Fath Al-Bayan li Al-Qanuji — النمل 27:1 – العنكبوت 29:69
المحتويات
- النمل 27:1
- النمل 27:2
- النمل 27:3
- النمل 27:4
- النمل 27:5
- النمل 27:6
- النمل 27:7
- النمل 27:8
- النمل 27:9
- النمل 27:10
- النمل 27:11
- النمل 27:12
- النمل 27:13
- النمل 27:14
- النمل 27:15
- النمل 27:16
- النمل 27:17
- النمل 27:18
- النمل 27:19
- النمل 27:20
- النمل 27:21
- النمل 27:22
- النمل 27:23
- النمل 27:24
- النمل 27:25
- النمل 27:26
- النمل 27:27
- النمل 27:28
- النمل 27:29
- النمل 27:30
- النمل 27:31
- النمل 27:32
- النمل 27:33
- النمل 27:34
- النمل 27:35
- النمل 27:36
- النمل 27:37
- النمل 27:38
- النمل 27:39
- النمل 27:40
- النمل 27:41
- النمل 27:42
- النمل 27:43
- النمل 27:44
- النمل 27:45
- النمل 27:46
- النمل 27:47
- النمل 27:48
- النمل 27:49
- النمل 27:50
- النمل 27:51
- النمل 27:52
- النمل 27:53
- النمل 27:54
- النمل 27:55
- النمل 27:56
- النمل 27:57
- النمل 27:58
- النمل 27:59
- النمل 27:60
- النمل 27:61
- النمل 27:62
- النمل 27:63
- النمل 27:64
- النمل 27:65
- النمل 27:66
- النمل 27:67
- النمل 27:68
- النمل 27:69
- النمل 27:70
- النمل 27:71
- النمل 27:72
- النمل 27:73
- النمل 27:74
- النمل 27:75
- النمل 27:76
- النمل 27:77
- النمل 27:78
- النمل 27:79
- النمل 27:80
- النمل 27:81
- النمل 27:82
- النمل 27:83
- النمل 27:84
- النمل 27:85
- النمل 27:86
- النمل 27:87
- النمل 27:88
- النمل 27:89
- النمل 27:90
- النمل 27:91
- النمل 27:92
- النمل 27:93
- القصص 28:1
- القصص 28:2
- القصص 28:3
- القصص 28:4
- القصص 28:5
- القصص 28:6
- القصص 28:7
- القصص 28:8
- القصص 28:9
- القصص 28:10
- القصص 28:11
- القصص 28:12
- القصص 28:13
- القصص 28:14
- القصص 28:15
- القصص 28:16
- القصص 28:17
- القصص 28:18
- القصص 28:19
- القصص 28:20
- القصص 28:21
- القصص 28:22
- القصص 28:23
- القصص 28:24
- القصص 28:25
- القصص 28:26
- القصص 28:27
- القصص 28:28
- القصص 28:29
- القصص 28:30
- القصص 28:31
- القصص 28:32
- القصص 28:33
- القصص 28:34
- القصص 28:35
- القصص 28:36
- القصص 28:37
- القصص 28:38
- القصص 28:39
- القصص 28:40
- القصص 28:41
- القصص 28:42
- القصص 28:43
- القصص 28:44
- القصص 28:45
- القصص 28:46
- القصص 28:47
- القصص 28:48
- القصص 28:49
- القصص 28:50
- القصص 28:51
- القصص 28:52
- القصص 28:53
- القصص 28:54
- القصص 28:55
- القصص 28:56
- القصص 28:57
- القصص 28:58
- القصص 28:59
- القصص 28:60
- القصص 28:61
- القصص 28:62
- القصص 28:63
- القصص 28:64
- القصص 28:65
- القصص 28:66
- القصص 28:67
- القصص 28:68
- القصص 28:69
- القصص 28:70
- القصص 28:71
- القصص 28:72
- القصص 28:73
- القصص 28:74
- القصص 28:75
- القصص 28:76
- القصص 28:77
- القصص 28:78
- القصص 28:79
- القصص 28:80
- القصص 28:81
- القصص 28:82
- القصص 28:83
- القصص 28:84
- القصص 28:85
- القصص 28:86
- القصص 28:87
- القصص 28:88
- العنكبوت 29:1
- العنكبوت 29:2
- العنكبوت 29:3
- العنكبوت 29:4
- العنكبوت 29:5
- العنكبوت 29:6
- العنكبوت 29:7
- العنكبوت 29:8
- العنكبوت 29:9
- العنكبوت 29:10
- العنكبوت 29:11
- العنكبوت 29:12
- العنكبوت 29:13
- العنكبوت 29:14
- العنكبوت 29:15
- العنكبوت 29:16
- العنكبوت 29:17
- العنكبوت 29:18
- العنكبوت 29:19
- العنكبوت 29:20
- العنكبوت 29:21
- العنكبوت 29:22
- العنكبوت 29:23
- العنكبوت 29:24
- العنكبوت 29:25
- العنكبوت 29:26
- العنكبوت 29:27
- العنكبوت 29:28
- العنكبوت 29:29
- العنكبوت 29:30
- العنكبوت 29:31
- العنكبوت 29:32
- العنكبوت 29:33
- العنكبوت 29:34
- العنكبوت 29:35
- العنكبوت 29:36
- العنكبوت 29:37
- العنكبوت 29:38
- العنكبوت 29:39
- العنكبوت 29:40
- العنكبوت 29:41
- العنكبوت 29:42
- العنكبوت 29:43
- العنكبوت 29:44
- العنكبوت 29:45
- العنكبوت 29:46
- العنكبوت 29:47
- العنكبوت 29:48
- العنكبوت 29:49
- العنكبوت 29:50
- العنكبوت 29:51
- العنكبوت 29:52
- العنكبوت 29:53
- العنكبوت 29:54
- العنكبوت 29:55
- العنكبوت 29:56
- العنكبوت 29:57
- العنكبوت 29:58
- العنكبوت 29:59
- العنكبوت 29:60
- العنكبوت 29:61
- العنكبوت 29:62
- العنكبوت 29:63
- العنكبوت 29:64
- العنكبوت 29:65
- العنكبوت 29:66
- العنكبوت 29:67
- العنكبوت 29:68
- العنكبوت 29:69
النمل 27:1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سورة النمل
(هي ثلاث أو أربع أو خمس وتسعون آية)
قال القرطبي: وهي مكية كلها في قول الجميع، وبه قال ابن عباس، وعن ابن الزبير مثله.
بسم الله الرحمن الرحيم
طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ (1) هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (3) إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ (4) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (5) وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (6)
(طس) قد مر الكلام مفصلاً في فواتح السور، وهذه الحروف إن كانت اسماً للسورة فمحلها الرفع على الابتداء، وما بعدها خبرها، ويجوز أن تكون خبر مبتدأ محذوف أي اسم هذه السورة طس، وإن كانت مسرودة على نمط التعديد فلا محل لها، والله أعلم بمراده بذلك.
(تلك) إشارة إلى نفس السورة لأنها قد ذكرت إجمالاً بذكر اسمها (آيات القرآن وكتاب مبين) عطف بزيادة صفة على مفهوم المعطوف عليه، وكان مفيداً بهذا الاعتبار، والمراد بالكتاب القرآن نفسه أو اللوح المحفوظ، أو نفس السورة.
وقد وصف الآيات بالوصفين، القرآنية الدالة على كونها مقروءة مع الإشارة إلى كونها قرآناً عربياً معجزاً، والكتابية الدالة على كونها مكتوبة، مع الإشارة إلى كونها متصفة بصفة الكتب المنزلة ثم ضم إلى الوصفين وصفاً ثالثاً، وهي الإبانة لمعانيه لمن يقرأه: وهو من أبان بمعنى بان، معناه اتضح إعجازه، بما اشتمل عليه من البلاغة أو مظهر لما في تضاعيفه من الحكم والأحكام، وأحوال الآخرة التي من جملتها الثواب والعقاب؛ أو لسبيل الرشد والغي، أو فارق بين الحق والباطل، والحلال والحرام.
وقدم وصف القرآنية هنا نظراً إلى تقدم حال القرآنية على حال الكتابة، وأخره في سورة الحجر فقال: تلك آيات الكتاب وقرآن مبين، نظراً إلى حالته التي قد صار عليها فإنه مكتوب، والكتابة سبب القراءة، والله أعلم.
وأما تعريف القرآن هنا وتنكير الكتاب، وتعريف الكتاب في سورة الحجر وتنكير القرآن، فلصلاحية كل واحد منهما للتعريف والتنكير، لأن القرآن والكتاب اسمان علمان للمنزل على محمد - صلى الله عليه وسلم - ووصفان له، لأنه يقرأ ويكتب، فحيث جاء بلفظ التعريف فهو العلم، وحيث جاء بلفظ التنكير فهو الوصف.
النمل 27:2
(هدى وبشرى للمؤمنين) أي: تلك آيات هادية ومبشرة أو هو هدى أو يهدي هدى ويبشر بشرى، أو هاد من الضلالة، ثم وصف المؤمنين الذين لهم الهدى والبشرى فقال:
النمل 27:3
(الذين يقيمون الصلاة) أي الخمس، ويديمون على شرائطها من
الفروض والسنن، ويأتون بها على وجهها.
(ويؤتون الزكاة) أي: يؤدون ويعطون زكاة أموالهم إذا وجبت عليهم، طيبة بها أنفسهم، ولما كانت إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة مما يتكرر ويتجدد في أوقاتهما، أتى بهما فعلين، ولما كان الإيقان بالآخرة أمراً ثابتاً مطلوباً دوامه، أتى به جملة اسمية فقال:
(وهم بالآخرة هم يوقنون) يعلمونها بالاستدلال، وجعل الخبر مضارعاً للدلالة على أن إيقانهم يستمر على سبيل التجدد في كل وقت، وعدم الانقطاع وكرر الضمير للدلالة على الحصر، ولما فصل بينه وبين الخبر، أي لا يوقن بالآخرة حق الإيقان إلا هؤلاء الجامعون بين الإيمان والعمل الصالح، لأن خوف العاقبة يحملهم على تحمل المشاق، وأنهم الأوحدون فيه، ثم لما ذكر سبحانه أهل السعادة ذكر بعدهم أهل الشقاوة فقال:
النمل 27:4
(إن الذين لا يؤمنون بالآخرة) أي: لا يصدقون بالبعث وهم الكفار.
(زينا لهم أعمالهم) قيل: المراد أن الله زين لهم أعمالهم السيئة القبيحة بتركيب الشهوة فيهم، حتى رأوها حسنة، وقيل: المراد أن الله زين لهم الأعمال الحسنة وذكر لهم ما فيها من خيري الدنيا والآخرة فلم يقبلوا ذلك. قال الزجاج: معنى الآية إنا جعلنا جزاءهم على كفرهم أن زينا لهم ما هم فيه بأن جعلناه مشتهى بالطبع محبوباً للنفس.
(فهم يعمهون) أي يترددون فيها متحيرين على الاستمرار، لا يهتدون. إلى طريقه، ولا يقفون على حقيقته؛ لعدم إداركهم قبحها في الواقع، وقيل: المعنى يتمادون، قاله أبو العالية وقال قتادة: يلعبون. وعن الحسن: يتحيرون. وقيل: يداومون وينهمكون فيها، ويستمرون. والمعاني متقاربة.
النمل 27:5
(أولئك الذين لهم سوء العذاب) أي: أشده، قيل: في الدنيا كالقتل والأسر ووجه تخصيصه بعذاب الدنيا قوله بعده:
(وهم في الآخرة هم الأخسرون) أي: هم أشد الناس خسراناً، وأعظمهم خيبة، فالمفضل عليه هو أنفسهم من حيث اعتبار اختلاف الزمان والمكان ثم مهد سبحانه مقدمة نافعة لما سيذكره بعد ذلك من الأخبار العجيبة، فقال مخاطباً للنبي - صلى الله عليه وسلم -:
النمل 27:6
(وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم) أي: يلقى عليك بشدة فتلقاه، وتأخذه من لدن كثير الحكمة والعلم، ووجه الجمع بينهما -مع أن العلم داخل في الحكمة- أن العلم الذي يدخل فيها هو العلم العملي، وهو الذي يتعلق بكيفية عمل، والعلم أعم منه، فكأنه قيل: مصيب في أفعاله، لا يفعل شيئاًً إلا على وفق علمه، عليم بكل شيء، سواء كان ذلك العلم مؤدياً إلى العمل أم لا.
قيل: إن (لدن) هاهنا بمعنى عند، وفيها لغات كما تقدم في سورة الكهف، وهذه الآية بساط وتمهيد لما يريد أن يسوق بعدها من الأقاصيص وما في ذلك من لطائف حكمته، ودقائق علمه؛ وقد اشتملت هذه السورة على قصص خمس: الأولى هذه، وتليها قصة النملة، وتليها قصة بلقيس، وتليها قصة صالح، وتليها قصة لوط.
إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (7) فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (8) يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (9) وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (10) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (11)
النمل 27:7
(إذ قال موسى لأهله) قال الزجاج: أي اذكر قصته إذ قال لأهله، والمراد بأهله امرأته في مسيره من مدين إلى مصر، وكان في ليلة مظلمة باردة مثلجة وقد ضل الطريق، وأخذ زوجه الطلق، والحامل له على هذا السفر أن يجتمع بأمه وأخيه بمصر، ولم يكن معه إذ ذاك إلا زوجته بنت شعيب، فكنى عنها بلفظ الأهل الدال على الكثرة للتعظيم، وقيل: كان معه ولده وخادمه أيضاً ومثله قوله: امكثوا (إني آنست ناراً) أي أبصرتها من بعيد.
(سآتيكم منها بخبر) عن حال الطريق، وكان قد ضلها، والسين تدل على بعد مسافة النار وتأكيد الوعد. والجمع -إن صح أنه لم يكن معه عليه السلام إلا امرأته لما كنى عنها بالأهل، أو للتعظيم- مبالغة في التسلية.
(أو آتيكم بشهاب قبس) بتنوينهما على أن الثاني بدل من الأول أو صفة له لأنه بمعنى مقبوس، أي بشعلة نار مقبوسة، أي مأخوذة من أصلها، وقرئ بالإضافة على أنها للبيان، فالمراد تعيين المقصود الذي هو القبس الجامع لمنفعتي الضياء والاصطلاء، لأن من النار ما ليس بقبس كالجمر وكلتا العدتين منه عليه الصلاة والسلام بطريق الظن، كما يفصح عن ذلك ما في سورة طه من صيغة الترجي والترديد للإيذان بأنه إن لم يظفر بهما لم يعدم أحدهما بناء على ظاهر الأمر وثقة بسنة الله تعالى فإنه تعالى لا يكاد يجمع على عبده حرمانين، قاله أبو السعود.
والمعنى على القراءتين آتيكم بشعلة نار مأخوذة من أصلها في رأس فتيلة أو عود. قال الزجاج: من نوّن جعل (قبس) من صفة (شهاب). وقال الفراء: هذه الإضافة كمسجد الجامع، وصلاة الأولى، أضاف الشيء إلى نفسه لاختلاف أسمائه. وقال النحاس: هي إضافة النوع إلى الجنس، كما تقول ثوب خز وخاتم حديد وهي بمعنى: من. أي: شهاب من قبس.
قال: ويجوز في غير القرآن بشهاب قبساً، على أنه مصدر أو بيان أو حال. قال الزجاج: كل أبيض ذي نور فهو شهاب. وقال أبو عبيدة: الشهاب النار، وقال ثعلب: أصل الشهاب عود، في أحد طرفيه جمرة والآخر لا نار فيه، والشهاب الشعاع المضيء، وقيل للكوكب: شهاب.
(لعلكم تصطلون) أي: رجاء أن تستدفئوا بها من البرد: أو لكي تستدفئوا بها، يقال: صلى بالنار واصطلى بها إذا استدفأ بها، والصلاء النار العظيمة، واختلاف الألفاظ في هاتين السورتين، والقصة واحدة، دليل على جواز نقل الحديث بالمعنى، وجواز النكاح بغير لفظ التزوج.
النمل 27:8
(فلما جاءها) أي النار التي أبصرها (نودي) من جانب الطور (أن بورك من في النار ومن حولها) (أن) هي المفسرة لما في النداء من معنى القول، أي قيل له: بورك أو هي المصدرية أي بأن بورك، أي بارك الله أي ناداه بأنا قدسناك، وطهرناك، واخترناك للرسالة. وقيل: هي المخففة من المثقلة، وتقديره بأنه بورك، واسمها ضمير الشأن، وبورك خبرها، وجاز ذلك من غير عوض، وإن منعه الزمخشري، أي لم يحتج هنا إلى فاصل. لأن قوله بورك دعاء والدعاء يخالف غيره في أحكام كثيرة. وقرئ أن بوركت النار.
وحكى الكسائي عن العرب باركك الله وبارك فيك وعليك ولك. وكذلك حكى هذا الفراء. قال ابن جرير: قال بورك من في النار، ولم يقل بورك على من في النار، على لغة من يقول: باركك الله، أي بورك، وقدس، وطهر من النار، وهو موسى، وليس هو فيها حقيقة، بل في المكان القريب منها وهذا تحية من الله تعالى لموسى وتكرمة له، كما حي إبراهيم على ألسنة الملائكة حين دخلوا عليه فقالوا: (رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت) قاله القرطبي.
ْوقال السدي: كان في النار ملائكة، والنار هنا هي مجرد النور، ولكنه ظن موسى أنها نار، فلما وصل إليها وجدها نوراً، وعن الحسن، وسعيد بن جبير أن المراد بمن في النار هو الله سبحانه أي نوره أو قدرته وسلطانه. وقيل: بورك ما في النار من أمر الله سبحانه الذي جعلها على تلك الصفة.
قال الواحدي: ومذهب المفسرين أن المراد بالنار هنا النور، وعن ابن عباس قال: يعني تبارك وتعالى نفسه، كان نور رب العالمين في الشجرة ومن حولها يعني الملائكة؛ وعنه قال: كان الله في النور، نودي من النور ومن حولها. قال الملائكة، وعنه قال: ناداه الله وهو في النور وعنه قرئ بوركت النار، وفي مصحف أُبي بن كعب. بوركت النار أما النار فيزعمون أنها نور رب العالمين.
وعن ابن عباس، بورك قال: قدس، وقيل: المراد (من) غير العقلاء وهو النور والأمكنة التي حولها. وأخرج عبد بن حميد، وابن ماجة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي عن أبي موسى الأشعري قال: قام فينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: " إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل، حجابه النور، لو رفع لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره ". ثم قرأ أبو عبيدة (أن بورك من في النار ومن حولها وسبحان الله رب العالمين) والحديث أصله مخرج في صحيح مسلم من حديث عمرو بن مرة.
وفي التوراة: جاء الله من سيناء، وأشرف من ساعير واستعلى من جبال فاران. والمراد بعثة موسى من سيناء، وبعثة عيسى من ساعير، وبعثة محمد - صلى الله عليه وسلم - من فاران، وهو اسم مكة، ثم نزه سبحانه نفسه من السوء فقال:
(وسبحان الله رب العالمين) فيه تعجيب لموسى من ذلك هو من جملة ما نودي به، وإنما وقع التعرض للتنزيه في هذا المقام لدفع ما رب أن يتوهمه موسى بحسب الطبع البشري، الجاري على العادة الخلقية أن الكلام الذي يسمعه في ذلك المكان بحرف وصوت حادث، ككلام الخلق، أو المتكلم به في مكان أو جهة قاله الحفناوي.
النمل 27:9
(يا موسى إنه) أي الشأن (أنا الله العزيز) الغالب القاهر (الحكيم) في أمري وفعلي، وقيل: إن موسى قال: يا رب من الذي ناداني؟ فأجابه سبحانه بقوله: إنه أنا الله، وهو تمهيد لما أراد أن يظهر على يده من المعجزات فأمره سبحانه بأن يلقي عصاه ليعرف ما أجراه على يده من المعجزات الخارقة، فيأنس بها فقال:
النمل 27:10
(وألق) عطف على بورك منتظم معه في سلك تفسير النداء أي نودي أن بورك وأن ألق (عصاك فلما رآها تهتز) جملة حالية من هاء (رآها) لأن الرؤية بصرية وقوله (كأنها جان) يجوز أن تكون حالاً ثانية وأن تكون حالاً من ضمير (تهتز) فتكون حالاً متداخلة، قاله السمين.
قال الزجاج: صارت العصا تتحرك كما يتحرك الجان وهو الحية البيضاء، وإنما شبهها بالجان في خفة حركتها وإلا فجثتها كانت كبيرة جداً: وشبهها في موضع آخر بالثعبان لعظمها، وجمع الجان جنان، وهي الحية الخفيفة الصغيرة الجسم، وقال الكلبي: لا صغيرة ولا كبيرة. والفاء فصيحة تفصح عن جملة قد حذفت ثقة بظهورها، ودلالة على سرعة وقوع مضمونها كأنه قيل: فألقاها فانقلبت حية تسعى، فأبصرها.
فلما أبصرها متحركة بسرعة واضطراب (ولى مدبراً) من الخوف (ولم يعقب) أي لم يرجع على عقبه من عقب المقاتل إذا كر بعد الفر، يقال: عقب فلان إذا رجع وكل راجع معقب، وقيل: لم يقف ولم يلتفت ولم يعطف، ولم ينظر، والأول أولى. لأن التعقيب هو الكر بعد الفر، وإنما اعتراه الرعب لظنه أن ذلك لأمر أريد به كما ينبئ عنه قوله:
(يا موسى لا تخف) من غيري أي: من الحية وضررها ثقة بي أو لا تخف مطلقاً.
(إني لا يخاف لدي المرسلون) أي: لا يخاف عندي من أرسلته برسالتي، من حية وغيرها، فلا تخف، أنت عندي. قيل: ونفي الخوف عن المرسلين ليس في جميع الأوقات، بل في وقت الخطاب لهم، والإيحاء والإرسال؛ لأنهم إذ ذاك مستغرقون في مطالعة شؤون الله عز وجل، لا يخطر ببالهم خوف من شيء وأما في غير هذه الحالة فالمرسلون أخوف الناس منه تعالى. أو المعنى لا يكون لهم عندي سوء عاقبة ليخافوا منه، ثم استثنى استثناء منقطعاً فقال:
النمل 27:11
(إلا من ظلم) أي لكن من أذنب في ظلم نفسه بالمعصية (ثم بدل حسناًْ) أي: توبة وندماً أتاه (بعد سوء) أي بعد عمل سوء (فإني غفور رحيم) أقبل التوبة وأغفر له؛ وقيل: الاستثناء من مقدر، أي لا يخاف لدي المرسلون، وإنما يخاف غيرهم ممن ظلم " إلا من ظلم ... الخ "، كذا قال الفراء. وقال النحاس: الاستثناء من محذوف محال، لأنه استثناء من شيء لم يذكر. وعن الفراء أن (إلا) بمعنى الواو.
وقيل: إن الاستثناء متصل من المذكور لا من المحذوف، والمعنى إلا من ظلم من المرسلين بإتيان الصغائر التي لا يسلم منها أحد، واختار هذا النحاس، وقال: علم من عصاه منهم فاستثناه فقال إلا من ظلم، وإن كنت قد غفرت له كآدم، وداود. وإخوة يوسف، وموسى لقتله القبطي. ولا مانع من الخوف بعد المغفرة فإن نبينا - صلى الله عليه وسلم - الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر كان يقول: وددت أني شجرة تعضد.
وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (12) فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (13) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (14) وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (15)
النمل 27:12
(وأدخل يدك في جيبك) المراد بالجيب هو المعروف، أي طوق القميص سمي جيباً لأنه يجاب، أي: يقطع ليدخل فيه الرأس. وفي القصص (أسلك يدك في جيبك) وفي (أدخل) من المبالغة ما لم يكن في (أسلك) ولم يأمره بإدخالها في كمه لأنه كان عليه مدرعة صغيرة من صوف لا كم لها. وقيل: كان لها كم قصير، عن ابن عباس قال: كانت على موسى جبة من صوف لا تبلغ مرفقيه، فقال له أدخل يدك في جيبك فأدخلها.
(تخرج) خلاف لونها من الأدمة (بيضاء من غير سوء) أي من غير برص أو نحوه من الآفات فهو احتراس، وقيل: في الكلام حذف تقديره: أدخل يدك تدخل، وأخرجها تخرج، ولا حاجة إلى هذا الحذف، ولا ملجئ إليه. قال المفسرون: وكانت على موسى مدرعة من صوف لا كم لها ولا أزرار، فأدخل يده في جيبه وأخرجها، فإذا هي تبرق كالبرق لها شعاع يغشي البصر.
(في تسع آيات) قال أبو البقاء: هو في محل نصب على الحال من فاعل (تخرج) وفيه بعد. وقيل: متعلق بمحذوف أي: اذهب في تسع آيات وقيل: متعلق بقوله: ألق عصاك وأدخل يدك، في جملة تسع آيات: وقيل: المعنى مهما آيتان من تسع، يعني العصا واليد فتكون الآيات إحدى عشرة، هاتان والفلق، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، والطمس، والجدب في بواديهم، والنقصان في مزارعهم، قال النحاس: أحسن ما قيل فيه: إن هذه الآية يعني اليد داخلة في تسع آيات، وكذا قال المهدوي والقشيري.
قال الزجاج والقشيري: تقول خرجت في عشرة نفر وأنت أحدهم أي: خرجت عاشر عشرة فـ (في) بمعنى من، لقربها منها كما تقول: خذ لي عشراً من الإبل فيها فحلان، أي منها. وقيل: في بمعنى مع واليد والعصا خارجتان من التسع، وكذا فعل ابن عطية.
(إلى فرعون وقومه) قال الفراء: في الكلام إضمار، أي: إنك مبعوث أو مرسل إلى فرعون وقومه، وكذا قال الزجاج.
(إنهم كانوا قوماً فاسقين) تعليل لما قبله من المقدر، أي خارجين عن الحدود في الكفر والعدوان.
النمل 27:13
(فلما جاءتهم آياتنا) التي كانت على يد موسى حال كونها (مبصرة) أي مضيئة واضحة اسم فاعل أطلق على المفعول نحو ماء دافق، أي مدفوق إشعاراً بأنها لفرط إنارتها ووضوحها تبصر نفسها لو كانت مما يبصر. كقوله: (وآتينا ثمود الناقة مبصرة) وقرئ مبصرة بفتح الميم والصاد، أي مكاناً يكثر فيه التبصر، كما يقال: الولد مجبنة ومبخلة، والأول أولى. ونسب الإبصار إليها مجازاً لأن بها يبصر. والمعنى إضاءة معنوية في كلها أو حسية أيضاً في بعضها وهو اليد.
فلما جاءتهم آياتنا (قالوا هذا) الذي نشاهده من الخوارق التي أتى بها موسى (سحر مبين) واضح ظاهر سحريته.
النمل 27:14
(وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم) أي قد كذبوا بها ولم يقروا حال كون أنفسهم مستيقنة لها أنها من عند الله فالواو للحال، يقال: جحد حقه وبحقه بمعنى، والاستيقان أبلغ من الإيقان.
(ظلماً) أي للآيات كقوله تعالى: بما كانوا بآياتنا يظلمون، ولقد ظلموا بها أي ظلم حيث حطوها عن رتبتها العالية، وسموها سحراً.
(وعلواً) استكباراً عن الإيمان بها كقوله تعالى والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها؛ وانتصابهما إما على العلة أي الحامل لهم على ذلك الظلم والعلو، أو على الحالية من فاعل جحدوا، أي جحدوا بها ظالمين لها مستكبرين عنها ويجوز أن يكونا نعت مصدر محذوف، أي جحدوا بها جحوداً ظلماً وعلواً.
قال أبو عبيدة: والباء في (وجحدوا بها) زائدة. وقال الزجاج: التقدير وجحدوا بها ظلماً وعلواً أي وتكبروا عن أن يؤمنوا بما جاء به موسى، وهم يعلمون أنها من عند الله.
(فانظر كيف كان عاقبة المفسدين) أي تفكر يا محمد في ذلك فإن فيه معتبراً للمعتبرين، وقد كان عاقبة أمرهم الإغراق لهم هنا في البحر، على تلك الصفة الهائلة، والإحراق ثمة، وإنما لم يذكر تنبيهاً على أنه عرضة لكل ناظر مشهور فيما بين كل باد وحاضر. ولما فرغ سبحانه من قصة موسى، شرع في قصة داود وابنه سليمان، وهذه القصة وما قبلها وما بعدها، هي كالبيان والتقرير لقوله: (وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم) فقال:
النمل 27:15
(ولقد آتينا) أي أعطينا (داود وسليمان) ابنه (علماً) التنوين إما للنوع أي طائفة من العلم، أو للتعظيم، أي علماً كثيراً، قيل: المراد علم الدين والحكم، وقيل: علم القضاء والسياسة، وقيل: علم داود تسبيح الطير، وعلم سليمان منطق الطير والدواب.
وكان لداود تسعة عشر ولداً، سليمان واحد منهم، وعاش داود مائة سنة وبينه وبين موسى [[ليس في القرآن ولا في السنة دليل على هذا التحديد التاريخي وبالرجوع إلى التواريخ الإسرائيلية لوحظ أنه ينقصه التحقيق؛ فهو لا يتفق مع أي حساب. المطيعي.]] خمسمائة سنة وتسع وستون سنة، وعاش سليمان نيفاً وخمسين سنة، وبينه وبين محمد - صلى الله عليه وسلم - ألف سنة وسبعمائة سنة ذكره في التحبير.
(وقالا) أي كل منهما والواو للعطف على محذوف لأن هذا المقام مقام الفاء، فالتقدير ولقد آتيناهما علماً فعملا به، وقالا شكراً لله.
(الحمد لله) ويؤيده أن الشكر باللسان وإنما يحسن إذا كان مسبوقاً بعمل القلب، وهو العزم على فعل الطاعة وترك المعصية (الذي فضلنا) بالعلم والنبوة وتسخير الطير والجن والإنس والشياطين (على كثير) ممن لم يؤت علماً أو مثل علمنا، وهذه المقالة على سبيل التحدث والشكر (من عباده المؤمنين) ولم يفضلوا أنفسهم على الكل تواضعاً منهم.
وظاهر النظم أن التسخير كان لكل من داود وسليمان، ومثله في الخازن -، والخطيب وفي الآية دليل على شرف العلم، وارتفاع محله، وتقدم حملته وأهله وأن نعمة العلم من أجل النعم التي ينعم الله بها على عباده، وأن من أوتيه فقد أوتي فضلاً على كثير من العباد؛ ومنح شرفاً جليلاً، وما سماهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورثة الأنبياء إلا لمداناتهم لهم في الشرف والمنزلة، لأنهم القوام بما بعثوا من أجله، وفيها أنه يلزمهم لهذه النعمة الفاضلة أن يحمدوا الله على ما أوتوه، وأن يعتقد العالم أنه إن فضل على كثير فقد فضل عليه مثلهم.
وما أحسن قول عمر رضي الله عنه: كل الناس أفقه من عمر.
وعن عمر بن عبد العزيز أنه كتب: إن الله لم ينعم على عبد نعمة فحمد الله عليها إلا كان حمده أفضل من نعمته لو كنت لا تعرف ذلك إلا في كتاب الله المنزل، فقد قال الله عز وجل: (ولقد آتينا داود وسليمان علماً إلى قوله: عباده المؤمنين) وأي نعمة أفضل مما أعطي داود وسليمان؟
أقول: ليس في الآية ما يدل على ما فهمه رحمه الله، والذي تدل عليه أنهما حمدا الله سبحانه على ما فضلهما به من النعم فمن أين تدل على أن حمده أفضل من نعمته.
وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (16) وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (17) حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (18)
النمل 27:16
(وورث سليمان داود) أي ورثه العلم والنبوة أو الكتب، دون باقي أولاده، قال قتادة والكلبي: كان لداود تسعة عشر ولداً ذكراً، فورث سليمان من بينهم نبوة، ولو كان المراد وراثة المال لم يخص سليمان بالذكر، لأن جميع أولاده في ذلك سواء، وكذا قال جمهور المفسرين.
فهذه الوراثة هي وراثة مجازية، كما في قوله - صلى الله عليه وسلم -: العلماء ورثة الأنبياء، قال قتادة: في الآية ورث نبوته وملكه وعلمه؛ وأعطى ما أعطي داود وزيد له تسخير الريح، والجن والشياطين، وكان أعظم ملكاً منه، وأقضى منه، وكان داود أشد تعبداً من سليمان، شاكراً لنعم الله تعالى.
(وقال) سليمان لبني إسرائيل تحدثا بما أنعم الله به عليه، وشكر النعمة التي خصه بها (يا أيها الناس علمنا) الضمير فيه وفي أوتينا لكل من داود وسليمان، قال القرطبي: تفضل الله علينا زيادة على ما ورثنا من داود من العلم والنبوة، والخلافة في الأرض أن فهمنا (منطق الطير) أي فهم ما يريده كل طائر إذا صوت، والمعاني التي في نفوسها، سمى صوت الطير منطقاً لحصول الفهم منه، كما يفهم من كلام الناس. وقدم منطق الطير لأنها نعمة خاصة به، لا يشاركه فيها غيره. قال الفراء: منطق الطير كلام الطير، فجعل كمنطق الرجل. ومعنى الآية فهمنا ما يقول الطير.
ومقتضى هذا أن كُلاًّ منهما كان يعلم أصوات الطير؛ وما تريده. قال الخطيب: علمنا أي أنا وأبي بأيسر أمر وأسهله. وفي البيضاوي النطق والمنطق في التعارف: كل لفظ يعبر به عما في الضمير؛ مفرداً كان أو مركباً مفيداً كان أو غير مفيد. وقد يطلق على كل ما يصوت به على التشبيه أو التبع كقولهم: نطقت الحمامة، ومنه الناطق والصامت للحيوان والجماد، فإن الأصوات الحيوانية من حيث إنها تابعة للتخيلات نزلت منزلة العبارات، سيما وفيها ما يتفاوت باختلاف الأغراض، بحيث يفهمها ما هو من جنسه.
ولعل سليمان مهما سمع صوت حيوان علم بقوته القدسية الغرض الذي صوت لأجله، والغرض الذي توخاه به انتهى. قال جماعة من المفسرين: إنه علم منطق جميع الحيوانات، وإنما ذكر الطير لأنه كان جنداً من جنوده، يسير معه لتظليله من الشمس، فخص بالذكر لكثرة مداخله. وقال قتادة والشعبي: إنما علم منطق الطير خاصة، ولا يعترض ذلك بالنملة فإنها من جملة الطير، وكثيراً ما تخرج لها أجنحة فتطير، وكذلك كانت هذه النملة التي سمع سليمان كلامها وفهمه.
أخرج أحمد في الزهد وابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن أبي الصديق [[أبو الصديق الناجي واسمه بكر بن عمرو، وقال ابن سعد في الطبقات يتكلمون في أحاديثه يستنكرونها وقال غيره: ثقة تابعي، قال الذهبي يحتج به في الصحاح والكلام هنا عن قصة دعاء النملة موقوف عليه. المطيعي.]] الناجي قال: خرج سليمان بن داود يستسقي بالناس، فمر على نملة مستلقية على قفاها رافعة قوائمها إلى السماء، وهي تقول: اللهم إنا خلق من خلقك ليس بنا غنى عن رزقك، فإما أن تسقينا، وإما إن تهلكنا، فقال سليمان: للناس ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم.
وقد ذكر الخازن والنسفي في تفسيريهما منطق بعض الطيور، وما تقوله القمري وغيرها، وكذا القرطبي بلا إسناد صحيح متصل يعتمد عليه، ويصار إليه فتركنا ذكره هاهنا فإنه لا يأتي بكثير فائدة للمنقحين.
(وأوتينا من كل شيء) تدعو إليه الحاجة، كالعلم والنبوة والحكمة والمال وتسخير الجن، والإنس، والطير، والرياح، والوحش، والدواب، وكل ما بين السماء والأرض. وجاء سليمان بنون العظمة، والمراد نفسه بياناً لحاله من كونه مطاعاً لا يخالف، لا تكبراً وتعظيماً لنفسه، عن جعفر [[يعتبر الشيعة الإمامية والشيعة الإثنا عشرية وطائفة الإسماعيلية جعفر بن محمد أحد الأئمة المعصومين ويعدون قوله بمنزلة التنزيل، ورحم الله جعفراً الصادق وأباه محمداً الباقر، وأجدادهما الطاهرين لو رأيا كيف اتخذهما بعض الناس أرباباً لالتمسا في يديهما السيوف. المطيعي.]] بن محمد قال: أعطي سليمان ملك مشارق الأرض ومغاربها، فملك سليمان سبعمائة سنة وستة أشهر، ملك أهل الدنيا كلهم، وأعطي كل شيء.
وفي زمانه صنعت الصنائع المعجبة، حتى إذا أراد الله أن يقبضه أوحى إليه أن يستودع علم الله وحكمته أخاه؛ وولد داود كانوا أربعمائة وثمانين رجلاً، أنبياء بلا رسالة. قال الذهبي: هذا باطل وقد رويت قصص في عظم ملك سليمان عن القرظي وغيره لا تطيب النفس بذكر شيء منها، فالإمساك عن ذكرها أولى.
(إن هذا) أي ما تقدم ذكره من التعليم والإيتاء (لهو الفضل المبين) أي الظاهر الواضح، الذي لا يخفي على أحد. أو المظهر لفضيلتنا وإنما قال ذلك شكراً لا فخراً.
النمل 27:17
(وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير) من الأماكن المختلفة في مسير له، والحشر: الجمع، أي: جمع له جنوده من هذه الأجناس. وقد أطال المفسرون في ذكر مقدار جنده؛ وبالغ كثير منهم مبالغة تستبعدها العقول، ولا تصح من جهة النقل، ولو صحت لكان في القدرة الربانية ما هو أعظم من ذلك وأكثر.
(فهم يوزعون) أي: لكل طائفة منهم وزعة ترد أولهم على آخرهم فيقفون على مراتبهم. قيل: كان في جنوده وزراء وهم النقباء، ترد أول العسكر على آخره، لئلا يتقدموا في السير. يقال: وزعه يزعه وزعاً: كفه، فاتزع أي: انكف وأوزعه بالشيء أغراه به؛ واستوزعت الله شكره فأوزعني، أي استلهمته فألهمني، والوازع في الحرب الموكل بالصفوف، يزع من تقدم منهم أي يرده، وجمعه وزعة: وقيل: هو من التوزيع بمعنى التفريق، يقال: القوم أوزاع، أي طوائف.
وقال ابن عباس: يوزعون يدفعون. وعنه قال: لكل صف وزعة، ترد أولاها على آخرها، لئلا تتقدمها في السير كما يصنع الملوك وفي الآية دليل على اتخاذ الأئمة والحكام وزعة، يكفون الناس ويمنعونهم من تطاول بعضهم على بعض، إذ لا يمكن الحكام ذلك بأنفسهم. قال الحسن: لا بد للناس من وازع أي سلطان يكفهم.
النمل 27:18
(حتى إذا أتوا) حتى هي التي يبتدأ بعدها الكلام؛ وتكون غاية لما قبلها والمعنى فهم يوزعون إلى حضور هذه الغاية، وهي إتيانهم (على وادي النمل) أي: فهم يسيرون ممنوعاً بعضهم من مفارقة بعض، حتى إذا أتوا على مكان فيه نمل كثير، وعدّى بـ (على) لأنهم كانوا محمولين على الريح، فهم مستعلون والمعنى أنهم قطعوا الوادي وبلغوا آخره، قال كعب: وادي النمل بالطائف.
وقال قتادة ومقاتل: هو بالشام، والنمل حيوان معروف شديد الإحساس والشم، حتى إنه يشم للشيء من بعيد، ويدخر قوته، ومن شدة إدراكه أنه يفلق الحبة فلقتين خوفاً من الإنبات ويفلق حبة الكسبرة أربع فلق، لأنها إذا فلقت فلقتين نبتت، ويأكل في عامه نصف ما جمع ويستبقي باقيه عدة.
ووقف القراء جميعهم على (واد) بدون ياء اتباعاً للرسم، حيث لم يحذف لالتقاء الساكنين، كقوله: الذين جابوا الصخر بالواد، إلا الكسائي، فإنه وقف بالياء، قال: لأن الموجب للحذف إنما هو التقاء الساكنين بالوصل.
(قالت نملة) [[لا نملك إلا أن نقول كما قال المصنف عن مثل هذا الكلام الذي هو " بلا إسناد صحيح متصل يعتمد عليه ويصار إليه " وسيأتي للمصنف مزيد. المطيعي.]] ملكة النمل، على وجه النصيحة قولاً مشتملاً على حروف وأصوات، وكانت عرجاء ذات جناحين، وهي من الحيوانات التي تدخل الجنة، قاله سليمان الجمل. قيل: وكانت أنثى بدليل تأنيث الفعل المسند إليها، وبه قال أبو حنيفة، ورد هذا أبو حيان فقال: لحاق التاء في (قالت) لا يدل على أن النملة مؤنثة، بل يصح أن يقال في المذكر قالت، لأن نملة وإن كانت بالتاء فإنها مما لا يتميز فيه المذكر من المؤنث، بتذكير الفعل ولا بتأنيثه، بل يتميز بالإخبار عنه بأنه ذكر أو أنثى، ولا يتعلق بمثل هذا كثير فائدة، ولا بالتعرض لاسم النملة، ولا بذكر القصص الموضوعة والأحاديث المكذوبة.
وقرئ النمل والنملة بزنة رجل وسمرة، وقرئ بضمتين فيهما، ثم قيل: نمل هذا الوادي صغار، وهو النمل المعروف، أو كبار كالبخاتي أو كالذئاب، والأول هو المشهور والجملة جواب (إذا) كأنها لما رأتهم متوجهين إلى الوادي فرت ونبهت سائر النمل منادية لها قائلة:
(يا أيها النمل) وقد اشتمل هذا القول منها على أحد عشر نوعاً من البلاغة:
أولها: النداء بـ (يا).
وثانيها: أنها كنت بأي.
وثالثها: نبهت بها التنبيه.
ورابعها: سمعت بقولها النمل.
وخامسها: أمرت بقولها: (ادخلوا).
وسادسها: نصت بقولها (مساكنكم) جعل خطاب النمل كخطاب العقلاء، لفهمها لذلك الخطاب. والمساكن هي الأمكنة التي تسكن النمل فيها وقرأ أبي: أدخلن مساكنكن: وقرئ: مسكنكم.
وسابعها: حذرت بقولها (لا يحطمنكم) أي: لا يكسرنكم، والحطم الكسر. يقال: حطمته حطماً أي كسرته كسراً فانحطم، وتحطم تكسر، والتحطيم التكسير، والحطام ما تكسر من اليبس، وهذا النهي هو في الظاهر للنمل، وفي الحقيقة لسليمان، فهو من باب لا أرينك هاهنا، أو بدل من الأمر، أو جواب للأمر، وهو ضعيف يدفعه نون التأكيد لأنه من ضرورات الشعر.
وقرئ: لا يحطمنكم بضم الياء وفتح الحاء وتشديد الطاء.
وثامنها: خصت بقولها: (سليمان).
وتاسعها: عمت بقولها (وجنوده) وأرادت جنود سليمان فجاءت بما هو أبلغ.
وعاشرها: أشارت بقولها (وهم).
وحادي عشرها: عذرت بقولها:
(لا يشعرون) أي بحطمكم، ولا يعلمون بمكانكم. أي لو شعروا لم يفعلوا، قالت ذلك على وجه العذر، واصفة لهم بالعدل، كأنها عرفت أن النبي معصوم، وجنده محفوظ، فلا يقع منهم حطم هذه الحيوانات، إلا على سبيل السهو، وهذا تنبيه عظيم على وجوب الجزم بعصمة الأنبياء وحفظ أصحابهم، وفيه أن الرافضة الذين ينسبون الظلم وحطم الحقوق إلى أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أهل بيته وعترته، هم أقل وأضعف رأياً من تلك النملة فإنها اعتقدت في جنود سليمان العدل، وهؤلاء اعتقدوا بأصحابه - صلى الله عليه وسلم - الظلم وشتان بينهما، وقيل: إن المعنى والنمل لا يشعرون أن سليمان يفهم مقالتها وهو بعيد جداً.
فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (19) وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (20) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (21)
النمل 27:19
(فتبسم) سليمان ابتداء (ضاحكاً) انتهاء (من قولها) وقرئ: ضحكاً، وعلى الأول حال مؤكدة، لأنه قد فهم الضحك من التبسم، وقيل: حال مقدرة، لأن التبسم أول الضحك، وقيل: لما كان التبسم قد يكون للغضب كان الضحك مبيناً له، وقيل: إن ضحك الأنبياء هو التبسم لا غير، وعلى الثاني: مصدر منصوب بفعل محذوف.
وكل من التبسم والضحك والقهقهة انفتاح في الفم، لكن الأول انفتاح بلا صوت أصلاً، والثاني مع صوت خفيف، والثالث مع صوت قوي، وكان ضحك سليمان تعجباً من قولها وفهمها واهتدائها إلى تحذير النمل، أو فرحاً لظهور عدله.
(وقال رب أوزعني) قد تقدم بيان معناه قريباً في قوله: فهم يوزعون، قال في الكشاف: وحقيقة أوزعني اجعلني أزع شكر نعمتك عندي، وأكفه وارتبطه لا ينفلت عني حتى لا أنفك شاكراً لك، انتهى. قال الواحدي: أوزعني أي: ألهمني، وبه قال قتادة، وعن الحسن مثله، يقال: فلان موزع بكذا، أي: مولع به. قال القرطبي: وأصله من وزع فكأنه قال: كفني عما يسخطك، انتهى. وقال الزجاج: معناه امنعني أن أكفر نعمتك، وهو تفسير باللازم.
(أن أشكر نعمتك التي أنعمت) بها (علي) مفعول ثان لأوزعني، أي: من النبوة والملك والعلم.
(وعلى والدي) الدعاء منه بأن يوزعه الله شكر نعمته على والديه، كما أوزعه شكر نعمته عليه، لأن الإنعام عليهما إنعام عليه، وذلك يستوجب الشكر منه لله سبحانه. قال أهل الكتاب: وأمه هي زوجة أوريا بوزن قوتلا، التي امتحن الله بها داود، قاله القرطبي، والله أعلم بصحته، ثم طلب أن يضيف الله له لواحق نعمه إلى سوابقها، ولا سيما النعم الدينية فقال:
(وأن أعمل صالحاً) في بقية عمري (ترضاه) مني، ثم دعا أن يجعله الله سبحانه في الآخرة داخلاً في زمرة الصالحين، فإن ذلك هو الغاية التي يتعلق بها الطلب فقال: (وأدخلني) الجنة (برحمتك في عبادك الصالحين) من النبيين أو صلحاء العباد، والمعنى أدخلني في جملتهم، وأثبت اسمي في أسمائهم واحشرني في زمرتهم إلى دار الصالحين وهي الجنة، أو في بمعنى مع، والصالح الكامل هو الذي لا يعصي الله، ولا يفعل معصية، ولا يهم بها، وهذه درجة عالية.
اللهم وإني أدعوك بما دعاك به هذا النبي الكريم. فتقبل ذلك مني وتفضل علي به، فإني وإن كنت مقصراً في العمل، ففضلك الواسع هو سبب الفوز بالخير، ورحمتك أرجى عندي من عملي، فهذه الآية منادية بأعلى صوت، وأوضح بيان بأن دخول الجنة التي هي دار المتقين بالتفضل منك لا بالعمل منهم، كما قال رسولك الصادق المصدوق، فيما ثبت عنه في الصحيح: " سددوا وقاربوا واعلموا أنه لن يدخل الجنة أحد بعمله "، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: " ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته " فإذا لم يكن إلا بفضلك الواسع فترك طلبه منك عجز، والتفريط في التوسل إليك بالإيصال إليه تضييع.
ثم شرع سبحانه في ذكر قصة بلقيس وما جرى بينها وبين سليمان وذلك بدلالة الهدهد فقال:
النمل 27:20
(وتفقد الطير) التفقد تطلب ما غاب عنك، وتعرف أحواله. والطير اسم جنس لكل ما يطير، والمعنى أنه تطلب ما فقد من الطير، وتعرف حال ما غاب منها، وكانت الطير تصحبه في سفره وتظله بأجنحتها.
(فقال ما لي) وقرئ بسكون الياء (لا أرى الهدهد)؟ أي ما للهدهد لا أراه؟ فهذا من الكلام المقلوب الذي تستعمله العرب كثيراً. وقيل: لا حاجة إلى ادعاء القلب، إذ المعنى صحيح بدونه، بل هو استفهام واستخبار عن المانع له من رؤية الهدهد، كأنه قال: ما لي لا أراه هل ذلك لساتر يستره عنه؟ أو لشيء آخر؟
قال الكلبي: ولم يكن له في مسيره إلا هدهد واحد، والهدهد معروف.
ثم ظهر له أنه غائب فقال: (أم كان من الغائبين)؟ فلم أره لغيبته، و (أم) هي المنقطعة التي بمعنى الإضراب، عن ابن عباس أنه سئل: كيف تفقد سليمان الهدهد من بين الطير؟ فقال: إن سليمان نزل منزلاً فلم يدر ما بعد الماء، وكان الهدهد يدل سليمان على الماء، فأراد أن يسأله عنه ففقده، قال سعيد بن جبير: لما ذكر ابن عباس رضي الله عنه هذا قيل له: كيف ذلك: والهدهد ينصب له الفخ يلقى عليه التراب ويضع له الصبي الحباله فيغيبها فيصيده فقال: إذا جاء القضاء، ونزل القدر، ذهب اللب، وعمي البصر، فلما تحقق الغيبة قال:
النمل 27:21
(لأعذبنه عذاباً شديداً) اختلفوا في هذا العذاب الشديد ما هو؟ فقال ابن عباس ومجاهد وابن جريج: هو أن ينتف ريشه جميعاً وروي نحو هذا عن جماعة من التابعين؛ وقال يزيد ابن رومان: هو أن ينتف ريش جناحيه وقيل: يحبسه مع أضداده، وقيل: أن يمنعه من خدمته وقيل: إلقاءه في الشمس وقيل: التفريق بينه وبين إلفه. وقيل: إلزامه خدمة أقرانه. وقيل: إيداعه في القفص. وقيل: طرحه بين يدي النمل ليأكله، وفي هذا دليل على أن العقوبة على قدر الذنب، لا على قدر الجسد. وحل له تعذيب الهدهد لما رأى فيه من المصلحة، كما حل ذبح البهائم والطيور للأكل وغيره من المنافع، وإذا سخر له الطير لم يتم التسخير إلا بالتأديب والسياسة.
وعن الحسن قال: كان اسم هدهد سليمان غبر، قال الشوكاني: لا أدري من أين جاء هذا للحسن رحمه الله، وهكذا ما روي عنه أن اسم النملة حرس، وأنها من قبيلة يقال لهم بنو الشيصان، وأنها كانت عرجاء، وكانت بقدر الذئب، وهو رحمه الله أورع الناس عن نقل الكذب؛ ونحن نعلم أنه لم يصح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ذلك شيء. ونعلم أنه ليس للحسن إسناد متصل بسليمان، أو بأحد من أصحابه فهذا العلم مأخوذ من أهل الكتاب.
وقد أمرنا أن لا نصدقهم ولا نكذبهم. فإن ترخص مترخص بالرواية عنهم لمثل ما روي: " حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج "، فليس ذلك مما يتعلق بتفسير كتاب الله سبحانه بلا شك، بل فيما يذكر عنهم من القصص الواقعة لهم. وقد كررنا التنبيه على مثل هذا عند عروض ذكر التفاسير الغريبة.
(أو لأذبحنه) بقطع حلقومه (أو ليأتيني بسلطان مبين) هو الحجة البينة في غييته. قال ابن عباس: السلطان المبين خبر الحق الصدق البين. وعنه قال: كل سلطان في القرآن حجة، وذكر هذه الآية ثم قال: وأي سلطان كان للهدهد؟ يعني أن المراد بالسلطان الحجة، لا السلطان الذي هو الملك، والحلف في الحقيقة على أحد الأولين بتقدير عدم الثالث، فكلمة (أو) بين الأولين للتخيير، وفي الثالث للترديد بينه وبينهما.
قال الزمخشري: فإن قلت: قد حلف على أحد ثلاثة أشياء فحلفه على فعله لا كلام فيه، ولكن كيف يصح حلفه على فعل الهدهد؟ ومن أين درى أنه يأتي بسلطان؟
قلت: لما نظم الثلاثة بأو في الحكم الذي هو الحلف، آل كلامه إلى قولك: ليكونن أحد الأمور، يعني إن كان الإتيان بسلطان، لم يكن تعذيب ولا ذبح، وإن لم يكن، كان أحدهما، وليس في هذا ادعاء دراية انتهى. و (أو) الثانية ترجع في المعنى إلى أنها بمعنى إلا وهي قيد في كل من الأمرين قبلها، فكأنه قال: لأعذبنه إلا أن يأتيني أو لأذبحنه إلا أن يأتيني بسلطان مبين.
فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (22) إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (23) وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (24)
النمل 27:22
(فمكث) بفتح الكاف من باب نصر، وقرئ بضم الكاف من باب قرب قال سيبويه: مكث يمكث مكوثاً كقعد يقعد قعوداً، أي مكث الهدهد بعد تفقد سليمان إياه زماناً (غير بعيد) وقيل: إن الضمير في مكث لسليمان، والمعنى بقي سليمان بعد التفقد والتوعد زماناً غير طويل، والأول أولى.
(فقال أحطت بما لم تحط به) الإحاطة: العلم بالشيء من جميع جهاته، حتى لا يخفى عليه معلوم، ولعل في الكلام حذفاً، والتقدير فمكث الهدهد غير بعيد، فجاء فعوتب على مغيبه، فقال معتذراً عن ذلك: أحطت بما لم تحط به. قال الفراء: ويقال: أحت بإدغام الطاء في التاء، والمعنى علمت ما لم تعلمه من الأمر، وبلغت ما لم تبلغ أنت ولا جنودك. وقال ابن عباس: اطلعت على ما لم تطلع عليه.
وقد ألهم الله الهدهد هذا الكلام، فكافح سليمان به مع ما أوتي من فضل النبوة، والعلوم الجمة: إبتلاء له في علمه، وتنبيهاً على أن أدنى جنده قد أحاط علماً بما لم يحط به ليكون لطفاً به في ترك الإعجاب وإنما أخفى الله على سليمان مكانها، وكانت المسافة بينهما قريبة لمصلحة رآها، كما أخفى مكان يوسف على يعقوب. وفيه دليل على بطلان قول الرافضة: إن الإمام لا يخفى عليه شيء، ولا يكون في زمانه أحد أعلم منه.
(وجئتك من سبأ) قرئ بالصرف على أنه اسم رجل نسب إليه قوم، وقرئ بفتح الهمزة وترك الصرف على أنه اسم مدينة، وأنكر الزجاج أن يكون اسم رجل، وقال: سبأ اسم مدينة تعرف بمأرب اليمن. وقيل: هو اسم امرأة سميت بها المدينة.
قال القرطبي: والصحيح أنه اسم رجل كما في كتاب الترمذي، من حديث فروة بن مسيك المرادي، قال ابن عطية: وخفي هذا على الزجاج فخبط خبط عشواء.
وزعم الفراء أن الرؤاسي سأل أبا عمرو بن العلاء عن سبأ فقال: ما أدري ما هو؟ قال النحاس: وأبو عمر أجل من أن يقول هذا، قال: والقول في سبأ ما جاء التوقيف فيه أنه في الأصل اسم رجل، فإن صرفته فلأنه قد صار اسماً للحي، وإن لم تصرفه جعلته اسماً للقبيلة، مثل ثمود، إلا أن الاختيار عند سيبويه الصرف، انتهى.
وأقول: لا شك أن سبأ اسم لمدينة باليمن، كانت فيها بلقيس، وهو أيضا اسم رجل من قحطان، وهو سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان بن هود، ولكنه المراد هنا: أن الهدهد جاء إلى سليمان بخبر ما عاينه في مدينة سبأ، مما وصفه، وسيأتي في المأثور ما يوضح هذا ويؤيده، وعن ابن عباس قال: سبأ بأرض اليمن، يقال لها: مأرب، بينها وبين صنعاء مسيرة ثلاث ليال والمعنى أن الهدهد جاء سليمان من هذه المدينة.
(بنبإ يقين) النبأ: هو الخبر الخطير الشأن؛ وهذا من محاسن الكلام، ويسمى البديع، وقد حسن وبدع لفظاً ومعنى هاهنا، ألا ترى أنه لو وضع مكان بنبأ بخبر لكان المعنى صحيحاً، وهو كما جاء أصح لما في النبإ من الزيادة التي يطابقها وصف الحال، فلما قال الهدهد لسليمان ما قال، قال له سليمان: وما ذاك؟ فقال:
النمل 27:23
(إني وجدت امرأة تملكهم) وهي بلقيس بنت شراحيل، روي ذلك عن الحسن وقتادة وزهير بن محمد، وعن ابن جريج أنها بنت ذي شرح، وجدها الهدهد تملك أهل سبأ، وكان أبوها ملك أرض اليمن، ولم يكن له ولد غيرها، فغلبت على الملك، وكانت هي وقومها مجوساً يعبدون الشمس. والضمير في تملكهم راجع إلى سبأ، على تأويل القوم، وأهل المدينة، والجملة هذه كالبيان والتفسير للجملة التي قبلها، أي: ذلك النبأ اليقين هو كون هذه المرأة تملك هؤلاء.
قال ابن عباس: اسمها بلقيس بنت ذي شيرة، وكانت هلباء شعراء، قيل: كانت من نسل يعرب بن قحطان، وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " إحدى [[لم يصح له إسناد، ثم إنه من حيث المعنى لا يقبل بالضرورة -إلا في معارض الفروض الفقهية الوهمية- أن يكون إنساناً مهجناً بجن أو جناً مهجناً بإنسان وليس هناك ما يثبت هذا إلا ما حكي من أن بني السعلات من العرب أمهم جنية ولم يرد من طريق معتبر إلا ما روي من سبق الشيطان لمن لم يسم عند الوقاع وهذا من قبيل جريان الشيطان من ابن آدم مجرى الدم وليس من قبيل التذري والتناسل. المطيعي.]] أبوي بلقيس كان جنياً "، أخرجه ابن عساكر، وابن مردويه، وأبو الشيخ وابن جرير.
(وأوتيت من كل شيء) فيه مبالغة، والمراد أنها أوتيت من كل شيء من الأشياء التي تحتاجها الملوك، من الآلة والعدة، وكان يخدمها النساء، وهذا عام أريد به الخصوص، وقيل: المعنى أوتيت من كل شيء في زمانها شيئاً من أسباب الدنيا، والمال والعدة ما يليق بحالها، فحذف شيئاًً لأن الكلام قد دل عليه.
(ولها عرش عظيم) أي: سرير كبير ضخم، وقيل: المراد بالعرش هنا الملك، والأول أولى لقول سليمان: أيكم يأتيني بعرشها؟ ووصفه بالعظم بالنسبة إليها وإلى أمثالها من ملوك الدنيا، لأنه كما قيل: كان مضروباً من الذهب والفضة، طوله ثمانون ذراعاً، وعرضه أربعون ذراعاً، وارتفاعه في السماء ثلاثون ذراعاً، مكللاً بالدر والياقوت الأحمر، والزبرجد الأخضر والزمرد.
وأما وصف عرش الله بالعظيم، فهو بالنسبة إلى جميع المخلوقات من السماوات والأرض وما بينهما، فبينهما بون عظيم، وفرق بين. قال ابن عطية: واللازم من الآية أنها امرأة ملكة على مدائن اليمن، ذات ملك عظيم، وسرير كبير، وكانت كافرة من قوم كفار، وعن ابن عباس قال: سرير كبير من ذهب، وقوائمه من جوهر ولؤلؤ، حسن الصنعة غالي الثمن. عليه سبعة أبيات على كل بيت باب مغلق.
النمل 27:24
(وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله) أي يعبدونها متجاوزين عبادة الله سبحانه، قيل: كانوا مجوساً، وقيل: زنادقة، و (وجدت) بمعنى لقيت وأصبت؛ فتتعدى لواحد.
(وزين لهم الشيطان أعمالهم) التي يعملونها وهي عبادة الشمس، وسائر أعمال الكفر (فصدهم عن السبيل) أي صدهم الشيطان بسبب ذلك التزيين عن الطريق الواضح، وهو الإيمان بالله وتوحيده.
(فهم لا يهتدون) إلى ذلك، ولا يبعد من الهدهد التهدي إلى معرفة الله تعالى، ووجوب السجود له، وحرمة السجود للشمس إلهاماً من الله له؛ كما ألهمه وغيره من الطيور، وسائر الحيوان المعارف اللطيفة، التي لا يكاد العقلاء الرجاح العقول يهتدون لها.
أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (25) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (26) قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (27) اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ (28) قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (29)
النمل 27:25
(ألاّ يسجدون لله) قال ابن الأنباري: الوقف على لا يهتدون غير تام عند من شدد (ألا) لأن المعنى وزين لهم الشيطان أن لا يسجدوا.
وقال النحاس: هي (أن) دخلت عليها (لا) قال الأخفش: أي زين لهم أن لا يسجدوا لله بمعنى لئلا يسجدوا، فهو على الوجهين مفعول له. وقيل: فهم لا يهتدون أن يسجدوا لله، و (لا) على هذا زائدة، كقوله: ما منعك أن لا تسجد، وعلى قراءة الجمهور ليس هذه الآية موضع سجدة، لأن ذلك إخبار عنهم بترك السجود، إما بالتزيين، أو بالصد، أو بمنع الاهتداء. وقد رجح كونه علة للصد الزجاج، ورجح الفراء كونه علة لزين، قال: زين لهم أعمالهم لئلا يسجدوا.
وقرئ ألا بالتخفيف، وعلى هذا فهي حرف تنبيه واستفتاح، وما بعدها حرف نداء، ألا يا اسجدوا، واسجدوا فعل أمر، وتقديره ألا يا هؤلاء اسجدوا، قال الزجاج، وقراءة التخفيف تقتضي وجوب السجود، دون قراءة التشديد، ولقراءة التخفيف وجه حسن إلا أن فيها انقطاع الخبر عن أمر سبأ، ثم الرجوع بعد ذلك إلى ذكرهم، والقراءة بالتشديد خبر يتبع بعضه بعضاً لا انقطاع في وسطه. وكذا قال النحاس، وعلى هذه تكون جملة ألا يا اسجدوا معترضة من كلام الهدهد أو من كلام سليمان، أو من كلام الله سبحانه.
وقرأ ابن مسعود (هلا تسجدوا) بالفوقية. وقرأ أُبيّ (ألا تسجدوا) بالتاء وفيه مناسبة لما قبله، وهي الرد على من يعبد الشمس وغيرها من دون الله.
(الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض) يقال: خبأت الشيء أخبأه خبا، والخبء ما خبأت، أي يظهر ما هو مخبوء ومخفي فيهما، لأنه لا يستحق العبادة إلا من هو قادر على من فيهما، عالم بجميع المعلومات، وفي إخراج الخبء دليل على القدرة.
قال الزجاج: جاء في التفسير أن الخبء هاهنا بمعنى القطر من السماء، والنبات من الأرض وقيل: خبء الأرض كنوزها ونباتها، وقال قتادة: الخبء السر. قال النحاس: أي ما غاب فيهما، وقرئ الخب بفتح الباء من غير همزة، وقرئ الخبا بالألف. قال أبو حاتم: وهذا لا يجوز في العربية ورد عليه بأن سيبويه حكى عن العرب، أن الألف تبدل من الهمز إذا كان قبلها ساكن. وقرئ: من السماوات، قال الفراء: من وفي تتعاقبان. عن ابن عباس قال: يعلم كل خبيئة في السماء والأرض.
(ويعلم ما تخفون وما تعلنون) قرئ بالتحتية في الفعلين، وبالفوقية للخطاب، أما الأولى فلكون الضمائر المتقدمة ضمائر غيبة، وأما الثانية فلكون القراءة فيها الأمر بالسجود، والخطاب لهم بذلك، فهذا من ذلك الخطاب.
والمعنى أن الله سبحانه يخرج ما في هذا العالم الإنساني من الخفي بعلمه له، كما يخرج ما خفي في السماء والأرض، وفيه دليل على إثبات العلم، والإعلان ذكره لتوسيع دائرة العلم للتنبيه على تساويهما بالنسبة إلى علمه تعالى، ثم بعد ما وصف الرب سبحانه بما تقدم، مما يدل على عظيم قدرته، وجليل سلطانه، وسعة علمه، ووجوب توحيده، وتخصيصه بالعبادة قال:
النمل 27:26
(الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم) بالجر نعتاً للعرش، وبالرفع نعتاً للرب، وخص العرش بالذكر لأنه أعظم المخلوقات، كما ثبت ذلك في المرفوع إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
وأما عرش بلقيس فتعظيمه بالإضافة إلى عروش أبناء جنسها من الملوك، وهذا بالنسبة إلى جميع الموجودات من السماء والأرض، وبينهما بون عظيم كما تقدم، وإلى هنا كلام الهدهد، لكنه من قوله: الذي يخرج إلى هنا ليس داخلاً تحت قوله: أحطت بما لم تحط به يعني ليس مما علمه الهدهد دون سليمان، بل سليمان يعلمه أيضاً على وجه أتم وأكمل من علم الهدهد، وإنما ذكره الهدهد بياناً لما هو عليه معتقده، وإظهاراً لتصلبه في الدين.
فلما فرغ الهدهد من كلامه
النمل 27:27
(قال) له سليمان: (سننظر) فيما أخبرتنا به من هذه القصة، ونتعرف. والنظر والتأمل والتصفح: فيه إرشاد إلى البحث عن الأخبار، والكشف عن الحقائق، وعدم قبول خبر المخبرين تقليداً لهم، واعتماداً عليهم، إذا تمكن من ذلك بوجه من الوجوه.
(أصدقت)؟ فيما قلت، والهمزة استفهامية.
(أم كنت من الكاذبين)؟ أم هي المتصلة، وهذا القول أبلغ من قوله أم كذبت فيه، مع أنه أخصر وأشهر لأن المعنى من الذين اتصفوا بالكذب، وصار خلقاً لهم، فهو يفيد أنه كاذب لا محالة على أتم وجه، ومن كان كذلك لا يوثق به.
وقال البيضاوي: التغيير للمبالغة، والمحافظة على الفواصل. ثم بيَّن سليمان هذا النظر الذي وعد به فقال:
النمل 27:28
(اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم) أي: إلى أهل سبأ. قال الزجاج: في ألقه خمسة أوجه قرئ بها، وخص الهدهد بإرساله بالكتاب لأنه المخبر بالقصة، ولكونه رأى منه من مخايل الفهم والعلم ما يقتضي كونه أهلاً للرسالة.
(ثم تول) أي: تنح وانصرف (عنهم) وقف قريباً منهم وإنما أمره بذلك لكون التنحي بعد دفع الكتاب من أحسن الآداب التي يتأدب بها رسل الملوك، والمراد التنحي إلى مكان يسمع فيه حديثهم، حتى يخبر سليمان بما سمع. وقيل: معنى التولي الرجوع إليه، والأول أولى لقوله:
(فانظر ماذا يرجعون) أي تأمل وتفكر فيما يرجع بعضهم إلى بعض من القول، وما يتراجعونه بينهم من الكلام. قال ابن عباس: كن قريباً منهم، فانظر ما الذي يردونه من الجواب
النمل 27:29
(قالت) بلقيس:
(يا أيها الملأ) في الكلام حذف، والتقدير: فذهب الهدهد فألقاه إليهم، فسمعها تقول يا أيها الملأ (إني ألقي إليّ كتاب كريم) والملأ: هم الأشراف، سموا ملأً لأنهم يملأون العيون، وفاعل (ألقي) محذوف، قيل: لجهلها به إن لم تكن شاهدته: وقيل: لاحتقاره إن كانت رأته، والكريم، المكرم المعظم.
ووصفت الكتاب بالكريم، لكونه من عند عظيم في نفسها، فعظمته إجلالاً لسليمان. وقيل: لاشتماله على كلام حسن. وقيل: لكونه مصدراً بالبسملة. وقيل: لغرابة شأنه. وقيل: لكونه وصل إليها مختوماً بخاتم. سليمان، وكرامة الكتاب ختمه، كما روى ذلك مرفوعاً [[نصر الحديث هكذا: كرامة الكتاب ختمه. رواه الطب في الكبير عن ابن عباس، والقضاعي يربط بين هذا الحديث والآية، والحديث يدور بين الضعف والوضع ونص على ضعضه الحافظ السيوطي في الجامع الصغير، فإذا عرفت مبلغ تساهل السيوطي في تصحيح الضعيف ورفع الموضوع إلى مرتبة الضعيف استطعت الحكم والله أعلم. المطيعي.]].
قال ابن المقفع [[ابن المقفع في الأدب الكبير. المطيعي.]] من كتب إلى أخيه لم يختمه فقد استخف به.
إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (30) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (31) قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ (32) قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (33) قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (34) وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (35)
ثم بينت ما تضمنه هذا الكتاب فقالت:
النمل 27:30
(إنه من) عبد الله (سليمان) ابن داود إلى بلقيس ملكة سبأ.
(وإنه بسم الله الرحمن الرحيم) أي: وإن ما اشتمل عليه الكتاب من الكلام، وتضمنه من القول مفتتح بالتسمية، وفيه إشارة إلى سبب وصفها إياه بالكرم. قال ابن عباس: انطلق بالكتاب حتى إذا توسط عرشها ألقى الكتاب إليها فقرئ عليها فإذا فيه. إنه من سليمان الخ. وأخرج ابن أبي حاتم عن ميمون بن مهران، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يكتب " باسمك اللهم " حتى نزلت هذه الآية فكان يكتب البسملة وبعدها السلام على من اتبع الهدى.
النمل 27:31
(أن لا تعلوا) أي: أما بعد فلا تتكبروا (عليّ) كما تفعله جبابرة الملوك، و (أن) هي المفسرة، وقيل: مصدرية و (لا) ناهية، وقيل نافية، ومحل الجملة الرفع على أنها بدل من كتاب أو خبر مبتدأ محذوف: أي هو أن لا تعلوا وقرئ: لا تغلوا بالغين من الغلو وهو تجاوز الحد في الكبر.
(وائتوني مسلمين) أي: طائعين منقادين للدين مؤمنين بما جئت به، قيل: لم يزد سليمان على ما نص الله في كتابه وكذلك الأنبياء كانوا يكتبون جملاً لا يطيلون ولا يكثرون. قيل: طبعه سليمان بالمسك أي جعل عليه قطعة منه كالشمع، ثم ختمه بخاتمه.
النمل 27:32
(قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري) أي: أشيروا علي وبينوا لي الصواب في هذا الأمر وأجيبوني بما يقتضيه الحزم وعبرت عن المشورة بالفتوى، لكون ذلك حلاً لما أشكل من الأمر عليها، وفي الكلام حذف؛ والتقدير: فلما قرأت بلقيس الكتاب، جمعت أشراف قومها وكانوا ثلثمائة واثني عشر، لكل واحد منهم أتباع كثيرة وقالت لهم: يا أيها الملأ إني ألقي إلي، يا أيها الملأ أفتوني وكرر (قالت) لمزيد العناية بما قالته لهم، ثم زادت في التأدب، واستجلاب خواطرهم ليمحضوها النصح، ويشيروا عليها بالصواب؛ فقالت:
(ما كنت قاطعة أمراً حتى تشهدون) أي: عادتي وشأني معكم، أني ما كنت مبرمة وقاضية وفاصلة أمراً من الأمور حتى تحضروا عندي وتشيروا عليَّ؛ فلما قالت لهم ذلك
النمل 27:33
(قالوا) مجيبين لها:
(نحن أولو قوة) في العدد والعدة (وأولو بأس شديد) عند الحرب واللقاء؛ ولنا من الشجاعة والنجدة ما نمنع به أنفسنا؛ وبلدنا، ومملكتنا، يعني أشاروا عليها بالقتال، ثم فوضوا الأمر إليها لعلمهم بصحة رأيها، وقوة عقلها فقالوا:
(والأمر) موكول (إليك) أي إلى رأيك ونظرك (فانظري) أي: تأملي (ماذا تأمرين) إيانا به، فنحن سامعون لأمرك مطيعون له.
فلما سمعت تفويضهم الأمر إليها لم ترض بالحرب، بل مالت للصلح، وبينت السبب في رغبتها فيه و
النمل 27:34
(قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية) من القرى.
(أفسدوها) أي: خربوا مبانيها، وغيروا مغانيها، وأتلفوا أموالها وفرقوا شمل أهلها. قال ابن عباس: إذا أخذوها عنوة وقهراً خربوها. وعن الزجاج مثله.
(وجعلوا أعزة أهلها أذلة) أي أهانوا أشرافها؛ وحطوا مراتبهم، فصاروا عند ذلك أذلة، وإنما يفعلون ذلك لأجل أن يتم لهم الملك، وتستحكم لهم الوطأة، وتتقرر لهم في قلوبهم المهابة. والمقصود من قولها هذا تحذير قومها من مسير سليمان إليهم، ودخوله بلادهم.
(وكذلك) أي مثل ذلك الفعل (يفعلون) أرادت أن هذه عادتهم المستمرة التي لا تتغير، لأنها كانت في بيت الملك القديم؛ فسمعت نحو ذلك ورأت. قال ابن الأنباري: الوقف على قوله أذلة، وقف تام، فقال الله عز وجل تحقيقاً وتصديقاً لقولها: وكذلك يفعلون. وقيل: هذه الجملة من تمام كلامها، فيكون من جملة مقول قولها أكدت به ما قبله، وعلى الأول مستأنفة لا محل لها من الإعراب.
قال النسفي: واحتج الساعي في الأرض بالفساد بهذه الآية ومن استباح حراماً فقد كفر وإذا احتج له بالقرآن على وجه التحريف فقد جمع بين كفرين انتهى. ثم لما قدمت لهم هذه المقدمة وبينت لهم ما في دخول الملوك إلى أرضهم من المفسدة أوضحت لهم وجه الرأي عندها وصرحت لهم بصوابه فقالت:
النمل 27:35
(وإني مرسلة إليهم) أي إني أجرب هذا الرجل بإرسال رسلي إليه (بهدية) مشتملة على نفائس الأموال فإن كان ملكاً أرضيناه بذلك وكفينا أمره وإن كان نبياً لم يرضه ذلك لأن غاية مطلبه ومنتهى أربه هو الدعاء إلى الدين فلا ينجينا منه إلا إجابته ومتابعته والتدين بدينه وسلوك طريقته ولهذا قالت:
(فناظرة بم يرجع المرسلون) بالهدية من قبول أو رد، فعاملة بما يقتضيه ذلك، وذلك أن بلقيس كانت امرأة لبيبة عاقلة، قد ساست الأمور وجربتها وقد طول المفسرون في ذكر هذه الهدية.
قال ابن عباس: أرسلت بِلَبِنَةٍ من ذهب فلما قدموا إذا حيطان المدينة من ذهب، فذلك قوله (أتمدونن بمال) الآية. وقال ثابت البناني: أهدت له صفائح الذهب في أوعية الديباج. وقال مجاهد: أهدت جواري لباسهن لباس الغلمان، وغلماناً لباسهم لباس الجواري، وقال عكرمة: أهدت مائتي فرس على كل فرس غلام وجارية، وعلى كل فرس لون ليس على الآخر. وقال سعيد ابن جبير: كانت الهدية جواهر، وقيل: غير ذلك مما لا فائدة في التطويل بذكره.
فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (36) ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ (37) قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (38)
النمل 27:36
(فلما جاء) رسولها المرسل بالهدية وهو منذر بن عمرو، والمراد بهذا المضمر الجنس فلا ينافي كونهم جماعة كما يدل عليه قولها: بم يرجح المرسلون. وقرئ فلما جاءوا أي: الرسل (سليمان قال أتمدونن بمال)؟ مستأنفة والاستفهام للإنكار أي: قال منكراً لإمدادهم له بالمال، مع علو سلطانه، وكثرة ماله.
(فما آتاني الله) من النبوة والعلم والملك العظيم والأموال الكثيرة (خير مما آتاكم) من المال الذي هذه الهدية من جملته، وهذا تعليل للنفي، ثم إنه أضرب عن الإنكار المتقدم، فقال توبيخاً لهم بفرحهم بهذه الهدية فرح فخر وخيلاء:
(بل أنتم بهديتكم تفرحون) وأما أنا فلا أفرح بها وليست في الدنيا من حاجتي لأن الله سبحانه قد أعطاني منها ما لم يعطه أحداً من العالمين، ومع ذلك أكرمني بالنبوة والمراد بهذا الإضراب من سليمان بيان السبب الحامل لهم على الهدية مع الإزراء بهم، والحط عليهم، ثم قال سليمان للرسول:
النمل 27:37
(ارجع إليهم) أي إلى بلقيس وقومها بما أتيت به من الهدية، وخاطب المفرد هاهنا بعد خطابه للجماعة فيما قبل إما لأن الذي سيرجع هو الرسول فقط، أو خص أمير الرسل بالخطاب هنا، وخاطبهم معه فيما سبق افتناناً في الكلام. وقرئ ارجعوا وقيل: إن الضمير يرجع إلى الهدهد.
واللام في (فلنأتينهم) جواب قسم محذوف، أي: والله إن لم يأتوني مسلمين لنأتينهم قال النحاس: وسمعت ابن كيسان يقول: هي لام توكيد، ولام أمر، ولام خفض. وهذا قول الحذاق من النحويين لأنهم يردون الشيء إلى أصله، وهذا لا يتهيأ إلا لمن درب في العربية.
(بجنود لا قبل) أي: لا طاقة (لهم بها) وحقيقة القبل المقابلة والقاومة، أي لا يقدرون أن يقابلوهم.
(ولنخرجنهم منها) أي: من بلادهم وأرضهم التي هم فيها، وهي سبأ حال كونهم (أذلة) بعد أن كانوا أعزة (وهم صاغرون) هي حال ثانية مؤكدة للأولى، لأن الصغار هو الذلة، وقيل: إن المراد بالصغار هنا الأسر والاستعباد، وقيل: إن الصغار الإهانة التي تسبب عنها الذلة. ولما رجع الرسول إلى بلقيس بالهدية تجهزت للمسير إلى سليمان لتنظر ما يأمرها به، وأخبر جبريل سليمان بذلك.
النمل 27:38
(قال) سليمان لكل من هو عنده في قبضته من الجن والإنس وغيرهما: (يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها) أي عرش بلقيس، الذي تقدم وصفه بالعظم وكان سليمان إذ ذاك في بيت المقدس، وعرشها في سبأ بلدة باليمن، وبينها وبين القدس مسيرة شهرين (قبل أن يأتوني مسلمين) أي قبل أن تأتيني هي وقومها منقادين طائعين.
قيل: إنما أراد سليمان أخذ عرشها قبل أن يصلوا إليه ويسلموا لأنهم حينئذ حربيون، وإذا أسلمت وأسلم قومها لم يحل أخذ أموالهم بغير رضائهم لأن الإسلام يعصم مالهم.
قال ابن عطية: وظاهر الروايات أن هذه المقالة من سليمان بعد مجيء هديتها ورده إياها وبعثه الهدهد بالكتاب، وعلى هذا جمهور المتأولين.
وقيل: استدعى العرش قبل وصولها ليريها القدرة التي هي من عند الله، ويجعله دليلاً على نبوته. وقيل: أراد أن يختبر عقلها ولهذا قال: نكروا لها عرشها كما سيأتي، وقيل: أراد أن يختبر صدق الهدهد في وصفه للعرش بالعظم والقول الأول هو الذي عليه الأكثر.
قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (39) قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (40) قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ (41)
النمل 27:39
(قال عفريت من الجن) وقرئ (عفريه) بفتح التحتية بعدها تاء تأنيث منقلبة هاء، ورويت هذه عن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه؛ وقرأ أبو حيان بفتح العين وهو شاذ، والعفريت المارد الغليظ الشديد القوي. قال النحاس: يقال للشديد إذا كان معه خبث ودهاء، عفر وعفريه وعفريت.
وقال قتادة: هو الداهية، وقيل: هو رئيس الجن، وقال ابن عطية: وقرأت فرقة عفر بكسر العين جمعه على عفار. قال وهب: اسمه كوذي. وقال السهيلي: ذكوان، وقيل: هو صخر المارد، قاله ابن عباس، وقيل: اسمه دعوان، وكان مثل الجبل، يضع قدمه عند منتهى طرفه، وكان مسخراً لسليمان.
(أنا آتيك به) أي أنا سآتي بالعرش إليك مضارع أو اسم فاعل (قبل أن تقوم من مقامك) أي مجلسك الذي تجلس فيه للحكومة بين الناس وهو من الغداة إلى نصف النهار (وإني عليه) أي على حمله (لقوي أمين) على ما فيه من الجواهر وغيرها، قال سليمان: أريد أسرع من ذلك.
النمل 27:40
(قال الذي عنده علم من الكتاب) المنزل على الأنبياء قبل سليمان كالتوراة التي أنزلت على موسى، قال أكثر المفسرين: اسمه آصف بن برخيا بالمد وبالقصر، وهو من بني إسرائيل، وكان وزيراً لسليمان وصديقاً له، وقيل: كاتبه، وكان من أولياء الله تظهر الخوارق على يديه كثيراً، وقيل كان يعلم اسم الله الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب، قاله ابن عطية.
وقالت فرقة: هو سليمان نفسه، ويكون الخطاب على هذا للعفريت كأن سليمان استبطأ ما قاله العفريت، فقال له هذه المقالة تحقيراً له، وقيل هو جبريل، وقيل: ملك آخر. وقيل: الخضر، وقد قيل غير ذلك مما لا أصل له والأول أولى.
(أنا آتيك به) أي بالعرش، وقال مجاهد في قراءة ابن مسعود: أنا انظر في كتاب ربي الخ ثم آتيك به (قبل أن يرتد إليك طرفك) إذا نظرت به إلى شيء ما، والمراد بالطرف تحريك الأجفان وفتحها للنظر، وارتداده انضمامها، ولكونه أمراً طبيعياً غير منوط بالقصد آثر الارتداد على الرد، وفي القاموس إن الطرف كما يطلق أعلى نظر العين يطلق على العين نفسها، وقيل: هو بمعنى المطروف، أي الشيء الذي ينظره، وقيل: هو نفس الجفن عبر به عن سرعة الأمر كما تقول لصاحبك افعل ذلك في لحظة، قاله مجاهد.
وقال سعيد بن جبير: أنه قال لسليمان: انظر إلى السماء فما طرف حتى جاء به فوضعه بين يديه، والمعنى حتى يعود إليك طرفك بعد مده إلى السماء، والأول أولى هذه الأقوال، ثم الثالث.
قال ابن عباس: لم يجر عرش صاحبة سبأ بين الأرض والسماء، ولكن انشقت به الأرض فجرى تحت الأرض حتى ظهر بين يدي سليمان، وقال مجاهد: لما تكلم العالم بكلام دخل العرش في نفق تحت الأرض حتى خرج إليهم.
(فلما رآه مستقراً عنده) قيل: في الآية حذف، والتقدير فأذن له سليمان فدعا الله فأتى به، فلما رأى سليمان العرش حاضراً لديه (قال هذا) أي حضور العرش وثبوته من غير تحرك وتقلقل (من فضل ربي) وإحسانه.
(ليبلوني) أي ليختبرني، وقيل: ليتعبدني وهو مجاز، والأصل في الابتلاء: الاختبار (أأشكر)؟ الله بذلك واعترف بأنه من فضله من غير حول مني ولا قوة، وأقوم بحقه (أم أكفر)؟ بترك الشكر وعدم القيام به، أو بأن أثبت لنفسي فعلاً وتصرفاً في ذلك، وقال الأخفش: المعنى لينظر أشكر أم أكفر.
(ومن شكر فإنما يشكر لنفسه) لأنه استحق بالشكر تمام النعمة ودوامها، فإن الشكر قيد النعمة الموجودة وصيد النعمة المفقودة، والمعنى أنه لا يرجع نفع ذلك وثوابه إلا إلى الشاكر.
(ومن كفر) النعمة بترك الشكر (فإن ربي غني) عن شكره (كريم) في ترك المعاجلة بالعقوبة بنزع نعمه عنه وسلبه ما أعطاه منها.
النمل 27:41
(قال نكروا لها عرشها) قيل: إنما أعيد ذكر القول لكون المتعلق مختلفاً لكونه أولا ثناء على الله، وثانياً متعلقاً بشأن عرشها، والتنكير التغيير، وجعل الشيء بحيث لا يعرف، ضد التعريف، ومنه نقل إلى مصطلح أهل العربية يقول: غيروا سريرها إلى حال تنكره إذا رأته، قيل: جعل أسفله أعلاه، وأعلاه أسفله، وقيل: غير بزيادة ونقصان، قاله ابن عباس.
قال الفراء وغيره: إنما أمر بتنكيره لأن الشياطين قالوا له: إن في عقلها شيئاًً فأراد أن يمتحنها، وقيل: خافت الجن أن يتزوج بها سليمان فيولد له ولد منها، فيبقون مسخرين لآل سليمان أبداً فقالوا لسليمان: إنها ضعيفة العقل، ورجلها كرجل الحمار، وقيل: أراد سليمان أن يظهر لها أن الجن مسخرون له.
(ننظر) أي نعلم قرئ بالجزم على أنه جواب الأمر وبه قرأ الجمهور، وقرئ بالرفع على الاستئناف، قال ابن عباس: لننظر إلى عقلها فوجدت ثابتة العقل (أتهتدي)؟ إلى معرفته أو إلى الإيمان بالله (أم تكون من الذين لا يهتدون) إلى ذلك.
فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ (42) وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ (43) قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (44) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ (45)
النمل 27:42
(فلما جاءت) بلقيس إلى سليمان (قيل) لها والقائل هو سليمان أو غيره بأمره: (أهكذا عرشك)؟ الذي تركته في قصرك، وأغلقت عليه الأبواب، وجعلت عليه حرساً، والهمزة للاستفهام، ولم يقل: (هذا عرشك) لئلا يكون ذلك تلقيناً لها فلا يتم الإختبار لعقلها.
(قالت كأنه هو) أي: فأجابت أحسن جواب، فلم تقل: هو هو، ولا ليس به، وذلك من رجاحة عقلها حيث لم تقع في المحتمل للأمرين. قال مجاهد: جعلت تعرف وتنكر، وتعجب من حضوره عند سليمان فقالت: كأنه هو، وقال مقاتل: عرفته ولكنها شبهت عليهم كما شبهوا عليها، ولو قيل لها: أهذا عرشك؟ لقالت نعم. وقال عكرمة: كانت حكيمة: قال: إن قلت: هو خشيت أن أكذب، وإن قلت: لا خشيت أن أكذب فقالت: كأنه هو.
(وأوتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين) قيل: هو من كلام بلقيس، أي: وأوتينا العلم بصحة نبوة سليمان من قبل هذه الآية في العرش، وكنا منقادين لأمره، وقيل: هو من قول سليمان أي: وأوتينا العلم بقدرة الله من قبل بلقيس، وقيل: العلم بإسلامها، ومجيئها طائعة من قبل مجيئها، وقيل: هو من كلام قوم سليمان، والقول الثاني أرجح من سائر الأقوال، وبه قال مجاهد، وعن زهير بن محمد نحوه.
النمل 27:43
(وصدها ما كانت تعبد من دون الله) من جملة كلام سليمان أو كلامها على الاحتمالين السابقين، وذكر أبو السعود احتمالاً آخر وهو؛ أنه من كلام الله سبحانه بيان لما كان يمنعها من إظهار ما ادعته من الإسلام، أي منعها من إظهار الإيمان ما كانت تعبده وهو الشمس، قال النحاس: أي صدها عبادتها عن التقدم إلى الإسلام، وقيل: منعها الله عما كانت تعبد من دونه، وقيل: منعها سليمان عما كانت تعبد، والأول أولى، والجملة مستأنفة للبيان.
(إنها كانت من قوم كافرين) تعليل للجملة الأولى أي سبب تأخرها عن عبادة الله ومنع ما كانت تعبده عن ذلك أنها كانت من قوم متصفين بالكفر، راسخين فيه، ولذلك لم تكن قادرة على إظهار إسلامها وهي بينهم، بل حتى دخلت تحت ملك سليمان.
النمل 27:44
(قيل لها ادخلي الصرح) قال أبو عبيدة: الصرح القصر، وقال الزجاج: الصرح الصحن، يقال هذه صرحة الدار، وقامتها، وقال ابن قتيبة: الصرح بلاط اتخذ لها من قوارير، وجعل تحته ماء وسمك، وأصله من التصريح وهو الكشف، وكذب صراح أي ظاهر مكشوف، ولوم صراح. وحكى أبو عبيدة في الغريب: إن الصرح كل بناء عال مرتفع.
(فلما رأته) أي الصرح بين يديها (حسبته لجة) هي معظم الماء، وقال ابن عباس: البحر (و) لذلك (كشفت عن ساقيها) لتخوض الماء خوفاً عليها أن تبتل؛ فإذا هي أحسن النساء ساقاً سليمة مما قالت الجن فيها، غير أنها كانت كثيرة الشعر، فلما فعلت ذلك وبلغت إلى هذا الحد.
(قال) لها سليمان بعد أن صرف بصره عنها (إنه صرح ممرد) أي مسقف بسطح (من قوارير) فمن أراد مجاوزته لا يحتاج إلى تشمير ثيابه. والممرد المحكوك المملس، ومنه الأمرد لملاسة وجهه، وتمرد الرجل إذا لم تخرج لحيته.
قال الفراء: ومنه الشجرة المرداء، التي لا ورق لها. والتمريد في البناء التمليس والتسوية والممرد أيضاً المطول، ومنه قيل للحصن: مارد. وقوارير: جمع قارورة أي زجاج وتطلق القارورة على المرأة لأن الولد أو المني يقر في رحمها كما يقر الشيء في الإناء أو تشبيهاً بآنية الزجاج لضعفها، قال الأزهري: والعرب تكنى عن المرأة بالقارورة والقوصرة قال آزاد البلجرامي رحمه الله:
كم من قلوب رقاق إثر عيسهم ... يا حادي العيس رفقاً بالقوارير
والمراد بها هنا بيت الزجاج فلما سمعت بلقيس ذلك أذعنت واستسلمت.
و (قالت رب إني ظلمت نفسي) أي بما كنت عليه من عبادة غيرك وهو الشمس وقيل: بالظن الذي توهمته في سليمان لأنها توهمت أنه أراد تغريقها في اللجة. والأول أولى.
(وأسلمت مع سليمان) متابعة له داخلة في دينه وهو الإسلام (لله رب العالمين) التفتت من الخطاب إلى الغيبة قيل: لإظهار معرفتها بالله، والأولى أنها التفتت لما في هذا الاسم الشريف من الدلالة على جميع الأسماء، ولكونه علماً للذات. وأخرج ابن المنذر، وعبد بن حميد، وابن أبي شيبة وغيرهم عن ابن عباس في أثر طويل " إن سليمان تزوجها بعد ذلك "، قال أبو بكر بن أبي شيبة: ما أحسنه من حديث.
قال ابن كثير في تفسيره بعد حكاية هذا القول: بل هو منكر جداًً، ولعله من أوهام عطاء بن السائب على ابن عباس والله أعلم. والأقرب في مثل هذه السياقات أنها متلقاة عن أهل الكتاب مما يوجد في صحفهم كروايات كعب ووهب سامحهما الله فيما نقلا إلى هذه الأمة من بني إسرائيل؛ من الأوابد والغرائب والعجائب، مما كان، ومما لم يكن ومما حرف وبدل ونسخ، انتهى.
وكلامه هذا هو شعبة مما قد كررناه في هذا التفسير ونبهنا عليه في عدة مواضع، وكنت أظن أنه لم ينبه على ذلك غيري، فالحمد لله على هذه الموافقة لمثل هذا الحافظ المنصف، وقيل: انتهى أمرها إلى قولها: أسلمت، ولا علم لأحد وراء ذلك. لأنه لم يذكر في الكتاب ولا في خبر صحيح.
وأخرج البخاري في تاريخه والعقيلي عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " أول من صنعت له الحمامات سليمان " وروي عنه مرفوعاً من طريق أخرى رواها الطبراني، وابن عدى في الكامل، والبيهقي في الشعب بلفظ: " أول من دخل الحمام سليمان "، فلما وجد حره قال: أوه من عذاب الله، روى أن سليمان ملك وهو ابن ثلاث عشرة سنة، ومات وهو ابن ثلاث وخمسين سنة، وانقضى ملك بلقيس بانقضاء ملك سليمان، فسبحان من لا انقضاء لدوام ملكه.
النمل 27:45
(ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحاً) اللام هي الموطئة للقسم وهذه القصة من جملة بيان قوله: وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم. وثمود هو أبو القبيلة التي منها خرج صالح، فهو جده. والمراد به هنا نفس القبيلة وتسمى عاداً الثانية، وأما عاد الأولى فهم قوم هود، وتقدم أن بينهما مائة سنة، وعاش صالح مائتين وثمانين سنة (أن اعبدوا الله) أن هي المفسرة أو المصدرية أي بأن اعبدوا الله ووحدوه.
(فإذا هم فريقان يختصمون) إذا، هي الفجائية أي ففاجأ إرساله التفرق والاختصام، والمراد بالفريقين: المؤمنون منهم والكافرون، ومعنى الاختصام: أتا كل فريق يخاصم على ما هو فيه، ويزعم أن الحق معه، وقيل: إن الخصومة بينهم في صالح، هل هو مرسل؟ أم لا؟ وقال أحد الفريقين: صالح، والآخر: جميع قومه، وهو ضعيف، وقد تقدم حكاية اختصام الفريقين في سورة الأعراف، في قوله: قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم الآية.
قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (46) قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (47) وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (48) قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (49)
النمل 27:46
(قال) صالح للمكذبين: (يا قوم لمَ تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة)؟ قال مجاهد: أي بالعذاب قبل الرحمة. والمعنى لم تؤخرون الإيمان الذي يجلب إليكم الثواب؟ وتقدمون الكفر الذي يجلب إليكم العقوبة؟ وقد كانوا لفرط كفرهم يقولون: ائتنا يا صالح بالعذاب، ووصف العذاب بأنه سيئة مجازاً، إما لأن العقاب من لوازمه، أو لأنه يشبهه في كونه مكروهاً.
(لولا) هلا (تستغفرون الله) وتتوبون إليه من الشرك (لعلكم ترحمون)؟ أي: رجاء أن ترحموا أو لكي ترحموا فلا تعذبوا، فإن استعجال الخير أولى من استعجال الشر، فكالن جوابهم عليه بعد هذا الإرشاد الصحيح والكلام اللين أنهم قالوا:
النمل 27:47
(اطيرنا بك) أصله تطيرنا، وقد قرئ بذلك، والتطير التشاؤم، أي: تشاءمنا بك، وأصابنا الشؤم والضيق والشدة بك (وبمن معك) ممن أجابك، ودخل في دينك، وذلك لأنه أصابهم قحط فتشاءموا بصالح، وقد كانت العرب أكثر الناس طيرة، وأشقاهم بها، وكانوا إذا أرادوا سفراً أو أمراً من الأمور نفروا طائراً من وكره، فإن طار يمنة ساروا وفعلوا ما عزموا عليه، وإن طار يسرة تركوا ذلك.
وفي القرطبي: لا شيء أضر بالرأي، ولا أفسد للتدبير، من اعتقاد الطيرة، ومن ظن أن خوار بقرة أو نعيق غراب يرد قضاء، أو يدفع مقدوراً فقد جهل؛ فلما قالوا ذلك (قال) لهم صالح:
(طائركم عند الله) أي ما يصيبكم من الخير والشر بأمر الله، وهو مكتوب عليكم، سمي طائراً لأنه لا شيء أسرع من نزول القضاء المحتوم، والمعنى ليس ذلك بسبب الطيرة التي تشاءمون بها، بل سبب ذلك عند الله، وهو ما يقدره عليكم. وقيل: المعنى أن الشؤم الذي أصابكم هو من عند الله لسبب كفركم، وهذا كقوله تعالى: (يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ) وقيل: طائركم عملكم، وسمي طائراً لسرعة صعوده إلى السماء، ثم أوضح لهم سبب ما هم فيه بأوضح بيان فقال:
(بل أنتم قوم تفتنون)، أي تمتحنون وتختبرون، وقيل: تعذبون بذنوبكم، وقيل: يفتنكم غيركم، وقيل: يفتنكم الشيطان بما تقعون فيه من الطيرة أو بما لأجله تطيرون، فأضرب عن ذكر الطائر إلى ما هو السبب الداعي إليه، وجاء بالخطاب مراعاة لتقدم الضمير، ولو روعي ما بعده لقيل: يفتنون، بياء الغيبة، وهو جائز، ولكنه مرجوح، تقول: أنت رجل تفعل ويفعل، ونحن قوم ناقر ويقرون.
النمل 27:48
(وكان في المدينة) التي كان فيها صالح، وهي الحجر، كذا قال المفسرون هنا، وتقدم في سورة الحجر أنه واد بين المدينة والشام، وهو ديار ثمود.
(تسعة رهط) أي: تسعة رجال أو أشخاص من أبناء الأشراف وبهذا
الاعتبار وقع تمييزاً للتسعة لا باعتبار لفظه، والإضافة بيانية، أي: تسعة هم رهط، والرهط اسم جماعة، فكأنهم كانوا رؤساء يتبع كل واحد منهم جماعة، وقيل: الرهط ما دون العشرة من الرجال، ليس فيه امرأة، وسكون الهاء أفصح من فتحها، وهو جمع لا واحد له من لفظه؛ وقيل: الرهط من سبعة إلى عشرة وما دون السبعة إلى الثلاثة نافر، قال ثعلب: الرهط والنفر والقوم والمعشر والعشيرة معناهم الجمع، لا واحد لها من لفظها وهو للرجال دون النساء، وقال ابن السكيت: الرهط والعترة بمعنى، وقال الأصمعي: الرهط ما فوق العشرة إلى الأربعين، ونقله ابن فارس أيضاً.
والجمع أرهط وأراهط، وهؤلاء التسعة هم أصحاب قدار، عاقر الناقة، وكانوا عتاة قوم صالح. وقد اختلف في اسماء هؤلاء التسعة اختلافاً كثيراً لا حاجة إلا التطويل بذكره، ثم وصف هؤلاء بقوله:
(يفسدون في الأرض ولا يصلحون) أي شأنهم وعملهم الفساد في الأرض لا في المدينة فقط، فساداً لا يخالطه شيء من الإصلاح، قيل: كانوا يتبعون معائب الناس، ولا يسترون عوراتهم. وقيل: كانوا يظلمون ولا يمنعون الظالمين.
النمل 27:49
(قالوا تقاسموا) أي قال بعضهمِ لبعض: حلفوا (بالله) هذا على أن (تقاسموا) فعل أمر ويجوز أن يكون فعلاً ماضياً مفسراً لـ (قالوا) كأنه قيل: ما قالوا؟ فقال: تقاسموا، أو قالوا ذلك متقاسمين، وإليه ذهب الزمخشري وقرأ ابن مسعود (تقاسموا بالله) ليس فيها قالوا.
(لنبيتنه) اللام جواب قسم، أي لنأتينه بغتة في وقت البيات، فنقتله ليلاً (وأهله) أي من آمن به، وكانوا أربعة آلاف (ثم لنقولن لوليه) بالنون للمتكلم وقرئ بالتحتية وبالفوقية على خطاب بعضهم لبعض، والمراد بـ (ولي) صالح رهطه، الذين لهم ولاية الدم.
(وما شهدنا مهلك أهله) أي: ما حضرنا قتلهم، ولا ندري من قتله وقتل أهله ونفيهم لشهودهم لكان الهلاك يدل على نفي شهودهم لنفس القتل بالأولا، وقيل: إن المهلك بمعنى الإهلاك، قرئ مهلك بفتح الميم واللام وبكسر اللام.
(وإنا لصادقون) فيما قلناه من إنكار لقتلهم، قال الزجاج: وكان هؤلاء النفر تحالفوا أن يبيتوا صالحاً وأهله، ثم ينكروا عند أوليائه أنهم ما فعلوا ذلك ولا رأوه، وكان هذا مكراً منهم، ولهذا قال الله سبحانه: وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (50) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (51) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (52) وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (53) وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (54) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (55) فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (56) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ (57)
النمل 27:50
(ومكروا) بهذه المحالفة (مكراً) وهو ما أخفوه من تدبير الفتك بصالح (ومكرنا مكراً) أي جازيناهم بفعلهم فأهلكناهم.
(وهم لا يشعرون) بمكر الله بهم، وهذا على سبيل الاستعارة المنضمة إلى المشاكلة، كما في الكشاف وشروحه، يعني تشبيهاً له بالمكر من حيث كونه إضراراً في خفية، لأن المكر قصد الإضرار على طريق الغدر والحيلة.
النمل 27:51
(فانظر كيف كان عاقبة مكرهم) أي انظر ما انتهى إليه أمرهم الذي بنوه على المكر وما أصابهم بسببه. (أنا دمرناهم وقومهم أجمعين) بفتح همزة (أنا) وقرئ بكسرها وهما سبعيتان، قال الفراء والزجاج: من كسر استأنف وهو يفسر به ما كان قبله، كأنه جعله تابعاً للعاقبة كأنه قال: العاقبة إنا دمرناهم وعلى قراءة الفتح التقدير بأنا، أو لأنا و (كان) تامة، وعاقبة فاعل لها، أو يكون بدلاً من عاقبة، أو يكون خبر مبتدأ محذوف، أي: هي أنا دمرناهم. وفي حرف أُبي أن دمرناهم.
والمعنى أن الله دمر التسعة الرهط المذكورين، بالرمي، ودمر قومهم الذين لم يكونوا معهم عند مباشرتهم لذلك بصيحة جبريل عليه السلام، وأجمعين. تأكيد لكل من المعطوف والمعطوف عليه ومعناه أنه لم يشذ منهم أحد، ولا سلم من العقوبة فرد من أفرادهم.
وجملة
النمل 27:52
(فتلك بيوتهم خاوية) مقررة لما قبلها أي حال كونها خاوية قال الفراء، والنحاس: أي خالية عن أهلها خراباً ليس بها ساكن، من خوى البطن إذا خلا، أو ساقطة متهدمة من خوى النجم إذا سقط. وقيل: الأصل تلك بيوتهم الخاوية كقوله: وله الدين واصباً (بما ظلموا) أي بسبب ظلمهم.
(إن في ذلك) التدمير والإهلاك (لآية) أي: لعبرة عظيمة (لقوم يعلمون) أي يتصفون بالعلم بالأشياء
النمل 27:53
(وأنجينا الذين آمنوا) وهم صالح ومن آمن به (وكانوا يتقون) الله ويخافون عقابه، وخرج صالح ومن معه من المؤمنين إلى حضرموت، فلما دخلها مات صالح فسمى حضرموت، قال الضحاك: ثم بنى الأربعة آلاف الذين كانوا معه مدينة يقال لها حاضوراء.
النمل 27:54
(و) أرسلنا (لوطاً إذ قال لقومه) هم أهل سدوم: (أتأتون الفاحشة) أي: الفعلة المتناهية في القبح والشناعة، وهي إتيان المذكور واللواط (وأنتم تبصرون) أي وأنتم تعلمون علماً يقيناً أنها فاحشة وقبيحة. وذلك أعظم ذنوبكم، على أن تبصرون من بصر القلب وهو العلم أو بمعنى النظر لأنهم كانوا لا يستترون حال فعل الفاحشة، عتواً وتمرداً، والجملة حالية مفيدة لتأكيد الإنكار، وتشديد التوبيخ، وقد تقدم تفسير هذه القصة في الأعراف مستوفى.
النمل 27:55
(أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ)؟ فيه تكرير للتوبيخ مع التصريح، بأن تلك الفاحشة هي اللواطة التي أبهمها أولا، وفيه إشارة إلى أن فعلتهم هذه مما يعي الواصف، ولا يبلغ كنه قبحها، ولا يصدق ذو عقل أن أحداً يفعلها، ثم علل ذلك بقوله:
(شهوة) تنزيلاً لهم إلى رتبة البهائم التي ليس فيها قصد ولد. ولا عفاف، والتقدير للشهوة أو إتياناً شهوة؛ أو مشتهين لهم.
(من دون النساء) أي متجاوزين النساء اللاتي هن محل لذلك، وفيه إشارة إلى أنهم أساءوا من الطرفين في الفعل والترك.
(بل أنتم قوم تجهلون) التحريم، أو عاقبة فعلكم، والعقوبة على هذه المعصية، قيل: أراد بالجهل السفاهة التي كانوا عليها، أو تفعلون فعل الجاهلين بقبحه، وقد اجتمع الخطاب والغيبة هنا، وفي قوله: بل أنتم قوم تفتنون فغلب الخطاب على الغيبة لأنه أقوى وأرسخ إذ الأصل أن يكون الكلام بين الحاضرين.
النمل 27:56
(فما كان جواب قومه إلا أن قالوا) أي: إلا قولهم (أخرجوا آل لوط) أي لوطاً وأهله، والمراد بهم بنتاه وزوجته المؤمنة (1) (من قريتكم) فيه امتنان عليه بإسكانه عندهم، والإضافة للجنس لأن قراهم كانت خمساً أعظمها سدوم (إنهم أناس يتطهرون) أي يتنزهون ويتباعدون عن أدبار الرجال، قالوا ذلك استهزاء منهم بهم.
النمل 27:57
(فأنجيناه وأهله) من العذاب الواقع بالقوم، فخرج لوط بأهله من أرضهم وطوى الله له الأرض حتى نجا، ووصل إلى إبراهيم (إلا امرأته قدرناها) قرئ مخففاً ومشدداً، والمعنى واحد مع دلالة زيادة البناء على زيادة المعنى (من الغابرين) أي الباقين في العذاب.
وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (58) قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (59) أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (60)
النمل 27:58
(وأمطرنا عليهم) أي: على كل من كان منهم خارج المدائن (مطراً) أي حجارة مكتوباً عليها اسم صاحبها، وهو حجارة السجيل أي: الطين المحرق وهذا التأكيد يدل على شدة المطر، وأنه غير معهود.
(فساء مطر المنذرين) أي الذين أنذروا فلم يعقلوا ولم يقبلوا الإنذار والمخصوص بالذم محذوف، أي مطرهم، وقد مضى بيان ذلك كله في الأعراف والشعراء.
النمل 27:59
(قل الحمد لله) قال الفراء: قال أهل المعاني: قيل للوط قل الحمد لله على هلاكهم، وخالفه جماعة المفسرين فقالوا: إن هذا خطاب لنبينا - صلى الله عليه وسلم - أي قل: الحمد لله على هلاك كفار الأمم الخالية، قال النحاس: وهذا أولى لأن القرآن منزل على النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكل ما فيه فهو مخاطب به، إلا ما لم يصح معناه إلا لغيره، وكان هذا صدر خطبة لما يلقى من البراهين الدالة على الوحدانية، والعلم والقدرة الآتي ذكرها بقوله: أمن خلق الخ قيل: والمراد بقوله:
(وسلام على عباده الذين اصطفى) أمته - صلى الله عليه وسلم - والأولى حمله على العموم، وهم كل المؤمنين من السابقين واللاحقين، فيدخل في ذلك الأنبياء وأتباعهم، قال ابن عباس: هم أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - اصطفاهم الله لنبيه - صلى الله عليه وسلم -، وروي مثله عن سفيان الثوري؛ والأولى ما قدمناه من التعميم، فيدخل في ذلك أصحابه - صلى الله عليه وسلم - دخولاً أولياً، وهو تعليم لكل متكلم في كل أمر ذي بال، بأن يتبرك بهما ويستظهر لمكانهما.
(آلله)؟ فيه وجهان يجريان في خمسة مواضع في القرآن غير هذا الموضِع أحدهما تسهيل الهمزة الثانية مقصورة، والثاني إبدالها ألفاً ممدودة مداً لازماً والمعنى الله الذي ذكرت أفعاله، وصفاته الدالة على عظيم قدرته.
(خير أما يشركون)؟ به من الأصنام وفيه تبكيت للمشركين: وإلزام الحجة عليهم بعد هلاك الكفار و (أم) هذه متصلة عاطفة لاستكمال شروطها، والتقدير أيهما خير، وهذه الخيرية ليست بمعناها الأصلي، بل هي كقول الشاعر:
أتهجوه ولست له بكفء؟ ... فشركما لخيركما الفداء
فيكون ما في الآية من باب التهكم بهم، إذ لا خير فيهم أصلاً، وقد حكى سيبويه: إن العرب تقول: السعادة أحب إليك أم الشقاوة ولا خير في الشقاوة أصلاً، وقيل: المعنى أثواب الله خير؟ أم عقاب ما تشركون به؟ وقيل: قال لهم ذلك جرياً على اعتقادهم، لأنهم كانوا يعتقدون أن في عبادة الأصنام خيراً. وقيل: المراد من هذا الاستفهام الخبر، وقرأ الجمهور تشركون بالفوقية على الخطاب وقرئ بالتحتية.
النمل 27:60
(أمن خلق السماوات والأرض)؟ أم هذه هي المنقطعة، وقال أبو حاتم: تقديره أآلهتكم خير؟ أم من خلق السماوات والأرض؟ وقدر على خلقهن، وقيل: المعنى أعبادة ما تعبدون من أوثانكم خير؟ أم عبادة من خلق العالم الجسماني؟ فيكون (أم) على هذا متصلة، وفيها معنى التوبيخ والتهكم، كما في الجملة الأولى.
(وأنزل لكم من السماء ماء) أي نوعاً مد، الماء وهو المطر (فأنبتنا به حدائق) جمع حديقة، قال الفراء: الحديقة البستان الذي عليه حائط، فإن لم يكن عليه حائط فهو البستان، وليس بحديقة. وقال قتادة وعكرمة: الحدائق النخل.
(ذات بهجة) أي ذات منظر حسن، ورونق، والبهجة هي الحسن الذي يبتهج به من رآه ولم يقل ذوات بهجة على الجمع، لأن المعنى جماعة حدائق، وصرف الكلام عن الغيبة إلى التكلم تأكيداً لمعنى اختصاص الفعل بذاته، وإيذاناً بأن إنبات الحدائق المختلفة الأصناف والألوان والطعوم والأشكال، مع سقيها بماء واحد لا يقدر عليه إلا هو وحده، ثم رشح معنى الاختصاص بقوله:
(ما كان لكم أن تنبتوا شجرها) فضلاً عن ثمارها وسائر صفاتها البديعة، ومعنى هذا النفي الحظر والمنع من فعل هذا أي ما يصح للبشر، ولا يتهيأ لهم ذلك، ولا يدخل تحت مقدورهم، لعجزهم عن إخراج الشيء من العدم إلى الوجود، وأن تأتي ذلك محال من غيره، ثم قال سبحانه موبخاً لهم ومقرعاً:
(أإله) أي: هل معبود (مع الله)؟ الذي تقدم ذكر بعض أفعاله حتى يقرن به، ويجعل شريكاً له في العبادة، وقرئ إلهاً أي: أتدعون إلهاً مع الله؟ والاستفهام للإنكار أي ليس معه إله، وكذا يقال في المواضع الأربعة الآتية، ثم أضرب عن توبيخهم وتقريعهم بما تقدم، وانتقل إلى بيان سوء حالهم مع الالتفات من الخطاب إلى الغيبة فقال:
(بل هم قوم يعدلون) بالله غيره، أو يعدلون عن الحق إلى الباطل، و (بل هم) بعد الخطاب أبلغ في تخطئة رأيهم ثم شرع في الاستدلال بأحوال الأرض وما عليها فقال: أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (61) أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (62) أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (63) أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (64)
النمل 27:61
(أمن جعل الأرض قراراً)؟ القرار هو المستقر أي دحاها وسواها وجعلها بحيث يمكن الاستقرار عليها للإنسان والدواب بإخلاء بعضها من الماء حسبما تدور عليه منافعهم، وقيل: هذه الجملة وما بعدها من الجمل الثلاث بدل من قوله أمن خلق السماوات والأرض؟ ولا ملجئ لذلك، بل هي وما بعدها إضراب، وانتقال من التقريع والتوبيخ بما قبلها إلى التوبيخ والتقريع بشيء آخر.
(وجعل) أي خلق أو صير (خلالها) أي فيما بينها (أنهاراً) تطرد بالمياه، والخلال الوسط، وقد تقدم تحقيقه في قوله: وفجرنا خلالهما نهراً.
(وجعل لها رواسي) أي جبالاً ثوابت تمسكها وتمنعها من الحركة (وجعل بين البحرين) هما العذب والمالح، أي جعل بينهما من قدرته (حاجزاً) أي مانعاً معنوياً، وهو المنع الإلهي، إذ ليس هناك حاجز حسي كما هو مشاهد فلا يختلط أحدهما بالآخر، فلا هذا يغير ذاك، ولا ذاك يدخل في هذا وقد مر بيانه في سورة الفرقان.
(أإله مع الله) أي: إذا ثبت أنه لا يقدر على ذلك إلا الله فهل إله في الوجود يصنع صنعه، ويخلق خلقه فكيف يشركون به ما لا يضر ولا ينفع. (بل أكثرهم لا يعلمون) توحيد ربهم وسلطان قدرته.
النمل 27:62
(أمن يجيب المضطر إذا دعاه)؟ هذا الاستدلال منه سبحانه بحاجة الإنسان إليه على العموم والمضطر اسم مفعول من الاضطرار، وهو افتعال من الضرورة، وهي الحاجة المحوجة إلى اللجأ، يقال: اضطره إلى كذا، والمضطر هو المكروب المجهود، الذي مسه الضر ولا حول له ولا قوة، وقيل هو المذنب إذا استغفر، وقيل: هو المظلوم إذا دعا، أو من رفع يديه ولم ير لنفسه حسنة غير التوحيد، وهو منه على خطر، وقيل: هو الذي عراه ضر من فقر، أو مرض، أو نازلة من نوازل الدهر، فألجأه إلى التضرع إلى الله.
والألف واللام في (المضطر) للجنس لا للاستغراق، فقد لا يجاب دعاء بعض المضطرين، لمانع يمنع من ذلك بسبب يحلله العبد، يحول بينه وبين إجابة دعائه، وإلا فقد ضمن الله سبحانه إجابة دعاء المضطر إذا دعاه وأخبر بذلك عن نفسه، والوجه في إجابة دعاء المضطر أن ذلك الاضطرار الحاصل له يتسبب عنه الإخلاص، وقطع النظر عما سوى الله.
وقد أخبر الله سبحانه بأنه يجيب دعاء المخلصين له الدين، وإن كانوا كافرين، فقال (حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ) وقال: (فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون) فأجابهم عند ضرورتهم وإخلاصهم مع علمه بأنهم سيعودون إلى شركهم.
(ويكشف السوء)؟ الذي يسوء العبد من غير تعيين وقيل: هو الضر وقيل: هو الجور وهذا من عطف العام على الخاص.
(ويجعلكم خلفاء الأرض)؟ أي: يحلف كل قرن منكم القرن الذي قبله بعد انقراضهم والمعنى يهلك قرناً وينشئ آخرين: وقيل: يجعل أولادكم خلفاً منكم، وقيل: جعلكم خلفاء الجن في الأرض، وقيل: يجعل المسلمين خلفاً من الكفار ينزلون أرضهم وديارهم.
(أإله مع الله)؟ الذي يوليكم هذه النعم الجسام. (قليلاً ما) أي: تذكراً قليلاً (تذكرون) و (ما) زائدة لتقليل القليل هو كناية عن العدم بالكلية فالمراد نفي تذكرهم رأساً، قال الكرخي: المعنى نفي التذكر والقلة تستعمل في معنى النفي، قرأ الجمهور بالفوقية على الخطاب وقرئ بالتحتية على الخبر رداً على قوله: بل أكثرهم لا يعلمون.
النمل 27:63
(أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر) أي يرشدكم في الليالي المظلمة إذا سافرتم في البر والبحر إلى مقاصدكم، وقيل: المراد مفاوز البر التي لا أعلام لها ولجج البحار، وشبهها بالظلمات لعدم ما يهتدون به فيها، وقيل: يهديكم بالنجوم ليلاً وبعلامات الأرض نهاراً.
(ومن يرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته)؟ المراد بالرحمة هنا: المطر أي بين يدي المطر وقبل نزوله.
(أإله مع الله)؟ يفعل ذلك ويوجده (تعالى الله عما يشركون) أي تنزه وتقدس عن وجود ما يجعلونه له شريكاً.
النمل 27:64
(أمن يبدأ الخلق ثم يعيده)؟ كانوا يقرون بأن الله سبحانه هو الخالق فألزمهم الإعادة أي إذا قدر على الابتداء قدر على الإعادة (ومن يرزقكم من السماء والأرض)؟ بالمطر والنبات أي: أهو خير أم ما تجعلونه شريكاً له مما لا يقدر على شيء من ذلك؟ (أإله مع الله) حتى تجعلوه شريكاً له.
(قل هاتوا برهانكم) أي حجتكم عقلية أو نقلية على أن الله سبحانه شريكاً أو هاتوا حجتكم على أن ثم صانعاً يصنع كصنعه (إن كنتم صادقين) أن مع الله إلهاً فعل شيئاًً مما ذكر. وفي هذا تبكيت لهم وتهكم بهم. وسألوه عن وقت قيام الساعة فنزل: قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (65) بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ (66) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ (67) لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (68) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (69)
النمل 27:65
(قل لا يعلم من) أي لا يعلم أحد من المخلوقات الكائنة الثابتة الساكنة المستقرة (في السماوات والأرض) وهم الملائكة والإنس (الغيب) الذي استأثر الله بعلمه (إلا الله) أي: لكن الله يعلم ذلك فالاستثناء منقطع، ورفع ما بعد (إلا) على اللغة التميمية كما في قوله:
إلا اليعافير وإلا العيس
وقيل: لا يعلم غيب من فيهما، ولا يعلم الأشياء التي تحدث فيهما إلا الله، وقيل: هو استثناء متصل من (من) والأول أولى، لأن الاتصال يقتضي أن الله من جملة من فيهما.
أخرج البخاري ومسلم وغيرهما من حديث عائشة قالت: " ثلاث من تكلم بواحدة منهن فقد أعظم على الله الفرية "، وقالت في آخره: " ومن زعم أنه يخبر الناس بما يكون في غد فقد أعظم على الله الفرية، والله تعالى يقول: قل: (لا يعلم) " الآية ".
(وما يشعرون) أي الكفار (أيان يبعثون) أي متى ينشرون من القبور، وأيان مركبة من أي وأن، وقد تقدم تحقيقه، وقرئ إيان بكسر الهمزة، وهي لغة بني سليم.
النمل 27:66
(بل ادارك) أصله تدارك، وقرئ أدرك من الإدراك، وقرئ بل أدرك بفتح لام بل، وتشديد الدال، وأدرك على الاستفهام، وقرئ بل تدارك، بإثبات التاء، ومعنى الآية بل تكامل.
(علمهم في الآخرة) لأنهم رأوا كل ما وعدوا به وعاينوه، وقيل: معناه تتابع وتلاحق، والقراءة الثانية معناها كمل علمهم في الآخرة مع المعاينة، وذلك حين لا ينفعهم العلم لأنهم كانوا في الدنيا مكذبين، وقال الزجاج: إنه على معنى الإنكار. واستدل على ذلك بقوله: فيما بعد: بل هم منها عمون، أي لم يدرك علمهم علم الآخرة، وقيل: المعنى بل ضل وغاب علمهم في الآخرة فليس لهم فيها علم.
ومعنى الثالثة كالأولى، فافتعل وتفاعل، قد يجيئان لمعنى. والرابعة هي بمعنى الإنكار. قال الفراء: وهو وجه حسن كأنه وجهه إلى المكذبين على طريق الاستهزاء بهم، وفي الآية قراءات أخر لا ينبغي الاشتغال بذكرها وتوجيهها.
وعن ابن عباس قال: بل إدراك علمهم في الآخرة حين لا ينفع الندم وعنه قال: لم يدرك علمهم، وعنه: أنه قرأها بالاستفهام، وعنه قال: غاب علمهم.
(بل هم في شك منها) أي بل هم اليوم في الدنيا في شك من الآخرة ثم أضرب عن ذلك إلى ما هو أشر منه فقال: (بل هم منها عمون) فلا يدركون شيئاًً من دلائلها لاختلال بصائرهم التي يكون بها الإدراك و (عمون) جمع عم، وهو من كان أعمى القلب، والمراد بيان جهلهم بها على وجه لا يهتدون إلى شيء مما يوصل إلى العلم بها فمن قال: إن معنى الآية الأولى أنه كمل علمهم وتم مع المعاينة، فلا بد من حمل قوله بل هم في شك الخ على ما كانوا عليه في الدنيا، ومن قال: إن معنى الآية الأولى الاستهزاء بهم والتبكيت لهم لم يحتج إلى تقييد قوله بل هم في شك الخ بما كانوا عليه في الدنيا وبهذا يتضح معنى هذه الآيات ويظهر ظهوراً بيناً، والإضرابات الثلاث تنزيل لأحوالهم وتكرير لجهلهم.
ولما ذكر سبحانه أن المشركين في شك من البعث وأنهم عمون عن النظر في دلائله أراد أن يبين غاية شبهتهم وهي مجرد استبعاد إحياء الموتى بعد صيرورتهم تراباً فقال:
النمل 27:67
(وقال الذين كفروا أئذا كنا تراباً وآباؤنا أئنا لمخرجون) المعنى أنهم استنكروا واستبعدوا أن يخرجوا من قبورهم أحياء بعد أن قد صاروا تراباً.
ثم أكدوا ذلك الاستبعاد بما هو تكذيب للبعث فقالوا:
النمل 27:68
(لقد وعدنا هذا) يعنون البعث (نحن وآباؤنا من قبل) أي من قبل وعد محمد - صلى الله عليه وسلم - لنا وقد مرت الدهور على هذا الوعد ولم يقع منه شيء، فذلك دليل على أنه لا حقيقة له والجملة مستأنفة مسوقة لتقرير الإنكار مصدرة بالقسم لزيادة التقرير.
(إن هذا) " الوعد بالبعث " (إلا أساطير الأولين) أي أحاديثهم وأكاذيبهم الملفقة التي كتبوها ولا حقيقة لها وقد تقدم تحقيق معنى الأساطير في سورة المؤمنين ثم أوعدهم سبحانه على عدم قبول ما جاءت به الأنبياء من الإخبار بالبعث فأمرهم بالنظر في أحوال الأمم السابقة المكذبة للأنبياء وما عوقبوا به وكيف كانت عاقبتهم فقال:
النمل 27:69
(قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين) المكذبين بما جاءت به الأنبياء على نبينا وعليهم الصلاة والسلام، من الإخبار بالبعث ومعنى النظر هو مشاهدة آثارهم بالبصرت فإن في المشاهدة زيادة اعتبار، وكفاية لأولي الأبصار. وقيل: المعنى فانظروا بقلوبكم وبصائركم، كيف كان عاقبة المكذبين لرسلهم؟ والأول أولى، لأمرهم بالسير في الأرض؛ وفيه تهديد لهم على التكذيب؛ وتخويف بأن ينزل بهم مثل ما نزل بالمكذبين قبلهم.
وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (70) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (71) قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ (72) وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (73) وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (74) وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (75) إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (76) وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (77) إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (78)
النمل 27:70
(ولا تحزن عليهم) الحزن سببه إما فوت أمر في الماضي، أو توقع مكروه في المستقبل، أي: لا تحزن على عدم إيمان المستهزئين فيما مضى ولا تغتم وتهتم بمكرهم في المستقبل؛ وهو معنى قوله:
(ولا تكن في ضيق مما يمكرون) الضيق الحرج، يقال: ضاق الشيء ضيقاً بالفتح، وضيقاً بالكسر، قرئ بهما وهما لغتان، قال ابن السكيت: يقال: في صدر فلان ضيق، وضيق، وهو ما يضيق عنه الصدور، وقرئ لا تكن بثبوت النون هنا على الأصل.
وقد حذفت من هذا المضارع في القرآن في عشرين موضعاً، تسعة منها مبدوءة بالتاء، وثمانية بالياء، واثنان بالنون، وواحد بالهمزة، وهو قوله: ولم أك بغياً، وقد تقدم تفسير هذه الآية في آخر سورة النحل.
النمل 27:71
(ويقولون متى هذا الوعد) بالعذاب الذي تعدنا (إن كنتم صادقين) في ذلك، خطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - ومن معه، من المؤمنين.
النمل 27:72
(قل عسى أن يكون ردف لكم) يقال ردفت الرجل وأردفته، إذا ركبت خلفه، وردفه إذا اتبعه وجاء في إثره، قال ابن شجرة: معنى ردف لكم تبعكم، قال: ومنه ردف المرأة، لأنه تبع لها من خلفها. قال الجوهري: وأردفه لغة في ردفه مثل تبعه واتبعه. قال الفراء: ردف لكم دنا لكم، ولهذا قيل: لكم، وقرئ ردف بفتح الدال، وهي لغة، والكسر أشهر.
وقرأ ابن عباس (أزف لكم) وعسى ولعل وسوف في مواعيد الملوك بمنزلة الجزم بمدخولها، وإنما يطلقونها إظهاراً للوقار، وإشعاراً بأن الرمز من أمثالهم كالتصريح ممن عداهم، وعلى ذلك يجري الله وعيده، قاله أبو السعود والمعنى قل: يا محمد - صلى الله عليه وسلم - لهؤلاء الكفار: عسى أن يكون هذا العذاب الذي به توعدون تبعكم ولحقكم؛ فتكون اللام زائدة للتأكيد، أو بمعنى اقترب لكم ودنا منكم قاله ابن عباس، فتكون غير زائدة.
(بعض الذي تستعجلون) من العذاب، أي حلوله، قيل: هو عذابهم بالقتل يوم بدر، وقيل: هو عذاب القبر، ثم ذكر سبحانه فضله فقال:
النمل 27:73
(وإن ربك لذو فضل على الناس) في تأخير العقوبة، والأولى أن تحمل الآية على العموم، ويكون تأخير العقوبة من جملة أفضاله سبحانه وإنعامه.
(ولكن أكثرهم لا يشكرون) فضله وإنعامه، ولا يعرفون حق إحسانه.
ثم بين سبحانه أنه مطلع على ما في صدورهم فقال:
النمل 27:74
(وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم) أي ما تخفيه فليس التأخير لخفاء حالهم عليه، قرئ بضم التاء من أكن، وبفتحها وضم الكاف يقال كننته بمعنى سترته وأخفيت أثره (وما يعلنون) من أقوالهم وأفعالهم، ويظهرونها. وقال ابن عباس: يعلم ما عملوا بالليل والنهار.
النمل 27:75
(وما من غائبة في السماء والأرض إلا في كتاب مبين) أي: في اللوح المحفوظ، والغائبة: هي من الصفات الغالبة والتاء للمبالغة كراوية وعلامة، وقيل: هي الداخلة على المصادر نحو العاقبة والعافية. قال الزمخشري: ونظيرها الذبيحة والنطيحة والرمية في أنها أسماء غير صفات. قال الحسن: الغائبة هنا هي القيامة.
وقال مقاتل: علم ما يستعلجون من العذاب هو مبين عند الله، وإن غاب عن الخلق. وقال ابن شجرة: الغائبة هنا جميع ما أخفى الله عن خلقه، وغيبه عنهم، مبين في أم الكتاب، فكيف يخفى عليه شيء من ذلك، ومن جملة ذلك ما يستعجلون من العذاب. فإنه مؤقت بوقت مؤجل بأجل، علمه عند الله، فكيف يستعجلونه قبل أجله المضروب له؟ وقال ابن عباس: ما من شيء في السماء والأرض سراً ولا علانية إلا يعلمه.
النمل 27:76
(إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل) الموجودين في زمان نبينا بالتصريح والتنصيص، ولذا خص الأكثر بالذكر وقال: (أكثر الذي هم فيه يختلفون) من التشبيه والتنزيه، وأحوال الجنة والنار، وعزير ومسيح، وذلك لأن أهل الكتاب تفرقوا فرقاً، وتحزبوا أحزاباً، يطعن بعضهم على بعض، ويتبرأ بعضهم من بعض، فنزل القرآن مبيناً لما اختلفوا فيه من الحق، فلو أخذوا به لوجدوا فيه ما يرفع اختلافهم ويدفع تفرقهم.
النمل 27:77
(وإنه لهدى) من الضلالة (ورحمة) من العذاب (للمؤمنين) أي لمن آمن بالله وتابع رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وخصهم لأنهم هم المنتفعون به، ومن جملتهم من آمن من بني إسرائيل.
النمل 27:78
(إن ربك يقضي بينهم) كغيرهم يوم القيامة (بحكمه) أي يقضي بالعدل بين المختلفين من بني إسرائيل، بما يحكم به من الحق، فيجازي المحق ويعاقب المبطل، فلا يمكن أحداً مخالفته، كما خالف الكفار في الدنيا أنبياءه ورسله وقيل: يقضي بينهم في الدنيا فيظهر ما حرفوه قرئ بحكمه بضم الحاء وسكون الكاف، وبكسرها وفتح الكاف؛ جمع حكمة؛ والحكم بمعنى العدل والحق والمحكوم به.
(وهو العزيز) الذي لا يغالب (العليم) بما يحكم به، أو الكثير العلم ثم أمره سبحانه بالتوكل وقلة المبالاة فقال: فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (79) إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (80) وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (81) وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ (82)
النمل 27:79
(فتوكل على الله) الفاء لترتيب الأمر على ما تقدم ذكره، لأن هذه الأوصاف توجب على كل أحد أن يفوض جميع أموره إليه، والمعنى فوض إليه أمرك، واعتمد عليه فإنه ناصرك، ثم علَّل ذلك بعلتين الأولى قوله:
(إنك على الحق المبين) أي: الظاهر، وقيل: المظهر، وهو الدين الواضح الذي لا يتعلق به شك، وفيه بيان أن صاحب الحق حقيق بالوثوق بالله، وبنصرته وتأييده وحفظه له. والعلة الثانية قوله:
النمل 27:80
(إنك لا تسمع الموتى) أي: موتى القلوب وهم الكفار، وفيه قطع طمعه عن متابعتهم، ومعاضدتهم رأساً.
(ولا تسمع الصم الدعاء) لأنه إذا علم أن حالهم كحال الموتى في انتفاء الجدوى بالسماع، أو كحال الصم الذين لا يسمعون، ولا يفهمون ولا يهتدون، صار ذلك سبباً قوياً في عدم الاعتداد بهم، شبه الكفار بالموتى الذين لا حس لهم ولا عقل، وبالصم الذين لا يسمعون المواعظ ولا يجيبون الدعاء إلى الله، وقرئ تسمع بضم الفوقية وكسر الميم من أسمع؛ وقرئ بالتحتية مفتوحة وفتح الميم وفاعله الصم؛ ثم ذكر سبحانه جملة لتكميل التشبيه وتأكيده فقال:
(إذا ولوا مدبرين) أي أعرضوا عن الحق إعراضاً تاماً فإن الأصم لا يسمع الدعاء إذا كان مقبلاً فكيف إذا كان مدبراً؛ معرضاً عنه مولياً؛ قال قتادة الأصم: إذا ولى مدبراً ثم ناديته لم يسمع؛ كذلك الكافر لا يسمع ما يدعى إليه من الإيمان. وظاهر نفي سماع الموتى العموم، فلا يخص منه إلا ما ورد بدليل؛ كما ثبت في الصحيح " أنه - صلى الله عليه وسلم - خاطب القتلى في قليب بدر فقيل له: يا رسول الله إنما تكلم أجساداً لا أرواح لها " وكذلك ما ورد من أن الميت يسمع خفق نعال المشيعين له إذا انصرفوا، ثم ضرب العمى مثلاً لهم فقال:
النمل 27:81
(وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم) أي ما أنت بمرشد من أعماه الله عن الحق إرشاداً يوصله إلى المطلوب منه، وهو الإيمان، وليس في وسعك ذلك، ومثله قوله: (إنك لا تهدي من أحببت) قرأ الجمهور بإضافة هادي إلى العمي، وقرئ بالتنوين، وقرئ تهدي فعلاً مضارعاً، وفي حرف عبد الله وما أن تهدي العمي.
(إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا) أي من يصدق بالقرآن في علم الله لا من يكفر (فهم مسلمون) تعليل للإيمان أي: فهم منقادون مخلصون بتوحيد الله، ثم هدد العباد بذكر طرف من أشراط الساعة وأهوالها فقال:
النمل 27:82
(وإذا وقع القول عليهم) اختلف في معنى هذا الوقوع فقال قتادة: وجب الغضب عليهم، وقال مجاهد: حق القول عليهم بأنهم لا يؤمنون، وقيل: حق العذاب عليهم، وقيل: وجب السخط، والمعاني متقاربة، وقيل المراد بالقول ما نطق به القرآن من مجيء الساعة: وما فيها من فنون الأهوال التي كانوا يستعجلونها، وقيل: وقع القول بموت العلماء وذهاب العلم، ورفع القرآن، وذلك إذا لم يأمروا بالمعروف، وينهوا عن المنكر، قاله ابن عمر وأخرجه ابن مردويه عنه مرفوعاً.
وعن أبي العالية أنه فسر (وقع القول) بما أوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن، والحاصل أن المراد بـ (وقع) وجب وبـ (القول) مضمونه أو أطلق المصدر على المفعول، أي المقول وجواب الشرط قوله:
(أخرجنا لهم دابة من الأرض) اختلف في هذه الدابة على أقوال فقيل: إنها فصيل ناقة صالح، يخرج عند اقتراب الساعة ويكون من أشراطها، وقيل: هي دابة مزغبة ذات شعر وقوائم طوال، يقال لها الجساسة وبه قال ابن عمرو.
وفي التعبير عنها باسم الجنس وتأكيد إبهامه بالتنوين التفخيمي من الدلالة على غرابة شأنها وخروج أوصافها عن طور البيان ما لا يخفى، وقيل: هي دابة على خلقة بني آدم، رأسها في السحاب وقوائمها في الأرض، وقيل: رأسها رأس ثور، وعينها عين خنزير، وأذنها أذن فيل، وقرنها قرن أيل، وعنقها عنق نعامة، وصدرها صدر أسد، ولونها لون نمر، وخاصرتها خاصرة هر، وذنبها ذنب كبش. وقوائمها قوائم بعير، بين كل مفصل ومفصل إثنا عشر ذراعاً، ولعل ذلك هو الجساسة، وقيل: الثعبان، والمشرف على جدار الكعبة التي اقتلعها العقاب حين أرادت قريش بناء الكعبة، والمراد أنها هي التي تخرج في آخر الزمان، وقيل: هي دابة ما لها ذنب ولها لحية، وقيل: هي إنسان ناطق متكلم يناظر أهل البدع ويراجع الكفار، وفيه بعد.
وعن ابن عباس قال: الدابة ذات وبر وريش؛ مؤلفة فيها من كل لون، لها أربع قوائم، تخرج بعقب من الحاج. وقيل غير ذلك مما لا فائدة في التطويل بذكره، وقد رجح القول الأول القرطبي في تفسيره، وقال: هو أصح الأقوال، واختلف في تعيينها وصفاتها اختلافاً كثيراً قد ذكرناه في كتاب التذكرة انتهى، واختلف من أي موضع تخرج، فقيل: من جبل الصفا بمكة، يتصدع فتخرج منه، قاله ابن عمرو، وقيل: تخرج من جبل أبي قبيس، وقيل: لها ثلاث خرجات، خرجة في بعض البوادي حتى يتقاتل عليها الناس؛ وتكثر الدماء؛ ثم تكمن، وتخرج في القرى، ثم تخرج من أعظم المساجد وأكرمها وأشرفها، وقيل: تخرج من بين الركن والمقام، وقال ابن عباس تخرج من بعض أودية تهامة، وقيل: من مسجد الكوفة من حيث فار التنور، وقيل: من أرض الطائف؛ وقيل: من صخرة من شعب أجياد، قاله ابن عمرو، وقيل: من صدع في الكعبة، وقيل: من بحر سدوم قاله وهب بن منبه، واختلف في معنى قوله:
(تكلمهم) فقيل: تكلم الموجودين ببطلان الأديان سوى دين الإسلام وقيل: تكلمهم بما يسوءهم، وقيل: تكلمهم بالعربية بقوله تعالى الآتي (أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون)، قاله ابن عباس، أي بخروجها لأن خروجها من الآيات، وقال ابن عباس أيضاً: تكلمهم تحللهم، وعنه أنه سئل هو من التكليم باللسان، أو من الكلم وهو الجرح؟ فقال: كل ذلك والله تفعل، تكلم المؤمن وتكلم الكافر، أي: تجرحه، قرأ الجمهور تكلمهم من التكليم؛ وتدل عليه قراءة أبي: تنبئهم. وقرئ بفتح الفوقية وسكون الكاف من الكلم وهو الجرح، قال عكرمة: أي تسمهم وسماً، وقيل: تجرحهم، وقيل: قراءة الجمهور مأخوذة من الكلم وهو الجرح، والتشديد للتكثير، قاله أبو حاتم.
وأخرج عبد بن حميد، وابن مردويه عن ابن عمر في الآية قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " ليس ذلك حديثاً ولا كلاماً، ولكنها سمة تسم من أمرها الله به، فيكون خروجها من الصفا ليلة منى، فيصيحون بين رأسها وذنبها، لا يدحض داحض، ولا يجرح جارح حتى إذا فرغت مما أمرها الله به فهلك من هلك ونجا من نجا؛ كان أول خطوة تضعها بأنطاكية ".
وأخرج أحمد: وابن مردوبه عن أبي أمامة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " تخرج الدابة فتسم على خراطيمهم، ثم يعمرون فيكم حتى يشتري الرجل الدابة، فيقال له: ممن اشتريتها فيقول: من الرجل المخطم ".
وعن حذيفة بن أسيد رفعه قال: " تخرج الدابة من أعظم المساجد حرمة ".
وأخرج أحمد والترمذي وحسنه، وابن ماجة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم، والبيهقي، وغيرهم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " تخرج دابة الأرض ومعها عصى موسى، وخاتم سليمان، فتجلو وجه المؤمن بالخاتم، وتحطم أنف الكافر بالعصى، حتى يجتمع الناس على الخوان يعرف المؤمن من الكافر ".
وعن حذيفة بن أسيد الغفاري قال: ذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الدابة فقال: " لها ثلاث خرجات من الدهر " الحديث، أخرجه البيهقي والحاكم وصححه، وابن المنذر، وغيرهم، وفي صفتها، ومكان خروجها، وما تصنعه، ومتى تخرج أحاديث كثيرة بعضها صحيح. وبعضها حسن، وبعضها ضعيف.
وأما كونها تخرج، وكونها من علامات الساعة، فالأحاديث الواردة في ذلك صحيحة، ومنها ما هو ثابت في الصحيح كحديث حذيفة مرفوعاً " لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات " وذكر منها الدابة فإنه في صحيح مسلم، وفي السنن الأربع.
وكحديث " بادروا بالأعمال قبل طلوع الشمس من مغربها، والدجال، والدابة " فإنه في صحيح مسلم أيضاً من حديث أبي هريرة مرفوعاً.
وكحديث ابن عمر مرفوعاً أن " أول الآيات خروجاً طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة على الناس ضحى " فإنه في صحيح مسلم أيضاً.
ثم قرأ الجمهور: (إن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون) بكسر إن على الاستئناف، وقرئ بفتحها، قال الأخفش: المعنى على الفتح بأن الناس، وبها قرأ ابن مسعود، وقال أبو عبيدة: أي تخبرهم أن الناس الخ.
وعلى هذه فالذي تكلم الناس به هو قوله: إن الناس الخ كما قدمنا الإشارة إلى ذلك، وأما على الكسر فالجملة مستأنفة كما قدمنا، ولا يكون من كلام الدابة وقد صرح بذلك جماعة من المفسرين، وجزم به الكسائي والفراء وقال الأخفش إن كسر (إن) هو على تقدير القول، أي تقول لهم إن الناس فيرجع معنى القراءة الأولى على هذا إلى معنى الثانية:
والمراد بالناس في الآية هم الناس على العموم، فيدخل في ذلك كل مكلف وقيل: المراد الكفار خاصة، وقيل: كفار مكة، والأول أولى كما صنع جمهور المفسرين، والمعنى: لا يؤمنون بالقرآن المشتمل على البعث والحساب والعقاب، وبخروجها ينقطع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولا يبقى نائب ولا تائب ولا يؤمن كافر، كما أوحى الله إلى نوح (أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن) ثم ذكر سبحانه طرفاً مجملاً من أهوال يوم القيامة بعد بيان مباديها فقال: وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ (83) حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (84) وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ (85) أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (86) وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ (87)
النمل 27:83
(ويوم نحشر من كل أمة فوجاً) العامل في الظرف فعل محذوف خوطب به النبي - صلى الله عليه وسلم - والحشر الجمع قيل: والمراد بهذا الحشر هو حشر العذاب الخاص بعد الحشر الكلي الشامل لجميع الخلق، و (من) لابتداء الغاية، والفوج الجماعة كالزمرة والقوم، وقيدهم الراغب فقال: الفوج الجماعة المارة المسرعة، وكان هذا هو الأصل، ثم أطلق، وإن لم يكن مرور ولا إسراع، والجمع أفواج وفوج [[بضم الفاء وسكون الواو. المطيعي.]].
(ممن يكذب بآياتنا) من بيانية (فهم يوزعون) أي يحبس أولهم على آخرهم لأجل تلاحقهم، وقيل: معناه يدفعون، وقد تقدم تحقيقه في هذه السورة مستوفى، ومعنى الآية واذكر يا محمد يوم نجمع من كل أمة من الأمم جماعة مكذبين بآياتنا فهم عند ذلك الحشر يرد أولهم على آخرهم، أو يدفعون أي اذكر لهم هذا وبينه تحذيراً لهم وترهيباً
النمل 27:84
(حتى إذا جاءوا) إلى موقف الحساب.
(قال) الله لهم توبيخاً وتقريعاً: (أكذبتم بآياتي) التي أنزلتها على رسلي وأمرتهم بإبلاغها إليكم (و) الحال أنكم (لم تحيطوا بها علماً) بل كذبتم بها بادئ بدئ جاهلين لها غير ناظرين فيها، ولا مستدلين على صحتها، أو بطلانها، تمرداً وعناداً وجرأة على الله وعلى رسله، وفي هذا مزيد تقريع وتوبيخ لأن من كذب بشيء ولم يحط به علماً، فقد كذب في تكذيبه ونادى على نفسه بالجهل وعدم الإنصاف وسوء الفهم، وقصور الإدراك.
ومن هذا القبيل من تصدى لذم علم من علوم الشريعة، أو لذم علم هو مقدمة من مقدماتها ووسيلة يتوسل بها إليها، وتفيد زيادة بصيرة في معرفتها، وتعقل معانيها، كعلوم اللغة العربية بأسرها، وهي اثنا عشر علماً، وعلم أصول الفقه فإنه يتوصل به إلى استنباط الأحكام الشرعية عن أدلتها التفصيلية مع اشتماله على بيان قواعد اللغة الكلية.
وهكذا كل علم من العلوم التي لها مزيد نفع في فهم كتاب الله وسنة رسوله، فإنه قد نادى على نفسه بإنه جاهل، مجادل بالباطل، طاعن على العلوم الشرعية، مستحق لأن تنزل به قارعة من قوازع العقوبة التي تزجره عن جهله وضلاله، وطعنه على ما لا يعرفه، ولا يعلم به ولا يحيط بكنهه، حتى يصير عبرة لغيره، وموعظة يتعظ بها أمثاله من ضعفاء العقول وركاك الأديان ورعاع المتلبسين بالعلم زوراً وكذباً.
(أم ماذا)؟ أم، هي المنقطعة بمعنى: بل، والمعنى أي شيء (كنتم تعملون) حتى شغلكم ذلك عن النظر فيها والتفكر في معانيها، وهذا الاستفهام على طريق التبكيت لهم.
النمل 27:85
(ووقع القول) أي وجب العذاب (عليهم) وقد تقدم تفسيره قريباً (بما ظلموا) أي بسبب الظلم الذي أعظم أنواعه الشرك بالله (فهم لا ينطقون) عند وقوع القول عليهم، أي: ليس لهم عذر ينطقون به أو لا يقدرون على القول لما يرونه من الهول العظيم، وقال أكثر المفسرين: يختم على أفواههم فلا ينطقون، ثم بعد أن خوفهم بأهوال القيامة ذكر سبحانه ما يصلح أن يكون دليلاً على التوحيد، وعلى الحشر، وعلى النبوة مبالغة في الإرشاد، وإبلاء للمعذرة فقال:
النمل 27:86
(ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه)؟ أي ألم يعلموا أنا خلقنا الليل للسكون والاستقرار، والنوم فيه، وذلك بسبب ما فيه من الظلمة فإنهم لا يسعون فيه للمعاش.
(و) خلقنا (النهار مبصراً) ليبصروا فيه ما يسعون له من المعاش الذي لا بد لهم منه، ووصف النهار بالإبصار وهو وصف للناس، مبالغة في إضاءته، كأنه يبصر ما فيه، ففي الكلام إسناد عقلي، من الإسناد إلى الزمان قيل: في الكلام حذف، والتقدير وجعلنا الليل مظلماً ليسكنوا أو حذف مظلماً لدلالة مبصراً عليه، وقد تقدم تحقيقه في الإسراء، وفي يونس.
(إن في ذلك) المذكور (لآيات) أي لعلامات ودلالات (لقوم يؤمنون) بالله سبحانه وفي الآية دليل على صحة البعث بعد الموت لأن القادر على تقليب الضياء ظلمة والظلمة ضياء، قادر على الإعادة بعد الموت، كيف ومن تأمل في تعاقب الليل والنهار، واختلافهما، على وجوه مبنية على حكم تحار في فهمها العقول، ولا يحيط بها إلا الله، وشاهد في الآفاق تبدل ظلمة الليل المحاكية للموت بضياء النهار المضاهي للحياة، وعاين في نفسه تبدل النوم الذي هو أخو الموت بالتيقظ الذي هو مثل الحياة قضى بأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وجزم بأن الله قد جعل هذا أنموذجاً ودليلاً يستدل به على أن سائر الآيات حق نازل من عند الله، قاله أبو السعود، ثم ذكر سبحانه علامة أخرى للقيامة فقال:
النمل 27:87
(ويوم ينفخ في الصور) وهو معطوف على (ويوم نحشر) منصوب بناصبه المتقدم، قال الفراء: إن المعنى وذلكم يوم ينفخ في الصور، والأول أولى، والصور قرن ينفخ فيه إسرافيل، وقد تقدم في الأنعام استيفاء الكلام عليه، والنفخات في الصور ثلاث:
الأولى: نفخة الفزع.
والثانية: نفخة الصعق.
والثالثة: نفخة البعث. وقيل: إنها نفختان وإن نفخة الفزع إما أن تكون راجعة إلى نفخة الصعق أو إلى نفخة البعث، واختار هذا القشيري والقرطبي وغيرهما وقال الماوردي: هذه النفخة المذكورة هنا هي يوم النشور من القبور.
(ففزع) كل (من) كان (في السماوات ومن) كان (في الأرض) حياً ذلك الوقت لم يسبق له موت أو كان ميتاً لكنه حي في قبره كالأنبياء والشهداء أي خافوا الخوف المفضي بهم إلى الموت كما في آية أخرى (فصعق من في السماوات) الخ وانزعجوا لشدة ما سمعوا وقيل المراد بالفزع هنا الإسراع والإجابة إلى النداء من قولهم فزعت إليك في كذا إذا أسرعت إلى أجابته، والأول أولى بمعنى الآية، وإنما عبر بالماضي مع كونه معطوفاً على المضارع للدلالة على تحقيق الوقوع حسبما ذكره علماء البيان وقال الفراء: هو محمول على المعنى لأن المعنى إذا نفخ.
(إلا من شاء الله) أن لا يفزع عند تلك النفخة فهو لا يفزع واختلف في تعيين من وقع الاستثناء له، فقيل: هم الشهداء والأنبياء وقيل: الملائكة وقيل: جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت وقيل: الحور العين وخزنة النار وحملة العرش. وقيل: هم المؤمنون كافة بدليل قوله فيما بعد، من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون. ويمكن أن يكون الاستثناء شاملاً لجميع المذكورين فلا مانع من ذلك، قال البيضاوي: ولعل المراد ما يعم ذلك لعدم قرينة الخصوص انتهى. فهؤلاء كلهم لا يفضي بهم الفزع إلى الغشي والإغماء بل هو أقل من ذلك.
(وكل أتوه) قرئ فعلاً ماضياً، وكذا قرأ ابن مسعود، وقرأ قتادة (كل أتاه) وقرئ (آتوه) على اسم الفاعل مضافاً إلى الضمير الراجع إلى الله سبحانه، قال الزجاج: من قرأ على الفعل الماضي فقد وحد على لفظ كل، ومن قرأ على اسم الفاعل فقد جمع على معناه وهو غلط ظاهر فإن كلتا القراءتين لا توحيد فيهما بل التوحيد في قراءة قتادة فقط.
(داخرين) أي صاغرين ذليلين قاله ابن عباس. وقرئ (دخرين) بغير الألف والمعنى صغار ذل وهيبة من الجبار فيشمل هذا الطائعين والعاصين وقال الكرخي: المراد به ذل العبودية والرق لا ذل الذنوب والمعاصي وذلك يعم الخلق كلهم كما في قوله تعالى (إن كل من في السماوات والأرض إلا آتى الرحمن عبداً)، وفي القاموس: دخر الشخص كمنع وفرح دخراً ودخوراً صغر وذل وادخرته بالألف للتعدية وقد مضى تفسير هذا في سورة النحل.
وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (88) مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ (89)
النمل 27:88
(وترى الجبال تحسبها) بفتح السين وكسرها (جامدة) الخطاب لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو لكل من يصلح للرؤية، والرؤية بصرية، وهذه هي العلامة الثالثة لقيام الساعة، والمعنى تظنها واقفة قائمة ساكنة مكانها قاله ابن عباس.
(وهي تمر مر السحاب) أي: وهي تسير سيراً حثيثاً كسير السحاب التي تسيرها الرياح، وذلك أن كل شيء عظيم، وكل جسم كبير، وكل جمع كثير يقصر عنه البصر لكثرته وعظمه، وبعد ما بين أطرافه، فهو في حساب الناظر واقف وهو سائر، كذلك سير الجبال يوم القيامة لا يرى لعظمها، كما أن سير السحاب لا يرى لعظمه.
وقال القتيبي: وذلك أن الجبال تجمع وتسير، وهي في رؤية العين كالقائمة وهي تسير. قال النسفي: وهكذا الأجرام العظام المتكاثرة العدد إذا تحركت أي: في سمت واحد، لا تكاد تبين حركتها، ونحوه قال البيضاوي.
قال القشيري: وهذا يوم القيامة، ومثله قوله تعالى: وسيرت الجبال فكانت سراباً. وقال أبو السعود: هذا مما يقع بعد النفخة الثانية عند حشر الخلق، يبدل الله الأرض غير الأرض، ويغير هيئتها، ويسير الجبال عن مقارها على ما ذكر من الهيئة الهائلة، ليشاهدها أهل المحشر، وهي وإن اندكت وتصدعت عند النفخة الأولى لكن تسيرها إنما يكون بعد النفخة الثانية، كما نطق به قوله: فقل ينسفها ربي نسفاً الخ وقوله: يوم تبدل الأرض.
وقد قيل: إن المراد بالنفخة هي النفخة الأولى، والفزع هو الذي يستتبع الموت، فيختص أثرها بمن كان حياً عند وقوعها دون من مات قبل ذلك من الأمم، والمراد بالإتيان داخرين رجوعهم إلى أمره تعالى، وانقيادهم له، ولا ريب في أن ذلك مما ينبغي أن تنزه ساحة التنزيل عن أمثاله وأبعد من هذا ما قيل: إن المراد بهذه النفخة نفخة الفزع التي تكون قبل نفخة الصعق فإنه مما لا ارتباط له بالمقام قطعاً، والحق الذي لا محيد عنه ما قدمناه، ومما هو نص في الباب، ما سيأتي من قوله تعالى: وهم من فزع يومئذ آمنون.
(صنع الله الذي أتقن كل شيء) أي صنع الله ذلك صنعاً، وهو مصدر مؤكد لقوله: يوم ينفخ في الصور، وقيل: انظروا صنع الله الذي أحكم، يقال: رجل تقن بكسر التاء أي حاذق بالأشياء، والإتقان الإتيان بالشيء على أكمل حالاته، وهو مأخوذ من قولهم تقن أرضه إذا ساق إليها الماء الخاثر بالطين لتصلح للزراعة، وأرض تقنة والتقن فعل ذلك بها، والتقن أيضاً ما رمي به في الغدير من ذلك، أو الأرض، ذكره السمين قال ابن عباس: أتقن أي أحسن كل شيء صنعه وخلقه وأوثقه.
(إنه خبير بما تفعلون) تعليل لما قبله من كونه سبحانه صنع ما صنع وأتقن كل شيء، والخبير المطلع على الظواهر والضمائر، قرئ بالفوقية على الخطاب، وبالتحتية على الخبر، قال المحلى: أي ما يفعلون أعداؤه من المعصية وأولياؤه من الطاعة.
النمل 27:89
(من جاء بالحسنة) أي من جاء بجنس الحسنة يوم القيامة (فله) من الجزاء والثواب عند الله (خير) أي أفضل (منها) وأكثر وقيل: خير حاصل من جهتها، والأول أولى، وقيل: الحسنة هي الإخلاص، وقيل: أداء الفرائض، والتعميم أولى، ولا وجه للتخصيص، وإن قال به بعض السلف.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن مردويه عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: " من جاء بالحسنة فله خير منها قال: " هي لا إله إلا الله، ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار، قال هي الشرك " وإذا صح هذا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فالمصير إليه في التفسير متعين، ويحمل على أن المراد قال لا إله إلا الله بحقها، وما يجب لها، فيدخل تحت ذلك كل طاعة، ويشهد له ما أخرجه الحاكم في الكنى عن صفوان بن عسأل قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " إذا كان يوم القيامة جاء الإيمان والشرك يجثوان بين يدي الله سبحانه فيقول الله للإيمان انطلق أنت وأهلك إلى الجنة، ويقول للشرك انطلق أنت وأهلك إلى النار، ثم تلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (من جاء بالحسنة فله خير منها) يعني قول لا إله إلا الله،
النمل 27:90
(ومن جاء بالسيئة) يعني الشرك فكبت وجوههم في النار ".
وأخرج أبو الشيخ، وابن مردويه، والديلمي عن كعب بن عجرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - " من جاء بالحسنة يعني شهادة أن لا إله إلا الله، فله خير منها، يعني بالخير الجنة، ومن جاء بالسيئة يعني الشرك فكبت وجوههم في النار، وقال هذه تنجي وهذه تردي "، وعن ابن مسعود وابن عباس مثله، وعنه قال: " خير منها أي من جهتها "، وقال أيضاً " خير أي ثواب " قيل: وهذه الجملة بيان لقوله: إنه بما تعملون خبير، وقيل بيان لقوله: وكل أتوه داخرين.
(وهم من فزع يومئذ آمنون) قرئ (من فزع) بالتنوين وفتح ميم يومئذ، وقرئ بفتحها من غير تنوين، وقرئ بإضافة فزع إلى يومئذ، قال أبو عبيدة: وهذا أعجب إلي لأنه أعم التأويلين، لأن معناه الأمن من فزع جميع ذلك اليوم، ومع التنوين يكون الأمن من فزع دون فزع. وقيل: إنه مصدر يتناول الكثير فلا يتم الترجيح بما ذكر، فتكون القراءتان بمعنى واحد وقيل: المراد بالفزع هاهنا هو الفزع الأكبر المذكور في قوله: لا يحزنهم الفزع الأكبر، وقد تقدم في سورة هود كلام في هذا مستوفى.
وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (90) إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (91) وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ (92) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (93)
(ومن جاء بالسيئة) قال جماعة من الصحابة، ومن بعدهم حتى قيل إنه مجمع عليه بين أهل التأويل أن المراد بالسيئة هنا الشرك، ووجه التخصيص قوله (فكبت وجوههم في النار) فهذا الجزاء لا يكون إلا لمثل سيئة الشرك، والمعنى أنهم كبوا فيها على وجوههم، وألقوا فيها وطرحوا عليها، يقال: كببت الرجل إذا ألقيته لوجهه، فانكب، راكب، وذكرت الوجوه لأنها موضع الشرف من الحواس فغيرها أولى.
(هل تجزون إلا ما كنتم تعملون) بتقدير القول، أي يقال لهم ذلك وقت كبهم، أو مقولاً لهم ذلك، وهذا أوضح والقائل لهم خزنة جهنم، أي ما تجزون إلا جزاء عملكم في الدنيا من الشرك والمعاصي؟
النمل 27:91
(إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة) لما فرغ سبحانه من بيان أحوال المبدأ والمعاد، أمر رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يقول لهم هذه المقالة تنبيهاً لهم على أنه قد تم أمر الدعوة بما لا يزيد عليه. ولم يبق له بعد ذلك شأن سوى الاشتغال بعبادة الله، والاستغراق في مراقبته، غير مبال بهم ضلوا أو رشدوا أصلحوا أو أفسدوا، ليحملهم ذلك على أن يهتموا بأمر أنفسهم، ويشتغدوا بالتدبر فيما شاهدوه من الآيات الباهرة.
والمعنى قل يا محمد: إنما أمرت أن أخصص الله بالعبادة وحده لا شريك له، والمراد بالبلدة مكة، قاله ابن عباس، وإنما خصها من بين سائر البلاد لكون بيت الله الحرام فيها، ولكونها أحب البلاد إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
(الذي) الموصول صفة للرب، وهكذا قرأ الجمهور، وقرأ ابن عباس وابن مسعود (التي) على أن الموصول صفة للبلدة، والسياق إنما هو للرب لا للبلدة، فلذلك كانت قراءة العامة واضحة، ومعنى (حرمها) جعلها حرماً آمناً لا يسفك فيها دم، ولا يظلم فيها أحد، ولا يعضد شوكها، ولا يصاد صيدها، ولا يختلى خلالها؛ وتخصيص مكة بهذه الإضافة تشريف لها؛ وتعظيم لشأنها فلا ينافي قوله (وله) أي للرب (كل شيء) من الأشياء خلقاً وملكاً وتصرفاً.
(وأمرت أن أكون من المسلمين) أي: المنقادين لأمر الله المستسلمين له بالطاعة وامتثال أمره، واجتناب نهيه، والمراد بقوله: (أن أكون) أثبت على ما أنا عليه.
النمل 27:92
(وأن أتلو القرآن) أي أداوم تلاوته وأواظب على ذلك لتنكشف لي حقائقه الرائقة، الخزونة في تضاعيفه شيئاًً فشيئاًً. قيل: ليس المراد من تلاوة القرآن هنا إلا تلاوة الدعوة إلى الإيمان، والأول أولى. قرأ الجمهور (أن أتلو) بإثبات الواو من التلاوة، وهي القراءة. أو من التلو وهو الاتباع، كقوله: واتبع ما أوحي إليك من ربك، وقرئ (أن أتل) بحذف الواو أمراً له - صلى الله عليه وسلم - كذا وجهه الفراء، قال النحاس: ولا تعرف هذه القراءة وهي مخالفة لجميع المصاحف، ولقد قام - صلى الله عليه وسلم - بكل ما أمر به أتم قيام على ما أمر به.
(فمن اهتدى) أي: على العموم، أو فمن اهتدى بما أتلوه عليه، فعمل بما فيه من الإيمان بالله والعمل بشرائعه (فإنما يهتدي لنفسه) لأن نفع ذلك راجع إليه لا إلي.
(ومن ضل) بالكفر، وأعرض عن الهداية (فقل) له: (إنما أنا من المنذرين) وقد فعلت الإنذار بإبلاغ ذلك إليكم وليس على غير ذلك. وقيل: الجواب محذوف، أي: فوبال ضلاله عليه، وأقيم (إنما أنا من المنذرين) مقامه لكونه كالعلة له، والأول أظهر، قيل: نسختها آية القتال.
النمل 27:93
(وقل الحمد لله) على نعمه التي أنعم بها عليّ من النبوة والعلم وغير
ذلك، ووفقني لتحمل أعبائها؛ وتبليغ أحكامها إلى كافة الورى.
وقوله: (سيريكم آياته) هو من جملة ما أمر به النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يقوله، أي سيريكم الله آياته الباهرة التي نطق بها القرآن في أنفسكم وفي غيركم، قيل: هو يوم بدر وهو ما أراهم من القتل والسبب وضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم وقيل: آياته في السماوات والأرض، وقيل: آياته في الآخرة فيستيقنون بها، وقيل: هو انشقاق القمر والدخان وما حل بهم من نقمات الله في الدنيا.
(فتعرفونها) أي تعرفون آياته ودلائل قدرته ووحدانيته. وهذه المعرفة لا تنفع الكفار لأنهم عرفوها حين لا يقبل منهم الإيمان؛ وذلك عند حضور الموت، ثم ختم السورة بقوله:
(وما ربك بغافل عما تعملون) قرئ بالفوقية على الخطاب، وبالتحتية وهو كلام من جهته سبحانه، غير داخل تحت الكلام الذي أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يقوله، وفيه ترهيب شديد، وتهديد عظيم.
القصص 28:1
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة القصص
وتسمى أيضاً سورة موسى وأسماء السور توقيفية، وكذا ترتيبها ترتيب الآيات الكريمات.
وهي ثمان وثمانون آية: وهي مكيّة كلها في قول الحسن عكرمة وعطاء.
قال المحلي: هي مكيّة إلاَّ (إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ) نزلت بالجحفة وإلا (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ) إلى (لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ) انتهى.
عن ابن عباس نزلت الأولى بالجحفة، فليست مكيّة ولا مدنيّة وقال مقاتل فيها من المدني (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ) الخ.
بسم الله الرحمن الرحيم
طسم (1) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (3) إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4) وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (6)
(طسم) الله أعلم بمراده بذلك، والكلام في فاتحة هذه السورة قد مر
في فاتحة الشعراء وغيرها، فلا نعيده.
وكذلك مر الكلام على قوله:
القصص 28:2
(تلك آيات الكتاب المبين) قال الزجاج: مبين الحق من الباطل، والحلال من الحرام، وهو من أبان بمعنى أظهر، ويقال: ابنته فأبان لازم ومتعد، أي مبين خيره وبركته.
القصص 28:3
(نتلو عليك من نبأ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون) أي: نوحي إليك بواسطة جبريل من أمرهما متلبساً بالحق، وخص المؤمنين لأن التلاوة إنما ينتفع بها المؤمن، وقيل: نتلو عليك شيئاً من نبئهما. و (من) مزيدة على رأي الأخفش، والأولى أن تكون للبيان أو للتبعيض، ولا ملجئ إلى الحكم بزيادتها، والحق: الصدق.
القصص 28:4
(إن فرعون علا في الأرض) مستأنفة مسوقة لبيان ما أجمله من النبأ. قال المفسرون: معنى علا تكبر وتعظم وتجبر بسلطانه، والمراد بالأرض أرض مصر، وقيل: معنى (علا) ادعى الربوبية، وقيل: علا عن عبادة ربه (وجعل أهلها شيعاً) أي: فرقاً وأصنافاً في خدمته يشايعونه على ما يريد ويطيعونه، قال مجاهد: فرق بينهم، وقال قتادة: يستعبد طائفة منهم، ويدع طائفة ويقتل طائفة، ويستحيي طائفة، أو فرقاً متفرقة، قد أغرى بينهم العداوة والبغضاء لئلا تتفق كلمتهم.
(يستضعف طائفة منهم) مستأنفة مسوقة لبيان حال الأهل الذين جعلهم فرقاً وأصنافاً، ويجوز أن تكون حالاً من فاعل.
(جعل) أي: جعلهم شيعاً، حال كونه مستضعفاً طائفة منهم، ويجوز أن تكون صفة لطائفة. والطائفة هم بنو إسرائيل، فإنهم عجزوا وضعفوا عن دفعه عن أنفسهم، وذلك أن بني إسرائيل لما كثروا بمصر استطالوا على الناس، وعملوا المعاصي، ولم يأمروا بالمعروف، ولم ينهوا عن المنكر فسلط الله عليهم القبط فاستضعفوهم؛ إلى أن أنجاهم الله على يد موسى عليه السلام.
(يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم) بدل من الجملة الأولى، أو مستأنفة للبيان، أو حال، أو صفة كالتي قبلها، وإنما كان فرعون يذبح أبناءهم ويترك نساءهم ويستبقيهن لأن المنجمين في ذلك العصر أخبروه أنه يذهب ملكه على يد مولود من بني إسرائيل.
قال الزجاج: والعجب من حمق فرعون، فإن الكاهن الذي أخبره بذلك إن كان صادقاً عنده فما ينفع القتل؟ وإن كان كاذباً فلا معنى للقتل، وقد قيل: إنه ذبح سبعين ألفاً.
(إنه كان من المفسدين) الراسخين في الإفساد في الأرض بالمعاصي والتجبر، ولذلك اجترأ على مثل تلك الجريمة العظيمة من قتل المعصومين من أولاد الأنبياء عليهم السلام، وفيه بيان أن القتل من فعل أهل الفساد.
القصص 28:5
(ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض) جاء بصيغة المضارع لحكاية الحالة الماضية، واستحضار صورتها، أي: نريد أن نتفضل عليهم بإنجائهم من بأسه، بعد استضعافهم، وقال النسفي: وهو دليل لنا على مسألة الأصلح انتهى والمراد بهؤلاء بنو إسرائيل، والواو للعطف على جملة: إن فرعون علا. وهذا أولى.
(ونجعلهم أئمة) أي: قادة في الخير، ودعاة إليه، يقتدى بهم، وولاة على الناس، وملوكاً فيهم، بعد أن كانوا أتباعاً مسخرين مهانين، قال علي بن أبي طالب: يعني يوسف وولده، وقال قتادة: أي ولاة الأمر، وهم بنو إسرائيل.
(ونجعلهم الوارثين) أي الذين يرثون الأرض بعد فرعون وقومه، لا الوراثة المعهودة في شرعنا، قاله قتادة، أي: نجعلهم الوارثين لملك فرعون ومساكن القبط وأملاكهم، فيكون ملك فرعون فيهم، ويسكنون مساكن قومه، وينتفعون بأملاكه وأملاكهم.
القصص 28:6
(ونمكن لهم في الأرض) أي نجعلهم مقتدرين عليها، وعلى أهلها، مسلطين على ذلك، يتصرفون فيها كيف شاءوا، يقال: مكن له إذا جعل له مكاناً يقعد عليه، ويتمكن فيه، أو يرقد، ثم استعير للتسلط وإطلاق الأمر، و (الأرض) أرض مصر والشام.
(وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا) الفاعل هو الله سبحانه، وقرئ (يرى) بالتحتية والفاعل فرعون، والأولى ألصق بالسياق، لأن قبلها (نريد) و (نمكن) بالنون، وأجاز الفراء: ويرى فرعون، أي ويرى الله فرعون، والرؤية بصرية، والإضافة إليهما إما للتغليب، أو أنه كان لهامان جنود مخصوصة به، وإن كان وزيراً، أو لأن جند السلطان جند وزيره، والإبصار لا يتوقف على الحياة عند أهل الحق، ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم - في أهل القليب: ما أنتم بأسمع منهم أو المراد رؤية طلائعه وأسبابه، وذلك حين أدركهم الغرق.
(منهم) أي: من أولئك المستضعفين (ما كانوا يحذرون) والمعنى أن الله يريهم، أو يرون هم الذي كانوا يخافون منه، ويجتهدون في دفعه من ذهاب ملكهم، وهلاكهم على يد المولود من بني إسرائيل المستضعفين والحذر التوقي من الضرر.
وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (7) فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (8) وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (9)
القصص 28:7
(وأوحينا إلى أم موسى) أي: ألهمناها الذي صنعت بموسى، قاله ابن عباس: وليس ذلك هو الوحي الذي يوحى إلى الرسل، وقيل: كان ذلك رؤيا في منامها، وقيل: كان ذلك بملك أرسله الله يعلمها بذلك فعلى هذا هو وحي إعلام لا إلهام، وقد أجمع العلماء على أنها لم تكن نبية وإنما كان إرسال الملك إليها عند من قال به نحو تكلم الملك للأقرع والأبرص والأعمى كما في الحديث الثابت في الصحيحين وغيرهما. وقد سلمت على عمران ابن حصين الملائكة، كما في الحديث الثابت في الصحيح، فلم يكن بذلك نبياً، وكان اسمها يوحانذ، وقيل: لوخا بنت هاند بن لاوي بن يعقوب، نقله القرطبي عن الثعلبي.
(أن أرضعيه) أن هي المفسرة، لأن في الوحي معنى القول، أو بأن أرضعيه قيل: أرضعته ثمانية أشهر، وقيل: أربعة، وقيل: ثلاثة، وكانت ترضعه وهو لا يبكي ولا يتحرك في حجرها، وكان الوحي برضاعه قبل ولادتها، وقيل: بعدها، وأمرها بإرضاعه مع أنها ترضعه طبعاً ليألف لبنها فلا يقبل ثدي غيرها، بعد وقوعه في يد فرعون.
(فإذا خفت عليه) من فرعون بأن يبلغ خبره إليه فيذبحه، قال ابن عباس: أن يسمع جيرانك صوته (فألقيه في اليم) وهو بحر النيل، وقد تقدم بيان الكيفية التي ألقته في اليم عليها في سورة طه (ولا تخافي) عليه الغرق والضيعة.
(ولا تحزني) لفراقه والخوف غم يصيب الإنسان لأمر يتوقعه في المستقبل، والحزن غم يصيبه لأمر وقع ومضى، فلا يقال ما الفرق بينهما، حتى عطف أحدهما على الآخر في الآية.
(إنا رادوه إليك) عن قريب على وجه تكون به نجاته، وتأمنين عليه، والجملة تعليل للنهي عن الخوف والحزن.
(وجاعلوه من المرسلين) الذين نرسلهم إلى العباد، وقد اشتملت هذه الآية على أمرين: أرضعيه، وألقيه، ونهيين: لا تخافي، ولا تحزني، وخبرين: إنا رادوه، وجاعلوه، وبشارتين في ضمن الخبرين، وهما الرد، والجعل المذكوران.
القصص 28:8
(فالتقطه آل فرعون) الفاء هي الفصيحة، والالتقاط إصابة الشيء من غير طلب، والمراد بآل فرعون هم الذين أخذوا التابوت الذي فيه موسى من البحر، والتقدير فألقته في اليم بعد ما جعلته في التابوت، فالتقطه من وجده من آل فرعون، أي أعوانه، قال الزجاج: كان فرعون من أهل فارس من اصطخر.
(ليكون لهم عدواً وحزناً) اللام لام العاقبة، ووجه ذلك أنهم إنما أخذوه ليكون لهم ولداً وقرة عين؛ لا ليكون عدواً، فكان عاقبة ذلك أنه كان لهم عدواً يقتل رجالهم، وحزناً يستعبد نساءهم، قاله المحلي وقال صاحب الكشاف: هي لام كي التي معناها التعليل، ولكن هذا المعنى وارد على طريق المجاز، لأنه لما كانت هذه العداوة نتيجة لفعلهم، وثمرة له، شبهت بالداعي الذي يفعل الفاعل الفعل لأجله، قرئ حزناً بفتح الحاء والزاي، وحزناً بضم الحاء وسكون الزاي، وهما لغتان كالعدم والعدم، والرشد والرشد والسقم والسقم.
(إن فرعون وهامان وجنودهما) تعليل لما قبله، أو اعتراض لقصد التأكيد (كانوا خاطئين) أي: عاصين آثمين في كل أفعالهم، وأقوالهم فعوقبوا على يديه مع أنه تربى على أيديهم، فهذا أبلغ في إذلالهم، وهو مأخوذ من [[لو كان من الخطأ المقابل للصواب لقال " مخطئين " أما الخاطئ فهو من باب خطئ يخطأ خطيئة وليس من باب أخطأ يخطئ خطأ وفي الأول يقول الله تعالى لا يأكله إلا الخاطئون. وفي الثاني يقول الرسول - صلى الله عليه وسلم - رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه. المطيعي.]] الخطأ المقابل للصواب لأنهم لم يشعروا أنه الذي يذهب بملكهم، أو من خطا يخطو أي تجاوز الصواب.
القصص 28:9
(وقالت امرأة فرعون) وقد هم مع أعوانه لقتله. وهي آسية بنت مزاحم، وكانت من خيار النساء، وبنات الأنبياء، وقيل: كانت من بني إسرائيل، وقيل: كانت عمة موسى، حكاه السهيلي.
(قرة عين لي ولك) وكان قولها لهذا القول عند رؤيتها له، لما وصل إليها وأخرجته من التابوت، وخاطبت بقولها: (لا تقتلوه) فرعون ومن عنده من قومه، أو فرعون وجده على طريقة التعظيم له. وقرأ ابن مسعود (قالت امرأة فرعون لا تقتلوه قرة عين لي ولك) قيل: إنها قالت: هذا الولد أكبر من سنه، وأنت تذبح ولدان هذه السنة فدعه يكون عندي.
وقد حكى الفراء عن السدي عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: إن قوله لا تقتلوه من كلام فرعون، واعترضه بكلام يرجع إلى اللفظ، ويكفي في رده ضعف إسناده، وقيل: إنها قالت لا تقتلوه، فإن الله أتى به من أرض بعيدة وليس من بني إسرائيل، ثم عللت ما قالته بالترجي منها لحصول النفع منه لهم والتبني له، فقالت:
(عسى أن ينفعنا) فنُصيب منه خيراً لأن فيه مخايل اليمن، ودلائل النفع لأهله (أو نتخذه ولداً) وكانت لا تلد فاستوهبته من فرعون، فوهبه لها (وهم لا يشعرون) أنهم على خطأ في التقاطه، وأن هلاكهم على يده فيكون حالاً من آل فرعون، وهي من كلام الله سبحانه، وقيل: هي من كلام المرأة أي وبنو إسرائيل لا يدرون أنا التقطناه وهم لا يشعرون قاله الكلبي، وهو بعيد جداً وما أحسن نظم هذا الكلام عند أصحاب المعاني والبيان.
وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (10) وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (11) وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ (12)
القصص 28:10
(وأصبح) أي صار (فؤاد أم موسى فارغاً) من كل شيء إلا من أمر موسى؛ كأنها لم تهتم بشيء سواه، قاله المفسرون. وقال أبو عبيدة: خالياً من ذكر كل من في الدنيا إلا من ذكر موسى، وقال الحسن، وابن إسحاق وابن زيد: فارغاً مما أوحى الله إليها من قوله: ولا تخافي ولا تحزني، وذلك لما سول الشيطان لها من غرقه وهلاكه، وقال الأخفش: فارغاً من الخوف والغم لعلمها أنه لم يغرق بسبب ما تقدم من الوحي إليها، وروي مثله عن أبي عبيدة أيضاً، وقال الكسائي: ناسياً ذاهلاً، وقيل صفراً من العقل، وقال العلاء ابن زياد: نافراً.
وقال سعيد ابن جبير: والهاً، كادت تقول واابناه من شدة الجزع.
وقال مقاتل: كادت تصيح شفقة عليه من الغرق.
وقيل: المعنى أنها لما سمعت بوقوعه في يد فرعون طار عقلها من فرط الجزع والدهش.
قال النحاس: وأصح هذه الأقوال الأول والذين قالوه أعلم بكتاب الله فإذا كان فارغاً من كل شيء إلا من ذكر موسى، فهو فارغ من الوحي. وقول من قال فارغاً من الغم غلط قبيح. لأن بعده إن كادت لتبدي به، لولا أن ربطنا على قلبها، وقرئ فزعاً مكان فارغاً، من الفزع، أي خائفاً وجلاً وقرأ ابن عباس: قرعاً من قرع رأسه إذا انحسر شعره.
(إن كادت لتبدي به) من بدا يبدو إذا ظهر، وأبدى يبدي أي أظهر والمعنى لتظهر أمر موسى، وأنه ابنها من فرط ما دهمها من الدهش، والخوف والحزن وقيل: الضمير في (به) عائد إلى الوحي الذي أوحي إليها، والأول أولى وقال الفراء: لتبدي باسمه لضيق صدرها، وقال ابن عباس: تقول يا ابناه وقيل الباء زائدة للتأكيد، والمعنى لتبديه، كما تقول أخذت الحيل وبالحبل، وقيل المعنى لتبدي القول به.
(لولا أن ربطنا على قلبها) بالعصمة والصبر والتثبت، قال الزجاج: معنى الربط على القلب إلهام الصبر وتقويته، وجواب لولا محذوف أي لأبدت.
(لتكون من المؤمنين) أي ربطنا على قلبها لتكون من المصدقين بوعد الله وهو قوله إنا رادوه إليك قال يوسف بن الحسين: أمرت أم موسى بشيئين، ونهيت عن شيئين وبشرت بشيئين فلم ينفعها الكل حتى تولى الله حياطتها فربط على قلبها.
القصص 28:11
(وقالت) أم موسى (لأخته) وهي مريم، وقال الضحاك إن اسمها كاتمة وقال السهيلي كلثوم، ذكره الماوردي (قصيه) أي تتبعي أثره واعرفي خبره وانظري أين وقع؟ وإلى من صار؟ يقال قصصت الشيء إذا اتبعت أثره متعرفاً لحاله.
(فبصرت به) أي أبصرته. قال المبرد: أبصرته وبصرت به بمعنى، قرئ (بصرت) بفتح الباء وضم الصاد وقرئ بفتحها وبكسرها (عن جنب) أصله عن مكان جنب ومنه الأجنبي وقيل: المراد بقوله عن جنب عن جانب قاله ابن عباس، والمعنى أنها أبصرت إليه متجانفة مخاتلة، وقرئ عن جانب أي بصرت به مستخفية، كائنة عن جنب، أو بعيداً منها وقرئ بضمتين وبضم الجيم وسكون النون، وقال أبو عمرو بن العلاء: إن معنى عن جنب عن شوق قال: وهي لغة جذام، يقولون: جنبت إليك أي اشتقت إليك.
(وهم لا يشعرون) أنها أخته؛ وأنها تقصه، وتتبع أثره، أخرج الطبراني، وابن عساكر عن أبي أمامة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لخديجة: " أما شعرت أن الله زوجني مريم بنت عمران؛ وكلثوم أخت موسى، وامرأة فرعون؟ " قالت: هنيئاً لك يا رسول الله، وأخرجه ابن عساكر عن ابن رداد مرفوعاً بأطول من هذا وفي آخره أنها قالت: بالرفاء والبنين.
القصص 28:12
(وحرمنا عليه المراضع) جمع مرضع، وقيل: جمع مرضع، بفتح الضاد: هو الرضاع، أو موضعه وهو الثدي، أي: منعناه أن يرضع من المرضعات جعله مجازاً إما استعارة أو مرسلاً، لأن من حرم عليه شيء فقد منعه لأن الصبي ليس من أهل التكليف.
(من قبل) أي: من قبل أن نرده إلى أمه أو من قبل أن تأتيه أمه، أو من قبل قصها لأثره، قال ابن عباس: لا يؤتى بمرضع فيقبلها، وقد كانت امرأة فرعون طلبت لموسى المرضعات ليرضعنه فلم يرضع من واحدة منهن.
(فقالت) أخته لما رأت امتناعه من الرضاع وحنوهم عليه (هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم)؟ أي يضمنون لكم القيام به وإرضاعه، وهي امرأة قتل ولدها، وأحب شيء إليها أن تجد ولداً ترضعه.
(وهم له ناصحون) أي مشفقون عليه لا يقصرون في إرضاعه وتربيته، والنصح: إخلاص العمل من شائبة الفساد، وفي الكلام حذف أي: قالوا لها: من هم؟ فقالت: أمي فقيل: وهل لأمك ابن؟ قالت: نعم ابن أخي هارون، وكان ولد في السنة التي لا يقتل فيها فدلتهم على أم موسى فدفعوه إليها فقبل ثديها ورضع منه، قيل: كانوا يعطونها كل يوم ديناراً، وإنما حل لها ما تأخذه لأنه مال حربى لا أنه أجرة على إرضاع ولدها.
فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (13) وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (14) وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (15)
القصص 28:13
(فرددناه إلى أمه كي تقر عينها) بولدها (ولا تحزن) حينئذ على فراقه (ولتعلم أن وعد الله) أي: جميع وعده ومن جملة ما وعدها بقوله إنا رادوه إليك (حق) لا خلف فيه واقع لا محالة.
(ولكن أكثرهم) أي: أكثر آل فرعون (لا يعلمون) بذلك بل كانوا في غفلة عن القدر، وسر القضاء، أو أكثر الناس لا يعلمون بذلك أو لا يعلمون أن الله وعدها بأن يرده إليها وهذه أخته وهذه أمه.
القصص 28:14
(ولما بلغ أشده) أي: نهاية القوة، وتمام العقل، وهو جمع شدة كنعمة وأنعم عند سيبويه، وقد قال ربيعة ومالك: هو الحلم لقوله تعالى: (حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشداً) الآية وأقصاه أربع وثلاثون سنة كما قال مجاهد وسفيان الثوري وغيرهما. وقيل الأشد ما بين الثمانية عشر إلى الثلاثين وقال ابن عباس: ثلاثاً وثلاثين سنة، وقد تقذم الكلام في بلوغ الأشد في الأنعام.
(واستوى) أي اعتدل وتم استحكامه، والاستواء من الثلاثين إلى الأربعين، فإذا زاد على الأربعين أخذ في النقصان، قاله ابن عباس وقيل: الاستواء هو بلوغ الأربعين، ويروى أنه لم يبعث نبي إلا على رأس أربعين سنة، وقيل: الاستواء إشارة إلى كمال الخلقة، وقيل الأشد والاستواء بمعنى واحد، وهو ضعيف، لأن العطف يشعر بالمغايرة.
(أتيناه حكماً وعلماً) الحكم الحكمة على العموم، وقيل: النبوة وقيل: الفقه في الدين؛ والعلم الفهم قاله السدي. وقال مجاهد: الفقه، وقال ابن إسحاق: العلم بدينه ودين آبائه وقيل: كان هذا قبل النبوة، وقد تقدم بيان معنى ذلك في البقرة.
(وكذلك) أي مثل ذلك الجزاء. الذي جزينا أم موسى لما استسلمت
لأمر الله؛ وألقت ولدها في البحر، وصدقت بوعد الله (نجزي المحسنين)
على إحسانهم، والمراد العموم.
القصص 28:15
(ودخل المدينة) أي دخل موسى مدينة مصر الكبرى، وقيل: مدينة غيرها من مدائن مصر، وهي منف من أعمال مصر وقيل: أم خنان أو حابين على رأس فرسخين من مصر، وقيل مدينة عين شمس.
(على حين غفلة من أهلها) أي مستخفياً، قيل: لما عرف موسى ما هو عليه من الحق في دينه عاب ما عليه قوم فرعون وفشا ذلك منه، فأخافوه فخافهم، فكان لا يدخل المدينة إلا مستخفياً، قيل: كان دخوله بين العشاء والعتمة، قاله ابن عباس، وقيل: وقت القائلة أي نصف النهار، قاله ابن عباس أيضاً. وقيل: يوم عيد لهم قد اشتغلوا بلهوهم ولعبهم قال الضحاك: طلب أن يدخل المدينة وقت غفلة أهلها فدخل على حين علم منهم فكان منه ما حكى الله سبحانه بقوله:
(فوجد فيها رجلين يقتتلان) أي يختصمان ويتنازعان (هذا من شيعته) أي ممن شايعه على دينه، وهم بنو إسرائيل، أي إسرائيلي، وقيل هو السامري.
(وهذا من عدوه) أي من المعادين له على دينه، وهم قوم فرعون أي قبطي وهو طباخ فرعون، واسمه فاتون أو فليثون، وكان كافراً اتفاقاً. وأما الإسرائيلي فقيل: كان مؤمناً وقيل: كان كافراً.
(فاستغاثه الذي من شيعته) أي طلب منه الإسرائيلي أن ينصره ويعينه على خصمه، والاستغاثة طلب الغوث (على الذي من عدوه) أي القبطي فأغاثه لأن نصر المظلوم واجب في جميع الملل، قيل: أراد القبطي أن يسخر الإسرائيلي ليحمل حطباً لمطبخ فرعون فأبى عليه، واستغاث موسى.
(فوكزه موسى) الوكز الضرب والدفع بجميع الكف، وهكذا اللكز واللهز، وقيل اللكز على اللحى والوكز على القلب. وقيل اللكز بأطراف الأصابع، والوكز بجميع الكف. وقيل بالعكس والنكز كاللكز، وقيل ضربه بعصاه، وقرأ ابن مسعود فلكزه، وحكى الثعلبي أن في مصحف عثمان فنكزه بالنون، قال الأصمعي: نكزه بالنون ضربه ودفعه. قال الجوهري: اللكز الضرب على الصدر، وقال أبو زيد: في جميع الجسد يعني أنه يقال له لكز واللهز: الضرب بجميع اليدين في الصدر ومثله عن أبي عبيدة.
(فقضى عليه) الضمير المرفوع لله، أو للوكز أو لموسى، وهو الظاهر أي قتله وكل شيء أتيت عليه وفرغت منه فقد قضيت عليه، قيل لم يقصد موسى قتل القبطي، وإنما قصد دفعه، فأتى ذلك على نفسه خطأ، فندم ودفنه في الرمل، والوكزة لا تقتل غالباً، وإنما وافقت، أجله، ولهذا:
(قال هذا من عمل الشيطان) وإنما قال بهذا القول مع أن المقتول كافر حقيق بالقتل لأنه لم يكن إذ ذاك مأموراً بقتل الكفار، وقيل: إن تلك الحالة حالة كف عن القتال لكونه مأموناً عندهم. فلم يكن له أن يغتالهم فكبر ذلك على موسى، وقيل إن الإشارة بقوله هذا إلى عمل المقتول لكونه كافراً مخالفاً لما يريده الله، وقيل: إنه إشارة إلى المقتول نفسه، يعني أنه من جند الشيطان وحزبه، ثم وصف الشيطان بقوله:
(إنه عدو مضل مبين) أي: عدو للإنسان يسعى في إضلاله ظاهر العداوة والإضلال، ثم طلب من الله سبحانه أن يغفر له ما وقع منه.
قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (16) قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ (17) فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ (18) فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (19) وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (20)
القصص 28:16
(قال رب إني ظلمت نفسي) بقتل القبطي من غير أمر (فاغفر لي فغفر) الله (له) ذلك؛ وعلم أنه غفر له بإلهام أو بغيره، ولا يلزم من هذا نبوته في هذا الوقت (إنه هو الغفور) بإقالة الزلل (الرحيم) بإزالة الخلل المتصف بهما في الأبد والأزل.
ووجه استغفاره أنه لم يكن لنبي أن يقتل حتى يؤمر، وقيل: إنه طلب المغفرة من تركه للأولى كما هو سنة المرسلين، أو أراد أني ظلمت نفسي بقتل هذا الكافر، لأن فرعون لو يعرف ذلك لقتلني به؛ وقيل: معنى فاغفر لي استر ذلك علي لا يطلع عليه فرعون، وهذا خلاف الظاهر، فإن موسى عليه السلام ما زال نادماً على ذلك خائفاً من العقوبة بسببه حتى إنه يوم القيامة عند طلب الناس الشفاعة منه يقول: إني قتلت نفساً لم أؤمر بقتلها، كما ثبت ذلك في حديث الشفاعة الصحيح.
وقد قيل: إن هذا كان قبل النبوة، وقيل كان قبل بلوغه سن التكليف، وأنه كان إذ ذاك في اثنتي عشرة سنة: وكل هذه التأويلات البعيدة محافظة على ما تقرر من عصمة الأنبياء ولا شك أنهم معصومون عن الكبائر والقتل الواقع منه لم يكن عن عمد فليس بكبيرة، لأن الوكزة في الغالب لا تقتل. وقيل: بل كان من قبيل دفع الصائل. وهو لا إثم فيه وأشار له القرطبي بقوله: وإنما أغاثه لأن نصر المظلوم دين في الملل كلها وفرض في جميع الشرائع وقيل: هو على سبيل الاتضاع لله تعالى، والاعتراف بالتقصير عن القيام بحقوقه. وإن لم يكن هناك ذنب فهو من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين.
ثم لما أجاب الله سؤاله وغفر له ما طلب منه مغفرته.
القصص 28:17
(قال رب بما أنعمت عليَّ) الباء للقسم وما موصولة أو مصدرية أي: أقسم بإنعامك عليَّ بالمغفرة لأتوبن قاله الزمخشري والمهدوي والماوردي. وقيل: المراد بما أنعم به عليه هو ما آتاه من الحكم والمعرفة والعلم والتوحيد، قاله القرطبي. وقال الثعلبي: أي بالمغفرة فلم تعاقبني.
وجملة (فلن أكون ظهيراً للمجرمين) كالتفسير للجواب، وكأنه أقسم بما أنعم الله عليه أن لا يظاهر مجرماً، ويجوز أن تكون الباء هي باء السببية؛ متعلقة بمحذوف أي: اعصمني بسبب ما أنعمت به عليَّ. ويكون قوله: فلن أكون ظهيراً مترتباً عليه، ويكون في ذلك استعطاف لله تعالى، وتوصل إلى إنعامه بإنعامه وأراد بمظاهرة المجرمين إما صحبة فرعون والانتظام في جملته في ظاهر الأمر أو مظاهرته على ما فيه إثم أو تكثير سواده.
قال الكسائي والفراء: ليس قوله هذا خبراً، بل هو دعاء، أي: فلا تجعلني يا رب ظهيراً لهم، وبها قرأ عبد الله. وقال الفراء: المعنى اللهم فلن أكون الخ، وقال النحاس: إن جعله من باب الخبر أوفى، وأشبه بنسق الكلام وفيه دليل على أن الإسرائيلي الذي أعانه موسى كان كافراً، وقيل: أراد إني وإن أسأت في هذا القتل الذي لم أؤمر به فلا أترك نصرة المسلمين على المجرمين، فعلى هذا كان الإسرائيلي مؤمناً؛ ونصرة المؤمنين واجبة في جميع الأديان وقيل: لم يستثن فابتلي في اليوم الثاني، أي لم يقل فلم أكن إن شاء الله ظهيراً للمجرمين، كما قال الله تعالى.
القصص 28:18
(فأصبح في المدينة) أي دخل في وقت الصباح في المدينة التي قتل فيها القبطي (خائفاً يترقب) المكروه أو متى يؤخذ به، أو يترقب الفرج، أو الخبر هل وصل إلى فرعون أم لا قال النسفي: وفيه دليل على أنه لا بأس بالخوف من دون الله، بخلاف ما يقوله بعض الناس أنه لا يسوغ الخوف من دون الله سبحانه، زاد القرطبي وأن الخوف لا ينافي المعرفة بالله ولا التوكل عليه.
(فإذا الذي استنصره) إذا هي الفجائية أي فإذا صاحبه الإسرائيلي الذي استغاثه (بالأمس) يقاتل قبطياً آخر أراد أن يسخره ويظلمه، كما أراد القبطي الذي قد قتله موسى بالأمس (يستصرخه) أي يستغيث به، والاستصراخ الاستغاثة، وهو من الصراخ، وذلك أن المستغيث يصوت ويصرخ في طلب الغوث.
(قال له) أي للإسرائيلي (موسى) وإليه ذهب الخازن والمحلي، أو للقبطي؛ وإليه ذهب القرطبي (إنك لغوي مبين) أي بين الغواية، وذلك أنك تقاتل من لا تقدر على مقاتلته ولا تطيقه، وقيل إنما قال له هذه المقالة لأنه تسبب بالأمس لقتل رجل، ويريد اليوم أن يتسبب لقتل آخر.
القصص 28:19
(فلما أن أراد) موسى (أن يبطش بالذي) أي القبطي الذي (هو عدو لهما) أي لموسى وللإسرائيلي حيث لم يكن على دينهما.
(قال) الإسرائيلي (يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس)؟ قال ذلك، لما سمع موسى يقول له إنك لغوي مبين، ورآه يريد أن يبطش بالقبطي، ظن أنه يريد أن يبطش به، فلما سمع القبطي ذلك أفشاه، ولم يكن قد علم أحد من أصحاب فرعون أن موسى هو الذي قتل القبطي بالأمس حتى أفشى عليه الإسرائيلي هكذا قال جمهور المفسرين وقيل: إن القائل هو القبطي، وكان قد بلغه الخبر من جهة الإسرائيلي، وهذا هو الظاهر؛ وقد سبق ذكر القبطي قبل هذا بلا فصل، لأنه هو المراد بقوله عدو لهما، ولا موجب لمخالفة الظاهر حتى يلزم منه أن المؤمن بموسى المستغيث به المرة الأولى، والمرة الأخرى هو الذي أفشى عليه.
وأيضاً أن قوله (إن تريد إلا أن تكون جباراً في الأرض) لا يليق صدور مثله إلا من كافر، و (إن) هي النافية أي ما تريد، قال الزجاج: الجبار في اللغة الذي يتعاظم، ولا يتواضع لأمر الله، والقاتل بغير حق جبار. وقيل: الجبار الذي يفعل ما يريد، من الضرب والقتل ولا ينظر في العواقب ولا يدفع بالتي هي أحسن. وقال عكرمة: لا يكون الرجل جباراً حتى يقتل نفسين. وهو بعيد، ولا دلالة في الآية على ذلك، والراجح هو الأول الموافق باللغة.
(وما تريد أن تكون من المصلحين) بين الناس، فتدفع التخاصم بالتي هي أحسن.
القصص 28:20
(وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى) قيل: المراد بهذا الرجل حزقيل وهو مؤمن آل فرعون وكان ابن عم موسى، وقيل: اسمه شمعون. وقيل طالوت وقيل: سمعان، والمراد بأقصى المدينة آخرها وأبعدها، والمعنى يسرع في مشيه وأخذ طريقاً قريباً حتى سبق إلى موسى وأخبره وأنذره بما سمع.
(قال يا موسى إن الملأ) أي أشراف قوم فرعون (يأتمرون بك ليقتلوك) أي يتشاورون في قتلك ويتآمرون بسببك، وإنما سمي التشاور ائتماراً لأن كُلاًّ من المتشاورين يأمر الآخر ويأتمر به، قال الزجاج: يأمر بعضهم بعضاً بقتلك وهذا أقرب باللفظ والمعنى قاله الحفناوي وقال أبو عبيدة: يتشاورون فيك، قال الأزهري: ائتمر القوم وتآمروا أي أمر بعضهم بعضاً ونظيره قوله تعالى: وائتمروا بينكم بمعروف.
(فاخرج) من المدينة (إني لك من الناصحين) في الأمر بالخروج واللام للبيان لأن معمول المجرور لا يتقدم عليه.
فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (21) وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ (22) وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (23) فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (24) فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (25)
القصص 28:21
(فخرج) موسى (منها) أي من المدينة (خائفاً يترقب) أي حال كونه خائفاً من الظالمين مترقباً لحوقهم به، وإداركهم له أو راجياً غوث الله إياه، قولان للمفسرين، وعن ابن عباس قال: خرج موسى من مصر إلى مدين وبينه وبينها ثمان ليال، ولم يكن له طعام إلا ورق الشجر، وخرج حافياً فما وصل إليها حتى وقع خف قدمه. وعنه قال: خرج موسى خائفاً جائعا ليس معه زاد، حتى انتهى إلى ماء مدين وهو أول ابتلاء من الله تعالى لموسى، ثم دعا ربه بأن ينجيه ممن خافه.
و (قال رب نجني من القوم الظالمين) قوم فرعون، أي خلصني منهم وادفعهم عني، وحل بيني وبينهم، واحفظني من لحوقهم.
القصص 28:22
(ولما توجه) أي قصد بوجهه (تلقاء مدين) أي نحوها، وجهتها قاصداً لها ماضياً إليها. قال الزجاج: أي سلك في الطريق التي تلقاء مدين فيها انتهى والتوجه: الإقبال على الشيء ومدين قرية شعيب، يقال: داره تلقاء دار فلان، وأصله من اللقاء ولم تكن هذه القرية داخلة تحت سلطان فرعون، ولهذا خرج إليها ولكن لم يكن يعرف طريقها.
(قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل) أي: يرشدني نحو الطريق المستوية إلى مدين وهو من إضافة الصفة للموصوف وكان لها ثلاث طرق، فأخذ موسى الوسطى، وجاء الطلاب في أثره فساروا في الآخريين، ذكره أبو السعود.
القصص 28:23
(ولما ورد ماء مدين) أي: وصل إليه وهو الماء الذي يستقون منه، والمراد بالماء هنا بئر فيها، صرح به الخازن والمحلي، فهو من باب ذكر الحال وإرادة المحل، ولفظ الورود قد يطلق على الدخول في المورد، وقد يطلق على البلوغ إليه وإن لم يدخل فيه وهو المراد هنا؛ وقد تقدم تحقيق معنى الورود في قوله: وإن منكم إلا واردها، وقيل: مدين اسم للقبيلة لا للقرية، وهي غير منصرفة على كلا التقديرين.
(وجد عليه أمة) أي: وجد على الماء جماعة كثيرة لأن التنكير للتكثير (من الناس) أي من أناس مختلفين (يسقون) مواشيهم (ووجد من دونهم) أي: من دون الناس الذين يسقون ما بينهم وبين الجهة التي جاء منها وقيل: معناه في موضع أسفل منهم قاله أبو السعود، وفي الخازن: في موضع بعيد منهم.
(امرأتين تذودان) أي تحبسان أغنامهما من الماء، حتى يفرغ الناس، ويخلو بينهما وبين الماء، وبه قال ابن عباس، وورد الذود بمعنى الطرد، أي تطردان، وقيل: تكفان الغنم عن أن تختلط بأغنام الناس، وقيل: تمنعان أغنامهما عن أن تند، وتذهب، والأول أولى لقوله:
(قال) موسى للمرأتين (ما خطبكما)؟ أي: ما شأنكما لا تسقيان غنمكما مع الناس؟ والخطب الشأن، قيل: وإنما يقال ما خطبك لمصاب أو لمضطهد أو لمن يأتي بمنكر.
(قالتا) عادتنا التأني (لا نسقي حتى يصدر الرعاء) عن الماء، وينصرفوا منه حذراً من مخالطتهم، أو عجزاً عن السقي معهم، قرئ نسقي بفتح النون، وبضمها من أسقى، وقرئ يصدر من أصدر. ومن صدر يصدر لازماً: أي: يرجعون مواشيهم، والرعاء جمع راع على غير قياس؛ لأن فاعلا الوصف المعتل اللام كقاض قياسه فعله نحو قضاة ورماة خلافاً للزمخشري في أن جمعه على فعال قياس، كصيام وقيام قاله الكرخي. قرأ الجمهور: الرعاء بكسر الراء وقرئ بفتحها قال أبو الفضل: هو مصدر أقيم مقام الصفة فلذلك استوى فيه الواحد والجمع، وقرئ الرعاء بالضم اسم جمع.
(وأبونا شيخ كبير) عالي السن، وهذا من تمام كلامهما إبداء منهما للعذر في مباشرة السقي أنفسهما أي: لا يقدر أن يسقي ماشيته من الكبر؛ فلذلك احتجنا ونحن امرأتان ضعيفتان مستورتان؛ لا نقدر على مزاحمة الرجال وعلى أن نسقي الغنم لعدم وجود رجل يقوم لنا بذلك، قيل: أبوهما شعيب وقيل: هو ثيرون ابن أخي شعيب، وقيل: هو رجل ممن آمن بشعيب؛ والأول أولى.
وإنما رضي شعيب لابنتيه بسقي الماشية، لأن هذا الأمر في نفسه ليس بمحظور، والدين لا يأباه. وأما المروءة فعادات الناس في ذلك متباينة، وأحوال العرب فيه خلاف أحوال العجم، ومذهب أهل البدو فيه غير مذهب أهل الحضر، خصوصاً إذا كانت الحالة حالة الضرورة، فلما سمع موسى كلامهما رق لهما ورحمهما.
القصص 28:24
(فسقى لهما) أي: سقى أغنامهما لأجلهما رغبة في المعروف وإغاثة للملهوف، قال المحلي: سقى من بئر أخرى، لقربها، رفع حجراً عنها لا يرفعه إلا عشرة أنفس انتهى (ثم) لما فرغ من السقي لهما (تولى إلى الظل) أي: انصرف إليه فجلس فيه من شدة الحر وهو جائع. قيل: كان هذا الظل ظل سمرة هنالك، وهي شجرة من شجر الطلح وفيه دليل على جواز الاستراحة في الدنيا بخلاف ما يقوله بعض المتقشفة.
(فقال) أي ثم قال لما أصابه من الجهد والتعب منادياً لربه (رب إني لما أنزلت إلي من خير) أي خير كان (فقير) أي محتاج إلى ذلك واللام بمعنى إلى، قال الأخفش: يقال هو فقير له واليه، قال ابن عباس لقد قال موسى رب الخ وهو أكرم خلقه عليه، ولقد افتقر إلى شق تمرة، ولقد لصق بطنه بظهره من شدة الجوع. وعنه قال: ما سأل إلا الطعام؛ وعنه قال: سأل فلقاً من الخبز يشد بها صلبه من الجوع، ويحتمل أن يريد أني فقير من الدنيا لأجل ما أنزلت إلي من خير الدين وهو النجاة من الظالمين، لأنه كان عند فرعون في ملك وثروة، قال ذلك رضاء بالبدل السني، وفرحاً بالعوض الهني، وشكراً لله الغني. وقال ابن عطاء: نظر من العبودية إلى الربوبية، وتكلم بلسان الافتقار، لما ورد على سره من الأنوار.
القصص 28:25
(فجاءته إحداهما) في الكلام حذف يدل عليه السياق، قال الزجاج: تقديره فذهبتا إلى أبيهما سريعتين، وكانت عادتهما الإبطاء في السقي، فحدثتاه بما كان من الرجل الذي سقى لهما، فأمر الكبرى من بنتيه وهي صفورا، وقيل: صفراء وقيل: أمر الصغرى، وهي ليا وقيل: صفيراء أن تدعوه له فجاءته، وذهب أكثر المفسرين إليه أنهما ابنتا شعيب، وقيل: هما ابنتا أخي شعيب كان قد مات، والأول أرجح وهو ظاهر القرآن.
(تمشي) كائنة (على استحياء) حالتي المشي والمجيء لا عند المجيء فقط وهذا دليل كمال إيمانها، وشرف عنصرها، لأنها كانت تدعوه إلى ضيافتها ولم تعلم أيجيبها أم لا؟ فأتته مستحيية. قال عمر بن الخطاب: جاءت مستترة بكم درعها على وجهها من الحياء، والحياء والاستحياء بالمد الحشمة والانقباض والانزواء، ويتعدى بنفسه وبالحرف، يقال: استحييته واستحييت منه.
(قالت إن أبي يدعوك) مستأنفة جواب سؤال مقدر، كأنه قيل: ماذا قالت له لما جاءته فقيل قالت الخ (ليجزيك أجر ما سقيت لنا) أي جزاء سقيك لنا، فأجابها منكراً في نفسه أخذ الأجرة، وقيل أجاب لوجه الله، أو للتبرك برؤية الشيخ، لما سمع منهما أن أباهما شيخ كبير.
(فلما جاءه) أي جاء موسى شعيباً، عن أبي حازم قال: لما دخل موسى على شعيب إذا هو بالعشاء فقال له شعيب كل قال موسى أعوذ بالله؛ قال ولم ألست بجائع؟ قال بلى ولكن أخاف أن يكون هذا عوضاً عما سقيت لهما وأنا من أهل بيت لا نبيع شيئاًً من عمل الآخرة بملء الأرض ذهباً، قال: لا والله ولكنها عادتي. وعادة آبائي. نقري الضيف ونطعم الطعام، فجلس موسى فأكل.
(وقص عليه القصص) مصدر يسمى به المفعول أي المقصوص، يعني أخبره بجميع ما اتفق له من عند قتله القبطي إلى عند وصوله إلى ماء مدين، وعن مالك ابن أنس: أنه بلغه أن شعيباً هو الذي قص عليه القصص.
(قال) شعيب: (لا تخف نجوت من القوم الظالمين) أي فرعون وأصحابه لأن فرعون لا سلطان له على مدين، وفيه دليل على جواز العمل بخبر الواحد ولو عبداً أو أنثى، وعلى المشي مع الأجنبية مع ذلك الاحتياط والتورع وللرازي في هذا الموضع إشكالات باردة جداً لا تستحق أن تذكر في تفسير كلام الله عز وجل، والجواب عليها يظهر للمقصر فضلاً عن الكامل؛ وأسف ما جاء به أن موسى كيف أجاب الدعوة المعللة بالجزاء لما فعله من السقي، ويجاب عنه بأنه اتبع سنة الله في إجابة دعوة نبي من أنبياء الله، ولم تكن تلك الإجابة لأجل أخذ الأجر على هذا العمل، ولهذا ورد أنه لما قدم إليه الطعام قال: إنا أهل بيت لا نبيع ديننا بملء الأرض ذهباً كما مر، وفي الكشاف أن طلب الأجرة لشدة الفاقة غير منكر، ويشهد لصحته لو شئت لاتخذت عليه أجراً.
قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (26) قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (27)
القصص 28:26
(قالت إحداهما) وهي التي جاءته (يا أبت استأجره) ليرعى لنا الغنم وفيه دليل على أن الإجازة كانت عندهم مشروعة، وقد اتفق على جوازها ومشروعيتها جميع علماء الإسلام إلا الأصم، فإنه عن سماع أداتها أصم.
(إن خير من استأجرت القوي الأمين) تعليل لما وقع منها من الإرشاد لأبيها إلى استئجار موسى، أي أنه حقيق باستئجارك له لكونه جامعاً بين خصلتي القوة والأمانة ولم يقل تستأجر مع أنه الظاهر لأنه جعله لتحققه وتجربته منزلاً منزلة ما مضى وعرف قبل.
وقد روى عن ابن عباس، وعمر: إن أباها سألها عن وصفها له بالقوة والأمانة فأجابته: أما قوته فرفعه الحجر لا يطيقه إلا عشرة رجال، وأما أمانته فقال امش خلفي وانعتي لي الطريق، فإني أكره أن تصيب الريح ثيابك فتصف لي جسدك، فزاده ذلك رغبة فيه، وعن ابن مسعود: أفرس الناس ثلاثة: بنت شعيب، وصاحب يوسف في قوله عسى أن ينفعنا، وأبو بكر في أمر عمر.
القصص 28:27
(قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين) الكبرى أو الصغرى وفيه مشروعية عرض ولي المرأة لها على الرجل، وهذه سنة ثابتة في الإسلام كما ثبت من عرض عمر لابنته حفصة على أبي بكر وعثمان، والقصة معروفة وغير ذلك مما وقع في أيام الصحابة وأيام النبوة، وكذلك ما وقع من عرض المرأة لنفسها على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
قيل: زوجه الكبرى، وقال الأكثرون: إنه زوجه الصغرى منهما واسمها صفورا، وهي التي ذهبت في طلب موسى و (هاتين) يدل على أنه كان له غيرهما وقد قال البقاعي: إن له سبع بنات كما في التوراة، وهذه مواعدة منه، ولم يكن ذلك عند نكاح إذ لو كان عنداً لقال: قد أنكحتك.
(على أن تأجرني ثماني حجج) جمع حجة وهي السنة قال الفراء: يقال: على أن تجعل ثوابي أن ترعى غنمي ثماني سنين. قال المبرد: يقال أجرت داري ومملوكي غير ممدود، وممدوداً والأول أكثر، والتزوج على رعي الغنم جائز بالإجماع لأنه من باب القيام بأمر الزوجية فلا مناقضة بخلاف التزوج على الخدمة.
(فإن أتممت) ما استأجرتك عليه من الرعي (عشراً) من السنين (فمن عندك) أي تفضلاً منك وتبرعاً، لا إلزاماً مني لك وليس بواجب عليك، جعل ما زاد على الثمانية الأعوام إلى تمام عشرة أعوام، موكولاً إلى المروءة أي فهي من عندك، والظاهر أنه استدعاء عند بالأجل الأول نظراً إلى شرعنا، ويمكن كونه عقداً صحيحاً عندهم قاله الكرخي.
(وما أريد أن أشق عليك) بإلزامك إتمام العشرة الأعوام، ولا بالمناقشة في مراعاة الأوقات، واستيفاء الأعمال، واشتقاق المشقة من الشق أي شق ظنه نصفين، فتارة يقول: أطيق وتارة يقول: لا أطيق، ثم رغبة في قبول الإجازة فقال (ستجدني إن شاء الله من الصالحين) في حسن الصحبة ولطف المعاملة ولين الجانب، والوفاء بالعهد، وقيل أراد الصلاح على العموم فيدخل صلاح المعاملة في تلك الإجازة تحت الآية دخولاً أولياً، وقيد ذلك بالمشيئة تفويضاً للأمر إلى توفيق الله ومعونته، وللتبرك به لا تعليق صلاحه بمشيئته تعالى.
قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (28) فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (29)
ثم لما فرغ شعيب من كلامه قرره موسى و
القصص 28:28
(قال ذلك بيني وبينك) والإشارة إلى ما تعاقدا عليه (أيما الأجلين قضيت) شرطية وجوابها:
(فلا عدوان عليّ) والمراد بالأجلين الثمانية الأعوام، والعشرة الأعوام ومعنى قضيت: وفيت به، وأتممته، وفرغت منه، و (الأجلين) مخفوض بإضافة (أي) إليه و (ما) زائدة أو مخفوضة بإضافة أي إليها والأجلين بدل منها، وقرأ ابن مسعود: أي الأجلين ما قضيت، والمعنى لا ظلم عليّ بطلب الزيادة على ما قضيته من الأجلين، أي كما لا أطالب بالزيادة على الثمانية الأعوام، لا أطالب بالنقصان عن العشرة: وقيل: المعنى كما لا أطالب بالزيادة على العشرة الأعوام لا أطالب بالزيادة على الثمانية الأعوام، وهذا أظهر. وأصل العدوان تجاوز الحد في غير ما يجب، قال المبرد: وقد علم موسى أنه لا عدوان عليه في أتمهما، ولكنه جمعهما ليجعل الأقل كالأتم في الوفاء، وقرئ عدوان بضم العين وبكسرها.
(والله على ما نقول) من هذه الشروط الجارية بيننا (وكيل) أي شاهد وحفيظ فلا سبيل لأحدنا إلى الخروج عن شيء من ذلك، قيل: هو من قول موسى، وقيل: من قول شعيب، والأول أولى لوقوعه في جملة كلام موسى وتم العقد بذلك ولعل هذا كان في شرعهما، وإلا فهذه الصيغة لا تكفي عندنا في عقد النكاح، لأن الواقع من شعيب وعد بالإنكاح، والواقع من موسى ليس فيه مادة التزويج، ولا الإنكاح، وأيضاً الصداق ليس راجعاً للمنكوحة بل لأبيها، هذا ما جرى عليه المحلي.
وقال غيره: إنهما عقدا عقداً بغير الصورة المذكورة هنا منهما، قال أبو السعود: ليس ما حكى عنهما في الآية تمام ما جرى بينهما من الكلام في إنشاء عقد النكاح، وعقد الإجازة وإيقاعهما، بل هو بيان لما عزما عليه واتفقا على إيقاعه حسبما يتوقف عليه مساق القصة إجمالاً من غير تعرض لبيان مواجب العقدين في تلك الشريعة تفصيلاً.
وأخرج الطبراني وغيره عن عتبة السلمي قال: كنا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقرأ سورة طسم حتى إذا بلغ قصة موسى قال: " إن موسى آجر نفسه ثماني سنين، أو عشراً على عفة فرجه، وطعام بطنه، فلما وفى الأجل قيل يا رسول الله أي الأجلين قضى موسى؟ قال: أبرهما وأوفاهما، فلما أراد فراق شعيب أمر امرأته أن تسأل أباها أن يعطيهما من غنمه ما يعيشون به، فأعطاهما ما ولدت غنمه " الحديث بطوله وفيه مسلمة الدمشقي ضعفه الأئمة.
القصص 28:29
(فلما قضى موسى الأجل) الذي هو أكملهما وأوفاهما، وهو العشرة الأعوام، والفاء فصيحة؛ عن ابن عباس أنه سئل أي الأجلين قضى موسى؟ قال: " أكثرهما وأطيبهما أن رسول الله إذا قال فعل "، وصححه الحاكم، أقول: في قوله إذا قال رسول الله فعل نظر، فإن موسى لم يقل إنه سيقضي أكثر الأجلين، بل قال: أيما الأجلين قضيت فلا عدوان عليَّ، وقد روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " إن موسى قضى أتم الأجلين " من طرق أخرج الخطيب في تاريخه عن أبي ذر قال: قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " إذا سئلت أي الأجلين قضى موسى فقل: خيرهما وأبرهما: وإن سئلت أي المرأتين تزوج؟ فقل الصغرى منهما، وهي التي جاءت فقالت يا أبت استأجره ".
وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " قال لي جبريل: يا محمد إن سألك اليهود أي الأجلين قضى موسى؟ فقل: أوفاهما وإن سألوك أيهما تزوج؟ فقل الصغرى منهما " فروايات أنه قضى أتم الأجلين لها طرق يقوي بعضها بعضاً.
(و) لما تم الأجل ودنا أيام الزلفة وظهرت أنوار النبوة (سار بأهله) زوجته بإذن أبيها إلى مصر ليشتركوا معه في لطائف صنع ربه، وقيل: سار لصلة رحمه وزيارة أمه وأخيه، وهذا أولى؛ وفيه دليل على أن الرجل يذهب بأهله حيث شاء.
(آنس من جانب الطور) أي أبصر من الجهة التي تلي الطور (ناراً) وذلك أنه كان في البرية في ليلة مظلمة شديدة البرد وأخذ امرأته الطلق، وقد تقدم تفسير هذا في سورة طه مستوفى، قال ابن عباس: لما قضى موسى الأجل سار بأهله فضل الطريق، وكان في الشتاء، فرفعت له نار فلما رآها ظن أنها نار وكانت من نور الله.
(قال لأهله امكثوا إني آنست ناراً لعلي آتيكم منها بخبر) أي لعلي أجد من يدلني على الطريق فإن لم أجد خبراً آتيكم بشهاب قبس وهو المراد بقوله (أو جذوة من النار) وهذا تقدم تفسيره أيضاً في سورة طه، وفي سورة النمل، وقرئ جذوة بكسر الجيم، وبضمها وبفتحها، وهي لغات في العود الذي في رأسه نار، هذا هو المشهور، وقيده بعضهم فقال: نار من غير لهب وقد ورد ما يقتضي وجود اللهب فيه، قال الجوهري الجذوة والجذوة الجمرة. والجمع جَذى وجَذيّ وجُذيّ، قال مجاهد: إن الجذوة قطعة من الجمر في لغة العرب، وقال أبو عبيدة: هي القطعة الغليظة من الخشب كأن في طرفها ناراً ولم تكن، وليس المراد هنا إلا ما في رأسه نار قاله السمين.
(لعلكم تصطلون) من البرد أي تستدفئون بالنار.
فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (30) وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ (31)
القصص 28:30
(فلما أتاها) أي النار التي أبصرها، وقيل: أتى الشجرة، والأول أولى لعدم الذكر للشجرة (نودي من) لابتداء الغاية (شاطئ الوادي الأيمن) صفة للشاطئ أو للوادي، وهو من اليمن وهو البركة أو من جهة اليمين المقابل لليسار بالنسبة إلى موسى، أي الذي يلي يمينه دون يساره، وشاطئ الوادي طرفه وحافته وكذا الشط والسيف والساحل كلها بمعنى، قال الراغب وجمع الشاطئ أشطاء قال ابن عباس: كان النداء من السماء الدنيا، وظاهر القرآن يخالف ما قاله رضي الله تعالى عنه.
(في البقعة) متعلق بنودي أو بمحذوف على أنه حال من الشاطئ (المباركة) بتكليم الله تعالى فيها (من الشجرة) بدل اشتمال من شاطئ الوادي لأن الشجرة كانت نابتة على الشاطئ، وقال الجوهري: شاطئ الأودية ولا يجمع، قرأ الجمهور: البقعة بضم الباء، وقرئ بفتحها، وهي لغة حكاها أبو زيد.
عن ابن مسعود، قال: " ذكرت لي الشجرة التي أوى إليهما موسى فسرت إليها يومي وليلتي حتى صبحتها فإذا هي سمرة خضراء ترف، فصليت على النبي - صلى الله عليه وسلم - وسلمت فأهوى إليها بعيري، وهو جائع، فأخذ منها ملآن فيه، فلاكه فلم يستطع أن يسيغه فلفظه، فصليت على النبي - صلى الله عليه وسلم - وسلمت، ثم انصرفت " أخرجه عبد ابن حميد وابن جرير، وابن المنذر، والحاكم وصححه، وقيل: الشجرة العناب؛ أو العوسج؛ وقيل: كانت من العليق.
(أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين) أن هي المفسرة أو هي المخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن؛ وجملة النداء مفسرة له، والأول أولى قرئ: إني بكسر الهمزة على إضمار القول أو على تضمين النداء معناه، والفتح قراءة ضعيفة. قال جعفر، أبصر ناراً دلته على الأنوار لأنه رأى النور في هيئة النار، فلما دنا منها شملته أنوار القدس، وأحاطت به جلابيب الأنس فخوطب بألطف خطاب واستدعى منه أحسن جواب فصار بذلك مكلماً شريفاً أعطي ما سأل، وأمن مما خاف.
قيل: إن موسى لما رأى النار في الشجرة الخضراء علم أنه لا يقدر على الجمع بين النار وخضرة الشجرة إلا الله فعلم بذلك أن المتكلم هو الله تعالى وقيل: إن الله خلق في نفس موسى علماً ضرورياً بأن المتكلم هو الله وأن ذلك الكلام كلام الله، وذهب جماعة من المتكلمين منهم الغزالي إلى أنه سمع كلامه الأزلي النفسي بلا صوت ولا حرف، ولا دليل عليه. وقيل: غير ذلك مما لا فائدة في ذكره.
وقال في سورة طه: (إني أنا ربك) وقال في النمل (نودي أن بورك من في النار ومن حولها) وهما مخالفان لما هنا من حيث اللفظ إلا أن الجميع متوافق في المقصود وهو فتح باب الاستنباء وسوق الكلام على وجه يؤدي إليه قال الإمام: لا منافاة بين هذه الأشياء فهو تعالى ذكر الكل إلا أنه حكى في كل سورة بعض ما اشتمل عليه ذلك النداء انتهى.
القصص 28:31
(وأن ألق عصاك) وقد تقدم تفسير هذا وما بعده في طه والنمل، وفي الكلام حذف، أي فألقاها فصارت ثعباناً فاهتزت (فلما رآها تهتز) أي: تتحرك (كأنها جان) في سرعة حركتها، مع عظم جسمها (ولى مدبراً) أي هارباً منهزماً (ولم يعقب) أي: لم يرجع فنودي:
(يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين) من أن ينالك مكروه من الحية؛ وقد تقدم تفسير جميع ما ذكر هنا مستوفى فلا نعيده وكذلك قوله: اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (32) قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (33) وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (34) قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ (35) فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (36) وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (37)
القصص 28:32
(اسلك يدك في جيبك) والسلك بالفتح، والسلوك كل منهما مصدر لسلك الشيء في الشيء أنفذه فيه، فإنه من باب قعد ونصر (تخرج بيضاء من غير سوء) فأدخلها فخرجت ولها شعاع كضوء الشمس من غير برص.
(واضمم إليك جناحك) جناح الإنسان عضده؛ ويقال لليد كلها جناح أي: اضمم إليك يديك المبسوطتين لتتقي بهما الحية، كالخائف الفزع، وقد عبر هذا المعنى بثلاث عبارات:
الأولى: اسلك يدك في جيبك.
والثانية: واضمم إليك جناحك.
والثالثة: وأدخل يدك في جيبك.
قال الزمخشري: جعل الجناح وهو اليد في أحد الموضعين مضموماً، وفي الآخر مضموماً إليه، فالمراد بالجناح المضموم اليد اليمنى، وبالجناح المضموم إليه اليد اليسرى وكل واحدة من يمنى اليدين ويسراهما جناح، ويجوز أن يراد بالضم التجلد والثبات عند انقلاب العصا ثعباناً، وقيل: كل خائف بعد موسى إذا وضع يده على صدره زال خوفه. قال الفراء: أراد بالجناح عصاه.
(من الرهب) أي من أجل الخوف، قرئ بفتح الراء والهاء وبإسكان الهاء، وبضم الراء، وإسكان الهاء؛ وقال بعض أهل المعاني: الرهب الكم بلغة حمير وبني حنيفة، وقال الأصمعي: سمعت أعرابياً يقول لآخر: أعطني ما في رهبك؛ فسألته عن الرهب؛ فقال: الكم، فعلى هذا يكون معناها اضمم إليك يدك وأخرجها من الكم.
(فذانك) إشارة إلى العصا واليد، قرئ بتخفيف النون، قيل: والتشديد لغة قريش، وقرئ بياء تحتية بعد نون مكسورة؛ وهي لغة هذيل، وقيل لغة تميم (برهانان) أي حجتان نيرتان، ودليلان واضحان؛ وآيتان بينتان، وسميت الحجة برهاناً لإنارتها من قولهم للمرأة البيضاء: برهونة. (من ربك) أي: كائنان منه تعالى، مرسلان أو واصلان.
(إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ) متجاوزين الحد في الظلم، خارجين عن الطاعة أبلغ خروج، والجملة تعليل لما قبلها، ولما سمع موسى قول الله سبحانه هذا طلب منه سبحانه أن يقوي قلبه و
القصص 28:33
(قال رب إني قتلت منهم نفساً) يعني القبطي الذي وكزه فقضى عليه (فأخاف أن يقتلون) بها.
القصص 28:34
(وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا) أي: كلاماً لأنه كان في لسان موسى حبسة من وضع الجمر في فيه، كما تقدم بيانه، والفصاحة لغة الخلوص يقال: فصح اللبن، وأفصح فهو فصيح، أي: خلص من الرغوة، ومنه فصح الرجل جادت لغته، وأفصح تكلم بالعربية، وقيل: الفصيح الذي ينطق والأعجم الذي لا ينطق، وأما في اصطلاح أهل البيان ففصاحة الكلمة خلوصها عن تنافر الحروف والغرابة، ومخالفة القياس. وفصاحة الكلام خلوصه من ضعف التأليف والتعقيد.
(فأرسله معي ردءاً) النصب على الحال أي: عوناً والردء: المعين من أردأته إذا أعنته، يقال: فلان ردء فلان إذا كان ينصره، ويشد ظهره. وقيل: من قولهم أردى على المائة إذا زاد عليها فكأن المعنى: أرسله معي زيادة في تصديقي.
(يصدقني) بالرفع على الاستئناف، وبالجزم على جواب الأمر وقرأ أبيّ: يصدقوني، أي فرعون وملؤه، وقال ابن عباس: كي يصدقني، أي هرون ومعنى تصديقه موسى إعانته إياه بزيادة البيان في مظان الجدال، وتقرير الحجة بتوضيحها، وتزييف الشبهة، وتلخيص الدلائل بلسانه.
والجواب عن شبهات الكفار ببيانه ليثبت دعواه لا أن يقول له: صدقت، ألا ترى إلى قوله هو أفصح مني؟ وفضل الفصاحة إنما يحتاج إليه لتقرير البرهان؛ لا لقوله صدقت، حبان وباقل فيه يستويان، وهذا هو الجاري مجرى التصديق كما يصدق القول بالبرهان.
(إني أخاف أن يكذبون) إذا لم يكن معي هارون لعدم انطلاق لساني بالمحاجة.
القصص 28:35
(قال سنشد عضدك بأخيك) هارون، وكان إذ ذاك بمصر، أي نقويك به فإن قوة الشخص بشدة اليد على مزاولة الأمور، ولذلك يعبر عنه باليد، وعن شدتها بشدة العضد، فهو مجاز مرسل على طريق إطلاق السبب وإرادة المسبب بمرتبتين، فإن شدة العضد سبب مستلزم لشدة اليد وشدة اليد مستلزمة لقوة الشخص في المرتبة الثانية.
قال الشهاب: الشد التقوية فهو إما كناية تلويحيية عن تقويته، لأن اليد تشد بشد العضد، والجملة تشتد بشد اليد، ولا مانع من الحقيقة كما توهم، أو استعارة تمثيلية، شبه حال موسى في تقويه بأخيه بحال اليد في تقويها بالعضد، ويقال في دعاء الخير شد الله عضدك، وفي ضده فت الله عضدك، قرأ الجمهور عضدك بفتح العين وضم الضاد وقرئ بضمهما وسكون الضاد، وبفتحهما.
(ونجعل لكما سلطاناً) أي حجة وبرهاناً أو تسلطاً وغلبة، وهيبة في قلوب الأعداء (فلا يصلون إليكما) بالأذى والسوء، ولا يقدرون على غلبتكما بالحجة (بآياتنا) أي تمنعان منهم بآياتنا أو اذهبا بآياتنا وقيل: الباء للقسم وجوابه، فلا يصلون، وما أضعف هذا القول. وقال الأخفش وابن جرير في الكلام تقديم وتأخير، أي أنتما ومن اتبعكما الغالبون بآياتنا، وأولى هذه الوجوه أولها، وفي قوله (أنتما ومن اتبعكما الغالبون) تبشير لهما؛ وتقوية لقلوبهما.
القصص 28:36
(فلما جاءهم موسى بآياتنا بينات) واضحات الدلالة، وقد تقدم وجه إطلاق الآيات وهي جمع على العصا واليد في سورة طه، وهو أن في كل منهما آيات عديدة.
(قالوا ما هذا إلا سحر مفترى) أي مختلق مكذوب اختلقته من قبل نفسك ثم افتريته على الله، أو سحر موصوف بالافتراء كسائر أنواع السحر، وليس بمعجزة من عند الله، أو سحر لم يفعل قبل هذا الوقت مثله.
(وما سمعنا بهذا) الذي جئت به من دعوى النبوة أو ما سمعنا بهذا السحر (في آبائنا الأولين) أي كائناً أو واقعاً فيهم.
القصص 28:37
(وقال موسى ربي أعلم بمن جاء بالهدى من عنده) يريد نفسه وإنما جاء بهذه العبارة لئلا يصرح لهم بما يريده قبل أن يوضح لهم الحجة، والله أعلم قرئ وقال بالواو وبغيرها، وكذلك هو في مصاحف أهل مكة (ومن تكون له عاقبة الدار) بالفوقية وهي أوضح من قراءتها بالتحتية، على أن اسم يكون عاقبة الدار والتذكير لوقوع الفصل، ولأنه تأنيث مجازي، والمراد بالدار هنا الدنيا، وعاقبتها هي الجنة، وإنما كانت عاقبة لها لأن الدنيا خلقت مجازاً وطريقاً إليها، أو المراد بالدار الدار الآخرة الصادقة على الجنة والنار والإضافة بمعنى في، والمعنى ومن تكون له العاقبة المحمودة في الدار الآخرة (إنه لا يفلح الظالمون) أي إن الشأن أنهم لا يفوزون بمطلب خير.
وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (38) وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ (39)
القصص 28:38
(وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري) تمسك اللعين بمجرد الدعوى الباطلة مغالطة لقومه منه، وقد كان يعلم أن ربه الله عز وجل والظاهر أنه لا يريد بإلهية نفسه كونه خالقاً للسموات والأرض وما بينهما، فإن العلم بامتناع ذلك مما لا يخفى على أحد، فالشك في ذلك يقتضي زوال العقل بالكلية، فالمخذول لعنه الله كأنه يظن أن الأفلاك والكواكب كافية في اختلاف أحوال هذا العالم السفلي، فلا حاجة إلى إثبات صانع.
قال القاضي: نفي علمه بإله غيره دون وجوده إذ لم يكن عنده ما يقتضي الجزم بعدمه. ولذلك أمر ببناء الصرح، قلت: هو رد على الزمخشري في قوله: أن المقصود بنفي العلم بالإله نفي وجوده، ويمكن التوجيه بأن يقال: الوجود وجودان، وجود ذهني ووجود خارجي والمراد في كلامه الأول.
ولا شك أنه إذا انتفى علم الإنسان بشيء انتفى وجوده في ذهنه، ولكن ربما كان هذا غير مراد للزمخشري، لأن الظاهر من كلامه الوجود الشائع عند أهل اللغة، وهو الخارجي. قال سراج الدين: غرض صاحب الكشاف أن عدم الوجود سبب لعدم العلم بالوجود في الجملة، ولا شك أنه كذلك فأطلق السبب وأريد السبب، لا أن بينهما ملازمة كلية على أنه لا كان من أقوى أسباب عدم العلم لأنه المطرد، جاز أن يطلق ويراد به الوجود، إذ لا يشترط عند علماء هذا الفن اللزوم العقلي، بل العادي والعرفي كاف أيضاً.
وقد يقول أحد منا: لا أعلم ذلك، أي: لو كان موجوداً لعلمته إذا قامت قرينة، وهذا استعمال شائع في عرف العرب والعجم، عند العامة والخاصة، كيف! وكان المخذول يدعي الإلهية! فالظاهر أنه من الكناية لا من المجاز والمصنف إنما ذكر معلومية انتفاء العلم لانتفاء الوجود ليبين أن انتفاء العلم من روادف انتفاء الوجود انتهى. قال الشوكاني: وهو الذي خطر ببالي أنه الجواب، لكنه عارض ذلك الخاطر إشكالات لا يتسع لها المقام انتهى.
وقد أشار أبو السعود في تفسيره إلى الجواب عن هذا الإشكال فقال: وهذا من خواص العلوم الفعلية فإنها لازمة لتحقق معلوماتها، فيلزم من انتفائها انتفاء معلوماتها، ولا كذلك العلوم الانفعالية انتهى. وقد وافق على هذا القاضي، ولاح لك عن هذا جوابان [[والأصح (ثلاث إجابات).]]:
الأول: أنه ذكر نفي العلم، وأراد نفي المعلوم بطريق الكناية على الوجه الذي ذكره السراج.
الثاني: تخصيص العلم بالفعلي لا الانفعالي، كما ذكره أبو السعود والبيضاوي.
والثالث: إن يراد بالوجود الوجود في ذهن المتكلم بتلك الكلمة، وفي كل جواب من هذه الأجوبة كلام لا يلتبس على العالم بالفن قال الخفاجي وعلى كل حال فكلام القاضي لا يخلو عن ضعف، والذي غره فيه كلام صاحب الانتصاف انتهى.
قال ابن عباس: لما قال فرعون هذا القول قال جبريل: يا رب طغى عبدك فأذن لي في هلكه، فقال: يا جبريل بل هو عبدي ولن يسبقني، له أجل يجيء ذلك الأجل، فلما قال: أنا ربكم الأعلى! قال الله: يا جبريل سبقت دعوتك في عبدي، وقد جاء أوان هلاكه.
وأخرج ابن مردويه عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " كلمتان قالهما فرعون (ما علمت لكم من إله غيري)، وقوله (أنا ربكم الأعلى) قال: كان بينهما أربعون عاماً فأخذه الله نكال الآخرة والأولى ".
ثم رجع إلى تكبره وتجبره وإيهام قومه بكمال اقتداره فقال:
(فأوقد لي يا هامان على الطين) أي اطبخ لي الطين حتى يصير آجراً أي بعد اتخاذه لبناً، عن قتادة قال: بلغني أن فرعون أول من طبخ الآجر، وبنى به. وعن ابن جريج نحوه، والنداء بـ (يا) في وسط الكلام دليل التعظيم والتجبر.
(فاجعل لي) من هذا الطين الذي توقد عليه حتى يصير آجراً (صرحاً) أي قصراً عالياً، وقيل منارة، روي أن هامان بنى صرحاً لم يبلغه بناء أحد من الخلق، وأراد الله أن يفتنهم فيه، فضرب الصرح جبريل بجناحه فقطعه ثلاث قطع وقعت قطعة على عسكر فرعون، وقطعة في البحر وقطعة في المغرب ولم يبق أحد من عماله إلا هلك.
(لعلي أطلع إلى إله موسى) أي أصعد إليه وأنظر وأقف على حاله كأنه توهم أنه لو كان هناك إله كان جسماً في السماء، يمكن الرقي إليه والاطلاع الصعود والطلوع والاطلاع واحد، يقال: طلع الجبل واطلع أي صعد.
(وإني لأظنه) أي موسى (من الكاذبين) في دعواه أن للأرض والخلق إلهاً سواه، وأنه أرسله.
القصص 28:39
(واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق) المراد بها أرض مصر والاستكبار التعاظم بغير استحقاق، بل بالعدوان لأنها لم تكن له حجة يدفع بها ما جاء به موسى، ولا شبهة ينصبها في مقابلة ما أظهره من المعجزات (وظنوا) أي فرعون وجنوده.
(أنهم إلينا لا يرجعون) قرئ مبنياً للمفعول وللفاعل والمراد بالرجوع البعث والمعاد.
فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (40) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ (41) وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ (42) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (43) وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (44)
القصص 28:40
(فأخذناه وجنوده) بعد أن عتوا في الكفر وجاوزوا الحد فيه (فنبذناهم في اليم) أي طرحناهم في البحر المالح، وهو القلزم وفي هذا تفخيم وتعظيم لشأن الأخذ واستحقاراً لمأخوذين كأنه أخذهم مع كثرتهم في كف وطرحهم في اليم، وقد تقدتم بيان الكلام في هذا.
(فانظر) يا محمد - صلى الله عليه وسلم - (كيف كان عاقبة الظالمين)؟ حين صاروا إلى الهلاك
القصص 28:41
(وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار) أي صيرناهم رؤساء متبوعين في الكافرين فكأنهم بإصرارهم على الكفر والتمادي فيه ودعائهم إلى الشرك يدعون اتباعهم إلى النار لأنهم اقتدوا بهم، وسلكوا طريقتهم تقليداً لهم، وفيه دليل على خلق أفعال العباد، وقيل: المعنى إنه يأتم بهم أي يعتبر بهم من جاء بعدهم، ويتعظ بما أصيبوا به، والأول أولى.
(ويوم القيامة لا ينصرون) أي لا ينصرهم أحد ولا يمنعهم مانع من عذاب الله.
القصص 28:42
(وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة) أي: طرداً وإبعاداً أو أمرنا العباد بلعنهم فكل من ذكرهم لعنهم، والأول أولى. وفي أبي السعود أي: لا تزال تلعنهم الملائكة؛ والمؤمنون خلفاً عن سلف.
(ويوم القيامة هم من المقبوحين) المبعدين، والمقبوح: المطرود المبعد وقال أبو عبيدة، وابن كيسان: معناه من المهلكين الممقوتين، وقال أبو زيد: قبح الله فلاناً قبحاً وقبوحاً أبعده من كل خير.
قال أبو عمرو: قبحت وجهه فالتخفيف بمعنى قبحت بالتشديد، وقيل: المقبوح: المشوه الخلقة أي فهم من الموسومين بعلامة منكرة كزرقة العيون وسواد الوجوه، والقبيح أيضاً عظيم الساعد، مما يلي النصف منه، إلى المرفق والعامل في يوم محذوف، يفسره (من المقبوحين) أي وقبحوا يوم القيامة وهو الأظهر، أو هو معطوف على موضع (في هذه الدنيا) أي: وأتبعناهم لعنة يوم القيامة، أو معطوف على (لعنة) على حذف مضاف أي: ولعنة يوم القيامة، والوجه الثاني أظهر.
القصص 28:43
(ولقد آتينا موسى الكتاب) أي التوراة (من بعد ما أهلكنا القرون الأولى) أي قوم نوح، وعاد، وثمود، وغيرهم. وقيل: من بعد ما أهلكنا فرعون وقومه، وخسفنا بقارون. والتعرض لكون إيتاء التوراة بعد إهلاك الأمم الماضية للإشعار بمسيس الحاجة الداعية إليها تمهيداً لما يعقبه من بيان الحاجة الداعية إلى إنزال القرآن على رسول الله.
فإن إهلاك القرون الأولى من موجبات اندراس معالم الشرائع، وانطماس آثارها وأحكامها المؤديين إلى اختلال نظام العالم المستدعيين للتشريع الجديد، بتقرير الأصول الباقية على ممر الدهور، وترتيب الفروع المتبدلة بتبدل العصور، وتذكير أحوال الأمم الخالية الموجبة، كأنه قيل: ولقد آتينا موسى التوراة على حين حاجة إليها.
أخرج البزار، وابن المنذر، والحاكم وصححه، وابن مردويه عن أبي سعيد قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " ما أهلك الله قوماً؛ ولا قرناً، ولا أمة، ولا أهل قرية بعذاب من السماء منذ أنزل التوراة على وجه الأرض غير القرية التي مسخت قردة "، ألم تر إلى قوله (ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى) وروي عنه موقوفاً.
(بصائر للناس) أي آتينا الكتاب لأجل أن يتبصر الناس به، أو حال كونه بصائر لهم يبصرون به الحق، و (البصائر) جمع بصيرة، وهي نور القلب، كما أن البصر نور العين (وهدى) يهتدون إليه، وينقذون أنفسهم به من الضلالة بالاهتداء به (ورحمة) من الله رحمهم بها (لعلهم يتذكرون) هذه النعم، فيشكرون الله ويؤمنون به؛ ويجيبون داعيه إلى ما فيه خير لهم ويتعظون بما فيه من المواعظ.
القصص 28:44
(وما كنت بجانب الغربي) هذا شروع في بيان أن إنزال القرآن واقع في بيان شدة الحاجة إليه أي وما كنت يا محمد بجانب الجبل الغربي، وهو المكان الواقع في شق الغرب، فيكون من باب حذف الموصوف، وإقامة الصفة مقامه واختاره الزجاج، وقال الكلبي: بجانب الوادي الغربي، أي حيث ناجى موسى ربه.
(إذ قضينا إلى موسى الأمر) أي عهدنا إليه وكلمناه، وأحكمنا الأمر معه بالرسالة إلى فرعون وقومه (وما كنت من الشاهدين) لذلك حتى تقف على حقيقته، وتحكيه من جهة نفسك وقيل: معنى إذ قضينا إلى موسى الأمر: إذ كلفناه وألزمناه، وقيل: أخبرناه أن أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - خير الأمم.
ولا يستلزم نفي كونه بجانب الغربي نفي كونه من الشاهدين لأنه يجوز أن يحضر ولا يشهد قيل: المراد بالشاهدين السبعون الذين اختارهم موسى للميقات وإذا تقرر أن الوقوف على تفاصيل تلك الأحوال لا يمكن أن يكون بالحضور عندها من نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -، والمشاهدة لها منه، وانتفى بالأدلة الصحيحة أنه لم يتلق ذلك من غيره من البشر ولا علمه معلم منهم كما قدمنا تقريره تبين أنه من عند الله سبحانه بوحي منه إلى رسوله بواسطة الملك النازل بذلك، فهذا الكلام هو على طريقة (وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم).
وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (45) وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (46) وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (47) فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ (48)
القصص 28:45
(ولكنا أنشأنا قروناً) أي خلقنا أمماً بين زمانك يا محمد - صلى الله عليه وسلم - وزمان موسى (فتطاول عليهم العمر) أي طالت عليهم المهلة، وتمادى عليهم الأمد، وفترت النبوة، وكانت الأخبار تخفى، فتغيرت الشرائع والأحكام، وتُنوسيَت الأديان، واندرست العلوم ووقع التحريف في كثير منها. فتركوا أمر الله ونسوا عهده.
فاقتضت الحكمة التشريع الجديد فجئنا بك رسولاً، وأوحينا إليك خبر موسى وغيره ليكون معجزة لك وتذكيراً لقومك ومثله قوله سبحانه (فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم) وقد استدل بهذا الكلام على أن الله سبحانه قد عهد إلى موسى عهوداً في محمد - صلى الله عليه وسلم - وفي الإيمان به، فلما طال عليهم العمر، ومضت القرون بعد القرون نسوا تلك العهود، وتركوا الوفاء بها.
(وما كنت ثاوياً في أهل مدين) أي مقيماً بينهم كما أقام موسى حتى تقرأ على أهل مكة خبرهم، وتقص عليهم من جهة نفسك يقال: ثوى يثوي ثواء وثوياً فهو ثاو، ومن المعلوم أن واقعة مدين كانت قبل واقعتي الطور، فمقتضى الترتيب الوقوعي أن تقدم عليهما وإنما وسطت بينهما للتنبيه على أن كُلاًّ منهما برهان مستقل على أن إخباره - صلى الله عليه وسلم - عن هذه القصص بطريق الوحي الألهي ولو روعي الترتيب الوقوعي لربما توهم أن الكل دليل واحد على ما ذكر.
(تتلو عليهم) أي: تقرأ على أهل مدين (آياتنا) وتتعلم منهم، وقيل: تذكرهم بالوعد والوعيد، وقيل: الضمير لأهل مكة، والمعنى عليه واضح، وأكثر المفسرين على الوجه الأول والجملة في محل نصب على الحال، أو خبر ثان، ويجوز أن تكون هذه الجملة هي الخبر وثاوياً حال، وجعلها الفراء مستأنفة، كأنه قيل: وها أنت تتلو على أمتك.
(ولكننا كنا مرسلين) أي: أرسلناك إلى أهل مكة، وأنزلنا عليك هذه الأخبار، ولولا ذلك ما علمتها. قال الزجاج: المعنى أنك لم تشاهد قصص الأنبياء، ولا تليت عليك، ولكننا أوحيناها إليك وقصصناها عليك.
القصص 28:46
(وما كنت) يا محمد (بجانب الطور) أي: بجانب الجبل المسمى بالطور (إذ نادينا) موسى لما أتى إلى الميقات مع السبعين أن خذ الكتاب بقوة وبين الإرسال وإيتاء التوراة نحو ثلاثين سنة، وقيل: المنادى هو أمة محمد - صلى الله عليه وسلم -. قال وهب: وذلك أن موسى لما ذكر الله له فضل محمد - صلى الله عليه وسلم - وأمته؛ قال: يا رب أرنيهم، فقال الله: إنك لن تدركهم، وإن شئت ناديتهم فأسمعتك صوتهم، قال: بلى يا رب أرنيهم فقال يا أمة محمد، فأجابوا من أصلاب آبائهم؛ فيكون معنى الآية على هذا: ما كنت يا محمد بجانب الطور إذ كلمنا موسى فنادينا أمتك، وسيأتي ما يدل على هذا ويقويه ويرجحه.
وعن أبي هريرة في الآية قال: نودوا: يا أمة محمد أعطيتكم قبل أن تسألوني، واستجبت لكم قبل أن تدعوني، وروي من وجه آخر عنه مرفوعاً.
وأخرج ابن مردويه، وأبو نعيم في الدلائل، وأبو نصر السجزي في الإبانة والديلمي عن عمرو بن عبسة قال: سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - عن قوله: وما كنت بجانب الطور إذ نادينا، ما كان النداء؟ وما كانت الرحمة؟ قال: كتبه الله قبل أن يخلق خلقه بألفي عام، ثم وضعه على عرشه، ثم نادى: يا أمة محمد سبقت رحمتي على غضبي أعطيتكم قبل أن تسألوني وغفرت لكم قبل أن تستغفروني، فمن لقيني منكم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبدي ورسولي صادقاً أدخلته الجنة.
وأخرج ابن مردويه، وأبو نعيم عن حذيفة في الآية قال: نودوا يا أمة محمد؛ ما دعوتمونا إذ استجبنا لكم، ولا سألتمونا إذ أعطيناكم.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس مرفوعاً: " إن الله نادى يا أمة محمد أجيبوا ربكم، قال: فأجابوا، وهم في أصلاب آبائهم، وأرحام أمهاتهم؛ إلى يوم القيامة. فقالوا: لبيك أنت ربنا حقاً، ونحن عبيدك حقاً، قال: صدقتم أنا ربكم وأنتم عبيدي حقاً، قد عفوت عنكم قبل أن تدعوني، وأعطيتكم قبل أن تسألوني، فمن لقيني منكم بشهادة أن لا إله إلا الله دخل الجنة ".
(ولكن رحمة من ربك) أي: ولكن فعلنا ذلك رحمة منا لكم، وقيل: ولكن أرسلنا بالقرآن رحمة لكم، وقيل: علمناك وقيل: عرفناك قال الأخفش: ولكن رحمناك رحمة، وقال الزجاج: أي فعلنا ذلك بك لأجل الرحمة. وقال الكسائي: ولكن كان ذلك رحمة، وقرئ رحمة بالرفع أي ولكن أنت رحمة.
(لتنذر قوماً ما أتاهم من نذير من قبلك) والقوم هم أهل مكة، فإنه لم يأتهم نذير ينذرهم قبله - صلى الله عليه وسلم - في زمان الفترة، بينه وبين عيسى وهو خمسمائة وخمسون سنة أو بينه وبين إسماعيل بناء على أن دعوة موسى وعيسى كانت مختصة ببني إسرائيل (لعلهم يتذكرون) أي: يتعظون بإنذارك.
القصص 28:47
(ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم) (لولا) هذه هي الامتناعية وأن وما في حيزها في موضع رفع بالابتداء، أي ولولا إصابة المصيبة لهم، وجوابها محذوف، قال الزجاج: تقديره ما أرسلنا إليهم رسلاً، يعني أن الحامل على إرسال الرسل إليهم هو إزاحة عللهم، فهو كقوله سبحانه (لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل) وقدره ابن عطية لعاجلناهم بالعقوبة ووافقه على هذا التقدير الواحدي، فقال: والمعنى لولا أنهم يحتجون بترك الإرسال إليهم لعاجلناهم بالعقوبة بكفرهم، قال السمين ولا معنى لهذا (فيقولوا) الفاء للسببية (ربنا لو أرسلت إلينا رسولاً) (لولا) هذه هي التحضيضية، أي: هلا أرسلت رسولاً من عندك وجوابها قوله (فنتبع آياتك) فلذلك نصب بإضمار أن.
أخرج ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الهالك في الفترة يقول: رب لم يأتني كتاب ولا رسول ثم قرأ هذه الآية والمراد بالآيات: الآيات التنزيلية الظاهرة الواضحة. وإنما عطف القول على (تصيبهم) لكونه هو السبب للإرسال، ولكن العقوبة لما كانت هي السبب للقول، وكان وجوده بوجودها، جعلت العقوبة كأنها هي السبب للإرسال بواسطة القول، قاله في الكشاف، وأطال سليمان الجمل في بيان ذلك وذكر عبارة السمين، والشهاب، وغيرهما.
وقال أبو السعود: لولا قولهم هذا عند إصابة العقوبة لهم، بسبب جناياتهم، ما أرسلناك، ولكن لما كان قولهم ذلك محققاً لا محيد عنه، أرسلناك قطعاً لمعاذيرهم بالكلية (ونكون من المؤمنين) بهذه الآيات، ومعنى الآية أنا لو عذبناهم لقالوا طال العهد بالرسل، ولم يرسل الله إلينا رسولاً ويظنون أن ذلك عذر لهم، ولا عذر لهم بعد أن بلغتهم أخبار الرسل، ولكنا أكملنا الحجة وأزحنا العلة، وأتممنا البيان بإرسالك يا محمد إليهم.
القصص 28:48
(فلما جاءهم الحق من عندنا) أي: فلما جاء أهل مكة الحق من عند الله، وهو محمد - صلى الله عليه وسلم - وما أنزل عليه من القرآن:
(قالوا) تعنتاً منهم وجدالاً بالباطل. (ولولا) هلا (أوتي) هذا الرسول (مثل ما أوتي موسى) من الآيات كاليد، والعصا، وغيرهما، أو التوراة المنزلة عليه جملة واحدة، فأجاب الله عليهم بقوله:
(أولم يكفروا بما أوتي موسى من قبل) أي من قبل هذا القول، أو من قبل ظهور محمد - صلى الله عليه وسلم -، والمعنى أنهم قد كفروا بآيات موسى كما كفروا بآيات محمد حيث (قالوا ساحران تظاهرا) مستأنفة مسوقة لتقرير كفرهم وعنادهم والمراد بهما موسى ومحمد - صلى الله عليه وسلم -، والتظاهر التعاون، أي تعاوناً على السحر.
والضمير في (أولم يكفروا) لكفار قريش، وقيل: هو لليهود، والأول أولى، فإن اليهود لا يصفون موسى بالسحر إنما يصفه بذلك كفار قريش وأمثالهم، إلا أن يراد من أنكر نبوة موسى، كفرعون وقومه فإنهم وصفوا موسى وهارون بالسحر؛ ولكنهم ليسوا من اليهود، ويمكن أن يكون الضمير لمن كفر بموسى ومن كفر بمحمد - صلى الله عليه وسلم -، فإن الذين كفروا بموسى وصفوه بالسحر والذين كفروا بمحمد - صلى الله عليه وسلم - وصفوه أيضًا بالسحر، وقيل المعنى: أولم يكفر اليهود في عصر محمد - صلى الله عليه وسلم - بما أوتي موسى من قبله بالبشارة بعيسى ومحمد، قرأ الجمهور: ساحران، وقرأ الكوفيون سحران، يعنون التوراة والقرآن وقيل:
الإنجيل والقرآن، قال بالأول: الفراء، وقال بالثاني: أبو زيد، وقيل: إن
الضمير في (أولم يكفروا) لليهود وأنهم عنوا بقولهم ساحران: عيسى ومحمداً عليهما الصلاة والسلام، وقال ابن عباس في الآية هم أهل الكتاب.
(وقالوا إنا بكل كافرون) يعني بكل من موسى ومحمد أو من موسى وهارون؛ أو من موسى وعيسى، أو من عيسى ومحمد، أو بكل من التوراة والإنجيل والفرقان على اختلاف الأقوال، وفي هذه الجملة تقرير لما تقدمها من وصف النبيين بالسحر، أو من وصف الكتابين به، وتأكيد لذلك.
قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (49) فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (50) وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (51) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (52) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (53) أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (54)
ثم أمر الله سبحانه نبيه أن يقول لهم قولاً يظهر به عجزهم فقال:
القصص 28:49
(قل) لهم يا محمد إذا لم تؤمنوا بهذين الكتابين وقلتم فيهما ما قلتم: (فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما) أي: من التوراة والقرآن وأوضح وأبين وهداية الخلق (أتبعه) جواب الأمر، وقد جزمه جمهور القراء لذلك. وقرئ بالرفع على الاستئناف. أي: فإن أتيتم به فأنا أتبعه وقال الفراء: إنه على هذه القراءة صفة الكتاب.
وفي هذا الكلام تهكم بهم وفيه أيضاً دليل على أن قراءة الكوفيين أقوى من قراءة الجمهور، لأنه رجع الكلام إلى الكتابين لا إلى الرسولين (إن كنتم صادقين) فيما وصفتم به الرسولين أو الكتابين.
القصص 28:50
(فإن لم يستجيبوا لك) أي: لم يفعلوا ما كلفوا به من الإتيان بكتاب هو أهدى من الكتابين، وهذا كقوله فإن لم تفعلوا، وقيل: المعنى فإن لم يستجيبوا لك بالإيمان بما جئت به، وتعدية يستجيبوا باللام هو أحد الجائزين، وجواب الشرط (فاعلم أنما يتبعون أهواءهم) أي: آراءهم الزائغة، واستحساناتهم الزائفة، بلا حجة ولا برهان، و (أنما) أداة حصر أي أنهم ليس لهم مستند في ذلك، ومتمسك يتمسكون به، وإنما لهم محض هواهم الفاسد.
(ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى)؟ الاستفهام إنكاري بمعنى النفي، أي: لا أحد أضل منه، بل هو الفرد الكامل في الضلال.
(إن الله لا يهدي القوم الظالمين) لأنفسهم بالكفر وتكذيب الأنبياء والإعراض عن آيات الله.
القصص 28:51
(ولقد وصلنا لهم القول) قرئ بتشديد الصاد، وتخفيفها، ومعنى الآية أتبعنا بعضه بعضاً في الإنزال ليتصل التذكير، أو في النظم لتتقرر الدعوة بالحجة، والمواعظ بالمواعيد، والنصائح بالعبر، وبعثنا رسولاً بعد رسول، وقال أبو عبيدة، والأخفش: معناه أتممنا. وقال ابن عيينة والسدي: بينا وقال ابن زيد: وصلنا لهم خير الدنيا بخير الآخرة، حتى كأنهم عاينوا الآخرة في الدنيا والأول أولى، وهو مأخوذ من وصل الحبال بعضها ببعض. وقال مجاهد: جعلناه أوصالاً، أي: أنواعاً من المعاني والضمير في (لهم) عائد إلى قريش، وقيل: إلى اليهود، وقيل: للجميع (لعلهم يتذكرون) فيكون التذكر سبباً لإيمانهم، مخافة أن ينزل بهم ما نزل بمن قبلهم.
القصص 28:52
(الذين آتيناهم الكتاب من قبله) أي: من قبل القرآن، وقيل: من قبل محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
(هم به) أي: بالقرآن، أو بمحمد - صلى الله عليه وسلم - (يؤمنون) أخبر سبحانه أن طائفة من بني إسرائيل آمنوا بالقرآن، كعبد الله بن سلام، وسائر من أسلم من أهل الكتاب، قيل: نزلت في ثمانين، أربعون، من نجران، واثنان وثلاثون من الحبشة، وثمانية من الشام، وقال ابن عباس يعني من آمن بمحمد - صلى الله عليه وسلم - من أهل الكتاب، والأول أولى.
القصص 28:53
(وإذا يتلى) أي: القرآن: (عليهم قالوا آمنا به) أي: صدقنا به (إنه الحق) الذي نعرفه المنزل (من ربنا) استئناف لبيان ما أوجب إيمانهم به.
(إنا كنا من قبله مسلمين) أي مخلصين لله بالتوحيد، أو مؤمنين بمحمد - صلى الله عليه وسلم - وبما جاء به لما نعلمه من ذكره في التوراة والإنجيل من التبشير به، وأنه سيبعث آخر الزمان وينزل عليه القرآن.
القصص 28:54
(أولئك) أي: الموصوفون بتلك الصفات (يؤتون أجرهم مرتين)
بإيمانهم بالكتابين منصوب على المصدر.
قال ابن عباس: نزلت في عشرة رهط، أنا أحدهم. أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين، رجل من أهل الكتاب آمن بالكتاب الأول والآخر ورجل كانت له أمة فأدبها فأحسن تأديبها، ثم أعتقها وتزوجها، وعبد مملوك أحسن عبادة ربه ونصح لسيده ".
(بما صبروا) أي: بسبب صبرهم وثباتهم على الإيمان بالكتاب الأول والكتاب الآخر. وبالنبي الأول والنبي الآخر، أو بالعمل بهما أو على الإيمان بالقرآن قبل النزول وبعده أو بصبرهم على أذى المشركين، وأهل الكتاب، ومن عاداهم من أهل دينهم.
(ويدرأون بالحسنة السيئة) الدرء الدفع أي: يدفعون بالاحتمال، والكلام الحسن، ما يلاقونه من الأذى، وقيل يدفعون بالطاعة، المعصية، وقيل: بالتوبة والاستغفار، الذنوب، وقيل: بالحلم، الأذى، وقيل بشهادة أن لا إله إلا الله، الشرك.
(ومما رزقناهم ينفقون) أي: ينفقون أموالهم في الطاعات، وفيما أمر به الشرع، ثم مدحهم سبحانه بإعراضهم عن اللغو فقال: وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ (55) إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (56) وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (57) وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ (58)
القصص 28:55
(وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه) تكرماً وتنزهاً؛ وتأدباً بآداب الشرع ومثله قوله سبحان (وإذا مروا باللغو مروا كراماً)، واللغو هنا هو ما يسمعونه من المشركين من الشتم لهم ولدينهم، والاستهزاء بهم.
(وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم) لا يلحقنا من ضرر كفركم شيء ولا يلحقكم من نفع إيماننا شيء.
(سلام عليكم) ليس المراد بهذا السلام سلام التحية، ولكن المراد به سلام المتاركة والإعراض والفراق، ومعناه أمنة لكم منا، وسلامة، لا نجاوبكم ولا نجاريكم فيما أنتم فيه، ولا نقابل لغوكم بمثله. قال الزجاج: وهذا قبل الأمر بالقتال.
(لا نبتغي الجاهلين) أي: لا نطلب صحبتهم ومخالطتهم وقال مقاتل: لا نريد أن نكون من أهل الجهل والسفه، وقال الكلبي: لا نحب دينكم الذي أنتم عليه.
القصص 28:56
(إنك لا تهدي من أحببت) هدايته من الناس، وليس ذلك إليك (ولكن الله يهدي من يشاء) هدايته (وهو أعلم) أي عالم (بالمهتدين) أي: القابلين للهداية المستعدين لها.
أخرج البخاري ومسلم وغيرهما من حديث المسيب ومسلم وغيره من حديث أبي هريرة " أن هذه الآية نزلت في أبي طالب لما امتنع من الإسلام "، وقد تقدم ذلك في براءة قال الزجاج: أجمع المفسرون على أنها نزلت في أبي طالب.
وقد تقرر في الأصول أن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فيدخل في ذلك أبو طالب دخولاً أولياً، والآية حجة على المعتزلة لأنهم يقولون: الهدى هو البيان، وقد هدى الناس أجمع ولكنهم لم يهتدوا بسوء اختيارهم فدل أن وراء البيان ما يسمى هداية وهو خلق الاهتداء وإعطاء التوفيق والقدرة.
القصص 28:57
(وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا) أي: قال مشركو قريش، ومن تابعهم إن ندخل في دينك، ونعمل به يا محمد يتخطفنا العرب من مكة، وننتزع منها بسرعة ولا طاقة لنا بهما، وهذا من جملة أعذارهم الباطلة وتعللاتهم العاطلة، والتخطف في الأصل هو الانتزاع بسرعة، وقرئ نتخطف بالجزم على جواب الأمر، وبالرفع على الاستئناف، ثم رد الله ذلك عليهم رداً مصدراً باستفهام التوبيخ والتقريع، وألقمهم الحجر فقال:
(أولم نمكن لهم حرماً آمناً)؟ أي ألم نجعل لهم حرماً ذا أمن؟ أو مؤمناً يؤمن من دخله؟ قال أبو البقاء: عداه بنفسه لأنه بمعنى جعل، كما صرح بذلك في قوله " أولم يروا أنا جعلنا حرماً آمناً " ومكن متعد بنفسه من غير أن يضمن معنى جعل، كقوله: مكناهم فيما إن مكناكم فيه؛ وإسناد الأمن إلى أهل الحرم حقيقة، وإلى الحرم مجاز عقلي، ومن المعروف أنه كان تأمن فيه الظباء من الذئاب، والحمام من الحدأة، ثم وصف هذا الحرم بصفة أخرى، دافعة لما عسى يتوهم من تضررهم بانقطاع الميرة بقوله:
(يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ) أي: تجمع إليه الثمرات على اختلاف أنواعها من الأراضي المختلفة، وتحمل إليه من الشام، ومصر، والعراق، واليمن وتساق إليه، فمعنى الكلية الكثرة على سبيل المجاز، كقوله: وأوتيت من كل شيء، قرئ يجبى بالتحتية اعتبارا بتذكير كل شيء، ووجود الحائل بين الفعل وبين (ثمرات) وأيضاً ليس تأنيث ثمرات بحقيقي. وبالفوقية اعتباراً بثمرات وقرئ ثمرات بفتحتين وبضمتين؛ جمع ثمر بضمتين. وقرئ بفتح الثاء وسكون الميم.
(رزقاً من لدنا) أي: نسوقه إليهم رزقاً من عندنا أو رازقين (ولكن أكثرهم لا يعلمون) أن ما نقوله حق لفرط جهلهم، ومزيد غفلتهم، وعدم تفكرهم في أمر معادهم، ورشادهم، لكونهم ممن طبع الله على قلبه، وجعل على بصره غشاوة.
القصص 28:58
(وكم أهلكنا من قرية) أي: أهل قرية كانوا في خفض عيش ودعة ورخاء، رد لقولهم: إن نتبع الهدى معك نتخطف الخ بيَّن الله بهذا أن الأمر بالعكس، وأنهم أحقاء بأن يخافوا بأس الله ولا يغتروا بالأمن الحاصل لهم فكثير من أهل القرى كان حالهم كحال هؤلاء في الأمن والخصب.
ثم (بطرت) أي: طغت وتمردت وخسرت وأشرت (معيشتها) أي في زمن حياتها، وقال الكرخي: كفرت نعمة معيشتها، أي أيام حياتها وهي ما يعاش به من النبات والحيوان وغيرهما، يعني وقع منهم البطر فأهلكوا قال الزجاج البطر الطغيان عند النعمة.
وفي القاموس: البطر محركاً النشاط والأشر وقلة احتمال النعمة، والدهش والحيرة والطغيان بالنعمة، وكراهة الشيء من غير أن يستحق الكراهة، وفعل الكل كفرح، وبطر الحق أي: تكبر عنده فلا يقبله.
قال عطاء: عاشوا في البطر؛ فأكلوا رزق الله، وعبدوا الأصنام. وقال الزجاج والمازني: معناها بطرت في معيشتها فلما حذفت (في) تعدى الفعل كقوله واختار موسى قومه، وقال الفراء: هو منصوب على التفسير كما تقول بطرك مالك، وبطرته، ونظيره قوله تعالى؛ إلا من سفه نفسه، ونصب المعارف على التمييز غير جائز عند البصريين، لأن معنى التفسير أن تكون النكرة دالة على الجنس. وقيل إن معيشتها منصوبة ببطرت على تضمينه معنى جهلت
(فتلك مساكنهم) أي منازلهم باقية الآثار يشاهدونها في الأسفار، كبلاد ثمود، وقوم شعيب وغيرهم، قد خربت بما ظلموا.
(لم تسكن من بعدهم إلا قليلاً) أي: لم يسكنها أحد بعدهم إلا زمناً قليلاً كالذي يمر بها مسافراً فإنه يلبث فيها يوماً أو بعض يوم أو المعنى: لم يبق من يسكن فيها إلا أياماً قليلة لشؤم ما وقع فيها من معاصيهم، وقيل: إن الاستثناء يرجع إلى المساكن أي لم تسكن بعد هلاك أهلها إلا قليلة من المساكن وأكثرها خراب، كذا قال الفراء، وهو قول ضعيف
(وكنا نحن الوارثين) لها منهم لأنهم لم يتركوا وارثا يرث منازلهم وأموالهم، ولم يخلفهم أحد يتصرف تصرفهم في ديارهم وغيرها وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ (59) وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ (60) أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (61) وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (62)
القصص 28:59
(وما كان ربك) بيان للعادة الربانية أي: ما صح، ولا استقام، وما كان، وما ثبت في حكمه الماضي، وقضائه السابق أن يكون (مهلك القرى) الكافر أهلها قبل الإنذار (حتى يبعث) ويرسل (في أمها) أي أكبرها وأعظمها (رسولاً) ينذرهم.
و (يتلو عليهم آياتنا) أي تالياً عليهم آيات الله الدالة الناطقة بما أوجبه الله عليهم، وما أعده من الثواب للمطيع، والعقاب للعاصي، ومخبراً أن العذاب سينزل بهم إذا لم يؤمنوا، وخص الأعظم منها بالبعثة إليها لأن فيها أشراف القوم وأهل الفهم والرأي، وفيها الملوك والأكابر فصارت بهذا الاعتبار كالأم لما حولها من القرى وقال الحسن: أم القرى أولها، وقيل: المراد بأم القرى هنا مكة كما في قوله: (إن أول بيت وضع للناس) الآية، والالتفات إلى نون العظمة لتربية المهابة والروعة، وقد تقدم بيان ما تضمنته هذه الآية في آخر سورة يوسف.
(وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون) معطوفة على الجملة التي قبلها والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال أي: وما كنا مهلكين لأهل القرى بعد أن نبعث إلى أمها رسولاً يدعوهم إلى الحق في حال من الأحوال إلا حال كونهم ظالمين قد استحقوا الإهلاك لإصرارهم على الكفر، بعد الإعذار إليهم، وتأكيد الحجة عليهم، كقوله سبحانه (وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون).
القصص 28:60
(وما أوتيتم) يا كفار مكة (من شيء) من الأشياء (فمتاع) أي فهو متاع (الحياة الدنيا) تتمتعون به مدة حياتكم، أو بعض حياتكم ثم تزولون عنه، أو يزول عنكم (وزينتها) تتزينون به أيام عيشكم، ثم يفنى وعلى كل حال فذلك إلى فناء وانقضاء.
(وما عند الله) من ثوابه وجزائه (خير) من ذلك الزائل الفاني لأنه لذة خالصة عن شوب الكدر (وأبقى) لأنه يدوم أبداً، وذلك ينقضي بسرعة.
(أفلا تعقلون) أن الباقي أفضل من الفاني وما فيه لذة خالصة غير مشوبة أفضل من اللذات المشوبة بالكدر، المنغصة بعوارض البدن والقلب قيل من لم يرجح الآخرة على الدنيا فليس بعاقل، قال الشافعي رحمه الله: من وصى بثلث ماله لأعقل الناس صرف إلى المشتغلين بطاعة الله، وقرئ؛ يعقلون بالياء، والتاء على الخطاب وهي أرجح لقوله وما أوتيتم.
وأخرج مسلم والبيهقي عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " يقول الله عز وجل يا ابن آدم مرضت فلم تعدني الحديث بطوله ".
وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن عبد بن عبيد بن عمير قال: يحشر الناس يوم القيامة أجوع ما كانوا، وأعطش ما كانوا، وأعرى ما كانوا فمن أطعم لله عز وجل أطعمه الله ومن كسا لله عز وجل كساه الله، ومن سقى لله عز وجل سقاه الله ومن كان في رضاء الله كان الله في رضاه.
القصص 28:61
(أفمن وعدناه وعداً حسناً) بالجنة وما فيها (من النعم) التي لا تحصى (فهو لاقيه) أي مدركه ومصيبه لا محالة، فإن الله لا يخلف الميعاد ولذلك جيء بالإسمية المفيدة لتحققه، وعطف بفاء السببية، والفاء الأول لترتيب إنكار التساوي بين أهل الدنيا وأهل الآخرة على ما قبلها من ظهور التفاوت بين متاعها وبين ما عند الله عز وجل.
(كمن متعناه متاع الحياة الدنيا)؟ المشوب بالأكدار المستتبع للتحسر على الانقطاع، فأعطي منه بعض ما أراد مع سرعة زواله. وتنغيصه عن قريب.
(ثم هو يوم القيامة من المحضرين) هذا معطوف على قوله: متعناه داخل معه في حيز الصلة مؤكد لإنكار التشابه ومقرر له، والمعنى ثم هذا الذي متعناه هو يوم القيامة من المحضرين النار، وتخصيص المحضرين بالذين أحضروا العذاب اقتضاه المقام. وفيه من التهويل ما لا يخفى أي ليس حالهما سواء فإن الموعود بالجنة لا بد أن يظفر بما وعد به مع أنه لا يفوته نصيبه من الدنيا، وهذا حال المؤمن.
وأما حال الكافر فإنه لم يكن معه إلا مجرد التمتع بشيء من الدنيا، يستوي فيه هو والمؤمن، وينال كل واحد منهما حظه منه؛ وهو صائر إلى النار، فهل يستويان؟
و (ثم) للتراخي في الزمان أو في الرتبة قيل: نزلت في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي جهل، أو في علي وحمزة وأبي جهل؛ أو في المؤمن والكافر، أو في عمار ابن ياسر والوليد بن المغيرة.
القصص 28:62
(ويوم يناديهم) أي اذكر يوم ينادي الله سبحانه هؤلاء المشركين الذين عبدوا غير الله والقصد من هذا النداء توبيخهم وتقريعهم، بأن معبوداتهم لم تنفعهم في هذا الوقت (فيقول) لهم (أين شركائي الذين) عبدتموهم من دوني، وأثبَتُّم لهم شركة في استحقاق العبادة و (كنتم تزعمون) أنهم ينصرونكم ويشفعون لكم.
قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ (63) وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ (64) وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (65) فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ (66)
القصص 28:63
(قال الذين حق عليهم القول) أي حقت عليهم كلمة العذاب، بدخول النار وهم رؤساء الضلال، الذين اتخذوهم أرباباً من دون الله كذا قال الكلبي وقال قتادة: هم الشياطين.
(ربنا هؤلاء الذين أغوينا) أي: دعوناهم إلى الغواية، يعنون الأتباع في الكفر (أغويناهنم كما غوينا) أي: أضللناهم كما ضللنا، وآثروا الكفر على الإيمان، كما آثرنا نحن، وكنا السبب في كفرهم، فقبلوا منا، فلا فرق إذاً بين غينا وغيهم، وإن كان تسويلنا لهم داعياً إلى الكفر، فقد كان في مقابلته دعاء الله تعالى لهم إلى الإيمان بما وضع فيهم من أدلة العقل، وما بعث إليهم من الرسل، وأنزل عليهم من الكتب المشحونة بالوعد والوعيد، والمواعظ والزواجر، وناهيك بذلك صارفاً عن الكفر، وداعياً إلى الإيمان.
(تبرأنا إليك) ممن أطاعنا؛ وهذا مقرر لما قبله، ولذلك لم يعطف، قال الزجاج: برئ بعضهم من بعض وصاروا أعداء، كما قال تعالى: (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ). (ما كانوا إيانا يعبدون) إنما كانوا يعبدون أهواءهم. قيل: ما مصدرية، أي تبرأنا إليك من عبادتهم إيانا والأول أولى.
القصص 28:64
(وقيل) للكفار من بني آدم تهكماً بهم وتبكيتاً لهم (ادعوا شركاءكم) أي: استغيثوا بآلهتكم التي كنتم تعبدونهم من دون الله في الدنيا لينصروكم ويدفعوا عنكم (فدعوهم) عند ذلك (فلم يستجيبوا لهم) ولا نفعوهم بوجه من وجوه النفع.
(ورأوا) أي التابع والمتبوع (العذاب) قد غشيهم (لو أنهم كانوا يهتدون) قال الزجاج جواب لو محذوف أي لأنجاهم ذلك ولم يروا العذاب، وقيل: المعنى دعوهم، وقيل: لو كانوا يهتدون في الدنيا لعلموا أن العذاب حق، وقيل: لو يهتدون بوجه من وجوه الحيل لدفعوا به العذاب، وقيل: قد آن لهم أن يهتدوا، لو كانوا يهتدون، وقيل: غير ذلك.
القصص 28:65
(ويوم يناديهم) عطف على ما قبله فسئلوا أولاً عن إشراكهم، وثانياً عن جوابهم للرسل الذين نهوهم عن ذلك كما قال: (فيقول ماذا أجبتم المرسلين) أي ما كان جوابكم لمن أرسل إليكم من النبيين لما بلغوا رسالاتي.
القصص 28:66
(فعميت عليهم الأنباء يومئذ) أي خفيت عليهم الحجج حتى صاروا كالعمي الذين لا يهتدون، والأصل فعموا عن الأنباء، ولكنه عكس الكلام للمبالغة والأنباء الأخبار وأنما سمى حججهم أخباراً لأنها لم تكن من الحجة في شيء وإنما هي أقاصيص وحكايات وقرئ: عميت بضم العين وتشديد الميم.
(فهم لا يتساءلون) أي لا يسأل بعضهم بعضاً عن الجواب النافع وذلك لفرط الدهشة أو لعلمهم بأن الكل سواء في الجهل، وقيل: لا يسأل بعضهم بعضاً عن الأنساب، قاله مجاهد: ولا ينطقون بحجة، ولا يدرون بما ْيجيبون لأن الله قد أعذر إليهم في الدنيا فلا يكون لهم عذر ولا حجة يوم القيامة.
فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ (67) وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (68) وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (69) وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (70) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (71)
القصص 28:67
(فأما من تاب) من الشرك (وآمن) وصدق بتوحيد الله (وعمل صالحاً) أي أدى الفرائض (فعسى أن يكون من المفلحين) أي الناجين بوعد الله الفائزين بمطالبهم من سعادة الدارين، وعسى وإن كانت في الأصل للرجاء فهي من الله واجب على ما هو عادة الكرام، وقيل: إن الترجي هو من قبل التائب المذكور لا من جهة الله سبحانه، أي فليتوقع الفلاح.
القصص 28:68
(وربك يخلق ما يشاء) أن يخلقه، وفيه دلالة على خلق الأفعال (ويختار) ما يشاء أن يختار، لا يسأل عما يفعل؛ وهم يسألون؛ وهذا متصل بذكر الشركاء الذين عبدوهم واختاروهم، أي: الاختيار إلى الله.
(ما كان لهم الخيرة) أي التخير، وهو كالطيرة فإنها التطير؛ اسمان يستعملان استعمال المصدر وبمعنى المتخير كقولهم: محمد خيرة الله من خلقه. وقيل: المراد من الآية أنه ليس لأحد من خلق الله أن يختار شيئاً اختياراً حقيقياً بحيث يقدم على تنفيذه بدون اختيار الله، بل الاختيار هو إلى الله عز وجل،. يختار لطاعته أو لنبوته، أو المعنى يخلق محمداً ويختار الأنصار لدينه، وقيل: اختار من النعم ضأناً، ومن الطير الحمام، ولا وجه للتخصيص. والعموم أولى.
وظاهر الآية نفي الاختيار عنهم رأساً، والأمر كذلك، فإن اختيار العباد مخلوق باختيار الله، منوط بدواع لا اختيار لهم فيها، وقيل: إن هذه الآية جواب عن قولهم: (لولا أنزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم) وقيل: جواب عن اليهود حيث قالوا: لو كان الرسول إلى محمد - صلى الله عليه وسلم - غير جبريل لآمنا به.
قال الزجاج: الوقف على (ويختار) تام على أن (ما) نافية قال: ويجوز أن يكون (ما) في موضع نصب بـ (يختار) والمعنى ويختار الذي كان لهم فيه الخيرة، والصحيح الأول لإجماعهم على الوقف، وقال ابن جرير: إن تقدير الآية ويختار لولايته الخيرة من خلقه. وهذا في غاية من الضعف، وجوز ابن عطية أن تكون (كان) تامة ويكون (لهم الخيرة) جملة مستأنفة. وهذا أيضاً بعيد جداً، ومن قال معناه ويختار للعباد ما هو خير لهم وأصلح، فهو مائل إلى الاعتزال، وقيل: إن (ما) مصدرية، أي يختار اختيارهم، والمصدر واقع موقع المفعول به، أي ويختار مختارهم، وهذا كالتفسير لكلام ابن جرير والراجح أول هذه التفاسير، ومثله قوله سبحانه: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن تكون لهم الخيرة) وقد ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - في الصحيح تعليم الاستخارة، وكيفية صلاتها ودعائها، فلا نطول بذكرها، ثم نزه سبحانه نفسه فقال:
(سبحان الله) أي تنزه تنزهاً خاصاً به، من غير أن ينازعه منازع، أو يشاركه مشارك، أو يزاحم اختياره (وتعالى كما يشركون) أي عن الذين يجعلونهم شركاء له
القصص 28:69
(وربك يعلم ما تكن صدورهم) أي تخفيه قلوبهم وتسره من الشرك، أو من عداوة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحسده، أو من جميع ما يخفونه مما يخالف الحق (وما يعلنون) بألسنتهم من ذلك ويظهرونه، ثم تمدح نفسه سبحانه بالوحدانية، والتفرد بالاستحقاق للحمد، فقال:
القصص 28:70
(وهو الله) أي هو المستأثر بالإلهية المختص بها، وقوله (لا إله إلا هو) تقرير لذلك (له الحمد في الأولى) أي في الدنيا (والآخرة) لأنه المولى للنعم كلها عاجلها وآجلها، يحمده المؤمنون في الآخرة، كما حمدوه في الدنيا والتحميد سمة على وجه اللذة لا على المكلفة، وهو قولهم: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن، الحمد لله الذي صدقنا وعده، وقيل الحمد لله رب العالمين.
(وله الحكم) أي القضاء النافذ في كل شيء، فيقضي بين عباده بما شاء من غير مشارك (وإليه) لا إلى غيره (ترجعون) بالبعث والنشور، والخروج من القبور فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته.
القصص 28:71
(قل) لأهل مكة (أرأيتم)؟ أي أخبروني (إن جعل الله عليكم الليل سرمداً بإسكان الشمس تحت الأرض، أو بتحريكها حول الأفق الغائر، والسرمد هو الدائم المستمر، من السرد، وهو المتابعة والاطراد، فالميم زائدة كما في دلامص من الدلاص، ووزنه فعمل، وقيل: إن ميمه [[إذا كانت ميمه أصلية فيكون فعله الماضي على وزن مصدره سرمد يسرمد سرمداً.]] أصلية، ووزنه فعلل لا فعمل، وهو الظاهر، بين لهم سبحانه أنه مهد لهم أسباب المعيشة ليقوموا بشكر النعمة، فإنه لو كان الدهر الذي يعيشون فيه ليلاً دائماً لا نهار معه (إلى يوم القيامة) لم يتمكنوا من الحركة فيه، وطلب ما لا بد لهم منه مما يقوم به العيش من المطاعم، والمشارب، والملابس، ثم امتن عليهم فقال:
(من إله غير الله يأتيكم)؟ أي هل لكم من إله بزعمكم من الآلهة التي تعبدونها يقدر على أن يرفع هذه الظلمة الدائمة عنكم (بضياء) أي بنور تطلبون فيه المعيشة، وتبصرون فيه ما تحتاجون إليه وتصلح ثماركم، وتنمو عنده زرائعكم، وتعيش فيه دوابكم والجملة صفة أخرى لـ (إله) عليها يدور التبكيت والإلزام (أفلا تسمعون)؟ هذا الكلام سماع فهم، وقبول، وتدبر وتفكر، وهذا توبيخ لهم على أبلغ وجه، ثم لما فرغ الله من الامتنان عليهم بوجود النهار؛ امتن عليهم بوجود الليل فقال: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (72) وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (73) وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (74) وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (75)
القصص 28:72
(قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمداً)؟ أي: جعل جميع الدهر الذي تعيشون فيه نهاراً (إلى يوم القيامة) لا ليل معه بإسكان الشمس في وسط السماء، أو تحريكها على مدار فوق الأفق.
(من إله غير الله)؟ بزعمكم (يأتيكم بليل تسكنون) أي تستقرون (فيه) من النصب والتعب. وتستريحون مما تزاولون من طلب المعاش والكبت.
(أفلا تبصرون)؟ هذه المنفعة العظيمة إبصار متعظ متيقظ، حتى تنزجروا عما أنتم فيه من عبادة غير الله، فإذا أقروا بأنه لا يقدر على ذلك إلا الله عز وجل، فقد لزمتهم الحجة، وبطل ما يتمسكون به من الشبهة الساقطة، وإنما قرن سبحانه بالضياء قوله أفلا تسمعون؟ لأن السمع يدرك ما لا يدرك البصر، ومن درك منافعه ووصف فوائده، وقرن بالليل قوله أفلا تبصرون، لأن غيرك يبصر من منفعة الظلام، ما تبصره أنت من السكون، ونحوه، البصر يدرك ما لا يدرك السمع من ذلك.
القصص 28:73
(ومن رحمته) تعالى (جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه) أي في الليل (ولتبتغوا من فضله) أي في النهار بالسعي في المكاسب وفيه مدح للسعي في طلب الرزق، وهو لا ينافي التوكل (ولعلكم تشكرون) أي ولكي تشكروا نعمة الله عليكم، وهذه الآية من باب اللف والنشر، واعلم أنه وإن كان السكون في النهار ممكناً، وطلب الرزق في الليل ممكناً، وذلك عند طلوع القمر على الأرض، أو عند الاستضاءة بشيء مما له نور كالسراج، لكن ذلك قليل نادر، مخالف لما يألفه العباد فلا اعتبار به.
القصص 28:74
(ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون) كرر سبحانه هذا لاختلاف الحالتين، لأنهم ينادون مرة فيدعون الأصنام، وينادون أخرى فيسكتون وفي هذا التكرار أيضاً تقريع بعد تقريع وتوبيخ بعد توبيخ وإيذان بأنه لا شيء أجلب لغضب الله من الإشراك به، كما لا شيء أدخل في مرضاته من توحيده، أو الأول لتقرير فساد رأيهم، والثاني لبيان أنه لم يكن عن مستند وإنما هو محض تشبه وهوى.
القصص 28:75
(ونزعنا) جاء بصيغة الماضي للدلالة على التحقيق أي أخرجنا (من كل أمة) من الأمم. (شهيداً) يشهد عليهم بما قالوا، قال مجاهد: هم الأنبياء وقيل: عدول كل أمة، والأول أولى، ومثله قوله سبحانه: (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد، وجئنا بك على هؤلاء شهيداً ثم بين سبحانه ما يقوله لكل أمة من هذه الأمم بقوله:
(فقلنا) لهم: (هاتوا برهانكم) أي حجتكم ودليلكم بأن معي شركاء: فعند ذلك اعترفوا وخرسوا عن إقامة البرهان ولذا قال:
(فعلموا أن الحق لله) في الإلهية وأنه وحده لا شريك له (وضل عنهم ما كانوا يفترون) أي غاب عنهم غيبة الشيء الضائع، وبطل، وذهب ما كانوا يختلقون من الكذب في الدنيا بأن لله شركاء يستحقون العبادة، ثم عقب سبحانه حديث أهل الضلال بقصة قارون، لما اشتملت عليه من بديع القدرة، وعجيب الصنع فقال: إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76) وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77)
القصص 28:76
(إن قارون كان من قوم موسى) قارون على وزن فاعول اسم أعجمي، ممتنع للعجمة والعلمية. وليس بعربي مشتق من قرنت، قال الزجاج: لو كان قارون من قرنت الشيء لانصرف، قال النخعي وقتادة وغيرهما: كان ابن عم موسى، وهو قارون بن يصهر بن قاهث بن لاوي ابن يعقوب، وموسى هو ابن عمران بن قاهث. وقال ابن إسحاق: كان عم موسى لأب وأم، فجعله أخاً لعمران، وهما ابنا قاهث. وقيل: هو ابن خالة موسى، وكان يسمى: المنور، لحسن صورته، وكان من السبعين الذين اختارهم موسى للمناجاة فسمع كلام الله، قاله الرازي، ولم يكن في بني إسرائيل أقرأ للتوراة منه، فنافق كما نافق السامري، وخرج عن طاعة موسى وهو معنى قوله:
(فبغى) أي جاوز الحد في التجبر والتكبر، وطلب التفضل (عليهم) وأن يكونوا تحت أمره وحسد موسى على رسالته، وهارون على إمامته. وكفر بالله بعد ما آمن بهما، بسبب كثرة ماله، قال الضحاك: بغيه على بني إسرائيل: استخفافه بهم لكثرة ماله وولده، وقال قتادة: بغيه بنسبة ما آتاه الله من المال إلى نفسه لعلمه وحيلته. وقيل: كان عاملاً لفرعون على بني إسرائيل فتعدى عليهم وظلمهم. وقيل: كان بغيه بغير ذلك مما لا يناسب معنى الآية.
(وآتيناه من الكنوز) جمع كنز وهو المال المدخر، سميت أمواله كنوزاً لأنه كان ممتنعاً من أداء الزكاة. قال عطاء: أصاب كنزاً من كنوز يوسف، وقيل: كان يعمل الكيمياء.
(ما إن مفاتحه) (ما) موصولة صلتها (إن) وما في حيزها، ولهذا كسرت، ونقل الأخفش الصغير عن الكوفيين منع جعل الكسورة وما في حيزها صلة الذي، واستقبح ذلك منهم لوروده في الكتاب العزيز في هذا الموضع، والمفاتح جمع مفتح بالكسر وهو ما يفتح به، وقيل: المراد بالمفاتح الخزائن، فيكون وأحدها مفتحاً بفتح الميم. وقال الواحدي: إن المفاتح الخزائن في قول أكثر المفسرين كقوله: وعنده مفاتح الغيب، قال: هو اختيار الزجاج قال: الأشبه في التفسير أن مفاتحه خزائن ماله، وقال آخرون: هي جمع مفتاح، وهو ما يفتح به الباب، فهذا قول قتادة ومجاهد.
وعن خيثمة قال: كانت مفاتيح كنوز قارون من جلود الإبل كل مفتاح مثل الأصبع، كل مفتاح على خزانة على حدة، فإذا ركب حملت المفاتيح على سبعين بغلاً أغر محجل، وعنه قال: وجدت في الإنجيل أن بغال مفاتيح خزائن قارون غر محجلة ما يزيد كل مفتاح منها على أصبع لكل مفتاح كنز. قال الشوكاني: لم أجد في الإنجيل هذا الذي ذكره خيثمة.
(لتنوء بالعصبة أولي القوة) أي لتثقل بالجماعة الأقوياء يقال نأى [[ينظر في هذين المثالين فإنه لا صلة لهما بقوله تعالى لتنوء لأنه من باب ناء ينوء لا من باب نأى ينأى أي: من باب نصر ينصر لا من باب فتح يفتح فليحرر. المطيعي.]] بحمله إذا نهض به مثقلاً، ويقال نأى بي الحمل أي أثقلني، والمعنى يثقلهم حمل المفاتيح، فلا يستطيعون حملها. وقال الرازي: فلا يستطيعون ضبطها لكثرتها انتهى. قال أبو عبيدة: هذا من المقلوب، والمعنى: لتنوء بها العصبة، أي تنهض بها، قال أبو زيد: نأوت بالحمل إذا نهضت به، وقال الفراء معنى تنوء بالعصبة تميلهم بثقلها، كما يقال يذهب بالبؤس، ويذهب البؤس، وذهبت به، وأذهبته، وجئت به، وأجأته ونؤت به، وأنأوته، اختار هذا النحاس، وبه قال كثير من السلف.
وقيل: هو مأخوذ من النأي، وهو البعد وهو بعيد. وقرئ لينوء بالتحتية أي لينوء الواحد منها، أو المذكور فحمل على المعنى أو التقدير حملها، أو ثقلها، وقيل الضمير في مفاتحه لقارون، فاكتسب المضاف من المضاف إليه التذكير، كقولهم: ذهبت أهل اليمامة قاله الزمخشري، والمراد بالعصبة الجماعة التي يتعصب بعضها لبعض، قيل: هي من الثلاثة إلى العشرة، وقيل من العشرة إلى الخمسة عشر، وقيل: ما بين العشرة إلى العشرين وقيل: من الخمسة إلى العشرة. وقيل: أربعون، وقيل: سبعون وقيل: غير ذلك. قال ابن عباس لا ترفعها العصبة من الرجال أولي القوة، والعصبة أربعون رجلاً.
(إذ قال له قومه لا تفرح) أي اذكر، والمراد بقومه هنا: هم المؤمنون من بني إسرائيل. وقال الفراء: هو موسى، وهو جمع أريد به الواحد، والمعنى لا تبطر، ولا تأشر، ولا تمرح بكثرة المال.
(إن الله لا يحب الفرحين) البطرين الأشرين، الذين لا يشكرون الله على ما أعطاهم، قال الزجاج: المعنى لا تفرح بالمال فإن الفرح بالمال لا يؤدي حقه. وقيل: المعنى لا تفسد، قال الزجاج: الفرحين والفارحين سواء، وقال الفراء: معنى الفرحين الذين هم في حال الفرح، والفارحين الذين يفرحون في المستقبل، وقال مجاهد: معنى لا تفرح لا تبغ، والفرحين الباغين. وقيل: معناه لا تبخل إن الله لا يحب الباخلين، وقال ابن عباس الفرحين المرحين، قيل: إنه لا يفرح بالدنيا إلا من رضي بها واطمأن، وأما ْمن قلبه إلى الآخرة ويعلم أنه يتركها عن قريب فلا يفرح بها.
القصص 28:77
(وابتغ فيما آتاك الله) أي واطلب فيما أعطاك الله من الأموال والثروة والغنى (الدار الآخرة) هي الجنة فأنفقه فيما يرضاه الله كصدقة وصلة رحم، وإطعام جائع، وكسوة عار، ونفقة على محتاج. لا في التجبر والبغي. وقرئ، واتبع.
(ولا تنس نصيبك من الدنيا) قال جمهور المفسرين: وهو أن يعمل في دنياه لآخرته، ونصيب الإنسان عمره وعمله الصالح، قال الزجاج: معناه لا تنس أن تعمل لآخرتك لأن حقيقة نصيب الإنسان من الدنيا الذي يعمل به لآخرته، وقال الحسن وقتادة: معناه لا تضع حظك من دنياك في تمتعك بالحلال، وطلبك إياه، وهذا ألصق بمعنى النظم القرآني. وقال ابن عباس: إن تعمل فيها لآخرتك، وفسر بعضهم النصيب بالكفن، وعليه قول الشاعر:
نصيبك مما تجمع الدهر كله ... رداءآن تدرج فيهما وحنوط
وفسره البيضاوي بما يحتاج إليه منها، وفي الحديث: " اغتنم خمساً قبل خمس شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك " وهو مرسل. وهذا ما جرى عليه مجاهد، وابن زيد. وقيل: معناه خذ ما تحتاجه من الدنيا. وأخرج الباقي، وقيل: أمر أن يعدم الفضل ويمسك ما يغنيه.
(وأحسن كما أحسن الله إليك) الكاف للتشبيه، أي أحسن إحساناً كإحسان الله إليك، أو للتعليل، أي أحسن إلى عباد الله بما أنعم به عليك من نعم الدنيا لما أمره بالإحسان بالمال، أمره ثانياً بالإحسان مطلقاً. ويدخل فيه الإعانة بالمال والجاه، وطلاقة الوجه. وحسن اللقاء. وقيل أطع الله واعبده كما أنعم عليك، ويؤيده ما ثبت في الصحيحين وغيرهما: إن جبريل سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الإحسان فقال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.
(ولا تبغ الفساد في الأرض) أي: لا تعمل فيها بمعاصي الله (إن الله لا يحب المفسدين) في الأرض يعني أنه يعاقبهم.
قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (78) فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (79) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (80) فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (81)
القصص 28:78
(قال إنما أوتيته) أي المال (على علم عندي) قال قارون: هذه المقالة رداً على من نصحه بما تقدم. أي إنما أعطيت ما أعطيت من المال لأجل علمي. وليس تفضلاً. وهذا العلم الذي جعله سبباً لما ناله من الدنيا قيل هو علم التوراة وقيل علمه بوجوه المكاسب والزراعات، وأنواع التجارات، وقيل معرفة الكنوز والدفائن، وقيل علم الكيمياء، وقيل المعنى أن الله آتاني هذه الكنوز على علم منه باستحقاقي إياها لفضل علمه مني.
واختار هذا الزجاج، وأنكر ما عداه، ثم رد الله عليه قوله هذا فقال:
(أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعاً)؟ للمال ولو كان المال، أو القوة يدلان على فضيلة لما أهلكهم الله. وقيل القوة الآلات، والجمع الأعوان. وهذا الكلام خارج مخرج التقريع والتوبيخ لقارون، لأنه قد قرأ التوراة، وعلم علم القرون الأولى، وإهلاك الله سبحانه لهم، أو سمعه من حفاظ التواريخ قاله الكرخي.
(ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون) أي لا يسألون سؤال استعتاب كما في قوله: ولا هم يستعتبون، وما هم من المعتبين، وإنما يسألون سؤال تقريع وتوبيخ ويحاسبون ويشدد عليهم كما في قوله تعالى: فوربك لنسألنهم أجمعين، وقال مجاهد: لا تسأل الملائكة عن المجرمين لأنهم يعرفون بسيماهم، فإنهم يحشرون سود الوجوه، زرق العيون. وقال قتادة: لا يسأل المجرمون عن ذنوبهم لظهورها وكثرتها، بل يدخلون النار بغير سؤال وحساب. وقيل لا يسأل مجرمو هذه الأمة عن ذنوب الأمم الخالية، أو المعنى يعترفون بها بغير سؤال وقيل: لا يسألهم الله عن كيفية ذنوبهم وكميتها إذا أراد أن يعاقبهم. قال ابن عادل: وأليق الوجوه بهذه الآية الاستعتاب.
القصص 28:79
(فخرج) قارون وكان خروجه يوم السبت (على قومه في زينته) أي بأتباعه الكثيرين، ركباناً متحلين بملابس الذهب والحرير، على خيول وبغال متحلية، قاله المحلي.
عن أوس بن أوس الثقفي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " خرج على قومه في أربعة آلاف بغل " [[لا يصح مرفوعاً.]]. أخرجه ابن مردويه. وقد روى عن جماعة من التابعين أقوال في بيان ما خرج به على قومه من الزينة، ولا يصح منها شيء مرفوعاً، بل هي من أخبار أهل الكتاب كما عرفناك غير مرة، ولا أدري كيف إسناد هذا الحديث الذي رفعه ابن مردويه؟ فمن ظفر بكتابه فلينظر فيه. وقد ذكر المفسرون أيضاً في هذه الزينة التي خرج فيها روايات مختلفة، والمراد أنه خرج في زينة ابتهر لها من رآها، ولهذا تمنى الناظرون إليه أن يكون لهم مثلها كما حكى الله عنهم بقوله:
(قال الذين يريدون الحياة الدنيا) اختلف في هؤلاء القائلين بهذه المقالة فقيل: هم من مؤمني ذلك الوقت، تمنوا الدنيا ليتقربوا إلى الله تعالى، ولينفقوه في سبيل الخير، فتمنوا مثله لاعينه، حذراً من الحسد، وقيل: هم قوم من الكفار. (يا) للتنبيه (ليت لنا مثل ما أوتي قارون) في الدنيا (إنه لذو حظ عظيم) أي نصيب وبخت ودولة وافرة من الدنيا.
القصص 28:80
(وقال الذين أوتوا العلم) بما وعد الله في الآخرة، وهم أحبار بني إسرائيل، قالوا للذين تمنوا (ويلكم) كلمة زجر منصوبة بمقدر، أي ألزمكم الله ويلكم، قاله الزمخشري، ومثله في التبيان، وأصل ويلك الدعاء بالهلاك، ثم استعمل في الزجر والردع والبعث على ترك ما لا يرضي.
(ثواب الله) في الآخرة بالجنة (خير لمن آمن وعمل صالحاً) مما أوتي قارون في الدنيا، لأن الثواب منافعه عظيمة، خالصة عن شوائب المضار دائمة، وهذه النعم على الضد في هذه الصفات فلا تتمنوا عرض الدنيا الزائل الذي لا يدوم، وهذا بيان للمفضل عليه.
(ولا يلقاها) أي هذه الكلمة التي تكلم بها الأحبار وقيل: الضمير يعود إلى الأعمال الصالحة، وقيل إلى الجنة، والمعنى لا يفهمها ويوقف عليها ويوفق للعمل لها (إلا الصابرون) على طاعة الله، والمصبرون أنفسهم عن الشهوات، الراضون بقضاء الله في كل ما قسم من المنافع والمضار.
القصص 28:81
(فخسفنا به) أي بقارون (وبداره الأرض) يقال خسف المكان يخسف خسوفاً ذهب في الأرض، وخسف به الأرض خسفاً أي غاب به فيها والمعنى أن الله غيبه، وغيب داره في الأرض.
(فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله) أي ما له جماعة يدفعون ذلك الخسف عنه (وما كان) هو في نفسه (من المنتصرين) أي من المنتقمين من موسى، أو من الممتنعين من عذاب الله يقال نصره من عدوه فانتصر، أي منعه منه فامتنع.
أخرج ابن أبي شيبة في المصنف، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه عن ابن عباس قال: " كان قارون ابن عم موسى، وكان يتبع العلم حتى جمع علماً، فلم يزل في أمره ذلك حتى بغى على موسى وحسده، فقال له موسى: إن الله أمرني أن آخذ الزكاة فأبى، فقال إن موسى يريد أن يأكل أموالكم، جاءكم بالصلاة، وجاءكم بأشياء فاحتملتموها فتحتملون أن تعطوه أموالكم؟ فقالوا: لا نحتمل! فما ترى؟ فقال لهم: أرى أن أرسل إلى بغي من بغايا بني إسرائيل فنرسلها إليه فترميه بأنه أرادها على نفسها، فأرسلوا إليها فقالوا لها: نعطيك جعلك على أن تشهدي على موسى أنه فجر بك! قالت: نعم فجاء قارون إلى موسى فقال: اجمع بني إسرائيل فاخبرهم بما أمرك ربك، قال نعم فجمعهم فقالوا له: ما أمرك ربك؟ قال: أمرني أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاًً. وأن تصلوا الرحم، وكذا، وكذا، وأمرني إذا زنى الرجل وقد أحصن أن يرجم، قالوا: وإن كنت أنت؟ قال: نعم، قالوا: فإنك قد زنيت، قال: أنا؟ فأرسلوا للمرأة فجاءت فقالوا: ما تشهدين على موسى؟ فقال لها موسى: أنشدك بالله إلا ما صدقت، قالت: أما إذا أنشدتني بالله فإنهم دعوني، وجعلوا لي جعلاً على أن أقذفك بنفسي، وأنا أشهد أنك بريء، وأنك رسول الله، فخر موسى ساجداً يبكي، ويقول: يا رب إن كنت رسولك فاغضب لي، فأوحى الله إليه ما يبكيك؟ قد سلطناك على الأرض فمرها فتطيعك، فرفع رأسه فقال: خذيهم، فأخذتهم إلى أعقابهم، فجعلوا يقولون: يا موسى، يا موسى فقال: خذيهم فأخذتهم إلى ركبهم، فجعلوا يقولون: يا موسى، يا موسى، فقال: خذيهم فأخذتهم إلى أعناقهم، فجعلوا يقولون: يا موسى يا موسى، فقال خذيهم فأخذتهم فغشيتهم فأوحى الله إليه: يا موسى سألك عبادي وتضرعوا إليك فلم تجبهم، وعزتي لو أنهم دعوني لأجبتهم. قال ابن عباس: وذلك قوله: فخسفنا به وبداره الأرض خسف به إلى الأرض السفلى. ذكره الخازن، والقرطبي، وغيرهما بألفاظ.
وعن النبي - صلى الله عليه وسلم -: " من لبس ثوباً جديداً فاختال فيه خسف به من شفير جهنم، فهو يتجلجل فيها لا يبلغ قعرها، لأن قارون لبس جبة فاختال فيها فخسف الله به الأرض " رواه الحرث بن إسحاق من حديث ابن عباس وأبي هريرة بسند ضعيف جداً، قال الحافظ في الفتح: إن مقتضى هذا الحديث أن الأرض لا تأكل جسده فيمكن أن يلغز ويقال لنا: كافر لا يبلى جسده بعد الموت وهو قارون، ذكره ابن لقيمة، والتجلجل السوخ في الأرض، والتحرك والتضعضع، والجلجلة التحريك. قيل: إذا وصل قارون إلى قرار الأرض السابعة نفخ إسرافيل في الصور.
وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (82) تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (83) مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (84) إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (85) وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ (86) وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (87)
القصص 28:82
(وأصبح) أي صار (الذين تمنوا مكانه) أي: منزلته ورتبته من الدنيا (بالأمس) أي منذ زمان قريب، ولم يرد خصوص اليوم الذي قبل يومه.
و (يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ) أي: يقول كل واحد منهم متندماً على ما فرط منه من التمني، قال النحاس: أحسن ما قيل في هذا ما قاله الخليل وسيبويه ويونس والكسائي: إن القوم تنبهوا فقالوا: وي، والمتندم من العرب يقول في خلال ندمه: وي، قال الجوهري: وي كلمة تعجب؛ ويقال: ويك، وقد تدخل وي على كأن المخففة والمشددة، ويكأن الله. قال الخليل: هي مفصولة تقول وي، ثم تبتدى فتقول: كأن، وقال الفراء: هي كلمة تقرير كقولك: أما نرى صنع الله وإحسانه، وقيل: هي كلمة تنبيه بمنزلة ألا، وقال قطرب: إنما هو ويلك فأسقطت لامه، وقال ابن الأعرابي والأخفش: معنى ويك أعلم، وقال القتيبي: معناها بلغة حمير رحمة لك؛ وقيل: هي بمعنى ألم تر؟ وروي عن الكسائي أنه قال: هي كلمة تفجع، وقيل: معناها أظن وأقدر.
(يبسط) أي: يوسع (الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر) أي، ويضيق على من يشاء، والمعنى: ليس الأمر كما زعمنا من أن البسط ينبئ عن الكرامة، والقبض ينبىء عن الهوان، بل كل منهما بمقتضى مشيئته.
(لولا أن منّ الله علينا) برحمته بعدم إعطاء ما تمنيناه، وعصمنا من مثل ما كان عليه قارون من البطر والبغي (لخسف بنا) كما خسف به، قرئ مبنياً للفاعل وللمفعول (ويكأنه لا يفلح الكافرون) أي: لا يفوزون بمطلب من مطالبهم تأكيد لما قبله.
القصص 28:83
(تلك) التي سمعت بخبرها، وبلغك شأنها (الدار الآخرة) أي: الجنة والإشارة إليها القصد التعظيم لها، والتفخيم لشأنها (نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض) أي: رفعة وتكبراً على المؤمنين، وقيل: ظلماً، وقيل: استطالة على الناس، وتهاوناً بهم بالبغي.
(ولا فساداً) أي عملاً بمعاصي الله سبحانه فيها، كقتل النفس، والزنا، والسرقة، وشرب الخمر أو دعاء إلى عبادة غير الله. ولم يعلق الموعد بترك العلو والفساد، ولكن بترك إرادتهما وميل القلوب إليهما، كما قال: ولا تركنوا إلى الذين ظلموا، فعلق الوعيد بالركون.
وعن عمر بن عبد العزيز: أنه كان يرددها حتى قبض. وقال بعضهم: حقيقته التنفير عن متابعة فرعون وقارون متشبثاً بقوله: إن فرعون علا في الأرض، ولا تبغ الفساد في الأرض، وذِكر الفساد والعلو مُنَكَّرين في حيز النفي يدل على شمولهما لكل ما يطلق عليه أنه فساد، وأنه علو من غير تخصيص بنوع خاص؛ أما الفساد فظاهر أنه لا يجوز شيء منه كائناً ما كان وأما العلو فالممنوع منه ما كان على طريقة التكبر على الغير والتطاول على الناس؛ وليس منه طلب العلو في الحق والرياسة في الدين ولا محبة اللباس الحسن، والمركوب الحسن، والمنزل الحسن.
عن أبي هريرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الآية قال: " التجبر في الأرض والأخذ بغير الحق "، أخرجه المحاملي والديلمي. وروى مثله عن مسلم البطين، وابن جرير، وعكرمة. وقال سعيد بن جبير بغياً في الأرض. وعن الحسن قال: هو الشرف والعلو عند ذوي سلطانهم. وأقول: إن كان ذلك للتقوى به على الحق فهو من خصال الخير لا من خصال الشر. وعن علي ابن أبي طالب قال: إن الرجل ليحب أن يكون شسع نعله أفضل من شسع نعل صاحبه فيدخل في هذه الآية.
قال ابن كثير في تفسيره بعد ذكر هذه الرواية عن علي: وهذا محمول على من أحب ذلك لا بمجرد التجمل. فهذا لا بأس به، فقد ثبت أن رجلاً قال: يا رسول الله إني أحب أن يكون ثوبي حسناً، ونعلي حسنة، أفمن الكبر ذلك؟ قال: " لا، إن الله جميل يحب الجمال ".
وعن علي بن أبي طالب قال: نزلت هذه الآية في أهل العدل والتواضع من الولاة، وأهل القدرة من سائر الناس، وعن ابن عباس مثله.
وعن عدي بن حاتم قال: لما دخل على النبي - صلى الله عليه وسلم - ألقى إليه وسادة فجلس على الأرض فقال: " أشهد أنك لا تبغي علواً في الأرض ولا فساداً فأسلم " أخرجه ابن مردويه.
(والعاقبة) المحمودة (للمتقين) أي لمن اتقى عقاب الله بأداء أوامره واجتناب نواهيه، وقيل: عاقبة المتقين الجنة.
القصص 28:84
(من جاء) يوم القيامة متصفاً (بالحسنة) بأن كان من المؤمنين، والحسنة ما يحمد فاعلها شرعاً، وسميت حسنة لحسن وجه صاحبها عند رؤيتها في القيامة، والمراد الحسنة المقبولة الأصلية المعمولة للعبد أو ما في حكمها، كما لو تصدق عنه غيره، لا المأخوذة في نظير ظلامتهم، كما لو ضرب زيد عمراً ضربة، وكان لزيد حسنات موجودة فيؤخذ منها فيعطى لعمرو، فهذه الحسنة لا تنسب لعمرو، لا حقيقة ولا حكماً فلا تضاعف له. وخرج بالمعمولة ما لو هم بحسنة فلم يعملها لمانع، فإنها تكتب له واحدة، ويجازى عليها من غير تضعيف.
(فله خير منها) وهو أن الله يجازيه بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف، والتضعيف خاص بهذه الأمة، وأما غير هذه الأمة من بقية الأمم فلا تضعيف لهم، والصواب دخول المضاعفة في حسنات العصاة إن كانت على وجه يتناوله القبول بأن يعملها على وجه لا رياء فيه ولا سمعة، وعدم دخولها في أعمال الكفار لأنه لا يجتمع مع الكفر طاعة مقبولة، إن لم يسلم، وإلا فتكون كالمقبولة في الإسلام، ولا تضاعف الحسنات الحاصلة بالتضعيف.
(ومن جاء بالسيئة فلا يجزى) معناه فلا يجزون فوضع (الذين عملوا السيئات) موضع الضمير لأن في إسناد عمل السيئة إليهم مكرراً فضل تهجين لحالهم، وزيادة تبغيض للسيئة إلى قلوب السامعين، والسيئة هي ما يذم فاعلها شرعاً صغيرة كانت أو كبيرة، وسميت سيئة لأن فاعلها يساء بها عند المجازاة عليها (إلا) مثل (ما كانوا يعملون) وحذف المثل، وأقيم مقامه ما كانوا الخ مبالغة في المماثلة، ومن فضله العظيم أن لا يجزي السيئة إلا بمثلها، ويجزي الحسنة بعشرة أمثالها وبسبعمائة، وقد تقدم بيان معنى هذه الآية في سورة النمل.
القصص 28:85
(إن الذي فرض عليك القرآن) قال المفسرون: أي أنزل عليك، وقال الزجاج: فرض عليك العمل بما يوجبه القرآن، وتقدير الكلام فرض عليك أحكام القرآن وفرائضه. وقيل: أوجب عليك تلاوته وتبليغه، والعمل بما فيه، عن علي بن حسين بن واقد قال: " أنزلت هذه الآية على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالجحفة حين خرج - صلى الله عليه وسلم - مهاجراً إلى المدينة " فليست مكية ولا مدنية، كما مر في أول السورة (لرادك إلى معاد) قال جمهور المفسرين: أي إلى مكة وهذا أقرب التفاسير؛ وبه قال ابن عباس كما أخرجه البخاري عنه، وزاد كما أخرجك منها.
قال القتيبي: معاد الرجل بلده لأنه ينصرف فيعود إلى بلده، وقال مجاهد، وعكرمة، والزهري، والحسن: إن المعنى لرادك إلى يوم القيامة وهو اختيار الزجاج، يقال بيني وبينك المعاد: أي يوم القيامة لأن الناس يعودون فيه أحياء وقال أبو مالك، وأبو صالح: لرادك إلى الجنة وبه قال أبو سعيد الخدري؛ وروي عن مجاهد. وقيل إلى معاد أي إلى الموت.
(قل ربي أعلم من جاء بالهدى) وهو النبي - صلى الله عليه وسلم - لأنه الجائي به (ومن هو في ضلال مبين) وهم المشركون، وهذا جواب لكفار مكة لما قالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم - إنك في ضلال والأولى حمل الآية على العموم، وأن الله سبحانه يعلم حال كل طائفة من هاتين الطائفتين، ويجازيها بما تستحقه من خير وشر.
القصص 28:86
(وما كنت) قبل مجيء الرسالة إليك (ترجو) وتؤمل أن نرسلك إلى العباد، و (أن يلقى إليك الكتاب) فإنزاله عليك ليس عن ميعاد، ولا عن طلب سابق منك، وهذا تذكير له - صلى الله عليه وسلم - بالنعم، والاستثناء في قوله: (إلا رحمة من ربك) منقطع، أي: لكن إلقاؤه عليك رحمة من ربك، أو متصل حملاً على المعنى كأنه قيل: وما ألقى إليك الكتاب إلا لأجل الرحمة من ربك والأول أولى، وبه جزم الكسائي؛ والفراء، ثم أمره الله بخمسة أشياء فقال: (فلا تكونن ظهيراً للكافرين) أي: عوناً لهم، وفيه تعريض بغيره من الأمة، وقيل: المراد لا تكونن ظهيراً لهم بمداراتهم.
القصص 28:87
(ولا يصدنك) قرئ من [[القراءة الأولى هي قراءة الجمهور أما القراءة الأخرى فهي بضم المثناة التحتية وكسر الصاد المهملة. المطيعي.]] صده يصده، ومن أصده بمعنى صده والمعنى لا يمنعنك يا محمد الكافرون، وأقوالهم، وكذبهم، وأذاهم (عن آيات الله) أي: عن تلاوتها، والعمل بها وتبليغها (بعد إذ أنزلت إليك) أي بعد إذ أنزلها الله إليك وفرضت عليك.
(وادع) الناس (إلى ربك) أي: إلى الله وإلى توحيده، والعمل بفرائضه واجتناب معاصيه (ولا تكونن من المشركين) بإعانتهم، وفيه تعريض بغيره، كما تقدم لأنه - صلى الله عليه وسلم - لا يكون منهم بحال من الأحوال وكذلك قوله:
القصص 28:88
وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (88)
(ولا تدع مع الله إلهاً آخر) فإنه تعريض بغيره، ثم وحد سبحانه نفسهٍ ووصفها بالبقاء والدوام فقال: (لا إله إلا هو كل شيء) من الأشياء كائنا ما كان.
(هالك) في حد ذاته، لأن وجوده ليس ذاتياً، بل لاستناده إلى واجب الوجود، فهو بالقوة وبالذات معدوم حالاً، والمراد بالمعدوم ما ليس له وجود ذاتي، لأن وجوده كلا وجود، وأما حمل هالك على المستقبل فكلام ظاهري قاله الشهاب.
(إلا وجهه) أي: إلا ذاته. قال الزجاج: وجهه منصوب على الاستثناء ولو كان في غير القرآن كان مرفوعاً، بمعنى كل شيء غير وجهه هالك، وقضية الاستثناء إطلاق الشيء على الله تعالى، وهو الصحيح، لأن المستثنى داخل في المستثنى منه، وإنما جاء على عادة العرب في التعبير بالأشرف على الجملة ومن لم يطلقه عليه جعله متصلاً أيضاً، وجعل الوجه ما عمل لأجله سبحانه، فإن ثوابه باق قاله الكرخي.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: " لما نزلت كل من عليها فإن قالت الملائكة: هلك أهل الأرض فلما نزلت كل نفس ذائقة الموت، قالت الملائكة: هلك كل نفس، فلما نزلت كل شي هالك إلا وجهه قالت الملائكة: هلك أهل السماء والأرض ". وعنه قال: إلا ما أريد به وجهه، والمستثنى من الهلاك والفناء ثمانية أشياء نظمها السيوطي في قوله:
ثمانية حكم البقاء يعمها ... من الخلق والباقون في حيز العدم
هي العرش، والكرسي ونار، وجنة وعجب وأرواح، كذا اللوح والقلم (له الحكم) أي القضاء النافذ يقضي بما شاء ويحكم بما أراد (وإليه) أي إلى جزائه، أو إليه وحده (ترجعون) في جميع أحوالكم في الدنيا وعند البعث ليجزي المحسن بإحسانه والمسيىء بإساءته لا إلى غيره سبحانه وتعالى.
العنكبوت 29:1
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة العنكبوت
(هي تسع وتسعون آية قيل: مكية كلها)
قاله: ابن عباس، وابن الزبير، والحسن، وعكرمة وعطاء وجابر بن زيد وقيل: أنها مدنية كلها، وهو أحد قولي ابن عباس، وقتادة، وهو قول يحيى بن سلام.
وعن علي بن أبي طالب قال: نزلت بين مكة والمدينة وهذا قول ثابت.
وأخرج الدارقطني في السنن عن عائشة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي في كسوف الشمس والقمر أربع ركعات وأربع سجدات يقرأ في الركعة الأولى العنكبوت أو الروم، وفي الثانية يس.
بسم الله الرحمن الرحيم
الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2)
(الم) الله أعلم بمراده به وقد تقدم الكلام على فاتحة هذه السورة مستوفى في أول سورة البقرة.
العنكبوت 29:2
(أحسب الناس) الاستفهام للتوبيخ والتقريع. أو للتقرير، والحسبان قوة أحد النقيضين على الآخر، كالظن بخلاف الشك فهو الوقوف بينهما والعلم هو القطع على أحدهما، ولا يصح تعليقهما بمعاني المفردات، ولكن بمضامين الجمل (أن يتركوا أن يقولوا) أي لأن يقولوا أو بأن يقولوا أو على أن يقولوا (آمنا) أي نطقوا بكلمة الشهادة.
(وهم لا يفتنون) أي يتركون بغير اختبار، ولا ابتلاء وليس الأمر كما حسبوا بل لا بد أن نختبرهم حتى يتبين المخلص من المنافق والصادق من الكاذب والثابت في الدين من المضارب فيه فالآية مسوقة لإنكار ذلك الحسبان واستبعاده، وبيان أنه لا بد من الامتحان بأنواع التكاليف وغيرها؛ قال الزجاج: المعنى أحسبوا أن نقنع منهم بأن يقولوا إنا مؤمنون فقط؟ ولا يمتحنون بما يتبين به حقيقة إيمانهم؟ بل يمتحنون لتميز الراسخ في الدين من غيره.
قال السدي، وقتادة، ومجاهد: أي لا يبتلون في أموالهم وأنفسهم بالقتل والتعذيب، وسيأتي في بيان سبب نزول هذه الآيات ما يوضح معنى ما ذكرنا قال ابن عطية: وهذه الآية وإن كانت نازلة في سبب خاص - فهي باقية في أمة محمد - صلى الله عليه وسلم -، موجود حكمها بقية الدهر، وذلك أن الفتنة من الله باقية في ثغور المسلمين بالأسر ونكاية العدو، وغير ذلك. والفتنة الامتحان بشدائد التكليف، من مفارقة الأوطان، والمهاجرة، ومجاهدة الأعداء، وسائر الطاعات الشاقة، وهجر الشهوات، وبالفقر والقحط وأنواع المصائب في الأنفس والأموال ومصابرة الكفار على أذاهم وكيدهم، لينالوا بالصبر عليها عوالي الدرجات، فإن مجرد الإيمان وإن كان عن خلوص لا يقتضي غير الخلاص من الخلود في العذاب.
أخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن جرير وغيرهم. أنها أنزلت في ناس كانوا بمكة وقد أقروا بالإسلام فكتب إليهم أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من المدينة لما أنزلت آية الهجرة أنه لا يقبل منكم إقرار، ولا إسلام حتى تهاجروا، قال: " فخرجوا عامدين إلى المدينة فاتبعهم المشركون فردوهم، فنزلت فيهم هذه الآية فكتبوا إليهم أنه قد أنزل فيكم كذا وكذا، فقالوا: نخرج فإن اتبعنا أحد قتلناه، فخرجوا فاتبعهم المشركون، فقاتلوهم فمنهم من قتل ومنهم من نجا، فأنزل الله فيهم: (ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ)، وعن قتادة نحوه بأخصر منه، وقيل: نزلت في عمار بن ياسر إذ كان يعذب في الله، وعن ابن مسعود قال: أول من أظهر الله إسلامه سبعة، رسول الله، وأبو بكر، وسمية أم عمار، وعمار، وصهيب، وبلال، والمقداد، فأما رسول الله فمنعه الله بعمه أبي طالب، وأما أبو بكر فمنعه الله بقومه، وأما سائرهم فأخذهم المشركون فألبسوهم أدرع الحديد، وصهروهم في الشمس، فما منهم من أحد إلا وقد آتاهم على ما أرادوا إلا بلال فإنه هانت عليه نفسه في الله، وهان على قومه، فأخذوه وأعطوه الولدان، فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة وهو يقول: أحد أحد [[أنظر إلى قصص " ابتلاء الصحابة ومحنهم " في كتب السيرة. سيرة ابن هشام مثلاً.]].
وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (4) مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (5) وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (6) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (7) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (8) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ (9)
العنكبوت 29:3
(ولقد فتنا الذين من قبلهم) أي هذه سنة الله في عباده قديمة، جارية في الأمم كلها، وأنه يختبر مؤمني هذه الأمة كما اختبر من قبلهم من الأمم كما جاء في غير موضع من قصص الأنبياء، وما وقع لهم من قومهم من المحن، وما اختبر الله به أتباعهم، ومن آمن بهم، من تلك الأمور التي نزلت بهم، فمنهم من نشر بالمنشار، ومنهم من قتل، ومنهم من ألقي في النار ومنهم من مشط بأمشاط الحديد، ما يصرفه ذلك عن دينه، وابتلي بنو إسرائيل بفرعون فكان يسومهم العذاب، والمقصود التنبيه على خطئهم في هذا الحسبان، والمعنى: أحسبوا ذلك؟ وقد علموا أنه خلاف سنة الله، ولن تجد لسنة الله تحويلاً.
(فليعلمن الله الذين صدقوا) في قولهم: آمنا، علم مشاهدة (وليعلمن الكاذبين) منهم في ذلك، أي ليظهر الله الصادق والكاذب في قولهم، ويميز بينهم، وقرئ بضم الياء وكسر اللام، والمعنى أنه يعلم الطائفتين في الآخرة بمنازلهم، أو يعلم الناس بصدق من صدق، ويفضح الكاذبين بكذبهم، أو يضع لكل طائفة علامة تشتهر بها وتتميز عن غيرها. وقيل: إن علم صفة يظهر فيها كل ما يقع، وما هو واقع، إلا أن قبل التكليف يعلم أن زيداً مثلاً سيطيع وعمراً سيعصي، ثم بعد التكليف يعلم أنه مطيع، والآخر عاص، ولا يتغير علمه في شيء من الأحوال، وإنما المتغير هو المعلوم، وأتى بصيغة الفعل في (صدقوا) وباسم الفاعل في (الكاذبين). لأن اسم الفاعل يدل على ثبوت المصدر في الفاعل، ورسوخه فيه، والفعل الماضي لا يدل عليه لأن وقت نزول الآية كانت الحكاية عن قوم قريبي العهد بالإسلام، وعن قوم مستمرين على الكفر، فعبر في حق الأولين بلفظ الفعل، وفي حق الآخرين بالصيغة الدالة على الثبات: قاله زاده.
العنكبوت 29:4
(أم حسب الذين يعملون السيئات) أي الشرك والمعاصي (أن يسبقونا) أي أن يفوتونا فلا ننتقم منهم، ويعجزونا قبل أن نؤاخذهم بما يعملون، و (أم) هي المنقطعة، ومعنى الإضراب فيها أن هذا الحسبان أبطل من الحسبان الأول، لأن ذلك يقدر أنه لا يمتحن لإيمانه، وهذا يظن أنه لا يجازى بمساويه، وقالوا: الأول في المؤمنين، وهذا في الكافرين المشركين.
(ساء ما يحكمون) أي بئس الذي يحكمونه حكمهم هذا. وقال الزجاج: (ما) في موضع نصب بمعنى ساء شيئاًً أو حكماً يحكمون، قال: ويجوز أن تكون (ما) في موضع رفع بمعنى ساء الشيء، أو الحكم حكمهم. وقال ابن كيسان: ساء حكمهم.
العنكبوت 29:5
(من كان يرجو لقاء الله) الرجاء بمعنى الطمع، قاله سعيد بن جبير، وقيل: الرجاء هنا بمعنى الخوف، قال القرطبي: وأجمع أهل التفسير على أن المعنى من كان يخاف الموت، وقيل البعث والحساب قال الزجاج: أي ثواب المصير إليه تعالى، فالرجاء على هذا معناه الأمل و (من) موصولة، أو شرطية، والجزاء قوله:
(فإن أجل الله) والراجح أنه ليس بجزاء، لأن أجله جاء لا محالة من غير تقييد بشرط، لأنه لو كان جواب الشرط لزم أن من لا يرجوه لا يكون أجل الله آتياً له، بل الجواب محذوف، أي فليعمل عملاً صالحاً، ولا يشرك بعبادة ربه أحداً، والمعنى من كان يرجو ويطمع لقاء الله فإن أجله المضروب للبعث والثواب والعقاب.
(لآت) أي لجاء لا محالة. قال مقاتل: يعني يوم القيامة. وفي الآية من الوعد والوعيد، والترهيب والترغيب ما لا يخفى (وهو السميع) لأقوال عباده (العليم) بما يسرونه وما يعلنونه.
العنكبوت 29:6
(ومن جاهد) الكفار، وجاهد نفسه بالصبر على الطاعات، أو جاهد الشيطان بدفع وساوسه (فإنما يجاهد لنفسه) أي ثواب ذلك له لا لغيره، ولا يرجع إلى الله سبحانه من نفع ذلك شيء، وهذا بحكم الوعد لا بحكم الاستحقاق فإن الكريم إذا وعد وفى، فالحصر إضافي، فلا يقال كيف يستقيم الحصر؟ مع أن جهاد الشخص قد ينتفع به غيره، كما ينتفع الآباء بصلاح الأولاد، وينتفع من سن سنة حسنة بفعل من استن بها، وقيل: المعنى ومن جاهد عدوه لنفسه لا يريد بذلك وجه الله فليس لله حاجة بجهاده، والأول أولى، وفيه بشارة وتخويف (إن الله لغني عن العالمين) من الإنس، والجن والملائكة، فلا يحتاج إلى طاعاتهم، كما لا تضره معاصيهم، وإنما أمر ونهى رحمة لعباده.
العنكبوت 29:7
(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ) أي لنبطلنها حتى تصير بمنزلة ما لم يعمل؛ والتكفير إذهاب السيئة بالحسنة، والمراد بالسيئة الشرك والمعاصي وتكفيرها هو الإيمان والتوبة والآية تستدعي وجود السيئات حتى تكفر والوجه فيه أنه ما من مكلف إلا وله سيئة أما غير الأنبياء فظاهر وأما الأنبياء فلأن ترك الأفضل منهم كالسيئة من غيرهم، ولهذا قال تعالى: (عفا الله عنك لم أذنت لهم)؟
(ولنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون) أي: بأحسن جزاء أعمالهم، وقيل: بجزاء أحسن أعمالهم والمراد بأحسن مجرد الوصف لا التفضيل، لئلا يكون جزاؤهم بالحسن مسكوتاً عنه، وهذا ليس بشيء لأنه من باب الأولى فإنه إذا جازاهم بالأحسن جازاهم بما دونه فهو من التنبيه على الأدنى بالأعلى، وقيل: معناه نعطيهم أكثر مما عملوا، وأحسن منه كما في قوله: (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها).
العنكبوت 29:8
(وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا) أي إيصاء حسناً على المبالغة قاله الكواشي، أو ذا حسن، وهذا مذهب البصريين، أو أن يفعل حسناً قاله الكوفيون قال الزجاج: إن يفعل بوالديه ما يحسن وقيل: وصيناه أمراً ذا حسن؛ وقيل: ألزمناه حسناً، وقيل: وصيناه بحسن، وقيل: يحسن حسناً ومعنى الآية: التوصية للإنسان بوالديه؛ بالبر لهما والعطف عليهما والإحسان إليهما بكل ما يمكنه من وجوه الإحسان فيشمل ذلك إعطاء المال والخدمة ولين القول، وعدم المخالفة لهما وغير ذلك، قرئ حسناً بضم الحاء وإسكان السين، وبفتحهما، وقرئ إحساناً وكذا في مضحف أبيّ.
(وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم) أي: إن طلبا منك وألزماك أن تشرك بي إلهاً ليس لك علم بكونه إلهاً، وفي سورة لقمان (على أن تشرك بي) لأن ما هنا وافق ما قبله لفظاً وهو: (من جاهد فإنما يجاهد لنفسه) وما هناك محمول على المعنى لأن التقدير: وإن حملاك على أن تشرك، قاله الكرماني.
(فلا تطعهما) في الإشراك وعبر بنفي العلم عن نفي الإله لأن ما لم يعلم صحته لا يجوز اتباعه فكيف بما علم بطلانه، وإذا لم تجز طاعة الأبوين في هذا المطلب مع المجاهدة منهما له فعدم جوازها مع مجرد الطلب بدون مجاهدة منهما أولى، ويلحق بطلب الشرك منهما سائر معاصي الله سبحانه. فلا طاعة لهما فيما هو معصية لله، كما صح ذلك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
أخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن سعد بن أبي وقاص قال: قالت أمي: لا آكل طعاماً، ولا أشرب شراباً حتى تكفر بمحمد - صلى الله عليه وسلم - فامتنعت من الطعام والشراب حتى جعلوا يشجرون فاها بالعصا، فنزلت هذه الآية إلى قوله: فلا تطعهما، وأخرجه أيضاً الترمذي من حديثه، وقال نزلت في أربع آيات، وذكر نحو هذه القصة، وقال: حسن صحيح، وقد أخرج هذا الحديث أحمد ومسلم، وأبو داود والنسائي أيضاً قال القرطبي: فلم يطعها سعد وقال لها: والله لو كان لك مائة نفس فخرجت نفساً نفساً ما كفرت بمحمد - صلى الله عليه وسلم -، فإن شئت فكلي، وإن شئت فلا تأكلي، فلما رأت ذلك أكلت قال الكرخي: هذا وما في لقمان والأحقاف نزل في سعد بن أبي وقاص.
(إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) أي أخبركم بصالح أعمالكم وطالحها، فأجازي كُلاًّ منكم بما يستحقه، وفي ذكر المرجع والوعيد تحذير من متابعتهما على الشرك، وحث على الثبات والاستقامة في الإيمان.
العنكبوت 29:9
(والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم في الصالحين) أي في زمرة الراسخين في الصلاح، وهذا أبلغ صفات المؤمنين، وهو متمنى الأنبياء عليهم السلام، قال سليمان عليه السلام: (وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين) وقال يوسف عليه السلام: (توفني مسلماً وألحقني بالصالحين) وقيل: لندخلنهم في مدخل الصالحين وهو الجنة. كذا قيل والأول أولى ومعنى إدخالهم فيهم كونهم معدودين من جملتهم لا اتصافهم أي نحشرهم معهم اللهم اجعلنا من عبادك الصالحين وارزقنا لسان صدق في الآخرين.
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ (10) وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ (11) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (12) وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (13) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (14)
العنكبوت 29:10
(ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي) أي أصابه بلاء من الناس أو أذى من الكفار (في الله) أي في دين الله وسبيله ولأجله، كما يفعله أهل الكفر مع أهل الإيمان وكما يفعله أهل المعاصي مع أهل الطاعات وأصحاب البدع مع أصحاب السنة وأهل التقليد مع أهل الاتباع بل كل مبطل مع كل محق من إيقاع أنواع الأذى عليهم لأجل الإيمان بالله والعمل بما أمر به من كتاب وسنة.
(جعل فتنة الناس) التي هي ما يوقعونه عليه من الأذى وجزع من أذاهم فلم يصبر عليه وجعله في الشدة والعظم (كعذاب الله) فأطاع الناس كما يطيع الله من يخاف عقابه، وقيل: وهو المنافق إذا أوذي في الله رجع عن الدين فكفر وكان يمكنه أن يصبر على الأذى إلى حد الإكراه، ويكون قلبه مطمئناً بالإيمان، فجعل المنافقون فتنة الناس صارفة عن الإيمان كما أن عذاب الله صارف للمؤمنين عن الكفر، فعذاب الناس له دافع وعذاب الله ما له من دافع، وأيضاً عذاب الناس يترتب عليه ثواب عظيم، وعذاب الله بعده عقاب أليم، والمشقة إذا كانت مستتبعة للراحة العظيمة تطيب النفس لها، ولا تعدها عذاباً.
قال الزجاج: ينبغي للمؤمن أن يصبر على الأذية في الله.
أخرج أحمد والترمذي، وصححه، وابن ماجة وأبو يعلى وابن حبان، والبيهقي وغيرهم عن أنس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " لقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد، ولقد أخفت في الله وما يخاف أحد، ولقد أتت علي ثالثة ومالي ولبلال طعام يأكله ذو كبد إلا ما وارى إبط بلال ".
(ولئن جاء نصر من ربك) أي فتح من الله للمؤمنين وغلبة على الأعداء وغنيمة يغنمونها منهم (ليقولن) بضم اللام حملاً على المعنى بعد الحمل على اللفظ، ونقل أبو معاذ النحوي أنه قرئ بالفتح جرياً على مراعاة لفظها أيضاً وقراءة العامة أحسن لقوله:
(إنا كنا معكم) في دينكم فأشركونا في الغنيمة، فالمراد المعية في الإيمان دون الصحبة في القتال لأنها غير واقعة، قاله الشهاب فكذبهم الله فقال:
(أوليس الله بأعلم بما في صدور العالمين)؟ من الإيمان به أي هو سبحانه أعلم بما فيها من خير وشر فكيف يدعون هذه الدعاوى الكاذبة، قيل: هم قوم ممن كان في إيمانهم ضعف. كانوا إذا مسهم الأذى من الكفار أو لم يجدوا من قوة الإسلام ونصر الله المؤمنين في موطن من المواطن قالوا: إنا كنا معكم يرضون بهذا وما قبله المنافقون، قال مجاهد: نزلت في ناس كانوا يؤمنون بالله بألسنتهم فإذا أصابهم بلاء من الله أو مصيبة في أنفسهم افتتنوا. وقال الضحاك: نزلت في ناس من المنافقين كانوا يؤمنون، فإذا أوذوا رجعوا إلى الشرك، وقيل: نزلت في الذين أخرجهم المشركون معهم إلى بدر، والظاهر أن هذا النظم من قوله: ومن الناس من يقول، إلى قوله: وقال الذين كفروا، نازلٌ في المنافقين لما يظهر من السياق، ولقوله.
العنكبوت 29:11
(وليعلمن الله الذين آمنوا) بقلوبهم أي صدقوا فثبتوا على الإسلام عند البلاء (وليعلمن المنافقين) بترك الإيمان عند البلاء فإنه لتقرير ما قبله وتأكيده واللام في الفعلين لام قسم أي والله ليميزن الله بين الطائفتين ويظهر إخلاص المخلصين ونفاق المنافقين فيجازي الفريقين، فالمخلص الذي لا يتزلزل بما يصيبه من الأذى ويصبر في الله حق الصبر، ولا يجعل فتنة الناس كعذاب الله والمنافق الذي يميل هكذا وهكذا فإن أصابه أذى من الكافرين وافقهم وتابعهم، وكفر بالله عز وجل؛ وإن خفقت ريح الإسلام، وطلع نصره، ولاح فتحه رجع إلى الإسلام وزعم أنه من المسلمين وتغيير الأسلوب حيما عبر في الأول بالفعل، وفي الثاني باسم الفاعل تفنن لرعاية الفاصلة. قيل: هذه الآيات العشر من أول السورة إلى هاهنا مدنية، وباقي السورة مكي. قاله يحيى بن سلام.
العنكبوت 29:12
(وقال الذين كفروا) من أهل مكة كأبي سفيان وأتباعه (للذين آمنوا) اللام لام التبليغ أي قالوا مخاطبين لهم سبق بيانه في غير موضع، أي قالوا لهم:
(اتبعوا سبيلنا) أي اسلكوا طريقتنا، أو ادخلوا في ديننا (ولنحمل خطاياكم) أي إن كان اتباع سبيلنا خطيئة تؤاخذون بها عند البعث والنشور كما تقولون فلنحمل ذلك عنكم فنؤاخذ بها دونكم، قال مقاتل: يعني قولهم نحن الكفلاء بكل تبعة تصيبكم من الله واللام في لنحمل لام الأمر كأنهم أمروا أنفسهم بذلك. وقال الزمخشري: الأمر بمعنى الخبر وقرئ بكسر اللام وهو لغة الحجاز، ثم رد عليهم بقوله:
(وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء) (من) الأولى بيانية، والثانية مزيدة للاستغراق، أي وما هم بحاملين شيئاًً من خطيئاتهم التي التزموا بها، وضمنوا لهم حملها، ثم وصفهم الله سبحانه بالكذب في هذا التحمل فقال:
(إنهم لكاذبون) فيما ضمنوا به من حمل خطاياهم، قال المهدوي هذا التكذيب لهم من الله عز وجل حمل على المعنى، لأن المعنى أن اتبعتم سبيلنا حملنا خطاياكم، فلما كان الأمر يرجع في المعنى إلى الخبر أوقع عليه التكذيب كما يوقع على الخبر.
العنكبوت 29:13
(وليحملن أثقالهم) أي: أوزارهم التي عملوها، والتعبير عنها بالأثقال للإيذان بأنها ذنوب عظيمة (وأثقالاً مع أثقالهم) أي أوزاراً مع أوزارهم وهي أوزار من أضلوهم وأخرجوهم عن الهدى إلى الضلالة، ومثله قوله سبحانه: (لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ). ومثله قوله - صلى الله عليه وسلم -: " من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها " كما في حديث أبي هريرة الثابت في صحيح مسلم وغيره.
(وليسألن يوم القيامة) سؤال تقريع وتوبيخ (عما كانوا يفترون) أي: يختلقونه من الأكاذيب والأباطيل التي كانوا يأتون بها في الدنيا وأضلوهم بها، ومن جملتها هذا الوعد.
العنكبوت 29:14
(ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه) وعمره أربعون سنة أو أكثر، وبينه وبين آدم [[لا دليل على هذا التحديد من كتاب ولا سنة. المطيعي.]] ألف سنة، أجمل سبحانه قصة نوح تصديقاً لقوله في أول السورة (ولقد فتنا الذين من قبلهم) (فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً) فيه تثبيت للنبي - صلى الله عليه وسلم - كأنه قيل له: إن نوحاً لبث هذه المدة الكثيرة يدعو قومه ولم يؤمن منهم إلا قليل، فصبر وما ضجر، فأنت أولى بالصبر لقلة مدة لبثك، وكثرة عدد أمتك، قيل: ووقع في النظم:
(إلا خمسين عاماً) ولم يقل تسعمائة سنة وخمسين، لأن في الاستثناء تحقيق العدد بخلاف الثاني فقد يطلق على ما يقرب منه وذكر الألف أفخم وأوصل إلى الغرض. وجيء بالمميز أولاً بالسنة، ثم بالعام لأن تكرار لفظ واحد في كلام واحد حقيق بالاجتناب في البلاغة، ثم إنه خص لفظ العام بالخمسين إيذاناً بأن نبي الله لما استراح منهم بقي في زمن حسن، والعرب تعبر عن الخصب بالعام، وعن الجدب بالسنة.
وقد اختلف في مقدار عمر نوح عليه السلام، وليس في الآية إلا أنه لبث فيهم هذه المدة، وهي لا تدل على أنها جميع عمره، فقد تلبث في غيرهم قبل اللبث فيهم، وقد تلبث في الأرض من بعد هلاكهم بالطوفان، فقال ابن عباس: بعث الله نوحاً وهو ابن أربعين سنة، ولبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم إلى الله وعاش بعد الطوفان ستين سنة حتى كثر الناس، وفشوا.
وعن عكرمة قال: كان عمر نوح قبل أن يبعث إلى قومه، وبعد ما بعث ألفا وسبعمائة سنة، وعن عوف بن شداد قال: إن الله أرسل نوحاً إلى قومه وهو ابن خمسين سنة وثلثمائة سنة فلبث فيهم ألفاً إلا خمسين عاماً، ثم عاش بعد ذلك خمسين وثلثمائة سنة، وقال أبو السعود: عاش نوح بعد الطوفان مائتين وخمسين سنة فكان عمره ألفاً ومائتين سنة وأربعين وعن أنس ابن مالك قال: جاء ملك الموت إلى نوح فقال: يا أطول النبيين عمراً كيف وجدت الدنيا ولذتها؟ قال كرجل دخل بيتاً له بابان فقال [[قال بمعنى القيلولة، وهي النوم في الظهيرة، تقول: قال يقيلُ قيلولةً معجم الصحاح للجوهري، باب اللام، فصل القاف، 5/ 1808، طبعة دار العلم للملايين، بيروت.]] في وسط البيت هنية ثم خرج من الباب الآخر.
(فأخذهم الطوفان) أي الماء الكثير، طاف بهم وعلاهم فغرقوا، وارتفع على أعلى جبل أربعين ذراعاً، وقيل: خمسة عشر حتى غرق كل شيء غير من في السفينة والفاء للتعقيب، أي أخذهم عقب تمام المدة المذكورة، والطوفان يقال لكل شيء كثير، مطيف بجمع: محيط بهم، من مطر أو قتل أو موت، قاله النحاس. وقال سعيد بن جبير، وقتادة والسدي: هو المطر، وقال الضحاك: الغرق، وقيل: الموت، قال الشهاب: ولكنه غلب في الماء كما هو المراد هنا.
(وهم ظالمون) أي مستمرون على الظلم والشرك ولم ينجع فيهم ما وعظهم به نوح وذكرهم هذه المدة بطولها.
فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (15) وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (16) إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (17) وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (18)
العنكبوت 29:15
(فأنجيناه وأصحاب السفينة) أي أنجينا نوحاً، وأنجينا من معه في السفينة من أولاده وأتباعه، واختلف في عددهم على أقوال، قيل: كانوا ثمانية وسبعين نفساً نصفهم ذكور ونصفهم إناث منهم أولاد نوح، سام، وحام، ويافث ونساؤهم.
(وجعلناها) أي السفينة (آية للعالمين) أي عبرة عظيمة لهم ولمن بعدهم من الناس إن عصوا رسولهم، وفي كونها آية وجوه:
أحدها: أنها كانت باقية على الجودي مدة مديدة، كذا قال قتادة.
وثانيها: إن الله سلم السفينة بأن جعلها آية وقيل: إن الضمير راجع في جعلناها إلى الواقعة أو القصة أو الحادثة أو إلى النجاة أو إلى العقوبة بالغرق.
العنكبوت 29:16
(وإبراهيم) انتصابه بالعطف على (نوحاً) وقال الكسائي: هو معطوف على الهاء في (جعلناها) وقيل: منصوب بمقدر، أي واذكر، وقرأ إبراهيم: النخعي، وأبو حنيفة رضي الله تعالى عنهما (وإبراهيم) بالرفع على معنى ومن المرسلين إبراهيم.
(إذ قال) منصوب على الظرفية، أي وأرسلنا إبراهيم وقت قوله أو وجعلنا إبراهيم آية وقت قوله، أو اذكر إبراهيم وقت قوله (لقومه اعبدوا الله) أي أطيعوه وأفردوه بالعبادة وخصوه بها ووحدوه، وفيه إشارة إلى إثبات الإله (واتقوه) أن تشركوا به شيئاًً وفيه إشارة إلى نفي الغير لأن من يشرك مع الملك غيره في ملكه فقد أتى بأعظم الجرائم، وقيل: اعبدوا الله إشارة إلى الإتيان بالواجبات، وقوله: اتقوه إشارة إلى الامتناع من المحرمات، ثم يدخل في الأول الاعتراف بالله، وفي الثاني الامتناع من الشرك.
(ذلكم) أي عبادة الله وتقواه (خير لكم) من الشرك ولا خير في الشرك أبداً، ولكنه خاطبهم باعتبار اعتقادهم، وقيل: خير من كل شيء لأن حذف المفضل عليه يقتضي العموم مع عدم احتياجه إلى التأويل، إذ المراد بكل شيء كل شيء فيه خيرية، ويجوز كونه صفة لا اسم تفضيل (إن كنتم تعلمون) شيئاًً من العلم أو تعلمون علماً تميزون به بين ما هو خير وما هو شر وأن من المرسلين إبراهيم ثم ذكر إبراهيم بطلان مذهبهم بأبلغ وجه بقوله:
العنكبوت 29:17
(إنما تعبدون من دون الله أوثاناً) وبيَّن لهم أنهم يعبدون ما لا ينفع ولا يضر ولا يسمع ولا يبصر، والأوثان هي الأصنام، وقال أبو عبيدة: الصنم ما يتخذ من ذهب أو فضة أو نحاس: والوثن ما يتخذ من جص أو حجارة، وقال الجوهري: الوثن الصنم والجمع أوثان.
(وتخلقون إفكاً) أي وتكذبون كذباً على أن معنى تخلقون تكذبون قال الحسن: معنى تخلقون تنحون، أي إنما تعبدون أوثاناً وأنتم تصنعونها وهذا على قراءة الجمهور بفتح الفوقية وسكون الخاء وضم اللام مضارع خلق؛ وإفكاً بكسر الهمزة وسكون الفاء وقرأ علي بن أبي طالب وزيد بن علي والسلمي وقتادة بفتح الخاء واللام مشددة، والأصل تتخلقون، وروي عن زيد بن علي أنه قرأ بضم التاء وتشديد اللام مكسورة، وقرأ ابن الزبير، وفضيل بن ورقان: أَفِكاً بفتح الهمزة وكسر الفاء وهو مصدر كالكذب، أو صفة لمصدر محذوف، أي خلقاً أفكاً.
(إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقاً) أي لا يقدرون على أن يرزقوكم شيئاًً من الرزق (فابتغوا عند الله الرزق) أي اصرفوا رغبتكم في أرزاقكم إلى الله فهو الذي عنده الرزق كله، فاسألوه، واطلبوه من فضله.
(واعبدوه) أي وحدوه دون غيره (واشكروا له) على نعمائه ذكرهما بعد طلب الرزق لأن الأول أي العبادة سبب لحدوث الرزق والثاني أي الشكر موجب لبقائه وسبب لمزيد عليه، يقال شكرته وشكرت له.
(إليه) أي إلى محل جزائه تعالى (ترجعون) بالموت ثم بالبعث لا إلى غيره، فاستعدوا للقائه بعبادته: والشكر له على أنعمه، ولما فرغ من بيان التوحيد أتى بعده بالتهديد وقال:
العنكبوت 29:18
(وإن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم) أي وإن تكذبوني فقد وقع ذلك لغيري ممن قبلكم فهو من قول إبراهيم، وقيل: هو من قول الله سبحانه، أي وإن تكذبوا محمد - صلى الله عليه وسلم - فذلك عادة الكفار مع من سلف كقوم شيث وإدريس ونوح وغيرهم، وقيل: هذا اعتراض متصل إلى قوله عذاب أليم، وقع تذكيراً لأهل مكة، وتحذيراً لهم.
(وما على الرسول إلا البلاغ المبين) لقومه الذين أرسل إليهم وليس عليه هدايتهم، وليس ذلك في وسعه، ولما بين الله تعالى الأصل الأول، وهو التوحيد وأشار إلى الثاني وهو الرسالة بقوله: ما على الرسول الخ شرع في بيان الأصل الثالث وهو الحشر، وهذه الأصول الثلاثة لا ينفك بعضها عن بعض في الذكر الإلهي فقال: أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (19) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20) يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (21) وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (22)
العنكبوت 29:19
(أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده)؟ قرئ بالتحتية على الخبر قال أبو عبيدة: كأنه قال أولم يَرَ الأمم، وقرئ بالفوقية على الخطاب من إبراهيم لقومه، وقيل هو خطاب من الله لقريش، وقرئ يبدي من أبدى يبدي ومن بدأ يبدئ، وقرئ (كيف بدأ) والمعنى: ألم يروا كيف يخلقهم الله ابتداء نطفة، ثم علقة، ثم مضغة ثم ينفخ فيهم الروح، ثم يخرجهم إلى الدنيا ثم يتوفاهم بعد ذلك. ثم هو يعيدهم كما بدأهم، وكذلك سائر الحيوانات وسائر النباتات.
فإذا رأيتم قدرة الله سبحانه على الابتداء والإيجاد فهو القادر على الإعادة والهمزة لإنكار عدم رؤيتهم، والواو للعطف على مقدر، والمراد بالرؤية العلم الواضح الذي هو كالرؤية، والعاقل يعلم أن البدء من الله لأن الخلق الأول لا يكون من مخلوق، وإلا لما كان الخلق الأول خلقاً أول فهو من الله.
(إن ذلك) أي الخلق الأول والثاني (على الله يسير) لأنه إذا أراد أمراً قال له كن فيكون، فكيف ينكرون الثاني، ثم أمر سبحانه إبراهيم أن يأمر قومه بالمسير في الأرض ليتفكروا ويعتبروا، فقال:
العنكبوت 29:20
(قل) لمنكري البعث (سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق) على كثرتهم؛ واختلاف ألوانهم وطبائعهم، وألسنتهم، وانظروا إلى مساكن القرون الماضية، والأمم الخالية، وآثارهم، لتعلموا بذلك كمال قدرة الله، فإن من قدر على إنشائها بدءاً يقدر على إعادتهم، وقيل: إن المعنى قل لهم يا محمد سيروا ومعنى قوله (ثم الله ينشئ النشأة الآخرة) إن الله الذي بدأ النشأة الأولى وخلقها على تلك الكيفية، ينشئها نشأة ثانية عند البعث، أي فكما لم يتعذر عليه إحداثهم مبدئاً كذلك لا يتعذر عليه إنشاؤهم معيداً بعد الموت. ثانياً وهذا دليل على أنهما نشأتان وأن كل واحد منهما إنشاء أي ابتداء واختراع، وإخراج من العدم إلى الوجود، غير أن الآخرة إنشاء بعد إنشاء مثله، والأولى ليست كذلك، والجملة عطف على جملة: سيروا في الأرض داخلة معها في حيز القول.
قال ابن عباس: النشأة الآخرة: هي الحياة بعد الموت وهو النشور، قرئ النشأة بالقصر وسكون الشين، وبالمد وفتح الشين وهما لغتان كالرأفة والرآفة، وهي منتصبة على المصدرية بحذف الزوائد، والأصل الإنشاءة أو على حذف العامل أي ينشئ فينشئون النشأة (إن الله على كل شيء) من البداءة والإعادة (قدير) والجملة تعليل لما قبلها.
العنكبوت 29:21
(يعذب من يشاء) تعذيبه بعد النشأة الآخرة بالخذلان، وهم الكفار والعصاة (ويرحم) بالهداية (من يشاء) رحمته وهم المؤمنون به، المصدقون لرسله، العاملون بأوامره ونواهيه، أو المعنى: يعذب بالحرص، ويرحم بالقناعة، أو بسوء الخلق وحسنه، أو بالإعراض عن الله، وبالإقبال عليه، أو بمتابعة البدع، وبملازمة السنة، وقدم التعذيب في الذكر على الرحمة مع أن رحمته سابقة لأن السابق ذكر الكفار فذكر العذاب أولاً لسبق ذكر مستحقيه (وإليه) لا إلى غيره (تقلبون) أي ترجعون وتردون.
العنكبوت 29:22
(وما أنتم) الخطاب لبني آدم وهم من أهل الأرض وليس في وسعهم الهرب في السماء لكن المقصود امتناع الفوات على جميع الأحوال (بمعجزين) ربكم عن إدراككم (في الأرض) الفسيحة (ولا في السماء) التي هي أفسح منها، قال الفراء: ولا من في السماء بمعجزين الله فيها قال: وهو كما في قول حسان:
فمن يهجو رسول الله منكم ... ويمدحه وينصره سواء
أي: ومن يمدحه وينصره سواء، ومثله قوله تعالى: (وما منا إلا له مقام معلوم) أي إلا من له مقام معلوم، والمعنى أنه لا يعجزه سبحانه أهل الأرض في الأرض، ولا أهل السماء في السماء، إن عصوه. وقال قطرب: إن معنى الآية ولا في السماء لو كنتم فيها، كما تقول: لا يفوتني فلان هاهنا ولا بالبصرة، يعني ولا بالبصرة ولو صار إليها، وقال المبرد: المعنى ولا من في السماء، على أن من ليست موصولة بل نكرة، وفي السماء صفة لها فأقيمت مقام الموصوف ورده الأخفش ورجح ما قاله قطرب.
والمقصود بيان امتناع الفوات على جميع التقادير، ممكناً كان أو مستحيلاً وهذا إن حملت الأرض والسماء على المشهور من معناهما، ويجوز أن يراد بهما جهة السفل وجهة العلو، وقال هنا: (في الأرض ولا في السماء)، واقتصر في الشورى على الأرض لأن ما هنا خطاب لقوم فيهم النمرود الذي حاول الصعود إلى السماء، وقد حذفا معاً للاختصار في قوله في الزمر: (وما هم بمعجزين).
(وما لكم من دون الله) أي غيره (من ولي ولا نصير) من مزيدة للتأكيد، أي: ليس له ولي يواليه، ولا نصير ينصره، ويدفع عنه عذاب الله.
وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (23) فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (24) وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (25) فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (26) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (27) وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (28)
العنكبوت 29:23
(والذين كفروا بآيات الله) أي التنزيلية أو التكوينية، أو جميعهما (ولقائه) أي أنكروا البعث وما بعده، ولم يعملوا بما أخبرتهم به رسل الله سبحانه، والإشارة بقوله (أولئك) إلى الكافرين بالآيات واللقاء.
(يئسوا من رحمتي) في الدنيا، ولم ينجع فيهم ما نزل من كتب الله، ولا ما أخبرتهم به رسله، وقيل: المعنى أنهم ييأسون يوم القيامة من رحمة الله وهي الجنة، وصيغة الماضي لدلالة علمه على تحقق وقوعه، وأضاف الرحمة إلى نفسه، ولم يضف العذاب إليها لسبق رحمته، وإعلاماً لعباده بعمومها لهم.
(وأولئك لهم عذاب أليم) تكرير الإشارة للتأكيد، ووُصف العذاب بكونه أليماً للدلالة على أنه في غاية الشدة وهذا آخر الآيات في تذكير أهل مكة، وقوله:
العنكبوت 29:24
(فما كان جواب قومه إلا أن قالوا) رجوع إلى خطاب إبراهيم بعد الاعتراض بما تقدم من خطاب محمد - صلى الله عليه وسلم - على قول من قال: إن قوله: (قل سيروا في الأرض) خطاب لمحمد - صلى الله عليه وسلم -، وأما على قول من قال: إنه خطاب لإبراهيم عليه السلام، فالكلام في سياقه سابقاً ولاحقاً: أي قال بعضهم لبعض عند المشاورة بينهم: لا تجيبوا عن براهينه الثلاثة الدالة على الأصول وهي التوحيد والنبوة والحشر، وافعلوا بإبراهيم أحد الأمرين.
(اقتلوه) بالسيف أو نحوه فتستريحوا منه عاجلاً (أو حرقوه) بالنار فإما أن يرجع إلى دينكم إذا أوجعته النار، وإما أن يموت بها إذا أصر على قوله ودينه وإنما أجابوا بذلك لعدم قدرتهم على الجواب الصحيح، ثم اتفقوا على تحريقه فقذفوه في النار.
(فأنجاه الله من النار) بأن جعلها عليه برداً وسلاماً، قيل: إن ذلك اليوم لم ينتفع أحد بنار، وذلك لذهاب حرها (إن في ذلك) أي في إنجاء الله لإبراهيم بعد إلقائه في النار (لآيات) أي: دلالات واضحة وعلامات ظاهرة، على عظيم قدرة الله، وبديع صنعه، حيث أضرموا تلك النار العظيمة، وألقوه فيها، ولم تحرقه، ولا أثرت فيه أثراً، بل صارت إلى حالة مخالفة لما هو شأن عنصرها، من الحرارة والإحراق. قال المحلي: هي عدم تأثيرها فيه، وإخمادها، وإنشاء روض مكانها في زمن يسير، انتهى. أي مقدار طرفة عين بحيث إنها لم تؤذه. ولكن أحرقت وثاقه لينحل.
(لقوم يؤمنون) أي يصدقون بتوحيد الله وقدرته، وإنما خص المؤمنون لأنهم الذين يعتبرون بآيات الله سبحانه، وينتفعون بها، وأما من عداهم فهم عن ذلك غافلون.
العنكبوت 29:25
(وقال) إبراهيم لقومه بعد الإنجاء من النار، ولم يحصل له منهم رعب ولا مهابة (إنما اتخذتم من دون الله أوثاناً مودة بينكم) أي للتودد بينكم والتواصل لاجتماعكم على عبادتها، وللخشية من ذهاب المودة فيما بينكم إن تركتم عبادتها، قرئ برفع مودة، وإضافتها إلى بينكم، وبالنصب منونة، ونصب بينكم على الظرفية (في الحياة الدنيا) أي ثم تنقطع ولا تنفع في الآخرة.
(ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض) أي يكفر بعض هؤلاء المتخذين للأوثان العابدين لها بالبعض الآخر منهم، فيتبرأ القادة من الأتباع والأتباع من القادة، وقيل: المعنى يتبرأ العابدون للأوثان من الأوثان، والأوثان من العابدين لها، يقولون، لا نعرفكم.
(ويلعن بعضكم بعضاً) أي كل فريق الآخر على التفسيرين المذكورين (ومأواكم النار) أي مأوى الكفار جميعاً، وقيل: يدخل في ذلك الأوثان (وما لكم من ناصرين) يخلصونكم منها بنصرتهم لكم.
العنكبوت 29:26
(فآمن له) أي لإبراهيم (لوط) فصدقه في جميع ما جاء به، وقيل: إنه لم يؤمن به إلا حين رأى النار لا تحرقه، وكأن لوط ابن أخي إبراهيم هاران، وقيل: ابن أخته، والأول أولى قال ابن عباس: آمن أي: صدق برسالته.
(وقال إني مهاجر إلى ربي) قال النخعي، وقتادة: الذي قال إني مهاجر هو إبراهيم. قيل: هو أول من هاجر إلى الله وترك بلده، وسار إلى حيث أمره الله بالمهاجرة إليه، قيل: هاجر وهو ابن خمس وسبعين سنة، وقال قتادة: هاجر من كوثى وهي قرية من سواد الكوفة إلى حران، ثم منها إلى فلسطين، وهي برية الشام، ثم إلى الشام ومعه ابن أخيه لوط، وامرأته سارة، وقد تزوجها ومن ثم قالوا: لكل نبي هجرة ولإبراهيم هجرتان، والمعنى إني مهاجر عن دار قومي إلى حيث أعبد ربي.
عن أنس قال: أول من هاجر من المسلمين إلى الحبشة بأهله عثمان بن عفان، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - صحبهما الله، إن عثمان لأول من هاجر إلى الله بأهله بعد لوط أخرجه أبو يعلى، وابن مردويه، عن أسماء بنت أبي بكر قالت: هاجر عثمان إلى الحبشة فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " إنه أول من هاجر بعد إبراهيم ولوط " أخرجه ابن منده؛ وابن عساكر، عن زيد بن ثابت قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " ما كان بين عثمان وبين رقية وبين لوط، مهاجر "، أخرجه الطبراني، والحاكم في الكنى وابن عساكر.
(إنه هو العزيز الحكيم) أي: الغالب الذي أفعاله جارية على مقتضى الحكمة، وقيل: إن القائل: إني مهاجر إلى ربي هو لوط، والأول أولى لرجوع الضمير في قوله: (
العنكبوت 29:27
وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ) إلى إبراهيم وكذا الضمير في قوله:
قوله: (وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب، وآتيناه أجره في الدنيا) فإن هذه الضمائر كلها لإبراهيم بلا خلاف، يعني منَّ الله عليه بالأولاد فوهب له بعد إسماعيل بأربع عشرة سنة إسحاق ولداً له، ويعقوب ولداً لولده إسحق، وقول ابن عباس: هما ولدا إبراهيم لعله يريد ولده وولد ولده، لأن ولد الولد بمنزلة الولد، ومثل هذا لا يخفى على مثل ابن عباس، وهو حبر الأمة، وهذه عنه من رواية العوفي.
وفي الصحيحين: " إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف عليه السلام بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، وجعل من ذريته النبوة فلم يبعث الله نبياً بعد إبراهيم إلا من صلبه ونسله ".
ووحد الكتاب لأن الألف واللام فيه للجنس الشامل للكتب، والمراد التوراة والإنجيل والزبور والفرقان، ومعنى إيتاء الأجر في الدنيا أنه أعطي فيها الأولاد في غير أوانه وأخبر الله باستمرار النبوة فيهم، وذلك مما تقر به عينه، ويزداد به سروره. وقيل: أجره في الدنيا: إن أهل الملل كلها تدعيه، وتقول: هو منهم، ويثنون عليه الثناء الحسن، ويذكره أهل الإسلام في آخر كل تشهد إلى آخر الدهر، وقيل: أعطاه في الدنيا عملاً صالحاً، وعاقبة حسنة، وفيه دليل على أن الله تعالى قد يعطي الأجر في الدنيا. وعن ابن عباس قال: إن الله وصى أهل الأديان بدينه، فليس من أهل الأديان دين إلا وهم يقولون إبراهيم ويرضون به، وقال: أجر الدنيا الذكر الحسن، وقال أيضاً: الولد الصالح والثناء.
(وإنه في الآخرة لمن الصالحين) أي الكاملين في الصلاح المستحقين لتوفير الأجرة، وكثرة العطاء، والفوز بالدرجات العلا من الرب سبحانه
العنكبوت 29:28
(و) اذكر (لوطاً) وقال الكسائي: المعنى وأنجينا لوطاً، أو أرسلنا لوطاً (إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ) أي الخصلة المتناهية في القبح، وهي اللواطة قرئ بالاستفهام وبغيره.
(ما سبقكم بها من أحد من العالمين) الإنس والجن، مستأنفة مقررة لكمال قبح هذه الخصلة، وأنهم منفردون بذلك لم يسبق إلى عملها أحد من الناس على اختلاف أجناسهم قيل: لم ينز [[نزا ينزو نزواً ونزاء أي وثب. المطيعي.]] ذكر على ذكر قبل قوم لوط من حيث إنها مما اشمأزت منه الطباع، وتحاشت عنه النفوس، حتى قدموا عليها لخبث طينتهم.
وهذه الآية دالة على وجوب الحد في اللواطة، لأنها اشتركت مع الزنا في كونها فاحشة، وقد قال تعالى: (ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة) هذا وإن كان قياساً إلا أن الجامع مستفاد من الآية، قاله الرازي، ثم بين سبحانه هذه الفاحشة فقال: أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (29) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ (30)
العنكبوت 29:29
(أئنكم لتأتون الرجال) أي: تلوطون بهم (وتقطعون السبيل) قيل: إنهم كانوا يفعلون الفاحشة بمن يمر بهم من المسافرين، فلما فعلوا ذلك ترك الناس المرور بهم، فقطعوا السبيل بهذا السبب، قال الفراء: كانوا يعترضون الناس في الطرق بعملهم الخبيث. وقيل: كانوا يقطعون الطريق على المارة: بقتلهم ونهبهم، والظاهر أنهم كانوا يفعلون ما يكون سبباً لقطع الطريق، من غير تقييد بسبب خاص، وقيل: إن معنى قطع الطريق قطع النسل بالعدول عن النساء إلى الرجال.
(وتأتون في ناديكم المنكر) النادي والندى والمنتدى مجلس القوم ومتحللهم، ولا يقال للمجلس ناد إلا ما دام فيه أهله، واختلف في المنكر الذي كانوا يأتونه فيه، فقيل: كانوا يحذفون الناس بالحصباء ويستخفون بالغريب.
وعن أم هاني بنت أبي طالب قالت: سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن هذه الآية قال: " كانوا يجلسون بالطريق، فيخذفون أبناء السبيل، ويسخرون منهم ". أخرجه أحمد، والترمذي وحسنه، وقال: لا نعرفه إلا من حديث حاتم بن أبي صغيرة عن سماك.
وأخرج ابن مردويه عن جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: " نهى عن الخذف "، وهو قول الله سبحانه (وتأتون في ناديكم المنكر) وعن ابن عمر قال: في الآية هو الخذف، وعن ابن عباس مثله. وقيل: كانوا يتضارطون في مجالسهم قالته عائشة، وقيل: كانوا يأتون الرجال في مجالسهم، وبعضهم يرى بعضاً، وقيل: كانوا يلعبون بالحمام، وقيل: كانوا يناقرون بين الديكة ويناطحون بين الكباش وقيل: يبزق بعضهم على بعض، ويلعبون بالنرد والشطرنج، ويلبسون المصبغات، وكان من أخلاقهم مضغ العلك وتطريف الأصابع بالحناء، وحل الإزار، والصفير، ولا مانع من أنهم كانوا يفعلون جميع هذه المنكرات، قال الزجاج: في هذا إعلام أنه لا ينبغي أن يتعاشر الناس على المنكر، وأن لا يجتمعوا على الهزء والمناهي، ولما أنكر لوط عليهم ما كانوا يفعلون أجابوا بما حكى الله عنهم بقوله:
(فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين) أي: فما أجابوا بشيء إلا بهذا القول، رجوعاً منهم إلى التكذيب واللجاج والعناد، وقد تقدم الكلام على هذه الآية، وقد تقدم في سورة النمل (فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم) وتقدم في الأعراف: (فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم) وقد جمع بين هذه الثلاثة المواضع بأن لوطاً كان ثابتاً على الإرشاد ومكرراً للنهي لهم، والوعيد عليهم، فقالوا له أولاً، إئتنا بعذاب الله، كما في هذه الآية.
فلما كثر منه ذلك ولم يسكت عنهم قالوا: أخرجوهم كما في الأعراف والنمل، وقيل: أنهم قالوا أولاً أخرجوهم من قريتكم؛ ثم قالوا ثانياً: إئتنا بعذاب الله، ثم إن لوطاً لما يئس منهم طلب النصرة عليهم من الله سبحانه.
و
العنكبوت 29:30
(قال رب انصرني على القوم المفسدين) بإنزال عذابك عليهم، وتحقيق قولي: إن العذاب نازل بهم. وإفسادهم هو ما سبق من إتيان الرجال، وعمل المنكر في ناديهم، فاستجاب الله سبحانه دعاءه، وبعث لعذابهم ملائكة، وأمرهم بتبشير إبراهيم قبل عذابهم ولهذا قال: وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ (31) قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (32) وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (33) إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (34)
العنكبوت 29:31
(ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى) أي: بالبشارة بالولد وهو إسحاق وبولد الولد وهو يعقوب (قالوا) لإبراهيم: (إنا مهلكو أهل هذه القرية) وهي سدوم التي كان فيها قوم لوط قيل: كانت على مسيرة يوم وليلة من موضع إبراهيم عليه السلام (إن أهلها كانوا ظالمين) تعليل للإهلاك أي: إهلاكنا لهم بهذا السبب.
العنكبوت 29:32
(قال) لهم إبراهيم (إن فيها) أي: في هذه القرية (لوطاً) وهو غير ظالم فكيف تهلكونها؟ (قالوا نحن أعلم بمن فيها) من الأخيار والأشرار، ونحن أعلم من غيرنا بمكان لوط (لننجينه وأهله) من العذاب، قرئ لننجينه بالتخفيف والتشديد، وهما قراءتان سبعيتان.
(إلا امرأته كانت) في علم الله وحكمه الأزلي (من الغابرين) أي الباقين في العذاب، المنغمسين فيه، الذين لم يخلصوا منه بسبب أن الدال على الشر له نصيب كفاعله كما أن الدال على الخير كفاعله وهي كانت تدل القوم على أضياف لوط فصارت واحدة منهم، بسبب الدلالة وقيل: المعنى من الباقين في القرية التي سينزل بها العذاب فتعذب من جملتهم، ولا تنجو فيمن نجا، والغابر لفظ مشترك بين الماضي والباقي وقد تقدم تحقيقه.
العنكبوت 29:33
(ولما أن جاءت رسلنا لوطاً) بعد مفارقتهم إبراهيم و (أن) زائدة وهو مطرد (سيء بهم) أي: جاءه ما ساءه وأخافه، لأنه ظنهم من البشر فخاف عليهم من قومه لكونهم في أحسن صورة من الصور البشرية.
(وضاق بهم ذرعاً) أي: عجز عن تدبيرهم، وحزن وضاق صدره وضيق الذراع كناية عن العجز وفقد الطاقة، كما يقال في الكناية عن الفقر: ضاقت يده، ومقابله رحب ذرعه بكذا إذا كان مطيقاً له، وذلك لأن طويل الذراع ينال ما لا يناله قصير الذراع، وقد تقدم تفسير هذا مستوفى في هود، ولما شاهدت الملائكة ما حل به من الحزن والتضجر.
(قالوا لا تخف) علينا من قومك (ولا تحزن) فإنهم لا يقدرون علينا (إنا منجوك وأهلك) من العذاب الذي أمرنا الله بأن ننزله بهم، قرئ منجوك بالتخفيف والتشديد، قال المبرد: التقدير وننجي أهلك (إلا امرأتك كانت من الغابرين) في العذاب.
العنكبوت 29:34
(إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزاً من السماء) مستأنفة لبيان هلاكهم المفهوم من تخصيص التنجية به وبأهله، والرجز العذاب، أي: عذاباً من السماء، وهو الرمي بالحجارة، وقيل: إحراقهم بنار نازلة من السماء وقيل: هو الخسف والحصب كما في غير هذا الموضع، ومعنى كون الخسف من السماء: إن الأمر به نزل من السماء: وسمي العذاب بالرجز لأنه يقلق المعذب من قولهم: ارتجز إذا ارتجس، أي اضطرب، قرأ ابن عباس: منزلون بالتشديد وقرئ بالتخفيف (بما كانوا يفسقون) أي بسبب فسقهم.
وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (35) وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (36) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (37) وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (38) وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ (39)
العنكبوت 29:35
(ولقد تركنا منها آية بينة) أي أبقينا من القرية علامة ودلالة بينة وهي الآثار التي بها من الحجارة التي رجموا بها، حتى أدركها أوائل هذه الأمة وخراب الديار، وآثار منازلهم الخربة: وقال مجاهد: هو الماء الأسود الباقي على وجه أرضهم، ولا مانع من حمل الآية. على جميع ما ذكر (لقوم) متعلق بتركنا أو بآية أو بينة وهو أظهر (يعقلون) أي: يتدبرون الآيات تدبر ذوي العقول، وخص من يعقل لأنه الذي يفهم أن تلك الآثار عبرة يعتبر بها من يراها.
العنكبوت 29:36
(وإلى مدين) هو اسم رجل، وقيل: اسم المدينة، فعلى الأول المعنى وأرسلنا إلى مدين وأولاده؛ وعلى الثاني: أرسلنا إلى أهل مدين (أخاهم شعيباً) قد تقدم ذكره، وذكر نسبه، وذكر قومه في سورة الأعراف وسورة هود، وأضيف شعيب هنا إليهم، بخلافه في قصة نوح وإبراهيم ولوط حيث ذكر قوم مؤخراً عنهم، معرفاً بالإضافة إلى ضمير كل واحد منهم، لأن الأصل في جميع المواضع أن يذكر القوم ثم يذكر رسولهم لأن الله لا يبعث رسولاً إلى غير معين.
غير أن قوم نوح وإبراهيم ولوط لم يكن لهم اسم خاص ولا نسبة مخصوصة يعرفون بها فعرفوا بالإضافة لنبيهم، فقيل: قوم نوح، وقوم لوط، وقوم إبراهيم، وأما قوم شعيب، وهود وصالح، فكان لهم نسب معلوم اشتهروا به عند الناس، فجرى الكلام على أصله، فقال: وإلى مدين أخاهم شعيباً، وإلى عاد أخاهم هوداً ذكره الرازي.
(فقال يا قوم اعبدوا الله) أي: أفردوه بالعبادة وخصوه بها، ولم يذكر عن لوط أنه أمر قومه بالعبادة والتوحيد، وذكر عن غيره ذلك لأن لوطاً كان في زمن إبراهيم، وإبراهيم سبقه بذلك حتى اشتهر الأمر بالتوحيد عند الخلق وإنما ذكر عنه ما اختص به من النهي عن الفاحشة وأما غيره فجاءوا في زمن غير مشتهر بالتوحيد؛ فأمروا به.
(وارجوا اليوم الآخر) أي: توقعوه وافعلوا اليوم من الأعمال ما يدفع عذابه عنكم، قال يونس النحوي: معناه اخشوا الآخرة التي فيها الجزاء على الأعمال وخافوه (ولا تعثوا في الأرض مفسدين) حال مؤكدة لعاملها، والعثو، والعثي أشد الفساد، وقد تقدم تفسيره.
العنكبوت 29:37
(فكذبوه) والتكذيب راجع إلى الإخبارات الضمنية، كأنه قال: الله واحد فاعبدوه، والحشر كائن فارجوه، والفساد محرم فلا تقربوه فلا يقال: إنه لا يكذب الآمر ولا الناهي وإنما يكذب المخبر.
(فأخذتهم الرجفة) أي: الزلزلة الشديدة وكذا في الأعراف، وقال في سورة هود: الصيحة، والقصة واحدة، قال ابن عباس: أي صيحة جبريل، وهي سبب الرجفة فرجفت الأرض من صيحته، والقلوب رجفت بها والإضافة إلى السبب لا تنافي الإضافة إلى سبب السبب.
(فأصبحوا في دارهم) أي في بلدهم وأرضهم أو منازلهم (جاثمين) أي: باركين على الركب ميتين.
العنكبوت 29:38
(وعاداً وثمود) بالصرف وتركه، بمعنى الحي والقبيلة، قال الكسائي: قال بعضهم: هو راجع إلى أول السورة أي ولقد فتنا الذين من قبلهم وفتنا عاداً وثمود، قال: وأحب إلي أن يكون معطوفاً على: فأخذتهم الرجفة، أي: وأخذت عاداً وثمود، وقال الزجاج التقدير: وأهلكنا عاداً وثمود. وقيل: المعنى اذكر عاداً وثمود إذا أرسلنا إليهم هوداً وصالحاً.
(وقد تبين) أي: ظهر (لكم) يا معشر الكفار، ويا أهل مكة (من مساكنهم) أي منازلهم الكائنة بالحجر والأحقاف واليمن آيات بينات تتعظون بها وتتفكرون فيها، وكانوا يمرون عليها في أسفارهم فيبصرونها.
(وزين لهم الشيطان أعمالهم) التي يعملونها من الكفر ومعاصي الله (فصدهم) بهذا التنزيين (عن السبيل) أي: الطريق الواضح الموصل إلى الحق (وكانوا مستبصرين) بواسطة الرسل؛ يعني لم يكن لهم في ذلك عذر لأن الرسل أوضحوا السبيل قاله الرازي. وقيل: مستبصرين في الضلالة، قاله ابن عباس، أي أهل بصائر يتمكنون بها من معرفة الحق بالاستدلال لكنهم لم يفعلوا. وقال الفراء: كانوا عقلاء ألباء ذوي بصائر في أمور الدنيا، فلم ينفعهم بصائرهم، وقيل: المعنى كانوا مستبصرين في كفرهم وضلالتهم معجبين بها، يحسبون أنهم على هدى، ويرون أن أمرهم حق، فوصفهم بالاستبصار على هذا باعتبار ما عند أنفسهم، أو متبينين أن العذاب لاحق لهم بإخبار الرسل لهم، ولكنهم لجوا حتى هلكوا.
العنكبوت 29:39
(وقارون وفرعون وهامان) قال الكسائي: إن شئت كان معطوفاً على عاد، وكان فيه ما فيه؛ وإن شئت كان على: (فصدهم عن السبيل) أي وصد قارون الخ. وقيل: التقدير: وأهلكنا هؤلاء بعد أن جاءتهم الرسل. وقدم قارون على فرعون، لشرف نسبه بقرابته من موسى، لكونه ابن عمه، وهامان هو وزير فرعون.
(ولقد جاءهم موسى بالبينات) أي بالحجج الظاهرات، والدلالات الواضحات الباهرات (فاستكبروا في الأرض) عن عبادة الله (وما كانوا سابقين) أي فائتين عذابنا، فارين منه، يقال: سبق طالبه إذ فاته، وقيل: سابقين في الكفر، بل قد سبقهم إليه قرون كثيرة.
فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (40) مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (41) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (42)
العنكبوت 29:40
(فكُلاًّ) من المذكورين (أخذنا بذنبه) أي عاقبنا بسبب كفره وتكذيبه، قال الكسائي: أي فأخذنا كُلاًّ بذنبه وفيه رد على من يجوز العقوبة بغير ذنب.
(فمنهم من أرسلنا عليه حاصباً) أي ريحاً تأتي بالحصباء، وهي الحصى الصغار فترجمهم بها. وهم قوم لوط، قاله ابن عباس.
(ومنهم من أخذته الصيحة) وهو ثمود وأهل مدين، قاله ابن عباس.
(ومنهم من خسفنا به الأرض) وهو قارون وأصحابه. قاله ابن عباس.
(ومنهم من أغرقنا) وهم قوم نوح؛ وفرعون قاله ابن عباس.
(وما كان الله ليظلمهم) بما فعل بهم فيعذبهم بغير ذنب لأنه قد أرسل إليهم رسله وأنزل إليهم كتبه (ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) باستمرارهم على الكفر، وتكذيبهم للرسل، وعملهم بمعاصي الله وارتكابهم الذنوب.
العنكبوت 29:41
(مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء) يوالونهم، ويتكلون عليهم في حاجاتهم من دون الله سواء كانوا من الجماد أو الحيوان، ومن الأحياء أو من الأموات (كمثل العنكبوت اتخذت بيتاً) لنفسها، تأوي إليه، وإن بيتها في غاية الضعف والوهن، لا يغني عنها شيئاًً لا في حر، ولا قر، ولا مطر كذلك ما اتخذوه ولياً من دون الله. فإنه لا ينفعهم بوجه من وجوه النفع ولا يغني عنهم شيئاًً شبه حال من اتخذ الأصنام والأوثان والأحبار والرهبان أولياء وعبدها، واعتمد عليها، راجياً لنفعها وشفاعتها، بحال العنكبوت التي اتخذت بيتاً لا يغني عنها في مطر ولا أذى. قال الفراء: هو مثل ضربه الله لمن اتخذ من دونه آلهة لا تنفعه ولا تضره، كما أن بيت العنكبوت لا يقيها حراً ولا برداً. قال: ولا يحسن الوقف على العنكبوت، لأنه لما قصد بالتشبيه لبيتها الذي لا يقيها من شيء، شبهت الآلهة التي لا تنفع ولا تضر به، وقد جوز الوقف على العنكبوت الأخفش وغلطه ابن الأنباري، قال لأن (اتخذ) صلة للعنكبوت. كأنه قال: كمثل العنكبوت التي اتخذت بيتاً، فلا يحسن الوقف على الصلة دون الموصول.
والعنكبوت تقع على الواحد والجمع؛ والمذكر والمؤنث، ونونه أصلية والواو والتاء مزيدتان، بدليل قولهم في الجمع عناكيب وفي التصغير عنيكيب، وهذا مطرد في أسماء الأجناس؛ ويجمع على عكاب وعكبة وأعكاب وعناكب. وعنكبوتات أيضاً وهي الدويبة الصغيرة التي تنسج نسجاً رقيقاً، وقد يقال لها عنكبات، والغالب في استعماله التأنيث.
(وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت) لا بيت أضعف منه، مما يتخذه الهوام بيتاً، ولا يدانيه في الوهن، والوهن شيء من ذلك، فإن الريح إذا هبت عليه أو لمسه لامس فلا يبقى له عين ولا أثر فكما أن أوهن البيوت بيته كذلك أضعف الأديان دين عبدة الأوثان، ومن يعبد غير الله أو يتخذه ولياً وأرباباً من دونه كمقتدي الأحبار والرهبان ومقلديهم.
(لو كانوا يعلمون) أن اتخاذهم الأولياء من دون الله كاتخاذ العنكبوت بيتاً، وأن أمر دينهم بلغ هذه الغاية من الوهن ما عبدوها، أو لو كانوا يعلمون شيئاًً من العلم لعلموا بهذا. قال ابن عباس في الآية: ذاك مثل ضربه الله لمن عبد غيره أن مثله كمثل بيت العنكبوت.
وأخرج أبو داود في مراسيله. عن يزيد بن مرثد قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " العنكبوت شيطان مسخه الله، فمن وجدها فليقتلها " وعن يزيد بن ميسرة قال " العنكبوت شيطان ".
وأخرج الخطيب عن عليّ قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " دخلت أنا وأبو بكر الغار، فاجتمعت العنكبوت فنسجت بالباب فلا تقتلوهن ".
وروى القرطبي في تفسيره عن عليّ أنه قال: طهروا بيوتكم من نسج العنكبوت فإن تركه في البيوت يورث الفقر، وعن عطاء الخراساني قال: نسجت العنكبوت مرتين مرة على داود عليه السلام، ومرة على النبي صلى الله عليه وسلم.
العنكبوت 29:42
(إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شيء) ما استفهامية، أو نافية أو موصولة، ومن للتبيين، أو مزيدة للتأكيد. وقيل: التقدير قل للكافرين إن الله يعلم أي شيء تدعون من دونه من إنس وجن وملك وحبر، وراهب وغير ذلك، وجزم أبو علي الفارسي بأنها استفهامية، وعلى تقدير النفي كأنه قيل: يعلم أنكم لا تدعون من دونه من شيء يعني ما تدعونه ليس بشيء وهذا تأكيد للمثل وزيادة عليه، وعلى تقدير الموصولة: إن الله يعلم الذين تدعونهم من دونه، وهذا أظهر الأوجه فيها، كما قال الكرخي ويجوز أن تكون (ما) مصدرية و (من شيء) عبارة عن المصدر، وقرئ يدعون بالتحتية لذكر الأمم قبل هذه الآية وقرئ بالفوقية على الخطاب.
(وهو العزيز) الغالب المصدر أفعاله على غاية الإحكام والإتقان، وفيه تجهيل لهم حيث عبدوا جماداً وحيواناً لا علم له، ولا قدرة، وتركوا عبادة القادر القاهر على كل شيء (الحكيم) الذي لا يفعل كل شيء إلا بحكمة وتدبير.
وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (43) خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (44) اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (45)
العنكبوت 29:43
(وتلك الأمثال) أي هذا المثل وغيره من الأمثال التي في القرآن (نضربها للناس) تنبيهاً لهم وتقريباً لما بعد من أفهامهم (وما يعقلها) أي: ما يفهم صحتها وحسنها وفائدتها، ويتعقل الأمر الذي ضربناها لأجله (إلا العالمون) بالله وبأسمائه وصفاته، الراسخون في العلم، المتدبرون المتفكرون لما يتلى عليهم، وما يشاهدونه. لأن الأمثال والتشبيهات إنما هي الطرق إلى المعاني المستورة حتى تبرزها وتصورها للأفهام، كما صور هذا التشبيه بين حال المشرك وحال الموحد، ودلت الآية على فضل العلم على العقل ثم إنه تعالى لما أمر الخلق بالإيمان، وأظهر الحق بالبرهان، ولم يأت الكفار بما أمرهم، ولم يهتدوا بذلك إلى سواء السبيل، وحصل يأس الناس عنهم سلى المؤمنين بقوله:
العنكبوت 29:44
(خلق الله السماوات والأرض بالحق) أي: خلقهما متلبساً بالعدل والقسط مراعياً في خلقهما مصالح عباده، غير قاصد به باطلاً. وقيل: المراد بالحق كلامه وقدرته، والأول أولى، لأن المقصود بالذات من خلقهما إفاضة الخير والدلالة على ذاته وصفاته، كما أشار له بقوله:
(إن في ذلك لآية للمؤمنين) أي لدلالة عظيمة وعلامة ظاهرة على قدرته؛ وتفرده بالإلهية وخص المؤمنين لأنهم الذين ينتفعون بذلك بخلاف الكافرين، أي: فإن لم يؤمنوا فلا يضر ذلك في يقينكم وإيمانكم.
العنكبوت 29:45
(اتل ما أوحي إليك من الكتاب) أي القرآن وفيه الأمر بالتلاوة للقرآن، والمحافظة على قراءته تقرباً إليه مع التدبر لآياته، والتفكر في معانيه من الأوامر والنواهي. (وأقم الصلاة) أي دم على إقامتها وجملة (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر) تعليل لما قبلها، كأنه قيل: صل بهم إن الصلاة الخ والفحشاء ما قبح من العمل، كالزنا مثلاً؛ والمنكر ما لا يعرف في الشريعة أي تمنعه عن معاصي الله، وتبعده منها، ومعنى نهيها عن ذلك أن فعلها يكون سبباً للانتهاء عنهما، والمراد هنا الصلوات المفروضة المكتوبة، المؤداة بالجماعة قال ابن عباس وابن مسعودة في الصلاة منتهى ومزدجر عن المعاصي.
أخرج ابن مردويه، وابن أبي حاتم عن عمران بن حصين قال: سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن قول الله هذا فقال: " من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له ".
وأخرج الطبراني، وغيره عن ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد بها من الله إلا بعداً ".
وعن الحسن قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له ". أخرجه عبد بن حميده، وابن جرير، والبيهقي، وأخرج الخطب عن ابن عمر مرفوعاً نحوه. وأخرج عبد بن حميد، وغيره عن ابن مسعود مرفوعاً نحوه. قال السيوطي: وسنده ضعيف. قال ابن كثير في تفسيره: والأصح في هذا كله الموقوفات عن ابن مسعود، وابن عباس، والحسن، وقتادة، والأعمش، وغيرهم.
وقيل: من داوم على الصلاة جره ذلك إلى ترك المعاصي والسيئات كما روي عن أنس قال: كان فتى من الأنصار يصلي الصلوات مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم لم يدع من الفواحش شيئاًً إلا ركبه فذكر ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: إن صلاته ستنهاه يوماً، فلم يلبث أن تاب وحسنت حاله.
وقيل: معنى الآية أنه ما دام في صلاته فإنها تنهاه عن الفحشاء والمنكر، ومنه قوله: إن في الصلاة لشغلاً، وقيل: تنهى عنهما مطلقاً في سائر الأوقات لأن الصلاة تشغل جميع بدن المصلي، فإذا دخل في المحراب خشع، وأخبت لربه، وتذكر أنه واقف بين يدي مولاه، وأنه تعالى مطلع عليه، وأنه يراه فصلحت لذلك نفسه، وتذللت، وخامرها ارتقاب الله تعالى، وظهرت على جوارحه هيئتها، ولو بعد خروجه منها، ولم يكد يفتر عن ذلك حتى تظله صلاة أخرى، يرجع بها إلى أفضل حاله، فهذا معنى هذه الآية، لأن صلاة المؤمن هكذا ينبغي أن تكون.
لا سيما وإن أشعر نفسه أن هذا ربما يكون آخر عمله، فهو أبلغ في المقصود، وأتم في المراد، فإن الموت ليس له سن محدود، ولا زمن مخصوص، ولا مرد معلوم، وهذا مما لا خلاف فيه. روي عن بعض السلف أنه كان إذا قام إلى الصلاة ارتعد واصفر لونه، فكلم في ذلك فقال: إني واقف بين يدي الله، وحق لي هذا مع ملوك الدنيا، فكيف مع ملك الملوك، فهذه صلاة تنهى ولا بد عن الفحشاء والمنكر، ومن صلاته قاصرة على الإجزاء، أي إسقاط الطلب عن المكلف، ولا خشوع فيها، ولا تذكر، ولا فضائل كصلاتنا، فتلك تنزل صاحبها من منزلته حيث كان.
فإن كان مرتكباً للمعاصي قد بعد من الله بسببها، فتلك الصلاة تتركه يتمادى على بعده. وقيل لابن مسعود: إن فلاناً كثير الصلاة، فقال: إنها لا تنفع إلا من أطاعها، ذكره القرطبي. ويل: أراد بالصلاة القرآن، وفيه ضعف، لتقدم ذكر القرآن، والأول أولى، وعلى كل حال فإن المراعي للصلاة لا بد وأن يكون أبعد عن الفحشاء والمنكر ممن لا يراعيها.
(ولذكر الله) بسائر أنواعه من تحميد، وتهليل، وتسبيح، وغير ذلك (أكبر) من كل شيء أي: أفضل من العبادات كلها بغير ذكر، وقد نقل القرطبي هذا التقييد عن ابن زيد وقتادة. قال ابن عطية: وعندي أن المعنى ولذكر الله أكبر على الإطلاق، أي هو الذي ينهى عن الفحشاء والمنكر، فالجزء الذي منه في الصلاة يفعل ذلك، وكذلك يفعل ما لم يكن منه في الصلاة لأن الانتهاء لا يكون إلا ممن ذكر الله مراقباً له وقيل: ذكر الله أكبر من الصلاة في النهي عن الفحشاء والمنكر، مع المداومة عليه، قال الفراء وابن قتيبة: المرد بالذكر هنا الصلاة، والصلاة أكبر من سائر الطاعات وعبر عنها بالذكر كما في قوله فاسعوا إلى ذكر الله للدلالة على أن ما فيها من الذكر هو العمدة في تفضيلها على سائر الطاعات، وكونها ناهية عن السيئات وقيل: عبر عنها بالذكر ليستقل بالتعليل كأنه قال: والصلاة أكبر لأنها ذكر الله.
وقيل: المعنى ولذكر الله لكم بالثواب والثناء عليكم منه أكبر من ذكركم له في عبادتكم وصلواتكم، واختار هذا ابن جرير، ويؤيده حديث من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم. وقال ابن عباس: يقول ولذكر الله لعباده إذ ذكروه أكبر من ذكرهم إياه.
وعن عبد الله بن ربيعة قال: سألني ابن عباس عن قول الله ولذكر الله أكبر فقلت: ذكر الله بالتسبيح، والتهليل، والتكبير، قال: ولذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه، ثم قال اذكروني اذكركم.
وعن ابن مسعود قال: ذكر الله العبد أكبر من ذكر العبد لله، وعن ابن عمر نحوه، وعن ابن عباس أيضاً قال لها وجهان ذكر الله أكبر مما سواه، (وفي لفظ ذكر الله عندما حرمه)، وذكر الله إياكم أعظم من ذكركم إياه.
وعن معاذ بن جبل قال: ما عمل آدمي عملاً أنجى له من عذاب الله من ذكر الله، قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال لا، إلا أن يضرب بسيفه حتى ينقطع لأن الله يقول في كتابه العزيز (ولذكر الله أكبر).
وعن عنترة قال: قلت لابن عباس أي العمل أفضل؟ قال ذكر الله.
وعن أبي الدرداء قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم؟ وأرفعها في درجاتكم؟ وخير لكم من إعطاء الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا أعداءكم، فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله قال: ذكر الله " أخرجه الترمذي.
وله عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سئل أي العباد أفضل درجة عند الله يوم القيامة؟ قال: " الذاكرون الله كثيراً، قالوا: يا رسول الله ومن الغازي في سبيل الله؟ فقال: لو ضرب بسيفه الكفار والمشركين حتى ينكسر، ويختضب دماً لكان الذاكرون الله كثيراً أفضل منه درجة ".
وأخرج مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " سبق المفردون، قالوا: وما المفردون يا رسول الله؟ قال: الذاكرون الله كثيراً والذاكرات ". وأخرج البخاري عن أبي هريرة وأبي سعيد أنهما شهدا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " لا يقعد قوم يذكرون الله، إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده ".
وروي أن أعرابياً قال: يا رسول الله أي الأعمال أفضل؟ قال: " تفارق الدنيا ولسانك رطب بذكر الله " وفي الباب أحاديث كثيرة لا نطول بذكرها. قال ابن عطاء: أكبر أي أن تبقى معه معصية، وقيل: ذكر الله إياكم برحمته أكبر من ذكركم إياه بطاعته. وقيل: لأن ذكره بلا علة وذكركم مشوب بالعلل والأماني، ولأن ذكره لا يفنى وذكركم لا يبقى أو ذكره أكبر من أن تحويه أفهامكم وعنولكم، والذكر النافع هو الذي يكون مع العلم، وإقبال القلب وتفرغه مما سوى الله تعالى، وأما ما لا يتجاوز اللسان ففي رتبة أخرى.
(والله يعلم ما تصنعون) من الذكر ومن سائر الطاعات لا يخفى عليه من ذلك خافية فهو مجازيكم بالخير خيراً وبالشر شراً، ثم شرع سبحانه في بيان إرشاد أهل الكتاب بعد بيان إرشاد أهل الشرك فقال: وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (46) وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ (47)
العنكبوت 29:46
(ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن) أي: بالخصلة التي هي أحسن للثواب، وذلك على سبيار الدعاء لهم إلى الله عز وجل، والتنبيه لهم على حججه وبراهينه رجاء إجابتهم إلى الإسلام لا على طريق الإغلاظ والمخاشنة، وعن ابن عباس قال: بالتي هي أحسن، بلا إله إلا الله.
(إلا الذين ظلموا منهم) بأن أفرطوا في المجادلة، ولم يتأدبوا مع المسلمين فلا بأس بالإغلاظ عليهم، والتخشين في مجادلتهم، هكذا فسر الآية أكثر المفسرين بأن المراد بأهل الكتاب اليهود والنصارى، وقيل: معنى الآية لا تجادلوا من آمن بمحمد - صلى الله عليه وسلم -. من أهل الكتاب كعبد الله بن سلام، وسائر من آمن منهم إلا بالتي هي أحسن، يعني بالموافقة فيما حدثوكم به، من أخبار أهل الكتاب، ويكون المراد بالذين ظلموا على هذا هم الباقون على كفرهم.
قال مجاهد: هذه الآية محكمة فيجوز مجادلتهم بها، وقيل: هي منسوخة بآية القتال، وبذلك قال قتادة ومقاتل، قال النحاس وغيره: من قال هي منسوخة احتج بأن الآية مكية ولم يكن في ذلك الوقت قتال مفروض، ولا طلب جزية ولا غير ذلك. وقول مجاهد حسن، لأن أحكام الله عز وجل لا يقال فيها إنها منسوخة، إلا بخبر يقطع العذر أو حجة من معقول، واختار هذا القول ابن العربي.
قال سعيد بن جبير ومجاهد: المراد بالذين ظلموا منهم الذين نصبوا القتال للمسلمين، وآذوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجادلهم بالسيف حتى يسلموا أو يعطوا الجزية. وقيل: إلا الذين أثبتوا الولد والشريك فيدخل فيه أهل الشرك وعبدة الأوثان، والآية تدل على جواز المناظرة مع الكفرة في الدين وعلى جواز تعلم علم الكفار الذي به تتحقق المجادلة الحقة بالتي هي أحسن، قال السمين: الاستثناء متصل وفيه معنيان: أحدهما: إلا الظلمة، فلا تجادلوهم البتة بل جادلوهم بالسيف والثاني: جادلوهم بغير التي هي أحسن أي: اغلظوا لهم كما اغلظوا عليكم وقرأ ابن عباس (ألا) حرف تنبيه أي: فجادلوهم:
(وقولوا) هذا تبيين لمجادلتهم بالتي هي أحسن: (آمنا بالذي أنزل إلينا) من القرآن (وأنزل إليكم) من التوراة والإنجيل، أي بأنهما منزلان من عند الله وأنهما شريعة ثابتة إلى قيام الشريعة الإسلامية، والبعثة المحمدية، ولا يدخل في ذلك ما حرفوه وبدلوه.
أخرج البخاري والنسائي وابن جرير والبيهقي وغيرهم عن أبي هريرة قال: كان أهل الكتاب يقرأون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا: آمنا بالذي أنزل إلينا وإليكم ".
وأخرج البيهقي وأبو نصر السجزي في الإبانة عن جابر ابن عبد الله قال: قال: رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا، إما أن تصدقوا بباطل أو تكذبوا بحق، والله لو كان موسى حياً بين أظهركم ما حل له إلا أن يتبعني ".
وعن ابن مسعود قال: لا تسألوا أهل الكتاب، وذكر نحو حديث جابر، ثم قال: فإن كنتم سائليهم لا محالة فانظروا ما واطأ كتاب الله فخذوه، وما خالف كتاب الله فدعوه وهذه الآية من جنس المجادلة بالأحسن.
(وإلهنا وإلهكم واحد) لا شريك له، ولا ند، ولا ضد (ونحن له مسلمون) أي: ونحن معاشر أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - مطيعون له خاصة لم نقل عزير ابن الله ولا المسيح ابن الله، ولا اتخذنا أحبارنا ورهباننا أرباباً من دون الله، ويحتمل أن يراد ونحن جميعاً منقادون له، ولا يقدح في هذا الوجه كون انقياد المسلمين أتم من انقياد أهل الكتاب، وطاعتهم أبلغ من طاعتهم.
العنكبوت 29:47
(وكذلك أنزلنا) هذا خطاب لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - والإشارة إلى مصدر الفعل كما بيناه في مواضع كثيرة أي ومثل ذلك الإنزال البديع أنزلنا (إليك الكتاب) وهو القرآن، وقيل: المعنى كما أنزلنا الكتاب عليهم أنزلنا عليك القرآن.
(فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به) يعني مؤمني أهل الكتاب كعبد الله ابن سلام وغيره، وخصهم بإيتائهم الكتاب لكونهم العاملين به، وكأن غيرهم لم يؤتوه لعدم عملهم بما فيه، وجحدهم لصفات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المذكورة فيه، وكان إسلامهم بالمدينة والسورة مكيّة، فهذا من قبيل الإخبار بالغيب أخبره تعالى بحالهم قبل وقوعه.
(ومن هؤلاء) إشارة إلى أهل مكة، والمراد أن منهم وهو من قد أسلم (من يؤمن به) أي بالقرآن، وقيل: إشارة إلى جميع العرب (وما يجحد بآياتنا) أي القرآن، والجحود إنما يكون بعد المعرفة، وعبر عن الكتاب بالآيات للتنبيه على ظهور دلالتها على معانيها، وعلى كونها من عند الله تعالى وأضيفت إلى نون العظمة لمزيد تفخيمها، وغاية التشنيع على من يجحد بها.
(إلا الكافرون) المصممون على كفرهم المتوغلون فيه من المشركين، ومن أهل الكتاب ككعب بن الأشرف وأضرابه فإن ذلك يصدهم عن التأمل فيما يؤديهم إلى معرفة حقيقتها.
وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (48) بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ (49) وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (50)
العنكبوت 29:48
(وما كنت) يا محمد (تتلو من قبله من كتاب) أي من قبل القرآن كتاباً، ولا تقدر على ذلك، لأنك أميّ لا تقرأ ولا تكتب. و (من) زائدة. (ولا تخطه بيمينك) أي ولا تكتبه لأنك لا تقدر على الكتابة، وخص اليمين لأن الكتابة، غالباً تكون باليمين، أي ولا كنت كاتباً، قال مجاهد: كان أهل الكتاب يجدون في كتبهم أن محمداً - صلى الله عليه وسلم - لا يخط ولا يقرأ فنزلت هذه الآية قال النحاس: وذلك دليل على نبوته لأنه لا يكتب ولا يخالط أهل الكتاب ولم يكن بمكة أهل الكتاب، فجاءهم بأخبار الأنبياء والأمم.
قال ابن عباس: لم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ ولا يكتب، وكان أمياً، قال الحافظ بن حجر في تخريج أحاديث الرافعي: قال البغوي في التهذيب: هل كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يحسن الخط ولا يكتب ويحسن الشعر ولا يقوله أو لا؟ والأصح أنه كان لا يحسنهما ولكن كان يميز بين رديء الشعر وجيده، ذكره الشهاب وما أحسن ما قال آزاد رحمه الله:
ما كان يعرف ألواحاً ولا قلماً ... وكان يعرف ما في اللوح والقلم
وهذا شروع في الدليل على كون القرآن معجزاً (إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ) أي لو كنت ممن يقدر على التلاوة والخط لقالوا لعله وجد ما يتلوه علينا من كتب الله السابقة من الكتب المدونة في أخبار الأمم، فلما كنت أمياً لا تقرأ ولا تكتب لم يكن هناك موضع للريبة، ولا محل للشك أبداً، بل إنكار من أنكر وكفر من كفر، مجرد عناد وجحود بلا شبهة، وسماهم المبطلين لأن ارتيابهم على تقدير أنه - صلى الله عليه وسلم - يقرأ ويكتب ظلم منهم، لظهور نزاهته، ووضوح معجزاته.
العنكبوت 29:49
(بل هو) أي القرآن الذي جئت به (آيات بينات) وقال قتادة ومقاتل: إن الضمير يرجع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - أي بل محمد آيات، أي ذو آيات، وقرأ ابن مسعود: بل هي آيات بينات، قال الفراء معنى هذه القراءة بل آيات القرآن آيات بينات، واختار ابن جرير ما قاله قتادة ومقاتل، وقد استدل لما قالاه بقراءة ابن السميفع بل هذا آيات بينات، ولا دليل في هذه على ذلك، لأن الإشارة يجوز أن تكون إلى القرآن كما جاز أن تكون إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، بل رجوعها إلى القرآن أظهر لعدم احتياج ذلك إلى التأويل؛ وهو إضراب عن ارتيابهم أي ليس القرآن مما يرتاب فيه لكونه محفوظاً.
(في صدور الذين أوتوا العلم) يعني العلماء المؤمنين الذين حفظوا القرآن على عهده - صلى الله عليه وسلم -، وحفظوه بعده عن ظهر قلب، وهذا من خصائص القرآن بخلاف سائر الكتب فإنها لم تكن معجزات، ولا كانت تقرأ إلا من المصاحف، ولذا جاء في وصف هذه الأمة صدورهم أناجيلهم، ولذلك لا يقدرون على تحريفه ولا تغييره، والمراد أنهم يحفظونه تلقيناً منك، وبعضهم من بعض، وأنت تلقيته عن جبريل عن اللوح المحفوظ فلم تأخذه من كتاب بطريق تلقيه منه.
(وما يجحد بآياتنا) أي القرآن الكريم (إلا الظالمون) أي المجاوزون للحد، والمتوغلون في الظلم،
العنكبوت 29:50
(وقالوا) أي المشركون (لولا أنزل عليه آيات من ربه) المعنى هَلا أنزلت عليه آيات كآيات الأنبياء وذلك كآيات موسى، وناقة صالح، وإحياء المسيح للموتى، ثم أمره الله سبحانه أن يجيب عليهم فقال:
(قل إنما الآيات عند الله) ينزلها على من يشاء من عباده، ولا قدرة لأحد على ذلك (وإنما أنا نذير مبين) أنذركم بما أمرت وأبين لكم كما ينبغي ليس في قدرتي غير ذلك.
أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (51) قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (52)
العنكبوت 29:51
(أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ) مستأنفة للرد على اقتراحهم، وبيان بطلانه أي أو لم يكف المشركين من الآيات التي اقترحوها هذا الكتاب المعجز الذي قد تحديتهم بأن يأتوا بمثله أو بسورة منه فعجزوا ولو أتيتهم بآيات موسى أو بآيات غيره من الأنبياء لقالوا: سحر، ونحن لا نعرف السحر والكلام مقدور لهم ومع ذلك عجزوا عن المعارضة ولما آمنوا كما لم يؤمنوا بالقرآن الذي يتلى عليهم في كل زمان ومكان فلا تزال معهم آية ثابتة لا تزول كما تزول كل آية بعد كونها، أو تكون في مكان دون مكان، والمعنى أن القرآن معجزة أتم من معجزة من تقدم من الأنبياء، مغنية عن سائر الآيات، لأن معجزة القرآن تدوم على مر الدهور والزمان، ثابتة لا تضمحل كغيرها من الآيات.
(إن في ذلك) الكتاب الموجود في كل مكان وزمان إلى آخر الدهور الموصوف بما ذكر (لرحمة) عظيمة في الدنيا والآخرة (وذكرى) في الدنيا يتذكرون بها وترشدهم إلى الحق (لقوم يؤمنون) أي لقوم يصدقون بما جئت به من عند الله فإنهم هم الذين ينتفعون بذلك.
أخرج الدارمي وأبو داود في مراسيله وغيرهما. عن يحيى بن جعدة قال: جاء أناس من المسلمين بكتب قد كتبوها، فيها بعض ما سمعوه من اليهود، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " كفى بقوم حمقاً أو ضلالة أن يرغبوا عما جاء به نبيهم إليهم إلى ما جاء به غيره إلى غيرهم، فنزلت، أو لم يكفهم الآية ".
وعن الزهري: إن حفصة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بكتاب من قصص يوسف في كتف فجعلت تقرؤه، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يتلون وجهه فقال: " والذي نفسي بيده لو أتاكم يوسف وأنا بينكم فاتبعتموه وتركتموني لضللتم ".
وعن عبد الله بن الحرث الأنصاري قال: دخل عمر بن الخطاب على النبي - صلى الله عليه وسلم - بكتاب فيه مواضع من التوراة فقال: هذه أصبتها مع رجل من أهل الكتاب أعرضها عليك: فتغير وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تغيراً شديداً لم أر مثله قط فقال عبد الله بن الحرث لعمر: أما ترى وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فقال عمر: رضينا بالله رباً؛ وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً فسرى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال " لو نزل موسى فاتبعتموه وتركتموني لضللتم، أنا حظكم من النبيين، وأنتم حظي من الأمم ". أخرجه عبد الرازق وابن سعد وابن الضريس.
وأخرج البيهقي وضعفه، عن عمر بن الخطاب قال: سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن تعلم التوراة فقال: لا تتعلمها وآمن بها، وتعلموا ما أنزل إليكم وآمنوا به ".
العنكبوت 29:52
(قل كفى بالله بيني وبينكم شهيداً) أي قل للمكذبين: كفى الله شهيداً بما وقع بيني وبينكم، وقال ابن عباس: معناه يشهد لي إني رسوله والقرآن كتابه ويشهد عليكم بالتكذيب، وشهادة الله إثبات المعجزة له بإنزال الكتاب عليه والقرآن وحده كاف واف لا حاجة معه إلى غيره من الكتب لمن آمن به وعمل صالحاً.
(يعلم ما في السماوات والأرض) لا تخفى عليه من ذلك خافية، ومن جملته ما صدر بينكم وبين رسوله - صلى الله عليه وسلم - (والذين آمنوا بالباطل) أي بما يعبدونه من دون الله، قال ابن عباس: بالباطل أي بغير الله، وقيل: بعبادة الشيطان وقيل: بما سوى الله، والمعاني متقاربة، ثم ذكر الكفر بعد الباطل لبيان قبح الأول فقال:
(وكفروا بالله) وآياته، والجملة مؤكدة لما قبلها (أولئك هم الخاسرون) الجامعون بين خسران الدنيا والآخرة في صفقتهم حيث اشتروا الكفر بالإيمان.
وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (53) يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (54) يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (55)
العنكبوت 29:53
(ويستعجلونك بالعذاب) استهزاء وتكذيباً منهم بذلك، كقولهم أمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم (ولولا أجل مسمى) قد جعله الله لعذابهم، وعينه، وهو القيامة، وقال الضحاك: الأجل مدة أعمارهم لأنهم إذا ماتوا صاروا إلى العذاب؛ وقيل. المراد بالأجل المسمى النفخة الأولى، وقيل: الوقت الذي قدره الله لعذابهم في الدنيا بالقتل أو الأسر يوم بدر، والحاصل أن لكل عذاب أجلاً لا يتقدم عليه ولا يتأخر عنه، كما في قوله سبحانه (لكل نبأ مستقر).
(لجاءهم العذاب) أي لولا ذلك الأجل المضروب لجاءهم العذاب الذي يستحقونه بذنوبهم عاجلاً (وليأتينهم بغتة) أي فجأة كوقعة بدر فإنها أتتهم بغتة والجملة مستأنفة مبينة لمجيء العذاب المذكور قبلها (وهم لا يشعرون) أي حال كونهم لا يعلمون بإتيانه على ما تشهد لهم كتب السير، ثم ذكر سبحانه أن موعد عذابهم النار فقال:
العنكبوت 29:54
(يستعجلونك بالعذاب) أي يطلبون منك تعجيل عذابهم في الدنيا، ذكر هذا للتعجب لأن من توعد بأمر فيه ضرر يسير كلطمة أو لكمة، قد يرى من نفسه الجلد ويقول: باسم الله هات وأما من توعد بإغراق أو إحراق ويقطع بأن المتوعد قادر لا يخلف الميعاد، فلا يخطر بباله أن يقول هات ما توعدتني به فقوله ويستعجلونك بالعذاب أولا إخبار عنهم، وقوله ثانياً: يستعجلونك بالعذاب تعجب منهم وقيل: التكرير للتأكيد.
(وإن جهنم لمحيطة بالكافرين) أي: والحال أن مكان العذاب محيط بهم أي سيحيط بهم عن قرب، فإن ما هو آت قريب فعبر عن الاستقبال بالحال للدلالة على التحقق والمبالغة أو يراد بجهنم أسبابها الموصلة إليها فلا تأويل في قوله: محيطة، والأول أظهر، والمراد بالكافرين جنسهم، فيدخل فيه هؤلاء المستعجلون دخولاً أولياً، والمعنى أن جهنم جامعة لهم لا يبقى منهم أحد إلا دخلها.
قال ابن عباس: جهنم هو هذا البحر الأخضر تنتثر الكواكب فيه، وتكون فيه الشمس والقمر، ثم يستوقد فيكون هو جهنم، وفي هذا نكارة شديدة! فإن الأحاديث الكثيرة الصحيحة ناطقة بأن جهنم موجودة مخلوقة على الصفات التي ورد بها الكتاب والسنة، ثم ذكر سبحانه كيفية إحاطة العذاب بهم فقال:
العنكبوت 29:55
(يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم) أي من جميع جهاتهم لقوله تعالى (من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل)، فإذا غشيهم العذاب على هذه الصفة فقد أحاطت بهم جهنم. قيل: خص الجانبين ولم يذكر اليمين ولا الشمال، ولا الخلف ولا الأمام، لأن المقصود ذكر ما تتميز به نار جهنم عن نار الدنيا، فنار الدنيا تحيط بالجوانب الأربع، فإن من دخلها تكون الشعلة قدامه وخلفه ويمينه وشماله، وأما النار من فوق فلا تنزل وإنما تصعد من أسفل في العادة، وتحت الأقدام لا تبقى الشعلة التي تحت القدم بل تطفأ، ونار جهنم تنزل من فوق ولا تطفأ بالدوس عليها بوضع القدم، ذكره الرازي.
(ويقول ذوقوا ما كنتم تعملون) والقائل هو الله سبحانه وتعالى أو بعض ملائكته بأمره في ذلك اليوم، أي ذوقوا جزاء ما كنتم تعملون من الكفر والمعاصي، فلا تفوتوننا قرئ: نقول بالنون وبالتحتية لقوله: قل كفى بالله، وقرئ: ويقال ذوقوا، ولما ذكر سبحانه حال الكفرة من أهل الكتاب ومن المشركين وجمعهم في الإنذار، وجعلهم من أهل النار اشتد عنادهم وزاد فسادهم وسعوا في إيذاء المسلمين بكل وجه فقال الله سبحانه: يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (56) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (57)
العنكبوت 29:56
(يا عبادي الذين آمنوا) أضافهم إليه بعد خطابه لهم تشريفاً وتكريماً، والموصول صفة موضحة أو مميزة (إن أرضي واسعة) قيل: نزلت في ضعفاء مسلمي أهل مكة، يقول الله: إن كنتم في ضيق في مكة من إظهار الإيمان، وفي مكايدة للكفار فأخرجوا منها لتتيسر لكم عبادتي وحدي، وتتسهل عليكم.
وقيل: نزلت في قوم تخلفوا عن الهجرة، وقالوا: نخشى إن هاجرنا من الجوع وضيق المعيشة، فأنزل الله هذه الآية ولم يعذر لهم بترك الخروج. قال الزجاج: أمروا بالهجرة من الموضع الذي لا تمكنهم فيه عبادة الله، وكذلك يجب على كل من كان في بلد يعمل فيها بالمعاصي ولا يمكنه تغيير ذلك أن يهاجر إلى حيث يتهيأ أن يعبد الله حق عبادته، وقال مطرف بن الشخير: المعنى أن رحمتي واسعة ورزقي لكم واسع، فابتغوه في الأرض. وقيل: البلاد والبقاع تتفاوت في ذلك تفاوتاً كثيراً، قال علي القارى رحمه الله: وأما اليوم فإنا بحمد الله لم نجد أعون على قهر النفس، وأجمع للقلب، وأحث على القناعة، وأطرد للشيطان، وأبعد من الفتن وأربط للأمر الديني، وأظهر له من مكة حرسها الله تعالى [[من أول (أقول) كلام المصنف الذي ينعي على الحجاز ما كان في عهده من فراهة الشر واستفحال أهل الحرابة وقطاع الطرق. المطيعي.]].
أقول: لولا ما فيها الآن من استطالة أهل البدع على أهل السنة وإيثار التنظيمات السلطانية على الأحكام الرحمانية، وظلم أهل المكس على الحجاج، وعدم الانتصاف من أهل الاعتساف، والحجر على العمل بالسنة، والتمسك بالحق، والله يفعل ما يشاء ويحكم على ما يريد.
قال سهل: إذا ظهرت المعاصي والبدع في أرض فأخرجوا منها إلى أرض المطيعين، قلت وأنى لنا هذا اليوم؟ ولو علمنا أرضاً طائعة على وجه البسيطة على حسب ما نطق به الكتاب والسنة أو ما ذهب إليه فقهاء الأمة لخرجنا إليها إن شاء الله تعالى، ولكن كم من أمنية ضاعت فإنا لله وإنا إليه راجعون، وروي مرفوعاً: من فر بدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبراً من الأرض استوجب الجنة، ولينظر في سنده وتخريجه، وقيل: المعنى: إن أرضي التي هي أرض الجنة واسعة.
(فإياي فاعبدون) حتى أورثكموها، وانتصاب إياي بفعل مضمر، أي: فاعبدوا إياي، ثم لما صعب على المؤمنين ترك الأوطان، ومفارقة الإخوان، خوفهم سبحانه بالموت ليهون عليهم أمر الهجرة، وشجع المهاجرين لئلا يقيموا بدار الشرك خوفاً من الموت فقال:
العنكبوت 29:57
(كل نفس) من النفوس (ذائقة الموت) أي: واجدة مرارة الموت وكربه ومشاقه لا محالة كما يجد الذائق طعم المذوق فلا يصعب عليكم ترك الأوطان ومفارقة الإخوان، وهجر الخلان، بل الأولى أن يكون ذلك في سبيل الله فيجازيكم عليه، فلا تخافوا من بعد الشقة ومقاساة المشقة (ثم إلينا) لا إلى غيرنا.
(ترجعون) بالموت والبعث إلينا فكل حي في سفر إلى دار القرار، وإن طال لبثه في هذه الدار.
عن عليّ قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما نزلت: (إنك ميت وإنهم ميتون) قلت: يا رب أيموت الخلائق كلهم ويبقى الأنبياء؟ فنزلت كل نفس ذائقة الموت، الآية أخرجه ابن مردويه، وينظر كيف صحته؟ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد أن يسمع قول الله سبحانه: (إنك ميت وإنهم ميتون) يعلم أنه ميت، وقد علم أن من قبله من الأنبياء قد ماتوا، وأنه خاتم الأنبياء، فكيف ينشأ عن هذه الآية ما نقل عنه علي رضي الله عنه من قوله أيموت الخلائق ويبقى الأنبياء؟ فلعل هذه الرواية لا تصح مرفوعة ولا موقوفة.
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (58) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (59) وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (60) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (61) اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (62) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (63)
العنكبوت 29:58
(والذين آمنوا وعملوا الصالحات) في هذا ترغيب إلى الهجرة، وأن جزاء من هاجر أن يكون في غرف الجنة كما قال (لَنُبَوِّئَنَّهُمْ) أي لننزلنهم، وهو مأخوذ من المباءة وهي الإنزال، وقرئ لنثوينهم بالثاء، والمعنى لنعطينهم غرفاً يثوون فيها من الثوى، وهو الإقامة قال الزجاج: يقال: ثوى الرجل إذا أقام وأثويته إذا أنزلته منزلاً يقيم فيه. قال الأخفش: لا تعجبني هذه القراءة لأنك لا تقول: أثويته الدار، بل تقول: في الدار، وليس في الآية حرف جر في الفعول الثاني.
(من الجنة غرفاً) أي: غرف الجنة وهي علاليها جمع علية، ثم وصف سبحانه تلك الغرف فقال (تجري من تحتها الأنهار) أي من تحت الغرف (خالدين فيها) أي مقدرين الخلود في الغرف، لا يموتون أبداً، أو في الجنة، والأول أولى.
(نعم أجر العاملين) للأعمال الصالحة أجرهم، بيَّن في هذه الآية: أن للمؤمنين الجنات في مقابلة أن للكافرين النيران، وأن فيها غرفاً تحتها الأنهار: في مقابلة أن تحت الكافرين النار، وبين أن ذلك أجر عملهم بقوله: نعم أجر العاملين في مقابلة ما تقدم للكفار بقوله: ذوقوا ما كنتم تعملون، ولم يذكر ما فوق المؤمنين لأنهم في أعلى عليين فلم يذكر فوقهم شيئاًً إشارة إلى علو مرتبتهم، وارتفاع منزلتهم، ولم يجعل الماء من تحت أقدامهم، بل من تحت غرفهم لأن الماء يكون ملتذاً به في أي جهة كان، وعلى أي بعد كان إذا كان تحت الغرفة ذكره الرازي، ثم وصف هؤلاء العاملين بقوله:
العنكبوت 29:59
(الذين صبروا) على مشاق التكاليف، وعلى أذية المشركين لهم، والهجرة لإظهار الدين وعلى الطاعة، وعن المعاصي، ولم يتركوا دينهم لشدة لحقتهم (وعلى ربهم يتوكلون) أي: يفوضون أمورهم إليه في كل إقدام وإحجام، ثم ذكر سبحانه ما يعين على الصبر والتوكل، وهو النظر في حال الدواب فقال:
(وكأين) قد تقدم الكلام فيها وأنها أي دخلت عليها كاف التشبيه، وصار فيها معنى كم كما صرح به الخليل وسيبويه، وتقديرها عندهما كشيء كثير من العدد (من دابة) وقيل: المعنى وكم من دابة ذات حاجة إلى غذاء (لا تحمل رزقها) أي لا تطيق حمله لضعفها، ولا تدخره لغد، ولا ترفعه معها مثل البهائم والطير.
(الله يرزقها وإياكم) أي إنما يرزقها الله من فضله ويرزقكم، فكيف لا تتوكلون على الله مع قوتكم وقدرتكم على أسباب العيش كتوكلها على الله مع ضعفها وعجزها. قال الحسن: تأكل لوقتها لا تدخر شيئاًً، وقال مجاهد: يعني الطير والبهائم تأكل بأفواهها ولا تحمل شيئاًً.
وعن عمر بن الخطاب قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: " لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً " أخرجه الترمذي وقال حديث حسن، والمعنى أنها تذهب أول النهار جياعاً ضامرة البطون وتروح آخر النهار إلى أوكارها شباعاً ممتلئة البطون، ولا تدخر شيئاًً. قال سفيان بن عيينة: ليس شيء من خلق الله يخبئ إلا الإنسان والفأرة والنملة، سوى سبحانه وتعالى في هذه الآية بين الحريص والمتوكل في الرزق، وبين الراغب والقانع، وبين الجلد والعاجز يعني أن الجلد لا يتصور أنه مرزوق بجلده، ولا يتصور العاجز أنه ممنوع من الرزق بعجزه.
(وهو السميع) الذي يسمع كل مسموع (العليم) بكل معلوم.
أخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي، وابن عساكر، قال السيوطي: بسند ضعيف عن ابن عمر قال: خرجت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى دخل بعض حيطان المدينة فجعل يلتقط التمر ويأكل، قال لي: مالك لا تأكل؟ قلت: لا أشتهيه يا رسول الله، قال: لكني أشتهيه، وهذه صبح رابعة منذ لم أذق طعاماً، ولم أجده، ولو شئت لدعوت ربي فأعطاني مثل ملك كسرى وقيصر فكيف بك يا ابن عمر إذا بقيت في قوم يخبئون رزق سنتهم ويضعف اليقين؟ قال: فوالله ما برحنا ولا رمنا حتى نزلت:
العنكبوت 29:60
(وكأين من دابة لا تحمل رزقها)، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " إن الله لم يأمرني بكنز الدنيا ولا باتباع الشهوات، ألا وإني لا أكنز ديناراً ولا درهماً؛ ولا أخبئ رزقاً لغد "، وهذا الحديث فيه نكارة شديدة لمخالفته ما كان عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - فقد كان يعطي نساءه قوت العام كما ثبت ذلك في كتب الحديث المعتبرة، وفي إسناده أبو العطوف [[كذا بالأصل وصوابه: أبو العطوف الجزري وهو الجراح بن منهال روى عن الزهري قال أحمد: كان صاحب غفلة، وقال ابن المديني: لا يكتب حديثه. وقال البخاري ومسلم: منكر الحديث. وقال النسائي، والدارقطني: متروك. وقال ابن حبان: كان يكذب في الحديث ويشرب الخمر. مات سنة سبع وستين ومائة؟ المطيعي.]] الجوزي وهو ضعيف. ثم إنه سبحانه ذكر حال المشركين من أهل مكة وغيرهم، وعجب السامع من كونهم يقرون بأنه خالقهم ورازقهم ولا يوحدونه ولا يتركون عبادة غيره فقال:
العنكبوت 29:61
(ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض) أتى بشيئين، أحدهما يتعلق بالذوات؛ وهو هذا، والثاني يتعلق بالصفات، وهو قوله (وسخر الشمس والقمر ليقولن الله)، خلقها، لا يقدرون على إنكار ذلك، ولا يتمكنون من جحوده. (فأنى يأفكون)؟ أي: فكيف يصرفون عن الإقرار بتفرده بالإلهية؟ وأنه وحده لا شريك له؟ والاستفهام للإنكار والاستبعاد. ذكر في السماوات والأرض الخلق، وفي الشمس والقمر التسخير، لأن مجرد خلقهما ليس حكمة، فإن الشمس لو كانت مخلوقة بحيث تكون في موضع واحد لا تتحرك ما حصل الليل والنهار، ولا الصيف ولا الشتاء، فحينئذ الحكمة إنما هي في تحريكهما وتسخيرهما، ولما قال المشركون لبعض المؤمنين: لو كنتم على حق لم تكونوا فقراء دفع الله سبحانه ذلك بقوله:
العنكبوت 29:62
(الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له) أي التوسيع في الرزق والتقتير له هو من الله الباسط القابض، يبسطه لمن يشاء، ويضيقه على من يشاء، على حسب ما تقتضيه حكمته، وما يليق بأحوال عباده من القبض والبسط، ولهذا قال: (إن الله بكل شيء عليم) يعلم ما فيه صلاح عباده وفسادهم ومنه البسط والتضييق.
العنكبوت 29:63
(وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا) أي جدبها، وقحط أهلها (ليقولن الله) أي يعترفون بذلك لا يجدون إلى إنكاره سبيلاً فكيف يشركون به بعد هذا الإقرار؟ ثم لما اعترفوا هذا الاعتراف في هذه الآيات؛ وهو يقتضي بطلان ما هم عليه من الشرك وعدم إفراد الله سبحانه بالعبادة أمر الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يحمد الله على إقرارهم بذلك وعدم جحودهم، مع تصلبهم في العناد، وتشددهم في رد كل ما جاء به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من التوحيد، فقال:
(قل الحمد لله) أي: أحمد الله على أن جعل الحق معك، وأظهر حجتك عليهم، وقيل: على إنزال الماء، وإحياء الأرض بالنبات، والأول أولى، ثم ذمهم فقال: (بل أكثرهم لا يعقلون) الأشياء التي يتعقلها العقلاء فلذلك لا يعلمون بمقتضى ما اعترفوا به مما يستلزم بطلان ما هم عليه عند كل عاقل، ثم أشار سبحانه إلى تحقير الدنيا وتصغيرها، وأنها من جنس اللعب واللهو، وهي لا تزن عند الله جناح بعوضة، وأن الدار على الحقيقة هي الدار الآخرة فقال: وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (64) فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (65) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (66)
العنكبوت 29:64
(وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب) أي: من جنس ما يلهو به الصبيان ويلعبون به، وأما القرب، كالصلاة، والصوم والحج والاستغفار، والتسبيح فمن أمور الآخرة لظهور ثمرتها فيها. واللهو هو الاستمتاع بلذات الدنيا وقيل: هو الاشتغال بما لا يعنيه وما لا يهمه، واللعب هو العبث، وقيل: اللهو هو الإعراض عن الحق بالكلية، واللعب: الإقبال على الباطل، قاله الرازي. وفي هذا تصغير للدنيا وازدراء بها، ومعنى الآية أن سرعة زوال الدنيا عن أهلها، وتقلبهم فيها، وموتهم عنها، كما يلعب الصبيان ساعة ثم ينصرفون.
(وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ) أي الحياة الدائمة الخالدة التي لا موت فيها، قال أبو عبيدة، وابن قتيبة: إن الحيوان الحياة، قال الواحدي وهو قول جميع المفسرين، ذهبوا إلى أن معنى الحيوان هاهنا الحياة، وأنه مصدر، بمنزلة الحياة فيكون كالنزوان والغليان، وواو الحيوان مقلوبة عن ياء عند سيبويه وأتباعه، وقال أبدلت شذوذاً وكذا في حياة علماً [[فعل ماض مبني للمجهول والألف للإطلاق، ويبدو أنها شطرة من رجز. المطيعي.]] وقال أبو البقاء: لئلا يلتبس بالتثنية، وغير سيبويه، حمل ذلك على ظاهره، فالحياة عنده لامها واو، ولا دليل لسيبويه في حي، لأن الواو متى انكسر ما قبلها قلبت ياء نحو: عرى ورعى ورضى، والتقدير لهي دار الحيوان أو ذات الحيوان، أي: دار الحياة الباقية التي لا تزول، أو لا ينغصها موت ولا مرض ولا هم ولا غم، وقدر أبو البقاء أن حياة الدار وذلك ليتطابق المبتدأ والخبر والمبالغة أحسن: قال ابن عباس هي الحيوان؛ أي الباقية.
وعن أبي جعفر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " يا عجباً كل العجب من مصدق بدار الحيوان، وهو ليسعى لدار الغرور " أخرجه ابن أبي الدنيا والبيهقي في الشعب وهو مرسل (لو كانوا يعلمون) أن الحياة هي حياة الآخرة، أو يعلمون شيئاًً من العلم لما آثروا الدار الفانية المنغصة على الآخرة الباقية، ثم بين سبحانه أنه ليس المانع لهم من الإيمان إلا مجرد تأثير الحياة فقال:
العنكبوت 29:65
(فإذا ركبوا في الفلك) أي: إذا انقطع رجاؤهم من الحياة وخافوا الغرق فقال: رجعوا إلى الفطرة، والركوب هو الاستعلاء وهو متعد بنفسه، وإنما عدى بكلمة (في) للإشعار بأن المركوب في نفسه من قبيل الأمكنة (دعوا الله) وحده (مخلصين له الدين) بصدق نياتهم، وتركهم عند ذلك لدعاء الأصنام لعلمهم أنه لا يكشف هذه الشدة العظيمة النازلة بهم غير الله سبحانه.
(فلما نجاهم إلى البر) وآمنوا (إذا هم يشركون) أي فاجأوا المعاودة إلى الشرك ودعوا غير الله سبحانه، وعادوا إلى ما كانوا عليه من العناد. وقيل: كان أهل الجاهلية إذا ركبوا البحر حملوا الأصنام، فإذا اشتد الريح ألقوها في البحر، وقالوا يا رب يا رب
العنكبوت 29:66
(ليكفروا بما آتيناهم) من نعمة الإنجاء.
(وليتمتعوا) أي فاجأوا الشرك بالله ليكفروا ويجحدوا بنعمة الله وليتمتعوا بها، فاللام في الفعلين لام كي، وفيه شيء لأنه ليس الحامل لهم على الإشراك قصد الكفر، والظاهر أنها لام العاقبة والمآل، كما أشار له الشهاب، وقيل: اللام للتعليل، والمعنى لا فائدة لهم في الإشراك إلا التمتع به في العاجلة ولا نصيب لهم في الآخرة. وقيل: هما لاما الأمر تهديداً ووعيداً أي: اكفروا بما أعطيناكم من النعمة، وتمتعوا. ويدل على هذا المعنى قراءة أبيّ وتمتعوا، وهذا الاحتمال للأمرين إنما هو على قراءة أبي عمرو، وورش بكسر اللام، وأما على قراءة الجمهور بسكونها، فلا خلاف أنها لام الأمر.
(فسوف يعلمون) عاقبة ذلك الأمر وما فيه من الوبال عليهم، وفيه تهديد لهم عظيم.
أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ (67) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (68) وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69)
العنكبوت 29:67
(أولم يروا) أي ألم ينظر كفار قريش (أنا جعلنا) حرمهم أي بلدهم مكة (حرماً آمناً) يأمن فيه ساكنه من الغارة، والقتل، والسبي، والنهب، فصاروا في سلامة وعافية مما صار فيه غيرهم من العرب، فإنهم في كل حين تطرقهم الغارات، ويجتاح أموالهم الغزاة، وتسفك دماءهم الجنود وتستبيح حرمهم وأموالهم شطار العرب وشياطينها.
(ويتخطف الناس) جملة حالية، أي وهم يتخطف الناس (من حولهم) بالقتل والسبب والنهب والخطف: الأخذ بسرعة، وقد مضى تحقيق معناه في سورة القصص، والجملة حالية (أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ)؟ وهو الشرك والأصنام والشيطان بعد ظهور حجة الله عليهم وإقرارهم بما يوجب التوحيد (وبنعمة الله يكفرون) أي بمحمد صلى الله عليه وسلم والإسلام ويجعلون كفرها مكان شكرها وفي هذا الاستفهام من التقريع والتوبيخ ما لا يقادر قدره.
العنكبوت 29:68
(ومن) أي: لا أحد (أظلم ممن افترى على الله كذباً)؟ وهو من زعم أن لله شريكاً (أو كذب بالحق لما جاءه) أي كذب بالرسول الذي أرسل إليه، أو الكتاب الذي أنزله على رسوله. وقال السدي: بالتوحيد والظاهر شموله لما يصدق عليه أنه حق، ثم هدد المكذبين وتوعدهم فقال:
(أليس في جهنم مثوى للكافرين)؟ أي مكان يستقرون فيه، والاستفهام للتقرير، والمعنى أليس يستحقون الاستقرار فيها؟ وقد فعلوا ما فعلوا لأن همزة الإنكار، إذا دخلت على النفي صار إيجاباً فيرجع إلى معنى التقرير. أو ألم يصح عندهم أن جهنم مثواهم حين اجترأوا مثل هذه الجرأة؟ ثم لما ذكر حال المشركين الجاحدين التوحيد، الكافرين بنعم الله، أردفه بحال عباده الصالحين فقال:
العنكبوت 29:69
(والذين جاهدوا) أي: أوقعوا الجهاد بغاية جهدهم، على ما دل عليه بالمفاعلة (فينا) أي: في شأن الله لطلب مرضاته، ورجاء ما عنده من الخير وقيل: في حقنا ومن أجلنا ولوجهنا خالصا، ومراقبتنا، خاصة بلزوم الطاعات من جهاد الكفار، وغيرهم من كل ما ينبغي الجهاد فيه، بالقول والفعل، في الشدة والرخاء، ومخالفة الهوى عند هجوم الفتن، وشدائد المحن مستحضرين لعظمتنا.
(لنهدينهم سبلنا) أي سبل السير والطريق الموصل إلينا وقيل: لنزيدنهم هداية إلى سبل الخير، وتوفيقاً. وعن ابن عطاء: جاهدوا في رضانا لنهدينهم إلى الوصول إلى محل الرضوان، وعن الجنيد: جاهدوا في التوبة لنهدينهم سبل الإخلاص أو جاهدوا في خدمتنا لنفتحن عليهم سبل المناجاة معنا، والأنس بنا، قال ابن عطية: هي مكيّة نزلت قبل فرض الجهاد العرفي، وإنما هو جهاد عام في دين الله، وطلب مرضاته.
وقيل: الآية هذه نزلت في العباد، قال سفيان بن عيينة إذا اختلف الناس فانظروا ما عليه أهل الثغور، فإن الله تعالى يقول: والذين جاهدوا فينا الخ وقيل: المجاهدة الصبر على الطاعات، والمخالفة للهوى. وقال الفضيل بن عياض: والذين جاهدوا فينا أي: في طلب العلم لنهدينهم سبل العلم والعمل به. وقال سهل بن عبد الله: الذين جاهدوا بإقامة السنة وإماتة البدعة لنهدينهم سبل الجنة، وقال ابن عباس: الذين جاهدوا في طاعتنا لنهدينهم سبل ثوابنا وقال أبو سليمان الداراني: الذين جاهدوا فيما علموا لنهدينهم إلى ما لم يعلموا أو عن بعضهم: من عمل بما علم وفق لعلم ما لم يعلم.
وقال إبراهيم بن أدهم: هي في الذين يعملون بما يعلمون، وقال الداراني أيضاً: ليس الجهاد في الآية قتال الكفار فقط بل هو نصر الدين والرد على المبطلين، وقمع الظالمين وأعظمه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومنه مجاهدة النفوس في طاعة الله.
قال ابن عيينة: مثل السنة في الدنيا، كمثل الجنة في العقبى من دخل الجنة في العقبى سلم، فكذلك من لزم السنة في الدنيا سلم وظاهر الآية. العموم فيدخل تحته كل ذلك، قال النسفي: أطلق المجاهدة ولم يقيدها بمفعول، ليتناول كل ما تجب مجاهدته من النفس، والشيطان، وأعداء الدين.
(وإن الله لمع المحسنين) بالنصر والعون في دنياهم والمغفرة في عقباهم، وثوابهم الجنة في الآخرة، ومن كان الله معه لا يخذل أبداً ودخلت لام التوكيد على (مع) بتأويل كونها اسماً أو على أنها حرف ودخلت عليها لإفادة معنى الاستقرار، كما تقول: إن زيداً لفي الدار والبحث مقرر في علم النحو، وفيه إقامة الظاهر مقام المضمر إظهاراً لشرفهم بوصف الإحسان.