Lafzullah

Tefsîru's-Sa'dî — Teysîru'l-Kerîmi'r-Rahmân (blok edisyonu, ayrı tahrir) — الجن 72:1 – المدثر 74:56

المؤلف / المصدر: Tafsir As-Saadi

المحتويات
  1. الجن 72:1
  2. الجن 72:2
  3. الجن 72:3
  4. الجن 72:4
  5. الجن 72:5
  6. الجن 72:6
  7. الجن 72:7
  8. الجن 72:8
  9. الجن 72:9
  10. الجن 72:10
  11. الجن 72:11
  12. الجن 72:12
  13. الجن 72:13
  14. الجن 72:14
  15. الجن 72:15
  16. الجن 72:16
  17. الجن 72:17
  18. الجن 72:18
  19. الجن 72:19
  20. الجن 72:20
  21. الجن 72:21
  22. الجن 72:22
  23. الجن 72:23
  24. الجن 72:24
  25. الجن 72:25
  26. الجن 72:26
  27. الجن 72:27
  28. الجن 72:28
  29. المزمل 73:1
  30. المزمل 73:2
  31. المزمل 73:3
  32. المزمل 73:4
  33. المزمل 73:5
  34. المزمل 73:6
  35. المزمل 73:7
  36. المزمل 73:8
  37. المزمل 73:9
  38. المزمل 73:10
  39. المزمل 73:11
  40. المزمل 73:12
  41. المزمل 73:13
  42. المزمل 73:14
  43. المزمل 73:15
  44. المزمل 73:16
  45. المزمل 73:17
  46. المزمل 73:18
  47. المزمل 73:19
  48. المزمل 73:20
  49. المدثر 74:1
  50. المدثر 74:2
  51. المدثر 74:3
  52. المدثر 74:4
  53. المدثر 74:5
  54. المدثر 74:6
  55. المدثر 74:7
  56. المدثر 74:8
  57. المدثر 74:9
  58. المدثر 74:10
  59. المدثر 74:11
  60. المدثر 74:12
  61. المدثر 74:13
  62. المدثر 74:14
  63. المدثر 74:15
  64. المدثر 74:16
  65. المدثر 74:17
  66. المدثر 74:18
  67. المدثر 74:19
  68. المدثر 74:20
  69. المدثر 74:21
  70. المدثر 74:22
  71. المدثر 74:23
  72. المدثر 74:24
  73. المدثر 74:25
  74. المدثر 74:26
  75. المدثر 74:27
  76. المدثر 74:28
  77. المدثر 74:29
  78. المدثر 74:30
  79. المدثر 74:31
  80. المدثر 74:32
  81. المدثر 74:33
  82. المدثر 74:34
  83. المدثر 74:35
  84. المدثر 74:36
  85. المدثر 74:37
  86. المدثر 74:38
  87. المدثر 74:39
  88. المدثر 74:40
  89. المدثر 74:41
  90. المدثر 74:42
  91. المدثر 74:43
  92. المدثر 74:44
  93. المدثر 74:45
  94. المدثر 74:46
  95. المدثر 74:47
  96. المدثر 74:48
  97. المدثر 74:49
  98. المدثر 74:50
  99. المدثر 74:51
  100. المدثر 74:52
  101. المدثر 74:53
  102. المدثر 74:54
  103. المدثر 74:55
  104. المدثر 74:56

الجن 72:1

وهي مكية بسم الله الرحمن الرحيم {1} أي: {قل}: يا أيُّها الرسول للناس، {أوحِيَ إليَّ أنَّه استمع نفرٌ من الجنِّ}: صرفهم الله إلى رسوله لسماع آياته؛ لتقوم عليهم الحجَّة وتتمَّ عليهم النعمة ويكونوا منذِرين لقومهم، وأمر [اللَّهُ] رسولَه أن يقصَّ نبأهم على الناس، وذلك أنَّهم لما حضروه؛ قالوا: أنصتوا، فلما أنصتوا؛ فهموا معانيه ووصلت حقائقُه إلى قلوبهم. {فقالوا إنَّا سمِعۡنا قرآناً عَجَباً}؛ أي: من العجائب الغالية والمطالب العالية. {2}{يهدي إلى الرُّشۡدِ}: والرُّشدُ: اسمٌ جامعٌ لكلِّ ما يرشد الناس إلى مصالح دينهم ودنياهم، {فآمنَّا به ولن نُشۡرِكَ بربِّنا أحداً}: فجمعوا بين الإيمان الذي يدخُلُ فيه جميع أعمال الخير، وبين التَّقوى المتضمِّنة لترك الشرِّ، وجعلوا السبب الداعي لهم إلى الإيمان وتوابعه ما علموه من إرشادات القرآن، وما اشتمل عليه من المصالح والفوائد واجتناب المضارِّ؛ فإنَّ ذلك آيةٌ عظيمةٌ وحجَّةٌ قاطعةٌ لمن استنار به واهتدى بهديه، وهذا الإيمانُ النافع المثمر لكلِّ خير، المبنيُّ على هداية القرآن؛ بخلاف إيمان العوائد والمَرْبى والإلف ونحو ذلك؛ فإنَّه إيمانُ تقليدٍ تحت خطر الشُّبُهات والعوارض الكثيرة.

الجن 72:2

وهي مكية بسم الله الرحمن الرحيم {1} أي: {قل}: يا أيُّها الرسول للناس، {أوحِيَ إليَّ أنَّه استمع نفرٌ من الجنِّ}: صرفهم الله إلى رسوله لسماع آياته؛ لتقوم عليهم الحجَّة وتتمَّ عليهم النعمة ويكونوا منذِرين لقومهم، وأمر [اللَّهُ] رسولَه أن يقصَّ نبأهم على الناس، وذلك أنَّهم لما حضروه؛ قالوا: أنصتوا، فلما أنصتوا؛ فهموا معانيه ووصلت حقائقُه إلى قلوبهم. {فقالوا إنَّا سمِعۡنا قرآناً عَجَباً}؛ أي: من العجائب الغالية والمطالب العالية. {2}{يهدي إلى الرُّشۡدِ}: والرُّشدُ: اسمٌ جامعٌ لكلِّ ما يرشد الناس إلى مصالح دينهم ودنياهم، {فآمنَّا به ولن نُشۡرِكَ بربِّنا أحداً}: فجمعوا بين الإيمان الذي يدخُلُ فيه جميع أعمال الخير، وبين التَّقوى المتضمِّنة لترك الشرِّ، وجعلوا السبب الداعي لهم إلى الإيمان وتوابعه ما علموه من إرشادات القرآن، وما اشتمل عليه من المصالح والفوائد واجتناب المضارِّ؛ فإنَّ ذلك آيةٌ عظيمةٌ وحجَّةٌ قاطعةٌ لمن استنار به واهتدى بهديه، وهذا الإيمانُ النافع المثمر لكلِّ خير، المبنيُّ على هداية القرآن؛ بخلاف إيمان العوائد والمَرْبى والإلف ونحو ذلك؛ فإنَّه إيمانُ تقليدٍ تحت خطر الشُّبُهات والعوارض الكثيرة.

الجن 72:3

{3}{وأنَّه تعالى جَدُّ رَبِّنا}؛ أي: تعالت عظمتُه وتقدَّسَتْ أسماؤُه، {ما اتَّخَذَ صاحبةً ولا ولداً}: فعلموا من جَدِّ الله وعظمتِهِ ما دلَّهم على بطلان مَنْ يزعُمُ أنَّ له صاحبةً أو ولداً؛ لأنَّ له العظمة والجلال في كلِّ صفة كمال، واتِّخاذُ الصاحبة والولد ينافي ذلك؛ لأنَّه يضادُّ كمال الغنى. {4}{وأنَّه كان يقولُ سفيهُنا على الله شططاً}؛ أي: قولاً جائراً عن الصواب متعدياً للحدِّ، وما حمله على ذلك إلاَّ سفهُه وضعفُ عقله، وإلاَّ؛ فلو كان رزيناً مطمئناً؛ لعرف كيف يقول.

الجن 72:4

{3}{وأنَّه تعالى جَدُّ رَبِّنا}؛ أي: تعالت عظمتُه وتقدَّسَتْ أسماؤُه، {ما اتَّخَذَ صاحبةً ولا ولداً}: فعلموا من جَدِّ الله وعظمتِهِ ما دلَّهم على بطلان مَنْ يزعُمُ أنَّ له صاحبةً أو ولداً؛ لأنَّ له العظمة والجلال في كلِّ صفة كمال، واتِّخاذُ الصاحبة والولد ينافي ذلك؛ لأنَّه يضادُّ كمال الغنى. {4}{وأنَّه كان يقولُ سفيهُنا على الله شططاً}؛ أي: قولاً جائراً عن الصواب متعدياً للحدِّ، وما حمله على ذلك إلاَّ سفهُه وضعفُ عقله، وإلاَّ؛ فلو كان رزيناً مطمئناً؛ لعرف كيف يقول.

الجن 72:5

{5} أي: كنَّا مغترِّين قبل ذلك، غرَّتنا السادة والرؤساء من الجنِّ والإنس، فأحسنَّا بهم الظنَّ، وحسبناهم لا يتجرؤون على الكذب على الله؛ فلذلك كنَّا قبل ذلك على طريقهم؛ فاليوم إذ بان لنا الحقُّ؛ سلكنا طريقه ، وانقَدْنا له، ولم نبالِ بقول أحدٍ من الخلق يعارض الهدى.

الجن 72:6

{6} أي: كان الإنس يعوذون بالجنِّ عند المخاوف والأفزاع ويعبُدونهم، فزاد الإنسُ الجنَّ رهقاً؛ أي: طغياناً وتكبراً، لمَّا رأوا الإنس يعبدونَهم ويستعيذون بهم، ويُحتمل أنَّ الضمير وهي الواو ترجع إلى {الجنِّ}؛ أي: زاد الجنُّ الإنسَ ذُعْراً وتخويفاً لما رأوْهم يستعيذون بهم ليلجِئوهم إلى الاستعاذة بهم والتمسُّك بما هم عليه، فكان الإنسيُّ إذا نزل بوادٍ مخوفٍ؛ قال: أعوذ بسيِّد هذا الوادي من سفهاء قومه.

الجن 72:7

{7} أي: فلمَّا أنكروا البعث؛ أقدموا على الشرك والطغيان.

الجن 72:8

{8 ـ 9}{وأنَّا لمسنا السماءَ}؛ أي: أتيناها واختبرناها، {فوجَدۡناها مُلِئَتۡ حرساً شديداً}: عن الوصول إلى أرجائها والدنوِّ منها، {وشُهُباً}: يرمى بها من استرقَ السمعَ، وهذا مخالفٌ لعادتنا الأولى؛ فإنَّا كنَّا نتمكَّن من الوصول إلى خبر السماء فإنا {كنَّا نقعدُ منها مقاعدَ للسمع}: فنتلقَّف من أخبار السماء ما شاء الله، {فمن يستمِع الآنَ يَجِدۡ له شهاباً رصداً}؛ أي: مرصداً له معدًّا لإتلافه وإحراقه؛ أي: وهذا له شأنٌ عظيمٌ ونبأٌ جسيمٌ، وجزموا أنَّ الله تعالى أراد أن يحدِثَ في الأرض حادثاً كبيراً من خيرٍ أو شرٍّ؛ فلهذا قالوا:

الجن 72:9

{8 ـ 9}{وأنَّا لمسنا السماءَ}؛ أي: أتيناها واختبرناها، {فوجَدۡناها مُلِئَتۡ حرساً شديداً}: عن الوصول إلى أرجائها والدنوِّ منها، {وشُهُباً}: يرمى بها من استرقَ السمعَ، وهذا مخالفٌ لعادتنا الأولى؛ فإنَّا كنَّا نتمكَّن من الوصول إلى خبر السماء فإنا {كنَّا نقعدُ منها مقاعدَ للسمع}: فنتلقَّف من أخبار السماء ما شاء الله، {فمن يستمِع الآنَ يَجِدۡ له شهاباً رصداً}؛ أي: مرصداً له معدًّا لإتلافه وإحراقه؛ أي: وهذا له شأنٌ عظيمٌ ونبأٌ جسيمٌ، وجزموا أنَّ الله تعالى أراد أن يحدِثَ في الأرض حادثاً كبيراً من خيرٍ أو شرٍّ؛ فلهذا قالوا:

الجن 72:10

{10} أي: لا بدَّ من هذا أو هذا؛ لأنَّهم رأوا الأمر تغيَّر عليهم تغيُّراً أنكروه، فعرفوا بفطنتهم أنَّ هذا الأمر يريده الله ويحدِثُه في الأرض، وفي هذا بيانٌ لأدبهم إذ أضافوا الخير إلى الله تعالى، والشرُّ حذفوا فاعله تأدُّباً [مع اللَّه].

الجن 72:11

{11}{وأنَّا منَّا الصالحون ومنَّا دون ذلك}؛ أي: فساق وفجار وكفار، {كنَّا طرائِقَ قِدَداً}؛ أي: فرقاً متنوعةً وأهواءً متفرقةً؛ كلُّ حزبٍ بما لديهم فرحون.

الجن 72:12

{12} أي: وأنَّا في وقتنا الآن تبيَّن لنا كمال قدرة الله وكمال عجزنا، وأنَّ نواصينا بيد الله؛ فلن نعجِزَه في الأرض ولن نعجِزَه إن هَرَبْنا وسَعَيْنا بأسباب الفرار والخروج عن قدرته، لا ملجأ منه إلاَّ إليه.

الجن 72:13

{13}{وأنَّا لمَّا سمِعنا الهدى}: وهو القرآن الكريم الهادي إلى الصراط المستقيم، وعرفنا هدايته وإرشاده؛ أثَّر في قلوبنا، فآمنَّا به، ثم ذكروا ما يرغِّب المؤمن، فقالوا:{فمن يؤمِن بربِّه فلا يخافُ بخساً ولا رَهَقاً}؛ أي: من آمن به إيماناً صادقاً؛ فلا عليه نقصٌ ولا أذىً يلحقُه، وإذا سَلِمَ من الشرِّ؛ حصل له الخيرُ؛ فالإيمان سببٌ داعٍ إلى [حصول] كلِّ خيرٍ وانتفاء كلِّ شرٍّ. {14}{وأنَّا منَّا المسلمونَ ومنَّا القاسطونَ}؛ أي: الجائرون العادلون عن الصراط المستقيم، {فَمَنۡ أسلم فأولئك تَحَرَّوۡا رَشَداً}؛ أي: أصابوا طريق الرشد الموصل لهم إلى الجنة ونعيمها.

الجن 72:14

{13}{وأنَّا لمَّا سمِعنا الهدى}: وهو القرآن الكريم الهادي إلى الصراط المستقيم، وعرفنا هدايته وإرشاده؛ أثَّر في قلوبنا، فآمنَّا به، ثم ذكروا ما يرغِّب المؤمن، فقالوا:{فمن يؤمِن بربِّه فلا يخافُ بخساً ولا رَهَقاً}؛ أي: من آمن به إيماناً صادقاً؛ فلا عليه نقصٌ ولا أذىً يلحقُه، وإذا سَلِمَ من الشرِّ؛ حصل له الخيرُ؛ فالإيمان سببٌ داعٍ إلى [حصول] كلِّ خيرٍ وانتفاء كلِّ شرٍّ. {14}{وأنَّا منَّا المسلمونَ ومنَّا القاسطونَ}؛ أي: الجائرون العادلون عن الصراط المستقيم، {فَمَنۡ أسلم فأولئك تَحَرَّوۡا رَشَداً}؛ أي: أصابوا طريق الرشد الموصل لهم إلى الجنة ونعيمها.

الجن 72:15

{15 ـ 17}{وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطباً}: وذلك جزاءً على أعمالهم، لا ظلم من الله لهم، فإنَّهم {لو استقاموا على الطريقةِ}: المثلى، {لأسۡقَيۡناهم ماءً غَدَقاً}؛ أي: هنيئاً مريئاً، ولم يمنعْهم ذلك إلاَّ ظلمهم وعدوانهم، {لِنَفۡتِنَهم فيه}؛ أي: لنختبرهم [فيه] ونمتحِنَهم ليظهر الصادق من الكاذب، {ومن يعرِضۡ عن ذكر ربِّه يَسۡلُكۡه عذاباً صَعَداً}؛ أي: من أعرض عن ذكر الله الذي هو كتابه، فلم يتَّبِعْه وينقدْ له، بل لها عنه وغفل ؛ يَسْلُكْه عذاباً صَعَداً؛ أي: بليغاً شديداً.

الجن 72:16

{15 ـ 17}{وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطباً}: وذلك جزاءً على أعمالهم، لا ظلم من الله لهم، فإنَّهم {لو استقاموا على الطريقةِ}: المثلى، {لأسۡقَيۡناهم ماءً غَدَقاً}؛ أي: هنيئاً مريئاً، ولم يمنعْهم ذلك إلاَّ ظلمهم وعدوانهم، {لِنَفۡتِنَهم فيه}؛ أي: لنختبرهم [فيه] ونمتحِنَهم ليظهر الصادق من الكاذب، {ومن يعرِضۡ عن ذكر ربِّه يَسۡلُكۡه عذاباً صَعَداً}؛ أي: من أعرض عن ذكر الله الذي هو كتابه، فلم يتَّبِعْه وينقدْ له، بل لها عنه وغفل ؛ يَسْلُكْه عذاباً صَعَداً؛ أي: بليغاً شديداً.

الجن 72:17

{15 ـ 17}{وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطباً}: وذلك جزاءً على أعمالهم، لا ظلم من الله لهم، فإنَّهم {لو استقاموا على الطريقةِ}: المثلى، {لأسۡقَيۡناهم ماءً غَدَقاً}؛ أي: هنيئاً مريئاً، ولم يمنعْهم ذلك إلاَّ ظلمهم وعدوانهم، {لِنَفۡتِنَهم فيه}؛ أي: لنختبرهم [فيه] ونمتحِنَهم ليظهر الصادق من الكاذب، {ومن يعرِضۡ عن ذكر ربِّه يَسۡلُكۡه عذاباً صَعَداً}؛ أي: من أعرض عن ذكر الله الذي هو كتابه، فلم يتَّبِعْه وينقدْ له، بل لها عنه وغفل ؛ يَسْلُكْه عذاباً صَعَداً؛ أي: بليغاً شديداً.

الجن 72:18

{18}{وأنَّ المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحداً}؛ أي: لا دعاء عبادةٍ ولا دعاء مسألةٍ؛ فإنَّ المساجد التي هي أعظم محالِّ العبادة مبنيَّةٌ على الإخلاص لله والخضوع لعظمته والاستكانة لعزَّته. {19}{وأنَّه لمَّا قام عبدُ اللهِ يدعوه}؛ أي: يسأله ويتعبَّد له ويقرأ القرآن كاد الجنُّ من تكاثُرِهم عليه، {يكونون عليه لِبَداً}؛ أي: متلبِّدين متراكمين حرصاً على [سماع] ما جاء به من الهدى. {20}{قل}: لهم يا أيُّها الرسول، مبيِّناً حقيقة ما تدعو إليه:{إنَّما أدعو ربِّي ولا أشرِكُ به أحداً}؛ أي: أوحِّده وحده لا شريك له، وأخلع ما دونَه من الأنداد والأوثان، وكلُّ ما يتَّخذه المشركون من دونه. {21 ـ 22}{قل إنِّي لا أملِكُ لكم ضَرًّا ولا رَشَداً}: فإنِّي عبدٌ ليس لي من الأمر والتصرُّفِ شيءٌ ، {قلۡ إنِّي لن يُجيرَني من اللهِ أحدٌ}؛ أي: لا أحدَ أستجير به ينقذني من عذاب الله، وإذا كان الرسولُ الذي هو أكملُ الخلق لا يملكُ ضرًّا ولا رشداً ولا يمنعُ نفسَه من الله شيئاً إن أراده بسوءٍ؛ فغيرُهُ من الخلق من باب أولى وأحرى، {ولن أجدَ من دونِهِ مُلۡتَحَداً}؛ أي: ملجأ ومنتصراً. {23}{إلاَّ بلاغاً من الله ورسالاتِهِ}؛ أي: ليس لي مزيَّةٌ على الناس إلاَّ أنَّ الله خصَّني بإبلاغ رسالاته ودعوة خلقِهِ إليه ، وبذلك تقوم الحجَّةُ على الناس، {ومن يَعۡصِ الله ورسولَه فإنَّ له نارَ جهنَّمَ خالدين فيها أبداً}: وهذا المراد به المعصية الكفريَّة كما قيَّدتها النُّصوص الأخر المحكمة، وأمَّا مجرَّد المعصية؛ فإنَّه لا يوجب الخلود في النار؛ كما دلَّت على ذلك آيات القرآن والأحاديث عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وأجمع عليه سَلَفُ الأمَّة وأئمَّة هذه الأمَّة. {24}{حتى إذا رأوا ما يوعدونَ}؛ أي: شاهدوه عياناً وجزموا أنَّه واقعٌ بهم، {فسيعلمون}: في ذلك الوقت حقيقة المعرفة، {مَنۡ أضعفُ ناصراً وأقلُّ عدداً}: حين لا ينصرُهُم غيرهم، ولا أنفسهم ينتصِرونَ، وإذْ يُحْشَرون فرادى كما خُلِقوا أوَّلَ مرَّةٍ. {25 ـ 26}{قل} لهم إنْ سألوك فقالوا: متى هذا الوعد؟: {إنۡ أدري أقريبٌ ما توعدونَ أمۡ يجعلُ له ربِّي أمداً}؛ أي: غايةً طويلةً؛ فعلمُ ذلك عند الله {عالمُ الغيب فلا يُظۡهِرُ على غيبِهِ أحداً}: من الخلق، بل انفرد بعلم الضمائر والأسرار والغيوب. {27}{إلاَّ منِ ارتضى من رسول}؛ أي: فإنَّه يخبره بما اقتضت حكمته أن يخبِرَه به، وذلك لأنَّ الرسل ليسوا كغيرهم؛ فإنَّ الله أيَّدهم بتأييدٍ ما أيَّده أحداً من الخلق، وحفظ ما أوحاه إليهم حتى يبلِّغوه على حقيقته؛ من غير أن تَقْرَبَهُ الشياطينُ فيزيدوا فيه أو يَنْقُصوا، ولهذا قال:{فإنَّه يَسۡلُكُ من بينِ يديهِ ومن خلفِهِ رَصَداً}؛ أي: يحفظونه بأمر الله. {28 ـ 29}{ليعلم} بذلك {أن قد أبۡلَغوا رسالات ربِّهم}: بما جعله لهم من الأسباب، {وأحاط بما لَدَيۡهم}؛ أي: بما عندهم وما أسرُّوه وما أعلنوه، {وأحصى كلَّ شيءٍ عدداً}. وفي هذه السورة فوائدُ عديدةٌ: منها: وجودُ الجنِّ، وأنَّهم [مكلَّفون] مأمورون منهيُّون مجازَوْن بأعمالهم؛ كما هو صريح في هذه السورة وغيرها. ومنها: أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مبعوثٌ إلى الجنِّ كما هو مبعوثٌ إلى الإنس؛ فإنَّ الله صرف نفرَ الجن ليستمعوا ما يوحى إليه ويبلِّغوا قومهم. ومنها: ذكاء الجنِّ ومعرفتُهم بالحقِّ، وأنَّ الذي ساقهم إلى الإيمان هو ما تحقَّقوه من هداية القرآن وحسن أدبهم في خطابهم. ومنها: اعتناء الله برسوله وحفظُه لما جاء به؛ فحين ابتدأت بشائر نبوَّته والسماء محروسةٌ بالنجوم، والشياطين قد هربت من أماكنها، وأزعجت عن مراصدها، وأنَّ الله رَحِمَ به أهل الأرض رحمةً ما يُقَدَّرُ لها قدرٌ، وأراد بهم ربُّهم رشداً، فأراد أن يظهِرَ من دينه وشرعه ومعرفته في الأرض ما تبتهج به القلوب، وتفرح به أولو الألباب، وتظهر به شعائرُ الإسلام، وينقمع به أهلُ الأوثان والأصنام. ومنها: شدَّة حرص الجنِّ على استماعهم للرسول - صلى الله عليه وسلم - وتراكمهم عليه. ومنها: أنَّ هذه السورة قد اشتملت على الأمر بالتوحيد، والنهي عن الشركِ، وبيَّنت حالة الخلق، وأن كلَّ أحدٍ منهم لا يستحقُّ من العبادة مثقالَ ذَرَّةٍ؛ لأنَّ الرسول محمداً - صلى الله عليه وسلم - إذا كان لا يملك لأحدٍ نفعاً ولا ضرًّا، بل ولا يملك لنفسه؛ علم أن الخلق كلَّهم كذلك؛ فمن الخطأ والظلم اتِّخاذ مَنْ هذا وصفه إلهاً آخر. ومنها: أنَّ علوم الغيوب قد انفرد الله بعلمها؛ فلا يعلمها أحدٌ من الخلق؛ إلاَّ من ارتضاه الله واختصَّه بعلم شيء منها. تم تفسيرها. والحمد لله رب العالمين. * * *

الجن 72:19

{18}{وأنَّ المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحداً}؛ أي: لا دعاء عبادةٍ ولا دعاء مسألةٍ؛ فإنَّ المساجد التي هي أعظم محالِّ العبادة مبنيَّةٌ على الإخلاص لله والخضوع لعظمته والاستكانة لعزَّته. {19}{وأنَّه لمَّا قام عبدُ اللهِ يدعوه}؛ أي: يسأله ويتعبَّد له ويقرأ القرآن كاد الجنُّ من تكاثُرِهم عليه، {يكونون عليه لِبَداً}؛ أي: متلبِّدين متراكمين حرصاً على [سماع] ما جاء به من الهدى. {20}{قل}: لهم يا أيُّها الرسول، مبيِّناً حقيقة ما تدعو إليه:{إنَّما أدعو ربِّي ولا أشرِكُ به أحداً}؛ أي: أوحِّده وحده لا شريك له، وأخلع ما دونَه من الأنداد والأوثان، وكلُّ ما يتَّخذه المشركون من دونه. {21 ـ 22}{قل إنِّي لا أملِكُ لكم ضَرًّا ولا رَشَداً}: فإنِّي عبدٌ ليس لي من الأمر والتصرُّفِ شيءٌ ، {قلۡ إنِّي لن يُجيرَني من اللهِ أحدٌ}؛ أي: لا أحدَ أستجير به ينقذني من عذاب الله، وإذا كان الرسولُ الذي هو أكملُ الخلق لا يملكُ ضرًّا ولا رشداً ولا يمنعُ نفسَه من الله شيئاً إن أراده بسوءٍ؛ فغيرُهُ من الخلق من باب أولى وأحرى، {ولن أجدَ من دونِهِ مُلۡتَحَداً}؛ أي: ملجأ ومنتصراً. {23}{إلاَّ بلاغاً من الله ورسالاتِهِ}؛ أي: ليس لي مزيَّةٌ على الناس إلاَّ أنَّ الله خصَّني بإبلاغ رسالاته ودعوة خلقِهِ إليه ، وبذلك تقوم الحجَّةُ على الناس، {ومن يَعۡصِ الله ورسولَه فإنَّ له نارَ جهنَّمَ خالدين فيها أبداً}: وهذا المراد به المعصية الكفريَّة كما قيَّدتها النُّصوص الأخر المحكمة، وأمَّا مجرَّد المعصية؛ فإنَّه لا يوجب الخلود في النار؛ كما دلَّت على ذلك آيات القرآن والأحاديث عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وأجمع عليه سَلَفُ الأمَّة وأئمَّة هذه الأمَّة. {24}{حتى إذا رأوا ما يوعدونَ}؛ أي: شاهدوه عياناً وجزموا أنَّه واقعٌ بهم، {فسيعلمون}: في ذلك الوقت حقيقة المعرفة، {مَنۡ أضعفُ ناصراً وأقلُّ عدداً}: حين لا ينصرُهُم غيرهم، ولا أنفسهم ينتصِرونَ، وإذْ يُحْشَرون فرادى كما خُلِقوا أوَّلَ مرَّةٍ. {25 ـ 26}{قل} لهم إنْ سألوك فقالوا: متى هذا الوعد؟: {إنۡ أدري أقريبٌ ما توعدونَ أمۡ يجعلُ له ربِّي أمداً}؛ أي: غايةً طويلةً؛ فعلمُ ذلك عند الله {عالمُ الغيب فلا يُظۡهِرُ على غيبِهِ أحداً}: من الخلق، بل انفرد بعلم الضمائر والأسرار والغيوب. {27}{إلاَّ منِ ارتضى من رسول}؛ أي: فإنَّه يخبره بما اقتضت حكمته أن يخبِرَه به، وذلك لأنَّ الرسل ليسوا كغيرهم؛ فإنَّ الله أيَّدهم بتأييدٍ ما أيَّده أحداً من الخلق، وحفظ ما أوحاه إليهم حتى يبلِّغوه على حقيقته؛ من غير أن تَقْرَبَهُ الشياطينُ فيزيدوا فيه أو يَنْقُصوا، ولهذا قال:{فإنَّه يَسۡلُكُ من بينِ يديهِ ومن خلفِهِ رَصَداً}؛ أي: يحفظونه بأمر الله. {28 ـ 29}{ليعلم} بذلك {أن قد أبۡلَغوا رسالات ربِّهم}: بما جعله لهم من الأسباب، {وأحاط بما لَدَيۡهم}؛ أي: بما عندهم وما أسرُّوه وما أعلنوه، {وأحصى كلَّ شيءٍ عدداً}. وفي هذه السورة فوائدُ عديدةٌ: منها: وجودُ الجنِّ، وأنَّهم [مكلَّفون] مأمورون منهيُّون مجازَوْن بأعمالهم؛ كما هو صريح في هذه السورة وغيرها. ومنها: أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مبعوثٌ إلى الجنِّ كما هو مبعوثٌ إلى الإنس؛ فإنَّ الله صرف نفرَ الجن ليستمعوا ما يوحى إليه ويبلِّغوا قومهم. ومنها: ذكاء الجنِّ ومعرفتُهم بالحقِّ، وأنَّ الذي ساقهم إلى الإيمان هو ما تحقَّقوه من هداية القرآن وحسن أدبهم في خطابهم. ومنها: اعتناء الله برسوله وحفظُه لما جاء به؛ فحين ابتدأت بشائر نبوَّته والسماء محروسةٌ بالنجوم، والشياطين قد هربت من أماكنها، وأزعجت عن مراصدها، وأنَّ الله رَحِمَ به أهل الأرض رحمةً ما يُقَدَّرُ لها قدرٌ، وأراد بهم ربُّهم رشداً، فأراد أن يظهِرَ من دينه وشرعه ومعرفته في الأرض ما تبتهج به القلوب، وتفرح به أولو الألباب، وتظهر به شعائرُ الإسلام، وينقمع به أهلُ الأوثان والأصنام. ومنها: شدَّة حرص الجنِّ على استماعهم للرسول - صلى الله عليه وسلم - وتراكمهم عليه. ومنها: أنَّ هذه السورة قد اشتملت على الأمر بالتوحيد، والنهي عن الشركِ، وبيَّنت حالة الخلق، وأن كلَّ أحدٍ منهم لا يستحقُّ من العبادة مثقالَ ذَرَّةٍ؛ لأنَّ الرسول محمداً - صلى الله عليه وسلم - إذا كان لا يملك لأحدٍ نفعاً ولا ضرًّا، بل ولا يملك لنفسه؛ علم أن الخلق كلَّهم كذلك؛ فمن الخطأ والظلم اتِّخاذ مَنْ هذا وصفه إلهاً آخر. ومنها: أنَّ علوم الغيوب قد انفرد الله بعلمها؛ فلا يعلمها أحدٌ من الخلق؛ إلاَّ من ارتضاه الله واختصَّه بعلم شيء منها. تم تفسيرها. والحمد لله رب العالمين. * * *

الجن 72:20

{18}{وأنَّ المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحداً}؛ أي: لا دعاء عبادةٍ ولا دعاء مسألةٍ؛ فإنَّ المساجد التي هي أعظم محالِّ العبادة مبنيَّةٌ على الإخلاص لله والخضوع لعظمته والاستكانة لعزَّته. {19}{وأنَّه لمَّا قام عبدُ اللهِ يدعوه}؛ أي: يسأله ويتعبَّد له ويقرأ القرآن كاد الجنُّ من تكاثُرِهم عليه، {يكونون عليه لِبَداً}؛ أي: متلبِّدين متراكمين حرصاً على [سماع] ما جاء به من الهدى. {20}{قل}: لهم يا أيُّها الرسول، مبيِّناً حقيقة ما تدعو إليه:{إنَّما أدعو ربِّي ولا أشرِكُ به أحداً}؛ أي: أوحِّده وحده لا شريك له، وأخلع ما دونَه من الأنداد والأوثان، وكلُّ ما يتَّخذه المشركون من دونه. {21 ـ 22}{قل إنِّي لا أملِكُ لكم ضَرًّا ولا رَشَداً}: فإنِّي عبدٌ ليس لي من الأمر والتصرُّفِ شيءٌ ، {قلۡ إنِّي لن يُجيرَني من اللهِ أحدٌ}؛ أي: لا أحدَ أستجير به ينقذني من عذاب الله، وإذا كان الرسولُ الذي هو أكملُ الخلق لا يملكُ ضرًّا ولا رشداً ولا يمنعُ نفسَه من الله شيئاً إن أراده بسوءٍ؛ فغيرُهُ من الخلق من باب أولى وأحرى، {ولن أجدَ من دونِهِ مُلۡتَحَداً}؛ أي: ملجأ ومنتصراً. {23}{إلاَّ بلاغاً من الله ورسالاتِهِ}؛ أي: ليس لي مزيَّةٌ على الناس إلاَّ أنَّ الله خصَّني بإبلاغ رسالاته ودعوة خلقِهِ إليه ، وبذلك تقوم الحجَّةُ على الناس، {ومن يَعۡصِ الله ورسولَه فإنَّ له نارَ جهنَّمَ خالدين فيها أبداً}: وهذا المراد به المعصية الكفريَّة كما قيَّدتها النُّصوص الأخر المحكمة، وأمَّا مجرَّد المعصية؛ فإنَّه لا يوجب الخلود في النار؛ كما دلَّت على ذلك آيات القرآن والأحاديث عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وأجمع عليه سَلَفُ الأمَّة وأئمَّة هذه الأمَّة. {24}{حتى إذا رأوا ما يوعدونَ}؛ أي: شاهدوه عياناً وجزموا أنَّه واقعٌ بهم، {فسيعلمون}: في ذلك الوقت حقيقة المعرفة، {مَنۡ أضعفُ ناصراً وأقلُّ عدداً}: حين لا ينصرُهُم غيرهم، ولا أنفسهم ينتصِرونَ، وإذْ يُحْشَرون فرادى كما خُلِقوا أوَّلَ مرَّةٍ. {25 ـ 26}{قل} لهم إنْ سألوك فقالوا: متى هذا الوعد؟: {إنۡ أدري أقريبٌ ما توعدونَ أمۡ يجعلُ له ربِّي أمداً}؛ أي: غايةً طويلةً؛ فعلمُ ذلك عند الله {عالمُ الغيب فلا يُظۡهِرُ على غيبِهِ أحداً}: من الخلق، بل انفرد بعلم الضمائر والأسرار والغيوب. {27}{إلاَّ منِ ارتضى من رسول}؛ أي: فإنَّه يخبره بما اقتضت حكمته أن يخبِرَه به، وذلك لأنَّ الرسل ليسوا كغيرهم؛ فإنَّ الله أيَّدهم بتأييدٍ ما أيَّده أحداً من الخلق، وحفظ ما أوحاه إليهم حتى يبلِّغوه على حقيقته؛ من غير أن تَقْرَبَهُ الشياطينُ فيزيدوا فيه أو يَنْقُصوا، ولهذا قال:{فإنَّه يَسۡلُكُ من بينِ يديهِ ومن خلفِهِ رَصَداً}؛ أي: يحفظونه بأمر الله. {28 ـ 29}{ليعلم} بذلك {أن قد أبۡلَغوا رسالات ربِّهم}: بما جعله لهم من الأسباب، {وأحاط بما لَدَيۡهم}؛ أي: بما عندهم وما أسرُّوه وما أعلنوه، {وأحصى كلَّ شيءٍ عدداً}. وفي هذه السورة فوائدُ عديدةٌ: منها: وجودُ الجنِّ، وأنَّهم [مكلَّفون] مأمورون منهيُّون مجازَوْن بأعمالهم؛ كما هو صريح في هذه السورة وغيرها. ومنها: أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مبعوثٌ إلى الجنِّ كما هو مبعوثٌ إلى الإنس؛ فإنَّ الله صرف نفرَ الجن ليستمعوا ما يوحى إليه ويبلِّغوا قومهم. ومنها: ذكاء الجنِّ ومعرفتُهم بالحقِّ، وأنَّ الذي ساقهم إلى الإيمان هو ما تحقَّقوه من هداية القرآن وحسن أدبهم في خطابهم. ومنها: اعتناء الله برسوله وحفظُه لما جاء به؛ فحين ابتدأت بشائر نبوَّته والسماء محروسةٌ بالنجوم، والشياطين قد هربت من أماكنها، وأزعجت عن مراصدها، وأنَّ الله رَحِمَ به أهل الأرض رحمةً ما يُقَدَّرُ لها قدرٌ، وأراد بهم ربُّهم رشداً، فأراد أن يظهِرَ من دينه وشرعه ومعرفته في الأرض ما تبتهج به القلوب، وتفرح به أولو الألباب، وتظهر به شعائرُ الإسلام، وينقمع به أهلُ الأوثان والأصنام. ومنها: شدَّة حرص الجنِّ على استماعهم للرسول - صلى الله عليه وسلم - وتراكمهم عليه. ومنها: أنَّ هذه السورة قد اشتملت على الأمر بالتوحيد، والنهي عن الشركِ، وبيَّنت حالة الخلق، وأن كلَّ أحدٍ منهم لا يستحقُّ من العبادة مثقالَ ذَرَّةٍ؛ لأنَّ الرسول محمداً - صلى الله عليه وسلم - إذا كان لا يملك لأحدٍ نفعاً ولا ضرًّا، بل ولا يملك لنفسه؛ علم أن الخلق كلَّهم كذلك؛ فمن الخطأ والظلم اتِّخاذ مَنْ هذا وصفه إلهاً آخر. ومنها: أنَّ علوم الغيوب قد انفرد الله بعلمها؛ فلا يعلمها أحدٌ من الخلق؛ إلاَّ من ارتضاه الله واختصَّه بعلم شيء منها. تم تفسيرها. والحمد لله رب العالمين. * * *

الجن 72:21

{18}{وأنَّ المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحداً}؛ أي: لا دعاء عبادةٍ ولا دعاء مسألةٍ؛ فإنَّ المساجد التي هي أعظم محالِّ العبادة مبنيَّةٌ على الإخلاص لله والخضوع لعظمته والاستكانة لعزَّته. {19}{وأنَّه لمَّا قام عبدُ اللهِ يدعوه}؛ أي: يسأله ويتعبَّد له ويقرأ القرآن كاد الجنُّ من تكاثُرِهم عليه، {يكونون عليه لِبَداً}؛ أي: متلبِّدين متراكمين حرصاً على [سماع] ما جاء به من الهدى. {20}{قل}: لهم يا أيُّها الرسول، مبيِّناً حقيقة ما تدعو إليه:{إنَّما أدعو ربِّي ولا أشرِكُ به أحداً}؛ أي: أوحِّده وحده لا شريك له، وأخلع ما دونَه من الأنداد والأوثان، وكلُّ ما يتَّخذه المشركون من دونه. {21 ـ 22}{قل إنِّي لا أملِكُ لكم ضَرًّا ولا رَشَداً}: فإنِّي عبدٌ ليس لي من الأمر والتصرُّفِ شيءٌ ، {قلۡ إنِّي لن يُجيرَني من اللهِ أحدٌ}؛ أي: لا أحدَ أستجير به ينقذني من عذاب الله، وإذا كان الرسولُ الذي هو أكملُ الخلق لا يملكُ ضرًّا ولا رشداً ولا يمنعُ نفسَه من الله شيئاً إن أراده بسوءٍ؛ فغيرُهُ من الخلق من باب أولى وأحرى، {ولن أجدَ من دونِهِ مُلۡتَحَداً}؛ أي: ملجأ ومنتصراً. {23}{إلاَّ بلاغاً من الله ورسالاتِهِ}؛ أي: ليس لي مزيَّةٌ على الناس إلاَّ أنَّ الله خصَّني بإبلاغ رسالاته ودعوة خلقِهِ إليه ، وبذلك تقوم الحجَّةُ على الناس، {ومن يَعۡصِ الله ورسولَه فإنَّ له نارَ جهنَّمَ خالدين فيها أبداً}: وهذا المراد به المعصية الكفريَّة كما قيَّدتها النُّصوص الأخر المحكمة، وأمَّا مجرَّد المعصية؛ فإنَّه لا يوجب الخلود في النار؛ كما دلَّت على ذلك آيات القرآن والأحاديث عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وأجمع عليه سَلَفُ الأمَّة وأئمَّة هذه الأمَّة. {24}{حتى إذا رأوا ما يوعدونَ}؛ أي: شاهدوه عياناً وجزموا أنَّه واقعٌ بهم، {فسيعلمون}: في ذلك الوقت حقيقة المعرفة، {مَنۡ أضعفُ ناصراً وأقلُّ عدداً}: حين لا ينصرُهُم غيرهم، ولا أنفسهم ينتصِرونَ، وإذْ يُحْشَرون فرادى كما خُلِقوا أوَّلَ مرَّةٍ. {25 ـ 26}{قل} لهم إنْ سألوك فقالوا: متى هذا الوعد؟: {إنۡ أدري أقريبٌ ما توعدونَ أمۡ يجعلُ له ربِّي أمداً}؛ أي: غايةً طويلةً؛ فعلمُ ذلك عند الله {عالمُ الغيب فلا يُظۡهِرُ على غيبِهِ أحداً}: من الخلق، بل انفرد بعلم الضمائر والأسرار والغيوب. {27}{إلاَّ منِ ارتضى من رسول}؛ أي: فإنَّه يخبره بما اقتضت حكمته أن يخبِرَه به، وذلك لأنَّ الرسل ليسوا كغيرهم؛ فإنَّ الله أيَّدهم بتأييدٍ ما أيَّده أحداً من الخلق، وحفظ ما أوحاه إليهم حتى يبلِّغوه على حقيقته؛ من غير أن تَقْرَبَهُ الشياطينُ فيزيدوا فيه أو يَنْقُصوا، ولهذا قال:{فإنَّه يَسۡلُكُ من بينِ يديهِ ومن خلفِهِ رَصَداً}؛ أي: يحفظونه بأمر الله. {28 ـ 29}{ليعلم} بذلك {أن قد أبۡلَغوا رسالات ربِّهم}: بما جعله لهم من الأسباب، {وأحاط بما لَدَيۡهم}؛ أي: بما عندهم وما أسرُّوه وما أعلنوه، {وأحصى كلَّ شيءٍ عدداً}. وفي هذه السورة فوائدُ عديدةٌ: منها: وجودُ الجنِّ، وأنَّهم [مكلَّفون] مأمورون منهيُّون مجازَوْن بأعمالهم؛ كما هو صريح في هذه السورة وغيرها. ومنها: أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مبعوثٌ إلى الجنِّ كما هو مبعوثٌ إلى الإنس؛ فإنَّ الله صرف نفرَ الجن ليستمعوا ما يوحى إليه ويبلِّغوا قومهم. ومنها: ذكاء الجنِّ ومعرفتُهم بالحقِّ، وأنَّ الذي ساقهم إلى الإيمان هو ما تحقَّقوه من هداية القرآن وحسن أدبهم في خطابهم. ومنها: اعتناء الله برسوله وحفظُه لما جاء به؛ فحين ابتدأت بشائر نبوَّته والسماء محروسةٌ بالنجوم، والشياطين قد هربت من أماكنها، وأزعجت عن مراصدها، وأنَّ الله رَحِمَ به أهل الأرض رحمةً ما يُقَدَّرُ لها قدرٌ، وأراد بهم ربُّهم رشداً، فأراد أن يظهِرَ من دينه وشرعه ومعرفته في الأرض ما تبتهج به القلوب، وتفرح به أولو الألباب، وتظهر به شعائرُ الإسلام، وينقمع به أهلُ الأوثان والأصنام. ومنها: شدَّة حرص الجنِّ على استماعهم للرسول - صلى الله عليه وسلم - وتراكمهم عليه. ومنها: أنَّ هذه السورة قد اشتملت على الأمر بالتوحيد، والنهي عن الشركِ، وبيَّنت حالة الخلق، وأن كلَّ أحدٍ منهم لا يستحقُّ من العبادة مثقالَ ذَرَّةٍ؛ لأنَّ الرسول محمداً - صلى الله عليه وسلم - إذا كان لا يملك لأحدٍ نفعاً ولا ضرًّا، بل ولا يملك لنفسه؛ علم أن الخلق كلَّهم كذلك؛ فمن الخطأ والظلم اتِّخاذ مَنْ هذا وصفه إلهاً آخر. ومنها: أنَّ علوم الغيوب قد انفرد الله بعلمها؛ فلا يعلمها أحدٌ من الخلق؛ إلاَّ من ارتضاه الله واختصَّه بعلم شيء منها. تم تفسيرها. والحمد لله رب العالمين. * * *

الجن 72:22

{18}{وأنَّ المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحداً}؛ أي: لا دعاء عبادةٍ ولا دعاء مسألةٍ؛ فإنَّ المساجد التي هي أعظم محالِّ العبادة مبنيَّةٌ على الإخلاص لله والخضوع لعظمته والاستكانة لعزَّته. {19}{وأنَّه لمَّا قام عبدُ اللهِ يدعوه}؛ أي: يسأله ويتعبَّد له ويقرأ القرآن كاد الجنُّ من تكاثُرِهم عليه، {يكونون عليه لِبَداً}؛ أي: متلبِّدين متراكمين حرصاً على [سماع] ما جاء به من الهدى. {20}{قل}: لهم يا أيُّها الرسول، مبيِّناً حقيقة ما تدعو إليه:{إنَّما أدعو ربِّي ولا أشرِكُ به أحداً}؛ أي: أوحِّده وحده لا شريك له، وأخلع ما دونَه من الأنداد والأوثان، وكلُّ ما يتَّخذه المشركون من دونه. {21 ـ 22}{قل إنِّي لا أملِكُ لكم ضَرًّا ولا رَشَداً}: فإنِّي عبدٌ ليس لي من الأمر والتصرُّفِ شيءٌ ، {قلۡ إنِّي لن يُجيرَني من اللهِ أحدٌ}؛ أي: لا أحدَ أستجير به ينقذني من عذاب الله، وإذا كان الرسولُ الذي هو أكملُ الخلق لا يملكُ ضرًّا ولا رشداً ولا يمنعُ نفسَه من الله شيئاً إن أراده بسوءٍ؛ فغيرُهُ من الخلق من باب أولى وأحرى، {ولن أجدَ من دونِهِ مُلۡتَحَداً}؛ أي: ملجأ ومنتصراً. {23}{إلاَّ بلاغاً من الله ورسالاتِهِ}؛ أي: ليس لي مزيَّةٌ على الناس إلاَّ أنَّ الله خصَّني بإبلاغ رسالاته ودعوة خلقِهِ إليه ، وبذلك تقوم الحجَّةُ على الناس، {ومن يَعۡصِ الله ورسولَه فإنَّ له نارَ جهنَّمَ خالدين فيها أبداً}: وهذا المراد به المعصية الكفريَّة كما قيَّدتها النُّصوص الأخر المحكمة، وأمَّا مجرَّد المعصية؛ فإنَّه لا يوجب الخلود في النار؛ كما دلَّت على ذلك آيات القرآن والأحاديث عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وأجمع عليه سَلَفُ الأمَّة وأئمَّة هذه الأمَّة. {24}{حتى إذا رأوا ما يوعدونَ}؛ أي: شاهدوه عياناً وجزموا أنَّه واقعٌ بهم، {فسيعلمون}: في ذلك الوقت حقيقة المعرفة، {مَنۡ أضعفُ ناصراً وأقلُّ عدداً}: حين لا ينصرُهُم غيرهم، ولا أنفسهم ينتصِرونَ، وإذْ يُحْشَرون فرادى كما خُلِقوا أوَّلَ مرَّةٍ. {25 ـ 26}{قل} لهم إنْ سألوك فقالوا: متى هذا الوعد؟: {إنۡ أدري أقريبٌ ما توعدونَ أمۡ يجعلُ له ربِّي أمداً}؛ أي: غايةً طويلةً؛ فعلمُ ذلك عند الله {عالمُ الغيب فلا يُظۡهِرُ على غيبِهِ أحداً}: من الخلق، بل انفرد بعلم الضمائر والأسرار والغيوب. {27}{إلاَّ منِ ارتضى من رسول}؛ أي: فإنَّه يخبره بما اقتضت حكمته أن يخبِرَه به، وذلك لأنَّ الرسل ليسوا كغيرهم؛ فإنَّ الله أيَّدهم بتأييدٍ ما أيَّده أحداً من الخلق، وحفظ ما أوحاه إليهم حتى يبلِّغوه على حقيقته؛ من غير أن تَقْرَبَهُ الشياطينُ فيزيدوا فيه أو يَنْقُصوا، ولهذا قال:{فإنَّه يَسۡلُكُ من بينِ يديهِ ومن خلفِهِ رَصَداً}؛ أي: يحفظونه بأمر الله. {28 ـ 29}{ليعلم} بذلك {أن قد أبۡلَغوا رسالات ربِّهم}: بما جعله لهم من الأسباب، {وأحاط بما لَدَيۡهم}؛ أي: بما عندهم وما أسرُّوه وما أعلنوه، {وأحصى كلَّ شيءٍ عدداً}. وفي هذه السورة فوائدُ عديدةٌ: منها: وجودُ الجنِّ، وأنَّهم [مكلَّفون] مأمورون منهيُّون مجازَوْن بأعمالهم؛ كما هو صريح في هذه السورة وغيرها. ومنها: أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مبعوثٌ إلى الجنِّ كما هو مبعوثٌ إلى الإنس؛ فإنَّ الله صرف نفرَ الجن ليستمعوا ما يوحى إليه ويبلِّغوا قومهم. ومنها: ذكاء الجنِّ ومعرفتُهم بالحقِّ، وأنَّ الذي ساقهم إلى الإيمان هو ما تحقَّقوه من هداية القرآن وحسن أدبهم في خطابهم. ومنها: اعتناء الله برسوله وحفظُه لما جاء به؛ فحين ابتدأت بشائر نبوَّته والسماء محروسةٌ بالنجوم، والشياطين قد هربت من أماكنها، وأزعجت عن مراصدها، وأنَّ الله رَحِمَ به أهل الأرض رحمةً ما يُقَدَّرُ لها قدرٌ، وأراد بهم ربُّهم رشداً، فأراد أن يظهِرَ من دينه وشرعه ومعرفته في الأرض ما تبتهج به القلوب، وتفرح به أولو الألباب، وتظهر به شعائرُ الإسلام، وينقمع به أهلُ الأوثان والأصنام. ومنها: شدَّة حرص الجنِّ على استماعهم للرسول - صلى الله عليه وسلم - وتراكمهم عليه. ومنها: أنَّ هذه السورة قد اشتملت على الأمر بالتوحيد، والنهي عن الشركِ، وبيَّنت حالة الخلق، وأن كلَّ أحدٍ منهم لا يستحقُّ من العبادة مثقالَ ذَرَّةٍ؛ لأنَّ الرسول محمداً - صلى الله عليه وسلم - إذا كان لا يملك لأحدٍ نفعاً ولا ضرًّا، بل ولا يملك لنفسه؛ علم أن الخلق كلَّهم كذلك؛ فمن الخطأ والظلم اتِّخاذ مَنْ هذا وصفه إلهاً آخر. ومنها: أنَّ علوم الغيوب قد انفرد الله بعلمها؛ فلا يعلمها أحدٌ من الخلق؛ إلاَّ من ارتضاه الله واختصَّه بعلم شيء منها. تم تفسيرها. والحمد لله رب العالمين. * * *

الجن 72:23

{18}{وأنَّ المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحداً}؛ أي: لا دعاء عبادةٍ ولا دعاء مسألةٍ؛ فإنَّ المساجد التي هي أعظم محالِّ العبادة مبنيَّةٌ على الإخلاص لله والخضوع لعظمته والاستكانة لعزَّته. {19}{وأنَّه لمَّا قام عبدُ اللهِ يدعوه}؛ أي: يسأله ويتعبَّد له ويقرأ القرآن كاد الجنُّ من تكاثُرِهم عليه، {يكونون عليه لِبَداً}؛ أي: متلبِّدين متراكمين حرصاً على [سماع] ما جاء به من الهدى. {20}{قل}: لهم يا أيُّها الرسول، مبيِّناً حقيقة ما تدعو إليه:{إنَّما أدعو ربِّي ولا أشرِكُ به أحداً}؛ أي: أوحِّده وحده لا شريك له، وأخلع ما دونَه من الأنداد والأوثان، وكلُّ ما يتَّخذه المشركون من دونه. {21 ـ 22}{قل إنِّي لا أملِكُ لكم ضَرًّا ولا رَشَداً}: فإنِّي عبدٌ ليس لي من الأمر والتصرُّفِ شيءٌ ، {قلۡ إنِّي لن يُجيرَني من اللهِ أحدٌ}؛ أي: لا أحدَ أستجير به ينقذني من عذاب الله، وإذا كان الرسولُ الذي هو أكملُ الخلق لا يملكُ ضرًّا ولا رشداً ولا يمنعُ نفسَه من الله شيئاً إن أراده بسوءٍ؛ فغيرُهُ من الخلق من باب أولى وأحرى، {ولن أجدَ من دونِهِ مُلۡتَحَداً}؛ أي: ملجأ ومنتصراً. {23}{إلاَّ بلاغاً من الله ورسالاتِهِ}؛ أي: ليس لي مزيَّةٌ على الناس إلاَّ أنَّ الله خصَّني بإبلاغ رسالاته ودعوة خلقِهِ إليه ، وبذلك تقوم الحجَّةُ على الناس، {ومن يَعۡصِ الله ورسولَه فإنَّ له نارَ جهنَّمَ خالدين فيها أبداً}: وهذا المراد به المعصية الكفريَّة كما قيَّدتها النُّصوص الأخر المحكمة، وأمَّا مجرَّد المعصية؛ فإنَّه لا يوجب الخلود في النار؛ كما دلَّت على ذلك آيات القرآن والأحاديث عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وأجمع عليه سَلَفُ الأمَّة وأئمَّة هذه الأمَّة. {24}{حتى إذا رأوا ما يوعدونَ}؛ أي: شاهدوه عياناً وجزموا أنَّه واقعٌ بهم، {فسيعلمون}: في ذلك الوقت حقيقة المعرفة، {مَنۡ أضعفُ ناصراً وأقلُّ عدداً}: حين لا ينصرُهُم غيرهم، ولا أنفسهم ينتصِرونَ، وإذْ يُحْشَرون فرادى كما خُلِقوا أوَّلَ مرَّةٍ. {25 ـ 26}{قل} لهم إنْ سألوك فقالوا: متى هذا الوعد؟: {إنۡ أدري أقريبٌ ما توعدونَ أمۡ يجعلُ له ربِّي أمداً}؛ أي: غايةً طويلةً؛ فعلمُ ذلك عند الله {عالمُ الغيب فلا يُظۡهِرُ على غيبِهِ أحداً}: من الخلق، بل انفرد بعلم الضمائر والأسرار والغيوب. {27}{إلاَّ منِ ارتضى من رسول}؛ أي: فإنَّه يخبره بما اقتضت حكمته أن يخبِرَه به، وذلك لأنَّ الرسل ليسوا كغيرهم؛ فإنَّ الله أيَّدهم بتأييدٍ ما أيَّده أحداً من الخلق، وحفظ ما أوحاه إليهم حتى يبلِّغوه على حقيقته؛ من غير أن تَقْرَبَهُ الشياطينُ فيزيدوا فيه أو يَنْقُصوا، ولهذا قال:{فإنَّه يَسۡلُكُ من بينِ يديهِ ومن خلفِهِ رَصَداً}؛ أي: يحفظونه بأمر الله. {28 ـ 29}{ليعلم} بذلك {أن قد أبۡلَغوا رسالات ربِّهم}: بما جعله لهم من الأسباب، {وأحاط بما لَدَيۡهم}؛ أي: بما عندهم وما أسرُّوه وما أعلنوه، {وأحصى كلَّ شيءٍ عدداً}. وفي هذه السورة فوائدُ عديدةٌ: منها: وجودُ الجنِّ، وأنَّهم [مكلَّفون] مأمورون منهيُّون مجازَوْن بأعمالهم؛ كما هو صريح في هذه السورة وغيرها. ومنها: أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مبعوثٌ إلى الجنِّ كما هو مبعوثٌ إلى الإنس؛ فإنَّ الله صرف نفرَ الجن ليستمعوا ما يوحى إليه ويبلِّغوا قومهم. ومنها: ذكاء الجنِّ ومعرفتُهم بالحقِّ، وأنَّ الذي ساقهم إلى الإيمان هو ما تحقَّقوه من هداية القرآن وحسن أدبهم في خطابهم. ومنها: اعتناء الله برسوله وحفظُه لما جاء به؛ فحين ابتدأت بشائر نبوَّته والسماء محروسةٌ بالنجوم، والشياطين قد هربت من أماكنها، وأزعجت عن مراصدها، وأنَّ الله رَحِمَ به أهل الأرض رحمةً ما يُقَدَّرُ لها قدرٌ، وأراد بهم ربُّهم رشداً، فأراد أن يظهِرَ من دينه وشرعه ومعرفته في الأرض ما تبتهج به القلوب، وتفرح به أولو الألباب، وتظهر به شعائرُ الإسلام، وينقمع به أهلُ الأوثان والأصنام. ومنها: شدَّة حرص الجنِّ على استماعهم للرسول - صلى الله عليه وسلم - وتراكمهم عليه. ومنها: أنَّ هذه السورة قد اشتملت على الأمر بالتوحيد، والنهي عن الشركِ، وبيَّنت حالة الخلق، وأن كلَّ أحدٍ منهم لا يستحقُّ من العبادة مثقالَ ذَرَّةٍ؛ لأنَّ الرسول محمداً - صلى الله عليه وسلم - إذا كان لا يملك لأحدٍ نفعاً ولا ضرًّا، بل ولا يملك لنفسه؛ علم أن الخلق كلَّهم كذلك؛ فمن الخطأ والظلم اتِّخاذ مَنْ هذا وصفه إلهاً آخر. ومنها: أنَّ علوم الغيوب قد انفرد الله بعلمها؛ فلا يعلمها أحدٌ من الخلق؛ إلاَّ من ارتضاه الله واختصَّه بعلم شيء منها. تم تفسيرها. والحمد لله رب العالمين. * * *

الجن 72:24

{18}{وأنَّ المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحداً}؛ أي: لا دعاء عبادةٍ ولا دعاء مسألةٍ؛ فإنَّ المساجد التي هي أعظم محالِّ العبادة مبنيَّةٌ على الإخلاص لله والخضوع لعظمته والاستكانة لعزَّته. {19}{وأنَّه لمَّا قام عبدُ اللهِ يدعوه}؛ أي: يسأله ويتعبَّد له ويقرأ القرآن كاد الجنُّ من تكاثُرِهم عليه، {يكونون عليه لِبَداً}؛ أي: متلبِّدين متراكمين حرصاً على [سماع] ما جاء به من الهدى. {20}{قل}: لهم يا أيُّها الرسول، مبيِّناً حقيقة ما تدعو إليه:{إنَّما أدعو ربِّي ولا أشرِكُ به أحداً}؛ أي: أوحِّده وحده لا شريك له، وأخلع ما دونَه من الأنداد والأوثان، وكلُّ ما يتَّخذه المشركون من دونه. {21 ـ 22}{قل إنِّي لا أملِكُ لكم ضَرًّا ولا رَشَداً}: فإنِّي عبدٌ ليس لي من الأمر والتصرُّفِ شيءٌ ، {قلۡ إنِّي لن يُجيرَني من اللهِ أحدٌ}؛ أي: لا أحدَ أستجير به ينقذني من عذاب الله، وإذا كان الرسولُ الذي هو أكملُ الخلق لا يملكُ ضرًّا ولا رشداً ولا يمنعُ نفسَه من الله شيئاً إن أراده بسوءٍ؛ فغيرُهُ من الخلق من باب أولى وأحرى، {ولن أجدَ من دونِهِ مُلۡتَحَداً}؛ أي: ملجأ ومنتصراً. {23}{إلاَّ بلاغاً من الله ورسالاتِهِ}؛ أي: ليس لي مزيَّةٌ على الناس إلاَّ أنَّ الله خصَّني بإبلاغ رسالاته ودعوة خلقِهِ إليه ، وبذلك تقوم الحجَّةُ على الناس، {ومن يَعۡصِ الله ورسولَه فإنَّ له نارَ جهنَّمَ خالدين فيها أبداً}: وهذا المراد به المعصية الكفريَّة كما قيَّدتها النُّصوص الأخر المحكمة، وأمَّا مجرَّد المعصية؛ فإنَّه لا يوجب الخلود في النار؛ كما دلَّت على ذلك آيات القرآن والأحاديث عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وأجمع عليه سَلَفُ الأمَّة وأئمَّة هذه الأمَّة. {24}{حتى إذا رأوا ما يوعدونَ}؛ أي: شاهدوه عياناً وجزموا أنَّه واقعٌ بهم، {فسيعلمون}: في ذلك الوقت حقيقة المعرفة، {مَنۡ أضعفُ ناصراً وأقلُّ عدداً}: حين لا ينصرُهُم غيرهم، ولا أنفسهم ينتصِرونَ، وإذْ يُحْشَرون فرادى كما خُلِقوا أوَّلَ مرَّةٍ. {25 ـ 26}{قل} لهم إنْ سألوك فقالوا: متى هذا الوعد؟: {إنۡ أدري أقريبٌ ما توعدونَ أمۡ يجعلُ له ربِّي أمداً}؛ أي: غايةً طويلةً؛ فعلمُ ذلك عند الله {عالمُ الغيب فلا يُظۡهِرُ على غيبِهِ أحداً}: من الخلق، بل انفرد بعلم الضمائر والأسرار والغيوب. {27}{إلاَّ منِ ارتضى من رسول}؛ أي: فإنَّه يخبره بما اقتضت حكمته أن يخبِرَه به، وذلك لأنَّ الرسل ليسوا كغيرهم؛ فإنَّ الله أيَّدهم بتأييدٍ ما أيَّده أحداً من الخلق، وحفظ ما أوحاه إليهم حتى يبلِّغوه على حقيقته؛ من غير أن تَقْرَبَهُ الشياطينُ فيزيدوا فيه أو يَنْقُصوا، ولهذا قال:{فإنَّه يَسۡلُكُ من بينِ يديهِ ومن خلفِهِ رَصَداً}؛ أي: يحفظونه بأمر الله. {28 ـ 29}{ليعلم} بذلك {أن قد أبۡلَغوا رسالات ربِّهم}: بما جعله لهم من الأسباب، {وأحاط بما لَدَيۡهم}؛ أي: بما عندهم وما أسرُّوه وما أعلنوه، {وأحصى كلَّ شيءٍ عدداً}. وفي هذه السورة فوائدُ عديدةٌ: منها: وجودُ الجنِّ، وأنَّهم [مكلَّفون] مأمورون منهيُّون مجازَوْن بأعمالهم؛ كما هو صريح في هذه السورة وغيرها. ومنها: أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مبعوثٌ إلى الجنِّ كما هو مبعوثٌ إلى الإنس؛ فإنَّ الله صرف نفرَ الجن ليستمعوا ما يوحى إليه ويبلِّغوا قومهم. ومنها: ذكاء الجنِّ ومعرفتُهم بالحقِّ، وأنَّ الذي ساقهم إلى الإيمان هو ما تحقَّقوه من هداية القرآن وحسن أدبهم في خطابهم. ومنها: اعتناء الله برسوله وحفظُه لما جاء به؛ فحين ابتدأت بشائر نبوَّته والسماء محروسةٌ بالنجوم، والشياطين قد هربت من أماكنها، وأزعجت عن مراصدها، وأنَّ الله رَحِمَ به أهل الأرض رحمةً ما يُقَدَّرُ لها قدرٌ، وأراد بهم ربُّهم رشداً، فأراد أن يظهِرَ من دينه وشرعه ومعرفته في الأرض ما تبتهج به القلوب، وتفرح به أولو الألباب، وتظهر به شعائرُ الإسلام، وينقمع به أهلُ الأوثان والأصنام. ومنها: شدَّة حرص الجنِّ على استماعهم للرسول - صلى الله عليه وسلم - وتراكمهم عليه. ومنها: أنَّ هذه السورة قد اشتملت على الأمر بالتوحيد، والنهي عن الشركِ، وبيَّنت حالة الخلق، وأن كلَّ أحدٍ منهم لا يستحقُّ من العبادة مثقالَ ذَرَّةٍ؛ لأنَّ الرسول محمداً - صلى الله عليه وسلم - إذا كان لا يملك لأحدٍ نفعاً ولا ضرًّا، بل ولا يملك لنفسه؛ علم أن الخلق كلَّهم كذلك؛ فمن الخطأ والظلم اتِّخاذ مَنْ هذا وصفه إلهاً آخر. ومنها: أنَّ علوم الغيوب قد انفرد الله بعلمها؛ فلا يعلمها أحدٌ من الخلق؛ إلاَّ من ارتضاه الله واختصَّه بعلم شيء منها. تم تفسيرها. والحمد لله رب العالمين. * * *

الجن 72:25

{18}{وأنَّ المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحداً}؛ أي: لا دعاء عبادةٍ ولا دعاء مسألةٍ؛ فإنَّ المساجد التي هي أعظم محالِّ العبادة مبنيَّةٌ على الإخلاص لله والخضوع لعظمته والاستكانة لعزَّته. {19}{وأنَّه لمَّا قام عبدُ اللهِ يدعوه}؛ أي: يسأله ويتعبَّد له ويقرأ القرآن كاد الجنُّ من تكاثُرِهم عليه، {يكونون عليه لِبَداً}؛ أي: متلبِّدين متراكمين حرصاً على [سماع] ما جاء به من الهدى. {20}{قل}: لهم يا أيُّها الرسول، مبيِّناً حقيقة ما تدعو إليه:{إنَّما أدعو ربِّي ولا أشرِكُ به أحداً}؛ أي: أوحِّده وحده لا شريك له، وأخلع ما دونَه من الأنداد والأوثان، وكلُّ ما يتَّخذه المشركون من دونه. {21 ـ 22}{قل إنِّي لا أملِكُ لكم ضَرًّا ولا رَشَداً}: فإنِّي عبدٌ ليس لي من الأمر والتصرُّفِ شيءٌ ، {قلۡ إنِّي لن يُجيرَني من اللهِ أحدٌ}؛ أي: لا أحدَ أستجير به ينقذني من عذاب الله، وإذا كان الرسولُ الذي هو أكملُ الخلق لا يملكُ ضرًّا ولا رشداً ولا يمنعُ نفسَه من الله شيئاً إن أراده بسوءٍ؛ فغيرُهُ من الخلق من باب أولى وأحرى، {ولن أجدَ من دونِهِ مُلۡتَحَداً}؛ أي: ملجأ ومنتصراً. {23}{إلاَّ بلاغاً من الله ورسالاتِهِ}؛ أي: ليس لي مزيَّةٌ على الناس إلاَّ أنَّ الله خصَّني بإبلاغ رسالاته ودعوة خلقِهِ إليه ، وبذلك تقوم الحجَّةُ على الناس، {ومن يَعۡصِ الله ورسولَه فإنَّ له نارَ جهنَّمَ خالدين فيها أبداً}: وهذا المراد به المعصية الكفريَّة كما قيَّدتها النُّصوص الأخر المحكمة، وأمَّا مجرَّد المعصية؛ فإنَّه لا يوجب الخلود في النار؛ كما دلَّت على ذلك آيات القرآن والأحاديث عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وأجمع عليه سَلَفُ الأمَّة وأئمَّة هذه الأمَّة. {24}{حتى إذا رأوا ما يوعدونَ}؛ أي: شاهدوه عياناً وجزموا أنَّه واقعٌ بهم، {فسيعلمون}: في ذلك الوقت حقيقة المعرفة، {مَنۡ أضعفُ ناصراً وأقلُّ عدداً}: حين لا ينصرُهُم غيرهم، ولا أنفسهم ينتصِرونَ، وإذْ يُحْشَرون فرادى كما خُلِقوا أوَّلَ مرَّةٍ. {25 ـ 26}{قل} لهم إنْ سألوك فقالوا: متى هذا الوعد؟: {إنۡ أدري أقريبٌ ما توعدونَ أمۡ يجعلُ له ربِّي أمداً}؛ أي: غايةً طويلةً؛ فعلمُ ذلك عند الله {عالمُ الغيب فلا يُظۡهِرُ على غيبِهِ أحداً}: من الخلق، بل انفرد بعلم الضمائر والأسرار والغيوب. {27}{إلاَّ منِ ارتضى من رسول}؛ أي: فإنَّه يخبره بما اقتضت حكمته أن يخبِرَه به، وذلك لأنَّ الرسل ليسوا كغيرهم؛ فإنَّ الله أيَّدهم بتأييدٍ ما أيَّده أحداً من الخلق، وحفظ ما أوحاه إليهم حتى يبلِّغوه على حقيقته؛ من غير أن تَقْرَبَهُ الشياطينُ فيزيدوا فيه أو يَنْقُصوا، ولهذا قال:{فإنَّه يَسۡلُكُ من بينِ يديهِ ومن خلفِهِ رَصَداً}؛ أي: يحفظونه بأمر الله. {28 ـ 29}{ليعلم} بذلك {أن قد أبۡلَغوا رسالات ربِّهم}: بما جعله لهم من الأسباب، {وأحاط بما لَدَيۡهم}؛ أي: بما عندهم وما أسرُّوه وما أعلنوه، {وأحصى كلَّ شيءٍ عدداً}. وفي هذه السورة فوائدُ عديدةٌ: منها: وجودُ الجنِّ، وأنَّهم [مكلَّفون] مأمورون منهيُّون مجازَوْن بأعمالهم؛ كما هو صريح في هذه السورة وغيرها. ومنها: أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مبعوثٌ إلى الجنِّ كما هو مبعوثٌ إلى الإنس؛ فإنَّ الله صرف نفرَ الجن ليستمعوا ما يوحى إليه ويبلِّغوا قومهم. ومنها: ذكاء الجنِّ ومعرفتُهم بالحقِّ، وأنَّ الذي ساقهم إلى الإيمان هو ما تحقَّقوه من هداية القرآن وحسن أدبهم في خطابهم. ومنها: اعتناء الله برسوله وحفظُه لما جاء به؛ فحين ابتدأت بشائر نبوَّته والسماء محروسةٌ بالنجوم، والشياطين قد هربت من أماكنها، وأزعجت عن مراصدها، وأنَّ الله رَحِمَ به أهل الأرض رحمةً ما يُقَدَّرُ لها قدرٌ، وأراد بهم ربُّهم رشداً، فأراد أن يظهِرَ من دينه وشرعه ومعرفته في الأرض ما تبتهج به القلوب، وتفرح به أولو الألباب، وتظهر به شعائرُ الإسلام، وينقمع به أهلُ الأوثان والأصنام. ومنها: شدَّة حرص الجنِّ على استماعهم للرسول - صلى الله عليه وسلم - وتراكمهم عليه. ومنها: أنَّ هذه السورة قد اشتملت على الأمر بالتوحيد، والنهي عن الشركِ، وبيَّنت حالة الخلق، وأن كلَّ أحدٍ منهم لا يستحقُّ من العبادة مثقالَ ذَرَّةٍ؛ لأنَّ الرسول محمداً - صلى الله عليه وسلم - إذا كان لا يملك لأحدٍ نفعاً ولا ضرًّا، بل ولا يملك لنفسه؛ علم أن الخلق كلَّهم كذلك؛ فمن الخطأ والظلم اتِّخاذ مَنْ هذا وصفه إلهاً آخر. ومنها: أنَّ علوم الغيوب قد انفرد الله بعلمها؛ فلا يعلمها أحدٌ من الخلق؛ إلاَّ من ارتضاه الله واختصَّه بعلم شيء منها. تم تفسيرها. والحمد لله رب العالمين. * * *

الجن 72:26

{18}{وأنَّ المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحداً}؛ أي: لا دعاء عبادةٍ ولا دعاء مسألةٍ؛ فإنَّ المساجد التي هي أعظم محالِّ العبادة مبنيَّةٌ على الإخلاص لله والخضوع لعظمته والاستكانة لعزَّته. {19}{وأنَّه لمَّا قام عبدُ اللهِ يدعوه}؛ أي: يسأله ويتعبَّد له ويقرأ القرآن كاد الجنُّ من تكاثُرِهم عليه، {يكونون عليه لِبَداً}؛ أي: متلبِّدين متراكمين حرصاً على [سماع] ما جاء به من الهدى. {20}{قل}: لهم يا أيُّها الرسول، مبيِّناً حقيقة ما تدعو إليه:{إنَّما أدعو ربِّي ولا أشرِكُ به أحداً}؛ أي: أوحِّده وحده لا شريك له، وأخلع ما دونَه من الأنداد والأوثان، وكلُّ ما يتَّخذه المشركون من دونه. {21 ـ 22}{قل إنِّي لا أملِكُ لكم ضَرًّا ولا رَشَداً}: فإنِّي عبدٌ ليس لي من الأمر والتصرُّفِ شيءٌ ، {قلۡ إنِّي لن يُجيرَني من اللهِ أحدٌ}؛ أي: لا أحدَ أستجير به ينقذني من عذاب الله، وإذا كان الرسولُ الذي هو أكملُ الخلق لا يملكُ ضرًّا ولا رشداً ولا يمنعُ نفسَه من الله شيئاً إن أراده بسوءٍ؛ فغيرُهُ من الخلق من باب أولى وأحرى، {ولن أجدَ من دونِهِ مُلۡتَحَداً}؛ أي: ملجأ ومنتصراً. {23}{إلاَّ بلاغاً من الله ورسالاتِهِ}؛ أي: ليس لي مزيَّةٌ على الناس إلاَّ أنَّ الله خصَّني بإبلاغ رسالاته ودعوة خلقِهِ إليه ، وبذلك تقوم الحجَّةُ على الناس، {ومن يَعۡصِ الله ورسولَه فإنَّ له نارَ جهنَّمَ خالدين فيها أبداً}: وهذا المراد به المعصية الكفريَّة كما قيَّدتها النُّصوص الأخر المحكمة، وأمَّا مجرَّد المعصية؛ فإنَّه لا يوجب الخلود في النار؛ كما دلَّت على ذلك آيات القرآن والأحاديث عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وأجمع عليه سَلَفُ الأمَّة وأئمَّة هذه الأمَّة. {24}{حتى إذا رأوا ما يوعدونَ}؛ أي: شاهدوه عياناً وجزموا أنَّه واقعٌ بهم، {فسيعلمون}: في ذلك الوقت حقيقة المعرفة، {مَنۡ أضعفُ ناصراً وأقلُّ عدداً}: حين لا ينصرُهُم غيرهم، ولا أنفسهم ينتصِرونَ، وإذْ يُحْشَرون فرادى كما خُلِقوا أوَّلَ مرَّةٍ. {25 ـ 26}{قل} لهم إنْ سألوك فقالوا: متى هذا الوعد؟: {إنۡ أدري أقريبٌ ما توعدونَ أمۡ يجعلُ له ربِّي أمداً}؛ أي: غايةً طويلةً؛ فعلمُ ذلك عند الله {عالمُ الغيب فلا يُظۡهِرُ على غيبِهِ أحداً}: من الخلق، بل انفرد بعلم الضمائر والأسرار والغيوب. {27}{إلاَّ منِ ارتضى من رسول}؛ أي: فإنَّه يخبره بما اقتضت حكمته أن يخبِرَه به، وذلك لأنَّ الرسل ليسوا كغيرهم؛ فإنَّ الله أيَّدهم بتأييدٍ ما أيَّده أحداً من الخلق، وحفظ ما أوحاه إليهم حتى يبلِّغوه على حقيقته؛ من غير أن تَقْرَبَهُ الشياطينُ فيزيدوا فيه أو يَنْقُصوا، ولهذا قال:{فإنَّه يَسۡلُكُ من بينِ يديهِ ومن خلفِهِ رَصَداً}؛ أي: يحفظونه بأمر الله. {28 ـ 29}{ليعلم} بذلك {أن قد أبۡلَغوا رسالات ربِّهم}: بما جعله لهم من الأسباب، {وأحاط بما لَدَيۡهم}؛ أي: بما عندهم وما أسرُّوه وما أعلنوه، {وأحصى كلَّ شيءٍ عدداً}. وفي هذه السورة فوائدُ عديدةٌ: منها: وجودُ الجنِّ، وأنَّهم [مكلَّفون] مأمورون منهيُّون مجازَوْن بأعمالهم؛ كما هو صريح في هذه السورة وغيرها. ومنها: أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مبعوثٌ إلى الجنِّ كما هو مبعوثٌ إلى الإنس؛ فإنَّ الله صرف نفرَ الجن ليستمعوا ما يوحى إليه ويبلِّغوا قومهم. ومنها: ذكاء الجنِّ ومعرفتُهم بالحقِّ، وأنَّ الذي ساقهم إلى الإيمان هو ما تحقَّقوه من هداية القرآن وحسن أدبهم في خطابهم. ومنها: اعتناء الله برسوله وحفظُه لما جاء به؛ فحين ابتدأت بشائر نبوَّته والسماء محروسةٌ بالنجوم، والشياطين قد هربت من أماكنها، وأزعجت عن مراصدها، وأنَّ الله رَحِمَ به أهل الأرض رحمةً ما يُقَدَّرُ لها قدرٌ، وأراد بهم ربُّهم رشداً، فأراد أن يظهِرَ من دينه وشرعه ومعرفته في الأرض ما تبتهج به القلوب، وتفرح به أولو الألباب، وتظهر به شعائرُ الإسلام، وينقمع به أهلُ الأوثان والأصنام. ومنها: شدَّة حرص الجنِّ على استماعهم للرسول - صلى الله عليه وسلم - وتراكمهم عليه. ومنها: أنَّ هذه السورة قد اشتملت على الأمر بالتوحيد، والنهي عن الشركِ، وبيَّنت حالة الخلق، وأن كلَّ أحدٍ منهم لا يستحقُّ من العبادة مثقالَ ذَرَّةٍ؛ لأنَّ الرسول محمداً - صلى الله عليه وسلم - إذا كان لا يملك لأحدٍ نفعاً ولا ضرًّا، بل ولا يملك لنفسه؛ علم أن الخلق كلَّهم كذلك؛ فمن الخطأ والظلم اتِّخاذ مَنْ هذا وصفه إلهاً آخر. ومنها: أنَّ علوم الغيوب قد انفرد الله بعلمها؛ فلا يعلمها أحدٌ من الخلق؛ إلاَّ من ارتضاه الله واختصَّه بعلم شيء منها. تم تفسيرها. والحمد لله رب العالمين. * * *

الجن 72:27

{18}{وأنَّ المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحداً}؛ أي: لا دعاء عبادةٍ ولا دعاء مسألةٍ؛ فإنَّ المساجد التي هي أعظم محالِّ العبادة مبنيَّةٌ على الإخلاص لله والخضوع لعظمته والاستكانة لعزَّته. {19}{وأنَّه لمَّا قام عبدُ اللهِ يدعوه}؛ أي: يسأله ويتعبَّد له ويقرأ القرآن كاد الجنُّ من تكاثُرِهم عليه، {يكونون عليه لِبَداً}؛ أي: متلبِّدين متراكمين حرصاً على [سماع] ما جاء به من الهدى. {20}{قل}: لهم يا أيُّها الرسول، مبيِّناً حقيقة ما تدعو إليه:{إنَّما أدعو ربِّي ولا أشرِكُ به أحداً}؛ أي: أوحِّده وحده لا شريك له، وأخلع ما دونَه من الأنداد والأوثان، وكلُّ ما يتَّخذه المشركون من دونه. {21 ـ 22}{قل إنِّي لا أملِكُ لكم ضَرًّا ولا رَشَداً}: فإنِّي عبدٌ ليس لي من الأمر والتصرُّفِ شيءٌ ، {قلۡ إنِّي لن يُجيرَني من اللهِ أحدٌ}؛ أي: لا أحدَ أستجير به ينقذني من عذاب الله، وإذا كان الرسولُ الذي هو أكملُ الخلق لا يملكُ ضرًّا ولا رشداً ولا يمنعُ نفسَه من الله شيئاً إن أراده بسوءٍ؛ فغيرُهُ من الخلق من باب أولى وأحرى، {ولن أجدَ من دونِهِ مُلۡتَحَداً}؛ أي: ملجأ ومنتصراً. {23}{إلاَّ بلاغاً من الله ورسالاتِهِ}؛ أي: ليس لي مزيَّةٌ على الناس إلاَّ أنَّ الله خصَّني بإبلاغ رسالاته ودعوة خلقِهِ إليه ، وبذلك تقوم الحجَّةُ على الناس، {ومن يَعۡصِ الله ورسولَه فإنَّ له نارَ جهنَّمَ خالدين فيها أبداً}: وهذا المراد به المعصية الكفريَّة كما قيَّدتها النُّصوص الأخر المحكمة، وأمَّا مجرَّد المعصية؛ فإنَّه لا يوجب الخلود في النار؛ كما دلَّت على ذلك آيات القرآن والأحاديث عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وأجمع عليه سَلَفُ الأمَّة وأئمَّة هذه الأمَّة. {24}{حتى إذا رأوا ما يوعدونَ}؛ أي: شاهدوه عياناً وجزموا أنَّه واقعٌ بهم، {فسيعلمون}: في ذلك الوقت حقيقة المعرفة، {مَنۡ أضعفُ ناصراً وأقلُّ عدداً}: حين لا ينصرُهُم غيرهم، ولا أنفسهم ينتصِرونَ، وإذْ يُحْشَرون فرادى كما خُلِقوا أوَّلَ مرَّةٍ. {25 ـ 26}{قل} لهم إنْ سألوك فقالوا: متى هذا الوعد؟: {إنۡ أدري أقريبٌ ما توعدونَ أمۡ يجعلُ له ربِّي أمداً}؛ أي: غايةً طويلةً؛ فعلمُ ذلك عند الله {عالمُ الغيب فلا يُظۡهِرُ على غيبِهِ أحداً}: من الخلق، بل انفرد بعلم الضمائر والأسرار والغيوب. {27}{إلاَّ منِ ارتضى من رسول}؛ أي: فإنَّه يخبره بما اقتضت حكمته أن يخبِرَه به، وذلك لأنَّ الرسل ليسوا كغيرهم؛ فإنَّ الله أيَّدهم بتأييدٍ ما أيَّده أحداً من الخلق، وحفظ ما أوحاه إليهم حتى يبلِّغوه على حقيقته؛ من غير أن تَقْرَبَهُ الشياطينُ فيزيدوا فيه أو يَنْقُصوا، ولهذا قال:{فإنَّه يَسۡلُكُ من بينِ يديهِ ومن خلفِهِ رَصَداً}؛ أي: يحفظونه بأمر الله. {28 ـ 29}{ليعلم} بذلك {أن قد أبۡلَغوا رسالات ربِّهم}: بما جعله لهم من الأسباب، {وأحاط بما لَدَيۡهم}؛ أي: بما عندهم وما أسرُّوه وما أعلنوه، {وأحصى كلَّ شيءٍ عدداً}. وفي هذه السورة فوائدُ عديدةٌ: منها: وجودُ الجنِّ، وأنَّهم [مكلَّفون] مأمورون منهيُّون مجازَوْن بأعمالهم؛ كما هو صريح في هذه السورة وغيرها. ومنها: أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مبعوثٌ إلى الجنِّ كما هو مبعوثٌ إلى الإنس؛ فإنَّ الله صرف نفرَ الجن ليستمعوا ما يوحى إليه ويبلِّغوا قومهم. ومنها: ذكاء الجنِّ ومعرفتُهم بالحقِّ، وأنَّ الذي ساقهم إلى الإيمان هو ما تحقَّقوه من هداية القرآن وحسن أدبهم في خطابهم. ومنها: اعتناء الله برسوله وحفظُه لما جاء به؛ فحين ابتدأت بشائر نبوَّته والسماء محروسةٌ بالنجوم، والشياطين قد هربت من أماكنها، وأزعجت عن مراصدها، وأنَّ الله رَحِمَ به أهل الأرض رحمةً ما يُقَدَّرُ لها قدرٌ، وأراد بهم ربُّهم رشداً، فأراد أن يظهِرَ من دينه وشرعه ومعرفته في الأرض ما تبتهج به القلوب، وتفرح به أولو الألباب، وتظهر به شعائرُ الإسلام، وينقمع به أهلُ الأوثان والأصنام. ومنها: شدَّة حرص الجنِّ على استماعهم للرسول - صلى الله عليه وسلم - وتراكمهم عليه. ومنها: أنَّ هذه السورة قد اشتملت على الأمر بالتوحيد، والنهي عن الشركِ، وبيَّنت حالة الخلق، وأن كلَّ أحدٍ منهم لا يستحقُّ من العبادة مثقالَ ذَرَّةٍ؛ لأنَّ الرسول محمداً - صلى الله عليه وسلم - إذا كان لا يملك لأحدٍ نفعاً ولا ضرًّا، بل ولا يملك لنفسه؛ علم أن الخلق كلَّهم كذلك؛ فمن الخطأ والظلم اتِّخاذ مَنْ هذا وصفه إلهاً آخر. ومنها: أنَّ علوم الغيوب قد انفرد الله بعلمها؛ فلا يعلمها أحدٌ من الخلق؛ إلاَّ من ارتضاه الله واختصَّه بعلم شيء منها. تم تفسيرها. والحمد لله رب العالمين. * * *

الجن 72:28

{18}{وأنَّ المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحداً}؛ أي: لا دعاء عبادةٍ ولا دعاء مسألةٍ؛ فإنَّ المساجد التي هي أعظم محالِّ العبادة مبنيَّةٌ على الإخلاص لله والخضوع لعظمته والاستكانة لعزَّته. {19}{وأنَّه لمَّا قام عبدُ اللهِ يدعوه}؛ أي: يسأله ويتعبَّد له ويقرأ القرآن كاد الجنُّ من تكاثُرِهم عليه، {يكونون عليه لِبَداً}؛ أي: متلبِّدين متراكمين حرصاً على [سماع] ما جاء به من الهدى. {20}{قل}: لهم يا أيُّها الرسول، مبيِّناً حقيقة ما تدعو إليه:{إنَّما أدعو ربِّي ولا أشرِكُ به أحداً}؛ أي: أوحِّده وحده لا شريك له، وأخلع ما دونَه من الأنداد والأوثان، وكلُّ ما يتَّخذه المشركون من دونه. {21 ـ 22}{قل إنِّي لا أملِكُ لكم ضَرًّا ولا رَشَداً}: فإنِّي عبدٌ ليس لي من الأمر والتصرُّفِ شيءٌ ، {قلۡ إنِّي لن يُجيرَني من اللهِ أحدٌ}؛ أي: لا أحدَ أستجير به ينقذني من عذاب الله، وإذا كان الرسولُ الذي هو أكملُ الخلق لا يملكُ ضرًّا ولا رشداً ولا يمنعُ نفسَه من الله شيئاً إن أراده بسوءٍ؛ فغيرُهُ من الخلق من باب أولى وأحرى، {ولن أجدَ من دونِهِ مُلۡتَحَداً}؛ أي: ملجأ ومنتصراً. {23}{إلاَّ بلاغاً من الله ورسالاتِهِ}؛ أي: ليس لي مزيَّةٌ على الناس إلاَّ أنَّ الله خصَّني بإبلاغ رسالاته ودعوة خلقِهِ إليه ، وبذلك تقوم الحجَّةُ على الناس، {ومن يَعۡصِ الله ورسولَه فإنَّ له نارَ جهنَّمَ خالدين فيها أبداً}: وهذا المراد به المعصية الكفريَّة كما قيَّدتها النُّصوص الأخر المحكمة، وأمَّا مجرَّد المعصية؛ فإنَّه لا يوجب الخلود في النار؛ كما دلَّت على ذلك آيات القرآن والأحاديث عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وأجمع عليه سَلَفُ الأمَّة وأئمَّة هذه الأمَّة. {24}{حتى إذا رأوا ما يوعدونَ}؛ أي: شاهدوه عياناً وجزموا أنَّه واقعٌ بهم، {فسيعلمون}: في ذلك الوقت حقيقة المعرفة، {مَنۡ أضعفُ ناصراً وأقلُّ عدداً}: حين لا ينصرُهُم غيرهم، ولا أنفسهم ينتصِرونَ، وإذْ يُحْشَرون فرادى كما خُلِقوا أوَّلَ مرَّةٍ. {25 ـ 26}{قل} لهم إنْ سألوك فقالوا: متى هذا الوعد؟: {إنۡ أدري أقريبٌ ما توعدونَ أمۡ يجعلُ له ربِّي أمداً}؛ أي: غايةً طويلةً؛ فعلمُ ذلك عند الله {عالمُ الغيب فلا يُظۡهِرُ على غيبِهِ أحداً}: من الخلق، بل انفرد بعلم الضمائر والأسرار والغيوب. {27}{إلاَّ منِ ارتضى من رسول}؛ أي: فإنَّه يخبره بما اقتضت حكمته أن يخبِرَه به، وذلك لأنَّ الرسل ليسوا كغيرهم؛ فإنَّ الله أيَّدهم بتأييدٍ ما أيَّده أحداً من الخلق، وحفظ ما أوحاه إليهم حتى يبلِّغوه على حقيقته؛ من غير أن تَقْرَبَهُ الشياطينُ فيزيدوا فيه أو يَنْقُصوا، ولهذا قال:{فإنَّه يَسۡلُكُ من بينِ يديهِ ومن خلفِهِ رَصَداً}؛ أي: يحفظونه بأمر الله. {28 ـ 29}{ليعلم} بذلك {أن قد أبۡلَغوا رسالات ربِّهم}: بما جعله لهم من الأسباب، {وأحاط بما لَدَيۡهم}؛ أي: بما عندهم وما أسرُّوه وما أعلنوه، {وأحصى كلَّ شيءٍ عدداً}. وفي هذه السورة فوائدُ عديدةٌ: منها: وجودُ الجنِّ، وأنَّهم [مكلَّفون] مأمورون منهيُّون مجازَوْن بأعمالهم؛ كما هو صريح في هذه السورة وغيرها. ومنها: أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مبعوثٌ إلى الجنِّ كما هو مبعوثٌ إلى الإنس؛ فإنَّ الله صرف نفرَ الجن ليستمعوا ما يوحى إليه ويبلِّغوا قومهم. ومنها: ذكاء الجنِّ ومعرفتُهم بالحقِّ، وأنَّ الذي ساقهم إلى الإيمان هو ما تحقَّقوه من هداية القرآن وحسن أدبهم في خطابهم. ومنها: اعتناء الله برسوله وحفظُه لما جاء به؛ فحين ابتدأت بشائر نبوَّته والسماء محروسةٌ بالنجوم، والشياطين قد هربت من أماكنها، وأزعجت عن مراصدها، وأنَّ الله رَحِمَ به أهل الأرض رحمةً ما يُقَدَّرُ لها قدرٌ، وأراد بهم ربُّهم رشداً، فأراد أن يظهِرَ من دينه وشرعه ومعرفته في الأرض ما تبتهج به القلوب، وتفرح به أولو الألباب، وتظهر به شعائرُ الإسلام، وينقمع به أهلُ الأوثان والأصنام. ومنها: شدَّة حرص الجنِّ على استماعهم للرسول - صلى الله عليه وسلم - وتراكمهم عليه. ومنها: أنَّ هذه السورة قد اشتملت على الأمر بالتوحيد، والنهي عن الشركِ، وبيَّنت حالة الخلق، وأن كلَّ أحدٍ منهم لا يستحقُّ من العبادة مثقالَ ذَرَّةٍ؛ لأنَّ الرسول محمداً - صلى الله عليه وسلم - إذا كان لا يملك لأحدٍ نفعاً ولا ضرًّا، بل ولا يملك لنفسه؛ علم أن الخلق كلَّهم كذلك؛ فمن الخطأ والظلم اتِّخاذ مَنْ هذا وصفه إلهاً آخر. ومنها: أنَّ علوم الغيوب قد انفرد الله بعلمها؛ فلا يعلمها أحدٌ من الخلق؛ إلاَّ من ارتضاه الله واختصَّه بعلم شيء منها. تم تفسيرها. والحمد لله رب العالمين. * * *

المزمل 73:1

وهي مكية بسم الله الرحمن الرحيم {1 ـ 5} المزَّمِّل: المتغطي بثيابه كالمدَّثِّر، وهذا الوصف حصل من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين أكرمه الله برسالته، وابتدأه بإنزال وحيه بإرسال جبريل إليه ، فرأى أمراً لم يَرَ مثلَه ولا يقدِرُ على الثَّبات عليه إلاَّ المرسلون، فاعتراه عند ذلك انزعاجٌ، حين رأى جبريلَ عليه السلام، فأتى إلى أهله، فقال:«زمِّلوني زمِّلوني»، وهو ترعَدُ فرائصُه، ثم جاءه جبريلُ، فقال: اقرأ. فقال:«ما أنا بقارئٍ». فغطه حتَّى بلغ منه الجهدَ، وهو يعالجه على القراءة، فقرأ - صلى الله عليه وسلم -. ثم ألقى الله عليه الثباتَ، وتابع عليه الوحيَ، حتى بَلَغَ مَبْلَغاً ما بَلَغَه أحدٌ من المرسلين؛ فسبحان الله ما أعظم التفاوت بين ابتداء نبوَّته ونهايتها! ولهذا خاطبه الله بهذا الوصف الذي وُجِدَ منه في أول أمره، فأمره هنا بالعباداتِ المتعلِّقة به، ثم أمره بالصبر على أذيَّة قومه ، ثم أمر بالصَّدْع بأمره وإعلان دعوتهم إلى الله، فأمره هنا بأشرف العبادات، وهي الصلاة، وبآكدِ الأوقات وأفضلها، وهو قيامُ الليل. ومن رحمته [تعالى] أنَّه لم يأمرْه بقيام الليل كلِّه، بل قال:{قم الليلَ إلاَّ قليلاً}. ثم قدَّر ذلك فقال:{نصفَه أو انقُصۡ منه}؛ أي: من النصف {قليلاً}: بأن يكون الثلث ونحوه، {أو زِدۡ عليه}؛ أي: على النصف، فيكون نحو الثلثين ، {ورتِّل القرآن ترتيلاً}؛ فإنَّ ترتيلَ القرآن به يحصُلُ التدبُّر والتفكُّر وتحريك القلوب به والتعبُّد بآياته والتهيُّؤ والاستعداد التامُّ له؛ فإنَّه قال:{إنَّا سنُلقي عليك قولاً ثقيلاً}؛ أي: نوحي إليك هذا القرآن الثقيل؛ أي: العظيمة معانيه، الجليلة أوصافه، وما كان بهذا الوصف حقيقٌ أن يُتَهَيَّأ له ويُرَتَّل ويُتَفَكَّر فيما يشتمل عليه. {6} ثم ذكر الحكمة في أمره بقيام الليل، فقال:{إنَّ ناشئةَ الليل}؛ أي: الصلاة فيه بعد النوم، {هي أشدُّ وطئاً وأقومُ قيلاً}؛ أي: أقرب إلى حصول مقصود القرآن؛ يتواطأ عليه القلب واللسان، وتقلُّ الشواغل، ويفهم ما يقول، ويستقيم له أمره. {7} وهذا بخلاف النهار؛ فإنَّه لا يحصلُ به هذه المقاصد ، ولهذا قال:{إنَّ لك في النهار سبحاً طويلاً}؛ أي: تردُّداً في حوائجك ومعاشك يوجبُ اشتغال القلب وعدم تفرُّغه التفرُّغ التامَّ. {8}{واذكرِ اسمَ ربِّك}: شاملٌ لأنواع الذِّكْر كلِّها، {وتَبَتَّلۡ إليه تَبتيلاً}؛ أي: انقطع إليه ؛ فإنَّ الانقطاع إلى الله والإنابة إليه هو: الانفصالُ بالقلب عن الخلائق، والاتِّصاف بمحبَّة الله وما يقرِّب إليه ويدني من رضاه. {9}{رب المشرق والمغرب}: وهذا اسم جنس؛ يشمل المشارق والمغارب كلَّها؛ فهو تعالى ربُّ المشارق والمغارب، وما يكون فيها من الأنوار، وما هي مصلحةٌ له من العالم العلويِّ والسفليِّ؛ فهو ربُّ كلِّ شيءٍ وخالقُه ومدبِّره. {لا إله إلاَّ هو}؛ أي: لا معبود إلاَّ وجهه الأعلى، الذي يستحقُّ أن يُخَصَّ بالمحبَّة والتعظيم والإجلال والتكريم، ولهذا قال:{فاتَّخِذۡه وكيلاً}؛ أي: حافظاً ومدبِّراً لأمورك كلِّها. {10} فلما أمره الله بالصَّلاة خصوصاً وبالذِّكر عموماً، وذلك يحصل للعبد مَلَكَةٌ قويةٌ في تحمُّل الأثقال وفعل المُشِقِّ من الأعمال؛ أمره بالصبر على ما يقوله المعاندون له ويسبُّونه ويسبُّون ما جاء به، وأن يمضِيَ على أمر الله؛ لا يصدُّه عنه صادٌّ ولا يردُّه رادٌّ، وأن يَهْجُرَهُم هجراً جميلاً، وهو الهجر حيث اقتضت المصلحةُ [الهجرَ]، الذي لا أذيَّة فيه، بل يعاملهم بالهجر والإعراض عن أقوالهم التي تؤذيه، وأمره بجدالهم بالتي هي أحسن. {11}{وذرني والمكذِّبينَ}؛ أي: اتركْني وإيَّاهم، فسأنتقم منهم، وإنْ أمْهَلْتُهم؛ فلا أهمِلُهم. وقوله:{أولي النَّعۡمةِ}؛ أي: أصحاب النَّعمة والغنى، الذين طَغَوْا حين وسَّع الله عليهم من رزقه وأمدَّهم من فضله؛ كما قال تعالى:{كلاَّ إنَّ الإنسانَ لَيَطۡغى. أن رآه استَغۡنى}. ثم توعدهم بما عنده من العقاب فقال:

المزمل 73:2

وهي مكية بسم الله الرحمن الرحيم {1 ـ 5} المزَّمِّل: المتغطي بثيابه كالمدَّثِّر، وهذا الوصف حصل من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين أكرمه الله برسالته، وابتدأه بإنزال وحيه بإرسال جبريل إليه ، فرأى أمراً لم يَرَ مثلَه ولا يقدِرُ على الثَّبات عليه إلاَّ المرسلون، فاعتراه عند ذلك انزعاجٌ، حين رأى جبريلَ عليه السلام، فأتى إلى أهله، فقال:«زمِّلوني زمِّلوني»، وهو ترعَدُ فرائصُه، ثم جاءه جبريلُ، فقال: اقرأ. فقال:«ما أنا بقارئٍ». فغطه حتَّى بلغ منه الجهدَ، وهو يعالجه على القراءة، فقرأ - صلى الله عليه وسلم -. ثم ألقى الله عليه الثباتَ، وتابع عليه الوحيَ، حتى بَلَغَ مَبْلَغاً ما بَلَغَه أحدٌ من المرسلين؛ فسبحان الله ما أعظم التفاوت بين ابتداء نبوَّته ونهايتها! ولهذا خاطبه الله بهذا الوصف الذي وُجِدَ منه في أول أمره، فأمره هنا بالعباداتِ المتعلِّقة به، ثم أمره بالصبر على أذيَّة قومه ، ثم أمر بالصَّدْع بأمره وإعلان دعوتهم إلى الله، فأمره هنا بأشرف العبادات، وهي الصلاة، وبآكدِ الأوقات وأفضلها، وهو قيامُ الليل. ومن رحمته [تعالى] أنَّه لم يأمرْه بقيام الليل كلِّه، بل قال:{قم الليلَ إلاَّ قليلاً}. ثم قدَّر ذلك فقال:{نصفَه أو انقُصۡ منه}؛ أي: من النصف {قليلاً}: بأن يكون الثلث ونحوه، {أو زِدۡ عليه}؛ أي: على النصف، فيكون نحو الثلثين ، {ورتِّل القرآن ترتيلاً}؛ فإنَّ ترتيلَ القرآن به يحصُلُ التدبُّر والتفكُّر وتحريك القلوب به والتعبُّد بآياته والتهيُّؤ والاستعداد التامُّ له؛ فإنَّه قال:{إنَّا سنُلقي عليك قولاً ثقيلاً}؛ أي: نوحي إليك هذا القرآن الثقيل؛ أي: العظيمة معانيه، الجليلة أوصافه، وما كان بهذا الوصف حقيقٌ أن يُتَهَيَّأ له ويُرَتَّل ويُتَفَكَّر فيما يشتمل عليه. {6} ثم ذكر الحكمة في أمره بقيام الليل، فقال:{إنَّ ناشئةَ الليل}؛ أي: الصلاة فيه بعد النوم، {هي أشدُّ وطئاً وأقومُ قيلاً}؛ أي: أقرب إلى حصول مقصود القرآن؛ يتواطأ عليه القلب واللسان، وتقلُّ الشواغل، ويفهم ما يقول، ويستقيم له أمره. {7} وهذا بخلاف النهار؛ فإنَّه لا يحصلُ به هذه المقاصد ، ولهذا قال:{إنَّ لك في النهار سبحاً طويلاً}؛ أي: تردُّداً في حوائجك ومعاشك يوجبُ اشتغال القلب وعدم تفرُّغه التفرُّغ التامَّ. {8}{واذكرِ اسمَ ربِّك}: شاملٌ لأنواع الذِّكْر كلِّها، {وتَبَتَّلۡ إليه تَبتيلاً}؛ أي: انقطع إليه ؛ فإنَّ الانقطاع إلى الله والإنابة إليه هو: الانفصالُ بالقلب عن الخلائق، والاتِّصاف بمحبَّة الله وما يقرِّب إليه ويدني من رضاه. {9}{رب المشرق والمغرب}: وهذا اسم جنس؛ يشمل المشارق والمغارب كلَّها؛ فهو تعالى ربُّ المشارق والمغارب، وما يكون فيها من الأنوار، وما هي مصلحةٌ له من العالم العلويِّ والسفليِّ؛ فهو ربُّ كلِّ شيءٍ وخالقُه ومدبِّره. {لا إله إلاَّ هو}؛ أي: لا معبود إلاَّ وجهه الأعلى، الذي يستحقُّ أن يُخَصَّ بالمحبَّة والتعظيم والإجلال والتكريم، ولهذا قال:{فاتَّخِذۡه وكيلاً}؛ أي: حافظاً ومدبِّراً لأمورك كلِّها. {10} فلما أمره الله بالصَّلاة خصوصاً وبالذِّكر عموماً، وذلك يحصل للعبد مَلَكَةٌ قويةٌ في تحمُّل الأثقال وفعل المُشِقِّ من الأعمال؛ أمره بالصبر على ما يقوله المعاندون له ويسبُّونه ويسبُّون ما جاء به، وأن يمضِيَ على أمر الله؛ لا يصدُّه عنه صادٌّ ولا يردُّه رادٌّ، وأن يَهْجُرَهُم هجراً جميلاً، وهو الهجر حيث اقتضت المصلحةُ [الهجرَ]، الذي لا أذيَّة فيه، بل يعاملهم بالهجر والإعراض عن أقوالهم التي تؤذيه، وأمره بجدالهم بالتي هي أحسن. {11}{وذرني والمكذِّبينَ}؛ أي: اتركْني وإيَّاهم، فسأنتقم منهم، وإنْ أمْهَلْتُهم؛ فلا أهمِلُهم. وقوله:{أولي النَّعۡمةِ}؛ أي: أصحاب النَّعمة والغنى، الذين طَغَوْا حين وسَّع الله عليهم من رزقه وأمدَّهم من فضله؛ كما قال تعالى:{كلاَّ إنَّ الإنسانَ لَيَطۡغى. أن رآه استَغۡنى}. ثم توعدهم بما عنده من العقاب فقال:

المزمل 73:3

وهي مكية بسم الله الرحمن الرحيم {1 ـ 5} المزَّمِّل: المتغطي بثيابه كالمدَّثِّر، وهذا الوصف حصل من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين أكرمه الله برسالته، وابتدأه بإنزال وحيه بإرسال جبريل إليه ، فرأى أمراً لم يَرَ مثلَه ولا يقدِرُ على الثَّبات عليه إلاَّ المرسلون، فاعتراه عند ذلك انزعاجٌ، حين رأى جبريلَ عليه السلام، فأتى إلى أهله، فقال:«زمِّلوني زمِّلوني»، وهو ترعَدُ فرائصُه، ثم جاءه جبريلُ، فقال: اقرأ. فقال:«ما أنا بقارئٍ». فغطه حتَّى بلغ منه الجهدَ، وهو يعالجه على القراءة، فقرأ - صلى الله عليه وسلم -. ثم ألقى الله عليه الثباتَ، وتابع عليه الوحيَ، حتى بَلَغَ مَبْلَغاً ما بَلَغَه أحدٌ من المرسلين؛ فسبحان الله ما أعظم التفاوت بين ابتداء نبوَّته ونهايتها! ولهذا خاطبه الله بهذا الوصف الذي وُجِدَ منه في أول أمره، فأمره هنا بالعباداتِ المتعلِّقة به، ثم أمره بالصبر على أذيَّة قومه ، ثم أمر بالصَّدْع بأمره وإعلان دعوتهم إلى الله، فأمره هنا بأشرف العبادات، وهي الصلاة، وبآكدِ الأوقات وأفضلها، وهو قيامُ الليل. ومن رحمته [تعالى] أنَّه لم يأمرْه بقيام الليل كلِّه، بل قال:{قم الليلَ إلاَّ قليلاً}. ثم قدَّر ذلك فقال:{نصفَه أو انقُصۡ منه}؛ أي: من النصف {قليلاً}: بأن يكون الثلث ونحوه، {أو زِدۡ عليه}؛ أي: على النصف، فيكون نحو الثلثين ، {ورتِّل القرآن ترتيلاً}؛ فإنَّ ترتيلَ القرآن به يحصُلُ التدبُّر والتفكُّر وتحريك القلوب به والتعبُّد بآياته والتهيُّؤ والاستعداد التامُّ له؛ فإنَّه قال:{إنَّا سنُلقي عليك قولاً ثقيلاً}؛ أي: نوحي إليك هذا القرآن الثقيل؛ أي: العظيمة معانيه، الجليلة أوصافه، وما كان بهذا الوصف حقيقٌ أن يُتَهَيَّأ له ويُرَتَّل ويُتَفَكَّر فيما يشتمل عليه. {6} ثم ذكر الحكمة في أمره بقيام الليل، فقال:{إنَّ ناشئةَ الليل}؛ أي: الصلاة فيه بعد النوم، {هي أشدُّ وطئاً وأقومُ قيلاً}؛ أي: أقرب إلى حصول مقصود القرآن؛ يتواطأ عليه القلب واللسان، وتقلُّ الشواغل، ويفهم ما يقول، ويستقيم له أمره. {7} وهذا بخلاف النهار؛ فإنَّه لا يحصلُ به هذه المقاصد ، ولهذا قال:{إنَّ لك في النهار سبحاً طويلاً}؛ أي: تردُّداً في حوائجك ومعاشك يوجبُ اشتغال القلب وعدم تفرُّغه التفرُّغ التامَّ. {8}{واذكرِ اسمَ ربِّك}: شاملٌ لأنواع الذِّكْر كلِّها، {وتَبَتَّلۡ إليه تَبتيلاً}؛ أي: انقطع إليه ؛ فإنَّ الانقطاع إلى الله والإنابة إليه هو: الانفصالُ بالقلب عن الخلائق، والاتِّصاف بمحبَّة الله وما يقرِّب إليه ويدني من رضاه. {9}{رب المشرق والمغرب}: وهذا اسم جنس؛ يشمل المشارق والمغارب كلَّها؛ فهو تعالى ربُّ المشارق والمغارب، وما يكون فيها من الأنوار، وما هي مصلحةٌ له من العالم العلويِّ والسفليِّ؛ فهو ربُّ كلِّ شيءٍ وخالقُه ومدبِّره. {لا إله إلاَّ هو}؛ أي: لا معبود إلاَّ وجهه الأعلى، الذي يستحقُّ أن يُخَصَّ بالمحبَّة والتعظيم والإجلال والتكريم، ولهذا قال:{فاتَّخِذۡه وكيلاً}؛ أي: حافظاً ومدبِّراً لأمورك كلِّها. {10} فلما أمره الله بالصَّلاة خصوصاً وبالذِّكر عموماً، وذلك يحصل للعبد مَلَكَةٌ قويةٌ في تحمُّل الأثقال وفعل المُشِقِّ من الأعمال؛ أمره بالصبر على ما يقوله المعاندون له ويسبُّونه ويسبُّون ما جاء به، وأن يمضِيَ على أمر الله؛ لا يصدُّه عنه صادٌّ ولا يردُّه رادٌّ، وأن يَهْجُرَهُم هجراً جميلاً، وهو الهجر حيث اقتضت المصلحةُ [الهجرَ]، الذي لا أذيَّة فيه، بل يعاملهم بالهجر والإعراض عن أقوالهم التي تؤذيه، وأمره بجدالهم بالتي هي أحسن. {11}{وذرني والمكذِّبينَ}؛ أي: اتركْني وإيَّاهم، فسأنتقم منهم، وإنْ أمْهَلْتُهم؛ فلا أهمِلُهم. وقوله:{أولي النَّعۡمةِ}؛ أي: أصحاب النَّعمة والغنى، الذين طَغَوْا حين وسَّع الله عليهم من رزقه وأمدَّهم من فضله؛ كما قال تعالى:{كلاَّ إنَّ الإنسانَ لَيَطۡغى. أن رآه استَغۡنى}. ثم توعدهم بما عنده من العقاب فقال:

المزمل 73:4

وهي مكية بسم الله الرحمن الرحيم {1 ـ 5} المزَّمِّل: المتغطي بثيابه كالمدَّثِّر، وهذا الوصف حصل من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين أكرمه الله برسالته، وابتدأه بإنزال وحيه بإرسال جبريل إليه ، فرأى أمراً لم يَرَ مثلَه ولا يقدِرُ على الثَّبات عليه إلاَّ المرسلون، فاعتراه عند ذلك انزعاجٌ، حين رأى جبريلَ عليه السلام، فأتى إلى أهله، فقال:«زمِّلوني زمِّلوني»، وهو ترعَدُ فرائصُه، ثم جاءه جبريلُ، فقال: اقرأ. فقال:«ما أنا بقارئٍ». فغطه حتَّى بلغ منه الجهدَ، وهو يعالجه على القراءة، فقرأ - صلى الله عليه وسلم -. ثم ألقى الله عليه الثباتَ، وتابع عليه الوحيَ، حتى بَلَغَ مَبْلَغاً ما بَلَغَه أحدٌ من المرسلين؛ فسبحان الله ما أعظم التفاوت بين ابتداء نبوَّته ونهايتها! ولهذا خاطبه الله بهذا الوصف الذي وُجِدَ منه في أول أمره، فأمره هنا بالعباداتِ المتعلِّقة به، ثم أمره بالصبر على أذيَّة قومه ، ثم أمر بالصَّدْع بأمره وإعلان دعوتهم إلى الله، فأمره هنا بأشرف العبادات، وهي الصلاة، وبآكدِ الأوقات وأفضلها، وهو قيامُ الليل. ومن رحمته [تعالى] أنَّه لم يأمرْه بقيام الليل كلِّه، بل قال:{قم الليلَ إلاَّ قليلاً}. ثم قدَّر ذلك فقال:{نصفَه أو انقُصۡ منه}؛ أي: من النصف {قليلاً}: بأن يكون الثلث ونحوه، {أو زِدۡ عليه}؛ أي: على النصف، فيكون نحو الثلثين ، {ورتِّل القرآن ترتيلاً}؛ فإنَّ ترتيلَ القرآن به يحصُلُ التدبُّر والتفكُّر وتحريك القلوب به والتعبُّد بآياته والتهيُّؤ والاستعداد التامُّ له؛ فإنَّه قال:{إنَّا سنُلقي عليك قولاً ثقيلاً}؛ أي: نوحي إليك هذا القرآن الثقيل؛ أي: العظيمة معانيه، الجليلة أوصافه، وما كان بهذا الوصف حقيقٌ أن يُتَهَيَّأ له ويُرَتَّل ويُتَفَكَّر فيما يشتمل عليه. {6} ثم ذكر الحكمة في أمره بقيام الليل، فقال:{إنَّ ناشئةَ الليل}؛ أي: الصلاة فيه بعد النوم، {هي أشدُّ وطئاً وأقومُ قيلاً}؛ أي: أقرب إلى حصول مقصود القرآن؛ يتواطأ عليه القلب واللسان، وتقلُّ الشواغل، ويفهم ما يقول، ويستقيم له أمره. {7} وهذا بخلاف النهار؛ فإنَّه لا يحصلُ به هذه المقاصد ، ولهذا قال:{إنَّ لك في النهار سبحاً طويلاً}؛ أي: تردُّداً في حوائجك ومعاشك يوجبُ اشتغال القلب وعدم تفرُّغه التفرُّغ التامَّ. {8}{واذكرِ اسمَ ربِّك}: شاملٌ لأنواع الذِّكْر كلِّها، {وتَبَتَّلۡ إليه تَبتيلاً}؛ أي: انقطع إليه ؛ فإنَّ الانقطاع إلى الله والإنابة إليه هو: الانفصالُ بالقلب عن الخلائق، والاتِّصاف بمحبَّة الله وما يقرِّب إليه ويدني من رضاه. {9}{رب المشرق والمغرب}: وهذا اسم جنس؛ يشمل المشارق والمغارب كلَّها؛ فهو تعالى ربُّ المشارق والمغارب، وما يكون فيها من الأنوار، وما هي مصلحةٌ له من العالم العلويِّ والسفليِّ؛ فهو ربُّ كلِّ شيءٍ وخالقُه ومدبِّره. {لا إله إلاَّ هو}؛ أي: لا معبود إلاَّ وجهه الأعلى، الذي يستحقُّ أن يُخَصَّ بالمحبَّة والتعظيم والإجلال والتكريم، ولهذا قال:{فاتَّخِذۡه وكيلاً}؛ أي: حافظاً ومدبِّراً لأمورك كلِّها. {10} فلما أمره الله بالصَّلاة خصوصاً وبالذِّكر عموماً، وذلك يحصل للعبد مَلَكَةٌ قويةٌ في تحمُّل الأثقال وفعل المُشِقِّ من الأعمال؛ أمره بالصبر على ما يقوله المعاندون له ويسبُّونه ويسبُّون ما جاء به، وأن يمضِيَ على أمر الله؛ لا يصدُّه عنه صادٌّ ولا يردُّه رادٌّ، وأن يَهْجُرَهُم هجراً جميلاً، وهو الهجر حيث اقتضت المصلحةُ [الهجرَ]، الذي لا أذيَّة فيه، بل يعاملهم بالهجر والإعراض عن أقوالهم التي تؤذيه، وأمره بجدالهم بالتي هي أحسن. {11}{وذرني والمكذِّبينَ}؛ أي: اتركْني وإيَّاهم، فسأنتقم منهم، وإنْ أمْهَلْتُهم؛ فلا أهمِلُهم. وقوله:{أولي النَّعۡمةِ}؛ أي: أصحاب النَّعمة والغنى، الذين طَغَوْا حين وسَّع الله عليهم من رزقه وأمدَّهم من فضله؛ كما قال تعالى:{كلاَّ إنَّ الإنسانَ لَيَطۡغى. أن رآه استَغۡنى}. ثم توعدهم بما عنده من العقاب فقال:

المزمل 73:5

وهي مكية بسم الله الرحمن الرحيم {1 ـ 5} المزَّمِّل: المتغطي بثيابه كالمدَّثِّر، وهذا الوصف حصل من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين أكرمه الله برسالته، وابتدأه بإنزال وحيه بإرسال جبريل إليه ، فرأى أمراً لم يَرَ مثلَه ولا يقدِرُ على الثَّبات عليه إلاَّ المرسلون، فاعتراه عند ذلك انزعاجٌ، حين رأى جبريلَ عليه السلام، فأتى إلى أهله، فقال:«زمِّلوني زمِّلوني»، وهو ترعَدُ فرائصُه، ثم جاءه جبريلُ، فقال: اقرأ. فقال:«ما أنا بقارئٍ». فغطه حتَّى بلغ منه الجهدَ، وهو يعالجه على القراءة، فقرأ - صلى الله عليه وسلم -. ثم ألقى الله عليه الثباتَ، وتابع عليه الوحيَ، حتى بَلَغَ مَبْلَغاً ما بَلَغَه أحدٌ من المرسلين؛ فسبحان الله ما أعظم التفاوت بين ابتداء نبوَّته ونهايتها! ولهذا خاطبه الله بهذا الوصف الذي وُجِدَ منه في أول أمره، فأمره هنا بالعباداتِ المتعلِّقة به، ثم أمره بالصبر على أذيَّة قومه ، ثم أمر بالصَّدْع بأمره وإعلان دعوتهم إلى الله، فأمره هنا بأشرف العبادات، وهي الصلاة، وبآكدِ الأوقات وأفضلها، وهو قيامُ الليل. ومن رحمته [تعالى] أنَّه لم يأمرْه بقيام الليل كلِّه، بل قال:{قم الليلَ إلاَّ قليلاً}. ثم قدَّر ذلك فقال:{نصفَه أو انقُصۡ منه}؛ أي: من النصف {قليلاً}: بأن يكون الثلث ونحوه، {أو زِدۡ عليه}؛ أي: على النصف، فيكون نحو الثلثين ، {ورتِّل القرآن ترتيلاً}؛ فإنَّ ترتيلَ القرآن به يحصُلُ التدبُّر والتفكُّر وتحريك القلوب به والتعبُّد بآياته والتهيُّؤ والاستعداد التامُّ له؛ فإنَّه قال:{إنَّا سنُلقي عليك قولاً ثقيلاً}؛ أي: نوحي إليك هذا القرآن الثقيل؛ أي: العظيمة معانيه، الجليلة أوصافه، وما كان بهذا الوصف حقيقٌ أن يُتَهَيَّأ له ويُرَتَّل ويُتَفَكَّر فيما يشتمل عليه. {6} ثم ذكر الحكمة في أمره بقيام الليل، فقال:{إنَّ ناشئةَ الليل}؛ أي: الصلاة فيه بعد النوم، {هي أشدُّ وطئاً وأقومُ قيلاً}؛ أي: أقرب إلى حصول مقصود القرآن؛ يتواطأ عليه القلب واللسان، وتقلُّ الشواغل، ويفهم ما يقول، ويستقيم له أمره. {7} وهذا بخلاف النهار؛ فإنَّه لا يحصلُ به هذه المقاصد ، ولهذا قال:{إنَّ لك في النهار سبحاً طويلاً}؛ أي: تردُّداً في حوائجك ومعاشك يوجبُ اشتغال القلب وعدم تفرُّغه التفرُّغ التامَّ. {8}{واذكرِ اسمَ ربِّك}: شاملٌ لأنواع الذِّكْر كلِّها، {وتَبَتَّلۡ إليه تَبتيلاً}؛ أي: انقطع إليه ؛ فإنَّ الانقطاع إلى الله والإنابة إليه هو: الانفصالُ بالقلب عن الخلائق، والاتِّصاف بمحبَّة الله وما يقرِّب إليه ويدني من رضاه. {9}{رب المشرق والمغرب}: وهذا اسم جنس؛ يشمل المشارق والمغارب كلَّها؛ فهو تعالى ربُّ المشارق والمغارب، وما يكون فيها من الأنوار، وما هي مصلحةٌ له من العالم العلويِّ والسفليِّ؛ فهو ربُّ كلِّ شيءٍ وخالقُه ومدبِّره. {لا إله إلاَّ هو}؛ أي: لا معبود إلاَّ وجهه الأعلى، الذي يستحقُّ أن يُخَصَّ بالمحبَّة والتعظيم والإجلال والتكريم، ولهذا قال:{فاتَّخِذۡه وكيلاً}؛ أي: حافظاً ومدبِّراً لأمورك كلِّها. {10} فلما أمره الله بالصَّلاة خصوصاً وبالذِّكر عموماً، وذلك يحصل للعبد مَلَكَةٌ قويةٌ في تحمُّل الأثقال وفعل المُشِقِّ من الأعمال؛ أمره بالصبر على ما يقوله المعاندون له ويسبُّونه ويسبُّون ما جاء به، وأن يمضِيَ على أمر الله؛ لا يصدُّه عنه صادٌّ ولا يردُّه رادٌّ، وأن يَهْجُرَهُم هجراً جميلاً، وهو الهجر حيث اقتضت المصلحةُ [الهجرَ]، الذي لا أذيَّة فيه، بل يعاملهم بالهجر والإعراض عن أقوالهم التي تؤذيه، وأمره بجدالهم بالتي هي أحسن. {11}{وذرني والمكذِّبينَ}؛ أي: اتركْني وإيَّاهم، فسأنتقم منهم، وإنْ أمْهَلْتُهم؛ فلا أهمِلُهم. وقوله:{أولي النَّعۡمةِ}؛ أي: أصحاب النَّعمة والغنى، الذين طَغَوْا حين وسَّع الله عليهم من رزقه وأمدَّهم من فضله؛ كما قال تعالى:{كلاَّ إنَّ الإنسانَ لَيَطۡغى. أن رآه استَغۡنى}. ثم توعدهم بما عنده من العقاب فقال:

المزمل 73:6

وهي مكية بسم الله الرحمن الرحيم {1 ـ 5} المزَّمِّل: المتغطي بثيابه كالمدَّثِّر، وهذا الوصف حصل من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين أكرمه الله برسالته، وابتدأه بإنزال وحيه بإرسال جبريل إليه ، فرأى أمراً لم يَرَ مثلَه ولا يقدِرُ على الثَّبات عليه إلاَّ المرسلون، فاعتراه عند ذلك انزعاجٌ، حين رأى جبريلَ عليه السلام، فأتى إلى أهله، فقال:«زمِّلوني زمِّلوني»، وهو ترعَدُ فرائصُه، ثم جاءه جبريلُ، فقال: اقرأ. فقال:«ما أنا بقارئٍ». فغطه حتَّى بلغ منه الجهدَ، وهو يعالجه على القراءة، فقرأ - صلى الله عليه وسلم -. ثم ألقى الله عليه الثباتَ، وتابع عليه الوحيَ، حتى بَلَغَ مَبْلَغاً ما بَلَغَه أحدٌ من المرسلين؛ فسبحان الله ما أعظم التفاوت بين ابتداء نبوَّته ونهايتها! ولهذا خاطبه الله بهذا الوصف الذي وُجِدَ منه في أول أمره، فأمره هنا بالعباداتِ المتعلِّقة به، ثم أمره بالصبر على أذيَّة قومه ، ثم أمر بالصَّدْع بأمره وإعلان دعوتهم إلى الله، فأمره هنا بأشرف العبادات، وهي الصلاة، وبآكدِ الأوقات وأفضلها، وهو قيامُ الليل. ومن رحمته [تعالى] أنَّه لم يأمرْه بقيام الليل كلِّه، بل قال:{قم الليلَ إلاَّ قليلاً}. ثم قدَّر ذلك فقال:{نصفَه أو انقُصۡ منه}؛ أي: من النصف {قليلاً}: بأن يكون الثلث ونحوه، {أو زِدۡ عليه}؛ أي: على النصف، فيكون نحو الثلثين ، {ورتِّل القرآن ترتيلاً}؛ فإنَّ ترتيلَ القرآن به يحصُلُ التدبُّر والتفكُّر وتحريك القلوب به والتعبُّد بآياته والتهيُّؤ والاستعداد التامُّ له؛ فإنَّه قال:{إنَّا سنُلقي عليك قولاً ثقيلاً}؛ أي: نوحي إليك هذا القرآن الثقيل؛ أي: العظيمة معانيه، الجليلة أوصافه، وما كان بهذا الوصف حقيقٌ أن يُتَهَيَّأ له ويُرَتَّل ويُتَفَكَّر فيما يشتمل عليه. {6} ثم ذكر الحكمة في أمره بقيام الليل، فقال:{إنَّ ناشئةَ الليل}؛ أي: الصلاة فيه بعد النوم، {هي أشدُّ وطئاً وأقومُ قيلاً}؛ أي: أقرب إلى حصول مقصود القرآن؛ يتواطأ عليه القلب واللسان، وتقلُّ الشواغل، ويفهم ما يقول، ويستقيم له أمره. {7} وهذا بخلاف النهار؛ فإنَّه لا يحصلُ به هذه المقاصد ، ولهذا قال:{إنَّ لك في النهار سبحاً طويلاً}؛ أي: تردُّداً في حوائجك ومعاشك يوجبُ اشتغال القلب وعدم تفرُّغه التفرُّغ التامَّ. {8}{واذكرِ اسمَ ربِّك}: شاملٌ لأنواع الذِّكْر كلِّها، {وتَبَتَّلۡ إليه تَبتيلاً}؛ أي: انقطع إليه ؛ فإنَّ الانقطاع إلى الله والإنابة إليه هو: الانفصالُ بالقلب عن الخلائق، والاتِّصاف بمحبَّة الله وما يقرِّب إليه ويدني من رضاه. {9}{رب المشرق والمغرب}: وهذا اسم جنس؛ يشمل المشارق والمغارب كلَّها؛ فهو تعالى ربُّ المشارق والمغارب، وما يكون فيها من الأنوار، وما هي مصلحةٌ له من العالم العلويِّ والسفليِّ؛ فهو ربُّ كلِّ شيءٍ وخالقُه ومدبِّره. {لا إله إلاَّ هو}؛ أي: لا معبود إلاَّ وجهه الأعلى، الذي يستحقُّ أن يُخَصَّ بالمحبَّة والتعظيم والإجلال والتكريم، ولهذا قال:{فاتَّخِذۡه وكيلاً}؛ أي: حافظاً ومدبِّراً لأمورك كلِّها. {10} فلما أمره الله بالصَّلاة خصوصاً وبالذِّكر عموماً، وذلك يحصل للعبد مَلَكَةٌ قويةٌ في تحمُّل الأثقال وفعل المُشِقِّ من الأعمال؛ أمره بالصبر على ما يقوله المعاندون له ويسبُّونه ويسبُّون ما جاء به، وأن يمضِيَ على أمر الله؛ لا يصدُّه عنه صادٌّ ولا يردُّه رادٌّ، وأن يَهْجُرَهُم هجراً جميلاً، وهو الهجر حيث اقتضت المصلحةُ [الهجرَ]، الذي لا أذيَّة فيه، بل يعاملهم بالهجر والإعراض عن أقوالهم التي تؤذيه، وأمره بجدالهم بالتي هي أحسن. {11}{وذرني والمكذِّبينَ}؛ أي: اتركْني وإيَّاهم، فسأنتقم منهم، وإنْ أمْهَلْتُهم؛ فلا أهمِلُهم. وقوله:{أولي النَّعۡمةِ}؛ أي: أصحاب النَّعمة والغنى، الذين طَغَوْا حين وسَّع الله عليهم من رزقه وأمدَّهم من فضله؛ كما قال تعالى:{كلاَّ إنَّ الإنسانَ لَيَطۡغى. أن رآه استَغۡنى}. ثم توعدهم بما عنده من العقاب فقال:

المزمل 73:7

وهي مكية بسم الله الرحمن الرحيم {1 ـ 5} المزَّمِّل: المتغطي بثيابه كالمدَّثِّر، وهذا الوصف حصل من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين أكرمه الله برسالته، وابتدأه بإنزال وحيه بإرسال جبريل إليه ، فرأى أمراً لم يَرَ مثلَه ولا يقدِرُ على الثَّبات عليه إلاَّ المرسلون، فاعتراه عند ذلك انزعاجٌ، حين رأى جبريلَ عليه السلام، فأتى إلى أهله، فقال:«زمِّلوني زمِّلوني»، وهو ترعَدُ فرائصُه، ثم جاءه جبريلُ، فقال: اقرأ. فقال:«ما أنا بقارئٍ». فغطه حتَّى بلغ منه الجهدَ، وهو يعالجه على القراءة، فقرأ - صلى الله عليه وسلم -. ثم ألقى الله عليه الثباتَ، وتابع عليه الوحيَ، حتى بَلَغَ مَبْلَغاً ما بَلَغَه أحدٌ من المرسلين؛ فسبحان الله ما أعظم التفاوت بين ابتداء نبوَّته ونهايتها! ولهذا خاطبه الله بهذا الوصف الذي وُجِدَ منه في أول أمره، فأمره هنا بالعباداتِ المتعلِّقة به، ثم أمره بالصبر على أذيَّة قومه ، ثم أمر بالصَّدْع بأمره وإعلان دعوتهم إلى الله، فأمره هنا بأشرف العبادات، وهي الصلاة، وبآكدِ الأوقات وأفضلها، وهو قيامُ الليل. ومن رحمته [تعالى] أنَّه لم يأمرْه بقيام الليل كلِّه، بل قال:{قم الليلَ إلاَّ قليلاً}. ثم قدَّر ذلك فقال:{نصفَه أو انقُصۡ منه}؛ أي: من النصف {قليلاً}: بأن يكون الثلث ونحوه، {أو زِدۡ عليه}؛ أي: على النصف، فيكون نحو الثلثين ، {ورتِّل القرآن ترتيلاً}؛ فإنَّ ترتيلَ القرآن به يحصُلُ التدبُّر والتفكُّر وتحريك القلوب به والتعبُّد بآياته والتهيُّؤ والاستعداد التامُّ له؛ فإنَّه قال:{إنَّا سنُلقي عليك قولاً ثقيلاً}؛ أي: نوحي إليك هذا القرآن الثقيل؛ أي: العظيمة معانيه، الجليلة أوصافه، وما كان بهذا الوصف حقيقٌ أن يُتَهَيَّأ له ويُرَتَّل ويُتَفَكَّر فيما يشتمل عليه. {6} ثم ذكر الحكمة في أمره بقيام الليل، فقال:{إنَّ ناشئةَ الليل}؛ أي: الصلاة فيه بعد النوم، {هي أشدُّ وطئاً وأقومُ قيلاً}؛ أي: أقرب إلى حصول مقصود القرآن؛ يتواطأ عليه القلب واللسان، وتقلُّ الشواغل، ويفهم ما يقول، ويستقيم له أمره. {7} وهذا بخلاف النهار؛ فإنَّه لا يحصلُ به هذه المقاصد ، ولهذا قال:{إنَّ لك في النهار سبحاً طويلاً}؛ أي: تردُّداً في حوائجك ومعاشك يوجبُ اشتغال القلب وعدم تفرُّغه التفرُّغ التامَّ. {8}{واذكرِ اسمَ ربِّك}: شاملٌ لأنواع الذِّكْر كلِّها، {وتَبَتَّلۡ إليه تَبتيلاً}؛ أي: انقطع إليه ؛ فإنَّ الانقطاع إلى الله والإنابة إليه هو: الانفصالُ بالقلب عن الخلائق، والاتِّصاف بمحبَّة الله وما يقرِّب إليه ويدني من رضاه. {9}{رب المشرق والمغرب}: وهذا اسم جنس؛ يشمل المشارق والمغارب كلَّها؛ فهو تعالى ربُّ المشارق والمغارب، وما يكون فيها من الأنوار، وما هي مصلحةٌ له من العالم العلويِّ والسفليِّ؛ فهو ربُّ كلِّ شيءٍ وخالقُه ومدبِّره. {لا إله إلاَّ هو}؛ أي: لا معبود إلاَّ وجهه الأعلى، الذي يستحقُّ أن يُخَصَّ بالمحبَّة والتعظيم والإجلال والتكريم، ولهذا قال:{فاتَّخِذۡه وكيلاً}؛ أي: حافظاً ومدبِّراً لأمورك كلِّها. {10} فلما أمره الله بالصَّلاة خصوصاً وبالذِّكر عموماً، وذلك يحصل للعبد مَلَكَةٌ قويةٌ في تحمُّل الأثقال وفعل المُشِقِّ من الأعمال؛ أمره بالصبر على ما يقوله المعاندون له ويسبُّونه ويسبُّون ما جاء به، وأن يمضِيَ على أمر الله؛ لا يصدُّه عنه صادٌّ ولا يردُّه رادٌّ، وأن يَهْجُرَهُم هجراً جميلاً، وهو الهجر حيث اقتضت المصلحةُ [الهجرَ]، الذي لا أذيَّة فيه، بل يعاملهم بالهجر والإعراض عن أقوالهم التي تؤذيه، وأمره بجدالهم بالتي هي أحسن. {11}{وذرني والمكذِّبينَ}؛ أي: اتركْني وإيَّاهم، فسأنتقم منهم، وإنْ أمْهَلْتُهم؛ فلا أهمِلُهم. وقوله:{أولي النَّعۡمةِ}؛ أي: أصحاب النَّعمة والغنى، الذين طَغَوْا حين وسَّع الله عليهم من رزقه وأمدَّهم من فضله؛ كما قال تعالى:{كلاَّ إنَّ الإنسانَ لَيَطۡغى. أن رآه استَغۡنى}. ثم توعدهم بما عنده من العقاب فقال:

المزمل 73:8

وهي مكية بسم الله الرحمن الرحيم {1 ـ 5} المزَّمِّل: المتغطي بثيابه كالمدَّثِّر، وهذا الوصف حصل من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين أكرمه الله برسالته، وابتدأه بإنزال وحيه بإرسال جبريل إليه ، فرأى أمراً لم يَرَ مثلَه ولا يقدِرُ على الثَّبات عليه إلاَّ المرسلون، فاعتراه عند ذلك انزعاجٌ، حين رأى جبريلَ عليه السلام، فأتى إلى أهله، فقال:«زمِّلوني زمِّلوني»، وهو ترعَدُ فرائصُه، ثم جاءه جبريلُ، فقال: اقرأ. فقال:«ما أنا بقارئٍ». فغطه حتَّى بلغ منه الجهدَ، وهو يعالجه على القراءة، فقرأ - صلى الله عليه وسلم -. ثم ألقى الله عليه الثباتَ، وتابع عليه الوحيَ، حتى بَلَغَ مَبْلَغاً ما بَلَغَه أحدٌ من المرسلين؛ فسبحان الله ما أعظم التفاوت بين ابتداء نبوَّته ونهايتها! ولهذا خاطبه الله بهذا الوصف الذي وُجِدَ منه في أول أمره، فأمره هنا بالعباداتِ المتعلِّقة به، ثم أمره بالصبر على أذيَّة قومه ، ثم أمر بالصَّدْع بأمره وإعلان دعوتهم إلى الله، فأمره هنا بأشرف العبادات، وهي الصلاة، وبآكدِ الأوقات وأفضلها، وهو قيامُ الليل. ومن رحمته [تعالى] أنَّه لم يأمرْه بقيام الليل كلِّه، بل قال:{قم الليلَ إلاَّ قليلاً}. ثم قدَّر ذلك فقال:{نصفَه أو انقُصۡ منه}؛ أي: من النصف {قليلاً}: بأن يكون الثلث ونحوه، {أو زِدۡ عليه}؛ أي: على النصف، فيكون نحو الثلثين ، {ورتِّل القرآن ترتيلاً}؛ فإنَّ ترتيلَ القرآن به يحصُلُ التدبُّر والتفكُّر وتحريك القلوب به والتعبُّد بآياته والتهيُّؤ والاستعداد التامُّ له؛ فإنَّه قال:{إنَّا سنُلقي عليك قولاً ثقيلاً}؛ أي: نوحي إليك هذا القرآن الثقيل؛ أي: العظيمة معانيه، الجليلة أوصافه، وما كان بهذا الوصف حقيقٌ أن يُتَهَيَّأ له ويُرَتَّل ويُتَفَكَّر فيما يشتمل عليه. {6} ثم ذكر الحكمة في أمره بقيام الليل، فقال:{إنَّ ناشئةَ الليل}؛ أي: الصلاة فيه بعد النوم، {هي أشدُّ وطئاً وأقومُ قيلاً}؛ أي: أقرب إلى حصول مقصود القرآن؛ يتواطأ عليه القلب واللسان، وتقلُّ الشواغل، ويفهم ما يقول، ويستقيم له أمره. {7} وهذا بخلاف النهار؛ فإنَّه لا يحصلُ به هذه المقاصد ، ولهذا قال:{إنَّ لك في النهار سبحاً طويلاً}؛ أي: تردُّداً في حوائجك ومعاشك يوجبُ اشتغال القلب وعدم تفرُّغه التفرُّغ التامَّ. {8}{واذكرِ اسمَ ربِّك}: شاملٌ لأنواع الذِّكْر كلِّها، {وتَبَتَّلۡ إليه تَبتيلاً}؛ أي: انقطع إليه ؛ فإنَّ الانقطاع إلى الله والإنابة إليه هو: الانفصالُ بالقلب عن الخلائق، والاتِّصاف بمحبَّة الله وما يقرِّب إليه ويدني من رضاه. {9}{رب المشرق والمغرب}: وهذا اسم جنس؛ يشمل المشارق والمغارب كلَّها؛ فهو تعالى ربُّ المشارق والمغارب، وما يكون فيها من الأنوار، وما هي مصلحةٌ له من العالم العلويِّ والسفليِّ؛ فهو ربُّ كلِّ شيءٍ وخالقُه ومدبِّره. {لا إله إلاَّ هو}؛ أي: لا معبود إلاَّ وجهه الأعلى، الذي يستحقُّ أن يُخَصَّ بالمحبَّة والتعظيم والإجلال والتكريم، ولهذا قال:{فاتَّخِذۡه وكيلاً}؛ أي: حافظاً ومدبِّراً لأمورك كلِّها. {10} فلما أمره الله بالصَّلاة خصوصاً وبالذِّكر عموماً، وذلك يحصل للعبد مَلَكَةٌ قويةٌ في تحمُّل الأثقال وفعل المُشِقِّ من الأعمال؛ أمره بالصبر على ما يقوله المعاندون له ويسبُّونه ويسبُّون ما جاء به، وأن يمضِيَ على أمر الله؛ لا يصدُّه عنه صادٌّ ولا يردُّه رادٌّ، وأن يَهْجُرَهُم هجراً جميلاً، وهو الهجر حيث اقتضت المصلحةُ [الهجرَ]، الذي لا أذيَّة فيه، بل يعاملهم بالهجر والإعراض عن أقوالهم التي تؤذيه، وأمره بجدالهم بالتي هي أحسن. {11}{وذرني والمكذِّبينَ}؛ أي: اتركْني وإيَّاهم، فسأنتقم منهم، وإنْ أمْهَلْتُهم؛ فلا أهمِلُهم. وقوله:{أولي النَّعۡمةِ}؛ أي: أصحاب النَّعمة والغنى، الذين طَغَوْا حين وسَّع الله عليهم من رزقه وأمدَّهم من فضله؛ كما قال تعالى:{كلاَّ إنَّ الإنسانَ لَيَطۡغى. أن رآه استَغۡنى}. ثم توعدهم بما عنده من العقاب فقال:

المزمل 73:9

وهي مكية بسم الله الرحمن الرحيم {1 ـ 5} المزَّمِّل: المتغطي بثيابه كالمدَّثِّر، وهذا الوصف حصل من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين أكرمه الله برسالته، وابتدأه بإنزال وحيه بإرسال جبريل إليه ، فرأى أمراً لم يَرَ مثلَه ولا يقدِرُ على الثَّبات عليه إلاَّ المرسلون، فاعتراه عند ذلك انزعاجٌ، حين رأى جبريلَ عليه السلام، فأتى إلى أهله، فقال:«زمِّلوني زمِّلوني»، وهو ترعَدُ فرائصُه، ثم جاءه جبريلُ، فقال: اقرأ. فقال:«ما أنا بقارئٍ». فغطه حتَّى بلغ منه الجهدَ، وهو يعالجه على القراءة، فقرأ - صلى الله عليه وسلم -. ثم ألقى الله عليه الثباتَ، وتابع عليه الوحيَ، حتى بَلَغَ مَبْلَغاً ما بَلَغَه أحدٌ من المرسلين؛ فسبحان الله ما أعظم التفاوت بين ابتداء نبوَّته ونهايتها! ولهذا خاطبه الله بهذا الوصف الذي وُجِدَ منه في أول أمره، فأمره هنا بالعباداتِ المتعلِّقة به، ثم أمره بالصبر على أذيَّة قومه ، ثم أمر بالصَّدْع بأمره وإعلان دعوتهم إلى الله، فأمره هنا بأشرف العبادات، وهي الصلاة، وبآكدِ الأوقات وأفضلها، وهو قيامُ الليل. ومن رحمته [تعالى] أنَّه لم يأمرْه بقيام الليل كلِّه، بل قال:{قم الليلَ إلاَّ قليلاً}. ثم قدَّر ذلك فقال:{نصفَه أو انقُصۡ منه}؛ أي: من النصف {قليلاً}: بأن يكون الثلث ونحوه، {أو زِدۡ عليه}؛ أي: على النصف، فيكون نحو الثلثين ، {ورتِّل القرآن ترتيلاً}؛ فإنَّ ترتيلَ القرآن به يحصُلُ التدبُّر والتفكُّر وتحريك القلوب به والتعبُّد بآياته والتهيُّؤ والاستعداد التامُّ له؛ فإنَّه قال:{إنَّا سنُلقي عليك قولاً ثقيلاً}؛ أي: نوحي إليك هذا القرآن الثقيل؛ أي: العظيمة معانيه، الجليلة أوصافه، وما كان بهذا الوصف حقيقٌ أن يُتَهَيَّأ له ويُرَتَّل ويُتَفَكَّر فيما يشتمل عليه. {6} ثم ذكر الحكمة في أمره بقيام الليل، فقال:{إنَّ ناشئةَ الليل}؛ أي: الصلاة فيه بعد النوم، {هي أشدُّ وطئاً وأقومُ قيلاً}؛ أي: أقرب إلى حصول مقصود القرآن؛ يتواطأ عليه القلب واللسان، وتقلُّ الشواغل، ويفهم ما يقول، ويستقيم له أمره. {7} وهذا بخلاف النهار؛ فإنَّه لا يحصلُ به هذه المقاصد ، ولهذا قال:{إنَّ لك في النهار سبحاً طويلاً}؛ أي: تردُّداً في حوائجك ومعاشك يوجبُ اشتغال القلب وعدم تفرُّغه التفرُّغ التامَّ. {8}{واذكرِ اسمَ ربِّك}: شاملٌ لأنواع الذِّكْر كلِّها، {وتَبَتَّلۡ إليه تَبتيلاً}؛ أي: انقطع إليه ؛ فإنَّ الانقطاع إلى الله والإنابة إليه هو: الانفصالُ بالقلب عن الخلائق، والاتِّصاف بمحبَّة الله وما يقرِّب إليه ويدني من رضاه. {9}{رب المشرق والمغرب}: وهذا اسم جنس؛ يشمل المشارق والمغارب كلَّها؛ فهو تعالى ربُّ المشارق والمغارب، وما يكون فيها من الأنوار، وما هي مصلحةٌ له من العالم العلويِّ والسفليِّ؛ فهو ربُّ كلِّ شيءٍ وخالقُه ومدبِّره. {لا إله إلاَّ هو}؛ أي: لا معبود إلاَّ وجهه الأعلى، الذي يستحقُّ أن يُخَصَّ بالمحبَّة والتعظيم والإجلال والتكريم، ولهذا قال:{فاتَّخِذۡه وكيلاً}؛ أي: حافظاً ومدبِّراً لأمورك كلِّها. {10} فلما أمره الله بالصَّلاة خصوصاً وبالذِّكر عموماً، وذلك يحصل للعبد مَلَكَةٌ قويةٌ في تحمُّل الأثقال وفعل المُشِقِّ من الأعمال؛ أمره بالصبر على ما يقوله المعاندون له ويسبُّونه ويسبُّون ما جاء به، وأن يمضِيَ على أمر الله؛ لا يصدُّه عنه صادٌّ ولا يردُّه رادٌّ، وأن يَهْجُرَهُم هجراً جميلاً، وهو الهجر حيث اقتضت المصلحةُ [الهجرَ]، الذي لا أذيَّة فيه، بل يعاملهم بالهجر والإعراض عن أقوالهم التي تؤذيه، وأمره بجدالهم بالتي هي أحسن. {11}{وذرني والمكذِّبينَ}؛ أي: اتركْني وإيَّاهم، فسأنتقم منهم، وإنْ أمْهَلْتُهم؛ فلا أهمِلُهم. وقوله:{أولي النَّعۡمةِ}؛ أي: أصحاب النَّعمة والغنى، الذين طَغَوْا حين وسَّع الله عليهم من رزقه وأمدَّهم من فضله؛ كما قال تعالى:{كلاَّ إنَّ الإنسانَ لَيَطۡغى. أن رآه استَغۡنى}. ثم توعدهم بما عنده من العقاب فقال:

المزمل 73:10

وهي مكية بسم الله الرحمن الرحيم {1 ـ 5} المزَّمِّل: المتغطي بثيابه كالمدَّثِّر، وهذا الوصف حصل من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين أكرمه الله برسالته، وابتدأه بإنزال وحيه بإرسال جبريل إليه ، فرأى أمراً لم يَرَ مثلَه ولا يقدِرُ على الثَّبات عليه إلاَّ المرسلون، فاعتراه عند ذلك انزعاجٌ، حين رأى جبريلَ عليه السلام، فأتى إلى أهله، فقال:«زمِّلوني زمِّلوني»، وهو ترعَدُ فرائصُه، ثم جاءه جبريلُ، فقال: اقرأ. فقال:«ما أنا بقارئٍ». فغطه حتَّى بلغ منه الجهدَ، وهو يعالجه على القراءة، فقرأ - صلى الله عليه وسلم -. ثم ألقى الله عليه الثباتَ، وتابع عليه الوحيَ، حتى بَلَغَ مَبْلَغاً ما بَلَغَه أحدٌ من المرسلين؛ فسبحان الله ما أعظم التفاوت بين ابتداء نبوَّته ونهايتها! ولهذا خاطبه الله بهذا الوصف الذي وُجِدَ منه في أول أمره، فأمره هنا بالعباداتِ المتعلِّقة به، ثم أمره بالصبر على أذيَّة قومه ، ثم أمر بالصَّدْع بأمره وإعلان دعوتهم إلى الله، فأمره هنا بأشرف العبادات، وهي الصلاة، وبآكدِ الأوقات وأفضلها، وهو قيامُ الليل. ومن رحمته [تعالى] أنَّه لم يأمرْه بقيام الليل كلِّه، بل قال:{قم الليلَ إلاَّ قليلاً}. ثم قدَّر ذلك فقال:{نصفَه أو انقُصۡ منه}؛ أي: من النصف {قليلاً}: بأن يكون الثلث ونحوه، {أو زِدۡ عليه}؛ أي: على النصف، فيكون نحو الثلثين ، {ورتِّل القرآن ترتيلاً}؛ فإنَّ ترتيلَ القرآن به يحصُلُ التدبُّر والتفكُّر وتحريك القلوب به والتعبُّد بآياته والتهيُّؤ والاستعداد التامُّ له؛ فإنَّه قال:{إنَّا سنُلقي عليك قولاً ثقيلاً}؛ أي: نوحي إليك هذا القرآن الثقيل؛ أي: العظيمة معانيه، الجليلة أوصافه، وما كان بهذا الوصف حقيقٌ أن يُتَهَيَّأ له ويُرَتَّل ويُتَفَكَّر فيما يشتمل عليه. {6} ثم ذكر الحكمة في أمره بقيام الليل، فقال:{إنَّ ناشئةَ الليل}؛ أي: الصلاة فيه بعد النوم، {هي أشدُّ وطئاً وأقومُ قيلاً}؛ أي: أقرب إلى حصول مقصود القرآن؛ يتواطأ عليه القلب واللسان، وتقلُّ الشواغل، ويفهم ما يقول، ويستقيم له أمره. {7} وهذا بخلاف النهار؛ فإنَّه لا يحصلُ به هذه المقاصد ، ولهذا قال:{إنَّ لك في النهار سبحاً طويلاً}؛ أي: تردُّداً في حوائجك ومعاشك يوجبُ اشتغال القلب وعدم تفرُّغه التفرُّغ التامَّ. {8}{واذكرِ اسمَ ربِّك}: شاملٌ لأنواع الذِّكْر كلِّها، {وتَبَتَّلۡ إليه تَبتيلاً}؛ أي: انقطع إليه ؛ فإنَّ الانقطاع إلى الله والإنابة إليه هو: الانفصالُ بالقلب عن الخلائق، والاتِّصاف بمحبَّة الله وما يقرِّب إليه ويدني من رضاه. {9}{رب المشرق والمغرب}: وهذا اسم جنس؛ يشمل المشارق والمغارب كلَّها؛ فهو تعالى ربُّ المشارق والمغارب، وما يكون فيها من الأنوار، وما هي مصلحةٌ له من العالم العلويِّ والسفليِّ؛ فهو ربُّ كلِّ شيءٍ وخالقُه ومدبِّره. {لا إله إلاَّ هو}؛ أي: لا معبود إلاَّ وجهه الأعلى، الذي يستحقُّ أن يُخَصَّ بالمحبَّة والتعظيم والإجلال والتكريم، ولهذا قال:{فاتَّخِذۡه وكيلاً}؛ أي: حافظاً ومدبِّراً لأمورك كلِّها. {10} فلما أمره الله بالصَّلاة خصوصاً وبالذِّكر عموماً، وذلك يحصل للعبد مَلَكَةٌ قويةٌ في تحمُّل الأثقال وفعل المُشِقِّ من الأعمال؛ أمره بالصبر على ما يقوله المعاندون له ويسبُّونه ويسبُّون ما جاء به، وأن يمضِيَ على أمر الله؛ لا يصدُّه عنه صادٌّ ولا يردُّه رادٌّ، وأن يَهْجُرَهُم هجراً جميلاً، وهو الهجر حيث اقتضت المصلحةُ [الهجرَ]، الذي لا أذيَّة فيه، بل يعاملهم بالهجر والإعراض عن أقوالهم التي تؤذيه، وأمره بجدالهم بالتي هي أحسن. {11}{وذرني والمكذِّبينَ}؛ أي: اتركْني وإيَّاهم، فسأنتقم منهم، وإنْ أمْهَلْتُهم؛ فلا أهمِلُهم. وقوله:{أولي النَّعۡمةِ}؛ أي: أصحاب النَّعمة والغنى، الذين طَغَوْا حين وسَّع الله عليهم من رزقه وأمدَّهم من فضله؛ كما قال تعالى:{كلاَّ إنَّ الإنسانَ لَيَطۡغى. أن رآه استَغۡنى}. ثم توعدهم بما عنده من العقاب فقال:

المزمل 73:11

وهي مكية بسم الله الرحمن الرحيم {1 ـ 5} المزَّمِّل: المتغطي بثيابه كالمدَّثِّر، وهذا الوصف حصل من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين أكرمه الله برسالته، وابتدأه بإنزال وحيه بإرسال جبريل إليه ، فرأى أمراً لم يَرَ مثلَه ولا يقدِرُ على الثَّبات عليه إلاَّ المرسلون، فاعتراه عند ذلك انزعاجٌ، حين رأى جبريلَ عليه السلام، فأتى إلى أهله، فقال:«زمِّلوني زمِّلوني»، وهو ترعَدُ فرائصُه، ثم جاءه جبريلُ، فقال: اقرأ. فقال:«ما أنا بقارئٍ». فغطه حتَّى بلغ منه الجهدَ، وهو يعالجه على القراءة، فقرأ - صلى الله عليه وسلم -. ثم ألقى الله عليه الثباتَ، وتابع عليه الوحيَ، حتى بَلَغَ مَبْلَغاً ما بَلَغَه أحدٌ من المرسلين؛ فسبحان الله ما أعظم التفاوت بين ابتداء نبوَّته ونهايتها! ولهذا خاطبه الله بهذا الوصف الذي وُجِدَ منه في أول أمره، فأمره هنا بالعباداتِ المتعلِّقة به، ثم أمره بالصبر على أذيَّة قومه ، ثم أمر بالصَّدْع بأمره وإعلان دعوتهم إلى الله، فأمره هنا بأشرف العبادات، وهي الصلاة، وبآكدِ الأوقات وأفضلها، وهو قيامُ الليل. ومن رحمته [تعالى] أنَّه لم يأمرْه بقيام الليل كلِّه، بل قال:{قم الليلَ إلاَّ قليلاً}. ثم قدَّر ذلك فقال:{نصفَه أو انقُصۡ منه}؛ أي: من النصف {قليلاً}: بأن يكون الثلث ونحوه، {أو زِدۡ عليه}؛ أي: على النصف، فيكون نحو الثلثين ، {ورتِّل القرآن ترتيلاً}؛ فإنَّ ترتيلَ القرآن به يحصُلُ التدبُّر والتفكُّر وتحريك القلوب به والتعبُّد بآياته والتهيُّؤ والاستعداد التامُّ له؛ فإنَّه قال:{إنَّا سنُلقي عليك قولاً ثقيلاً}؛ أي: نوحي إليك هذا القرآن الثقيل؛ أي: العظيمة معانيه، الجليلة أوصافه، وما كان بهذا الوصف حقيقٌ أن يُتَهَيَّأ له ويُرَتَّل ويُتَفَكَّر فيما يشتمل عليه. {6} ثم ذكر الحكمة في أمره بقيام الليل، فقال:{إنَّ ناشئةَ الليل}؛ أي: الصلاة فيه بعد النوم، {هي أشدُّ وطئاً وأقومُ قيلاً}؛ أي: أقرب إلى حصول مقصود القرآن؛ يتواطأ عليه القلب واللسان، وتقلُّ الشواغل، ويفهم ما يقول، ويستقيم له أمره. {7} وهذا بخلاف النهار؛ فإنَّه لا يحصلُ به هذه المقاصد ، ولهذا قال:{إنَّ لك في النهار سبحاً طويلاً}؛ أي: تردُّداً في حوائجك ومعاشك يوجبُ اشتغال القلب وعدم تفرُّغه التفرُّغ التامَّ. {8}{واذكرِ اسمَ ربِّك}: شاملٌ لأنواع الذِّكْر كلِّها، {وتَبَتَّلۡ إليه تَبتيلاً}؛ أي: انقطع إليه ؛ فإنَّ الانقطاع إلى الله والإنابة إليه هو: الانفصالُ بالقلب عن الخلائق، والاتِّصاف بمحبَّة الله وما يقرِّب إليه ويدني من رضاه. {9}{رب المشرق والمغرب}: وهذا اسم جنس؛ يشمل المشارق والمغارب كلَّها؛ فهو تعالى ربُّ المشارق والمغارب، وما يكون فيها من الأنوار، وما هي مصلحةٌ له من العالم العلويِّ والسفليِّ؛ فهو ربُّ كلِّ شيءٍ وخالقُه ومدبِّره. {لا إله إلاَّ هو}؛ أي: لا معبود إلاَّ وجهه الأعلى، الذي يستحقُّ أن يُخَصَّ بالمحبَّة والتعظيم والإجلال والتكريم، ولهذا قال:{فاتَّخِذۡه وكيلاً}؛ أي: حافظاً ومدبِّراً لأمورك كلِّها. {10} فلما أمره الله بالصَّلاة خصوصاً وبالذِّكر عموماً، وذلك يحصل للعبد مَلَكَةٌ قويةٌ في تحمُّل الأثقال وفعل المُشِقِّ من الأعمال؛ أمره بالصبر على ما يقوله المعاندون له ويسبُّونه ويسبُّون ما جاء به، وأن يمضِيَ على أمر الله؛ لا يصدُّه عنه صادٌّ ولا يردُّه رادٌّ، وأن يَهْجُرَهُم هجراً جميلاً، وهو الهجر حيث اقتضت المصلحةُ [الهجرَ]، الذي لا أذيَّة فيه، بل يعاملهم بالهجر والإعراض عن أقوالهم التي تؤذيه، وأمره بجدالهم بالتي هي أحسن. {11}{وذرني والمكذِّبينَ}؛ أي: اتركْني وإيَّاهم، فسأنتقم منهم، وإنْ أمْهَلْتُهم؛ فلا أهمِلُهم. وقوله:{أولي النَّعۡمةِ}؛ أي: أصحاب النَّعمة والغنى، الذين طَغَوْا حين وسَّع الله عليهم من رزقه وأمدَّهم من فضله؛ كما قال تعالى:{كلاَّ إنَّ الإنسانَ لَيَطۡغى. أن رآه استَغۡنى}. ثم توعدهم بما عنده من العقاب فقال:

المزمل 73:12

{12 ـ 13} أي: إنَّ عندنا {أنكالاً}؛ أي: عذاباً شديداً جعلناه تنكيلاً للذي لا يزال مستمرًّا على ما يغضِبُ الله، {وجحيماً}؛ أي: ناراً حامية، {وطعاماً ذا غُصَّةٍ} وذلك لمرارته وبشاعته وكراهة طعمه وريحه الخبيث المنتن، {وعذاباً أليماً}؛ أي: موجعاً مفظعاً. {14} وذلك {يوم ترجُفُ الأرضُ والجبالُ}: من الهول العظيم، فكانتِ {الجبالُ}: الراسياتُ الصمُّ الصلابُ {كثيباً مَهيلاً}؛ أي: بمنزلة الرمل المنهال المنتثر، ثم إنها تُبَسُّ بعد ذلك فتكون كالهباء المنثور.

المزمل 73:13

{12 ـ 13} أي: إنَّ عندنا {أنكالاً}؛ أي: عذاباً شديداً جعلناه تنكيلاً للذي لا يزال مستمرًّا على ما يغضِبُ الله، {وجحيماً}؛ أي: ناراً حامية، {وطعاماً ذا غُصَّةٍ} وذلك لمرارته وبشاعته وكراهة طعمه وريحه الخبيث المنتن، {وعذاباً أليماً}؛ أي: موجعاً مفظعاً. {14} وذلك {يوم ترجُفُ الأرضُ والجبالُ}: من الهول العظيم، فكانتِ {الجبالُ}: الراسياتُ الصمُّ الصلابُ {كثيباً مَهيلاً}؛ أي: بمنزلة الرمل المنهال المنتثر، ثم إنها تُبَسُّ بعد ذلك فتكون كالهباء المنثور.

المزمل 73:14

{12 ـ 13} أي: إنَّ عندنا {أنكالاً}؛ أي: عذاباً شديداً جعلناه تنكيلاً للذي لا يزال مستمرًّا على ما يغضِبُ الله، {وجحيماً}؛ أي: ناراً حامية، {وطعاماً ذا غُصَّةٍ} وذلك لمرارته وبشاعته وكراهة طعمه وريحه الخبيث المنتن، {وعذاباً أليماً}؛ أي: موجعاً مفظعاً. {14} وذلك {يوم ترجُفُ الأرضُ والجبالُ}: من الهول العظيم، فكانتِ {الجبالُ}: الراسياتُ الصمُّ الصلابُ {كثيباً مَهيلاً}؛ أي: بمنزلة الرمل المنهال المنتثر، ثم إنها تُبَسُّ بعد ذلك فتكون كالهباء المنثور.

المزمل 73:15

{15 ـ 16} يقول تعالى: احْمَدوا ربَّكم على إرسال هذا النبيِّ الأميِّ العربيِّ البشير النذير الشاهد على الأمَّة بأعمالهم، واشكروه، وقوموا بهذه النِّعمة الجليلة، وإيَّاكم أن تَكْفُروا، فتَعْصوا رسولكم، فتكونوا كفرعون حين أرسل الله إليه موسى بن عمران، فدعاه إلى الله، وأمره بالتَّوحيد، فلم يصدِّقْه، بل عصاه، فأخذه الله {أخذاً وبيلاً}؛ أي: شديداً بليغاً.

المزمل 73:16

{15 ـ 16} يقول تعالى: احْمَدوا ربَّكم على إرسال هذا النبيِّ الأميِّ العربيِّ البشير النذير الشاهد على الأمَّة بأعمالهم، واشكروه، وقوموا بهذه النِّعمة الجليلة، وإيَّاكم أن تَكْفُروا، فتَعْصوا رسولكم، فتكونوا كفرعون حين أرسل الله إليه موسى بن عمران، فدعاه إلى الله، وأمره بالتَّوحيد، فلم يصدِّقْه، بل عصاه، فأخذه الله {أخذاً وبيلاً}؛ أي: شديداً بليغاً.

المزمل 73:17

{17 ـ 18} أي: فكيف يحصلُ لكم الفكاكُ والنَّجاة يومَ القيامةِ، اليوم المَهيل أمرُه، العظيمُ خطرُه ، الذي يشيِّبُ الولدان وتذوبُ له الجمادات العظام؛ فتنفطر السماء وتنتثر نجومُها. {كان وعدُه مفعولاً}؛ أي: لا بدَّ من وقوعه ولا حائل دونه.

المزمل 73:18

{17 ـ 18} أي: فكيف يحصلُ لكم الفكاكُ والنَّجاة يومَ القيامةِ، اليوم المَهيل أمرُه، العظيمُ خطرُه ، الذي يشيِّبُ الولدان وتذوبُ له الجمادات العظام؛ فتنفطر السماء وتنتثر نجومُها. {كان وعدُه مفعولاً}؛ أي: لا بدَّ من وقوعه ولا حائل دونه.

المزمل 73:19

{19} أي: إنَّ هذه الموعظة التي نبَّأ الله بها من أحوال يوم القيامةِ وأهوالها تذكرةٌ يتذكَّر بها المتَّقون وينزجر بها المؤمنون. {فمن شاءَ اتَّخذ إلى ربِّه سبيلاً}؛ أي: طريقاً موصلاً إليه، وذلك باتِّباع شرعه؛ فإنَّه قد أبانه كلَّ البيان وأوضحه غاية الإيضاح، وفي هذا دليلٌ على أنَّ الله تعالى أقْدَرَ العبادَ على أفعالهم ومكَّنَهم منها، لا كما يقوله الجبريَّةُ: إنَّ أفعالهم تقع بغير مشيئتهم؛ فإنَّ هذا خلاف النقل والعقل.

المزمل 73:20

{20} ذكر الله في أول هذه السورة أنَّه أمر رسولَه بقيام نصفِ الليل أو ثلثيه أو ثلثه ، والأصلُ أنَّ أمته أسوةٌ له في الأحكام، وذكر في هذا الموضع أنَّه امتثل ذلك هو وطائفةٌ معه من المؤمنين. ولما كان تحرير الوقت المأمور به مشقَّة على الناس؛ أخبر أنَّه سهَّل عليهم في ذلك غاية التسهيل؛ فقال:{والله يقدِّرُ الليلَ والنهارَ}؛ أي: يعلم مقاديرهما وما يمضي ويبقى منهما ، {علم أن لن تُحصوه}؛ أي: لن تعرِفوا مقداره من غير زيادةٍ ولا نقصٍ؛ لكون ذلك يستدعي انتباهاً وعناءً زائداً؛ أي: فخفَّف عنكم وأمركم بما تيسَّر عليكم سواء زاد على المقدَّر أو نَقَصَ، {فاقرؤوا ما تيسَّرَ من القرآن}؛ أي: ممَّا تعرفون ولا يشقُّ عليكم، ولهذا كان المصلِّي بالليل مأموراً بالصلاة ما دام نشيطاً؛ فإذا فَتَرَ أو كسل أو نعس؛ فليسترحْ ليأتيَ الصلاةَ بطمأنينةٍ وراحةٍ. ثم ذكر بعضَ الأسباب المناسبة للتخفيف، فقال:{علم أن سيكونُ منكم مرضى}: يشقُّ عليهم صلاة نصف الليل أو ثلثيه أو ثلثه، فليصلِّ المريض ما يسهُلُ عليه، ولا يكون أيضاً مأموراً بالصَّلاة قائماً عند مشَّقة ذلك، بل لو شقَّت عليه الصلاةُ النافلةُ؛ فله تركُها، وله أجرُ ما كان يعمل صحيحاً. {وآخرون يضرِبون في الأرض يبتغونَ من فضل الله}؛ أي: وعلم أنَّ منكم مسافرين يسافرون للتجارة؛ ليستغنوا عن الخلق، ويتكفَّفوا عنهم ؛ أي: فالمسافر حالُهُ تناسِبُ التخفيف، ولهذا خفَّف عنه في صلاة الفرض، فأبيح له جمعُ الصلاتين في وقتٍ واحدٍ وقصرُ الصَّلاة الرُّباعية. وكذلك {آخرون يقاتِلون في سبيل اللهِ فاقرؤوا ما تيسَّرَ منه}: فذكر تعالى تخفيفين؛ تحفيفاً للصحيح المقيم يراعي فيه نشاطه من غير أن يُكَلَّفَ عليه تحرير الوقت، بل يتحرَّى الصلاة الفاضلة، وهي ثلث الليل بعد نصفه الأول، وتخفيفاً للمريض والمسافر، سواء كان سفرُه للتجارة أو لعبادةٍ من جهادٍ أو حجٍّ أو غيره ؛ فإنَّه [أيضاً] يراعي ما لا يكلِّفه؛ فلله الحمد والثناء؛ حيث لم يجعلْ علينا في الدين من حرج، بل سهَّل شرعه، وراعى أحوال عباده ومصالح دينهم وأبدانهم ودنياهم. ثم أمر العباد بعبادتين هما أمُّ العبادات وعمادُها: إقامة الصلاة التي لا يستقيمُ الدين إلاَّ بها، وإيتاءُ الزَّكاة التي هي برهانُ الإيمان وبها تحصُلُ المواساة للفقراء والمساكين، فقال:{وأقيموا الصلاة}؛ أي: بأركانها وحدودها وشروطها وجميع مكمِّلاتها ، {وأقرِضوا الله قرضاً حسناً}؛ أي: خالصاً لوجه الله بنيَّة صادقةٍ وتثبيتٍ من النفس ومال طيِّبٍ، ويدخُلُ في هذا الصدقة الواجبة والمستحبَّة. ثم حثَّ على عموم الخير وأفعاله، فقال:{وما تقدِّموا لأنفسكم من خيرٍ تجِدوه عند الله هو خيراً وأعظم أجراً}: الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائةِ ضعفٍ إلى أضعافٍ كثيرة. وليعلمْ أنَّ مثقال ذرَّةٍ في هذه الدار من الخير يقابله أضعافُ أضعافِ الدُّنيا وما عليها في دار النعيم المقيم من اللذَّات والشَّهوات، وأنَّ الخير والبرَّ في هذه الدنيا مادةُ الخير والبرِّ في دار القرار وبذرُه وأصلُه وأساسُه. فوا أسفاه على أوقاتٍ مضت في الغفلات! ووا حسرتاه على أزمانٍ تقضَّت في غير الأعمال الصالحات! ووا غوثاه من قلوبٍ لم يؤثِّرْ فيها وعظُ بارئها ولم ينجَعْ فيها تشويق من هو أرحم بها من نفسها! فلك اللهم الحمدُ وإليك المشتكى وبك المستغاث ولا حول ولا قوَّة إلاَّ بك.{واستغفروا الله إنَّ الله غفورٌ رحيمٌ}: وفي الأمر بالاستغفار بعد الحثِّ على أفعال الطاعة والخير فائدةٌ كبيرةٌ، وذلك أنَّ العبد لا يخلو من التقصير فيما أُمِرَ به: إما أنْ لا يفعلَه أصلاً، أو يفعله على وجهٍ ناقصٍ، فأُمِرَ بترقيع ذلك بالاستغفار؛ فإنَّ العبد يذنِبُ آناء الليل والنهار؛ فمتى لم يتغمَّدْه الله برحمته ومغفرته؛ فإنَّه هالكٌ. تم تفسيرها. والحمد لله. * * *

المدثر 74:1

وهي مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {1 ـ 2} تقدَّم أنَّ المزَّمِّل والمدَّثر بمعنى واحد، وأنَّ الله أمر رسوله - صلى الله عليه وسلم - بالاجتهاد في عبادات الله القاصرة والمتعدِّية، فتقدَّم هناك الأمر له بالعبادات الفاضلة القاصرة، والصبر على أذى قومه، وأمره هنا بالإعلان بالدَّعوة والصَّدْع بالإنذار، فقال:{قمۡ}؛ أي: بجدٍّ ونشاطٍ {فأنذِرۡ}: الناس بالأقوال والأفعال التي يحصلُ بها المقصودُ وبيانُ حال المنذَر عنه ليكون ذلك أدعى لتركه. {3}{وربَّك فكبِّرۡ}؛ أي: عظِّمه بالتوحيد، واجعل قصدك في إنذارك وجه الله وأن يعظِّمه العباد، ويقوموا بعبادته. {4}{وثيابَكَ فطَهِّرۡ}: يُحتمل أنَّ المراد بالثياب أعماله كلها. وبتطهيرها: تخليصها، والنُّصح بها، وإيقاعها على أكمل الوجوه، وتنقيتها عن المبطلات والمفسدات والمنقصات من شركٍ ورياء ونفاق وعُجْبٍ وتكبُّر وغفلةٍ وغير ذلك مما يؤمَرُ العبد باجتنابه في عباداته، ويدخل في ذلك تطهير الثياب من النجاسة؛ فإنَّ ذلك من تمام التطهير للأعمال، خصوصاً في الصلاة، التي قال كثيرٌ من العلماء: إنَّ إزالة النجاسة عنها شرطٌ من شروطها. ويُحتمل أنَّ المراد بثيابه الثياب المعروفة؛ أنَّه مأمورٌ بتطهيرها عن جميع النجاسات في جميع الأوقات، خصوصاً عند الدُّخول في الصلوات. {5} وإذا كان مأموراً بطهارة الظَّاهر؛ فإنَّ طهارة الظاهر من تمام طهارة الباطن:{والرُّجۡزَ فاهۡجُرۡ}: يُحتمل أنَّ المراد بالرجز الأصنام والأوثان التي عُبِدَتْ مع الله، فأمره بتركها والبراءة منها ومما نُسِبَ إليها من قول أو عمل، ويُحتمل أنَّ المرادَ بالرُّجز أعمالُ الشرِّ كلُّها وأقوالُه، فيكون أمراً له بترك الذُّنوب صغارها وكبارها ظاهرها وباطنها، فيدخل في هذا الشرك فما دونه. {6}{ولا تَمۡنُنۡ تَسۡتَكثِرۡ}؛ أي: لا تمنُنْ على الناس بما أسديت إليهم من النعم الدينيَّة والدنيويَّة، فتستكثر بتلك المنَّة، وترى لك الفضل عليهم ، بل أحسِنْ إلى الناس مهما أمكنك، وانْسَ عندهم إحسانَك، واطلُبْ أجرك من الله تعالى ، واجعلْ مَن أحسنتَ إليه وغيره على حدٍّ سواء. وقد قيل: إنَّ معنى هذا ألاَّ تعطي أحداً شيئاً وأنت تريدُ أن يكافِئَك عليه بأكثر منه، فيكون هذا خاصًّا بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم . {7}{ولربِّكَ فاصۡبِرۡ}؛ أي: احتسبْ بصبرك واقصدْ به وجهَ الله تعالى. فامتثل رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - لأمر ربِّه، وبادر فيه ، فأنذر الناس وأوضح لهم بالآياتِ البيناتِ جميع المطالب الإلهيَّة، وعظَّم الله تعالى، ودعا الخلق إلى تعظيمه، وطهَّر أعماله الظاهرة والباطنة من كل سوءٍ، وهجر كلَّ ما يُعْبَدُ من دون الله وما يُعْبَدُ معه من الأصنام وأهلها والشرِّ وأهله، وله المنَّة على الناس بعد منَّة الله، من غير أن يطلبَ عليهم بذلك جزاءً ولا شكوراً، وصبر لربِّه أكمل صبر: فصبر على طاعة الله، وعن معاصيه، وصبر على أقداره المؤلمة، حتى فاق أولي العزم من المرسَلين. صلواتُ الله وسلامُه عليه وعليهم أجمعين.

المدثر 74:2

وهي مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {1 ـ 2} تقدَّم أنَّ المزَّمِّل والمدَّثر بمعنى واحد، وأنَّ الله أمر رسوله - صلى الله عليه وسلم - بالاجتهاد في عبادات الله القاصرة والمتعدِّية، فتقدَّم هناك الأمر له بالعبادات الفاضلة القاصرة، والصبر على أذى قومه، وأمره هنا بالإعلان بالدَّعوة والصَّدْع بالإنذار، فقال:{قمۡ}؛ أي: بجدٍّ ونشاطٍ {فأنذِرۡ}: الناس بالأقوال والأفعال التي يحصلُ بها المقصودُ وبيانُ حال المنذَر عنه ليكون ذلك أدعى لتركه. {3}{وربَّك فكبِّرۡ}؛ أي: عظِّمه بالتوحيد، واجعل قصدك في إنذارك وجه الله وأن يعظِّمه العباد، ويقوموا بعبادته. {4}{وثيابَكَ فطَهِّرۡ}: يُحتمل أنَّ المراد بالثياب أعماله كلها. وبتطهيرها: تخليصها، والنُّصح بها، وإيقاعها على أكمل الوجوه، وتنقيتها عن المبطلات والمفسدات والمنقصات من شركٍ ورياء ونفاق وعُجْبٍ وتكبُّر وغفلةٍ وغير ذلك مما يؤمَرُ العبد باجتنابه في عباداته، ويدخل في ذلك تطهير الثياب من النجاسة؛ فإنَّ ذلك من تمام التطهير للأعمال، خصوصاً في الصلاة، التي قال كثيرٌ من العلماء: إنَّ إزالة النجاسة عنها شرطٌ من شروطها. ويُحتمل أنَّ المراد بثيابه الثياب المعروفة؛ أنَّه مأمورٌ بتطهيرها عن جميع النجاسات في جميع الأوقات، خصوصاً عند الدُّخول في الصلوات. {5} وإذا كان مأموراً بطهارة الظَّاهر؛ فإنَّ طهارة الظاهر من تمام طهارة الباطن:{والرُّجۡزَ فاهۡجُرۡ}: يُحتمل أنَّ المراد بالرجز الأصنام والأوثان التي عُبِدَتْ مع الله، فأمره بتركها والبراءة منها ومما نُسِبَ إليها من قول أو عمل، ويُحتمل أنَّ المرادَ بالرُّجز أعمالُ الشرِّ كلُّها وأقوالُه، فيكون أمراً له بترك الذُّنوب صغارها وكبارها ظاهرها وباطنها، فيدخل في هذا الشرك فما دونه. {6}{ولا تَمۡنُنۡ تَسۡتَكثِرۡ}؛ أي: لا تمنُنْ على الناس بما أسديت إليهم من النعم الدينيَّة والدنيويَّة، فتستكثر بتلك المنَّة، وترى لك الفضل عليهم ، بل أحسِنْ إلى الناس مهما أمكنك، وانْسَ عندهم إحسانَك، واطلُبْ أجرك من الله تعالى ، واجعلْ مَن أحسنتَ إليه وغيره على حدٍّ سواء. وقد قيل: إنَّ معنى هذا ألاَّ تعطي أحداً شيئاً وأنت تريدُ أن يكافِئَك عليه بأكثر منه، فيكون هذا خاصًّا بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم . {7}{ولربِّكَ فاصۡبِرۡ}؛ أي: احتسبْ بصبرك واقصدْ به وجهَ الله تعالى. فامتثل رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - لأمر ربِّه، وبادر فيه ، فأنذر الناس وأوضح لهم بالآياتِ البيناتِ جميع المطالب الإلهيَّة، وعظَّم الله تعالى، ودعا الخلق إلى تعظيمه، وطهَّر أعماله الظاهرة والباطنة من كل سوءٍ، وهجر كلَّ ما يُعْبَدُ من دون الله وما يُعْبَدُ معه من الأصنام وأهلها والشرِّ وأهله، وله المنَّة على الناس بعد منَّة الله، من غير أن يطلبَ عليهم بذلك جزاءً ولا شكوراً، وصبر لربِّه أكمل صبر: فصبر على طاعة الله، وعن معاصيه، وصبر على أقداره المؤلمة، حتى فاق أولي العزم من المرسَلين. صلواتُ الله وسلامُه عليه وعليهم أجمعين.

المدثر 74:3

وهي مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {1 ـ 2} تقدَّم أنَّ المزَّمِّل والمدَّثر بمعنى واحد، وأنَّ الله أمر رسوله - صلى الله عليه وسلم - بالاجتهاد في عبادات الله القاصرة والمتعدِّية، فتقدَّم هناك الأمر له بالعبادات الفاضلة القاصرة، والصبر على أذى قومه، وأمره هنا بالإعلان بالدَّعوة والصَّدْع بالإنذار، فقال:{قمۡ}؛ أي: بجدٍّ ونشاطٍ {فأنذِرۡ}: الناس بالأقوال والأفعال التي يحصلُ بها المقصودُ وبيانُ حال المنذَر عنه ليكون ذلك أدعى لتركه. {3}{وربَّك فكبِّرۡ}؛ أي: عظِّمه بالتوحيد، واجعل قصدك في إنذارك وجه الله وأن يعظِّمه العباد، ويقوموا بعبادته. {4}{وثيابَكَ فطَهِّرۡ}: يُحتمل أنَّ المراد بالثياب أعماله كلها. وبتطهيرها: تخليصها، والنُّصح بها، وإيقاعها على أكمل الوجوه، وتنقيتها عن المبطلات والمفسدات والمنقصات من شركٍ ورياء ونفاق وعُجْبٍ وتكبُّر وغفلةٍ وغير ذلك مما يؤمَرُ العبد باجتنابه في عباداته، ويدخل في ذلك تطهير الثياب من النجاسة؛ فإنَّ ذلك من تمام التطهير للأعمال، خصوصاً في الصلاة، التي قال كثيرٌ من العلماء: إنَّ إزالة النجاسة عنها شرطٌ من شروطها. ويُحتمل أنَّ المراد بثيابه الثياب المعروفة؛ أنَّه مأمورٌ بتطهيرها عن جميع النجاسات في جميع الأوقات، خصوصاً عند الدُّخول في الصلوات. {5} وإذا كان مأموراً بطهارة الظَّاهر؛ فإنَّ طهارة الظاهر من تمام طهارة الباطن:{والرُّجۡزَ فاهۡجُرۡ}: يُحتمل أنَّ المراد بالرجز الأصنام والأوثان التي عُبِدَتْ مع الله، فأمره بتركها والبراءة منها ومما نُسِبَ إليها من قول أو عمل، ويُحتمل أنَّ المرادَ بالرُّجز أعمالُ الشرِّ كلُّها وأقوالُه، فيكون أمراً له بترك الذُّنوب صغارها وكبارها ظاهرها وباطنها، فيدخل في هذا الشرك فما دونه. {6}{ولا تَمۡنُنۡ تَسۡتَكثِرۡ}؛ أي: لا تمنُنْ على الناس بما أسديت إليهم من النعم الدينيَّة والدنيويَّة، فتستكثر بتلك المنَّة، وترى لك الفضل عليهم ، بل أحسِنْ إلى الناس مهما أمكنك، وانْسَ عندهم إحسانَك، واطلُبْ أجرك من الله تعالى ، واجعلْ مَن أحسنتَ إليه وغيره على حدٍّ سواء. وقد قيل: إنَّ معنى هذا ألاَّ تعطي أحداً شيئاً وأنت تريدُ أن يكافِئَك عليه بأكثر منه، فيكون هذا خاصًّا بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم . {7}{ولربِّكَ فاصۡبِرۡ}؛ أي: احتسبْ بصبرك واقصدْ به وجهَ الله تعالى. فامتثل رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - لأمر ربِّه، وبادر فيه ، فأنذر الناس وأوضح لهم بالآياتِ البيناتِ جميع المطالب الإلهيَّة، وعظَّم الله تعالى، ودعا الخلق إلى تعظيمه، وطهَّر أعماله الظاهرة والباطنة من كل سوءٍ، وهجر كلَّ ما يُعْبَدُ من دون الله وما يُعْبَدُ معه من الأصنام وأهلها والشرِّ وأهله، وله المنَّة على الناس بعد منَّة الله، من غير أن يطلبَ عليهم بذلك جزاءً ولا شكوراً، وصبر لربِّه أكمل صبر: فصبر على طاعة الله، وعن معاصيه، وصبر على أقداره المؤلمة، حتى فاق أولي العزم من المرسَلين. صلواتُ الله وسلامُه عليه وعليهم أجمعين.

المدثر 74:4

وهي مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {1 ـ 2} تقدَّم أنَّ المزَّمِّل والمدَّثر بمعنى واحد، وأنَّ الله أمر رسوله - صلى الله عليه وسلم - بالاجتهاد في عبادات الله القاصرة والمتعدِّية، فتقدَّم هناك الأمر له بالعبادات الفاضلة القاصرة، والصبر على أذى قومه، وأمره هنا بالإعلان بالدَّعوة والصَّدْع بالإنذار، فقال:{قمۡ}؛ أي: بجدٍّ ونشاطٍ {فأنذِرۡ}: الناس بالأقوال والأفعال التي يحصلُ بها المقصودُ وبيانُ حال المنذَر عنه ليكون ذلك أدعى لتركه. {3}{وربَّك فكبِّرۡ}؛ أي: عظِّمه بالتوحيد، واجعل قصدك في إنذارك وجه الله وأن يعظِّمه العباد، ويقوموا بعبادته. {4}{وثيابَكَ فطَهِّرۡ}: يُحتمل أنَّ المراد بالثياب أعماله كلها. وبتطهيرها: تخليصها، والنُّصح بها، وإيقاعها على أكمل الوجوه، وتنقيتها عن المبطلات والمفسدات والمنقصات من شركٍ ورياء ونفاق وعُجْبٍ وتكبُّر وغفلةٍ وغير ذلك مما يؤمَرُ العبد باجتنابه في عباداته، ويدخل في ذلك تطهير الثياب من النجاسة؛ فإنَّ ذلك من تمام التطهير للأعمال، خصوصاً في الصلاة، التي قال كثيرٌ من العلماء: إنَّ إزالة النجاسة عنها شرطٌ من شروطها. ويُحتمل أنَّ المراد بثيابه الثياب المعروفة؛ أنَّه مأمورٌ بتطهيرها عن جميع النجاسات في جميع الأوقات، خصوصاً عند الدُّخول في الصلوات. {5} وإذا كان مأموراً بطهارة الظَّاهر؛ فإنَّ طهارة الظاهر من تمام طهارة الباطن:{والرُّجۡزَ فاهۡجُرۡ}: يُحتمل أنَّ المراد بالرجز الأصنام والأوثان التي عُبِدَتْ مع الله، فأمره بتركها والبراءة منها ومما نُسِبَ إليها من قول أو عمل، ويُحتمل أنَّ المرادَ بالرُّجز أعمالُ الشرِّ كلُّها وأقوالُه، فيكون أمراً له بترك الذُّنوب صغارها وكبارها ظاهرها وباطنها، فيدخل في هذا الشرك فما دونه. {6}{ولا تَمۡنُنۡ تَسۡتَكثِرۡ}؛ أي: لا تمنُنْ على الناس بما أسديت إليهم من النعم الدينيَّة والدنيويَّة، فتستكثر بتلك المنَّة، وترى لك الفضل عليهم ، بل أحسِنْ إلى الناس مهما أمكنك، وانْسَ عندهم إحسانَك، واطلُبْ أجرك من الله تعالى ، واجعلْ مَن أحسنتَ إليه وغيره على حدٍّ سواء. وقد قيل: إنَّ معنى هذا ألاَّ تعطي أحداً شيئاً وأنت تريدُ أن يكافِئَك عليه بأكثر منه، فيكون هذا خاصًّا بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم . {7}{ولربِّكَ فاصۡبِرۡ}؛ أي: احتسبْ بصبرك واقصدْ به وجهَ الله تعالى. فامتثل رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - لأمر ربِّه، وبادر فيه ، فأنذر الناس وأوضح لهم بالآياتِ البيناتِ جميع المطالب الإلهيَّة، وعظَّم الله تعالى، ودعا الخلق إلى تعظيمه، وطهَّر أعماله الظاهرة والباطنة من كل سوءٍ، وهجر كلَّ ما يُعْبَدُ من دون الله وما يُعْبَدُ معه من الأصنام وأهلها والشرِّ وأهله، وله المنَّة على الناس بعد منَّة الله، من غير أن يطلبَ عليهم بذلك جزاءً ولا شكوراً، وصبر لربِّه أكمل صبر: فصبر على طاعة الله، وعن معاصيه، وصبر على أقداره المؤلمة، حتى فاق أولي العزم من المرسَلين. صلواتُ الله وسلامُه عليه وعليهم أجمعين.

المدثر 74:5

وهي مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {1 ـ 2} تقدَّم أنَّ المزَّمِّل والمدَّثر بمعنى واحد، وأنَّ الله أمر رسوله - صلى الله عليه وسلم - بالاجتهاد في عبادات الله القاصرة والمتعدِّية، فتقدَّم هناك الأمر له بالعبادات الفاضلة القاصرة، والصبر على أذى قومه، وأمره هنا بالإعلان بالدَّعوة والصَّدْع بالإنذار، فقال:{قمۡ}؛ أي: بجدٍّ ونشاطٍ {فأنذِرۡ}: الناس بالأقوال والأفعال التي يحصلُ بها المقصودُ وبيانُ حال المنذَر عنه ليكون ذلك أدعى لتركه. {3}{وربَّك فكبِّرۡ}؛ أي: عظِّمه بالتوحيد، واجعل قصدك في إنذارك وجه الله وأن يعظِّمه العباد، ويقوموا بعبادته. {4}{وثيابَكَ فطَهِّرۡ}: يُحتمل أنَّ المراد بالثياب أعماله كلها. وبتطهيرها: تخليصها، والنُّصح بها، وإيقاعها على أكمل الوجوه، وتنقيتها عن المبطلات والمفسدات والمنقصات من شركٍ ورياء ونفاق وعُجْبٍ وتكبُّر وغفلةٍ وغير ذلك مما يؤمَرُ العبد باجتنابه في عباداته، ويدخل في ذلك تطهير الثياب من النجاسة؛ فإنَّ ذلك من تمام التطهير للأعمال، خصوصاً في الصلاة، التي قال كثيرٌ من العلماء: إنَّ إزالة النجاسة عنها شرطٌ من شروطها. ويُحتمل أنَّ المراد بثيابه الثياب المعروفة؛ أنَّه مأمورٌ بتطهيرها عن جميع النجاسات في جميع الأوقات، خصوصاً عند الدُّخول في الصلوات. {5} وإذا كان مأموراً بطهارة الظَّاهر؛ فإنَّ طهارة الظاهر من تمام طهارة الباطن:{والرُّجۡزَ فاهۡجُرۡ}: يُحتمل أنَّ المراد بالرجز الأصنام والأوثان التي عُبِدَتْ مع الله، فأمره بتركها والبراءة منها ومما نُسِبَ إليها من قول أو عمل، ويُحتمل أنَّ المرادَ بالرُّجز أعمالُ الشرِّ كلُّها وأقوالُه، فيكون أمراً له بترك الذُّنوب صغارها وكبارها ظاهرها وباطنها، فيدخل في هذا الشرك فما دونه. {6}{ولا تَمۡنُنۡ تَسۡتَكثِرۡ}؛ أي: لا تمنُنْ على الناس بما أسديت إليهم من النعم الدينيَّة والدنيويَّة، فتستكثر بتلك المنَّة، وترى لك الفضل عليهم ، بل أحسِنْ إلى الناس مهما أمكنك، وانْسَ عندهم إحسانَك، واطلُبْ أجرك من الله تعالى ، واجعلْ مَن أحسنتَ إليه وغيره على حدٍّ سواء. وقد قيل: إنَّ معنى هذا ألاَّ تعطي أحداً شيئاً وأنت تريدُ أن يكافِئَك عليه بأكثر منه، فيكون هذا خاصًّا بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم . {7}{ولربِّكَ فاصۡبِرۡ}؛ أي: احتسبْ بصبرك واقصدْ به وجهَ الله تعالى. فامتثل رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - لأمر ربِّه، وبادر فيه ، فأنذر الناس وأوضح لهم بالآياتِ البيناتِ جميع المطالب الإلهيَّة، وعظَّم الله تعالى، ودعا الخلق إلى تعظيمه، وطهَّر أعماله الظاهرة والباطنة من كل سوءٍ، وهجر كلَّ ما يُعْبَدُ من دون الله وما يُعْبَدُ معه من الأصنام وأهلها والشرِّ وأهله، وله المنَّة على الناس بعد منَّة الله، من غير أن يطلبَ عليهم بذلك جزاءً ولا شكوراً، وصبر لربِّه أكمل صبر: فصبر على طاعة الله، وعن معاصيه، وصبر على أقداره المؤلمة، حتى فاق أولي العزم من المرسَلين. صلواتُ الله وسلامُه عليه وعليهم أجمعين.

المدثر 74:6

وهي مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {1 ـ 2} تقدَّم أنَّ المزَّمِّل والمدَّثر بمعنى واحد، وأنَّ الله أمر رسوله - صلى الله عليه وسلم - بالاجتهاد في عبادات الله القاصرة والمتعدِّية، فتقدَّم هناك الأمر له بالعبادات الفاضلة القاصرة، والصبر على أذى قومه، وأمره هنا بالإعلان بالدَّعوة والصَّدْع بالإنذار، فقال:{قمۡ}؛ أي: بجدٍّ ونشاطٍ {فأنذِرۡ}: الناس بالأقوال والأفعال التي يحصلُ بها المقصودُ وبيانُ حال المنذَر عنه ليكون ذلك أدعى لتركه. {3}{وربَّك فكبِّرۡ}؛ أي: عظِّمه بالتوحيد، واجعل قصدك في إنذارك وجه الله وأن يعظِّمه العباد، ويقوموا بعبادته. {4}{وثيابَكَ فطَهِّرۡ}: يُحتمل أنَّ المراد بالثياب أعماله كلها. وبتطهيرها: تخليصها، والنُّصح بها، وإيقاعها على أكمل الوجوه، وتنقيتها عن المبطلات والمفسدات والمنقصات من شركٍ ورياء ونفاق وعُجْبٍ وتكبُّر وغفلةٍ وغير ذلك مما يؤمَرُ العبد باجتنابه في عباداته، ويدخل في ذلك تطهير الثياب من النجاسة؛ فإنَّ ذلك من تمام التطهير للأعمال، خصوصاً في الصلاة، التي قال كثيرٌ من العلماء: إنَّ إزالة النجاسة عنها شرطٌ من شروطها. ويُحتمل أنَّ المراد بثيابه الثياب المعروفة؛ أنَّه مأمورٌ بتطهيرها عن جميع النجاسات في جميع الأوقات، خصوصاً عند الدُّخول في الصلوات. {5} وإذا كان مأموراً بطهارة الظَّاهر؛ فإنَّ طهارة الظاهر من تمام طهارة الباطن:{والرُّجۡزَ فاهۡجُرۡ}: يُحتمل أنَّ المراد بالرجز الأصنام والأوثان التي عُبِدَتْ مع الله، فأمره بتركها والبراءة منها ومما نُسِبَ إليها من قول أو عمل، ويُحتمل أنَّ المرادَ بالرُّجز أعمالُ الشرِّ كلُّها وأقوالُه، فيكون أمراً له بترك الذُّنوب صغارها وكبارها ظاهرها وباطنها، فيدخل في هذا الشرك فما دونه. {6}{ولا تَمۡنُنۡ تَسۡتَكثِرۡ}؛ أي: لا تمنُنْ على الناس بما أسديت إليهم من النعم الدينيَّة والدنيويَّة، فتستكثر بتلك المنَّة، وترى لك الفضل عليهم ، بل أحسِنْ إلى الناس مهما أمكنك، وانْسَ عندهم إحسانَك، واطلُبْ أجرك من الله تعالى ، واجعلْ مَن أحسنتَ إليه وغيره على حدٍّ سواء. وقد قيل: إنَّ معنى هذا ألاَّ تعطي أحداً شيئاً وأنت تريدُ أن يكافِئَك عليه بأكثر منه، فيكون هذا خاصًّا بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم . {7}{ولربِّكَ فاصۡبِرۡ}؛ أي: احتسبْ بصبرك واقصدْ به وجهَ الله تعالى. فامتثل رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - لأمر ربِّه، وبادر فيه ، فأنذر الناس وأوضح لهم بالآياتِ البيناتِ جميع المطالب الإلهيَّة، وعظَّم الله تعالى، ودعا الخلق إلى تعظيمه، وطهَّر أعماله الظاهرة والباطنة من كل سوءٍ، وهجر كلَّ ما يُعْبَدُ من دون الله وما يُعْبَدُ معه من الأصنام وأهلها والشرِّ وأهله، وله المنَّة على الناس بعد منَّة الله، من غير أن يطلبَ عليهم بذلك جزاءً ولا شكوراً، وصبر لربِّه أكمل صبر: فصبر على طاعة الله، وعن معاصيه، وصبر على أقداره المؤلمة، حتى فاق أولي العزم من المرسَلين. صلواتُ الله وسلامُه عليه وعليهم أجمعين.

المدثر 74:7

وهي مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {1 ـ 2} تقدَّم أنَّ المزَّمِّل والمدَّثر بمعنى واحد، وأنَّ الله أمر رسوله - صلى الله عليه وسلم - بالاجتهاد في عبادات الله القاصرة والمتعدِّية، فتقدَّم هناك الأمر له بالعبادات الفاضلة القاصرة، والصبر على أذى قومه، وأمره هنا بالإعلان بالدَّعوة والصَّدْع بالإنذار، فقال:{قمۡ}؛ أي: بجدٍّ ونشاطٍ {فأنذِرۡ}: الناس بالأقوال والأفعال التي يحصلُ بها المقصودُ وبيانُ حال المنذَر عنه ليكون ذلك أدعى لتركه. {3}{وربَّك فكبِّرۡ}؛ أي: عظِّمه بالتوحيد، واجعل قصدك في إنذارك وجه الله وأن يعظِّمه العباد، ويقوموا بعبادته. {4}{وثيابَكَ فطَهِّرۡ}: يُحتمل أنَّ المراد بالثياب أعماله كلها. وبتطهيرها: تخليصها، والنُّصح بها، وإيقاعها على أكمل الوجوه، وتنقيتها عن المبطلات والمفسدات والمنقصات من شركٍ ورياء ونفاق وعُجْبٍ وتكبُّر وغفلةٍ وغير ذلك مما يؤمَرُ العبد باجتنابه في عباداته، ويدخل في ذلك تطهير الثياب من النجاسة؛ فإنَّ ذلك من تمام التطهير للأعمال، خصوصاً في الصلاة، التي قال كثيرٌ من العلماء: إنَّ إزالة النجاسة عنها شرطٌ من شروطها. ويُحتمل أنَّ المراد بثيابه الثياب المعروفة؛ أنَّه مأمورٌ بتطهيرها عن جميع النجاسات في جميع الأوقات، خصوصاً عند الدُّخول في الصلوات. {5} وإذا كان مأموراً بطهارة الظَّاهر؛ فإنَّ طهارة الظاهر من تمام طهارة الباطن:{والرُّجۡزَ فاهۡجُرۡ}: يُحتمل أنَّ المراد بالرجز الأصنام والأوثان التي عُبِدَتْ مع الله، فأمره بتركها والبراءة منها ومما نُسِبَ إليها من قول أو عمل، ويُحتمل أنَّ المرادَ بالرُّجز أعمالُ الشرِّ كلُّها وأقوالُه، فيكون أمراً له بترك الذُّنوب صغارها وكبارها ظاهرها وباطنها، فيدخل في هذا الشرك فما دونه. {6}{ولا تَمۡنُنۡ تَسۡتَكثِرۡ}؛ أي: لا تمنُنْ على الناس بما أسديت إليهم من النعم الدينيَّة والدنيويَّة، فتستكثر بتلك المنَّة، وترى لك الفضل عليهم ، بل أحسِنْ إلى الناس مهما أمكنك، وانْسَ عندهم إحسانَك، واطلُبْ أجرك من الله تعالى ، واجعلْ مَن أحسنتَ إليه وغيره على حدٍّ سواء. وقد قيل: إنَّ معنى هذا ألاَّ تعطي أحداً شيئاً وأنت تريدُ أن يكافِئَك عليه بأكثر منه، فيكون هذا خاصًّا بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم . {7}{ولربِّكَ فاصۡبِرۡ}؛ أي: احتسبْ بصبرك واقصدْ به وجهَ الله تعالى. فامتثل رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - لأمر ربِّه، وبادر فيه ، فأنذر الناس وأوضح لهم بالآياتِ البيناتِ جميع المطالب الإلهيَّة، وعظَّم الله تعالى، ودعا الخلق إلى تعظيمه، وطهَّر أعماله الظاهرة والباطنة من كل سوءٍ، وهجر كلَّ ما يُعْبَدُ من دون الله وما يُعْبَدُ معه من الأصنام وأهلها والشرِّ وأهله، وله المنَّة على الناس بعد منَّة الله، من غير أن يطلبَ عليهم بذلك جزاءً ولا شكوراً، وصبر لربِّه أكمل صبر: فصبر على طاعة الله، وعن معاصيه، وصبر على أقداره المؤلمة، حتى فاق أولي العزم من المرسَلين. صلواتُ الله وسلامُه عليه وعليهم أجمعين.

المدثر 74:8

{8 ـ 10} أي: فإذا نُفِخَ في الصُّور للقيام من القبور، وجُمِعَ الخلائق للبعث والنشور، {فذلك يومئذٍ يومٌ عسيرٌ}: لكثرة أهواله وشدائده، {على الكافرين غيرُ يسيرٍ}؛ لأنَّهم قد أيِسوا من كلِّ خيرٍ وأيقنوا بالهلاك والبَوار. ومفهومُ ذلك أنَّه على المؤمنين يسيرٌ؛ كما قال تعالى:{يقول الكافرون هذا يومٌ عَسِرٌ}.

المدثر 74:9

{8 ـ 10} أي: فإذا نُفِخَ في الصُّور للقيام من القبور، وجُمِعَ الخلائق للبعث والنشور، {فذلك يومئذٍ يومٌ عسيرٌ}: لكثرة أهواله وشدائده، {على الكافرين غيرُ يسيرٍ}؛ لأنَّهم قد أيِسوا من كلِّ خيرٍ وأيقنوا بالهلاك والبَوار. ومفهومُ ذلك أنَّه على المؤمنين يسيرٌ؛ كما قال تعالى:{يقول الكافرون هذا يومٌ عَسِرٌ}.

المدثر 74:10

{8 ـ 10} أي: فإذا نُفِخَ في الصُّور للقيام من القبور، وجُمِعَ الخلائق للبعث والنشور، {فذلك يومئذٍ يومٌ عسيرٌ}: لكثرة أهواله وشدائده، {على الكافرين غيرُ يسيرٍ}؛ لأنَّهم قد أيِسوا من كلِّ خيرٍ وأيقنوا بالهلاك والبَوار. ومفهومُ ذلك أنَّه على المؤمنين يسيرٌ؛ كما قال تعالى:{يقول الكافرون هذا يومٌ عَسِرٌ}.

المدثر 74:11

{11 ـ 30} هذه الآيات نزلت في الوليد بن المغيرة ، المعاند للحقِّ، المبارز لله ولرسوله بالمحاربة والمشاقَّة، فذمَّه الله ذمًّا لم يذمَّ به غيره، وهذا جزاءُ كلِّ مَنْ عانَد الحقَّ ونابذه؛ أنَّ له الخزيَ في الدُّنيا ولَعذاب الآخرة أخزى، فقال:{ذَرۡني ومَن خلقتُ وحيداً}؛ أي: خلقته منفرداً بلا مال ولا أهل ولا غيره، فلم أزل أربِّيه وأعطيه، فجعلت {له مالاً ممدوداً}؛ أي: كثيراً، {و} جعلتُ له {بنينَ}؛ أي: ذكوراً، {شهوداً}؛ أي: حاضرين عنده على الدَّوام، يتمتَّع بهم ويقضي بهم حوائِجَه ويستنصِرُ بهم، {ومهَّدۡتُ له تمهيداً}؛ أي: مكَّنته من الدُّنيا وأسبابها حتى انقادَتْ له مطالِبُه وحصل له ما يشتهي ويريدُ. {ثم}: مع هذه النعم والإمدادات {يَطۡمَعُ أن أزيدَ}؛ أي: يطمع أن ينال نعيم الآخرة كما نال نعيم الدنيا، {كلاَّ}؛ أي: ليس الأمر كما طمع، بل هو بخلاف مقصوده ومطلوبه، وذلك {إنَّه كان لآياتنا عنيداً}: عرفها ثم أنكرها، ودعتْه إلى الحقِّ فلم يَنْقَدْ لها، ولم يكفِهِ أنَّه أعرض عنها وتولَّى ، بل جعل يحاربُها ويسعى في إبطالها، ولهذا قال عنه:{إنَّه فَكَّر}؛ أي: في نفسه. {وقدَّر}: ما فكَّر فيه؛ ليقولَ قولاً يبطِلُ به القرآن، {فقُتِلَ كيف قدَّر. ثم قُتِلَ كيف قدَّر}؛ لأنَّه قدَّر أمراً ليس في طوره، وتسوَّر على ما لا ينالُه هو ولا أمثاله، {ثم نَظَرَ}: ما يقول، {ثم عَبَسَ وبَسَرَ}: في وجهه وظاهره نفرةً عن الحقِّ وبُغضاً له، {ثم أدبر}؛ أي: تولَّى، {واستكبر}: نتيجة سعيه الفكريِّ والعمليِّ والقوليِّ، {فقال إنۡ هذا إلاَّ سحرٌ يُؤۡثَرُ. إنۡ هذا إلاَّ قولُ البشرِ}؛ أي: ما هذا كلام الله، بل كلام البشر، وليس أيضاً كلام البشر الأخيار، بل كلام الأشرار منهم والفجَّار من كل كاذبٍ سحَّارٍ، فتبًّا له! ما أبعده من الصواب! وأحراه بالخسارة والتَّباب! كيف يدور في الأذهان أو يتصوَّره ضميرُ أيِّ إنسان أن يكون أعلى الكلام وأعظمه كلام الربِّ الكريم الماجد العظيم يشبِهُ كلام المخلوقين الفقراء الناقصين؟! أم كيف يتجرَّأ هذا الكاذب العنيد على وصفه بهذا الوصف لكلام الله تعالى ؛ فما حقُّه إلاَّ العذاب الشديد [والنكال]، ولهذا قال تعالى:{سأُصۡليه سَقَرَ. وما أدراك ما سَقَرُ. لا تُبۡقي ولا تَذَرُ}؛ أي: لا تبقي من الشدَّة ولا على المعذَّب شيئاً إلا وبَلَغَتْه. {لوَّاحةٌ للبشر}؛ أي: تلوحهم وتُصليهم في عذابها وتقلقهم بشدَّة حرِّها وقَرِّها. {عليها تسعةَ عشرَ}: من الملائكة، خزنة لها، غلاظٌ شدادٌ لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يُؤمرون. {31}{وما جعلنا أصحاب النارِ إلاَّ ملائكةً}: وذلك لشدَّتهم وقوَّتهم، {وما جعلنا عِدَّتهم إلاَّ فتنةً للذين كفروا}: يحتمل أنَّ المراد؛ إلاَّ لعذابهم وعقابهم في الآخرة ولزيادة نَكالهم فيها، والعذاب يسمَّى فتنة؛ كما قال تعالى:{يومَ هم على النَّارِ يُفۡتَنونَ}. ويُحتمل أنَّ المراد أنَّا ما أخبرناكم بعدَّتهم إلاَّ لنعلم من يصدِّق ممَّن يكذِّب. ويدلُّ على هذا ما ذكره بعده في قوله:{ليستيقِنَ الذين أوتوا الكتاب ويزدادَ الذين آمنوا إيماناً}: فإنَّ أهل الكتاب إذا وافق ما عندَهم وطابَقَه؛ ازدادَ يقينُهم بالحقِّ، والمؤمنون كلَّما أنزل الله آيةً، فآمنوا بها وصدَّقوا؛ ازداد إيمانُهم، {ولا يرتابَ الذين أوتوا الكتابَ والمؤمنون}؛ أي: ليزول عنهم الريبُ والشكُّ، وهذه مقاصدُ جليلةٌ يعتني بها أولو الألباب، وهي السعي في اليقين وزيادة الإيمان في كلِّ وقتٍ وكلِّ مسألةٍ من مسائل الدين، ودفع الشكوك والأوهام التي تَعْرِضُ في مقابلة الحقِّ، فجعل ما أنزله على رسولِهِ محصِّلاً لهذه المقاصد الجليلة، ومميزاً للصادقين من الكاذبين ، ولهذا قال:{وليقولَ الذين في قلوبِهِم مرضٌ}؛ أي: شكٌّ وشبهةٌ ونفاقٌ، {والكافرون ماذا أرادَ الله بهذا مثلاً}: وهذا على وجه الحيرة والشكِّ منهم والكفر بآيات الله، وهذا وذاك من هداية الله لمن يهديه وإضلاله لمن يُضِلُّه، ولهذا قال:{كذلك يُضِلُّ الله مَن يشاءُ ويَهۡدي مَن يشاءُ}: فمن هداه الله؛ جعل ما أنزل على رسوله رحمةً في حقِّه وزيادةً في إيمانه ودينه، ومن أضلَّه؛ جعل ما أنزله على رسوله زيادةَ شقاءٍ عليه وحيرةً وظلمةً في حقِّه، والواجب أن يُتَلَقى ما أخبر الله به ورسولُه بالتسليم، فإنه {لا يعلمُ جنودَ ربِّك} من الملائكة وغيرهم {إلاَّ هو}: فإذا كنتُم جاهلين بجنوده، وأخبركم بها العليم الخبير؛ فعليكم أن تصدِّقوا خبره من غير شكٍّ ولا ارتياب، {وما هي إلاَّ ذِكۡرى للبشرِ}؛ أي: وما هذه الموعظة والتذكار مقصوداً به العبث واللعب، وإنما المقصود به أن يتذكَّر به البشر ما ينفعهم فيفعلونه، وما يضرُّهم فيتركونه.

المدثر 74:12

{11 ـ 30} هذه الآيات نزلت في الوليد بن المغيرة ، المعاند للحقِّ، المبارز لله ولرسوله بالمحاربة والمشاقَّة، فذمَّه الله ذمًّا لم يذمَّ به غيره، وهذا جزاءُ كلِّ مَنْ عانَد الحقَّ ونابذه؛ أنَّ له الخزيَ في الدُّنيا ولَعذاب الآخرة أخزى، فقال:{ذَرۡني ومَن خلقتُ وحيداً}؛ أي: خلقته منفرداً بلا مال ولا أهل ولا غيره، فلم أزل أربِّيه وأعطيه، فجعلت {له مالاً ممدوداً}؛ أي: كثيراً، {و} جعلتُ له {بنينَ}؛ أي: ذكوراً، {شهوداً}؛ أي: حاضرين عنده على الدَّوام، يتمتَّع بهم ويقضي بهم حوائِجَه ويستنصِرُ بهم، {ومهَّدۡتُ له تمهيداً}؛ أي: مكَّنته من الدُّنيا وأسبابها حتى انقادَتْ له مطالِبُه وحصل له ما يشتهي ويريدُ. {ثم}: مع هذه النعم والإمدادات {يَطۡمَعُ أن أزيدَ}؛ أي: يطمع أن ينال نعيم الآخرة كما نال نعيم الدنيا، {كلاَّ}؛ أي: ليس الأمر كما طمع، بل هو بخلاف مقصوده ومطلوبه، وذلك {إنَّه كان لآياتنا عنيداً}: عرفها ثم أنكرها، ودعتْه إلى الحقِّ فلم يَنْقَدْ لها، ولم يكفِهِ أنَّه أعرض عنها وتولَّى ، بل جعل يحاربُها ويسعى في إبطالها، ولهذا قال عنه:{إنَّه فَكَّر}؛ أي: في نفسه. {وقدَّر}: ما فكَّر فيه؛ ليقولَ قولاً يبطِلُ به القرآن، {فقُتِلَ كيف قدَّر. ثم قُتِلَ كيف قدَّر}؛ لأنَّه قدَّر أمراً ليس في طوره، وتسوَّر على ما لا ينالُه هو ولا أمثاله، {ثم نَظَرَ}: ما يقول، {ثم عَبَسَ وبَسَرَ}: في وجهه وظاهره نفرةً عن الحقِّ وبُغضاً له، {ثم أدبر}؛ أي: تولَّى، {واستكبر}: نتيجة سعيه الفكريِّ والعمليِّ والقوليِّ، {فقال إنۡ هذا إلاَّ سحرٌ يُؤۡثَرُ. إنۡ هذا إلاَّ قولُ البشرِ}؛ أي: ما هذا كلام الله، بل كلام البشر، وليس أيضاً كلام البشر الأخيار، بل كلام الأشرار منهم والفجَّار من كل كاذبٍ سحَّارٍ، فتبًّا له! ما أبعده من الصواب! وأحراه بالخسارة والتَّباب! كيف يدور في الأذهان أو يتصوَّره ضميرُ أيِّ إنسان أن يكون أعلى الكلام وأعظمه كلام الربِّ الكريم الماجد العظيم يشبِهُ كلام المخلوقين الفقراء الناقصين؟! أم كيف يتجرَّأ هذا الكاذب العنيد على وصفه بهذا الوصف لكلام الله تعالى ؛ فما حقُّه إلاَّ العذاب الشديد [والنكال]، ولهذا قال تعالى:{سأُصۡليه سَقَرَ. وما أدراك ما سَقَرُ. لا تُبۡقي ولا تَذَرُ}؛ أي: لا تبقي من الشدَّة ولا على المعذَّب شيئاً إلا وبَلَغَتْه. {لوَّاحةٌ للبشر}؛ أي: تلوحهم وتُصليهم في عذابها وتقلقهم بشدَّة حرِّها وقَرِّها. {عليها تسعةَ عشرَ}: من الملائكة، خزنة لها، غلاظٌ شدادٌ لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يُؤمرون. {31}{وما جعلنا أصحاب النارِ إلاَّ ملائكةً}: وذلك لشدَّتهم وقوَّتهم، {وما جعلنا عِدَّتهم إلاَّ فتنةً للذين كفروا}: يحتمل أنَّ المراد؛ إلاَّ لعذابهم وعقابهم في الآخرة ولزيادة نَكالهم فيها، والعذاب يسمَّى فتنة؛ كما قال تعالى:{يومَ هم على النَّارِ يُفۡتَنونَ}. ويُحتمل أنَّ المراد أنَّا ما أخبرناكم بعدَّتهم إلاَّ لنعلم من يصدِّق ممَّن يكذِّب. ويدلُّ على هذا ما ذكره بعده في قوله:{ليستيقِنَ الذين أوتوا الكتاب ويزدادَ الذين آمنوا إيماناً}: فإنَّ أهل الكتاب إذا وافق ما عندَهم وطابَقَه؛ ازدادَ يقينُهم بالحقِّ، والمؤمنون كلَّما أنزل الله آيةً، فآمنوا بها وصدَّقوا؛ ازداد إيمانُهم، {ولا يرتابَ الذين أوتوا الكتابَ والمؤمنون}؛ أي: ليزول عنهم الريبُ والشكُّ، وهذه مقاصدُ جليلةٌ يعتني بها أولو الألباب، وهي السعي في اليقين وزيادة الإيمان في كلِّ وقتٍ وكلِّ مسألةٍ من مسائل الدين، ودفع الشكوك والأوهام التي تَعْرِضُ في مقابلة الحقِّ، فجعل ما أنزله على رسولِهِ محصِّلاً لهذه المقاصد الجليلة، ومميزاً للصادقين من الكاذبين ، ولهذا قال:{وليقولَ الذين في قلوبِهِم مرضٌ}؛ أي: شكٌّ وشبهةٌ ونفاقٌ، {والكافرون ماذا أرادَ الله بهذا مثلاً}: وهذا على وجه الحيرة والشكِّ منهم والكفر بآيات الله، وهذا وذاك من هداية الله لمن يهديه وإضلاله لمن يُضِلُّه، ولهذا قال:{كذلك يُضِلُّ الله مَن يشاءُ ويَهۡدي مَن يشاءُ}: فمن هداه الله؛ جعل ما أنزل على رسوله رحمةً في حقِّه وزيادةً في إيمانه ودينه، ومن أضلَّه؛ جعل ما أنزله على رسوله زيادةَ شقاءٍ عليه وحيرةً وظلمةً في حقِّه، والواجب أن يُتَلَقى ما أخبر الله به ورسولُه بالتسليم، فإنه {لا يعلمُ جنودَ ربِّك} من الملائكة وغيرهم {إلاَّ هو}: فإذا كنتُم جاهلين بجنوده، وأخبركم بها العليم الخبير؛ فعليكم أن تصدِّقوا خبره من غير شكٍّ ولا ارتياب، {وما هي إلاَّ ذِكۡرى للبشرِ}؛ أي: وما هذه الموعظة والتذكار مقصوداً به العبث واللعب، وإنما المقصود به أن يتذكَّر به البشر ما ينفعهم فيفعلونه، وما يضرُّهم فيتركونه.

المدثر 74:13

{11 ـ 30} هذه الآيات نزلت في الوليد بن المغيرة ، المعاند للحقِّ، المبارز لله ولرسوله بالمحاربة والمشاقَّة، فذمَّه الله ذمًّا لم يذمَّ به غيره، وهذا جزاءُ كلِّ مَنْ عانَد الحقَّ ونابذه؛ أنَّ له الخزيَ في الدُّنيا ولَعذاب الآخرة أخزى، فقال:{ذَرۡني ومَن خلقتُ وحيداً}؛ أي: خلقته منفرداً بلا مال ولا أهل ولا غيره، فلم أزل أربِّيه وأعطيه، فجعلت {له مالاً ممدوداً}؛ أي: كثيراً، {و} جعلتُ له {بنينَ}؛ أي: ذكوراً، {شهوداً}؛ أي: حاضرين عنده على الدَّوام، يتمتَّع بهم ويقضي بهم حوائِجَه ويستنصِرُ بهم، {ومهَّدۡتُ له تمهيداً}؛ أي: مكَّنته من الدُّنيا وأسبابها حتى انقادَتْ له مطالِبُه وحصل له ما يشتهي ويريدُ. {ثم}: مع هذه النعم والإمدادات {يَطۡمَعُ أن أزيدَ}؛ أي: يطمع أن ينال نعيم الآخرة كما نال نعيم الدنيا، {كلاَّ}؛ أي: ليس الأمر كما طمع، بل هو بخلاف مقصوده ومطلوبه، وذلك {إنَّه كان لآياتنا عنيداً}: عرفها ثم أنكرها، ودعتْه إلى الحقِّ فلم يَنْقَدْ لها، ولم يكفِهِ أنَّه أعرض عنها وتولَّى ، بل جعل يحاربُها ويسعى في إبطالها، ولهذا قال عنه:{إنَّه فَكَّر}؛ أي: في نفسه. {وقدَّر}: ما فكَّر فيه؛ ليقولَ قولاً يبطِلُ به القرآن، {فقُتِلَ كيف قدَّر. ثم قُتِلَ كيف قدَّر}؛ لأنَّه قدَّر أمراً ليس في طوره، وتسوَّر على ما لا ينالُه هو ولا أمثاله، {ثم نَظَرَ}: ما يقول، {ثم عَبَسَ وبَسَرَ}: في وجهه وظاهره نفرةً عن الحقِّ وبُغضاً له، {ثم أدبر}؛ أي: تولَّى، {واستكبر}: نتيجة سعيه الفكريِّ والعمليِّ والقوليِّ، {فقال إنۡ هذا إلاَّ سحرٌ يُؤۡثَرُ. إنۡ هذا إلاَّ قولُ البشرِ}؛ أي: ما هذا كلام الله، بل كلام البشر، وليس أيضاً كلام البشر الأخيار، بل كلام الأشرار منهم والفجَّار من كل كاذبٍ سحَّارٍ، فتبًّا له! ما أبعده من الصواب! وأحراه بالخسارة والتَّباب! كيف يدور في الأذهان أو يتصوَّره ضميرُ أيِّ إنسان أن يكون أعلى الكلام وأعظمه كلام الربِّ الكريم الماجد العظيم يشبِهُ كلام المخلوقين الفقراء الناقصين؟! أم كيف يتجرَّأ هذا الكاذب العنيد على وصفه بهذا الوصف لكلام الله تعالى ؛ فما حقُّه إلاَّ العذاب الشديد [والنكال]، ولهذا قال تعالى:{سأُصۡليه سَقَرَ. وما أدراك ما سَقَرُ. لا تُبۡقي ولا تَذَرُ}؛ أي: لا تبقي من الشدَّة ولا على المعذَّب شيئاً إلا وبَلَغَتْه. {لوَّاحةٌ للبشر}؛ أي: تلوحهم وتُصليهم في عذابها وتقلقهم بشدَّة حرِّها وقَرِّها. {عليها تسعةَ عشرَ}: من الملائكة، خزنة لها، غلاظٌ شدادٌ لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يُؤمرون. {31}{وما جعلنا أصحاب النارِ إلاَّ ملائكةً}: وذلك لشدَّتهم وقوَّتهم، {وما جعلنا عِدَّتهم إلاَّ فتنةً للذين كفروا}: يحتمل أنَّ المراد؛ إلاَّ لعذابهم وعقابهم في الآخرة ولزيادة نَكالهم فيها، والعذاب يسمَّى فتنة؛ كما قال تعالى:{يومَ هم على النَّارِ يُفۡتَنونَ}. ويُحتمل أنَّ المراد أنَّا ما أخبرناكم بعدَّتهم إلاَّ لنعلم من يصدِّق ممَّن يكذِّب. ويدلُّ على هذا ما ذكره بعده في قوله:{ليستيقِنَ الذين أوتوا الكتاب ويزدادَ الذين آمنوا إيماناً}: فإنَّ أهل الكتاب إذا وافق ما عندَهم وطابَقَه؛ ازدادَ يقينُهم بالحقِّ، والمؤمنون كلَّما أنزل الله آيةً، فآمنوا بها وصدَّقوا؛ ازداد إيمانُهم، {ولا يرتابَ الذين أوتوا الكتابَ والمؤمنون}؛ أي: ليزول عنهم الريبُ والشكُّ، وهذه مقاصدُ جليلةٌ يعتني بها أولو الألباب، وهي السعي في اليقين وزيادة الإيمان في كلِّ وقتٍ وكلِّ مسألةٍ من مسائل الدين، ودفع الشكوك والأوهام التي تَعْرِضُ في مقابلة الحقِّ، فجعل ما أنزله على رسولِهِ محصِّلاً لهذه المقاصد الجليلة، ومميزاً للصادقين من الكاذبين ، ولهذا قال:{وليقولَ الذين في قلوبِهِم مرضٌ}؛ أي: شكٌّ وشبهةٌ ونفاقٌ، {والكافرون ماذا أرادَ الله بهذا مثلاً}: وهذا على وجه الحيرة والشكِّ منهم والكفر بآيات الله، وهذا وذاك من هداية الله لمن يهديه وإضلاله لمن يُضِلُّه، ولهذا قال:{كذلك يُضِلُّ الله مَن يشاءُ ويَهۡدي مَن يشاءُ}: فمن هداه الله؛ جعل ما أنزل على رسوله رحمةً في حقِّه وزيادةً في إيمانه ودينه، ومن أضلَّه؛ جعل ما أنزله على رسوله زيادةَ شقاءٍ عليه وحيرةً وظلمةً في حقِّه، والواجب أن يُتَلَقى ما أخبر الله به ورسولُه بالتسليم، فإنه {لا يعلمُ جنودَ ربِّك} من الملائكة وغيرهم {إلاَّ هو}: فإذا كنتُم جاهلين بجنوده، وأخبركم بها العليم الخبير؛ فعليكم أن تصدِّقوا خبره من غير شكٍّ ولا ارتياب، {وما هي إلاَّ ذِكۡرى للبشرِ}؛ أي: وما هذه الموعظة والتذكار مقصوداً به العبث واللعب، وإنما المقصود به أن يتذكَّر به البشر ما ينفعهم فيفعلونه، وما يضرُّهم فيتركونه.

المدثر 74:14

{11 ـ 30} هذه الآيات نزلت في الوليد بن المغيرة ، المعاند للحقِّ، المبارز لله ولرسوله بالمحاربة والمشاقَّة، فذمَّه الله ذمًّا لم يذمَّ به غيره، وهذا جزاءُ كلِّ مَنْ عانَد الحقَّ ونابذه؛ أنَّ له الخزيَ في الدُّنيا ولَعذاب الآخرة أخزى، فقال:{ذَرۡني ومَن خلقتُ وحيداً}؛ أي: خلقته منفرداً بلا مال ولا أهل ولا غيره، فلم أزل أربِّيه وأعطيه، فجعلت {له مالاً ممدوداً}؛ أي: كثيراً، {و} جعلتُ له {بنينَ}؛ أي: ذكوراً، {شهوداً}؛ أي: حاضرين عنده على الدَّوام، يتمتَّع بهم ويقضي بهم حوائِجَه ويستنصِرُ بهم، {ومهَّدۡتُ له تمهيداً}؛ أي: مكَّنته من الدُّنيا وأسبابها حتى انقادَتْ له مطالِبُه وحصل له ما يشتهي ويريدُ. {ثم}: مع هذه النعم والإمدادات {يَطۡمَعُ أن أزيدَ}؛ أي: يطمع أن ينال نعيم الآخرة كما نال نعيم الدنيا، {كلاَّ}؛ أي: ليس الأمر كما طمع، بل هو بخلاف مقصوده ومطلوبه، وذلك {إنَّه كان لآياتنا عنيداً}: عرفها ثم أنكرها، ودعتْه إلى الحقِّ فلم يَنْقَدْ لها، ولم يكفِهِ أنَّه أعرض عنها وتولَّى ، بل جعل يحاربُها ويسعى في إبطالها، ولهذا قال عنه:{إنَّه فَكَّر}؛ أي: في نفسه. {وقدَّر}: ما فكَّر فيه؛ ليقولَ قولاً يبطِلُ به القرآن، {فقُتِلَ كيف قدَّر. ثم قُتِلَ كيف قدَّر}؛ لأنَّه قدَّر أمراً ليس في طوره، وتسوَّر على ما لا ينالُه هو ولا أمثاله، {ثم نَظَرَ}: ما يقول، {ثم عَبَسَ وبَسَرَ}: في وجهه وظاهره نفرةً عن الحقِّ وبُغضاً له، {ثم أدبر}؛ أي: تولَّى، {واستكبر}: نتيجة سعيه الفكريِّ والعمليِّ والقوليِّ، {فقال إنۡ هذا إلاَّ سحرٌ يُؤۡثَرُ. إنۡ هذا إلاَّ قولُ البشرِ}؛ أي: ما هذا كلام الله، بل كلام البشر، وليس أيضاً كلام البشر الأخيار، بل كلام الأشرار منهم والفجَّار من كل كاذبٍ سحَّارٍ، فتبًّا له! ما أبعده من الصواب! وأحراه بالخسارة والتَّباب! كيف يدور في الأذهان أو يتصوَّره ضميرُ أيِّ إنسان أن يكون أعلى الكلام وأعظمه كلام الربِّ الكريم الماجد العظيم يشبِهُ كلام المخلوقين الفقراء الناقصين؟! أم كيف يتجرَّأ هذا الكاذب العنيد على وصفه بهذا الوصف لكلام الله تعالى ؛ فما حقُّه إلاَّ العذاب الشديد [والنكال]، ولهذا قال تعالى:{سأُصۡليه سَقَرَ. وما أدراك ما سَقَرُ. لا تُبۡقي ولا تَذَرُ}؛ أي: لا تبقي من الشدَّة ولا على المعذَّب شيئاً إلا وبَلَغَتْه. {لوَّاحةٌ للبشر}؛ أي: تلوحهم وتُصليهم في عذابها وتقلقهم بشدَّة حرِّها وقَرِّها. {عليها تسعةَ عشرَ}: من الملائكة، خزنة لها، غلاظٌ شدادٌ لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يُؤمرون. {31}{وما جعلنا أصحاب النارِ إلاَّ ملائكةً}: وذلك لشدَّتهم وقوَّتهم، {وما جعلنا عِدَّتهم إلاَّ فتنةً للذين كفروا}: يحتمل أنَّ المراد؛ إلاَّ لعذابهم وعقابهم في الآخرة ولزيادة نَكالهم فيها، والعذاب يسمَّى فتنة؛ كما قال تعالى:{يومَ هم على النَّارِ يُفۡتَنونَ}. ويُحتمل أنَّ المراد أنَّا ما أخبرناكم بعدَّتهم إلاَّ لنعلم من يصدِّق ممَّن يكذِّب. ويدلُّ على هذا ما ذكره بعده في قوله:{ليستيقِنَ الذين أوتوا الكتاب ويزدادَ الذين آمنوا إيماناً}: فإنَّ أهل الكتاب إذا وافق ما عندَهم وطابَقَه؛ ازدادَ يقينُهم بالحقِّ، والمؤمنون كلَّما أنزل الله آيةً، فآمنوا بها وصدَّقوا؛ ازداد إيمانُهم، {ولا يرتابَ الذين أوتوا الكتابَ والمؤمنون}؛ أي: ليزول عنهم الريبُ والشكُّ، وهذه مقاصدُ جليلةٌ يعتني بها أولو الألباب، وهي السعي في اليقين وزيادة الإيمان في كلِّ وقتٍ وكلِّ مسألةٍ من مسائل الدين، ودفع الشكوك والأوهام التي تَعْرِضُ في مقابلة الحقِّ، فجعل ما أنزله على رسولِهِ محصِّلاً لهذه المقاصد الجليلة، ومميزاً للصادقين من الكاذبين ، ولهذا قال:{وليقولَ الذين في قلوبِهِم مرضٌ}؛ أي: شكٌّ وشبهةٌ ونفاقٌ، {والكافرون ماذا أرادَ الله بهذا مثلاً}: وهذا على وجه الحيرة والشكِّ منهم والكفر بآيات الله، وهذا وذاك من هداية الله لمن يهديه وإضلاله لمن يُضِلُّه، ولهذا قال:{كذلك يُضِلُّ الله مَن يشاءُ ويَهۡدي مَن يشاءُ}: فمن هداه الله؛ جعل ما أنزل على رسوله رحمةً في حقِّه وزيادةً في إيمانه ودينه، ومن أضلَّه؛ جعل ما أنزله على رسوله زيادةَ شقاءٍ عليه وحيرةً وظلمةً في حقِّه، والواجب أن يُتَلَقى ما أخبر الله به ورسولُه بالتسليم، فإنه {لا يعلمُ جنودَ ربِّك} من الملائكة وغيرهم {إلاَّ هو}: فإذا كنتُم جاهلين بجنوده، وأخبركم بها العليم الخبير؛ فعليكم أن تصدِّقوا خبره من غير شكٍّ ولا ارتياب، {وما هي إلاَّ ذِكۡرى للبشرِ}؛ أي: وما هذه الموعظة والتذكار مقصوداً به العبث واللعب، وإنما المقصود به أن يتذكَّر به البشر ما ينفعهم فيفعلونه، وما يضرُّهم فيتركونه.

المدثر 74:15

{11 ـ 30} هذه الآيات نزلت في الوليد بن المغيرة ، المعاند للحقِّ، المبارز لله ولرسوله بالمحاربة والمشاقَّة، فذمَّه الله ذمًّا لم يذمَّ به غيره، وهذا جزاءُ كلِّ مَنْ عانَد الحقَّ ونابذه؛ أنَّ له الخزيَ في الدُّنيا ولَعذاب الآخرة أخزى، فقال:{ذَرۡني ومَن خلقتُ وحيداً}؛ أي: خلقته منفرداً بلا مال ولا أهل ولا غيره، فلم أزل أربِّيه وأعطيه، فجعلت {له مالاً ممدوداً}؛ أي: كثيراً، {و} جعلتُ له {بنينَ}؛ أي: ذكوراً، {شهوداً}؛ أي: حاضرين عنده على الدَّوام، يتمتَّع بهم ويقضي بهم حوائِجَه ويستنصِرُ بهم، {ومهَّدۡتُ له تمهيداً}؛ أي: مكَّنته من الدُّنيا وأسبابها حتى انقادَتْ له مطالِبُه وحصل له ما يشتهي ويريدُ. {ثم}: مع هذه النعم والإمدادات {يَطۡمَعُ أن أزيدَ}؛ أي: يطمع أن ينال نعيم الآخرة كما نال نعيم الدنيا، {كلاَّ}؛ أي: ليس الأمر كما طمع، بل هو بخلاف مقصوده ومطلوبه، وذلك {إنَّه كان لآياتنا عنيداً}: عرفها ثم أنكرها، ودعتْه إلى الحقِّ فلم يَنْقَدْ لها، ولم يكفِهِ أنَّه أعرض عنها وتولَّى ، بل جعل يحاربُها ويسعى في إبطالها، ولهذا قال عنه:{إنَّه فَكَّر}؛ أي: في نفسه. {وقدَّر}: ما فكَّر فيه؛ ليقولَ قولاً يبطِلُ به القرآن، {فقُتِلَ كيف قدَّر. ثم قُتِلَ كيف قدَّر}؛ لأنَّه قدَّر أمراً ليس في طوره، وتسوَّر على ما لا ينالُه هو ولا أمثاله، {ثم نَظَرَ}: ما يقول، {ثم عَبَسَ وبَسَرَ}: في وجهه وظاهره نفرةً عن الحقِّ وبُغضاً له، {ثم أدبر}؛ أي: تولَّى، {واستكبر}: نتيجة سعيه الفكريِّ والعمليِّ والقوليِّ، {فقال إنۡ هذا إلاَّ سحرٌ يُؤۡثَرُ. إنۡ هذا إلاَّ قولُ البشرِ}؛ أي: ما هذا كلام الله، بل كلام البشر، وليس أيضاً كلام البشر الأخيار، بل كلام الأشرار منهم والفجَّار من كل كاذبٍ سحَّارٍ، فتبًّا له! ما أبعده من الصواب! وأحراه بالخسارة والتَّباب! كيف يدور في الأذهان أو يتصوَّره ضميرُ أيِّ إنسان أن يكون أعلى الكلام وأعظمه كلام الربِّ الكريم الماجد العظيم يشبِهُ كلام المخلوقين الفقراء الناقصين؟! أم كيف يتجرَّأ هذا الكاذب العنيد على وصفه بهذا الوصف لكلام الله تعالى ؛ فما حقُّه إلاَّ العذاب الشديد [والنكال]، ولهذا قال تعالى:{سأُصۡليه سَقَرَ. وما أدراك ما سَقَرُ. لا تُبۡقي ولا تَذَرُ}؛ أي: لا تبقي من الشدَّة ولا على المعذَّب شيئاً إلا وبَلَغَتْه. {لوَّاحةٌ للبشر}؛ أي: تلوحهم وتُصليهم في عذابها وتقلقهم بشدَّة حرِّها وقَرِّها. {عليها تسعةَ عشرَ}: من الملائكة، خزنة لها، غلاظٌ شدادٌ لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يُؤمرون. {31}{وما جعلنا أصحاب النارِ إلاَّ ملائكةً}: وذلك لشدَّتهم وقوَّتهم، {وما جعلنا عِدَّتهم إلاَّ فتنةً للذين كفروا}: يحتمل أنَّ المراد؛ إلاَّ لعذابهم وعقابهم في الآخرة ولزيادة نَكالهم فيها، والعذاب يسمَّى فتنة؛ كما قال تعالى:{يومَ هم على النَّارِ يُفۡتَنونَ}. ويُحتمل أنَّ المراد أنَّا ما أخبرناكم بعدَّتهم إلاَّ لنعلم من يصدِّق ممَّن يكذِّب. ويدلُّ على هذا ما ذكره بعده في قوله:{ليستيقِنَ الذين أوتوا الكتاب ويزدادَ الذين آمنوا إيماناً}: فإنَّ أهل الكتاب إذا وافق ما عندَهم وطابَقَه؛ ازدادَ يقينُهم بالحقِّ، والمؤمنون كلَّما أنزل الله آيةً، فآمنوا بها وصدَّقوا؛ ازداد إيمانُهم، {ولا يرتابَ الذين أوتوا الكتابَ والمؤمنون}؛ أي: ليزول عنهم الريبُ والشكُّ، وهذه مقاصدُ جليلةٌ يعتني بها أولو الألباب، وهي السعي في اليقين وزيادة الإيمان في كلِّ وقتٍ وكلِّ مسألةٍ من مسائل الدين، ودفع الشكوك والأوهام التي تَعْرِضُ في مقابلة الحقِّ، فجعل ما أنزله على رسولِهِ محصِّلاً لهذه المقاصد الجليلة، ومميزاً للصادقين من الكاذبين ، ولهذا قال:{وليقولَ الذين في قلوبِهِم مرضٌ}؛ أي: شكٌّ وشبهةٌ ونفاقٌ، {والكافرون ماذا أرادَ الله بهذا مثلاً}: وهذا على وجه الحيرة والشكِّ منهم والكفر بآيات الله، وهذا وذاك من هداية الله لمن يهديه وإضلاله لمن يُضِلُّه، ولهذا قال:{كذلك يُضِلُّ الله مَن يشاءُ ويَهۡدي مَن يشاءُ}: فمن هداه الله؛ جعل ما أنزل على رسوله رحمةً في حقِّه وزيادةً في إيمانه ودينه، ومن أضلَّه؛ جعل ما أنزله على رسوله زيادةَ شقاءٍ عليه وحيرةً وظلمةً في حقِّه، والواجب أن يُتَلَقى ما أخبر الله به ورسولُه بالتسليم، فإنه {لا يعلمُ جنودَ ربِّك} من الملائكة وغيرهم {إلاَّ هو}: فإذا كنتُم جاهلين بجنوده، وأخبركم بها العليم الخبير؛ فعليكم أن تصدِّقوا خبره من غير شكٍّ ولا ارتياب، {وما هي إلاَّ ذِكۡرى للبشرِ}؛ أي: وما هذه الموعظة والتذكار مقصوداً به العبث واللعب، وإنما المقصود به أن يتذكَّر به البشر ما ينفعهم فيفعلونه، وما يضرُّهم فيتركونه.

المدثر 74:16

{11 ـ 30} هذه الآيات نزلت في الوليد بن المغيرة ، المعاند للحقِّ، المبارز لله ولرسوله بالمحاربة والمشاقَّة، فذمَّه الله ذمًّا لم يذمَّ به غيره، وهذا جزاءُ كلِّ مَنْ عانَد الحقَّ ونابذه؛ أنَّ له الخزيَ في الدُّنيا ولَعذاب الآخرة أخزى، فقال:{ذَرۡني ومَن خلقتُ وحيداً}؛ أي: خلقته منفرداً بلا مال ولا أهل ولا غيره، فلم أزل أربِّيه وأعطيه، فجعلت {له مالاً ممدوداً}؛ أي: كثيراً، {و} جعلتُ له {بنينَ}؛ أي: ذكوراً، {شهوداً}؛ أي: حاضرين عنده على الدَّوام، يتمتَّع بهم ويقضي بهم حوائِجَه ويستنصِرُ بهم، {ومهَّدۡتُ له تمهيداً}؛ أي: مكَّنته من الدُّنيا وأسبابها حتى انقادَتْ له مطالِبُه وحصل له ما يشتهي ويريدُ. {ثم}: مع هذه النعم والإمدادات {يَطۡمَعُ أن أزيدَ}؛ أي: يطمع أن ينال نعيم الآخرة كما نال نعيم الدنيا، {كلاَّ}؛ أي: ليس الأمر كما طمع، بل هو بخلاف مقصوده ومطلوبه، وذلك {إنَّه كان لآياتنا عنيداً}: عرفها ثم أنكرها، ودعتْه إلى الحقِّ فلم يَنْقَدْ لها، ولم يكفِهِ أنَّه أعرض عنها وتولَّى ، بل جعل يحاربُها ويسعى في إبطالها، ولهذا قال عنه:{إنَّه فَكَّر}؛ أي: في نفسه. {وقدَّر}: ما فكَّر فيه؛ ليقولَ قولاً يبطِلُ به القرآن، {فقُتِلَ كيف قدَّر. ثم قُتِلَ كيف قدَّر}؛ لأنَّه قدَّر أمراً ليس في طوره، وتسوَّر على ما لا ينالُه هو ولا أمثاله، {ثم نَظَرَ}: ما يقول، {ثم عَبَسَ وبَسَرَ}: في وجهه وظاهره نفرةً عن الحقِّ وبُغضاً له، {ثم أدبر}؛ أي: تولَّى، {واستكبر}: نتيجة سعيه الفكريِّ والعمليِّ والقوليِّ، {فقال إنۡ هذا إلاَّ سحرٌ يُؤۡثَرُ. إنۡ هذا إلاَّ قولُ البشرِ}؛ أي: ما هذا كلام الله، بل كلام البشر، وليس أيضاً كلام البشر الأخيار، بل كلام الأشرار منهم والفجَّار من كل كاذبٍ سحَّارٍ، فتبًّا له! ما أبعده من الصواب! وأحراه بالخسارة والتَّباب! كيف يدور في الأذهان أو يتصوَّره ضميرُ أيِّ إنسان أن يكون أعلى الكلام وأعظمه كلام الربِّ الكريم الماجد العظيم يشبِهُ كلام المخلوقين الفقراء الناقصين؟! أم كيف يتجرَّأ هذا الكاذب العنيد على وصفه بهذا الوصف لكلام الله تعالى ؛ فما حقُّه إلاَّ العذاب الشديد [والنكال]، ولهذا قال تعالى:{سأُصۡليه سَقَرَ. وما أدراك ما سَقَرُ. لا تُبۡقي ولا تَذَرُ}؛ أي: لا تبقي من الشدَّة ولا على المعذَّب شيئاً إلا وبَلَغَتْه. {لوَّاحةٌ للبشر}؛ أي: تلوحهم وتُصليهم في عذابها وتقلقهم بشدَّة حرِّها وقَرِّها. {عليها تسعةَ عشرَ}: من الملائكة، خزنة لها، غلاظٌ شدادٌ لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يُؤمرون. {31}{وما جعلنا أصحاب النارِ إلاَّ ملائكةً}: وذلك لشدَّتهم وقوَّتهم، {وما جعلنا عِدَّتهم إلاَّ فتنةً للذين كفروا}: يحتمل أنَّ المراد؛ إلاَّ لعذابهم وعقابهم في الآخرة ولزيادة نَكالهم فيها، والعذاب يسمَّى فتنة؛ كما قال تعالى:{يومَ هم على النَّارِ يُفۡتَنونَ}. ويُحتمل أنَّ المراد أنَّا ما أخبرناكم بعدَّتهم إلاَّ لنعلم من يصدِّق ممَّن يكذِّب. ويدلُّ على هذا ما ذكره بعده في قوله:{ليستيقِنَ الذين أوتوا الكتاب ويزدادَ الذين آمنوا إيماناً}: فإنَّ أهل الكتاب إذا وافق ما عندَهم وطابَقَه؛ ازدادَ يقينُهم بالحقِّ، والمؤمنون كلَّما أنزل الله آيةً، فآمنوا بها وصدَّقوا؛ ازداد إيمانُهم، {ولا يرتابَ الذين أوتوا الكتابَ والمؤمنون}؛ أي: ليزول عنهم الريبُ والشكُّ، وهذه مقاصدُ جليلةٌ يعتني بها أولو الألباب، وهي السعي في اليقين وزيادة الإيمان في كلِّ وقتٍ وكلِّ مسألةٍ من مسائل الدين، ودفع الشكوك والأوهام التي تَعْرِضُ في مقابلة الحقِّ، فجعل ما أنزله على رسولِهِ محصِّلاً لهذه المقاصد الجليلة، ومميزاً للصادقين من الكاذبين ، ولهذا قال:{وليقولَ الذين في قلوبِهِم مرضٌ}؛ أي: شكٌّ وشبهةٌ ونفاقٌ، {والكافرون ماذا أرادَ الله بهذا مثلاً}: وهذا على وجه الحيرة والشكِّ منهم والكفر بآيات الله، وهذا وذاك من هداية الله لمن يهديه وإضلاله لمن يُضِلُّه، ولهذا قال:{كذلك يُضِلُّ الله مَن يشاءُ ويَهۡدي مَن يشاءُ}: فمن هداه الله؛ جعل ما أنزل على رسوله رحمةً في حقِّه وزيادةً في إيمانه ودينه، ومن أضلَّه؛ جعل ما أنزله على رسوله زيادةَ شقاءٍ عليه وحيرةً وظلمةً في حقِّه، والواجب أن يُتَلَقى ما أخبر الله به ورسولُه بالتسليم، فإنه {لا يعلمُ جنودَ ربِّك} من الملائكة وغيرهم {إلاَّ هو}: فإذا كنتُم جاهلين بجنوده، وأخبركم بها العليم الخبير؛ فعليكم أن تصدِّقوا خبره من غير شكٍّ ولا ارتياب، {وما هي إلاَّ ذِكۡرى للبشرِ}؛ أي: وما هذه الموعظة والتذكار مقصوداً به العبث واللعب، وإنما المقصود به أن يتذكَّر به البشر ما ينفعهم فيفعلونه، وما يضرُّهم فيتركونه.

المدثر 74:17

{11 ـ 30} هذه الآيات نزلت في الوليد بن المغيرة ، المعاند للحقِّ، المبارز لله ولرسوله بالمحاربة والمشاقَّة، فذمَّه الله ذمًّا لم يذمَّ به غيره، وهذا جزاءُ كلِّ مَنْ عانَد الحقَّ ونابذه؛ أنَّ له الخزيَ في الدُّنيا ولَعذاب الآخرة أخزى، فقال:{ذَرۡني ومَن خلقتُ وحيداً}؛ أي: خلقته منفرداً بلا مال ولا أهل ولا غيره، فلم أزل أربِّيه وأعطيه، فجعلت {له مالاً ممدوداً}؛ أي: كثيراً، {و} جعلتُ له {بنينَ}؛ أي: ذكوراً، {شهوداً}؛ أي: حاضرين عنده على الدَّوام، يتمتَّع بهم ويقضي بهم حوائِجَه ويستنصِرُ بهم، {ومهَّدۡتُ له تمهيداً}؛ أي: مكَّنته من الدُّنيا وأسبابها حتى انقادَتْ له مطالِبُه وحصل له ما يشتهي ويريدُ. {ثم}: مع هذه النعم والإمدادات {يَطۡمَعُ أن أزيدَ}؛ أي: يطمع أن ينال نعيم الآخرة كما نال نعيم الدنيا، {كلاَّ}؛ أي: ليس الأمر كما طمع، بل هو بخلاف مقصوده ومطلوبه، وذلك {إنَّه كان لآياتنا عنيداً}: عرفها ثم أنكرها، ودعتْه إلى الحقِّ فلم يَنْقَدْ لها، ولم يكفِهِ أنَّه أعرض عنها وتولَّى ، بل جعل يحاربُها ويسعى في إبطالها، ولهذا قال عنه:{إنَّه فَكَّر}؛ أي: في نفسه. {وقدَّر}: ما فكَّر فيه؛ ليقولَ قولاً يبطِلُ به القرآن، {فقُتِلَ كيف قدَّر. ثم قُتِلَ كيف قدَّر}؛ لأنَّه قدَّر أمراً ليس في طوره، وتسوَّر على ما لا ينالُه هو ولا أمثاله، {ثم نَظَرَ}: ما يقول، {ثم عَبَسَ وبَسَرَ}: في وجهه وظاهره نفرةً عن الحقِّ وبُغضاً له، {ثم أدبر}؛ أي: تولَّى، {واستكبر}: نتيجة سعيه الفكريِّ والعمليِّ والقوليِّ، {فقال إنۡ هذا إلاَّ سحرٌ يُؤۡثَرُ. إنۡ هذا إلاَّ قولُ البشرِ}؛ أي: ما هذا كلام الله، بل كلام البشر، وليس أيضاً كلام البشر الأخيار، بل كلام الأشرار منهم والفجَّار من كل كاذبٍ سحَّارٍ، فتبًّا له! ما أبعده من الصواب! وأحراه بالخسارة والتَّباب! كيف يدور في الأذهان أو يتصوَّره ضميرُ أيِّ إنسان أن يكون أعلى الكلام وأعظمه كلام الربِّ الكريم الماجد العظيم يشبِهُ كلام المخلوقين الفقراء الناقصين؟! أم كيف يتجرَّأ هذا الكاذب العنيد على وصفه بهذا الوصف لكلام الله تعالى ؛ فما حقُّه إلاَّ العذاب الشديد [والنكال]، ولهذا قال تعالى:{سأُصۡليه سَقَرَ. وما أدراك ما سَقَرُ. لا تُبۡقي ولا تَذَرُ}؛ أي: لا تبقي من الشدَّة ولا على المعذَّب شيئاً إلا وبَلَغَتْه. {لوَّاحةٌ للبشر}؛ أي: تلوحهم وتُصليهم في عذابها وتقلقهم بشدَّة حرِّها وقَرِّها. {عليها تسعةَ عشرَ}: من الملائكة، خزنة لها، غلاظٌ شدادٌ لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يُؤمرون. {31}{وما جعلنا أصحاب النارِ إلاَّ ملائكةً}: وذلك لشدَّتهم وقوَّتهم، {وما جعلنا عِدَّتهم إلاَّ فتنةً للذين كفروا}: يحتمل أنَّ المراد؛ إلاَّ لعذابهم وعقابهم في الآخرة ولزيادة نَكالهم فيها، والعذاب يسمَّى فتنة؛ كما قال تعالى:{يومَ هم على النَّارِ يُفۡتَنونَ}. ويُحتمل أنَّ المراد أنَّا ما أخبرناكم بعدَّتهم إلاَّ لنعلم من يصدِّق ممَّن يكذِّب. ويدلُّ على هذا ما ذكره بعده في قوله:{ليستيقِنَ الذين أوتوا الكتاب ويزدادَ الذين آمنوا إيماناً}: فإنَّ أهل الكتاب إذا وافق ما عندَهم وطابَقَه؛ ازدادَ يقينُهم بالحقِّ، والمؤمنون كلَّما أنزل الله آيةً، فآمنوا بها وصدَّقوا؛ ازداد إيمانُهم، {ولا يرتابَ الذين أوتوا الكتابَ والمؤمنون}؛ أي: ليزول عنهم الريبُ والشكُّ، وهذه مقاصدُ جليلةٌ يعتني بها أولو الألباب، وهي السعي في اليقين وزيادة الإيمان في كلِّ وقتٍ وكلِّ مسألةٍ من مسائل الدين، ودفع الشكوك والأوهام التي تَعْرِضُ في مقابلة الحقِّ، فجعل ما أنزله على رسولِهِ محصِّلاً لهذه المقاصد الجليلة، ومميزاً للصادقين من الكاذبين ، ولهذا قال:{وليقولَ الذين في قلوبِهِم مرضٌ}؛ أي: شكٌّ وشبهةٌ ونفاقٌ، {والكافرون ماذا أرادَ الله بهذا مثلاً}: وهذا على وجه الحيرة والشكِّ منهم والكفر بآيات الله، وهذا وذاك من هداية الله لمن يهديه وإضلاله لمن يُضِلُّه، ولهذا قال:{كذلك يُضِلُّ الله مَن يشاءُ ويَهۡدي مَن يشاءُ}: فمن هداه الله؛ جعل ما أنزل على رسوله رحمةً في حقِّه وزيادةً في إيمانه ودينه، ومن أضلَّه؛ جعل ما أنزله على رسوله زيادةَ شقاءٍ عليه وحيرةً وظلمةً في حقِّه، والواجب أن يُتَلَقى ما أخبر الله به ورسولُه بالتسليم، فإنه {لا يعلمُ جنودَ ربِّك} من الملائكة وغيرهم {إلاَّ هو}: فإذا كنتُم جاهلين بجنوده، وأخبركم بها العليم الخبير؛ فعليكم أن تصدِّقوا خبره من غير شكٍّ ولا ارتياب، {وما هي إلاَّ ذِكۡرى للبشرِ}؛ أي: وما هذه الموعظة والتذكار مقصوداً به العبث واللعب، وإنما المقصود به أن يتذكَّر به البشر ما ينفعهم فيفعلونه، وما يضرُّهم فيتركونه.

المدثر 74:18

{11 ـ 30} هذه الآيات نزلت في الوليد بن المغيرة ، المعاند للحقِّ، المبارز لله ولرسوله بالمحاربة والمشاقَّة، فذمَّه الله ذمًّا لم يذمَّ به غيره، وهذا جزاءُ كلِّ مَنْ عانَد الحقَّ ونابذه؛ أنَّ له الخزيَ في الدُّنيا ولَعذاب الآخرة أخزى، فقال:{ذَرۡني ومَن خلقتُ وحيداً}؛ أي: خلقته منفرداً بلا مال ولا أهل ولا غيره، فلم أزل أربِّيه وأعطيه، فجعلت {له مالاً ممدوداً}؛ أي: كثيراً، {و} جعلتُ له {بنينَ}؛ أي: ذكوراً، {شهوداً}؛ أي: حاضرين عنده على الدَّوام، يتمتَّع بهم ويقضي بهم حوائِجَه ويستنصِرُ بهم، {ومهَّدۡتُ له تمهيداً}؛ أي: مكَّنته من الدُّنيا وأسبابها حتى انقادَتْ له مطالِبُه وحصل له ما يشتهي ويريدُ. {ثم}: مع هذه النعم والإمدادات {يَطۡمَعُ أن أزيدَ}؛ أي: يطمع أن ينال نعيم الآخرة كما نال نعيم الدنيا، {كلاَّ}؛ أي: ليس الأمر كما طمع، بل هو بخلاف مقصوده ومطلوبه، وذلك {إنَّه كان لآياتنا عنيداً}: عرفها ثم أنكرها، ودعتْه إلى الحقِّ فلم يَنْقَدْ لها، ولم يكفِهِ أنَّه أعرض عنها وتولَّى ، بل جعل يحاربُها ويسعى في إبطالها، ولهذا قال عنه:{إنَّه فَكَّر}؛ أي: في نفسه. {وقدَّر}: ما فكَّر فيه؛ ليقولَ قولاً يبطِلُ به القرآن، {فقُتِلَ كيف قدَّر. ثم قُتِلَ كيف قدَّر}؛ لأنَّه قدَّر أمراً ليس في طوره، وتسوَّر على ما لا ينالُه هو ولا أمثاله، {ثم نَظَرَ}: ما يقول، {ثم عَبَسَ وبَسَرَ}: في وجهه وظاهره نفرةً عن الحقِّ وبُغضاً له، {ثم أدبر}؛ أي: تولَّى، {واستكبر}: نتيجة سعيه الفكريِّ والعمليِّ والقوليِّ، {فقال إنۡ هذا إلاَّ سحرٌ يُؤۡثَرُ. إنۡ هذا إلاَّ قولُ البشرِ}؛ أي: ما هذا كلام الله، بل كلام البشر، وليس أيضاً كلام البشر الأخيار، بل كلام الأشرار منهم والفجَّار من كل كاذبٍ سحَّارٍ، فتبًّا له! ما أبعده من الصواب! وأحراه بالخسارة والتَّباب! كيف يدور في الأذهان أو يتصوَّره ضميرُ أيِّ إنسان أن يكون أعلى الكلام وأعظمه كلام الربِّ الكريم الماجد العظيم يشبِهُ كلام المخلوقين الفقراء الناقصين؟! أم كيف يتجرَّأ هذا الكاذب العنيد على وصفه بهذا الوصف لكلام الله تعالى ؛ فما حقُّه إلاَّ العذاب الشديد [والنكال]، ولهذا قال تعالى:{سأُصۡليه سَقَرَ. وما أدراك ما سَقَرُ. لا تُبۡقي ولا تَذَرُ}؛ أي: لا تبقي من الشدَّة ولا على المعذَّب شيئاً إلا وبَلَغَتْه. {لوَّاحةٌ للبشر}؛ أي: تلوحهم وتُصليهم في عذابها وتقلقهم بشدَّة حرِّها وقَرِّها. {عليها تسعةَ عشرَ}: من الملائكة، خزنة لها، غلاظٌ شدادٌ لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يُؤمرون. {31}{وما جعلنا أصحاب النارِ إلاَّ ملائكةً}: وذلك لشدَّتهم وقوَّتهم، {وما جعلنا عِدَّتهم إلاَّ فتنةً للذين كفروا}: يحتمل أنَّ المراد؛ إلاَّ لعذابهم وعقابهم في الآخرة ولزيادة نَكالهم فيها، والعذاب يسمَّى فتنة؛ كما قال تعالى:{يومَ هم على النَّارِ يُفۡتَنونَ}. ويُحتمل أنَّ المراد أنَّا ما أخبرناكم بعدَّتهم إلاَّ لنعلم من يصدِّق ممَّن يكذِّب. ويدلُّ على هذا ما ذكره بعده في قوله:{ليستيقِنَ الذين أوتوا الكتاب ويزدادَ الذين آمنوا إيماناً}: فإنَّ أهل الكتاب إذا وافق ما عندَهم وطابَقَه؛ ازدادَ يقينُهم بالحقِّ، والمؤمنون كلَّما أنزل الله آيةً، فآمنوا بها وصدَّقوا؛ ازداد إيمانُهم، {ولا يرتابَ الذين أوتوا الكتابَ والمؤمنون}؛ أي: ليزول عنهم الريبُ والشكُّ، وهذه مقاصدُ جليلةٌ يعتني بها أولو الألباب، وهي السعي في اليقين وزيادة الإيمان في كلِّ وقتٍ وكلِّ مسألةٍ من مسائل الدين، ودفع الشكوك والأوهام التي تَعْرِضُ في مقابلة الحقِّ، فجعل ما أنزله على رسولِهِ محصِّلاً لهذه المقاصد الجليلة، ومميزاً للصادقين من الكاذبين ، ولهذا قال:{وليقولَ الذين في قلوبِهِم مرضٌ}؛ أي: شكٌّ وشبهةٌ ونفاقٌ، {والكافرون ماذا أرادَ الله بهذا مثلاً}: وهذا على وجه الحيرة والشكِّ منهم والكفر بآيات الله، وهذا وذاك من هداية الله لمن يهديه وإضلاله لمن يُضِلُّه، ولهذا قال:{كذلك يُضِلُّ الله مَن يشاءُ ويَهۡدي مَن يشاءُ}: فمن هداه الله؛ جعل ما أنزل على رسوله رحمةً في حقِّه وزيادةً في إيمانه ودينه، ومن أضلَّه؛ جعل ما أنزله على رسوله زيادةَ شقاءٍ عليه وحيرةً وظلمةً في حقِّه، والواجب أن يُتَلَقى ما أخبر الله به ورسولُه بالتسليم، فإنه {لا يعلمُ جنودَ ربِّك} من الملائكة وغيرهم {إلاَّ هو}: فإذا كنتُم جاهلين بجنوده، وأخبركم بها العليم الخبير؛ فعليكم أن تصدِّقوا خبره من غير شكٍّ ولا ارتياب، {وما هي إلاَّ ذِكۡرى للبشرِ}؛ أي: وما هذه الموعظة والتذكار مقصوداً به العبث واللعب، وإنما المقصود به أن يتذكَّر به البشر ما ينفعهم فيفعلونه، وما يضرُّهم فيتركونه.

المدثر 74:19

{11 ـ 30} هذه الآيات نزلت في الوليد بن المغيرة ، المعاند للحقِّ، المبارز لله ولرسوله بالمحاربة والمشاقَّة، فذمَّه الله ذمًّا لم يذمَّ به غيره، وهذا جزاءُ كلِّ مَنْ عانَد الحقَّ ونابذه؛ أنَّ له الخزيَ في الدُّنيا ولَعذاب الآخرة أخزى، فقال:{ذَرۡني ومَن خلقتُ وحيداً}؛ أي: خلقته منفرداً بلا مال ولا أهل ولا غيره، فلم أزل أربِّيه وأعطيه، فجعلت {له مالاً ممدوداً}؛ أي: كثيراً، {و} جعلتُ له {بنينَ}؛ أي: ذكوراً، {شهوداً}؛ أي: حاضرين عنده على الدَّوام، يتمتَّع بهم ويقضي بهم حوائِجَه ويستنصِرُ بهم، {ومهَّدۡتُ له تمهيداً}؛ أي: مكَّنته من الدُّنيا وأسبابها حتى انقادَتْ له مطالِبُه وحصل له ما يشتهي ويريدُ. {ثم}: مع هذه النعم والإمدادات {يَطۡمَعُ أن أزيدَ}؛ أي: يطمع أن ينال نعيم الآخرة كما نال نعيم الدنيا، {كلاَّ}؛ أي: ليس الأمر كما طمع، بل هو بخلاف مقصوده ومطلوبه، وذلك {إنَّه كان لآياتنا عنيداً}: عرفها ثم أنكرها، ودعتْه إلى الحقِّ فلم يَنْقَدْ لها، ولم يكفِهِ أنَّه أعرض عنها وتولَّى ، بل جعل يحاربُها ويسعى في إبطالها، ولهذا قال عنه:{إنَّه فَكَّر}؛ أي: في نفسه. {وقدَّر}: ما فكَّر فيه؛ ليقولَ قولاً يبطِلُ به القرآن، {فقُتِلَ كيف قدَّر. ثم قُتِلَ كيف قدَّر}؛ لأنَّه قدَّر أمراً ليس في طوره، وتسوَّر على ما لا ينالُه هو ولا أمثاله، {ثم نَظَرَ}: ما يقول، {ثم عَبَسَ وبَسَرَ}: في وجهه وظاهره نفرةً عن الحقِّ وبُغضاً له، {ثم أدبر}؛ أي: تولَّى، {واستكبر}: نتيجة سعيه الفكريِّ والعمليِّ والقوليِّ، {فقال إنۡ هذا إلاَّ سحرٌ يُؤۡثَرُ. إنۡ هذا إلاَّ قولُ البشرِ}؛ أي: ما هذا كلام الله، بل كلام البشر، وليس أيضاً كلام البشر الأخيار، بل كلام الأشرار منهم والفجَّار من كل كاذبٍ سحَّارٍ، فتبًّا له! ما أبعده من الصواب! وأحراه بالخسارة والتَّباب! كيف يدور في الأذهان أو يتصوَّره ضميرُ أيِّ إنسان أن يكون أعلى الكلام وأعظمه كلام الربِّ الكريم الماجد العظيم يشبِهُ كلام المخلوقين الفقراء الناقصين؟! أم كيف يتجرَّأ هذا الكاذب العنيد على وصفه بهذا الوصف لكلام الله تعالى ؛ فما حقُّه إلاَّ العذاب الشديد [والنكال]، ولهذا قال تعالى:{سأُصۡليه سَقَرَ. وما أدراك ما سَقَرُ. لا تُبۡقي ولا تَذَرُ}؛ أي: لا تبقي من الشدَّة ولا على المعذَّب شيئاً إلا وبَلَغَتْه. {لوَّاحةٌ للبشر}؛ أي: تلوحهم وتُصليهم في عذابها وتقلقهم بشدَّة حرِّها وقَرِّها. {عليها تسعةَ عشرَ}: من الملائكة، خزنة لها، غلاظٌ شدادٌ لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يُؤمرون. {31}{وما جعلنا أصحاب النارِ إلاَّ ملائكةً}: وذلك لشدَّتهم وقوَّتهم، {وما جعلنا عِدَّتهم إلاَّ فتنةً للذين كفروا}: يحتمل أنَّ المراد؛ إلاَّ لعذابهم وعقابهم في الآخرة ولزيادة نَكالهم فيها، والعذاب يسمَّى فتنة؛ كما قال تعالى:{يومَ هم على النَّارِ يُفۡتَنونَ}. ويُحتمل أنَّ المراد أنَّا ما أخبرناكم بعدَّتهم إلاَّ لنعلم من يصدِّق ممَّن يكذِّب. ويدلُّ على هذا ما ذكره بعده في قوله:{ليستيقِنَ الذين أوتوا الكتاب ويزدادَ الذين آمنوا إيماناً}: فإنَّ أهل الكتاب إذا وافق ما عندَهم وطابَقَه؛ ازدادَ يقينُهم بالحقِّ، والمؤمنون كلَّما أنزل الله آيةً، فآمنوا بها وصدَّقوا؛ ازداد إيمانُهم، {ولا يرتابَ الذين أوتوا الكتابَ والمؤمنون}؛ أي: ليزول عنهم الريبُ والشكُّ، وهذه مقاصدُ جليلةٌ يعتني بها أولو الألباب، وهي السعي في اليقين وزيادة الإيمان في كلِّ وقتٍ وكلِّ مسألةٍ من مسائل الدين، ودفع الشكوك والأوهام التي تَعْرِضُ في مقابلة الحقِّ، فجعل ما أنزله على رسولِهِ محصِّلاً لهذه المقاصد الجليلة، ومميزاً للصادقين من الكاذبين ، ولهذا قال:{وليقولَ الذين في قلوبِهِم مرضٌ}؛ أي: شكٌّ وشبهةٌ ونفاقٌ، {والكافرون ماذا أرادَ الله بهذا مثلاً}: وهذا على وجه الحيرة والشكِّ منهم والكفر بآيات الله، وهذا وذاك من هداية الله لمن يهديه وإضلاله لمن يُضِلُّه، ولهذا قال:{كذلك يُضِلُّ الله مَن يشاءُ ويَهۡدي مَن يشاءُ}: فمن هداه الله؛ جعل ما أنزل على رسوله رحمةً في حقِّه وزيادةً في إيمانه ودينه، ومن أضلَّه؛ جعل ما أنزله على رسوله زيادةَ شقاءٍ عليه وحيرةً وظلمةً في حقِّه، والواجب أن يُتَلَقى ما أخبر الله به ورسولُه بالتسليم، فإنه {لا يعلمُ جنودَ ربِّك} من الملائكة وغيرهم {إلاَّ هو}: فإذا كنتُم جاهلين بجنوده، وأخبركم بها العليم الخبير؛ فعليكم أن تصدِّقوا خبره من غير شكٍّ ولا ارتياب، {وما هي إلاَّ ذِكۡرى للبشرِ}؛ أي: وما هذه الموعظة والتذكار مقصوداً به العبث واللعب، وإنما المقصود به أن يتذكَّر به البشر ما ينفعهم فيفعلونه، وما يضرُّهم فيتركونه.

المدثر 74:20

{11 ـ 30} هذه الآيات نزلت في الوليد بن المغيرة ، المعاند للحقِّ، المبارز لله ولرسوله بالمحاربة والمشاقَّة، فذمَّه الله ذمًّا لم يذمَّ به غيره، وهذا جزاءُ كلِّ مَنْ عانَد الحقَّ ونابذه؛ أنَّ له الخزيَ في الدُّنيا ولَعذاب الآخرة أخزى، فقال:{ذَرۡني ومَن خلقتُ وحيداً}؛ أي: خلقته منفرداً بلا مال ولا أهل ولا غيره، فلم أزل أربِّيه وأعطيه، فجعلت {له مالاً ممدوداً}؛ أي: كثيراً، {و} جعلتُ له {بنينَ}؛ أي: ذكوراً، {شهوداً}؛ أي: حاضرين عنده على الدَّوام، يتمتَّع بهم ويقضي بهم حوائِجَه ويستنصِرُ بهم، {ومهَّدۡتُ له تمهيداً}؛ أي: مكَّنته من الدُّنيا وأسبابها حتى انقادَتْ له مطالِبُه وحصل له ما يشتهي ويريدُ. {ثم}: مع هذه النعم والإمدادات {يَطۡمَعُ أن أزيدَ}؛ أي: يطمع أن ينال نعيم الآخرة كما نال نعيم الدنيا، {كلاَّ}؛ أي: ليس الأمر كما طمع، بل هو بخلاف مقصوده ومطلوبه، وذلك {إنَّه كان لآياتنا عنيداً}: عرفها ثم أنكرها، ودعتْه إلى الحقِّ فلم يَنْقَدْ لها، ولم يكفِهِ أنَّه أعرض عنها وتولَّى ، بل جعل يحاربُها ويسعى في إبطالها، ولهذا قال عنه:{إنَّه فَكَّر}؛ أي: في نفسه. {وقدَّر}: ما فكَّر فيه؛ ليقولَ قولاً يبطِلُ به القرآن، {فقُتِلَ كيف قدَّر. ثم قُتِلَ كيف قدَّر}؛ لأنَّه قدَّر أمراً ليس في طوره، وتسوَّر على ما لا ينالُه هو ولا أمثاله، {ثم نَظَرَ}: ما يقول، {ثم عَبَسَ وبَسَرَ}: في وجهه وظاهره نفرةً عن الحقِّ وبُغضاً له، {ثم أدبر}؛ أي: تولَّى، {واستكبر}: نتيجة سعيه الفكريِّ والعمليِّ والقوليِّ، {فقال إنۡ هذا إلاَّ سحرٌ يُؤۡثَرُ. إنۡ هذا إلاَّ قولُ البشرِ}؛ أي: ما هذا كلام الله، بل كلام البشر، وليس أيضاً كلام البشر الأخيار، بل كلام الأشرار منهم والفجَّار من كل كاذبٍ سحَّارٍ، فتبًّا له! ما أبعده من الصواب! وأحراه بالخسارة والتَّباب! كيف يدور في الأذهان أو يتصوَّره ضميرُ أيِّ إنسان أن يكون أعلى الكلام وأعظمه كلام الربِّ الكريم الماجد العظيم يشبِهُ كلام المخلوقين الفقراء الناقصين؟! أم كيف يتجرَّأ هذا الكاذب العنيد على وصفه بهذا الوصف لكلام الله تعالى ؛ فما حقُّه إلاَّ العذاب الشديد [والنكال]، ولهذا قال تعالى:{سأُصۡليه سَقَرَ. وما أدراك ما سَقَرُ. لا تُبۡقي ولا تَذَرُ}؛ أي: لا تبقي من الشدَّة ولا على المعذَّب شيئاً إلا وبَلَغَتْه. {لوَّاحةٌ للبشر}؛ أي: تلوحهم وتُصليهم في عذابها وتقلقهم بشدَّة حرِّها وقَرِّها. {عليها تسعةَ عشرَ}: من الملائكة، خزنة لها، غلاظٌ شدادٌ لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يُؤمرون. {31}{وما جعلنا أصحاب النارِ إلاَّ ملائكةً}: وذلك لشدَّتهم وقوَّتهم، {وما جعلنا عِدَّتهم إلاَّ فتنةً للذين كفروا}: يحتمل أنَّ المراد؛ إلاَّ لعذابهم وعقابهم في الآخرة ولزيادة نَكالهم فيها، والعذاب يسمَّى فتنة؛ كما قال تعالى:{يومَ هم على النَّارِ يُفۡتَنونَ}. ويُحتمل أنَّ المراد أنَّا ما أخبرناكم بعدَّتهم إلاَّ لنعلم من يصدِّق ممَّن يكذِّب. ويدلُّ على هذا ما ذكره بعده في قوله:{ليستيقِنَ الذين أوتوا الكتاب ويزدادَ الذين آمنوا إيماناً}: فإنَّ أهل الكتاب إذا وافق ما عندَهم وطابَقَه؛ ازدادَ يقينُهم بالحقِّ، والمؤمنون كلَّما أنزل الله آيةً، فآمنوا بها وصدَّقوا؛ ازداد إيمانُهم، {ولا يرتابَ الذين أوتوا الكتابَ والمؤمنون}؛ أي: ليزول عنهم الريبُ والشكُّ، وهذه مقاصدُ جليلةٌ يعتني بها أولو الألباب، وهي السعي في اليقين وزيادة الإيمان في كلِّ وقتٍ وكلِّ مسألةٍ من مسائل الدين، ودفع الشكوك والأوهام التي تَعْرِضُ في مقابلة الحقِّ، فجعل ما أنزله على رسولِهِ محصِّلاً لهذه المقاصد الجليلة، ومميزاً للصادقين من الكاذبين ، ولهذا قال:{وليقولَ الذين في قلوبِهِم مرضٌ}؛ أي: شكٌّ وشبهةٌ ونفاقٌ، {والكافرون ماذا أرادَ الله بهذا مثلاً}: وهذا على وجه الحيرة والشكِّ منهم والكفر بآيات الله، وهذا وذاك من هداية الله لمن يهديه وإضلاله لمن يُضِلُّه، ولهذا قال:{كذلك يُضِلُّ الله مَن يشاءُ ويَهۡدي مَن يشاءُ}: فمن هداه الله؛ جعل ما أنزل على رسوله رحمةً في حقِّه وزيادةً في إيمانه ودينه، ومن أضلَّه؛ جعل ما أنزله على رسوله زيادةَ شقاءٍ عليه وحيرةً وظلمةً في حقِّه، والواجب أن يُتَلَقى ما أخبر الله به ورسولُه بالتسليم، فإنه {لا يعلمُ جنودَ ربِّك} من الملائكة وغيرهم {إلاَّ هو}: فإذا كنتُم جاهلين بجنوده، وأخبركم بها العليم الخبير؛ فعليكم أن تصدِّقوا خبره من غير شكٍّ ولا ارتياب، {وما هي إلاَّ ذِكۡرى للبشرِ}؛ أي: وما هذه الموعظة والتذكار مقصوداً به العبث واللعب، وإنما المقصود به أن يتذكَّر به البشر ما ينفعهم فيفعلونه، وما يضرُّهم فيتركونه.

المدثر 74:21

{11 ـ 30} هذه الآيات نزلت في الوليد بن المغيرة ، المعاند للحقِّ، المبارز لله ولرسوله بالمحاربة والمشاقَّة، فذمَّه الله ذمًّا لم يذمَّ به غيره، وهذا جزاءُ كلِّ مَنْ عانَد الحقَّ ونابذه؛ أنَّ له الخزيَ في الدُّنيا ولَعذاب الآخرة أخزى، فقال:{ذَرۡني ومَن خلقتُ وحيداً}؛ أي: خلقته منفرداً بلا مال ولا أهل ولا غيره، فلم أزل أربِّيه وأعطيه، فجعلت {له مالاً ممدوداً}؛ أي: كثيراً، {و} جعلتُ له {بنينَ}؛ أي: ذكوراً، {شهوداً}؛ أي: حاضرين عنده على الدَّوام، يتمتَّع بهم ويقضي بهم حوائِجَه ويستنصِرُ بهم، {ومهَّدۡتُ له تمهيداً}؛ أي: مكَّنته من الدُّنيا وأسبابها حتى انقادَتْ له مطالِبُه وحصل له ما يشتهي ويريدُ. {ثم}: مع هذه النعم والإمدادات {يَطۡمَعُ أن أزيدَ}؛ أي: يطمع أن ينال نعيم الآخرة كما نال نعيم الدنيا، {كلاَّ}؛ أي: ليس الأمر كما طمع، بل هو بخلاف مقصوده ومطلوبه، وذلك {إنَّه كان لآياتنا عنيداً}: عرفها ثم أنكرها، ودعتْه إلى الحقِّ فلم يَنْقَدْ لها، ولم يكفِهِ أنَّه أعرض عنها وتولَّى ، بل جعل يحاربُها ويسعى في إبطالها، ولهذا قال عنه:{إنَّه فَكَّر}؛ أي: في نفسه. {وقدَّر}: ما فكَّر فيه؛ ليقولَ قولاً يبطِلُ به القرآن، {فقُتِلَ كيف قدَّر. ثم قُتِلَ كيف قدَّر}؛ لأنَّه قدَّر أمراً ليس في طوره، وتسوَّر على ما لا ينالُه هو ولا أمثاله، {ثم نَظَرَ}: ما يقول، {ثم عَبَسَ وبَسَرَ}: في وجهه وظاهره نفرةً عن الحقِّ وبُغضاً له، {ثم أدبر}؛ أي: تولَّى، {واستكبر}: نتيجة سعيه الفكريِّ والعمليِّ والقوليِّ، {فقال إنۡ هذا إلاَّ سحرٌ يُؤۡثَرُ. إنۡ هذا إلاَّ قولُ البشرِ}؛ أي: ما هذا كلام الله، بل كلام البشر، وليس أيضاً كلام البشر الأخيار، بل كلام الأشرار منهم والفجَّار من كل كاذبٍ سحَّارٍ، فتبًّا له! ما أبعده من الصواب! وأحراه بالخسارة والتَّباب! كيف يدور في الأذهان أو يتصوَّره ضميرُ أيِّ إنسان أن يكون أعلى الكلام وأعظمه كلام الربِّ الكريم الماجد العظيم يشبِهُ كلام المخلوقين الفقراء الناقصين؟! أم كيف يتجرَّأ هذا الكاذب العنيد على وصفه بهذا الوصف لكلام الله تعالى ؛ فما حقُّه إلاَّ العذاب الشديد [والنكال]، ولهذا قال تعالى:{سأُصۡليه سَقَرَ. وما أدراك ما سَقَرُ. لا تُبۡقي ولا تَذَرُ}؛ أي: لا تبقي من الشدَّة ولا على المعذَّب شيئاً إلا وبَلَغَتْه. {لوَّاحةٌ للبشر}؛ أي: تلوحهم وتُصليهم في عذابها وتقلقهم بشدَّة حرِّها وقَرِّها. {عليها تسعةَ عشرَ}: من الملائكة، خزنة لها، غلاظٌ شدادٌ لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يُؤمرون. {31}{وما جعلنا أصحاب النارِ إلاَّ ملائكةً}: وذلك لشدَّتهم وقوَّتهم، {وما جعلنا عِدَّتهم إلاَّ فتنةً للذين كفروا}: يحتمل أنَّ المراد؛ إلاَّ لعذابهم وعقابهم في الآخرة ولزيادة نَكالهم فيها، والعذاب يسمَّى فتنة؛ كما قال تعالى:{يومَ هم على النَّارِ يُفۡتَنونَ}. ويُحتمل أنَّ المراد أنَّا ما أخبرناكم بعدَّتهم إلاَّ لنعلم من يصدِّق ممَّن يكذِّب. ويدلُّ على هذا ما ذكره بعده في قوله:{ليستيقِنَ الذين أوتوا الكتاب ويزدادَ الذين آمنوا إيماناً}: فإنَّ أهل الكتاب إذا وافق ما عندَهم وطابَقَه؛ ازدادَ يقينُهم بالحقِّ، والمؤمنون كلَّما أنزل الله آيةً، فآمنوا بها وصدَّقوا؛ ازداد إيمانُهم، {ولا يرتابَ الذين أوتوا الكتابَ والمؤمنون}؛ أي: ليزول عنهم الريبُ والشكُّ، وهذه مقاصدُ جليلةٌ يعتني بها أولو الألباب، وهي السعي في اليقين وزيادة الإيمان في كلِّ وقتٍ وكلِّ مسألةٍ من مسائل الدين، ودفع الشكوك والأوهام التي تَعْرِضُ في مقابلة الحقِّ، فجعل ما أنزله على رسولِهِ محصِّلاً لهذه المقاصد الجليلة، ومميزاً للصادقين من الكاذبين ، ولهذا قال:{وليقولَ الذين في قلوبِهِم مرضٌ}؛ أي: شكٌّ وشبهةٌ ونفاقٌ، {والكافرون ماذا أرادَ الله بهذا مثلاً}: وهذا على وجه الحيرة والشكِّ منهم والكفر بآيات الله، وهذا وذاك من هداية الله لمن يهديه وإضلاله لمن يُضِلُّه، ولهذا قال:{كذلك يُضِلُّ الله مَن يشاءُ ويَهۡدي مَن يشاءُ}: فمن هداه الله؛ جعل ما أنزل على رسوله رحمةً في حقِّه وزيادةً في إيمانه ودينه، ومن أضلَّه؛ جعل ما أنزله على رسوله زيادةَ شقاءٍ عليه وحيرةً وظلمةً في حقِّه، والواجب أن يُتَلَقى ما أخبر الله به ورسولُه بالتسليم، فإنه {لا يعلمُ جنودَ ربِّك} من الملائكة وغيرهم {إلاَّ هو}: فإذا كنتُم جاهلين بجنوده، وأخبركم بها العليم الخبير؛ فعليكم أن تصدِّقوا خبره من غير شكٍّ ولا ارتياب، {وما هي إلاَّ ذِكۡرى للبشرِ}؛ أي: وما هذه الموعظة والتذكار مقصوداً به العبث واللعب، وإنما المقصود به أن يتذكَّر به البشر ما ينفعهم فيفعلونه، وما يضرُّهم فيتركونه.

المدثر 74:22

{11 ـ 30} هذه الآيات نزلت في الوليد بن المغيرة ، المعاند للحقِّ، المبارز لله ولرسوله بالمحاربة والمشاقَّة، فذمَّه الله ذمًّا لم يذمَّ به غيره، وهذا جزاءُ كلِّ مَنْ عانَد الحقَّ ونابذه؛ أنَّ له الخزيَ في الدُّنيا ولَعذاب الآخرة أخزى، فقال:{ذَرۡني ومَن خلقتُ وحيداً}؛ أي: خلقته منفرداً بلا مال ولا أهل ولا غيره، فلم أزل أربِّيه وأعطيه، فجعلت {له مالاً ممدوداً}؛ أي: كثيراً، {و} جعلتُ له {بنينَ}؛ أي: ذكوراً، {شهوداً}؛ أي: حاضرين عنده على الدَّوام، يتمتَّع بهم ويقضي بهم حوائِجَه ويستنصِرُ بهم، {ومهَّدۡتُ له تمهيداً}؛ أي: مكَّنته من الدُّنيا وأسبابها حتى انقادَتْ له مطالِبُه وحصل له ما يشتهي ويريدُ. {ثم}: مع هذه النعم والإمدادات {يَطۡمَعُ أن أزيدَ}؛ أي: يطمع أن ينال نعيم الآخرة كما نال نعيم الدنيا، {كلاَّ}؛ أي: ليس الأمر كما طمع، بل هو بخلاف مقصوده ومطلوبه، وذلك {إنَّه كان لآياتنا عنيداً}: عرفها ثم أنكرها، ودعتْه إلى الحقِّ فلم يَنْقَدْ لها، ولم يكفِهِ أنَّه أعرض عنها وتولَّى ، بل جعل يحاربُها ويسعى في إبطالها، ولهذا قال عنه:{إنَّه فَكَّر}؛ أي: في نفسه. {وقدَّر}: ما فكَّر فيه؛ ليقولَ قولاً يبطِلُ به القرآن، {فقُتِلَ كيف قدَّر. ثم قُتِلَ كيف قدَّر}؛ لأنَّه قدَّر أمراً ليس في طوره، وتسوَّر على ما لا ينالُه هو ولا أمثاله، {ثم نَظَرَ}: ما يقول، {ثم عَبَسَ وبَسَرَ}: في وجهه وظاهره نفرةً عن الحقِّ وبُغضاً له، {ثم أدبر}؛ أي: تولَّى، {واستكبر}: نتيجة سعيه الفكريِّ والعمليِّ والقوليِّ، {فقال إنۡ هذا إلاَّ سحرٌ يُؤۡثَرُ. إنۡ هذا إلاَّ قولُ البشرِ}؛ أي: ما هذا كلام الله، بل كلام البشر، وليس أيضاً كلام البشر الأخيار، بل كلام الأشرار منهم والفجَّار من كل كاذبٍ سحَّارٍ، فتبًّا له! ما أبعده من الصواب! وأحراه بالخسارة والتَّباب! كيف يدور في الأذهان أو يتصوَّره ضميرُ أيِّ إنسان أن يكون أعلى الكلام وأعظمه كلام الربِّ الكريم الماجد العظيم يشبِهُ كلام المخلوقين الفقراء الناقصين؟! أم كيف يتجرَّأ هذا الكاذب العنيد على وصفه بهذا الوصف لكلام الله تعالى ؛ فما حقُّه إلاَّ العذاب الشديد [والنكال]، ولهذا قال تعالى:{سأُصۡليه سَقَرَ. وما أدراك ما سَقَرُ. لا تُبۡقي ولا تَذَرُ}؛ أي: لا تبقي من الشدَّة ولا على المعذَّب شيئاً إلا وبَلَغَتْه. {لوَّاحةٌ للبشر}؛ أي: تلوحهم وتُصليهم في عذابها وتقلقهم بشدَّة حرِّها وقَرِّها. {عليها تسعةَ عشرَ}: من الملائكة، خزنة لها، غلاظٌ شدادٌ لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يُؤمرون. {31}{وما جعلنا أصحاب النارِ إلاَّ ملائكةً}: وذلك لشدَّتهم وقوَّتهم، {وما جعلنا عِدَّتهم إلاَّ فتنةً للذين كفروا}: يحتمل أنَّ المراد؛ إلاَّ لعذابهم وعقابهم في الآخرة ولزيادة نَكالهم فيها، والعذاب يسمَّى فتنة؛ كما قال تعالى:{يومَ هم على النَّارِ يُفۡتَنونَ}. ويُحتمل أنَّ المراد أنَّا ما أخبرناكم بعدَّتهم إلاَّ لنعلم من يصدِّق ممَّن يكذِّب. ويدلُّ على هذا ما ذكره بعده في قوله:{ليستيقِنَ الذين أوتوا الكتاب ويزدادَ الذين آمنوا إيماناً}: فإنَّ أهل الكتاب إذا وافق ما عندَهم وطابَقَه؛ ازدادَ يقينُهم بالحقِّ، والمؤمنون كلَّما أنزل الله آيةً، فآمنوا بها وصدَّقوا؛ ازداد إيمانُهم، {ولا يرتابَ الذين أوتوا الكتابَ والمؤمنون}؛ أي: ليزول عنهم الريبُ والشكُّ، وهذه مقاصدُ جليلةٌ يعتني بها أولو الألباب، وهي السعي في اليقين وزيادة الإيمان في كلِّ وقتٍ وكلِّ مسألةٍ من مسائل الدين، ودفع الشكوك والأوهام التي تَعْرِضُ في مقابلة الحقِّ، فجعل ما أنزله على رسولِهِ محصِّلاً لهذه المقاصد الجليلة، ومميزاً للصادقين من الكاذبين ، ولهذا قال:{وليقولَ الذين في قلوبِهِم مرضٌ}؛ أي: شكٌّ وشبهةٌ ونفاقٌ، {والكافرون ماذا أرادَ الله بهذا مثلاً}: وهذا على وجه الحيرة والشكِّ منهم والكفر بآيات الله، وهذا وذاك من هداية الله لمن يهديه وإضلاله لمن يُضِلُّه، ولهذا قال:{كذلك يُضِلُّ الله مَن يشاءُ ويَهۡدي مَن يشاءُ}: فمن هداه الله؛ جعل ما أنزل على رسوله رحمةً في حقِّه وزيادةً في إيمانه ودينه، ومن أضلَّه؛ جعل ما أنزله على رسوله زيادةَ شقاءٍ عليه وحيرةً وظلمةً في حقِّه، والواجب أن يُتَلَقى ما أخبر الله به ورسولُه بالتسليم، فإنه {لا يعلمُ جنودَ ربِّك} من الملائكة وغيرهم {إلاَّ هو}: فإذا كنتُم جاهلين بجنوده، وأخبركم بها العليم الخبير؛ فعليكم أن تصدِّقوا خبره من غير شكٍّ ولا ارتياب، {وما هي إلاَّ ذِكۡرى للبشرِ}؛ أي: وما هذه الموعظة والتذكار مقصوداً به العبث واللعب، وإنما المقصود به أن يتذكَّر به البشر ما ينفعهم فيفعلونه، وما يضرُّهم فيتركونه.

المدثر 74:23

{11 ـ 30} هذه الآيات نزلت في الوليد بن المغيرة ، المعاند للحقِّ، المبارز لله ولرسوله بالمحاربة والمشاقَّة، فذمَّه الله ذمًّا لم يذمَّ به غيره، وهذا جزاءُ كلِّ مَنْ عانَد الحقَّ ونابذه؛ أنَّ له الخزيَ في الدُّنيا ولَعذاب الآخرة أخزى، فقال:{ذَرۡني ومَن خلقتُ وحيداً}؛ أي: خلقته منفرداً بلا مال ولا أهل ولا غيره، فلم أزل أربِّيه وأعطيه، فجعلت {له مالاً ممدوداً}؛ أي: كثيراً، {و} جعلتُ له {بنينَ}؛ أي: ذكوراً، {شهوداً}؛ أي: حاضرين عنده على الدَّوام، يتمتَّع بهم ويقضي بهم حوائِجَه ويستنصِرُ بهم، {ومهَّدۡتُ له تمهيداً}؛ أي: مكَّنته من الدُّنيا وأسبابها حتى انقادَتْ له مطالِبُه وحصل له ما يشتهي ويريدُ. {ثم}: مع هذه النعم والإمدادات {يَطۡمَعُ أن أزيدَ}؛ أي: يطمع أن ينال نعيم الآخرة كما نال نعيم الدنيا، {كلاَّ}؛ أي: ليس الأمر كما طمع، بل هو بخلاف مقصوده ومطلوبه، وذلك {إنَّه كان لآياتنا عنيداً}: عرفها ثم أنكرها، ودعتْه إلى الحقِّ فلم يَنْقَدْ لها، ولم يكفِهِ أنَّه أعرض عنها وتولَّى ، بل جعل يحاربُها ويسعى في إبطالها، ولهذا قال عنه:{إنَّه فَكَّر}؛ أي: في نفسه. {وقدَّر}: ما فكَّر فيه؛ ليقولَ قولاً يبطِلُ به القرآن، {فقُتِلَ كيف قدَّر. ثم قُتِلَ كيف قدَّر}؛ لأنَّه قدَّر أمراً ليس في طوره، وتسوَّر على ما لا ينالُه هو ولا أمثاله، {ثم نَظَرَ}: ما يقول، {ثم عَبَسَ وبَسَرَ}: في وجهه وظاهره نفرةً عن الحقِّ وبُغضاً له، {ثم أدبر}؛ أي: تولَّى، {واستكبر}: نتيجة سعيه الفكريِّ والعمليِّ والقوليِّ، {فقال إنۡ هذا إلاَّ سحرٌ يُؤۡثَرُ. إنۡ هذا إلاَّ قولُ البشرِ}؛ أي: ما هذا كلام الله، بل كلام البشر، وليس أيضاً كلام البشر الأخيار، بل كلام الأشرار منهم والفجَّار من كل كاذبٍ سحَّارٍ، فتبًّا له! ما أبعده من الصواب! وأحراه بالخسارة والتَّباب! كيف يدور في الأذهان أو يتصوَّره ضميرُ أيِّ إنسان أن يكون أعلى الكلام وأعظمه كلام الربِّ الكريم الماجد العظيم يشبِهُ كلام المخلوقين الفقراء الناقصين؟! أم كيف يتجرَّأ هذا الكاذب العنيد على وصفه بهذا الوصف لكلام الله تعالى ؛ فما حقُّه إلاَّ العذاب الشديد [والنكال]، ولهذا قال تعالى:{سأُصۡليه سَقَرَ. وما أدراك ما سَقَرُ. لا تُبۡقي ولا تَذَرُ}؛ أي: لا تبقي من الشدَّة ولا على المعذَّب شيئاً إلا وبَلَغَتْه. {لوَّاحةٌ للبشر}؛ أي: تلوحهم وتُصليهم في عذابها وتقلقهم بشدَّة حرِّها وقَرِّها. {عليها تسعةَ عشرَ}: من الملائكة، خزنة لها، غلاظٌ شدادٌ لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يُؤمرون. {31}{وما جعلنا أصحاب النارِ إلاَّ ملائكةً}: وذلك لشدَّتهم وقوَّتهم، {وما جعلنا عِدَّتهم إلاَّ فتنةً للذين كفروا}: يحتمل أنَّ المراد؛ إلاَّ لعذابهم وعقابهم في الآخرة ولزيادة نَكالهم فيها، والعذاب يسمَّى فتنة؛ كما قال تعالى:{يومَ هم على النَّارِ يُفۡتَنونَ}. ويُحتمل أنَّ المراد أنَّا ما أخبرناكم بعدَّتهم إلاَّ لنعلم من يصدِّق ممَّن يكذِّب. ويدلُّ على هذا ما ذكره بعده في قوله:{ليستيقِنَ الذين أوتوا الكتاب ويزدادَ الذين آمنوا إيماناً}: فإنَّ أهل الكتاب إذا وافق ما عندَهم وطابَقَه؛ ازدادَ يقينُهم بالحقِّ، والمؤمنون كلَّما أنزل الله آيةً، فآمنوا بها وصدَّقوا؛ ازداد إيمانُهم، {ولا يرتابَ الذين أوتوا الكتابَ والمؤمنون}؛ أي: ليزول عنهم الريبُ والشكُّ، وهذه مقاصدُ جليلةٌ يعتني بها أولو الألباب، وهي السعي في اليقين وزيادة الإيمان في كلِّ وقتٍ وكلِّ مسألةٍ من مسائل الدين، ودفع الشكوك والأوهام التي تَعْرِضُ في مقابلة الحقِّ، فجعل ما أنزله على رسولِهِ محصِّلاً لهذه المقاصد الجليلة، ومميزاً للصادقين من الكاذبين ، ولهذا قال:{وليقولَ الذين في قلوبِهِم مرضٌ}؛ أي: شكٌّ وشبهةٌ ونفاقٌ، {والكافرون ماذا أرادَ الله بهذا مثلاً}: وهذا على وجه الحيرة والشكِّ منهم والكفر بآيات الله، وهذا وذاك من هداية الله لمن يهديه وإضلاله لمن يُضِلُّه، ولهذا قال:{كذلك يُضِلُّ الله مَن يشاءُ ويَهۡدي مَن يشاءُ}: فمن هداه الله؛ جعل ما أنزل على رسوله رحمةً في حقِّه وزيادةً في إيمانه ودينه، ومن أضلَّه؛ جعل ما أنزله على رسوله زيادةَ شقاءٍ عليه وحيرةً وظلمةً في حقِّه، والواجب أن يُتَلَقى ما أخبر الله به ورسولُه بالتسليم، فإنه {لا يعلمُ جنودَ ربِّك} من الملائكة وغيرهم {إلاَّ هو}: فإذا كنتُم جاهلين بجنوده، وأخبركم بها العليم الخبير؛ فعليكم أن تصدِّقوا خبره من غير شكٍّ ولا ارتياب، {وما هي إلاَّ ذِكۡرى للبشرِ}؛ أي: وما هذه الموعظة والتذكار مقصوداً به العبث واللعب، وإنما المقصود به أن يتذكَّر به البشر ما ينفعهم فيفعلونه، وما يضرُّهم فيتركونه.

المدثر 74:24

{11 ـ 30} هذه الآيات نزلت في الوليد بن المغيرة ، المعاند للحقِّ، المبارز لله ولرسوله بالمحاربة والمشاقَّة، فذمَّه الله ذمًّا لم يذمَّ به غيره، وهذا جزاءُ كلِّ مَنْ عانَد الحقَّ ونابذه؛ أنَّ له الخزيَ في الدُّنيا ولَعذاب الآخرة أخزى، فقال:{ذَرۡني ومَن خلقتُ وحيداً}؛ أي: خلقته منفرداً بلا مال ولا أهل ولا غيره، فلم أزل أربِّيه وأعطيه، فجعلت {له مالاً ممدوداً}؛ أي: كثيراً، {و} جعلتُ له {بنينَ}؛ أي: ذكوراً، {شهوداً}؛ أي: حاضرين عنده على الدَّوام، يتمتَّع بهم ويقضي بهم حوائِجَه ويستنصِرُ بهم، {ومهَّدۡتُ له تمهيداً}؛ أي: مكَّنته من الدُّنيا وأسبابها حتى انقادَتْ له مطالِبُه وحصل له ما يشتهي ويريدُ. {ثم}: مع هذه النعم والإمدادات {يَطۡمَعُ أن أزيدَ}؛ أي: يطمع أن ينال نعيم الآخرة كما نال نعيم الدنيا، {كلاَّ}؛ أي: ليس الأمر كما طمع، بل هو بخلاف مقصوده ومطلوبه، وذلك {إنَّه كان لآياتنا عنيداً}: عرفها ثم أنكرها، ودعتْه إلى الحقِّ فلم يَنْقَدْ لها، ولم يكفِهِ أنَّه أعرض عنها وتولَّى ، بل جعل يحاربُها ويسعى في إبطالها، ولهذا قال عنه:{إنَّه فَكَّر}؛ أي: في نفسه. {وقدَّر}: ما فكَّر فيه؛ ليقولَ قولاً يبطِلُ به القرآن، {فقُتِلَ كيف قدَّر. ثم قُتِلَ كيف قدَّر}؛ لأنَّه قدَّر أمراً ليس في طوره، وتسوَّر على ما لا ينالُه هو ولا أمثاله، {ثم نَظَرَ}: ما يقول، {ثم عَبَسَ وبَسَرَ}: في وجهه وظاهره نفرةً عن الحقِّ وبُغضاً له، {ثم أدبر}؛ أي: تولَّى، {واستكبر}: نتيجة سعيه الفكريِّ والعمليِّ والقوليِّ، {فقال إنۡ هذا إلاَّ سحرٌ يُؤۡثَرُ. إنۡ هذا إلاَّ قولُ البشرِ}؛ أي: ما هذا كلام الله، بل كلام البشر، وليس أيضاً كلام البشر الأخيار، بل كلام الأشرار منهم والفجَّار من كل كاذبٍ سحَّارٍ، فتبًّا له! ما أبعده من الصواب! وأحراه بالخسارة والتَّباب! كيف يدور في الأذهان أو يتصوَّره ضميرُ أيِّ إنسان أن يكون أعلى الكلام وأعظمه كلام الربِّ الكريم الماجد العظيم يشبِهُ كلام المخلوقين الفقراء الناقصين؟! أم كيف يتجرَّأ هذا الكاذب العنيد على وصفه بهذا الوصف لكلام الله تعالى ؛ فما حقُّه إلاَّ العذاب الشديد [والنكال]، ولهذا قال تعالى:{سأُصۡليه سَقَرَ. وما أدراك ما سَقَرُ. لا تُبۡقي ولا تَذَرُ}؛ أي: لا تبقي من الشدَّة ولا على المعذَّب شيئاً إلا وبَلَغَتْه. {لوَّاحةٌ للبشر}؛ أي: تلوحهم وتُصليهم في عذابها وتقلقهم بشدَّة حرِّها وقَرِّها. {عليها تسعةَ عشرَ}: من الملائكة، خزنة لها، غلاظٌ شدادٌ لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يُؤمرون. {31}{وما جعلنا أصحاب النارِ إلاَّ ملائكةً}: وذلك لشدَّتهم وقوَّتهم، {وما جعلنا عِدَّتهم إلاَّ فتنةً للذين كفروا}: يحتمل أنَّ المراد؛ إلاَّ لعذابهم وعقابهم في الآخرة ولزيادة نَكالهم فيها، والعذاب يسمَّى فتنة؛ كما قال تعالى:{يومَ هم على النَّارِ يُفۡتَنونَ}. ويُحتمل أنَّ المراد أنَّا ما أخبرناكم بعدَّتهم إلاَّ لنعلم من يصدِّق ممَّن يكذِّب. ويدلُّ على هذا ما ذكره بعده في قوله:{ليستيقِنَ الذين أوتوا الكتاب ويزدادَ الذين آمنوا إيماناً}: فإنَّ أهل الكتاب إذا وافق ما عندَهم وطابَقَه؛ ازدادَ يقينُهم بالحقِّ، والمؤمنون كلَّما أنزل الله آيةً، فآمنوا بها وصدَّقوا؛ ازداد إيمانُهم، {ولا يرتابَ الذين أوتوا الكتابَ والمؤمنون}؛ أي: ليزول عنهم الريبُ والشكُّ، وهذه مقاصدُ جليلةٌ يعتني بها أولو الألباب، وهي السعي في اليقين وزيادة الإيمان في كلِّ وقتٍ وكلِّ مسألةٍ من مسائل الدين، ودفع الشكوك والأوهام التي تَعْرِضُ في مقابلة الحقِّ، فجعل ما أنزله على رسولِهِ محصِّلاً لهذه المقاصد الجليلة، ومميزاً للصادقين من الكاذبين ، ولهذا قال:{وليقولَ الذين في قلوبِهِم مرضٌ}؛ أي: شكٌّ وشبهةٌ ونفاقٌ، {والكافرون ماذا أرادَ الله بهذا مثلاً}: وهذا على وجه الحيرة والشكِّ منهم والكفر بآيات الله، وهذا وذاك من هداية الله لمن يهديه وإضلاله لمن يُضِلُّه، ولهذا قال:{كذلك يُضِلُّ الله مَن يشاءُ ويَهۡدي مَن يشاءُ}: فمن هداه الله؛ جعل ما أنزل على رسوله رحمةً في حقِّه وزيادةً في إيمانه ودينه، ومن أضلَّه؛ جعل ما أنزله على رسوله زيادةَ شقاءٍ عليه وحيرةً وظلمةً في حقِّه، والواجب أن يُتَلَقى ما أخبر الله به ورسولُه بالتسليم، فإنه {لا يعلمُ جنودَ ربِّك} من الملائكة وغيرهم {إلاَّ هو}: فإذا كنتُم جاهلين بجنوده، وأخبركم بها العليم الخبير؛ فعليكم أن تصدِّقوا خبره من غير شكٍّ ولا ارتياب، {وما هي إلاَّ ذِكۡرى للبشرِ}؛ أي: وما هذه الموعظة والتذكار مقصوداً به العبث واللعب، وإنما المقصود به أن يتذكَّر به البشر ما ينفعهم فيفعلونه، وما يضرُّهم فيتركونه.

المدثر 74:25

{11 ـ 30} هذه الآيات نزلت في الوليد بن المغيرة ، المعاند للحقِّ، المبارز لله ولرسوله بالمحاربة والمشاقَّة، فذمَّه الله ذمًّا لم يذمَّ به غيره، وهذا جزاءُ كلِّ مَنْ عانَد الحقَّ ونابذه؛ أنَّ له الخزيَ في الدُّنيا ولَعذاب الآخرة أخزى، فقال:{ذَرۡني ومَن خلقتُ وحيداً}؛ أي: خلقته منفرداً بلا مال ولا أهل ولا غيره، فلم أزل أربِّيه وأعطيه، فجعلت {له مالاً ممدوداً}؛ أي: كثيراً، {و} جعلتُ له {بنينَ}؛ أي: ذكوراً، {شهوداً}؛ أي: حاضرين عنده على الدَّوام، يتمتَّع بهم ويقضي بهم حوائِجَه ويستنصِرُ بهم، {ومهَّدۡتُ له تمهيداً}؛ أي: مكَّنته من الدُّنيا وأسبابها حتى انقادَتْ له مطالِبُه وحصل له ما يشتهي ويريدُ. {ثم}: مع هذه النعم والإمدادات {يَطۡمَعُ أن أزيدَ}؛ أي: يطمع أن ينال نعيم الآخرة كما نال نعيم الدنيا، {كلاَّ}؛ أي: ليس الأمر كما طمع، بل هو بخلاف مقصوده ومطلوبه، وذلك {إنَّه كان لآياتنا عنيداً}: عرفها ثم أنكرها، ودعتْه إلى الحقِّ فلم يَنْقَدْ لها، ولم يكفِهِ أنَّه أعرض عنها وتولَّى ، بل جعل يحاربُها ويسعى في إبطالها، ولهذا قال عنه:{إنَّه فَكَّر}؛ أي: في نفسه. {وقدَّر}: ما فكَّر فيه؛ ليقولَ قولاً يبطِلُ به القرآن، {فقُتِلَ كيف قدَّر. ثم قُتِلَ كيف قدَّر}؛ لأنَّه قدَّر أمراً ليس في طوره، وتسوَّر على ما لا ينالُه هو ولا أمثاله، {ثم نَظَرَ}: ما يقول، {ثم عَبَسَ وبَسَرَ}: في وجهه وظاهره نفرةً عن الحقِّ وبُغضاً له، {ثم أدبر}؛ أي: تولَّى، {واستكبر}: نتيجة سعيه الفكريِّ والعمليِّ والقوليِّ، {فقال إنۡ هذا إلاَّ سحرٌ يُؤۡثَرُ. إنۡ هذا إلاَّ قولُ البشرِ}؛ أي: ما هذا كلام الله، بل كلام البشر، وليس أيضاً كلام البشر الأخيار، بل كلام الأشرار منهم والفجَّار من كل كاذبٍ سحَّارٍ، فتبًّا له! ما أبعده من الصواب! وأحراه بالخسارة والتَّباب! كيف يدور في الأذهان أو يتصوَّره ضميرُ أيِّ إنسان أن يكون أعلى الكلام وأعظمه كلام الربِّ الكريم الماجد العظيم يشبِهُ كلام المخلوقين الفقراء الناقصين؟! أم كيف يتجرَّأ هذا الكاذب العنيد على وصفه بهذا الوصف لكلام الله تعالى ؛ فما حقُّه إلاَّ العذاب الشديد [والنكال]، ولهذا قال تعالى:{سأُصۡليه سَقَرَ. وما أدراك ما سَقَرُ. لا تُبۡقي ولا تَذَرُ}؛ أي: لا تبقي من الشدَّة ولا على المعذَّب شيئاً إلا وبَلَغَتْه. {لوَّاحةٌ للبشر}؛ أي: تلوحهم وتُصليهم في عذابها وتقلقهم بشدَّة حرِّها وقَرِّها. {عليها تسعةَ عشرَ}: من الملائكة، خزنة لها، غلاظٌ شدادٌ لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يُؤمرون. {31}{وما جعلنا أصحاب النارِ إلاَّ ملائكةً}: وذلك لشدَّتهم وقوَّتهم، {وما جعلنا عِدَّتهم إلاَّ فتنةً للذين كفروا}: يحتمل أنَّ المراد؛ إلاَّ لعذابهم وعقابهم في الآخرة ولزيادة نَكالهم فيها، والعذاب يسمَّى فتنة؛ كما قال تعالى:{يومَ هم على النَّارِ يُفۡتَنونَ}. ويُحتمل أنَّ المراد أنَّا ما أخبرناكم بعدَّتهم إلاَّ لنعلم من يصدِّق ممَّن يكذِّب. ويدلُّ على هذا ما ذكره بعده في قوله:{ليستيقِنَ الذين أوتوا الكتاب ويزدادَ الذين آمنوا إيماناً}: فإنَّ أهل الكتاب إذا وافق ما عندَهم وطابَقَه؛ ازدادَ يقينُهم بالحقِّ، والمؤمنون كلَّما أنزل الله آيةً، فآمنوا بها وصدَّقوا؛ ازداد إيمانُهم، {ولا يرتابَ الذين أوتوا الكتابَ والمؤمنون}؛ أي: ليزول عنهم الريبُ والشكُّ، وهذه مقاصدُ جليلةٌ يعتني بها أولو الألباب، وهي السعي في اليقين وزيادة الإيمان في كلِّ وقتٍ وكلِّ مسألةٍ من مسائل الدين، ودفع الشكوك والأوهام التي تَعْرِضُ في مقابلة الحقِّ، فجعل ما أنزله على رسولِهِ محصِّلاً لهذه المقاصد الجليلة، ومميزاً للصادقين من الكاذبين ، ولهذا قال:{وليقولَ الذين في قلوبِهِم مرضٌ}؛ أي: شكٌّ وشبهةٌ ونفاقٌ، {والكافرون ماذا أرادَ الله بهذا مثلاً}: وهذا على وجه الحيرة والشكِّ منهم والكفر بآيات الله، وهذا وذاك من هداية الله لمن يهديه وإضلاله لمن يُضِلُّه، ولهذا قال:{كذلك يُضِلُّ الله مَن يشاءُ ويَهۡدي مَن يشاءُ}: فمن هداه الله؛ جعل ما أنزل على رسوله رحمةً في حقِّه وزيادةً في إيمانه ودينه، ومن أضلَّه؛ جعل ما أنزله على رسوله زيادةَ شقاءٍ عليه وحيرةً وظلمةً في حقِّه، والواجب أن يُتَلَقى ما أخبر الله به ورسولُه بالتسليم، فإنه {لا يعلمُ جنودَ ربِّك} من الملائكة وغيرهم {إلاَّ هو}: فإذا كنتُم جاهلين بجنوده، وأخبركم بها العليم الخبير؛ فعليكم أن تصدِّقوا خبره من غير شكٍّ ولا ارتياب، {وما هي إلاَّ ذِكۡرى للبشرِ}؛ أي: وما هذه الموعظة والتذكار مقصوداً به العبث واللعب، وإنما المقصود به أن يتذكَّر به البشر ما ينفعهم فيفعلونه، وما يضرُّهم فيتركونه.

المدثر 74:26

{11 ـ 30} هذه الآيات نزلت في الوليد بن المغيرة ، المعاند للحقِّ، المبارز لله ولرسوله بالمحاربة والمشاقَّة، فذمَّه الله ذمًّا لم يذمَّ به غيره، وهذا جزاءُ كلِّ مَنْ عانَد الحقَّ ونابذه؛ أنَّ له الخزيَ في الدُّنيا ولَعذاب الآخرة أخزى، فقال:{ذَرۡني ومَن خلقتُ وحيداً}؛ أي: خلقته منفرداً بلا مال ولا أهل ولا غيره، فلم أزل أربِّيه وأعطيه، فجعلت {له مالاً ممدوداً}؛ أي: كثيراً، {و} جعلتُ له {بنينَ}؛ أي: ذكوراً، {شهوداً}؛ أي: حاضرين عنده على الدَّوام، يتمتَّع بهم ويقضي بهم حوائِجَه ويستنصِرُ بهم، {ومهَّدۡتُ له تمهيداً}؛ أي: مكَّنته من الدُّنيا وأسبابها حتى انقادَتْ له مطالِبُه وحصل له ما يشتهي ويريدُ. {ثم}: مع هذه النعم والإمدادات {يَطۡمَعُ أن أزيدَ}؛ أي: يطمع أن ينال نعيم الآخرة كما نال نعيم الدنيا، {كلاَّ}؛ أي: ليس الأمر كما طمع، بل هو بخلاف مقصوده ومطلوبه، وذلك {إنَّه كان لآياتنا عنيداً}: عرفها ثم أنكرها، ودعتْه إلى الحقِّ فلم يَنْقَدْ لها، ولم يكفِهِ أنَّه أعرض عنها وتولَّى ، بل جعل يحاربُها ويسعى في إبطالها، ولهذا قال عنه:{إنَّه فَكَّر}؛ أي: في نفسه. {وقدَّر}: ما فكَّر فيه؛ ليقولَ قولاً يبطِلُ به القرآن، {فقُتِلَ كيف قدَّر. ثم قُتِلَ كيف قدَّر}؛ لأنَّه قدَّر أمراً ليس في طوره، وتسوَّر على ما لا ينالُه هو ولا أمثاله، {ثم نَظَرَ}: ما يقول، {ثم عَبَسَ وبَسَرَ}: في وجهه وظاهره نفرةً عن الحقِّ وبُغضاً له، {ثم أدبر}؛ أي: تولَّى، {واستكبر}: نتيجة سعيه الفكريِّ والعمليِّ والقوليِّ، {فقال إنۡ هذا إلاَّ سحرٌ يُؤۡثَرُ. إنۡ هذا إلاَّ قولُ البشرِ}؛ أي: ما هذا كلام الله، بل كلام البشر، وليس أيضاً كلام البشر الأخيار، بل كلام الأشرار منهم والفجَّار من كل كاذبٍ سحَّارٍ، فتبًّا له! ما أبعده من الصواب! وأحراه بالخسارة والتَّباب! كيف يدور في الأذهان أو يتصوَّره ضميرُ أيِّ إنسان أن يكون أعلى الكلام وأعظمه كلام الربِّ الكريم الماجد العظيم يشبِهُ كلام المخلوقين الفقراء الناقصين؟! أم كيف يتجرَّأ هذا الكاذب العنيد على وصفه بهذا الوصف لكلام الله تعالى ؛ فما حقُّه إلاَّ العذاب الشديد [والنكال]، ولهذا قال تعالى:{سأُصۡليه سَقَرَ. وما أدراك ما سَقَرُ. لا تُبۡقي ولا تَذَرُ}؛ أي: لا تبقي من الشدَّة ولا على المعذَّب شيئاً إلا وبَلَغَتْه. {لوَّاحةٌ للبشر}؛ أي: تلوحهم وتُصليهم في عذابها وتقلقهم بشدَّة حرِّها وقَرِّها. {عليها تسعةَ عشرَ}: من الملائكة، خزنة لها، غلاظٌ شدادٌ لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يُؤمرون. {31}{وما جعلنا أصحاب النارِ إلاَّ ملائكةً}: وذلك لشدَّتهم وقوَّتهم، {وما جعلنا عِدَّتهم إلاَّ فتنةً للذين كفروا}: يحتمل أنَّ المراد؛ إلاَّ لعذابهم وعقابهم في الآخرة ولزيادة نَكالهم فيها، والعذاب يسمَّى فتنة؛ كما قال تعالى:{يومَ هم على النَّارِ يُفۡتَنونَ}. ويُحتمل أنَّ المراد أنَّا ما أخبرناكم بعدَّتهم إلاَّ لنعلم من يصدِّق ممَّن يكذِّب. ويدلُّ على هذا ما ذكره بعده في قوله:{ليستيقِنَ الذين أوتوا الكتاب ويزدادَ الذين آمنوا إيماناً}: فإنَّ أهل الكتاب إذا وافق ما عندَهم وطابَقَه؛ ازدادَ يقينُهم بالحقِّ، والمؤمنون كلَّما أنزل الله آيةً، فآمنوا بها وصدَّقوا؛ ازداد إيمانُهم، {ولا يرتابَ الذين أوتوا الكتابَ والمؤمنون}؛ أي: ليزول عنهم الريبُ والشكُّ، وهذه مقاصدُ جليلةٌ يعتني بها أولو الألباب، وهي السعي في اليقين وزيادة الإيمان في كلِّ وقتٍ وكلِّ مسألةٍ من مسائل الدين، ودفع الشكوك والأوهام التي تَعْرِضُ في مقابلة الحقِّ، فجعل ما أنزله على رسولِهِ محصِّلاً لهذه المقاصد الجليلة، ومميزاً للصادقين من الكاذبين ، ولهذا قال:{وليقولَ الذين في قلوبِهِم مرضٌ}؛ أي: شكٌّ وشبهةٌ ونفاقٌ، {والكافرون ماذا أرادَ الله بهذا مثلاً}: وهذا على وجه الحيرة والشكِّ منهم والكفر بآيات الله، وهذا وذاك من هداية الله لمن يهديه وإضلاله لمن يُضِلُّه، ولهذا قال:{كذلك يُضِلُّ الله مَن يشاءُ ويَهۡدي مَن يشاءُ}: فمن هداه الله؛ جعل ما أنزل على رسوله رحمةً في حقِّه وزيادةً في إيمانه ودينه، ومن أضلَّه؛ جعل ما أنزله على رسوله زيادةَ شقاءٍ عليه وحيرةً وظلمةً في حقِّه، والواجب أن يُتَلَقى ما أخبر الله به ورسولُه بالتسليم، فإنه {لا يعلمُ جنودَ ربِّك} من الملائكة وغيرهم {إلاَّ هو}: فإذا كنتُم جاهلين بجنوده، وأخبركم بها العليم الخبير؛ فعليكم أن تصدِّقوا خبره من غير شكٍّ ولا ارتياب، {وما هي إلاَّ ذِكۡرى للبشرِ}؛ أي: وما هذه الموعظة والتذكار مقصوداً به العبث واللعب، وإنما المقصود به أن يتذكَّر به البشر ما ينفعهم فيفعلونه، وما يضرُّهم فيتركونه.

المدثر 74:27

{11 ـ 30} هذه الآيات نزلت في الوليد بن المغيرة ، المعاند للحقِّ، المبارز لله ولرسوله بالمحاربة والمشاقَّة، فذمَّه الله ذمًّا لم يذمَّ به غيره، وهذا جزاءُ كلِّ مَنْ عانَد الحقَّ ونابذه؛ أنَّ له الخزيَ في الدُّنيا ولَعذاب الآخرة أخزى، فقال:{ذَرۡني ومَن خلقتُ وحيداً}؛ أي: خلقته منفرداً بلا مال ولا أهل ولا غيره، فلم أزل أربِّيه وأعطيه، فجعلت {له مالاً ممدوداً}؛ أي: كثيراً، {و} جعلتُ له {بنينَ}؛ أي: ذكوراً، {شهوداً}؛ أي: حاضرين عنده على الدَّوام، يتمتَّع بهم ويقضي بهم حوائِجَه ويستنصِرُ بهم، {ومهَّدۡتُ له تمهيداً}؛ أي: مكَّنته من الدُّنيا وأسبابها حتى انقادَتْ له مطالِبُه وحصل له ما يشتهي ويريدُ. {ثم}: مع هذه النعم والإمدادات {يَطۡمَعُ أن أزيدَ}؛ أي: يطمع أن ينال نعيم الآخرة كما نال نعيم الدنيا، {كلاَّ}؛ أي: ليس الأمر كما طمع، بل هو بخلاف مقصوده ومطلوبه، وذلك {إنَّه كان لآياتنا عنيداً}: عرفها ثم أنكرها، ودعتْه إلى الحقِّ فلم يَنْقَدْ لها، ولم يكفِهِ أنَّه أعرض عنها وتولَّى ، بل جعل يحاربُها ويسعى في إبطالها، ولهذا قال عنه:{إنَّه فَكَّر}؛ أي: في نفسه. {وقدَّر}: ما فكَّر فيه؛ ليقولَ قولاً يبطِلُ به القرآن، {فقُتِلَ كيف قدَّر. ثم قُتِلَ كيف قدَّر}؛ لأنَّه قدَّر أمراً ليس في طوره، وتسوَّر على ما لا ينالُه هو ولا أمثاله، {ثم نَظَرَ}: ما يقول، {ثم عَبَسَ وبَسَرَ}: في وجهه وظاهره نفرةً عن الحقِّ وبُغضاً له، {ثم أدبر}؛ أي: تولَّى، {واستكبر}: نتيجة سعيه الفكريِّ والعمليِّ والقوليِّ، {فقال إنۡ هذا إلاَّ سحرٌ يُؤۡثَرُ. إنۡ هذا إلاَّ قولُ البشرِ}؛ أي: ما هذا كلام الله، بل كلام البشر، وليس أيضاً كلام البشر الأخيار، بل كلام الأشرار منهم والفجَّار من كل كاذبٍ سحَّارٍ، فتبًّا له! ما أبعده من الصواب! وأحراه بالخسارة والتَّباب! كيف يدور في الأذهان أو يتصوَّره ضميرُ أيِّ إنسان أن يكون أعلى الكلام وأعظمه كلام الربِّ الكريم الماجد العظيم يشبِهُ كلام المخلوقين الفقراء الناقصين؟! أم كيف يتجرَّأ هذا الكاذب العنيد على وصفه بهذا الوصف لكلام الله تعالى ؛ فما حقُّه إلاَّ العذاب الشديد [والنكال]، ولهذا قال تعالى:{سأُصۡليه سَقَرَ. وما أدراك ما سَقَرُ. لا تُبۡقي ولا تَذَرُ}؛ أي: لا تبقي من الشدَّة ولا على المعذَّب شيئاً إلا وبَلَغَتْه. {لوَّاحةٌ للبشر}؛ أي: تلوحهم وتُصليهم في عذابها وتقلقهم بشدَّة حرِّها وقَرِّها. {عليها تسعةَ عشرَ}: من الملائكة، خزنة لها، غلاظٌ شدادٌ لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يُؤمرون. {31}{وما جعلنا أصحاب النارِ إلاَّ ملائكةً}: وذلك لشدَّتهم وقوَّتهم، {وما جعلنا عِدَّتهم إلاَّ فتنةً للذين كفروا}: يحتمل أنَّ المراد؛ إلاَّ لعذابهم وعقابهم في الآخرة ولزيادة نَكالهم فيها، والعذاب يسمَّى فتنة؛ كما قال تعالى:{يومَ هم على النَّارِ يُفۡتَنونَ}. ويُحتمل أنَّ المراد أنَّا ما أخبرناكم بعدَّتهم إلاَّ لنعلم من يصدِّق ممَّن يكذِّب. ويدلُّ على هذا ما ذكره بعده في قوله:{ليستيقِنَ الذين أوتوا الكتاب ويزدادَ الذين آمنوا إيماناً}: فإنَّ أهل الكتاب إذا وافق ما عندَهم وطابَقَه؛ ازدادَ يقينُهم بالحقِّ، والمؤمنون كلَّما أنزل الله آيةً، فآمنوا بها وصدَّقوا؛ ازداد إيمانُهم، {ولا يرتابَ الذين أوتوا الكتابَ والمؤمنون}؛ أي: ليزول عنهم الريبُ والشكُّ، وهذه مقاصدُ جليلةٌ يعتني بها أولو الألباب، وهي السعي في اليقين وزيادة الإيمان في كلِّ وقتٍ وكلِّ مسألةٍ من مسائل الدين، ودفع الشكوك والأوهام التي تَعْرِضُ في مقابلة الحقِّ، فجعل ما أنزله على رسولِهِ محصِّلاً لهذه المقاصد الجليلة، ومميزاً للصادقين من الكاذبين ، ولهذا قال:{وليقولَ الذين في قلوبِهِم مرضٌ}؛ أي: شكٌّ وشبهةٌ ونفاقٌ، {والكافرون ماذا أرادَ الله بهذا مثلاً}: وهذا على وجه الحيرة والشكِّ منهم والكفر بآيات الله، وهذا وذاك من هداية الله لمن يهديه وإضلاله لمن يُضِلُّه، ولهذا قال:{كذلك يُضِلُّ الله مَن يشاءُ ويَهۡدي مَن يشاءُ}: فمن هداه الله؛ جعل ما أنزل على رسوله رحمةً في حقِّه وزيادةً في إيمانه ودينه، ومن أضلَّه؛ جعل ما أنزله على رسوله زيادةَ شقاءٍ عليه وحيرةً وظلمةً في حقِّه، والواجب أن يُتَلَقى ما أخبر الله به ورسولُه بالتسليم، فإنه {لا يعلمُ جنودَ ربِّك} من الملائكة وغيرهم {إلاَّ هو}: فإذا كنتُم جاهلين بجنوده، وأخبركم بها العليم الخبير؛ فعليكم أن تصدِّقوا خبره من غير شكٍّ ولا ارتياب، {وما هي إلاَّ ذِكۡرى للبشرِ}؛ أي: وما هذه الموعظة والتذكار مقصوداً به العبث واللعب، وإنما المقصود به أن يتذكَّر به البشر ما ينفعهم فيفعلونه، وما يضرُّهم فيتركونه.

المدثر 74:28

{11 ـ 30} هذه الآيات نزلت في الوليد بن المغيرة ، المعاند للحقِّ، المبارز لله ولرسوله بالمحاربة والمشاقَّة، فذمَّه الله ذمًّا لم يذمَّ به غيره، وهذا جزاءُ كلِّ مَنْ عانَد الحقَّ ونابذه؛ أنَّ له الخزيَ في الدُّنيا ولَعذاب الآخرة أخزى، فقال:{ذَرۡني ومَن خلقتُ وحيداً}؛ أي: خلقته منفرداً بلا مال ولا أهل ولا غيره، فلم أزل أربِّيه وأعطيه، فجعلت {له مالاً ممدوداً}؛ أي: كثيراً، {و} جعلتُ له {بنينَ}؛ أي: ذكوراً، {شهوداً}؛ أي: حاضرين عنده على الدَّوام، يتمتَّع بهم ويقضي بهم حوائِجَه ويستنصِرُ بهم، {ومهَّدۡتُ له تمهيداً}؛ أي: مكَّنته من الدُّنيا وأسبابها حتى انقادَتْ له مطالِبُه وحصل له ما يشتهي ويريدُ. {ثم}: مع هذه النعم والإمدادات {يَطۡمَعُ أن أزيدَ}؛ أي: يطمع أن ينال نعيم الآخرة كما نال نعيم الدنيا، {كلاَّ}؛ أي: ليس الأمر كما طمع، بل هو بخلاف مقصوده ومطلوبه، وذلك {إنَّه كان لآياتنا عنيداً}: عرفها ثم أنكرها، ودعتْه إلى الحقِّ فلم يَنْقَدْ لها، ولم يكفِهِ أنَّه أعرض عنها وتولَّى ، بل جعل يحاربُها ويسعى في إبطالها، ولهذا قال عنه:{إنَّه فَكَّر}؛ أي: في نفسه. {وقدَّر}: ما فكَّر فيه؛ ليقولَ قولاً يبطِلُ به القرآن، {فقُتِلَ كيف قدَّر. ثم قُتِلَ كيف قدَّر}؛ لأنَّه قدَّر أمراً ليس في طوره، وتسوَّر على ما لا ينالُه هو ولا أمثاله، {ثم نَظَرَ}: ما يقول، {ثم عَبَسَ وبَسَرَ}: في وجهه وظاهره نفرةً عن الحقِّ وبُغضاً له، {ثم أدبر}؛ أي: تولَّى، {واستكبر}: نتيجة سعيه الفكريِّ والعمليِّ والقوليِّ، {فقال إنۡ هذا إلاَّ سحرٌ يُؤۡثَرُ. إنۡ هذا إلاَّ قولُ البشرِ}؛ أي: ما هذا كلام الله، بل كلام البشر، وليس أيضاً كلام البشر الأخيار، بل كلام الأشرار منهم والفجَّار من كل كاذبٍ سحَّارٍ، فتبًّا له! ما أبعده من الصواب! وأحراه بالخسارة والتَّباب! كيف يدور في الأذهان أو يتصوَّره ضميرُ أيِّ إنسان أن يكون أعلى الكلام وأعظمه كلام الربِّ الكريم الماجد العظيم يشبِهُ كلام المخلوقين الفقراء الناقصين؟! أم كيف يتجرَّأ هذا الكاذب العنيد على وصفه بهذا الوصف لكلام الله تعالى ؛ فما حقُّه إلاَّ العذاب الشديد [والنكال]، ولهذا قال تعالى:{سأُصۡليه سَقَرَ. وما أدراك ما سَقَرُ. لا تُبۡقي ولا تَذَرُ}؛ أي: لا تبقي من الشدَّة ولا على المعذَّب شيئاً إلا وبَلَغَتْه. {لوَّاحةٌ للبشر}؛ أي: تلوحهم وتُصليهم في عذابها وتقلقهم بشدَّة حرِّها وقَرِّها. {عليها تسعةَ عشرَ}: من الملائكة، خزنة لها، غلاظٌ شدادٌ لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يُؤمرون. {31}{وما جعلنا أصحاب النارِ إلاَّ ملائكةً}: وذلك لشدَّتهم وقوَّتهم، {وما جعلنا عِدَّتهم إلاَّ فتنةً للذين كفروا}: يحتمل أنَّ المراد؛ إلاَّ لعذابهم وعقابهم في الآخرة ولزيادة نَكالهم فيها، والعذاب يسمَّى فتنة؛ كما قال تعالى:{يومَ هم على النَّارِ يُفۡتَنونَ}. ويُحتمل أنَّ المراد أنَّا ما أخبرناكم بعدَّتهم إلاَّ لنعلم من يصدِّق ممَّن يكذِّب. ويدلُّ على هذا ما ذكره بعده في قوله:{ليستيقِنَ الذين أوتوا الكتاب ويزدادَ الذين آمنوا إيماناً}: فإنَّ أهل الكتاب إذا وافق ما عندَهم وطابَقَه؛ ازدادَ يقينُهم بالحقِّ، والمؤمنون كلَّما أنزل الله آيةً، فآمنوا بها وصدَّقوا؛ ازداد إيمانُهم، {ولا يرتابَ الذين أوتوا الكتابَ والمؤمنون}؛ أي: ليزول عنهم الريبُ والشكُّ، وهذه مقاصدُ جليلةٌ يعتني بها أولو الألباب، وهي السعي في اليقين وزيادة الإيمان في كلِّ وقتٍ وكلِّ مسألةٍ من مسائل الدين، ودفع الشكوك والأوهام التي تَعْرِضُ في مقابلة الحقِّ، فجعل ما أنزله على رسولِهِ محصِّلاً لهذه المقاصد الجليلة، ومميزاً للصادقين من الكاذبين ، ولهذا قال:{وليقولَ الذين في قلوبِهِم مرضٌ}؛ أي: شكٌّ وشبهةٌ ونفاقٌ، {والكافرون ماذا أرادَ الله بهذا مثلاً}: وهذا على وجه الحيرة والشكِّ منهم والكفر بآيات الله، وهذا وذاك من هداية الله لمن يهديه وإضلاله لمن يُضِلُّه، ولهذا قال:{كذلك يُضِلُّ الله مَن يشاءُ ويَهۡدي مَن يشاءُ}: فمن هداه الله؛ جعل ما أنزل على رسوله رحمةً في حقِّه وزيادةً في إيمانه ودينه، ومن أضلَّه؛ جعل ما أنزله على رسوله زيادةَ شقاءٍ عليه وحيرةً وظلمةً في حقِّه، والواجب أن يُتَلَقى ما أخبر الله به ورسولُه بالتسليم، فإنه {لا يعلمُ جنودَ ربِّك} من الملائكة وغيرهم {إلاَّ هو}: فإذا كنتُم جاهلين بجنوده، وأخبركم بها العليم الخبير؛ فعليكم أن تصدِّقوا خبره من غير شكٍّ ولا ارتياب، {وما هي إلاَّ ذِكۡرى للبشرِ}؛ أي: وما هذه الموعظة والتذكار مقصوداً به العبث واللعب، وإنما المقصود به أن يتذكَّر به البشر ما ينفعهم فيفعلونه، وما يضرُّهم فيتركونه.

المدثر 74:29

{11 ـ 30} هذه الآيات نزلت في الوليد بن المغيرة ، المعاند للحقِّ، المبارز لله ولرسوله بالمحاربة والمشاقَّة، فذمَّه الله ذمًّا لم يذمَّ به غيره، وهذا جزاءُ كلِّ مَنْ عانَد الحقَّ ونابذه؛ أنَّ له الخزيَ في الدُّنيا ولَعذاب الآخرة أخزى، فقال:{ذَرۡني ومَن خلقتُ وحيداً}؛ أي: خلقته منفرداً بلا مال ولا أهل ولا غيره، فلم أزل أربِّيه وأعطيه، فجعلت {له مالاً ممدوداً}؛ أي: كثيراً، {و} جعلتُ له {بنينَ}؛ أي: ذكوراً، {شهوداً}؛ أي: حاضرين عنده على الدَّوام، يتمتَّع بهم ويقضي بهم حوائِجَه ويستنصِرُ بهم، {ومهَّدۡتُ له تمهيداً}؛ أي: مكَّنته من الدُّنيا وأسبابها حتى انقادَتْ له مطالِبُه وحصل له ما يشتهي ويريدُ. {ثم}: مع هذه النعم والإمدادات {يَطۡمَعُ أن أزيدَ}؛ أي: يطمع أن ينال نعيم الآخرة كما نال نعيم الدنيا، {كلاَّ}؛ أي: ليس الأمر كما طمع، بل هو بخلاف مقصوده ومطلوبه، وذلك {إنَّه كان لآياتنا عنيداً}: عرفها ثم أنكرها، ودعتْه إلى الحقِّ فلم يَنْقَدْ لها، ولم يكفِهِ أنَّه أعرض عنها وتولَّى ، بل جعل يحاربُها ويسعى في إبطالها، ولهذا قال عنه:{إنَّه فَكَّر}؛ أي: في نفسه. {وقدَّر}: ما فكَّر فيه؛ ليقولَ قولاً يبطِلُ به القرآن، {فقُتِلَ كيف قدَّر. ثم قُتِلَ كيف قدَّر}؛ لأنَّه قدَّر أمراً ليس في طوره، وتسوَّر على ما لا ينالُه هو ولا أمثاله، {ثم نَظَرَ}: ما يقول، {ثم عَبَسَ وبَسَرَ}: في وجهه وظاهره نفرةً عن الحقِّ وبُغضاً له، {ثم أدبر}؛ أي: تولَّى، {واستكبر}: نتيجة سعيه الفكريِّ والعمليِّ والقوليِّ، {فقال إنۡ هذا إلاَّ سحرٌ يُؤۡثَرُ. إنۡ هذا إلاَّ قولُ البشرِ}؛ أي: ما هذا كلام الله، بل كلام البشر، وليس أيضاً كلام البشر الأخيار، بل كلام الأشرار منهم والفجَّار من كل كاذبٍ سحَّارٍ، فتبًّا له! ما أبعده من الصواب! وأحراه بالخسارة والتَّباب! كيف يدور في الأذهان أو يتصوَّره ضميرُ أيِّ إنسان أن يكون أعلى الكلام وأعظمه كلام الربِّ الكريم الماجد العظيم يشبِهُ كلام المخلوقين الفقراء الناقصين؟! أم كيف يتجرَّأ هذا الكاذب العنيد على وصفه بهذا الوصف لكلام الله تعالى ؛ فما حقُّه إلاَّ العذاب الشديد [والنكال]، ولهذا قال تعالى:{سأُصۡليه سَقَرَ. وما أدراك ما سَقَرُ. لا تُبۡقي ولا تَذَرُ}؛ أي: لا تبقي من الشدَّة ولا على المعذَّب شيئاً إلا وبَلَغَتْه. {لوَّاحةٌ للبشر}؛ أي: تلوحهم وتُصليهم في عذابها وتقلقهم بشدَّة حرِّها وقَرِّها. {عليها تسعةَ عشرَ}: من الملائكة، خزنة لها، غلاظٌ شدادٌ لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يُؤمرون. {31}{وما جعلنا أصحاب النارِ إلاَّ ملائكةً}: وذلك لشدَّتهم وقوَّتهم، {وما جعلنا عِدَّتهم إلاَّ فتنةً للذين كفروا}: يحتمل أنَّ المراد؛ إلاَّ لعذابهم وعقابهم في الآخرة ولزيادة نَكالهم فيها، والعذاب يسمَّى فتنة؛ كما قال تعالى:{يومَ هم على النَّارِ يُفۡتَنونَ}. ويُحتمل أنَّ المراد أنَّا ما أخبرناكم بعدَّتهم إلاَّ لنعلم من يصدِّق ممَّن يكذِّب. ويدلُّ على هذا ما ذكره بعده في قوله:{ليستيقِنَ الذين أوتوا الكتاب ويزدادَ الذين آمنوا إيماناً}: فإنَّ أهل الكتاب إذا وافق ما عندَهم وطابَقَه؛ ازدادَ يقينُهم بالحقِّ، والمؤمنون كلَّما أنزل الله آيةً، فآمنوا بها وصدَّقوا؛ ازداد إيمانُهم، {ولا يرتابَ الذين أوتوا الكتابَ والمؤمنون}؛ أي: ليزول عنهم الريبُ والشكُّ، وهذه مقاصدُ جليلةٌ يعتني بها أولو الألباب، وهي السعي في اليقين وزيادة الإيمان في كلِّ وقتٍ وكلِّ مسألةٍ من مسائل الدين، ودفع الشكوك والأوهام التي تَعْرِضُ في مقابلة الحقِّ، فجعل ما أنزله على رسولِهِ محصِّلاً لهذه المقاصد الجليلة، ومميزاً للصادقين من الكاذبين ، ولهذا قال:{وليقولَ الذين في قلوبِهِم مرضٌ}؛ أي: شكٌّ وشبهةٌ ونفاقٌ، {والكافرون ماذا أرادَ الله بهذا مثلاً}: وهذا على وجه الحيرة والشكِّ منهم والكفر بآيات الله، وهذا وذاك من هداية الله لمن يهديه وإضلاله لمن يُضِلُّه، ولهذا قال:{كذلك يُضِلُّ الله مَن يشاءُ ويَهۡدي مَن يشاءُ}: فمن هداه الله؛ جعل ما أنزل على رسوله رحمةً في حقِّه وزيادةً في إيمانه ودينه، ومن أضلَّه؛ جعل ما أنزله على رسوله زيادةَ شقاءٍ عليه وحيرةً وظلمةً في حقِّه، والواجب أن يُتَلَقى ما أخبر الله به ورسولُه بالتسليم، فإنه {لا يعلمُ جنودَ ربِّك} من الملائكة وغيرهم {إلاَّ هو}: فإذا كنتُم جاهلين بجنوده، وأخبركم بها العليم الخبير؛ فعليكم أن تصدِّقوا خبره من غير شكٍّ ولا ارتياب، {وما هي إلاَّ ذِكۡرى للبشرِ}؛ أي: وما هذه الموعظة والتذكار مقصوداً به العبث واللعب، وإنما المقصود به أن يتذكَّر به البشر ما ينفعهم فيفعلونه، وما يضرُّهم فيتركونه.

المدثر 74:30

{11 ـ 30} هذه الآيات نزلت في الوليد بن المغيرة ، المعاند للحقِّ، المبارز لله ولرسوله بالمحاربة والمشاقَّة، فذمَّه الله ذمًّا لم يذمَّ به غيره، وهذا جزاءُ كلِّ مَنْ عانَد الحقَّ ونابذه؛ أنَّ له الخزيَ في الدُّنيا ولَعذاب الآخرة أخزى، فقال:{ذَرۡني ومَن خلقتُ وحيداً}؛ أي: خلقته منفرداً بلا مال ولا أهل ولا غيره، فلم أزل أربِّيه وأعطيه، فجعلت {له مالاً ممدوداً}؛ أي: كثيراً، {و} جعلتُ له {بنينَ}؛ أي: ذكوراً، {شهوداً}؛ أي: حاضرين عنده على الدَّوام، يتمتَّع بهم ويقضي بهم حوائِجَه ويستنصِرُ بهم، {ومهَّدۡتُ له تمهيداً}؛ أي: مكَّنته من الدُّنيا وأسبابها حتى انقادَتْ له مطالِبُه وحصل له ما يشتهي ويريدُ. {ثم}: مع هذه النعم والإمدادات {يَطۡمَعُ أن أزيدَ}؛ أي: يطمع أن ينال نعيم الآخرة كما نال نعيم الدنيا، {كلاَّ}؛ أي: ليس الأمر كما طمع، بل هو بخلاف مقصوده ومطلوبه، وذلك {إنَّه كان لآياتنا عنيداً}: عرفها ثم أنكرها، ودعتْه إلى الحقِّ فلم يَنْقَدْ لها، ولم يكفِهِ أنَّه أعرض عنها وتولَّى ، بل جعل يحاربُها ويسعى في إبطالها، ولهذا قال عنه:{إنَّه فَكَّر}؛ أي: في نفسه. {وقدَّر}: ما فكَّر فيه؛ ليقولَ قولاً يبطِلُ به القرآن، {فقُتِلَ كيف قدَّر. ثم قُتِلَ كيف قدَّر}؛ لأنَّه قدَّر أمراً ليس في طوره، وتسوَّر على ما لا ينالُه هو ولا أمثاله، {ثم نَظَرَ}: ما يقول، {ثم عَبَسَ وبَسَرَ}: في وجهه وظاهره نفرةً عن الحقِّ وبُغضاً له، {ثم أدبر}؛ أي: تولَّى، {واستكبر}: نتيجة سعيه الفكريِّ والعمليِّ والقوليِّ، {فقال إنۡ هذا إلاَّ سحرٌ يُؤۡثَرُ. إنۡ هذا إلاَّ قولُ البشرِ}؛ أي: ما هذا كلام الله، بل كلام البشر، وليس أيضاً كلام البشر الأخيار، بل كلام الأشرار منهم والفجَّار من كل كاذبٍ سحَّارٍ، فتبًّا له! ما أبعده من الصواب! وأحراه بالخسارة والتَّباب! كيف يدور في الأذهان أو يتصوَّره ضميرُ أيِّ إنسان أن يكون أعلى الكلام وأعظمه كلام الربِّ الكريم الماجد العظيم يشبِهُ كلام المخلوقين الفقراء الناقصين؟! أم كيف يتجرَّأ هذا الكاذب العنيد على وصفه بهذا الوصف لكلام الله تعالى ؛ فما حقُّه إلاَّ العذاب الشديد [والنكال]، ولهذا قال تعالى:{سأُصۡليه سَقَرَ. وما أدراك ما سَقَرُ. لا تُبۡقي ولا تَذَرُ}؛ أي: لا تبقي من الشدَّة ولا على المعذَّب شيئاً إلا وبَلَغَتْه. {لوَّاحةٌ للبشر}؛ أي: تلوحهم وتُصليهم في عذابها وتقلقهم بشدَّة حرِّها وقَرِّها. {عليها تسعةَ عشرَ}: من الملائكة، خزنة لها، غلاظٌ شدادٌ لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يُؤمرون. {31}{وما جعلنا أصحاب النارِ إلاَّ ملائكةً}: وذلك لشدَّتهم وقوَّتهم، {وما جعلنا عِدَّتهم إلاَّ فتنةً للذين كفروا}: يحتمل أنَّ المراد؛ إلاَّ لعذابهم وعقابهم في الآخرة ولزيادة نَكالهم فيها، والعذاب يسمَّى فتنة؛ كما قال تعالى:{يومَ هم على النَّارِ يُفۡتَنونَ}. ويُحتمل أنَّ المراد أنَّا ما أخبرناكم بعدَّتهم إلاَّ لنعلم من يصدِّق ممَّن يكذِّب. ويدلُّ على هذا ما ذكره بعده في قوله:{ليستيقِنَ الذين أوتوا الكتاب ويزدادَ الذين آمنوا إيماناً}: فإنَّ أهل الكتاب إذا وافق ما عندَهم وطابَقَه؛ ازدادَ يقينُهم بالحقِّ، والمؤمنون كلَّما أنزل الله آيةً، فآمنوا بها وصدَّقوا؛ ازداد إيمانُهم، {ولا يرتابَ الذين أوتوا الكتابَ والمؤمنون}؛ أي: ليزول عنهم الريبُ والشكُّ، وهذه مقاصدُ جليلةٌ يعتني بها أولو الألباب، وهي السعي في اليقين وزيادة الإيمان في كلِّ وقتٍ وكلِّ مسألةٍ من مسائل الدين، ودفع الشكوك والأوهام التي تَعْرِضُ في مقابلة الحقِّ، فجعل ما أنزله على رسولِهِ محصِّلاً لهذه المقاصد الجليلة، ومميزاً للصادقين من الكاذبين ، ولهذا قال:{وليقولَ الذين في قلوبِهِم مرضٌ}؛ أي: شكٌّ وشبهةٌ ونفاقٌ، {والكافرون ماذا أرادَ الله بهذا مثلاً}: وهذا على وجه الحيرة والشكِّ منهم والكفر بآيات الله، وهذا وذاك من هداية الله لمن يهديه وإضلاله لمن يُضِلُّه، ولهذا قال:{كذلك يُضِلُّ الله مَن يشاءُ ويَهۡدي مَن يشاءُ}: فمن هداه الله؛ جعل ما أنزل على رسوله رحمةً في حقِّه وزيادةً في إيمانه ودينه، ومن أضلَّه؛ جعل ما أنزله على رسوله زيادةَ شقاءٍ عليه وحيرةً وظلمةً في حقِّه، والواجب أن يُتَلَقى ما أخبر الله به ورسولُه بالتسليم، فإنه {لا يعلمُ جنودَ ربِّك} من الملائكة وغيرهم {إلاَّ هو}: فإذا كنتُم جاهلين بجنوده، وأخبركم بها العليم الخبير؛ فعليكم أن تصدِّقوا خبره من غير شكٍّ ولا ارتياب، {وما هي إلاَّ ذِكۡرى للبشرِ}؛ أي: وما هذه الموعظة والتذكار مقصوداً به العبث واللعب، وإنما المقصود به أن يتذكَّر به البشر ما ينفعهم فيفعلونه، وما يضرُّهم فيتركونه.

المدثر 74:31

{11 ـ 30} هذه الآيات نزلت في الوليد بن المغيرة ، المعاند للحقِّ، المبارز لله ولرسوله بالمحاربة والمشاقَّة، فذمَّه الله ذمًّا لم يذمَّ به غيره، وهذا جزاءُ كلِّ مَنْ عانَد الحقَّ ونابذه؛ أنَّ له الخزيَ في الدُّنيا ولَعذاب الآخرة أخزى، فقال:{ذَرۡني ومَن خلقتُ وحيداً}؛ أي: خلقته منفرداً بلا مال ولا أهل ولا غيره، فلم أزل أربِّيه وأعطيه، فجعلت {له مالاً ممدوداً}؛ أي: كثيراً، {و} جعلتُ له {بنينَ}؛ أي: ذكوراً، {شهوداً}؛ أي: حاضرين عنده على الدَّوام، يتمتَّع بهم ويقضي بهم حوائِجَه ويستنصِرُ بهم، {ومهَّدۡتُ له تمهيداً}؛ أي: مكَّنته من الدُّنيا وأسبابها حتى انقادَتْ له مطالِبُه وحصل له ما يشتهي ويريدُ. {ثم}: مع هذه النعم والإمدادات {يَطۡمَعُ أن أزيدَ}؛ أي: يطمع أن ينال نعيم الآخرة كما نال نعيم الدنيا، {كلاَّ}؛ أي: ليس الأمر كما طمع، بل هو بخلاف مقصوده ومطلوبه، وذلك {إنَّه كان لآياتنا عنيداً}: عرفها ثم أنكرها، ودعتْه إلى الحقِّ فلم يَنْقَدْ لها، ولم يكفِهِ أنَّه أعرض عنها وتولَّى ، بل جعل يحاربُها ويسعى في إبطالها، ولهذا قال عنه:{إنَّه فَكَّر}؛ أي: في نفسه. {وقدَّر}: ما فكَّر فيه؛ ليقولَ قولاً يبطِلُ به القرآن، {فقُتِلَ كيف قدَّر. ثم قُتِلَ كيف قدَّر}؛ لأنَّه قدَّر أمراً ليس في طوره، وتسوَّر على ما لا ينالُه هو ولا أمثاله، {ثم نَظَرَ}: ما يقول، {ثم عَبَسَ وبَسَرَ}: في وجهه وظاهره نفرةً عن الحقِّ وبُغضاً له، {ثم أدبر}؛ أي: تولَّى، {واستكبر}: نتيجة سعيه الفكريِّ والعمليِّ والقوليِّ، {فقال إنۡ هذا إلاَّ سحرٌ يُؤۡثَرُ. إنۡ هذا إلاَّ قولُ البشرِ}؛ أي: ما هذا كلام الله، بل كلام البشر، وليس أيضاً كلام البشر الأخيار، بل كلام الأشرار منهم والفجَّار من كل كاذبٍ سحَّارٍ، فتبًّا له! ما أبعده من الصواب! وأحراه بالخسارة والتَّباب! كيف يدور في الأذهان أو يتصوَّره ضميرُ أيِّ إنسان أن يكون أعلى الكلام وأعظمه كلام الربِّ الكريم الماجد العظيم يشبِهُ كلام المخلوقين الفقراء الناقصين؟! أم كيف يتجرَّأ هذا الكاذب العنيد على وصفه بهذا الوصف لكلام الله تعالى ؛ فما حقُّه إلاَّ العذاب الشديد [والنكال]، ولهذا قال تعالى:{سأُصۡليه سَقَرَ. وما أدراك ما سَقَرُ. لا تُبۡقي ولا تَذَرُ}؛ أي: لا تبقي من الشدَّة ولا على المعذَّب شيئاً إلا وبَلَغَتْه. {لوَّاحةٌ للبشر}؛ أي: تلوحهم وتُصليهم في عذابها وتقلقهم بشدَّة حرِّها وقَرِّها. {عليها تسعةَ عشرَ}: من الملائكة، خزنة لها، غلاظٌ شدادٌ لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يُؤمرون. {31}{وما جعلنا أصحاب النارِ إلاَّ ملائكةً}: وذلك لشدَّتهم وقوَّتهم، {وما جعلنا عِدَّتهم إلاَّ فتنةً للذين كفروا}: يحتمل أنَّ المراد؛ إلاَّ لعذابهم وعقابهم في الآخرة ولزيادة نَكالهم فيها، والعذاب يسمَّى فتنة؛ كما قال تعالى:{يومَ هم على النَّارِ يُفۡتَنونَ}. ويُحتمل أنَّ المراد أنَّا ما أخبرناكم بعدَّتهم إلاَّ لنعلم من يصدِّق ممَّن يكذِّب. ويدلُّ على هذا ما ذكره بعده في قوله:{ليستيقِنَ الذين أوتوا الكتاب ويزدادَ الذين آمنوا إيماناً}: فإنَّ أهل الكتاب إذا وافق ما عندَهم وطابَقَه؛ ازدادَ يقينُهم بالحقِّ، والمؤمنون كلَّما أنزل الله آيةً، فآمنوا بها وصدَّقوا؛ ازداد إيمانُهم، {ولا يرتابَ الذين أوتوا الكتابَ والمؤمنون}؛ أي: ليزول عنهم الريبُ والشكُّ، وهذه مقاصدُ جليلةٌ يعتني بها أولو الألباب، وهي السعي في اليقين وزيادة الإيمان في كلِّ وقتٍ وكلِّ مسألةٍ من مسائل الدين، ودفع الشكوك والأوهام التي تَعْرِضُ في مقابلة الحقِّ، فجعل ما أنزله على رسولِهِ محصِّلاً لهذه المقاصد الجليلة، ومميزاً للصادقين من الكاذبين ، ولهذا قال:{وليقولَ الذين في قلوبِهِم مرضٌ}؛ أي: شكٌّ وشبهةٌ ونفاقٌ، {والكافرون ماذا أرادَ الله بهذا مثلاً}: وهذا على وجه الحيرة والشكِّ منهم والكفر بآيات الله، وهذا وذاك من هداية الله لمن يهديه وإضلاله لمن يُضِلُّه، ولهذا قال:{كذلك يُضِلُّ الله مَن يشاءُ ويَهۡدي مَن يشاءُ}: فمن هداه الله؛ جعل ما أنزل على رسوله رحمةً في حقِّه وزيادةً في إيمانه ودينه، ومن أضلَّه؛ جعل ما أنزله على رسوله زيادةَ شقاءٍ عليه وحيرةً وظلمةً في حقِّه، والواجب أن يُتَلَقى ما أخبر الله به ورسولُه بالتسليم، فإنه {لا يعلمُ جنودَ ربِّك} من الملائكة وغيرهم {إلاَّ هو}: فإذا كنتُم جاهلين بجنوده، وأخبركم بها العليم الخبير؛ فعليكم أن تصدِّقوا خبره من غير شكٍّ ولا ارتياب، {وما هي إلاَّ ذِكۡرى للبشرِ}؛ أي: وما هذه الموعظة والتذكار مقصوداً به العبث واللعب، وإنما المقصود به أن يتذكَّر به البشر ما ينفعهم فيفعلونه، وما يضرُّهم فيتركونه.

المدثر 74:32

{32 ـ 34}{كلاَّ}: هنا بمعنى حقًّا، أو بمعنى ألا الاستفتاحية، فأقسم تعالى بالقمر، وبالليل وقتَ إدباره، والنهارِ وقتَ إسفاره؛ لاشتمال المذكورات على آيات الله العظيمة الدالَّة على كمال قدرةِ الله وحكمته وسعة سلطانه وعموم رحمته وإحاطة علمه. {35 ـ 37} والمقسَمُ عليه قوله: {إنَّها لإحدى الكُبَرِ}؛ أي: إنَّ النار لإحدى العظائم الطامَّة والأمور الهامَّة؛ فإذا أعلمناكم بها وكنتُم على بصيرةٍ من أمرها؛ فمن شاء منكم أن يتقدَّم فيعمل بما يقرِّبُه إلى الله ويُدْنيه من رضاه ويُزْلفه من دار كرامته، أو يتأخَّر عمَّا خُلِقَ له وعمَّا يحبُّه الله ويرضاه، فيعمل بالمعاصي، ويتقرَّب إلى جهنَّم؛ كما قال تعالى:{وقلِ الحقُّ من ربِّكم فَمَن شاء فَلۡيُؤمِن ومَن شاءَ فَلۡيَكۡفُرۡ ... } الآية. {38 ـ 48}{كلُّ نفس بما كسبتۡ}: من أفعال الشرِّ وأعمال السوء {رهينةٌ}: بها موثقةٌ بسعيها، قد أُلْزِمَ عنقها وغُلَّ في رقبتها واستوجبت به العذاب، {إلاَّ أصحابَ اليمين}: فإنَّهم لم يرتهنوا، بل أُطلقوا وفرحوا {في جناتٍ يتساءلونَ. عن المجرمينَ}؛ أي: في جناتٍ قد حصل لهم فيها جميع مطلوباتهم وتمَّت لهم الراحةُ والطمأنينة، حتى أقبلوا يتساءلون، فأفضتْ بهم المحادثة أن سألوا عن المجرمين؛ أيُّ حال وصلوا إليها؟ وهل وَجَدوا ما وعَدَهم الله [تعالى]؟ فقال بعضهم لبعضٍ هل أنتم مُطَّلعونَ عليهم، فاطَّلعوا عليهم في وسطِ الجحيم يعذَّبون، فقالوا لهم:{ما سَلَككم في سَقَرَ}؛ أي: أيُّ شيءٍ أدخلكم فيها؟ وبأيِّ ذنبٍ اسْتَحَقيْتُموها؟ فقالوا:{لم نَكُ من المصلِّينَ. ولم نكُ نطعِمُ المسكينَ}: فلا إخلاص للمعبودِ ولا إحسانَ ولا نفع للخلق المحتاجين، {وكنَّا نخوضُ مع الخائضينَ}؛ أي: نخوض بالباطل ونجادل به الحقَّ، {وكنَّا نكذِّبُ بيوم الدِّينِ}: هذه آثار الخوض بالباطل، وهو التَّكذيب بالحقِّ، ومن أحقِّ الحقِّ يوم الدين، الذي هو محلُّ الجزاء على الأعمال وظهور مُلك الله وحُكمه العدل لسائر الخلق، فاستمرَّ عَمَلُنا على هذا المذهب الباطل {حتَّى أتانا اليقين}؛ أي: الموت، فلما ماتوا على الكفر؛ تعذَّرت حينئذٍ عليهم الحِيَلُ، وانسدَّ في وجوههم باب الأمل. {فما تَنفَعُهم شفاعةُ الشَّافعين}؛ لأنَّهم لا يشفعون إلاَّ لِمَنِ ارتضى، وهؤلاء لا يرضى الله أعمالهم. {49 ـ 53} فلمَّا بيَّن الله مآل المخالفين وبيَّن ما يفعل بهم؛ عطف على الموجودين بالعتاب واللوم، فقال:{فما لهم عن التَّذۡكِرَةِ معرِضينَ}؛ أي: صادَّين غافلين عنها، {كأنَّهم}: في نفرتِهِم الشديدة منها {حمُرٌ مستنفرةٌ}؛ أي:[كأنّهم] حمُرُ وحشٍ نفرتْ؛ فنفَّر بعضُها بعضاً فزاد عَدْوُها، {فرَّتۡ من قَسۡوَرَةٍ}؛ أي: من صائدٍ ورامٍ يريدها أو من أسدٍ ونحوه، وهذا من أعظم ما يكون من النُّفور عن الحقِّ، ومع هذا النفور والإعراض يدَّعون الدَّعاوي الكبار؛ فيريد {كلُّ} واحد {منهم أن يُؤۡتى صُحُفاً منشَّرةً}: نازلة عليه من السماء؛ يزعم أنَّه لا ينقاد للحقِّ؛ إلاَّ بذلك، وقد كذَّبوا؛ فإنَّهم لو جاءتهم كلُّ آيةٍ؛ لم يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم؛ لأنَّهم جاءتهم الآياتُ البيناتُ، التي تبيِّن الحقَّ وتوضِّحه؛ فلو كان فيهم خيرٌ؛ لآمنوا، ولهذا قال:{كلاَّ}؛ أي: لا نعطيهم ما طلبوا، وهم ما قصدوا بذلك إلاَّ التعجيز، {بل لا يخافونَ الآخرةَ}: فلو كانوا يخافونها؛ لما جرى منهم ما جرى. {54 ـ 56}{كلاَّ [إنَّه] تذكرةٌ}: الضمير إمَّا أن يعود على هذه السورة أو على ما اشتملتْ عليه من هذه الموعظة، {فَمَن شاء ذَكَرَهُ}: لأنَّه قد بيَّن له السبيل ووضَح له الدَّليل. {[وما يَذۡكُرون] إلاَّ أن يشاءَ اللهُ}: فإنَّ مشيئة اللَّه نافذةٌ عامَّةٌ، لا يخرج عنها حادثٌ قليلٌ ولا كثيرٌ؛ ففيها ردٌّ على القدريَّة، الذين لا يُدْخِلون أفعال العباد تحت مشيئة الله، والجبريَّة، الذين يزعمون أنَّه ليس للعبد مشيئةٌ ولا فعلٌ حقيقةً، وإنَّما هو مجبور على أفعاله، فأثبت تعالى للعباد مشيئةً حقيقةً وفعلاً، وجعل ذلك تابعاً لمشيئته، و {وهو أهلُ التَّقوى وأهل المغفرةِ}؛ أي: هو أهل أن يُتَّقى ويُعبد؛ لأنَّه الإله الذي لا تنبغي العبادة إلاَّ له، وأهلٌ أن يَغْفِرَ لمن اتَّقاه واتَّبع رضاه. تمت. ولله الحمد والمنة. * * *

المدثر 74:33

{32 ـ 34}{كلاَّ}: هنا بمعنى حقًّا، أو بمعنى ألا الاستفتاحية، فأقسم تعالى بالقمر، وبالليل وقتَ إدباره، والنهارِ وقتَ إسفاره؛ لاشتمال المذكورات على آيات الله العظيمة الدالَّة على كمال قدرةِ الله وحكمته وسعة سلطانه وعموم رحمته وإحاطة علمه. {35 ـ 37} والمقسَمُ عليه قوله: {إنَّها لإحدى الكُبَرِ}؛ أي: إنَّ النار لإحدى العظائم الطامَّة والأمور الهامَّة؛ فإذا أعلمناكم بها وكنتُم على بصيرةٍ من أمرها؛ فمن شاء منكم أن يتقدَّم فيعمل بما يقرِّبُه إلى الله ويُدْنيه من رضاه ويُزْلفه من دار كرامته، أو يتأخَّر عمَّا خُلِقَ له وعمَّا يحبُّه الله ويرضاه، فيعمل بالمعاصي، ويتقرَّب إلى جهنَّم؛ كما قال تعالى:{وقلِ الحقُّ من ربِّكم فَمَن شاء فَلۡيُؤمِن ومَن شاءَ فَلۡيَكۡفُرۡ ... } الآية. {38 ـ 48}{كلُّ نفس بما كسبتۡ}: من أفعال الشرِّ وأعمال السوء {رهينةٌ}: بها موثقةٌ بسعيها، قد أُلْزِمَ عنقها وغُلَّ في رقبتها واستوجبت به العذاب، {إلاَّ أصحابَ اليمين}: فإنَّهم لم يرتهنوا، بل أُطلقوا وفرحوا {في جناتٍ يتساءلونَ. عن المجرمينَ}؛ أي: في جناتٍ قد حصل لهم فيها جميع مطلوباتهم وتمَّت لهم الراحةُ والطمأنينة، حتى أقبلوا يتساءلون، فأفضتْ بهم المحادثة أن سألوا عن المجرمين؛ أيُّ حال وصلوا إليها؟ وهل وَجَدوا ما وعَدَهم الله [تعالى]؟ فقال بعضهم لبعضٍ هل أنتم مُطَّلعونَ عليهم، فاطَّلعوا عليهم في وسطِ الجحيم يعذَّبون، فقالوا لهم:{ما سَلَككم في سَقَرَ}؛ أي: أيُّ شيءٍ أدخلكم فيها؟ وبأيِّ ذنبٍ اسْتَحَقيْتُموها؟ فقالوا:{لم نَكُ من المصلِّينَ. ولم نكُ نطعِمُ المسكينَ}: فلا إخلاص للمعبودِ ولا إحسانَ ولا نفع للخلق المحتاجين، {وكنَّا نخوضُ مع الخائضينَ}؛ أي: نخوض بالباطل ونجادل به الحقَّ، {وكنَّا نكذِّبُ بيوم الدِّينِ}: هذه آثار الخوض بالباطل، وهو التَّكذيب بالحقِّ، ومن أحقِّ الحقِّ يوم الدين، الذي هو محلُّ الجزاء على الأعمال وظهور مُلك الله وحُكمه العدل لسائر الخلق، فاستمرَّ عَمَلُنا على هذا المذهب الباطل {حتَّى أتانا اليقين}؛ أي: الموت، فلما ماتوا على الكفر؛ تعذَّرت حينئذٍ عليهم الحِيَلُ، وانسدَّ في وجوههم باب الأمل. {فما تَنفَعُهم شفاعةُ الشَّافعين}؛ لأنَّهم لا يشفعون إلاَّ لِمَنِ ارتضى، وهؤلاء لا يرضى الله أعمالهم. {49 ـ 53} فلمَّا بيَّن الله مآل المخالفين وبيَّن ما يفعل بهم؛ عطف على الموجودين بالعتاب واللوم، فقال:{فما لهم عن التَّذۡكِرَةِ معرِضينَ}؛ أي: صادَّين غافلين عنها، {كأنَّهم}: في نفرتِهِم الشديدة منها {حمُرٌ مستنفرةٌ}؛ أي:[كأنّهم] حمُرُ وحشٍ نفرتْ؛ فنفَّر بعضُها بعضاً فزاد عَدْوُها، {فرَّتۡ من قَسۡوَرَةٍ}؛ أي: من صائدٍ ورامٍ يريدها أو من أسدٍ ونحوه، وهذا من أعظم ما يكون من النُّفور عن الحقِّ، ومع هذا النفور والإعراض يدَّعون الدَّعاوي الكبار؛ فيريد {كلُّ} واحد {منهم أن يُؤۡتى صُحُفاً منشَّرةً}: نازلة عليه من السماء؛ يزعم أنَّه لا ينقاد للحقِّ؛ إلاَّ بذلك، وقد كذَّبوا؛ فإنَّهم لو جاءتهم كلُّ آيةٍ؛ لم يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم؛ لأنَّهم جاءتهم الآياتُ البيناتُ، التي تبيِّن الحقَّ وتوضِّحه؛ فلو كان فيهم خيرٌ؛ لآمنوا، ولهذا قال:{كلاَّ}؛ أي: لا نعطيهم ما طلبوا، وهم ما قصدوا بذلك إلاَّ التعجيز، {بل لا يخافونَ الآخرةَ}: فلو كانوا يخافونها؛ لما جرى منهم ما جرى. {54 ـ 56}{كلاَّ [إنَّه] تذكرةٌ}: الضمير إمَّا أن يعود على هذه السورة أو على ما اشتملتْ عليه من هذه الموعظة، {فَمَن شاء ذَكَرَهُ}: لأنَّه قد بيَّن له السبيل ووضَح له الدَّليل. {[وما يَذۡكُرون] إلاَّ أن يشاءَ اللهُ}: فإنَّ مشيئة اللَّه نافذةٌ عامَّةٌ، لا يخرج عنها حادثٌ قليلٌ ولا كثيرٌ؛ ففيها ردٌّ على القدريَّة، الذين لا يُدْخِلون أفعال العباد تحت مشيئة الله، والجبريَّة، الذين يزعمون أنَّه ليس للعبد مشيئةٌ ولا فعلٌ حقيقةً، وإنَّما هو مجبور على أفعاله، فأثبت تعالى للعباد مشيئةً حقيقةً وفعلاً، وجعل ذلك تابعاً لمشيئته، و {وهو أهلُ التَّقوى وأهل المغفرةِ}؛ أي: هو أهل أن يُتَّقى ويُعبد؛ لأنَّه الإله الذي لا تنبغي العبادة إلاَّ له، وأهلٌ أن يَغْفِرَ لمن اتَّقاه واتَّبع رضاه. تمت. ولله الحمد والمنة. * * *

المدثر 74:34

{32 ـ 34}{كلاَّ}: هنا بمعنى حقًّا، أو بمعنى ألا الاستفتاحية، فأقسم تعالى بالقمر، وبالليل وقتَ إدباره، والنهارِ وقتَ إسفاره؛ لاشتمال المذكورات على آيات الله العظيمة الدالَّة على كمال قدرةِ الله وحكمته وسعة سلطانه وعموم رحمته وإحاطة علمه. {35 ـ 37} والمقسَمُ عليه قوله: {إنَّها لإحدى الكُبَرِ}؛ أي: إنَّ النار لإحدى العظائم الطامَّة والأمور الهامَّة؛ فإذا أعلمناكم بها وكنتُم على بصيرةٍ من أمرها؛ فمن شاء منكم أن يتقدَّم فيعمل بما يقرِّبُه إلى الله ويُدْنيه من رضاه ويُزْلفه من دار كرامته، أو يتأخَّر عمَّا خُلِقَ له وعمَّا يحبُّه الله ويرضاه، فيعمل بالمعاصي، ويتقرَّب إلى جهنَّم؛ كما قال تعالى:{وقلِ الحقُّ من ربِّكم فَمَن شاء فَلۡيُؤمِن ومَن شاءَ فَلۡيَكۡفُرۡ ... } الآية. {38 ـ 48}{كلُّ نفس بما كسبتۡ}: من أفعال الشرِّ وأعمال السوء {رهينةٌ}: بها موثقةٌ بسعيها، قد أُلْزِمَ عنقها وغُلَّ في رقبتها واستوجبت به العذاب، {إلاَّ أصحابَ اليمين}: فإنَّهم لم يرتهنوا، بل أُطلقوا وفرحوا {في جناتٍ يتساءلونَ. عن المجرمينَ}؛ أي: في جناتٍ قد حصل لهم فيها جميع مطلوباتهم وتمَّت لهم الراحةُ والطمأنينة، حتى أقبلوا يتساءلون، فأفضتْ بهم المحادثة أن سألوا عن المجرمين؛ أيُّ حال وصلوا إليها؟ وهل وَجَدوا ما وعَدَهم الله [تعالى]؟ فقال بعضهم لبعضٍ هل أنتم مُطَّلعونَ عليهم، فاطَّلعوا عليهم في وسطِ الجحيم يعذَّبون، فقالوا لهم:{ما سَلَككم في سَقَرَ}؛ أي: أيُّ شيءٍ أدخلكم فيها؟ وبأيِّ ذنبٍ اسْتَحَقيْتُموها؟ فقالوا:{لم نَكُ من المصلِّينَ. ولم نكُ نطعِمُ المسكينَ}: فلا إخلاص للمعبودِ ولا إحسانَ ولا نفع للخلق المحتاجين، {وكنَّا نخوضُ مع الخائضينَ}؛ أي: نخوض بالباطل ونجادل به الحقَّ، {وكنَّا نكذِّبُ بيوم الدِّينِ}: هذه آثار الخوض بالباطل، وهو التَّكذيب بالحقِّ، ومن أحقِّ الحقِّ يوم الدين، الذي هو محلُّ الجزاء على الأعمال وظهور مُلك الله وحُكمه العدل لسائر الخلق، فاستمرَّ عَمَلُنا على هذا المذهب الباطل {حتَّى أتانا اليقين}؛ أي: الموت، فلما ماتوا على الكفر؛ تعذَّرت حينئذٍ عليهم الحِيَلُ، وانسدَّ في وجوههم باب الأمل. {فما تَنفَعُهم شفاعةُ الشَّافعين}؛ لأنَّهم لا يشفعون إلاَّ لِمَنِ ارتضى، وهؤلاء لا يرضى الله أعمالهم. {49 ـ 53} فلمَّا بيَّن الله مآل المخالفين وبيَّن ما يفعل بهم؛ عطف على الموجودين بالعتاب واللوم، فقال:{فما لهم عن التَّذۡكِرَةِ معرِضينَ}؛ أي: صادَّين غافلين عنها، {كأنَّهم}: في نفرتِهِم الشديدة منها {حمُرٌ مستنفرةٌ}؛ أي:[كأنّهم] حمُرُ وحشٍ نفرتْ؛ فنفَّر بعضُها بعضاً فزاد عَدْوُها، {فرَّتۡ من قَسۡوَرَةٍ}؛ أي: من صائدٍ ورامٍ يريدها أو من أسدٍ ونحوه، وهذا من أعظم ما يكون من النُّفور عن الحقِّ، ومع هذا النفور والإعراض يدَّعون الدَّعاوي الكبار؛ فيريد {كلُّ} واحد {منهم أن يُؤۡتى صُحُفاً منشَّرةً}: نازلة عليه من السماء؛ يزعم أنَّه لا ينقاد للحقِّ؛ إلاَّ بذلك، وقد كذَّبوا؛ فإنَّهم لو جاءتهم كلُّ آيةٍ؛ لم يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم؛ لأنَّهم جاءتهم الآياتُ البيناتُ، التي تبيِّن الحقَّ وتوضِّحه؛ فلو كان فيهم خيرٌ؛ لآمنوا، ولهذا قال:{كلاَّ}؛ أي: لا نعطيهم ما طلبوا، وهم ما قصدوا بذلك إلاَّ التعجيز، {بل لا يخافونَ الآخرةَ}: فلو كانوا يخافونها؛ لما جرى منهم ما جرى. {54 ـ 56}{كلاَّ [إنَّه] تذكرةٌ}: الضمير إمَّا أن يعود على هذه السورة أو على ما اشتملتْ عليه من هذه الموعظة، {فَمَن شاء ذَكَرَهُ}: لأنَّه قد بيَّن له السبيل ووضَح له الدَّليل. {[وما يَذۡكُرون] إلاَّ أن يشاءَ اللهُ}: فإنَّ مشيئة اللَّه نافذةٌ عامَّةٌ، لا يخرج عنها حادثٌ قليلٌ ولا كثيرٌ؛ ففيها ردٌّ على القدريَّة، الذين لا يُدْخِلون أفعال العباد تحت مشيئة الله، والجبريَّة، الذين يزعمون أنَّه ليس للعبد مشيئةٌ ولا فعلٌ حقيقةً، وإنَّما هو مجبور على أفعاله، فأثبت تعالى للعباد مشيئةً حقيقةً وفعلاً، وجعل ذلك تابعاً لمشيئته، و {وهو أهلُ التَّقوى وأهل المغفرةِ}؛ أي: هو أهل أن يُتَّقى ويُعبد؛ لأنَّه الإله الذي لا تنبغي العبادة إلاَّ له، وأهلٌ أن يَغْفِرَ لمن اتَّقاه واتَّبع رضاه. تمت. ولله الحمد والمنة. * * *

المدثر 74:35

{32 ـ 34}{كلاَّ}: هنا بمعنى حقًّا، أو بمعنى ألا الاستفتاحية، فأقسم تعالى بالقمر، وبالليل وقتَ إدباره، والنهارِ وقتَ إسفاره؛ لاشتمال المذكورات على آيات الله العظيمة الدالَّة على كمال قدرةِ الله وحكمته وسعة سلطانه وعموم رحمته وإحاطة علمه. {35 ـ 37} والمقسَمُ عليه قوله: {إنَّها لإحدى الكُبَرِ}؛ أي: إنَّ النار لإحدى العظائم الطامَّة والأمور الهامَّة؛ فإذا أعلمناكم بها وكنتُم على بصيرةٍ من أمرها؛ فمن شاء منكم أن يتقدَّم فيعمل بما يقرِّبُه إلى الله ويُدْنيه من رضاه ويُزْلفه من دار كرامته، أو يتأخَّر عمَّا خُلِقَ له وعمَّا يحبُّه الله ويرضاه، فيعمل بالمعاصي، ويتقرَّب إلى جهنَّم؛ كما قال تعالى:{وقلِ الحقُّ من ربِّكم فَمَن شاء فَلۡيُؤمِن ومَن شاءَ فَلۡيَكۡفُرۡ ... } الآية. {38 ـ 48}{كلُّ نفس بما كسبتۡ}: من أفعال الشرِّ وأعمال السوء {رهينةٌ}: بها موثقةٌ بسعيها، قد أُلْزِمَ عنقها وغُلَّ في رقبتها واستوجبت به العذاب، {إلاَّ أصحابَ اليمين}: فإنَّهم لم يرتهنوا، بل أُطلقوا وفرحوا {في جناتٍ يتساءلونَ. عن المجرمينَ}؛ أي: في جناتٍ قد حصل لهم فيها جميع مطلوباتهم وتمَّت لهم الراحةُ والطمأنينة، حتى أقبلوا يتساءلون، فأفضتْ بهم المحادثة أن سألوا عن المجرمين؛ أيُّ حال وصلوا إليها؟ وهل وَجَدوا ما وعَدَهم الله [تعالى]؟ فقال بعضهم لبعضٍ هل أنتم مُطَّلعونَ عليهم، فاطَّلعوا عليهم في وسطِ الجحيم يعذَّبون، فقالوا لهم:{ما سَلَككم في سَقَرَ}؛ أي: أيُّ شيءٍ أدخلكم فيها؟ وبأيِّ ذنبٍ اسْتَحَقيْتُموها؟ فقالوا:{لم نَكُ من المصلِّينَ. ولم نكُ نطعِمُ المسكينَ}: فلا إخلاص للمعبودِ ولا إحسانَ ولا نفع للخلق المحتاجين، {وكنَّا نخوضُ مع الخائضينَ}؛ أي: نخوض بالباطل ونجادل به الحقَّ، {وكنَّا نكذِّبُ بيوم الدِّينِ}: هذه آثار الخوض بالباطل، وهو التَّكذيب بالحقِّ، ومن أحقِّ الحقِّ يوم الدين، الذي هو محلُّ الجزاء على الأعمال وظهور مُلك الله وحُكمه العدل لسائر الخلق، فاستمرَّ عَمَلُنا على هذا المذهب الباطل {حتَّى أتانا اليقين}؛ أي: الموت، فلما ماتوا على الكفر؛ تعذَّرت حينئذٍ عليهم الحِيَلُ، وانسدَّ في وجوههم باب الأمل. {فما تَنفَعُهم شفاعةُ الشَّافعين}؛ لأنَّهم لا يشفعون إلاَّ لِمَنِ ارتضى، وهؤلاء لا يرضى الله أعمالهم. {49 ـ 53} فلمَّا بيَّن الله مآل المخالفين وبيَّن ما يفعل بهم؛ عطف على الموجودين بالعتاب واللوم، فقال:{فما لهم عن التَّذۡكِرَةِ معرِضينَ}؛ أي: صادَّين غافلين عنها، {كأنَّهم}: في نفرتِهِم الشديدة منها {حمُرٌ مستنفرةٌ}؛ أي:[كأنّهم] حمُرُ وحشٍ نفرتْ؛ فنفَّر بعضُها بعضاً فزاد عَدْوُها، {فرَّتۡ من قَسۡوَرَةٍ}؛ أي: من صائدٍ ورامٍ يريدها أو من أسدٍ ونحوه، وهذا من أعظم ما يكون من النُّفور عن الحقِّ، ومع هذا النفور والإعراض يدَّعون الدَّعاوي الكبار؛ فيريد {كلُّ} واحد {منهم أن يُؤۡتى صُحُفاً منشَّرةً}: نازلة عليه من السماء؛ يزعم أنَّه لا ينقاد للحقِّ؛ إلاَّ بذلك، وقد كذَّبوا؛ فإنَّهم لو جاءتهم كلُّ آيةٍ؛ لم يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم؛ لأنَّهم جاءتهم الآياتُ البيناتُ، التي تبيِّن الحقَّ وتوضِّحه؛ فلو كان فيهم خيرٌ؛ لآمنوا، ولهذا قال:{كلاَّ}؛ أي: لا نعطيهم ما طلبوا، وهم ما قصدوا بذلك إلاَّ التعجيز، {بل لا يخافونَ الآخرةَ}: فلو كانوا يخافونها؛ لما جرى منهم ما جرى. {54 ـ 56}{كلاَّ [إنَّه] تذكرةٌ}: الضمير إمَّا أن يعود على هذه السورة أو على ما اشتملتْ عليه من هذه الموعظة، {فَمَن شاء ذَكَرَهُ}: لأنَّه قد بيَّن له السبيل ووضَح له الدَّليل. {[وما يَذۡكُرون] إلاَّ أن يشاءَ اللهُ}: فإنَّ مشيئة اللَّه نافذةٌ عامَّةٌ، لا يخرج عنها حادثٌ قليلٌ ولا كثيرٌ؛ ففيها ردٌّ على القدريَّة، الذين لا يُدْخِلون أفعال العباد تحت مشيئة الله، والجبريَّة، الذين يزعمون أنَّه ليس للعبد مشيئةٌ ولا فعلٌ حقيقةً، وإنَّما هو مجبور على أفعاله، فأثبت تعالى للعباد مشيئةً حقيقةً وفعلاً، وجعل ذلك تابعاً لمشيئته، و {وهو أهلُ التَّقوى وأهل المغفرةِ}؛ أي: هو أهل أن يُتَّقى ويُعبد؛ لأنَّه الإله الذي لا تنبغي العبادة إلاَّ له، وأهلٌ أن يَغْفِرَ لمن اتَّقاه واتَّبع رضاه. تمت. ولله الحمد والمنة. * * *

المدثر 74:36

{32 ـ 34}{كلاَّ}: هنا بمعنى حقًّا، أو بمعنى ألا الاستفتاحية، فأقسم تعالى بالقمر، وبالليل وقتَ إدباره، والنهارِ وقتَ إسفاره؛ لاشتمال المذكورات على آيات الله العظيمة الدالَّة على كمال قدرةِ الله وحكمته وسعة سلطانه وعموم رحمته وإحاطة علمه. {35 ـ 37} والمقسَمُ عليه قوله: {إنَّها لإحدى الكُبَرِ}؛ أي: إنَّ النار لإحدى العظائم الطامَّة والأمور الهامَّة؛ فإذا أعلمناكم بها وكنتُم على بصيرةٍ من أمرها؛ فمن شاء منكم أن يتقدَّم فيعمل بما يقرِّبُه إلى الله ويُدْنيه من رضاه ويُزْلفه من دار كرامته، أو يتأخَّر عمَّا خُلِقَ له وعمَّا يحبُّه الله ويرضاه، فيعمل بالمعاصي، ويتقرَّب إلى جهنَّم؛ كما قال تعالى:{وقلِ الحقُّ من ربِّكم فَمَن شاء فَلۡيُؤمِن ومَن شاءَ فَلۡيَكۡفُرۡ ... } الآية. {38 ـ 48}{كلُّ نفس بما كسبتۡ}: من أفعال الشرِّ وأعمال السوء {رهينةٌ}: بها موثقةٌ بسعيها، قد أُلْزِمَ عنقها وغُلَّ في رقبتها واستوجبت به العذاب، {إلاَّ أصحابَ اليمين}: فإنَّهم لم يرتهنوا، بل أُطلقوا وفرحوا {في جناتٍ يتساءلونَ. عن المجرمينَ}؛ أي: في جناتٍ قد حصل لهم فيها جميع مطلوباتهم وتمَّت لهم الراحةُ والطمأنينة، حتى أقبلوا يتساءلون، فأفضتْ بهم المحادثة أن سألوا عن المجرمين؛ أيُّ حال وصلوا إليها؟ وهل وَجَدوا ما وعَدَهم الله [تعالى]؟ فقال بعضهم لبعضٍ هل أنتم مُطَّلعونَ عليهم، فاطَّلعوا عليهم في وسطِ الجحيم يعذَّبون، فقالوا لهم:{ما سَلَككم في سَقَرَ}؛ أي: أيُّ شيءٍ أدخلكم فيها؟ وبأيِّ ذنبٍ اسْتَحَقيْتُموها؟ فقالوا:{لم نَكُ من المصلِّينَ. ولم نكُ نطعِمُ المسكينَ}: فلا إخلاص للمعبودِ ولا إحسانَ ولا نفع للخلق المحتاجين، {وكنَّا نخوضُ مع الخائضينَ}؛ أي: نخوض بالباطل ونجادل به الحقَّ، {وكنَّا نكذِّبُ بيوم الدِّينِ}: هذه آثار الخوض بالباطل، وهو التَّكذيب بالحقِّ، ومن أحقِّ الحقِّ يوم الدين، الذي هو محلُّ الجزاء على الأعمال وظهور مُلك الله وحُكمه العدل لسائر الخلق، فاستمرَّ عَمَلُنا على هذا المذهب الباطل {حتَّى أتانا اليقين}؛ أي: الموت، فلما ماتوا على الكفر؛ تعذَّرت حينئذٍ عليهم الحِيَلُ، وانسدَّ في وجوههم باب الأمل. {فما تَنفَعُهم شفاعةُ الشَّافعين}؛ لأنَّهم لا يشفعون إلاَّ لِمَنِ ارتضى، وهؤلاء لا يرضى الله أعمالهم. {49 ـ 53} فلمَّا بيَّن الله مآل المخالفين وبيَّن ما يفعل بهم؛ عطف على الموجودين بالعتاب واللوم، فقال:{فما لهم عن التَّذۡكِرَةِ معرِضينَ}؛ أي: صادَّين غافلين عنها، {كأنَّهم}: في نفرتِهِم الشديدة منها {حمُرٌ مستنفرةٌ}؛ أي:[كأنّهم] حمُرُ وحشٍ نفرتْ؛ فنفَّر بعضُها بعضاً فزاد عَدْوُها، {فرَّتۡ من قَسۡوَرَةٍ}؛ أي: من صائدٍ ورامٍ يريدها أو من أسدٍ ونحوه، وهذا من أعظم ما يكون من النُّفور عن الحقِّ، ومع هذا النفور والإعراض يدَّعون الدَّعاوي الكبار؛ فيريد {كلُّ} واحد {منهم أن يُؤۡتى صُحُفاً منشَّرةً}: نازلة عليه من السماء؛ يزعم أنَّه لا ينقاد للحقِّ؛ إلاَّ بذلك، وقد كذَّبوا؛ فإنَّهم لو جاءتهم كلُّ آيةٍ؛ لم يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم؛ لأنَّهم جاءتهم الآياتُ البيناتُ، التي تبيِّن الحقَّ وتوضِّحه؛ فلو كان فيهم خيرٌ؛ لآمنوا، ولهذا قال:{كلاَّ}؛ أي: لا نعطيهم ما طلبوا، وهم ما قصدوا بذلك إلاَّ التعجيز، {بل لا يخافونَ الآخرةَ}: فلو كانوا يخافونها؛ لما جرى منهم ما جرى. {54 ـ 56}{كلاَّ [إنَّه] تذكرةٌ}: الضمير إمَّا أن يعود على هذه السورة أو على ما اشتملتْ عليه من هذه الموعظة، {فَمَن شاء ذَكَرَهُ}: لأنَّه قد بيَّن له السبيل ووضَح له الدَّليل. {[وما يَذۡكُرون] إلاَّ أن يشاءَ اللهُ}: فإنَّ مشيئة اللَّه نافذةٌ عامَّةٌ، لا يخرج عنها حادثٌ قليلٌ ولا كثيرٌ؛ ففيها ردٌّ على القدريَّة، الذين لا يُدْخِلون أفعال العباد تحت مشيئة الله، والجبريَّة، الذين يزعمون أنَّه ليس للعبد مشيئةٌ ولا فعلٌ حقيقةً، وإنَّما هو مجبور على أفعاله، فأثبت تعالى للعباد مشيئةً حقيقةً وفعلاً، وجعل ذلك تابعاً لمشيئته، و {وهو أهلُ التَّقوى وأهل المغفرةِ}؛ أي: هو أهل أن يُتَّقى ويُعبد؛ لأنَّه الإله الذي لا تنبغي العبادة إلاَّ له، وأهلٌ أن يَغْفِرَ لمن اتَّقاه واتَّبع رضاه. تمت. ولله الحمد والمنة. * * *

المدثر 74:37

{32 ـ 34}{كلاَّ}: هنا بمعنى حقًّا، أو بمعنى ألا الاستفتاحية، فأقسم تعالى بالقمر، وبالليل وقتَ إدباره، والنهارِ وقتَ إسفاره؛ لاشتمال المذكورات على آيات الله العظيمة الدالَّة على كمال قدرةِ الله وحكمته وسعة سلطانه وعموم رحمته وإحاطة علمه. {35 ـ 37} والمقسَمُ عليه قوله: {إنَّها لإحدى الكُبَرِ}؛ أي: إنَّ النار لإحدى العظائم الطامَّة والأمور الهامَّة؛ فإذا أعلمناكم بها وكنتُم على بصيرةٍ من أمرها؛ فمن شاء منكم أن يتقدَّم فيعمل بما يقرِّبُه إلى الله ويُدْنيه من رضاه ويُزْلفه من دار كرامته، أو يتأخَّر عمَّا خُلِقَ له وعمَّا يحبُّه الله ويرضاه، فيعمل بالمعاصي، ويتقرَّب إلى جهنَّم؛ كما قال تعالى:{وقلِ الحقُّ من ربِّكم فَمَن شاء فَلۡيُؤمِن ومَن شاءَ فَلۡيَكۡفُرۡ ... } الآية. {38 ـ 48}{كلُّ نفس بما كسبتۡ}: من أفعال الشرِّ وأعمال السوء {رهينةٌ}: بها موثقةٌ بسعيها، قد أُلْزِمَ عنقها وغُلَّ في رقبتها واستوجبت به العذاب، {إلاَّ أصحابَ اليمين}: فإنَّهم لم يرتهنوا، بل أُطلقوا وفرحوا {في جناتٍ يتساءلونَ. عن المجرمينَ}؛ أي: في جناتٍ قد حصل لهم فيها جميع مطلوباتهم وتمَّت لهم الراحةُ والطمأنينة، حتى أقبلوا يتساءلون، فأفضتْ بهم المحادثة أن سألوا عن المجرمين؛ أيُّ حال وصلوا إليها؟ وهل وَجَدوا ما وعَدَهم الله [تعالى]؟ فقال بعضهم لبعضٍ هل أنتم مُطَّلعونَ عليهم، فاطَّلعوا عليهم في وسطِ الجحيم يعذَّبون، فقالوا لهم:{ما سَلَككم في سَقَرَ}؛ أي: أيُّ شيءٍ أدخلكم فيها؟ وبأيِّ ذنبٍ اسْتَحَقيْتُموها؟ فقالوا:{لم نَكُ من المصلِّينَ. ولم نكُ نطعِمُ المسكينَ}: فلا إخلاص للمعبودِ ولا إحسانَ ولا نفع للخلق المحتاجين، {وكنَّا نخوضُ مع الخائضينَ}؛ أي: نخوض بالباطل ونجادل به الحقَّ، {وكنَّا نكذِّبُ بيوم الدِّينِ}: هذه آثار الخوض بالباطل، وهو التَّكذيب بالحقِّ، ومن أحقِّ الحقِّ يوم الدين، الذي هو محلُّ الجزاء على الأعمال وظهور مُلك الله وحُكمه العدل لسائر الخلق، فاستمرَّ عَمَلُنا على هذا المذهب الباطل {حتَّى أتانا اليقين}؛ أي: الموت، فلما ماتوا على الكفر؛ تعذَّرت حينئذٍ عليهم الحِيَلُ، وانسدَّ في وجوههم باب الأمل. {فما تَنفَعُهم شفاعةُ الشَّافعين}؛ لأنَّهم لا يشفعون إلاَّ لِمَنِ ارتضى، وهؤلاء لا يرضى الله أعمالهم. {49 ـ 53} فلمَّا بيَّن الله مآل المخالفين وبيَّن ما يفعل بهم؛ عطف على الموجودين بالعتاب واللوم، فقال:{فما لهم عن التَّذۡكِرَةِ معرِضينَ}؛ أي: صادَّين غافلين عنها، {كأنَّهم}: في نفرتِهِم الشديدة منها {حمُرٌ مستنفرةٌ}؛ أي:[كأنّهم] حمُرُ وحشٍ نفرتْ؛ فنفَّر بعضُها بعضاً فزاد عَدْوُها، {فرَّتۡ من قَسۡوَرَةٍ}؛ أي: من صائدٍ ورامٍ يريدها أو من أسدٍ ونحوه، وهذا من أعظم ما يكون من النُّفور عن الحقِّ، ومع هذا النفور والإعراض يدَّعون الدَّعاوي الكبار؛ فيريد {كلُّ} واحد {منهم أن يُؤۡتى صُحُفاً منشَّرةً}: نازلة عليه من السماء؛ يزعم أنَّه لا ينقاد للحقِّ؛ إلاَّ بذلك، وقد كذَّبوا؛ فإنَّهم لو جاءتهم كلُّ آيةٍ؛ لم يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم؛ لأنَّهم جاءتهم الآياتُ البيناتُ، التي تبيِّن الحقَّ وتوضِّحه؛ فلو كان فيهم خيرٌ؛ لآمنوا، ولهذا قال:{كلاَّ}؛ أي: لا نعطيهم ما طلبوا، وهم ما قصدوا بذلك إلاَّ التعجيز، {بل لا يخافونَ الآخرةَ}: فلو كانوا يخافونها؛ لما جرى منهم ما جرى. {54 ـ 56}{كلاَّ [إنَّه] تذكرةٌ}: الضمير إمَّا أن يعود على هذه السورة أو على ما اشتملتْ عليه من هذه الموعظة، {فَمَن شاء ذَكَرَهُ}: لأنَّه قد بيَّن له السبيل ووضَح له الدَّليل. {[وما يَذۡكُرون] إلاَّ أن يشاءَ اللهُ}: فإنَّ مشيئة اللَّه نافذةٌ عامَّةٌ، لا يخرج عنها حادثٌ قليلٌ ولا كثيرٌ؛ ففيها ردٌّ على القدريَّة، الذين لا يُدْخِلون أفعال العباد تحت مشيئة الله، والجبريَّة، الذين يزعمون أنَّه ليس للعبد مشيئةٌ ولا فعلٌ حقيقةً، وإنَّما هو مجبور على أفعاله، فأثبت تعالى للعباد مشيئةً حقيقةً وفعلاً، وجعل ذلك تابعاً لمشيئته، و {وهو أهلُ التَّقوى وأهل المغفرةِ}؛ أي: هو أهل أن يُتَّقى ويُعبد؛ لأنَّه الإله الذي لا تنبغي العبادة إلاَّ له، وأهلٌ أن يَغْفِرَ لمن اتَّقاه واتَّبع رضاه. تمت. ولله الحمد والمنة. * * *

المدثر 74:38

{32 ـ 34}{كلاَّ}: هنا بمعنى حقًّا، أو بمعنى ألا الاستفتاحية، فأقسم تعالى بالقمر، وبالليل وقتَ إدباره، والنهارِ وقتَ إسفاره؛ لاشتمال المذكورات على آيات الله العظيمة الدالَّة على كمال قدرةِ الله وحكمته وسعة سلطانه وعموم رحمته وإحاطة علمه. {35 ـ 37} والمقسَمُ عليه قوله: {إنَّها لإحدى الكُبَرِ}؛ أي: إنَّ النار لإحدى العظائم الطامَّة والأمور الهامَّة؛ فإذا أعلمناكم بها وكنتُم على بصيرةٍ من أمرها؛ فمن شاء منكم أن يتقدَّم فيعمل بما يقرِّبُه إلى الله ويُدْنيه من رضاه ويُزْلفه من دار كرامته، أو يتأخَّر عمَّا خُلِقَ له وعمَّا يحبُّه الله ويرضاه، فيعمل بالمعاصي، ويتقرَّب إلى جهنَّم؛ كما قال تعالى:{وقلِ الحقُّ من ربِّكم فَمَن شاء فَلۡيُؤمِن ومَن شاءَ فَلۡيَكۡفُرۡ ... } الآية. {38 ـ 48}{كلُّ نفس بما كسبتۡ}: من أفعال الشرِّ وأعمال السوء {رهينةٌ}: بها موثقةٌ بسعيها، قد أُلْزِمَ عنقها وغُلَّ في رقبتها واستوجبت به العذاب، {إلاَّ أصحابَ اليمين}: فإنَّهم لم يرتهنوا، بل أُطلقوا وفرحوا {في جناتٍ يتساءلونَ. عن المجرمينَ}؛ أي: في جناتٍ قد حصل لهم فيها جميع مطلوباتهم وتمَّت لهم الراحةُ والطمأنينة، حتى أقبلوا يتساءلون، فأفضتْ بهم المحادثة أن سألوا عن المجرمين؛ أيُّ حال وصلوا إليها؟ وهل وَجَدوا ما وعَدَهم الله [تعالى]؟ فقال بعضهم لبعضٍ هل أنتم مُطَّلعونَ عليهم، فاطَّلعوا عليهم في وسطِ الجحيم يعذَّبون، فقالوا لهم:{ما سَلَككم في سَقَرَ}؛ أي: أيُّ شيءٍ أدخلكم فيها؟ وبأيِّ ذنبٍ اسْتَحَقيْتُموها؟ فقالوا:{لم نَكُ من المصلِّينَ. ولم نكُ نطعِمُ المسكينَ}: فلا إخلاص للمعبودِ ولا إحسانَ ولا نفع للخلق المحتاجين، {وكنَّا نخوضُ مع الخائضينَ}؛ أي: نخوض بالباطل ونجادل به الحقَّ، {وكنَّا نكذِّبُ بيوم الدِّينِ}: هذه آثار الخوض بالباطل، وهو التَّكذيب بالحقِّ، ومن أحقِّ الحقِّ يوم الدين، الذي هو محلُّ الجزاء على الأعمال وظهور مُلك الله وحُكمه العدل لسائر الخلق، فاستمرَّ عَمَلُنا على هذا المذهب الباطل {حتَّى أتانا اليقين}؛ أي: الموت، فلما ماتوا على الكفر؛ تعذَّرت حينئذٍ عليهم الحِيَلُ، وانسدَّ في وجوههم باب الأمل. {فما تَنفَعُهم شفاعةُ الشَّافعين}؛ لأنَّهم لا يشفعون إلاَّ لِمَنِ ارتضى، وهؤلاء لا يرضى الله أعمالهم. {49 ـ 53} فلمَّا بيَّن الله مآل المخالفين وبيَّن ما يفعل بهم؛ عطف على الموجودين بالعتاب واللوم، فقال:{فما لهم عن التَّذۡكِرَةِ معرِضينَ}؛ أي: صادَّين غافلين عنها، {كأنَّهم}: في نفرتِهِم الشديدة منها {حمُرٌ مستنفرةٌ}؛ أي:[كأنّهم] حمُرُ وحشٍ نفرتْ؛ فنفَّر بعضُها بعضاً فزاد عَدْوُها، {فرَّتۡ من قَسۡوَرَةٍ}؛ أي: من صائدٍ ورامٍ يريدها أو من أسدٍ ونحوه، وهذا من أعظم ما يكون من النُّفور عن الحقِّ، ومع هذا النفور والإعراض يدَّعون الدَّعاوي الكبار؛ فيريد {كلُّ} واحد {منهم أن يُؤۡتى صُحُفاً منشَّرةً}: نازلة عليه من السماء؛ يزعم أنَّه لا ينقاد للحقِّ؛ إلاَّ بذلك، وقد كذَّبوا؛ فإنَّهم لو جاءتهم كلُّ آيةٍ؛ لم يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم؛ لأنَّهم جاءتهم الآياتُ البيناتُ، التي تبيِّن الحقَّ وتوضِّحه؛ فلو كان فيهم خيرٌ؛ لآمنوا، ولهذا قال:{كلاَّ}؛ أي: لا نعطيهم ما طلبوا، وهم ما قصدوا بذلك إلاَّ التعجيز، {بل لا يخافونَ الآخرةَ}: فلو كانوا يخافونها؛ لما جرى منهم ما جرى. {54 ـ 56}{كلاَّ [إنَّه] تذكرةٌ}: الضمير إمَّا أن يعود على هذه السورة أو على ما اشتملتْ عليه من هذه الموعظة، {فَمَن شاء ذَكَرَهُ}: لأنَّه قد بيَّن له السبيل ووضَح له الدَّليل. {[وما يَذۡكُرون] إلاَّ أن يشاءَ اللهُ}: فإنَّ مشيئة اللَّه نافذةٌ عامَّةٌ، لا يخرج عنها حادثٌ قليلٌ ولا كثيرٌ؛ ففيها ردٌّ على القدريَّة، الذين لا يُدْخِلون أفعال العباد تحت مشيئة الله، والجبريَّة، الذين يزعمون أنَّه ليس للعبد مشيئةٌ ولا فعلٌ حقيقةً، وإنَّما هو مجبور على أفعاله، فأثبت تعالى للعباد مشيئةً حقيقةً وفعلاً، وجعل ذلك تابعاً لمشيئته، و {وهو أهلُ التَّقوى وأهل المغفرةِ}؛ أي: هو أهل أن يُتَّقى ويُعبد؛ لأنَّه الإله الذي لا تنبغي العبادة إلاَّ له، وأهلٌ أن يَغْفِرَ لمن اتَّقاه واتَّبع رضاه. تمت. ولله الحمد والمنة. * * *

المدثر 74:39

{32 ـ 34}{كلاَّ}: هنا بمعنى حقًّا، أو بمعنى ألا الاستفتاحية، فأقسم تعالى بالقمر، وبالليل وقتَ إدباره، والنهارِ وقتَ إسفاره؛ لاشتمال المذكورات على آيات الله العظيمة الدالَّة على كمال قدرةِ الله وحكمته وسعة سلطانه وعموم رحمته وإحاطة علمه. {35 ـ 37} والمقسَمُ عليه قوله: {إنَّها لإحدى الكُبَرِ}؛ أي: إنَّ النار لإحدى العظائم الطامَّة والأمور الهامَّة؛ فإذا أعلمناكم بها وكنتُم على بصيرةٍ من أمرها؛ فمن شاء منكم أن يتقدَّم فيعمل بما يقرِّبُه إلى الله ويُدْنيه من رضاه ويُزْلفه من دار كرامته، أو يتأخَّر عمَّا خُلِقَ له وعمَّا يحبُّه الله ويرضاه، فيعمل بالمعاصي، ويتقرَّب إلى جهنَّم؛ كما قال تعالى:{وقلِ الحقُّ من ربِّكم فَمَن شاء فَلۡيُؤمِن ومَن شاءَ فَلۡيَكۡفُرۡ ... } الآية. {38 ـ 48}{كلُّ نفس بما كسبتۡ}: من أفعال الشرِّ وأعمال السوء {رهينةٌ}: بها موثقةٌ بسعيها، قد أُلْزِمَ عنقها وغُلَّ في رقبتها واستوجبت به العذاب، {إلاَّ أصحابَ اليمين}: فإنَّهم لم يرتهنوا، بل أُطلقوا وفرحوا {في جناتٍ يتساءلونَ. عن المجرمينَ}؛ أي: في جناتٍ قد حصل لهم فيها جميع مطلوباتهم وتمَّت لهم الراحةُ والطمأنينة، حتى أقبلوا يتساءلون، فأفضتْ بهم المحادثة أن سألوا عن المجرمين؛ أيُّ حال وصلوا إليها؟ وهل وَجَدوا ما وعَدَهم الله [تعالى]؟ فقال بعضهم لبعضٍ هل أنتم مُطَّلعونَ عليهم، فاطَّلعوا عليهم في وسطِ الجحيم يعذَّبون، فقالوا لهم:{ما سَلَككم في سَقَرَ}؛ أي: أيُّ شيءٍ أدخلكم فيها؟ وبأيِّ ذنبٍ اسْتَحَقيْتُموها؟ فقالوا:{لم نَكُ من المصلِّينَ. ولم نكُ نطعِمُ المسكينَ}: فلا إخلاص للمعبودِ ولا إحسانَ ولا نفع للخلق المحتاجين، {وكنَّا نخوضُ مع الخائضينَ}؛ أي: نخوض بالباطل ونجادل به الحقَّ، {وكنَّا نكذِّبُ بيوم الدِّينِ}: هذه آثار الخوض بالباطل، وهو التَّكذيب بالحقِّ، ومن أحقِّ الحقِّ يوم الدين، الذي هو محلُّ الجزاء على الأعمال وظهور مُلك الله وحُكمه العدل لسائر الخلق، فاستمرَّ عَمَلُنا على هذا المذهب الباطل {حتَّى أتانا اليقين}؛ أي: الموت، فلما ماتوا على الكفر؛ تعذَّرت حينئذٍ عليهم الحِيَلُ، وانسدَّ في وجوههم باب الأمل. {فما تَنفَعُهم شفاعةُ الشَّافعين}؛ لأنَّهم لا يشفعون إلاَّ لِمَنِ ارتضى، وهؤلاء لا يرضى الله أعمالهم. {49 ـ 53} فلمَّا بيَّن الله مآل المخالفين وبيَّن ما يفعل بهم؛ عطف على الموجودين بالعتاب واللوم، فقال:{فما لهم عن التَّذۡكِرَةِ معرِضينَ}؛ أي: صادَّين غافلين عنها، {كأنَّهم}: في نفرتِهِم الشديدة منها {حمُرٌ مستنفرةٌ}؛ أي:[كأنّهم] حمُرُ وحشٍ نفرتْ؛ فنفَّر بعضُها بعضاً فزاد عَدْوُها، {فرَّتۡ من قَسۡوَرَةٍ}؛ أي: من صائدٍ ورامٍ يريدها أو من أسدٍ ونحوه، وهذا من أعظم ما يكون من النُّفور عن الحقِّ، ومع هذا النفور والإعراض يدَّعون الدَّعاوي الكبار؛ فيريد {كلُّ} واحد {منهم أن يُؤۡتى صُحُفاً منشَّرةً}: نازلة عليه من السماء؛ يزعم أنَّه لا ينقاد للحقِّ؛ إلاَّ بذلك، وقد كذَّبوا؛ فإنَّهم لو جاءتهم كلُّ آيةٍ؛ لم يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم؛ لأنَّهم جاءتهم الآياتُ البيناتُ، التي تبيِّن الحقَّ وتوضِّحه؛ فلو كان فيهم خيرٌ؛ لآمنوا، ولهذا قال:{كلاَّ}؛ أي: لا نعطيهم ما طلبوا، وهم ما قصدوا بذلك إلاَّ التعجيز، {بل لا يخافونَ الآخرةَ}: فلو كانوا يخافونها؛ لما جرى منهم ما جرى. {54 ـ 56}{كلاَّ [إنَّه] تذكرةٌ}: الضمير إمَّا أن يعود على هذه السورة أو على ما اشتملتْ عليه من هذه الموعظة، {فَمَن شاء ذَكَرَهُ}: لأنَّه قد بيَّن له السبيل ووضَح له الدَّليل. {[وما يَذۡكُرون] إلاَّ أن يشاءَ اللهُ}: فإنَّ مشيئة اللَّه نافذةٌ عامَّةٌ، لا يخرج عنها حادثٌ قليلٌ ولا كثيرٌ؛ ففيها ردٌّ على القدريَّة، الذين لا يُدْخِلون أفعال العباد تحت مشيئة الله، والجبريَّة، الذين يزعمون أنَّه ليس للعبد مشيئةٌ ولا فعلٌ حقيقةً، وإنَّما هو مجبور على أفعاله، فأثبت تعالى للعباد مشيئةً حقيقةً وفعلاً، وجعل ذلك تابعاً لمشيئته، و {وهو أهلُ التَّقوى وأهل المغفرةِ}؛ أي: هو أهل أن يُتَّقى ويُعبد؛ لأنَّه الإله الذي لا تنبغي العبادة إلاَّ له، وأهلٌ أن يَغْفِرَ لمن اتَّقاه واتَّبع رضاه. تمت. ولله الحمد والمنة. * * *

المدثر 74:40

{32 ـ 34}{كلاَّ}: هنا بمعنى حقًّا، أو بمعنى ألا الاستفتاحية، فأقسم تعالى بالقمر، وبالليل وقتَ إدباره، والنهارِ وقتَ إسفاره؛ لاشتمال المذكورات على آيات الله العظيمة الدالَّة على كمال قدرةِ الله وحكمته وسعة سلطانه وعموم رحمته وإحاطة علمه. {35 ـ 37} والمقسَمُ عليه قوله: {إنَّها لإحدى الكُبَرِ}؛ أي: إنَّ النار لإحدى العظائم الطامَّة والأمور الهامَّة؛ فإذا أعلمناكم بها وكنتُم على بصيرةٍ من أمرها؛ فمن شاء منكم أن يتقدَّم فيعمل بما يقرِّبُه إلى الله ويُدْنيه من رضاه ويُزْلفه من دار كرامته، أو يتأخَّر عمَّا خُلِقَ له وعمَّا يحبُّه الله ويرضاه، فيعمل بالمعاصي، ويتقرَّب إلى جهنَّم؛ كما قال تعالى:{وقلِ الحقُّ من ربِّكم فَمَن شاء فَلۡيُؤمِن ومَن شاءَ فَلۡيَكۡفُرۡ ... } الآية. {38 ـ 48}{كلُّ نفس بما كسبتۡ}: من أفعال الشرِّ وأعمال السوء {رهينةٌ}: بها موثقةٌ بسعيها، قد أُلْزِمَ عنقها وغُلَّ في رقبتها واستوجبت به العذاب، {إلاَّ أصحابَ اليمين}: فإنَّهم لم يرتهنوا، بل أُطلقوا وفرحوا {في جناتٍ يتساءلونَ. عن المجرمينَ}؛ أي: في جناتٍ قد حصل لهم فيها جميع مطلوباتهم وتمَّت لهم الراحةُ والطمأنينة، حتى أقبلوا يتساءلون، فأفضتْ بهم المحادثة أن سألوا عن المجرمين؛ أيُّ حال وصلوا إليها؟ وهل وَجَدوا ما وعَدَهم الله [تعالى]؟ فقال بعضهم لبعضٍ هل أنتم مُطَّلعونَ عليهم، فاطَّلعوا عليهم في وسطِ الجحيم يعذَّبون، فقالوا لهم:{ما سَلَككم في سَقَرَ}؛ أي: أيُّ شيءٍ أدخلكم فيها؟ وبأيِّ ذنبٍ اسْتَحَقيْتُموها؟ فقالوا:{لم نَكُ من المصلِّينَ. ولم نكُ نطعِمُ المسكينَ}: فلا إخلاص للمعبودِ ولا إحسانَ ولا نفع للخلق المحتاجين، {وكنَّا نخوضُ مع الخائضينَ}؛ أي: نخوض بالباطل ونجادل به الحقَّ، {وكنَّا نكذِّبُ بيوم الدِّينِ}: هذه آثار الخوض بالباطل، وهو التَّكذيب بالحقِّ، ومن أحقِّ الحقِّ يوم الدين، الذي هو محلُّ الجزاء على الأعمال وظهور مُلك الله وحُكمه العدل لسائر الخلق، فاستمرَّ عَمَلُنا على هذا المذهب الباطل {حتَّى أتانا اليقين}؛ أي: الموت، فلما ماتوا على الكفر؛ تعذَّرت حينئذٍ عليهم الحِيَلُ، وانسدَّ في وجوههم باب الأمل. {فما تَنفَعُهم شفاعةُ الشَّافعين}؛ لأنَّهم لا يشفعون إلاَّ لِمَنِ ارتضى، وهؤلاء لا يرضى الله أعمالهم. {49 ـ 53} فلمَّا بيَّن الله مآل المخالفين وبيَّن ما يفعل بهم؛ عطف على الموجودين بالعتاب واللوم، فقال:{فما لهم عن التَّذۡكِرَةِ معرِضينَ}؛ أي: صادَّين غافلين عنها، {كأنَّهم}: في نفرتِهِم الشديدة منها {حمُرٌ مستنفرةٌ}؛ أي:[كأنّهم] حمُرُ وحشٍ نفرتْ؛ فنفَّر بعضُها بعضاً فزاد عَدْوُها، {فرَّتۡ من قَسۡوَرَةٍ}؛ أي: من صائدٍ ورامٍ يريدها أو من أسدٍ ونحوه، وهذا من أعظم ما يكون من النُّفور عن الحقِّ، ومع هذا النفور والإعراض يدَّعون الدَّعاوي الكبار؛ فيريد {كلُّ} واحد {منهم أن يُؤۡتى صُحُفاً منشَّرةً}: نازلة عليه من السماء؛ يزعم أنَّه لا ينقاد للحقِّ؛ إلاَّ بذلك، وقد كذَّبوا؛ فإنَّهم لو جاءتهم كلُّ آيةٍ؛ لم يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم؛ لأنَّهم جاءتهم الآياتُ البيناتُ، التي تبيِّن الحقَّ وتوضِّحه؛ فلو كان فيهم خيرٌ؛ لآمنوا، ولهذا قال:{كلاَّ}؛ أي: لا نعطيهم ما طلبوا، وهم ما قصدوا بذلك إلاَّ التعجيز، {بل لا يخافونَ الآخرةَ}: فلو كانوا يخافونها؛ لما جرى منهم ما جرى. {54 ـ 56}{كلاَّ [إنَّه] تذكرةٌ}: الضمير إمَّا أن يعود على هذه السورة أو على ما اشتملتْ عليه من هذه الموعظة، {فَمَن شاء ذَكَرَهُ}: لأنَّه قد بيَّن له السبيل ووضَح له الدَّليل. {[وما يَذۡكُرون] إلاَّ أن يشاءَ اللهُ}: فإنَّ مشيئة اللَّه نافذةٌ عامَّةٌ، لا يخرج عنها حادثٌ قليلٌ ولا كثيرٌ؛ ففيها ردٌّ على القدريَّة، الذين لا يُدْخِلون أفعال العباد تحت مشيئة الله، والجبريَّة، الذين يزعمون أنَّه ليس للعبد مشيئةٌ ولا فعلٌ حقيقةً، وإنَّما هو مجبور على أفعاله، فأثبت تعالى للعباد مشيئةً حقيقةً وفعلاً، وجعل ذلك تابعاً لمشيئته، و {وهو أهلُ التَّقوى وأهل المغفرةِ}؛ أي: هو أهل أن يُتَّقى ويُعبد؛ لأنَّه الإله الذي لا تنبغي العبادة إلاَّ له، وأهلٌ أن يَغْفِرَ لمن اتَّقاه واتَّبع رضاه. تمت. ولله الحمد والمنة. * * *

المدثر 74:41

{32 ـ 34}{كلاَّ}: هنا بمعنى حقًّا، أو بمعنى ألا الاستفتاحية، فأقسم تعالى بالقمر، وبالليل وقتَ إدباره، والنهارِ وقتَ إسفاره؛ لاشتمال المذكورات على آيات الله العظيمة الدالَّة على كمال قدرةِ الله وحكمته وسعة سلطانه وعموم رحمته وإحاطة علمه. {35 ـ 37} والمقسَمُ عليه قوله: {إنَّها لإحدى الكُبَرِ}؛ أي: إنَّ النار لإحدى العظائم الطامَّة والأمور الهامَّة؛ فإذا أعلمناكم بها وكنتُم على بصيرةٍ من أمرها؛ فمن شاء منكم أن يتقدَّم فيعمل بما يقرِّبُه إلى الله ويُدْنيه من رضاه ويُزْلفه من دار كرامته، أو يتأخَّر عمَّا خُلِقَ له وعمَّا يحبُّه الله ويرضاه، فيعمل بالمعاصي، ويتقرَّب إلى جهنَّم؛ كما قال تعالى:{وقلِ الحقُّ من ربِّكم فَمَن شاء فَلۡيُؤمِن ومَن شاءَ فَلۡيَكۡفُرۡ ... } الآية. {38 ـ 48}{كلُّ نفس بما كسبتۡ}: من أفعال الشرِّ وأعمال السوء {رهينةٌ}: بها موثقةٌ بسعيها، قد أُلْزِمَ عنقها وغُلَّ في رقبتها واستوجبت به العذاب، {إلاَّ أصحابَ اليمين}: فإنَّهم لم يرتهنوا، بل أُطلقوا وفرحوا {في جناتٍ يتساءلونَ. عن المجرمينَ}؛ أي: في جناتٍ قد حصل لهم فيها جميع مطلوباتهم وتمَّت لهم الراحةُ والطمأنينة، حتى أقبلوا يتساءلون، فأفضتْ بهم المحادثة أن سألوا عن المجرمين؛ أيُّ حال وصلوا إليها؟ وهل وَجَدوا ما وعَدَهم الله [تعالى]؟ فقال بعضهم لبعضٍ هل أنتم مُطَّلعونَ عليهم، فاطَّلعوا عليهم في وسطِ الجحيم يعذَّبون، فقالوا لهم:{ما سَلَككم في سَقَرَ}؛ أي: أيُّ شيءٍ أدخلكم فيها؟ وبأيِّ ذنبٍ اسْتَحَقيْتُموها؟ فقالوا:{لم نَكُ من المصلِّينَ. ولم نكُ نطعِمُ المسكينَ}: فلا إخلاص للمعبودِ ولا إحسانَ ولا نفع للخلق المحتاجين، {وكنَّا نخوضُ مع الخائضينَ}؛ أي: نخوض بالباطل ونجادل به الحقَّ، {وكنَّا نكذِّبُ بيوم الدِّينِ}: هذه آثار الخوض بالباطل، وهو التَّكذيب بالحقِّ، ومن أحقِّ الحقِّ يوم الدين، الذي هو محلُّ الجزاء على الأعمال وظهور مُلك الله وحُكمه العدل لسائر الخلق، فاستمرَّ عَمَلُنا على هذا المذهب الباطل {حتَّى أتانا اليقين}؛ أي: الموت، فلما ماتوا على الكفر؛ تعذَّرت حينئذٍ عليهم الحِيَلُ، وانسدَّ في وجوههم باب الأمل. {فما تَنفَعُهم شفاعةُ الشَّافعين}؛ لأنَّهم لا يشفعون إلاَّ لِمَنِ ارتضى، وهؤلاء لا يرضى الله أعمالهم. {49 ـ 53} فلمَّا بيَّن الله مآل المخالفين وبيَّن ما يفعل بهم؛ عطف على الموجودين بالعتاب واللوم، فقال:{فما لهم عن التَّذۡكِرَةِ معرِضينَ}؛ أي: صادَّين غافلين عنها، {كأنَّهم}: في نفرتِهِم الشديدة منها {حمُرٌ مستنفرةٌ}؛ أي:[كأنّهم] حمُرُ وحشٍ نفرتْ؛ فنفَّر بعضُها بعضاً فزاد عَدْوُها، {فرَّتۡ من قَسۡوَرَةٍ}؛ أي: من صائدٍ ورامٍ يريدها أو من أسدٍ ونحوه، وهذا من أعظم ما يكون من النُّفور عن الحقِّ، ومع هذا النفور والإعراض يدَّعون الدَّعاوي الكبار؛ فيريد {كلُّ} واحد {منهم أن يُؤۡتى صُحُفاً منشَّرةً}: نازلة عليه من السماء؛ يزعم أنَّه لا ينقاد للحقِّ؛ إلاَّ بذلك، وقد كذَّبوا؛ فإنَّهم لو جاءتهم كلُّ آيةٍ؛ لم يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم؛ لأنَّهم جاءتهم الآياتُ البيناتُ، التي تبيِّن الحقَّ وتوضِّحه؛ فلو كان فيهم خيرٌ؛ لآمنوا، ولهذا قال:{كلاَّ}؛ أي: لا نعطيهم ما طلبوا، وهم ما قصدوا بذلك إلاَّ التعجيز، {بل لا يخافونَ الآخرةَ}: فلو كانوا يخافونها؛ لما جرى منهم ما جرى. {54 ـ 56}{كلاَّ [إنَّه] تذكرةٌ}: الضمير إمَّا أن يعود على هذه السورة أو على ما اشتملتْ عليه من هذه الموعظة، {فَمَن شاء ذَكَرَهُ}: لأنَّه قد بيَّن له السبيل ووضَح له الدَّليل. {[وما يَذۡكُرون] إلاَّ أن يشاءَ اللهُ}: فإنَّ مشيئة اللَّه نافذةٌ عامَّةٌ، لا يخرج عنها حادثٌ قليلٌ ولا كثيرٌ؛ ففيها ردٌّ على القدريَّة، الذين لا يُدْخِلون أفعال العباد تحت مشيئة الله، والجبريَّة، الذين يزعمون أنَّه ليس للعبد مشيئةٌ ولا فعلٌ حقيقةً، وإنَّما هو مجبور على أفعاله، فأثبت تعالى للعباد مشيئةً حقيقةً وفعلاً، وجعل ذلك تابعاً لمشيئته، و {وهو أهلُ التَّقوى وأهل المغفرةِ}؛ أي: هو أهل أن يُتَّقى ويُعبد؛ لأنَّه الإله الذي لا تنبغي العبادة إلاَّ له، وأهلٌ أن يَغْفِرَ لمن اتَّقاه واتَّبع رضاه. تمت. ولله الحمد والمنة. * * *

المدثر 74:42

{32 ـ 34}{كلاَّ}: هنا بمعنى حقًّا، أو بمعنى ألا الاستفتاحية، فأقسم تعالى بالقمر، وبالليل وقتَ إدباره، والنهارِ وقتَ إسفاره؛ لاشتمال المذكورات على آيات الله العظيمة الدالَّة على كمال قدرةِ الله وحكمته وسعة سلطانه وعموم رحمته وإحاطة علمه. {35 ـ 37} والمقسَمُ عليه قوله: {إنَّها لإحدى الكُبَرِ}؛ أي: إنَّ النار لإحدى العظائم الطامَّة والأمور الهامَّة؛ فإذا أعلمناكم بها وكنتُم على بصيرةٍ من أمرها؛ فمن شاء منكم أن يتقدَّم فيعمل بما يقرِّبُه إلى الله ويُدْنيه من رضاه ويُزْلفه من دار كرامته، أو يتأخَّر عمَّا خُلِقَ له وعمَّا يحبُّه الله ويرضاه، فيعمل بالمعاصي، ويتقرَّب إلى جهنَّم؛ كما قال تعالى:{وقلِ الحقُّ من ربِّكم فَمَن شاء فَلۡيُؤمِن ومَن شاءَ فَلۡيَكۡفُرۡ ... } الآية. {38 ـ 48}{كلُّ نفس بما كسبتۡ}: من أفعال الشرِّ وأعمال السوء {رهينةٌ}: بها موثقةٌ بسعيها، قد أُلْزِمَ عنقها وغُلَّ في رقبتها واستوجبت به العذاب، {إلاَّ أصحابَ اليمين}: فإنَّهم لم يرتهنوا، بل أُطلقوا وفرحوا {في جناتٍ يتساءلونَ. عن المجرمينَ}؛ أي: في جناتٍ قد حصل لهم فيها جميع مطلوباتهم وتمَّت لهم الراحةُ والطمأنينة، حتى أقبلوا يتساءلون، فأفضتْ بهم المحادثة أن سألوا عن المجرمين؛ أيُّ حال وصلوا إليها؟ وهل وَجَدوا ما وعَدَهم الله [تعالى]؟ فقال بعضهم لبعضٍ هل أنتم مُطَّلعونَ عليهم، فاطَّلعوا عليهم في وسطِ الجحيم يعذَّبون، فقالوا لهم:{ما سَلَككم في سَقَرَ}؛ أي: أيُّ شيءٍ أدخلكم فيها؟ وبأيِّ ذنبٍ اسْتَحَقيْتُموها؟ فقالوا:{لم نَكُ من المصلِّينَ. ولم نكُ نطعِمُ المسكينَ}: فلا إخلاص للمعبودِ ولا إحسانَ ولا نفع للخلق المحتاجين، {وكنَّا نخوضُ مع الخائضينَ}؛ أي: نخوض بالباطل ونجادل به الحقَّ، {وكنَّا نكذِّبُ بيوم الدِّينِ}: هذه آثار الخوض بالباطل، وهو التَّكذيب بالحقِّ، ومن أحقِّ الحقِّ يوم الدين، الذي هو محلُّ الجزاء على الأعمال وظهور مُلك الله وحُكمه العدل لسائر الخلق، فاستمرَّ عَمَلُنا على هذا المذهب الباطل {حتَّى أتانا اليقين}؛ أي: الموت، فلما ماتوا على الكفر؛ تعذَّرت حينئذٍ عليهم الحِيَلُ، وانسدَّ في وجوههم باب الأمل. {فما تَنفَعُهم شفاعةُ الشَّافعين}؛ لأنَّهم لا يشفعون إلاَّ لِمَنِ ارتضى، وهؤلاء لا يرضى الله أعمالهم. {49 ـ 53} فلمَّا بيَّن الله مآل المخالفين وبيَّن ما يفعل بهم؛ عطف على الموجودين بالعتاب واللوم، فقال:{فما لهم عن التَّذۡكِرَةِ معرِضينَ}؛ أي: صادَّين غافلين عنها، {كأنَّهم}: في نفرتِهِم الشديدة منها {حمُرٌ مستنفرةٌ}؛ أي:[كأنّهم] حمُرُ وحشٍ نفرتْ؛ فنفَّر بعضُها بعضاً فزاد عَدْوُها، {فرَّتۡ من قَسۡوَرَةٍ}؛ أي: من صائدٍ ورامٍ يريدها أو من أسدٍ ونحوه، وهذا من أعظم ما يكون من النُّفور عن الحقِّ، ومع هذا النفور والإعراض يدَّعون الدَّعاوي الكبار؛ فيريد {كلُّ} واحد {منهم أن يُؤۡتى صُحُفاً منشَّرةً}: نازلة عليه من السماء؛ يزعم أنَّه لا ينقاد للحقِّ؛ إلاَّ بذلك، وقد كذَّبوا؛ فإنَّهم لو جاءتهم كلُّ آيةٍ؛ لم يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم؛ لأنَّهم جاءتهم الآياتُ البيناتُ، التي تبيِّن الحقَّ وتوضِّحه؛ فلو كان فيهم خيرٌ؛ لآمنوا، ولهذا قال:{كلاَّ}؛ أي: لا نعطيهم ما طلبوا، وهم ما قصدوا بذلك إلاَّ التعجيز، {بل لا يخافونَ الآخرةَ}: فلو كانوا يخافونها؛ لما جرى منهم ما جرى. {54 ـ 56}{كلاَّ [إنَّه] تذكرةٌ}: الضمير إمَّا أن يعود على هذه السورة أو على ما اشتملتْ عليه من هذه الموعظة، {فَمَن شاء ذَكَرَهُ}: لأنَّه قد بيَّن له السبيل ووضَح له الدَّليل. {[وما يَذۡكُرون] إلاَّ أن يشاءَ اللهُ}: فإنَّ مشيئة اللَّه نافذةٌ عامَّةٌ، لا يخرج عنها حادثٌ قليلٌ ولا كثيرٌ؛ ففيها ردٌّ على القدريَّة، الذين لا يُدْخِلون أفعال العباد تحت مشيئة الله، والجبريَّة، الذين يزعمون أنَّه ليس للعبد مشيئةٌ ولا فعلٌ حقيقةً، وإنَّما هو مجبور على أفعاله، فأثبت تعالى للعباد مشيئةً حقيقةً وفعلاً، وجعل ذلك تابعاً لمشيئته، و {وهو أهلُ التَّقوى وأهل المغفرةِ}؛ أي: هو أهل أن يُتَّقى ويُعبد؛ لأنَّه الإله الذي لا تنبغي العبادة إلاَّ له، وأهلٌ أن يَغْفِرَ لمن اتَّقاه واتَّبع رضاه. تمت. ولله الحمد والمنة. * * *

المدثر 74:43

{32 ـ 34}{كلاَّ}: هنا بمعنى حقًّا، أو بمعنى ألا الاستفتاحية، فأقسم تعالى بالقمر، وبالليل وقتَ إدباره، والنهارِ وقتَ إسفاره؛ لاشتمال المذكورات على آيات الله العظيمة الدالَّة على كمال قدرةِ الله وحكمته وسعة سلطانه وعموم رحمته وإحاطة علمه. {35 ـ 37} والمقسَمُ عليه قوله: {إنَّها لإحدى الكُبَرِ}؛ أي: إنَّ النار لإحدى العظائم الطامَّة والأمور الهامَّة؛ فإذا أعلمناكم بها وكنتُم على بصيرةٍ من أمرها؛ فمن شاء منكم أن يتقدَّم فيعمل بما يقرِّبُه إلى الله ويُدْنيه من رضاه ويُزْلفه من دار كرامته، أو يتأخَّر عمَّا خُلِقَ له وعمَّا يحبُّه الله ويرضاه، فيعمل بالمعاصي، ويتقرَّب إلى جهنَّم؛ كما قال تعالى:{وقلِ الحقُّ من ربِّكم فَمَن شاء فَلۡيُؤمِن ومَن شاءَ فَلۡيَكۡفُرۡ ... } الآية. {38 ـ 48}{كلُّ نفس بما كسبتۡ}: من أفعال الشرِّ وأعمال السوء {رهينةٌ}: بها موثقةٌ بسعيها، قد أُلْزِمَ عنقها وغُلَّ في رقبتها واستوجبت به العذاب، {إلاَّ أصحابَ اليمين}: فإنَّهم لم يرتهنوا، بل أُطلقوا وفرحوا {في جناتٍ يتساءلونَ. عن المجرمينَ}؛ أي: في جناتٍ قد حصل لهم فيها جميع مطلوباتهم وتمَّت لهم الراحةُ والطمأنينة، حتى أقبلوا يتساءلون، فأفضتْ بهم المحادثة أن سألوا عن المجرمين؛ أيُّ حال وصلوا إليها؟ وهل وَجَدوا ما وعَدَهم الله [تعالى]؟ فقال بعضهم لبعضٍ هل أنتم مُطَّلعونَ عليهم، فاطَّلعوا عليهم في وسطِ الجحيم يعذَّبون، فقالوا لهم:{ما سَلَككم في سَقَرَ}؛ أي: أيُّ شيءٍ أدخلكم فيها؟ وبأيِّ ذنبٍ اسْتَحَقيْتُموها؟ فقالوا:{لم نَكُ من المصلِّينَ. ولم نكُ نطعِمُ المسكينَ}: فلا إخلاص للمعبودِ ولا إحسانَ ولا نفع للخلق المحتاجين، {وكنَّا نخوضُ مع الخائضينَ}؛ أي: نخوض بالباطل ونجادل به الحقَّ، {وكنَّا نكذِّبُ بيوم الدِّينِ}: هذه آثار الخوض بالباطل، وهو التَّكذيب بالحقِّ، ومن أحقِّ الحقِّ يوم الدين، الذي هو محلُّ الجزاء على الأعمال وظهور مُلك الله وحُكمه العدل لسائر الخلق، فاستمرَّ عَمَلُنا على هذا المذهب الباطل {حتَّى أتانا اليقين}؛ أي: الموت، فلما ماتوا على الكفر؛ تعذَّرت حينئذٍ عليهم الحِيَلُ، وانسدَّ في وجوههم باب الأمل. {فما تَنفَعُهم شفاعةُ الشَّافعين}؛ لأنَّهم لا يشفعون إلاَّ لِمَنِ ارتضى، وهؤلاء لا يرضى الله أعمالهم. {49 ـ 53} فلمَّا بيَّن الله مآل المخالفين وبيَّن ما يفعل بهم؛ عطف على الموجودين بالعتاب واللوم، فقال:{فما لهم عن التَّذۡكِرَةِ معرِضينَ}؛ أي: صادَّين غافلين عنها، {كأنَّهم}: في نفرتِهِم الشديدة منها {حمُرٌ مستنفرةٌ}؛ أي:[كأنّهم] حمُرُ وحشٍ نفرتْ؛ فنفَّر بعضُها بعضاً فزاد عَدْوُها، {فرَّتۡ من قَسۡوَرَةٍ}؛ أي: من صائدٍ ورامٍ يريدها أو من أسدٍ ونحوه، وهذا من أعظم ما يكون من النُّفور عن الحقِّ، ومع هذا النفور والإعراض يدَّعون الدَّعاوي الكبار؛ فيريد {كلُّ} واحد {منهم أن يُؤۡتى صُحُفاً منشَّرةً}: نازلة عليه من السماء؛ يزعم أنَّه لا ينقاد للحقِّ؛ إلاَّ بذلك، وقد كذَّبوا؛ فإنَّهم لو جاءتهم كلُّ آيةٍ؛ لم يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم؛ لأنَّهم جاءتهم الآياتُ البيناتُ، التي تبيِّن الحقَّ وتوضِّحه؛ فلو كان فيهم خيرٌ؛ لآمنوا، ولهذا قال:{كلاَّ}؛ أي: لا نعطيهم ما طلبوا، وهم ما قصدوا بذلك إلاَّ التعجيز، {بل لا يخافونَ الآخرةَ}: فلو كانوا يخافونها؛ لما جرى منهم ما جرى. {54 ـ 56}{كلاَّ [إنَّه] تذكرةٌ}: الضمير إمَّا أن يعود على هذه السورة أو على ما اشتملتْ عليه من هذه الموعظة، {فَمَن شاء ذَكَرَهُ}: لأنَّه قد بيَّن له السبيل ووضَح له الدَّليل. {[وما يَذۡكُرون] إلاَّ أن يشاءَ اللهُ}: فإنَّ مشيئة اللَّه نافذةٌ عامَّةٌ، لا يخرج عنها حادثٌ قليلٌ ولا كثيرٌ؛ ففيها ردٌّ على القدريَّة، الذين لا يُدْخِلون أفعال العباد تحت مشيئة الله، والجبريَّة، الذين يزعمون أنَّه ليس للعبد مشيئةٌ ولا فعلٌ حقيقةً، وإنَّما هو مجبور على أفعاله، فأثبت تعالى للعباد مشيئةً حقيقةً وفعلاً، وجعل ذلك تابعاً لمشيئته، و {وهو أهلُ التَّقوى وأهل المغفرةِ}؛ أي: هو أهل أن يُتَّقى ويُعبد؛ لأنَّه الإله الذي لا تنبغي العبادة إلاَّ له، وأهلٌ أن يَغْفِرَ لمن اتَّقاه واتَّبع رضاه. تمت. ولله الحمد والمنة. * * *

المدثر 74:44

{32 ـ 34}{كلاَّ}: هنا بمعنى حقًّا، أو بمعنى ألا الاستفتاحية، فأقسم تعالى بالقمر، وبالليل وقتَ إدباره، والنهارِ وقتَ إسفاره؛ لاشتمال المذكورات على آيات الله العظيمة الدالَّة على كمال قدرةِ الله وحكمته وسعة سلطانه وعموم رحمته وإحاطة علمه. {35 ـ 37} والمقسَمُ عليه قوله: {إنَّها لإحدى الكُبَرِ}؛ أي: إنَّ النار لإحدى العظائم الطامَّة والأمور الهامَّة؛ فإذا أعلمناكم بها وكنتُم على بصيرةٍ من أمرها؛ فمن شاء منكم أن يتقدَّم فيعمل بما يقرِّبُه إلى الله ويُدْنيه من رضاه ويُزْلفه من دار كرامته، أو يتأخَّر عمَّا خُلِقَ له وعمَّا يحبُّه الله ويرضاه، فيعمل بالمعاصي، ويتقرَّب إلى جهنَّم؛ كما قال تعالى:{وقلِ الحقُّ من ربِّكم فَمَن شاء فَلۡيُؤمِن ومَن شاءَ فَلۡيَكۡفُرۡ ... } الآية. {38 ـ 48}{كلُّ نفس بما كسبتۡ}: من أفعال الشرِّ وأعمال السوء {رهينةٌ}: بها موثقةٌ بسعيها، قد أُلْزِمَ عنقها وغُلَّ في رقبتها واستوجبت به العذاب، {إلاَّ أصحابَ اليمين}: فإنَّهم لم يرتهنوا، بل أُطلقوا وفرحوا {في جناتٍ يتساءلونَ. عن المجرمينَ}؛ أي: في جناتٍ قد حصل لهم فيها جميع مطلوباتهم وتمَّت لهم الراحةُ والطمأنينة، حتى أقبلوا يتساءلون، فأفضتْ بهم المحادثة أن سألوا عن المجرمين؛ أيُّ حال وصلوا إليها؟ وهل وَجَدوا ما وعَدَهم الله [تعالى]؟ فقال بعضهم لبعضٍ هل أنتم مُطَّلعونَ عليهم، فاطَّلعوا عليهم في وسطِ الجحيم يعذَّبون، فقالوا لهم:{ما سَلَككم في سَقَرَ}؛ أي: أيُّ شيءٍ أدخلكم فيها؟ وبأيِّ ذنبٍ اسْتَحَقيْتُموها؟ فقالوا:{لم نَكُ من المصلِّينَ. ولم نكُ نطعِمُ المسكينَ}: فلا إخلاص للمعبودِ ولا إحسانَ ولا نفع للخلق المحتاجين، {وكنَّا نخوضُ مع الخائضينَ}؛ أي: نخوض بالباطل ونجادل به الحقَّ، {وكنَّا نكذِّبُ بيوم الدِّينِ}: هذه آثار الخوض بالباطل، وهو التَّكذيب بالحقِّ، ومن أحقِّ الحقِّ يوم الدين، الذي هو محلُّ الجزاء على الأعمال وظهور مُلك الله وحُكمه العدل لسائر الخلق، فاستمرَّ عَمَلُنا على هذا المذهب الباطل {حتَّى أتانا اليقين}؛ أي: الموت، فلما ماتوا على الكفر؛ تعذَّرت حينئذٍ عليهم الحِيَلُ، وانسدَّ في وجوههم باب الأمل. {فما تَنفَعُهم شفاعةُ الشَّافعين}؛ لأنَّهم لا يشفعون إلاَّ لِمَنِ ارتضى، وهؤلاء لا يرضى الله أعمالهم. {49 ـ 53} فلمَّا بيَّن الله مآل المخالفين وبيَّن ما يفعل بهم؛ عطف على الموجودين بالعتاب واللوم، فقال:{فما لهم عن التَّذۡكِرَةِ معرِضينَ}؛ أي: صادَّين غافلين عنها، {كأنَّهم}: في نفرتِهِم الشديدة منها {حمُرٌ مستنفرةٌ}؛ أي:[كأنّهم] حمُرُ وحشٍ نفرتْ؛ فنفَّر بعضُها بعضاً فزاد عَدْوُها، {فرَّتۡ من قَسۡوَرَةٍ}؛ أي: من صائدٍ ورامٍ يريدها أو من أسدٍ ونحوه، وهذا من أعظم ما يكون من النُّفور عن الحقِّ، ومع هذا النفور والإعراض يدَّعون الدَّعاوي الكبار؛ فيريد {كلُّ} واحد {منهم أن يُؤۡتى صُحُفاً منشَّرةً}: نازلة عليه من السماء؛ يزعم أنَّه لا ينقاد للحقِّ؛ إلاَّ بذلك، وقد كذَّبوا؛ فإنَّهم لو جاءتهم كلُّ آيةٍ؛ لم يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم؛ لأنَّهم جاءتهم الآياتُ البيناتُ، التي تبيِّن الحقَّ وتوضِّحه؛ فلو كان فيهم خيرٌ؛ لآمنوا، ولهذا قال:{كلاَّ}؛ أي: لا نعطيهم ما طلبوا، وهم ما قصدوا بذلك إلاَّ التعجيز، {بل لا يخافونَ الآخرةَ}: فلو كانوا يخافونها؛ لما جرى منهم ما جرى. {54 ـ 56}{كلاَّ [إنَّه] تذكرةٌ}: الضمير إمَّا أن يعود على هذه السورة أو على ما اشتملتْ عليه من هذه الموعظة، {فَمَن شاء ذَكَرَهُ}: لأنَّه قد بيَّن له السبيل ووضَح له الدَّليل. {[وما يَذۡكُرون] إلاَّ أن يشاءَ اللهُ}: فإنَّ مشيئة اللَّه نافذةٌ عامَّةٌ، لا يخرج عنها حادثٌ قليلٌ ولا كثيرٌ؛ ففيها ردٌّ على القدريَّة، الذين لا يُدْخِلون أفعال العباد تحت مشيئة الله، والجبريَّة، الذين يزعمون أنَّه ليس للعبد مشيئةٌ ولا فعلٌ حقيقةً، وإنَّما هو مجبور على أفعاله، فأثبت تعالى للعباد مشيئةً حقيقةً وفعلاً، وجعل ذلك تابعاً لمشيئته، و {وهو أهلُ التَّقوى وأهل المغفرةِ}؛ أي: هو أهل أن يُتَّقى ويُعبد؛ لأنَّه الإله الذي لا تنبغي العبادة إلاَّ له، وأهلٌ أن يَغْفِرَ لمن اتَّقاه واتَّبع رضاه. تمت. ولله الحمد والمنة. * * *

المدثر 74:45

{32 ـ 34}{كلاَّ}: هنا بمعنى حقًّا، أو بمعنى ألا الاستفتاحية، فأقسم تعالى بالقمر، وبالليل وقتَ إدباره، والنهارِ وقتَ إسفاره؛ لاشتمال المذكورات على آيات الله العظيمة الدالَّة على كمال قدرةِ الله وحكمته وسعة سلطانه وعموم رحمته وإحاطة علمه. {35 ـ 37} والمقسَمُ عليه قوله: {إنَّها لإحدى الكُبَرِ}؛ أي: إنَّ النار لإحدى العظائم الطامَّة والأمور الهامَّة؛ فإذا أعلمناكم بها وكنتُم على بصيرةٍ من أمرها؛ فمن شاء منكم أن يتقدَّم فيعمل بما يقرِّبُه إلى الله ويُدْنيه من رضاه ويُزْلفه من دار كرامته، أو يتأخَّر عمَّا خُلِقَ له وعمَّا يحبُّه الله ويرضاه، فيعمل بالمعاصي، ويتقرَّب إلى جهنَّم؛ كما قال تعالى:{وقلِ الحقُّ من ربِّكم فَمَن شاء فَلۡيُؤمِن ومَن شاءَ فَلۡيَكۡفُرۡ ... } الآية. {38 ـ 48}{كلُّ نفس بما كسبتۡ}: من أفعال الشرِّ وأعمال السوء {رهينةٌ}: بها موثقةٌ بسعيها، قد أُلْزِمَ عنقها وغُلَّ في رقبتها واستوجبت به العذاب، {إلاَّ أصحابَ اليمين}: فإنَّهم لم يرتهنوا، بل أُطلقوا وفرحوا {في جناتٍ يتساءلونَ. عن المجرمينَ}؛ أي: في جناتٍ قد حصل لهم فيها جميع مطلوباتهم وتمَّت لهم الراحةُ والطمأنينة، حتى أقبلوا يتساءلون، فأفضتْ بهم المحادثة أن سألوا عن المجرمين؛ أيُّ حال وصلوا إليها؟ وهل وَجَدوا ما وعَدَهم الله [تعالى]؟ فقال بعضهم لبعضٍ هل أنتم مُطَّلعونَ عليهم، فاطَّلعوا عليهم في وسطِ الجحيم يعذَّبون، فقالوا لهم:{ما سَلَككم في سَقَرَ}؛ أي: أيُّ شيءٍ أدخلكم فيها؟ وبأيِّ ذنبٍ اسْتَحَقيْتُموها؟ فقالوا:{لم نَكُ من المصلِّينَ. ولم نكُ نطعِمُ المسكينَ}: فلا إخلاص للمعبودِ ولا إحسانَ ولا نفع للخلق المحتاجين، {وكنَّا نخوضُ مع الخائضينَ}؛ أي: نخوض بالباطل ونجادل به الحقَّ، {وكنَّا نكذِّبُ بيوم الدِّينِ}: هذه آثار الخوض بالباطل، وهو التَّكذيب بالحقِّ، ومن أحقِّ الحقِّ يوم الدين، الذي هو محلُّ الجزاء على الأعمال وظهور مُلك الله وحُكمه العدل لسائر الخلق، فاستمرَّ عَمَلُنا على هذا المذهب الباطل {حتَّى أتانا اليقين}؛ أي: الموت، فلما ماتوا على الكفر؛ تعذَّرت حينئذٍ عليهم الحِيَلُ، وانسدَّ في وجوههم باب الأمل. {فما تَنفَعُهم شفاعةُ الشَّافعين}؛ لأنَّهم لا يشفعون إلاَّ لِمَنِ ارتضى، وهؤلاء لا يرضى الله أعمالهم. {49 ـ 53} فلمَّا بيَّن الله مآل المخالفين وبيَّن ما يفعل بهم؛ عطف على الموجودين بالعتاب واللوم، فقال:{فما لهم عن التَّذۡكِرَةِ معرِضينَ}؛ أي: صادَّين غافلين عنها، {كأنَّهم}: في نفرتِهِم الشديدة منها {حمُرٌ مستنفرةٌ}؛ أي:[كأنّهم] حمُرُ وحشٍ نفرتْ؛ فنفَّر بعضُها بعضاً فزاد عَدْوُها، {فرَّتۡ من قَسۡوَرَةٍ}؛ أي: من صائدٍ ورامٍ يريدها أو من أسدٍ ونحوه، وهذا من أعظم ما يكون من النُّفور عن الحقِّ، ومع هذا النفور والإعراض يدَّعون الدَّعاوي الكبار؛ فيريد {كلُّ} واحد {منهم أن يُؤۡتى صُحُفاً منشَّرةً}: نازلة عليه من السماء؛ يزعم أنَّه لا ينقاد للحقِّ؛ إلاَّ بذلك، وقد كذَّبوا؛ فإنَّهم لو جاءتهم كلُّ آيةٍ؛ لم يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم؛ لأنَّهم جاءتهم الآياتُ البيناتُ، التي تبيِّن الحقَّ وتوضِّحه؛ فلو كان فيهم خيرٌ؛ لآمنوا، ولهذا قال:{كلاَّ}؛ أي: لا نعطيهم ما طلبوا، وهم ما قصدوا بذلك إلاَّ التعجيز، {بل لا يخافونَ الآخرةَ}: فلو كانوا يخافونها؛ لما جرى منهم ما جرى. {54 ـ 56}{كلاَّ [إنَّه] تذكرةٌ}: الضمير إمَّا أن يعود على هذه السورة أو على ما اشتملتْ عليه من هذه الموعظة، {فَمَن شاء ذَكَرَهُ}: لأنَّه قد بيَّن له السبيل ووضَح له الدَّليل. {[وما يَذۡكُرون] إلاَّ أن يشاءَ اللهُ}: فإنَّ مشيئة اللَّه نافذةٌ عامَّةٌ، لا يخرج عنها حادثٌ قليلٌ ولا كثيرٌ؛ ففيها ردٌّ على القدريَّة، الذين لا يُدْخِلون أفعال العباد تحت مشيئة الله، والجبريَّة، الذين يزعمون أنَّه ليس للعبد مشيئةٌ ولا فعلٌ حقيقةً، وإنَّما هو مجبور على أفعاله، فأثبت تعالى للعباد مشيئةً حقيقةً وفعلاً، وجعل ذلك تابعاً لمشيئته، و {وهو أهلُ التَّقوى وأهل المغفرةِ}؛ أي: هو أهل أن يُتَّقى ويُعبد؛ لأنَّه الإله الذي لا تنبغي العبادة إلاَّ له، وأهلٌ أن يَغْفِرَ لمن اتَّقاه واتَّبع رضاه. تمت. ولله الحمد والمنة. * * *

المدثر 74:46

{32 ـ 34}{كلاَّ}: هنا بمعنى حقًّا، أو بمعنى ألا الاستفتاحية، فأقسم تعالى بالقمر، وبالليل وقتَ إدباره، والنهارِ وقتَ إسفاره؛ لاشتمال المذكورات على آيات الله العظيمة الدالَّة على كمال قدرةِ الله وحكمته وسعة سلطانه وعموم رحمته وإحاطة علمه. {35 ـ 37} والمقسَمُ عليه قوله: {إنَّها لإحدى الكُبَرِ}؛ أي: إنَّ النار لإحدى العظائم الطامَّة والأمور الهامَّة؛ فإذا أعلمناكم بها وكنتُم على بصيرةٍ من أمرها؛ فمن شاء منكم أن يتقدَّم فيعمل بما يقرِّبُه إلى الله ويُدْنيه من رضاه ويُزْلفه من دار كرامته، أو يتأخَّر عمَّا خُلِقَ له وعمَّا يحبُّه الله ويرضاه، فيعمل بالمعاصي، ويتقرَّب إلى جهنَّم؛ كما قال تعالى:{وقلِ الحقُّ من ربِّكم فَمَن شاء فَلۡيُؤمِن ومَن شاءَ فَلۡيَكۡفُرۡ ... } الآية. {38 ـ 48}{كلُّ نفس بما كسبتۡ}: من أفعال الشرِّ وأعمال السوء {رهينةٌ}: بها موثقةٌ بسعيها، قد أُلْزِمَ عنقها وغُلَّ في رقبتها واستوجبت به العذاب، {إلاَّ أصحابَ اليمين}: فإنَّهم لم يرتهنوا، بل أُطلقوا وفرحوا {في جناتٍ يتساءلونَ. عن المجرمينَ}؛ أي: في جناتٍ قد حصل لهم فيها جميع مطلوباتهم وتمَّت لهم الراحةُ والطمأنينة، حتى أقبلوا يتساءلون، فأفضتْ بهم المحادثة أن سألوا عن المجرمين؛ أيُّ حال وصلوا إليها؟ وهل وَجَدوا ما وعَدَهم الله [تعالى]؟ فقال بعضهم لبعضٍ هل أنتم مُطَّلعونَ عليهم، فاطَّلعوا عليهم في وسطِ الجحيم يعذَّبون، فقالوا لهم:{ما سَلَككم في سَقَرَ}؛ أي: أيُّ شيءٍ أدخلكم فيها؟ وبأيِّ ذنبٍ اسْتَحَقيْتُموها؟ فقالوا:{لم نَكُ من المصلِّينَ. ولم نكُ نطعِمُ المسكينَ}: فلا إخلاص للمعبودِ ولا إحسانَ ولا نفع للخلق المحتاجين، {وكنَّا نخوضُ مع الخائضينَ}؛ أي: نخوض بالباطل ونجادل به الحقَّ، {وكنَّا نكذِّبُ بيوم الدِّينِ}: هذه آثار الخوض بالباطل، وهو التَّكذيب بالحقِّ، ومن أحقِّ الحقِّ يوم الدين، الذي هو محلُّ الجزاء على الأعمال وظهور مُلك الله وحُكمه العدل لسائر الخلق، فاستمرَّ عَمَلُنا على هذا المذهب الباطل {حتَّى أتانا اليقين}؛ أي: الموت، فلما ماتوا على الكفر؛ تعذَّرت حينئذٍ عليهم الحِيَلُ، وانسدَّ في وجوههم باب الأمل. {فما تَنفَعُهم شفاعةُ الشَّافعين}؛ لأنَّهم لا يشفعون إلاَّ لِمَنِ ارتضى، وهؤلاء لا يرضى الله أعمالهم. {49 ـ 53} فلمَّا بيَّن الله مآل المخالفين وبيَّن ما يفعل بهم؛ عطف على الموجودين بالعتاب واللوم، فقال:{فما لهم عن التَّذۡكِرَةِ معرِضينَ}؛ أي: صادَّين غافلين عنها، {كأنَّهم}: في نفرتِهِم الشديدة منها {حمُرٌ مستنفرةٌ}؛ أي:[كأنّهم] حمُرُ وحشٍ نفرتْ؛ فنفَّر بعضُها بعضاً فزاد عَدْوُها، {فرَّتۡ من قَسۡوَرَةٍ}؛ أي: من صائدٍ ورامٍ يريدها أو من أسدٍ ونحوه، وهذا من أعظم ما يكون من النُّفور عن الحقِّ، ومع هذا النفور والإعراض يدَّعون الدَّعاوي الكبار؛ فيريد {كلُّ} واحد {منهم أن يُؤۡتى صُحُفاً منشَّرةً}: نازلة عليه من السماء؛ يزعم أنَّه لا ينقاد للحقِّ؛ إلاَّ بذلك، وقد كذَّبوا؛ فإنَّهم لو جاءتهم كلُّ آيةٍ؛ لم يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم؛ لأنَّهم جاءتهم الآياتُ البيناتُ، التي تبيِّن الحقَّ وتوضِّحه؛ فلو كان فيهم خيرٌ؛ لآمنوا، ولهذا قال:{كلاَّ}؛ أي: لا نعطيهم ما طلبوا، وهم ما قصدوا بذلك إلاَّ التعجيز، {بل لا يخافونَ الآخرةَ}: فلو كانوا يخافونها؛ لما جرى منهم ما جرى. {54 ـ 56}{كلاَّ [إنَّه] تذكرةٌ}: الضمير إمَّا أن يعود على هذه السورة أو على ما اشتملتْ عليه من هذه الموعظة، {فَمَن شاء ذَكَرَهُ}: لأنَّه قد بيَّن له السبيل ووضَح له الدَّليل. {[وما يَذۡكُرون] إلاَّ أن يشاءَ اللهُ}: فإنَّ مشيئة اللَّه نافذةٌ عامَّةٌ، لا يخرج عنها حادثٌ قليلٌ ولا كثيرٌ؛ ففيها ردٌّ على القدريَّة، الذين لا يُدْخِلون أفعال العباد تحت مشيئة الله، والجبريَّة، الذين يزعمون أنَّه ليس للعبد مشيئةٌ ولا فعلٌ حقيقةً، وإنَّما هو مجبور على أفعاله، فأثبت تعالى للعباد مشيئةً حقيقةً وفعلاً، وجعل ذلك تابعاً لمشيئته، و {وهو أهلُ التَّقوى وأهل المغفرةِ}؛ أي: هو أهل أن يُتَّقى ويُعبد؛ لأنَّه الإله الذي لا تنبغي العبادة إلاَّ له، وأهلٌ أن يَغْفِرَ لمن اتَّقاه واتَّبع رضاه. تمت. ولله الحمد والمنة. * * *

المدثر 74:47

{32 ـ 34}{كلاَّ}: هنا بمعنى حقًّا، أو بمعنى ألا الاستفتاحية، فأقسم تعالى بالقمر، وبالليل وقتَ إدباره، والنهارِ وقتَ إسفاره؛ لاشتمال المذكورات على آيات الله العظيمة الدالَّة على كمال قدرةِ الله وحكمته وسعة سلطانه وعموم رحمته وإحاطة علمه. {35 ـ 37} والمقسَمُ عليه قوله: {إنَّها لإحدى الكُبَرِ}؛ أي: إنَّ النار لإحدى العظائم الطامَّة والأمور الهامَّة؛ فإذا أعلمناكم بها وكنتُم على بصيرةٍ من أمرها؛ فمن شاء منكم أن يتقدَّم فيعمل بما يقرِّبُه إلى الله ويُدْنيه من رضاه ويُزْلفه من دار كرامته، أو يتأخَّر عمَّا خُلِقَ له وعمَّا يحبُّه الله ويرضاه، فيعمل بالمعاصي، ويتقرَّب إلى جهنَّم؛ كما قال تعالى:{وقلِ الحقُّ من ربِّكم فَمَن شاء فَلۡيُؤمِن ومَن شاءَ فَلۡيَكۡفُرۡ ... } الآية. {38 ـ 48}{كلُّ نفس بما كسبتۡ}: من أفعال الشرِّ وأعمال السوء {رهينةٌ}: بها موثقةٌ بسعيها، قد أُلْزِمَ عنقها وغُلَّ في رقبتها واستوجبت به العذاب، {إلاَّ أصحابَ اليمين}: فإنَّهم لم يرتهنوا، بل أُطلقوا وفرحوا {في جناتٍ يتساءلونَ. عن المجرمينَ}؛ أي: في جناتٍ قد حصل لهم فيها جميع مطلوباتهم وتمَّت لهم الراحةُ والطمأنينة، حتى أقبلوا يتساءلون، فأفضتْ بهم المحادثة أن سألوا عن المجرمين؛ أيُّ حال وصلوا إليها؟ وهل وَجَدوا ما وعَدَهم الله [تعالى]؟ فقال بعضهم لبعضٍ هل أنتم مُطَّلعونَ عليهم، فاطَّلعوا عليهم في وسطِ الجحيم يعذَّبون، فقالوا لهم:{ما سَلَككم في سَقَرَ}؛ أي: أيُّ شيءٍ أدخلكم فيها؟ وبأيِّ ذنبٍ اسْتَحَقيْتُموها؟ فقالوا:{لم نَكُ من المصلِّينَ. ولم نكُ نطعِمُ المسكينَ}: فلا إخلاص للمعبودِ ولا إحسانَ ولا نفع للخلق المحتاجين، {وكنَّا نخوضُ مع الخائضينَ}؛ أي: نخوض بالباطل ونجادل به الحقَّ، {وكنَّا نكذِّبُ بيوم الدِّينِ}: هذه آثار الخوض بالباطل، وهو التَّكذيب بالحقِّ، ومن أحقِّ الحقِّ يوم الدين، الذي هو محلُّ الجزاء على الأعمال وظهور مُلك الله وحُكمه العدل لسائر الخلق، فاستمرَّ عَمَلُنا على هذا المذهب الباطل {حتَّى أتانا اليقين}؛ أي: الموت، فلما ماتوا على الكفر؛ تعذَّرت حينئذٍ عليهم الحِيَلُ، وانسدَّ في وجوههم باب الأمل. {فما تَنفَعُهم شفاعةُ الشَّافعين}؛ لأنَّهم لا يشفعون إلاَّ لِمَنِ ارتضى، وهؤلاء لا يرضى الله أعمالهم. {49 ـ 53} فلمَّا بيَّن الله مآل المخالفين وبيَّن ما يفعل بهم؛ عطف على الموجودين بالعتاب واللوم، فقال:{فما لهم عن التَّذۡكِرَةِ معرِضينَ}؛ أي: صادَّين غافلين عنها، {كأنَّهم}: في نفرتِهِم الشديدة منها {حمُرٌ مستنفرةٌ}؛ أي:[كأنّهم] حمُرُ وحشٍ نفرتْ؛ فنفَّر بعضُها بعضاً فزاد عَدْوُها، {فرَّتۡ من قَسۡوَرَةٍ}؛ أي: من صائدٍ ورامٍ يريدها أو من أسدٍ ونحوه، وهذا من أعظم ما يكون من النُّفور عن الحقِّ، ومع هذا النفور والإعراض يدَّعون الدَّعاوي الكبار؛ فيريد {كلُّ} واحد {منهم أن يُؤۡتى صُحُفاً منشَّرةً}: نازلة عليه من السماء؛ يزعم أنَّه لا ينقاد للحقِّ؛ إلاَّ بذلك، وقد كذَّبوا؛ فإنَّهم لو جاءتهم كلُّ آيةٍ؛ لم يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم؛ لأنَّهم جاءتهم الآياتُ البيناتُ، التي تبيِّن الحقَّ وتوضِّحه؛ فلو كان فيهم خيرٌ؛ لآمنوا، ولهذا قال:{كلاَّ}؛ أي: لا نعطيهم ما طلبوا، وهم ما قصدوا بذلك إلاَّ التعجيز، {بل لا يخافونَ الآخرةَ}: فلو كانوا يخافونها؛ لما جرى منهم ما جرى. {54 ـ 56}{كلاَّ [إنَّه] تذكرةٌ}: الضمير إمَّا أن يعود على هذه السورة أو على ما اشتملتْ عليه من هذه الموعظة، {فَمَن شاء ذَكَرَهُ}: لأنَّه قد بيَّن له السبيل ووضَح له الدَّليل. {[وما يَذۡكُرون] إلاَّ أن يشاءَ اللهُ}: فإنَّ مشيئة اللَّه نافذةٌ عامَّةٌ، لا يخرج عنها حادثٌ قليلٌ ولا كثيرٌ؛ ففيها ردٌّ على القدريَّة، الذين لا يُدْخِلون أفعال العباد تحت مشيئة الله، والجبريَّة، الذين يزعمون أنَّه ليس للعبد مشيئةٌ ولا فعلٌ حقيقةً، وإنَّما هو مجبور على أفعاله، فأثبت تعالى للعباد مشيئةً حقيقةً وفعلاً، وجعل ذلك تابعاً لمشيئته، و {وهو أهلُ التَّقوى وأهل المغفرةِ}؛ أي: هو أهل أن يُتَّقى ويُعبد؛ لأنَّه الإله الذي لا تنبغي العبادة إلاَّ له، وأهلٌ أن يَغْفِرَ لمن اتَّقاه واتَّبع رضاه. تمت. ولله الحمد والمنة. * * *

المدثر 74:48

{32 ـ 34}{كلاَّ}: هنا بمعنى حقًّا، أو بمعنى ألا الاستفتاحية، فأقسم تعالى بالقمر، وبالليل وقتَ إدباره، والنهارِ وقتَ إسفاره؛ لاشتمال المذكورات على آيات الله العظيمة الدالَّة على كمال قدرةِ الله وحكمته وسعة سلطانه وعموم رحمته وإحاطة علمه. {35 ـ 37} والمقسَمُ عليه قوله: {إنَّها لإحدى الكُبَرِ}؛ أي: إنَّ النار لإحدى العظائم الطامَّة والأمور الهامَّة؛ فإذا أعلمناكم بها وكنتُم على بصيرةٍ من أمرها؛ فمن شاء منكم أن يتقدَّم فيعمل بما يقرِّبُه إلى الله ويُدْنيه من رضاه ويُزْلفه من دار كرامته، أو يتأخَّر عمَّا خُلِقَ له وعمَّا يحبُّه الله ويرضاه، فيعمل بالمعاصي، ويتقرَّب إلى جهنَّم؛ كما قال تعالى:{وقلِ الحقُّ من ربِّكم فَمَن شاء فَلۡيُؤمِن ومَن شاءَ فَلۡيَكۡفُرۡ ... } الآية. {38 ـ 48}{كلُّ نفس بما كسبتۡ}: من أفعال الشرِّ وأعمال السوء {رهينةٌ}: بها موثقةٌ بسعيها، قد أُلْزِمَ عنقها وغُلَّ في رقبتها واستوجبت به العذاب، {إلاَّ أصحابَ اليمين}: فإنَّهم لم يرتهنوا، بل أُطلقوا وفرحوا {في جناتٍ يتساءلونَ. عن المجرمينَ}؛ أي: في جناتٍ قد حصل لهم فيها جميع مطلوباتهم وتمَّت لهم الراحةُ والطمأنينة، حتى أقبلوا يتساءلون، فأفضتْ بهم المحادثة أن سألوا عن المجرمين؛ أيُّ حال وصلوا إليها؟ وهل وَجَدوا ما وعَدَهم الله [تعالى]؟ فقال بعضهم لبعضٍ هل أنتم مُطَّلعونَ عليهم، فاطَّلعوا عليهم في وسطِ الجحيم يعذَّبون، فقالوا لهم:{ما سَلَككم في سَقَرَ}؛ أي: أيُّ شيءٍ أدخلكم فيها؟ وبأيِّ ذنبٍ اسْتَحَقيْتُموها؟ فقالوا:{لم نَكُ من المصلِّينَ. ولم نكُ نطعِمُ المسكينَ}: فلا إخلاص للمعبودِ ولا إحسانَ ولا نفع للخلق المحتاجين، {وكنَّا نخوضُ مع الخائضينَ}؛ أي: نخوض بالباطل ونجادل به الحقَّ، {وكنَّا نكذِّبُ بيوم الدِّينِ}: هذه آثار الخوض بالباطل، وهو التَّكذيب بالحقِّ، ومن أحقِّ الحقِّ يوم الدين، الذي هو محلُّ الجزاء على الأعمال وظهور مُلك الله وحُكمه العدل لسائر الخلق، فاستمرَّ عَمَلُنا على هذا المذهب الباطل {حتَّى أتانا اليقين}؛ أي: الموت، فلما ماتوا على الكفر؛ تعذَّرت حينئذٍ عليهم الحِيَلُ، وانسدَّ في وجوههم باب الأمل. {فما تَنفَعُهم شفاعةُ الشَّافعين}؛ لأنَّهم لا يشفعون إلاَّ لِمَنِ ارتضى، وهؤلاء لا يرضى الله أعمالهم. {49 ـ 53} فلمَّا بيَّن الله مآل المخالفين وبيَّن ما يفعل بهم؛ عطف على الموجودين بالعتاب واللوم، فقال:{فما لهم عن التَّذۡكِرَةِ معرِضينَ}؛ أي: صادَّين غافلين عنها، {كأنَّهم}: في نفرتِهِم الشديدة منها {حمُرٌ مستنفرةٌ}؛ أي:[كأنّهم] حمُرُ وحشٍ نفرتْ؛ فنفَّر بعضُها بعضاً فزاد عَدْوُها، {فرَّتۡ من قَسۡوَرَةٍ}؛ أي: من صائدٍ ورامٍ يريدها أو من أسدٍ ونحوه، وهذا من أعظم ما يكون من النُّفور عن الحقِّ، ومع هذا النفور والإعراض يدَّعون الدَّعاوي الكبار؛ فيريد {كلُّ} واحد {منهم أن يُؤۡتى صُحُفاً منشَّرةً}: نازلة عليه من السماء؛ يزعم أنَّه لا ينقاد للحقِّ؛ إلاَّ بذلك، وقد كذَّبوا؛ فإنَّهم لو جاءتهم كلُّ آيةٍ؛ لم يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم؛ لأنَّهم جاءتهم الآياتُ البيناتُ، التي تبيِّن الحقَّ وتوضِّحه؛ فلو كان فيهم خيرٌ؛ لآمنوا، ولهذا قال:{كلاَّ}؛ أي: لا نعطيهم ما طلبوا، وهم ما قصدوا بذلك إلاَّ التعجيز، {بل لا يخافونَ الآخرةَ}: فلو كانوا يخافونها؛ لما جرى منهم ما جرى. {54 ـ 56}{كلاَّ [إنَّه] تذكرةٌ}: الضمير إمَّا أن يعود على هذه السورة أو على ما اشتملتْ عليه من هذه الموعظة، {فَمَن شاء ذَكَرَهُ}: لأنَّه قد بيَّن له السبيل ووضَح له الدَّليل. {[وما يَذۡكُرون] إلاَّ أن يشاءَ اللهُ}: فإنَّ مشيئة اللَّه نافذةٌ عامَّةٌ، لا يخرج عنها حادثٌ قليلٌ ولا كثيرٌ؛ ففيها ردٌّ على القدريَّة، الذين لا يُدْخِلون أفعال العباد تحت مشيئة الله، والجبريَّة، الذين يزعمون أنَّه ليس للعبد مشيئةٌ ولا فعلٌ حقيقةً، وإنَّما هو مجبور على أفعاله، فأثبت تعالى للعباد مشيئةً حقيقةً وفعلاً، وجعل ذلك تابعاً لمشيئته، و {وهو أهلُ التَّقوى وأهل المغفرةِ}؛ أي: هو أهل أن يُتَّقى ويُعبد؛ لأنَّه الإله الذي لا تنبغي العبادة إلاَّ له، وأهلٌ أن يَغْفِرَ لمن اتَّقاه واتَّبع رضاه. تمت. ولله الحمد والمنة. * * *

المدثر 74:49

{32 ـ 34}{كلاَّ}: هنا بمعنى حقًّا، أو بمعنى ألا الاستفتاحية، فأقسم تعالى بالقمر، وبالليل وقتَ إدباره، والنهارِ وقتَ إسفاره؛ لاشتمال المذكورات على آيات الله العظيمة الدالَّة على كمال قدرةِ الله وحكمته وسعة سلطانه وعموم رحمته وإحاطة علمه. {35 ـ 37} والمقسَمُ عليه قوله: {إنَّها لإحدى الكُبَرِ}؛ أي: إنَّ النار لإحدى العظائم الطامَّة والأمور الهامَّة؛ فإذا أعلمناكم بها وكنتُم على بصيرةٍ من أمرها؛ فمن شاء منكم أن يتقدَّم فيعمل بما يقرِّبُه إلى الله ويُدْنيه من رضاه ويُزْلفه من دار كرامته، أو يتأخَّر عمَّا خُلِقَ له وعمَّا يحبُّه الله ويرضاه، فيعمل بالمعاصي، ويتقرَّب إلى جهنَّم؛ كما قال تعالى:{وقلِ الحقُّ من ربِّكم فَمَن شاء فَلۡيُؤمِن ومَن شاءَ فَلۡيَكۡفُرۡ ... } الآية. {38 ـ 48}{كلُّ نفس بما كسبتۡ}: من أفعال الشرِّ وأعمال السوء {رهينةٌ}: بها موثقةٌ بسعيها، قد أُلْزِمَ عنقها وغُلَّ في رقبتها واستوجبت به العذاب، {إلاَّ أصحابَ اليمين}: فإنَّهم لم يرتهنوا، بل أُطلقوا وفرحوا {في جناتٍ يتساءلونَ. عن المجرمينَ}؛ أي: في جناتٍ قد حصل لهم فيها جميع مطلوباتهم وتمَّت لهم الراحةُ والطمأنينة، حتى أقبلوا يتساءلون، فأفضتْ بهم المحادثة أن سألوا عن المجرمين؛ أيُّ حال وصلوا إليها؟ وهل وَجَدوا ما وعَدَهم الله [تعالى]؟ فقال بعضهم لبعضٍ هل أنتم مُطَّلعونَ عليهم، فاطَّلعوا عليهم في وسطِ الجحيم يعذَّبون، فقالوا لهم:{ما سَلَككم في سَقَرَ}؛ أي: أيُّ شيءٍ أدخلكم فيها؟ وبأيِّ ذنبٍ اسْتَحَقيْتُموها؟ فقالوا:{لم نَكُ من المصلِّينَ. ولم نكُ نطعِمُ المسكينَ}: فلا إخلاص للمعبودِ ولا إحسانَ ولا نفع للخلق المحتاجين، {وكنَّا نخوضُ مع الخائضينَ}؛ أي: نخوض بالباطل ونجادل به الحقَّ، {وكنَّا نكذِّبُ بيوم الدِّينِ}: هذه آثار الخوض بالباطل، وهو التَّكذيب بالحقِّ، ومن أحقِّ الحقِّ يوم الدين، الذي هو محلُّ الجزاء على الأعمال وظهور مُلك الله وحُكمه العدل لسائر الخلق، فاستمرَّ عَمَلُنا على هذا المذهب الباطل {حتَّى أتانا اليقين}؛ أي: الموت، فلما ماتوا على الكفر؛ تعذَّرت حينئذٍ عليهم الحِيَلُ، وانسدَّ في وجوههم باب الأمل. {فما تَنفَعُهم شفاعةُ الشَّافعين}؛ لأنَّهم لا يشفعون إلاَّ لِمَنِ ارتضى، وهؤلاء لا يرضى الله أعمالهم. {49 ـ 53} فلمَّا بيَّن الله مآل المخالفين وبيَّن ما يفعل بهم؛ عطف على الموجودين بالعتاب واللوم، فقال:{فما لهم عن التَّذۡكِرَةِ معرِضينَ}؛ أي: صادَّين غافلين عنها، {كأنَّهم}: في نفرتِهِم الشديدة منها {حمُرٌ مستنفرةٌ}؛ أي:[كأنّهم] حمُرُ وحشٍ نفرتْ؛ فنفَّر بعضُها بعضاً فزاد عَدْوُها، {فرَّتۡ من قَسۡوَرَةٍ}؛ أي: من صائدٍ ورامٍ يريدها أو من أسدٍ ونحوه، وهذا من أعظم ما يكون من النُّفور عن الحقِّ، ومع هذا النفور والإعراض يدَّعون الدَّعاوي الكبار؛ فيريد {كلُّ} واحد {منهم أن يُؤۡتى صُحُفاً منشَّرةً}: نازلة عليه من السماء؛ يزعم أنَّه لا ينقاد للحقِّ؛ إلاَّ بذلك، وقد كذَّبوا؛ فإنَّهم لو جاءتهم كلُّ آيةٍ؛ لم يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم؛ لأنَّهم جاءتهم الآياتُ البيناتُ، التي تبيِّن الحقَّ وتوضِّحه؛ فلو كان فيهم خيرٌ؛ لآمنوا، ولهذا قال:{كلاَّ}؛ أي: لا نعطيهم ما طلبوا، وهم ما قصدوا بذلك إلاَّ التعجيز، {بل لا يخافونَ الآخرةَ}: فلو كانوا يخافونها؛ لما جرى منهم ما جرى. {54 ـ 56}{كلاَّ [إنَّه] تذكرةٌ}: الضمير إمَّا أن يعود على هذه السورة أو على ما اشتملتْ عليه من هذه الموعظة، {فَمَن شاء ذَكَرَهُ}: لأنَّه قد بيَّن له السبيل ووضَح له الدَّليل. {[وما يَذۡكُرون] إلاَّ أن يشاءَ اللهُ}: فإنَّ مشيئة اللَّه نافذةٌ عامَّةٌ، لا يخرج عنها حادثٌ قليلٌ ولا كثيرٌ؛ ففيها ردٌّ على القدريَّة، الذين لا يُدْخِلون أفعال العباد تحت مشيئة الله، والجبريَّة، الذين يزعمون أنَّه ليس للعبد مشيئةٌ ولا فعلٌ حقيقةً، وإنَّما هو مجبور على أفعاله، فأثبت تعالى للعباد مشيئةً حقيقةً وفعلاً، وجعل ذلك تابعاً لمشيئته، و {وهو أهلُ التَّقوى وأهل المغفرةِ}؛ أي: هو أهل أن يُتَّقى ويُعبد؛ لأنَّه الإله الذي لا تنبغي العبادة إلاَّ له، وأهلٌ أن يَغْفِرَ لمن اتَّقاه واتَّبع رضاه. تمت. ولله الحمد والمنة. * * *

المدثر 74:50

{32 ـ 34}{كلاَّ}: هنا بمعنى حقًّا، أو بمعنى ألا الاستفتاحية، فأقسم تعالى بالقمر، وبالليل وقتَ إدباره، والنهارِ وقتَ إسفاره؛ لاشتمال المذكورات على آيات الله العظيمة الدالَّة على كمال قدرةِ الله وحكمته وسعة سلطانه وعموم رحمته وإحاطة علمه. {35 ـ 37} والمقسَمُ عليه قوله: {إنَّها لإحدى الكُبَرِ}؛ أي: إنَّ النار لإحدى العظائم الطامَّة والأمور الهامَّة؛ فإذا أعلمناكم بها وكنتُم على بصيرةٍ من أمرها؛ فمن شاء منكم أن يتقدَّم فيعمل بما يقرِّبُه إلى الله ويُدْنيه من رضاه ويُزْلفه من دار كرامته، أو يتأخَّر عمَّا خُلِقَ له وعمَّا يحبُّه الله ويرضاه، فيعمل بالمعاصي، ويتقرَّب إلى جهنَّم؛ كما قال تعالى:{وقلِ الحقُّ من ربِّكم فَمَن شاء فَلۡيُؤمِن ومَن شاءَ فَلۡيَكۡفُرۡ ... } الآية. {38 ـ 48}{كلُّ نفس بما كسبتۡ}: من أفعال الشرِّ وأعمال السوء {رهينةٌ}: بها موثقةٌ بسعيها، قد أُلْزِمَ عنقها وغُلَّ في رقبتها واستوجبت به العذاب، {إلاَّ أصحابَ اليمين}: فإنَّهم لم يرتهنوا، بل أُطلقوا وفرحوا {في جناتٍ يتساءلونَ. عن المجرمينَ}؛ أي: في جناتٍ قد حصل لهم فيها جميع مطلوباتهم وتمَّت لهم الراحةُ والطمأنينة، حتى أقبلوا يتساءلون، فأفضتْ بهم المحادثة أن سألوا عن المجرمين؛ أيُّ حال وصلوا إليها؟ وهل وَجَدوا ما وعَدَهم الله [تعالى]؟ فقال بعضهم لبعضٍ هل أنتم مُطَّلعونَ عليهم، فاطَّلعوا عليهم في وسطِ الجحيم يعذَّبون، فقالوا لهم:{ما سَلَككم في سَقَرَ}؛ أي: أيُّ شيءٍ أدخلكم فيها؟ وبأيِّ ذنبٍ اسْتَحَقيْتُموها؟ فقالوا:{لم نَكُ من المصلِّينَ. ولم نكُ نطعِمُ المسكينَ}: فلا إخلاص للمعبودِ ولا إحسانَ ولا نفع للخلق المحتاجين، {وكنَّا نخوضُ مع الخائضينَ}؛ أي: نخوض بالباطل ونجادل به الحقَّ، {وكنَّا نكذِّبُ بيوم الدِّينِ}: هذه آثار الخوض بالباطل، وهو التَّكذيب بالحقِّ، ومن أحقِّ الحقِّ يوم الدين، الذي هو محلُّ الجزاء على الأعمال وظهور مُلك الله وحُكمه العدل لسائر الخلق، فاستمرَّ عَمَلُنا على هذا المذهب الباطل {حتَّى أتانا اليقين}؛ أي: الموت، فلما ماتوا على الكفر؛ تعذَّرت حينئذٍ عليهم الحِيَلُ، وانسدَّ في وجوههم باب الأمل. {فما تَنفَعُهم شفاعةُ الشَّافعين}؛ لأنَّهم لا يشفعون إلاَّ لِمَنِ ارتضى، وهؤلاء لا يرضى الله أعمالهم. {49 ـ 53} فلمَّا بيَّن الله مآل المخالفين وبيَّن ما يفعل بهم؛ عطف على الموجودين بالعتاب واللوم، فقال:{فما لهم عن التَّذۡكِرَةِ معرِضينَ}؛ أي: صادَّين غافلين عنها، {كأنَّهم}: في نفرتِهِم الشديدة منها {حمُرٌ مستنفرةٌ}؛ أي:[كأنّهم] حمُرُ وحشٍ نفرتْ؛ فنفَّر بعضُها بعضاً فزاد عَدْوُها، {فرَّتۡ من قَسۡوَرَةٍ}؛ أي: من صائدٍ ورامٍ يريدها أو من أسدٍ ونحوه، وهذا من أعظم ما يكون من النُّفور عن الحقِّ، ومع هذا النفور والإعراض يدَّعون الدَّعاوي الكبار؛ فيريد {كلُّ} واحد {منهم أن يُؤۡتى صُحُفاً منشَّرةً}: نازلة عليه من السماء؛ يزعم أنَّه لا ينقاد للحقِّ؛ إلاَّ بذلك، وقد كذَّبوا؛ فإنَّهم لو جاءتهم كلُّ آيةٍ؛ لم يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم؛ لأنَّهم جاءتهم الآياتُ البيناتُ، التي تبيِّن الحقَّ وتوضِّحه؛ فلو كان فيهم خيرٌ؛ لآمنوا، ولهذا قال:{كلاَّ}؛ أي: لا نعطيهم ما طلبوا، وهم ما قصدوا بذلك إلاَّ التعجيز، {بل لا يخافونَ الآخرةَ}: فلو كانوا يخافونها؛ لما جرى منهم ما جرى. {54 ـ 56}{كلاَّ [إنَّه] تذكرةٌ}: الضمير إمَّا أن يعود على هذه السورة أو على ما اشتملتْ عليه من هذه الموعظة، {فَمَن شاء ذَكَرَهُ}: لأنَّه قد بيَّن له السبيل ووضَح له الدَّليل. {[وما يَذۡكُرون] إلاَّ أن يشاءَ اللهُ}: فإنَّ مشيئة اللَّه نافذةٌ عامَّةٌ، لا يخرج عنها حادثٌ قليلٌ ولا كثيرٌ؛ ففيها ردٌّ على القدريَّة، الذين لا يُدْخِلون أفعال العباد تحت مشيئة الله، والجبريَّة، الذين يزعمون أنَّه ليس للعبد مشيئةٌ ولا فعلٌ حقيقةً، وإنَّما هو مجبور على أفعاله، فأثبت تعالى للعباد مشيئةً حقيقةً وفعلاً، وجعل ذلك تابعاً لمشيئته، و {وهو أهلُ التَّقوى وأهل المغفرةِ}؛ أي: هو أهل أن يُتَّقى ويُعبد؛ لأنَّه الإله الذي لا تنبغي العبادة إلاَّ له، وأهلٌ أن يَغْفِرَ لمن اتَّقاه واتَّبع رضاه. تمت. ولله الحمد والمنة. * * *

المدثر 74:51

{32 ـ 34}{كلاَّ}: هنا بمعنى حقًّا، أو بمعنى ألا الاستفتاحية، فأقسم تعالى بالقمر، وبالليل وقتَ إدباره، والنهارِ وقتَ إسفاره؛ لاشتمال المذكورات على آيات الله العظيمة الدالَّة على كمال قدرةِ الله وحكمته وسعة سلطانه وعموم رحمته وإحاطة علمه. {35 ـ 37} والمقسَمُ عليه قوله: {إنَّها لإحدى الكُبَرِ}؛ أي: إنَّ النار لإحدى العظائم الطامَّة والأمور الهامَّة؛ فإذا أعلمناكم بها وكنتُم على بصيرةٍ من أمرها؛ فمن شاء منكم أن يتقدَّم فيعمل بما يقرِّبُه إلى الله ويُدْنيه من رضاه ويُزْلفه من دار كرامته، أو يتأخَّر عمَّا خُلِقَ له وعمَّا يحبُّه الله ويرضاه، فيعمل بالمعاصي، ويتقرَّب إلى جهنَّم؛ كما قال تعالى:{وقلِ الحقُّ من ربِّكم فَمَن شاء فَلۡيُؤمِن ومَن شاءَ فَلۡيَكۡفُرۡ ... } الآية. {38 ـ 48}{كلُّ نفس بما كسبتۡ}: من أفعال الشرِّ وأعمال السوء {رهينةٌ}: بها موثقةٌ بسعيها، قد أُلْزِمَ عنقها وغُلَّ في رقبتها واستوجبت به العذاب، {إلاَّ أصحابَ اليمين}: فإنَّهم لم يرتهنوا، بل أُطلقوا وفرحوا {في جناتٍ يتساءلونَ. عن المجرمينَ}؛ أي: في جناتٍ قد حصل لهم فيها جميع مطلوباتهم وتمَّت لهم الراحةُ والطمأنينة، حتى أقبلوا يتساءلون، فأفضتْ بهم المحادثة أن سألوا عن المجرمين؛ أيُّ حال وصلوا إليها؟ وهل وَجَدوا ما وعَدَهم الله [تعالى]؟ فقال بعضهم لبعضٍ هل أنتم مُطَّلعونَ عليهم، فاطَّلعوا عليهم في وسطِ الجحيم يعذَّبون، فقالوا لهم:{ما سَلَككم في سَقَرَ}؛ أي: أيُّ شيءٍ أدخلكم فيها؟ وبأيِّ ذنبٍ اسْتَحَقيْتُموها؟ فقالوا:{لم نَكُ من المصلِّينَ. ولم نكُ نطعِمُ المسكينَ}: فلا إخلاص للمعبودِ ولا إحسانَ ولا نفع للخلق المحتاجين، {وكنَّا نخوضُ مع الخائضينَ}؛ أي: نخوض بالباطل ونجادل به الحقَّ، {وكنَّا نكذِّبُ بيوم الدِّينِ}: هذه آثار الخوض بالباطل، وهو التَّكذيب بالحقِّ، ومن أحقِّ الحقِّ يوم الدين، الذي هو محلُّ الجزاء على الأعمال وظهور مُلك الله وحُكمه العدل لسائر الخلق، فاستمرَّ عَمَلُنا على هذا المذهب الباطل {حتَّى أتانا اليقين}؛ أي: الموت، فلما ماتوا على الكفر؛ تعذَّرت حينئذٍ عليهم الحِيَلُ، وانسدَّ في وجوههم باب الأمل. {فما تَنفَعُهم شفاعةُ الشَّافعين}؛ لأنَّهم لا يشفعون إلاَّ لِمَنِ ارتضى، وهؤلاء لا يرضى الله أعمالهم. {49 ـ 53} فلمَّا بيَّن الله مآل المخالفين وبيَّن ما يفعل بهم؛ عطف على الموجودين بالعتاب واللوم، فقال:{فما لهم عن التَّذۡكِرَةِ معرِضينَ}؛ أي: صادَّين غافلين عنها، {كأنَّهم}: في نفرتِهِم الشديدة منها {حمُرٌ مستنفرةٌ}؛ أي:[كأنّهم] حمُرُ وحشٍ نفرتْ؛ فنفَّر بعضُها بعضاً فزاد عَدْوُها، {فرَّتۡ من قَسۡوَرَةٍ}؛ أي: من صائدٍ ورامٍ يريدها أو من أسدٍ ونحوه، وهذا من أعظم ما يكون من النُّفور عن الحقِّ، ومع هذا النفور والإعراض يدَّعون الدَّعاوي الكبار؛ فيريد {كلُّ} واحد {منهم أن يُؤۡتى صُحُفاً منشَّرةً}: نازلة عليه من السماء؛ يزعم أنَّه لا ينقاد للحقِّ؛ إلاَّ بذلك، وقد كذَّبوا؛ فإنَّهم لو جاءتهم كلُّ آيةٍ؛ لم يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم؛ لأنَّهم جاءتهم الآياتُ البيناتُ، التي تبيِّن الحقَّ وتوضِّحه؛ فلو كان فيهم خيرٌ؛ لآمنوا، ولهذا قال:{كلاَّ}؛ أي: لا نعطيهم ما طلبوا، وهم ما قصدوا بذلك إلاَّ التعجيز، {بل لا يخافونَ الآخرةَ}: فلو كانوا يخافونها؛ لما جرى منهم ما جرى. {54 ـ 56}{كلاَّ [إنَّه] تذكرةٌ}: الضمير إمَّا أن يعود على هذه السورة أو على ما اشتملتْ عليه من هذه الموعظة، {فَمَن شاء ذَكَرَهُ}: لأنَّه قد بيَّن له السبيل ووضَح له الدَّليل. {[وما يَذۡكُرون] إلاَّ أن يشاءَ اللهُ}: فإنَّ مشيئة اللَّه نافذةٌ عامَّةٌ، لا يخرج عنها حادثٌ قليلٌ ولا كثيرٌ؛ ففيها ردٌّ على القدريَّة، الذين لا يُدْخِلون أفعال العباد تحت مشيئة الله، والجبريَّة، الذين يزعمون أنَّه ليس للعبد مشيئةٌ ولا فعلٌ حقيقةً، وإنَّما هو مجبور على أفعاله، فأثبت تعالى للعباد مشيئةً حقيقةً وفعلاً، وجعل ذلك تابعاً لمشيئته، و {وهو أهلُ التَّقوى وأهل المغفرةِ}؛ أي: هو أهل أن يُتَّقى ويُعبد؛ لأنَّه الإله الذي لا تنبغي العبادة إلاَّ له، وأهلٌ أن يَغْفِرَ لمن اتَّقاه واتَّبع رضاه. تمت. ولله الحمد والمنة. * * *

المدثر 74:52

{32 ـ 34}{كلاَّ}: هنا بمعنى حقًّا، أو بمعنى ألا الاستفتاحية، فأقسم تعالى بالقمر، وبالليل وقتَ إدباره، والنهارِ وقتَ إسفاره؛ لاشتمال المذكورات على آيات الله العظيمة الدالَّة على كمال قدرةِ الله وحكمته وسعة سلطانه وعموم رحمته وإحاطة علمه. {35 ـ 37} والمقسَمُ عليه قوله: {إنَّها لإحدى الكُبَرِ}؛ أي: إنَّ النار لإحدى العظائم الطامَّة والأمور الهامَّة؛ فإذا أعلمناكم بها وكنتُم على بصيرةٍ من أمرها؛ فمن شاء منكم أن يتقدَّم فيعمل بما يقرِّبُه إلى الله ويُدْنيه من رضاه ويُزْلفه من دار كرامته، أو يتأخَّر عمَّا خُلِقَ له وعمَّا يحبُّه الله ويرضاه، فيعمل بالمعاصي، ويتقرَّب إلى جهنَّم؛ كما قال تعالى:{وقلِ الحقُّ من ربِّكم فَمَن شاء فَلۡيُؤمِن ومَن شاءَ فَلۡيَكۡفُرۡ ... } الآية. {38 ـ 48}{كلُّ نفس بما كسبتۡ}: من أفعال الشرِّ وأعمال السوء {رهينةٌ}: بها موثقةٌ بسعيها، قد أُلْزِمَ عنقها وغُلَّ في رقبتها واستوجبت به العذاب، {إلاَّ أصحابَ اليمين}: فإنَّهم لم يرتهنوا، بل أُطلقوا وفرحوا {في جناتٍ يتساءلونَ. عن المجرمينَ}؛ أي: في جناتٍ قد حصل لهم فيها جميع مطلوباتهم وتمَّت لهم الراحةُ والطمأنينة، حتى أقبلوا يتساءلون، فأفضتْ بهم المحادثة أن سألوا عن المجرمين؛ أيُّ حال وصلوا إليها؟ وهل وَجَدوا ما وعَدَهم الله [تعالى]؟ فقال بعضهم لبعضٍ هل أنتم مُطَّلعونَ عليهم، فاطَّلعوا عليهم في وسطِ الجحيم يعذَّبون، فقالوا لهم:{ما سَلَككم في سَقَرَ}؛ أي: أيُّ شيءٍ أدخلكم فيها؟ وبأيِّ ذنبٍ اسْتَحَقيْتُموها؟ فقالوا:{لم نَكُ من المصلِّينَ. ولم نكُ نطعِمُ المسكينَ}: فلا إخلاص للمعبودِ ولا إحسانَ ولا نفع للخلق المحتاجين، {وكنَّا نخوضُ مع الخائضينَ}؛ أي: نخوض بالباطل ونجادل به الحقَّ، {وكنَّا نكذِّبُ بيوم الدِّينِ}: هذه آثار الخوض بالباطل، وهو التَّكذيب بالحقِّ، ومن أحقِّ الحقِّ يوم الدين، الذي هو محلُّ الجزاء على الأعمال وظهور مُلك الله وحُكمه العدل لسائر الخلق، فاستمرَّ عَمَلُنا على هذا المذهب الباطل {حتَّى أتانا اليقين}؛ أي: الموت، فلما ماتوا على الكفر؛ تعذَّرت حينئذٍ عليهم الحِيَلُ، وانسدَّ في وجوههم باب الأمل. {فما تَنفَعُهم شفاعةُ الشَّافعين}؛ لأنَّهم لا يشفعون إلاَّ لِمَنِ ارتضى، وهؤلاء لا يرضى الله أعمالهم. {49 ـ 53} فلمَّا بيَّن الله مآل المخالفين وبيَّن ما يفعل بهم؛ عطف على الموجودين بالعتاب واللوم، فقال:{فما لهم عن التَّذۡكِرَةِ معرِضينَ}؛ أي: صادَّين غافلين عنها، {كأنَّهم}: في نفرتِهِم الشديدة منها {حمُرٌ مستنفرةٌ}؛ أي:[كأنّهم] حمُرُ وحشٍ نفرتْ؛ فنفَّر بعضُها بعضاً فزاد عَدْوُها، {فرَّتۡ من قَسۡوَرَةٍ}؛ أي: من صائدٍ ورامٍ يريدها أو من أسدٍ ونحوه، وهذا من أعظم ما يكون من النُّفور عن الحقِّ، ومع هذا النفور والإعراض يدَّعون الدَّعاوي الكبار؛ فيريد {كلُّ} واحد {منهم أن يُؤۡتى صُحُفاً منشَّرةً}: نازلة عليه من السماء؛ يزعم أنَّه لا ينقاد للحقِّ؛ إلاَّ بذلك، وقد كذَّبوا؛ فإنَّهم لو جاءتهم كلُّ آيةٍ؛ لم يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم؛ لأنَّهم جاءتهم الآياتُ البيناتُ، التي تبيِّن الحقَّ وتوضِّحه؛ فلو كان فيهم خيرٌ؛ لآمنوا، ولهذا قال:{كلاَّ}؛ أي: لا نعطيهم ما طلبوا، وهم ما قصدوا بذلك إلاَّ التعجيز، {بل لا يخافونَ الآخرةَ}: فلو كانوا يخافونها؛ لما جرى منهم ما جرى. {54 ـ 56}{كلاَّ [إنَّه] تذكرةٌ}: الضمير إمَّا أن يعود على هذه السورة أو على ما اشتملتْ عليه من هذه الموعظة، {فَمَن شاء ذَكَرَهُ}: لأنَّه قد بيَّن له السبيل ووضَح له الدَّليل. {[وما يَذۡكُرون] إلاَّ أن يشاءَ اللهُ}: فإنَّ مشيئة اللَّه نافذةٌ عامَّةٌ، لا يخرج عنها حادثٌ قليلٌ ولا كثيرٌ؛ ففيها ردٌّ على القدريَّة، الذين لا يُدْخِلون أفعال العباد تحت مشيئة الله، والجبريَّة، الذين يزعمون أنَّه ليس للعبد مشيئةٌ ولا فعلٌ حقيقةً، وإنَّما هو مجبور على أفعاله، فأثبت تعالى للعباد مشيئةً حقيقةً وفعلاً، وجعل ذلك تابعاً لمشيئته، و {وهو أهلُ التَّقوى وأهل المغفرةِ}؛ أي: هو أهل أن يُتَّقى ويُعبد؛ لأنَّه الإله الذي لا تنبغي العبادة إلاَّ له، وأهلٌ أن يَغْفِرَ لمن اتَّقاه واتَّبع رضاه. تمت. ولله الحمد والمنة. * * *

المدثر 74:53

{32 ـ 34}{كلاَّ}: هنا بمعنى حقًّا، أو بمعنى ألا الاستفتاحية، فأقسم تعالى بالقمر، وبالليل وقتَ إدباره، والنهارِ وقتَ إسفاره؛ لاشتمال المذكورات على آيات الله العظيمة الدالَّة على كمال قدرةِ الله وحكمته وسعة سلطانه وعموم رحمته وإحاطة علمه. {35 ـ 37} والمقسَمُ عليه قوله: {إنَّها لإحدى الكُبَرِ}؛ أي: إنَّ النار لإحدى العظائم الطامَّة والأمور الهامَّة؛ فإذا أعلمناكم بها وكنتُم على بصيرةٍ من أمرها؛ فمن شاء منكم أن يتقدَّم فيعمل بما يقرِّبُه إلى الله ويُدْنيه من رضاه ويُزْلفه من دار كرامته، أو يتأخَّر عمَّا خُلِقَ له وعمَّا يحبُّه الله ويرضاه، فيعمل بالمعاصي، ويتقرَّب إلى جهنَّم؛ كما قال تعالى:{وقلِ الحقُّ من ربِّكم فَمَن شاء فَلۡيُؤمِن ومَن شاءَ فَلۡيَكۡفُرۡ ... } الآية. {38 ـ 48}{كلُّ نفس بما كسبتۡ}: من أفعال الشرِّ وأعمال السوء {رهينةٌ}: بها موثقةٌ بسعيها، قد أُلْزِمَ عنقها وغُلَّ في رقبتها واستوجبت به العذاب، {إلاَّ أصحابَ اليمين}: فإنَّهم لم يرتهنوا، بل أُطلقوا وفرحوا {في جناتٍ يتساءلونَ. عن المجرمينَ}؛ أي: في جناتٍ قد حصل لهم فيها جميع مطلوباتهم وتمَّت لهم الراحةُ والطمأنينة، حتى أقبلوا يتساءلون، فأفضتْ بهم المحادثة أن سألوا عن المجرمين؛ أيُّ حال وصلوا إليها؟ وهل وَجَدوا ما وعَدَهم الله [تعالى]؟ فقال بعضهم لبعضٍ هل أنتم مُطَّلعونَ عليهم، فاطَّلعوا عليهم في وسطِ الجحيم يعذَّبون، فقالوا لهم:{ما سَلَككم في سَقَرَ}؛ أي: أيُّ شيءٍ أدخلكم فيها؟ وبأيِّ ذنبٍ اسْتَحَقيْتُموها؟ فقالوا:{لم نَكُ من المصلِّينَ. ولم نكُ نطعِمُ المسكينَ}: فلا إخلاص للمعبودِ ولا إحسانَ ولا نفع للخلق المحتاجين، {وكنَّا نخوضُ مع الخائضينَ}؛ أي: نخوض بالباطل ونجادل به الحقَّ، {وكنَّا نكذِّبُ بيوم الدِّينِ}: هذه آثار الخوض بالباطل، وهو التَّكذيب بالحقِّ، ومن أحقِّ الحقِّ يوم الدين، الذي هو محلُّ الجزاء على الأعمال وظهور مُلك الله وحُكمه العدل لسائر الخلق، فاستمرَّ عَمَلُنا على هذا المذهب الباطل {حتَّى أتانا اليقين}؛ أي: الموت، فلما ماتوا على الكفر؛ تعذَّرت حينئذٍ عليهم الحِيَلُ، وانسدَّ في وجوههم باب الأمل. {فما تَنفَعُهم شفاعةُ الشَّافعين}؛ لأنَّهم لا يشفعون إلاَّ لِمَنِ ارتضى، وهؤلاء لا يرضى الله أعمالهم. {49 ـ 53} فلمَّا بيَّن الله مآل المخالفين وبيَّن ما يفعل بهم؛ عطف على الموجودين بالعتاب واللوم، فقال:{فما لهم عن التَّذۡكِرَةِ معرِضينَ}؛ أي: صادَّين غافلين عنها، {كأنَّهم}: في نفرتِهِم الشديدة منها {حمُرٌ مستنفرةٌ}؛ أي:[كأنّهم] حمُرُ وحشٍ نفرتْ؛ فنفَّر بعضُها بعضاً فزاد عَدْوُها، {فرَّتۡ من قَسۡوَرَةٍ}؛ أي: من صائدٍ ورامٍ يريدها أو من أسدٍ ونحوه، وهذا من أعظم ما يكون من النُّفور عن الحقِّ، ومع هذا النفور والإعراض يدَّعون الدَّعاوي الكبار؛ فيريد {كلُّ} واحد {منهم أن يُؤۡتى صُحُفاً منشَّرةً}: نازلة عليه من السماء؛ يزعم أنَّه لا ينقاد للحقِّ؛ إلاَّ بذلك، وقد كذَّبوا؛ فإنَّهم لو جاءتهم كلُّ آيةٍ؛ لم يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم؛ لأنَّهم جاءتهم الآياتُ البيناتُ، التي تبيِّن الحقَّ وتوضِّحه؛ فلو كان فيهم خيرٌ؛ لآمنوا، ولهذا قال:{كلاَّ}؛ أي: لا نعطيهم ما طلبوا، وهم ما قصدوا بذلك إلاَّ التعجيز، {بل لا يخافونَ الآخرةَ}: فلو كانوا يخافونها؛ لما جرى منهم ما جرى. {54 ـ 56}{كلاَّ [إنَّه] تذكرةٌ}: الضمير إمَّا أن يعود على هذه السورة أو على ما اشتملتْ عليه من هذه الموعظة، {فَمَن شاء ذَكَرَهُ}: لأنَّه قد بيَّن له السبيل ووضَح له الدَّليل. {[وما يَذۡكُرون] إلاَّ أن يشاءَ اللهُ}: فإنَّ مشيئة اللَّه نافذةٌ عامَّةٌ، لا يخرج عنها حادثٌ قليلٌ ولا كثيرٌ؛ ففيها ردٌّ على القدريَّة، الذين لا يُدْخِلون أفعال العباد تحت مشيئة الله، والجبريَّة، الذين يزعمون أنَّه ليس للعبد مشيئةٌ ولا فعلٌ حقيقةً، وإنَّما هو مجبور على أفعاله، فأثبت تعالى للعباد مشيئةً حقيقةً وفعلاً، وجعل ذلك تابعاً لمشيئته، و {وهو أهلُ التَّقوى وأهل المغفرةِ}؛ أي: هو أهل أن يُتَّقى ويُعبد؛ لأنَّه الإله الذي لا تنبغي العبادة إلاَّ له، وأهلٌ أن يَغْفِرَ لمن اتَّقاه واتَّبع رضاه. تمت. ولله الحمد والمنة. * * *

المدثر 74:54

{32 ـ 34}{كلاَّ}: هنا بمعنى حقًّا، أو بمعنى ألا الاستفتاحية، فأقسم تعالى بالقمر، وبالليل وقتَ إدباره، والنهارِ وقتَ إسفاره؛ لاشتمال المذكورات على آيات الله العظيمة الدالَّة على كمال قدرةِ الله وحكمته وسعة سلطانه وعموم رحمته وإحاطة علمه. {35 ـ 37} والمقسَمُ عليه قوله: {إنَّها لإحدى الكُبَرِ}؛ أي: إنَّ النار لإحدى العظائم الطامَّة والأمور الهامَّة؛ فإذا أعلمناكم بها وكنتُم على بصيرةٍ من أمرها؛ فمن شاء منكم أن يتقدَّم فيعمل بما يقرِّبُه إلى الله ويُدْنيه من رضاه ويُزْلفه من دار كرامته، أو يتأخَّر عمَّا خُلِقَ له وعمَّا يحبُّه الله ويرضاه، فيعمل بالمعاصي، ويتقرَّب إلى جهنَّم؛ كما قال تعالى:{وقلِ الحقُّ من ربِّكم فَمَن شاء فَلۡيُؤمِن ومَن شاءَ فَلۡيَكۡفُرۡ ... } الآية. {38 ـ 48}{كلُّ نفس بما كسبتۡ}: من أفعال الشرِّ وأعمال السوء {رهينةٌ}: بها موثقةٌ بسعيها، قد أُلْزِمَ عنقها وغُلَّ في رقبتها واستوجبت به العذاب، {إلاَّ أصحابَ اليمين}: فإنَّهم لم يرتهنوا، بل أُطلقوا وفرحوا {في جناتٍ يتساءلونَ. عن المجرمينَ}؛ أي: في جناتٍ قد حصل لهم فيها جميع مطلوباتهم وتمَّت لهم الراحةُ والطمأنينة، حتى أقبلوا يتساءلون، فأفضتْ بهم المحادثة أن سألوا عن المجرمين؛ أيُّ حال وصلوا إليها؟ وهل وَجَدوا ما وعَدَهم الله [تعالى]؟ فقال بعضهم لبعضٍ هل أنتم مُطَّلعونَ عليهم، فاطَّلعوا عليهم في وسطِ الجحيم يعذَّبون، فقالوا لهم:{ما سَلَككم في سَقَرَ}؛ أي: أيُّ شيءٍ أدخلكم فيها؟ وبأيِّ ذنبٍ اسْتَحَقيْتُموها؟ فقالوا:{لم نَكُ من المصلِّينَ. ولم نكُ نطعِمُ المسكينَ}: فلا إخلاص للمعبودِ ولا إحسانَ ولا نفع للخلق المحتاجين، {وكنَّا نخوضُ مع الخائضينَ}؛ أي: نخوض بالباطل ونجادل به الحقَّ، {وكنَّا نكذِّبُ بيوم الدِّينِ}: هذه آثار الخوض بالباطل، وهو التَّكذيب بالحقِّ، ومن أحقِّ الحقِّ يوم الدين، الذي هو محلُّ الجزاء على الأعمال وظهور مُلك الله وحُكمه العدل لسائر الخلق، فاستمرَّ عَمَلُنا على هذا المذهب الباطل {حتَّى أتانا اليقين}؛ أي: الموت، فلما ماتوا على الكفر؛ تعذَّرت حينئذٍ عليهم الحِيَلُ، وانسدَّ في وجوههم باب الأمل. {فما تَنفَعُهم شفاعةُ الشَّافعين}؛ لأنَّهم لا يشفعون إلاَّ لِمَنِ ارتضى، وهؤلاء لا يرضى الله أعمالهم. {49 ـ 53} فلمَّا بيَّن الله مآل المخالفين وبيَّن ما يفعل بهم؛ عطف على الموجودين بالعتاب واللوم، فقال:{فما لهم عن التَّذۡكِرَةِ معرِضينَ}؛ أي: صادَّين غافلين عنها، {كأنَّهم}: في نفرتِهِم الشديدة منها {حمُرٌ مستنفرةٌ}؛ أي:[كأنّهم] حمُرُ وحشٍ نفرتْ؛ فنفَّر بعضُها بعضاً فزاد عَدْوُها، {فرَّتۡ من قَسۡوَرَةٍ}؛ أي: من صائدٍ ورامٍ يريدها أو من أسدٍ ونحوه، وهذا من أعظم ما يكون من النُّفور عن الحقِّ، ومع هذا النفور والإعراض يدَّعون الدَّعاوي الكبار؛ فيريد {كلُّ} واحد {منهم أن يُؤۡتى صُحُفاً منشَّرةً}: نازلة عليه من السماء؛ يزعم أنَّه لا ينقاد للحقِّ؛ إلاَّ بذلك، وقد كذَّبوا؛ فإنَّهم لو جاءتهم كلُّ آيةٍ؛ لم يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم؛ لأنَّهم جاءتهم الآياتُ البيناتُ، التي تبيِّن الحقَّ وتوضِّحه؛ فلو كان فيهم خيرٌ؛ لآمنوا، ولهذا قال:{كلاَّ}؛ أي: لا نعطيهم ما طلبوا، وهم ما قصدوا بذلك إلاَّ التعجيز، {بل لا يخافونَ الآخرةَ}: فلو كانوا يخافونها؛ لما جرى منهم ما جرى. {54 ـ 56}{كلاَّ [إنَّه] تذكرةٌ}: الضمير إمَّا أن يعود على هذه السورة أو على ما اشتملتْ عليه من هذه الموعظة، {فَمَن شاء ذَكَرَهُ}: لأنَّه قد بيَّن له السبيل ووضَح له الدَّليل. {[وما يَذۡكُرون] إلاَّ أن يشاءَ اللهُ}: فإنَّ مشيئة اللَّه نافذةٌ عامَّةٌ، لا يخرج عنها حادثٌ قليلٌ ولا كثيرٌ؛ ففيها ردٌّ على القدريَّة، الذين لا يُدْخِلون أفعال العباد تحت مشيئة الله، والجبريَّة، الذين يزعمون أنَّه ليس للعبد مشيئةٌ ولا فعلٌ حقيقةً، وإنَّما هو مجبور على أفعاله، فأثبت تعالى للعباد مشيئةً حقيقةً وفعلاً، وجعل ذلك تابعاً لمشيئته، و {وهو أهلُ التَّقوى وأهل المغفرةِ}؛ أي: هو أهل أن يُتَّقى ويُعبد؛ لأنَّه الإله الذي لا تنبغي العبادة إلاَّ له، وأهلٌ أن يَغْفِرَ لمن اتَّقاه واتَّبع رضاه. تمت. ولله الحمد والمنة. * * *

المدثر 74:55

{32 ـ 34}{كلاَّ}: هنا بمعنى حقًّا، أو بمعنى ألا الاستفتاحية، فأقسم تعالى بالقمر، وبالليل وقتَ إدباره، والنهارِ وقتَ إسفاره؛ لاشتمال المذكورات على آيات الله العظيمة الدالَّة على كمال قدرةِ الله وحكمته وسعة سلطانه وعموم رحمته وإحاطة علمه. {35 ـ 37} والمقسَمُ عليه قوله: {إنَّها لإحدى الكُبَرِ}؛ أي: إنَّ النار لإحدى العظائم الطامَّة والأمور الهامَّة؛ فإذا أعلمناكم بها وكنتُم على بصيرةٍ من أمرها؛ فمن شاء منكم أن يتقدَّم فيعمل بما يقرِّبُه إلى الله ويُدْنيه من رضاه ويُزْلفه من دار كرامته، أو يتأخَّر عمَّا خُلِقَ له وعمَّا يحبُّه الله ويرضاه، فيعمل بالمعاصي، ويتقرَّب إلى جهنَّم؛ كما قال تعالى:{وقلِ الحقُّ من ربِّكم فَمَن شاء فَلۡيُؤمِن ومَن شاءَ فَلۡيَكۡفُرۡ ... } الآية. {38 ـ 48}{كلُّ نفس بما كسبتۡ}: من أفعال الشرِّ وأعمال السوء {رهينةٌ}: بها موثقةٌ بسعيها، قد أُلْزِمَ عنقها وغُلَّ في رقبتها واستوجبت به العذاب، {إلاَّ أصحابَ اليمين}: فإنَّهم لم يرتهنوا، بل أُطلقوا وفرحوا {في جناتٍ يتساءلونَ. عن المجرمينَ}؛ أي: في جناتٍ قد حصل لهم فيها جميع مطلوباتهم وتمَّت لهم الراحةُ والطمأنينة، حتى أقبلوا يتساءلون، فأفضتْ بهم المحادثة أن سألوا عن المجرمين؛ أيُّ حال وصلوا إليها؟ وهل وَجَدوا ما وعَدَهم الله [تعالى]؟ فقال بعضهم لبعضٍ هل أنتم مُطَّلعونَ عليهم، فاطَّلعوا عليهم في وسطِ الجحيم يعذَّبون، فقالوا لهم:{ما سَلَككم في سَقَرَ}؛ أي: أيُّ شيءٍ أدخلكم فيها؟ وبأيِّ ذنبٍ اسْتَحَقيْتُموها؟ فقالوا:{لم نَكُ من المصلِّينَ. ولم نكُ نطعِمُ المسكينَ}: فلا إخلاص للمعبودِ ولا إحسانَ ولا نفع للخلق المحتاجين، {وكنَّا نخوضُ مع الخائضينَ}؛ أي: نخوض بالباطل ونجادل به الحقَّ، {وكنَّا نكذِّبُ بيوم الدِّينِ}: هذه آثار الخوض بالباطل، وهو التَّكذيب بالحقِّ، ومن أحقِّ الحقِّ يوم الدين، الذي هو محلُّ الجزاء على الأعمال وظهور مُلك الله وحُكمه العدل لسائر الخلق، فاستمرَّ عَمَلُنا على هذا المذهب الباطل {حتَّى أتانا اليقين}؛ أي: الموت، فلما ماتوا على الكفر؛ تعذَّرت حينئذٍ عليهم الحِيَلُ، وانسدَّ في وجوههم باب الأمل. {فما تَنفَعُهم شفاعةُ الشَّافعين}؛ لأنَّهم لا يشفعون إلاَّ لِمَنِ ارتضى، وهؤلاء لا يرضى الله أعمالهم. {49 ـ 53} فلمَّا بيَّن الله مآل المخالفين وبيَّن ما يفعل بهم؛ عطف على الموجودين بالعتاب واللوم، فقال:{فما لهم عن التَّذۡكِرَةِ معرِضينَ}؛ أي: صادَّين غافلين عنها، {كأنَّهم}: في نفرتِهِم الشديدة منها {حمُرٌ مستنفرةٌ}؛ أي:[كأنّهم] حمُرُ وحشٍ نفرتْ؛ فنفَّر بعضُها بعضاً فزاد عَدْوُها، {فرَّتۡ من قَسۡوَرَةٍ}؛ أي: من صائدٍ ورامٍ يريدها أو من أسدٍ ونحوه، وهذا من أعظم ما يكون من النُّفور عن الحقِّ، ومع هذا النفور والإعراض يدَّعون الدَّعاوي الكبار؛ فيريد {كلُّ} واحد {منهم أن يُؤۡتى صُحُفاً منشَّرةً}: نازلة عليه من السماء؛ يزعم أنَّه لا ينقاد للحقِّ؛ إلاَّ بذلك، وقد كذَّبوا؛ فإنَّهم لو جاءتهم كلُّ آيةٍ؛ لم يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم؛ لأنَّهم جاءتهم الآياتُ البيناتُ، التي تبيِّن الحقَّ وتوضِّحه؛ فلو كان فيهم خيرٌ؛ لآمنوا، ولهذا قال:{كلاَّ}؛ أي: لا نعطيهم ما طلبوا، وهم ما قصدوا بذلك إلاَّ التعجيز، {بل لا يخافونَ الآخرةَ}: فلو كانوا يخافونها؛ لما جرى منهم ما جرى. {54 ـ 56}{كلاَّ [إنَّه] تذكرةٌ}: الضمير إمَّا أن يعود على هذه السورة أو على ما اشتملتْ عليه من هذه الموعظة، {فَمَن شاء ذَكَرَهُ}: لأنَّه قد بيَّن له السبيل ووضَح له الدَّليل. {[وما يَذۡكُرون] إلاَّ أن يشاءَ اللهُ}: فإنَّ مشيئة اللَّه نافذةٌ عامَّةٌ، لا يخرج عنها حادثٌ قليلٌ ولا كثيرٌ؛ ففيها ردٌّ على القدريَّة، الذين لا يُدْخِلون أفعال العباد تحت مشيئة الله، والجبريَّة، الذين يزعمون أنَّه ليس للعبد مشيئةٌ ولا فعلٌ حقيقةً، وإنَّما هو مجبور على أفعاله، فأثبت تعالى للعباد مشيئةً حقيقةً وفعلاً، وجعل ذلك تابعاً لمشيئته، و {وهو أهلُ التَّقوى وأهل المغفرةِ}؛ أي: هو أهل أن يُتَّقى ويُعبد؛ لأنَّه الإله الذي لا تنبغي العبادة إلاَّ له، وأهلٌ أن يَغْفِرَ لمن اتَّقاه واتَّبع رضاه. تمت. ولله الحمد والمنة. * * *

المدثر 74:56

{32 ـ 34}{كلاَّ}: هنا بمعنى حقًّا، أو بمعنى ألا الاستفتاحية، فأقسم تعالى بالقمر، وبالليل وقتَ إدباره، والنهارِ وقتَ إسفاره؛ لاشتمال المذكورات على آيات الله العظيمة الدالَّة على كمال قدرةِ الله وحكمته وسعة سلطانه وعموم رحمته وإحاطة علمه. {35 ـ 37} والمقسَمُ عليه قوله: {إنَّها لإحدى الكُبَرِ}؛ أي: إنَّ النار لإحدى العظائم الطامَّة والأمور الهامَّة؛ فإذا أعلمناكم بها وكنتُم على بصيرةٍ من أمرها؛ فمن شاء منكم أن يتقدَّم فيعمل بما يقرِّبُه إلى الله ويُدْنيه من رضاه ويُزْلفه من دار كرامته، أو يتأخَّر عمَّا خُلِقَ له وعمَّا يحبُّه الله ويرضاه، فيعمل بالمعاصي، ويتقرَّب إلى جهنَّم؛ كما قال تعالى:{وقلِ الحقُّ من ربِّكم فَمَن شاء فَلۡيُؤمِن ومَن شاءَ فَلۡيَكۡفُرۡ ... } الآية. {38 ـ 48}{كلُّ نفس بما كسبتۡ}: من أفعال الشرِّ وأعمال السوء {رهينةٌ}: بها موثقةٌ بسعيها، قد أُلْزِمَ عنقها وغُلَّ في رقبتها واستوجبت به العذاب، {إلاَّ أصحابَ اليمين}: فإنَّهم لم يرتهنوا، بل أُطلقوا وفرحوا {في جناتٍ يتساءلونَ. عن المجرمينَ}؛ أي: في جناتٍ قد حصل لهم فيها جميع مطلوباتهم وتمَّت لهم الراحةُ والطمأنينة، حتى أقبلوا يتساءلون، فأفضتْ بهم المحادثة أن سألوا عن المجرمين؛ أيُّ حال وصلوا إليها؟ وهل وَجَدوا ما وعَدَهم الله [تعالى]؟ فقال بعضهم لبعضٍ هل أنتم مُطَّلعونَ عليهم، فاطَّلعوا عليهم في وسطِ الجحيم يعذَّبون، فقالوا لهم:{ما سَلَككم في سَقَرَ}؛ أي: أيُّ شيءٍ أدخلكم فيها؟ وبأيِّ ذنبٍ اسْتَحَقيْتُموها؟ فقالوا:{لم نَكُ من المصلِّينَ. ولم نكُ نطعِمُ المسكينَ}: فلا إخلاص للمعبودِ ولا إحسانَ ولا نفع للخلق المحتاجين، {وكنَّا نخوضُ مع الخائضينَ}؛ أي: نخوض بالباطل ونجادل به الحقَّ، {وكنَّا نكذِّبُ بيوم الدِّينِ}: هذه آثار الخوض بالباطل، وهو التَّكذيب بالحقِّ، ومن أحقِّ الحقِّ يوم الدين، الذي هو محلُّ الجزاء على الأعمال وظهور مُلك الله وحُكمه العدل لسائر الخلق، فاستمرَّ عَمَلُنا على هذا المذهب الباطل {حتَّى أتانا اليقين}؛ أي: الموت، فلما ماتوا على الكفر؛ تعذَّرت حينئذٍ عليهم الحِيَلُ، وانسدَّ في وجوههم باب الأمل. {فما تَنفَعُهم شفاعةُ الشَّافعين}؛ لأنَّهم لا يشفعون إلاَّ لِمَنِ ارتضى، وهؤلاء لا يرضى الله أعمالهم. {49 ـ 53} فلمَّا بيَّن الله مآل المخالفين وبيَّن ما يفعل بهم؛ عطف على الموجودين بالعتاب واللوم، فقال:{فما لهم عن التَّذۡكِرَةِ معرِضينَ}؛ أي: صادَّين غافلين عنها، {كأنَّهم}: في نفرتِهِم الشديدة منها {حمُرٌ مستنفرةٌ}؛ أي:[كأنّهم] حمُرُ وحشٍ نفرتْ؛ فنفَّر بعضُها بعضاً فزاد عَدْوُها، {فرَّتۡ من قَسۡوَرَةٍ}؛ أي: من صائدٍ ورامٍ يريدها أو من أسدٍ ونحوه، وهذا من أعظم ما يكون من النُّفور عن الحقِّ، ومع هذا النفور والإعراض يدَّعون الدَّعاوي الكبار؛ فيريد {كلُّ} واحد {منهم أن يُؤۡتى صُحُفاً منشَّرةً}: نازلة عليه من السماء؛ يزعم أنَّه لا ينقاد للحقِّ؛ إلاَّ بذلك، وقد كذَّبوا؛ فإنَّهم لو جاءتهم كلُّ آيةٍ؛ لم يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم؛ لأنَّهم جاءتهم الآياتُ البيناتُ، التي تبيِّن الحقَّ وتوضِّحه؛ فلو كان فيهم خيرٌ؛ لآمنوا، ولهذا قال:{كلاَّ}؛ أي: لا نعطيهم ما طلبوا، وهم ما قصدوا بذلك إلاَّ التعجيز، {بل لا يخافونَ الآخرةَ}: فلو كانوا يخافونها؛ لما جرى منهم ما جرى. {54 ـ 56}{كلاَّ [إنَّه] تذكرةٌ}: الضمير إمَّا أن يعود على هذه السورة أو على ما اشتملتْ عليه من هذه الموعظة، {فَمَن شاء ذَكَرَهُ}: لأنَّه قد بيَّن له السبيل ووضَح له الدَّليل. {[وما يَذۡكُرون] إلاَّ أن يشاءَ اللهُ}: فإنَّ مشيئة اللَّه نافذةٌ عامَّةٌ، لا يخرج عنها حادثٌ قليلٌ ولا كثيرٌ؛ ففيها ردٌّ على القدريَّة، الذين لا يُدْخِلون أفعال العباد تحت مشيئة الله، والجبريَّة، الذين يزعمون أنَّه ليس للعبد مشيئةٌ ولا فعلٌ حقيقةً، وإنَّما هو مجبور على أفعاله، فأثبت تعالى للعباد مشيئةً حقيقةً وفعلاً، وجعل ذلك تابعاً لمشيئته، و {وهو أهلُ التَّقوى وأهل المغفرةِ}؛ أي: هو أهل أن يُتَّقى ويُعبد؛ لأنَّه الإله الذي لا تنبغي العبادة إلاَّ له، وأهلٌ أن يَغْفِرَ لمن اتَّقاه واتَّبع رضاه. تمت. ولله الحمد والمنة. * * *