللهِ عمَّا يشرِكون}: فليس له شريكٌ في الملك، ولا شريكٌ في الوحدانيَّة والعبادة، وهذا هو المقصود من الكلام الذي سيق لأجله، وهو بطلانُ عبادة ما سوى الله، وبيانُ فسادها بتلك الأدلَّة القاطعة، وأنَّ ما عليه المشركون هو الباطل، وأنَّ الذي ينبغي أن يُعْبَدَ ويصلَّى له ويُسْجَدَ ويُخْلَصَ له دعاءُ العبادة ودعاءُ المسألة هو الله المألوهُ المعبود، كاملُ الأسماء والصفاتِ، كثيرُ النعوتِ الحسنة والأفعال الجميلة، ذو الجلال والإكرام والعزِّ الذي لا يُرام، الواحد الأحدُ، الفردُ الصمدُ، الكبيرُ الحميدُ المجيدُ.
الطور 52:43
{29} يأمر الله تعالى رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يُذَكِّرَ الناس مسلمهم وكافرهم؛ لتقوم حجَّة الله على الظَّالمين، ويهتدي بتذكيره الموفَّقون، وأن لا يبالي بقول المشركين المكذِّبين وأذيَّتهم وأقوالهم التي يَصدُّون بها الناس عن اتِّباعه، مع علمهم أنَّه أبعدُ الناس عنها، ولهذا نفى عنه كلَّ نقص رَمَوْه به، فقال:{فما أنتَ بنعمةِ ربِّكَ}؛ أي: منَّه ولطفه {بكاهنٍ}؛ أي: له رِئْيٌ من الجنِّ يأتيه بخبر بعض الغيوب التي يضمُّ إليها مئة كذبةٍ، {ولا مجنونٍ}: فاقد العقل ، بل أنت أكملُ الناس عقلاً، وأبعدهم عن الشياطين، وأعظمهم صدقاً، وأجلُّهم، وأكملهم.
{30} وتارةً {يقولون} فيه: إنَّه {شاعرٌ}: يقول الشعر، والذي جاء به شعرٌ، والله يقول:{وما علَّمناه الشعرَ وما ينبغي له}، {نتربَّصُ به ريبَ المَنونِ}؛ أي: ننتظر به الموتَ، فيبطُلُ أمرُه ونستريح منه.
{31}{قل}: لهم جواباً لهذا الكلام السخيف: {تربَّصوا}؛ أي: انتظروا بي الموت، {فإنِّي معكم من المتربِّصين}: نتربَّص بكم أن يصيبكم الله بعذابٍ من عنده، أو بأيدينا.
{32}{أم تأمُرُهم أحلامُهم بهذا أم هم قومٌ طاغونَ}؛ أي: أهذا التكذيبُ لك والأقوال التي قالوها؛ هل صدرتْ عن عقولِهم وأحلامِهم؛ فبئس العقولُ والأحلامُ التي هذه نتائجها وهذه ثمراتها ؛ فإنَّ عقولاً جعلتْ أكملَ الخلق عقلاً مجنوناً، وجعلت أصدقَ الصِّدق وأحقَّ الحقِّ كذِباً وباطلاً؛ لهي العقول التي ينزَّه المجانين عنها؟ أم الذي حملهم على ذلك ظلمُهم وطغيانُهم؟ وهو الواقع؛ فالطغيانُ ليس له حدٌّ يقف عليه؛ فلا يُستغرب من الطاغي المتجاوزِ الحدَّ ، كلُّ قول وفعل صَدَرَ منه.
{33}{أم يقولون تَقَوَّلَه}؛ أي: تقوَّل محمدٌ القرآن وقاله من تلقاء نفسه، {بل لا يؤمنونَ}؛ فلو آمنوا؛ لم يقولوا ما قالوا.
{34}{فَلۡيَأتوا بحديثٍ مثلِهِ إنۡ كانوا صادقينَ}: إنَّه تقوَّله؛ فإنَّكم العرب الفصحاء والفحول البلغاء، وقد تحدَّاكم أن تأتوا بمثلِهِ؛ فتصدق معارضتكم، أو تقرُّوا بصدقه، وإنكم لو اجتمعتم أنتم والإنس والجنُّ؛ لم تقدروا على معارضته والإتيان بمثله؛ فحينئذٍ أنتم بين أمرين: إمَّا مؤمنون به مقتدون بهديِهِ، وإمَّا معاندون متَّبعون لما علمتُم من الباطل.
{35}{أم خُلِقوا من غير شيءٍ أم هُمُ الخالقونَ}: وهذا استدلالٌ عليهم بأمرٍ لا يمكنهم فيه إلاَّ التسليمُ للحقِّ، أو الخروج عن موجب العقل والدين. وبيان ذلك أنهم منكرون لتوحيد الله، مكذِّبون لرسوله، وذلك مستلزمٌ لإنكار أنَّ الله خَلَقَهم، وقد تقرَّر في العقل مع الشرع أنَّ ذلك لا يخلو من أحد ثلاثة أمورٍ: إمَّا أنهم {خُلِقوا من غير شيءٍ}؛ أي: لا خالق خلقهم؛ بل وجدوا من غير إيجادٍ ولا موجدٍ؛ وهذا عينُ المحال. {أم هم الخالقونَ}: لأنفسِهم؛ وهذا أيضاً محالٌ؛ فإنَّه لا يتصوَّر أن يوجِدَ أحدٌ نفسَه. فإذا بطل هذان الأمران وبان استحالتُهما؛ تعيَّن القسم الثالثُ، وهو أنَّ الله هو الذي خلقهم. وإذا تعين ذلك؛ عُلِمَ أنَّ الله تعالى هو المعبودُ وحدَه، الذي لا تنبغي العبادة ولا تَصْلُح إلاَّ له تعالى.
{36} وقوله: {أم خَلَقوا السمواتِ والأرضَ}: وهذا استفهامٌ يدلُّ على تقرير النفي؛ أي: ما خلقوا السماواتِ والأرضَ، فيكونوا شركاء لله، وهذا أمرٌ واضحٌ جدًّا. {بل} المكذبونَ {لا يوقنونَ}؛ أي: ليس عندهم [علم تامٌّ و] يقينٌ يوجب لهم الانتفاع بالأدلَّة الشرعيَّة والعقليَّة.
{37}{أمۡ عندَهم خزائنُ ربِّك أم هم المُصَيۡطِرونَ}؛ أي: أعند هؤلاء المكذِّبين خزائنُ رحمة ربِّك، فيعطوا من يشاؤون ويمنعوا من يشاؤون ؛ أي: فلذلك حجروا على الله أن يُعطي النبوَّة عبدَه ورسولَه محمداً - صلى الله عليه وسلم -، وكأنَّهم الوكلاء المفوَّضون على خزائن رحمة الله، وهم أحقرُ وأذلُّ من ذلك؛ فليس في أيديهم لأنفسهم نفعٌ ولا ضرٌّ ولا موتٌ ولا حياةٌ ولا نشورٌ؛ {أهم يقسِمونَ رحمةَ ربِّك نحنُ قَسَمۡنا بينهم معيشَتَهم في الحياة الدُّنيا}؟ {أم هم المُصَيۡطِرُونَ}؛ أي: المتسلِّطون على خلق الله وملكه بالقهر والغلبة؟! ليس الأمر كذلك، بل هم العاجزون الفقراء.
{38}{أمۡ لهم سُلَّمٌ يستمعون فيه}؛ أي: ألهم اطِّلاع على الغيب واستماعٌ له بين الملأ الأعلى، فيخبرون عن أمورٍ لا يعلمُها غيرُهم، {فليأتِ مستمِعُهم}: المدَّعي لذلك {بسلطانٍ مبينٍ}: وأنَّى له ذلك والله تعالى عالم الغيب والشهادة؛ فلا يُظْهِرُ على غيبه أحداً؛ إلاَّ من ارتضى من رسولٍ يخبره بما أراد من علمِهِ، وإذا كان محمدٌ - صلى الله عليه وسلم -، أفضل الرسل وأعلمهم وإمامهم، وهو المخبر بما أخبر به من توحيد الله ووعده ووعيده وغير ذلك من أخباره الصادقة، والمكذِّبون هم أهل الجهل والضَّلال والغيِّ والعناد؛ فأيُّ المخبرين أحقُّ بقَبول خبره، خصوصاً والرسول - صلى الله عليه وسلم - قد أقام من الأدلَّة والبراهين على ما أخبر به ما يوجِبُ أن يكون ذلك عين اليقين وأكمل الصدق، وهم لم يُقيموا على ما ادَّعَوْه شبهةً فضلاً عن إقامة حجَّة؟!
{39} وقوله: {أم له البناتُ}: كما زعمتُم، {ولكم البنونَ}: فتجمعون بين المحذورَيْن: جَعْلُكُم له الولد، واختيارُكُم له أنقص الصنفين؛ فهل بعد هذا التنقُّص لربِّ العالمين غايةٌ أو دونه نهايةٌ؟!
{40}{أم تسألُهُم}: يا أيُّها الرسولُ، {أجراً}: على تبليغ الرسالة، {فهم من مَغۡرَمٍ مُثۡقَلونَ}: ليس الأمر كذلك، بل أنت الحريص على تعليمهم تبرُّعاً من غير شيء، بل تبذلُ لهم الأموالَ الجزيلة على قَبول رسالتك والاستجابة لأمرِك ودعوتك ، وتعطي المؤلَّفة قلوبهم؛ ليتمكَّن العلم والإيمان من قلوبهم.
{41}{أم عندَهم الغيبُ فهم يكتبونَ}: ما كانوا يعلمونَه من الغُيوب، فيكونون قد اطِّلعوا على ما لم يطَّلع عليه رسولُ الله، فعارضوه وعاندوه بما عندَهم من علم الغيب، وقد عُلِمَ أنَّهم الأمَّة الأميَّة الجهَّال الضَّالون، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو الذي عنده من العلم أعظم من غيره، وأنبأه الله من علم الغيب على ما لم يَطَّلِعْ عليه أحدٌ من الخلق، وهذا كلُّه إلزامٌ لهم بالطرق العقليَّة والنقليَّة على فساد قولهم وتصوير بطلانِهِ بأحسن الطُّرق وأوضحها وأسلمها من الاعتراض.
{42} وقوله: {أم يريدون}: بقدحِهِم فيك وفيما جئتَ به {كيداً}: يُبْطلونَ به دينَك، ويفسدون به أمرَك. {فالذين كفروا هُمُ المَكيدونَ}؛ أي: كيدُهم في نحورهم، ومضرَّته عائدةٌ إليهم، وقد فعل الله ذلك، ولله الحمد، فلم يُبْقِ الكفارُ من مقدورهم من المكر شيئاً إلاَّ فعلوه، فنصر الله نبيَّه عليهم، وأظهر دينَه ، وخَذَلَهُم وانتصر منهم.
{43}{أم لهم إلهٌ غير اللهِ}؛ أي: ألهم إلهٌ يُدعى ويرجى نفعُه ويُخاف من ضرِّه غير الله تعالى؟ {سبحان اللهِ عمَّا يشرِكون}: فليس له شريكٌ في الملك، ولا شريكٌ في الوحدانيَّة والعبادة، وهذا هو المقصود من الكلام الذي سيق لأجله، وهو بطلانُ عبادة ما سوى الله، وبيانُ فسادها بتلك الأدلَّة القاطعة، وأنَّ ما عليه المشركون هو الباطل، وأنَّ الذي ينبغي أن يُعْبَدَ ويصلَّى له ويُسْجَدَ ويُخْلَصَ له دعاءُ العبادة ودعاءُ المسألة هو الله المألوهُ المعبود، كاملُ الأسماء والصفاتِ، كثيرُ النعوتِ الحسنة والأفعال الجميلة، ذو الجلال والإكرام والعزِّ الذي لا يُرام، الواحد الأحدُ، الفردُ الصمدُ، الكبيرُ الحميدُ المجيدُ.
الطور 52:44
{44} يقول تعالى في ذكر بيان أنَّ المشركين المكذِّبين بالحقِّ الواضح قد عَتَوا عن الحقِّ وعسوا على الباطل، وأنَّه لو قام على الحقِّ كلُّ دليل؛ لما اتَّبعوه، ولخالفوه وعاندوه:{وإنۡ يروا كِسۡفَاً من السماء ساقطاً}؛ أي: لو سقط عليهم من السماء من الآيات الباهرة كِسْفٌ ؛ أي: قطعٌ كبارٌ من العذاب، {يقولوا سحابٌ مركومٌ}؛ أي: هذا سحابٌ متراكمٌ على العادة؛ أي: فلا يبالون بما رأوا من الآيات، ولا يعتبرون بها!
{45} وهؤلاء لا دواء لهم إلاَّ العذاب والنَّكال، ولهذا قال:{فَذَرۡهُم حتى يُلاقوا يومَهم الذي فيه يُصۡعَقون}: وهو يوم القيامةِ، الذي يصيبهم فيه من العذاب ما لا يقادَرُ قَدْرُه ولا يوصَف أمرُه.
{46}{يوم لا يُغۡني عنهم كيدُهم شيئاً}؛ أي: لا قليلاً ولا كثيراً، وإنْ كان في الدُّنيا قد يوجد منهم كيدٌ يعيشون به زمناً قليلاً؛ فيوم القيامةِ يضمحلُّ كيدُهم، وتبطلُ مساعيهم، ولا ينتصرون من عذاب الله، {ولا هم يُنصَرون}.
الطور 52:45
{44} يقول تعالى في ذكر بيان أنَّ المشركين المكذِّبين بالحقِّ الواضح قد عَتَوا عن الحقِّ وعسوا على الباطل، وأنَّه لو قام على الحقِّ كلُّ دليل؛ لما اتَّبعوه، ولخالفوه وعاندوه:{وإنۡ يروا كِسۡفَاً من السماء ساقطاً}؛ أي: لو سقط عليهم من السماء من الآيات الباهرة كِسْفٌ ؛ أي: قطعٌ كبارٌ من العذاب، {يقولوا سحابٌ مركومٌ}؛ أي: هذا سحابٌ متراكمٌ على العادة؛ أي: فلا يبالون بما رأوا من الآيات، ولا يعتبرون بها!
{45} وهؤلاء لا دواء لهم إلاَّ العذاب والنَّكال، ولهذا قال:{فَذَرۡهُم حتى يُلاقوا يومَهم الذي فيه يُصۡعَقون}: وهو يوم القيامةِ، الذي يصيبهم فيه من العذاب ما لا يقادَرُ قَدْرُه ولا يوصَف أمرُه.
{46}{يوم لا يُغۡني عنهم كيدُهم شيئاً}؛ أي: لا قليلاً ولا كثيراً، وإنْ كان في الدُّنيا قد يوجد منهم كيدٌ يعيشون به زمناً قليلاً؛ فيوم القيامةِ يضمحلُّ كيدُهم، وتبطلُ مساعيهم، ولا ينتصرون من عذاب الله، {ولا هم يُنصَرون}.
الطور 52:46
{44} يقول تعالى في ذكر بيان أنَّ المشركين المكذِّبين بالحقِّ الواضح قد عَتَوا عن الحقِّ وعسوا على الباطل، وأنَّه لو قام على الحقِّ كلُّ دليل؛ لما اتَّبعوه، ولخالفوه وعاندوه:{وإنۡ يروا كِسۡفَاً من السماء ساقطاً}؛ أي: لو سقط عليهم من السماء من الآيات الباهرة كِسْفٌ ؛ أي: قطعٌ كبارٌ من العذاب، {يقولوا سحابٌ مركومٌ}؛ أي: هذا سحابٌ متراكمٌ على العادة؛ أي: فلا يبالون بما رأوا من الآيات، ولا يعتبرون بها!
{45} وهؤلاء لا دواء لهم إلاَّ العذاب والنَّكال، ولهذا قال:{فَذَرۡهُم حتى يُلاقوا يومَهم الذي فيه يُصۡعَقون}: وهو يوم القيامةِ، الذي يصيبهم فيه من العذاب ما لا يقادَرُ قَدْرُه ولا يوصَف أمرُه.
{46}{يوم لا يُغۡني عنهم كيدُهم شيئاً}؛ أي: لا قليلاً ولا كثيراً، وإنْ كان في الدُّنيا قد يوجد منهم كيدٌ يعيشون به زمناً قليلاً؛ فيوم القيامةِ يضمحلُّ كيدُهم، وتبطلُ مساعيهم، ولا ينتصرون من عذاب الله، {ولا هم يُنصَرون}.
الطور 52:47
{47} لما ذَكَرَ اللهُ عذابَ الظالمين في الآخرة؛ أخبر أنَّ لهم عذاباً قبل عذاب يوم القيامةِ، وذلك شاملٌ لعذاب الدُّنيا بالقتل والسبي والإخراج من الديار، ولعذابِ البرزخ والقبر. {ولكنَّ أكثرهم لا يعلمونَ}؛ أي: فلذلك أقاموا على ما يوجب العذاب وشدة العقاب.
{48 ـ 49} ولمَّا بيَّن تعالى الحجج والبراهين على بطلان أقوال المكذِّبين؛ أمر رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن لا يعبأ بهم شيئاً، وأنْ يصبِرَ لحكم ربِّه القدريِّ والشرعيِّ؛ بلزومه والاستقامة عليه، وَوَعَدَهُ الله الكفاية بقوله:{فإنَّك بأعيننا}؛ أي: بمرأى منَّا وحفظٍ واعتناءٍ بأمرك، وأمره أن يستعين على الصبر بالذكر والعبادة، فقال:{وسبِّح بحمد ربِّك حين تقومُ}؛ [أي]: من الليل؛ ففيه الأمر بقيام الليل، أو حين تقومُ إلى الصلوات الخمس؛ بدليل قوله:{ومن الليل فسبِّحۡه وإدۡبارَ النُّجومِ}؛ أي: آخر الليل، ويدخل فيه صلاة الفجر. والله أعلم.
تم تفسير سورة الطور. والحمد لله.
* * *
الطور 52:48
{47} لما ذَكَرَ اللهُ عذابَ الظالمين في الآخرة؛ أخبر أنَّ لهم عذاباً قبل عذاب يوم القيامةِ، وذلك شاملٌ لعذاب الدُّنيا بالقتل والسبي والإخراج من الديار، ولعذابِ البرزخ والقبر. {ولكنَّ أكثرهم لا يعلمونَ}؛ أي: فلذلك أقاموا على ما يوجب العذاب وشدة العقاب.
{48 ـ 49} ولمَّا بيَّن تعالى الحجج والبراهين على بطلان أقوال المكذِّبين؛ أمر رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن لا يعبأ بهم شيئاً، وأنْ يصبِرَ لحكم ربِّه القدريِّ والشرعيِّ؛ بلزومه والاستقامة عليه، وَوَعَدَهُ الله الكفاية بقوله:{فإنَّك بأعيننا}؛ أي: بمرأى منَّا وحفظٍ واعتناءٍ بأمرك، وأمره أن يستعين على الصبر بالذكر والعبادة، فقال:{وسبِّح بحمد ربِّك حين تقومُ}؛ [أي]: من الليل؛ ففيه الأمر بقيام الليل، أو حين تقومُ إلى الصلوات الخمس؛ بدليل قوله:{ومن الليل فسبِّحۡه وإدۡبارَ النُّجومِ}؛ أي: آخر الليل، ويدخل فيه صلاة الفجر. والله أعلم.
تم تفسير سورة الطور. والحمد لله.
* * *
الطور 52:49
{47} لما ذَكَرَ اللهُ عذابَ الظالمين في الآخرة؛ أخبر أنَّ لهم عذاباً قبل عذاب يوم القيامةِ، وذلك شاملٌ لعذاب الدُّنيا بالقتل والسبي والإخراج من الديار، ولعذابِ البرزخ والقبر. {ولكنَّ أكثرهم لا يعلمونَ}؛ أي: فلذلك أقاموا على ما يوجب العذاب وشدة العقاب.
{48 ـ 49} ولمَّا بيَّن تعالى الحجج والبراهين على بطلان أقوال المكذِّبين؛ أمر رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن لا يعبأ بهم شيئاً، وأنْ يصبِرَ لحكم ربِّه القدريِّ والشرعيِّ؛ بلزومه والاستقامة عليه، وَوَعَدَهُ الله الكفاية بقوله:{فإنَّك بأعيننا}؛ أي: بمرأى منَّا وحفظٍ واعتناءٍ بأمرك، وأمره أن يستعين على الصبر بالذكر والعبادة، فقال:{وسبِّح بحمد ربِّك حين تقومُ}؛ [أي]: من الليل؛ ففيه الأمر بقيام الليل، أو حين تقومُ إلى الصلوات الخمس؛ بدليل قوله:{ومن الليل فسبِّحۡه وإدۡبارَ النُّجومِ}؛ أي: آخر الليل، ويدخل فيه صلاة الفجر. والله أعلم.
تم تفسير سورة الطور. والحمد لله.
* * *