Lafzullah

روح البيان في تفسير القرآن — النساء 4:131 – المائدة 5:98

المؤلف / المصدر: إسماعيل حقي البروسوي (ö. 1137h/1725)

المحتويات
  1. النساء 4:131
  2. النساء 4:132
  3. النساء 4:133
  4. النساء 4:134
  5. النساء 4:135
  6. النساء 4:136
  7. النساء 4:137
  8. النساء 4:138
  9. النساء 4:139
  10. النساء 4:140
  11. النساء 4:141
  12. النساء 4:142
  13. النساء 4:143
  14. النساء 4:144
  15. النساء 4:145
  16. النساء 4:146
  17. النساء 4:147
  18. النساء 4:148
  19. النساء 4:149
  20. النساء 4:150
  21. النساء 4:151
  22. النساء 4:152
  23. النساء 4:153
  24. النساء 4:154
  25. النساء 4:155
  26. النساء 4:156
  27. النساء 4:157
  28. النساء 4:158
  29. النساء 4:159
  30. النساء 4:160
  31. النساء 4:161
  32. النساء 4:162
  33. النساء 4:163
  34. النساء 4:164
  35. النساء 4:165
  36. النساء 4:166
  37. النساء 4:167
  38. النساء 4:168
  39. النساء 4:169
  40. النساء 4:170
  41. النساء 4:171
  42. النساء 4:172
  43. النساء 4:173
  44. النساء 4:174
  45. النساء 4:175
  46. النساء 4:176
  47. المائدة 5:1
  48. المائدة 5:2
  49. المائدة 5:3
  50. المائدة 5:4
  51. المائدة 5:5
  52. المائدة 5:6
  53. المائدة 5:7
  54. المائدة 5:8
  55. المائدة 5:9
  56. المائدة 5:10
  57. المائدة 5:11
  58. المائدة 5:12
  59. المائدة 5:13
  60. المائدة 5:14
  61. المائدة 5:15
  62. المائدة 5:16
  63. المائدة 5:17
  64. المائدة 5:18
  65. المائدة 5:19
  66. المائدة 5:20
  67. المائدة 5:21
  68. المائدة 5:22
  69. المائدة 5:23
  70. المائدة 5:24
  71. المائدة 5:25
  72. المائدة 5:26
  73. المائدة 5:27
  74. المائدة 5:28
  75. المائدة 5:29
  76. المائدة 5:30
  77. المائدة 5:31
  78. المائدة 5:32
  79. المائدة 5:33
  80. المائدة 5:34
  81. المائدة 5:35
  82. المائدة 5:36
  83. المائدة 5:37
  84. المائدة 5:38
  85. المائدة 5:39
  86. المائدة 5:40
  87. المائدة 5:41
  88. المائدة 5:42
  89. المائدة 5:43
  90. المائدة 5:44
  91. المائدة 5:45
  92. المائدة 5:46
  93. المائدة 5:47
  94. المائدة 5:48
  95. المائدة 5:49
  96. المائدة 5:50
  97. المائدة 5:51
  98. المائدة 5:52
  99. المائدة 5:53
  100. المائدة 5:54
  101. المائدة 5:55
  102. المائدة 5:56
  103. المائدة 5:57
  104. المائدة 5:58
  105. المائدة 5:59
  106. المائدة 5:60
  107. المائدة 5:61
  108. المائدة 5:62
  109. المائدة 5:63
  110. المائدة 5:64
  111. المائدة 5:65
  112. المائدة 5:66
  113. المائدة 5:67
  114. المائدة 5:68
  115. المائدة 5:69
  116. المائدة 5:70
  117. المائدة 5:71
  118. المائدة 5:72
  119. المائدة 5:73
  120. المائدة 5:74
  121. المائدة 5:75
  122. المائدة 5:76
  123. المائدة 5:77
  124. المائدة 5:78
  125. المائدة 5:79
  126. المائدة 5:80
  127. المائدة 5:81
  128. المائدة 5:82
  129. المائدة 5:83
  130. المائدة 5:84
  131. المائدة 5:85
  132. المائدة 5:86
  133. المائدة 5:87
  134. المائدة 5:88
  135. المائدة 5:89
  136. المائدة 5:90
  137. المائدة 5:91
  138. المائدة 5:92
  139. المائدة 5:93
  140. المائدة 5:94
  141. المائدة 5:95
  142. المائدة 5:96
  143. المائدة 5:97
  144. المائدة 5:98

النساء 4:131

{ ولله ما فى السموات وما فى الارض } اى من الموجودات كائنا ما كان من الخلائق ارزاقهم وغير ذلك. قال الشيخ نجم الدين قدس سره { لله ما فى السموات } من الدرجات العلى وجنات المأوى والفردوس الاعلى { وما فى الارض } من نعيم الدنيا وزينتها وزخارفها والله مستغن عنها وانما خلقها لعباده الصالحين كما قال تعالى وسخر لكم ما فى السموات وما فى الارض الجاثية 13. وخلق العباد لنفسه كما قال واصطنعتك لنفسى طه 41. { ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم } اى بالله قد امرناهم فى كتابهم وهم اليهود والنصارى ومن قبلهم من الامم. واللام فى الكتاب للجنس يتناول الكتب السماوية ومن متعلقة بوصينا او بأوتوا { واياكم } عطف على الذين اى وصيناكم يا امة محمد فى كتابكم { ان اتقوا الله } اى بان اتقوا الله فان مصدرية حذف منها حرف الجر اى امرناهم واياكم بالتقوى { و } قلنا لهم ولكم { ان تكفروا فان لله ما فى السموات وما فى الارض } اى فان الله مالك الملك كله لا يتضرر بكفركم ومعاصيكم كما لا ينتفع بشكركم وتقواكم وانما وصاكم لرحمته لا لحاجته ثم قرر ذلك بقوله { وكان الله غنيا } اى عن الخلق وعبادتهم لا تعلق له بغيره تعالى لا فى ذاته ولا فى صفاته بل هو منزه عن العلاقة مع الاغيار { حميدا } محمودا فى ذاته حمدوه او لم يحمدوه. قال الغزالى فى شرح الاسماء الحسنى والله تعالى هو الحميد لحمده لنفسه ازلا ولحمد عباده له ابدا ويرجع هذا الى صفات الجلال والعلو والكمال منسوبا الى ذكر الذاكرين له فان الحمد هو ذكر اوصاف الكمال من حيث هو كمال والحميد من العباد من حمدت عقائده واخلاقه واعماله كلها من غير مثنوية وذلك هو محمد صلى الله عليه وسلم ومن يقرب منه من الانبياء ومن عداهم من الاولياء والعلماء كل واحد منهم حميد بقدر ما يحمد من عقائده واخلاقه واعماله واقواله.

النساء 4:132

{ ولله ما فى السموات وما فى الارض } ذكره ثالثا للدلالة على كونه غنيا فان جميع المخلوقات تدل بحاجتها على غناه وبما فاض عليها من الوجود وانواع الخصائص والكمالات على كونه حميدا فلا تكرار فان كل واحد من هذه الالفاظ مقرون بفائدة جديدة { وكفى بالله وكيلا } فى تدبير امور الكل وكل الامور فلا بد من ان يتوكل عليه لا على احد سواه.

النساء 4:133

{ ان يشأ يذهبكم ايها الناس } اى يفنكم ويستأصلكم بالمرة { ويأت بآخرين } اى يوجد دفعة مكانكم قوما آخرين من البشر او خلقا آخرين مكان الانس ومفعول المشيئة محذوف لكونه مضمون الجزاء اى ان يشأ افناءكم وايجاد آخرين يذهبكم يعنى ان ابقاءكم على ما انتم عليه من العصيان انما هو لكمال غناه عن طاعتكم لا لعجزه سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا ففيه تهديد للعصاة { وكان الله على ذلك } اى افنائكم بالمرة وايجاد آخرين دفعة مكانكم { قديرا } بليغ القدر لا يعجزه مراد فاطيعوه فلا تعصوه واتقوا عقابه. والآية تدل على كمال قدرته وصبوريته حيث لا يؤاخذ العصاة على العجلة وفى الحديث " لا احد اصبر على اذى سمعه من الله انه يشرك به ويجعل له الولد ثم هو يعافيهم ويرزقهم ". يعنى يقول بعض عباد الله وامائه ان له شريكا فى ملكه وينسب له ولدا ثم الله تعالى يعطيهم من انواع النعم من العافية والرزق وغيرهما فهذا كرمه ومعاملته مع من يؤذيه فما ظنك بمعاملته مع من يتحمل الاذى منه ويثنى عليه ثم ان تأخير العقوبة يتضمن لحكم منها رجوع التائب وانقطاع حجة المصر وفى الحديث " ان الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيىء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيىء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها ". قال الشيخ الكلاباذى بسط اليد كناية عن الجود يعنى يجود الله لمسيى الليل ولمسيىء النهار بالامهال ليتوب كما روى انه عليه السلام قال " صاحب اليمين امير على صاحب الشمال واذا عمل العبد حسنة كتب له عشر امثالها واذا عمل سيئة قال صاحب اليمين امسك فيمسك عنه سبع ساعات من النهار فان استغفر لم يكتب عليه وان لم يستغفر كتب سيئة واحدة ". انتهى كلامه قال الصائب بر غفلت سياه دلان خنده ميزنند غافل مشو زخنده دندان نماى صبح يقال من لم ينزجر بزواجر القرآن ولم يرغب فى الطاعات فهذا اشد قسوة من الحجارة واسوء حالا من الجمادات فان دعوة الله عباده بكتبه على لسان الانبياء لئلا يغتروا بزخارف الدنيا الدنية ويترقوا من حضيض الحظوظ النفسانية الى معارج الدرجات العلى ولقد وصاك الله تعالى بالتقوى فعليك بالاخذ بالوصية فان التقوى كنز عزيز فلئن ظفرت به فكم تجد فيه من جوهر شريف وخير كثير فانه جامع الخير كله. قال ابن عطاء للتقوى ظاهر وباطن فظاهرها حفظ حدود الشرع وباطنها الاخلاص فى النية وحقيقة التقوى الاعراض عن الدنيا والعقبى والاقبال والتوجه الى الحضرة العليا فمن وصل اليه فقد صار حرا عن رقية الكونين وعبد الله تعالى قال الحافظ قدس سره زير بارند درختان كه تعلق دارند اى خوشا سروكه ازبار غم آزاد آمد

النساء 4:134

{ من كان يريد ثواب الدنيا } كالمجاهد يريد بمجاهدته الغنيمة { فعند الله ثواب الدنيا والآخرة } اى فعنده تعالى ثوابهما له ان اراده فماله يطلب اخسهما فليطلبهما كمن يقول ربنا آتنا فى الدنيا حسنة وفى الآخرة حسنة او ليطلب الاشرف منهما فان من جاهد خالصا لوجه الله تعالى لم تخطئه الغنيمة وله فى الآخرة ما هى فى جنبه كلا شىء اى فعند الله ثواب الدارين فيعطى كلا ما يريده كقوله تعالى من كان يريد حرث الآخرة نزد له فى حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وماله فى الآخرة من نصيب الشورى 20. { وكان الله سميعا بصيرا } عالما بجميع المسموعات والمبصرات عارفا بالاغراض اى يعرف من كلامهم ما يدل على انهم ما يطلبون من الجهاد سوى الغنيمة ومن افعالهم ما يدل على انهم لا يسعون فى الجهاد الا عند توقع الفوز بالغنيمة. قال الحدادى فى الآية تهديد للمنافقين المرائين وفى الحديث " ان فى النار واديا تتعوذ منه جهنم كل يوم اربعمائة مرة اعد للقراء المرائين ". قال السعدى قدس سره نكو سيرتى بى تكلف برون به ازنيك نام خراب اندرون هرآنكه افكند تخم برروى سنك جوى وقت دخلش نيايد بجنك وعن النبى صلى الله عليه وسلم انه " لما خلق الله تعالى جنة عدن خلق فها ما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ثم قال لها تكلمى فقالت قد افلح المؤمنون ثلاثا ثم قالت انى حرام على كل بخيل مراء ". فينبغى للمؤمن ان يحترز من الرياء ويسعى فى تحصيل الاخلاص فى العمل وهو ان لا يريد بعمله سوى الله تعالى. قال بعضهم دخلت على سهل ابن عبد الله يوم الجمعة قبل الصلاة فرأيت فى البيت حية فجعلت اقدم رجلا واؤخر اخرى فقال سهل ادخل لا يبلغ احد حقيقة الاخلاص وعلى وجه الارض شىء يخافه ثم قال هل لك حاجة فى صلاة الجمعة فقلت بيننا وبين المسجد مسيرة يوم وليلة فاخذ بيدى فما كان قليلا حتى رأيت المسجد فدخلنا وصلينا الجمعة ثم خرجنا فوقف ينظر الى الناس وهم يخرجون فقال اهل لا اله الا الله كثير والمخلصون منهم قليل عبادت باخلاص نيت نكوست وكرنه جه آيد زبيمغز بوست فالمخلص فى عمله لا يقبل عوضا ولو اعطى له الدنيا وما فيها حكاية آورده اندكه جوانمردى غلام خويش را كفت سخاوت آن نيست كه صدقه بكسى دهندكه اورابشناسند صد دينار بستان وببازار ببر واول درويشى كه بينى بوى ده غلام ببازار رفت بيرى ديدكه حلاق سراو مى تراشيد زر بوى داد بير كفت كه من نيت كرده ام كه هرجه مرا فتوح شود بوى دهم وحلاق را كفت بستان حلاق كفت من نيت كرده ام سراورا از براى خدا بتراشم اجر خود از حق تعالى بصد دينار نمى فروشم وهيج كس نستادند غلام باز كشت وزرباز آورد كذا فى انيس الوحدة وجليس الخلوة.

النساء 4:135

{ يا ايها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط } مبالغين فى العدل واقامة القسط فى جميع الامور مجتهدين فى ذلك حق الاجتهاد { شهداء لله } بالحق تقيمون شهاداتكم بوجه الله تعالى كما امرتم باقامتها وهو خبر ثان { ولو } كانت الشهادة { على انفسكم } بان تقروا عليها لان الشهادة على النفس اقرار على ان الشهادة عبارة عن الاخبار بحق الغير سواء كان ذلك عليه او على ثالث او بان تكون الشهادة مستتبعة لضرر ينالكم من جهة المشهود عليه بان يكون سلطانا ظالما او غيره { او الوالدين والاقربين } اى ولو كانت على والديكم واقاربكم بان تقروا وتقولوا مثلا اشهد ان لفلان على والدى كذا او على اقاربى او بان تكون الشهادة وبالا عليهم على ما مر آنفا وفى هذا بيان ان شهادة الابن على الوالدين لا تكون عقوقا ولا يحل للابن الامتناع عن الشهادة على ابويه لان فى الشهادة عليهما بالحق منعا لهما من الظلم واما شهادته لهما وبالعكس فلا تقبل لان المنافع بين الاولاد والآباء متصلة ولهذا لا يجوز اداء الزكاة اليهم فتكون شهادة احدهما شهادة لنفسه او لتمكن التهمة { ان يكن } اى المشهود عليه { غنيا } يبتغى فى العادة رضاه ويتقى سخطه { او فقيرا } يترحم عليه غالبا وجواب الشرط محذوف لدلالة قوله تعالى { فالله اولى بهما } عليه اى فلا تمتنعوا عن اقامة الشهادة طلبا لرضى الغنى او ترحما على الفقير فان الله تعالى اولى بجنسى الغنى والفقير بالنظر لهما ولولا ان الشهادة عليهما مصلحة لهما لما شرعها وفى الحديث " " انصر اخاك ظالما او مظلوما " قيل يا رسول الله كيف ينصره ظالما قال " ان يرده عن ظلمه " فان ذلك نصره ". معنى ومنع الظالم عن ظلمه عون له على مصلحة دينه ولذا سمى نصرا قال السعدى قدس سره بكمراه كفتن نكو ميروى كناه بزركست وجور قوى بكوى آنجه دانى سخن سودمند وكرهيج كس رانيايد بسند { فلا تتبعوا الهوى ان تعدلوا } يحتمل العدل والعدول اى فلا تتبعوا الهوى كراهة ان تعدلوا بين الناس او ارادة ان تعدلوا عن الحق { وان تلووا } السنتكم عن شهادة الحق او حكومة العدل بان تأتوا بها لا على وجهها لى الشىء فتله وتحريفه ولى الشهادة تبديلها وعدم ادائها على ما شاهده بان يميل فيها الى احد الخصمين { او تعرضوا } اى عن ادائها واقامتها رأسا فالاعراض عنها كتمها { فان الله كان بما تعملون } من لى الالسنة والاعراض بالكلية { خبيرا } فيجازيكم لا محالة على ذلك. وعن ابن عباس رضى الله عنهما ان المراد بالآية القاضى يتقدم عليه الخصمان فيعرض عن احدهما او يدافع فى امضاء الحق او لا يسوى بينهما فى المجلس والنظر والاشارة ولا يمتنع ان يكون المراد بالآية القاضى والشاهد وعامة الناس فان اللفظ محتمل للجميع. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال عند نزول هذه الآية " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقم شهادته على من كانت ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجحد حقا هو عليه وليؤده فورا ولا يلجئه الى سلطان وخصومة ليقطع بها حقه وايما رجل خاصم الى فقضيت له على اخيه بحق ليس عليه فلا يأخذنه فانما اقطع له قطعة من نار جهنم ". كذا فى تفسير الحدادى. قال فى الاشباه أى شاهد جاز له الكتمان فقل اذا كان الحق يقوم بغيره او كان القاضى فاسقا او كان يعلم انه لا يقبل انتهى. قال الفقهاء وستر الشهادة فى الحدود افضل من ادائها لقوله عليه السلام للذى شهد عنده فى الحد " لو سترته بثوبك لكان خيرا لك ". وقوله عليه السلام " من ستر على مسلم عيبا ستر الله عليه فى الدنيا والآخرة ". وقال عليه السلام " ما من امرىء ينصر مسلما فى موضع ينتهك فيه عرضه وتستحل حرمته الا نصره الله تعالى فى موطن يحب فيه نصرته وما من امرىء خذل مسلما فى موضع تنتهك فيه حرمته الا خذله الله تعالى فى موضع يحب فيه نصرته ". وقال عليه السلام " ادرأوا الحدود ما استعطتم ". يحكى ان مسلما قتل ذميا عمدا فحكم ابو يوسف بقتل المسلم فبلغ زبيدة امرأة هارون الرشيد فبعثت الى ابى يوسف وقالت اياك ان تقتل المسلم وكانت فى عناية عظيمة بامر المسلم فلما حضر ابو يوسف وحضر الفقهاء وجيىء باولياء الذمى والمسلم وقال له الرشيد احكم بقتله فقال يا امير المؤمنين هو مذهبى غير انى لست اقتل المسلم به حتى تقوم البينة العادلة ان الذمى يوم قتله المسلم كان ممن يؤدى الجزية فلم يقدروا عليه فبطل دمه توروا داريكه من بى حجتى بنهم اندر شهر باطل سنتى وفى قوله تعالى { شهداء الله } اشارة الى عوام المؤمنين ان كونوا شهدءا لله بالتوحيد والوحدانية بالقسط يوما ما ولو كان فى آخر نفس من عمرهم على حسب ما قدر لهم الله تعالى. واشارة الى الخواص ان كونوا شهداء لله اى حاضرين مع الله بالفردانية. واشارة الى خواص الخواص ان كونوا شهداء لله فى الله غائبين عن وجودكم فى شهوده بالوحدة. وفى اشارته الى الخواص شركة للملائكة كما قال تعالى شهد الله انه لا إله الا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط آل عمران 18. فاما اشارته الى الاخص من الانبياء وكبار الاولياء وهم اولوا العلم فمختصة بهم من سائر العالمين ولاولى العلم شركة فى شهود شهد الله انه لا اله الا هو وليس للملائكة فى هذا الشهود مدخل الا انهم قائمون بالقسط كذا فى التأويلات النجمية.

النساء 4:136

{ يا ايها الذين آمنوا } خطاب لكافة المسلمين { آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذى نزل على رسوله والكتاب الذى انزل من قبل } اى اثبتوا على الايمان بذلك ودوموا عليه وازدادوا فيه طمأنينة ويقينا او آمنوا بما ذكر مفصلا بناء على ان ايمان بعضهم اجمالى. فان قلت لم قيل نزل على رسوله وانزل من قبل. قلت لان القرآن نزل منجما مفرقا بخلاف الكتب قبله فالمراد بالكتاب الاول القرآن وبالثانى الجنس المنتظم لجميع الكتب السماوية لقوله تعالى { وكتبه } وبالايمان به الايمان بان كل كتاب من تلك الكتب منزل منه على رسول معين لارشاد امته الى ما شرع لهم من الدين بالاوامر والنواهى لكن لا على ان يراد الايمان بكل واحد من تلك الكتب بل خصوصية ذلك الكتاب ولا على ان احكام تلك الكتب وشرائعها باقية بالكلية ولا على ان الباقى منها معتبر بالاضافة اليها بل على ان الايمان بالكل مندرج تحت الايمان بالكتاب المنزل على رسوله وان احكام كل منها كانت حقة ثابتة الى ورود نسخها وان ما لم ينسخ منها الى الآن من الشرائع والاحكام ثابتة من حيث انها من احكام هذا الكتاب الجليل المصون عن النسخ والتبديل. وقيل الخطاب للمنافقين كانه قيل يا ايها الذين آمنوا نفاقا وهو ما كان بالالسنة فقط آمنوا اخلاصا وهو ما كان بها وبالقلوب. وقيل الخطاب لمؤمنى اهل الكتاب اذ روى ان ابن سلام واصحابه قالوا يا رسول الله انا نؤمن بك وبكتابك وبموسى والتوراة وعزير ونكفر بما سواه فنزلت فالمعنى حينئذ آمنوا ايمانا عاما شاملا يعم الكتب والرسل فان الايمان بالبعض كلا ايمان { ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر } اى بشىء من ذلك لان الكفر ببعضه كفر بكله ألا ترى كيف قدم الامر بالايمان بهم جميعا وزيادة الملائكة واليوم الآخر فى جانب الكفر لما انه بالكفر باحدها لا يتحقق الايمان اصلا وجمع الكتب والرسل لما ان الكفر بكتاب او برسول كفر بالكل وتقديم الرسول فيما سبق لذكر الكتاب بعنوان كونه منزلا عليه وتقديم الملائكة والكتب على الرسل لانهم وسائط بين الله وبين الرسل فى انزال الكتب { فقد ضل ضلالا بعيدا } عن المقصد بحيث لا يكاد يعود الى طريقه. قالوا اول ما يجب على المرء معرفة مولاه اى يجب على كل انسان ان يسعى فى تحصيل معرفة الله تعالى بالدليل والبرهان فان ايمان المقلد وان كان صحيحا عند الامام الاعظم لكن يكون آثما بترك النظر والاستدلال فاول الامر هو الحجة والبرهان ثم المشاهدة والعيان ثم الفناء عن سوى الرحمان. فمرتبة العوام فى الايمان ما قال عليه السلام " ان تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وبالبعث بعد الموت والجنة والنار والقدر خيره وشره ". وهو ايمان غيبى وفى المثنوى بندكى درغيب آيد خوب وكش حفظ غيب آيددر استبعاد خوش طاعت وايمان كنون محمود شد بعد مرك اندر عيان مردود شد ومرتبة الخواص فى الايمان هو ايمان عيانى وكان ذلك بان الله اذا تجلى لعبده بصفة من صفاته خضع له جميع اجزاء وجوده وآمن بالكلية عيانا بعدما كان يؤمن قلبه بالغيب ونفسه تكفر بما آمن به قلبه اذا كانت النفس عن ننسم روائح الغيب بمعزل فلما تجلى الحق للجبل جعله دكا وخر موسى النفس صعقا فالنفس فى هذا المقام تكون بمنزلة موسى فلما افاق قال تبت اليك وانا اول المؤمنين. ومرتبة الاخص فى الايمان هو ايمان عيانى وذلك بعد رفع حجب الانانية بسطوات تجلى صفة الجلال فاذا افناه عنه بصفة الجلال يبقيه به بصفة الجمال فلم يبق له الاين وبقى فى العين فيكون ايمانا عينيا كما كان حال النبى عليه السلام ليلة المعراج فلما بلغ قاب قوسين كان فى حيز اين فلما جذبته العناية من كينونته الى عينونة او ادنى فاوحى الى عبده ما اوحى آمن الرسول بما انزل اليه اى من صفات ربه فآمنت صفاته بصفاته تعالى وذاته فصار كل وجوده مؤمنا بالله ايمانا عينيا ذاته وصفاته فاخبر عنهم وقال والمؤمنون كل آمن بالله يعنى آمنوا بهوية وجودهم كذا فى التأويلات النجمية هذا هو الايمان الحقيقى رزقنا الله واياكم اياه وفى المثنوى بود كبرى درزمان بايزيد كفت اورايك مسلمان سعيد كه جه باشد كرتوا اسلام آورى تابيابى صد نجات وسرورى كفت اين ايمان اكرهست اى مريد آنكه دارد شيخ عالم بايزيد من ندارم طاقت آن تاب آن كان فزون آمد زكوششهاى جان كرجه درايمان ودين ناموقنم ليك درايمان اوبس مومنم مؤمن ايمان اويم در نهان كرجه مهرم هست محكم بردهان بازايمان خود كر ايمان شماست نى بدان ميلستم ونى مشتهاست آنكه صد ميلش سوى ايمان بود جون شمارا ديد زان فاترشود زانكه نامى بيند ومعنيش نى جون بيابانرا مفازه كفتنى والى هذا التجريد والتفريد ينال العبد بالذكر والتوحيد قال عليه السلام فى وصيته لعلى رضى الله عنه " يا على احفظ التوحيد فانه رأس مالى والزم العمل فانه حرفتى واقم الصلاة فانها قرة عينى واذكر الحق فانه نصرة فؤادى واستعمل العلم فانه ميراثى ". اللهم لا تحرمنا من هذا الميراث.

النساء 4:137

{ ان الذين آمنوا } يعنى اليهود بموسى { ثم كفروا } بعبادتهم العجل { ثم آمنوا } بعد عوده اليهم { ثم كفروا } بعيسى والانجيل { ثم ازدادوا كفرا } بكفرهم بمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم وازداد كذا يجيىء لازما ومتعديا يقال ازددت مالا اى زدته لنفسى ومنه قوله تعالى وازدادوا تسعا الكهف 25. { لم يكن الله } مريدا { ليغفر لهم } اى ما داموا على كفرهم { ولا ليهديهم سبيلا } اى ولا ليوفقهم طريقا الى الاسلام ولكن يخذلهم مجازاة لهم على كفرهم. فان قيل ان الله لا يغفر كفر مرة فما الفائدة فى قوله { ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا } قيل ان الكافر اذا آمن غفر له كفره فاذا كفر بعد ايمانه لم يغفر له الكفر الاول وهو مطالب بجميع كفره.

النساء 4:138

{ بشر المنافقين } وضع بشر موضع انذر واخبر تهكما بهم { بان لهم عذابا اليما } اى وجيعا يخلص المه ووجعه الى قلوبهم وهذا يدل على ان الآية نزلت فى المنافقين وهم قد آمنوا فى الظاهر وكفروا فى السر مرة بعد اخرى ثم ازدادوا بالاصرار على النفاق وافساد الامر على المؤمنين.

النساء 4:139

{ الذين } اى هم الذين { يتخذون الكافرين } اى اليهود { اولياء } احباء فى العون والنصرة { من دون المؤمنين } حال من فاعل يتخذون اى متجاوزين ولاية المؤمنين المخلصين وكانوا يوالونهم ويقول بعضهم لبعض لا يتم امر محمد فتولوا اليهود { أيبتغون عندهم العزة } اى أيطلبون بموالاة الكفرة القوة والغلبة وهم اذلاء فى حكم الله تعالى { فان العزة لله جميعا } تعليل لما يفيده الاستفهام الانكارى من بطلان رأيهم وخيبة رجائهم فان انحصار جميع افراد العزة فى جنابه تعالى بحيث لا ينالها الا اولياؤه الذين كتب لهم العزة والغلبة وقال ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين المنافقون 8. يقتضى بطلان التعزيز بغيره سبحانه واستحالة الانتفاع به. قوله جميعا حال من المستكن فى قوله تعالى لله لاعتماده على المبتدأ.

النساء 4:140

{ وقد نزل عليكم } خطاب للمنافقين بطريق الالتفات والجملة حال من فاعل يتخذون. قال المفسرون ان مشركى مكة كانوا يخوضون فى ذكر القرآن ويستهزئون به فى مجالسهم فانزل الله تعالى فى سورة الانعام وهى مكية وإذا رأيت الذين يخوضون فى آياتنا فاعرض عنهم حتى يخوضوا فى حديث غيره الأنعام 68. ثم ان احبار اليهود بالمدينة كانوا يفعلون ما فعله المشركون بمكة وكان المنافقون يقعدون معهم ويوافقونهم على ذلك الكلام الباطل فقال الله تعالى مخاطبا لهم { وقد نزل عليكم } اى والحال انه تعالى قد نزل عليكم قبل هذا بمكة. وفيه دلالة على ان المنزل على النبى عليه السلام وان خوطب به خاصة منزل على العامة { فى الكتاب } اى القرآن الكريم { ان } مخففة اى ان الشان { اذا سمعتم آيات الله } فيه دلالة على ان مدار الاعراض عنهم هو العلم بخوضهم فى آيات الله ولذلك يخبر عنه تارة بالرؤية واخرى بالسماع { يكفر بها ويستهزأ بها } حالان من آيات الله اى مكفورا ومستهزاء وبها فى محل الرفع لقيامه مقام الفاعل والاصل يكفر بها احد ويستهزئ { فلا تقعدوا } جزاء الشرط { معهم } اى الكفرة المدلول عليهم بقوله يكفر بها ويستهزأ بها { حتى يخوضوا } الخوض بالفارسية " درحديث شدن " { فى حديث غيره } اى غير القرآن وحتى غاية للنهى والمعنى انه تجوز مجالستهم عند خوضهم وشروعهم فى غير الكفر والاستهزاء. وفيه دلالة على ان المراد بالاعراض عنهم اظهار المخالفة بالقيام عن مجالسهم لا الاعراض بالقلب او بالوجه فقط { انكم اذن مثلهم } جملة مستأنفة سيقت لتعليل النهى غير داخلة تحت التنزيل واذن ملغاة عن العمل لاعتماد ما بعدها على ما قبلها اى لوقوعها بين المبتدأ والخبر اى لا تقعدوا معهم فى ذلك الوقت انكم ان فعلتموه كنتم مثلهم اى مثل اليهود فى الكفر واستتباع العذاب فان الرضى بالكفر كفر { ان الله جامع المنافقين والكافرين فى جهنم جميعا } يعنى القاعدين والمقعود معهم وهو تعليم لكونهم مثلهم فى الكفر بيانه ما يستلزمه من شركتهم لهم فى العذاب. واعلم ان الائتلاف ههنا نتيجة تعارف الارواح هنالك لقوله عليه السلام " الارواح جنود مجندة ". الحديث فمن تعارف ارواح الكافر والمنافق هناك يأتلفون ههنا ومن تناكر ارواحهم وارواح المؤمنين يختلفون ههنا روت " عائشة رضى الله عنها ان امرأة كانت بمكة تدخل على نساء قريش تضحكهن فلما هاجرن ووسع الله تعالى دخلت المدينة قالت عائشة فدخلت على فقلت لها فلانة ما اقدمك قالت اليكن قلت فأين نزلت قالت على فلانة امرأة كانت تضحك بالمدينة قالت عائشة ودخل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقال " فلانة المضحكة عندكم " قالت عائشة قلت نعم فقال " فعلى من نزلت " قالت على فلانة المضحكة قال " الحمد الله ان الارواح جنود " ". الخ ونعم ما قيل همه مرغان كند باجنس برواز كبوتر باكبوتر باز باباز ولما كان الابد مرآة الازل لا يظهر فيه الا ما قدر فى الازل لذا قال الله تعالى { ان الله جامع المنافقين والكافرين فى جهنم جميعا } لانهم كانوا فى عالم الارواح فى صف واحد وفى الدنيا بذلك التناسب والتعارف فى فن واحد وقال عليه السلام " كما تعيشون تموتون وكما تموتون تحشرون ". ففى اشارة الآية نهى لاصحاب القلوب عن المجالسة مع ارباب النفوس والموافقة فى شىء من اهوائهم فانهم ان يفعلوا ذلك يكونوا مثلهم يعنى يكون القلب كالنفس وصاحب القلب كصاحب النفس بالصحبة والمخالطة والمتابعة قال الحافظ قدس سره نخست موعظه بير مجلس اين حرفست كه از مصاحب ناجنس احتراز كنيد قال الحدادى فى تفسيره اذن لم يجز جلوس المؤمن معهم لاقامة فرض او سنة اما اذا كان جلوسه لاقامة عبادة وهو ساخط لتلك الحال لا يقدر على تغييرها فلا بأس بالجلوس كما روى عن الحسن انه حضر وابن سيرين جنازة وهناك نوح فانصرف ابن سيرين فذكر ذلك للحسن فقال ما كنا متى رأينا باطلا تركنا حقا اشرع ذلك فى ديننا ولم يرجع انتهى كلامه. وذكر ان الله تعالى اوحى الى يوشع بن نون عليه السلام انى مهلك من قومك اربعين الفا من خيارهم وستين الفا من شرارهم قال يا رب هؤلاء الاشرار فما بال الاخيار قال انهم لم يغضبوا لغضبى واكلوهم وشاربوهم واذا كان الرجل مبتلى بصحبة الفجار فى سفره للحج او الغزاء لا يترك الطاعة بصحبتهم لكن يكرهه بقلبه ولا يرضى به فلعل الفاسق يتوب ببركة كراهة قلبه ومن دعى الى ضيافة فوجد ثمة لعبا او غناء يقعد ان كان غير قدوة ويمنع ان قدر وان كان قدوة كالقاضى والمفتى ونحوهما يمنع ويقعد فان عجز خرج وان كان ذلك على المائدة او كانوا يشربون الخمر خرج وان لم يكن قدوة وان علم قبل الحضور لا يحضر فى الوجوه كلها كذا فى تحفة الملوك.

النساء 4:141

{ الذين يتربصون بكم } اى المنافقون هم الذين ينتظرون وقوع امر لكم خيرا كان او شرا { فان كان لكم } ايها المؤمنون { فتح من الله } اى ظفر ودولة وغنيمة { قالوا } اى لكم { ألم نكن معكم } على دينك مظاهرين لكم فاسهموا لنا فيما غنمتم { وان كان للكافرين نصيب } اى ظهور على المسلمين { قالوا } اى للكفرة { ألم نستحوذ عليكم } الاستحواذ الاستيلاء اى ألم نغلبكم ونمكن من قتلكم واسركم فابقينا عليكم اى ترحمنا { ونمنعكم من المؤمنين } بان ثبطناهم عنكم وخيلنا لهم ما ضعفت به قلوبهم او امرجنا فى جنابكم وتوانينا فى مظاهرتهم عليكم والا لكنتم نهبة للنوائب فهاتوا نصيبا مما اصبتم وانما سمى ظفر المسلمين فتحا وظفر الكافرين نصيبا تعظيما لشأن المسلمين وتخسيسا لحظ الكافرين لان ظفر المسلمين امر عظيم تفتح له ابواب السماء حتى ينزل على اوليائه واما ظفر الكافرين فمقصور على امر دنيوى سريع الزوال { فالله يحكم بينكم } اى بين المؤمنين والمنافقين بطريق تغليب المخاطبين على الغائبين { يوم القيمة } اى يحكم حكما يليق بشأن كل منكم من الثواب والعقاب واما فى الدنيا فقد اجرى على من تفوه بكلمة الاسلام حكمه ولم يضع السيف على من تكلم بها نفاقا { ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا } اى ظهورا يوم القيامة كما قد يجعل ذلك فى الدنيا بطريق الابتلاء والاستدراج وبيانه ان الله تعالى يظهر اثر ايمان المؤمن يوم القيامة ويصدق موعدهم ولا يشاركهم الكفار فى شىء من اللذات كما شاركوهم اليوم حتى يعلموا ان الحق معهم دونهم اذ لو شاركوهم فى شىء منها لقالوا للمؤمنين ما نفعكم ايمانكم وطاعتكم شيئا لانا اشركنا واستوينا معكم فى ثواب الآخرة واما ان كان المعنى سبيلا فى الدنيا فيراد بالسبيل الحجة وحجة المسلمين غالبة على حجة الكل وليس لاحد ان يغلبهم بالحجة وقيل معنى السبيل الدولة الدائمة ولا دولة على الدوام للكافرين والا لكان الظهور والغلبة من قبلهم دائما وليس كذلك فان اكثر الظفر للمسلمين وانما ينال الكفار من المؤمنين فى بعض الاوقات استدراجا ومكرا وهذا يستمر الى انقراض اهل الايمان فى آخر الزمان. وعن كعب قال اذا انصرف عيسى ابن مريم والمؤمنون من يأجوج ومأجوج لبثوا سنوات ثم رأوا كهيئة الرهج والغبار فاذا هى ريح قد بعثها الله لتقبض ارواح المؤمنين فتلك آخر عصابة تقبض من المؤمنين ويبقى الناس بعدهم مائة عام لا يعرفون دينا ولا سنة يتهارجون تهارج الحمر عليهم تقوم الساعة وفى الحديث " الجهاد ماض منذ بعثنى الله الى ان يقاتل آخر امتى الدجال ". ثم ان الله تعالى يحكم بينكم يوم القيامة ليعلم من اهل العزة والكرامة ومن اهل الغرة والندامة كما ان الشمع يحكم بين الصحيح والسقيم باظهار حالهما اذا جيىء به فى حمام مظلم قد دخله الاصحاء والمرضى والجرحى ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا فان وبال كيدهم اليهم مصروف وجزاء مكرهم عليهم موقوف والحق من قبل الحق تعالى منصور اهله والباطل بنصر الحق مخيب اصله. وقد قيل الباطل يفور ثم يغور. فعلى المؤمن صرف علو الهمة فى الدين وفى تحصيل علم اليقين ولا يتربص للفتوحات الدنيوية ذاهلا عن الفتوحات الاخروية بل عن فتوحات الغيب ومشاهدة الحق فان اهم الامور هو الوصول الى الرب الغفور. قال ابو يزيد البسطامى قدس سره ان لله خواص من عباده ولو حجبهم فى الجنة عن رؤيته لاستغاثوا كما يستغيث اهل النار بالخروج من النار ولما كان موسى كليم الله طفلا فى حجر تربية الحق تعالى ما تجاوز حده ولا تعدى قصده بل قال رب انى لما انزلت الى من خير فقير فلما كبر وبلغ مبلغ الرجال ما رضى بطعام الاطفال بل قال رب ارنى أنظر اليك وكان غاية طلبه فى طفوليته هو الطعام والشراب وكان منتهى اربه فى رجوليته هو رفع الحجاب ومشاهدة الاحباب فالباب مفتوح للطلاب لا حاجب عليه ولا بواب وانما المحجوب عن المسبب من وقف مع الاسباب والمشروب حاضر والمحروم من حرم الشراب والمحبوب ناظر والمطرود من قوف وراء الحجاب فمن انس بسواه فهو مستوحش ومن ذكر غيره فهو غافل عنه ومن عول على سواه فهو مشرك فاذا لم يجد اليه سبيلا وفى ظله مقيلا ونعم ما قيل تومحرم نيستى محروم ازانى ره نامحرمان اندر حرم نيست

النساء 4:142

{ ان المنافقين يخادعون الله } اى يفعلون ما يفعل المخادع من اظهار الايمان وابطان الكفر { وهو خادعهم } اى الله تعالى فاعل بهم ما يفعل الغالب فى الخداع حيث تركهم فى الدنيا معصومى الدماء والاموال واعد لهم فى الآخرة الدرك الاسفل من النار ولم يخلهم فى العاجل من فضيحة واحلال بأس ونقمة ورعب واثم. وقال ابن عباس رضى الله عنهما انهم يعطون نورا يوم القيامة كما للمؤمنين فيمضى المؤمنون بنورهم على الصراط وينطفىء نور المنافقين فينادون المؤمنين انظرونا نقتبس من نوركم فتناديهم الملائكة على الصراط ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا وقد علموا انهم لا يستطيعون الرجوع قال فيخاف المؤمنون حينئذ ان يطفأ نورهم فيقولون ربنا اتمم لنا نورنا واغفر لنا انك على كل شىء قدير { واذا قاموا الى الصلوة قاموا كسالى } اى متثاقلين متقاعسين كما ترى من يفعل شيئا عن كره لا عن طيب نفس ورغبة. قوله كسالى كأنه قيل ما كسالى فقيل { يراؤن الناس } اى يقصدون بصلاتهم الرياء والسمعة ليحسبوهم مؤمنين { ولا يذكرون الله } عطف على يراؤن { الا } ذكرا { قليلا } اذ المرائى لا يفعل الا بحضرة من يرائيه وهو اقل احواله والمراد بالذكر التسبيح والتهليل. قال فى الكشاف وهكذا ترى كثيرا من المتظاهرين بالاسلام لو صحبته الايام والليالى لم تسمع منه تهليلة ولا تحميدة ولكن حديث الدنيا يستغرق اوقاته لا يفتر عنه { مذبذبين بين ذلك } حال من فاعل يراؤن وذلك اشارة الى الايمان والكفر المدلول عليهما بمعونة المقام اى مرددين بينهما متحيرين قد ذبذبهم الشيطان والهوى بينهما وحقيقة المذبذب ما يذب ويدفع عن كلا الجانبين مرة بعده اخرى { لا الى هؤلاء ولا الى هؤلاء } حال من ضمير مذبذبين اى لا منسوبين الى المؤمنين فيكونون مؤمنين ولا الى الكافرين فيكونون مشركين { ومن يضلل الله } لعدم استعداده للهداية والتوفيق { فلن تجد له سبيلا } موصلا الى الحق والصواب فضلا عن انه تهديه اليه والخطاب لكل من يصلح له كائنا من كان وكان صلى الله عليه وسلم يضرب مثلا للمؤمنين والمنافقين والكافرين كمثل رهط ثلاثة رفعوا الى نهر فقطعه المؤمن ووقف الكافر ونزل فيه المنافق حتى اذا توسطه عجز فناداه الكافر هلم الى لا تغرق وناداه المؤمن هلم الى لتخلص فما زال المنافق يتردد بينهما اذ اتى عليه ماء فغرقه فكان المنافق لم يزل فى شك حتى يأيته الموت اى كه دارى نفاق اندر دل خار بادت خليده اندر حلق هركه سازد نفاق بيشه خويش خوار كردد بنزد خالق وخلق والاشارة إن المنافقين النساء 142. انما يخادعون الله النساء 142. فى الدنيا لان الله تعالى وهو خادعهم النساء 142. فى الازل عند رش نوره على الارواح وذلك ان الحق خلق الخلق فى ظلمة ثم رش عليهم من نوره فلما رش نوره اصاب ارواح المؤمنين واخطأ ارواح المنافقين والكافرين ولكن الفرق بين المنافقين والكافرين ان ارواح المنافقين رأوا رشاش النور وظنوا انه يصيبهم فاخطأهم وارواح الكافرين ما شاهدوا ذلك الرشاش ولم يصبهم وكأن المنافقين خدعوا عند مشاهدتهم الرشاش اذما اصابهم فمن نتائج مشاهدتهم الرشاش { واذا قاموا الى الصلوة } من نتائج حرمانهم اصابة النور { قاموا كسالى يراؤن الناس } كيما يرونهم النور { ولا يذكرون الله الا قليلا } لانهم يذكرونه بلسان الظاهر القالبى لا بلسان الباطن القلبى والقالب من الدنيا وهى قليلة قليل ما فيها والقلب من الآخرة وهى كثيرة كثير ما فيها فالذكر الكثير من لسان القلب كثير والفلاح فى الذكر الكثير لا فى القليل لقوله تعالى واذكروا الله ذكرا كثيرا الجمعة 10. اى بلسان القلب لعلكم تفلحون الجمعة 10. ولما كان ذكر المنافقين بلسان القالب كان قليلا فما افلحوا به وانما كان ذكر المنافق بلسان الظاهر لانه رأى رشاش النور ظاهرا من البعد ولم يصبه فلو كان اصابه ذلك النور لكان صدره منشرحا به كما قال تعالى أفمن شرح الله صدره للاسلام فهو على نور من ربه الزمر 22. اى على نور مما رش به ربه ومعدن النور هو القلب فكان قلبه ذاكرا لله بذلك النور فانه يصير لسان القلب فقليل الذكر منه يكون كثيرا فافهم جدا فلما كانت ارواح المنافقين مترددة متحيرة بين مشاهدة رشاش النور وبين الظلمة الخلقية لا الى هؤلاء الذين اصابهم النور ولا الى هؤلاء الذين لم يشاهدوا الرشاش لذلك كانوا { مذبذبين بين ذلك } المؤمنين والكافرين { لا الى هؤلاء ولا الى هؤلاء ومن يضلل الله } باخطاء ذلك النور كما قال ومن اخطأه فقد ضل { فلن تجد له سبيلا } ههنا الى ذلك النور يدل عليه قوله ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور النور 40. اى ومن لم يجعل الله له قسمة من ذلك النور المرشش عليهم فماله اليوم نصيب من نور الهداية كذا فى التأويلات النجمية اللهم ارزقنا الذكر الكثير واعصمنا من الذنب الصغير والكبير. يقال حصون المؤمن ثلاثة المسجد وذكر الله وتلاوة القرآن والمؤمن اذا كان فى واحد من ذلك اى من الاشياء الثلاثة فهو فى حصن من الشيطان قال على رضى الله عنه يأتى على الناس زمان لا يبقى من الاسلام الا اسمه ومن القرآن الا رسمه يعمرون مساجدهم وهى خراب من ذكر الله تعالى شر اهل ذلك الزمان علماؤهم منهم تخرج الفتنة واليهم تعود قال السعدى قدس سره كنون بايدت عذر تقصير كفت نه جون نفس ناطق زكفتن بخفت اللهم اجعلنا من الذاكرين الشاكرين آمين يا معين.

النساء 4:143

{ ان المنافقين يخادعون الله } اى يفعلون ما يفعل المخادع من اظهار الايمان وابطان الكفر { وهو خادعهم } اى الله تعالى فاعل بهم ما يفعل الغالب فى الخداع حيث تركهم فى الدنيا معصومى الدماء والاموال واعد لهم فى الآخرة الدرك الاسفل من النار ولم يخلهم فى العاجل من فضيحة واحلال بأس ونقمة ورعب واثم. وقال ابن عباس رضى الله عنهما انهم يعطون نورا يوم القيامة كما للمؤمنين فيمضى المؤمنون بنورهم على الصراط وينطفىء نور المنافقين فينادون المؤمنين انظرونا نقتبس من نوركم فتناديهم الملائكة على الصراط ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا وقد علموا انهم لا يستطيعون الرجوع قال فيخاف المؤمنون حينئذ ان يطفأ نورهم فيقولون ربنا اتمم لنا نورنا واغفر لنا انك على كل شىء قدير { واذا قاموا الى الصلوة قاموا كسالى } اى متثاقلين متقاعسين كما ترى من يفعل شيئا عن كره لا عن طيب نفس ورغبة. قوله كسالى كأنه قيل ما كسالى فقيل { يراؤن الناس } اى يقصدون بصلاتهم الرياء والسمعة ليحسبوهم مؤمنين { ولا يذكرون الله } عطف على يراؤن { الا } ذكرا { قليلا } اذ المرائى لا يفعل الا بحضرة من يرائيه وهو اقل احواله والمراد بالذكر التسبيح والتهليل. قال فى الكشاف وهكذا ترى كثيرا من المتظاهرين بالاسلام لو صحبته الايام والليالى لم تسمع منه تهليلة ولا تحميدة ولكن حديث الدنيا يستغرق اوقاته لا يفتر عنه { مذبذبين بين ذلك } حال من فاعل يراؤن وذلك اشارة الى الايمان والكفر المدلول عليهما بمعونة المقام اى مرددين بينهما متحيرين قد ذبذبهم الشيطان والهوى بينهما وحقيقة المذبذب ما يذب ويدفع عن كلا الجانبين مرة بعده اخرى { لا الى هؤلاء ولا الى هؤلاء } حال من ضمير مذبذبين اى لا منسوبين الى المؤمنين فيكونون مؤمنين ولا الى الكافرين فيكونون مشركين { ومن يضلل الله } لعدم استعداده للهداية والتوفيق { فلن تجد له سبيلا } موصلا الى الحق والصواب فضلا عن انه تهديه اليه والخطاب لكل من يصلح له كائنا من كان وكان صلى الله عليه وسلم يضرب مثلا للمؤمنين والمنافقين والكافرين كمثل رهط ثلاثة رفعوا الى نهر فقطعه المؤمن ووقف الكافر ونزل فيه المنافق حتى اذا توسطه عجز فناداه الكافر هلم الى لا تغرق وناداه المؤمن هلم الى لتخلص فما زال المنافق يتردد بينهما اذ اتى عليه ماء فغرقه فكان المنافق لم يزل فى شك حتى يأيته الموت اى كه دارى نفاق اندر دل خار بادت خليده اندر حلق هركه سازد نفاق بيشه خويش خوار كردد بنزد خالق وخلق والاشارة إن المنافقين النساء 142. انما يخادعون الله النساء 142. فى الدنيا لان الله تعالى وهو خادعهم النساء 142. فى الازل عند رش نوره على الارواح وذلك ان الحق خلق الخلق فى ظلمة ثم رش عليهم من نوره فلما رش نوره اصاب ارواح المؤمنين واخطأ ارواح المنافقين والكافرين ولكن الفرق بين المنافقين والكافرين ان ارواح المنافقين رأوا رشاش النور وظنوا انه يصيبهم فاخطأهم وارواح الكافرين ما شاهدوا ذلك الرشاش ولم يصبهم وكأن المنافقين خدعوا عند مشاهدتهم الرشاش اذما اصابهم فمن نتائج مشاهدتهم الرشاش { واذا قاموا الى الصلوة } من نتائج حرمانهم اصابة النور { قاموا كسالى يراؤن الناس } كيما يرونهم النور { ولا يذكرون الله الا قليلا } لانهم يذكرونه بلسان الظاهر القالبى لا بلسان الباطن القلبى والقالب من الدنيا وهى قليلة قليل ما فيها والقلب من الآخرة وهى كثيرة كثير ما فيها فالذكر الكثير من لسان القلب كثير والفلاح فى الذكر الكثير لا فى القليل لقوله تعالى واذكروا الله ذكرا كثيرا الجمعة 10. اى بلسان القلب لعلكم تفلحون الجمعة 10. ولما كان ذكر المنافقين بلسان القالب كان قليلا فما افلحوا به وانما كان ذكر المنافق بلسان الظاهر لانه رأى رشاش النور ظاهرا من البعد ولم يصبه فلو كان اصابه ذلك النور لكان صدره منشرحا به كما قال تعالى أفمن شرح الله صدره للاسلام فهو على نور من ربه الزمر 22. اى على نور مما رش به ربه ومعدن النور هو القلب فكان قلبه ذاكرا لله بذلك النور فانه يصير لسان القلب فقليل الذكر منه يكون كثيرا فافهم جدا فلما كانت ارواح المنافقين مترددة متحيرة بين مشاهدة رشاش النور وبين الظلمة الخلقية لا الى هؤلاء الذين اصابهم النور ولا الى هؤلاء الذين لم يشاهدوا الرشاش لذلك كانوا { مذبذبين بين ذلك } المؤمنين والكافرين { لا الى هؤلاء ولا الى هؤلاء ومن يضلل الله } باخطاء ذلك النور كما قال ومن اخطأه فقد ضل { فلن تجد له سبيلا } ههنا الى ذلك النور يدل عليه قوله ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور النور 40. اى ومن لم يجعل الله له قسمة من ذلك النور المرشش عليهم فماله اليوم نصيب من نور الهداية كذا فى التأويلات النجمية اللهم ارزقنا الذكر الكثير واعصمنا من الذنب الصغير والكبير. يقال حصون المؤمن ثلاثة المسجد وذكر الله وتلاوة القرآن والمؤمن اذا كان فى واحد من ذلك اى من الاشياء الثلاثة فهو فى حصن من الشيطان قال على رضى الله عنه يأتى على الناس زمان لا يبقى من الاسلام الا اسمه ومن القرآن الا رسمه يعمرون مساجدهم وهى خراب من ذكر الله تعالى شر اهل ذلك الزمان علماؤهم منهم تخرج الفتنة واليهم تعود قال السعدى قدس سره كنون بايدت عذر تقصير كفت نه جون نفس ناطق زكفتن بخفت اللهم اجعلنا من الذاكرين الشاكرين آمين يا معين.

النساء 4:144

{ يا ايها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين اولياء من دون المؤمنين } اى لا تتشبهوا بالمنافقين فى اتخاذهم اليهود وغيرهم من اعداء الاسلام احباء قوله من دون المؤمنين حال من فاعل لا تتخذوا اى متجاوزين ولاية المؤمنين { أتريدون ان تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا } اى أتريدون بذلك ان تجعلوا لله عليكم حجة بينة على انكم منافقون فان موالاتهم اوضح ادلة النفاق فالسلطان هو الحجة يقال للامير سلطان يراد بذلك انه حجة ويجوز ان يكون بمعنى الوالى والمعنى حينئذ أتريدون ان تجعلوا سلطانا كائنا عليكم واليا امر عقابكم مختصا لله تعالى مخلوقا له منقادا لامره.

النساء 4:145

{ ان المنافقين فى الدرك الاسفل من النار } هو الطبقة التى فى قعر جهنم وهى الهاوية والنار سبع دركات سميت بذلك لانها متداركة متتابعة بعضها فوق بعض والدركات فى النار مثل الدرجات فى الجنة كل ما كان من درجات الجنة اعلى فثواب من فيه اعظم وما كان من دركات النار اسفل فعقاب من فيه اشد. وسئل ابن مسعود عن الدرك الاسفل فقال هو توابيت من حديد مبهمة عليهم لا ابواب لها. فان قلت لم كان المنافق اشد عذابا من الكافر. قلت لانه مثله فى الكفر وضم الى كفره الاستهزاء بالدين والخداع للمسلمين فالمنافقون اخبث الكفرة. فان قلت من المنافق. قلت هو فى الشريعة من اظهر الايمان وابطن الكفر واما تسمية من ارتكب ما يفسق به بالمنافق فللتغليظ والتهديد والتشبيه مبالغة فى الزجر كقوله من ترك الصلاة متعمدا فقد كفر ومنه قوله عليه الصلاة والسلام " ثلاث من كن فيه فهو منافق وان صام وصلى وزعم انه مسلم من اذا حدث كذب واذا وعد اخلف واذا ائتمن خان ". وقيل لحذيفة رضى الله عنه من المنافق فقال الذى يصف الاسلام ولا يعمل به. وعن الحسن اتى على النفاق زمان وهو مقروع فيه فاصبح قد عمم وقلد واعطى سيفا يعنى الحجاج. قال عمر بن عبد العزيز لو جاءت كل امة بمنافقيها وجئنا بالحجاج فضلناهم. وعن عبد الله بن عمر ان اشد الناس عذابا يوم القيامة ثلاثة المنافقون ومن كفر من اصحاب المائدة وآل فرعون قال الله تعالى فى اصحاب المائدة فإنى أعذبه عذابا شديدا لا اعذبه احدا من العالمين المائدة 115. وقال فى حق المنافقين إن المنافقين فى الدرك الاسفل من النار النساء 145. وقال ادخلوا آل فرعون اشد العذاب غافر 46. قيل لا يمتنع ان يجتمع القوم فى موضع واحد ويكون عذاب بعضهم اشد من بعض ألا ترى ان البيت الداخل فى الحمام يجتمع فيه الناس فيكون بعضهم اشد اذى بالنار لكونه ادنى الى موضع الوقود وكذلك يجتمع القوم فى القعود فى الشمس وتأذى الصفراوى اشد واكثر من تأذى السوداوى والمنافق فى اللغة مأخوذ من النفق وهو السر اى يستتر بالاسلام كما يستتر الرجل بالسرب وقيل هو ماخوذ من قولهم نافق اليربوع اذا دخل نافقاءه فاذا طلب من النافقاء خرج من القاصعاء واذا طلب من القاصعاء خرج من النافقاء والنافقاء والقاصعاء حجر اليربوع { ولن تجد لهم نصيرا } اى مانعا يمنع عنهم العذاب ويخرجهم من الدرك الاسفل من النار والخطاب لكل من يصلح له كائنا من كان.

النساء 4:146

{ الا الذين تابوا } اى عن النفاق هو استثناء من المنافقين بل من ضميرهم فى الخبر { واصلحوا } ما افسدوا من احوالهم من حال النفاق باتيان ما حسنه الشرع من افعال القلوب والجوارح { واعتصموا بالله } اى وثقوا به وتمسكوا بدينه وتوحيده { واخلصوا دينهم } اى جعلوه خالصا { لله } لا يبتغون بطاعتهم الا وجهه { فاولئك } الموصوفون بما ذكر من الصفات الحميدة { مع المؤمنين } اى المؤمنين المعهودين الذين لا يصدر عنهم نفاق اصلا وإلا فهم ايضا مؤمنون اى معهم فى الدرجات العالية من الجنة لا يضرهم النفاق السابق وقد بين ذلك بقوله تعالى { وسوف يؤت الله المؤمنين اجرا عظيما } لا يقادر قدره فيشاركونهم فيه ويساهمونهم وسوف كلمة ترجئة واطماع وهى من الله سبحانه ايجاب لانه اكرم الاكرمين ووعد الكريم انجاز وانما حذفت الياء من يؤتى فى الخط كما حذفت فى اللفظ لسكونها وسكون اللام فى اسم الله وكذلك سندع الزبانية ويدع الداع. واعلم ان الكافر وان افسد برين الكفر صفاء روحه ولكن ما اضيف الى رين كفره رين النفاق فكان لرين كفره منفذ من القلب الى اللسان فيخرج بخاره من لسانه باظهار الكفر وكان للمنافق مع رين كفره رين النفاق زائدا ولم يكن لبخار رينه منفذ الى لسانه فكان بخارات رين الكفر ورين النفاق تنفذ من منفذ قلبه الذى هو الى عالم الغيب فتتراكم حتى انسد منفذ قلبه بها وختم عليه بافساد كلية الاستعداد من صفاء الروحانية فلم يتفق له الخروج عن هذا الاسفل ولا ينصره نصير باخراجه لانه محذول بعيد من الحق فى آخر الصفوف وقال تعالى ان ينصركم الله آل عمران 160. يعنى فى خلق ارواحكم فى صف ارواح المؤمنين فلا غالب لكم آل عمران 160. بان يردكم الى صف ارواح الكافرين وان يخذلكم آل عمران 160. بان يخلق ارواحكم فى صف ارواح الكافرين فمن ذا الذى ينصركم من بعده آل عمران 160. بان يخرجكم الى صف المؤمنين ثم استثنى منهم من كان كفره ونفاقه عارية وروحه فى اصل الخلقة خلقت فى صف المؤمنين ثم بادنى مناسبة فى المحاذاة بين روحه وارواح الكافرين والمنافقين ظهر عليه من نتائجها موالاة معلولة من القوم اياما معدودة فما افسدت صفاء روحانيته بالكلية وما انسد منفذ قلبه الى عالم الغيب فهب له من مهب العناية نفحات الطاف الحق ونبه من نومة الغفلة ونبىء بالرجوع الى الحق بعد التمادى فى الباطل ونودى فى سره بان لا نصير لمن اختار الاسفل ولا يخرج منه { الا الذين تابوا } اى ندموا على ما فعلوا ورجعوا عن تلك المعاملات الرديئة { واصلحوا } ما افسدوا من حسن الاستعداد وصفاء الروحانية بترك الشهوات النفسانية والحظوظ الحيوانية { واعتصموا ب } حبل { الله } استعانة على العبودية { واخلصوا دينهم لله } فى الطلب لا يطلبون منه الا هو ثم قال من قام بهذه الشرائط { فاولئك مع المؤمنين } يعنى فى صف ارواحهم خلق روحه لا فى صف ارواح الكافرين { وسوف يؤتى الله المؤمنين } التائبين ويتقرب اليهم على قضية من تقرب الى شبرا تقربت اليه ذراعا ومن تقرب الى ذراعا تقربت اليه باعا ومن اتانى يمشى اتيته اهرول وهذا هو الذى سماه { اجرا عظيما } والله العظيم كذا فى التأويلات النجمية قال السعدى قدس سره خلاف طريقت بود كاوليا تمننا كنند ازخدا جزخدا

النساء 4:147

{ ما } استفهامية بمعنى النفى فى محل النصب بيفعل اى أى شىء { يفعل الله بعذابكم } الباء سببية متعلقة بيفعل اى بتعذيبكم { ان شكرتم وآمنتم } اى أيتشفى به من الغيظ ام يدرك به الثأر ام يستجلب به نفعا ام يستدفع به ضررا كما هو شأن الملوك اى لا يفعل بعذاب المؤمن الشاكر شيئا من ذلك لان كل ذلك محال فى حقه تعالى لانه تعالى غنى لذاته عن الحاجات منزه عن جلب المنفعة ودفع المضرة واما تعذيب من لم يؤمن او آمن ولم يشكر فليس لمصلحة تعود اليه تعالى بل لاستدعاء حال المكلف ذلك كاستدعاء سوء المزاج المرض والمقصود منه حمل المكلفين على الايمان وفعل الطاعات والاحتراز عن القبيح وترك المنكرات فكأنه قيل اذا اتيتم الحسنات وتركتم المنكرات فكيف يليق بكرمه ان يعذبكم وتعذيبه عباده لا يزيد فى ملكه وتركه عقوبتهم على فعلهم القبيح لا ينقص من سلطانه وجواب ان شكرتم محذوف لدلالة ما قبله عليه اى ان شكرتم وآمنتم فما يفعل بعذابكم. والشكر ضد الكفر والكفر ستر النعمة فالشكر اظهارها وإنما قد الشكر على الايمان مع ان الايمان مقدم على سائر الطاعات ولاثبات مع عدم الايمان لما انه طريق موصل اليه فان الناظر يدرك اولا ما عليه من النعم الانفسية والآفاقية فيشكر شكرا مبهما ثم يترقى الى معرفة المنعم بعد امعان النظر فى الدلائل الدالة على ثبوته ووحدته فيؤمن به { وكان الله شاكرا } الشكر من العبد هو الاعتراف بالنعمة الواصلة اليه مع ضروب من التعظيم ومن الله تعالى الرضى اى راضيا باليسير من طاعة عباده واضعاف الثواب مقابلة واحدة الى عشرة الى سبعمائة الى ما شاء من الاضعاف { عليما } بحق شكركم وايمانكم فيستحيل ان لا يوفيكم اجوركم فينبغى لطالب الحق ان يخضع له خضوعا تاما ويشكره شكرا كثيرا. قال الجرجانى فى قوله تعالى لئن شكرتم لأزيدنكم إبراهيم 7. اى لئن شكرتم القرب لأزيدنكم الانس. وعن على رضى الله عنه اذا وصلت اليكم اطراف النعم فلا تنفروا اقصاها بقلة الشكر معناه من لم يشكر النعم الحاصلة لديه الواصلة اليه حرم النعم الفائتة منه القاصية عنه جون بيابى تونعمتى درجند خرد باشد جو نقطه موهوم شكر آن يافته فرومكذار كه زنا يافته شوى محروم فالبشكر والايمان يتخلص المرء من النيران والا فقد عرض نفسه للعذاب واستحق العذاب والعتاب وجه التعذيب ان التأديب فى الحكمة واجب فخلق الله النار ليعلم الخلق قدر جلال الله وكبريائه وليكونوا على هيبة وخوف من صنع جلاله ويؤدب بها من لم يتأدب بتأديب رسله الى خلقه وليعتبر اهل العقل بالنظر اليها فى الدنيا وبالاستماع لها فى الآخرة ولهذا السر علق النبى عليه السلام السوط حيث يراه اهل البيت لئلا يتركوا الادب روى ان الله تعالى قال لموسى عليه السلام ما خلقت النار بخلا منى ولكن اكره ان اجمع اعدائى واوليائى فى دار واحدة وادخل الله بعض عصاة المؤمنين النار ليعرفوا قدر الجنة ومقدار ما دفع الله عنهم من عظيم النقمة لان تعظيم النعمة واجب فى الحكمة. والاشارة فى الآية ان الله تعالى يذكر للعباد المؤمنين نعما من نعمه السالفة السابقة. منها اخراجهم من العدم ببديع فطرته. ومنها انه خلق ارواحهم قبل خلق الاشياء. ومنها انه خلق ارواحهم نورانية بالنسبة الى خلق اجسادهم الظلمانية. ومنها ان ارواحهم لما كانت بالنسبة الى نور القدم ظلمانية رش عليهم من نور القدم. ومنها انه لما اخطأ بعض الارواح ذلك النور وهو ارواح الكفار والمنافقين وقد اصاب ارواح المؤمنين قال { ما يفعل الله بعذابكم ان شكرتم } هذه النعم التى انعمت بها عليكم من غير استحقاق منكم فانكم ان شكرتم هذه النعم برؤيتها ورؤية المنعم { وآمنتم } فقد امنتم بى ونجوتم من عذابى وهو ألم الفراق فان حقيقة الشكر رؤية المنعم والشكر على وجود المنعم ابلغ من الشكر على وجود النعم وقال واشكروا لى اى اشكروا لوجودى { وكان الله } فى الازل { شاكرا } لوجوده ومن شكر لوجوده اوجد الخلق بجوده { عليما } بمن يشكره وبمن يكفره فاعطى جزاء شكر الشاكرين قبل شكرهم لان الله شكور واعطى جزاء كفر الكافرين قبل كفرهم لان الكافر كفور كذا فى التأويلات النجمية.

النساء 4:148

{ لا يحب الله الجهر بالسوء من القول } عدم محبته تعالى لشىء كناية عن سخطه والباء متعلقة بالجهر ومن بمحذوف وقع حالا من السوء اى لا يحب الجهر من احد فى حق غيره بالسوء كائنا من القول { الا من ظلم } اى الا جهر المظلوم فان المظلوم له ان يجهر برفع صوته بالدعاء على من ظلمه او يذكر ما فيه من السوء تظلما منه مثل ان يذكر انه سرق او غصبه منى وقيل هو ان يبدأ بالشتيمة فيرد على الشاتم يعنى لو شتمه احد ابتداء فله ان يرد على شاتمه اى جاز ان يشتمه بمثله ولا يزيد عليه وقيل ان رجلا ضاف قوما اى اتاهم ضيفا فلم يطعموه فاشتكاهم فعوتب على الشكاية فنزلت { وكان الله سميعا } لكلام المظلوم { عليما } بحال الظالم { ان تبدوا خيرا } أى خير كان من الاقوال والافعال { او تخفوه او تعفوا عن سوء } لكم المؤاخذة عليه وهو المقصود وذكر ابداء الخير واخفائه تمهيد وتوطئة له ولذلك رتب عليه قوله { فان الله كان عفوا قديرا } فان ايراده فى معرض جواب الشرط يدل على ان العمدة هو العفو مع القدرة اى كان مبالغا فى العفو عن العصاة مع كمال قدرته على المؤاخذة والانتقام فعليكم ان تقتدوا بسنة الله وهو حث المظلوم على العفو بعد ما رخص له فى الانتصار والانتقام حملا على مكارم الاخلاق. وعن على رضى الله عنه لا تتفرد دفع انتقام صولت انتقام ازمردم دولت مهترى كند باطل ازره انتقام يكسو شو تانمانى بمهترى عاطل واعلم ان الله تعالى لا يحب اظهار الفضائح الا فى حق ظالم عظم ضرره وكثر كيده ومكره فعند ذلك يجوز اظهار فضائحه ولهذا قال عليه السلام " اذكروا الفاسق بما فيه كى يحذره الناس ". وورد فى الاثر " ثلاثة ليست لهم الغيبة الامام الجائر والفاسق المعلن بفسقه والمبتدع الذى يدعو الناس الى بدعته ". ثم ان اكثر السوء قولى فان اللسان صغير الجرم كبير الجرم وفى الحديث " البلاء موكل بالمنطق ". يحكى ان ابن السكيت جلس مع المتوكل يوما فجاء المعتز والمؤيد ابنا المتوكل فقال ايما احب اليك ابناى ام الحسن والحسين قال والله ان قنبر خادم على رضى الله عنه خير منك ومن ابنيك فقال سلوا لسانه من قفاه ففعلوا فمات ومن العجب انه انشد قبل ذلك للمعتز والمؤيد وكان يعلمهما فقال يصاب الفتى من عثرة بلسانه وليس يصاب المرء من عثرة الرجل فعثرته فى القول تذهب رأسه وعثرته فى الرجل تبرا على مهل وفى المثنوى اين زبان جون سنك وهم آهن وشست آنجه بجهد از زبان جون آتشست سنك و آهن را مزن برهم كزاف كه زروى نقل وكه ازروى لاف زانكه تاريكست وهر سو ينبه زار درميان ينبه جون باشد شرار عالمى را يك سخن ويران كند روبهان مرده را شيران كند والاشارة فى الآية ان { لا يحب الله الجهر بالسوء من القول } من العوام ولا التحدث مع النفس من الخواص ولا الخطرة التى تخطر بالبال من الاخص { الا من ظلم } بمعاصى دواعى البشرية من غير اختيار او بابتلاء من اضطرار. وايضا لا يحب الجهر بالسوء من القول بافشاء اسرار الربوبية واسرار مواهب الالوهية الا من ظلم بغلبات الاحوال وتعاقب كؤوس عقار الجمال والجلال فاضطر الى المقال فقال باللسان الباقى لا باللسان الفانى انا الحق سبحانى { وكان الله } فى الازل { سميعا } لمقالهم قبل ابداء حالهم { عليما } باحوالهم ثم قال { ان تبدوا خيرا } يعنى مما كوشفتم به من الطاف الحق تنبيها للحق وافادة لهم بالحق { او تخفوه } صيانة لنفوسكم عن آفات الشوائب واخذا بخطامها عن المشارب { او تعفوا عن سوء } مما يدعوكم اليه هوى النفس الامارة بالسوء او تتركوا اعلان ما جعل الله اظهاره سوأ فان الله كان عفوا فيكون عفوا متخلقا باخلاقه متصفا بصفاته وايضا { فان الله كان } فى الازل { عفوا } عنك بان لم يجعلك من المخذولين حتى صرت عفوا عما سواه وكان هو { قديرا } على خذلانك حتى يقدر على ان لا يعفو عن مثقال ذرة لكفرانك ان الانسان لظلوم كفار كذا فى التأويلات النجمية.

النساء 4:149

{ لا يحب الله الجهر بالسوء من القول } عدم محبته تعالى لشىء كناية عن سخطه والباء متعلقة بالجهر ومن بمحذوف وقع حالا من السوء اى لا يحب الجهر من احد فى حق غيره بالسوء كائنا من القول { الا من ظلم } اى الا جهر المظلوم فان المظلوم له ان يجهر برفع صوته بالدعاء على من ظلمه او يذكر ما فيه من السوء تظلما منه مثل ان يذكر انه سرق او غصبه منى وقيل هو ان يبدأ بالشتيمة فيرد على الشاتم يعنى لو شتمه احد ابتداء فله ان يرد على شاتمه اى جاز ان يشتمه بمثله ولا يزيد عليه وقيل ان رجلا ضاف قوما اى اتاهم ضيفا فلم يطعموه فاشتكاهم فعوتب على الشكاية فنزلت { وكان الله سميعا } لكلام المظلوم { عليما } بحال الظالم { ان تبدوا خيرا } أى خير كان من الاقوال والافعال { او تخفوه او تعفوا عن سوء } لكم المؤاخذة عليه وهو المقصود وذكر ابداء الخير واخفائه تمهيد وتوطئة له ولذلك رتب عليه قوله { فان الله كان عفوا قديرا } فان ايراده فى معرض جواب الشرط يدل على ان العمدة هو العفو مع القدرة اى كان مبالغا فى العفو عن العصاة مع كمال قدرته على المؤاخذة والانتقام فعليكم ان تقتدوا بسنة الله وهو حث المظلوم على العفو بعد ما رخص له فى الانتصار والانتقام حملا على مكارم الاخلاق. وعن على رضى الله عنه لا تتفرد دفع انتقام صولت انتقام ازمردم دولت مهترى كند باطل ازره انتقام يكسو شو تانمانى بمهترى عاطل واعلم ان الله تعالى لا يحب اظهار الفضائح الا فى حق ظالم عظم ضرره وكثر كيده ومكره فعند ذلك يجوز اظهار فضائحه ولهذا قال عليه السلام " اذكروا الفاسق بما فيه كى يحذره الناس ". وورد فى الاثر " ثلاثة ليست لهم الغيبة الامام الجائر والفاسق المعلن بفسقه والمبتدع الذى يدعو الناس الى بدعته ". ثم ان اكثر السوء قولى فان اللسان صغير الجرم كبير الجرم وفى الحديث " البلاء موكل بالمنطق ". يحكى ان ابن السكيت جلس مع المتوكل يوما فجاء المعتز والمؤيد ابنا المتوكل فقال ايما احب اليك ابناى ام الحسن والحسين قال والله ان قنبر خادم على رضى الله عنه خير منك ومن ابنيك فقال سلوا لسانه من قفاه ففعلوا فمات ومن العجب انه انشد قبل ذلك للمعتز والمؤيد وكان يعلمهما فقال يصاب الفتى من عثرة بلسانه وليس يصاب المرء من عثرة الرجل فعثرته فى القول تذهب رأسه وعثرته فى الرجل تبرا على مهل وفى المثنوى اين زبان جون سنك وهم آهن وشست آنجه بجهد از زبان جون آتشست سنك و آهن را مزن برهم كزاف كه زروى نقل وكه ازروى لاف زانكه تاريكست وهر سو ينبه زار درميان ينبه جون باشد شرار عالمى را يك سخن ويران كند روبهان مرده را شيران كند والاشارة فى الآية ان { لا يحب الله الجهر بالسوء من القول } من العوام ولا التحدث مع النفس من الخواص ولا الخطرة التى تخطر بالبال من الاخص { الا من ظلم } بمعاصى دواعى البشرية من غير اختيار او بابتلاء من اضطرار. وايضا لا يحب الجهر بالسوء من القول بافشاء اسرار الربوبية واسرار مواهب الالوهية الا من ظلم بغلبات الاحوال وتعاقب كؤوس عقار الجمال والجلال فاضطر الى المقال فقال باللسان الباقى لا باللسان الفانى انا الحق سبحانى { وكان الله } فى الازل { سميعا } لمقالهم قبل ابداء حالهم { عليما } باحوالهم ثم قال { ان تبدوا خيرا } يعنى مما كوشفتم به من الطاف الحق تنبيها للحق وافادة لهم بالحق { او تخفوه } صيانة لنفوسكم عن آفات الشوائب واخذا بخطامها عن المشارب { او تعفوا عن سوء } مما يدعوكم اليه هوى النفس الامارة بالسوء او تتركوا اعلان ما جعل الله اظهاره سوأ فان الله كان عفوا فيكون عفوا متخلقا باخلاقه متصفا بصفاته وايضا { فان الله كان } فى الازل { عفوا } عنك بان لم يجعلك من المخذولين حتى صرت عفوا عما سواه وكان هو { قديرا } على خذلانك حتى يقدر على ان لا يعفو عن مثقال ذرة لكفرانك ان الانسان لظلوم كفار كذا فى التأويلات النجمية.

النساء 4:150

{ ان الذين يكفرون بالله ورسله } اى يؤدى اليه مذهبهم ويقتضيه رأيهم لا انهم يصرحون بذلك كما ينبىء عنه قوله تعالى { ويريدون ان يفرقوا بين الله ورسله } اى بان يؤمنوا به تعالى ويكفروا بهم لكن لا بان يصرحوا بالايمان به تعالى وبالكفر بهم قاطبة بل بطريق الالتزام كما يحكيه قوله تعالى { ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض } اى نؤمن ببعض الانبياء ونكفر ببعضهم كما قالت اليهود نؤمن بموسى والتوراة وعزير ونكفر بما وراء ذلك وما ذلك الا كفر بالله تعالى ورسله وتفريق بين الله ورسله فى الايمان لانه تعالى قد امرهم بالايمان بجميع الانبياء وما من نبى من الانبياء الا وقد اخبر قومه بحقية دين نبينا صلى الله عليه وسلم فمن كفر بواحد منهم كفر بالكل وبالله تعالى ايضا من حيث لا يحتسب { ويريدون } بقولهم ذلك { ان يتخذوا بين ذلك سبيلا } اى طريقا وسطا بين الايمان والكفر ولا واسطة بينهما قطعا اذا الحق لا يختلف فان الايمان بالله انما يتم بالايمان برسله وتصديقهم فيما بلغوا عنه تفصيلا واجمالا فالكافر ببعض كالكافر بالكل فى الضلال كما قال فماذا بعد الحق الا الضلال يونس 32.

النساء 4:151

{ اولئك } الموصوف بالصفات القبيحة { هم الكافرون } اى الكاملون فى الكفر لا عبرة بما يدعونه ويسمونه ايمانا اصلا { حقا } مصدر مؤكد لمضمون الجملة اى حق ذلك اى كونهم كاملين فى الكفر حقا او صفة لمصدر الكافرون اى هم الذين كفروا كفرا حقا اى يقينا محققا لا شك فيه { واعتدنا للكافرين عذابا مهينا } سيذوقونه عند حلوله ويهانون فيه ثم انه تعالى لما ذكر وعيد الكفار اتبعه بذكر وعد المؤمنين فقال

النساء 4:152

{ والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين احد منهم } بان يؤمنوا ببعضهم ويكفروا بآخرين كما فعله الكفرة وانما دخل بين على احد وهو يقتضى متعددا لعمومه من حيث انه وقع فى سياق النفى فهو بمنزلة ولم يفرقوا بين اثنين او بين جماعة { اولئك } المنعوتون بالنعوت الجليلة المذكورة { سوف يؤتيهم } اى الله تعالى { اجورهم } الموعودة لهم وسمى الثواب اجرا لان المستحق كالاجرة وسوف لتأكيد الوعد اى الموعود الذى هو الايتاء والدلالة على انه كائن لا محالة وان تأخر { وكان الله غفورا } لما فرط منهم { رحيما } مبالغا فى الرحمة عليهم بتضعيف حسناتهم. والآية الاولى تدل على ان الايمان لا يحصل بزعم المرء وحسبانه انه مؤمن وانما يحصل بحصول شرائطه ونتائجه منه فمن نتائجه ما ذكر فى الآية الثانية من عدم التفريق بين الرسل ومن نتائجه القبول من الله والجزاء عليه فمن اخطأه النور عند الرش على الارواح فقد كفر كفرا حقيقيا ولذلك سماهم الله فى الكفر حقا ومن اصابه النور عند ذلك فقد آمن ايمانا حقيقيا ولذلك لا ينفع الاول توسط الايمان كما لا يضر الثانى توسط العصيان قال السعدى قدس سره قضا كشتى انجا كه خواهد برد وكر ناخدا جامه بر تن درد يحكى انه كان شاب حسن الوجه وله احباب وكانوا فى الاكل والشرب والتنعم والتلذذ فنفدت دراهمهم فاجتمعوا يوما واجمعوا على ان يقطعوا الطريق فخرجوا الى طريق وترقبوا القافلة فلم يمر احد من هذا الطريق الى ثلاثة ايام ورأى الشاب شيخا قال له يا ولدى ليس هذا صنعتك فاستغفر الله تعالى فان طلبتنى فانا اقرأ القرآن فى جامع السيد البخارى ببروسة فاحترق قلب الشاب من تأثير الكلام فقال لرفقائه لو تبعتم رأيى تعالوا نروح الى بروسة ونتجسس عن بعض النجار فنخرج خلفهم فنأخذ اموالهم فقبلوا قوله فلما جاؤا الى بروسة قال لهم تعالوا نصل فى جامع السيد البخارى وندع عنده ليحصل مرادنا فلما جاء الى الجامع ورأى الشيخ هناك يقرأ القرآن سقط على رجله وتاب وبقى عنده سنتين ثم بعد السنتين ارسله هذا الشيخ الى حضرة الشيخ اق شمس الدين فرباه وصار كاملا بعد ان كان مؤمنا ناقصا قاطع الطريق ولذا ينظر الى الخاتمة ولكن حسن العاقبة من سبق العناية فى البداية اللهم اجعلنا من المهديين آمين يا معين. واعلم ان الايمان والتوحيد هو اصل الاصول وهو ان كان لا يزيد ولا ينقص عند الامام الاعظم الا ان نوره يزيد بالطاعات وينقص بالسيآت فينبغى لطالب الحق ان يراعى احكام الشريعة وآداب الطريقة ليتقوى جانب روحانيته فان انوار الطاعات كالاغذية النفيسة للارواح خصوصا نور التوحيد والذكر ولذكر الله اكبر وهو العمدة فى تصفية الباطن وطهارته. قال سيد الطائفة الجنيد قدس سره الادب ادبان فادب السر طهارة القلب وادب العلانية حفظ الجوارح من الذنوب فعليك بترك الشرور والايمان الكامل بالله الغفور حتى تنال الاجر الموفور والسرور فى دار الحضور قال الصائب اززاهدان خشك رسايى طمع مدار سيل ضعيف واصل در يانميشود فلا بد من العشق فى طريق الحق ليصل الطالب الى السر المطلق ومجرد الامنية منية والسفينة لا تجرى على اليبس كما قالت رابعة.

النساء 4:153

{ يسئلك اهل الكتاب ان تنزل عليهم كتابا من السماء } نزلت فى احبار اليهود حين قالوا لرسول الله عليه السلام ان كنت نبيا صادقا فائتنا بكتاب من السماء جملة كما اتى به موسى عليه السلام وقيل كتابا محررا بخط سماوى على الواح كما نزلت التوراة { فقد سألوا موسى اكبر من ذلك } جواب شرط مقدر اى ان استكبرت ما سألوه منك واستعظمت فقد سألوا موسى شيئا اكبر منه واعظم وهذا السؤال وان صدر عن اسلافهم لكنهم لما كانوا مقتدين بهم فى كل ما يأتون وما يذرون اسند اليهم والمعنى ان لهم فى ذلك عرقا راسخا وان ما اقترحوا عليك ليس باول جهالتهم { فقالوا } الفاء تفسيرية { ارنا الله جهرة } اى ارناه جهرة اى عيانا. والجهر حقيقة فى ظهور الصوت لحاسة السمع ثم استعير لظهور المرئى بحاسة البصر ونصبها على المصدر لان المعاينة نوع من الرؤية وهم النقباء السبعون الذين كانوا مع موسى عليه السلام عند الجبل حين كلمه الله تعالى سألوه ان يروا ربهم رؤية يدركونها بابصارهم فى الدنيا { فاخذتهم الصاعقة } نار جاءت من السماء فاحرقتهم { بظلمهم } اى بسبب ظلمهم وهو تعنتهم وسؤالهم لما يستحيل فى تلك الحال التى كانوا عليها وذلك لا يقتضى امتناع الرؤية مطلقا. وفى التأويلات النجمية { فقالوا ارنا الله جهرة } وما طلبوا الرؤية على موجب التعظيم او على موجب التصديق ولا حملهم عليها شدة الاشتياق او الم الفراق كما كان لموسى عليه السلام حين قال رب ارنى انظر اليك الأعراف 143. ولعل خرة موسى فى جواب لن ترانى الأعراف 143. كانت من شؤم القوم وما كان لنفسهم من سوء ادب هذا السؤال لئلا يطمعوا فى مطلوب لم يعطه نبيهم فما اتعظوا بحال نبيهم لانهم كانوا اشقياء والسعيد من وعظ بغيره حتى ادركتهم الشقاوة الازلية { فاخذتهم الصاعقة بظلمهم } بان طمعوا فى فضيلة وكرامة ما كانوا مستحقيها ومن طبع كافرا ولو يرى الله جهرة فانه لا يؤمن به ومن طبع مؤمنا عند رشاش النور باصابته فانه يؤمن بنبى لم يره وكتاب لم يقرأه بغير معجزة او بينة كما كان " الصديق رضى الله عنه حين قال النبى صلى الله عليه وسلم له " بعثت " فقال صدقت " وكما كان حال اويس القرنى فانه لم ير النبى عليه السلام ولا المعجزة وقد آمن به { ثم اتخذوا العجل } اى عبدوه واتخذوه الها { من بعد ما جاءتهم البينات } اى المعجزات التى اظهرت لفرعون من العصا واليد البيضاء وفلق البحر ونحوها لا التوراة لانها لم تنزل عليهم بعد وهذه هى الجناية الثانية التى اقترفهاايضا اوائلهم { فعفونا عن ذلك } اى تجاوزنا عنهم بعد توبتهم مع عظم جنايتهم وجريمتهم ولم نستأصلهم وكانوا احقاء به. قيل هذا استدعاء لهم الى التوبة كأنه قيل ان اولئك الذين اجرموا تابوا فعفونا عنهم فتوبوا انتم ايضا حتى نعفو عنكم. ودلت الآية على سعة رحمة الله ومغفرته وتمام نعمته ومنته وانه لا جريمة تضيق عنها مغفرة الله وفى هذا منع من القنوط { وآتينا موسى سلطانا مبينا } اى تسلطا واستيلاء ظاهرا عليهم حيث امرهم بان يقتلوا انفسهم توبة عن معصيتهم فاختبأوا بافنيتهم والسيوف تتساقط عليهم فيا له من سلطان مبين.

النساء 4:154

{ ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم } الباء سببية متعلقة بالرفع. والمعنى لاجل ان يعطوا الميثاق لقبول الدين روى ان موسى عليه السلام لما جاءهم بالتوراة فرأوا ما فيها من التكاليف الشاقة كبرت عليهم فابوا قبولها فامر جبرائيل عليه السلام بقلع الطور فظلله عليهم حتى قبلوا فرفع عنهم { وقلنا لهم } على لسان موسى والطور مشرف عليهم { ادخلوا الباب } اى باب القرية وهى اريحا على ما روى من انهم دخلوا اريحا فى زمن موسى عليه السلام او باب القبة التى كانوا يصلون اليها فانهم لم يدخلوا بيت المقدس فى حياة موسى { سجدا } اى متطامنين منحنين شكرا على اخراجهم من التيه فدخلوها زحفا وبدلوا ما قيل لهم { وقلنا لهم } على لسان داود { لا تعدوا } اى لا تظلموا باصطياد الحيتان يقال عدا يعدو عدوا واعداء وعدوانا اى ظلم وجاوز الحد والاصل لا تعدووا بواوين الاولى لام الكلمة والثانية ضمير الفاعل صار بالاعلال على وزن لا تفعوا { فى } يوم { السبت } وكان يوم السبت يوم عبادتهم فاعتدى فيه اناس منهم فاشتغلوا بالصيد { واخذنا منهم } على الامتثال بما كلفوه { ميثاقا غليظا } اى عهدا مؤكدا غاية التأكيد وهو قولهم سمعنا واطعنا قيل انهم اعطوا الميثاق على انهم ان هموا بالرجوع عن الدين فالله تعالى يعذبهم بأى انواع العذاب اراد.

النساء 4:155

{ فبما } ما مزيدة للتأكيد { نقضهم ميثاقهم } اى فبسبب نقضهم ميثاقهم ذلك فعلنا بهم ما فعلنا من اللعن والمسخ وغيرهما من العقوبات النازلة عليهم او على اعقابهم فالباء متعلقة بفعل محذوف { وكفرهم بآيات الله } اى بالقرآن او بما فى كتابهم عندهم { وقتلهم الانبياء بغير حق } كزكريا ويحيى عليهما السلام { وقولهم قلوبنا غلف } جمع اغلف اى هى مغشاة بأغشية جبلية لا يكاد يصل اليها ما جاء به محمد عليه الصلاة والسلام ولا تفقه ما يقوله او هو تخفيف غلف بضم الغين واللام جمع غلاف اى هى اوعية للعلوم فنحن مستغنون بما عندنا عن غيره { بل طبع الله عليها بكفرهم } كلام معترض بين المعطوفين جيىء به على وجه الاستطراد مسارعة على زعمهم الفاسد اى ليس كفرهم وعدم وصول الحق الى قلوبهم لكونها غلفا بحسب الجبلة بل الامر بالعكس حيث ختم الله عليها بسبب كفرهم وليست قلوبهم كما زعموا بل هى مطبوع عليها بسبب كفرهم { فلا يؤمنون الا قليلا } منهم كعبد الله بن سلام واضرابه أو ايمانا قليلا لا يعبأ به لنقصانه وهو ايمانهم ببعض الرسل والكتب دون بعض او بالايمان الغير المعتبر لا يجب ان يسموا مؤمنين فهم كافرون حقا. واعلم ان نقض الميثاق صار سببا لغضب الخلاق فعلى المؤمن ان يراعى احكام عهده وميثاقه ليسلم من البلاء. وعن ابن عمر رضى الله عنهما قال اقبل علينا رسول الله فقال " يا معشر المهاجرين خمس خصال اذا ابتليتم بهن واعوذ بالله ان تدركوهن لم تظهر الفاحشة فى قوم قط حتى يعلنوا بها الا فشا فيهم الطاعون والاوجاع التى لم تكن مضت فى اسلافهم الذين مضوا ولم ينقصوا الكيل والميزان الا اخذوا بالسنين وشدة المؤونة وجور السلطان عليهم ولم يمنعوا زكاة اموالهم الا منعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم يمطروا ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله الا سلط الله عليهم عدوا من غيرهم فأخذ بعض ما فى ايديهم وما لم يحكم ائمتهم بكتاب الله ويتخيروا فيما انزل الله الا جعل الله بأسهم بينهم ". قال فى المثنوى سوى لطف بى وفايان هين مرو كان بل ويران بودنيكوشنو نقض ميثاق وعهوداز بندكيست حفظ ايمان ووفا كار تقيست جرعه برخاك وفا آنكس كه ريخت كى تواند صيد دولت زوكريخت

النساء 4:156

{ وبكفرهم } عطف على قولهم اى عاقبنا اليهود بسبب كذا وكذا وبسبب كفرهم بعيسى ايضا { وقولهم على مريم بهتانا عظيما } يعنى نسبتها الى الزنى وبهتانا منصوب على انه مفعول به نحو قال شعرا او على المصدر الدال على النوع نحو جلست جلسة فان القول قد يكون بهتانا وغير بهتان.

النساء 4:157

{ وقولهم انا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله } وصفهم له عليه الصلاة والسلام برسول الله انما هو بطريق الاستهزاء به كما فى قوله تعالى يا أيها الذى نزل عليه الذكر الحجر 6. فانهم على عداوته وقتله فكيف يقولون فى حقه انه رسول الله ونظم قولهم هذا فى سلك سائر جناياتهم ليس لمجرد كونه كذبا بل لتضمنه لابتهاجهم وفرحهم بقتل النبى والاستهزاء به { وما } اى والحال انهم ما { قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم } اى وقع لهم التشبيه بين عيسى والمقتول فالفعل مسند الى الجار والمجرور نحو خيل اليه وليس عليه روى ان رهطا من اليهود سبوه بان قالوا هو الساحر ابن الساحرة والفاعل ابن الفاعلة فقذفوه وامه فلما سمع عليه الصلاة والسلام ذلك دعا عليهم فقال اللهم انت ربى وانا من روحك خرجت وبكلمتك خلقتنى ولم آتهم من تلقاء نفسى اللهم فالعن من سبنى وسب امى فاستجاب الله دعاءه ومسخ الذين سبوه وسبوا امه قردة وخنازير فلما رأى ذلك يهودا رأس القوم واميرهم فزع لذلك وخاف دعوته عليه ايضا فاجتمعت كلمة اليهود على قتل عيسى عليه السلام فبعث الله تعالى جبريل فاخبره بانه يرفعه الى السماء فقال لاصحابه أيكم يرضى بان يلقى عليه شبهى فيقتل ويصلب ويدخل الجنة فقال رجل منهم انا فالقى الله عليه شبهه فقتل وصلب. وقيل كان رجل ينافق عيسى عليه السلام فلما ارادوا قتله قال انا ادلكم عليه فدخل بيت عيسى فرفع عليه السلام والقى شبهه على المنافق فدخلوا عليه فقتلوه وهم يظنون انه عيسى وقيل ان ططيانوس اليهودى دخل بيتا كان هو فيه فلم يجده فالقى الله تعالى شبهه عليه فلما خرج ظنوا انه عيسى فاخذ وقتل ثم صلب وامثال هذه الخوارق لا يستبعد فى عصر النبوة. وقال كثير من المتكلمين ان اليهود لما قصدوا قتله رفعه الله الى السماء فخاف رؤساء اليهود من وقوع الفتنة بين عوامهم فاخذوا انسانا وقتلوه وصلبوه ولبسوا على الناس انه هو المسيح والناس ما كانوا يعرفون المسيح الا بالاسم لما كان قليل المخالطة مع الناس فبهذا الطريق اندفع ما يقال اذا جاز ان يقال ان الله تعالى يلقى شبه انسان على انسان آخر فهذا يفتح باب السفسطة حيث يجوز ان يقال اذا رأينا زيدا لعله ليس بزيد ولكنه شخص آخر القى شبه زيد عليه وعند ذلك لا يبقى الطلاق والنكاح والملك موثوقا به. لا يقال ان النصارى ينقلون عن اسلافهم انهم شاهدوه مقتولا لانا نقول ان تواتر النصارى ينتهى الى اقوام قليلين لا يبعد اتفاقهم على الكذب كذا فى تفسير الامام الرازى { وان الذين اختلفوا فيه } اى فى شأن عيسى عليه السلام فانه لما وقعت تلك الواقعة اختلف الناس. فقال بعضهم ان كان هذا المقتول عيسى فاين صاحبنا وان كان صاحبنا فاين عيسى. وقال بعضهم الوجه وجه عيسى والبدن بدن صاحبنا فان الله تعالى لما القى شبه عيسى على المقتول القاه على وجهه دون جسده وقال من سمع منه ان الله يرفعنى الى السماء انه رفع الى السماء. وقيل ان الذين اختلفوا فيه هم النصارى فقال قوم منهم انه ما قتل وما صلب بل رفعه الله السماء. وقال قوم منهم ان اليهود قتلوه فزعمت النسطورية ان المسيح صلب من جهة ناسوته اى جسمه وهيكله المحسوس لا من جهة لاهوته اى نفسه وروحه. واكثر الحكماء يختارون ما يقرب من هذا القول قالوا لانه ثبت ان الانسان ليس عبارة عن هذا الهيكل بل هو اما جسم لطيف فى هذا البدن واما جوهر روحانى مجرد فى ذاته وهو مدبر فى هذا البدن والقتل انما ورد على هذا الهيكل واما النفس التى هى فى الحقيقة عيسى فالقتل ما ورد عليها. لا يقال كل انسان كذلك فما وجه التخصيص. لانا نقول ان نفسه كانت قدسية علوية سماوية شديدة الاشراق بالانوار الآلهية عظيمة القرب من ارواح الملائكة والنفس متى كانت كذلك لم يعظم تألمها بسبب القتل وتخريب البدن ثم انها بعد الانفصال عن ظلمة البدن تتخلص الى فسحة السموات وانوار عالم الجلال فتعظم بهجتها وسعادتها هناك ومعلوم ان هذه الاحوال غير حاصلة لكل الناس وانما تحصل لاشخاص قليلين من مبدأ خلق آدم الى قيام الساعة. وزعمت الملكانية من النصارى ان القتل والصلب وصل الى اللاهوت بالاحساس والشعور لا بالمباشرة. وزعمت اليعقوبية منهم ان القتل والصلب وقعا بالمسيح الذى هو جوهر متولد من جوهرين { لفى شك منه } اى لفى تردد والشك كما يطلق على ما لم يترجح احد طرفيه يطلق على مطلق التردد وعلى ما يقابل العلم ولذلك اكد بقوله تعالى { ما لهم به من علم الا اتباع الظن } استثناء منقطع لان اتباع الظن ليس من جنس العلم والمعنى لكنهم يتبعون الظن { وما قتلوه } قتلا { يقينا } كما زعموا بقولهم انا قتلنا المسيح فيقينا نعت مصدر محذوف على ان يكون فعيلا بمعنى المفعول وهو المتيقن.

النساء 4:158

{ بل رفعه الله اليه } رد وانكار لقتله واثبات لرفعه. قال الحسن البصرى اى الى السماء التى هى محل كرامة الله تعالى ومقر ملائكته ولا يجرى فيها حكم احد سواه فكان رفعه الى ذلك الموضع رفعا اليه تعالى لانه رفع عن ان يجرى عليه حكم العباد ومن هذا القبيل قوله تعالى ومن يخرج من بيته مهاجرا الى الله النساء 100. وكانت الهجرة الى المدينة وقوله إنى ذاهب الى ربى الصافات 99. اى الى موضع لا يمنعنى احد من عبادة ربى والحكمة فى الرفع انه تعالى اراد به صحبة الملائكة ليحصل لهم بركته لانه كلمة الله وروحه كما حصل للملائكة بركة صحبة آدم ابى البشر من تعلم الاسماء والعلم وان مثل عيسى عند الله كمثل آدم كما ذكر فى الآية. وقيل رفع الى السماء لما لم يكن دخوله الى الوجود الدنيوى من باب الشهوة وخروجه لم يكن من باب المنية بل دخل من باب القدرة وخرج من باب العزة { وكان الله عزيزا } لا يغالب فيما يريده فعزة الله تعالى عبارة عن كمال قدرته فان رفع عيسى عليه السلام الى السموات وان كان متعذرا بالنسبة الى قدرة البشر لكنه سهل بالنسبة الى قدرة الله تعالى لا يغلبه عليه احد { حكيما } فى جميع افعاله فيدخل فيها تدبير انه تعالى فى امر عيسى عليه السلام دخولا اوليا ولما رفع الله عيسى عليه السلام كساه الريش والبسه النور وقطعه عن شهوات المطعم والمشرب وطار مع الملائكة فهو معهم حول العرش فكان انسيا ملكيا سماويا ارضيا. قال وهب بن منبه بعث عيسى على رأس ثلاثين سنة ورفعه الله وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة وكانت نبوته ثلاث سنين. فان قيل لم لم يرد الله تعالى عيسى الى الدنيا بعد رفعه الى السماء. قيل اخر رده ليكون علما للساعة وخاتما للولاية العامة لانه ليس بعده ولى يختم الله به الدورة المحمدية تشريفا لهم بختم نبى مرسل يكون على شريعة محمدية يؤمن بها اليهود والنصارى ويجدد الله تعالى به عهد النبوة على الامة ويخدمه المهدى واصحاب الكهف ويتزوج ويولد له ويكون فى امة محمد عليه السلام وخاتم اوليائه ووارثيه من جهة الولاية. واجمع السيوطى فى تفسير الدر المنثور فى سورة الكهف عن ابن شاهين اربعة من الانبياء احياء اثنان فى السماء عيسى وادريس واثنان فى الارض الخضر والياس فاما الخضر فانه فى البحر واما صاحبه فانه فى البر. قال الامام السخاوى رحمه الله حديث " اخى الخضر لو كان حيا لزارنى ". من كلام بعض السلف ممن انكر حياة الخضر. واعلم ان الارواح المهيمة التى من العقل الاول كلها صف واحد حصل من الله ليس بعضها بواسطة بعض وان كانت الصفوف الباقية من الارواح بواسطة العقل الاول كما اشار صلى الله عليه وسلم " انا ابو الارواح وانا من نور الله والمؤمنون فيض نورى ". فاقرب الارواح فى الصف الاول الى الروح الاول والعقل الاول روح عيسوى لهذا السر شاركه بالمعراج الجسمانى الى السماء وقرب عهده بعهده فالروح العيسوى مظهر الاسم الاعظم وفائض من الحضرة الآلهية فى مقام الجمع بلا واسطة اسم من الاسماء وروح من الارواح فهو مظهر الاسم الجامع الآلهى وراثة اولية ونبينا عليه السلام اصالة كذا فى شرح الفصوص. ثم اعلم ان قوما قالوا على مريم فرموها بالزنى وآخرين جاوزوا الحد فى تعظيمها فقالوا ابنها ابن الله وكلتا الطائفتين وقعتا فى الضلال. ويقال مريم كانت ولية الله فشقى بها فرقتان اهل الافراط واهل التفريط وكذلك كل ولى له تعالى فمنكرهم شقى بترك احترامهم وطلب اذيتهم والذين يعتقدون فيهم ما لا يستوجبون يشقون بالزيادة فى اعظامهم وعلى هذه الجملة درج الاكثرون من الاكابر كذا فى التأويلات النجمية وفى المثنوى تاذنينى درحد خويش الله الله بامنه درحد بيش جمله عالم زين سبب كمراه شد كم كسى زابدال حق آكاه شد دير بايد تاكى سر آدمى آشكارا كردد ازبيش وكمى زير ديوار بدن كنجست يا خانه مارست ومور وازدها

النساء 4:159

{ وان من اهل الكتاب } اى ما من اليهود والنصارى احد { الا ليؤمنن به } اى بعيسى { قبل موته } اى قبل موت ذلك الاحد من اهل الكتاب يعنى اذا عاين اليهودى امر الآخرة وحضرته الوفاة ضربت الملائكة وجهه ودبره وقالت اتاك عيسى عليه السلام نبيا فكذبت به فيؤمن حين لا ينفعه ايمانه لانقطاع وقت التكليف وتقول للنصرانى اتاك عيسى عليه السلام عبد الله ورسوله فزعمت انه هو الله وابن الله فيؤمن بانه عبد الله حين لا ينفعه ايمانه قالوا لا يموت يهودى ولا صاحب كتاب حتى يؤمن بعيسى وان احترق او غرق او تردى او سقطه عليه جدار او اكله سبع او أى ميتة كانت حتى قيل لابن عباس رضى الله عنهما لو خر من بيته قال يتكلم به فى الهواء قيل أرأيت لو ضرب عنق احدهم قال يتلجلج به لسانه وهذا كالوعيد لهم والتحريض على معاجلة الايمان به قبل ان يضطروا اليه ولم ينفعهم ايمانهم. وقيل الضميران لعيسى والمعنى وما من اهل الكتاب الموجودين عند نزول عيسى من السماء احد الا ليؤمنن به قبل موته روى عن النبى عليه السلام انه قال " انا اولى الناس بعيسى لانه لم يكن بينى وبينه نبى ويوشك انه ينزل فيكم حكما عدلا فاذا رأيتموه فاعرفوه فانه رجل مربوع الخلق الى الحمرة والبياض وكان رأسه يقطر وان لم يصبه بلل فيقتل الخنزير ويريق الخمر ويكسر الصليب ويذهب الصخرة ويقاتل الناس على الاسلام حتى يهلك الله فى زمانه الملل كلها غير ملة الاسلام وتكون السجدة واحدة لله رب العالمين ويهلك الله فى زمانه مسيح الضلالة الكذاب الدجال حتى لا يبقى احد من اهل الكتاب وقت نزوله الا يؤمن به وتقع الامنة فى زمانه حتى ترتع الابل مع الاسود والبقر مع النمور والغنم مع الذئاب وتلعب الصبيان بالحيات لا يؤذى بعضهم بعضا ثم يلبث فى الارض اربعين سنة ثم يموت ويصلى عليه المسلمون ويدفنونه ". وفى الحديث " ان المسيح جاىء فمن لقيه فليقرئه منى السلام ". { ويوم القيمة يكون } اى عيسى عليه السلام { عليهم } اى على اهل الكتاب { شهيدا } فيشهد على اليهود بالتكذيب وعلى النصارى بانهم دعوه ابن الله.

النساء 4:160

{ فبظلم من الذين هادوا } اى بسبب ظلم عظيم خارج عن حدود الاشباه والاشكال صادر عن اليهود { حرمنا عليهم طيبات احلت لهم } ولمن قبلهم لا لشىء غيره كما زعموا فانهم كلما ارتكبوا معصية من المعاصى التى اقترفوها حرم عليهم نوع من الطيبات التى كانت محللة لهم ولمن تقدمهم من اسلافهم عقوبة لهم كلحوم الابل وألبانها والشحوم. وفى التأويلات النجمية نكتة قال لهم { حرمنا عليهم طيبات } وقال لنا ويحل لهم الطيبات الأعراف 157. وقال فكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا النحل 114. فلم يحرم علينا شيئا بذنوبنا وكما آمنا من تحريم الطيبات فى هذه الآية نرجو ان يؤمننا فى الآخرة من العذاب الاليم لانه جمع بينها فى الذكر فى هذه الآية. وقال اهل الاشارة ارتكاب المحظورات يوجب تحريم المباحات وانا اقوال الاسراف فى ارتكاب المباحات يوجب حرمان المناجاة انتهى كلام التأويلات قال السعدى مرو دربى هرجه دل خواهدت كه تمكين تن نور جان كاهدت { وبصدهم عن سبيل الله } اى بسبب منعهم عن دين الله وهو الاسلام ناسا { كثيرا } او صدا كثيرا.

النساء 4:161

{ واخذهم الربوا وقد } اى والحال انهم قد { نهوا عنه } فان الربا كان محرما عليهم كما هو محرم علينا. وفيه دليل على ان النهى يدل على حرمة المنهى عنه { واكلهم اموال الناس بالباطل } بالرشوة وسائر الوجوه المحرمة { واعتدنا } اى خلقنا وهيأنا { للكافرين منهم } اى للمصرين على الكفر لا لمن تاب وآمن من بينهم { عذابا اليما } وجيعا يخلص وجعه الى قلوبهم سيذوقونه فى الآخرة كما ذاقوا فى الدنيا عقوبة التحريم.

النساء 4:162

{ لكن الراسخون فى العلم منهم } اى التائبون من اهل الكتاب كعبد الله بن سلام واصحابه وسماهم راسخين فى العلم لثباتهم فى العلم وتجردهم فيه لا يضطربون ولا تميل بهم الشبه بمنزلة الشجرة الراسخة بعروقها فى الارض { والمؤمنون } اى من غير اهل الكتاب من المهاجرين والانصار { يؤمنون بما انزل اليك وما انزل من قبلك } خبر المبتدأ وهو الراسخون وما عطف عليه. قال فى التأويلات النجمية كان عبد الله بن سلام عالما بالتوراة وقد قرأ فيها صفة النبى عليه السلام فلما كان راسخا فى العلم اتصل علم قراءته بعلم المعرفة فقال لما رأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم عرفت انه ليس بوجه كذاب فآمن به ولما لم يكن للاحبار رسوخ فى العلم وان قرأوا صفة النبى عليه السلام فى التوراة فلما رأوا النبى عليه السلام ما عرفوه فكفروا به انتهى ونعم ما قيل فى حق الشرفاء جعلوا لابناء الرسول علامة ان العلامة شان من لم يشهر نور النبوة فى كريم وجوههم يغنى الشريف عن الطراز الاخطر { و } اعنى { المقيمين الصلوة } فنصبه على المدح لبيان فضل الصلاة { و } هم { المؤتون الزكوة } فرفعه على المدح ايضا وكذا رفع قوله تعالى { والمؤمنون بالله واليوم الآخر } قدم عليه الايمان بالانبياء والكتب وما يصدقه من اتباع الشرائع لانه المقصود بالآية { اولئك سنؤتيهم اجرا عظيما } اى ثوابا وافرا فى الجنة على جمعهم بين الايمان والعمل الصالح وهو ما اريد به وجه الله تعالى. ومن افاضل الاعمال الصلوات الخمس واقامتها وفى الحديث " من حافظ منكم على الصلوات الخمس حيث كان واين ما كان جاز الصراط يوم القيامة كالبرق اللامع فى اول زمرة السابقين وجاء يوم القيامة ووجهه كالقمر ليلة البدر وكان له كل يوم وليلة حافظ عليهن اجر شهيد ". وسر هذا الحديث مفهوم من لفظ الصلاة ووجه تسميتها بها لان اشتقاقها من الصلى وهو النار والخشبة المعوجة اذا ارادوا تقويمها يعرضونها على النار فتقوم وفى العبد اعوجاج لوجود نفسه الامارة فيه وسبحات وجه الله الكريم حارة بحيث لو كشف حجابها لاحرقت تلك السبحات من ادركته ومن انتهى اليه البصر كما ورد فى الحديث فبدخول المصلى فى الصلاة يستقبل تلك السبحات فيصيب المصلى من وهج السطوة الآلهية والعظمة الربانية ما يزول به اعوجاجه بل يتحقق به معراجه فالمصلى كالمصطلى بالنار ومن اصطلى بها زال بها اعوجاجه فلا يعرض على نار جهنم الا تحلة القسم وبذلك المقدار من المرور يذهب اثر دونه ولا يبقى له احتياج الى المكث على الصراط فيمر كالبرق اللامع وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حجة الوداع " " ان اولياء الله المصلون ومن يقيم الصلوات الخمس التى كتبهن الله عليه ويصوم رمضان ويحتسب صومه ويؤتى الزكاة محتسبا طيبة بها نفسه ويجتنب الكبائر التى نهى الله عنها " فقال رجل من اصحابه يا رسول الله وكم الكبائر قال " تسع اعظمهن الاشراك بالله وقتل المؤمن بغير حق والفرار من الزحف وقذف المحصنة والسحر واكل الربا واكل مال اليتيم وعقوق الوالدين المسلمين واستحلال البيت العتيق الحرام قبلتكم احياء وامواتا لا يموت رجل لم يعمل هؤلاء الكبائر ويقيم الصلاة ويؤتى الزكاة الا رافق محمدا فى بحبوبة جنة ابوابها مصاريع الذهب ". واعلم ان الراسخين فى العلم هم الذين رسخوا بقدمى العمل والعلم الى ان بلغوا معادن العلوم فاتصلت علومهم الكسبية بالعلوم العطائية اللدنية وفى الحديث " " طلعت ليلة المعراج على النار فرأيت اكثر اهلها الفقراء " قالوا يا رسول الله من المال قال " لا من العلم ". وفى الحديث " العلم امام العمل والعمل تابعه ". قال حجة الاسلام الغزالى رحمه الله فى منهاج العابدين ولقد صرت من علماء امة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم الراسخين فى العلم ان انت عملت بعلمك واقبلت على عمارة معادك وكنت عبدا عالما عاملا لله تعالى على بصيرة غير جاهل ولا مقلد غير غافل فلك الشرف العظيم ولعلمك القيمة الكثيرة والثواب الجزيل وبناء امر العبادة كله على العلم سيما علم التوحيد وعلم السر فلقد روى ان الله تعالى اوحى الى داود عليه السلام فقال يا داود تعلم العلم النافع قال آلهى وما العلم النافع قال ان تعرف جلالى وعظمتى وكبريائى وكمال قدرتى على كل شىء فان هذا الذى يقربك الى وعن على رضى الله عنه ما يسرنى انى لو مت طفلا فادخلت الجنة ولم اكبر فاعرف ربى فان اعلم الناس بالله اشدهم خشية واكثرهم عبادة واحسنهم فى الله نصيحة.

النساء 4:163

{ انا اوحينا اليك } جواب لاهل الكتاب عن سؤالهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ان ينزل عليهم كتابا من السماء واحتجاج عليهم بانه ليس بدعا من الرسل وانما شأنه فى حقيقة الارسال واصل الوحى كشأن سائر مشاهير الانبياء الذين لا ريب لاحدهم فى نبوتهم والوحى والايحاء كالاعلام فى خفاء وسرعة اى انزلنا جبرائيل عليك يا محمد بهذا القرآن { كما اوحينا } اى ايحاء مثل ايحائنا { الى نوح والنبيين من بعده } بدأ بذكر نوح لانه ابو البشر واول نبى عذبت امته لردهم دعوته وقد اهلك الله بدعائه اهل الارض قيل ان نوحا عليه السلام عمر الف سنة لم ينقص له سن ولا قوة ولم يشب له شعر ولم يبالغ احد من انبياء فى الدعوة ما بالغ ولم يصبر على اذى قومه ما صبر وكان يدعو قومه ليلا ونهارا وسرا وجهارا وكان يضرب من قومه حتى يغمى عليه فاذا افاق عاد وبلغ وقيل هو اول من تنشق عنه الارض يوم القيامة بعد محمد صلى الله تعالى عليه وسلم { واوحينا الى ابراهيم } عطف على اوحينا الى نوح داخل معه فى حكم التشبيه اى كما اوحينا الى ابراهيم { واسمعيل واسحق ويعقوب والاسباط } وهم اولاد يعقوب عليه السلام وهم اثنا عشر رجلا { وعيسى وايوب ويونس وهرون وسليمان } خصهم بالذكر مع اشتمال النبيين عليهم تشريفا لهم واظهارا لفضلهم فان ابراهيم اول اولى العزم منهم وعيسى آخرهم والباقين اشراف الانبياء ومشاهيرهم وقدم ذكر عيسى على من بعده لان الواو للجمع دون الترتيب فتقدم ذكره فى الآية لا يوجب تقديمه فى الخلق والارسال والفائدة فى تقديمه فى الذكر رد على اليهود لغلوهم فى الطعن فيه وفى نسبه فقدمه الله فى الذكر لأن ذلك ابلغ فى كتب اليهود فى تبرئته مما رمى به ونسب اليه { وآتينا } اى كما آتينا { داود زبورا } فالجملة عطف على اوحينا داخلة فى حكمه لان ايتاء الزبور من باب الايحاء. والزبور هو الكتاب مأخوذ من الزبر وهو الكتابة. قال القرطبى كان فيها مائة وخمسون سورة ليس فيها حكم من الاحكام وانما هى حكم ومواعظ وتحميد وتمجيد وثناء على الله عز وجل وكان داود يبرز الى البرية ويقرأ الزبور فيقوم معه علماء بنى اسرائيل خلفه ويقوم الناس خلف العلماء ويقوم الجن خلف الناس وتجيىء الدواب التى فى الجبال اذا سمعت صوت داود فيقمن بين يديه تعجبا لما يسمعن من صوته ويجيىء الطير حتى يظللن على داود فى خلائق لا يحصيهن الا الله يرفرفن على رأسه وتجيىء السباع حتى تحيط بالدواب والوحش لما يسمعن فلما قارف الذنب وهو تزوج امرأة اوريا من غير انتظار الوحى بجبرائيل ولم يروا ذلك فقيل ذلك انس الطاعة وهذه وحشة المعصية. " وعن ابى موسى الاشعرى قال قال لى رسول الله " لو رأيتنى البارحة وانا استمع لقراءتك لقد اعطيت مزمارا من مزامير آل داود " قال فقلت اما والله يا رسول الله لو علمت انك تسمع لحبرته تحبيرا ". وعن ابى عثمان قال ما سمعت قط بربطا ولا مزمارا ولا عودا احسن من صوت ابى موسى وكان يؤمنا فى صلاة الغداة فنود انه يقرأ سورة البقرة من حسن صوته قال السعدى قدس سره به ازروى زيباست آواز خوش كه آن حظ نفس است واين قوت روح وعند هبوب الناشرات على الحمى تميل غصون البان لا الحجر الصلد

النساء 4:164

{ ورسلا } نصب بمضمر يدل عليه اوحينا معطوف عليه داخل معه فى حكم التشبيه كما قيل اى وكما ارسلنا رسلا { قد قصصناهم عليك } اى سميناهم لك { من قبل } متعلق بقصصنا اى من قبل هذه السورة او اليوم وعرفناك وقصتهم فعرفتهم { ورسلا لم نقصصهم عليك } اى لم نسمهم لك والرسل هم الذين اوحى اليهم بجبريل والانبياء هم الذين لم يوح اليهم بجبريل وانما اوحى اليهم بملك آخر أو برؤيا فى المنام او بشىء آخر من الالهام. " وعن ابى ذر رضى الله عنه قال قلت يا رسول الله كم كانت الانبياء وكم كان المرسلون قال " كانت الانبياء مائة الف واربعة وعشرين الف وكان المرسلون ثلاثمائة وثلاثة عشر " " وفى رواية سئل عن عدد الانبياء فقال " مائتا الف واربعة وعشرون الفا ". والاولى ان لا يقتصر على عدد فى التسمية لهذه الآية وخبر الواحد لا يفيد الا الظن ولا عبرة بالظن فى الاعتقاديات { وكلم الله موسى تكليما } عطف على انا اوحينا اليك عطف القصة على القصة وتأكيد كلم بالمصدر يدل على انه عليه السلام سمع كلام الله حقيقة لا كما يقوله القدرية من ان الله تعالى خلق كلاما فى محل فسمع موسى ذلك الكلام لان ذلك لا يكون كلام الله القائم به والافعال المجازية لا تؤكد بذكر المصادر لا يقال اراد الحائط ان يسقط ارادة. قال الفراء العرب تسمى ما وصل الى الانسان كلاما بأى طريق وصل ما لم يؤكد بالمصدر فاذا اكد به لم يكن الا حقيقة الكلام والمعنى ان التكليم بغير واسطة منتهى مراتب الوحى خص به موسى من بينهم فلم يكن ذلك قادحا فى نبوة سائر الانبياء فكيف يتوهم كون نزول التوراة عليه جملة قادحا فى صحة من انزل عليه الكتاب مفصلا مع ظهور ان نزولها كذلك لحكم مقتضية لذلك من جملتها ان بنى اسرائيل كانوا فى العناد وشدة الشكيمة بحيث لو لم يكن نزولها كذلك لما آمنوا بها الا بعد اللتيا والتى وقد فضل الله نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم بان اعطاه مثل ما اعطى كل واحد منهم قال العطار كرده درشب سوى معراجش روان سر كل با اونهاده درميان رفت موسى بربساط آن جناب خلع نعلين آمدش ازحق خطاب جون بنزديكى شد از نعلين دور كشت در وادى المقدس غرق نور باز در معراج شمع ذو الجلال مى شنود آواز نعلين بلال موسىء عمران اكرجه بودشاه هم نبود انجاش بانعلين راه ابن عنايت بين كه بهر جاه او كرد حق باجاكر دركاه او جاكرش را كرد مردكوى خويش دار بانعلين راهش سوى خويش موسىء عمران جون آن رتبت بديد جاكر اورا جنان قربت بديد كفت يا رب امت اوكن مرا در طفيل همت اوكن مرا اوست سلطان وطفيل اوهمه اوست دائم شاه وخيل اوهمه روى ان موسى عليه السلام لما اتى طور سيناء انزل الله الظلمة على سبع فراسخ وطرد عنه الشيطان وطرد عنه الهوام ونحى عنه الملكين وكشف له السماء فرأى الملائكة قياما فى الهواء ورأى العرش بارزا وكلمه الله وناجاه حتى اسمعه كلامه من غير واسطة وكيفية وصوت وحرف.

النساء 4:165

{ رسلا } نصب على المدح اعنى رسلا { مبشرين } لاهل الطاعة بالجنة { ومنذرين } للعصاة بالنار { لئلا يكون } اللام متعلقة بارسلنا { للناس } خبر يكون { على الله } متعلق بمحذوف وقع حالا من قوله { حجة } اى كائنة على الله. وحجة اسم يكون والمعنى لئلا يكون للناس على الله معذرة يوم القيامة يعتذرون بها قائلين لولا ارسلت الينا رسولا فيبين لنا شرائعك ويعلمنا ما لم نكن نعلم من احكامك وينبهنا من سنة الغفلة لقصور القوة البشرية عن ادراك جزئيات المصالح وعجز اكثر الناس عن ادراك كلياتها. ففيه تنبيه على ان بعثة الانبياء الى الناس ضرورة وانما سميت المعذرة حجة مع استحالة ان يكون لاحد عليه سبحانه حجة فى فعل من افعاله بل له ان يفعل ما يشاء للتنبيه على ان المعذرة فى القبول عنده تعالى بمقتضى كرمه ورحمته لعباده بمنزلة الحجة القاطعة التى لا مرد لها ولذلك قال وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا الإسراء 15. قال النبى صلى الله عليه وسلم " ما احد اغير من الله عز وجل لذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن وما احد احب اليه المدح من الله تعالى ولذلك مدح نفسه وما احد احب اليه العذر من الله تعالى ولذلك ارسل الرسل وانزل الكتاب ". { بعد الرسل } اى بعد ارسالهم وتبليغ الشرائع الى الامم على ألسنتهم متعلق بحجة { وكان الله عزيزا } لا يغالب فى امر من الامور من قضية الامتناع عن الاجابة الى مسألة المتعنتين { حكيما } فى جميع افعاله التى من جملتها ارسال الرسل وانزال الكتب.

النساء 4:166

{ لكن الله } استدراك على مفهوم ما قبله من سؤالهم على وجه التعنت ان ينزل عليهم ما وصفوه من الكتاب فهو بمنزلة قولهم لا نشهد بان الله تعالى بعثك الينا رسولا حتى ينزل ما سألناه فقال تعالى انهم لا يشهدون بصدقك فى دعوى الرسالة لكن الله { يشهد بما انزل اليك } من القرآن المعجز الدال على نبوتك ان جحدوك وكذبوك فان انزال هذا القرآن البالغ فى الفصاحة الى حيث عجز الاولون والآخرون عن معارضته واتيان ما يدانيه شهادة له عليه السلام بنبوته وصدقه فى دعوى الرسالة من الله تعالى فمعنى شهادة الله تعالى بما انزل اليه اثباته لصحته باظهار المعجزات كما تثبت الدعاوى بالبينات { انزله بعلمه } حال من الفاعل اى ملتبسا بعلمه الخاص الذى لا يعلمه غيره وهو تأليف على نمط بديع يعجز عنه كل بليغ او بعلمه بحال من انزل عليه واستعداده لاقتباس الانوار القدسية { والملائكة يشهدون } ايضا بنبوتك. فان قلت من اين يعلم شهادة الملائكة قلت من شهادة الله تعالى لان شهادتهم تبع لشهادته { وكفى بالله شهيدا } على صحة نبوتك حيث نصب لها معجزات باهرة وحججا ظاهرة مغنية عن الاستشهاد بغيرها كأنه تعالى قال يا محمد ان كذبك هؤلاء اليهود فلا تبال بهم فان الله تعالى وهو اله العالمين يصدقك فى دعواك وملائكة السموات ايضا يصدقونك فى ذلك ومن صدقه رب العالمين والملائكة اى ملائكة العرش والكرسى والسموات السبع اجمعون لا ينبغى له ان يلتفت الى تكذيب اخس الناس وهم هؤلاء اليهود.

النساء 4:167

{ ان الذين كفروا } اى بما انزل الله ويشهد به وهم اليهود { وصدوا عن سبيل الله } وهو دين الاسلام من اراد سلوكه بقوله ما نعرف صفة محمد فى كتابنا { قد ضلوا } بما فعلوا من الكفر والصد عن طريق الحق { ضلالا بعيدا } لانهم جمعوا بين الضلال والاضلال ولان المضل يكون اعرق فى الضلال وابعد من الانقلاع عنه.

النساء 4:168

{ ان الذين كفروا } اى بما ذكر آنفا { وظلموا } اى محمدا صلى الله عليه وسلم بانكار نبوته وكتمان نعوته الجليلة ووضع غيرها مكانها او الناس بصدهم عما فيه صلاحهم فى المعاش والمعاد { لم يكن الله } مريدا { ليغفر لهم } لاستحالة تعلق المغفرة بالكافر { ولا ليهديهم طريقا الا طريق جهنم } لعدم استعدادهم للهداية الى الحق والاعمال الصالحة التى هى طريق الجنة والمراد بالهداية المفهومة من الاستثناء بطريق الاشارة خلق الله لاعمالهم السيئة المؤدية بهم الى جهنم عند صرف قدرتهم واختيارهم الى اكتسابها او سوقهم اليها يوم القيامة بواسطة الملائكة والطريق على عمومه والاستثناء متصل وقيل خاص بطريق الحق والاستثناء منقطع { خالدين فيها } حال مقدرة من الضمير المنصوب والعامل فيها ما دل عليه الاستثناء دلالة واضحة كأنه قيل يدخلهم جهنم خالدين فيها { ابدا } نصب على الظرفية رافع لاحتمال حمل الخلود على المكث الطويل { وكان ذلك } اى جعلهم خالدين فيها { على الله يسيرا } لاستحالة ان يتعذر عليه شىء من مراداته تعالى. واعلم ان من كان فيه ذرة من النور المرشوش على الارواح يوم خلقها يخرج به من النار كما قال عليه السلام " يخرج من النار من كان فى قلبه ذرة من الايمان ". ومن لم يكن فيه ذلك النور يخلد فى النار لانه وقع فى ظلمة عظيمة لا يمكن الخروج منها وقد ضل ضلال بعيدا اى من يوم رش النور لا ضلالا قريبا من هذا اليوم لان ضلال اليوم من نتائج ضلال ذلك اليوم ومثل هذا لا يهتدى الى طريق الحق والقربة الى الله تعالى فيحترق فى عذاب القطيعة ابدا ولا يخرج من نار الفرقة سرمدا. فعلى العبد ان يشهد بما شهد الله تعالى به ويقبل قول الله وقول الرسول وقول وارثيه من العلماء العاملين فانهم ينطقون عن الله وعن الرسول. قال شقيق رحمه الله الناس يقومون من مجلسى على ثلاثة اصناف كافر محض ومنافق محض ومؤمن محض وذلك لانى افسر القرآن واقول عن الله عز وجل وعن الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم فمن لا يصدقنى فهو كافر محض ومن ضاق قلبه فهو منافق ومن ندم على ما صنع وعزم على انه لا يذنب كان مؤمنا مخلصا واول الامر الاعتقاد وذلك يحتاج الى العلم اولا والعمل ثانيا لانه ثمرته " وسئل النبى عليه السلام عن العلم فقال " دليل العمل " قيل فما العقل قال عليه السلام " قائد الخير " فما الهوى قال " مركب المعاصى " قيل فما المال قال " رداء المتكبرين " قيل فما الدنيا قال " سوق الاخرة ".

النساء 4:169

{ ان الذين كفروا } اى بما ذكر آنفا { وظلموا } اى محمدا صلى الله عليه وسلم بانكار نبوته وكتمان نعوته الجليلة ووضع غيرها مكانها او الناس بصدهم عما فيه صلاحهم فى المعاش والمعاد { لم يكن الله } مريدا { ليغفر لهم } لاستحالة تعلق المغفرة بالكافر { ولا ليهديهم طريقا الا طريق جهنم } لعدم استعدادهم للهداية الى الحق والاعمال الصالحة التى هى طريق الجنة والمراد بالهداية المفهومة من الاستثناء بطريق الاشارة خلق الله لاعمالهم السيئة المؤدية بهم الى جهنم عند صرف قدرتهم واختيارهم الى اكتسابها او سوقهم اليها يوم القيامة بواسطة الملائكة والطريق على عمومه والاستثناء متصل وقيل خاص بطريق الحق والاستثناء منقطع { خالدين فيها } حال مقدرة من الضمير المنصوب والعامل فيها ما دل عليه الاستثناء دلالة واضحة كأنه قيل يدخلهم جهنم خالدين فيها { ابدا } نصب على الظرفية رافع لاحتمال حمل الخلود على المكث الطويل { وكان ذلك } اى جعلهم خالدين فيها { على الله يسيرا } لاستحالة ان يتعذر عليه شىء من مراداته تعالى. واعلم ان من كان فيه ذرة من النور المرشوش على الارواح يوم خلقها يخرج به من النار كما قال عليه السلام " يخرج من النار من كان فى قلبه ذرة من الايمان ". ومن لم يكن فيه ذلك النور يخلد فى النار لانه وقع فى ظلمة عظيمة لا يمكن الخروج منها وقد ضل ضلال بعيدا اى من يوم رش النور لا ضلالا قريبا من هذا اليوم لان ضلال اليوم من نتائج ضلال ذلك اليوم ومثل هذا لا يهتدى الى طريق الحق والقربة الى الله تعالى فيحترق فى عذاب القطيعة ابدا ولا يخرج من نار الفرقة سرمدا. فعلى العبد ان يشهد بما شهد الله تعالى به ويقبل قول الله وقول الرسول وقول وارثيه من العلماء العاملين فانهم ينطقون عن الله وعن الرسول. قال شقيق رحمه الله الناس يقومون من مجلسى على ثلاثة اصناف كافر محض ومنافق محض ومؤمن محض وذلك لانى افسر القرآن واقول عن الله عز وجل وعن الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم فمن لا يصدقنى فهو كافر محض ومن ضاق قلبه فهو منافق ومن ندم على ما صنع وعزم على انه لا يذنب كان مؤمنا مخلصا واول الامر الاعتقاد وذلك يحتاج الى العلم اولا والعمل ثانيا لانه ثمرته " وسئل النبى عليه السلام عن العلم فقال " دليل العمل " قيل فما العقل قال عليه السلام " قائد الخير " فما الهوى قال " مركب المعاصى " قيل فما المال قال " رداء المتكبرين " قيل فما الدنيا قال " سوق الاخرة ".

النساء 4:170

{ يا ايها الناس } خطاب لعامة الخلق { قد جاءكم الرسول } يعنى محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم ملتبسا { بالحق } وهو القرآن المعجز الذى شهد اعجازه على حقيته او بالدعوة الى عبادة الله وحده والاعراض عما سواه فان العقل السليم يشهد على انه الحق { من } عند { ربكم } متعلق بجاء اى جاء من عند الله وانه مبعوث مرسل غير متقول له { فآمنوا } بالرسول وبما جاءكم به من الحق والفاء للدلالة على ايجاب ما قبلها لما بعدها { خيرا لكم } منصوب على انه مفعول لفعل واجب الاضمار اى اقصدوا او ائتوا امرا خيرا لكم مما انتم فيه من الكفر او على انه نعت لمصدر محذوف اى آمنوا ايمانا خيرا لكم وهو الايمان باللسان والجنان { وان تكفروا } اى ان تصروا وتستمروا على الكفر { فان لله ما فى السموات والارض } من الموجودات سواء كانت داخلة فى حقيقتهما وبذلك يعلم حال انفسهما على ابلغ وجه وآكده او خارجة عنهما مستقرة فيهما من العقلاء وغيرهم فيدخل فى جملتهم المخاطبون دخولا اوليا اى كلها له عز وجل خلقا وملكا وتصرفا لا يخرج من ملكوته وقهره شىء منها فمن هذا شأنه فهو قادر على تعذيبكم بكفركم لا محالة او فمن كان كذلك فهو غنى عنكم وعن غيركم لا يتضرر بكفركم ولا ينتفع بايمانكم او فمن كان كذلك فله عبيد يعبدونه وينقادون لامره { وكان الله عليما } مبالغا فى العلم فهو عالم باحوال الكل فيدخل فى ذلك علمه تعالى بكفرهم دخولا اوليا { حكيما } مراعيا للحكمة فى جميع افعاله التى من جملتها تعذيبه تعالى اياهم بكفرهم. واعلم ان النبى صلى الله عليه وسلم صورة النور الغيبى المرسل الى الاجساد فمن كان قابلا لافاضة نور دعوته فقد اهتدى ومن اخطأ فقد ضل. واتفق المشايخ على ان من ألقى زمامه فى يد كلب مثلا حتى لا يكون تردده بحكم طبعه فنفسه اقوم لقبول الرياضة ممن جعل زمامه فى حكم نفسه يسترسل بها حيث شاء كالبهائم فلما تيقنت ان الواجب عليك ان تكون تابعا لا مسترسلا فلان تتبع سيد المرسلين محمدا صلى الله عليه وسلم الذى آدم ومن دونه من الاولياء والانبياء تحت لوائه خير لك بل واجب عليك وما اعظم حماقة من يحتاط بقول المنجم فى الاختلاج والفال وينقاد الى الاحتمالات البعيدة ثم اذا آل الامر الى خبر النبوة عن الغيب انكر فلا ترض لنفسك ان تصدق ابن البيطار فيما ذكره فى العقاقير والاحجار فتبادر الى امتثال ما امرك به ولا تصدق سيد البشر صلى الله عليه وسلم فيما يخبر عنه وتتوانى بحكم الكسل عن الاتيان بما امر به او فعل. واعلم انك لما اخرجك الله من صلب آدم فى مقام ألست رددت الى اسفل السافلين ثم منه دعيت لترتفع بسعيك وكسبك الى اعلى عليين حيث ما قدر لك على حسب قابليتك ولا يمكنك ذلك الا بأمرين. احدهما بمحبته صلى الله عليه وسلم بان تؤثر حبه على نفسك واهلك ومالك. والثانى بمتابعه صلى الله عليه وسلم فى جميع ما امر به ونهى عنه وبذلك تستحكم مناسبتك به وبكمال متابعتك يحصل لك الارتفاع الى اوج الكمال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ان مثلى ومثل ما بعثنى الله به كمثل رجل اتى قوما فقال يا قوم انى رأيت الجيش بعينى ". فيه اشارة الى ان هذا المثل مختص بالنبى عليه السلام لان ما انذر به من الاهوال هى التى رآها بعينيه واما سائر الانبياء عليهم السلام فلم يكن لهم معراج ظاهر حتى يعاينوا تلك الاهوال " وانى انا النذير ". وهو الذى يخوف غيره بالاعلام " العريان ". وهو الذى لقى العدو فسلبوا ما عليه من الثياب فاتى قومه يخبرهم فصدق بعضهم لما عليه من آثار الصدق فنجوا وهذا القول مثل يضرب لشدة الامر وقرب المحذور وبراءة المخبر من التهمة والكل موجود فى النبى عليه السلام " فالنجاء ". بالمد نصب على الاغراء اى اطلبوا النجاء وهو الاسراع " فاطاعه طائفة من قومه فادلجوا ". اى ساروا من اول الليل " فانطلقوا على مهلهم ". وهو بفتح الميم والهاء ضد العجلة " وكذبت طائفة منهم فاصبحوا مكانهم فصبحهم الجيش ". اى تاهم صباحا ليغير عليهم " فاهلكهم واجتاحهم ". اى اهلكم بالكلية " فذلك ". اى المثل المذكور وهذا بيان لوجه المشابهة " مثل من اطاعنى واتبع ما جئت به من الحق ". وفيه اشارة الى ان مطلق العصيان غير مستأصل بل العصيان مع التكذيب بالحق كذا فى شرح المشارق لابن الملك رحمه الله تعالى قال السعدى قدس سره خلاف بيمبركسى ره كزيد كه هركز بمنزل نخواهد رسيد محالست سعدى كه راه صفا توان رفعت جز دربى مصطفا

النساء 4:171

{ يا اهل الكتاب } الخطاب للنصارى خاصة { لا تغلوا فى دينكم } اى لا تتجاوزوا الحد فى دينكم بالافراط فى رفع شأن عيسى وادعاء الوهيته والغلو مجاوزة الحد. واعلم ان الغلو والمبالغة فى الدين والمذهب حتى يجاوز حده غير مرضى كما ان كثيرا من هذه الامة غلوا فى مذهبهم فمن ذلك مذهب الغلاة من الشيعة فى امير المؤمنين على بن ابى طالب كرم الله وجهه حتى ادعوا الهيته وكذلك المعتزلة غلوا فى التنزيه حتى نفوا صفات الله وكذا المشبهة غلوا فى اثبات الصفات حتى جسموه تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا ولدفع الغلو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " لا تطرونى كما اطرت النصارى عيسى ابن مريم ". اى لا تتجاوزوا عن الحد فى مدحى كما بالغ النصارى فى مدح عيسى حتى ضلوا وقالوا انه ولد الله " وقولوا عبد الله ورسوله ". اى قولوا فى حقى انه عبد الله ورسوله وفى تقديم العبد على الرسول كما فى التحيات ايضا نفى لقول اليهود والنصارى فان اليهود قالوا عزير ابن الله والنصارى المسيح ابن الله فنحن نقوله عبده ورسوله والغلو من العصبية وهى من صفات النفس المذمومة والنفس هى امارة بالسوء لا تأمر الا بالباطل مبر طاعت نفس شهوت برست كه هر ساعتش قبله ديكرست { ولا تقولوا على الله الا الحق } اى لا تصفوه بما يستحيل اتصافه من الحلول والاتحاد واتخاذ الصاحبة والولد بل نزهوه عن جميع ذلك. قوله الا الحق استثناء مفرغ ونصبه على انه مفعول به نحو قلت خطبة او نعت مصدر محذوف اى الا القول الحق وهو قريب من المعنى الاول { انما المسيح } مبتدأ وهو لقب من الالقاب المشرفة كالصديق والفاروق واصله بالعبرية مشيحا ومعناه المبارك { عيسى } بدل منه معرب من ايشوع { ابن مريم } صفة مفيدة لبطلان ما وصفوه به من نبوته له تعالى. ومريم بمعنى العابدة وسميت مريم مريم ليكون فعلها مطابقا لاسمها ولكون عيسى عليه السلام منسوبا الى امه تدعى الناس يوم القيامة باسماء امهاتهم ويدل عليه حديث التلقين بعد الدفن حيث يقال يا فلان ابن فلانة وفى النسبة الى الامهات ستر منه تعالى للعباد ايضا { رسول الله } خبر للمبتدأ اى انه مقصور على رتبة الرسالة لا يتخطاها وهذا هو القول الحق { وكلمته } عطف على رسول الله اى تكون بكلمته وامره الذى هو كن من غير واسطة اب ولا نطفة فان تكوين الخلق كله وان كان بكلمة كن له ولكن بالوسائط فان تعلق كن بتكوين الآباء قبل تعلقه بتكوين الابناء فلما كان تعلق امر كن بعيسى فى رحم مريم من غير تعلقه بتكوين اب له تكون عيسى بكلمة كن وكن هى كلمة الله فعبر عن ذلك بقوله وكلمته القاها الى مريم يدل عليه قوله انه مثل عيسى عند الله يعنى فى التكوين كمثل آدم خلقه من تراب يعنى سوى جسمه من تراب ثم قال له يعنى عند بعث روحه الى القالب كن فيكون وانما ضرب مثله بآدم فى التكوين لانه ايضا تكون بكلمة كن من غير واسطة اب { القاها الى مريم } اى اوصلها اليها وحصلها فيها بنفخ جبريل عليه السلام { وروح منه } عطف على كلمته ومنه صفة لروح ومن لابتداء الغاية مجازا لا تبعيضية كما زعمت النصارى لاستحالة التجزى على الله تعالى وروى انه كان لهارون الرشيد طبيب نصرانى وكان غلاما حسن الوجه جدا وكان كامل الادب جامعا للخصال التى يتوصل بها الى الملوك وكان الرشيد مولعا بان يسلم وهو يمتنع وكان الرشيد يمنيه الامانى ان اسلم فأبى فقال له ذات يوم مالك لا تؤمن قال ان فى كتابكم حجة على من انتحله قال وما هى قال قوله تعالى { وكلمته ألقاها الى مريم وروح منه } فعنى بهذا ان عيسى عليه السلام جزء منه فضاق قلب الرشيد وجمع العلماء فلم يكن فيهم من يزيل شبهته حتى قيل له قد وفد حجاج من خراسان وفيهم رجل يقال له على بن الحسين بن واقد من اهل مرو وهو امام فى علم القرآن فدعاه فجمع بينه وبين الغلام فسأله الغلام عن ذلك فاستعجم عليه الجواب فى الوقت وقال قد علم الله يا امير المؤمنين فى سابق علمه ان هذا الخبيث يسألنى فى مجلسك هذا وانه لم يخل كتابه عن جوابه وانه ليس يحضرنى الآن ولله على ان لا اطعم ولا اشرب حتى اؤدى الذى يجب من الحق ان شاء الله تعالى ودخل بيتا مظلما واغلق عليه بابه واندفع فى قراءة القرآن حتى بلغ من سورة الجاثية وسخر لكم ما فى السموات وما فى الارض جميعا منه الجاثية 13. فصاح باعلى صوته افتحوا الباب فقد وجدت الجواب ففتحوا ودعا الغلام فقرأ عليه الآية بين يدى الرشيد وقال ان كان قوله وروح منه يوجب ان يكون عيسى بعضا منه وجب ان يكون ما فى السموات وما فى الارض بعضا منه فانقطع النصرانى واسلم وفرح الرشيد فرحا شديدا ووصل على بن الحسين الواقدى المروزى بصلة جيدة فلما عاد على بن الحسين الى مرو صنف كتابا سماه كتاب النظائر فى القرآن وهو كتاب لا يوازيه كتاب. قيل معنى كونه روحا انه ذو روح صادر منه تعالى كسائر ذوى الارواح الا انه تعالى اضاف روحه الى نفسه تشريفا. وقيل المراد بالروح هو الذى نفخ جبرائيل عليه فى درع مريم فدخلت تلك النفخة بطنها فحملت باذن الله من ذلك النفخ سمى النفخ روحا لانه كان ريحا يخرج من الروح واضاف تعالى نفخة جبريل الى نفسه حيث قال وروح منه بناء على ان ذلك النفخ الواقع من جبريل كان باذن الله تعالى وامره فهو منه. وعن ابى بن كعب انه قال ان الله تعالى لما اخرج الارواح من ظهر آدم لاخذ الميثاق عليهم ثم ردهم الى صلبه امسك عنده روح عيسى الى ان اراد خلقه ثم ارسل ذلك الروح الى مريم فدخل فى فيها فكان منه عيسى عليه السلام. قيل خلق عيسى عليه السلام من ماء مريم ومن النفخ لا من احدهما فقط وهو الاصح عند المحققين. قيل خرج فى ساعة النفخ. وقيل بعد المدة الكاملة بعد ثمانية اشهر والاول هو الاصح. وفى التأويلات النجمية ان شرف الروح على الاشياء بانه ايضا كعيسى تكون بامر كن بلا واسطة شىء آخر فلما تكون الروح بامر كن وتكون عيسى بامر كن سمى روحا منه لان الامر منه تعالى كما قال قل الروح من امر ربى الإسراء 85. فكما ان احياء الاجسام الميتة من شأن الروح اذ ينفخ فيها فكذلك كان عيسى من شأنه احياء الموتى وابراء الاكمه والابرص باذن الله وكذلك كان ينفخ فى الطين فيكون طيرا باذن الله تعالى. واعلم ان هذا الاستعداد الروحانى الذى هو من كلمة الله مركوز فى جبلة الانسان وخلق منه اى من الامر وانما اظهره الله فى عيسى من غير تكلف منه فى السعى لاستخراج هذا الجوهر من معدنه لان روحه لم يركز فى اصلاب الآباء وارحام الامهات كارواحنا فكان جوهره ظاهرا فى معدن جسمه غير مخفى ببشرية اب وجوهرنا مخفى فى معدن جسمنا ببشرية آبائنا الى آدم فمن ظهور انوار جوهر روحه كان الله تعالى يظهر عليه انواع المعجزات فى بدء طفوليته ونحن نحتاج فى استخراج الجوهر الروحانى من المعدن الجسمانى الى نقل صفات البشرية المتولدة من بشرية الآباء والامهات عن معادننا باوامر استاذ هذه الصنعة ونواهيه وهو النبى عليه السلام كما قال تعالى وما ءآتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا الحشر 7. فمن تخلص جوهر روحانيته من معدن بشريته وانسانيته يكون عيسى وقته فيحيى الله بانفاسه القلوب الميتة ويفتح به اذانا صما وعيونا عميا فيكون فى قومه كالنبى فى امته فافهم جدا وفى المثنوى عيسى اندر مهد دارد صد نفير كه جوان نا كشته ماشيخيم وبير بير بير عقل بايد اى بسر نى سفيدى موى اندرريش وسر جون كرفتى بيرهين تسليم شو همجو موسى زيرحكم خضرشو دست را مسبار جز دردست بير حق شدست آن دست اورادستكير جون بدارى دست خوددردست بير بير حكمت كو عليم است وخبير ثم اعلم انه لما كان النافخ جبرائيل والولد سر ابيه كان الواجب ان يظهر عيسى على صورة الروحانيين والجواب انه انما كان على صورة البشر ولم يظهر على صورة الروحانيين لان الماء المحقق عند التمثل كان فى امه وهى بشر ولاجل تمثل جبريل ايضا عند النفخ بالصورة البشرية لانها اكمل الصور كما اشار صلى الله تعالى عليه وسلم فى تجلى الربوبية بصورة شاب قطط وظهور جبريل بصورة دحية فافهم والصورة التى تشهدها الام وتخيلها حال المواقعة لها تأثير عظيم فى صورة الولد حتى قيل ونقل فى الاخبار ان امرأة ولدت ولدا صورته صورة البشر وجسمه جسم الحية فلما سئلت عنها اخبرت انها رأت حية عند المواقعة. وسمع ان امرأة ولدت ولد له اعين اربع ورجلاه كرجل الدب وكانت قبطية جامعها زوجها وهى ناظرة الى دبين كان عند زوجها ولله اسرار فى تكوين الاجساد كيف يشاء وهو على كل شىء قدير كذا فى حل الرموز { فآمنوا بالله } وخصوه بالالوهية { ورسله } اجمعين وصفوهم بالرسالة ولا تخرجوا بعضهم عن سلكهم بوصفه بالالوهية يعنى ان عيسى من رسله فآمنوا به كايمانكم بسائر الرسل ولا تجعلوه آلها { ولا تقولوا ثلثة } اى الآلهة ثلاثة الله والمسيح ومريم ويشهد عليه قوله تعالى ءأنت قلت للناس اتخذونى وامى إلهين من دون الله المائدة 116. او الله ثلاثة ان صح انهم يقولون الله ثلاثة اقانيم اقنوم الاب واقنوم الابن واقنوم روح القدس وانهم يريدون بالاول الذات وقيل الوجود وبالثانى العلم وبالثالث الحياة { انتهوا } اى عن التثليث { خيرا لكم } اى انتهاء خيرا لكم او ائتوا خيرا لكم من القول بالتثليث { انما الله إله واحد } اى واحد بالذات منزه عن التعدد بوجه من الوجوه فالله مبتدأ واله خبره وواحد نعت اى منفرد فى آلهيته { سبحانه ان يكون له ولد } اى اسبحه تسبيحا من ان يكون له ولد او سبحوه تسبيحا من ذلك فانه يتصور له مثل ويتطرق اليه فناء فان التوالد انما هو لحفظ النوع من الانقراض فلذلك لم تتوالد الملائكة ولا اهل الجنان فمن كان نشأته وتكونه للبقاء اذا لم يكن له ولد مع كونه حادثا ذا امثال فبالاولى ان لا يتخذ الله تعالى ولدا وهو ازلى منزه عن الامثال والاشياه وفى المثنوى لم يلد لم يولد است اوازقدم نه بدر دارد نه فرزند ونه عم { له ما فى السموات وما فى الارض } مستأنفة مسوقة لتعليل التنزيه وتقريره اى له ما فيهما من الموجودات خلقا وملكا وتصرفا لا يخرج من ملكوته شىء من الاشياء التى من جملتها عيسى فكيف يتوهم كونه ولدا له تعالى. قال ابن الشيخ فى حواشيه انه تعالى فى كل موضع نزه نفسه عن الولد ذكر ان جميع ما فى السموات والارض مختص به خلقا وملكا للاشارة الى ان ما زعمه المبطلون انه ابن الله وصاحبته مملوك مخلوق له لكونه من جملة ما فى السموات وما فى الارض فلا تتصور المجانسة والمماثلة بين الخالق والمخلوق والمالك والمملوك فكيف يعقل مع هذا توهم كونه ولدا له وزوجة { وكفى بالله وكيلا } اليه يكل كل الخلق امورهم وهو غنى عن العالمين فأنى يتصور فى حقه اتخاذ الولد الذى هو شأن العجزة المحتاجين فى تدبير امورهم الى من يخلفهم ويقوم مقامهم او يعينهم دلت الآية على التوحيد كل شىء ذاته لى شاهد انما الله اله واحد ومطلب اهل التوحيد اعلى المطالب وهو وراء الجنات وذوقهم لا يعادله نعيم حكى ان وليا يقال له سكرى بابا يكون له فى بعض الاوقات استغراق اياما حتى يظنونه ميتا ويضعون على فمه فداما فانتبه يوما فاراد ان يطلق زوجته ويترك اولاده وقال كنت فى مجلس النبى عليه السلام فى الملكوت مع الارواح وكان النبى عليه السلام يفسر قوله تعالى وآلهكم اله واحد البقرة 163. يتكلم فى مراتب التوحيد على كرسى قوائمه اربع من الانوار الاربعة على حسب المراتب الاربع اى من النور الاسود فى مرتبة الطبيعة ومن النور الاحمر فى مرتبة النفس ومن النور الاخضر فى مرتبة الروح ومن النور الابيض فى مرتبة السر فقيل لى فى العرش ارسلوا سكرى بابا فان اولاده يبكون فلاجل ذلك اريد ان اترك الكل فتضرعوا وحلفوا بان لا يفعلوا مثل ذلك ابدا ففرغ ووجه التمسية بذلك انه كان يعطى سكر الكل من يطلبه حتى طلبوا فى الحمام امتحانا له فضرب برجله رحام الحمام قال خذوه فانقلب سكرا فاعتقدوه وزالت شبهتهم. قال حضرة الشيخ الشهير بافتاده افندى الملكوت ليس فى الفوق بل الملك والملكوت عندك هنا فان الله تعالى منزه عن الزمان والمكان والذهاب والاياب وهو معكم اينما كنتم فللسالك مرتبة ينظر فيها الى الله والى الحق ويسمى تلك بالمعية ثم بعد ذلك اذا وصل الى الفناء الكلى واضمحل وجوده يسمى ذلك بمقام الجمع ففى ذلك المقام لا يرى السالك ما سوى الله تعالى كمن احاطه نور لا يرى الظلمة ألا يرى ان من نظر الى الشمس لا يرى غيرها وتلك الرؤية ليس بحاسة البصر ولا كرؤية الاجسام بل كما ذكر العلماء وكمل الاولياء والانبياء صلوات الله عليهم اجمعين والموحد اذا كان موحدا يوصله التوحيد الى الملكوت والجبروت واللاهوت اعنى الموحد يتخلص من الاثنينية ومن التقيد بالاكوان والاجسام والارواح فيشاهد عند ذلك سر قوله تعالى انما الله اله واحد النساء 171. اللهم اجعلنا من الواصلين.

النساء 4:172

{ لن يستنكف المسيح } فى اساس البلاغة استنكف منه ونكف امتنع وانقبض انفا وحمية { ان يكون عبدا لله } اى من ان يكون عبدا له تعالى فان عبوديته شرف يتباهى بها وانما المذلة والاستنكاف فى عبودية غيره روى " ان وفد نجران قالوا لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لم تعيب صاحبنا قال " ومن صاحبكم " قالوا عيسى قال " وأى شىء اقول " قالوا تقول انه عبد الله قال " انه ليس بعار ان يكون عبد الله " قالوا بلى بعار فنزلت { ولا الملائكة المقربون } ". عطف على المسيح اى ولا يستنكف الملائكة المقربون ان يكونوا عبيدا والمراد بهم الكروبيون الذين حول العرش كجبريل وميكائيل واسرافيل ومن فى طبقتهم { ومن يستنكف } اى يترفع { عن عبادته } اى عن طاعته فيشمل جميع الكفرة لعدم طاعتهم له تعالى { ويستكبر } الاستكبار دون الاستنكاف ولذلك عطف عليه وانما يستعمل حيث لا استحقاق بخلاف التكبر فانه قد يكون باستحقاق { فسيحشرهم اليه } اى فسيجمعهم اليه يوم القيامة { جميعا } المستنكف والمستكبر والمقر والمطيع فيجازيهم.

النساء 4:173

{ فاما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم اجورهم } اى ثواب اعمالهم من غير ان ينقص منها شيئا اصلا { ويزيدهم من فضله } بتضعيفها اضعافا مضاعفة وباعطاء ما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر { واما الذين استنكفوا } اى عن عبادته تعالى { واستكبروا فيعذبهم } بسبب استنكافهم واستكبارهم { عذابا اليما } وجيعا لا يحيط به الوصف { ولا يجدون لهم من دون الله } اى غيره تعالى { وليا } يلى امورهم ويدبر مصالحهم { ولا نصيرا } بنصرهم من بأسه تعالى وينجيهم من عذابه. واحتج بالآية من زعم فضل الملائكة على الانبياء عليهم السلام وقال مساقه لرد النصارى فى رفع المسيح عن مقام العبودية وذلك يقتضى ان يكون المعطوف وهو ولا الملائكة المقربون اعلى درجة من المعطوف عليه وهو المسيح حتى يكون عدم استنكافهم مستلزما لعدم استنكافه عليه السلام. واجيب بان مناط كفر النصارى ورفعهم له عليه السلام عن رتبة العبودية لما كان اختصاصه عليه السلام وامتيازه عن سائر افراد البشر بالولادة من غير اب وبالعلم بالمغيبات وبالرفع الى السماء عطف على عدم استنكافه عن عبوديته عدم استنكاف من هو اعلى درجة منه فيما ذكر فان الملائكة مخلوقون من غير اب ولا ام وعالمون بما لا يعلمه البشر من المغيبات ومقامهم السموات العلى ولا نزاع لاحد فى علو درجتهم من هذه الحيثية وانما النزاع فى علوها من حيث كثرة الثواب على الطاعات كذا فى الارشاد. قال فى التأويلات النجمية عند قوله تعالى ولا الملائكة المقربون النساء 172. ما ذكرهم للفضيلة على عيسى وانما ذكرهم لان بعض الكفار قالوا الملائكة بنات الله. كما قالت النصارى المسيح ابن الله التوبة 30. قال تعالى ألكم الذكر وله الانثى تلك إذن قسمة ضيزى النجم 21-22. بل فضل الله المسيح عليهم بتقديم الذكر لان المسيح نسب اليه بالبنوة ونسبت الملائكة اليه بالبنتية وللذكر فضيلة وتقدم على الاناث كقوله تعالى للذكر مثل حظ الانثيين النساء 11. فقدم الله الذكر على الانثى وجعل له سهمين وللانثى واحدا فكما ان للذكر فضيلة على الانثى فكذلك للمسيح فضيلة على الملائكة اكبر واعظم يدل عليه ما صح عن جابر رضى الله عنه ان النبى عليه السلام قال " لما خلق الله آدم وذريته قالت الملائكة يا رب كما خلقتهم يأكلون ويشربون وينكحون ويركبون فاجعل لهم الدنيا ولنا الآخرة قال الله تعالى لا اجعل من خلقته بيدى ونفخت فيه من روحى كمن قلت له كن فكان ". وانا اقول ومن فضيلة عيسى على الملائكة انه اجتمع فيه ما كان شرفا لآدم لانه من ذريته من قبل الام وما كان شرفا للملائكة اذ قال له ايضا كن فكان فقد وجد فى عيسى ما لم يوجد فى الملائكة ولم يوجد فى الملائكة شىء لا يوجد فى عيسى فافهم جدا انتهى كلام التأويلات. واعلم ان اعظم الاستنكاف عن عبادة الله تعلى الشرك والاعراض عن توحيده كما ان اصل الاعمال التوحيد والايمان ثم ان الكبر من اكبر السيآت ولذا ورد فى بعض الاحاديث مقابلا للايمان قال عليه السلام " لا يدخل الجنة من كان فى قلبه مثقال حبة من خردك من كبر ولا يدخل النار من كان فى قلبه مثقال ذرة من ايمان ". قال السعدى قدس سره ترا شهوت وكبر وحرص وحسد جوخون در كند وجوجان درجسد كراين دشمنان تقويت يافتند سر از حكم ورأى تو بر تافتند حكى ان قاضيا جاء الى ابى يزيد البسطامى رحمه الله يوما فقال نحن نعرف ما تعرفه ولكن لا نجد تأثيره فقال ابو يزيد خذ مقدارا من الجوز وعلق وعاه فى عنقك ثم ناد فى البلد كل من يلطمنى ادفع له جوزة حتى لا يبقى منه شىء فاذا فعلت ذلك تجد التأثير فاستغفر القاضى فقال ابو يزيد قد اذنبت لانى اذكر ما يخلصك من كبر نفسك وانت تستغفر منه قال السعدى كسى راكه بندار درسربود مبندار هركزكه حق بشنود زعلمش ملال آيداز وعظ ننك شقايق بباران نرويد زسنك فعلى العاقل ان يتواضع فان الرفعة فى التواضع وهو من افضل العبادة.

النساء 4:174

{ يا ايها الناس } خطاب لعامة المكلفين { قد جاءكم برهان } كائن { من ربكم وانزلنا اليكم } بواسطة النبى عليه السلام { نورا مبينا } عنى بالبرهان المعجزات وبالنور القرآن اى جاءكم دلائل العقل وشواهد النقل ولم يبق لكم عذر ولا علة. والبرهان ما يبرهن به المطلوب وسمى القرآن نورا لكونه سببا لوقوع نور الايمان فى القلوب ولانه تتبين به الاحكام كما تتبين بالنور الاعيان.

النساء 4:175

{ فاما الذين آمنوا بالله } حسبما يوجبه البرهان الذى اتاهم { واعتصموا به } اى امتنعوا به عن اتباع النفس الامارة وتسويلات الشيطان { فسيدخلهم فى رحمة منه } ثواب قدره بازاء ايمانه وعمله رحمة منه لا قضاء لحق واجب { وفضل } احسان زائد عليه مما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر { ويهديهم اليه } اى الى الله { صراطا مستقيما } هو الاسلام والطاعة فى الدنيا وطريق الجنة فى الآخرة وهو مفعول ثان ليهدى لانه يتعدى الى مفعولين بنفسه كما يتعدى الى الثانى بالى يقال هديته الطريق وهديته الى الطريق ويكون اليه حالا منه مقدما عليه ولو اخر عنه كان صفة له والمعنى ويهديهم الى صراط الاسلام والطاعة فى الدنيا وطريق الجنة فى العقبى مؤديا ومنتهيا اليه تعالى. والاشارة فى الآية ان الله تعالى اعطى لكل نبى آية وبرهانا ليقيم به الحجة على الامة وجعل نفس النبى عليه السلام برهانا منه وذلك لان برهان الانبياء كان فى الاشياء غير انفسهم مثل ما كان برهان موسى فى عصاه وفى الحجر الذى انفجرت منه اثنتا عشرة عينا وكان نفس النبى عليه السلام برهانا بالكلية فكان برهان عينيه ما قال عليه السلام " لا تستبقونى بالركوع والسجود فانى اراكم من خلفى كما اراكم من امامى ". وبرهان بصره ما زاغ البصر وما طغى النجم 17. وبرهان انفه قال " انى لاجد نفس الرحمان من قبل اليمين ". وبرهان لسانه وما ينطق عن الهوى إن هو الا وحى يوحى النجم 3-4. وبرهان بصاقه ما قال جابر رضى الله عنه انه امر يوم الخندف لاتخبزن عجينكم ولا تنزلن برمتكم حتى اجيىء فجاء فبصق فى العجين وبارك ثم بصق فى البرمة وبارك فاقسم بالله انهم لأكلوا وهم الف حتى تركوه وانصرفوا وان برمتنا لتغط اى تغلى وان عجيننا ليخبز كما هو. وبرهان تفله انه تفل فى عين على كرم الله وجهه وهى ترمد فبرىء باذن الله يوم خيبر. وبرهان يده ما قال تعالى وما رميت اذ رميت ولكن الله رمى الانفال 17. وانه سبح الحصى فى يده قال العطاوى داعىء ذرات بود آن باك ذات دركفش تسبيح ازان كفتى حصاد وبرهان اصبعه انه اشار باصبعه الى القمر فانشق فلقتين حتى رؤى حراء بينهما ماه را انكشنت اوبشكافته مهر از فرمانش ازبس تافته وبرهان ما بين اصابعه انه كان الماء ينبع من بين اصابعه حتى شرب منه ورفعه خلق عظيم. وبرهان صدره انه كان يصلى ولصدره ازيز كازيز المرجل من البكاء. وبرهان قلبه انه تنام عيناه ولا ينام قلبه وقال تعالى ما كذب الفؤاد ما رآى النجم 11. وقال ألم نشرح لك صدرك الشرح 1. وقال نزل به الروح الامين على قلبك الشعراء 193-194. وامثال هذه البراهين كثيرة فمن اعظمها انه عرج به الى السماء حتى جاوز قاب قوسين وابلغ او ادنى وذلك برهان لنفسه بالكلية وما اعطى نبى قبله مثله قط وكان بعد ان اوحى اليه افصح العرب والعجم وكان من قبل اميا لا يدرى ما الكتاب ولا الايمان وأى برهان اقوى واظهر واوضح من هذا والله اكرم هذه الامة به ومن عليهم فمن آمن به ايمانا حقيقيا بنور الله لا بالتقليد فتجذبه العناية وتدخله فى عالم الصفات فان رحمته وفضله صفته ويهديه بنور القرآن وحقيقة التخلق بخلقه الى جنابه تعالى فبالاعتصام يصعد السالك من الصراط المستقيم الى حضرة الله الكريم ولا بد للعبد من الاعتمال والاكتساب فى البداية اتباعا للاوامر الواردة فى الكتب الآلهية والسنن النبوية حتى ينتهى الى محض فضل الله تعالى فيكون هو المتصرف فى اموره ولذلك كان النبى عليه السلام يقول " اللهم لا تكلنى الى نفسى طرفة عين ولا اقل من ذلك ". وقد قال بعض الكبار المريد من لا مذهب له يعنى يتمسك باشق الاقوال والمذاهب من جميع المذاهب فيتوضأ من الرعاف والفصد مثلا وان كان شافعيا ومن المس وان كان حنفيا وتنوير الباطن لا يحصل الا بانوار الذكر والعبادة والمعرفة وتعين على ذلك العبادة الخالصة اذا اديت على وجه الكمال والخدمة بمقتضى السنة تصقله بازالة خبث الشهوات والاخلاق المذمومات والتوحيد افضل الاعمال الموصلة الى السعادة وفى الحديث " ان الذين لا تزال ألسنتهم رطبة من ذكر الله يدخلون الجنة وهم يضحكون ". وفى الحديث " ليس على اهل لا اله الا الله وحشة فى قبورهم ولا فى نشورهم كأنى انظر اليهم عند الصيحة ينفضون التراب عنهم ويقولون الحمد الله الذى اذهب عنا الحزن ان ربنا لغفور شكور ". وعلى هذا الحديث اول المشايخ هذه الآية الكريمة والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج الا نكدا الأعراف 58. اللهم اجعلنا من الذاكرين الشاكرين ولا تجعلنا من الغافلين آمين.

النساء 4:176

{ يستفتونك } اى يطلبون منك الفتوى فى حق الكلالة { قل الله يفتيكم فى الكلالة } الافتاء تبيين المبهم وتوضيح المشكل. والكلالة فى مصدر بمعنى الكلال وهو ذهاب القوة من الاعياء استعيرت للقرابة من غير جهة الوالد والولد لضعفها فى الاضافة الى قرابتهما وتطلق على من لم يخلف ولدا ولا والدا وعلى من ليس بوالد ولا ولد من المخلفين والمراد هنا الثانى اى الذى مات ولم يرثه احد من الوالدين ولا احد من الاولاد لما روى ان جابر بن عبد الله كان مريضا فعاده رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال انى كلالة اى لا يخلفنى ولد ولا والد فكيف اصنع فى مالى فنزلت { ان امرؤ هلك } استئناف مبين للفتيا وارتفع امرؤ بفعل يفسره المذكور وقوله { ليس له ولد } صفة له اى ان هلك امرؤ غير ذى ولد ذكرا كان او انثى { وله اخت } عطف على قوله تعالى ليس له ولد او حال والمراد بالاخت من ليست لام فقط فان فرضها السدس فقط { فلها نصف ما ترك } اى بالفرض والباقى للعصبة اولها بالرد ان لم يكن له عصبة { وهو } اى المرؤ المفروض { يرثها } اى اخته المفروضة ان فرض هلاكها مع بقائه { ان لم يكن لها ولد } ذكرا كان او انثى فالمراد بارثه لها احراز جميع مالها اذ هو المشروط بانتفاء الولد بالكلية لا ارثه لها فى الجملة فانه يتحقق مع وجود بنتها { فان كانتا اثنتين } عطف على الشرطية الاولى اى اثنتين فصاعدا { فلهما الثلثان مما ترك } الضمير لمن يرث بالاخوة والتأنيث والتثنية باعتبار المعنى وفائدة الاخبار عنه باثنتين مع دلالة الف التثنية على الاثنينية التنبيه على ان المعتبر فى اختلاف الحكم هو العدد دون الصغر والكبر وغيرهما { وان كانوا } اى من يرث بطريق الاخوة { اخوة } اى مختلطة { رجالا ونساء } بدل من اخوة والاصل وان كانوا اخوة واخوات فغلب المذكر على المؤنث { فللذكر } منهم { مثل حظ الانثيين } يقسمون التركة على طريقة التعصيب وهذا آخر ما نزل فى كتاب الله من الاحكام روى ان الصديق رضى الله عنه قال فى خطبته ان الآية التى انزلها الله تعالى فى سورة النساء فى الفرائض اولها فى الولد والوالد وثانيها فى الزوج والزوجة والاخوة من الام والآية التى ختم بها السورة فى الاخت لابوين او لاب والآية التى ختم بها سورة الانفال انزلها فى اولى الارحام { يبين الله لكم } اى حكم الكلالة او احكامه وشرائعه التى من جملتها حكمها { ان تضلوا } اى كراهة ان تضلوا فى ذلك فهو مفعول لاجله على حذف المضاف وهو اشيع من حذف لا النافية بتقدير لئلا تضلوا { والله بكل شىء } من الاشياء التى من جملتها احوالكم المتعلقة بمحياكم ومماتكم { عليم } مبالغ فى العلم فيبين لكم ما فيه مصلحتكم ومنفعتكم. والاشارة فى الآية ان الله تعالى لم يكل بيان قسمة التركات الى النبى صلى الله عليه وسلم مع انه تعالى وكل بيان اركان الاسلام من الشهادة والصلاة والزكاة والصيام والحج اليه واحكام الشريعة وقال وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا الحشر 7. وولاه بيان القرآن العظيم وقال لتبين للناس ما نزل اليهم النمل 44. وتولى قسمة التركات بنفسه تعالى كما قال عليه السلام " ان الله لم يرض بملك مقرب ولا نبى مرسل حتى تولى قسمة التركات واعطى كل ذى حق حقه ألا فلا وصية لوارث ". وانما لم يوله قسمة التركات لان الدنيا مزينة للناس والمال محبوب الى الطباع وجبلت النفس على الشح فلو لم ينص الله تعالى على مقادير الاستحقاق وكان القسم موكولا الى النبى عليه السلام لكان الشيطان اوقع فى بعض النفوس كراهة النبى عليه الصلاة والسلام لذلك فيكون كفرا لقوله عليه السلام " لا يكون احدكم مؤمنا حتى اكون احب اليه من نفسه وماله وولده والناس اجمعين " " كما اوقع فى نفوس بعض شبان الانصار يوم حنين اذ افاء الله على رسوله اموال هوازن فطفق النبى عليه السلام يعطى رجالا من قريش المائة من الابل كل رجل منهم فقالوا يغفر الله لرسوله يعطى قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم قال انس فحدث رسول الله بمقالتهم فارسل الى الانصار فجمعهم فى قبة من ادم ولم يدع معهم احدا من غيرهم فلما اجتمعوا جاءهم رسول الله فقال " ما حديث بلغنى عنكم " فقال الانصار اما ذووا رأينا فلم يقولوا شيئا واما اناس حديثة اسنانهم فقالوا كذا وكذا للذى قالوا فقال النبى صلى الله عليه وسلم " انما اعطى رجالا حديثى عهد بكفر فاؤلفهم " او قال " استألفهم أفلا ترضون ان يذهب الناس بالاموال وترجعوا برسول الله الى رحالكم فوالله ما تنقلبون به خير مما ينقلبون به " قالوا اجل يا رسول الله قد رضينا " فالنبى عليه السلام ازال ما اوقع الشيطان فى نفوسهم بهذا اللطائف فلو كان قسم التركات اليه لكان للشيطان مجال الى آخر الدنيا فى ان يوقع الشر فى نفوس الامة ولم يمكن ازالته من النفوس لتعذر الوصول الى الخلق كلهم فى حال الحياة وبعد الوفاة فتولى الله ذلك لانه بكل شىء عليم ولعباده غفور رحيم برو علم يك ذره بوشيده نيست كه بنهان وبيدا بنزدش يكيست فروماندكانرا برحمت قريب تضرع كنانرا بدعوت مجيب فحسم الكلمة بما نص على المقادير فى الميراث فضلا منه وقطعا لمواد الخصومات بين ذوى الارحام ورحمة على النسوان فى التوريث لضعفهن وعجزهن عن الكسب واظهارا لتفضيل الذكور عليهن لنقصان عقلهن ودينهن وتبيانا للمؤمنين لئلا يضلوا بظن السوء بالنبى عليه السلام كما قال { يبين الله لكم ان تضلوا والله بكل شىء عليم } كذا فى التأويلات النجمية على صاحبها النفحات القدسية والبركات القدوسية.

المائدة 5:1

{ يا ايها الذين آمنوا اوفوا بالعقود } الوفاء هو القيام بمقتضى العهد وكذلك الايفاء يقال وفى بالعهد وفاء واوفى به ايفاء اذا اتى ما عهد به ولم يغدر والنقل الى باب افعل لا يفيد سوى المبالغة والعقد هو العهد الموثق المشبه بعقد الحبل ونحوه والمراد بالعقود ما يعم جميع ما الزمه الله تعالى عباده وعقده عليهم من التكاليف والاحكام الدينية وما يعقدونه فيما بينهم من عقود الامانات والمعاملات ونحوها مما يجب الوفاء به او يحسن دينا ان حملنا الامر على معنى يعم الوجوب والندب. واحتج ابو حنيفة رحمه الله بهذه الآية على ان من نذر صوم يوم العيد او ذبح الولد يجب عليه ان يصوم يوما يحل فيه الصوم ويذبح ما يحل ان يتقرب بذبحه لانه عهد والزم نفسه ذلك فوجب عليه الوفاء بما صح الوفاء به. واحتج بها ايضا على حرمة الجمع بين الطلقات لان النكاح من العقود فوجب ان يحرم رفعه لقوله تعالى { اوفوا بالعقود } وقد ترك العمل بعمومه فى حق الطلقة الواحدة بالاجماع فبقى فيما عداها على الاصل وفى الحديث " ما ظهر الغلول فى قوم الا القى الله فى قلوبهم الرعب ولا فشا الزنى فى قوم الا كثر فيهم الموت ولا نقص قوم المكيال والميزان الا قطع عنهم الرزق ولا حكم قوم بغير حق الا فشا فيهم الدم ولا ختر قوم بالعهد الا سلط الله عليهم العدو ". هركه اونيك ميكند يابد نيك وبد هرجه ميكند يابد ثم انه تعالى لما امر المؤمنين بان يوفوا جميع ما اوجبه عليهم من التكاليف شرع فى ذكر التكاليف مفصلة فبدأ بذكر ما يحل ويحرم من المطعومات فقال عز وجل من قائل { احلت لكم بهيمة الانعام } البهيمة كل ذات اربع واضافتها الى الانعام للبيان كثوب الخز وافرادها لارادة الجنس اى احل لكم اكل البهيمة من الانعام وهى الابل والبقر والضأن والمعز وذكر كل واحد من هذه الانواع الاربعة زوج بانثاه وانثاه زوج بذكره فكان جميع الازواج ثمانية بهذا الاعتبار من الضأن اثنين ومن المعز اثنين ومن الابل اثنين ومن البقر اثنين على التفصيل المذكور فى سورة الانعام فالبهيمة اعم من الانعام لان الانعام لا تتناول غير الانواع الاربعة من ذوات الاربع والحق بالانعام الظباء وبقر الوحش ونحوهما { الا ما يتلى عليكم } استثناء من بهيمة الانعام بتقدير المضاف اى الا محرم ما يتلى عليكم اى الا الذمى حرمه المتلو من القرآن من قوله تعالى حرمت عليكم الميتة المائدة 3. بعد هذه الآية او بتقدير نائب الفاعل اى الا ما يتلى عليكم فيه آية كريمة { غير محلى الصيد } الصيد بمعنى المصدر اى الاصطياد فى البر او المفعول اى اكل صيده بمعنى مصيده وهو نصب على الحالية من ضمير لكم ومعنى عدم احلالهم له تقرير حرمته عملا واعتقادا وهو شائع فى الكتاب والسنة { وانتم حرم } اى محرمون حال من الضمير فى محلى. والحرم جمع حرام بمعنى محرم يقال احرم فلان اذا دخل فى الحرم او فى الاحرام وفائدة تقييد احلال بهيمة الانعام بما ذكر من عدم احلال الصيد حال الاحرام اتمام النعمة واظهار الامتنان باحلالها بتذكير احتياجهم اليه فان حرمة الصيد فى حالة الاحرام من مظان حاجتهم الى احلال غيره حينئذ كأنه قيل احلت لكم الانعام مطلقا حال كونكم ممتنعين عن تحصيل ما يغنيكم عنها فى بعض الاوقات محتاجين الى احلالها { ان الله يحكم ما يريد } من تحليل وتحريم على ما توجبه الحكمة ومعنى الايفاء بهما الجريان على موجبهما عقدا وعملا والاجتناب عن تحليل المحرمات وتحريم المحللات. والاشارة فى الآية { اوفوا بالعقود } التى جرت بيننا يوم الميثاق وعلى عهود العشاق وعقودهم على بذل وجودهم لنيل مقصودهم عاقدوا على عهد يحبهم ويحبونه ولا يحبون دونه فالوفاء بالعهد الصبر على الجفاء والجهد فمن صبر على عهوده فقد فاز بمقصوده عنه بذل وجوده { احلت لكم بهيمة الانعام } اى ذبح بهيمة النفس التى هى كالانعام فى طلب المرام { الا ما يتلى عليكم غير محلى الصيد وانتم حرم } يعنى الا النفس المطمئنة اذا تليت عليها ارجعى الى ربك فانها تنفرت من الدنيا وما فيها فانها كالصيد فى الحرم وانتم حرم بالتوجه الى كعبة الوصال باحرام الشوق الى حضرة الجمال والجلال متجردين عن كل مرغوب ومرهوب منفردين من كل مطلوب ومحبوب { ان الله يحكم } بذبح النفس اذا كانت موصوفة بصفة البهيمة ترفع فى مراتع الحيوان السفلية بترك ذبحها ويخاطبها بالرجوع الى حضرة الربوبية عند اطمئنانها مع ذكر الحق واتصافها بالصفات الملكية العلوية { ما يريد } كما يريد كذا فى التأويلات النجمية.

المائدة 5:2

{ يا ايها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله } نزلت فى الخطيم واسمه " شريح بن ضبيعة البكرى اتى المدينة من اليمامة وخلف خيله خارج المدينة ودخل وحده على النبى صلى الله عليه وسلم فقال له الى ما تدعو الناس فقال " الى شهادة ان لا اله الا الله واقام الصلاة وايتاء الزكاة " فقال حسن ألا ان لى امراء لا اقطع امرا دونهم لعلى اسلم وآتى بهم وقد كان النبى عليه السلام قال لاصحابه " يدخل عليكم رجل من ربيعة يتكلم بلسان شيطان " ثم خرج شريح من عنده فقال عليه السلام " لقد دخل بوجه كافر وخرج بقفا غادر وما الرجل بمسلم " فمر بسرح المدينة فاستاقه فانطلق فتبعوه فلم يدركوه فلما كان العام المقبل خرج حاجا فى حجاج بكر بن وائل من اليمامة ومعه تجارة عظيمة وقد قلدوا الهدى فقال المسلمون للنبى عليه السلام هذا الخطيم قد خرج حاجا فخل بيننا وبينه فقال النبى عليه السلام " انه قد قلد الهدى " فقالوا يا رسول الله هذا شىء كنا نفعله فى الجاهلية فابى النبى عليه السلام فانزل الله هذه الآية ". وكان المشركون يحجون ويهدون فاراد المسلمون ان يغيروا عليهم فنهاهم الله عن ذلك. والشعائر جمع شعيرة وهى اسم لما اشعر اى جعل شعائر اى علما للنسك من مواقف الحج ومرامى الجمار والمطاف والمسعى والافعال التى هى علامات الحاج يعرف بها من الاحرام والطواف والسعى والحلق والنحر والمعنى لا تتهاونوا بحرمتها ولا تقطعوا اعمال من يحج بيت الله ويعظم مواقف الحج { ولا الشهر الحرام } اى ولا تستحلوا القتل والغارة فى الشهر الحرام وهو شهر الحج والاشهر الاربعة الحرم وهى ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب والافراد لارادة الجنس { ولا الهدى } بان يتعرض له بالغصب او بالمنع من بلوغ محله وهو ما اهدى الى الكعبة من ابل او بقر او شاة تقربا الى الله تعالى جمع هدية { ولا القلائد } اى ذوات القلائد من الهدى بتقدير المضاف وعطفها على الهدى للاختصاص فانها اشرف الهدى اى ولا تحلوا ذوات القلائد منها خصوصا وهى جمع قلادة وهى ما يشد على عنق البعير وغيره من نعل او لحاء شجرة او غيرهما ليعلم به انه هدى فلا يتعرض له { ولا آمين البيت الحرام } اى ولا تحلوا قوما قاصدين زيارة الكعبة بان تصدوهم عن ذلك بأى وجه كان { يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا } حال من المستكن فى آمين اى قاصدين زيارته حال كونهم طالبين الرزق بالتجارة والرضوان اى على زعمهم لان الكافر لا نصيب له فى الرضوان اى رضى الله تعالى ما لم يسلم. قال فى الارشاد انهم كانوا يزعمون انهم على سداد من دينهم وان الحج يقربهم الى الله تعالى فوصفهم الله بظنهم وذلك الظن الفاسد وان كان بمعزل من استتباع رضوانه تعالى لكن لا بعد فى كونه مدارا لحصول بعض مقاصدهم الدنيوية وخلاصهم من المكاره العاجلة لا سيما فى ضمن مراعاة حقوق الله تعالى وتعظيم شعائره انتهى. وهذه الآية الى ههنا منسوخة بقوله تعالى فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم التوبة 5. وبقوله فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا التوبة 28. فلا يجوز ان يحج مشرك ولا يأمن كافر بالهدى والقلائد. قال الشعبى لم ينسخ من سورة المائدة الا هذه الآية { واذا حللتم فاصطادوا } تصريح بما اشير اليه بقوله تعالى وانتم حرم المائدة 1. من انتهاء حرمة الصيد بانتفاء موجبها والامر للاباحة بعد الحظر كأنه قيل واذا حللتم من الاحرام فلا جناح عليكم فى الاصطياد { ولا يجرمنكم } يقال جرمنى فلان على ان صنعت كذا اى حملنى والمعنى لا يحملنكم { شنآن قوم } اى شدة بعضهم وعداوتهم وهو مصدر شنئت اضيف الى المفعول او الفاعل فالمعنى على الاول بغضكم لبعض فحذف الفاعل وعلى الثانى بغض قوم اياكم فحذف المفعول { ان صدوكم عن المسجد الحرام } اى لان منعوكم عن زيارته والطواف به للعمرة عام الحديبية { ان تعتدوا } ثانى مفعولى يجرمنكم اى لا يحملنكم شدة بغضكم لهم لصدهم اياكم عن المسجد الحرام على اعتدائكم عليهم وانتقامكم منهم للتشفى { وتعاونوا } اى ليعن بعضكم بعضا { على البر والتقوى } اى على العفو والاغضاء ومتابعة الامر ومجانبة الهوى { ولا تعاونوا على الاثم والعدوان } اى لا يعن بعضكم بعضا على شىء من المعاصى والظلم للتشفى والانتقام وليس للناس اى يعين بعضهم بعضا على العدوان حتى اذا تعدى واحد منهم على الآخر تعدى ذلك الآخر عليه لكن الواجب ان يعين بعضهم بعضا على ما فيه البر والتقوى. واصل لا تعاونوا لا تتعاونوا فحذف منه احدى التاءين تخفيفا وانما اخر للنهى عن الامر مع تقدم التخلية مسارعة الى ايجاب ما هو مقصود بالذات فان المقصود من ايجاب ترك التعاون على الاثم والعدوان انما هو تحصيل التعاون على البر والتقوى. وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البر والاثم فقال " البر حسن الخلق والاثم ما حاك فى نفسك وكرهت ان يطلع عليه الناس ". { واتقوا الله } فى جميع الامور التى من جملتها مخالفة ما ذكر من الاوامر والنواهى فثبت وجوب الاتقاء فيها بالطريق البرهانى { ان الله شديد العقاب } فانتقامه اشد لمن لا يتقيه. واعلم ان شعائر الله فى الحقيقة هى مناسك الوصول الى الله وهى معالم الدين والشريعة ومراسم آداب الطريقة باشارة ارباب الحقيقة فان حقيقة البر هو التفرد للحق وحقيقة التقوى هو الخروج عما سوى الله تعالى فالوصول لا يمكن الا بهما لكنهما خطوتان لا يمكن للمريد الصادق ان يتخطى بها الا بمعاونة شيخ كامل مكمل واصل موصل فانه دليل هذا الطريق قال الحافظ بكوى عشق منه بى دليل راه قدم كه من بخويش نمودم صد اهتمام ونشد وقال ايضا شبان وادائ ايمن كهى رسد بمراد كه جند سال بجان خدمت شعيب كند وفى الآية اشارة الى تعظيم ما عظمه الله من الزمان والمكان والاخوان وقد فضل الاشهر والايام والاوقات بعضها على بعض كما فضل الرسل والامم بعضها على بعض لتتسارع القلوب الى احترامها وتتشوق الارواح الى احيائها بالتعبد فيها ويرغب الخلق فى فضائلها وفضل الامكنة بعضها على بعض ليعظم الاجر بالاقامة فيها وخلق الله الناس سعيدا وشقيا والعبرة بالخاتمة وكل مخلوق من حيث انه مخلوق الله حسن حتى انه ينبغى ان يكون النظر الى الكافر من حيث انه مخلوق الله لا من حيث كفره وان لم يرض بكفره فعلى الناظر بنظر التوحيد ان يحسن النظر ولا يحقر احدا من خلق الله ولا يشتغل بالعداوة والبغضاء قال السعدى قدس سره دلم خانه مهر يارست وبس ازان مى نكنجد دروكين كس ومن كلمات اسد الله كرم الله وجهه العداوة شغل يعنى من اشتغل بالعداوة ينقطع عن الاشتغال بالامور المفيدة النافعة لان القلب لا يسع الاشتغالين المتضادين هركه بيشه كند عداوت خلق از همه جيزها جدا كردد كه دلش خسته عنا باشد كه تنش بسته بلا كردد وكان صلى الله عليه وسلم موصوفا بمكارم الاخلاق ومحاسن الاعمال فعليك ان تقتدى به ولما مدح الله الانبياء عليهم السلام ووصف كل نبى بصفة قال له تعالى فبهداهم اقتده الأنعام 90. ففعل فصار مستجمعا لكمال خصال الخير وكان كل واحد منهم مخصوصا بخصلة مثل نوح بالشكر وابراهيم بالحلم وموسى بالاخلاص واسماعيل بصدق الوعد ويعقوب وايوب بالصبر وداود بالاعتذار وسليمان بالتواضع وعيسى بالزهد فلما اقتدى بهم اجتمع له الكل فانت ايها المؤمن من امة ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم فاتق الله واستحى من رسول الله كى تنجو من العقاب الشديد والعذاب المديد وتظفر بالخلد الباقى بالنعيم المقيم وتنال ما نال اليه ذو القلب السليم.

المائدة 5:3

{ حرمت عليكم الميتة } اى تناولها فان التحليل والتحريم انما يتعلقان بالافعال دون الاعيان والميتة ما فارقه الروح من غير ذبح { والدم } اى الدم المسفوح اى المصبوب كالدماء التى فى العروق لا الكبد والطحال وكان اهل الجاهلية يصبونها فى امعاء ويشوونها ويقولون لم يحرم من فزدله اى فصدله { ولحم الخنزير } لعينه لا لكون ميتة حتى لا يحل تناوله مع وجود الذكاة فيه وفائدة تخصيص لحم الخنزير بالذكر دون لحم الكلب وسائر السباع ان كثيرا من الكفار الفوا لحم الخنزير فخص بهذا الحكم وذلك ان سائر الحيوانات المحرم اكلها اذا ذبحت كان لحمها طاهرا لا يفسد الماء اذا وقع فيه وان لم يحل اكله بخلاف لحم الخنزير. قال فى التنوير وليس الكلب بنجس العين قال العلماء الغذاء يصير جزأ من جوهر المغتذى ولا بد وان يحصل للمغتذى اخلاق وصفات من جنس ما كان حاصلا فى الغذاء والخنزير مطبوع على حرص عظيم ورغبة شديدة فى المشتهيات فحرم اكله على الانسان لئلا يتكيف بتلك الكيفية ومن جملة خبائث الخنزير انه عديم الغيرة فانه يرى الذكر من الخنازير ينزو على انثى له ولا يتعرض له لعدم غيرته فاكل لحمه يورث عدم الغيرة { وما اهل لغير الله به } اى رفع الصوت لغير الله عند ذبحه كقولهم باسم اللات والعزى. قال الفقهاء ولو سمى الذابح النبى عليه السلام مع الله فقال باسم الله ومحمد حرمت الذبيحة وفى الحديث " لعن الله من لعن والديه ولعن الله من ذبح لغير الله ". قال النووى المراد به الذبح باسم غير الله كمن ذبح للصنم او لموسى او لغيرهما. ذكر الشيخ الماوردى ان ما يذبح عند استقبال السلطان تقربا اليه افتى اهل بخارى بتحريمه لانه مما اهل به لغير الله. وقال الرافعى هذا غير محرم لانهم انما يذبحونه استبشارا بقدومه فهو كذبح العقيقة لولادة المولود ومثل هذا لا يوجب التحريم كذا فى شرح المشارق لابن ملك { والمنخنقة } اى التى ماتت بالخنق وهو احتباس النفس بسبب انعصار الحلق واكل المنخنقة حرام سواء حصل اختناقها بفعل آدمى اولا مثل ان يتفق ان تدخل البهيمة برأسها بين عودين من شجرة فتخنق فتموت وكان اهل الجاهلية يخنقون الشاة فاذا ماتت اكلوها وهذه المنخنقة من جنس الميتة لانها ماتت من غير تذكية { والموقوذة } المضروبة بنحو خشب او حجر حتى تموت من وقذته اذا ضربته. قال قتادة كانوا يضربونها بالعصى فاذا ماتت اكلوها وهى فى معنى المنخنقة ايضا لانها ماتت ولم يسل دمها { والمتردية } التى تردت من مكان عال او فى بئر فماتت قبل الذكاة. والتردى هو السقوط مأخوذ من الردى وهو الهلاك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعدى بن حاتم " اذا تردت رميتك من جبل فوقعت فى ماء فلا تأكل فانك لا تدرى اسهمك قتلها ام الماء ". فصار هذا الكلام اصلا فى كل موضع اجتمع فيه معنيان احدها حاظر والآخر مبيح انه يغلب جهة الحظر ولهذا قال صلى الله عليه وسلم " الحلال بين والحرام بين وبينهما امور مشتبهة فدع ما يريبك الى ما يريبك ألا وان لكل ملك حمى وان حمى الله محارمه فمن رتع حول الحمى يوشك ان يقع فيه ". وعن عمر رضى الله عنه انه قال كنا ندع تسعة اعشار الحلال مخافة الربا { والنطيحة } التى نطحتها اخرى فماتت بالنطح وهو بالفارسية " سروزدن " والتاء فى هذه الكلمات الاربع لنقلها من الوصفية الى الاسمية وكل ما لحقته هذه التاء يستوى فيه المذكر والمؤنث وقيل التاء فيها لكونها صفات لموصوف مؤنث وهو الشاة كأنه قيل حرمت عليكم الشاة المنخنقة والموقوذة وخصت الشاة بالذكر لكونها اعم ما يأكله الناس والكلام يخرج على الاعم الاغلب ويكون المراد الكل { وما اكل السبع } اى وما أكل منه السبع فمات وكان اهل الجاهلية يأكلونه. والسبع اسم يقع على ما له ناب ويعدو على الانسان والدواب ويفترسها كالاسد وما دونه وهو يدل على ان جوارح الصيد اذا اكلت مما اصطادته لم يحل { الا ما ذكيتم } اى الا ما ادركتم ذكاته من هذه الاشياء وفيه بقية حياة يضطرب اضطراب المذبوح فانه يحل لكم فاما ما صار بجرح السبع الى حالة المذبوح فهو فى حكم الميتة فلا يكون حلالا وان ذبحته وكذلك المتردية والنطيحة اذا ادركتها حية قبل ان تصير الى حالة المذبوح فذبحتها تكون حلالا ولو رمى الى صيد فى الهواء واصابه فسقط على الارض ومات كان حلالا لان الوقوع على الارض من ضرورته وان سقط على جبل او شجر ثم تردى منه فمات فلا يحل وهو من المتردية الا ان يكون السهم اصاب مذبحه فى الهواء فيحل كيف ما وقع لان الذبح قد حصل باصابة السهم المذبح واما ما ابين من الصيد قبل الذكاة فهو ميتة. والذكاة فى الشرع بقطع الحلقوم والمرى وهو اسم لما اتصل بالحلقوم وهو الذى يجرى فيه الطعام والشراب واقل الذكاة فى الحيوان المقدور عليه قطع الحلقوم والمرى وكماله ان يقطع الودجان معهما ويجوز بكل محدد من حديد او قصب او زجاج او حجر او نحوها فان جمهور العلماء على ان كل ما افرى الاوداج وانهر الدم فهو من آلات الذكاة ما خلا السن والظفر والعظم ما لم يكن السن والظفر منزوعين لان الذبح بهما يكون خنقا واما المنزوعان منهما اذا افريا الاوداج فالذكاة جائزة بهما عندهم والذكاة كالذبح التام الذى يجوز معه الاكل ولا يحرم لان اصل الذكاة اتمام الشىء ومنه الذكاء فى الفهم اذا كان تام العقل وفى الحديث " الذكاة ما بين اللبة واللحيين ". فعلى هذا اللحم القديد الذى يجيىء الى دار الاسلام من دار افلاق لا يجوز اكله لانهم يضربون رأس البقر ونحوه بفأس ومثله فيموت فلا توجد الذكاة { وما ذبح على النصب } النصب واحد الانصاب وهى احجار كانت منصوبة حول البيت يذبحون عليها ويعدون ذلك قربة. قال الامام من الناس من قال النصب هى الاوثان وهذا بعيد لان هذا معطوف على قوله وما اهل لغير الله به وذلك هو الذبح على اسم الاوثان ومن حق المعطوف ان يكون مغايرا للمعطوف عليه. وقال ابن جريج النصب ليس باصنام فان الاصنام احجار مصورة منقوشة وهذه النصب احجار كانوا نصبوها حول الكعبة وكانوا يذبحون عندها للاصنام وكانوا يلطخونها بتلك الدماء ويضعون اللحوم عليها فقال المسلمون يا رسول الله كان اهل الجاهلية يعظمون البيت بالدم ونحن احق ان نعظمه وكان عليه السلام لم يكره ذلك فانزل الله تعالى لن ينال الله لحومها ولا دماؤها الحج 37 الى هنا كلام الامام. { وان تستقسموا بالازلام } جمع زلم وهو القدح اى وحرم عليكم الاستقسام بالقداح وذلك انهم اذا قصدوا فعلا ضربوا ثلاثة قداح مكتوب على احدها امرنى ربى وعلى الآخر نهانى ربى والثالث غفل اى خال عن الكتابة فان خرج الامر مضوا على ذلك وان خرج الناهى اجتنبوا عنه وان خرج الغفل اجالوها ثانيا فمعنى الاستقسام طلب معرفة ما قسم لهم دون ما لم يقسم بواسطة ضرب القداح. وقيل هو استقسام الجزور بالقداح على الانصباء المعلومة اى طلب معرفة كيفية قسمة الجزور وقد تقدم تفصيله عند تفسير قوله تعالى يسألونك عن الخمر والميسر البقرة 219. فى سورة البقرة { ذلكم } اشارة الى الاستقسام بالازلام { فسق } اى تمرد وخروج عن الحد ودخول فى علم الغيب وضلال باعتقاد انه طريق اليه وافتراء على الله سبحانه ان كان هو المراد بقولهم ربى وشرك وجهالة ان كان هو الصنم. فظاهر هذه الآية يقتضى ان العمل على قول المنجمين لا تخرج من اجل نجم كذا واخرج من اجل نجم كذا فسق لان ذلك دخول فى علم الغيب ولا يعلم الغيب الا الله كذا فى تفسير الحدادى. واعلم ان استعلام الغيب بالطريق الغير المشروع كاستعلام الخير والشر من الكهنة والمنجمين منهى عنه بخلاف استعلام الغيب بالاستخارة بالقرآن وبصلاة الاستخارة ودعائها وبالنظر والرياضة لانه استعلام بالطريق المشروع وان طلب ما قسم له من الخير ليس منهيا عنه مطلقا بل المنهى عنه هو الاستقسام بالازلام وفى الحديث " العيافة والطرق والطيرة من الجبت ". والمراد بالطرق الضرب بالحصى وفى الحديث " من تكهن او استقسم او تطير طيرة ترده من سفره لم ينظر الى الدرجات العلى من الجنة يوم القيامة ". { اليوم } اللام للعهد والمراد به الزمان الحاضر وما يتصل به من الازمنة الماضية والآتية ونظيره قولك كنت بالامس شابا واليوم قد صرت شيخا فانك لا تريد بالامس اليوم الذى قبل يومك ولا باليوم اليوم الذى انت فيه. وقيل اراد يوم نزولها وقد نزلت بعد عصر يوم الجمعة يوم عرفة حجة الوداع والنبى عليه السلام واقف بعرفات على العضباء فكادت عضد الناقة تندق لثقلها فبركت واياما كانت فهو منصوب عليه انه ظرف لقوله تعالى { يئس الذين كفروا من دينكم } اى من ابطالكم اياه ورجوعكم عنه بان تحللوا هذه الخبائث بعد ان جعلها الله محرمة او من ان يغلبوكم عليه لما شاهدوا من ان الله عز وجل وفى بوعده حيث اظهره على الدين كله وهو الانسب بقوله تعالى { فلا تخشوهم } اى من ان يظهروا عليكم { واخشون } واخلصوا الى الخشية { اليوم اكملت لكم دينكم } بالنصر والاظهار على الاديان كلها او بالتنصيص على قواعد العقائد والتوقيف على اصول الشرائع وقوانين الاجتهاد { واتممت عليكم نعمتى } بالهداية والتوفيق او باكمال الدين والشرائع او بفتح مكة ودخولها آمنين ظاهرين وهدم منار الجاهلية ومناسكها والنهى عن حج المشركين وطواف العريان { ورضيت لكم الاسلام دينا } اى اخترته لكم من بين الاديان وهو الدين عند الله لا غير. فقوله دينا نصب حالا من الاسلام ويجوز ان يكون رضيت بمعنى صيرت فقوله دينا مفعول ثان له. قال جابر بن عبد الله سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول " قال جبريل عليه السلام قال الله عز وجل هذا دين ارتضيته لنفسى ولن يصلحه الا السخاء وحسن الخلق فاكرموه بهما ما صحبتموه ". وعن عمر بن الخطاب رضى الله عنه ان رجلا من اليهود قال له يا امير المؤمنين آية فى كتابكم تقرأونها لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدا قال أى آية قال { اليوم اكملت } الخ قال عمر قد عرفنا ذلك اليوم والمكان الذى نزلت فيه على النبى عليه السلام وهو قائم بعرفة يوم الجمعة اشار عمر الى ان ذلك اليوم كان عيدا لنا قال ابن عباس رضى الله عنهما كان ذلك اليوم خمسة اعياد جمعة وعرفة وعيد اليهود والنصارى والمجوس ولم تجتمع اعياد اهل الملل فى يوم قبله ولا بعده " وروى انه لما نزلت هذه الآية بكى عمر رضى الله عنه فقال النبى عليه السلام " ما يبكيك يا عمر " قال ابكانى انا كنا فى زيادة من ديننا فاذا كمل فانه لم يكمل شىء الا نقص قال " صدقت " ". فكانت هذه الآية تنعى رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاش بعدها احدى وثمانين يوما ومات يوم الاثنين بعدما زاغت الشمس لليلتين خلتا من شهر ربيع الاول سنة احدى عشر من الهجرة. وقيل توفى يوم الثانى عشر من شهر ربيع الاول وكانت هجرته فى الثانى عشر منه قال السعدى قدس سره جهان اى برادر نماند بكس دل ندرجهان آفرين بندوبس جهان اى بسر ملك جاويد نيست زدنيا وفا دارى اميد نيست منه دل برين سال خورده مكان كه كنبد نبايد بر وكرد كان { فمن اضطر } متصل بذكر المحرمات وما بينهما اعتراض بما يوجب التجنب عنها وهو ان تناولها فسوق وحرمتها من جملة الدين الكامل والنعمة التامة والاسلام المرضى والمعنى فمن اضطر الى تناول شىء من هذه المحرمات { فى مخمصة } اى مجاعة يخاف منها الموت او مباديه { غير متجانف لاثم } حال من فاعل الجواب المحذوف اى فليتناول مما حرم غير ماثل ومنحرف اليه بان يأكلها تلذذا او مجاوزا حد الرخصة او ينتزعها من مضطر آخر كقوله تعالى غير باغ ولا عاد البقرة 173. { فان الله غفور رحيم } لا يؤاخذه باكلها وهو تعليل للجواب المقدر " وروى ان رجلا قال يا رسول الله انا نكون بارض فتصيبنا المخمصة فمتى تحل لنا الميتة فقال " ما لم تصطبحوا او تغتبقوا او تجنفوا بها بقلا فشانكم بها ". ومن امتنع من الميتة حال المخمصة او صام ولم يأكل حتى مات اثم بخلاف من امتنع من التداوى حتى مات فانه لا يأثم لانه لا يقين بان هذا الدواء يشفيه ولعله يصح من غير علاج. والاشارة فى الآيات ان ظاهرها خطاب لاهل الدنيا والآخرة وباطنها عتاب لاهل الله وخاصته { حرمت عليكم } يا اهل الحق { الميتة } وهى الدنيا باسرها قال فى المثنوى درجهان مرده شان آرام نيست كين علف جز لايق انعام نيست هركرا كلشن بود بزم ووطن كى خورد اوباده اندلا كولخن { والدم ولحم الخنزير } يعنى حلالها وحرامها قليلها وكثيرها وذلك لان من الدم ما هو حلال والخنزير كله حرام والدم بالنسبة الى اللحم قليل واللحم بالنسبة الى الدم كثير { وما اهل لغير الله به } يعنى كل طاعة وعبادة وقراءة ودراسة ورواية تظهرون به لغير الله { والمنخنقة والموقوذة } يعنى الذين يخنقون نفوسهم بالمجاهدات ويقذفونها بانواع الرياضات بنهيها عن المرادات وزجرها عن المخالفات للرياء والسمعة { والمتردية والنطيحة } الذين يردون نفوسهم من اعلى عليين الى اسفل سافلين بالتناطح مع الاقران والمماراة مع الاخوان والتفاخر بالعلم والزهد بين الاخدان وفى قوله { وما اكل السبع الا ما ذكيتم } اشارة الى انه فيما تحتاجون اليه من القوت الضرورى كونوا محترزين من اكيلة السباع وهم الظلمة الذين يتهاوشون فى جيفة الدنيا تهاوش الكلاب ويتجاذبونها بمخالب الاطماع الفاسدة الا ما ذكيتم بكسب حلال ووجه صالح بقدر ضرورة الحال { وما ذبح على النصب } يشير الى ما ذبح عليه النفس بانواع الجد والاجتهاد من المطالب الدنيوية والاخروية { وان تستقسموا بالازلام ذلكم فسق } يعنى لا تكونوا مترددين متفئلين فى طلب المرام مبتغين لحصول المقصود متهاونين فى بذل الوجود فاذا انتهيتم عن هذه المناهى وتخلصتم من هذه الدواهى واخلصتم لله فى الله بالله وخرجتم من سجن الانانية وسجين الانسانية بالجذبات الربانية فقد عادت ليلتكم نهارا وظلمتكم انوارا { اليوم يئس الذين كفروا } من النفس وصفاتها والدنيا وشهواتها { من دينكم } وتيقنوا ان ما بقى لكم الرجوع الى ملتهم ولا الصلاة الى قبلتهم { فلا تخشوهم } فانكم خلصتم من شبكة مكايدهم ونجوتم من عقد مصايدهم { واخشونى } فان كيدى متين وصيدى مهين وبطشى شديد وحبسى مديد { اليوم } اشارة الى الازل { اكملت لكم دينكم } اى جعلت الكمالية فى الدين من الازل نصيبا لكم من جميع اهل الملل والاديان { واتممت عليكم نعمتى } التى انعمت بها عليكم فى الازل من الكمالية الآن باظهار دينكم على الاديان كلها فى الظاهر واما فى الحقيقة فسيجيىء شرحه { ورضيت لكم الاسلام دينا } تستكملون به الى الابد بحيث من يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه وذلك لان حقيقة الدين هى سلوك سبيل الله بقدم الخروج من الوجود المجازى للوصول الى الوجود الحقيقى والانسان مخصوص به من سائر الموجودات ولهذه الامة اختصاص بالكمالية فى السلوك من سائر الامم فالدين من عهد آدم عليه السلام كان فى التكامل بسلوك الانبياء سبيل الحق الى عهد النبى عليه الصلاة والسلام فكل نبى سلك فى الدين مسلكا انزله بقربه من مقامات القرب ولكن ما خرج احد منهم بالكلية من الوجود المجازى للوصول الى الوجود الحقيقى بالكمال فقيل للنبى عليه السلام اولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده الأنعام 90. فسلك النبى جميع المسالك التى سلكها الانبياء باجمعهم فلم يتحقق له الخروج ايضا بقدم السلوك من الوجود المجازى بالكلية حتى تداركته العناية الازلية لاختصاصه بالمحبوبية بجذبات الربوبية واخرجته من الوجود المجازى ليلة اسرى بعدما عبر به على الانبياء كلهم وبلغ فى القرب الى الكمالية فى الدنو وهو سر او ادنى فاستسعد سعادة الوصول الى الوجود الحقيقى فى سر فاوحى الى عبده ما اوحى وفى الحقيقة قيل له فى تلك الحالة { اليوم اكملت لكم دينكم واتممت عليكم نعمتى } ولكن فى حجة الوداع فى يوم عرفة عند وقوفه بعرفات اظهر على الامة عند اظهاره على الاديان كلها وظهور كمالية الدين بنزول الفرائض والاحكام بالتمام فقال { اليوم اكملت لكم دينكم واتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الاسلام دينا } ويدل على هذا التأويل ما روى ابو هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " مثلى ومثل الانبياء من قبلى كمثل رجل ابتنى بيوتا فاحسنها واجملها واكملها الا موضع لبنة من زاوية من زواياها فجعل الناس يطوفون ويعجبهم البنيات فيقولون ألا وضعت ههنا لبنة فيتم بناؤها " قال محمد صلى الله تعالى عليه وسلم " فانا اللبنة ". متفق على صحته فصح ما قرر من مقامات الانبياء وتكامل الدين بهم وكماليته بالنبى عليه السلام وبخروجه من الوجود المجازى بالكلية وان الانبياء لم يخرجوا منه بالكلية ويدل عى هذا المعنى ايضا ان الانبياء كلهم يوم القيامة يقولون نفسى نفسى لبقية الوجود والنبى عليه السلام امتى امتى لفناء الوجود فافهم جدا ومن كرامة هذه الامة اشتراكهم فى كمالية الدين مع النبى بمتابعته وقال واتممت عليكم نعمتى } وهى اسبال تحصيل الكمال ومعظمها بعثة النبى عليه الصلاة والسلام { ورضيت لكم الاسلام دينا } وهو استسلام الوجود المجازى الى النبى وخلفائه بعده ليطرح عليه اكسير المتابعة فيبدل الوجود المجازى المحبى بالوجود الحقيقى المحبوبى كما قال تعالى قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم آل عمران 31. يعنى ويغفر بالوجود الحقيقى ذنوب الوجود المجازى فافهم جدا وتنبه { فمن اضطر فى مخمصة } يعنى فمن ابتلى بالتفاته الى شىء من الدنيا والآخرة مضطرا اليه فى غاية الاضطرار والابتلاء لسر التربية { غير متجانف لاثم } يعنى غير مائل اليه للاعراض عن الحق ولكن من فترة تقع للصادقين او وقفة تكون للسالكين ثم يتداركونها بصدق الالتجاء الى الحق وارواح المشايخ والاستعانة بهم وطلب الاستغفار من ولاية البنين واعانتهم { فان الله غفور } لما ابتلاهم به { رحيم } بان يهديهم الى الصراط المستقيم باقامة الدين القويم كذا فى التأويلات النجمية.

المائدة 5:4

{ يسألونك ماذا احل لهم } ما للاستفهام وذا بمعنى الذى والمعنى ما الذى احل لهم من المطاعم. ان قلت مفعول يسأل انما يكون مفردا فكيف وقع على الجملة قلت لتضمن السؤال معنى القول { قل احل لكم الطيبات } اى ما لم تستخبثه الطباع السليمة ولم تنفر منه كما فى قوله تعالى ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث الأعراف 157. والطيب فى اللغة المستلذ المشتهى فالتقدير كل ما يستلذ ويشتهى والعبرة فى الاستلذاذ والاستطابة باهل المروءة والاخلاق الجميلة فان اهل البادية يستطيبون اكل جميع الحيوانات كذا قال الامام فى تفسيره { وما علمتم } عطف على الطيبات بتقدير المضاف على ان ما موصولة والعائد محذوف اى وصيد ما علمتموه { من الجوارح } حال من الموصول جمع جارحة بمعنى كاسبة قال تعالى { ويعلم ما جرحتم بالنهار } وجوارح الانسان اعضاؤه التى يكتسب بها ويحتمل ان يكون من الجرح بمعنى تفريق الاتصال فان الجوارح تجرح الصيد غالبا. والمراد بالجوارح فى الآية كل ما يكسب الصيد على اهله من سباع البهائم كالفهد والنمر والكلب ومن سباع الطير كالصقر والبازى والعقاب والنسر والباشق والشاهين ونحوها مما يقبل التعليم فان صيد جميعها حلال { مكلبين } اى معلمين لها الصيد والمكلب مؤدب الجوارح ومضريها بالصيد ومضريها عليه مشتق من الكلب وذكر الكلب لكونه اقبل للصيد والتأديب فيه وانتصابه على الحالية من فاعل علمتم. فان قلت يلزم ان يكون المعنى وصيد ما علمتم معلمين ولا فائدة. قلت فائدتها المبالغة لما ان اسم المكلب لا يقع الا على النحرير فى علمه فكأنه قيل وما علمتم ماهرين فى تعليم الجوارح حاذقين فيه مشتهرين به { تعلمونهن } حال ثانية { مما علمكم الله } من الحيل وطرق التعليم والتأديب فان العلم به الهام من الله تعالى او مكتسب بالعقل الذى هو منحة منه او مما علمكم ان تعلموه من اتباع الصيد بارسال صاحبه وان ينزجر بزجره وينصرف بدعائه ويمسك عليه الصيد ولا يأكل منه. قال صاحب الكشاف قوله تعالى { تعلمونهن مما علمكم الله } فيه تنبيه على ان كل من يأخذ علما ينبغى ان يأخذه ممن هو متبحر فى ذلك العلم غواص فى بحار لطائفه وحقائقه وان احتاج فى ذلك الى ارتكاب سفر بعيد قال عليه السلام " اطلبوا العلم ولو بالصين ". فكم من آخذ من غير متقن ضيع ايامه وعض عند لقاء النحارير انامله { فكلوا مما امسكن عليكم } من تبعيضية لما ان البعض مما لا يتعلق به الاكل كالجلود والعظام والريش وما موصولة حذف عائدها وعلى متعلقة بامسكن على انفسهن لقوله عليه السلام لعدى بن حاتم " وان اكل منه فلا تأكل انما امسكه على نفسه " واليه ذهب اكثر الفقهاء. وقال بعضهم ومنهم ابو حنيفة يؤكل مما بقى من جوارح الطير ولا يؤكل مما بقى من الكلب والفرق ان يمكن ان يؤدب الكلب على الاكل بالضرب ولا يؤدب البازى على الاكل. { واذكروا اسم الله عليه } الضمير لما فى ما علمتم اى سموا عليه عند ارساله او لما فى ما امسكن اى سموا عليه اذا ادركتم ذكاته. " وعن ابى ثعلبة قال قلت يا نبى الله انا بارض قوم اهل كتاب أفنأكل فى آنيتهم وبارض صيد اصيد بقوسى وبكلبى الذى ليس بمعلم وبكلبى المعلم فما يصلح لى قال " اما ما ذكرت من آنية اهل الكتاب فان وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها وان لم تجدوا فاغسلوها وكلوا فيها وما صدت بقوسك فذكرت اسم الله فكل وما صدت بكلبك المعلم فذكرت الله عليه فكل وما صدت بكلبك غير المعلم فادركت ذكاته فكل " " وعن انس رضى الله عنه ان النبى صلى الله عليه وسلم كان يضحى بكبشين املحين اقرنين يطأ على صفاحهما ويذبحهما بيده ويقول بسم الله والله اكبر كذا فى تفسير البغوى. والمستحب ان يقول بسم الله الله اكبر بلا واو لان ذكر الواو يقطع نور التسمية كما فى شرح مختصر الوقاية وكره ترك التوجه الى القبلة وحلت كذا فى الذخيرة ومتروك التسمية عمدا حرام لانه ميتة بخلاف متروكها نسيانا فانه حلال { واتقوا الله } فى شأن محرماته { ان الله سريع الحساب } سريع اتيان حسابه او سريع تمامه اذا شرع فيه يتم فى اقرب ما يكون من الزمان والمعنى على التقديرين انه يؤاخذكم سريعا فى كل ما جل ودق ودلت الآية على اباحة الصيد. قال فى الاشباه الصيد مباح الا للتلهى او حرفة كذا فى البزازية وعلى هذا فاتخاذه حرفة كصيادى السمك حرام يحكى عن ابراهيم ابن ادهم انه قال كان ابى من ملوك خراسان فركبت الى الصيد فاثرت ارنبا اذ هتف بى هاتف يا ابراهيم ألهذا خلقت ام بهذا امرت ففزعت ودفعت ثم اخذت ففعلت ثانيا ثم هتف بى هاتف من قربوس السرج والله ما لهذا خلقت ولا بهذا امرت فنزلت فصادفت راعى ابى ولبست جبته وتوجهت الى مكة. ولما نزلت هذه الآية اذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فى اقتناء الكلاب التى ينتفع بها ونهى عن اقتناء ما لا ينتفع بها وامر بقتل الكلب العقور وبما يضر ويؤذى ورفع عما سواها مما لا ضرر فيه وفى الحديث " من اتخذ كلبا الا كلب ماشية او صيد او زرع انتقص من اجره كل يوم قيراط ". والحكمة فى ذلك انه ينبح الضيف ويروع السائل كذا فى تفسير الحدادى وفى الحديث " لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة ولا كلب ولا جنب " والمراد بالملائكة ملائكة الرحمة والاستغفار اى النازلون بالبركة والرحمة والطائفون على العباد للزيارة واستماع الذكر لا الكتبة فانهم لا يفارقون المكلفين طرفة عين والمراد بالصورة صورة ذى الروح لمشابهته بيوت الاصنام وبعض الصور يعبد فابغض الاشياء الى الخواص ما عصى الله به. واما الكلب فلانه نجس فاشبه المتبرز وزاد فى بعض الاحاديث ولا جنب الا ان يتوضأ. قال فى الترغيب والترهيب ورخص للجنب اذا نام او اكل او شرب ان يتوضأ ثم قيل هذا فى حق كل من اخر الغسل لغير عذر ولعذر اذا امكنه الوضوء فلم يتوضأ او قيل هو الذى يؤخره تهاونا وكسلا ويتخذ ذلك عادة انتهى. قال فى الشرعة وشرحها لابن السيد على وينام بعد الوطء نومة خفيفة فانه اروح للنفس لكن السنة فيه ان يتوضأ اولا وضوءه للصلاة ثم ينام وكذا اذا اراد الاكل جنبا ولو اراد العود فليتوضأ والمراد به التنظف بغسل الذكر واليدين لا الوضوء الشرعى كما ذهب اليه بعض المالكية. والاشارة فى الآية ان ارباب الطلب واصحاب السلوك { يسألونك ماذا احل لهم } او حرم عليهم من الدنيا والآخرة كما قال صلى الله عليه وسلم " الدنيا حرام على اهل الآخرة والآخرة حرام على اهل الدنيا وهما حرامان على اهل الله تعالى " { قل احل لكم الطيبات } وهى ما لا يقطع عليكم طريق الوصول الى الله فان الله طيب لا يقبل الا الطيب وكل مأكول ومشروب وملبوس ومقول ومعقول ومعمول طلبتموه بحظ من الحظوظ فقد لوثتموه للوث داعى الوجود فهو من الخبيثات لا يصلح الا للخبيثين وما طلبتموه بالحق للقيام باداء الحقوق مطيبا بنفحات الشهود فهو من الطيبات لا يصلح الا للطيبين وفى قوله { ان الله سريع الحساب } اشارة الى انه تعالى يحاسب العباد على اعمالهم قبل ان يفرغوا منها ويجازيهم فى الحال بالاحسان احسان القربة ورفعة الدرجة وجذبة العناية وبالاساءة اساءة البعد والطرد الى السفل والخذلان ونعم ما قيل هركه كند بخود كند ورهمه نيك بد كند قال الصائب جرازغيرشكايت كنم كه همجوحباب هميشه خانه خراب هواى خويشتنم

المائدة 5:5

{ اليوم } اراد به الزمان الحاضر وما يتصل به من الازمنة الماضية والآتية او يوم النزول { احل لكم الطيبات } وهى ما لم تستخبثه الطباع السليمة وهى طباع اهل المروءة والاخلاق الجميلة او ما لم يدل نص شارع ولا قياس مجتهد على حرمته { وطعام الذين اوتوا الكتاب } اى اليهود والنصارى والمراد بطعامهم ما يتناول ذبائحهم وغيرها { حل لكم } اى حلال وعن ابن عباس انه سئل عن ذبائح نصارى العرب فقال لا بأس وهو قول عامة التابعين وبه اخذ ابو حنيفة واصحابه. وحكم الصابئين حكم اهل الكتاب عنده وقال صاحباه صنفان صنف يقرأون الزبور ويعبدون الملائكة وصنف لا يقرأون كتابا ويعبدون النجوم فهؤلاء ليسوا من اهل الكتاب واما المجوس فقد سن بهم سنة اهل الكتاب فى اخذ الجزية منهم دون اكل ذبائحهم ونكاح نسائهم لقوله عليه السلام " سنوا بهم سنة اهل الكتاب غير ناكحى نسائهم ولا آكلى ذبائحهم ". ولو ذبح يهودى او نصرانى على اسم غير الله كالنصرانى يذبح باسم المسيح فذهب اكثر اهل العلم الى انه يحل فان الله قد احل ذبائحهم وهو يعلم ما يقولون. وقال الحسن اذا ذبح اليهودى او النصرانى فذكر اسم غير الله وانت تسمع فلا تأكله واذا غاب عنك فقد احل الله لك { وطعامكم حل لهم } فلا عليكم ان تطعموهم وتبيعوه منهم ولو حرم عليهم لم يجز ذلك { والمحصنات من المؤمنات } رفع على انه مبتدأ حذف خبره لدلالة ما تقدم عليه اى حل لكم ايضا والمراد بهن الحرائر والعفائف وتخصيصهن بالذكر للبعث على ما هو الاولى لا لنفى ما عداهن فان نكاح الاماء المسلمات صحيح بالاتفاق وكذا غير العفائف منهن واما الاماء الكتابيات فهن كالمسلمات عند ابى حنيفة خلافا للشافعى { والمحصنات من الذين اوتوا الكتاب من قبلكم } اى هن ايضا حل لكم وان كن حربيات وقال ابن عباس رضى الله عنهما لا تحل الحربيات. قال الحدادى واستدل بعض الفقهاء بظاهر الآية على انه لا يجوز للمسلم نكاح الامة الكتابية والصحيح انه يجوز بظاهر قوله تعالى باذن أهلهن النساء 25. بدليل حل ذبائحهن وانما خص الله المحصنات باباحة نكاحهن مع جواز نكاح غيرهن لان الآية خرجت مخرج الامتنان والمنة فى نكاح الحرائر العفائف اعظم واتم يدل على ذلك انه لا خلاف فى جواز النكاح بين المسلم والامة المؤمنة وان كان فى الآية تخصيص المحصنات من المؤمنات والافضل لمن اراد النكاح ان لا يعدل عن نكاح الحرائر الكتابيات مع القدرة عليهن وذلك ان نكاح الامة يؤدى الى ارقاق الولد لان الولد يتبع امه فى الرق والحرية ولا ينبغى لاحد ان يختار رق ولده كما لا ينبغى ان يختار رق نفسه { اذا آتيتموهن اجورهن } اى مهورهن وتقييد الحل بايتائها لتأكيد وجوبها والحث على الاولى واذا ظرفية عاملها حل المحذوف { محصنين } حال من فاعل آتيتمونهن اى حال كونكم اعفاء بالنكاح وكذا قوله { غير مسافحين } اى غير مجاهرين بالزنى { ولا متخذى اخدان } اى ولا مسرين به والخدن الصديق يقع على الذكر والانثى. قال الشعبى الزنى ضربان السفاح وهو الزنى على سبيل الاعلان واتخاذ الخدن وهو الزنى فى السر والله تعالى حرمهما فى هذه الآية واباح التمتع بالمرأة على جهة الاحصان { ومن يكفر بالايمان } اى ومن ينكر شرائع الاسلام التى من جملتها ما بين ههنا من الاحكام المتعلقة بالحل والحرمة ويمتنع عن قبولها { فقد حبط عمله } اى بطل عمله الصالح الذى عمله قبل ذلك { وهو فى الآخرة من الخاسرين } هو مبتدأ من الخاسرين خبره وفى متعلقة بما تعلق به الخبر من الكون المطلق. قال الحدادى فقد بطل ثواب عمله وهو فى الآخرة من المغبونين غبن نفسه ومنزله وصار الى النار لا يغنى عن المرأة الكتابية اسلام زوجها ولا ينفعها ذلك ولا يضر المسلم كفر زوجته الكتابية قال السعدى برفتند وهركس درود آنجه كشت نماند بجزنام نيكو و زشت واعلم ان الكفر اقبح القبائح كما ان الايمان احسن المحاسن وعن ابن عباس رضى الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال " لما خلق الله جنة عدن خلق فيها ما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ثم قال لها تكلمى فقالت قد افلح المؤمنون ثلاثا " وعن كعب الاحبار ان نوحا عليه السلام لما حضرته الوفاة دعا ابنه ساما من بين اولاده وقال اوصيك باثنتين وانهاك عن اثنتين. فاما الاوليان فاحداهما شهادة ان لا اله الا الله فانها تخرق السموات السبع ولا يحجبها شىء ولو وضعت السموات والارض وما فيهن فى كفة ووضعت هى فى الاخرى لرجحت. واما الثانية فان تكثر من قول سبحان الله والحمد لله فانها جامعة للثواب. واما الاخريان فالشرك بالله والاتكال على غير الله. قال القاضى عياض انعقد الاجماع على ان الكفار لا تنفعهم اعمالهم ولا يثابون عليها بنعيم ولا تخفيف عذاب لكن بعضهم يكون اشد من بعض بحسب جرائمهم واما حسناتهم فمقبولة بعد اسلامهم على ما ورد فى الحديث. قال فى نصاب الاحتساب ما يكون كفرا بلا خلاف يوجب احباط العمل ويلزمه اعادة الحج ان كان قد حج ويكون وطؤه مع امرأته حراما والولد المتولد فى هذه الحالة يكون ولد الزنى وان كان اتى بكلمة الشهادة بعد ذلك اذا كان الاتيان على وجه العادة ولم يرجع عما قال لان الاتيان بكلمة الشهادة على وجه العادة لا يرفع الكفر وما كان فى كونه كفرا اختلاف فان قائله يؤمر بتجديد النكاح والتوبة والرجوع عن ذلك بطريق الاحتياط واما ما كان خطأ من الالفاظ ولا يوجب الكفر فقائله مؤمن على حاله ولا يؤمر بتجديد النكاح ويؤمر بالاستغفار والرجوع عن ذلك انتهى كلام النصاب. والرجل والمرأة فى ذلك سواء حتى لو تكلمت المرأة بما يكون كفرا تبين من زوجها. فعلى العبد الصالح ان يختار من النساء صالحة عفيفة متقية. قال حضرة الشيخ الشهير بافتاده افندى قدس سره لا تعطى الولاية لولد الزنى قال واشكر الله تعالى على ان جعلنى اول ولد ولدته امى فانه ابعد من ان يصدر الفاظ الكفر من احدى ابوى قال وارثه الاكبر الشيخ الشهير بالهدايى قدس سره قلت والفقير كذلك. والاشارة فى الآية { احل لكم } يا ارباب الحقيقة فى اليوم الذى قدر كمالية الدين فيه لكم فى الازل جميع { الطيبات } التى تتعلق بسعادة الدارين بل احل لكم التخلق بالاخلاق الطيبات وهى اخلاق الله المنزهات عن الكميات والكيفيات المبرءات من النقائص والشبهات { وطعام الذين اوتوا الكتاب } وفى الحقيقة هم الانبياء عليهم السلام { حل لكم } اى غذيتم بلبان الولاية كما غذوا بلبان النبوة من حملتى الشريعة والحقيقة { وطعامكم حل لهم } يعنى منبع لبن النبوة والولاية واحد وان كان الثدى اثنين فشربتم لبان الطافنا من مشرب الولاية وشرب الانبياء لبان افضالنا من مشرب النبوة قد علم كل اناس مشربهم وللنبى عليه السلام شركة فى المشارب كلها وله اختصاص فى مجلس المقام المحمود من المحبوب بمشرب " ابيت عند ربى يطعمنى ويسقينى ". لا يشاركه فيه ملك مقرب ولا نبىء مرسل { و } كذلك حل لكم { المحصنات من المؤمنات } وهى ابكار حقائق القرآن التى احصنت من افهام الازواج المؤمنات بها وهى ازواج العلماء وخواص هذه الامة { والمحصنات من الذين اوتوا الكتاب من قبلكم } وهى ابكار حقائق الكتب المنزلة على الامة السالفة التى احصنت من الذين انزل عليهم الكتب وادرجت فى القرآن واخفيت لكم كما قال تعالى فلا تعلم نفس ما أخفى لهم السجدة 17. يعنى فى القرآن من قرة أعين السجدة 17. وهى ابكار حقائق جميع الكتب المنزلة فافهم جدا كلها لكم { اذا آتيتموهن اجورهن } اى مهور هذه الابكار وهى بذل الوجود { محصنين } يعنى متعففين فى بذل الوجود فيكون على وجه الحق وبتصرف المشايخ الواصلين { غير مسافحين } على وفق الطبع وخلاف الشرع وبتصرف الهوى { ولا متخذى اخدان } يعنى فى بذل الوجود لا يكون ملتفتا الى شىء من الكونين ولا الى احد فى الدارين سوى الله ليكون هو المشرب ومنه الشراب وهو الحريف والساقى { ومن يكفر بالايمان } بهذه المعاملات والكمالات اذ حرم من العيان من هذه السعادات { فقد حبط عمله } الذى عمله على العمياء والتقليد { وهو فى الآخرة من الخاسرين } الذين خسروا الدنيا والعقبى والمولى كذا فى التأويلات النجمية.

المائدة 5:6

{ يا ايها الذين آمنوا اذا قمتم الى الصلوة } المراد بالقيام اما القيام الذى هو من اركان الصلاة فالتقدير اذا اردتم القيام لها بطريق اطلاق اسم المسبب على السبب لان الجزاء لا بد وان يتأخر عن الشرط يعنى صحة قيام الصلاة بالطهارة واما القيام الذى هو من مقدمات مباشرة الصلاة فالتقدير اذا قصدتم الصلاة اطلاقا لاسم احد لازميها على لازمها الآخرة فالوضوء من شرائط القيام الاول دون الثانى وهذا الخطاب خاص بالمحدثين بقرينة دلالة الحال فلا يلزم الوضوء على كل قائم الى الصلاة سواء كان محدثا ام لا كما يقتضيه ظاهر الآية { فاغسلوا وجوهكم } الغسل اجراء الماء على المحل وتسييله سواء وجد معه الدلك ام لا والوجه ما يواجهك من الانسان وحده من قصاص الشعر الى اسفل الذقن طولا ومن شحمة الاذن الى شحمة الاذن عرضا يجب غسل جميعه فى الوضوء ويجب ايصال الماء الى ما تحت الحاجبين واهداب العينين والشارب والعذار والعنفقة وان كانت كثيفة وعند الامام لا يجب غسل ما تحت الشعر ففرض اللحية عنده مسح ما يلاقى الوجه دون ما استرسل من الذقن لانه لما سقطت فرضية غسل ما تحت اللحية انتقلت فرضيته الى خلفه وظاهر الآية ان المضمضة والاستنشاق غير واجبين فى الوضوء لان اسم الوجه يتناول الظاهر دون الباطن فهما من السنن { وايديكم الى المرافق } الجمهور على دخول المرفقين فى المغسول ولذلك قيل الى بمعنى مع كقوله تعالى ولا تأكلوا أموالهم الى أموالكم النساء 2. والمرافق جمع مرفق وهو مجتمع طرفى الساعد والعضد ويسمى مرفقا لانه الذى يرتفق به اى يتكأ عليه من اليد { وامسحوا برؤسكم } الباء مزيدة كما القى بيده. والمسح الاصابة وقدر الواجب عند ابى حنيفة ربع الرأس لانه عليه السلام مسح على ناصيته وهو قريب من الربع فان للرأس جوانب اربعة ناصية وقذال وفودان والقذال مؤخر الرأس خلف الناصية وفودا الرأس جانباه. فى الواقعات المحمودية قال حضرت الشيخ الشهير بافتاده افندى انكشف لى وجه الاختلاف فى مقدار مسح الناصية وهو ان بدن الانسان مربع فبالقياس اليه ينبغى ان يكون الممسوح ربع الرأس واما اعتبار قدر ثلاثة اصابع فالبنظر الى حال نفس الرأس فانه مسدس والسدس فيه قدر ثلاثة اصابع. قال المرحوم حضرة محمود الهدايى قلت فحينئذ ينبغى ان يكون الاعتبار الاخير اولى لانه بالنظر الى حال نفسه بخلاف الاول لانه بالقياس على البدن. فقال حضرة الشيخ افتاده وجه اولوية الاول ان البدن اكثر من الرأس فاتباع الاقل بالاكثر اولى انتهى. قال الحدادى واما مسح الاذنين فهو سنة فيمسح ظاهر اذنيه بابهاميه وظاهرهما بمسبحتيه بماء الرأس واما مسح الرقبة فمستحب. وفى الحديث " من مسح رقبته فى الوضوء امن من الغل يوم القيامة ". { وارجلكم الى الكعبين } بالنصب عطفا على وجوهكم ويؤيده السنة الشائعة وعمل الصحابة وقول اكثر الائمة والتحديد اذ المسح لم يعهد محدودا وانما جاء التحديد فى المغسولات. قال فى الاشباه غسل الرجلين افضل من المسح على الخفين لمن يرى جوازه والا فهو افضل وكذا بحضرة من لا يراه انتهى وذهبت الروافض الى ان الواجب فى الرجلين المسح ورووا فى المسح خبرا ضعيفا شاذا. قال صاحب الروضة خف الروافض مثل فى السعة لانه لا يرى المسح على الخف ويرى المسح على الرجلين فيوسعه ليتمكن من ادخل يده فيه ليمسح برجله. " وعن ابن المغيرة عن ابيه قال كنت مع النبى صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فى سفر فقال " أمعك ماء " قلت نعم فنزل عن راحلته فمشى حتى توارى عنى فى سواد الليل ثم جاء فافرغت عليه من الاداوة فغسل وجه ويديه وعليه جبة من الصوف فلم يستطع ان يخرج ذراعيه منها حتى اخرجهما من اسفل الجبة فغسل ذراعيه ثم مسح برأسه ثم اهويت لانزع خفيه فقال " دعهما فانى ادخلتهما طاهرين " فمسح عليهما " كذا فى تفسير البغوى. واطبق العلماء على ان وجوب الوضوء مستفاد من هذه الآية ومن سنته النية فينوى رفع الحدث او اقامة الصلاة ليقع قربة واستعمال السواك فى غلظة الخنصر وطول الشبر حالة المضمضة تكميلا للانقاء او قبل الوضوء وعند فقده يعالج بالاصابع وينال بالاصبع ثواب السواك. وفى الهداية الاصح ان السواك مستحب. وعن مجاهد قال " ابطأ جبريل عليه السلام على النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ثم اتاه فقال له النبى عليه السلام " ما حبسك يا جبريل " قال وكيف آتيكم وانتم لا تقصون اظفاركم ولا تأخذون من شواربكم ولا تنقون براجمكم ولا تستاكون ثم قرأ { وما نتنزل الا بامر ربك } ". والبراجم مفاصل الاصابع والعقد التى على ظاهرها يجتمع فيها من الوسخ وفى الحديث " نقوا براجمكم ". فامر بتنقيتها لئلا تدرن فتبقى فيها الجنابة ويحول الدرن بين الماء والبشرة وفى الحديث " انظفوا لثاتكم ". جمع لثة بالتخفيف وهى اللحمة التى فوق الاسنان دون الاسنان فامر بتنظيفها لئلا يبقى فيها وحل الطعام فتتغير عليه النكهة وتتنكر الرائحة ويتأذى الملكان لانه طريق القرآن ومقعد الملكين وتنفر الملائكة من الرائحة الكريهة وفى الحديث " ان العبد اذا تسوك ثم قام يصلى قام الملك خلفه فيستمع لقراءته فيدنوا منه حتى يضع فاه على فيه فما يخرج من فيه شىء من القرآن الا صار فى جوف الملك فطهروا افواهكم للقرآن ". وفى الحديث " ركعتان بسواك افضل من سبعين ركعة بغير سواك ". ويقول المتوضى بعد التسمية الحمد الله الذى جعل الماء طهورا. وعند المضمضة اللهم اسقنى من حوض نبيك كأسا لا اظمأ بعدها ابدا اللهم اعنى على ذكرك وشكرك وتلاوة كتابك. وعند الاستنشاق اللهم لا تحرمنى من رائحة نعيمك وجنانك او يقول اللهم ارحنى رائحة الجنة ولا ترحنى رائحة النار. وعند غسل الوجه { اللهم بيض وجهى يوم تبيض وجوه وتسود وجوه او يقول اللهم بيض وجهى بنورك يوم تبيض وجوه اوليائك ولا تسود وجهى بذنوبى يوم تسود وجوه اعدائك. وعند غسل اليد اليمنى اللهم اعطنى كتابى بيمينى وحاسبني حسابا يسيرا وعند غسل اليد اليسرى اللهم لا تعطنى كتابى بشمالى ولا من وراء ظهرى. وعند مسح الرأس اللهم حرم شعرى وبشرى على النار واظلنى تحت ظل عرشك يوم لا ظل الا ظلك اللهم غشنى برحمتك وانزل على من بركاتك. وعند مسح الاذنين اللهم اجعلنى من الذين يستمعون القول فيتبعون احسنه. وعند مسح رقبته اللهم اعتق رقبتى من النار. وعند غسل الرجل اليمنى اللهم ثبت قدمى على الصراط يوم تزل فيه الاقدام. وعند غسل الرجل اليسرى اللهم اجعل لى سعيا مشكورا وذنبا مغفورا وعملا مقبولا وتجارة لن تبور ويقول بعد الفراغ اشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له واشهد ان محمدا عبده ورسوله اللهم اجعلنى من التوابين واجعلنى من المتطهرين واجعلنى من عبادك الصالحين الذين انعمت عليهم واجعلنى من الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. والحكمة فى تخصيص الاعضاء الاربعة فى الوضوء ان آدم عليه السلام لما توجه الى الشجرة بالوجه وتناولها باليد ومشى اليها بالرجل ووضع يده على رأسه امره بغسل هذه الاعضاء تكفيرا للخطايا وقد جاء فى الحديث " ان العبد اذا غسل وجهه خرجت خطاياه حتى تخرج من تحت اشفار عينيه ". وكذلك فى بقية الاعضاء. وقيل خص بغسل هذه الاعضاء الامة المحمدية ليكونوا غرا محجلين بين الامم كما " روى ان رسول الله صلى الله عليه وسلم اتى المقبرة فقال " السلام عليكم دار قوم مؤمنين وانا ان شاء الله بكم لاحقون وددت انا قد رأينا اخواننا " قالوا أولسنا اخوانك يا رسول الله قال " انتم اصحابى واخواننا الذين يأتون بعد " قالوا كيف تعرف من يأتون بعد من امتك يا رسول الله فقال " أرأيتم لو ان رجلا له خيل غر محجلة بين اظهر خيل دهم بهم ألا يعرف خيله " قالوا بلى يا رسول الله قال " فانهم يأتون يوم القيامة غرا محجلين من الوضوء وانا فرطهم على الحوض ". واعلم " ان النبى صلى الله عليه وسلم صلى الصلوات الخمس يوم الفتح بوضوء واحد فقال عمر رضى الله عنه صنعت شيئا لم تكن تصنعه فقال عليه السلام " عمدا فعلته يا عمر " ". يعنى بيانا للجواز غير انه يستحب تجديد الوضوء لكل فرض وفى الحديث " من توضأ على طهر كتب الله له عشر حسنات ". وللتجديد اثر ظاهر فى تنوير الباطل. وكان بعض اهل الله يتوضأ عند الغيبة والكذب والغضب لظهور غلبة النفس وتصرف الشيطان فالوضوء هو النور الذى به تضمحل ظلمات النفس والشيطان. وكان على وجه بعضهم قرح لم يندمل اثنتى عشرة سنة لضرر الماء له. وكان مع ذلك لم يدع تجديد الوضوء عند كل فريضة. ونزل فى عين بعضهم ماء اسود فقال الكحال لا بد من ترك الوضوء اياما والا فلا يعالج فاختار ذهاب بصره على ترك الوضوء. ودوام الطهارة مستجلب لمزيد الرزق كما قال عليه السلام " دم على الطهارة يوسع عليك الرزق ". والسنة ان يصلى بعد الوضوء ركعتين تسمى شكر الوضوء روى " ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لبلال " يا بلال حدثنى بارجى عمل عملته فى الاسلام فانى سمعت دق نعليك بين يدى فى الحنة " قال ما عملت عملا ارجى عندى من انى لم اتطهر طهورا فى ساعة من ليل او نهار الا صليت بذلك الطهور ما كتب لى ان اصلى ". قال فى الاسرار المحمدية لابن فخر الدين الرومى ويصلى شكر الوضوء وان فى الاوقات المكروهة لا الاوقات المحرمة كما قبل صلاة الفجر وبعدها وبعد صلاة العصر ايضا لانها من الصلوات ذوات الاسباب. واما الاوقات المحرمة كطلوع الشمس وزوالها وغروبها فلا تجوز فيه اصلا فيصبر الى وقت اباحة الصلاة فيصليها حينئذ الا اذا كان بمكة. عن جبير ان النبى عليه السلام قال " يا بنى عبد مناف لا تمنعوا أحدا طاف بهذا البيت وصلى أية شاء من ليل او نهار ". وعن جندب ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس ولا بعد العصر حتى تغرب الشمس الا بمكة الا بمكة الا بمكة ". انتهى كلام الاسرار. والاشارة فى الآية ان الخطاب فى قوله تعالى { يا ايها الذين آمنوا } هو خطاب مع الذين آمنوا ايمانا حقيقيا عند خطاب ألست بربكم بقولهم بلى. وهم اهل الصف الاول يوم الميثاق آمنوا بعدما عاينوا. واهل الصف الثانى آمنوا اذ شاهدوا. واهل الصف الثالث آمنوا اذ سمعوا الخطاب. واهل الصف الرابع آمنوا تقليدا لا تحقيقا لانهم ما عاينوا ولا شاهدوا ولا سمعوا خطاب الحق بسمع الفهم والدراية بل سمعوا سماع القهر والنكاية فتخيروا حتى سمعوا جواب اهل الصفوف الثلاثة اذ قالوا بلى فقالوا بتقليدهم بلى فلا جرم ههنا ما آمنوا وهم الكفار وان آمنوا ما آمنوا على التحقيق بل بالتقليد او بالنفاق وهم المنافقون. واهل الصف الثالث هم المسلمون وعوام المؤمنين فكما آمنوا هناك بسماع الخطاب فكذلك ههنا آمنوا بسماع كقوله تعالى إننا سمعنا مناديا ينادى للايمان أن آمنوا بربكم فآمنا آل عمران 193. واما اهل الصف الثانى وهم خواص المؤمنين وعوام الاولياء فكما انهم آمنوا هناك اذ شاهدوا فكذلك ههنا آمنوا بشواهد المعرفة كما قال وإذا سمعوا ما أنزل الى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا المائدة 83. ومن ههنا قال بعضهم ما نظرت فى شىء الا ورأيت الله فيه. واما اهل الصف الاول وهم الانبياء وخواص الاولياء فكما آمنوا هناك اذ عاينوا فكذلك ههنا آمنوا اذ عاينوا كقوله تعالى آمن الرسول بما أنزل اليه من ربه البقرة 284. وذلك فى ليلة المعراج اذ اوحى الى عبده ما اوحى قال آمن الرسول بما انزل اليه من ربه وكان ايمان موسى عليه السلام نوعا من هذا فلما افاق قال سبحانك تبت اليك وانا اول المؤمنين. وقال على رضى الله عنه لم اعبد ربا لم اره. وقال بعضهم رأى قلبى ربى وقال آخر ما نظرت فى شىء الا ورأيت الله فيه فخاطب اهل الصف الاول بقوله يا ايها الذين آمنوا تحقيقا ثم اهبطوا عن ممالك القرب الى مهالك البعد ومن رياض الانس الى سباخ الانس { اذا قمتم } من نوم الغفلة انتبهتم من رقدة الفرقة { الى الصلوة } هى معراجكم للرجوع الى مقام قربكم كما قال واسجد واقترب العلق 19. { فاغسلوا وجوهكم } التى توجهتم بها الى الدنيا ولطختموها بالنظر الى الاغيار بماء التوبة والاستغفار { وايديكم الى المرافق } اى واغسلوا ايديكم عن التمسك بالدارين والتعلق بما فى الكونين حتى الصديق الموافق والرفيق المرافق { وامسحوا برؤسكم } ببذل نفوسكم { وارجلكم الى الكعبين } اى واغسلوا ارجلكم عن طين طينتكم والقيام بانانيتكم كذا فى التأويلات النجمية قال الحافظ قدس سره من هماندم كه وضو ساختم ازجشمه عشق جار تكبير زدم يكسره برهرجه كه هست { وإن كنتم جنبا فاطهروا } اى فتطهروا ادغمت تاء التفعل فى الطاء لقرب مخرجهما واجتلبت همزة الوصل ليمكن الابتداء فقيل اطهروا وهذا التطهر عبارة عن الاغتسال والاطهار هو التطهر بالتكلف والمبالغة فلا يكون الا بغسل جميع ظاهر البدن حتى لو بقى العجين بين اظفاره ويبس لم يجز غسله لان الماء لا يصل تحته ولو بقى الدرن جاز الا ان ما تعذر ايصال الماء اليه كداخل العين ساقط بخلاف باطن الانف والفم حيث يمكن غسلهما ولا ضرر فيه فيجب. والدلك ليس بفرض لانه متمم فيكون مستحبا وليس البدن كالثوب لان النجاسة تخللت فيه دون البدن. ففرض الغسل غسل الفم والانف وسائر البدن. وسنته غسل يديه لكونهما آلة التطهر. وفرجه لانه مظنة النجاسة ونجاسة حقيقية ان كانت على سائر بدنه لئلا تتلاشى عند اصابة الماء. والوضوء وضوءه للصلاة الا انه يؤخر غسل رجليه الى ما بعد صب الماء على جميع بدنه ان كانت فى مستنقع الماء تحرزا على الماء المستعمل وتثليث الغسل المستوعب هكذا حكى غسل رسول الله. ويبتدىء بمنكبه الايمن ثم الايسر ثم الرأس فى الاصح. وليس على المرأة نقض ضفيرتها ولا بلها ان بل اصلها لان كون الشعر من البدن باعتبار اصوله فيكتفى ببل اصوله فيما فيه حرج وفيما لا حرج فيه يجب ايصال الماء الى جميعه كالضفيرة المفتولة وحكم المنقوضة ليس كذلك بل يجب ايصال الماء الى جميعها لعدم الحرج فيها. والرجل يجب عيه ايصال الماء الى جميع شعره والفرق ان حلق الشعر للمرأة مثلة دون الرجل والحرج مندفع عنه بغير الضفيرة وادنى ما يكفى من الماء فى الغسل صاع وفى الوضوء مد والصاع ثمانة ارطال والمد رطلان لما روى ان النبى عليه السلام كان يغتسل بالصاع ويتوضأ بالمد ثم اختلفوا هل المد من الصاع او من غيره فهذا ليس بتقدير لازم حتى لو اسبغ الوضوء والغسل بدون ذلك جاز ولو اغتسل باكثر منه جاز ما لم يسرف فهو المكروه كذا فى الاختيار شرح المختار. والجنب الصحيح فى المصر اذا خاف الهلاك من الاغتسال جاز له التيمم فى قولهم. واما المحدث فى المصر اذا خاف الهلاك من التوضىء اختلفوا فيه على قول ابى حنيفة رحمه الله والصحيح انه لا يباح له التيمم كذا فى فتاوى قاضى خان. والمرأة اذا وجب عليها الغسل ولم تجد سترة من الرجال تؤخره والرجل اذا لم يجد سترة من الرجال لا يؤخره ويغتسل. وفى الاستنجاء اذا لم يجد سترة يتركه والفرق ان النجاسة الحكمية اقوى والمرأة بين النساء كالرجل بين الرجال كذا فى الاشباه وفى الحديث " ثلاثة لا تقربهم الملائكة جيفة الكافر والمتضمخ بالخلوف والجنب الا ان يتوضأ " وفى الحديث " لا ينقع بول فى طست فى البيت فان الملائكة لا تدخل بيتا فيه بول منتقع ولا تبولن فى مغتسلك ". وفى الاغتسال منافع بدنية وفوائد دينية. منها مخالفة الكفار فانهم لا يغتسلون وازالة الدنس والابخرة الرديئة النفسانية التى تورث بعض الامراض وتسكين حرارة الشهوات الطبيعية. قال الشيخ النيسابورى فى كتاب اللطائف فوائد الطهارة عشر طهارة الفؤاد وهو صرفه عما سوى الله تعالى. وطهارة السر المشاهدة. وطهارة الصدر الرجاء والقناعة. وطهارة الروح الحياء والهيبة. وطهارة البطن أكل الحلال والعفة عن اكل الحرام والشبهات. وطهارة البدن ترك الشهوات وازالة الادناس. وطهارة اليدين الورع والاجتهاد. وطهارة اللسان الذكر والاستغفار. قال الثعلبى فى تفسير هذه الآية قال على رضى الله عنه " اقبل عشرة من احبار اليهود فقالوا يا محمد لماذا امر الله بالغسل من الجنابة ولم يأمر من البول والغائط. وهما اقذر من النطفة فقال صلى الله عليه وسلم " ان آدم لما اكل من الشجرة تحول فى عروقه وشعره فاذا جامع الانسان نزل من اصل كل شعرة فافترضه الله على وعلى امتى تطهيرا وتكفيرا وشكرا لما انعم الله عليهم من اللذة التى يصيبونها ". قال فى بدائع الصنائع فى احكام الشرائع انما وجب غسل جميع البدن بخروج المنى ولم يجب بخروج البول والغائط وانما وجب غسل الاعضاء المخصوصة لا غير لوجوه. احدها ان قضاء الشهوة بانزال المنى استمتاع بنعمة يظهر اثرها فى جميع البدن وهى اللذة فامر بغسل جميع البدن شكرا لهذه النعمة وهذا لا يتقدر فى البول والغائط. والثانى ان الجنابة تأخذ جميع البدن ظاهره وباطنه لان الوطء الذى هو سببها لا يكون الا باستعمال جميع ما فى البدن من القوة حتى يضعف الانسان بالاكثار منه ويقوى بالامتناع عنه واذن اخذت الجنابة جميع البدن الظاهر والباطن بقدر الامكان ولا كذلك الحدث فانه لا يأخذ الا الظاهر من الاطراف لان سببه يكون بظواهر الاطراف من الاكل والشرب ولا يكون باستعمال جميع البدن فاوجب غسل ظاهر الاطراف من الاكل والشرب ولا يكون باستعمال جميع البدن فاوجب غسل ظاهر الاطراف لا سائر البدن. والثالث ان غسل الكل او البعض وجب وسيلة الى الصلاة التى هى خدمة الرب سبحانه والقيام بين يديه وتعظيمه فيجب ان يكون المصلى على اطهر الاحوال وانظفها ليكون اقرب الى التعظيم واكمل فى الخدمة وكمال تعليم النظافة يحصل بغسل جميع البدن وهذا هو العزيمة فى الحدث ايضا الا ان ذلك مما يكثر وجوده فاكتفى منه باكثر النظافة وهى تنقية الاطراف التى تنكشف كثيرا ويقع عليها الابصار ابدا واقيم ذلك مقام غسل كل البدن دفعا للحرج وتيسيرا وفضلا من الله ورحمة ولا حرج فى الجنابة لانها لا تكثر فبقى الامر فيها على العزيمة انتهى كلام البدائع هذا غسل الحى. واما غسل الميت فشريعة ماضية لما روى أن آدم عليه السلام لما قبض نزل جبريل بالملائكة وغسلوه وقالوا لأولاده هذه سنة موتاكم وفى الحديث " للمسلم على المسلم ستة حقوق ومن جملتها ان يغسله بعد موته " ثم هو واجب عملا بكلمة على ولكن اذا قام به البعض سقط عن الباقين لحصول المقصود واريد بالسنة فى حديث آدم الطريقة ولو تعين واحد لغسله لا يحل له اخذ الاجرة عليه وانما وجب غسل الميت لانه تنجس بالموت كسائر الحيوانات الدموية الا انه يطهر بالغسل كرامة له ولو وجد ميت فى الماء فلا بد من غسله لان الخطاب بالغسل توجه لبنى آدم ولم يوجد منهم فعل. وقيل ان الميت اذا فارقته الروح وارتاح من شدة النزع انزل فوجب على الاحياء غسله كذا فى حل الرموز وكشف الكنوز. والفرق بين غسل الميت والحى انه يستحب البداءة بغسل وجه الميت بخلاف الحى فانه يبدأ بغسل يديه ولا يمضمض ولا يستنشق بخلاف الحى ولا يؤخر غسل رجليه بخلاف الحى ان كان فى مستنقع الماء ولا يمسح رأسه فى وضوء الغسل بخلاف الحى فى رواية كذا فى الاشباه. والاشارة فى الآية { وان كنتم جنبا } بالالتفات الى غيرنا { فاطهروا } بالنفوس عن المعاصى وبالقلوب عن رؤية الطاعات وبالاسرار عن رؤية الاغيار وبالارواح عن الاسترواح من غيرنا وبسر السر عن لوث الوجود فلا بد من الطهارة مطلقا قال الحافظ جون طهارت نبود كعبه وبتخانه يكيست نبود خيردران خانه كه عصمت نبود وفى وجوب الغسل اشارة وتنبيه الى وجوب الغسل الحقيقى لوجود القلب والروح ولتلوثه بحب الدنيا وشهواتها فيجب غسلها بماء التوبة والندامة والاخلاص فهو اوجب الواجبات وآكدها واستقصاء اهل الله فى تطهير الباطن اكثر واشد من استقصائهم فى طهارة الظاهر وقد يكون فى بعض متصوفة الزمان تشدد فى الطهارة فلو اتسخ ثوبه يغسله ولا يبالى بما فى باطنه من الغل وسائر الصفات الذميمة قال السعدى قدس سره كراجامه باكست وسيرت بليد دردوزخش را نبايد كليد والقرآن لا يمسه الا المطهرون { وان كنتم مرضى } مرضا يخاف منه الهلاك او ازدياده باستعمال الماء { او } كنتم مستقرين { على سفر } طال او قصر { او جاء احد منكم من الغائط } هو المكان الغائر المطمئن والمجيىء منه كناية عن الحدث لان المعتاد ان من يريده يذهب اليه ليوارى شخصه عن اعين الناس { او لا مستم النساء } ملامسة النساء مماسة بشرة الرجل بشرة المرأة وهى كناية عن الجماع ومثل هذه الكناية من الآداب القرآنية اذ التصريح مستهجن { فلم تجدوا ماء } المراد من عدم وجدان الماء عدم التمكن من استعماله لان ما لا يتمكن من استعماله كالمفقود { فيتمموا صعيدا طيبا } اى فتعمدوا شيئا من وجه الارض طاهرا فالصعيد هو وجه الارض ترابا او غيره سمى صعيدا لكونه صاعدا طاهرا والطيب بمعنى الطاهر سواء كان منبثا ام لا حتى لو فرضنا صخرا لا تراب عليه فضرب المتيمم يده عليه وسمح كان ذلك كافيا عند ابى حنيفة رحمه الله { فامسحوا بوجوهكم وايديكم منه } اى من ذلك الصعيد اى الى المرفقين لما روى انه صلى الله عليه وسلم تيمم ومسح يديه الى مرفقيه ولانه بدل من الوضوء فيقدر بقدره والباء مزيدة ومن لابتداء الغاية والمعنى فانقلوا بعد وضعهما على الصعيد الى الوجوه والايدى من غير ان يتخللها ما يوجب الفصل { ما يريد الله } بالامر بالطهارة للصلاة او الامر بالتيمم { ليجعل عليكم من حرج } اى تضييقا عليكم فى الدين { ولكن يريد ليطهركم } اى لينظفكم او ليطهركم من الذنوب فان الوضوء مكفر لها كما روى ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " ايما رجل قام الى وضوئه يريد الصلاة ثم غسل كفيه نزلت خطيئة كفيه مع اول قطرة فاذا تمضمض نزلت خطيئة لسانه وشفتيه مع اول قطرة واذا غسل وجهه ويديه الى المرفقين ورجليه الى الكعبين سلم من كل ذنب هو عليه وكان كيوم ولدته امه ". او ليطهركم بالتراب اذا اعوزكم التطهير بالماء { وليتم } بشرعه ما هو مطهرة لابدانكم ومكفرة لذنوبكم { نعمته عليكم } فى الدين اوليتم برخصته انعامه عليكم بعزائمه والرخصة ما شرع بناء على الاعذار والعزيمة ما شرع اصالة { لعلكم تشكرون } نعمته. واعلم ان المقصود من طهارة الثوب وهو القشر الخارج البعيد ومن طهارة البدن وهو القشر القريب طهارة القلب وهو لب الباطن وطهارة القلب من نجاسات الاخلاق اهم الطهارات ولكن لا يبعد ان يكون لطهارة الظاهر ايضا تأثير فى اشراق نورها على القلب فاذا اسبغت الوضوء واستشعرت نظافة ظاهرك صادفت فى قلبك انشراحا وصفاء كنت لا تصادفه قبله وذلك لسر العلاقة التى بين عالم الملك وعالم الملكوت فان ظاهر البدن من عالم الشهادة والقلب من عالم الملكوت وكما ينحدر من معارف القلب آثار الى الجوارح فكذلك قد يرتفع من احوال الجوارح التى هى من عالم الشهادة آثار الى القلب ولذلك امر الله بالصلاة مع انها حركات الجوارح التى من عالم الشهادة ولذلك جعلها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فى الدنيا ومن الدنيا فقال " حبب الى من دنياكم ثلاث الطيب والنساء وجعلت قرة عينى فى الصلاة " ولا يستبعد ان يفيض من الطهارة الظاهرة اثر على الباطن وان اردت لذلك دليلا من الشرع فتفكر فى قول رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم " خمس بخمس اذا اكل الربا كان الخسف والزلزلة واذاجار الحكام قحط المطر واذا ظهر الزنى كثر الموت واذا منعت الزكاة هلكت الماشية واذا تعدى على اهل الذمة كانت الدولة لهم ". وان كنت تطلب لهذا مثلا من المحسوسات ايضا فانظر الى ما يفيض الله من النور بواسطة المرآة المحاذية للشمس على بعض الاجسام المحاذية للمرآة وبالجملة ان الله تعالى جعل الوضوء والتيمم من اسباب الطهارة فلا بد من الاجتهاد فى تحصيل الطهارة مطلقا وان كان التوفيق من الله تعالى كما قال الحافظ فيض ازل بزورزر ار آمدى بدست آب خضر نصيبه اسكندر آمدى والاشارة فى الآية { وان كنتم مرضى } بمرض حب الدنيا { او على سفر } فى متابعة الهوى { او جاء احد منكم من الغائط } فى قضاء حاجة شهوة من الشهوات { او لامستم النساء } وهى الدنيا فى تحصيل لذة من اللذات { فلم تجدوا ماء } التوبة والاستغفار { فتيمموا صعيدا طيبا } فتمعكوا فى تراب اقدام الكرام فانه طهور للذنوب العظام { وامسحوا بوجوهكم } من تراب اقدامهم وشمروا لخدمتهم { وايديكم منه } لان فيه شفاء لقساوة القلوب ودواء لمرض الذنوب { ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج } بهذه الذلة والصغار { ولكن يريد ليطهركم } من الذنوب الكبار واكبر الكبائر الشرك بالله واعظم الشركاء الوجود مع وجود المعبود وهذا ذنب لا يغفر الا بالتمرغ فى هذا التراب ولوث لم يطهر الا بالالتجاء الى هذه الابواب { وليتم نعمته عليكم } بعد ذوبان نحاس انانيتكم بنار تصرفات هممهم العالية بطرح اكسير انوار الهوية { لعلكم تشكرون } اذ تهتدون بانوار الهوية الى رؤية انوار النعمة كذا فى التأويلات النجمية.

المائدة 5:7

{ واذكروا نعمة الله عليكم } بالاسلام لتذكركم المنعم وترغبكم فى شكره. فان قيل ذكر نعمة الاسلام مشعر بسبق النسيان وكيف يعقل من المسلم ان ينساها مع اشتغاله باقامة وظائف الاسلام على التوالى والدوام. قلنا المواظبة على وظائف الشىء تنزل منزلة الامر الطبيعى المعتاد فينسى كونها نعمة الهية فتكون اقامة وظائفه اتباعا لمقتضى الطبيعة فلا تكون عبادة وانما تكون شكرا لو وقع اتباعا للامر { وميثاقه الذى واثقكم به } اى عهده المؤكد الذى اخذه عليكم وقوله تعالى { اذ قلتم سمعنا واطعنا } ظرف لواثقكم به وفائدة التقييد به تأكيد وجوب مراعاته بتذكير قبولهم والتزامهم بالمحافظة عليه وهو الميثاق الذى اخذه على المسلمين حين بايعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة فى حال اليسر والعسر والمنشط والمكره { واتقوا الله } فى نسيان نعمه ونقض ميثاقه { ان الله عليم بذات الصدور } اى بخفياتها الملابسة لها ملابسة تامة مصححة لاطلاق الصاحب عليها فيجازيكم عليها فما ظنكم بجليات الاعمال. واعلم ان اول النعم التى انعم الله بها على المؤمنين اخراجهم من ظلمة العدم الى نور الوجود قبل كل موجود وخلقهم فى احسن تقويم لقبول الدين القويم وهدايتهم الى الصراط المستقيم واستماع الست بربكم وجواب بلى وتوفيقهم للسمع والطاعة ولو لم تكن نعمة التوفيق لقالوا سمعنا وعصينا كما قال اهل الخذلان والعصيان. " وعن عبد الرحمن بن عوف بن مالك الاشجعى قال كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم تسعة او ثمانية او سبعة فقالوا ألا تبايعون رسول الله وكنا حديثى عهد ببيعته فقلنا قد بايعناك يا رسول الله قال " ألا تبايعون رسول الله " فبسطنا ايدينا وقلنا قد بايعناك يا رسول الله فعلام نبايعك قال " ان تعبدوا الله ولا تشركوا به شيأ وتصلوا الصلوات الخمس وتطيعوا اوامره جلية وخفية ولا تسألوا الناس " فلقد رأيت بعض اولئك النفر يسقط سوط احدهم فما يسأل احدا يناوله اياه حتى يكون هو ينزل فيأخذه " " وعن ابى ذر رضى الله عنه قال بايعنى رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسا واوثقنى سبعا واشهد الله على سبعا ان لا اخاف فى الله لومة لائم " " وعنه قال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم " اوصيك بتقوى الله بسر امرك وعلانيتك واذا اسأت فاحسن ولا تسألن احدا شيئا وان سقط سوطك ولا تقبض امانة ". قال الحافظ الشيرازى وفا وعهد نكو باشد اربياموزى وكرنه هركه توبينى ستمكرى داند اللهم اجعلنا من الموفين بعودهم آمين.

المائدة 5:8

{ يا ايها الذين آمنوا كونوا قوامين لله } مقيمين لاوامره ومتمسكين بها معظمين لها مراعين لحقوقها { شهداء بالقسط } اى بالعدل خبر بعد خبر { ولا يجرمنكم } اى ولا يحملنكم { شنآن قوم } اى شدة بغضكم للمشركين { على ان لا تعدلوا } اى على ترك العدل فيهم فتعتدوا عليهم بارتكاب ما لا يحل كمثلة وقذف وقتل نساء وصبية ونقض عهد تشفيا مما فى قلوبكم { اعدلوا هو } اى العدل { اقرب للتقوى } التى امرتم بها واذا كان وجوب العدل فى حق الكفار بهذه المثابة فما ظنك بوجوبه فى حق المسلمين { واتقوا الله } فانه ملاك الامر وزاد سفر الآخرة { ان الله خبير بما تعملون } من الاعمال فيجازيكم بذلك وحيث كان مضمون هذه الجملة التعليلية منبئا عن الوعد والوعيد عقب بالوعد لمن يخاف على طاعته تعالى وبالوعيد لمن يخل بها فقيل.

المائدة 5:9

{ وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات } التى من جملتها العدل والتقوى والمفعول الثانى لوعد محذوف وهو الجنة كما صرح به فى غير هذا الموضع { لهم مغفرة } لذنوبهم { واجر عظيم } اى ثواب عظيم فى الجنة وهذه الجملة مفسرة لذلك المحذوف تفسير السبب للمسبب فان الجنة مسببة عن المغفرة وحصول الاجر فلا محل لها من الاعراب.

المائدة 5:10

{ والذين كفروا وكذبوا بآياتنا } التى من جملتها ما تليت من النصوص الناطقة بالامر بالعدل والتقوى { اولئك } الموصوفون بما ذكر من الكفر وتكذيب الآيات { اصحاب الجحيم } ملابسوها ملابسة مؤبدة وفيه مزيد وعد للمؤمنين لان الوعيد اللاحق باعدائهم مما يشفى صدورهم ويذهب ما كانوا يجدونه من اذاهم فان الانسان يفرح بان يهدد اعداؤ. واعلم ان الله تعالى صرح للمؤمنين الامر بالعدل وبين انه بمكان من التقوى بعد ما نهاهم عن الجور وبين انه مقتضى الهوى لكون الحامل عليه البغض والشنآن فعلى المؤمن العدل فى حق الاولياء والاعداء خصوصا فى حق نفسك واهلك واولادك لما ورد " كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته ". ووجد فى سرير انوشروان مكتوبا الملك لا يكون الا بالامارة والامارة لا تكون الا بالرجال ولا تكون الرجال الا بالاموال ولا تكون الاموال الا بالعمارة ولا تكون العمارة الا بالعدل بين الرعايا والسلطان شريك رعاياه فى كل خير عملوه قال الحافظ شاه را به بود از طاعت صدساله وزهد قدريك ساعت عمرى كه درو دادكند وفى ترجمة وصايا الفتوحات لمحمد بن واسع ازا كابردين است روزى بر بلال بن برده كه والىء وقت بود در آمد واودر عيش بود وبيش اوبرف نهاده وبتنعم تمام تشسته محمد بن واسع راكفت يا ابا عبد الله اين خانه مارا جون بينى كفت اين خانه خوش است وليكن بهشت ازين خواشتراست وذكر آتش دوزخ از امثال اين غافل كرداند برسيدكه جه ميكويى درباب قدر كفت در همراز كان توكه درين مقابر مدفونند فكرى بكن تا از قدر برسيدن مشغول شوى كفت براى من دعا كن كفت دعاى من جه ميكنى وبر دركاه توجندين مظلومند همه برتو دعا ميكنند ودعاى ايشان بيشتر بالاميرود ظلم مكن وبدعاء من حاجت نيست ومن كلمات بهلول لهارون حين قال له من انا قال انت الذى لو ظلم احد فى المشرق وانت فى المغرب سألك الله عن ذلك يوم القيامة فبكى هارون. وفى عين المعانى العالم لا يدخل على الظلمة تحاميا عن الدعاء لهم بالبقاء فورد من دعا لظالم بالبقاء فقد احب ان يعصى الله فى ارضه فلا بد من النصيحة وترك المداهنة وفى الحديث " ما ترك الحق لعمر من صديق ". وقال الشيخ الاكبر قدس سره الاطهر لما ادمت النصح والتحقيقا لم يتركا لى فى الوجود صديقا قال السعدى قدس سره بكوى آنجه دانى سخن سودمند وكر هيج كس را نيايد بسند وبالجملة ان العدل من احسن الاخلاق وحكى ان انوشروان لما مات كان يطاف بتابوته فى جميع مملكته وينادى منادى من له علينا حق فليأت فلم يوجد احد فى ولايته عليه حق من درهم ولذا اشتهر بالعدل اشتهار حاتم بالجود حتى صار العادل لقبا له فلفظ العادل انما يطلق عليه لعدم جوره وظهور عدله لمجرد المدح والثناء عليه. واما سلاطين الزمان فلظهور جورهم وعدم اتصافهم بالعدل منعوا عن اطلاق العادل عليهم اذ اطلاقه عليهم حينئذ انما يكون لمجرد المدح لهم والثناء عليهم فيكون كذبا وكفرا فجواز اطلاق العادل على الكافر المنصف وعدم جواز اطلاقه على المسلمين الجائرين ليس بالنظر الى متانة العدل بل ذاك ليس الا ان العدل والجور متناقضان فلا يجتمعان. قال فى زهرة الرياض اذا كان يوم القيامة ينصب لواء الصدق لابى بكر رضى الله عنه وكل صديق يكون تحت لوائه. ولواء العدل لعمر رضى الله عنه وكل عادل يكون تحت لوائه. ولواء السخاوة لعثمان رضى الله عنه وكل سخى يكون تحت لوائه. ولواء الشهداء لعلى رضى الله عنه وكل شهيد يكون تحت لوائه وكل فقيه تحت لواء معاذ بن جبل. وكل زاهد تحت لواء ابى ذر. وكل فقير تحت لواء ابى الدرداء. وكل مقرىء تحت لواء ابى بن كعب. وكل مؤذن تحت لواء بلال. وكل مقتول ظلما تحت لواء الحسين بن على فذلك قوله تعالى يوم ندعو كل أناس بإمامهم الإسراء 71 الآية. والعدل فى الحقيقة هو الوسط المحمود فى كل فعل وقول وخلق وهو المأمور به فى قوله تعالى فاستقم كما أمرت هود 112. ولقد صار من نال اليه كالكبريت الاحمر والمسك الاذفر ومن الله الهداية والتوفيق آمين.

المائدة 5:11

{ يا ايها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم } متعلق بنعمة الله { اذ هم قوم } ظرف لنفس النعمة اى اذكروا انعامه عليكم فى وقت همهم وقصدهم { ان يبسطوا اليكم ايديهم } اى بان يبطشوا بكم بالقتل والاهلاك يقال بسط اليه يده اذا بطش به وبسط اليه لسانه اذا شتمه { فكف ايديهم عنكم } عطف على هم وهو النعمة التى اريد تذكيرها وذكر الهم ايذان بوقوعها عند مزيد الحاجة اليها والفاء للتعقيب المفيد لتمام النعمة وكمالها اى منع ايديهم ان يمدوا اليكم عقيب همهم بذلك لا انه كفها عنكم بعدما مدوها اليكم. وفيه من الدلالة على كمال النعمة من حيث انها لم تكن مشوبة بضرر الخوف والانزعاج الذى قلما يعرى عنه الكف بعد المد ما لا يخفى مكانه وذلك ما روى ان المشركين رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم واصحابه بعسفان فى غزوة ذى انمار وغزوة ذات الرقاع وهى السابعة من مغازيه عليه السلام قاموا الى الظهر معا فلما صلوا ندم المشركون على ان لا كانوا قد اكبوا عليهم فقالوا ان لهم بعدها صلاة هى احب اليهم من آبائهم وابنائهم يعنون صلاة العصر وهموا ان يوقعوا بهم اذا قاموا اليها فردهم الله تعالى بكيدهم بان انزل صلاة الخوف. وقيل هو ما روى ان رسول الله صلى الله عليه وسلم اتى بنى قريظة ومعه الشيخان وعلى رضى الله عنهم يستقرضهم لدية مسلمين قتلهما عمرو بن امية الضمرى خطأ يحسبهما مشركين فقالوا انعم يا ابا القاسم اجلس حتى نطعمك ونعطيك ما سألت فاجلسوه فى صفة وهموا بقتله وعمد عمرو بن جحاش الى رحى عظيمة يطرحها عليه فامسك الله تعالى يده ونزل جبريل فاخبر فخرج النبى عليه السلام. وقيل هو ما " روى انه صلى الله عليه وسلم نزل منزلا وتفرق اصحابه فى الفضى يستظلون بها فعلق رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفه بشجرة فجاء اعرابى فاخذه وسله فقال من يمنعك منى فقال عليه السلام " الله " فاسقطه جبريل عليه السلام من يده فاخذه الرسول عليه السلام فقال " من يمنعك منى " فقال لا احد اشهد ان لا اله الا الله واشهد ان محمدا رسول الله " { واتقوا الله } عطف على اذكروا اى اتقوه فى رعاية حقوق نعمته فلا تخلوا بشكرها { وعلى الله } اى عليه تعالى خاصة دون غيره استقلالا واشتراكا { فليتوكل المؤمنون } فانه يكفيهم فى ايصال كل خير ودفع كل شر. واعلم ان التوكل عبارة عن الاعتصام بالله تعالى فى جميع الامور ومحله القلب والحركة بالظاهر لا تنافى توكل القلب بعدما تحقق للعبد ان التقدير من قبل الله فان تعسر شىء فبتقديره. واعلى مراتب التوكل ان يكون بين يدى الله تعالى كالميت بين يدى الغاسل تحركه القدرة الازلية وهو الذى قوى يقينه ألا ترى الى ابراهيم عليه السلام لما هم نمرود وقومه ان يبسطوا اليه ايديهم فرموه فى النار جاءه جبريل وهو فى الهواء فقال ألك حاجة قال أما اليك فلا وفاه بقوله حسبى الله ونعم الوكيل وانظر الى حقيقة توكل النبى عليه السلام حيث كف الله عنه وعن اصحابه ايدى المشركين رأسا فلم يقدروا ان يتعرضوا له بل ابتلوا فى اغلب الاحوال بما لا يخطر ببالهم من البلايا جزاء لهم على همهم بالسوء وفى المثنوى قصه عاد وثمود از بهر جيست تابدانى كه ابيارا ناز كيست فالتوكل من معالى درجات المقربين فعلى المؤمن ان يتحلى بالصفات الحميدة ويسير فى طريق الحق بسيرة حسنة. ودخل حكيم على رجل فرأى دارا متجددة وفرشا مبسوطة ورأى صاحبها خاليا من الفضائل فتنحنح فبزق على وجهه فقال ما هذا السفه ايها الحكيم فقال بل هو عين الحكمة لان البصاق لزق الى اخس ما كان فى الدار ولم ار فى دارك اخس منك لخلوك عن الفضائل الباطنة فنبه بذلك على دناءته وقبحه لكونه مسترسلا فى لذاته مستغرقا اوقاته لعمارة ظاهره قال الحافظ رحمه الله قلندران حقيقت بنيم جو نخرند قباى اطلس آنكس كه از هنر عاريست ثم اعلم ان كل شىء بقضاء الله تعالى وان الله يختبر عباده بما اراد فعليهم ان يعتمدوا عليه فى العسر واليسر والمنشط والمكره. وعن ابى عثمان قال كان عيسى عليه السلام يصلى على رأس جبل فاتاه ابليس فقال انت الذى تزعم ان كل شىء بقضاء قال نعم قال الق نفسك من الجبل وقل قدر على قال يا لعين الله يختبر العباد وليس العباد يختبرون الله وما على العبد الا التوكل والشكر على الانعام. ومن جملة انعام الله تعالى الاخراج من ظلمة العدم الى نور الوجود بامر كن والله يعلم ان رجوع العباد الى العدم ليس بهم ولا اليهم كما لم يكن خروجهم بهم فان خروجهم كان بجذبة امر كن فكذلك رجوعهم لا يكون الا بجذبة امر ارجعى فعليهم ان يكونوا واثقين بكرم الله وفضله مسارعين فى طلب مرضاة الله جاهدين على وفق الاوامر والنواهى فى الله ليهديهم الى جذبات عنايته ولطفه.

المائدة 5:12

{ ولقد اخذ الله ميثاق بنى اسرائيل } اى بالله قد اخذ الله عهد طائفة اليهود والالتفات فى قوله تعالى { وبعثنا منهم اثنى عشر نقيبا } للجرى على سنن الكبرياء او لان البعث كان بواسطة موسى عليه السلام كما سيأتى اى شاهدا من كل سبط ينقب عن احوال قومه ويفتش عنها او كفيلا يكفل عليهم بالوفاء بما امروا به. وقد روى ان النبى عليه السلام جعل للانصار ليلة العقبة اثنى عشر نقيبا وفائدة النقيب ان القوم اذا علموا ان عليهم نقيبا كانوا اقرب الى الاستقامة. والنقيب والعريف نظيران وقيل النقيب فوق العريف. قال فى شرح الشرعة العريف فعيل بمعنى مفعول وهو سيد القوم والقيم بامور الجماعة من القبيلة والمحلة يلى امورهم ويتعرف الامير منه احوالهم وهو دون الرئيس والعرافة كالسيادة لفظا ومعنى وفى الحديث " العرافة حق ولا بد للناس من عرفاء ولكن العرفاء فى النار ". يعنى ان سيادة القوم جائزة فى الشرع لان بها ينتظم مصالح الناس وقضاء اشغالهم فهى مصلحة ورفق للناس تدعوا اليها الضرورة. وقوله ولكن العرفاء فى النار اى اكثرهم فيها اذ المجتنب عن الظلم منهم يستحق الثواب لكن لما كان الغالب منهم خلاف ذلك اجراه مجرى الكل كذا فى شرح المصابيح قال السعدى رياست بدست كسانى خطاست كه از دستشان دستهابر خداست مكن تاتوانى دل خلق ريش وكرميكنى ميكنى بيخ خويش نماند ستمكار بد روزكار بماند برو لعنت بايدار مها زرومندى مكن بركهان كه بريك نمط مى نماند جهان دل دوستان جمع بهتركه كنج خزينه تهى به كه مردم برنج بقومى كه نيكى بسندد خداى دهد خسرو عادل نيك راى جوخواهدكه ويران كند عالمى كند ملك دربنجه ظالمى { وقال الله } اى لبنى اسرائيل فقط اذ هم المحتاجون الى الترغيب والترهيب { انى معكم } اى بالعلم والقدرة والنصرة اسمع كلامكم وارى اعمالكم واعلم ضمائركم فاجازيكم بذلك وتم الكلام هنا ثم ابتدأ بالجملة الشرطية فقال مخاطبا لبنى اسرائيل ايضا { لئن اقمتم الصلوة وآتيتم الزكوة وآمنتم برسلى } اى بجميعهم واللام موطئة للقسم المحذوف { وعزرتموهم } اى نصرتموهم وقويتموهم واصله الذب وهو المنع والدفع ومنه التعزير ومن نصر انسانا فقد ذب عند عدوه يقال عزرت فلانا اى فعلت به ما يرده عن القبيح ويمنعه عنه { واقرضتم الله } بالانفاق فى سبيل الخير او بالتصدق بالصدقات المندوبة فظهر الفرق بين هذا الاقراض وبين اخراج الزكاة فانها واجبة { قرضا حسنا } وهو ان يكون من حلال المال وخياره برغبة واخلاص لا يشوبها رياء ولا سمعة ولا يكدرها من ولا اذى وانتصابه يحتمل ان يكون على المصدرية لانه اسم مصدر بمعنى اقراضا كما فى انبتها نباتا حسنا بمعنى انباتا ويحتمل ان يكون على المفعولية على انه اسم للمال المقرض. { لاكفرن عنكم سيآتكم } جواب للقسم المدلول عليه باللام ساد مسد جواب الشرط { ولادخلنكم جنات } اى بساتين { تجرى من تحتها } اى من تحت اشجارها ومساكنها { الانهار } الاربعة واخره لضرورة تقدم التخلية على التحلية { فمن كفر } اى برسلى وبشىء مما عدد فى حيز الشرط والفاء لترتيب بيان حكم من كفر على بيان حكم من آمن تقوية للترغيب والترهيب { بعد ذلك } الشرط المؤكد المعلق به الوعد العظيم الموجب للايمان قطعا { منكم } متعلق بمضمر وقع حالا من فاعل كفر { فقد ضل سواء السبيل } اى وسط الطريق الواضح ضلالا بينا واخطأ خطأ فاحشا لا عذر معه اصلا بخلاف من كفر قبل ذلك اذ ربما يمكن ان يكون له شبهة ويتوهم له معذرة روى ان بنى اسرائيل لما استقروا بمصر بعد مهلك فرعون امرهم الله تعالى بالمسير الى اريحا من ارض الشام وهى الارض المقدسة وكانت لها الف قرية فى كل قرية الف بستان وكان يسكنها الجبابرة الكنعانيون وقال لهم انى كتبتها لكم دارا قرارا فاخرجوا اليها وجاهدوا من فيها وانى ناصركم وامر موسى عليه السلام ان يأخذ من كل سبط نقيبا امينا يكون كفيلا على قومه بالوفاء بما امروا به توثقة عليهم فاختار النقباء واخذ الميثاق على بنى اسرائيل وتكفل لهم النقباء وسار بهم فلما دنا من ارض كنعان بعث النقباء يتجسسون له الاخبار ويعلمون علمها فرأوا اجراما عظيمة وقوة وشوكة فهابوا فرجعوا وحدثوا قومهم بما رأوا وقد نهاهم موسى عن ذلك فنكثوا الميثاق الا كالب بن يوقنا نقيب سبط يهودا ويوشع بن نون نقيب سبط افرائيم بن يوسف الصديق عليه السلام. قيل لما توجه النقباء الى ارضهم للتجسس لقيهم عوج بن عنق وكان طوله ثلاثة آلاف وثلاثمائة وثلاثة وثلاثين ذراعا وثلث ذراع وقد عاش ثلاثة آلاف سنة وكان يحتجز بالسحاب ويشرب منه ويتناول الحوت من قرار البحر فيشويه بعين الشمس يرفعه اليها ثم يأكله ويروى ان الماء طبق ما على الارض من جبل فى طوفان نوح وما جاوز ركبتى عوج وكانت امه عنق احدى بنات آدم وكان مجلسها جريبا من الارض فلما لقى عوج النقباء وعلى رأسه حزمة حطب اخذ الاثنى عشر نقيبا وجعلهم فى الحزمة فانطلق بهم الى امرأته وقال انظرى الى هؤلاء الذين يزعمون قتالنا فطرحهم بين يديها وقال ألا اطحنهم برجلى فقالت لا بل خل عنهم حتى يخبروا قومهم بما رأوا ففعل ذلك وروى انه جعلهم فى كمه واتى بهم الملك فنشرهم بين يديه فقال ارجعوا الى قومكم فاخبروهم بما رأيتم وكان لا يحمل عنقودا من عنبهم الا خمسة انفس او اربعة بينهم فى خشبة ويدخل فى شطر رمانة اذا نزع حبها خمسة انفس فجعلوا يتعرفون باحوالهم فلما رجعوا قال بعضهم لبعض انكم ان اخبرتم بنى اسرائيل بخبر القوم ارتدوا عن نبى الله ولكن اكتموه الا عن موسى وهارون فيكونان هما يريان رأيهما فاخذ بعضهم على بعض الميثاق بذلك ثم انصرفوا الى موسى عليه السلام وكان معهم حبة من عنبهم وقر جمل فنكثوا عهدهم وجعل كل منهم ينهى سبطه عن قتالهم ويخبرهم بما رأى الا كالب ويوشع وكان معسكر موسى فرسخا فى فرسخ فجاء عوج حتى نظر اليهم ثم رجع الى جبل فقور منه صخرة عظيمة على قدر المعسكر ثم حملها على رأسه ليطبقها عليهم فبعث الله الهدهد فقور من الصخرة وسطها المحاذى لرأسه فانتقبت فوقعت فى عنق عوج فطوقته فصرعته واقبل موسى عليه السلام وطوله عشرة اذرع وكذا طول العصا فترامى فى السماء عشرة اذرع فما اصاب العصا الا كعبه وهو مصروع فقتله قالوا فاقبلت جماعة ومعهم الخناجر حتى جذروا رأسه وهكذا سنة الله فيما اراد حيث ينصر اولياءه بما لا يخطر ببالهم ولله فى كل فعله حكمة تامة ومصلحة شاملة. واعلم ان الله تعالى كما جعل فى امة موسى من النقباء المختارين المرجوع اليهم عند الضرورة اثنى عشر كذلك جعل من كمال عنايته فى هذه الامة من النجباء البدلاء واعزة الاولياء اربعين رجلا فى كل حال وزمان كما قال النبى عليه السلام " يكون فى الامة اربعون على خلق ابراهيم وسبعة على خلق عيسى وواحدة على خلقى ". فهم على مراتب درجاتهم ومناصب مقاماتهم امنة هذه الامة كما قال عليه السلام " بهم ترزقون وبهم تمطرون وبهم يدفع الله البلاء ". قال ابو عثمان المغربى البدلاء اربعون والامناء سبعة والخلفاء من الائمة ثلاثة والواحد هو القطب عارف بهم جميعا ومشرف عليهم ولا يعرفه احد ولا يشرف عليه وهو امام الاولياء الثلاثة الذين هم الخلفاء من الائمة وهو يعرفهم وهم لا يعرفونه والخلفاء الثلاثة يعرفون السبعة الذين هم الامناء ولا يعرفهم اولئك السبعة والسبعة يعرفون الاربعين الذين هم البدلاء ولا يعرفهم البدلاء الاربعون وهم يعرفون سائر الاولياء من الامة ولا يعرفهم من الاولياء احد فاذا نقص من الاربعين واحد جعل مكانه واحد من الاولياء واذا نقص من السبعة واحد جعل مكانه واحد من الاربعين واذا نقص من الثلاثة واحد جعل مكانه واحد من السبعة واذا مضى القطب الذى هو الواحد فى العدد وبه قوام اعداد الخلق جعل بدله واحد من الثلاثة هكذا الى ان يأذن الله تعالى فى قيام الساعة كما فى التأويلات النجمية. وقال الشيخ الاكبر قدس سره الاطهر القطب يحفظ المركز والامام الايمن يحفظ عالم الارواح والامام الايسر يحفظ عالم الاجساد والاوتاد الاربعة يحفظون الشرق والغرب والجنوب والشمال والابدال السبعة يحفظون اقاليم الكرة علوا وسفلا انتهى كلامه فى كتاب العظيمة. ويقول الفقير جامع هذه المجالس اللطائف سمعت من حضرة شيخى وسندى الذى بمنزلة روحى فى جسدى ان قطب الوجود اذا انتقل الى الدار الآخرة يكون خليفته فى الجانب الايسر من الافراد دون الجانب الايمن وذلك لان يسار الامام يمين ويمينه يسار حين الاستقبال الى القوم واليه الاشارة بقوله تعالى فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة الواقعة 8-9. فان لفظة ما عند اهل التحقيق نافية واهل اليسار اهل الجلال والفناء واهل اليمين اهل الجمال والبقاء فافهم هذا السر البديع وكن ممن القى سمعه وهو شهيد فان المنكر الغافل طريد عن الحق بعيد بسر وقت شان خلق كى ره برند كه جون آب حيوان بظلمت درند قال الصائب سخن عشق باخرد كفتن بر رك مرده نيشتر زدنست ثم تحقيق قوله تعالى { لئن اقمتم الصلوة } ان اقامة الصلاة فى ادامتها بان تجعل الصلاة معراجك الى الحق وتديم العروج بدرجاتها الى ان تشاهد الحق كما شاهدت يوم الميثاق ودرجاتها اربع القيام والركوح والسجود والتشهد على حسب دركات نزلت بها من اعلى عليين وجوار رب العالمين الى اسفل السافلين القلب وهى العناصر الاربعة التى خلق منها قالب الانسان فالمتولدات منها على اربعة اقسام ولكل قسم منها ظلمة وخاصية تحجبك عن مشاهدة الحق وهى الجمادية وخاصيتها التشهد ثم النباتية وخاصيتها السجود ثم الحيوانية وخاصيتها الركوع ثم الانسانية وخاصيتها القيام يشير اليك بالتخلص من حجب اوصاف الانسانية واعظمها الكبر وهو من خاصية النار والركوع يشير اليك بالتخلص من حجب صفات الحيوانية واعظمها الشهوة وهى من خاصية الهواء والسجود يشير اليك بالتخلص من حجب طبع النباتية واعظمها الحرص على الجذب للشىء والنمو وهو من خاصية الماء والتشهد يشير اليك بالتخلص من حجب طبع الجمادية واعظمها الجمودية وهى من خاصية التراب ومن هذه الصفات الاربع تنشأ بقية صفات البشرية فاذا تخلصت من هذه الدركات والحجب ورجعت بهذه المدارج الاربعة الى جوار رب العالمين وقربه فقد اقمت الصلاة مناجيا ربك مشاهدا له كما قال صلى الله عليه وسلم " اعبد الله كأنك تراه ". كذا فى التأويلات النجمية.

المائدة 5:13

{ فبما نقضهم ميثاقهم } اى فبسب نقض اليهود عهدهم وهو انهم كذبوا الرسل بعد موسى وقتلوا الانبياء ونبذوا الكتاب وضيعوا فرائضه وما مزيدة لتأكيد الكلام وتمكينه فى النفس { لعناهم } اى طردناهم وابعدناهم من رحمتنا او مسخناهم قردة وخنازير او اذللناهم بضرب الجزية عليهم { وجعلنا قلوبهم قاسية } اى غليظة شديدة بحيث لا تتأثر من الآيات والنذر وحجر قاس اى صلب غير لين { يحرفون الكلم عن مواضعه } استئناف لبيان قسوة قلوبهم فانه لا قسوة اشد من تغيير كلام الله والافتراء عليه والمراد بالتحريف اما تبديلهم نعت النبى صلى الله عليه وسلم واما تبديلهم بسوء التأويل وقد سبق فى سورة البقرة { ونسوا حظا } اى وتركوا نصيبا وافرا { مما ذكروا به } من التوراة او من اتباع محمد عليه السلام والمعنى انهم حرفوا التوراة وتركوا حظهم مما انزل عليهم فلم ينالوه. وقيل معناه انهم حرفوها فتركت بشؤمه اشياء منها عن حفظهم لما روى عن ابن مسعود رضى الله عنه قال قد ينسى المرء بعض العلم بالمعصية وتلا هذه الآية روى ان الله تعالى غير العلم على امية بن ابى الصلت وكان من بلغاء الشعراء كان نائما فاتاه طائر وادخل منقاره فى فيه فلما استيقظ نسى جميع علومه قال الحافظ نه من زبى عملى درجهان ملولم وبس ملالت علما هم زعلم بى عملست واعلم ان العلماء العاملين والمشايخ الواصلين لا يزالون يذكرون الناس كل عصر يوم الميثاق ومخاطبة الحق اياهم تشويقا لهم الى تلك الاحوال فمن سامع ومن معرض فالسامع لكونه معرضا عن الدنيا والعقبى وصل الى جوار المولى فكان مقبولا مرحوما والمعرض لكونه مقبلا على ما سوى المولى لم ينل شيأ فكان مردودا ملعونا لانه نقض عهده مع الله سبحانه وتعالى وفى المثنوى بى وفايى جون سكانرا عاربود بى وفايى جون رو ادارى نمود حق تعالى فخر آورد ازوفا كفت من اوفى بعهد غيرنا { ولا تزال تطلع على خائنة منهم } اى خيانة على انها مصدر كاللاغية والكاذبة قال الله تعالى لا تسمع فيها لاغية الغاشية 11. اى لغوا والمعنى ان الغدر والخيانة عادة مستمرة لهم ولاسلافهم بحيث لا يكادون يتركونها او يكتمونها فلا تزال ترى ذلك منهم { الا قليلا منهم } لم يخونوا وهم الذين آمنوا منهم كعبد الله بن سلام واضرابه وهو استثناء من الضمير المجرور فى منهم { فاعف عنهم واصفح } اى اعرض عنهم ولا تتعرض لهم بالمعاقبة والمؤاخذة ان تابوا وآمنوا او عاهدوا والتزموا الجزية وقيل مطلق نسخ بآية السيف وهو قوله تعالى قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر التوبة 29. { ان الله يحب المحسنين } تعليل للامر بالصفح وحث على الامتثال وتنبيه على ان العفو عن الكافر الخائن احسان فضلا عن العفو عن غيره قال السعدى عدورا بالطاف كردن به بند كه نتوان بريدن بتيغ و كمند جودشمن درم بيند ولطف وجود نيايد دكر خبث ازو دروجود وكرخواجه بادشمنان نيك خوست بسى بر نيايد كه كردند دوست وكان عليه السلام محسنا له مكارم اخلاق يضيق نطاق بيان الواصفين عنها ومن حكايات المولوى قدس الله سره فى المثنوى كافران مهمان بيغمبر شدند وقت شام ايشان بمسجد آمدند كفت اى ياران من قسمت كنيد كه شما بر از من وخوى منيد هريكى يارى يكى مهمان كزيد درميان يك زفت بود وبى نديد جسم ضخمى داشت كس اورانبرد مانددر مسجد جواندر جامه درد مصطفى بردش جو واماند ازهمه هفت بز شيرده بر در رمه كه مقيم خانه بودندى بزان بهر دوشيدن براى وقت خوان نان وآش وشيرآن هر هفت بز خورد آن بوقحط عوج ابن غز جمله اهل بيت خشم آلوشدند كه همه درشير بز طامع شدند معده طبلى خوار همجون طبل كرد قسم هجده آدمى تنها بخورد وقت خفتن رفت ودرحجره نشست بس كنيزك از غضب دررا ببست از برون زنجيردررا درفكند كه ازوبد خشمكين ودردمند كبررا ازنيم شب تاصبحدم جون تقاضا آمد ودرد شكم ازفراش خويش سويى درشتافت دست بردر جونهاد اوبسته يافت دركشادن حيله كردآن حيله ساز نوع نوع وخود نشد آن بند باز شد تقاضا بر تقاضا خانه تنك مانداوحيران وبى درمان ودنك حيله كرد و اوبخواب اندر خزيد خويشتن درخواب ودرويرانه ديد زانكه ويرانه بد اندر خاطرش شد بخواب اندر همانجا منظرش خويش در ويرانه خالى جوديد او جنان محتاج واندر دم بريد كشت بيداروبديد آن جامه خواب بر حدث ديوانه شد از اضطراب كفت خوابم بدتر از بيداريم كه خروم آن سو واين سو مى ريم بانك مى زد واثبورا واثبور همجنانكه كافر اندر قعر كور منتظركه كى شود اين شب بسر يا برآيد در كشادن بانك در تاكريزد اوجوتيرى از كمان تانبيند هيجكس اورا جنان مصطفى صبح آمد ودررا كشاد صبح آن كمراه را اوراه داد جامه خواب برحدث رايك فضول قاصدان آورد در بيش رسول كه جنين كردست مهمانت ببين خنده زد رحمة للعالمين كه بيار آن مطهره انيجا به بيش تابشويم جمله را بادست خويش اوبجد مىشست آن احداث را خاص زامر حق نه تقليد وريا كه دلش مى كفت كين را توبشو كه درانيجا هست حكمت توبتو كافرك را هيكلى بد يادكار ياوه ديد آنرا وكشت اوبى قرار كفت آن حجره كه شب جاداشتم هيكل آنجا بىخبر بكذاشتم كه جه شرمين بودشر مش حرص برد حرص ازدرهاست بى جيزست خرد ازبى هيكل شتاب اندر دويد در وثاق مصطفى وانرا بديد كان يدالله ان احدث راهم بخود خوش همى شويدكه دورش جشم بد هيكلش ازياد رفت وشد بديد اندر وشورى كريبانرا دريد مى زد اودو دست را بررو وسر كله را ميكوفت بر ديوار ودر انجنانكه خون زبينى وسرش شد روان ورحم كردان مهترش جون زحد بيرون بلرزيد وطبيد مصطفى اش دركنار خود كشيد ساكنش كرد وبسى بنواختش ديده اش بكشاده داد اشناختش آب بر روزد در آمد درسخن كى شهيد حق شهادت عرضه كن كشت مؤمن كفت اورا مصطفى كامشب هم باش وتو مهمان ما كفت والله تا ابد ضيف توام هر كجا باشم بهر جاكه روم يارسول الله رسالت راتمام تونمودى همجو شمع بى غمام

المائدة 5:14

{ ومن الذين قالوا انا نصارى اخذنا ميثاقهم } اى واخذنا من النصارى ميثاقهم كما اخذنا ممن قبلهم من اليهود ومن متعلقة باخذنا والتقديم للاهتمام وانما قال قالوا انا نصارى ولم يقل ومن النصارى تنبيها على انهم نصارى بتسميتهم انفسهم بهذا الاسم ادعاء لنصرة الله بقولهم لعيسى عليه السلام نحن انصار الله وليسوا موصوفين بانهم نصارى بتوصيف الله اياهم بذلك ومعنى اخذ الميثاق هو ما اخذ الله عليهم فى الانجيل من العهد المؤكد باتباع محمد صلى الله عليه وسلم وبيان صفته ونعته { فنسوا حظا } اى تركوا نصيبا وافرا { مما ذكروا به } فى تضاعيف الميثاق من الايمان وما يتفرع عليه من افعال الخير { فاغرينا } اى الزمنا والصقنا من غرى بالشىء اذا لزمه ولصق به واغراه غيره { بينهم } ظرف لاغرينا { العداوة } وهى تباعد القلوب والنيات { والبغضاء } اى البغض { الى يوم القيامة } غاية للاغراء او للعداوة والبغضاء اى يتعادون ويتباغضون الى يوم القيامة { وسوف ينئبهم الله } اى يخبرهم فى الآخرة { بما كانوا يصنعون } وعيد شديد بالجزاء والعذاب كقول الرجل لمن يتوعده ساخبرك بما فعلت اى يجازيهم بما عملوا على الاستمرار من نقض الميثاق ونسيان الحظ الوافر مما ذكروا به وسوف لتأكيد الوعيد والتعبير عن العمل بالصنع للايذان برسوخهم فى ذلك. قيل الذى القى العداوة بين النصارى رجل يقال له بولس وكان بينه وبين النصارى قتال قتل منهم خلقا كثيرا فاراد ان يحتال بحيلة يلقى بينهم القتال فيقتل بعضهم بعضا فجاء الى النصارى وجعل نفسه اعور وقال لهم ألا تعرفوننى فقالوا انت الذى قتلت ما قتلت منا وفعلت ما فعلت فقال قد فعلت ذلك كله والآن تبت لانى رأيت عيسى عليه الصلاة والسلام فى المنام نزل من السماء فلطم وجهى لطمة فقأ عينى فقال أى شىء تريد من قومى فتبت على يده ثم جئتكم لاكون بين ظهرانيكم واعلمكم شرائع دينكم كما علمنى عيسى عليه السلام فى المنام فاتخذوا له غرفة فصعد تلك الغرفة وفتح كوة الى الناس فى الحائط وكان يتعبد فى الغرفة وربما كانوا يجتمعون اليه ويسألونه ويجيبهم من تلك الكوة وربما يأمرهم بان يجتمعوا ويناديهم من تلك الكوة ويقول لهم قول كان فى الظاهر منكرا وينكرون عليه فكان يفسر ذلك القول تفسيرا يعجبهم ذلك فانقادوا كلهم له وكانوا يقبلون قوله بما يأمرهم به فقال يوما من الايام اجتمعوا عندى فقد حضرنى علم فاجتمعوا فقال لهم أليس خلق الله تعالى هذه الاشياء فى الدنيا كلها لمنفعة بنى آدم قالوا نعم فقال لم تحرمون على انفسكم هذه الاشياء يعنى الخمر والخنزير وقد خلق لكم ما فى الارض جميعا فاخذوا قوله فاستحلوا الخمر والخنزير فلما مضى على ذلك ايام دعاهم وقال حضرنى علم فاجتمعوا فقال لهم من أى ناحية تطلع الشمس فقالوا من قبل المشرق فقال ومن أى ناحية يطلع القمر والنجوم فقالوا من قبل المشرق فقال ومن يرسلهم من قبل المشرق قالوا الله تعالى فقال فاعلموا انه تعالى فى قبل المشرق فان صليتم له فصلوا اليه فحول صلاتهم الى المشرق فلما مضى على ذلك ايام دعا بطائفة منهم وامرهم بان يدخلوا عليه فى الغرفة وقال لهم انى اريد ان اجعل نفسى الليلة قربانا لاجل عيسى وقد حضرنى علم فاريد ان اخبركم فى السر لتحفظوا عنى وتدعوا الناس الى ذلك بعدى ويقال ايضا انه اصبح يوما وفتح عينه الاخرى ثم دعاهم وقال لهم جاءنى عيسى الليلة وقال قد رضيت عنك فمسح يده على عينى فبرئت والآن اريد ان اجعل نفسى قربانا له ثم قال هل يستطيع احد ان يحيى الموتى ويبرىء الاكمه والابرص الا الله تعالى فقالوا لا فقال ان عيسى قد فعل هذه الاشياء فاعلموا انه هو الله تعالى فخرجوا من عنده ثم دعا بطائفة اخرى فاخبرهم بذلك ايضا وقال انه كان ابنه ثم دعا بطائفة ثالثة واخبرهم بذلك ايضا وقال انه ثالث ثلاثة واخبرهم انه يريد ان يجعل نفسه الليلة قربانا فلما كان بعض الليالى خرج من بين ظهرانيهم فاصبحوا وجعل كل فريق يقول قد علمنى كذا وكذا وقال الفريق الآخر انت كاذب بل علمنى كذا وكذا فوقع بينهم القتال فاقتتلوا وقتلوا خلقا كثيرا وبقيت العداوة بينهم الى يوم القيامة وهم ثلاث فرق منهم النسطورية قالوا المسيح ابن الله والثانية الملكانية قالوا ان الله تعالى ثالث ثلاثة المسيح وامه والله والفرقة الثالثة اليعقوبية قالوا ان الله هو المسيح قال جلال الدين رومى قدس سره درتصور ذات اورا كنج كو تادر آيد درتصور مثل او كربغايت نيك وكربد كفته اند هرجه زوكفتند ازخود كفته اند مى مكن جندين قياس اى حق شناس زانكه نايد ذات بيجون درقياس فعلى المؤمن ان يلاحظ قوله تعالى { وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون } وان يشتغل بنفسه عن غيره وفى الحديث " ما منكم من احد الا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان فينظر ايمن منه فلا يرى الا ما قدم وينظر اشأم منه فلا يرى الا ما قدم فينظر بين يديه فلا يرى الا النار تلقاء وجهه فاتقوا النار ولو بشق تمرة فمن لم يجد فبكلمة طيبة ". يعنى من لم يجد شيئا يتقى به النار فليتق منها بقول حسن يطيب به قلب المسلم فان الكلمة الطيبة من الصدقات. والاشارة فى الآية ان الله تعالى اخذ الميثاق من اليهود والنصارى على التوحيد كما اخذ من هذه الامة يوم الميثاق ولكنه لما وكل الفريقين الى انفسهم نسوا ما ذكروا به فما بقى لهم حظ من ذلك الميثاق بابطال الاستعداد الفطرى لكمال الانسانية فصاروا كالانعام بل هم اضل اى بل كالسباع يتحارشون ويتناوشون بالعداوة والبغضاء الى يوم القيامة فان ارباب الغفلة لا الفة بينهم وان اصحاب الوفاق لا وحشة بينهم واما هذه الامة لما ايدت بتأييد الاله اذ كتب فى قلوبهم الايمان بقلم خطاب ألست بربكم يوم الميثاق وايدهم بروح منه ما نسوا حظا مما ذكروا به وقيل لنبيهم -عليه الصلاة والسلام- وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين الذاريات 55. وقال تعالى خطابا لهم اذ لم ينسوا حظهم ولم ينقضوا ميثاقهم فاذكرونى أذكركم البقرة 152. على ان ذكره اياهم كان قبل وجودهم وذكرهم اياه حين ذكرهم المحبة وقال يحبهم ويحبونه المائدة 54. كذا فى التأويلات النجمية.

المائدة 5:15

{ يا اهل الكتاب } يعنى اليهود والنصارى والكتاب جنس شامل للتوراة والانجيل { قد جاءكم رسولنا } الاضافة للتشريف والايذان بوجوب اتباعه { يبين لكم } حال من رسولنا اى حال كونه مبينا لكم على التدريج حسبما تقتضيه المصلحة { كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب } اى كثيرا كائنا من الذى كنتم تخفونه على الاستمرار حال كونه من الكتاب اى التوراة والانجيل الذى انتم اهله والمتمسكون به كنعت محمد عليه السلام وآية الرجم فى التوراة وبشارة عيسى باحمد عليهما السلام فى الانجيل { ويعفوا عن كثير } مما تخفونه اى لا يظهره ولا يخبره اذا لم يضطر اليه امر دينى صيانة لكم عن زيادة الافتضاح { قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين } المراد بالنور والكتاب هو القرآن لما فيه من كشف ظلمات الشرك والشك وابانة ما خفى على الناس من الحق او الاعجاز الواضح والعطف المنبىء على تغاير الطرفين لتنزيل المغايرة بالعنوان منزلة المغايرة بالذات وقيل المراد بالاول هو الرسول صلى الله عليه وسلم وبالثانى القرآن.

المائدة 5:16

{ يهدى به الله } وحد الضمير لان المراد بهما واحد بالذات او لانهما فى حكم الواحد فان المقصود منهما دعوة الخلق الى الحق احدهما رسول إلهى والآخر معجزته وبيان ما يدعو اليه من الحق { من اتبع رضوانه } اى رضاه بالايمان به { سبل السلام } اى طرق السلامة من العذاب والنجاة من العقاب على ان يكون السلام بمعنى السلامة كاللذاذ واللذاذة والرضاع والرضاعة او سبيل الله تعالى وهو شريعته التى شرعها للناس على ان يكون السلام هو الله تعالى وانتصاب سبل بنزع الخافض فان يهدى انما يتعدى الى الثانى بالى او باللام كما فى قوله تعالى إن هذا القرآن يهدى للتى هى اقوم الإسراء 9. { ويخرجهم } الضمير لمن والجمع باعتبار المعنى كما ان الافراد فى اتبع باعتبار اللفظ { من الظلمات } اى ظلمات فنون الكفر والضلال { الى النور } الى الايمان وسمى الايمان نورا لان الانسان اذا آمن ابصر به طريق نجاته فطلبه وطريق هلاكه فحذره { باذنه } اى بتيسيره وارادته { ويهديهم الى صراط مستقيم } اى طريق هو اقرب الطرق الى الله تعالى ومؤد اليه لا محالة وهذه الهداية عين الهداية الى سبل السلام وانما عطف عليها تنزيلا للتغاير الوصفى منزلة التغاير الذاتى كما فى قوله تعالى ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين ءآمنوا معه برحمة منا وأخذت الذين ظلموا الصيحة فاصبحوا فى ديارهم جاثمين هود 94. واعلم ان الله تعالى بعث النبى صلى الله عليه وسلم نورا يبين حقيقة حظ الانسان من الله تعالى وانه تعالى سمى نفسه نورا بقوله تعالى الله نور السموات والأرض النور 35. لانهما كانتا مخفيتين فى ظلمة العدم فالله تعالى اظهرهما بالايجاد وسمى الرسول نورا لان اول شىء اظهره الحق بنور قدرته من ظلمة العدم كان نور محمد صلى الله عليه وسلم كما قال " اول ما خلق الله نورى ". ثم خلق العالم بما فيه من نوره بعضه من بعض فلما ظهرت الموجودات من وجود نوره سماه نورا وكل ما كان اقرب الى الاختراع كان اولى باسم النور كما ان عالم الارواح اقرب الى الاختراع من عالم الاجسام فلذلك سمى عالم الانوار والعلويات نورانيا بالنسبة الى السفليات فاقرب الموجودات الى الاختراع لما كان نور النبى عليه السلام كان اولى باسم النور ولهذا كان يقول " انا من الله والمؤمنون منى " وقال تعالى قد جاءكم من الله نور المائدة 15. وروى عن النبى عليه السلام انه قال " كنت نورا بين يدى ربى قبل خلق آدم باربعة عشر ألف عام وكان يسبح ذلك النور وتسبح الملائكة بتسبيحه فلما خلق الله آدم القى ذلك النور فى صلبه ". وعن ابن عباس رضى الله عنهما عن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم انه قال " لما خلق الله آدم اهبطنى فى صلبه الى الارض وجعلنى فى صلب نوح فى السفينة وقذفنى فى صلب ابراهيم ثم لم يزل تعالى ينقلنى من الاصلاب الكريمة والارحام الطاهرة حتى اخرجنى بين ابوى لم يلتقيا على سفاح قط ". قال العرفى فى قصيدته النعتية اين بس شرف كوهر تومنشى تقدير آن روزكه بكذاشتى اقليم قدم را تاحكم نزول تودرين دارنوشته است صدره بعبث باز تراشيد قلم را وعن عمر بن الخطاب رضى الله عنه انه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لما اعترف آدم بالخطيئة قال يا رب اسألك بحق محمد ان تغفر لى فقال الله يا آدم كيف عرفت محمدا ولم اخلقه قال لانك لما خلقتنى بيدك ونفخت فى من روحك رفعت رأسى فرأيت على قوائم العرش مكتوبا لا اله الا الله محمد رسول الله فعرفت انك لم تضف الى اسمك الا اسم احب الخلق اليك فقال الله تعالى صدقت يا آدم انه لأحب الخلق الى فغفرت لك ولولا محمد لما خلقت ". رواه البيهقى فى دلائله.

المائدة 5:17

{ لقد كفر الذين قالوا ان الله هو المسيح ابن مريم } لا غير كما يقال الكرم هو التقوى نزلت فى نصارى نجران وهم اليعقوبية القائلون بانه تعالى قد يحل فى بدن انسان معين او فى روحه { قل } يا محمد تبكيتا لهم ان كان الامر كما تزعمون { فمن } استفهامية انكارية { يملك } الملك الضبط والحفظ التام عن حزم اى يمنع { من الله } اى من قدرته وارادته { شيئا } وحقيقته فمن يستطيع ان يمسك شيئا منها { ان اراد ان يهلك المسيح ابن مريم وامه ومن فى الارض جميعا } احتج بذلك على فساد قولهم وتقريره ان المسيح مقدور مقهور قابل للفناء كسائر الممكنات ومن كان كذلك فهو بمعزل عن الالوهية وكيف يكون إله من لا يقدر على دفع الهلاك عن نفسه ولا عن غيره والمراد بالاهلاك الاماتة والاعدام مطلقا لا بطريق السخط والغضب ولعل انظم امه فى سلك من فرض ارادة اهلاكهم مع تحقق هلاكها قبل ذلك لتأكيد التبكيت وزيادة تقرير مضمون الكلام بجعل حالها انموذجا لحال بقية من فرض اهلاكه كأنه قيل قل فمن يملك من الله شيئا ان اراد ان يهلك المسيح ابن مريم وامه ومن فى الارض وقد اهلك امه فهل مانعه احد فكذا حال من عداها من الموجودين { ولله ملك السموات والارض وما بينهما } اى ما بين قطرى العالم الجسمانى لا بين وجه الارض ومقعر فلك القمر فقط فيناول ما فى السموات من الملائكة وما فى اعماق الارض والبحار من المخلوقات وهو تنصيص على كون الكل تحت قهره تعالى وملكوته اثر الاشارة الى كون البعض اى من فى الارض كذلك اى له تعالى وحده ملك جميع الموجودات والتصرف المطلق فيها ايجادا واعداما واحياء واماتة لا لاحد سواه استقلالا ولا اشتراكا فهو تحقيق لاختصاص الالوهية به تعالى اثر بيان انتفائها عن كل ما سواه { يخلق ما يشاء } اى يخلق ما يشاء من انواع الخلق والايجاد على ان ما نكرة موصوفة محلها النصب على المصدرية لا على المفعولية كأنه قيل يخلق أى خلق يشاؤه فتارة يخلق من غير اصل كخلق السموات والارض واخرى من اصل كخلق ما بينهما فينشىء من اصل ليس من جنس كخلق آدم وكثير من الحيوانات ومن اصل يجانسه اما من ذكر وحده كخلق حواء او انثى وحدها كخلق عيسى او منهما كخلق سائر الناس ويخلق بلا توسط شىء من المخلوقات كخلق عامة المخلوقات وقد يخلق بتوسط مخلوق آخر كخلق الطير على يد عيسى معجزة له واحياء الموتى وابراء الاكمه والابرص وغير ذلك فينسب كل اليه تعالى لا الى من اجرى ذلك على يده { والله على كل شىء قدير } اعتراض تذييلى مقرر لمضمون ما قبله وفى المثنوى دامن او كير اى يار دلير كومنزه باشد از بالا وزير نى جو عيسى سوى كردون برشود نى جو قارون درزمين اندر رود ربى الاعلاست ورد آن مهان رب ادنى خوراين ابلهان وعن عبادة من الصامت رضى الله عنه عن النبى عليه السلام قال " من شهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له وان محمدا عبده ورسوله وان عيسى عبد الله ورسوله وكلمته القاها الى مريم وروح منه والجنة حق والنار حق ادخله الله الجنة على ما كان من عمل ". وعن الحارث الاشعرى رضى الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " ان الله تعالى اوحى الى يحيى بن زكريا عليهما السلام بخمس كلمات ان يعمل بهن ويأمر بنى اسرائيل ان يعملوا بهن فكأنه ابطأ بهن فاتاه عيسى فقال ان الله امرك بخمس كلمات ان تعمل بهن وتأمر بنى اسرائيل ان يعملوا بهن فاما ان تخبرهم واما ان اخبرهم فقال يا اخى لا تفعل فانى اخاف ان سبقتنى بهن ان يخسف بى او اعذب قال فجمع بنى اسرائيل ببيت المقدس حتى امتلأ المسجد وقعدوا على الشرفات ثم خطبهم فقال ان الله اوحى الى بخمس كلمات ان اعمل بهن وآمر بنى اسرائيل ان يعلموا بهن. اولاهن ان لا تشركوا بالله شيئا فان مثل من اشرك بالله كمثل رجل اشترى عبدا من خالص ماله بذهب او ورق ثم اسكنه دارا فقال اعمل وارفع الى فجعل يعمل ويرفع الى غير سيده فأيكم يرضى ان يكون عبده كذلك فان الله خلقكم ورزقكم فلا تشركوا به شيئا واذا قمتم الى الصلاة فلا تلتفتوا فان الله يقبل بوجهه الى وجه عبده ما لم يلتف. وآمركم بالصيام ومثل ذلك كمثل رجل فى عصابة معه صرة من مسك كلهم يحب ان يجد ريحها وان الصيام عند الله اطيب من ريح المسك. وآمركم بالصدقة ومثل ذلك كمثل رجل اسره العدو فاوثقوا يده الى عنقه وقربوه ليضربوا عنقه فجعل يقول هل لكم ان اقدى نفسى منكم فجعل يعطى القليل والكثير حتى فدى نفسه. وآمركم بذكر الله كثيرا ومثل ذلك كمثل رجل طلبه العدو سراعا فى اسره حتى اتى حصنا حصينا فاحرز نفسه فيه وكذلك العبد لا ينجو من الشيطان الذى هو اكبر الاعداء الا بذكر الله ". قال فى المثنوى ذكر حق كن بانكه غولانرا بسوز جشم نركس را ازين كركس بدوز ذكر حق باكست جون باكى رسيد رخت بر بندد برون آيد بليد مى كريزد ضدها از ضدها شب كريزد جون برافروزد ضيا جون در آيد نام باك اندر دهان نى بليدى ماند ونى آندهان قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم " وانا آمركم بخمس الله امرنى بهن بالسمع والطاعة والجهاد والهجرة والجماعة فانه من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الاسلام من عنقه الا ان يراجع ". والربقة بكسر الراء وفتحها وسكون الباء الموحدة واحدة الربق وهى عرى فى حبل يشد به اليهم وتستعار لغيره.

المائدة 5:18

{ وقالت اليهود والنصارى نحن ابناء الله واحباؤه } اى قالت اليهود نحن اشياع ابنه عزير وقالت النصارى نحن اشياع ابنه المسيح كما يقول اقارب الملوك عند المفاخرة نحن الملوك او المعنى نحن من الله بمنزلة الابناء للآباء وقربنا من الله كقرب الوالد لولده وحبنا اياه كحب الوالد لولده وغضب الله علينا كغضب الرجل على ولده والوالد اذا سخط على ولده فى وقت يرضى عنه فى وقت آخر وبالجملة انهم كانوا يدعون ان لهم فضلا ومزية عند الله على سائر الخلق فرد عليهم ذلك وقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم { قل } الزاما لهم وتبكيتا { فلم يعذبكم بذنوبكم } اى ان صح ما زعمتم فلأى شىء يعذبكم فى الدنيا بالقتل والاسر والمسخ وقد اعترفتم بانه سيعذبكم فى الآخرة اياما معدودة بعدد ايام عبادتكم العجل ولو كان الامر كما زعمتم لما صدر عنكم ما صدر ولما وقع عليكم ما وقع { بل } اى لستم كذلك { انتم بشر ممن خلق } اى من جنس ما خلق الله تعالى من غير مزية لكم عليهم { يغفر لمن يشاء } ان يغفر له من اولئكم المخلوقين وهم الذين آمنوا بالله تعالى وبرسله { ويعذب من يشاء } ان يعذبه منهم وهم الذين كفروا به تعالى وبرسله { ولله ملك السموات والارض وما بينهما } من الموجودات لا ينتمى اليه تعالى شىء منها الا بالمملوكية والعبودية والكل تحت مملوكيته يتصرف فيه كيف يشاء ايجادا واعداما واماتة واثابة وتعذيبا فانى لهم ادعاء ما زعموا { واليه المصير } فى الآخرة خاصة لا الى غيره استقلالا ولا اشتراكا فيجازى كلا من المحسن والمسيىء بما يستدعيه عمله من غير مانع يمنعه وليست المحبة بالدعوى بل لها علامات ولله در من قال تعصى الاله وانت تظهر حبه هذا لعمرى فى الفعال بديع لو كان حبك صادقا لأطعته ان المحب لمن يحب مطيع والله تعالى لا يحب من خالف شيئا من شريعة النبى عليه السلام من سننها وفروضها وحلالها وحرامها وانما يحب من اطاع امره ولا فوق بين الناس من حيث الصورة البشرية وانما تفاوتهم من حيث العلم والعمل والتقرب الى الله تعالى قال السعدى قدس سره ره راست بايد نه بالاى راست كه كافرهم از روى صورت جو ماست وانما يظهر التفاوت فى الآخرة لانها دار الجزاء فطوبى لعبد تفكر فى حاله ومصيره فرغب فى الزهد والطاعة قبل مضى الوقت قال فى المثنوى كربينى ميل خود سوى سما بردولت بركشا همجون هما ور بينى ميل خود سوى زمين نوحه ميكن هيج منشين ازحنين عاقلان خود نوحها بيشين كنند جاهلان آخر بسر بر مى زنند رابتداء كار آخررا ببين تانباشى تو بشيمان روز دين وحكى ان رجلا جاء الى صائغ يسأل منه الميزان ليزن رضاض ذهب له فقال الصائغ اذهب فانه ليس لى غربال فقال الرجل لا تسخر بى آت الميزان فقال الصائغ ليس لى مكنسة ثم قال اطلب منك الميزان ايها الصائغ وانت تجيبنى بما يضحك منه فقال انما قلت ما قلت لانك شيخ مرتعش فعند الوزن يتفرق رضاضك من يدك بسبب ارتعاشك ويسقط الى التراب فتحتاج الى المكنسة والغربال للتخليص فبسبب فكرى لعاقبة امرك قلت ما قلت من زاول ديدم آخررا تمام جاى ديكر رو ازينجا والسلام واعلم ان احباء الله هم اولياء الله على اختلاف درجاتهم وطبقاتهم. فمنهم عوام. ومنهم خواص. ومنهم اخص ولكل منهم مقام معلوم من المحبة. ورأى بعضهم معروفا الكرخى تحت العرش وقد قال الله تعالى لملائكته من هذا فقالوا انت اعلم يا رب فقال هذا معروف الكرخى سكر من حبى فلا يليق الا للقائى وكمال الحب انما يحصل بعد تزكية النفس فان النفس اذا كانت مغضوبة لا تتم الرحمة فى حقها وصاحبها انما يحب الله تعالى من وراء حجاب اللهم اجعلنا ممن يحبك حبا شديدا ويسلك فى محبتك طريقا سديدا.

المائدة 5:19

{ يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا } حال كونه { يبين لكم } الشرائع والاحكام الدينية المقرونة بالوعد والوعيد { على فترة } كائنة { من الرسل } مبتدأة من جهتهم وعلى متعلق بجاءكم على الظرفية اى جاءكم على حين فتور من الارسال وانقطاع من الوحى ومزيد احتياج الى بيان الشرائع والاحكام الدينية يقال فتر الشىء يفتر فتورا اذا سكنت حركته وصارت اقل مما كانت عليه وسميت المدة بين الانبياء فترة لفتور الدواعى فى العمل بتلك الشرائع ونبينا صلى الله تعالى عليه وسلم بعث بعد انقطاع الرسل لان الرسل كانت متواترة بعضها فى اثر بعض الى وقت رفع عيسى عليه السلام { ان تقولوا } تعليل لمجيئ الرسول بالبيان على حذف المضاف اى كراهة ان تقولوا معتذرين عن تفريطكم فى مراعاة احكام الدين { ما جاءنا من بشير } يبشرنا بالجنة { ولا نذير } يخوفنا بالنار وقد انطمست آثار الشرائع السابقة وانقطعت اخبارها { فقد جاءكم بشير ونذير } متعلق بمحذوف تنبىء عنه الفاء الفصيحة وتبين انه معلل به اى لا تعتذروا بذلك فقد جاءكم بشير اى بشير ونذير أى نذير على ان التنوين للتفخيم. وفى الآية امتنان عليهم بان بعث اليهم حين انطمست آثار الوحى وكانوا احوج ما يكون اليه { والله على كل شىء قدير } فيقدر على الارسال تترى كما فعل بين موسى وعيسى عليهما السلام حيث كان بينهما الف وسبعمائة سنة والف نبى وعلى الارسال بعد الفترة كما فعله بين عيسى ومحمد عليهما السلام حيث كان بينهما ستمائة سنة وتسع وتسعون سنة او خمسمائة وست واربعون سنة واربعة انبياء على ما روى الكلبى ثلاثة من بنى اسرائيل وواحد من العرب خالد بن سنان العبسى وقيل لم يكن بعد عيسى الا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الانسب بما فى تنوين فترة من التفخيم اللائق بمقام الامتنان عليهم بان الرسول قد بعث اليهم عند كمال حاجتهم اليه بسبب مضى دهر طويل بعد انقطاع الوحى ليعدوه اعظم نعمة من الله وفتح باب الى الرحمة وتلزمهم الحجة فلا يتعللوا غدا بانه لم يرسل اليهم من ينبههم من غفلتهم كذا فى الارشاد. وفى الحديث " انا اولى الناس بعيسى ابن مريم فانه ليس بينى وبينه نبى ". قال ابن الملك بطل بهذا قول من قال الحواريون كانوا انبياء بعد عيسى عليه السلام انتهى ومعنى قوله نبى اى نبى داع للخلق الى الله وشرعه واما خالد بن سنان فان اظهر بدعواه الانباء عن البرزخ الذى بعد الموت وما اظهر نبوته فى الدنيا. وقصته انه كان مع قومه يسكنون بلاد عدن فخرجت نار عظيمة من مغارة فاهلكت الزرع والضرع فالتجأ اليه قومه فاخذ خالد يضرب تلك النار بعصاه حتى رجعت هاربة منه الى المغارة التى خرجت منها ثم قال لاولاده انى ادخل المغارة خلف النار لاطفئها وامرهم ان يدعوه بعد ثلاثة ايام تامة فانهم ان نادوه قبل ثلاثة ايام فهو يخرج ويموت وان صبروا ثلاثة ايام يخرج سالما فلما دخل صبروا يومين واستفزهم الشيطان فلم يصبروا فظنوا انه هلك فصاحوا به فخرج خالد من المغارة وعلى رأسه ألم حصل من صياحهم فقال ضيعتمونى واضعتم قولى ووصيتى واخبرهم بموته وامرهم ان يقبروه ويرقبوه اربعين يوما فانه يأتيهم قطيع من الغنم يتقدمه حمار ابتر مقطوع الذنب فاذا حاذى قبره ووقف فلينبشوا عليه قبره فانه يقوم ويخبرهم باحوال البرزخ والقبر عن يقين ورؤية فانتظروا اربعين يوما فجاء القطيع وتقدمه حمار ابتر فوقف حذاء قبره فهم مؤمنوا قومه قومه ان ينبشوا عليه فابى اولاده خوفا من العار لئلا يقال لهم اولاد المنبوش قبره فحملتهم الحمية الجاهليةعلى ذلك فضيعوا وصيته واضاعوه " فلما بعث رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم جاءته بنت خالد فقال عليه السلام " مرحبا بابنة نبى اضاعه قومه ". وانما امر خالد ان ينبش عليه ليسأل ويخبر ان الحكم فى البرزخ على صورة الحياة الدنيا فيعلم بذلك الاخبار صدق الرسل كلهم بما اخبروا به فى حياتهم الدنيا فكان غرض خالد عليه السلام ايمان العالم كله بما جاءت به الرسل من احوال القبر والمواطن والمقامات البرزخية ليكون رحمة للجميع فانه تشرف بقرب نبوته من نبوة محمد عليه السلام وعلم خالد ان الله ارسله رحمة للعالمين ولم يكن خالد برسول فاراد ان يحصل من هذه الرحمة فى الرسالة المحمدية على حظ اوفر ولم يؤمر بالتبليغ فاراد ان يحظى فى البرزخ بذلك التبليغ من مقام الرسالة ليكون اقوى فى العلم فى حق الخلق اى ليعلم قوة علمه باحوال الخلائق فى البرزخ فاضاعه قومه وانما وصف النبى قومه بانهم اضاعوا نبيهم اى وصية نبيهم حيث لم يبلغوه مراده من اخباره احوال القبر كذا فى الفصوص وشروحه. واتفق العلماء على انه صلى الله عليه وسلم ولد بمكة عام الفيل فى عاشر شهر ربيع الاول فى ليلة يوم الاثنين منه فلما تشرف العالم وجوده الشريف وعنصره اللطيف اضاءت قلوب الخلق واستنارت فهداهم الله به عليه السلام فابصره من ابصر وعمى من عمى وبقى فى الكفر والضلال دركار خانه عشق ازكفرنا كزيرست آتش كرابسوزد كر بولهب نباشد وانما اضاف تعالى الرسول الى نفسه وقال رسولنا وما اضاف اليهم لان فائدة رسالته لم تكن راجعة اليهم ولما خاطب هذه الامة واخبرهم عن مجيىء الرسول ما اضافه الى نفسه وانما جعله من انفسهم فقال لقد جاءكم رسول من أنفسكم التوبة 128. لان فائدة رسالته كانت راجعة الى انفسهم كما فى التأويلات النجمية. فعلى المؤمن ان يقتفى اثر الرسول صلى الله عليه وسلم ويتفكر فى الوعد والوعيد فقد جاء البشير والنذير بحيث لم يبق للاعتذار مجال اصلا " وروى ان جبير بن مطعم قال كنا مع النبى صلى الله عليه وسلم بالجحفة فقال " أليس تشهدون ان لا اله الا الله وحده لا شريك له وانى رسول الله وان القرآن جاء من عند الله " فقلنا بلى قال " فابشروا فان هذا القرآن طرفه بيد الله وطرفه بايديكم فتمسكوا به فانكم لن تهلكوا ولن تضلوا بعده ابدا ".

المائدة 5:20

{ واذ قال موسى لقومه } اى اذكر يا محمد لاهل الكتاب ما حدث وقت قول موسى لبنى اسرائيل ناصحا لهم { يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم } اى انعامه عليكم { اذ جعل فيكم انبياء } فى وقت جعله فيما بينكم من اقربائكم انبياء فارشدكم وشرفكم بهم ولم يبعث فى امة من الامم ما بعث فى بنى اسرائيل من الانبياء وكثرة الاشراف والافاضل فى القوم شرف وفضل لهم ولا شرف اعظم من النبوة { وجعلكم ملوكا } اى جعل فيكم او منكم ملوكا كثيرة فانه قد تكاثر فيهم الملوك تكاثر الانبياء وجعل الكل فى مقام الامتنان عليهم ملوكا لما ان اقارب الملوك يقولون عند المفاخرة نحن الملوك. وقال السدى وجعلكم احرار تملكون انفسكم بعدما كنتم فى ايدى القبط فى مملكة فرعون بمنزلة اهل الجزية قال ابن عباس رضى الله عنهما يعنى اصحاب خدم وحشم وكانوا اول من ملك الخدم ولم يكن لمن قبلهم خدم وقال بعضهم من له امرأة يأوى اليها ومسكن يسكنه وخادم يخدمه فهو من الملوك وكذا من كان مسكنه واسعا وفيه ماء جار فهو ملك { وآتاكم ما لم يؤت احدا من العالمين } من البحر واغراق العدو وتظليل الغمام وانزال المن والسلوى وغير ذلك مما آتاهم الله من الامور العظام والمراد بالعالمين الامم الخالية الى زمانهم.

المائدة 5:21

{ يا قوم ادخلوا الارض المقدسة } هى ارض بيت المقدس طهرت من الشرك وجعلت قرار الانبياء ومسكن المؤمنين { التى كتب الله لكم } اى كتب فى اللوح المحفوظ انها تكون مسكنا لكم ان آمنتم واطعتم لقوله تعالى لهم بعدما عصوا فانها محرمة عليهم { ولا ترتدوا } لا ترجعوا { على ادباركم } اى مدبرين خوفا من الجبابرة فهو حال من فاعل لا ترتدوا ويجوز ان يتعلق بنفس الفعل اى ولا ترجعوا على اعقابكم بخلاف ما امر الله { فتنقلبوا } فتنصرفوا حال كونكم { خاسرين } اى مغبونين بفوت ثواب الدارين.

المائدة 5:22

{ قالوا } اى بنوا اسرائيل عند امر موسى ونهيه غير ممتثلين لذلك { يا موسى ان فيها قوما جبارين } اى متغلبين لا تتأتى مقاومتهم والجبار العالى الذي يجبر الناس ويكرههم كائنا من كان على ما يريده كائنا ما كان فعال من جبره على الامر اى اجبره عليه وذلك ان النقباء الاثنى عشر الذين خرجوا لتجسس الاخبار وانتهوا الى مدينة الجبارين لما رجعوا الى موسى واخبروه بما عاينوا من قوتهم وشوكتهم وطول قدودهم وعظم اجسامهم وان الرجل من بنى اسرائيل ليدخل تحت قدمهم لعظمه ووسعته قال لهم موسى اكتموا شأنهم ولا تخبروا به احدا من اهل المعسكر فيفشلوا فاخبر كل واحد منهم قريبه وابن عمه الا رجلين وفيا بما قال لهما موسى احدهما يوشع بن نون بن افرائيم بن يوسف فتى موسى والآخر كالب بن يوفنا ختن موسى على اخته مريم بنت عمران وكان من سبط يهودا فشاع الخبر بين بنى اسرائيل فلذا قالوا ان فيها قوما جبارين { وانا لن ندخلها حتى يخرجوا منها } من غير صنع من قبلنا فانه لا طاقة لنا باخراجهم منها { فان يخرجوا منها } بسبب من الاسباب التى لا تعلق لنا بها { فانا داخلون } حينئذ.

المائدة 5:23

{ قال رجلان } كانه قيل هل اتفقوا على ذلك او خالفهم البعض فقيل قال رجلان وهما كالب ويوشع { من الذين يخافون } الله تعالى دون العدو ويتقونه فى مخالفة امره ونهيه وهو صفة لرجلان { أنعم الله عليهما } بالتثبيت والوقوف على شؤونه تعالى والثقة بوعده وهو صفة ثانية لرجلان { ادخلوا عليهم الباب } اى باب بلد الجبارين وهو اريحا وتقديم الجار والمجرور عليه للاهتمام به لان المقصود انما هو دخول الباب وهم فى بلدهم اى باغتوهم وضاغتوهم فى المضيق وامنعوهم من البروز الى الصحراء لئلا يجدوا للحرب مجالا { فاذا دخلتموه } اى باب بلدهم وهم فيه { فانكم غالبون } من غير حاجة الى القتال فانا قد رأيناهم وشاهدناهم ان قلوبهم ضعيفة وان كانت اجسادهم عظيمة فلا تخشوهم واهجموا عليهم فى المضايق فانهم لا يقدرون فيها على الكر والفر { وعلى الله } خاصة { فتوكلوا } بعد ترتيب الاسباب ولا تعتمدوا عليها فانها بمعزل من التأثير وانما التأثير من عنايته العزيز القدير { ان كنتم مؤمنين } به تعالى مصدقين لوعده فان ذلك مما يوجب التوكل عليه حتما.

المائدة 5:24

{ قالوا } غير مبالين بقول ذينك الرجلين مصرين على القول الاول { يا موسى انا لن ندخلها } اى ارض الجبابرة { أبدا } اى دهرا طويلا { ما داموا فيها } اى فى ارضهم وهو بدل من ابدا بدل البعض لان الابد يعم الزمن المستقبل كله ودوام الجبارين فيها بعض منه { فاذهب } الفاء فصيحة اى فاذا كان الامر كذلك فاذهب { انت وربك فقاتلا } اى فقاتلاهم انما قالوا ذلك استهانة واستهزاء به تعالى وبرسوله وعدم مبالاة بهما لا انهم قصدوا ذهابهما حقيقة لان من هو فى صورة الانسان يستبعد منه انه يجوز حقيقة الذهاب والمجيىء على الله تعالى الا ان يكون من المجسمة { انا ههنا قاعدون } اراد بذلك عدم التقدم لا عدم التأخر.

المائدة 5:25

{ قال } موسى عليه السلام لما رأى منهم ما رأى من العناد على طريقة البث والحزن والشكوى الى الله تعالى مع رقة القلب التى بمثلها تستجلب الرحمة وتستنزل النصرة { رب انى لا أملك الا نفسى وأخى } اى الا طاعة نفسى واخى { فافرق بيننا } يريد نفسه واخاه والفاء لترتيب الفرق والدعاء به على ما قبله { وبين القوم الفاسقين } الخارجين عن طاعتك المصرين على عصيانك بان تحكم لنا بما نستحقه وعليهم بما يستحقون.

المائدة 5:26

{ قال } الله تعالى { فانها } اى الارض المقدسة { محرمة عليهم } تحريم منع لا تحريم تعبد وتكليف لا يدخلونها ولا يملكونها لان كتابتها لهم كانت مشروطة بالايمان والجهاد وحيث نكصوا على ادبارهم حرموا ذلك وانقلبوا خاسرين { أربعين سنة } ظرف لمحرمة فالتحريم موقت بهذه المدة لا مؤبد فلا يكون مخالفا لقوله تعالى كتب الله لكم المائدة 21. فالمراد بتحريمها عليهم انه لا يدخلها احد منهم فى هذه المدة لكن لا بمعنى ان كلهم يدخلونها بعدها بل بعضهم ممن بقى { يتيهون فى الارض } اى يتحيرون فى البرية استئناف لبيان كيفية حرمانهم { فلا تأس } فلا تحزن والاسى الحزن { على القوم الفاسقين } روى انه عليه السلام ندم على دعائه عليهم فقيل لا تندم ولا تحزن عليهم فانهم احقاء بذلك لفسقهم فلبثوا اربعين سنة فى ستة فراسخ وهم ستمائة الف مقاتل وكانوا يسيرون كل يوم جادين فاذا امسوا كانوا فى الموضع الذى ارتحلوا منه وكان الغمام يظللهم من حر الشمس ويطلع بالليل عمود من نور يضيىء لهم وينزل عليهم المن والسلوى ولا تطول شعورهم واذا ولد لهم مولود كان عليه ثوب كالظفر يطوله وماؤهم من الحجر الذى يحملونه وهذه الانعامات عليهم مع انهم معاقبون لما ان عقابهم كان بطريق الفرك والتأديب واصح الاقاويل ان موسى وهارون كانا معهم فى التيه ولكن كان ذلك لهما روحا وسلامة كالنار لابراهيم وملائكة العذاب. قال فى التأويلات النجمية والتعجب فى ان موسى وهارون بشؤم معاملة بنى اسرائيل بقيا فى التيه اربعين سنة وبنوا اسرائيل ببركة كرامتهما ظلل عليهم الغمام وانزل عليهم المن والسلوى فى التيه ليعلم اثر بركة صحبة الصالحين واثر شؤم صحبة الفاسقين انتهى قال الحافظ ملول همرهان بودن طريق كاردانى نيست بكش دشوارىء منزل بياد عهد آسانى روى ان موسى عليه السلام خرج من التيه بعد اربعين سنة وسار بمن بقى من بنى اسرائيل الى اريحا وكان يوشع بن نون على مقدمته فحارب الجبابرة وفتحها واقام بها ما شاء الله ثم قبضه الله ولا يعلم قبره الا الله وهذا أصح الاقاويل لاتفاق العلماء على ان عوج بن عنق قتله موسى عليه السلام. قال السدى فى وفاة هارون ان الله اوحى الى موسى انى متوفى هارون فائت به جبل كذا وكذا فانطلق موسى وهارون نحو ذلك الجبل فاذا هما بشجرة لم ير مثلها فاذا بيت مبنى وفيه سرير عليه فرش واذا فيه ريح طيبة فلما نظر هارون الى ذلك اعجبه وقال يا موسى انى احب ان انام على هذا السرير قال فنم عليه فلما نام جاء ملك الموت فقال يا موسى خدعتنى فلما قبض رفع البيت وذهبت تلك الشجرة ورفع السرير به الى السماء فلما رجع موسى الى بنى اسرائيل وليس معه هارون قالوا ان موسى قتل هارون وحسده على حب بنى اسرائيل اياه فقال لهم موسى ويحكم كان اخى أفترونى اقتل اخى فلما كثروا عليه صلى ركعتين ثم دعا فنزل السرير حتى نظروا اليه بين السماء والارض فصدقوه. وعن على بن ابى طالب رضى الله عنه قال صعد موسى وهارون الجبل فقال بنوا اسرائيل انت قتلته فآذوه فامر الله الملائكة فحملوه حتى مروا به على بنى اسرائيل وتكلمت الملائكة بموته حتى عرفت بنوا اسرائيل انه قد مات فبرأه الله مما قالوا ثم ان الملائكة حملوه ودفنوه فلم يطلع على موضع قبره احد الا الرخم فجعله الله اصم وأبكم. وقال عمرو بن ميمونة مات هارون وموسى فى التيه مات هارون قبل موسى وكانا خرجا الى بعض الكهوف فمات هارون ودفنه موسى وانصرف الى بنى اسرائيل فقالوا قتلته لحبنا اياه وكان محببا فى بنى اسرائيل فتضرع موسى الى ربه فاوحى الله اليه ان انطلق بهم الى قبره فنادى يا هارون فخرج من قبره ينقض رأسه فقال انا قتلتك فقال لا ولكننى مت قال فعد الى مضجعك وانصرفوا. واما وفاة موسى عليه الصلاة والسلام قال ابن اسحق كان صفى الله موسى قد كره الموت واعظمه فاراد الله ان يحبب اليه الموت فنبىء يوشع بن نون فكان يغدو ويروح عليه فيقول له موسى يا نبى الله ما احدث الله اليك فيقول له يوشع يا نبى الله ألم اصحبك كذا وكذا سنة فهل كنت اسألك عن شىء مما احدث الله اليك حتى تكون انت الذى تبثه به وتذكره ولا يذكر له شيئا ولما رأى موسى ذلك كره الحياة واحب الموت وفى الحديث " جاء ملك الموت الى موسى فقال له اجب ربك قال فلطم موسى عين ملك الموت ففقأها فرجع ملك الموت الى الله تعالى فقال انك ارسلتنى الى عبد لا يريد الموت وقد فقأ عينيى قال فرد الله اليه عينه وقال ارجع الى عبدى فقل له الحياة تريد فان كنت تريد الحياة فضع يدك على متن ثور فما وارت يدك من شعرة فانك تعيش بها سنة قال ثم ماذا قال ثم تموت قال فالآن من قريب قال رب ادننى من الارض المقدسة قدر رمية حجر " قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم " لو انى عنده لأريتكم قبره الى جانب الطريق عند الكثيب الاحمر ". قال محمد بن يحيى قد صح حديث ملك الموت وموسى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يرده الا كل مبتدع كذا فى تفسير الثعلبى وفى حديث آخر " ان ملك الموت كان يأتى الناس عيانا حتى اتى موسى ليقبضه فلطمه ففقأ عينه فجاء ملك الموت بعد ذلك خفية " وقال وهب خرج موسى لبعض حاجاته فمر برهط من الملائكة يحفرون قبرا لم ير شيئا قط احسن منه ومثل ما فيه من الخضرة والنضرة والبهجة فقال لهم يا ملائكة الله لمن يحفر هذا القبر فقالوا لعبد كريم على ربه فقال ان هذا العبد من الله بمنزل ما رأيت مضجعا احسن من هذا قالوا يا كليم الله أتحب ان يكون لك قال وددت قال فانزل واضطجع فيه وتوجه الى ربك قال فاضطجع فيه وتوجه الى ربه ثم تنفس اسهل نفس قبض الله روحه ثم سوت الملائكة عليه التراب وقيل ان ملك الموت اتاه بتفاحة من الجنة فشمها فقبض روحه وروى ان يوشع رآه بعد موته فى المنام فقال كيف وجدت الموت قال كشاة تسلخ وهى حية وكان عمر موسى مائة وعشرين سنة فلما مات موسى وانقضت الاربعون بعث الله يوشع نبيا فاخبره ان الله قد امره بقتال الجبابرة فصدقوه وتابعوه فتوجه ببنى اسرائيل الى اريحا معه تابوت الميثاق فاحاط بمدينة اريحا ستة اشهر فلما كان السابع نفخوا فى القرون وضج الشعب ضجة واحدة فسقط سور المدينة ودخلوا فقاتلوا الجبارين فهزموهم وهجموا عليهم يقتلونهم وكانت العصابة من بنى اسرائيل يجتمعون على عنق الرجل يضربونها لا يقطعونها وكان القتال يوم الجمعة فبقيت منهم البقية وكادت الشمس تغرب وتدخل ليلة السبت فقال اللهم اردد الشمس على وقال للشمس انك فى طاعة الله تعالى وانا فى طاعة الله فسأل الشمس ان تقف والقمر ان يقيم حتى ينتقم من اعداء الله قبل دخول السبت فردت عليه الشمس وزيد فى النهار ساعة حتى قتلهم اجمعين وتتبع ملوك الشام فاستباح منهم احدا وثلاثين ملكا حتى غلب على جميع ارض الشام وصارت الشام كلها لبنى اسرائيل وفرق عماله فى نواحيها وجمع الغنائم فلم تنزل النار فأوحى الله الى يوشع ان فيها غلولا فمرهم فليبايعوك فبايعوه فالتصقت يد رجل منهم بيده فقال هلم ما عندك فاتاه برأس ثور من ذهب مكلل بالياقوت والجواهر وكان قد غله فجعله فى القربان وجعل الرجل معه فجاءت النار فاكلت الرجل والقربان ثم مات يوشع ودفن فى جبل افرائيم وكان عمره مائة وستا وعشرين سنة وتدبيره امر بنى اسرائيل بعد موتى موسى سبعا وعشرين سنة جهان اى برادر نماند بكس دل اندر جهان آفرين بيندوبس

المائدة 5:27

{ واتل عليهم } اى على اهل الكتاب { نبأ ابنى آدم } اى خبر ابنى ابى البشر وهما قابيل وهابيل { بالحق } اى تلاوة ملتبسة بالحق والصحة ذكر العلماء ان حواء كانت تلد فى كل بطن ولدين ذكرا وانثى الا شيثا فانها ولدته منفردا فولدت اول بطن قابيل واخته اقليما ثم ولدت فى البطن الثانية هابيل واخته ليوذا فلما ادركوا أوحى الله الى آدم انه يزوج كلا منهما توأمة الآخر لانه لم يكن يومئذ الا اختاهما وكانت توأمة قابيل اجمل فحسد عليها اخاه وسخط وزعم ان ذلك ليس من عند الله بل من جهة آدم فقال لهما قربا قربانا فمن ايكما قبل تزوجها ففعلا فنزلت نار على قربان هابيل فاكلته ولم تتعرض لقربان قابيل فازداد قابيل حسدا وسخطا وفعل ما فعل { اذ قربا قربانا } ظرف لنبأ والقربان اسم لما يتقرب به الى الله تعالى من ذبيحة او صدقة وتوحيده لما انه فى الاصل مصدر والتقدير اذ قرب كلا منهما قربانا { فتقبل من احدهما } هو هابيل وكان صاحب ضرع وقرب جملا سمينا او كبشا ولبنا وزبدا فنزلت نار من السماء بيضاء لا دخان لها فاكلته بعد دعاء آدم عليه السلام وكانت القرابين اذا كانت مقبولة نزلت من السماء نارا فاكلتها وان لم تكن مقبولة لم تنزل النار واكلتها الطير والسباع وقيل ما كان فى ذلك الوقت فقير يدفع اليه ما يتقرب به الى الله تعالى فكانت علامة قبوله ما ذكر من مجيىء النار والاكل. وروى سعيد بن جبير وغيره نزلت نار من السماء فاحتملت قربان هابيل ورفع بها الى الجنة فلم يزل يرعى الى ان فدى به الذبيح عليه السلام { ولم يتقبل من الآخر } وهو قابيل كان صاحب زرع وقرب اردأ ما عنده من القمح ولم تتعرض له النار اصلا لانه سخط حكم الله ولم يخلص النية فى قربانه وقصد الى اخس ما عنده فنزلا عن الجبل الذى قربا عليه وقد غضب قابيل لرد قربانه وكان يضمر الحسد فى نفسه الى ان اتى آدم مكة لزيارة البيت فلما غاب آدم اتى قابيل هابيل وهو فى غنمه فعند ذلك { قال } اى من لم يتقبل قربانه لاخيه { لأقتلنك } اى والله لاقتلنك قال ولم قال لان الله قبل قربانك ورد قربانى وتنكح اختى الحسناء وانكح اختك الدميمة فيحدث الناس انك خير منى ويفخر ولدك على ولدى { قال } الذى تقبل قربانه وما ذنبى { انما يتقبل الله } اى القربان { من المتقين } لا من غيرهم وانما تقبل قربانى ورد قربانك لما فينا من التقوى وعدمه اى انما اديت من قبل نفسك لا من قبلى فلم تقتلنى والتقوى من صفات القلب لقوله عليه السلام " " التقوى ههنا " واشار الى القلب وحقيقة " التقوى ان يكون العامل على خوف ووجل من تقصير نفسه فيما اتى به من الطاعات وان يكون فى غاية الاحتراز من ان يأتى بتلك الطاعة لغرض سوى طلب مرضاة الله وان يكون فيه شركة لغير الله تعالى.

المائدة 5:28

{ لئن بسطت الى يدك لتقتلنى ما انا بباسط يدى اليك لاقتلك } اى والله لئن مددت الى يدك وباشرت قتلى حسبما اوعدتنى به وتحقق ذلك منك ما انا بفاعل مثله لك فى وقت من الاوقات ثم علل ذلك بقوله { انى أخاف الله رب العالمين } قيل كان هابيل اقوى ولكن تحرج عن قتله واستسلم له خوفا من الله تعالى لان القتل للدفع لم يكن مباحا فى ذلك الوقت. قال البغوى وفى الشرع جائز لمن اريد قتله ان ينقاد ويستسلم طلبا للاجر كما فعل عثمان رضى الله عنه.

المائدة 5:29

{ انى اريد ان تبوء باثمى واثمك } تعليل آخر لامتناعه عن المعارضة على انه غرض متأخر عنه كما ان الاول باعث متقدم عليه وانما لم يعطف تنبيها على كفاية كل منهما فى العلية والمعنى انى اريد باستسلامى لك وامتناعى عن التعرض لك ان ترجع باثمى اى بمثل اثمى لو بسطت يدك اليك وباثمك ببسط يدك الى كما فى قوله صلى الله عليه وسلم " المستبان ما قالا فعلى البادىء ما لم يعتد المظلوم " اى على البادىء عين اثم سبه ومثل سبه صاحبه بحكم كونه سببا له وكلاهما نصب على الحالية اى ترجع ملتبسا بالاثمين حاملا لهما ولعل مراده بالذات انما هو عدم ملابسته للاثم لا ملابسة اخيه له { فتكون من أصحاب النار } فى الآخرة { وذلك } اشارة الى كونه من اصحاب النار { جزاء الظالمين } اى عقوبة من لم يرض بحكم الله تعالى.

المائدة 5:30

{ فطوعت له نفسه قتل اخيه } من طاع له المرتع اذا اتسع اى وسعته وسهلته اى جعلته سهلا وهونته وتقدير الكلام فصورت له نفسه ان قتل اخيه طوع له سهل عليه ومتسع له لا ضيق فيه ولا حرج فان قتل النفس بغير حق لا سيما قتل الاخ اذا تصوره الانسان يجده شيئا عاصيا نافرا كل النفرة عن دائرة الشرع والعقل بعيدا عن الاطاعة والانقياد البتة ثم ان النفس الامارة اذا استعملت القوة السبعية الغضبية صار ذلك الفعل اسهل عليها فكأن النفس صيرته كالمطيع لها بعد ان كان كالعاصى المتمرد عليها ويتم الكلام بدون اللام بان يقال فطوعته نفسه قتل اخيه الا انه جيىء باللام لزيادة الربط كما فى قولك حفظت لزيد ماله مع تمام الكلام بان يقال حفظت مال زيد { فقتله } قيل لم يدر قابيل كيف يقتل هابين فتمثل ابليس طائرا او حية ووضع رأسه على الحجر ثم شدخها بحجر آخر وقابيل ينظر فتعلم منه فوضع رأس هابيل بين حجرين وهو مستسلم لا يستعصى عليه او اغتاله وهو نائم وغنمه ترعى وذلك عند جبل ثور او عقبة حراء او بالبصرة فى موضع المسجد الاعظم وكان لهابيل يوم قتله عشرون سنة وعن بعض الكبار ان آدم لما هبط الى الارض تفكر فيما اكل فاستقاء فنبتت شجرة السم من قيئه فاكلت الحية ذلك السم ولذا صارت مؤذية مهلكة وكان قد بقى شىء مما اكل فلما غشى حواء حصل قابيل ولذا كان قاتلا باعثا للفساد فى وجه الارض { فاصبح من الخاسرين } خسر دينه ودنياه. قال ابن عباس رضى الله عنهما خسر دنياه وآخرته اما الدنيا فانه اسخط لوالديه وبقى مذموما الى يوم القيامة واما الآخرة فهو العقاب العظيم { فبعث الله غرابا } ارسله { يبحث فى الارض } البحث بالفارسية " بكندن " { ليريه } المستكن الى الله تعالى او للغراب واللام على الاول متعلقة ببعث حتما وعلى الثانى بيبحث ويجوز تعلقها ببعث ايضا { كيف يوارى } يستر { سوأة اخيه } اى جسده الميت فانه مما يستقبح انه يرى وقيل عورته لانه كان قد سلب ثيابه. وكيف حال من ضمير يوارى والجملة ثانى مفعولى يرى روى انه لما قتله تركه بالعراء اى الارض الخالية عن الاشجار ولم يدر ما يصنع به لانه كان اول ميت على وجه الارض من بنى آدم فخاف عليه السباع فحمله فى جراب على ظهره اربعين يوما او سنة حتى اروح وعفت عليه الطيور والسباع تنظر متى يرمى به فتأكله فبعث الله غرابين فاقتتلا فقتل احدهما الآخر فحفر له بمنقاره ورجليه حفرة فالقاه فيها وواراه وقابيل ينظر اليه وكأنه قيل فماذا قال عند مشاهدة حال الغراب فقيل { قال يا ويلتا } هى كلمة جزع وتحسر والالف بدل من ياء المتكلم والمعنى يا ويلتى احضرى فهذا اوانك والنداء وان كان اصله لمن يتأتى منه الاقبال وهم العقلاء الا ان العرب تتجوز وتنادى ما لا يعقل اظهارا للتحسر ومثله يا حسرة على العباد والويل والويلة الهلكة { أعجزت ان اكون } اى عن ان اكون { مثل هذا الغراب فاوارى سوأة اخى } تعجب من عدم اهتدائه الى ما اهتدى اليه الغراب وقوله فاوارى بالنصب عطف على اكون اى اعجزت عن كونى مشبها بالغراب فمواريا { فاصبح من النادمين } اى على قتله لما كان من التحير فى امره وحمله على رقبته مدة طويلة وغير ذلك فلما كان ندمه لاجل هذه الاسباب لا للخوف من الله بسبب ارتكاب المعصية لم يكن ندمه توبة ولم ينتفع بندمه روى انه لما قتل ابن آدم اخاه رجفت الارض بما عليها سبعة ايام ثم شربت الارض دمه كشرب الماء فناداه الله اين اخوك هابيل قال ما ادرى ما كنت عليه رقيبا فقال الله تعالى ان دم اخيك لينادينى من الارض فلم قتلت اخاك قال فاين دمه ان كنت قتلته فحرم الله تعالى على الارض يومئذ ان تشرب دما بعده ابدا. قال مقاتل كان قبل ذلك يستأنس السباع والطيور والوحوش فلما قتل قابيل هابيل نفروا فلحقت الطيور بالهواء والوحوش بالبرية والسباع بالغياض واشتاك الشجر وتغيرت الاطعمة وحمضت الفواكه وامر الماء واغبرت الارض فقال آدم قد حدث فى الارض حدث فاتى الهند فاذا قابيل قد قتل هابيل وكان جسد قابيل ابيض قبل ذلك فاسود فسأله آدم عن اخيه فقال ما كنت عليه وكيلا قال بل قتلته ولذلك اسود جسدك ومكث آدم حزينا على قتل ولده مائة سنة لا يضحك وانشأ يقول وهو اول من قال الشعر تغيرت البلاد ومن عليها فوجه الارض مغبر قبيح تغير كل ذى لون وطعم وقال بشاشة الوجه الصبيح وعن ابن عباس رضى الله عنهما من قال ان آدم قال شعرا فقد كذب ان محمدا والانبياء كلهم فى النهى عن الشعر سواء ولكن لما قتل قابيل هابيل رثاه آدم وهو سريانى فلما قال آدم مرثية قال لشيث يا بنى انك وصيى احفظ هذا الكلام ليتوارث فيرق الناس عليه فلم يزل ينقل حتى وصل الى يعرب بن قحطان وكان يتكلم بالعربية والسريانية وهو اول من خط بالعربي وكان يقول الشعر فنظر فى المرثية فرد المقدم الى المؤخر والمؤخر الى المقدم فوزنه شعرا وزيد فيه ابيات منها ومالى لا اجود بسكب دمع وهابيل تضمنه الضريح ارى طول الحياة على نقما فهل انا من حياتى مستريح وروى عن انس رضى الله عنه انه قال سئل " النبى صلى الله عليه وسلم عن يوم الثلاثاء فقال " يوم الدم فيه حاضت حواء وفيه قتل ابن آدم اخاه " " فلما مضى من عمر آدم مائة وثلاثون سنة وذلك بعد قتل هابيل بخمس سنين ولدت له حواء شيثا وتفسيره هبة الله يعنى انه خلف من هابيل علمه الله تعالى ساعات الليل والنهار واعلمه عبادة الخلق فى كل ساعة منها وانزل عليه خمسين صحيفة وصار وصى آدم وولى عهده. واما قابيل فقيل له اذهب طريدا شريدا فزعا مرعوبا لا تأمن من تراه فاخذ بيد اخته اقليما وهرب بها الى عدن من ارض اليمن فاتاه ابليس فقال له انما اكلت النار قربان هابيل لانه كان يعبد النار فانصب انت ايضا نارا تكون لك ولعقبك فبنى بيت النار وهو اول من عبد النار وكان لا يمر به احد الا رماه فاقبل ابن له اعمى ومعه ابن له فقال للاعمى ابنه هذا ابوك قابيل فرمى الاعمى اباه بحجارة فقتله فقال ابن الاعمى قتلت اباك فرفع يده فلطم ابنه فمات فقال الاعمى ويل لى قتلت ابى برميتى وقتلت ابنى بلطمتى. قال مجاهد فعقلت احدى رجلى قابيل الى فخذها وساقها وعلقت من يومئذ الى يوم القيامة وجهه الى الشمس حيثما دارت عليه فى الصيف حظيرة من نار وفى الشتاء حظيرة من ثلج وهو اول من عصى الله فى الارض من ولد آدم وهو اول من يساق الى النار وفى الحديث " لا تقتل نفس ظلما الا كان على ابن آدم الاول كفل من دمها ". لانه اول من سن القتل وهو اب يأجوج ومأجوج شر اولاد توالدوا من شر والد. قالوا واتخذ أولاد قابيل آلات اللهو من اليراع والطبول والمزامير والعيدان والطنابير وانهمكوا فى اللهو وشرب الخمر وعبادة النار والزنى والفواحش حتى غرقهم الله بالطوفان ايام نوح وبقى نسل شيث. وفى التواريخ لما ذهب قابيل الى سمت اليمن كثروا وخلفوا وطفقوا يتحاربون مع اولاد آدم يسكنون فى الجبال والمغارات والغياض الى زمن مهلاييل بن قينان بن انوش بن شيث ففرقهم مهلاييل الى اقطار الارض وسكن هو فى ارض بابل وكان كيومرث اخاه الصغير وهو اول السلاطين فى العالم فاخذوا يبنون المدن والحصون واستمر الحرب بينهم الى آخر الزمان. واعلم ان الكدر لا يرتفع من الدنيا وانما يرتفع التكدر عن قلوب اهل الله تعالى كالنار والماء لا يرتفعان ابدا لكن يرتفع احراق النار لبعض كما وقع لابراهيم عليه السلام واغراق الماء لبعض كما وقع لموسى عليه السلام والدنيا تذهب على هذا فطوبى لمن رضى وصبر قال الحافظ دربن جمن كل بيخار كس نجيد آرى جراغ مصطفوى باشرار بولهبيست وله مكن زغصه شكايت كه در طريق طلب براحتى ترسيد آنكه زحمتى نكشيد والاشارة فى الآيات ان آدم الروح بازدواجه مع حواء القلب ولد قابيل النفس وتوأمته اقليما الهوى فى بطن اولا ثم ولد هابيل القلب وتوأمته ليوذا العقل وكان اقليما الهوى فى غاية الحسن لان القلب يميل على طلب المولى وما عنده وهو محبب اليه وكان ليوذا العقل فى نظر هابيل القلب فى غاية القبح والدمامة لان القلب به يعقل عن طلب الحق والفناء فى الله ولهذا قيل العقل عقيلة الرجال وفى نظر قابيل النفس ايضا فى غاية القبح لان النفس به تعقل عن طلب الدنيا والاستهلاك فيها فالله تعالى حرم الازدواج بين التوأمين كليهما وامر بازدواج توأمة كل واحد منهما الى توأم الاخرى لئلا يعقل القلب عن طلب الحق بل يحرضه الهوى على الاستهلاك والفناء فى الله ولهذا قال بعضهم لولا الهوى ما سلك احد طريقا الى الله فان الهوى اذا كان قرين النفس يكون حرصا فيه تنزل النفس الى اسفل سافلين الدنيا وبعد المولى واذا كان قرين القلب يكون عشقا فيه يصعد القلب الى اعلى عليين العقبى وقرب المولى ولهذا سمى العشق هوى كما قال الشاعر اتانى هواها قبل ان اعرف الهوى فصادف قلبى فارغا فتمكنا ولتعقل النفس عن طلب الدنيا بل يحرضها العقل على العبودية وينهاها عن متابعة الهوى فذكر آدم الروح لولديه ما امر الله به فرضى هابيل القلب وسخط قابيل النفس وقال هى اختى يعنى اقليما الهوى ولدت معى فى بطنى وهى احسن من اخت هابيل القلب يعنى ليوذا العقل وانا احق بها ونحن من ولائد جنة الدنيا وهما من ولائد ارض العقبى فانا احق باختى فقال له ابوه انها لا تحل لك يعنى اذ كان الهوى قرينك فتهلك فى اودية حب الدنيا وطلب لذاتها وشهواتها فابى ان يقبل قابيل النفس هذا الحكم من آدم الروح وقال الله تعالى لم يأمر به وانما هذا من رأيه فقال لهما آدم الروح قربا قربانا فايكما يقبل قربانه فهو احق بها فخرجا ليقربا وكان قابيل النفس صاحب زرع يعنى مدبر النفس النامية وهى القوة النباتية فقرب طعاما من اردى زرعه وهو القوة الطبيعية وكان هابيل القلب راعيا يعنى مواشى الاخلاق الانسانية والصفات الحيوانية فقرب جملا يعنى الصفة البهيمية وهى احب الصفات اليه لاحتياجه اليها لضرورة التغذى والبقاء ولسلامتها بالنسبة الى الصفات السبعية الشيطانية فوضعها قربانهما على جبل البشرية ثم دعا آدم الروح فنزلت نار المحبة من سماء الجبروت فاكلت جمل الصفة البهيمية لانها حطب هذه النار ولم تأكل من قربان قابيل النفس حبة لانها ليست من حطبها بل هى من حطب نار الحيوانية فهذا تحقيق قوله تعالى واتل عليهم المائدة 27 الآية. والاشارة فى قوله { فطوعت له نفسه } اى نفس قابيل النفس طوعت له وجوزت { قتل اخيه } وهو القلب لان النفس اعدى عدو القلب { فقتله فاصبح من الخاسرين } يعنى فى قتل القلب خسارة النفس فى الدنيا والآخرة اما فى الدنيا فتحرم عن الواردات والكشوف والعلوم الغيبية التى منشأها القلب وعن ذوق المشاهدات ولذة المؤانسات فتبقى فى خسران جهولية الانسان كقوله تعالى والعصر إن الإنسان لفى خسر العصر 1. واما فى الآخرة فتخسر الدخول فى جنات النعيم ولقاء الرب الكريم والنجاة من الجحيم والعذاب الاليم وفى قوله { فبعث الله } اشارات منها ليعلم ان الله قادر على ان يبعث { غرابا } او غيره من الحيوان الى الانسان ليعلمه ما لم يعلم كما يبعث الملائكة الى الرسل والرسل الى الامم ليعلموهم ما لم يعلموا. ومنها لئلا يعجب الملائكة والرسل انفسهم باختصاصهم بتعليم الحق فانه يعلمهم بواسطة الغراب كما يعلمهم بواسطة الملائكة والرسل. ومنها ليعلم الانسان انه محتاج فى التعلم الى غراب ويعجز ان يكون مثل غراب فى العلم. ومنها ان لله تعالى فى كل حيوان بل فى كل ذرة آية تدل على وحدانيته واختياره حيث يبدى المعاملات المعقولة من الحيوانات الغير العاقلة. ومنها اظهار لطفه مع عباده فى اسباب التعيش حتى اذا اشكل عليهم امر كيف يرشدهم الى الاحتيال بلطائف الاسباب لحله كذا فى التأويلات النجمية.

المائدة 5:31

{ فطوعت له نفسه قتل اخيه } من طاع له المرتع اذا اتسع اى وسعته وسهلته اى جعلته سهلا وهونته وتقدير الكلام فصورت له نفسه ان قتل اخيه طوع له سهل عليه ومتسع له لا ضيق فيه ولا حرج فان قتل النفس بغير حق لا سيما قتل الاخ اذا تصوره الانسان يجده شيئا عاصيا نافرا كل النفرة عن دائرة الشرع والعقل بعيدا عن الاطاعة والانقياد البتة ثم ان النفس الامارة اذا استعملت القوة السبعية الغضبية صار ذلك الفعل اسهل عليها فكأن النفس صيرته كالمطيع لها بعد ان كان كالعاصى المتمرد عليها ويتم الكلام بدون اللام بان يقال فطوعته نفسه قتل اخيه الا انه جيىء باللام لزيادة الربط كما فى قولك حفظت لزيد ماله مع تمام الكلام بان يقال حفظت مال زيد { فقتله } قيل لم يدر قابيل كيف يقتل هابين فتمثل ابليس طائرا او حية ووضع رأسه على الحجر ثم شدخها بحجر آخر وقابيل ينظر فتعلم منه فوضع رأس هابيل بين حجرين وهو مستسلم لا يستعصى عليه او اغتاله وهو نائم وغنمه ترعى وذلك عند جبل ثور او عقبة حراء او بالبصرة فى موضع المسجد الاعظم وكان لهابيل يوم قتله عشرون سنة وعن بعض الكبار ان آدم لما هبط الى الارض تفكر فيما اكل فاستقاء فنبتت شجرة السم من قيئه فاكلت الحية ذلك السم ولذا صارت مؤذية مهلكة وكان قد بقى شىء مما اكل فلما غشى حواء حصل قابيل ولذا كان قاتلا باعثا للفساد فى وجه الارض { فاصبح من الخاسرين } خسر دينه ودنياه. قال ابن عباس رضى الله عنهما خسر دنياه وآخرته اما الدنيا فانه اسخط لوالديه وبقى مذموما الى يوم القيامة واما الآخرة فهو العقاب العظيم { فبعث الله غرابا } ارسله { يبحث فى الارض } البحث بالفارسية " بكندن " { ليريه } المستكن الى الله تعالى او للغراب واللام على الاول متعلقة ببعث حتما وعلى الثانى بيبحث ويجوز تعلقها ببعث ايضا { كيف يوارى } يستر { سوأة اخيه } اى جسده الميت فانه مما يستقبح انه يرى وقيل عورته لانه كان قد سلب ثيابه. وكيف حال من ضمير يوارى والجملة ثانى مفعولى يرى روى انه لما قتله تركه بالعراء اى الارض الخالية عن الاشجار ولم يدر ما يصنع به لانه كان اول ميت على وجه الارض من بنى آدم فخاف عليه السباع فحمله فى جراب على ظهره اربعين يوما او سنة حتى اروح وعفت عليه الطيور والسباع تنظر متى يرمى به فتأكله فبعث الله غرابين فاقتتلا فقتل احدهما الآخر فحفر له بمنقاره ورجليه حفرة فالقاه فيها وواراه وقابيل ينظر اليه وكأنه قيل فماذا قال عند مشاهدة حال الغراب فقيل { قال يا ويلتا } هى كلمة جزع وتحسر والالف بدل من ياء المتكلم والمعنى يا ويلتى احضرى فهذا اوانك والنداء وان كان اصله لمن يتأتى منه الاقبال وهم العقلاء الا ان العرب تتجوز وتنادى ما لا يعقل اظهارا للتحسر ومثله يا حسرة على العباد والويل والويلة الهلكة { أعجزت ان اكون } اى عن ان اكون { مثل هذا الغراب فاوارى سوأة اخى } تعجب من عدم اهتدائه الى ما اهتدى اليه الغراب وقوله فاوارى بالنصب عطف على اكون اى اعجزت عن كونى مشبها بالغراب فمواريا { فاصبح من النادمين } اى على قتله لما كان من التحير فى امره وحمله على رقبته مدة طويلة وغير ذلك فلما كان ندمه لاجل هذه الاسباب لا للخوف من الله بسبب ارتكاب المعصية لم يكن ندمه توبة ولم ينتفع بندمه روى انه لما قتل ابن آدم اخاه رجفت الارض بما عليها سبعة ايام ثم شربت الارض دمه كشرب الماء فناداه الله اين اخوك هابيل قال ما ادرى ما كنت عليه رقيبا فقال الله تعالى ان دم اخيك لينادينى من الارض فلم قتلت اخاك قال فاين دمه ان كنت قتلته فحرم الله تعالى على الارض يومئذ ان تشرب دما بعده ابدا. قال مقاتل كان قبل ذلك يستأنس السباع والطيور والوحوش فلما قتل قابيل هابيل نفروا فلحقت الطيور بالهواء والوحوش بالبرية والسباع بالغياض واشتاك الشجر وتغيرت الاطعمة وحمضت الفواكه وامر الماء واغبرت الارض فقال آدم قد حدث فى الارض حدث فاتى الهند فاذا قابيل قد قتل هابيل وكان جسد قابيل ابيض قبل ذلك فاسود فسأله آدم عن اخيه فقال ما كنت عليه وكيلا قال بل قتلته ولذلك اسود جسدك ومكث آدم حزينا على قتل ولده مائة سنة لا يضحك وانشأ يقول وهو اول من قال الشعر تغيرت البلاد ومن عليها فوجه الارض مغبر قبيح تغير كل ذى لون وطعم وقال بشاشة الوجه الصبيح وعن ابن عباس رضى الله عنهما من قال ان آدم قال شعرا فقد كذب ان محمدا والانبياء كلهم فى النهى عن الشعر سواء ولكن لما قتل قابيل هابيل رثاه آدم وهو سريانى فلما قال آدم مرثية قال لشيث يا بنى انك وصيى احفظ هذا الكلام ليتوارث فيرق الناس عليه فلم يزل ينقل حتى وصل الى يعرب بن قحطان وكان يتكلم بالعربية والسريانية وهو اول من خط بالعربي وكان يقول الشعر فنظر فى المرثية فرد المقدم الى المؤخر والمؤخر الى المقدم فوزنه شعرا وزيد فيه ابيات منها ومالى لا اجود بسكب دمع وهابيل تضمنه الضريح ارى طول الحياة على نقما فهل انا من حياتى مستريح وروى عن انس رضى الله عنه انه قال سئل " النبى صلى الله عليه وسلم عن يوم الثلاثاء فقال " يوم الدم فيه حاضت حواء وفيه قتل ابن آدم اخاه " " فلما مضى من عمر آدم مائة وثلاثون سنة وذلك بعد قتل هابيل بخمس سنين ولدت له حواء شيثا وتفسيره هبة الله يعنى انه خلف من هابيل علمه الله تعالى ساعات الليل والنهار واعلمه عبادة الخلق فى كل ساعة منها وانزل عليه خمسين صحيفة وصار وصى آدم وولى عهده. واما قابيل فقيل له اذهب طريدا شريدا فزعا مرعوبا لا تأمن من تراه فاخذ بيد اخته اقليما وهرب بها الى عدن من ارض اليمن فاتاه ابليس فقال له انما اكلت النار قربان هابيل لانه كان يعبد النار فانصب انت ايضا نارا تكون لك ولعقبك فبنى بيت النار وهو اول من عبد النار وكان لا يمر به احد الا رماه فاقبل ابن له اعمى ومعه ابن له فقال للاعمى ابنه هذا ابوك قابيل فرمى الاعمى اباه بحجارة فقتله فقال ابن الاعمى قتلت اباك فرفع يده فلطم ابنه فمات فقال الاعمى ويل لى قتلت ابى برميتى وقتلت ابنى بلطمتى. قال مجاهد فعقلت احدى رجلى قابيل الى فخذها وساقها وعلقت من يومئذ الى يوم القيامة وجهه الى الشمس حيثما دارت عليه فى الصيف حظيرة من نار وفى الشتاء حظيرة من ثلج وهو اول من عصى الله فى الارض من ولد آدم وهو اول من يساق الى النار وفى الحديث " لا تقتل نفس ظلما الا كان على ابن آدم الاول كفل من دمها ". لانه اول من سن القتل وهو اب يأجوج ومأجوج شر اولاد توالدوا من شر والد. قالوا واتخذ أولاد قابيل آلات اللهو من اليراع والطبول والمزامير والعيدان والطنابير وانهمكوا فى اللهو وشرب الخمر وعبادة النار والزنى والفواحش حتى غرقهم الله بالطوفان ايام نوح وبقى نسل شيث. وفى التواريخ لما ذهب قابيل الى سمت اليمن كثروا وخلفوا وطفقوا يتحاربون مع اولاد آدم يسكنون فى الجبال والمغارات والغياض الى زمن مهلاييل بن قينان بن انوش بن شيث ففرقهم مهلاييل الى اقطار الارض وسكن هو فى ارض بابل وكان كيومرث اخاه الصغير وهو اول السلاطين فى العالم فاخذوا يبنون المدن والحصون واستمر الحرب بينهم الى آخر الزمان. واعلم ان الكدر لا يرتفع من الدنيا وانما يرتفع التكدر عن قلوب اهل الله تعالى كالنار والماء لا يرتفعان ابدا لكن يرتفع احراق النار لبعض كما وقع لابراهيم عليه السلام واغراق الماء لبعض كما وقع لموسى عليه السلام والدنيا تذهب على هذا فطوبى لمن رضى وصبر قال الحافظ دربن جمن كل بيخار كس نجيد آرى جراغ مصطفوى باشرار بولهبيست وله مكن زغصه شكايت كه در طريق طلب براحتى ترسيد آنكه زحمتى نكشيد والاشارة فى الآيات ان آدم الروح بازدواجه مع حواء القلب ولد قابيل النفس وتوأمته اقليما الهوى فى بطن اولا ثم ولد هابيل القلب وتوأمته ليوذا العقل وكان اقليما الهوى فى غاية الحسن لان القلب يميل على طلب المولى وما عنده وهو محبب اليه وكان ليوذا العقل فى نظر هابيل القلب فى غاية القبح والدمامة لان القلب به يعقل عن طلب الحق والفناء فى الله ولهذا قيل العقل عقيلة الرجال وفى نظر قابيل النفس ايضا فى غاية القبح لان النفس به تعقل عن طلب الدنيا والاستهلاك فيها فالله تعالى حرم الازدواج بين التوأمين كليهما وامر بازدواج توأمة كل واحد منهما الى توأم الاخرى لئلا يعقل القلب عن طلب الحق بل يحرضه الهوى على الاستهلاك والفناء فى الله ولهذا قال بعضهم لولا الهوى ما سلك احد طريقا الى الله فان الهوى اذا كان قرين النفس يكون حرصا فيه تنزل النفس الى اسفل سافلين الدنيا وبعد المولى واذا كان قرين القلب يكون عشقا فيه يصعد القلب الى اعلى عليين العقبى وقرب المولى ولهذا سمى العشق هوى كما قال الشاعر اتانى هواها قبل ان اعرف الهوى فصادف قلبى فارغا فتمكنا ولتعقل النفس عن طلب الدنيا بل يحرضها العقل على العبودية وينهاها عن متابعة الهوى فذكر آدم الروح لولديه ما امر الله به فرضى هابيل القلب وسخط قابيل النفس وقال هى اختى يعنى اقليما الهوى ولدت معى فى بطنى وهى احسن من اخت هابيل القلب يعنى ليوذا العقل وانا احق بها ونحن من ولائد جنة الدنيا وهما من ولائد ارض العقبى فانا احق باختى فقال له ابوه انها لا تحل لك يعنى اذ كان الهوى قرينك فتهلك فى اودية حب الدنيا وطلب لذاتها وشهواتها فابى ان يقبل قابيل النفس هذا الحكم من آدم الروح وقال الله تعالى لم يأمر به وانما هذا من رأيه فقال لهما آدم الروح قربا قربانا فايكما يقبل قربانه فهو احق بها فخرجا ليقربا وكان قابيل النفس صاحب زرع يعنى مدبر النفس النامية وهى القوة النباتية فقرب طعاما من اردى زرعه وهو القوة الطبيعية وكان هابيل القلب راعيا يعنى مواشى الاخلاق الانسانية والصفات الحيوانية فقرب جملا يعنى الصفة البهيمية وهى احب الصفات اليه لاحتياجه اليها لضرورة التغذى والبقاء ولسلامتها بالنسبة الى الصفات السبعية الشيطانية فوضعها قربانهما على جبل البشرية ثم دعا آدم الروح فنزلت نار المحبة من سماء الجبروت فاكلت جمل الصفة البهيمية لانها حطب هذه النار ولم تأكل من قربان قابيل النفس حبة لانها ليست من حطبها بل هى من حطب نار الحيوانية فهذا تحقيق قوله تعالى واتل عليهم المائدة 27 الآية. والاشارة فى قوله { فطوعت له نفسه } اى نفس قابيل النفس طوعت له وجوزت { قتل اخيه } وهو القلب لان النفس اعدى عدو القلب { فقتله فاصبح من الخاسرين } يعنى فى قتل القلب خسارة النفس فى الدنيا والآخرة اما فى الدنيا فتحرم عن الواردات والكشوف والعلوم الغيبية التى منشأها القلب وعن ذوق المشاهدات ولذة المؤانسات فتبقى فى خسران جهولية الانسان كقوله تعالى والعصر إن الإنسان لفى خسر العصر 1. واما فى الآخرة فتخسر الدخول فى جنات النعيم ولقاء الرب الكريم والنجاة من الجحيم والعذاب الاليم وفى قوله { فبعث الله } اشارات منها ليعلم ان الله قادر على ان يبعث { غرابا } او غيره من الحيوان الى الانسان ليعلمه ما لم يعلم كما يبعث الملائكة الى الرسل والرسل الى الامم ليعلموهم ما لم يعلموا. ومنها لئلا يعجب الملائكة والرسل انفسهم باختصاصهم بتعليم الحق فانه يعلمهم بواسطة الغراب كما يعلمهم بواسطة الملائكة والرسل. ومنها ليعلم الانسان انه محتاج فى التعلم الى غراب ويعجز ان يكون مثل غراب فى العلم. ومنها ان لله تعالى فى كل حيوان بل فى كل ذرة آية تدل على وحدانيته واختياره حيث يبدى المعاملات المعقولة من الحيوانات الغير العاقلة. ومنها اظهار لطفه مع عباده فى اسباب التعيش حتى اذا اشكل عليهم امر كيف يرشدهم الى الاحتيال بلطائف الاسباب لحله كذا فى التأويلات النجمية.

المائدة 5:32

{ من اجل ذلك } شروع فيما هو المقصود بتلاوة النبأ من بيان بعض آخر من جنايات بنى اسرائيل ومعاصيهم وذلك اشارة الى عظم شأن القتل وافراط قبحه اى من اجل كون القتل على سبيل العدوان مشتملا على انواع المفاسد من خسارة جميع الفضائل الدينية والدنيوية وجمع السعادات الاخروية كما هى مندرجة فى اجمال قوله فأصبح من الخاسرين المائدة 30. ومن الابتلاء بجميع ما يوجب الحسرة والندامة من غير ان يكون لشىء منه ما يدفعه البتة كما هو مندرج فى اجمال قوله فأصبح من النادمين المائدة 31. واجل فى الاصل مصدر اجل شرا اذا جناه وهيجه استعمل فى تعليل الجنايات اى فى جعل ما جناه الغير علة لامر يقال فعلته من اجلك اى بسبب ان جنيت ذلك وكسبته ثم اتسع فيه واستعمل فى كل تعليل ومن لابتداء الغاية متعلقة بقوله تعالى { كتبنا على بنى إسرائيل } وتقديمها عليه للقصر اى من ذلك ابتدىء الكتب ومنه نشأ لا من شىء آخر اى قضينا عليهم فى التوارة وبينا { انه من قتل نفسا } واحدة من النفوس { بغير نفس } اى بغير قتل نفس يوجب الاقتصاص { أو فساد فى الأرض } اى فساد يوجب اهدار دمها كالشرك وقطع الطريق وهو عطف على ما اضيف اليه غير بمعنى نفى كلا الامرين معا كما فى قولك من صلى بغير وضوء وهو عطف على ما اضيف اليه غير بمعنى نفى كلا الامرين معا كما فى قولك من صلى بغير وضوء او تيمم بطلت صلاته لانفى احدهما كما فى قولك من صلى بغير وضوء او ثوب بطلت صلاته { فكأنما قتل الناس جميعا } من حيث انه هتك حرمة الدماء وسن القتل وجرأ الناس عليه او من حيث ان قتل الواحد والجميع سواء فى استجلاب غضب الله والعذاب العظيم وقوله جميعا حال من الناس او تأكيد { ومن أحياها } اى تسبب لبقاء حياتها بعفو او منع عن القتل او استنقاذ من بعض اسباب الهلكة { فكأنما احيى الناس جميعا } فكأنما فعل ذلك بالناس جميعا والمقصود من التشبيه المبالغة فى تعظيم امر القتل بغير حق والترغيب فى الاحتراز عنه { ولقد جاءتهم } اى اهل الكتاب { رسلنا بالبينات } اى وبالله لقد جاءتهم رسلنا حسبما ارسلناهم بالآيات الواضحة بتقرير ما كتبنا عليهم تأكيدا لوجوب مراعاته وتأييدا لتحتم المحافظة عليهم { ثم ان كثيرا منهم بعد ذلك } اى بعد ما ذكر من الكتب وتأكيد الامر بارسال الرسل تترى وتجديد العهد مرة بعد اخرى وثم للتراخى فى الرتبة والاستبعاد { فى الارض لمسرفون } فى القتل غير مبالين به والاسراف فى كل امر التباعد عن حد الاعتال مع عدم مبالاة به. قوله بعد ذلك وقوله فى الارض يتعلقان بقوله لمسرفون وهو خبر ان وبهذا اى بقوله تعالى { ولقد جاءتهم رسلنا } اتصلت القصة بما قبلها. وفى التأويلات النجمية اعلم ان كل شىء ترى فيه آية من الله تعالى فهو فى الحقيقة رسول من الله اليك ومعه آية بينة ومعجزة ظاهرة يدعوك بها الى الله ثم ان كثيرا من الذين شاهدوا الآيات وتحققوا البينات بعد رؤية الآيات فى الارض لمسرفون اى فى ارض البشرية مجاوزون حد الشريعة والطريقة بمخالفة اوامر الله ونواهيه انتهى. واعلم ان اهل الغفلة يشاهدون الآثار لكنهم غافلون عن الحقيقة فهم كأنهم لا بصر لهم بل غيرة الحق تمنعهم من الرؤية الصحيحة لكونهم اغيارا غير لائقين بالدخول فى المجلس الخاص قال الحافظ معشوق عيان ميكذردبرتو وليكن اغيار همى بيند ازان بسته نقابست وكل ذرة من ذرات الكائنات وان كانت قائمة بالحق وبنوره فى الحقيقة الا ان الدنيا خيال يحتاج السالك الى العبور عن مسالكه الى ان ينتهى الى الحق وفى المثنوى اين جهانرا كه بصورت قائمست كفت بيغمبر كه حلم نائمست ازره تقليد توكردى قبول سالكان اين ديده بيدا بى رسول روز درخوابى مكوكين خواب نيست سايه فرعست اصل جزمهتاب نيست خواب بيداريت آن دان اى عضد كه نبيند خفته كو در خواب شد او كمان برده كه اين دم خفته ام بى خبرزان كوست درخواب دوم وهذه اى اليقظة من المنام على الحقيقة لا تتيسر الا لارباب المكاشفة الصحيحة واصحاب المشاهدة الواضحة اللهم افض علينا من هذا المقام.

المائدة 5:33

{ انما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } اى يحاربون اولياءهما وهم المسلمون جعل محاربتهم محاربتهما تعظيما لهم والمراد بالمحاربة قطع الطريق وهو انما يكون من قوم اجتمعوا فى الصحراء وتعرضوا لدماء المسلمين واموالهم وازواجهم وامائهم ولهم قوة وشوكة تمنعهم ممن ارادهم { ويسعون فى الارض فسادا } حال من فاعل يسعون اى مفسدين. نزلت فى قوم هلال بن عويمر الاسلمى وكان وادعه رسول الله صلى الله عليه وسلم على ان لا يعينه ولا يعين عليه ومن اتاه من المسلمين فهو آمن لا يهاج ومن مر بهلال الى رسول الله فهو آمن لا يهاج فمر قوم من بنى كنانة يريدون الاسلام بناس من قوم هلال ولم يكن هلال يومئذ حاضرا فقطعوا عليهم وقتلوهم واخذوا اموالهم. فان قلت بنفس ارادة الاسلام لا يخرج الشخص عن كونه حربيا والحد لا يجب بقطع الطريق عليه وان كان مستأمنا. قلت معناه تعلم احكام الاسلام فانهم كانوا مسلمين او يقال جاؤا على قصد الاسلام فهم بمنزلة اهل الذمة والحد واجب بالقطع على اهل الذمة ولما كانت المحاربة والفساد على مراتب متفاوتة ووجوه شتى من القتل بدون اخذ المال ومن القتل مع اخذه ومن اخذه بدون قتل ومن الاخافة بدون قتل واخذ شرعت لكل مرتبة من تلك المراتب عقوبة معينة بطريق التوزيع فقيل { ان يقتلوا } اى حدا من غير صلب ان افردوا القتل ولو عفا الاولياء لا يلتفت الى ذلك لانه حق الشرع ولا فرق بين ان يكون القتل بآلة جارحة او لا { او يصلبوا } اى يصلبوا مع القتل ان جمعوا بين القتل والاخذ بان يصلبوا احياء وتبعج بطونهم برمح الى ان يموتوا ولا يصلبوا بعدما قتلوا لان الصلب حيا ابلغ فى الردع والزجر لغيره عن الاقدام على مثل هذه المعصية { او تقطع ايديهم وارجلهم من خلاف } اى ايديهم اليمنى من الرسغ وارجلهم اليسرى من الكعب ان اقتصروا على اخذ مال من مسلم او ذمى وكان فى المقدار بحيث لو قسم عليهم اصاب كلا منهم عشرة دراهم او ما يساويها قيمة اما قطع ايديهم فأخذ المال واما قطع ارجلهم فلاخافة الطريق بتفويت امنه { او ينفوا من الارض } ان لم يفعلوا غير الاخافة والسعى للفساد والمراد بالنفى عندنا هو الحبس فانه نفى عن وجه الارض بدفع شرهم عن اهلها ويعزرون ايضا لمباشرتهم منكر الاخافة وازالة الامن { ذلك لهم خزى } كائن { فى الدنيا } اى ذل وفضيحة. قوله ذلك مبتدأ ولهم خبر مقدم على المبتدأ وهو الخزى والجملة خبر لذلك { ولهم فى الآخرة } غير هذا { عذاب عظيم } لا يقادر قدره لغاية عظم جنايتهم. فقوله تعالى لهم خبر مقدم وعذاب مبتدأ مؤخر وفى الآخرة متعلق بمحذوف وقع حالا من عذاب لانه فى الاصل صفة له فلما قدم انتصب حالا اى كائنا فى الآخرة.

المائدة 5:34

{ الا الذين تابوا من قبل ان تقدروا عليهم } استثناء مخصوص بما هو من حقوق الله عز وجل كما ينبىء عنه قوله تعالى { فاعلموا ان الله غفور رحيم } أما ما هو من حقوق الآدميين فانه لا يسقط بهذه التوبة فان قطاع الطريق ان قتلوا انسانا ثم تابوا قبل القدرة عليهم يسقط بهذه التوبة وجوب قتلهم حدا وكان ولى الدم على حقه فى القصاص والعفو وان اخذوا مالا ثم تابوا قبل القدرة عليهم يسقط بهذه التوبة وجوب قطع ايديهم وارجلهم من خلاف وكان حق صاحب المال باقيا فى ماله وجب عليهم رده واما اذا تاب بعد القدرة عليه فظاهر الآية ان التوبة لا تنفعه ويقام الحد عليه فى الدنيا كما يضمن حقوق العباد وان سقط عنه العذاب العظيم فى العقبى. والآية فى قطاع المسلمين لان توبة المشرك تدرأ عنه العقوبة قبل القدرة وبعدها يعنى ان المشرك المحارب لو آمن بعد القدرة عليه فلا سبيل عليه بشىء من الحدود ولا يطالب بشىء مما اصاب فى حال الكفر من دم او مال كما لو آمن قبل القدرة عليه. واما المسلمون المحاربون فمن تاب منهم قبل القدرة عليه اى قبل ان يظفر به الامام سقطت عنه العقوبة التى وجبت حقا لله ولا يسقط ما كان من حقوق العباد فان كان قد قتل فى قطع الطريق سقط عنه بالتوبة قبل القدرة عليه تحتم القتل ويبقى عليه القصاص لولى القتل ان شاء عفا عنه وان شاء استوفاه وان كان قد اخذ المال يسقط عنه القطع وان كان جمع بينهما يسقط عنه تحتم القتل والصلب ويجب ضمان المال. وقال بعضهم اذا جاء تائبا قبل القدرة عليه لا يكون لأحد تبعة فى دم ولا مال الا ان يوجد معه مال بعينه فيرده على صاحبه. روى عن على رضى الله عنه ان الحارث بن بدر جاءه تائبا بعد ما كان يقطع الطريق ويسفك الدماء ويأخذ الاموال فقبل توبته ولم يجعل عليه تبعة اصلا واما من تاب بعد القدرة عليه فلا يسقط عنه شىء من الحقوق. اعلم ان قطع الطريق واخافة المسافرين من اقبح السيآت كما ان دفع الاذى عن الطريق من احسن الصالحات وفى الحديث " عرضت على اعمال امتى حسنها وسيئها فوجدت فى محاسن اعمالها الاذى يماط عن الطريق ووجدت فى مساوى اعمالها النخاعة تكون فى المسجد لا تدفن ". وفى الحديث " من اشار الى اخيه ". اى اخيه المسلم والذمى فى حكمه " بحديدة " اى بما هو آلة القتل لانه جاء فى رواية " بسلاح ". مكان بحديدة " فان الملائكة تلعنه ". يعنى تدعو عليه بالبعد عن الجنة اول الامر لانه خوف مسلما باشارته وهو حرام لقوله عليه الصلاة والسلام " لا يحل لمسلم ان يروع المسلم " او لانه قد يسبقه السلاح فيقتله كما صرح به فى رواية مسلم " لا يشر احدكم الى اخيه فانه لا يدرى لعل الشيطان ينزغ فى يده وان كان اخاه ". اى المشير اخا المشار اليه " لابيه وامه ". يعنى فان كان هازلا ولم يقصد ضربه كنى به عنه لان الاخ الشقيق لا يقصد قتل اخيه غالبا. والاشارة فى الآية ان محاربة الله ورسوله معاداة اولياء الله فان فى الخبر الصحيح حكاية عن الله تعالى " من عادى لى وليا فقد بارزنى بالحرب وانى لأغضب لاوليائى كما يغضب الليث لجروه " ألا يرى ان بلعم بن باعوراء فى زمن موسى عليه السلام كان بحيث اذا نظر رأى العرش فلما مال الى الدنيا واهلها ميلة واحدة ولم يترك لولى من اوليائه حرمة واحدة سلب الله معرفته وجعله بمنزلة الكلب المطرود فجزاء مثل هذا المحارب ان يقتل بسكين الخذلان او يصلب بحبل الهجران على جذع الحرمان او تقطع ايديه عن اذيال الوصال وارجله من خلاف عن الاختلاف او ينفى من ارض القربة والائتلاف فله فى الدنيا بعد وهوان وفى الآخرة عذاب القطيعة والهجران الا الذين تابوا الى الله واستغفروا واعتذروا عن اولياء الله من قبل ان تقدروا عليهم برد الولاية ايها الاولياء فان ردكم رد الحق وقبولكم قبول الحق وان مردود الولاية مفقود العناية قال الحافظ كليد كنج سعادت قبول اهل دلست مبادكس كه درين نكته شك وريب كند وفى المثنوى لا جرم آنراه بر تو بسته شد جون دل اهل دل ازتوخسته شد زود شان درياب واستغفار كن همجو ابرى كريها وزار كن تاكلستان شان سوى توبشكفد ميو هاى بخته بر خود واكفد هم بران دركردكم ازسك مباش باسك كهف ارشدستى خواجه تاش

المائدة 5:35

{ يا ايها الذين آمنوا اتقوا الله } اى اخشوا عذابه واحذروا معاصيه { وابتغوا } اى اطلبوا لانفسكم { اليه } اى الى ثوابه والزلفى منه { الوسيلة } اى القربة بالاعمال الصالحة قوله تعالى اليه متعلق بالوسيلة قدم عليها للاهتمام وليست بمصدر حتى يمتنع ان يتقدم معمولها عليها بل هى فعيلة بمعنى ما يتوسل به ويتقرب الى الله تعالى من وسل الى كذا تقرب اليه والجمع الوسائل. وقال عطاء الوسيلة افضل درجات الجنة وفى الحديث " سلوا الله لى الوسيلة فانها درجة فى الجنة لا ينالها الا عبد واحد وأرجو من الله ان يكون هو انا ". وفى الحديث " من قال حين يسمع النداء اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت سيدنا محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه المقام المحمود الذى وعدته حلت له شفاعتى يوم القيامة ". قال المولى الفنارى فى تفسير الفاتحة اما الوسيلة فهى اعلى درجة فى جنة عدن وهى لرسول الله صلى الله عليه وسلم حصلت له بدعاء امته فعل ذلك الحق سبحانه لحكمة اخفاها فانا بسببه نلنا السعادة من الله وبه كنا خير امة اخرجت للناس وبه ختم الله بنا الامم كما ختم به النبيين وهو صلى الله عليه وسلم مبشر كما امر ان يقول ولنا وجه خاص الى الله تعالى نناجيه منه ويناجينا وكذا كل مخلوق له وجه خاص الى ربه فامرنا عن امر الله ان ندعو له بالوسيلة حتى ينزل فيها بدعاء امته وهذا من باب الغيرة الالهية انتهى { وجاهدوا فى سبيله } بمحاربة الاعداء الظاهرة والباطنة { لعلكم تفلحون } بالوصول الى الله والفوز بكرامته. والاشارة فى الآية ان الله تعالى جعل الفلاح الحقيقى فى اربعة اشياء. احدها الايمان وهو اصابة رشاشة النور فى بدء الخلقة وبه يخلص العبد من حجب ظلمة الكفر. وثانيها التقوى وهو منشأ الاخلاق المرضية ومنبع الاعمال الشرعية وبه يخلص العبد من ظلمة المعاصى. وثالثها ابتغاء الوسيلة وهو فناء الناسوتية فى بقاء اللاهوتية وبه يتخلص العبد من ظلمة اوصاف الوجود. ورابعها الجهاد فى سبيل الله وهو اضمحلال الانانية فى اثبات الهوية وبه يتخلص العبد من ظلمة الوجود ويظفر بنور الشهود فالمعنى الحقيقى { يا ايها الذين آمنوا } باصابة النور { اتقوا الله } بتبديل الاخلاق الذميمة { وابتغوا اليه الوسيلة } فى افناء الاوصاف { وجاهدوا فى سبيله } ببذل الوجود { لعلكم تفلحون } بنيل المقصود من المعبود كذا فى التأويلات النجمية. واعلم ان الآية الكريمة صرحت بالامر بابتغاء الوسيلة ولا بد منها البتة فان الوصول الى الله تعالى لا يحصل الا بالوسيلة وهى علماء الحقيقة ومشايخ الطريقة قال الحافظ قطع اين مرحله بى همرهىء خضر مكن ظلماتست بترس از خطر كمراهى والعمل بالنفس يزيد فى وجودها واما العمل وفق اشارة المرشد ودلالة الانبياء والاولياء فيخلصها من الوجود ويرفع الحجاب ويوصل الطالب الى رب الارباب. قال الشيخ ابو الحسن الشاذلى كنت انا وصاحب لى قد أوينا الى مغارة لطلب الدخول الى الله واقمنا فيها ونقول يفتح لنا غدا او بعد غد فدخل علينا يوما رجل ذو هيبة وعلمنا انه من اولياء الله فقلنا له كيف حالك فقال كيف يكون حال من يقول يفتح لنا غدا او بعد غد يا نفس لم لا تعبدين الله لله فتيقظنا وتبنا الى الله وبعد ذلك فتح علينا فلا بد من قطع التعلق من كل وجه لينكشف حقيقة الحال قال الحافظ فداى دوست نكرديم عمر مال دريغ كه كار عشق زما اين قدر نمى آيد وفى صحبة الاخيار والصلحاء شرف عظيم وسعادة عظمى وحكى ان خادم الشيخ ابى يزيد البسطامى كان رجلا مغربيا فجرى الحديث عنده فى سؤال منكر ونكير فقال المغربى والله ان يسألانى لأقولن لهما فقالوا له ومن اين يعلم ذلك فقال اقعدوا على قبرى حتى تسمعونى فلما انتقل المغربى جلسوا على قبره فسمعوا المسألة وسمعوه يقول أتسألوننى وقد حملت فروة ابى يزيد على عنقى فمضوا وتركوه ولا تستبعد امثال هذا فان جواب المجيب المدقق يذهب معه من هنا فحصل مثل هذا الزاد وفى المثنوى كنج زرى كه جو خسبى زيرريك باتو باشد آن نباشد مرد ريك ييش بيش آن جنازت مىرود مونس كور وغريبى ميشود

المائدة 5:36

{ ان الذين كفروا لو ان لهم } اى لكل واحد منهم { ما فى الارض } اى من اصناف اموالها وذخائرها وسائر منافعها وهو اسم ان ولهم خبرها { جميعا } توكيد للموصول او حال منه { ومثله } عطف على الموصول اى ضعفه { معه } ظرف وقع حالا من المعطوف والضمير راجع الى الموصول { ليفتدوا به } متعلق بما تعلق به خبر ان اعنى الاستقرار المقدر فى لهم وبه متعلق بالافتداء والضمير راجع الى الموصول ومثله معا وتوحيده لاجرائه مجرى اسم الاشارة كأنه قيل بذلك { من عذاب يوم القيمة } متعلق بالافتداء ايضا اى لو ان ما فى الارض ومثله ثابت لهم لجعلوه فدية لانفسهم من العذاب الواقع يومئذ وافتدوا به { ما تقبل منهم } ذلك وهو جواب لو ولو بما فى حيزه خبر ان والجملة تمثيل للزوم العذاب لهم واستحالة نجاتهم منه بوجه من الوجوه المحققة والمفروضة وفى الحديث " يجاء بالكافر يوم القيامة فيقال له أرأيت لو كان لك ملىء الارض ذهبا أكنت تفتدى به فيقول نعم فيقال له انك كنت سئلت ما هو الايسر من ذلك ". اى ما هو أسهل من الافتداء المذكور وهو ترك الاشراك بالله تعالى واتيان كلمة الشهادة { ولهم عذاب اليم } وجيع يخلص وجعه الى قلوبهم.

المائدة 5:37

{ يريدون } كأنه قيل فكيف يكون حالهم او ماذا يصنعون فقيل انهم يريدون { ان يخرجوا من النار } له وجوه الاول انهم يقصدون ذلك ويطلبون المخرج فيلفحهم لهب النار ويرفعهم الى فوق فهناك يريدون الخروج ولات حين مناص والثانى انهم يكادون يخرجون منها لقوة النار وزيادة رفعها اياهم والثالث انهم يتمنون ويريدون بقلوبهم { وما هم } اى يريدون ذلك والحال انهم ليسوا { بخارجين منها } لانهم كلما ارادوا ان يخرجوا منها اعيدوا فيها { ولهم عذاب مقيم } اى دائم لا ينقطع وهو تصريح بعدم تناهى مدته بعد بيان شدته وفى الحديث " يقال لاهل الجنة لكم خلود ولا موت ولاهل النار يا اهل النار خلود ولا موت ". اى لكم خلود فى النار روى ان هذين القولين يكونان بعد ان يؤتى بالموت فى صورة كبش فيذبح بين الجنة والنار وانما يمثل الموت بهذا المثال ليشاهدوا باعينهم ويستقر فى انفسهم ان الموت ارتفع فيزداد اهل الجنة فرحا واهل النار ترحا وتخصيص صورة الكبش لانه لما كان فداء عن اسماعيل الذى نبينا عليه السلام من نسله كان فى المعنى فداء عن جميع الاحياء فى الدنيا لانهم خلقوا لاجله فناسب ان يكون فداء عنهم فى دار الآخرة ايضا كذا فى شرح المشارق لابن الملك. واعلم ان الكفر وجزاءه وهو الخلود فى النار اثر اخطاء رشاش النور الالهى فى عالم الارواح وقد انعم الله تعالى على المؤمنين باصابة ذلك النور وفى المثنوى مؤمنان كان عسل زنبور وار كافران خودكان زهرى همجومار جنبش خلق ازقضا ووعده است تيزىء دندان زسوز معده است نفس اول راند بر نفس دوم ماهى ازسر كنده باشدنى زدم تونميدانى كزين دوكيستى جهدكن جندانكه بينى جيستى جون نهى بريشت كشتى باررا بر توكل ميكنى آن كاررا تو نميدانى كه از هر دوكىء غرقه اندر سفر ياناجىء جونكه بربوكست جمله كارها كار دين اولى كزين يابى رها قال بعض الصلحاء رأيت فى منامى كانى واقف على قناطر جهنم فنظرت الى هول عظيم فجعلت افكر فى نفسى كيف العبور على هذه فاذا قائل يقول يا عبد الله ضع حملك واعبر قلت ما حملى قال دع الدنيا قال الحافظ تا كى غم دنياى دنى اى دل دانا حيفست زخوبى كه شود عاشق زشتى وفى الحديث " يؤتى بانعم اهل الدنيا ". الباء فيه للتعدية وانعم افعل تفضيل من النعمة اى باكثرهم نعمة " من اهل النار يوم القيامة فيصبغ فى النار صبغة " يعنى يغمس فيها مرة اراد من الصبغ الغمس اطلاقا للملزوم على اللازم لان الصبغ انما يكون بالغمس غالبا ثم اراد من غمسه فيها اصابة نفحة من النار به " ثم يقال يا ابن آدم هل رأيت خيرا قط هل مر بك نعيم قط فيقول لا والله يا رب ". شدة العذاب انسته ما مضى عليه من نعم الدنيا " ويؤتى باشد الناس بؤسا ". اى شدة وبلاء فى الدنيا " من اهل الجنة فيصبغ صبغة من الجنة فيقال له يا ابن آدم هل رأيت بؤسا قط هل مر بك شدة قط فيقول لا والله ما مر بى بؤس قط ولا رأيت شدة قط ". كذا فى شرح المشارق لابن ملك هر جند غرق بحر كناهم زصدجهت كر آشناى عشق شوم زاهل رحمتم

المائدة 5:38

{ والسارق والسارقة } وهو مبتدأ محذوف الخبر اى حكم السارق والسارقة ثابت فيما يتلى عليكم فقوله تعالى { فاقطعوا ايديهما } بيان لذلك الحكم المقدر فما بعد الفاء مرتبط بما قبلها ولذلك اتى بها فيه لانه هو المقصود مما قبلها ولو لم يأت بالفاء لتوهم انه اجنبى وانما قدر الخبر لان الامر انشاء لا يقع خبرا الا باضمار وتأويل والمراد بايديهما ايمانهما ولذلك ساغ وضع الجمع موضع المثنى كما فى قوله تعالى فقد صغت قلوبكما التحريم 4. اكتفاء بتثنية المضاف اليه وتفضيل ما يتعلق بالسرقة سيجىء فى آخر المجلس { جزاء بما كسبا نكالا من الله } منصوبان على المفعول له والمعنى فاقطعوهما مكافاة لهما على ما فعلا من فعل السرقة وعقوبة رادعة لهما من العود ولغيرهما من الاقتداء بهما وبما متعلق بجزاء ومن الله صفة نكالا اى نكالا كائنا منه تعالى. والنكال اسم بمعنى التنكيل مأخوذ من النكول وهو الامتناع { والله عزيز } غالب على امره يمضيه كيف يشاء من غير ند ينازعه ولا ضد يمانعه { حكيم } فى شرائعه لا يحكم الا بما تقتضيه الحكمة والمصلحة ولذلك شرع هذه الشرائع المنطوية على فنون الحكم والمصالح.

المائدة 5:39

{ فمن تاب } من السراق الى الله تعالى { من بعد ظلمه } اى من بعد ان ظلم غيره باخذ ماله والتصريح به مع ان التوبة لا تتصور قبله لبيان عظم نعمته تعالى بتذكير عظم جنايته { واصلح } اى امره بالتفصى عن تبعات ما باشره والعزم على ان لا يعود الى السرقة { فان الله يتوب عليه } اى يقبل توبته فلا يعذبه فى الآخرة واما القطع فلا تسقطه التوبة عندنا لان فيه حق المسروق منه. قال الحدادى لا تقطع يده اذا رد المال قبل المرافعة الى الحاكم واما اذا رفع الى الحاكم ثم تاب فالقطع واجب فان كانت توبته حقيقة كان ذلك زيادة درجات له كما ان الله تعالى ابتلى الصالحين والانبياء بالبلايا والمحن والامراض زيادة لهم فى درجاتهم وان لم تكن توبته حقيقة كان الحد عقوبة له على ذنبه وهو مؤاخذ فى الآخرة ان لم يتب { ان الله غفور رحيم } مبالغ فى المغفرة والرحمة ولذلك يقبل التوبة.

المائدة 5:40

{ ألم تعلم ان الله له ملك السموات والارض } الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمراد به الجميع والاستفهام الانكارى لتقرير العلم والمراد بذلك الاستشهاد على قدرته تعالى على ما سيأتى من التعذيب والمغفرة على ابلغ وجه واتمه اى ألم تعلم ان الله له السلطان القادر والاستيلاء الباهر المستلزمان للقدرة التامة على التصرف الكلى فيهما وفيما فيهما ايجادا واعداما واحياء واماتة الى غير ذلك حسبما تقتضيه مشيئته { يعذب من يشاء } ان يعذبه ولو على الذنب الصغير وهو عدل منه { ويغفر لمن يشاء } ان يغفر له ولو كان الذنب عظيما وهو الفضل منه اى يعذب لمن توجب الحكمة تعذيبه ويغفر لمن توجب الحكمة مغفرته { والله على كل شىء قدير } فيقدر على ما ذكر من التعذيب والمغفرة. قال ابن الشيخ انه تعالى لما اوجب قطع يد السارق وعقاب الآخرة لمن مات قبل التوبة ثم ذكر انه يقبل توبته ان تاب اردفه ببيان انه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد فيعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء يحسن منه التعذيب تارة والمغفرة اخرى لانه مالك جميع المحدثات وربهم وإلههم والمالك له ان يتصرف فى ملكه كيف شاء واراد لا كما زعمت المعتزلة من ان حسن افعاله تعالى ليس لاجل كونه آله للخلق ومالكا بل لاجل كونها على وفق مصالح الخلق ومتضمنة لرعاية ما هو الاصلح لهم انتهى. واعلم ان السرقة هى اخذ مكلف خفية قدر عشرة دراهم مضروبة من حرز لا ملك له فيه ولا شبهته فاحترز بالمكلف عن اخذ صبى ومجنون وبالخفية وهو ركن السرقة عن الغصب وقطع الطريق. وقوله قدر عشرة دراهم اى عينا او قيمة وهذا نصباب السرقة فى حق القطع واما فى حق العيب فاخذ ما دون العشرة يعد سرقة ايضا شرعا ويعد عيبا حتى يرد العبد به على بائعه وعند الشافعى نصاب السرقة ربع دينار ولنا قوله عليه السلام " لا قطع الا فى ربع دينا او فى عشرة دراهم ". والاخذ بالاكثر اولى احتيالا لدرء الحد والمعتبر فى هذه الدراهم ما يكون عشرة منها وزن سبعة مثاقيل واحترز بالمضروبة عما قيمته دونها حتى اذا سرق تبرا عشرة لا يساوى عشرة مضروبة لا يجب القطع وقوله من حرز اى من مال ممنوع من ان يصل اليه يد الغير سواء كان المانع بناء او حافظا. قال البغوى اذا سرق شيئا من غير حرز كثمر فى حائط لا حارس له او حيوان فى برية لا حافظ له او متاع فى بيت منقطع عن البيوت لا قطع عليه وقيد بقوله ولا شبهته لانه لو كان له شبهة فى المسروق كما اذا سرق من بيت المال اوفى الحرز كما اذا سرق من بيت اذن للناس بالدخول فيه كالحمام والرباط لا يقطع لان القطع يندرىء بالشبهة وكذا لا قطع بسرقة مال سيده لوجود الاذن بالدخول عادة وكذا بسرقة مال زوجته او زوجها ولو من حرز خاص لآخر لا يسكنان فيه لان اليد المبسوطة لكل من الزوجين فى مال الآخر ثابتة وهو مانع عن القطع وكذا لا قطع بسرقة مال من بينهما قرابة ولاء لجريان الانبساط بين الاصول والفروع بالانتفاع فى المال والدخول فى الحرز ولا بسرقة من بيت ذى رحم محرم ولو كان المسروق مال غيره لعدم الحرز ويقطع يمين السارق من زنده وهو مفصل الذراع فى الكف ويحسم بان يدخل فى الدهن الحار بعد القطع لقطع الدم لانه لو لم يحسم لافضى الى التلف والحد زاجر لا متلف ولهذا لا يقطع فى الحر الشديد والبرد الشديد وان سرق ثانيا بعدما قطعت يده اليمنى تقطع رجله اليسرى من المفصل وان سرق ثالثا لا يقطع بل يحبس حتى يتوب ويظهر عليه سيما الصالحين والتائبين لقول على رضى الله عنه فيمن سرق ثلاث مرات انى لاستحيى من الله ان لا ادع له يدا يأكل بها ويستنجى ورجلا يمشى عليها وفى الحديث " اتقوا فراسة المؤمن فانه ينظر بنور الله ". وفيه دليل على ان التوبة يعلم اثرها وتثبت السرقة بما يثبت به شرب الخمر اى بالشهادة او بالاقرار مرة ونصابها رجلان لان شهادة النساء غير مقبولة فى الحدود وطلب المسروق منه شرط القطع لان الخيانة على ملك الغير لا تظهر الا بخصومته ولا فرق فى القطع بين الشريف والوضيع. وعن عائشة رضى الله عنها قالت " سرقت امرأة مخزومية فاراد النبى صلى الله عليه وسلم ان يقطع يدها فاستشفع لها اسامة بن زيد وكان النبى عليه الصلاة والسلام يحبه فلم يقبل وقال " يا اسامة أتشفع فى حد من حدود الله انما اهلك الذين قبلكم انهم كانوا اذا سرق فيهم الشريف تركوه واذا شرق فيهم الضعيف اقاموا عليه الحد وايم الله لو ان فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها ". وفى الحديث نهى عن الشفاعة فى الحدود بعد بلوغ الامام ولهذا رد رسول الله صلى الله عليه وسلم شفاعة اسامة واما قبله فالشفاعة من المجنى عليه جائزة والستر على الذنب مندوب اذا لم يكن صاحب شر واذى قال السعدى بس برده بيند عملهاى بد هم او برده بوشد ببالاى خود وفى الحديث ايضا دلالة على وجوب العدل فى الرعية واجراء الحكم على السوية. قال الامام ابو منصور فان قيل ما الحكمة فى قطع يد قيمتها الوف بسرقة عشرة دراهم فكيف يكون قطعها جزاء لفعل السارق وقد قال تعالى ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها الأنعام 160. قلنا جزاء الدنيا محنة يمتحن بها المرء ولله تعالى ان يمتحن بما شاء ابتداء اى من غير ان يكون ذلك جزاء على كسب العبد ولان القطع ليس بجزاء ما اخذ من المال ولكن لما هتك من الحرمة ألا يرى انه قال جزاء بما كسبا فيجوز ان يبلغ جزاء هتك تلك الحرمة قطع اليد وان قصر على العشرة علم ذلك لان مقادير العقوبات انما يعلمها من يعلم مقادير الجنايات واذا كان الامر كذلك فالحق التسليم والانقياد انتهى. ونعم ما قال يونس بن عبيد فى باب الترهيب لا تأمن من قطع فى خمسة دراهم خير عضو منك ان يكون عذابه هكذا غدا كما فى منهاج العابدين. فعلى العاقل ان يتوب عن الزلل وينقطع عن الحيل ويتوجه الى الله الاعلى الاجل وفى المثنوى حيلهاو جارهاكر ازدهاست بيش الا الله آنها جمله لاست قفل زفتست وكشانيده خدا دست درتسليم زن اندر رضا ثم ان الله تعالى انما بدأ بالسارق فى هذه الآية قبل السارقة وفى آية الزنى بدأ بالزانية لان السرقة تفعل بالقوة والرجل اقوى من المرأة والزنى يفعل بالشهوة والمرأة اكثر شهوة والمرأة ادعى من الرجل الى نفسها منه اليها ولهذا لو اجتمع جماعة على امرأة لم يقدروا عليها الا بمرادها ولهذا قيل قال الله تعالى وعصى آدم ربه فغوى طه 121. ولم يقل وعصت حواء مع انها اكلت قبل آدم ودعته الى الاكل وقيل انما قطعت يد السارق لانها باشرت ولم يقطع ذكر الزانى للمباشرة خوفا لقطع النسل وتحصل ايضا لذة الزنى بجميع البدن. قال النيسابورى قطعت يد السارق لانها اخذت المال الذى هو يد الغنى وعماده كأنه اخذ يد انسان فجزوا يده لتناولها حق الغير وقيل قال الله تعالى ولله خزائن السموات والارض المنافقون 7. فكل ما عند العبد من مال فهو خزانة الحق عنده والعبد خازنه فمهما تعدى خزانة مولاه بغير اجازة استحق السياسة بقطع آلة التعدى الى خيانة خزانته وهى اليد المتعدية. ثم ان السرقة كما تكون من المال كذلك تكون من العبادات وفى الحديث " اسوء الناس سرقة الذى يسرق من صلاته " قالوا يا رسول الله كيف يسرق من صلاته قال " لا يتم ركوعها ولا سجودها ". وفى الحديث " ان الرجل ليصلى ستين سنة وما تقبل له صلاة ". لعله يتم الركوع ولا يتم السجود ويتم السجود ولا يتم الركوع كذا فى الترغيب والترهيب فمثل هذا المصلى يقطع يمينه عن نيل الوصال فلا يصل الى مراده بل يبقى فى الهجران والقطيعة اذ هو اساء الادب بل قصر فيما امر الرب سبحانه وتعالى.

المائدة 5:41

{ يا ايها الرسول } خاطبه صلى الله عليه وسلم بعنوان الرسالة للتشريف { لا يحزنك الذين } اى صنع الذين فان الذوات مع قطع النظر عن العوارض لا توجب الحزن والفرح { يسارعون فى الكفر } اى يقعون فى الكفر سريعا فى اظهاره اذا وجدوا منه فرصة والمقصود نهيه عليه السلام عن ان يتحزن بصنيعهم بناء على انه تعالى ناصره عليهم والمعنى لا تحزن ولا تبال بتهافتهم فى الكفر سريعا { من الذين } بيان للمسارعين فى الكفر { قالوا آمنا بافواههم } متعلق بقالوا والفائدة فى بيان تعلقه بالافواه مع ان القول لا يكون الا بالفم واللسان الاشارة الى ان ألسنتهم ليست معبرة عما فى قلوبهم وان ما يجرون على ألسنتهم لا يجاوز افواههم وانما نطقوا به غير معتقدين له بقلوبهم { ولم تؤمن قلوبهم } جملة حالية من ضمير قالوا جىء بها للتصريح بما اشار اليه بقوله بافواههم { ومن الذين هادوا } عطف على من الذين قالوا وبه يتم بيان المسارعين فى الكفر بتقسيمهم الى قسمين المنافقين واليهود { سماعون } خبر مبتدأ محذوف والتقدير هم اى المنافقون واليهود سماعون { للكذب } اللام اما لتقوية العمل واما لتضمن السماع معنى القبول واما لام كى والمفعول محذوف والمعنى هم مبالغون فى سماع الكذب او فى قبول ما تفتريه احبارهم من الكذب على الله سبحانه وتحريف كتابهم او سماعون اخباركم واحاديثكم ليكذبوا عليكم بالزيادة والنقص والتبديل فان منهم من يسمع من الرسول عليه السلام ثم يخرج ويقول سمعت منه كذا وكذا ولم يسمع ذلك منه { سماعون لقوم آخرين } خبر ثان للمبتدأ المقدر مقرر للاول ومبين لما هو المراد بالكذب على الوجهين الاولين واللام مثل اللام فى سمع الله لمن حمده فى الرجوع الى معنى من اى قبل منه حمده والمعنى مبالغون فى قبول كلام قوم آخرين { لم يأتوك } صفة اخرى لقوم اى لم يحضروا مجلسك وتجافوا عنك تكبرا وافراطا فى البغضاء قيل هم يهود خيبر والسماعون بنوا قريظة { يحرفون الكلم من بعد مواضعه } صفة اخرى لقوم اى يميلونه ويزيلونه عن مواضعه بعد ان وضعه الله فيها اما لفظا باهماله او تغيير وصفه واما بحمله على غير المراد واجرائه فى غير مورده { يقولون } صفة اخرى لقوم اى يقولون لأتباعهم السماعين لهم عند القائهم اليهم اقاويلهم الباطلة مشيرين الى كلامهم الباطل { ان اوتيتم } من جهة الرسول { هذا } المحرف { فخذوه } واعملوا بموجبه فانه الحق { وان لم تؤتوه } بل اوتيتم غيره { فاحذروا } قبوله واياكم واياه روى " ان شريفا من خيبر زنى بشريفة وكانا محصنين وحدهما الرجم فى التوراة فكرهوا رجمهما لشرفهما فارسلوهما مع رهط منهم الى بنى قريظة فقدم الرهط حتى نزلوا على قريظة والنضير فقالوا لهم انكم خبير بهذا الرجل ومعه فى بلده وقد حدث فينا فلان وفلانة فجرا وقد احصنا فنحب ان تسألوا لنا محمدا عن قضائه فيه فقالت لهم قريظة والنضير اذا والله يأمركم بما تكرهون ثم انطلق قوم منهم كعب ابن الاشرف وكعب بن اسد وكنانة بن ابى الحقيق وغيرهم الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا محمد اخبرنا عن الزانى والزانية اذا احصنا ما حدهما فى كتابك فقال " هل ترضون بقضائى " قالوا نعم فنزل جبريل عليه السلام بالرجم فاخبرهم بذلك فابوا ان يأخذوا به فقال له جبريل اجعل بينك وبينهم ابن صوريا ووصفه له فقال عليه السلام " هل تعرفون شابا امرد ابيض اعور يسكن فدك يقال له ابن صوريا " قالوا نعم فقال " اى رجل هو فيكم " قالوا هو اعلم يهودى بقى على وجه الارض بما انزل الله على موسى فى التوراة قال " فارسلوا اليه " ففعلوا فاتاهم فقال عليه السلام " انت ابن صوريا " قال نعم قال " وأنت اعلم يهودى " قال كذلك يزعمون قال " أتجعلونه بينى وبينكم " قالوا نعم قال له النبى عليه السلام " انشدك بالله الذي لا اله الا هو الذى انزل التوراة على موسى واخرجكم من مصر وفلق لكم البحر وانجاكم واغرق آل فرعون والذى ظلل عليكم الغمام وانزل عليكم المن والسلوى وانزل عليكم كتابه فيه حلاله وحرامه هل تجدون فى كتابكم الرجم على من احصن " قال ابن صوريا نعم والذى ذكرتنى به لولا خشيت ان تحرقنى التوراة ان كذبت او غيرت ما اعترفت لك ولكن كيف هى فى كتابك يا محمد قال " اذا شهد اربعة رهط عدول انه قد ادخله فيها كما يدخل الميل فى المكحلة وجب عليه الرجم " فقال ابن صوريا والذى انزل التوراة على موسى هكذا انزل الله فى التوراة على موسى فقال له النبى عليه السلام " فماذا كان اول ما ترخصتم به فى امر الله تعالى " قال كنا اذا اخذنا الشريف تركناه واذا اخذنا الضعيف اقمنا عليه الحد فكثر الزنى فى اشرافنا حتى زنى ابن عم ملكنا فلم يرجم ثم زنى رجل آخر فى اسوة من الناس فاراد ذلك الملك رجمه فقام دونه قومه وقالوا والله لا ترجمه حتى ترجم فلانا ابن عمك فقلنا تعالوا نجتمع فلنضع شيئا دون الرجم يكون على الشريف والوضيع فوضعنا الجلد والتحميم وهو ان يجلد اربعين جلدة بحبل مطلى بالقار ثم تسود وجوههما ثم يحملان على حمارين وجوههما من قبل دبر الحمار يطاف بهما فجعلوا هذا مكان الرجم فقالت اليهود لابن صوريا ما اسرع ما اخبرته به وما كنت لما اثنينا عليك باهل ولكن كنت غائبا فكرهنا ان نغتابك فقال لهم انه قد نشدنى بالتوراة ولولا خشية التوراة ان تهلكنى لما اخبرته فامر بهما النبى صلى الله عليه وسلم فرجما عند باب المسجد وقال " اللهم انى اول من احيى امرك اذ أماتوه " ". فانزل الله تعالى { يا ايها الرسول } الآية { ومن } شرطية { يرد الله فتنته } اى ضلالته او فضيحته كائنا من كان { فلن تملك له } فلن تستطيع له { من الله شيئا } فى دفعها { اولئك } المنافقون واليهود { الذين لم يرد الله ان يطهر قلوبهم } اى من رجس الكفر وخبث الضلالة لانهماكهم فيهما واصرارهم عليهما واعراضهم عن صرف اختيارهم الى تحصيل الهداية بالكلية { لهم } اى للمنافقين واليهود { فى الدنيا خزى } اما المنافقون فخزيهم فضيحتهم وهتك سترهم بظهور نفاقهم فيما بين المسلمين واما خزى اليهود فالذل والجزية والافتضاح بظهور كذبهم فى كتمان نص التوراة { ولهم فى الآخرة } اى مع الخزى الدنيوى { عذاب عظيم } هو الخلود فى النار.

المائدة 5:42

{ سماعون للكذب } تكرير لما قبله { اكالون للسحت } اى الحرام كالرشى من سحته اذا استأصله لانه مسحوت البركة { فان جاؤك } الفاء فصيحة اى واذا كان حالهم كما شرح فان جاؤك متحاكمين اليك فيما شجر بينهم من الخصومات { فاحكم بينهم او اعرض عنهم وان تعرض عنهم } بيان لحال الامرين اثر التخيير { فلن يضروك شيأ } من الضرر بان يعادوك لاعراضك عنهم فان الله يعصمك من الناس { وان حكمت فاحكم بينهم بالقسط } بالعدل الذى امرت به كما حكمت بالرجم { ان الله يحب المقسطين } العادلين فيحفظهم من كل مكروه ومحذور ويعظم شأنهم وفى الحديث " المقسطون عند الله على منابر من نور ".

المائدة 5:43

وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله } تعجيب من تحكيمهم لمن لا يؤمنون به وبكتابه والحال ان الحكم منصوص عليه فى كتابهم الذى يدعون الايمان به وتنبيه على انهم ما قصدوا بالتحكيم معرفة الحق واقامة الشرع وانما طلبوا به ما هو اهون عليهم وان لم يكن ذلك حكم الله على زعمهم وفيها حكم الله حال من التوراة او رفعها بالظرف وان جعلتها مبتدأ فمن ضميرها المستكن فيه { ثم يتولون } عطف على يحكمونك داخل فى حكم التعجب وثم للتراخى فى الرتبة { من بعد ذلك } اى من بعد ما حكموك وهو تصريح بما علم قطعا لتأكيد الاستبعاد والتعجب اى ثم يعرضون عن حكمك الموافق لكتابهم من بعد ما رضوا بحكمك { وما اولئك } الموصوفون بما ذكر { بالمؤمنين } اى بكتابهم لاعراضهم عنه اولا وعن حكمك الموافق لكتابهم ثانيا او بك وبه. وفى الآيات ذم للظلم ومدح للعدل وقدح فى الحرام والرشوة وفى الحديث " كل لحم انبته السحت فالنار اولى به ". وفيه " لعن الله الراشى والمرتشى والرائش ". واراد بالرائش الذى يمشى بينهما وفى المنثوى اى بسا مرغى برنده دانه جو كه بريده حلق اوهم حلق او اى بسا ماهىدرآب دور دست كشته ازحرص كلو مأخوذ شست اى بسا مستور دربرده بده شومى فرج وكلو رس اشده اى بسا قاضىء حبر نيك خو ازكلوى رشوتى اوزرد رو بلكه درهاروت وماروت آن شراب ازعروج جر خشان شد سد باب ذكر فى ادب القاضى للخصاف الرشوة على اربعة اوجه اما ان يرشوه لانه قد خوفه فيعطيه الرشوة ليدفع الخوف عن نفسه او يرشوه ليسوى امره بينه وبين السلطان او يرشوه ليتقلد القضاء من السلطان او يرشو القاضى ليقضى له. ففى الوجه الاول لا يحل الاخذ لان الكف عن التخويف كف عن الظلم وانه واجب حقا للشرع فلا يحل اخذه لذلك ويحل للمعطى الاعطاء لانه جعل المال وقاية للنفس وهذا جائز موافق للشرع. وفى الوجه الثانى ايضا لا يحل الاخذ لان القيام بامور المسلمين واجب بدون المال فلا يحل له الاخذ. وفى الوجه الثالث لا يحل له الاخذ والاعطاء واما الرابع فحرام الاخذ سواء كان القضاء بحق او ظلم. اما الظلم فلوجهين. احدهما انه رشوة. والثانى انه سبب للقضاء بالجور. واما الحق فلوجه واحد وهو انه اخذ المال لاقامة الواجب. واما العطاء فان كان بجور لا يجوز وان كان بحق جاز. قال ابن مسعود رضى الله عنه من شفع شفاعة يرد بها حقا او يدفع بها ظلما فاهدى له فقبل فهو سحت. وفى نصاب الاحتساب ان المحتسب او القاضى اذا اهدى اليه ممن يعلم انه يهدى لاحتياجه الى القضاء والحسبة لا يقبل ولو قبل كان رشوة واما ممن يعرف انه يهدى للتودد والتحبب لا للقضاء والحسبة فلا بأس به وكان الصحابة رضى الله عنهم يتوسعون فى قبول الهدايا بينهم وهذا لان الهدية كانت عادتهم وكانوا لا يلتمسون منهم شيئا وانما كانوا يهدون لاجل التودد والتحبب وكانوا يستوحشون برد هداياهم فلا يكون فيه معنى الرشوة فلهذا كانوا يقبلونها. قال قوم ان صلات السلاطين نحل للغنى والفقير اذا لم يتحقق انها حرام وانما التبعة على المعطى قالوا لان النبى صلى الله عليه وسلم قبل هدية المقوقس ملك الاسكندرية واستقرض من اليهود مع قوله الله تعالى أكالون للسحت المائدة 42. واما حال السوق فمتى علمت ان الحرام هو الاكثر فلا تشتر الا بعد التفتيش وان كان كثيرا وليس بالاكثر فلك السؤال ولقد كان النبى عليه الصلاة والسلام واصحابه يشترون من الاسواق مع علمهم بان فيهم اهل الربا والغصب والغلول. قال الحدادى ومن السحت ثمن الخمر والخنزير والميتة وعسب الفحل واجرة النائحة والمغنية والساحر وهدية الشفاعة ومهر البغى وحلوان الكاهن هكذا. قال عمر وعلى وابن عباس رضى الله عنهم قالوا والمال الذى يأخذه المغنى والقوال ونحوهما حكم ذلك اخف من الرشوة فان صاحب المال اعطاه عن غير اختيار بغير عقد. قال ابن كيسان سمعت الحسن يقول اذا كان لك على رجل دين فاكلت فى بيته فهو سحت. فعليك ايها المؤمن المتقى بالاحتياط فى امورك حتى لا تقع فى الشبهات بل فى الحرام وانما تحصل التصفية للقلب باكل الغذاء الحلال قال الحافظ صوفى شهربين كه جون لقمه شبهه ميخورد باردمش درازباد اين حيوان خوش علف والمقصود من البيت تشبيه الذى لا يحترز عن الشبهات بالحيوان فى الاكل من كل ما يجده من غير تفرقة ولان تناول الشبهات من كمال الحرص لانه لو لم يكن له حرص لكان له قناعة بالحلال ولو قليلا والحيوان يعظم من كثرة الاكل والشرب والنوم وهى حكم الطبيعة.

المائدة 5:44

{ انا انزلنا التوراة } حال كونها { فيها هدى } تهدى شرائعها واحكامها الى الحق وترشد الناس اليه { ونور } تكشف ما انبهم من الاحكام وما يتعلق بها من المستورة بظلمات الجهل { يحكم بها النبيون } اى انبياء بنى اسرائيل اى يحكمون باحكامها ويحملون الناس عليها { الذين اسلموا }. ان قلت النبيون اعظم من الاسلام فكيف يمدح نبى بانه رجل مسلم وما الوصف به بعد الوصف بالنبوة لا تنزل من الاعلى الى الادنى. قلت قد يذكر الوصف مدحا للوصف ففائدة التوصيف تنويه شأن الصفة والتنبيه على عظم قدرها حيث وصف بها عظيم كما وصف الانبياء بالصلاح والملائكة بالايمان وقد قيل اوصاف الاشراف اشراف الاوصاف قال ما ان مدحت محمدا بمقالتى لكن مدحت مقالتى بمحمد { للذين هادوا } متعلق بيحكم اى يحكمون فيما بينهم واللام لبيان اختصاص الحكم بهم اعم من ان يكون لهم او عليهم كانه قيل لاجل الذين هادوا { والربانيون والاحبار } عطف على النبيون اى هم ايضا يحكمون باحكامها وهم الزهاد والعلماء من ولد هارون الذين التزموا طريقة النبيين وجانبوا دين اليهود { بما استحفظوا من كتاب الله } اى بالذى استحفظوه من جهة النبيين وهو التوراة حيث سألوهم ان يحفظوها من التضييع والتحريف على الاطلاق ولا ريب فى ان ذلك منهم عليهم السلام استخلاف لهم فى اجراء احكامها من غير اخلال بشىء منها والباء سببية متعلقة بيحكم اى ويحكم الربانيون والاحبار ايضا بسبب ما حفظوه من كتاب الله حسبما وصاهم به انبياؤهم وسألوهم ان يحفظوه { وكانوا عليه شهداء } اى رقباء لا يتركونهم ان يغيروا فهو من الشهود بمعنى الحضور { فلا تخشوا الناس } كائنا من كان ايها الرؤساء والاحبار واقتدوا فى مراعاة احكامها وحفظها بمن قبلكم من الانبياء واشياعهم { واخشون } فى الاخلال بحقوق مراعاتها فيف بالتعرض لها بسوء نهوا ان يخشوا غير الله فى حكوماتهم ويداهنوا فيها خشية ظالم او مراقبة كبير ودلالة الآية تتناول حكام المسلمين { ولا تشتروا بآياتى } الاشتراء استبدال السلعة بالثمن اى اخذها بدلا منه ثم استعير لاخذ شىء بدلا مما كان له عينا كان او معنى اخذا منوطا بالرغبة فيما اخذ والاعراض عما اعطى ونبذ اى لا تستبدلوا بآياتى التى فيها بان تخرجوها منها او تتركوا العمل بها وتأخذوا لانفسكم بدلا منها { ثمنا قليلا } من الرشوة والجاه وسائر الحظوظ الدنيوية فانها وان جلت قليلة مسترذلة فى نفسها لا سيما بالنسبة الى ما فات عنهم بترك العمل بها آن جهان جيفه است ومردار ورخيص بر جنين مردار جون باشم حريص بس حيات ماست موقوف فطام اندك اندك جهد كن تم الكلام ولما كان الاقدام على التحريف لدفع ضرر كما اذا خشى من ذى سلطان او لجلب نفع كما اذا طمع فى الحظوظ الدنيوية نهوا عن كل منهما صريحا { ومن لم يحكم بما أنزل الله } مستهينا به منكرا له كائنا من كان يقتضيه ما فعلوه من التحريف { فاولئك هم الكافرون } لاستهانتهم به وتمردهم بان حكموا بغيره ولذلك وصفهم بقوله الظالمون والفاسقون فكفرهم بانكاره وظلمهم بالحكم على خلافه وفسقهم بالخروج عنه.

المائدة 5:45

{ وكتبنا } فرضنا عطف على انزلنا التوراة { عليهم } اى على الذين هادوا { فيها } اى فى التوراة { ان النفس بالنفس } اى تقاد بها اذا قتلها بغير حق { والعين } تفقأ { بالعين } اذا فقئت بغير حق { والانف } تجذم { بالانف } المقطوعة بغير حق { والاذن } تصلم { بالاذن } المقطوعة ظلما { والسن } تقلع { بالسن } المقلوعة بغير حق { والجروح قصاص } اى ذات قصاص بحيث تعرف المساواة واما مالا يمكن الاقتصاص منه من كسر عظم او جرح لحم كالجائفة ونحوها فلا قصاص فيه لانه لا يمكن الوقوف على نهايته ففيه ارش او حكومة { فمن تصدق } اى من المستحقين { به } اى بالقصاص اى فمن عفا عنه فالتعبير بالتصدق للمبالغة فى الترغيب فيه { فهو } اى التصدق { كفارة له } اى للمتصدق يكفر الله تعالى بها ما سلف من ذنبه واما الكافر اذا عفا فلا يكون عفوه كفارة له مع اقامته على الكفر وفى الحديث " من اصيب بشىء من جسده فتركه لله كان كفارة له ". وفى الحديث " ثلاث من جاء بهن يقوم القيامة مع الايمان دخل الجنة من أى ابواب الجنة شاء وتزوج من الحور العين حيث شاء من عفا عن قاتله ومن قرأ دبر كل صلاة مكتوبة قل هو الله احد عشر مرات ومن ادى دينا خفيا ". وقال بعضهم الهاء كناية عن الجارح والقاتل يعنى اذا عفا المجنى عليه من الجانى فعفوه كفارة لذنب الجانى لا يؤخذ به فى الآخرة كما ان القصاص كفارة له فاما اجر العافى فعلى الله { ومن لم يحكم بما انزل الله } من الاحكام والشرائع { فاولئك هم الظالمون } المبالغون فى الظلم المتعدون لحدوده تعالى الواضعون للشىء فى غير موضعه.

المائدة 5:46

{ وقفينا على آثارهم } عطف على انزلنا التوراة اى آثار النبيين المذكورين { بعيسى ابن مريم } اى ارسلناه عقيبهم وجئنا به بعدهم يقال قفوت اثره قفوا وقفوا اى اتبعته فهو يتعدى الى واحد واذا قلت قفيت على اثره بفلان يكون المعنى اتبعته اياه وحقيقة التقفية الاتيان بالشىء فى قفا غيره والتضعيف فيه ليس للتعدية فان فعل المضعف قد يكون بمعنى فعل المجرد كقدر وقدر وانما تعدى الى الثانى بالباء فمفعوله الاول محذوف اى اتبعنا النبيين الذين ذكرناهم بعيسى وجعلناه ممن يقفوهم فحذف المفعول وجعل على آثارهم كالقائم مقامه { مصدقا لما بين يديه من التوراة } حالة من عيسى { وآتيناه الانجيل } عطف على قفينا { فيه هدى ونور } كما فى التوراة وهو فى محل النصب على انه حال من الانجيل اى كائنا فيه ذلك كأنه قيل مشتملا على هدى ونور { ومصدقا لما بين يديه من التوراة } عطف عليه داخل فى حكم الحالية وتكرير ما بين يديه من التوراة زيادة تقرير { وهدى وموعظة للمتقين } عطف على مصدقا منتظم معه فى سلك الحالية جعل كله هدى بعدما جعل مشتملا عليه حيث قيل فيه هدى وتخصيص كونه هدى وموعظة للمتقين لانهم المهتدون بهداه والمنتفعون بجدواه قال الحافظ كرانكشت سليمانى نباشد جه خاصيت دهدنقش نكينى فكما ان الانتفاع بالخاتم انما يكون لمن كان له مشرب سليمانى كذلك الانتفاع بالكتاب انما يكون لمن له تقوى رجحانى.

المائدة 5:47

{ وليحكم اهل الانجيل بما أنزل الله فيه } اى آتيناه الانجيل وقلنا ليحكم اهل الانجيل بما انزل الله فيه { ومن لم يحكم بما انزل الله } منكرا له مستهينا به { فاولئك هم الفاسقون } المتمردون الخارجون عن الايمان وفيه دلالة على ان الانجيل مشتمل على الاحكام وان عيسى عليه السلام كان مستقلا بالشرع مأمورا بالعمل بما فيه من الاحكام قلت او كثرت لا بما فى التوراة خاصة وفيه تهديد عظيم للحكام وفى الحديث " يؤتى بالقاضى العدل يوم القيامة فيلقى من شدة العذاب ما يتمنى انه لم يفصل بين احد فى تمرتين " فاذا كان هذا حال القاضى العدل فما ظنك بالجائر والمرتشى بوحنيفه قضانكرد وبمرد توبميرى اكر قضانكنى وفى الحديث " القضاة ثلاثة قاضيان فى النار وقاض فى الجنة قاض قضى بغير حق وهو يعلم فذاك فى النار وقاض قضى وهو لا يعلم فاهلك حقوق الناس فذاك فى النار وقاض قضى بحق فذاك فى الجنة " كذا فى المقاصد الحسنة للامام السخاوى حكى ان بنى اسرائيل كانوا ينصبون لاجراء الاحكام بينهم حكاما ثلاثة حتى اذا رفع الخصم الامر الى واحد منهم فلم يرض به الآخر ترافعا الى الثانى ثم الى الثالث ليطمئن قلبه فذات يوم تصور ملك بصورة انسان يريد امتحان هؤلاء الحكام فركب على رمكة وقام على رأس بئر فاذا رجل اتى ببقرة له مع عجلها ليسقيهما فلما سقاهما واراد الرجوع اشار الملك الى العجل فجاء الى جنب الرمكة فكلما نادى صاحبه ودعاه لم يستمع ولم يذهب الى الام فجاء الرجل ليسوقه بأى وجه يمكن فقال الملك يا هذا الرجل ان العجل قد ولدته رمكتى هذه فاذهب وخلنى وعجلى فقال الرجل يا عجبا العجل ملكى قد ولدته بقرتى هذه فتنازعا وترافعا الى القاضى الاول فسبق الملك الرجل الى القاضى وقال ان قضيت لى بالعجل دفعت لك كذا فقبله القاضى فلما تحاكما حكم بالعجل للملك فلم يرض به الرجل فترافعا الى الثانى فحكم هو ايضا بالعجل للملك فلم يرض به الرجل ايضا فترافعا الى الثالث فلما عرض الملك الرشوة عليه قال لا استطيع هذا الحكم فانى قد حضت فقال الملك ايش تقول هل تحيض الرجال والحيض من خواص النساء فقال القاضى له تتعجب من كلامى ولا تتعجب من كلامك فكما ان الرجال لا تحيض فكذلك الرمكة لا تلد عجلا فقال الملك هناك قاضيان فى النار وقاض فى الجنة وهذا الكلام منقول من لسانه كذا ذكر البعض نقلا عن فم حضرة الشيخ الشهير بهدائى الاسكدارى قدس سره.

المائدة 5:48

{ وانزلنا اليك } يا محمد { الكتاب } اى القرآن حال كونه ملتبسا { بالحق } والصدق حال كونه { مصدقا لما بين يديه من الكتاب } اى مصدقا لما تقدمه من جنس الكتب المنزلة من حيث انه نازل حسبما نعت فيه وموافقا له فى التوحيد والعدل واصول الشرائع { ومهيمنا عليه } اى رقيبا على سائر الكتب المحفوظة عن التغير فانه يشهد لها بالصدق والصحة والثبات وتقرر اصول شرائعها وما يتأبد من فروعها ويعين احكامها المنسوخة ببيان انتهاء مشروعيتها المستفادة من تلك الكتب وانقضاء وقت العمل بها ولا ريب ان تمييز احكامها الباقية على المشروعية ابدا عما انتهى وقت مشروعيته وخرج عنها من احكام كونه مهيمنا عليها { فاحكم بينهم } الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها اى اذا كان شأن القرآن كما ذكر فاحكم بين اهل الكتاب عند تحاكمهم اليك { بما انزل الله } اى بما انزل اليك فانه مشتمل على جميع الاحكام الشرعية الباقية فى الكتب الالهية { ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق } بالانحراف عنه الى ما يشتهونه فعن متعلقة بلا تتبع على تضمين معنى العدول ونحوه كأنه قيل لا تعدل عما جاءك من الحق متبعا اهواءهم { لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا } الخطاب بطريق الالتفات للناس كافة لكن لا للموجودين خاصة بل للماضين ايضا بطريق التغليب واللام متعلقة بجعلنا المتعدى لواحد وهو اخبار بجعل ماض لا انشاء وتقديمها عليه للتخصيص ومنكم متعلق بمحذوف وقع صفة لما عوض عنه تنوين كل والمعنى لكل امة كائنة منكم ايها الامم الباقية والخالية جعلنا اى عينا ووضعنا شرعة ومنهاجا خاصين بتلك الامة لا تكاد أمة تتخطى شرعتها التى عينت لها فالأمة من مبعث موسى الى مبعث عيسى عليهما السلام شرعتهم التوراة والتى كانت من مبعث عيسى الى مبعث النبى عليهما السلام شرعتهم الانجيل واما انتم ايها الموجودون فشرعتكم القرآن ليس الا فآمنوا به واعملوا بما فيه والشرعة والشريعة هى الطريقة الى الماء شبه بها الدين الذى شرعه الله اى سنه من نحو الصوم والصلاة والحج والنكاح وغير ذلك من وجوه الصلاح لكونه سبيلا موصلا الى ما هو سبب للحياة الابدية كما ان الماء سبب للحياة الفانية والمنهاج الطريق الواضح فى الدين من نهج الامر اذا وضح قيل فيه دليل على انا غير متعبدين بشرائع من قبلها والتحقيق انا متعبدون باحكامها الباقية من حيث انها احكام شريعتنا لا من حيث انها شرعة للاولين { ولو شاء الله } ان يجعلكم امة واحدة { لجعلكم امة واحدة } اى جماعة واحدة متفقة على دين واحد فى جميع الاعصار من غير اختلاف بينكم وبين من قبلكم من الامم فى شىء من الاحكام الدينية ولا نسخ ولا تحويل { ولكن } لم يشأ ذلك اى ان يجعلكم امة واحدة بل شاء ما عليه ألسنة الالهية الجارية فيما بين الامم { ليبلوكم } اى ليعاملكم معاملة من يبتليكم { فيما آتاكم } من الشرائع المختلفة المناسبة لاعصارها وقرونها هل تعملون بها مذعنين معتقدين ان اختلافها بمقتضى المشيئة الالهية المبنية على اساس الحكم البالغة والمصالح النافعة لكم فى معاشكم ومعادكم او تزيغون عن الحق وتتبعون الهوى وتستبدلون المضرة بالجدوى وتشترون الضلالة بالهدى وفى المثنوى كربسوزد باغت انكورت دهد درميان ماتمى سورت دهد لانسلم واعتراض از مابرفت جون عوض مى آيداز مفقودزفت { فاستبقوا الخيرات } اى اذا كان الامر كما ذكر فسارعوا الى ما هو خير لكم فى الدارين من العقائد الحقية والاعمال الصالحة المندرجة فى القرآن الكريم وابتدروها انتهازا للفرصة واحراز المسابقة الفضل { الى الله مرجعكم جميعا } اى مرجع من آمن ومن لم يؤمن جميعا حال من ضمير الخطاب. { فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون } اى فيفعل بكم من الجزاء الفاصل بين المحق والمبطل لا يبقى لكم معه شائبة شك فيما كنتم تختلفون فيه فى الدنيا من امر الدين والشريعة وانما عبر عن ذلك بما ذكر لوقوعه موقع ازالة الاختلاف التى هى وظيفة الاخبار.

المائدة 5:49

{ وان احكم بينهم بما انزل الله ولا تتبع أهواءهم } عطف على الكتاب اى انزلنا عليك الكتاب والحكم بما فيه { واحذرهم } مخافة { ان يفتنوك عن بعض ما انزل الله اليك } اى يضلوك ويصرفوك عن بعضه ولو كان اقل قليل بتصوير الباطل بصورة الحق فالمراد بالفتنة ههنا الميل عن الحق والوقوع فى الباطل كما فى قوله عليه السلام " اعوذ بك من فتنة المحيا ". اى العدول عن الطريق المستقيم وكل من صرف من الحق الى الباطل واميل عن القصد فقد فتن روى ان احبار اليهود قالوا اذهبوا بنا الى محمد فلعلنا نفتنه عن دينه فذهبوا اليه صلى الله تعالى عليه وسلم فقالوا يا ابا القاسم قد عرفت انا احبار اليهود وانا ان اتبعناك اتبعك اليهود كلهم وان بيننا وبين قومنا خصومة فنتحاكم اليك فاقض لنا عليهم ونحن نؤمن بك ونصدقك فابى ذلك رسول الله فنزلت. واستدل العلماء بهذه الآية على ان الخطأ والنسيان جائز على الرسل لانه تعالى قال { واحذرهم ان يفتنوك عن بعض ما انزل الله اليك } والتعمد فى مثل هذا غير جائز على الرسل فلم يبق الا الخطأ والنسيان { فان تولوا } اى اعرضوا عن الحكم بما انزل الله وارادوا غيره { فاعلم انما يريد الله } اى فاعلم ان اعراضهم من اجل ان الله يريد { ان يصيبهم ببعض ذنوبهم } اى يعجل لهم العقوبة فى الدنيا بان يسلطك عليهم ويعذبهم فى الدنيا بالقتل والجلاء والجزية ويجازيهم بالباقى فى الآخرة فالمراد ببعض ذنوبهم ذنب توليهم عن حكم الله تعالى وانما عبر عنه بذلك تنبيها على ان لهم ذنوبا كثيرة هذا مع عظمه واحد من جملتها { وان كثيرا من الناس لفاسقون } اى متمردون فى الكفر مصرون عليه خارجون عن الحدود المعهودة فلذا يتولون عن حكم الله.

المائدة 5:50

{ أفحكم الجاهلية يبغون } انكار وتعجب من حالهم وتوبيخ لهم والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام اى أيتولون عن حكمك فيبغون حكم الجاهلية وهى الملة الجاهلية التى هى هوى وجهل لا يصدر عن كتاب ولا يرجع الى وحى { ومن أحسن من الله حكما } انكار لان يكون احد حكمه احسن من حكمه تعالى او مساو له وان كان ظاهر السبك غير متعرض لنفى المساواة وانكارها يرشدك اليه العرف المطرد والاستعمال الناشىء فانه اذا قيل من اكرم من فلان او الافضل من فلان فالمراد به حتما انه اكرم من كل كريم وافضل من كل فاضل وحكما نصب على التمييز من احسن منقول من المبتدأ والتقدير ومن حكمه احسن من حكم الله { لقوم يوقنون } اى عندهم واللام للبيان فيتعلق بمحذوف كما فى سقيا لك فان سقيا دعاء للمخاطب بان يسقيه الله فيكون لك بيانا له اى هذا الاستفهام لقوم يوقنون فانهم الذين يتدبرون الامور بانظارهم فيعلمون يقينا ان حكم الله عز وجل احسن الاحكام واعدلها وليست اللام متعلقة بقوله { حكما } لان حكم الله لا يخص قوما دون قوم. فقد دلت الآيات على ان الدين واحد من حيث الاصول مختلف من جهة الفروع ولله ان يحكم فى كل عصر وزمان بما اراد ففيه حكم ومصالح فعلينا بالتسليم والانقياد وترك الاعتراض والمسارعة الى الخيرات قبل الموت والفوت وفى الحديث " اغتنم خمسا قبل خمس شبابك قبل هرمك ". لان الرجل يقدر على الاعمال فى حال شبابه ما لا يقدر عليه فى حال هرمه ولان الشاب اذا تعود فى المعصية لا يقدر على الامتناع منها فى هرمه " وصحتك قبل سقمك ". لان الصحيح نافذ الامر فى ماله ونفسه لانه اذا مرض ضعف بدنه عن الطاعة وقصرت يده عن ماله الا فى مقدار ثلثه " وفراغك قبل شغلك ". يعنى فى الليل تكون فارغا وبالنهار تكون مشغولا فينبغى ان تصلى بالليل فى حال فراغك وتصوم بالنهار فى وقت شغلك خصوصا فى ايام الشتاء لان الصوم فى الشتاء غنيمة المؤمن كما قال عليه السلام " الشتاء غنيمة المؤمن طال ليله فقامه وقصر نهاره فصامه ". وفى رواية اخرى " الليل طويل فلا تقصره بمنامك والنهار مضيىء فلا تكدره بآثامك " " وغناك قبل فقرك ". يعنى اذا كنت راضيا بما اعطاك الله من القوت فاغتنم ذلك ولا تطمع فيما فى ايدى الناس " وحياتك قبل مماتك ". لان الرجل ما دام حيا يقدر على العمل فاذا مات انقطع عمله ولهذا تتمنى الموتى ان يعودوا الى الدنيا فيتهللوا مرة او يصلوا ركعة فالفرصة غنيمة والعمر قليل قال الحافظ بكذشتن فرصت اى برادر دركرم روى جوميغ باشد درياب كه عمربس عزيزست كر فوت شود دريغ باشد وقال السيد الشريف لابنه نصيحت همينست جان يدر كه عمرت عزيزست ضايع مكن فينبغى للعاقل ان لا يضيع ايامه قال الحكيم بكودكى بازى. بجوان مستى به بيرى سسنى. خداراكى برستى. فاذا تم شغلك بالشريعة فاجتهد فى الطريقة وهى باطن الشريعة واقتد باولى الالباب فانه كما ان لكل نبى شرعة ومنهاجا كذلك لكل ولى طريقة مسلوكة مخصوصة وقد ضل من ضل منارهم.

المائدة 5:51

{ يا ايها الذين آمنوا } خطاب يعم حكمه كافة المؤمنين من المخلصين وغيرهم وان كان سبب وروده بعضا منهم اذ روى ان عبادة بن الصامت رضى الله عنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم ان لى موالى من اليهود كثيرا عددهم وانى ابرأ الى الله ورسوله من ولايتهم واوالى الله ورسوله فقال عبد الله بن ابى انى رجل اخاف الدوائر لا ابرأ من ولاية موالى وهم يهود بنى قينقاع فقال تعالى { لا تتخذوا اليهود والنصارى اولياء } اى لا تتخذوا احدا منهم وليا بمعنى لا تصافوهم ولا تعاشروهم مصافاة الاحباب ومعاشرتهم لا بمعنى لا تجعلوهم اولياء لكم حقيقة فانه امر ممتنع فى نفسه لا يتعلق به النهى { بعضهم اولياء بعض } اى بعض كل فريق من ذينك الفريقين اولياء بعض آخر من ذلك الفريق لا من الفريق الآخر لانه لا موالاة بين فريقى اليهود والنصارى رأسا والكل متفقون على الكفر مجمعون على مضارتكم ومضاركم فيكيف يتصور بينكم وبينهم موالاة { ومن يتولهم منكم } اى من يتخذهم اولياء { فانه منهم } اى هو على دينهم ومعهم فى النار وهذا اذا تولاهم لدينهم واما الصحبة لمعاملة شراء شىء منهم او طلب عمل منهم مع المخالفة فى الاعتقاد والامور الدينية فليس فيه هذا الوعيد. قال المولى ابو السعود وفيه زجر شديد للمؤمنين عن اظهار صورة الموالاة لهم وان لم تكن موالاة فى الحقيقة { ان الله لا يهدى القوم الظالمين } تعليل لكون من يتولاهم منهم اى لا يرشد الذين ظلموا انفسهم بترك اخوانهم المؤمنين وبموالاة اعداء الله بل يخليهم وشأنهم فيقعون فى الكفر والضلالة اللهم لا تكلنى الى نفسى طرفة عين ولا اقل من ذلك قال الحافظ درره عشق ازان سوى فناصد خطرست تانكوى كه جوعمرم بسر آمدرستم

المائدة 5:52

{ فترى } يا محمد او كل من له اهلية للخطاب رؤية بصرية { الذين فى قلوبهم مرض } اى مرض النفاق ورخاوة العقد فى الدين { يسارعون فيهم } حال من الموصول اى مسارعين فى موالاتهم ومعاونتهم وايثار فى على الى للدلالة على انهم مستقرون فى الموالاة وانما مسارعتهم من بعض مراتبها الى بعض آخر منها والمراد بهم عبد الله بن ابى واضرابه الذين كانوا يسارعون فى موادة اليهود والنصارى نجران وكانوا يعتذرون الى المؤمنين بانهم لا يؤمنون ان تصيبهم صروف الزمان كما قال تعالى { يقولون } معتذرين { نخشى أن تصيبنا دائرة } وهو حال من ضمير يسارعون والدائرة من الصفات الغالبة التى لا يذكر معها موصوفها اى يدور علينا دائرة من دوائر الدهر ودولة من دوله بان ينقلب الامر وتكون الدولة للكفار وقيل نخشى ان يصيبنا مكروه من مكاره الدهر كالجدب والقحط فلا يعطونا الميرة والقرض ولعلهم كانوا يظهرون للمؤمنين انهم يريدون بالدوائر المعنى الاخير ويضمرون فى انفسهم المعنى الاول { فعسى الله ان يأتى بالفتح } رد من جهة الله تعالى لعللهم الباطلة وقطع لاطماعهم الفارغة وتبشير للمؤمنين بالظفر فان عسى منه سبحانه وعد محتوم لما ان الكريم اذا اطمع اطعم لا محالة فما ظنك باكرم الاكرمين. والمراد بالفتح فتح مكة او فتح قرى اليهود من خيبر وفدك او هو القضاء الفصل بنصره عليه السلام على من خالفه واعزاز الدين. قال الحدادى وسمى النصر فتحا لان فيه فتح الامر المغلق { أو أمر من عنده } بقطع شأفة اليهود من القتل والاجلاء. والشأفة قرحة تخرج فى اسفل القدم فتكوى وتذهب يقال فى المثل استأصل الله شأفته اى اذهبه الله كما ذهب تلك القرحة بالكى { فيصبحوا } اى اولئك المنافقون المتعللون بما ذكر { على ما أسروا فى أنفسهم نادمين } وهو ما كانوا يكتمون فى انفسهم من الكفر والشك فى امره صلى الله عليه وسلم.

المائدة 5:53

{ ويقول الذين آمنوا } عند ظهور ندامة المنافقين وهو كلام مبتدأ مسوق لبيان كمال سوء حال الطائفة المذكورة اى ويقول الذين آمنوا مخاطبين لليهود مشيرين الى المنافقين الذين كانوا يوالونهم ويرجون دولتهم ويظهرون لهم غاية المحبة وعدم المفارقة فى السراء والضراء عند مشاهدتهم لخيبة رجائهم وانعكاس تقريرهم بوقوع ضد ما كانوا يترقبون ويتعللون به تعجيبا للمخاطبين من حالهم وتعريضا بهم { أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم } اى بالنصرة والمعونة كما قالوا فيما حكى عنهم وإن قوتلتم لننصرنكم الحشر 11. فاسم الاشارة مبتدأ وما بعده خبره والمعنى انكار ما فعلوه واستبعاده وتخطئتهم فى ذلك والخطاب فى معكم لليهود من جهة المؤمنين. وجهد الايمان اغلظها وهو فى الاصل مصدر ونصبه على تقدير واقسموا بالله يجهدون جهد ايمانهم فحذف الفعل واقيم المصدر مقامه ولا يبالى بتعريفه لفظا لانه مأول بنكرة اى مجتهدين فى ايمانهم او على المصدر اى اقسموا اقسام اجتهاد فى اليمين { حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين } جملة مستأنفة مسوقة من جهته تعالى لبيان مآل ما صنعوه من ادعاء الولاية والاقسام على المعية فى المنشط والمكره اثر الاشارة الى بطلانه بالاستفهام الانكارى اى بطلت اعمالهم التى عملوها فى شأن الموالاة وسعوا فى ذلك سعيا بليغا حيث لم يكن لليهود دولة فغبنوا بما صنعوا من المساعى وتحملوا من مكاره المشاق قال الحافظ اسم اعظم بكندكار خود اى دل خوش باش كه بتلبيس وحيل ديو سليمان نشود واعلم ان للحق دولة وللباطل صولة والباطل يفوز ثم يغور. فعلى المؤمن ان لا يميل الى جانب الباطل واهله اصلا كائنا من كان روى عن ابى موسى الاشعرى انه قال قلت لعمر بن الخطاب ان لى كاتبا نصرانيا فقال مالك قاتلك الله ألا اتخذت حنيفا اما سمعت قوله تعالى يا أيها الذين ءآمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء المائدة 51. قلت له دينه ولى كتابه قال لا تكرموهم اذ اهانهم الله ولا تأتمنوهم اذ خونهم الله ولا تدنوهم اذ اقصاهم الله وروى انه قال لا قوام للبصرة الا به فقال مات النصرانى والسلام يعنى هب انه مات فما كنت تكون صانعا حينئذ فاصنعه الساعة واستغن عنه بغيره. قال الشيخ الاكبر قدس سره الاطهر شاهدت دمشق ان الرجال والنساء كانوا يوالون النصارى ويسامحون فى المعاملة ويذهبون باطفالهم وصغارهم الى الكنائس ويرشون عليهم بطريق التبرك من ماء المعمودية وهذا كفر والعياذ بالله والمعمودية ماء للنصارى اصفر كانوا يغمسون فيه اولادهم ويعتقدون انه تطهير للمولود كالختان لغيرهم وقس عليه تعظيم نوروز النصارى واهداء شىء فى ذلك اليوم اليهم والمشاركة معهم ويلزم الحسبة فى بعض الامور قطعا لعرق الموالاة. وفى ملتقطة الناصرى ولا ادع المشرك يضرب البربط. قال محمد كل شىء امنع من المسلم فانى امنع من المشرك الا الخمر والخنزير ولكن يمنع اهل الكفر من ادخال الخمور والخنازير فى الاسواق على سبيل الشهرة لان فيها استخفافا للمسلمين وما صالحناهم ليستخفوا بالمؤمنين وان حضر لهم عيد لا يخرجون فيه صليبهم ويمنعون من اظهار بيع المزامير والطنبور واظهار الغناء وغير ذلك مما منع منه المسلم ويمنعون من احداث الكنيسة. قال عليه الصلاة والسلام " لا خصاء فى الاسلام ولا كنيسة ". والمراء بالخصاء خصاء بنى آدم فيجوز خصاء البهائم وبه نقول فكما يجوز ذبح الحيوان لحاجة الناس الى لحمه فكذلك يجوز خصاء الحيوان اذا كان فى ذلك منفعة للناس. فان قلت لم لا يجوز خصاء بنى آدم وفيه منفعة ايضا. قيل لا منفعة فيه لانه لا يجوز للخصى ان ينظر الى النساء كما لا يجوز للفحل كذا فى بستان العارفين. ثم اعلم ان النفس والشيطان والقوى الشريرة فى وجود الانسان كاليهود والنصارى فكما انه يلزم مجانبتهم وعدم موالاتهم لان الله تعالى عاداهم وامر بمعاداتهم فكذلك ما ذكر من النفس وغيرها لا يجوز موالاتها والحمل على هواها لانها تسوق الى النار نار جهنم ونار القطيعة فالمؤمن مأمور بالمعاداة لمن عادى الله تعالى مطلقا والا لم يصح ايمانه وفى المثنوى آنجه در فرعون بود اندر توهست ليك ازدرهات محبوس جهست جه خرابت ميكند نفس لعين دور مى اندازدت سخت اين قرين آتشت را هيزم فرعون نيست زانكه جون فرعون اوراعون نيست يعنى ان فرعون ساعده اسباب الدعوى والهوى ولذلك قال ما قال وفعل ما فعل واما انت فليس لك الاسباب مساعدة ولا تجد عونا فى هواك ولذا لا تظهر صورة ما اظهره.

المائدة 5:54

{ يا ايها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه } هذا من الكائنات التى اخبر عنها القرآن قبل وقوعها روى انه ارتد عن الاسلام احدى عشرة فرقة ثلاث فى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بنوا مدلج ورئيسهم ذو الخمار وهو اسود العنسى كان كاهنا تنبأ باليمن واستولى على بلاده حتى اخرج عمال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل معاذ بن جبل وسادات اليمن فكتب عليه السلام الى معاذ بن جبل ومن معه من المسلمين وامرهم ان يحثوا الناس على التمسك بدينهم وعلى النهوض الى حرب الاسود فقتله فيروز الديلمى على فراشه قال ابن عمر فأتى الخبر النبى عليه السلام من السماء الليلة التى قتل فيها فقال عليه الصلاة والسلام " " قتل الاسود البارحة قتله رجل مبارك " قيل ومن هو قال " فيروز ". فبشر عليه السلام اصحابه بهلاك الاسود وقبض عليه السلام من الغد واتى خبر مقتل العنسى المدينة فى آخر شهر ربيع الاول وكان ذلك اول فتح جاء ابا بكر رضى الله عنه. والفرقة الثانية من المرتدين بنوا حنيفة باليمامة ورئيسهم مسيلمة الكذاب وكان قد تنبأ فى حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم فى آخر سنة عشر من الهجرة زعم انه اشرك مع رسول الله فى النبوة و " كتب الى النبى عليه السلام من مسلمة رسول الله الى محمد رسول الله اما بعد فان الارض نصفها لى ونصفها لك وبعث بذلك الكتاب رجلين من اصحابه فقال لهما رسول الله عليه السلام " لولا ان الرسل لا تقتل لضربت اعناقكما " ثم اجاب " من محمد رسول الله الى مسيلمة الكذاب اما بعد فان الارض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين ". فمرض عليه السلام وتوفى فبعث ابو بكر خالد بن الوليد الى مسيلمة الكذاب فى جيش كثير حتى اهلكه الله على يدى وحشى غلام مطعم بن عدى قاتل حمزة بن عبد المطلب بعد حرب شديد وكان وحشى يقول قتلت خير الناس فى الجاهلية وشر الناس فى السلام يريد فى جاهليتى واسلامى. والفرقة الثالثة بنوا اسد ورئيسهم طليحة بن خويلد وكان طليحة آخر من ارتد وادعى النبوة فى حياة رسول الله عليه السلام واول من قوتل بعد وفاته عليه السلام من اهل الردة فبعث ابو بكر خالد بن الوليد فهزمهم خالد بعد قتال شديد وافلت طليحة فمر على وجهه هاربا نحو الشام ثم انه اسلم بعد ذلك وحسن اسلامه ثم ان الله تعالى لما قبض نبيه عليه السلام ارتد عامة العرب الا اهل مكة واهل المدينة واهل البحرين من عبد القيس فقال المرتدون اما الصلاة فنصلى واما الزكاة فلا نغصب اموالنا فكلم ابو بكر فى ذلك فقال والله لا افرق بين ما جمع الله تعالى بقوله وأقيموا الصلوة وآتوا الزكوة البقرة 110. والله لو منعونى عتودا مما ادوا الى رسول الله لقاتلتهم عليه فبعث الله عز وجل عصائب مع ابى بكر رضى الله عنه فقاتل على ما قاتل عليه نبى الله حتى اقروا بالزكاة المفروضة. قال انس بن مالك كرهت الصحابة قتال مانعى الزكاة قالوا هم اهل القبلة فتقلد ابو بكر سيفه وخرج وحده فلم يجدوا بدا من الخروج على اثره. وقال ابن مسعود رضى الله عنه كرهنا ذلك فى الابتداء ثم حمدناه فى الانتهاء وقيل ما ولد بعد النبيين مولود افضل من ابى بكر لقد قام مقام نبى فى قتال اهل الردة قال الشيخ العطار فى نعت ابى بكر رضى الله عنه هرجه بود از باركاه كبريا ريخت در صدر شريف مصطفا آن همه درسينه صديق ريخت لاجرم تابود ازوتحقيق ريخت وقال الحسن لولا ما فعل ابو بكر لالحد الناس فى الزكاة الى يوم القيامة. قال فى الاشباه المعتمد فى المذهب عدم الاخذ كرها. قال فى المحيط ومن امتنع عن اداء الزكاة فالساعى لا يأخذ منه كرها ولو أخذ لا يقع المأخوذ عن الزكاة لكونها بلا اختيار ولكن يجبره بالحبس ليؤدى بنفسه { فسوف يأتى الله } مكانهم بعد اهلاكهم { بقوم يحبهم } اى يريد بهم خير الدنيا والآخرة { ويحبونه } اى يريدون اطاعته ويتحرزون عن معاصيه قيل هم اهل اليمن قال عليه السلام " الايمان يمان والحكمة يمانية ". وانما نسب الايمان اليهم اشعارا بكماله فيهم لان من اتصف بشىء وقوى قيامه به نسب ذلك الشىء اليه لا ان يكون فى ذلك نفى له عن غيرهم فلا منافاة بينه وبين قوله عليه الصلاة والسلام " الايمان فى اهل الحجاز ". ثم ان المراد بذلك الموجودون منهم فى ذلك الزمان لا كل اهل اليمن فى كل الاحيان كذا فى شرح المشارق لابن الملك. وقيل هم الانصار رضى الله عنهم. وقيل هم اهل فارس وفى الحديث " لو كان الايمان معلقا بالثريا لناله ابناء فارس ". وفيه فضيلة لهذه القبيلة { أذلة على المؤمنين } جمع ذليل اى ارقاء ورحماء متذللين ومتواضعين لهم واستعماله بعلى لتضمين معنى العطف والحنو { أعزة على الكافرين } اى اشداء متغلبين عليهم من عزه اذا غلبه { يجاهدون فى سبيل الله } صفة اخرى لقوم مترتبة على ما قبلها مع ما بعدها لكيفية عزتهم { ولا يخافون لومة لائم } عطف على يجاهدون بمعنى انهم جامعون بين المجاهدة فى سبيل الله وبين التصلب فى الدين. وفيه تعريض بالمنافقين فانهم اذا خرجوا فى جيش المسلمين خافوا اولياءهم اليهود فلا يكادون يعملون شيئا يلحقهم فيه لوم من جهتهم واللومة المرة من اللوم وفيها وفى تنكير لائم مبالغتان كأنه قيل لا يخافون من شىء من اللومات الواقعة من أى لائم كان فالمبالغة الاولى انتفاء الخوف من جميع اللومات والثانية انتفاء الخوف من جميع اللوام كل ذلك لان النكرة فى سياق النفى تعم { ذلك } اشارة الى ما تقدم من الاوصاف الجليلة التى وصف بها القوم من المحبة والذلة والعزة والمجاهدة فى سبيل الله وانتفاء خوف اللوم من كل واحد { فضل الله } اى لطفه واحسانه لا انهم مستقلون فى الاتصاف بها { يؤتيه من يشاء } ايتاءه اياه ويوفقه لكسبه وتحصيله حسبما تقتضيه الحكمة والمصلحة { والله واسع } كثر الفواضل والالطاف { عليم } مبالغ فى العلم بجميع الاشياء التى من جملتها من هو اهل للفضل والتوفيق قال الحافظ سكندررا نمى بخشند آبى بزور وزر ميسر نيست اين كار واعلم ان من السالكين من يقطع العقبات ويحرق الحجب فى سبعين سنة ومنهم من يقطعها فى عشرين سنة ومنهم من يحصل له فى سنة ومنهم من يقطعها فى شهر بل فى جمعة بل فى ساعة حتى ان منهم من تحصل له فى لحظة بتوفيق خاص وعناية سابقة أما تذكر سحرة فرعون ما كان مدتهم الا لحظة حيث رأوا معجزة موسى قالوا آمنا برب العالمين فابصروا الطريق وقطعوه حقه فصاروا من ساعة الى ساعة بل اقل من العارفين بالله وحكى ان ابراهيم بن ادهم كان على ما كان عليه من امر الدنيا فعدل عن ذلك وقصد الطريق الحق فلم يكن الا مقدار سيره من بلخ الى مرو والروذ حتى صار بحيث اشار الى رجل سقط من القنطرة فى الماء الكثير هنالك ان قف فوقف الرجل مكانه فى الهواء فتخلص. وان رابعة البصرية كانت امة كبيرة يطاف بها فى سوق البصرة لا يرغب فيها احد لكبر سنها فرحمها بعض التجار فاشتراها بنحو مائة درهم فاعتقها فاختارت الطريق الحق فاقبلت على العبادة فما تمت لها سنة حتى زارها قراء البصرة وعلماؤها لعظم منزلتها. واما الذى لم تسبق له العناية ولا توجهت له ولم يعامل بالفضل فيوكل الى نفسه فربما يبقى فى شعب من عقبة واحدة من العقبات سبعين سنة ولا يقطعها وكم يصيح وكم يصرخ ما اظلم هذا الطريق واشكله واعسر هذا الامر واعضله. فان قلت لم اختص هذا بالتوفيق الخاص وحرم هذا وكلاهما مشتر كان فى ربقة العبودية فعند هذا السؤال تنادى من سرادق الجلال ان الزم الادب واعرف سر الربوبية وحقيقة العبودية فانه لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ذلك تقدير العزيز العليم وان الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم رضابداده بده وزجبين كره بكشاى كه برمن وتودراختيار نكشادست اللهم اجعلنا ممن سبقت له العناية وتقدم فى حقه التوفيق الخاص والهداية آمين يا رب العالمين.

المائدة 5:55

{ انما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا } اى لا تتخذوا اليهود والنصارى اولياء لان بعضهم اولياء بعض وليسوا باوليائكم انما اولياؤكم الله ورسوله والمؤمنون فاختصوهم بالموالاة ولا تخطئوهم الى الغير. قال فى التأويلات النجمية فموالاة الله فى معاداة ما سوى الله كما قال الخليل عليه السلام فإنهم عدو لى إلا رب العالمين الشعراء 78. وموالاة الرسول فى معاداة النفس ومخالفة الهوى كما قال عليه السلام " لا يؤمن احدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به ". وقال " لا يؤمن احدكم حتى اكون احب اليه من نفسه وماله وولده والناس اجمعين ". وموالاة المؤمنين فى مؤاخاتهم فى الدين كقوله تعالى إنما المؤمنون إخوة الحجرات 10. وقال عليه السلام " لا يؤمن احدكم حتى يحب لاخيه ما يحب لنفسه ". { الذين يقيمون الصلوة ويؤتون الزكوة } بدل من الذين آمنوا { وهم راكعون } حال من فاعل الفعلين اى يعملون ما ذكر من اقامة الصلاة وايتاء الزكاة وهم خاشعون ومتواضعون لله تعالى والمقصود تمييز المؤمن المخلص ممن يدعى الايمان ويكون منافقا لأن الاخلاص انما يعرف بكونه مواظبا على الصلاة والزكاة فى حال الركوع اى فى حال الخشوع والاخبات لله تعالى.

المائدة 5:56

{ ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا } اى ومن يتخذهم اولياء { فان حزب الله هم الغالبون } اى فانهم الغالبون ولكن وضع الظاهر موضع المضمر تنبيها على البرهان عليه وكأنه قيل ومن يتول هؤلاء فهم حزب الله وحزب الله هم الغالبون وتشريفا لهم باضافتهم اليه تعالى وتعريضا بمن يوالى غير هؤلاء بانه حزب الشيطان وحزب الرجل اصحابه والحزب الطائفة يجتمعون لأمر حزبهم اى اصابهم. واعلم ان الغلبة على اعداء الله الظاهرة والباطنة كالهوى والنفس والشيطان انما تحصل بنصرة الله تعالى كما قال تعالى إن تنصروا الله ينصركم محمد 7. وليست النصرة والغلبة الا بتأثير الله تعالى وهو المعز وكل العزة منه تعالى وروى ان الله تعالى شكا من هذه الامة ليلة المعراج شكايات. الاولى انى لم اكلفهم عمل الغد وهم يطلبون منى رزق الغد. والثانية انى لا ارفع ارزاقهم الى غيرهم وهم يرفعون عملهم الى غيرى. والثالثة انهم يأكلون رزقى ويشكرون غيرى ويخونون معى ويصالحون خلقى. والرابعة ان العزة لى وانا المعز وهم يطلبون العزة من سواى. والخامسة انى خلقت النار لكل كافر وهم يجتهدون ان يوقعوا انفسهم فيها فمن اتبع هوى النفس ولم يهتم لتزكيتها فقد سعى فى الحاق نفسه بزمرة الاعداء فلم يكن منصورا البتة اذ لا يحصل من الجسارة الا الخسارة والهوى مقتضى النفس والنفس ظلمانية ولا يتولد من الظلمانى الا الظلمة قال فى المثنوى عكس نورانى همه روشن بود عكس ظلمانى همه كلخن بود عكس هركس رابدان اىدوربين بهلوى جنسى كه خواهى مى نشين فعلى المؤمن ان يجتهد بالصوم والصلاة ووجوه العبادات الى ان يزكى نفسه عن سفساف الاخلاق ويغلب الاعداء الباطنة والغلبة عليها مفتاح الغلبة على الاعداء الظاهرة ولذا ترى الانبياء والاولياء منصورين مظفرين على كل حال وهذه النصرة والولاية من آثار عناية الله السابقة فكما ان من رش عليه من نور الازل لم ير ظلمة ابدا كذلك من لم يهتد ذلك النور فى بداية الامر لم يصل الى المراد الى آخر العمر قال الحافظ بآب زمزم وكوثر سفيد نتوان كرد كليم بخت كسىرا كه بافتند سياه

المائدة 5:57

{ يا ايها الذين آمنوا } روى ان رفاعة بن زيد وسويد بن الحارث اظهرا الاسلام ثم نافقا وكان رجال من المؤمنين يوادونهما فنهاهم الله تعالى عن الموالاة وقال { لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا } قوله الذين اتخذوا مفعول اول لقوله لا تتخذوا ومفعوله الثانى قوله اولياء ودينكم مفعول اول لقوله اتخذوا وهزوا مفعوله الثانى. والهزؤ السخرية والاستهزاء واللعب بالفارسية بازى ومعنى اتخاذهم دين المسلمين مهزوا به وتلاعبهم به اظهارهم ذلك باللسان مع الاصرار على الكفر فى القلب وقد رتب النهى عن موالاتهم على اتخاذهم دينهم هزوا ولعبا ايماء الى العلة وتنبيها على ان من هذا شأنه جدير بالمعاداة فكيف بالموالاة { من الذين اوتوا الكتاب من قبلكم } بيان للمستهزئين ومن قبلكم متعلق باوتوا { والكفار } بالنصب عطف على الموصول الاول والمراد المشركون خصوا به لتضاعف كفرهم فالنهى عن موالاة من ليس على الحق رأسا سواء من كان ذا دين تبع فيه الهوى وحرفه عن الصواب كاهل الكتاب ومن لم يكن كالمشركين { أولياء } وجانبوهم كل المجانبة { واتقوا الله } فى ذلك بترك موالاتهم { إن كنتم مؤمنين } اى حقا لان الايمان يقتضى الاتقاء.

المائدة 5:58

{ واذا ناديتم الى الصلوة اتخذوها } اى الصلاة والمناداة { هزوا ولعبا } كان المؤذنون اذا اذنوا للصلاة تضاحكت اليهود فيما بينهم وتغامزوا سفها واستهزاء بالصلاة وتجهيلا لاهلها وتنفيرا للناس عنها وعن الداعى اليها { ذلك } اى الاستهزاء المذكور المستقر { بأنهم قوم لا يعقلون } اى بسبب عدم عقلهم فان السفه يؤدى الى الجهل بمحاسن الحق والهزء به ولو كان لهم عقل فى الجملة لما اجترأوا على تلك العظيمة وفى المثنوى كشتى بى لنكر آمد مردشر كه زباد كز نيابد اوحذر لنكر عقلست عافل را امان لنكرى دريوزه كن ازعاقلان قال العلماء ثبوت الاذان ليس بالمنام وحده بل هو ثابت بنص هذه الآية فان المعنى اذا دعوتم الناس الى الصلاة بالاذان والنداء الدعاء بارفع الصوت. وفى الاذان حكم منها اظهار شعائر الاسلام وكلمة التوحيد والاعلام بدخول وقت الصلاة وبمكانها والدعاء الى الجماعة الى غير ذلك ولو وجد مؤذن حسن الصوت يطلب على اذانه الاجر والرزق وآخر يتبرع بالاذان لكن غير حسن الصوت فايهما يؤخذ ففيه وجهان اصحهما انه يرزق حسن الصوت فان لحسن الصوت تأثيرا كما ان لقبحه تغييرا وتنفيرا وفى المثنوى يك مؤذن داشت بس اوآزبد درميان كافرستان بانك زد جند كفتندش مكو بانك نمار كه شود جنك وعداوتها دراز اوستيزه كرد وبس بى احتراز كفت در كافر ستان بانك نماز خلق خائف شد زفتنه عامه خود بيامد كافرى باجامه شمع وحلوا باجنان جامه لطيف هديه آورد وبيامد جون أليف برس برسان كين مؤذن كوكجاست كه صلا وبانك او راحت فزاست دخترى دارم لطيف وبس سنى آرزو مى بود اورا مؤمنى هيج اين سودانمى رفت ازسرش بندها مىداد جندين كافرش هيج جاره مى ندانستم دران تافر وخواند اين مؤذن آن اذان كفت دخترجيست اين مكروه بانك كه بكوشم آمداين دوجار دانك من همه عمراين جنين آواز زشت هيج نشنيدم درين ديرو كنشت خواهرش كفتا كه اين بانك اذان هست اعلام درشعار مؤمنان باورش نامد بيرسيد ازدكر آن ديكرهم كفت آرى اىبدر جون يقين كشتش رخ اوزردشد از مسلمانى دل او سرد شد بازرستم من زتشويش وعذاب دوش خوش خفتم دران بى خوف خواب راحتم اين بود از آواز او هديه آوردم بشكر آن مردكو جون بديدش كفت اين هديه بذير كه مرا كشتى مجيرو دستكيز كربمال ملك وثروت فردمى من دهانت را براززر كردمى ورد فى التأذين فضائل وفى الحديث " اول الناس دخولا الجنة الانبياء ثم الشهداء ثم بلال ". مع مؤذنى الكعبة ثم مؤذنوا بيت المقدس ثم مؤذنوا مسجد النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ثم سائر المؤذنين على قدر أعمالهم وفى الحديث " ثلاثة لا يكترثون من الحساب ولا تفزعهم الصيحة ولا يحزنهم الفزع الاكبر حامل القرآن العامل بما فيه يقدم على الله سيدا شريفا ومؤذن اذن سبع سنين لا يأخذ على اذانه طعما وعبد مملوك احسن عبادة ربه وادى حق مولاه ". واذا اجتمع الاذان والامامة فى شخص فالامامة افضل لمواظبة النبى عليه السلام عليها وانما أم ولم يؤذن لانه عليه السلام لو اذن لكان كل من تخلف عن الاجابة كافرا ولانه لو كان داعيا لم يجز ان يشهد لنفسه ولانه لو اذن وقال اشهد ان لا اله الا الله وان محمدا رسول الله لتوهم ان ثمة نبيا غيره ولأن الاذان رآه غيره فى المنام فولاه الى غيره وايضا انه عليه السلام كان اذا عمل عملا اثبته اى جعله ديمة وكان لا يتفرغ لذلك لاشتغاله بتبليغ الرسالة وهذا كما قال سيدنا عمر رضى الله عنه لولا الخليفى لاذنت. وكره اللحن فى الاذان لما روى ان رجلا جاء الى ابن عمر رضى الله عنهما فقال انى احبك فقال انى ابغضك فى الله فقال لم فقال لانه بلغنى انك تغنى فى اذانك يعنى تلحن وذلك مثل ان يقول آلله بمد الالف الاولى لانه استفهام وشك وان يقول اكبار بمد الباء لانه اسم الشيطان وغير ذلك الى آخر كلمات الاذان. واجابة المؤذن واجبة على كل من سمعه وان كان جنبا او حائضا اذ لم يكن فى الخلاء او فى الجماع. وذكر تاج الشريعة ان اجابة المؤذن سنة. وقال النووى مستحبة فيقول بمثل ما يقول المؤذن وضعف تقبيل ظفرى ابهاميه مع مسبحتيه والمسح على عينيه عند قوله محمد رسول الله لانه لم يثبت فى الحديث المرفوع لكن المحدثين اتفقوا على ان الحديث الضعيف يجوز العمل به فى الترغيب والترهيب فقط ويقول عند حى على الصلاة " لا حول ولا قوة الا بالله العلى العظيم " وعند حى على الفلاح " ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن " وعند قوله الصلاة خير من النوم " صدقت وبالخير نطقت " وفى قوله قد قامت الصلاة " اقامها الله وادامها " وحين ينتهى الى قوله قد قامت الصلاة يجيب بالفعل دون القول وروى " عن ميمونة رضى الله عنها ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قام بين صف الرجال والنساء فقال " يا معشر النساء اذا سمعتن اذان هذا الحبشى واقامته فقلن كما يقول فان لكن بكل حرف الف درجة " قال عمر رضى الله عنه هذا فى النساء فما للرجال قال " ضعفان يا عمر " ". قال حضرة الشيخ الشهير بافتاده افندى حبذا الكلام ونعم النداء الاذان فعند قوله الله أكبر الله اكبر " لو انكشف وتجلى عظمة الله تعالى وكبرياؤه " وعند قوله اشهد ان لا اله الا الله " لو انكشف وحدانيته " وعند اشهد ان محمدا رسول الله " لو انكشف حقانيته " وعند الحيعلتين " لو ظهر الطلب من الطالب الى المطلوب " وعند الله اكبر الله اكبر لا اله الا الله " لو تجلى الذات لتم المقصود وحصل المراد " انتهى. ومن فضائل الاذان انه لو اذن خلف المسافر فانه يكون فى امان الى ان يرجع. وان اذن فى اذن الصبى واقيم فى اذنه الاخرى اذا ولد فانه امان من ام الصبيان واذا وقع هذا المرض ايضا وكذا اذا وقع حريق او هجم سيل او برد او خاف من شىء كما فى الاسرار المحمدية. والاذان اشارة الى الدعوة الى الله حقيقة والداعى هو الوارث المحمدى يدعو اهل الغفلة والحجاب الى مقام القرب ومحل الخطاب فمن كان اصم عن استماع الحق استهزأ بالداعى ودعوته لكمال جهالته وضلالته ومن كان ممن القى السمع وهو شهيد يقبل الى دعوة الله العزيز الحميد وينجذب الى حضرة العزة ويدرك لذات شهود الجمال ويغتنم مغانم اسرار الوصال جوانا سرمتات ازبند بيران كه رأى بيرت ازبخت جوان به

المائدة 5:59

{ قل يا اهل الكتاب } " روى ان نفرا من اليهود سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن دينه فقال عليه السلام " اؤمن بالله وما انزل الينا وما انزل الى ابراهيم واسمعيل واسحق ويعقوب والاسباط وما اوتى موسى وعيسى وما اوتى النبيون من ربهم لا نفرق بين احد منهم ونحن له مسلمون " فحين سمعوا ذكر عيسى عليه السلام قالوا لا نعلم اهل دين اقل حظا فى الدنيا والآخرة منكم ولا دينا شرا من دينكم فانزل الله هذه الآية اى قل لهؤلاء اليهود الفجرة { هل تنقمون منا } ". من نقم منه كذا اذا عابه وانكره وكرهه اى ما تعيبون وما تنكرون منا ديننا لعلة من العلل { إلا أن آمنا بالله } اى الا لان آمنا بالله فهو مفعول له لتنقمون على حذف المفعول به الذى هو الدين { وما انزل الينا } من القرآن المجيد { وما انزل من قبل } انزاله من التوراة والانجيل وسائر الكتب الالهية { وان اكثركم فاسقون } عطف على ان آمنا اى ولان اكثركم متمردون خارجون عن الايمان بما ذكر حتى لو كنتم مؤمنين بكتابكم الناطق بصحة كتابنا لآمنتم به واسناد الفسق الى اكثرهم مع ان كلهم فاسقون لانهم الحاملون لاعقابهم على التمرد والفساد وقيل هو عطف على ان آمنا على انه مفعول به لكن لا على ان المستثنى مجموع المعطوفين بل هو ما يلزمهما من المخالفة كأنه قيل ما تكرهون من جهتنا الا الايمان بالله وبجميع كتبه المنزلة والا مخالفتكم حيث دخلنا الايمان وانتم خارجون منه.

المائدة 5:60

{ قل هل أنبئكم } الخطاب لليهود { بشر من ذلك } الاشارة الى المنقوم وهو الايمان والمنقوم منهم المؤمنون اى هل اخبركم بما هو شر فى الحقيقة لا ما تعتقدونه شرا وان كان فى نفسه خيرا محضا. قال ابن الشيخ ومن المعلوم قطعا انه لا شر فى دين الاسلام فالمراد الزيادة المطلقة { مثوبة عند الله } اى جزاء ثابتا فى حكمه تعالى والمثوبة مختصة بالخبر كالعقوبة مختصة بالشر فوضعت ههنا موضعها على طريق التهكم ونصبها على التمييز من بشر { من لعنه الله وغضب عليه } خبر لمبتدأ محذوف بتقدير مضاف قبله مناسب لما اشير اليه بكلمة ذلك اى هو دين من لعنه الله وهو اليهود وابعدهم الله من رحمته وسخط عليهم بكفرهم وانهماكهم فى المعاصى بعد وضوح الآيات { وجعل منهم القردة والخنازير } اى مسخ بعضهم قردة فى زمن داود عليه السلام بدعائه عليهم حين اعتدوا فى السبت واستحلوه ومسخ بعضهم خنازير فى زمن عيسى عليه السلام بعد اكلهم من المائدة وحين كفروا بعد ما رأوا الآيات البينة. وقيل كلا المسخين فى اصحاب السبت مسخت شبانهم قردة وشيوخهم خنازير ولما نزلت هذه الآية قال المسلمون لليهود يا اخوة القردة والخنازير فنكسوا رؤسهم وافتضحوا { وعبد الطاغوت } عطف على صلة من وضميره المستكن يعود الى من أى اطاع الشيطان فيما سول له { اولئك } الموصوفون بتلك القبائح والفضائح { شر مكانا } جعل مكانهم شرا ليكون ابلغ فى الدلالة على شرارتهم { واضل عن سواء السبيل } عطف على شر مقرر له اى اكثر ضلالا عن الطريق المستقيم. وفيه دلالة على كون دينهم شرا محضا بعيدا عن الحق لان ما يسلكونه من الطريق دينهم فاذا كانوا اضل كان دينهم ضلالا مبينا لا غاية وراءه وصيغة التفضيل فى الموضعين للزيادة مطلقة لا بالاضافة الى من يشاركهم فى اصل الشرارة والضلال. وعلم ان كل صنف من الناس يفرح بما لديه ويبغض الآخر بما هو عليه ولكن الحق احق ان يتبع فالمؤمن يحب المؤمن فان المحبة من الاخلاق الحسنة والاوصاف الشريفة وفى الحديث " " ان من عباد الله عبادا ما هم بانبياء وشهداء يغبطهم الانبياء والشهداء يوم القيامة لمكانهم من الله تعالى " قالوا يا رسول الله اخبرنا من هم وما اعمالهم فلعلنا نحبهم قال " هم قوم تحابوا فى الله على غير ارحام منهم ولا اموال يتعاطون فوالله ان وجوههم انوار وانهم يعلون منابر من نور لا يخافون اذا خاف الناس ولا يحزنون اذا حزن الناس ". وسئل عبد الله السالمى بأى شىء يعرف اولياء الله من بين عباده فقال بلطافة اللسان وحسن الخلق وبشاشة الوجه وسخاوة النفس وقلة الاعتراض وقبول الاعتذار وكمال الشفقة على عامة الخلق قال الحافظ تاج شاهى طلبى كوهر ذاتى بنماى ورخوداز كوهر جمشيدوفريدون باشى قال حضرة الشيخ الشهير بافتاده افندى لا تزال البغضاء بين البيراميين وبين الخلوتية وكذا بينهم وبين اتباع السيد البخارى مع ان البغضاء لا تليق باهل الحق ألا يرى انا لم نسمع من دور آدم الى خاتم النبيين عليهم السلام نوع بعض بين نبيين اصلا مع انه قد يتفق فى بعض الاوقات ان يجتمع ثلاثة واربعة من الانبياء وكذا اتباعهم لا يطعنون فى واحد منهم قال السعدى دلم خانه مهر يارست وبس ازان مى نكنجد دروكين كس قال بعضهم القلوب ثلاثة. قلب يطير فى الدنيا حول الشهوات. وقلب يطير فى العقبى حول الكرامات. وقلب يطير فى سدرة المنتهى حول المناجاة قال الحافظ غلام همت رندان بى سروبايم كه هردوكون نيرزدبه بيش شان يك كاه فعلى العاقل ان يشتغل بالتوحيد كى يتخلص من ظلمات النفس وهواها والشيطان ووساوسه. نظر عمر بن الخطاب الى شاب فقال يا شاب ان وقيت شر ثلاثة فقد وقيت شر الشيطان ان وقيت لقلقك وقبقبك وذبذبك. قال الاصمعى اللقلق اللسان والقبقب البطن والذبذب الفرج.

المائدة 5:61

{ وإذا جاؤكم قالوا آمنا } نزلت فى ناس من اليهود كانوا يدخلون على رسول الله صلى الله عليه وسلم يظهرون له الايمان نفاقا فالخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام والجمع للتعظيم اوله مع من عنده من المسلمين اى اذا جاؤكم اظهروا الاسلام { وقد } اى والحال انهم قد { دخلوا } ملتبسين { بالكفر وهم قد خرجوا } من عندك ملتبسين { به } اى بالكفر كما دخلوا لم يؤثر فيهم ما سمعوا منك { والله اعلم بما كانوا يكتمون } من الكفر وصيغة التفضيل لان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يظن نفاقهم من اماراته اللائحة عليهم ويتوقع انه يظهره الله وفى المثنوى نيست بازى بامميز خاصه او كه بود تمييز عقلش غيب كو هيج سحروهيج تلبيس ودغل مى نبندد برده براهل دول

المائدة 5:62

{ وترى } يا محمد رؤية بصرية { كثيرا منهم } اى من اليهود والمنافقين حال كونهم { يسارعون فى الإثم } اى الكذب على الاطلاق وايثار كلمة فى على كلمة الى للدلالة على انهم مستقرون فى الاثم وانما مسارعتهم من بعض مراتبه الى بعض آخر منها كقوله تعالى أولئك يسارعون فى الخيرات المؤمنون 61. لا انهم خارجون منه متوجهون اليه كما فى قوله تعالى وسارعوا الى مغفرة من ربكم وجنة آل عمران 133. { والعدوان } اى الظلم المتعدى الى الغير { وأكلهم السحت } اى الحرام { لبئس ما كانوا يعملون } اى لبئس شيئا كانوا يعملونه والجمع بين صيغتى الماضى والمستقبل للدلالة على الاستمرار.

المائدة 5:63

{ لولا } حرف تحضيض { ينهاهم الربانيون والأحبار } المراد بهم العلماء الا ان الربانى الزاهد العارف الواصل والحبر العالم العامل المقبول { عن قولهم الاثم } وهو قولهم آمنا وليسوا بمؤمنين { واكلهم السحت } مع علمهم بقبحها ومشاهدتهم لبماشرتهم لها { لبئس ما كانوا يصنعون } هو ابلغ من قوله لبئس ما كانوا يعملون لان الصنع اقوى من العمل فان العمل انما يسمى صناعة اذا صار مستقرا راسخا متمكنا فجعل جرم من عمل الاثم والعدوان واكل السحت ذنبا غير راسخ وذنب التاركين للنهى عن المنكر ذنبا راسخا وفى الآية مما ينعى على العلماء من توانيهم فى النهى عن المنكرات ما لا يخفى قال الشيخ السعدى كرت نهى منكر برآيد زدست نشايد جوبى دست وبايان نشست جو دست وزبانرا نماند مجال بهمت نمانيد مردى رجال قال عمر بن عبد العزيز ان الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة ولكن اذا اظهروا المعاصى فلم ينكروا استحق القوم جميعا للعقوبة ولولا حقيقة هذا المعنى فى التوبيخ على المشايخ والعلماء فى ترك النصيحة لما اشتغل المحققون بدعوة الخلق وتربيتهم لاستغراقهم فى مشاهدة الحق ومؤانستهم به. قال حضرة الشيخ الشهير بافتاده افندى قدس سره السالك اذا وصل الى الحقيقة اما ان يرسل للارشاد او يبقى فى حضور الوصلة ولا يريد الفرقة كالشيخ ابى يزيد البسطامى فانه لا يختر الارشاد ولكن الارشاد طريقة الانبياء عليهم السلام فانه ما من نبى الا وهو قد بعث وارسل لارشاد الخلق ولم يبق فى عالم الحضور قال فى المثنوى خطابا من قبل الله تعالى الى حضرة النبى عليه السلام هين بمكذار اى شفا رنجوررا تو زخشم كور عصاى كوررا نى توكفتى قائد اعمى براه صد ثواب واجر يابد ازاله هركه اوجل كام كورى راكشد كشت آمر زيده ويابد رشد بس بكش توزين جهان بى قرار جوق كورانرا قطار اندر قطار كار هادى اين بود توهادىء ماتم آخر زمانرا شادىء هين روان كن اى امام المتقين اين خيال انديشكانرا تايقين خيز دردم توبصور سهمناك تاهزاران مرده بررويد زخاك واهل الحقيقة والعلماء العاملون المتجردون عن الغرض سوى اعلاء كلمة الله تعالى محفوظون فى اقوالهم وافعالهم وحكى ان زاهدا من التابعين كسر ملاهى مروان بن الحكم الخليفة فاتى له به فامر بان يلقى بين يدى الاسد فالقى فلما دخل ذلك الموضع افتتح الصلاة فجاءت الاسد وجعلت تحرك ذنبها حتى اجتمع عليه ما كان في ذلك الموضع من الاسد فجعلت تلحسه بألسنتها وهو يصلى ولا يبالى فلما اصبح مروان قال ما فعل بزاهدنا قيل القى بين الاسد قال انظروا هل اكلته فجاؤوا فوجدوا الاسد قد استأنست به فتعجبوا من ذلك فاخرجوه وحملوه الى الخليفة فقال له اما كنت تخاف منها قال لا كنت مشغولا متفكرا طول الليل لم اتفرغ الى خوفهم فقال له فيماذا تتفكر قال فى هذه الاسد حيث جاءتنى تلحسنى بألسنتها فكنت اتفكر ألعابها طاهر ام نجس فتفكرى فى هذا منعنى عن الخوف منها فتعجب منه فخلى سبيله كذا فى نصاب الاحتساب.

المائدة 5:64

{ وقالت اليهود } قال المفسرون ان الله تعالى قد بسط النعمة على اليهود حتى كانوا من اكثر الناس مالا واخصبهم ناحية فلما عصوا الله فى شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذبوه كف الله عنهم ما بسط عليهم من النعمة فعند ذلك قالت اليهود { يد الله مغلولة } اى مقبوضة ممسكة عن العطاء. وغل اليد وبسطها مجاز عن محض البخل والجود من غير قصد فى ذلك الى اثبات يد وغل او بسط قال الله تعالى ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك الإسراء 29. اى لا تمسكها عن الانفاق { غلت ايديهم } دعاء عليهم بالبخل المذموم والمسكة اى امسكت ايديهم عن الانفاق فى الخير وجعلوا بخلاء واليهود ابخل الناس ولا امة ابخل منهم { ولعنوا } اى ابعدوا وطردوا من رحمة الله تعالى { بما قالوا } اى بسبب ما قالوا من الكلمة الشنعاء وهذا الدعاء عليهم تعليم للعباد والا فهو اثر العجز تعالى الله عن ذلك علوا كبير { بل يداه مبسوطتان } اى ليس شأنه عز وجل كما وصفتموه بل هو موصوف بغاية الجود ونهاية الفضل والاحسان وهذا المعنى انما يستفاد من تثنية اليد فان غاية ما يبذله السخى من ماله ان يعطيه بيديه جميعا ويد الله من المتشابهات وهى صفة من صفات الله تعالى كالسمع والبصر والوجه ويداه فى الحقيقة عبارة عن صفاته الجمالية والجلالية وفى الحديث " كلتا يديه يمين ". اديم زمين سفره عام اوست برين خوان يغما جه دشمن جه دوست { ينفق كيف يشاء } اى هو مختار فى انفاقه يوسع تارة ويضيق اخرى على حسب مشيئته ومقتضى حكمته وقد اقتضت الحكمة بسبب ما فيهم من شؤم المعاصى ان يضيق عليهم وفى المثنوى جونكه بدكردى بترس ايمن مباش زانكه تخسمت وبروياند خداش جند كاهى او بيوشاند كه تا آيدت زان بديشيمان وحيا بارها بوشد بى اظهار فضل باز كيرد ازبى اظهار عدل تاكه اين هر دوصفت ظاهرشود آن مبشر كردد اين منذر شود { وليزيدن كثيرا منهم } وهم علماؤهم ورؤساؤهم. قوله كثيرا مفعول اول ليزيدن { ما انزل اليك من ربك } وهو القرآن وما فيه من الاحكام وهو فاعل يزيدن { طغيانا وكفرا } مفعول ثان للزيادة اى ليزيدنهم طغيانا على طغيانهم وكفرا على كفرهم القديمين اما من حيث الشدة والغلو واما من حيث الكم والكثرة اذ كلما نزلت آية كفروا بها فيزداد طغيانهم وكفرهم بحسب المقدار كما ان الطعام الصالح للاصحاء يزيد المرضى مرضا { والقينا بينهم } اى بين اليهود فان بعضهم جبرية وبعضهم قدرية وبعضهم مرجئة وبعضهم مشبهة اما الجبرية فهم الذين ينسبون فعل العبد الى الله تعالى ويقولون لا فعل للعبد اصلا ولا اختيار وحركته بمنزلة حركة الجمادات. واما القدرية فهم الذين يزعمون ان كل عبد خالق لفعله ولا يرون الكفر والمعاصى بتقدير الله. واما المرجئة فهم الذين لا يقطعون على اهل الكبائر بشىء من عفو او عقوبة بل يرجعون الحكم فى ذلك اى يؤخرونه الى يوم القيامة واما المشبهة فهم الذين شبهوا الله تعالى بالمخلوقات ومثلوه بالمحدثات { العداوة والبغضاء } اى جعلناهم مختلفين فى دينهم متباغضين كما قال تعالى تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى الحشر 14. فلا تكاد تتوافق قلوبهم ولا تتطابق اقوالهم والجملة مبتدأة مسوقة لازاحة ما عسى يتوهم فى ذكر طغيانهم وكفرهم من الاجتماع على امر يؤدى الى الاضرار بالمسلمين. قيل العداوة اخص من البغضاء لان كل عدو مبغض بلا عكس كلى { الى يوم القيمة } متعلق بالقينا { كلما اوقدوا نارا للحرب } اى كلما ارادوا محاربة الرسول صلى الله عليه وسلم واثارة شر عليه { أطفأها الله } اى ردهم الله وقهرهم بان اوقع بينهم منازعة كف بها عنه شرهم وفى المثنوى خطابا من قبل الله تعالى الى حضرة صاحب الرسالة عليه السلام هركه درمكر تودارد دل كرو كردنش را من زنم توشاد شو بر سر كوريش كوريهانهم اوشكر بندارد وزهرش دهم جيست خود آلاجق آن تركمان بيش باى نره بيلان جهان آن جراغ اوبه بيش صرصرم خودجه باشد اى مهين بيغمبرم { ويسعون فى الأرض فسادا } اى يجتهدون فى الكيد للاسلام واهله واثارة الشر والفتنة فيما بينهم مما يغاير ما عبر عنه بايقاد نار الحرب. وفسادا اما مفعول له او فى موضع المصدر اى يسعون للفساد او يسعون سعى فساد { والله لا يحب المفسدين } ولذلك اطفأ نائرة افسادهم ولا يجازيهم الا شرا. وعلم ان الله تعالى مهما وكل الانسان الى حساسة طبعه وركاكة نظره وعقله فلا يترشح منه الا ما فيه من الاقوال الشنيعة والافعال الرذيلة ولذلك قالت اليهود يد الله مغلولة ونعم ما قال فى المثنوى درزمين كرنيشكرورخودنى است ترجمان هر زمين نبت وى است واهل الحسد يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ولكن لا يزيدهم الحسد الا الطغيان فكما ان مصائب قوم عند قوم فوائد كذلك فوائد قوم عند قوم مصائب. قال حضرة الشيخ الشهير بافتاده افندى قدس سره ان جماعة السيد البخارى حسدوا لنا حتى قصدوا القتل بالسلاح واشتغلوا بالاسماء القهرية على حسب طريقهم فلم اقاتل دفعا للفتنة ثم رأيت فى موضع قرب جامع السيد البخارى قد اخذ طريقى ماء عظيم فلم يبق الا طريق ضيق فلما قربت منه لم يبق اثر من الماء ثم انه مات كثير من تلك الجماعة ولكن لم اباشر انا فى حقهم شيئا قال كيف اميل الى مشيختهم وتصرف ثمانية عشر الف عالم بيدى بقدرة الله تعالى فى الباطن وان كنت عاجزا فى الظاهر وحكى ان مولانا جلال الدين اشتغل عند صلاح الدين شركوه بعد المفارقة من شمس الدين التبريزى فلما سمعه بعض اتباع مولانا ارادوا قتله فارسل اليه مولانا ابنه السلطان ولد فقال الشيخ صلاح الدين ان الله تعالى اعطانى قدرة على قلب السماء الى الارض فلو اردت اهلكتهم بقدرة الله تعالى لكن الاولى ان ندعو لاصلاحهم فدعا الشيخ فامن السلطان ولد فلانت قلوبهم واستغفروا اللهم بحق اصفيائك خلصنا من رذائل الاوصاف وسفساف الاخلاق انك انت القادر الخلاق.

المائدة 5:65

{ ولو ان اهل الكتاب } اى اليهود والنصارى { آمنوا } بما يجب به الايمان { واتقوا } من المعاصى مثل الكذب واكل السحت ونحو ذلك { لكفرنا عنهم سيآتهم } اى لعفونا عنهم وسترنا عليهم ذنوبهم وهو الخلاص من العذاب { ولادخلناهم جنات النعيم } اى ولجعلناهم خالدين فيها وهو الظفر بالثواب. وفيه تنبيه على ان الاسلام يجب ما قبله وان جل وان الكتابى لا يدخل الجنة ما لم يسلم.

المائدة 5:66

{ ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل } اى عملوا بما فيهما من التصديق بسيد المرسلين والوفاء لله تعالى بما عاهدوا فيهما واقامة الشىء عبارة عن رعاية حقوقه واحكامه كاقامة الصلاة { وما انزل اليهم من ربهم } من القرآن المجيد المصدق لكتبهم وايراده بهذا العنوان للتصريح ببطلان ما كانوا يدعون من عدم نزوله الى بنى اسرائيل { لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم } اى لوسع الله عليهم ارزاقهم بان يفيض عليهم بركات السماء والارض بانزال المطر واخراج النبات. وفيه تنبيه على ان ما اصابهم من الضنك والضيق انما هو من شؤم جناياتهم لا لقصور فى فيض الفياض وفى المثنوى هين مراقب باش كردل بايدت كزبى هرفعل جيزى زايدت اين بلا از كودنى آيدترا كه نكردى فهم نكته ورمزها وكأنه قيل هل كلهم كذلك مصرون على عدم الايمان والتقوى والاقامة فقيل { منهم امة مقتصدة } اى طائفة عادلة غير غالية ولا مقصرة كعبد الله بن سلام واضرابه ممن آمن من اليهود وثمانية واربعين ممن آمن من النصارى. والاقتصاد فى اللغة الاعتدال فى العمل من غير غلو ولا تقصير { وكثير منهم } مقول فى حقهم { ساء ما } كانوا { يعملون } وفيه تعجب بحسب المقام اى ما اسوء عملهم من العناد والمكابرة وتحريف الحق والاعراض عنه. وفى الآية بيان ان التقوى سبب لتوسعة الرزق واستقامة الامر فى الدنيا والآخرة. قال عبد الله القلانسى ركبت سفينة فى بعض اسفارى فبدت ريح شديدة فاشتغل اهل السفينة بالدعاء والنذور واشاروا الى بالنذر ايضا فقلت انى مجرد عن الدنيا فالحوا على فقلت ان خلصنى الله لا آكل لحم الفيل فقالوا من يأكل لحم الفيل حتى تكفه عن نفسك فقلت هكذا خطر ببالى فخلصنى الله بجماعة ورمانا الى ساحل البحر فمضى ايام لم نجد ما نأكل فبينا نحن جياع اذ ظهر جرو فيل فقتلوه واكلوا لحمه ولم آكل رعاية لنذرى وعهدى فالحوا على فقالوا انه مقام الاضطرار فلم اقبل قولهم ثم ناموا فجاءت ام الجرو ورأت عظام ولدها وشمت الجماعة فردا فردا فكل من وجدت رائحته اهلكته ثم جاءتنى فلما لم تجد الرائحة وجهت الى ظهرها واشارت الى بالنزول فنزلت ولقيت وقت السحر جماعة فاخذونى الى البيت واضافونى فاخبرتهم قصتى على لسان ترجمان فقالوا من ذلك الموضع الى هنا مسيرة ثمانية ايام وقد قطعتها فى ليلة واحدة فظهر من هذه الحكاية انه برعاية جانب التقوى والوفاء بالعهد يستقيم امر المرء من جهة الدين والدنيا وان شهوة واحدة من شهوات الدنيا لها حزن طويل وكيد عظيم بل هلاك كما وقع لتلك الجماعة التى اكلوا جرو الفيل وقتى زنبورى موريرا ديدكه بهزار حيله دانه بخانه ميكشد ودران ربح بسيارمى دبداورا كفت اى مور اين جه رنجست كه برخود نهاده بياكه مطعم ومشرب من بين كه هر طعامكه لطيف ولذيذ ترست تاازمن زياده نيايد بيادشاهان نرسد هرانجاكه خواهم نشينم وآنجه خواهم كزينم وخورم ودرين سخن بودكه بربريد وبدكان قصابى برمسلوخى نشست قصاب كه كارد دردست داشت بران زنبور مغرور زدد وباره كرد برزمين انداخت ومور بيامد وباى كشان اورامى بردو كفت " رب شهوة ساعة اورثت صاحبها حزنا طويلا " زنبور كفت مرابجايى مبركه نخواهم مور كفت هركه از روى حرص وشهوت جايى نشيندكه خواهد بجايى كشندش كه نخواهد. واعلم ان قوله تعالى { لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم } اشارة الى ما يحصل بالوهب الرحمانى وما يحصل بالكسب الانسانى فمن عمل بما علم واجتهد فى طريق الحق كل الاجتهاد ينال مراتب الاذواق والمشاهدات فيحصل له جنتان جنة العمل وجنة الفضل وهذا الرزق المعنوى هو المقبول وفى المثنوى اين دهان بستى دهانى بازشد كه خورنده لقمهاى رازشد كر زشيرو ديوتن را وابرى درفطام او بسى نعمت خورى اللهم امدنا بفيض فضلك واحسانك.

المائدة 5:67

{ يا أيها الرسول بلغ } جميع { ما انزل اليك من ربك } مما يتعلق بمصالح العباد فلا يرد ان بعض الاسرار الالهية يحرم افشاؤه. قال ابو هريرة حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعائين من العلم فاما احدهما فقد بثثته واما الآخر لو بثثته لقطع هذا الحلقوم والتحقيق ان ما يتعلق بالشريعة عام تبليغه وما يتعلق بالمعرفة والحقيقة خاص ولكل منهما اهل فهو كالامانة عند المبلغ يلزم دفعها الى اربابها { وان لم تفعل } اى ان لم تبلغ جميعه خوفا من ان ينالك مكروه { فما بلغت رسالته } لان كتمان بعضها ككتمان الكل والرسالة لا سبيل لها ان يبلغها الا باللسان فلذلك لم يرخص له فى تركها وان خاف فهذا دليل لقولنا فى المكره على الطلاق والعتاق اذا تكلم به وقع لان تعلق ذلك باللسان لا بالقلب والاكراه لا يمنع فعل اللسان فلا يمنع النفاذ كذا فى التيسير { والله يعصمك من الناس } امان من الله تعالى للنبى عليه السلام كيلا يخاف ولا يحذر كما روى فى الخبر ان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لما دخل المدينة قالت اليهود يا محمد انا ذووا عدد وبأس فان لم ترجع قتلناك وان رجعت ذودناك واكرمناك فكان عليه السلام يحرسه مائة من المهاجرين والانصار يبيتون عنده ويخرجون معه خوفا من اليهود " فلما نزل قوله تعالى { والله يعصمك من الناس } علم ان الله يحفظه من كيد اليهود وغيرهم فقال للمهاجرين والانصار " انصرفوا الى رحالكم فان الله قد عصمنى من اليهود " " فكان صلى الله عليه وسلم بعد ذلك يخرج وحده فى اول الليل وعند السحر الى اودية المدينة وحيث ما شاء يعصمه الله مع كثيرة اعدائه وقلة اعوانه وكان الشج والرباعية قبل ذلك او لان المراد العصمة من القتل وقد حفظه من ذلك واما سائر البلايا والمحن فذلك مما كان يجرى على سائر الانبياء والاولياء. قال الكرمانى ما وقع من الابتلاء والسقم فى الانبياء عليهم السلام لنيل جزيل الاجر وليعلم انهم بشر تصيبهم محن الدنيا وما يطرأ على الاجسام وانهم مخلوقون فلا يفتتن بما ظهر على ايديهم من المعجزات انتهى { ان الله لا يهدى القوم الكافرين } تعليل لعصمته عليه السلام اى لا يمكنهم مما يريدون لك من الاضرار. وفيه اشارة الى ان من سنة الله تعالى ان لا يهدى الى حضرته قوما جحدوا نبوة الانبياء وماقبلوا رسالة الرسل ليبلغوا اليهم من ربهم او انكروا على الاولياء وما استمسكوا بعروة ولايتهم ليوصلوهم الى الله تعالى سنة الله التى قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا وفى الآية ايضا اشارة الى ان من امتثل لامر الخالق يعصمه من مضرة المخلوق كما عصم النبى عليه السلام وابو بكر الصديق رضى الله عنه فى الغار حين الهجرة فاذا عصم الله من امتثل لامره يعصم ايضا من يستشفع برسوله عليه السلام ويهديه الى سواء الصراط حكى ان سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم اخطأ الجيش بارض الروم واسر فانطلق هاربا يلتمس الجيش فاذا بالاسد فقال يا ابا الحارث انا سفينة مولى رسول الله فكان مرادى كيت وكيت فاقبل الاسد يتبصبص حتى قام الى جنبه كما سمع صوتا اهوى اليه فلم يزل كذلك حتى بلغ الجيش ثم رجع الاسد قال السعدى فى البستان يكى ديدم از عرصه رودبار كه بيش آمدم بريلنكى سوار جنان هول ازان حال برمن نشست كه ترسيدنم باى رفتن ببست تبسم كنان دست برلب كرفت كه سعدى مدار انجه آيد شكفت توهم كردن از حكم داور مييج كه كردن نبيجد زحكم توهيج محالست جون دوست داردترا كه دردست دشمن كذارد ترا وعن جابر رضى الله عنه قال " كان النبى صلى الله عليه وسلم فى بعض الغزوات فنزل مع قومه فى واد فتفرق الناس يستظلون بالاشجار وينامون واستظل عليه السلام بشجرة معلقا سيفه بغصنها فاذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعونا فلما حضرنا رأينا اعرابيا فقال عليه السلام ان هذا اخترط على سيفى وانا نائم فاستيقظت وهو فى يده صلتا فقال يمنعك منى فقلت الله ". يعنى يمنعنى الله منك " فسقط السيف من يده فاخذته فقلت من يمنعك منى فقال كن خير آخذ " قال الراوى قال له النبى عليه السلام أتشهد ان لا اله الا الله وانى رسول الله قال لا ولكن اعاهدك على ان لا اقاتلك ولا اكون مع قوم يقاتلونك فخلى عليه السلام سبيله " وفى الحديث كمال توكل النبى عليه السلام وتصديق قوله { والله يعصمك من الناس } واستحباب مقابلة السيئة بالحسنة كذا فى شرح المشارق لابن الملك رحمه الله تعالى.

المائدة 5:68

{ قل } يا محمد مخاطبا ليهود والنصارى { يا أهل الكتاب لستم على شىء } اى دين يعتد به ويليق بان يسمى شيئا لظهور بطلانه ووضوح فساده { حتى تقيموا التوراة والإنجيل } ومن اقامتهما الايمان بمحمد والاذعان لحكمه فان الكتب الالهية باسرها آمرة بالايمان بما صدقته المعجزة ناطقة بوجوب الطاعة له والمراد اقامة اصولهما وما لم ينسخ من فروعهما { وما انزل اليكم من ربكم } اى القرآن المجيد بالايمان به ونسب الانزال اليهم لانهم كانوا يدعون عدم نزوله الى نبى اسرائيل { وليزيدن كثيرا منهم } وهم علماؤهم ورؤساؤهم { ما أنزل إليك من ربك } اى القرآن { طغيانا وكفرا } على طغيانهم وكفرهم القديمين وهو مفعول ثان ليزيدن { فلا تأس على القوم الكافرين } اى فلا تحزن عليهم لزيادة طغيانهم وكفرهم بما تبلغه اليهم فان ضرر ذلك لاحق بهم لا يتخطاهم وفى المؤمنين مندوحة لك عنهم. وفى الآية اشارة الى ان حقيقة الدين انما هى احكام ظاهرة وباطنة والتزين بالاعمال ظاهرا وبالاحوال باطنا وهذا لا يتصور الا بمقدمتين ونتائج اربع فاما المقدمتان فاولاهما الجذبة الآلهية وثانيتهما التربية الشيخية واما النتائج فاولاها الاعراض عن الدنيا وما يتعلق بها كلها وثانيتها التوجه الى الحق بصدق الطلب وهما من نتائج الجذبة ثم تزكية النفس عن الاخلاق الذميمة وتحلية القلب بالاخلاق الآلهية وهما من نتائج التربية الشيخية باستمداد القوة النبوة والقوم الكافرون هم اهل الانكار يتعلقون بظاهر الدين ولا يعرفون وراءه غاية وليس الامر كذلك فان لكل ظاهر باطنا وفى المثنوى فائده هرظاهرى خود باطنست همجو نفع اندر دواها كامنست هيج خطاطى نويسد خط بفن بهر عبن خط نه بهر خواندن كند بينش مى نبيند غير اين عقل اوبى سيرجون نبت زمين نبت راجه خوانده جاه ناخوانده هست باى اوبكل درمانده كرسرش جنبد بسير بادرو توبسر جنبانيش غره مشو آن سرش كويد سمعنا اى صبا باى او كويد عصينا خلنا والحامل على الانكار هو الحسد كما كان لطائفة اليهود والنصارى فلا بد من تزكية النفس من مثل هذا القبيح حكى ان تلميذا للفضيل بن عياض حضرته الوفاة فدخل عليه الفضيل وجلس عند رأسه وقرأ سورة يس فقال يا استاذ لا تقرأ هذه ثم سكت ثم لقنه فقال لا اله الا الله فقال لا اقولها لانى بريىء منها ومات على ذلك فدخل الفضيل منزله وجعل يبكى اربعين يوما لم يخرج من البيت ثم رآه فى النوم وهو يسحب الى جهنم فقال بأى شىء نزع الله المعرفة عنك وكنت اعلم تلاميذى فقال بثلاثة. اولها بالنميمة فانى قلت لاصحابى بخلاف ما قلت لك. والثانى بالحسد حسدت اصحابى. والثالث كان لى علة فجئت الى الطبيب وسألته عهنا فقال تشرب فى كل سنة قدحا من الشراب فان لم تفعل بقيت بك العلة فكنت اشربه نعوذ بالله من سخطه الذى لا طاقة لنا به كذا فى منهاج العابدين.

المائدة 5:69

{ إن الذين آمنوا } اى بألسنتهم فقط وهم المنافقون { والذين هادوا } اى دخلوا فى اليهودية { والصابئون } اى الذين صبت قلوبهم ومالت الى الجهل وهم صنف من النصارى يقال لهم السائحون يحلقون اوساط رؤسهم وقد سبق فى سورة البقرة { والنصارى } جمع نصران وهو معطوف على الذين هادوا. وقوله والصابئون رفع على الابتداء وخبره محذوف والجملة معطوفة على جملة قوله { ان الذين آمنوا } الخ والتقدير ان الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى حكمهم كيت وكيت والصابئون كذلك وانما لم يعطف على ما قبله جعل مع خبره المحذوف جملة مستقلة اتى بها فى خلال الجملة الاولى على نية التأخير للدلالة على ان الصابئين مع كونهم اشد الفرق المذكورين فى هذه الآية ضلالا اذا قبل توبتهم وغفر ذنوبهم على تقدير الايمان الصحيح والعمل الصالح فقبول توبة باقى الفرق اولى واحرى { من آمن بالله واليوم الآخر } اى من احدث من هذه الطوائف ايمانا خالصا بالمبدأ والمعاد { وعمل صالحا } حسبما يقتضيه الايمان بهما. قوله من فى محل الرفع بالابتداء وخبره فلا خوف الخ والجملة خبر ان { فلا خوف عليهم } حين يخاف الكفار العقاب { ولا هم يحزنون } حين يحزن المقصرون على تضييع العمر وتفويت الثواب والمراد بيان دوام انتفائهما لا بيان انتفاء دوامهما. قال الحدادى فى تفسيره اما نفى الحزن عن المؤمنين ههنا فقد ذهب بعض المفسرين الى انه لا يكون عليهم حزن فى الآخرة ولا خوف ونظيره قوله تعالى تتنزل عليهم الملائكة أن لا تخافوا ولا تحزنوا فصلت 30. وقال بعضهم ان المؤمنين يخافون ويحزنون لقوله تعالى يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت الحج 2. وقوله يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه عبس 34-35. وقال صلى الله عليه وسلم " " يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة " فقالت عائشة واسوءتاه فقال صلى الله تعالى عليه وسلم " اما سمعت قول الله تعالى لكل امرىء منهم يومئذ شان يغنيه " " قالوا وانما نفى الله تعالى فى هذه الآية الحزن عن المؤمنين لان حزنهم لما كان فى معرض الزوال ولم يكن له بقاء معهم لم يعتد بذلك انتهى وفى المثنوى هركه ترسد مرورا ايمن كنند مردل ترشنده راساكن كنند لاتخافوا هست نزل خائفان هست درخور از براى خائف آن آنكه خوفش نيست جون كويى مترس درس جه دهى نيست او محتاج درس واعلم ان اولياء الله لا خوف عليهم فيما لا يكون على شىء لانهم يقيمون القرآن عملا بالظاهر والباطن ولا هم يحزنون على ما يقاسون من شدائد الرياضات والمجاهدات ومخالفات النفس فى ترك الدنيا وقمع الهوى ولا على ما اصابهم من البلاء والمحن والمصيبات والآفات لانهم تخلصوا من التقليد وفازوا بالتحقيق وارتفع عنهم تعب التكاليف فهم مع الله فى جميع احوالهم فعلى المؤمن معالجة مرضه القلبى من الاوصاف الرذيلة والتخلص من النفاق واللحاق باهل الاتفاق. قال ابراهيم الخواص قدس سره دواء القلب خمسة. قراءة القرآن بالتدبر. وخلاء البطن. وقيام الليل والتضرع. الى الله عند السحر. ومجالسة الصالحين. قال حضرة الشيخ الشهير بالهدائى قدس سره ونحن نقول المصلح فى الحقيقة هو الله ولكن اشد الاشياء تأثيرا هو الذكر قال الله تعالى ألا بذكر الله تطمئن القلوب الرعد 28. قال على رضى الله عنه يأتى على الناس زمان لا يبقى من الاسلام الا اسمه ولا من القرآن الا رسمه يعمرون مساجدهم وهى خراب من ذكر الله شر اهل ذلك الزمان علماؤهم منهم تخرج الفتنة واليهم تعود قال السعدى علم جند انكه بيشتر خوانى جون عمل در تونيست نادانى نه محقق بود نه دانشمند جاربايى برو كتابى جند آن تهى مغزرا جه علم وخبر كه بروهيز مست ويا دفتر واعلم ان زبدة العلوم هى العلم بالله وما سواه فمن محسناته ومن علم فهو كامل فى نفسه الا ان العمل هو المقصود ومجرد القراءة لا يغنى شيئا ولا يجلب نفعا لمن صاحب رفيق التوفيق.

المائدة 5:70

{ لقد اخذنا ميثاق بنى اسرائيل } اى بالله قد اخذنا عهدهم بالتوحيد وسائر الشرائع والاحكام المكتوبة عليهم فى التوراة { وارسلنا اليهم رسلا } ذوى عدد كثير واولى شأن خطير ليذكروهم وليبينوا لهم امر دينهم { كلما جاءهم رسول بما لا تهوى انفسهم } جواب شرط محذوف كأنه قيل فماذا فعلوا بالرسل فقيل كلما جاءهم رسول من اولئك الرسل بما يخالف هواهم من الشرائع ومشاق التكاليف عصوه وعادوه كأنه قيل كيف عصوهم فقيل { فريقا كذبوا } اى فريقا منهم كذبوهم من غير ان يتعرضوا لهم بشىء آخر من المضار { وفريقا يقتلون } اى فريقا آخر منهم لم يكتفوا بتكذيبهم بل قتلوهم ايضا كزكريا ويحيى عليهما السلام.

المائدة 5:71

{ وحسبوا ان لا تكون فتنة } اى حسب بنوا اسرائيل وظنوا ان لا يصيبهم من الله تعالى بلاء وعذاب بقتل الانبياء وتكذيبهم وجه حسبانهم انهم وان اعتقدوا فى انفسهم انهم مخطئون فى ذلك التكذيب والقتل الا انهم كانوا يقولون نحن ابناؤه واحباؤه وكانوا يعتقدون ان نبوة اسلافهم وآبائهم تدفع عنهم العذاب الذى يستحقونه بسبب ذلك القتل والتكذيب { فعموا } عطف على حسبوا والفاء للدلالة على ترتيب ما بعدها على ما قبلها اى أمنوا بأس الله تعالى فتمادوا فى فنون الغى والفساد وعموا عن الدين بعد ما هداهم الرسل الى المعاملة الظاهرة وبينوا لهم مناهجة الواضحة اى عملوا معاملة الاعمى الذى لا يبصر { وصموا } عن استماع الحق الذى القوه عليهم اى عملوا معاملة الاصم الذى لا يسمع ولذلك فعلوا بهم ما فعلوا. قال المولى ابو السعود وهذا اشارة الى المرة الاولى من مرتى افساد بنى اسرائيل حين خالفوا احكام التوراة وركبوا المحارم وقتلوا شعيبا وقيل حبسوا ارمياء عليه السلام { ثم تاب الله عليهم } حين تابوا ورجعوا عما كانوا عليه من الفساد وبعدما كانوا ببابل دهرا طويلا تحت قهر بخت نصر اسارى فى غاية الذل والمهانة فوجه الله عز وجل ملكا عظيما من ملوك فارس الى بيت المقدس ليعمره وينجى بقايا بنى اسرائيل من اسر بخت نصر بعد مهلكهم وردهم الى وطنهم وتراجع من تفرق منهم فى الاكناف فعمروه فى ثلاثين سنة فكثروا وكانوا كاحسن ما كانوا عليه { ثم عموا وصموا } وهو اشارة الى المرة الاخرى من مرتى افسادهم وهو اجتراؤهم على قتل زكريا ويحيى وقصدهم قتل عيسى عليهم السلام { وكثير منهم } بدل من الضمير فى الفعلين. قال الحدادى قوله { كثير منهم } يقتضى فى المرة الثانية انهم لم يكفروا كلهم وانما كفر اكثرهم كما قال تعالى ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة آل عمران 113. وقال تعالى منهم أمة مقتصدة المائدة 66. { والله بصير بما يعملون } فيجازيهم وفق اعمالهم ومن اين لهم ذلك الحسبان الباطل ولقد وقع ذلك فى المرة الاولى حيث سلط عليهم بخت نصر فاستولى على بيت المقدس فقتل من اهله اربعين الفا ممن يقرأ التوراة وذهب بالبقية الى ارضه فبقوا هناك على اقصى ما يكون من الذل والنكد الى ان احدثوا توبة صحيحة فردهم الله عز وعلا الى ما حكى عنهم من حسن الحال ثم عادوا الى المرة الاخرى من الافساد فبعث الله عليهم الفرس فغزاهم ملك بابل من ملوك الطوائف ففعل بهم ما فعل. قيل دخل صاحب الجيش مذبح قرابينهم فوجد فيه دما يغلى فسألهم فقالوا دم قربان لم يقبل منا فقال ما صدقتمونى فقتل عليه الوفا منهم ثم قال ان لم تصدقونى ما تركت منكم احدا فقالوا انه دم يحيى عليه السلام فقال بمثل هذا ينتقم الله منكم ثم قال يا يحيى قد علم ربى وربك ما اصاب قومك من اجلك فاهدأ باذن الله تعالى قبل ان لا ابقى احدا منهم فهدأ. واعلم ان من مقتضى النفس نسيان العهد بينها وبين الله ونسيان نعمه بالكفران وكيف الكفران والانسان غريق فى بحر كرمه ولطفه فيجب عليه شكر ذلك وارسال الرسل وتوضيح السبل ونزول المطر وانبات الارض وصحة البدن وقوة القلب واندفاع الموانع ومساعدة الاسباب كل ذلك من النعم الجليلة وحكى ان دانيال عليه السلام وجد خاتمه فى عهد عمر رضى الله عنه وكان على فصه اسدان وبينهما رجل يلحسانه وذلك ان بخت نصر لما تتبع الصبيان وقتلهم وولد هو القته امه فى غيضة رجاء ان ينجو منه فقيض الله سبحانه اسدا يحفظه ولبوة ترضعه وهما يلحسانه فلما كبر صور ذلك فى خاتمه حتى لا ينسى نعمة الله عليه ولا بد فى قطع طريق الآخرة من تحمل المشاق والقيام بالحقوق الواجبة بينه وبين الخلاق. ذكر عن الفضيل انه قال من عزم على طريق الآخرة فليجعل فى نفسه اربعة الوان من الموت الابيض والاحمر والاسود والاخضر. فالموت الابيض الجوع. والاسود ذم الناس. والاحمر مخالفة الشيطان. والاخضر الوقائع بعضها على بعض الى المصائب والاوجاع واذا كان المرء اعمى واصم فى هذا الطريق فلا جرم يضل ولا يهتدى قال فى المثنوى كوررا هر كام باشد ترس جاه باهزاران ترس مى آيد براه مرد بينا ديده عرض راه را بس بداند او مغاك و جاه را ماهيا نرا بحر نكذارد برون خاكيانرا بحر نكذارد درون اصل ما هى آب وحيوان از كلست حيله وتدبير اينجا باطلست قفل زفتست و كشاينده خدا دست درتسليم زن اندر رضا والعصيان وان كان سببا للنسيان ورين العمى والصمم الا ان ما قضاه الله وقدره لا يتغير فليبك على نفسه من ضاع عمره فى الهوى وتتبع الشهوات فلم يجد الى طلب الحق سبيلا والى طريق الرشيد دليلا اللهم انك انت الهادى.

المائدة 5:72

{ لقد كفر الذين قالوا ان الله هو المسيح ابن مريم } نزلت فى نصارى نجران السيد والعاقب ومن معهما وهم المار يعقوبية قالوا ان الله حل فى ذات عيسى واتحد بذاته تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا { وقال المسيح } اى قالوا ذلك والحال قد قال المسيح مخاطبا لهم { يا بنى اسرائيل اعبدوا الله ربى وربكم } فانى عبد مربوب مثلكم فاعبدوا الله خالقى وخالقكم { إنه } اى الشان { من يشرك بالله } اى شيئا فى عبادته او فيما يخص به من الصفات والافعال { فقد حرم الله عليه الجنة } فلن يدخلها ابدا كما لا يصل المحرم عليه الى المحرم فانها دار الموحدين { ومأواه النار } فانها هى المعدة للمشركين { وما للظالمين } بالاشراك { من أنصار } اى من احد ينصرهم بانقاذهم من النار اما بطريق المغالبة او بطريق الشفاعة وهو من تمام كلام عيسى. ثم حكى ما قاله النسطورية والملكانية من النصارى فقال

المائدة 5:73

{ لقد كفر الذين قالوا ان الله ثالث ثلاثة } اى احد ثلاثة آلهة والالهية مشتركة بينهم وهم الله وعيسى ومريم { وما من إله الا إله واحد } اى والحال ليس فى الوجود ذات واجب مستحق للعبادة من حيث انه مبدأ جميع الموجودات الالهية موصوف بالوحدانية متعال عن قبول الشركة { وان لم ينتهوا عما يقولون } عن مقالتهم الاولى والثانية ولم يوحدوا { ليمسن الذين كفروا منهم } اى والله ليمسنهم ووضع الموصول موضع الضمير لتكرير الشهادة عليهم بالكفر فمن بيانية حال من الذين { عذاب اليم } نوع شديد الالم من العذاب يخلص وجعه الى قلوبهم.

المائدة 5:74

{ أفلا يتوبون الى الله } اى أيصرون فلا يتوبون عن تلك العقائد الزائغة والاقاويل الباطلة وهمزة الاستفهام لانكار الواقع واستبعاده لا لانكار الوقوع وفيه تعجيب من اصرارهم وتحضيض على التوبة { ويستغفرونه } بالتوحيد والتنزيه عما نسبوه اليه من الاتحاد والحلول { والله غفور رحيم } اى والحال انه تعالى مبالغ فى المغفرة يغفر لهم عند استغفارهم ويمنحهم من فضله.

المائدة 5:75

{ ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل } اى ما هو الا مقصور على الرسالة لا يكاد يتخطاها كالرسل الماضية من قبله خصه الله تعالى بآيات كما خصهم بها فان احيى الموتى على يده فقد احيى العصا وجعلها حية تسعى على يد موسى وهو اعجب وان خلقه من غير اب فقد خلق آدم من غير اب وام وهو اغرب منه وكل ذلك من جنابه عز وجل وانما موسى وعيسى مظاهر شؤونه وافعاله { وامه صديقة } اى ما امه ايضا الا كسائر النساء اللاتى يلازمن الصدق اى صدق الاقوال فى المعاملة مع الخلق وصدق الافعال والاحوال فى المعاملة مع الخالق لا يصدر منهن ما يكذب دعوى العبودية والطاعة { كانا يأكلان الطعام } ويفتقران اليه افتقار الحيوانات فكيف يكون آله من لا يقيمه الا اكل الطعام { انظر كيف نبين لهم الآيات } الباهرة المنادية ببطلان ما تقولوا عليهما نداء يكاد يسمعه صم الجبال { ثم انظر أنى يؤفكون } اى كيف يصرفون عن استماعها والتأمل فيها. وثم لاظهار ما بين العجبين من التفاوت اى ان بياننا الآيات امر بديع فى بابه واعراضهم عنها مع تعاضد ما يوجب قبولها ابدع.

المائدة 5:76

{ قل } يا محمد الزاما لهؤلاء النصارى ومن سلك طريقتهم من اتخاذ غير الله إله { أتعبدون من دون الله } اى متجاوزين اياه { ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا } يعنى عيسى وهو وان ملك ذلك بتمليك الله اياه لكنه لا يملكه من ذاته ولا يملك مثل ما يضر الله به من البلايا والمصائب وما ينفع به من الصحة والسعة وانما قال ما مع ان اصله ان يطلق على غير العاقل نظرا الى ما هو عليه فى ذاته فانه عليه الصلاة والسلام فى اول احواله لا يوصف بعقل ولا بشىء من الفضائل فكيف يكون إله { والله هو السميع العليم } بالاقوال والعقائد فيجازى عليها ان خيرا فخير وان شرا فشر وهو حال من فاعل تعبدون.

المائدة 5:77

{ قل يا اهل الكتاب لا تغلوا فى دينكم غير الحق } اى غلوا باطلا فترفعوا عيسى الى ان تدعوا له الالوهية كما ادعته النصارى او تضعوه فتزعموا انه لغير رشدة كما زعمته اليهود { ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل } يعنى اسلافهم وائمتهم الذين قد ضلوا قبل مبعث محمد عليه السلام فى شريعتهم { وأضلوا كثيرا } اى من تابعهم على بدعهم وضلالهم { وضلوا عن سواء السبيل } عن قصد السبيل الذى هو الاسلام بعد مبعثه لما كذبوه وبغوا عليه وحسدوه. قال الشيخ نجم الدين فى تأويلاته ان النصارى لما ارادوا ان يسلكوا طريق الحق بقدم الفعل وينظروا الى احوال الانبياء بنظر العقل تاهوا فى اودية الشبهات وانقطعوا فى بوادى الهلكات جل جناب القدس عن ادراك عقول الانس هيهات هيهات وهذا حال من يحذو حذوهم ويقفوا اثرهم فاطرت النصارى عيسى عليه السلام اذ نظروا بالعقل فى امره فوجدوه مولودا من ام بلا اب فحكم عقلهم ان لا يكون مولود بلا اب فينبغى ان يكون هو ابن الله واستدلوا على ذلك بانه يخلق من الطين كهيئة الطير ويبرىء الاكمه والابرص ويحيى الموتى ويخبر عما يأكلون فى بيوتهم وما يدخرون وهذا من صفات الله تعالى ولو لم يكن المسيح ابن الله لما امكنه هذا وانما امكنه لان الولد سر ابيه. وقال بعضهم ان المسيح لما استكمل تزكية النفس عن صفات الناسوتية حل لاهوتية الحق فى مكان ناسوتيته فصار هو الله تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا. ثم اعلم ان امة محمد لما سلكوا طريق الحق باقدام جذبات الالوهية على وفق المتابعة الحبيبية اسقط عنهم كلفة الاستدلال ببراهين الوصول والوصال كما كان حال الشبلى حين غسل كتبه بالماء وكان يقول نعم الدليل انتم ولكن اشتغالى بالدليل بعد الوصول الى المدلول محال وفى المثنوى جون شدى بر بامهاى آسمان سرد باشد جست وجوى نردبان آينه روشن كه شد صاف وجلى جهل باشد بر نهادن صيقلى ييش سلطان خوش نشسته درقبول جهل باشد جستن نامه ورسول فهؤلاء القوم بعدما وصلوا الى سرادقات حضرة الجلال شاهدوا بانوار صفات الجمال ان الانسان هو الذى حمل امانة الحق من بين سائر المخلوقات وهى نور فيض الالوهية بواسطة الانبياء فهم مخصوصون باحسن التقويم فى قبول هذا الكمال فتحقق لهم ان عيسى عليه السلام صار قابلا بعد التزكية للتخلية بفيض الخالقية والمحبية كان يخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيرا باذن الله ويبرىء الاكمه والابرص ويحيى الموتى باذن الله لا باذنه اعنى كان صورة الفعل منه ومنشأ صفة الخالقية حضرة الالوهية وهذا كما ان لكرة البلور المخروط استعدادا فى قبول فيض الشمس اذا كانت فى محاذاتها فتقبل الفيض وتحرق المحلوج المحاذى لها بذلك الفيض فمصدر الفعل المحرق من الكرة ظاهرا ومنشأ الصفة المحرقية حضرة الشمس حقيقة فصار للكرة بحسن الاستعداد قابلية لفيض الشمس وظهر منها صفات الشمس وما جلت الشمس فى كرة البلور تفهم ان شاء الله وتغتنم فكذلك حال الانبياء فى المعجزات وكبار الاولياء فى الكرامات والفرق ان الانبياء مستقلون بهذا المقام والاولياء متبعون. قال الامام الغزالى فى قول ابى يزيد انسلخت من نفسى كما تنسلخ الحية من جلدها فنظرت فاذا انا هو اذ من انسلخ من شهوات نفسه وهواها وهمها لا يبقى فيه متسع لغير الله ولا يكون له هم سوى الله واذا لم يحل فى القلب الا جلال الله وجماله صار مستغرقا كأنه هو لا انه هو تحقيقا. وقوله ايضا سبحانى ما اعظم شأنى يحمل على انه قد شاهد كمال حظه من صفة القدس فقال سبحانى ورأى عظيم شأنه بالاضافة الى شأن عموم الخلق فقال ما اعظم شأنى وهو مع ذلك يعلم قدسه وعظم شأنه بالاضافة الى الخلق ولا نسبة له الى قدس الرب وعظم شأنه وقول من قال من الصوفية انا الحق فوارد على سبيل التجوز ايضا كما يقول الشاعر انا من اهوى ومن اهوى انا وذلك متأول عند الشاعر فانه لا يعنى به انه هو تحقيقا بل كأنه هو فانه مستغرق بالهم به كما يكون مستغرق الهم بنفسه فيعتبر هذه الحالة بالاتحاد على سبيل التجوز. قال الشيخ ابو القاسم الجرجانى ان الاسماء التسعة والتسعين تصير اوصافا للعبد السالك وهو بعد فى السلوك غير واصل. فان قلت ما معنى الوصول. قلت معنى السلوك هو تهذيب الاخلاق والاعمال والمعارف وذلك اشتغال بعمارة الظاهر والباطن والعبد فى جميع ذلك مشغول بنفسه عن ربه الا انه مشتغل بتصفية باطنه ليستعد للوصول وانما الوصول هو ان ينكشف له جلية الحق ويصير مستغرقا به فان نظر الى معرفته فلا يعرف الا الله وان نظر الى همته فلا همة له سواه فيكون كله مشغولا لا بكله مشاهدة وهما لا يلتفت فى ذلك الى نفسه ليعمر ظاهره بالعبادة وباطنه بتهذيب الاخلاق وكل ذلك طهارة وهى البداءة واما النهاية فان ينسلخ عن نفسه بالكلية ويتجرد له فيكون كأنه هو وذلك هو الوصول وفى المثنوى كاركاه كنج حق در نيستيست غره هستى جه دانى نيست جيست آب كوزه جون در آب جوشود محو كردد دروى وجو او شود

المائدة 5:78

{ لعن الذين كفروا } حال كونهم { من بنى اسرائيل } اى طردوا وابعدوا من رحمة الله { على لسان داود } متعلق يلعن يعنى اهل ايلة لما اعتدوا فى السبت قال داود عليه الصلاة والسلام اللهم العنهم واجعلهم آية ومثلا لخلقك فمسخوا قردة { وعيسى ابن مريم } اى على لسان عيسى ابن مريم يعنى كفار اصحاب المائدة لما اكلوا من المائدة ولم يؤمنوا قال عيسى اللهم العنهم كما لعنت اصحاب السبت واجعلهم آية فمسخوا خنازير وكانوا خمسة آلاف رجل ما فيهم امرأة ولا صبى كأنه قيل بأى سبب وقع ذلك فقيل { ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون } اى ذلك اللعن الشنيع المقتضى للمسخ بسبب عصيانهم واعتدائهم ما حرم عليهم.

المائدة 5:79

{ كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه } استئناف اى لا ينهى بعضهم بعضا عن قبيح يعملونه واصطلحوا على الكف عن نهى المنكر { لبئس ما كانوا يفعلون } تعجيب من سوء فعلهم مؤكدا بالقسم.

المائدة 5:80

{ ترى كثيرا منهم } اى من اهل الكتاب ككعب بن الاشرف واضرابه حيث خرجوا الى مشركى مكة ليتفقوا على محاربة النبى عليه السلام والرؤية بصرية { يتولون الذين كفروا } حال من كثيرا لكونه موصوفا اى يوالون المشركين بعضا لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين { لبئس ما قدمت لهم أنفسهم } اى لبئس شيئا قدموا ليردوا عليه يوم القيامة { أن سخط الله عليهم وفى العذاب هم خالدون } هو المخصوص بالذم بتقدير المضاف اى موجب سخط الله والخلود فى العذاب لان نفس السخط المضاف الى البارى تعالى لا يقال له انه المخصوص بالذم انما المخصوص بالذم هو الاسباب الموجبة له.

المائدة 5:81

{ ولو كانوا } اى الذين يتولون المشركين من اهل الكتاب { يؤمنون بالله والنبى } اى نبيهم { وما انزل اليه } اى الى ذلك النبى من التوراة والانجيل { ما اتخذوهم } اى المشركين { أولياء } لان تحريم ذلك مصرح فى شريعة ذلك النبى وفى الكتاب المنزل اليه فالايمان يمنع من التولى قطعا { ولكن كثيرا منهم فاسقون } خارجون عن الدين والايمان بالله ونبيهم وكتابهم. وفى الآيات امور. الاول ان الانسان الكامل الذى يصلح لخلافة الحق هو مظهر صفات لطف الحق وقهره فقبولهم قبول الحق وردهم رد الحق ولعنهم لعن الحق وصلاتهم صلاة الحق فمن لعنوه فقد لعنه ومن صلوا عليه فقد صلى الحق عليه لقوله تعالى لنبيه عليه السلام إن صلاتك سكن لهم التوبة 103. وقال هو الذى يصلى عليكم الأحزاب 43. فمظهر اللعن كان لسان داود وعيسى وكانت اللعنة من الله حقيقة لقوله كما لعنا أصحاب السبت النساء 47. وهم الذين لعنهم داود وصرح ههنا ان اللعن كان منه تعالى وان كان على لسان داود عليه السلام فى المثنوى اين نكردى توكه من كردم يقين اى صفاتت درصفات مادفين مارميت اذ رميت كشته خويشتن درموج جون كف هشته وفى محل آخر كه ترا ازتوبكل خالى كند توشوى بست اوسخن عالى كند كرجه قرآن ازلب بيغمبر است هركه كويد حق نكفت اوكافرست والثانى ان الله تعالى سمى العصيان منكرا لانه يوجب النكرة كما سمى الطاعة معروفا لانها توجب المعرفة والاقدام على الفعل المنكر معصية والاصرار على المعصية كالكفر فى كونه سببا للرين المحيط بجوانب القلب ومن ذلك ترك النهى عن المنكر وفى الحديث " يحشر يوم القيامة اناس من امتى من قبورهم الى الله تعالى على صورة القردة والخنازير بما داهنوا اهل المعاصى وكفوا عن نهيهم وهم يستطيعون ". فالمداهنة من اعمال الكفار والدعوة الى الله من اخلاق الاخيار وفى المثنوى هركسى كوازصف دين سركش است ميرود سوى صفى كان وابس است توز كتار تعالوا كم مكن كيمياى بس شكرفست آن سخن كرمسى كردد زكفتارت نفير كيميارا هيج ازوى وامكير اين زمان كربست نفس ساحرش كفت توسودش دهدر آخرش قل تعالوا قل تعالوا اى غلام هين كه ان الله يدعو بالسلام والثالث ان المؤمن والكافر ليسا من جنس واحد وتولى الكافر موجب لسخط الله لان موالاة الاعداء توجب معاداة الاولياء فينبغى للمؤمن الكامل ان ينقطع عن صحبة الكفار والفجار واهل البدع والاهواء وارباب الغفلة والانكار وفى المثنوى ميل مجنون بيش آن ليلى روان ميل ناقه بس بى طفلش دوان كفت اى ناقة جوهردو عاشقيم مادو ضد بس همره نالايقيم نيستت بروفق من مهر و مهار كرد بايد ازتو صحبت اختيار جان زهجر عرش اندر فاقه تن زعشق خاربن جون ناقة جان كشايد سوى بالا بالها درزده تن درزمين جنكالها اللهم خلصنا من خلاف الجنس مطلقا.

المائدة 5:82

{ لتجدن } يا محمد { أشد الناس } مفعول اول للوجدان { عداوة } تمييز { للذين آمنوا } متعلق بعداوة { اليهود } مفعول ثان للوجدان { والذين اشركوا } يعنى مشركى العرب معطوف على اليهود { ولتجدن أقربهم مودة للذين ءآمنوا الذين قالوا إنا نصارى } اعرابه كاعراب ما سبق. اما عداوة اليهود والمشركين المنكرين للمعاد فلشدة حصرهم الذى هو معدن الاخلاق الذميمة فان من كان حريصا على الدنيا طرح دينه فى طلب الدنيا واقدم على كل محظور ومنكر فلا جرم تشتد عداوته مع كل من نال جاها او مالا. واما مودة النصارى فلانهم فى اكثر الامر معرضون عن الدنيا مقبلون على العبادة وترك طلب الرياسة والتكبير والترفع وكل من كان كذلك فانه لا يحسد الناس ولا يؤذيهم بل يكون لين العريكة فى طلب الحق سهل الانقياد له انظر الى كفر النصارى مع كونه اغلظ من كفر اليهود لان كفر النصارى فى الالوهية وكفر اليهود فى النبوة واما قوله تعالى وقالت اليهود عزير ابن الله التوبة 30. فانما قاله طائفة منهم ومع ذلك خص اليهود بمزيد اللعنة دونهم وما ذاك الا بسبب حرصهم على الدنيا ويؤيده قوله عليه السلام " حب الدنيا رأس كل خطيئة ". قال البغوى لم يرد به جميع النصارى لانهم فى عداوتهم للمسلمين كاليهود فى قتلهم المسلمين واسرهم وتخريب بلادهم وهدم مساجدهم واحراق مصاحفهم لا مودة ولا كرامة لهم بل الآية نزلت فيمن اسلم منهم مثل النجاشى واصحابه وكان النجاشى ملك الحبشة نصرانيا قبل ظهور الاسلام ثم اسلم هو واصحابه قبل الفتح ومات قبله ايضا. وقال اهل التفسير ائتمرت قريش ان يفتنوا المؤمنين عن دينهم فوثب كل قبيلة على من فيها المسلمين يؤذونهم ويعذبونهم فافتتن من افتتن وعصم الله منهم من شاء ومنع الله رسوله بعمه ابى طالب " فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما حل باصحابه ولم يقدر على منعهم ولم يؤمر بعد بالجهاد امرهم بالخروج الى ارض الحبشة وقال " ان بها ملكا صالحا لا يظلم ولا يظلم عنده احد فاخرجوا اليه حتى يجعل الله للمسلمين فرجا " " واراد به النجاشى واسمه اصحمة بالمهملتين وهو بالحبشية عطية وانما النجاشى اسم الملك كقولهم قيصر لملك الروم وكسرى لملك الفرس فخرج اليها سرا احد عشر رجلا واربع نسوة منهم عثمان ابن عفان وامرأته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرجوا الى البحر واخذوا سفينة الى ارض الحبشة بنصف دينار وذلك فى رجب فى السنة الخامسة من مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذه هى الهجرة الاولى ثم خرج جعفر بن ابى طالب وتتابع المسلمون اليها فكان جميع من هاجر الى الحبشة من المسلمين اثنين وثمانين رجلا سوى النساء والصبيان سعديا حب وطن كرجه حديثست صحيح نتوان مرد بسختى كه من انيجازادم فلما علمت قريش بذلك وجهوا عمر بن العاص وصاحبه بالهدايا الى النجاشى وبطارقته ليردوهم اليهم فعصمهم الله فلما انصرفا خائبين واقام المسلمون هناك بخير دار وحسن جوار الى ان هاجر رسول الله وعلا امره وذلك فى سنة ست من الهجرة كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم الى النجاشى على يد عمرو بن امية الضمرى ليزوجه ام حبيبة بنت ابى سفيان وكانت قد هاجرت اليه مع زوجها فمات زوجها فارسل النجاشى الى ام حبيبة جارية يقال لها نزهة تخبرها بخطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم اياها فاعطتها اوضاحا لها سرورا بذلك وامرها ان توكل من يزوجها فوكلت خالد بن سعيد بن العاص فانكحها على صداق اربعمائة دينار وكان الخاطب لرسول الله النجاشى فانفذ اليها على يد نزهة اربعمائة دينار فلما جاءتها بها اعطتها خمسين دينارا فردتها وقالت امرنى الملك ان لا آخذ منك شيئا وقالت انا صاحبة دهن الملك وثيابه وقد صدقت محمدا صلى الله عليه وسلم وآمنت به فحاجتى منك ان تقرئيه منى السلام قالت نعم ثم امر الملك نساءه ان يبعثن الى ام حبيبة بما عندهن من عود وعنبر وكان عليه السلام يراه عليها وعندها فلا ينكر قالت ام حبيبة فخرجنا فى سفينتين وبعث معنا النجاشى الملاحين فلما خرجنا من البحر ركبنا الظهر الى المدينة ورسول الله عليه السلام بخيبر فخرج من خرج اليه واقمت بالمدينة حتى قدم النبى عليه السلام فدخلت عليه فكان يسألنى عن النجاشى فقرأت عليه من نزهة السلام فرد عليها السلام فانزل الله عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم الممتحنة 7. يعنى ابا سفيان مودة الممتحنة 7. يعنى تزويج ام حبيبة ولما جاء ابا سفيان تزويج ام حبيبة برسول الله عليه الصلاة والسلام قال ذاك الفحل لا يقرع انفه ثم قال عليه السلام " لا ادرى انا بفتح خيبر اسر ام بقدوم جعفر ". وبعث النجاشى بعد قدوم جعفر الى رسول الله ابنه ازهر بن اصحمة بن الحر فى ستين رجلا من الحبشة وكتب اليه يا رسول الله اشهد انك رسول الله صادقا مصدقا وقد بايعتك وبايعت ابن عمك واسلمت لله رب العالمين وقد بعثت ابنى ازهر وان شئت ان آتيك بنفسى فعلت والسلام عليك يا رسول الله فركبوا سفينة فى اثر جعفر واصحابه فلما بلغوا اواسط البحر غرقوا وكان جعفر يوم وصل المدينة الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وصل فى سبعين رجلا عليهم ثياب الصوف منهم اثنان وستون من الحبشة وثمانية من اهل الشام منهم بحيرا الراهب فقرأ عليهم رسول الله سورة يس الى آخرها فبكوا حين سمعوا القرآن فآمنوا وقالوا ما اشبه هذا بما كان ينزل على عيسى عليه السلام فانزل الله تعالى هذه الآية { ولتجدن اقربهم مودة للذين امنوا الذين قالوا انا نصارى } يعنى وفد النجاشى الذين قدموا مع جعفر وهم السبعون وكانوا اصحاب الصوامع { ذلك } اى كونهم اقرب مودة للمؤمنين { بأن منهم } اى بسبب ان منهم { قسيسين } وهم علماء النصارى وعبادهم ورؤساؤهم. والقسيس صيغة مبالغة من تقسس الشىء اذا تتبعه وطلبه بالليل وسموا به لمبالغتهم فى تتبع العلم قاله الراغب. وقال قطرب القسيس العالم بلغة الروم. وعن عروة بن الزبير انه قال ضيعت النصارى الانجيل وادخلوا فيه ما ليس منه وبقى واحد من علمائهم على الحق والدين وكان اسمه قسيسا فمن كان على مذهبه فهو قسيس { ورهبانا } هو جمع راهب كراكب وركبان وقيل انه يطلق على الواحد وعلى الجمع. والترهب التعبد مع الرهبة فى صومعة والتنكير لافادة الكثرة ولا بد من اعتبارها فى القسيسين ايضا اذ هى التى تدل على مودة جنس النصارى للمؤمنين فان اتصاف افراد كثيرة بجنس الخصلة مظنة لاتصاف الجنس بها والا فمن اليهود ايضا قوم مهتدون ألا يرى الى عبد الله بن سلام واضرابه قال تعالى من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون آل عمران 113 الخ. لكنهم لما لم يكونوا فى الكثرة كالذين من النصارى لم يتعد حكمهم الى جنس اليهود { وإنهم لا يستكبرون } عطف على ان منهم اى وبانهم لا يستكبرون عن قبول الحق اذا فهموه ويتواضعون ولا يتكبرون كاليهود. وفيه دليل على ان التواضع والاقبال على العلم والعمل والاعراض عن الشهوات محمود وان كانت فى كافر. اقول ذكر عند حضرة شيخى العلامة ابقاه الله بالسلامة رجولية بعض اهل الذمم ومروته فقال انه من آثار السعادة الازلية ويرجى ان ذلك يدعوه الى الايمان والتوحيد ويصير عاقبته الى الفلاح قال الحافظ كارى كنيم ورنه خجالت بر آورد روزى كه رخت جان بجهان دكر كشيم

المائدة 5:83

{ واذا سمعوا ما أنزل الى الرسول } عطف على لا يستكبرون اى ذلك بسبب انهم لا يستكبرون وان اعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا عند سماع القرآن وهو بيان لرقة قلوبهم وشدة خشيتهم ومسارعتهم الى قبول الحق وعدم تأنفهم عنه { ترى أعينهم تفيض من الدمع } اى تملأ بالدمع فاستعير له الفيض الذى هو الانصاب من الامتلاء مبالغة ومن الدمع متعلق بتفيض ومن لابتداء الغاية والمعنى تفيض من كثرة الدمع والرؤية بصرية وتفيض حال من المفعول { مما عرفوا من الحق } من الاولى لابتداء الغاية متعلق بمحذوف على انها حال من الدمع والثانية لبيان الموصول فى قوله ما عرفوا اى حال كونه ناشئا ومبتدأ من معرفة الحق حاصلا من اجله وبسبب كأنه قيل ماذا يقولون عند سماع القرآن فقيل { يقولون ربنا آمنا } بهذا القرآن { فاكتبنا مع الشاهدين } اى اجعلنا فى جملة الذين شهدوا بانه حق.

المائدة 5:84

{ وما لنا } اى أى شىء حصل لنا { لا نؤمن بالله } حال من الضمير فى لنا اى غير مؤمنين على توجيه الانكار والنفى الى السبب والمسبب جميعا { وما جاءنا من الحق } عطف على الجلالة اى بالله وما جاءنا من الحق حال من فاعل جاءنا اى جاءنا فى حال كونه من جنس الحق او من لابتداء الغاية متعلقة بجاءنا ويكون المراد بالحق البارى تعالى { ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين } حال اخرى من الضمير المذكور بتقدير مبتدا اى أى شىء حصل لنا غير مؤمنين ونحن نطمع فى صحبة الصالحين وانما قدر المبتدأ ليكون الحال هو الجملة الاسمية لان المضارع المثبت لا يقع حالا بالواو الا بتأويل تقدير المبتدأ.

المائدة 5:85

{ فاثابهم الله } اى اعطاهم وجازاهم { بما قالوا } اى عن اعتقادهم بدليل قوله مما عرفوا من الحق { جنات } اى بساتين { تجرى من تحتها الأنهار } اى تجرى من تحت اشجارها ومساكنها وغرفها انهار الماء والعسل والخمر واللبن { خالدين فيها وذلك } الثواب { جزاء المحسنين } اى الذين احسنوا النظر والعمل او الذين اعتادوا الاحسان فى الامور.

المائدة 5:86

{ والذين كفروا وكذبوا بآياتنا } فماتوا على ذلك عطف التكذيب بآيات الله على الكفر مع انه ضرب منه لما ان القصد الى بيان حال المكذبين { اولئك اصحاب الجحيم } اهل النار الشديدة الوقود وهم الذين استتروا بحجب اوصاف البهيمية والسبعية والشيطانية فاصمهم الله واعمى ابصارهم سمعوا ولم يستمعوا وشاهدوا ولم يبصروا بخلاف من قال لهم الله ألست بربكم فاسمعهم كلامه ووفقهم للجواب حتى شهدوا ربوبيته فقالوا بلى شهدنا فكذلك ههنا اسمعهم كلامه وعرفهم حقيقة كلامه فاشتاقوا اليه وتذكر قلوبهم ما شاهدوا عند الميثاق من تلك المشاهدة فبكوا بكاء الشوق وبكاء المعرفة وفى المثنوى خوى بددر ذات تواصلى نبود كزبد اصلى مى نيابد جز جحود آن بدى عاريتى باشد كه او ارد اقرار وشود اوتوبه جو همجو آدم ذلتش عاريه بود لاجرم اندر زمان توبه نمود جونكه اصلى بودجرم آن بليس ره نبودش جانب توبه نفيس حكى ان سلطانا زار قبر ابى يزيد قدس سره فسأل عن حاله من بعض اصحاب ابى يزيد فقال من رآه لم يدخل النار فقال السلطان ان أبا جهل رأى النبى عليه السلام ومع ذلك يدخل النار وليس شيخك فوق النبى عليه السلام فقال ايها السلطان ان ابا جهل لم ير النبى صلى الله عليه وسلم بل رأى يتيم ابى طالب فلو رأى انه رسول الله لآمن به وخلص من النار وبنور العرفان آمنت بلقيس فانها لما رأت كتاب سليمان شاورت قومها فقالوا نقاتله انه يدعى النبوة والانبياء عباد الله المكرمون لا يقاتلهم احد فبعد الامتحان آمنت به قال المولوى قدس سره جون سليمان سوى مرغان سبا يك صفيرى كرد بست آن جمله را جزمكر مرغى كه بدبى جان وبر ياجو ماهى كنك بود ازاصل كر نى غلط كفتم كه كر كرسر نهد بيش وحى كبريا شمعش دهد جونكه بلقيس ازدل وجان عزم كرد بر زمان رفته هم افسوس خورد ترك مال وملك كرد او آنجنان كه بترك نام وننك آن عاشقان آن غلامان وآن كنيزان بناز بيش جشمش همجو بوسيده بياز باغهاو قصرهاو آب رود بيش جشم ازعشق او كلخن نمود عشق درهنكام استيلاو خشم زشت كرداند لطيفانرا بجشم هر زمردرا نمايد كندنا غيرت عشق اين بود مغتئ لا لا اله الاهو اينست اى بناه كه نمايد دمه تراويك سياه واعلم انه فى العالم العلمى وفق من وفق فجرى على ذلك التوفيق فى هذا العالم العينى الشهادى ثم لا يزال على ذلك فى جانب الابد حتى يدخل الجنة الصورية الحسية مع اذواق الروحانية المعنوية خالدا فيها فهذا هو ثمرة ذلك البذر ومحصول ذلك الزرع والحرث كما قال الله تعالى فاثابهم الله بما قالوا المائدة 85 الخ. فعلى المؤمن ان يجتهد فى تحصيل اليقين ويدخل الجنة العاجلة التى هى المعرفة الالهية كما قال مما عرفوا من الحق ويتخلص من نار البعد والفراق كما قال { أولئك أصحاب الجحيم }.

المائدة 5:87

{ ياايها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما احل الله لكم } اى لا تمنعوا ما طاب ولذ منه انفسكم كمنع التحريم { ولا تعتدوا } اى لا تتجاوزوا حدود ما احل لكم الى ما حرم عليكم فان محرم ما احل الله يحل ما حرم الله او ولا تسرفوا فى تناول الطيبات فان الاسراف تجاوز الى الحرام كتناول المحرمات { ان الله لا يحب المعتدين } اى لا يرضى عمل المعتدين على انفسهم المتجاوزين حدود الله.

المائدة 5:88

{ وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا } اى ما احل لكم وطاب مما رزقكم الله فحلالا مفعول كلوا ومما رزقكم الله حال منه تقدمت عليه لكونه نكرة. قال عبد الله بن المبارك الحلال ما اخذته من وجهه والطيب ما غذى ونمى فاما الجوامد كالطين والتراب وما لا يغذى فمكروه الا على وجه التداوى { واتقوا الله الذى انتم به مؤمنون } تأكيد للوصية بما امر به فان قوله { كلوا حلالا } وان كان المراد به ههنا الاباحة والتحليل الا انه انما اباح اكل الحلال فيفيد تحريم ضده فأكد التحريم المستفاد منه بقوله { واتقوا الله } وزاده تأكيدا بقوله { الذى أنتم به مؤمنون } فان الايمان يوجب التقوى بالانتهاء عما نهى عنه وعدم التجاوز عما حد له. قال الامام قوله تعالى { كلوا مما رزقكم الله } يدل على انه تعالى قد تكفل برزق كل احد فانه لو لم يتكفل برزقه لما قال { كلوا مما رزقكم الله } واذا تكفل برزقه وجب ان لا يبالغ فى الطلب وان يعول على وعده واحسانه فانه اكرم من ان يخلف الوعد ولذلك قال عليه السلام " فاتقوا الله واجملوا فى الطلب " قال الحافظ ماابروى فقر وقناعت نمى بريم بابادشه بكوى كه روزى مقدرست وقال الصائب رزق اكر بر آدمى عاشق نمى باشدجرا اززمين كندم كريباز جاك مى آيدجرا قال اهل التفسير " ذكر النبى عليه السلام يوما النار ووصف القيامة وبالغ فى الانذار فرق له الناس وبكوا فاجتمع عشرة من الصحابة فى بيت عثمان بن مظعون الجمحى وتشاوروا واتفقوا على ان يترهبوا ويلبسوا المسوح ويجبوا مذاكيرهم ويصوموا الدهر ويقوموا الليل ولا يناموا على الفرش ولا يأكلوا اللحم والودك ولا يقربوا النساء والطيب ويسيحوا فى الارض فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتى دار عثمان بن مظعون فلم يصادفه فقال لامرأته ام حكيم بنت امية واسمها خولة وكانت عطارة " احق ما بلغنى عن زوجك واصحابه " فكرهت ان تكذب على رسول الله وكرهت ان تبدى خبر زوجها فقالت يا رسول الله ان كان قد اخبرك عثمان فقد صدق فرجع رسول الله فلما جاء عثمان اخبرته زوجته بذلك فمضى الى رسول الله فسأله النبى عليه السلام عن ذلك فقال نعم فقال عليه السلام " أما انى لم آمر بذلك ان لانفسكم عليكم حقا فصوموا وافطروا وقوموا وناموا فانى اقوم وانام واصوم وافطر وآكل اللحم والدسم وآتى النساء فمن رغب عن سنتى فليس منى " ثم جمع الناس وخطبهم وقال " ما بال قوم حرموا النساء والطعام والطيب والنوم وشهوات الدنيا اما انى لا آمركم ان تكونوا قسيسين ولا رهبانا فانه ليس من دينى ترك اللحم والنساء ولا اتخاذ الصوامع وان سياحة امتى الصوم ورهبانيتهم الاجتهاد فاعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وحجوا واعتمروا واقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وصوموا رمضان واستقيموا يستقم لكم فانما هلك من هلك قبلكم بالتشديد شددوا على انفسهم فشدد الله عليهم فاولئك بقاياهم فى الديارات والصوامع " ". فانزل الله هذه الآية " وروى ان عثمان بن مظعون جاء الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله ان نفسى تحدثنى بان اختصى فائذن لى فى الاختصاء قال " مهلا يا عثمان فان اختصاء امتى الصيام ". وفى المثنوى هين مكن خودرا خصى رهبان مشو زانكه عفت هست شهوت راكروا بى هوا نهى از هوا ممكن نبود غازىء بر مردكان نتوان نمود بس كلو از بهر دام شهوتست بعد ازان لاتسرفوا آن عفتست جونكه رنج صبر نبود مرترا شرط نبود بس فرو نايد جرا حبذا آن شرط وشادا آن جزا آن جزاى دلنواز جان فزا " قال يا رسول الله ان نفسى تحدثنى بان اترهب فى رؤوس الجبال قال " مهلا يا عثمان فان ترهب امتى الجلوس فى المساجد لانتظار الصلاة " قال يا رسول الله ان نفسى تحدثنى ان اخرج من مالى كله قال " مهلا يا عثمان فان صدقتكم يوما بيوم وتعف نفسك وعيالك وترحم المساكين واليتيم فتعطيها افضل من ذلك " قال يا رسول الله ان نفسى تحدثنى ان اطلق امرأتى خولة قال " مهلا يا عثمان فان الهجرة فى امتى من هجر ما حرم الله عليه او هاجر الى فى حياتى او زار قبرى بعد وفاتى او مات وله امرأة او امرأتان او ثلاث او اربع " قال يا رسول الله فان نهيتنى ان لا اطلقها فان نفسى تحدثنى ان لا اغشاها قال " مهلا يا عثمان فان المسلم اذا غشى امرأته او ما ملكت يمينه فلم يكن له من وقعته تلك ولد كان له وصيف فى الجنة وان كان له من وقعته تلك ولد فمات قبله كان له فرطا وشفيعا يوم القيامة وان مات بعده كان له نورا يوم القيامة " قال يا رسول الله ان نفسى تحدثنى ان لا آكل اللحم قال " مهلا يا عثمان فانى احب اللحم واكله اذا وجدته ولو سألت ربى ان يطعمنيه فى كل يوم لاطعمنيه " قال يا رسول الله فان نفسى تحدثنى ان لا امس الطيب قال " مهلا يا عثمان فان جبرائيل عليه السلام امرنى بالطيب غبا وقال يوم الجمعة لا مترك له يا عثمان لا ترغب عن سنتى فمن رغب عن سنتى ثم مات قبل ان يتوب صرفت الملائكة وجهه عن حوضى يوم القيامة ". " وعن ابى موسى الاشعرى قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل لحم الدجاج والفالوذج وكان يعجبه الحلواء والعسل وقال " ان المؤمن حلو يحب الحلاوة " قال " ان فى بطن المؤمن زاوية لا يملأها الا الحلو " " وجاء رجل الى الحسن فقال له ان لى جارا لا يأكل الفالوذج قال ولم قال لئلا يؤدى شكره قال أفيشرب الماء البارد قال نعم قال ان جارك هذا جاهل ان نعمة الله عليه فى الماء البارد اكثر من نعمته فى الفالوذج. وسئل فضيل عن ترك الطيبات من الحوارى واللحم والخبيص للزهد وقال لمن قال لا آكل الخبيص ليتك تأكل وتتقى ان الله لا يكره ان تأكل الحلال الصرف كيف برك لوالديك وصلتك للرحم كيف عطفك على الجار كيف رحمتك للمسلمين كيف كظمك للغيظ كيف عفوك عمن ظلمك كيف احسانك الى من اساء اليك كيف صبرك واحتمالك للاذى انت الى احكام هذا احوج منك الى ترك الخبيص. والحاصل ان الافراط فى الرهبانية والاحتراز التام عن الذات والطيبات مما يوقع الضعف فى الاعضاء الرئيسة التى هى القلب والدماغ واذا وقع الضعف فيها اختلت الفكرة وباختلالها تفوت عنها الكمالات المتعلقة بالقوة النظرية رأسا وينتقص كمالاتها المتعلقة بالقوة العملية فان تمامها وكمالها يبنى على كمال القوة النظرية. وايضا الرهبانية التامة توجب خرابية الدنيا وانقطاع الحرث والنسل فلما كانت عمارة الدنيا والآخرة منوطة بترك تلك الرهبانية والمواظبة على المعرفة والمحبة والطاعة اقتضت الحكمة ان لا يحرم الانسان ماطاب ولذ مما احل الله كما نطقت الآية به. ولكن اشارة الآية ايضا الى الاعتدال كما قال ولا تعتدوا المائدة 87. فالاعتدال فى التناول وكذا فى الرياضة ممدوح جدا ولذا ترى المرشد الكامل يأمر فى ابتداء امره بترك اللحم والدسم والجماع وغيرها ولكن على الاعتدال بحسب مزاجه فان للرياضات تأثيرا عظيما فى اصلاح الطبيعة وهو امر مهم فى باب السلوك جدا فلا متمسك لارباب الظاهر فى ترك الرياضة مطلقا وقد اشار النبى عليه الصلاة والسلام فى وصاياه لعثمان بن مظعون الى جملة من الامر فافهم وارشد الى طريق الصواب ولا تفريط ولا افراط فى كل باب.

المائدة 5:89

{ لا يؤاخذكم الله باللغو فى ايمانكم } اليمين تقوية احد الطرفين بالمقسم به واللغو فى اليمين الساقط الذى لا يتعلق به حكم وهو عند الامام الاعظم ان يحلف على شىء يظن انه كذلك وليس كما يظن مثل ان يرى الشىء من بعيد فيظن انه كذا فيقول والله انه كذا فاذا هو بخلافه فلا مؤاخذة فى هذا اليمين باثم ولا كفارة واما الغموس وهى حلفه على امر ماض او حال كذبا عمدا مثل قوله والله لقد فعلت كذا وهو لم يفعله وعكسه ومثل والله ما لهذا على دين وهو يعلم ان له عليه دينا فحكمها الاثم لانها كبيرة قال عليه السلام " من حلف كاذبا ادخله الله النار ولا كفارة فيها الا التوبة ". قوله فى ايمانكم صلة يؤاخذكم كما ان باللغو صلة له اى لا يؤاخذكم فى حق ايمانكم بسبب ما كان لغوا منها بان لا يتعلق بها حكم دنيوى ولا اخروى { ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان } اى بتقيدكم الايمان وتوثيقا بالقصد والنية والمعنى ولكن يؤاخذكم بما عقدتموها اذا حنثتم او بنكث او نقض ما عقدتم فحذف للعلم به وهذا اليمين هى اليمين المنعقدة وهى الحلف على فعل امر او تركه فى المستقبل { فكفارته } اى الفعلة التى تذهب اثمه وتستره وعند الامام لا يجوز التكفير قبل الحنث لقوله عليه السلام " من حلف على يمين ورأى غيرها خيرا منها فليأت الذى هو خير ثم ليكفر عن يمينه " { إطعام عشرة مساكين من اوسط ما تطعمون أهليكم } محل من اوسط النصب لانه صفة مفعول محذوف تقديره ان تطعموا عشرة مساكين طعاما كائنا من اوسط ما تطعمون من فى عيالكم من الزوجة والاولاد والخدم اى من اقصده فى النوع او المقدار وهو نصف صاع من بر لكل مسكين كالفطرة ولو اطعم فقيرا واحدا عشرة ايام اجزأه ولو اعطاه دفعة لا يجوز الا عن يوم واحد { او كسوتهم } عطف على اطعام فيكسو كل واحد من العشرة ثوبا يستر عامة بدنه وهو الصحيح ولا يجزىء السراويل لان لابسه يسمى عريانا عرفا { أو تحرير رقبة } اى او اعتاق انسان كيف ما كان مؤمنا كان او كافرا او انثى صغيرا او كبيرا ولا يجوز الاعمى والاصم الذى لا يسمع اصلا والاخرس لفوات جنس المنفعة ومقطوع اليدين او ابهاميهما او الرجلين او يد ورجل من جانب واحد ومجنون مطبق لان الانتفاع ليس الا بالعقل ومدبر وام ولد لاستحقاقهما الحرية بجهة فكان الرق فيهما ناقصا ومكاتب ادى بعضا لانه تحرير بعوض فيكون تجارة والكفارة عبادة فلا بد ان تكون خالصة لله تعالى وكذا لا يجوز له تركها جميعا ومتى اتى بواحدة منها فانه يخرج عن العهدة فاذا اجتمعت هذه القيود الثلاثة فذاك هو الواجب المخير { فمن لم يجد } اى شيئا من الامور المذكورة { فصيام } اى فكفارته صيام { ثلثة ايام } متتابعات عند الامام الاعظم { ذلك } اى الذى ذكرت لكم وامرتكم به { كفارة أيمانكم إذا حلفتم } وحنثتم { واحفظوا ايمانكم } بان تضنوا بها ولا تبذلوها لكل امر وبان تبروا فيها ما استطعتم ولم يفت بها خير فان عجز عن البر او رأى غير المحلوف عليه خيرا منه فله حينئذ ان يحنث ويكفر كما قال الفقهاء من اليمين المنعقدة ما يجب فيه البر كفعل الفرائض وترك المعاصى لان ذلك فرض عليه فيتأكد باليمين. ومنها ما يجب فيه الحنث كفعل المعاصى وترك الواجبات وفى الحديث " من حلف ان يطيع الله فليطعه ومن حلف ان يعصيه فلا يعصه ". ومنها ما يفضل فيه الحنث كهجران المسلم ونحوه وما عدا هذه الاقسام الثلاثة من الايمان التى يستوى فيها الحنث والبر يفضل فيه البر حفظا لليمين ولا فرق فى وجوب الكفارة بين العامد والناسى والمكره فى الحلف والحنث لقوله عليه السلام " ثلاث جدهن جد وهزلهن جد النكاح والطلاق واليمين ". { كذلك } اشارة الى مصدر الفعل الآتى لا الى تبيين آخر مفهوم مما سبق والكاف مقحمة لتأكيد ما افاده اسم الاشارة من الفحامة ومحله فى الاصل النصب على انه نعت لمصدر محذوف واصل التقدير يبين الله تبيينا كائنا مثل ذلك التبيين فقدم على الفعل لافادة القصر واعتبرت الكاف مقحمة للنكتة المذكورة اى مثل ذلك البيان البديع { يبين الله لكم آياته } اعلام شريعته واحكامه لا بيانا ادنى منه { لعلكم تشكرون } نعمته فيما يعلمكم ويسهل عليكم المخرج. والاشارة ان من عقد اليمين على الهجران من الله تعالى فكفارته اطعامه عشرة مساكين وهم الحواس الخمس الظاهرة والباطنة فانها مدخل الآفات وموئل الفترات { من اوسط ما تطعمون اهليكم } وهم القلب والروح والسر والخفى وطعامهم الشوق والمحبة والصدق والاخلاص والتفويض والتسليم والرضى والانس والهيبة والشهود والكشوف واوسطه الذكر والتذكر والفكر والتفكر والتشوق والتوكل والتعبد والخوف والرجاء فاطعام الحواس الظاهرة والقوى الباطنة هذه الاطعمة باستعمالها فى التعبد بها والتحفظ عما ينافيها او كسوتهم وهى الباس الحواس والقوى بلباس التقوى او تحرير رقبة النفس عن عبودية الهوى والحرص على الدنيا فمن لم يجد السبيل الى هذه الاشياء فصيام ثلاثة ايام وذلك لان الايام لا خلو عن ثلاثة اما يوم مضى او يوم حضر او يوم قد بقى فصيام اليوم الذى قد مضى بالامساك عما عقد عليه او قصد اليه او بالصبر على التوبة عنه وصيام الذى قد حضر بالامساك عن التغافل عن الاهم وبالصبر على الجد والاجتهاد ببذل الجهد فى طلب المراد وصيام اليوم الذى قد بقى بالامساك عن فسخ العزيمة فى ترك الجريمة ونسخ الاخلاص فى طلب الخلاص وبالصبر على قدم الثبات فى تقديم الطاعات والمبرات وصدق التوجه الى حضرة الربوبية بمساعى العبودية مكن وقت ضايع بافسوس وحيف كه فرصت عزيزست والوقت سيف قال ابن الفارض قدس سره وكن صارما كالوقت فالمقت فى عيسى واياك عل فهى اخطر علة وفى المثنوى اى كه صبرت نيست از دنياى دون جونت صبرست ازخداى دوست جون جونكه بى اين شرب كم دارى سكون جون زابرارى خدا وزيشرون اعلم ان الطالب الصادق عند غلبات الشوق ووجدان الذوق يقسم عليه بجماله وجلاله ان يرزقه شظية من اقباله ووصاله وذلك فى شريعة الرضى لغو وفى مذهب التسليم سهو فيعفوا عنه رحمة عليه لضعف حاله ولا يؤاخذه بمقاله وان الاولى الذوبان والجمود بحسن الرضى بحسب جريان احكام المولى فى القبول والرد والاقبال والصد ايثار استقامة فى اداء حقوقه على الكرامة وعلى لذة تقريبه واقباله وشهوده ووصوله ووصاله كما قال قائلهم اريد وصاله ويريد هجرى فاترك ما اريد لما يريد كذا فى التأويلات النجمية.

المائدة 5:90

{ يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر } هذه هى الآية الرابعة من الآيات الاربع التى نزلت فى الخمر وقد سبق التفصيل فى سورة البقرة ويدخل فى الخمر كل مسكر { والميسر } اى القمار كله فيدخل فيه النرد والشطرنج والاربعة عشر والكعب والبيضة وغير ذلك مما يقامرون به { والأنصاب } اى الاصنام المنصوبة للعبادة واحدها نصب بفتح النون وسكون الصاد { والأزلام } هى سهام مكتوب على بعضها امرنى ربى وعلى بعضها نهانى ربى يطلبون بها علم ما قسم من الخير والشر. قال المفسرون كان اهل الجاهلية اذا اراد احدهم سفرا او غزوا او تجارة او غير ذلك طلب علم انه خير او شر من الازلام وهى قداح كانت فى الكعبة عند سدنة البيت على بعضها امرنى ربى وعلى بعضها نهانى ربى وبعضها غفل لا كتابة عليها ولا علامة فان خرج السهم الآمر مضوا على ذلك وان خرج الناهى يجتنبون عنه وان خرج الغفل اجالوها ثانيا فمعنى الاستقسام بالازلام طلب معرفة ما قسم لهم دون ما لم يقسم لهم وهى جمع زلم { رجس } قذر يعاف عند العقول اى تكرهه وتنفر منه العقول السليمة. والرجس بمعنى النجس الا ان النجس يقال فى المستقذر طبعا والرجس اكثر ما يقال فى المستقذر عقلا وسميت هذه المعاصى رجسا لوجوب اجتنابها كما يجب اجتناب الشىء المستقذر { من عمل الشيطان } صفة لرجس اى رجس كائن من عمله اى من تزيينه لانه هو الداعى اليه والمرغب فيه والمزين له فى قلوب فاعليه { فاجتنبوه } اى الرجس { لعلكم تفلحون } اى راجين فلاحكم امر بالاجتناب وهو تركه جانبا وظاهر الامر على الوجوب { انما يريد الشيطان ان يوقع بينكم العداوة والبغضاء فى الخمر والميسر } وهو اشارة الى المفاسد الدنيوية. اما العداوة فى الخمر فهى ان الشاربين اذا سكروا عربدوا وتشاجروا. كما فعل الانصارى الذى شج سعد بن ابى وقاص بلحى الجمل. واما العداوة فى الميسر فهى ان الرجل كان يقامر على الاهل والمال ثم يبقى حزينا مسلوب الاهل والمال مغتاظا على حرفاته والفرق بين العداوة والبغضاء ان كل عدو مبغض بلا عكس كلى. وقوله تعالى فى الخمر متعلق بيوقع على ان تكون كلمة فى هنا لافادة معنى السببية كما فى قوله عليه السلام " ان امرأة دخلت النار فى هرة " اى يوقع بينكم هذين الشيئين فى الخمر بسبب شربها وتخصيص الخمر والميسر تنبيها على انهما المقصودان بالبيان لان هذه الآية خطاب مع المؤمنين والمقصود نهيهم عن الخمر والميسر وانما ضم الانصاب والازلام اليهما مع ان تعاطيهما مختص باهل الجاهلية تأكيدا لقبح الخمر والميسر واظهارا لكون هذه الاربعة متقاربة فى المفسدة { ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلوة } اى يمنعكم عنهما وهو اشارة الى المفاسد الدينية فان شرب الخمر يورث الطرب واللذة الجسمانية والنفس اذا استغرقت فى اللذة غفلت عن ذكر الله وعن الصلاة وكذا من يقامر بالميسر ان كان غالبا صار استغراقه فى لذة الغلبة يورثه الغفلة عن العبادة وان صار مغلوبا صار شدة اهتمامه بان يختال بحيلة يصير بها غالبا مانعا من ان يخطر بباله شىء سواه وتخصيص الصلاة بالافراد مع دخولها فى الذكر للتعظيم والاشعار بان الصاد عنها كالصاد عن الايمان لما انها عماده { فهل انتم منتهون } لفظه استفهام ومعناه امر اى انتهوا وهذا نهى بألطف الوجوه ليكون ادعى الى الانتهاء فلما سمعها عمر رضى الله عنه قال انتهينا يا رب وحرمت الخمر فى سنة ثلاث من الهجرة بعد وقعة احد { واطيعوا الله واطيعوا الرسول } فيما امرا به وهو عطف على اجتنبوه { واحذروا } عما نهيا عنه { فان توليتم } اى اعرضتم عن الامتثال والطاعة { فاعلموا انما على رسولنا البلاغ المبين } وقد فعل ذلك بما لا مزيدة عليه وخرج عن عهدة الرسالة أى خروج وقامت عليكم الحجة انتهت الاعذار وانقطعت العلل وما بقى بعد ذلك الا العقاب. اعلم ان الله تعالى قرن الخمر والميسر بالاصنام ففيه تحريم بليغ لهما ولعل قوله عليه السلام " شارب الخمر كعابد الوثن ". مستفاد من هذه الآية وفى الحديث " من شرب الخمر فى الدنيا سقاه الله من سم الاساود وسم العقارب اذا شربه تساقط لحم وجهه فى الاناء قبل ان يشربها فاذا شربها تفسخ لحمه كالجيفة يتأذى به اهل الموقف ومن مات قبل ان يتوب من شرب الخمر كان حقا على الله ان يسقيه بكل جرعة شربها فى الدنيا شربة من صديد جهنم ". وفى الحديث " لعن الله الخمر وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة اليه وآكل ثمنها ". وفى الحديث " من شرب الخمر بعد ان حرمها الله على لسانى فليس له ان يزوج اذا خطب ولا يصدق اذا حدث ولا يشفع اذا تشفع ولا يؤمن على امانة فمن ائتمنه على امانته فاستهلكها فحق على الله ان لا يخلف عليه " قال الحسين الواعظ الكاشفى فى تفسيره بى نمكى دان جكر آميخته بر جكر بى نمكان ريخته بى خبر آن مردكه جيزى جشيد كش قلم بى خبرى دركشيد والاشارة { يا أيها الذين ءآمنوا } ايمانا حقيقيا مستفادا من كتابة الحق بقلم العناية فى قلوبهم { انما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام } فاما الخمر فانها تخمر العقل وهو نور روحانى علوى من اوليات المخلوقات ومن طبعه الطاعة والانقياد والتواضع لربه كالملك وضده الهوى وهو ظلمانى نفسانى سفلى من اخريات المخلوقات ومن طبعه التمرد والمخالفة والآباء والاستكبار عن عبادة ربه كالشيطان فاذا خمر الخمر نور العقل صار مغلوبا لا يهتدى الى الحق وطريقه ثم يغلب ظلمة الهوى فتكون النفس امارة بالسوء وتستمد من الهوى فتتبع بالهوى السفلى جميع شهواتها النفسانية ومستلذاتها الحيوانية السفلية فيظفر بها الشيطان فيوقعها فى مهالك المخالفات كلها ولهذا قال عليه السلام " الخمر ام الخبائث " لان هذه الخبائث كلها تولدت منها. واما الميسر فان فيه تهيج اكثر الصفات الذميمة وهى الحرص والبخل والكبر والغضب والعداوة والبغض والحقد والحسد واشباهها وبها يضل العبد عن سواء السبيل. واما الانصاب فهى تعبد من دون الله فهى تصير العبد مشركا بالله. واما الازلام فما يلتفت اليه عند توقع الخير والشر والنفع والضر من دون الله تعالى من المضلات فان الله هو الضار والنافع ثم قال تعالى { رجس من عمل الشيطان } يعنى هذه الاشياء اخبث شىء من اعمال الشيطان التى يغوى بها العباد ويضلهم عن صراط الحق وطريق الرشاد { فاجتنبوه } اى اجتنبوا الشيطان ولا تقبلوا وساوسه واتركوا هذه الاعمال الخبيثة { لعلكم تفلحون } تخلصون من مكايد الشيطان وخباثة هذه الاعمال كذا فى التأويلات النجمية.

المائدة 5:91

{ يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر } هذه هى الآية الرابعة من الآيات الاربع التى نزلت فى الخمر وقد سبق التفصيل فى سورة البقرة ويدخل فى الخمر كل مسكر { والميسر } اى القمار كله فيدخل فيه النرد والشطرنج والاربعة عشر والكعب والبيضة وغير ذلك مما يقامرون به { والأنصاب } اى الاصنام المنصوبة للعبادة واحدها نصب بفتح النون وسكون الصاد { والأزلام } هى سهام مكتوب على بعضها امرنى ربى وعلى بعضها نهانى ربى يطلبون بها علم ما قسم من الخير والشر. قال المفسرون كان اهل الجاهلية اذا اراد احدهم سفرا او غزوا او تجارة او غير ذلك طلب علم انه خير او شر من الازلام وهى قداح كانت فى الكعبة عند سدنة البيت على بعضها امرنى ربى وعلى بعضها نهانى ربى وبعضها غفل لا كتابة عليها ولا علامة فان خرج السهم الآمر مضوا على ذلك وان خرج الناهى يجتنبون عنه وان خرج الغفل اجالوها ثانيا فمعنى الاستقسام بالازلام طلب معرفة ما قسم لهم دون ما لم يقسم لهم وهى جمع زلم { رجس } قذر يعاف عند العقول اى تكرهه وتنفر منه العقول السليمة. والرجس بمعنى النجس الا ان النجس يقال فى المستقذر طبعا والرجس اكثر ما يقال فى المستقذر عقلا وسميت هذه المعاصى رجسا لوجوب اجتنابها كما يجب اجتناب الشىء المستقذر { من عمل الشيطان } صفة لرجس اى رجس كائن من عمله اى من تزيينه لانه هو الداعى اليه والمرغب فيه والمزين له فى قلوب فاعليه { فاجتنبوه } اى الرجس { لعلكم تفلحون } اى راجين فلاحكم امر بالاجتناب وهو تركه جانبا وظاهر الامر على الوجوب { انما يريد الشيطان ان يوقع بينكم العداوة والبغضاء فى الخمر والميسر } وهو اشارة الى المفاسد الدنيوية. اما العداوة فى الخمر فهى ان الشاربين اذا سكروا عربدوا وتشاجروا. كما فعل الانصارى الذى شج سعد بن ابى وقاص بلحى الجمل. واما العداوة فى الميسر فهى ان الرجل كان يقامر على الاهل والمال ثم يبقى حزينا مسلوب الاهل والمال مغتاظا على حرفاته والفرق بين العداوة والبغضاء ان كل عدو مبغض بلا عكس كلى. وقوله تعالى فى الخمر متعلق بيوقع على ان تكون كلمة فى هنا لافادة معنى السببية كما فى قوله عليه السلام " ان امرأة دخلت النار فى هرة " اى يوقع بينكم هذين الشيئين فى الخمر بسبب شربها وتخصيص الخمر والميسر تنبيها على انهما المقصودان بالبيان لان هذه الآية خطاب مع المؤمنين والمقصود نهيهم عن الخمر والميسر وانما ضم الانصاب والازلام اليهما مع ان تعاطيهما مختص باهل الجاهلية تأكيدا لقبح الخمر والميسر واظهارا لكون هذه الاربعة متقاربة فى المفسدة { ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلوة } اى يمنعكم عنهما وهو اشارة الى المفاسد الدينية فان شرب الخمر يورث الطرب واللذة الجسمانية والنفس اذا استغرقت فى اللذة غفلت عن ذكر الله وعن الصلاة وكذا من يقامر بالميسر ان كان غالبا صار استغراقه فى لذة الغلبة يورثه الغفلة عن العبادة وان صار مغلوبا صار شدة اهتمامه بان يختال بحيلة يصير بها غالبا مانعا من ان يخطر بباله شىء سواه وتخصيص الصلاة بالافراد مع دخولها فى الذكر للتعظيم والاشعار بان الصاد عنها كالصاد عن الايمان لما انها عماده { فهل انتم منتهون } لفظه استفهام ومعناه امر اى انتهوا وهذا نهى بألطف الوجوه ليكون ادعى الى الانتهاء فلما سمعها عمر رضى الله عنه قال انتهينا يا رب وحرمت الخمر فى سنة ثلاث من الهجرة بعد وقعة احد { واطيعوا الله واطيعوا الرسول } فيما امرا به وهو عطف على اجتنبوه { واحذروا } عما نهيا عنه { فان توليتم } اى اعرضتم عن الامتثال والطاعة { فاعلموا انما على رسولنا البلاغ المبين } وقد فعل ذلك بما لا مزيدة عليه وخرج عن عهدة الرسالة أى خروج وقامت عليكم الحجة انتهت الاعذار وانقطعت العلل وما بقى بعد ذلك الا العقاب. اعلم ان الله تعالى قرن الخمر والميسر بالاصنام ففيه تحريم بليغ لهما ولعل قوله عليه السلام " شارب الخمر كعابد الوثن ". مستفاد من هذه الآية وفى الحديث " من شرب الخمر فى الدنيا سقاه الله من سم الاساود وسم العقارب اذا شربه تساقط لحم وجهه فى الاناء قبل ان يشربها فاذا شربها تفسخ لحمه كالجيفة يتأذى به اهل الموقف ومن مات قبل ان يتوب من شرب الخمر كان حقا على الله ان يسقيه بكل جرعة شربها فى الدنيا شربة من صديد جهنم ". وفى الحديث " لعن الله الخمر وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة اليه وآكل ثمنها ". وفى الحديث " من شرب الخمر بعد ان حرمها الله على لسانى فليس له ان يزوج اذا خطب ولا يصدق اذا حدث ولا يشفع اذا تشفع ولا يؤمن على امانة فمن ائتمنه على امانته فاستهلكها فحق على الله ان لا يخلف عليه " قال الحسين الواعظ الكاشفى فى تفسيره بى نمكى دان جكر آميخته بر جكر بى نمكان ريخته بى خبر آن مردكه جيزى جشيد كش قلم بى خبرى دركشيد والاشارة { يا أيها الذين ءآمنوا } ايمانا حقيقيا مستفادا من كتابة الحق بقلم العناية فى قلوبهم { انما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام } فاما الخمر فانها تخمر العقل وهو نور روحانى علوى من اوليات المخلوقات ومن طبعه الطاعة والانقياد والتواضع لربه كالملك وضده الهوى وهو ظلمانى نفسانى سفلى من اخريات المخلوقات ومن طبعه التمرد والمخالفة والآباء والاستكبار عن عبادة ربه كالشيطان فاذا خمر الخمر نور العقل صار مغلوبا لا يهتدى الى الحق وطريقه ثم يغلب ظلمة الهوى فتكون النفس امارة بالسوء وتستمد من الهوى فتتبع بالهوى السفلى جميع شهواتها النفسانية ومستلذاتها الحيوانية السفلية فيظفر بها الشيطان فيوقعها فى مهالك المخالفات كلها ولهذا قال عليه السلام " الخمر ام الخبائث " لان هذه الخبائث كلها تولدت منها. واما الميسر فان فيه تهيج اكثر الصفات الذميمة وهى الحرص والبخل والكبر والغضب والعداوة والبغض والحقد والحسد واشباهها وبها يضل العبد عن سواء السبيل. واما الانصاب فهى تعبد من دون الله فهى تصير العبد مشركا بالله. واما الازلام فما يلتفت اليه عند توقع الخير والشر والنفع والضر من دون الله تعالى من المضلات فان الله هو الضار والنافع ثم قال تعالى { رجس من عمل الشيطان } يعنى هذه الاشياء اخبث شىء من اعمال الشيطان التى يغوى بها العباد ويضلهم عن صراط الحق وطريق الرشاد { فاجتنبوه } اى اجتنبوا الشيطان ولا تقبلوا وساوسه واتركوا هذه الاعمال الخبيثة { لعلكم تفلحون } تخلصون من مكايد الشيطان وخباثة هذه الاعمال كذا فى التأويلات النجمية.

المائدة 5:92

{ يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر } هذه هى الآية الرابعة من الآيات الاربع التى نزلت فى الخمر وقد سبق التفصيل فى سورة البقرة ويدخل فى الخمر كل مسكر { والميسر } اى القمار كله فيدخل فيه النرد والشطرنج والاربعة عشر والكعب والبيضة وغير ذلك مما يقامرون به { والأنصاب } اى الاصنام المنصوبة للعبادة واحدها نصب بفتح النون وسكون الصاد { والأزلام } هى سهام مكتوب على بعضها امرنى ربى وعلى بعضها نهانى ربى يطلبون بها علم ما قسم من الخير والشر. قال المفسرون كان اهل الجاهلية اذا اراد احدهم سفرا او غزوا او تجارة او غير ذلك طلب علم انه خير او شر من الازلام وهى قداح كانت فى الكعبة عند سدنة البيت على بعضها امرنى ربى وعلى بعضها نهانى ربى وبعضها غفل لا كتابة عليها ولا علامة فان خرج السهم الآمر مضوا على ذلك وان خرج الناهى يجتنبون عنه وان خرج الغفل اجالوها ثانيا فمعنى الاستقسام بالازلام طلب معرفة ما قسم لهم دون ما لم يقسم لهم وهى جمع زلم { رجس } قذر يعاف عند العقول اى تكرهه وتنفر منه العقول السليمة. والرجس بمعنى النجس الا ان النجس يقال فى المستقذر طبعا والرجس اكثر ما يقال فى المستقذر عقلا وسميت هذه المعاصى رجسا لوجوب اجتنابها كما يجب اجتناب الشىء المستقذر { من عمل الشيطان } صفة لرجس اى رجس كائن من عمله اى من تزيينه لانه هو الداعى اليه والمرغب فيه والمزين له فى قلوب فاعليه { فاجتنبوه } اى الرجس { لعلكم تفلحون } اى راجين فلاحكم امر بالاجتناب وهو تركه جانبا وظاهر الامر على الوجوب { انما يريد الشيطان ان يوقع بينكم العداوة والبغضاء فى الخمر والميسر } وهو اشارة الى المفاسد الدنيوية. اما العداوة فى الخمر فهى ان الشاربين اذا سكروا عربدوا وتشاجروا. كما فعل الانصارى الذى شج سعد بن ابى وقاص بلحى الجمل. واما العداوة فى الميسر فهى ان الرجل كان يقامر على الاهل والمال ثم يبقى حزينا مسلوب الاهل والمال مغتاظا على حرفاته والفرق بين العداوة والبغضاء ان كل عدو مبغض بلا عكس كلى. وقوله تعالى فى الخمر متعلق بيوقع على ان تكون كلمة فى هنا لافادة معنى السببية كما فى قوله عليه السلام " ان امرأة دخلت النار فى هرة " اى يوقع بينكم هذين الشيئين فى الخمر بسبب شربها وتخصيص الخمر والميسر تنبيها على انهما المقصودان بالبيان لان هذه الآية خطاب مع المؤمنين والمقصود نهيهم عن الخمر والميسر وانما ضم الانصاب والازلام اليهما مع ان تعاطيهما مختص باهل الجاهلية تأكيدا لقبح الخمر والميسر واظهارا لكون هذه الاربعة متقاربة فى المفسدة { ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلوة } اى يمنعكم عنهما وهو اشارة الى المفاسد الدينية فان شرب الخمر يورث الطرب واللذة الجسمانية والنفس اذا استغرقت فى اللذة غفلت عن ذكر الله وعن الصلاة وكذا من يقامر بالميسر ان كان غالبا صار استغراقه فى لذة الغلبة يورثه الغفلة عن العبادة وان صار مغلوبا صار شدة اهتمامه بان يختال بحيلة يصير بها غالبا مانعا من ان يخطر بباله شىء سواه وتخصيص الصلاة بالافراد مع دخولها فى الذكر للتعظيم والاشعار بان الصاد عنها كالصاد عن الايمان لما انها عماده { فهل انتم منتهون } لفظه استفهام ومعناه امر اى انتهوا وهذا نهى بألطف الوجوه ليكون ادعى الى الانتهاء فلما سمعها عمر رضى الله عنه قال انتهينا يا رب وحرمت الخمر فى سنة ثلاث من الهجرة بعد وقعة احد { واطيعوا الله واطيعوا الرسول } فيما امرا به وهو عطف على اجتنبوه { واحذروا } عما نهيا عنه { فان توليتم } اى اعرضتم عن الامتثال والطاعة { فاعلموا انما على رسولنا البلاغ المبين } وقد فعل ذلك بما لا مزيدة عليه وخرج عن عهدة الرسالة أى خروج وقامت عليكم الحجة انتهت الاعذار وانقطعت العلل وما بقى بعد ذلك الا العقاب. اعلم ان الله تعالى قرن الخمر والميسر بالاصنام ففيه تحريم بليغ لهما ولعل قوله عليه السلام " شارب الخمر كعابد الوثن ". مستفاد من هذه الآية وفى الحديث " من شرب الخمر فى الدنيا سقاه الله من سم الاساود وسم العقارب اذا شربه تساقط لحم وجهه فى الاناء قبل ان يشربها فاذا شربها تفسخ لحمه كالجيفة يتأذى به اهل الموقف ومن مات قبل ان يتوب من شرب الخمر كان حقا على الله ان يسقيه بكل جرعة شربها فى الدنيا شربة من صديد جهنم ". وفى الحديث " لعن الله الخمر وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة اليه وآكل ثمنها ". وفى الحديث " من شرب الخمر بعد ان حرمها الله على لسانى فليس له ان يزوج اذا خطب ولا يصدق اذا حدث ولا يشفع اذا تشفع ولا يؤمن على امانة فمن ائتمنه على امانته فاستهلكها فحق على الله ان لا يخلف عليه " قال الحسين الواعظ الكاشفى فى تفسيره بى نمكى دان جكر آميخته بر جكر بى نمكان ريخته بى خبر آن مردكه جيزى جشيد كش قلم بى خبرى دركشيد والاشارة { يا أيها الذين ءآمنوا } ايمانا حقيقيا مستفادا من كتابة الحق بقلم العناية فى قلوبهم { انما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام } فاما الخمر فانها تخمر العقل وهو نور روحانى علوى من اوليات المخلوقات ومن طبعه الطاعة والانقياد والتواضع لربه كالملك وضده الهوى وهو ظلمانى نفسانى سفلى من اخريات المخلوقات ومن طبعه التمرد والمخالفة والآباء والاستكبار عن عبادة ربه كالشيطان فاذا خمر الخمر نور العقل صار مغلوبا لا يهتدى الى الحق وطريقه ثم يغلب ظلمة الهوى فتكون النفس امارة بالسوء وتستمد من الهوى فتتبع بالهوى السفلى جميع شهواتها النفسانية ومستلذاتها الحيوانية السفلية فيظفر بها الشيطان فيوقعها فى مهالك المخالفات كلها ولهذا قال عليه السلام " الخمر ام الخبائث " لان هذه الخبائث كلها تولدت منها. واما الميسر فان فيه تهيج اكثر الصفات الذميمة وهى الحرص والبخل والكبر والغضب والعداوة والبغض والحقد والحسد واشباهها وبها يضل العبد عن سواء السبيل. واما الانصاب فهى تعبد من دون الله فهى تصير العبد مشركا بالله. واما الازلام فما يلتفت اليه عند توقع الخير والشر والنفع والضر من دون الله تعالى من المضلات فان الله هو الضار والنافع ثم قال تعالى { رجس من عمل الشيطان } يعنى هذه الاشياء اخبث شىء من اعمال الشيطان التى يغوى بها العباد ويضلهم عن صراط الحق وطريق الرشاد { فاجتنبوه } اى اجتنبوا الشيطان ولا تقبلوا وساوسه واتركوا هذه الاعمال الخبيثة { لعلكم تفلحون } تخلصون من مكايد الشيطان وخباثة هذه الاعمال كذا فى التأويلات النجمية.

المائدة 5:93

{ ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح } اى اثم وحرج { فيما طعموا } اى تناولوا اكلا او شربا فيتناول شرب الخمر واكل مال الميسر فانزل الله تعالى هذه الآية { اذا ما اتقوا } ان يكون فى ذلك شىء من المحرمات { وءآمنوا وعملوا الصالحات } اى واستمروا على الايمان والاعمال الصالحة { ثم اتقوا } عطف على اتقوا داخل معه فى حيز الشرط اى اتقوا ما حرم عليهم بعد ذلك مع كونه مباحا فيما سبق { وءآمنوا } اى بتحريمه { ثم اتقوا } اى ما حرم عليهم بعد ذلك مما كان مباحا من قبل على ان الشروط بالاتقاء فى كل مرة اباحة كل ما طعموه فى ذلك الوقت لا اباحة كل ما طعموه قبله لانتساخ اباحة بعضه حينئذ { وأحسنوا } اى عملوا الاعمال الحسنة الجميلة المنتظمة لجميع ما ذكر من الاعمال القلبية والقالبية { والله يحب المحسنين } فلا يؤاخذهم بشىء وفيه ان من فعل ذلك صار محسنا ومن صار محسنا صار لله محبوبا ومقام المحبوبية فوق جميع المراتب ولذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حبيب الله وقد فسر الاحسان " بان تعبد الله كأنك تراه ". يعنى ان الاحسان مرتبة المشاهدة فاذا ترقى العبد من الايمان الغيبى الى الايمان الشهودى ثم فنى عن كل قيد حتى عن الاطلاق فقد تم امره وكان طعمه وشربه وتصرفه فى المكونات مما لا يضره لانه قد استوفى الشرائط كلها فلا يقاس عليه غيره ثم ان المحسن يتناول كل اهل ويستحق المدح والثناء وفى المثنوى محسنان مردندو احسانها بماند اىخنك آن راه اين مركب براند ظالمان مردندو ماند آن ظلمها واى جانى كوكند مكرودهان كفت بيغمبر خنك آنراكه او شد زدنيا ماندازو فعل نكو مرد محسن ليك احسانش نمرد نزديزدان دين واحسان نيست خرد واى آن كو مرد وعصيانش نمرد تانبندارى بمرك او جان ببرد وورد فى فضائل عشر ذى الحجة ان من تصدق فى هذه الايام بصدقة على مسكين فكأنما تصدق على رسل الله وانبيائه ومن عاد فيه مريضا فكأنما عاد اولياء الله وبدلاءه ومن شيع جنازة فكأنما شيع جنائز شهداء بدر ومن كسا مؤمنا كساه الله تعالى من حلل الجنة ومن ألطف يتيما اظله الله فى القيامة تحت عرشه ومن حضر مجلسا من مجالس العلم فكأنما حضر مجالس انبياء الله ورسوله كذا فى روضة العلماء قال السعدى قدس سره باحسانى آسوده كردن دلى به ازالف ركعت بهر منزلى حكى انه وقع القحط فى بنى اسرائيل فدخل فقير سكة من السكك وكان فيها بيت غنى فقال تصدقوا على لاجل الله فاخرجت اليه بنت الغنى خبزا حارا فاستقبله الغنى فقال من دفع اليك هذا الخبز فقال ابنة من هذا البيت فدخل وقطع يد ابنته اليمنى فحول الله حاله فافتقر ومات فقيرا ثم ان شابا غنيا استحسن الابنة لكونها حسناء فتزوجها وادخلها داره فلما جن الليل احضرت مائدة فمدت اليد اليسرى فقال الفتى سمعت ان الفقراء يكونون قليلى الادب فقال مدى يدك اليمنى فمدت اليسرى ثانيا وثالثا فهتف بالبيت هاتف اخرجى يدك اليمنى فالرب الذى اعطيت الخبز لاجله رد عليك يدك اليمنى فاخرجت يدها اليمنى بامر الله تعالى واكلت معه كذا فى الروضة تونيكى كن بآب انداز اىشاه اكر ماهى نداند داند الله

المائدة 5:94

{ يا أيها الذين ءآمنوا } نزلت عام الحديبية فى السنة السادسة من الهجرة. والحديبية بتخفيف الياء الاخيرة وقد تشدد موضع قريب من مكة اراد عليه السلام زيارة الكعبة فسار مع اصحابه من المدينة وهم الف وخمسمائة واربعون رجلا فنزلوا بالحديبية فابتلاهم الله بالصيد وهم محرومون كانت الوحوش تغشاهم فى رحالهم بحيث كانوا متمكنين من صيدها اخذا بايديهم وطعنا برماحهم فهموا باخذها فانزل الله { يا أيها الذين آمنوا } { ليبلونكم الله } يقال بلوته بلوا جربته واختبرته واللام جواب قسم محذوف اى والله ليعاملنكم معاملة من يختبركم ليتعرف احوالكم { بشىء من الصيد } اى بتحريم شىء حقير هو الصيد بمعنى المصيد كضرب الامير فمن بيانية قطعا والمراد صيد البر مأكولا وغير مأكول ما عدا المستثنيات من الفواسق فاللام للعهد وفى الحديث " خمس فواسق يقتلن فى الحل والحرم الحية والعقرب والغراب والفارة والكلب العقور ". واراد بالكلب العقور الذئب على ما ورد فى بعض الروايات { تناله ايديكم ورماحكم } اى تصل اليه ايديكم ورماحكم بحيث تأخذون بايديكم وتطعنون برماحكم فالتأكيد القسمى فى ليبلونكم انما هو لتحقيق ما وقع من ان عدم توحش الصيد عنهم ليس الا لابتلائهم لا لتحقيق وقوع المبتلى به كما لو كان النزول قبل الابتلاء وتنكير شىء للتحقير المؤذن بان ذلك ليس من الفتن الهائلة التى تزل فيها اقدام الراسخين كالابتلاء بقتل الانفس واتلاف الاموال وانما هو من قبيل ما ابتلى به اهل ايلة من صيد السمك يوم السبت وفائدته التنبيه على ان من لم يتثبت فى مثل هذا كيف يتثبت عند ما هو اشد منه من المحن { ليعلم الله من يخافه بالغيب } الخوف من الله بمعنى الخوف من عقابه وبالغيب حال من مفعول يخافه وهو عقاب الله اى ليتميز الخائف من عقابه الاخروى وهو غائب مترقب لقوة ايمانه فلا يتعرض للصيد ممن لا يخاف كذلك لضعف ايمانه فيقدم عليه فعلم الله تعالى لما كان مقتضى ذاته وامتنع عليه التجدد والتغير كما امتنع ذلك على ذاته جعل ههنا مجازا عن تميز المعلوم وظهوره على طريق اطلاق السبب على المسبب حيث قال القاضى ذكر العلم واراد وقوع المعلوم وظهوره. وابو السعود انما عبر عن ذلك بعلم الله اللازم له ايذانا بمدار الجزاء ثوابا وعقابا فانه ادخل فى حملهم على الخوف { فمن اعتدى بعد ذلك } اى بعد بيان ان ما وقع ابتلاء من جهته تعالى بما ذكر من الحكمة والمعنى فمن تعرض للصيد بعد ما بينا ان ما وقع من كثرة الصيد وعدم توحشه منهم ابتلاء مؤد الى تميز المطيع من العاصى { فله عذاب اليم } لان الاعتداء بعد ذلك مكابرة صريحة وعدم مبالاة بتدبير الله وخروج عن طاعته وانخلاع عن خوفه وخشيته بالكلية والمراد عذاب الآخرة ان مات قبل التوبة والتعزير والكفارة فى الدنيا بنزع ثيابه فيضرب ضربا وجيعا مفرقا فى اعضائه كلها ما خلا الوجه والرأس والفرج ويؤمر بالكفارة. والاشارة فى الآية ان الله تعالى جعل البلاء للولاء كاللهب للذهب فقال { يا ايها الذين آمنوا } ايمان المحبين الذين تجردوا عن ملاذ الدنيا وشهواتها من الحلال واحرموا بحج الوصول وعمرة الوصال تجردوا عن ملاذ الدنيا وشهواتها من الحلال واحرموا بحج الوصول وعمرة الوصال { ليبلونكم الله } فى اثناء السلوك { بشىء من الصيد } وهو ما سنح من المطالب النفسانية الحيوانية والمقاصد الشهوانية الدنيوية { تناله ايديكم } اى ما يتعلق بشهوات نفوسكم ولذات ابدانكم { ورماحكم } اى ما يتعلق بالمال والجاه { ليعلم الله من يخافه بالغيب } وهو يعلم ويرى اى ليظهر الله ويميز بترك المطالب والمقاصد فى طلب الحق من يخافه بالغيبة والانقطاع عنه ويحترز عن الالتفات لغيره { فمن اعتدى بعد ذلك } اى تعلق بالمطالب بعد الطلب { فله عذاب اليم } من الرد والصد والانقطاع عن الله كذا فى التأويلات النجمية. قال اوحد المشايخ فى وقته ابو عبد الله الشيرازى قدس سره رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فى المنام وهو يقول من عرف طريقا الى الله فسلكه ثم رجع عنه عذبه الله بعذاب لم يعذب به احدا من العالمين. يقول الفقير سمى الذبيح الحقى غفر الله ذنوبه انما كان عذابه اشد لانه رجع عن طريقه بعد معرفته انه الحق الموصل الى الله تعالى وليس من يعلم كمن لا يعلم وسبب الرجوع الامتحانات فى الطريق قال فى المثنوى قلب جون آمد سيه شد در زمان زر درآمدشد زرىء اوعيان دست وبا انداخت زردربوته خش در رخ آتش همى خندد رخش قال الحافظ ترسم كزين جمن نبرى آستين كل كز كلشنش تحمل خارى نميكنى فينبغى للطالب الصادق ان يتحمل مشاق الرياضات ويزكى نفسه عن الشهوات ويحترز عن اكل ما يجده من الحلال فضلا عما حرم الله الملك المتعال فان اصلاح الطبيعة والنفس وان كان بفضل الله وعنايته لكن الصوم وتقليل الطعام من الاسباب القوية فى هذا الباب يحكى ان سالكا خاطب نفسه بعد رياضات شديدة فقال من انت ومن انا فقالت له نفسه انت انت وانا انا فاشتغل بالتزكية ثانيا حتى حج ماشيا مرات فسأل ايضا فاجابت بما اجابت به اولا فاشتغل اشد من الاول وعالجها بتقليل الطعام حتى امات نفسه فسأل من انت فقالت انت انت وانا صرت فانية ولم يبق من وجودى اثر فاستراح بعون الله تعالى. وسئل حضرة المولوى هل يعصى الصوفى قال لا الا ان يأكل طعاما قبل الاشتهاء فانه سم له وداء اللهم اعنا على اصلاح هذه النفس الامارة.

المائدة 5:95

{ يا أيها الذين ءآمنوا لا تقتلوا الصيد } وهو عند ابى حنيفة اسم لكل ممتنع متوحش من الحيوانات سواء كان مأكول اللحم او لم يكن والمراد ما عدا الفواسق وهى العقرب والحية والغراب والفارة والكلب العقور فانها تقتل فى الحل والحرم { وانتم حرم } جمع حرام وهو المحرم وان كان فى الحل وفى حكمه من فى الحرم وان كان حلالا اى لابس حله فالمحرم لا يتصيد اصلا سواء كان فى الحل او فى الحرم بالسلاح او بالجوارح من الكلاب والطير والحلال يتصيد فى الحل دون الحرام اى حرم مكة ومقداره من قبل المشرق ستة اميال ومن الجانب الثانى اثنا عشر ميلا ومن الجانب الثالث ثمانية عشر ميلا ومن الجانب الرابع اربعة وعشرون ميلا هكذا قال الفقيه ابو جعفر. وانما ذكر القتل دون الذبح للايذان بكونه فى حكم الميتة فكل ما يقتله المحرم من الصيد لا يكون مذكى وغير المذكى لا يجوز اكله والمعنى لا تقتلوه والحال انتم محرمون { ومن } شرطية { قتله } اى الصيد المعهود البرى مأكولا كان او غير مأكول حال كون القاتل كائنا { منكم } اى من المؤمنين ولعل المقصود من التقييد بالحال توبيخ المؤمن على عدم جريانه على مقتضى ايمانه { متعمدا } حال ايضا من فاعل قتله اى ذاكرا لاحرامه عالما بحرمة قتل ما يقتله والتقييد بالتعمد مع ان محظورات الاحرام يستوى فيها الخطأ والعمد لان الاصل فعل المتعمد والخطأ لاحق به للتغليظ { فجزاء } اى فعليه جزاء وفدية { مثل ما قتل } اى مماثل لما قتل فهو صفة الجزاء والمراد به عند ابى حنيفة وابى يوسف المثل باعتبار القيمة لا باعتبار الخلقة والهيئة فيتقوم الصيد حيث صيد اوفى اقرب الاماكن اليه ان قتل فى بر لا يباع ولا يشترى فيه فان بلغت قيمته قيمة هدى تخير الجانى بان يشترى بها ما قيمته قيمة الصيد فيهديه الى الحرم وبين ان يشترى بها طعاما فيعطى كل مسكين نصف صاع من بر او صاعا من تمر وبين ان يصوم عن طعام كل مسكين يوما فان فضل ما لا يبلغ طعام مسكين تصدق به او صام عنه يوما كاملا لان الصوم مما لا يتبعض فيكون قوله تعالى { من النعم } بيانا للهدى المشترى بالقيمة على احد وجوه التخيير فان فعل ذلك يصدق عليه انه جزى بمثل ما قتل من النعم والنعم فى اللغة من الابل والبقر والغنم فاذا انفردت الابل قيل انها نعم واذا انفردت البقر والغنم لم تسم نعما { يحكم به } اى بمثل ما قتل صفة لجزاء { ذوا عدل منم } اى رجلان عدلان من المسلمين { هديا } الهدى ما يهدى الى البيت تقربا الى الله تعالى من النعم ايسره شاة واوسطه بقرة واعلاه بدنة اى ناقة وهو حال مقدرة من الضمير فى به والمعنى مقدرا انه يهدى { بالغ الكعبة } صفة لهديا لان الاضافة لفظية والاصل بالغا الكعبة ومعنى بلوغه الكعبة ذبحه بالحرم حتى لو دفع الهدى المماثل للمقتول الى فقراء الحرم لم يجز بالاتفاق بل يجب عليه ذبحه فى الحرم وله ان يتصدق به بعد ذبحه فى الحرم حيث شاء عند ابى حنيفة { أو كفارة } عطف على محل من النعم على انه خبر مبتدأ محذوف والجملة صفة ثانية لجزاء { طعام مساكين } عطف بيان لكفارة عند من لا يخصصه بالمعارف { أو عدل ذلك صياما } عطف على طعام الخ كأنه قيل فعليه جزاء مماثل للمقتول هو من النعم او طعام مساكين او صيام ايام بعددهم فحينئذ تكون المماثلة وصفا لازما للجزاء يقدر به الهدى والطعام والصيام. اما الاولان فبلا واسطة. واما الثالث فبواسطة الثانى فيختار الجانى كلا منها بدلا من الآخرين. قال الفراء العدل بالكسر المثل من جنسه والعدل بالفتح المثل من غير جنسه فعدل الشىء ما عادله من جنسه كالصوم والاطعام وعدله ما عدل به فى المقدار كأن المفتوح تسمية بالمصدر والمكسور بمعنى المفعول وذلك اشارة الى الطعام وصياما تمييز للعدل والخيار فى ذلك للجانى عند ابى حنيفة وابى يوسف وللحكمين عند محمد { ليذوق } متعلق بالاستقرار فى الجار والمجرور اى فعليه جزاء ليذوق قاتل الصيد { وبال أمره } اى سوء عاقبة هتكه لحرمة الاحرام والوبال فى الاصل المكروه والضرر الذى ينال فى العاقبة من عمل سولته نفسه { عفا الله عما سلف } من قتل الصيد محرما قبل التحريم { ومن عاد } الى قتل الصيد بعد النهى عنه وهو محرم ومن شرطية { فينتقم الله منه } اى فهو ممن ينتقم الله منه لان الفعل اذا وقع جزاء لا يحتاج الى الحرف بخلاف الجملة الاسمية فقدر المبتدأ لئلا تصير الفاء الجزائية لغوا والمراد بالانتقام التعذيب فى الآخرة واما الكفارة فعن بعضهم انها واجبة على العائد وعن بعضهم انه لا كفارة عليه تعلقا بالظاهر واصل الانتقام الانتصار والانتصاف واذا اضيف الى الله تعالى اريد به المعاقبة والمجازاة { والله عزيز } غالب لا يغالب { ذو انتقام } شديد ممن اصر على العصيان والاعتداء قال الله تعالى مخاطبا لخليله يا ابراهيم خف منى كما تخاف من السبع الضارى يعنى ان الله تعالى اذا اراد اجراء قضائه على احد لا يفرق بين نبى وولى وعدو كما لا يفرق السبع المفترس بين نفاع وضرار فهو تعالى شديد البطش فكيف يتخلص المجرمون من يد قهره وانتقامه فليحذر العاقل من المخالفة والعصيان بقدر الاستطاعة والامكان اينما كان فان الانسان لا يحصد الا ما يزرع قال فى المثنوى جمله دانند اين اكر تونكروى هرجه مى كاريش روزى بدروى والعجب ان الانسان الضعيف كيف يعصى الله القوى وليس الا من الانهماك فى الشهوات والغفلة عن الله تعالى والنكتة فى قوله تعالى { يا ايها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وانتم حرم } انه اباح الصيد لمن كان حلالا وهم اهل السلو من العوام الذين رضوا من الكمالات الدينية بالاعمال البدنية من قصور هممهم الدنية وحرم الصيد على من كان حراما وهم اهل المحبة المحرومون من الدنيا لزيارة كعبة الوصلة يعنى من قصدنا فعليه بحسم الاطماع جملة ولا ينبغى ان يكون له مطالبة بحال من الاحوال الا طلب الوصال ويقال العارف صيد الحق ولا يكون للصيد صيد { ومن قتله منكم } اى من الطلاب اذا التفت لشىء من الدنيا { متعمدا } وهو واقف على مضرته وعالم بما فيه فيغلب عليه الهوى ويقع فيه بحرص النفس { فجزاء مثل ما قتل من النعم } يجازى نفسه برياضة ومجاهدة ويماثل ألمها تلك اللذة والشهوة { يحكم به ذوا عدل منكم } وهو القلب والروح يحكمان على مقدار الايمان وعلى انواع الرياضات بتقليل الطعام والشراب او ببذل المال او بترك الجام او بالعذلة والخلوة وضبط الحواس { هديا بالغ الكعبة } اى خالصا لله تعالى فيما يعمل بحيث يصلح لقبول الحق من غير ملاحظة الخلق { او كفارة طعام مساكين } وهم العقل والقلب والسر والروح والخفى فانهم كانوا محرمين من اغذيتهم الروحانية من صدق التوجه الى الحق وخلوص الاعراض عن الخلق وتجرع الصبر على المكروهات والفطام عن المألوفات والشكر على الموهوبات والرضى بالمقدرات والتسليم للاحكام الازليات { او عدل ذلك صياما } والصيام هو الامساك عن ملاحظة الاغيار وطلب الاختيار والركون الى غير الملك الجبار { ليذوق } النفس الامارة { وبال أمره } اى تتألم بألم هذه المعاملات التى على خلاف طبعها جزاء وكفارة لما نالت من لذائذ الشهوات وحلاوة الغفلات { عفا الله عما سلف } من الطالبين قبل اقدامهم على الطلب { ومن عاد } الى تعلق شىء من الدنيا بعد الخروج عنها بقدم الصدق { فينتقم الله منه } بالخذلان فى الدنيا والخسران فى العقبى { والله عزيز } لا يوجد لمن تعلق بالكونين حتى يتجرد الطالب عن القليل والكثير والصغير والكبير { ذو انتقام } ينتقم من احبائه باحتجاب التعزز بالكبرياء والعظمة على قدر ألتفاتهم الى غيره وملاحظتهم ما سواه وينتقم من اعدائه بما قاله ونقلب أفئدتهم وأبصارهم الأنعام 110 الآية. من التأويلات النجمية وفى المثنوى عاشق صنع توام درشكروصبر عاشق مصنوع كىباشم جوكبر عاشق صنع خدا بافر بود عاشق مصنوع او كافر بود فعلى الطالب الصادق ان ينقطع عن الالتفات الى الغير ويتصل الى من بيده الخير والله الموفق والمعين.

المائدة 5:96

{ احل لكم } الخطاب للمحرمين { صيد البحر } اى ما يصاد فى المياه كلها بحرا كان او نهرا او غديرا وهو ما لا يعيش الا فى الماء مأكولا كان او غير مأكول فما يعيش فى البر والبحر كالبط والضفدع والسرطان والسلحفاة وجميع طيور الماء لا يسمى صيد البحر بل كل ذلك صيد البر ويجب الجزاء على قاتله. قال الامام جميع ما يصطاد فى البحر ثلاثة اجناس. السمك وجميع انواعه حلال. والضفادع وجميع انواعها حرام واختلفوا فيما سوى هذين الجنسين. فقال ابو حنيفة انه حرام. وقال الاكثرون انه حلال لعموم هذه الآية. وقال محيى السنة جملة حيوانات الماء على قسمين سمك وغيره. اما السمك فميتته حلال مع اختلاف انواعها قال النبى عليه الصلاة والسلام " احلت لنا ميتتان السمك والجراد ". ولا فرق بين ان يموت بسبب او بغير سبب وعند ابى حنيفة يحل الا ان يموت بسبب من وقوع على حجر او انحسار الماء عنه ونحو ذلك. واما غير السمك فقسمان قسم يعيش فى البر كالضفدع والسرطان ولا يحل اكله وقسم يعيش فى الماء ولا يعيش فى البر الا عيش المذبوح فاختلف فيه فذهب قوم الى ان لا يحل شىء منها الا السمك وهو قول ابى حنيفة وذهب قوم الى ان ميتة الكل حلال لان كلها سمك وان اختلف صورها كالجريث يقال له حية الماء لكونه على شكل الحية واكله مباح بالاتفاق { وطعامه } اى طعام البحر وهو ما قذفه البحر ولفظه او نضب عنه الماء اى غار وبقى هو فى ارض يابسة فيؤخذ من غير معالجة فى اخذه. وقال المولى ابو السعود { وطعامه } اى ما يطعم من صيده وهو تخصيص بعد التعميم والمعنى احل لكم التعرض لجميع ما يصاد فى المياه والانتفاع به انتهى { متاعا لكم } نصب على انه مفعول له. قال المولى ابو السعود مختص بالطعام كما ان نافلة فى قوله تعالى ووهبنا له إسحق ويعقوب نافلة الأنبياء 72. حال مختصة بيعقوب اى احل لكم طعامه تمتعا للمقيمين يأكلونه طريا { وللسيارة } منكم يتزودونه قديدا { وحرم عليكم صيد البر } وهو ما يفرخ فيه وان كان يعيش فى الماء فى بعض الاوقات كطير الماء { ما دمتم حرما } ما مصدرية ظرفية اى مدة دوامكم محرمين لا خلاف فى الاصطياد انه حرام على المحرم فى البر فاما عين الصيد فظاهر الآية يوجب حرمة ما صاد الحلال على المحرم وان لم يكن له مدخل فيه لكن مذهب ابى حنيفة انه يحل له ما صاده الحلال وان صاده لاجله اذا لم يشر اليه ولم يدل عليه وكذا ما ذبحه قبل احرامه لان الخطاب للمحرمين وكأنه قيل حرم عليكم ما صدتم فى البر فيخرج منه مصيد غيرهم { واتقوا الله } فيما نهاكم عنه من جميع المعاصى التى من جملتها اخذ الصيد فى الاحرام { الذى اليه تحشرون } لا الى غيره حتى يتوهم الخلاص من اخذه تعالى بالالتجاء اليه كما قال تعالى إلى ربك يومئذ المساق القيامة 30. اى المنتهى والمرجع بسوق الملائكة الى حيث امرهم الله اما الى الجنة واما الى السعير وفى الحديث " من اشتاق الى الجنة سارع الى الخيرات ومن اشفق من عذاب جهنم كف نفسه عن المحرمات ومن زهد فى الدنيا هانت عليه المصيبات " ومن اراد سهولة الموت فليبادر الى الخيرات فمن لم يترك شهوة لم يرض عنه ربه بطاعته ومن لم يتق الله فى سره لم ينتفع بما ابداه من علامة التقوى وفى المثنوى كافرم من كرزيان كردست كس درره ايمان وطاعت يكنفس كار تقوى دارد ودين وصلاح كه بدان باشد بدوعالم فلاح والاشارة فى الآية { أحل لكم } ايها المستغرقون فى بحر الحقائق { صيد البحر } ما تصيدون من بحر المعرفة بالمشاهدات والكشوف { وطعامه متاعا لكم وللسيارة } يعنى تشبعون بما يرد عليكم من وارد الحق وتجلى الصفات كما قال عليه السلام " ابيت عند ربى يطعمنى ويسقينى ". وتطعمون منه السائرين الى الله من اهل الارادة كقوله تعالى فكلوا منها واطعموا البائس الفقير الحج 28. وهذا حال المشايخ واهل التربية من العلماء الراسخين { وحرم عليكم } ايها الطلاب { صيد البر } وهو ما سنح فى اثناء السير الى الله من مطالب الدنيا والآخرة كما قال عليه السلام " الدنيا حرام على اهل الآخرة والآخرة حرام على اهل الدنيا وكلتاهما حرامان على اهل الله " { ما دمتم حرما } اى ما دمتم محرمين الى كعبة الوصول متوجهين الى حضرة الوصال فان حكم المتوجه ينافى حكم الواصل الكامل لان من وصل صار محوا والمتوجه صاح وبون بين الصاحى والماحى فان افعال الصاحى به ومنه واحوال الماحى ليست به ولا منه والله غالب على امره فبى يسمع وبى ينطق وبى يبطش ولهذا قال تعالى وإذا حللتم فاصطادوا المائدة 2. اى اذا فرغتم من مناسك الوصول وسلكتم مسالك الاصول سقط عنكم كلف المحرمين ومؤونات المسافرين وثبت لكم لزوم العاكفين واحكام الطائفين كما قال واتقوا الله الذى إليه تحشرون المائدة 96. يعنى اتقوا بالله الذى اليه تجمعون وتصلون عما سواه لكيلا تحوروا بعدما تكوروا نعوذ بالله من الحور بعد الكور. كذا فى التأويلات النجمية المسماة ببحر الحقائق اللهم افض علينا من بركات اوليائك وادر علينا من كاسات احبائك واودائك.

المائدة 5:97

{ جعل الله الكعبة } اى صيرها وانما سمى البيت كعبة لتكعبه اى لتربعه والعرب تسمى كل بيت مربع كعبة تشبيها له بكعب الرجل الذى عند ملتقى الساق والقدم فى كونه على هيئته فى التربيع. وقيل سميت كعبة لارتفاعها عن الارض واصلها من الخروج والارتفاع وسمى الكعب كعبا لنتوه وخروجه من جانبى القدم ومنه قيل للجارية اذا قاربت البلوغ وخرج ثدياها كاعب والكعبة لما ارتفع ذكرها فى الدنيا واشتهر امرها فى العالم سميت بهذا الاسم ولذلك انهم يقولون لمن عظم قدره وارتفع شأنه فلان علا كعبه. قال صاحب اسئلة الحكم جعل الله لبيته العتيق اربعة اركان وهى فى الحقيقة ثلاثة اركان لانه شكل مكعب ولذلك سميت بالكعبة تشبيها بالكعب فسر كونه على اربعة اركان بالوضع الحادث اشارة الى قلوب المؤمنين لان قلب المؤمن لا يخلو من اربعة خواطر آلهى وملكى ونفسانى وشيطانى فركن الحجر بمنزلة الخاطر الالهى واليمانى بمنزلة الملكى والشامى بمنزلة النفسانى والركن العراقى بمنزلة الشيطانى لان الشرع شرع ان يقال عنده اعوذ بالله من الشقاق والنفاق وبالذكر المشروع تعرف مراتب الاركان. واما سر كونه مثلث الشكل المكعب فاشارة الى قلوب الانبياء عليهم السلام ليميز الله رسله وانبياءه بالعصمة التى اعطاهم والبسهم اياها فليس لنبى الا ثلاثة خواطر الهى وملكى ونفسى ولغيرهم هذه وزيادة الخاطر الشيطانى فمنهم من ظهر حكمه عليه فى الظاهر وهم عامة الخلق ومنهم من يخطر له ولا يؤثر فى ظاهره وهم المحفوظون من اوليائه بالعصمة الوجوبية للانبياء والحفظ الجوازى للاولياء { البيت الحرام } عطف بيان على جهة المدح دون التوضيح كما تجىء الصفة كذلك وسمى البيت الحرام لان الله تعالى حرمه وعظم حرمته فالحرام بمعنى المحرم وفى الحديث " ان الله تعالى حرم مكة يوم خلق السموات والارض ". قال بان ملك اعلم ان مكة شرفها الله حرمها ابراهيم عليه السلام لما صح عن النبى عليه الصلاة والسلام انه قال " ان ابراهيم حرم مكة وانى حرمت المدينة ". وما روى انه عليه السلام قال " ان هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات " فالمراد به كتابته فى اللوح المحفوظ ان ابراهيم سيحرمه انتهى كلامه. يقول الفقير ان حرمته العرضية وان كانت حادثة لكن حرمته الذاتية قديمة وتلك الكتابة من الحرمة الذاتية عند الحقيقة. وقد جاء فى بعض التفاسير فى قوله تعالى ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين فصلت 11. انه لم يجبه بهذه المقالة من الارض الا ارض الحرم فلذلك حرمها فصارت حرمتها كحرمة المؤمن انما حرم دمه وعرضه وماله بطاعته لربه فارض الحرم لما قالت اتينا طائعين حرم صيدها وشجرها وخلاها فلا حرمة الا لذى طاعة وفى الخبر " لم يأكل الحيتان الكبار صغارها فى ارض الحرم فى الطوفان لحرمتها ". { قياما للناس } مفعول ثان للجعل ومعنى كونه قياما لهم انه مدار لقيام امر دينهم ودنياهم. اما الاول فلانه يتوجه اليه الحجاج والعمار فيكون ما فى البيت من المناسك العظيمة والطاعات الشريفة سببا لحط الخطيآت وارتفاع الدرجات ونيل الكرامات. واما الثانى فلانه يجبى الى الحرم ثمرات كل شىء يربح فيه التجار وكانوا يأمنون فيه من النهب والغارة ولا يتعرض لهم احد بسوء فى الحرم حتى ان الرجل اذا اصاب ذنبا فى الجاهلية والاسلام او قتل قتيلا لجأ الى الحرم ويأمن فيه قال المحيى فى فتوح الحرمين مدحا لحضرة الكعبة هيج نبى هيج ولى هم نبود كه اونه برين دررخ اميد سود هادىء ره نيست بجزلطف دوست آمدنت را طلب از نزد اوست تا نز ند سر ز جمن نو كلى نغمه سرا يى نكند بلبلى { والشهر الحرام } اى وجعل الشهر الحرام الذى يؤدى فيه الحج وهو ذو الحجة قياما لهم ايضا فالمفعول الثانى محذوف ثقة بما مر ووجه كون الشهر الحرام سببا لقيام الناس ان العرب كان يتعرض بعضهم لبعض بالقتل والغارة فى سائر الاشهر فاذا دخل الشهر الحرام زال الخوف وقدروا على سفر الحج والتجارات آمنين على انفسهم واموالهم فكان سببا لاكتساب منافع الدين والدنيا ومصالح المعاش والمعاد. وقد فضل الله الاشهر والايام والاوقات بعضها على بعض كما فضل الرسل والامم بعضها على بعض لتبادر النفوس وتسارع القلوب الى ادراكها واحترامها وتتشوق الارواح الى احيائها بالتعبد فيها ويرغب الخلق فى فضائلها. قال الامام النيسابورى عشر ذى الحجة افضل الايام واحبها عند الله تعالى بعد شهر رمضان لانها هى التى ناجى فيها كليم الله موسى ربه وفيها احرم جميع الخلق بالحج ووجد آدم التوبة فى ايام العشر واسماعيل الفداء وهود النجاة ونوح الانجاء ومحمد الرسالة واصحابه الرضوان فى البيعة وبشارة خيبر وفتح الحديبية ونزول المغفرة بقوله تعالى ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر الفتح 2. وغير ذلك من الآيات والكرامات وصيام يوم من العشر كصيام الف يوم وقيام ليلة منها كعبادة من حج واعتمر طول سنته فصوم هذا العشر مستحب استحبابا شديدا لا سيما التاسع وهو يوم عرفة لكن يستحب الفطر يوم عرفة للحجاج لئلا يلحقهم فتور عن اداء الطاعات المشروعة فى ذلك اليوم ويؤدوها على الحضور والكمال وفى الحديث " خير الدعاء دعاء يوم عرفة وخير ما قلت انا والنبيون لا اله الا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شىء قدير ". { والهدى } اى وجعل الله الهدى ايضا قياما لهم وهو ما يهدى الى البيت ويذبح هناك ويفرق لحمه بين الفقراء فانه نسك المهدى وقوام لمعيشة الفقراء فكان سببا لقيام امر الدين والدنيا. يقول الفقير ومنه يعرف ان المقصود من القربان دفع حاجة الفقراء ولذا يستحب للمضحى ان يتصدق باكثر اضحيته بل بكلها هر كسى از همت والاى خويش سود برد اودرخور كالاى خويش وللحجاج يوم عيد القربان مناسك الذهاب من منى الى المسجد الحرام فلغيرهم الذهاب الى المصلى موافقة لهم والطواف فلغيرهم صلاة العيد لقوله عليه السلام " الطواف بالبيت صلاة " واقامة السنن من الحلق وقص الاظفار ونحوها فلغيرهم ازالة البدعة واقامة السنة والقربان فلغيرهم ايضا ذلك ولكن ليس كل مال يصلح لخزانة الرب ولا كل قلب يصلح لمعرفة الرب ولا كل نفس تصلح لخدمة الرب وفى المثنوى آن تو كل كو خليلان ترا تا نبرد تيغت اسماعيل را آن كرامت جون كليمت ازكجا تا كنى شهراه قعرنيل را { والقلائد } اى وجعل لله القلائد ايضا قياما للناس وهى جمع قلادة وهى ما يقلد به الهدى من نعل او لحاء شجر ليعلم به انه هدى فلا يتعرض له بركوب او حمل والمراد بالقلائد ذوات القلائد وهى البدن وهى الناقة والبقرة مما يجوز فى الهدى والاضاحى وخصت بالذكر لان الثواب فيها اكثر وبهاء الحج بها اظهر ولذا ضحى عمر رضى الله عنه بنجيبة طلبت منه بثلاثمائة دينار لقوله تعالى ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب الحج 32. ووجه كون القلائد سببا لقيام الناس ان من قلد هديا لم يتعرض له احد وربما كانوا يقلدون رواحلهم اذا رجعوا من مكة من لحاء شجر الحرم فيأمنون بذلك وكان اهل الجاهلية يأكل الواحد منهم القضيب والشجر من الجوع وهو يرى الهدى والقلائد فلا يتعرض له تعظيما له { ذلك } اشارة الى الجعل منصوب بفعل مقدر اى شرع الله ذلك وبين { لتعلموا ان الله يعلم ما فى السموات وما فى الارض } فان تشريع هذه الشرائع المستتبعة لدفع المضار الدينية والدنيوية قبل وقوعها وجلب المنافع الاولوية والاخروية من اوضح الدلائل على حكمة الشارع وعلى عدم خروج شىء من علمه المحيط { وان الله بكل شى عليم } تعميم بعد تخصيص للتأكيد { اعلموا ان الله شديد العقاب } وعيد لمن انتهك محارمه وأصر على ذلك { وان الله غفور رحيم } وعد لمن حافظ على مراعاة حرمانه تعالى او انقطع عن الانتهاك بعد تعاطيه { ما على الرسول الا البلاغ } اى تبليغ الرسالة فى امر الثواب والعقاب وهو تشديد فى ايجاب القيام بما امر به اى الرسول قد اتى بما وجب عليه من التبليغ بما لا مزيد عليه وقامت عليكم الحجة ولزمتكم الطاعة فلا عذر لكم من بعد فى التفريط { والله يعلم ما تبدون وما تكتمون } اى ما تظهرون من القول والعمل وما تخفون فيؤاخذكم بذلك نقيرا وقطميرا قال السعدى قدس سره بروعلم يك ذره بوشيده نيست كه بنهان وبيدا بنزدش يكيست والاشارة فى الآية ان الله تعالى كما جعل الكعبة فى الظاهر قياما للعوام والخواص يلوذون به ويستنجحون بالتضرع والابتهال هناك حاجاتهم الدنيوية والاخروية كذلك جعل كعبة القلب فى الباطن قياما للخواص وخواص الخواص ليلوذوا به بطريق دوام الذكر ونفى الخواطر بالكلية واثبات الحق بالربوبية والواحدية بان لا موجود الا هو ولا وجود الا له ولا مطلوب ولا محبوب الا هو وسماه البيت الحرام ليعلم انه بيت الله على الحقيقة وحرام ان يسكن فيه غيره فيراقبه عن ذكر ما سوى الحق وحبه وطلبه الى ان يفتح الله ابواب فضله ورحمته والشهر الحرام هو ايام الطلب والسير الى الله حرام على الطالب فيها مخالطة الخلق وملاحظة ما سوى الحق والهدى هو النفس البهيمية تساق الى كعبة القلب مع القلائد وهى اركان الشريعة فتذبح على عتبة القلب بسكين آداب الطريقة عن شهواتها ولذاتها الحيوانية وفى قوله تعالى { ذلك لتعلموا } الآية اشارة الى ان العبد اذا وصل الى كعبة القلب فيرى بيت الله ويشاهد انوار الجمال والجلال فبتلك الانوار يشاهد ما فى السموات وما فى الارض لانه ينظر بنور الله فيعلم على التحقيق { أن الله يعلم ما فى السموات وما فى الارض وأن الله بكل شىء عليم } { إعلموا ان الله شديد العقاب } يسدل الحجاب لغير الاحباب ممن ركنوا الى الدنيا واغتروا بزينتها وشهواتها { وان الله غفور رحيم } لطالبيه وقاصدى حضرته بفتح الابواب ورفع الحجاب { ما على الرسول الا البلاغ } بالقال والحال { والله يعلم ما تبدون } من الايمان باقدار اللسان وعمل الاركان { وما تكتمون } من تصديق الجنان او التكذيب وصدق التوجه وخلوص النية فى طلب الحق كذا فى التأويلات النجمية.

المائدة 5:98

{ جعل الله الكعبة } اى صيرها وانما سمى البيت كعبة لتكعبه اى لتربعه والعرب تسمى كل بيت مربع كعبة تشبيها له بكعب الرجل الذى عند ملتقى الساق والقدم فى كونه على هيئته فى التربيع. وقيل سميت كعبة لارتفاعها عن الارض واصلها من الخروج والارتفاع وسمى الكعب كعبا لنتوه وخروجه من جانبى القدم ومنه قيل للجارية اذا قاربت البلوغ وخرج ثدياها كاعب والكعبة لما ارتفع ذكرها فى الدنيا واشتهر امرها فى العالم سميت بهذا الاسم ولذلك انهم يقولون لمن عظم قدره وارتفع شأنه فلان علا كعبه. قال صاحب اسئلة الحكم جعل الله لبيته العتيق اربعة اركان وهى فى الحقيقة ثلاثة اركان لانه شكل مكعب ولذلك سميت بالكعبة تشبيها بالكعب فسر كونه على اربعة اركان بالوضع الحادث اشارة الى قلوب المؤمنين لان قلب المؤمن لا يخلو من اربعة خواطر آلهى وملكى ونفسانى وشيطانى فركن الحجر بمنزلة الخاطر الالهى واليمانى بمنزلة الملكى والشامى بمنزلة النفسانى والركن العراقى بمنزلة الشيطانى لان الشرع شرع ان يقال عنده اعوذ بالله من الشقاق والنفاق وبالذكر المشروع تعرف مراتب الاركان. واما سر كونه مثلث الشكل المكعب فاشارة الى قلوب الانبياء عليهم السلام ليميز الله رسله وانبياءه بالعصمة التى اعطاهم والبسهم اياها فليس لنبى الا ثلاثة خواطر الهى وملكى ونفسى ولغيرهم هذه وزيادة الخاطر الشيطانى فمنهم من ظهر حكمه عليه فى الظاهر وهم عامة الخلق ومنهم من يخطر له ولا يؤثر فى ظاهره وهم المحفوظون من اوليائه بالعصمة الوجوبية للانبياء والحفظ الجوازى للاولياء { البيت الحرام } عطف بيان على جهة المدح دون التوضيح كما تجىء الصفة كذلك وسمى البيت الحرام لان الله تعالى حرمه وعظم حرمته فالحرام بمعنى المحرم وفى الحديث " ان الله تعالى حرم مكة يوم خلق السموات والارض ". قال بان ملك اعلم ان مكة شرفها الله حرمها ابراهيم عليه السلام لما صح عن النبى عليه الصلاة والسلام انه قال " ان ابراهيم حرم مكة وانى حرمت المدينة ". وما روى انه عليه السلام قال " ان هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات " فالمراد به كتابته فى اللوح المحفوظ ان ابراهيم سيحرمه انتهى كلامه. يقول الفقير ان حرمته العرضية وان كانت حادثة لكن حرمته الذاتية قديمة وتلك الكتابة من الحرمة الذاتية عند الحقيقة. وقد جاء فى بعض التفاسير فى قوله تعالى ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين فصلت 11. انه لم يجبه بهذه المقالة من الارض الا ارض الحرم فلذلك حرمها فصارت حرمتها كحرمة المؤمن انما حرم دمه وعرضه وماله بطاعته لربه فارض الحرم لما قالت اتينا طائعين حرم صيدها وشجرها وخلاها فلا حرمة الا لذى طاعة وفى الخبر " لم يأكل الحيتان الكبار صغارها فى ارض الحرم فى الطوفان لحرمتها ". { قياما للناس } مفعول ثان للجعل ومعنى كونه قياما لهم انه مدار لقيام امر دينهم ودنياهم. اما الاول فلانه يتوجه اليه الحجاج والعمار فيكون ما فى البيت من المناسك العظيمة والطاعات الشريفة سببا لحط الخطيآت وارتفاع الدرجات ونيل الكرامات. واما الثانى فلانه يجبى الى الحرم ثمرات كل شىء يربح فيه التجار وكانوا يأمنون فيه من النهب والغارة ولا يتعرض لهم احد بسوء فى الحرم حتى ان الرجل اذا اصاب ذنبا فى الجاهلية والاسلام او قتل قتيلا لجأ الى الحرم ويأمن فيه قال المحيى فى فتوح الحرمين مدحا لحضرة الكعبة هيج نبى هيج ولى هم نبود كه اونه برين دررخ اميد سود هادىء ره نيست بجزلطف دوست آمدنت را طلب از نزد اوست تا نز ند سر ز جمن نو كلى نغمه سرا يى نكند بلبلى { والشهر الحرام } اى وجعل الشهر الحرام الذى يؤدى فيه الحج وهو ذو الحجة قياما لهم ايضا فالمفعول الثانى محذوف ثقة بما مر ووجه كون الشهر الحرام سببا لقيام الناس ان العرب كان يتعرض بعضهم لبعض بالقتل والغارة فى سائر الاشهر فاذا دخل الشهر الحرام زال الخوف وقدروا على سفر الحج والتجارات آمنين على انفسهم واموالهم فكان سببا لاكتساب منافع الدين والدنيا ومصالح المعاش والمعاد. وقد فضل الله الاشهر والايام والاوقات بعضها على بعض كما فضل الرسل والامم بعضها على بعض لتبادر النفوس وتسارع القلوب الى ادراكها واحترامها وتتشوق الارواح الى احيائها بالتعبد فيها ويرغب الخلق فى فضائلها. قال الامام النيسابورى عشر ذى الحجة افضل الايام واحبها عند الله تعالى بعد شهر رمضان لانها هى التى ناجى فيها كليم الله موسى ربه وفيها احرم جميع الخلق بالحج ووجد آدم التوبة فى ايام العشر واسماعيل الفداء وهود النجاة ونوح الانجاء ومحمد الرسالة واصحابه الرضوان فى البيعة وبشارة خيبر وفتح الحديبية ونزول المغفرة بقوله تعالى ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر الفتح 2. وغير ذلك من الآيات والكرامات وصيام يوم من العشر كصيام الف يوم وقيام ليلة منها كعبادة من حج واعتمر طول سنته فصوم هذا العشر مستحب استحبابا شديدا لا سيما التاسع وهو يوم عرفة لكن يستحب الفطر يوم عرفة للحجاج لئلا يلحقهم فتور عن اداء الطاعات المشروعة فى ذلك اليوم ويؤدوها على الحضور والكمال وفى الحديث " خير الدعاء دعاء يوم عرفة وخير ما قلت انا والنبيون لا اله الا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شىء قدير ". { والهدى } اى وجعل الله الهدى ايضا قياما لهم وهو ما يهدى الى البيت ويذبح هناك ويفرق لحمه بين الفقراء فانه نسك المهدى وقوام لمعيشة الفقراء فكان سببا لقيام امر الدين والدنيا. يقول الفقير ومنه يعرف ان المقصود من القربان دفع حاجة الفقراء ولذا يستحب للمضحى ان يتصدق باكثر اضحيته بل بكلها هر كسى از همت والاى خويش سود برد اودرخور كالاى خويش وللحجاج يوم عيد القربان مناسك الذهاب من منى الى المسجد الحرام فلغيرهم الذهاب الى المصلى موافقة لهم والطواف فلغيرهم صلاة العيد لقوله عليه السلام " الطواف بالبيت صلاة " واقامة السنن من الحلق وقص الاظفار ونحوها فلغيرهم ازالة البدعة واقامة السنة والقربان فلغيرهم ايضا ذلك ولكن ليس كل مال يصلح لخزانة الرب ولا كل قلب يصلح لمعرفة الرب ولا كل نفس تصلح لخدمة الرب وفى المثنوى آن تو كل كو خليلان ترا تا نبرد تيغت اسماعيل را آن كرامت جون كليمت ازكجا تا كنى شهراه قعرنيل را { والقلائد } اى وجعل لله القلائد ايضا قياما للناس وهى جمع قلادة وهى ما يقلد به الهدى من نعل او لحاء شجر ليعلم به انه هدى فلا يتعرض له بركوب او حمل والمراد بالقلائد ذوات القلائد وهى البدن وهى الناقة والبقرة مما يجوز فى الهدى والاضاحى وخصت بالذكر لان الثواب فيها اكثر وبهاء الحج بها اظهر ولذا ضحى عمر رضى الله عنه بنجيبة طلبت منه بثلاثمائة دينار لقوله تعالى ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب الحج 32. ووجه كون القلائد سببا لقيام الناس ان من قلد هديا لم يتعرض له احد وربما كانوا يقلدون رواحلهم اذا رجعوا من مكة من لحاء شجر الحرم فيأمنون بذلك وكان اهل الجاهلية يأكل الواحد منهم القضيب والشجر من الجوع وهو يرى الهدى والقلائد فلا يتعرض له تعظيما له { ذلك } اشارة الى الجعل منصوب بفعل مقدر اى شرع الله ذلك وبين { لتعلموا ان الله يعلم ما فى السموات وما فى الارض } فان تشريع هذه الشرائع المستتبعة لدفع المضار الدينية والدنيوية قبل وقوعها وجلب المنافع الاولوية والاخروية من اوضح الدلائل على حكمة الشارع وعلى عدم خروج شىء من علمه المحيط { وان الله بكل شى عليم } تعميم بعد تخصيص للتأكيد { اعلموا ان الله شديد العقاب } وعيد لمن انتهك محارمه وأصر على ذلك { وان الله غفور رحيم } وعد لمن حافظ على مراعاة حرمانه تعالى او انقطع عن الانتهاك بعد تعاطيه { ما على الرسول الا البلاغ } اى تبليغ الرسالة فى امر الثواب والعقاب وهو تشديد فى ايجاب القيام بما امر به اى الرسول قد اتى بما وجب عليه من التبليغ بما لا مزيد عليه وقامت عليكم الحجة ولزمتكم الطاعة فلا عذر لكم من بعد فى التفريط { والله يعلم ما تبدون وما تكتمون } اى ما تظهرون من القول والعمل وما تخفون فيؤاخذكم بذلك نقيرا وقطميرا قال السعدى قدس سره بروعلم يك ذره بوشيده نيست كه بنهان وبيدا بنزدش يكيست والاشارة فى الآية ان الله تعالى كما جعل الكعبة فى الظاهر قياما للعوام والخواص يلوذون به ويستنجحون بالتضرع والابتهال هناك حاجاتهم الدنيوية والاخروية كذلك جعل كعبة القلب فى الباطن قياما للخواص وخواص الخواص ليلوذوا به بطريق دوام الذكر ونفى الخواطر بالكلية واثبات الحق بالربوبية والواحدية بان لا موجود الا هو ولا وجود الا له ولا مطلوب ولا محبوب الا هو وسماه البيت الحرام ليعلم انه بيت الله على الحقيقة وحرام ان يسكن فيه غيره فيراقبه عن ذكر ما سوى الحق وحبه وطلبه الى ان يفتح الله ابواب فضله ورحمته والشهر الحرام هو ايام الطلب والسير الى الله حرام على الطالب فيها مخالطة الخلق وملاحظة ما سوى الحق والهدى هو النفس البهيمية تساق الى كعبة القلب مع القلائد وهى اركان الشريعة فتذبح على عتبة القلب بسكين آداب الطريقة عن شهواتها ولذاتها الحيوانية وفى قوله تعالى { ذلك لتعلموا } الآية اشارة الى ان العبد اذا وصل الى كعبة القلب فيرى بيت الله ويشاهد انوار الجمال والجلال فبتلك الانوار يشاهد ما فى السموات وما فى الارض لانه ينظر بنور الله فيعلم على التحقيق { أن الله يعلم ما فى السموات وما فى الارض وأن الله بكل شىء عليم } { إعلموا ان الله شديد العقاب } يسدل الحجاب لغير الاحباب ممن ركنوا الى الدنيا واغتروا بزينتها وشهواتها { وان الله غفور رحيم } لطالبيه وقاصدى حضرته بفتح الابواب ورفع الحجاب { ما على الرسول الا البلاغ } بالقال والحال { والله يعلم ما تبدون } من الايمان باقدار اللسان وعمل الاركان { وما تكتمون } من تصديق الجنان او التكذيب وصدق التوجه وخلوص النية فى طلب الحق كذا فى التأويلات النجمية.