Lafzullah

Tafsir Ibn Kathir — النساء 4:24 – النساء 4:46

المؤلف / المصدر: Hafiz Ibn Kathir

المحتويات
  1. النساء 4:24
  2. النساء 4:25
  3. النساء 4:26
  4. النساء 4:27
  5. النساء 4:28
  6. النساء 4:29
  7. النساء 4:30
  8. النساء 4:31
  9. النساء 4:32
  10. النساء 4:33
  11. النساء 4:34
  12. النساء 4:35
  13. النساء 4:36
  14. النساء 4:37
  15. النساء 4:38
  16. النساء 4:39
  17. النساء 4:40
  18. النساء 4:41
  19. النساء 4:42
  20. النساء 4:43
  21. النساء 4:44
  22. النساء 4:45
  23. النساء 4:46

النساء 4:24

هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ هِيَ آيَةُ تَحْرِيمِ الْمَحَارِمِ مِنَ النَّسَبِ، وَمَا يَتْبَعُهُ مِنَ الرَّضَاعِ وَالْمَحَارِمِ بِالصِّهْرِ، كَمَا قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنان، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حَبِيبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قال: حُرمت عَلَيْكُمْ سَبْعٌ نَسَبًا، وَسَبْعٌ صِهْرًا، وَقَرَأَ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ﴾ الْآيَةَ. وَحَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ رَجَاءٍ [[في جـ، أ: "بن جابر".]] عَنْ عُمَير مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ سَبْعٌ وَمِنَ الصِّهْرِ سَبْعٌ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأخِ وَبَنَاتُ الأخْتِ﴾ فَهُنَّ [[في جـ، ر، أ: "فهذا".]] النَّسَبُ. وَقَدِ اسْتَدَلَّ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى تَحْرِيمِ الْمَخْلُوقَةِ مِنْ مَاءِ الزَّانِي عَلَيْهِ بِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَبَنَاتُكُمْ﴾ ؛ فَإِنَّهَا بِنْتٌ فَتَدْخُلُ فِي الْعُمُومِ، كَمَا هُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ. وَقَدْ حُكيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ شَيْءٌ فِي إِبَاحَتِهَا؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِنْتًا شَرْعِيَّةً، فَكَمَا لَمْ تَدْخُلْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ فَإِنَّهَا لَا تَرِثُ بِالْإِجْمَاعِ، فَكَذَلِكَ لَا تَدْخُلُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ أَيْ كَمَا تَحْرُمُ [[في ر: "يحرم".]] عَلَيْكَ أُمُّكَ الَّتِي وَلَدَتْكَ، كَذَلِكَ يَحْرُمُ عَلَيْكَ أُمُّكَ الَّتِي أَرْضَعَتْكَ؛ وَلِهَذَا رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الرَّضَاعَةَ تُحَرِّمُ مَا تُحَرِّمُ الْوِلَادَةُ"، وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: "يَحْرُم مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُم مِنَ النَّسَبِ" [[صحيح البخاري رقم (٣١٠٥) وصحيح مسلم برقم (١٤٤٤) وموطأ مالك (في الرضاع) .]] . وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ: كَمَا يَحْرُمُ بِالنَّسَبِ يَحْرُمُ بِالرَّضَاعِ إِلَّا فِي أَرْبَعِ صُوَرٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: سِتِّ صُوَرٍ، هِيَ [[في ر: "وهي".]] مَذْكُورَةٌ فِي كُتُبِ الْفُرُوعِ. وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ لَا يُسْتَثْنَى شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يُوجَدُ مِثْلُ بَعْضِهَا فِي النَّسَبِ، وَبَعْضُهَا إِنَّمَا يَحْرُمُ مِنْ جِهَةِ الصِّهْرِ، فَلَا يَرِدُ [[في أ: "لا يزد".]] عَلَى الْحَدِيثِ شَيْءٌ أَصْلًا الْبَتَّةَ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. ثُمَّ اخْتَلَفَ الْأَئِمَّةُ فِي عَدَدِ الرَّضَعَاتِ الْمُحَرِّمَةِ، فَذَهَبَ ذَاهِبُونَ إِلَى أَنَّهُ يُحَرِّمُ مُجَرَّدُ الرَّضَاعِ لِعُمُومِ هَذِهِ الْآيَةِ. وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَيُحْكَى عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّب، وعُرْوَة بْنُ الزُّبَيْرِ، والزُّهْرِي. وَقَالَ آخَرُونَ: لَا يُحَرِّمُ أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثِ رَضَعَاتٍ لِمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا تُحرِّم المصةُ وَالْمَصَّتَانِ" [[صحيح مسلم برقم (١٤٥٠) لكنه من طريق ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزبير عن عائشة. وقد رواه النسائي في السنن الكبرى مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ وابن الزبير برقم (٥٤٥٨) .]] . وَقَالَ قَتَادَةُ، عَنْ أَبِي الْخَلِيلِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أُمِّ الْفَضْلِ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "لَا تُحرم الرَّضْعَة وَلَا الرَّضْعَتَانِ، والمصَّة [[في جـ، أ: "ولا المصة".]] وَلَا الْمَصَّتَانِ"، وَفِي لَفْظٍ آخَرَ: "لَا تُحَرِّمُ الإمْلاجَة وَلَا الْإِمْلَاجَتَانِ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ [[صحيح مسلم برقم (١٤٥١)]] . وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا الْقَوْلِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَإِسْحَاقُ بن رَاهْوَيْهِ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَأَبُو ثَوْرٍ. وَيُحْكَى [[في جـ، أ: "هو محكى".]] عَنْ عَلِيٍّ، وَعَائِشَةَ، وَأُمِّ الْفَضْلِ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ. وَقَالَ آخَرُونَ: لَا يُحَرِّمُ أَقَلُّ مِنْ خَمْسِ رَضَعَاتٍ، لِمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَمْرة [[في جـ، ر، أ: "عن عروة".]] عَنْ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: كَانَ فِيمَا أَنْزَلَ [اللَّهُ] [[زيادة من جـ، أ.]] مِنَ الْقُرْآنِ: عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ. ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى لِلَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُنَّ فِيمَا يُقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ نَحْوَ ذَلِكَ [[صحيح مسلم برقم (١٤٥٢) .]] . وَفِي حَدِيثِ سَهْلة بِنْتِ سُهَيْلٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَهَا أَنْ تُرضِع مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ خَمْسَ رَضَعَاتٍ [[وانظر قصتها في المسند (٦/٢٠١) .]] وَكَانَتْ عَائِشَةُ تَأْمُرُ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهَا أَنْ يُرْضع خَمْسَ رَضَعَاتٍ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ [تَعَالَى] [[زيادة من ر.]] وَأَصْحَابُهُ. ثُمَّ لِيُعْلَمَ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ الرَّضَاعَةُ فِي سِنِّ الصِّغَرِ دُونَ الْحَوْلَيْنِ عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ. وَكَمَا [[في جـ، ر، أ: "وقد".]] قَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ، عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [الْآيَةَ: ٢٣٣] . وَاخْتَلَفُوا: هَلْ يُحَرِّمُ لَبَنُ الفَحْل، كَمَا هُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ؟ وَإِنَّمَا يَخْتَصُّ الرَّضَاعُ بِالْأُمِّ فَقَطْ، وَلَا يَنْتَشِرُ إِلَى نَاحِيَةِ الْأَبِ كَمَا هُوَ لِبَعْضِ السَّلَفِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ، [[زيادة من جـ، ر، أ.]] تَحْرِيرُ هَذَا كُلِّهِ فِي كِتَابِ "الْأَحْكَامُ الْكَبِيرُ ". * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ أَمَّا [[في ر: "أن".]] أَمُّ الْمَرْأَةِ فَإِنَّهَا تَحْرُمُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ عَلَى ابْنَتِهَا، سَوَاءٌ دَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ. وَأَمَّا الرَّبِيبَةُ وَهِيَ بِنْتُ الْمَرْأَةِ فَلَا تَحْرُمُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ عَلَى أُمِّهَا حَتَّى يَدْخُلَ بِهَا، فَإِنْ طَلَّقَ الْأُمَّ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا جَازَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِنْتَهَا، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [أَيْ] [[زيادة من جـ، أ.]] فِي تَزْوِيجِهِنَّ، فَهَذَا خَاصٌّ بِالرَّبَائِبِ وَحْدَهُنَّ. وَقَدْ فَهِمَ بعضُهم عَوْدَ الضَّمِيرِ إِلَى الْأُمَّهَاتِ [وَ] [[زيادة من ر.]] الرَّبَائِبِ فَقَالَ: لَا تَحْرُمُ وَاحِدَةٌ مِنَ الأم ولا الْبِنْتِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ عَلَى الْأُخْرَى حَتَّى يَدْخُلَ بِهَا؛ لِقَوْلِهِ: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ وَقَالَ [[في جـ، ر، أ: "فقال"]] ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ وَعَبْدُ الْأَعْلَى، عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ خِلاس بْنِ عَمْرو، عَنْ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فِي رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَطَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا، أَيَتَزَوَّجُ أُمَّهَا؟ قَالَ: هِيَ بِمَنْزِلَةِ الرَّبِيبَةِ. وَحَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ [[في ج، ر: "عن".]] سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: إِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا فَلَا بَأْسَ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُمَّهَا. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ؛ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِذَا مَاتَتْ عِنْدَهُ وَأَخَذَ مِيرَاثَهَا كُره أَنْ يَخْلُفَ عَلَى أُمِّهَا، فَإِذَا طَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا فَإِنْ شَاءَ فَعَلَ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ حَفْصٍ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ [[في أ: "عن".]] عُوَيْمِرٍ الْأَجْدَعِ أَنَّ [[في جـ، ر: "من" وفي أ: "عن".]] بَكْرَ بْنَ كِنَانَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَاهُ أَنْكَحَهُ امْرَأَةً بِالطَّائِفِ قَالَ: فَلَمْ أُجَامِعْهَا حَتَّى تُوُفِّيَ عَمي عَنْ أُمِّهَا، وَأُمُّهَا ذَاتُ مَالٍ كَثِيرٍ، فَقَالَ أَبِي: هَلْ لَكَ فِي أُمِّهَا؟ قَالَ: فَسَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ وَأَخْبَرْتُهُ الْخَبَرَ [[في أ: "بالخبر".]] فَقَالَ: انْكِحْ أُمَّهَا. قَالَ: فَسَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ فَقَالَ: لَا تَنْكِحْهَا. فَأَخْبَرْتُ أَبِي مَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ، فَكَتَبَ إِلَى مُعَاوِيَةَ وَأَخْبَرَهُ فِي كِتَابِهِ بِمَا قَالَ ابْنُ عُمَر وَابْنُ عَبَّاسٍ فَكَتَبَ مُعَاوِيَةُ: إِنِّي لَا أُحِلُّ مَا حَرم اللَّهُ، وَلَا أُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ [اللَّهُ] [[زيادة من جـ، أ.]] وَأَنْتَ وَذَاكَ وَالنِّسَاءُ سِوَاهَا كَثِيرٌ. فَلَمْ يَنْهَ [[في جـ، ر، أ: "ينهنى".]] وَلَمْ يَأْذَنْ لِي، فَانْصَرَفَ أَبِي عَنْ أُمِّهَا فَلَمْ يَنْكِحْهَا [[في أ "ينكحنيها".]] . وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنْ سِمَاك بْنِ الْفَضْلِ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: الرَّبِيبَةُ وَالْأُمُّ سَوَاءٌ، لَا بَأْسَ بِهَا إِذَا لَمْ يُدْخَلْ بِالْمَرْأَةِ. وَفِي [[في جـ، ر: "في".]] إِسْنَادِهِ رَجُلٌ مُبْهَمٌ [[في أ: "متهم".]] لَمْ يُسَمَّ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ [[في أ: "ابن جرير".]] أَخْبَرَنِي عِكْرِمَةُ بْنُ خَالِدٍ أَنَّ مُجَاهِدًا قَالَ لَهُ: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ أَرَادَ [[في جـ، ر، أ: "أريد".]] بِهِمَا الدُّخُولَ جَمِيعًا [[في أ: "جمعا".]] فَهَذَا الْقَوْلُ مَرْوِيٌّ كَمَا تَرَى عَنْ عَلِيٍّ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَمُجَاهِدٍ، وَابْنِ جُبَيْرٍ [[في جـ، ر: "ومجاهد بن جبير" وفي أ: "مجاهد بن جبر".]] وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَدْ تَوَقَّفَ فِيهِ مُعَاوِيَةُ، وَذَهَبَ إِلَيْهِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّابُونِيِّ، فِيمَا نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنِ الْعَبَّادِيِّ. [وَقَدْ خَالَفَهُ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، فَرَأَوْا أَنَّ الرَّبِيبَةَ لَا تَحْرُمُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ عَلَى الْأُمِّ، وَأَنَّهَا لَا تَحْرُمُ إِلَّا بِالدُّخُولِ بِالْأُمِّ، بِخِلَافِ الْأُمِّ فَإِنَّهَا تَحْرُمُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ عَلَى الرَّبِيبَةِ] [[زيادة من جـ، ر، أ.]] . قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ هَارُونَ بْنِ عَزْرة [[في جـ، أ: "عروة".]] حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ إِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَةً قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا أَوْ مَاتَتْ لَمْ تَحِلَّ [[في أ: "لا يمل".]] لَهُ أُمُّهَا، أَنَّهُ قَالَ: إِنَّهَا مُبْهَمَةٌ، فكرهها. ثُمَّ قَالَ: ورُويَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَين، وَمَسْرُوقٍ، وَطَاوُسٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَعَطَاءٍ، وَالْحَسَنِ، وَمَكْحُولٍ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَقَتَادَةَ، وَالزُّهْرِيِّ نَحْوُ ذَلِكَ. وَهَذَا مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَالْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ، وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. قَالَ [[في أ: "وقال".]] ابْنُ جَرِيرٍ: وَالصَّوَابُ، أَعْنِي قَوْلَ مَنْ قَالَ: "الْأُمُّ مِنَ الْمُبْهَمَاتِ"؛ لِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَشْرُطْ [[في أ: "يشترط".]] مَعَهُنَّ الدُّخُولَ كَمَا شَرَطَ ذَلِكَ مَعَ أُمَّهَاتِ الرَّبَائِبِ، مَعَ أَنَّ ذَلِكَ أَيْضًا إِجْمَاعٌ مِنَ الْحُجَّةِ الَّتِي لَا يَجُوزُ خِلَافُهَا فِيمَا جَاءَتْ بِهِ مُتَّفِقَةً عَلَيْهِ. وَقَدْ رُوِيَ بِذَلِكَ أَيْضًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ خَبَرٌ، غَيْرَ أنَّ فِي إِسْنَادِهِ نَظَرًا، وَهُوَ مَا حَدَّثَنِي بِهِ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، أَخْبَرَنَا الْمُثَنَّى بْنُ الصَّبَّاحِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جده عن النبي صلىالله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِذَا نَكَحَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُمَّهَا، دُخِلَ بِالْبِنْتِ أَوْ لَمْ يُدْخَلَ، وَإِذَا تَزَوَّجَ الْأُمَّ [[في أ: "بالأم".]] فَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا، فَإِنْ شَاءَ تَزَوَّجَ الِابْنَةَ [[تفسير الطبري (٨/١٤٦) ورواه البيهقي في السنن الكبرى (٧/١٦٠) من طريق به، ثم قال البيهقي: "مثنى بن الصباح غير قوي".]] . ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا الْخَبَرُ، وَإِنْ كَانَ فِي إِسْنَادِهِ مَا فِيهِ، فَإِنَّ فِي إِجْمَاعِ الْحُجَّةِ عَلَى صِحَّةِ الْقَوْلِ بِهِ مُسْتَغْنى عَنْ الِاسْتِشْهَادِ عَلَى صِحَّتِهِ بِغَيْرِهِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ فَجُمْهُورُ [[في ر: "جمهور".]] الْأَئِمَّةِ عَلَى أَنَّ الرَّبِيبَةَ حَرَامٌ سَوَاءٌ كَانَتْ فِي حِجْرِ الرَّجُلِ أَوْ لَمْ تَكُنْ فِي حِجْرِهِ، قَالُوا: وَهَذَا الْخِطَابُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ، فَلَا مَفْهُومَ لَهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النُّورِ: ٣٣] وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ أُمَّ حَبيبة قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، انْكِحْ أُخْتِي بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ -وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: عَزَّةَ بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ-قَالَ: "أَوْ تُحِبِّينَ ذَلِكَ؟ " قَالَتْ: نَعَمْ، لَسْتُ لَكَ بمُخْليَة، وَأَحَبُّ مَنْ شَارَكَنِي فِي خَيْرٍ أُخْتِي. قَالَ: "فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَحل [[في أ: "لا تحل".]] لِي". قَالَتْ: فَإِنَّا نُحَدثُ أَنَّكَ تُرِيدُ أَنْ تَنْكِحَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ. قَالَ [[في ر: "قالت".]] بنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ؟ " قَالَتْ [[في جـ، ر: "قلت".]] نَعَمْ. قَالَ: إِنَّهَا لَوْ لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِي فِي حِجْرِي مَا حَلَّتْ لِي، إِنَّهَا لَبِنْتُ [[في جـ، ر: "لابنة".]] أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ، أَرْضَعَتْنِي وَأَبَا سَلَمَةَ ثُوَيْبَة فَلَا تَعْرضْن عَلَيَّ بَنَاتِكُنَّ وَلَا أَخَوَاتِكُنَّ". وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: "إِنِّي لَوْ لَمْ أَتَزَوَّجْ أُمَّ سَلَمَةَ مَا حَلَّتْ لِي" [[صحيح البخاري برقم (٥١٠١) وصحيح مسلم برقم (١٤٤٩) .]] . فَجَعَلَ الْمَنَاطَ فِي التَّحْرِيمِ مُجَرَّدُ تَزْوِيجِهِ أُمَّ سَلَمَةَ وَحَكَمَ بِالتَّحْرِيمِ لِذَلِكَ، وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَالْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ وَجُمْهُورِ الْخَلَفِ وَالسَّلَفِ. وَقَدْ قِيلَ بِأَنَّهُ لَا تَحْرُمُ الرَّبِيبَةُ إِلَّا إِذَا كَانَتْ فِي حِجْرِ الرَّجُلِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَلَا تَحْرُمُ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعة، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَنْبَأَنَا هِشَامٌ -يَعْنِي ابْنَ يُوسُفَ-عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ، أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ قَالَ: كَانَتْ عِنْدِي امْرَأَةٌ فَتُوُفِّيَتْ، وَقَدْ وَلَدَتْ لِي، فوجِدْت عَلَيْهَا، فَلَقِيَنِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ: مَالَكَ؟ فَقُلْتُ: تُوُفِّيَتِ الْمَرْأَةُ. فَقَالَ عَلِيٌّ: لَهَا ابْنَةٌ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، وَهِيَ بِالطَّائِفِ. قَالَ: كَانَتْ فِي حِجْرِكَ؟ قُلْتُ: لَا هِيَ بِالطَّائِفِ قَالَ: فَانْكِحْهَا. قُلْتُ: فَأَيْنَ قَوْلُ اللَّهِ [عَزَّ وَجَلَّ] [[زيادة من أ.]] ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ قَالَ: إِنَّهَا لَمْ تَكُنْ فِي حجْرك، إِنَّمَا ذَلِكَ إِذَا كَانَتْ فِي حِجْرِكَ. هَذَا إِسْنَادٌ قَوِيٌّ ثَابِتٌ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَهُوَ قَوْلٌ غَرِيبٌ جِدًّا، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ دَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ الظَّاهِرِيُّ وَأَصْحَابُهُ. وَحَكَاهُ أَبُو الْقَاسِمِ الرَّافِعِيُّ عَنْ مَالِكٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَزْمٍ، وَحَكَى لِي شَيْخُنَا الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الذَّهَبِيُّ أَنَّهُ عَرَض هَذَا عَلَى الشَّيْخِ الْإِمَامِ تَقِيِّ الدِّينِ ابْنِ تَيْمِيَةَ، رَحِمَهُ اللَّهُ، فَاسْتَشْكَلَهُ، وَتَوَقَّفَ فِي ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ [[بدائع الفوائد (١/٥٣) .]] . وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا الْأَثْرَمُ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ قَوْلُهُ: ﴿اللاتِي فِي حُجُورِكُم﴾ قَالَ: فِي بُيُوتِكُمْ. وَأَمَّا الرَّبِيبَةُ فِي مِلْكِ الْيَمِينِ فَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ سُئلَ عَنِ الْمَرْأَةِ وَبِنْتِهَا [[في أ: "وربيبتها".]] مِنْ مِلْكِ الْيَمِينِ تُوطَأُ إِحْدَاهُمَا بَعْدَ الْأُخْرَى؟ فَقَالَ عُمَرُ: مَا أُحِبُّ أَنْ أَخْبُرَهُمَا جَمِيعًا. يُرِيدُ أَنْ أطَأهُمَا جَمِيعًا بِمِلْكِ يَمِينِي. وَهَذَا مُنْقَطِعٌ. وَقَالَ سُنَيد بْنُ دَاوُدَ فِي تَفْسِيرِهِ: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ طَارِقِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ قَيْسٍ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: أَيَقَعُ الرَّجُلُ عَلَى امْرَأَةٍ وَابْنَتِهَا مَمْلُوكِينَ [[في جـ، ر، أ: "مملوكتين".]] لَهُ؟ فَقَالَ: أَحَلَّتْهُمَا آيَةٌ وَحَرَّمَتْهُمَا آيَةٌ، وَلَمْ [[في جـ، أ: "فلم".]] أَكُنْ لِأَفْعَلَهُ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عُمَر بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، رَحِمَهُ اللَّهُ: لَا خِلَافَ بَيْنِ الْعُلَمَاءِ أنَّه لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَطَأَ امْرَأَةً وَابْنَتَهَا [[في أ: "وبنتها".]] مِنْ مِلْكِ الْيَمِينِ، لِأَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ ذَلِكَ فِي النِّكَاحِ، قَالَ: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ﴾ وَمِلْكُ الْيَمِينِ هُمْ [[في جـ، ر، أ: "عندهم".]] تَبَعٌ لِلنِّكَاحِ، إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ عُمَر وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَيْسَ عَلَى ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْفَتْوَى وَلَا مَنْ تَبِعَهُمْ. وَرَوَى [[في ر، أ: "قال".]] هِشَامٌ عَنْ قَتَادَةَ: بِنْتُ الرَّبِيبَةِ وَبِنْتُ ابْنَتِهَا لَا تَصْلُحُ وَإِنْ كَانَتْ أَسْفَلَ بِبُطُونٍ كَثِيرَةٍ. وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ. وَمَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ أَيْ: نَكَحْتُمُوهُنَّ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ: هُوَ أَنْ تُهْدَى إِلَيْهِ فَيَكْشِفُ وَيُفَتِّشُ وَيَجْلِسُ بَيْنَ رِجْلَيْهَا. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فِي بَيْتِ أَهْلِهَا. قَالَ: هُوَ سَوَاءٌ، وحسبه قد حرم ذلك عليه ابنتها. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَفِي إِجْمَاعِ الْجَمِيعِ عَلَى أَنَّ خَلْوَةَ الرَّجُلِ بِامْرَأَتِهِ لَا يُحرم [[في جـ، ر، أ: "لا تحرم".]] ابْنَتَهَا عَلَيْهِ إِذَا طَلَّقَهَا قَبْلَ مَسِيسِهَا ومُبَاشرتها أَوْ قَبْلَ [[في جـ، ر، أ: "وقيل".]] النَّظَرِ إِلَى فَرْجِهَا بِشَهْوَةٍ، مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ هُوَ الْوُصُولُ إِلَيْهَا بِالْجِمَاعِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ أَيْ: وحُرمت عَلَيْكُمْ زَوْجَاتُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ وَلَّدْتُمُوهُمْ مِنْ أَصْلَابِكُمْ، يُحْتَرَزُ بِذَلِكَ عَنِ الْأَدْعِيَاءِ الَّذِينَ كَانُوا يَتَبَنَونهم فِي الْجَاهِلِيَّةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ [إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا] [[زيادة من جـ، ر، أ.]] ﴾ الْآيَةَ [الْأَحْزَابِ: ٣٧] . وَقَالَ ابْنُ جُرَيْج: سَأَلْتُ عَطَاءً عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ قَالَ: كُنَّا نُحَدِّث، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ [[في جـ: "النبي".]] ﷺ لَمَّا نَكَحَ امْرَأَةَ زَيْدٍ، قَالَ [[في جـ، ر، أ: "فقال".]] الْمُشْرِكُونَ بِمَكَّةَ فِي ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ [عَزَّ وَجَلَّ] [[زيادة من جـ، أ.]] ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ وَنَزَلَتْ: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [الْأَحْزَابِ: ٤] . وَنَزَلَتْ: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [الْأَحْزَابِ: ٤٠] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدِّمِيُّ، حَدَّثَنَا الْجُرْحُ [[في جـ، ر، أ: "خالد".]] بْنُ الْحَارِثِ، عَنِ الْأَشْعَثِ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ [[في أ: "الحسن ومحمد".]] أَنَّ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ مُبْهَمَاتٍ: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾ ﴿أُمَّهَاتُ نِسَائِكُم﴾ ثُمَّ قَالَ: وَرُوِيَ عَنْ طَاوُسٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَالزُّهْرِيِّ وَمَكْحُولٍ نَحْوُ ذَلِكَ. قُلْتُ: مَعْنَى [[في ر: "يعني".]] مُبْهَمَاتٍ: أَيْ عَامَّةٍ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا وَغَيْرِ الْمَدْخُولِ، فَتَحْرُمُ [[في أ: "فيحرم".]] بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ عَلَيْهَا، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. فَإِنْ قِيلَ: فَمِنْ أَيْنَ تَحْرُمُ امْرَأَةُ ابْنِهِ مِنَ الرَّضَاعَةِ، كَمَا هُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَحْكِيهِ إِجْمَاعًا وَلَيْسَ مِنْ صُلْبِهِ؟ فَالْجَوَابُ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ: "يَحْرُم مِنَ الرَّضَاعِ [[في أ: "الرضاعة".]] مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ". * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأخْتَيْنِ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ [إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا] [[زيادة من جـ، أ، وفي الأصل: "الآية".]] ﴾ أَيْ: وَحُرِّمَ عَلَيْكُمُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ مَعًا فِي التَّزْوِيجِ، وَكَذَا فِي مِلْكِ الْيَمِينِ إِلَّا مَا كَانَ مِنْكُمْ فِي جَاهِلِيَّتِكُمْ فَقَدْ عَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَغَفَرْنَاهُ. فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا مَثْنَوِيَّةَ فِيمَا يُسْتَقْبَلُ وَلَا اسْتِثْنَاءَ فِيمَا [[في ر، أ: "بما".]] سَلَفَ، كَمَا قَالَ: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلا الْمَوْتَةَ الأولَى﴾ [الدُّخَانِ:٥٦] فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ [[في جـ: "الموت فيهما".]] أَبَدًا. وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعَيْنِ وَالْأَئِمَّةِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا عَلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ فِي النِّكَاحِ، وَمَنْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ أُخْتَانِ خُيِّرَ، فَيُمْسِكُ إِحْدَاهُمَا [[في أ: "أحديهما".]] وَيُطَلِّقُ الْأُخْرَى لَا مَحَالَةَ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ دَاوُدَ حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعة عَنْ أَبِي وهْب الجيْشاني عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ فَيْرُوزَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَسْلَمْتُ وَعِنْدِي امْرَأَتَانِ أُخْتَانِ، فأمَرني النَّبِيُّ ﷺ أَنْ أُطَلِّقَ إِحْدَاهُمَا [[في أ: "أحديهما".]] . ثُمَّ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ ابْنِ لَهِيعَةَ. وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي وَهْبٍ الجَيْشاني. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَاسْمُهُ دَيْلَمُ بْنُ الهُوشَع، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ فَيْرُوزَ الدَّيْلَمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، بِهِ وَفِي لَفْظٍ لِلتِّرْمِذِيِّ: فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "اخْتَرْ أَيَّتَهُمَا [[في جـ: "أيهما".]] شِئْتَ". ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ [[المسند (٤/٢٣٢) وسنن أبي داود برقم (٢٢٤٣) وسنن الترمذي برقم (١٢٢٩) وسنن ابن ماجة برقم (١٩٥١) .]] . وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ أَيْضًا بِإِسْنَادٍ آخَرَ فَقَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي فَرْوَةَ، عَنْ أَبِي وَهْبٍ الْجَيْشَانِيِّ عَنْ أَبِي خِرَاشٍ الرُّعَيْني [[في جـ، أ: "عن أبي خراش الرعيني عن الديلمي".]] قَالَ: قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعِنْدِي أُخْتَانِ تَزَوجْتُهما فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَالَ: "إِذَا رَجَعْتَ فَطلقْ إِحْدَاهُمَا [[في أ: "أحديهما".]] " [[سنن ابن ماجة برقم (١٩٥٠) وقد سقط اسم الديلمي هنا (١٨/٣٢٨) من طريق إسحاق بْنِ أَبِي فَرْوَةَ عَنْ أَبِي وَهْبٍ الْجَيْشَانِيِّ عن أبي خراش الرعينى عن الديلمي به، وقد خولف إسحاق بن أبي فروة: خالفه يزيد بن حبيب فرواه عن أبي وهب عن الديلمي به، ورواه البيهقي في السنن الكبرى (٧/١٨٤) ثم قال: "زاد إسحاق بن أبي فروة في إسناده أبا خراش وإسحاق لا يحتج به، ورواية يزيد بن أبي حبيب أصح".]] . قُلْتُ: فَيُحْتَمَلُ أَنَّ أَبَا خِرَاشٍ هَذَا هُوَ الضَّحَّاكُ بْنُ فَيْرُوزَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ غَيْرُهُ، فَيَكُونُ أَبُو [[في جـ، أ: "ابن".]] وَهْبٍ قَدْ رَوَاهُ عَنِ اثْنَيْنِ، عَنْ فَيْرُوزَ الدَّيْلَمِيِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ ابْنُ مَرْدويه: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى الْخَوْلَانِيُّ [[في جـ، ر، أ: "الحلواتي".]] حَدَّثَنَا هَيْثَمُ بْنُ خَارِجَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي فَرْوة عَنْ رُزَيق [[في جـ، ر: "زريق".]] بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ مُرَّةَ، عَنِ الدَّيْلَمِيِّ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ تَحْتِي أُخْتَيْنِ؟ قَالَ: "طَلق أَيَّهُمَا شِئْتَ" [[في إسناده إسحاق بن أبي فروة وهو ضعيف وقد اختلف عليه فيه.]] . فَالدَّيْلَمِيُّ الْمَذْكُورُ أَوَّلًا هُوَ الضَّحَّاكُ بْنُ فَيْرُوزَ الدَّيْلَمِيُّ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من جـ، أ.]] قَالَ أَبُو زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيُّ: كَانَ يَصْحَبُ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ، وَالثَّانِي هُوَ أَبُو فَيْرُوزَ الدَّيْلَمِيُّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ الْأُمَرَاءِ بِالْيَمَنِ الَّذِينَ وُلُّوا قَتْلَ الْأَسْوَدِ الْعَنْسِيِّ [[في أ: "العبسي".]] الْمُتَنَبِّئِ لَعَنَهُ اللَّهُ. وَأَمَّا الْجَمْعُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ فِي مِلْكِ الْيَمِينِ فَحَرَامٌ أَيْضًا لِعُمُومِ الْآيَةِ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عِنَبَةَ -أَوْ عُتْبَةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يَجْمَعُ بَيْنَ [[في أ: "بين الأمتين الأختين".]] الْأُخْتَيْنِ، فَكَرِهَهُ، فَقَالَ لَهُ-يَعْنِي السَّائِلَ-: يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ فَقَالَ لَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ: وَبَعِيرُكَ مما ملكت يمينك. وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عَنِ الْجُمْهُورِ وَالْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُ السَّلَفِ قَدْ تَوَقَّفَ فِي ذَلِكَ. قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ قَبيصة بْنِ ذُؤيب: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانٍ عَنِ الْأُخْتَيْنِ فِي مِلْكِ الْيَمِينِ، هَلْ يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا؟ فَقَالَ عُثْمَانُ: أَحَلَّتْهُمَا آيَةٌ وحَرمتهما آيَةٌ، وَمَا كُنْتُ لِأَصْنَعَ ذَلِكَ، فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ فَلَقِيَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: لَوْ كَانَ لِي مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ثُمَّ وَجَدْتُ أَحَدًا فَعَلَ ذَلِكَ لَجَعَلْتُهُ نَكَالًا. قَالَ مَالِكٌ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أرَاه عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ: قَالَ: وَبَلَغَنِي عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ مَثَلُ ذَلِكَ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ النَّمَري، رَحِمَهُ اللَّهُ، فِي كِتَابِهِ "الِاسْتِذْكَارِ": إِنَّمَا كَنَّى قَبِيصَةَ بْنَ ذُؤيب عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، لِصُحْبَتِهِ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ، وَكَانُوا يَسْتَثْقِلُونَ ذِكْرَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. ثُمَّ قَالَ أَبُو عُمَرَ، رَحِمَهُ اللَّهُ: حَدَّثَنِي خَلَفُ بْنُ أَحْمَدَ، رَحِمَهُ اللَّهُ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ: أَنَّ خَلَفَ بْنَ مُطَرِّفٍ حَدَّثَهُمْ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ وَسَعِيدُ [[في ر، أ: "معبد".]] بْنُ سُلَيْمَانَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ لُبَابَةَ قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو زَيْدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِيُّ [[في أ: "المقبري".]] عَنْ مُوسَى بْنِ أَيُّوبَ الْغَافِقِيِّ، حَدَّثَنِي عَمِّي إِيَاسُ بْنُ عَامِرٍ قَالَ: سَأَلْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من جـ، أ.]] فَقُلْتُ: إِنَّ لِي أُخْتَيْنِ مِمَّا مَلَكَتْ يَمِينِي، اتَّخَذْتُ إِحْدَاهُمَا سُرِّيَّةً فَوَلَدَتْ لِي أَوْلَادًا، ثُمَّ رَغِبْتُ فِي الْأُخْرَى، فَمَا أَصْنَعُ؟ فَقَالَ عَلِيٌّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: تَعْتِقُ الَّتِي كُنْتَ تطَأُ ثُمَّ تَطَأُ الْأُخْرَى. قُلْتُ: فَإِنَّ نَاسًا يَقُولُونَ: بَلْ تَزَوّجها ثُمَّ تَطَأُ الْأُخْرَى. فَقَالَ عَلِيٌّ: أَرَأَيْتَ إِنْ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا أَوْ مَاتَ عَنْهَا أَلَيْسَ تَرْجِعُ إِلَيْكَ؟ لَأَنْ تَعْتِقَهَا أَسْلَمُ لَكَ. ثُمَّ أَخَذَ عَلِيٌّ بِيَدِي فَقَالَ لِي: إِنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْكَ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مَا يَحْرُمُ عَلَيْكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ الْحَرَائِرِ إِلَّا الْعَدَدَ -أَوْ قَالَ: إِلَّا الْأَرْبَعَ-ويَحْرُم عَلَيْكَ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ عَلَيْكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ النَّسَبِ. ثُمَّ قَالَ أَبُو عُمَرَ: هَذَا الْحَدِيثُ رِحْلَةٌ [[في ر: "رحلة رجل".]] لَوْ لَمْ يُصِبِ الرَّجُلُ مِنْ أَقْصَى الْمَشْرِقِ أَوِ الْمَغْرِبِ [[في جـ، ر: "أقصى المغرب أو المشرق".]] إِلَى مَكَّةَ غَيْرَهُ لَمَا خَابَتْ رِحْلَتُهُ [[الاستذكار لابن عبد البر (١٦/٢٥٢) .]] . قُلْتُ: وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ نَحْوُ مَا تَقَدَّمَ [[في أ: "ما روى".]] عَنْ عُثْمَانَ، وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بن مردويه: حدثنا محمد بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ الْمُخَرِّمِيُّ [[في أ: "المخزومي".]] حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ غَزْوان، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ لِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: حَرَّمَتْهُمَا آيَةٌ وَأَحَلَّتْهُمَا آيَةٌ -يَعْنِي الْأُخْتَيْنِ-قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُحَرِّمْهُنَّ عَلَيَّ قَرَابَتِي مِنْهُنَّ، وَلَا يُحَرِّمْهُنَّ عَلَىَّ قَرَابَةُ بَعْضِهِنَّ مِنْ بَعْضٍ -يَعْنِي الْإِمَاءَ-وَكَانَتِ الْجَاهِلِيَّةُ يُحَرِّمُونَ مَا تُحَرَّمون إِلَّا امْرَأَةَ الْأَبِ وَالْجَمْعَ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ، فَلَمَّا جاء الإسلام أنزل الله [عز وَجَلَّ] [[زيادة من ر.]] ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأخْتَيْنِ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ يَعْنِي: فِي النِّكَاحِ. ثُمَّ قَالَ أَبُو عُمَرَ: رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ [[في جـ، أ: "وروى عن أحمد" وفي ر: "وروى أحمد".]] بْنُ حَنْبَلٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: يَحْرُمُ مِنَ الْإِمَاءِ مَا يَحْرُمُ مِنَ الْحَرَائِرِ إِلَّا الْعَدَدَ. وَعَنِ ابْنِ سِيرِينَ وَالشَّعْبِيِّ مَثَلُ ذَلِكَ. قَالَ أَبُو عُمَرَ، رَحِمَهُ اللَّهُ: وَقَدْ رُوِيَ مِثْلُ قَوْلِ عُثْمَانَ عَنْ طَائِفَةٍ مِنَ السَّلَفِ، مِنْهُمُ: ابْنُ عَبَّاسٍ، وَلَكِنَّهُمُ اخْتُلِفَ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ وَالْحِجَازِ وَلَا بِالْعِرَاقِ وَلَا مَا وَرَاءَهُمَا مِنَ الْمَشْرِقِ وَلَا بِالشَّامِ وَلَا الْمَغْرِبِ، إِلَّا مَنْ شَذَّ عَنْ جَمَاعَتِهِمْ بِاتِّبَاعِ الظَّاهِرِ ونَفْي الْقِيَاسِ، وَقَدْ تَرَكَ مَنْ يَعْمَلُ ذَلِكَ [[في جـ، أ: "ذلك ظاهرا".]] مَا اجْتَمَعْنَا عَلَيْهِ، وَجَمَاعَةُ الْفُقَهَاءِ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَحِلُّ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ فِي الْوَطْءِ، كَمَا لَا يَحِلُّ ذَلِكَ فِي النِّكَاحِ. وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ [تَعَالَى] [[زيادة من جـ، ر، أ.]] ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ [وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ] [[زيادة من جـ، ر، أ.]] ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ: أَنَّ النِّكَاحَ وَمِلْكَ [[في جـ، ر، أ: "يملك".]] الْيَمِينِ فِي هَؤُلَاءِ كُلِّهِنَّ سَوَاءٌ، فَكَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ نَظَرًا وَقِيَاسًا الْجَمْعُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ وَأُمَّهَاتِ النِّسَاءِ وَالرَّبَائِبِ. وَكَذَلِكَ هُوَ عِنْدَ جُمْهُورِهِمْ، وَهُمُ الْحُجَّةُ الْمَحْجُوجُ بِهَا مَنْ خَالَفَهَا وَشَذَّ عَنْهَا، وَاللَّهُ الْمَحْمُودُ [[الاستذكار لابن عبد البر (١٦/ ٢٥٠-٢٥١) .]] . * * وَقَوْلُهُ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ أَيْ: وَحُرِّمَ عَلَيْكُمُ الْأَجْنَبِيَّاتُ الْمُحْصَنَاتُ وهي الْمُزَوَّجَاتُ ﴿إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ يَعْنِي: إِلَّا مَا [[في أ: "يعنى الإماء".]] مَلَكْتُمُوهُنَّ بِالسَّبْيِ، فَإِنَّهُ يَحِلُّ لَكُمْ وَطْؤُهُنَّ إِذَا اسْتَبْرَأْتُمُوهُنَّ، فَإِنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ -هُوَ الثَّوْرِيُّ-عَنْ عُثْمَانَ البَتِّي، عَنْ أَبِي الْخَلِيلِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: أَصَبْنَا نِسَاءً [[في أ: "سبيًا".]] مِنْ سَبْيِ أَوْطَاسَ، وَلَهُنَّ أَزْوَاجٌ، فَكَرِهْنَا أَنْ نَقَعَ عَلَيْهِنَّ وَلَهُنَّ أَزْوَاجٌ، فَسَأَلْنَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، فَنَزَلَتْ هذه الآية: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [قَالَ] [[زيادة من جـ، أ.]] فَاسْتَحْلَلْنَا فُرُوجَهُنَّ. وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مَنِيعٍ، عَنْ هُشَيم، وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَشُعْبَةَ بْنِ الْحَجَّاجِ، ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ عُثْمَانَ الْبَتِّيِّ، وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ حَدِيثِ أَشْعَثَ بْنِ سَوَّارِيِّ عَنْ عُثْمَانَ الْبَتِّيِّ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي الْخَلِيلِ صَالِحِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، فَذَكَرَهُ، وَهَكَذَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي الخليل، عن أبي سعيد، به [[تفسير عبد الرزاق (١/١٥٣) وسنن الترمذي برقم (٣٠١٧) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٠٩٧) وصحيح مسلم برقم (١٤٥٦) وتفسير الطبري (٨/١٥٣) .]] . وَقَدْ رُوِيَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي الْخَلِيلِ، عَنْ أَبِي عَلْقَمَةَ الْهَاشِمِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي الْخَلِيلِ، عَنْ أَبِي عَلْقَمَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ؛ أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَصَابُوا سَبَايَا يَوْمَ أَوَطَاسَ، لَهُنَّ أَزْوَاجٌ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ، فَكَأَنَّ أُنَاسًا [[في أ: "وكان ناس".]] مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم كَفُّوا وَتَأَثَّمُوا [[في جـ، ر: "أو تأثموا".]] مِنْ غَشَيَانِهِنَّ قَالَ: فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي ذَلِكَ: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ وَهَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبة -زَادَ مُسْلِمٌ: وَشُعْبَةُ-وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ هَمَّامِ بْنِ يَحْيَى، ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ قَتَادَةَ، بِإِسْنَادِهِ نَحْوَهُ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَلَا أَعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا ذَكَرَ أَبَا عَلْقَمَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِلَّا مَا ذَكَرَ هَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ. كَذَا قَالَ. وَقَدْ تَابَعَهُ سَعِيدٌ وَشُعْبَةُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ [[المسند (٣/٨٤) وصحيح مسلم برقم (١٤٥٦) وسنن أبي داود برقم (٢١٥٥) وسنن النسائي (٦/١١٠) وسنن الترمذي برقم (٣٠١٦) .]] . وَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي سَبَايَا خَيْبَرَ، وَذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ، وَقَدْ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ إِلَى أَنَّ بَيْعَ الْأَمَةِ يَكُونُ طَلَاقًا لَهَا مِنْ زَوْجِهَا، أَخْذًا بِعُمُومِ هَذِهِ الْآيَةِ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ مُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ: أَنَّهُ سُئل عَنِ الْأَمَةِ تُبَاعُ وَلَهَا زَوْجٌ؟ قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَقُولُ: بَيْعُهَا طَلَاقُهَا، وَيَتْلُو هَذِهِ الْآيَةَ [[في أ: "الآيات".]] ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ وَكَذَا رَوَاهُ سُفْيَانُ [[في أ: "شقيق".]] عَنْ منصور، ومغيرة والأعمشن عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: بَيْعُهَا طَلَاقُهَا. وَهُوَ مُنْقَطِعٌ. وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ أَبِي قِلابة، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: إِذَا بِيعَتِ الْأَمَةُ وَلَهَا زَوْجٌ فَسَيِّدُهَا أَحَقُّ بِبُضْعِهَا. وَرَوَاهُ سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: إِنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ، وَجَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، وَابْنَ عَبَّاسٍ قَالُوا: بَيْعُهَا طَلَاقُهَا. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، [حَدَّثَنَا] [[زيادة من جـ، ر، أ.]] ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: طَلَاقُ الْأَمَةِ سِتٌّ [[المذكور في رواية كل النسخ خمس لا ست.]] بَيْعُهَا طَلَاقُهَا، وَعِتْقُهَا طَلَاقُهَا، وَهِبَتُهَا طَلَاقُهَا، وَبَرَاءَتُهَا طَلَاقُهَا، وَطَلَاقُ زَوْجِهَا طَلَاقُهَا. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ قَوْلُهُ: ﴿وَالْمُحْصَناَتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ قَالَ: هُن [[في جـ، ر، أ: "هذه".]] ذَوَاتُ الْأَزْوَاجِ، حَرَّمَ اللَّهُ نِكَاحَهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ [[في ر: "يمينك فيها".]] فَبَيْعُهَا طَلَاقُهَا وقال معمر: وقال الحسن مثل ذلك. وَهَكَذَا رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبة، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ قَالَ: إِذَا كَانَ لَهَا زَوْجٌ فَبَيْعُهَا طَلَاقُهَا. وَقَالَ عَوْفٌ، عَنِ الْحَسَنِ: بَيْعُ الْأَمَةِ طَلَاقُهَا وبيعُه طلاقُها. فَهَذَا قَوْلُ هَؤُلَاءِ مِنَ السَّلَفِ [رَحِمَهُمُ اللَّهُ] [[زيادة من جـ، أ.]] وَقَدْ خَالَفَهُمُ الْجُمْهُورُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا، فَرَأَوْا أَنَّ بَيْعَ الْأَمَةِ لَيْسَ طَلَاقُهَا [[في ر، أ: "طلاقا لهما".]] ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ نَائِبٌ عَنِ الْبَائِعِ، وَالْبَائِعَ كَانَ قَدْ أَخْرَجَ عَنْ مِلْكِهِ هَذِهِ الْمَنْفَعَةَ وَبَاعَهَا مَسْلُوبَةً عَنْهَا، وَاعْتَمَدُوا فِي ذَلِكَ عَلَى حَدِيثِ بَرِيرَةَ الْمُخَرَّجِ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا؛ فَإِنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ اشْتَرَتْهَا وَنَجَّزَتْ عِتْقَهَا، وَلَمْ يَنْفَسِخْ نِكَاحُهَا مِنْ زَوْجِهَا مُغِيثٍ، بَلْ خَيَّرَهَا النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ الْفَسْخِ وَالْبَقَاءِ، فَاخْتَارَتِ الْفَسْخَ، وَقِصَّتُهَا مَشْهُورَةٌ، فَلَوْ كَانَ بَيْعُ الْأَمَةِ طَلَاقُهَا -كَمَا قَالَ [[في جـ، ر، أ: "قاله".]] هَؤُلَاءِ لَمَا خَيَّرَهَا النَّبِيُّ ﷺ، فَلَمَّا خَيَّرَهَا دَلَّ عَلَى بَقَاءِ النِّكَاحِ، وَأَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْآيَةِ الْمَسْبِيَّاتُ فَقَطْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ قِيلَ: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ يَعْنِي: الْعَفَائِفَ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ حَتَّى تَمْلِكُوا عِصْمَتَهُنَّ بِنِكَاحٍ وَشُهُودٍ وَمُهُورٍ وَوَلِيٍّ وَاحِدَةً أَوِ اثْنَتَيْنِ [[في أ: "واحد أو اثنين".]] أَوْ ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا. حَكَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ وَطَاوُسٍ وَغَيْرُهُمَا. وَقَالَ عُمَر وَعُبَيْدَةُ: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ مَا عَدَا الْأَرْبَعِ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿كِتَابَ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾ أَيْ: هَذَا التَّحْرِيمُ كِتَابٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكُمْ، فَالْزَمُوا كِتَابَهُ، وَلَا تَخْرُجُوا عَنْ حُدُودِهِ، وَالْزَمُوا شَرْعَهُ وَمَا فَرَضَهُ. وَقَدْ قَالَ عُبَيْدَةُ وَعَطَاءٌ وَالسُّدِّيُّ فِي قَوْلِهِ: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُم﴾ يَعْنِي الْأَرْبَعَ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: ﴿كِتَابَ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾ يَعْنِي: مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ أي: ما عدا من ذكرن مِنَ الْمَحَارِمِ هُنَّ لَكُمْ حَلَالٌ، قَالَهُ عَطَاءٌ وَغَيْرُهُ. وَقَالَ عُبَيْدَةُ وَالسُّدِّيُّ: ﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ مَا دُونَ الْأَرْبَعِ، وَهَذَا بَعِيدٌ، وَالصَّحِيحُ قَوْلُ عَطَاءٍ كَمَا تَقَدَّمَ. وَقَالَ قَتَادَةُ ﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ يَعْنِي: مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ. وَهَذِهِ الْآيَةُ هِيَ [[في جـ، ر، أ: "هي الآية".]] الَّتِي احْتَجَّ بِهَا مَنِ احْتَجَّ عَلَى تَحْلِيلِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ، وَقَوْلِ مَنْ قَالَ: أَحَلَّتْهُمَا آيَةٌ وَحَرَّمَتْهُمَا آيَةٌ [[في أ: "أحلتها آية وحرمتها آية".]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ أَيْ: تَحَصَّلُوا بِأَمْوَالِكُمْ مِنَ الزَّوْجَاتِ إِلَى أَرْبَعٍ أَوِ السَّرَارِي مَا شِئْتُمْ بِالطَّرِيقِ الشَّرْعِيِّ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ أَيْ: كَمَا تَسْتَمْتِعُونَ بِهِنَّ فَآتَوْهُنَّ مُهُورَهُنَّ فِي مُقَابَلَةِ ذَلِكَ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ [[في أ: "بعضهم".]] إِلَى بَعْضٍ﴾ [النِّسَاءِ: ٢١] وَكَقَوْلِهِ ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ وكقوله [النساء:٤] ﴿وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٢٢٩] وَقَدِ اسْتُدِلَّ بِعُمُومِ هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى نِكَاحِ الْمُتْعَةِ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ كَانَ مَشْرُوعًا فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ نُسِخَ بَعْدَ ذَلِكَ. وَقَدْ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَطَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّهُ أُبِيحَ ثُمَّ نُسِخَ، ثُمَّ أُبِيحَ ثُمَّ نُسِخَ، مَرَّتَيْنِ. وَقَالَ آخَرُونَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّمَا أُبِيحَ مَرَّةً، ثُمَّ نُسِخَ وَلَمْ يُبَحْ بَعْدَ ذَلِكَ. وَقَدْ رُويَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَطَائِفَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ القولُ بِإِبَاحَتِهَا لِلضَّرُورَةِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى. وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْر، والسُّدِّي يَقْرَءُونَ: "فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى فَآتَوْهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً". وَقَالَ مُجَاهِدٌ: نَزَلَتْ فِي نِكَاحِ الْمُتْعَةِ، وَلَكِنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، وَالْعُمْدَةُ مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من جـ.]] قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ يَوْمَ خَيْبَرَ [[صحيح البخاري رقم (٤٢١٦) وصحيح مسلم برقم (١٤٠٧) .]] وَلِهَذَا الْحَدِيثِ أَلْفَاظٌ مُقَرَّرَةٌ هِيَ فِي كِتَابِ "الْأَحْكَامِ". وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَة بْنِ مَعْبَدٍ الْجُهَنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ غَزَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتْحَ مَكَّةَ، فَقَالَ: "يَأَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي كُنْتُ أَذِنْتُ لَكُمْ فِي الِاسْتِمْتَاعِ مِنَ النِّسَاءِ، وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرم ذَلِكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْهُنَّ [[في أ: "منه".]] شَيْءٌ فَلْيُخَلِّ سَبِيلَهُ، وَلَا تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا" وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ [[صحيح مسلم برقم (١٤٠٦) .]] وَلَهُ أَلْفَاظٌ مَوْضِعُهَا كِتَابُ "الْأَحْكَامُ". * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ مَنْ حَمَلَ هَذِهِ الْآيَةَ عَلَى نِكَاحِ الْمُتْعَةِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى قَالَ: فَلَا [[في جـ:"لا جناح".]] جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا انْقَضَى الْأَجَلُ أَنْ تَرَاضَوْا [[في جـ: "تتراضوا"]] عَلَى زِيَادَةٍ بِهِ وَزِيَادَةٍ لِلْجُعْلِ [[في جـ: "الجعل".]] . قَالَ السُّدِّيُّ: إِنْ شَاءَ أَرْضَاهَا مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ الْأُولَى -يَعْنِي الْأَجْرَ الَّذِي أَعْطَاهَا عَلَى تَمَتُّعِهِ بِهَا-قَبْلَ انْقِضَاءِ الْأَجَلِ بَيْنَهُمَا فَقَالَ: أَتَمَتَّعُ مِنْكِ أَيْضًا بِكَذَا وَكَذَا، فَازْدَادَ [[في جـ، ر:"فإن زاد".]] قَبْلَ أَنْ يَسْتَبْرِئَ رَحِمَهَا يَوْمَ تَنْقَضِي الْمُدَّةُ، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ . قَالَ السُّدِّيُّ: إِذَا انْقَضَتِ الْمُدَّةُ فَلَيْسَ لَهُ عَلَيْهَا سَبِيلٌ، وَهِيَ مِنْهُ بَرِيئَةٌ، وَعَلَيْهَا أَنْ تَسْتَبْرِئَ مَا فِي رَحِمِهَا، وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا مِيرَاثٌ، فَلَا [[في جـ، أ: "ليس".]] يَرِثُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ. وَمَنْ قَالَ بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ جَعَلَ مَعْنَاهُ كَقَوْلِهِ: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً [فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا] [[زيادة من جـ، ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ [النِّسَاءِ: ٤] أَيْ: إِذَا فَرَضْتَ [[في ر: "فرضتم".]] لَهَا صَدَاقًا فَأَبْرَأَتْكَ مِنْهُ، أَوْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ وَلَا عَلَيْهَا فِي ذَلِكَ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ قال: زعم الْحَضْرَمِيُّ أَنَّ رِجَالًا كَانُوا يَفْرِضُونَ [[في أ: "يقرضون".]] الْمَهْرَ، ثُمَّ عَسَى أَنْ يُدْرِكَ أَحَدُهُمُ الْعُسْرَةُ، فَقَالَ: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ أَيُّهَا النَّاسُ ﴿فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرَيضَةِ﴾ يَعْنِي: إِنْ وَضَعَتْ لَكَ مِنْهُ شَيْئًا فَهُوَ لَكَ سَائِغٌ، وَاخْتَارَ هَذَا الْقَوْلَ ابْنُ جَرِيرٍ، وَقَالَ [عَلِيُّ] [[زيادة من ر، أ.]] بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ وَالتَّرَاضِي أَنْ يُوَفيها صَدَاقَهَا ثُمَّ يُخَيِّرَهَا، وَيَعْنِي [[في أ: "بعد".]] فِي الْمُقَامِ أَوِ الْفِرَاقِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ مُنَاسِبُ ذِكْرِ هَذَيْنَ الْوَصْفَيْنِ بَعْدَ شَرْعِ هَذِهِ الْمُحْرِمَاتِ [الْعَظِيمَةِ] [[زيادة من جـ، أ.]] .

النساء 4:25

يَقُولُ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] وَمَنْ لَمْ يَجِدْ ﴿طَوْلا﴾ أَيْ: سَعَةً وَقُدْرَةً ﴿أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ أَيِ الْحَرَائِرَ. وَقَالَ ابْنُ وَهْب: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْجَبَّارِ، عَنْ رَبِيعَةَ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ قَالَ رَبِيعَةُ الطوْل الْهَوَى، يَنْكِحَ الْأَمَةَ إِذَا كَانَ هَوَاهُ فِيهَا. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. ثُمَّ شَرَعَ يُشَنِّعُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ ويَرُدّه ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ أَيْ: فَتَزَوَّجُوا مِنَ الْإِمَاءِ الْمُؤْمِنَاتِ اللَّاتِي يَمْلِكُهُنَّ الْمُؤْمِنُونَ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَات﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ: فَلْيَنْكِحْ مِنْ إِمَاءِ الْمُؤْمِنِينَ، وَكَذَا قَالَ السُّدِّيُّ وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّان. ثُمَّ اعْتَرَضَ [[في جـ، ر، أ: "أعرض".]] بِقَوْلِهِ: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ أَيْ: هُوَ الْعَالِمُ بِحَقَائِقِ الْأُمُورِ وَسَرَائِرِهَا، وَإِنَّمَا لَكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ الظَّاهِرُ مِنَ الْأُمُورِ. ثُمَّ قَالَ: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ فدلَّ عَلَى أَنَّ السَّيِّدَ هُوَ وَلِيُّ أَمَتِهِ لَا تُزَوَّجُ إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَكَذَلِكَ هُوَ وَلِيُّ عَبْدِهِ، لَيْسَ لِعَبْدِهِ أَنْ يَتَزَوَّجَ إِلَّا [[في جـ: "بغير".]] بِإِذْنِهِ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: "أَيُّمَا عَبْدٍ تَزَوّج بِغَيْرِ إِذَنْ مَوَاليه فَهُوَ عَاهِر" [[رواه أبو داود في السنن برقم (٢٠٧٨) والترمذي في السنن برقم (١١١١) من طريق عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. قال الترمذي: حديث جابر حديث حسن.]] أي زان. فَإِنْ كَانَ مَالِكُ الْأَمَةِ امْرَأَةٌ زَوَّجَهَا مَنْ يُزَوِّجُ الْمَرْأَةَ بِإِذْنِهَا؛ لِمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: "لَا تُزَوِّجُ المرأةُ [المرأةَ، وَلَا المرأةُ نَفْسَهَا] [[زيادة من جـ، أ، وابن ماجه.]] فَإِنَّ الزَّانِيَةَ هِيَ الَّتِي تُزَوِّجُ نَفْسَهَا" [[رواه ابن ماجة في سننه برقم (١٨٨٢) من طريق محمد بن مروان عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أَيْ: وَادْفَعُوا [[في أ: "فادفعوا".]] مُهُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، أَيْ: عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْكُمْ، وَلَا تَبْخَسُوا [[في أ: "ولا يبخسوهن".]] مِنْهُ شَيْئًا اسْتِهَانَةً بِهِنَّ؛ لِكَوْنِهِنَّ إِمَاءً مَمْلُوكَاتٍ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿مُحْصَنَاتٍ﴾ أَيْ: عَفَائِفَ عَنِ الزِّنَا لَا [[في ر: "ولا".]] يَتَعَاطَيْنَهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾ وَهُنَّ الزَّوَانِي اللَّاتِي لَا يَمْتَنِعْنَ مَنْ أَرَادَهُنَّ بِالْفَاحِشَةِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْمُسَافِحَاتُ، هُنَّ الزَّوَانِي الْمُعَالِنَاتُ [[في جـ، ر، أ: "المعلنات".]] يَعْنِي الزَّوَانِي اللَّاتِي لَا يَمْنَعْنَ أَحَدًا أَرَادَهُنَّ بِالْفَاحِشَةِ. (وَمُتَّخِذَاتُ أَخْدَانٍ) يَعْنِي: أَخِلَّاءَ. وَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَمُجَاهِدٍ وَالشَّعْبِيِّ، وَالضَّحَّاكِ، وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، وَيَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ، وَالسُّدِّيِّ، قَالُوا: أَخِلَّاءَ. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: يَعْنِي: الصَّدِيقَ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ أَيْضًا: ﴿وَلا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ ذَاتُ الْخَلِيلِ الْوَاحِدِ [الْمَسِيسِ] [[زيادة من جـ، أ.]] الْمُقِرَّةُ بِهِ، نَهَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، يَعْنِي [عَنْ] [[زيادة من جـ، ر، أ.]] تَزْوِيجِهَا [[في أ: "تزوجها".]] مَا دَامَتْ كَذَلِكَ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ اخْتَلَفَ [[في ر: "واختلفت".]] القراءُ فِي ﴿أُحْصِنَّ﴾ فَقَرَأَهُ [[في أ: "فقرأ".]] بَعْضُهُمْ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الصَّادِ، مَبْنِيٌّ لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وقُرئ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالصَّادِ فِعْلٌ لَازِمٌ ثُمَّ قِيلَ: مَعْنَى الْقِرَاءَتَيْنِ [[في جـ: "القولين".]] وَاحِدٌ. وَاخْتَلَفُوا فِيهِ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِحْصَانِ هَاهُنَا الْإِسْلَامُ. رُوي ذَلِكَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَأَنَسٍ، وَالْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ، وزِرّ بْنِ حُبَيْش، وسعيد بن جُبَير، وعطاء، إبراهيم النَّخعي، وَالشَّعْبِيِّ، والسُّدِّي. وَرَوَى نَحْوَهُ الزُّهْرِيُّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَهُوَ مُنْقَطِعٌ. وَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ [[في جـ، ر: "وهذا القول هو".]] الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ [رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى] [[زيادة من جـ، ر، وفي أ: "رحمه الله".]] فِي رِوَايَةِ الرَّبِيعِ، قَالَ: وَإِنَّمَا قُلْنَا [ذَلِكَ] [[زيادة من جـ، ر، أ.]] اسْتِدْلَالًا بِالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي ذَلِكَ حَدِيثًا مَرْفُوعًا، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْجُنَيْدِ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ [الدِّمَشْقِيُّ] [[زيادة من جـ، أ.]] حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ قَالَ: "إِحْصَانُهَا إِسْلَامُهَا وَعَفَافُهَا". وَقَالَ [[في ر: "وقيل".]] الْمُرَادُ بِهِ هَاهُنَا التَّزْوِيجُ، قَالَ: وَقَالَ عَلِيٌّ: اجلدوهن. [ثُمَّ] [[زيادة من جـ، أ.]] قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: وَهُوَ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ. قُلْتُ: وَفِي [[في أ: "في".]] إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُسَمَّ، و [مِثْلُهُ] [[زيادة من جـ، أ.]] لَا [[في جـ، ر، أ: "يقوم".]] تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ [[ذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/٤٩٠) .]] . وَقَالَ الْقَاسِمُ وَسَالِمٌ: إِحْصَانُهَا: إِسْلَامُهَا وَعَفَافُهَا. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ هَاهُنَا: التَّزْوِيجُ. وَهُوَ قولُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٍ، وعِكْرِمة، وَطَاوُسٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَير، وَالْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ وَغَيْرِهِمْ. وَنَقَلَهُ أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ فِي كِتَابِهِ "الْإِيضَاحُ" عَنِ الشَّافِعِيِّ، فِيمَا رَوَاهُ أَبُو الْحَكَمِ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْهُ وَقَدْ رَوَاهُ لَيْث بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَالَ: إِحْصَانُ الْأَمَةِ أَنْ يَنْكِحَهَا الْحُرُّ، وَإِحْصَانُ الْعَبْدِ أَنْ يَنْكِحَ الْحُرَّةَ. وَكَذَا رَوَى ابْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَوَاهُمَا ابْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ، وَذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ. وَقِيلَ [[في جـ، ر: "بل".]] مَعْنَى الْقِرَاءَتَيْنِ مُتَبَايِنٌ [[في ر: "شيئان".]] فَمَنْ قَرَأَ ﴿أُحْصِنَّ﴾ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ، فَمُرَادُهُ التَّزْوِيجُ، وَمَنْ قَرَأَ "أَحْصَنَّ" بِفَتْحِهَا، فَمُرَادُهُ الإسلام اختاره الإمام أبو جعفر ابن جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ، وَقَرَّرَهُ وَنَصَرَهُ. وَالْأَظْهَرُ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ-أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِحْصَانِ هَاهُنَا التَّزْوِيجُ؛ لِأَنَّ سِيَاقَ الْآيَةِ يَدُلُّ عَلَيْهِ، حَيْثُ يَقُولُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمْ﴾ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَالْآيَةُ الْكَرِيمَةُ سِيَاقُهَا كُلُّهَا [[في أ: "فالسياق كله".]] فِي الْفَتَيَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ، فَتَعَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ أَيْ: تَزَوَّجْنَ، كَمَا فَسَّرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمِنْ تَبِعَهُ. وَعَلَى كُلٍّ مِنَ الْقَوْلَيْنِ إِشْكَالٌ عَلَى مَذْهَبِ الْجُمْهُورِ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ الْأَمَةَ إِذَا زَنَتْ فَعَلَيْهَا خَمْسُونَ جِلْدَةً، سَوَاءٌ كَانَتْ مُسْلِمَةً أَوْ كَافِرَةً، مُزَوَّجَةً أَوْ بِكْرًا، مَعَ أَنَّ مَفْهُومَ الْآيَةِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَى غَيْرِ الْمُحْصَنَةِ مِمَّنْ زَنَا مِنَ الْإِمَاءِ، وَقَدِ اخْتَلَفَتْ أَجْوِبَتُهُمْ عَنْ ذَلِكَ، فَأَمَّا الْجُمْهُورُ فَقَالُوا: لَا شَكَّ أَنَّ الْمَنْطُوقَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمَفْهُومِ. وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ عَامَّةٌ فِي إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَى الْإِمَاءِ، فَقَدَّمْنَاهَا عَلَى مَفْهُومِ الْآيَةِ، فَمِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، عَنْ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ خَطَبَ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَقِيمُوا عَلَى أرقَّائكم الْحَدَّ مَنْ أحْصَنَ مِنْهُمْ وَمَنْ لَمْ يُحْصَن، فَإنَّ أَمَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ زَنَتْ فَأَمَرَنِي أَنْ أَجْلِدَهَا، فَإِذَا هِيَ حَدِيثَةُ عَهْدٍ بِنِفَاسٍ، فَخَشِيتُ إنْ جَلَدْتُهَا أَنْ أَقْتُلَهَا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: "أحْسَنْتَ، اتْرُكْهَا حَتَّى تَماثَل [[في ر: "تتماثل".]] " [[صحيح مسلم برقم (١٧٠٥) .]] . وَعِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ، عَنْ غَيْرِ أَبِيهِ: "فَإِذَا تَعالتْ مِنْ نَفْسِها [[في أ: "نفاسها".]] حدَّها [[في جـ: "فاجلدها".]] خَمْسِينَ". وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سمعتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم يقول: "إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها، فليجلدها الْحَدَّ وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتِ الثَّانِيَةَ فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا، ثُمَّ إن زنت الثالثة فتبين زِنَاهَا، فَلْيَبِعْهَا وَلَوْ بِحَبْل مَنْ شَعَر" وَلِمُسْلِمٍ [[في جـ، أ: "أخرجاه، ولمسلم".]] إِذَا زَنتْ ثَلَاثًا فَلْيَبِعْهَا فِي الرَّابِعَةِ" [[صحيح البخاري برقم (٣١٦٧) وصحيح مسلم برقم (١٧٦٥) .]] . وَقَالَ مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسار، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عيَّاش [[في ر: "عباس".]] بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ [[في ر: "رستم"]] الْمَخْزُومِيِّ قَالَ: أمَرَني عُمَر بْنُ الْخَطَّابِ فِي فِتْيَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَجَلَدْنَا مِنْ وَلَائِدِ الْإِمَارَةِ خَمْسِينَ خَمْسِينَ فِي الزِّنَا. الْجَوَابُ الثَّانِي: جَوَابُ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْأَمَةَ إِذَا زَنَتْ وَلَمْ تُحْصَنَ فَلَا حَدَّ عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا تُضْرَبُ تَأْدِيبًا، وَهُوَ الْمَحْكِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ طَاوُسٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَير، وَأَبُو عُبَيد الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ، وَدَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ الظَّاهِرِيُّ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ. وعمْدتهُم مَفْهُومُ الْآيَةِ وَهُوَ مِنْ مَفَاهِيمِ الشَّرْطِ، وَهُوَ حُجَّةٌ عِنْدَ أَكْثَرِهِمْ فَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْعُمُومِ عِنْدَهُمْ. وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئل عَنِ الْأَمَةِ إِذَا زَنَتْ وَلَمْ تحْصنْ؟ قَالَ: "إِنْ زَنَتْ فَحِدُّوهَا [[في جـ، ر: "فاجلدوها".]] ثُمَّ إِنَّ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا ثُمَّ بِيعُوهَا وَلَوْ بِضَفِيرٍ" [[في ر: "بظفير".]] قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: لَا أَدْرِي أَبَعْدَ [[في أ: "بعد".]] الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ. أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ [[صحيح البخاري برقم (٢١٥٣، ٤٥٥) وصحيح مسلم برقم (١٧٠٤) من حديث زيد بن خالد رضي الله عنه.]] وَعِنْدَ مُسْلِمٍ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: الضَّفِيرُ [[في جـ، أ: "والضفير"، وفي ر: "والظفير".]] الْحَبْلُ. قَالُوا: فَلَمْ يُؤَقَّت فِي هَذَا الْحَدِيثِ [[في جـ، أ: "الجواب".]] عَدَدٌ كَمَا وُقِّتَ فِي الْمُحْصَنَةِ بِنِصْفِ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ، فَوَجَبَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ بِذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَصْرَحُ مِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَيْسَ عَلَى أَمَةٍ حَدٌّ حَتَّى تُحْصَنَ -أَوْ [[في جـ، أ: "يعني"، وفي ر: "أو يعني".]] حَتَّى تُزَوَّجَ-فَإِذَا أُحْصِنَتْ بِزَوْجٍ فَعَلَيْهَا نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ". وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِمْرَانَ الْعَابِدِيِّ [[في جـ، ر، أ: "الغامدي".]] عَنْ سُفْيَانَ بِهِ مَرْفُوعًا. وَقَالَ: رَفْعُهُ خَطَأٌ، إِنَّمَا هُوَ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَكَذَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِمْرَانَ، وَقَالَ مِثْلَ مَا قَالَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ [[السنن الكبرى للبيهقي (٨/٤٢٤) ط - الكتب العلمية، وقال: "رفعه خطأ والموقوف أصح". وقد رواه سعيد بن منصور في السنن موقوفا على ابن عباس من هذا الطريق برقم (٦١٦) .]] . قَالُوا: وَحَدِيثُ عَلِيٍّ وَعُمَرَ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا] [[زيادة من جـ، أ.]] قَضَايَا أَعْيَانٍ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْهُ أَجْوِبَةٌ: أَحَدُهَا: أَنَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى الْأَمَةِ الْمُزَوَّجَةِ جَمْعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ هَذَا الحديث. الثَّانِي: أَنَّ لَفْظَ الْحَدِّ فِي قَوْلِهِ: فَلْيَجْلِدْهَا [[في جـ، أ: "فليقم عليها" وفي ر "عليها الحد".]] الْحَدَّ، لَفْظٌ مُقْحَمٌ [[في ر: "معجمة"، وفي أ: "مقحمة".]] مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ، بِدَلِيلِ الْجَوَابِ الثَّالِثِ وَهُوَ: أَنَّ هَذَا مِنْ حَدِيثِ صَحَابِيَّيْنِ وَذَلِكَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَطْ، وَمَا كَانَ عَنِ اثْنَيْنِ فَهُوَ أَوْلَى بِالتَّقَدُّمِ [[في أ: "بالتقديم".]] مِنْ رِوَايَةِ وَاحِدٍ، وَأَيْضًا فَقَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، مِنْ حَدِيثِ عَبَّاد بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَمِّهِ -وَكَانَ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا-أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا زَنَتِ الْأَمَةُ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إِذَا زَنتِ فاجْلِدوها، ثُمَّ إِذَا زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إِذَا زَنَتْ فَبِيعُوهَا وَلَوْ بِضَفِيرٍ". الرَّابِعُ: أَنَّهُ لَا يَبْعُدُ أَنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ أَطْلَقَ لَفْظَ الْحَدِّ فِي الْحَدِيثِ عَلَى الْجَلْدِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْجَلْدُ اعْتَقَدَ [[في جـ، أ: "لما كان الجلد في الحديث اعتقد".]] أَنَّهُ حَدٌّ، أَوْ أَنَّهُ أَطْلَقَ لَفْظَةَ الْحَدِّ عَلَى التَّأْدِيبِ، كَمَا أَطْلَقَ الْحَدَّ عَلَى ضَرْبِ مَنْ زَنَى مِنَ الْمَرْضَى بُعثْكال نَخْلٍ فِيهِ مِائَةُ شِمْرَاخٍ، وَعَلَى جَلْدِ مَنْ زَنَى بِأَمَةِ امْرَأَتِهِ إِذَا أَذِنَتْ لَهُ فِيهَا مِائَةً، وَإِنَّمَا ذَلِكَ تَعْزِيرٌ وَتَأْدِيبٌ عِنْدَ مَنْ يَرَاهُ كَالْإِمَامِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ مِنَ السَّلَفِ. وَإِنَّمَا الْحَدُّ الْحَقِيقِيُّ هُوَ جَلْدُ الْبِكْرِ مِائَةً، وَرَجْمُ الثَّيِّبِ أَوِ اللَّائِطِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ؛ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ يَقُولُ: لَا تُضْرَبُ الْأَمَةُ إِذَا زَنَتْ مَا لَمْ تَتَزَوَّجْ [[في أ: "ما لم تزوج".]] . وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ عَنْهُ، وَمَذْهَبٌ غَرِيبٌ إِنْ أَرَادَ أَنَّهَا لَا تُضْرَبُ أَصْلًا لَا حَدًّا، وَكَأَنَّهُ أَخَذَ بِمَفْهُومِ الْآيَةِ وَلَمْ يَبْلُغْهُ الْحَدِيثُ، وَإِنْ كَانَ أَرَادَ أَنَّهَا لَا تُضْرَبُ حَدًّا، وَلَا يَنْفِي ضَرْبَهَا تَأْدِيبًا، فَهُوَ [[في جـ، ر: "فيكون".]] كَقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمَنْ تَبِعَهُ فِي ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْجَوَابُ الثَّالِثُ: أَنَّ الْآيَةَ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ الْأَمَةَ الْمُحْصَنَةَ تُحَدُّ نِصْفَ حَدِّ الْحُرَّةِ، فَأَمَّا قَبْلَ الْإِحْصَانِ فَعُمُومَاتُ [[في ر: "بعمومات".]] الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ شَامِلَةٌ لَهَا فِي جَلْدِهَا مِائَةً، كَقَوْلِهِ تَعَالَى [[في أ: "لقول الله تعالى".]] ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النُّورِ:٢] وَكَحَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ: "خُذوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي، قَدْ جَعلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا البِكر بالبِكْر جَلْدُ مِائَةٍ وتَغْرِيبُ عَامٍ، وَالثَّيِّبُ جَلْدُ مِائَةٍ ورَجْمُهَا بِالْحِجَارَةِ" وَالْحَدِيثُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ. وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ دَاوُدَ بْنِ عَلِيٍّ الظَّاهِرِيِّ، وَهُوَ فِي غَايَةِ الضَّعْفِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى [[في أ: "سبحانه".]] إِذَا كَانَ أَمَرَ بِجِلْدِ الْمُحْصَنَةِ مِنَ الْإِمَاءِ بِنِصْفِ مَا عَلَى الْحُرَّةِ [[في أ: "غيره".]] مِنَ الْعَذَابِ وَهُوَ خَمْسُونَ جَلْدَةً، فَكَيْفَ يَكُونُ حُكْمُهَا قَبْلَ الْإِحْصَانِ أَشَدَّ مِنْهُ بَعْدَ الْإِحْصَانِ. وَقَاعِدَةُ الشَّرِيعَةِ فِي ذَلِكَ عَكْسُ مَا قَالَ، وَهَذَا الشَّارِعُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَسْأَلُهُ أَصْحَابُهُ عَنِ الْأَمَةِ إِذَا زَنَتْ وَلَمْ تُحْصَنْ، فَقَالَ: "اجْلِدُوهَا" وَلَمْ يَقُلْ مِائَةً، فَلَوْ كَانَ حُكْمُهَا كَمَا قَالَ [[في أ: "كما زعم".]] دَاوُدُ لَوَجَبَ بَيَانُ ذَلِكَ لَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ إِنَّمَا سَأَلُوا عَنْ ذَلِكَ لِعَدَمِ [[في جـ، أ: "بعد نزول".]] بَيَانِ حُكْمِ جَلْدِ الْمِائَةِ بَعْدَ الْإِحْصَانِ فِي الْإِمَاءِ، وَإِلَّا فَمَا الْفَائِدَةُ فِي قَوْلِهِمْ: "وَلَمْ تُحْصَنْ" لعدم الفرق بَيْنَهُمَا لَوْ لَمْ تَكُنِ الْآيَةُ نَزَلَتْ، لَكِنْ لَمَّا عَلِمُوا حُكْمَ أَحَدِ الْحُكْمَيْنِ سَأَلُوا عَنْ حُكْمِ الْحَالِ الْآخَرِ، فَبَيَّنَهُ لَهُمْ. كَمَا [ثَبَتَ] [[زيادة من أ.]] فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُمْ لَمَّا سَأَلُوهُ عَنِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ، فَذَكَرَهَا لَهُمْ ثُمَّ قَالَ: "وَالسَّلَامُ مَا قَدْ [[في جـ، أ: "كما قد علمتم" وفي ر: "كما علمتم".]] عَلِمْتُمْ" وَفِي لَفْظٍ: لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ قَوْلَهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الْأَحْزَابِ:٥٦] قَالُوا: هَذَا السَّلَامُ عَلَيْكَ قَدْ عَرَّفْنَاهُ، فَكَيْفَ الصَّلَاةُ عَلَيْكَ؟ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَهَكَذَا هَذَا السُّؤَالُ [[في أ: "سواء".]] . الْجَوَابُ الرَّابِعُ -عَنْ مَفْهُومِ الْآيَةِ-: جَوَابُ أَبِي ثَوْرٍ، فَإِنَّ مِنْ مَذْهَبِهِ مَا هُوَ أَغْرَبُ مِنْ قَوْلِ دَاوُدَ مِنْ وُجُوهٍ، ذَلِكَ أَنَّهُ يَقُولُ [[في ر: "وذلك أن نقول".]] فَإِذَا أحْصن فَإِنَّ عَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ [[في جـ، أ: "المحصنات من العذاب أي".]] الْمُزَوَّجَاتِ وَهُوَ الرَّجْمُ، وَهُوَ لَا يَتَنَاصَفُ [[في جـ، ر، أ: "ينتصف".]] فَيَجِبُ أَنْ تُرْجَمَ الْأَمَّةُ الْمُحَصَنَةُ إِذَا زَنَتْ، وَأَمَّا قَبْلَ الْإِحْصَانِ فَيَجِبُ جَلْدُهَا خَمْسِينَ. فَأَخْطَأَ فِي فَهْمِ الْآيَةِ وَخَالَفَ الْجُمْهُورَ فِي الْحُكْمِ، بَلْ قَدْ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الشَّافِعِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ: وَلَمْ يَخْتَلِفِ الْمُسْلِمُونَ فِي أَنْ لَا رَجْمَ عَلَى مَمْلُوكٍ فِي الزِّنَا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْآيَةَ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ عَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ، وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ فِي الْمُحْصَنَاتِ لِلْعَهْدِ، وَهُنَّ الْمُحْصَنَاتُ الْمَذْكُورَاتُ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ وَالْمُرَادُ بِهِنَّ الْحَرَائِرُ فَقَطْ، مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِتَزْوِيجِ غَيْرِهِ، وَقَوْلِهِ: ﴿نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْعَذَابِ الَّذِي يُمْكِنُ تَنْصِيفُهُ [[في جـ، ر: "تنصفه" وفي أ: "بنصفه".]] وَهُوَ الْجَلْدُ لَا الرَّجْمُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ قَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ [حَدِيثًا] [[زيادة من أ.]] نَصا فِي رَدِّ مَذْهَبِ أَبِي ثَوْرٍ مِنْ رِوَايَةِ الْحَسَنِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ صَفِيَّةَ [[في جـ، ر، أ: "صبية".]] كَانَتْ قَدْ زَنَتْ بِرَجُلٍ مِنَ الْحُمْسِ، فَوَلَدَتْ غُلَامًا، فَادَّعَاهُ الزَّانِي، فَاخْتَصَمَا إِلَى عُثْمَانَ [بْنِ عَفَّانَ] [[زيادة من جـ، أ.]] فَرَفَعَهُمَا [[في ر: "فرفعها".]] إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ عَلِيٌّ: أَقْضِي فِيهِمَا [[في جـ، ر: "فيها".]] بِقَضَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: "الْوَلَدُ للفِرَاش وللعَاهِر الحَجَر" وَجَلَدَهُمَا خَمْسِينَ خَمْسِينَ [[المسند (١/١٠٤) .]] . وَقِيلَ: بَلِ الْمُرَادُ مِنَ الْمَفْهُومِ التَّنْبِيهُ بِالْأَعْلَى عَلَى الْأَدْنَى، أَيْ: أَنَّ الْإِمَاءَ عَلَى النِّصْفِ مِنَ [[في جـ، أ: "من جلد".]] الْحَرَائِرِ فِي الْحَدِّ وَإِنْ كُنَّ مُحْصَنَاتٍ، وَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ رَجْمٌ أَصْلًا لَا قَبْلَ النِّكَاحِ وَلَا بَعْدَهُ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِنَّ الْجَلْدُ فِي الْحَالَتَيْنِ بِالسُّنَّةِ. قَالَ [[في أ: "في الحالين بالنسبة نقل".]] ذَلِكَ صَاحِبُ الْإِفْصَاحِ عَنِ الشَّافِعِيِّ، فِيمَا رَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ، عَنْهُ. وَقَدْ ذَكَرَهُ [[في ر: "ذكر".]] الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ السُّنَنِ وَالْآثَارِ، وَهُوَ بَعِيدٌ عَنْ لَفْظِ الْآيَةِ؛ لِأَنَّا إِنَّمَا اسْتَفَدْنَا تَنْصِيفَ [[في جـ، ر: "بنصف".]] الْحَدِّ مِنَ الْآيَةِ لَا مِنْ سِوَاهَا، فَكَيْفَ يُفْهَمُ مِنْهَا التَّنْصِيفُ فِيمَا عَدَاهَا، وَقَالَ: بَلْ أُرِيدُ بِأَنَّهَا فِي حَالِ الْإِحْصَانِ لَا يُقِيمُ الْحَدَّ عَلَيْهَا إِلَّا الْإِمَامُ، وَلَا يَجُوزُ لِسَيِّدِهَا إِقَامَةُ الْحَدِّ عَلَيْهَا وَالْحَالَةُ هَذِهِ -وَهُوَ قَوْلٌ فِي مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ-فَأَمَّا قَبْلَ الْإِحْصَانِ فَلَهُ ذَلِكَ، وَالْحَدُّ فِي كِلَا الْمَوْضِعَيْنِ نِصْفُ حَدِّ الْحُرَّةِ. وَهَذَا أَيْضًا بَعِيدٌ؛ لِأَنَّهُ [[في ر: "لأن".]] لَيْسَ فِي لَفْظِ الْآيَةِ مَا يدل عليه. وَلَوْلَا هَذِهِ لَمْ نَدْرِ مَا حُكْمُ الْإِمَامِ [[في جـ، ر، أ: "الإماء".]] فِي التَّنْصِيفِ، وَلَوَجَبَ دُخُولُهُنَّ فِي عُمُومِ الْآيَةِ فِي تَكْمِيلِ الْحَدِّ [[في جـ، أ: "الجلد".]] مِائَةً أَوْ رَجْمُهُنَّ، كَمَا [[في جـ، أ: "بما".]] أُثْبِتَ فِي الدَّلِيلِ عَلَيْهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ أَقِيمُوا عَلَى أَرِقَّائِكُمُ الْحَدَّ مَنْ [[في ر: "فمن".]] أُحْصِنَ مِنْهُمْ وَمَنْ لَمْ يُحْصَنْ، وَعُمُومُ الْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ لَيْسَ فِيهَا تَفْصِيلٌ بَيْنَ الْمُزَوَّجَةِ [[في أ: "الزوجة".]] وَغَيْرِهَا، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي احْتَجَّ بِهِ الْجُمْهُورُ: "إِذَا زَنَتْ أمةُ أحدِكم فَتَبَيَّنَ زِناهَا فَليجْلِدها [[في ر: "فليحدها".]] الحدَّ وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيْها". مُلَخَّصُ الْآيَةِ: أَنَّهَا [[في أ: "فتلخص في الأمة".]] إِذَا زَنَتْ أَقْوَالٌ: أَحَدُهَا: أنها [[زيادة من جـ، ر، أ.]] بجلد خَمْسِينَ قَبْلَ الْإِحْصَانِ وَبَعْدَهُ، وَهَلْ تُنْفَى؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: [أَحَدُهَا] [[زيادة من جـ، ر، أ.]] أَنَّهَا [[في ر: "أنه".]] تُنْفَى عَنْهُ [[في جـ، أ: "سنة".]] وَالثَّانِي: لَا تُنْفَى عَنْهُ [[في جـ، أ: "لا نفي عليها" وفي ر: "لا تنفى عليها".]] مُطْلَقًا. [وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ وَفُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ] [[زيادة من جـ، أ.]] وَالثَّالِثُ: أَنَّهَا تُنْفَى نِصْفَ سَنَةٍ وَهُوَ نَفْيُ نِصْفِ [[في جـ: "نصف نفي".]] الْحُرَّةِ. وَهَذَا الْخِلَافُ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَأَمَّا أَبُو [[في جـ، أ: "وأما مذهب أبي حنيفة".]] حَنِيفَةَ فَعِنْدَهُ أَنَّ النَّفْيَ تَعْزِيرٌ لَيْسَ مِنْ تَمَامِ الْحَدِّ، وَإِنَّمَا هُوَ [[في جـ، ر، أ: "هو إلى".]] رَأْيُ الْإِمَامِ، إِنْ شَاءَ فَعَلَهُ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُ فِي حَقِّ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَعِنْدَ مَالِكٍ أَنَّ النَّفْيَ إِنَّمَا هُوَ عَلَى الرِّجَالِ، وَأَمَّا [[في جـ، أ: "فأما".]] النِّسَاءُ فَلَا [[في جـ، أ: "فلا ينقين".]] ؛ لِأَنَّ [[في ر: "فإن".]] ذَلِكَ مُضَادٌّ لِصِيَانَتِهِنَّ، [وَمَا وَرَدَ شَيْءٌ مِنَ النَّفْيِ فِي الرِّجَالِ وَلَا فِي النِّسَاءِ نَعَمْ حَدِيثُ عُبَادَة وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ] [[في جـ: "وما ورد من ألفاظ عامة في نفي الرجال والنساء كحديث أبي هريرة وحديث عبادة".]] أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى فِيمَنْ زَنَى وَلَمْ يُحْصَنْ بِنَفْيِ عَامٍ وَبِإِقَامَةِ [[في جـ، ر: "بإقامة".]] الْحَدِّ عَلَيْهِ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَ [كُلُّ] [[زيادة من جـ، وفي أ: "فكل".]] ذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِالْمَعْنَى، وَهُوَ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ النَّفْيِ الصَّوْنُ وَذَلِكَ مَفْقُودٌ فِي نَفْيِ النِّسَاءِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْأَمَةَ إِذَا زَنَتْ تُجلد خَمْسِينَ بَعْدَ الْإِحْصَانِ، وَتُضْرَبُ [قَبْلَهُ] [[زيادة من جـ، أ.]] تَأْدِيبًا غَيْرَ مَحْدُودٍ بِعَدَدٍ مَحْصُورٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: أَنَّهَا لَا تُضْرَبُ قَبْلَ الْإِحْصَانِ، وَإِنْ [[في جـ، ر، أ: "فإن".]] أَرَادَ نَفْيَهُ فَيَكُونُ مَذْهَبًا بِالتَّأْوِيلِ [[في جـ، أ: "ثالثا".]] وَإِلَّا فَهُوَ كَالْقَوْلِ الثَّانِي. الْقَوْلُ الْآخِرُ: أَنَّهَا تُجْلَدُ قَبْلَ الْإِحْصَانِ مِائَةً وَبَعْدَهُ خَمْسِينَ، كَمَا هُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ دَاوُدَ، وَ [هُوَ] [[زيادة من جـ، ر، أ".]] أَضْعَفُ الْأَقْوَالِ: أَنَّهَا تُجْلَدُ قَبْلَ الْإِحْصَانِ خَمْسِينَ وَتُرْجَمَ بَعْدَهُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ أَيْضًا وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ أَيْ: إِنَّمَا يُبَاحُ نِكَاحُ الْإِمَاءِ بِالشُّرُوطِ الْمُتَقَدِّمَةِ لِمَنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ الْوُقُوعَ فِي الزِّنَا، وَشَقَّ عَلَيْهِ الصَّبْرُ عَنِ الْجِمَاعِ، وَعَنَتَ بِسَبَبِ ذَلِكَ [كُلِّهِ، فَحِينَئِذٍ يَتَزَوَّجُ الْأَمَةَ، وَإِنْ تَرَكَ تَزَوُّجَ الْأَمَةِ] [[في جـ: "قله حينئذ أن يتزوج بالأمة وإن ترك تزويجها".]] وَجَاهَدَ نَفْسَهُ فِي الْكَفِّ عَنِ الزِّنَا، فَهُوَ خَيْرٌ له؛ لأنه إذا تزوجها جَاءَ أَوْلَادُهُ أَرِقَّاءُ لِسَيِّدِهَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ الزَّوْجُ عَرَبِيًّا فَلَا تَكُونُ أَوْلَادُهُ مِنْهَا أَرِقَّاءَ فِي قَوْلٍ قَدِيمٍ لِلشَّافِعِيِّ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وَمِنْ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ اسْتَدَلَّ جمهورُ الْعُلَمَاءِ فِي جَوَازِ نِكَاحِ الْإِمَاءِ، عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ عَدَمِ الطَّوْل لِنِكَاحِ الْحَرَائِرِ وَمِنْ خَوْفِ الْعَنَتِ؛ لِمَا فِي نِكَاحِهِنَّ مِنْ مفْسَدة رِقِّ الْأَوْلَادِ، وَلِمَا فِيهِنَّ مِنَ الدَّنَاءَةِ [[في أ: "من الزنا".]] فِي الْعُدُولِ عن الحرائر إليهن. وخالف الجمهورَ أبو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابَهُ فِي اشْتِرَاطِ الْأَمْرَيْنِ، فَقَالُوا: مَتَى لَمْ يَكُنِ الرَّجُلُ مُزَوَّجًا بِحُرَّةِ جَازَ لَهُ نِكَاحُ الْأَمَةِ الْمُؤْمِنَةِ وَالْكِتَابِيَّةِ أَيْضًا، سَوَاءٌ كَانَ وَاجِدًا الطَّوْلَ لِحُرَّةٍ أَمْ [[في ر: "أو".]] لَا وَسَوَاءٌ خَافَ الْعَنَتَ أَمْ [[في ر: "أو".]] لَا وَعُمْدَتُهُمْ [[في ر: "وعدتهم".]] فِيمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ [عُمُومُ] [[زيادة من جـ، أ.]] قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٥] أَيِ: الْعَفَائِفُ، وَهُوَ يَعُمُّ الْحَرَائِرَ وَالْإِمَاءَ، وَهَذِهِ الْآيَةُ عَامَّةٌ، وَهَذِهِ [[في جـ، أ: "خاصة وهي".]] أَيْضًا ظَاهِرَةٌ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى مَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

النساء 4:26

يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ يُريدُ أَنْ يُبَيِّنَ لَكُمْ -أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ-مَا [[في جـ، ر، أ: "فيما".]] أَحَلَّ لَكُمْ وَحَرَّمَ عَلَيْكُمْ، مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي هَذِهِ السُّورَةِ وَغَيْرِهَا، ﴿وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ يَعْنِي: طَرَائِقَهُمُ الْحَمِيدَةَ وَاتِّبَاعَ [[في ر: "في اتباع".]] شَرَائِعِهِ الَّتِي يُحِبُّهَا وَيَرْضَاهَا ﴿وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ أَيْ مِنَ الْإِثْمِ [[في ر، أ: "المأثم".]] وَالْمَحَارِمِ، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أَيْ فِي شَرْعِهِ وَقَدَرِهِ وَأَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿ [وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ] [[زيادة من ر، أ.]] وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلا عَظِيمًا﴾ أَيْ: يُريد [[في ر، أ: "من".]] أَتْبَاعُ الشَّيَاطِينِ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالزُّنَاةِ ﴿أَنْ تَمِيلُوا﴾ يَعْنِي: عَنِ الْحَقِّ إِلَى الْبَاطِلِ ﴿مَيْلا عَظِيمًا. يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ أَيْ: فِي شَرَائِعِهِ وَأَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ وَمَا يُقَدِّرُهُ لَكُمْ، وَلِهَذَا أَبَاحَ [نِكَاحَ] [[زيادة من أ.]] الْإِمَاءِ بِشُرُوطِهِ، كَمَا قَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ: ﴿خُلِقَ الإنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ فَنَاسَبَهُ [[في أ: "فيناسبه".]] التَّخْفِيفُ؛ لِضِعْفِهِ فِي نَفْسِهِ وَضِعْفِ عَزْمِهِ وَهِمَّتِهِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ [الْأَحْمَسِيُّ] [[زيادة من جـ، أ.]] حَدَّثَنَا وَكِيع، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنِ أَبِيهِ: ﴿خُلِقَ الإنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ أَيْ: فِي أَمْرِ النِّسَاءِ، وَقَالَ وَكِيعٌ: يَذْهَبُ عَقْلُهُ عِنْدَهُنَّ. وَقَالَ مُوسَى الْكَلِيمُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ [[في جـ، أ: "والتسليم".]] لِنَبِيِّنَا صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ [[في أ: "لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم".]] عَلَيْهِ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ حِينَ مَرَّ عَلَيْهِ رَاجِعًا مِنْ عِنْدِ سدْرة الْمُنْتَهَى، فَقَالَ لَهُ: مَاذَا فَرَضَ عليكم [[في جـ، أ: "عليك ربك".]] ؟ فقال: "أمرني بخمسين صَلَاةً فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ" [[في ر: "أمرني بخمسين اليوم والليلة" وفي جـ، أ: "أمرني بخمسين صلاة في اليوم والليلة".]] فَقَالَ لَهُ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ؛ فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ، فَإِنِّي قَدْ بَلَوْتُ النَّاسَ [[في أ: "الناس من".]] قَبْلَكَ عَلَى مَا هُوَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ فَعَجَزُوا، وَإِنَّ أُمَّتَكَ أَضْعَفُ أَسْمَاعًا وَأَبْصَارًا وَقُلُوبًا، فَرَجَعَ فَوَضَعَ عَشْرًا، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مُوسَى فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى بَقِيَتْ خَمْسًا [قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: "هُنَّ خَمْسٌ وَهُنَّ خَمْسُونَ، الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا"] [[زيادة من جـ، أ.]] الْحَدِيثَ.

النساء 4:27

يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ يُريدُ أَنْ يُبَيِّنَ لَكُمْ -أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ-مَا [[في جـ، ر، أ: "فيما".]] أَحَلَّ لَكُمْ وَحَرَّمَ عَلَيْكُمْ، مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي هَذِهِ السُّورَةِ وَغَيْرِهَا، ﴿وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ يَعْنِي: طَرَائِقَهُمُ الْحَمِيدَةَ وَاتِّبَاعَ [[في ر: "في اتباع".]] شَرَائِعِهِ الَّتِي يُحِبُّهَا وَيَرْضَاهَا ﴿وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ أَيْ مِنَ الْإِثْمِ [[في ر، أ: "المأثم".]] وَالْمَحَارِمِ، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أَيْ فِي شَرْعِهِ وَقَدَرِهِ وَأَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿ [وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ] [[زيادة من ر، أ.]] وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلا عَظِيمًا﴾ أَيْ: يُريد [[في ر، أ: "من".]] أَتْبَاعُ الشَّيَاطِينِ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالزُّنَاةِ ﴿أَنْ تَمِيلُوا﴾ يَعْنِي: عَنِ الْحَقِّ إِلَى الْبَاطِلِ ﴿مَيْلا عَظِيمًا. يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ أَيْ: فِي شَرَائِعِهِ وَأَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ وَمَا يُقَدِّرُهُ لَكُمْ، وَلِهَذَا أَبَاحَ [نِكَاحَ] [[زيادة من أ.]] الْإِمَاءِ بِشُرُوطِهِ، كَمَا قَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ: ﴿خُلِقَ الإنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ فَنَاسَبَهُ [[في أ: "فيناسبه".]] التَّخْفِيفُ؛ لِضِعْفِهِ فِي نَفْسِهِ وَضِعْفِ عَزْمِهِ وَهِمَّتِهِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ [الْأَحْمَسِيُّ] [[زيادة من جـ، أ.]] حَدَّثَنَا وَكِيع، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنِ أَبِيهِ: ﴿خُلِقَ الإنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ أَيْ: فِي أَمْرِ النِّسَاءِ، وَقَالَ وَكِيعٌ: يَذْهَبُ عَقْلُهُ عِنْدَهُنَّ. وَقَالَ مُوسَى الْكَلِيمُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ [[في جـ، أ: "والتسليم".]] لِنَبِيِّنَا صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ [[في أ: "لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم".]] عَلَيْهِ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ حِينَ مَرَّ عَلَيْهِ رَاجِعًا مِنْ عِنْدِ سدْرة الْمُنْتَهَى، فَقَالَ لَهُ: مَاذَا فَرَضَ عليكم [[في جـ، أ: "عليك ربك".]] ؟ فقال: "أمرني بخمسين صَلَاةً فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ" [[في ر: "أمرني بخمسين اليوم والليلة" وفي جـ، أ: "أمرني بخمسين صلاة في اليوم والليلة".]] فَقَالَ لَهُ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ؛ فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ، فَإِنِّي قَدْ بَلَوْتُ النَّاسَ [[في أ: "الناس من".]] قَبْلَكَ عَلَى مَا هُوَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ فَعَجَزُوا، وَإِنَّ أُمَّتَكَ أَضْعَفُ أَسْمَاعًا وَأَبْصَارًا وَقُلُوبًا، فَرَجَعَ فَوَضَعَ عَشْرًا، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مُوسَى فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى بَقِيَتْ خَمْسًا [قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: "هُنَّ خَمْسٌ وَهُنَّ خَمْسُونَ، الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا"] [[زيادة من جـ، أ.]] الْحَدِيثَ.

النساء 4:28

يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ يُريدُ أَنْ يُبَيِّنَ لَكُمْ -أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ-مَا [[في جـ، ر، أ: "فيما".]] أَحَلَّ لَكُمْ وَحَرَّمَ عَلَيْكُمْ، مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي هَذِهِ السُّورَةِ وَغَيْرِهَا، ﴿وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ يَعْنِي: طَرَائِقَهُمُ الْحَمِيدَةَ وَاتِّبَاعَ [[في ر: "في اتباع".]] شَرَائِعِهِ الَّتِي يُحِبُّهَا وَيَرْضَاهَا ﴿وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ أَيْ مِنَ الْإِثْمِ [[في ر، أ: "المأثم".]] وَالْمَحَارِمِ، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أَيْ فِي شَرْعِهِ وَقَدَرِهِ وَأَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿ [وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ] [[زيادة من ر، أ.]] وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلا عَظِيمًا﴾ أَيْ: يُريد [[في ر، أ: "من".]] أَتْبَاعُ الشَّيَاطِينِ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالزُّنَاةِ ﴿أَنْ تَمِيلُوا﴾ يَعْنِي: عَنِ الْحَقِّ إِلَى الْبَاطِلِ ﴿مَيْلا عَظِيمًا. يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ أَيْ: فِي شَرَائِعِهِ وَأَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ وَمَا يُقَدِّرُهُ لَكُمْ، وَلِهَذَا أَبَاحَ [نِكَاحَ] [[زيادة من أ.]] الْإِمَاءِ بِشُرُوطِهِ، كَمَا قَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ: ﴿خُلِقَ الإنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ فَنَاسَبَهُ [[في أ: "فيناسبه".]] التَّخْفِيفُ؛ لِضِعْفِهِ فِي نَفْسِهِ وَضِعْفِ عَزْمِهِ وَهِمَّتِهِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ [الْأَحْمَسِيُّ] [[زيادة من جـ، أ.]] حَدَّثَنَا وَكِيع، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنِ أَبِيهِ: ﴿خُلِقَ الإنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ أَيْ: فِي أَمْرِ النِّسَاءِ، وَقَالَ وَكِيعٌ: يَذْهَبُ عَقْلُهُ عِنْدَهُنَّ. وَقَالَ مُوسَى الْكَلِيمُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ [[في جـ، أ: "والتسليم".]] لِنَبِيِّنَا صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ [[في أ: "لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم".]] عَلَيْهِ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ حِينَ مَرَّ عَلَيْهِ رَاجِعًا مِنْ عِنْدِ سدْرة الْمُنْتَهَى، فَقَالَ لَهُ: مَاذَا فَرَضَ عليكم [[في جـ، أ: "عليك ربك".]] ؟ فقال: "أمرني بخمسين صَلَاةً فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ" [[في ر: "أمرني بخمسين اليوم والليلة" وفي جـ، أ: "أمرني بخمسين صلاة في اليوم والليلة".]] فَقَالَ لَهُ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ؛ فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ، فَإِنِّي قَدْ بَلَوْتُ النَّاسَ [[في أ: "الناس من".]] قَبْلَكَ عَلَى مَا هُوَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ فَعَجَزُوا، وَإِنَّ أُمَّتَكَ أَضْعَفُ أَسْمَاعًا وَأَبْصَارًا وَقُلُوبًا، فَرَجَعَ فَوَضَعَ عَشْرًا، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مُوسَى فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى بَقِيَتْ خَمْسًا [قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: "هُنَّ خَمْسٌ وَهُنَّ خَمْسُونَ، الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا"] [[زيادة من جـ، أ.]] الْحَدِيثَ.

النساء 4:29

نَهَى [[في أ: ينهى.]] تَبَارَكَ وَتَعَالَى عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ عَنِ أَنْ يَأْكُلُوا أَمْوَالَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا بِالْبَاطِلِ، أَيْ: بِأَنْوَاعِ الْمَكَاسِبِ الَّتِي هِيَ غَيْرُ شَرْعِيَّةٍ، كَأَنْوَاعِ الرِّبَا وَالْقِمَارِ، وَمَا جَرَى مَجْرَى ذَلِكَ مِنْ سَائِرِ صُنُوفِ الْحِيَلِ، وَإِنْ ظَهَرَتْ فِي غَالِبِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ مِمَّا يَعْلَمُ اللَّهُ أَنَّ مُتَعَاطِيَهَا إِنَّمَا يُرِيدُ الْحِيلَةَ عَلَى الرِّبَا، حَتَّى قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي مِنَ الرَّجُلِ الثَّوْبَ فَيَقُولُ: إِنْ رَضِيتُهُ أَخَذْتُهُ وَإِلَّا رَدَدْتُهُ وَرَدَدْتُ مَعَهُ دِرْهَمًا-قَالَ: هُوَ الَّذِي قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حرب الموصلي، حدثنا ابن فُضَيْلٍ، عَنْ دَاوُدَ الْأَوَدِيِّ عَنْ عَامِرٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ [ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ ] [[زيادة من جـ، ر، أ.]] قَالَ: إِنَّهَا [كَلِمَةٌ] [[زيادة من أ.]] مَحْكَمَةٌ، مَا نُسِخَتْ، وَلَا تُنْسَخُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ قَالَ الْمُسْلِمُونَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ نَهَانَا أَنْ نَأْكُلَ أَمْوَالَنَا بَيْنَنَا بِالْبَاطِلِ، وَالطَّعَامُ هُوَ أَفْضَلُ الْأَمْوَالِ، فَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ مِنَّا أَنْ يَأْكُلَ عِنْدَ أَحَدٍ، فَكَيْفَ [[في أ: "فكف".]] لِلنَّاسِ [[في أ: "فكيف للناس عن ذلك".]] ! فَأَنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿لَيْسَ عَلَى الأعْمَى حَرَجٌ﴾ [النُّورِ: ٦١] الْآيَةَ، [وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ بْنُ دِعَامَةَ] [[زيادة من أ.]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [[في أ: "بينكم".]] قُرِئَ: تِجَارَةٌ بِالرَّفْعِ وَبِالنَّصْبِ، وَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: لَا تَتَعَاطَوُا الْأَسْبَابَ الْمُحَرَّمَةَ فِي اكْتِسَابِ الْأَمْوَالِ، لَكِنَّ الْمَتَاجِرَ [[في أ: "المتجار".]] الْمَشْرُوعَةَ الَّتِي تَكُونُ عَنْ تَرَاضٍ مِنَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي فَافْعَلُوهَا وَتَسَبَّبُوا بِهَا فِي تَحْصِيلِ الْأَمْوَالِ. كَمَا قَالَ [اللَّهُ] [[زيادة من أ.]] تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٥١] ، وَكَقَوْلِهِ ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلا الْمَوْتَةَ الأولَى﴾ [الدخان: ٥٦] . وَمِنْ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ احْتَجَّ الشَّافِعِيُّ [رَحِمَهُ اللَّهُ] [[زيادة من جـ، أ.]] عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْبَيْعُ إِلَّا بِالْقَبُولِ؛ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى التَّرَاضِي نَصا، بِخِلَافِ الْمُعَاطَاةِ فَإِنَّهَا قَدْ لَا تَدُلُّ عَلَى الرِّضَا وَلَا بُدَّ، وَخَالَفَ [[في ر، أ: "وخالفوا".]] الجمهورَ فِي ذَلِكَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ وَأَصْحَابُهُمْ، فَرَأَوْا أَنَّ الْأَقْوَالَ كَمَا تَدُلُّ عَلَى التَّرَاضِي، وَكَذَلِكَ الْأَفْعَالُ تَدُلُّ فِي بَعْضِ الْمَحَالِّ قَطْعًا، فَصَحَّحُوا بَيْعَ الْمُعَاطَاةِ مُطْلَقًا، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَصِحُّ فِي المحقَّرات، وَفِيمَا يَعُدُّهُ النَّاسُ بَيْعًا، وَهُوَ احْتِيَاطُ نَظَرٍ مِنْ مُحَقِّقِي الْمَذْهَبِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ بَيْعًا [[في أ: "بيع".]] أَوْ عَطَاءً يُعْطِيهِ أَحَدٌ أَحَدًا. وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ [ثُمَّ] [[زيادة من جـ، أ.]] قَالَ: وَحَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيع، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ [[في أ: "بن".]] سُلَيْمَانَ الجُعْفي، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "البَيْعُ عَنْ تَراض والخِيارُ بَعْدَ الصَّفقة وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَغُشَّ [[في ر: "يضر".]] مُسْلِمًا". هَذَا حَدِيثٌ مُرْسَلٌ [[تفسير الطبري (٨/٢٢١) .]] . وَمِنْ تَمَامِ التَّرَاضِي إِثْبَاتُ خِيَارِ الْمَجْلِسِ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرقا" وَفِي لَفْظِ الْبُخَارِيِّ: "إِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا" [[صحيح البخاري برقم (٢١٠٩) وصحيح مسلم برقم (١٥٣١) .]] . وَذَهَبَ إِلَى الْقَوْلِ بِمُقْتَضَى هَذَا الْحَدِيثِ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ [بْنُ حَنْبَلٍ] [[زيادة من أ.]] وَأَصْحَابُهُمَا، وجمهورُ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ. وَمِنْ ذَلِكَ مَشْرُوعِيَّةُ خِيَارِ الشَّرْطِ بَعْدَ الْعَقْدِ إِلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، [كَمَا هُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى مَا هُوَ أَزْيَدُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ] [[زيادة من جـ، د، أ.]] بِحَسَبَ مَا يَتَبَيَّنُ فِيهِ مَالُ الْبَيْعِ، وَلَوْ إِلَى سَنَةٍ فِي الْقَرْيَةِ وَنَحْوِهَا، كَمَا هُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ. وَصَحَّحُوا [[في ر: "فصححوا".]] بَيْعَ الْمُعَاطَاةِ مُطْلَقًا، وَهُوَ قَوْلٌ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَصِحُّ بَيْعُ الْمُعَاطَاةِ فِي الْمُحَقَّرَاتِ فِيمَا يَعُدُّهُ النَّاسُ بَيْعًا، وَهُوَ اخْتِيَارُ طَائِفَةٍ مِنَ الْأَصْحَابِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ أَيْ: بِارْتِكَابِ مَحَارِمِ اللَّهِ وَتَعَاطِي مَعَاصِيهِ وَأَكْلِ أَمْوَالِكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ أَيْ: فِيمَا أَمَرَكُمْ بِهِ، وَنَهَاكُمْ عَنْهُ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَسَنُ [[في جـ، أ: "حسين".]] بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعة، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ عمْران بْنِ أَبِي أَنَسٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَير، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ لَمَّا بَعَثَهُ النَّبِيُّ ﷺ عَامَ ذَاتِ السَّلَاسِلِ قَالَ: احْتَلَمْتُ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ شَدِيدَةِ الْبَرْدِ فَأَشْفَقْتُ إِنِ اغْتَسَلْتُ أَنْ أَهْلِكَ، فَتَيَمَّمْتُ ثُمَّ صَلَّيْتُ بِأَصْحَابِي صَلَاةَ الصُّبْحِ، قَالَ: فَلَمَّا قدمتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: "يَا عَمْرُو صَلَّيت بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ! " قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ [[في أ: "نعم يا رسول الله".]] إِنِّي احْتَلَمْتُ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ شَدِيدَةِ الْبَرْدِ، فَأَشْفَقْتُ إِنِ اغْتَسَلْتُ [[في أ: "أن أغتسل".]] أَنْ أهلكَ، فَذَكَرْتُ [[في ر: "ذكرت"، وفي جـ، أ: "وذكرت".]] قَوْلَ اللَّهِ [عز وَجَلَّ] [[زيادة من جـ، ر، أ.]] ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ فَتَيَمَّمْتُ ثُمَّ صَلَّيْتُ. فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا. وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، بِهِ. وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ وَعُمَرَ بْنِ الْحَارِثِ، كِلَاهُمَا عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ عمران بن أبي أَنَسٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ الْمِصْرِيِّ، عَنْ أَبِي قَيْسٍ مَوْلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، عَنْهُ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ. وَهَذَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، أَشْبَهُ بِالصَّوَابِ [[المسند (٤/٢٠٣) وسنن أبي داود برقم (٣٣٤) .]] . وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدُوَيه: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَامِدٍ البَلْخِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحِ بْنِ سَهْلٍ الْبَلْخِيُّ، حدثنا عُبَيد [[في ر: "عبد".]] عبد اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ صَلَّى بِالنَّاسِ وَهُوَ جُنُب، فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ، فَدَعَاهُ فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، خفْتُ أَنْ يَقْتُلَنِي الْبَرْدُ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا] ﴾ [[زيادة من جـ، ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] قَالَ: فَسَكَتَ عَنْهُ رسولُ اللَّهِ ﷺ [[ورواه الطبراني (١١/٢٣٤) من طريق عبيد الله القواريري به، وقال الهيثمي في المجمع (١/٢٦٤) : "فيه يوسف بن خالد السمتي وهو كذاب".]] . ثُمَّ أَوْرَدَ ابْنُ مَرْدُويه عِنْدَ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ قَتَل نَفْسَه بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ، يَجَأ بِهَا بَطْنه يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِسُمٍّ، فَسُمُّهُ فِي يَدِهِ، يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَهُوَ مُتَرد [[في ر: "متردد".]] فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا". وَهَذَا الْحَدِيثُ [[في ر: "حديث".]] ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ [[صحيح البخاري برقم (٥٧٧٨) وصحيح مسلم برقم (١٠٩) .]] وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِنَحْوِهِ، وَعَنْ أَبِي قِلابة، عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ قَتَلَ نَفْسَه بِشَيْءٍ عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". وَقَدْ أَخْرَجَهُ الجماعَةُ فِي كُتُبهم مِنْ طَرِيقِ أَبِي قِلَابَةَ [[صحيح البخاري برقم (٦٠٤٧، ٦١٠٥) وصحيح مسلم برقم (١١٠) وسنن أبي داود برقم (٣٢٥٧) وسنن الترمذي برقم (١٥٤٣) وسنن النسائي (٧/٥،٦) وسنن ابن ماجه برقم (٢٠٩٨) وليس عند الترمذي قوله: "ومن قتل نفسه بشيء" وهو الشاهد هنا.]] وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ، عَنْ [[في ر: "ابن".]] جُنْدب بْنِ عَبْدِ اللَّهِ البَجَلي قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "كَانَ رَجُلٌ مِمَّنْ [[في أ: "فيمن".]] كَانَ قَبْلَكُمْ وَكَانَ بِهِ جُرْح، فَأَخَذَ سِكِّينًا نَحَر بهَا يَدَهُ، فَمَا رَقأ الدَّمُ حَتَّى ماتَ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: عَبْدِي بادرنِي بِنَفْسه، حرَّمت [[في أ: "فحرمت".]] عَلَيْهِ الْجَنَّة" [[صحيح البخاري برقم (١٣٦٤، ٣٤٦٣) وصحيح مسلم برقم (١١٣) .]] . وَلِهَذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا﴾ أَيْ: وَمَنْ يَتَعَاطَى ما نهاه الله عنه متعديا فِيهِ ظَالِمًا فِي تَعَاطِيهِ، أَيْ: عَالِمًا بِتَحْرِيمِهِ مُتَجَاسِرًا عَلَى انْتِهَاكِهِ ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا [وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا] ﴾ [[زيادة من جـ، ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] وَهَذَا تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ وَوَعِيدٌ أَكِيدٌ، فَلْيحذَرْ مِنْهُ كُلُّ عَاقِلٍ لَبِيبٍ مِمَّنْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ [وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلا كَرِيمًا] [[زيادة من جـ، ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ . أَيْ: إِذَا اجْتَنَبْتُمْ كَبَائِرَ الْآثَامِ الَّتِي نُهِيتُمْ عَنْهَا كَفَّرْنَا عَنْكُمْ صَغَائِرَ الذُّنُوبِ وَأَدْخَلْنَاكُمُ الْجَنَّةَ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلا كَرِيمًا﴾ . وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حدثنا مؤمل بن هشام، حدثنا إسماعيل بن إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا خَالِدُ [[في ر: "الخلد"، وفي أ: "الخالد".]] بْنُ أَيُّوبَ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، عَنْ أَنَسٍ [[عند البزار، عن أنس قال: "لم نر مثل الذي بلغنا عن ربنا" انظر: المجمع (٧/٣) .]] [يَرْفَعُهُ] [[زيادة من جـ، ر، أ.]] : " الَّذِي بَلَغَنَا عَنْ رَبِّنَا، عَزَّ وَجَلَّ، ثُمَّ لَمْ نَخْرُجْ لَهُ عَنْ كُلِّ أَهْلٍ وَمَالٍ أَنْ تَجَاوَزَ لَنَا عَمَّا دُونَ الْكَبَائِرِ، يَقُولُ اللَّهُ [تَعَالَى] [[زيادة من جـ، ر، أ.]] ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ [وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلا كَرِيمًا] [[زيادة من جـ، ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ " [[مسند البزار برقم (٢٢٠٠) "كشف الأستار"، وقال الهيثمي: "فيه الجلد بن أيوب وهو ضعيف".]] . وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ مُتَعَلِّقَةٌ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ فَلْنَذْكُرْ مِنْهَا مَا تَيَسَّرَ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا هُشَيم عَنْ مُغِيرة، عَنْ أَبِي مَعْشَر، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ قَرْثَع الضَّبِّي، عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ قَالَ: قَالَ لِيَ النَّبِيُّ ﷺ: "أَتَدْرِي مَا يَوْمُ الْجُمُعَةِ؟ " قُلْتُ: هُوَ الْيَوْمَ الَّذِي جَمَعَ اللَّهُ فِيهِ أَبَاكُمْ. قَالَ: "لَكِنْ أدْرِي مَا يَوْمُ الجُمُعَةِ، لَا يَتَطَهَّرُ الرَّجُلُ فيُحسِنُ طُهُوره، ثُمَّ يَأْتِي الجُمُعة فيُنصِت حَتَّى يَقْضِيَ الْإِمَامُ صَلَاتَهُ، إِلَّا كَانَ [[في ر: "كانت".]] كَفَّارَةً لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الْمُقْبِلَةِ، مَا اجْتُنبت الْمَقْتَلَةُ [[في جـ: "المقتل".]] وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سَلْمَانَ نَحْوَهُ [[المسند (٥/٤٣٩) ورواه البخاري برقم (٩١٠) من طريق سعيد المقبري عن أبيه عن ابن وديعة عن سلمان الفارسي بنحوه.]] . وَقَالَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى [بْنُ إِبْرَاهِيمَ] [[زيادة من ر، أ.]] حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي خَالِدٌ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ نُعَيْمٍ المُجْمر، أَخْبَرَنِي صُهَيْبٌ مَوْلَى العُتْوارِي، أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ يَقُولَانِ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا فَقَالَ: "وَالَّذِي نَفْسي بِيَدِهِ" -ثَلَاثَ مَرَّاتٍ-ثُمَّ أكَبَّ، فَأَكَبَّ كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا يَبْكِي، لَا نَدْرِي عَلَى مَاذَا حَلَفَ عَلَيْهِ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَفِي وَجْهِهِ الْبِشْرُ [[في أ: "البشرى"]] فَكَانَ أَحَبَّ إِلَيْنَا مِنْ حُمْر النَّعَم، فَقَالَ [ﷺ] [[زيادة من جـ.]] مَا مِنْ عَبْدٍ يُصَلِّي الصَّلَواتِ الخمسَ، ويَصُومُ رمضانَ، ويُخرِج الزَّكَاةَ، ويَجْتنبُ الْكَبَائِرَ السَّبعَ، إِلَّا فُتِحتْ لَهُ أبوابُ الجَنَّةِ، ثُمَّ قِيلَ لَهُ: ادْخُل بسَلامٍ". وَهَكَذَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ، مِنْ حَدِيثِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، رَوَاهُ الْحَاكِمُ أَيْضًا وَابْنُ حِبَّان فِي صَحِيحِهِ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، بِهِ. ثُمَّ قَالَ الْحَاكِمُ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، ولم يخرجاه [[تفسير الطبري (٨/٢٣٨) وسنن النسائي (٥/٨) والمستدرك (١/٢٠٠) .]] . تَفْسِيرُ هَذِهِ السَّبْعِ: وَذَلِكَ بِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، عَنْ ثَوْر بْنِ زَيْدٍ، عَنْ سَالِمٍ أَبِي الْغَيْثِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "اجْتَنِبُوا السبعَ المُوبِقَاتِ" قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: "الشِّركُ بِاللَّهِ، وقَتْلُ النَّفْس الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، والسِّحرُ، وأكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، والتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْف، وقَذْفُ المحصنَات الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ" [[صحيح البخاري برقم (٢٧٦٦) وصحيح مسلم برقم (٨٩) .]] . طَرِيقٌ أُخْرَى عَنْهُ: قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا فَهْد بْنُ عَوْف، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانة، عَنْ عَمْرو بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم قال: "الْكَبَائِرُ سَبْعٌ، أَوَّلُهَا الإشراكُ بِاللَّهِ، ثُمَّ قَتْل النَّفْس بِغَيْرِ حَقِّهَا، وأكْلُ الرِّبَا، وأَكْلُ مَالِ اليتيمِ إِلَى أَنْ يَكْبُرَ، والفِرَارُ مِنَ [[في أ: "يوم".]] الزَّحْفِ، ورَميُ الْمُحْصَنَاتِ، وَالِانْقِلَابُ إِلَى الْأَعْرَابِ بَعْدَ الهِجْرَةِ" [[مسند البزار برقم (١٠٩) "كشف الأستار"، وقال الهيثمى في مجمع الزوائد (١/١٠٣) : "فيه عمر بن أبي سلمة، ضعفه شعبة وغيره، ووثقة أبو حاتم وابن حبان وغيرهما".]] . فَالنَّصُّ عَلَى هَذِهِ السَّبْعِ بِأَنَّهُنَّ كَبَائِرُ لَا يَنْفِي مَا عَدَاهُنَّ، إِلَّا عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِمَفْهُومِ اللَّقَبِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ عِنْدَ عَدَمِ الْقَرِينَةِ، وَلَا سِيَّمَا عِنْدَ [[في ر: "عن".]] قِيَامِ الدَّلِيلِ بِالْمَنْطُوقِ عَلَى عَدَمِ الْمَفْهُومِ، كَمَا سَنُورِدُهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمُتَضَمَّنَةِ مِنَ الْكَبَائِرِ غَيْرَ هَذِهِ السَّبْعِ، فَمِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ حَيْثُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ كَامِلٍ الْقَاضِي، إِمْلَاءً حَدَّثَنَا أَبُو قِلَابَةَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هَانِئٍ، حَدَّثَنَا حَرْب بْنُ شَدَّاد، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ سِنَان، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْر، عَنْ أَبِيهِ -يَعْنِي عُمَير بْنَ قَتَادَةَ-رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ حَدَّثَهُ -وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ-أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: "أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ المُصَلُّون مَنْ يُقِيم [[في ر، أ: "يقم".]] الصلواتِ الخمسَ الَّتِي كُتبت [[في أ: "التى كتب".]] عَلَيْهِ، ويَصومُ رَمَضَانَ ويَحتسبُ صومَهُ، يَرَى أَنَّهُ عَلَيْهِ حَقٌّ، ويُعطي زكاةَ مَالِهِ يَحْتسِبها، وَيَجْتَنِبُ الْكَبَائِرَ الَّتِي نَهَى اللَّهُ عَنْهَا". ثُمَّ إِنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الْكَبَائِرُ؟ فَقَالَ: "تِسْعٌ: الشِّركُ بِاللَّهِ، وقَتْلُ نَفْسِ مُؤْمِنٍ بِغَيْرِ حَقٍّ [[في د، أ: "الحق".]] وفِرارُ يَوْمِ الزّحْفِ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَأَكْلُ الرِّبا، وقذفُ المُحصنَة [[في أ: "المحصنات".]] وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ الْمُسْلِمَيْنِ، وَاسْتِحْلَالُ الْبَيْتِ الْحَرَامِ قِبْلَتِكُمْ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا، ثُمَّ قَالَ: لَا يَمُوتُ رَجُلٌ لَا يَعْمَلُ [[في جـ: "لم يعمل".]] هَؤُلَاءِ الْكَبَائِرَ، وَيُقِيمُ الصَّلَاةَ، ويُؤتِي الزَّكَاةَ، إِلَّا كَانَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي دَارٍ أَبْوَابُهَا مَصَارِيعٌ [[في جـ، ر، أ: "مصانعها".]] مِنْ ذَهَبٍ". وَهَكَذَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ مُطَوَّلًا وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ [[في ج: "والترمذي والنسائي".]] مُخْتَصَرًا مِنْ حَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ هَانِئٍ، بِهِ وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِهِ مَبْسُوطًا ثُمَّ قَالَ الْحَاكِمُ: رِجَالُهُ كُلُّهُمْ يُحْتَجُّ بِهِمْ فِي الصَّحِيحَيْنِ إِلَّا عبد الحميد بن سنان [[المستدرك (١/٥٩) وسنن أبي داود برقم (٢٨٧٥) ولم أجده عند الترمذي، ورواه البيهقى في السنن الكبرى من طريق الحاكم (٣/٤٠٨) وقال: "سقط من كتابي أو من كتاب شيخى -يعنى الحاكم- السحر". وعبد الحميد بن سنان. قال الذهبي: "عداده في التابعين لا يعرف، وقد وثقه بعضهم. قال البخاري: روى عن عبيد بن عمير في حديثه نظر. قلت: حديثه عن عبيد عن أبيه: الكبائر تسع.. الحديث..".]] . قُلْتُ: وَهُوَ حِجَازِيٌّ لَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّان فِي كِتَابِ الثِّقَاتِ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: فِي حَدِيثِهِ نَظَرٌ. وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ ثَابِتٍ الْجَحْدَرِيِّ، عَنْ سَلْمِ [[في جـ، أ: "سلمة".]] بْنِ سَلَامٍ، عَنْ أَيُّوبَ بن عتبة، عن يحيى بن أبي كثير، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَير، عَنْ أَبِيهِ، فَذَكَرَهُ. وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْإِسْنَادِ: عَبْدَ الْحَمِيدِ بْنَ سِنَانٍ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ [[في أ: "والله أعلم".]] [[تفسير الطبري (٨/٢٤١) .]] . حَدِيثٌ آخَرُ فِي مَعْنَى مَا تَقَدَّمَ: قَالَ ابْنُ مَرْدُويه: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ الْوَلِيدِ، عَنِ الْمُطَّلِبِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: صَعِدَ النَّبِيُّ ﷺ الْمِنْبَرَ فَقَالَ: "لَا أقْسِمُ، لَا أقْسِمُ". ثُمَّ نَزَلَ فَقَالَ: "أبْشِرُوا، أبْشِرُوا، مَنْ صَلَّى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، واجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ السَّبعَ، نُودِيَ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ: ادخُل". قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ: لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا قَالَ: "بِسَلَامٍ". قَالَ الْمُطَّلِبُ: سَمِعْتُ مَنْ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرو: أَسْمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُهُنَّ؟ قَالَ: نَعَمْ: "عُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وإشْرَاكٌ بِاللَّهِ، وقَتْلُ النَّفْسِ، وقَذْفُ المُحْصنات، وأكْلُ مالِ اليتيمِ، والفِرارُ مِنَ الزَّحفِ، وأكْلُ الرِّبَا" [[ورواه الطبراني في المعجم الكبير برقم (٣) "القطعة المفقودة" من طريق عبد العزيز بن محمد عن مسلم بن الوليد عن المطلب به وفي إسناده مسلم بن الوليد ذكره البخاري في التاريخ الكبير (٨/١٥٣) وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٨/١٩٧) ولم يذكرا فيه جرحا أو تعديلا.]] . حَدِيثٌ آخَرُ فِي مَعْنَاهُ: قَالَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ فِي التَّفْسِيرِ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، أَخْبَرَنَا زِيَادُ بْنُ مِخْرَاق عَنْ طَيْسَلَةَ بْنِ مَيَّاسٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّجدات، فَأَصَبْتُ ذُنُوبًا لَا أَرَاهَا إِلَّا مِنَ الْكَبَائِرِ، فَلَقِيتُ ابْنَ عُمَر فَقُلْتُ لَهُ: إِنِّي أَصَبْتُ ذُنُوبا لَا أَرَاهَا إِلَّا مِنَ الْكَبَائِرِ قَالَ: مَا هِيَ؟ قُلْتُ: أَصَبْتُ كَذَا وَكَذَا. قَالَ: لَيْسَ مِنَ الْكَبَائِرِ. قُلْتُ: وَأَصَبْتُ كَذَا وَكَذَا. قَالَ: لَيْسَ مِنَ الْكَبَائِرِ قَالَ -بِشَيْءٍ لَمْ يُسَمِّهِ طَيْسَلَة-قَالَ: هِيَ تِسْعٌ وَسَأَعُدُّهُنَّ عَلَيْكَ: الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ بِغَيْرِ حَقِّهَا [[في د: "النسمة بغير حلها" رفي جـ: "نسمة بغير حلها"، في ر: "النفس بغير حلها".]] وَالْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَةِ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ ظُلْمًا، وَإِلْحَادٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَالَّذِي يَسْتَسْحِرُ [[في جـ: "يسحر".]] وَبُكَاءُ الْوَالِدَيْنِ مِنَ الْعُقُوقِ. قَالَ زِيَادٌ: وَقَالَ طَيْسَلَةُ لَمَّا رَأَى ابْنَ عُمَرَ: فَرَقي. قَالَ: أَتُخَافُ النَّارَ أَنْ تَدْخُلَهَا؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: وَتُحِبُّ أَنْ تَدْخُلَ الْجَنَّةَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: أَحَيٌّ وَالِدَاكَ؟ قُلْتُ: عِنْدِي أُمِّي. قَالَ: فَوَاللَّهِ لَئِنْ أَنْتَ ألَنْتَ لَهَا الْكَلَامَ، وَأَطْعَمْتَهَا الطَّعَامَ، لَتَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ مَا اجْتَنَبْتَ الْمُوجِبَاتِ [[تفسير الطبري (٨/٢٣٩) ورواه البخاري في الأدب المفرد برقم (٨) من طريق زياد بن مخراق به.]] . طَرِيقٌ أُخْرَى: قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ ثَابِتٍ الْجَحْدَرِي الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا سَلْمُ [[في جـ، ر، أ: "مسلم".]] بْنُ سَلَامٍ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ عُتْبَةَ، عَنْ طَيْسَلة بْنِ عَلِيٍّ النَّهْدِيِّ قَالَ: أَتَيْتُ ابْنَ عُمَرَ وَهُوَ في ظل أرَاك يوم عَرَفة، وَهُوَ يَصُبُّ الْمَاءَ عَلَى رَأْسِهِ وَوَجْهِهِ قُلْتُ [[في أ: "قال: قلت".]] أَخْبِرْنِي عَنِ الْكَبَائِرِ؟ قَالَ: هِيَ تِسْعٌ. قُلْتُ: مَا هِيَ؟ قَالَ: الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَةِ -قَالَ: قُلْتُ: قَبْلَ الْقَتْلِ [[في ر، أ: "قتل النفس".]] ؟ قَالَ: نَعَمْ وَرَغْمَا -وَقَتْلُ النَّفْسِ الْمُؤْمِنَةِ، والفِرارُ مِنَ الزَّحْفِ، والسِّحْرُ، وأكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وعُقوق الْوَالِدَيْنِ الْمُسْلِمَيْنِ، وإلْحاد بِالْبَيْتِ الْحَرَامِ، قبْلَتكم أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا [[تفسير الطبري (٨/٢٤٠) .]] . هَكَذَا رَوَاهُ مِنْ هَذَيْنَ الطَّرِيقَيْنِ مَوْقُوفًا، وَقَدْ رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ الجَعْدِ، عَنْ أَيُّوبَ بن عتبة، عن طيسلة بن علي [النهدي] [[زيادة من أ.]] قَالَ: أَتَيْتُ ابْنَ عُمَرَ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ، وَهُوَ تَحْتَ ظلِّ أرَاكة، وَهُوَ يَصُبُّ الْمَاءَ عَلَى رَأْسِهِ، فَسَأَلْتُهُ عَنِ الْكَبَائِرِ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "هُنّ سَبْعٌ". قَالَ: قُلْتُ: وَمَا هُنّ؟ قَالَ: "الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَةِ [[في د: "المحصنات".]] -قَالَ: قُلْتُ: قَبْلَ [[في جـ: "قتل".]] الدَّمِ؟ قَالَ: نَعَمْ وَرُغْمًا -وقتلُ النَّفْسِ الْمُؤْمِنَةِ، وَالْفِرَارُ مِنَ الزَّحفِ، والسِّحرُ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وعُقوق الْوَالِدَيْنِ، وَإِلْحَادٌ [[في جـ، ر، أ: "والإلحاد".]] بِالْبَيْتِ الحرامِ قِبْلَتَكُم أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا". وَكَذَا رَوَاهُ الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى الْأَشْيَبُ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ عُتْبَةَ الْيَمَانِيِّ -وَفِيهِ ضَعْفٌ [[رواه البغوي في الجعديات، وروى الخرائطى في مساوئ الأخلاق برقم (٢٤٧) من طريق حسين بن محمد المروزى عن أيوب بن عتبه بنحوه، وأيوب بن عتبه ضعيف. ورواه عكرمة بن عمار عن طيسلة بن على: أن ابن عمر كان ينزل الآراك يوم عرفه. أخرجه أبو داود في المسائل (١١٨) .]] -وَاللَّهُ أَعْلَمُ. حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ عَديّ، حَدَّثَنَا بَقِيَّة، عَنْ بَحير بْنُ سَعْدٍ [[في جـ، ر، أ: "يحيى بن سعيد".]] عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدان: أَنَّ أَبَا رُهْم السَّمَعِيَّ حَدَّثَهُمْ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ عَبَدَ اللَّهَ لَا يُشرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَأَقَامَ الصَّلَاةَ، وَآتَى الزَّكَاةَ، وَصَامَ رَمَضَانَ، واجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ، فَلَهُ الْجَنَّةُ -أَوْ دَخَلَ الْجَنَّةَ" فَسَأَلَهُ رَجُلٌ: مَا الْكَبَائِرُ؟ فَقَالَ [[في ر: "قال".]] الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وقَتْلُ نَفْسٍ مُسْلِمَةٍ، والفِرار يَوْمَ الزَّحْف". وَرَوَاهُ أَحْمَدُ أَيْضًا وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، عَنْ بَقِيَّةَ [[المسند (٥/٤١٣) وسنن النسائي (٧/٨٨) .]] . حَدِيثٌ آخَرُ: رَوَى الْحَافِظُ أبو بكر ابن مَرْدَوَيْهِ فِي تَفْسِيرِهِ، مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ الْيَمَانِيِّ -وَهُوَ ضَعِيفٌ-عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: كَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى أَهْلِ الْيَمَنِ كِتَابًا فِيهِ الْفَرَائِضُ وَالسُّنَنُ وَالدِّيَاتُ، وَبَعَثَ بِهِ مَعَ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، قَالَ: وَكَانَ فِي الْكِتَابِ: "إِنَّ أَكْبَرَ الْكَبَائِرِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: إشْراكٌ باللهِ وقَتْل النفْسِ الْمُؤْمِنَةِ بِغَيْرِ حَقٍّ، والفِرارُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَوْمَ الزَّحْفِ، وعُقوق الْوَالِدَيْنِ، ورَمْي الْمُحْصَنَةِ، وتَعَلُّم السحر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم" [[ورواه الحاكم في المستدرك (١/٣٩٥) من طريق يحيى بن حمزة عن سليمان بن داود به، وقال الحاكم: "هذا حديث كبير مفسر في هذا الباب، وسليمان بن داود الخولاني معروف بالزهرى وإن كان يحيى بن معين غمزه فقد عدله غيره ثم ذكر قول أبي حاتم وأبي زرعة: "سليمان بن داود الخولاني عندنا ممن لا بأس به".]] . حَدِيثٌ آخَرُ: فِيهِ ذِكْرُ شَهَادَةِ الزُّورِ؛ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حدثنا شُعْبَةُ، حَدَّثَنِي عُبَيد اللَّهِ [[في جـ، ر، أ: "عبد الله"، وفي ر: "محمد" وهو خطأ والصحيح عبيد الله وانظر: من مسند الإمام أحمد ٣/١٣١.]] بْنُ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْكَبَائِرَ -أَوْ سُئِلَ عَنِ الْكَبَائِرِ-فَقَالَ: "الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وقَتْلُ النفْسِ، وعُقوق الْوَالِدَيْنِ". وَقَالَ: "أَلَا أُنْبِئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟ " قَالَ: "قَوْلُ الزُّورِ -أَوْ شَهَادَةُ الزُّورِ". قَالَ شُعْبَةُ: أَكْبَرُ ظَنِّي أَنَّهُ قَالَ" "شَهَادَةُ الزُّورِ" [[المسند (٣/١٣١) .]] . أَخْرَجَاهُ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ [[صحيح البخاري برقم (٥٩٧٧) وصحيح مسلم برقم (٨٨) .]] بِهِ. وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ مَرْدُويه مِنْ طَرِيقَيْنِ آخَرَيْنِ غَرِيبَيْنِ عَنْ أَنَسٍ، بِنَحْوِهِ [[في ر: "نحوه".]] . حَدِيثٌ آخَرُ: أَخْرَجَهُ [[في أ: "أخرجاه".]] الشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرة، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "أَلَا أُنْبِئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟ "، قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ" وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ فَقَالَ: "أَلَا وَشَهَادَةُ الزُّورِ، أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ". فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ سَكَتَ [[صحيح البخاري برقم (٥٩٧٦) وصحيح مسلم برقم (٨٧) .]] . حَدِيثٌ آخَرُ: فِيهِ ذِكْرُ قَتْلِ الْوَلَدِ، وَهُوَ ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ -وَفِي رِوَايَةٍ: أَكْبَرُ-قَالَ: "أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدا وَهُوَ خَلَقكَ" قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: "أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أَنْ يَطْعَم مَعَكَ". قُلْتُ: ثُمَّ أي؟ قَالَ: "أَنْ تُزاني حَلِيلَةَ جارِك" ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ [وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا] ﴾ [[زيادة من جـ، ر، أ.]] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِلا مَنْ تَابَ﴾ [الْفَرْقَانِ: ٦٨] [[صحيح البخاري برقم (٤٤٧٧) وصحيح مسلم برقم (٦٨) .]] . حَدِيثٌ] آخَرُ [ [[زيادةمن أ.]] فِيهِ ذِكْرُ شُرْبِ الْخَمْرِ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَىِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي أَبُو صَخْرٍ: أَنَّ رَجُلًا حَدّثه عَنْ عَمْرَةَ بْنِ حَزْمٍ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرو بْنِ الْعَاصِ وَهُوَ بالحِجْر [[في جـ، ر، أ: "وهو في الحجر".]] بِمَكَّةَ وسُئل عَنِ الْخَمْرِ، فَقَالَ: وَاللَّهِ إنَّ عَظِيمًا عِنْدَ اللَّهِ الشيخُ مِثْلِي يكذبُ فِي هَذَا الْمُقَامِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ [[في أ: "على نبي الله".]] ﷺ، فَذَهَبَ فَسَأَلَهُ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: سَأَلْتُهُ عَنِ الْخَمْرِ فَقَالَ: "هِيَ أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ، وَأُمُّ الْفَوَاحِشِ، مَنْ [[في ر: "ثم".]] شَرِبَ الْخَمْرَ تَرَكَ الصَّلَاةَ وَوَقَعَ عَلَى أُمِّهِ وَخَالَتِهِ وَعَمَّتِهِ" [[ورواه الطبراني من طريق آخر كما في المجمع (٥/٦٨) وقال الهيثمي: "عتاب لم أعرفه وابن لهيعة حديثه حسن وفيه ضعف".]] غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. طَرِيقٌ أُخْرَى: رَوَاهَا الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدُويه مِنْ حَدِيثِ [[في أ: "طريق".]] عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدي، عَنْ دَاوُدَ بْنِ صَالِحٍ، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وعُمَر بن الْخَطَّابِ وَأُنَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ، جَلَسُوا [[في ر: "كانوا جلوسًا".]] بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَذَكَرُوا أَعْظَمَ الْكَبَائِرِ، فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ مَا يَنْتَهُونَ إِلَيْهِ، فَأَرْسَلُونِي إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرو بْنِ الْعَاصِ أَسْأَلُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَأَخْبَرَنِي أَنَّ أَعْظَمَ الْكَبَائِرِ شُرْبُ الْخَمْرِ، فَأَتَيْتُهُمْ فَأَخْبَرْتُهُمْ، فَأَنْكَرُوا ذَلِكَ، فَوَثَبُوا إِلَيْهِ حَتَّى أَتَوْهُ فِي دَارِهِ، فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُمْ تَحَدَّثُوا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أن مَلِكا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَخَذَ رَجُلًا فخيَّره بَيْنَ أَنْ يَشْرَبَ خَمْرًا أَوْ يَقْتُلَ نَفْسًا، أَوْ يُزَانِيَ [[في أ: "أو يزنى".]] أَوْ يَأْكُلَ لَحْمَ خِنْزِيرٍ، أَوْ يَقْتُلَهُ [[في أ: "أو يقتلوه".]] فَاخْتَارَ شُرْبَ الْخَمْرِ [[في جـ، د، ر: "فاختار أن يشرب الخمر".]] وَإِنَّهُ لَمَّا شَرِبَهَا لَمْ يَمْتَنِعْ مِنْ شَيْء أَرَادَهُ [[في أ: "أرادوه".]] مِنْهُ، وَإِنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لَنَا مُجِيبًا: "مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْرَبُ خَمْرًا إِلَّا لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، وَلَا يَمُوتُ أَحَدٌ فِي مَثَانَتِهِ مِنْهَا شَيْءٌ إِلَّا حَرَّم اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ فإنْ مَاتَ فِي أَرْبَعِينَ لَيْلَةً مَاتَ ميتَةً جَاهِلِيَّةً". هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ جِدًّا، وَدَاوُدُ بْنُ صَالِحٍ هُوَ التَّمار [[في د: "اليمانى".]] الْمَدَنِيُّ مَوْلَى الْأَنْصَارِ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: لَا أَرَى بِهِ بَأْسًا. وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ، وَلَمْ أَرَ أَحَدًا جَرَحَهُ [[ورواه الحاكم في المستدرك (٤/١٤٧) والطبراني في المعجم الأوسط برقم (١٣٨) "مجمع البحرين" كلاهما من طريق سعيد بن أبي مريم عن الدراوردى به.]] . حَدِيثٌ آخَرُ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرو وَفِيهِ ذكْرُ الْيَمِينِ الغَمُوس. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبة، عَنْ فِرَاسٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرو، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وعُقُوق الْوَالِدَيْنِ، أَوْ قَتْل النَّفْس -شُعْبَةُ الشَّاكُّ-وَالْيَمِينُ الغَمُوس". وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ: زَادَ الْبُخَارِيُّ وَشَيْبَانُ، كِلَاهُمَا عن فراس، بِهِ [[المسند (٢/٢٠١) وصحيح البخاري برقم (٦٦٧٥) وسنن الترمذي برقم (٣٠٢١) وسنن النسائي (٨/٦٣) .]] . حَدِيثٌ آخَرُ: فِي الْيَمِينِ الْغَمُوسِ: "قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ كَاتِبُ اللَّيْثِ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مُهَاجِرِ بْنِ قُنْفُذ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ الْجُهَنِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: أَكْبَرُ [[في ر، أ: "من أكبر".]] الْكَبَائِرِ الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وعُقوق الْوَالِدَيْنِ، وَالْيَمِينُ الغَمُوس، وَمَا حَلَفَ حَالِفٌ بِاللَّهِ يَمِينَ صَبْر فَأَدْخَلَ فِيهَا مِثْلَ جَنَاحِ الْبَعُوضَةِ، إِلَّا كَانَتْ وَكْتَةً فِي قَلْبِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ". وَهَكَذَا رَوَاهُ] الْإِمَامُ [ [[زيادة من أ.]] أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ فِي تَفْسِيرِهِ، كِلَاهُمَا عَنْ يُونُسَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُؤَدِّبِ، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، بِهِ. وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ] فِي تَفْسِيرِهِ [ [[زيادة من أ.]] عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ] بِهِ [ [[زيادة من أ.]] ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَأَبُو أُمَامَةَ الْأَنْصَارِيُّ هَذَا هُوَ ابْنُ ثَعْلَبَةَ، وَلَا يُعْرَفُ [[في أ: "ولا نعرف".]] اسْمُهُ. وَقَدْ رَوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَحَادِيثَ [[سنن الترمذي (٣٠٢) .]] . قَالَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ أَبُو الْحَجَّاجِ المِزِّي: وَقَدْ رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ الْمَدَنِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ. فَزَادَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أُمَامَةَ. قُلْتُ: هَكَذَا وَقَعَ فِي تَفْسِيرِ ابْنِ مَرْدُويه وَصَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ، مِنْ طريق عبد الرحمن بن إِسْحَاقَ [[في ر: "إسماعيل.]] كَمَا ذَكَرَهُ [[في أ: "كما ذكر".]] شَيْخُنَا، فسَح اللهُ فِي أَجْلِهِ [[تحفة الأشراف (٤/٢٧٥) برقم (٥١٤٧) وصحيح ابن حبان برقم (١١٩١) "موارد".]] . حَدِيثٌ آخَرُ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، فِي التَّسَبُّبِ إِلَى شَتْمِ الْوَالِدَيْنِ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَمْرو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَوَدِيُّ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ مِسْعر وَسُفْيَانُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ حُمَيد بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو -رَفَعَهُ سُفْيَانُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَوَقَفَهُ مِسْعَرٌ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو -قَالَ: "مِنَ الْكَبَائِرِ أَنْ يَشْتُم الرجلُ وَالِدَيْهِ": قَالُوا: وَكَيْفَ يَشْتُمُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ قَالَ: "يَسُبُّ الرجلُ أَبَا الرَّجُلِ فيسبَّ أَبَاهُ، ويسُبُّ أمَّه فيسب أمه" [[ورواه أحمد في مسنده (٢/١٦٤) من طريق وكيع به.]] . وقد أخر هَذَا الْحَدِيثَ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمِّهِ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إن مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ أَنْ يَلْعَن الرجلُ وَالِدَيْهِ". قَالُوا: وكيفَ يَلْعَنُ الرجلُ وَالِدَيْهِ؟! قَالَ: "يَسُبُّ الرجلُ أَبَا الرَّجُلِ فيسبَّ أَبَاهُ، ويسُبُّ أمَّه فَيَسُبُّ أُمَّهُ". وَهَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ وَشُعْبَةَ وَيَزِيدَ بْنِ الْهَادِ، ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، بِهِ مَرْفُوعًا بِنَحْوِهِ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: صَحِيحٌ [[صحيح البخاري برقم (٥٩٧٣) وصحيح مسلم برقم (٩٠) وسنن الترمذي برقم (١٩٠٢) .]] . وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ [[في أ: "الصحيحين".]] عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "سِبابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وقِتاله كُفْر" [[رواه البخاري برقم (٤٨) ومسلم برقم (٦٤) مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.]] . حَدِيثٌ آخَرُ فِي ذَلِكَ: قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ دُحَيم، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ عِرْضُ الرَّجُلِ الْمُسْلِمِ، والسَّبَّتَان والسَّبَّة [[في د: "والمستبان بالسبة.]] " [[ذكره السيوطي في الدر المنثور]] . هَكَذَا رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ فِي سُنَنِهِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُسَافِرٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مِنْ أَكْبَرِ [[في أ: "إن من أكبر".]] الْكَبَائِرِ استطالةُ المرْءِ [[في ر: "المسب".]] فِي عِرْضِ رجلٍ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَمِنَ الْكَبَائِرِ السَّبَّتَانِ [[في د: "المستبان".]] بِالسَّبَّةِ". وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ مَرْدُويه مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَلَاءِ بْنِ زَيْر [[في ر، أ: "بن زيد".]] عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ [[سنن أبي داود برقم (٤٨٧٧) .]] . حَدِيثٌ آخَرُ: فِي ذكْرُ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ؛ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا نُعَيم بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِر بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ حَنَش [[في جـ: حبيش"، وفي أ: "حنيش".]] عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ جَمَعَ بَيْنَ الصَّلاتين مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، فَقَدْ أَتَى بَابًا مِنْ أَبْوَابِ الْكَبَائِرِ". وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ يَحْيَى بْنِ خَلَفٍ، عَنِ الْمُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، بِهِ ثُمَّ قَالَ: حَنَش [[في جـ: حبيش"، وفي أ: "حنيش".]] هُوَ أَبُو [[في أ: "هذا أبو".]] عَلِيٍّ الرَّحَبِيُّ، وَهُوَ [[في ر: "هو".]] حُسَيْنُ بْنُ قَيْسٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ، ضَعَّفَهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ [[سنن الترمذي برقم (١٨٨) .]] . وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّة، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ حُمَيْدِ [[في أ: "حسن".]] بْنِ هِلَالٍ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ -يَعْنِي الْعَدَوِيَّ-قَالَ: قُرِئَ عَلَيْنَا كتابُ عُمَرَ: مِنَ الْكَبَائِرِ جَمْعٌ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ -يَعْنِي بِغَيْرِ [[في أ: "من غير".]] عُذْرِ-والفِرَار مِنَ الزَّحْفِ، والنُّهْبَة. وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ: وَالْغَرَضُ أَنَّهُ إِذَا كَانَ الْوَعِيدُ فِيمَنْ جَمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ كَالظُّهْرِ وَالْعَصْرِ تَقْدِيمًا أَوْ تَأْخِيرًا، وَكَذَا الْمَغْرِبُ وَالْعَشَاءُ هُمَا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَجْمَعَ بِسَبَبٍ مِنَ الْأَسْبَابِ الشَّرْعِيَّةِ، فَإِذَا تَعَاطَاهُ أَحَدٌ بِغَيْرِ شَيْءٍ مِنْ تِلْكَ الْأَسْبَابِ يَكُونُ مُرْتَكِبًا كَبِيرَةً، فَمَا ظَنُّكَ بِمَنْ تَرَكَ الصلاةِ بِالْكُلِّيَّةِ؟ وَلِهَذَا رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ تَرْكُ الصَّلَاةِ " [[صحيح مسلم برقم (٨٢) من حديث جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.]] وَفِي السُّنَنِ عَنْهُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَنَّهُ قَالَ: "الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ [[في ر: "وبينهم ترك الصلاة".]] الصَّلَاةُ، فَمَنْ تَرَكَها فَقَدْ كَفر" [[رواه الترمذي في السنن برقم (٢٦٢١) والنسائي في السنن (١/٢٣١) وابن ماجة في السنن برقم (١٠٧٩) من حَدِيثُ بُرَيْدَةَ بْنِ الْحُصَيْبِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.]] وَقَالَ: "مَنْ تَرَكَ صلاةَ العَصْرِ فَقَدْ حبطَ عَمَلُه" [[رواه البخاري في صحيحه برقم (٥٥٣) والنسائي في السنن (١/٢٣٦) من حَدِيثُ بُرَيْدَةَ بْنِ الْحُصَيْبِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.]] وَقَالَ: "مَنْ فَاتَتْهُ صَلاةُ الْعَصْرِ فَكَأَنَّمَا وَتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ" [[رواه النسائي (١/٢٣٨) من حديث نوفل بن معاوية رضي الله عنه.]] . حَدِيثٌ آخَرُ: فِيهِ اليأسُ مِنْ رَوْح اللَّهِ، والأمنُ مِنْ مَكْر اللَّهِ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَاصِمٍ النَّبِيلُ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شَبِيب بْنُ بِشْر، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ مُتَّكِئًا فَدَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ: مَا الْكَبَائِرُ؟ فَقَالَ: "الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالْيَأْسُ مِنْ رَوْح اللَّهِ، والقُنوط مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَالْأَمْنُ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ، وَهَذَا أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ". وَقَدْ رَوَاهُ الْبَزَّارُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِسْحَاقَ الْعَطَّارِ، عَنْ أَبِي عَاصِمٍ النَّبِيلِ، عَنْ شَبِيبِ بْنِ بِشْرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الْكَبَائِرُ؟ قَالَ: "الْإِشْرَاكُ [[في د:"الشرك".]] بِاللَّهِ، وَالْيَأْسُ مِنْ رَوْح اللَّهِ، والقُنوط مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ عز وجل". وَفِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ، وَالْأَشْبَهُ أَنْ يَكُونَ مَوْقُوفًا، فَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نحوُ ذَلِكَ [[مسند البزار برقم (١٠٦) "كشف الأستار"، وقال الهيثمي في المجمع (١/١٠٤) : "رجاله موثقون".]] قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هُشَيم، أَخْبَرَنَا مُطَرِّفٌ، عَنْ وَبْرة بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ: قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَالْإِيَاسُ [[في ج، ر، د، أ: "اليأس".]] مِنْ رَوْح اللَّهِ، والقُنوط مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَالْأَمْنُ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ. وَكَذَا رَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ وَأَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ وَبْرة، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، بِهِ ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ طُرُق عِدَّةٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ. وَهُوَ صَحِيحٌ إِلَيْهِ بِلَا شَكَّ. [[تفسير الطبري (٨/٢٤٣، ٢٤٤) ورواه عبد الرزاق في المصنف برقم (١٩٧٠١) ومن طريقه الطبراني في المعجم الكبير (٩/١٧١) من طريق أبي إسحاق عن وبرة به. ورواه ابن أبي الدنيا في التوبة برقم (٣١) من طريق الأعمش عن وبرة به.]] حَدِيثٌ آخَرُ: فِيهِ سُوءُ الظَّنِّ بِاللَّهِ؛ قَالَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ بُنْدار، حَدَّثَنَا أَبُو حَاتِمٍ بَكْرُ بْنُ عَبْدَانَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُهَاجِرٍ [[في أ: "محمد بن عمر بن مهاجر".]] حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ [[في أ: "أبو حذيفة إسحاق".]] الْبُخَارِيُّ، عَنْ مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ:] قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ [ [[زيادة من أ.]] "أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ سُوءُ الظَّنِّ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ". حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا. حَدِيثٌ آخَرُ: فِيهِ التَّعَرُّبُ [[في ر "التغرب".]] بَعْدَ الْهِجْرَةِ، قَدْ تَقَدَّمَ فِي رِوَايَةِ عَمْرو [[في أ: "عمر".]] بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا، قَالَ [[في أ: "وقال".]] أَبُو بَكْرِ بْنُ مرْدويه: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أحمد، حدثنا أحمد بن رشدين، حَدَّثَنَا عَمْرو بْنُ خَالِدٍ الْحَرَّانَيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعة عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ محمد بن سهل ابن أَبِي حَثْمة [[في جـ، أ: "ابن أبي خيثمة".]] عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "الْكَبَائِرُ سَبْعٌ، أَلَا تَسْأَلُونِي عَنْهُنَّ؟ الشِّركُ بِاللَّهِ، وقَتْلُ النفْسِ، والفِرارُ يَوْمَ الزَّحْفِ، وأكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وقَذْفُ المحصَنَة، وَالتَّعَرُّبُ [[في ر: "التغرب".]] بَعْدَ الْهِجْرَةِ". وَفِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ، وَرَفْعُهُ غَلَطٌ فَاحِشٌ [[وله شاهد من حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَرْفُوعًا، ذكر فيها هذه السبع. رواه الطبراني في المعجم الأوسط (١٢٦) "مجمع البحرين" قال الهيثمى في المجمع (١/١٠٤) : "فيه أبو بلال الأشعرى وهو ضعيف".]] وَالصَّوَابُ مَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا تَمِيمُ بْنُ الْمُنْتَصِرِ، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي حثْمة [[في ر، أ: "خيثمة".]] عَنْ أَبِيهِ قَالَ: إِنِّي لَفِي هَذَا الْمَسْجِدِ -مَسْجِدِ الْكُوفَةِ-وَعَلِيٌّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَخْطُب الناسَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، الْكَبَائِرُ [[في أ: "إن الكبائر".]] سَبْعٌ فَأَصَاخَ [[في ر: "أضاج"، وفي أ: "فأصاح".]] الناسُ، فَأَعَادَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قَالَ: لِمَ لَا [[في أ: "قال ألا".]] تَسْأَلُونِي عَنْهَا؟ قَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا هِيَ؟ قَالَ: الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ [[في أ: "حرم الله قتلها".]] وَقَذْفُ الْمُحْصَنَةِ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَالْفِرَارُ يَوْمَ الزَّحْفِ، وَالتَّعَرُّبُ بَعْدَ الْهِجْرَةِ. فَقُلْتُ لِأَبِي: يَا أَبَتِ، التَّعَرُّبُ [[في ر: "التغرب".]] بَعْدَ الْهِجْرَةِ، كَيْفَ لَحِقَ هَاهُنَا؟ قَالَ: يَا بُنَيَّ، وَمَا أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُهَاجِرَ الرَّجُلُ، حَتَّى إِذَا وَقَعَ سَهْمُهُ فِي الْفَيْءِ، وَوَجَبَ عَلَيْهِ الْجِهَادُ خَلَعَ ذَلِكَ مِنْ عُنُقِهِ فَرَجَعَ أَعْرَابِيًّا كَمَا كَانَ [[تفسير الطبري (٨/٢٣٥) .]] . حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا هَاشِمُ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ -يَعْنِي شَيْبَانَ-عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يسَاف، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ قَيْسٍ الْأَشْجَعِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: "أَلَا إِنَّمَا هُنَّ أَرْبَعٌ: أَلَّا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَا تَقْتُلُوا النفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَسْرِقُوا". قَالَ: فَمَا أَنَا [[في أ: "فما لنا".]] بِأَشَحَّ [[في ر: "بأشج".]] عَلَيْهِنَّ مِنِّي، إِذْ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. ثُمَّ رَوَاهُ أَحْمَدُ أَيْضًا وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، مِنْ حَدِيثِ مَنْصُورٍ، بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ [[المسند (٤/٣٣٩) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٣٧٣) .]] . حَدِيثٌ آخَرُ: تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ عُمَر بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "الإضْرَارُ فِي الوَصِيَّةِ مِنَ الْكَبَائِرِ". وَالصَّحِيحُ مَا رَوَاهُ غَيْرُهُ، عَنْ دَاوُدَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [قَوْلُهُ] قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: وَهُوَ الصَّحِيحُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ قَوْلِهِ. حَدِيثٌ آخَرُ فِي ذَلِكَ: "قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيب، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ؛ أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ [[في جـ، د، ر: "رسول الله".]] ذَكَرُوا الْكَبَائِرَ وَهُوَ مُتَّكِئٌ، فَقَالُوا: الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَفِرَارٌ مِنَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَةِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَوْلُ الزُّورِ، وَالْغُلُولُ، وَالسِّحْرُ، وَأَكْلُ الرِّبَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "فَأَيْنَ تَجْعَلُونَ ﴿الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ [آلِ عِمْرَانَ:٧٧] ؟! إِلَى آخِرِ الْآيَةِ. فِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ، وَهُوَ حَسَنٌ [[تفسير الطبري (٨/٢٥١) .]] . ذِكْرُ أَقْوَالِ السَّلَفِ فِي ذَلِكَ: قَدْ تَقَدَّمَ مَا رُوِيَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ وَعَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فِي ضِمْنِ الْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُليَّة، عَنِ ابْنِ عَوْن، عَنِ الْحَسَنِ: أَنَّ نَاسًا سَأَلُوا [[في جـ، د، أ: "لقوا".]] عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو بِمِصْرَ فَقَالُوا: نَرَى أَشْيَاءَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، أمَرَ أَنْ يُعمل بِهَا فَلَا يُعْمَلُ بِهَا، فَأَرَدْنَا أَنْ نَلْقَى أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فِي ذَلِكَ؟ فَقَدِمَ وَقَدِمُوا مَعَهُ، فَلَقِيَهُ [[في جـ، د، ر، أ: "فلقى".]] عُمَرُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالَ: مَتَى قَدِمْتَ؟ فَقَالَ: مُنْذُ كَذَا وَكَذَا قَالَ: أَبِإِذْنٍ قَدِمْتَ؟ قَالَ: فَلَا أَدْرِي كَيْفَ رَدَّ عَلَيْهِ. فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ نَاسًا لَقَوْنِي بِمِصْرَ فَقَالُوا: إِنَّا نَرَى أَشْيَاءَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، أَمَرَ أَنْ يُعْمَلَ بِهَا فَلَا [[في أ: "لا".]] يُعْمَلُ بِهَا [[في جـ، د: "لا يعمل" وفي ر: "نعمل بها فلا نعمل".]] فَأَحَبُّوا أَنْ يَلْقَوْكَ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: اجْمَعْهُمْ لِي. قَالَ: فَجَمَعْتُهُمْ لَهُ -قَالَ ابْنُ عَوْنٍ: أَظُنُّهُ قَالَ: فِي بَهْو-فَأَخَذَ أَدْنَاهُمْ رَجُلًا فَقَالَ: نَشَدْتُكَ [[في د: "أنشدك".]] بِاللَّهِ وَبِحَقِّ الْإِسْلَامِ عَلَيْكَ، أَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ فَهَلْ أَحْصَيْتَهُ فِي نَفْسِكَ؟ قَالَ اللَّهُمَّ لَا. قَالَ: وَلَوْ قَالَ: نَعَمْ لَخَصَمَهُ. قَالَ: فَهَلْ أَحْصَيْتَهُ فِي بَصَرِكَ؟ فَهَلْ [[في جـ: "هل".]] أَحْصَيْتَهُ فِي لَفْظِكَ؟ هَلْ أَحْصَيْتَهُ فِي أَمْرِكَ [[في أ: "في أثرك".]] ؟ ثُمَّ تَتَبَّعَهُمْ حَتَّى أَتَى عَلَى آخِرِهِمْ. قَالَ: فَثَكِلَتْ عُمَرَ أُمُّهُ. أتكلِّفونه أَنْ يُقِيمَ النَّاسَ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ؟! قَدْ عَلِمَ رَبُّنَا أَنَّهُ سَتَكُونُ [[في جـ، د، ر، "سيكون".]] لَنَا سَيِّئَاتٌ. قَالَ: وَتَلَا ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلا كَرِيمًا] ﴾ [[زيادة من جـ، ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ثُمَّ قَالَ: هَلْ عَلِمَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ -أَوْ قَالَ: هَلْ عَلِمَ أَحَدٌ-بِمَا [[في جـ، أ: "فيما".]] قَدِمْتُمْ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: لَوْ عَلِمُوا لَوَعَظْتُ بِكُمْ. إِسْنَادٌ حَسَنٌ [[في جـ، أ: "جيد".]] وَمَتْنٌ حَسَنٌ، وَإِنْ كَانَ مِنْ رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْ عُمَرَ، وَفِيهَا انْقِطَاعٌ، إِلَّا أَنَّ مِثْلَ هَذَا اشْتُهِرَ [[في جـ، د، أ، ر: "يشتهر".]] فَتَكْفِي [[في جـ، أ: "فيكفي".]] شُهْرَتُهُ [[تفسير الطبري (٨/٢٥٥) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ -يَعْنِي الزُّبَيْرِيَّ-حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ مَالِكِ بْنِ جُوَيْنٍ، عَنْ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: الْكَبَائِرُ الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَقَذْفُ المحصنَة، وَالْفِرَارُ مِنَ الزَّحْف، وَالتَّعَرُّبِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ، والسِّحْر، وعُقوق الْوَالِدَيْنِ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَفِرَاقُ الْجَمَاعَةِ، وَنَكْثُ الصَّفْقَةِ. وَتَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَالْيَأْسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ، وَالْقُنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَالْأَمْنُ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ. وَرَوَى ابْنُ [[في د: "عن".]] جَرِيرٍ، مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، وَالْأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: الْكَبَائِرُ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ النِّسَاءِ إِلَى ثَلَاثِينَ آيَةً مِنْهَا. وَمِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَشُعْبَةَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُود، عَنْ زِرّ بْنِ حُبيشِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: الْكَبَائِرُ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ النِّسَاءِ إِلَى ثَلَاثِينَ آيَةً مِنْهَا ثُمَّ تَلَا ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ [نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلا كَرِيمًا] [[زيادة من جـ، ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْمُنْذِرُ بْنُ شَاذَانَ، حَدَّثَنَا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ، حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ حَيَّانَ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَمَنْعُ فُضُولِ الْمَاءِ بَعْدَ الرِّيِّ، وَمَنْعُ طُرُوقِ [[في د: "عروق".]] الفحل إلا بجُعْلٍ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "لَا يُمنَع فَضْلُ الماءِ لِيُمْنَعَ بِهِ الْكَلَأُ" [[صحيح البخاري برقم (٢٣٥٣) وصحيح مسلم برقم (١٥٦٦) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] وَفِيهِمَا عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "ثَلَاثَةٌ لَا ينظرُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزكِّيهم وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: رَجُلٌ عَلَى فَضْلِ مَاءٍ بالفَلاةِ يَمْنَعُهُ ابْنَ السَّبيل"، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِتَمَامِهِ [[صحيح البخاري برقم (٢٣٥٨) وصحيح مسلم برقم (١٠٨) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] . وَفِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، مِنْ حَدِيثُ عَمْرو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا: "مَنْ مَنَعَ فَضْلَ الماءِ وفَضْلَ الكَلأ مَنَعَهُ اللَّهُ فَضْلَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" [[المسند (٢/١٧٩) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَنَبَة [[في جـ، د، ر، أ، "شيبة".]] الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: مَا أُخِذ عَلَى النِّساء مِنَ الْكَبَائِرِ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: يَعْنِي [[في أ: "تعنى".]] قَوْلَهُ: ﴿عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلا يَسْرِقْنَ [وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ] [[زيادة من جـ، ر، أ.]] ﴾ الْآيَةَ [الْمُمْتَحِنَةِ: ١٢] . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ مِخْراق، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّة قَالَ: أَتَيْنَا أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، فَكَانَ فِيمَا حَدَّثَنَا قَالَ: لَمْ أَرَ مِثْلَ الَّذِي بَلَغَنَا عَنْ رَبِّنَا تَعَالَى [[في جـ: "عز وجل".]] ثُمَّ [[في أ: "فقال: ثم".]] لَمْ نَخْرُجْ لَهُ عَنْ كُلِّ أَهْلٍ وَمَالٍ. ثُمَّ سَكَتَ هُنية [[في د، أ: "هنيهة".]] ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ لَمَا كَلَّفَنَا [[في ر: "ما خلقنا".]] رَبُّنَا أَهْوَنُ مِنْ ذَلِكَ، لَقَدْ تَجَاوَزَ لَنَا عَمَّا دُونَ الْكَبَائِرِ، فَمَا لَنَا وَلَهَا، ثُمَّ تَلَا ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ [نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلا كَرِيمًا] [[زيادة من جـ، ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ . أَقْوَالُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي ذَلِكَ: رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ، مِنْ حَدِيثِ الْمُعْتَمِرِ [[في جـ، ر: "معتمر".]] بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ طَاوُسٍ قَالَ: ذَكَرُوا عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ الْكَبَائِرَ فَقَالُوا: هِيَ سَبْعٌ، فَقَالَ: هِيَ أَكْثَرُ مِنْ سَبْعٍ وَسَبْعٍ. قَالَ سُلَيْمَانُ: فَمَا أَدْرِي كَمْ قَالَهَا مِنْ مَرَّةٍ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا قُبَيْصَة، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ طَاوُسٍ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: مَا السَّبْعُ الْكَبَائِرُ؟ قَالَ: هِيَ إِلَى السَّبْعِينَ أَقْرَبُ مِنْهَا إِلَى السَّبْعِ. وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ طَاوُسٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ: أَرَأَيْتَ الْكَبَائِرَ السَّبْعَ الَّتِي ذَكَرَهُنَّ [[في د: "ذكرها".]] اللَّهُ؟ مَا هُنَّ؟ قَالَ: هُنَّ إِلَى السَّبْعِينَ أَدْنَى مِنْهُنَّ إِلَى سَبْعٍ [[في أ: "السبع".]] . وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: الْكَبَائِرُ سَبْعٌ؟ قَالَ: هُنَّ إِلَى السَّبْعِينَ أَقْرَبُ، وَكَذَا قَالَ أبو العالية الرياحي، رحمه الله. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ، حَدَّثَنَا شِبْل، عَنْ قَيْسٍ عَنْ سَعْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبير؛ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: كَمِ الْكَبَائِرُ؟ سَبْعٌ؟ قَالَ: هُنَّ إِلَى سَبْعِمِائَةٍ أَقْرَبُ مِنْهَا إِلَى سَبْعٍ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا كَبِيرَةَ مَعَ اسْتِغْفَارٍ، وَلَا صَغِيرَةَ مَعَ إِصْرَارٍ. وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، مِنْ حَدِيثِ شِبْلٍ، بِهِ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ قَالَ: الْكَبَائِرُ كُلُّ ذَنْبٍ خَتَمَهُ اللَّهُ بِنَارٍ أَوْ غَضِبَ أَوْ لَعْنَةٍ أَوْ عَذَابٍ. وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ الْمُوصِلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، حَدَّثَنَا شَبِيبٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْكَبَائِرُ: كُلُّ مَا وَعَدَ اللَّهُ عَلَيْهِ النَّارَ كَبِيرَةٌ. وَكَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: نُبِّئْتُ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَقُولُ: كُلُّ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ كَبِيرَةٌ. وَقَدْ ذَكَرْتُ الطَّرْفة [فِيهِ] [[زيادة من جـ، أ.]] قَالَ: هِيَ النَّظْرَةُ. وَقَالَ أَيْضًا: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَازِمٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَعْدَانَ، عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنِ الْكَبَائِرِ فَقَالَ [[في جـ: "قال".]] هِيَ كُلُّ شَيْءٍ عُصِيَ اللَّهُ فِيهِ فَهُوَ كَبِيرَةٌ. أَقْوَالُ التَّابِعِينَ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيّة، عَنِ ابْنِ عَوْن، عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ: سَأَلَتْ عَبِيدة عَنِ الْكَبَائِرِ، فَقَالَ: الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ بِغَيْرِ حَقِّهَا، وَفِرَارُ يَوْمِ الزَّحْف، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ بِغَيْرِ حَقِّهِ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَالْبُهْتَانُ. قَالَ: وَيَقُولُونَ: أَعْرَابِيَّةٌ بَعْدَ هِجْرَةٍ. قَالَ ابْنُ عَوْنٍ: فَقُلْتُ لِمُحَمَّدٍ: فَالسِّحْرُ؟ قَالَ: إِنَّ الْبُهْتَانَ يَجْمَعُ شَرًّا كَبِيرًا [[في أ: "كثيرا".]] . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ المُحَاربي [[في ر: "المغازي".]] حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ سَلَّامُ بْنُ سُلَيْمٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عُبيد بْنِ عُمَير قَالَ: الْكَبَائِرُ سَبْعٌ، لَيْسَ مِنْهُنَّ كَبِيرَةٌ إِلَّا وَفِيهَا آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ: الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ مِنْهُنَّ: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ﴾ [الْحَجِّ:٣١] وَ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النِّسَاءِ: ١٠] ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٧٥] وَ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النُّورِ: ٢٣] وَالْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا [فَلا تُوَلُّوهُمُ الأدْبَارَ] [[زيادة من جـ، ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ [الْأَنْفَالِ: ١٥] ، وَالتَّعَرُّبُ [[في ر: "التغرب".]] بَعْدَ الْهِجْرَةِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى﴾ [مُحَمَّدٍ: ٢٥] ، وَقَتْلُ الْمُؤْمِنِ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ الْآيَةَ [النِّسَاءِ: ٩٣] . وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عُبَيد، بنحوه. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ، حَدَّثَنَا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيح، عَنْ عَطَاءٍ -يَعْنِي ابْنَ أَبِي رَبَاحٍ-قَالَ: الْكَبَائِرُ سَبْعٌ: قَتْلُ النَّفْسِ، وَأَكْلُ الرِّبَا وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَرَمْيُ الْمُحْصَنَةِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ، وعقُوق الْوَالِدَيْنِ، والفِرَار مِنَ الزَّحْف. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعة، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ قَالَ: كَانَ يُقَالُ شَتْمُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمْرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، مِنَ الْكَبَائِرِ. قُلْتُ: وَقَدْ ذَهَبَ طَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى تَكْفِيرِ مَنْ سَبَّ الصَّحَابَةَ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ: وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: مَا أَظُنُّ أَحَدًا يَنْتَقِصُ [[في جـ، د، ر: "يبغض".]] أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَهُوَ يُحِبُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا: حَدَّثَنَا يُونُسُ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْب، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عيَّاش، قَالَ [[في جـ، ر، أ: "قال: قال".]] زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ مِنَ الْكَبَائِرِ: الشِّرْكُ، وَالْكُفْرُ بِآيَاتِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ الْأَوْلَادِ، وَمَنْ دَعَا لِلَّهِ وَلَدًا أَوْ صَاحِبَةً، وَمِثْلُ ذَلِكَ مِنَ الْأَعْمَالِ، وَالْقَوْلُ الَّذِي لَا يَصْلُحُ [[في أ: "لا يصح".]] مَعَهُ عَمَلٌ، وَأَمَّا كُلُّ ذَنْبٍ يَصْلُحُ مَعَهُ دِينٌ، وَيُقْبَلُ مَعَهُ عَمَلٌ فَإِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ السَّيِّئَاتِ بِالْحَسَنَاتِ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا بِشْر بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ الْآيَةَ: إِنَّمَا وَعَدَ اللَّهُ الْمَغْفِرَةَ لِمَنِ اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ. وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "اجْتَنِبُوا الْكَبائر، وسَدِّدُوا، وأبْشِرُوا". وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طُرُقٍ عَنْ أَنَسٍ، وَعَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: "شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أمَّتِي" [[أما حديث أنس فله طرق منها: ما يرويه أبو بكر بن عياش عن حميد عن أنس. أخرجه ابن أبي عاصم في السنة برقم (٨٣١) . وما يرويه عن ابن المبارك عن عاصم الأحول عن أنس رواه الطبراني في المعجم الكبير (١/٢٥٨) وابن أبي حاتم في العلل (٢/٢٢٢) ، وقال: سمعت أبي وأبا زرعة يقولان: هذا حديث منكر. وما يرويه جعفر بن سليم الضبعي عن مالك بن دينار عن أنس. رواه ابن أبي حاتم في العلل (٢/٧٩) ، وقال: سمعت أبي يقول: هذا حديث منكر. وما يرويه بسطان بن حريث الصدفي عن أشعث عن أنس، رواه القضاعي في مسند الشهاب برقم (٢٣٧) . وما يرويه أبو جناب سمع زياد النميري سمع أنس، رواه القضاعي في مسند الشهاب (٢٣٧) . وأما حديث جابر فقد رواه ابن ماجة في سننه برقم (٤٣١٠) من طريق جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرِ.]] وَلَكِنْ فِي إِسْنَادِهِ مِنْ جَمِيعِ طُرُقِهِ ضَعْفٌ، إِلَّا مَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "شَفاعتي لأهْلِ الكبائرِ مِنْ أُمَّتِي". فَإِنَّهُ إِسْنَادٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ [[في د: "شرطيهما"، وفي ر: "شرط الشيخين".]] وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ مُنْفَرِدًا بِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، عَنْ عَبَّاسٍ العَنْبري، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ثُمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ [[سنن الترمذي بر قم (٢٤٣٥) .]] وَفِي الصَّحِيحِ شَاهِدٌ لِمَعْنَاهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ بَعْدَ ذِكْرِ الشَّفَاعَةِ: "أترَوْنَها لِلْمُؤْمِنِينَ المتقين؟ لا ولكنها للخاطئين المُتَلَوِّثِينَ". وَقَدِ اخْتَلَفَ عُلَمَاءُ الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ فِي حَدِّ الْكَبِيرَةِ فَمِنْ قَائِلٍ: هِيَ مَا عَلَيْهِ حدٌّ في الشرع. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هِيَ مَا عَلَيْهِ وَعِيدٌ لِخُصُوصِهِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّافِعِيُّ، فِي كِتَابِهِ الشَّرْحُ الْكَبِيرُ الشَّهِيرِ، فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ مِنْهُ: ثُمَّ اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ، رَضِيَ اللَّهُ [تَعَالَى] [[زيادة من جـ.]] عَنْهُمْ، فَمَنْ بَعْدَهُمْ فِي الْكَبَائِرِ، وَفِي الْفَرْقِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الصَّغَائِرِ، وَلِبَعْضِ الْأَصْحَابِ [[في أ: "وللأصحاب".]] فِي تَفْسِيرِ الْكَبِيرَةِ وُجُوهٌ: أَحَدُهَا: أَنَّهَا الْمَعْصِيَةُ الْمُوجِبَةُ لِلْحَدِّ. وَالثَّانِي: أَنَّهَا الْمَعْصِيَةُ الَّتِي يَلْحَقُ صَاحِبَهَا الْوَعِيدُ الشَّدِيدُ بِنَصِّ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ. وَهَذَا أَكْثَرُ مَا يُوجَدُ لَهُمْ، وَهُوَ [[في جـ، أ: "وهم".]] وَإِلَى الْأَوَّلِ أَمِيلُ، لَكِنَّ الثَّانِيَ أَوْفَقُ لِمَا ذَكَرُوهُ عِنْدَ تَفْسِيرِ [[في جـ، ر، أ: "تفصيل".]] الْكَبَائِرِ. وَالثَّالِثُ: قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي "الْإِرْشَادِ" وَغَيْرِهِ: كُلُّ جَرِيمَةٍ تُنْبِئُ بِقِلَّةِ اكْتِرَاثِ مُرْتَكِبِهَا بِالدِّينِ وَرِقَّةِ الدِّيَانَةِ، فَهِيَ مُبْطِلَةٌ لِلْعَدَالَةِ. وَالرَّابِعُ: ذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو سَعِيدٍ [[في جـ، ر: "أبو سعد".]] الْهَرَوِيُّ أَنَّ الْكَبِيرَةَ: كُلُّ فِعْل نَصَّ الْكِتَابُ عَلَى تَحْرِيمِهِ، وَكُلُّ مَعْصِيَةٍ تُوجِبُ فِي جِنْسِهَا حَدًّا مِنْ قَتْلٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَتَرْكُ كُلِّ فَرِيضَةٍ مَأْمُورٍ بِهَا عَلَى الْفَوْرِ، وَالْكَذِبُ فِي الشَّهَادَةِ، وَالرِّوَايَةِ، وَالْيَمِينِ. هَذَا مَا ذَكَرَهُ عَلَى سَبِيلِ الضَّبْطِ. ثُمَّ قَالَ: وَفَصَّلَ الْقَاضِي الرُّويَانِيُّ فَقَالَ: الْكَبَائِرُ سَبْعٌ: قَتْلُ النَّفْسِ بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَالزِّنَا، وَاللِّوَاطُ، وَشُرْبُ الْخَمْرِ، وَالسَّرِقَةُ، وَأَخْذُ الْمَالِ غَصْبًا، وَالْقَذْفُ. وَزَادَ فِي "الشَّامِلِ" عَلَى السَّبْعِ الْمَذْكُورَةِ: شَهَادَةَ الزُّورِ. وَأَضَافَ إِلَيْهَا صَاحِبُ الْعُدَّةِ: أَكْلَ الرِّبَا، وَالْإِفْطَارَ فِي رَمَضَانَ بِلَا عُذْرٍ، وَالْيَمِينَ الْفَاجِرَةَ، وَقَطْعَ الرَّحِمِ، وَعُقُوقَ الْوَالِدَيْنِ، وَالْفِرَارَ مِنَ الزَّحْفِ، وَأَكْلَ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالْخِيَانَةَ فِي الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ، وَتَقْدِيمَ الصَّلَاةِ عَلَى وَقْتِهَا، وَتَأْخِيرَهَا عَنْ وَقْتِهَا، بِلَا عُذْرٍ، وَضَرْبَ الْمُسْلِمِ بِلَا [[في أ: "بغير".]] حَقٍّ، وَالْكَذِبَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ عَمْدًا، وَسَبَّ أَصْحَابِهِ، وَكِتْمَانَ الشَّهَادَةِ بِلَا عُذْرٍ، وَأَخْذَ الرِّشْوَةِ، وَالْقِيَادَةَ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَالسِّعَايَةَ عِنْدَ السُّلْطَانِ، وَمَنَعَ الزَّكَاةِ، وَتَرْكَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ مَعَ الْقُدْرَةِ، وَنِسْيَانَ الْقُرْآنِ بَعْدَ تَعَلُّمِهِ، وَإِحْرَاقَ الْحَيَوَانِ بِالنَّارِ، وَامْتِنَاعَ الْمَرْأَةِ مِنْ زَوْجِهَا بِلَا سَبَبٍ، وَالْيَأْسَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَالْأَمْنَ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ [[في أ: "من مكره".]] وَيُقَالُ: الْوَقِيعَةُ فِي أَهْلِ الْعِلْمِ وَحَمَلَةِ الْقُرْآنِ. وَمِمَّا يُعَدُّ مِنَ الْكَبَائِرِ: الظِّهَارُ، وَأَكَلُ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ وَالْمِيتَةِ إِلَّا عَنْ ضَرُورَةٍ. ثُمَّ قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَلِلتَّوَقُّفِ مَجَالٌ فِي بَعْضِ هَذِهِ الْخِصَالِ. قُلْتُ: وَقَدْ صَنَّفَ النَّاسُ فِي الْكَبَائِرِ مُصَنَّفَاتٌ، مِنْهَا مَا جَمَعَهُ شَيْخُنَا الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الذَّهَبِيُّ [[وقد طبع في بيروت بتحقيق الأستاذ/محي الدين مستو.]] الَّذِي بَلَغَ نَحْوًا مِنْ سَبْعِينَ كَبِيرَةً، وَإِذَا قيل: إن الكبيرة [هى] [[زيادة من جـ، أ.]] ما توعد الشَّارِعُ عَلَيْهَا بِالنَّارِ بِخُصُوصِهَا، كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَغَيْرُهُ، وَتَتَبَّعَ ذَلِكَ، اجْتَمَعَ مِنْهُ شَيْءٌ كَثِيرٌ، وَإِذَا قِيلَ: كُلُّ مَا نَهَى اللَّهُ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] عَنْهُ فَكَثِيرٌ جِدًّا، وَاللَّهُ [تَعَالَى] [[زيادة من جـ.]] أَعْلَمُ.

النساء 4:30

نَهَى [[في أ: ينهى.]] تَبَارَكَ وَتَعَالَى عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ عَنِ أَنْ يَأْكُلُوا أَمْوَالَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا بِالْبَاطِلِ، أَيْ: بِأَنْوَاعِ الْمَكَاسِبِ الَّتِي هِيَ غَيْرُ شَرْعِيَّةٍ، كَأَنْوَاعِ الرِّبَا وَالْقِمَارِ، وَمَا جَرَى مَجْرَى ذَلِكَ مِنْ سَائِرِ صُنُوفِ الْحِيَلِ، وَإِنْ ظَهَرَتْ فِي غَالِبِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ مِمَّا يَعْلَمُ اللَّهُ أَنَّ مُتَعَاطِيَهَا إِنَّمَا يُرِيدُ الْحِيلَةَ عَلَى الرِّبَا، حَتَّى قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي مِنَ الرَّجُلِ الثَّوْبَ فَيَقُولُ: إِنْ رَضِيتُهُ أَخَذْتُهُ وَإِلَّا رَدَدْتُهُ وَرَدَدْتُ مَعَهُ دِرْهَمًا-قَالَ: هُوَ الَّذِي قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حرب الموصلي، حدثنا ابن فُضَيْلٍ، عَنْ دَاوُدَ الْأَوَدِيِّ عَنْ عَامِرٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ [ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ ] [[زيادة من جـ، ر، أ.]] قَالَ: إِنَّهَا [كَلِمَةٌ] [[زيادة من أ.]] مَحْكَمَةٌ، مَا نُسِخَتْ، وَلَا تُنْسَخُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ قَالَ الْمُسْلِمُونَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ نَهَانَا أَنْ نَأْكُلَ أَمْوَالَنَا بَيْنَنَا بِالْبَاطِلِ، وَالطَّعَامُ هُوَ أَفْضَلُ الْأَمْوَالِ، فَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ مِنَّا أَنْ يَأْكُلَ عِنْدَ أَحَدٍ، فَكَيْفَ [[في أ: "فكف".]] لِلنَّاسِ [[في أ: "فكيف للناس عن ذلك".]] ! فَأَنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿لَيْسَ عَلَى الأعْمَى حَرَجٌ﴾ [النُّورِ: ٦١] الْآيَةَ، [وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ بْنُ دِعَامَةَ] [[زيادة من أ.]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [[في أ: "بينكم".]] قُرِئَ: تِجَارَةٌ بِالرَّفْعِ وَبِالنَّصْبِ، وَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: لَا تَتَعَاطَوُا الْأَسْبَابَ الْمُحَرَّمَةَ فِي اكْتِسَابِ الْأَمْوَالِ، لَكِنَّ الْمَتَاجِرَ [[في أ: "المتجار".]] الْمَشْرُوعَةَ الَّتِي تَكُونُ عَنْ تَرَاضٍ مِنَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي فَافْعَلُوهَا وَتَسَبَّبُوا بِهَا فِي تَحْصِيلِ الْأَمْوَالِ. كَمَا قَالَ [اللَّهُ] [[زيادة من أ.]] تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٥١] ، وَكَقَوْلِهِ ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلا الْمَوْتَةَ الأولَى﴾ [الدخان: ٥٦] . وَمِنْ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ احْتَجَّ الشَّافِعِيُّ [رَحِمَهُ اللَّهُ] [[زيادة من جـ، أ.]] عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْبَيْعُ إِلَّا بِالْقَبُولِ؛ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى التَّرَاضِي نَصا، بِخِلَافِ الْمُعَاطَاةِ فَإِنَّهَا قَدْ لَا تَدُلُّ عَلَى الرِّضَا وَلَا بُدَّ، وَخَالَفَ [[في ر، أ: "وخالفوا".]] الجمهورَ فِي ذَلِكَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ وَأَصْحَابُهُمْ، فَرَأَوْا أَنَّ الْأَقْوَالَ كَمَا تَدُلُّ عَلَى التَّرَاضِي، وَكَذَلِكَ الْأَفْعَالُ تَدُلُّ فِي بَعْضِ الْمَحَالِّ قَطْعًا، فَصَحَّحُوا بَيْعَ الْمُعَاطَاةِ مُطْلَقًا، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَصِحُّ فِي المحقَّرات، وَفِيمَا يَعُدُّهُ النَّاسُ بَيْعًا، وَهُوَ احْتِيَاطُ نَظَرٍ مِنْ مُحَقِّقِي الْمَذْهَبِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ بَيْعًا [[في أ: "بيع".]] أَوْ عَطَاءً يُعْطِيهِ أَحَدٌ أَحَدًا. وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ [ثُمَّ] [[زيادة من جـ، أ.]] قَالَ: وَحَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيع، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ [[في أ: "بن".]] سُلَيْمَانَ الجُعْفي، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "البَيْعُ عَنْ تَراض والخِيارُ بَعْدَ الصَّفقة وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَغُشَّ [[في ر: "يضر".]] مُسْلِمًا". هَذَا حَدِيثٌ مُرْسَلٌ [[تفسير الطبري (٨/٢٢١) .]] . وَمِنْ تَمَامِ التَّرَاضِي إِثْبَاتُ خِيَارِ الْمَجْلِسِ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرقا" وَفِي لَفْظِ الْبُخَارِيِّ: "إِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا" [[صحيح البخاري برقم (٢١٠٩) وصحيح مسلم برقم (١٥٣١) .]] . وَذَهَبَ إِلَى الْقَوْلِ بِمُقْتَضَى هَذَا الْحَدِيثِ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ [بْنُ حَنْبَلٍ] [[زيادة من أ.]] وَأَصْحَابُهُمَا، وجمهورُ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ. وَمِنْ ذَلِكَ مَشْرُوعِيَّةُ خِيَارِ الشَّرْطِ بَعْدَ الْعَقْدِ إِلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، [كَمَا هُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى مَا هُوَ أَزْيَدُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ] [[زيادة من جـ، د، أ.]] بِحَسَبَ مَا يَتَبَيَّنُ فِيهِ مَالُ الْبَيْعِ، وَلَوْ إِلَى سَنَةٍ فِي الْقَرْيَةِ وَنَحْوِهَا، كَمَا هُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ. وَصَحَّحُوا [[في ر: "فصححوا".]] بَيْعَ الْمُعَاطَاةِ مُطْلَقًا، وَهُوَ قَوْلٌ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَصِحُّ بَيْعُ الْمُعَاطَاةِ فِي الْمُحَقَّرَاتِ فِيمَا يَعُدُّهُ النَّاسُ بَيْعًا، وَهُوَ اخْتِيَارُ طَائِفَةٍ مِنَ الْأَصْحَابِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ أَيْ: بِارْتِكَابِ مَحَارِمِ اللَّهِ وَتَعَاطِي مَعَاصِيهِ وَأَكْلِ أَمْوَالِكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ أَيْ: فِيمَا أَمَرَكُمْ بِهِ، وَنَهَاكُمْ عَنْهُ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَسَنُ [[في جـ، أ: "حسين".]] بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعة، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ عمْران بْنِ أَبِي أَنَسٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَير، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ لَمَّا بَعَثَهُ النَّبِيُّ ﷺ عَامَ ذَاتِ السَّلَاسِلِ قَالَ: احْتَلَمْتُ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ شَدِيدَةِ الْبَرْدِ فَأَشْفَقْتُ إِنِ اغْتَسَلْتُ أَنْ أَهْلِكَ، فَتَيَمَّمْتُ ثُمَّ صَلَّيْتُ بِأَصْحَابِي صَلَاةَ الصُّبْحِ، قَالَ: فَلَمَّا قدمتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: "يَا عَمْرُو صَلَّيت بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ! " قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ [[في أ: "نعم يا رسول الله".]] إِنِّي احْتَلَمْتُ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ شَدِيدَةِ الْبَرْدِ، فَأَشْفَقْتُ إِنِ اغْتَسَلْتُ [[في أ: "أن أغتسل".]] أَنْ أهلكَ، فَذَكَرْتُ [[في ر: "ذكرت"، وفي جـ، أ: "وذكرت".]] قَوْلَ اللَّهِ [عز وَجَلَّ] [[زيادة من جـ، ر، أ.]] ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ فَتَيَمَّمْتُ ثُمَّ صَلَّيْتُ. فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا. وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، بِهِ. وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ وَعُمَرَ بْنِ الْحَارِثِ، كِلَاهُمَا عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ عمران بن أبي أَنَسٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ الْمِصْرِيِّ، عَنْ أَبِي قَيْسٍ مَوْلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، عَنْهُ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ. وَهَذَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، أَشْبَهُ بِالصَّوَابِ [[المسند (٤/٢٠٣) وسنن أبي داود برقم (٣٣٤) .]] . وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدُوَيه: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَامِدٍ البَلْخِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحِ بْنِ سَهْلٍ الْبَلْخِيُّ، حدثنا عُبَيد [[في ر: "عبد".]] عبد اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ صَلَّى بِالنَّاسِ وَهُوَ جُنُب، فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ، فَدَعَاهُ فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، خفْتُ أَنْ يَقْتُلَنِي الْبَرْدُ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا] ﴾ [[زيادة من جـ، ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] قَالَ: فَسَكَتَ عَنْهُ رسولُ اللَّهِ ﷺ [[ورواه الطبراني (١١/٢٣٤) من طريق عبيد الله القواريري به، وقال الهيثمي في المجمع (١/٢٦٤) : "فيه يوسف بن خالد السمتي وهو كذاب".]] . ثُمَّ أَوْرَدَ ابْنُ مَرْدُويه عِنْدَ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ قَتَل نَفْسَه بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ، يَجَأ بِهَا بَطْنه يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِسُمٍّ، فَسُمُّهُ فِي يَدِهِ، يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَهُوَ مُتَرد [[في ر: "متردد".]] فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا". وَهَذَا الْحَدِيثُ [[في ر: "حديث".]] ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ [[صحيح البخاري برقم (٥٧٧٨) وصحيح مسلم برقم (١٠٩) .]] وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِنَحْوِهِ، وَعَنْ أَبِي قِلابة، عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ قَتَلَ نَفْسَه بِشَيْءٍ عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". وَقَدْ أَخْرَجَهُ الجماعَةُ فِي كُتُبهم مِنْ طَرِيقِ أَبِي قِلَابَةَ [[صحيح البخاري برقم (٦٠٤٧، ٦١٠٥) وصحيح مسلم برقم (١١٠) وسنن أبي داود برقم (٣٢٥٧) وسنن الترمذي برقم (١٥٤٣) وسنن النسائي (٧/٥،٦) وسنن ابن ماجه برقم (٢٠٩٨) وليس عند الترمذي قوله: "ومن قتل نفسه بشيء" وهو الشاهد هنا.]] وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ، عَنْ [[في ر: "ابن".]] جُنْدب بْنِ عَبْدِ اللَّهِ البَجَلي قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "كَانَ رَجُلٌ مِمَّنْ [[في أ: "فيمن".]] كَانَ قَبْلَكُمْ وَكَانَ بِهِ جُرْح، فَأَخَذَ سِكِّينًا نَحَر بهَا يَدَهُ، فَمَا رَقأ الدَّمُ حَتَّى ماتَ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: عَبْدِي بادرنِي بِنَفْسه، حرَّمت [[في أ: "فحرمت".]] عَلَيْهِ الْجَنَّة" [[صحيح البخاري برقم (١٣٦٤، ٣٤٦٣) وصحيح مسلم برقم (١١٣) .]] . وَلِهَذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا﴾ أَيْ: وَمَنْ يَتَعَاطَى ما نهاه الله عنه متعديا فِيهِ ظَالِمًا فِي تَعَاطِيهِ، أَيْ: عَالِمًا بِتَحْرِيمِهِ مُتَجَاسِرًا عَلَى انْتِهَاكِهِ ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا [وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا] ﴾ [[زيادة من جـ، ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] وَهَذَا تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ وَوَعِيدٌ أَكِيدٌ، فَلْيحذَرْ مِنْهُ كُلُّ عَاقِلٍ لَبِيبٍ مِمَّنْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ [وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلا كَرِيمًا] [[زيادة من جـ، ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ . أَيْ: إِذَا اجْتَنَبْتُمْ كَبَائِرَ الْآثَامِ الَّتِي نُهِيتُمْ عَنْهَا كَفَّرْنَا عَنْكُمْ صَغَائِرَ الذُّنُوبِ وَأَدْخَلْنَاكُمُ الْجَنَّةَ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلا كَرِيمًا﴾ . وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حدثنا مؤمل بن هشام، حدثنا إسماعيل بن إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا خَالِدُ [[في ر: "الخلد"، وفي أ: "الخالد".]] بْنُ أَيُّوبَ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، عَنْ أَنَسٍ [[عند البزار، عن أنس قال: "لم نر مثل الذي بلغنا عن ربنا" انظر: المجمع (٧/٣) .]] [يَرْفَعُهُ] [[زيادة من جـ، ر، أ.]] : " الَّذِي بَلَغَنَا عَنْ رَبِّنَا، عَزَّ وَجَلَّ، ثُمَّ لَمْ نَخْرُجْ لَهُ عَنْ كُلِّ أَهْلٍ وَمَالٍ أَنْ تَجَاوَزَ لَنَا عَمَّا دُونَ الْكَبَائِرِ، يَقُولُ اللَّهُ [تَعَالَى] [[زيادة من جـ، ر، أ.]] ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ [وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلا كَرِيمًا] [[زيادة من جـ، ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ " [[مسند البزار برقم (٢٢٠٠) "كشف الأستار"، وقال الهيثمي: "فيه الجلد بن أيوب وهو ضعيف".]] . وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ مُتَعَلِّقَةٌ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ فَلْنَذْكُرْ مِنْهَا مَا تَيَسَّرَ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا هُشَيم عَنْ مُغِيرة، عَنْ أَبِي مَعْشَر، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ قَرْثَع الضَّبِّي، عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ قَالَ: قَالَ لِيَ النَّبِيُّ ﷺ: "أَتَدْرِي مَا يَوْمُ الْجُمُعَةِ؟ " قُلْتُ: هُوَ الْيَوْمَ الَّذِي جَمَعَ اللَّهُ فِيهِ أَبَاكُمْ. قَالَ: "لَكِنْ أدْرِي مَا يَوْمُ الجُمُعَةِ، لَا يَتَطَهَّرُ الرَّجُلُ فيُحسِنُ طُهُوره، ثُمَّ يَأْتِي الجُمُعة فيُنصِت حَتَّى يَقْضِيَ الْإِمَامُ صَلَاتَهُ، إِلَّا كَانَ [[في ر: "كانت".]] كَفَّارَةً لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الْمُقْبِلَةِ، مَا اجْتُنبت الْمَقْتَلَةُ [[في جـ: "المقتل".]] وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سَلْمَانَ نَحْوَهُ [[المسند (٥/٤٣٩) ورواه البخاري برقم (٩١٠) من طريق سعيد المقبري عن أبيه عن ابن وديعة عن سلمان الفارسي بنحوه.]] . وَقَالَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى [بْنُ إِبْرَاهِيمَ] [[زيادة من ر، أ.]] حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي خَالِدٌ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ نُعَيْمٍ المُجْمر، أَخْبَرَنِي صُهَيْبٌ مَوْلَى العُتْوارِي، أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ يَقُولَانِ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا فَقَالَ: "وَالَّذِي نَفْسي بِيَدِهِ" -ثَلَاثَ مَرَّاتٍ-ثُمَّ أكَبَّ، فَأَكَبَّ كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا يَبْكِي، لَا نَدْرِي عَلَى مَاذَا حَلَفَ عَلَيْهِ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَفِي وَجْهِهِ الْبِشْرُ [[في أ: "البشرى"]] فَكَانَ أَحَبَّ إِلَيْنَا مِنْ حُمْر النَّعَم، فَقَالَ [ﷺ] [[زيادة من جـ.]] مَا مِنْ عَبْدٍ يُصَلِّي الصَّلَواتِ الخمسَ، ويَصُومُ رمضانَ، ويُخرِج الزَّكَاةَ، ويَجْتنبُ الْكَبَائِرَ السَّبعَ، إِلَّا فُتِحتْ لَهُ أبوابُ الجَنَّةِ، ثُمَّ قِيلَ لَهُ: ادْخُل بسَلامٍ". وَهَكَذَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ، مِنْ حَدِيثِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، رَوَاهُ الْحَاكِمُ أَيْضًا وَابْنُ حِبَّان فِي صَحِيحِهِ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، بِهِ. ثُمَّ قَالَ الْحَاكِمُ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، ولم يخرجاه [[تفسير الطبري (٨/٢٣٨) وسنن النسائي (٥/٨) والمستدرك (١/٢٠٠) .]] . تَفْسِيرُ هَذِهِ السَّبْعِ: وَذَلِكَ بِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، عَنْ ثَوْر بْنِ زَيْدٍ، عَنْ سَالِمٍ أَبِي الْغَيْثِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "اجْتَنِبُوا السبعَ المُوبِقَاتِ" قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: "الشِّركُ بِاللَّهِ، وقَتْلُ النَّفْس الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، والسِّحرُ، وأكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، والتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْف، وقَذْفُ المحصنَات الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ" [[صحيح البخاري برقم (٢٧٦٦) وصحيح مسلم برقم (٨٩) .]] . طَرِيقٌ أُخْرَى عَنْهُ: قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا فَهْد بْنُ عَوْف، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانة، عَنْ عَمْرو بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم قال: "الْكَبَائِرُ سَبْعٌ، أَوَّلُهَا الإشراكُ بِاللَّهِ، ثُمَّ قَتْل النَّفْس بِغَيْرِ حَقِّهَا، وأكْلُ الرِّبَا، وأَكْلُ مَالِ اليتيمِ إِلَى أَنْ يَكْبُرَ، والفِرَارُ مِنَ [[في أ: "يوم".]] الزَّحْفِ، ورَميُ الْمُحْصَنَاتِ، وَالِانْقِلَابُ إِلَى الْأَعْرَابِ بَعْدَ الهِجْرَةِ" [[مسند البزار برقم (١٠٩) "كشف الأستار"، وقال الهيثمى في مجمع الزوائد (١/١٠٣) : "فيه عمر بن أبي سلمة، ضعفه شعبة وغيره، ووثقة أبو حاتم وابن حبان وغيرهما".]] . فَالنَّصُّ عَلَى هَذِهِ السَّبْعِ بِأَنَّهُنَّ كَبَائِرُ لَا يَنْفِي مَا عَدَاهُنَّ، إِلَّا عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِمَفْهُومِ اللَّقَبِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ عِنْدَ عَدَمِ الْقَرِينَةِ، وَلَا سِيَّمَا عِنْدَ [[في ر: "عن".]] قِيَامِ الدَّلِيلِ بِالْمَنْطُوقِ عَلَى عَدَمِ الْمَفْهُومِ، كَمَا سَنُورِدُهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمُتَضَمَّنَةِ مِنَ الْكَبَائِرِ غَيْرَ هَذِهِ السَّبْعِ، فَمِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ حَيْثُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ كَامِلٍ الْقَاضِي، إِمْلَاءً حَدَّثَنَا أَبُو قِلَابَةَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هَانِئٍ، حَدَّثَنَا حَرْب بْنُ شَدَّاد، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ سِنَان، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْر، عَنْ أَبِيهِ -يَعْنِي عُمَير بْنَ قَتَادَةَ-رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ حَدَّثَهُ -وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ-أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: "أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ المُصَلُّون مَنْ يُقِيم [[في ر، أ: "يقم".]] الصلواتِ الخمسَ الَّتِي كُتبت [[في أ: "التى كتب".]] عَلَيْهِ، ويَصومُ رَمَضَانَ ويَحتسبُ صومَهُ، يَرَى أَنَّهُ عَلَيْهِ حَقٌّ، ويُعطي زكاةَ مَالِهِ يَحْتسِبها، وَيَجْتَنِبُ الْكَبَائِرَ الَّتِي نَهَى اللَّهُ عَنْهَا". ثُمَّ إِنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الْكَبَائِرُ؟ فَقَالَ: "تِسْعٌ: الشِّركُ بِاللَّهِ، وقَتْلُ نَفْسِ مُؤْمِنٍ بِغَيْرِ حَقٍّ [[في د، أ: "الحق".]] وفِرارُ يَوْمِ الزّحْفِ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَأَكْلُ الرِّبا، وقذفُ المُحصنَة [[في أ: "المحصنات".]] وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ الْمُسْلِمَيْنِ، وَاسْتِحْلَالُ الْبَيْتِ الْحَرَامِ قِبْلَتِكُمْ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا، ثُمَّ قَالَ: لَا يَمُوتُ رَجُلٌ لَا يَعْمَلُ [[في جـ: "لم يعمل".]] هَؤُلَاءِ الْكَبَائِرَ، وَيُقِيمُ الصَّلَاةَ، ويُؤتِي الزَّكَاةَ، إِلَّا كَانَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي دَارٍ أَبْوَابُهَا مَصَارِيعٌ [[في جـ، ر، أ: "مصانعها".]] مِنْ ذَهَبٍ". وَهَكَذَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ مُطَوَّلًا وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ [[في ج: "والترمذي والنسائي".]] مُخْتَصَرًا مِنْ حَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ هَانِئٍ، بِهِ وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِهِ مَبْسُوطًا ثُمَّ قَالَ الْحَاكِمُ: رِجَالُهُ كُلُّهُمْ يُحْتَجُّ بِهِمْ فِي الصَّحِيحَيْنِ إِلَّا عبد الحميد بن سنان [[المستدرك (١/٥٩) وسنن أبي داود برقم (٢٨٧٥) ولم أجده عند الترمذي، ورواه البيهقى في السنن الكبرى من طريق الحاكم (٣/٤٠٨) وقال: "سقط من كتابي أو من كتاب شيخى -يعنى الحاكم- السحر". وعبد الحميد بن سنان. قال الذهبي: "عداده في التابعين لا يعرف، وقد وثقه بعضهم. قال البخاري: روى عن عبيد بن عمير في حديثه نظر. قلت: حديثه عن عبيد عن أبيه: الكبائر تسع.. الحديث..".]] . قُلْتُ: وَهُوَ حِجَازِيٌّ لَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّان فِي كِتَابِ الثِّقَاتِ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: فِي حَدِيثِهِ نَظَرٌ. وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ ثَابِتٍ الْجَحْدَرِيِّ، عَنْ سَلْمِ [[في جـ، أ: "سلمة".]] بْنِ سَلَامٍ، عَنْ أَيُّوبَ بن عتبة، عن يحيى بن أبي كثير، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَير، عَنْ أَبِيهِ، فَذَكَرَهُ. وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْإِسْنَادِ: عَبْدَ الْحَمِيدِ بْنَ سِنَانٍ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ [[في أ: "والله أعلم".]] [[تفسير الطبري (٨/٢٤١) .]] . حَدِيثٌ آخَرُ فِي مَعْنَى مَا تَقَدَّمَ: قَالَ ابْنُ مَرْدُويه: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ الْوَلِيدِ، عَنِ الْمُطَّلِبِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: صَعِدَ النَّبِيُّ ﷺ الْمِنْبَرَ فَقَالَ: "لَا أقْسِمُ، لَا أقْسِمُ". ثُمَّ نَزَلَ فَقَالَ: "أبْشِرُوا، أبْشِرُوا، مَنْ صَلَّى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، واجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ السَّبعَ، نُودِيَ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ: ادخُل". قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ: لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا قَالَ: "بِسَلَامٍ". قَالَ الْمُطَّلِبُ: سَمِعْتُ مَنْ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرو: أَسْمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُهُنَّ؟ قَالَ: نَعَمْ: "عُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وإشْرَاكٌ بِاللَّهِ، وقَتْلُ النَّفْسِ، وقَذْفُ المُحْصنات، وأكْلُ مالِ اليتيمِ، والفِرارُ مِنَ الزَّحفِ، وأكْلُ الرِّبَا" [[ورواه الطبراني في المعجم الكبير برقم (٣) "القطعة المفقودة" من طريق عبد العزيز بن محمد عن مسلم بن الوليد عن المطلب به وفي إسناده مسلم بن الوليد ذكره البخاري في التاريخ الكبير (٨/١٥٣) وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٨/١٩٧) ولم يذكرا فيه جرحا أو تعديلا.]] . حَدِيثٌ آخَرُ فِي مَعْنَاهُ: قَالَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ فِي التَّفْسِيرِ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، أَخْبَرَنَا زِيَادُ بْنُ مِخْرَاق عَنْ طَيْسَلَةَ بْنِ مَيَّاسٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّجدات، فَأَصَبْتُ ذُنُوبًا لَا أَرَاهَا إِلَّا مِنَ الْكَبَائِرِ، فَلَقِيتُ ابْنَ عُمَر فَقُلْتُ لَهُ: إِنِّي أَصَبْتُ ذُنُوبا لَا أَرَاهَا إِلَّا مِنَ الْكَبَائِرِ قَالَ: مَا هِيَ؟ قُلْتُ: أَصَبْتُ كَذَا وَكَذَا. قَالَ: لَيْسَ مِنَ الْكَبَائِرِ. قُلْتُ: وَأَصَبْتُ كَذَا وَكَذَا. قَالَ: لَيْسَ مِنَ الْكَبَائِرِ قَالَ -بِشَيْءٍ لَمْ يُسَمِّهِ طَيْسَلَة-قَالَ: هِيَ تِسْعٌ وَسَأَعُدُّهُنَّ عَلَيْكَ: الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ بِغَيْرِ حَقِّهَا [[في د: "النسمة بغير حلها" رفي جـ: "نسمة بغير حلها"، في ر: "النفس بغير حلها".]] وَالْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَةِ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ ظُلْمًا، وَإِلْحَادٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَالَّذِي يَسْتَسْحِرُ [[في جـ: "يسحر".]] وَبُكَاءُ الْوَالِدَيْنِ مِنَ الْعُقُوقِ. قَالَ زِيَادٌ: وَقَالَ طَيْسَلَةُ لَمَّا رَأَى ابْنَ عُمَرَ: فَرَقي. قَالَ: أَتُخَافُ النَّارَ أَنْ تَدْخُلَهَا؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: وَتُحِبُّ أَنْ تَدْخُلَ الْجَنَّةَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: أَحَيٌّ وَالِدَاكَ؟ قُلْتُ: عِنْدِي أُمِّي. قَالَ: فَوَاللَّهِ لَئِنْ أَنْتَ ألَنْتَ لَهَا الْكَلَامَ، وَأَطْعَمْتَهَا الطَّعَامَ، لَتَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ مَا اجْتَنَبْتَ الْمُوجِبَاتِ [[تفسير الطبري (٨/٢٣٩) ورواه البخاري في الأدب المفرد برقم (٨) من طريق زياد بن مخراق به.]] . طَرِيقٌ أُخْرَى: قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ ثَابِتٍ الْجَحْدَرِي الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا سَلْمُ [[في جـ، ر، أ: "مسلم".]] بْنُ سَلَامٍ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ عُتْبَةَ، عَنْ طَيْسَلة بْنِ عَلِيٍّ النَّهْدِيِّ قَالَ: أَتَيْتُ ابْنَ عُمَرَ وَهُوَ في ظل أرَاك يوم عَرَفة، وَهُوَ يَصُبُّ الْمَاءَ عَلَى رَأْسِهِ وَوَجْهِهِ قُلْتُ [[في أ: "قال: قلت".]] أَخْبِرْنِي عَنِ الْكَبَائِرِ؟ قَالَ: هِيَ تِسْعٌ. قُلْتُ: مَا هِيَ؟ قَالَ: الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَةِ -قَالَ: قُلْتُ: قَبْلَ الْقَتْلِ [[في ر، أ: "قتل النفس".]] ؟ قَالَ: نَعَمْ وَرَغْمَا -وَقَتْلُ النَّفْسِ الْمُؤْمِنَةِ، والفِرارُ مِنَ الزَّحْفِ، والسِّحْرُ، وأكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وعُقوق الْوَالِدَيْنِ الْمُسْلِمَيْنِ، وإلْحاد بِالْبَيْتِ الْحَرَامِ، قبْلَتكم أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا [[تفسير الطبري (٨/٢٤٠) .]] . هَكَذَا رَوَاهُ مِنْ هَذَيْنَ الطَّرِيقَيْنِ مَوْقُوفًا، وَقَدْ رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ الجَعْدِ، عَنْ أَيُّوبَ بن عتبة، عن طيسلة بن علي [النهدي] [[زيادة من أ.]] قَالَ: أَتَيْتُ ابْنَ عُمَرَ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ، وَهُوَ تَحْتَ ظلِّ أرَاكة، وَهُوَ يَصُبُّ الْمَاءَ عَلَى رَأْسِهِ، فَسَأَلْتُهُ عَنِ الْكَبَائِرِ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "هُنّ سَبْعٌ". قَالَ: قُلْتُ: وَمَا هُنّ؟ قَالَ: "الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَةِ [[في د: "المحصنات".]] -قَالَ: قُلْتُ: قَبْلَ [[في جـ: "قتل".]] الدَّمِ؟ قَالَ: نَعَمْ وَرُغْمًا -وقتلُ النَّفْسِ الْمُؤْمِنَةِ، وَالْفِرَارُ مِنَ الزَّحفِ، والسِّحرُ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وعُقوق الْوَالِدَيْنِ، وَإِلْحَادٌ [[في جـ، ر، أ: "والإلحاد".]] بِالْبَيْتِ الحرامِ قِبْلَتَكُم أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا". وَكَذَا رَوَاهُ الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى الْأَشْيَبُ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ عُتْبَةَ الْيَمَانِيِّ -وَفِيهِ ضَعْفٌ [[رواه البغوي في الجعديات، وروى الخرائطى في مساوئ الأخلاق برقم (٢٤٧) من طريق حسين بن محمد المروزى عن أيوب بن عتبه بنحوه، وأيوب بن عتبه ضعيف. ورواه عكرمة بن عمار عن طيسلة بن على: أن ابن عمر كان ينزل الآراك يوم عرفه. أخرجه أبو داود في المسائل (١١٨) .]] -وَاللَّهُ أَعْلَمُ. حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ عَديّ، حَدَّثَنَا بَقِيَّة، عَنْ بَحير بْنُ سَعْدٍ [[في جـ، ر، أ: "يحيى بن سعيد".]] عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدان: أَنَّ أَبَا رُهْم السَّمَعِيَّ حَدَّثَهُمْ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ عَبَدَ اللَّهَ لَا يُشرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَأَقَامَ الصَّلَاةَ، وَآتَى الزَّكَاةَ، وَصَامَ رَمَضَانَ، واجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ، فَلَهُ الْجَنَّةُ -أَوْ دَخَلَ الْجَنَّةَ" فَسَأَلَهُ رَجُلٌ: مَا الْكَبَائِرُ؟ فَقَالَ [[في ر: "قال".]] الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وقَتْلُ نَفْسٍ مُسْلِمَةٍ، والفِرار يَوْمَ الزَّحْف". وَرَوَاهُ أَحْمَدُ أَيْضًا وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، عَنْ بَقِيَّةَ [[المسند (٥/٤١٣) وسنن النسائي (٧/٨٨) .]] . حَدِيثٌ آخَرُ: رَوَى الْحَافِظُ أبو بكر ابن مَرْدَوَيْهِ فِي تَفْسِيرِهِ، مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ الْيَمَانِيِّ -وَهُوَ ضَعِيفٌ-عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: كَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى أَهْلِ الْيَمَنِ كِتَابًا فِيهِ الْفَرَائِضُ وَالسُّنَنُ وَالدِّيَاتُ، وَبَعَثَ بِهِ مَعَ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، قَالَ: وَكَانَ فِي الْكِتَابِ: "إِنَّ أَكْبَرَ الْكَبَائِرِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: إشْراكٌ باللهِ وقَتْل النفْسِ الْمُؤْمِنَةِ بِغَيْرِ حَقٍّ، والفِرارُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَوْمَ الزَّحْفِ، وعُقوق الْوَالِدَيْنِ، ورَمْي الْمُحْصَنَةِ، وتَعَلُّم السحر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم" [[ورواه الحاكم في المستدرك (١/٣٩٥) من طريق يحيى بن حمزة عن سليمان بن داود به، وقال الحاكم: "هذا حديث كبير مفسر في هذا الباب، وسليمان بن داود الخولاني معروف بالزهرى وإن كان يحيى بن معين غمزه فقد عدله غيره ثم ذكر قول أبي حاتم وأبي زرعة: "سليمان بن داود الخولاني عندنا ممن لا بأس به".]] . حَدِيثٌ آخَرُ: فِيهِ ذِكْرُ شَهَادَةِ الزُّورِ؛ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حدثنا شُعْبَةُ، حَدَّثَنِي عُبَيد اللَّهِ [[في جـ، ر، أ: "عبد الله"، وفي ر: "محمد" وهو خطأ والصحيح عبيد الله وانظر: من مسند الإمام أحمد ٣/١٣١.]] بْنُ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْكَبَائِرَ -أَوْ سُئِلَ عَنِ الْكَبَائِرِ-فَقَالَ: "الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وقَتْلُ النفْسِ، وعُقوق الْوَالِدَيْنِ". وَقَالَ: "أَلَا أُنْبِئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟ " قَالَ: "قَوْلُ الزُّورِ -أَوْ شَهَادَةُ الزُّورِ". قَالَ شُعْبَةُ: أَكْبَرُ ظَنِّي أَنَّهُ قَالَ" "شَهَادَةُ الزُّورِ" [[المسند (٣/١٣١) .]] . أَخْرَجَاهُ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ [[صحيح البخاري برقم (٥٩٧٧) وصحيح مسلم برقم (٨٨) .]] بِهِ. وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ مَرْدُويه مِنْ طَرِيقَيْنِ آخَرَيْنِ غَرِيبَيْنِ عَنْ أَنَسٍ، بِنَحْوِهِ [[في ر: "نحوه".]] . حَدِيثٌ آخَرُ: أَخْرَجَهُ [[في أ: "أخرجاه".]] الشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرة، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "أَلَا أُنْبِئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟ "، قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ" وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ فَقَالَ: "أَلَا وَشَهَادَةُ الزُّورِ، أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ". فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ سَكَتَ [[صحيح البخاري برقم (٥٩٧٦) وصحيح مسلم برقم (٨٧) .]] . حَدِيثٌ آخَرُ: فِيهِ ذِكْرُ قَتْلِ الْوَلَدِ، وَهُوَ ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ -وَفِي رِوَايَةٍ: أَكْبَرُ-قَالَ: "أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدا وَهُوَ خَلَقكَ" قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: "أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أَنْ يَطْعَم مَعَكَ". قُلْتُ: ثُمَّ أي؟ قَالَ: "أَنْ تُزاني حَلِيلَةَ جارِك" ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ [وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا] ﴾ [[زيادة من جـ، ر، أ.]] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِلا مَنْ تَابَ﴾ [الْفَرْقَانِ: ٦٨] [[صحيح البخاري برقم (٤٤٧٧) وصحيح مسلم برقم (٦٨) .]] . حَدِيثٌ] آخَرُ [ [[زيادةمن أ.]] فِيهِ ذِكْرُ شُرْبِ الْخَمْرِ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَىِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي أَبُو صَخْرٍ: أَنَّ رَجُلًا حَدّثه عَنْ عَمْرَةَ بْنِ حَزْمٍ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرو بْنِ الْعَاصِ وَهُوَ بالحِجْر [[في جـ، ر، أ: "وهو في الحجر".]] بِمَكَّةَ وسُئل عَنِ الْخَمْرِ، فَقَالَ: وَاللَّهِ إنَّ عَظِيمًا عِنْدَ اللَّهِ الشيخُ مِثْلِي يكذبُ فِي هَذَا الْمُقَامِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ [[في أ: "على نبي الله".]] ﷺ، فَذَهَبَ فَسَأَلَهُ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: سَأَلْتُهُ عَنِ الْخَمْرِ فَقَالَ: "هِيَ أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ، وَأُمُّ الْفَوَاحِشِ، مَنْ [[في ر: "ثم".]] شَرِبَ الْخَمْرَ تَرَكَ الصَّلَاةَ وَوَقَعَ عَلَى أُمِّهِ وَخَالَتِهِ وَعَمَّتِهِ" [[ورواه الطبراني من طريق آخر كما في المجمع (٥/٦٨) وقال الهيثمي: "عتاب لم أعرفه وابن لهيعة حديثه حسن وفيه ضعف".]] غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. طَرِيقٌ أُخْرَى: رَوَاهَا الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدُويه مِنْ حَدِيثِ [[في أ: "طريق".]] عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدي، عَنْ دَاوُدَ بْنِ صَالِحٍ، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وعُمَر بن الْخَطَّابِ وَأُنَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ، جَلَسُوا [[في ر: "كانوا جلوسًا".]] بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَذَكَرُوا أَعْظَمَ الْكَبَائِرِ، فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ مَا يَنْتَهُونَ إِلَيْهِ، فَأَرْسَلُونِي إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرو بْنِ الْعَاصِ أَسْأَلُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَأَخْبَرَنِي أَنَّ أَعْظَمَ الْكَبَائِرِ شُرْبُ الْخَمْرِ، فَأَتَيْتُهُمْ فَأَخْبَرْتُهُمْ، فَأَنْكَرُوا ذَلِكَ، فَوَثَبُوا إِلَيْهِ حَتَّى أَتَوْهُ فِي دَارِهِ، فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُمْ تَحَدَّثُوا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أن مَلِكا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَخَذَ رَجُلًا فخيَّره بَيْنَ أَنْ يَشْرَبَ خَمْرًا أَوْ يَقْتُلَ نَفْسًا، أَوْ يُزَانِيَ [[في أ: "أو يزنى".]] أَوْ يَأْكُلَ لَحْمَ خِنْزِيرٍ، أَوْ يَقْتُلَهُ [[في أ: "أو يقتلوه".]] فَاخْتَارَ شُرْبَ الْخَمْرِ [[في جـ، د، ر: "فاختار أن يشرب الخمر".]] وَإِنَّهُ لَمَّا شَرِبَهَا لَمْ يَمْتَنِعْ مِنْ شَيْء أَرَادَهُ [[في أ: "أرادوه".]] مِنْهُ، وَإِنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لَنَا مُجِيبًا: "مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْرَبُ خَمْرًا إِلَّا لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، وَلَا يَمُوتُ أَحَدٌ فِي مَثَانَتِهِ مِنْهَا شَيْءٌ إِلَّا حَرَّم اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ فإنْ مَاتَ فِي أَرْبَعِينَ لَيْلَةً مَاتَ ميتَةً جَاهِلِيَّةً". هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ جِدًّا، وَدَاوُدُ بْنُ صَالِحٍ هُوَ التَّمار [[في د: "اليمانى".]] الْمَدَنِيُّ مَوْلَى الْأَنْصَارِ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: لَا أَرَى بِهِ بَأْسًا. وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ، وَلَمْ أَرَ أَحَدًا جَرَحَهُ [[ورواه الحاكم في المستدرك (٤/١٤٧) والطبراني في المعجم الأوسط برقم (١٣٨) "مجمع البحرين" كلاهما من طريق سعيد بن أبي مريم عن الدراوردى به.]] . حَدِيثٌ آخَرُ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرو وَفِيهِ ذكْرُ الْيَمِينِ الغَمُوس. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبة، عَنْ فِرَاسٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرو، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وعُقُوق الْوَالِدَيْنِ، أَوْ قَتْل النَّفْس -شُعْبَةُ الشَّاكُّ-وَالْيَمِينُ الغَمُوس". وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ: زَادَ الْبُخَارِيُّ وَشَيْبَانُ، كِلَاهُمَا عن فراس، بِهِ [[المسند (٢/٢٠١) وصحيح البخاري برقم (٦٦٧٥) وسنن الترمذي برقم (٣٠٢١) وسنن النسائي (٨/٦٣) .]] . حَدِيثٌ آخَرُ: فِي الْيَمِينِ الْغَمُوسِ: "قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ كَاتِبُ اللَّيْثِ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مُهَاجِرِ بْنِ قُنْفُذ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ الْجُهَنِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: أَكْبَرُ [[في ر، أ: "من أكبر".]] الْكَبَائِرِ الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وعُقوق الْوَالِدَيْنِ، وَالْيَمِينُ الغَمُوس، وَمَا حَلَفَ حَالِفٌ بِاللَّهِ يَمِينَ صَبْر فَأَدْخَلَ فِيهَا مِثْلَ جَنَاحِ الْبَعُوضَةِ، إِلَّا كَانَتْ وَكْتَةً فِي قَلْبِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ". وَهَكَذَا رَوَاهُ] الْإِمَامُ [ [[زيادة من أ.]] أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ فِي تَفْسِيرِهِ، كِلَاهُمَا عَنْ يُونُسَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُؤَدِّبِ، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، بِهِ. وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ] فِي تَفْسِيرِهِ [ [[زيادة من أ.]] عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ] بِهِ [ [[زيادة من أ.]] ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَأَبُو أُمَامَةَ الْأَنْصَارِيُّ هَذَا هُوَ ابْنُ ثَعْلَبَةَ، وَلَا يُعْرَفُ [[في أ: "ولا نعرف".]] اسْمُهُ. وَقَدْ رَوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَحَادِيثَ [[سنن الترمذي (٣٠٢) .]] . قَالَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ أَبُو الْحَجَّاجِ المِزِّي: وَقَدْ رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ الْمَدَنِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ. فَزَادَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أُمَامَةَ. قُلْتُ: هَكَذَا وَقَعَ فِي تَفْسِيرِ ابْنِ مَرْدُويه وَصَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ، مِنْ طريق عبد الرحمن بن إِسْحَاقَ [[في ر: "إسماعيل.]] كَمَا ذَكَرَهُ [[في أ: "كما ذكر".]] شَيْخُنَا، فسَح اللهُ فِي أَجْلِهِ [[تحفة الأشراف (٤/٢٧٥) برقم (٥١٤٧) وصحيح ابن حبان برقم (١١٩١) "موارد".]] . حَدِيثٌ آخَرُ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، فِي التَّسَبُّبِ إِلَى شَتْمِ الْوَالِدَيْنِ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَمْرو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَوَدِيُّ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ مِسْعر وَسُفْيَانُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ حُمَيد بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو -رَفَعَهُ سُفْيَانُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَوَقَفَهُ مِسْعَرٌ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو -قَالَ: "مِنَ الْكَبَائِرِ أَنْ يَشْتُم الرجلُ وَالِدَيْهِ": قَالُوا: وَكَيْفَ يَشْتُمُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ قَالَ: "يَسُبُّ الرجلُ أَبَا الرَّجُلِ فيسبَّ أَبَاهُ، ويسُبُّ أمَّه فيسب أمه" [[ورواه أحمد في مسنده (٢/١٦٤) من طريق وكيع به.]] . وقد أخر هَذَا الْحَدِيثَ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمِّهِ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إن مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ أَنْ يَلْعَن الرجلُ وَالِدَيْهِ". قَالُوا: وكيفَ يَلْعَنُ الرجلُ وَالِدَيْهِ؟! قَالَ: "يَسُبُّ الرجلُ أَبَا الرَّجُلِ فيسبَّ أَبَاهُ، ويسُبُّ أمَّه فَيَسُبُّ أُمَّهُ". وَهَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ وَشُعْبَةَ وَيَزِيدَ بْنِ الْهَادِ، ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، بِهِ مَرْفُوعًا بِنَحْوِهِ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: صَحِيحٌ [[صحيح البخاري برقم (٥٩٧٣) وصحيح مسلم برقم (٩٠) وسنن الترمذي برقم (١٩٠٢) .]] . وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ [[في أ: "الصحيحين".]] عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "سِبابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وقِتاله كُفْر" [[رواه البخاري برقم (٤٨) ومسلم برقم (٦٤) مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.]] . حَدِيثٌ آخَرُ فِي ذَلِكَ: قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ دُحَيم، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ عِرْضُ الرَّجُلِ الْمُسْلِمِ، والسَّبَّتَان والسَّبَّة [[في د: "والمستبان بالسبة.]] " [[ذكره السيوطي في الدر المنثور]] . هَكَذَا رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ فِي سُنَنِهِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُسَافِرٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مِنْ أَكْبَرِ [[في أ: "إن من أكبر".]] الْكَبَائِرِ استطالةُ المرْءِ [[في ر: "المسب".]] فِي عِرْضِ رجلٍ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَمِنَ الْكَبَائِرِ السَّبَّتَانِ [[في د: "المستبان".]] بِالسَّبَّةِ". وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ مَرْدُويه مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَلَاءِ بْنِ زَيْر [[في ر، أ: "بن زيد".]] عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ [[سنن أبي داود برقم (٤٨٧٧) .]] . حَدِيثٌ آخَرُ: فِي ذكْرُ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ؛ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا نُعَيم بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِر بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ حَنَش [[في جـ: حبيش"، وفي أ: "حنيش".]] عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ جَمَعَ بَيْنَ الصَّلاتين مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، فَقَدْ أَتَى بَابًا مِنْ أَبْوَابِ الْكَبَائِرِ". وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ يَحْيَى بْنِ خَلَفٍ، عَنِ الْمُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، بِهِ ثُمَّ قَالَ: حَنَش [[في جـ: حبيش"، وفي أ: "حنيش".]] هُوَ أَبُو [[في أ: "هذا أبو".]] عَلِيٍّ الرَّحَبِيُّ، وَهُوَ [[في ر: "هو".]] حُسَيْنُ بْنُ قَيْسٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ، ضَعَّفَهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ [[سنن الترمذي برقم (١٨٨) .]] . وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّة، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ حُمَيْدِ [[في أ: "حسن".]] بْنِ هِلَالٍ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ -يَعْنِي الْعَدَوِيَّ-قَالَ: قُرِئَ عَلَيْنَا كتابُ عُمَرَ: مِنَ الْكَبَائِرِ جَمْعٌ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ -يَعْنِي بِغَيْرِ [[في أ: "من غير".]] عُذْرِ-والفِرَار مِنَ الزَّحْفِ، والنُّهْبَة. وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ: وَالْغَرَضُ أَنَّهُ إِذَا كَانَ الْوَعِيدُ فِيمَنْ جَمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ كَالظُّهْرِ وَالْعَصْرِ تَقْدِيمًا أَوْ تَأْخِيرًا، وَكَذَا الْمَغْرِبُ وَالْعَشَاءُ هُمَا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَجْمَعَ بِسَبَبٍ مِنَ الْأَسْبَابِ الشَّرْعِيَّةِ، فَإِذَا تَعَاطَاهُ أَحَدٌ بِغَيْرِ شَيْءٍ مِنْ تِلْكَ الْأَسْبَابِ يَكُونُ مُرْتَكِبًا كَبِيرَةً، فَمَا ظَنُّكَ بِمَنْ تَرَكَ الصلاةِ بِالْكُلِّيَّةِ؟ وَلِهَذَا رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ تَرْكُ الصَّلَاةِ " [[صحيح مسلم برقم (٨٢) من حديث جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.]] وَفِي السُّنَنِ عَنْهُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَنَّهُ قَالَ: "الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ [[في ر: "وبينهم ترك الصلاة".]] الصَّلَاةُ، فَمَنْ تَرَكَها فَقَدْ كَفر" [[رواه الترمذي في السنن برقم (٢٦٢١) والنسائي في السنن (١/٢٣١) وابن ماجة في السنن برقم (١٠٧٩) من حَدِيثُ بُرَيْدَةَ بْنِ الْحُصَيْبِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.]] وَقَالَ: "مَنْ تَرَكَ صلاةَ العَصْرِ فَقَدْ حبطَ عَمَلُه" [[رواه البخاري في صحيحه برقم (٥٥٣) والنسائي في السنن (١/٢٣٦) من حَدِيثُ بُرَيْدَةَ بْنِ الْحُصَيْبِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.]] وَقَالَ: "مَنْ فَاتَتْهُ صَلاةُ الْعَصْرِ فَكَأَنَّمَا وَتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ" [[رواه النسائي (١/٢٣٨) من حديث نوفل بن معاوية رضي الله عنه.]] . حَدِيثٌ آخَرُ: فِيهِ اليأسُ مِنْ رَوْح اللَّهِ، والأمنُ مِنْ مَكْر اللَّهِ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَاصِمٍ النَّبِيلُ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شَبِيب بْنُ بِشْر، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ مُتَّكِئًا فَدَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ: مَا الْكَبَائِرُ؟ فَقَالَ: "الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالْيَأْسُ مِنْ رَوْح اللَّهِ، والقُنوط مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَالْأَمْنُ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ، وَهَذَا أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ". وَقَدْ رَوَاهُ الْبَزَّارُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِسْحَاقَ الْعَطَّارِ، عَنْ أَبِي عَاصِمٍ النَّبِيلِ، عَنْ شَبِيبِ بْنِ بِشْرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الْكَبَائِرُ؟ قَالَ: "الْإِشْرَاكُ [[في د:"الشرك".]] بِاللَّهِ، وَالْيَأْسُ مِنْ رَوْح اللَّهِ، والقُنوط مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ عز وجل". وَفِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ، وَالْأَشْبَهُ أَنْ يَكُونَ مَوْقُوفًا، فَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نحوُ ذَلِكَ [[مسند البزار برقم (١٠٦) "كشف الأستار"، وقال الهيثمي في المجمع (١/١٠٤) : "رجاله موثقون".]] قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هُشَيم، أَخْبَرَنَا مُطَرِّفٌ، عَنْ وَبْرة بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ: قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَالْإِيَاسُ [[في ج، ر، د، أ: "اليأس".]] مِنْ رَوْح اللَّهِ، والقُنوط مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَالْأَمْنُ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ. وَكَذَا رَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ وَأَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ وَبْرة، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، بِهِ ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ طُرُق عِدَّةٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ. وَهُوَ صَحِيحٌ إِلَيْهِ بِلَا شَكَّ. [[تفسير الطبري (٨/٢٤٣، ٢٤٤) ورواه عبد الرزاق في المصنف برقم (١٩٧٠١) ومن طريقه الطبراني في المعجم الكبير (٩/١٧١) من طريق أبي إسحاق عن وبرة به. ورواه ابن أبي الدنيا في التوبة برقم (٣١) من طريق الأعمش عن وبرة به.]] حَدِيثٌ آخَرُ: فِيهِ سُوءُ الظَّنِّ بِاللَّهِ؛ قَالَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ بُنْدار، حَدَّثَنَا أَبُو حَاتِمٍ بَكْرُ بْنُ عَبْدَانَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُهَاجِرٍ [[في أ: "محمد بن عمر بن مهاجر".]] حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ [[في أ: "أبو حذيفة إسحاق".]] الْبُخَارِيُّ، عَنْ مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ:] قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ [ [[زيادة من أ.]] "أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ سُوءُ الظَّنِّ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ". حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا. حَدِيثٌ آخَرُ: فِيهِ التَّعَرُّبُ [[في ر "التغرب".]] بَعْدَ الْهِجْرَةِ، قَدْ تَقَدَّمَ فِي رِوَايَةِ عَمْرو [[في أ: "عمر".]] بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا، قَالَ [[في أ: "وقال".]] أَبُو بَكْرِ بْنُ مرْدويه: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أحمد، حدثنا أحمد بن رشدين، حَدَّثَنَا عَمْرو بْنُ خَالِدٍ الْحَرَّانَيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعة عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ محمد بن سهل ابن أَبِي حَثْمة [[في جـ، أ: "ابن أبي خيثمة".]] عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "الْكَبَائِرُ سَبْعٌ، أَلَا تَسْأَلُونِي عَنْهُنَّ؟ الشِّركُ بِاللَّهِ، وقَتْلُ النفْسِ، والفِرارُ يَوْمَ الزَّحْفِ، وأكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وقَذْفُ المحصَنَة، وَالتَّعَرُّبُ [[في ر: "التغرب".]] بَعْدَ الْهِجْرَةِ". وَفِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ، وَرَفْعُهُ غَلَطٌ فَاحِشٌ [[وله شاهد من حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَرْفُوعًا، ذكر فيها هذه السبع. رواه الطبراني في المعجم الأوسط (١٢٦) "مجمع البحرين" قال الهيثمى في المجمع (١/١٠٤) : "فيه أبو بلال الأشعرى وهو ضعيف".]] وَالصَّوَابُ مَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا تَمِيمُ بْنُ الْمُنْتَصِرِ، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي حثْمة [[في ر، أ: "خيثمة".]] عَنْ أَبِيهِ قَالَ: إِنِّي لَفِي هَذَا الْمَسْجِدِ -مَسْجِدِ الْكُوفَةِ-وَعَلِيٌّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَخْطُب الناسَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، الْكَبَائِرُ [[في أ: "إن الكبائر".]] سَبْعٌ فَأَصَاخَ [[في ر: "أضاج"، وفي أ: "فأصاح".]] الناسُ، فَأَعَادَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قَالَ: لِمَ لَا [[في أ: "قال ألا".]] تَسْأَلُونِي عَنْهَا؟ قَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا هِيَ؟ قَالَ: الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ [[في أ: "حرم الله قتلها".]] وَقَذْفُ الْمُحْصَنَةِ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَالْفِرَارُ يَوْمَ الزَّحْفِ، وَالتَّعَرُّبُ بَعْدَ الْهِجْرَةِ. فَقُلْتُ لِأَبِي: يَا أَبَتِ، التَّعَرُّبُ [[في ر: "التغرب".]] بَعْدَ الْهِجْرَةِ، كَيْفَ لَحِقَ هَاهُنَا؟ قَالَ: يَا بُنَيَّ، وَمَا أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُهَاجِرَ الرَّجُلُ، حَتَّى إِذَا وَقَعَ سَهْمُهُ فِي الْفَيْءِ، وَوَجَبَ عَلَيْهِ الْجِهَادُ خَلَعَ ذَلِكَ مِنْ عُنُقِهِ فَرَجَعَ أَعْرَابِيًّا كَمَا كَانَ [[تفسير الطبري (٨/٢٣٥) .]] . حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا هَاشِمُ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ -يَعْنِي شَيْبَانَ-عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يسَاف، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ قَيْسٍ الْأَشْجَعِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: "أَلَا إِنَّمَا هُنَّ أَرْبَعٌ: أَلَّا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَا تَقْتُلُوا النفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَسْرِقُوا". قَالَ: فَمَا أَنَا [[في أ: "فما لنا".]] بِأَشَحَّ [[في ر: "بأشج".]] عَلَيْهِنَّ مِنِّي، إِذْ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. ثُمَّ رَوَاهُ أَحْمَدُ أَيْضًا وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، مِنْ حَدِيثِ مَنْصُورٍ، بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ [[المسند (٤/٣٣٩) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٣٧٣) .]] . حَدِيثٌ آخَرُ: تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ عُمَر بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "الإضْرَارُ فِي الوَصِيَّةِ مِنَ الْكَبَائِرِ". وَالصَّحِيحُ مَا رَوَاهُ غَيْرُهُ، عَنْ دَاوُدَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [قَوْلُهُ] قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: وَهُوَ الصَّحِيحُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ قَوْلِهِ. حَدِيثٌ آخَرُ فِي ذَلِكَ: "قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيب، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ؛ أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ [[في جـ، د، ر: "رسول الله".]] ذَكَرُوا الْكَبَائِرَ وَهُوَ مُتَّكِئٌ، فَقَالُوا: الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَفِرَارٌ مِنَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَةِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَوْلُ الزُّورِ، وَالْغُلُولُ، وَالسِّحْرُ، وَأَكْلُ الرِّبَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "فَأَيْنَ تَجْعَلُونَ ﴿الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ [آلِ عِمْرَانَ:٧٧] ؟! إِلَى آخِرِ الْآيَةِ. فِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ، وَهُوَ حَسَنٌ [[تفسير الطبري (٨/٢٥١) .]] . ذِكْرُ أَقْوَالِ السَّلَفِ فِي ذَلِكَ: قَدْ تَقَدَّمَ مَا رُوِيَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ وَعَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فِي ضِمْنِ الْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُليَّة، عَنِ ابْنِ عَوْن، عَنِ الْحَسَنِ: أَنَّ نَاسًا سَأَلُوا [[في جـ، د، أ: "لقوا".]] عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو بِمِصْرَ فَقَالُوا: نَرَى أَشْيَاءَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، أمَرَ أَنْ يُعمل بِهَا فَلَا يُعْمَلُ بِهَا، فَأَرَدْنَا أَنْ نَلْقَى أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فِي ذَلِكَ؟ فَقَدِمَ وَقَدِمُوا مَعَهُ، فَلَقِيَهُ [[في جـ، د، ر، أ: "فلقى".]] عُمَرُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالَ: مَتَى قَدِمْتَ؟ فَقَالَ: مُنْذُ كَذَا وَكَذَا قَالَ: أَبِإِذْنٍ قَدِمْتَ؟ قَالَ: فَلَا أَدْرِي كَيْفَ رَدَّ عَلَيْهِ. فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ نَاسًا لَقَوْنِي بِمِصْرَ فَقَالُوا: إِنَّا نَرَى أَشْيَاءَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، أَمَرَ أَنْ يُعْمَلَ بِهَا فَلَا [[في أ: "لا".]] يُعْمَلُ بِهَا [[في جـ، د: "لا يعمل" وفي ر: "نعمل بها فلا نعمل".]] فَأَحَبُّوا أَنْ يَلْقَوْكَ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: اجْمَعْهُمْ لِي. قَالَ: فَجَمَعْتُهُمْ لَهُ -قَالَ ابْنُ عَوْنٍ: أَظُنُّهُ قَالَ: فِي بَهْو-فَأَخَذَ أَدْنَاهُمْ رَجُلًا فَقَالَ: نَشَدْتُكَ [[في د: "أنشدك".]] بِاللَّهِ وَبِحَقِّ الْإِسْلَامِ عَلَيْكَ، أَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ فَهَلْ أَحْصَيْتَهُ فِي نَفْسِكَ؟ قَالَ اللَّهُمَّ لَا. قَالَ: وَلَوْ قَالَ: نَعَمْ لَخَصَمَهُ. قَالَ: فَهَلْ أَحْصَيْتَهُ فِي بَصَرِكَ؟ فَهَلْ [[في جـ: "هل".]] أَحْصَيْتَهُ فِي لَفْظِكَ؟ هَلْ أَحْصَيْتَهُ فِي أَمْرِكَ [[في أ: "في أثرك".]] ؟ ثُمَّ تَتَبَّعَهُمْ حَتَّى أَتَى عَلَى آخِرِهِمْ. قَالَ: فَثَكِلَتْ عُمَرَ أُمُّهُ. أتكلِّفونه أَنْ يُقِيمَ النَّاسَ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ؟! قَدْ عَلِمَ رَبُّنَا أَنَّهُ سَتَكُونُ [[في جـ، د، ر، "سيكون".]] لَنَا سَيِّئَاتٌ. قَالَ: وَتَلَا ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلا كَرِيمًا] ﴾ [[زيادة من جـ، ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ثُمَّ قَالَ: هَلْ عَلِمَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ -أَوْ قَالَ: هَلْ عَلِمَ أَحَدٌ-بِمَا [[في جـ، أ: "فيما".]] قَدِمْتُمْ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: لَوْ عَلِمُوا لَوَعَظْتُ بِكُمْ. إِسْنَادٌ حَسَنٌ [[في جـ، أ: "جيد".]] وَمَتْنٌ حَسَنٌ، وَإِنْ كَانَ مِنْ رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْ عُمَرَ، وَفِيهَا انْقِطَاعٌ، إِلَّا أَنَّ مِثْلَ هَذَا اشْتُهِرَ [[في جـ، د، أ، ر: "يشتهر".]] فَتَكْفِي [[في جـ، أ: "فيكفي".]] شُهْرَتُهُ [[تفسير الطبري (٨/٢٥٥) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ -يَعْنِي الزُّبَيْرِيَّ-حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ مَالِكِ بْنِ جُوَيْنٍ، عَنْ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: الْكَبَائِرُ الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَقَذْفُ المحصنَة، وَالْفِرَارُ مِنَ الزَّحْف، وَالتَّعَرُّبِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ، والسِّحْر، وعُقوق الْوَالِدَيْنِ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَفِرَاقُ الْجَمَاعَةِ، وَنَكْثُ الصَّفْقَةِ. وَتَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَالْيَأْسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ، وَالْقُنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَالْأَمْنُ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ. وَرَوَى ابْنُ [[في د: "عن".]] جَرِيرٍ، مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، وَالْأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: الْكَبَائِرُ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ النِّسَاءِ إِلَى ثَلَاثِينَ آيَةً مِنْهَا. وَمِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَشُعْبَةَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُود، عَنْ زِرّ بْنِ حُبيشِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: الْكَبَائِرُ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ النِّسَاءِ إِلَى ثَلَاثِينَ آيَةً مِنْهَا ثُمَّ تَلَا ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ [نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلا كَرِيمًا] [[زيادة من جـ، ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْمُنْذِرُ بْنُ شَاذَانَ، حَدَّثَنَا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ، حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ حَيَّانَ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَمَنْعُ فُضُولِ الْمَاءِ بَعْدَ الرِّيِّ، وَمَنْعُ طُرُوقِ [[في د: "عروق".]] الفحل إلا بجُعْلٍ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "لَا يُمنَع فَضْلُ الماءِ لِيُمْنَعَ بِهِ الْكَلَأُ" [[صحيح البخاري برقم (٢٣٥٣) وصحيح مسلم برقم (١٥٦٦) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] وَفِيهِمَا عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "ثَلَاثَةٌ لَا ينظرُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزكِّيهم وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: رَجُلٌ عَلَى فَضْلِ مَاءٍ بالفَلاةِ يَمْنَعُهُ ابْنَ السَّبيل"، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِتَمَامِهِ [[صحيح البخاري برقم (٢٣٥٨) وصحيح مسلم برقم (١٠٨) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] . وَفِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، مِنْ حَدِيثُ عَمْرو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا: "مَنْ مَنَعَ فَضْلَ الماءِ وفَضْلَ الكَلأ مَنَعَهُ اللَّهُ فَضْلَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" [[المسند (٢/١٧٩) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَنَبَة [[في جـ، د، ر، أ، "شيبة".]] الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: مَا أُخِذ عَلَى النِّساء مِنَ الْكَبَائِرِ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: يَعْنِي [[في أ: "تعنى".]] قَوْلَهُ: ﴿عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلا يَسْرِقْنَ [وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ] [[زيادة من جـ، ر، أ.]] ﴾ الْآيَةَ [الْمُمْتَحِنَةِ: ١٢] . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ مِخْراق، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّة قَالَ: أَتَيْنَا أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، فَكَانَ فِيمَا حَدَّثَنَا قَالَ: لَمْ أَرَ مِثْلَ الَّذِي بَلَغَنَا عَنْ رَبِّنَا تَعَالَى [[في جـ: "عز وجل".]] ثُمَّ [[في أ: "فقال: ثم".]] لَمْ نَخْرُجْ لَهُ عَنْ كُلِّ أَهْلٍ وَمَالٍ. ثُمَّ سَكَتَ هُنية [[في د، أ: "هنيهة".]] ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ لَمَا كَلَّفَنَا [[في ر: "ما خلقنا".]] رَبُّنَا أَهْوَنُ مِنْ ذَلِكَ، لَقَدْ تَجَاوَزَ لَنَا عَمَّا دُونَ الْكَبَائِرِ، فَمَا لَنَا وَلَهَا، ثُمَّ تَلَا ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ [نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلا كَرِيمًا] [[زيادة من جـ، ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ . أَقْوَالُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي ذَلِكَ: رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ، مِنْ حَدِيثِ الْمُعْتَمِرِ [[في جـ، ر: "معتمر".]] بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ طَاوُسٍ قَالَ: ذَكَرُوا عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ الْكَبَائِرَ فَقَالُوا: هِيَ سَبْعٌ، فَقَالَ: هِيَ أَكْثَرُ مِنْ سَبْعٍ وَسَبْعٍ. قَالَ سُلَيْمَانُ: فَمَا أَدْرِي كَمْ قَالَهَا مِنْ مَرَّةٍ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا قُبَيْصَة، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ طَاوُسٍ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: مَا السَّبْعُ الْكَبَائِرُ؟ قَالَ: هِيَ إِلَى السَّبْعِينَ أَقْرَبُ مِنْهَا إِلَى السَّبْعِ. وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ طَاوُسٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ: أَرَأَيْتَ الْكَبَائِرَ السَّبْعَ الَّتِي ذَكَرَهُنَّ [[في د: "ذكرها".]] اللَّهُ؟ مَا هُنَّ؟ قَالَ: هُنَّ إِلَى السَّبْعِينَ أَدْنَى مِنْهُنَّ إِلَى سَبْعٍ [[في أ: "السبع".]] . وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: الْكَبَائِرُ سَبْعٌ؟ قَالَ: هُنَّ إِلَى السَّبْعِينَ أَقْرَبُ، وَكَذَا قَالَ أبو العالية الرياحي، رحمه الله. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ، حَدَّثَنَا شِبْل، عَنْ قَيْسٍ عَنْ سَعْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبير؛ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: كَمِ الْكَبَائِرُ؟ سَبْعٌ؟ قَالَ: هُنَّ إِلَى سَبْعِمِائَةٍ أَقْرَبُ مِنْهَا إِلَى سَبْعٍ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا كَبِيرَةَ مَعَ اسْتِغْفَارٍ، وَلَا صَغِيرَةَ مَعَ إِصْرَارٍ. وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، مِنْ حَدِيثِ شِبْلٍ، بِهِ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ قَالَ: الْكَبَائِرُ كُلُّ ذَنْبٍ خَتَمَهُ اللَّهُ بِنَارٍ أَوْ غَضِبَ أَوْ لَعْنَةٍ أَوْ عَذَابٍ. وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ الْمُوصِلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، حَدَّثَنَا شَبِيبٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْكَبَائِرُ: كُلُّ مَا وَعَدَ اللَّهُ عَلَيْهِ النَّارَ كَبِيرَةٌ. وَكَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: نُبِّئْتُ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَقُولُ: كُلُّ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ كَبِيرَةٌ. وَقَدْ ذَكَرْتُ الطَّرْفة [فِيهِ] [[زيادة من جـ، أ.]] قَالَ: هِيَ النَّظْرَةُ. وَقَالَ أَيْضًا: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَازِمٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَعْدَانَ، عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنِ الْكَبَائِرِ فَقَالَ [[في جـ: "قال".]] هِيَ كُلُّ شَيْءٍ عُصِيَ اللَّهُ فِيهِ فَهُوَ كَبِيرَةٌ. أَقْوَالُ التَّابِعِينَ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيّة، عَنِ ابْنِ عَوْن، عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ: سَأَلَتْ عَبِيدة عَنِ الْكَبَائِرِ، فَقَالَ: الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ بِغَيْرِ حَقِّهَا، وَفِرَارُ يَوْمِ الزَّحْف، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ بِغَيْرِ حَقِّهِ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَالْبُهْتَانُ. قَالَ: وَيَقُولُونَ: أَعْرَابِيَّةٌ بَعْدَ هِجْرَةٍ. قَالَ ابْنُ عَوْنٍ: فَقُلْتُ لِمُحَمَّدٍ: فَالسِّحْرُ؟ قَالَ: إِنَّ الْبُهْتَانَ يَجْمَعُ شَرًّا كَبِيرًا [[في أ: "كثيرا".]] . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ المُحَاربي [[في ر: "المغازي".]] حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ سَلَّامُ بْنُ سُلَيْمٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عُبيد بْنِ عُمَير قَالَ: الْكَبَائِرُ سَبْعٌ، لَيْسَ مِنْهُنَّ كَبِيرَةٌ إِلَّا وَفِيهَا آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ: الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ مِنْهُنَّ: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ﴾ [الْحَجِّ:٣١] وَ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النِّسَاءِ: ١٠] ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٧٥] وَ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النُّورِ: ٢٣] وَالْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا [فَلا تُوَلُّوهُمُ الأدْبَارَ] [[زيادة من جـ، ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ [الْأَنْفَالِ: ١٥] ، وَالتَّعَرُّبُ [[في ر: "التغرب".]] بَعْدَ الْهِجْرَةِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى﴾ [مُحَمَّدٍ: ٢٥] ، وَقَتْلُ الْمُؤْمِنِ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ الْآيَةَ [النِّسَاءِ: ٩٣] . وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عُبَيد، بنحوه. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ، حَدَّثَنَا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيح، عَنْ عَطَاءٍ -يَعْنِي ابْنَ أَبِي رَبَاحٍ-قَالَ: الْكَبَائِرُ سَبْعٌ: قَتْلُ النَّفْسِ، وَأَكْلُ الرِّبَا وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَرَمْيُ الْمُحْصَنَةِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ، وعقُوق الْوَالِدَيْنِ، والفِرَار مِنَ الزَّحْف. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعة، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ قَالَ: كَانَ يُقَالُ شَتْمُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمْرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، مِنَ الْكَبَائِرِ. قُلْتُ: وَقَدْ ذَهَبَ طَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى تَكْفِيرِ مَنْ سَبَّ الصَّحَابَةَ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ: وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: مَا أَظُنُّ أَحَدًا يَنْتَقِصُ [[في جـ، د، ر: "يبغض".]] أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَهُوَ يُحِبُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا: حَدَّثَنَا يُونُسُ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْب، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عيَّاش، قَالَ [[في جـ، ر، أ: "قال: قال".]] زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ مِنَ الْكَبَائِرِ: الشِّرْكُ، وَالْكُفْرُ بِآيَاتِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ الْأَوْلَادِ، وَمَنْ دَعَا لِلَّهِ وَلَدًا أَوْ صَاحِبَةً، وَمِثْلُ ذَلِكَ مِنَ الْأَعْمَالِ، وَالْقَوْلُ الَّذِي لَا يَصْلُحُ [[في أ: "لا يصح".]] مَعَهُ عَمَلٌ، وَأَمَّا كُلُّ ذَنْبٍ يَصْلُحُ مَعَهُ دِينٌ، وَيُقْبَلُ مَعَهُ عَمَلٌ فَإِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ السَّيِّئَاتِ بِالْحَسَنَاتِ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا بِشْر بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ الْآيَةَ: إِنَّمَا وَعَدَ اللَّهُ الْمَغْفِرَةَ لِمَنِ اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ. وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "اجْتَنِبُوا الْكَبائر، وسَدِّدُوا، وأبْشِرُوا". وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طُرُقٍ عَنْ أَنَسٍ، وَعَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: "شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أمَّتِي" [[أما حديث أنس فله طرق منها: ما يرويه أبو بكر بن عياش عن حميد عن أنس. أخرجه ابن أبي عاصم في السنة برقم (٨٣١) . وما يرويه عن ابن المبارك عن عاصم الأحول عن أنس رواه الطبراني في المعجم الكبير (١/٢٥٨) وابن أبي حاتم في العلل (٢/٢٢٢) ، وقال: سمعت أبي وأبا زرعة يقولان: هذا حديث منكر. وما يرويه جعفر بن سليم الضبعي عن مالك بن دينار عن أنس. رواه ابن أبي حاتم في العلل (٢/٧٩) ، وقال: سمعت أبي يقول: هذا حديث منكر. وما يرويه بسطان بن حريث الصدفي عن أشعث عن أنس، رواه القضاعي في مسند الشهاب برقم (٢٣٧) . وما يرويه أبو جناب سمع زياد النميري سمع أنس، رواه القضاعي في مسند الشهاب (٢٣٧) . وأما حديث جابر فقد رواه ابن ماجة في سننه برقم (٤٣١٠) من طريق جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرِ.]] وَلَكِنْ فِي إِسْنَادِهِ مِنْ جَمِيعِ طُرُقِهِ ضَعْفٌ، إِلَّا مَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "شَفاعتي لأهْلِ الكبائرِ مِنْ أُمَّتِي". فَإِنَّهُ إِسْنَادٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ [[في د: "شرطيهما"، وفي ر: "شرط الشيخين".]] وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ مُنْفَرِدًا بِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، عَنْ عَبَّاسٍ العَنْبري، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ثُمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ [[سنن الترمذي بر قم (٢٤٣٥) .]] وَفِي الصَّحِيحِ شَاهِدٌ لِمَعْنَاهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ بَعْدَ ذِكْرِ الشَّفَاعَةِ: "أترَوْنَها لِلْمُؤْمِنِينَ المتقين؟ لا ولكنها للخاطئين المُتَلَوِّثِينَ". وَقَدِ اخْتَلَفَ عُلَمَاءُ الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ فِي حَدِّ الْكَبِيرَةِ فَمِنْ قَائِلٍ: هِيَ مَا عَلَيْهِ حدٌّ في الشرع. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هِيَ مَا عَلَيْهِ وَعِيدٌ لِخُصُوصِهِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّافِعِيُّ، فِي كِتَابِهِ الشَّرْحُ الْكَبِيرُ الشَّهِيرِ، فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ مِنْهُ: ثُمَّ اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ، رَضِيَ اللَّهُ [تَعَالَى] [[زيادة من جـ.]] عَنْهُمْ، فَمَنْ بَعْدَهُمْ فِي الْكَبَائِرِ، وَفِي الْفَرْقِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الصَّغَائِرِ، وَلِبَعْضِ الْأَصْحَابِ [[في أ: "وللأصحاب".]] فِي تَفْسِيرِ الْكَبِيرَةِ وُجُوهٌ: أَحَدُهَا: أَنَّهَا الْمَعْصِيَةُ الْمُوجِبَةُ لِلْحَدِّ. وَالثَّانِي: أَنَّهَا الْمَعْصِيَةُ الَّتِي يَلْحَقُ صَاحِبَهَا الْوَعِيدُ الشَّدِيدُ بِنَصِّ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ. وَهَذَا أَكْثَرُ مَا يُوجَدُ لَهُمْ، وَهُوَ [[في جـ، أ: "وهم".]] وَإِلَى الْأَوَّلِ أَمِيلُ، لَكِنَّ الثَّانِيَ أَوْفَقُ لِمَا ذَكَرُوهُ عِنْدَ تَفْسِيرِ [[في جـ، ر، أ: "تفصيل".]] الْكَبَائِرِ. وَالثَّالِثُ: قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي "الْإِرْشَادِ" وَغَيْرِهِ: كُلُّ جَرِيمَةٍ تُنْبِئُ بِقِلَّةِ اكْتِرَاثِ مُرْتَكِبِهَا بِالدِّينِ وَرِقَّةِ الدِّيَانَةِ، فَهِيَ مُبْطِلَةٌ لِلْعَدَالَةِ. وَالرَّابِعُ: ذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو سَعِيدٍ [[في جـ، ر: "أبو سعد".]] الْهَرَوِيُّ أَنَّ الْكَبِيرَةَ: كُلُّ فِعْل نَصَّ الْكِتَابُ عَلَى تَحْرِيمِهِ، وَكُلُّ مَعْصِيَةٍ تُوجِبُ فِي جِنْسِهَا حَدًّا مِنْ قَتْلٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَتَرْكُ كُلِّ فَرِيضَةٍ مَأْمُورٍ بِهَا عَلَى الْفَوْرِ، وَالْكَذِبُ فِي الشَّهَادَةِ، وَالرِّوَايَةِ، وَالْيَمِينِ. هَذَا مَا ذَكَرَهُ عَلَى سَبِيلِ الضَّبْطِ. ثُمَّ قَالَ: وَفَصَّلَ الْقَاضِي الرُّويَانِيُّ فَقَالَ: الْكَبَائِرُ سَبْعٌ: قَتْلُ النَّفْسِ بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَالزِّنَا، وَاللِّوَاطُ، وَشُرْبُ الْخَمْرِ، وَالسَّرِقَةُ، وَأَخْذُ الْمَالِ غَصْبًا، وَالْقَذْفُ. وَزَادَ فِي "الشَّامِلِ" عَلَى السَّبْعِ الْمَذْكُورَةِ: شَهَادَةَ الزُّورِ. وَأَضَافَ إِلَيْهَا صَاحِبُ الْعُدَّةِ: أَكْلَ الرِّبَا، وَالْإِفْطَارَ فِي رَمَضَانَ بِلَا عُذْرٍ، وَالْيَمِينَ الْفَاجِرَةَ، وَقَطْعَ الرَّحِمِ، وَعُقُوقَ الْوَالِدَيْنِ، وَالْفِرَارَ مِنَ الزَّحْفِ، وَأَكْلَ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالْخِيَانَةَ فِي الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ، وَتَقْدِيمَ الصَّلَاةِ عَلَى وَقْتِهَا، وَتَأْخِيرَهَا عَنْ وَقْتِهَا، بِلَا عُذْرٍ، وَضَرْبَ الْمُسْلِمِ بِلَا [[في أ: "بغير".]] حَقٍّ، وَالْكَذِبَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ عَمْدًا، وَسَبَّ أَصْحَابِهِ، وَكِتْمَانَ الشَّهَادَةِ بِلَا عُذْرٍ، وَأَخْذَ الرِّشْوَةِ، وَالْقِيَادَةَ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَالسِّعَايَةَ عِنْدَ السُّلْطَانِ، وَمَنَعَ الزَّكَاةِ، وَتَرْكَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ مَعَ الْقُدْرَةِ، وَنِسْيَانَ الْقُرْآنِ بَعْدَ تَعَلُّمِهِ، وَإِحْرَاقَ الْحَيَوَانِ بِالنَّارِ، وَامْتِنَاعَ الْمَرْأَةِ مِنْ زَوْجِهَا بِلَا سَبَبٍ، وَالْيَأْسَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَالْأَمْنَ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ [[في أ: "من مكره".]] وَيُقَالُ: الْوَقِيعَةُ فِي أَهْلِ الْعِلْمِ وَحَمَلَةِ الْقُرْآنِ. وَمِمَّا يُعَدُّ مِنَ الْكَبَائِرِ: الظِّهَارُ، وَأَكَلُ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ وَالْمِيتَةِ إِلَّا عَنْ ضَرُورَةٍ. ثُمَّ قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَلِلتَّوَقُّفِ مَجَالٌ فِي بَعْضِ هَذِهِ الْخِصَالِ. قُلْتُ: وَقَدْ صَنَّفَ النَّاسُ فِي الْكَبَائِرِ مُصَنَّفَاتٌ، مِنْهَا مَا جَمَعَهُ شَيْخُنَا الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الذَّهَبِيُّ [[وقد طبع في بيروت بتحقيق الأستاذ/محي الدين مستو.]] الَّذِي بَلَغَ نَحْوًا مِنْ سَبْعِينَ كَبِيرَةً، وَإِذَا قيل: إن الكبيرة [هى] [[زيادة من جـ، أ.]] ما توعد الشَّارِعُ عَلَيْهَا بِالنَّارِ بِخُصُوصِهَا، كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَغَيْرُهُ، وَتَتَبَّعَ ذَلِكَ، اجْتَمَعَ مِنْهُ شَيْءٌ كَثِيرٌ، وَإِذَا قِيلَ: كُلُّ مَا نَهَى اللَّهُ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] عَنْهُ فَكَثِيرٌ جِدًّا، وَاللَّهُ [تَعَالَى] [[زيادة من جـ.]] أَعْلَمُ.

النساء 4:31

نَهَى [[في أ: ينهى.]] تَبَارَكَ وَتَعَالَى عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ عَنِ أَنْ يَأْكُلُوا أَمْوَالَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا بِالْبَاطِلِ، أَيْ: بِأَنْوَاعِ الْمَكَاسِبِ الَّتِي هِيَ غَيْرُ شَرْعِيَّةٍ، كَأَنْوَاعِ الرِّبَا وَالْقِمَارِ، وَمَا جَرَى مَجْرَى ذَلِكَ مِنْ سَائِرِ صُنُوفِ الْحِيَلِ، وَإِنْ ظَهَرَتْ فِي غَالِبِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ مِمَّا يَعْلَمُ اللَّهُ أَنَّ مُتَعَاطِيَهَا إِنَّمَا يُرِيدُ الْحِيلَةَ عَلَى الرِّبَا، حَتَّى قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي مِنَ الرَّجُلِ الثَّوْبَ فَيَقُولُ: إِنْ رَضِيتُهُ أَخَذْتُهُ وَإِلَّا رَدَدْتُهُ وَرَدَدْتُ مَعَهُ دِرْهَمًا-قَالَ: هُوَ الَّذِي قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حرب الموصلي، حدثنا ابن فُضَيْلٍ، عَنْ دَاوُدَ الْأَوَدِيِّ عَنْ عَامِرٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ [ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ ] [[زيادة من جـ، ر، أ.]] قَالَ: إِنَّهَا [كَلِمَةٌ] [[زيادة من أ.]] مَحْكَمَةٌ، مَا نُسِخَتْ، وَلَا تُنْسَخُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ قَالَ الْمُسْلِمُونَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ نَهَانَا أَنْ نَأْكُلَ أَمْوَالَنَا بَيْنَنَا بِالْبَاطِلِ، وَالطَّعَامُ هُوَ أَفْضَلُ الْأَمْوَالِ، فَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ مِنَّا أَنْ يَأْكُلَ عِنْدَ أَحَدٍ، فَكَيْفَ [[في أ: "فكف".]] لِلنَّاسِ [[في أ: "فكيف للناس عن ذلك".]] ! فَأَنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿لَيْسَ عَلَى الأعْمَى حَرَجٌ﴾ [النُّورِ: ٦١] الْآيَةَ، [وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ بْنُ دِعَامَةَ] [[زيادة من أ.]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [[في أ: "بينكم".]] قُرِئَ: تِجَارَةٌ بِالرَّفْعِ وَبِالنَّصْبِ، وَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: لَا تَتَعَاطَوُا الْأَسْبَابَ الْمُحَرَّمَةَ فِي اكْتِسَابِ الْأَمْوَالِ، لَكِنَّ الْمَتَاجِرَ [[في أ: "المتجار".]] الْمَشْرُوعَةَ الَّتِي تَكُونُ عَنْ تَرَاضٍ مِنَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي فَافْعَلُوهَا وَتَسَبَّبُوا بِهَا فِي تَحْصِيلِ الْأَمْوَالِ. كَمَا قَالَ [اللَّهُ] [[زيادة من أ.]] تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٥١] ، وَكَقَوْلِهِ ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلا الْمَوْتَةَ الأولَى﴾ [الدخان: ٥٦] . وَمِنْ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ احْتَجَّ الشَّافِعِيُّ [رَحِمَهُ اللَّهُ] [[زيادة من جـ، أ.]] عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْبَيْعُ إِلَّا بِالْقَبُولِ؛ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى التَّرَاضِي نَصا، بِخِلَافِ الْمُعَاطَاةِ فَإِنَّهَا قَدْ لَا تَدُلُّ عَلَى الرِّضَا وَلَا بُدَّ، وَخَالَفَ [[في ر، أ: "وخالفوا".]] الجمهورَ فِي ذَلِكَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ وَأَصْحَابُهُمْ، فَرَأَوْا أَنَّ الْأَقْوَالَ كَمَا تَدُلُّ عَلَى التَّرَاضِي، وَكَذَلِكَ الْأَفْعَالُ تَدُلُّ فِي بَعْضِ الْمَحَالِّ قَطْعًا، فَصَحَّحُوا بَيْعَ الْمُعَاطَاةِ مُطْلَقًا، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَصِحُّ فِي المحقَّرات، وَفِيمَا يَعُدُّهُ النَّاسُ بَيْعًا، وَهُوَ احْتِيَاطُ نَظَرٍ مِنْ مُحَقِّقِي الْمَذْهَبِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ بَيْعًا [[في أ: "بيع".]] أَوْ عَطَاءً يُعْطِيهِ أَحَدٌ أَحَدًا. وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ [ثُمَّ] [[زيادة من جـ، أ.]] قَالَ: وَحَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيع، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ [[في أ: "بن".]] سُلَيْمَانَ الجُعْفي، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "البَيْعُ عَنْ تَراض والخِيارُ بَعْدَ الصَّفقة وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَغُشَّ [[في ر: "يضر".]] مُسْلِمًا". هَذَا حَدِيثٌ مُرْسَلٌ [[تفسير الطبري (٨/٢٢١) .]] . وَمِنْ تَمَامِ التَّرَاضِي إِثْبَاتُ خِيَارِ الْمَجْلِسِ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرقا" وَفِي لَفْظِ الْبُخَارِيِّ: "إِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا" [[صحيح البخاري برقم (٢١٠٩) وصحيح مسلم برقم (١٥٣١) .]] . وَذَهَبَ إِلَى الْقَوْلِ بِمُقْتَضَى هَذَا الْحَدِيثِ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ [بْنُ حَنْبَلٍ] [[زيادة من أ.]] وَأَصْحَابُهُمَا، وجمهورُ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ. وَمِنْ ذَلِكَ مَشْرُوعِيَّةُ خِيَارِ الشَّرْطِ بَعْدَ الْعَقْدِ إِلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، [كَمَا هُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى مَا هُوَ أَزْيَدُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ] [[زيادة من جـ، د، أ.]] بِحَسَبَ مَا يَتَبَيَّنُ فِيهِ مَالُ الْبَيْعِ، وَلَوْ إِلَى سَنَةٍ فِي الْقَرْيَةِ وَنَحْوِهَا، كَمَا هُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ. وَصَحَّحُوا [[في ر: "فصححوا".]] بَيْعَ الْمُعَاطَاةِ مُطْلَقًا، وَهُوَ قَوْلٌ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَصِحُّ بَيْعُ الْمُعَاطَاةِ فِي الْمُحَقَّرَاتِ فِيمَا يَعُدُّهُ النَّاسُ بَيْعًا، وَهُوَ اخْتِيَارُ طَائِفَةٍ مِنَ الْأَصْحَابِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ أَيْ: بِارْتِكَابِ مَحَارِمِ اللَّهِ وَتَعَاطِي مَعَاصِيهِ وَأَكْلِ أَمْوَالِكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ أَيْ: فِيمَا أَمَرَكُمْ بِهِ، وَنَهَاكُمْ عَنْهُ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَسَنُ [[في جـ، أ: "حسين".]] بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعة، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ عمْران بْنِ أَبِي أَنَسٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَير، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ لَمَّا بَعَثَهُ النَّبِيُّ ﷺ عَامَ ذَاتِ السَّلَاسِلِ قَالَ: احْتَلَمْتُ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ شَدِيدَةِ الْبَرْدِ فَأَشْفَقْتُ إِنِ اغْتَسَلْتُ أَنْ أَهْلِكَ، فَتَيَمَّمْتُ ثُمَّ صَلَّيْتُ بِأَصْحَابِي صَلَاةَ الصُّبْحِ، قَالَ: فَلَمَّا قدمتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: "يَا عَمْرُو صَلَّيت بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ! " قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ [[في أ: "نعم يا رسول الله".]] إِنِّي احْتَلَمْتُ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ شَدِيدَةِ الْبَرْدِ، فَأَشْفَقْتُ إِنِ اغْتَسَلْتُ [[في أ: "أن أغتسل".]] أَنْ أهلكَ، فَذَكَرْتُ [[في ر: "ذكرت"، وفي جـ، أ: "وذكرت".]] قَوْلَ اللَّهِ [عز وَجَلَّ] [[زيادة من جـ، ر، أ.]] ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ فَتَيَمَّمْتُ ثُمَّ صَلَّيْتُ. فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا. وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، بِهِ. وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ وَعُمَرَ بْنِ الْحَارِثِ، كِلَاهُمَا عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ عمران بن أبي أَنَسٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ الْمِصْرِيِّ، عَنْ أَبِي قَيْسٍ مَوْلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، عَنْهُ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ. وَهَذَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، أَشْبَهُ بِالصَّوَابِ [[المسند (٤/٢٠٣) وسنن أبي داود برقم (٣٣٤) .]] . وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدُوَيه: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَامِدٍ البَلْخِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحِ بْنِ سَهْلٍ الْبَلْخِيُّ، حدثنا عُبَيد [[في ر: "عبد".]] عبد اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ صَلَّى بِالنَّاسِ وَهُوَ جُنُب، فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ، فَدَعَاهُ فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، خفْتُ أَنْ يَقْتُلَنِي الْبَرْدُ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا] ﴾ [[زيادة من جـ، ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] قَالَ: فَسَكَتَ عَنْهُ رسولُ اللَّهِ ﷺ [[ورواه الطبراني (١١/٢٣٤) من طريق عبيد الله القواريري به، وقال الهيثمي في المجمع (١/٢٦٤) : "فيه يوسف بن خالد السمتي وهو كذاب".]] . ثُمَّ أَوْرَدَ ابْنُ مَرْدُويه عِنْدَ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ قَتَل نَفْسَه بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ، يَجَأ بِهَا بَطْنه يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِسُمٍّ، فَسُمُّهُ فِي يَدِهِ، يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَهُوَ مُتَرد [[في ر: "متردد".]] فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا". وَهَذَا الْحَدِيثُ [[في ر: "حديث".]] ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ [[صحيح البخاري برقم (٥٧٧٨) وصحيح مسلم برقم (١٠٩) .]] وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِنَحْوِهِ، وَعَنْ أَبِي قِلابة، عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ قَتَلَ نَفْسَه بِشَيْءٍ عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". وَقَدْ أَخْرَجَهُ الجماعَةُ فِي كُتُبهم مِنْ طَرِيقِ أَبِي قِلَابَةَ [[صحيح البخاري برقم (٦٠٤٧، ٦١٠٥) وصحيح مسلم برقم (١١٠) وسنن أبي داود برقم (٣٢٥٧) وسنن الترمذي برقم (١٥٤٣) وسنن النسائي (٧/٥،٦) وسنن ابن ماجه برقم (٢٠٩٨) وليس عند الترمذي قوله: "ومن قتل نفسه بشيء" وهو الشاهد هنا.]] وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ، عَنْ [[في ر: "ابن".]] جُنْدب بْنِ عَبْدِ اللَّهِ البَجَلي قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "كَانَ رَجُلٌ مِمَّنْ [[في أ: "فيمن".]] كَانَ قَبْلَكُمْ وَكَانَ بِهِ جُرْح، فَأَخَذَ سِكِّينًا نَحَر بهَا يَدَهُ، فَمَا رَقأ الدَّمُ حَتَّى ماتَ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: عَبْدِي بادرنِي بِنَفْسه، حرَّمت [[في أ: "فحرمت".]] عَلَيْهِ الْجَنَّة" [[صحيح البخاري برقم (١٣٦٤، ٣٤٦٣) وصحيح مسلم برقم (١١٣) .]] . وَلِهَذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا﴾ أَيْ: وَمَنْ يَتَعَاطَى ما نهاه الله عنه متعديا فِيهِ ظَالِمًا فِي تَعَاطِيهِ، أَيْ: عَالِمًا بِتَحْرِيمِهِ مُتَجَاسِرًا عَلَى انْتِهَاكِهِ ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا [وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا] ﴾ [[زيادة من جـ، ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] وَهَذَا تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ وَوَعِيدٌ أَكِيدٌ، فَلْيحذَرْ مِنْهُ كُلُّ عَاقِلٍ لَبِيبٍ مِمَّنْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ [وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلا كَرِيمًا] [[زيادة من جـ، ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ . أَيْ: إِذَا اجْتَنَبْتُمْ كَبَائِرَ الْآثَامِ الَّتِي نُهِيتُمْ عَنْهَا كَفَّرْنَا عَنْكُمْ صَغَائِرَ الذُّنُوبِ وَأَدْخَلْنَاكُمُ الْجَنَّةَ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلا كَرِيمًا﴾ . وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حدثنا مؤمل بن هشام، حدثنا إسماعيل بن إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا خَالِدُ [[في ر: "الخلد"، وفي أ: "الخالد".]] بْنُ أَيُّوبَ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، عَنْ أَنَسٍ [[عند البزار، عن أنس قال: "لم نر مثل الذي بلغنا عن ربنا" انظر: المجمع (٧/٣) .]] [يَرْفَعُهُ] [[زيادة من جـ، ر، أ.]] : " الَّذِي بَلَغَنَا عَنْ رَبِّنَا، عَزَّ وَجَلَّ، ثُمَّ لَمْ نَخْرُجْ لَهُ عَنْ كُلِّ أَهْلٍ وَمَالٍ أَنْ تَجَاوَزَ لَنَا عَمَّا دُونَ الْكَبَائِرِ، يَقُولُ اللَّهُ [تَعَالَى] [[زيادة من جـ، ر، أ.]] ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ [وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلا كَرِيمًا] [[زيادة من جـ، ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ " [[مسند البزار برقم (٢٢٠٠) "كشف الأستار"، وقال الهيثمي: "فيه الجلد بن أيوب وهو ضعيف".]] . وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ مُتَعَلِّقَةٌ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ فَلْنَذْكُرْ مِنْهَا مَا تَيَسَّرَ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا هُشَيم عَنْ مُغِيرة، عَنْ أَبِي مَعْشَر، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ قَرْثَع الضَّبِّي، عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ قَالَ: قَالَ لِيَ النَّبِيُّ ﷺ: "أَتَدْرِي مَا يَوْمُ الْجُمُعَةِ؟ " قُلْتُ: هُوَ الْيَوْمَ الَّذِي جَمَعَ اللَّهُ فِيهِ أَبَاكُمْ. قَالَ: "لَكِنْ أدْرِي مَا يَوْمُ الجُمُعَةِ، لَا يَتَطَهَّرُ الرَّجُلُ فيُحسِنُ طُهُوره، ثُمَّ يَأْتِي الجُمُعة فيُنصِت حَتَّى يَقْضِيَ الْإِمَامُ صَلَاتَهُ، إِلَّا كَانَ [[في ر: "كانت".]] كَفَّارَةً لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الْمُقْبِلَةِ، مَا اجْتُنبت الْمَقْتَلَةُ [[في جـ: "المقتل".]] وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سَلْمَانَ نَحْوَهُ [[المسند (٥/٤٣٩) ورواه البخاري برقم (٩١٠) من طريق سعيد المقبري عن أبيه عن ابن وديعة عن سلمان الفارسي بنحوه.]] . وَقَالَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى [بْنُ إِبْرَاهِيمَ] [[زيادة من ر، أ.]] حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي خَالِدٌ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ نُعَيْمٍ المُجْمر، أَخْبَرَنِي صُهَيْبٌ مَوْلَى العُتْوارِي، أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ يَقُولَانِ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا فَقَالَ: "وَالَّذِي نَفْسي بِيَدِهِ" -ثَلَاثَ مَرَّاتٍ-ثُمَّ أكَبَّ، فَأَكَبَّ كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا يَبْكِي، لَا نَدْرِي عَلَى مَاذَا حَلَفَ عَلَيْهِ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَفِي وَجْهِهِ الْبِشْرُ [[في أ: "البشرى"]] فَكَانَ أَحَبَّ إِلَيْنَا مِنْ حُمْر النَّعَم، فَقَالَ [ﷺ] [[زيادة من جـ.]] مَا مِنْ عَبْدٍ يُصَلِّي الصَّلَواتِ الخمسَ، ويَصُومُ رمضانَ، ويُخرِج الزَّكَاةَ، ويَجْتنبُ الْكَبَائِرَ السَّبعَ، إِلَّا فُتِحتْ لَهُ أبوابُ الجَنَّةِ، ثُمَّ قِيلَ لَهُ: ادْخُل بسَلامٍ". وَهَكَذَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ، مِنْ حَدِيثِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، رَوَاهُ الْحَاكِمُ أَيْضًا وَابْنُ حِبَّان فِي صَحِيحِهِ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، بِهِ. ثُمَّ قَالَ الْحَاكِمُ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، ولم يخرجاه [[تفسير الطبري (٨/٢٣٨) وسنن النسائي (٥/٨) والمستدرك (١/٢٠٠) .]] . تَفْسِيرُ هَذِهِ السَّبْعِ: وَذَلِكَ بِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، عَنْ ثَوْر بْنِ زَيْدٍ، عَنْ سَالِمٍ أَبِي الْغَيْثِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "اجْتَنِبُوا السبعَ المُوبِقَاتِ" قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: "الشِّركُ بِاللَّهِ، وقَتْلُ النَّفْس الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، والسِّحرُ، وأكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، والتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْف، وقَذْفُ المحصنَات الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ" [[صحيح البخاري برقم (٢٧٦٦) وصحيح مسلم برقم (٨٩) .]] . طَرِيقٌ أُخْرَى عَنْهُ: قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا فَهْد بْنُ عَوْف، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانة، عَنْ عَمْرو بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم قال: "الْكَبَائِرُ سَبْعٌ، أَوَّلُهَا الإشراكُ بِاللَّهِ، ثُمَّ قَتْل النَّفْس بِغَيْرِ حَقِّهَا، وأكْلُ الرِّبَا، وأَكْلُ مَالِ اليتيمِ إِلَى أَنْ يَكْبُرَ، والفِرَارُ مِنَ [[في أ: "يوم".]] الزَّحْفِ، ورَميُ الْمُحْصَنَاتِ، وَالِانْقِلَابُ إِلَى الْأَعْرَابِ بَعْدَ الهِجْرَةِ" [[مسند البزار برقم (١٠٩) "كشف الأستار"، وقال الهيثمى في مجمع الزوائد (١/١٠٣) : "فيه عمر بن أبي سلمة، ضعفه شعبة وغيره، ووثقة أبو حاتم وابن حبان وغيرهما".]] . فَالنَّصُّ عَلَى هَذِهِ السَّبْعِ بِأَنَّهُنَّ كَبَائِرُ لَا يَنْفِي مَا عَدَاهُنَّ، إِلَّا عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِمَفْهُومِ اللَّقَبِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ عِنْدَ عَدَمِ الْقَرِينَةِ، وَلَا سِيَّمَا عِنْدَ [[في ر: "عن".]] قِيَامِ الدَّلِيلِ بِالْمَنْطُوقِ عَلَى عَدَمِ الْمَفْهُومِ، كَمَا سَنُورِدُهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمُتَضَمَّنَةِ مِنَ الْكَبَائِرِ غَيْرَ هَذِهِ السَّبْعِ، فَمِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ حَيْثُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ كَامِلٍ الْقَاضِي، إِمْلَاءً حَدَّثَنَا أَبُو قِلَابَةَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هَانِئٍ، حَدَّثَنَا حَرْب بْنُ شَدَّاد، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ سِنَان، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْر، عَنْ أَبِيهِ -يَعْنِي عُمَير بْنَ قَتَادَةَ-رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ حَدَّثَهُ -وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ-أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: "أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ المُصَلُّون مَنْ يُقِيم [[في ر، أ: "يقم".]] الصلواتِ الخمسَ الَّتِي كُتبت [[في أ: "التى كتب".]] عَلَيْهِ، ويَصومُ رَمَضَانَ ويَحتسبُ صومَهُ، يَرَى أَنَّهُ عَلَيْهِ حَقٌّ، ويُعطي زكاةَ مَالِهِ يَحْتسِبها، وَيَجْتَنِبُ الْكَبَائِرَ الَّتِي نَهَى اللَّهُ عَنْهَا". ثُمَّ إِنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الْكَبَائِرُ؟ فَقَالَ: "تِسْعٌ: الشِّركُ بِاللَّهِ، وقَتْلُ نَفْسِ مُؤْمِنٍ بِغَيْرِ حَقٍّ [[في د، أ: "الحق".]] وفِرارُ يَوْمِ الزّحْفِ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَأَكْلُ الرِّبا، وقذفُ المُحصنَة [[في أ: "المحصنات".]] وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ الْمُسْلِمَيْنِ، وَاسْتِحْلَالُ الْبَيْتِ الْحَرَامِ قِبْلَتِكُمْ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا، ثُمَّ قَالَ: لَا يَمُوتُ رَجُلٌ لَا يَعْمَلُ [[في جـ: "لم يعمل".]] هَؤُلَاءِ الْكَبَائِرَ، وَيُقِيمُ الصَّلَاةَ، ويُؤتِي الزَّكَاةَ، إِلَّا كَانَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي دَارٍ أَبْوَابُهَا مَصَارِيعٌ [[في جـ، ر، أ: "مصانعها".]] مِنْ ذَهَبٍ". وَهَكَذَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ مُطَوَّلًا وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ [[في ج: "والترمذي والنسائي".]] مُخْتَصَرًا مِنْ حَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ هَانِئٍ، بِهِ وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِهِ مَبْسُوطًا ثُمَّ قَالَ الْحَاكِمُ: رِجَالُهُ كُلُّهُمْ يُحْتَجُّ بِهِمْ فِي الصَّحِيحَيْنِ إِلَّا عبد الحميد بن سنان [[المستدرك (١/٥٩) وسنن أبي داود برقم (٢٨٧٥) ولم أجده عند الترمذي، ورواه البيهقى في السنن الكبرى من طريق الحاكم (٣/٤٠٨) وقال: "سقط من كتابي أو من كتاب شيخى -يعنى الحاكم- السحر". وعبد الحميد بن سنان. قال الذهبي: "عداده في التابعين لا يعرف، وقد وثقه بعضهم. قال البخاري: روى عن عبيد بن عمير في حديثه نظر. قلت: حديثه عن عبيد عن أبيه: الكبائر تسع.. الحديث..".]] . قُلْتُ: وَهُوَ حِجَازِيٌّ لَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّان فِي كِتَابِ الثِّقَاتِ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: فِي حَدِيثِهِ نَظَرٌ. وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ ثَابِتٍ الْجَحْدَرِيِّ، عَنْ سَلْمِ [[في جـ، أ: "سلمة".]] بْنِ سَلَامٍ، عَنْ أَيُّوبَ بن عتبة، عن يحيى بن أبي كثير، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَير، عَنْ أَبِيهِ، فَذَكَرَهُ. وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْإِسْنَادِ: عَبْدَ الْحَمِيدِ بْنَ سِنَانٍ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ [[في أ: "والله أعلم".]] [[تفسير الطبري (٨/٢٤١) .]] . حَدِيثٌ آخَرُ فِي مَعْنَى مَا تَقَدَّمَ: قَالَ ابْنُ مَرْدُويه: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ الْوَلِيدِ، عَنِ الْمُطَّلِبِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: صَعِدَ النَّبِيُّ ﷺ الْمِنْبَرَ فَقَالَ: "لَا أقْسِمُ، لَا أقْسِمُ". ثُمَّ نَزَلَ فَقَالَ: "أبْشِرُوا، أبْشِرُوا، مَنْ صَلَّى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، واجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ السَّبعَ، نُودِيَ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ: ادخُل". قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ: لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا قَالَ: "بِسَلَامٍ". قَالَ الْمُطَّلِبُ: سَمِعْتُ مَنْ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرو: أَسْمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُهُنَّ؟ قَالَ: نَعَمْ: "عُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وإشْرَاكٌ بِاللَّهِ، وقَتْلُ النَّفْسِ، وقَذْفُ المُحْصنات، وأكْلُ مالِ اليتيمِ، والفِرارُ مِنَ الزَّحفِ، وأكْلُ الرِّبَا" [[ورواه الطبراني في المعجم الكبير برقم (٣) "القطعة المفقودة" من طريق عبد العزيز بن محمد عن مسلم بن الوليد عن المطلب به وفي إسناده مسلم بن الوليد ذكره البخاري في التاريخ الكبير (٨/١٥٣) وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٨/١٩٧) ولم يذكرا فيه جرحا أو تعديلا.]] . حَدِيثٌ آخَرُ فِي مَعْنَاهُ: قَالَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ فِي التَّفْسِيرِ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، أَخْبَرَنَا زِيَادُ بْنُ مِخْرَاق عَنْ طَيْسَلَةَ بْنِ مَيَّاسٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّجدات، فَأَصَبْتُ ذُنُوبًا لَا أَرَاهَا إِلَّا مِنَ الْكَبَائِرِ، فَلَقِيتُ ابْنَ عُمَر فَقُلْتُ لَهُ: إِنِّي أَصَبْتُ ذُنُوبا لَا أَرَاهَا إِلَّا مِنَ الْكَبَائِرِ قَالَ: مَا هِيَ؟ قُلْتُ: أَصَبْتُ كَذَا وَكَذَا. قَالَ: لَيْسَ مِنَ الْكَبَائِرِ. قُلْتُ: وَأَصَبْتُ كَذَا وَكَذَا. قَالَ: لَيْسَ مِنَ الْكَبَائِرِ قَالَ -بِشَيْءٍ لَمْ يُسَمِّهِ طَيْسَلَة-قَالَ: هِيَ تِسْعٌ وَسَأَعُدُّهُنَّ عَلَيْكَ: الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ بِغَيْرِ حَقِّهَا [[في د: "النسمة بغير حلها" رفي جـ: "نسمة بغير حلها"، في ر: "النفس بغير حلها".]] وَالْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَةِ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ ظُلْمًا، وَإِلْحَادٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَالَّذِي يَسْتَسْحِرُ [[في جـ: "يسحر".]] وَبُكَاءُ الْوَالِدَيْنِ مِنَ الْعُقُوقِ. قَالَ زِيَادٌ: وَقَالَ طَيْسَلَةُ لَمَّا رَأَى ابْنَ عُمَرَ: فَرَقي. قَالَ: أَتُخَافُ النَّارَ أَنْ تَدْخُلَهَا؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: وَتُحِبُّ أَنْ تَدْخُلَ الْجَنَّةَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: أَحَيٌّ وَالِدَاكَ؟ قُلْتُ: عِنْدِي أُمِّي. قَالَ: فَوَاللَّهِ لَئِنْ أَنْتَ ألَنْتَ لَهَا الْكَلَامَ، وَأَطْعَمْتَهَا الطَّعَامَ، لَتَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ مَا اجْتَنَبْتَ الْمُوجِبَاتِ [[تفسير الطبري (٨/٢٣٩) ورواه البخاري في الأدب المفرد برقم (٨) من طريق زياد بن مخراق به.]] . طَرِيقٌ أُخْرَى: قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ ثَابِتٍ الْجَحْدَرِي الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا سَلْمُ [[في جـ، ر، أ: "مسلم".]] بْنُ سَلَامٍ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ عُتْبَةَ، عَنْ طَيْسَلة بْنِ عَلِيٍّ النَّهْدِيِّ قَالَ: أَتَيْتُ ابْنَ عُمَرَ وَهُوَ في ظل أرَاك يوم عَرَفة، وَهُوَ يَصُبُّ الْمَاءَ عَلَى رَأْسِهِ وَوَجْهِهِ قُلْتُ [[في أ: "قال: قلت".]] أَخْبِرْنِي عَنِ الْكَبَائِرِ؟ قَالَ: هِيَ تِسْعٌ. قُلْتُ: مَا هِيَ؟ قَالَ: الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَةِ -قَالَ: قُلْتُ: قَبْلَ الْقَتْلِ [[في ر، أ: "قتل النفس".]] ؟ قَالَ: نَعَمْ وَرَغْمَا -وَقَتْلُ النَّفْسِ الْمُؤْمِنَةِ، والفِرارُ مِنَ الزَّحْفِ، والسِّحْرُ، وأكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وعُقوق الْوَالِدَيْنِ الْمُسْلِمَيْنِ، وإلْحاد بِالْبَيْتِ الْحَرَامِ، قبْلَتكم أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا [[تفسير الطبري (٨/٢٤٠) .]] . هَكَذَا رَوَاهُ مِنْ هَذَيْنَ الطَّرِيقَيْنِ مَوْقُوفًا، وَقَدْ رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ الجَعْدِ، عَنْ أَيُّوبَ بن عتبة، عن طيسلة بن علي [النهدي] [[زيادة من أ.]] قَالَ: أَتَيْتُ ابْنَ عُمَرَ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ، وَهُوَ تَحْتَ ظلِّ أرَاكة، وَهُوَ يَصُبُّ الْمَاءَ عَلَى رَأْسِهِ، فَسَأَلْتُهُ عَنِ الْكَبَائِرِ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "هُنّ سَبْعٌ". قَالَ: قُلْتُ: وَمَا هُنّ؟ قَالَ: "الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَةِ [[في د: "المحصنات".]] -قَالَ: قُلْتُ: قَبْلَ [[في جـ: "قتل".]] الدَّمِ؟ قَالَ: نَعَمْ وَرُغْمًا -وقتلُ النَّفْسِ الْمُؤْمِنَةِ، وَالْفِرَارُ مِنَ الزَّحفِ، والسِّحرُ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وعُقوق الْوَالِدَيْنِ، وَإِلْحَادٌ [[في جـ، ر، أ: "والإلحاد".]] بِالْبَيْتِ الحرامِ قِبْلَتَكُم أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا". وَكَذَا رَوَاهُ الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى الْأَشْيَبُ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ عُتْبَةَ الْيَمَانِيِّ -وَفِيهِ ضَعْفٌ [[رواه البغوي في الجعديات، وروى الخرائطى في مساوئ الأخلاق برقم (٢٤٧) من طريق حسين بن محمد المروزى عن أيوب بن عتبه بنحوه، وأيوب بن عتبه ضعيف. ورواه عكرمة بن عمار عن طيسلة بن على: أن ابن عمر كان ينزل الآراك يوم عرفه. أخرجه أبو داود في المسائل (١١٨) .]] -وَاللَّهُ أَعْلَمُ. حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ عَديّ، حَدَّثَنَا بَقِيَّة، عَنْ بَحير بْنُ سَعْدٍ [[في جـ، ر، أ: "يحيى بن سعيد".]] عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدان: أَنَّ أَبَا رُهْم السَّمَعِيَّ حَدَّثَهُمْ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ عَبَدَ اللَّهَ لَا يُشرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَأَقَامَ الصَّلَاةَ، وَآتَى الزَّكَاةَ، وَصَامَ رَمَضَانَ، واجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ، فَلَهُ الْجَنَّةُ -أَوْ دَخَلَ الْجَنَّةَ" فَسَأَلَهُ رَجُلٌ: مَا الْكَبَائِرُ؟ فَقَالَ [[في ر: "قال".]] الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وقَتْلُ نَفْسٍ مُسْلِمَةٍ، والفِرار يَوْمَ الزَّحْف". وَرَوَاهُ أَحْمَدُ أَيْضًا وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، عَنْ بَقِيَّةَ [[المسند (٥/٤١٣) وسنن النسائي (٧/٨٨) .]] . حَدِيثٌ آخَرُ: رَوَى الْحَافِظُ أبو بكر ابن مَرْدَوَيْهِ فِي تَفْسِيرِهِ، مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ الْيَمَانِيِّ -وَهُوَ ضَعِيفٌ-عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: كَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى أَهْلِ الْيَمَنِ كِتَابًا فِيهِ الْفَرَائِضُ وَالسُّنَنُ وَالدِّيَاتُ، وَبَعَثَ بِهِ مَعَ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، قَالَ: وَكَانَ فِي الْكِتَابِ: "إِنَّ أَكْبَرَ الْكَبَائِرِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: إشْراكٌ باللهِ وقَتْل النفْسِ الْمُؤْمِنَةِ بِغَيْرِ حَقٍّ، والفِرارُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَوْمَ الزَّحْفِ، وعُقوق الْوَالِدَيْنِ، ورَمْي الْمُحْصَنَةِ، وتَعَلُّم السحر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم" [[ورواه الحاكم في المستدرك (١/٣٩٥) من طريق يحيى بن حمزة عن سليمان بن داود به، وقال الحاكم: "هذا حديث كبير مفسر في هذا الباب، وسليمان بن داود الخولاني معروف بالزهرى وإن كان يحيى بن معين غمزه فقد عدله غيره ثم ذكر قول أبي حاتم وأبي زرعة: "سليمان بن داود الخولاني عندنا ممن لا بأس به".]] . حَدِيثٌ آخَرُ: فِيهِ ذِكْرُ شَهَادَةِ الزُّورِ؛ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حدثنا شُعْبَةُ، حَدَّثَنِي عُبَيد اللَّهِ [[في جـ، ر، أ: "عبد الله"، وفي ر: "محمد" وهو خطأ والصحيح عبيد الله وانظر: من مسند الإمام أحمد ٣/١٣١.]] بْنُ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْكَبَائِرَ -أَوْ سُئِلَ عَنِ الْكَبَائِرِ-فَقَالَ: "الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وقَتْلُ النفْسِ، وعُقوق الْوَالِدَيْنِ". وَقَالَ: "أَلَا أُنْبِئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟ " قَالَ: "قَوْلُ الزُّورِ -أَوْ شَهَادَةُ الزُّورِ". قَالَ شُعْبَةُ: أَكْبَرُ ظَنِّي أَنَّهُ قَالَ" "شَهَادَةُ الزُّورِ" [[المسند (٣/١٣١) .]] . أَخْرَجَاهُ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ [[صحيح البخاري برقم (٥٩٧٧) وصحيح مسلم برقم (٨٨) .]] بِهِ. وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ مَرْدُويه مِنْ طَرِيقَيْنِ آخَرَيْنِ غَرِيبَيْنِ عَنْ أَنَسٍ، بِنَحْوِهِ [[في ر: "نحوه".]] . حَدِيثٌ آخَرُ: أَخْرَجَهُ [[في أ: "أخرجاه".]] الشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرة، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "أَلَا أُنْبِئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟ "، قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ" وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ فَقَالَ: "أَلَا وَشَهَادَةُ الزُّورِ، أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ". فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ سَكَتَ [[صحيح البخاري برقم (٥٩٧٦) وصحيح مسلم برقم (٨٧) .]] . حَدِيثٌ آخَرُ: فِيهِ ذِكْرُ قَتْلِ الْوَلَدِ، وَهُوَ ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ -وَفِي رِوَايَةٍ: أَكْبَرُ-قَالَ: "أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدا وَهُوَ خَلَقكَ" قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: "أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أَنْ يَطْعَم مَعَكَ". قُلْتُ: ثُمَّ أي؟ قَالَ: "أَنْ تُزاني حَلِيلَةَ جارِك" ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ [وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا] ﴾ [[زيادة من جـ، ر، أ.]] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِلا مَنْ تَابَ﴾ [الْفَرْقَانِ: ٦٨] [[صحيح البخاري برقم (٤٤٧٧) وصحيح مسلم برقم (٦٨) .]] . حَدِيثٌ] آخَرُ [ [[زيادةمن أ.]] فِيهِ ذِكْرُ شُرْبِ الْخَمْرِ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَىِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي أَبُو صَخْرٍ: أَنَّ رَجُلًا حَدّثه عَنْ عَمْرَةَ بْنِ حَزْمٍ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرو بْنِ الْعَاصِ وَهُوَ بالحِجْر [[في جـ، ر، أ: "وهو في الحجر".]] بِمَكَّةَ وسُئل عَنِ الْخَمْرِ، فَقَالَ: وَاللَّهِ إنَّ عَظِيمًا عِنْدَ اللَّهِ الشيخُ مِثْلِي يكذبُ فِي هَذَا الْمُقَامِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ [[في أ: "على نبي الله".]] ﷺ، فَذَهَبَ فَسَأَلَهُ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: سَأَلْتُهُ عَنِ الْخَمْرِ فَقَالَ: "هِيَ أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ، وَأُمُّ الْفَوَاحِشِ، مَنْ [[في ر: "ثم".]] شَرِبَ الْخَمْرَ تَرَكَ الصَّلَاةَ وَوَقَعَ عَلَى أُمِّهِ وَخَالَتِهِ وَعَمَّتِهِ" [[ورواه الطبراني من طريق آخر كما في المجمع (٥/٦٨) وقال الهيثمي: "عتاب لم أعرفه وابن لهيعة حديثه حسن وفيه ضعف".]] غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. طَرِيقٌ أُخْرَى: رَوَاهَا الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدُويه مِنْ حَدِيثِ [[في أ: "طريق".]] عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدي، عَنْ دَاوُدَ بْنِ صَالِحٍ، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وعُمَر بن الْخَطَّابِ وَأُنَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ، جَلَسُوا [[في ر: "كانوا جلوسًا".]] بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَذَكَرُوا أَعْظَمَ الْكَبَائِرِ، فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ مَا يَنْتَهُونَ إِلَيْهِ، فَأَرْسَلُونِي إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرو بْنِ الْعَاصِ أَسْأَلُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَأَخْبَرَنِي أَنَّ أَعْظَمَ الْكَبَائِرِ شُرْبُ الْخَمْرِ، فَأَتَيْتُهُمْ فَأَخْبَرْتُهُمْ، فَأَنْكَرُوا ذَلِكَ، فَوَثَبُوا إِلَيْهِ حَتَّى أَتَوْهُ فِي دَارِهِ، فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُمْ تَحَدَّثُوا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أن مَلِكا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَخَذَ رَجُلًا فخيَّره بَيْنَ أَنْ يَشْرَبَ خَمْرًا أَوْ يَقْتُلَ نَفْسًا، أَوْ يُزَانِيَ [[في أ: "أو يزنى".]] أَوْ يَأْكُلَ لَحْمَ خِنْزِيرٍ، أَوْ يَقْتُلَهُ [[في أ: "أو يقتلوه".]] فَاخْتَارَ شُرْبَ الْخَمْرِ [[في جـ، د، ر: "فاختار أن يشرب الخمر".]] وَإِنَّهُ لَمَّا شَرِبَهَا لَمْ يَمْتَنِعْ مِنْ شَيْء أَرَادَهُ [[في أ: "أرادوه".]] مِنْهُ، وَإِنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لَنَا مُجِيبًا: "مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْرَبُ خَمْرًا إِلَّا لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، وَلَا يَمُوتُ أَحَدٌ فِي مَثَانَتِهِ مِنْهَا شَيْءٌ إِلَّا حَرَّم اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ فإنْ مَاتَ فِي أَرْبَعِينَ لَيْلَةً مَاتَ ميتَةً جَاهِلِيَّةً". هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ جِدًّا، وَدَاوُدُ بْنُ صَالِحٍ هُوَ التَّمار [[في د: "اليمانى".]] الْمَدَنِيُّ مَوْلَى الْأَنْصَارِ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: لَا أَرَى بِهِ بَأْسًا. وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ، وَلَمْ أَرَ أَحَدًا جَرَحَهُ [[ورواه الحاكم في المستدرك (٤/١٤٧) والطبراني في المعجم الأوسط برقم (١٣٨) "مجمع البحرين" كلاهما من طريق سعيد بن أبي مريم عن الدراوردى به.]] . حَدِيثٌ آخَرُ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرو وَفِيهِ ذكْرُ الْيَمِينِ الغَمُوس. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبة، عَنْ فِرَاسٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرو، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وعُقُوق الْوَالِدَيْنِ، أَوْ قَتْل النَّفْس -شُعْبَةُ الشَّاكُّ-وَالْيَمِينُ الغَمُوس". وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ: زَادَ الْبُخَارِيُّ وَشَيْبَانُ، كِلَاهُمَا عن فراس، بِهِ [[المسند (٢/٢٠١) وصحيح البخاري برقم (٦٦٧٥) وسنن الترمذي برقم (٣٠٢١) وسنن النسائي (٨/٦٣) .]] . حَدِيثٌ آخَرُ: فِي الْيَمِينِ الْغَمُوسِ: "قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ كَاتِبُ اللَّيْثِ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مُهَاجِرِ بْنِ قُنْفُذ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ الْجُهَنِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: أَكْبَرُ [[في ر، أ: "من أكبر".]] الْكَبَائِرِ الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وعُقوق الْوَالِدَيْنِ، وَالْيَمِينُ الغَمُوس، وَمَا حَلَفَ حَالِفٌ بِاللَّهِ يَمِينَ صَبْر فَأَدْخَلَ فِيهَا مِثْلَ جَنَاحِ الْبَعُوضَةِ، إِلَّا كَانَتْ وَكْتَةً فِي قَلْبِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ". وَهَكَذَا رَوَاهُ] الْإِمَامُ [ [[زيادة من أ.]] أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ فِي تَفْسِيرِهِ، كِلَاهُمَا عَنْ يُونُسَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُؤَدِّبِ، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، بِهِ. وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ] فِي تَفْسِيرِهِ [ [[زيادة من أ.]] عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ] بِهِ [ [[زيادة من أ.]] ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَأَبُو أُمَامَةَ الْأَنْصَارِيُّ هَذَا هُوَ ابْنُ ثَعْلَبَةَ، وَلَا يُعْرَفُ [[في أ: "ولا نعرف".]] اسْمُهُ. وَقَدْ رَوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَحَادِيثَ [[سنن الترمذي (٣٠٢) .]] . قَالَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ أَبُو الْحَجَّاجِ المِزِّي: وَقَدْ رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ الْمَدَنِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ. فَزَادَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أُمَامَةَ. قُلْتُ: هَكَذَا وَقَعَ فِي تَفْسِيرِ ابْنِ مَرْدُويه وَصَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ، مِنْ طريق عبد الرحمن بن إِسْحَاقَ [[في ر: "إسماعيل.]] كَمَا ذَكَرَهُ [[في أ: "كما ذكر".]] شَيْخُنَا، فسَح اللهُ فِي أَجْلِهِ [[تحفة الأشراف (٤/٢٧٥) برقم (٥١٤٧) وصحيح ابن حبان برقم (١١٩١) "موارد".]] . حَدِيثٌ آخَرُ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، فِي التَّسَبُّبِ إِلَى شَتْمِ الْوَالِدَيْنِ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَمْرو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَوَدِيُّ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ مِسْعر وَسُفْيَانُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ حُمَيد بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو -رَفَعَهُ سُفْيَانُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَوَقَفَهُ مِسْعَرٌ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو -قَالَ: "مِنَ الْكَبَائِرِ أَنْ يَشْتُم الرجلُ وَالِدَيْهِ": قَالُوا: وَكَيْفَ يَشْتُمُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ قَالَ: "يَسُبُّ الرجلُ أَبَا الرَّجُلِ فيسبَّ أَبَاهُ، ويسُبُّ أمَّه فيسب أمه" [[ورواه أحمد في مسنده (٢/١٦٤) من طريق وكيع به.]] . وقد أخر هَذَا الْحَدِيثَ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمِّهِ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إن مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ أَنْ يَلْعَن الرجلُ وَالِدَيْهِ". قَالُوا: وكيفَ يَلْعَنُ الرجلُ وَالِدَيْهِ؟! قَالَ: "يَسُبُّ الرجلُ أَبَا الرَّجُلِ فيسبَّ أَبَاهُ، ويسُبُّ أمَّه فَيَسُبُّ أُمَّهُ". وَهَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ وَشُعْبَةَ وَيَزِيدَ بْنِ الْهَادِ، ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، بِهِ مَرْفُوعًا بِنَحْوِهِ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: صَحِيحٌ [[صحيح البخاري برقم (٥٩٧٣) وصحيح مسلم برقم (٩٠) وسنن الترمذي برقم (١٩٠٢) .]] . وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ [[في أ: "الصحيحين".]] عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "سِبابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وقِتاله كُفْر" [[رواه البخاري برقم (٤٨) ومسلم برقم (٦٤) مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.]] . حَدِيثٌ آخَرُ فِي ذَلِكَ: قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ دُحَيم، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ عِرْضُ الرَّجُلِ الْمُسْلِمِ، والسَّبَّتَان والسَّبَّة [[في د: "والمستبان بالسبة.]] " [[ذكره السيوطي في الدر المنثور]] . هَكَذَا رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ فِي سُنَنِهِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُسَافِرٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مِنْ أَكْبَرِ [[في أ: "إن من أكبر".]] الْكَبَائِرِ استطالةُ المرْءِ [[في ر: "المسب".]] فِي عِرْضِ رجلٍ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَمِنَ الْكَبَائِرِ السَّبَّتَانِ [[في د: "المستبان".]] بِالسَّبَّةِ". وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ مَرْدُويه مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَلَاءِ بْنِ زَيْر [[في ر، أ: "بن زيد".]] عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ [[سنن أبي داود برقم (٤٨٧٧) .]] . حَدِيثٌ آخَرُ: فِي ذكْرُ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ؛ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا نُعَيم بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِر بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ حَنَش [[في جـ: حبيش"، وفي أ: "حنيش".]] عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ جَمَعَ بَيْنَ الصَّلاتين مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، فَقَدْ أَتَى بَابًا مِنْ أَبْوَابِ الْكَبَائِرِ". وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ يَحْيَى بْنِ خَلَفٍ، عَنِ الْمُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، بِهِ ثُمَّ قَالَ: حَنَش [[في جـ: حبيش"، وفي أ: "حنيش".]] هُوَ أَبُو [[في أ: "هذا أبو".]] عَلِيٍّ الرَّحَبِيُّ، وَهُوَ [[في ر: "هو".]] حُسَيْنُ بْنُ قَيْسٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ، ضَعَّفَهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ [[سنن الترمذي برقم (١٨٨) .]] . وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّة، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ حُمَيْدِ [[في أ: "حسن".]] بْنِ هِلَالٍ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ -يَعْنِي الْعَدَوِيَّ-قَالَ: قُرِئَ عَلَيْنَا كتابُ عُمَرَ: مِنَ الْكَبَائِرِ جَمْعٌ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ -يَعْنِي بِغَيْرِ [[في أ: "من غير".]] عُذْرِ-والفِرَار مِنَ الزَّحْفِ، والنُّهْبَة. وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ: وَالْغَرَضُ أَنَّهُ إِذَا كَانَ الْوَعِيدُ فِيمَنْ جَمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ كَالظُّهْرِ وَالْعَصْرِ تَقْدِيمًا أَوْ تَأْخِيرًا، وَكَذَا الْمَغْرِبُ وَالْعَشَاءُ هُمَا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَجْمَعَ بِسَبَبٍ مِنَ الْأَسْبَابِ الشَّرْعِيَّةِ، فَإِذَا تَعَاطَاهُ أَحَدٌ بِغَيْرِ شَيْءٍ مِنْ تِلْكَ الْأَسْبَابِ يَكُونُ مُرْتَكِبًا كَبِيرَةً، فَمَا ظَنُّكَ بِمَنْ تَرَكَ الصلاةِ بِالْكُلِّيَّةِ؟ وَلِهَذَا رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ تَرْكُ الصَّلَاةِ " [[صحيح مسلم برقم (٨٢) من حديث جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.]] وَفِي السُّنَنِ عَنْهُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَنَّهُ قَالَ: "الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ [[في ر: "وبينهم ترك الصلاة".]] الصَّلَاةُ، فَمَنْ تَرَكَها فَقَدْ كَفر" [[رواه الترمذي في السنن برقم (٢٦٢١) والنسائي في السنن (١/٢٣١) وابن ماجة في السنن برقم (١٠٧٩) من حَدِيثُ بُرَيْدَةَ بْنِ الْحُصَيْبِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.]] وَقَالَ: "مَنْ تَرَكَ صلاةَ العَصْرِ فَقَدْ حبطَ عَمَلُه" [[رواه البخاري في صحيحه برقم (٥٥٣) والنسائي في السنن (١/٢٣٦) من حَدِيثُ بُرَيْدَةَ بْنِ الْحُصَيْبِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.]] وَقَالَ: "مَنْ فَاتَتْهُ صَلاةُ الْعَصْرِ فَكَأَنَّمَا وَتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ" [[رواه النسائي (١/٢٣٨) من حديث نوفل بن معاوية رضي الله عنه.]] . حَدِيثٌ آخَرُ: فِيهِ اليأسُ مِنْ رَوْح اللَّهِ، والأمنُ مِنْ مَكْر اللَّهِ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَاصِمٍ النَّبِيلُ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شَبِيب بْنُ بِشْر، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ مُتَّكِئًا فَدَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ: مَا الْكَبَائِرُ؟ فَقَالَ: "الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالْيَأْسُ مِنْ رَوْح اللَّهِ، والقُنوط مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَالْأَمْنُ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ، وَهَذَا أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ". وَقَدْ رَوَاهُ الْبَزَّارُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِسْحَاقَ الْعَطَّارِ، عَنْ أَبِي عَاصِمٍ النَّبِيلِ، عَنْ شَبِيبِ بْنِ بِشْرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الْكَبَائِرُ؟ قَالَ: "الْإِشْرَاكُ [[في د:"الشرك".]] بِاللَّهِ، وَالْيَأْسُ مِنْ رَوْح اللَّهِ، والقُنوط مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ عز وجل". وَفِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ، وَالْأَشْبَهُ أَنْ يَكُونَ مَوْقُوفًا، فَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نحوُ ذَلِكَ [[مسند البزار برقم (١٠٦) "كشف الأستار"، وقال الهيثمي في المجمع (١/١٠٤) : "رجاله موثقون".]] قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هُشَيم، أَخْبَرَنَا مُطَرِّفٌ، عَنْ وَبْرة بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ: قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَالْإِيَاسُ [[في ج، ر، د، أ: "اليأس".]] مِنْ رَوْح اللَّهِ، والقُنوط مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَالْأَمْنُ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ. وَكَذَا رَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ وَأَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ وَبْرة، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، بِهِ ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ طُرُق عِدَّةٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ. وَهُوَ صَحِيحٌ إِلَيْهِ بِلَا شَكَّ. [[تفسير الطبري (٨/٢٤٣، ٢٤٤) ورواه عبد الرزاق في المصنف برقم (١٩٧٠١) ومن طريقه الطبراني في المعجم الكبير (٩/١٧١) من طريق أبي إسحاق عن وبرة به. ورواه ابن أبي الدنيا في التوبة برقم (٣١) من طريق الأعمش عن وبرة به.]] حَدِيثٌ آخَرُ: فِيهِ سُوءُ الظَّنِّ بِاللَّهِ؛ قَالَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ بُنْدار، حَدَّثَنَا أَبُو حَاتِمٍ بَكْرُ بْنُ عَبْدَانَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُهَاجِرٍ [[في أ: "محمد بن عمر بن مهاجر".]] حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ [[في أ: "أبو حذيفة إسحاق".]] الْبُخَارِيُّ، عَنْ مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ:] قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ [ [[زيادة من أ.]] "أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ سُوءُ الظَّنِّ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ". حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا. حَدِيثٌ آخَرُ: فِيهِ التَّعَرُّبُ [[في ر "التغرب".]] بَعْدَ الْهِجْرَةِ، قَدْ تَقَدَّمَ فِي رِوَايَةِ عَمْرو [[في أ: "عمر".]] بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا، قَالَ [[في أ: "وقال".]] أَبُو بَكْرِ بْنُ مرْدويه: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أحمد، حدثنا أحمد بن رشدين، حَدَّثَنَا عَمْرو بْنُ خَالِدٍ الْحَرَّانَيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعة عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ محمد بن سهل ابن أَبِي حَثْمة [[في جـ، أ: "ابن أبي خيثمة".]] عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "الْكَبَائِرُ سَبْعٌ، أَلَا تَسْأَلُونِي عَنْهُنَّ؟ الشِّركُ بِاللَّهِ، وقَتْلُ النفْسِ، والفِرارُ يَوْمَ الزَّحْفِ، وأكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وقَذْفُ المحصَنَة، وَالتَّعَرُّبُ [[في ر: "التغرب".]] بَعْدَ الْهِجْرَةِ". وَفِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ، وَرَفْعُهُ غَلَطٌ فَاحِشٌ [[وله شاهد من حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَرْفُوعًا، ذكر فيها هذه السبع. رواه الطبراني في المعجم الأوسط (١٢٦) "مجمع البحرين" قال الهيثمى في المجمع (١/١٠٤) : "فيه أبو بلال الأشعرى وهو ضعيف".]] وَالصَّوَابُ مَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا تَمِيمُ بْنُ الْمُنْتَصِرِ، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي حثْمة [[في ر، أ: "خيثمة".]] عَنْ أَبِيهِ قَالَ: إِنِّي لَفِي هَذَا الْمَسْجِدِ -مَسْجِدِ الْكُوفَةِ-وَعَلِيٌّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَخْطُب الناسَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، الْكَبَائِرُ [[في أ: "إن الكبائر".]] سَبْعٌ فَأَصَاخَ [[في ر: "أضاج"، وفي أ: "فأصاح".]] الناسُ، فَأَعَادَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قَالَ: لِمَ لَا [[في أ: "قال ألا".]] تَسْأَلُونِي عَنْهَا؟ قَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا هِيَ؟ قَالَ: الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ [[في أ: "حرم الله قتلها".]] وَقَذْفُ الْمُحْصَنَةِ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَالْفِرَارُ يَوْمَ الزَّحْفِ، وَالتَّعَرُّبُ بَعْدَ الْهِجْرَةِ. فَقُلْتُ لِأَبِي: يَا أَبَتِ، التَّعَرُّبُ [[في ر: "التغرب".]] بَعْدَ الْهِجْرَةِ، كَيْفَ لَحِقَ هَاهُنَا؟ قَالَ: يَا بُنَيَّ، وَمَا أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُهَاجِرَ الرَّجُلُ، حَتَّى إِذَا وَقَعَ سَهْمُهُ فِي الْفَيْءِ، وَوَجَبَ عَلَيْهِ الْجِهَادُ خَلَعَ ذَلِكَ مِنْ عُنُقِهِ فَرَجَعَ أَعْرَابِيًّا كَمَا كَانَ [[تفسير الطبري (٨/٢٣٥) .]] . حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا هَاشِمُ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ -يَعْنِي شَيْبَانَ-عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يسَاف، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ قَيْسٍ الْأَشْجَعِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: "أَلَا إِنَّمَا هُنَّ أَرْبَعٌ: أَلَّا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَا تَقْتُلُوا النفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَسْرِقُوا". قَالَ: فَمَا أَنَا [[في أ: "فما لنا".]] بِأَشَحَّ [[في ر: "بأشج".]] عَلَيْهِنَّ مِنِّي، إِذْ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. ثُمَّ رَوَاهُ أَحْمَدُ أَيْضًا وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، مِنْ حَدِيثِ مَنْصُورٍ، بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ [[المسند (٤/٣٣٩) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٣٧٣) .]] . حَدِيثٌ آخَرُ: تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ عُمَر بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "الإضْرَارُ فِي الوَصِيَّةِ مِنَ الْكَبَائِرِ". وَالصَّحِيحُ مَا رَوَاهُ غَيْرُهُ، عَنْ دَاوُدَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [قَوْلُهُ] قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: وَهُوَ الصَّحِيحُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ قَوْلِهِ. حَدِيثٌ آخَرُ فِي ذَلِكَ: "قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيب، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ؛ أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ [[في جـ، د، ر: "رسول الله".]] ذَكَرُوا الْكَبَائِرَ وَهُوَ مُتَّكِئٌ، فَقَالُوا: الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَفِرَارٌ مِنَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَةِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَوْلُ الزُّورِ، وَالْغُلُولُ، وَالسِّحْرُ، وَأَكْلُ الرِّبَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "فَأَيْنَ تَجْعَلُونَ ﴿الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ [آلِ عِمْرَانَ:٧٧] ؟! إِلَى آخِرِ الْآيَةِ. فِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ، وَهُوَ حَسَنٌ [[تفسير الطبري (٨/٢٥١) .]] . ذِكْرُ أَقْوَالِ السَّلَفِ فِي ذَلِكَ: قَدْ تَقَدَّمَ مَا رُوِيَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ وَعَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فِي ضِمْنِ الْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُليَّة، عَنِ ابْنِ عَوْن، عَنِ الْحَسَنِ: أَنَّ نَاسًا سَأَلُوا [[في جـ، د، أ: "لقوا".]] عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو بِمِصْرَ فَقَالُوا: نَرَى أَشْيَاءَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، أمَرَ أَنْ يُعمل بِهَا فَلَا يُعْمَلُ بِهَا، فَأَرَدْنَا أَنْ نَلْقَى أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فِي ذَلِكَ؟ فَقَدِمَ وَقَدِمُوا مَعَهُ، فَلَقِيَهُ [[في جـ، د، ر، أ: "فلقى".]] عُمَرُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالَ: مَتَى قَدِمْتَ؟ فَقَالَ: مُنْذُ كَذَا وَكَذَا قَالَ: أَبِإِذْنٍ قَدِمْتَ؟ قَالَ: فَلَا أَدْرِي كَيْفَ رَدَّ عَلَيْهِ. فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ نَاسًا لَقَوْنِي بِمِصْرَ فَقَالُوا: إِنَّا نَرَى أَشْيَاءَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، أَمَرَ أَنْ يُعْمَلَ بِهَا فَلَا [[في أ: "لا".]] يُعْمَلُ بِهَا [[في جـ، د: "لا يعمل" وفي ر: "نعمل بها فلا نعمل".]] فَأَحَبُّوا أَنْ يَلْقَوْكَ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: اجْمَعْهُمْ لِي. قَالَ: فَجَمَعْتُهُمْ لَهُ -قَالَ ابْنُ عَوْنٍ: أَظُنُّهُ قَالَ: فِي بَهْو-فَأَخَذَ أَدْنَاهُمْ رَجُلًا فَقَالَ: نَشَدْتُكَ [[في د: "أنشدك".]] بِاللَّهِ وَبِحَقِّ الْإِسْلَامِ عَلَيْكَ، أَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ فَهَلْ أَحْصَيْتَهُ فِي نَفْسِكَ؟ قَالَ اللَّهُمَّ لَا. قَالَ: وَلَوْ قَالَ: نَعَمْ لَخَصَمَهُ. قَالَ: فَهَلْ أَحْصَيْتَهُ فِي بَصَرِكَ؟ فَهَلْ [[في جـ: "هل".]] أَحْصَيْتَهُ فِي لَفْظِكَ؟ هَلْ أَحْصَيْتَهُ فِي أَمْرِكَ [[في أ: "في أثرك".]] ؟ ثُمَّ تَتَبَّعَهُمْ حَتَّى أَتَى عَلَى آخِرِهِمْ. قَالَ: فَثَكِلَتْ عُمَرَ أُمُّهُ. أتكلِّفونه أَنْ يُقِيمَ النَّاسَ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ؟! قَدْ عَلِمَ رَبُّنَا أَنَّهُ سَتَكُونُ [[في جـ، د، ر، "سيكون".]] لَنَا سَيِّئَاتٌ. قَالَ: وَتَلَا ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلا كَرِيمًا] ﴾ [[زيادة من جـ، ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ثُمَّ قَالَ: هَلْ عَلِمَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ -أَوْ قَالَ: هَلْ عَلِمَ أَحَدٌ-بِمَا [[في جـ، أ: "فيما".]] قَدِمْتُمْ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: لَوْ عَلِمُوا لَوَعَظْتُ بِكُمْ. إِسْنَادٌ حَسَنٌ [[في جـ، أ: "جيد".]] وَمَتْنٌ حَسَنٌ، وَإِنْ كَانَ مِنْ رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْ عُمَرَ، وَفِيهَا انْقِطَاعٌ، إِلَّا أَنَّ مِثْلَ هَذَا اشْتُهِرَ [[في جـ، د، أ، ر: "يشتهر".]] فَتَكْفِي [[في جـ، أ: "فيكفي".]] شُهْرَتُهُ [[تفسير الطبري (٨/٢٥٥) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ -يَعْنِي الزُّبَيْرِيَّ-حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ مَالِكِ بْنِ جُوَيْنٍ، عَنْ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: الْكَبَائِرُ الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَقَذْفُ المحصنَة، وَالْفِرَارُ مِنَ الزَّحْف، وَالتَّعَرُّبِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ، والسِّحْر، وعُقوق الْوَالِدَيْنِ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَفِرَاقُ الْجَمَاعَةِ، وَنَكْثُ الصَّفْقَةِ. وَتَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَالْيَأْسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ، وَالْقُنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَالْأَمْنُ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ. وَرَوَى ابْنُ [[في د: "عن".]] جَرِيرٍ، مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، وَالْأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: الْكَبَائِرُ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ النِّسَاءِ إِلَى ثَلَاثِينَ آيَةً مِنْهَا. وَمِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَشُعْبَةَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُود، عَنْ زِرّ بْنِ حُبيشِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: الْكَبَائِرُ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ النِّسَاءِ إِلَى ثَلَاثِينَ آيَةً مِنْهَا ثُمَّ تَلَا ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ [نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلا كَرِيمًا] [[زيادة من جـ، ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْمُنْذِرُ بْنُ شَاذَانَ، حَدَّثَنَا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ، حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ حَيَّانَ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَمَنْعُ فُضُولِ الْمَاءِ بَعْدَ الرِّيِّ، وَمَنْعُ طُرُوقِ [[في د: "عروق".]] الفحل إلا بجُعْلٍ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "لَا يُمنَع فَضْلُ الماءِ لِيُمْنَعَ بِهِ الْكَلَأُ" [[صحيح البخاري برقم (٢٣٥٣) وصحيح مسلم برقم (١٥٦٦) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] وَفِيهِمَا عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "ثَلَاثَةٌ لَا ينظرُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزكِّيهم وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: رَجُلٌ عَلَى فَضْلِ مَاءٍ بالفَلاةِ يَمْنَعُهُ ابْنَ السَّبيل"، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِتَمَامِهِ [[صحيح البخاري برقم (٢٣٥٨) وصحيح مسلم برقم (١٠٨) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] . وَفِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، مِنْ حَدِيثُ عَمْرو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا: "مَنْ مَنَعَ فَضْلَ الماءِ وفَضْلَ الكَلأ مَنَعَهُ اللَّهُ فَضْلَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" [[المسند (٢/١٧٩) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَنَبَة [[في جـ، د، ر، أ، "شيبة".]] الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: مَا أُخِذ عَلَى النِّساء مِنَ الْكَبَائِرِ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: يَعْنِي [[في أ: "تعنى".]] قَوْلَهُ: ﴿عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلا يَسْرِقْنَ [وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ] [[زيادة من جـ، ر، أ.]] ﴾ الْآيَةَ [الْمُمْتَحِنَةِ: ١٢] . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ مِخْراق، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّة قَالَ: أَتَيْنَا أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، فَكَانَ فِيمَا حَدَّثَنَا قَالَ: لَمْ أَرَ مِثْلَ الَّذِي بَلَغَنَا عَنْ رَبِّنَا تَعَالَى [[في جـ: "عز وجل".]] ثُمَّ [[في أ: "فقال: ثم".]] لَمْ نَخْرُجْ لَهُ عَنْ كُلِّ أَهْلٍ وَمَالٍ. ثُمَّ سَكَتَ هُنية [[في د، أ: "هنيهة".]] ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ لَمَا كَلَّفَنَا [[في ر: "ما خلقنا".]] رَبُّنَا أَهْوَنُ مِنْ ذَلِكَ، لَقَدْ تَجَاوَزَ لَنَا عَمَّا دُونَ الْكَبَائِرِ، فَمَا لَنَا وَلَهَا، ثُمَّ تَلَا ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ [نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلا كَرِيمًا] [[زيادة من جـ، ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ . أَقْوَالُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي ذَلِكَ: رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ، مِنْ حَدِيثِ الْمُعْتَمِرِ [[في جـ، ر: "معتمر".]] بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ طَاوُسٍ قَالَ: ذَكَرُوا عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ الْكَبَائِرَ فَقَالُوا: هِيَ سَبْعٌ، فَقَالَ: هِيَ أَكْثَرُ مِنْ سَبْعٍ وَسَبْعٍ. قَالَ سُلَيْمَانُ: فَمَا أَدْرِي كَمْ قَالَهَا مِنْ مَرَّةٍ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا قُبَيْصَة، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ طَاوُسٍ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: مَا السَّبْعُ الْكَبَائِرُ؟ قَالَ: هِيَ إِلَى السَّبْعِينَ أَقْرَبُ مِنْهَا إِلَى السَّبْعِ. وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ طَاوُسٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ: أَرَأَيْتَ الْكَبَائِرَ السَّبْعَ الَّتِي ذَكَرَهُنَّ [[في د: "ذكرها".]] اللَّهُ؟ مَا هُنَّ؟ قَالَ: هُنَّ إِلَى السَّبْعِينَ أَدْنَى مِنْهُنَّ إِلَى سَبْعٍ [[في أ: "السبع".]] . وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: الْكَبَائِرُ سَبْعٌ؟ قَالَ: هُنَّ إِلَى السَّبْعِينَ أَقْرَبُ، وَكَذَا قَالَ أبو العالية الرياحي، رحمه الله. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ، حَدَّثَنَا شِبْل، عَنْ قَيْسٍ عَنْ سَعْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبير؛ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: كَمِ الْكَبَائِرُ؟ سَبْعٌ؟ قَالَ: هُنَّ إِلَى سَبْعِمِائَةٍ أَقْرَبُ مِنْهَا إِلَى سَبْعٍ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا كَبِيرَةَ مَعَ اسْتِغْفَارٍ، وَلَا صَغِيرَةَ مَعَ إِصْرَارٍ. وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، مِنْ حَدِيثِ شِبْلٍ، بِهِ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ قَالَ: الْكَبَائِرُ كُلُّ ذَنْبٍ خَتَمَهُ اللَّهُ بِنَارٍ أَوْ غَضِبَ أَوْ لَعْنَةٍ أَوْ عَذَابٍ. وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ الْمُوصِلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، حَدَّثَنَا شَبِيبٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْكَبَائِرُ: كُلُّ مَا وَعَدَ اللَّهُ عَلَيْهِ النَّارَ كَبِيرَةٌ. وَكَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: نُبِّئْتُ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَقُولُ: كُلُّ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ كَبِيرَةٌ. وَقَدْ ذَكَرْتُ الطَّرْفة [فِيهِ] [[زيادة من جـ، أ.]] قَالَ: هِيَ النَّظْرَةُ. وَقَالَ أَيْضًا: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَازِمٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَعْدَانَ، عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنِ الْكَبَائِرِ فَقَالَ [[في جـ: "قال".]] هِيَ كُلُّ شَيْءٍ عُصِيَ اللَّهُ فِيهِ فَهُوَ كَبِيرَةٌ. أَقْوَالُ التَّابِعِينَ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيّة، عَنِ ابْنِ عَوْن، عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ: سَأَلَتْ عَبِيدة عَنِ الْكَبَائِرِ، فَقَالَ: الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ بِغَيْرِ حَقِّهَا، وَفِرَارُ يَوْمِ الزَّحْف، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ بِغَيْرِ حَقِّهِ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَالْبُهْتَانُ. قَالَ: وَيَقُولُونَ: أَعْرَابِيَّةٌ بَعْدَ هِجْرَةٍ. قَالَ ابْنُ عَوْنٍ: فَقُلْتُ لِمُحَمَّدٍ: فَالسِّحْرُ؟ قَالَ: إِنَّ الْبُهْتَانَ يَجْمَعُ شَرًّا كَبِيرًا [[في أ: "كثيرا".]] . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ المُحَاربي [[في ر: "المغازي".]] حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ سَلَّامُ بْنُ سُلَيْمٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عُبيد بْنِ عُمَير قَالَ: الْكَبَائِرُ سَبْعٌ، لَيْسَ مِنْهُنَّ كَبِيرَةٌ إِلَّا وَفِيهَا آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ: الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ مِنْهُنَّ: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ﴾ [الْحَجِّ:٣١] وَ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النِّسَاءِ: ١٠] ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٧٥] وَ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النُّورِ: ٢٣] وَالْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا [فَلا تُوَلُّوهُمُ الأدْبَارَ] [[زيادة من جـ، ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ [الْأَنْفَالِ: ١٥] ، وَالتَّعَرُّبُ [[في ر: "التغرب".]] بَعْدَ الْهِجْرَةِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى﴾ [مُحَمَّدٍ: ٢٥] ، وَقَتْلُ الْمُؤْمِنِ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ الْآيَةَ [النِّسَاءِ: ٩٣] . وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عُبَيد، بنحوه. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ، حَدَّثَنَا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيح، عَنْ عَطَاءٍ -يَعْنِي ابْنَ أَبِي رَبَاحٍ-قَالَ: الْكَبَائِرُ سَبْعٌ: قَتْلُ النَّفْسِ، وَأَكْلُ الرِّبَا وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَرَمْيُ الْمُحْصَنَةِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ، وعقُوق الْوَالِدَيْنِ، والفِرَار مِنَ الزَّحْف. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعة، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ قَالَ: كَانَ يُقَالُ شَتْمُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمْرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، مِنَ الْكَبَائِرِ. قُلْتُ: وَقَدْ ذَهَبَ طَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى تَكْفِيرِ مَنْ سَبَّ الصَّحَابَةَ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ: وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: مَا أَظُنُّ أَحَدًا يَنْتَقِصُ [[في جـ، د، ر: "يبغض".]] أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَهُوَ يُحِبُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا: حَدَّثَنَا يُونُسُ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْب، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عيَّاش، قَالَ [[في جـ، ر، أ: "قال: قال".]] زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ مِنَ الْكَبَائِرِ: الشِّرْكُ، وَالْكُفْرُ بِآيَاتِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ الْأَوْلَادِ، وَمَنْ دَعَا لِلَّهِ وَلَدًا أَوْ صَاحِبَةً، وَمِثْلُ ذَلِكَ مِنَ الْأَعْمَالِ، وَالْقَوْلُ الَّذِي لَا يَصْلُحُ [[في أ: "لا يصح".]] مَعَهُ عَمَلٌ، وَأَمَّا كُلُّ ذَنْبٍ يَصْلُحُ مَعَهُ دِينٌ، وَيُقْبَلُ مَعَهُ عَمَلٌ فَإِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ السَّيِّئَاتِ بِالْحَسَنَاتِ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا بِشْر بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ الْآيَةَ: إِنَّمَا وَعَدَ اللَّهُ الْمَغْفِرَةَ لِمَنِ اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ. وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "اجْتَنِبُوا الْكَبائر، وسَدِّدُوا، وأبْشِرُوا". وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طُرُقٍ عَنْ أَنَسٍ، وَعَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: "شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أمَّتِي" [[أما حديث أنس فله طرق منها: ما يرويه أبو بكر بن عياش عن حميد عن أنس. أخرجه ابن أبي عاصم في السنة برقم (٨٣١) . وما يرويه عن ابن المبارك عن عاصم الأحول عن أنس رواه الطبراني في المعجم الكبير (١/٢٥٨) وابن أبي حاتم في العلل (٢/٢٢٢) ، وقال: سمعت أبي وأبا زرعة يقولان: هذا حديث منكر. وما يرويه جعفر بن سليم الضبعي عن مالك بن دينار عن أنس. رواه ابن أبي حاتم في العلل (٢/٧٩) ، وقال: سمعت أبي يقول: هذا حديث منكر. وما يرويه بسطان بن حريث الصدفي عن أشعث عن أنس، رواه القضاعي في مسند الشهاب برقم (٢٣٧) . وما يرويه أبو جناب سمع زياد النميري سمع أنس، رواه القضاعي في مسند الشهاب (٢٣٧) . وأما حديث جابر فقد رواه ابن ماجة في سننه برقم (٤٣١٠) من طريق جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرِ.]] وَلَكِنْ فِي إِسْنَادِهِ مِنْ جَمِيعِ طُرُقِهِ ضَعْفٌ، إِلَّا مَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "شَفاعتي لأهْلِ الكبائرِ مِنْ أُمَّتِي". فَإِنَّهُ إِسْنَادٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ [[في د: "شرطيهما"، وفي ر: "شرط الشيخين".]] وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ مُنْفَرِدًا بِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، عَنْ عَبَّاسٍ العَنْبري، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ثُمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ [[سنن الترمذي بر قم (٢٤٣٥) .]] وَفِي الصَّحِيحِ شَاهِدٌ لِمَعْنَاهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ بَعْدَ ذِكْرِ الشَّفَاعَةِ: "أترَوْنَها لِلْمُؤْمِنِينَ المتقين؟ لا ولكنها للخاطئين المُتَلَوِّثِينَ". وَقَدِ اخْتَلَفَ عُلَمَاءُ الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ فِي حَدِّ الْكَبِيرَةِ فَمِنْ قَائِلٍ: هِيَ مَا عَلَيْهِ حدٌّ في الشرع. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هِيَ مَا عَلَيْهِ وَعِيدٌ لِخُصُوصِهِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّافِعِيُّ، فِي كِتَابِهِ الشَّرْحُ الْكَبِيرُ الشَّهِيرِ، فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ مِنْهُ: ثُمَّ اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ، رَضِيَ اللَّهُ [تَعَالَى] [[زيادة من جـ.]] عَنْهُمْ، فَمَنْ بَعْدَهُمْ فِي الْكَبَائِرِ، وَفِي الْفَرْقِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الصَّغَائِرِ، وَلِبَعْضِ الْأَصْحَابِ [[في أ: "وللأصحاب".]] فِي تَفْسِيرِ الْكَبِيرَةِ وُجُوهٌ: أَحَدُهَا: أَنَّهَا الْمَعْصِيَةُ الْمُوجِبَةُ لِلْحَدِّ. وَالثَّانِي: أَنَّهَا الْمَعْصِيَةُ الَّتِي يَلْحَقُ صَاحِبَهَا الْوَعِيدُ الشَّدِيدُ بِنَصِّ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ. وَهَذَا أَكْثَرُ مَا يُوجَدُ لَهُمْ، وَهُوَ [[في جـ، أ: "وهم".]] وَإِلَى الْأَوَّلِ أَمِيلُ، لَكِنَّ الثَّانِيَ أَوْفَقُ لِمَا ذَكَرُوهُ عِنْدَ تَفْسِيرِ [[في جـ، ر، أ: "تفصيل".]] الْكَبَائِرِ. وَالثَّالِثُ: قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي "الْإِرْشَادِ" وَغَيْرِهِ: كُلُّ جَرِيمَةٍ تُنْبِئُ بِقِلَّةِ اكْتِرَاثِ مُرْتَكِبِهَا بِالدِّينِ وَرِقَّةِ الدِّيَانَةِ، فَهِيَ مُبْطِلَةٌ لِلْعَدَالَةِ. وَالرَّابِعُ: ذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو سَعِيدٍ [[في جـ، ر: "أبو سعد".]] الْهَرَوِيُّ أَنَّ الْكَبِيرَةَ: كُلُّ فِعْل نَصَّ الْكِتَابُ عَلَى تَحْرِيمِهِ، وَكُلُّ مَعْصِيَةٍ تُوجِبُ فِي جِنْسِهَا حَدًّا مِنْ قَتْلٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَتَرْكُ كُلِّ فَرِيضَةٍ مَأْمُورٍ بِهَا عَلَى الْفَوْرِ، وَالْكَذِبُ فِي الشَّهَادَةِ، وَالرِّوَايَةِ، وَالْيَمِينِ. هَذَا مَا ذَكَرَهُ عَلَى سَبِيلِ الضَّبْطِ. ثُمَّ قَالَ: وَفَصَّلَ الْقَاضِي الرُّويَانِيُّ فَقَالَ: الْكَبَائِرُ سَبْعٌ: قَتْلُ النَّفْسِ بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَالزِّنَا، وَاللِّوَاطُ، وَشُرْبُ الْخَمْرِ، وَالسَّرِقَةُ، وَأَخْذُ الْمَالِ غَصْبًا، وَالْقَذْفُ. وَزَادَ فِي "الشَّامِلِ" عَلَى السَّبْعِ الْمَذْكُورَةِ: شَهَادَةَ الزُّورِ. وَأَضَافَ إِلَيْهَا صَاحِبُ الْعُدَّةِ: أَكْلَ الرِّبَا، وَالْإِفْطَارَ فِي رَمَضَانَ بِلَا عُذْرٍ، وَالْيَمِينَ الْفَاجِرَةَ، وَقَطْعَ الرَّحِمِ، وَعُقُوقَ الْوَالِدَيْنِ، وَالْفِرَارَ مِنَ الزَّحْفِ، وَأَكْلَ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالْخِيَانَةَ فِي الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ، وَتَقْدِيمَ الصَّلَاةِ عَلَى وَقْتِهَا، وَتَأْخِيرَهَا عَنْ وَقْتِهَا، بِلَا عُذْرٍ، وَضَرْبَ الْمُسْلِمِ بِلَا [[في أ: "بغير".]] حَقٍّ، وَالْكَذِبَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ عَمْدًا، وَسَبَّ أَصْحَابِهِ، وَكِتْمَانَ الشَّهَادَةِ بِلَا عُذْرٍ، وَأَخْذَ الرِّشْوَةِ، وَالْقِيَادَةَ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَالسِّعَايَةَ عِنْدَ السُّلْطَانِ، وَمَنَعَ الزَّكَاةِ، وَتَرْكَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ مَعَ الْقُدْرَةِ، وَنِسْيَانَ الْقُرْآنِ بَعْدَ تَعَلُّمِهِ، وَإِحْرَاقَ الْحَيَوَانِ بِالنَّارِ، وَامْتِنَاعَ الْمَرْأَةِ مِنْ زَوْجِهَا بِلَا سَبَبٍ، وَالْيَأْسَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَالْأَمْنَ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ [[في أ: "من مكره".]] وَيُقَالُ: الْوَقِيعَةُ فِي أَهْلِ الْعِلْمِ وَحَمَلَةِ الْقُرْآنِ. وَمِمَّا يُعَدُّ مِنَ الْكَبَائِرِ: الظِّهَارُ، وَأَكَلُ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ وَالْمِيتَةِ إِلَّا عَنْ ضَرُورَةٍ. ثُمَّ قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَلِلتَّوَقُّفِ مَجَالٌ فِي بَعْضِ هَذِهِ الْخِصَالِ. قُلْتُ: وَقَدْ صَنَّفَ النَّاسُ فِي الْكَبَائِرِ مُصَنَّفَاتٌ، مِنْهَا مَا جَمَعَهُ شَيْخُنَا الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الذَّهَبِيُّ [[وقد طبع في بيروت بتحقيق الأستاذ/محي الدين مستو.]] الَّذِي بَلَغَ نَحْوًا مِنْ سَبْعِينَ كَبِيرَةً، وَإِذَا قيل: إن الكبيرة [هى] [[زيادة من جـ، أ.]] ما توعد الشَّارِعُ عَلَيْهَا بِالنَّارِ بِخُصُوصِهَا، كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَغَيْرُهُ، وَتَتَبَّعَ ذَلِكَ، اجْتَمَعَ مِنْهُ شَيْءٌ كَثِيرٌ، وَإِذَا قِيلَ: كُلُّ مَا نَهَى اللَّهُ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] عَنْهُ فَكَثِيرٌ جِدًّا، وَاللَّهُ [تَعَالَى] [[زيادة من جـ.]] أَعْلَمُ.

النساء 4:32

قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيح، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَغْزُو الرِّجَالُ وَلَا نَغْزُو، وَلَنَا نِصْفُ الْمِيرَاثِ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيح، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ... فَذَكَرَهُ، وَقَالَ: غَرِيبٌ [[المسند (٦/٣٢٢) وسنن الترمذي برقم (٣٠٢٢) .]] وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ قَالَتْ ... وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ مَرْدُويه، وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ، مِنْ حَدِيثِ الثَّوْرِيُّ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَا نُقَاتِلُ فَنُسْتَشْهَدُ، وَلَا نُقْطَعُ الْمِيرَاثَ! فَنَزَلَتْ: ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ ثُمَّ نَزَلَتْ: ﴿أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ [[تفسير الطبري (٨/٢٦٢) والمستدرك (٢/٣٠٥) .]] [آلِ عِمْرَانَ: ١٩٥] . ثُمَّ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: وَكَذَا رَوَى سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، يَعْنِي عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ بِهَذَا اللَّفْظِ. وَرَوَى يَحْيَى الْقَطَّانُ وَوَكِيعُ بْنُ الْجِرَّاحِ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، وَعَنِ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ... وَرُوِيَ عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حَيّان وخُصَيف نحوُ ذَلِكَ. وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ وَمُجَاهِدٍ أَنَّهُمَا قَالَا أُنْزِلَتْ فِي أُمِّ سَلَمَةَ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنْ شَيْخٍ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي قَوْلِ النِّسَاءِ: لَيْتَنَا الرِّجَالُ فَنُجَاهِدَ كَمَا يُجَاهِدُونَ وَنَغْزُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ عَطِيَّةَ، حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا الْأَشْعَثُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ جَعْفَرٍ -يَعْنِي ابْنَ أَبِي الْمُغِيرَةِ-عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي] قَوْلِهِ [ [[زيادة من و.]] ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ قَالَ: أَتَتِ امرأةٌ النبيَّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، وَشَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ بِرَجُلٍ، فَنَحْنُ [[في أ: "أفنحن".]] فِي الْعَمَلِ هَكَذَا، إِنْ عَمِلَتِ امْرَأَةٌ حَسَنَةً كُتِبَتْ لَهَا نِصْفُ حَسَنَةٍ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا﴾ فإنه عدل مني، وأنا صنعته. وَقَالَ السُّدِّيُّ: قَوْلُهُ: فِي الْآيَةِ ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ فَإِنَّ الرِّجَالَ قَالُوا: نُرِيدُ أَنْ يَكُونَ لَنَا مِنَ الْأَجْرِ الضِّعْفَ عَلَى أَجْرِ النِّسَاءِ، كَمَا لَنَا فِي السِّهَامِ سَهْمَانِ. وَقَالَتِ النِّسَاءُ: نُرِيدُ أَنْ يَكُونَ لَنَا أَجْرٌ مِثْلُ أَجْرِ الرِّجَالِ الشُّهَدَاءِ، فَإِنَّا لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نُقَاتِلَ، وَلَوْ كُتِبَ عَلَيْنَا الْقِتَالُ لَقَاتَلْنَا فَأَبَى اللَّهُ ذَلِكَ، وَلَكِنْ قَالَ لَهُمْ: سَلُونِي مِنْ فَضْلِي قَالَ: لَيْسَ بِعَرَضِ الدُّنْيَا. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ نَحْوُ ذَلِكَ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: قَوْلُهُ: ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ قَالَ [[في ر، أ: "يقول".]] وَلَا يَتَمَنَّى الرَّجُلُ فَيَقُولُ: "لَيْتَ لَوْ أَنَّ لِي مَالَ فُلَانٍ وَأَهْلَهُ! " فَنَهَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، وَلَكِنْ يَسْأَلُ اللَّهَ مَنْ فَضْلِهِ. وَكَذَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ وَالْحَسَنُ وَالضَّحَّاكُ وَعَطَاءٌ نَحْوَ ذَلِكَ [[في أ: "هذا".]] وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنَ الْآيَةِ وَلَا يَرِدُ عَلَى هَذَا مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ: "لَا حَسَد إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فسَلَّطَه عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ، فَيَقُولُ رَجُلٌ: لَوْ أَنَّ لِي مِثْلَ مَا لِفُلَانٍ لعَمِلْتُ مِثْلَهُ. فَهُمَا فِي الْأَجْرِ سَوَاءٌ" [[صحيح البخاري برقم (٥٠٢٦) .]] فَإِنَّ هَذَا شَيْءٌ غَيْرُ مَا نَهَتِ الْآيَةُ عَنْهُ، وَذَلِكَ أَنَّ الْحَدِيثَ حَضَّ عَلَى تَمَنِّي مِثْلَ نِعْمَةِ هَذَا، وَالْآيَةُ نَهَتْ عَنْ تَمَنِّي عَيْنَ نِعْمَةِ هَذَا، فَقَالَ: ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ أَيْ: فِي الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وَكَذَا الدِّينِيَّةِ أَيْضًا لِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ. وَهَكَذَا قَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ: نَزَلَتْ فِي النَّهْيِ عَنْ تَمَنِّي مَا لِفُلَانٍ، وَفِي تَمَنِّي النِّسَاءِ أَنْ يَكُنَّ رِجَالًا فَيَغْزُونَ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ. ثُمَّ قَالَ: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ أَيْ: كُلٌّ لَهُ جَزَاءٌ عَلَى عَمَلِهِ بِحَسَبِهِ، إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وَإِنْ شَرًّا فَشَرٌّ. وَهُوَ [[في أ: "هذا".]] قَوْلُ ابْنِ جَرِيرٍ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِذَلِكَ فِي الْمِيرَاثِ، أَيْ: كُلٌّ يَرِثُ بِحَسَبِهِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ [[في أ: "الوالبى".]] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ثُمَّ أَرْشَدَهُمْ إِلَى مَا يُصْلِحُهُمْ فَقَالَ: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ ] أَيْ [ [[زيادة من أ.]] لَا تَتَمَنَّوْا مَا فُضِّلَ [[في د، ر: "ما فضلنا".]] بِهِ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ، فَإِنَّ هَذَا أَمْرٌ مَحْتُومٌ، وَالتَّمَنِّي لَا يُجْدِي شَيْئًا، وَلَكِنْ سَلُونِي مِنْ فَضْلِي أُعْطِكُمْ؛ فَإِنِّي كَرِيمٌ وَهَّابٌ. وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ وَاقِدٍ: سَمِعْتُ إِسْرَائِيلَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "سلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِه؛ فَإِنَّ [[في أ: "فإنه".]] اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يُسْأَلَ وَإِنَّ أَفْضَلَ الْعِبَادَةِ انْتِظَارُ الْفَرَجِ". ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: كَذَا رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ وَاقِدٍ، وَلَيْسَ بِالْحَافِظِ، وَرَوَاهُ أَبُو نُعَيم، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ رَجُلٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَحَدِيثُ أَبِي نُعَيْمٍ أَشْبَهُ أَنْ يَكُونَ أَصَحُّ [[سنن الترمذي برقم (٣٥٧١) .]] وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ وَكِيع، عَنْ إِسْرَائِيلَ. ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ قَيْسِ بن الربيع، عن حَكِيمِ بْنِ جُبَير، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَير، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: "سَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِه، فَإِنَّ اللَّهَ [[في أ: "فإنه".]] يُحِبُّ أَنْ يُسأل، وَإِنَّ أحبَّ عِبَادِهِ إِلَيْهِ الَّذِي يُحب الْفَرَجَ" [[وفي إسناده حكيم بن جبير ضعيف، واتهمه الجوزجاني بالكذب، وإنما ذلك لتشيعه.]] . ثُمَّ قَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ أَيْ: هُوَ عَلِيمٌ بِمَنْ يَسْتَحِقُّ الدُّنْيَا فَيُعْطِيهِ مِنْهَا، وَبِمَنْ يَسْتَحِقُّ الْفَقْرَ فَيُفْقِرُهُ، وَعَلِيمٌ بِمَنْ يَسْتَحِقُّ الْآخِرَةَ فَيُقَيِّضُهُ [[في أ: "فيقيض".]] لِأَعْمَالِهَا، وَبِمَنْ يَسْتَحِقُّ الْخِذْلَانَ فَيَخْذُلُهُ عَنْ تَعَاطِي الْخَيْرِ وَأَسْبَابِهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾

النساء 4:33

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَير، وَأَبُو صَالِحٍ، وَقَتَادَةُ، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَالسُّدِّيُّ، وَالضَّحَّاكُ، وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ، وَغَيْرُهُمْ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ أَيْ: وَرَثَةً. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةٍ: أَيْ عَصَبة. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَالْعَرَبُ تُسَمِّي ابْنَ الْعَمِّ مَوْلًى، كَمَا قَالَ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ: مَهْلا بَنِي عَمّنا مَهْلا مَوالينا ... لَا تُظْهِرَن لَنَا ما كَانَ مدفُونا [[البيت في تفسير الطبري (٨/٢٧٠) وفي لسان العرب مادة (ولى) .]] قَالَ: وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ﴾ مِنْ تَرِكَةِ وَالِدَيْهِ وَأَقْرَبِيهِ مِنَ الْمِيرَاثِ، فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ: وَلِكُلِّكُمْ -أَيُّهَا النَّاسُ-جَعَلْنَا عَصَبَةً يَرِثُونَهُ مِمَّا تَرَكَ وَالِدَاهُ وَأَقْرَبُوهُ مِنْ مِيرَاثِهِمْ لَهُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ [[قرأ الكوفيون "عقدت" بتخفيف من غير ألف، وشدد القاف حمزة، والباقون "عاقدت" ألأف. مستفاد من هامش ط، الشعب.]] أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ أَيْ: وَالَّذِينَ تَحَالَفْتُمْ بِالْأَيْمَانِ الْمُؤَكَّدَةِ -أَنْتُمْ وَهُمْ-فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ مِنَ الْمِيرَاثِ، كَمَا وَعَدْتُمُوهُمْ فِي الْأَيْمَانِ الْمُغَلَّظَةِ، إِنَّ اللَّهَ شَاهِدٌ بَيْنَكُمْ فِي تِلْكَ الْعُهُودِ وَالْمُعَاقَدَاتِ، وَقَدْ كَانَ هَذَا فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ نُسِخَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَأُمِرُوا أَنْ يُوَفُّوا لِمَنْ عَاقَدُوا، وَلَا يُنْشِئُوا بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ مُعَاقَدَةً. قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ إِدْرِيسَ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ قَالَ: وَرَثَةً، ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ كَانَ الْمُهَاجِرُونَ لَمَّا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ يَرِثُ الْمُهَاجِرِيُّ الْأَنْصَارِيَّ، دُونَ ذَوِي رَحِمِهِ؛ لِلْأُخُوَّةِ الَّتِي آخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُمْ، فَلَمَّا نَزَلَتْ ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ نُسخت، ثُمَّ قَالَ: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ مِنَ النَّصْرِ وَالرِّفَادَةِ وَالنَّصِيحَةِ، وَقَدْ [[في أ: "فقد".]] ذَهَبَ الْمِيرَاثُ ويُوصي لَهُ. ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيُّ: سَمِعَ أَبُو أُسَامَةَ إِدْرِيسَ، وَسَمِعَ إِدْرِيسُ عَنْ طَلْحَةَ [[صحيح البخاري برقم (٤٥٨٠) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الأشَجّ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا إِدْرِيسُ الْأَوَدِيُّ، أَخْبَرَنِي طَلْحَةُ بْنُ مُصَرف، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ [فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ] ﴾ [[زيادة من أ.]] الآية، قَالَ: كَانَ الْمُهَاجِرُونَ حِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ يَرِثُ الْمُهَاجِرِيُّ الْأَنْصَارِيَّ، دُونَ ذَوِي رَحِمِهِ؛ بِالْأُخُوَّةِ الَّتِي آخَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُمْ، فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ﴾ نُسخت. ثُمَّ قَالَ: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا حَجّاج، عَنِ ابْنِ جُرَيْج -وَعُثْمَانُ بْنُ عَطَاءٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ فَكَانَ الرَّجُلُ قَبْلَ الْإِسْلَامِ يُعَاقِدُ الرَّجُلَ، يَقُولُ: تَرِثُنِي وَأَرِثُكَ وَكَانَ الْأَحْيَاءُ يَتَحَالَفُونَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "كُلُّ حِلْف كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَوْ عَقْد أدْرَكَه الإسلامُ، فَلَا يَزِيدُه الإسلامُ إِلَّا شدَّةً، وَلَا عَقْد وَلَا حِلْفٌ فِي الإسلامِ". فَنَسَخَتْهَا هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَأُولُو الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الْأَنْفَالِ:٧٥] . ثُمَّ قَالَ: وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّب، وَمُجَاهِدٍ، وَعَطَاءٍ، وَالْحَسَنِ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْر، وَأَبِي صَالِحٍ، والشَّعْبِي، وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسار، وَعِكْرِمَةَ، والسُّدِّي، والضَّحَّاك، وَقَتَادَةَ، ومُقاتِل بْنِ حَيَّان أَنَّهُمْ قَالُوا: هُمُ الْحُلَفَاءُ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا شَريك، عَنْ سِمَاك، عَنْ عِكْرِمة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -وَرَفَعَهُ-قَالَ: "مَا كَانَ مِنْ حِلْفٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَمْ يَزِدْه الْإِسْلَامُ إِلَّا حِدَّةً وَشِدَّةً" [[المسند (١/٣٢٩) .]] . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ شَرِيكٌ، عَنْ سِمَاك، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ -وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا مُصْعَبُ بْنُ الْمِقْدَامِ، عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ يُونُسَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَوْلَى آلِ طَلْحَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا حِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ، وكلُّ حِلْف كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَلَمْ يَزِدْهُ الْإِسْلَامُ إِلَّا شِدَّة، وَمَا يَسُرُّني أَنَّ لِي حُمْرَ النَّعَم وَإِنِّي نَقَضْتُ الحِلْفَ الَّذِي كَانَ فِي دَارِ النَّدْوة" هَذَا لَفْظُ ابْنِ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (٨/٢٨٢) .]] . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ أَيْضًا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّة، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "شهِدتُ حِلْف المُطيَّبين، وَأَنَا غُلامٌ مَعَ عُمُومتي، فَمَا أُحِبُّ أَنَّ لِي حُمْرَ النَّعَم وَأَنَا أنكثُهُ". قَالَ الزُّهْرِيُّ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَمْ يُصب الإسلامُ حِلْفا إِلَّا زَادَهُ شِدَّةً". قَالَ: "وَلَا حِلْف فِي الْإِسْلَامِ". وَقَدْ أَلَّفَ [[في د: "خالف".]] النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ قُرَيْشٍ وَالْأَنْصَارِ. وَهَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ بِشْرِ بْنِ الْمُفَضَّلِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِتَمَامِهِ [[تفسير الطبري (٨/٢٨٦) والمسند (١/١٩٠) .]] . وَحَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هُشَيْم، أَخْبَرَنِي مُغِيرَةُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ شُعْبَةَ بْنِ التَّوْأَمِ، عَنْ قَيْسِ بْنِ عَاصِمٍ: أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الْحِلْفِ، قَالَ: فَقَالَ: "مَا كَانَ مِنْ حِلْفٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَتَمَسَّكُوا بِهِ، وَلَا حِلْفٍ فِي الْإِسْلَامِ". وَكَذَا رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ هُشَيْمٍ [[تفسير الطبري (٨/٢٨٣) والمسند (٥/٦١) .]] . وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ حَدَّثَنَا وَكِيع، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ جُدْعان، عَنْ جَدَّتِهِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا حِلْف فِي الْإِسْلَامِ، وَمَا كَانَ مِنْ حِلْفٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَمْ يَزِدْهُ الْإِسْلَامُ إِلَّا شِدَّةً" [[تفسير الطبري (٨/٢٨٣) .]] . وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: لَمَّا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ بِمَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ قَامَ خَطِيبًا فِي النَّاسِ فَقَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ، مَا كَانَ مِنْ حِلْفٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، لَمْ يَزِدْه الإسْلامُ إِلَّا شِدَّةً، وَلَا حِلْفَ فِي الإسلامِ". ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَمْرو بْنِ شُعَيْبٍ، بِهِ [[تفسير الطبري (٨/٢٨٤) .]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ وَأَبُو أُسَامَةَ، عَنْ زَكَرِيَّا، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "لَا حِلْفَ فِي الإسْلامِ، وَأَيُّمَا حِلْفٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَمْ يَزِدْه الْإِسْلَامُ إِلَّا شِدَّةً". وَهَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن محمد، وهو أبو بكر بن أبي شَيْبَةَ، بِإِسْنَادِهِ، مِثْلَهُ. وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ عُثْمَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ وَابْنِ نُمَيْرِ وَأَبِي أُسَامَةَ، ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ زَكَرِيَّا -وَهُوَ ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ [[في أ: "زياد".]] -بِإِسْنَادِهِ، مِثْلَهُ. وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ، بِهِ. وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ إِسْحَاقَ بْنِ يُوسُفَ الْأَزْرَقِ، عَنْ زَكَرِيَّا، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، بِهِ [[المسند (٤/٨٣) وصحيح مسلم برقم (٢٥٣٠) وسنن أبي داود برقم (٢٩٢٥) ، وتفسير الطبري (٨/٢٨٥) وسنن النسائي الكبرى برقم (٦٤١٨) .]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: مُغِيرَةُ أَخْبَرَنِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ شُعْبَةَ بْنِ التَّوْأَمِ، عَنْ قَيْسِ بْنِ عَاصِمٍ: أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الْحِلْفِ، فَقَالَ: "مَا كَانَ مِنْ حِلْفٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَتَمَسَّكُوا بِهِ، وَلَا حِلْفَ فِي الإسْلامِ". وَكَذَا رَوَاهُ شُعْبَةُ، عَنْ مُغِيرَةَ -وَهُوَ ابْنُ مِقْسَم-عَنْ أَبِيهِ، بِهِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ قَالَ: كُنْتُ أَقْرَأُ عَلَى أُمِّ سَعْدٍ بِنْتِ الرَّبِيعِ، مَعَ ابْنِ ابْنِهَا مُوسَى بْنِ سَعْدٍ -وَكَانَتْ يَتِيمَةً فِي حِجْرِ أَبِي بَكْرٍ -فَقَرَأْتُ عَلَيْهَا ﴿وَالَّذِيَن عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ فَقَالَتْ: لَا وَلَكِنْ: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ قَالَتْ: إِنَّمَا نَزَلَتْ فِي أَبِي بَكْرٍ وَابْنِهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حِينَ أَبَى أَنْ يُسْلِمَ، فَحَلَفَ أَبُو بَكْرٍ أَنْ لَا يُوَرِّثَهُ، فَلَمَّا أَسْلَمَ حِينَ حُمِلَ عَلَى الْإِسْلَامِ بِالسَّيْفِ أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُؤْتِيَهُ نَصِيبَهُ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَهَذَا قَوْلٌ غَرِيبٌ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَأَنَّ هَذَا كَانَ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ يَتَوَارَثُونَ بِالْحِلْفِ، ثُمَّ نُسِخَ وَبَقِيَ تَأْثِيرُ الْحِلْفِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانُوا قَدْ أمرُوا أن يوفوا بالعقود وَالْعُهُودِ، وَالْحِلْفُ الَّذِي كَانُوا قَدْ تَعَاقَدُوا قَبْلَ ذَلِكَ تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ وَغَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ: لَا حِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ، وَأَيُّمَا حِلْفٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَمْ يَزِدْهُ الْإِسْلَامُ إِلَّا شِدَّةً. وَهَذَا نَصٌّ فِي الرَّدِّ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَى التَّوَارُثِ بِالْحِلْفِ الْيَوْمَ [[في ر: "باليوم".]] كَمَا هُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ، وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، رَحِمَهُ [[في ر: "رحمهم".]] اللَّهُ. والصحيحُ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ﴾ أَيْ: وَرَثَهً مِنْ أَقْرِبَائِهِ مِنْ أَبَوَيْهِ وَأَقْرَبِيهِ، وَهُمْ يَرِثُونَهُ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "ألْحِقُوا الفرائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لأوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ" [[صحيح البخاري برقم (٦٧٣٥) وصحيح مسلم برقم (١٦١٥) .]] أَيِ: اقْسِمُوا الْمِيرَاثَ عَلَى أَصْحَابِ الْفُرُوضِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِي آيَتَيِ الْفَرَائِضِ، فَمَا بَقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأَعْطُوهُ العَصَبة، وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ أَيْ: قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ، أَيْ مِنَ الْمِيرَاثِ، فَأَيُّمَا حِلْفٌ عُقد بَعْدَ ذَلِكَ فَلَا تَأْثِيرَ لَهُ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَسَخَتِ الْحِلْفَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَحُكْمَ الْمَاضِي أَيْضًا، فَلَا تَوَارُثَ بِهِ، كَمَا قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا إِدْرِيسُ الْأَوَدِيُّ، أَخْبَرَنِي طَلْحَةُ بن مُصَرّف، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَير عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ قَالَ: مِنَ النُّصْرَةِ وَالنَّصِيحَةِ وَالرِّفَادَةِ، وَيُوصَى لَهُ، وَقَدْ ذَهَبَ الْمِيرَاثُ. وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ وَكَذَا رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَأَبِي مَالِكٍ، نَحْوُ ذَلِكَ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَت أَيْمَانُكُمْ﴾ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ يُعَاقِدُ الرَّجُلَ، أَيُّهُمَا مَاتَ وِرْثَهُ الْآخَرُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَأُولُوا الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائُكُمْ مَعْرُوفًا﴾ [الْأَحْزَابِ: ٦] . يَقُولُ: إِلَّا أَنْ يُوصُوا لِأَوْلِيَائِهِمُ الَّذِينَ عَاقَدُوا وَصِيَّةً فَهُوَ لَهُمْ جَائِزٌ مِنْ ثُلُثِ مَالِ الْمَيِّتِ، وَذَلِكَ هُوَ الْمَعْرُوفُ. وَهَذَا نَصُّ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ: أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وَأُولُوا الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائُكُمْ مَعْرُوفًا﴾ وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ أَيْ: مِنَ الْمِيرَاثِ. قَالَ: وَعَاقَدَ أَبُو بَكْرٍ مَوْلًى فَوَرِثَهُ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الَّذِينَ كَانُوا يَتَبَنَّوْنَ رِجَالًا غَيْرَ أَبْنَائِهِمْ، يُوَرِّثُونَهُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ، فَجَعَلَ لَهُمْ نَصِيبًا فِي الْوَصِيَّةِ، وَرَدَّ الْمِيرَاثَ إِلَى الْمَوَالِي فِي ذِي الرَّحِمِ والعَصبة وَأَبَى اللَّهُ لِلْمُدَّعِينَ مِيرَاثًا مِمَّنِ ادَّعَاهُمْ وَتَبَنَّاهُمْ، وَلَكِنْ جَعَلَ لَهُمْ نَصِيبًا مِنَ الْوَصِيَّةِ. رَوَاهُ ابْنُ جرير. وَقَدِ اخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ أَيْ: مِنَ النُّصْرَةِ وَالنَّصِيحَةِ وَالْمَعُونَةِ، لَا أَنَّ الْمُرَادَ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ مِنَ الْمِيرَاثِ -حَتَّى تَكُونَ الْآيَةُ مَنْسُوخَةً، وَلَا أَنَّ ذَلِكَ كَانَ حُكْمًا ثُمَّ نُسِخَ، بَلْ إِنَّمَا دَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى الْوَفَاءِ بِالْحِلْفِ الْمَعْقُودِ عَلَى النُّصْرَةِ وَالنَّصِيحَةِ فَقَطْ، فَهِيَ مَحْكَمَةٌ لَا مَنْسُوخَةٌ. وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ فِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ مِنَ الْحِلْفِ مَا كَانَ عَلَى الْمُنَاصَرَةِ [[في أ: "المناجزة".]] وَالْمُعَاوَنَةِ، وَمِنْهُ مَا كَانَ عَلَى الْإِرْثِ، كَمَا حَكَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ، وَكَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ الْمُهَاجِرِيُّ يَرِثُ الْأَنْصَارِيَّ دُونَ قِرَابَاتِهِ وَذَوِي رَحِمِهِ، حَتَّى نُسِخَ ذَلِكَ، فَكَيْفَ يَقُولُ: إِنَّ هَذِهِ الآية محكمة غير منسوخة [[قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله في تعليقه على تفسير الطبري (٨/٢٨٨) : "أشكل على ابن كثير هذا الموضع من كلام الطبري، فرواه عنه ثم قال: وفيه نَظَرٌ فَإِنَّ مِنَ الْحِلْفِ مَا كَانَ عَلَى الْمُنَاصَرَةِ وَالْمُعَاوَنَةِ، وَمِنْهُ مَا كَانَ عَلَى الْإِرْثِ كَمَا حَكَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ، وَكَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ الْمُهَاجِرِيُّ يَرِثُ الْأَنْصَارِيَّ دُونَ قِرَابَاتِهِ وَذَوِي رَحِمِهِ، حَتَّى نُسِخَ ذَلِكَ فَكَيْفَ يَقُولُ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مُحْكَمَةٌ غَيْرُ منسوخة، والله أعلم.. وهذا الذي تعجب منه ابن كثير، قد بينه الطبري، وأقام عليه كل مذهبه، في كل ناسخ ومنسوخ، وقد كرره مرات كثيرة في تفسيره، وقد أعاده هنا عند ذكر الناسخ والمنسوخ فقال: إن الآية إذ اختلف في حكمها منسوخ هو أم غير منسوخ، واختلف المختلفون في حكمها، وكان لنفى النسخ عنها وإثبات أنها محكمة وجه صحيح، لم يجز لأحد أن يقضى بأن حكمها منسوخ، إلا بحجة يجب التسليم لها، وقد بين أبو جعفر مرارًا أن الحجة التي يجب التسليم لها هي: ظاهر القرآن، والخبر الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما تأويل ابن عباس أو غيره من الأئمة، فليس حجة في إثبات النسخ في آية، لتأويلها على أنها محكمة وجه صحيح. فالعجب لابن كثير، حين عجب من أبي جعفر في تأويله وبيانه، ولو أنصف لنقض حجة الطبري في مقالته في الناسخ والمنسوخ، لا أن يحتج عليه ويتعجب منه، لحجة هى منقوضة عند الطبري، قد أفاض في نقضها مرارًا في كتابه هذا، وفي غيرها من كتبه كما قال، رحم الله أبا جعفر، وغفر الله لابن كثير".]] ؟! والله أعلم.

النساء 4:34

يَقُولُ تَعَالَى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ أَيِ: الرَّجُلُ قَيّم عَلَى الْمَرْأَةِ، أَيْ هُوَ رَئِيسُهَا وَكَبِيرُهَا وَالْحَاكِمُ عَلَيْهَا وَمُؤَدِّبُهَا إِذَا اعوجَّت ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ أَيْ: لِأَنَّ الرِّجَالَ أَفْضَلُ مِنَ النِّسَاءِ، وَالرَّجُلُ خَيْرٌ مِنَ الْمَرْأَةِ؛ ولهذَا كَانَتِ النُّبُوَّةُ مُخْتَصَّةٌ بِالرِّجَالِ وَكَذَلِكَ المُلْك الْأَعْظَمُ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ: "لَنْ يُفلِح قومٌ وَلَّوا أمْرَهُم امْرَأَةً" رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ [[رواه البخاري برقم (٤٤٢٥) ، (٧٠٩٩) من طريق الحسن البصري عن أبي بكرة.]] وَكَذَا مَنْصِبُ الْقَضَاءِ وَغَيْرُ ذَلِكَ. ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ أَيْ: مِنَ الْمُهُورِ وَالنَّفَقَاتِ وَالْكُلَفِ الَّتِي أَوْجَبَهَا اللَّهُ عَلَيْهِمْ لهنَّ فِي كِتَابِهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ، فَالرَّجُلُ أَفْضَلُ مِنَ الْمَرْأَةِ فِي نَفْسِهِ، وَلَهُ الْفَضْلُ عَلَيْهَا وَالْإِفْضَالُ، فَنَاسَبَ أَنْ يَكُونَ قَيّما عَلَيْهَا، كَمَا قَالَ] اللَّهُ [ [[زيادة من أ.]] تَعَالَى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ الآية [البقرة: ٢٢٨] . وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ يَعْنِي: أُمَرَاءُ عَلَيْهَا [[في د، ر، أ: "عليهن".]] أَيْ تُطِيعُهُ فِيمَا أَمَرَهَا بِهِ مِنْ طَاعَتِهِ، وطاعتُه: أَنْ تَكُونَ مُحْسِنَةً إِلَى أَهْلِهِ حَافِظَةً لِمَالِهِ. وَكَذَا قَالَ مُقَاتِلٌ، وَالسُّدِّيُّ، وَالضَّحَّاكُ. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ تَسْتَعْدِيهِ [[في أ: "تستعذيه".]] عَلَى زَوْجِهَا أَنَّهُ لَطَمَها، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "القِصَاص"، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ الْآيَةَ، فَرَجَعَتْ بِغَيْرِ قِصَاصٍ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، مِنْ طُرُقٍ، عَنْهُ. وَكَذَلِكَ أَرْسَلَ هَذَا الْخَبَرَ قَتَادَةُ، وَابْنُ جُرَيج وَالسُّدِّيُّ، أَوْرَدَ ذَلِكَ كُلَّهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وَقَدْ أَسْنَدَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فَقَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ النَّسَائِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ [[في ر، أ: "هبة الله"]] الْهَاشِمِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَشْعَثُ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ علي قال: أَتَى النَّبِيَّ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ بِامْرَأَةٍ لَهُ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ زَوْجَهَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَإِنَّهُ ضَرَبَهَا فَأَثَّرَ فِي وَجْهِهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "ليْسَ ذَلِكَ لَه". فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ [بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ] [[زيادة من ر، أ.]] ﴾ أَيْ: قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ فِي الْأَدَبِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَرَدْتُ أمْرًا وأرَادَ اللَّهُ غَيْرَه" [[في إسناده محمد بن محمد الأشعث، قال ابن عدي: "كتبت عنه بمصر، حمله شدة تشيعه أن أخرج إلينا نسخة قريبا من ألف حديث عن موسى بن إسماعيل بن جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عن آبائه بخط طرى، وعامتها مناكير كلها أو عامتها، فذكرنا روايته هذه الأحاديث عن موسى هذا لأبي عبد الله الحسين بن علي الحسن بن على من آل البيت بمصر، وهو أخو الناصر، فقال لنا: كان موسى هذا جاري بالمدينة أربعين سنة ما ذكر قط عنده شيئا من الرواية لا عن أبيه ولا عن غيره".]] . وَقَالَ الشَّعْبِيُّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ قَالَ: الصَّدَاقُ الَّذِي أَعْطَاهَا، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَذَفَها لاعنَها، وَلَوْ قَذَفَتْهُ جُلِدت. * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَالصَّالِحَاتُ﴾ أَيْ: مِنَ النِّسَاءِ ﴿قانِتَاتٌ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ: يَعْنِي مُطِيعَاتٌ لِأَزْوَاجِهِنَّ ﴿حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ﴾ . قَالَ السُّدِّيُّ وَغَيْرُهُ: أَيْ تَحْفَظُ زَوْجَهَا فِي غَيْبَتِهِ فِي نَفْسِهَا وَمَالِهِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ أَيِ: الْمَحْفُوظُ مِنْ حِفْظِهِ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مَعْشَر، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْمقبري، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "خَيرُ النساءِ امرأةٌ إِذَا نَظَرْتَ إِلَيْهَا سَرَّتْكَ وَإِذَا أمَرْتَها أطاعتكَ وَإِذَا غِبْتَ عَنْهَا حَفِظتْكَ فِي نَفْسِها ومالِكَ". قَالَ: ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ إِلَى آخِرِهَا. وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ، عَنْ محمد بن عبد الرحمن بْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمُقْبُرِيِّ، بِهِ مِثْلَهُ سَوَاءً [[تفسير الطبري (٨/٢٩٥) .]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعة، عَنْ عُبيد اللَّهِ [[في د، ر: "عبد الله".]] بْنِ أَبِي جَعْفَرَ: أَنَّ ابْنَ قَارِظٍ [[في أ: "فارس".]] أَخْبَرَهُ: أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِذَا صَلَّت الْمَرْأَةُ خَمسها، وَصَامَتْ شَهْرَهَا وَحَفِظَتْ فَرْجَها؛ وَأَطَاعَتْ زَوْجَهَا قِيلَ لَهَا: ادخُلِي الْجَنَّةَ مِنْ أيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شِئْتِ". تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَارِظٍ [[في أ: "فارس".]] عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ [[المسند (١/١٩١) .]] . * * وَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ أَيْ: وَالنِّسَاءُ اللَّاتِي تَتَخَوَّفُونَ [[في أ: "تخافون".]] أَنْ يَنْشُزْنَ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ. وَالنُّشُوزُ: هُوَ الِارْتِفَاعُ، فَالْمَرْأَةُ النَّاشِزُ هِيَ الْمُرْتَفِعَةُ عَلَى زَوْجِهَا، التَّارِكَةُ لِأَمْرِهِ، المُعْرِضَة عَنْهُ، المُبْغِضَة لَهُ. فَمَتَى ظَهَرَ لَهُ مِنْهَا أَمَارَاتُ النُّشُوزِ فليعظْها وَلْيُخَوِّفْهَا عقابَ اللَّهِ فِي عِصْيَانِهِ [[في ر: "عصيانها".]] فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَوْجَبَ حَقَّ الزَّوْجِ عَلَيْهَا وَطَاعَتَهُ، وَحَرَّمَ عَلَيْهَا مَعْصِيَتَهُ لِمَا لَهُ عَلَيْهَا مِنَ الْفَضْلِ وَالْإِفْضَالِ. وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَوْ كُنْتُ آمِرًا أَحَدًا أَنْ يَسْجد لِأَحَدٍ لأمرتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا، مِنْ عِظَم حَقِّه عَلَيْهَا" [[رواه الترمذي برقم (١١٥٩) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، ورواه أحمد في المسند (٦/٧٦) من حديث عائشة.]] وَرَوَى الْبُخَارِيُّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِذَا دَعَا الرَّجُلُ امرَأتَهُ إِلَى فِرَاشِه فأبَتْ عَلَيْهِ، لَعَنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تُصْبِح" [[صحيح البخاري برقم (٣٢٣٧) .]] وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَلَفْظُهُ: "إِذَا بَاتَتِ الْمَرْأَةُ هَاجرة [[في ر: "مهاجره".]] فِراش زَوْجِها، لَعْنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تُصبِح" [[صحيح مسلم برقم (١٤٣٦) .]] ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ﴾ . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْهِجْرَانُ هُوَ أَنْ لَا يُجَامِعَهَا، وَيُضَاجِعَهَا عَلَى فِرَاشِهَا وَيُوَلِّيَهَا ظَهْرَهُ. وَكَذَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَزَادَ آخَرُونَ -مِنْهُمُ: السُّدِّيُّ، وَالضَّحَّاكُ، وَعِكْرِمَةُ، وَابْنُ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةٍ-: وَلَا يُكَلِّمُهَا مَعَ ذَلِكَ وَلَا يُحَدِّثُهَا. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ أَيْضًا، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَعِظُهَا، فَإِنْ هِيَ قَبِلَتْ وَإِلَّا هَجَرَهَا فِي الْمَضْجَعِ، وَلَا يُكَلِّمْهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَذَرَ نِكَاحَهَا، وَذَلِكَ عَلَيْهَا شَدِيدٌ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَالشَّعْبِيُّ، وَإِبْرَاهِيمُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، ومِقْسم، وَقَتَادَةُ: الْهَجْرُ: هُوَ أَنْ لَا يُضَاجِعَهَا. وَقَدْ قَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي حَرَّةَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ عَمِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "فَإِن خِفْتُمْ نُشُوزَهُنَّ فَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ" قَالَ حَمَّادٌ: يَعْنِي النِّكَاحَ [[سنن أبي داود برقم (٢١٤٥) .]] . وَفِي السُّنَنِ وَالْمُسْنَدِ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ الْقُشَيْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا حَقُّ امْرَأَةِ أَحَدِنَا؟ قَالَ: "أَنْ تُطعمها إِذَا طَعِمْتَ، وَتَكْسُوَهَا إِذَا اكْتَسَيْتَ، وَلَا تَضْرِب الوَجْهَ وَلَا تُقَبِّح، وَلَا تَهْجُر إِلَّا فِي البَيْتِ" [[سنن أبي داود برقم (٢١٤٣) والمسند (٤/٤٤٧) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [[في ر: "فاضربوهن".]] أَيْ: إِذَا لَمْ يَرْتَدِعْن [[في أ: "إذا لم يرتدعن عما ينهاها عنه".]] بِالْمَوْعِظَةِ وَلَا بِالْهِجْرَانِ، فَلَكُمْ أَنْ تَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: أَنَّهُ قَالَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: "واتَّقُوا اللهَ فِي النِّساءِ، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَلَّا يُوطِئْنَ فُرُشكم أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْن فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبا غَيْرَ مُبَرِّح، وَلَهُنَّ رزْقُهنَّ وكِسْوتهن بِالْمَعْرُوفِ" [[صحيح مسلم برقم (١٢١٨) .]] . وَكَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ: ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ. قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: يَعْنِي غَيْرَ مُؤَثِّرٍ. قَالَ الْفُقَهَاءُ: هُوَ أَلَا يَكْسِرَ فِيهَا عُضْوًا وَلَا يُؤَثِّرَ فِيهَا شَيْئًا. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَهْجُرُهَا فِي الْمَضْجَعِ، فَإِنْ أَقْبَلَتْ وَإِلَّا فَقَدْ أَذِنَ اللَّهُ لَكَ أَنْ تَضْرِبَ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَا تَكْسِرَ لَهَا عَظْمًا، فَإِنْ أَقْبَلَتْ وَإِلَّا فَقَدَ حَل لَكَ مِنْهَا الْفِدْيَةُ. وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَينة، عَنِ الزُّهْرِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ إِيَاسِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي ذُباب [[في أ: "ذئاب".]] قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا تَضْرِبوا إماءَ اللهِ". فَجَاءَ عُمَرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: ذئِرَت النِّسَاءُ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ. فَرَخَّصَ فِي ضَرْبِهِنَّ، فَأَطَافَ بِآلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نِسَاءٌ كَثِيرٌ يَشْكُونَ [[في أ: "يشتكين".]] أَزْوَاجَهُنَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَقَدْ أطافَ بِآلِ مُحَمَّدٍ نِسَاءٌ كَثِيرٌ يَشْكُونَ [[في أ: "يشتكين".]] أَزْوَاجَهُنَّ، لَيْسَ أُولَئِكَ بِخِيَارِكُمْ" رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ [[سنن أبي داود برقم (٢١٤٦) وسنن النسائي الكبرى برقم (٩١٦٧) وسنن ابن ماجة برقم (١٩٧٥) .]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ -يَعْنِي أَبَا دَاوُدَ الطَّيَالِسِيَّ-حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ دَاوُدَ الأوْدِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ المُسْلي [[في د: "السلمي".]] عَنِ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ، قَالَ ضفْتُ عُمَرَ، فَتَنَاوَلَ امْرَأَتَهُ فَضَرَبَهَا، وَقَالَ: يَا أَشْعَثُ، احْفَظْ عَنِّي ثَلَاثًا حَفظتهن عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: لَا تَسألِ الرَّجُلَ فِيمَ ضَرَبَ امرَأَتَهُ، وَلَا تَنَم إِلَّا عَلَى وِتْر ... وَنَسِيَ الثَّالِثَةَ. وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ، عَنْ دَاوُدَ الْأَوَدِيِّ، بِهِ [[سنن أبي داود برقم (٢١٤٧) وسنن النسائي الكبرى برقم (٩١٦٨) وسنن ابن ماجة برقم (١٩٨٦) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلا﴾ أَيْ: فَإِذَا أَطَاعَتِ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا فِي جَمِيعِ مَا يُرِيدُ مِنْهَا، مِمَّا أَبَاحَهُ اللَّهُ لَهُ مِنْهَا، فَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَيْهَا بَعْدَ ذَلِكَ، وَلَيْسَ لَهُ ضربها ولا هجرانها. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ تَهْدِيدٌ لِلرِّجَالِ إِذَا بَغَوْا عَلَى النِّسَاءِ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ، فَإِنَّ اللَّهَ الْعَلِيَّ الْكَبِيرَ وَلِيُّهُنَّ وَهُوَ مُنْتَقِمٌ مِمَّنْ ظَلَمَهُنَّ وَبَغَى عَلَيْهِنَّ.

النساء 4:35

ذَكَرَ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] الْحَالَ الْأَوَّلَ، وَهُوَ إِذَا كَانَ النُّفُورُ وَالنُّشُوزُ مِنَ الزَّوْجَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ الْحَالَ الثَّانِيَ وَهُوَ: إِذَا كَانَ النُّفُورُ مِنَ الزَّوْجَيْنِ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ قَالَ الْفُقَهَاءُ: إِذَا وَقَعَ الشِّقَاقُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، أَسْكَنَهُمَا الْحَاكِمُ إِلَى جَنْبِ ثِقَةٍ، يَنْظُرُ فِي أَمْرِهِمَا، وَيَمْنَعُ الظَّالِمَ مِنْهُمَا مِنَ الظُّلْمِ، فَإِنْ تَفَاقَمَ أَمَرُهُمَا وَطَالَتْ خُصُومَتُهُمَا، بَعَثَ الْحَاكِمُ ثِقَةً مَنْ أَهْلِ الْمَرْأَةِ، وَثِقَةً مِنْ قَوْمِ الرَّجُلِ، لِيَجْتَمِعَا وَيَنْظُرَا فِي أَمْرِهِمَا، وَيَفْعَلَا مَا فِيهِ الْمَصْلَحَةُ مِمَّا يَرَيَانِهِ مِنَ التَّفْرِيقِ أَوِ التَّوْفِيقِ [[في د، ر: من التوفيق أو التفريق.]] وتَشَوف الشَّارِعُ إِلَى التَّوْفِيقِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، أَنْ يَبْعَثُوا رَجُلًا صَالِحًا مَنْ أَهْلِ الرَّجُلِ، وَرَجُلًا مِثْلَهُ مِنْ أَهْلِ الْمَرْأَةِ، فَيَنْظُرَانِ أَيُّهُمَا الْمُسِيءُ، فَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ هُوَ الْمُسِيءُ، حَجَبُوا عَنْهُ امْرَأَتَهُ وَقَصَرُوهُ عَلَى النَّفَقَةِ، وَإِنْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ هِيَ الْمُسِيئَةُ، قَصَرُوهَا عَلَى زَوْجِهَا وَمَنَعُوهَا النَّفَقَةَ. فَإِنِ اجْتَمَعَ رَأْيُهُمَا عَلَى أَنْ يُفَرَّقَا أَوْ يُجْمَعَا، فَأَمْرُهُمَا جَائِزٌ. فَإِنْ رَأَيَا أَنْ يُجْمَعَا، فَرَضِيَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ وَكَرِهَ ذَلِكَ الْآخَرُ، ثُمَّ مَاتَ أَحَدُهُمَا، فَإِنَّ الَّذِي رَضِيَ يَرِثُ الَّذِي كَرِهَ وَلَا يَرِثُ الْكَارِهُ الرَّاضِي. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ جَرِيرٍ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بُعِثْتُ أَنَا وَمُعَاوِيَةُ حَكَمَيْنِ، قَالَ مَعْمَرٌ: بَلَغَنِي أَنَّ عُثْمَانَ بَعَثَهُمَا، وَقَالَ لَهُمَا: إِنْ رَأَيْتُمَا أَنْ تُجْمَعا جُمِعْتُما، وَإِنْ رَأَيْتُمَا أَنْ تُفَرَّقا فُرَّقْتما [[في أ: "فقرقا".]] . وَقَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، أَنَّ عَقيل بْنَ أَبِي طَالِبٍ تَزَوَّج فَاطِمَةَ بِنْتَ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ فَقَالَتْ: تَصِيرُ إليَّ [[في د، ر: "لي".]] وَأُنْفِقُ عَلَيْكَ. فَكَانَ إِذَا دَخَلَ عَلَيْهَا قَالَتْ: أَيْنَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وَشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ؟ قَالَ: عَلَى يَسَارِكِ فِي النَّارِ إِذَا دَخَلْتِ. فَشَدَّتْ عَلَيْهَا ثِيَابَهَا فَجَاءَتْ عُثْمَانَ، فَذَكَرَتْ لَهُ ذَلِكَ [[في د، ر: "فذكرت ذلك له".]] فَضَحِكَ وَأَرْسَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ وَمُعَاوِيَةَ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لأفرِّقَن بَيْنَهُمَا. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: مَا كُنْتُ لِأُفَرِّقَ بَيْنَ شَيْخَيْنِ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ. فَأَتَيَاهُمَا فَوَجَدَاهُمَا قَدْ أَغْلَقَا عَلَيْهِمَا أَبْوَابَهُمَا فَرَجَعَا. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ عُبَيْدَةَ قَالَ: شَهِدْتُ عَلِيَّا وَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ وَزَوْجُهَا، مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِئَام مِنَ النَّاسِ، فَأَخْرَجَ هَؤُلَاءِ حَكَمًا وَهَؤُلَاءِ حَكَمًا، فَقَالَ عَلِيٌّ للحَكَمَين: أَتَدْرِيَانِ مَا عَلَيْكُمَا؟ إِنَّ عَلَيْكُمَا؟ إِنْ رَأَيْتُمَا أَنْ تُجْمَعَا، جُمِعْتُمَا. فَقَالَتِ المرأة: رضيت بِكِتَابِ اللَّهِ لِي وعَليّ. وَقَالَ الزَّوْجُ: أَمَّا الْفُرْقَةُ فَلَا. فَقَالَ عَلِيٌّ: كَذَبْتَ، وَاللَّهِ لَا تَبْرَحْ حَتَّى تَرْضَى بِكِتَابِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، لَكَ وَعَلَيْكَ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ يَعْقُوبَ، عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ عُبَيْدَةَ، عَنْ عَلِيٍّ، مِثْلَهُ. وَرَوَاهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ عُبَيْدَةَ، عَنْ عَلِيٍّ، بِهِ [[تفسير عبد الرزاق (١/١٥٦) وتفسير الطبري (٨/٣٢٠، ٣٢١) .]] . وَهَذَا مَذْهَبُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ: أَنَّ الْحَكَمَيْنِ إِلَيْهِمَا الْجَمْعُ وَالتَّفْرِقَةُ، حَتَّى قَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: إِنْ شَاءَ الْحَكَمَانِ أَنْ يُفَرِّقَا بَيْنَهُمَا بِطَلْقَةٍ أَوْ بِطَلْقَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ فَعَلَا. وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: الْحَكَمَانِ يُحَكَّمَانِ فِي الْجَمْعِ وَلَا يُحَكَّمَانِ فِي التَّفْرِيقِ، وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ. وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَدَاوُدُ، وَمَأْخَذُهُمْ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ وَلَمْ يُذْكَرِ التَّفْرِيقَ. وَأَمَّا إِذَا كَانَا وَكِيلَيْنِ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجَيْنِ، فَإِنَّهُ يُنَفَّذُ حُكْمُهُمَا [[في أ: "حكماها".]] فِي الْجَمْعِ وَالتَّفْرِقَةِ بِلَا خِلَافٍ. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْأَئِمَّةُ فِي الْحُكْمَيْنِ: هَلْ هُمَا مَنْصُوبَانِ مِنْ عِنْدِ الْحَاكِمِ، فَيَحْكُمَانِ وَإِنْ لَمْ يَرْضَ الزَّوْجَانِ، أَوْ هُمَا وَكِيلَانِ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجَيْنِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: فَالْجُمْهُورُ عَلَى الْأَوَّلِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ فَسَمَّاهُمَا حَكَمَيْنِ، وَمِنْ شَأْنِ الْحَكَمِ أَنْ يَحْكُمَ بِغَيْرِ رِضَا الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ، وَهَذَا [[في أ "هو".]] ظَاهِرُ الْآيَةِ، والجديدُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ. الثَّانِي مِنْهُمَا، بِقَوْلِ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، لِلزَّوْجِ -حِينَ قَالَ: أَمَّا الْفُرْقَةُ فَلَا-قَالَ: كَذَبْتَ، حَتَّى تُقِرَّ بِمَا أَقَرَّتْ بِهِ، قَالُوا: فَلَوْ كَانَا حَاكِمَيْنِ لَمَا افْتَقَرَ إِلَى إِقْرَارِ الزَّوْجِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْحَكَمَيْنِ -إِذَا اخْتَلَفَ قَوْلُهُمَا-فَلَا عِبْرَةَ بِقَوْلِ الْآخَرِ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ قَوْلَهُمَا نَافِذٌ فِي الْجَمْعِ وَإِنْ لَمْ يُوَكِّلْهُمَا الزَّوْجَانِ، وَاخْتَلَفُوا: هَلْ يُنَفَّذُ قَوْلُهُمَا فِي التَّفْرِقَةِ؟ ثُمَّ حُكِيَ عَنِ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ يُنَفَّذُ قَوْلُهُمَا فِيهَا [[في ر: "فيه"، وفي أ: "قولهما فيها منه من غير توكيل".]] أَيْضًا [[الاستذكار لابن عبد البر (١٨/١١١) .]] .

النساء 4:36

يَأْمُرُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِعِبَادَتِهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ؛ فَإِنَّهُ هُوَ الْخَالِقُ الرَّازِقُ الْمُنْعِمُ الْمُتَفَضِّلُ عَلَى خَلْقِهِ فِي جَمِيعِ الْآنَاتِ وَالْحَالَاتِ، فَهُوَ الْمُسْتَحِقُّ مِنْهُمْ أَنْ يُوَحِّدُوهُ، وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ، كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِمُعَاذٍ: "أتَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ [[في أ: "عبادة".]] ؟ " قَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "أَنْ يَعْبدُوهُ ولا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا"، ثُمَّ قَالَ: "أتَدْري مَا حَقُّ العبادِ عَلَى اللهِ إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ؟ أَلَّا يُعَذِّبَهُم" [[رواه البخاري في صحيحه برقم (٧٣٧٣) ومسلم في صحيحه برقم (٣٠) .]] ثُمَّ أَوْصَى بِالْإِحْسَانِ إِلَى الْوَالِدَيْنِ، فَإِنَّ اللَّهَ، سُبْحَانَهُ، جَعَلَهُمَا سَبَبًا لِخُرُوجِكَ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ، وَكَثِيرًا مَا يقرنُ اللَّهُ، سُبْحَانَهُ، [[في أ: "تعالى".]] بَيْنَ عِبَادَتِهِ وَالْإِحْسَانِ إِلَى الْوَالِدَيْنِ، كَقَوْلِهِ: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لُقْمَانَ:١٤] وَكَقَوْلِهِ: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٢٣] . ثُمَّ عَطَفَ عَلَى الْإِحْسَانِ إِلَى الْوَالِدَيْنِ الْإِحْسَانَ [[في ر: "والإحسان".]] إِلَى الْقَرَابَاتِ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: "الصَّدَقَةُ عَلَى المِسْكِينِ صَدَقَةٌ، وعَلَى ذِي الرَّحِم صَدَقَةٌ وصِلَةٌ" [[رواه أحمد في مسنده (٤/١٧) من حديث سلمان بن عامر، رضي الله عنه.]] . ثُمَّ قَالَ: ﴿وَالْيَتَامَى﴾ وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ قَدْ فَقَدُوا مَنْ يَقُومُ بِمَصَالِحِهِمْ، وَمَنْ يُنْفِقُ عَلَيْهِمْ، فَأَمَرَ اللَّهُ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ وَالْحُنُوِّ عَلَيْهِمْ. ثُمَّ قَالَ: ﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾ وَهُمُ الْمَحَاوِيجُ مِنْ ذَوِي الْحَاجَاتِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يَقُومُ بِكِفَايَتِهِمْ، فَأَمَرَ اللَّهُ بِمُسَاعَدَتِهِمْ بِمَا تَتِمُّ بِهِ كِفَايَتُهُمْ وَتَزُولُ بِهِ ضَرُورَتُهُمْ. وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى الْفَقِيرِ وَالْمِسْكِينِ فِي سُورَةِ بَرَاءَةَ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾ يَعْنِي الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ قَرَابَةٌ، ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ الَّذِي لَيْسَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ قُرَابَةٌ. وَكَذَا رُوِيَ عَنْ عِكْرِمةَ، ومُجَاهد، وَمَيْمُونِ بنِ مهْرانَ، وَالضَّحَّاكِ، وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، وَمُقَاتِلِ بْنِ حيَّان، وَقَتَادَةَ. وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ نَوْف البِكَالِي فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾ يَعْنِي الْمُسْلِمَ ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ يَعْنِي الْيَهُودِيَّ وَالنَّصْرَانِيَّ رَوَاهُ ابنُ جَريرٍ، وابنُ أَبِي حَاتم. وَقَالَ جَابِرٌ الْجُعْفِيّ، عن الشعبي، عن علي وابنِ مَسْعُودٍ: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾ يَعْنِي الْمَرْأَةَ. وَقَالَ مُجَاهِد أَيْضًا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ يَعْنِي الرَّفِيقَ فِي السَّفَرِ. وَقَدْ وَرَدَتِ الْأَحَادِيثُ بِالْوَصَايَا بِالْجَارِ، فَنَذْكُرُ مِنْهَا مَا تَيَسَّرَ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ: الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ مُحَمَّدًا يُحَدِّثُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَا زَالَ جِبرِيل يُوصِينِي بالْجَارِ حَتِّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِثُه". أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، بِهِ [[المسند (٢/٨٥) وصحيح البخاري برقم (٦٠١٥) وصحيح مسلم برقم (٢٦٢٥) .]] . الْحَدِيثُ الثَّانِي: قَالَ الإمامُ أحمدُ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ داودَ بنِ شَابُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا زالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بالْجَارِ حتى ظننْتُ أنَّه سَيُوَرِّثُهُ" [[المسند (٢/١٦٠) .]] . وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ نَحْوَهُ، مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ بَشِيرِ أَبِي [[في ر: "ابن".]] إسْمَاعيلَ -زَادَ التِّرْمِذِيُّ: وَدَاوُدَ بْنِ شَابُورٍ -كِلَاهُمَا عَنْ مُجَاهِدٍ، بِهِ ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ [[سنن أبي داود برقم (٥١٥٢) وسنن الترمذي برقم (١٩٤٣) .]] وَقَدْ رُوي عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ [[في أ: "و"]] عائشةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. الْحَدِيثُ الثَّالِثُ عَنْهُ: قَالَ أَحْمَدُ أَيْضًا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيد، أَخْبَرَنَا حَيْوةُ، أَخْبَرَنَا شَرْحَبِيلُ بنُ شُرَيكٍ أَنَّهُ [[في ر: "أو".]] سَمِعَ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ الحُبُلي يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بنِ الْعَاصِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنه قَالَ: "خَيْرُ الأصْحَابِ عِندَ اللهِ خَيْرُهُم لِصَاحِبِهِ، وخَيْرُ الجِيرانِ عِنْدَ اللهِ خَيْرُهُمْ لِجَارِهِ". وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ -بِهِ، وَقَالَ: [حَدِيثٌ] حَسَنٌ غَرِيبٌ [[المسند (٢/١٦٧) وسنن الترمذي برقم (١٩٤٤) .]] . الْحَدِيثُ الرَّابِعُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ عَنْ عُمَر قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا يَشْبَعُ الرَّجُلُ دُونَ جَارِهِ". تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ [[المسند (١/٥٤) وقال الهيثمي في المجمع (٨/١٦٧) : "رجاله رجال الصحيح إلا أن عباية بن رفاعة لم يسمع من عمر".]] . الْحَدِيثُ الْخَامِسُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلِ بْنِ غَزْوان، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ الْأَنْصَارِيُّ، سَمِعْتُ أَبَا ظَبْية الكَلاعِيّ، سَمِعْتُ المقدادَ بْنَ الْأَسْوَدِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: ["مَا تَقُولُونَ فِي الزِّنَا؟ " قَالُوا: حَرَامٌ حَرَّمَهُ اللهُ ورسُولُه، فَهُوَ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. فَقَالَ: رسولُ اللَّهِ ﷺ] [[زيادة من أ، والمسند.]] لأنْ يَزني الرَّجُلُ بِعَشْرِ نِسْوَة، أَيْسَرُ عَلَيْهِ مِنْ أَن يزنيَ بامرَأَةِ جَارِهِ". قَالَ: مَا تَقُولُونَ فِي السَّرِقَة؟ قَالُوا: حَرَّمَهَا اللهُ وَرَسُولُهُ فَهِيَ حَرَامٌ. قَالَ "لَأَنْ يَسْرِقَ الرَّجُلُ مِن عَشْرَةِ أَبْيَاتٍ، أَيْسَرُ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يسرِقَ مِنْ جَارِهِ". تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ [[المسند (٦/٨) .]] وَلَهُ شَاهِدٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أيُّ الذَّنْب أَعْظَمُ؟ قَالَ: "أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وهُوَ خَلَقَكَ". قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: "أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أَن يُطْعَم مَعَكَ". قُلتُ: ثُمَّ أيُّ؟ قَالَ: "أَنْ تُزَاني حَليلةَ جَارِكَ" [[صحيح البخاري برقم (٤٧٦١) وصحيح مسلم برقم (٦٨) .]] . الْحَدِيثُ السَّادِسُ: قَالَ الإمامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، أَخْبَرَنَا هِشَامُ، عَنْ حَفْصَةَ، عَنْ أبِي الْعَالية، عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ قَالَ: خَرَجْتُ مِنْ أَهْلِي أريدُ النَّبِيَّ ﷺ، فإذَا بِهِ قَائِمٌ وَرَجُلٌ مَعَهُ مُقْبِل [[في أ: "يقبل".]] عَليه، فَظَنَنْتُ أَنَّ لَهُمَا حَاجة -قَالَ الأنْصَارِيُّ: لَقَدْ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حتى جَعَلْتُ أَرْثِي لِرَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ طُولِ الْقِيَامِ، فَلمَّا انْصَرفَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَقَدْ قَامَ بِكَ هَذَا الرَّجُلُ حَتَّى جَعَلْتُ أَرْثِي لَك مِنْ طُولِ الْقِيَامِ. قَالَ: "وَلَقَدْ رَأَيتَه؟ " قُلتُ: نَعَمْ. قَالَ: "أَتَدْرِي مَن هُوَ؟ " قُلْتُ: لَا. قَال: "ذَاكَ جِبْرِيِلُ، مَا زَالَ يُوصِينِي بِالجِارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّه سَيُورثُه. ثُمَّ قَالَ: أَمَا إِنَّك لَو سَلَّمْتَ عَلَيْهِ، رَدَّ عَلَيْكَ السَّلَامَ" [[المسند (٥/٣٢) وقال الهيثمي في المجمع (٨/١٦٤) : "رجاله رجال الصحيح".]] . الْحَدِيثُ السَّابِعُ: قَالَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ فِي مَسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا يَعْلَى بْنُ عُبَيْد، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ -يَعْنِي الْمدَنيّ-عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْعَوَالِي وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ وجِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يُصَلِّيانِ حَيْثُ يُصَلَّى عَلَى الْجَنائِز، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ الرَّجُلُ: يَا رسولَ اللَّهِ، مَنْ هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي رَأَيْتُ مَعَكَ؟ قَالَ: "وَقَدْ رأيْتَه؟ " قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: "لَقَدْ رأَيْتَ خَيْرًا كَثِيرًا، هَذَا جِبْرِيلُ مَا زَالَ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى رُئِيت أَنَّه سَيُورثُه". تَفَرَّدَ بِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ [[ورواه البزار في مسنده (١٨٩٧) "كشف الأستار" من طريق الفضل بن مبشر أبو بكر المدنى به. قال الهيثمي في المجمع (٨/١٦٥) : "فيه الفضل بن مبشر وثقه ابن حبان وضعفه غيره، وبقية رجاله ثقات".]] وَهُوَ شَاهِدٌ لِلَّذِي قَبْلَهُ. الْحَدِيثُ الثَّامِنُ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ [[في أ: "عبد الله".]] بْنُ مُحَمَّدٍ أَبُو الرَّبِيعِ الْحَارِثِيّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْن أَبِي فُدَيْك، أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحمن بنُ الْفَضل [[في د، ر: "الفضيل".]] عَنْ عَطَاء الخَراساني، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ: "الجِيرانُ ثَلاثَةٌ: جَارٌ لهُ حَقٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ أَدْنَى الجيرانِ حَقًّا، وَجَارٌ لَهُ حقَّان، وجَارٌ لَهُ ثلاثةُ حُقُوقٍ، وَهُوَ أفضلُ الجيرانِ حَقًّا، فَأَمَّا الَّذِي لَهُ حَقٌّ وَاحِدٌ فَجَارٌ مُشْرِكٌ لَا رَحمَ لَهُ، لَهُ حَقُّ الجَوار. وأمَّا الَّذِي لَهُ حقانِ فَجَارٌ مُسْلِمٌ، لَهُ حَقُّ الْإِسْلَامِ وَحَقُّ الْجِوارِ، وأَمَّا الَّذِي لَهُ ثَلاثةُ حُقُوقٍ، فَجَارٌ مُسْلِمٌ ذُو رَحِمٍ لَهُ حَقُّ الْجِوَارِ وَحَقُّ الْإِسْلَامِ وحَقُّ الرحِمِ". قَالَ البَزَّارُ: لَا نَعْلَمُ أَحَدًا رَوَى عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْفُضَيْل [[في أ: "الفضل".]] إِلَّا ابْنُ أَبِي فُدَيْك [[مسند البزار برقم (١٨٩٦) "كشف الأستار" وقال الهيثمي في المجمع (٨/١٦٤) : "رواه البزار عن شيخه عبد الله بن محمد الحارثي وهو وضاع".]] . الْحَدِيثُ التَّاسِعُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حدثنا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ، عنْ طَلْحَةَ بنِ عَبْد اللهِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّهَا سَأَلَتْ رسولَ اللهِ ﷺ فَقَالَتْ: "إنَّ لِي جَارَيْنِ، فَإِلَى أيِّهِمَا أُهْدِي؟ قَالَ: "إِلَى أقْرَبِهِمَا مِنْك بَابًا". وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ، بِهِ [[المسند (٦/١٧٥) وصحيح البخاري برقم (٦٠٢٠) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ قَالَ الثوريُّ، عَنْ جَابِرٍ الْجُعْفِي، عَنِ الشَّعبي، عَنْ عَلِيٍّ وابنِ مسعودٍ قَالَا هِيَ الْمَرْأَةُ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: ورُويَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ، وَالْحَسَنِ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَير -فِي إِحْدَى الرِّوَايَاتِ-نحوُ ذَلِكَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ومجاهدٌ، وعِكْرِمَةُ، وقَتَادةُ: هُوَ الرَّفِيقُ فِي السَّفَرِ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هُوَ الرَّفِيقُ الصَّالِحُ. وَقَالَ زَيْدُ بنُ أَسْلَمَ: هُوَ جَلِيسُكَ فِي الْحَضَرِ، وَرَفِيقُكَ فِي السَّفَرِ. وَأَمَّا ﴿ابْنِ السَّبِيلِ﴾ فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٍ هُوَ: الضيف. وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَأَبُو جَعْفَرٍ الباقرُ، والحسنُ، والضحاكُ، ومقاتلُ: هُوَ الَّذِي يَمُرُّ عَلَيْكَ مُجْتَازًا فِي السَّفَرِ. وَهَذَا أَظْهَرُ، وَإِنْ كَانَ مُرَادُ الْقَائِلِ بِالضَّيْفِ: الْمَارَّ فِي الطَّرِيقِ، فَهُمَا سَوَاءٌ. وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى أَبْنَاءِ السَّبِيلِ فِي سُورَةِ بَرَاءَةَ، وَبِاللَّهِ الثِّقَةُ وَعَلَيْهِ التُّكْلَانُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ وَصِيَّةٌ بِالْأَرِقَّاءِ؛ لِأَنَّ الرَّقِيقَ ضَعِيفُ الْحِيلَةِ أَسِيرٌ فِي أَيْدِي النَّاسِ، وَلِهَذَا ثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَعَلَ يُوصِي أُمَّتَه فِي مرضِ الْمَوْتِ يَقُولُ: "الصلاةَ الصلاةَ وَمَا ملكتْ أيمانُكُم". فَجَعَلَ يُرَدِّدُها حَتَّى مَا يَفِيضُ بِهَا لِسَانُهُ [[رواه أبو داود في السنن برقم (٥١٥٤) مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي الْعَبَّاسِ، حَدَّثَنَا بَقِيّة، حَدَّثَنَا بَحِيرُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَان، عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يكَرِب قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا أَطْعَمْتَ نَفْسَك فَهُوَ لَكَ صدقةٌ، وَمَا أطعمتَ وَلَدَكَ فَهُوَ لَكَ صَدَقَةٌ، وَمَا أَطْعَمْتَ زَوْجَتَكَ فَهُوَ لَكَ صَدَقَةٌ، ومَا أطعَمْتَ خَادِمَكَ فَهُوَ لَك صَدَقَهٌ". وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ بَقِيَّة، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ [[المسند (٤/١٣١) وسنن النسائي الكبرى برقم (٩١٨٥) .]] وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّهُ قَالَ لِقَهْرَمَانَ لَهُ: هَلْ أَعْطَيْتَ الرَّقِيقَ قُوتَهم؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَانْطَلِقْ فَأَعْطِهِمْ؛ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يَحْبِسَ عَمَّنْ يَمْلِكُ قُوتَهُمْ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ [[صحيح مسلم برقم (٩٩٦) .]] . وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ وكِسْوتُه، وَلَا يكلَّف مِنَ الْعَمَلِ إِلَّا مَا يُطيق". رَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا [[صحيح مسلم برقم (١٦٦٢) .]] . وَعَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا أَتَى أَحَدَكُمْ خَادِمُهُ بِطَعَامِهِ، فَإِنْ لَمْ يُجْلِسْهُ مَعَهُ، فَلْيُنَاوِلْهُ لُقْمَةً أَوْ لُقْمَتَيْنِ أَوْ أكْلَةً أَوْ أكْلَتين، فَإِنَّهُ وَليَ حَرّه وَعِلَاجَهُ". أَخْرَجَاهُ وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِيِّ وَلِمُسْلِمٍ [[صحيح البخاري برقم (٥٤٦٠) وصحيح مسلم برقم (١٦٦٣) .]] فَلْيُقْعِدْهُ مَعَهُ فَلْيَأْكُلْ، فَإِنْ كَانَ الطَّعَامُ مَشْفُوها قَلِيلًا فَلْيضع فِي يَدِهِ أَكْلَةً أَوْ أَكْلَتَيْنِ". وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "هُمْ إِخْوَانُكُمْ خَوَلكم، جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ، فَأَعِينُوهُمْ". أَخْرَجَاهُ [[صحيح البخاري برقم (٣١) وصحيح مسلم برقم (١٦٦١) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالا فَخُورًا﴾ أَيْ: مُخْتَالًا فِي نَفْسِهِ، مُعْجَبًا مُتَكَبِّرًا، فَخُورًا عَلَى النَّاسِ، يَرَى أَنَّهُ خَيْرٌ مِنْهُمْ، فَهُوَ فِي نَفْسِهِ كَبِيرٌ، وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَقِيرٌ، وَعِنْدَ النَّاسِ بغيض. قَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالا﴾ يَعْنِي: مُتَكَبِّرًا ﴿فَخُورًا﴾ يَعْنِي: يَعُد مَا أُعْطِيَ، وَهُوَ لَا يَشْكُرُ اللَّهَ، عَزَّ وَجَلَّ. يَعْنِي: يَفْخَرُ عَلَى النَّاسِ بِمَا أَعْطَاهُ اللَّهُ مِنْ نِعَمِهِ، وَهُوَ قَلِيلُ الشُّكْرِ لِلَّهِ عَلَى ذَلِكَ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَاقِدٍ أَبِي رَجَاءٍ الْهَرَوِيِّ قَالَ: لَا تَجِدُ سَيِّئَ الْمَلَكَةِ إِلَّا وَجَدَّتَهُ مُخْتَالًا فَخُورًا -وَتَلَا ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ [إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالا فَخُورًا] ﴾ وَلَا عَاقًّا إِلَّا وَجَدَّتَهُ جَبَّارًا شَقِيًّا -وَتَلَا ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ [مَرْيَمَ: ٣٢] . وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنِ الْعَوَّامِ بْنِ حَوْشَبٍ، مِثْلَهُ فِي الْمُخْتَالِ الْفَخُورِ. وَقَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا الْأُسُودُ بْنُ شَيْبَان، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّير قَالَ: قَالَ مُطَرِّف: كَانَ يَبْلُغُنِي عَنْ أَبِي ذَرٍّ حَدِيثٌ كُنْتُ أَشْتَهِي لِقَاءَهُ، فَلَقِيتُهُ فَقُلْتُ: يَا أَبَا ذَرٍّ، بَلَغَنِي أَنَّكَ تَزْعُمُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَدَّثَكُمْ: "إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ ثَلَاثَةً ويُبْغض ثَلَاثَةً"؟ قَالَ: أَجَلْ، فَلَا إِخَالُنِي [[في ر: "إخالك".]] أَكْذِبُ عَلَى خَلِيلِي، ثَلَاثًا. قُلْتُ: مَنِ الثَّلَاثَةُ الَّذِينَ يُبْغِضُ اللَّهُ؟ قَالَ: الْمُخْتَالُ الْفَخُورُ، أَوَلَيْسَ تَجِدُونَهُ عِنْدَكُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ الْمُنَزَّلِ؟ ثُمَّ قَرَأَ الْآيَةَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالا فَخُورًا﴾ [[ورواه أحمد في مسنده (٥/١٧٦) من طريق يزيد عن الأسود بن شيبان بأطول منه وأتم.]] [النِّسَاءِ: ٣٦] . وَحَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبُ عَنْ خَالِدٍ، عَنْ أَبِي تَمِيمَةَ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَلْهُجَيم قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوْصِنِي. قَالَ: "إِيَّاكَ وإسبالَ الْإِزَارِ، فَإِنَّ إِسْبَالَ الْإِزَارِ مِنَ المَخِيلة، وَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ المَخِيلة" [[ورواه أحمد في مسنده (٥/٦٤) من طريق وهيب بن خالد به.]] .

النساء 4:37

يَقُولُ تَعَالَى ذَامًّا الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِأَمْوَالِهِمْ أَنْ يُنْفِقُوهَا فِيمَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ -مِنْ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ، وَالْإِحْسَانِ إِلَى الْأَقَارِبِ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ، وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى، وَالْجَارِ الجُنُب، وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ، وَابْنِ السَّبِيلِ، وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنَ الْأَرِقَّاءِ -وَلَا يَدْفَعُونَ حَقَّ اللَّهِ فِيهَا، وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ أَيْضًا. وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "وَأَيُّ دَاءٍ أَدْوَأ مِنَ الْبُخْلِ؟ ". وَقَالَ: "إِيَّاكُمْ والشّحَ، فَإِنَّهُ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، أَمَرَهُمْ بالقطيعةِ فقطعوا، وأمرهم بالفجور فَفَجَرُوا" [[رواه أبو دواد في السنن برقم (٦٦٩٨) مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ الله عنه.]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ فَالْبَخِيلُ جَحُود لِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ لَا تَظْهَرُ عَلَيْهِ وَلَا تَبِينُ، لَا فِي أَكْلِهِ [[في أ: "مأكله".]] وَلَا فِي مَلْبَسِهِ، وَلَا فِي إِعْطَائِهِ وَبَذْلِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الإنْسَاَن لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ. وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ [الْعَادِيَاتِ: ٦، ٧] أَيْ: بِحَالِهِ وَشَمَائِلِهِ، ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [الْعَادِيَاتِ: ٨] وَقَالَ هَاهُنَا: ﴿وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ وَلِهَذَا توعَّدهم بِقَوْلِهِ: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ وَالْكَفْرُ هُوَ السَّتْرُ وَالتَّغْطِيَةُ، فَالْبَخِيلُ يَسْتُرُ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَيَكْتُمُهَا وَيَجْحَدُهَا، فَهُوَ كَافِرٌ لِنِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ. وَفِي الْحَدِيثِ: "إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَنْعَمَ نِعْمَةً عَلَى عبدٍ أحبَّ أَنْ يَظْهَرَ أثرُها عَلَيْهِ" [[رواه الترمذي في سننه برقم (٢٨١٩) مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ الله عنه، ولفظة: "إن اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَى عبده.]] وَفِي الدُّعَاءِ النَّبَوِيِّ: "وَاجْعَلْنَا شَاكِرِينَ لِنِعْمَتِكَ، مُثِنِينَ بِهَا عَلَيْكَ قَابِلِيهَا -وَيُرْوَى: قَائِلِيهَا-وَأَتْمِمْهَا عَلَيْنَا" [[رواه أبو داود في سننه برقم (٩٦٩) مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.]] . وَقَدْ حَمَلَ بعضُ السَّلَفِ هَذِهِ الْآيَةَ عَلَى بُخْلِ الْيَهُودِ بِإِظْهَارِ الْعِلْمِ الَّذِي عِنْدَهُمْ، مِنْ صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَكِتْمَانِهِمْ ذَلِكَ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ رَوَاهُ ابْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ أَوْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَالَهُ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ. وَلَا شَكَّ أَنَّ الْآيَةَ مُحْتَمِلَةٌ لِذَلِكَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ السِّيَاقَ فِي الْبُخْلِ بِالْمَالِ، وَإِنْ كَانَ الْبُخْلُ بِالْعِلْمِ دَاخِلًا فِي ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى؛ فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ فِي الْإِنْفَاقِ عَلَى الْأَقَارِبِ وَالضُّعَفَاءِ، وَكَذَا الْآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا، وَهِيَ قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ فَذَكر الْمُمْسِكِينَ الْمَذْمُومِينَ وَهُمُ الْبُخَلَاءُ، ثُمَّ ذَكَرَ الْبَاذِلِينَ الْمُرَائِينَ الَّذِي يَقْصِدُونَ بِإِعْطَائِهِمُ السُّمْعَةَ وَأَنْ يُمدَحوا بِالْكَرَمِ، وَلَا يُرِيدُونَ بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ، وَفِي حديث الَّذِي فِيهِ الثَّلَاثَةُ الَّذِينَ هُمْ أَوَّلُ مَنْ تُسَجَّرُ بِهِمُ النَّارُ، وَهُمْ: الْعَالِمُ وَالْغَازِي وَالْمُنْفِقُ، وَالْمُرَاءُونَ بِأَعْمَالِهِمْ، يَقُولُ صَاحِبُ الْمَالِ: مَا تَرَكْتُ مِنْ شَيْءٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهِ إِلَّا أَنْفَقْتُ فِي سَبِيلِكَ. فَيَقُولُ اللَّهُ: كَذَبْتَ؛ إِنَّمَا أَرَدْتَ أَنْ يُقَالَ: جَوَادٌ فَقَدْ قِيلَ. أَيْ: فَقَدْ أَخَذْتَ جَزَاءَكَ فِي الدُّنْيَا وَهُوَ الَّذِي أَرَدْتَ بِفِعْلِكَ. وَفِي الْحَدِيثِ: أَنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِعَدِيّ: "إِنَّ أَبَاكَ رامَ أَمْرًا فَبَلَغَهُ". وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سُئِلَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُدعان: هَلْ يَنْفَعُهُ إنفاقُه، وإعتاقُه؟ فَقَالَ: "لَا إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ: رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ". وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ [وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا] [[زيادة من أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ أَيْ: إِنَّمَا حَمَلَهُمْ عَلَى صَنِيعِهِمْ هَذَا القبيحِ وَعُدُولِهِمْ عَنْ فِعْلِ الطَّاعَةِ عَلَى وَجْهِهَا الشيطانُ؛ فَإِنَّهُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ، وَقَارَنَهُمْ فَحَسَّنَ لَهُمُ الْقَبَائِحَ ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا﴾ وَلِهَذَا قال الشاعر [[الشاعر هو عدي بن زيد، والبيت في تفسير الطبري (٨/٣٥٨) .]] عَن المَرْء لَا تَسْأل وسَلْ عَنْ قَرينه ... فكلُّ قَرِينٍ بِالْمَقَارَنِ يَقْتَدي [[في أ: "مقتدي".]] ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللهِ وَالْيَومِ الآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللهُ [وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا] [[زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ أَيْ: وَأَيُّ شَيْءٍ يَكرثُهم لَوْ سَلَكُوا الطَّرِيقَ الْحَمِيدَةَ، وعَدَلُوا عَنِ الرِّيَاءِ إِلَى الْإِخْلَاصِ وَالْإِيمَانِ بِاللَّهِ، وَرَجَاءِ مَوْعُودِهِ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ لِمَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ فِي الْوُجُوهِ الَّتِي يُحِبُّهَا اللَّهُ وَيَرْضَاهَا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾ أَيْ: وَهُوَ عَلِيمٌ بِنِيَّاتِهِمُ الصَّالِحَةِ وَالْفَاسِدَةِ، وَعَلِيمٌ بِمَنْ يَسْتَحِقُّ التَّوْفِيقَ مِنْهُمْ فَيُوَفِّقُهُ وَيُلْهِمُهُ رُشْدَهُ وَيُقَيِّضُهُ لِعَمَلٍ صَالِحٍ يَرْضَى بِهِ عَنْهُ، وَبِمَنْ يَسْتَحِقُّ الْخِذْلَانَ وَالطَّرْدَ عَنْ جَنَابِهِ الْأَعْظَمِ الْإِلَهِيِّ، الَّذِي مَنْ طُرِدَ عَنْ بَابِهِ فَقَدْ خَابَ وخَسِرَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، عِيَاذًا بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ [بِلُطْفِهِ الْجَزِيلِ] [[زيادة من ر، أ.]] .

النساء 4:38

يَقُولُ تَعَالَى ذَامًّا الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِأَمْوَالِهِمْ أَنْ يُنْفِقُوهَا فِيمَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ -مِنْ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ، وَالْإِحْسَانِ إِلَى الْأَقَارِبِ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ، وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى، وَالْجَارِ الجُنُب، وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ، وَابْنِ السَّبِيلِ، وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنَ الْأَرِقَّاءِ -وَلَا يَدْفَعُونَ حَقَّ اللَّهِ فِيهَا، وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ أَيْضًا. وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "وَأَيُّ دَاءٍ أَدْوَأ مِنَ الْبُخْلِ؟ ". وَقَالَ: "إِيَّاكُمْ والشّحَ، فَإِنَّهُ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، أَمَرَهُمْ بالقطيعةِ فقطعوا، وأمرهم بالفجور فَفَجَرُوا" [[رواه أبو دواد في السنن برقم (٦٦٩٨) مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ الله عنه.]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ فَالْبَخِيلُ جَحُود لِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ لَا تَظْهَرُ عَلَيْهِ وَلَا تَبِينُ، لَا فِي أَكْلِهِ [[في أ: "مأكله".]] وَلَا فِي مَلْبَسِهِ، وَلَا فِي إِعْطَائِهِ وَبَذْلِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الإنْسَاَن لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ. وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ [الْعَادِيَاتِ: ٦، ٧] أَيْ: بِحَالِهِ وَشَمَائِلِهِ، ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [الْعَادِيَاتِ: ٨] وَقَالَ هَاهُنَا: ﴿وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ وَلِهَذَا توعَّدهم بِقَوْلِهِ: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ وَالْكَفْرُ هُوَ السَّتْرُ وَالتَّغْطِيَةُ، فَالْبَخِيلُ يَسْتُرُ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَيَكْتُمُهَا وَيَجْحَدُهَا، فَهُوَ كَافِرٌ لِنِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ. وَفِي الْحَدِيثِ: "إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَنْعَمَ نِعْمَةً عَلَى عبدٍ أحبَّ أَنْ يَظْهَرَ أثرُها عَلَيْهِ" [[رواه الترمذي في سننه برقم (٢٨١٩) مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ الله عنه، ولفظة: "إن اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَى عبده.]] وَفِي الدُّعَاءِ النَّبَوِيِّ: "وَاجْعَلْنَا شَاكِرِينَ لِنِعْمَتِكَ، مُثِنِينَ بِهَا عَلَيْكَ قَابِلِيهَا -وَيُرْوَى: قَائِلِيهَا-وَأَتْمِمْهَا عَلَيْنَا" [[رواه أبو داود في سننه برقم (٩٦٩) مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.]] . وَقَدْ حَمَلَ بعضُ السَّلَفِ هَذِهِ الْآيَةَ عَلَى بُخْلِ الْيَهُودِ بِإِظْهَارِ الْعِلْمِ الَّذِي عِنْدَهُمْ، مِنْ صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَكِتْمَانِهِمْ ذَلِكَ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ رَوَاهُ ابْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ أَوْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَالَهُ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ. وَلَا شَكَّ أَنَّ الْآيَةَ مُحْتَمِلَةٌ لِذَلِكَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ السِّيَاقَ فِي الْبُخْلِ بِالْمَالِ، وَإِنْ كَانَ الْبُخْلُ بِالْعِلْمِ دَاخِلًا فِي ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى؛ فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ فِي الْإِنْفَاقِ عَلَى الْأَقَارِبِ وَالضُّعَفَاءِ، وَكَذَا الْآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا، وَهِيَ قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ فَذَكر الْمُمْسِكِينَ الْمَذْمُومِينَ وَهُمُ الْبُخَلَاءُ، ثُمَّ ذَكَرَ الْبَاذِلِينَ الْمُرَائِينَ الَّذِي يَقْصِدُونَ بِإِعْطَائِهِمُ السُّمْعَةَ وَأَنْ يُمدَحوا بِالْكَرَمِ، وَلَا يُرِيدُونَ بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ، وَفِي حديث الَّذِي فِيهِ الثَّلَاثَةُ الَّذِينَ هُمْ أَوَّلُ مَنْ تُسَجَّرُ بِهِمُ النَّارُ، وَهُمْ: الْعَالِمُ وَالْغَازِي وَالْمُنْفِقُ، وَالْمُرَاءُونَ بِأَعْمَالِهِمْ، يَقُولُ صَاحِبُ الْمَالِ: مَا تَرَكْتُ مِنْ شَيْءٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهِ إِلَّا أَنْفَقْتُ فِي سَبِيلِكَ. فَيَقُولُ اللَّهُ: كَذَبْتَ؛ إِنَّمَا أَرَدْتَ أَنْ يُقَالَ: جَوَادٌ فَقَدْ قِيلَ. أَيْ: فَقَدْ أَخَذْتَ جَزَاءَكَ فِي الدُّنْيَا وَهُوَ الَّذِي أَرَدْتَ بِفِعْلِكَ. وَفِي الْحَدِيثِ: أَنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِعَدِيّ: "إِنَّ أَبَاكَ رامَ أَمْرًا فَبَلَغَهُ". وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سُئِلَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُدعان: هَلْ يَنْفَعُهُ إنفاقُه، وإعتاقُه؟ فَقَالَ: "لَا إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ: رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ". وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ [وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا] [[زيادة من أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ أَيْ: إِنَّمَا حَمَلَهُمْ عَلَى صَنِيعِهِمْ هَذَا القبيحِ وَعُدُولِهِمْ عَنْ فِعْلِ الطَّاعَةِ عَلَى وَجْهِهَا الشيطانُ؛ فَإِنَّهُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ، وَقَارَنَهُمْ فَحَسَّنَ لَهُمُ الْقَبَائِحَ ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا﴾ وَلِهَذَا قال الشاعر [[الشاعر هو عدي بن زيد، والبيت في تفسير الطبري (٨/٣٥٨) .]] عَن المَرْء لَا تَسْأل وسَلْ عَنْ قَرينه ... فكلُّ قَرِينٍ بِالْمَقَارَنِ يَقْتَدي [[في أ: "مقتدي".]] ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللهِ وَالْيَومِ الآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللهُ [وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا] [[زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ أَيْ: وَأَيُّ شَيْءٍ يَكرثُهم لَوْ سَلَكُوا الطَّرِيقَ الْحَمِيدَةَ، وعَدَلُوا عَنِ الرِّيَاءِ إِلَى الْإِخْلَاصِ وَالْإِيمَانِ بِاللَّهِ، وَرَجَاءِ مَوْعُودِهِ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ لِمَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ فِي الْوُجُوهِ الَّتِي يُحِبُّهَا اللَّهُ وَيَرْضَاهَا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾ أَيْ: وَهُوَ عَلِيمٌ بِنِيَّاتِهِمُ الصَّالِحَةِ وَالْفَاسِدَةِ، وَعَلِيمٌ بِمَنْ يَسْتَحِقُّ التَّوْفِيقَ مِنْهُمْ فَيُوَفِّقُهُ وَيُلْهِمُهُ رُشْدَهُ وَيُقَيِّضُهُ لِعَمَلٍ صَالِحٍ يَرْضَى بِهِ عَنْهُ، وَبِمَنْ يَسْتَحِقُّ الْخِذْلَانَ وَالطَّرْدَ عَنْ جَنَابِهِ الْأَعْظَمِ الْإِلَهِيِّ، الَّذِي مَنْ طُرِدَ عَنْ بَابِهِ فَقَدْ خَابَ وخَسِرَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، عِيَاذًا بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ [بِلُطْفِهِ الْجَزِيلِ] [[زيادة من ر، أ.]] .

النساء 4:39

يَقُولُ تَعَالَى ذَامًّا الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِأَمْوَالِهِمْ أَنْ يُنْفِقُوهَا فِيمَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ -مِنْ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ، وَالْإِحْسَانِ إِلَى الْأَقَارِبِ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ، وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى، وَالْجَارِ الجُنُب، وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ، وَابْنِ السَّبِيلِ، وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنَ الْأَرِقَّاءِ -وَلَا يَدْفَعُونَ حَقَّ اللَّهِ فِيهَا، وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ أَيْضًا. وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "وَأَيُّ دَاءٍ أَدْوَأ مِنَ الْبُخْلِ؟ ". وَقَالَ: "إِيَّاكُمْ والشّحَ، فَإِنَّهُ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، أَمَرَهُمْ بالقطيعةِ فقطعوا، وأمرهم بالفجور فَفَجَرُوا" [[رواه أبو دواد في السنن برقم (٦٦٩٨) مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ الله عنه.]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ فَالْبَخِيلُ جَحُود لِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ لَا تَظْهَرُ عَلَيْهِ وَلَا تَبِينُ، لَا فِي أَكْلِهِ [[في أ: "مأكله".]] وَلَا فِي مَلْبَسِهِ، وَلَا فِي إِعْطَائِهِ وَبَذْلِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الإنْسَاَن لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ. وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ [الْعَادِيَاتِ: ٦، ٧] أَيْ: بِحَالِهِ وَشَمَائِلِهِ، ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [الْعَادِيَاتِ: ٨] وَقَالَ هَاهُنَا: ﴿وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ وَلِهَذَا توعَّدهم بِقَوْلِهِ: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ وَالْكَفْرُ هُوَ السَّتْرُ وَالتَّغْطِيَةُ، فَالْبَخِيلُ يَسْتُرُ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَيَكْتُمُهَا وَيَجْحَدُهَا، فَهُوَ كَافِرٌ لِنِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ. وَفِي الْحَدِيثِ: "إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَنْعَمَ نِعْمَةً عَلَى عبدٍ أحبَّ أَنْ يَظْهَرَ أثرُها عَلَيْهِ" [[رواه الترمذي في سننه برقم (٢٨١٩) مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ الله عنه، ولفظة: "إن اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَى عبده.]] وَفِي الدُّعَاءِ النَّبَوِيِّ: "وَاجْعَلْنَا شَاكِرِينَ لِنِعْمَتِكَ، مُثِنِينَ بِهَا عَلَيْكَ قَابِلِيهَا -وَيُرْوَى: قَائِلِيهَا-وَأَتْمِمْهَا عَلَيْنَا" [[رواه أبو داود في سننه برقم (٩٦٩) مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.]] . وَقَدْ حَمَلَ بعضُ السَّلَفِ هَذِهِ الْآيَةَ عَلَى بُخْلِ الْيَهُودِ بِإِظْهَارِ الْعِلْمِ الَّذِي عِنْدَهُمْ، مِنْ صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَكِتْمَانِهِمْ ذَلِكَ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ رَوَاهُ ابْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ أَوْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَالَهُ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ. وَلَا شَكَّ أَنَّ الْآيَةَ مُحْتَمِلَةٌ لِذَلِكَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ السِّيَاقَ فِي الْبُخْلِ بِالْمَالِ، وَإِنْ كَانَ الْبُخْلُ بِالْعِلْمِ دَاخِلًا فِي ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى؛ فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ فِي الْإِنْفَاقِ عَلَى الْأَقَارِبِ وَالضُّعَفَاءِ، وَكَذَا الْآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا، وَهِيَ قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ فَذَكر الْمُمْسِكِينَ الْمَذْمُومِينَ وَهُمُ الْبُخَلَاءُ، ثُمَّ ذَكَرَ الْبَاذِلِينَ الْمُرَائِينَ الَّذِي يَقْصِدُونَ بِإِعْطَائِهِمُ السُّمْعَةَ وَأَنْ يُمدَحوا بِالْكَرَمِ، وَلَا يُرِيدُونَ بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ، وَفِي حديث الَّذِي فِيهِ الثَّلَاثَةُ الَّذِينَ هُمْ أَوَّلُ مَنْ تُسَجَّرُ بِهِمُ النَّارُ، وَهُمْ: الْعَالِمُ وَالْغَازِي وَالْمُنْفِقُ، وَالْمُرَاءُونَ بِأَعْمَالِهِمْ، يَقُولُ صَاحِبُ الْمَالِ: مَا تَرَكْتُ مِنْ شَيْءٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهِ إِلَّا أَنْفَقْتُ فِي سَبِيلِكَ. فَيَقُولُ اللَّهُ: كَذَبْتَ؛ إِنَّمَا أَرَدْتَ أَنْ يُقَالَ: جَوَادٌ فَقَدْ قِيلَ. أَيْ: فَقَدْ أَخَذْتَ جَزَاءَكَ فِي الدُّنْيَا وَهُوَ الَّذِي أَرَدْتَ بِفِعْلِكَ. وَفِي الْحَدِيثِ: أَنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِعَدِيّ: "إِنَّ أَبَاكَ رامَ أَمْرًا فَبَلَغَهُ". وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سُئِلَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُدعان: هَلْ يَنْفَعُهُ إنفاقُه، وإعتاقُه؟ فَقَالَ: "لَا إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ: رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ". وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ [وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا] [[زيادة من أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ أَيْ: إِنَّمَا حَمَلَهُمْ عَلَى صَنِيعِهِمْ هَذَا القبيحِ وَعُدُولِهِمْ عَنْ فِعْلِ الطَّاعَةِ عَلَى وَجْهِهَا الشيطانُ؛ فَإِنَّهُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ، وَقَارَنَهُمْ فَحَسَّنَ لَهُمُ الْقَبَائِحَ ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا﴾ وَلِهَذَا قال الشاعر [[الشاعر هو عدي بن زيد، والبيت في تفسير الطبري (٨/٣٥٨) .]] عَن المَرْء لَا تَسْأل وسَلْ عَنْ قَرينه ... فكلُّ قَرِينٍ بِالْمَقَارَنِ يَقْتَدي [[في أ: "مقتدي".]] ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللهِ وَالْيَومِ الآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللهُ [وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا] [[زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ أَيْ: وَأَيُّ شَيْءٍ يَكرثُهم لَوْ سَلَكُوا الطَّرِيقَ الْحَمِيدَةَ، وعَدَلُوا عَنِ الرِّيَاءِ إِلَى الْإِخْلَاصِ وَالْإِيمَانِ بِاللَّهِ، وَرَجَاءِ مَوْعُودِهِ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ لِمَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ فِي الْوُجُوهِ الَّتِي يُحِبُّهَا اللَّهُ وَيَرْضَاهَا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾ أَيْ: وَهُوَ عَلِيمٌ بِنِيَّاتِهِمُ الصَّالِحَةِ وَالْفَاسِدَةِ، وَعَلِيمٌ بِمَنْ يَسْتَحِقُّ التَّوْفِيقَ مِنْهُمْ فَيُوَفِّقُهُ وَيُلْهِمُهُ رُشْدَهُ وَيُقَيِّضُهُ لِعَمَلٍ صَالِحٍ يَرْضَى بِهِ عَنْهُ، وَبِمَنْ يَسْتَحِقُّ الْخِذْلَانَ وَالطَّرْدَ عَنْ جَنَابِهِ الْأَعْظَمِ الْإِلَهِيِّ، الَّذِي مَنْ طُرِدَ عَنْ بَابِهِ فَقَدْ خَابَ وخَسِرَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، عِيَاذًا بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ [بِلُطْفِهِ الْجَزِيلِ] [[زيادة من ر، أ.]] .

النساء 4:40

يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ لَا يَظْلِمُ عَبْدًا مِنْ عِبَادِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِثْقَالَ حَبَّةِ خَرْدَلٍ وَلَا مِثْقَالَ ذَرَّةٍ، بَلْ يُوَفِّيهَا بِهِ وَيُضَاعِفُهَا لَهُ إِنْ كَانَتْ حَسَنَةً، كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ [لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ] [[زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٤٧] وَقَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ لُقْمَانَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الأرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ [إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ] [[زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية"]] ﴾ [لُقْمَانَ: ١٦] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ. فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ. وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ، مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَار، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْري، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ الطويلِ، وَفِيهِ: فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: "ارْجِعُوا، فَمَن وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مثقالَ حَبَّةِ [[في ر، أ: "ذرة".]] خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ، فَأَخْرِجُوهُ مِنَ النَّارِ". وَفِي لَفْظٍ: "أَدْنَى أَدْنَى أَدْنَى مِثْقَالِ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجُوهُ مِنَ النَّارِ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا" ثُمَّ يَقُولُ أَبُو سَعِيدٍ: اقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ [وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا] [[زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ [[صحيح البخاري برقم (٧٤٣٩) وصحيح مسلم برقم (١٨٣) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الأشَجّ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُس، عَنْ هارونَ بْنِ عَنْتَرَةَ [[في أ: "عنبرة".]] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ زَاذَانَ قَالَ: قَالَ عبدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُود: يُؤْتَى بِالْعَبْدِ والأمَة يومَ القيامةِ، فَيُنَادِي منادٍ على رءوس الْأَوَّلِينَ والآخِرين: هَذَا فلانُ بنُ فلانٍ، مَنْ كان له حق فليأت إلى حقه. فتفرحُ المرأةُ أَنْ يَكُونَ لَهَا الْحَقُّ عَلَى أَبِيهَا أَوْ أَخِيهَا أَوْ زَوْجِهَا. ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ:١٠١] فَيَغْفِرُ اللَّهُ مِنْ حَقِّهِ مَا يَشَاءُ، وَلَا يَغْفِرُ مِنْ حُقُوقِ النَّاسِ شَيْئًا، فينصَب لِلنَّاسِ فينادَي: هَذَا فلانُ بْنُ فلانٍ، مَنْ كَانَ لَهُ حَقٌّ فليأتِ إِلَى حَقِّهِ. فَيَقُولُ: رَبّ، فَنِيَت الدُّنْيَا، مِنْ أَيْنَ أُوتِيِهْم حقوقَهم؟ قَالَ: خُذُوا مِنْ أَعْمَالِهِ الصَّالِحَةِ، فَأَعْطُوا كلَ ذِي حَقِّ حَقَّهُ بِقَدْرِ طَلَبَتِهِ فَإِنْ كَانَ وَلِيًّا لِلَّهِ ففَضَلَ لَهُ مثقالُ ذَرَّةٍ، ضَاعَفَهَا اللَّهُ لَهُ حَتَّى يدخلَه بِهَا الْجَنَّةَ، ثُمَّ قَرَأَ عَلَيْنَا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ قَالَ: ادْخُلِ الْجَنَّةَ؛ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا شَقِيًّا قَالَ الْمَلَكُ: ربِّ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ، وَبَقِيَ طَالِبُونَ كَثِيرٌ؟ فَيَقُولُ: خُذُوا مِنْ سَيِّئَاتِهِمْ فَأَضِيفُوهَا إِلَى سَيِّئَاتِهِ، ثُمَّ صُكُّوا لَهُ صَكًّا إِلَى النَّارِ. وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، عَنْ زَاذَانَ -بِهِ نَحْوَهُ. وَلِبَعْضِ هَذَا الْأَثَرِ شَاهَدٌ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثتا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا فُضَيلٌ -يَعْنِي ابْنَ مَرْزُوقٍ-عَنْ عطيَّة العَوْفي، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْأَعْرَابِ: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٦٠] قَالَ رَجُلٌ: فَمَا لِلْمُهَاجِرِينَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ قَالَ: مَا هُوَ أفضلُ مِنْ ذَلِكَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ . وَحَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهِيعَةَ، حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي قَوْلِهِ ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ فَأَمَّا الْمُشْرِكُ فَيُخَفَّفُ عَنْهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يُخْرَجُ مِنَ النَّارِ أَبَدًا. وَقَدِ اسْتُدِلَّ لَهُ بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّ الْعَبَّاسَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ أَبَا طَالِبٍ [[في أ: "إن عمك أبا طالب".]] كَانَ يَحُوطُكَ وَيَنْصُرُكَ فَهَلْ نَفَعْتَهُ بِشَيْءٍ؟ قَالَ: "نَعَمْ هُوَ فِي ضَحْضَاح مِنْ نَارٍ، وَلَوْلَا أنا لكان في الدَّرْك الأسفل مِنَ النَّارِ" [[رواه البخاري في صحيحه برقم (٣٨٨٣، ٦٢٠٨) ومسلم في صحيحه برقم (٢٠٩) .]] . وَقَدْ يَكُونُ هَذَا خَاصًّا بِأَبِي طَالِبٍ مِنْ دُونِ الْكَفَّارِ، بِدَلِيلِ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيالسِي فِي سُنَنِهِ [[في د، ر، أ: "مسنده".]] حَدَّثَنَا عِمْرَانُ، حَدَّثَنَا قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ الْمُؤْمِنَ حَسَنَةً، يُثَابُ عَلَيْهَا الرِّزْقَ فِي الدُّنْيَا ويُجْزَى بِهَا [[في ر: "فيها".]] فِي الْآخِرَةِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُطْعَمُ بِهَا فِي الدُّنْيَا، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ" [[مسند الطيالسي برقم (٤٧) "منحة المعبود" ورواه مسلم برقم (٢٨٠٨) من طريق يزيد بن هارون عن همام بن يحيى عن قتادة بنحوه.]] . وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ، وعِكْرِمَةُ، وسعيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والحسنُ وقتادةُ والضحاكُ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ يَعْنِي: الْجَنَّةَ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمانُ -يَعْنِي ابْنَ الْمُغَيْرَةِ-عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُعْطِي عَبْدَهُ الْمُؤْمِنَ بِالْحَسَنَةِ الْوَاحِدَةِ أَلْفَ أَلْفِ حَسَنَةٍ. قَالَ: فقُضي أَنِّي انْطَلَقْتُ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا، فَلَقِيتُهُ فقلت: بلغني عنك حَدِيثٌ أَنَّكَ تَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ يُعْطَى عَبْدَهُ الْمُؤْمِنَ بِالْحَسَنَةِ أَلْفَ أَلْفَ حَسَنَةٍ" قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: لَا بَلْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُعْطِيهِ أَلْفَيْ أَلْفِ حَسَنَةٍ" ثُمَّ تَلَا ﴿يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ فَمِنْ يُقَدِّرُهُ قَدْرَهُ [[في د، ر، أ: "يقدر قدره".]] [[المسند (٥/٥٢١) .]] . رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فَقَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا مباركُ بْنُ فَضَالَة، عَنِ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ: أَتَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ فَقُلْتُ لَهُ: بَلَغَنِي [[في ر: "إنه بلغني.]] أَنَّكَ تَقُولُ: إِنَّ الْحَسَنَةَ تُضَاعَفُ أَلْفَ أَلْفِ حَسَنَةٍ؟ قَالَ: وَمَا أَعْجَبَكَ مِنْ ذَلِكَ؟ فَوَاللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ -يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ-كَذَا قَالَ أَبِي -يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ لِيُضَاعِفُ الْحَسَنَةَ أَلْفَيْ أَلْفِ حَسَنَةٍ" [[المسند (٢/٢٩٦) .]] . عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ فِي أَحَادِيثِهِ نَكَارَةٌ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ يَقُولُ تَعَالَى -مُخْبِرًا عَنْ هَوْلِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَشِدَّةِ أَمْرِهِ وَشَأْنِهِ: فَكَيْفَ يَكُونُ الْأَمْرُ وَالْحَالُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَحِينَ [[في ر: "حين".]] يَجِيءُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ -يَعْنِي الْأَنْبِيَاءَ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ؟ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ [وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ] [[زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية"]] ﴾ [الزُّمَرِ: ٦٩] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ [وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلاءِ وَنزلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ] [[زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ [النَّحْلِ: ٨٩] . قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سفيانُ، عَنِ الأعْمَشِ، عَنْ إبراهيمَ، عَنْ عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ "اقْرَأْ عَلَيَّ" قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، آقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنزلَ؟ قَالَ: "نَعَمْ، إِنِّي أُحِبُّ أَنَّ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي" فَقَرَأْتُ سُورَةَ النِّسَاءِ، حَتَّى أَتَيْتُ إِلَى هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ قَالَ: "حَسْبُكَ الْآنَ" فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَان. وَرَوَاهُ هُوَ وَمُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ، بِهِ [[صحيح البخاري برقم (٥٠٥٠) وصحيح مسلم برقم (٨٠٠) .]] وَقَدْ رُوي مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، فَهُوَ مَقْطُوعٌ بِهِ عَنْهُ. وَرَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي حَيَّانَ، وَأَبِي رَزِين، عَنْهُ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو [[في ر: "أبي" وهو خطأ.]] بَكْرِ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا، حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بنُ مَسْعُود الجَحْدَري، حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا يونُس بنُ مُحَمَّدِ بْنِ فضَالَة الْأَنْصَارِيُّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ -وَكَانَ أَبِي مِمَّنْ صَحِبَ النَّبِيِّ ﷺ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَتَاهُمْ فِي بَنِي ظَفَر، فَجَلَسَ عَلَى الصَّخْرَةِ الَّتِي فِي بَنِي ظَفَرٍ الْيَوْمَ، وَمَعَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَنَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَأَمْرَ النَّبِيُّ ﷺ قَارِئًا فَقَرَأَ، فَأَتَى عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ فَبَكَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حتى اضْطَرَبَ [[في ر: "ضرب".]] لِحْيَاهُ وَجَنْبَاهُ، فَقَالَ: "يَا رَبُّ هَذَا شهدتُ عَلَى مَنْ أَنَا بَيْنَ ظَهْرَيْهِ، فَكَيْفَ بِمَنْ لَمْ أَرَهُ؟ " [[ورواه البغوي في معجمه ومن طريقه الطبراني في المعجم الكبير (١٩/٢٤٣) من طريق الصلت بن مسعود الجحدري به. قال الهيثمي في المجمع (٧/٤) : "رجاله ثقات".]] . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الزُّهْرِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الْمَسْعُودِيِّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ -هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ- ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "شَهِيدٌ عَلَيْهِمْ مَا دُمْتُ فِيهِمْ، فَإِذَا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ". وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ القُرْطُبي فِي "التَّذْكِرَةِ" [[التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة (ص٢٩٤) .]] حَيْثُ قَالَ: بَابُ [[في أ: "يارب".]] مَا جَاءَ فِي شَهَادَةِ النَّبِيِّ ﷺ على أمته: قال: أخبرنا ابن المبارك، أخبرنارجل مِنَ الْأَنْصَارِ، عَنِ المِنْهَال بنِ عمرٍو، حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ المُسَيَّبِ يَقُولُ: لَيْسَ مِنْ يَوْمٍ إِلَّا تُعْرَضُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أُمَّتُهُ غُدْوة وعَشيّة، فَيَعْرِفُهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ [[في أ: "بسيماهم".]] وَأَعْمَالِهِمْ، فَلِذَلِكَ يَشْهَدُ عَلَيْهِمْ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ فَإِنَّهُ أَثَرٌ، وَفِيهِ انْقِطَاعٌ، فَإِنَّ فِيهِ رَجُلًا مُبْهَمًا لَمْ يُسَمَّ، وَهُوَ مِنْ كَلَامِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ لَمْ يَرْفَعْهُ. وَقَدْ قَبِلَهُ الْقُرْطُبِيُّ فَقَالَ بَعْدَ إِيرَادِهِ: [قَدْ تَقَدَّمَ] [[زيادة من ر، أ، والتذكرة.]] أَنَّ الْأَعْمَالَ تُعْرَضُ عَلَى اللَّهِ كُلَّ يَوْمِ اثْنَيْنِ وَخَمِيسٍ، وَعَلَى الْأَنْبِيَاءِ وَالْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ يَوْمَ الجُمُعة. قَالَ: وَلَا تَعَارُضَ، فَإِنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُخَصَّ نَبِيُّنَا بِمَا يُعْرَضُ عَلَيْهِ كُلَّ يَوْمٍ، وَيَوْمَ الْجُمُعَةِ مَعَ الْأَنْبِيَاءِ، عَلَيْهِمُ السَّلَامُ. * * وَقَوْلُهُ ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأرْضُ﴾ أَيْ: لَوِ انْشَقَّتْ وَبَلَعَتْهُمْ، مِمَّا يَرَوْنَ مِنْ أَهْوَالِ الْمَوْقِفِ، وَمَا يَحِلُّ بِهِمْ مِنَ الْخِزْيِ وَالْفَضِيحَةِ وَالتَّوْبِيخِ، كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ [وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا] [[زيادة من ر، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ وَقَوْلُهُ ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ أَخْبَرَ [[في ر، أ: "إخبار".]] عَنْهُمْ بِأَنَّهُمْ يَعْتَرِفُونَ بِجَمِيعِ مَا فَعَلُوهُ، وَلَا يَكْتُمُونَ مِنْهُ شَيْئًا. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْد، حَدَّثَنَا حكَّام، حَدَّثَنَا عَمْرٌو، عَنْ مُطرِّف، عَنِ الْمِنْهِالِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر قَالَ: أَتَى رَجُلٌ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ: سمعتُ اللَّهَ، عَزَّ وَجَلَّ، يَقُولُ -يَعْنِي إِخْبَارًا عَنِ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَّهُمْ قَالُوا-: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٢٣] وَقَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ فَقَالَ ابنُ الْعَبَّاسِ: أَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ فَإِنَّهُمْ لَمَّا رَأَوْا أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا أهلُ الْإِسْلَامِ قَالُوا: تَعَالَوْا فَلْنَجْحَدْ، فَقَالُوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ فَخَتَمَ اللَّهُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ، وَتَكَلَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ رَجُلٍ عَنِ المِنْهال بْنِ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ: أَشْيَاءٌ تَخْتَلِفُ عَلَيَّ فِي الْقُرْآنِ. قَالَ: مَا هُوَ؟ أَشُكُّ في القرآن؟ قال: ليس هُوَ بِالشَّكِّ. وَلَكِنِ [[في ر، أ: "ولكنه".]] اخْتِلَافٌ. قَالَ: فَهَاتِ مَا اخْتَلَفَ عَلَيْكَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: أَسْمَعُ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٢٣] وَقَالَ ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ ؛ فَقَدْ كَتَمُوا! فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَمَّا قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ فَإِنَّهُمْ لَمَّا رَأَوْا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ إِلَّا لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ [[في أ: "إن الله يغفر لأهل الإسلام".]] وَيَغْفِرُ الذُّنُوبَ وَلَا يَغْفِرُ شِرْكًا، وَلَا يَتَعَاظَمُهُ ذَنْبٌ أَنْ يَغْفِرَهُ، جَحَدَ الْمُشْرِكُونَ، فَقَالُوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ ؛ رَجَاءَ أَنْ يُغْفَرَ لَهُمْ. فَخَتَمَ اللَّهُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ، وَتَكَلَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ: ﴿يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ وَقَالَ جُوَيْبِرٌ عَنِ الضَّحَّاك: إِنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ أَتَى ابنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، قَوْلُ اللَّهِ: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ وَقَوْلُهُ ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ ؟ فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنِّي أَحْسَبُكَ قُمْتَ مِنْ عِنْدِ أَصْحَابِكَ فَقُلْتَ ألْقي عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ مُتَشَابِهُ الْقُرْآنِ. فَإِذَا رَجَعْتَ إِلَيْهِمْ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ جَامِعُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي بَقِيعٍ وَاحِدٍ. فَيَقُولُ الْمُشْرِكُونَ: إِنِ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ شَيْئًا إِلَّا مِمَّنْ وَحَّدَهُ، فَيَقُولُونَ: تَعَالَوْا نَقُلْ فَيَسْأَلُهُمْ فَيَقُولُونَ: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ قَالَ: فَيُخْتَم عَلَى أَفْوَاهِهِمْ، وتُسْتَنطق [[في د: "ويستنطق".]] جَوَارِحُهُمْ، فَتَشْهَدُ عَلَيْهِمْ جوارحُهم أَنَّهُمْ كَانُوا مُشْرِكِينَ. فَعِنْدَ ذَلِكَ تَمَنَّوْا لَوْ أَنَّ الأرضَ سُوِّيَتْ بِهِم ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

النساء 4:41

يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ لَا يَظْلِمُ عَبْدًا مِنْ عِبَادِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِثْقَالَ حَبَّةِ خَرْدَلٍ وَلَا مِثْقَالَ ذَرَّةٍ، بَلْ يُوَفِّيهَا بِهِ وَيُضَاعِفُهَا لَهُ إِنْ كَانَتْ حَسَنَةً، كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ [لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ] [[زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٤٧] وَقَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ لُقْمَانَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الأرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ [إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ] [[زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية"]] ﴾ [لُقْمَانَ: ١٦] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ. فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ. وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ، مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَار، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْري، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ الطويلِ، وَفِيهِ: فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: "ارْجِعُوا، فَمَن وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مثقالَ حَبَّةِ [[في ر، أ: "ذرة".]] خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ، فَأَخْرِجُوهُ مِنَ النَّارِ". وَفِي لَفْظٍ: "أَدْنَى أَدْنَى أَدْنَى مِثْقَالِ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجُوهُ مِنَ النَّارِ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا" ثُمَّ يَقُولُ أَبُو سَعِيدٍ: اقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ [وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا] [[زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ [[صحيح البخاري برقم (٧٤٣٩) وصحيح مسلم برقم (١٨٣) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الأشَجّ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُس، عَنْ هارونَ بْنِ عَنْتَرَةَ [[في أ: "عنبرة".]] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ زَاذَانَ قَالَ: قَالَ عبدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُود: يُؤْتَى بِالْعَبْدِ والأمَة يومَ القيامةِ، فَيُنَادِي منادٍ على رءوس الْأَوَّلِينَ والآخِرين: هَذَا فلانُ بنُ فلانٍ، مَنْ كان له حق فليأت إلى حقه. فتفرحُ المرأةُ أَنْ يَكُونَ لَهَا الْحَقُّ عَلَى أَبِيهَا أَوْ أَخِيهَا أَوْ زَوْجِهَا. ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ:١٠١] فَيَغْفِرُ اللَّهُ مِنْ حَقِّهِ مَا يَشَاءُ، وَلَا يَغْفِرُ مِنْ حُقُوقِ النَّاسِ شَيْئًا، فينصَب لِلنَّاسِ فينادَي: هَذَا فلانُ بْنُ فلانٍ، مَنْ كَانَ لَهُ حَقٌّ فليأتِ إِلَى حَقِّهِ. فَيَقُولُ: رَبّ، فَنِيَت الدُّنْيَا، مِنْ أَيْنَ أُوتِيِهْم حقوقَهم؟ قَالَ: خُذُوا مِنْ أَعْمَالِهِ الصَّالِحَةِ، فَأَعْطُوا كلَ ذِي حَقِّ حَقَّهُ بِقَدْرِ طَلَبَتِهِ فَإِنْ كَانَ وَلِيًّا لِلَّهِ ففَضَلَ لَهُ مثقالُ ذَرَّةٍ، ضَاعَفَهَا اللَّهُ لَهُ حَتَّى يدخلَه بِهَا الْجَنَّةَ، ثُمَّ قَرَأَ عَلَيْنَا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ قَالَ: ادْخُلِ الْجَنَّةَ؛ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا شَقِيًّا قَالَ الْمَلَكُ: ربِّ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ، وَبَقِيَ طَالِبُونَ كَثِيرٌ؟ فَيَقُولُ: خُذُوا مِنْ سَيِّئَاتِهِمْ فَأَضِيفُوهَا إِلَى سَيِّئَاتِهِ، ثُمَّ صُكُّوا لَهُ صَكًّا إِلَى النَّارِ. وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، عَنْ زَاذَانَ -بِهِ نَحْوَهُ. وَلِبَعْضِ هَذَا الْأَثَرِ شَاهَدٌ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثتا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا فُضَيلٌ -يَعْنِي ابْنَ مَرْزُوقٍ-عَنْ عطيَّة العَوْفي، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْأَعْرَابِ: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٦٠] قَالَ رَجُلٌ: فَمَا لِلْمُهَاجِرِينَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ قَالَ: مَا هُوَ أفضلُ مِنْ ذَلِكَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ . وَحَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهِيعَةَ، حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي قَوْلِهِ ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ فَأَمَّا الْمُشْرِكُ فَيُخَفَّفُ عَنْهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يُخْرَجُ مِنَ النَّارِ أَبَدًا. وَقَدِ اسْتُدِلَّ لَهُ بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّ الْعَبَّاسَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ أَبَا طَالِبٍ [[في أ: "إن عمك أبا طالب".]] كَانَ يَحُوطُكَ وَيَنْصُرُكَ فَهَلْ نَفَعْتَهُ بِشَيْءٍ؟ قَالَ: "نَعَمْ هُوَ فِي ضَحْضَاح مِنْ نَارٍ، وَلَوْلَا أنا لكان في الدَّرْك الأسفل مِنَ النَّارِ" [[رواه البخاري في صحيحه برقم (٣٨٨٣، ٦٢٠٨) ومسلم في صحيحه برقم (٢٠٩) .]] . وَقَدْ يَكُونُ هَذَا خَاصًّا بِأَبِي طَالِبٍ مِنْ دُونِ الْكَفَّارِ، بِدَلِيلِ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيالسِي فِي سُنَنِهِ [[في د، ر، أ: "مسنده".]] حَدَّثَنَا عِمْرَانُ، حَدَّثَنَا قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ الْمُؤْمِنَ حَسَنَةً، يُثَابُ عَلَيْهَا الرِّزْقَ فِي الدُّنْيَا ويُجْزَى بِهَا [[في ر: "فيها".]] فِي الْآخِرَةِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُطْعَمُ بِهَا فِي الدُّنْيَا، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ" [[مسند الطيالسي برقم (٤٧) "منحة المعبود" ورواه مسلم برقم (٢٨٠٨) من طريق يزيد بن هارون عن همام بن يحيى عن قتادة بنحوه.]] . وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ، وعِكْرِمَةُ، وسعيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والحسنُ وقتادةُ والضحاكُ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ يَعْنِي: الْجَنَّةَ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمانُ -يَعْنِي ابْنَ الْمُغَيْرَةِ-عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُعْطِي عَبْدَهُ الْمُؤْمِنَ بِالْحَسَنَةِ الْوَاحِدَةِ أَلْفَ أَلْفِ حَسَنَةٍ. قَالَ: فقُضي أَنِّي انْطَلَقْتُ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا، فَلَقِيتُهُ فقلت: بلغني عنك حَدِيثٌ أَنَّكَ تَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ يُعْطَى عَبْدَهُ الْمُؤْمِنَ بِالْحَسَنَةِ أَلْفَ أَلْفَ حَسَنَةٍ" قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: لَا بَلْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُعْطِيهِ أَلْفَيْ أَلْفِ حَسَنَةٍ" ثُمَّ تَلَا ﴿يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ فَمِنْ يُقَدِّرُهُ قَدْرَهُ [[في د، ر، أ: "يقدر قدره".]] [[المسند (٥/٥٢١) .]] . رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فَقَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا مباركُ بْنُ فَضَالَة، عَنِ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ: أَتَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ فَقُلْتُ لَهُ: بَلَغَنِي [[في ر: "إنه بلغني.]] أَنَّكَ تَقُولُ: إِنَّ الْحَسَنَةَ تُضَاعَفُ أَلْفَ أَلْفِ حَسَنَةٍ؟ قَالَ: وَمَا أَعْجَبَكَ مِنْ ذَلِكَ؟ فَوَاللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ -يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ-كَذَا قَالَ أَبِي -يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ لِيُضَاعِفُ الْحَسَنَةَ أَلْفَيْ أَلْفِ حَسَنَةٍ" [[المسند (٢/٢٩٦) .]] . عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ فِي أَحَادِيثِهِ نَكَارَةٌ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ يَقُولُ تَعَالَى -مُخْبِرًا عَنْ هَوْلِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَشِدَّةِ أَمْرِهِ وَشَأْنِهِ: فَكَيْفَ يَكُونُ الْأَمْرُ وَالْحَالُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَحِينَ [[في ر: "حين".]] يَجِيءُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ -يَعْنِي الْأَنْبِيَاءَ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ؟ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ [وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ] [[زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية"]] ﴾ [الزُّمَرِ: ٦٩] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ [وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلاءِ وَنزلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ] [[زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ [النَّحْلِ: ٨٩] . قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سفيانُ، عَنِ الأعْمَشِ، عَنْ إبراهيمَ، عَنْ عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ "اقْرَأْ عَلَيَّ" قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، آقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنزلَ؟ قَالَ: "نَعَمْ، إِنِّي أُحِبُّ أَنَّ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي" فَقَرَأْتُ سُورَةَ النِّسَاءِ، حَتَّى أَتَيْتُ إِلَى هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ قَالَ: "حَسْبُكَ الْآنَ" فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَان. وَرَوَاهُ هُوَ وَمُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ، بِهِ [[صحيح البخاري برقم (٥٠٥٠) وصحيح مسلم برقم (٨٠٠) .]] وَقَدْ رُوي مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، فَهُوَ مَقْطُوعٌ بِهِ عَنْهُ. وَرَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي حَيَّانَ، وَأَبِي رَزِين، عَنْهُ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو [[في ر: "أبي" وهو خطأ.]] بَكْرِ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا، حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بنُ مَسْعُود الجَحْدَري، حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا يونُس بنُ مُحَمَّدِ بْنِ فضَالَة الْأَنْصَارِيُّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ -وَكَانَ أَبِي مِمَّنْ صَحِبَ النَّبِيِّ ﷺ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَتَاهُمْ فِي بَنِي ظَفَر، فَجَلَسَ عَلَى الصَّخْرَةِ الَّتِي فِي بَنِي ظَفَرٍ الْيَوْمَ، وَمَعَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَنَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَأَمْرَ النَّبِيُّ ﷺ قَارِئًا فَقَرَأَ، فَأَتَى عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ فَبَكَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حتى اضْطَرَبَ [[في ر: "ضرب".]] لِحْيَاهُ وَجَنْبَاهُ، فَقَالَ: "يَا رَبُّ هَذَا شهدتُ عَلَى مَنْ أَنَا بَيْنَ ظَهْرَيْهِ، فَكَيْفَ بِمَنْ لَمْ أَرَهُ؟ " [[ورواه البغوي في معجمه ومن طريقه الطبراني في المعجم الكبير (١٩/٢٤٣) من طريق الصلت بن مسعود الجحدري به. قال الهيثمي في المجمع (٧/٤) : "رجاله ثقات".]] . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الزُّهْرِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الْمَسْعُودِيِّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ -هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ- ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "شَهِيدٌ عَلَيْهِمْ مَا دُمْتُ فِيهِمْ، فَإِذَا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ". وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ القُرْطُبي فِي "التَّذْكِرَةِ" [[التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة (ص٢٩٤) .]] حَيْثُ قَالَ: بَابُ [[في أ: "يارب".]] مَا جَاءَ فِي شَهَادَةِ النَّبِيِّ ﷺ على أمته: قال: أخبرنا ابن المبارك، أخبرنارجل مِنَ الْأَنْصَارِ، عَنِ المِنْهَال بنِ عمرٍو، حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ المُسَيَّبِ يَقُولُ: لَيْسَ مِنْ يَوْمٍ إِلَّا تُعْرَضُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أُمَّتُهُ غُدْوة وعَشيّة، فَيَعْرِفُهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ [[في أ: "بسيماهم".]] وَأَعْمَالِهِمْ، فَلِذَلِكَ يَشْهَدُ عَلَيْهِمْ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ فَإِنَّهُ أَثَرٌ، وَفِيهِ انْقِطَاعٌ، فَإِنَّ فِيهِ رَجُلًا مُبْهَمًا لَمْ يُسَمَّ، وَهُوَ مِنْ كَلَامِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ لَمْ يَرْفَعْهُ. وَقَدْ قَبِلَهُ الْقُرْطُبِيُّ فَقَالَ بَعْدَ إِيرَادِهِ: [قَدْ تَقَدَّمَ] [[زيادة من ر، أ، والتذكرة.]] أَنَّ الْأَعْمَالَ تُعْرَضُ عَلَى اللَّهِ كُلَّ يَوْمِ اثْنَيْنِ وَخَمِيسٍ، وَعَلَى الْأَنْبِيَاءِ وَالْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ يَوْمَ الجُمُعة. قَالَ: وَلَا تَعَارُضَ، فَإِنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُخَصَّ نَبِيُّنَا بِمَا يُعْرَضُ عَلَيْهِ كُلَّ يَوْمٍ، وَيَوْمَ الْجُمُعَةِ مَعَ الْأَنْبِيَاءِ، عَلَيْهِمُ السَّلَامُ. * * وَقَوْلُهُ ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأرْضُ﴾ أَيْ: لَوِ انْشَقَّتْ وَبَلَعَتْهُمْ، مِمَّا يَرَوْنَ مِنْ أَهْوَالِ الْمَوْقِفِ، وَمَا يَحِلُّ بِهِمْ مِنَ الْخِزْيِ وَالْفَضِيحَةِ وَالتَّوْبِيخِ، كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ [وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا] [[زيادة من ر، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ وَقَوْلُهُ ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ أَخْبَرَ [[في ر، أ: "إخبار".]] عَنْهُمْ بِأَنَّهُمْ يَعْتَرِفُونَ بِجَمِيعِ مَا فَعَلُوهُ، وَلَا يَكْتُمُونَ مِنْهُ شَيْئًا. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْد، حَدَّثَنَا حكَّام، حَدَّثَنَا عَمْرٌو، عَنْ مُطرِّف، عَنِ الْمِنْهِالِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر قَالَ: أَتَى رَجُلٌ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ: سمعتُ اللَّهَ، عَزَّ وَجَلَّ، يَقُولُ -يَعْنِي إِخْبَارًا عَنِ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَّهُمْ قَالُوا-: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٢٣] وَقَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ فَقَالَ ابنُ الْعَبَّاسِ: أَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ فَإِنَّهُمْ لَمَّا رَأَوْا أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا أهلُ الْإِسْلَامِ قَالُوا: تَعَالَوْا فَلْنَجْحَدْ، فَقَالُوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ فَخَتَمَ اللَّهُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ، وَتَكَلَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ رَجُلٍ عَنِ المِنْهال بْنِ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ: أَشْيَاءٌ تَخْتَلِفُ عَلَيَّ فِي الْقُرْآنِ. قَالَ: مَا هُوَ؟ أَشُكُّ في القرآن؟ قال: ليس هُوَ بِالشَّكِّ. وَلَكِنِ [[في ر، أ: "ولكنه".]] اخْتِلَافٌ. قَالَ: فَهَاتِ مَا اخْتَلَفَ عَلَيْكَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: أَسْمَعُ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٢٣] وَقَالَ ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ ؛ فَقَدْ كَتَمُوا! فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَمَّا قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ فَإِنَّهُمْ لَمَّا رَأَوْا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ إِلَّا لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ [[في أ: "إن الله يغفر لأهل الإسلام".]] وَيَغْفِرُ الذُّنُوبَ وَلَا يَغْفِرُ شِرْكًا، وَلَا يَتَعَاظَمُهُ ذَنْبٌ أَنْ يَغْفِرَهُ، جَحَدَ الْمُشْرِكُونَ، فَقَالُوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ ؛ رَجَاءَ أَنْ يُغْفَرَ لَهُمْ. فَخَتَمَ اللَّهُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ، وَتَكَلَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ: ﴿يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ وَقَالَ جُوَيْبِرٌ عَنِ الضَّحَّاك: إِنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ أَتَى ابنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، قَوْلُ اللَّهِ: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ وَقَوْلُهُ ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ ؟ فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنِّي أَحْسَبُكَ قُمْتَ مِنْ عِنْدِ أَصْحَابِكَ فَقُلْتَ ألْقي عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ مُتَشَابِهُ الْقُرْآنِ. فَإِذَا رَجَعْتَ إِلَيْهِمْ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ جَامِعُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي بَقِيعٍ وَاحِدٍ. فَيَقُولُ الْمُشْرِكُونَ: إِنِ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ شَيْئًا إِلَّا مِمَّنْ وَحَّدَهُ، فَيَقُولُونَ: تَعَالَوْا نَقُلْ فَيَسْأَلُهُمْ فَيَقُولُونَ: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ قَالَ: فَيُخْتَم عَلَى أَفْوَاهِهِمْ، وتُسْتَنطق [[في د: "ويستنطق".]] جَوَارِحُهُمْ، فَتَشْهَدُ عَلَيْهِمْ جوارحُهم أَنَّهُمْ كَانُوا مُشْرِكِينَ. فَعِنْدَ ذَلِكَ تَمَنَّوْا لَوْ أَنَّ الأرضَ سُوِّيَتْ بِهِم ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

النساء 4:42

يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ لَا يَظْلِمُ عَبْدًا مِنْ عِبَادِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِثْقَالَ حَبَّةِ خَرْدَلٍ وَلَا مِثْقَالَ ذَرَّةٍ، بَلْ يُوَفِّيهَا بِهِ وَيُضَاعِفُهَا لَهُ إِنْ كَانَتْ حَسَنَةً، كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ [لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ] [[زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٤٧] وَقَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ لُقْمَانَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الأرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ [إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ] [[زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية"]] ﴾ [لُقْمَانَ: ١٦] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ. فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ. وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ، مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَار، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْري، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ الطويلِ، وَفِيهِ: فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: "ارْجِعُوا، فَمَن وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مثقالَ حَبَّةِ [[في ر، أ: "ذرة".]] خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ، فَأَخْرِجُوهُ مِنَ النَّارِ". وَفِي لَفْظٍ: "أَدْنَى أَدْنَى أَدْنَى مِثْقَالِ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجُوهُ مِنَ النَّارِ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا" ثُمَّ يَقُولُ أَبُو سَعِيدٍ: اقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ [وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا] [[زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ [[صحيح البخاري برقم (٧٤٣٩) وصحيح مسلم برقم (١٨٣) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الأشَجّ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُس، عَنْ هارونَ بْنِ عَنْتَرَةَ [[في أ: "عنبرة".]] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ زَاذَانَ قَالَ: قَالَ عبدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُود: يُؤْتَى بِالْعَبْدِ والأمَة يومَ القيامةِ، فَيُنَادِي منادٍ على رءوس الْأَوَّلِينَ والآخِرين: هَذَا فلانُ بنُ فلانٍ، مَنْ كان له حق فليأت إلى حقه. فتفرحُ المرأةُ أَنْ يَكُونَ لَهَا الْحَقُّ عَلَى أَبِيهَا أَوْ أَخِيهَا أَوْ زَوْجِهَا. ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ:١٠١] فَيَغْفِرُ اللَّهُ مِنْ حَقِّهِ مَا يَشَاءُ، وَلَا يَغْفِرُ مِنْ حُقُوقِ النَّاسِ شَيْئًا، فينصَب لِلنَّاسِ فينادَي: هَذَا فلانُ بْنُ فلانٍ، مَنْ كَانَ لَهُ حَقٌّ فليأتِ إِلَى حَقِّهِ. فَيَقُولُ: رَبّ، فَنِيَت الدُّنْيَا، مِنْ أَيْنَ أُوتِيِهْم حقوقَهم؟ قَالَ: خُذُوا مِنْ أَعْمَالِهِ الصَّالِحَةِ، فَأَعْطُوا كلَ ذِي حَقِّ حَقَّهُ بِقَدْرِ طَلَبَتِهِ فَإِنْ كَانَ وَلِيًّا لِلَّهِ ففَضَلَ لَهُ مثقالُ ذَرَّةٍ، ضَاعَفَهَا اللَّهُ لَهُ حَتَّى يدخلَه بِهَا الْجَنَّةَ، ثُمَّ قَرَأَ عَلَيْنَا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ قَالَ: ادْخُلِ الْجَنَّةَ؛ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا شَقِيًّا قَالَ الْمَلَكُ: ربِّ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ، وَبَقِيَ طَالِبُونَ كَثِيرٌ؟ فَيَقُولُ: خُذُوا مِنْ سَيِّئَاتِهِمْ فَأَضِيفُوهَا إِلَى سَيِّئَاتِهِ، ثُمَّ صُكُّوا لَهُ صَكًّا إِلَى النَّارِ. وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، عَنْ زَاذَانَ -بِهِ نَحْوَهُ. وَلِبَعْضِ هَذَا الْأَثَرِ شَاهَدٌ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثتا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا فُضَيلٌ -يَعْنِي ابْنَ مَرْزُوقٍ-عَنْ عطيَّة العَوْفي، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْأَعْرَابِ: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٦٠] قَالَ رَجُلٌ: فَمَا لِلْمُهَاجِرِينَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ قَالَ: مَا هُوَ أفضلُ مِنْ ذَلِكَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ . وَحَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهِيعَةَ، حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي قَوْلِهِ ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ فَأَمَّا الْمُشْرِكُ فَيُخَفَّفُ عَنْهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يُخْرَجُ مِنَ النَّارِ أَبَدًا. وَقَدِ اسْتُدِلَّ لَهُ بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّ الْعَبَّاسَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ أَبَا طَالِبٍ [[في أ: "إن عمك أبا طالب".]] كَانَ يَحُوطُكَ وَيَنْصُرُكَ فَهَلْ نَفَعْتَهُ بِشَيْءٍ؟ قَالَ: "نَعَمْ هُوَ فِي ضَحْضَاح مِنْ نَارٍ، وَلَوْلَا أنا لكان في الدَّرْك الأسفل مِنَ النَّارِ" [[رواه البخاري في صحيحه برقم (٣٨٨٣، ٦٢٠٨) ومسلم في صحيحه برقم (٢٠٩) .]] . وَقَدْ يَكُونُ هَذَا خَاصًّا بِأَبِي طَالِبٍ مِنْ دُونِ الْكَفَّارِ، بِدَلِيلِ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيالسِي فِي سُنَنِهِ [[في د، ر، أ: "مسنده".]] حَدَّثَنَا عِمْرَانُ، حَدَّثَنَا قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ الْمُؤْمِنَ حَسَنَةً، يُثَابُ عَلَيْهَا الرِّزْقَ فِي الدُّنْيَا ويُجْزَى بِهَا [[في ر: "فيها".]] فِي الْآخِرَةِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُطْعَمُ بِهَا فِي الدُّنْيَا، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ" [[مسند الطيالسي برقم (٤٧) "منحة المعبود" ورواه مسلم برقم (٢٨٠٨) من طريق يزيد بن هارون عن همام بن يحيى عن قتادة بنحوه.]] . وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ، وعِكْرِمَةُ، وسعيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والحسنُ وقتادةُ والضحاكُ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ يَعْنِي: الْجَنَّةَ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمانُ -يَعْنِي ابْنَ الْمُغَيْرَةِ-عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُعْطِي عَبْدَهُ الْمُؤْمِنَ بِالْحَسَنَةِ الْوَاحِدَةِ أَلْفَ أَلْفِ حَسَنَةٍ. قَالَ: فقُضي أَنِّي انْطَلَقْتُ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا، فَلَقِيتُهُ فقلت: بلغني عنك حَدِيثٌ أَنَّكَ تَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ يُعْطَى عَبْدَهُ الْمُؤْمِنَ بِالْحَسَنَةِ أَلْفَ أَلْفَ حَسَنَةٍ" قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: لَا بَلْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُعْطِيهِ أَلْفَيْ أَلْفِ حَسَنَةٍ" ثُمَّ تَلَا ﴿يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ فَمِنْ يُقَدِّرُهُ قَدْرَهُ [[في د، ر، أ: "يقدر قدره".]] [[المسند (٥/٥٢١) .]] . رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فَقَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا مباركُ بْنُ فَضَالَة، عَنِ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ: أَتَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ فَقُلْتُ لَهُ: بَلَغَنِي [[في ر: "إنه بلغني.]] أَنَّكَ تَقُولُ: إِنَّ الْحَسَنَةَ تُضَاعَفُ أَلْفَ أَلْفِ حَسَنَةٍ؟ قَالَ: وَمَا أَعْجَبَكَ مِنْ ذَلِكَ؟ فَوَاللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ -يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ-كَذَا قَالَ أَبِي -يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ لِيُضَاعِفُ الْحَسَنَةَ أَلْفَيْ أَلْفِ حَسَنَةٍ" [[المسند (٢/٢٩٦) .]] . عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ فِي أَحَادِيثِهِ نَكَارَةٌ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ يَقُولُ تَعَالَى -مُخْبِرًا عَنْ هَوْلِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَشِدَّةِ أَمْرِهِ وَشَأْنِهِ: فَكَيْفَ يَكُونُ الْأَمْرُ وَالْحَالُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَحِينَ [[في ر: "حين".]] يَجِيءُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ -يَعْنِي الْأَنْبِيَاءَ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ؟ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ [وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ] [[زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية"]] ﴾ [الزُّمَرِ: ٦٩] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ [وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلاءِ وَنزلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ] [[زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ [النَّحْلِ: ٨٩] . قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سفيانُ، عَنِ الأعْمَشِ، عَنْ إبراهيمَ، عَنْ عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ "اقْرَأْ عَلَيَّ" قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، آقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنزلَ؟ قَالَ: "نَعَمْ، إِنِّي أُحِبُّ أَنَّ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي" فَقَرَأْتُ سُورَةَ النِّسَاءِ، حَتَّى أَتَيْتُ إِلَى هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ قَالَ: "حَسْبُكَ الْآنَ" فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَان. وَرَوَاهُ هُوَ وَمُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ، بِهِ [[صحيح البخاري برقم (٥٠٥٠) وصحيح مسلم برقم (٨٠٠) .]] وَقَدْ رُوي مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، فَهُوَ مَقْطُوعٌ بِهِ عَنْهُ. وَرَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي حَيَّانَ، وَأَبِي رَزِين، عَنْهُ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو [[في ر: "أبي" وهو خطأ.]] بَكْرِ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا، حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بنُ مَسْعُود الجَحْدَري، حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا يونُس بنُ مُحَمَّدِ بْنِ فضَالَة الْأَنْصَارِيُّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ -وَكَانَ أَبِي مِمَّنْ صَحِبَ النَّبِيِّ ﷺ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَتَاهُمْ فِي بَنِي ظَفَر، فَجَلَسَ عَلَى الصَّخْرَةِ الَّتِي فِي بَنِي ظَفَرٍ الْيَوْمَ، وَمَعَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَنَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَأَمْرَ النَّبِيُّ ﷺ قَارِئًا فَقَرَأَ، فَأَتَى عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ فَبَكَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حتى اضْطَرَبَ [[في ر: "ضرب".]] لِحْيَاهُ وَجَنْبَاهُ، فَقَالَ: "يَا رَبُّ هَذَا شهدتُ عَلَى مَنْ أَنَا بَيْنَ ظَهْرَيْهِ، فَكَيْفَ بِمَنْ لَمْ أَرَهُ؟ " [[ورواه البغوي في معجمه ومن طريقه الطبراني في المعجم الكبير (١٩/٢٤٣) من طريق الصلت بن مسعود الجحدري به. قال الهيثمي في المجمع (٧/٤) : "رجاله ثقات".]] . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الزُّهْرِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الْمَسْعُودِيِّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ -هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ- ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "شَهِيدٌ عَلَيْهِمْ مَا دُمْتُ فِيهِمْ، فَإِذَا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ". وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ القُرْطُبي فِي "التَّذْكِرَةِ" [[التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة (ص٢٩٤) .]] حَيْثُ قَالَ: بَابُ [[في أ: "يارب".]] مَا جَاءَ فِي شَهَادَةِ النَّبِيِّ ﷺ على أمته: قال: أخبرنا ابن المبارك، أخبرنارجل مِنَ الْأَنْصَارِ، عَنِ المِنْهَال بنِ عمرٍو، حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ المُسَيَّبِ يَقُولُ: لَيْسَ مِنْ يَوْمٍ إِلَّا تُعْرَضُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أُمَّتُهُ غُدْوة وعَشيّة، فَيَعْرِفُهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ [[في أ: "بسيماهم".]] وَأَعْمَالِهِمْ، فَلِذَلِكَ يَشْهَدُ عَلَيْهِمْ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ فَإِنَّهُ أَثَرٌ، وَفِيهِ انْقِطَاعٌ، فَإِنَّ فِيهِ رَجُلًا مُبْهَمًا لَمْ يُسَمَّ، وَهُوَ مِنْ كَلَامِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ لَمْ يَرْفَعْهُ. وَقَدْ قَبِلَهُ الْقُرْطُبِيُّ فَقَالَ بَعْدَ إِيرَادِهِ: [قَدْ تَقَدَّمَ] [[زيادة من ر، أ، والتذكرة.]] أَنَّ الْأَعْمَالَ تُعْرَضُ عَلَى اللَّهِ كُلَّ يَوْمِ اثْنَيْنِ وَخَمِيسٍ، وَعَلَى الْأَنْبِيَاءِ وَالْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ يَوْمَ الجُمُعة. قَالَ: وَلَا تَعَارُضَ، فَإِنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُخَصَّ نَبِيُّنَا بِمَا يُعْرَضُ عَلَيْهِ كُلَّ يَوْمٍ، وَيَوْمَ الْجُمُعَةِ مَعَ الْأَنْبِيَاءِ، عَلَيْهِمُ السَّلَامُ. * * وَقَوْلُهُ ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأرْضُ﴾ أَيْ: لَوِ انْشَقَّتْ وَبَلَعَتْهُمْ، مِمَّا يَرَوْنَ مِنْ أَهْوَالِ الْمَوْقِفِ، وَمَا يَحِلُّ بِهِمْ مِنَ الْخِزْيِ وَالْفَضِيحَةِ وَالتَّوْبِيخِ، كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ [وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا] [[زيادة من ر، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ وَقَوْلُهُ ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ أَخْبَرَ [[في ر، أ: "إخبار".]] عَنْهُمْ بِأَنَّهُمْ يَعْتَرِفُونَ بِجَمِيعِ مَا فَعَلُوهُ، وَلَا يَكْتُمُونَ مِنْهُ شَيْئًا. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْد، حَدَّثَنَا حكَّام، حَدَّثَنَا عَمْرٌو، عَنْ مُطرِّف، عَنِ الْمِنْهِالِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر قَالَ: أَتَى رَجُلٌ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ: سمعتُ اللَّهَ، عَزَّ وَجَلَّ، يَقُولُ -يَعْنِي إِخْبَارًا عَنِ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَّهُمْ قَالُوا-: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٢٣] وَقَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ فَقَالَ ابنُ الْعَبَّاسِ: أَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ فَإِنَّهُمْ لَمَّا رَأَوْا أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا أهلُ الْإِسْلَامِ قَالُوا: تَعَالَوْا فَلْنَجْحَدْ، فَقَالُوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ فَخَتَمَ اللَّهُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ، وَتَكَلَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ رَجُلٍ عَنِ المِنْهال بْنِ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ: أَشْيَاءٌ تَخْتَلِفُ عَلَيَّ فِي الْقُرْآنِ. قَالَ: مَا هُوَ؟ أَشُكُّ في القرآن؟ قال: ليس هُوَ بِالشَّكِّ. وَلَكِنِ [[في ر، أ: "ولكنه".]] اخْتِلَافٌ. قَالَ: فَهَاتِ مَا اخْتَلَفَ عَلَيْكَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: أَسْمَعُ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٢٣] وَقَالَ ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ ؛ فَقَدْ كَتَمُوا! فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَمَّا قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ فَإِنَّهُمْ لَمَّا رَأَوْا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ إِلَّا لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ [[في أ: "إن الله يغفر لأهل الإسلام".]] وَيَغْفِرُ الذُّنُوبَ وَلَا يَغْفِرُ شِرْكًا، وَلَا يَتَعَاظَمُهُ ذَنْبٌ أَنْ يَغْفِرَهُ، جَحَدَ الْمُشْرِكُونَ، فَقَالُوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ ؛ رَجَاءَ أَنْ يُغْفَرَ لَهُمْ. فَخَتَمَ اللَّهُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ، وَتَكَلَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ: ﴿يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ وَقَالَ جُوَيْبِرٌ عَنِ الضَّحَّاك: إِنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ أَتَى ابنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، قَوْلُ اللَّهِ: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ وَقَوْلُهُ ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ ؟ فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنِّي أَحْسَبُكَ قُمْتَ مِنْ عِنْدِ أَصْحَابِكَ فَقُلْتَ ألْقي عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ مُتَشَابِهُ الْقُرْآنِ. فَإِذَا رَجَعْتَ إِلَيْهِمْ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ جَامِعُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي بَقِيعٍ وَاحِدٍ. فَيَقُولُ الْمُشْرِكُونَ: إِنِ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ شَيْئًا إِلَّا مِمَّنْ وَحَّدَهُ، فَيَقُولُونَ: تَعَالَوْا نَقُلْ فَيَسْأَلُهُمْ فَيَقُولُونَ: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ قَالَ: فَيُخْتَم عَلَى أَفْوَاهِهِمْ، وتُسْتَنطق [[في د: "ويستنطق".]] جَوَارِحُهُمْ، فَتَشْهَدُ عَلَيْهِمْ جوارحُهم أَنَّهُمْ كَانُوا مُشْرِكِينَ. فَعِنْدَ ذَلِكَ تَمَنَّوْا لَوْ أَنَّ الأرضَ سُوِّيَتْ بِهِم ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

النساء 4:43

يَنْهَى تَعَالَى عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ فِعْلِ الصَّلَاةِ فِي حَالِ السُّكْرِ، الَّذِي لَا يَدْرِي مَعَهُ الْمُصَلِّي مَا يَقُولُ، وَعَنْ قُرْبَانِ مَحَلِّهَا -وَهِيَ الْمَسَاجِدُ-للجُنُب، إِلَّا أَنَّ يَكُونَ مُجْتَازًا مِنْ بَابٍ إِلَى بَابٍ مِنْ غَيْرِ مُكْثٍ وَقَدْ كَانَ هَذَا قَبْلَ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ، كَمَا دَلَّ الْحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ، عِنْدَ قَوْلِهِ [تَعَالَى] [[زيادة من ر.]] ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ [قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ] [[زيادة من ر، أ.]] ﴾ الْآيَةَ [الْبَقَرَةِ: ٢١٩] ؛ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَلَاهَا عَلَى عُمَرَ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شَافِيًا. فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، تَلَاهَا عَلَيْهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شَافِيًا. فَكَانُوا لَا يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ [[في د: "الصلاة".]] فَلَمَّا نَزَلَ [[في د، ر: "نزلت".]] قَوْلُهُ [تَعَالَى] [[زيادة من ر.]] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنْصَابُ وَالأزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٩٠، ٩١] فَقَالَ عُمَرُ: انْتَهَيْنَا، انْتَهَيْنَا. وَفِي رِوَايَةِ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرٍو -وَهُوَ ابْنُ شُرَحبيل-عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخطَّاب فِي قِصَّةِ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ: فَنَزَلَتِ الْآيَةُ الَّتِي فِي] سُورَةِ [ [[زيادة من د.]] النِّسَاءِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ فَكَانَ مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَامْتِ [[في د، ر: "أقيمت".]] الصَّلَاةُ يُنَادِي: أَلَّا يَقْرَبَنَّ الصَّلَاةَ سَكْرَانُ. لَفَظُ أَبِي دَاوُدَ. وَذَكَرُوا فِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ [[في أ: "ابن جرير".]] . حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا شُعْبَة، أَخْبَرَنِي سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ مُصْعَبَ بنَ سَعْدٍ يُحَدِّثُ عَنْ سَعْدٍ قَالَ: نَزَلَتْ فِيَّ أربعُ آيَاتٍ: صَنَعَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ طَعَامًا، فَدَعَا أُنَاسًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَأُنَاسًا مِنَ الْأَنْصَارِ، فَأَكَلْنَا وَشَرِبْنَا حَتَّى سَكرْنا، ثُمَّ افْتَخَرْنَا فَرَفَعَ رَجُلٌ لَحْي بَعِيرٍ فَفَزَر [[في د: "فضرب".]] بِهَا أَنْفَ سَعْدٍ، فَكَانَ سَعْدٌ مَفْزور [[في د: "معرور".]] الْأَنْفِ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تُحَرَّمَ الْخَمْرُ، فَنَزَلَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ الْآيَةَ. وَالْحَدِيثُ بِطُولِهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ شُعْبة. وَرَوَاهُ أهلُ السُّنَن إِلَّا ابنَ مَاجَهْ، مِنْ طُرُق عَنْ سِماكٍ بِهِ [[صحيح مسلم برقم (١٧٤٨) وسنن أبي داود برقم (٢٧٤٠) وسنن الترمذي برقم (٣٠٧٩) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١١٩٦) مختصرا ليس فيه ذكر الشاهد هاهنا.]] . سَبَبٌ آخَرُ: قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عمَّار، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الدَّشْتَكي، حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ عَنْ عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السّلَمي، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: صَنَعَ لَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ طَعَامًا، فَدَعَانَا وَسَقَانَا مِنَ الْخَمْرِ، فَأَخَذَتِ الْخَمْرُ مِنَّا، وحضرتِ الصلاةُ فقدَّموا فُلَانًا -قَالَ: فَقَرَأَ: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، مَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ، وَنَحْنُ نَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ. [قَالَ] [[زيادة من ر، أ.]] فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ هَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ [[في أ: "عبد الله".]] بْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّشْتَكي، بِهِ، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ [[سنن الترمذي برقم (٣٠٢٦) .]] . وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ، عَنْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدي، عَنْ سفيانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَلِيٍّ؛ أَنَّهُ كَانَ هُوَ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ وَرَجُلٌ آخَرُ شَرِبُوا الْخَمْرَ، فَصَلَّى بِهِمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَقَرَأَ: ﴿قُلْ [يَا] [[زيادة من ر، أ.]] أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ فَخَلَطَ فِيهَا، فَنَزَلَتْ: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ . وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، من حديث الثوري، به. [[تفسير الطبري (٨/٣٧٦) وسنن أبي داود برقم (٣٦٧١) وسنن النسائي الكبرى كما في تحفة الأشراف للمزي برقم (١٠١٧٥) .]] وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِير أَيْضًا، عَنِ ابْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ جَرِيرٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ السَّلَمِيّ قَالَ: كَانَ عَلِيٌّ فِي نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فِي بَيْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، فَطَعِمُوا فَآتَاهُمْ بِخَمْرٍ فَشَرِبُوا مِنْهَا، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُحَرَّمَ [[في ر: "تحرم".]] الْخَمْرُ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَقَدَّموا عَلِيًّا فَقَرَأَ بِهِمْ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ فَلَمْ يَقْرَأْهَا كَمَا يَنْبَغِي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنِي المُثَنَّى، حَدَّثَنَا الحجَّاج بْنُ المِنْهال، حَدَّثَنَا حَمَّاد، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَبِيبٍ -وَهُوَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّلَمي؛ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ صَنَعَ طَعَامًا وَشَرَابًا، فَدَعَا نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَصَلَّى بِهِمُ الْمَغْرِبَ، فَقَرَأَ: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ. أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ. وَأَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ. وَأَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ. لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينٌ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، هَذِهِ الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [[تفسير الطبري (٨/٣٧٦) .]] . وَقَالَ الْعَوْفِي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى [حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ] [[زيادة من ر، أ.]] ﴾ وَذَلِكَ أَنَّ رِجَالًا كَانُوا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ وَهُمْ سُكَارَى، قَبْلَ أَنْ تُحَرَّمَ الْخَمْرُ، فَقَالَ اللَّهُ: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ الْآيَةَ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وَكَذَا قَالَ أَبُو رَزِين ومُجَاهدٌ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ: كَانُوا يَجْتَنِبُونَ السُّكْرَ عِنْدَ حُضُورِ الصَّلَوَاتِ ثُمَّ نُسِخَ بِتَحْرِيمِ الْخَمْرِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ لَمْ يَعْنِ بِهَا سُكْرَ الْخَمْرِ، وَإِنَّمَا عَنَى بِهَا سُكْرَ النُّوَّمِ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. ثُمَّ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَالصَّوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ سُكْر الشَّرَابِ. قَالَ: وَلَمْ يَتَوَجَّهِ النَّهْيُ إِلَى السكْران الَّذِي لَا يَفْهَمُ الْخِطَابَ؛ لِأَنَّ ذَاكَ فِي حُكْمِ الْمَجْنُونِ، وَإِنَّمَا خُوطِب بِالنَّهْيِ الثَّمِل الَّذِي يَفْهَمُ التَّكْلِيفَ [[بعدها في أ: "وقد يحتمل أن يكون المراد".]] . وَهَذَا حَاصِلُ مَا قَالَهُ. وَقَدْ ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ، وَهُوَ أَنَّ الْخِطَابَ يَتَوَجَّهُ إِلَى مَنْ يَفْهَمُ الْكَلَامَ، دُونَ السَّكْرَانِ الَّذِي لَا يَدْرِي مَا يُقَالُ لَهُ؛ فَإِنَّ الْفَهْمَ شَرْطُ التَّكْلِيفِ. وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ التَّعْرِيضَ بِالنَّهْيِ عَنِ السُّكْر بِالْكُلِّيَّةِ؛ لِكَوْنِهِمْ مَأْمُورِينَ بِالصَّلَاةِ فِي الْخَمْسَةِ الْأَوْقَاتِ مِنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، فَلَا يَتْمَكَنُّ شَارِبُ الْخَمْرِ مِنْ أَدَاءِ الصَّلَاةِ فِي أَوْقَاتِهَا دَائِمًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَعَلَى هَذَا فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٠٢] وَهُوَ الْأَمْرُ لَهُمْ بِالتَّأَهُّبِ لِلْمَوْتِ عَلَى الْإِسْلَامِ وَالْمُدَاوَمَةِ عَلَى الطَّاعَةِ لِأَجْلِ ذَلِكَ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ هَذَا أَحْسَنُ مَا يُقَالُ فِي حَدِّ السَّكْرَانِ: إِنَّهُ الذي لا يدري ما يَقُولُ [[في أ: "يقولون".]] فَإِنَّ الْمَخْمُورَ [[في د، ر: "المحذور".]] فِيهِ تَخْلِيطٌ فِي الْقِرَاءَةِ وَعَدَمُ تَدَبُّرِهِ [[في ر، أ: "تدبره له".]] وَخُشُوعِهِ فِيهَا، وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلابةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ يُصَلِّي، فَلْيَنْصَرِفْ فَلْيُتِمَّ حَتَّى يَعْلَمَ مَا يَقُولُ. انْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ الْبُخَارِيُّ دُونَ مُسْلِمٍ، وَرَوَاهُ هُوَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَيُّوبَ، بِهِ [[المسند (٣/١٥٠) وصحيح البخاري برقم (٢١٣) وسنن النسائي (١/٢١٥) .]] وَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِ الْحَدِيثِ [[في د: "ألفاظه".]] فَلَعَلَّهُ يَذْهَبُ يَسْتَغْفِرُ فيسُبّ نَفْسَهُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ الدَّشْتَكي، أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ قَالَ: لَا تَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ وَأَنْتُمْ جُنُبٌ إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ، قَالَ: تَمُرُّ [[في د: "مر".]] بِهِ مَرًّا وَلَا تَجْلِسُ. ثُمَّ قَالَ: ورُوي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَأَنَسٍ، وَأَبِي عُبَيْدَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، وَأَبِي الضُّحَى، وَعَطَاءٍ، ومُجَاهد، وَمَسْرُوقٍ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعي، وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، وَأَبِي مَالِكٍ، وعَمْرو بْنِ دِينَارٍ، وَالْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَة [[في أ: "عيينة".]] وعِكْرِمَة، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، ويَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ، وَابْنِ شِهَابٍ، وقتادَة، نحوُ ذَلِكَ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي المُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ [[في أ: "في قوله تعالى".]] ﴿وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ أَنَّ رِجَالًا مِنَ الْأَنْصَارِ كَانَتْ أَبْوَابُهُمْ فِي الْمَسْجِدِ، فَكَانَتْ تُصِيبُهُمُ الْجَنَابَةُ وَلَا مَاءَ عِنْدَهُمْ، فَيَرِدُونَ الْمَاءَ وَلَا يَجِدُونَ مَمَرًّا إِلَّا فِي الْمَسْجِدِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ وَيَشْهَدُ لِصِحَّةَ مَا قَالَهُ يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، رَحِمَهُ اللهُ، مَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "سُدُّوا كُلَّ خَوخة فِي الْمَسْجِدِ إِلَّا خَوخةَ أَبِي بَكْرٍ" [[صحيح البخاري برقم (٢٩٨) .]] . وَهَذَا قَالَهُ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ ﷺ، عِلْمًا مِنْهُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، سَيَلِي الْأَمْرَ بَعْدَهُ، وَيَحْتَاجُ إِلَى الدُّخُولِ فِي الْمَسْجِدِ كَثِيرًا لِلْأُمُورِ الْمُهِمَّةِ فِيمَا يَصْلُحُ لِلْمُسْلِمِينَ، فَأَمَرَ بِسَدِّ الْأَبْوَابِ الشَّارِعَةِ إِلَى الْمَسْجِدِ إِلَّا بَابَهُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وَمَنْ رَوَى: "إِلَّا بَابَ عَلِيٍّ" كَمَا وَقَعَ فِي بَعْضِ السُّنَنِ، فَهُوَ خَطَأٌ، وَالصَّحِيحُ. مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ. وَمِنْ هَذِهِ الْآيَةِ احْتَجَّ كَثِيرٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ عَلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْجُنُبِ اللُّبْثُ فِي الْمَسْجِدِ، وَيَجُوزُ لَهُ الْمُرُورُ، وَكَذَا الْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ أَيْضًا فِي مَعْنَاهُ؛ إِلَّا أَنَّ بَعْضَهَمْ قَالَ: يُمْنَعُ مُرُورَهُمَا لِاحْتِمَالِ التَّلْوِيثِ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنْ أَمِنَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا التَّلْوِيثَ فِي حَالِ الْمُرُورِ جَازَ لَهُمَا الْمُرُورُ وَإِلَّا فَلَا. وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "ناوليني الخُمْرة مِنَ الْمَسْجِدِ" فَقُلْتُ: إِنِّي حَائِضٌ. فَقَالَ: "إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ". وَلَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَثَلُهُ [[صحيح مسلم برقم (٢٩٨) ومن حديث أبي هريرة برقم (٢٩٩) .]] فَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ مُرُورِ الْحَائِضِ فِي الْمَسْجِدِ، وَالنُّفَسَاءُ فِي مَعْنَاهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أفْلَتَ بْنِ خَلِيفَةَ [[في ر: "خليقة".]] الْعَامِرِيِّ، عَنْ جَسْرة بِنْتِ دَجَاجَةَ، عَنْ عَائِشَةَ] رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا [ [[زيادة من أ.]] قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنِّي لَا أُحِلُّ الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلَا جنبٍ" [[سنن أبي داود برقم (٢٣٢) وسنن ابن ماجه برقم (٦٤٥) من حديث أم سلمة. قال البوصيري في الزوائد (١/٢٣٠) : "هذا إسناد ضعيف، محدوج لم يوثق، وأبو الخطاب مجهول".]] قَالَ أَبُو مُسْلِمٍ الخَطَّابي: ضَعَّف هَذَا الْحَدِيثَ جَمَاعَةٌ وَقَالُوا: أَفْلَتُ مَجْهُولٌ. لَكِنْ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الْخَطَّابِ الهَجَري، عَنْ مَحْدوج [[في أ: "مجدوح".]] الذُّهْلِيِّ، عَنْ جَسْرة، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بِهِ. قَالَ أَبُو زَرْعَةَ الرَّازِّيُّ: يَقُولُونَ: جسْرة عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ. وَالصَّحِيحُ جَسْرَةُ عَنْ عَائِشَةَ. فَأَمَّا مَا رَوَاهُ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ، مِنْ حَدِيثِ سَالِمِ بْنِ أَبِي حَفْصَةَ، عَنْ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدري قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يَا عَلِيُّ، لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يُجْنب فِي هَذَا الْمَسْجِدِ غَيْرِي وَغَيْرِكَ. إِنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ لَا يَثْبُتُ؛ فَإِنَّ سَالِمًا هَذَا مَتْرُوكٌ، وَشَيْخَهُ عَطِيَّةَ ضَعِيفٌ [[سنن الترمذي برقم (٣٧٢٧) .]] وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلٌ آخَرُ فِي مَعْنَى الْآيَةِ: قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْمُنْذِرُ بْنُ شَاذَانَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي لَيْلَى، عَنِ الْمِنْهَالِ، عَنْ زِرّ بْنِ حُبَيش، عَنْ عَلِيٍّ: ﴿وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ قَالَ: لَا يَقْرَبُ الصَّلَاةَ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُسَافِرًا تُصِيبُهُ الْجَنَابَةُ، فَلَا يَجِدُ الْمَاءَ فَيُصَلِّي حَتَّى يَجِدَ الْمَاءَ. ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ زِرّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَذَكَرَهُ. قَالَ: ورُوي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي إِحْدَى الرِّوَايَاتِ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَالضَّحَّاكِ، نَحْوُ ذَلِكَ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ جَرير مِنْ حَدِيثِ وَكِيع، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنِ المِنْهال، عَنْ عَبّادِ بْنِ عبدِ اللهِ أَوْ عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيش -عَنْ عَلِيٍّ فَذَكَرَهُ. وَرَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ الْعَوْفي وَأَبِي مِجْلَزِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَذَكَرَهُ. وَرَوَاهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَعَنْ مُجَاهِدٍ، وَالْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ، وَالْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ وزيدِ بْنِ أَسْلَمَ، وابنِهِ عَبْدِ الرَّحمنِ، مِثْلَ ذَلِكَ، وَرُوِيَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْج، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِير قَالَ: كنَّا نَسْمَعُ أَنَّهُ فِي السَّفَرِ. ويُسْتَشهد لِهَذَا الْقَوْلِ بِالْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَهْلُ السُّنَنِ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي قِلابة، عَنْ عَمْرو بْنِ بُجْدَان عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "الصعيدُ الطَّيِّب طَهُورُ الْمُسْلِمِ، وَإِنْ لَمْ تَجِدِ [[في د، ر: "يجد".]] الْمَاءَ عَشْرَ حججٍ، فَإِذَا وَجَدْتَ الْمَاءَ فأمْسسْه بشرتَك فَإِنَّ ذلك خير" [[المسند (٥/١٨٠) وسنن أبي داود برقم (٣٣٢) وسنن الترمذي برقم (١٢٤) وسنن النسائي (١/١٧١) .]] . ثُمَّ قَالَ [[في أ: "وقال".]] ابْنُ جَرِيرٍ -بَعْدَ حِكَايَتِهِ الْقَوْلَيْنِ-: والأوْلَى قَوْلُ مَنْ قَالَ: ﴿وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ إِلَّا مُجْتَازِي طَرِيقٍ فِيهِ. وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ بَيَّنَ حُكْمَ الْمُسَافِرِ إِذَا عَدِمَ الْمَاءَ وَهُوَ جُنُبٌ فِي قَوْلِهِ: أَوْ ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنْكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا [[زيادة من ر، أ.]] ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٦] إِلَى آخِرِهِ. فَكَانَ مَعْلُومًا بِذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ لَوْ كَانَ مَعْنِيًّا بِهِ الْمُسَافِرُ، لَمْ يَكُنْ لِإِعَادَةِ ذِكْرِهِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ مَعْنًى مَفْهُومٌ، وَقَدْ مَضَى حَكْمُ ذِكْرِهِ قَبْلَ ذَلِكَ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الْمَسَاجِدَ لِلصَّلَاةِ مُصَلِّينَ فِيهَا وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ، وَلَا تَقْرَبُوهَا أَيْضًا جَنْبًا حَتَّى تَغْتَسِلُوا، إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ. قَالَ: وَالْعَابِرُ [[في ر: "فالعابر".]] السَّبِيلَ: الْمُجْتَازُ مَرّا وَقَطْعًا. يُقَالُ مِنْهُ: "عَبَرْتُ هَذَا الطَّرِيقَ فَأَنَا أعبُره عَبْرًا وَعُبُورًا" وَمِنْهُ قِيلَ: "عَبَرَ فُلَانٌ النَّهْرَ" إِذَا قَطَعَهُ وَجَاوَزَهُ. وَمِنْهُ قِيلَ لِلنَّاقَةِ الْقَوِيَّةِ عَلَى الْأَسْفَارِ: هِيَ عُبْرُ أَسْفَارٍ وعَبْر أَسْفَارٍ؛ لِقُوَّتِهَا عَلَى قَطْعِ الْأَسْفَارِ. وَهَذَا الَّذِي نَصَرَهُ هُوَ قولُ الْجُمْهُورِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنَ الْآيَةِ، وَكَأَنَّهُ تَعَالَى نَهَى عَنْ تَعَاطِي الصَّلَاةِ عَلَى هَيْئَةٍ نَاقِصَةٍ تُنَاقِضُ مَقْصُودَهَا، وَعَنِ الدُّخُولِ إِلَى مَحَلِّهَا عَلَى هَيْئَةٍ نَاقِصَةٍ، وَهِيَ الْجَنَابَةُ الْمُبَاعِدَةُ لِلصَّلَاةِ وَلِمَحَلِّهَا أَيْضًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ دَلِيلٌ لِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ: أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالُكٌ وَالشَّافِعِيُّ: أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْجُنُبِ الْمُكْثُ فِي المسجدِ حَتَّى يَغْتَسِلَ أَوْ يَتَيَمَّمَ، إِنَّ عَدِمَ الْمَاءَ، أَوْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ بِطَرِيقَةٍ. وَذَهَبَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ إِلَى أَنَّهُ مَتَى تَوَضَّأَ الْجُنُبُ جَازَ لَهُ الْمُكْثُ فِي المسجدِ، لِمَا رَوَى [[في أ: "رواه".]] هُوَ وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي سُنَنِهِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ: أَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ؛ قَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ -هُوَ [[في أ: "وهو".]] الدرَاوَرْدِي-عَنْ هِشَام بنِ سَعْدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَار قَالَ: رَأَيْتُ رِجَالًا [[في أ: "رجلا" وهو خطأ.]] مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَجْلِسُونَ فِي الْمَسْجِدِ وَهُمْ مُجْنِبُونَ [[في أ: "مجتنبون".]] إِذَا تَوَضَؤُوا وُضُوءَ الصَّلَاةِ، وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، فَاللَّهُ [[في أ: "والله".]] أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ أَمَّا الْمَرَضُ الْمُبِيحُ لِلتَّيَمُّمِ، فَهُوَ الَّذِي يُخَافُ مَعَهُ مِنِ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ فواتُ عُضْوٍ أَوْ شَيْنه أَوْ تَطْوِيلُ البُرء. وَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ جَوّز التَّيَمُّمَ بِمُجَرَّدِ الْمَرَضِ لِعُمُومِ الْآيَةِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو غسَّان مالكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا قَيْسُ عَنْ خَصِيف [[في أ: "حصيف".]] عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ قَالَ: نَزَلَتْ فِي رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، كَانَ مَرِيضًا فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَقُومَ فَيَتَوَضَّأَ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ خَادِمٌ فَيُنَاوِلُهُ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ. هَذَا مُرْسَلٌ. وَالسَّفَرُ مَعْرُوفٌ، ولا فرق فيه بين الطويل والقصير. * * وَقَوْلُهُ: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ الْغَائِطُ: هُوَ الْمَكَانُ الْمُطْمَئِنُّ مِنَ الْأَرْضِ، كَنَّى بِذَلِكَ عَنِ التَّغَوُّطِ، وَهُوَ الْحَدَثُ الْأَصْغَرُ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ فَقُرِئَ: "لَمَسْتم" وَ"لَامَسْتُمْ" وَاخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ وَالْأَئِمَّةُ فِي مَعْنَى ذَلِكَ، عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: "أَنَّ ذَلِكَ كِنَايَةً عَنِ الْجِمَاعِ؛ لِقَوْلِهِ ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٣٧] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الْأَحْزَابِ: ٤٩] . قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا وَكِيع، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ قَالَ: الْجِمَاعُ. ورُوي عَنْ عَلِيٍّ، وَأَبِيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَطَاوُسٍ، وَالْحَسَنِ، وعُبَيد بْنِ عُمَيْرٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، والشَّعْبي، وَقَتَادَةَ، وَمُقَاتِلِ بْنِ حيَّان -نحوُ ذَلِكَ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي حُمَيد بْنُ مَسْعَدةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيع، حَدَّثَنَا شُعبة، عَنْ أَبِي بِشْر، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: ذَكَرُوا اللَّمْسَ، فَقَالَ نَاسٌ مِنَ الْمَوَالِي: لَيْسَ بِالْجِمَاعِ. وَقَالَ نَاسٌ مِنَ الْعَرَبِ: اللَّمْسُ الْجِمَاعُ: قَالَ: فَأَتَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقُلْتُ لَهُ: إِنْ نَاسًا مِنَ الْمَوَالِي وَالْعَرَبِ اخْتَلَفُوا فِي اللَّمْسِ، فَقَالَتِ الْمَوَالِي. لَيْسَ بِالْجِمَاعِ. وَقَالْتِ الْعَرَبُ: الْجِمَاعُ. قَالَ: مِنْ أَيِّ الْفَرِيقَيْنِ كُنْتَ؟ قُلْتُ: كُنْتُ مِنَ الْمَوَالِي. قَالَ: غُلب فريقُ الْمُوَالِي. إِنَّ اللَّمْسَ وَالْمَسَّ وَالْمُبَاشَرَةَ: الْجِمَاعُ، وَلَكِنَّ اللَّهَ يُكَنِّي مَا شَاءَ بِمَا شَاءَ. ثُمَّ رَوَاهُ عَنِ ابْنِ بشَّار، عَنْ غُنْدَر، عَنْ شُعْبَةَ -بِهِ نَحْوَهُ. ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، نَحْوَهُ. وَمَثَلَهُ قَالَ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بِشْرٍ، أَخْبَرَنَا [[في ر: "أخبرني عن".]] سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: اللَّمْسُ وَالْمَسُّ وَالْمُبَاشَرَةُ: الْجِمَاعُ، وَلَكِنَّ اللَّهَ يُكَنِّي بِمَا يَشَاءُ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَيَانٍ، أَنْبَأَنَا إِسْحَاقُ الْأَزْرَقُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْمُلَامَسَةُ: الْجِمَاعُ، وَلَكِنَّ اللَّهَ كَرِيمٌ يُكَنِّي بِمَا يَشَاءُ. وَقَدْ صَحَّ [[في أ: "صح هذا".]] مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ. ثُمَّ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ بَعْضِ مَنْ حَكَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْهُمْ. ثُمَّ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَالَ آخَرُونَ: عَنَى اللَّهُ بِذَلِكَ كُلَّ لَمْسٍ بِيَدٍ كَانَ أَوْ بِغَيْرِهَا مِنْ أَعْضَاءِ الْإِنْسَانِ، وَأَوْجَبَ الْوُضُوءَ عَلَى كُلِّ مَنْ مَسَّ بِشَيْءٍ مِنْ جَسَدِهِ شَيْئًا مِنْ جَسَدِهَا مُفْضِيًا إِلَيْهِ. ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سفيان عن مُخَارقٍ، عن طارق [[في أ: "طاوس".]] عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: اللَّمْسُ مَا دُونَ الْجِمَاعِ. وَقَدْ رَوَاهُ مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِمِثْلِهِ. وَرُوِيَ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: الْقُبْلَةُ مِنَ الْمَسِّ، وَفِيهَا الْوُضُوءُ. وَقَالَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عُبَيد اللَّهِ [[في د، ر: "عبد الله" والصحيح ما أثبتناه.]] بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَتَوَضَّأُ مِنْ قُبْلَةِ الْمَرْأَةِ، وَيَرَى [[في أ: "وهو يرى".]] فِيهَا الْوُضُوءَ، وَيَقُولُ: هِيَ مِنَ اللِّمَاسِ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ جَرِيرٍ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ، عَنْ مُخَارِقٍ، عَنْ طَارِقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: اللَّمْسُ مَا دُونَ الْجِمَاعِ. ثُمَّ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: ورُوي عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَعُبَيْدَةَ، وَأَبِي عُثْمَانَ النَّهْدي وَأَبِي عُبَيْدَةَ -يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ-وَعَامِرٍ الشَّعْبي، وَثَابِتِ بْنِ الحجَّاج، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعي، وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ نَحْوُ ذَلِكَ. قُلْتُ: وَرَوَى مَالِكٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: قُبْلَةُ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ وجَسَّه بِيَدِهِ مِنَ الْمُلَامَسَةِ، فَمَنْ قَبّل امْرَأَتَهُ أَوْ جَسَّهَا بِيَدِهِ، فَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ. وَرَوَى الْحَافِظُ أَبُو الْحَسَنِ الدارقُطْني [فِي سُنَنِهِ] [[زيادة من ر، أ.]] عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ نَحْوَ ذَلِكَ. وَلَكِنْ رَوَيْنا عَنْهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ: أَنَّهُ كَانَ يُقَّبِلُ امْرَأَتَهُ، ثُمَّ يُصَلِّي وَلَا يَتَوَضَّأُ. فَالرِّوَايَةُ عَنْهُ مُخْتَلِفَةٌ، فَيَحْمِلُ [[في أ: "فيحتمل".]] مَا قَالَهُ فِي الْوُضُوءِ إِنْ صَحَّ عَنْهُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَالْقَوْلُ بِوُجُوبِ الْوُضُوءِ مِنَ الْمَسِّ هُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ وَمَالِكٍ وَالْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ، قَالَ نَاصِرُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ: قَدْ قُرِئَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ﴿لامَسْتُمُ﴾ ﴿وَلَمَسْتُمْ﴾ وَاللَّمْسُ يُطْلَقُ فِي الشَّرْعِ عَلَى الْجَسِّ بِالْيَدِ قَالَ] اللَّهُ [ [[زيادة من ر، أ.]] تَعَالَى: ﴿وَلَوْ نزلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٧] ، أَيْ جَسُّوهُ [[في ر، أ: "مسوه".]] وَقَالَ [رَسُولُ اللَّهِ] [[زيادة من أ.]] ﷺ لِمَاعِزٍ -حِينَ أَقَرَّ بِالزِّنَا يُعرض لَهُ بِالرُّجُوعِ عَنِ الْإِقْرَارِ-: "لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ أَوْ لَمَسْتَ" [[رواه البخاري في صحيحه برقم (٦٨٢٤) وأبو داود في سننه برقم (٤٤٢٧) وأحمد في مسنده (١/٢٣٨) من حديث عبد الله بن عباس.]] وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: "وَالْيَدُ زِنَاهَا اللَّمْسُ" وَقَالَتْ عَائِشَةُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: قَلّ يَوْمٌ إِلَّا ورسولُ اللَّهِ ﷺ يَطُوفُ عَلَيْنَا، فَيُقَبِّلُ وَيَلْمِسُ. وَمِنْهُ مَا ثَبَتَ فِي الصحيحين: أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْمُلَامَسَةِ [[صحيح البخاري برقم (٢١٤٦) وصحيح مسلم برقم (١٥١١) .]] وَهُوَ يَرْجع إِلَى الْجَسِّ بِالْيَدِ عَلَى كِلَا التَّفْسِيرَيْنِ قَالُوا: وَيُطْلَقُ فِي اللُّغَةِ عَلَى الْجَسِّ بِالْيَدِ، كَمَا يُطْلَقُ عَلَى الْجِمَاعِ، قَالَ الشَّاعِرُ: وألمستُ كَفي كفَّه أَطْلُبُ الغِنَى ... وَاسْتَأْنَسُوا أَيْضًا بِالْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ [[في ر، أ: "عبد الرحمن".]] بْنُ مَهْدِيٍّ وَأَبُو سَعِيدٍ قَالَا حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ -وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: حَدَّثَنَا عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَير، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن أبي لَيْلَى، عَنْ مُعَاذٍ قَالَ: أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ لَقِيَ امْرَأَةً لَا يَعْرِفُهَا، فَلَيْسَ [[في أ: "وليس".]] يَأْتِي الرَّجُلُ مِنِ امرأته شيء إلا أَتَاهُ مِنْهَا، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يُجَامِعْهَا؟ قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هُودٍ: ١١٤] قَالَ: فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "تَوَضَّأَ ثُمَّ صَلِّ". قَالَ مُعَاذٌ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَهُ خَاصَّةً أَمْ لِلْمُؤْمِنِينَ عَامَّةً؟ قَالَ: "بَلْ لِلْمُؤْمِنِينَ عَامَّةً". وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ زَائِدَةَ [[المسند (٥/٢٤٤) وسنن الترمذي برقم (٣١١٣) .]] بِهِ، وَقَالَ: لَيْسَ بِمُتَّصِلٍ. وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى مُرْسَلًا [[رواه النسائي في الكبرى برقم (٧٣٢٨) لكنه موصول، وذكره المزي في تحفة الأشراف برقم (١١٣٤٣) وعزاه للنسائي مرسلا، والله أعلم.]] . قَالُوا: فَأَمَرَهُ بِالْوُضُوءِ؛ لِأَنَّهُ لَمَسَ الْمَرْأَةَ وَلَمْ يُجَامِعْهَا. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ مُنْقَطِعٌ بَيْنَ أَبِي لَيْلَى وَمُعَاذٍ، فَإِنَّهُ لَمْ يَلْقَهُ، ثُمَّ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ إِنَّمَا أَمَرَهُ بِالْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ لِلتَّوْبَةِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ الصدِّيق [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من أ.]] مَا مِنْ عَبْدٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا فَيَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ إِلَّا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ" الْحَدِيثَ، وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ [وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا اللَّهُ] [[زيادة من د، أ.]] ﴾ الْآيَةَ [آلِ عِمْرَانَ:١٣٥] . ثُمَّ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: عَنَى اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ الْجِمَاعَ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ مَعَانِي اللَّمْسِ، لِصِحَّةِ الْخَبَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنه قَبّل بَعْضَ نِسَائِهِ ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ، ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنِي بِذَلِكَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُوسَى السُّدِّيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَوَضَّأُ ثُمَّ يُقَبِّلُ، ثُمَّ يُصَلِّي وَلَا يَتَوَضَّأُ [[تفسير الطبري (٨/٣٩٦) .]] . ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا وَكِيع، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ حَبِيبٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَبّل بَعْضَ نِسَائِهِ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ، قُلْتُ: مَنْ هِيَ إِلَّا أَنْتِ؟ فَضَحِكَتْ. وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ مَشَايِخِهِمْ، عَنْ وَكِيعٍ، بِهِ [[تفسير الطبري (٨/٣٩٦) وسنن أبي داود برقم (١٨٠) وسنن الترمذي برقم (٨٦) وسنن ابن ماجه برقم (٥٠٢) .]] . ثُمَّ قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رُوِيَ عَنِ الثَّوْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: مَا حَدَّثَنَا حَبِيبٌ إِلَّا عَنْ عُرْوَةَ المزَنيّ، وَقَالَ يَحْيَى القطَّان لِرَجُلٍ: احْكِ عَنِّي أَنَّ هذا الحديث شبه لا شيء. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: سَمِعْتُ الْبُخَارِيَّ يَضْعِّفُ هَذَا الْحَدِيثَ وَقَالَ: حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ لَمْ يُسْمَعْ مِنْ عُرْوَة. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنُ مَاجَهْ: عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شيبة وَعَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الطَّنَافِسِيِّ، عَنْ وَكِيعٍ عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ. وَأَبْلَغُ مِنْ ذلك مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، مِنْ حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ [[في أ: "عائشة به".]] وَهَذَا نَصٌّ فِي كَوْنِهِ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ، وَيَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ: مَنْ هِيَ إِلَّا أَنْتِ، فَضَحِكَتْ [[المسند (٦/٢١٠) لكنه من طريق حبيب بن أبي ثابت عن عروة به.]] . لَكِنْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَخْلد الطَّالْقاني، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَغْراء، عَنِ الْأَعْمَشِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَصْحَابٌ لَنَا عَنْ عُرْوَةَ الْمُزَنِيِّ عَنْ عَائِشَةَ [[في ر: "عروة".]] فَذَكَرَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ أَيْضًا: حَدَّثَنَا أَبُو زَيْدٍ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ، عَنْ [[في أ: "حدثنا".]] شِهَابِ بْنِ عبَّاد، حَدَّثَنَا مَنْدَل بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ عَائِشَةَ -وَعَنْ أَبِي رَوْق، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيمي، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنَالُ مِنِّي القبلةَ بَعْدَ الْوُضُوءِ، ثُمَّ لَا يُعِيدُ الْوُضُوءَ [[تفسير الطبري (٨/٣٩٧) .]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ الهمْدَاني، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَبَّلَ ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. [وَ] [[زيادة من أ.]] رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ يَحْيَى الْقَطَّانِ -زَادَ أَبُو دَاوُدَ: وَابْنُ مَهْدِيٍّ-كِلَاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ بِهِ. [[المسند (٦/٢١٠) وسنن أبي داود برقم (١٧٨) وسنن النسائي (١/٣٩) .]] ثُمَّ قَالَ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ: لَمْ يَسْمَعْ إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ مِنْ عَائِشَةَ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ أَيْضًا: حَدَّثَنَا سَعِيدُ [[في أ: "سعد".]] بْنُ يَحْيَى الْأُمَوِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ سِنَان، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم كَانَ يُقَبِّلُهَا وَهُوَ صَائِمٌ، ثُمَّ لَا يُفْطِرُ، وَلَا يُحْدِثُ وُضُوءًا [[تفسير الطبري (٨/٣٩٩) ورواه الطبراني في الأوسط برقم (٤٣٦) "مجمع البحرين" من طريق سعيد بن يحيى الأموي به. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/٢٤٧) : "فيه يزيد بن سنان الرهاوى ضعفه أحمد ويحيى وابن المدينى، ووثقه البخاري وأبو حاتم، وثبته مروان بن معاوية وبقية رجاله موثقون".]] . وَقَالَ أَيْضًا: حَدَّثَنَا أَبُو كَرَيْبٍ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِياث، عَنْ حَجَّاجٍ، عَنِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ زَيْنَبَ السَّهْمِية عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: أَنَّهُ كَانَ يُقَبّل ثُمَّ يُصَلِّي وَلَا يَتَوَضَّأُ. وَقَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيل، عَنْ حَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاة، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ زَيْنَبَ السَّهْمِيَّةِ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم، به [[تفسير الطبري (٨/٣٩٧) والمسند (٦/٦٢) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِنْ لَمْ [[في ر، أ: "فلم".]] تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ اسْتَنْبَطَ كَثِيرٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ لِعَادِمِ الْمَاءِ إِلَّا بَعْدَ تَطَلُّبِهِ، فَمَتَى طَلَبَهُ فَلَمْ يَجِدْهُ جَازَ لَهُ حِينَئِذٍ التَّيَمُّمُ. وَقَدْ ذَكَرُوا كَيْفِيَّةَ الطَّلَبِ فِي كُتُبِ الْفُرُوعِ، كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي مَوْضِعِهِ، كَمَا هُوَ [[في أ: "ورد".]] فِي الصَّحِيحَيْنِ، مِنْ حَدِيثِ عِمران بْنِ حُصَيْنٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى رَجُلًا مُعْتَزِلًا لَمْ يُصَلِّ فِي [[في أ: "مع".]] الْقَوْمِ، فَقَالَ: "يَا فُلَانُ، مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ مَعَ الْقَوْمِ؟ أَلَسْتَ بِرَجُلٍ مُسْلِمٍ؟ " قَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَكِنْ أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ وَلَا مَاءَ. قَالَ: "عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ، فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ". [[صحيح البخاري برقم (٣٤٨) وصحيح مسلم برقم (٦٨٢) .]] وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ لَمْ [[في أ: "فلم".]] تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ فَالتَّيَمُّمُ فِي اللُّغَةِ هُوَ: الْقَصْدُ. تَقُولُ الْعَرَبُ: تَيَمَّمَكَ [[في ر، أ: "نواك".]] اللَّهُ بِحِفْظِهِ، أَيْ: قَصَدَكَ. وَمِنْهُ قَوْلُ امْرِئِ الْقَيْسِ [[البيت في لسان العرب لابن منظور، مادة (ضرج) .]] وَلَمَّا رَأتْ [[في ر: "رأيت".]] أنَّ المَنِية ورِدُها ... وَأَنَّ الحصَى مِنْ تَحْتِ أَقْدَامِهَا دَامِ ... تَيَمَّمَتِ الْعَيْنَ الَّتِي عِنْدَ ضَارِجٍ ... يَفِيءُ عَلَيْهَا الْفَيْءُ عَرْمَضها طَامِ ... وَالصَّعِيدُ قِيلَ: هُوَ كُلُّ مَا صَعِدَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ التُّرَابُ، وَالرَّمْلُ، وَالشَّجَرُ، وَالْحَجَرُ، وَالنَّبَاتُ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ. وَقِيلَ: مَا كَانَ مِنْ جِنْسِ التُّرَابِ فَيُخْتَصُّ التُّرَابُ وَالرَّمْلُ وَالزَّرْنِيخُ، وَالنَّوْرَةُ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقِيلَ: هُوَ التُّرَابُ فَقَطْ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَأَصْحَابِهِمَا، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ [الْكَهْفِ: ٤٠] أَيْ: تُرَابًا أَمْلَسَ طَيِّبًا، وَبِمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "فُضِّلْنَا عَلَى النَّاسِ بِثَلَاثٍ: جُعِلَتْ صُفُوفُنَا كَصُفُوفِ الْمَلَائِكَةِ، وَجُعِلَتْ لَنَا الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدًا، وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا إِذَا لَمْ نَجِدِ الْمَاءَ" [[صحيح مسلم برقم (٥٢٢) .]] وَفِي لَفْظٍ: "وَجُعِلَ تُرَابُهَا لَنَا طَهُورًا إِذَا لَمْ نَجِدِ الْمَاءَ". قَالُوا: فَخَصَّصَ الطَّهُورِيَّةَ بِالتُّرَابِ فِي مَقَامِ الِامْتِنَانِ، فَلَوْ كَانَ غَيْرُهُ يَقُومُ مَقَامَهُ لَذَكَرَهُ مَعَهُ. وَالطَّيِّبُ هَاهُنَا قِيلَ: الْحَلَالُ. وَقِيلَ: الَّذِي لَيْسَ بِنَجَسٍ. كَمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَهْلُ السُّنَنِ إِلَّا ابْنَ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ بُجْدان [[في أ: "نجدان".]] عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ طَهُورُ الْمُسْلِمِ، وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ حِجَجٍ، فَإِذَا وَجَدَهُ، [[في ر، أ: "فإذا وجد الماء".]] فَلْيُمِسَّهُ بَشرته، فَإِنَّ ذَلِكَ خير له". وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ: وَصَحَّحَهُ ابْنُ حُبَّانَ أَيْضًا [[سبق تخريجه، ورواه ابن حبان في صحيحه (٢/٣٠٣) "الإحسان".]] وَرَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ فِي مسنده عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ [[مسند البزار برقم (٣١٠) ، "كشف الأستار"، وقال الهيثمي في المجمع (١/٢٦١) : "رواه البزار وقال: لَا نَعْلَمُهُ يُرْوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ إِلَّا مِنْ هَذَا الوجه قلت: ورجاله رجال الصحيح".]] وَصَحَّحَهُ الْحَافِظُ أَبُو الْحَسَنِ الْقَطَّانُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَطْيَبُ الصَّعِيدِ تُرَابُ الْحَرْثِ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَرَفَعَهُ ابْنُ مَرْدويه فِي تَفْسِيرِهِ [[ورواه الشيرازي في الألقاب كما في الدر المنثور للسيوطي (٢/٥٥١) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ التَّيَمُّمُ بَدَلٌ عَنِ الْوُضُوءِ فِي التَّطَهُّرِ [[في ر: "الطهر".]] بِهِ، لَا أَنَّهُ بَدَلٌ مِنْهُ فِي جَمِيعِ أَعْضَائِهِ، بَلْ يَكْفِي مَسْحُ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ فَقَطْ بِالْإِجْمَاعِ، وَلَكِنِ [[في أ: "واختلف".]] اخْتَلَفَ الْأَئِمَّةُ فِي كَيْفِيَّةِ التَّيَمُّمِ عَلَى أَقْوَالٍ. أَحَدُهَا -وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ-: أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَمْسَحَ الْوَجْهَ وَالْيَدَيْنِ إِلَى الْمَرْفِقَيْنِ بِضَرْبَتَيْنِ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الْيَدَيْنِ يَصْدُقُ إِطْلَاقُهُمَا عَلَى مَا يَبْلُغُ الْمَنْكِبَيْنِ، وَعَلَى مَا يَبْلُغُ الْمِرْفَقَيْنِ، كَمَا فِي آيَةِ الْوُضُوءِ، وَيُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِمَا مَا يَبْلُغُ الْكَفَّيْنِ، كَمَا فِي آيَةِ السَّرِقَةِ: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [الْمَائِدَةِ: ٣٨] قَالُوا: وَحَمْلُ مَا أُطْلِقَ هَاهُنَا عَلَى مَا قُيِّدَ فِي آيَةِ الْوُضُوءِ أَوْلَى لِجَامِعِ [[في أ: "بجماع".]] الطَّهُورِيَّةِ. وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "التَّيَمُّمُ ضَرْبَتَانِ: ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ، وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ". وَلَكِنْ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ فِي أَسَانِيدِهِ ضُعَفَاءُ لَا يَثْبُتُ الْحَدِيثُ بِهِمْ [[سنن الدارقطني (١/١٨٠) من طريق عبد الله بن الحسين عن عبد الرحيم بن مطرف عن علي بن ظبيان عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابن عمر، به. ثم قال: "كذا رواه علي بن ظبيان مرفوعًا، ووقفه يحيى بن القطان وهشيم وغيرهما، وهو الصواب".]] وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ -فِي حَدِيثٍ-أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ضَرْبَ بِيَدَيْهِ عَلَى الْحَائِطِ وَمَسْحَ بِهِمَا وَجْهَهُ، ثُمَّ ضَرَبَ ضَرْبَةً أُخْرَى فَمَسَحَ بِهَا ذِرَاعَيْهِ. وَلَكِنْ فِي إِسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ ثَابِتٍ العَبْدي، وَقَدْ ضَعَّفَهُ بَعْضُ الْحُفَّاظِ، وَرَوَاهُ غَيْرُهُ مِنَ الثِّقَاتِ فَوَقَفُوهُ عَلَى فِعْلِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو زُرْعَةَ وَابْنُ عَدِي: هُوَ الصَّوَابُ. وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: رَفْعُ هَذَا الْحَدِيثِ مُنْكَرٌ [[في ر، أ: "غير منكر".]] [[سنن أبي داود برقم (٣٣١) .]] . وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِمَا رَوَاهُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي الحويرث عن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنِ ابْنِ الصَّمَّة: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَيَمَّمَ فَمَسَحَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ. [[الأم للشافعي (١/٤٢) .]] وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ سَهْلٍ الرَّمْلِيُّ، حَدَّثَنَا نَعِيمُ بْنُ حَمَّاد، حَدَّثَنَا خارجةُ بْنُ مُصْعب، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ موسى بن عُقْبة، عن الأعرج، عن أبي جُهيم [[في أ: "جهيمة".]] قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَبُولُ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ حَتَّى فَرَغَ، ثُمَّ قَامَ إِلَى الْحَائِطِ [[في أ: "حائط".]] فَضَرَبَ بِيَدَيْهِ عَلَيْهِ، فَمَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ، ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ عَلَى الْحَائِطِ فَمَسَحَ بِهِمَا يَدَيْهِ إلى المرفقين، ثم رد علي السلام [[تفسير الطبري (٨/٤١٦) .]] . وَالْقَوْلُ الثَّانِي: إِنَّهُ يَجِبُ مَسْحُ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ إِلَى الْكَفَّيْنِ بِضَرْبَتَيْنِ، وَهُوَ الْقَوْلُ الْقَدِيمُ لِلشَّافِعِيِّ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ يَكْفِي مَسْحُ الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ؛ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ ذَرّ، عَنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ رَجُلًا أَتَى عُمَرَ فَقَالَ: إِنِّي أَجْنَبْتُ فَلَمْ أَجِدْ مَاءً؟ فَقَالَ عُمَرُ: لَا تُصَلِّ. فَقَالَ عَمَّارٌ: أَمَا تَذْكُرُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ أَنَا وَأَنْتَ فِي سَرِيَّةٍ فَأَجْنَبْنَا فَلَمْ نَجِدْ مَاءً، فَأَمَّا أَنْتَ فَلَمْ تُصَلِّ، وَأَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكْتُ فِي التُّرَابِ فَصَلَّيْتُ، فَلَمَّا أَتَيْنَا النَّبِيَّ ﷺ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: "إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ". وَضَرَبَ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ الْأَرْضَ، ثُمَّ نَفَخَ فِيهَا وَمَسَحَ بِهَا [[في أ: "بهما".]] وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ [[المسند (٤/٢٦٥) .]] . وَقَالَ أَحْمَدُ أَيْضًا: حَدَّثَنَا عفَّان، حَدَّثَنَا أَبَانٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةَ، عَنْ عَزْرَة [[في أ: "عروة".]] عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمَّارٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِي التَّيَمُّمِ: "ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ" [[المسند (٤/٢٦٣) .]] . طَرِيقٌ أُخْرَى: قَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ الْأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا شَقِيقٌ قَالَ: كُنْتُ قَاعِدًا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبِي مُوسَى فَقَالَ أَبُو مُوسَى لِعَبْدِ اللَّهِ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ لَمْ يُصَلِّ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَا. فَقَالَ أَبُو مُوسَى: أما تذكر إذ قال عمَّار لعمر: أَلَا تَذْكُرُ إِذْ بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَإِيَّاكَ فِي إِبِلٍ، فَأَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ، فَتَمَرَّغْتُ فِي التُّرَابِ؟ فَلَمَّا رجعتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَخْبَرْتُهُ، فَضَحِكَ وَقَالَ: "إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَقُولَ هَكَذَا"، وَضَرَبَ بِكَفَّيْهِ إِلَى الْأَرْضِ، ثُمَّ مَسَحَ كَفَّيْهِ جَمِيعًا، وَمَسَحَ وَجْهَهُ مَسْحَةً وَاحِدَةً بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَا جَرَمَ، مَا رَأَيْتُ عُمَرَ قَنِعَ بِذَاكَ قَالَ: فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى: فَكَيْفَ بِهَذِهِ الْآيَةِ فِي سُورَةِ النساء: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيًدا طَيِّبًا﴾ ؟ قَالَ: فَمَا دَرَى عَبْدُ اللَّهِ مَا يَقُولُ، وَقَالَ: لَوْ رَخَّصْنَا لَهُمْ فِي التَّيَمُّمِ لَأَوْشَكَ أَحَدُهُمْ إِذَا بَرَدَ الْمَاءُ عَلَى جِلْدِهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ [[المسند (٤/٢٦٥) .]] . وَقَالَ تَعَالَى فِي آيَةِ الْمَائِدَةِ: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [الْمَائِدَةِ:٦] ،اسْتَدَلَّ بِذَلِكَ الشَّافِعِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي التَّيَمُّمِ أَنْ يَكُونَ بِتُرَابٍ طَاهِرٍ لَهُ غُبَارٌ يَعْلَقُ بِالْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ مِنْهُ شَيْءٌ، كَمَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ بِإِسْنَادِهِ الْمُتَقَدِّمِ عَنْ ابْنِ الصِّمَّةِ: أَنَّهُ مَرّ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يَبُولُ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ، حَتَّى قَامَ إِلَى جِدَارٍ فَحَتَّهُ بِعَصًا كَانَتْ مَعَهُ، فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَيْهِ ثُمَّ مَسَحَ بِهَا وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ أَيْ: فِي الدِّينِ الَّذِي شَرَعه لَكُمْ ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ فَلِهَذَا أَبَاحَ إِذَا لَمْ تَجِدُوا الْمَاءَ أَنْ تَعْدِلُوا إِلَى التَّيَمُّمِ بِالصَّعِيدِ ﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَةُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ وَلِهَذَا كَانَتْ هَذِهِ الْأُمَّةُ مُخْتَصَّةً بِشَرْعِيَّةِ التَّيَمُّمِ دُونَ سَائِرِ الْأُمَمِ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أعطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أحدٌ قَبْلي: نُصِرتُ بالرُّعبِ مَسِيرةَ شَهْرٍ وجعلتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصلاة فليصل -وفي لفظ: فعنده طَهُورُه مسجده-وأحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً" [[صحيح البخاري برقم (٣٣٥) وصحيح مسلم برقم (٥٢١) .]] . وَتَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ: "فُضِّلْنَا عَلَى النَّاسِ بِثَلَاثٍ: جُعِلَتْ صُفُوفُنَا كَصُفُوفِ الْمَلَائِكَةِ، وَجُعِلَتْ لَنَا الْأَرْضُ مَسْجِدًا، وَتُرْبَتُهَا [[في أ: "وترابها".]] طَهُورًا إِذَا لَمْ نَجِدِ الْمَاءَ". وَقَالَ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ أَيْ: وَمِنْ عَفْوِهِ عَنْكُمْ وغَفره لَكُمْ أَنْ شَرَعَ [[في أ: "يشرع".]] التَّيَمُّمَ، وَأَبَاحَ لَكُمْ فِعْلَ الصَّلَاةِ بِهِ إِذَا فَقَدْتُمِ [[في أ: "فقد".]] الْمَاءَ تَوْسِعَةً عَلَيْكُمْ وَرُخْصَةً لَكُمْ، وَذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ فِيهَا تَنْزِيهُ الصَّلَاةِ أَنْ تُفْعَلَ عَلَى هَيْئَةٍ نَاقِصَةٍ مِنْ سُكْرٍ حَتَّى يَصْحُوَ الْمُكَلَّفُ وَيَعْقِلَ مَا يَقُولُ، أَوْ جَنَابَةٍ حَتَّى يَغْتَسِلَ، أَوْ حَدَثٍ حَتَّى يَتَوَضَّأَ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَرِيضًا أَوْ عَادِمًا لِلْمَاءِ، فَإِنَّ اللَّهَ، عَزَّ وَجَلَّ، قَدْ أَرْخَصَ فِي التَّيَمُّمِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ، رَحْمَةً بِعِبَادِهِ وَرَأْفَةً بِهِمْ، وَتَوْسِعَةً عَلَيْهِمْ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. ذِكْرُ سَبَبِ نُزُولِ مَشْرُوعِيَّةِ التَّيَمُّمِ: وَإِنَّمَا ذَكَرْنَا ذَلِكَ هَاهُنَا؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ الَّتِي فِي النِّسَاءِ مُتَقَدِّمَةُ النُّزُولِ عَلَى آيَةِ الْمَائِدَةِ، وَبَيَانُهُ أَنَّ هَذِهِ نَزَلَتْ قَبْلَ تَحَتُّمِ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ، وَالْخَمْرُ إِنَّمَا حُرِّمَ بَعْدَ أُحُدٍ، يُقَالُ: فِي مُحَاصَرَةِ النَّبِيِّ ﷺ لِبَنِي النَّضِيرِ بَعْدَ أُحُدٍ بِيَسِيرٍ، وَأَمَّا الْمَائِدَةُ فَإِنَّهَا مِنْ أَوَاخِرِ مَا نَزَلَ، وَلَا سِيَّمَا صَدْرُهَا، فَنَاسَبَ أَنْ يُذْكَرَ السَّبَبُ هَاهُنَا، وَبِاللَّهِ الثِّقَةُ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّهَا اسْتَعَارَتْ مِنْ أَسْمَاءَ قِلَادَةً، فَهَلَكَتْ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رِجَالًا فِي طَلَبِهَا فَوَجَدُوهَا، فَأَدْرَكَتْهُمُ الصَّلَاةُ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ، فَصَلُّوهَا بِغَيْرِ وُضُوءٍ، فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ، فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ لِعَائِشَةَ: جَزَاكِ اللَّهُ خَيْرًا، فَوَاللَّهِ مَا نَزَلَ بِكِ أَمْرٌ تَكْرَهِينَهُ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ لَكِ وَلِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ خَيْرًا [[المسند (٦/٥٧) .]] . طَرِيقٌ أُخْرَى: قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَنْبَأَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، حَتَّى إِذَا كُنَّا فِي الْبَيْدَاءِ [[في أ: "بالبيداء".]] -أَوْ بِذَاتِ الْجَيْشِ-انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي، فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْتِمَاسِهِ، وَأَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ، فَأَتَى النَّاسُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالُوا: أَلَا تَرَى مَا صَنَعَتْ عَائِشَةُ؟ أَقَامَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبِالنَّاسِ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ! فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَاضِعٌ رَأْسَهُ عَلَى فَخِذِي قَدْ نَامَ، فَقَالَ: حَبَسْتِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسَ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ! قَالَتْ عَائِشَةُ: فَعَاتَبَنِي أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ، وَجَعَلَ يَطْعَنُ بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِي، وَلَا يَمْنَعُنِي مِنَ التَّحَرُّكِ إِلَّا مَكَانُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى فَخِذِي، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ فَتَيَمَّمُوا، فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ: مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَركتكم يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ. قَالَتْ: فَبَعَثْنَا الْبَعِيرَ الَّذِي كُنْتُ عَلَيْهِ، فَوَجَدْنَا الْعِقْدَ تَحْتَهُ. وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا عَنْ قُتيبة وَإِسْمَاعِيلَ. وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، عَنْ مَالِكٍ [[صحيح البخاري برقم (٤٦٠٧) .]] . حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عَرَّسَ بِأُولَاتِ الْجَيْشِ وَمَعَهُ عَائِشَةُ زَوْجَتُهُ، فَانْقَطَعَ عِقْدٌ لَهَا مِنْ جَزْع ظَفَار، فَحَبَسَ النَّاسَ ابْتِغَاءَ عِقْدِهَا، وَذَلِكَ حَتَّى أَضَاءَ الْفَجْرُ، وَلَيْسَ مَعَ النَّاسِ مَاءٌ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، عَلَى رَسُولِهِ ﷺ رُخْصَةَ التَّطَهُّرِ بِالصَّعِيدِ الطَّيِّبِ، فَقَامَ الْمُسْلِمُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَضَرَبُوا بِأَيْدِيهِمُ الْأَرْضَ، ثُمَّ رَفَعُوا أَيْدِيَهُمْ وَلَمْ يَقْبِضُوا مِنَ التُّرَابِ شَيْئًا، فَمَسَحُوا بِهَا وُجُوهَهُمْ وَأَيْدِيَهُمْ إِلَى الْمَنَاكِبِ، وَمِنْ بُطُونِ أَيْدِيهِمْ إِلَى الْآبَاطِ [[المسند (٤/٢٦٤) .]] . وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا صَيْفِيٌّ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ،] عَنِ الزُّهْرى [ [[زيادة من أ، والطبري.]] عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عن أَبِي الْيَقْظَانِ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَهَلَكَ عِقْدٌ لِعَائِشَةَ، فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَضَاءَ الْفَجْرُ [[في أ: "الصبح".]] فَتَغَيَّظَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى عَائِشَةَ] رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا [ [[زيادة من أ.]] فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ الرُّخْصَةُ: الْمَسْحُ بِالصَّعِيدِ الطَّيِّبِ. فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ لَهَا: إِنَّكِ لَمُبَارَكَةٌ! نَزَلَتْ فِيكِ رُخْصَةٌ! فَضَرَبْنَا بِأَيْدِينَا ضَرْبَةً لِوُجُوهِنَا، وَضَرْبَةً لِأَيْدِينَا إِلَى الْمَنَاكِبِ وَالْآبَاطِ. [[تفسير الطبري (٨/٤١٨) .]] حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدويه: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْزُوقٍ، حَدَّثَنَا الْعَلَاءُ [[في النسخ: "العباس" وهو تحريف، والتصويب من كتب الرجال.]] بْنُ أَبِي سَوِيَّةَ، حَدَّثَنِي الْهَيْثَمُ عَنْ زُرَيق [[في أ: "زريق".]] الْمَالِكِيِّ -مِنْ بَنِي مَالِكِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدٍ، وَعَاشَ مِائَةً وَسَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً-عَنْ أَبِيهِ، عَنْ الْأَسْلَعِ بْنِ شَرِيكٍ قَالَ: كُنْتُ أُرَحِّل ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم فَأَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ، وَأَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرِّحْلَةَ، فَكَرِهْتُ أَنْ أُرَحِّلَ نَاقَتِهِ وَأَنَا جُنُبٌ، وَخَشِيتُ أَنْ أَغْتَسِلَ بِالْمَاءِ الْبَارِدِ فَأَمُوتَ أَوْ أَمْرَضَ، فَأَمَرْتُ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ فَرَحَّلَهَا، ثُمَّ رضَفت أَحْجَارًا فَأَسْخَنْتُ بِهَا مَاءً، فَاغْتَسَلْتُ. ثُمَّ لَحِقْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابَهُ فَقَالَ: "يَا أَسْلَعُ، مَالِي أَرَى رِحْلَتَكَ تَغَيَّرَتْ؟ " قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَمْ أُرَحِّلْهَا، رَحَّلَهَا رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، قَالَ: "وَلِمَ؟ " قُلْتُ: إِنِّي أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ، فَخَشِيتُ القُرَّ عَلَى نَفْسِي، فَأَمَرْتُهُ أَنْ يُرَحِّلَهَا، وَرَضَفْتُ أَحْجَارًا فَأَسْخَنْتُ بِهَا مَاءً فَاغْتَسَلْتُ بِهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ [وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بوجوهكم وأيديكم] إِنَّ اللهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ وَقَدْ رُوِيَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهُ.

النساء 4:44

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنِ الْيَهُودِ عَلَيْهِمْ لَعَائِنُ اللَّهِ الْمُتَتَابِعَةِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، أَنَّهُمْ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَيُعْرِضُونَ عَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ وَيَتْرُكُونَ مَا بِأَيْدِيهِمْ مِنَ الْعِلْمِ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ الْأَوَّلِينَ فِي صِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا مِنْ حُطَامِ الدُّنْيَا ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُوا السَّبِيلَ﴾ أَيْ يَوَدُّونَ لَوْ تَكْفُرُونَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ وَتَتْرُكُونَ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ النَّافِعِ. ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ﴾ أَيْ: هُوَ يَعْلَمُ بِهِمْ وَيُحَذِّرُكُمْ مِنْهُمْ ﴿وَكَفَى بِاللهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللهِ نَصِيرًا﴾ أَيْ: كَفَى بِهِ وَلَيًّا لِمَنْ لَجَأَ [[في د: "التجأ".]] إِلَيْهِ وَنَصِيرًا لِمَنِ اسْتَنْصَرَهُ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ "مِنْ" هَذِهِ لِبَيَانِ الْجِنْسِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثَانِ﴾ * * وَقَوْلُهُ: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ أَيْ: يَتَأَوَّلُونَ عَلَى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ، وَيُفَسِّرُونَهُ بِغَيْرِ مُرَادِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، قَصْدًا مِنْهُمْ وَافْتِرَاءً ﴿وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ أَيْ يَقُولُونَ [[في ر: "تقولون".]] سَمْعَنَا مَا قُلْتَهُ يَا مُحَمَّدُ وَلَا نُطِيعُكَ فِيهِ. هَكَذَا فَسَّرَهُ مُجَاهِدٌ وَابْنُ زَيْدٍ، وَهُوَ الْمُرَادُ، وَهَذَا أَبْلَغُ فِي عِنَادِهِمْ وَكُفْرِهِمْ، أَنَّهُمْ يَتَوَلَّوْنَ [[في أ: "يقولون".]] عَنْ كِتَابِ اللَّهِ بَعْدَ مَا عَقَلُوهُ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ مَا عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ مِنَ الْإِثْمِ وَالْعُقُوبَةِ. * * وَقَوْلُهُ [[في أ: "وقولهم".]] ﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ أَيْ: اسْمَعْ مَا نَقُولُ، لَا سَمِعْتَ. رَوَاهُ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَالْحَسَنُ: وَاسْمَعْ غَيْرَ مَقْبُولٍ مِنْكَ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. وَهُوَ كَمَا قَالَ. وَهَذَا اسْتِهْزَاءٌ منهم واستهتار، عليهم لعنة الله [والملائكةالناس أجمعين] [[زيادة من أ.]] . ﴿وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾ أَيْ: يُوهِمُونَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: رَاعِنَا سَمْعَكَ بِقَوْلِهِمْ: "رَاعَنَا" وَإِنَّمَا يُرِيدُونَ الرُّعُونَةَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ [الْبَقَرَةِ:١٠٤] . وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى عَنْ هَؤُلَاءِ الْيَهُودِ الَّذِينَ يُرِيدُونَ بِكَلَامِهِمْ خِلَافَ مَا يُظْهِرُونَهُ: ﴿لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾ يَعْنِي: بِسَبِّهِمُ النَّبِيِّ ﷺ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلا قَلِيلا﴾ أَيْ: قُلُوبُهُمْ مَطْرُودَةٌ عَنِ الْخَيْرِ مُبْعَدَةٌ مِنْهُ، فَلَا يَدْخُلُهَا مِنَ الْإِيمَانِ شَيْءٌ نَافِعٌ لَهُمْ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَقَلِيلا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الْبَقَرَةِ:٨٨] وَالْمَقْصُودُ: أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ إِيمَانًا نَافِعًا.

النساء 4:45

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنِ الْيَهُودِ عَلَيْهِمْ لَعَائِنُ اللَّهِ الْمُتَتَابِعَةِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، أَنَّهُمْ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَيُعْرِضُونَ عَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ وَيَتْرُكُونَ مَا بِأَيْدِيهِمْ مِنَ الْعِلْمِ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ الْأَوَّلِينَ فِي صِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا مِنْ حُطَامِ الدُّنْيَا ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُوا السَّبِيلَ﴾ أَيْ يَوَدُّونَ لَوْ تَكْفُرُونَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ وَتَتْرُكُونَ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ النَّافِعِ. ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ﴾ أَيْ: هُوَ يَعْلَمُ بِهِمْ وَيُحَذِّرُكُمْ مِنْهُمْ ﴿وَكَفَى بِاللهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللهِ نَصِيرًا﴾ أَيْ: كَفَى بِهِ وَلَيًّا لِمَنْ لَجَأَ [[في د: "التجأ".]] إِلَيْهِ وَنَصِيرًا لِمَنِ اسْتَنْصَرَهُ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ "مِنْ" هَذِهِ لِبَيَانِ الْجِنْسِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثَانِ﴾ * * وَقَوْلُهُ: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ أَيْ: يَتَأَوَّلُونَ عَلَى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ، وَيُفَسِّرُونَهُ بِغَيْرِ مُرَادِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، قَصْدًا مِنْهُمْ وَافْتِرَاءً ﴿وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ أَيْ يَقُولُونَ [[في ر: "تقولون".]] سَمْعَنَا مَا قُلْتَهُ يَا مُحَمَّدُ وَلَا نُطِيعُكَ فِيهِ. هَكَذَا فَسَّرَهُ مُجَاهِدٌ وَابْنُ زَيْدٍ، وَهُوَ الْمُرَادُ، وَهَذَا أَبْلَغُ فِي عِنَادِهِمْ وَكُفْرِهِمْ، أَنَّهُمْ يَتَوَلَّوْنَ [[في أ: "يقولون".]] عَنْ كِتَابِ اللَّهِ بَعْدَ مَا عَقَلُوهُ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ مَا عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ مِنَ الْإِثْمِ وَالْعُقُوبَةِ. * * وَقَوْلُهُ [[في أ: "وقولهم".]] ﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ أَيْ: اسْمَعْ مَا نَقُولُ، لَا سَمِعْتَ. رَوَاهُ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَالْحَسَنُ: وَاسْمَعْ غَيْرَ مَقْبُولٍ مِنْكَ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. وَهُوَ كَمَا قَالَ. وَهَذَا اسْتِهْزَاءٌ منهم واستهتار، عليهم لعنة الله [والملائكةالناس أجمعين] [[زيادة من أ.]] . ﴿وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾ أَيْ: يُوهِمُونَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: رَاعِنَا سَمْعَكَ بِقَوْلِهِمْ: "رَاعَنَا" وَإِنَّمَا يُرِيدُونَ الرُّعُونَةَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ [الْبَقَرَةِ:١٠٤] . وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى عَنْ هَؤُلَاءِ الْيَهُودِ الَّذِينَ يُرِيدُونَ بِكَلَامِهِمْ خِلَافَ مَا يُظْهِرُونَهُ: ﴿لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾ يَعْنِي: بِسَبِّهِمُ النَّبِيِّ ﷺ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلا قَلِيلا﴾ أَيْ: قُلُوبُهُمْ مَطْرُودَةٌ عَنِ الْخَيْرِ مُبْعَدَةٌ مِنْهُ، فَلَا يَدْخُلُهَا مِنَ الْإِيمَانِ شَيْءٌ نَافِعٌ لَهُمْ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَقَلِيلا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الْبَقَرَةِ:٨٨] وَالْمَقْصُودُ: أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ إِيمَانًا نَافِعًا.

النساء 4:46

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنِ الْيَهُودِ عَلَيْهِمْ لَعَائِنُ اللَّهِ الْمُتَتَابِعَةِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، أَنَّهُمْ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَيُعْرِضُونَ عَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ وَيَتْرُكُونَ مَا بِأَيْدِيهِمْ مِنَ الْعِلْمِ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ الْأَوَّلِينَ فِي صِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا مِنْ حُطَامِ الدُّنْيَا ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُوا السَّبِيلَ﴾ أَيْ يَوَدُّونَ لَوْ تَكْفُرُونَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ وَتَتْرُكُونَ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ النَّافِعِ. ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ﴾ أَيْ: هُوَ يَعْلَمُ بِهِمْ وَيُحَذِّرُكُمْ مِنْهُمْ ﴿وَكَفَى بِاللهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللهِ نَصِيرًا﴾ أَيْ: كَفَى بِهِ وَلَيًّا لِمَنْ لَجَأَ [[في د: "التجأ".]] إِلَيْهِ وَنَصِيرًا لِمَنِ اسْتَنْصَرَهُ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ "مِنْ" هَذِهِ لِبَيَانِ الْجِنْسِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثَانِ﴾ * * وَقَوْلُهُ: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ أَيْ: يَتَأَوَّلُونَ عَلَى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ، وَيُفَسِّرُونَهُ بِغَيْرِ مُرَادِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، قَصْدًا مِنْهُمْ وَافْتِرَاءً ﴿وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ أَيْ يَقُولُونَ [[في ر: "تقولون".]] سَمْعَنَا مَا قُلْتَهُ يَا مُحَمَّدُ وَلَا نُطِيعُكَ فِيهِ. هَكَذَا فَسَّرَهُ مُجَاهِدٌ وَابْنُ زَيْدٍ، وَهُوَ الْمُرَادُ، وَهَذَا أَبْلَغُ فِي عِنَادِهِمْ وَكُفْرِهِمْ، أَنَّهُمْ يَتَوَلَّوْنَ [[في أ: "يقولون".]] عَنْ كِتَابِ اللَّهِ بَعْدَ مَا عَقَلُوهُ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ مَا عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ مِنَ الْإِثْمِ وَالْعُقُوبَةِ. * * وَقَوْلُهُ [[في أ: "وقولهم".]] ﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ أَيْ: اسْمَعْ مَا نَقُولُ، لَا سَمِعْتَ. رَوَاهُ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَالْحَسَنُ: وَاسْمَعْ غَيْرَ مَقْبُولٍ مِنْكَ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. وَهُوَ كَمَا قَالَ. وَهَذَا اسْتِهْزَاءٌ منهم واستهتار، عليهم لعنة الله [والملائكةالناس أجمعين] [[زيادة من أ.]] . ﴿وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾ أَيْ: يُوهِمُونَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: رَاعِنَا سَمْعَكَ بِقَوْلِهِمْ: "رَاعَنَا" وَإِنَّمَا يُرِيدُونَ الرُّعُونَةَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ [الْبَقَرَةِ:١٠٤] . وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى عَنْ هَؤُلَاءِ الْيَهُودِ الَّذِينَ يُرِيدُونَ بِكَلَامِهِمْ خِلَافَ مَا يُظْهِرُونَهُ: ﴿لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾ يَعْنِي: بِسَبِّهِمُ النَّبِيِّ ﷺ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلا قَلِيلا﴾ أَيْ: قُلُوبُهُمْ مَطْرُودَةٌ عَنِ الْخَيْرِ مُبْعَدَةٌ مِنْهُ، فَلَا يَدْخُلُهَا مِنَ الْإِيمَانِ شَيْءٌ نَافِعٌ لَهُمْ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَقَلِيلا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الْبَقَرَةِ:٨٨] وَالْمَقْصُودُ: أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ إِيمَانًا نَافِعًا.