Lafzullah

Fath Al-Bayan li Al-Qanuji — إبراهيم 14:1 – النحل 16:128

المؤلف / المصدر: Fath Al-Bayan li Al-Qanuji

المحتويات
  1. إبراهيم 14:1
  2. إبراهيم 14:2
  3. إبراهيم 14:3
  4. إبراهيم 14:4
  5. إبراهيم 14:5
  6. إبراهيم 14:6
  7. إبراهيم 14:7
  8. إبراهيم 14:8
  9. إبراهيم 14:9
  10. إبراهيم 14:10
  11. إبراهيم 14:11
  12. إبراهيم 14:12
  13. إبراهيم 14:13
  14. إبراهيم 14:14
  15. إبراهيم 14:15
  16. إبراهيم 14:16
  17. إبراهيم 14:17
  18. إبراهيم 14:18
  19. إبراهيم 14:19
  20. إبراهيم 14:20
  21. إبراهيم 14:21
  22. إبراهيم 14:22
  23. إبراهيم 14:23
  24. إبراهيم 14:24
  25. إبراهيم 14:25
  26. إبراهيم 14:26
  27. إبراهيم 14:27
  28. إبراهيم 14:28
  29. إبراهيم 14:29
  30. إبراهيم 14:30
  31. إبراهيم 14:31
  32. إبراهيم 14:32
  33. إبراهيم 14:33
  34. إبراهيم 14:34
  35. إبراهيم 14:35
  36. إبراهيم 14:36
  37. إبراهيم 14:37
  38. إبراهيم 14:38
  39. إبراهيم 14:39
  40. إبراهيم 14:40
  41. إبراهيم 14:41
  42. إبراهيم 14:42
  43. إبراهيم 14:43
  44. إبراهيم 14:44
  45. إبراهيم 14:45
  46. إبراهيم 14:46
  47. إبراهيم 14:47
  48. إبراهيم 14:48
  49. إبراهيم 14:49
  50. إبراهيم 14:50
  51. إبراهيم 14:51
  52. إبراهيم 14:52
  53. الحجر 15:1
  54. الحجر 15:2
  55. الحجر 15:3
  56. الحجر 15:4
  57. الحجر 15:5
  58. الحجر 15:6
  59. الحجر 15:7
  60. الحجر 15:8
  61. الحجر 15:9
  62. الحجر 15:10
  63. الحجر 15:11
  64. الحجر 15:12
  65. الحجر 15:13
  66. الحجر 15:14
  67. الحجر 15:15
  68. الحجر 15:16
  69. الحجر 15:17
  70. الحجر 15:18
  71. الحجر 15:19
  72. الحجر 15:20
  73. الحجر 15:21
  74. الحجر 15:22
  75. الحجر 15:23
  76. الحجر 15:24
  77. الحجر 15:25
  78. الحجر 15:26
  79. الحجر 15:27
  80. الحجر 15:28
  81. الحجر 15:29
  82. الحجر 15:30
  83. الحجر 15:31
  84. الحجر 15:32
  85. الحجر 15:33
  86. الحجر 15:34
  87. الحجر 15:35
  88. الحجر 15:36
  89. الحجر 15:37
  90. الحجر 15:38
  91. الحجر 15:39
  92. الحجر 15:40
  93. الحجر 15:41
  94. الحجر 15:42
  95. الحجر 15:43
  96. الحجر 15:44
  97. الحجر 15:45
  98. الحجر 15:46
  99. الحجر 15:47
  100. الحجر 15:48
  101. الحجر 15:49
  102. الحجر 15:50
  103. الحجر 15:51
  104. الحجر 15:52
  105. الحجر 15:53
  106. الحجر 15:54
  107. الحجر 15:55
  108. الحجر 15:56
  109. الحجر 15:57
  110. الحجر 15:58
  111. الحجر 15:59
  112. الحجر 15:60
  113. الحجر 15:61
  114. الحجر 15:62
  115. الحجر 15:63
  116. الحجر 15:64
  117. الحجر 15:65
  118. الحجر 15:66
  119. الحجر 15:67
  120. الحجر 15:68
  121. الحجر 15:69
  122. الحجر 15:70
  123. الحجر 15:71
  124. الحجر 15:72
  125. الحجر 15:73
  126. الحجر 15:74
  127. الحجر 15:75
  128. الحجر 15:76
  129. الحجر 15:77
  130. الحجر 15:78
  131. الحجر 15:79
  132. الحجر 15:80
  133. الحجر 15:81
  134. الحجر 15:82
  135. الحجر 15:83
  136. الحجر 15:84
  137. الحجر 15:85
  138. الحجر 15:86
  139. الحجر 15:87
  140. الحجر 15:88
  141. الحجر 15:89
  142. الحجر 15:90
  143. الحجر 15:91
  144. الحجر 15:92
  145. الحجر 15:93
  146. الحجر 15:94
  147. الحجر 15:95
  148. الحجر 15:96
  149. الحجر 15:97
  150. الحجر 15:98
  151. الحجر 15:99
  152. النحل 16:1
  153. النحل 16:2
  154. النحل 16:3
  155. النحل 16:4
  156. النحل 16:5
  157. النحل 16:6
  158. النحل 16:7
  159. النحل 16:8
  160. النحل 16:9
  161. النحل 16:10
  162. النحل 16:11
  163. النحل 16:12
  164. النحل 16:13
  165. النحل 16:14
  166. النحل 16:15
  167. النحل 16:16
  168. النحل 16:17
  169. النحل 16:18
  170. النحل 16:19
  171. النحل 16:20
  172. النحل 16:21
  173. النحل 16:22
  174. النحل 16:23
  175. النحل 16:24
  176. النحل 16:25
  177. النحل 16:26
  178. النحل 16:27
  179. النحل 16:28
  180. النحل 16:29
  181. النحل 16:30
  182. النحل 16:31
  183. النحل 16:32
  184. النحل 16:33
  185. النحل 16:34
  186. النحل 16:35
  187. النحل 16:36
  188. النحل 16:37
  189. النحل 16:38
  190. النحل 16:39
  191. النحل 16:40
  192. النحل 16:41
  193. النحل 16:42
  194. النحل 16:43
  195. النحل 16:44
  196. النحل 16:45
  197. النحل 16:46
  198. النحل 16:47
  199. النحل 16:48
  200. النحل 16:49
  201. النحل 16:50
  202. النحل 16:51
  203. النحل 16:52
  204. النحل 16:53
  205. النحل 16:54
  206. النحل 16:55
  207. النحل 16:56
  208. النحل 16:57
  209. النحل 16:58
  210. النحل 16:59
  211. النحل 16:60
  212. النحل 16:61
  213. النحل 16:62
  214. النحل 16:63
  215. النحل 16:64
  216. النحل 16:65
  217. النحل 16:66
  218. النحل 16:67
  219. النحل 16:68
  220. النحل 16:69
  221. النحل 16:70
  222. النحل 16:71
  223. النحل 16:72
  224. النحل 16:73
  225. النحل 16:74
  226. النحل 16:75
  227. النحل 16:76
  228. النحل 16:77
  229. النحل 16:78
  230. النحل 16:79
  231. النحل 16:80
  232. النحل 16:81
  233. النحل 16:82
  234. النحل 16:83
  235. النحل 16:84
  236. النحل 16:85
  237. النحل 16:86
  238. النحل 16:87
  239. النحل 16:88
  240. النحل 16:89
  241. النحل 16:90
  242. النحل 16:91
  243. النحل 16:92
  244. النحل 16:93
  245. النحل 16:94
  246. النحل 16:95
  247. النحل 16:96
  248. النحل 16:97
  249. النحل 16:98
  250. النحل 16:99
  251. النحل 16:100
  252. النحل 16:101
  253. النحل 16:102
  254. النحل 16:103
  255. النحل 16:104
  256. النحل 16:105
  257. النحل 16:106
  258. النحل 16:107
  259. النحل 16:108
  260. النحل 16:109
  261. النحل 16:110
  262. النحل 16:111
  263. النحل 16:112
  264. النحل 16:113
  265. النحل 16:114
  266. النحل 16:115
  267. النحل 16:116
  268. النحل 16:117
  269. النحل 16:118
  270. النحل 16:119
  271. النحل 16:120
  272. النحل 16:121
  273. النحل 16:122
  274. النحل 16:123
  275. النحل 16:124
  276. النحل 16:125
  277. النحل 16:126
  278. النحل 16:127
  279. النحل 16:128

إبراهيم 14:1

بسم الله الرحمن الرحيم سورة إبراهيم عليه السلام هي مكيّة قاله ابن عباس والزبير والحسن وعكرمة وجابر بن زيد وقتادة إلا آيتين منها، وقيل إلا ثلاث آيات نزلت في الذين حاربوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهي قوله (ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا) - إلى قوله - (فإن مصيركم إلى النار)، وعن ابن عباس قال: هي مكيّة سوى آيتين منها نزلتا في قتلى بدر من المشركين وهي اثنتان وخمسون آية. بسم الله الرحمن الرحيم الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (1) اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (2) الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (3) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (4) (الر) قد تقدم الكلام في أمثال هذا وبيان قول من قال أنه متشابه وبيان قول من قال إنه غير متشابه (كتاب) خبر مبتدأ محذوف أي هذا القرآن (أنزلناه إليك) يا محمد (لتخرج الناس) بدعائك إياهم إلى اتباع ما تضمنه الكتاب من التوحيد وغيره واللام في لتخرج للغرض والغاية والتعريف في الناس للجنس والمعنى أنه صلى الله عليه وسلم يخرج الناس بالكتاب المشتمل على ما شرعه الله لهم من الشرائع مما كانوا فيه. (من الظلمات) أي من ظلمات الكفر والجهل والضلالة (إلى) ما صاروا إليه من (النور) أي نور الإيمان والعلم والهداية. قال الرازي: فيه دليل على أن طريق الكفر والبدعة كثيرة، وطريق الحق ليس إلا واحداً لأنه عبر عنها بالظلمات وهي صيغة جمع وعبر عن الحق بالنور وهو لفظ مفرد جعل الكفر بمنزلة الظلمات والإيمان بمنزلة النور على طريق الاستعارة وقيل أن الظلمة مستعارة للبدعة والنور مستعار للسنة وقيل من الشك إلى اليقين، ولا مانع من إرادة جميع هذه الأمور وأسند الفعل إلى النبي صلى الله عليه وسلم لأنه الداعي والهادي والمنذر. (بإذن ربهم) أي بأمره وعلمه وتيسيره وتسهيله، قال الزجاج؛ أي بما أذن لك من تعليمهم ودعائهم إلى الإيمان (إلى صراط العزيز الحميد) بدل من قوله إلى النور بتكرير العامل كما يقع مثله كثيراً أي لتخرج الناس من الظلمات إلى صراط العزيز الحميد وهو طريقة الله الواضحة التي شرعها الله لعباده وأمرهم بالمصير إليها والدخول فيها. ويجوز أن يكون مستأنفاً كأنه قيل ما هذا النور الذي أخرجهم إليه فقيل صراط العزيز الحميد لأنه نور في نفسه طريق للخلود في الجنة المؤبد، وإضافة الصراط إلى الله تعالى لأنه المظهر له وأفهم بتخصيص الوصفين أنه لا يزل سالكه ولا يخيب قاصده، والعزيز هو القادر الغالب الغني عن جميع الحاجات، والحميد هو الكامل في استحقاق الحمد.

إبراهيم 14:2

(الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض) قرأ الجمهور بالجر على أنه عطف بيان لكونه من الأعلام الغالبة فلا يصح وصف ما قبله به لأن العلم لا يوصف به، وقيل يجوز أن يوصف به من حيث المعنى وقرأ نافع وابن عامر بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو الله المتصف بملك ما فيهما خلقاً وملكاً وعبيداً وكان يعقوب إذا وقف على الحميد رفع وإذا وصل خفض، قال ابن الأنباري: من خفض وقف على وما في الأرض. ثم توعد من لا يعترف بربوبيته فقال (وويل للكافرين من عذاب شديد) معدّ لهم في الآخرة، وقد تقدم بيان معنى الويل وأصله النصب كسائر المصادر ثم رفع للدلالة على الثبات، قال الزجاج: هي كلمة تقال للعذاب والهلكة فدعا سبحانه وتعالى بذلك على من لم يخرج من الكفار بهداية رسول الله صلى الله عليه وسلم بما أنزله الله عليه مما هو فيه من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، قيل والويل هو نقيض لو أل أي النجاة وقيل الويل واد في جهنم، ومن بيانية وقيل الويل بمعنى التأوه فمن للتعدية أي يولولون ويضجون من العذاب الشديد الذي صاروا فيه قائلين يا ويلاه. ثم وصف هؤلاء الكفار بقوله

إبراهيم 14:3

(الذين يستحبون الحياة الدنيا) أي يؤثرونها لمحبتهم لها (على الآخرة) الدائمة والنعيم الأبدي. (ويصدون) أي يصرفون الناس (عن سبيل الله) أي عن دينه الذي شرعه لعباده (ويبغونها) أي السبيل (عوجا) أي يطلبون لها زيغاً وميلاً وعدولاً وانحرافاً عن الحق لموافقة أهوائهم وقضاء حاجاتهم وأغراضهم، وقيل الهاء راجعة إلى الدنيا أي يطلبونها على سبيل الميل عن الحق، والميل إلى الحرام والعوج بكسر العين في المعاني وبفتحها في الأعيان وقد سبق تحقيقه، واجتماع هذه الخصال نهاية الضلال، ولهذا وصف ضلالهم بالبعد عن الحق فقال: (أولئك) يعني من هذه صفته (في ضلال بعيد) عن طريق الحق، أي بالغ في ذلك غاية الغايات القاصية أو ذي بعد أو فيه بعد لأن الضال قد يضل ويبعد عن الطريق مكاناً قريباً وقد يضل بعيداً، والبعد وإن كان من صفة الضال لكنه يجوز وصف الضلال به مجازاً لقصد المبالغة كجد جدّه وداهية دهياء. ثم لما منّ على المكلفين بإنزال الكتاب وإرسال الرسول ذكر من كمال تلك النعمة أن ذلك المرسل بلسان قومه فقال:

إبراهيم 14:4

(وما أرسلنا من رسول إلا) متلبساً (بلسان قومه) متكلماً بلغتهم لأنه إذا كان كذلك فهم عنه المرسل إليهم ما يقوله لهم ويدعوهم إليه وسهل عليهم ذلك بخلاف ما لو كان بلسان غيرهم فإنهم لا يدرون ما يقول ولا يفهمون ما يخاطبهم به حتى يتعلموا ذلك اللسان دهراً طويلاً ومع ذلك فلا بد أن يصعب عليهم فهم ذلك بعض صعوبة، ولهذا علّل سبحانه ما امتن به على العباد بقوله: (ليبين) أي ليوضح (لهم) ما أمرهم الله به من الشريعة التي شرعها لهم ووحد اللسان لأن المراد بها اللغة. عن ابن عباس أن الله فضل محمداً على أهل السماء وعلى الأنبياء. قيل ما فضله على أهل السماء؟ قال: إن الله قال لأهل السماء (ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم) وقال لمحمد صلى الله عليه وسلم ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر. فكتب له براءة من النار. قيل فما فضله على الأنبياء؟ قال: إن الله يقول (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه) وقال لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم (وما أرسلناك إلا كافة للناس) فأرسله إلى الإنس والجن. وقال عثمان بن عفان: نزل القرآن بلسان قريش. وعن مجاهد مثله، وقد قيل في هذه الآية إشكال لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أرسل إلى الناس جميعاً بل إلى الجن والإنس ولغاتهم متباينة وألسنتهم مختلفة وأجيب بأنه صلى الله عليه وسلم وإن كان مرسلاً إلى الثقلين كما مر، لكن لما كان قومه العرب وكانوا أخص به وأقرب إليه، كان أرساله بلسانهم أولى من أرساله بلسان غيرهم وهم يبينونه لمن كان على غير لسانهم ويوضحونه حتى يصير فاهماً له كفهمهم إياه. ولو نزل القرآن بجميع لغات من أرسل إليهم وبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم لكل قوم بلسانه، لكان ذلك مظنةً للاختلاف، وفتحاً لباب التنازع، لأن كل أمة قد تدعي من المعاني في لسانها ما لا يعرفه غيرها، وربما كان ذلك أيضاً مفضياً إلى التحريف والتصحيف بسبب الدعاوى الباطلة التي يقع فيها المتعصبون. قال في الجمل والأولى أن يحمل القوم على من أرسل إليهم الرسول أياً كان وهم بالنسبة لغير سيدنا محمد خصوص عشيرة رسولهم، وبالنسبة إليه كل من أرسل إليه من سائر القبائل وأصناف الخلق وهو صلى الله عليه وسلم كان يخاطب كل قوم بلغتهم، وإن لم يثبت أنه تكلم باللغة التركية لأنه لم يتفق أنه خاطب أحداً من أهلها، ولو خاطبه لكلمه بها، تأمل انتهى. (فيضل الله من يشاء) إضلاله فيه التفات عن التكلم إلى الغيبة (ويهدي من يشاء) هدايته، والجملة مستأنفة. قال الفراء: إذا ذكر فعل وبعده فعل آخر فإن لم يكن النسق مشاكلاً للأول فالرفع على الاستئناف هو الوجه، يعني لا يجوز نصبه عطفاً على ما قبله لأن المعطوف كالمعطوف عليه في المعنى، والرسل أرسلت للبيان لا للضلال. وقال الزجاج: ولو قرئ بنصبه على أن اللام لام العاقبة جاز، والمعنى على الأول وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم تلك الشرائع باللغة التي ألفوها وفهموها، ومع ذلك فإن المضل والهادي هو الله عز وجل، والبيان لا يوجب حصول الهداية إلا إذا جعله الله سبحانه واسطة وسبباً، وتقديم الإضلال على الهداية لأنه متقدم عليها إذ هو إبقاء على الأصل، والهداية إنشاء ما لم يكن. (وهو العزيز) الذي لا يغالبه مغالب في ملكه (الحكيم) الذي تجري أفعاله على مقتضى الحكمة في صنعه. وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (5) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (6) ثم لما بيَّن أن المقصود من بعثة نبينا صلى الله عليه وسلم هو إخراج الناس من الظلمات إلى النور؛ أراد أن يبين أن الغرض من إرسال الأنبياء لم يكن إلا ذلك وخص موسى بالذكر لأن أمته أكثر الأمم المتقدمة على هذه الأمة المحمدية فقال

إبراهيم 14:5

(ولقد أرسلنا موسى) متلبساً (بآياتنا) التسع الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والعصا ويده والسنين ونقص من الثمرات، قاله مجاهد وعطاء وعبيد بن عمير. (أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور) المعنى قلنا لموسى أخرج، لأن الإرسال فيه معنى القول أو بأن أخرج بني إسرائيل بعد ملك فرعون من الكفر أو الجهل الذي قالوا بسببه اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة إلى الإيمان أو العلم (وذكرهم بأيام الله) أي بوقائعه. قال ابن السكيت: العرب تقول الأيام في معنى الوقائع، يقال فلان عالم بأيام العرب أي بوقائعها. وقال الزجاج: بنعم الله عليهم وبنقم أيام الله التي انتقم فيها من قوم نوح وعاد وثمود، والمعنى عظهم بالترغيب والترهيب والوعد والوعيد. وأخرج النسائي والبيهقي وغيرهما عن أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " ذكرهم بنعم الله وآلائه " وبه قال ابن عباس. وقال الربيع بوقائع في القرون الأولى، ويترجح تفسير أيام الله ببلائه ونعمه وفي تفسير ابن جرير بأيام الله، أي بأنواع عقوباته الفائضة ونعمه الباطنة التي أفاضها على القرون السالفة واللاحقة فمن أحاط علمه بذلك عظم خوفه، وفي القاموس وأيام الله نعمه ويوم أيوم شديد، وآخر يوم في الشهر، وفي المختار وربما عبروا عن الشدة باليوم. (إن في ذلك) التذكير بأيام الله أو في نفس أيام الله (لآيات) أي لدلالات عظيمة دالة على التوحيد وكمال القدرة (لكل صبار) كثير الصبر على المحن والمنح (شكور) كثير الشكر للنعم التي أنعم الله بها عليه لأنه إذا سمع بما نزل على من قبله من البلاء وأفيض عليهم من النعماء اعتبر وتنبه لما يجب عليه من الصبر والشكر وقيل المراد بذلك كل مؤمن، وعبر عنه بالوصفين لأنهما ملاك الإيمان وعنوان المؤمن، وقدم الصبار على الشكور لكون الشكر عاقبة الصبر. قال قتادة في الآية: نعم العبد عبد إذا ابتلى صبر، وإذا أعطى شكر، وإنما خص الصبار والشكور وإن كان فيها عبرة للكافة لأنهم المنتفعون بها دون غيرهم.

إبراهيم 14:6

(وإذ قال موسى) أي اذكر وقت قول موسى (لقومه) والمعنى اذكر يا محمد لقومك ما ذكر لعلهم يعتبرون (اذكروا نعمة الله) أي انعامه (عليكم إذ أنجاكم) أي وقت إنجائه لكم (من آل فرعون يسومونكم) أي يبغونكم، يقال سامه ظلماً أي أولاه ظلماً، وأصل السوم الذهاب في طلب الشيء. (سوء العذاب) مصدر ساء يسوء والمراد جنس العذاب السيئ وهو استعبادهم واستعمالهم في الأعمال الشاقة. (ويذبحون أبناءكم) المولودين لقول بعض الكهنة أن مولوداً يولد في بني إسرائيل يكون سبب ذهاب ملك فرعون، وعطف (يذبحون) على (يسومونكم سوء العذاب) وإن كان التذبيح من جنس سوء العذاب إخراجاً له عن مرتبة العذاب المعتاد حتى كأنه جنس آخر لما فيه من الشدة ومع طرح الواو كما في الآية الأخرى يكون التذبيح تفسيراً لسوء العذاب. (ويستحيون نساءكم) أي يتركونهن في الحياة لإهانتهن وإذلالهن، ولذلك عدَّ من جملة البلاء، وزاد الكرخي كانوا يستخدمونهن بالاستعباد ويفردونهن عن الأزواج وذلك من أعظم المضار. (وفي ذلكم) أي في إنجائكم أو في أفعالهم المذكورة (بلاء) أي ابتلاء لكم بالتنعم أو بالعذاب، فالله تعالى يختبر عباده تارة بالنعم وتارة بالشدائد، كما قال (وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون) (من ربكم عظيم) وقد تقدم تفسير هذه الآيات في البقرة مستوفى. وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (7) وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (8) أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (9)

إبراهيم 14:7

(وإذ تأذن) بمعنى أذن قاله الفراء، قال في الكشاف: ولا بد في تفعل من زيادة معنى ليس في أفعل، وكأنه قيل واذ آذن (ربكم) إيذاناً بليغاً تنتفي عنده الشكوك وتنزاح الشبه، والمعنى وإذ تأذن ربكم فقال لئن شكرتم، وأجرى تأذن مجرى قال لأنه ضرب من القول انتهى، وهذا من قول موسى لقومه، أي واذكروا حين تأذن ربكم. وقيل هو من قول الله سبحانه أي أذكر يا محمد إذ تأذن ربكم وقرئ وإذ قال ربكم والمعنى واحد كما تقدم واللام في. (لئن شكرتم) هي الموطئة للقسم والخطاب لبني إسرائيل وقوله (لأزيدنكم) سادّ مسد جوابي الشرط والقسم والمعنى لئن شكرتم إنعامي عليكم بما ذكر وما خولتكم من نعمة الإنجاء وغيرها من النعم بالإيمان الخالص والعمل الصالح لأزيدنكم نعمة إلى نعمة تفضلاً مني، وقيل من طاعتي قاله الحسن؛ وقيل من الثواب والأول أظهر فالشكر سبب المزيد. قال الربيع: أخبرهم موسى عن ربه أنهم إن شكروا النعمة زادهم من فضله وأوسع لهم من الرزق وأظهرهم على العالم، وقال سفيان الثوري في الآية: لا تذهب أنفسكم إلى الدنيا فإنها أهون عند الله من ذلك ولكن يقول لئن شكرتم لأزيدنكم من طاعتي. (ولئن كفرتم إن عذابي لشديد) لمن كفر نعمتي فلا بد أن يصيبكم منه ما يصيب وهو ساد مسد الجوابين أيضاً، وقيل الجواب محذوف أي ولئن كفرتم ذلك وجحدتموه لأعذبنكم، دل عليه إن عذابي لشديد وإنما حذف هنا وصرح به في جانب الوعد لأن من عادة الكرام التصريح بالوعد والتعريض بالوعيد فما ظنك بأكرم الأكرمين.

إبراهيم 14:8

(وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعاً) أي وجميع الخلق من الثقلين نعمته تعالى ولم تشكروها وجواب الشرط محذوف أي فما أضررتم بالكفر إلا أنفسكم حيث حرمتموها من مزيد الإنعام وعرضتموها للعذاب الشديد (فإن الله) سبحانه (لغني) عن شكركم لا يحتاج إليه ولا يلحقه بذلك نقص (حميد) أي مستوجب للحمد لذاته لكثرة إنعامه وإن لم تشكروه أو يحمده غيركم من الملائكة وتنطق بنعمه ذرّات الكائنات. ولعله عليه السلام إنما قال هذا عندما عاين منهم دلائل العناد ومخائل الإصرار على الكفر والفساد وتيقن أنه لا ينفعهم الترغيب ولا التعريض بالترهيب. أخرج البخاري في تاريخه والضياء في المختار عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من ألهم خمسة لم يحرم خمسة " وفيها من ألهم الشكر لم يحرم الزيادة. وعن أبي هريرة مرفوعاً " من أعطى الشكر لم يمنع الزيادة " أخرجه الحكيم الترمذي في النوادر، ولا وجه لتقييد الزيادة بالزيادة في الطاعة بل الظاهر من الآية العموم كما يفيده جعل الزيادة جزاء الشكر، فمن شكر الله على ما رزقه وسَّع الله عليه في رزقه ومن شكر الله على ما أقدره عليه من طاعته زاده من طاعته ومن شكره على ما أنعم من الصحة زاده الله صحة إلى غير ذلك.

إبراهيم 14:9

(ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم) استفهام تقرير يحتمل أن يكون هذا خطاباً من موسى لقومه فيكون داخلاً تحت التذكير بأيام الله ويحتمل أن يكون من كلام الله سبحانه ابتداء خطاباً لقوم موسى وتذكيراً لهم بالقرون الأولى وإخبارهم ومجيء رسل الله إليهم، ويحتمل أنه ابتداء خطاب من الله تعالى لقوم محمد صلى الله عليه وسلم تحذيراً لهم عن مخالفته والنبأ الخبر والجمع الأنباء. (قوم نوح وعاد وثمود) بدل من الموصول أو عطف بيان (والذين من بعدهم) أي من بعد هؤلاء الأمم الماضية الثلاثة (لا يعلمهم) أي لا يحصى عددهم ومقاديرهم ولا يحيط بهم علماً (إلا الله) سبحانه والجملة معترضة وعدم العلم من غير الله إما أن يكون راجعاً إلى صفاتهم وأحوالهم وأخلاقهم ومدد أعمارهم أي هذه الأمور لا يعلمها إلا الله ولا يعلمها غيره أو يكون راجعاً إلى ذواتهم أي أنه لا يعلم ذوات أولئك الذين من بعدهم إلا الله سبحانه ولم يبلغنا خبرهم أصلاً. وعن ابن مسعود أنه كان يقرأ والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله ويقول كذب النسابون، وعن عمرو بن ميمون مثله، وعن أبي مجلز قال: قال رجل لعلي بن أبي طالب أنا أنسب الناس قال إنك لا تنسب الناس، فقال بلى، فقال له عليّ أرأيت قوله عاداً وثمود وأصحاب الرس وقروناً بين ذلك كثيراً قال أنا أنسب ذلك الكثير قال أرأيت قوله والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله، فسكت، وعن عروة بن الزبير قال: ما وجدنا أحداً يعرف ما وراء معدَّ بن عدنان، وعن ابن عباس قال: ما بين عدنان وإسماعيل ثلاثون أباً لا يعرفون. (جاءتهم رسلهم بالبينات) أي المعجزات الظاهرة والدلالات الباهرة والشرائع الواضحة مستأنف وهذا في المعنى تفسير لنبأ الذين من قبلهم (فردوا أيديهم) أي جعلوا أيدي أنفسهم (في أفواههم) ليعضوها غيظاً مما جاءت به الرسل كما في قوله تعالى (عضوا عليكم الأنامل من الغيظ) لأن الرسل جاءتهم بتسفيه أحلامهم وشتم أصنامهم. وقيل أن المعنى أنهم أشاروا بأصابعهم إلى أفواههم لما جاءتهم الرسل بالبينات أي اسكتوا واتركوا هذا الذي جئتم به تكذيباً لهم ورداً لقولهم، وقيل المعنى أنهم أشاروا إلى ألسنتهم وما يصدر عنها من قولهم إنا كفرنا بما أرسلتم به أي لا جواب لكم سوى هذا الذي قلناه لكم بألسنتنا هذه، قيل وضعوا أيديهم على أفواههم استهزاء وتعجباً كما يفعله من غلبه الضحك من وضع يده على فيه. وقيل المعنى ردوا على الرسل قولهم وكذبوهم بأفواههم، فالضمير الأول للرسل، والثاني للكفار، وقيل جعلوا أيديهم في أفواه الرسل رداً لقولهم؛ فالضمير الأول على هذا للكفار، والثاني للرسل، وقيل معناه أومأوا إلى الرسل أن اسكتوا، وقيل أخذوا أيدي الرسل ووضعوها على أفواه الرسل ليسكتوهم ويقطعوا كلامهم، والمراد بهما على هذا هاتان الجارحتان المعلومتان. وقيل أن الأيدي هنا النعم أي ردوا نعم الرسل بأفواههم أي بالنطق والتكذيب، والمراد بالنعم هنا ما جاءوهم به من الشرائع، وقال أبو عبيدة ونعم ما قال هو ضرب مثل أي لم يؤمنوا ولم يجيبوا، والعرب تقول للرجل إذا أمسك عن الجواب وسكت قد رد يده في فيه، وهكذا قال الأخفش. واعترض على ذلك القتيبي فقال: لم يسمع أحد من العرب يقول رد يده في فيه إذا ترك ما أمر به، وإنما المعنى عضوا على الأيدي حنقاً وغيظاً، وهذا هو القول الذي قدمناه على جميع هذه الأقوال، وبه قال ابن مسعود وهو أقرب التفاسير للآية إن لم يصح عن العرب ما ذكره الأخفش وأبو عبيدة، فإن صح ما ذكراه فتفسير الآية به أقرب. (وقالوا) أي الكفار للرسل (إنا كفرنا بما أرسلتم به) من البينات على زعمكم (وإنا لفي شك) عظيم (مما تدعوننا إليه) من الإيمان بالله وحده وترك ما سواه (مريب) أي موجب للريب، يقال أربته إذا فعلت أمراً أوجب ريبة وشكاً، والريب قلق النفس وعدم سكونها وأن لا تطمئن إلى شيء. وقد قيل كيف صرحوا بالكفر ثم بنوا أمرهم على الشك وأجيب بأنهم أرادوا أنّا كافرون برسالتكم وإن نزلنا عن هذا المقام فلا أقل من أنّا نشك في صحة نبوتكم ومع كمال الشك لا مطمع في الاعتراف بنبوتكم، وقيل كانوا فرقتين إحداهما جزمت بالكفر، والأخرى شكت، وقيل أن كفرهم بالمعجزات وشكهم في التوحيد فلا تخالف. قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (10) قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (11)

إبراهيم 14:10

(قالت رسلهم) جملة مستأنفة كأنه قيل فماذا قالت لهم الرسل فأجيب بأنهم قالوا منكرين عليهم ومتعجبين من مقالتهم الحمقاء (أفي الله شك) والاستفهام للتقريع والتوبيخ والإنكار أي أفي وحدانيته سبحانه شك وهي في غاية الوضوح والجلاء ثم إن الرسل ذكروا بعد إنكارهم على الكفار ما يؤكد ذلك الإنكار من الشواهد الدالة على عدم الشك في وجوده سبحانه ووحدانيته فقالوا (فاطر السماوات والأرض) أي خالقهما ومخترعهما ومبدعهما وموجدهما وما فيهما بعد العدم. (يدعوكم) إلى الإيمان به وتوحيده أو إلى الإيمان بإرساله إيانا لا أنا ندعوكم إليه من تلقاء أنفسنا كما يوهمه قولكم مما تدعوننا إليه (ليغفر لكم من ذنوبكم) أي لأجل غفران ذنوبكم إذا آمنتم وصدقتم أو اللام للتعدية كقولك دعوتك لزيد. قال أبو عبيدة: من صلة زائدة في الإيجاب، ووجه ذلك قوله في موضع آخر (إن الله يغفر الذنوب جميعًا) وأجازه الأخفش وقال سيبويه: هي للتبعيض ويجوز أن يذكر البعض ويراد منه الجميع. وقيل التبعيض على حقيقته ولا يلزم من غفران جميع الذنوب لأمة محمد صلى الله عليه وسلم غفران جميعها لغيرهم، وبهذه الآية احتج من جوز زيادة (من) في الإثبات، وجمهور البصريين لا يجوزون زيادتها إلا في النفي إذا جرت نكرة ومن ثم جعلها بعضهم للبدل وقال ليست بزائدة ولا تبعيضية أي لتكون المغفرة بدلاً من عقوبة الذنوب، ويحتمل أن يضمن يغفر معنى يخلص أي يخلصكم من ذنوبكم ويكون مقتضاه غفران جميع الذنوب وهو أولى من دعوى زيادته (ويؤخركم) بلا عذاب (إلى أجل) أي وقت (مسمى) عنده سبحانه وهو الموت فلا يعذبكم في الدنيا. (قالوا إن) أي ما (أنتم إلا بشر مثلنا) في الهيئة والصورة، تأكلون وتشربون كما نأكل ونشرب، فلا فضل لكم علينا ولستم ملائكة (تريدون أن تصدونا) وصفوهم بالبشر أولاً ثم بإرادة الصدّ لهم (عما كان يعبد آباؤنا) أي آباؤهم ثانياً أي تريدون أن تصرفونا عن معبودات آبائنا من الأصنام ونحوها (فأتونا) إن كنتم صادقين بأنكم مرسلون من عند الله (بسلطان مبين) أي حجة ظاهرة واضحة تدل على صحة ما تدعونه من المزية أو النبوة وقد جاؤوهم بالسلطان المبين والحجة الظاهرة ولكن هذا نوع من تعنتاتهم ولون من تلوناتهم.

إبراهيم 14:11

(قالت لهم رسلهم) مسلمين مشاركتهم في الجنس (إن نحن إلا بشر مثلكم) أي في الصورة والهيئة كما قلتم لا ننكر ذلك (ولكن الله يمن) ويتفضل (على من يشاء من عباده) بالنبوة والرسالة، وقيل بالتوفيق والهداية جعلوا الموجب لاختصاصهم بالنبوة فضل الله تعالى وفيه دليل على أن النبوة أمر وهبي لا كسبي كما يزعمه المتفلسفة والحكماء. (وما كان) أي ما صح (لنا) ولا استقام (أن نأتيكم بسلطان) أي بحجة من الحجج، وقيل المراد بالسلطان هنا هو ما يطلبه الكفار من الآيات على سبيل التعنت، وقيل أعم من ذلك فإن ما شاء الله كان وما لم يشأه لم يكن (إلا بإذن الله) أي بمشيئته وإرادته وليس ذلك في قدرتنا، وقيل بأمره لنا بالإتيان أي إذنه لنا فيه والأول أولى. (وعلى الله) وحده (فليتوكل المؤمنون) في دفع شرور أعدائهم عنهم وفي وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (12) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (13) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ (14) وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (15) مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (16) الصبر على معاداتهم وهذا أمر منهم للمؤمنين بالتوكل على الله دون من عداه وكان الرسل قصدوا بهذا الأمر للمؤمنين الأمر لهم أنفسهم قصداً أولياً ولهذا قالوا:

إبراهيم 14:12

(وما لنا) أي وأيُّ مانع وعذر لنا في (أن لا نتوكل على الله) سبحانه في دفع شروركم عنا، فيه التفات عن الغيبة إلى التكلم والاستفهام للإنكار (وقد هدانا سبلنا) بضم الباء وسكونها سبعيتان، أىِ والحال إنه قد فعل بنا ما يوجب التوكل عليه ويستدعيه من هدايتنا إلى الطريق الموصل إلى رحمته وهو ما شرعه لعباده وأوجب عليهم سلوكه وعرفنا طريق النجاة وبين لنا الرشد. وحيث كانت أذية الكفار مما يوجب القلق والاضطراب القادح في التوكل قالوا على سبيل التوكيد القسمي مظهرين لكمال العزيمة (و) الله (لنصبرن على ما آذيتمونا) من وقوع التكذيب لنا منكم والعناد والاقتراحات الباطلة وغير ذلك مما لا خير فيه وما مصدرية أو موصولة اسمية (وعلى الله) وحده دون من عداه (فليتوكل المتوكلون) قيل المراد بالتوكل الأول استحداثه وإنشاؤه، وبهذا السعي في بقائه وثبوته فالتوكلان مختلفان. وقيل معنى الأول إن الذين يطلبون المعجزات يجب عليهم أن يتوكلوا في حصولها على الله سبحانه لا علينا، فإن شاء سبحانه أظهرها وإن شاء لم يظهرها. ومعنى الثاني إبداء التوكل على الله في دفع شر الكفار وسفاهتهم.

إبراهيم 14:13

(وقال الذين كفروا) هم طائفة من المتمردين عن إجابة الرسل (لرسلهم) واللام في (لنخرجنكم) هي الموطئة للقسم، أي والله لنخرجنكم (من أرضنا أو لتعودن في ملتنا) لم يقنعوا برد ما جاءت به الرسل وعدم امتثالهم لما دعوهم إليه حتى اجترؤوا عليهم بهذا وخيروهم بين الخروج من أرضهم أو العود في ملتهم الكفرية. وقد قيل أن (أو) بمعنى حتى أو بمعنى إلا أن كما قاله بعض المفسرين، ورد بأنه لا حاجة إلى ذلك بل أو على بابها للتخيير بين أحد الأمرين، قيل والعود هنا بمعنى الصيرورة، أي لتصيرن داخلين في ديننا أي في الشرك لعصمة الأنبياء عن أن يكونوا على ملة الكفر قبل النبوة وبعدها، وقيل إن الخطاب للرسل ولمن آمن بهم فغلب الرسل على أتباعهم، وقد تقدم تفسير الآية في سورة الأعراف (فأوحى إليهم) أي إلى الرسل بعد هذه المخاطبات والمحاورات (ربهم لنهلكن الظالمين) الكافرين

إبراهيم 14:14

(ولنسكننكم الأرض) أي أرض هؤلاء الكفار الذين توعدوكم بما توعدوكم من الإخراج أو العود. (من بعدهم) أي بعد هلاكهم، ومثل هذه الآية قوله سبحانه (وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها) وقال (وأورثكم أرضهم وديارهم). عن ابن عباس قال: كانت الرسل والمؤمنون يستضعفهم قومهم ويقهرونهم ويكذبونهم ويدعونهم إلى أن يعودوا في ملتهم، فأبى الله لرسله والمؤمنين أن يعودوا في ملة الكفر، وأمرهم أن يتوكلوا على الله وأمرهم أن يستفتحوا على الجبابرة ووعدهم أن يسكنهم الأرض من بعدهم، فأنجز لهم ما وعدهم واستفتحوا كما أمرهم الله أن يستفتحوا. وعن قتادة قال: وعدهم النصر في الدنيا والجنة في الآخرة، فبيّنَ الله من يسكنها من عباده فقال (ولمن خاف مقام ربه جنتان) وإن لله مقاماً هو قائمه، وأن أهل الإيمان خافوا ذلك المقام فنصبوا ودأبوا الليل والنهار. (ذلك) أي ما تقدم من إهلاك الظالمين وإسكان المؤمنين في مساكنهم (لمن خاف مقامي) أي موقفي، وذلك يوم الحساب فإنه موقف الله سبحانه، والمقام بفتح الميم مكان الإقامة وبالضم فعل الإقامة، وقيل إن المقام هنا مصدر بمعنى القيام، أي لمن خاف قيامى عليه ومراقبتي له كقوله تعالى (أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت) وقال الأخفش مقامي بمعنى عذابي. (وخاف وعيد) أي خشي وعيدي بالعذاب، وقيل بالقرآن وزواجره، وقيل هو نفس العذاب الموعود للكفار، والوعيد اسم من الوعد، وهذه الآية تدل على أن الخوف من الله غير الخوف من وعيده لأن العطف يقتضي التغاير، قاله الكرخي.

إبراهيم 14:15

(واستفتحوا) أي استنصروا بالله على أعدائهم أو سألوا الله القضاء بينهم من الفتاحة وهي الحكومة بين الخصمين، ومن الأول قوله (إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح) ومن الثاني قوله (ربنا افتح بيننا وبين قومنا) أي احكم، والضمير في استفتحوا للرسل، وقيل للكفار وقيل للفريقين وقيل لقريش لأنهم في سني الجدب استمطروا فلم يمطروا، وهو على هذا مستأنف والأول أولى، وقرئ استفتحوا بكسر التاء الثانية على لفظ الأمر، أمراً للرسل بطلب النصرة فنصروا وسعدوا وربحوا. (وخاب) أي خسر وقيل هلك (كل جبار) هو المتكبر الذي لا يرى لأحد عليه حقاً، هكذا حكاه النحاس عن أهل اللغة. وقيل من تجبر بنفسه بادعاء منزلة عالية لا يستحقها، وهو صفة ذم في حق الإنسان، وقيل الذي لا يرى فوقه أحداً. وقيل المتعظم في نفسه المتكبر على أقرانه والمعاني متقاربة (عنيد) هو المعاند للحق والمجانب له قاله مجاهد، وهو مأخوذ من العقد وهو الناحية، أي آخذ في ناحية معرضاً. قال الزجاج: العنيد الذي يعدل عن القصد، وبمثله قال الهروي. وقال أبو عبيد: هو الذي عند وبغى وقال ابن كيسان: هو الشامخ بأنفه، وقيل المراد به العاصي، وقيل الذي أبي أن يقول لا إله إلا الله. قاله قتادة، وقيل العنيد الناكب عن الحق. قاله إبراهيم النخعي، وقال مقاتل: المتكبر، وقال ابن عباس: هو المعرض عن الحق. وقيل هو المعجب بما عنده، وقيل هو الذي يعاند ويخالف، ومعنى الآية أنه خسر وهلك من كان متصفاً بهذه الصفة.

إبراهيم 14:16

(من ورائه) أي من بعده (جهنم) والمراد بعد هلاكه على أن وراء هنا بمعنى بعد: ومثله قوله تعالى (ومن ورائه عذاب غليظ) أي من بعده، كذا قال الفراء. وقيل من ورائه أي من أمامه قال أبو عبيدة: هو من أسماء الأضداد لأن أحدهما ينقلب إلى الآخر، ومنه قوله تعالى (وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصباً) أي أمامهم، وبه قال قطرب. وقال الأخفش: هو كما يقال هذا الأمر من ورائك أي سوف يأتيك وأنا من وراء فلان أي في طلبه. وقال النحاس: من ورائه أي من أمامه، وليس من الأضداد، ولكنه من توارى أي استتر فصارت جهنم من ورائه لأنها لا ترى وحكى مثله ابن الأنباري وقال ثعلب: هو اسم لما توارى عنك سواء كان خلفك أو قدامك. (ويسقى من ماء صديد) أي يلقى فيها ويسقى، والصديد ما يسيل من جلود أهل النار ولحومهم واشتقاقه من الصد لأنه يصد الناظرين عن رؤيته وهو دم مختلط بقيح يسيل من جلد الكافر ولحمه. يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ (17) مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (18) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (19) وقال عكرمة: هو القيح والدم. وقال محمد بن كعب القرظي: هو ما يسيل من فروج الزناة يسقاه الكافر والصديد صفة لماء أو بدل منه، وقيل عطف بيان له

إبراهيم 14:17

(يتجرعه) التجرع التحسي أي يتحساه مرة بعد مرة لا مرة واحدة لمرارته وحرارته ونتنه وكراهته، وقيل يكلف تجرعه ويقهر عليه ولم يذكر الزمخشري غيره، وقيل إنه دال على المهلة أي يتناوله شيئاً فشيئاً. وقيل أنه بمعنى جرعه المجرد (ولا يكاد يسيغه) يقال ساغ الشراب في الحلق يسوغ سوغاً إذا كان سهلاً، والمعنى لا يقارب أن يسيغه ويبتلعه فكيف يكون الإساغة بل يغص به بعد اللتيا واللتي فيشربه جرعة بعد جرعة فيطول عذابه بالحرارة والعطش تارة، ويشربه على هذه الحالة أخرى، فإن السوغ انحدار الشراب في الحلق بسهولة وقبول نفس ونفيه لا يوجب نفي ما ذكر جميعاً. وقيل لا يكاد يدخله في جوفه، وعبر عنه بالإساغة لما أنها المعهودة في الأشربة وقيل أنه يسيغه بعد شدة وإبطاء كقوله (وما كادوا يفعلون) أي يفعلون بعد إبطاء كما يدل عليه قوله تعالى في آية أخرى (يصهر به ما في بطونهم) قيل كاد صلة، وقال الزمخشري للمبالغة؛ وقيل معناه لا يجيزه. أخرج أحمد والترمذي واستغربه والنسائي وابن أبي الدنيا وأبو يعلى وابن مردويه والبيهقي وأبو نعيم في الحلية وصححه عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم في الآية قال: " يقرب إلى فيه فيكرهه فإذا أدنى منه شوى وجهه ووقعت فروة رأسه، فإذا شربه قطع أمعاءه حتى تخرج من دبره " يقول الله (وسقوا ماء حميماً فقطع إمعاءهم) وقال: (وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقاً). (ويأتيه الموت) أي أسبابه (من كل مكان) أي من كل جهة من الجهات من قدامه ومن خلفه ومن فوقه ومن تحته وعن يمينه وعن شماله، أو من كل موضع من مواضع بدنه. وقال الأخفش: المراد بالموت هنا البلايا التي تصيب الكافر في النار، سماها موتا لشدتها. وقال ابن عباس: يعني أنواع العذاب وليس منها نوع إلا الموت يأتيه منه لو كان يموت، ولكنه لا يموت لأن الله يقول لا يقضى عليهم فيموتوا. وقال ميمون بن مهران: المعنى من كل عظم وعرق وعصب. وعن محمد بن كعب نحوه، وعن إبراهيم التيمي قال: من موضع كل شعرة في جسده. (وما هو بميت) أي والحال أنه لم يمت حقيقة فيستريح. وقيل تعلق نفسه في حنجرته فلا تخرج من فيه فيموت، ولا ترجع إلى مكانها من جوفه فيحيا، ومثله قوله (لا يموت فيها ولا يحيى). وقيل المعنى وما هو بميت لتطاول شدائد الموت به وامتداد سكراته عليه، والأولى تفسير الآية بعدم الموت حقيقة لما ذكرنا من قوله سبحانه (لا يموت فيها ولا يحيى) وقوله (لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها). (ومن ورائه) أي من أمامه أو من بعده أو من بين يديه، قاله البيضاوي. وقيل الضمير عائد على كل جبار كما في السمين (عذاب غليظ) أي شديد يستقبل في كل وقت عذاباً أشد مما هو عليه، قيل هو الخلود في النار، قال إبراهيم التيمي وقيل حبس الأنفاس، قاله فضيل بن عياض.

إبراهيم 14:18

(مثل الذين كفروا بربهم) كلام مستأنف منقطع عما قبله، قال سيبويه: تقديره فيما يتلى عليكم مثل الذين، والمثل مستعار للقصة التي فيها غرابة. وقال الزجاج والفراء: التقدير مثل اعمال الذين. وروي عنه أنه قال بالغاء مثل، وقيل مستأنفة على تقدير سؤال سائل يقول مثلهم فقيل: (أعمالهم) الصالحة. كالصدقة وصلة الأرحام وفك الأسير وإقراء الضيف وبر الوالدين ونحو ذلك أو عبادتهم الأصنام في عدم الانتفاع بها أو الأعمال التي أشركوا فيها غير الله تعالى. (كرماد) أي باطلة غير مقبولة، والرماد ما يبقى بعد احتراق الشيء، وهو ما يسقط من الحطب والفحم بعد احتراقه بالنار وجمعه في الكثرة على رمد؛ وفي القلة على أرمد. (اشتدت به الريح) حملته بشدة وسرعة فنسفته وطيَّرته ولم تبق منه شيئاً (في يوم عاصف) العصف شدة الريح وصف به زمانها مبالغة كما يقال يوم حار ويوم بارد والبرد والحر فيهما لا منهما والإسناد فيه تجوز، ووجه الشبه أن الريح العاصفة تطير الرماد وتفرق أجزاءه بحيث لا يبقى له أثر، فكذلك كفرهم أبطل أعمالهم واحبطها بحيث لا يبقى لها أثر. وقد بيَّن محصله بقوله (لا يقدرون مما كسبوا) من تلك الأعمال الباطلة (على شيء) منها ولا يرون له أثراً في الآخرة يجازون به ويثابون عليه، جميع ما عملوه في الدنيا باطل ذاهب كذهاب الريح بالرماد عند شدة هبوبها وهو فذلكة التمثيل. وعن ابن عباس: لا يقدرون على شيء من أعمالهم ينفعهم كما لا يقدر على الرماد إذا أرسل في يوم عاصف. (ذلك) أي ما دل عليه التمثيل من هذا البطلان لأعمالهم وذهاب أثرها (هو الضلال) الهلاك (البعيد) عن طريق الحق المخالف لمنهج الثواب أو عن فعل الثواب، ولما كان هذا خسراناً لا يمكن تداركه ولا يرجى عوده سماه بعيداً

إبراهيم 14:19

(ألم تر أن الله خلق السماوات والأرض) الرؤية هنا هي القلبية والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم تعريضاً لأمته أو الخطاب لكل من يصلح له " بالحق " أي بالوجه الصحيح الذي يحق أن يخلقها عليه ليستدل بها على كمال قدرته لا باطلاً ولا عبثاً والباء للمصاحبة. ثم بيَّن كمال قدرته سبحانه واستغنائه عن كل أحد من خلقه فقال: (إن يشأ يذهبكم) أيها الناس (ويأت بخلق جديد) سواكم فيعدم الموجودين ويوجد المعدومين؛ ويهلك العصاة، ويأتي بمن يطيعه من خلقه، لأن القادر لا يصعب عليه شيء وأنه قادر لذاته لا اختصاص له بمقدور دون مقدور، والمقام يحتمل أن يكون هذا الخلق الجديد من نوع الإنسان، ويحتمل أن يكون من نوع آخر. وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (20) وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ (21) وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (22)

إبراهيم 14:20

(وما ذلك) أي الإذهاب والإتيان بإعدام الموجود وإيجاد المعدوم (على الله بعزيز) أي بممتنع ومتعذر لأنه سبحانه قادر على كل شيء، وفيه أن الله تعالى هو الحقيق بأن يرجى ثوابه ويخاف عقابه، فلذلك أتبعه بذكر أحوال الآخرة فقال

إبراهيم 14:21

(وبرزوا لله جميعاً) أي الخلائق من قبورهم يوم القيامة، والبروز الظهور والبراز بالفتح المكان الواسع لظهوره، ومنه امرأة برزة أي تظهر للرجال، وبرز حصل في البراز أي الفضاء، وذلك بأن يظهر بذاته كلها، فمعنى برزوا ظهروا من قبورهم. وعبر بالماضي عن المستقبل تنبيهاً على تحقيق وقوعه كما هو مقرر في علم المعاني وإنما قال وبرزوا لله مع كونه سبحانه عالماً بهم لا يخفى عليه شيء من أحوالهم برزوا أو لم يبرزوا لأنهم كانوا يستترون عن العيون عند فعلهم للمعاصي ويظنون أن ذلك يخفى على الله تعالى، فالكلام خارج على ما يعتقدونه. (فقال الضعفاء للذين استكبروا) أي قال الاتباع الضعفاء في الرأي للرؤساء الأقوياء المتكبرين بما هم فيه من الرياسة (إنا كنا لكم تبعاً) في الدنيا في الدين والاعتقاد فكذبنا الرسل وكفرنا بالله متابعة لكم، والتبع جمع تابع مثل خادم وخدم وحارس وحرس وراصد ورصد، أو مصدر وصف به للمبالغة أو على تقدير ذوي تبع. قال الزجاج: جمعهم في حشرهم فاجتمع التابع والمتبوع فقال الضعفاء للذين استكبروا من أكابرهم وقادتهم عن عبادة الله إنا كنا لكم تبعاً. (فهل أنتم) في هذا اليوم، والاستفهام للتوبيخ (مغنون) أي دافعون (عنا) يقال أغنى عنه إذا دفع عنه الأذى وأغناه إذا أوصل إليه النفع (من عذاب الله من شيء) أي بعض الشيء الذي هو عذاب الله، فمن الأولى للبيان والثانية للتبعيض قاله الزمخشري، وقيل هما للتبعيض معاً قاله في الكشاف أيضاً وقيل الأولى تتعلق بمحذوف والثانية مزيدة. (قالوا) أي قال المستكبرون مجيبين عن قول المستضعفين (لو هدانا الله) إلى الإيمان في الدنيا (لهديناكم) إليه ولكن لما أضلنا وضللنا دعوناكم إلى الضلالة وأضللناكم واخترنا لكم ما اخترناه لأنفسنا، والجملة مستأنفة كأنه قيل كيف أجابوا، وقيل المعنى لو هدانا الله إلى طريق الجنة لهديناكم إليها، وقيل لو نجانا الله من العذاب لنجيناكم منه. (سواء علينا أجزعنا أم صبرنا) أي مستو علينا الجزع والصبر، والجزع أبلغ من الحزن لأنه يصرف الإنسان عما هو بصدده وبقطعه عنه والهمزة وأم لتأكيد التسوية كما في قوله تعالى (سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم). (ما لنا من محيص) أي منجاة ومهرب من العذاب من الحيص وهو العدول على جهة الفرار يقال حاص فلان عن كذا أي فرَّ وزاغ يحييص حيصاً وحيوصاً وحيصاناً. والمعنى ما لنا وجه نتباعد به عن النار، ويجوز أن يكون هذا من كلام الفريقين وإن كان الظاهر أنه من كلام المستكبرين، وفي مجيء كل جملة مستقلة من غير عاطف دلالة على أن كُلاًّ من المعاني مستقل بنفسه كاف في الأخبار، وقال زيد بن أسلم: جزعوا مائة سنة وصبروا مائة سنة. وأخرج الطبراني وابن أبي حاتم وابن مردويه عن كعب بن مالك يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال " يقول أهل النار هلموا فلنصبر فيصبرون خمسمائة عام، فلما رأوا ذلك لا ينفعهم قالوا هلموا فلنجزع فبكوا خمسمائة عام، فلما رأوا ذلك لا ينفعهم قالوا سواء علينا أجزعنا أم صبرنا مالنا من محيص ". والظاهر أن هذه المراجعة كانت بينهم بعد دخولهم النار كما في قوله تعالى (وإذ يتحاجون في النار فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعاً فهل أنتم مغنون عنا نصيباً من النار قال الذين استكبروا إنا كل فيها إن الله قد حكم بين العباد).

إبراهيم 14:22

(وقال الشيطان) للفريقين (لما قضي الأمر) أي دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار على ما سيأتي بيانه في سورة مريم (إن الله وعدكم وعد الحق) فصدق في وعده وهو وعده سبحانه بالبعث والحساب ومجازاة المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته. قال الفراء: وعد الحق هو من إضافة الشيء إلى نفسه كقولهم مسجد الجامع؛ وقال البصريون وعدكم وعد اليوم الحق. (ووعدتكم) وعداً باطلاً بأنه لا بعث ولا حساب ولا جنة ولا نار (فأخلفتكم) ما وعدتكم به من ذلك (وما كان لي عليكم من سلطان) أي تسلط عليكم بإظهار حجة على ما وعدتكم به وزينته لكم. (إلا أن دعوتكم) أي مجرد دعائي لكم إلا الغواية والضلال بلا حجة ولا برهان ودعوته لهم ليست من جنس السلطان حتى يستثنى منه بل الاستثناء منقطع أي لكن دعوتكم وقيل المراد بالسلطان هنا القهر أي ما كان لي عليكم من قهر يضطركم إلا إجابتي وقيل هذا الاستثناء هو من باب " تحية بينهم ضرب وجيع " مبالغة في نفيه للسلطان عن نفسه كأنه قال إنما يكون لي عليكم سلطان إذا كان مجرد الدعاء من سلطان وليس منه قطعاً. (فاستجبتم لي) أي فسارعتم إلى إجابتي (فلا تلوموني) بما وقعتم فيه بسبب وعدى لكم بالباطل وإخلافي هذا الموعد فإن من صرح بالعداوة لا يلام بأمثال ذلك (ولوموا أنفسكم) باستجابتكم لي بمجرد الدعوة التي لا سلطان عليها ولا حجه فإن من قبل المواعيد الباطلة والدعاوي الزائغة عن طريق الحق فعلى نفسه جنى ولمارنه قطع ولا سيما ودعوتي هذه الباطلة وموعدى الفاسد وقعا معارضين لوعد الله لكم وهو الحق ودعوته لكم إلا دار السلام مع قيام الحجة التي لا تخفى على عاقل ولا تلتبس إلا على مخذول. وقريب من هذا من يقتدي بآراء الرجال المخالفة لما في كتاب الله ولما في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ويؤثرها على ما فيهما فإنه قد استجاب للباطل الذي لم تقم عليه حجة، ولا دل عليه برهان، وترك الحجة والبرهان خلف ظهره كما يفعله كثير من المقتدين بالرجال المقلدين لهم، المتنكبين عن طريق الحق بسوء اختيارهم، اللهم غفراً. (ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخيّ) يقال صرخ فلان إذا استغاث يصرخ صراخاً وصرخاً واستصرخ بمعنى صرخ والمصرخ المغيث والمستصرخ المستغيث، يقال استصرخني فأصرخته والصريخ صوت المستصرخ والصريخ أيضا الصارخ وهو المغيث والمستغيث وهو من أسماء الأضداد كما في الصحاح. قال ابن الأعرابي: الصارخ المستغيث والمصرخ المغيث، ومعنى الآية ما أنا بمغيثكم ومنقذكم مما أنتم فيه من العذاب، وما أنتم بمغيثي ولا منقذي مما أنا فيه وفيه إرشاد لهم إلى أن الشيطان في تلك الحالة مبتلى بما ابتلوا به من العذاب، محتاج إلى من يغيثه ويخلصه مما هو فيه فكيف يطمعون في إغاثة من هو محتاج إلى من يغيثه. قال ابن عباس: المعنى ما أنا بنافعكم وما أنتم بنافعي، وقال الشعبي في هذه الآية: خطيبان يقومان يوم القيامة إبليس وعيسى؛ فأما إبليس فيقوم في حزبه فيقول القول المذكور في الآية، وأما عيسى فيقول (ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد) وقال قتادة: المعنى ما أنا بمعينكم. (إني كفرت بما أشركتمون من قبل) قد ذهب جمهور المفسرين إلى أن ما مصدرية أي بإشراككم أياي مع الله في الطاعة لأنهم كانوا يطيعونه في أعمال الشر، كما يطاع الله في أعمال الخير، فالإشراك استعارة بتشبيه الطاعة به وتنزيلها منزلته، أو لأنهم لما أشركوا الأصنام ونحوها بإيقاعه لهم في ذلك فكأنهم أشركوه وقيل موصولة على معنى إني كفرت بالذي أشركتمونيه وهو الله عز وجل، ويكون هذا حكاية لكفره بالله عند أن أمره بالسجود لآدم. ولما كشف لهم القناع بأنه لا يغنى عنه من عذاب الله شيئاً ولا ينصرهم بنوع من أنواع النصر، صرح لهم بأنه كافر بإشراكهم له مع الله في الربوبية من قبل هذا الوقت الذي قال لهم الشيطان فيه هذه المقالة، وهو ما كان منهم في الدنيا من جعله شريكاً. ولقد قام لهم الشيطان في هذا اليوم مقاماً يقصم ظهورهم ويقطع قلوبهم، فأوضح لهم: أولا أن مواعيده التي كان يعدهم بها في الدنيا باطلة معارضة لوعد الحق من الله سبحانه، وأنه أخلفهم ما وعدهم من تلك المواعيد ولم يف لهم بشيء منها. ثم أوضح لهم ثانيا بأنهم قبلوا قوله بما لا يوجب القبول، ولا يتفق على عقل عاقل لعدم الحجة التي لا بد للعاقل منها في قبول قول غيره. ثم أوضح لهم ثالثاً بأنه لم يكن منه إلا مجرد الدعوة العاطلة عن البرهان الخالية عن أيسر شيء مما يتمسك به العقلاء. ثم نعى عليهم رابعاً ما وقعوا فيه ودفع لومهم له وأمرهم بأن يلوموا أنفسهم لأنهم هم الذين قبلوا الباطل البحت الذي لا يلتبس بطلانه على من له أدنى عقل. ثم أوضح لهم خامساً بأنه لا نصر عنده ولا إغاثة ولا يستطيع لهم نفعاً ولا يدفع عنهم ضراً بل هو مثلهم في الوقوع في البلية والعجز عن الخلوص عن هذه المحنة. ثم صرح لهم سادساً بأنه قد كفر بما اعتقدوه فيه وأثبتوه له، فتضاعفت عليهم الحسرات وتوالت عليهم المصائب. وإذا كان جملة (إن الظالمين لهم عذاب أليم) من تتمة كلامه كما ذهب إليه البعض فهو نوع سابع من كلامه الذي خاطبهم به. فأثبت لهم الظلم ثم ذكر ما هو جزاؤهم عليه من العذاب الأليم لا على قول من قال إنه ابتداء كلام من جهة الله سبحانه وتعالى. وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ (23) أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25) ولما أخبر سبحانه بحال أهل النار أخبر بحال أهل الجنة فقال

إبراهيم 14:23

(وأدخل) قراءة الجمهور على البناء للمفعول وقرئ بالبناء على الفاعل أي وأنا أدخل (الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار) ثم ذكر سبحانه خلودهم في الجنات وعدم انقطاع نعيمهم فقال (خالدين فيها) ثم ذكر أن ذلك (بإذن ربهم) أي بتوفيقه ولطفه وهدايته، هذا على القراءة الأولى وفيه تعظيم لذلك الأجر، وأما على الثانية فيكون بإذن ربهم متعلقاً بقوله. (تحيتهم فيها) أي تحية الملائكة في الجنة (سلام) بإذن ربهم، وقد تقدم تفسير هذا في سورة يونس. ولما ذكر سبحانه مثل أعمال الكفار وأنها كرماد اشتدت به الريح، ثم ذكر نعيم المؤمنين وما جازاهم الله به من إدخالهم الجنة خالدين فيها وتحية الملائكة لهم، ذكر تعالى هاهنا مثلا للكلمة الطيبة وهي كلمة الإسلام أي لا إله إلا الله أو ما هو أعم من ذلك من كلمات الخير، وذكر مثلاً للكلمة الخبيثة وهي كلمة الشرك أو ما هو أعم من ذلك من كلمات الشر، فقال مخاطباً لرسوله صلى الله عليه وسلم أو لمن يصلح للخطاب:

إبراهيم 14:24

(ألم تر) بعين قلبك فتعلم علم يقين بإعلامي إياك (كيف ضرب الله مثلاً) أي اختار مثلاً وضعه في موضعه اللائق به، والمثل قول سائر يشبه فيه حال الثاني بالأول (كلمة طيبة) وهي قول لا إله إلا الله عند الجمهور أو كل كلمة حسنة كالتسبيحة والتحميدة والاستغفار والتوبة والدعوة. قاله الزمخشري (كشجرة طيبة) أي طيبة الثمر نعت لكلمة وبه بدأ الزمخشري، أو خبر مبتدأ محذوف، أي هي قاله ابن عطية. ثم وصف الشجرة بقوله (أصلها ثابت) أي راسخ آمن من الانقلاع بسبب تمكنها من الأرض بعروقها (وفرعها في السماء) أي في أعلاها ذاهب إلى جهة السماء مرتفع في الهواء. ثم وصفها سبحانه بأنها

إبراهيم 14:25

(تؤتى أكلها) أي ثمرها (كل حين) أي كل وقت والحين في اللغة: الوقت يطلق على القليل والكثير، واختلفوا في مقداره كما سيأتي (بإذن ربها) أي بإرادته ومشيئته وأمره، قيل وهي النخلة كذلك كلمة الإيمان ثابتة في قلب المؤمن وعمله يصعد إلى السماء وتناله بركته وثوابه كل وقت. وأخرج أحمد وابن مردويه، قال السيوطي بسند جيد عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " هي التي لا تنقص ورقها النخلة ". وأخرج البخاري وغيره من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوماً لأصحابه " أي شجرة من الشجر لا يطرح ورقها مثل المؤمن؟ قال فوقع الناس في شجر البوادي ووقع في قلبي أنها النخلة فاستحييت حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هي النخلة " [[مسلم 2811 - البخاري 54.]] وفي لفظ للبخاري " أخبروني عن شجرة كالرجل المسلم لا يتحات ورقها وتؤتى أكلها كل حين " فذكر نحوه [[البخاري كتاب الأدب باب 89.]]. وفي لفظ لابن جرير وابن مردويه من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " هل تدرون ما الشجرة الطيبة ثم قال هي النخلة " وروى نحو هذا جماعة من الصحابة والتابعين، وقيل غيرها؛ والمراد تؤتى أكلها كل ساعة من الساعات من ليل أو نهار، في جميع الأوقات من غير فرق بين شتاء وصيف، قاله ابن عباس. وقيل المراد في أوقات مختلفة من غير تعيين، وقيل كل غدوة وعشية، وقيل الحين هنا سنة كاملة لأن النخلة تثمر في كل سنة مرة، وقيل كل شهر، وقيل كل ستة أشهر قاله ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة والحسن يعني من وقت طلعها إلى حين صرامها، وقال علي بن أبي طالب ثمانية أشهر، وقيل أربعة أشهر من حين ظهور حملها إلى إدراكهما، وقال سعيد بن المسيب شهران. قال النحاس: وهذه الأقوال متقاربة غير متناقضة لأن الحين عند جميع أهل اللغة إلا من شذّ منهم بمعنى الوقت يقع لقليل الزمان وكثيره. وقد ورد الحين في بعض المواضع يراد به أكثر كقوله (هل أتى على الإنسان حين من الدهر) وقد تقدم بيان أقوال العلماء في الحين في سورة البقرة. وقال الزجاج: الحين الوقت طال أم قصر. عن ابن عباس في قوله تعالى (تؤتي أكلها كل حين) قال يكون أخضر ثم يكون أصفر، وعنه قال كل حين جداد النخل، وقد روي عن جماعة من السلف في هذا أقوال كثيرة. ووجه الحكمة في تمثيل الإيمان بالشجر على الإطلاق أن الشجرة لا تسمى شجرة إلا بثلاثة أشياء عرق راسخ وأصل ثابت وفرع نابت، وكذلك الإيمان لا يتم إلا بثلاثة أشياء تصديق بالقلب وقول باللسان وعمل بالأبدان والأركان وقيل غير ذلك؛ وعن ابن عباس: الكلمة الطيبة شهادة أن لا إله إلا الله والشجرة الطيبة المؤمن، وأصلها الثابت قول لا إله إلا الله ثابت في القلب وفرعها في السماء يقول يرفع بها عمل المؤمن إلى السماء، وقد روي نحو هذا عن جماعة من التابعين ومن بعدهم. (ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون) أحوال المبدأ والمعاد وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (26) يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (27) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (28) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ (29) وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (30) وبدائع صنعه سبحانه الدالة على وجوده ووحدانيته، وفي ضرب الأمثال زيادة تذكير وتفهيم وتصوير للمعاني وتقريب لها من الحس ومواعظ لمن تذكر واتعظ.

إبراهيم 14:26

(ومثل كلمة خبيثة) قد تقدم تفسيرها وتغيير الأسلوب حيث لم يقل وضرب الله مثلاً كلمة خبيثة للإيذان بأن ذلك غير مقصود بالضرب والبيان (كشجرة) أي كمثل شجرة (خبيثة) قيل هي شجرة الحنظل وقيل هي شجرة الثوم وقيل الكمأة، وقيل الطحلبة، وقيل هي كشوث بالضم وآخره مثلثة وهي شجرة لا ورق لها ولا عروق في الأرض. (اجتثت) أي استؤصلت واقتلعت وقطعت من أصلها، قال المؤرج أخذت جثتها وهي نفسها وذاتها والجثة شخص الإنسان قاعداً ونائماً يقال جثه قلعه واجتثه اقتلعه كأنها اجتثت وكأنها غير ثابتة بالكلية وكأنها ملقاة على وجه الأرض ومعنى (من فوق الأرض) أنه ليس لها أصل راسخ وعروق متمكنة من الأرض. (ما لها) أي لهذه الشجرة (من قرار) أي من استقرار، وقيل من ثبات لأنها ليس لها أصل ثابت تغوص في الأرض بل عروقها في وجهها ولا فرع لها صاعد إلى السماء بل ورقها يمتد على الأرض كشجرة البطيخ وثمرها رديء كما أن الكافر وكلمته لا حجة له ولا ثبات فيه ولا خير يأتي منه أصلاً. ولا يصعد له قول طيب ولا عمل صالح وفي الحقيقة تسميتها شجرة مجاز لأن الشجر ما له ساق والنجم ما لا ساق له وهي من النجم فتسميتها شجرة للمشاكلة. قال ابن عباس: الكلمة الخبيثة الشرك والشجرة الخبيثة الكافر يعني الشرك ليس له أصل يأخذ به الكافر ولا برهان ولا يقبل الله مع الشرك عملاً، وقد روى نحو هذا عن جماعة من التابعين ومن بعدهم.

إبراهيم 14:27

(يثبت الله) راجع للمثل الأول (الذين آمنوا بالقول الثابت) أي بالحجة الواضحة عندهم وهي الكلمة الطيبة المتقدم ذكرها، وقد ثبت في الصحيح أنها كلمة الشهادة يقولها المؤمن إذا قعد في قبره قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " فذلك قوله تعالى يثبت الله " الآية [[النسائي كتاب الجنائز باب 114.]] وقيل معنى تثبيت الله لهم هو أن يدوموا عليه (في الحياة الدنيا) ويستمروا حتى إذا فتنوا في دينهم لم يزالوا كما ثبت الذين فتنهم أصحاب الأخدود وغير ذلك. (وفي الآخرة) أي في القبر بتلقين الجواب وتمكين الصواب، قاله الجمهور وقيل يوم القيامة عند البعث والحساب، وقيل المراد بالحياة الدنيا وقت المسألة في القبر وفي الآخرة وقت المسألة يوم القيامة والمراد أنهم إذا سئلوا عن معتقدهم ودينهم أوضحوا ذلك بالقول الثابت من دون تلعثم [[التلعثم، التوقف أهـ، قاموس أهـ منه.]] ولا تردد ولا جهل، كما يقول من لم يوفق لا أدري فيقال له لا دريت ولا تليت. وأخرج البخاري ومسلم وأهل السنن وغيرهم عن البراء بن عازب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " المسلم إذا سئل في القبر يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله " فذلك قوله (يثبت الله الذين آمنوا) الآية [[مسلم 2871 - البخاري 725.]]، وعن البراء قال " إذا جاء الملكان إلى الرجل في القبر فقالا من ربك فقال ربي الله، وقالا وما دينك قال ديني الإسلام، وقالا من نبيك قال نبي محمد صلى الله عليه وسلم فذلك التثبيت في الحياة الدنيا " [[أبو داود كتاب السنة باب 24 - الترمذي تفسير سورة 14.]] وعن ابن عباس نحوه، وعن أبي سعيد قال في الآخرة القبر، وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم " هذا في القبر ". وأخرج البزار عنها أيضا قالت: قلت يا رسول الله تبتلى هذه الأمة في قبورها فكيف بي وأنا امرأة ضعيفة؟ قال (يثبت الله الذين آمنوا) الآية. وعن عثمان بن عفان قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال " استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل " [[أبو داود كتاب الجنائز الباب 69.]] أخرجه أبو داود، وقد وردت أحاديث كثيرة في سؤال الملائكة للميت في قبره وفي جوابه عليهم وفي عذاب القبر وفتنته، وليس هذا موضع بسطها وهي معروفة، نسأل الله التثبيت في القبر وحسن الجواب وتسهيله بفضله إنه على كل شيء قدير وبالإجابة جدير. (ويضل الله الظالمين) راجع للمثل الثاني، أي يضلهم عن حجتهم التي هي القول الثابت فلا يقدرون على التكلم في قبورهم ولا عند الحساب، كما أضلهم عن اتباع الحق في الدنيا، قيل والمراد بالظالمين هنا الكفرة، وقيل كل من ظلم نفسه ولو بمجرد الإعراض عن البينات الواضحة فإنه لا يثبت في مواقف الفتن ولا يهتدي إلى الحق. (ويفعل الله ما يشاء) من التثبيت للمؤمنين والخذلان للظالمين لا راد لحكمه ولا اعتراض عليه. قال الفراء: أي لا تنكر له قدرة ولا يسأل عما يفعل والإظهار في محل الإضمار في الموضعين لتربية المهابة.

إبراهيم 14:28

(ألم تر) هذا خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل من يصلح له تعجيباً مما صنع الكفرة من الأباطيل التي لا تكاد تصدر عمن له أدنى إدراك وذلك بتكذيبهم محمداً صلى الله عليه وسلم حين بعثه الله منهم وأنعم عليهم به، وقيل إنهم بدلوا نفس النعمة كفراً. فالتبديل على الأول تغيير في الوصف والنعمة باقية لكنها موصوفة بالكفران وعلى الثاني تغيير في الذات والنعمة زائلة مبدلة بالكفر، فإنهم لما كفروها سلبت عنهم، فصاروا تاركين لها محصلين للكفر بدلها، ولفظ ابن عباس هم كفار أهل مكة، أخرجه البخاري والنسائي وبه قال جمهور المفسرين. قيل نزلت في الذين قاتلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر، قال عليّ: هم الفجار من قريش كفيتهم يوم بدر، أخرجه النسائي. وقد روى عنه في تفسير هذه الآية من طرق نحو هذا، وعن عمر بن الخطاب قال: هم الأفجران من قريش بنو المغيرة وبنو أمية، فأما بنو المغيرة فكفيتموهم يوم بدر، وأما بنو أمية فمتعوا إلى حين، وعن عليّ نحوه أيضاً، وعن ابن عباس قال: هم جبلة بن الأيهم والذين اتبعوه من العرب فلحقوا بالروم، أخرجه ابن أبي حاتم وفيه نظر فإن جبلة وأصحابه لم يسلموا إلا في خلافة عمر بن الخطاب؛ وقيل أنها عامة في جميع المشركين. (وأحلوا) أي أنزلوا (قومهم) بسبب ما زينوه لهم من الكفر (دار البوار) وهي جهنم قيل هم قادة قريش أحلوهم يوم بدر دار الهلاك وهو القتل الذي أصيبوا به والأول أولى لقوله.

إبراهيم 14:29

(جهنم) فإنه عطف بيان لدار البوار يقال بار الشيء يبور بوراً بالضم هلك وبار الشيء بواراً كسد على الإستعارة لأنه إذا ترك صار غير منتفع به فأشبه الهالك من هذا الوجه (يصلونها) مستأنفة لبيان كيفية حلولهم فيها أي داخلين فيها مقاسين لحرها (وبئس القرار) أي قرارهم فيها أو بئس المقر جهنم فالمخصوص بالذم محذوف.

إبراهيم 14:30

(وجعلوا لله أنداداً) أي أمثالاً وأشباهاً أي شركاء في الربوبية أو في التسمية وهي الأصنام، قال قتادة: يعني أشركوا بالله وليس له تعالى شريك ولا ند ولا شبيه تعالى عن ذلك علواً كبيراً فسَّر بغير قراءة حفص فهي بضم الياء أما هنا ففسرها على الفتح فجعل الأصل قراءة والقراءة أصلاً (ليضلوا) بفتح الياء أنفسهم (عن سبيله) أي عن سبيل الله، اللام للعاقبة بطريق الاستعارة التبعية أي ليتعقب جعلهم لله أنداداً ضلالهم لأن العاقل لا يريد ضلال نفسه. وحسن استعمال لام العاقبة هنا لأنها تشبه الغرض والغاية من جهة حصولها في آخر المراتب والمشابهة أحد الأمور المصححة للمجاز، وقرئ بضم الياء أي ليوقعوا قومهم في الضلال عن سبيل الله، فهذا هو الغرض من جعلهم لله أنداداً والقراءتان سبعيَّتان، ثم هددهم سبحانه فقال لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم (قل تمتعوا) في الدنيا بما أنتم فيه من الشهوات وما زينته لكم أنفسكم من كفران النعم وإضلال الناس أياماً قلائل. وفي التهديد بصيغة الأمر إيذان بأن المهدد عليه كالمطلوب لإفضائه إلى المهدد به (فإن مصيركم) أي مردكم ومرجعكم في الآخرة (إلى النار). ولما كان هذا حالهم وقد صاروا لفرط تهالكهم عليه وإنهماكهم فيه لا يقلعون عنه ولا يقبلون فيه نصح الناصحين، جعل الأمر بمباشرته مكان النهي عن قربانه إيضاحاً لما تكون عليه عاقبتهم وأنهم لا محالة صائرون إلى النار فلا بد لهم من تعاطي الأسباب المقتضية لذلك، فجملة فإن مصيركم إلى النار تعليل للأمر بالتمتع وفيه من التهديد ما لا يقادر قدره، أو المعنى فإن دمتم على ذلك فإن مصيركم إلى النار والأول أولى والنظم القرآني عليه أدل كما يقال لمن سعى في مخالفة السلطان اصنع ما شئت من المخالفة فإن مصيرك إلى السيف. قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ (31) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (32) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (33) وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (34)

إبراهيم 14:31

(قل لعبادي) بثبوت الياء مفتوحة وبحذفها لفظاً لا خطاً، والقراءتان سبعيتان ويجريان في خمس مواضع من القرآن، هذا وقوله في سورة الأنبياء (إن الأرض يرثها عبادي الصالحون) وقوله في العنكبوت (يا عبادي الذين آمنوا) وقوله في سبأ (وقليل من عبادي الشكور) وفي سورة الزمر (قل يا عبادي الذين أسرفوا). (الذين آمنوا يقيموا الصلاة وينفقوا مما رزقناهم) لما أمره بأن يقول للمبدلين نعمة الله كفراً الجاعلين له أنداداً ما قاله لهم، أمره سبحانه أن يقول للطائفة المقابلة لهم وهي طائفة المؤمنين هذا القول، والمقول محذوف دل عليه المذكور، أي قل لهم أقيموا الصلاة الواجبة، وإقامتها إتمام أركانها، وأنفقوا أي أخرجوا الزكاة المفروضة، وقيل أراد به جميع الإنفاق في جميع وجوه الخير والبر، والحمل على العموم أولى ويدخل فيه الزكاة دخولاً أولياً. (سراً وعلانية) قال الفراء: أي مسرين ومعلنين أو إنفاق سر وعلانية أو وقت سر وعلانية فالانتصاب على الحال أو المصدر أو الظرف. قال الجمهور السر ما خفي والعلانية ما ظهر، وقيل السر التطوع والعلانية الفرض، وقد تقدم بيان هذا عند تفسير قوله (إن تبدو الصدقات فنعما هي). (من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال) قال أبو عبيدة: البيع هاهنا الفداء والخلال المخالة وهو مصدر. قال الواحدي: هذا قول جميع أهل اللغة. وقال أبو علي الفارسي: جمع خلة مثل قلة وقلال وبرمة وبرام وعلبة وعلاب، والمعنى أن يوم القيامة لا بيع فيه حتى يفتدي المقصر في العمل نفسه من عذاب الله بدفع عوض عن ذلك، وليس هناك مخالة حتى يشفع الخليل لخليله وينقذه من العذاب. فأمرهم سبحانه بالإنفاق في وجوه الخير مما رزقهم الله سبحانه ما داموا في الحياة الدنيا، قادرين على إنفاق أموالهم من قبل أن يأتي يوم القيامة فإنهم لا يقدرون على ذلك، بل لا مال لهم إذ ذاك، فالجملة لتأكيد مضمون الأمر بالإنفاق مما رزقهم الله، وممكن أن يكون فيها أيضاً تأكيد لمضمون الأمر بإقامة الصلاة، وذلك لأن تركها كثيراً ما يكون بسبب الاشتغال بالبيع ورعاية حقوق الأخلاء. قيل هذه الآية الدالة على نفي الخلة محمولة على نفيها بسبب ميل الطبيعة وشهوة النفس، والآية الدالة على حصول الخلة وثبوتها كقوله سبحانه في الزخرف (الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين) محمولة على الخلة الحاصلة بسبب محبة الله، ألا تراه أثبتها للمتقين فقط ونفاها عن غيرهم. وقيل أن ليوم القيامة أحوالاً مختلفة؛ ففي بعضها يشتغل كل خليل عن خليله وفي بعضها يتعاطف الأخلاء بعضهم على بعض إذا كانت تلك المخالة لله تعالى في محبته، وقد تقدم تفسير البيع والخلال.

إبراهيم 14:32

(الله الذي خلق السماوات والأرض) أي أبدعهما واخترعهما على غير مثال سبق وخلق ما فيهما من الأجرام العلوية والسفلية، وإنما بدأ بذكر خلقهما لأنهما أعظم المخلوقات الشاهدة الدالة على وجود الصانع الخالق القادر المختار، ذكر لهذا الموصول سبع صلات تشتمل على عشرة أدلة: على وحدانية الله تعالى وعلمه وقدرته. (وأنزل من السماء ماء) المراد بالسماء هنا جهة العلو فإنه يدخل في ذلك الفلك عند من قال إن ابتداء المطر منه، ويدخل فيه السحاب عند من قال إن ابتداء المطر منها، ويدخل فيه الأسباب التي تثير السحاب كالرياح، قيل أن المطر ينزل من السماء إلى السحاب ومن السحاب إلى الريح، ومن الريح إلى الأرض، وتنكير الماء هنا للنوعية أي نوعاً من أنواع الماء وهو ماء المطر. (فأخرج به) أي بذلك الماء (من الثمرات) المتنوعة (رزقاً لكم) أي لبني آدم يعيشون به، ومن للبيان كقولك انفقت من الدراهم وقيل للتبعيض لأن الثمرات منها ما هو رزق لبني آدم ومنها ما هو ليس برزق لهم وهو ما لا يأكلونه ولا ينتفعون به، والثمر اسم يقع على ما يحصل من الشجر وقد يقع على الزرع أيضاً كقوله تعالى (كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده) وقيل المراد به ما يشمل المطعوم والملبوس. (وسخر لكم الفلك) أي السفن الجارية على الماء فجرت على إرادتكم لأجل الانتفاع بها في جلب ذلك الرزق الذي هو الثمرات وغيرها من بلد إلى بلد آخر، فاستعملتموها في مصالحكم، ولذا قال (لتجري في البحر) كما تريدون على ما تطلبون بالركوب والحمل ونحو ذلك (بأمره) أي بأمر الله ومشيئته وإذنه، وقد تقدم تفسير هذا في البقرة. (وسخر لكم الأنهار) بكل فائدة قاله مجاهد: أي ذللها لكم بالركوب عليها والإجراء لها إلى حيث تريدون، وهو من أعظم نعم الله على عباده.

إبراهيم 14:33

(وسخر لكم الشمس والقمر) لتنتفعوا بهما وتستضيئوا بضوئهما (دائبين) الدؤوب مرور الشيء في العمل على عادة جارية، والدأب العادة المستمرة دائما على حالة واحدة، ودأب في السير دوام عليه، ودأب في عمله جد وتعب، وبابه قطع وخضع فهو دائب بالألف لا غير، والدائبان الليل والنهار، والدأب بسكون الهمزة العادة والشأن، وقد يحرك. ومعنى دائبين يجريان دائما في إصلاح ما يصلحانه من النبات والحيوان وإزالة الظلمة لأن الشمس سلطان النهار، وبها يعرف فصول السنة، والقمر سلطان الليل وبه يعرف انقضاء الشهور، وكل ذلك بتسخير الله عز وجل وإنعامه على عباده، وقيل دائبين في السير امتثالاً لأمر الله. قال ابن عباس: دؤبهما في طاعة الله، والمعنى يجريان إلى يوم القيامة ولا يفتران ولا ينقطع سيرهما في فلكهما، وهو السماء الرابعة للشمس، وسماء الدنيا للقمر إلى آخر الدهر، وهو انقضاء عمر الدنيا وذهابها (وسخر لكم الليل والنهار) يتعاقبان، فالنهار لسعيكم في أمور معاشكم وما تحتاجون إليه من أمور دنياكم، والليل لتسكنوا فيه كما قال سبحانه (ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله) ولم يقتصر على النعم المتقدمة بل.

إبراهيم 14:34

(وآتاكم من كل) نوع وصنف (ما سألتموه) قال الأخفش: أي أعطاكم من المنافع والمرادات ما لا يأتي على بعضها العد والحصر، وقيل المعنى من كل ما سألتم ومن كل ما لم تسألوه قاله ابن الأنباري: لأن نعمه علينا أكثر من أن تحصى؛ وقيل من زائدة وبه قال الأخفش، أي آتاكم كل ما سألتموه، وقيل للتبعيض أي بعض ما سألتموه، وهو رأي سيبويه. قال عكرمة: أي من كل شيء رغبتم إليه فيه، وعن مجاهد مثله، وعن الحسن من كل الذي سألتموه، وقرئ (من كل) بتنوين، وعلى هذا ما نافية حرفية، أي آتاكم من جميع ذلك حال كونكم غير سائلين له، أو مصدرية أو موصولة اسمية. (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها) أي وإن تتعرضوا لتعداد النعم التي أنعم الله تعالى بها عليكم إجمالاً فضلاً عن التفصيل لا تطيقوا إحصاءها بوجه من الوجوه ولا تقوموا بحصرها على حال من الأحوال. وفي السمين: النعمة هنا بمعنى النعم به، وأصل الإحصاء أن الحاسب إذا بلغ عقداً معيناً من عقود الأعداد وضع حصاة ليحفظه بها. ومن المعلوم أنه لو رام فرد من أفراد العباد أن يحصي ما أنعم الله به عليه في خلق عضو من أعضائه أو حاسة من حواسه لم يقدر على ذلك قط ولا أمكنه أصلاً فكيف بما عدا ذلك من النعم في جميع ما خلقه الله في بدنه فكيف بما عدا ذلك من النعم الواصلة إليه في كل وقت على تنويعها واختلاف أجناسها، اللهم إنا نشكرك على كل نعمة أنعمت بها علينا مما لا يعلمه إلا أنت، ومما علمناه شكراً لا يحيط به حصر ولا يحصره عد، وعدد ما شكرك الشاكرون بكل لسان في كل زمان. قال سليمان التيمي: إن الله أنعم على العباد على قدره وكلفهم الشكر على قدرهم وعن بكر بن عبد الله المزني قال: يا ابن آدم إن أردت أن تعلم قدر ما أنعم الله عليك فغمض عينيك. وعن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه قال: من لم يعرف نعمة الله عليه إلا في مطعمه ومشربه فقد قل علمه وحضر عذابه، وعن أبي أيوب القرشي قال: قال داود عليه السلام: رب أخبرني ما أدنى نعمتك عليَّ؟ فأوحى إليه يا داود فتنفس فتنفس، فقال هذا أدنى نعمتي عليك. (إن الإنسان لظلوم) لنفسه بإغفاله لشكر نعم الله عليه، وقيل الظلوم الشاكر لغير من أنعم عليه فيضع الشكر في غير موضعه، وظاهره شمول كل إنسان، وقال الزجاج: أن الإنسان اسم جنس يقصد به الكافر خاصة، كما قال إن الإنسان لفي خسر، وقيل يريد أبا جهل والأول أولى. (كفار) أي شديد كفران نعم الله عليه جاحد لها غير شاكر لله سبحانه عليها كما ينبغي ويجب عليه. عن عمر بن الخطاب قال: اللهم اغفر لي ظلمي وكفري، فقال قائل يا أمير المؤمنين هذا الظلم فما بال الكفر، قال إن الإنسان لظلوم كفار، وقيل ظلوم في الشدة يشكو ويجزع، كفار في النعمة يجمع ويمنع. وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (35) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (36) رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (37)

إبراهيم 14:35

(وإذ قال إبراهيم) أي واذكر وقت قوله، ولعل المراد بسياق ما قاله إبراهيم عليه السلام في هذا الموضع بيان كفر قريش بالنعم الخاصة بهم، وهي إسكانهم مكة بعدما بين كفرهم بالنعم العامة. وقيل إن ذكر قصة إبراهيم هاهنا لمثال الكلمة الطيبة، وقيل لقصد الدعاء إلى التوحيد وإنكار عبادة الأصنام. وهذه القصة كانت بعدما وقع له من الإلقاء في النار؛ وفي تلك لم يسأل ولم يدع بل اكتفى بعلم الله بحاله وفي هذه قد دعا وتضرع؛ ومقام الدعاء أجل وأعلى من مقام تركه اكتفاء بعلم الله كما قاله العارفون. فيكون إبراهيم قد ترقى وانتقل من طور إلى طور من أطوار الكمال. (رب اجعل هذا البلد) أي مكة (آمناً) أي ذا أمن إلى قرب القيامة وخراب الدنيا، وقدَّم طلب الأمن على سائر المطالب المذكورة بعده لأنه إذا انتفى الأمن لم يفرغ الإنسان لشيء آخر من أمور الدنيا والدين، وقد تقدم تفسير مثل هذه الآية في البقرة عند قوله تعالى (رب اجعل هذا بلداً آمنا) والفرق بين ما هنا وما هنالك أن المطلوب هاهنا مجرد الأمن للبلد، والمطلوب هنالك البلدية والأمن. وفي الجمل فسر الشارح البلد هنا بمكة، وفي سورة البقرة بالمكان فيقتضي أن هذا الدعاء وقع مرتين مرة قبل بنائها ومرة بعده، ولذلك كتب الكرخي هناك ما نصه نكر البلد هنا وعرفه في إبراهيم لأن الدعوة هنا كانت قبل جعل المكان بلداً فطلب من الله أن يجعل ويصير بلداً آمناً وثم كانت بعد جعله بلداً انتهى. وقال الزمخشري: سأل في الأول أن يجعله من جملة البلاد التي يأمن أهلها ولا يخافون، وفي الثاني أن يخرجه من صفة كان عليها من الخوف إلى ضدها من الأمن كأنه قال هو بلد مخوف فاجعله آمنا انتهى. قلت والمعاني متقاربة والمراد من الدعاء جعل مكة آمنة من الخراب، وهذا موجود بحمد الله ولم يقدر أحد على تخريبها وأن أغار جماعة من الجبابرة عليها وأخافوا أهلها، وقيل هو عام مخصوص بقصة ذي السويقتين من الحبشة على ما في الصحيحين فلا تعارض بين النصين. أو المراد جعل أهل هذا البلد آمنين، وهذا الوجه عليه أكثر المفسرين وغيرهم، وهذا الأمن حاصل بحمد الله بمكة وحرمها إلى الآن قال السيوطي: وقد أجاب الله دعاءه فجعله حرماً لا يسفك فيه دم إنسان ولا يظلم فيه أحد ولا يصاد صيده ولا يختلى خلاه. (واجنبني وبني أن نعبد الأصنام) يقال جنبته كذا وأجنبته أي باعدته عنه ثلاثياً ورباعياً وهي لغة نجد، وجنبه إياه مشدداً وهي لغة الحجاز وهو المنع وأصله من الجانب كأنه سأله أن يبعده عن جانب الشرك بألطاف منه وأسباب خفية والمعنى باعدني وباعد بني عن عبادة الأصنام قيل أراد بنيه من صلبه وكانوا ثمانية، وقيل أراد من كان موجوداً حال دعوته من بنيه وبني بنيه، وقيل أراد جميع ذريته ما تناسلوا. قيل ويؤيد ذلك ما قيل من أنه لم يعبد أحد من أولاد إبراهيم صنماً، والصنم هو التمثال الذي كانت تصنعه أهل الجاهلية من الأحجار ونحوها فيعبدونه، والتأييد هذا يستقيم على القولين الأولين، وأما القول الثالث فلا يستقيم فقريش من أولاد إسماعيل وقد عبدوا الأصنام بلا شك، وقال الواحدي: المعنى وبني الذين أذنت لي في الدعاء لهم، وقد كان من بنيه من عبد الصنم، فيكون هذا الدعاء من العام المخصوص. وقيل هذا مختص بالمؤمنين من أولاده بدليل قوله في آخر الآية فمن تبعني فإنه مني وذلك يفيد أن من لم يتبعه على دينه فليس منه، وعن مجاهد قال: فاستجاب الله لإبراهيم دعوته في ولده فلم يعبد أحد من ولده صنماً بعد دعوته، واستجاب الله له وجعل هذا البلد آمناً ورزق أهله الثمرات وجعله إماماً وجعل من ذريته من يقيم الصلاة ويقبل دعاءه فأراه مناسكه وتاب عليه، قيل هو دعاء لنفسه في مقام الخوف أو قصد به الجمع بينه وبين بنيه ليستجاب لهم ببركته والمراد طلب الثبات والدوام على ذلك.

إبراهيم 14:36

(رب إنهن أضللن كثيراً من الناس) أسند الإضلال إلى الأصنام مع كونها جمادات لا تعقل لأنها سبب لضلالهم فكأنها أضلتهم، وهذه الجملة تعليل لدعائه لربه وإعادة النداء لتأكيد النداء وكثرة الابتهال والتضرع وهذا التركيب مجاز كقولهم فتنتهم الدنيا وغرتهم وإنما فتنوا بها واغتروا بسببها. (ثم قال: (فمن تبعني) أي من تبع ديني من الناس فصار مسلماً موحداً (فإنه مني) أي من أهل ديني جعل أهل ملته كنفسه مبالغة. (ومن عصاني) فلم يتابعني ولم يدخل في ملتي (فإنك غفور رحيم) قادر على أن تغفر له قيل قال هذا قبل أن يعلم أن الله لا يغفر أن يشرك به كما وقع منه الاستغفار لأبيه وهو مشرك قاله ابن الأنباري، قيل المراد عصيانه هنا فيما دون الشرك قاله مقاتل، وقيل أن هذه المغفرة مقيدة بالتوبة من الشرك، قاله السدي، وقيل تغفر له بأن تنقله من الكفر إلى الإيمان والإسلام وتهديه إلى الصواب والأول أولى: ثم قال

إبراهيم 14:37

(ربنا إني أسكنت من ذريتي) قال الفراء: من للتبعيض أي بعض ذريتي، وقال ابن الأنباري: أنها زائدة أي أسكنت ذريتي والأول أولى لأنه إنما أسكن إسماعيل وهو بعض ولده وأمه هاجر (بواد) هو المنخفض بين الجبلين (غير ذي زرع) أي لا زرع فيه قط وهو وادي مكة أو لا يصلح للإنبات لأنه أرض حجرية لا تنبت شيئاً نفى أن يكون إسكانهم لأجل الزراعة (عند بيتك المحرم) أي الذي كان قبل الطوفان، وأما وقت دعائه فلم يكن، وإنما كان تلاًّ من الرمل، وأما البيت فقد رفع إلى السماء من حين الطوفان ولو جعل التجوز باعتبار ما يؤول لكان صحيحاً أيضاً يعني أنه سيعمره أو بيتك الذي جرى في سابق علمك أنه سيحدث في هذا المكان. وسمي محرماً لأن الله حرَّم التعرض له والتهاون به وجعل ما حوله حرماً لمكانه أو لأنه حرم على الطوفان أي منع منه كما سمي عتيقاً لأنه أعتق منه، وقيل أنه محرَّم على الجبابرة، وقد تقدم في سورة المائدة ما يغني عن الإعادة. أخرج الواقدي وابن عساكر من طريق عامر بن سعد عن أبيه قال كانت سارة تحت إبراهيم فمكثت تحته دهراً لا ترزق منا ولداً فلما رأت ذلك وهبت له هاجر، أَمَة لها قبطية فولدت له إسماعيل فغارت من ذلك سارة ووجدت في نفسها وعتبت على هاجر فحلفت أن يقطع منها ثلاثة أطراف فقال لها إبراهيم: هل لك أن تبري يمينك قالت: كيف أصنع قال: اثقبي أذنيها واخفضيها والخفض هو الختان، ففعلت ذلك بها فوضعت هاجر في أذنيها قرطين فازدادت بهما حسناً فقالت سارة: أراني إنما زدتها جمالاً فلم تضارُّه على كونه معها ووجد بها إبراهيم وجداً شديداً فنقلها إلى مكة فكان يزورها في كل يوم من الشام على البراق من شغفه بها وقلة صبره عنها. ثم قال (ربنا ليقيموا الصلاة) اللام لام كي أي ما أسكنتهم بهذا الوادي الخالي من كل مرتفق ومرتزق إلا لإقامة الصلاة فيه متوجهين إليه متبركين به، وخصها دون سائر العبادات لمزيد فضلها، ولعل تكرير النداء وتوسيطه لإظهار العناية الكاملة بهذه العبادة وللإشعار بأنها المقصودة بالذات من إسكانهم ثَمَّ [[بفتح الثاء أي هناك.]] والمقصود من الدعاء توفيقهم لها، وقيل اللام لام الأمر والمراد الدعاء لهم بإقامة الصلاة كأنه طلب منهم الإقامة وسأل من الله أن يوفقهم لها أثبت أن الإقامة عنده للعبادة وقد نفى كونها للكسب فجاء الحصر. (فاجعل أفئدة) الأفئدة جمع فؤاد وهو القلب عبر به عن جميع البدن لأنه أشرف عضو فيه، وقيل هو جمع وفد والأصل أوفده فكأنه قال واجعل وفوداً (من الناس تهوي إليهم) من للتبعيض، وقيل زائدة ولا يلزم منه أن يحج اليهود والنصارى لدخولهم تحت لفظ الناس، لأن المطلوب توجيه قلوب الناس إليهم للسكون معهم والجلب إليهم لا توجيهها إلى الحج، ولو كان هذا مراداً لقال تهوي إليه، وقيل من للابتداء كقوله القلب مني سقيم تريد قلبي، ومعنى تهوي إليهم تنزع إليهم؛ وقيل تسرع وتميل وتحن إليهم لزيارة بيتك لا لذواتهم وأعيانهم. وفي هذا بيان أن حنين الناس إليهم إنما هو لطلب حج البيت لا لأعيانهم، يقال هوى نحوه إذا مال وهوت الناقة تهوي هوياً فهي هاوية إذا عدت عدواً شديداً كأنها تهوي في بئر، ويحتمل أن يكون المعنى تجيء إليهم أو تسرع إليهم وقيل تحن وتطير وتشتاق إليهم، وأصله أن يتعدى باللام وإنما تعدى بإلى لأنه ضمن معنى تميل. قال السدي: أي أمل قلوبهم إلى هذا الموضع، وقيل تريدهم، قاله الفراء وقيل تنحط إليهم وتنحدر وتنزل، وهذا قول أهل اللغة والمعاني متقاربة، قال ابن عباس: لو قال أفئدة الناس لازدحمت عليه فارس والترك والروم والهند، ولحج اليهود والنصارى والناس كلهم، ولكنه قال (أفئدة من الناس) فخص به المؤمنين أخرجه البيهقي بسند حسن وفيه دعاء للمؤمنين بأن يرزقهم حج البيت ودعاء لسكان مكة من ذريته بأنهم ينتفعون بمن يأتي إليهم من الناس لزيارة البيت فقد جمع إبراهيم في هذا الدعاء من أمر الدين والدنيا ما ظهر بيانه وعمت بركته. (وارزقهم) أي ذريتي الذين أسكنتهم هنالك أو إياهم ومن يساكنهم من الناس (من) أنواع (الثمرات) التي تنبت فيه كما رزقت سكان القرى ذوات الماء والزرع فيكون المراد عمارة قرى بقرب مكة لتحصل تلك الثمار أو المراد جلب الثمرات إلى مكة بطريق النقل والتجارة لقوله تعالى (تجبى إليه ثمرات كل شيء) وهذا أولى (لعلهم يشكرون) نعمتك التي أنعمت بها عليهم. قال محمد بن مسلم: إن إبراهيم لما دعا للمحرم نقل الله الطائف من فلسطين، وعن الزهري قال: إن الله نقل قرية من قرى الشام فوضعها بالطائف لدعوة إبراهيم، وأما إجابة قوله فاجعل أفئدة ... الخ فقد حصلت بجرهم، وقد استمر قصد الحجاج والعمار لهذا البيت كل عام إلى آخر الزمان. رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (38) الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (39) رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (40) رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (41) وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42)

إبراهيم 14:38

(ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن) أي ما نكتمه وما نظهره، لأن الظاهر والمضمر بالنسبة إليه سبحانه سيان لا تفاوت فيهما، قيل والمراد هنا بما نخفي ما يقابل ما نعلن فالمعنى ما نظهره وما لا نظهره، وقدم الإخفاء على الإعلان للدلالة على أنهما مستويان في علم الله سبحانه، وظاهر النظم القرآني عموم كل ما يظهره وما لا يظهره من غير تقييد بشيء معين من ذلك. وقيل المراد ما يخفيه إبراهيم من وجده بإسماعيل وأمه حيث أسكنهما بواد غير ذي زرع، وما يعلنه من ذلك، وقيل ما يخفيه إبراهيم من الوجد ويعلنه من البكاء والدعاء والمجيء بضمير الجماعة يشعر بأن إبراهيم لم يرد نفسه فقط بل أراد جميع العباد، فكان المعنى أن الله سبحانه يعلم بكل ما يظهره العباد وبكل ما لا يظهرونه. (وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء) قال جمهور المفسرين هو من كلام الله سبحانه تصديقاً لما قاله إبراهيم من أنه سبحانه يعلم بما يخفيه العباد وما يعلنونه، فقال سبحانه ما يخفى عليه شيء من الأشياء الموجودة كائناً ما كان، وإنما ذكر السماوات والأرض لأنهما المشاهدتان للعباد، وإلا فعلمه سبحانه محيط بكل ما هو داخل في العالم وكل ما هو خارج عنه لا تخفى عليه خافية قيل ويحتمل أن يكون هذا من قول إبراهيم تحقيقاً لقوله الأول وتعميماً بعد التخصيص، فإن قيل بالأول فهو اعتراض بين كلامي إبراهيم، وإن قيل بالثاني ففيه وضع الظاهر موضع المضمر. ثم حمد الله سبحانه على بعض نعمه الواصلة إليه فقال

إبراهيم 14:39

(الحمد لله الذي وهب لي على الكبر) أي على كبر سني وسن امرأتي (إسماعيل وإسحاق) قيل ولد له إسماعيل وهو ابن تسع وتسعين سنة وولد له إسحاق وهو ابن مائة واثنتا عشرة سنة وقيل على هنا بمعنى مع أي مع كبري ويأسي عن الولد. عن سعيد بن جبير قال: بشر إبراهيم بعد سبع عشرة ومائة سنة وهبة الولد في هذا السن من أعظم المنن لأنه سن اليأس فلهذا شكر الله على هذه المنة، وهذا قاله إبراهيم في وقت آخر لا عقيب ما تقدم من الدعاء، لأن الظاهر أنه دعا بذلك الدعاء المتقدم أول ما قدم بهاجر وابنها وهي ترضعه ووضعها عند البيت؛ وإسحاق لم يولد في ذلك الوقت، قال الكرخي: وزمان الدعاء والحمد مختلف، فإن الدعاء في طفولية إسماعيل ولم يكن إسحاق حينئذ. (إن ربي لسميع الدعاء) أي لمجيب الدعاء من قولهم سمع كلامه إذا إجابه واعتد به وعمل بمقتضاه، وهو من إضافة الصفة المتضمنة للمبالغة إلى المفعول، والمعنى إنك لكثير إجابة الدعاء لمن يدعوك وكان إبراهيم قد دعا ربه فسأله الولد بقوله (رب هب لي من الصالحين) فلما استجاب الله دعاءه قال الحمد لله الخ. ثم سأل الله سبحانه بأن يجعله مقيم الصلاة محافظاً عليها غير مهمل لشيء منها فقال

إبراهيم 14:40

(رب اجعلني مقيم الصلاة) أي ممن يقيمها بأركانها ويحافظ عليها في أوقاتها، ثم قال (ومن ذريتي) أي اجعلني واجعل بعض ذريتي مقيمين للصلاة وإنما خص البعض من ذريته لأنه علم أن منهم من لا يقيمها كما ينبغي؛ ثم سأل الله سبحانه أن يتقبل دعاءه على العموم فقال (ربنا وتقبل دعاء) ويدخل في ذلك دعاؤه في هذا المقام دخولاً أولياً قيل والمراد بالدعاء هنا العبادة، فيكون المعنى وتقبل عبادتي التي أعبدك بها. ثم طلب من الله سبحانه أن يغفر له ما وقع منه مما يستحق أن يغفره الله وإن لم يكن كبيراً لما هو معلوم من عصمة الأنبياء عن الكبائر. فقال التجاء إلى الله وقطعاً للطمع من كل شيء إلا من فضله وكرمه، واعترافاً بالعبودية لله والاتكال على رحمته.

إبراهيم 14:41

(ربنا اغفر لي ولوالديّ) قيل إنه دعا لهما بالمغفرة قبل أن يعلم أنهما عدوان لله سبحانه وقيل بشرط الإسلام، وقيل كانت أمه مسلمة والأول أولى، وقيل أراد بوالديه آدم وحواء وفيه بعد؛ وقرئ شاذّاً ولولديّ -يعني إسماعيل وإسحاق- وأنكرها الجحدري بأن في مصحف ولأبوي، فهي مفسرة لقراءة العامة. (وللمؤمنين) ظاهره شمول كل مؤمن سواء كان من ذريته أو لم يكن منهم. وقيل أراد المؤمنين من ذريته فقط والأول أولى. والله تعالى لا يرد دعاء خليله، ففيه بشارة عظيمة لجميع المؤمنين والمؤمنات بالمغفرة اللهم اغفر لي مغفرة ظاهرة وباطنة لا تغادر ذنباً، وإني من ذرية خليلك إبراهيم فاغفر لي ولمن أخلفه من المؤمنين. (يوم يقوم الحساب) أي يوم يثبت حساب المكلفين في المحشر، استعير له لفظ يقوم الذي هو حقيقة في قيام الرجل للدلالة على أنه في غاية الاستقامة. وقيل إن المعنى يوم يقوم الناس للحساب، وقيل يبدو ويظهر فيه الحساب والأول أولى.

إبراهيم 14:42

(ولا تحسبن) بفتح السين وكسرها قراءتان سبعيتان، أي لا تظنن (الله غافلاً عما يعمل الظالمون) خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وهو تعريض لأمته فكأنه قال ولا تحسب أمتك يا محمد، ويجوز أن يكون خطاباً لكل من يصلح له من المكلفين وإن كان الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم من غير تعريض لأمته، فمعناه التثبيت على ما كان عليه من عدم الحسبان كقوله (ولا تكونن من المشركين) ونحوه، وقيل المراد ولا تحسبنه يعاملهم معاملة الغافل عما يعملون، ولكن معاملة الرقيب عليهم؛ أو يكون المراد بالنهي عن الحسبان الإيذان بأنه عالم بذلك لا تخفى عليه منه خافية. قال ميمون بن مهران في الآية: هي تعزية للمظلوم ووعيد للظالم، وعن سفيان بن عيينة نحوه، والغفلة معنى يمنع الإنسان من الوقوف على حقائق الأمور، وقيل حقيقة الغفلة سهو يعتري الإنسان من قلة التحفظ والتيقظ؛ وفيه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وإعلام للمشركين بأن تأخير العذاب عنهم ليس للرضا بأفعالهم بل سنة الله سبحانه في إمهال العصاة. (إنما يؤخرهم) أي يؤخر جزاءهم وعذابهم ولا يؤاخذهم بظلمهم، وهذه الجملة استئناف وقع تعليلاً للنهي السابق (ليوم) أي لأجل يوم فاللام للعلة وقيل بمعنى إلى التي للغاية (تشخص فيه الأبصار) أي أبصارهم فلا تقر في أماكنها، قال الفراء: المعنى ترفع فيه أبصار أهل الموقف ولا تغمض من هول ما تراه في ذلك اليوم. شخوص البصر حدة النظر وعدم استقراره في مكانه، يقال شخص سمعه وبصره وأشخصهما صاحبهما وشخص بصره أي لم يطرف جفنه، ويقال شخص من بلده أي بعد، والشخص سواد الإنسان المرئي من بعيد، والمراد أن الأبصار بقيت مفتوحة لا تتحرك من شدة الحيرة والدهشة. قال قتادة: شخصت فيه والله أبصارهم فلا ترتد إليهم، قيل أل للعهد وقيل لو حمل على العموم كان أبلغ في التهويل وأسلم من التكرير. مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (43) وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ (44) وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ (45) وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46) فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (47)

إبراهيم 14:43

(مهطعين) أي مسرعين قاله قتادة وزاد في الجمل إلى الداعي وهو إسرافيل وقيل هو جبريل والنافخ إسرافيل. قال الشهاب: وهو الأصح كما دلت عليه الآثار وقيل المهطع الذي يديم النظر. قاله مجاهد. قال أبو عبيدة: قد يكون الوجهان جميعاً، يعني الإسراع مع إدامة النظر، وقيل المهطع الذي لا يرفع رأسه وقال ثعلب: المهطع الذي ينظر في ذل وخضوع وقيل هو الساكت، قال النحاس: والمعروف في اللغة أهطع إذا أسرع، وبه قال أبو عبيدة، قال ابن عباس: يعني بالإهطاع النظر من غير أن يطرف. (مقنعي رؤوسهم) اقناع الرأس رفعه، واقنع صوته إذا رفعه، وقال ابن عباس: الإقناع رفع الرأس، والمعنى أنهم يومئذ رافعون رؤوسهم إلى السماء ينظرون إليها نظر فزع وذل ولا ينظر بعضهم إلى بعض، وقيل أن إقناع الرأس نكسة، وقيل يقال أقنع إذا رفع رأسه وأقنع رأسه إذا طأطأه ذلة وخضوعاً، والآية محتملة للوجهين، قال المبرد: والقول الأول أعرف في اللغة. (لا يرتد إليهم طرفهم) أي لا ترجع إليهم أبصارهم من شدة الخوف، وأصل الطرف تحريك الأجفان، وسميت العين طرفاً لأنه يكون لها، وقال ابن عباس: يعني شاخصة أبصارهم قد شغلهم ما بين أيديهم (وأفئدتهم هواء) الهواء في اللغة الجوف الخالي الذي لم تشغله الإجرام، والمعنى أن قلوبهم خالية عن العقل والفهم لما شاهدوا من الفزع والحيرة والدهش وجعلها نفس الهواء مبالغة ومنه قيل للأحمق والجبان قلبه هواء أي لا رأي فيه ولا قوة. وقيل معنى الآية أنها خرجت قلوبهم عن مواضعها فصارت في الحناجر لا تخرج من أفواههم ولا تعود إلى أماكنها، وقيل هواء بمعنى مترددة تهوي في أجوافهم ليس لها مكان تستقر فيه، وقيل المعنى أن أفئدة الكفار في الدنيا خالية عن الخير. قال ابن عباس: ليس فيها شيء من الخير فهي كالخربة، قال قتادة: ليس فيها شيء خرجت من صدورهم فنشبت في حلوقهم، وعن مرة قال: منخرقة لا تعي شيئاً، وقيل المعنى وأفئدتهم ذات هواء. ومما يقارب معنى هذه الآية قوله تعالى (وأصبح فؤاد أم موسى فارغاً) أي خالياً من كل شيء إلا من همّ موسى عليه السلام، والحاصل أن القلوب يومئذ زائلة عن أماكنها والأبصار شاخصة والرؤوس مرفوعة إلى السماء من هول ذلك اليوم وشدته.

إبراهيم 14:44

(وأنذر الناس) هذا رجوع إلى خطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره الله سبحانه بأن ينذرهم، والمراد الناس على العموم، وقيل المراد كفار مكة وقيل الكفار على العموم والأول أولى لأن الإنذار كما يكون للكافر يكون أيضاً للمسلم، ومنه قوله تعالى (إنما تنذر من اتبع الذكر). (يوم يأتيهم العذاب) أي يوم القيامة، قاله مجاهد، أي خوفهم يوم إتيان العذاب، وإنما اقتصر على ذكر إتيان العذاب فيه مع كونه يوم إتيان الثواب أيضاً لأن المقام مقام تهديد، وقيل المراد به يوم موتهم فإنه أول أوقات إتيان العذاب، وقيل المراد يوم هلاكهم بالعذاب العاجل. (فيقول الذين ظلموا) المراد بهم هنا هم الناس، أي فيقولون، والعدول إلى الإظهار مكان الإضمار للإشعار بأن الظلم هو العلة فيما نزل بهم. هذا إذا كان المراد بالناس هم الكفار، وعلى تقدير كون المراد بهم من يعم المسلمين فالمعنى فيقول الذين ظلموا منهم وهم الكفار (ربنا أخرنا) أي أمهلنا (إلى أجل قريب) أي أمد من الزمان معلوم غير بعيد (نجب دعوتك) لعبادك على ألسن أنبيائك إلى توحيدك. (ونتبع الرسل) المرسلين منك إلينا فنعمل بما بلغوه إلينا من شرائعك ونتدارك ما فرط منا من الإهمال، وإنما جمع الرسل لأن دعوتهم إلى التوحيد متفقة فاتباع واحد منهم اتباع لجميعهم، وهذا منهم سؤال للرجوع إلى الدنيا لما ظهر لهم الحق في الآخرة (ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه). ثم حكى الله سبحانه ما يجاب به عنهم عند أن يقولوا هذه المقالة فقال (أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال) أي فيقال لهم هذا القول توبيخاً وتقريعاً من قبل الله أو الملائكة والاستفهام تقريري. قال ابن عباس: من زوال عما أنتم فيه إلى ما تقولون، وقال السدي: بعث بعد الموت، أي ألم تكونوا أقسمتم من قبل هذا اليوم ما لكم من زوال من دار الدنيا، وقيل أنه لا قسم منهم حقيقة وإنما كان لسان حالهم ذلك لاستغراقهم في الشهوات وإخلادهم إلى الحياة الدنيا. وقيل قسمهم هذا هو ما حكاه الله عنهم في قوله (وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت) وجواب القسم (ما لكم من زوال) وإنما جاء بلفظ الخطاب في ما لكم لمراعاة أقسمتم، ولولا ذلك لقال ما لنا من زوال.

إبراهيم 14:45

(وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم) أي استقررتم، يقال سكن الدار وسكن فيها، وهي بلاد ثمود ونحوهم من الكفار الذين ظلموا أنفسهم بالكفر بالله والعصيان له. وقال الحسن: عملتم بمثل أعمالهم (وتبين لكم) بمشاهدة الآثار وتواتر الأخبار (كيف فعلنا بهم) من العقوبة والعذاب الشديد بما فعلوا من الذنوب وكيف منصوب بما بعده من الفعل، وليس الجملة فاعلاً لتبين كما قاله بعض الكوفيين بل فاعله ما دلت هي عليه دلالة واضحة، أي فعلنا العجيب بهم، وقيل فاعله مضمر لدلالة الكلام عليه، أي حالهم وخبرهم وهلاكهم (وضربنا لكم الأمثال) في كتب الله وعلى ألسن رسله ايضاحاً لكم وتقريراً وتكميلاً للحجة عليكم

إبراهيم 14:46

(وقد مكروا) أي فعلنا بهم ما فعلنا، والحال أنهم قد مكروا في رد الحق وإثبات الباطل. (مكرهم) العظيم الذي استفرغوا فيه وسعهم، وقيل المراد كفار قريش الذين مكروا برسول الله صلى الله عليه وسلم حين هموا بقتله ونفيه كما ذكر في سورة الأنفال والأول أولى. (وعند الله مكرهم) أي علمه أو جزاؤه أو مكتوب مكرهم فهو مجازيهم أو عند الله مكرهم الذي يمكرهم به، على أن يكون المكر مضافاً إلى المفعول. وقيل المراد ما وقع من النمرود حيث حاول الصعود إلى السماء فاتخذ لنفسه تابوتاً وربط قوائمه بأربعة نسور، وروي عن عليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه بأطول من هنا، وروي نحو هذه القصة لبختنصر وللنمرود من طرق ذكرها في الدر المنثور، واستبعدها بعض أهل العلم، وقال إن الخطر فيه عظيم، ولا يكاد عاقل أن يقدم على مثل هذا الأمر العظيم الذي ذكروه وليس فيه خبر صحيح يعتمد عليه، ولا مناسبة لهذه القصة بتأويل الآية البتة. (وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال) وقرئ كاد موضع كان وقرئ لتزول بفتح اللام على أنها لام الابتداء، وقرأ الجمهور بكسرها على أنها لام الجحود، قال ابن جرير: والمختارة هي الأخيرة وإن هي الخفيفة من الثقيلة واللام هي الفارقة وزوال الجبال مثل لعظم مكرهم وشدته أي وأن الشأن كان مكرهم معداً لذلك. قال الزجاج: وإن كان مكرهم يبلغ في الكيد إلى إزالة الجبال، فإن الله ينصر دينه، وعلى قراءة الجمهور يحتمل وجهين: أحدهما: أن تكون إن هي المخففة من الثقيلة والمعنى كما مر. والثاني: أن تكون نافية واللام المكسورة لتأكيد النفي كقوله: (وما كان الله ليضيع إيمانكم) والمعنى ومحال أن تزول الجبال بمكرهم على أن الجبال مثل لآيات الله وشرائعه الثابتة على حالها مدى الدهور المشبهة بها في القرار والبقاء، وقال ابن عباس: مكرهم شركهم والمراد بالجبال هنا قيل حقيقتها، وقيل المراد بالمكر كفرهم، ويناسبه (تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هداً).

إبراهيم 14:47

(فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله) المعنى مخلف رسله وعده، قال القتيبي: هو من المقدم الذي يوضحه التأخير، والمؤخر الذي يوضحه التقديم، وسواء في ذلك مخلف وعده رسله ومخلف رسله وعده، وقال الزمخشري: قدم الوعد ليعلم أنه لا يخلف الوعد أصلاً كقوله (إن الله لا يخلف الميعاد) ثم قال (رسله) ليؤذن أنه إذا لم يخلف وعده أحداً وليس من شأنه إخلاف المواعيد فكيف يخلفه رسله الذين هم خيرته وصفوته، والمراد بالوعد هنا هو ما وعدهم سبحانه بقوله (إنا لننصر رسلنا) وكتب الله لأغلبن أنا ورسلي. (إن الله عزيز) غالب لا يغالبه أحد (ذو انتقام) ينتقم من أعدائه لأوليائه والجملة تعليل للنهي، وقد مر تفسيره في أول آل عمران، قال قتادة: عزيز والله في أمره يملي وكيده متين ثم إذا انتقم انتقم بقدرة. يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (48) وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (49) سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ (50) لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (51) هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (52) (يوم) أي اذكر وارتقب يوم

إبراهيم 14:48

(تبدل الأرض) المشاهدة (غير الأرض) والتبديل قد يكون في الذات كما في بدلت الدراهم بالدنانير وقد يكون في الصفات كما في بدلت الحلقة خاتماً، والآية تحتمل الأمرين وبالثاني قال الأكثر (والسماوات) أي وتبدل السماوات غير السماوات لدلالة ما قبله عليه على الاختلاف الذي مر، وتقديم تبديل الأرض لقربانها ولكون تبديلها أعظم أثراً بالنسبة إلينا. أخرج مسلم وغيره من حديث ثوبان قال جاء رجل من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " في الظلمة دون الجسر " [[مسلم 315.]]. وأخرج مسلم أيضا وغيره من حديث عائشة قالت: أنا أول من سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية، قلت: أين الناس يومئذ قال: " على الصراط " [[مسلم 2791.]] والصحيح على هذا إزالة عين هذه الأرض. وأخرج البزار وابن المنذر والطبراني في الأوسط، والبيهقي وابن عساكر وابن مردويه عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قول الله (يوم تبدل الأرض غير الأرض) قال: " أرض بيضاء كأنها فضة لم يسفك فيها دم حرام ولم يعمل بها خطيئة " قال البيهقي: والموقوف أصح، وفي الباب روايات، وقد روي نحو ذلك عن جماعة من الصحابة. وثبت في الصحيحين من حديث سهل بن سعد قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة نقى " [[مسلم 2790 - البخاري 2499.]] وفيهما أيضاً عن حديث أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يتكفؤها الجبار بيده " [[مسلم 2792 - البخاري 2448.]] الحديث. وقد أطال القرطبي في بيان ذلك في تفسيره وفي تذكرته، وحاصله أن هذه الأحاديث نص في أن الأرض والسماوات تبدل وتزال ويخلق الله أرضاً أخرى تكون عليها الناس بعد كونهم على الجسر، وهو الصراط لا كما قال كثير من الناس إن تبديل الأرض عبارة عن تغيير صفاتها وتسوية آكامها ونسف جبالها ومد أرضها. ثم قال وذكر شبيب بن إبراهيم في كتاب الإفصاح أنه لا تعارض بين هذه الآثار، وأنهما تبدلان كرتين: أحداهما هذه الأولى قبل نفخة الصعق، والثانية إذا وقفوا في المحشر، وهي أرض عفراء من فضة لم يسفك عليها دم حرام ولا جرى عليها ظلم ويقوم الناس على الصراط على متن جهنم، ثم ذكر في موضع آخر من التذكرة ما يقتضي إن الخلائق وقت تبديل الأرض تكون في أيدي الملائكة رافعين لهم عنها. قال في الجمل: فتحصل من مجموع كلامه إن تبديل هذه الأرض بأرض أخرى من فضة يكون قبل الصراط وتكون الخلائق إذ ذاك مرفوعة في أيدي الملائكة وأن تبديل الأرض بأرض من خبز يكون بعد الصراط وتكون الخلائق إذ ذاك على الصراط، وهذه الأرض خاصة بالمؤمنين عند دخولهم الجنة. (وبرزوا) أي العباد أو الظالمون كما يفيده السياق أي ظهروا من قبورهم ليستوفوا جزاء أعمالهم وهذه هي علة الخروج أو ظهر من أعمالهم ما كانوا يكتمونه، والتعبير عن المستقبل بالماضي للتنبيه على تحقق وقوعه كما في قوله ونفخ في الصور (لله الواحد القهار) المنفرد بالألوهية الكثير القهر لمن عانده.

إبراهيم 14:49

(وترى) التعبير بالمضارع لاستحضار الصورة (المجرمين) أي المشركين (يومئذ) أي يوم القيامة (مقرنين) أي مشدودين (في الأصفاد) إما بجعل بعضهم مقروناً مع بعض، قاله ابن قتيبة أي بحسب مشاركتهم في العقائد والأعمال كقوله (وإذا النفوس زوجت) أو قرنوا مع الشياطين كما في قوله نقيض له شيطاناً فهو له قرين أو مع ما اكتسبوا كن العقائد الزائغة والملكات الباطلة أو جعلت أيديهم مقرونة إلى أرجلهم، قاله ابن زيد. والمقرن من جمع في القرن وهو الحبل الذي يربط به والأصفاد الأغلال والقيود قاله قتادة، يقال صفدته صفداً أي قيدته، والاسم الصفد بفتحتين فإذا أردت التكثير قلت صفدته، ويقال صفدته وأصفدته إذا أعطيته، قال ابن عباس: الكبول، وعنه يقول في وثاق، قال سعيد بن جبير: السلاسل.

إبراهيم 14:50

(سرابيلهم) هي القمص، قاله السدي. وعن ابن زيد مثله واحِدُها سربال يقال سربلته أي ألبسته السربال (من قطران) هو قطران الإبل الذي تهنأ به قاله الحسن، أي قمصناهم من قطران تطلى به جلودهم حتى يعود ذلك الطلاء كالسرابيل، وخص القطران لسرعة اشتعال النار فيه ولذعه مع نتن رائحته ووحشة لونه، وقال جماعة هو النحاس المذاب، وبه قال عمر وابن عباس. قال عكرمة: هذا القطران يطلى به حتى يشتعل ناراً، وقال سعيد بن جبير: القطر الصفر، والآن الحار وعن عكرمة نحوه، والقطران فيه لغات بفتح القاف وكسر الطاء وهي قراءة العامة وبزنة سكران وبزنة سرحان وهو ما يستخرج من شجر فيطبخ ويطلى به الإبل ليذهب جربها لحدته. وقيل هو دهن ينحلب من شجر الأبهل والعرعر والتوت كالزفت تدهن به الإبل إذا جربت وهو الهناء، ولو أراد الله المبالغة في إحراقهم بغير ذلك لقدر ولكنه حذرهم بما يعرفون. وأخرج مسلم وغيره عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب " [[مسلم، 934.]]. (وتغشى) أي تعلو (وجوههم النار) وتضربها وتخللها وقلوبهم أيضاً، وخص الوجوه لأنها أشرف ما في البدن وفيها الحواس المدركة.

إبراهيم 14:51

(ليجزي) أي يفعل ذلك بهم ليجزي (الله) متعلق ببرزوا والجمل التي بينهما اعتراض كما في السمين (كل نفس ما كسبت) من المعاصي أي جزاء موافقاً لما كسبت من خير أو شر (إن الله سريع الحساب) لا يشغله عنه شيء ولا حساب عن حساب، بل يحاسب جميع الخلق في قدر نصف نهار من أيام الدنيا لحديث بذلك وقد تقدم تفسيره.

إبراهيم 14:52

(هذا بلاغ) أي هذا الذي أنزل إليك تبليغ وكفاية في الموعظة والتذكير ومبلغ وموصل للناس إلى مراتب السعادة، قيل أن الإشارة إلى ما ذكره سبحانه هنا من قوله (ولا تحسبن الله غافلاً) إلى (سريع الحساب) أي هذا فيه كفاية من غير ما انطوت عليه السورة، وقيل الإشارة إلى جميع السورة، وقيل إلى القرآن وبه قال ابن زيد، وفيه من المحسنات رد العجز على الصدر فقد افتتحت هذه السورة بقوله (كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور). (للناس) أي للكفار أو لجميع الناس على ما قيل في قوله وأنذر الناس، أي أنزل لتبليغهم إلى ما فيه رشدهم ونفعهم أي لإيصالهم إلى الخير (ولينذروا به) أي بالقرآن، قاله ابن زيد، وقرئ بفتح التحتية والذال المعجمة، يقال نذرت بالشيء أنذر إذا علمت به واستعددت له. (وليعلموا) بالأدلة التكوينية المذكورة سابقاً أو بالقرآن بما فيه من الحجج (إنما هو إله واحد) لا شريك له (وليذكر أولوا الألباب) أي وليتعظ أصحاب العقول السليمة والأفهام الصحيحة. وهذه اللامات متعلقة بمحذوف، والتقدير وكذلك أنزلنا أو متعلقة بالبلاغ المذكور أي كفاية لهم في أن ينصحوا وينذروا ويعلموا بما أقام الله من الحجج والبراهين وحدانيته سبحانه، وأنه لا شريك له، وليتعظ بذلك أرباب العقول التي تعقل وتدرك.

الحجر 15:1

بسم الله الرحمن الرحيم سورة الحجر مكيّة بالاتفاق والإجماع كما قال القرطبي، وعن ابن عباس وابن الزبير مثله، وهي تسع وتسعون آية، والحجر واد بين المدينة والشام. بسم الله الرحمن الرحيم الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ (1) رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (2) ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (3) وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ (4) مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (5) وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (6) لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (7) مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ (8) إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9) (الر) قد تقدم الكلام عليه في محله مستوفى مراراً (تلك) أي ما تضمنته السورة من الآيات (آيات الكتاب) التعريف للتفخيم وقيل هو للجنس، والمراد جنس الكتب المنزلة المتقدمة. قال مجاهد: يعني التوراة والإنجيل، وقيل المراد به هذه السورة والإضافة بمعنى من وقيل المراد القرآن، ولا يقدح في هذا ذكر القرآن بعد الكتاب فقد قيل إنه جمع له بين الاسمين عطفاً للتغاير اللفظي لأجل التعدد في الاسم بزيادة صفة. (وقرآن مبين) أي الكامل الظاهر رشده وهداه وخيره وتنكير القرآن للتفخيم

الحجر 15:2

(ربما يود الذين كفروا) قرئ ربما بالتخفيف والتشديد، وهما لغتان. قال أبو حاتم: أهل الحجاز يخففون وتميم وربيعة يثقلون، وأصلها أن تستعمل في القليل وقد تستعمل في الكثير. قال الكوفيون: أي يود الكفار في أوقات كثيرة، وقيل هي هنا للتقليل لأنهم ودوا ذلك في بعض المواضع لا في كلها لشغلهم بالعذاب، وقيل إن هذا التقليل أبلغ في التهديد فإن الأهوال تدهشهم فلا يفيقون حتى يتمنوا ذلك إلا في أحيان قليلة. وقيل معناه يكفيك قليل الندم في كونه زاجراً لك عن الفعل؛ فكيف بكثيره. قيل وما هنا لحقت رب لتهيأ للدخول على الفعل وقيل نكرة بمعنى شيء وإنما دخلت رب هنا على المستقبل مع كونها لا تدخل إلا على الماضي لأن المترقب في أخباره سبحانه كالواقع المتحقق، فكأنه قيل ربما ود الذين كفروا بهذا الكتاب والقرآن، فهذا مرتبط بما قبله. (لو كانوا مسلمين) أي منقادين لحكمه مذعنين له من جملة أهله، وكانت هذه الودادة منهم عند موتهم أو يوم القيامة، والمراد أنه لما انكشف لهم الأمر واتضح بطلان ما كانوا عليه من الكفر، وأن الدين عند الله سبحانه هو الإسلام لا دين غيره، حصلت منهم هذه الودادة التي لا تسمن ولا تغني من جوع بل هي لمجرد التحسر والتندم ولوم النفس على ما فرطت في جنب الله. وقيل كانت هذه الودادة منهم عند معاينة حالهم وحال المسلمين، وقيل عند خروج عصاة الموحدين من النار، والظاهر أن هذه الودادة كائنة منهم في كل وقت مستمرة في كل لحظة بعد انكشاف الأمر لهم، ولو مصدرية أو امتناعية وجوابها محذوف أي لسروا بذلك أو تخلصوا مما هم فيه والأول أولى. والتعبير عن متمناهم بالغيبة نظراً للإخبار عنهم، ولو نظر لصدوره منهم لقيل لو كنا. عن ابن عباس وابن مسعود وناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: ود المشركون يوم بدر حين ضربت أعناقهم فعرضوا على النار أنهم كانوا مؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم. وعن ابن مسعود قال: هذا في الجهنمين إذا رأوهم يخرجون من النار. وعن ابن عباس قال: لا يزال الله يشفع ويدخل ويشفع ويرحم حتى يقول: من كان مسلماً فليدخل الجنة، فذلك قوله ربما يود الذين كفروا. وعن ابن عباس وأنس أنهما تذاكرا هذه الآية فقالا: حيث يجمع الله من أهل الخطايا من المشركين والمسلمين في النار، فيقول المشركون ما أغنى عنكم ما كنتم تعبدون، فيغضب الله لهم فيخرجهم بفضله ورحمته، أخرجه البيهقي في البعث وابن المبارك في الزهد. وأخرج الطبراني في الأوسط بسند قال السيوطي صحيح عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " إن ناساً من أمتي يعذبون بذنوبهم فيكونون في النار ما شاء الله أن يكونوا ثم يعيرهم أهل الشرك فيقولون ما نرى ما كنتم فيه من تصديقكم نفعكم، فلا يبقى أحد إلا أخرجه الله من النار. ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية " وفي الباب أحاديث مرفوعة عن جمع من الصحابة في تعيين هذا السبب في نزول هذه الآية.

الحجر 15:3

(ذرهم يأكلوا ويتمتعوا) هذا تهديد لهم أي خل هؤلاء الكفرة ودعهم عما أنت بصدده من الأمر لهم والنهي فهم لا يرعوون أبداً ولا يخرجون من باطل: ولا يدخلون في حق بل مرهم بما هم فيه من الاشتغال بالأكل والتمتع بزهرة الحياة الدنيا من إلهاء العمل لهم عن اتباعك فإنهم كالأنعام التي لا تهتم إلا بذلك ولا تشتغل بغيره وهذا الأمر لا يستعمل له ماض إلا قليلا استغناء عنه بترك بل يستعمل منه المضارع نحو ونذرهم في طغيانهم، ومن مجيء الماضي قوله صلى الله عليه وسلم: " ذروا الحبشة ما وذرتكم " وترك ووذر يكونان بمعنى صير أي ذرهم مهملين أي أترك كفار مكة والعموم أولى. (ويلههم الأمل) أي يشغلهم طول الأمل والعمر وبلوغ الوطر واستقامة الحال عن الإيمان والأخذ بطاعة الله تعالى، يقال ألهاه كذا أي شغله ولهى هو عن الشيء يلهي والمعنى يشغلهم الأمل عن اتباع الحق، وما زالوا في الآمال الفارغة والتمنيات الباطلة حتى أسفر الصبح لذى عينين وانكشف الأمر، ورأوا العذاب يوم القيامة فعند ذلك يذوقون ما صنعوا وأكثر ما يستعمل الأمل فيما يستبعد حصوله والأفعال الثلاثة مجزومة على أنها جواب الأمر، وهذه الآية منسوخة بآية السيف. (فسوف يعلمون) عاقبة أمرهم وسوء صنيعهم، وفيه من التهديد والزجر ما لا يقادر قدره وفيه تنبيه على أن إيثار التلذذ والتنعم وما يؤدي إليه طول الأمل ليس من أخلاق المؤمنين، قال بعض أهل العلم ذرهم تهديد، وفسوف يعلمون تهديد آخر فمتى يهنأ العيش بين تهديدين. قال عليّ بن أبي طالب: إنما أخشى عليكم اثنتين طول الأمل واتباع الهوى فإن الأول ينسي الآخرة والثاني يصد عن الحق.

الحجر 15:4

(وما أهلكنا من قرية) من القرى بنوع من أنواع العذاب في حال من الأحوال (إلا ولها) أي ولتلك القرية (كتاب معلوم) أي أجل مؤقت مقدر لهلاكها لا تتقدم عليه ولا تتأخر عنه معلوم غير مجهول ولا منسي، فلا يتصور التخلف عنه بوجه من الوجوه والواو فيها أوجه: أحدها: وهو الظاهر أنها واو الحال. والثاني: أنها مزيدة. الثالث: أنها داخلة على الجملة الواقعة صفية تأكيداً، وبه قال الزمخشري.

الحجر 15:5

(ما تسبق من أمة) من الأمم (أجلها) المضروب لها المكتوب في اللوح المحفوظ والمعنى أنه لا يأتي هلاكها قبل مجيء أجلها قيل من زائدة، وقيل على بابها لأنها تفيد التبعيض في هذا الحكم فيكون ذلك في إفادة عموم النفي آكد (وما يستأخرون) عنه، والسين زائدة فيكون مجيء هلاكهم بعد مضي الأجل المضروب له. وإيراد الفعل على صيغة جمع المذكر للحمل على المعنى مع التغليب ولرعاية الفواصل ولذلك حذف الحار والمجرور، والجملة مبينة لما قبلها فكأنه قيل إن هذا الإمهال لا ينبغي أن يغتر به العقلاء فإن لكل أمة وقتا معيناً في نزول العذاب لا يتقدم ولا يتأخر، وقال الزهري: نرى أنه إذا حضره أجله فإنه لا يؤخر ساعة ولا يقدم، وأما ما لم يحضر أجله فإن الله يؤخر ما يشاء ويقدم ما يشاء. قلت وكلام الزهري هذا لا حاصل له ولا مفاد فيه، وقد تقدم تفسير الأجل في أول سورة الأنعام. ثم لما فرغ من تهديد الكفار شرع في بيان بعض عتوهم في الكفر وتماديهم في الغيّ مع تضمنه لبيان كفرهم بمن أنزل عليه الكتاب بعد بيان كفرهم بالكتاب فقال:

الحجر 15:6

(وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر) أي قال كفار مكة مخاطبين لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومتهكمين به حيث أثبتوا له إنزال الذكر عليه مع إنكارهم لذلك في الواقع أشد إنكار ونفيهم له أبلغ نفي (إنك) بسبب هذه الدعوى التي تدعيها من كونك رسولاً لله مأموراً بتبليغ أحكامه (لمجنون) فإنه لا يدعي مثل هذه الدعوى العظيمة عندهم من كان عاقلاً فقولهم هذا لمحمد صلى الله عليه وسلم هو كقول فرعون إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون.

الحجر 15:7

(لو ما) حرف تحضيض مركب من لو المفيدة للتمني (ومن ما) المزيدة فأفاد المجموع الحث على الفعل الداخلة هي عليه، قال الفراء: الميم في لو ما بدل من اللام في لولا، وقال الكسائي لولا ولو ما سواء في الخبر والاستفهام، قال النحاس: لوما ولولا وهلا واحد والمعنى هلا. (تأتينا بالملائكة) ليشهدوا على صدقك، وقيل المعنى لوما تأتينا بالملائكة فيعاقبونا على تكذيبنا لك (إن كنت من الصادقين) في قولك وادعائك الرسالة والحاصل أنهم قالوا مقالتين تعنتا، الأولى يا أيها الذي إلخ، والثانية لو ما تأتينا فقال الله سبحانه مجيباً على الكفار لما طلبوا إتيان الملائكة إليهم وراداً عليهم المقالتين على سبيل اللف والنشر المشوش.

الحجر 15:8

(ما ننزل) نحن الملائكة (إلا) تنزيلاً متلبساً (بالحق) الذي يحق عنده تنزيلنا لهم فيما تقتضيه الحكمة الإلهية والمشيئة الربانية، وليس هذا الذي اقترحتموه مما يحق عنده تنزيل الملائكة، وهذا رد للثانية وقرئ من الإنزال، وقيل معنى بالحق بالرسالة، وقيل بالقرآن وقيل بالعذاب قاله مجاهد، وقيل وقت الموت. (وما كانوا إذاً منظرين) قال السدي: أي وما كانوا لو نزلت الملائكة منظرين من أن يعذبوا فالجملة المذكورة جزاء للجملة الشرطية المحذوفة. قال صاحب النظم إذن مركبة من إذ وإن وهي اسم بمنزلة حين ثم ضم إليها أن فصار إذ أن ثم استثقلوا الهمزة فحذفوها فصار إذن، ومجيء لفظة إن دليل على إضمار فعل بعدما، والتقدير وما كانوا إذ كان ما طلبوا. ثم أنكر سبحانه على الكفار استهزاءهم برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقولهم المذكور فقال سبحانه

الحجر 15:9

(إنا نحن نزلنا الذكر) الذي أنكروه ونسبوك بسببه إلى الجنون وهو القرآن واعتقدوا أنه مختلق من عندك. (وإنا له لحافظون) عن كل ما لا يليق به من تصحيف وتحريف وزيادة ونقصان ونحو ذلك، فالقرآن العظيم محفوظ من هذه الأشياء كلها لا يقدر واحد من جميع الخلق من الإنس والجن أن يزيد فيه أو ينقص منه حرفاً واحداً أو كلمة واحدة. وهذا مختص بالكتاب العزيز بخلاف سائر الكتب المنزلة فإنه قد دخل على بعضها تلك الأشياء، ولما تولى الله حفظ ذلك الكتاب بقي مصوناً على الأبد محروساً من الزيادة والنقصان وغيرهما، وفيه دليل على أنه منزل من عنده آية إذ لو كان من البشر لتطرق إليه الزيادة والنقصان كما يتطرق إلى كل كلام سواه. وقيل المعنى نزله محفوظاً من الشياطين. وقيل حفظه بأن جعله معجزة باقية إلى آخر الدهر، وقيل حفظه من المعارضة فلم يقدر أحد من الخلق أن يعارض ولو بأقصر آية. وقيل أعجز الله الخلق عن إبطاله وإفساده بوجه من الوجوه فقيض له العلماء الراسخين يحفظونه ويذبون عنه إلى آخر الدهر لأن دواعي جماعة من الملاحدة واليهود متوفرة على إبطاله وإفساده فلم يقدروا على ذلك بحمد الله ومن أسباب حفظه حدوث العلوم الكثيرة الآلية التي تذب عن الدخول في أبواب إفساده وإبطاله وتحريفه وتصحيفه وزيادته ونقصانه كالصرف والنحو والمعاني والبيان وأصول الحديث والفقه والتفسير وغير ذلك مما له مدخل في هذا الشأن. وأخرج مسلم عن عياض عن النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه تعالى " نزلت عليك قرآناً لا يغسله الماء " [[مسلم 2865.]]. وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ (10) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (11) كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (12) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ (13) وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (14) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (15) وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (16) وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (17) إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ (18) وأيضاً في الآية وعيد شديد للمكذبين به المستهزئين برسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل الضمير في له لرسول الله صلى الله عليه وسلم والأول أولى بالمقام. قال الخطابي: إنما لم يجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن في المصحف لما كان يترقبه من ورود ناسخ لبعض أحكامه وتلاوته، فلما انقضى نزوله بوفاته صلى الله عليه وسلم ألهم الله تعالى الخلفاء الراشدين ذلك وفاء بوعده الصادق بضمان حفظه على هذه الأمة، فكان ابتداء ذلك على يد الصديق رضي الله عنه بمشورة عمر رضي الله عنه، انتهى. ذكره السيوطي في الإتقان، وقد بسطنا الكلام على جمع القرآن في رسالتنا المسماة بالأكسير في أصول التفسير فليرجع إليه. ثم ذكر سبحانه أن عادة أمثال هؤلاء الكفار مع أنبيائهم كذلك تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:

الحجر 15:10

(ولقد أرسلنا) رسلاً كائنة (من قبلك) وحذف المفعول لدلالة الإرسال عليه (في شيع الأولين) أي في أممهم وأتباعهم وسائر فرقهم وطوائفهم. قال الفراء: الشيع الأمة التابعة بعضهم بعضاً فيما يجمعون عليه، وأصله من شاعه إذا تبعه، وهم القوم المجتمعة المتفقة كلمتهم، وشيعة الرجل أتباعه، وقيل الشيعة من يتقوى بهم الإنسان. وفي المصباح: الشيعة الأتباع والأنصار وكل قوم اجتمعوا على أمر فهم شيعة، ثم صارت الشيعة اسماً لجماعة مخصوصة والجمع شيع والأشياع جمع الجمع وإضافته إلى الأولين من إضافة الصفة إلى الموصوف عند بعض النحاة أو من حذف المضاف إليه عند آخرين منهم، أي في شيع الأمم الأولين، وفي البيضاوي من قبيل إضافة الموصوف لصفته كقوله حق اليقين.

الحجر 15:11

(وما) كان (يأتيهم) أي الشيعة (من رسول) من الرسل (إلا كانوا به يستهزئون) كما يفعله هؤلاء الكفار مع محمد صلى الله عليه وسلم.

الحجر 15:12

(كذلك) أي مثل ذلك الذي سلكناه في قلوب أولئك المستهزئين برسلهم (نسلكه) أي الذكر (في قلوب المجرمين) فالإشارة إلى ما دل عليه الكلام السابق من إلقاء الوحي مقروناً بالاستهزاء، والسلك إدخال الشيء في الشيء كالخيط في المخيط قاله الزجاج، والسلوك النفاذ في الطريق، قال والمعنى كما فعل بالمجرمين الذين استهزؤوا نسلك الضلال في قلوب المجرمين، وقال ابن عباس الشرك نسلكه في قلوب المشركين. وعن قتادة مثله. وفيه رد على القدرية والمعتزلة وهي أبين في ثبوت القدر لمن أذعن للحق ولم يعاند، قال الواحدي: أضاف الله سبحانه إلى نفسه إدخال الكفر في قلوب الكفار وحسن ذلك منه، فمن آمن بالقرآن فليستحسنه. وقال الرازي: احتجوا بهذه الآية على أنه تعالى يخلق الباطل والضلال في قلوب الكفار.

الحجر 15:13

(لا يؤمنون به) أي بالذكر الذي أنزلناه أو بمحمد صلى الله عليه وسلم حال من ضمير نسلكه أو مستأنفة لبيان ما قبلها، وقيل أن الضمير في نسلكه للاستهزاء وفي به للذكر وهو بعيد، والأولى أن الضميرين للذكر (وقد خلت سنة الأولين) أي مضت طريقتهم التي سنها الله في إهلاكهم حيث فعلوا ما فعلوا من التكذيب والاستهزاء. وقال قتادة: مضت وقائع الله فيمن خلا من الأمم فاحذروا أن يصيبكم مثل ما أصابهم من العذاب، وقال الزجاج: قد مضت سنة الله فيهم بأن سلك الكفر والضلال في قلوبهم. ثم حكى الله سبحانه إصرارهم على الكفر وتصميمهم على التكذيب والاستهزاء فقال

الحجر 15:14

(ولو فتحنا عليهم) أي على هؤلاء المعاندين لمحمد صلى الله عليه وسلم المكذبين له المستهزئين به (باباً من السماء) من أبوابها المعهودة ومكناهم من الصعود إليه (فظلوا فيه) أي في ذلك الباب، يقال ظل فلان يفعل كذا إذا فعله بالنهار. (يعرجون) يصعدون بآلة أو بغير آلة حتى يشاهدوا ما في السماء من عجائب الملكوت التي لا يجحدها جاحد ولا يعاند عند مشاهدتها معاند، وقيل الضمير في فظلوا للملائكة، أي فظل الملائكة يعرجون في ذلك الباب والكفار يشاهدونهم وينظرون صعودهم من ذلك الباب. قاله ابن عباس.

الحجر 15:15

(لقالوا) أي الكفار لفرط عنادهم وزيادة عتوهم (إنما سكرت أبصارنا) قرئ مشدداً ومخففاً وهم سبعيتان وهو من سكر الشراب أو من السكر وهو سدها عن الإحساس، قاله مجاهد، يقال سكر النهر إذا سده وحبسه عن الجري. وعن قتادة نحوه. قال أبو عمرو بن العلاء: سكرت غشيت وغطت، وبه قال أبو عبيد وأبو عبيدة. وروي عنه أيضا أنه من سكر الشراب أي غشيهم ما غطى أبصارهم كما غشى السكران ما غطى عقله، وعلى التخفيف بمعنى سحرت، وقيل أصله من السكور يقال سكرت عينه إذا تحيرت وسكنت عن النظر، قال النحاس: وهذه الأقوال متقاربة والتشديد لأجل التكثير والمبالغة، قال ابن عباس قريش تقوله. (بل نحن) أضربوا عن قولهم سكرت أبصارنا، ثم ادعوا أنهم (قوم مسحورون) أي سحرهم محمد صلى الله عليه وسلم، وفي هذا بيان لعنادهم العظيم الذي لا يقلعهم عنه شيء من الأشياء كائناً ما كان، فإنهم إذا رأوا آية توجب عليهم الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله نسبوا إلى أبصارهم أن إدراكها غير حقيقي لعارض السكر أو أن عقولهم قد سحرت فصار إدراكهم غير صحيح، ومن بلغ في التعنت إلى هذا الحد فلا تنفع فيه موعظة ولا يهتدي بآية. وفي كلمتي الحصر والإضراب دلالة على البت بأن ما يرونه لا حقيقة له، بل هو باطل خيل إليهم بنوع من السحر. ولما ذكر سبحانه كفر الكافرين وعجزهم وعجز أصنامهم ذكر قدرته الباهرة وخلقه البديع ليستدل بذلك على وحدانيته فقال:

الحجر 15:16

(ولقد جعلنا) الجعل إن كان بمعنى الخلق فقوله (في السماء بروجاً) متعلق به، وإن كان بمعنى التصيير فهو خبره، والبروج في اللغة القصور والمحال والطرق والمنازل، والمراد بها هنا منازل الشمس والقمر والنجوم السيارة السبعة وهي الاثنا عشر المشهورة، كما يدل على ذلك التجربة. والعرب تعد المعرفة بمواقع النجوم ومنازلها من أجل العلوم ويستدلون بها على الطرقات والأوقات والخصب والجدب، وقالوا الفلك إثنا عشر برجاً وأسماء هذه البروج: الحمل الثور الجوزاء السرطان الأسد السنبلة الميزان العقرب القوس الجدي الدلو الحوت، كل ثلاثة منها على طبيعة عنصر من العناصر الأربعة عند المشتغلين بهذا العلم، ويسمون الحمل والأسد والقوس مثلثة نارية، والثور والسنبلة والجدي مثلثة أرضية، والجوزاء والدلو والميزان هوائية، والسرطان والعقرب والحوت مائية. وهذه البروج مقسومة على ثمانية وعشرين منزلاً، لكل برج منزلان وثلث منزل، وتلك البروج منازل الكواكب السبعة السيارة المريخ وله الحمل والعقرب، والزهرة ولها الثور والميزان، وعطارد وله الجوزاء والسنبلة، والقمر وله السرطان، والشمس ولها الأسد، والمشتري وله القوس والحوت، وزحل وله الجدي والدلو، ذكره السيوطي وهي مقسومة على ثلثمائة وستين درجة لكل برج منها ثلاثون درجة تقطعها الشمس في كل سنة مرة وبها تتم دورة الفلك ويقطعها القمر في ثمانية وعشرين يوماً. وأصل البروج الظهور، ومنه تبرج المرأة بإظهار زينتها، وقال الحسن وقتادة البروج النجوم، وسميت بذلك لظهورها وارتفاعها، وقيل السبعة السيارة منها، قاله أبو صالح. وقيل هي قصور وبيوت في السماء فيها حرس، قاله عطية. وقال مجاهد: البروج الكواكب. (وزيناها) أي السماء بالشمس والقمر والنجوم والبروج (للناظرين) إليها أو للمتفكرين المعتبرين المستدلين بها على توحيد خالقها وصانعها إذا كان من النظر وهو الاستدلال، أي بأبصارهم أو بصائرهم، وفي السمين النظر عينيّ، وقيل قلبيّ وحذف متعلقه ليعم.

الحجر 15:17

(وحفظناها) أي السماء بالشهب (من) دخول (كل شيطان رجيم) قال أبو عبيدة الرجيم المرجوم بالنجوم كما في قوله (رجوماً للشياطين) والرجم في اللغة هو الرمي بالحجارة، ثم قيل للعن والطرد والإبعاد رجم، لأن الرمي بالحجارة يوجب هذه المعاني وقال قتادة: الرجيم الملعون.

الحجر 15:18

(إلا) أي لكن (من استرق السمع) من غير دخول، وهذا وجه الانقطاع، والسمع بمعنى المسموع وذلك أن الشياطين يركب بعضهم بعضاً حتى يبلغوا إلى السماء فيسترقوا السمع من الملائكة، وقيل الاستثناء متصل، أي إلا من استرق فإنها لا تحفظ منه. قال أبو السعود: محله النصب على المتصل إن فسر الحفظ بمنع الشياطين من التعرض لها على الإطلاق والوقوف على ما فيها في الجملة أو المنقطع إن فسر ذلك بالمنع من دخولها والتصرف فيها انتهى. قال ابن عباس: أراد أن يخطف السمع كقوله إلا من خطف الخطفة. (فأتبعه شهاب مبين) والمعنى حفظنا السماء من الشياطين أن تسمع شيئاً من الوحي وغيره إلا من استرق السمع فإنه تتبعه وتلحقه الشهب فتقتله أو تخبله أو تحرقه أو تثقبه، ومعنى فأتبعه تبعه ولحقه أو أدركه والشهاب الكوكب نفسه أو النار المشتعلة الساطعة منه كما في قوله بشهاب قبس. وصنيع البيضاوي يقتضي أن الشهاب بمعنى الشعلة هو الحقيقة والكثير وبمعنى الكوكب هو القليل، وسمي الكوكب شهاباً لبريقه شبه بشهاب النار وانفصاله منها، والمبين الواضح الظاهر للمبصرين يرونه لا يلتبس عليهم. قال القرطبي: واختلف في الشهاب هل يقتل أم لا، فقال ابن عباس: يجرح ويحرق ويخبل ولا يقتل، يقال خبلته خبلاً من باب ضرب إذا أفسدت عضواً من أعضائه أو أذهبت عقله، والخبال بالفتح يطلق على الفساد والجنون. وقال الحسن وطائفة يقتل. فعلى هذا القول في قتلهم بالشهب قبل إلقاء السمع إلى الجن قولان: أحدهما: أنهم يقتلون قبل إلقائهم ما استرقوه من السمع إلى غيرهم فلا تصل أخبار السماء إلى غير الأنبياء ولذلك انقطعت الكهانة. والثاني: أنهم يقتلون بعد إلقائهم ما استرقوه من السمع إلى غيرهم من الجن قال ذكره الماوردي ثم قال: والقول الأول أصح. قال: واختلف هل كان رمى بالشهب قبل المبعث فقال الأكثرون نعم: وقيل لا، وإنما ذلك بعد المبعث، قال الزجاج: والرمي بالشهب من آيات النبي صلى الله عليه وسلم مما حدث بعد مولده لأن الشعراء في القديم لم يذكروه في أشعارهم والجمع بين هذين القولين إن الرمي بالنجوم كان موجوداً قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم فلما بعث شدد ذلك وزيد في حفظ السماء وحراستها صوناً لأخبار الغيوب. وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله كالسلسلة على صفوان فإذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير، فيسمعها مسترقو السمع ومسترقو السمع هكذا بعضهم فوق بعض ووصف سفيان بكفه فحرفها [[أي أمالها انتهى مجمع البخار.]] وبدد بين أصابعه فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن فربما أدركه الشهاب قبل أْن يلقيها وربما ألقاها قبل أن يدركه فيكذب معها مائة كذبة فيقال له أليس قد قال لنا كذا وكذا فيصدق بتلك الكلمة التي سعت من السماء " أخرجه البخاري [[البخاري كتاب التوحيد الباب 32 - كتاب التفسير سورة 15/ 1 سورة 34/ 1 الترمذي تفسير سورة 34/ 2.]]. قال كثير من أهل العلم: نحن نرى انقضاض الكواكب فيجوز أن يكون ذلك كما نرى ثم تصير ناراً إذا أدرك الشيطان ويجوز أن يقال يرمون بشعلة من نار الهواء فيخيل إلينا أنه نجم يسري. وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (19) وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ (20) وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (21) وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (22) وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ (23) وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (24)

الحجر 15:19

(والأرض) نصب على اشتغال ولم يقرأ بغيره لأنه أرجح من حيث العطف على جملة فعلية قبلها (مددناها) أي بسطناها وفرشناها على وجه الماء كما في قوله والأرض بعد ذلك دحاها وفي قوله والأرض فرشناها فنعم الماهدون وفيه رد على من زعم أنها كالكرة (وألقينا) أي جعلنا ووضعنا (فيها رواسي) أي جبالاً ثابتة لئلا تتحرك بأهلها جمع راسية كما في المختار، وقد تقدم بيان ذلك في سورة الرعد (وأنبتنا فيها من) تبعيضية وهو الصحيح أو مزيدة عند الكوفيين والأخفش (كل شيء موزون) أي مقدر معلوم فعبر عن ذلك بالوزن لأنه مقدار تعرف به الأشياء، وقيل موزون مقسوم وقيل معدود. والمقصود من الإنبات الإنشاء والإيجاد، قال ابن زيد: الأشياء توزن، وقيل الضمير راجع إلى الجبال أي أنبتنا في الجبال من كل شيء موزون من الذهب والفضة والنحاس والكحل والرصاص ونحو ذلك، وقيل موزون بميزان الحكمة ومقدر بقدر الحاجة، وقيل الموزون هو المحكوم بحسنه كما يقال كلام موزون أي حسن وخص ما يوزن لانتهاء الكيل إلى الوزن.

الحجر 15:20

(وجعلنا لكم فيها) أي في الأرض (معايش) تعيشون بها من المطاعم والمشارب جمع معيشة وهي ما يعيش به الإنسان مدة حياته في الدنيا، وقيل هي الملابس، وقيل هي التصرف في أسباب الرزق مدة الحياة، قال الماوردي: وهو الظاهر. قلت: والأول أظهر قال النسفي هي بياء صريحة بخلاف الخبائث ونحوها فإن تصريح الياء فيها خطأ انتهى. وقرئ بالهمز على التشبيه بشمائل، وقد ذكر في الأعراف وهي شاذة وقراءة الجمهور بالياء لأنها في المفرد أصلية لأن مفرده معيشة من العيش فالياء أصلية والمد في المفرد لا يقلب همزاً في الجمع إلا إذا كان زائداً في المفرد قاله في الجمل. (ومن لستم له برازقين) عطف على معايش أو على محل لكم وهم المماليك والعبيد والخدم والدواب والأولاد الذين رازقهم في الحقيقة هو الله وإن ظن بعض العباد أنه الرازق لهم باعتبار استقلاله بالكسب، وهذا في غاية الامتنان والمعنى على الثاني وجعلنا لمن لستم له برازقين فيها معايش، وهم من تقدم ذكره ويدخل في ذلك الدواب على اختلاف أجناسها، وقيل أراد الوحش قاله منصور. وقال مجاهد: الأنعام، وقيل الطيور، ومنه قوله (وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها).

الحجر 15:21

(وإن من شيء إلا عندنا خزائنه) إن هي النافية ومن مزيدة للتأكيد، وهذا التركيب عام لوقوع النكرة في حيز النفي مع زيادة من ومع لفظ شيء المتناول لكل الموجودات الصادق على كل فرد منها، فأفاد ذلك أن جميع الأشياء عند الله خزائنها لا يخرج منها شيء، والخزائن جمع خزانة وهي المكان الذي يحفظ فيه نفائس الأمور، وذكر الخزائن تمثيل لاقتداره على كل مقدور. والمعنى أن كل الممكنات مقدورة ومملوكة لله تعالى يخرجها من العدم إلى الوجود بمقدار كيف شاء، وقال جمهور المفسرين إن المراد بما في الآية هو المطر لأنه سبب الأرزاق والمعايش، وعن ابن مسعود وابن عباس: ما نقص المطر منذ أنزله الله ولكن تمطر أرض أكثر مما تمطر أخرى، ثم قرأ وما ننزله الآية. قال ابن الخطيب: وتخصيص قوله هذا بالمطر تحكم محض لأن قوله وإن من شيء يتناول جميع الأشياء إلا ما خصه الدليل، وقيل الخزائن المفاتيح أي ما من شيء إلا عندنا في السماء مفاتيحه والأولى ما ذكرناه من العموم لكل موجود بل قد يصدق الشيء على المعدوم على الخلاف المعروف في ذلك، وقيل في العرش تمثال جميع ما خلق الله في البر والبحر وهو تأويل هذه الآية. وأخرج البزار وأبو الشيخ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " خزائن الله الكلام فإذا أراد شيئاً قال له كن فكان " [[ضعيف الجامع الصغير 2824.]] (وما ننزله) من السماء إلى الأرض أو نوجده للعباد (إلا بقدر) أي بمقدار (معلوم) والمعنى أن الله سبحانه لا يوجد للعباد شيئاً من تلك الأشياء المذكورة إلا متلبساً ذلك الإيجاد بمقدار معين حسبما تقتضيه مشيئته على مقدار حاجة العباد إليه كما قال تعالى (ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء) وقد فسر الإنزال بالإعطاء وبالانشاء وبالإيجاد والمعنى متقارب.

الحجر 15:22

(وأرسلنا الرياح) جمع ريح وهو جسم لطيف منبث في الجو سريع المرور (لواقح) أي حوامل لأنها تحمل السحاب أي تقله وتصرفه ثم تمر به فتنزله، قال تعالى (إذا أقلت سحاباً ثقالاً) أي حملت وناقة لاقح إذا حملت الجنين في بطنها قاله الأزهري، وبه قال الفراء وابن قتيبة، وقيل لواقح بمعنى ملقحة، قال ابن الأنباري: تقول العرب أبقل النبت فهو باقل أي مبقل والمعنى أنها تلقح الشجر أي تقويها، وقيل معنى لواقح ذوات لقح، قال الزجاج: معناه ذوات لقحة لأنها تعصر السحاب وتدره كما تدر اللقحة، يقال رامح أي ذو رمح ولابن أي ذو لبن وتامر أي ذو تمر. قال أبو عبيدة: لواقح بمعنى ملاقح ذهب إلى أنها جمع ملقحة، وفي هذه الآية تشبيه الرياح التي تحمل الماء بالحامل ولقاح الشجر بلقاح الحمل، قال ابن مسعود: يرسل الله الريح فتحمل الماء فتلقح به السحاب فتدر كما تدر اللقحة، ثم تمطر، وعن ابن عباس نحوه، وعن عبيد بن عمير قال: يبعث الله المبشرة فتقم الأرض قماً، ثم يبعث الله المثيرة فتثير السحاب فتجعله كسفاً ثم يبعث الله المؤلفة فتؤلف بينه فتجعله ركاماً ثم يبعث الله اللواقح فتلقحه فتمطر. وأخرج ابن جرير وابن أبي الدنيا وأبو الشيخ والديلمي بسند ضعيف عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " ريح الجنوب من الجنة وهي الريح اللواقح التي ذكر الله في كتابه " [[ضعيف الجامع الصغير والأحاديث الضعيفة 3652.]] قال أبو بكر بن عياش لا تقطر قطرة من السماء إلا بعد أن تعمل الرياح الأربع فيها فالصبا تهيج السحاب والشمال تجمعه والجنوب تدره والدبور تفرقه. (فأنزلنا من السماء) أي من السحاب وكل ما علاك فأظلك فهو سماء، وقيل من جهة السماء (ماء) المراد هنا ماء المطر (فأسقيناكموه) أي جعلنا ذلك المطر لسقياكم ولشرب مواشيكم وأرضكم؛ قال أبو علي: يقال سقيته الماء إذا أعطيته قدر ما يروي وأسقيته نهراً أي جعلته شرباً له، وعلى هذا فأسقيناكموه أبلغ من سقيناكموه، وقيل سقى وأسقى بمعنى واحد. (وما أنتم له بخازنين) بل نحن الخازنون له، فنفى عنهم سبحانه ما أثبته لنفسه في قوله (وإن من شيء إلا عندنا خزائنه) وقيل إن المعنى ما أنتم له بخازنين بعد أن أنزلناه عليكم، أي لا تقدرون على حفظه في الآبار والغدران والعيون، بل نحن الحافظون له فيها ليكون ذخيرة لكم عند الحاجة إليه.

الحجر 15:23

(وإنا لنحن نحيي ونميت) أي نوجد الحياة في المخلوقات ونسلبها عنها متى شئنا، وأن واللام تفيدان الحصر، يعني لا يقدر على ذلك سوانا وبيدنا إحياء الخلق وإماتتهم؛ والغرض من ذلك الاستدلال بهذه الأمور على كمال قدرته عز وجل وإنه القادر على البعث والنشور والجزاء لعباده على حسب ما يستحقونه وتقتضيه مشيئته، ولهذا قال (ونحن الوارثون) أي للأرض ومن عليها لأنه سبحانه هو الباقي بعد فناء خلقه، الحي الذي لا يموت، الدائم الذي لا ينقطع وجوده ومصير الخلق إليه، ولله ميراث السماوات والأرض.

الحجر 15:24

(ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين) المراد علمنا من تقدم ولادة وموتاً ومن تأخر فيهما؛ وقيل من تقدم طاعة ومن تأخر فيها، وقيل من تقدم في صف القتال ومن تأخر، وقيل المستقدمون هم الأمم المتقدمون على أمة محمد صلى الله عليه وسلم من لدن آدم والمستأخرون هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة. وقيل المستقدمون من قتل في الجهاد والمستأخرون من لم يقتل. وقيل من خلق ومن لم يخلق بعد، وقيل من أسلم أولاً ومن يسلم آخراً، واللفظ أوسع من ذلك، واللام في الموضعين هي الموطئة للقسم. وأخرج أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وصححه عن ابن عباس قال: كانت امرأة تصلي خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم حسناء من أحسن النساء، فكان بعض القوم يتقدم حتى يكون في الصف الأول لئلا يراها، ويستأخر بعضهم حتى يكون في الصف المؤخر فإذا ركع نظر من تحت إبطيه؛ فأنزل الله هذه الآية، وقد رواه عبد الرزاق وابن المنذر من قول أبي الجوزاء عن ابن عباس. قال الترمذي وهذا أشبه أن يكون أصح. وقال ابن كثير: في هذا الحديث نكارة شديدة وعن ابن عباس قال: المستقدمين الصفوف المتقدمة والمستأخرين الصفوف المؤخرة، وقد وردت أحاديث كثيرة في أن خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها وعن مقاتل وعطاء إن الآية في صفوف القتال. وقال الحسن المستقدمين في طاعة الله والمستأخرين في معصية الله. وعن ابن عباس يعني بالمستقدمين من مات والمستأخرين من هو حي لم يمت، وقال أيضاً المستقدمين آدم ومن مضى من ذريته، والمستأخرين في أصلاب الرجال، وعن قتادة نحوه. وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (25) وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (26) وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (27) وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (28) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (29) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (30) إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (31)

الحجر 15:25

(وإن ربك هو يحشرهم) أي هو المتولي لذلك القادر عليه دون غيره كما يفيده ضمير الفصل من الحصر، وفيه أنه سبحانه يجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته لأنه الأمر المقصود من الحشر. (إنه حكيم) يجري الأمور على ما تقتضيه حكمته البالغة (عليم) أحاط علمه بجميع الأشياء لا يخفى عليه شيء منها، ومن كان كذلك فله القدرة البالغة على كل شيء مما وسعه علمه وجرى فيه حكمه سبحانه لا إله إلا هو.

الحجر 15:26

(ولقد خلقنا الإنسان) أي آدم عليه السلام لأنه أصل هذا النوع (من) لابتداء الغاية أو للتبعيض (صلصال) أي طين يابس إذا نضب عنه الماء تشقق فإذا حرك تقعقع، وإذا نقرته سمعت له صلصلة. أي صوتاً. قال أبو عبيدة: هو الطين المخلوط بالرمل الذي يتصلصل إذا حرك، فإذا طبخ بالنار فهو الفخار، وهذا قول أكثر المفسرين وقال الكسائي هو الطين المنتن مأخوذ من قول العرب صل اللحم، وأصل إذا أنتن مطبوخاً كان أو نيئاً. وهذا الطور آخر أطوار آدم الطينية. وأول ابتدائه أنه كان تراباً متفرق الأجزاء ثم بل فصار طيناً ثم أنتن وأسود فصار حمأً مسنوناً أي متغيراً ثم يبس فصار صلصالاً، وعلى هذه الأطوار والأحوال تتخرج الآيات الواردة في أطواره الطينية كآية خلقه من تراب وآية بشراً من طين، وهذه الآية التي نحن فيها. (من) ابتدائية (حمأ مسنون) الحمأ الطين الأسود المتغير أو الطين الأسود من غير تقييد بالمتغير. قال ابن السكيت: تقول منه حمأت البئر حمأً بالتسكين إذا نزعت حمأها؛ وحميت البئر حمأً بالتحريك كثرت حمأتها، وأحميتها أحماء ألقيت فيها الحمأة. قال أبو عبيدة: الحمأة سكون الميم مثل الحمأة يعني بالتحريك، والجمع حمأ مثل تمرة وتمر والحمأ مصدر مثل الهلع والجزع ثم سمي به. والمسنون قال الفراء: هو المتغير وأصله من سننت الحجر على الحجر إذا حككته وما يخرج بين الحجرين يقال له السنانة والسنين، ويقال أسن الماء إذا تغير؛ ومنه قوله (لم يتسنه) وقوله (من ماء غير آسن) وكلا الاشتقاقين يدل على التغيير لأن ما يخرج بين الحجرين لا يكون إلا منتناً. وقال أبو عبيدة: المسنون المصبوب وهو من قول العرب سننت الماء على الوجه أذا صببته والسن الصب. وقال سيبويه: المسنون المصور مأخوذ من سنة الوجه وهي صورته، وقال الأخفش: المسنون المنصوب القائم. من قولهم وجه مسنون إذا كان فيه طول، والحاصل على هذه الأقوال أن التراب لما بُل صار طيناً فلما أنتن صار حمأً مسنوناً فلما يبس صار صلصالاً، فأصل الصلصال هو الحمأ المسنون، ولهذا وصف بهما، وعن ابن عباس قال: خلق الإنسان من ثلاث: من طين لازب وصلصال وحمأ مسنون، فالطين اللازب اللازم الجيد والصلصال المدقق الذي يصنع منه الفخار، والحمأ المسنون الطين الذي فيه الحمأة. وقال أيضا الصلصال الماء يقع على الأرض الطيبة ثم يحسر عنها فتشقق ثم تصير مثل الخزف الرقاق، وعنه قال: الصلصال هو التراب اليابس الذي يبل بعد يبسه، وقال أيضاً طين خلط برمل. وقال أيضاً الذي إذا ضربته صلصل، وعنه قال الطين تعصر بيدك فتخرج الماء من بين أصابعك، وقال حمأ مسنون من طين رطب وقال من طين منتن.

الحجر 15:27

(والجان) منصوب على الاشتغال وهو أبو الجن عند جمهور المفسرين، وقال الحسن وعطاء وقتادة ومقاتل هو أبليس أبو الشياطين وسمي جاناً لتواريه عن الأعين، يقال جن الشيء إذا ستره، فالجان يستر نفسه عن أعين بني آدم، وهما نوعان يجمعهما وصف الاستتار عنا. وفي الجن مسلمون وكافرون، وهم يأكلون ويشربون ويحيون ويموتون كبني آدم، وأما الشياطين فليس منهم مسلمون ولا يموتون إلا إذا مات أبليس أبوهم. ذكره الخازن. قال ابن عباس: الجان مسيخ الجن كالقردة والخنازير مسيخ الإنس، وقيل كان إبليس من حي الملائكة يسمون الجان، خلقوا من نار السموم، وخلقت الجن الذين ذكروا في القرآن من مارج من نار وخلقت الملائكة من النور. (خلقناه من قبل) أي من قبل خلق آدم (من نار السموم) وهي الريح الحارة النافذة في المسام لشدة لطفها وقوة حرارتها يكون بالنهار، وقد يكون بالليل، كذا قال أبو عبيدة. وقال أبو صالح: السموم نار لا دخان لها والصواعق تكون منها، وهي نار تكون بين السماء وبين الحجاب، فإذا أحدث الله أمراً أخرقت الحجاب فهوت إلى ما أمرت به، فالهدة التي تسمعون خرق ذلك الحجاب. قاله الخطيب. وقيل السموم نار جهنم، وقيل هي جزء من سبعين جزءاً من السموم التي خلق منها الجان، قاله ابن مسعود، وفي السمين: السموم ما يقتل من إفراط الحر من شمس أو ريح أو نار لأنها تدخل في المسام، وقيل السموم ما كان ليلاً والحرور ما كان نهاراً، وقيل هو من باب إضافة الموصوف لصفته. وذكر خلق الجان والإنسان في هذا الموضع للدلالة على كمال القدرة الإلهية وبيان أن القادر على النشأة الأولى قادر على النشأة الأخرى. قال ابن عباس: من نار السموم من أخس النار الحارة التي تقتل، وعن ابن مسعود قال: السموم التي خلق منها الجان جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم، وأخرجه ابن مردويه عنه مرفوعاً.

الحجر 15:28

(و) اذكر (إذ قال ربك للملائكة) بين سبحانه بعد ذكره لخلق الإنسان ما وقع له عند خلقه، وقد تقدم تفسير ذلك في البقرة (إني خالق بشراً) مأخوذ من البشرة وهي ظاهر الجلد (من صلصال) قد تقدم تفسيره قريباً مستوفى وكذا تفسير (من حمأ مسنون

الحجر 15:29

فإذا سويته) أي سويت خلقه وعدلت صورته الإنسانية وخلقته البشرية وأكملت أجزاءه وأتممت خلقه، أو سويت أجزاء بدنه بتعديل لبائعه. (ونفخت فيه من روحي) النفخ إجراء الريح في تجاويف جسم آخر صالح لإمساكها والامتلاء بها، فمن قال إن الروح جسم لطيف كالهواء فمعناه ظاهر، ومن قال إنه جوهر مجرد غير متحيز ولا حال في متحيز فمعنى النفخ عنده تهيؤ البدن لتعلق النفس الناطقة به، ومن زائدة أو تبعيضية. قال النيسابوري: ولا خلاف في أن الإضافة في روحي للتشريف والتكريم، مثل ناقة الله وبيت الله. قال القرطبي: والروح جسم لطيف أجرى الله العادة بأن يخلق الحياة في البدن مع ذلك الجسم وحقيقته إضافة خلق إلى خالق، فالروح خلق من خلقه أضافه إلى نفسه تشريفاً وتكريماً، قال ومثله روح منه، وقد تقدم في النساء. قال أبو السعود: وليس ثمة نفخ ولا منفوخ فيه وإنما هو تمثيل لإفاضة ما به الحياة بالفعل على المادة القابلة لها فإذا أكملت استعداده وأفضت عليه ما يحبى به من الروح التي هي من أمري. (فقعوا له ساجدين) الفاء تدل على أن سجودهم واجب عليهم عقب التسوية والنفخ من غير تراخ وهو أمر بالوقوع، من وقع يقع أي أسقطوا وخروا، وفيه دليل على أن المأمور به هو السجود الحقيقي أي وضع الجبهة على الأرض لا مجرد الانحناء كما قال السيوطي، وهذا السجود هو سجود تحية وتكريم لا سجود عبادة، ولله أن يكرم من يشاء من مخلوقاته كيف يشاء بما يشاء. وقيل كان السجود لله تعالى وكان آدم قبله لهم تشريفاً له، وهذا وإن كان معنى صحيحاً لكن يخالفه ظاهر النظم القرآني. والأولى ما دل عليه ظاهر اللفظ فالأول أولى والخطاب للملائكة الذين قال الله لهم إني خالق بشراً.

الحجر 15:30

(فسجد الملائكة كلهم أجمعون) عند أمر الله سبحانه لهم بذلك من غير تراخ، قال المبرد: قوله كلهم أزال احتمال أن بعض الملائكة لم يسجد، فظهر أنهم بأسرهم سجدوا، ثم عند هذا بقي احتمال وهو أنهم هل سجدوا دفعة واحدة أو سجد كل واحد في وقت؟ فلما قال (أجمعون) ظهر أن الكل سجدوا دفعة واحدة، وهو إيضاح لما سبق، وقيل قوله أجمعون توكيد بعد توكيد، ورجح هذا الزجاج. قال النيسابوري: وذلك لأن أجمع معرفة فلا يقع حالاً، ولو صح أن يكون حالاً لكان منتصباً، قال الكرخي: فيه تأكيدان لزيادة تمكين المعنى وتقريره في الذهن ولا يكون تحصيلاً للحاصل؛ لأن نسبة أجمعون إلى كلهم كنسبة كلهم إلى أصل الجملة، أو أجمعون يفيد معنى الاجتماع. وقيل هما تأكيدان للمبالغة وزيادة الاعتناء. ثم استثنى إبليس من الملائكة فقال

الحجر 15:31

(إلا إبليس) قيل هذا الاستثناء متصل لكونه كان من جنسن الملائكة ولكنه (أبى أن يكون مع الساجدين) استكباراً واستعظاماً لنفسه وحسداً لآدم فحقت عليه كلمة الله وقيل أنه لم يكن من الملائكة ولكنه كان معهم وبينهم فغلب اسم الملائكة عليه وأمر بما أمروا به فكان الاستثناء بهذا الاعتبار متصلاً. زاد أبو السعود إما لأنه كان جنياً مفرداً مغموراً بألوف من الملائكة فعد منهم تغليباً، وإما لأن من الملائكة جنساً يتوالدون وهو منهم، وقيل أن الاستثناء منقطع منفصل بناء على عدم كونه منهم وعدم تغليبهم عليه، أي ولكن إبليس أبى من السجدة، وقد تقدم الكلام في هذا في سورة البقرة. وهذه الحملة على الأول استئناف مبين لكيفية عدم السجود المفهوم من الاستثناء لأن مطلق عدم السجود قد يكون مع التردد، فبيَّن سبحانه أنه كان على وجه الإباء والاستكبار. قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (32) قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (33) قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (34) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (35) قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (36) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (37) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (38) قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (39) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (40) قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (41) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (42)

الحجر 15:32

(قال يا إبليس) مستأنفة أيضاً، وهذا الخطاب له ليس للتشريف والتكريم بل على سبيل الإهانة والإذلال والتقريع والتوبيخ، وظاهره يقتضي أن الله تعالى تكلم مع إبليس بغير واسطة، لأنه قال في الجواب (لم أكن لأسجد لبشر خلقته) فقوله (خلقته) خطاب الحضور لا خطاب الغيبة، فقول بعض المتكلمين أنه تعالى أوصل هذا الخطاب إلى أبليس على لسان بعض رسله ضعيف. قيل معنى (مالك) أيُّ غرض لك وأي سبب حملك على (أن لا تكون مع الساجدين) لآدم مع الملائكة، وهم في الشرف وعلو المنزلة والقرب من الله بالمنزلة التي قد علمتها، وعلى هذا فليست لا زائدة وإليه مال البيضاوي، وقيل زائدة بدليل ما في سورة (ص) ما منعك أن تسجد.

الحجر 15:33

(قال لم أكن لأسجد لبشر خلقته) مستأنفة كالتي قبلها، أي لا ينبغي لي ولا يصح مني ولا يليق بحالي؛ فاللام لتأكيد النفي جعل العلة لترك سجوده كون آدم بشراً مخلوقاً (من صلصال من حمأ مسنون) زعماً منه أنه مخلوق من عنصر نار، وهي أشرف من عنصر آدم عليه السلام وهو الطين المتغير المنتن لأنها نيرة والطين كثيف مظلم. وفيه إشارة إجمالية إلى كونه خيراً منه وقد صرح بذلك في موضع آخر فقال (أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين) وقال في موضع آخر (أأسجد لمن خلقت طيناً) ولم يدر الخبيث أن الفضل فيما فضله الله تعالى، قال الكرخي: وحاصل كلامه أن كونه بشراً يشعر بكونه جسماً كثيفاً وهو كان روحانياً لطيفاً فكأنه يقول البشر الجسماني الكثيف أدوَن حالاً من الروحاني اللطيف فكيف يسجد الأعلى للأدنى. وأيضاً فآدم مخلوق من صلصال تولد من حمأ مسنون، وهذا الأصل في غاية الدناءة وأصل إبليس هي النار وهي أشرف العناصر، فكان أصل إبليس أشرف من أصل آدم والأشرف يقبح أن يؤمر بالسجود للأدون، فهذا مجموع شبه إبليس فأجاب الله سبحانه عليه بقوله:

الحجر 15:34

(قال فاخرج منها) أي فحيث عصيت وتكبرت فاخرج منها (فإنك رجيم) والضمير في منها قيل عائد إلى الجنة، وقيل إلى السماء، وقيل إلى زمرة الملائكة، والرجيم المرجوم بالشهب، وقيل معناه ملعون أي مطرود، لأن من يطرد يرجم بالحجارة. وفي القاموس الرجم اللعن والشتم والطرد والهجران؛ وفي المصباح الرجم بفتحتين الحجارة والرجم القبر سمي بذلك لما يجتمع عليه من الأحجار ورجمته رجماً من باب قتل ضربته بالرجم.

الحجر 15:35

(وإن عليك اللعنة) أي الطرد والإبعاد من رحمة الله سبحانه مستمراً عليك لازماً لك (إلى يوم الدين) وهو يوم القيامة والجزاء، وقيل هو ملعون في السماوات والأرض وجعل يوم الدين غاية للعنة لا يستلزم انقطاعها في ذلك الوقت لأن المراد دوامها من غير انقطاع وذكر يوم الدين للمبالغة كما في قوله تعالى (ما دامت السماوات والأرض) أو أن المراد أنه في يوم الدين وما بعده يُعَذَّب بما هو أشد من اللعن من أنواع العذاب بما ينسى اللعن معه فكأنه لا يجد له ما كان يجده قبل أن يمسه العذاب.

الحجر 15:36

(قال رب فانظرني) أي أخرني وأمهلني ولا تمتني (إلى يوم يبعثون) أي آدم وذريته طلب أن يبقى حياً إلى هذا اليوم؛ لأنه لما سمع ذلك علم أن الله قد أخر عذابه إلى الدار الآخرة وكأنه طلب أن لا يموت أبداً لأنه إذا أخر موته إلى ذلك اليوم وأمهل إلى يوم البعث الذي هو وقت النفخة الثانية لا يموت بعد ذلك الانقطاع الموت من حين النفخة الأولى فهو يوم لا موت فيه. وفي البيضاوي أراد بهذا السؤال أن يجد فسحة في الإغواء ونجاة عند الموت إذ لا موت بعد وقت البعث، فأجابه إلى الأول دون الثاني، وقيل أنه لم يطلب أن لا يموت بل طلب أن يؤخر عذابه إلى يوم القيامة ولا يعذب في الدنيا.

الحجر 15:37

(قال فإنك من المنظرين) لما سأل الإنظار أجابه الله سبحانه إلى ما طلبه، وأخبره بأنه من جملة المنظرين ممن أخر آجالهم من مخلوقاته أو من جملة من أخر عقوبتهم بما اقترفوا ولم يكن إجابة الله إياه في الإمهال إكراماً له بل زيادة في بلائه وشقائه وعذابه. ثم بيَّن سبحانه الغاية التي امهله إليها فقال

الحجر 15:38

(إلى يوم الوقت المعلوم) الذي عينت وهو يوم القيامة فإن يوم الدين، ويوم يبعثون، ويوم الوقت المعلوم، كلها عبارات عن القيامة وسمي معلوماً لأن ذلك لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى فهو معلوم عنده، وقيل أن جميع الخلائق تموت فيه، فهو معلوم بهذا الاعتبار وقيل المراد بالوقت المعلوم هو الوقت القريب من البعث فعند ذلك يموت. وقال ابن عباس: هو النفخة الأولى يموت فيها إبليس وبين النفختين أربعون سنة، وهي مدة موته.

الحجر 15:39

(قال رب بما أغويتني) الباء للقسم وما مصدرية أي أقسم بإغوائك إياي واختار البيضاوي في الأعراف كونها للسببية، ونقل كونها للقسم بصيغة التمريض لأنه وقع في مكان آخر قال فبعزتك والقصة واحدة إلا أن أحدهما أقسام بصفة ذاته، والثاني إقسام بفعله والفقهاء قالوا الإقسام بصفات الذات صحيح، واختلفوا في القسم بصفات الأفعال ومنهم من فرق بينهما، ولأن جعل الإغواء مقسما به غير متعارف، قاله الكرخي. قلت: وإقسامه هنا بإغواء الله له لا ينافي اقسامه في موضع آخر بعزة الله التي هي سلطانه وقهره لأن الإغواء هو من جملة ما يصدق عليه العزة، وقال أهل العراق الحلف بصفة الذات كالقدرة والعظمة والعزة يمين، والحلف بصفة الفعل كالرحمة والسخط ليس بيمين، قيل والأصح أن الأيمان مبنية على العرف فما تعارف الناس الحلف به يكون يميناً وما لا فلا. وجواب القسم (لأزينن لهم) أي لذرية آدم وإن لم يجر لهم ذكر للعلم بهم (في الأرض) أي ما داموا في الدنيا والتزيين منه إما بتحسين المعاصي لهم وإيقاعهم فيها أو بشغلهم بزينة الدنيا وحبها عن فعل ما أمرهم الله به فلا يلتفتون إلى غيرها. (ولأغوينهم أجمعين) أي لأضلنهم عن طريق الهدى وأوقعهم في طريق الغواية وأحملهم عليها بالقاء الوسوسة في قلوبهم، وذلك أن إبليس لما علم أنه يموت على الكفر غير مغفور له حرص على إضلال الخلق بالكفر وإغوائهم، وفي الآية حجة على المعتزلة في خلق الأفعال وحملهم على التسبب عدول عن الظاهر.

الحجر 15:40

(إلا عبادك منهم المخلصين) أي الذين استخلصتهم من العباد أو الذين أخلصوا لك العبادة والطاعة فلم يقصدوا بها غيرك، وإنما استثناهم لأنه علم أن كيده ووسوسته لا تعمل فيهم ولا يقبلون منه وحقيقة الإخلاص فعل الشيء خالصاً لله عن شائبة الغير.

الحجر 15:41

(قال) الله تعالى (هذا صراط عليّ مستقيم) لا عوج فيه والمعنى حق عليّ أن أراعيه وأحفظه وهو أن لا يكون لك على عبادي سلطان، فالكلام على التشبيه عند أهل السنة كما في قوله تعالى (وكان حقاً علينا نصر المؤمنين) إذ لا تجب رعاية الأصلح عندنا، وقيل قال الكسائي هذا على الوعيد والتهديد كقولك لمن تهدده: طريقك عليّ ومصيرك إليّ وكقوله (إن ربك لبالمرصاد) فكان معنى هذا الكلام هذا طريق مرجعه إليّ فأجازي كلا بعمله. وقيل (عليّ) هنا بمعنى (إليّ) وقيل المعنى على أن أدل على الصراط المستقيم بالبيان والحجة، وقيل بالتوفيق والهداية، وقيل عائد إلى الإخلاص أي أن الإخلاص طريق عليَّ وإليّ يؤدي إلى كرامتي ورضواني. وقال أبو السعود: والأظهر أن ذلك رد لما وقع في عبارة إبليس حيث قال (لأقعدن لهم صراطك المستقيم، ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم) الآية، وقرأ عليّ على أنه صفة مشبهة ومعناه رفيع.

الحجر 15:42

(إن عبادي ليس لك عليهم سلطان) المراد بالعباد هنا هم المخلصون، والمراد أنه لا تسلط أنت عليهم بإيقاعهم في ذنب يهلكون به ولا يتوبون منه، فلا ينافي هذا ما وقع من آدم وحواء أو نحوهما فإنه ذنب مغفور لوقوع التوبة عنه قال أهل المعاني معنى (عليهم) على قلوبهم، وقال سفيان بن عيينة: معناه ليس لك عليهم قوة وقدرة على أن تلقيهم في ذنب يضيق عنه عفوي، وهؤلاء خاصته أي الذين هداهم واجتباهم من عباده. (إلا من اتبعك) استثنى سبحانه من عباده هؤلاء وهم المتبعون لإبليس (من الغاوين) عن طريق الحق الواقعين في الضلال وهو موافق لما قاله إبليس اللعين من قوله (لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصون). ويمكن أن يقال بين الكلامين فرق، فكلام الله سبحانه فيه نفي سلطان إبليس على جميع عباده إلا من اتبعه من الغاوين، فيدخل في ذلك المخلصون وغيرهم ممن لم يتبع إبليس، وكلام إبليس اللعين يتضمن إغواء الجميع إلا المخلصين، فدخل فيهم من لم يكن مخلصاً ولا تابعاً لإبليس غاوياً. والحاصل أن بين المخلصين والغاوين التابعين لإبليس طائفة لم تكن مخلصة ولا غاوية تابعة لإبليس، وقد قيل أن الغاوين المتبعين لإبليس هم المشركون ويدل على ذلك قوله تعالى (إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون) قال أبو السعود: وفيه مع كونه تحقيقاً لما قاله اللعين تفخيم لشأن المخلصين، وبيان لمنزلتهم، ولانقطاع مخالب الإغواء عنهم وإن إغواءه للغاوين ليس بطريق السلطان بل بطريق اتباعهم له بسوء اختيارهم. وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (43) لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (44) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (45) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ (46) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (47) لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ (48) نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (50) وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ (51) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ (52) ثم قال الله تعالى متوعداً لأتباع إبليس

الحجر 15:43

(وإن جهنم لموعدهم) أي موعد المتبعين الغاوين (أجمعين) تأكيد للضمير أو حال

الحجر 15:44

(لها سبعة أبواب) يدخل أهل النار منها وإنما كانت سبعة لكثرة أهلها (لكل باب منهم) أي من الأتباع الغواة (جزء مقسوم) أي نصيب وقدر معلوم متميز عن غيره. والجزء بعض الشيء، وجزأته جعلته أجزاء، والمراد هنا بالجزء الحزب والطائفة والفريق وقيل المراد بالأبواب الأطباق طبق فوق طبق. قال ابن جريج: النار سبع دركات وهي: جهنم ثم لظى ثم الحطمة ثم السعير ثم سقر ثم الجحيم ثم الهاوية. فأعلاها لعصاة الموحدين، والثانية لليهود، والثالثة للنصارى، والرابعة للصابئين والخامسة للمجوس، والسادسة للمشركين، والسابعة للمنافقين، فجهنم أعلى الطبقات ثم ما بعدها تحتها، ثم كذلك، كذا قيل. والمعنى أن الله تعالى يجزئ أتباع إبليس سبعة اجزاء فيدخل كل جزء وقسم دركة من النار، والسبب فيه أن مراتب الكفر والمعاصي مختلفة، فلذلك اختلفت مراتبهم في النار. قال الخطيب: تخصيص هذا العدد لأن أهلها سبع فرق، وقيل جعلت سبعة على وفق الأعضاء السبعة من العين والإذن واللسان والبطن والفرج واليد والرجل لأنها مصادر السيئات فكانت مواردها الأبواب السبعة. ولما كانت هي بعينها مصادر الحسنات بشرط النية والنية من أعمال القلب زادت الأعضاء واحداً فجعلت أبواب الجنان ثمانية، انتهى. أقول: الحكمة في تخصيص هذا العدد لا تنحصر فيما ذكر، بل الأولى تفويضها إلى جاعلها وهو الله سبحانه، إلا أن يرد خبر صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيجب المصير إليه. وعن عليّ رضي الله عنه قال: أطباق جهنم سبعة بعضها فوق بعض، فيملأ الأول ثم الثاني ثم الثالث حتى تملأ كلها. وأخرج البخاري في تاريخه والترمذي واستغربه عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لجهنم سبعة أبواب؛ باب منها لمن سل السيف على أمتي " [[الترمذي، كتاب التفسير، سورة 15/ 2 - أحمد بن حنبل 29/ 94.]] وأخرج ابن مردويه والخطيب في تاريخه عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " في الآية جزء أشركوا بالله وجزء شكوا في الله وجزء غفلوا عن الله " وقد وردت في صفة النار وأهوالها أحاديث وآثار كثيرة ليس هذا موضع استقرائها [[وللمفسر كتاب جيد في التخويف من النار نشرته مطبعة الإمام.]]

الحجر 15:45

(إن المتقين) أي الذين اتقوا الشرك بالله سبحانه كما قاله جمهور الصحابة والتابعين وهو الصحيح، وقيل هم الذين اتقوا جميع المعاصي، وبه قال الجبائي وجمهور المعتزلة والأول أولى، وأجمعت الأمة على أن التقوى عن الكفر شرط في حصول الحكم بدخول الجنة، وليس من شرط صدق الوصف بكونه متقياً أن يكون آتياً بجميع أنواع التقوى لأن الآتي بفرد واحد من أفراد التقوى يكون آتياً بالتقوى كما أن الضارب هو الآتي بالضرب ولو مرة واحدة والقاتل هو الآتي بالقتل ولو مرة واحدة وكل فرد من أفراد الماهية يجب أن يكون مشتملاً على تلك الماهية، وبهذا التحقيق استدلوا على أن الأمر لا يفيد التكرار. (في جنات) هي البساتين (وعيون) هي الأنهار الجارية أي مستغرقون فيهما والتركيب يحتمل أن يكون لجميعهم جنات وعيون أو لكل واحد منهم جنات وعيون أي عدة منهما كقوله تعالى (ولمن خاف مقام ربه جنتان) أو لكل واحد منهم جنة وعين تجري في قصوره ودوره فينتفع بها هو ومن يختص به من حوره وولدانه، قال الرازي: يحتمل أن يكون منها ما ذكره الله تعالى في قوله (مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن) الآية ويحتمل أن يكون المراد من هذه العيون منابع مغايرة لتلك الأنهار.

الحجر 15:46

(ادخلوها) أي قيل لهم ادخلوها وقرئ على أنه فعل مبني للمفعول أي أدخلهم الله إياها، وقد قيل إنهم إذا كانوا في جنات وعيون فكيف يقال لهم بعد ذلك ادخلوها على قراءة الجمهور فإن الأمر لهم بالدخول يشعر بأنهم لم يكونوا فيها، وأجيب بأن المعنى إنهم لما صاروا في الجنات فإذا انتقلوا من بعضها إلى بعض يقال لهم عند الوصول إلى التي أرادوا الانتقال إليها ادخلوها، والقائل هو الله تعالى أو بعض ملائكته. (بسلام آمنين) أي بسلامة من جميع الآفات وأمن من المخافات أو من زوال هذا النعيم أو مسلمين على بعضهم بعضاً أو مسلماً عليهم من الملائكة أو من الله عز وجل. وقال الضحاك: أمنوا الموت فلا يموتون ولا يكبرون ولا يسقمون ولا يعرون ولا يجوعون.

الحجر 15:47

(ونزعنا ما في صدورهم من غل) هو الحقد والعداوة والشحناء والبغضاء والحسد وكل ذلك مذموم داخل في الغل لأنها كامنة في القلب، وقد مر تفسيره في الأعراف، وعن الحسن البصري عن عليّ: فينا والله أهل الجنة نزلت وعنه قال نزلت في ثلاثة أحياء من العرب بني هاشم وبني تميم وبني عدي، وفي أبي بكر وعمر، وعنه قال: إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان والزبير وطلحة فيمن قال الله (ونزعنا ما في صدورهم من غل) وعن ابن عباس قال: نزلت في عشرة أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ وطلحة والزبير وسعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف وابن مسعود، وفي الباب روايات. (إخواناً) حال مقدرة قاله أبو البقاء يعني من فاعل ادخلوها ولا حاجة إليه بل هي حال مقارنة من ضمير صدورهم، والمعنى حال كونهم إخوة في الدين بالتعاطف والمحبة والمودة والمخالطة، وليس المراد منه إخوة النسب، يروى أن المؤمنين يحبسون على باب الجنة فيقتص بعضهم من بعض ثم يؤمر بهم إلى الجنة وقد نقيت قلوبهم من الغل والغش والحقد والحسد وصاروا إخواناً حال كونهم (على سرر) من ذهب مكلّلة بالزبرجد والدر والياقوت. قال أبو البقاء: يجوز أن يتعلق بنفس إخواناً لأنه بمعنى متصافين أي متصافين على سرر، وفيه نظر من حيث تأويل جامد بمشتق بعيد منه والسرر جمع سرير، وهو مثل ما بين صنعاء إلى الجابية، وقيل هو المجلس العالي الرفيع المهيأ للسرور ومنه قولهم سر الوادي لأفضل موضع منه. (متقابلين) أي ينظر بعضهم إلى وجه بعض. قال مجاهد: لا يرى بعضهم قفا بعض، وعن ابن عباس نحوه فإذا اجتمعوا وتلاقوا ثم أرادوا الانصراف يدور سرير كل واحد منهم به بحيث يصير راكبه مقابلاً بوجهه لمن كان عنده، وقفاه إلى الجهة التي يسير لها السرير، وهذا أبلغ في الإنس والإكرام. وأخرج الطبراني والبغوي وابن أبي حاتم وغيرهم عن زيد بن أبي أوفى قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلا هذه الآية قال: " المتحابون في الله في الجنة ينظر بعضهم إلى بعض ".

الحجر 15:48

(لا يمسهم فيها) أي في الجنة مستأنفة أو حالية (نصب) أي تعب وإعياء لعدم وجود ما يتسبب عنه ذلك في الجنة لأنها نعيم خالص، ولذة محضة تحصل لهم بسهولة وتوافيهم مطالبهم بلا كسب ولا جهد، بل بمجرد خطور شهوة الشيء بقلوبهم يحصل ذلك الشيء عندهم صفواً عفواً قال السدي النصب المشقة والأذى (وما هم منها) أي من الجنة (بمخرجين) أبداً، وهذا نص من الله الكريم في كتابه العزيز على خلود أهل الجنة في الجنة والمراد منه خلود بلا زوال وبقاء بلا فناء وكمال بلا نقصان وفوز بلا حرمان، وفي هذا الخلود الدائم وعلمهم به تمام اللذة وكمال النعيم، فإن علم من هو في نعمة ولذة بانقطاعها وعدمها بعد حين موجب لتنغص نعيمه وتكدر لذته. ثم قال سبحانه بعد أن قص علينا ما للمتقين عنده من الجزاء العظيم والأجر الجزيل

الحجر 15:49

(نبئ عبادي أني) بفتح الياء فيهما وسكونهما فيهما سبعيتان أي أخبر يا محمد كل من كان معترفاً بعبوديتي وهذا كما يدخل فيه المؤمن المطيع كذلك يدخل فيه المؤمن العاصي (أنا الغفور الرحيم) أي أنا الكثير المغفرة لذنوبهم الكثير الرحمة لهم كما حكمت به على نفسي إن رحمتي سبقت غضبي [[مسلم 2751 - البخاري 1509.]] اللهم اجعلنا من عبادك الذين تفضلت عليهم بالمغفرة وأدخلتهم تحت أوسع الرحمة. أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مصعب بن ثابت قال: مرّ النبي صلى الله عليه وسلم على ناس من أصحابه يضحكون فقال: " اذكروا الجنة واذكروا النار " فنزلت هذه الآية. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة فأمسك عنده تسعة وتسعين رحمة وأرسل في خلقه كلهم رحمة واحدة فلو يعلم الكافر كل الذي عند الله من رحمته لم ييأس من الرحمة، ولو يعلم المؤمن بكل الذي عند الله من العذاب لم يأمن من النار [[لم يوجد بهذا اللفظ عند مسلم وورد ما جاء في حديثين مختلفين 2752 - 2755 وأخرجه البخاري في كتاب الرقاق باب 19.]]. ثم إن الله سبحانه لما أمر رسوله أن يخبر عباده بهذه البشارة العظيمة أمره بأن يذكر لهم شيئاً مما يتضمن التخويف والتحذير حتى يجتمع الرجاء والخوف ويتقابل التبشير والتحذير ليكونوا راجين خائفين فقال

الحجر 15:50

(وأن عذابي هو العذاب الأليم) أي الكثير الإيلام. وعند أن جمع الله لعباده بين هذين الأمرين من التبشير والتحذير، صاروا في حالة وسطاً بين اليأس والرجاء وخير الأمور أوسطها، وهي القيام على قدمي الرجاء والخوف، وبين حالتي الإنس والهيبة، وقيل لو يعلم العبد قدر عفو الله لما تورع عن حرام ولو يعلم قدر عذابه لما أقدم على ذنب. وفي هذه الآية لطائف منها أنه أضاف العباد إلى نفسه بقوله (نبئ عبادي) وهذا تشريف لهم وتعظيم كما أضاف في قوله (أسرى بعبده ليلاً) ولم يزد عليه ومنها أنه أكد ذكر الرحمة والمغفرة بمؤكدات ثلاثة: أولها: قوله (أني). وثانيها: (أنا). وثالثها: التعريف في (الغفور الرحيم). وهذا يدل على تغليب جانب الرحمة والمغفرة، ولم يقل في ذكر العذاب أني أنا المعذب ولم يصف نفسه بذلك بل قال على سبيل الإخبار (أن عذابي هو العذاب الأليم). ومنها أنه أمر رسوله أن يبلغ عباده هذا المعنى، فكأنه أشهد رسوله على نفسه في التزام المغفرة والرحمة. ثم أتبع ذلك بقصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ليكون سماعها مرغباً في العبادة الموجبة للفوز بدرجات السعداء، ومحذراً عن المعصية الموجبة لاستحقاق دركات الأشقياء وذكر هنا أربع قصص: قصة إبراهيم ثم قصة لوط ثم قصة شعيب ثم قصة صالح، وسيأتي تفصيلها. وافتتح من ذلك بقصة إبراهيم عليه الصلاة والسلام فقال:

الحجر 15:51

(ونبئهم عن ضيف إبراهيم) أي أخبرهم بما جرى على إبراهيم من الأمر الذي اجتمع فيه له الرجاء والخوف والتبشير الذي خالطه نوع من الوجل ليعتبروا بذلك ويعلموا أنها سنة الله في عباده؛ وأيضاً لما اشتملت القصة على إنجاء المؤمنين وإهلاك الظالمين كان في ذلك تقرير لكونه الغفور الرحيم، وأن عذابه هو العذاب الأليم. وأصل الضيف الميل، يقال أضفت إلى كذا إذا ملت إليه، والضيف من مال إليك نزولاً بك، وصارت الضيافة متعارفة في القرى، وهو في الأصل مصدر ولذلك وحد، وإن كانوا جماعة ملائكة اثني عشر أو عشرة أو ثلاثة منهم جبريل على صورة غلمان حسان أرسلهم الله إليه ليبشروه بالولد ويهلكوا قوم لوط عليه السلام، وقد مر تفسير القصة مفصلاً في سورة هود عليه السلام، وسمي الضيف ضيفاً لإضافته إلى المضيف، وقد يجمع فيقال أضياف وضيوف وضيفان

الحجر 15:52

(إذ دخلوا) أي أذكر لهم وقت دخولهم (عليه فقالوا سلاماً) أي هذا اللفظ قالوه تحية لإبراهيم. وفي الشهاب يجوز أن يكون سلاماً منصوباً بفعل مقدر أي سلمنا أو نسلم سلاماً، ويجوز نصبه بقالوا، ولم تذكر هنا تحية إبراهيم لهم، وقد ذكرت في سورة هود فالقصة هنا مختصرة. (قال إنا منكم وجلون) أي خائفون فزعون، وإنما قال هذا بعد أن قرب إليهم العجل فرآهم لا يأكلون منه كما تقدم في سورة هود، فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة. وقيل أنكر السلام منهم لأنه لم يكن في بلادهم، وقيل أنكر دخولهم عليه بغير استئذان. قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (53) قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (54) قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ (55) قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ (56) قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (57) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (58) إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (59) إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ (60) فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (61)

الحجر 15:53

(قالوا) أي الملائكة (لا توجل) أي لا تخف، قاله عكرمة، وقرئ لا تأجل وتوجل من أوجله أي أخافه (إنا نبشرك بغلام عليم) مستأنفة لتعليل النهي عن الوجل لأن المبشر لا يخاف منه، والعليم كثير العلم، وقيل هو الحليم كما وقع في موضع آخر من القرآن. وهذا الغلام هو إسحاق كما تقدم في هود، ولم يسمه هنا ولا ذكر التبشير بيعقوب اكتفاء بما سلف.

الحجر 15:54

(قال أبشرتموني) قرئ بألف الاستفهام وبغيرها (على أن مسني الكبر) أي مع حالة الكبر والهرم (فبم تبشرون) استفهام إنكار أو تعجب كأنه عجب من حصول الولد له مع ما قد صار إليه من الهرم الذي جرت العادة بأنه لا يولد لمن بلغ إليه، والمعنى فبأى شيء تبشرون، فإن البشارة بما لا يكون عادة لا تصح

الحجر 15:55

(قالوا بشرناك بالحق) أي بما يكون لا محالة، أو باليقين الذي لا لبس فيه ولا خلف فيه فإن ذلك وعد الله وهو لا يخلف الميعاد ولا يستحيل عليه شيء، فإنه القادر على كل شيء. (فلا تكن من القانطين) أي الآيسين من ذلك الذي بشرناك به فإنه تعالى قادر على أن يخلق بشراً من غير أبوين فكيف من شيخ فإن وعجوز عاقر، وكان تعجب إبراهيم باعتبار العادة دون القدرة ولذلك:

الحجر 15:56

(قال ومن يقنط من رحمة ربه) قرئ بفتح النون من يقنط وبكسرها وهما لغتان سبعيتان، وحكى فيه ضم النون شاذاً، والقنوط اليأس وبابه جلس ودخل وطرب وسلم فهو قانط وقنوط. (إلا الضالون) أي المكذبون أو المخطئون الذاهبون عن طريق الصواب والمعرفة فلا يعرفون سعة رحمة الله تعالى وكمال علمه وقدرته، كما قال الله تعالى إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون، أي إني إنما استبعدت الولد لكبر سني لا لقنوطي من رحمة ربي. ثم سألهم عما لأجله أرسلهم الله سبحانه

الحجر 15:57

(قال فما خطبكم أيها المرسلون) الخطب الأمر الخطير والشأن العظيم، أي فما أمركم وشأنكم وما الذي جئتم به غير ما قد بشرتموني به، وكان قد فهم أن مجيئهم ليس لمجرد البشارة بل لهم شأن آخر لأجله أرسلوا لأنهم كانوا عدداً والبشارة لا تحتاج إلى عدد، ولذلك اكتفى بالواحد في بشارة زكريا ومريم عليهما السلام، أو لأنهم بشروه في تضاعيف الحال لازالة الوجل، ولو كانت البشارة تمام المقصود لابتدأوه بها.

الحجر 15:58

(قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين) أي إلى قوم لهم إجرام، فيدخل تحت ذلك الشرك وما هو دونه، وهؤلاء القوم هم قوم لوط عليه السلام، ثم استثنوا منهم من ليسوا بمجرمين فقالوا:

الحجر 15:59

(إلا آل لوط) وهو استثناء متصل لأنه من الضمير المستكن في مجرمين بمعنى أجرموا كلهم إلا آل لوط فإنهم لم يجرموا، ولو كان من قوم لكان منقطعاً لكونهم قد وصفوا بكونهم مجرمين، وليس آل لوط مجرمين البتة، ويجب فيه على هذا النصب. ثم ذكروا ما سيختص به آل لوط من الكرامة لعدم دخولهم مع القوم في إجرامهم فقالوا (إنا لمنجوهم) أي آل لوط (أجمعين) وهم أتباعه وأهل بيته ودينه لايمانهم، قرئ من التنجية والإنجاء ومعناهما التخليص مما وقع فيه غيرهم وهذا الكلام استئناف إخبار بنجاتهم بكونهم لم يجرموا ويكون الإرسال حينئذ شاملاً للمجرمين ولآل لوط لإهلاك أولئك وإنجاء هؤلاء على تقدير الاتصال، وعلى أنه منقطع، جرى هذا الكلام مجرى خبر، لكن في اتصاله بآل لوط لأن المعنى لكن آل لوط ننجيهم.

الحجر 15:60

(إلا امرأته) فليست ممن ننجيه بل ممن نهلكه لكفرها، وهذا الاستثناء من الضمير في لمنجوهم إخراجاً لها من التنجية، وقيل من آل لوط باعتبار ما حكم لهم به من التنجية، والمعنى أنها من الهالكين لأن الاستثناء من النفي إثبات ومن الإثبات نفي، ومنعه الزمخشري وقال: كيف يكون استثناء من استثناء، وقد اختلف الحكمان. (قدرنا أنها لمن الغابرين) أي قضينا وحكمنا أنها من الباقين في العذاب مع الكفرة، والغابر الباقي والماضي، وهو من الاضداد وبابه دخل. قال الزجاج: معنى قدرنا دبرنا وهو قريب من معنى قضينا، وأصل التقدير جعل الشيء على مقدار الكفاية، وقرئ قدرنا بالتخفيف وبالتشديد. قال الهروي: هما بمعنى وقيل ضمن قدرنا معنى العلم فلذلك علق باللام مع كون التعليق من خصائص أفعال القلوب فكسرت إن. وقيل هذا لا يصلح علة لكسرها إنما يصلح علة لتعليقها الفعل قبلها فقط، والعلة في كسرها وجود اللام ولولاها لفتحت، وإنما أسند التقدير إلى الملائكة مع كونه من فعل الله سبحانه مجازاً لما لهم من القرب عند الله، أو أنهم رسل الله وواسطة بينه وبين خلقه.

الحجر 15:61

(فلما جاء آل لوط المرسلون) مستأنفة لبيان إهلاك من يستحق الهلاك وتنجية من يستحق النجاة، وفي الكلام حذف، أي فخرجوا من عند إبراهيم وسافروا من قريته إلى قرية لوط، وكان بينهما أربعة فراسخ، ولفظة آل زائدة بدليل ولقد جاءت رسلنا لوطاً. قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (62) قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ (63) وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (64) فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ (65) وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (66) وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (67) قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ (68) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ (69) قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ (70) قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (71)

الحجر 15:62

(قال) لوط مخاطباً لهم (إنكم قوم منكرون) لا أعرفكم بل أنكركم وأخاف أن تصيبوني بمكروه ولا أعرف غرضكم ولا من أي القبائل أنتم.

الحجر 15:63

(قالوا بل جئناك بما كانوا فيه يمترون) أي بالعذاب الذي كانوا يشكون فيه فالإضراب هو عن مجيئهم بما ينكره، كأنهم قالوا ما جئناك بما خطر ببالك من المكروه، بل جئناك بما فيه سرورك وهو عذابهم الذي كنت تحذرهم منه وهم يكذبونك فيه قبل مجيئه.

الحجر 15:64

(وأتيناك) متلبسين (بالحق) أي باليقين الذي لا مرية فيه ولا تردد أو متلبساً أنت به لإبصارك له، وهو العذاب النازل بهم لا محالة (وإنا لصادقون) في ذلك الخبر الذي أخبرناك. وقد تقدم تفسير قوله

الحجر 15:65

(فأسر بأهلك بقطع من الليل) في سورة هود أي سر في جزء من الليل بهم، وهم بنتاه، فلم يخرج من قريته إلا هو وبنتاه، وفي القرطبي في سورة هود: فخرج لوط وطوى الله له الأرض في وقته حتى نجا ووصل إلى إبراهيم (واتبع أدبارهم) أي كن من ورائهم وامش خلفهم تذودهم لئلا يتخلف منهم أحد فيناله العذاب، أو لأجل أن تطمئن عليهم وتعرف أنهم ناجون. (ولا يلتفت منكم أحد) أي أنت ولا أحد منهم فيرى ما نزل بهم من العذاب فيشتغل بالنظر في ذلك ويتباطأ عن سرعة السير والبعد عن ديار الظالمين وقيل معنى لا يلتفت لا يتخلف (وأمضوا حيث تؤمرون) أي إلى الجهة التي أمركم الله سبحانه بالمضي إليها وهي جهة الشام وقيل مصر، وقيل قرية من قرى لوط، وقيل أرض الخليل عليه الصلاة والسلام وقيل الأردن، وزعم بعضهم إن حيث هنا ظرف زمان مستدلاً بقوله (بقطع من الليل) ثم قال (وامضوا حيث تؤمرون) أي في ذلك الزمان، وهو ضعيف، ولو كان كما قال لكان التركيب وامضوا حيث أمرتم، على أنه لو جاء التركيب هكذا لم يكن فيه دلالة

الحجر 15:66

(وقضينا إليه) أي أوحينا إلى لوط عليه السلام (ذلك الأمر) هو إهلاك قومه ثم فسره بقوله: (أن دابر هؤلاء مقطوع) الدابر هو الآخر، أي أن آخر من يبقى منهم يهلك (مصبحين) أي حال كونهم داخلين في وقت الصبح، ومثله (فقطع دابر القوم الذين ظلموا) وقدره الفراء وأبو عبيدة إذا كانوا مصبحين، قال الكرخي: فإن كان تفسير معنى فصحيح، وأما الإعراب فلا ضرورة تدعو إليه، قال ابن عباس: يعني استئصال هلاكهم. ثم ذكر سبحانه ما كان من قوم لوط عند وصول الملائكة إلى قريتهم فقال

الحجر 15:67

(وجاء أهل المدينة) أي أهل مدينة قوم لوط وهي سذوم بسين مهملة فذال معجمة على وزن فعول، وأخطأ من قال بمهملة مدينة من مدائن قوم لوط كما سبق وتقدم أن هذا المجيء قبل قول الملائكة (فأسر بأهلك) فما في سورة هود على الترتيب الواقعي، وما هنا على خلافه، والواو لا تفيد ترتيباً. قال الكرخي: ذكر القصة في هود بترتيب الوقوع، وهنا أخر ذكر مجيئهم عن قول الرسل، بل جئناك مع تقدمه ليستقل الأول ببيان كيفية نصرة الصابرين، والثاني بتساوي الأمم (يستبشرون) أي مستبشرين بأضياف لوط طمعاً في ارتكاب الفاحشة منهم، والاستبشار إظهار الفرح والسرور.

الحجر 15:68

(قال) لهم لوط (إن هؤلاء ضيفي) وحد الضيف لأنه مصدر كما تقدم، والمراد أضيافي، وسماهم ضيفاً لأنه رآهم على هيئة الأضياف، وقومه رأوهم مرداً حسان الوجوه في غاية الحسن ونهاية الجمال، فلذلك طمعوا فيهم (فلا تفضحون) يقال فضحه يفضحه فضيحة وفضحاً إذا أظهر من أمره ما يلزمه العار بإظهاره. وفي المختار فضحه فافتضح، أي كشف مساويه وبابه قطع، والاسم الفضيحة والفضوح أيضًا بضمتين، والمعنى لا تفضحوني عندهم بتعرضكم لهم بالفاحشة فيعلمون إني عاجز عن حماية من نزل بي، أو لا تفضحوني بفضيحة ضيفي، فإن من فعل ما يفضح الضيف فقد فعل مايفضح المضيف.

الحجر 15:69

(واتقوا الله) في أمرهم من ركوب الفاحشة (ولا تخزون) يجوز أن يكون من الخزي وهو الذل والهوان، أي لا تذلوني، ويجوز أن يكون من الخزاية وهي الحياء والخجل، وقد تقدم تفسير ذلك في سورة هود.

الحجر 15:70

(قالوا) أي قوم لوط مجيبين له (أوَ لم ننهك عن العالمين) الاستفهام للإنكار والواو للعطف على مقدر، أي ألم نتقدم إليك وننهك عن أن تكلمنا في شأن أحد من الناس إذا قصدناه بالفاحشة، وقيل نهوه عن ضيافة غرباء الناس قال قتادة: يقولون أو لم ننهك إن تضيف أحداً أو تؤويه في قريتنا، ويجوز حمل مما في الآية على مما هو أعم من ذلك.

الحجر 15:71

(قال هؤلاء بناتي) فتزوجوهن حلالاً إن أسلمتم ولا تركبوا الحرام، وقيل أراد ببناته نساء قومه لكون النبي بمنزلة الأب لقومه أو إنه كان في شريعته يحل تزوج الكافر بالمسلمة، والأول أولى وقد تقدم تفسير هذا في هود (إن كنتم فاعلين) ما عزمتم عليه من فعل الفاحشة بضيفي أو ما أمركم به. لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (72) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (73) فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (74) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (75) وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (76) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (77) وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ (78)

الحجر 15:72

(لعمرك) العمر والعمر بالفتح والضم واحد لكنهم خصوا القسم بالمفتوح لإيثار الأخف فإنه كثير الدور على ألسنتهم؛ ذكر ذلك الزجاج وهو اسم لمدة عمارة بدن الإنسان بالحياة والروح وعيشه والبقاء مدة حياته في الدنيا، والمعنى لعمرك قسمي أو يميني فحذف الخبر لدلالة الكلام عليه. قال القاضي عياض: اتفق أهل التفسير في هذا أنه قسم من الله جل جلاله بمدة حياة محمد صلى الله عليه وسلم. وكذا حكى إجماع المفسرين على هذا المعنى أبو بكر بن العربي فقال: قال المفسرون بأجمعهم: أقسم الله تعالى هاهنا بحياة محمد صلى الله عليه وسلم تشريفاً له، قال أبو الجوزاء: ما أقسم الله سبحانه بحياة أحد غير محمد صلى الله عليه وسلم لأنه أكرم البرية عنده. وعن ابن عباس قال: ما خلق الله وما ذرأ وما برأ نفساً أكرم عليه من محمد صلى الله عليه وسلم، وما سمعت الله أقسم بحياة أحد غيره قال (لعمرك) الآية يقول وحياتك يا محمد وعمرك وبقائك في الدنيا وعيشك بها. وعن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ما حلف الله بحياة أحد إلا بحياة محمد صلى الله عليه وسلم قال (لعمرك) الآية " أخرجه ابن مردويه، كذا في الدر المنثور للسيوطي. قال ابن العربي: ما الذي يمنع أن يقسم الله سبحانه بحياة لوط ويبلغ به من التشريف ما شاء، وكل ما يعطيه الله سبحانه للوط من فضل يؤتى ضعفه من شرف لحمد صلى الله عليه وسلم لأنه أكرم على الله منه، أو لا تراه سبحانه أعطى إبراهيم الخلة وموسى التكليم وأعطى ذلك لمحمد صلى الله عليه وسلم، قال فإذا أقسم الله سبحانه بحياة لوط فحياة محمد صلى الله عليه وسلم أرفع، قال القرطبي: ما قاله حسن فإنه يكون قسمه سبحانه بحياة محمد صلى الله عليه وسلم كلاماً معترضاً في قصة لوط عليه السلام. فإن قيل قد أقسم الله سبحانه بالتين والزيتون وطور سينين ونحو ذلك فما فيها من فضل، وأجيب بأنه ما من شيء أقسم الله به إلا وفي ذلك دلالة على فضله على جنسه، وقيل الإقسام منه سبحانه بالتين والزيتون وطور سينين والنجم والضحى والشمس والليل ونحو ذلك هو على حذف مضاف هو المقسم به، أي وخالق التين وكذلك ما بعده، وفي قوله (لعمرك) أي وخالق عمرك. وذكر صاحب الكشاف وأتباعه أن هذا القسم هو من الملائكة على إرادة القول، أي قالت الملائكة للوط لعمرك، ثم قال: وقيل الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه أقسم بحياته وما أقسم بحياة أحد قط كرامة له. انتهى. وقد كره كثير من العلماء القسم بغير الله سبحانه، وجاءت بذلك الأحاديث الصحيحة في النهي عن القسم بغير الله فليس لعباده أن يقسموا بغيره وهو سبحانه يقسم بما شاء من مخلوقاته لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. (إنهم لفي سكرتهم يعمهون) أي أنهم لفي غوايتهم وشدة غِلمَتهم التي أزالت عقولهم وتمييزهم بين خطئهم والصواب الذي يشار به إليهم يتحيرون، جعل الغواية لكونها تذهب بعقل صاحبها كما تذهب به الخمر سكرة، والضمير لقريش على أن القسم بمحمد صلى الله عليه وسلم، والجملة اعتراض، أو لقوم لوط على أن القسم بلوط، قال قتادة: أي في ضلالهم يلعبون، وقال الأعمش لفي غفلتهم يترددون، وعمه من باب تعب كما في المختار.

الحجر 15:73

(فأخذتهم الصيحة) العظيمة أو صيحة جبريل والصيحة العذاب، قال ابن جريج: الصيحة مثل الصاعقة وكل شيء أهلك به قوم فهو صاعقة وصيحة (مشرقين) أي حال كونهم داخلين في وقت الشروق، يقال أشرقت الشمس أي أضاءت وشرقت إذا طلعت، وقيل هما لغتان بمعنى واحد، وأشرق القوم إذا دخلوا في وقت شروق الشمس، وقيل أراد شروق الفجر، وقيل أول العذاب كان عند شروق الفجر حين أصبحوا وامتد تمامه إلى طلوع الشمس حين أشرقوا، فلذلك قال أولاً مقطوع مصبحين وقال هاهنا مشرقين

الحجر 15:74

(فجعلنا) مرتب على أخذ الصيحة (عاليها) أي عالي المدينة أو عالي قرى قوم لوط (سافلها) وقال الزمخشري الضمير لقرى، ورجح الأول بأنه تقدم ما يعود إليه لفظاً بخلاف الثاني، والمراد بعاليها وجه الأرض وما عليه رفعها جبريل إلى السماء من الأرض السفلى وأسقطها مقلوبة إلى الأرض، وكانت أربعة قرى فيها أربعمائة ألف مقاتل. (وأمطرنا عليهم) أي على من كان خارجاً عن قراهم بأن كان غائباً في سفر أو غيره (حجارة من سجيل) أي من طين متحجر طبخ بالنار، وقد تقدم الكلام مستوفى على هذا في سورة هود.

الحجر 15:75

(إن في ذلك) المذكور من قصتهم وبيان ما أصابهم (لآيات للمتوَسِّمين) أى للمتفكرين الناظرين في الأمر يستدلون بها، وقال أبو عبيدة للمتبصرين، وقال قتادة: للمعتبرين، وقيل للمتأملين كأنهم يعرفون باطن الشيء بسمة ظاهرة وقال مجاهد للمتفرسين. وأخرج البخاري في التاريخ والترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن السني وأبو نعيم وابن مردويه والخطيب عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله، ثم قرأ (إن في ذلك لآيات للمتوسمين) " [[الترمذي كتاب التفسير سورة 15/ 6.]] والفراسة على نوعين: أحدهما: ما يوقعه الله في قلوب الصلحاء فيعلمون بذلك أحوال الناس بإصابة الحدس والنظر والظن والتثبت. والثاني: ما يحصل بدلائل التجارب والأخلاق، وللناس في هذا العلم تصانيف قديمة وحديثة، وقال ثعلب: الواسم الناظر إليك من فرقك إلى قدمك، والمعنى متقارب، وأصل التوسم التثبت والتفكر تفعل مأخوذ من الوسم وهو التأثير بحديدة في جلد البعير أو البقر، وقيل أصله استقصاء التعرف يقال توسمت أي تعرفت مستقصياً وجوه التعرف، وقيل هو من الوسم بمعنى العلامة.

الحجر 15:76

(وإنها لبسبيل مقيم) يعني قرى قوم لوط أو مدينتهم على طريق ثابت أو الباء بمعنى (في) وهي الطريق من المدينة إلى الشام فإن السالك في هذه الطريق يمر بتلك القرى ويشاهدها ويرى أثر عذاب الله وغضبه لأنه لم يدثر ولم يخف ولم يزل، وعن ابن عباس معنى لبسبيل لبهلاك، وعن مجاهد لبطريق معلم ليس يخفى وعن قتادة لبطريق واضح.

الحجر 15:77

(إن في ذلك) المذكور من المدينة أو القرى أو ما أنزل بهم من العذاب (لآية للمؤمنين) يعتبرون بها فإن المؤمنين بالله والأنبياء والمرسلين من العباد هم الذين يعتبرون بما يشاهدونه من الآثار ويعرفون إن ذلك إنما كان لانتقام الله من الجهال لأجل مخالفتهم، وأما الذين لا يؤمنون فيحملونه على حوادث العالم وحصول القرانات الكوكبية والاتصالات الفلكية. وجمع الآيات أولاً باعتبار تعدد ما قص من حديث لوط وضيف إبراهيم وتعرض قوم لوط لهم وما كان من إهلاكهم وقلب المدائن على من فيها وإمطار الحجارة على من غاب عنها، وحدها ثانياً باعتبار وحدة قرية قوم لوط المشار إليها بقوله (وأنها لبسبيل مقيم) فلا يرد كيف جمع الآية أولاً ووحدها ثانياً والقصة واحدة.

الحجر 15:78

(وإن كان أصحاب الأيكة) شروع في قصة شعيب وذكرت هاهنا مختصرة وسيأتي بسطها في سورة الشعراء، والأيكة الغيضة وهي جماع الشجر ومجمع الشيء والجمع الأيك، وفي الأصل اسم للشجر الملتف، والمراد بها هنا البقعة التي فيها شجر مزدحم، ففي الكلام مجاز من إطلاق الحال على المحل، ويروى إن شجرهم كان دوماً وهو المقل. فالمعنى وإن كان أصحاب الشجر المجتمع وأرباب بقعة الأشجار باعتبار إقامتهم فيها وملازمتهم لها (لظالمين) بتكذيبهم شعيباً، واقتصر الله سبحانه هنا على وصفهم بالظلم، وقد فصل ذلك الظلم فيما سبق، واللام فيه للتأكيد وقيل الأيكة اسم القرية التي كانوا فيها، قال أبو عبيدة: أيكة وليكة مدينتهم كمكة وبكة، وأصحابها هم قوم شعيب، وقد تقدم خبرهم. وقد أخرج ابن مردويه وابن عساكر عن ابن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " إن مدين وأصحاب الأيكة أمتان بعث الله إليهما شعيباً "، وعن ابن عباس قال: " أصحاب الأيكة هم قوم شعيب " والأيكة ذات آجام وشجر كانوا فيها. فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ (79) وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (80) وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (81) وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ (82) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (83)

الحجر 15:79

(فانتقمنا منهم) أي أهلكناهم بالعذاب وذلك أن الله سلط عليهم شدة الحر سبعة أيام حتى أخذ بأنفاسهم وقربوا من الهلاك فبعث الله سبحانه لهم سحابة كالظلة فالتجؤوا إليها واجتمعوا تحتها للتظلل يلتمسون الروح، فبعث ناراً فأحرقتهم جميعاً. (وإنهما) الضمير يرجع إلى مدينة قوم لوط ومكان أصحاب الأيكة أي وإن المكانين (لبإمام مبين) أي لبطريق واضح ظاهر، قاله ابن عباس، وقيل يعود على الخبرين خبر إهلاك قوم لوط وخبر إهلاك قوم شعيب، وقيل يعود على أصحاب الأيكة وأصحاب مدين لأنه مرسل إليهما فذكر أحدهما مشعر بالآخر وأرجح الأقوال هو الأول. والإمام اسم لما يؤتم به ومن جملة ذلك الطريق التي تسلك، قال الفراء والزجاج، سمي الطريق إماماً لأنه يؤتم به ويتبع، وقال ابن قتيبة: لأن المسافر يأتم به حتى يصل إلى الموضع الذي يريده، وقيل الضمير للأيكة، ومدين لأن شعيباً كان ينسب إليهما. ثم إن الله سبحانه ختم القصص بقصة ثمود فقال

الحجر 15:80

(ولقد كذب أصحاب الحجر) قال قتادة: هم أصحاب الوادي وكانوا ثمود قوم صالح، والحجر اسم لديار ثمود قاله الأزهري وهى ما بين مكة وتبوك، وقال ابن جرير: هي أرض بين الحجاز والشام وآثارها موجودة باقية يمر عليها ركب الشام إلى الحجاز وبالعكس. وإنما قال الله سبحانه (المرسلين) ولم يرسل إليهم إلا صالحاً لأن من كذب واحداً من الرسل فقد كذب الباقين لكونهم متفقين في الدعوة إلى الله، وقيل كذبوا صالحاً ومن تقدمه من الأنبياء، وقيل كذبوا صالحاً ومن معه من المؤمنين.

الحجر 15:81

(وآتيناهم آياتنا) المنزلة على نبيهم ومن جملتها الناقة فإن فيها آيات جمة كخروجها من الصخرة ودنوّ نتاجها عند خروجها وعظمها وكثرة لبنها وإنما إضاف الآيات إليهم وإن كانت لصالح لأنه مرسل إليهم بهذه الآيات (فكانوا عنها) أي عن الآيات (معرضين) أي غير معتبرين بها ولا ملتفتين إليها بل تاركين لها، ولهذا عقروا الناقة وخالفوا ما أمرهم به نبيهم، قال الكرخي: وذلك يدل على أن النظر والاستدلال واجب وأن التقليد مذموم.

الحجر 15:82

(وكانوا ينحتون) النحت في كلام العرب البري والنجر، نحته ينحته بالكسر نحتاً أي براه وفي التنزيل أتعبدون ما تنحتون أي تنجرون وكانوا يتخذون لأنفسهم (من الجبال بيوتاً) بضم الباء وكسرها سبعيتان أي يخرقونها في الجبال (آمنين) أي حال كونهم آمنين من الخراب ونقب اللصوص لها لشدة إحكامها أو من أن يقع عليهم الجبل أو السقف، قاله الفراء، وقيل آمنين من الموت وقيل من العذاب ركوناً منهم على قوتها ووثاقتها. وقال بعضهم المراد أنهم يتخذون بيوتاً في الجبال بنقرها وقطع الصخر منها بالمعاويل حتى تصير مساكن من غير بنيان.

الحجر 15:83

(فأخذتهم الصيحة) أي العذاب وهو الرجفة أو الزلزلة الشديدة من الأرض (مصبحين) أي داخلين في وقت الصبح، وقد تقدم ذكر الصيحة في الأعراف وفي هود وتقدم أيضاً قريباً. فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (84) وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (85) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (86) وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (87) لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (88) وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ (89) كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (90) الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (91)

الحجر 15:84

(فما أغنى) أي لم يدفع (عنهم) شيئاً من عذاب الله (ما كانوا يكسبون) من الأموال والحصون في الجبال أو من الشرك والأعمال الخبيثة. أخرج البخاري وغيره عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحاب الحجر: " لا تدخلوا على هؤلاء القوم إلا أن تكونوا باكين فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم مثل ما أصابهم " [[مسلم 2980 - البخاري 284.]] وأخرج ابن مردويه عنه قال نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم عام غزوة تبوك بالحجر عند بيوت ثمود فاستقى الناس من مياه الآبار التي كانت تشرب منها ثمود وعجنوا منها ونصبوا القدور باللحم فأمرهم بإهراق القدور وعلفوا العجين الإبل ثم ارتحل على البئر التي كانت تشرب منها الناقة ونهاهم أن يدخلوا على القوم الذين عذبوا فقال إني أخشى أن يصيبكم مثل الذي أصابهم فلا تدخلوا عليهم " [[مسلم 2981 - البخاري 1595.]].

الحجر 15:85

(وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا) متلبسة (بالحق) وهو ما فيهما من الفوائد والمصالح، ولذلك اقتضت الحكمة إهلاك أمثال هؤلاء دفعاً لفسادهم وإرشاداً لمن بقي إلى الصلاح، وقيل المراد بالحق مجازاة المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته كما في قوله سبحانه (ولله ما في السماوات وما في الأرض ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى) وقيل المراد بالحق الزوال لأنها مخلوقة وكل مخلوق زائل. (وإن الساعة لآتية) وعند إتيانها ينتقم الله ممن يستحق العذاب، ويحسن إلى من يستحق الإحسان، وفيه وعيد للعصاة وتهديد، ثم أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يصفح عن قومه فقال (فاصفح الصفح الجميل) أي تجاوز عنهم واعف عفواً حسناً، وقيل فأعرض عنهم إعراضاً جميلاً ولا تعجل عليهم بالانتقام وعاملهم معاملة الصفوح الحليم. قال عليّ: الصفح الجميل الرضا بغير عتاب؛ وعن ابن عباس مثله وعن مجاهد قال: هذه الآية قبل القتال: وعن عكرمة مثله، يعني هذا منسوخ بآية السيف وفيه بعد، لأن الله أمر نبيه أن يظهر الخلق الحسن وأن يعاملهم بالعفو والصفح الخالي من الجزع والخوف والأمر بالصفح الجميل لا ينافي قتالهم.

الحجر 15:86

(إن ربك هو الخلاق) أي الخالق للخلق جميعاً (العليم) بأحوالهم وبالصالح والطالح منهم.

الحجر 15:87

(ولقد آتيناك سبعاً من المثاني) من للتبعيض أو للبيان على اختلاف الأقوال في المراد، ذكر معنى ذلك الزجاج فقال: هي للتبعيض إذا أردت بالسبع الفاتحة أو الطوال، وللبيان إذا أردت الاسباع؛ واختلف أهل العلم فيها ماذا هي، فقال جمهور المفسرين أنها الفاتحة. قال الواحدي: وأكثر المفسرين على أنها فاتحة الكتاب، وهو قول عمر وعلي وابن مسعود والحسن ومجاهد وقتادة والربيع والكلبي، وزاد القرطبي أبا هريرة وأبا العالية، وزاد النيسابوري الضحاك. وسعيد بن جبير، وقد روي ذلك من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سيأتي بيانه فتعين المصير إليه. وقيل هي السبع الطوال: البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف والسابعة الأنفال والتوبة لأنهما كسورة واحدة إذ ليس بينهما تسمية روي هذا عن ابن عباس. وقيل السابعة هي سورة يونس، وقيل المراد بها السبعة الأحزاب فإنها سبع صحائف: وقيل هي السور التي دون الطوال وفوق المفصل وهي التين. والمثاني جمع مثناة من التثنية وهي التكرير أو جمع مثنية. وقال الزجاج: يثنى بما يقرأ بعدها معها؛ فعلى القول الأول يكون وجه تسمية الفاتحة مثاني أنها تثنى أي تكرر في كل صلاة، وعلى القول بأنها السبع الطوال فوجه التسمية أن العبر والأحكام والحدود كررت فيها، وعلى القول بأنه السبعة الأحزاب يكون وجه التسمية هو تكرير ما في القرآن من القصص ونحوها. وقد ذهب إلى أن المراد بالسبع المثاني القرآن كله الضحاك وطاووس وأبو مالك وهو رواية عن ابن عباس، واستدلوا بقوله تعالى (كتاباً متشابهاً مثاني) وقيل المراد بالسبع المثاني أقسام القرآن: وهي الأمر والنهي والتبشير والإنذار وضرب الأمثال وتعريف النعم، وأنباء القرون الماضية، قاله زياد بن أبي مريم. ولا يخفى عليك أن تسمية الفاتحة مثاني لا يستلزم نفي تسمية غيرها بهذا الاسم، وقد تقرر أنها المرادة بهذه الآية فلا يقدح في ذلك صدق وصف المثاني على غيرها (والقرآن العظيم) المراد به سائر القرآن؛ قاله ابن مسعود، فيكون من عطف العام على الخاص لأن الفاتحة بعض من القرآن؛ وكذلك أن أريد بالسبع المثاني السبع الطوال لأنها بعض من القرآن إن أريد به القدر المشترك الصادق على الكل والبعض أو من عطف الكل على البعض إن أريد به المجموع الشخصي. وأما إذا أريد بها السبعة الأحزاب أو جميع القرآن أو أقسامه من باب عطف أحد الوصفين على الآخر. ومما يقوي كون السبع المثاني هي الفاتحة أن هذه السورة مكيّة وأكثر السبع الطوال مدنية؛ وكذلك أكثر القرآن وأكثر أقسامه، وظاهر قوله (ولقد آتيناك) الخ أنه قد تقدم إيتاء السبع على نزول هذه الآية. وقد ثبت في صحيح البخاري من حديث أبي سعيد بن المعلى أنه قال له النبي صلى الله عليه وسلم: ألا أعلمك أفضل سورة قبل أن أخرج من المسجد؛ فذهب النبي صلى الله عليه وسلم ليخرج فذكرت فقال " الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني والقرآن العظيم " [[البخاري التفسير سورة 1/ 1 - 15/ 3. الترمذي كتاب ثواب القرآن الباب1.]]. وأخرج البخاري أيضاً من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أم القرآن هي السبع المثاني والقرآن العظيم " [[البخاري، كتاب فضائل القرآن، الباب 9 - الترمذي، كتاب ثواب القرآن، باب1.]]. فوجب بهذا المصير إلى القول بأنها فاتحة الكتاب، ولكن تسميتها بذلك لا ينافي تسمية غيرها به كما قدمنا، وعن الضحاك قال: المثاني القرآني يذكر الله القصة الواحدة مراراً، وعن زياد بن أبي مريم في الآية قال: أعطيتك سبعة أجزاء: مُرْ، وأنْهَ، وبشِّر، وأنذر، واضرب الأمثال، واعدد النعم، واتل نبأ القرآن. ثم لما بيَّن الله لرسوله صلى الله عليه وسلم ما أنعم به عليه من هذه النعمة الدينية نفره الله عن اللذات العاجلة الزائلة فقال

الحجر 15:88

(لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً منهم) أي لا تطمح ببصرك إلى زخارف الدنيا طموح رغبة فيها وتمن لها؛ قال الواحدي: إنما يكون ماداً عينيه إلى الشيء إذا أدام النظر نحوه وإدامة النظر إليه تدل على استحسانه وتمنيه. وقال بعضهم: المعنى لا تحسدن أحداً على ما أوتي من الدنيا، ورد بأن الحسد منهى عنه مطلقاً، وإنما قال في هذه السورة لا تمدن بغير واو؛ لأنه لم يسبقه طلب بخلاف ما في سورة طه. وعن ابن عباس قال: في قوله لا تمدن عينيك نهى الرجل أن يتمنى مال صاحبه والأزواج الأصناف قاله ابن قتيبة. وقال الجوهري: الأزواج القرناء؛ وقيل يعني اليهود والنصارى والمجوس. وعن مجاهد في قوله أزواجاً منهم، قال الأغنياء الأمثال والأشباه. وعن سفيان بن عيينة قال: من أعطي القرآن فمد عينيه إلى شيء مما صغر القرآن فقد خالف القرآن ألم تسمع قوله (ولقد آتيناك سبعاً من المثاني) إلى قوله (ورزق ربك خير وأبقى) وقد فسر ابن عيينة أيضاً الحديث الصحيح " ليس منا من لم يتغن بالقرآن " [[البخاري، كتاب التوحيد، باب 44 - أبو داود، كتاب الوتر، الباب 20.]] فقال إن المعنى لم يستغن به. ثم لما نهاه عن الالتفات إلى أموالهم وأمتعتهم نهاه عن الالتفات إليهم فقال (ولا تحزن عليهم) حيث لم يؤمنوا وصمموا على الكفر والعناد. وقيل المعنى لا تحزن على ما متعوا به في الدنيا وفاتك من مشاركتهم فيها فإن لك الآخرة؛ والأول أولى. روى البغوي بسنده عن أبي هريرة قال؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا تغبطن فاجراً بنعمته فإنك لا تدري ما هو لاق بعد موته إن له عند الله قاتلاً لا يموت، قيل وما هو؟ قال النار " [[مشكاة المصابيح 5248.]]. وعنه عند مسلم مرفوعاً " انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم " [[مسلم 2963 - البخاري 2434.]] قال عوف: كنت أصحب الأغنياء فما كان أحداً أكثر هماً مني، كنت أرى دابة خيراً من دابتي وثوباً خيراً من ثوبي، فلما سمعت هذا الحديث صحبت الفقراء فاسترحت. ثم لما نهاه عن أن يمد عينيه إلى أموال الكفار وأن يحزن عليهم وكان ذلك يستلزم التهاون بهم وبما معهم أمره أن يتواضع للمؤمنين فقال (واخفض جناحك للمؤمنين) خفض الجناح كناية عن التواضع ولين الجانب، ومنه قوله سبحانه (واخفض لهما جناح الذل) وأصله أن الطائر إذا ضم فرخه إلى نفسه بسط جناحه ثم قبضه على الفرخ، فجعل ذلك وصفاً لتواضع الإنسان لأتباعه، ويقال فلان خافض الجناح أي وقور ساكن، والجناحان من ابن آدم جانباه، ومنه واضمم يدك إلى جناحك.

الحجر 15:89

(وقل إني أنا النذير المبين) أي المنذر المظهر لقومه ما يصيبهم من عذاب الله

الحجر 15:90

(كما أنزلنا على المقتسمين) عذاباً، أي إني أنا النذير لكم من عذاب مثل عذاب المقتسمين الذي أنزلناه عليهم كقوله تعالى (أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود) وقيل أن الكاف زائدة، وقيل متعلق بمحذوف والتقدير أنزلنا إليك إنزالاً مثل ما أنزلنا. قاله الكرخي. وقيل هو متعلق بقوله (ولقد آتيناك) أي أنزلنا عليك مثل ما أنزلنا على أهل الكتاب وهم المقتسمون قاله الزمخشري، والأولى أن يتعلق بقوله (إني أنا النذير المبين) لأنه في قوة الأمر بالإنذار. وقد اختلف في المقتسمين من هم على أقوال سبعة، فقال مقاتل والفراء: هم ستة عشر رجلاً بعثهم الوليد بن المغيرة أيام الموسم فاقتسموا أعقاب مكة وأنقابها وفجاجها، يقولون لمن دخل مكة لا تغتروا بهذا الخارج فينا فإنه مجنون، وربما قالوا ساحر، وربما قالوا شاعر، وربما قالوا كاهن، فقيل لهم المقتسمون لأنهم اقتسموا هذه الطرق. وقيل إنهم قوم من قريش اقتسموا كتاب الله فجعلوا بعضه شعراً وبعضه سحراً وبعضه كهانة وبعضه أساطير الأولين، قاله قتادة، وقيل هم أهل الكتاب وسموا مقتسمين لأنهم كانوا يقسمون القرآن استهزاء فيقول بعضهم هذه السورة لي وهذه لك، روي هذا عن ابن عباس، وقيل أنهم اقتسموا كتابهم وفرقوه وبددوه وحرفوه. وقيل المراد قوم صالح تقاسموا على قتله فسموا مقتسمين كما قال تعالى (تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله). قلت: وفي هذا الوجه قرب من حيث المقاسمة وبعد من حيث وصفهم بجعلهم القرآن عضين، وأما الأوجه الآخرة فهي مستقيمة، وقيل تقاسموا أيماناً تحالفوا عليها قاله الأخفش، وقيل أنهم العاص بن وائل وعتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبو جهل بن هشام وأبو البختري والنضر بن الحرث وأمية بن خلف وشيبة بن الحجاج؛ ذكره الماوردي.

الحجر 15:91

(الذين جعلوا القرآن عضين) جمع عضة وأصلها عضوة فعلة من عضى الشاة إذا جعلها أعضاء وأجزاء فيكون المعنى على هذا: الذين جعلوه أجزاء متفرقة بعضه شعر وبعضه سحر وبعضه كهانة ونحو ذلك، وقيل مأخوذ من عضهته إذا بهته فالمحذوف منه الهاء لا الواو، وجمعت العضة على المعنيين جمع العقلاء، وقيل معنى عضين إيمانهم ببعض الكتاب وكفرهم ببعض، وقيل العضة والعضين في لغة قريش السحر وهم يقولون للساحر عاضه وللساحرة عاضهة. وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن العاضهة والمستعضهة وفسر بالساحرة والمستسحرة، والمعنى أنهم أكثروا البهت على القرآن وسموه سحراً وكذباً وأساطير الأولين، ونظير عضة في النقصان شفة والأصل شفهة وكذلك سنة أصلها سنهة، قال الكسائي: العضة الكذب والبهتان، وجمعها عضون وقال الفراء: أنه مأخوذ من العضاة وهي شجرة تؤذي وتجرح كالشوك، ويجوز أن يراد بالقرآن التوراة والإنجيل لكونهما مما يقرأ ويراد بالمقتسمين هم اليهود والنصارى، أي جعلوهما أجزاء متفرقة وهو أحد الأقوال المتقدمة. فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93) فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (94) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (95) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (96) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (97) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (98) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (99)

الحجر 15:92

(فوربك) أقسم الله سبحانه بنفسه الكريمة وربوبيته العظيمة (لنسألنهم) أي هؤلاء الكفرة (أجمعين) يوم القيامة سؤال توبيخ

الحجر 15:93

(عما كانوا يعملون) في الدنيا من الأعمال التي يحاسبون عليها ويسألون عنها، وقيل إن المراد سؤالهم عن كلمة التوحيد. وقد أخرج الترمذي وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم في الآية قال عن قول لا إله إلا الله، وروي عن أنس موقوفاً، وعن ابن عمر مثله، والعموم يفيد ما هو أوسع من ذلك. وقيل أن المسؤولين هاهنا هم جميع المؤمنين والعصاة والكفار، ويدل عليه قوله: (ثم لتسألن يومئذ عن النعيم) وقوله: (وقفوهم إنهم مسؤولون) وقوله (إن إلينا إيابهم، ثم إن علينا حسابهم) وممكن أن يقال إن قصر هذا السؤال على المذكورين في السياق وصرف العموم إليهم لا ينافي سؤال غيرهم.

الحجر 15:94

(فاصدع بما تؤمر) قال الزجاج: يقول أظهر ما تؤمر به من الشرائع أخذاً من الصديع وهو الصبح انتهى. وأصل الصدع الفرق والشق يقال صدعته فانصدع أي انشق وتصدع القوم أي تفرقوا، ومنه يومئذ يصدعون أي يتفرقون، قال الفراء: أراد فاصدع بالأمر أي أظهر دينك، فـ (ما) مع الفعل على هذا بمنزلة المصدر، وقال ابن الأعرابي معناه اقصد، وقيل فرق جمعهم وكلمتهم بأن تدعوهم إلى التوحيد فإنهم يتفرقون، والأولى أن الصدع الإظهار كما قاله الزجاج والفراء وغيرهما. قال الواحدي: قال المفسرون أي اجهر بالأمر أي بأمرك بعد إظهار الدعوة وما زال النبي صلى الله عليه وسلم مستخفياً حتى نزلت هذه الآية فخرج هو وأصحابه وقال ابن عباس هذا أمر من الله لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم بتبليغ رسالته قومه وجميع من أرسل إليه، واصدع بمعنى أمضه وأعلن. ثم أمره الله سبحانه بعد أمره بالصدع بالإعراض وعدم الالتفات إلى المشركين فقال (وأعرض عن المشركين) أي لا تبال بهم ولا تلتفت إليهم إذا لاموك على إظهار الدعوة. قال ابن عباس نسخه قوله تعالى (واقتلوا المشركين) وليس للنسخ وجه لأن معنى الإعراض ترك المبالاة بهم والالتفات إليهم، فلا يكون منسوخاً. ثم أكد هذا الأمر وثبت قلب رسوله صلى الله عليه وسلم بقوله

الحجر 15:95

(إنا كفيناك المستهزئين) مع أنهم كانوا من أكابر الكفار وأهل الشوكة فيهم، فإذا كفاه الله أمرهم بقمعهم وتدميرهم كفاه أمر من هو دونهم بالأولى، وهؤلاء المستهزئون كانوا خمسة من رؤساء أهل مكة الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل والأسود بن المطلب والأسود بن عبد يغوث والحرث بن الطلاطلة، كذا قال القرطبي ووافقه غيره من المفسرين. وقد أهلكهم الله جميعاً يوم بدر، وكفاه أمرهم في يوم أحد، وقد روي هذا عن جماعة من الصحابة مع زيادة في عددهم ونقص على طول في ذلك. ثم وصف هؤلاء المستهزئين بالشرك فقال

الحجر 15:96

(الذين يجعلون مع الله إلهاً آخر) فلم يكن ذنبهم مجرد الاستهزاء بل لهم ذنب آخر وهو الشرك بالله سبحانه ثم توعدهم فقال (فسوف يعلمون) كيف عاقبتهم في الآخرة وما يصيبهم من عقوبة الله سبحانه. ثم ذكر تسلية أخرى لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد التسلية الأولى بكفايته شرهم ودفعه مكرهم فقال

الحجر 15:97

(ولقد نعلم إنك يضيق صدرك بما يقولون) الأقوال الكفرية المتضمنة للطعن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسحر والجنون والكهانة والكذب وقد كان يحصل ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم بمقتضى الجبلة البشرية والمزاج الإنساني وإن كان مفوضاً جميع أموره لربه. ثم أمره سبحانه بأن يفزع لكشف ما نابه من ضيق الصدر إلى تسبيح الله سبحانه وحمده فقال

الحجر 15:98

(فسبح بحمد ربك) أي افزع إلى الله فيما نابك وافعل التسبيح المتلبس بالحمد أو فنزهه عما يقولون حامداً له على أن هداك للحق (وكن من الساجدين) أي من المصلين فإنك إذا فعلت ذلك كشف الله همك وأذهب غمك وشرح صدرك، وفي الكلام مجاز ثم أمره بعبادة ربه فقال:

الحجر 15:99

(واعبد ربك) من عطف العام على الخاص أي دم على عبادته إلى غاية هي قوله (حتى يأتيك اليقين) قال الواحدي: قال جماعة المفسرين يعني الموت " لأنه موقن به متيقن الوقوع والنزول، لا يشك فيه أحد. وقال أبو حيان: أن اليقين من أسماء الموت وبنزوله يزول كل شك، ووقَّت العبادة بالموت إعلاماً بأنها ليست لها نهاية دون الموت، فلا يرد ما قيل أي فائدة لهذا التوقيت مع أن كل أحد يعلم أنه إذا مات سقطت عنه العبادات. وإيضاح الجواب أن المراد واعبد ربك في جميع زمان حياتك ولا تخل لحظة من لحظات الحياة من العبادة والله أعلم بمراده. قال الزجاج: المعنى اعبد ربك أبداً لأنه لو قيل أعبد ربك بغير توقيت لجاز إذا عبد الإنسان مرة أن يكون مطيعاً فإذا قال حتى يأتيك اليقين فقد أمره بالإقامة على العبادة أبداً ما دام حياً، ومثله قوله تعالى في سورة مريم (وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حياً) وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة. أخرج سعيد بن منصور وابن المنذر والحاكم في التاريخ وابن مردويه والديلمي عن أبي مسلم الخولاني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أوحي إلي أن اجمع المال وكن من التاجرين، ولكن أوحي إليّ أن سبح بحمد ربك وكن من الساجدين واعبد ربك حتى يأتيك اليقين " وروي بطرق كثيرة.

النحل 16:1

بسم الله الرحمن الرحيم سورة النحل (مائة وثمان وعشرون آية) وهي مكية كلها في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر بن عبد الله، وروي عن ابن عباس وأبي الزبير أنها نزلت بمكة سوى ثلاث آيات من آخرها فإنهن نزلن بين مكة والمدينة في منصرف رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - من أحد وهي قوله تعالى: (ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلاً) إلى قوله (تعملون) وقال قتادة هي مكية إلا خمس آيات وهي قوله: (والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا) وقوله: (ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا) وقوله: (وإن عاقبتم) إلى آخر السورة، وزاد مقاتل قوله: (من كفر بالله من بعد إيمانه) الآية (وضرب الله مثلاً قرية)، وحكى الأصم عن بعضهم أنها كلها مدنية، والأول أولى وتسمى هذه سورة النعم بسبب ما عدد الله فيها من النعم. بسم الله الرحمن الرحيم أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (1) يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ (2) خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (3) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (4) وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (5) وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (6) وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (7) (أتى أمر الله) أي جاء ودنا وقرب عقابه للمشركين بالقتل بالسيف، والتعبير بالماضي لتحقق وقوعه، وقال جماعة من المفسرين الأمر القيامة، قال الزجاج: هو ما وعدهم به من المجازاة على كفرهم، ولما نزلت هذه الآية قال النبي صلى الله عليه وسلم " بعثت أنا والساعة كهاتين ويشير بأصبعيه يمدهما " أخرجاه في الصحيحين من حديث سهل بن سعد. وقيل أن المراد بالأمر حكمه بذلك وقد وقع وأتى، فأما المحكوم به فإنه لم يقع لأنه سبحانه حكم بوقوعه في وقت معين فقبل مجيء ذلك الوقت لا يخرج إلى الوجود وقيل المراد بإتيانه إتيان مباديه ومقدماته، وقال الضحاك: يعني الأحكام والحدود والفرائض. (فلا تستعجلوه) أي فلا تطلبوا حضوره قبل ذلك الوقت فإنه واقع لا محالة ولا خير لكم فيه ولا خلاص لكم منه، وقد كان المشركون يستعجلون العذاب كما قال النضر بن الحرث (اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء) الآية. والمعنى قَرَب أمر الله فلا تستعجلوه وقوعاً، وقد كان استعجالهم على طريقة الاستهزاء من دون استعجال على الحقيقة، وفي نهيهم عن الاستعجال تهكم بهم. (سبحانه وتعالى عما يشركون) أي تنزه الله وترفع عن إشراكهم أو عن أن يكون له شريك، وشركهم هاهنا هو ما وقع منهم من استعجال العذاب وقيام الساعة استهزاء وتكذيباً، فإنه يتضمن وصفهم له سبحانه بأنه لا يقدر على ذلك وإنه عاجز عنه، والعجز وعدم القدرة من صفات المخلوق لا من صفات الخالق فكان ذلك شركاً. وهذه الجملة تنازع فيها العاملان، وفيه التفات من الخطاب إلى الغيبة تحقيراً لشأنهم وحطاً لدرجتهم عن رتبة الخطاب، وفي قراءة سبعية بالتاء وما مصدرية فلا عائد لها عند الجمهور أو موصولة كما قاله السمين، أي عما يشركونه به و (ما) عبارة عن الأصنام.

النحل 16:2

(ينزل الملائكة) قرئ بالياء التحتية والفاعل هو الله سبحانه، وقرئ تنزل من التفعل والأصل تتنزل، فالفعل مستند إلى الملائكة، وقرئ تنزل على البناء للمفعول وننزل بالنون، والمراد بالملائكة هنا جبريل، وعبر عنه بالجمع تعظيماً له (بالروح) هو الوحي قاله ابن عباس، ومثله يلقي الروح من أمره، وسمي الوحي روحاً لأنه يحيى قلوب المؤمنين، فإن من جملة الوحي القرآن، وهو نازل من الدين منزلة الروح من الجسد، وبه قال الحسن. فالتعبير بالروح عن الوحي على طريق الاستعارة التصريحية بجامع أن الروح به إحياء البدن والوحي به إحياء القلوب من الجهالات. وقيل المراد أرواح الخلائق وقيل الرحمة وقيل الهداية لأنها تحيا بها القلوب كلما تحيا الأبدان بالأرواح قال الزجاج: الروح ما كان فيه من الله حياة بالإرشاد إلى أمره. وقال أبو عبيدة: الروح هنا جبريل، ويكون الباء على هذا بمعنى مع. وعن ابن عباس قال: الروح أمر من أمر الله وخلق من خلق الله وصورهم على صورة بني آدم وما ينزل من السماء ملك إلا ومعه واحد من الروح، ثم تلا (يوم يقوم الروح والملائكة صفاً). ومن في (من أمره) بيانية أي ناشئاً ومبتدئاً من أمره أو صفة للروح أو متعلق بينزل (على من يشاء من عباده) يعني من يصطفيه للنبوة والرسالة وتبليغ الوحي إلى الخلق وهم الأنبياء؛ ووجه اتصال هذه الجملة بما قبلها أنه صلى الله عليه وسلم لما أخبرهم عن الله أنه قد قرب أمره ونهاهم عن الاستعجال ترددوا في الطريق التي علم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، فأخبر أنه علم بها بالوحي على ألسن رسل الله سبحانه من ملائكته. (أن أنذروا) قال الزجاج أي ينزلهم بأن أنذروا أو المعنى بأن الشأن أقول لكم أنذروا أي أعلموا الناس. وعبارة البيضاوي وأن مفسرة لأن الروح بمعنى الوحي الدال على القول أو مصدرية في موضع الجر بدلاً من الروح، أو النصب بنزع الخافض أو مخففة من الثقيلة. (أنه لا إله إلا أنا) أي مروهم بتوحيدي واعلموهم ذلك مع تخويفهم لأن في الإنذار تخويفاً وتهديداً والضمير في أنه للشأن (فاتقون) رجوع إلى مخاطبتهم بما هو المقصود، والخطاب للمستعجلين على طريق الالتفات وهو تحذير لهم من الشرك بالله والفاء فصيحة. وفي الشهاب إذا كان الإنذار بمعنى التخويف فالظاهر دخول فاتقون في المنذر به لأنه هو المنذر به في الحقيقة؛ وإذا كان بمعنى الإعلام فالمقصود بالإعلام هو الجملة الأولى، وهذا متفرع عليها انتهى. وفيه تنبيه على الأحكام الفرعية بعد التنبيه على الأحكام العلمية بقوله أنه لا إله إلا الله، فقد جمعت هذه الآية بين الأحكام الأصلية والفرعية. ثم إنه سبحانه لما أرشدهم إلى توحيده ذكر دلائل التوحيد فقال

النحل 16:3

(خلق السماوات والأرض) أي أوجدهما على هذه الصفة التي هما عليها (بالحق) أي للدلالة على قدرته ووحدانيته، وقيل المراد بالحق هنا الفناء والزوال (تعالى) الله (عما يشركون) أي تقدس وترفع عن إشراكهم أو عن شريكه الذي يجعلونه شريكاً له، وقيل عما يشركونه من الأصنام أو منهما أي السماوات والأرض. ثم لما كان نوع الإنسان أشرف أنواع المخلوقات السفلية قدمه وخصه بالذكر فقال

النحل 16:4

(خلق الإنسان) وهو اسم لجنس هذا النوع (من نطفة) أي من جماد يخرج من حيوان وهو المني فقلبه أطواراً إلى أن كملت صورته ونفخ فيه الروح وأخرجه من بطن أمه إلى هذه الدار فعاش فيها ومن لابتداء الغاية وانتهاؤها محذوف كما قرره الكرخي والنطفة القطرة من الماء يقال نطف رأسه ماء أي قطر، وقيل هي الماء الصافي ويعبر بها عن ماء الرجل والمرأة جمعها نطف ونطاف ولا يستعمل للنطفة فعل من لفظها. (فإذا هو) بعد خلقه على هذه الصفة (خصيم) كثير الخصومة والمجادلة والمعنى أنه كالمخاصم لله سبحانه في قدرته (مبين) ظاهر الخصومة وواضحها، وقيل يبين عن نفسه ما يخاصم به من الباطل والمبين هو المفصح عما في ضميره بمنطقه ومثله قوله تعالى (أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين) قيل نزلت في أبىّ بن خلف والأولى أنها عامة في كل ما يقع من الخصومة في الدنيا ويوم القيامة فإنه لا اعتبار بخصوص السبب إذا اقتضى المقام العموم كما تقرر. قال الكرخي أن هذه ذكرت لتقرير الاستدلال على وجود الصانع الحكيم لا لتقرير وقاحة الناس وتماديهم في الغي والكفر. ثم عقب ذكر خلق الإنسان بخلق الأنعام لما فيها من النفع لهذا النوع والامتنان بها أكمل من الامتنان بغيرها فقال

النحل 16:5

(والأنعام خلقها) وهي الإبل والبقر والغنم ويدخل في الغنم المعز وأكثر ما يقال نعم وأنعام للإبل، ويقال للمجموع ولا يقال للغنم مفردة، وقال الجوهري: والنعم واحد الأنعام وأكثر ما يقع هذا الاسم على الإبل. ثم لما أخبر سبحانه بأنه خلقها لبني آدم بين المنفعة التي فيها لهم، قال الواحدي تم الكلام عند هذا ثم ابتدأ فقال (لكم فيها دفء) ويجوز أن يكون تمامه عند قوله لكم. والأول أولى وأحسن والدفء السخانة وهو ما استدفئ به من أصوافها وأوبارها وأشعارها، قال ابن عباس: دفء الثياب أي من الأكسية والأردية قال بعض المفسرين أن في الآية التفاتاً من الغيبة في الإنسان إلى الخطاب في لكم فيقتضي أن المخاطب مطلق بني آدم المندرجين تحت الإنسان. (ومنافع) أي ما ينتفعون به من الأطعمة والأشربة، قاله ابن عباس وهي درها وركوبها ونتاجها والحراثة ونحو ذلك، وقد قيل أن الدفء النتاج واللبن قال في الصحاح الدفء نتاج الإبل وألبانها وما ينتفع به منها، ثم قال والدفء أيضًا السخونة، وعلى هذا فإن أريد بالدفء المعنى الأول فلا بد من حمل المنافع على ما عداه مما ينتفع به منها وأن حمل على المعنى الثاني كان تفسير المنافع بما ذكرناه واضحاً، وقيل المراد بالمنافع النتاج خاصة، وقيل الركوب. (ومنها) أي من لحومها وشحومها (تأكلون) وخص هذه المنفعة بالذكر مع دخولها تحت المنافع لأنها أعظمها، وقيل خصها لأن الانتفاع بلحمها وشحمها تعدم عنده عينها بخلاف غيره من المنافع التي فيها، وتقديم الظرف المؤذن بالاختصاص للإشارة إلى أن الأكل منها هو الأصل وغيره نادر فالأكل من غيرها كالدجاج والبط والأوز وصيد البر والبحر يجري مجرى التفكه به، وقيل تقديم الظرف للفاصلة لا للحصر. ولما كانت منفعة اللباس أكثر وأعظم من منفعة الأكل قدمه على الأكل

النحل 16:6

(ولكم فيها) مع ما تقدم ذكره (جمال) هو ما يتجمل به ويتزين والحسن والمعنى هنا لكم فيها تجمل وتزين عند الناظرين إليها (حين تريحون وحين تسرحون) أي في هذين الوقتين وهما وقت ردها من مراعيها ووقت تسريحها إليها فالرواح والإراحة رجوعها بالعشي وردها من المراعي والسراح مسيرها إلى مراعيها بالغداة. يقال سرحت الإبل أسرحها سرحاً وسروحاً إذا غدوت بها إلى المرعى وقدم الإراحة على التسريح مع أنه خلاف الواقع لأن منظرها عند الإراحة أجمل وذواتها أحسن لكونها في تلك الحالة قد نالت حاجتها من الأكل والشرب فعظمت بطونها وانتفخت ضروعها فيفرح أهلها بها بخلاف تسريحها إلى المرعى فإنها تخرج جائعة البطون ضامرة الضروع. وخص هذين الوقتين لأنهما وقت نظر الناظرين إليها لأنها عند استقرارها في الحظائر لا يراها أحد، وعند كونها في مراعيها هي متفرقة غير مجتمعة كل واحد منها يرعى في جانب، وأكثر ما تكون هذه الراحة أيام الربيع إذا سقط الغيث ونبت العشب والكلأ وخرجت العرب للنجعة، وأحسن ما تكون النعم في هذا الوقت فإنه يسمع للإبل رغاء وللبقر خوار وللشياه ثغاء يجاوب بعضها بعضاً.

النحل 16:7

(وتحمل) أي الأنعام والمراد بها هنا الإبل خاصة (أثقالكم) جمع ثقل وهو متاع المسافر من طعام وغيره، وسمي ثقلاً لأنه يثقل الإنسان حمله، وقيل المراد أبدانهم (إلى بلد) غير بلدكم (لم تكونوا بالغيه) أي واصلين إليه لو لم يكن معكم إبل تحمل أثقالكم (إلا بشق الأنفس) لبعده عنكم وعدم وجود ما يحمل ما لا بد لكم منه في السفر، وظاهره يتناول كل بلد بعيد من غير تعيين، وقيل المراد بالبلد مكة، قاله ابن عباس، وقيل اليمن ومصر والشام لأنها متاجر العرب، وشق الأنفس مشقتها، قرئ بكسر الشين وبفتحها. قال الجوهري: الشق المشقة، ومنه قوله تعالى (إلا بشق الأنفس) وحكى أبو عبيدة فتح الشين وهما بمعنى، ويجوز أن يكون المفتوح مصدراً من شققت عليه أشق شقاً والمكسور بمعنى النصف، يقال أخذت شق الشاة وشقة الشاة، ويكون المعنى على هذا لم تكونوا بالغيه إلا بذهاب نصف الأنفس من التعب. قد امتن الله سبحانه على عباده بخلق الأنعام على العموم ثم خص الإبل بالذكر لما فيها من نعمة حمل الأثقال دون البقر والغنم، والاستثناء من أعم العام أي لم تكونوا بالغيه بشيء من الأشياء إلا بشق الأنفس، قال ابن عباس: لو تكلفتموه لم تطيقوه إلا بجهد شديد (إن ربكم لرءوف رحيم) حيث رحمكم بخلق هذه الحوامل وتيسير هذه المصالح. وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (8) وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (9) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (10) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (11)

النحل 16:8

(والخيل والبغال والحمير) أي وخلق لكم هذه الثلاثة الأصناف، وسميت الخيل خيلاً لاختيالها في مشيها وواحد الخيل خائل كضائن واحد الضأن، وقيل اسم جنس لا واحد له من لفظه بل من معناه وهو الفرس، والبغال جمع بغل وهو المتولد من الخيل والحمير والحمير جمع حمار. ثم علَّل سبحانه خلق هذه الأنواع الثلاثة بقوله (لتركبوها) وهذه العلّة هي باعتبار معظم منافعها لأن الانتفاع بها في غير الركوب معلوم كالتحميل عليها (وزينة) عطف على محل لتركبوها لأنها في محل نصب على أنه علة لخلقها، ولم يقل لتتزينوا بها حتى يطابق لتركبوها، لأن الركوب فعل المخاطبين والزينة فعل الزائن وهو الخالق. والتحقيق فيه أن الركوب هو المعتبر في المقصود بخلاف الزينة فإنه لا يلتفت إليه أهل الهمم العالية لأنه يورث العجب، فكأنه سبحانه قال خلقتها لتركبوها فتدفعوا بواسطتها عن أنفسكم ضرر الإعياء والمشقة، وأما التزين بها فهو حاصل في نفس الأمر ولكنه غير مقصود بالذات. وقد استدل بهذه الآية القائلون بتحريم لحوم الخيل قائلين بأن التعليل بالركوب يدل على أنها مخلوقة لهذه المصلحة دون غيرها، قالوا ويؤيد ذلك إفراد هذه الأنواع الثلاثة بالذكر وإخراجها عن الأنعام، فيفيد ذلك اتحاد حكمها في تحريم الأكل، قالوا ولو كان أكل الخيل جائزًا لكان ذكره والامتنان به أولى من ذكر الركوب لأنه أعظم فائدة منه. وقد ذهب إلى هذا مالك وأبو حنيفة وأصحابهما والأوزاعي ومجاهد وأبو عبيد وغيرهم، وذهب الجمهور من الفقهاء والمحدثين وغيرهم إلى حل لحوم الخيل، وهو قول الحسن وشريح وعطاء وسعيد بن جبير، وإليه ذهب الشافعي وأحمد وإسحاق، ولا حجة لأهل القول الأول في التعليل بقوله لتركبوها، لأن ذكر ما هو الأغلب من منافعها لا ينافي غيره، ولا نسلم أن الأكل أكثر فائدة من الركوب حتى يذكر ويكون ذكره أقدم من ذكر الركوب. وأيضاً لو كانت هذه الآية تدل على تحريم الخيل لدلت على تحريم الحمر الأهلية وحينئذ لا يكون ثم حاجة لتجديد التحريم لها عام خيبر، وقد قدمنا أن هذه السورة مكيّة. والحاصل أن الأدلة الصحيحة قد دلت على حل أكل لحوم الخيل، فلو سلمنا أن في هذه الآية متمسكاً للقائلين بالتحريم لكانت السنة المطهرة الثابتة رافعة لهذا الاحتمال، ودافعة لهذا الاستدلال، وقد أوضح الشوكاني هذه المسألة في مؤلفاته بما لا يحتاج الناظر فيه إلى غيره. وقد ورد في حل أكل لحوم الخيل أحاديث منها ما في الصحيحين وغيرهما من حديث أسماء قالت: نحرنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرساً فأكلناه [[مسلم 1942 البخاري/2202.]]. وأخرج أبو عبيد وابن شيبة والترمذي وصححه والنسائي وابن المنذر وابن أبي حاتم عن جابر قال: أطعمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لحوم الخيل ونهانا عن لحوم الحمر الأهلية [[الترمذي كتاب الصيد باب 9 - أبو داوود كتاب الأطعمة باب 25.]] وأخرج أبو داود نحوه من حديثه أيضًا وهما على شرط مسلم. وثبت أيضًا في الصحيحين من حديث جابر قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لحوم الحمير الأهلية وأذن في الخيل [[مسلم 1941 - البخاري 1909.]]. وأما ما أخرجه أبو عبيد وأبو داود والنسائي من حديث خالد بن الوليد قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل كل ذي ناب من السباع وعن لحوم الخيل والبغال والحمير، ففي إسناده صالح بن يحيى بن أبي المقدام وفيه مقال، ولو فرضنا أن الحديث صحيح لم يقو على معارضة أحاديث الحل، على أنه يمكن أن هذا الحديث المصرح بالتحريم متقدم على يوم خيبر فيكون منسوخاً. (ويخلق مالا تعلمون) من الأشياء العجيبة والغريبة مما لا يحيط علمكم به من المخلوقات غير ما قد عدده هاهنا، وقيل المراد من أنواع الحشرات والهوام في أسافل الأرض وفي البحر مما لم يره البشر ولم يسمعوه، وقيل هو ما أعده الله لعباده في الجنة وفي النار مما لم تره عين ولم تسمع به أذن ولا خطر على قلب بشر وقيل هو خلق السوس في النبات والدود في الفواكه؛ وقيل عين تحت العرش وقيل نهر من النور وقيل أرض بيضاء. ولا وجه للاقتصار في تفسير هذه الآية على نوع من هذه الأنواع بل المراد أنه سبحانه يخلق ما لا يعلم به العباد، فيشمل كل شيء لا يحيط علمهم به، والتعبير هنا بلفظ المستقبل لاستحضار الصورة، لأنه سبحانه قد خلق ما لم يعلم به العباد ولا يأتي عليه الحصر والعد. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن مما خلق الله أرضاً من لؤلؤة بيضاء، ثم ساق من أوصافها ما يدل على أن الحديث موضوع ثم قال في آخره فذلك قوله ويخلق ما لا تعلمون ".

النحل 16:9

(وعلى الله قصد السبيل) القصد مصدر بمعنى الفاعل فالمعنى وعلى الله هداية قاصد الطريق المستقيم بموجب وعْدِه المحتوم وتفضله الواسع، وقيل هو على حذف مضاف، والتقدير وعلى الله بيان قصد السبيل، والسبيل الإسلام وبيانه بإرسال الرسل وإنزال الكتب وإقامة الحجج والبراهين، والقصد في السبيل هو كونه موصلاً إلى المطلوب فالمعنى وعلى الله بيان الطرق الموصلة إلى المطلوب. (ومنها) الضمير راجع إلى السبيل بمعنى الطريق لأنها تذكر وتؤنث أو لأنها في معنى سبل فأنِّث على معنى الجمع؛ وقيل راجع إليها بتقدير مضاف أي ومن جنس السبيل (جائر) مائل عن الحق والجور العدول عن الاستقامة، وقيل أن الطريق كناية عن صاحبها، والمعنى ومنهم جائر عن سبيل الحق أي عادل عنه فلا يهتدي إليه، قيل وهم أهل الأهواء المختلفة، وقيل أهل الملل الكفرية. فقصد السبيل هو دين الإسلام والجائر منها دين اليهودية والنصرانية وسائر ملل الكفر. وقيل قصد السبيل السنة المطهرة والجائر البدع المحدثة المضلة. قال ابن عباس: على الله أن يبين الهدى والضلالة ومنها جائر، قال السبل المتفرقة، وقال قتادة: وعلى الله بيان حلاله وحرامه وطاعته ومعصيته ومنها جائر، قال من السبل ناكب عن الحق. وعن عليّ كان يقرأ ومنكم جائر. (ولو شاء لهداكم أجمعين) أي ولو شاء أن يهديكم جميعاً هداية موصلة إلى الطريق الواضح الصحيح والمنهج الحق الصريح لفعل ذلك ولكنه لم يشأ بل اقتضت مشيئته سبحانه إراءة الطريق والدلالة عليها كما قال وهديناه النجدين، وأما الإيصال إليها بالفعل فذلك يستلزم أن لا يوجد في العباد كافر، ولا من يستحق النار من المسلمين وقد اقتضت المشيئة الربانية بكون البعض مؤمناً والبعض كافراً كما نطق بذلك القرآن في غير موضع. ولما استدل سبحانه على وجوده وكمال قدرته وبديع صنعته بعجائب أحوال الحيوانات أراد أن يذكر الاستدلال على المطلوب بغرائب أحوال النبات فقال

النحل 16:10

(هو الذي أنزل من) جهة (السماء) وهي السحاب (ماءً) أي نوعاً من أنواع الماء وهو المطر (لكم منه شراب) هو اسم لما يشرب كالطعام لما يطعم، والمعنى أن الماء النازل من السماء قسمان، قسم يشربه الناس ومن جملته ماء الآبار والعيون فإنه من المطر لقوله فسلكه ينابيع في الأرض (و) قسم يحصل (منه شجر) ترعاه المواشي. قال الزجاج: كل ما نبت من الأرض فهو شجر لأن التركيب يدل على الاختلاط، ومنه تشاجر القوم إذا اختلط أصوات بعضهم بالبعض، ومعنى الاختلاط حاصل في العشب والكلأ وفيما له ساق. وقال ابن قتيبة: المراد من الشجر في الآية الكلأ، وقيل الشجر كل ما له ساق لقوله تعالى (والنجم والشجر يسجدان) والعطف يقتضي التغاير، فلما كان النجم ما لا ساق له وجب أن يكون الشجر ما له ساق، وأجيب بأن عطف الجنس على النوع جائز. (فيه تسيمون) أي في الشجر ترعون مواشيكم، يقال سامت السائمة تسوم سوماً رعت فهي سائمة، واسمتها أي أخرجتها إلى الرعي فأنا مسيم وهي مسامة وسائمة، وأصل السوم الإبعاد في المرعى، قال الزجاج: أخذ من السومة وهي العلامة لأنها تؤثر في الأرض علامات برعيها. وهذه الآية مبنية على مكارم الأخلاق، وهو أن يكون اهتمام الإنسان بمن يكون تحت يده أكمل من اهتمامه بنفسه. وأما الآية الأخرى (كلوا وارعَوا أنعامكم) فمبنية على قوله صلى الله عليه وسلم " ابدأ بنفسك ثم بمن تعول "

النحل 16:11

(ينبت) الله (لكم به) أي بذلك الماء الذي أنزله من السماء؛ وهذا استئناف أخبار عن منافع الماء وقدم (الزرع) لأنه أصل الأغذية التي يعيش بها الناس، وهو الحب الذي يقتات به كالحنطة والشعير وما أشبههما. (و) ذكر (الزيتون) بعد الزرع لكونه فاكهة من وجه وإداماً من وجه لكثرة ما فيه من الدهن والبركة وهو جمع زيتونة ويقال للشجرة نفسها زيتونة [[وقد ذكر ابن القيم رحمه الله في كتبه فوائد جمة للزيتون.]] (و) ذكر (النخيل) لكونه غذاء وفاكهة وهو مع العنب أشرف الفواكه (و) جمع (الأعناب) لاشتمالها على الأصناف المختلفة، وهي شبه النخلة في المنفعة من التفكه والتغذية. ثم أشار إلى سائر الثمرات إجمالاً فقال (ومن كل الثمرات) كما أجمل الحيوانات التي لم يذكرها فيما سبق بقوله ويخلق ما لا تعلمون ومن تبعيضية إذ كلها إنما يوجد في الجنة وما أنبتت الأرض بعض من كلها للتذكرة. (إن في ذلك) الإنزال والإنبات (لآية) عظيمة دالة على كمال القدرة والتفرد بالربوبية (لقوم يتفكرون) في مخلوقات الله ولا يهملون النظر في مصنوعاته، وقد ذكر لفظ الآية في هذه السورة سبع مرات خمس بالإفراد واثنتان بالجمع قال الكرماني: ما جاء الإفراد فلوحدة المدلول وهو الله تعالى، وما جاء منها بلفظ الجمع فلمناسبة مسخرات انتهى. وختم هذه الفاصلة بالتفكر لأن النظر في ذلك يعني إنبات النبات بالماء يحتاج إلى مزيد تأمل واستعمال فكر، ألا ترى أن الحبة الواحدة إذا وضعت في الأرض ومر عليها مقدار من الزمان مع رطوبة الأرض فإنها تنتفخ وينشق أعلاها فتصعد منه شجرة إلى الهواء وأسفلها تغوص منه عروق في الأرض ثم ينمو الأعلى ويقوى وتخرج منه الأوراق والأزهار والأكمام والثمار المشتملة على أجسام مختلفة الطباع والطعوم والألوان والروائح والأشكال والمنافع. ومن تفكر في ذلك علم أن من هذه أفعاله وآثاره لا يمكن أن يشبهه شيء في شيء من صفات الكمال فضلاً عن أن يشاركه أخس الأشياء في أخص صفاته التي هي الألوهية واستحقاق العبادة تعالى عن ذلك علواً كبيراً ذكره الخازن وأبو السعود. وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (12) وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (13) وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (14) وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (15)

النحل 16:12

(وسخر لكم الليل والنهار) معنى تسخيرهما للناس تصييرهما نافعين لهم بحسب ما تقتضيه مصالحهم وتستدعيه حاجاتهم يتعاقبان دائما كالعبد الطائع لسيده لا يخالف ما يأمر به ولا يخرج عن إرادته ولا يهمل السعي في نفعه (و) كذا الكلام في تسخيره (الشمس والقمر و) قوله: (النجوم) قرأ حفص عن عاصم برفعه على أنه مبتدأ وخبره (مسخرات) أي مذللات مقهورات (بأمره) تعالى تجري على نمط متحد يستدل بها العباد على مقادير الأوقات ويهتدون بها ويعرفون أجزاء الزمان ولا تصرف لها في نفسها فضلاً عن غيرها، وفيه رد على الفلاسفة والمنجمين لأنهم يعتقدون أن هذه النجوم هي الفعالة المتصرفة في العالم السفلي فأخبر سبحانه أنها مذللات تحت قهره وإرادته. (إن في ذلك) التسخير وما بعده (لآيات لقوم يعقلون) أي يعملون عقولهم في هذه الآيات الدالة على وجود الصانع وتفرده وعدم وجود شريك له وختم الفاصلة الثانية بالعقل لأن الآثار العلوية أظهر دلالة على القدرة الباهرة وأبين شهادة للكبرياء والعظمة، وجمع الآيات ليطابق قوله مسخرات، وقيل أن وجه الجمع هو إن كُلاًّ من تسخير الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم آية في نفسها بخلاف ما تقدم من الإنبات فإنه آية واحدة، ولا يخلو كل هذا عن تكلف والأولى أن يقال أن هذه المواضع التي أفرد الآية في بعضها وجمعها في بعضها كل واحد منها يصلح للجمع باعتبار وللإفراد باعتبار فلم يجرها على طريقة واحدة افتناناً وتنبيهاً على جواز الأمرين وحسن كل واحد منهما.

النحل 16:13

(وما ذرأ) أي خلق (لكم في الأرض) يقال ذرأ الله الخلق يذرؤهم ذرأً فهو ذارئ ومنه الذرية، وهي نسل الثقلين، وقد تقدم تحقيق هذا أي وسخر لكم ما ذرأ في الأرض من الدواب والأنعام والأشجار والثمار فالمعنى أنه سبحانه سخر لهم تلك المخلوقات السماوية والمخلوقات الأرضية (مختلفاً ألوانه) أي هيئاته ومناظره فإن ذرء هذه الأشياء على اختلاف الألوان والأشكال مع تساوي الكل في الطبيعة الجسمية آية عظيمة دالة على وجود الصانع سبحانه وتفرده، قال قتادة: مختلفاً في الدواب والشجر والثمار نعم من الله متظاهرة فاشكروها لله. (إن في ذلك) التسخير لهذه الأمور مع اختلاف طبائعها وأشكالها مع اتحاد موادها (لآية) واضحة (لقوم يذكرون) فإن من تذكر اعتبر ومن اعتبر استدل على المطلوب، قيل وإنما خص المقام الأول بالتفكر لإمكان إيراد الشبهة، وخص الثاني بالعقل لذكره بعد إماطة الشبهة وإزاحة العلة، فمن لم يعترف بعدها بالواحدانية فلا عقل له، وخص الثالث بالتذكر لمزيد الدلالة فمن شك بعد ذلك فلا حس له، وفي هذا من التكلف ما لا يخفى. والأولى أن يقال هنا كما قلنا فيما تقدم في أفراد الآية في البعض وجمعها في البعض الآخر، وبيانه أن كُلاًّ من هذه المواضع الثلاثة يصلح لذكر التفكر ولذكر التعقل ولذكر التذكر لاعتبارات ظاهرة غير خفية فكان في التعبير في كل موضع بواحد منها افتنان حسن لا يوجد في التعبير بواحد منها في جميع المواضع الثلاثة.

النحل 16:14

(وهو الذي سخر البحر) امتن الله سبحانه بتسخير البحر بإمكان الركوب عليه واستخراج ما فيه من صيد وجواهر لكونه من جملة النعم التي أنعم الله بها على عباده مع ما فيه من الدلالة على وحدانية الرب سبحانه وكمال قدرته، وقد جمع الله سبحانه لعباده في هذا المقام بين التذكير لهم بآياته الأرضية والسماوية والبحرية فأرشدهم إلى النظر، والاستدلال بالآيات المتنوعة المختلفة الأمكنة إتماماً للحجة وتكميلاً للإنذار وتوضيحاً لمنازع الاستدلال ومناطات البرهان، ومواضع النظر والاعتبار. ثم ذكر العلة في تسخير البحر فقال (لتأكلوا منه لحماً طرياً) المراد به السمك ووصفه بالطراوة للإشعار بلطافته والإرشاد إلى المسارعة بأكله لكونه مما يفسد بسرعة، قال قتادة: يعني حيتان البحر، وقال السدي: وما فيه من الدواب وبدأ بذكر الأكل لأنه أعظم المقصود وبه قوام البدن. وتسميته لحماً هو مذهب المالكية بخلاف الشافعية والحنفية وعلى هذا فلو حلف لا يأكل لحماً لا يحنث بأكل السمك ولإظهار قدرته في خلقه عذباً طرياً في ماء ملح؛ والطراوة ضد اليبوسة أي غضا جدداً؛ ويقال طريت كذا أي جددته وأطريت فلانا مدحته بأحسن ما فيه ويقال بالغت في مدحه وجاوزته. (وتستخرجوا منه) أي من البحر وهو الملح فقط (حلية) أي لؤلؤاً ومرجاناً كما في قوله سبحانه (يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان) والحلية اسم لما يتحلى به واصلها الدلالة على الهيئة كالعمة وفي المصباح حلى الشيء بعيني وبصدري من باب تعب حلا وحسن عندي وأعجبني، وحليت المرأة حلياً ساكن اللام لبست الحلي وجمعه حلي، والأصل على فعول مثل فلس وفلوس والحلية بالكسر الصفة والجمع حلى مقصور وتضم الحاء وتكسر وحلية السيف زينته. قال ابن فارس: ولا تجمع وتحلت المرأة لبست الحلي أو اتخذته وحليتها بالتشديد ألبستها الحلي أو اتخذته لها لتلبسه وحليت السويق جعلت فيه شيئاً حلواً حتى حلا. وظاهر قوله (تلبسونها) أنه يجوز للرجال أن يلبسوا اللؤلؤ والمرجان أي يجعلونهما حلية لهم كما يجوز للنساء ولا حاجة لما تكلفه جماعة من المفسرين في تأويل قوله تلبسونها بقولهم تلبسها نساؤهم لأنهن من جملتهم أو لكونهن يلبسنها لأجلهم. وليس في الشريعة المطهرة ما يقتضي منع الرجال من التحلي باللؤلؤ والمرجان ما لم يستعمله على صفة لا يستعمله عليها إلا النساء خاصة فإن ذلك ممنوع قد ورد الشرع بمنعه من جهة كونه تشبهاً بهن لا من جهة كونه حلية لؤلؤ أو مرجان؛ وعن أبي جعفر قال: ليس في الحلي زكاة ثم قرأ هذه الآية أخرجه أبي شيبة. أقول وفي هذا الاستدلال نظر والذي ينبغي التعويل عليه إن الأصل البراءة من الزكاة حتى يرد الدليل بوجوبها في شيء من أنواع المال فتلزم، وقد ورد في الذهب والفضة ما هو معروف ولم يرد في الجواهر على اختلاف أصنافها ما يدل على وجوب الزكاة فيها. (وترى الفلك مواخر فيه) أي ترى السفن شواق للماء تدفعه بصدورها، قال عكرمة ومخر السفينة شقها الماء بصدرها، قال الجوهري: مخر السابح إذا شق الماء بصدره ومخر الأرض شقها للزراعة، وقيل مواخر جواري قاله ابن عباس وأصل المخر الجري. في المختار مخرت السفينة من باب قطع ودخل إذا جرت تشق الماء مع صوت وقيل معترضة، وقيل تذهب وتجيء، قال الضحاك: السفينتان تجريان بريح واحدة مقبلة ومدبرة وقيل مواقر أي مملوءة متاعاً وقال أبو عبيدة: صوائح وقيل ملججة [[يقال لججت السفينة أي خاضت اللجة أهـ صحاح.]] قال ابن جرير: الماخر في اللغة صوت هبوب الريح عند شدتها ولم يقيد بكونه في الماء. (ولتبتغوا من فضله) أي لتنتفعوا بذلك ولتبتغوا أو فعل ذلك لتبتغوا أي لتتجروا فيه فيحصل لكم الربح من فضل الله سبحانه، قال السدي: هي التجارة (ولعلكم تشكرون) أي إذا وجدتم فضله عليكم وإحسانه إليكم اعترفتم بنعمته عليكم فشكرتم ذلك باللسان والأركان، قيل ولعل وجه تخصيص هذه النعمة بالتعقيب بالشكر من حيث إن فيها قطعاً لمسافة طويلة مع أحمال ثقيلة من غير مزاولة أسباب السفر بل من غير حركة أصلاً مع أنها في تضاعيف المهالك. ويمكن أن يضم إلى ما ذكر من قطع المسافة على الصفة المذكورة ما اشتمل عليه البحر من كونه فيه أطيب مأكول وأنفس ملبوس وكثرة النعم مع نفاستها وحسن موقعها من أعظم الأسباب المستدعية للشكر الموجبة له. ثم أردف هذه النعم الموجبة للتوحيد المفيدة للاستدلال على المطلوب بنعمة أخرى وآية كبرى فقال

النحل 16:15

(وألقى في الأرض رواسي) أي جبالاً ثابتة يقال رسا يرسو إذا ثبت وأقام (أن تميد بكم) أي كراهة أن تميد بكم على ما قاله البصريون أو لئلا تميد بكم على ما قاله الكوفيون والميد الاضطراب يميناً وشمالاً يقال ماد الشيء يميد ميداً تحرك ومادت الأغصان تمايلت وماد الرجل تبختر قال قتادة: حتى لا تميد بكم كانوا على الأرض تمور بهم لا تستقر فأصبحوا صبحاً وقد جعل الله سبحانه الجبال وهي الرواسي أوتاداً في الأرض. (و) جعل فيها (أنهاراً) لأن الإلقاء هنا بمعنى الجعل والخلق كقوله (وألقيت عليك محبة مني) وذكر الأنهار عقب الجبال لأن معظم عيون الأنهار وأصولها تكون من الجبال قال السيوطي كالنيل ولم يذكر في المثال غير هذا لأنه من أهل مصر. (و) جعل فيها (سبلاً) وأظهرها وبينها لأجل أن تهتدوا بها في أسفاركم إلى مقاصدكم من بلد إلى بلد ومن مكان إلى مكان وهي الطرق، وقال السدي: هي الطرق في الجبال (لعلكم تهتدون) بتلك السبل إلى ما تريدون فلا تضلون أو إلى توحيد ربكم. وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (16) أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (17) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (18) وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (19) وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (20) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (21) إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (22)

النحل 16:16

(و) جعل فيها (علامات) هي معالم الطرق جمع علامة وفي المصباح أعلمت على كذا بالألف من الكتاب وغيره جعلت عليه علامة وأعلمت الثوب جعلت له علماً من طراز وغيره وهو العلامة وجمع العلم أعلام مثل سبب وأسباب وجمع العلامة علامات وعلمت له علامة بالتشديد وضعت له أمارة يعرف بها، والمعنى أنه سبحانه جعل للطرق علامات يهتدون بها. (وبالنجم) المراد به الجنس (هم يهتدون) به في سفرهم ليلاً؛ وقرأ ابن وثاب وبالنجم بضمتين والمراد النجوم فقصره أو هو جمع نجم كسقف وسقف وقيل المراد بالنجم هنا الجدي والفرقدان، قاله الفراء. وقيل الثريا وبنات نعش وقيل العلامات الجبال، وقيل هي النجوم لأن من النجوم ما يهتدى به ومنها علامة لا يهتدى بها. وذهب الجمهور إلى أن المراد في الآية الاهتداء في الأسفار، وقيل هو الاهتداء إلى القبلة، ولا مانع من حمل ما في الآية على ما هو أعم من ذلك. قال الأخفش: تم الكلام عند قوله (وعلامات) وقوله (وبالنجم) الخ كلام منفصل عن الأول. قال السدي: علامات النهار الجبال وعلامات الليل النجوم. وقال ابن عباس: معالم الطرق بالنهار الجبال ويهتدون بالنجم بالليل، قال قتادة: إنما خلق الله النجوم لثلاثة أشياء. لتكون زينة للسماء ومعالم الطرق ورجوماً للشياطين، فمن قال غير هذا فقد تكلف ما لا علم له به. ثم لما عدد الآيات الدالة على الصانع ووحدانيته وكمال قدرته أراد أن يوبخ أهل الشرك والعناد فقال

النحل 16:17

(أفمن يخلق) هذه المخلوقات العجيبة العظيمة والمصنوعات الغريبة الجليلة ويفعل هذه الأفاعيل العجيبة المرئية بالعيان (كمن لا يخلق) شيئاً منها ولا يقدر على إيجاد واحد منها، وهي هذه الأصنام التي يعبدونها ويجعلونها شركاء لله سبحانه. وأطلق عليها لفظ (من) إجراء لها مجرى أولي العلم جرياً على زعمهم بأنها آلهة أو مشاكلة لقوله (أفمن يخلق) لوقوعها في صحبته أو هو من عكس التشبيه. وفي هذا الاستفهام من التقريع والتوبيخ للكفار ما لا يخفى، وما أحقهم بذلك فإنهم جعلوا بعض المخلوقات شريكاً لخالقه، تعالى الله عما يشركون. (أفلا تذكرون) مخلوقات الله الدالة على وجوده وتفرده بالربوبية وبديع صنعته فتستدلون بها على ذلك، فإنها لوضوحها يكفي في الاستدلال بها مجرد التذكر لها لا يحتاج إلى دقيق الفكر والنظر، قال قتادة في الآية: الله هو الخالق الرازق، وهذه الأوثان التي تعبد من دون الله تخلق ولا تخلق شيئاً، ولا تملك لأهلها ضراً ولا نفعاً. ثم لما فرغ من تعديد الآيات التي هي بالنسبة إلى المكلفين نعم قال

النحل 16:18

(وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها) ولو اجتهدتم في ذلك وأتعبتم نفوسكم لا تقدرون عليه فضلاً عن أن تطيقوا القيام بحقها من أداء الشكر وهذا تذكير إجمالي بنعمه تعالى، وقد مر تفسير هذا في سورة إبراهيم. قال العقلاء: إن كل جزء من أجزاء الإنسان لو ظهر فيه أدنى خلل وأيسر نقص لنغص النعم على الإنسان وتمنى أن ينفق الدنيا لو كانت في ملكه حتى يزول عنه ذلك الخلل، فهو سبحانه يدبر بدن هذا الإنسان على الوجه الملائم له، مع أن الإنسان لا علم له بوجود ذلك، فكيف يطيق حصر نعم الله عليه أو يقدر على إحصائها أو يتمكن من شكر أدناها. يا ربنا هذه نواصينا بيدك خاضعة لعظم نعمك معترفة بالعجز عن تأدية الشكر لشيء منها لا تحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، ولا نطيق التعبير بالشكر لك، فتجاوز عنا واغفر لنا واسبل ذيول سترك على عوراتنا فإنك إن لا تفعل ذلك نهلك بمجرد التقصير في شكر نعمك فكيف بما قد فرط منا من التساهل في الائتمار بأوامرك والانتهاء عن مناهيك، وما أحسن ما قال من قال: العفو يرجى من بني آدم ... فكيف لا يرجى من الرب وما أحسن ما ختم به هذا الامتنان الذي لا يلتبس على إنسان مشيراً إلى عظيم غفرانه وسعة رحمته فقال (إن الله لغفور رحيم) أي كثير المغفرة والرحمة لا يؤاخذكم بالغفلة عن شكر نعمه والقصور عن إحصائها والعجز عن القيام بأدناها. ومن رحمته إدامتها عليكم وإدرارها في كل لحظة وعند كل نفس تتنفسونه وحركة تتحركون بها اللهم إني أشكرك عدد ما شكرك وسيشكرك الشاكرون بكل لسان في كل زمان، فلقد خصصتني بنعم لم أرها على كثير من خلقك من إنسان وحيوان وإن رأيت منها شيئاً على بعض خلقك لم أر عليه بقيتها فإني أطيق شكرك وكيف أستطيع تأدية أدنى شكر أدناها فكيف أستطيع أعلاها، فكيف أستطيع شكر نوع من أنواعها. ثم بين لعباده أنه عالم بجميع ما يصدر منهم لا يخفى عليه خافية فقال

النحل 16:19

(والله يعلم ما تسرون) أي ما تضمرونه من العقائد والأعمال (وما تعلنون) أي وما تظهرونه منها، وحذف العائد لمراعاة الفواصل، أي يستوي بالنسبة إلى علمه المحيط سركم وعلنكم، وفيه وعيد وتعريض وتوبيخ وتنبيه على أن الإله يجب أن يكون عالماً بالسر والعلانية لا كالأصنام التي تعبدونها فإنها جمادات لا شعور لها بشيء من الظواهر فضلاً عن الضمائر والسرائر فكيف تعبدونها، وقراءة التحتية شاذة فيهما كما نبه عليه السمين. ثم شرع سبحانه في تحقيق كون الأصنام التي أشار إليها بقوله كمن لا يخلق عاجزة عن أن يصدر منها خلق شيء فلا تستحق عبادة فقال

النحل 16:20

(والذين يدعون) بالياء والتاء سبعيتان، أي الآلهة الذين يدعوهم الكفار (من دون الله) سبحانه صفتهم هذه الصفات الثلاثة المذكورة المنافية للألوهية، وهي أنهم (لا يخلقون شيئاً) من المخلوقات أصلاً لا كبيراً ولا صغيراً ولا جليلاً ولا حقيراً. (وهم يُخلقون) أي وصفهم أنهم يخلقون فكيف يتمكن المخلوق من أن يخلق غيره؛ ففي هذه الآية زيادة بيان لأنه أثبت لهم صفة النقصان بعد أن سلب عنهم صفة الكمال بخلاف قوله (أفمن يخلق كمن لا يخلق) فإنه اقتصر على مجرد سلب صفة الكمال. ثم ذكر صفة أخرى من صفاتهمٍ فقال

النحل 16:21

(أموات) يعني أن هذه الأصنام أجسادها جمادات ميتة لا حياة بها أصلاً، فزيادة قوله (غير أحياء) لبيان أنها ليست كبعض الأجساد التي تموت بعد ثبوت الحياة لها بل لا حياة لهذه أصلاً فكيف يعبدونها وهم أفضل منها لأنهم أحياء (وما يشعرون) أي الآلهة (أيان يبعثون) أي الكفار الذين يعبدون الأصنام؛ والمعنى ما تشعر هذه الجمادات من الأصنام أيان يبعث عبدتهم من الكفار، ويكون هذا على طريقة التهكم لهم لأن شعور الجماد مستحيل بما هو من الأمور الظاهرة فضلاً عن الأمور التي لا يعلمها إلا الله سبحانه. وقيل معناه ما تشعر هذه الأصنام أيان تبعث ومتى يبعثها الله، وبه بدأ القاضي تبعاً للكشاف، ويؤيد ذلك ما روي أن الله يبعث الأصنام ويخلق لها أرواحاً معها شياطينها فيؤمر بكلها إلى النار، ويدل على هذا قوله (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم). وقيل قد تم الكلام عند قوله (وهم يخلقون) ثم ابتدأ فوصف المشركين بأنهم أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون، فيكون الضميران على هذا للكفار وعلى القول بأن الضميرين أو أحدهما للأصنام يكون التعبير عنها مع كونها لا تعقل بما هو للعقلاء جرياً على اعتقاد من يعبدها بأنها تعقل، وأيان بفتح الهمزة وكسرها لغتان. وفي الآية قول آخر وهو أن أيان ظرف لقوله

النحل 16:22

(إلهكم إله واحد) يعني أن الإله يوم القيامة واحد ولم يدع أحد تعدد الآلهة في ذلك اليوم بخلاف أيام الدنيا فإنه قد وجد فيها من ادعى ذلك، وعلى هذا فقد تم الكلام على قوله يشعرون، إلا أن هذا القول مخرج لأيان عن موضوعها، وهو إما الشرط وإما الاستفهام إلى محض الظرفية بمعنى وقت مضاف للجملة بعده، والظاهر تفسيره بمتى يبعثون كما في الكشاف وغيره. ولما زيف سبحانه طريقة عبدة الأصنام صرح بما هو الحق في نفس الأمر وهو وحدانيته سبحانه وهو نتيجة ما قبله، ثم ذكر ما لأجله أصر الكفار على شركهم فقال (فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة) جاحدة للوحدانية لا يؤثر فيها وعظ ولا ينجع فيها تذكير (وهم مستكبرون) عن قبول الحق متعظمون عن الإذعان للصواب مستمرون على الجحد. لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ (23) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (24) لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (25) قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (26)

النحل 16:23

(لا جرم) قال الخليل: هي كلمة تحقيق ولا يكون إلا جواباً أي حقاً، قلت لا نافية وجرم بمعنى بد، وهذا بحسب الأصل، وأما الآن فقد ركبت لا مع جرم تركيب خمسة عشر وجعلا بمعنى كلمة واحدة، وتلك الكلمة مصدر أو فعل معناه حق وثبت. وقوله (إن الله) فاعل لا جرم وقد مر تحقيق الكلام في لا جرم بأبسط من هذا قال أبو مالك لا جرم، يعني الحق، وقال الضحاك لا كذب (يعلم ما يسرون) من أقوالهم وأفعالهم (وما يعلنون) من ذلك (إنه لا يحب المستكبرين) أي لا يحب هؤلاء الذين يستكبرون عن توحيد الله والاستجابة لأنبيائه، والجملة تعليل لما تضمنه الكلام المتقدم. أخرج مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة وغيرهم عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، ولا يدخل النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان "، فقال رجل يا رسول الله الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسناً؛ فقال: " إن الله جميل يحب الجمال؛ الكبر من بطر الحق وغمطُ الناس " [[مسلم 91.]]. وفي ذم الكبر ومدح التواضع أحاديث كثيرة، وكذلك في إخراج محبة حسن الثوب وحسن المنعل ونحو ذلك من الكبر أحاديث كثيرة، فقد روي عن الحسين بن علي أنه مرّ بمساكين قد قدموا كسراً لهم وهم يأكلون فقالوا الغذاء يا أبا عبد الله فنزل وجلس معهم وقال إنه لا يحب المستكبرين ثم أكل فلما فرغوا قال: قد أجبتكم فأجيبوني فقاموا معه إلى منزله فأطعمهم وسقاهم وأعطاهم فانصرفوا. قال العلماء؛ كل ذنب يمكن ستره وإخفاؤه إلا التكبر فإنه فسق يلزمه الإعلان وهو أصل العصيان كله، وفي الحديث الصحيح " أن المتكبرين أمثال الذر يوم القيامة تطؤهم الناس بأقدامهم لتكبرهم " [[الترمذي كتاب القيامة باب 47 - الإمام أحمد 2/ 179.]] أو كما قال صلى الله عليه وسلم " تصغر لهم أجسامهم في المحشر حين يضرهم تصغيرها وتعظم لهم في النار حين يضرهم عظمها " ذكره القرطبي. والحاصل أن النبي صلى الله عليه وسلم قد بينَّ ماهية الكبر أنه بطر الحق وغمط الناس، فهذا هو الكبر المذموم، وقد ساق صاحب الدر المنثور عند تفسيره لهذه الآية أحاديث كثيرة ليس هذا مقام إيرادها، بل المقام مقام ذكر ما له علاقة بتفسير الكتاب العزيز. ثم شرع في ذكر شيء من قبائح المشركين فقال

النحل 16:24

(وإذا قيل لهم) أي وإذا قال لهؤلاء الكفار المنكرين المستكبرين قائل (ماذا) أي أيّ شيء أو ما الذي (أنزل ربكم) قيل القائل النضر بن الحرث وكانت عنده كتب التواريخ ويزعم أن حديثه أجمل وأتم مما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، والآية نزلت فيه فيكون هذا القول منه على طريق التهكم. وقيل القائل هو من يفد عليهم أو بعضهم لبعض، وقيل القائل المسلمون. فأجاب المشركون المنكرون المستكبرون (قالوا أساطير الأولين) بالرفع أي ما تدعون أيها المسلمون أساطير الأوائل وأحاديثهم وأباطيلهم، أو أن المشركين أرادوا السخرية بالمسلمين فقالوا المنزل عليكم أساطيرهم، وعلى هذا فلا يرد ما قيل من أن هذا لا يصلح أن يكون جواباً من المشركين وإلا لكان المعنى الذي أنزله ربنا أساطير الأولين والكفار لا يقرون بالإنزال، ووجه عدم وروده هو ما ذكرناه. وقيل هو كلام مستأنف أي ليس ما تدعون إنزاله أيها المسلمون منزلاً بل هو أساطير الأولين، والأساطير الأباطيل والترهات التي يتحدث الناس بها عن القرون الأولى وليس من كلام الله في شيء ولا مما أنزله أصلاً في زعمهم، وهي جمع أسطورة كأحاديث وأضاحيك وأعاجيب جمع أحدوثة وأضحوكة وأعجوبة.

النحل 16:25

(ليحملوا) أي قالوا هذه المقالة لكي يحملوا (أوزارهم كاملة يوم القيامة) لم يكفر منها شيء لعدم إسلامهم الذي هو سبب لتكفير الذنوب، وقيل أن اللام هي لام العاقبة لأنهم لم يصفوا القرآن بكونه أساطير لأجل أن يحملوا الأوزار ولكن لما كان عاقبتهم ذلك حسن التعلل به كقوله ليكون لهم عدواً وحزناً، وقيل هي لام الأمر. قال الرازي في الآية: وهذا يدل على أنه تعالى قد يسقط بعض العقاب عن المؤمنين إذ لو كان هذا المعنى حاصلاً في حق الكل لم يكن لتخصيص هؤلاء الكفار بهذا التكميل فائدة. (ومن أوزار الذين يضلونهم) أي ويحملون بعض أوزار الذين أضلوهم لأن " من سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها " [[مسلم 1017.]] كما ورد في الحديث وقيل من للجنس لا للتبعيض أي يحملون كل أوزار الذين يضلونهم قاله الواحدي. (بغير علم) حال من الفاعل والمعنى أن الرؤساء يضلون الناس جاهلين غير عالمين بما يدعونهم إليه ولا عارفين بما يلزمهم من الآثام، وقيل إنه حال من المفعول أي يضلون من لا يعلم أنهم ضلال قاله الزمخشري وعليه جرى القاضي وفائدتها الدلالة على أن جهلهم لا يعذرهم إذ كان عليهم أن يبحثوا ويميزوا بين الحق والباطل ولا يقنعوا بالتقليد البحت العمى. ورجح الأول بأنه من المحدث عنه والمسند إليه الإضلال على جهة الفاعلية والمعنى أنهم يقدمون على الإضلال جهلاً منهم بما يستحقونه من العذاب الشديد في مقابلته ومثل هذه الآية قوله (وليحملن أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم) وقوله (ولنحمل خطاياكم). وقد تقدم في الأنعام الكلام على قوله (ولا تزر وازرة وزر أخرى) فمعناه وزراً لا مدخل لها فيه ولا تعلق له بها بتسبب ولا غيره، قال ابن عباس: يحملون مع ذنوبهم ذنوب الذين يضلونهم بغير علم، وعن مجاهد نحوه وزاد لا يخفف ذلك عمن أطاعكم من العذاب شيئاً. (ألا ساء ما يزرون) أي بئس شيئاً يزرونه ويحملونه، وفي ذلك وعيد وتهديد لهم، ثم حكى سبحانه حال أضرابهم من المتقدمين فقال:

النحل 16:26

(قد مكر الذين من قبلهم) ذهب أكثر المفسرين إلى إن المراد به نمروذ ابن كنعان حيث بنى بناء عظيماً ببابل طوله في السماء خمسة آلاف ذراع؛ وقيل فرسخان ورام الصعود إلى السماء ليقاتل أهلها فأهب الله الريح فخرَّ ذلك البناء عليه وعلى قومه فهلكوا، وكان أعظم أهل الأرض تجبراً في زمن إبراهيم عليه السلام ونمروذ بضم النون والذال المعجمة وهو ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة. والأولى أن الآية عامة في جميع المبطلين الماكرين الذين يحاولون إلحاق الضر بالمحقين المؤمنين، ومعنى المكر هنا الكيد والتدبير الذي لا يطابق الحق، وفي هذا وعيد للكفار المعاصرين له صلى الله عليه وسلم بأن مكرهم سيعود عليهم كما عاد مكر من قبلهم على أنفسهم. (فأتى الله) أي أتى أمر الله وهو الريح التي أخربت (بنيانهم) قال المفسرون أرسل الله ريحاً فألقت رأس الصرح في البحر وخر عليهم الباقي بالزلزلة من أسفله فأهلكهم وهم تحته (من القواعد). قال الزجاج: أي من الأساطين، وقيل من أصوله وأساسه بكسر الهمزة جمع أس وأما بالفتح فجمعه أسس بضمتين قيل لما سقط تبلبلت ألسن الناس بالفزع فتكلموا يومئذ بثلاث وسبعين لساناً فلذلك سميت بابل. وكان لسان الناس قبل ذلك السريانية هكذا ذكره البغوي وفي هذا نظر لأن صالحاً كان قبلهم وكان يتكلم بالعربية، وكان أهل اليمن عرباً منهم جرهم الذي نشأ إسماعيل بينهم وتعلم منهم العربية وكان قبائل من العرب قديمة قبل إبراهيم كل هؤلاء عرب، والمعنى أنه أتاها أمر الله من جهة قواعدها فزعزعها. (فخرَّ عليهم السقف) بفتح السين وضمها مع سكون القاف وبضمها وضم القاف أي أنه سقط عليهم السقف لأنه بعد سقوط قواعد البناء يسقط جميع ما هو معتمد عليها قال ابن الأعرابي وإنما قال (من فوقهم) ليعلمك أنهم كانوا حالين تحته والعرب تقول خر علينا سقف ووقع علينا حائط إذا كان يملكه وإن لم يكن وقع عليه فجاء بقوله (من فوقهم) ليخرج هذا الشك الذي في كلام العرب فقال من فوقهم أي عليهم وقع وكانوا تحته فهلكوا وما افلتوا وقيل هو للتأكيد لأن السقف لا يخر إلا من فوق، وقيل أن المراد بالسقف السماء أي أتاهم العذاب من السماء التي فوقهم. وقد اختلف في هؤلاء الذين خرَّ عليهم السقف فقيل هو نمروذ بن كنعان حين بنى الصرح، قاله ابن عباس، وعن مجاهد نحوه، وقيل أنه بختنصر وأصحابه، وقيل هم المقتسمون الذين تقدم ذكرهم في سورة الحجر. وقيل المعنى على العموم يعني أنهم لما رتبوا منصوبات ليمكروا بها على أنبياء الله وأهل الحق من عباده أهلكهم الله وجعل هلاكهم مثل هلاك قوم بنوا بنياناً وثيقاً شديداً ودعموه بالأساطين فانهدم ذلك البنيان وسقط عليهم فأهلكهم، فهو مثل ضربه لمن مكر بآخر فأهلكه الله بمكره ومنه المثل السائر على ألسنة الناس من حفر بئراً لأخيه أوقعه الله فيه، وهذا ما اختاره القاضي كالكشاف، والأول أولى، ومع ذلك العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، قال قتادة: أتاها أمر الله من أصلها فخرَّ عليهم السقف من فوقهم والسقف أعالي البيوت فائتفكت بهم بيوتهم فأهلكهم الله ودمرهم. (وأتاهم العذاب) أي الهلاك (من حيث لا يشعرون) به بل من حيث أنهم في أمان لا يخطر العذاب ببالهم. ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ (27) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (28) فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (29) وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ (30) ثم بينَ سبحانه أن عذابهم غير مقصور على عذاب الدنيا فقال

النحل 16:27

(ثم يوم القيامة يخزيهم) أي الكفار بإدخالهم النار ويفضحهم بذلك ويذلهم ويهينهم عطف على مقدر، أي هذا عذابهم في الدنيا ثم يوم القيامة يخزيهم (ويقول) الله لهم مع ذلك توبيخاً وتقريعاً (أين شركائي) كما تزعمون وتدعون. ثم وصف هؤلاء الشركاء بقوله (الذين كنتم تشاقون) قرأ نافع بكسر النون على الإضافة والباقون بفتحها أي تخاصمون الأنبياء والمؤمنين (فيهم) والمعنى على قراءة الكسر تخاصمونني وتعادونني وتخالفونني، وقد ضعف أبو حاتم هذه القراءة والمشاقة عبارة عن كون كل واحد من الخصمين في شق غير شق صاحبه والمعنى ما لهم لا يحضرون معكم ادعوهم فليدفعوا عنكم هذا العذاب النازل بكم. (قال الذين أوتوا العلم) وهم في الموقف قيل هم العلماء قالوا لأممهم الذين كانوا يعظونهم ولا يلتفتون إلى وعظهم وكان هذا القول منهم على طريق الشماتة وقيل هم الأنبياء، وقيل الملائكة والظاهر الأول لأن ذكرهم بوصف العلم يفيد وصف يذكرون به هو أشرف من هذا الوصف وهو كونهم أنبياء أو كونهم ملائكة ولا يقدح في هذا جواز الإطلاق لأن المراد الاستدلال على الظهور فقط. (إن الخزي اليوم) أي الذل والهوان والفضيحة يوم القيامة (والسوء) أي العذاب (على الكافرين) مختص بهم يقولونه شماتة بهم.

النحل 16:28

(الذين تتوفاهم) بالتاء والياء وهما سبعيتان لكنه مع الياء يقرأ بالإمالة في الموضعين والتذكير على أن الملائكة ذكور والتأنيث لأن لفظ الجمع مؤنث (الملائكة) وهم ملك الموت عزرائيل وأعوانه (ظالمي أنفسهم) بالكفر وقد تقدم تفسيره. (فألقوا السلم) أي أقروا بالربوبية وانقادوا عند الموت ومعناه الاستسلام قاله قطرب، وقيل معناه المسالمة أي سالموا وتركوا المشاقة قاله الأخفش، وقيل معناه الإسلام أي أقروا بالإسلام وتركوا ما كانوا فيه من الكفر (ما كنا نعمل من سوء) تفسير للسَّلم على أن يكون المراد بالسلم الكلام الدال عليه. ويجوز أن يكون المراد بالسوء هنا الشرك ويكون هذا القول منهم على وجه الجحود والكذب أو من شدة الخوف ومن لم يجوّز الكذب على أهل القيامة حمله على أنهم أرادوا أنهم لم يعملوا سوءاً في اعتقادهم وعلى حسب ظنونهم، ومثله قوله (والله ربنا ما كنا مشركين). فلما قالوا هذا أجاب عليهم أهل العلم بقولهم (بلى) كنتم تعملون السوء (إن الله عليم بما) أي بالذي (كنتم تعملون) فيجازيكم عليه ولا ينفعكم هذا الكذب شيئاً. وقال عكرمة عنى بذلك ما حصل من الكفار يوم بدر.

النحل 16:29

(فادخلوا أبواب جهنم) يقال لهم ذلك عند الموت وقد تقدم ذكر الأبواب وإن جهنم درجات بعضها فوق بعض، أي ليدخل كل صنف إلى الطبقة التي هو موعود بها، وإنما قيل لهم ذلك لأنه أعظم في الخزي والغم، وفيه دليل على أن الكفار بعضهم أشد عذاباً من بعض. (خالدين فيها) حال مقدرة لأن خلودهم مستقبل (فلبئس مثوى المتكبرين) هي فالمخصوص بالذم محذوف، والمراد بتكبرهم هنا هو تكبرهم عن الإيمان والعبادة كما في قوله: إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون. ثم اتبع أوصاف الأشقياء بأوصاف السعداء فقال

النحل 16:30

(وقيل للذين اتقوا) وهم المؤمنون (ماذا أنزل ربكم قالوا خيراً) أي أنزل خيراً، ورفع الأول ونصب هذا فرقاً بين جواب المقر وجواب الجاحد (للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة) قيل هذا من كلام الله عز وجل، وقيل هو حكاية لكلام الذين اتقوا فيكون هذا بدلاً من خير. قاله الزمخشري. وعلى الأول يكون كلاماً مستأنفاً مسوقاً لمدح المتقين. والمعنى للذين أحسنوا أعمالهم بالإيمان في الدنيا مثوبة حسنة مضاعفة من الواحد إلى العشرة إلى السبعمائة إلى أضعاف كثيرة. وقال قتادة: أحسنوا أي آمنوا بالله وكتبه ورسله، وأمروا بطاعة الله وحثوا عباد الله على الخير ودعوهم إليه. قال الضحاك: هي النصر والفتح، وقال مجاهد: هي الرزق الحسن. وقيل الحياة الطيبة وهي استحقاق المدح والثناء أو فتح أبواب المشاهدات والمكاشفات. قاله الكرخي. (ولدار الآخرة) أي مثوبتها وهي الجنة (خير) مما أوتوا في الدنيا (ولنعم دار المتقين) دار الآخرة فحذف المخصوص بالمدح لدلالة ما قبله عليه

النحل 16:31

(جنات عدن) أي بساتين إقامة من عدن بالمكان إذا أقام به. قيل يجوز أن يكون هو المخصوص بالمدح فيجيء فيها ثلاثة أوجه: رفعها بالابتداء والجملة المتقدمة خبرها، أو رفعها خبراً لمبتدأ مضمر أو رفعها بالابتداء والخبر محذوف وهو أضعفها، ويجوز أن يكون جنات عدن خبر مبتدأ مضمر لا على ما تقدم بل يكون المخصوص محذوفاً تقديره ولنعم دارهم هي جنات، وقدره الزمخشري ولنعم دار المتقين دار الآخرة ويجوز أن يكون مبتدأ والخبر الجملة من قوله يدخلونها، ويجوز أن يكون الخبر مضمراً تقديره لهم جنات دل عليه قوله للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة. قاله السمين. جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ (31) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (32) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (33) فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (34) (يدخلونها) أي تلك الجنات ولا يرحلون عنها ولا يخرجون منها (تجري من تحتها) أي من تحت دور أهلها وقصورهم ومساكنهم (الأنهار لهم فيها) أي في الجنات (ما يشاءون) أي ما يقع عليه مشيئتهم صفواً عفواً يحصل لهم بمجرد ذلك، وهذه الحالة لا تحصل إلا في الجنة، وذلك يدل على أن الإنسان لا يجد كل ما يريد في الدنيا. (كذلك) أي الأمر كذلك أو مثل ذلك الجزاء (يجزي الله المتقين) المراد بهم كل من يتقي الشرك وما يوجب النار من المعاصي

النحل 16:32

(الذين تتوفاهم) أي تقبض أرواحهم (الملائكة طيبين) حال من المفعول أو الفاعل مقارنة أو مقدرة، وفيه أقوال، أي طاهرين من شوائب الشرك والكفر والنفاق، أو صالحين، أو زاكية أفعالهم وأقوالهم، أو من ظلم أنفسهم بالمعاصي. قاله البيضاوي. أو طيبين الأنفس ثقة بما يلقونه من ثواب الله، أو طيبة نفوسهم بالرجوع إلى الله، أو طيبين الوفاة أي هي عليهم سهلة لا صعوبة فيها. وقال مجاهد: طيبين أحياء وأمواتاً قدر الله لهم ذلك، أو فرحين ببشارة الملائكة إياهم بالجنة أو طيبين بقبض أرواحهم لتوجه نفوسهم بالكلية إلى حضرة القدس وقيل طيبين كلمة جامعة لكل معنى حسن حملاً لها على العموم فدخل فيه جميع ما ذكر. (يقولون) أي قائلين لهم يعني الملائكة حال مقارنة إن كان القول واقعاً منهم في الدنيا أو مقدرة إن كان واقعاً في الآخرة. (سلام عليكم) معناه يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون السلام إنذاراً لهم بالوفاة. الثاني: أن يكون تبشيراً لهم بالجنة لأن السلام أمان، وفي الكرخي يقولون لهم عند الموت سلام عليكم أي لا يلحقكم بعد مكروه، فهي حال مقارنة. واستشهد له في الدر المنثور بما أخرجه مالك وابن جرير والبيهقي وغيرهم عن محمد بن كعب القرظي قال: إذا أشرف العبد المؤمن على الموت جاءه ملك فقال: السلام عليك يا ولي الله، الله يقرأ عليك السلام وبشره بالجنة ونحوه في الكشاف وقال أبو حيان: الظاهر أن السلام إنما هو في الآخرة، ولذلك جاء بعده ادخلوا الجنة فهو من قول خزنة الجنة، وعليه فهي حال مقدرة. (ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون) أي بسبب عملكم، قيل يحتمل هذا وجهين الأول: يكون تبشيراً بدخول الجنة عند الموت، والثاني: أن يكون ذلك لهم في الآخرة. ولا ينافي هذا دخول الجنة بالتفضل كما في الحديث الصحيح " سددوا وقاربوا واعلموا أنه لن يدخل أحد الجنة بعمله "، قيل ولا أنت يا رسول الله؟ قال: " ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته " [[مسلم 2818 ومن لفظ اعملوا وفي آخر أبشروا بدل اعملوا - البخاري 2427.]] وقد قدمنا البحث عن هذا.

النحل 16:33

(هل ينظرون) هذا جواب شبهة أخرى لمنكري النبوة فإنهم طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن ينزل عليهم ملكاً من السماء يشهد على صدقه في ادعاء النبوة فقال: هل ينظرون في تصديق نبوتك (إلا أن تأتيهم) بالتاء والياء سبعيتان (الملائكة) شاهدين بذلك. ويحتمل أن يقال أنهم لما طعنوا في القرآن بأنه أساطير الأولين أوعدهم الله بقوله: هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة لقبض أرواحهم (أو يأتي أمر ربك) أي عذابه في الدنيا المستأصل لهم، أو المراد بأمر الله القيامة، والمراد بكونهم ينظرون أنهم ينتظرون إتيان الملائكة أو إتيان أمر الله على التفسير الآخر إنهم قد فعلوا فعل من وجب عليه العذاب وصار منتظراً له. وليس المراد أنهم ينتظرون ذلك حقيقة فإنهم لا يؤمنون بذلك ولا يصدقونه قيل أو مانعه خلو فإن كلاًّ من الموت والعذاب يأتيهم، وإن اختلف الوقت. وإنما عبر بأو دون الواو إشارة إلى كفاية كل واحد من الأمرين في تعذيبهم كما أفاده أبو السعود. (كذلك) أي مثل فعل هؤلاء من الإصرار على الكفر والتكذيب والاستهزاء (فعل الذين من قبلهم) من طوائف الكفار فأتاهم أمر الله فهلكوا (وما ظلمهم الله) بتدميرهم بالعذاب فإنه أنزل بهم ما استحقوه بكفرهم (ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) بما ارتكبوه من القبائح وفيه أن ظلمهم مقصور عليهم باعتبار ما يؤول إليه

النحل 16:34

(فأصابهم سيئات ما عملوا) أي أجزيَة أعمالهم السيئة أو جزاء سيئات أعمالهم معطوف على فعل الذين من قبلهم وما بينهم اعتراض (وحاق) أي نزل (بهم) على وجه الإحاطة والحيق لا يستعمل إلا في الشر، قاله البيضاوي فلا يقال حاقت به النعمة بل النقمة. قاله الشهاب (ما) أي العذاب الذي (كانوا به يستهزئون) أو عقاب استهزائهم. وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (35) وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (36) إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (37)

النحل 16:35

(وقال الذين أشركوا) هذا نوع آخر من كفرهم الذي حكاه الله تعالى عنهم والمراد بالذين أشركوا هنا أهل مكة (لو شاء الله) عدم عبادتنا لشيء غيره (ما عبدنا من دونه من شيء) أي لحصل ذلك، جئت أو لم تجىء، ولو شاء منا الكفر لحصل جئت أو لم تجىء، وإذا كان كذلك فالكل من عند الله فلا فائدة في بعثة الرسل إلى الأمم، ومن الأولى بيانية والثانية زائدة لتأكيد الاستغراق. (نحن) تأكيد لضمير عبدنا لا لتصحيح العطف لوجود الفواصل وإن كان محسناً له (ولا آباؤنا) الذين كانوا على ما نحن عليه الآن من الكفر والشرك بالله. قال الزجاج: أنهم قالوا هذا على وجه الاستهزاء، ولو قالوه عن اعتقاد لكانوا مؤمنين انتهى. وقد مضى الكلام على مثل هذا في سورة الأنعام. (ولا حرّمنا من دونه من شيء) من السوائب والوصائل والبحائر ونحوها ومقصودهم بهذا القول المعلق بالمشيئة الطعن في الرسالة، أي لو كان ما قاله الرسول حقاً من المنع من عبادة غير الله والمنع من تحريم ما لم يحرمه الله حاكياً ذلك عن الله لم يقع منا ما يخالف ما أراده منا فأنه قد شاء الله ذلك وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن؛ فلما وقع منا العبادة لغيره وتحريم ما لم يحرمه، كان ذلك دليلاً على أن ذلك هو المطابق لمراده والموافق لمشيئته، مع أنهم في الحقيقة لا يعترفون بذلك ولا يقرون به، لكنهم قصدوا ما ذكرنا من الطعن على الرسل، والظاهر أن من الأولى والثانية هاهنا زائدتان، أي ولا حرمنا شيئاً حال كوننا دونه أي دون الله، أي مستقلين بتحريمه. قاله الحفناوي. (كذلك فعل الذين من قبلهم) من طوائف الكفر فإنهم أشركوا بالله وحرموا ما لم يحرمه وجادلوا رسلهم بالباطل واستهزؤوا بهم ثم قال (فهل على الرسل) الذين يرسلهم الله إلى عباده بما شرعه لهم من الشرائع التي رأسها توحيده وترك الشرك به (إلا البلاغ المبين) إلى من أرسلوا إليهم، بما أمروا بتبليغه بلاغاً واضحاً يفهمه المرسل إليهم ولا يلتبس عليهم والبلاغ مصدر بمعنى الإبلاغ ثم إنه سبحانه أكد هذا وزاده إيضاحاً فقال:

النحل 16:36

(ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً) كما بعثنا في هؤلاء لإقامة الحجة عليهم وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً وأن في قوله (أن اعبدوا الله) إما مصدرية أي بعثنا بأن اعبدوا الله وحده أو مفسرة لأن في البعث معنى القول والوجهان حكاهما السمين وغيره. (واجتنبوا الطاغوت) أي اتركوا كل معبود دون الله كالشيطان والكاهن والصنم، وكل من دعا إلى الضلال وهو من الطغيان يذكر ويؤنث، ويقع على الواحد كقوله يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به وعلى الجمع كقوله تعالى أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم، والجمع طواغيت والتقدير واجتنبوا عبادتها فالكلام على حذف المضاف. (فمنهم) أي فمن هذه الأمم التي بعث الله إليها برسله (من هدى الله) أي أرشده إلى دينه وتوحيده وعبادته واجتناب الطاغوت فآمن (ومنهم من حقت عليه الضلالة) أي وجبت وثبتت بالقضاء السابق في الأزل لإصراره على الكفر والعناد فلم يؤمن. قال الزجاج: إعلم أنه بعث الرسل بالأمر بالعبادة وهو من وراء الضلال والهداية، ومثل هذه الآية قوله تعالى (فريقاً هدى وفريقاً حق عليهم الضلالة). وفي هذه الآية التصريح بأن الله أمر جميع عباده بعبادته واجتناب الشيطان وكل ما يدعو إلى الضلال، وأنهم بعد ذلك فريقان فمنهم من هدى ومنهم من حقت عليه الضلالة فكان في ذلك دليل على أن أمر الله سبحانه لا يستلزم موافقة إرادته فإنه يأمر الكل بالإيمان، ولا يريد الهداية إلا البعض إذ لو أرادها للكل لم يكفر أحد، وهذا معنى ما حكيناه عن الزجاج هنا. (فسيروا في الأرض) سير المعتبرين المتفكرين لتعرفوا مآل من كذب الرسل وهو خراب منازلهم بالعذاب والهلاك وفي الفاء إشعار بوجوب المبادرة إلى النظر والاستدلال (فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين) رسلهم من الأمم السابقة عند مشاهدتكم لآثارهم كعاد وثمود أي كيف ما آخر أمرهم إلى خراب الديار بعد هلاك الأبدان بالعذاب. ثم خصص الخطاب برسوله صلى الله عليه وآله وسلم مؤكداً لما تقدم فقال

النحل 16:37

(إن تحرص) يا محمد (على هداهم) أي تطلب بجهدك ذلك وقد أضلهم الله لا تقدر على ذلك، وفي المصباح حرص عليه حرصاً من باب ضرب إذا اجتهد والاسم الحرص بالكسر وحرص على الدنيا وحرص حرصاً من باب تعب لغة إذا رغب رغبة مذمومة. وفي السمين قراءة العامة إن تحرص بكسر الراء مضارع حرص بفتحها وهي اللغة العالية لغة الحجاز وقرئ بكسر الراء مضارع حرص بكسرها وهي لغة لبعضهم. (فإن الله) تعليل للجواب (لا يهدي من يضل) قرئ يهدي بفتح حرف المضارعة على أنه فعل مستقبل مسند إلى الله سبحانه أي فإن الله لا يرشد من أضله وقرئ بضم حرف المضارعة على أنه مبني للمجهول على أنه لا يهديه هاد كائناً من كان وهما سبعيتان، فهذه الآية كقوله في الآية الأخرى (من يُضلل الله فلا هادي له) وقال الفراء: على القراءة الأولى معنى لا يهدي لا يهتدي كقوله تعالى (أم من لا يهدى إلا أن يهدى) بمعنى يهتدي. قال النحاس: حكى عن المبرد معنى لا يهدي من يضل من علم ذلك منه وسبق له عنده (وما لهم من ناصرين) ينصرونهم على الهداية لمن أضله الله أو ينصرونهم بدفع العذاب عنهم ومن زائدة. ثم ذكر عناد قريش وإنكارهم للبعث فقال

النحل 16:38

(وأقسموا بالله) أي حلفوا وسمى الحلف قسماً لأنه يكون عند انقسام الناس إلى مصدق ومكذب. (جهد أيمانهم) أي جاهدين غاية اجتهادهم فيها وذلك أنهم كانوا يقسمون بآياتهم وآلهتهم فإذا كان الأمر عظيماً أقسموا بالله، والجهد بفتح الجيم المشقة وبضمها الطاقة وانتصابه على المصدرية وظاهره أنه استئناف إخبار وجعله الزمخشري نسقاً على وقال الذين أشركوا. (لا يبعث الله من يموت) من عباده زعموا أن الله سبحانه عاجز عن بعث الأموات، عن أبي العالية قال: كان لرجل من المسلمين على رجل من المشركين دين فأتاه يتقاضاه فكان مما يتكلم به والذي أرجوه بعد الموت أنه لكذا وكذا فقال له الشرك إنك لتزعم أنك تبعث من بعد الموت فأقسم بالله جهد يمينه لا يبعث الله من يموت فأنزل الله سبحانه هذه الآية، وعن عليّ قال نزلت فيَّ. (بلى وعداً عليه حقاً) هذا إثبات لما بعد النفي أي بلى يبعثهم ووعداً مصدر مؤكد لما دل عليه بلى وهو يبعثهم لأن البعث وعد من الله والتقدير وعد البعث وعداً عليه وحقه حقاً لا خلف فيه (ولكن أكثر الناس لا يعلمون) إن ذلك يسير عليه سبحانه غير عسير إما لعدم علمهم بأنه من مواجب الحكمة التي جرت عادته بمراعاتها وإما لقصور نظرهم بالمألوف فيتوهمون امتناع البعث. وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (38) لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ (39) إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (40) وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (41) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (42) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43)

النحل 16:39

(ليبين) أي ليظهر (لهم) وهو غاية لما دل عليه بلى من البعث والضمير في لهم راجع إلى من يموت (الذي يختلفون فيه) أي الأمر الذي وقع الخلاف بينهم فيه وبيانه إذ ذاك يكون بما جاءتهم به الرسل ونزلت عليهم فيه كتب الله، وقيل ليبين متعلق بقوله ولقد بعثنا (وليعلم الذين كفروا) بالله سبحانه وأنكروا البعث (أنهم كانوا كاذبين) في جدالهم وإنكارهم البعث بقولهم لا يبعث الله من يموت.

النحل 16:40

(إنما قولنا لشيء إذا أردناه إن نقول له كن فيكون) جملة مستأنفة لبيان كيفية الإبداء والإعادة مسوقة لهذا المقصد بعد بيان سهولة البعث عليه سبحانه، قال الزجاج: أعلمهم بسهولة خلق الأشياء عليه فأخبر أنه متى أراد الشيء كان وهذا كقوله (فإذا قضى أمراً يقول له كن فيكون) قال ابن الأنباري: أوقع لفظ الشيء على المعلوم عند الله تعالى قبل الخلق لأنه بمنزلة ما قد وجد وشوهد، قال الزجاج: أن معنى لشيء لأجل شيء فجعل اللام سببية وليس بواضح. وقيل هي لام التبليغ، قاله أبو السعود أي أيُّ شيء كان مما عز وهان كما في قولك قلت له قم فقام، وهذا الكلام من باب التمثيل على معنى أنه لا يمتنع عليه شيء وأن وجوده عند إرادته كوجود المأمور به عند أمر الأمير المطاع إذا ورد على المأمور المطيع، وليس هناك قول ولا مقول له، ولا أمر ولا مأمور، ولا كاف ولا نون حتى يقال إنه يلزم منه أحد محالين إما خطاب المعدوم أو تحصيل الحاصل. قلت: هكذا قال أكثر المفسرين وهو يخالف ظاهر النظم القرآني والحق ما دلت عليه الآية من القول وهو على حقيقته وأنه جرت العادة الإلهية وقد مضى تفسير ذلك في سورة البقرة مستوفى، وفي الآية الكريمة من الفخامة والجزالة ما يحار فيه العقول والألباب.

النحل 16:41

(والذين هاجروا) قد تقدم معنى الهجرة في سورة النساء وهي ترك الأهل والأوطان أي انتقلوا من مكة إلى المدينة لإقامة دين الله تعالى ومعنى (في الله) في شأن الله سبحانه وفي رضاه، وقيل في دين الله، وقيل في بمعنى لام التعليل أي الله (من بعد ما ظُلموا) أي عُذبوا وأهينوا، وقد اختلف في سبب نزول الآية فقيل نزلت في صهيب وبلال وخباب وعمار واعترض بأن السورة مكيّة وذلك يخالف قوله (والذين هاجروا) وأجيب بأنه يمكن أن تكون هذه الآية من جملة الآيات المدنية في هذه السورة كما قدمنا في عنوانها. وقيل نزلت في أبي جندل بن سهيل، وقيل نزلت في أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم لما ظلمهم المشركون بمكة وأخرجوهم حتى لحق طائفة منهم بالحبشة ثم بوّأهم الله المدينة بعد ذلك فجعلها لهم دار هجرة وجعل لهم أنصاراً من المؤمنين. (لنبوّأنهم في الدنيا حسنة) قيل المراد نزولهم المدينة قاله ابن عباس والحسن والشعبي وقتادة، وقيل المراد الرزق الحسن قاله مجاهد، وقيل النصر على عدوّهم، قاله الضحاك، وقيل ما استولوا عليه من فتوح البلاد وصار لهم فيها من الولايات، وقيل ما بقي لهم فيها من الثناء وصار لأولادهم من الشرف ولا مانع من حمل الآية على جميع هذه الأمور والمعنى لنبوّأنهم مباءة حسنة أو تبوئة حسنة فحسنة صفة مصدر محذوف. (ولأجر الآخرة) أي جزاء أعمالهم الكائن في الآخرة وهو النعيم الكائن في الجنة التي هي المراد بالآخرة (أكبر) وأعظم من أن يعلمه أحد من خلق الله قبل أن يشاهده ومنه قوله تعالى وإذا رأيت ثَمَّ رأيت نعيماً وملكاً كبيراً (لو كانوا) أي هؤلاء الظلمة (يعلمون) ذلك، وقيل أن الضمير راجع إلى المؤمنين المهاجرين أي لو رأوا ثواب الآخرة وعاينوه لعلموا أنه أكبر من حسنة الدنيا وهو إسكانهم المدينة.

النحل 16:42

(الذين صبروا) على أذى المشركين أو على مفارقة الوطن والهجرة أو على الجهاد وبذل الأنفس والأموال في سبيل الله واللفظ أعم من ذلك (وعلى ربهم) وحده خاصة (يتوكلون) في جميع أمورهم معرضين عما سواه والصبر مبدأ السلوك إلى الله تعالى والتوكل هو آخر الطريق ومنتهاه والظاهر والله أعلم أن المعنى على المضيّ والتعبير بصيغة المضارع لاستحضار صورة توكلهم البديعة، وفيه ترغيب لغيرهم في طاعة الله عز وجل وجواب الموصول محذوف أي فيرزقهم من حيث لا يحتسبون.

النحل 16:43

(وما أرسلنا من قبلك) رد على قريش حيث زعموا أن الله سبحانه أجل من أن يرسل رسولاً من البشر فرد الله عليهم بأن هذه عادته وسنته أن لا يرسل (إلا رجالاً) من البشر (نوحي إليهم) وزعم أبو عليّ الجبائي إن معنى الآية أن الله سبحانه لم يرسل إلى الأنبياء بوحيه إلا من هو على صورة الرجال من الملائكة ويرد عليه أن جبريل كان يأتي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على صور مختلفة. ولما كان كفار مكة مقرّين بأن اليهود والنصارى هم أهل العلم بما أنزل الله في التوراة والإنجيل صرف الخطاب إليهم وأمرهم أن يرجعوا إلى أهل الكتاب فقال (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) أي فاسألوا أيها المشركون إن شككتم فيما ذكر مؤمني أهل الكتاب فإنهم سيخبرونكم بأن جميع الأنبياء كانوا بشيراً أو اسألوا أهل الكتاب من غير تقييد بمؤمنيهم كما يفيده الظاهر فإنهم كانوا يعترفون بذلك ولا يكتمونه، وقيل المعنى فاسألوا أهل القرآن. عن سعيد بن جبير قال: نزلت في عبد الله بن سلام ونفر من أهل التوراة، وقد استدل مجوز والتقليد بهذه الآية وقالوا أمر سبحانه من لا علم له أن يسأل من له علم والجواب أن هذه الآية الشريفة واردة في سؤال خاص خارج عن محل النزاع كما يفيده السياق المذكور قبل هذا اللفظ الذي استدلوا به وبعده، وبه قال ابن جرير والبغوي وأكثر المفسرين، واستوفاه السيوطي في الدر المنثور، وهذا هو المعنى الذي يفيده السياق والسباق. وعلى فرض أن المراد السؤال العام فالمأمور بسؤالهم هم أهل الذكر، والذكر هو كتاب الله وسنة رسوله لا غيرهما، ولا أظن مخالفاً يخالف في هذا لأن هذه الشريعة المطهرة هي إما من الله عز وجل وذلك هو القرآن الكريم أو من رسوله صلى الله عليه وسلم وذلك هو السنة المطهرة ولا ثالث لذلك. وإذا كان المأمور بسؤالهم هم أهل القرآن والحديث فالآية الكريمة حجة على المقلدة لا لهم، لأن المراد أنهم يسألون أهل الذكر فيخبرونهم به، فالجواب من المسؤولين أن يقولوا قال الله كذا وقال رسوله صلى الله عليه وسلم كذا فيعمل السائلون بذلك، وهذا هو غير ما يريده المقلد المستدل بها فإنه إنما استدل بها على جواز ما هو فيه من الأخذ بأقوال الرجال من دون سؤال عن الدليل فإن هذا هو التقليد ولهذا رسموه بأنه قبول قول الغير من دون مطالبة بحجه. فحاصل التقليد أن المقلد لا يسأل عن كتاب الله ولا عن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم بل يسأل عن مذهب إمامه فقط فإذا جاوز ذلك إلى السؤال عن الكتاب والسنة فليس بمقلد، وهذا يسلمه كل مقلد ولا ينكره. بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (44) أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (45) أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (46) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (47) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ (48) وإذا تقرر أن المقلد إذا سأل أهل الذكر عن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم لم يكن مقلداً علمت أن هذه الآية الشريفة على تسليم أن السؤال ليس عن الشيء الخاص الذي يدل عليه السياق، بل عن كل شيء من الشريعة كما يزعمه المقلد تدفع في وجهه وترغم أنفه وتكسر ظهره، فإن معنى هذا السؤال الذي شرعه الله تعالى هو السؤال عن الحجة الشرعية وطلبها من العالم فيكون هو راوياً وهذا السائل مُستَروياً، والمقلد يقر على نفسه بأنه يقبل قول العالم ولا يطالبه بالحجة، فالآية هي دليل الاتباع لا دليل التقليد. وبهذا ظهر لك أن هذه الحجة التي احتج بها المقلد هي حجة داحضة على فرض أن المراد المعنى الخاص وهي عليه لا له على فرض أن المراد المعنى العام.

النحل 16:44

(بالبينات والزبر) فيه ستة أوجه: أحدها: ما تقديره أي رجالاً متلبسين بالبينات وهو وجه حسن. ذكره الزمخشري ولا محذور فيه. الثاني: ما أرسلناهم بهما ذكره الحوفي والزمخشري وغيرهما وبه بدأ في الكشاف. الثالث: تقديره ما أرسلنا بهما إلا رجالاً حكاه ابن عطية. الرابع: أنه متعلق بنوحي كما تقول أوحي إليه بحق. ذكره الزمخشري وأبو البقاء. الخامس: أنه منصوب بتقدير أعني والباء زائدة. السادس: أنه متعلق بمحذوف كأنه قيل بم أرسلوا، فقيل أرسلوا بهما، كذا قدّره الزمخشري. قال السمين: وهو أحسن من تقدير أبي البقاء يعني لموافقته للدال عليه لفظاً ومعنى، والبينات الحجج الواضحة والبراهين الساطعة، والزبر الكتب والصحف وقد تقدم الكلام على هذا في آل عمران. (وأنزلنا إليك) يا محمد صلى الله عليه وسلم (الذكر) أي القرآن، وسماه ذكراً لأن فيه مواعظ وتنبيها للغافلين، ثم بيَّن الغاية المطلوبة من الإنزال فقال (لتبين للناس) جميعاً (ما نزل إليهم) في هذا الذكر من الأحكام الشرعية والوعد والوعيد وبيان الكتاب يطلب من السنة والمبين لذلك المجمل هو الرسول صلى الله عليه وسلم. ولهذا قيل متى وقع تعارض بين القرآن والحديث وجب تقديم الحديث لأن القرآن مجمل والحديث مبين بدلالة هذه الآية، والمبين مقدم على المجمل، وقيل المحكم مبين والمتشابه مجمل بطلب بيانه من السنة، فهذه الآية محمولة على ما أجمل فيه دون المحكم المبين المفسر (ولعلهم يتفكرون) أي إرادة أن يتأملوا ويعملوا أفكارهم فيتعظوا ويعملوا به.

النحل 16:45

(أفأمن الذين مكروا) الاستفهام للتوبيخ والفاء للعطف على مقدر ينسحب عليه النظم الكريم (السيئات) أي المكرات السيئات ولم يذكر الزمخشري غيره، أو المعنى عملوا أو فعلوا السيئات أو أمن الماكرون للعقوبات السيئات أو مكروا بالسيئات. قال مجاهد: يعني نمروذ بن كنعان وقومه وعن قتادة قال: مكرهم الشرك. وقال الضحاك: تكذيبهم الرسل وعملهم بالمعاصي، أو هو سعيهم في أذى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأذى أصحابه على وجه الخفية واحتيالهم في إبطال الإسلام وكيد أهله في دار الندوة من تقييده أو قتله أو إخراجه كما ذكر في الأنفال. (أن) أي أفأمنوا من أن (يخسف الله بهم الأرض) كما خسف بقارون وقرون من قبلهم، يقال خسف المكان يخسف خسوفاً ذهب في الأرض وخسف الله به الأرض خسوفاً أي غاب به فيها، ومنه قوله فخسفنا به وبداره الأرض وخسف هو في الأرض وخسف به. (أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون) به أي حال غفلتهم عنه ومن جهة لا تخطر ببالهم كما فعل بقوم لوط وغيرهم؛ وقيل يريد يوم بدر فإنهم أهلكوا في ذلك اليوم ولم يكن في حسبانهم.

النحل 16:46

(أو يأخذهم في تقلبهم) ذكر المفسرون فيه وجوهاً، فقيل المراد في أسفارهم ومتاجرهم، فإنه سبحانه قادر على أن يهلكهم في السفر كما يهلكهم في الحضر، وهم لا يفوتونه بسبب ضربهم في الأرض وبعدهم عن الأوطان، والتقلب الحركة إقبالاً وإدباراً. وقيل المراد في حال تقلبهم في قضاء أوطارهم بوجوه الحيل فيحول الله بينهم وبين مقاصدهم وحيلهم، وقيل في حال تقلبهم في الليل على فرشهم، وقيل في اختلافهم، وقيل في حال إقبالهم وإدبارهم، وذهابهم ومجيئهم بالليل والنهار والتقلب بالمعنى الأول مأخوذ من قوله لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد وبالمعنى الثاني مأخوذ من قوله وقلبوا لك الأمور. (فما هم بمعجزين) أي بفائتين ولا ممتنعين ولا سابقين

النحل 16:47

(أو يأخذهم على) حال (تخوّف) وتوقع للبلايا بأن يكونوا متوقعين للعذاب حذرين منه غير غافلين عنه فهو خلاف ما تقدم من قوله، أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون. وقال ابن الأعرابي: على تنقص من الأموال والأنفس والثمرات حتى يهلكهم كلهم. قال الواحدي قال عامة المفسرين، معنى على تخوف على تنقص إما بقتل أو بموت يعني بنقص من أطرافهم ونواحيهم يأخذهم الأول فالأول حتى يأتي الأخذ على جميعهم قال والتخوف التنقص، يقال هو يتخوف المال أي ينتقصه ويأخذ من أطرافه. انتهى. يقال تخوفه الدهر وتخونه بالفاء والنون تنقصه، قال الهيثم بن عدي: التخوف بالفاء التنقص لغة لأزد شنوءه. وقال ابن قتيبة: هذه لغة هذيل وقيل على تخوف على عجل، قاله الليث بن سعد، وقيل على تقريع بما قدموه من ذنوبهم، روي ذلك عن ابن عباس، وقيل على تخوف أن يعاقب ويتجاوز. قاله قتادة. وعن ابن عباس على أثر موت صاحبه: وعنه أيضاً وتنقص من أعمالهم. وعن عمر أنه سألهم عن هذه الآية فقالوا: ما نرى إلا أنه عند تنقص ما يردوه من الآيات، فقال عمر: ما أرى إلا أنه على ما يتنقصون من معاصي الله، فخرج رجل ممن كان عند عمر فلقى أعرابياً فقال: يا فلان ما فعل ربك؟ قال قد تخيفته يعني تنقصته، فرجع إلى عمر فأخبره فقال قد رأيته ذلك. وعبارة البيضاوي روي أن عمر قال على المنبر: ما تقولون فيها؟ فسكتوا، فقام شيخ من هذيل فقال: هذه لغتنا التخوف التنقص، فقال: هل تعرف العرب ذلك في أشعارها؟ فقال: نعم، قال شاعرنا أبو بكر يصف ناقته: تخوف الرحل منها تامكا قردا ... كما تخوف عود النبعة السفن فقال عمر: عليكم بديوانكم لا تضلوا، قالوا: وما ديواننا. قال شعر الجاهلية فإن فيه تفسير كتابكم ومعاني كلامكم أهـ. قال الشهاب: الرحل رحل الناقة والتامك السنام المشرف والقرد هو المرتفع أو المتراكم، والنبع شجر يتخذ منه القسيّ، والسفن هنا المبرد والقدوم يصف ناقته بأنها أثر الرحل في سنامها، فأكله وانتقصه كما ينتقص المبرد العود. انتهى. وعن مجاهد قال: على تخوف يأخذهم بنقص بعضهم بعضاً وقال الضحاك والكلبي: هو من الخوف يعني يهلك طائفة فيتخوف الآخرون أن يصيبهم ما أصابهم؛ والحاصل أنه سبحانه خوفهم بخسف يحصل في الأرض أو بعذاب ينزل من السماء، أو بآفات تحدث دفعة، أو بآفات تحدث قليلاً قليلاً إلى أن يأتي الهلاك على آخرهم. ثم إنه سبحانه ختم الآية بقوله (فإن ربكم لرؤوف رحيم) لا يعاجل بالعذاب بل يمهل رأفة بكم ورحمة لكم مع استحقاقكم للعقوبة. ثم لما خوف سبحانه الماكرين بما خوف أتبعه ذكر ما يدل على كمال قدرته في تدبير العالم العلوي والسفلي ومكانهما مصدراً بالاستفهام الإنكاري فقال:

النحل 16:48

(أو لم يروا) بالتحتية بإرجاع الضمير إلى ماكري السيئات وقرئ بالفوقية على أنه خطاب لجميع الناس وهذه الرؤية لما كانت بمعنى النظر وصلت بإلى لأن المراد منها الاعتبار والاعتبار لا يكون إلا بنفس الرؤية التي يكون معها النظر إلى الشيء ليتأمل أحواله ويتفكر فيه ويعتبر به. (إلى ما خلق الله) ما مبهمة مفسرة بقوله (من شيء) له ظل وهي الأجسام فهو عام أريد به الخاص وخرج به الملك والجن (يتفيأ ظلاله) أي تميل وتدور وتنتقل من جانب إلى جانب وتكون أول النهار على حال وتتقلص ثم تعود في آخر النهار على حالة أخرى قال الأزهري: تفيؤ الظلال رجوعها بعد انتصاف النهار فالتفيؤ لا يكون إلا بالعشي وما انصرفت عنه الشمس والقمر، والذي يكون بالغداة هو الظل وهو ما لم تنله. وقال ثعلب: أخبرت عن أبي عبيدة أن رؤبة قال: كل ما كانت عليه الشمس فزالت عنه فهو فيء وما لم تكن عليه الشمس فهو ظل، وفي السمين التفيؤ تفعل من فاء يفيء إذا رجع وفاء قاصر فإذا أريد تعديته عدَّى بالهمزة كقوله ما أفاء الله على رسوله أو بالتضعيف نحو فيأ الله الظل فتفيأ وتفيأ مطاوع فيأ فهو لازم. واختلف في الفيء فقيل هو مطلق الظل سواء كان قبل الزوال أو بعده وهو الموافق لمعنى الآية هاهنا، وقيل ما كان قبل الزوال فهو ظل فقط وما كان بعده فهو ظل وفيء فالظل أعم، وقيل بل يختص الظل بما قبل الزوال والفيء بما بعده والظلال جمع ظل وهو مضاف إلى مفرد لأنه واحد يراد به الكثرة. (عن اليمين والشمائل) أي عن جهة أيمانها وعن شمائلها أي عن جانبي كل واحد منها استعارة أو مجاز من إطلاق المقيد على المطلق، قال أبو السعود: استعير لهما ذلك من يمين الإنسان وشماله، وقيل المراد باليمين يمين الفلك وهو جهة. المشرق لأن الكواكب منه تظهر آخذة في الارتفاع والسطوع ومن الشمائل شماله وهي جهات المغرب المقابل له فإن الظلال في أول النهار تبتدئ من الشرق واقعة على الربع الغربي من الأرض وعند الزوال تبتدئ من الغرب واقعة على الربع الشرقي منها. قال الفراء: وحد اليمين لأنه أراد واحداً من ذوات الإظلال وجمع الشمال لأنه أراد كلها لأن ما خلق الله لفظ مفرد ومعناه جمع. وقال الواحدي: وحد اليمين والمراد به الجمع ايجازاً في اللفظ كقوله ويولون الدبر، وبه قال الزمخشري ودلت الشمائل على أن المراد بها الجمع، وقيل أن العرب إذا ذكرت صيغتي جمع عبرت عن أحدهما بلفظ الواحد كقوله وجعل الظلمات والنور، وختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم. وقيل المراد باليمين النقطة التي هي مشرق الشمس وأنها واحدة والشمائل عبارة عن الانحراف في تلك الأظلال بعد وقوعها على الأرض وهي كثيرة، قيل إذا طلعت الشمس من المشرق وأنت متوجه إلى القبلة كان ظلك عن يمينك فإذا استوت الشمس في وسط السماء كان ظلك في خلفك فإذا مالت إلى الغروب كان ظلك عن يسارك. وقال قتادة والضحاك: أما اليمين فأول النهار وأما الشمال فآخر النهار دائماً وإنما عبر عن المشرق باليمين لأن أقوى جانبي الإنسان يمينه؛ ومنه تظهر الحركة القوية والشمائل جمع شمال على غير قياس والقياس أشمل كذراع وأذرع. (سجداً) جمع ساجد كشاهد وشهد وراكع وركع أي حال كون الظلال ساجدة (لله) قال الزجاج يعني أن هذه الأشياء مجبولة على الطاعة وقال أيضاً سجود الجسم انقياده وما يرى فيه من أثر الصنعة. قال مجاهد: إذا زالت الشمس سجد كل شيء لله، وقيل أن الظلال ملتصقة بالأرض كالساجد عليها فلما كانت يشبه شكلها شكل الساجدين أطلق الله عليها هذا اللفظ (وهم) أي والحال أن الظلال (داخرون) أي خاضعون صاغرون والدخور الصغار والذي يقال دخر الرجل فهو داخر وادخره الله ولما وصفها بالطاعة والانقياد لأمره وذلك صفة من يعقل عبر عنها بلفظ من يعقل. وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (49) يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (50) وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (51) وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ (52) وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (53) ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (54)

النحل 16:49

(ولله) وحده لا لغيره (يسجد) أي يخضع وينقاد والسجود على نوعين: سجود طاعة وعبادة وسجود إنقياد وخضوع كسجود الإنسان وسجود الظلال والآية تحتمل النوعين (ما في السماوات) جميعاً (وما في الأرض من دابة) أي حيوان جسماني ونسمة تدب وتتحرك على الأرض والمراد به كل دابة: قال الأخفش هو كقولك ما أتاني من رجل مثله وما أتاني من الرجال مثله. وقد دخل في عموم ما فيهما جميع الأشياء الموجودة فيهما، قال قتادة: لم يدع شيئاً من خلقه إلا عبده له طائعاً أو كارهاً، وعن الحسن قال: يسجد من في السماوات طوعاً ومن في الأرض طوعاً وكرهاً وإنما خص الدابة بالذكر لأنه قد علم من قوله أو لم يروا إلى ما خلق الله من شيء انقياد الجمادات ومن بيانية بياناً لما في الشقين أو بيانا لما الثانية فقط. (و) عطف (الملائكة) على ما قبلهم عطف خاص على عام تشريفاً لهم وتعظيماً لدخولهم في المعطوف عليه، وقيل أفرد الملائكة لأنهم أولو أجنحة يطيرون بها أو تكون في السماء خلق يدبون (وهم) أي والحال أنهم (لا يستكبرون) عن عبادة ربهم، والمراد الملائكة ويحتمل أن تكون الجملة مستأنفة وفي هذا رد على قريش حيث زعموا أن الملائكة بنات الله، والمعنى يسجد لله ما في السماوات وما في الأرض والملائكة وهم جميعاً لا يستكبرون عن السجود.

النحل 16:50

(يخافون) أي حال كونهم خائفين (ربهم من فوقهم) أو جملة مستأنفة لبيان نفي استكبارهم ومن آثار الخوف عدم الاستكبار أي يخافون عذاب ربهم كائناً من فوقهم أو يخافون ربهم حال كونه من فوقهم عالياً عليهم علو الرتبة والمكانة والقدرة بائناً عنهم بالاستواء على العرش، وقيل معناه يخافون الملائكة فيكون على حذف المضاف أي يخافون ملائكة ربهم كائنين من فوقهم وهو تكلف لا حاجة إليه. وإنما اقتضى مثل هذه التأويلات البعيدة المحاماة على مذاهب قد رسخت في الأذهان وتقررت في القلوب قيل وهذه المخافة هي مخافة الإجلال واختاره الزجاج فقال: يخافون ربهم خوف مجلين ويدل على صحة هذا المعنى قوله وهو القاهر فوق عباده وقوله إخباراً عن فرعون وإنا فوقهم قاهرون. (ويفعلون ما يؤمرون) به من طاعة الله يعني الملائكة أو جميع من تقدم ذكره وحمل هذه الجملة على الملائكة أولى لأن في مخلوقات الله من يستكبر عن عبادته ولا يخافه ولا يفعل ما يؤمر به كالكفار والعصاة الذين لا يتصفون بهذه الصفات وإبليس وجنوده، وهذه السجدة من عزائم سجود القرآن فيسن للقارئ والمستمع أن يسجد عند قراءتها وسماعها. ولما بيَّن سبحانه أن مخلوقاته السماوية والأرضيّة منقادة له خاضعة لجلاله أتبع ذلك بالنهي عن الشرك بقوله

النحل 16:51

(وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد) فنهى سبحانه عن اتخاذ إلهين ثم أثبت أن الإلهية منحصرة في إله واحد وهو الله سبحانه وقد قيل أن التثنية في الإلهين قد دلت على الاثنينية والإفراد في إله قد دل على الوحدة فما وجه وصف إلهين باثنين ووصف إله بواحد فقيل في الجواب أن في الكلام تقديماً وتأخيراً والتقدير لا تتخذوا اثنين إلهين وفيه عد. وقال أبو البقاء: هو مفعول ثان وهذا كالغلط إذ لا معنى لذلك البتة، وقيل أن التكرير لأجل المبالغة في التنفير عن اتخاذ الشريك، وقيل أنه تأكيد لإلهين وعليه أكثر الناس، وكلام الزمخشري هنا يفهم منه إنه ليس بتأكيد، وقيل أن فائدة زيادة اثنين هي أن يعلم أن النهي راجع إلى التعدد لا إلى الجنسية وفائدة زيادة واحد دفع توهم أن المراد إثبات الإلهية دون الواحدية مع أن الإلهية له سبحانه مسلمة في نفسها وإنما خلاف المشركين في الواحدية. ثم نقل الكلام سبحانه من الغيبة إلى التكلم على طريقة الالتفات لزيادة الترهيب فقال: (فإياي فارهبون) أي إن كنتم راهبين شيئاً فإياي فارهبون لا غيري فالتركيب أفاد الحصر، وقيل التقدير إياي ارهبوا فارهبون وقدره ابن عطية: ارهبوا إياي فارهبون. قال الشيخ: وهو ذهول عن القاعدة النحوية وقد يجاب عنه والرهب مخافة مع حزن واضطراب وقد مر هذا في أول البقرة. ثم لما قرر سبحانه وحدانيته وأنه الذي يجب أن يخص بالرهبة منه والرغبة إليه ذكر أن الكل في ملكه وتحت تصرفه فقال

النحل 16:52

(وله ما في السماوات والأرض) ملكاً وخلقاً وعبيداً والجملة مقررة لما تقدم في قوله ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض إلخ .. وتقديم الخبر لإفادة الاختصاص والتفت فيه من التكلم إلى الغيبة والجملة معطوفة على قوله إنما هو إله واحد أو على الخبر أو مستأنف. (وله الدين واصباً) أي ثابتاً واجباً دائما لا يزول والدين هو الطاعة والإخلاص، قال الفراء: واصباً معناه دائماً. وروي عنه أيضاً الواصب الخالص والأول أولى ومنه قوله سبحانه ولهم عذاب واصب أي دائم. وقال الزجاج: أي طاعته واجبة أبداً ففسر الواصب بالواجب، وقال ابن قتيبة في تفسير الواصب: أي ليس أحد يطاع إلا انقطع ذلك بزوال أو بهلكة غير الله تعالى فإن الطاعة تدوم له ففسر الواصب بالدائم وإذا دام الشيء دواماً لا ينقطع فقد وجب وثبت، يقال وصب الشيء يصب وصوباً فهو واصب إذا دام ووصب الرجل على الأمر إذا واظب عليه. وقيل الوصب التعب والإعياء أي حب طاعة الله سبحانه وإن تعب العبد فيها وهو غير مناسب لما في الآية، قال مجاهد الدين الإخلاص وواصباً دائماً، وقال أبو صالح: يعني لا إله إلا الله. وعن ابن عباس: دائماً واجباً، وفي البيضاوي: واصباً لازماً، وقال الشهاب: الوصب ورد في كلامهم بمعنى اللزوم والدوام، وفي القاموس وصب يصب دام وثبت كأوصب وعلى الأمر واظب وأحسن القيام عليه، وفي المصباح وصب الشيء وصوباً دام ووصب الدين وجب. والاستفهام في قوله (أفغير الله تتقون) للتقريع والتوبيخ أو للتعجب والإنكار والفاء للتعقيب، والمعنى إذا كان الدين أي الطاعة واجباً له دائماً لا ينقطع كان المناسب لذلك تخصيص التقوى به وعدم إيقاعها لغيره فكيف يعقل أن يكون للإنسان رغبة أو رهبة في غير الله. ثم امتن سبحانه عليهم بأن جميع ما هم متقلبون فيه من النعم هو منه لا من غيره فقال:

النحل 16:53

(وما بكم من نعمة فمن الله) أي ما يلابسكم من النعم على اختلاف أنواعها فهي منة سبحانه، والنعمة إما دينية وهي معرفة الحق لذاته ومعرفة الخير لأجل العمل به وإما دنيوية نفسانية أو بدنية أو خارجية كالسعادات المالية وغيرها، وكل واحدة من هذه جنس تحته أنواع لا حصر لها والكل من الله سبحانه فعلى العاقل أن لا يشكر إلا إياه، وما موصولة متضمنة لمعنى الشرط باعتبار الإخبار دون الحصول، والفاء زائدة أو شرطية، وإليه نحا الفراء وتبعه الحوفي وأبو البقاء. ثم بين تلون الإنسان بعد استغراقه في بحر النعم فقال: (ثم إذا مسكم الضر) أي الشدة والأمراض والأسقام أو أي ضر كان، والضر المرض والبلاء والحاجة والقحط وكل ما يتضرر به الإنسان (فإليه) سبحانه لا إلى غيره (تجأرون) تتضرعون وتستغيثون وتضجون في كشفه فلا كاشف له إلا هو، يقال جأر يجأر جؤراً إذا رفع صوته بالدعاء في تضرع. قال مجاهد: تتضرعون بالدعاء وقال السدي: تضجون بالدعاء، وفي القاموس جأر جأراً وجؤراً بوزن غراب رفع صوته بالدعاء وتضرع واستغاث، والبقرة والثور صاحا والنبات طال والأرض طال نبتها.

النحل 16:54

(ثم إذا كشف الضر عنكم) أي إذا رفع عنكم ما نزل بكم من الضر (إذا فريق) أي جماعة (منكم بربهم) الذي رفع الضر عنهم (يشركون) فيجعلون منه إلهياً آخر من صنم أو نحوه، إذا الأولى شرطية والثانية فجائية جوابها، وفي الآية دليل على أن إذا الشرطية لا تكون معمولة لجوابها، لأن ما بعد إذا الفجائية لا يعمل فيما قبلها. والآية مسوقة للتعجب من فعل هؤلاء حيث يضعون الإشراك بالله الذي أنعم عليهم بكشف ما نزل بهم من الضر مكان الشكر له، وهذا المعنى قد تقدم في الأنعام ويونس، ويأتي إن شاء الله تعالى في سبحان. قال الزجاج: هذا خاص بمن كفر وقابل كشف الضر عنه بالجحود والكفر، وعلى هذا فيكون من في منكم للتبعيض حيث كان الخطاب للناس جميعاً والفريق هم الكفرة، وإن كان الخطاب موجهاً إلى الكفار فمن للبيان، وبه قال الزمخشري كأنه قيل إذا فريق كافر وهم أنتم. قاله السمين. لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (55) وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ (56) وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ (57) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (58) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (59) لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (60) واللام في

النحل 16:55

(ليكفروا) لام كي لكي يكفروا يعني إشراكهم سبب كفرهم وقيل إنها لام الصيرورة، أي صار أمرهم إلى ذلك، وقيل أنها لام الأمر وإليه نحا الزمخشري. وقيل إنها لام العاقبة، أي فعاقبة إشراكهم بالله غيره كفرهم (بما آتيناهم) من نعمة وهي كشف الضر عنهم حتى كأن هذا الكفر منهم الواقع في موضع الشكر الواجب عليهم غرض لهم ومقصد من مقاصدهم، وهذا غاية في العتو والعناد ليس وراءها غاية. ثم قال سبحانه على سبيل التهديد والترهيب ملتفتاً من الغيبة إلى الخطاب (فتمتعوا) بما أنتم فيه من ذلك (فسوف تعلمون) عاقبة أمركم وما يحل بكم في هذه الدار وما تصيرون إليه في الدار الآخرة. قال الحسن هذا وعيد. ثم حكى سبحانه نوعاً آخر من قبائح أعمالهم فقال

النحل 16:56

(ويجعلون لما لا يعلمون نصيباً مما رزقناهم) أي يقع منهم هذا الجعل بعدما وقع منهم الجؤار إلى الله سبحانه في كشف الضر عنهم وما تعقب كشفه عنهم من الكفر منهم بالله والإشراك به ومع ذلك يجعلون لما لا يعلمون حقيقته من الجمادات والشياطين نصيبا من أموالهم يتقربون به إليه. وقيل المعنى إنهم أي الكفار يجعلون للأصنام وهم لا يعلمون شيئاً لكونهم جمادات، وأجراها مجرى العقلاء جرياً على اعتقاد الكفار فيها، وحاصل المعنى ويجعل هؤلاء الكفار للأصنام التي لا تعقل شيئاً نصيباً من أموالهم التي رزقهم الله إياها. قال مجاهد: يعلمون أن الله خلقهم ويضرهم وينفعهم، ثم يجعلون لما لا يعلمون إنه يضرهم وينفعهم نصيباً مما رزقناهم. وقال قتادة: هم مشركو العرب جعلوا لأوثانهم وشياطينهم مما رزقهم الله وجزءوا من أموالهم جزءاً فجعلوه لهم، وعن السدي قال: هو قولهم هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا. (تالله لتسألن) أقسم بنفسه على نفسه أنه يسألهم يوم القيامة، وهذا رجوع من الغيبة إلى الخطاب، وهو من بديع الكلام وبليغه، وهذا السؤال سؤال تقريع وتوبيخ (عما كنتم تفترون) أي تختلقونه من الكذب على الله سبحانه في الدنيا.

النحل 16:57

(ويجعلون لله البنات) هذا نوع آخر من فضائحهم وقبائحهم، وقد كانت خزاعة وكنانة تقول الملائكة بنات الله، فنزه (سبحانه) نفسه عما نسبه إليه هؤلاء الجفاة الذين لا عقول لهم صحيحة ولا أفهام مستقيمة. قال ابن عباس: يقول تجعلون لي البنات ترتضونهن لي ولا ترتضونهن لأنفسكم، وذلك إنهم كانوا في الجاهلية إذا ولد للرجل منهم جارية أمسكها على هوان أو دسها في التراب وهي حية، إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل، وفي هذا التنزيه تعجيب من حالهم (ولهم ما يشتهون) أي ويجعلون لأنفسهم ما يشتهونه من البنين، والجملة مستأنفة أو في محل النصب على الحال من الواو في يجعلون هذا. ثم ذكر سبحانه كراهتهم للإناث التي جعلوها لله سبحانه فقال

النحل 16:58

(وإذا بشر أحدهم بالأنثى) أي إذا أخبر أحدهم بولادة بنت له (ظل) صار (وجهه مسوداً) أي متغيراً، وليس المراد السواد الذي هو ضد البياض، بل المراد به الكناية عن الانكسار والتغير بما يحصل من الغم والحزم والغيظ والكراهة، والعرب تقول لكل من لقي مكروهاً قد اسود وجهه غماً وحزناً. قاله الزجاج. وقال الماوردي: بل المراد سواد اللون حقيقة، قال وهو قول الجمهور والأول أولى، فإن المعلوم بالوجدان أن من غضب وحزن واغتم لا يحصل في لونه إلا مجرد التغير وظهور الكآبة والانكسار لا السواد الحقيقي. (وهو كظيم) أي ممتلئ من الغم غيظاً وحنقاً، يقال كظمت الغيظ كظماً وكظوماً ما أمسكت على ما في نفسك منه على صفح أو غيظ، وربما قيل كظمت على الغيظ وكظمني الغيظ فأنا كظيم ومكظوم، وكظم البعير كظوماً لم يجتر، قال الأخفش: هو الذي يكظم غيظه ولا يظهره، وقيل أنه المغموم الذي يطبق فاه من الغم، مأخوذ من الكظامة وهو سد فم البئر. قاله علي بن عيسى، وقد تقدم في سورة يوسف.

النحل 16:59

(يتوارى) أي يتغيب ويختفي (من القوم من سوء ما بشر به) أي من سوء الحزن والعار والحياء الذي يلحقه بسبب حدوث البنت له، تعلق هنا جارّان بلفظ واحد لاختلاف معناهما، فإن الأولى للابتداء والثانية للعلة، أي من أجل سوء وسوؤها من حيث كونها يخاف عليها الزنا، ومن حيث كونها لا تكتسب ومن حيث غير ذلك. (أيمسكه على هون) قال اليزيدي: الهون الهوان بلغة قريش، وكذا حكى عن الكسائي، وحكى عنه أيضاً أنه البلاء والمشقة. وقال الفراء: الهون القليل بلغة تميم. وعن الأعمش: أنه قرأ أيمسكه على سوء (أم يدسه في التراب) أي يخفيه فيه بالوأد كما كانت تفعله العرب، والدس إخفاء الشيء في الشيء فلا يزال الذي بشر بحدوث الأنثى متردداً بين هذين الأمرين، والتذكير في يمسكه ويدسه مع كونه عبارة عن الأنثى لرعاية اللفظ، وقرأ الجحدري أم يدسها ويلزمه أن يقرأ أيمسكها، وقيل دسها إخفاؤها عن الناس حتى لا تعرف كالمدسوس لإخفائه عن الأبصار. (ألا ساء ما يحكمون) حيث أضافوا البنات التي يكرهونها إلى الله سبحانه، وأضافوا البنين المحبوبين عندهم إلى أنفسهم، ومثله قوله تعالى (ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذاً قسمة ضيزى) قال السدي: بئسما حكموا بقول شيء لا يرضونه لأنفسهم فكيف يرضونه لي.

النحل 16:60

(للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء) أي لهؤلاء الذين وصفهم الله سبحانه بهذه القبائح الفظيعة صفة السوء من الجهل والكفر بالله، وقيل هو وصفهم لله سبحانه بالصاحبة والولد، وقيل هو حاجتهم إلى الولد ليقوم مقامهم ووأد البنات لدفع العار وخشية الإملاق، وقيل العذاب والنار (ولله المثل الأعلى) هي أضداد صفة المخلوقين من الغنى الكامل والجود، الشامل والعلم الواسع أو التوحيد وإخلاص العبادة، أو أنه خالق رازق قادر مجاز منزه عن الولد. وقيل شهادة أن لا اله إلا الله، قاله قتادة. وقيل: الله نور السماوات والأرض مثل نوره. الآية: وقيل: ليس كمثله شيء، قاله ابن عباس (وهو العزيز) الذي لا يغالب فلا يضره نسبته إليه ما لا يليق به (الحكيم) في أقواله وأفعاله. وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (61) وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ (62) تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (63) وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (64) وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (65) ثم لما حكى سبحانه عن القوم عظم كفرهم بين سعة كرمه وحلمه حيث لم يعاجلهم بالعقوبة فقال

النحل 16:61

(ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم) المراد بالناس هنا الكفار أو جميع العصاة والباء للسببية (ما ترك عليها) أي على الأرض وإن لم تذكر فقد دل عليها ذكر الناس أو الدابة (من دابة) قط بل أهلكها بالمرة شؤم ظلم الظالمين فإن الجميع مستقرون على الأرض، والمراد بالدابة الكافر وقيل كل ما دب. وقد قيل على هذا كيف يعم بالهلاك وفيهم من لا ذنب له، وأجيب بأن إهلاك الظالم انتقاماً منه وإهلاك غيره إن كان من أهل التكليف فلأجل توفير أجره، وإن كان من غيرهم فبشؤم ظلم الظالمين ولله الحكمة البالغة لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، ومثل هذا قوله واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة. وفي معنى هذه الآية أحاديث منها ما عند مسلم وغيره من حديث ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إذا أراد الله بقوم عذاباً أصاب العذاب من كان فيهم ثم بعثوا على نياتهم " [[مسلم 2879 بلفظ " ثم بعثوا على أعمالهم " - البخاري 2558.]] وكذلك حديث الجيش الذي يخسف بهم في البيداء، وفي آخره أنهم يبعثون على نياتهم [[مسلم 2882 - البخاري كتاب البيوع باب ما ذكر في الأسواق.]]، وقد قدمنا عند تفسير قوله سبحانه (واتقوا فتنة) الآية تحقيقاً حقيقاً بالمراجعة له. قال سعيد بن جبير: ما ترك عليها من دابة: ما سقاهم المطر، وعن السدي نحوه، أي يمسك المطر بسبب ظلمهم وانقطاعه يوجب انقطاع النسل وقيل لو أهلك الآباء بكفرهم لم تكن الأبناء، وذلك يستلزم أن لا يبقى في العالم أحد من الناس؛ وقال قتادة: قد فعل ذلك في زمن نوح، أهلك الله ما على الأرض من دابة إلا ما حمل في سفينته. وهذا إيذان بأن ما أتوه من القبائح فقد تناهى إلى أمد لا غاية وراءه؛ وعن ابن مسعود قال: ذنوب ابن آدم قتلت الجعل في جحره. ثم قال أي والله زمن غرق قوم نوح. وعنه قال: كاد الجعل أن يعذب في جحره بذنب ابن آدم، ثم قرأ هذه الآية. وعن أنس نحوه. وعن أبي هريرة أنه سمع رجلاً يقول: إن الظالم لا يضر إلا نفسه. قال أبو هريرة بلى والله إن الحبارى لتموت هزالاً في وكرها من ظلم الظالم. (ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى) معلوم معين عنده تعالى وهو منتهى حياتهم وانقضاء أعمارهم أو أجل عذابهم، وفي هذا التأخير حكمة بالغة، منها الإعذار إليهم وإرخاء العنان معهم، ومنها حصول من سبق في علمه من أولادهم. (فإذا جاء أجلهم) الذي سماه لهم (لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون) أي حقت عليهم كلمة الله سبحانه في ذلك الوقت من دون تقدم عليه ولا تأخر عنه والساعة المدة القليلة، وقد تقدم تفسير هذا وتحقيقه. ثم ذكر نوعاً آخر من جهلهم وحمقهم فقال

النحل 16:62

(ويجعلون لله ما يكرهون) أي ينسبون إليه سبحانه ما يكرهون نسبته إلى أنفسهم من البنات والشريك في الرياسة وإهانة الرسل وهو تكرير لما تقدم لقصد التأكيد والتقرير أو لزيادة التوبيخ والتقريع، قال الضحاك: أي يجعلون لي البنات ويكرهون ذلك لأنفسهم. ثم ذكر الله سبحانه نوعاً آخر من قبائحهم فقال (وتصف ألسنتهم الكذب) والذي تصفه ألسنتهم من الكذب هو قولهم (أن لهم) الخصلة أو العاقبة (الحسنى) قال الزجاج: يصفون أن لهم مع قبح قولهم من الله الجزاء الحسن أي الجنة كقوله ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده الحسنى، وقرئ الكذب بضمتين على أنه صفة للألسن وهو جمع كذب فيكون المفعول على هذا أن لهم الحسنى، قال مجاهد: قول كفار قريش لنا البنون وله البنات وعن قتادة نحوه. ثم رد الله سبحانه عليهم بقوله: (لا جرم) تركيب مزجي من لفظ لا ولفظ جرم ومعناه الفعل أي ثبت أو المصدر أي حقاً (أن لهم) مكان ما جعلوه لأنفسهم من الحسنى (النار) الموقدة والعذاب الدائم (وأنهم مفرطون) بفتح الراء تخفيفاً أي مقدمون إلى النار. قال ابن الأعرابي وأبو عبيدة: أي متروكون منسيون في النار وبه قال مجاهد وعن سعيد بن جبير نحوه، وبه قال الكسائي والفراء فيكون مشتقاً من أفرطت فلاناً خلفي إذا خلفته ونسيته. وقال قتادة والحسن: معجلون إليها مقدمون في دخولها من أفرطته أي قدمته في طلب الماء والفارط هو الذي يتقدم إلى الماء والفراط المتقدمون في طلبه والوراد المتأخرون، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم " أنا فرطكم على الحوض " [[مسلم 249.]] أي متقدمكم، وقرئ مفرطون بكسر الراء وتخفيفها وهي قراءة ابن مسعود وابن عباس ومعناه مسرفون في الذنوب والمعاصي يقال أفرط فلان على فلان إذا أربى عليه وقال له أكثر مما قال من الشر. وقرئ مفرطون بكسر الراء وتشديدها أي مضيعون أمر الله فهو من التفريط في الواجب. ثم بين سبحانه أن مثل صنيع قريش قد وقع من سائر الأمم فقال مسلياً لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيما كان يناله من الغم بسبب جهالات القوم

النحل 16:63

(تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك) رسلاً (فزين لهم الشيطان أعمالهم) الخبيثة من الكفر فكان شأنهم مع رسلهم التكذيب والمزين هو الله سبحانه والشيطان إنما له الوسوسة فقط فمن أراد الله شقاوته سلطه عليه حتى يقبل وسوسته (فهو وليهم اليوم) لفظ اليوم المعرف بأل إنما يستعمل حقيقة في الزمان الحاضر المقارن للتكلم كالآن، وحينئذ فلفظ اليوم في الآية يحتمل أن يكون عبارة عن زمان الدنيا فيكون المعنى هو قرينهم في الدنيا. ويحتمل أن يكون عبارة عن يوم القيامة وما بعده فيكون للحال الآتية ويكون الوليّ بمعنى الناصر والمراد نفي الناصر عنهم على أبلغ الوجوه لأن الشيطان لا يتصور منه النصرة أصلاً في الدار الآخرة وإذا كان الناصر منحصراً فيه لزم أن لا نصرة من غيره. ويحتمل أن يراد باليوم بعض زمان الدنيا وهو على وجهين: الأول: أن يراد البعض الذي قد مضى وهو الذي وقع فيه التزيين من الشيطان للأمم الماضية فيكون على طريق الحكاية للحال الماضية. الثاني: أن يراد البعض الحاضر وهو وقت نزول الآية والمراد تزيين الشيطان لكفار قريش فيكون الضمير في وليهم لكفار قريش أي فهو ولي هؤلاء اليوم، أو على حذف مضاف أي فهو ولي أمثال أولئك الأمم اليوم ومن كان الشيطان وليه وناصره فهو مخذول مغلوب مقهور وإنما سماه ولياً لهم لطاعتهم إياه (ولهم عذاب أليم) في الآخرة وهو عذاب النار. ثم ذكر سبحانه أنه ما هلك من هلك إلا بعد إقامة الحجة عليهم وإزاحة العلة منهم فقال:

النحل 16:64

(وما أنزلنا عليك الكتاب) هذا خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمراد بالكتاب القرآن والاستثناء في (إلا) مفرغ من أعم الأحوال أي ما أنزلنا عليك لحال من الأحوال ولا لعلة من العلل (إلا لتبين لهم) أي للناس وإنما جر هذا باللام لاختلاف فاعله مع فاعل الفعل فإن المنزل هو الله والمبين هو النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإنما نصب اللذان بعده لاتحاد فاعلهما مع فاعل الفعل لأن الهادي والراحم هو الله كما أنه المنزل (الذي اختلفوا فيه) من التوحيد والشرك والجبر والقدر وأحوال البعث وإثبات المعاد وسائر الأحكام الشرعية. (وهدى) عطف على لنبين (ورحمة لقوم يؤمنون) بالله سبحانه ويصدقون ما جاءت به الرسل ونزلت به الكتب لأنهم هم المنتفعون. ثم عاد سبحانه إلى تقرير وجوده وتفرده بالإلهية بذكر آياته العظام وبيناته الفخام فقال

النحل 16:65

(والله أنزل من السماء) أي من السحاب أو من جهة العلو كما مر (ماء) أي نوعاً من أنواع الماء (فأحيا به الأرض بعد موتها) أي أحياها بالنبات والزرع بعد أن كانت يابسة لا حياة بها. (إن في ذلك) الإنزال والإحياء (لآية) أي علامة دالة ودلالة واضحة على وحدانيته وعلى بعثه للخلق ومجازاتهم (لقوم يسمعون) كلام الله سماع تدبر وإنصاف ويفهمون ما يتضمنه من العبر ويتفكرون في خلق السماوات والأرض، فالمراد سمع القلوب لا سمع الآذان لأن من لم يسمع بقلبه فكأنه لم يسمع وكأنه أصم. وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (66) وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (67) وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (68)

النحل 16:66

(وإن لكم في الأنعام لعبرة) الأنعام هي الإبل والبقر والغنم ويدخل في الغنم المعز والعبرة أصلها تمثيل الشيء بالشيء ليعرف حقيقته بطريق المشاكلة ومنه فاعتبروا يا أولي الأبصار والظاهر أن في سببية أي بسبب الأنعام، وقال أبو بكر الوراق: العبرة في الأنعام تسخيرها لإربابها وطاعتها لهم. والظاهر أن العبرة هي قوله (نسقيكم مما في بطونه) فتكون الجملة مستأنفة لبيان العبرة قرئ من سقى يسقي ومن أسقى يسقي قيل هما لغتان وقرئ بالتاء على أن الضمير راجع إلى الأنعام وبالتحتية على إرجاع الضمير إلى الله سبحانه وهما ضعيفان وجميع القراء على القراءتين الأوليين والفتح لغة قريش والضم لغة حمير. وقيل أن بين سقى وأسقى فرقاً فإذا كان الشراب من يد الساقي إلى فم المسقى فيقال سقيته وإن كان بمجرد عرضه عليه وتهيئته له قيل أسقاه ومن تبعيضية أو ابتدائية والضمير في بطونه راجع إلى الأنعام، قال سيبويه: العرب تخبر عن الأنعام بخبر الواحد، وقال الزجاج: لما كان لفظ الجمع يذكر ويؤنث فيقال هو الأنعام وهي الأنعام جاز عود الضمير بالتذكير. وقال الكسائي: معناه مما في بطون ما ذكرنا فهو على هذا عائد إلى المذكور، قال الفراء وهو صواب، وقال المبرد: هذا فاش في القرآن كثير مثل قوله للشمس (هذا ربي) يعني هذا الشيء الطالع وكذلك (إني مرسلة إليهم بهديَّةٍ) ثم قال (فلما جاء سليمان) ولم يقل جاءت لأن المعنى جاء الشيء الذي ذكرنا انتهى. ومن ذلك قوله (إن هذه تذكرة فمن شاء ذكره) وحكى الكسائي أن المعنى مما في بطون بعضه وهي الإناث لأن الذكور لا ألبان لها، وبه قال أبو عبيدة، وحكى عن الفراء أنه قال: النعم والإنعام واحد يذكر ويؤنث ولهذا تقول العرب هذه نعم وارد فرجع الضمير إلى لفظ النعم الذي هو بمعنى الإنعام وهو كقول الزجاج، ورجحه ابن العربي فقال: إنما يرجع التذكير إلى معنى الجمع والتأنيث إلى معنى الجماعة فذكره هنا باعتبار لفظ الجمع وأنثه في سورة المؤمنين باعتبار لفظ الجماعة (من بين فرث ودم) الفرث الزبل الذي ينزل إلى الكرش، فإذا خرج منه لم يسم فرثاً بل يسمى روقاً وهو ثفل الكرش يقال أفرثت الكرش إذا أخرجت ما فيها. وقال البيضاوي: الفرث الأشياء المأكولة المنهضمة بعض الانهضام في الكرش والمعنى أن الشيء الذي تأكله يكون منه ما في الكرش وهو الفرث ويكون منه الدم فيكون أسفله فرثاً وأعلاه دما وأوسطه. (لبناً) فيجري الدم في العروق واللبن في الضروع ويبقى الفرث في الكرش كما هو فسبحان من هذه بعض حكمته (خالصاً) من حمرة الدم وقذارة الفرث بعد أن جمعهما وعاء واحدٌ وذلك إن الحيوان إذا أكل العلف طبخه الكرش ثم انقسم إلى أقسام ثلاثة ثفل وفوقه اللبن وفوقه الدم ثم تسلط الكبد عليها فترسل الدم إلى العروق واللبق إلى الضروع ويبقى الثفل في الكرش حتى ينزل إلى الخارج والحاصل أن الله تعالى خلق اللبن في مكان وسط بين الفرث والدم (سائغاً للشاربين) أي لذيذاً هنيئاً لا يغص به من شربه يقال ساغ الشراب يسوغ سوغاً أي سهل مدخله في الحلق وفي ذلك عبرة لمن اعتبر.

النحل 16:67

(ومن ثّمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكراً) قال ابن جرير التقدير ومن ثمرات النخيل والأعقاب ما تتخذون فحذف ما، ودل على حذفه قوله منه: وقيل التقدير وإن لكم من ثمرات النخيل والأعناب لعبرة، وقيل نسقيكم مما في بطونه ومن ثمرات النخيل وقيل نسقيكم من ثمرات النخيل قدره الزمخشري ويكون على هذا تتخذون منه سكراً بياناً للإسقاء وكشفاً عن حقيقته. وقيل تقديره ومن ثمرات النخيل والأعناب ثمر تتخذون منه سكراً ويكون تكرير منه للتأكيد وإنما ذكر الضمير في منه لأنه يعود إلى المذكور أو إلى المضاف المحذوف وهو العصير كأنه قال من عصير ثمرات تتخذون منه والسكر بفتحتين ما يسكر من الخمر، وقيل إنه من أسماء الخمر وقيل أنه في الأصل مصدر سمى به الخمر. (ورزقاً حسناً) هو جميع ما يؤكل من هاتين الشجرتين كالتمر والزبيب والخل والدبس، قال ابن عباس: السكر ما حرم من ثمرتهما والرزق الحسن ما حل وعنه قال السكر الحرام، والرزق زبيبه وخله وعنبه ومنافعه، وأيضاً قال السكر النبيذ والرزق الزبيب فنسختها آية إنما الخمر والميسر، وعنه قال فحرم الله بعد ذلك السكر مع تحريم الخمر لأنه منه ثم قال (ورزقاً حسناً) فهو الحلال من الخل والزبيب والنبيذ أو أشباه ذلك فأقرّه الله وجعله حلالاً للمسلمين. وعن ابن عمر أنه سئل عن السكر فقال: الخمر بعينها وعن ابن مسعود قال: السكر الخمر وبالجملة فقد كان نزول هذه الآية قبل تحريم الخمر وبه جزم السيوطي اعتماداً على قولهم في السورة أنها مكية إلا ثلاث آيات من آخرها، والمائدة مدنية وتحريم الخمر فيها وهي آخر القرآن نزولاً كما ثبت في الحديث. وقيل أن السكر الخل بلغة الحبشة والرزق الطعام من الشجرتين، وقيل السكر العصير الحلو الحلال، وسمي سكراً لأنه قد يصير مسكراً إذا بقي فإذا بلغ الإسكار حرم والقول الأول أولى وعليه الجمهور، وقد صرح أهل اللغة بأن السكر اسم للخمر ولم يخالف في ذلك إلا أبو عبيدة فإنه قال السكر الطعم. ورجح هذا ابن جرير فقال: أن السكر ما يطعم من الطعام ويحل شربه من ثمار النخيل والأعناب وهو الرزق الحسن فاللفظ مختلف والمعنى واحد مثل (إنما أشكو بثي وحزني إلى الله). قال الزجاج: قول أبي عبيدة هذا لا يعرف وأهل التفسير على خلافه. وقد حمل السكر جماعة من الحنفية على ما لا يسكر من الأنبذة وعلى ما ذهب ثلثاه بالطبخ قالوا وإنما يمتن الله على عباده، بما أحله لا بما حرمه عليهم، وهذا مردود بالأحاديث الصحيحة المتواترة على فرض تأخره عن آية تحريم الخمر. (إن في ذلك) المذكور من إخراج اللبن واتخاذ السكر والرزق من الثمرات (لآية لقوم يعقلون) أي لدلالة لمن يستعمل العقل ويعمل بما يقتضيه عند النظر في الآيات التكوينية.

النحل 16:68

(وأوحى ربك إلى النحل) قد تقدم الكلام في الوحي وأنه يكون بمعنى الإلهام وهو ما يخلقه في القلب ابتداء من غير سبب ظاهر، ومنه قوله سبحانه: (ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها) ومن ذلك إلهام البهائم لفعل ما ينفعها وترك ما يضرها، والخطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم أو لكل فرد من الناس ممن له عقل وتفكر يستدل به على كمال قدرة الله ووحدانيته وأنه الخالق لجميع الأشياء المدبر لها بلطيف حكمته وقدرته. وقرئ النحل بفتح الحاء، قال الزجاج: وسمي نحلاً لأن الله سبحانه نحله العسل الذي يخرج منه، قال الجوهري: والنحل والنحلة الدبر يقع على الذكر والأنثى وقيل اسم جنس يفرق بينه وبين واحده بالتاء ويذكر ويؤنث، والنحل بالضم مصدر قولك نحلته من العطية أنحله نحلاً، والنحلى العطية على فعل. (أن اتخذي من الجبال بيوتاً) أي بأن اتخذي على أن (أن) هي المصدرية، ويجوز أن تكون تفسيرية لأن في الإيحاء معنى القول، وبهذا قال الزمخشري وغيره ومن منع وهو أبو عبد الله الرازي قال: لا نسلم انها مفسرة، كيف وقد انتفى شرط التفسير بأن المراد من الإيحاء هو الإلهام اتفاقاً، وليس فيه معنى القول وحينئذ فهي مصدرية، كأنه قيل أوحى ربك باتخاذ بعض الجبال بيوتاً ورده في الغني بأن الإلهام فيه معنى القول من حيث الدلالة على المعنى. وأنث الضمير في اتخذي لكونه أحد الجائزين كما تقدم أو للحمل على المعنى أو لكون النحل جمعاً وأهل الحجاز يؤنثون النحل، والمعنى سخرها لما خلقها له وألهمها رشدها وقدر في نفسها هذه الأعمال العجيبة التي يعجز عنها العقلاء من البشر، وذلك أن النحل تبني بيوتاً على شكل مسدس من أضلاع متساوية لا يزيد بعضها على بعض بمجرد طباعها، ولو كانت البيوت مدورة أو مثلثة أو مربعة أو غير ذلك من الأشكال لكان فيها فرج خالية ضائعة، ولما حصل المقصود فألهمها الله تعالى أن تبنيها على هذا الشكل المسدس الذي لا يحصل فيه خلل ولا فرجة خالية. وألهمها أيضًا أن يجعلوا عليهم أميراً كبيراً نافذ الحكم فيهم، وهم يطيعونه ويمتثلون أمره ويكون هذا الأمير أكبرهم جثة وأعظمهم خلقة ويسمى يعسوب النحل يعني ملكهم، كذا حكاه الجوهري. وألهمها أيضًا أن جعلوا على باب كل خلية بواباً لا يمكن غير أهلها من الدخول إليها؛ وألهمها أيضًا أنها تخرج من بيوتها فتدور وترعى ثم ترجع إلى بيوتها ولا تضل عنها، ولما امتاز هذا الحيوان الضعيف بهذه الخواص العجيبة الدالة على مزيد الذكاء والفطنة دل ذلك على الإلهام الإلهي. ومن في من الجبال (و) كذا في (من الشجر و) كذا في (مما يعرشون) للتبعيض، أي مساكن توافقها وتليق بها في كوى الجبال وتجويف الشجر وفي العروش التي يعرشها بنو آدم من الأجباح [[الجبح ويثلث خلية العسل الجمع أجبح وأجباح. أهـ قاموس.]] والحيطان وغيرها، وأكثر ما يستعمل فيما يكون من الخشب، يقال عرش يعرش بكسر الراء وضمها وهما سبعيتان وبابه نصر وضرب كما في المختار. والظاهر أن من في (مما) بمعنى في إذ لا معنى لكونها تبنى من بناء الناس بل الظاهر أنها تبنى في بنائهم ويكون المراد من بنائهم الكوارة ومن بنائها بيتها الذي تمج فيه العسل، فإن من المشاهد أنها تبني لها بيتاً داخل الخلية من الشمع ثم تمج فيه العسل شيئاً فشيئاً. والظاهر أن (من) في الموضعين الأولين بمعنى في أيضًا كما صرح به الشهاب ويكون المراد ببيوتها ما تبنيه من الشمع كما تقدم، فالشمع تارة تبنيه في الجبال وتارة في الأشجار، وهذا في النحل الوحشيّ، وتارة تبنيه في الخلايا، وهذا في النحل الأهلي فإن النحل قسمان كما ذكره الخازن. ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (69) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (70)

النحل 16:69

(ثم كلي من كل الثمرات) من للتبعيض لأنها تأكل النور من الأشجار فإذا أكلتها (فاسلكي) أي فادخلي (سبل ربك) أي الطرق التي فهمك الله وعلمك وأضافها إلى الرب لأنه خالقها وملهم النحل أن تسلكها؛ أي ادخليها لطلب الرزق في الجبال وخلال الشجر، أو اسلكي ما أكلت في سبل ربك أي في مسالكه التي يستحيل فيها بقدرته النور المر عسلاً من أجوافك أو إذا أكلت الثمار في الأمكنة البعيدة فاسلكي إلى بيوتك راجعة سبل ربك لا تضلين فيها. (ذللاً) حال من السبل وهي جمع ذلول أي مذللة غير متوعرة، واختار هذا الزجاج وابن جرير، وقيل حال من النحل، يعني مطيعة للتسخير وإخراج العسل من بطونها. واختار هذا ابن قتيبة. قال مجاهد: طرقاً لا يتوعر عليها مكان سلكته، وعن قتادة قال مطيعة .. قال السدي ذليلة (يخرج من بطونها) مستأنفة عدل به عن خطاب النحل تعديداً للنعم وتعجيباً لكل سامع وتنبيهاً على العبر وإرشاداً إلى الأيات العظيمة الحاصلة من هذا الحيوان الضعيف الشبيه بالذباب. (شراب) المراد به في الآية هو العسل قاله ابن عباس (مختلف ألوانه) يعني أن بعضه أبيض وبعضه أحمر وبعضه أزرق وبعضه أصفر باختلاف ذوات النحل وألوانها ومأكولاتها، وذلك على قدر ما تأكل من الثمار والإزهار ويستحيل في بطونها عسلاً. وفي هذا دليل على قدرته. وفي البيضاوي مختلف ألوانه بسبب اختلاف سن النحل أو الفصل قال الشهاب: فالأبيض لفَتيِّها والأصفر لكهلها والأحمر لمسنها، ولا يخفى إنه مما لا دليل عليه. انتهى. وجمهور المفسرين على أن العسل يخرج من أفواه النحل ويسيل كاللعاب وقيل من أسفلها، وقيل لا يدري من أين يخرج منها. (فيه) أي في الشراب الخارج من بطون النحل وهو العسل، وإلى هذا ذهب الجمهور (شفاء للناس) قال مجاهد: العسل فيه الشفاء وفي القرآن. وقال الفراء وابن كيسان وجماعة من السلف أن الضمير راجع إلى القرآن، ويكون التقدير فيما قصصنا عليكم من الآيات والبراهين شفاء للناس، ولا وجه للعدول عن الظاهر ومخالفة المرجع الواضح والسياق البين. وعن ابن مسعود قال: أن العسل شفاء من كل داء والقرآن شفاء لما في الصدور وعنه مرفوعاً قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " عليكم بالشفاءين العسل والقرآن " [[ابن ماجة كتاب الطب الباب السابع.]] وقد وردت أحاديث في كون العسل شفاء؛ منها ما أخرجه البخاري من حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " الشفاء في ثلاثة: في شرطة محجم أو شربة عسل أو كية بنار، وأنا أنهي أمتي عن الكي " [[البخاري كتاب الطب باب 3 رقم 2250 مسلم 2205.]]. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أبي سعيد أن رجلاً أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن أخي استطلق بطنه، استطلاقاً، قال اذهب فاسقه عسلاً، فذهب فسقاه ثم جاء فقال: مما زاده إلا استطلاقاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صدق الله وكذب بطن أخيك، اذهب فاسقه عسلاً، فذهب فسقاه فبرأ [[مسلم 2217. البخاري 2251.]]. وقد اختلف أهل العلم هل هذا الشفاء الذي جعله الله في العسل عام لكل داء أو خاص ببعض الأمراض، فقالت طائفة هو على العموم في كل حال ولكل أحد؛ وقالت طائفة إن ذلك خاص ببعض الأمراض ولا يقتضي العموم في كل علة وفي كل إنسان، وليس هذا بأول لفظ خصص، فالقرآن مملوء منه، ولغة العرب يأتي فيها العام كثيراً بمعنى الخاص، والخاص بمعنى العام. ومما يدل على هذا أن العسل نكرة في سياق الإثبات فلا يكون عاماً باتفاق أهل اللسان ومحققي أهل الأصول، وتنكيره إن أريد به التعظيم لا يدل إلا على أن فيه شفاء عظيماً لمرض أو أمراض لا لكل مرض، فإن تنكير التعظيم لا يفيد العموم. والظاهر المستفاد من التجربة ومن قوانين علم الطب أنه إذا استعمل مفرداً كان دواء لأمراض خاصة، وأن خلط مع غيره كالمعاجين ونحوها كان مع ما خلط به دواء لكثير من الأمراض. قلت وحديث البخاري أن أخي استطلق بطنه الحديث أوضح دليل على ما ذهبت إليه طائفة من تعميم الشفاء، لأن قوله صلى الله عليه وسلم صدق الله أي أنه شفاء، فلو كان لبعض دون بعض لم يكرر الأمر بالسقيا. وقد اعترض على هذا الحديث بعض الملحدين ومن في قلبه مرض بكونه خلاف ما أجمع عليه الأطباء من أن العسل مسهل فكيف يوصف لمن به الإسهال وأجاب عنه الخازن على الطريق الجاري على صناعة الطب وأورده الشيخ سليمان الجمل ثم قال: ولسنا نقصد الاستظهار لتصديق الحديث بقول الأطباء بل لو كذبوه لكذبناهم وكفرناهم بذلك انتهى. وعن ابن عمر أنه كان لا يشكو قرحة ولا شيئاً إلا جعل عليه عسلا حتى الدمل إذا خرج طلى عليه العسل، وعن أبي وجرة أنه كان يكتحل بالعسل ويستنشق ويتداوى به ذكره القرطبي، وفي الباب آثار عن جماعة من السلف. وقال البيضاوي: شفاء للناس إما بنفسه كما في الأمراض البلغمية أو مع غيره كما في سائر الأمراض إذ قلما يكون معجون إلا والعسل جزء منه، وقيل أن هذا القول خرج مخرج الأغلب وأنه في الأغلب فيه شفاء ولم يقل أنه شفاء لكل الناس ولكل داء لكنه في الجملة دواء، وأن نفعه أكثر من مضرته ومنافعه كثيرة جداً، قال السدي: شفاء للأوجاع التي شفاؤها فيه، وبالجملة فهو من أعظم الأغذية وأنفع الأدوية وقليلاً ما يجتمع هذان الأمران في غيره. (إن في ذلك) المذكور من أمر النحل (لآية لقوم يتفكرون) أي يعملون أفكارهم عند النظر في صنيع الله سبحانه وعجائب مخلوقاته فإن أمر النحل من أعجبها وأغربها وأدقها وأحكمها، ومن تدبر اختصاص النحل بتلك العلوم الدقيقة والأفعال العجيبة حق التدبر علم قطعاً أنه لا بدّ له من خالق قادر حكيم يلهمها ذلك ويحملها عليه. ولما ذكر سبحانه بعض أحوال الحيوان وما فيها من عجائب الصنعة الباهرة وخصائص القدرة القاهرة أتبعه بعجائب خلق الإنسان وما فيه من العبر فقال

النحل 16:70

(والله خلقكم) ولم تكونوا شيئاً (ثم يتوفاكم) عند إنقضاء آجالكم إما صبياناً وإما شباباً وإما كهولاً (ومنكم من يرد إلى أرذل العمر) أي أضعفه وأردأه وأخسه وهو الهرم يقال رذل يرذل رذالة والأرذل والرذالة أردأ الشيء وأخسه وأحقره وأوضعه. قال النيسابوري: أن العقلاء ضبطوا مراتب عمر الإنسان في أربع: أولها: سن النشوء والنماء وهو من أول العمر إلى بلوغ ثلاث وثلاثين سنة وهو غاية سن الشباب وبلوغ الأشد. وثانيها: سن الوقوف وهو من ثلاث وثلاثين إلى أربعين سنة وهو غاية القوة وكمال العقل. وثالثها: سن الكهولة وهو من الأربعين إلى الستين وهذه المرتبة تسرع الإنسان إلى النقص لكنه يكون النقص خفياً لا يظهر. ورابعها: سن الشيخوخة والانحطاط من الستين إلى آخر العمر وفيها يتبين النقص ويكون الهرم والخرف. قال على أرذل العمر خمس وسبعون سنة وقيل ثمانون وقيل تسعون سنة قاله قتادة ومثل هذه الآية قوله تعالى (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين) وعن السدي قال: هو الخرف، وعن عكرمة قال: من قرأ القرآن لم يرد إلى أرذل العمر؛ وعن طاووس العالم: لا يخرف وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في الصحيح وغيره أنه كان يتعوذ بالله أن يرد إلى أرذل العمر [[مسلم 2706 - البخاري 1350.]]. ثم علّل سبحانه رد من يرده إلى أرذل العمر بقوله (لكيلا) اللام لام التعليل وكي حرف مصدر ونصب ولا نافية، وقيل اللام هنا للصيرورة والعاقبة (يعلم بعد علم) كان حصل له (شيئاً) منه لا كثيراً ولا قليلاً أو شيئاً من المعلومات إذا كان العلم هنا بمعنى المعلوم، وقيل المراد بالعلم هنا العقل؛ وقيل المراد لئلا يعلم زيادة على علمه الذي قد حصل له قبل ذلك، وقيل لكي يصير كالصبي الذي لا عقل له. وقال الزجاج: المعنى وإن منكم من يكبر حتى يذهب عقله خرفاً فيصير بعد أن كان عالماً جاهلاً ليريكم الله من قدرته أنه كما قدر على إماتته وإحيائه قادر على نقله من العلم إلى الجهل وأنه قادر على إحيائه بعد إماتته فيكون ذلك دليلاً على صحة البعث بعد الموت. (إن الله عليم) بحكم التحويل إلى الأرذل من الأكمل أو إلى الإفناء من الإحياء (قدير) على تبديل ما يشاء من الأشياء وعلى ما يريد. وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (71) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (72) ثم لما بيّنَ سبحانه خلق الإنسان وتقلبه في أطوار العمر ذكر طرفاً من أحواله لعله يتذكر عند ذلك فقال

النحل 16:71

(والله فضل بعضكم على بعض في الرزق) فمنكم غني وفقير ومالك ومملوك، أي فجعلكم متفاوتين فيه فوسع على بعض عباده وبسط حتى جعل له من الرزق ما يكفي ألوفاً مؤلفة من بني آدم، وضيقه على بعض عباده وقتر حتى صار لا يجد القوت إلا بسؤال الناس والتكفف لهم، وكثَّر لواحد وقلَّل على واحد، وذلك لحكمة بالغة تقصر عقول العباد عن تعقلها والاطلاع على حقيقة أسبابها. وكما جعل التفاوت بين عباده في المال جعله بينهم في العقل والعلم والفهم والخلق والخلق والجهل وقوة البدن وضعفه والحسن والقبح والصحة والسقم وغير ذلك من الأحوال، وعن ابن عباس في الآية قال: لم يكونوا ليشركوا عبيدهم في أموالهم ونسائهم فكيف يشركون عبيدي معي في سلطاني، وعن مجاهد قال: هذا مثل لآلهة الباطل مع الله، وقيل معنى الآية أن الله سبحانه أعطى الموالي أفضل مما أعطى مماليكهم بدليل قوله. (فما الذين فُضلوا) أي فما الذين فضلهم الله بسعة الرزق على غيرهم كالموالي والسادة (برادّي رزقهم) الذي رزقهم الله إياه (على ما ملكت أيمانهم) من المماليك (فهم) أي المالكون المماليك (فيه) أي في الرزق (سواء) أي لا يردونه عليهم بحيث يساوونهم فالفاء على هذا للدلالة على أن التساوي مترتب على التَّرادّ أي لا يردونه عليهم رداً مستتبعاً للتساوي، وإنما يردون عليهم منه شيئاً يسيراً. وهذا مثل ضربه الله سبحانه لعبدة الأصنام كما تقدم والمعنى إذا لم يكونوا عبيدكم معكم سواء ولا ترضون بذلك فكيف تجعلون عبيدي معي سواء، والحال إن عبيدكم مساوون لكم في البشرية والمخلوقية فلما لم تجعلوا عبيدكم مشاركين لكم في أموالكم فكيف تجعلون بعض عباد الله سبحانه شركاء له فتعبدونهم معه أو كيف تجعلون بعض مخلوقاته كالأصنام شركاء له في العبادة ذكر معنى هذا ابن جرير. ومثل هذه الآية قوله سبحانه (ضرب لكم مثلاً من أنفسكم هل لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء فيما زرقناكم) وفي هذه الجملة أوجه (أحدها) تقديره أفهم فيه سواء ومعناه النفي أي ليسوا مستوين فيه (والثاني) أنها إخبار بالتساوي أي إنما هو رزقي أجريته على أيديهم فهم فيه سواء: قال أبو البقاء: إنها واقعة موقع فعل تقديره يستووا، وقيل أن الفاء في " فهم " بمعنى حتى. (أفبنعمة الله يجحدون) حيث يفعلون ما يفعلون من الشرك. والنعمة هي كونه سبحانه جعل المالكين مفضلين على المماليك وقراءة الغيبة أولى لقرب المخبر عنه، ولأنه لو كان خطاباً لكان ظاهره للمسلمين والاستفهام للإنكار والتوبيخ والتقريع والفاء للعطف على مقدر أي أيشركون به فيجحدون نعمته. ويكون المعنى على قراءة الخطاب أن المالكين ليسوا برادّي رزقهم على مماليكهم بل أنا الذي أرزقهم وإياهم فلا تظنوا أنهم يعطونهم شيئاً وإنما هو رزقي أجريه على أيديهم جميعاً وهم في ذلك سواء لا مزية لهم على مماليكهم، فيكون المعطوف عليه المقدر فعلا يناسب هذا المعنى كأن يقال ألا تفهمون ذلك فتجحدون نعمة الله. ثم ذكر سبحانه الحالة الأخرى من أحوال الإنسان فقال

النحل 16:72

(والله جعل لكم من أنفسكم أزواجاً) قال المفسرون: يعني النساء فإنه خلق حواء من ضلع آدم عليه السلام. قال قتادة: خلق آدم ثم خلق زوجته منه أو المعنى خلق لكم من جنسكم أزواجاً لتستأنسوا بها لأن الجنس يأنس إلى جنسه ويستوحش من غير جنسه، وبسبب هذه الأنسة يقع بين الرجال والنساء ما هو سبب للنسل الذي هو المقصود بالزواج ولم يذكر البنات لكراهيتهم لهن فلم يمتن عليهم ألا بما يحبونه ولهذا قال (وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة) جمع حافد يقال حفد يحفد حفداً وحفوداً إذا أسرع فكل من أسرع في الخدمة فهو حافد ومنه إليك نسعى ونحفد أي نسرع إلى طاعتك. قال أبو عبيدة: الحفد العمل والخدمة، وهذا أصله في اللغة قال الخليل ابن أحمد: الحفدة عند العرب الخدم والأعوان. وبه قال الحسن وعكرمة والضحاك. وقال الأزهري: قيل الحفدة أولاد الأولاد وروي هذا عن ابن عباس والحفيد ولد الابن ذكراً كان أو انثى وولد البنت كذلك. وتخصيصه بولد الذكر وتخصيص ولد الأنثى بالسبط عرف طارئ على أصل اللغة، وقيل الحفدة الأختان قاله ابن مسعود وعلقمة وأبو الضحى وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي، وقيل الحفدة الأصهار. قال الأصمعي: الختن من كان من قبل المرأة كابنها وأخيها وما أشبههما والأصهار منهما جميعا، يقال أصهر فلان إلى بني فلان فهو صاهر، وقيل هم أولاد إمرأة الرجل من غيره وقيل أولاد الرجل الذين يخدمونه وقيل البنات الخادمات لأبيهن. وكل هذه الأقوال متقاربة لأن اللفظ يحتمل الكل بحسب المعنى المشترك؛ ورجح كثير من العلماء أنهم أولاد الأولاد لأنه سبحانه امتن على عباده بأن جعل لهم من الأزواج بنين وحفدة فالحفدة في الظاهر معطوفون على البنين وإن كان يجوز أن يكون المعنى جعل لكم من أزواجكم بنين وجعل لكم حفدة ولكن لا يمتنع على هذا المعنى الظاهر أن يراد بالبنين من لا يخدم وبالحفدة من يخدم الأب منهم أو يراد بالحفدة البنات فقط، ولا يفيد أنهم أولاد الأولاد إلا إذا كان تقدير الآية وجعل لكم من أزواجكم بنين ومن البنين حفدة. (ورزقكم من الطيبات) التي تستطيبونها وتستلذونها من أنواع الأثمار والحبوب والحيوان والأشربة المستطابة الحلال من ذلك كله، ومن للتبعيض لأن الطيبات لا تكون مجتمعة إلا في الجنة والمرزوق في الدنيا أنموذج منها. ثم ختم سبحانه الآية بقوله: (أفبالباطل يؤمنون) الاستفهام للإنكار التوبيخي والفاء للعطف على مقدر أي أيكفرون بالله فيؤمنون بالباطل، وفي تقديم بالباطل على الفعل دلالة على أنه ليس لهم إيمان إلا به والباطل هو اعتقادهم في أصنامهم أنها تضر وتنفع، وقيل هو ما زين لهم الشيطان من تحريم البحيرة والسائبة ونحوهما. (وبنعمة الله) أي ما أنعم به عليهم مما لا يحيط به حصر (هم يكفرون) بإضافتها إلى غيره، وفي تقديم النعمة وتوسيط ضمير الفصل دليل على أن كفرهم مختص بذلك لا يتجاوزه لقصد المبالغة والتأكيد، وعن ابن جريج الباطل هو الشيطان ونعمة الله هو محمد صلى الله عليه وسلم. وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ (73) فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (74) ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (75) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (76)

النحل 16:73

(ويعبدون من دون الله) داخل تحت الإنكار التوبيخي إنكاراً منه سبحانه عليهم حيث يعبدون الأصنام وهي لا تنفع ولا تضر، ولهذا قال (ما لا يملك لهم رزقاً من السماوات والأرض شيئاً) المعنى أن هؤلاء الكفار يعبدون معبودات لا تملك لهم رزقاً أي رزق كائناً منهما. عن قتادة قال: هذه الأوثان التي تعبد من دون الله لا تملك لمن يعبدها رزقاً من السماوات والأرض ولا خيراً ولا حياة ولا نشوراً، وفي شيئا ثلاثة أوجه: أحدها: إنه منصوب على المصدر، أي لا يملك لهم ملكاً، أي شيئاً من الملك. والثاني: إنه بدل من رزقاً، وهذا غير مفيد، إذ ليس فيه بيان ولا تأكيد. والثالث: إنه منصوب برزقاً على إنه اسم مصدر وهو يعمل عمل المصدر على خلاف في ذلك، وبه قال الفارسي. ورد عليه ابن الطراوة بأن الرزق اسم المرزوق كالرعي والطحن، ورد عليه بأن الرزق أيضاً مصدر. (ولا يستطيعون) الضمير راجع إلى (ما) وجمع جمع العقلاء بناء على زعمهم الباطل، والفائدة في نفي الاستطاعة عنهم أن من لا يملك شيئاً قد يكون موصوفاً بإستطاعة التماك بطريق من الطرق، فبيّنَ سبحانه أنه لا يملك ولا يستطيع وقيل الضمير للكفار والمعنى لا يستطيع هؤلاء الكفار مع كونهم أحياء متصرفين فكيف بالجمادات التي لا حياة لها ولا تستطيع التصرف. ثم نهاهم سبحانه عن أن يشبهوه بخلقه فقال

النحل 16:74

(فلا تضربوا لله الأمثال) فإنه أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، قاله قتادة، فإن ضارب المثل يشبه حالاً بحال وقصة بقصة. قال الزجاج: لا تجعلوا لله مثلاً فإنه واحد لا مثيل له، وكانوا يقولون إن إله العالم أجلَّ من أن يعبده الواحد منا فكانوا يتوسلون إلى الأصنام والكواكب كما أن أصاغر الناس يخدمون أكابر حضرة الملك، وأولئك الأكابر يخدمون الملك فنهوا عن ذلك وعلَّل النهي بقوله (إن الله) علم (يعلم) ما عليكم من العبادة (وأنتم لا تعلمون) ما في عبادتها من سوء العاقبة والتعرض لعذاب الله سبحانه أو أنه تعالى يعلم كنه الأشياء وأنتم لا تعلمون فدعوا رأيكم دون نصه. ويجوز أن يراد فلا تضربوا لله الأمثال فإنه يعلم كيف تضرب الأمثال وأنتم لا تعلمون، أو أنتم لا تعلمون بشيء من ذلك، وفعلكم هذا هو عن توهم فاسد وخاطر باطل وخيال مختل. وعن ابن عباس قال: يعني اتخاذهم الأصنام، يقول لا تجعلوا معي إلهاً غيري فإنه لا إله غيري، ثم علمهم كيفية ضرب الأمثال في هذا الباب فقال:

النحل 16:75

(ضرب الله مثلاً) أي ذكر شيئاً يستدل به على تباين الحال بين جناب الخالق سبحانه وبيَّن ما جعلوه شريكاً له من الأصنام، والمثل في الحقيقة هي حالة للعبد عارضة له وهي المملوكية والعجز عن التصرف، فقوله (عبداً) تفسير للمثل وبدل منه ووصفه بكونه (مملوكاً) لأن العبد والحر مشتركان في كون كل واحد منهما عبداً لله سبحانه ووصفه بكونه (لا يقدر على شيء) لأن المكاتب والمأذون يقدران على بعض التصرفات، فهذا الوصف لتمييزه عنهما، واحتج الفقهاء بهذا علي أن العبد لا يملك شيئاً. (ومن) أي الذي، وقيل موصوفة، واختاره الزمخشري كأنه قيل وحراً من الأحرار الذين يملكون الأموال ويتصرفون بها كيف شاءوا (رزقناه) ليطابق عبداً (منا) أي من جهتنا (رزقاً حسناً) والمراد به أنه مما يحسن في عيون الناس لكونه رزقاً كثيراً مشتملاً على أشياء مستحسنة نفيسة تروق الناظرين إليها (فهو ينفق منه) في وجوه الخير ويصرف منه إلى أنواع البر والمعروف (سراً وجهراً) أي في حال السر وحال الجهر، والمراد بيان عموم الإنفاق للأوقات وتقديم السر على الجهر مشعر بفضيلته عليه وأن الثواب فيه أكثر. (هل يستوون) أي الحر والعبد الموصوفان بالصفات المتقدمة، وجمع الضمير لمكان (من) لأنه اسم مبهم يستوي فيه الواحد والاثنان والجمع والمذكر والمؤنث، وقيل إنه أريد بالعبد، والوصول الذي هو عبارة عن الحر الجنس أي من اتصف بتلك الأوصاف من الجنسين، والاستفهام للإنكار أي هل يستوي العبيد والأحرار مع كون كلا الفريقين مخلوقين لله سبحانه من جملة البشر، ومن المعلوم أنهم لا يستوون فكيف يجعلون لله سبحانه شركاء لا يملكون لهم ضراً ولا نفعاً ويجعلونهم مستحقين للعبادة مع الله سبحانه. وحاصل المعنى إنه كما لا يستوي عندكم عبد مملوك لا يقدر من أمره على شيء ورجل حر قد رزقه الله رزقاً حسناً فهو ينفق منه، كذلك لا يستوي الرب الخالق الرازق والجمادات من الأصنام التي تعبدونهما وهي لا تبصر ولا تسمع ولا تنفع ولا تضر، وقيل المراد بالعبد المملوك في الآية هو الكافر المحروم من طاعة الله وعبوديته، والآخر هو المؤمن. وقال ابن عباس بمعناه بأطول من هذا، والغرض إنهما لا يستويان في الرتبة والشرف. وقال عطاء: هما أبو جهل بن هشام وأبو بكر الصديق رضي الله عنه، وقيل العبد هو الصنم والثاني عابد الصنم، والمراد أنهما لا يستويان في القدرة والتصرف لأن الأول جماد والثاني إنسان. (الحمد) كله (لله) وحده حمد نفسه لأنه المنعم المستحق لجميع المحامد لا يستحق غيره من العباد شيئاً منه فكيف تستحق الأصنام منه شيئاً ولا نعمة منها أصلاً لا بالأصالة ولا بالتوسط، وقيل أراد الحمد لله على ما أنعم به على أوليائه من نعمة التوحيد، وقيل أراد قل الحمد لله، والخطاب إما لمحمد صلى الله عليه وسلم أو لمن رزقه الله رزقاً حسناً، وقيل إنه لما ذكر مثلاً مطابقاً للغرض كاشفاً عن المقصود قال الحمد لله أي على قوة هذه الحجة. (بل أكثرهم لا يعلمون) ذلك حتى يعبدوا من تحق له العبادة ويعرفوا المنعم عليهم بالنعم الجليلة، ونفى العلم عنهم إما لكونهم من الجهل بمنزلة لا يفهمون بسببها ما يجب عليهم أو هم يتركون الحق عناداً مع علمهم به فكانوا كمن لا علم له وخص الأكثر بنفي العلم إما لكونه يريد الخلق جميعاً وأكثرهم المشركون أو ذكر الأكثر وهو يريد الكل، أو المراد أكثر المشركين لأن فيهم من يعلم ولا يعمل بموجب العلم. ثم ذكر سبحانه مثلاً ثانياً ضربه لنفسه ولما يفيض على عباده من النعم الدينية والدنيوية وللأصنام التي هي أموات لا تضر ولا تنفع فقال

النحل 16:76

(وضرب الله مثلاً) آخر أوضح مما قبله وأظهر منه (رجلين) بدل من مثل وتفسير له (أحدهما أبكم) أي العييّ المفحم، وقيل، هو الأقطع اللسان الذي لا يحسن الكلام، وقيل هو الذي ولد أخرس، فكل أبكم أخرس، وليس كل أخرس أبكم، وروى ثعلب عن ابن الأعرابي أنه الذي لا يسمع ولا يبصر. ثم وصف الأبكم فقال (لا يقدر على شيء) من الأشياء المتعلقة بنفسه أو بغيره لعدم فهمه وعدم قدرته على النطق، وهو إشارة إلى العجز التام والنقصان الكامل (وهو كل) أي ثقيل (على مولاه) أي على وليه وقرابته وعيال على من يلي أمره ويعوله ووبال على إخوانه، وقد يسمى اليتيم كَلاًّ لثقله على من يكفله، وفي هذا بيان لعدم قدرته على إقامة مصالح نفسه بعد ذكر عدم قدرته على شيء مطلقاً. ثم وصفه بصفة رابعة فقال (أينما يوجهه) أي يرسله ويصرفه في طلب الحاجة أو كفاية المهم (لا يأت بخير) قط لأنه عاجز أخرس لا يفهم ولا يعقل ما يقال له ولا يمكنه أن يقول (هل يستوي هو) في نفسه مع هذه الأوصاف التي اتصف بها. (ومن يأمر) الناس (بالعدل) مع كونه في نفسه ينطق بما يريد النطق به ويفهم ويقدر على التصرف في الأشياء وهو سليم الحواس نفاع ذو كفاية ورشد وديانة (وهو) في نفسه (على صراط مستقيم) أي على دين قويم وسيرة صالحة ليس فيه ميل إلى أحد جانبي الإفراط والتفريط. وإنما قابل الأوصاف الأول بهذين الوصفين المذكورين للآخر لأن حاصل أوصاف الأول عدم استحقاقه لشيء، وحاصل وصفي هذا أنه مستحق أكمل استحقاق، والمقصود الاستدلال بعدم تساوي هذين الأمرين على امتناع التساوي بينه سبحانه وبين ما يجعلونه شريكاً له، قال ابن عباس: يعني بالأبكم الكافر وبالآمر بالعدل المؤمن. وهذا المثل في الأعمال، وعلى هذا تكون الآية على العموم في كل مؤمن وكافر، وقيل هي على الخصوص، والذي يأمر بالعدل رسول الله صلى الله عليه وسلم والأبكم هو أبو جهل وقيل الأبكم أبي بن خلف والآمر بالعدل حمزة وعثمان بن مظعون. وقال ابن عباس: هذه الآية نزلت في عثمان بن عفان ومولى له كافر، وهو أسيد بن أبي العيص كان يكره الإسلام وكان عثمان ينفق عليه ويكفله ويكفيه المؤونة وكان الآخر ينهاه عن الصدقة والمعروف فنزلت فيهما. وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (77) وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (78) أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (79) ولما فرغ سبحانه من ذكر المثلين مدح نفسه بقوله

النحل 16:77

(ولله غيب السماوات والأرض) أي يختص ذلك به لا يشاركه فيه غيره ولا يستقل به، والمراد علم ما غاب عن العباد فيهما، أو أراد بغيبهما يوم القيامة لأن علمه غائب عن العباد ومعنى الإضافة إليهما التعلق بهما، والمراد التوبيخ للمشركين والتقريع لهم، أي أن العبادة إنما يستحقها من كانت هذه صفته لا من كان جاهلاً عاجزاً لا يضر ولا ينفع ولا يعلم بشيء من أنواع العلم. (وما أمر الساعة) التي هي أعظم ما وقعت فيه المماراة من الغيوب المختصة به سبحانه، وهو إماتة الأحياء وإحياء الأموات من الأولين والآخرين وتبديل صور الأكوان أجمعين، أو المعنى ما أمر قيام الساعة في سرعته وسهولته (إلا كلمح البصر) أي كرجع طرف من أعلى الحدقة إلى أسفلها، وإنما ضرب به المثل لأنه لا يعرف زمان أقل منه، واللمح النظر بسرعة ولا بدّ فيه من زمان تتقلب فيه الحدقة نحو المرئي وكل زمان قابل للتجزئة ولذا قال. (أو هو) أي بل أمرها (أقرب) منه بأن يكون من زمان نصف تلك الحركة بل في الآن الذي تبتدأ فيه، فإن الله تعالى يحيي الخلق دفعة، وما يوجد دفعة كان في آن أي جزء غير منقسم. وليس هذا من قبيل المبالغة بل هو كلام في غاية الصدق، لأن مدة ما بين الخطاب وقيام الساعة متناهية، ومنها إلى الأبد غير متناه، ولا نسبة للمتناهي إلى غير المتناهي أو يقال إن الساعة لما كانت آتية ولا بد جعلت في القرب كلمح البصر وقال الزجاج: لم يرد أن الساعة تأتي في لمح البصر، وإنما وصف سرعة القدرة على الإتيان بها لأنه يقول للشيء كن فيكون. وقيل المعنى هي عند الله كذلك وإن لم تكن عند المخلوقين بهذه الصفة، ومثله قوله سبحانه (إنهم يرونه بعيداً ونراه قريباً) ولفظ (أو) ليس للشك بل للتمثيل أو للتخيير، وقيل دخلت لشك المخاطب، وقيل هي بمنزلة بل (إن الله على كل شيء قدير) ومجيء الساعة بسرعة من جملة مقدوراته. ثم أنه سبحانه ذكر حالة أخرى للإنسان دالّة على غاية قدرته ونهاية رأفته فقال

النحل 16:78

(والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً) معطوف على قوله والله جعل لكم من أنفسكم أزواجاً منتظم معه في سلك أدلة التوحيد أي أخرجكم من بطون أمهاتكم أطفالاً لا علم لكم بشيء ولا تعلمون شيئا مما أُخذ عليكم من الميثاق وقيل مما قضى به عليكم من السعادة والشقاوة، وقيل شيئاً من منافعكم والأولى التعميم لتشمل الآية هذه الأمور وغيرها اعتباراً بعموم اللفظ فإن شيئاً نكرة واقعة في سياق النفي. (وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة) أي ركب فيكم هذه الأشياء وليس فيه دلالة على تأخير هذا الجعل عن الإخراج لما أن مدلول الواو هو مطلق الجمع والمعنى جعل لكم هذه الأشياء لتحصلوا بها العلم الذي كان مسلوباً عنكم عند إخراجكم من بطون أمهاتكم وتعملوا بموجب ذلك العلم من شكر النعم وعبادته والقيام بحقوقه. ونكتة تأخيره أن السمع ونحوه من آلات الإدراك إنما يعتد به إذا أحس وأدرك، وذلك بعد الإخراج وقدم السمع على البصر لأنه طريق تلقي الوحي أو لأن إدراكه أقدم من إدراك البصر والأفئدة جمع فؤاد وهو وسط القلب منزل منه بمنزلة القلب من الصدر، وقد قدمنا الوجه في أفراد السمع وجمع الأبصار والأفئدة وهو أن أفراد السمع لكونه مصدراً في الأصل يتناول القليل والكثير (لعلكم تشكرون) أي لكي تصرفوا كل آلة فيما خلقت له فعند ذلك تعرفون مقدار ما أنعم الله به عليكم فتشكرونه أو أن هذا الصرف هو نفس الشكر. ثم ذكر سبحانه دليلاً آخر على كمال قدرته فقال

النحل 16:79

(ألم يروا إلى الطير مسخرات) أي ألم ينظروا إليها حال كونها مذللات للطيران، بما خلق الله لها من الأجنحة وسائر الأسباب المؤاتية لذلك كرقة قوام الهواء وإلهامها بسط الجناح وقبضه كما يفعل السابح في الماء (في جو السماء) أي في الهواء المتباعد من الأرض في سمت العلو وإضافته إلى السماء لكونه في جانبها قال كعب أن الطير ترتفع في الجو اثني عشر ميلاً ولا ترتفع فوق ذلك. (وما يمسكهن) في قبضهن وبسطهن ووقوفهن في الجوّ (إلا الله) سبحانه بقدرته الباهرة فإن ثقل أجسامها ورقة قوام الهواء يقتضيان سقوطها لأنها لم تتعلق بشيء من فوقها ولا اعتمدت على شيء تحتها (إن في ذلك) التسخير على تلك الصفة (لآيات) ظاهرة تدل على وحدانية الله سبحانه وقدرته الباهرة (لقوم يؤمنون) بالله سبحانه وبما جاءت به رسله من الشرائع التي شرعها. وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (80) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ (81) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (82)

النحل 16:80

(والله جعل) أي صيَّر أو خلق (لكم من بيوتكم) التي هي من الحجر والمدر وغيرهما ومن ابتدائية (سكنا) مصدر يوصف به الواحد والجمع وإليه ذهب ابن عطية ومنعه الشيخ ولم يذكر وجه المنع وهو بمعنى مسكون أي تسكنون فيها وتهدأ جوارحكم من الحركة وهذا من جملة تعديد الله نعمه على الإنسان فإن الله سبحانه لو شاء لخلق العبد مضطرباً دائماً كالأفلاك ولو شاء لخلقه ساكناً أبداً كالأرض. (وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتاً) لا ذكر سبحانه بيوت المدن وهي التي للإقامة الطويلة عقبها بذكر بيوت البادية والرحلة وهي الأنطاع والأدم جعلها بيوتاً كالخيام والقباب والأخبية والفساطين، قال مجاهد وهي خيام العرب وقيل ذلك في بعض الناس كالسودان فإنهم يتخذون خيامهم من الجلود ويجوز أن يتناول المتخذة من الصوف والوبر والشعر فإنها من حيث أنها نابتة على جلودها يصدق عليها أنها من جلودها. (تستخفونها) أي يخف عليكم حملها في الأسفار وغيرها ولهذا قال (يوم ظعنكم) أي في يوم سيركم ورحيلكم في أسفاركم، والظعن بفتح العين ْوسكونها وهما لغتان قرئ بهما كالنهر والنهر وهو سير أهل البادية للانتجاع والتحول من موضع إلى موضع والظعن الهودج أيضاً، قال ابن عباس: بعض بيوت السيارة بنيانه في ساعة. (ويوم إقامتكم) أي حضركم والمعنى لا يثقل عليكم حملها في الحالين (و) جعل لكم (من أصوافها وأوبارها وأشعارها) والأنعام تعم الإبل والبقر والغنم كما تقدم والأصواف للغنم والأوبار للإبل والأشعار للمعز وهي من جملة الغنم فيكون ذكر هذه الثلاثة على وجه التنويع كل واحد منهما لواحد من الثلاثة أعني الإبل ونوعي الغنم ولم يذكر القطن والكتان لأنهما لم يكونا ببلاد العرب. (أثاثاً) هو متاع البيت وأصله الكثرة والاجتماع ومنه شعر أثيث أي كثير مجتمع يقال أث أي كثر وتكاثف، وقيل للمال أثاث إذا كثر، قال الخليل: أثاثاً أي منضماً بعضها إلى بعض من أث إذا كثر. قال الفراء: لا واحد له (ومتاعاً) هو ما يتمتع به بأنواع التمتع، قال الخليل: الأثاث والمتاع واحد وجمع بينهما لاختلاف لفظيهما وعلى قول أبي زيد الأنصاري أن الأثاث المال أجمع الإبل والغنم والعبيد، والمتاع يكون عطف المتاع على الأثاث من عطف الخاص على العام. وقيل أن الأثاث ما يكتسي به الإنسان ويستعمله من الغطاء والوطاء، والمتاع ما يفرش في المنازل من الفرش والأكسية ويتزين به، ومعنى (إلى حين) إلى أن تقضوا أوطاركم منه أو إلى أن يبلى ويفنى أو إلى الموت أو إلى القيامة. ثم لما كان الإنسان قد لا يكون له خيام أو أبنية يستظل بها لفقر أو لعارض آخر فيحتاج إلى أن يستظل بشجر أو جدار أو غمام أو نحو ذلك، نبه سبحانه على ذلك فقال

النحل 16:81

(والله جعل لكم مما خلق ظلالاً) أي أشياء تستظلون بها من شدة الحر والبرد كالأشياء المذكورة وهي ظلال الأبنية والجدران والأشجار والحاصل أن الظلال تعم الأشياء التي تظل ثم لما كان المسافر قد يحتاج إلى من يأوي إليه في نزوله وإلى ما يدفع به عن نفسه آفات الحر والبرد نبه سبحانه على ذلك فقال: (وجعل لكم من الجبال أكنانا) جمع كن وهو ما يستكن به من المطر وشدة الحر والبرد وفي المختار الكن السترة والجمع أكنان والأكنة الأغطية، وقال الكسائي كن الشيء ستره وبابه رد، وفي القاموس الكن بالكسر وقاء كل شيء وستره كالكنة والكنان كسرهما والكن البيت جمعه أكنان وأكنة وكنه كناً وكنونا وأكنه وكننه واكتنه ستره واستكن استتر كاكتن والكنة جناح يخرج من حائط أو سقيفة فوق باب الدار أو ظله هنالك أو مخدع انتهى. وهي هنا الغيران والأسراب في الجبال ونحوه جعلها الله سبحانه عدة للخلق يأوون إليها ويتحصنون بها ويعتزلون عن الخلق فيها لأن الإنسان غني أو فقير فالغني يستصحب معه الخيام في سفره ليسكن فيها، وإليه الإشارة في الآية المتقدمة، والفقير يسكن في ظلال الأشجار والحيطان والكهوف وإلى هذه الإشارة في هذه الآية وكانت بلاد العرب شديدة الحرارة وحاجتهم إلى الظلال وما يدفع شدة الحر وقوته أكثر فلهذا السبب ذكر الله هذه المعاني في معرض الامتنان عليهم بها لأن النعمة عليهم فيها ظاهرة. (وجعل لكم سرابيل) جمع سربال وهي القمصان والثياب من الصوف والقطن والكتان وغيرها، قال الزجاج كل ما لبسته فهو سربال (تقيكم الحر) أي تدفع عنكم ضرر الحر والبرد وهو ما عليه أكثر المفسرين من أنه من حذف المعطوف للعلم به. قال الشهاب في الريحانة في الآية نكتة لطيفة لم ينبهوا عليها وهو أنه إنما اقتصر على الحر لأنه أهم هنا لما عرف من غلبة الحر على ديار العرب ثم إن ما يقي الحر يحصل به برودة في الهواء في الجملة فوقاية الحر إنما هي لتحصيل البرد، وهذا فيه من اللطف ما هو ألطف من النسيم، فلِلَّه در التنزيل فكم فيه من أسرار لا تتناهى انتهى، ونظيره بيدك الخير أي والشر لأن الخير مطلوب العباد من ربهم دون الشر أو لتقدم وقاية البرد في قوله لكم فيها دفء. (وسرابيل تقيكم بأسكم) وهي الدروع والجواشن وسائر ما يلبس في الحرب من السلاح تتقون بها الطعن والضرب والرمي والمعنى أنها تقيكم البأس الذي يصل من بعضكم إلى بعض في الحرب (كذلك) الإتمام البالغ (يتم نعمته عليكم) فإنه سبحانه قد منَّ على عباده بصنوف النعم المذكورة هنا وبغيرها وهو بفضله وإحسانه سيتم نعمة الدين والدنيا (لعلكم تسلمون) أي إرادة أن تسلموا فإن من أمعن النظر في هذه النعم لم يسعه إلا الإسلام والانقياد للحق. وقرأ ابن عباس وعكرمة من السلامة من الجراح، وقرأ الباقون من الإسلام قال أبو عبيد: والاختيار قراءة العامة لأن ما أنعم الله به علينا من الإسلام أفضل مما أنعم به من السلامة من الجراح، وقيل الخطاب لأهل مكة أي لعلكم يا أهل مكة تخلصون لله الربوبية والحمل على العموم أولى وأفرد النعمة هنا لأن المراد بها المصدر.

النحل 16:82

(فإن تولوا) أي أعرضوا عن الإسلام ولم يقبلوا ما جئت به فقد تمهد عذرك وفيه التفات وجواب الشرط محذوف أي فلا لوم عليك وهذا تسلية له صلى الله عليه وسلم والتعبير بالتولي إشارة إلى أن الأصل فطرة الإسلام وخلافها عارض متجدد والمعنى أن داموا على التولي لظهور توليهم. (فإنما عليك البلاغ) لما أرسلت به إليهم وقد فعلت ذلك بهم (المبين) أي الواضح وليس عليك غير ذلك وصرف الخطاب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تسلية له، وهذا قبل الأمر بالقتال فتكون الآية منسوخة الحكم وهو لا يظهر إلا لو قدر جواب الشرط فأعرض عنهم ولا تقاتلهم مع أن أكثر المفسرين قدروه بقولهم فلا عتب عليك ولا مؤاخذة في عدم إيمانهم لأنك بلغت ما أمرت بتبليغه وهدايتهم من الله لا إليك، وهذا لا ينافي أن يكون مأموراً بقتالهم. يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ (83) وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (84) وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذَابَ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (85) وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ (86) وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (87) ثم استأنف لبيان توليهم فقال

النحل 16:83

(يعرفون نعمة الله) التي عددها في هذه السورة ويعترفون بأنها من عند الله سبحانه (ثم ينكرونها) بما يقع عنهم من أفعالهم القبيحة من عبادة غير الله وبأقوالهم الباطلة حيث يقولون هي من الله ولكنها بشفاعة الأصنام وحيث يقولون أنهم ورثوا تلك النعم من آبائهم وأيضاً لكونهم لا يستعملون هذه النعم في مرضاة الرب سبحانه وفي وجوه الخير التي أمرهم الله بصرفها فيها، وقيل نعمة الله نبوة محمد صلى الله عليه وسلم كانوا يعرفونه صلى الله عليه وسلم ثم ينكرون نبوته. وقيل هي الإسلام وجيء بثم للدلالة على أن إنكارهم أمر مستبعد بعد حصول المعرفة لأن من عرف النعمة حقه أن يعترف لا أن ينكر (وأكثرهم الكافرون) بالله أو الجاحدون لنعم الله. وعبر هنا بالأكثر عن الكل لأنه قد يذكر الأكثر ويراد به الجميع وإليه أشار في التقرير أو أراد بالأكثر العقلاء دون الأطفال ونحوهم أو أراد كفر الجحود ولم يكن كفر كلهم كذلك بل كان كفر بعضهم كفر جهل وكفر بعضهم بسبب تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم مع اعترافهم بالله وعدم الجحد لربوبيته ومثل هذه الآية قوله تعالى (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً فانظر كيف كان عاقبة المفسدين). ولما بين سبحانه من حال هؤلاء أنهم عرفوا نعمة الله ثم أنكروها وإن أكثرهم كافرون أتبعه بأصناف وعيد يوم القيامة فقال

النحل 16:84

(و) اذكر (يوم نبعث) أي نحيي ونخرج (من كل أمة شهيدًا) أو المعنى يوم نبعث وقعوا فيما وقعوا فيه وشهيد كل أمة نبيها يشهد لهم بالإيمان والتصديق وعليهم بالكفر والجحود والتكذيب. قال ابن عباس: شهيدها نبيها، على أنه قد بلغ رسالات ربه، قال الله (وجئنا بك على هؤلاء شهيداً) قال ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ هذه الآية فاضت عيناه وذلك اليوم هو يوم القيامة. (ثم لا يؤذن للذين كفروا) في الاعتذار إذ لا حجة لهم ولا عذر كقوله سبحانه (ولا يؤذن لهم فيعتذرون) أو في كثرة الكلام أو في الرجوع إلى دار الدنيا وإلى التكليف أو في حالة شهادة الشهود، بل يسكت أهل الجمع كلهم ليشهد الشهود أو لا يؤذنا لهم في معارضة الشهود بإلقاء معذرة أو ادلاء بحجة بل يشهدون عليهم ويقرونهم على ذلك، وإيراد (ثم) هاهنا للدلالة على أن ابتلاءهم بالمنع عن الاعتذار المنبئ عن الإقناط الكلي أشد من ابتلائهم بشهادة الأنبياء. (ولا هم يستعتبون) أي لا يطلب منهم العتبى أي الرجوع إلى ما يرضي الله من العبادات، لأن العتاب إنما يطلب لأجل العود إلى الرضاء، فإذا كان على عزم السخط فلا فائدة في العتاب. والمعنى أنهم لا يسترضون أي لا يكلفون أن يرضوا ربهم. لأن الآخرة ليست بدار عمل ولا تكليف، ولا يتركون إلى رجوع الدنيا فيتوبون. وأصل الكلمة من العتب وهو الموجدة، يقال عتب عليه يعتب إذا وجد عليه وبابه ضرب ونصر، فإذا أفاض عليه ما عاتب فيه عليه، قيل عاتبه فإذا رجع إلى مسرته قيل أعتبه والاسم العتبى وهو رجوع المعتوب عليه إلى ما يرضي العاتب قاله الهروي، فالاستعتاب التعرض لطلب الرضاء، وهذا باب منسد على الكفار في الآخرة. وفي الخطيب أي لا تزال عتباهم وهي ما يعتبون عليها ويلامون؛ يقال استعتبت فلاناً أي أزلت عتباه، انتهى. واستفعل بمعنى أفعل غير مستنكر. قال الخليل: العتاب مخاطبة الإدلال ومذاكرة الموجدة، وعاتبه معاتبة وعتاباً واعتبه سره بعدما ساء واستعتب واعتب بمعنى واستعتب أيضاً طلب أن يعتب، أي استرضاه فأرضاه.

النحل 16:85

(وإذا رأى) أي أبصر (الذين ظلموا) أي أشركوا وكفروا (العذاب) الذي يستحقونه بشركهم وهو عذاب جهنم (فلا يخفف) ذلك العذاب (عنهم ولا هم يُنظرون) أي لا يمهلون ولا يؤخرون ليتوبوا إذ لا توبة هنالك.

النحل 16:86

(وإذا رأى الذين أشركوا) يوم القيامة (شركاءهم) مفعول به والإضافة لأدنى ملابسة باعتبار ادعائهم شركتها لله، أي أصنامهم وأوثانهم التي عبدوها في الدنيا لا تقرر من أنهم يبعثون مع المشركين، يقال لهم من كان يعبد شيئاً فليتبعه كما ثبت في الصحيح من قوله صلى الله عليه وسلم. (قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعو) أي نعبدهم ونتخذهم آلهة (من دونك) ونطيعهم، ولعلهم قالوا ذلك طمعاً في توزيع العذاب بينهم، قالى أبو مسلم الأصفهاني: مقصود المشركين بهذا القول حالة الذنب على تلك الأصنام تعللا بذلك واسترواحاً مع كونهم يعلمون أن العذاب واقع بهم لا محالة. ولكن الغريق يتعلق بكل ما تقع يده عليه. (فألقوا إليهم) أي ألقى أولئك الشركاء من الأصنام والأوثان والشياطين ونحوهم إلى المشركين والكفار (القول) وعن مجاهد قال حدثوهم وقالوا لهم (إنكم) أيها المشركون (لكاذبون) فيما تزعمون من إحالة الذنب علينا الذي هو مقصودكم من هذا القول، أو في تسميتنا آلهة، وما دعوناكم إلى عبادتنا بل عبدتم أهواءكم. فإن قيل أن المشركين أشاروا إلى الأصنام ونحوها إن هؤلاء شركاؤنا وقد كانوا صادقين في ذلك فكيف كذبتهم الأصنام ونحوها. فالجواب بأن مرادهم من قولهم هؤلاء شركاؤنا، هؤلاء شركاء الله في المعبودية فكذبتهم الأصنام في دعوى هذه الشركة، والأصنام والأوثان وإن كانت لا تقدر على النطق فإن الله سبحانه ينطقها في تلك الحال لتخجيل المشركين وتوبيخهم. وهذا كما قالت الملائكة بل كانوا يعبدون الجن يعنون أن الجن هم الذين كانوا راضين بعبادتهم لهم. قال الكرخي: أن المثبت لهم هنا النطق بتكذيب المشركين في دعوى عبادتهم لها والمنفي عنهم في الكهف النطق بالإجابة إلى الشفاعة لهم ودفع العذاب عنهم فلا تنافي.

النحل 16:87

(وألقوا إلى الله يومئذ السلم) أي ألقى المشركون يوم القيامة الاستسلام والانقياد لعذاب الله والخضوع لعزته، وبه قال ابن جريج وعن قتادة نحوه، وقيل المعنى استسلم العابد والمعبود وانقادوا لحكمه فيهم، لكن الانقياد في هذا اليوم لا ينفعهم لانقطاع التكليف فيه (وضل عنهم ما كانوا يفترون) أي ضاع وبطل وزال ما افتروا من أن لله سبحانه شركاء وما كانوا يزعمون من شفاعتهم لهم وأن عبادتهم لهم تقربهم إلى الله سبحانه. الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ (88) وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (89) إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90)

النحل 16:88

(الذين كفروا) في أنفسهم (وصدوا) غيرهم (عن سبيل لله) أي عن طريق الحق وهي طريق الإسلام والإيمان بأن منعوهم من سلوكها وحملوهم على الكفر، وقيل المراد به الصد عن المسجد الحرام والعموم أولى. (زدناهم عذاباً) لأجل الإضلال لغيرهم (فوق العذاب) الذي استحقوه لأجل ضلالهم، وقيل المعنى زدنا القادة عذاباً فوق عذاب أتباعهم أي أشد منه وقيل أن هذه الزيادة هي إخراجهم من حر النار إلى برد الزمهرير وغير ذلك. وعن ابن مسعود قال: زيدوا عقارب لها أنياب كالنخل الطوال ينهشونهم في جهنم، وروي مثله عن البراء مرفوعاً أخرجه الخطيب وغيره. وقال سعيد بن جبير: حيات كالبخت وعقارب أمثال البغال تلسع إحداهن اللسعة فيجد صاحبها ألمها أربعين خريفاً، وعن ابن عباس قال: خمسة أنهار من نار صبها الله عليهم يعذبون بعضها بالليل وبعضها بالنهار. وقد روى ابن مردويه عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " الزيادة خمسة أنهار تجري من تحت العرش على رؤوس أهل النار ثلاثة أنهار على مقدار الليل ونهران على مقدار النهار، فذلك قوله (زدناهم عذاباً فوق العذاب) (بما كانوا يفسدون) بصدهم الناس عن سبيل الله مع ما يستحقونه من العذاب على الكفر.

النحل 16:89

(ويوم نبعث في كل أمة شهيداً) أي نبياً يشهد (عليهم من أنفسهم من) أي جنسهم إتماماً للحجة وقطعاً للمعذرة، وهو أعدل شاهد عليها، وهذا تكرير لما سبق لقصد التأكيد والتهديد. وقال الخطيب: كرر سبحانه التحذير من ذلك اليوم على وجه يزيد على ما أفهمته الآية السابقة وهو إن الشهادة تقع على الأمم لا لهم وتكون بحضرتهم (وجئنا بك) يا محمد؛ وإيثار لفظ المجيء على البعث لكمال العناية بشأنه عليه الصلاة والسلام، وصيغة الماضي للدلالة على تحقق الوقوع. (شهيداً) تشهد (على هؤلاء) أي على هذه الأمم، وقيل على أمتك وقومك، هكذا قال الجلال، وسنده قوله سابقاً (ويوم نبعث من كل أمة شهيداً) الخ ومثله في البيضاوي، وفي الشهاب عليه، وقيل الآية مسوقة لشهادته على الأنبياء فتخلوا عن التكرار، ورد بأن المراد بشهادته على أمته تزكيته وتعديله لهم وقد شهدوا على تبليغ الأنبياء، وهذا لم يعلم مما مر وهو الوارد في الحديث، وقد تقدم مثل هذا في البقرة والنساء. (ونزلنا عليك) في الدنيا (الكتاب) أي القرآن والجملة مستأنفة (تبياناً لكل شيء) أي بياناً له والتاء للمبالغة فالتبيان أخص من مطلق البيان على قاعدة أن زيادة البناء تدل على زيادة المعنى، ونظيره من المصادر التلقاء ولم يأت غيرهما وفي الأسماء كثير نحو التمساح والتمثال. ومثل هذه الآية قوله سبحانه (ما فرطنا في الكتاب من شيء) ومعنى كونه تبياناً لكل شيء أن فيه البيان البليغ لكثير من الأحكام والإحالة فيها بقي منها على السنة، وأمرهم باتباع رسوله صلى الله عليه وسلم فيما يأتي به من الأحكام وطاعته كما في الآيات القرآنية الدالة على ذلك. وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال " إني أوتيت القرآن ومثله معه " [[صحيح الجامع الصغير 2640 - تخريج المشكاة 163.]]. وعن ابن مسعود قال: تبياناً لكل شيء ولكن علمنا يقصر عما بين لنا في القرآن وعنه قال: من أراد العلم فليؤثر القرآن فإن فيه علم الأولين والآخرين. قال الكرخي: إما بتبيينه في نفس الكتاب أو بإحالته على السنة لقوله تعالى (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) أو بإحالته على الإجماع كما قال تعالى (ويتبع غير سبيل المؤمنين) الآية. أو على القياس كما قال (فاعتبروا يا أولي الأبصار) والاعتبار النظر والاستدلال اللذان يحصل بهما القياس. فهذه أربعة طرق لا يخرج شيء من أحكام الشريعة عنها وكلها مذكورة في القرآن، فكان تبياناً لكل شيء فاندفع ما قيل، كيف قال الله ذلك ونحن نجد كثيراً من أحكام الشريعة لم يعلم من القرآن نصاً كعدد ركعات الصلاة ومدة المسح والحيض ومقدار حد الشرب ونصاب السرقة وغير ذلك، ومن ثم اختلفت الأمة في كثير من الأحكام. أهـ. وفي هذا التقرير بحث ونظر ذكر في محله فليراجعه؛ ولذلك قال الشهاب على قول البيضاوي بالإحالة إلى السنة أو القياس وفيه تأمل. انتهى. وقد احتج بهذه الآية جمع من أهل العلم على منع التقليد. (وهدى) للعباد من الضلالة (ورحمة) لهم (وبشرى للمسلمين) خاصة دون غيرهم، أو يكون الهدى والرحمة والبشرى خاصة لهم لأنهم المنتفعون بذلك. ثم لما ذكر سبحانه أن في القرآن تبيان كل شيء ذكر عقبه آية جامعة لأصول التكليف كلها تصديقاً لذلك فقال.

النحل 16:90

(إن الله يأمر) أي فيما نزله تبياناً لكل شيء وهدى وبشرى (بالعدل والإحسان) وإيثار صيغة الاستقبال فيه وفيما بعده لإفادة التجدد والاستمرار، وقد اختلف أهل العلم في تفسير العدل والإحسان، فقيل العدل شهادة أن لا إله إلا الله والإحسان أداء الفرائض. وقيل العدل الفرض والإحسان النافلة. وقيل العدل استواء العلانية والسريرة والإحسان أن تكون السريرة أفضل من العلانية، وقيل العدل التوحيد والإحسان التفضل، وقيل العدل خلع الإنداد والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه. وقيل العدل التوحيد والإحسان الإخلاص، وقيل العدل في الأفعال والإحسان في الأقوال فلا يفعل إلا ما هو عدل ولا يقول إلا ما هو حسن. وقيل غير ذلك مما لا حاجة إلى ذكره، والعدل هو المساواة في كل شيء من غير شطط ولا وكس. ْوالأولى تفسير العدل بالمعنى اللغوي وهو التوسط بين طرفي الإفراط والتفريط فمعنى أمره سبحانه بالعدل أن تكون عبادة في الدين على حالة متوسطة ليست بمائلة إلى جانب الإفراط وهو الغلو المذموم في الدين ولا إلى جانب التفريط وهو الإخلال بشيء مما هو من أمر الدين اعتقاداً كالتوحيد المتوسط بين التعطيل والتشريك، والقول بالكسب المتوسط بين محض الجبر والقدر، وعملاً كالتعبد بأداء الواجبات المتوسط بين البطالة والترهب وخلقاً كالجود المتوسط بين البخل والتبذير. وأما الإحسان فمعناه البغوي يرشد إلى أنه التفضل بما لم يجب كصدقة التطوع، ومن الإحسان فعل ما يثاب عليه العبد مما لم يوجبه الله عليه في العبادات وغيرها ولم يذكر متعلقات العدل والإحسان والبغي ليعم جميع ما يعدل فيه ويحسن به وإليه وينبغي فيه وقد صح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه فسر الإحسان بأن يعبد الله العبد حتى كأنه يراه فقال في حديث ابن عمر في الصحيحين " والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك " [[مسلم/8.]] وهذا هو المعنى بالإحسان شرعاً. (وإيتاء ذي القربى) ما تدعو إليه حاجتهم وفي الآية إرشاد إلى صلة الأقارب والأرحام وترغيب في التصدق عليهم، وهو من باب عطف الخاص على العام إن كان إعطاء الأقارب قد دخل تحت العدل والإحسان، وقيل من باب عطف الندوب على الواجب، ومثل هذه الآية قوله (وآت ذا القربى حقه) وإنما خص ذوي القربى لأن حقهم آكد فإن الرحم قد اشتق الله اسمها من اسمه الشريف وجعل صلتها من صلته وقطيعتها من قطيعته فيستحب أن يصلهم من فضل ما رزقه الله فإن لم يكن له فضل فدعاء حسن وتودد. (وينهى عن الفحشاء) هي الخصلة التزايدة في القبح من قول أو فعل، وقيل هي الزنا وقيل البخل (والمنكر) وهو ما أنكره الشرع بالنهي عنه وهو يعم جميع المعاصي على اختلاف أنواعها، وقيل هو الشرك (والبغي) قيل هو الكبر، وقيل هو الظلم وقيل الحقد وقيل التعدي، وحقيقته تجاوز الحد فيشمل هذه المذكورة ويندرج بجميع أقسامه تحت المنكر وإنما خص بالذكر اهتماماً به لشدة ضرره ووبال عاقبته وهو من الذنوب التي ترجع على فاعلها لقوله سبحانه (إنما بغيكم على أنفسكم) وهذه الآية من الآيات الدالة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وعن عبد الملك بن عمير أن هذه الآية لما بلغت أكثم بن صيفي حكيم العرب قال إني أراه يأمر بمكارم الأخلاق وينهى عن ملائمها ثم قال لقومه كونوا في هذه الأمر رؤساء ولا تكونوا فيه أذناباً وكونوا فيه أولاً ولا تكونوا فيه آخراً. وعن ابن عباس قال: أعظم آية في كتاب الله (الله لا إله إلا هو الحي القيوم) وأجمع آية في كتاب الله للخير والشر التي في النحل (إن الله يأمر بالعدل والإحسان) وأكثر آية في كتاب الله تفويضاً (ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب)، وأشد آية في كتاب الله رجاء (يا عبادي) الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله) الآية. وعن عكرمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ على الوليد بن المغيرة هذه الآية فقال له: يا ابن أخي أعد عليّ فأعادها عليه فقال له الوليد والله إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق، وما هو بقول البشر، وعن الحسن أنه قرأ هذه الآية إلى آخرها؛ ثم قال: إن الله عز وجل جمع لكم الخير كله والشر كله في آية واحدة فوالله ما ترك العدل والإحسان من طاعة الله شيئاً إلا جمعه وأمر به، ولا ترك الفحشاء والمنكر والبغي من معصية الله شيئاً إلا جمعه وزجر عنه. وفي المستدرك عن ابن مسعود وهذه أجمع آية في القرآن للخير والشر، قال البيضاوي: وبسببها أسلم عثمان بن مظعون ولو لم يكن في القرآن غير هذه الآية لصدق عليه أنه تبيان لكل شيء وهدى ورحمة ولعل إيرادها عقب قوله (ونزلنا عليك الكتاب) للتنبيه عليه. ثم ختم سبحانه هذه الآية بقوله (يعظكم) بما ذكره في هذه الآية مما أمركم به ونهاكم عنه (لعلكم تذكرون) أي إرادة أن تتذكروا ما ينبغي تذكره فتتعظوا بما وعظكم الله به فإنه كاف في باب الوعظ والتذكير. وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (91) وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (92) وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (93)

النحل 16:91

(وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم) خص الله سبحانه الإيفاء من جملة المأمورات التي تضمنها قوله (إن الله يأمر بالعدل والإحسان) وظاهرة العموم في كل عهد يقع من الإنسان من غير فرق بين عهد البيعة وغيره، وخص هذا العهد المذكور في الآية بعض المفسرين بالعهد الكائن في بيعة النبي صلى الله عليه وسلم على الإسلام وهو خلاف ما يفيده العهد المضاف إلى اسم الله سبحانه من العموم الشامل لجميع عهود الله، ولو فرض أن السبب خاص بعهد من العهود لم يكن ذلك موجباً لقصره على السبب فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وفسره بعضهم باليمين وهو مدفوع بذكر الوفاء بالإيمان بعده حيث قال سبحانه: (ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها) أي بعد تشديدها وتغليظها وتوثيقها بزيادة الأسماء والصفات، وقيل أن تأكيد اليمين هو حلف الإنسان على الشيء الواحد مراراً، وحكى القرطبي عن ابن عمر أن التوكيد هو أن يحلف مرتين فإن حلف واحدة فلا كفارة عليه. وليس المراد اختصاص النهي عن النقض بالإيمان المؤكدة لا بغيرها مما لا تأكيد فيه فإن تحريم النقض يتناول الجميع، ولكن في نقض اليمين المؤكدة من الإثم فوق الإثم الذي في نقض ما لم يؤكد منها، يقال وكد وأكد توكيداً وتأكيداً وهما لغتان. وقال الزجاج: الأصل الواو والهمزة بدل منها، وقيل ليست الهمزة بدلاً من الواو كما زعمه أبو إسحاق لأن الاستعمالين في المادتين متساويان فليس ادعاء كون أحدهما أصلاً أولى من الآخر وتبع مكي الزجاج في ذلك ثم قال ولا يحسن أن يقال الواو بدل من الهمزة ولذلك تبعه الزمخشري أيضاً. وهذا العموم مخصوص بما ثبت في الأحاديث الصحيحة من قوله صلى الله عليه وسلم " من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه " [[مسلم 1650.]] حتى بالغ في ذلك صلى الله عليه وسلم فقال " والله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيراً منها إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني " [[مسلم 1649 - البخاري 1476.]] وهذه الألفاظ ثابتة في الصحيحين وغيرهما ويخص أيضاً من هذا العموم يمين اللغو لقوله سبحانه (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم) ويمكن أن يكون التقييد بالتوكيد هنا لإخراج أيمان اللغو وقد تقدم بسط الكلام على الإيمان في البقرة. (وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً) أي شهيداً إما على التشبيه فهو استعارة أو باستعماله في لازم معناه فهو مجاز مرسل، وقيل حافظاً، وقيل ضامناً وقيل رقيباً لأن الكفيل يراعي حال المكفول له (إن الله يعلم ما تفعلون) من وفاء العهد ونقضه فيجازيكم بحسب ذلك إن خيراً فخير وإن شراً فشر وفيه ترغيب وترهيب. ثم أكد وجوب الوفاء تحريم النقض فقال

النحل 16:92

(ولا تكونوا) فيما تصنعون من النقض بعد التوكيد (كالتي نقضت غزلها) أي ما غزلته (من بعد قوة) أي إبرام الغزل وإحكامه. عن ابن عباس أن سعيدة الأسدية كانت تجمع الشعر والليف فنزلت فيها هذه الآية، وعن أبي بكر بن حفص مثله وفي الروايتين جميعاً أنها كانت مجنونة، وعن السدي في سبب نزولها قال: كانت امرأة بمكة تسمى خرقاء مبهة كانت تغزل فإذا أبرمت غزلها نقضته. وعن عبد الله بن كثير معناه، وقيل هي امرأة حمقاء اسمها ريطة بنت سعد بن تيم قرشية فالمشبه به معين على هذا، وفي الكرخي المراد به تشبيه الناقض بمن هذا شأنه من غير تعيين لأن القصد بالأمثال صرف المكلف عن الفعل إذا كان قبيحاً والدعاء إليه إذا كان حسناً، وذلك يتم بدون التعيين إذ لا يلزم في التشبيه أن يكون المشبه به موجوداً في الخارج. (أنكاثا) جمع نكث بكسر النون ما ينكث فتله ليغزل ثانياً بمعنى منكوث أي منقوض يقال نكث الرجل العهد نكثاً من باب قتل نقضه ونبذه فانتكث، قال ابن قتيبة هذه الآية متعلقة بما قبلها والتقدير وأوفوا بعهد الله ولا تنقضوا الأيمان فإنكم إن فعلتم ذلك كنتم مثل امرأة غزلت غزلاً وأحكمته ثم جعلته أنكاثاً أي أقطاعاً وأجزاء. (تتخذون أيمانكم دخلاً بينكم) قال الجوهري: الدخل المكر والخديعة، وقال أبو عبيدة: كل أمر لم يكن صحيحاً فهو دخل، وقيل الدخل ما أدخل في الشيء على فساده، وقال الزجاج: غشاً وغلا، وقيل أصل الدخل العيب والعيب ليس من الشيء الذي يدخل فيه (أن تكون أمة) أي بأن تكون جماعة أو لأجل وجدانكم أمة (هي أربى من أمة) جماعة أي أكثر عدداً منها وأوفر مالاً، يقال ربى الشيء يربو إذ كثر، قال الفراء: المعنى لا تغدروا بقوم لقلتهم وكثرتكم أو لقلتكم وكثرتهم وقد عززتموهم بالإيمان قيل وقد كانت قريش إذا رأوا شوكة في أعادي حلفائهم نقضوا عهدهم وحالفوا أعداءهم قاله مجاهد: وقيل هو تحذير للمؤمنين أن يغتروا بكثرة قريش وسعة أموالهم فينقضوا بيعة النبي صلى الله عليه وسلم. (إنما يبلوكم الله به) أي يختبركم بكونكم أكثر وأوفر لينظر هل تتمسكون بحبل الوفاء أم تنقضون اغتراراً بالكثرة، فالضمير في به راجع إلى مضمون الجملة المتقدمة، أي إنما يبلوكم الله بتلك الكثرة ليعلم ما تصنعون أو إنما يبلوكم الله بما يأمركم وينهاكم. (وليبين لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون) فيوضح الحق والمحقين ويرفع درجاتهم ويبيّنَ الباطل والمبطلين فينزل بهم من العذاب ما يستحقونه أو يبينِّ لكم ما كنتم تختلفون فيه من البعث والجنة والنار وفي هذا إنذار وتحذير من مخالفة الحق والركون إلى الباطل. ثم بينَّ سبحانه أنه قادر على أن يجمع المؤمنين والكافرين على الوفاء أو على الإيمان فقال

النحل 16:93

(ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة) متفقة على الحق (ولكن) بحكم الإلهية (يضل من يشاء) بخذلانه إياهم عدلاً منه فيهم (ويهدي من يشاء) بتوفيقه إياهم فضلاً منه عليهم (لا يسأل عما يفعل وهم يُسألون) ولهذا قال (ولنسألن) يوم القيامة سؤال تبكيت لا سؤال استفسار وتفهم وهو المنفي في غير هذه الآية (عما كنتم تعملون) من الأعمال في الدنيا لتجازوا عليها، واللام في ليبين وفي لنسألن هي الموطئة للقسم. وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (94) وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (95) مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (96) مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (97) فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (98) ثم لما نهاهم سبحانه عن نقض مطلق الإيمان نهاهم عن نقض أيمان مخصوصة فقال

النحل 16:94

(ولا تتخذوا أيمانكم دخلاً بينكم) قال الشهاب وغيره: ولما كان اتخاذ الأيمان دخلاً قيداً للمنهى عنه كان منهياً عنه ضمناً فصرح به هنا تأكيداً ومبالغة في قبح المنهى عنه. قال في الجمل وعلى هذا فهو تأسيس لا تأكيد ولا تكرير، قال أبو حيان: لم يتكرر النهي وإنما الذي سبق إخبار بأنهم اتخذوا أيمانهم دخلاً معللاً بشيء خاص هو إن تكون أمة هي أربى من أمة وجاء النهي بقوله هذا استئنافاً للنهي عن اتخاذ الأيمان دخلاً على العموم، أي في كل حال، فيشمل جميع الصور من الخديعة في المبايعة وقطع الحقوق المالية وغير ذلك. قال الواحدي: قال المفسرون وهذا في نهي الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نقض العهد على الإسلام ونصرة الدين، واستدلوا على هذا التخصيص بما في قوله فتزل قدم بعد ثبوتها، من المبالغة، وبما في قوله وتذوقوا السوء بما صددتم لأنهم إذا نقضوا العهد مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صدوا غيرهم عن الدخول في الإسلام؛ وعلى تسليم أن هذه الأيمان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم هي سبب نزول هذه الآية، فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. (فتزل قدم) أي قدم من اتخذ يمينه دخلاً عن محجة الحق (بعد ثبوتها) عليها ورسوخها فيها؛ قيل وافراد القدم وتنكيرها للإيذان بأن زلل قدم واحدة أية قدم كانت عزت أو هانت محذور عظيم فكيف بأقدام كثيرة، وهذه استعارة للمستقيم الحال يقع في شر عظيم ويسقط فيه، لأن القدم إذا زلت نقلت الإنسان من حال خير إلى حال شر، ويقال لمن أخطأ في شيء زلت به قدمه. (وتذوقوا السوء) أي العذاب السيء في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما (بما صددتم) أي بسبب امتناعكم وصدودكم (عن سبيل الله) وهو الإسلام أو بسبب صدكم لغيركم عن الإسلام، فإن من نقض البيعة وارتد اقتدى به غيره في ذلك فكان فعله سنة سيئة عليه وزرها ووزر من عمل بها، ولهذا قال (ولكم عذاب عظيم) أي متبالغ في العظم، وهو عذاب الآخرة إن كان المراد بما قبله عذاب الدنيا. ثم نهاهم سبحانه عن الميل إلى عرض الدنيا والرجوع عن العهد لأجله فقال

النحل 16:95

(ولا تشتروا بعهد الله) الذي تركتموه (ثمناً قليلاً) أي لا تأخذوا في مقابلة عهدكم عوضاً يسيراً حقيراً، وكل عرض دنيوي وإن كان في الصورة كثيراً فهو لكونه ذاهباً زائلاً يسيراً. ولهذا ذكر سبحانه بعد تقليل عرض الدنيا خيرية ما عند الله فقال: (إنما عند الله) وفي رسم أن هذه اختلاف بين المصاحف العثمانية ففي بعضها وصلها بما، وفي بعضها فصلها عنها كما ذكر ابن الجزري، أي ما عنده من النصر في الدنيا والغنائم والرزق الواسع وما عنده في الآخرة من نعيم الجنة الذي لا يزول ولا ينقطع (هو خير لكم) ثم علل النهي عن أن يشتروا بعهد الله ثمناً قليلاً بقوله (إن كنتم تعلمون) وتميزون بين الأشياء. ثم ذكر دليلاً قاطعاً على حقارة عرض الدنيا وخيرية ما عند الله فقال

النحل 16:96

(ما عندكم ينفد وما عند الله باق) والنفاد الفناء والذهاب، يقال نفد بكسر العين ينفد بفتحها نفاداً ونفوداً، وأما نفذ بالمعجمة ففعله نفذ بالفتح ينفذ بالضم، ويقال أنفد القوم إذا فنى زادهم، وباق بثبوت الياء وحذفها مع سكون القاف وهما سبعيتان. ومعلوم لكل عاقل إن ما ينفد ويزول وأن بلغ في الكثرة إلى أي مبلغ فهو حقير يسير، وما كان يبقى ولا يزول فهو كثير جليل أما نعيم الآخرة فظاهر؛ وأما نعيم الدنيا الذي أنعم الله به على المؤمنين فهو وإن كان زائلاً لكنه لما كان متصلاً بنعيم الآخرة كان من هذه الحيثية في حكم الباقي الذي لا ينقطع. ثم قال (ولنجزين) بالنون ففيه التفات، وقرئ بالياء واللام هي الموطئة للقسم أي والله لنجزين (الذين صبروا) بسبب صبرهم على ما نالهم من مشاق التكليف والفاقة وجهاد الكافرين والصبر على ما ينالهم منهم من الأذى (أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون) من الطاعات، قيل وإنما خص أحسن أعمالهم لأن ما عداه وهو الحسن مباح والجزاء إنما يكون على الطاعة، وقيل المعنى ولنجزينهم بجزاء أشرف وأوفر من أعمالهم، كقوله (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها). وقيل (أحسن) هنا ليس للتفضيل بل بمعنى الحسن أو لنجزينهم بحسب أحسن أفراد أعمالهم على معنى لنعطينهم بمقابلة الفرد الأدنى من أعمالهم المذكورة ما نعطيهم بمقابلة الفرد الأعلى منها من الجزاء الجزيل لا إنا نعطي الأجر بحسب أفرادها المتفاوتة في مراتب الحسن بأن نجزي الحسن منها بالأجر الحسن، والأحسن بالأحسن، كذا قيل، وفيه ما لا يخفى من العدة الجميلة باغتفار ما عسى يعتريهم في تضاعيف الصبر من بعض جزع ونظمه في سلك الصبر الجميل.

النحل 16:97

(ومن عمل صالحاً) هذا شروع في ترغيب كل مؤمن في كل عمل صالح وتعميم للوعد، والمعنى من عمل صالحاً أي عمل كان (من ذكر أو أنثى) زيادة التمييز بذكر وأنثى مع كون لفظ من شاملاً لهما لقصد التأكيد والمبالغة في تقرير الوعد. وقيل أن لفظ من ظاهر في الذكور فكان في التنصيص على الذكر والأنثى بيان لشموله للنوعين. (وهو مؤمن) جعل سبحانه الإيمان قيداً في الجزاء المذكور لأن عمل الكافر لا اعتداد به لقوله سبحانه (وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثوراً) ثم ذكر سبحانه الجزاء لمن عمل ذلك العمل الصالح فقال (فلنحيينه حياة طيبة) وقد وقع الخلاف في الحياة الطيبة بماذا تكون، فقيل بالرزق الحلال في هذه الحياة الدنيا وإذا صار إلى ربه جازاه بأحسن ما كان يعمل. روي ذلك عن ابن عباس وسعيد بن جبير وعطاء والضحاك، وقيل بالقناعة قاله الحسن البصري وزيد بن وهب، ووهب بن منبه، وروي أيضاً عن عليّ وابن عباس قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو " اللهم قنعني بما رزقتني وبارك لي فيه واخلف عليً كل غائبة لي بخير ". وأخرج أحمد ومسلم والترمذي وابن ماجة عن ابن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال " قد أفلح من أسلم ورزق كفافاً وقنعه الله بما آتاه " [[مسلم 1054.]] وأخرج الترمذي والنسائي من حديث فضالة بن عبيد أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " قد أفلح من هدى إلى الإسلام وكان عيشه كفافا وقنع به " [[الترمذي كتاب الزهر باب 35 - الإمام أحمد 5/ 255.]]. وقيل بالكسب الطيب والعمل الصالح، قاله ابن عباس، وقيل بالتوفيق إلى الطاعة قاله الضحاك، وقيل هي حياة الجنة، روي هذا عن مجاهد وقتادة وغيرهما وحكي عن الحسن أنه قال: لا تطيب الحياة لأحد إلا في الجنة، وقيل الحياة الطيبة هي السعادة، روي ذلك عن ابن عباس، وقيل هي المعرفة بالله، حكي ذلك عن جعفر الصادق رضي الله عنه. وقال أبو بكر الوراق: هي حلاوة الطاعة، وقال مقاتل: هي العيش في الطاعة وقيل رزق يوم بيوم. وقال السدي: إنما هي تحصل في القبر لأن المؤمن يستريح بالموت من نكد الدنيا وتعبها، وقال سهل بن عبد الله التستري: هي أن ينزع عن العبد تدبير نفسه ويرد تدبيره إلى الحق، وقيل هي الاستغناء عن الخلق والافتقار إلى الحق. وأكثر المفسرين على أن الحياة الطيبة هي في الدنيا لا في الآخرة، لأن حياة الآخرة قد ذكرت بقوله (ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون) وقد قدمنا قريباً تفسير الجزاء بالأحسن ووحد الضمير في (لنحيينه) وجمعه في لنجزينهم حملاً على لفظ (من) وعلى معناه. ثم لما ذكر سبحانه العمل الصالح والجزاء عليه أتبعه بذكر الاستعاذة التي تخلص بها الأعمال الصالحة عن الوساوس الشيطانية فقال

النحل 16:98

(فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله) الفاء لترتيب الاستعاذة على العمل الصالح، وقيل هذه الآية متصلة بقوله (ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء) والتقدير فإذا أخذت في قراءته فاستعذ بالله. قال الزجاج وغيره من أئمة اللغة: معناه إذا أردت أن تقرأ القرآن فاستعذ، وهذا على مذهب الأكثرين من الفقهاء والمحدثين من أن الاستعاذة تطلب قبل القراءة، وليس معناه استعذ بعد أن تقرأ القرآن، ومثله إذا أكلت فقل بسم الله. قال الواحدي: وهذا إجماع الفقهاء أن الاستعاذة قبل القراءة إلا ما روي عن أبي هريرة وابن سيرين ومالك وحمزة من القراء فإنهم قالوا: الاستعاذة بعد القراءة ذهبوا إلى ظاهر الآية، وإليه ذهب جماعة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الأئمة وداود الظاهري. وأما مذهب الأكثرين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الأئمة وفقهاء الأمصار أنها قبل القراءة كما تقدم، ومعنى فاستعذ بالله اسأله سبحانه أن يعيذك (من الشيطان الرجيم) أي من وساوسه لئلا يوسوسك في القراءة وفيه دليل على أن المصلي يستعيذ في كل ركعة لأن الحكم المترتب على شرط يتكرر بتكرره قياساً، وتعقيبه لذكر العمل الصالح والوعد عليه إيذان بأن الاستعاذة عند القراءة من هذا القبيل. وتخصيص قراءة القرآن من بين الأعمال الصالحة بالاستعاذة عند إرادتها للتنبيه على أنها لسائر الأعمال الصالحة عند إرادتها أهم لأنه إذا وقع الأمر بها عند قراءة القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه كانت عند إرادة غيره أولى كذا قيل وتوجيه الخطاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم للإشعار بأن غيره أولى منه بفعل الاستعاذة لأنه صلى الله عليه وآله وسلم إذا أمر بها لدفع وساوس الشيطان مع عصمته، فكيف بسائر أمته، قال السيوطي في الآية، أي قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم انتهى. وهذا بيان للأفضل وإلا فأصل السنة يحصل بأي صيغة كانت من صيغ الاستعاذة، وقد ذهب الجمهور إلى أن الأمر في الآية للندب، وروي عن إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (99) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (100) وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (101) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (102) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (103) عطاء الوجوب أخذاً بظاهر الأمر، والضمير في

النحل 16:99

(إنه) للشأن أو للشيطان (ليس له سلطان) أي تسلط تعليل لمحذوف هو جواب الأمر تقديره فإن استعذت كفيت شره (على) إغواء (الذين آمنوا) وحكى الواحدي عن جميع المفسرين أنهم فسروا السلطان بالحجة وقالوا المعنى ليس له حجة على المؤمنين في إغوائهم ودعائهم إلى الضلالة. (وعلى ربهم يتوكلون) أي يفوضون أمورهم إليه في كل قول وفعل فإن الإيمان بالله والتوكل عليه يمنعان الشيطان من وسوسته لهم وإن وسوس لأحد منهم لا تؤثر فيه وسوسته وهؤلاء الجامعون بين الإيمان والتوكل هم الذين قال فيهم إبليس (إلا عبادك منهم المخلصين) وقال الله فيهم (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين). ثم حصر سبحانه سلطان الشيطان فقال:

النحل 16:100

(إنما سلطانه) أي تسلطه (على) إغواء (الذين يتولونه) أي يتخذونه ولياً ويطيعونه في وساوسه يقال توليته إذا أطعته وتوليت عنه إذا أعرضت عنه وهذا مقابل لقوله وعلى ربهم يتوكلون (والذين هم به) أي بالله والباء للتعدية (مشركون) وقيل الضمير يرجع إلى الشيطان والباء للسببية أي والذين هم من أجله وبسبب وسوسته مشركون بالله وهذا مقابل لقوله على الذين آمنوا.

النحل 16:101

(وإذا بدلنا آية مكان آية) [[كانت هذه الآية أوضح دليل لنا على وجود النسخ في القرآن حين نشرنا بحثاً وافياً في الموضوع في كتابنا (الإيمان وآثاره والشرك ومظاهره) وذلك عندما أعلن بعض العلماء الذين نحترمهم رأيه في عدم وجود النسخ في القرآن والكتاب عموماً، مهم جداً.]] هذا شروع منه سبحانه في حكاية شبهة كفرية ودفعها ومعنى التبديل رفع الشيء مع وضع غيره مكانه وتبديل الآية رفعها بأخرى غيرها وهو نسخها بآية سواها قال مجاهد: وهو كقوله (ما ننسخ من آية أو ننسها) الخ .. وقد تقدم الكلام على النسخ في البقرة (والله أعلم بما ينزل) اعتراض دخل في الكلام أي أنه أعلم بما ينزل من الناسخ وبما هو أصلح لخلقه وبما يغير وما يبدل من أحكامه، وهذا نوع توبيخ وتقريع للكفار، وقيل الجملة حالية وليس بظاهر. وجواب إذا قوله (قالوا) أي كفار قريش الجاهلون للحكمة في النسخ (إنما أنت) يا محمد صلى الله عليه وسلم (مفتر) أي كاذب مختلق على الله فتقول عليه بما لم يقل حيث تزعم أنه أمرك بشيء ثم تزعم أنه أمرك بخلافه فرد الله سبحانه عليهم بما يفيد جهلهم فقال: (بل أكثرهم لا يعلمون) شيئاً من العلم أصلاً أو لا يعلمون حقيقة القرآن وهو أنه اللفظ المنزل من عند الله على محمد صلى الله عليه وسلم للإعجاز بسورة منه المتعبد بتلاوته أو لا يعلمون بالحكمة في النسخ فإنه مبني على المصالح التي لا يعلمها إلا الله سبحانه فقد تكون في شرع هذا الشيء مصلحة مؤقتة بوقت ثم تكون المصلحة بعد ذلك الوقت في شرع غيره. وفيه التخفيف على العباد ولو انكشف الغطاء لهؤلاء الكفرة لعرفوا أن ذلك وجه الصواب ومنهج العدل والرفق واللطف. ثم بينَّ سبحانه لهؤلاء المعترضين على حكمة النسخ الزاعمين أن ذلك لم يكن من عند الله وأن رسوله صلى الله عليه وآله وسلم افتراه فقال

النحل 16:102

(قل نزله) أي القرآن المدلول عليه بذكر الآية (روح القدس) بضم الدال وسكونها سبعيتان والقدس التطهير والطهارة والمعنى نزله الروح المطهر من أدناس البشرية وهو جبريل عليه السلام فهو من إضافة الموصوف إلى الصفة كما يقال حاتم الجود وطلحة الخير (من ربك) أي ابتداء تنزيله من عنده سبحانه (بالحق) أي متلبساً بكونه حقاً ثابتاً لحكمة بالغة. (ليثبت الذين آمنوا) على الإيمان فيقولون كل من الناسخ والمنسوخ من عند ربنا ولأنهم أيضاً إذا عرفوا ما في النسخ من المصالح ثبتت أقدامهم على الإيمان ورسخت عقائدهم وقرئ من الإثبات (وهدى وبشرى للمسلمين) معطوفان على محل ليثبت أي تثبيتاً لهم وهداية وبشارة وفيه تعريض بحصول أضداد هذه الخصائل لغيرهم. ثم ذكر سبحانه شبهة أخرى من شبههم فقال

النحل 16:103

(ولقد نعلم) علماً مستمراً (أنهم يقولون إنما يعلمه بشر) وليس هو من عند الله كما هو يزعم، واللام هي الموطئة أي والله لقد نعلم أن هؤلاء الكفار يقولون إنما يعلم محمداً القرآن بشر من بني آدم غير ملك. وقد اختلف أهل العلم في تعيين هذا البشر الذي زعموا عليه ما زعموا فقيل هو غلام الفاكه بن المغيرة واسمه جبر وكان نصرانياً حداداً رومياً فأسلم، وكان قريش إذا سمعوا من النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخبار القرون الأولى مع كونه أمياً قالوا إنما يعلمه جبر. وقيل اسمه عايش أو يعيش عبد لبني الحضرمي وكان يقرأ الكتب الأعجمية، وقيل غلام لبني عامر بن لؤي، وقيل عنوا سلمان الفارسي، وقيل عنوا نصرانياً بمكة اسمه بلعام وكان يقرأ التوراة، وقيل عنوا رجلاً نصرانياً كان اسمه أبا ميسرة يتكلم بالرومية، وفي رواية اسمه عداس وقيل أرادوا بالبشر غلامين اسم أحدهما يسار واسم الآخر جبر، وكانا صيقليَّين يعملان السيوف بمكة، وكانا يقرآن كتاباً لهم، وقيل كانا يقرآن التوراة والإنجيل وكان النبي صلى الله عليه وسلم يمر عليهما ويسمع ما يقرآنه فقال المشركون إنما يتعلم منهما؛ قاله عبد الله بن مسلم الحضرمي. قال النحاس: وهذه الأقوال غير متناقضة لأنه يجوز أنهم زعموا أنهم جميعاً يعلمونه ولكن لا يمكن الجمع باعتبار قول من قال أنه سلمان لأن هذه الآية مكية وهو إنما أتى النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة. ثم أجاب سبحانه عن قولهم هذا فقال (لسان الذي يلحدون إليه) أي لغته وكلامه (أعجمي) والإلحاد الميل يقال لحد وألحد أي مال عن القصد ومنه لحد القبر لأنه حفرة مائلة عن وسطه، وقد تقدم في الأعراف، والمعنى لسان الذي يميلون إليه ويشيرون ويزعمون أنه يعلمك أعجمي يقال رجل أعجم وامرأة عجماء أي لا يفصحان والعجمة الإخفاء وهي ضد البيان والعرب تسمي كل من لا يعرف لغتهم ولا يتكلم بها أعجمياً. قال الفراء والراغب: الأعجم الذي في لسانه عجمة وإن كان في العرب والأعجمي هو الذي أصله من العجم، وقال أبو علي الفارسي: العجمي المنسوب إلى العجم الذي لا يفصح سواء كان من العرب أو من العجم وكذلك الأعجم والأعجمي المنسوب إلى العجم وإن كان فصيحاً بالعربية والأعرابي الذي يسكن البادية والعربي الذي يسكن الأمصار من بلاد العرب. (وهذا) أي القرآن (لسان) أي كلام (عربي مبين) وسماه لساناً لأن العرب تقول للقصيدة والبيت لساناً أو أراد باللسان البلاغة فكأنه قال وهذا قرآن ذو بلاغة عربية وبيان واضح فكيف تزعمون أن بشراً يعلمه من العجم وأين فصاحة هذا القرآن من عجمة هذا الذي تشيرون إليه وقد عجزتم أنتم عن معارضة سورة منه وأنتم أهل اللسان العربي ورجال الفصاحة وقادة البلاغة. فثبت بهذا أن الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم وحي أوحاه الله إليه، وليس هو من تعليم البشر الذي تشيرون إليه ولا هو آت به من تلقاء نفسه بل هو وحي من الله عز وجل وهاتان الجملتان مستأنفتان سيقتا لإبطال طعنهم ودفع كذبهم. إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (104) إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ (105) مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (106) ولما ذكر سبحانه جوابهم وبخهم وهددهم فقال

النحل 16:104

(إن الذين لا يؤمنون بآيات الله) أي لا يصدقون بها في علم الله (لا يهديهم الله) إلى الحق الذي هو سبيل النجاة وهداية موصلة إلى المطلوب لما علم من شقاوتهم (ولهم) في الآخرة (عذاب أليم) بسبب ما هم عليه من الكفر والتكذيب بآيات الله. ثم لما وقع منهم نسبة الافتراء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رد عليهم بقوله

النحل 16:105

(إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله) فكيف يقع الافتراء من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو رأس المؤمنين بها والداعين إلى الإيمان بها وهؤلاء الكفار هم الذين لا يؤمنون بها فهم المفترون للكذب، قال الزجاج: المعنى إنما يفتري الكذب الذين إذا رأوا الآيات التي لا يقدر عليها إلا الله كذبوا بها هؤلاء أكذب الكذبة، ثم سماهم الكاذبين فقال (وأولئك) المتصفون بذلك (هم الكاذبون) أي أن الكذب نعت لازم لهم وعادة من عاداتهم، فهم الكاملون في الكذب إذ لا كذب أعظم من تكذيبهم بآيات الله، وقولهم إنما يعلمه بشر والتأكيد بالتكرار وإن، وغيرهما ردا لقولهم إنما أنت مفتر.

النحل 16:106

(من كفر بالله من بعد إيمانه) أي تلفظ وتكلم بالكفر أو فعل فعل كفر سواء كان مختاراً في ذلك أو مكرهاً عليه فالاستثناء في قوله (إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان) متصل. وقال القرطبي: أجمع المفسرون وأهل العلم على أن من أكره على الكفر حتى خشي على نفسه القتل أنه لا إثم عليه إن كفر وقلبه مطمئن بالإيمان، ولا تبين منه زوجته ولا يحكم عليه بحكم الكفر. وحكى عن محمد بن الحسن أنه إذا أظهر الكفر كان مرتداً في الظاهر وفيما بينه وبين الله على الإسلام وتبين منه امرأته ولا يصلى عليه إن مات ولا يرث أباه إن مات مسلماً، وهذا القول مردود على قائله مدفوع بالكتاب والسنة. وذهب الحسن البصري والأوزاعي والشافعي وسحنون إلى أن هذه الرخصة إنما جاءت في القول وأما في الفعل فلا رخصة مثل أن يكره على السجود لغير الله، ويدفعه ظاهر الآية فإنها عامة فيمن أكره من غير فرق بين القول والفعل كما تقدم، والمعنى إلا من كفر بإكراه والحال أن قلبه مطمئن بالإيمان لم تتغير عقيدته. أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال: لما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يهاجر إلى المدينة قال لأصحابه: " تفرقوا عني فمن كانت به قوة فليتأخر إلى آخر الليل ومن لم تكن به قوة فليذهب أول الليل فإذا سمعتم بي قد استقرت لي الأرض فالحقوا بي ". فأصبح بلال المؤذن وخباب وعمار وجارية من قريش كانت أسلمت فأخذهم المشركون وأبو جهل فعرضوا على بلال أن يكفر فأبى فجعلوا يضعون درعاً من حديد في الشمس ثم يلبسونها إياه فإذا ألبسوه إياه قال أحد أحد، وأما خباب فجعلوا يجرونه في الشوك، وأما عمار فقال لهم كلمة أعجبتهم تقية، وأما الجارية فوتد لها أبو جهل أربعة أوتاد ثم مدها فأدخل الحربة في قلبها حتى قتلها، ثم خلوا عن بلال وخباب وعمار فلحقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه بأمرهم، واشتد على عمار الذي كان تكلم به، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كيف كان قلبك حين قلت، أكان منشرحا بالذي قلت أم لا؟ " قال: لا. فأنزل الله (إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان) وقيل نزلت في أناس من أهل مكة. وقيل نزلت في جبر مولى عامر بن الحضرمي أكرهه سيده على الكفر، والأول أولى، والحق أن الآية عامة في كل من أكره على الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان وإن كان السبب خاصاً، وفيه دليل على أن محل الإيمان هو القلب. (ولكن) الاستدراك واضح لأن قوله إلا من أكره قد يسبق الوهم إلى الاستثناء مطلقاً فاستدرك هذا، وقوله (مطمئن) لا ينفي ذلك الوهم (من) موصولة أو شرطية والأول أولى. (شرح بالكفر صدراً) أي اختاره ورضي به وطابت به نفسه (فعليهم) فيه مراعاة معنى (من) ولو راعى لفظها لأفرد وقال فعليه (غضب من الله ولهم عذاب عظيم) في الآخرة. عن ابن عباس قال: أخذ المشركون عمار بن ياسر فلم يتركوه حتى سب النبي صلى الله عليه وسلم وذكر آلهتهم بخير فتركوه، فلما أتى النبي صلى الله عليه وسلم قال " ما وراءك؟ " قال: شر، ما تركت حتى نلت منك وذكرت آلهتهم بخير، قال: " كيف تجد قلبك؟ " قال: مطمئناً بالإيمان، قال " إن عادوا فعد "، فنزلت (إلا من أكره) الخ. قال: فذاك عمار بن ياسر، ولكن من شرح بالكفر صدراً عبد الله بن أبي سرح [[المستدرك، كتاب التفسير 2/ 357.]]، أخرجه البيهقي والحاكم وصححه، وفي الباب روايات مصرحة بأنها نزلت فيه. وعن محمد بن سيرين قال: نزلت هذه الآية في عياش بن أبي ربيعة وعن ابن عباس قال: هو عبد الله بن أبي سرح الذي كان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأزله الشيطان فلحق بالكفار، فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم أن يقتل يوم فتح مكة، فاستجار له عثمان بن عفان، فأجاره النبي صلى الله عليه وسلم. وعن الحسن وعكرمة مثله، وليس بعد هذا الوعيد العظيم وهو الجمع للمرتدين بين غضب الله وعظيم عذابه وعيد. ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (107) أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (108) لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (109) ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (110)

النحل 16:107

(ذلك) أي الكفر بعد الإيمان أو الوعيد بالغضب والعذاب (بأنهم استحبوا الحياة الدنيا) أي ذلك بسبب تأثيرهم للحياة الدنيا الفانية (على الآخرة) الباقية الدائمة (وأن الله لا يهدي القوم الكافرين) في علمه إلى الإيمان به ولا يعصمهم من الزيغ. ثم وصفهم بقوله

النحل 16:108

(أولئك) الموصوفون بما ذكر من الأوصاف القبيحة (الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم) فلم يفهموا المواعظ ولا سمعوها ولا أبصروا الآيات التي يستدل بها على الحق، وقد سبق تحقيق الطبع في أول البقرة، ثم أثبت لهم صفة نقص غير الصفة المتقدمة فقال (وأولئك هم الغافلون) عما يراد بهم من العذاب في الآخرة، وضمير الفصل يفيد أنهم متناهون في الغفلة إذ لا غفلة أعظم من غفلتهم هذه.

النحل 16:109

(لا جرم) قد تقدم تحقيق الكلام في معناها أي حقاً (أنهم في الآخرة هم الخاسرون) أي الكاملون في الخسران البالغون إلى غاية منه ليس فوقها غاية لمصيرهم إلى النار المؤبدة عليهم، والوجب لخسرانهم أن الله وصفهم بست صفات تقدمت: الأولى: أنهم استوجبوا غضب الله. الثانية: أنهم استحقوا عذابه العظيم. الثالثة: أنهم استحبوا الحياة الدنيا. الرابعة: أنهم حرمهم الله من الهداية. الخامسة: أنه طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم. السادسة: أنه جعلهم من الغافلين.

النحل 16:110

(ثم إن ربك للذين هاجروا) من دار الكفر إلى دار الإسلام، وخبر (إن) محذوف أي لغفور رحيم؛ وقيل الخبر هو الذين هاجروا، أي إن ربك لهم بالولاية والنصرة لا عليهم وفيه بعد، قال في الكشاف (ثم) هاهنا للدلالة على تباعد حال هؤلاء، يعني الذين نزلت الآية فيهم عن حال أولئك، وهم عمار وأصحابه، ويدل على ذلك ما روي أنها نزلت في ابن أبي السرح. قال ابن عباس: كان قوم من أهل مكة أسلموا وكانوا يستخفون بالإسلام فنزلت فيهم هذه الآية فكتبوا بذلك إليهم أن الله قد جعل لكم مخرجاً فأخرجوا فأدركهم المشركون فقاتلوهم فنجى من نجى وقتل من قتل. (من بعد ما فتنوا) أي فتنتهم الكفار بتعذيبهم لهم ليرجعوا في الكفر، وقرئ فتنوا على البناء للفاعل وهي سبعية أيضاً، أي للذين فتنوا المؤمنين وعذبوهم على الإسلام (ثم جاهدوا) في سبيل الله (وصبروا) على ما أصابهم من الكفار وعلى ما يلقونه من مشاق التكليف (إن ربك من بعدها) أي من بعد الفتنة التي فتنوها أو بعد المهاجرة أو الجهاد أو الصبر أو جميع ذلك (لغفور رحيم) أي كثير الغفران والرحمة لهم. ومعنى الآية على قراءة البناء للفاعل واضح ظاهر، أي إن ربك لهؤلاء الكفار الذين فتنوا من أسلم وعذبوهم ثم جاهدوا وصبروا لغفور رحيم، وأما على قراءة البناء للمفعول وهي قراءة الجمهور فالمعنى أن هؤلاء المفتونين الذين تكلموا بكلمة الكفر مكرهين وصدورهم غير منشرحة للكفر إذا صلحت أعمالهم وجاهدوا في الله وصبروا على المكاره لغفور لهم رحيم بهم. يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (111) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (112) وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (113) وأما إذا كان سبب الآية هو هذا عبد الله بن أبي سرح الذي ارتد عن الإسلام ثم رجع بعد ذلك إليه، فالمعنى أن هذا المفتون في دينه بالردة إذا أسلم وجاهد وصبر فالله غفور له رحيم به.

النحل 16:111

(يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها) أي تخاصم وتسعى في خلاصها، وقد استشكل إضافة ضمير النفس إلى النفس ولا بد من التغاير بين المضاف والمضاف إليه. وأجيب بأن المراد بالنفس الأولى جملة بدن الإنسان وبالنفس الثانية الذات فكأنه قيل يوم يأتي كل إنسان يجادل عن ذاته لا يهمه غيرها بل يقول نفسي نفسي ومعنى المجادلة عنها الاعتذار بما لا يقبل منه كقوله (والله ربنا ما كنا مشركين) ونحو ذلك من المعاذير الكاذبة فهو مجادل ومخاصم عن نفسه لا يتفرغ لغيرها يوم القيامة. (وتوفى كل نفس) جزاء (ما عملت) في الدنيا من خير أو شر (وهم لا يظلمون) من جزاء أعمالهم بل يوفون ذلك كاملاً من غير زيادة أو نقصان

النحل 16:112

(وضرب الله مثلاً قرية) قد قدمنا أن ضرب مضمن معنى جعل ولذا عُدِّيَ إلى مفعولين قد اختلف المفسرون هل المراد بهذا القرية قرية معينة أو المراد قرية غير معينة. قال الزمخشري: بل كل قوم أنعم الله عليهم فأبطرتهم النعمة فكفروا وتولوا فأنزل الله بهم نقمته، ونحوه في البيضاوي. قال القرطبي: إنه مثل مضروب لأي قرية كانت على هذه الصفة من سائر القرى فيجوز أن تراد قرية مقدرة على هذه الصفة، ويجوز أن تكون في قرى الأولين قرية كانت هذه حالها فضربها الله مثلاً لمكة إنذاراً من مثل عاقبتها. وذهب الأكثرون إلى الأول وصرحوا بأنها مكة، وذلك لما دعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: " اللهم أشدد وطأتك على مضر وأجعلها عليهم سنين كسني يوسف " [[مسلم 675 - البخاري 483.]] فابتلوا بالقحط حتى أكلوا العظام، والثاني أرجح لأن تنكير قرية يفيد بذلك، ومكة تدخل في هذا العموم البدلي دخولاً أولياً. وأيضا يكون الوعيد أبلغ والمثل أكمل وغير مكة مثلها، وعلى فرض إرادتها ففي المثل إنذار لغيرها من مثل عاقبتها. وعن ابن عباس قال: يعني مكة وعن عطية مثله وزاد فقال: ألا ترى أنه قال

النحل 16:113

(ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه) قال الواقدي: ذكر المشبه به ولم يذكر المشبه لوضوحه عند المخاطبين. والآية عند عامة المفسرين نازلة في أهل مكة وما امتحنوا به من الخوف والجوع بعد الأمن والنعمة بتكذيبهم النبي صلى الله عليه وسلم فتقدير الآية ضرب الله مثلاً لقريتكم، أي بيَّن الله لها شبهاً، ثم وصف القرية بأنها (كانت آمنة) غير خائفة. (مطمئنة) غير منزعجة، أي لا يخاف أهلها ولا ينزعجون، وعن ابن شهاب قال القرية التي كانت آمنة مطمئنة هي يثرب. قلت ولا أدري أي دليل على هذا التعيين ولا أي قرينة قامت له على ذلك ومتى كفرت دار الهجرة ومسكن الأنصار بأنعم الله وأي وقت أذاقها الله لباس الجوع والخوف وهي التي تنفي خبثها كما ينفي الكير خبث الحديد كما صح ذلك عن الصادق المصدوق. وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال " والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون " (يأتيها رزقها) أي ما يرتزق به أهلها (رغداً) أي واسعاً يقال رغد العيش بالضم رغادة اتسع ولأن فهو رغد ورغيد ورغد ورغد رغداً من باب تعب لغة فهو راغد وهو في رغد من العيش أي رزق واسع، وأرغد القوم بالألف أخصبوا والرغيد الزبد (من كل مكان) من الأمكنة التي يجلب ما فيها إليها أي من نواحيها من البر والبحر. (فكفرت) أي كفر أهلها (بأنعم الله) التي أنعم بها عليهم وهي جمع نعمة كالأشد جمع شدة، وقيل كالأدرع جمع درع على ترك الاعتداد بالتاء وقيل جمع نعم مثل بؤس وأبؤس ويحتمل أنه جمع نعماء بفتح النون والمد وهي بمعنى النعمة وهذا الكفر منهم هو كفرهم بالله سبحانه وتكذيب رسله. (فأذاقها الله) أي أهلها (لباس الجوع والخوف) أي أثرهما فقحطوا سبع سنين وسمي ذلك لباساً لأنه يظهر به عليهم من الهزال وشحوبة اللون وسوء الحال ما هو كاللباس فاستعير له اسمه وأوقع عليه الإذاقة وأصلها الذوق بالفم ثم استعيرت لمطلق الإيصال مع إنبائها بشدة الإصابة لما فيها من اجتماع الإدراكين إدراك اللمس والذوق. روي أن ابن الراوندي الزنديق، قال لابن الأعرابي إمام اللغة والأدب: هل يذاق اللباس؟ فقال له ابن الأعرابي: لا بأس أيها النسناس هب أن محمداً صلى الله عليه وسلم ما كان نبياً أما كان عربياً، كأنه طعن في الآية بأن المناسب أن يقال فكساها الله لباس الجوع أو فأذاقها الله طعم الجوع، فرد عليه ابن الأعرابي. وقد أجاب علماء البيان هذا أن تجريد الاستعارة وذلك أنه استعار اللباس لما غشي الإنسان من بعض الحوادث كالجوع والخوف لاشتماله عليه اشتمال اللباس على اللابس، ثم ذكر الوصف ملائماً للمستعار له وهو الجوع والخوف لأن إطلاق الذوق على إدراك الجوع والخوف جرى عندهم مجرى الحقيقة فيقولون ذاق فلان البؤس والضر، وأذاقه غيره فكانت الاستعارة مجردة ولو قال فكساها كانت مرشحة قيل وترشيح الاستعارة وإن كان مستحسناً من جهة المبالغة إلا أن للتجريد ترجيحاً من حيث أنه روعي جانب المستعار له فازداد الكلام وضوحاً. قال الرازي: والحاصل أنه حصل لهم في ذلك الجوع حالة تشبه المذوق، وحالة تشبه الملبوس، فاعتبر الله كلا الاعتبارين فقال فأذاقها، والتقدير: أن الله عرفها لباس الجوع والخوف إلا أنه تعالى عبر عن التعريف بلفظ الإذاقة، وأصل الذوق بالفم ثم قد يستعار فيوضع موضع التعرف والاختيار قال الشاعر: ومن يذق الدنيا فإني طعمتها ... وسيق إلينا عذبها وعذابها أو يحمل اللبس على المماسة أي فأذاقها الله مساس الجوع (بما كانوا يصنعون) أي فعلنا بهم ما فعلنا بسبب تكذيبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وخروجه من بين أظهرهم، ولم يقل صنعت لأنه أراد أهل القرية، قال الفراء: كل الصفات أجريت على القرية إلا قوله يصنعون تنبيهاً على أن المراد في الحقيقة أهلها. (ولقد جاءهم) يعني أهل مكة (رسول منهم) أي من جنسهم يعرفونه ويعرفون نسبه فأمرهم بما فيه نفعهم ونهاهم عما فيه ضررهم (فكذبوه) فيما جاء به (فأخذهم العذاب) النازل بهم من الله سبحانه (وهم) أي والحال أنهم في حال أخذهم العذاب لهم (ظالمون) لأنفسهم بإيقاعها في العذاب الأبدي ولغيرهم بالإضرار لهم وصدهم عن سبيل الله. وهذا الكلام من تمام المثل الضروب وقيل أن المراد بالعذاب هنا هو الجوع الذي أصابهم، وقيل القتل يوم بدر والأول أولى. فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (114) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (115) وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (116) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (117) وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (118) ثم لما وعظهم الله سبحانه بما ذكره من حال أهل القرية المذكورة أمرهم بأن يأكلوا مما زرقهم الله من الغنائم ونحوها وقال

النحل 16:114

(فكلوا مما رزقكم الله حلالاً طيباً) جاء بالفاء للإشعار بأن ذلك متسبب عن ترك الكفر، والمعنى انكم لما آمنتم وتركتم الكفر فكلوا الحلال الطيب وهو الغنائم واتركوا الخبائث وهي الميتة والدم، قيل الخطاب للمسلمين، وبه قال جمهور المفسرين، وقيل للمشركين من أهل مكة حكاه الواحدي وغيره والأول أولى. وقيل أن الفاء (فكلوا) داخلة على الأمر بالشكر، وإنما دخلت على الأمر بالأكل لأن الأكل ذريعة إلى الشكر (واشكروا نعمة الله) التي أنعم بها عليكم واعرفوا حقها (إن كنتم إياه تعبدون) ولا تعبدون غيره أو أن صح زعمكم أنكم تقصدون بعبادة الآلهة عبادة الله تعالى.

النحل 16:115

(إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير و) حرم الله (ما أهلَّ) أي ما رفع الصوت (لغير الله به) سواء كان صنماً أو وثناً أو نصباً أو روحاً خبيثاً من جن أو روحاً طيباً من إنس كالنبي والولي والصالح، حياً كان أو ميتاً فهو حرام. وقد ورد في الحديث " ملعون من ذبح لغير الله " [[أحمد بن حنبل 1/ 217.]] سواء سمى الله عند ذبحه أو لم يسم لأن ما اشتهر لغيره سبحانه وتعالى ورفع به الصوت باسم الفلاني لا ينفع بعد ذلك ذكر الله تعالى عند ذبحه لأن هذا الحيوان قد انتسب إلى ذلك الغير، وحدث فيه من الخبث ما زاد على خبث الميتة فإنها لم يذكر عليها اسم الله وهذا الحيوان قد عين روحه لغير خالقه ثم ذبح له وهو الشرك بعينه وحين سرى هذا الخبث وأثر فيه لا يحل بحال وأن ذكر اسم الله عليه كما لو ذبح الكلب أو الخنزير على اسمه سبحانه وتعالى لا يحل. والسر في ذلك إن نذر الروح لغير خالق الروح لا يجوز وإن كان حكم جميع المأكولات والمشروبات والأموال المنذورة للتقرب إلى غير الله سبحانه هكذا فإنها شرك وحرام، ولكن ثوابها الذي كان يعود إلى الناذر جاز جعله للغير كما جاز للإنسان أن يعطي ماله من شاء بخلاف روح الحيوان فإنه ليس بمملوك للإنسان حتى يعطيه لأحد غير الله، وإنما وجب الأجر في إنفاق المال لأن المال شيء ينتفع به في الحال. ولما كان الموتى لا ينتفعون بعين المال جعل طريق إيصال النفع إليهم أن تجعل الأموال المعطاة لأهل الاستحقاق لهم فيعود ثوابها إليهم، وأما روح الحيوان فلا يصلح للانتفاع في حياة الإنسان فكيف بعد مماته ومضي الأزمان. وأما الأضحية عن الميت التي ورد بها الحديث فمعناها أن الأجر الذي كاد يثبت في إزهاق الروح لله سبحانه وتعالى يعطى لذلك الميت لا أنه يذبح لأجله ويرفع به الصوت للتقرب إليه. وهذه الآية الكريمة جاءت في أربعة مواضع من التنزيل ومعناها ما رفع به الصوت لغير الله لا ما ذبح باسم غير الله، فمن رفع الصوت بحيوان لغيره تعالى ثم ذكر اسم الله عند ذبحه لا ينجع له هذا الذكر شيئاً ولا يأتي بفائدة ولا يعود بعائدة ولا يحل أكله بهذا الذكر عند الذبح. وإنما الإهلال في لغة العرب بمعنى رفع الصوت لا بمعنى الذبح. كيف ولم يرد به عرف ولا وقع في شعر قط، هذه كتب اللسان العربي ودفاتر اللغات على وجه البسيطة ليس في أحد منها الإهلال بمعنى الذبح، وإنما يقال الإهلال لرؤية الهلال ولبكاء الطفل وللتلبية بالحج لا للذبح، فليس معنى أهللت لله ذبحت له، في القاموس استهل الصبي رفع صوته بالبكاء كأهلَّ وكذا كل متكلم رفع صوته أو خفض، وأهلَّ نظر إلى الهلال والملبي رفع صوته بالتلبية. وقال الجوهري: استهل الصبي أي صاح عند الولادة وأهلَّ المعتمر إذا رفع صوته بالتلبية وأهل بالتسمية على الذبيحة، وقوله تعالى (وما أهلَّ لغير الله به) أي نودي عليه بغير اسم الله، وأصله رفع الصوت انتهى. ولو سلم إن معناه ذبح لغير الله فأين هذا من معنى ذبح باسم غير الله حتى تنتهض به الحجة، فالقول بأن الإهلال في هذه الآية ونظائرها بمعنى الذبح وغير الله بمعنى اسم غير الله يقرب بتحريف كلامه سبحانه وتعالى حاشاه عن ذلك. وقد حكى النظام النيسابوري في تفسيره إجماع أهل العلم على أن ذبيحة المسلم التي قصد بذبحها التقرب إلى غير الله ذبيحة مرتد، وقد صار هو مرتداً أيضاً وكان الكفار في الجاهلية إذا خرجوا من ديارهم رفعوا الأصوات بأسماء الأصنام في الطرق والشوارع وإذا وصلوا إلى مكة المكرمة طافوا الكعبة مع أن طوافهم هذا لم يكن يقبل عند الله ولهذا نزل قوله تعالى: (فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا). فكذلك فيما نحن فيه إذا رفع أحد الصوت بحيوان أنه لفلان أو لأجله أو يذبح له ثم ذكر عليه اسم الله عند الذبح فهاهنا لا تترتب عليه الحليّة أصلاً، نعم أن يغير النية ويبدل الأمنية ويزيل قصد التقرب به إلى غير الله، ويرفع به الصوت خلاف ما رفع به أولاً ويقول تبت عنه، ثم يذبح ويذكر عليه اسم الله تعالى يحل أكله. وإذا تقرر لك أن الإهلال بمعنى رفع الصوت في اللغة لا بمعنى الذبح علمت أن الذي فسره بالذبح قد غلط غلطاً بيناً أو تجوّز ولا يصار إلى المجاز إلا عند تعدد الحقيقة أو تأول رفع الصوت بالذبح بناء على سبب النزول وإنما العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وقد فسرنا الإهلال في البقرة والمائدة والأنعام بما فسر به جمهور المفسرين وهو تسامح سبق به القلم، وإنما الحق في المقام تفسيره برفع الصوت وإلغاء قيد الذبح ليتناول النظم الكريم كل حيوان رفع به الصوت لغير الله سبحانه وتعالى سواء ذبح باسم الله أو باسم غيره، وعليه تدل اللغة العربية وهي الأصل المقدم في تفسير كلام الله العزيز على الجميع ما لم يعارضه نص مقدم أو ناقل مرجح أو دليل مساو، والذي فسرنا به الآية هنا قد فسرها به الشيخ عبد العزيز المحدث الدهلوي رحمه الله في تفسيره وهو الصواب وبالله التوفيق. ثم ذكر الله سبحانه الرخصة في تناول شيء مما ذكر فقال (فمن اضطر) أي دعته ضرورة المخمصة إلى تناول شيء من ذلك حال كونه (غير باغ) على مضطر آخر (ولا عاد) متعد قدر الضرورة وسد الرمق (فإن الله غفور رحيم) لا يؤاخذه بذلك، وقيل معناه غير باغ على الوالي ولا متعد على الناس بالخروج لقطع الطريق، فعلى هذا لا يباح تناول شيء من المحرمات في سفر المعصية. ثم زيف طريقة الكفار في الزيادة على هذه المحرمات كالبحيرة والسائبة وفي النقصان عنها كتحليل الميتة والدم فقال:

النحل 16:116

(ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام). قال الكسائي والزجاج (ما) مصدرية، والكذب منتصب بلا تقولوا أي لا تقولوا الكذب لأجل وصف ألسنتكم، ومعناه لا تحللوا، ولا تحرموا لأجل قول تنطق به ألسنتكم من غير حجة، وقيل (ما) موصولة والكذب منتصب بتصف أي لا تقولوا للذي تصف ألسنتكم الكذب فيه؛ فحذف لفظ فيه لكونه معلوماً فيكون هذا حلال وهذا حرام بدلاً من الكذب. قال مجاهد: في البحيرة والسائبة، وقيل يعني قولهم ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا من غير استناد ذلك الوصف إلى الوحي. وقيل في الكلام حذف بتقدير القول أي فتقول هذا حلال وهذا حرام أو قائلة هذا حلال وهذا حرام، وقيل لا تقولوا هذا حلال وهذا حرام لوصف ألسنتكم الكذب، وقرئ كذب بضم الثلاثة على أنه نعت للألسنة، وقرئ ككتف نعتاً لما أو بدلاً منها، ولا تقولوا الكذب الذي تصفه ألسنتكم هذا حلال وهذا حرام. عن أبي نضرة قال: قرأت هذه الآية في سورة النحل فلم أزل أخاف الفتيا إلى يومي هذا. قلت صدق رحمه الله فإن هذه الآية تتناول بعموم لفظها فتياً من أفتى بخلاف ما في كتاب الله أو في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يقع كثيراً من المؤثرين للرأي المقدمين له على الرواية أو الجاهلين لعلم الكتاب والسنة كالمقلدة وأنهم لحقيقون بأن يحال بينهم وبين فتاواهم ويمنعوا من جهالاتهم، فإنهم أفتوا بغير علم من الله ولا هدى ولا كتاب منير فضلوا وأضلوا فهم ومن يستفتيهم كما قال القائل: كبهيمة عمياء قاد زمامها ... أعمى على عوج الطريق الحائر وأخرج الطبراني عن ابن مسعود قال: عسى رجل يقول إن الله أمر بكذا أو نهى عن كذا، فيقول الله عز وجل كذبت، أو يقول إن الله حرم كذا أو أحل كذا فيقول الله له كذبت. (لتفتروا) اللام هي لام العاقبة لا لام الغرض، أي فيتعقب ذلك افتراؤكم (على الله الكذب) بالتحليل والتحريم وإسناد ذلك إليه من غير أن يكون منه. (إن الذين يفترون على الله الكذب) أي افتراء كان (لا يفلحون) بنوع من أنواع الفلاح والفوز بالمطلوب لا في الدنيا ولا في الآخرة بدليل ما بعده

النحل 16:117

(متاع قليل) قال الزجاج: متاعهم متاع قليل، وقيل لهم متاع قليل (ولهم عذاب أليم) يردون إليه في الآخرة. ثم خص محرمات اليهود بالذكر فقال

النحل 16:118

(على الذين هادوا) أي على اليهود خاصة دون غيرهم (حرمنا ما قصصنا عليك) بقولنا حرمنا عليهم كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما. الآية. (من قبل) متعلق بقصصنا أو بحرمنا. قال الحسن: يعني في سورة الأنعام؛ وعن قتادة مثله وقال حيث يقول: (وعلى الذين هادوا -إلى قوله- وإنا لصادقون) وتحريم الشيء إما لضرر فيه وإما لبغي المحرم عليهم، فقوله إنما حرم عليكم الخ، إشارة للقسم الأول وهذا إشارة للقسم الثاني. (وما ظلمناهم) بذلك التحريم بل جزيناهم ببغيهم (ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) حيث فعلوا أسباب ذلك فحرمنا عليهم تلك الأشياء عقوبة لهم. ثم بين سبحانه أن الافتراء على الله سبحانه ومخالفة أمره لا يمنعهم من التوبة وحصول المغفرة فقال: ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (119) إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (120) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (121) وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (122) ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (123)

النحل 16:119

(ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة) أي متلبسين بجهالة، أي جاهلين غير عارفين بالله وبعقابه أي غير متدبرين للعاقبة لغلبة الشهوة عليهم، وعن السلف كل من عصى الله فهو جاهل، ولا يصدر العمل السوء إلا من الجاهل بالعاقبة، لأن العاقل لا يرضى بفعل القبيح، وفيه بيان سعة مغفرته ورحمته لأن السوء لفظ جامع لكل فعل قبيح، فيدخل تحته الكفر وسائر المعاصي، وقد تقدم تفسير هذه الآية في سورة النساء. (ثم تابوا من بعد ذلك) أي من بعد عملهم للسوء، وفيه تأكيد، فإن " ثم " قد دلت على البعدية فأكدها بزيادة ذكر البعدية (وأصلحوا) أعمالهم التي كان فيها فساد بالسوء الذي عملوه؛ ثم كرر ذلك تأكيداً وتقريراً فقال (إن ربك من بعدها) أي من بعد التوبة (لغفور) كثير الغفران (رحيم) أي واسع الرحمة. ولما فرغ سبحانه من دفع شبه المشركين وإبطال مطاعنهم، وكان إبراهيم عليه السلام من الموحدين، وهو قدوة كثير ممن ذكره الله في آخر هذه السورة قال

النحل 16:120

(إن إبراهيم كان أمّة) قال ابن الأعرابي: يقال للرجل العالم أمة، والأمة الرجل الجامع للخير. قال الواحدي: قال أكثر المفسرين معنى الأمة المعلم للخير وبه قال ابن مسعود، وعلى هذا فمعنى كون إبراهيم أمة أنه كان معلماً للخير أو جامعاً لخصال الخير أو عالماً بما علمه الله من الشرائع. وقيل أنه كان مؤمناً وحده والناس كلهم كفار، فلهذا المعنى كان أمة وحده ومنه قوله صلى الله عليه وسلم في زيد بن عمرو بن نفيل: " يبعثه الله أمة وحده لأنه كان فارق الجاهلية ". قال مجاهد: قيل بمعنى مأموم أي الذي يؤمه الناس ليأخذوا منه الخير كما قال تعالى (إني جاعلك للناس إماماً). وحكى ابن الجوزي عن ابن الأنباري أنه قال: أن هذا مثل قول العرب فلان رحمة وعلامة ونسابة يقصدون بهذا التأنيث التناهي في المعنى الذي يصفونه به، والعرب توقع الأسماء المبهمة على الجماعة وعلى الواحد، كقوله فنادته الملائكة، وإنما ناداه جبريل وحده، وإنما سمي إبراهيم أمة لأنه اجتمع فيه من صفات الفضل وسمات الخير والأخلاق الحميدة ما اجتمع من أمة. ليس على الله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد (قانتاً لله) أي مطيعاً له قائماً بأوامره. قال ابن مسعود: هو الذي يطيع الله ورسوله. وعن ابن عباس قال: كان على الإسلام ولم يكن في زمانه من قومه أحد على الإسلام غيره فذلك ما قاله الله (كان أمة قانتاً لله). وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " ما من عبد تشهد له أمة إلا قبل الله شهادتهم، والأمة الرجل فما فوقه، إن الله يقول إن إبراهيم كان أمة " أخرجه ابن مردويه وقد تقدم معنى القنوت في البقرة. (حنيفاً) الحنيف المائل عن الأديان الباطلة إلى دين الحق، أي مسلماً مقيماً على دين الإسلام وقد تقدم بيانه في الأنعام (ولم يك من المشركين) بالله كما تزعمه كفار قريش أنه كان على دينهم الباطل، بل كان من الموحدين المخلصين لله تعالى من صغره إلى كبره.

النحل 16:121

(شاكراً لأنعمه) التي أنعم الله بها عليه وإن كانت قليلة، كما يدل عليه جمع القلة، فهو شاكر لما كثر منها بالأولى (أجتباه) أي اختاره للنبوة واختصه بها (وهداه إلى صراط مستقيم) وهو ملة الإسلام ودين الحق.

النحل 16:122

(وآتيناه في الدنيا حسنة) أي خصلة حسنة أو حالة حسنة، قيل هي الولد الصالح وقيل الثناء الجميل وقيل النبوة وقيل الصلاة منا عليه في التشهد، وقيل لسان الصدق وقيل القبول العام في جميع الأمم فإنه يتولاه جميع أهل الأديان ويثنون عليه ولا يكفر به أحد ورزقه أولاداً طيبة وعمراً طويلاً في السعة والطاعة، ولا مانع أن يكون ما آتاه الله شاملاً لذلك كله ولما عداه من خصال الخير، وفيه التفات عن الغيبة ونكتة الالتفات زيادة الاعتناء بشأنه عليه السلام. (وإنه في الآخرة لمن الصالحين) أي في أعلى مقاماتهم في الجنة، وقيل من بمعنى مع، وهذا حسبما وقع منه السؤال لربه حيث قال (وألحقني بالصالحين واجعل لي لسان صدق في الآخرين واجعلني من ورثة جنة النعيم) اللهم إني أسألك إن تجعلني ممن يصدق عليه هذا الدعاء وإني من ذرية خليلك إبراهيم وما ذلك عليك بعزيز وآتني في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقني عذاب النار إنك أنت التواب الرحيم. وحاصل ما ذكر من الصفات هنا تسعة بل عشرة إذ قوله سبحانه

النحل 16:123

(ثم أوحينا إليك) يا محمد مع علو درجتك وسمو منزلتك وكونك سيد ولد آدم يرجع لوصف إبراهيم وتعظيمه بأن محمداً أمر باتباعه (أن) مفسرة أو مصدرية (اتبع ملة إبراهيم) أي دينه وأصل الملة اسم لما شرعه الله لعباده على لسان نبي من أنبيائه من أمللت الكتاب إذا أمليته وهو الدين بعينه، لكن باعتبار الطاعة له وتحقيق ذلك أن الوضع الإلهي مهما نسب إلى من يؤديه عن الله تعالى يسمى ملة، ومهما نسب إلى من يقيمه ويعمل به يسمى ديناً. قال الراغب: الفرق بينهما إن الملة لا تضاف إلا إلى النبي ولا تكاد توجد مضافة إلى الله ولا إلى آحاد الأمة، ولا تستعمل إلا في جملة الشرائع دون آحادها والمراد بملته الإسلام الذي عبر عنه آنفاً بالصراط المستقيم. وقيل والمراد اتباعه صلى الله عليه وسلم ولملته عليه السلام في التوحيد والدعوة إليه، وقال ابن جرير: في التبري من الأوثان والتدين بدين الإسلام، وقيل في مناسك الحج، وقيل في الأصول دون الفروع. وقال أبو السعود في الأصول والعقائد وأكثر الفروع دون الشرائع المتبدلة بتبدل الإعصار انتهى. وقيل في جميع شريعته إلا ما نسخ، وهذا هو الظاهر. وفي الكرخي: إنما جاز اتباع الأفضل المفضول لسبقه إلى القول والعمل به، قال القرطبي وفي هذه الآية دليل على جواز اتباع الأفضل للمفضول فيما يؤدي إلى الصواب ولا درك على الفاضل في ذلك، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أفضل الأنبياء عليهم السلام وقد أمر بالاقتداء بالأنبياء مع كونه سيدهم فقال تعالى (فبهداهم اقتده) (حنيفا) حال من إبراهيم، وجاز مجيء الحال منه لأن الملة كالجزء منه، وقد تقرر في علم النحو أن الحال من المضاف إليه جائز إذا كان يقتضي المضاف العمل في المضاف إليه أو كان جزء أو كالجزء من حيث صحة الاستغناء بالثاني عن الأول، إذ يصح أن يقال أن اتبع إبراهيم حنيفاً. (وما كان من المشركين) تكرير لما سبق للنكتة التي ذكرناها، أي كرر رداً على زعم المشركين أنهم على دينه. إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (124) ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (125) وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (126) وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (127) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (128)

النحل 16:124

(إنما جعل السبت) أي وبال السبت وهو المسخ في زمن داود عليه السلام أو فرض تعظيم السبت وترك الصيد فيه (على الذين اختلفوا فيه) وهم اليهود لا على غيرهم من الأمم. وقد اختلف العلماء في كيفية الاختلاف الكائن بينهم في السبت، فقالت طائفة أن موسى أمرهم بيوم الجمعة وعينه لهم وأخبرهم بفضيلته على غيره فخالفوه وقالوا أن السبت أفضل، فقال الله له دعهم وما اختاروا لأنفسهم. وقيل أن الله أمرهم بتعظيم يوم في الأسبوع فاختلف اجتهادهم فيه فعينت اليهود السبت لأن الله سبحانه فرغ فيه من الخلق؛ وعينت النصارى يوم الأحد لأن الله بدأ فيه الخلق، فألزم الله كُلاًّ منهم ما أدى إليه اجتهاده وعين لهذه الأمة الجمعة من غير أن يكلمهم إلى اجتهادهم فضلاً منه ونعمة. ووجه اتصال هذه الآية بما قبلها أن اليهود كانوا يزعمون أن السبت من شرائع إبراهيم عليه السلام، فأخبر الله سبحانه أنه إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه ولم يجعله على إبراهيم ولا على غيره، وإنما شرع ذلك لبني إسرائيل بعد مدة طويلة. قال الواحدي: هذا مما أشكل على كثير من المفسرين حتى قال بعضهم معنى الاختلاف في السبت أن بعضهم قال هو أعظم الأيام حرمة وقال آخرون الأحد أفضل؛ وهذا غلط لأن اليهود لم يكونوا فرقتين في السبت وإنما اختار الأحد النصارى بعدهم بزمان طويل. وعن مجاهد في الآية قال: أراد الجمعة فأخذوا السبت مكانها، وعن أبي مالك وسعيد بن جبير في الآية قالا باستحلالهم إياه، رأى موسى عليه السلام رجلاً يحمل حطباً يوم السبت فضرب عنقه. وفي الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم، ثم هذا يومهم الذي فرض عليهم يعني الجمعة فاختلفوا فيه فهدانا الله له فالناس لنا فيه تبع، اليهود غداً والنصارى بعد غد " [[مسلم 855 - البخاري 177.]] وأخرج مسلم وغيره من حديث حذيفة نحوه. (وإن ربك ليحكم بينهم) أي بين المختلفين فيه (يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون) فيجازى فيه كُلاًّ بما يستحقه ثواباً وعقاباً كما وقع منه سبحانه من المسخ لطائفة منهم والتنجية لأخرى. ثم أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم أن يدعو أمته إلى الإسلام فقال

النحل 16:125

(ادع إلى سبيل ربك) وحذف المفعول للتعميم لكونه بعث إلى الناس كافة أو المعنى افعل الدعاء والأول أولى وكأن المعنى وخاطب الناس في دعائك لهم وسبيل الله هو الإسلام (بالحكمة) أي بالمقالة المحكمة الصحيحة الموضحة للحق المزيلة للشبهة والشك، قيل وهي الحجج القطعيّة المفيدة لليقين وقيل القرآن وقيل النبوة. (والموعظة الحسنة) وهي المقالة المشتملة على الموعظة الحسنة التي يستحسنها السامع وتكون في نفسها حسنة باعتبار انتفاع السامع بها قيل هي الحجج الظنية الإقناعية الموجبة للتصديق بمقدمات مقبولة قيل وليس للدعوة إلا هاتان الطريقتان. ولكن الداعي قد يحتاج مع الخصم الألدّ إلى استعمال المعارضة والمناقضة ونحو ذلك من الجدل ولهذا قال سبحانه (وجادلهم بالتي هي أحسن) أي بالطريق التي هي أحسن طرق المجادلة من الرفق واللين من غير فظاظة ولا تعنيف وإيثار الوجه الأيسر والمقدمات التي هي أشهر فإن ذلك أنفع في تسكين شرهم وهو ردّ على من يأبى المناظرة في الدين وإنما أمر سبحانه بالمجادلة الحسنة لكون الداعي محقاً وغرضه صحيحاً وكان خصمه مبطلاً وغرضه فاسداً. قيل أن الناس خلقوا وجبلوا على ثلاثة أقسام: الأول: هم العلماء وهم المشار إليهم بقوله: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة). والثاني: هم أصحاب النظر السليم والخلقة الأصلية وهم غالب الناس وهم المشار إليهم بقوله (والموعظة الحسنة). والثالث: هم أصحاب جدال وخصام ومعاندة وهم المشار إليهم بقوله وجادلهم الخ، وقال مجاهد في الآية أعرض عن أذاهم إياك ولا تقصر في تبليغ الرسالة، وعلى هذا فالآية منسوخة بآية السيف، قال بعضهم لا حاجة إلى دعوى النسخ إذ الأمر بالمجادلة ليس فيه تعريض للنهي عن المقاتلة. (إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله) لما حث سبحانه على الدعوة بالطرق المذكورة بين أن الرشد والهداية ليس إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإنما ذلك إلى الله تعالى وهو الأعلم بمن يضل. (وهو أعلم بالمهتدين) أي بمن يبصر الحق فيقصده غير متنعت، وإنما شرّع لك الدعوة وأمرك بها قطعاً للمعذرة وتتميماً للحجة وإزاحة للشبهة وليس عليك غير ذلك، وفي إيثار الفعلية في الضالين والإسمية في مقابليهم إشارة إلى أنهم غيّروا الفطرة وبدّلوها بإحداث الضلال ومقابلوهم استمروا عليه وتقديم أرباب الضلال لأن الكلام وارد فيهم. ثم لما كانت الدعوة تتضمن تكليف المدعوين بالرجوع إلى الحق فإن أبوا قوتلوا، أمر الداعي بأن يعدل في العقوبة فقال

النحل 16:126

(وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به) أي بمثل ما فعل بكم لا تجاوزوا ذلك. قال ابن جرير: نزلت هذه الآية فيمن أصيب بظلامة أن لا ينال من ظالمه إذا تمكن إلا مثل ظلامته لا يتعداها إلى غيرها ونحوه في البيضاوي، وهذا صواب لأن الآية وإن قيل أن لها سبباً خاصاً كما سيأتي فالاعتبار بعموم اللفظ وعمومه يؤدي هذا المعنى الذي ذكره، وسمى سبحانه الفعل الأول الذي هو فعل البادئ بالشر عقوبة مع أن العقوبة ليست إلا فعل الثاني وهو المجازي، للمشاكلة وهي باب معروف وقع في كثير من الكتاب العزيز. ثم حث سبحانه على العفو فقال (ولئن صبرتم) عن العاقبة بالمثل وعن الانتقام بتركه بالكلية (لهو) بضم الهاء وسكونها قراءتان سبعيتان أي فالصبر (خير للصابرين) من الانتصاف ووضع الصابرين موضع الضمير ثناء من الله عليهم بأنهم صابرون على الشدائد. وقد ذهب الجمهور إلى أن هذه الآية محكمة لأنها واردة في الصبر عن المعاقبة والثناء على الصابرين على العموم، وفي تعليم حسن الأدب في كيفية استيفاء الحقوق والقصاص وترك التعدي وهو طلب الزيادة، وهذه الأشياء لا تكون منسوخة ولا تدلق لها بالنسخ، وقيل هي منسوخة بآيات القتال وبه قال ابن عباس والضحاك ولا وجه لذلك. أخرج الترمذي وحسنه والنسائي وابن حبان والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي وغيرهم عن أبي بن كعب قال: لما كان يوم أحد أصيب من الأنصار أربعة وستون رجلاً ومن المهاجرين ستة منهم حمزة فمثلوا بهم فقالت الأنصار: لئن أصبنا منهم يوماً مثل هذا لنربين عليهم، فلما كان يوم فتح مكة أنزل الله تعالى (وإن عاقبتم) الآية فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " نصبر ولا نعاقب: كفوا عن القوم إلا أربعة " [[المستدرك كتاب التفسير 2/ 359.]] وأخرج الطبراني والحاكم وصححه والبيهقي وغيرهم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم وقف على حمزة حيث استشهد فنظر إلى منظر لم ينظر إلى شيء قط كان أوجع لقلبه منه ونظر إليه قد مثل به فقال " رحمة الله عليك فإنك كنت ما علمت وصولاً للرحم فعولاً للخير، ولولا حزن من بعدك عليك لسرني أن أتركك حتى يحشرك الله من أرواح شتى، أما والله لأمثلن بسبعين منهم مكانك " فنزل جبريل والنبي صلى الله عليه وسلم واقف بخواتيم سورة النحل (وإن عاقبتم) الآية فكفر النبي صلى الله عليه وسلم عن يمينه وأمسك عن الذي أراد وصبر، وعن ابن عباس مرفوعاً نحوه أخرجه الطبراني وابن المنذر وغيرهما [[المستدرك كتاب حمزة 3/ 197.]]. وهذا القول من النبي صلى الله عليه وسلم كأنه كان باجتهاد منه وعليه فلينظر هل قوله تعالى (ولئن صبرتم) الخ نسخ لهذا الاجتهاد أو تنبيه على خطئه تأمل، وعنه قال هذا حين أمر الله نبيه أن يقاتل من قاتله ثم نزلت براءة وانسلاخ الأشهر الحرم فهذا منسوخ. ثم أمر سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم بالصبر فقال

النحل 16:127

(واصبر) على ما أصابك من صنوف الأذى (وما صبرك إلا بالله) أي بتوفيقه وتثبيته؛ والاستثناء مفرغ من أعم الأشياء أي وما صبرك مصحوباً بشيء من الأشياء إلا بتوفيقه لك، وفيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم ثم نهاه عن الحزن فقال (ولا تحزن عليهم) أي على الكافرين في إعراضهم عنك واستحقاقهم للعذاب الدائم أو لا تحزن على قتلى أحد فإنهم قد أفضوا إلى رحمة الله. (ولا تك في ضيق) أي ضيق صدر قرئ بفتح الضاد وكسرها وهما سبعيتان قال ابن السكيت هما سواء، وقال الفراء: الضيق بالفتح ما ضاق عنه صدرك وبالكسر ما يكون في الذي يتسع كالدار والثوب وكذا قال الأخفش: وهو من الكلام المقلوب لأن الضيق وصف للإنسان يكون فيه ولا يكون الإنسان فيه وكأنه أراد وصف الضيق بالعظم حتى صار كالشيء المحيط بالإنسان من جميع جوانبه. وقال هنا: (تك) بحذف النون ليكون ذلك مبالغة في التسلية وأثبتها في النمل على القياس ولأن الحزن ثم دون الحزن هنا وإلى ذلك أشار في التقرير (مما يمكرون) أي من مكرهم بك فيما يستقبل من الزمان و (ما) مصدرية أو بمعنى الذي. ثم ختم هذه السورة بآية جامعة لجميع المأمورات والمنهيات فقال

النحل 16:128

(إن الله مع الذين اتقوا) المعاصي على اختلاف أنواعها، وقيل اتقوا المثلة والزيادة في القصاص وسائر المناهي والعموم أولى وهذه المعية بالعون والفضل والرحمة. (والذين هم محسنون) بتأدية الطاعات والقيام بما أمروا به منها أو بالعفو عن الجاني، وقيل المعنى محسنون في أصل الانتقام، فيكون الأول إشارة إلى قوله (فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به) والثاني إشارة إلى قوله (ولئن صبرتم لهو خير للصابرين) وقيل الذين اتقوا إشارة إلى التعظيم لأمر الله والذين هم محسنون إشارة إلى الشفقة على عباد الله تعالى. وعن الحسن قال؛ اتقوا فيما حرم عليهم وأحسنوا فيما افترض عليهم، والعموم أولى، وقيل لهرم بن حيان عند الموت أَوصِ فقال: إنما الوصية في المال ولا مال لي ولكني أوصيك بخواتيم سورة النحل.