Fath Al-Bayan li Al-Qanuji — سبأ 34:1 – يس 36:83
المحتويات
- سبأ 34:1
- سبأ 34:2
- سبأ 34:3
- سبأ 34:4
- سبأ 34:5
- سبأ 34:6
- سبأ 34:7
- سبأ 34:8
- سبأ 34:9
- سبأ 34:10
- سبأ 34:11
- سبأ 34:12
- سبأ 34:13
- سبأ 34:14
- سبأ 34:15
- سبأ 34:16
- سبأ 34:17
- سبأ 34:18
- سبأ 34:19
- سبأ 34:20
- سبأ 34:21
- سبأ 34:22
- سبأ 34:23
- سبأ 34:24
- سبأ 34:25
- سبأ 34:26
- سبأ 34:27
- سبأ 34:28
- سبأ 34:29
- سبأ 34:30
- سبأ 34:31
- سبأ 34:32
- سبأ 34:33
- سبأ 34:34
- سبأ 34:35
- سبأ 34:36
- سبأ 34:37
- سبأ 34:38
- سبأ 34:39
- سبأ 34:40
- سبأ 34:41
- سبأ 34:42
- سبأ 34:43
- سبأ 34:44
- سبأ 34:45
- سبأ 34:46
- سبأ 34:47
- سبأ 34:48
- سبأ 34:49
- سبأ 34:50
- سبأ 34:51
- سبأ 34:52
- سبأ 34:53
- سبأ 34:54
- فاطر 35:1
- فاطر 35:2
- فاطر 35:3
- فاطر 35:4
- فاطر 35:5
- فاطر 35:6
- فاطر 35:7
- فاطر 35:8
- فاطر 35:9
- فاطر 35:10
- فاطر 35:11
- فاطر 35:12
- فاطر 35:13
- فاطر 35:14
- فاطر 35:15
- فاطر 35:16
- فاطر 35:17
- فاطر 35:18
- فاطر 35:19
- فاطر 35:20
- فاطر 35:21
- فاطر 35:22
- فاطر 35:23
- فاطر 35:24
- فاطر 35:25
- فاطر 35:26
- فاطر 35:27
- فاطر 35:28
- فاطر 35:29
- فاطر 35:30
- فاطر 35:31
- فاطر 35:32
- فاطر 35:33
- فاطر 35:34
- فاطر 35:35
- فاطر 35:36
- فاطر 35:37
- فاطر 35:38
- فاطر 35:39
- فاطر 35:40
- فاطر 35:41
- فاطر 35:42
- فاطر 35:43
- فاطر 35:44
- فاطر 35:45
- يس 36:1
- يس 36:2
- يس 36:3
- يس 36:4
- يس 36:5
- يس 36:6
- يس 36:7
- يس 36:8
- يس 36:9
- يس 36:10
- يس 36:11
- يس 36:12
- يس 36:13
- يس 36:14
- يس 36:15
- يس 36:16
- يس 36:17
- يس 36:18
- يس 36:19
- يس 36:20
- يس 36:21
- يس 36:22
- يس 36:23
- يس 36:24
- يس 36:25
- يس 36:26
- يس 36:27
- يس 36:28
- يس 36:29
- يس 36:30
- يس 36:31
- يس 36:32
- يس 36:33
- يس 36:34
- يس 36:35
- يس 36:36
- يس 36:37
- يس 36:38
- يس 36:39
- يس 36:40
- يس 36:41
- يس 36:42
- يس 36:43
- يس 36:44
- يس 36:45
- يس 36:46
- يس 36:47
- يس 36:48
- يس 36:49
- يس 36:50
- يس 36:51
- يس 36:52
- يس 36:53
- يس 36:54
- يس 36:55
- يس 36:56
- يس 36:57
- يس 36:58
- يس 36:59
- يس 36:60
- يس 36:61
- يس 36:62
- يس 36:63
- يس 36:64
- يس 36:65
- يس 36:66
- يس 36:67
- يس 36:68
- يس 36:69
- يس 36:70
- يس 36:71
- يس 36:72
- يس 36:73
- يس 36:74
- يس 36:75
- يس 36:76
- يس 36:77
- يس 36:78
- يس 36:79
- يس 36:80
- يس 36:81
- يس 36:82
- يس 36:83
سبأ 34:1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سورة سبأ
قال القرطبي: في قول الجميع إلا آية واحدة اختلف فيها وهي قوله: (وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ)، فقالت فرقة: هي مكيّة. وقالت فرقة: هي مدنية، وسيأتي الخلاف في معنى هذه الآية إن شاء الله تعالى، وفيمن نزلت. وعن ابن عباس قال: نزلت سورة سبأ بمكة.
بسم الله الرحمن الرحيم
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (1) يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ (2) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (3)
(الحمد لله) التعريف إن أجري على المعهود فهو بما حمد به نفسه محمود، وإن أجري على الاستغراق فالتعريف مشعر باستحقاق جميع أفراد الحمد لله سبحانه على ما تقدم تحقيقه في فاتحة الكتاب. وقيل: معناه أن كل نعمة من الله فهو الحقيق بأن يحمد ويثنى عليه واللام لام التمليك لأنه خالق ناطق الحمد أصلاً فكان بملكه مالك الحمد للتحميد أهلاً، وقيل هي لام التخصيص والمعنى متقارب أي وله بكل المحامد الاختصاص.
(الذي له ما في السموات وما في الأرض) معناه أن جميع ما هو فيهما في ملكه وتحت تصرفه يفعل به ما يشاء ويحكم فيه بما يريد، فكل نعمة واصلة إلى العبد فهي مما خلقه له ومَنّ به عليه، فحمده على ما في السموات والأرض هو حمد له على النعم التي أنعم بها على خلقه مما خلقه لهم، ولما بين أن الحمد الدنيوي من عباده الحامدين له مختص به، بين أن الحمد الأخروي مختص به كذلك أيضاًً فقال: (وله الحمد في الآخرة) كما له في الدنيا لأن النعم في الدارين كلها منه، وقيل المعنى أن له على الاختصاص حمد عباده الذي يحمدونه في الدار الآخرة إذا دخلوا الجنة كما في قوله (وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده) وقوله (الحمد لله الذي هدانا لهذا) وقوله (الحمد لله الذي اذهب عنا الحزن) وقوله (الحمد لله الذي أحلنا دار المقامة من فضله) وقوله (وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين) فهو سبحانه المحمود في الآخرة كما أنه المحمود في الدنيا، وهو المالك للآخرة كما أنه المالك للدنيا، غير أن الحمد هنا واجب لأن الدنيا دار تكليف وثم لا، لعدم التكليف وإنما يحمد أهل الجنة سروراً بالنعيم وتلذذاً بما نالوا من الأجر العظيم، كما ورد: يلهمون التسبيح والحمد كما يلهمون النفس.
(وهو الحكيم) الذي أحكم أمر الدارين (الخبير) بأمر خلقه فيهما، وبضمير من يحمده ليوم الجزاء والعرض، ثم ذكر سبحانه بعض ما يحيط به علمه من أمور السموات والأرض التي نيطت بها مصالحهم الدينية والدنيوية فقال:
سبأ 34:2
(يعلم ما يلج في الأرض) أي ما يدخل ويوضع فيها من مطر أو كنز أو دفين أو أموات (وما يخرج منها) من زرع ونبات وحيوان وشجر وعيون ومعادن وأموات إذا بعثوا (وما ينزل من السماء) من الأمطار والسروج والثلوج والبرد والصواعق وأنواع البركات ومن ذلك ما ينزل منها من ملائكته وكتبه إلى أنبيائه قُرىء: ينزِل مسنداً إلى ما وينزّل مشدداً مسنداً إلى الله سبحانه.
(وما يعرج فيها) أي في السماء من الملائكة، وأعمال العباد والدعوات وضمن العروج معنى الاستقرار فعداه بفي دون إلى، والسماء جهة العلو مطلقاً (وهو الرحيم) بعباده (الغفور) لذنوبهم وتفريطهم في أداء ما وجب عليهم من شكر نعمه.
سبأ 34:3
(وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة) المراد بهؤلاء القائلين جنس الكفرة على الإطلاق أو كفار مكة على الخصوص والأول أولى، والمعنى لا تأتي بحال من الأحوال إنكار منهم لوجودها بالكلية لا بمجرد إتيانها في حال تكلمهم، أو في حال حياتهم مع تحقق وجودها فيما بعد، وإنما عبروا عنها بذلك لأنهم كانوا يوعدون بإتيانها فرد الله عليهم كلامهم وأثبت ما نفوه وأمر رسوله أن يقول لهم:
(قل بلى) على معنى ليس الأمر إلا إتيانها (وربي لتأتينكم) وهذا القسم لتأكيد الإتيان على أتم الوجوه وأكملها. قرىء: لتأتينكم بالفوقية أي الساعة، وبالتحتية على تأويل الساعة باليوم أو الوقت، كأنه قال: ليأتينكم البعث أو أمره كما قال (هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ربك).
(عالم الغيب) تقوية للتأكيد لأن تعقيب القسم بحلائل نعوت المقسم به يؤذن بفخامة شأن المقسم عليه وقوة إثباته وصحته، لما أن ذلك في حكم الاستشهاد على الأمر (لا يعزب) أي لا يغيب (عنه) ولا يستر عليه ولا يبعد عنه من عزب يعزب -بكسر الزاي- إذا غاب وبعد. وخفي وقرىء بضم الزاي، قال الفراء: والكسر أحب إليّ وهما لغتان (مثقال ذرة) أي مقدار أصغر نملة ووزن ذرة.
(في السموات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك) أي من مثقال ذرة وفيه إشارة إلى أن مثقال لم يذكر للتحديد بل الأصغر منه لا يعزب أيضاًً، ولو اقتصر على الأصغر لتوهم متوهم أنه يثبت الصغائر لكونها محل النسيان، وأما الأكبر فلا ينسى فلا حاجة إلى إثباته فقال (ولا أكبر) منه (إلا في كتاب مبين) أي إلا وهو مثبت في اللوح المحفوظ الذي اشتمل على معلومات الله سبحانه ومكتوب فيه فهو مؤكد لنفي العزوب.
لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (4) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (5) وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (6) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (7) أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ (8)
سبأ 34:4
(ليجزى الذين آمنوا وعملوا الصالحات) اللام للتعليل لقوله لتأتينكم أي إتيان الساعة فائدته جزاء المؤمنين بالثواب (أولئك) أي الذين آمنوا وعملوا الصالحات (لهم مغفرة) لذنوبهم (ورزق كريم) أي حسن وهو الجنة بسبب إيمانهم وعملهم الصالح مع التفضل عليهم من الله سبحانه، ثم ذكر فريق الكافرين الذين يعاقبون عند إتيان الساعة فقال:
سبأ 34:5
(والذين سعوا في) إبطال (آياتنا) المنزلة على الرسل وقدحوا فيها وصدّوا الناس عنها وجاهدوا في ردها بالطعن فيها ونسبتها إلى السحر والشعر وغير ذلك لأن المكذب آت بإخفاء آيات بينات؛ فيحتاج إلى السعي العظيم والجد البليغ ليروج كذبه لعله يعجز المتمسك به.
(معاجزين) مقدرين عجزنا أو مسابقين لنا يحسبون أنهم يفوتوننا ولا يدركون، وذلك باعتقادهم أنهم لا يبعثون، يقال: أعجزه وعاجزه إذا غالبه وسبقه. قرىء: معاجزين ومعجزين أي مثبطين للناس عن الإيمان بالآيات (أولئك) الذين سعوا (لهم عذاب من رجز) الرجز هو العذاب فمن للبيان وقيل الرِّجز هو أسوأ العذاب وأشده والأول أولى.
ومن ذلك قوله فأنزلنا على الذين ظلموا رجزاً من السماء (أليم) أي الشديد الألم، ولما ذكر الذين سعوا في إبطال آيات الله ذكر الذين يؤمنون بها فقال:
سبأ 34:6
(ويرى) أي يعلم (الذين أوتوا العلم) وهم الصحابة قاله قتادة وقال مقاتل: هم مؤمنو أهل الكتاب.
وقيل: جميع المسلمين، والأولى أنه كلام مستأنف لدفع ما يقوله الذين سعوا في الآيات، أي أن ذلك السعي منهم يدل على جهلهم، لأنهم مخالفون لما يعلمه أهل العلم في شأن الكتاب.
(الذي أنزل إليك من ربك هو الحق) أي الصدق يعني أنه من عند الله (ويهدي إلى صراط) معطوف على الحق عطف فعل على اسم لأنه في تأويله كما في قوله: (صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ) أي: وقابضات كأنه قيل وهادياً وقيل إنه مستأنف وفاعله ضمير يرجع إلى فاعل أنزل، وهو القرآن، والصراط: الطريق أي: ويهدي إلى طريق.
(العزيز) في ملكه (الحميد) عند خلقه والمراد أن يهدي إلى دين الله الإسلام وهو التوحيد، ثم ذكر سبحانه نوعاً آخر من كلام منكري البعث فقال:
سبأ 34:7
(وقال الذين كفروا) بعضهم لبعض: (هل ندلكم على رجل)؟ أي هل نرشدكم إلى رجل يعنون محمداً - صلى الله عليه وسلم -، والتعبير برجل المنكر من باب التجاهل، كأنهم لم يعرفوا منه إلا أنه رجل وهو عندهم أشهر من الشمس قاله الشهاب، وقال القرطبي: كانوا يقصدون بذلك السخرية والهزأة.
(ينبئكم) يخبركم بأمر عجيب ونبأ غريب هو أنكم (إذا مزقتم كل ممزق) أي فرقتم كل تفريق وقطعتم كل تقطيع وصرتم بعد موتكم رفاتاً وتراباً، وقال الكرخي: أي كل مكان تمزيق من القبور، وبطون الوحش والطير.
(إنكم لفي خلق جديد) أي تخلقون وتنشأون خلقاً جديداً، وتبعثون من قبوركم أحياء، وتعودون إلى الصور التي كنتم عليها بعد أن تمزقت أجسادكم كل تمزيق، قال هذا القول بعضهم لبعض استهزاء بما وعدهم الله على لسان رسوله من البعث، وأخرجوا الكلام مخرج التلهي به والتضاحك مما يقوله من ذلك، قال الزجاج: التقدير إذا مزقتم كل ممزق بعثتم أو ينبئكم بأنكم تبعثون إذا مزقتم، وأصل المزق: خرق الأشياء يقال ثوب مزيق وممزق ومتمزق وممزوق.
وعن قتادة في الآية قال: قال ذلك مشركو قريش، إذا أكلتكم الأرض وصرتم رفاتاً وعظاماً وتقطعتكم السباع والطير، أنكم ستحيون وتبعثون، قالوا ذلك تكذيباً له، وجديد عند البصريين بمعنى فاعل، يقال جد الشيء فهو جاد، وعند الكوفيين بمعنى مفعول من جددته أي قطعته، ثم حكى سبحانه عن هؤلاء الكفار أنهم رددوا ما وعدهم به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من البعث بين أمرين فقالوا:
سبأ 34:8
(أفترى على الله كذباً أم به جنة)؟ أي أهو كاذب فيما قاله، أم به جنون بحيث لا يعقل ما يقوله. قال قتادة: إما أن يكون يكذب على الله وإما أن يكون مجنوناً والهمزة في أفترى همزة الاستفهام وحذفت لأجلها همزة الوصل كما تقدم في قوله (أطلع الغيب) ثم رد عليهم سبحانه ما قالوه في رسوله فقال:
(بل الذين لا يؤمنون بالآخرة) أي ليس الأمر كما زعموا بل هم الذين ضلوا عن الفهم وإدراك الحقائق فكفروا بالآخرة، ولم يؤمنوا بما جاءهم به فصاروا بسبب ذلك (في العذاب) الدائم في الآخرة وهم اليوم.
(والضلال البعيد) عن الحق غاية البعد، ثم وبخهم سبحانه بما اجترأوا عليه من التكذيب مبيناً لهم أن ذلك لم يصدر منهم إلا لعدم التفكر والتدبر في خلق السماء والأرض، وأن من قدر على هذا الخلق العظيم لا يعجزه أن يبعث من مخلوقاته ما هو دون ذلك ويعيده إلى ما كان عليه من الذات والصفات فقال: أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (9) وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (10) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (11)
سبأ 34:9
(أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام، والمعنى أَعَموا فلم يروا ومن المعلوم أن ما بين يدي الإنسان هو كل ما يقع نظره عليه من غير أن يحول وجهه إليه وخلفه هو كل ما لا يقع نظره عليه حتى يحول نظره إليه فيعم الجهات كلها أي أنهم إذا نظروا رأوا السماء قدامهم وخلفهم، وكذلك إذا نظروا إلى الأرض رأوها خلفهم وقدامهم، فالسماء والأرض محيطتان بهم فهو القادر على أن ينزل بهم ما شاء من العذاب بسبب كفرهم وتكذيبهم لرسوله. وإنكارهم للبعث.
فهذه الآية اشتملت على أمرين:
أحدهما: أن هذا الخلق الذي خلقه الله من السماء والأرض يدل على كمال القدرة على ما هو دونه من البعث كما في قوله (أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ).
والأمر الآخر: التهديد لهم بأن من خلق السموات والأرض على هذه الهيئة التي قد أحاطت بجميع المخلوقات فيهما قادر على تعجيل العذاب لهم كما قال:
(إن نشأ نخسف بهم الأرض) كما خسفنا بمن كان قبلهم كقارون (أو نسقط عليهم كسفاً) أي قطعاً (من السماء) كما أسقطها على أصحاب الأيكة فكيف يأمنون ذلك، وقال قتادة: إن يشأ أن يعذب بسمائه فعل، وإن يشأ أن يعذب بأرضه فعل، وكل خلقه له جند، قرىء بالنون وبالتحتية في الأفعال الثلاثة.
(إن في ذلك) المذكور المرئي من خلق السماء والأرض من حيث إحاطتهما بالناظرين من جميع الجوانب (لآية) واضحة ودلالة بينة.
(لكل عبد منيب) أي راجع إلى ربه بالتوبة والإخلاص، وخص النيب لأنه المنتفع بالتفكر، وقال قتادة: منيب أي تائب مقبل إلى الله، وقال هنا: لآية بالتوحيد، وفيما بعد ذلك لآيات يجمعها لأن -ما- هنا إشارة إلى إحياء الموتى فناسب التوحيد. وما بعد إشارة إلى سبأ قبيلة تفرقت في البلاد فصاروا فرقاً فناسب الجمع، ثم ذكر سبحانه من عباده المنيبين إليه داود وسليمان كما قال في داود: (فاستغفر ربه وخرّ راكعاً وأناب). وقال في سليمان: (وألقينا على كرسيه جسداً ثم أناب) فقال:
سبأ 34:10
(ولقد آتينا داود منا فضلاً) أي آتيناه بسبب إنابته فضلاً منا على سائر الأنبياء، واختلف في هذا الفضل على أقوال فقيل النبوة وقيل الزبور وقيل العلم، وقيل القوة كما في قوله (واذكر عبدنا داود ذا الأيد) وقيل تسخير الجبال كما في قوله (يا جبال أوّبي معه)، وقيل التوبة، وقيل الحكم بالعدل، كما في قوله (يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق)، وقيل هو إلانة الحديد كما في قوله: (وألنا له الحديد)، وقيل حسن الصوت والأولى أن يقال: إن هذا الفضل المذكور هو ما ذكره الله بعده من قوله.
(يا جبال) إلى آخر الآية أي قلنا له يا جبال (أوبي معه) التأويب التسبيح كما في قوله: (إنا سخرنا الجبال معه يسبحن)، قال أبو ميسرة: هو التسبيح بلسان الحبشة، وقال ابن عباس: أوّبي سبحي.
وروي مثله عن مجاهد وعكرمة وابن زيد وكان إذا سبح داود سبحت الجبال معه، ومعنى تسبيحها أن الله يجعلها قادرة على ذلك أو يخلق فيها التسبيح معجزة لداود، وقيل معنى أوبي سيري معه من التأويب الذي هو سير النهار، أجمع قراء العامة أوبي على صيغة الأمر من التأويب وهو الترجيع والتسبيح أو السير أو النوح، وقرىء أوبي بضم الهمزة أمراً من آب يؤوب إذا رجع أي ارجعي معه.
(والطير) بالنصب عطفاً على (فضلاً) على معنى وسخرنا له الطير، لأن إيتاءه إياها تسخيرها له أو نادينا الجبال والطير، وقال سيبويه وأبو عمرو ابن العلاء: انتصابه بفعل مضمر على معنى وسخرنا له الطير وقال الزجاج والنحاس: يجوز أن يكون مفعولاً معه، كما تقول: استوى الماء والخشية، وقال الكسائي أي آتيناه فضلا وتسبيح الطير، وفي هذا النظم من الفخامة ما لا يخفى.
(وألنا له الحديد) أي جعلناه ليناً له ليعمل به ما شاء.
قال ابن عباس: كالعجين وقال الحسن: كالشمع يعمله من غير نار، وقال السدي: كان الحديد في يده كالطين المبلول والعجين والشمع يصرفه كيف يشاء من غير نار ولا ضرب بمطرقة، وكذا قال مقاتل، وكان يفرغ من عمل الدرع في بعض يوم.
سبأ 34:11
(أن اعمل سابغات) أي بأن اعمل أو لأن اعمل أو (أن) مفسرة لقوله ألنا قاله الحوفي وفيه نظر، لأنها لا تكون إلا بعد القول أو ما هو في معناه، وقيل: التقدير أمرناه أن اعمل ولا ضرورة تدعو إلى ذلك، والمعنى دروعاً سابغات والسوابغ الكوامل الواسعات، يقال: سبغ الدرع والثوب وغيرهما إذا غطى كل ما هو عليه، وفضل منه فضلة، وقرىء صابغات بالصاد لأجل الغين.
(وقدر في السرد) السرد نسج الدروع، ويقال: السرد والزرد كما يقال: السراد والزراد لصانع الدروع والسرد أيضاًً الخرز، يقال: سرد يسرد إذا خرز ومنه سرد الكلام إذا جاء به متوالياً، ومنه حديث عائشة: [لم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - يسرد الحديث كسردكم] قال سيبويه: ومنه سريد أي جرى، ومعنى سرْد الدروع إحكامها وأن يكون نظام حلقها ولاء غير مختلف.
قال قتادة: كانت الدروع قبل داود ثقالاً. فلذلك أمر هو بالتقدير فيما يجمع الخفة والحصانة، أي قدر ما تأخذ من هذين المعنيين بقسطه، فلا تقصد الحصانة فتثقل، ولا الخفة فتزيل المنعة. وقال ابن زيد: التقدير الذي أمر به في قدر الحلقة أي لا تعملها صغيرة فتضعف، ولا يقوى الدرع على الدفاع، ولا تعملها كبيرة فتثقل على لابسها.
وقيل: إن التقدير في المسمار أي لا تجعل مسمار الدرع دقيقاً فيقلق ولا غليظاً فيفصم الحلق، وقال ابن عباس: قدر في السرد أي في حلق الحديد وعنه لا تدق المسامير وتوسع الحلق فتسلس، ولا تغلظ المسامير وتضيق الحلق فتفصم، واجعله قدراً.
وقال البقاعي: إنه لم تكن في حلقها مسامير لعدم الحاجة إليها بسبب إلانة الحديد، وإلا لم يكن بينه وبين غيره فرق، ولا كان للإلانة كبير فائدة وقد أخبر بعض من رأى ما نسب إليه بغير مسامير.
وقال الرازي: معناه إنك غير مأمور به أمر إيجاب وإنما هو اكتساب والكسب يكون بقدر الحاجة. وباقي الأيام والليالي للعبادة فقدر في ذلك العمل ولا تشغل جميع أوقاتك بالكسب بل حصل فيه القوت فحسب، ثم خاطب داود وأهله فقال:
(واعملوا) عملاً (صالحاً) كما في قوله (اعملوا آل داود شكراً) ثم علل الأمر بالعمل الصالح بقوله (إني بما تعلمون بصير) أي لا يخفى على شيء من ذلك فأجازيكم به.
وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ (12) يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (13) فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ (14)
سبأ 34:12
(ولسليمان الريح) أي سخرنا له الريح كما قال الزجاج قرأ عاصم بالرفع على الابتداء والخبر أي ولسليمان الريح ثابتة أو مسخرة وقرىء: الريح والرياح بالإفراد والجمع.
(غدوها) أي سيرها من الغدوة بمعنى الصباح إلى الزوال أي جريها من أول النهار إلى الزوال (شهر ورواحها) أي سيرها من الزوال إلى الغروب (شهر) والجملة مستأنفة لبيان تسخير الريح أو حالية من الريح والمعنى: أنها كانت تسير في اليوم الواحد مسيرة شهرين قال الحسن: كان يغدو من دمشق فيقبل باصطخر وبينهما مسيرة شهر للمسرع ثم يروح من اصطخر فيبيت بكابل أو ببابل وبينهما مسيرة شهر. وقيل: إنه كان يتغدى بالري ويتعشى بسمرقند.
(وأسلنا) أي أذبنا (له عين القطر) أي النحاس الذائب قال الواحدي قال المفسرون: أجريت له عين الصفر ثلاثة أيام بلياليهن كجري الماء وكان بأرض اليمن، وإنما يعمل الناس اليوم بما أعطى سليمان ولولاها ما لان النحاس أصلاً، لأنه قبل سليمان لم يكن يلين أصلاً لا بنار ولا بغيرها والمعنى أسلنا له عين النحاس كما ألنا الحديد لداود.
وقال قتادة أسأل الله له عيناً يستعملها فيما يريد. قال ابن عباس: القطر النحاس لم يقدر عليها أحد بعد سليمان، وإنما يعمل الناس بعده فيما كان أعطي: سليمان، وقال مجاهد القطر الصفر والمعنى: جعلنا النحاس لسليمان في معدنه عيناً تسيل كعيون المياه دلالة على نبوته أي كالعين النابعة من الأرض.
(ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه) الإذن مصدر مضاف إلى فاعله أي مسخراً أو ميسراً بأمر ربه (ومن يزغ منهم) أي ومن يعدل من الجن (عن أمرنا) الذي أمرناه به وهو طاعة سليمان.
(نذقه من عذاب السعير) قال أكثر المفسرين: وذلك في الآخرة، وقيل في الدنيا قال السدي، وكل الله بالجن ملكاً بيده سوط من نار فمن زاغ عن أمر سليمان ضربه بذلك السوط ضربة فتحرقه، ثم ذكر سبحانه ما يعمله الجن لسليمان فقال:
سبأ 34:13
(يعملون له ما يشاء من محاريب) من للبيان والمحاريب كل موضع مرتفع وهي الأبنية الرفيعة، والقصور العالية، والمجالس الشريفة المصونة عن الابتذال والمساكن.
قال المبرد: لا يكون المحراب إلا أن يرتقي إليه بدرج ومنه قيل للذي يصلي فيه محراب لأنه يرفع ويعظم، وقال مجاهد: المحاريب دون القصور، وقال أبو عبيدة: المحراب أشرف بيوت الدار وقال الضحاك وقتادة: المراد بالمحاريب هنا المساجد وكان مما عملوا له بيت المقدس.
(وتماثيل) جمع تمثال وهو كل شيء مثلته بشيء أي صورته بصورته من نحاس أو زجاج أو رخام أو غير ذلك قيل: كانت هذه التماثيل صور الأنبياء والملائكة والعلماء والصلحاء كانوا يصورونها في المساجد ليراها الناس فيزدادوا عبادة واجتهاداً، وفي الحديث " إن أولئك كان إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً وصوروا فيه تلك الصورة ليذكروا عبادتهم فيجتهدوا في العبادة " وقيل: هي تماثيل أشياء ليست من الحيوان، وقيل: صور السباع والطيور.
وقد استدل بهذا على أن التصوير كان مباحاً في شرع سليمان ونسخ ذلك بشرع نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -، وعن ابن عباس قال: اتخذ سليمان تماثيل من نحاس فقال: يا رب انفخ فيها الروح فإنها أقوى على الخدمة فنفخ الله فيها الروح فكانت تخدمه؛ وكان أسفنديار من بقاياهم فقيل لداود وسليمان (اعملوا آل داود شكراً وقليل من عبادي الشكور)!!
(وجفان) جمع جفنة وهي القصعة الكبيرة (كالجواب) جمع جابية وهي حفيرة كالحوض، وقيل: هي الحوض الكبير يجبي الماء أي يجمعه. قال الواحدي: قال المفسرون يعني قصاعاً في العظم كحياض الإبل يجتمع على القصعة الواحدة ألف رجل يأكلون منها.
قال النحاس: الأولى إثبات الياء في الجوابي ومن حذف الياء قال: سبيل الألف واللام أن يدخل على النكرة فلا يغيرها عن حالها فلما كان يقال: جواب، ودخلت الألف واللام أقر على حاله فحذف الياء، قال الكسائي يقال جبوت الماء وجبيته في الحوض أي جمعته، والجابية الحوض الذي يجبى فيه الماء للإبل وقال النحاس: والجابية القدر العظيمة، والحوض العظيم الكبير الذي يجبى فيه الشيء أي يجمع، ومنه جبيت الخراج وجبيت الجراد جمعته في الكساء، وقال ابن عباس كالجوبة من الأرض.
(وقدور راسيات) قال ابن عباس: اثافيها منها، وقال قتادة: هي قدور النحاس تكون بفارس، وقال النحاس: هي قدور تنحت من الجبال الصم عملتها له الشياطين، ومعنى راسيات ثابتات لا تحمل ولا تحرك لعظمها، وكان يصعد إليها بالسلالم، وكانت باليمن قيل: إنها باقية بها إلى الآن ثم أمرهم سبحانه بالعمل الصالح على العموم سليمان وأهله فقال:
(اعملوا آل داود شكراً) أي: وقلنا لهم: اعملوا بطاعة الله يا آل داود شكراً له على ما آتاكم واعملوا عملاً شكراً على أنه صفة مصدر محذوف، أو اعملوا للشكر على أنه مفعول له أو حال أي شاكرين أو مفعول به وسميت الطاعة شكراً لأنها من جملة أنواعه، أو منصوب على المصدرية بفعل مقدر من جنسه، أي اشكروا شكراً قيل: المراد بآل داود نفسه، وقيل: داود وسليمان وأهل بيته، وقيل: المعنى ارحموا أهل البلاء واسألوا ربكم العافية وسئل الجنيد عن الشكر فقال: بذل المجهود بين يدي المعبود، ثم بين بعد أمرهم بالشكر أن الشاكرين له من عباده ليسوا بكثير فقال:
(وقليل من عبادي الشكور) أي العامل بطاعتي الشاكر لنعمتي قليل وقال ابن عباس: يقول قليل من عبادي الموحدين توحيدهم والشكور المتوفر على أداء الشكر الباذل وسعه فيه، قد شغل به قلبه ولسانه وجوارحه اعتقاداً واعترافاً وكدحاً.
وعن ابن عباس: من يشكر على أحواله كلها، وقيل من يشكر على الشكر ومن يرى عجزه عن الشكر وعن داود عليه السلام أنه جزّأ ساعات الليل والنهار على أهله فلم تكن تأتي ساعة من الساعات إلا وإنسان من آل داود قائم يصلي.
سبأ 34:14
(فلما قضينا عليه الموت) أي حكمنا على سليمان به وألزمناه إياه (ما دلهم) أي الجن (على موته إلا دابة الأرض) يعني حتى أكلت الأرضة عصاه فخر ميتاً، وهي دويبة يقال لها: سرفة وقرىء: الأرض بفتح الراء أي الأكل يقال: أرضة الخشبة أرضاً إذا أكلتها الأرض.
(تأكل منسأته) قال البخاري: يعني عصاه أي عصاته التي كان متكأ عليها والمنسأة العصا بلغة الحبشة أو هي مأخوذة من نسأت الغنم أي زجرتها.
قال الزجاج: المنسأة التي ينسأ بها أي يطرد، قرأ الجمهور منسأته بهمزة مفتوحة وقرىء بهمزة ساكنة وبألف محضة قال المبرد: بعض العرب تبدل من همزتها ألفاً فلما أكلتها الأرضة شكرتها الجن وأحبوها فهم يأتونها بالماء والطين في خروق الخشب وزاد السدي، وقالوا لها: لو كنت تأكلين الطعام والشراب لأتيناك بهما.
(فلما خر) أي سقط سليمان (تبينت الجن) أي ظهر لهم وانكشف من تبينت الشيء إذا علمته أي علمت الجن (أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين) أي لو صح ما يزعمونه من أنهم يعلمون الغيب لعلموا بموته ولم يلبثوا بعد موته مدة طويلة في العذاب، أي العمل الذي أموهم به والطاعة له، وهو إذ ذاك ميت.
قال مقاتل العذاب المهين: الشقاء والنصب في العمل. قال الواحدي قال المفسرون: كانت الناس في زمان سليمان يقولون: إن الجن تعلم الغيب فلما مكث سليمان قائماً على عصاه حولاً ميتاً والجن تعمل تلك الأعمال الشاقة التي كانت تعمل في حياة سليمان لا يشعرون بموته حتى أكلت الأرضة عصاه فخر ميتاً، فعلموا بموته علم الناس أن الجن لا تعلم الغيب. ويجوز أن يكون تبينت من تبين الشيء لا من تبينت الشيء أي ظهر وتجلى وإن وما في حيزها بدل اشتمال مع تقدير محذوف أي ظهر أمر الجن للناس أنهم لو كانوا يعلمون الغيب. ما لبثوا في العذاب المهين قرأ الجمهور: تبينت على البناء للفاعل مسنداً إلى الجن وقرأ ابن عباس وغيره: على البناء للمفعول ومعنى القراءتين يعرف مما قدمنا.
قال ابن عباس: لبث سليمان على عصاه حولاً بعد ما مات، ثم خر على رأس الحول فأخذت الجن عصى مثل عصاه ودابة مثل دابته. فأرسلوها عليها فأكلتها في سنة، وكان ابن عباس يقرأ: فلما خر تبينت الإنس، قال سفيان: وفي قراءة ابن مسعود: وهم يدأبون له حولاً، وأخرج البزار وابن جرير وابن المنذر والطبراني وابن السني وغيرهم عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " كان سليمان إذا صلى رأى شجرة نابتة بين يديه فتقول: لها ما اسمك فتقول كذا وكذا فيقول لم أنت؟ فتقول لكذا وكذا، فإن كانت لغرس غرست وإن كانت لدواء كتبت فصلى ذات يوم فإذا شجرة نابتة بين يديه فقال لها ما اسمك؟ قالت: الخروب. قال: لأي شيء أنت؟ قالت لخراب هذا البيت. قال لها سليمان: ما كان الله ليخربه، وأنا حي، أنت التي على وجهك هلاكي وخراب بيت المقدس ثم نزعها وغرسها في حائط له، ثم قال سليمان اللهم عمِّ عن الجن موتي حتى يعلم الإنس أن الجن لا يعلمون الغيب فهيأ عصى فتوكأ عليها وقبضه الله وهو متكىء عليها، فمكث حولاً ميتاً والجن تعمل فأكلتها الأرضة فسقطت فعلموا عند ذلك بموته فتبينت الإنس أن الجن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين ".
وكان ابن عباس يقرأها كذلك فشكرت الجن للأرضة فأينما كانت يأتونها بالماء، وأخرجه الحاكم وصححه عن ابن عباس موقوفاً.
وأخرج الديلمي عن زيد بن أرقم مرفوعاً يقول الله: إني تفضلت على عبادي بثلاث: ألقيت الدابة على الحبة، ولولا ذلك لكنزها الملوك كما يكنزون الذهب والفضة، وألقيت النتن على الجسد ولولا ذلك لم يدفن حبيب حبيبه واستلبت الحزن ولولا ذلك لذهب النسل.
ذكر أهل التاريخ أن سليمان ملك وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وبقي في الملك مدة أربعين سنة وشرع في بناء بيت المقدس لأربع سنين مضين من ملكه وتوفي وهو ابن ثلاث وخمسين سنة وقيل: إن داود أسس بناء بيت المقدس في موضع فسطاط موسى فمات قبل أن يتمه فوصىّ به إلى سليمان فأمر الشياطين بإتمامه فلما بقي من عمره سنة سأل ربه أن يعمّيَ عليهم موته حتى يفرغوا عنه ولتبطل دعواهم على الغيب، روي أن أفريدون جاء ليصعد كرسيه فلما دنا ضرب الأسدان ساقه فكسراها، فلم يجسر أحد بعده أن يدنو منه.
ولما ذكر سبحانه حال بعض الشاكرين لنعمه عقّبه بحال بعض الجاحدين لها، والمقصود من ذكر هذه القصة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يذكرها لقومه لعلهم يتعظون وينزجرون ويعتبرون بها فقال: لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (15) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (16)
سبأ 34:15
(لقد كان لسبأ) المراد بها القبيلة التي هي من أولاد سبأ هو سبأ ابن يشجب بضم الجيم بن يعرب بن قحطان بن هود، قرأ الجمهور: لسبأ بالتنوين على أنه اسم حي أي الحي الذين هم أولاد سبأ وقرىء: لسبأ ممنوع الصرف بتأويل القبيلة ويقوي القراءة الأولى قوله في مسكنهم ولو كان على تأويل القبيلة لقال في مسكنها، وقرأ الجمهور على الجمع واختار هذه القراءة أبو عبيد، وأبو حاتم، ووجه الاختيار أنها كانت لهم منازل كثيرة ومساكن متعددة، وقرىء بالإفراد ووجه الإفراد أنه مصدر يشمل القليل والكثير، أو اسم مكان وأريد به معنى الجمع، وهذه المساكن التي كانت لهم هي التي يقال لها الآن مأرب وبينها وبين صنعاء مسيرة ثلاث ليال، وكانت أخصب البلاد.
وقد أخرج أحمد والبخاري والترمذي وحسنه والحاكم وصححه وغيرهم عن فروة بن مسيك المرادي قال: أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقلت: يا رسول الله ألا أقاتل من أدبر من قومي بمن أقبل منهم، فأذن لي في قتالهم، وأمرني، فلما خرجت من عنده أرسل في إثري فردني فقال: ادع القوم فمن أسلم منهم فاقبل منه ومن لم يسلم فلا تعجل حتى أحدث إليك، وأنزل في سبأ ما أنزل فقال رجل: يا رسول الله وما سبأ أرض أم امرأة؟ قال: ليس بأرض ولا امرأة ولكنه رجل ولد عشرة من العرب فتيامن منهم ستة. وتشاءم منهم أربعة، فأما الذين تشاءموا: فلخم وجذام وغسان وعاملة، وأما الذين تيامنوا فالأزد والأشعريون وحمير وكندة ومذحج وأنمار، فقال رجل: يا رسول الله وما أنمار؟ قال: الذي منهم خثعم وبجيلة.
وأخرج أحمد وعبد بن حميد والطبراني وابن عدي والحاكم وصححه، وابن مردويه عن ابن عباس نحوه بأخصر منه.
(آية) أي علامة دالة على كمال قدرة الله وبديع صنعه بملاحظة أحوالها السابقة وهي نضارتها وخصبها وثمارها، واللاحقة كتبديلها وعدم ثمرها ثم بين هذه الآية فقال: (جنتان) أي جماعتان من البساتين.
(عن يمين وشمال) أي وهاتان الجنتان كانتا عن يمين واديهم وشماله قد أحاطتا به من جهتيه وقيل: عن يمين من أتاهما وشماله، وكانت مساكنهم في الوادي، وكل طائفة من تلك الجماعتين في تقاربها وتضامها كأنها جنة واحدة، والآية هي الجنتان كانت المرأة تمشي فيهما وعلى رأسها المكتل فيمتلىء من أنواع الفواكه التي يتساقط من غير أن تمسها بيدها.
وقال عبد الرحمن بن زيد: إن الآية التي كانت لأهل سبأ في مساكنهم أنهم لم يروا فيها بعوضة ولا ذباباً ولا برغوثاً ولا قملة ولا عقرباً ولا حية ولا غير ذلك من الهوام، وإذا جاءهم الركب في ثيابهم القمل ماتت عند رؤيتهم لبيوتهم، قال القشيري: ولم يرد جنتين اثنتين بل أراد من الجهتين يمنة وشرة في كل جهة بساتين كثيرة وأشجار وثمار تستر الناس بظلالها.
(كلوا من رزق ربكم) أي قيل لهم ذلك وهذا الأمر للإذن والإباحة، وقيل: لم يكن ثم أمر ولكن المراد تمكينهم من تلك النعم والأول أظهر، وقيل: إنها قالت لهم الملائكة، وقيل: إنهم خوطبوا بذلك على لسان نبيهم، والمراد بالرزق هو ثمار الجنتين.
(واشكروا له) على ما رزقكم من هذه النعم. واعملوا بطاعته واجتنبوا معاصيه.
(بلدة طيبة) مستأنفة لبيان موجب الشكر والمعنى: هذه بلدة طيبة فكثيرة أشجارها وطيبة ثمارها وقيل: معنى كونها طيبة أنها غير سبخة وقيل: ليس فيها هوام لطيب هوائها، قال مجاهد: هي صنعاء، وقيل: كانت على ثلاثة فراسخ من صنعاء وفي المصباح: يطلق البلد والبلدة على كل موضع من الأرض عامراً كان أو خلاء.
(ورب غفور) أي المنعم بها عليهم رب غفور لذنوبهم، فجمع لهم بين المغفرة وطيب البلدة، ولم يجمع ذلك لجميع خلقه، وقال مقاتل: المعنى: وربكم إن شكرتم فيما رزقكم رب غفور للذنوب، وقيل: إنما جمع لهم بين طيب البلدة والمغفرة للإشارة إلى أن الرزق قد يكون فيه حرام، قرىء بنصب بلدة ورباً على تقدير اسكنوا بلدة واشكروا رباً، ثم ذكر سبحانه ما كان منهم بعد هذه النعمة التي أنعم بها عليهم فقال:
سبأ 34:16
(فأعرضوا) عن الشكر وكفروا بالله وكذبوا أنبياءهم قال السدي: بعث الله إلى أهل سبأ ثلاثة عشر نبياً فكذبوهم وكذا قال وهب وزاد وقالوا: ما نعرف لله علينا نعمة فقولوا لربكم فليحبس هذه النعمة عنا إن استطاع فذلك إعراضهم؛ ثم لما وقع منهم الإعراض عن شكر النعمة أرسل الله عليهم نقمة سلب بها ما أنعم به عليهم كما قال:
(فأرسلنا عليهم سيل العرم) وذلك أن الماء كان يأتي أرض سبأ من أودية اليمن فردموا ردماً بين جبلين وحبسوا الماء وجعلوا في ذلك الردم ثلاثة أبواب بعضها فوق بعض وكانوا يسقون من الباب الأعلى، ثم من الثاني، ثم من الثالث فأخصبوا وكثرت أموالهم فلما كذبوا رسلهم بعث الله جرذاً ففتقت ذلك الردم حتى انتقض، فدخل الماء جنتهم فغرقها ودفن السيل بيوتهم، فهذا هو سيل العرم، وهو جمع عرمة وهي السكر التي تحبس الماء، وكذا قال قتادة وغيره.
وقال السدي: العرم اسم للسد والمعنى أرسلنا عليهم سيل السد العرم، وقال عطاء: العرم اسم الوادي، وقال الزجاج: العرم اسم الجرذ الذي نقب السد عليهم، وهو الذي يقال له: الخلد فنسب السيل إليه لكونه سبي جريانه. قال ابن الأعرابي: العرم من اسماء الفأر، وقال مجاهد وابن نجيح العرم: ماء أحمر أرسله الله في السد فشقه وهدمه، وقيل: إن العرم اسم المطر الشديد، وقيل: اسم للسيل الشديد والعرامة في الأصل الشدة والشراسة والصعوبة، ويقال: عرم فلان إذا تشدد وتصعب، وروي عن ابن الأعرابي أنه قال: العرم السيل الذي لا يطاق. وقال المبرد: العرم كل شيء حاجز بين شيئين وعن ابن عباس قال: العرم الشديد، وعنه قال: وادٍ كان باليمن كان يسيل إلى مكة.
(وبدلناهم بجنتيهم جنتين) أي أهلكنا جنتيهم اللتين كانتا مشتملتين على تلك الفواكه الطيبة، والأنواع الحسنة، وأعطيناهم بدلهما جنتين لا خير فيهما، ولا فائدة لهم فيما هو نابت فيهما، وتسميتهما جنتين تهكم بهم على طريق الشاكلة، ولهذا قال:
(ذواتي) تثنية ذوات مفرد على الأصل لأن أصله ذويه قالوا: وعين الكلمة والياء لامها لأنه مؤنث ذو، وذو أصله ذوي فتحركت الياء وانفتح ما قبلها فقلبت الياء فصار ذوات ثم حذفت الواو تخفيفاً وفي تثنيته وجهان تارة ينظر للفظه الآن، فيقال: ذاتان، وتارة ينظر له قبل حذف الواو فيقال: ذواتان وقال السمين في تثنية ذات لغتان: أحدهما الرد إلى الأصل فإن أصله ذوية فالعين واو واللام ياء لأنها مؤنثة ذو، والثانية تثنيته على اللفط فيقال ذاتان.
(أكل خمط) قرىء: بتنوين أكل وعدم إضافته إلى خمط وقرىء: بالإضافة والأولى أولى، قال الخليل: الخمط ضرب من الأراك وله حمل يؤكل، وبه قال ابن عباس وكذا قال كثير من المفسرين وقال أبو عبيدة: الخمط كل شجرة مرة ذات شوك، وقيل هو ثمر شجر يقال له: فسوة الضبع على صورة الخشخاش يتفرك ولا ينتفع به، وقال الزجاج: كل نبت فيه مرارة لا يمكن أكله، وقال المبرد: كل شيء يغير إلى ما لا يشتهى يقال له: خمط، ومنه اللبن إذا تغير والخمط: اسم للمر والحامض من كل شيء والخمط: نعت لأكل أو بدل منه، لأن الأكل هو الخمط بعينه، وقال الأخفش: الإضافة أحسن في كلام العرب مثل ثوب خز ودار آجر والأولى تفسير الخمط بما ذكره الخليل، ومن معه. قال الجوهري: الخمط ضرب من الآراك له حمل يؤكل.
(وأثل) هو الشجر المعروف الشبيه بالطرفاء كذا قال الفراء وغيره، قال: إلا أنه أعظم من الطرفاء طولاً وورقه كورق الطرفاء، ومنه اتخذ منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، الواحدة أثلة، والجمع أثلاث، وقال الحسن: الأثل الخشب، وقال أبو عبيدة: هو شجر النظار والأول أولى ولا ثمر للأثل.
(وشيء من سدر قليل) السدر شجر معروف، قال الفراء هو السمر وقال الأزهري السدر من الشجر سدران: بري لا ينتفع به ولا يصلح للغسول وله ثمر عفص لا يؤكل، وهو الذي يسمى الضال، والثاني سدر ينبت على الماء وثمرة النبق وورقه غسول يشبه شجر العناب، قيل ووُصف السدر بالقلة لأن منه نوعاً يطيب أكله وهو النوع الثاني الذي ذكره الأزهري، ولذا يغرس في البساتين، قال قتادة بينما شجرهم من خير شجر إذ صيره الله من شرّ الشجر بأعمالهم فأهلك أشجارهم المثمرة وأنبت بدلها الأراك والطرفاء والسدر ويحتمل أن يرجع قوله (قليل) إلى جميع ما ذكر من الخمط والأثل والسدر والإشارة بقوله (ذلك) إلى ما تقدم من التبديل أو إلى المصدر.
ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (17) وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ (18)
سبأ 34:17
(جزيناهم بما كفروا) أي ذلك التبديل أو ذلك الجزاء بسبب كفرهم للنعمة بإعراضهم عن شكرها.
(وهل نجازي إلا الكفور) أي وما نجازي هذا الجزاء بسلب النعمة ونزول النقمة إلا الشديد الكفر المتبالغ، قرأ الجمهور: بضم التحتية وفتح الزاي على البناء للمفعول وقرىء: بالنون وكسر الزاي مبنياً للفاعل، وهو الله سبحانه، والكفور على الأولى مرفوع وعلى الثانية منصوب وظاهر الآية أنه لا يجازي إلا الكفور، مع كون أهل المعاصي يجازون، وقد قال قوم إن معنى الآية أنها لا يجازي هذا الجزاء وهو الاصطلام والإهلاك إلا من كفر وقال مجاهد: إن المؤمن تكفَّر عنه سيآته والكافر يجازى بكل عمل عمله، وقال طاووس: هو المناقشة في الحساب، وأما المؤمن فلا يناقش. وقال الحسن: إن المعنى أنه يجازي الكافر مثلاً بمثل ورجح هذا الجواب النحاس.
سبأ 34:18
(وجعلنا بينهم) أي وكان من قصتهم أنا جعلنا بين مساكنهم قبل إرسال السيل عليهم (وبين القرى التي باركنا فيها) بالماء والشجر وهي قرى الشام يعني الأرض المقدسة قاله ابن عباس.
(قرى ظاهرة) أي متواصلة عامرة مخصبة وكان مُتَّجرهم من أرضهم التي هي مأرب إلى الشام وكانوا يبيتون بقرية ويقيلون بأخرى حتى يرجعوا، وكانوا لا يحتاجون إلى زاد يحملونه من أرضهم إلى الشام فهذا من جملة الحكاية لما أنعم الله به عليهم، قال الحسن: إن هذه القرى هي بين اليمن والشام قيل: إنها كانت أربعة آلاف وسبعمائة قرية متصلة من سبأ إلى الشام وقيل هي بين المدينة والشام قال المبرد القرى الظاهرة هي المعروفة وإنما قيل لها ظاهرة لظهورها إذا خرجت من هذه ظهرت لك الأخرى فكانت قرى ظاهرة، أي معروفة يقال: هذا أمر ظاهر أي معروف وقيل ظاهرة لأعين الناظرين أو ظاهرة للسابلة لم تبعد عن مسالكهم حتى تخفى عليهم.
(وقدرنا فيها السير) أي جعلنا السير من القرية إلى القرية ومن المنزل إلى المنزل مقدراً معيناً واحداً، وذلك نصف يوم في الغدو والرواح، فإذا صاروا نصف يوم وصلوا إلى قرية ذات مياه وأشجار فكان ما بين اليمن والشام كذلك كما قال المفسرون، قال الفراء: أي جعلنا بين كل قريتين نصف يوم حتى يكون المقيل في قرية والمبيت في أخرى إلى أن يصل إلى الشام وإنما يبالغ الإنسان في السير لعدم الزاد والماء، ولخوف الطريق فإذا وجد الزاد والأمن لم يحمل نفسه المشقة، بل ينزل أينما أراد، والحاصل أن الله سبحانه عدد عليهم النعم ثم ذكر ما نزل بهم من النقم، ثم عاد لتعديد بقية ما أنعم به عليهم مما هو خارج عن بلدهم من اتصال القرى بينهم وبين ما يريدون السفر إليه، ثم ذكر بعد ذلك تبديله بالمفاوز والبراري كما سيأتي.
(سيروا فيها) أي قلنا لهم سيروا في تلك القرى المتصلة فهو أمر تمكين أي ومكناهم من السير فيها متى شاءوا وفي لفظ: (في) إشعار بشدة القرب حتى كأنهم لم يخرجوا من نفس القرى قال ابن عباس: أي إذا ظعنوا من منازلهم إلى أرض الشام المقدسة.
(ليالي وأياماً آمنين) مما تخافونه، وقال قتادة: كانوا يسيرون غير خائفين ولا جياع ولا ظماء كانوا يسيرون مسيرة أربعة أشهر في أمان لا يحرك بعضهم بعضاً ولو لقي الرجل قاتل أبيه لم يحركه، قيل: وأتى بلفظ النكرة تنبيهاً على قصر أسفارهم أي كانوا لا يحتاجون إلى طول السفر لوجود ما يحتاجون إليه. ثم ذكر سبحانه أنهم لم يشكروا النعمة بل طلبوا التعب والكد.
سبأ 34:19
فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (19)
(فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا) وكان هذا القول منهم بطراً وطغياناً لما سئموا النعمة ولم يصبروا على العاقبة فتمنوا طول الأسفار والتباعد بين الديار، وسألوا الله تعالى أن يجعل بينهم وبين الشام مكان تلك القرى المتواصلة الكثيرة الماء والشجر والأمن من المفاوز والقفار، والبراري المتباعدة الأقطار، فأجابهم الله إلى ذلك وخرب تلك القرى المتواصلة، وذهب بما فيها من الخير والماء والشجر.
فكانت دعوتهم هذه كدعوة بني إسرائيل حيث قالوا: (ادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها) الآية مكان المن والسلوى وكقول النضر ابن الحرث: (اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء) الآية قرأ الجمهور: ربنا بالنصب على أنه منادى مضاف وقرأوا أيضاًً باعد وقرىء: بعد بتشديد العين، وقرأ ابن السميفع بضم العين فعلاً ماضياً فيكون معنى هذه القراءة الشكوى من بعد الأسفار، وقرىء: ربنا بالرفع وباعد بفتح العين على أنه فعل ماض على الابتداء والخبر، والمعنى: لقد باعد ربنا بين أسفارنا، ورويت هذه القراءة عن ابن عباس، واختارها أبو حاتم، وقال: لأنهم ما طلبوا التبعيد إنما طلبوا أقرب من ذلك القرب الذي كان بينهم وبين الشام بالقرى المتواصلة بطراً وأشراً، وكفراً للنعمة، وقرىء: ربنا بالرفع وبعد بفتح العين مشدّدة والمعنى على هذه القراءة الشكوى بأن ربهم بعّد بين أسفارهم مع كونها قريبة متصلة بالقرى والشجر والماء.
فيكون هذا من جملة بطرهم وقرأ أخو الحسن البصري كقراءة ابن السميفع السابقة مع رفع بين على أنه الفاعل كما قيل في قوله: لقد تقطع بينكم وروى الفراء والزجاج قراءة مثل هذه القراءة لكن مع نصب بين على أنه ظرف، والتقدير بعد سيرنا بين أسفارنا، قال النحاس: وهذه القراءات إذا اختلفت معانيها لم يجز أن يقال إحداهما أجود من الأخرى كما لا يقال ذلك في أخبار الآحاد إذا اختلفت معانيها، ولكن أخبر عنهم بأنهم: دعوا ربهم أن يبعد بين أسفارهم فلما فعل ذلك شكوا وتضرروا ولهذا قال سبحانه:
(وظلموا أنفسهم) حيث كفروا بالله وطغوا وبطروا نعمته وتعرضوا لنقمته (فجعلناهم أحاديث) يتحدث الناس بأخبارهم وعبرة لمن بعدهم، والأحاديث جمع حديث بمعنى الخبر كما في القاموس. والمعنى جعلناهم ذوي أحاديث يتحدث بها من بعدهم تعجباً من فعلهم، وأمرهم وشأنهم واعتباراً بحالهم وعاقبتهم.
(ومزقناهم كل ممزق) أي فرقناهم في كل وجه من البلاد كل التفريق بحيث لا يتوقع بعده عود اتصال، وهذه الجملة مبينة لجعلهم أحاديث وذلك إن الله سبحانه لما أغرق مكانهم وأذهب جنتهم تفرقوا في البلاد فصارت العرب تضرب بهم الأمثال فتقول: تفرقوا أيدي سبأ، وذهبو أيادي سبأ، والأيدي ههنا بمعنى الأولاد لأنهم يعتضد بهم، وفي المفصل الأيدي الأنفس كناية أو مجاز، قال في الكشف: وهو أحسن. قال الشعبي: فلحقت الأنصار يعني الأوس والخزرج بيثرب، وغسان بالشام، والأزد بعمان، وخراعة بتهامة، وكان الذي قدم منهم المدينة عمر بن عامر وهو جد الأنصار، ولحق آل خزيمة بالعراق.
(إن في ذلك) أي فيما ذكر من قصتهم وما فعل الله بهم (لآيات) بينات وعبراً ظاهرات ودلالات واضحات (لكل صبار شكور) أي لكل من هو كثير الصبر عن المعاصي، والشكر لله على نعمه وخص الصبار والشكور لأنهما المنتفعان بالمواعظ والآيات.
وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (20) وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (21) قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (22) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (23)
سبأ 34:20
(ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه) قرىء بتخفيف صدق ونصب ظنه. قال الزجاج: وهو على المصدر أي صدق وظن ظنه أو صدق في ظنه أو على الظرفية، والمعنى أنه ظن بهم أنه إذا أغواهم اتبعوه فوجدهم كذلك، وقرىء: صدّق بالتشديد وظنه بالنصب على أنه مفعول به، وقال أبو علي الفارسي: أي صدق الظن الذي ظنه قال مجاهد: ظن ظناً فصدق ظنه فكان كما ظن وقرىء صدق بالتخفيف، وإبليس بالنصب وظنه بالرفع وقد أجاز هذه القراءة الفراء، وذكرها الزجاج وجعل الظن فاعل صدق وإبليس مفعوله، والمعنى أن إبليس سوّل له ظنه شيئاًً فيهم فصدق ظنه فكأنه قال: ولقد صدق عليهم ظن إبليس، قيل: وهذه الآية خاصة بأهل سبأ والمعنى أنهم غيروا وبدلوا بعد أن كانوا قد آمنوا بما جاءت به رسلهم.
وقيل هي عامة أي صدق إبليس ظنه على الناس كلهم إلا من أطاع الله قاله مجاهد والحسن. قال الكلبي: إنه ظن أنه إن أغواهم أجابوه، وإن أضلهم أطاعوه فصدق ظنه فاتبعوه. قال الحسن: ما ضربهم بسوط ولا بعصى وإنما ظن ظناً فكان كمن ظن بوسوسته، وعن ابن عباس في الآية قال: قال إبليس: إن آدم خلق من تراب ومن طين ومن حمأ مسنون خلقاً ضعيفاً وإني خلقت من نار، والنار تحرق كل شيء لأحتنكن ذريته إلا قليلاً، قال: فصدق ظنه عليهم.
وانتصاب (إلا فريقاً من المؤمنين) على الاستثناء، وفيه وجهان أحدهما أن يراد به بعض المؤمنين لأن كثيراً من المؤمنين يذنب وينقاد لإبليس في بعض المعاصي ولم يسلم منه إلا فريق وهم الذين قال الله فيهم: (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان)، وقيل: المراد به المؤمنون كلهم لأنهم لم يتبعوه في أصل الدين على أن تكون من بيانية.
سبأ 34:21
(وما كان له عليهم من سلطان) أي من تسلط عليهم أي لم يكرههم على الكفر وإنما كان منه الدعاء والوسوسة والتزيين، وقيل: الضمير في عليهم يعود على من صدق عليهم ظن إبليس وعلى الفريق المؤمنين، وقيل السلطان القوة، وقيل الحجة، والاستثناء في قوله:
(إلا لنعلم) منقطع والمعنى لا سلطان له عليهم، ولكن ابتليناهم بوسوسته لنعلم، وقال الفراء: المعنى إلا لنعلم ذلك عندكم، وقيل: إلا لتعلموا أنتم، وقيل: ليعلم أولياؤنا والملائكة وقرىء، ليعلم على البناء للمفعول والأولى حمل العلم هنا على التمييز والإظهار كما ذكرنا، وقيل: إلا لنعلم موجوداً ما علمناه معدوماً، والتغير على المعلوم لا على العلم، وقيل: هو متصل مفرغ من أعم الأحوال أي ما كان له تسلط عليهم بحال من الأحوال ولا لعلة من العلل إلا ليتميز.
(من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك) لأنه سبحانه قد علم ذلك علماً أزلياً (وربك على كل شيء حفيظ) أي محافظ عليه فالحفظ يدخل في مفهومه العلم والقدرة إذ الجاهل بالشيء لا يمكنه حفظه ولا العاجز، قال مقاتل: علم كل شيء من الإيمان والشك.
سبأ 34:22
(قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله) قرىء: قلِ بكسر اللام على أصل التخلص من التقاء الساكنين وبضمها اتباعاً لضمة العين، والدال بينهما حاجز غير حصين لسكونها، وهما قراءتان سبعيتان وهذا أمر للنبي - صلى الله عليه وسلم - بأن يقول لكفار قريش أو للكفار على الإطلاق هذا القول، ومفعولا زعمتم محذوفان. أي: زعمتوهم آلهة لدلالة السياق عليهما، قال مقاتل يقول: ادعوهم ليكشفوا عنكم الضر الذي نزل بكم في سِني الجوع، ثم أجاب سبحانه عنهم فقال: (لا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض) أي ليس لهم قدرة على خير ولا شر، ولا على جلب نفع ولا دفع ضر في أمر من الأمور، وذكر السموات والأرض لقصد التعميم لكونهما ظرف الموجودات الخارجية.
(وما لهم فيهما من شرك) أي ليس للآلهة في السموات والأرض مشاركة لا بالخلق ولا بالملك ولا بالتصرف (وما له منهم من ظهير) أي وما لله سبحانه من تلك الآلهة من معين يعينه على شيء من أمور السموات والأرض ومن فيهما، بل هو المتفرد بالإيجاد فهو الذي يعبد، وعبادة غيره محال.
سبأ 34:23
(ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له) استثناء مفرغ من أعم الأحوال أي لا تنفع الشفاعة في حال من الأحوال إلا كائنة لمن أذن له أن يشفع من الملائكة والنبيين ونحوهم من أهل العلم والعمل ومعلوم أن هؤلاء لا يشفعون إلا لمن يستحق الشفاعة لا للكافرين، ويجوز أن يكون المعنى: لا تنفع الشفاعة من الشفعاء المتأهلين لها في حال من الأحوال إلا كائنة لمن أذن له أي لأجله وفي شأنه من المستحقين للشفاعة لهم لا من عداهم من غير المستحقين لها.
قيل: والمراد بقوله لا تنفع الشفاعة أنها لا توجد أصلاً إلا لمن أذن له، وإنما علق النفي بنفعها لا بوقوعها تصريحاً بنفي ما هو غرضهم من وقوعها، قرأ الجمهور: أذن بفتح الهمزة أي أذن له الله سبحانه لأن اسمه سبحانه مذكور قبل هذا، وقرىء على البناء للمفعول، والآذن هو الله سبحانه، ومثل هذه الآية قوله تعالى (من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه) وقوله تعالى (ولا يشفعون إلا لمن ارتضى)، وهذا تكذيب لقولهم (هؤلاء شفعاؤنا عند الله)، ثم أخبر الله سبحانه عن خوف هؤلاء الشفعاء والمشفوع لهم فقال: (حتى إذا فزّع عن قلوبهم) قرىء مبنياً للمفعول، والفاعل هو الله سبحانه، وقرىء مبنياً للفاعل وفاعله ضمير يرجع إلى الله سبحانه، وكلتا القراءتين بتشديد، الزاي، وفعل معناه السلب، فالتفريغ إزالة الفزع وقرىء مخففاً وقرىء: فرغ بالراء المهملة والغين المعجمة من الفراغ، والمعنى فرغ الله قلوبكم أي كشف عنها الخوف، وقرأ ابن مسعود رضي الله عنه أفر نقع من الأفر نقاع وهو التفرق قال قطرب معنى فزع أخرج ما فيها من الفزع وهو الخوف وقال مجاهد كشف عن قلوبهم الغطاء يوم القيامة وقال ابن عباس فزع جلى وهو التفرق والمعنى أن الشفاعة لا تكون من أحد من هؤلاء المعبودين من دون الله من الملائكة والأنبياء والأصنام كائناً من كان إلا أن يأذن الله سبحانه للملائكة والأنبياء ونحوهم في الشفاعة لمن يستحقها وهم على غاية الفزع من الله كما قال تعالى: وهم من خشيته مشفقون، فإذا أذن لهم في الشفاعة فزعوا لما يقترن بتلك الحالة من الأمر الهائل والخوف الشديد من أن يقع في تنفيذ ما أذن لهم فيه تقصيراً ويحدث شيء من أقدار الله. فإذا سرى عنهم.
(قالوا) للملائكة فوقهم وهم الذين يوردون عليهم الوحي بالإذن (ماذا قال ربكم) أي ماذا أمر الله به (قالوا) أي ليقولون لهم قال القول (الحق) وهو قبول شفاعتكم للمستحقين لها دون غيرهم (وهو العلي الكبير) فله أن يحكم في عباده بما يشاء، ويفعل ما يريد، ليس لملك ولا نبي أن يتكلم ذلك اليوم إلا بإذنه، وأن يشفع إلا لمن ارتضى، وقيل: هذا الفزع يكون للملائكة في كل أمر يأمر به الرب والمعنى لا تنفع الشفاعة إلا من الملائكة الذين هم فزعون اليوم مطيعون لله دون الجمادات والشياطين، وقيل إن الذين يقولون ماذا قال ربكم هم المشفوع لهم والذين أجابوهم هم الشفعاء من الملائكة والأنبياء وقال الحسن وابن زيد ومجاهد معنى الآية حتى إذا كشف الفزع عن قلوب المشركين في الآخرة قالت لهم الملائكة: ماذا قال ربكم في الدنيا؟ قالوا الحق فأقروا حين لا ينفعهم الإقرار؛ وقيل إنما يفزعون حذراً من قيام الساعة، وقيل: كشف الفزع عن قلوبهم عند نزول الموت، أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال: لما أوحى الجبار إلى محمد - صلى الله عليه وسلم - دعا الرسول من الملائكة
ليبعثه بالوحي فسمعت الملائكة صوت الجبار يتكلم بالوحي فلما كشف عن قلوبهم سألوا عما قال الله، فقالوا الحق، وقد علموا أن الله لا يقول إلا حقاً.
قال ابن عباس: وصوت الوحي كصوت الحديد على الصفا، فلما سمعوا خروا سجداً، فلما رفعوا رؤوسهم. قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا الحق وهو العلي الكبير.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم أيضاًً عنه قال: ينزل الأمر إلى السماء الدنيا له وقعه كوقعة السلسلة على الصخرة فيفزع له جميع أهل السموات، فيقولون: ماذا قال ربكم؟ ثم يرجعون إلى أنفسهم، فيقولون: الحق وهو العلي الكبير.
وأخرج البخاري وأبو داود والترمذي وابن ماجة وغيرهم من حديث أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: [إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله، كأنه سلسلة على صفوان ينفذهم ذلك فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا للذي قال: الحق، وهو العلي الكبير، الحديث]، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وعن ابن مسعود قال: [إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السموات صلصلة كجرس السلسلة على الصفاة فيصعقون فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبريل فإذا جاء فزع عن قلوبهم فيقولون: يا جبريل ماذا قال ربك؟ فيقول: الحق] أخرجه أبو داود، والصلصلة صوت الأجراس الصلبة بعضها على بعض وفي معناه أحاديث، ثم أمر الله سبحانه رسوله أن يبكت المشركين ويوبخهم فقال: قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (24) قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (25)
سبأ 34:24
(قل من يرزقكم من السموات والأرض) أي من ينعم عليكم بهذه الأرزاق التي تتمتعون بها فإن آلهتكم لا يملكون مثقال ذرة، والرزق من السماء هو المطر وما ينتفع به من الشمس والقمر والنجوم، والرزق من الأرض هو النبات والمعادن ونحو ذلك، ولما كان الكفار لا يقدرون على جواب هذا الاستفهام، ولا تقبل عقولهم نسبة هذا الرزق إلى آلهتهم وربما يتوقفون في نسبته إلى الله مخافة أن تقوم عليهم الحجة أمر الله رسوله بأن يجيب عن ذلك فقال:
(قل الله) أي هو الذي يرزقكم من السموات والأرض ثم أمره الله سبحانه أن يخبرهم بأنهم على ضلالة لكن على وجه الإنصاف في الحجة بعد ما سبق تقرير من هو على الهدى ومن هو على الضلالة فقال:
(وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) والمعنى أن أحد الفريقين من الذين يوحدون الله الخالق الرازق ويخصونه بالعبادة والذين يعبدون الجمادات التي لا تقدر على خلق ولا رزق ولا نفع ولا ضرر لعلى أحد الأمرين من الهدى والضلالة، ومعلوم لكل عاقل أن من عبد الذي يخلق ويرزق وينفع ويضر هو الذي على الهدى، ومن عبد الذي لا يقدر على خلق ولا رزق ولا نفع ولا ضر هو الذي على الضلالة، فقد تضمن هذا الكلام بيان فريق الهدى وهم المسلمون وفريق الضلالة وهم المشركون على وجه أبلغ من التصريح وهذا من الكلام المنصف الذي كل من سمعه من موال أو مناف قال لمن خوطب به: قد أنصفك صاحبك.
قال المبرد: ومعنى هذا الكلام معنى قول المتبصر في الحجة لصاحبه: أحدنا كاذب وقد عرف أنه الصادق المصيب، وصاحبه الكاذب المخطىء انتهي. وخولف بين حرفي الجر الداخلين على الهدى والضلال لأن صاحب الهدى كأنه مستعل على فرس جواد يركضه حيث شاء، والضال كأنه ينغمس في ظلام لا يرى أين يتوجه.
قال المبرد: (أو) عند البصريين على بابها وليست للشك لكنها على ما تستعمله العرب في مثل هذا إذا لم يرد المخبر أن يبين وهو عالم بالمعنى وقال أبو عبيدة والفراء: هي بمعنى الواو، وتقديره وإنا على هدى وإياكم لفي ضلال مبين. قيل: أو إياكم معطوف على اسم إن وخبرها هو المذكور وحذف خبر الثاني للدلالة عليه أي إنا لعلى هدى أو في ضلال مبين، أو أنكم لعلى هدى أو في ضلال مبين، ويجوز العكس، وهو كون المذكور خبر الثاني، وخبر الأول محذوفاً كما في قوله: (والله ورسوله أحق أن يرضوه)، ثم أردف سبحانه هذا الكلام المنصف بكلام أبلغ منه في الإنصاف وأدخل فيه وأبعد من الجدل والمشاغبة فقال:
سبأ 34:25
(قل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تعملون) أي: إنما أدعوكم إلى ما فيه خير لكم ونفع، ولا ينالني من كفركم وترككم لإجابتي ضرر، وهذا كقوله سبحانه: (لكم دينكم ولي دين)، وفي إسناد الجرم إلى المسلمين ونسبة مطلق العمل إلى المخاطبين مع كون أعمال المسلمين من البر الخالص والطاعة المحضة وأعمال الكفار من المعصية البينة والإثم الواضح، من الإنصاف ما لا يقادر قدره، والمقصود المهادنة والمتاركة، وقد قيل: نسخت هذه الآية وأمثالها بآية السيف، ثم أمره سبحانه بأن يهددهم بعذاب الآخرة لكن على وجه لا تصريح فيه فقال: قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ (26) قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ كَلَّا بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (27) وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (28)
سبأ 34:26
(قل يجمع بيننا ربنا) أي يوم القيامة (ثم يفتح بيننا بالحق) أي يحكم ويقضي بيننا فيثيب المطيع ويعاقب العاصي (وهو الفتاح) أي الحاكم بالحق القاضي بالصواب (العليم) بما يتعلق بحكمه وقضائه من المصالح. قيل وهذه أيضاًً منسوخة بآية السيف، ثم أمره الله سبحانه أن يورد عليهم حجة أخرى ليظهر بها ما هم عليه من الخطأ فقال:
سبأ 34:27
(قل أروني الذين ألحقتم به شركاء) أي ألحقتموهم بالله شركاء له، وهذه الرؤية هي القلبية فيكون شركاء هو المفعول الثالث، ويجوز أن تكون هي البصرية ويكون شركاء منتصباً على الحال، وأريد بأمرهم بإراءته الأصنام مع كونها بمرأى منه - صلى الله عليه وسلم - إظهار خطأهم وإطلاعهم على بطلان رأيهم، أي أرونيها لأنظر أي صفة فيها اقتضت إلحاقها بالله تعالى في استحقاق العبادة، وفيه مزيد تبكيت لهم بعد إلزامهم الحجة، ثم رد عليهم ما يدعونه من الشركاء وأبطل ذلك فقال:
(كلا بل) أي ارتدعوا عن دعوى المشاركة بل المنفرد بالإلهية (هو الله العزيز) بالقهر والغلبة (الحكيم) بالحكمة الباهرة.
سبأ 34:28
(وما أرسلناك إلا كافة للناس) في انتصاب كافة وجوه: فقيل: إنه منتصب على الحال من الكاف في أرسلناك قال الزجاج: أي وما أرسلناك إلا جامعاً للناس بالإنذار والإبلاغ والكافة بمعنى الجامع، والهاء فيه للمبالغة، كعلامة. قال أبو حيان: إن اللغة لا تساعد عليه لأن كف ليس معناه جمع بل معناه منع، يقال كف يكف أي منع يمنع والمعنى إلا مانعاً لهم من الكفر، ومنه الكف لأنه يمنع من خروج ما فيه، وقيل إنه منتصب على المصدرية، والهاء للمبالغة كالعاقبة والعافية، والمراد أنها صفة مصدر محذوف أي إلا رسالة كافة، وقيل إنه حال من الناس، والتقدير: (وما أرسلناك إلا للناس كافة)، ورد بأنه لا يتقدم الحال من المجرور عليه كما هو مقرر في علم الإعراب، ويجاب عنه بأنه قد جوز ذلك أبو علي الفارسي وابن كيسان وابن برهان وابن ملكون، وممن رجح كونها حالاً من المجرور بعدها ابن عطية وقال: قدمت للاهتمام والتقوى ورده الزمخشري وقال خطأ، وقال المحلي: بل هو الصحيح، وقيل المعنى إلا ذا كافة أي ذا منع فحذف المضاف، قيل: اللام في للناس بمعنى إلى أي ما أرسلناك إلى الناس إلا جامعاً لهم بالإنذار والإبلاع أو مانعاً لهم من الكفر والمعاصي.
عن قتادة قال: أرسل الله محمداً إلى العرب والعجم فأكرمهم على الله أطوعهم له وعن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة " أخرجه البخاري ومسلم. وفيه اختصاصه بالرسالة العامة لكافة الخلق الإنس والجن وهذه درجة خص بها دون سائر الأنبياء عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام.
(بشيراً ونذيراً) حال أي مبشراً لهم بالجنة أو بالفضل لمن أقر ومنذراً لهم من النار أو بالعدل لمن أصر (ولكن أكثر الناس لا يعلمون) ما عند الله وما لهم من النفع في إرسال الرسل فيحملهم جهلهم على مخالفتك.
وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (29) قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ (30) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (31) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (32)
سبأ 34:29
(ويقولون متى) يكون (هذا الوعد) الذي تعدوننا به وهو قيام الساعة أخبرونا به (إن كنتم صادقين) قالوا: هذا على طريقة الاستهزاء برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأمر الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يجيب عنهم فقال:
سبأ 34:30
(قل لكم ميعاد يوم) أي ميقات يوم، وهو يوم البعث، وقيل وقت حضور الموت وقيل: أراد يوم بدر لأنه كان يوم عذابهم في الدنيا وعلى كل تقدير فهذه الإضافة للبيان، وميعاد مصدر بمعنى الوعد، أو اسم زمان قال أبو عبيدة: الوعد والوعيد والميعاد بمعنى.
(لا تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون) أي هذا الميعاد المضروب لكم لا تتأخرون عنه بالاستمهال ولا تتقدمون عليه بالاستعجال، بل يكون لا محالة في الوقت الذي قد قدر الله وقوعه فيه، وهذا جواب تهديد جاء مطابقاً لما قصدوا بسؤالهم من التعنت والإنكار، ثم ذكر سبحانه طرفاً من قبائح الكفار ونوعاً من أنواع كفرهم فقال:
سبأ 34:31
(وقال الذين كفروا) يعني مشركي العرب (لن نؤمن بهذا القرآن، ولا بالذي بين يديه) أي بما أنزل قبل القرآن من كتب الله تعالى كالتوراة والإنجيل أو القيامة أو الجنة والنار، يعني أنهم جحدوا أن يكون القرآن من الله، وأن يكون لما دل عليه من الإعادة للجزاء حقيقة، ثم أخبر سبحانه عن حالهم في الآخرة فقال:
(ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم) الخطاب لمحمد - صلى الله عليه وسلم - أو لكل من يصلح له، والمعنى محبوسون في موقف الحساب، وجواب لو محذوف أي لرأيت أمراً عجيباً وحالاً فظيعاً (يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ) أي فيما بينهم باللوم والعتاب بعد أن كانوا في الدنيا متعاضدين متناصرين متحابين، ثم بين سبحانه تلك المراجعة فقال:
(يقول الذين استضعفوا) وهم الأتباع (للذين استكبروا) وهم الرؤساء المتبوعون (لولا أنتم) صددتمونا عن الإيمان بالله والاتباع لرسوله (لكنا مؤمنين) بالله مصدقين لرسوله وكتابه.
سبأ 34:32
(وقال الذين استكبروا للذين استضعفوا) مجيبين عليهم مستنكرين لما قالوه (أنحن صددناكم عن الهدى)؟ أي أمنعناكم عن الإيمان (بعد إذ جاءكم) الهدى قالوا: هذا منكرين لما ادعوه عليهم من الصدّ لهم، وجاحدين لما نسبوه إليهم من ذلك، ثم بينوا لهم أنهم الصادون لأنفسهم الممتنعون من الهدى بعد إذ جاءهم فقالوا:
(بل كنتم مجرمين) أي مصرين على الكفر كثيري الإجرام عظيمي الآثام.
سبأ 34:33
وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (33)
(وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا) رداً لما أجابوا به عليهم، ودفعاً لما نسبوه إليهم من صدهم لأنفسهم (بل مكر الليل والنهار) أي أبطلوا إضرابهم بإضرابهم كأنهم قالوا: بل من جهة مكركم بنا ليلاً ونهاراً، وأصل المكر في كلام العرب الخديعة والحيلة، يقال: مكر به إذا خدعه واحتال عليه. قيل: هو طول السلامة في الدنيا وطول الأمل فيها، وقال الأخفش: هذا مكر الليل والنهار.
قال النحاس: والمعنى والله أعلم: بل مكركم في الليل والنهار ودعاؤكم لنا إلى الكفر هو الذي حملنا على هذا، وقال سفيان الثوري: بل عملكم في الليل والنهار ويجوز أن يجعل الليل والنهار ماكرين على الإسناد المجازي كما تقرر في علم المعاني، قال المبرد: كما تقول العرب: نهاره صائم وليله قائم.
وفي السمين: وإضافة المكر إلى الليل والنهار إما على الإسناد المجازي كقولهم: ليل ماكر فيكون مصدراً مضافاً لمرفوعه. وإما على الاتساع في الظرف فجعل كالمفعول به فيكون مضافاً لمنصوبه، وهذان أحسن من قول من قال: إن الإضافة بمعنى في أي في الليل؛ لأن ذلك لم يثبت في غير محل النزاع وقرىء: برفع مكر ونصب الليل، والتقدير: بل مكر كائن في الليل والنهار، وقرىء: مكر بفتح الكاف وتشديد الراء مضافاً بمعنى الكرور من كَرَّيكرُّ إذا جاء وذهب أي مكر الليل والنهار صدنا أو صدنا مكرهما، وقرىء: مكر بفتح الكاف وتشديد الراء لكنه ينصب على المصدرية أي بل يكون الإغواء مكراً دائماً لا يفترون عنه.
(إذ تأمروننا) أي بل مكركم بنا وقت أمركم لنا (أن نكفر بالله ونجعل له أنداداً) أي أشباهاً وأمثالاً، قال المبرد يقال: ند فلان فلان أي مثله، وهذا قول القادة للأتباع: إن ديننا الحق، وإن محمداً كذاب ساحر، وهذا تنبيه للكفار أن تصير طاعة بعضهم لبعض في الدنيا سبب عداوتهم في الآخرة.
(وأسروا الندامة لما رأوا العذاب) الضمير راجع إلى الفريقين أي أضمر الفريقان الندامة على ما فعلوا من الكفر وأخفوها عن غيرهم، وأخفاها كل منهم عن الآخر مخافة الشماتة، وقيل: المراد بأسرّوا هنا أظهروا لأنه من الأضداد يكون تارة بمعنى الإخفاء وتارة بمعنى الإظهار، وقيل: المعنى تبينت الندامة في أسرة وجوههم، والجملة مستأنفة أو حال من الذين استضعفوا والذين استكبروا.
(وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا) الأغلال جمع غل يقال في رقبته غل من حديد أي جعلت الأغلال من الحديد في أعناق هؤلاء في النار والمراد بالذين كفروا هم المذكورون سابقاً، والإظهار لمزيد الذم، أو للكفار على العموم فيدخل هؤلاء فيهم دخولاً أولياً.
(هل) أي ما (يجزون إلا) جزاء (ما كانوا يعملون) في الدنيا من الشرك والكفر بالله والمعاصي، أو إلا بما كانوا يعملون على حذف الخافض، ولما قصّ سبحانه حال من تقدم من الكفار أتبعه بما فيه التسلية لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم وبيان أن كفر الأمم السابقة بمن أرسل إليهم من الرسل هو كائن مستمر في الأعصر الأول فقال: وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (34) وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (35) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (36) وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ (37) وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (38)
سبأ 34:34
(وما أرسلنا في قرية) من القرى (من نذير) ينذرهم ويحذرهم عقاب الله (إلا قال مترفوها) حال من قرية وإن كانت نكرة لوقوعها في سياق النفي، والمعنى: قال متنعموها ورؤساؤها وأغنياؤها وجبابرتها وقادة الشر لرسلهم.
(إنا بما) أي بالذي (أرسلتم به) من الإيمان والتوحيد (كافرون).
عن أبي رزين قال: كان رجلان شريكين خرج أحدهما إلى الساحل وبقي الآخر فلما بعث الله النبي صلى الله عليه وآله وسلم كتب إلى صاحبه يسأله ما فعل، فكتب إليه إنه لم يتبعه أحد من قريش إلا رذالة الناس ومساكينهم فترك تجارته ثم أتى صاحبه، فقال: دلني عليه وكان يقرأ الكتب فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: إلام تدعو؟ قال إلى كذا وكذا قال: أشهد أنك رسول الله. قال: وما علمك بذلك؟ قال: إنه لم يبعث نبي إلا اتبعه رذالة الناس ومساكينهم فنزلت هذه الآية فأرسل إليه النبي - صلى الله عليه وسلم -. أن الله قد أنزل تصديق ما قلت، ثم ذكر سبحانه ما افتخروا به من الأموال والأولاد وما قاسوا حالهم في الدار الآخرة على حالهم في هذه الدار على تقدير صحة ما أنذرهم به الرسل، فقال:
سبأ 34:35
(وقالوا نحن أكثر أموالاً وأولاداً) والمعنى أن الله فضلنا عليكم بالأموال والأولاد في الدنيا وذلك يدل على أنه قد رضي ما نحن عليه من الدين (وما نحن بمعذبين) في الآخرة بعد إحسانه إلينا في الدنيا ورضاه عنا أرادوا أنهم أكرم على الله من أن يعذبهم نظراً إلى أحوالهم في الدنيا، وظنوا أنهم لو لم يكرموا على الله لا رزقهم الله، ولولا أن المؤمنين هانوا عليه لما حرمهم، فأبطل الله ظنهم وأمر نبيه - صلى الله عليه وسلم - بأن يجيب عنهم رداً عليهم، وحسماً لمادة طمعهم وتحقيقاً للحق الذي عليه يدور أمر التكوين، وقال:
سبأ 34:36
(قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء) أن يبسطه له (ويقدر) أي يضيق على من يشاء أن يضيقه عليه، فهو سبحانه قد يرزق الكافر والعاصي استدراجاً له، وقد يمتحن المؤمن المطيع بالتقتير توفيراً لأجره، وليس مجرد بسط الرزق لمن يبسط له يدل على أنه قد رضي عنه ورضي عمله، ولا قبضه عمن قبضه عنه يدل على أنه لم يرضه، ولا رضي عمله، بل كل ذلك حسبما تقتضيه مشيئته المبنية على الحكم البالغة، فقياس الدار الآخرة على الدار الأولى في مثل هذا من الغلط البين أو المغالطة الواضحة.
(ولكن أكثر الناس لا يعلمون) ذلك ومن جملة هذا الأكثر من قاس أمر الآخرة على الأولى.
سبأ 34:37
(وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى) كلام مستأنف من جهته تعالى خوطب به الناس بطريق التلوين والالتفات مبالغة في تحقيق الحق وتقرير ما سبق، والمعنى: ليسوا بالخصلة التي تقربكم عندنا قربى قال مجاهد: الزلفى: القربى، والزلفة القربة، قال الأخفش: زلفى اسم مصدر كأنه قال: بالتي تقربكم عندنا تقريباً، قال الفراء: إن التي تكون للأموال والأولاد جميعاً وهو الصحيح، وقيل: المعنى وما جماعة أموالكم ولا جماعة أولادكم بالتي الخ وذلك أن الجمع المكسر عقلاؤه وغير عقلائه سواء في حكم التأنيث، وقال الزجاج: إن العنى وما أموالكم بالتي تقربكم عندنا زلفى ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى، ثم حذف الخبر الأول لدلالة الثاني عليه، ويجوز في غير القرآن باللتين وباللاتي وباللواتي وبالذي للأولاد خاصة أي لا تزيدكم الأموال والأولاد عندنا درجة ورفعة، ولا تقربكم تقريباً.
(إلا من آمن) استثناء منقطع أي لكن من آمن (وعمل) عملاً (صالحاً) وقيل: إنه متصل على أن يجعل الخطاب عاماً للكفرة والمؤمنين على أنه ابتداء كلام لا مقول لهم.
(فأولئك) إشارة إلى من والجمع باعتبار معناها كما أن الإفراد في الفعلين باعتبار لفظها (لهم جزاء الضعف) أي جزاء الزيادة وهي المرادة بقوله (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها)، وهو من إضافة المصدر إلى المفعول أي جزاء التضعيف للحسنات، وقيل: لهم جزاء الأضعاف لأن الضعف في معنى الجمع أو من إضافة الموصوف إلى صفته. أي لهم الجزاء المضاعف قال مجاهد: أي تضعيف الحسنة، وعن محمد بن كعب قال: إذا كان الرجل غنياً تقياً آتاه الله أجره مرتين وتلا هذه الآية إلى قوله (فأولئك لهم جزاء الضعف)، وقال تضعيف الحسنة.
(بما عملوا) الباء للسببية (وهم في الغرفات) أي غرفات الجنة، قرىء: بالجمع لقوله: (لنبوئنهم من الجنة غرفاً) وفي قراءة سبعية بالإفراد، بمعنى الجمع حملاً لأل على أنها جنسية لقوله: (أولئك يجزون الغرفة).
(آمنون) من كل هائل وشاغل وسائر المكاره، ومن جميع ما يكرهون، ثم لما ذكر سبحانه حال المؤمنين ذكر حال الكافرين فقال:
سبأ 34:38
(والذين يسعون في آياتنا) بالرد لها وإبطالها والطعن فيها حال كونهم (معاجزين) مسابقين لنا زاعمين أنهم يفوتوننا بأنفسهم أو معاندين لنا بكفرهم.
(أولئك في العذاب) أي عذاب جهنم (محضرون) تحضرهم الزبانية إليها لا يجدون عنها محيصاً، ثم كرر سبحانه ما تقدم لقصد التأكيد للحجة والدفع لما قاله الكفرة فقال: قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (39) وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (40) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (41) فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (42)
سبأ 34:39
(قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ) أي يوسعه لمن يشاء ويضيقه على من يشاء ليس في ذلك دلالة على سعادة ولا شقاوة، وفي القاري: هذا في شخص واحد باعتبار وقتين أو في المؤمن، وما سبق في شخصين أو في الكافر فلا تكرار ونحوه في البيضاوي، قال الشهاب: بل فيه تقرير لأن التوسيع والتقتير ليسا لكرامة ولا هوان فإنه لو كان كذلك لم يتصف بهما شخص واحد.
(وما أنفقتم من شيء) على أنفسكم وعيالكم وقيل: ما تصدقتم (فهو يخلفه) عليكم أي يعطي خلفه إذا كان في غير إسراف. يقال: أخلف له وأخلف عليه إذا أعطاه عوضه وبدله، وذلك البدل إما في الدنيا وإما في الآخرة أو فيهما معاً إما عاجلاً بالمال أو بالقناعة التي هي كنز لا ينفد، وإما آجلاً بالثواب في الآخرة الذي كل خلف دونه، وقال مجاهد: هذا في الآخرة.
وعن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله "، أخرجه مسلم، وقال ابن عباس في الآية: يعني في غير إسراف ولا تقتير.
وعن مجاهد والحسن مثله، وعن جابر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " كلما أنفق العبد من نفقة فعلى الله خلفها ضامناً إلا نفقة في بنيان أو معصية " أخرجه الدارقطني والبيهقي. وأخرج نحوه ابن عدي في الكامل والبيهقي من وجه آخر عنه مرفوعاً بأطول منه.
وقد ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: قال الله عز وجل: " أنفق يا ابن آدم أنفق عليك "، وثبت في الصحيح من حديثه أيضاًً قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً ".
وعن علي ابن أبي طالب سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: " إن لكل يوم نحساً فادفعوا نحس ذلك اليوم بالصدقة "، ثم قال: اقرأوا مواضع الخلف فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: " وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه، إذا لم ينفقوا كيف يخلف ". أخرجه ابن مردويه.
وعن أبي هريرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " إن المعونة تنزل من السماء على قدر المؤنة ".
(وهو خير الرازقين) فإن رزق العباد لبعضهم البعض إنما هو بتيسير الله وتقديره وليسوا برازقين على الحقيقة، بل على طريق المجاز كما يقال في الرجل إنه يرزق عياله وفي الأمير إنه يرزق جنده والرازق للأمير والمأمور والكبير والصغير هو الخالق لهم، ومن أخرج من العباد إلى غيره شيئاًً فهو مما رزقه الله وأجراه على يده، قال بعضهم: الحمد لله الذي أوجدني وجعلني ممن يشتهي، فكم من مشته لا يجد، وكم من واجد لا يشتهي.
سبأ 34:40
(و) اذكر (يوم يحشرهم جميعاً) هو متصل بقوله: (ولو ترى إذ الظالمون موقوفون) أي ولو تراهم أيضاً يوم يحشرهم الله جميعاً للحساب العابد والمعبود والمستكبر والمستضعف.
(ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ) أي يقول تقريعاً للمشركين وتوبيخاً لمن عبد غير الله عز وجل كما في قوله لعيسى: (أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله)؟ وإنما خصص الملائكة بالذكر مع أن بعض الكفار قد عبد غيرهم من الشياطين والأصنام لأنهم أشرف معبودات المشركين، قال النحاس: والمعنى أن الملائكة إذا كذبتهم كان في ذلك تبكيت للمشركين وتقريع للكافرين وارداً على المثل السائر إياك أعني فاسمعي يا جارة.
سبأ 34:41
(قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم) مستأنفة أي تنزيهاً لك أنت الذي نتولاه ونطيعه ونعبده من دونهم ما اتخذناهم عابدين، ولا توليناهم، وليس لنا غيرك ولياً، ثم صرحوا بما كان المشركون يعبدونه فقالوا: (بل كانوا يعبدون الجن) أي الشياطين وهم إبليس وجنوده ويزعمون أنهم يرونهم وأنهم ملائكة وأنهم بنات الله. وقيل: كانوا يدخلون أجواف الأصنام ويخاطبونهم منها.
(أكثرهم بهم مؤمنون) أي أكثر المشركين بالجن مؤمنون مصدقون لهم فيما يقولون لهم، قيل: والأكثر في معنى الكل.
سبأ 34:42
(فاليوم لا يملك بعضكم) وهم المعبودون (لبعض) وهم العابدون (نفعاً) أي شفاعة ونجاة (ولا ضراً) أي عذاباً وهلاكاً وإنما قيل لهم هذا القول إظهاراً لعجزهم وقصورهم وتبكيتاً لعابديهم، وقوله: ولا ضراً هو على حذف مضاف أي لا يملكون لهم دفع ضر والفاء ليست لترتيب ما بعدها من الحكم على جواب الملائكة فإنه محقق أجابوا بذلك أم لا، بل لترتيب الإخبار به عليه.
(ونقول للذين ظلموا) أنفسهم بعبادة غير الله (ذوقوا عذاب النار التي كنتم بها تكذبون) في الدنيا ثم ذكر سبحانه نوعاً آخر من أنواع كفرهم فقال: وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (43) وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ (44) وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (45) قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (46) قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (47) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (48)
سبأ 34:43
(وإذا تتلى عليهم آياتنا) القرآنية حال كونها (بينات) واضحات الدلالات ظاهرات المعاني على التوحيد (قالوا ما هذا) يعنون التالي لها وهو النبي - صلى الله عليه وسلم - (إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم) أي أسلافكم من الأصنام التي كانوا يعبدونها.
(وقالوا) ثانياً: (ما هذا) يعنون القرآن الكريم (إلا إفك مفترى) أي كذب في حد ذاته غير مطابق للواقع مختلق على الله من حيث نسبته إليه فمفترى تأسيس لا تأكيد.
(وقال الذين كفروا) ثالثاً: (للحق لما جاءهم) أي لأمر الدين الذي جاءهم به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (إن هذا إلا سحر مبين) وفي تكرير الفعل والتصريح بالفاعل إنكار عظيم له وتعجيب بليغ منه، وهذا الإنكار منهم خاص بالتوحيد، وأما إنكار القرآن والمعجزة فكان متفقاً عليه بين أهل الكتاب
والمشركين، وقيل: أريد بالأول وهو قولهم (إلا إفك مفترى) معناه وبالثاني وهو قولهم (إن هذا إلا سحر مبين) نظمه المعجز. وقيل: إن طائفة منهم قالوا: إنه إفك وطائفة قالوا إنه سحر، وقيل: إنهم جميعاً قالوا: تارة إنه إفك وتارة إنه سحر والأول أولى.
سبأ 34:44
(وما آتيناهم من كتب يدرسونها) أي ما أنزلنا على العرب كتباً سماويه دالة على صحة الإشراك يدرسون فيها ويقرأونها.
(وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير) يدعوهم إلى الإشراك أو إلى الحق وينذرهم بالعذاب فليس لتكذيبهم بالقرآن وبالرسول وجه ولا شبهة يتشبثون بها، قال قتادة: ما أنزل الله على العرب كتاباً قبل القرآن ولا بعث إليهم نبياً قبل محمد صلى الله عليه وآله وسلم، قال الفراء: أي من أين كذبوك؟ ولم يأتهم كتاب ولا نذير بهذا الذي فعلوه، ثم خوفهم سبحانه وأخبر عن عاقبتهم وعاقبة من كان قبلهم، فقال:
سبأ 34:45
(وكذب الذين من قبلهم) أي من كفار القرون الخالية (وما بلغوا معشار ما آتيناهم) أي ما بلغ أهل مكة من مشركي قريش وغيرهم من العرب عشر ما آتينا من قبلهم من القوة والنعمة وكثرة المال والأولاد وطول الأعمار فأهلكهم الله كعاد وثمود وأمثالهم، ولم تنفعهم قوتهم شيئاًً في دفع الهلاك عنهم حين كذّبوا رسلهم فهؤلاء أولى بأن يحل بهم العذاب لتكذيبهم رسولهم والمعشار لغة في العشر قال الجوهري: معشار الشيء عشره وفي البحر المعشار: مفعال من العشر ولم يبن على هذا الوزن من ألفاظ العدد غيره وغير المرباع.
ومعناهما العشر والربع وقيل: المعشار عشر العشر والأول أولى. وقيل: إن المعنى: ما بلغ من قبلهم معشار ما آتينا هؤلاء من البينات والهدى.
وقيل: ما بلغ من قبلهم معشار شكر ما أعطيناهم، وقيل: ما أعطى الله من قبلهم معشار ما أعطاهم من العلم والبيان والحجة والبرهان، والأول أولى، وقيل: المعشار عشر العشير، والعشير هو عشر العشر، فيكون جزءاً من ألف جزء، قال الماوردي: وهو الأظهر لأن المراد به المبالغة في التقليل.
قلت: مراعاة المبالغة في التقليل لا يسوغ لأجلها الخروج عن المعنى العربي وقال ابن عباس في الآية: يقول من القوة في الدنيا، وعن ابن جريج نحوه.
(فكذبوا رسلي) عطف على: (كذب الذين من قبلهم) على طريقة التفسير كقوله: (كذبت قوم نوح فكذبوا عبدنا) الآية والأولى أن يكون من عطف الخاص على العام لأن التكذيب الأول لما حذف منه المتعلق للتكذيب أفاد العموم فمعناه: كذبوا الكتب المنزلة والرسل المرسلة والمعجزات الواضحة وتكذيب الرسل أخص منه وإن كان مستلزماً له فقد روعيت الدلالة اللفظية لا الدلالة الالتزامية، وما بينهما حال أو اعتراض، وقال البيضاوي: لا تكرير لأن الأول للتكثير، والثاني للتكذيب، ونحوه في الكشاف، وبمثله قال الكرخي.
(فكيف كان نكير)؟ أي فكيف كان إنكاري لهم بالعذاب والعقوبة؟ فليحذر هؤلاء من مثل ذلك، قيل والتقدير فأهلكناهم فكيف نكيري، والنكير اسم بمعنى الإنكار ثم أمر الله سبحانه رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يقيم عليهم حجة ينقطعون عندها فقال:
سبأ 34:46
(قل إنما أعظكم بواحدة) أي أحذركم وأنذركم سوء عاقبة ما أنتم فيه وأوصيكم بخصلة واحدة وهي:
(أن تقوموا لله مثنى وفرادى) فهذا تفسير للخصلة الواحدة أو بدل منها أي هي قيامكم وتشميركم في طلب الحق بالفكرة الصادقة، متفرقين اثنين اثنين، وواحداً واحداً لأن الاجتماع يشوش الفكر ويعمي البصر، ويمنع من الرؤية ويقل الإنصاف فيه، ويكثر الاعتساف، ويثور عجاج التعصب، ولا يسمع إلا نصرة المذهب، وليس المراد القيام على الرجلين والنهوض والانتصاب على القدمين، بل المراد القيام بطلب الحق والاعتناء والاشتغال بالتدبر، وإصداق الفكر فيه كما يقال: قام فلان بأمر كذا، وقيل: المراد بواحدة هي لا إله إلا الله، كذا قال مجاهد، والسدي. وقيل: القرآن لأنه يجمع المواعظ كلها والأولى ما ذكرناه، وقال الزجاج: المعنى لأن تقوموا، وقال السدي. معنى مثنى وفرادى منفرداً برأيه ومشاوراً لغيره.
وقال القتيبي: مناظراً مع عشيرته، ومتفكراً في نفسه، وقيل: المثنى عمل النهار، والفرادى عمل الليل، قاله الماوردي. وما أبرد هذا القول، وأقل جداوه ونصبهما على الحال، وقدم المثنى لأن طلب الحقائق من متعاضدين في النظر أجدى من فكرة واحدة، فإن انقدح الحق بين الاثنين فكر كل واحد منهما بعد ذلك فيزداد بصيرة قال الشاعر:
إذا اجتمعوا جاءوا بكل غريبة ... فيزداد بعض القوم من بعضهم علماً
(ثم تتفكروا) في أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - وما جاء به من الكتاب فإنكم عند ذلك تعلمون أن (ما بصاحبكم من جنة) وذلك لأنهم كانوا يقولون: إن محمداً مجنون فقال الله سبحانه: قل لهم: اعتبروا أمري بواحدة وهي أن تقوموا لله، وفي ذاته مجتمعين، فيقول الرجل لصاحبه: هلم فلنصادق هل رأينا بهذا الرجل من جنة؟ أي جنون وجربنا عليه كذباً، ثم ينفرد كل واحد عن صاحبه فيتفكر، وينظر فإن في ذلك ما يدل على أن محمداً - صلى الله عليه وسلم - صادق وأنه رسول من
عند الله، وأنه ليس بكاذب ولا ساحر ولا مجنون.
قال محمد بن كعب في الآية: يقوم الرجل مع الرجل أو وحده فيفكر ما بصاحبه من جنة، وقال قتادة: يقول: إنه ليس مجنون، وقيل مستأنفة من جهة الله سبحانه مسوقة على طريقة النظر والتأمل بأن هذا الأمر عظيم والدعوى الكبيرة لا يعرض نفسه له إلا مجنون لا يبالي بما يقال فيه وما ينسب إليه من الكذب، وقد علموا أنه أرجح الناس عقلاً، وأوزنهم حلماً وأحدَّهم ذهناً، وأرضاهم رأياً وأصدقهم قولاً، وأزكاهم نفساً، وأجمعهم لما يحمد عليه الرجال، ويمدحون به فوجب أن يصدقوه في دعواه، لا سيما مع انضمام المعجزة الواضحة، وإجماعهم على أنه لم يكن ممن يفتري الكذب، ولا قد جربوا عليه كذباً مدة عمره، وعمرهم. وقيل: ثم تتفكروا أي شيء به من آثار الجنون واختار أبو حاتم وابن الأنباري الوقف على قوله (ثم تتفكروا) وعلى هذا تكون جملة ما بصاحبكم من جنة مستأنفة كما قدمنا. وقيل ليس بوقف لأن المعنى ثم تتفكروا هل جربتم عليه كذباً؟ أو رأيتم منه جنة؟ أو في أحواله من فساد.
(إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد) أي ما هو إلا نذير لكم بين يدي الساعة أي قدامها وهو عذاب الآخرة وهو كقوله - صلى الله عليه وسلم - بعثت بين يدي الساعة ثم أمره سبحانه أن يخبرهم أنه لم يكن له غرض في الدنيا ولا رغبة فيها، حتى تنقطع عندهم الشكوك ويرتفع الريب فقال:
سبأ 34:47
(قل ما سألتكم من أجر) أي من جعل (فهو لكم) يقول لم أسألكم على الإسلام جعلاً أي ما طلبت منكم من جعل تجعلونه لي إلى مقابل الرسالة فهو لكم إن سألتموه، والمراد نفي السؤال بالكلية كما يقول القائل ما أملكه في هذا فقد وهبته لك يريد أنه لا ملك له فيه أصلاً، ومثل هذه الآية قوله قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى، وقوله ما أسألكم عليه من أجر إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلاً ثم بين لهم أن أجره عند الله سبحانه فقال (إن أجري إلا على الله) لا على غيره (وهو على كل شيء شهيد) أي مطلع لا يغيب عنه منه شيء فيعلم أني لا أطلب الأجر على نصيحتكم ودعائكم إليه إلا منه.
سبأ 34:48
(قل إن ربي يقذف) القذف في الأصل الرمي بالسهم والحصى والكلام.
قال الكلبي: يرمي على معنى يأتي به، وقال مقاتل: يتكلم (بالحق) وهو القرآن والوحي أي يلقيه إلى أنبيائه، وقال قتادة: بالحق أي بالوحي والمعنى أنه يبين الحجة ويظهرها للناس على ألسن رسله وقيل: يرمي الباطل بالحق فيدمغه.
(علام الغيوب) قرىء برفع علام وبنصبه قال الفراء: والرفع في مثل هذا أكثر كقوله: (إن ذلك لحق تخاصم أهل النار)، وقرىء: الغيوب بالحركات الثلاث في الغين وهو جمع غيب، والغيب هو الأمر الذي غاب وخفي جداً قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ (49) قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ (50) وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (51) وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (52) وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (53) وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ (54)
سبأ 34:49
(قل جاء الحق) أي الإسلام والتوحيد، وقال قتادة القرآن وقال النحاس التقدير صاحب الحق أي الكتاب الذي فيه البراهين والحجج، وأقول لا وجه لتقدير المضاف فإن القرآن قد جاء كما جاء صاحبه.
(وما يبدىء الباطل وما يعيد) أي ذهب الباطل ذهاباً لم يبق له إقبال ولا إدبار ولا إبداء ولا إعادة فجعل مثلاً في الهلاك بالمرة والإبداء فعل الشىء ابتداء والإعادة فعله على طريق الإعادة، ولما كان الإنسان ما دام حياً لا يخلو عن ذلك كنى به عن حياته وبنفيه عن هلاكه، ثم شاع ذلك في كل مذهب، ولم يبق له أثر، وإن لم يكن ذا روح فهو كناية أيضاًً أو مجاز متفرع على الكناية، وقيل: يجوز أن تكون ما استفهامية أي: أيُّ شىء يبدئه وأي شيء يعيده، وعن قتادة قال: الشيطان لا يبدىء ولا يعيد إذا هلك، وعنه قال: ما يخلق إبليس شيئاً ابتداء ولا يبعثه وبه قال مقاتل والكلبي. وقيل: الباطل الأصنام والأول أولى.
سبأ 34:50
(قل إن ضللت) عن الطريق الحقة الواضحة وقرىء بفتح اللام وهذه لغة نجد، وهي الفصيحة وبكسرها وهي لغة أهل العالية (فإنما أضل) أي إثم ضلالتي يكون (على نفسي) وقال عمر بن سعد: أي إنما أوخذ بجنايتي وذلك أن الكفار قالوا له: تركت دين آبائك فضللت، فأمره الله أن يقول لهم هذا القول.
(وإن اهتديت فبما يوحي إليّ ربي) من الحكمة والموعظة والبيان بالقرآن و (ما) مصدرية أو موصولة والتقابل هنا من جهة المعنى دون اللفظ (إنه سميع قريب) مني ومنكم يعلم الهدى والضلالة وإن بولغ في إخفائهما، وهذا حكم عام لكل مكلف وإنما أمر رسوله أن يسنده إلى نفسه لأن الرسول إذا دخل تحته مع جلالة محله وسداد طريقته كان غيره أولى به، ثم ذكر سبحانه حالاً من أحوال الكفار فقال:
سبأ 34:51
(ولو ترى إذ فزعوا) الخطاب لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو لكل من يصلح له، قيل: المراد فزعهم عند نزول الموت بهم أو غيره من بأس الله تعالى وقال الحسن: هو فزعهم في القبور من الصيحة، وقال قتادة: هو فزعهم إذا خرجوا من قبورهم.
وقال السدي: هو فزعهم يوم بدر حين ضربت أعناقهم بسيوف الملائكة فلم يستطيعوا فراراً ولا رجوعاً إلى التوبة، وقال ابن معقل: هو فزعهم إذا عاينوا عقاب الله يوم القيامة، وقال سعيد بن جبير: هو الخسف الذي يخسف بهم في البيداء فيبقى رجل منهم فيخبر الناس بما لقي أصحابه فيفزعون، وجواب لو محذوف أي لرأيت أمراً عظيماً وحالاً هائلة (فلا فوت) أي فلا يفوتني أحد منهم ولا ينجو منهم ناج، قال مجاهد: فلا مهرب وقال ابن عباس: فلا نجاة.
(وأخذوا من مكان قريب) من ظهر الأرض أو من القبور وهي قريبة من مساكنهم في الدنيا كما قاله أبو حيان، أو قريب من موقف الحساب، وقيل: أي قبضت أرواحهم في أماكنها فلم يمكنهم الفرار من الموت، وهذا على قول من يقول: هذا الفزع عند النزع، وقيل: أخذوا من جهنم فألقوا فيها. وقيل: من حيث كانوا فهم من الله قريب لا يبعدون عنه ولا يفوتونه.
وقال ابن عباس من تحت أقدامهم، وعنه قال: نزلت في ثمانين ألفاً يغزون في آخر الزمان الكعبة ليخربوها فلما يدخلون البيداء يخسف بهم، فهو الأخذ من مكان قريب، ذكره القرطبي.
وقد ثبت في الصحيح أنه يخسف بجيش في البيداء من حديث حفصة وعائشة، وخارج الصحيح من حديث أم سلمة وصفية وأبي هريرة وابن مسعود، وليس في شيء منها أن ذلك سبب نزول هذه الآية، ولكنه أخرج ابن جرير من حديث حذيفة بن اليمان قصة الخسف هذه مرفوعة، وقال في آخرها: فذلك قوله عز وجل في سورة سبأ: (ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت) الآية، وقيل: يجوز أن يكون هذا الفزع هو الفرع الذي بمعنى الإجابة. يقال فزع الرجل: إذا أجاب الصارخ الذي يستغيث به كفزعهم إلى الحرب يوم بدر.
سبأ 34:52
(وقالوا) وقت النزع وهو وقت نزول العذاب بهم عند الموت كقوله تعالى: (فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده)، أو عند البعث فإن الكفار كلهم يؤمنون حينئذ (آمنا به) أي بمحمد - صلى الله عليه وسلم - قاله قتادة أو بالقرآن، وقال مجاهد: بالله عز وجل، وقال الحسن: بالبعث ثم نفى الله عنهم نفع الإيمان بقوله:
(وأنى) أي من أين (لهم التناوش) أي التناول، وهو تقابل من النوش الذي هو التناول، والمعنى: كيف لهم أن يتناولوا الإِيمان من بعد يعني في الآخرة، وقد تركوه في الدنيا وهو معنى قوله:
(من مكان بعيد) وهو تمثيل لحالهم في طلب الخلاص بعد ما فات عنهم بحال من يريد أن يتناول الشيء من غلوة تناوله من ذراع في الاستحالة، قال ابن السكيت: يقال للرجل إذا تناول رجلاً ليأخذ برأسه أو بلحيته ناشه ينوشه نوشاً، ومنه المناوشة في القتال، وذلك إذا تدانى الفريقان. وقيل التناوش: الرجعة أي وأنى لهم الرجعة إلى الدنيا ليؤمنوا، وقال ابن عباس: قال يسألون الرد إلى الدنيا وليس بحين رد، وقال التناوش: تناول الشيء وليس بحين ذلك وقال السدي: هو التوبة أي طلبوها، وقد بعدت لأنها إنما تقبل في الدنيا وقرىء: التناوش بالواو وبالهمز واستبعد الثانية أبو عبيد والنحاس ولا وجه للاستبعاد فقد ثبت ذلك في لغة العرب وأشعارها، قال الفراء: الهمزة وتركها متقارب.
سبأ 34:53
(وقد كفروا به من قبل) أي والحال أن قد كفروا بما آمنوا به من قبل هذا الوقت وذلك حال كونهم في الدنيا. قيل: بالقرآن، وقيل: بمحمد - صلى الله عليه وسلم - من قبل أن يعاينوا العذاب وأهوال القيامة.
(ويقذفون بالغيب) أي يؤمنون بالظن ويتكلمون بما لم يظهر لهم في الرسول من المطاعن أو في العذاب من البت على نفيه، فيقولون: لا بعث ولا نشور ولا جنة ولا نار (من مكان بعيد) أي من جهة بعيدة ليس فيها مستند لظنهم الباطل، وهو الشبه التي تمحلوها في أمر الآخرة كما حكاه من قبل.
وقيل: المعنى يقولون في القرآن أقوالاً باطلة: إنه سحر وشعر وأساطير الأولين، وقيل: يقولون في محمد - صلى الله عليه وسلم -: إنه ساحر شاعر كاهن مجنون، قرىء: يقذفون مبنياً للمفعول أي يرجمون بما يسوؤهم من جزاء أعمالهم من حيث لا يحتسبون، وفيه تمثيل لحالهم بحال من يرمي شيئاًً لا يراه من مكان بعيد لا مجال للوهم في لحوقه وهذا استعارة تمثيلية والجملة إما معطوفة على (وقد كفروا به) على أنها حكاية للحال الماضية، واستحضار لصورتها، أو مستأنفة لبيان تمثيل حالهم.
سبأ 34:54
(وحيل بينهم) فعل مبني للمفعول وإذا بني للفاعل يقال فيه: حال وهو فعل لا يتعدى ونائب الفاعل ضمير المصدر المفهوم من الفعل كأنه قيل: وحيل هو أي الحول، وجعل بعضهم نائب الفاعل الظرف، وهو بينهم، واعترض بأنه ينبغي حينئذ أن يرفع.
(وبين ما يشتهون) من النجاة من العذاب ومنعوا من ذلك، وقيل: حيل بينهم وبين ما يشتهون في الدنيا من أموالهم وأهليهم، أو حيل بينهم وبين ما يشتهون من الرجوع إلى الدنيا.
(كما فعل بأشياعهم من قبل) أي بأمثالهم ونظرائهم من كفار الأمم الماضية الذين كانوا قبلهم في الدنيا سابقين عليهم في الزمان، والأشياع جمع شيع، وشيع: جمع شيعة، وشيعة الرجل أتباعه وأنصاره، وكل قوم أمرهم واحد يتبع بعضهم رأي بعض، فهم شيع فالأشياع جمع الجمع.
(إنهم كانوا في شك مريب) تعليل لما قبله أي في شك موقع في الريبة أو ذي ريبة من أمر الرسل والبعث والجنة والنار، أو في التوحيد وما جاءتهم به الرسل من الدين، يقال: أراب الرجل إذا صار ذا ريبة فهو مريب، وقيل هو من الريب الذي هو الشك والتهمة، فهو كما يقال: عجب عجيب وشعر شاعر وهذا رد على من زعم أن الله لا يعذب على الشك والله أعلم.
فاطر 35:1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سورة فاطر
(وتسمى سورة الملائكة، وهي خمس أو ست وأربعون آية وهي مكية).
قال القرطبي: في قول الجميع، وأخرج البخاري وغيره عن ابن عباس: أنزلت سورة فاطر بمكة، وهذه السورة ختام السورة المفتتحة بالحمد التي فصلت فيها النعم الأربع التي هي أمهات النعم المجموعة في الفاتحة، وهي الإيجاد الأول، ثم الإبقاء الأول، ثم الإيجاد الثاني المشار إليه بسورة سبأ، ثم الإبقاء الثاني الذي هو أنهاها وأحكمها، وهو الختام المشار إليه بهذه السورة المفتتحة بالابتداء، قاله الخطيب.
بسم الله الرحمن الرحيم
الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (2) يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (3)
(الحمد لله فاطر السموات والأرض) أي خالقهما ومبدعهما على غير مثال سبق، وعلى غير مادة كذا قال المفسرون، والظاهر أن هذا ليس من معنى الفطر لغة، وإنما أخذوه من المعنى وسياق الكلام، وأصل الفطر في اللغة الشق عن الشيء مطلقاً، يقال: فطرته فانفطر ومنه فطر ناب البعير إذا طلع فهو بعير فاطر، وتفطر الشيء تشقق، وقيل: الشق طولاً فكأنه شق العدم بإخراجهما منه، وبابه نصر كما في المختار، والفطر أيضاًً الابتداء والاختراع، وهو المراد هنا.
عن ابن عباس قال: كنت لا أدري ما فاطر حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر فقال أحدهما: أنا فطرتها، يقول ابتدأتها وعنه الفاطر البديع، والمعنى: الحمد لله مبدع السموات والأرض ومخترعهما، والمقصود من هذا إن من قدر على ابتداء هذا الخلق العظيم فهو قادر على الإِعادة وإنما حمد سبحانه وتعالى نفسه بذلك تعظيماً له وتعليماً لعباده كيفية الثناء عليه تعالى، قرىء فاطر على صيغة اسم الفاعل، وفطر على صيغة الفعل الماضي.
(جاعل الملائكة رسلاً) إلى عبادة يجوز فيه الوجهان كما تقدم والرسل من الملائكة هم: جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل [[سبق الإشارة أنه لم يرو في الأحاديث تسمية عزرائيل.]] فالمراد بالملائكة بعضهم إذ ليس كلهم رسلاً كما هو معلوم، صرح الطيبي بأن جاعل هنا للاستمرار فباعتبار أنه يدل على المضي يصلح كونه صفة للمعرفة، وباعتبار أنه يدل على الحال والاستقبال يصلح للعمل. وقرىء: رسْلاً بسكون السين، هي لغة تميم، قال يحيى بن سلام: يرسلهم الله إلى الأنبياء يبلغون إليهم رسالاته بالوحي والإلهام والرؤيا الصادقة، وقال السدي: إلى العباد بنعمة أو نقمة أو يوصلون إليهم آثار صنعته.
(أولي) أي ذوي اسم جمع لذو (أجنحة) جمع جناح نعت لرسلاً وهو جيد لفظاً لتوافقهما تنكيراً، أو للملائكة وهو جيد معنى إذ كل الملائكة لها أجنحة، فهي صفة كاشفة، والمسوغ للتخلف في التعريف جعل أل جنسية.
(مثنى وثلاث ورباع) صفات لأجنحة والقصد بها التكثير واختلافهم في عدد الأجنحة لا الحصر، وإلا فبعضهم له ستمائة وغير ذلك، وإنما لم تنصرف لتكرر العدل فيها، وذلك أنها عدلت عن ألفاظ الأعداد عن صيغ إلى صيغ أُخر كما عدل عمر عن عامر وعن تكرير إلى غير تكرير، وقيل للعدل والوصف والتعويل عليه، وقد تقدم الكلام عليها في النساء. قال قتادة: بعضهم له جناحان وبعضهم له ثلاثة، ولعل الثالث يكون في وسط الظهر بين الجناحين يمدهما بقوة وبعضهم له أربعة ينزلون بها من السماء إلى الأرض، ويعرجون بها من الأرض إلى السماء. أقول: الأصل جناحان لأنهما بمنزلة اليدين، ثم الثالث والرابع زيادة على الأصل، وذلك أقوى للطيران وأعون عليه [[لا نملك إلا الوقوف عند وصف القرآن الكريم للملائكة دون تصور معين له، فكل تصور قد يخطىء، والاجتهاد في هذا نوع من الرجم بالغيب بدون دليل.]].
(يزيد في الخلق ما يشاء) مستأنفة مقررة لما قبلها من تفاوت أحوال الملائكة والمعنى أنه يزيد في خلق الملائكة والأجنحة ما يشاء، وهو قول أكثر المفسرين، واختاره الفراء والزجاج قال ابن مسعود: رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - جبريل في صورته له ستمائة جناح، وقيل إن هذه الزيادة في الخلق غير خاصة بالملائكة، فقال الزهري وابن جريج: إنها حسن الصوت، وقال قتادة: الملاحة في العينين، والحسن في الأنف والحلاوة في الفم، وقيل الوجه الحسن وقيل الخط الحسن، وقيل الشعر الجعد، وقيل العقل والتمييز، وقيل العلوم والصنائع، وقيل الصوت الحسن وجودة العقل ومتانته.
ولا وجه لقصر ذلك على نوع خاص، بل يتناول كل زيادة في الخلق من طول قامة، واعتدال صورة، وتمام في الأعضاء، وقوة في البطش، وحصافة في العقل، وجزالة في الرأي، وجراءة في القلب، وسماحة في النفس، ولباقة في التكلم وحسن تأن في مزاولة الأمور، وذلاقة في اللسان، ومحبة في قلوب المؤمنين وما أشبه ذلك مما لا يحيط به الوصف، وبه قال الزمخشري (إن الله على كل شيء قدير) تعليل لما قبله من أنه يزيد في الخلق ما يشاء.
فاطر 35:2
(ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها) أي ليس لك من الأمر شيء فما يأتيهم الله به من مطر ورزق ونعمة وصحة وأمن وعلم وحكمة إلى غير ذلك مما لا يحاط به لا يقدر أحد أن يمسكه.
قال ابن عباس: ما يفتح الله للناس من باب توبة فلا ممسك لها، هم يتوبون إن شاءوا وإن أبوا، وما أمسك من باب توبة فلا مرسل له من بعده، وهم لا يتوبون، واستعير الفتح للإِطلاق والإِرسال إيذاناً بأنها أنفس الخزائن التي يتنافس فيها المتنافسون، وأعزها منالاً، وتنكير الرحمة للإشاعة والإِبهام كأنه قيل: أي رحمة كانت سماوية أو أرضية والعموم مفهوم من اسم الشرط ومن رحمة بيان لذلك العام من أي صنف هو وهو مما اجتزي فيه بالنكرة المفردة عن الجمع المعرف المطابق في العموم لاسم الشرط وتقديره من الرحمات، ومن في موضع الحال، وقيل: المعنى إن الرسل بعثوا رحمة للناس، فلا يقدر على إرسالهم غير الله، وقيل: هو الدعاء وقيل التوبة وقيل التوفيق والهداية ولا وجه لهذا التخصيص بل المعنى كل ما يفتحه الله للناس من خزائن رحمته فيشمل كل نعمة ينعم الله بها على خلقه.
(وما يمسك) من ذلك (فلا مرسل له من بعده) أي لا يقدر أحد أن يرسله من بعد إمساكه والإمساك يتناول كل شيء يمنعه الله من نعمه فهو سبحانه المعطي المانع القابض الباسط لا معطي سواه، ولا منعم غيره (وهو العزيز الحكيم) فيما أمسك وفيما أرسل على مقتضى حكمته، ثم أمر الله سبحانه عباده أن يتذكروا نعمه الفائضة عليهم التي لا تعد ولا تحصى، كما قال: (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها) فقال:
فاطر 35:3
(يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم) قيل: الخطاب لأهل مكة ونعمة الله عليهم إسكانهم الحرم ومنع الغارات عنهم، وقيل: لجميع الناس، ونعمة الله عليهم هي التي تقدمت من بسط الأرض كالمهاد، ورفع السماء بلا عماد، وإرسال الرسل لبيان السبيل دعوة إليه، وزلفة لديه، والزيادة في الخلق، وفتح أبواب الرزق، ومعنى هذا الذكر هو إرشادهم إلى الشكر لاستدامتها وطلب المزيد منها، ليس المراد ذكرها باللسان فقط، ولكن المراد ذكرها به وبالقلب، أي لا تنسوها، والنعمة هنا بمعنى الإنعام، وعليه درج الجلال. وقيل: إنها بمعنى النعم به، ثم نبه على رأس النعم وهو اتحاد المنعم بقوله:
(هل من خالق غير الله) من زائدة مؤكدة أي لا خالق إلا الله سبحانه وهو استفهام تقرير وإنكار وتوبيخ (يرزقكم من السماء والأرض) خبر المبتدأ أو جملة مستأنفة أو صفة أخرى لخالق وخبره محذوف، والرزق من السماء بالمطر، ومن الأرض بالنبات وغير ذلك.
(لا إله إلا هو) مستأنفة مسوقة لتقرير النفي المستفاد من الاستفهام (فأنى تؤفكون) أي فكيف تصرفون وهو مأخوذ من الإفك بالفتح وهو الصرف يقال: ما أفكك عن كذا أي ما صرفك عنه.
وقيل: هو مأخوذ من الإفك بالكسر وهو الكذب، لأنه مصروف عن الصدق، قال الزجاج: أي من أين يقع لكم الإفك والتكذيب بتوحيد الله والبعث وأنتم مقرون بأن الله خلقكم ورزقكم؟ ثم عزى الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - فقال: وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (4) يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (5) إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (6) الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (7) أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (8)
فاطر 35:4
(وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك) ليتأسىّ بمن قبله من الأنبياء ويتسلى عن تكذيب كفار العرب له، ولهذا نكّر " رسلاً " أي: رسل ذوو عدد كثير، وأولو آيات ونذر، وأهل أعمار طوال، وأصحاب صبر وعزم، لأنه أسلى له، وجواب الشرط محذوف أي فاصبر كما صبر وأدل عليه قوله: فقد كذبت الخ.
(وإلى الله) لا إلى غيره (ترجع الأمور) فيجازي كُلاَّ بما يستحقه قرىء: ترجع بفتح التاء على البناء للفاعل وبضمها على البناء للمفعول.
فاطر 35:5
(يا أيها الناس إن وعد الله) بالبعث والنشور والحساب والعقاب والجنة والنار (حق) كما أشير إليه بقوله: وإلى الله ترجع الأمور (فلا تغرنكم الحياة الدنيا) بزخرفها ونعيمها، والمراد نهيهم عن الاغترار بها وإن توجه النهي صورة إليها كما في قولهم: بعين ما لا أرينك ههنا. قال سعيد بن جبير: غرور الحياة الدنيا أن يشتغل الإنسان بنعيمها ولذاتها عن عمل الآخرة حتى يقول: يا ليتني قدمت لحياتي والمعنى لا تخدعنكم الدنيا، ولا يذهلنكم التمتع بها، والتلذذ بمنافعها عن العمل للآخرة، وطلب ما عند الله تعالى.
(ولا يغرنكم بالله) في حلمه وإمهاله (الغرور) بفتح الغين أي المبالغ في الغرور وهو الشيطان قاله ابن السكيت وأبو حاتم.
ويجوز أن يكون مصدراً واستبعده الزجاج لأن غررته متعد ومصدر المتعدي إنما هو على فعل نحو ضربته ضرباً، إلا في أشياء يسيرة معروفة لا يقاس عليها، ومعنى الآية: لا يغرنكم الشيطان بالله فيقول لكم إن الله يتجاوز عنكم ويغفر لكم بفضله عليكم، أو لسعة رحمته لكم، وقرىء بضم الغين وهو الباطل، قال ابن السكيت: والغرور بالضم ما يغر من متاع الدنيا وقال الزجاج: يجوز أن يكون الغرور بالضم جمع غار مثل قاعد وقعود، قيل: ويجوز أن يكون مصدر غره كاللزوم والنهوك، وفيه ما تقدم عن الزجاج من الاستبعاد، ثم حذر سبحانه عباده من الشيطان فقال:
فاطر 35:6
(إن الشيطان لكم عدو) ظاهر العداوة فعل بأبيكم ما فعل، وأنتم تعاملونه معاملة من لا علم له بأحواله والتنكير للتعظيم أي عدو عظيم لأن عداوته عامة قديمة، والعموم يفهم من قوله: لكم حيث لم يخص ببعض دون بعض، والقدم من الجملة الاسمية الدالة على الاستمرار.
(فاتخذوه عدواً) أي فعادوه بطاعة الله ولا تطيعوه في معاصي الله، وكونوا على حذر منه في جميع أحوالكم وأفعالكم وعقائدكم عن صميم قلوبكم وإذا فعلتم فعلاً فتفطنوا له فإنه ربما يدخل عليكم فيه الرياء ويزين لكم القبائح قال القشيري: ولا يتعزى على عداوته إلا بدوام الاستعانة بالرب، فإنه لا يغفل عن عداوتكم فلا تغفلوا أنتم عن مولاكم لحظة. ذكره الخطيب، ثم بين الله سبحانه لعباده كيفية عداوة الشيطان لهم وحذرهم عن طاعته فقال:
(إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير) أي إنما يدعو أشياعه وأتباعه والمطيعين له إلى معاصي الله سبحانه لأجل أن يكونوا من أهل النار واللام للتعليل ومحل الموصول في قوله
فاطر 35:7
(الذين كفروا) الرفع على الابتداء وقوله:
(لهم عذاب شديد) خبره أو الرفع على البدل من فاعل يكونوا أو النصب على البدل من حزبه أو الجر على البدل من أصحاب، والرفع على الابتداء أقوى الوجوه لأنه سبحانه بعد ذكر عداوة الشيطان ودعائه لحزبه ذكر حال الفريقين من المطيعين له والعاصين عليه، فالفريق الأول قال: لهم عذاب شديد، والفريق الثاني قال فيه:
(والذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر كبير) أي يغفر الله لهم بسبب الإيمان والعمل الصالح ويعطيهم أجراً كبيراً وهو الجنة، قال ابن جريج: كل شيء في القرآن لهم مغفرة وأجر كبير ورزق كريم فهو الجنة.
فاطر 35:8
(أفمن زين له سوء عمله فرآه حسناً) هذه الجملة مستأنفة لتقرير ما سبق من ذكر التفاوت بين عاقبتي الفريقين ومن في موضع رفع بالابتداء وخبره محذوف. قال الكسائي: والتقدير ذهبت نفسك عليهم حسرات. قال: ويدل عليه قوله فلا تذهب الخ. قال: وهذا كلام عربي ظريف لا يعرفه إلا القليل وقال الزجاج: تقديره كمن هداه، وقدره غيرهما كمن لم يزين له، وهذا أولى لموافقته لفظاً ومعنى، وقد وهم صاحب الكشاف فحكى عن الزجاج ما قاله الكسائي. قال النحاس: والذي قاله الكسائي أحسن ما قيل في الآية لما ذكره من الدلالة على المحذوف، والمعنى أن الله عز وجل نهى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم عن شدة الاغتمام بهم والحزن عليهم كما قال: فلعلك باخع نفسك قبل التقدير: أفمن زين الخ تريد أن تهديه إنما ذلك إلى الله لا إليك والذي إليك هو التبليغ.
وقال قتادة والحسن: الشيطان زين لهم هي والله الضلالات وقيل نفسه الأمارة وهواه القبيح، وهو من إضافة الصفة للموصوف أي عمله السىء قال ابن عباس: نزلت في أبي جهل ومشركي مكة، وقيل: نزلت في أصحاب الأهواء والبدع ومنهم الخوارج الذين يستحلون دماء المسلمين وأموالهم، وليس أصحاب الكبائر من الذنوب منهم لأنهم يعتقدون تحريمها مع ارتكابهم إياها.
(فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء) مقررة لما قبلها ومحققة للحق ببيان أن الكل بمشيئته أي يضل من يشاء أن يضله ويهدي من يشاء أن يهديه وهذه الآية ترد على القدرية قولهم.
(فلا تذهب نفسك عليهم حسرات) أي لا تحزن عليهم. قرىء: بفتح الفوقية والهاء مسنداً إلى النفس فيكون من باب لا أرينك ههنا أي لا تتعاط أسباب ذلك، وقرىء بضم التاء وكسر الهاء ونصب نفسك أي فلا تهلكها عليهم أي على عدم إيمانهم.
وقوله حسرات مفعول لأجله والجمع للدلالة على تضاعف اغتمامه على كثرة قبائحهم الموجبة للتأسف والتحسر عليهم، ويجوز أن ينتصب حسرات على الحال كأنها صارت كلها حسرات لفرط التحسر، كما روي عن سيبويه، وقال المبرد: إنها تمييز، وعليهم صلة لتذهب كما يقال: هلك عليه حباً، ومات عليه حزناً والحسرة شدة الحزن وهم النفس على ما فات من الأمر وأشد التلهف على الشيء الفائت، تقول: حسر على الشيء من باب طرب وحسره أيضاًً فهو حسير.
(إن الله عليم بما يصنعون) لا تخفى عليه من أفعالهم وأقوالهم خافية؛ والجملة تعليل لما قبلها مع ما تضمنته من الوعيد الشديد، ثم أخبر سبحانه عن نوع من أنواع بديع صنعه وعظيم قدرته ليتفكروا في ذلك وليعتبروا به فقال: وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ (9) مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ (10) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (11)
فاطر 35:9
(والله الذي أرسل الرياح) قرأ الجمهور بالجمع وقرىء: الريح بالأفراد وهي سبعية عن ابن مسعود قال: يقوم ملك بالصور بين السماء والأرض فينفخ فيه فلا يبقى خلق الله في السموات والأرض إلا من شاء الله إلا مات ثم يرسل الله من تحت العرش منياً كمني الرجال فتنبت أجسامهم ولحومهم من ذلك الماء كما تنبت الأرض من الثرى، ثم قرأ هذه الآية:
(فتثير سحاباً [[هذه الآية قطعية في أن المطر من السحاب وأن الرياح هي التي تسوقه بأمره تعالى إلى إحياء الموات من الأرض والآية معجزة كونية لأن ما ثبت بها في عصر كان أهله يظنون المطر ينزل من سقف السماء من غرابيل إلى غير ذلك من خرافات وأساطير أدخلها وهب بن منبه وكعب الأحبار ومن إليهما فبيانها الواضح يرد خبث المغترين. المطيعي.]]) جاء بالمضارع بعد الماضي استحضاراً لتلك الصورة البديعة الدالة على كمال القدرة والحكمة لأن ذلك أدخل في اعتبار المعتبرين. والمعنى: أنها تزعجه وتحركه من حيث هو.
(فسقناه) فيه التفات عن الغيبة، وقال أبو عبيدة: سبيله فتسوقه لأنه قال: فتثير سحاباً. قيل: النكتة في التعبير بالماضيين بعد المضارع الدلالة على التحقق (إلى بلد) هو يذكر ويؤنث والبلدة البلد (ميت) أي أرض ليس بها نبات ولا مرعى. قال المبرد: ميت وميت واحد، وقال: هذا قول البصريين.
(فأحيينا به الأرض) أي أحيينا بالمطر النازل منه الأرض بإنبات النبات فيها، وإن لم يتقدم ذكر المطر فالسحاب يدل عليه، أو أحيينا بالسحاب لأنه سبب المطر (بعد موتها) أي بعد يبسها استعار الأحياء للنبات والموت لليبس.
(كذلك النشور) أي كذلك يحيي الله العباد بعد موتهم كما أحيا الأرض بعد موتها والنشور والبعث من نشر الإنسان نشوراً أي مثل إحياء موات الأرض في صحة المقدور به وسهولة التأتي إحياء الأموات إذ ليس بينهما إلا احتمال اختلاف المادة في المقيس عليه، وذلك لا مدخل له فيها فكيف تنكرونه؟، وقد شاهدتم غير مرة ما هو مثله وشبيه به.
عن أبي رزين العقيلي قال: قلت: " يا رسول الله كيف يحيي الله الموتى؟ قال أما مررت بأرض مجدبة ثم مررت بها مخصبة تهتز خضراء؟ قلت: بلى، قال: كذلك يحيي الله الموتى، وكذلك النشور ". أخرجه أحمد والبيهقي والطيالسي وغيرهم.
فاطر 35:10
(مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا) فليطلبها منه لا من غيره قال الفراء: معناه من كان يريد أن يعلم لمن العزة فإنها لله جميعاً، وقال قتادة: من كان يريد العزة فليتعزز بطاعة الله، فجعل معنى لله العزة الدعاء إلى طاعة من له العزة كما يقال: من أراد المال فالمال لفلان، أي فليطلبه من عنده، وقال الزجاج: تقديره من كان يريد بعبادة الله العزة فالعزة له سبحانه، فإن الله عز وجل يعزه في الدنيا والآخرة.
وقيل: المراد به المشركون فإنهم كانوا يتعززون بعبادة الأصنام كقوله: (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا)، وقيل: المراد الذين كانوا يتعززون بهم من الذين آمنوا بألسنتهم الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة؟ والظاهر في معنى الآية: أن من كان يريد العزة ويطلبها فليطلبها من الله عز وجل فلله العزة جميعاً ليس لغيره منها شيء، فتشمل الآية كل من طلب العزة، ويكون المقصود بها التنبيه لذوي الأقدار والهمم من أين تنال العزة وتستحق، ومن أي جهة تطلب فتكون الألف واللام للاستغراق، وهو المفهوم من آيات هذه السورة.
(إليه) تعالى لا إلى غيره (يصعد الكلم الطيب) الصعود هو الحركة إلى فوق وهو العروج أيضاًً وموضع الثواب فوق، وموضع العذاب أسفل، ومعنى صعوده إليه قبوله له، أو صعود الكتبة من الملائكة بما يكتبونه من الصحف، وخص الكلم الطيب بالذكر لبناء الثواب عليه، وهو يتناول كل كلام يتصف بكونه طيباً من ذكر الله وأمر بمعروف ونهي عن منكر وتلاوة وغير ذلك، فلا وجه لتخصيصه بكلمة التوحيد أو بالتحميد والتمجيد، وقيل: المراد بصعوده صعوده إلى سماء الدنيا، وقيل: يصعد إلى سمائه والمحل الذي لا يجري فيه لأحد غيره حكم، وفيه دليل على علوّه تعالى فوق الخلق وكونه بائناً عنه بذاته الكريمة، كما تدل له الآيات الأخرى الصريحة والأحاديث المستفيضة الصحيحة، وقيل: المراد بصعوده علم الله به والأولى ما ذكرناه آنفاً.
(والعمل الصالح يرفعه) أي يرفع الكلم الطيب كما قال الحسن وشهر ابن حوشب وسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة وأبو العالية والضحاك، ووجهه: أنه لا يقبل الكلم الطيب إلا مع العمل الصالح. وقيل: إن فاعل يرفعه هو الكلم الطيب، ومفعوله العمل الصالح، ووجهه أن العمل الصالح لا يقبل إلا مع التوحيد والإيمان، وقيل: إن فاعل يرفعه ضمير يعود إلى الله عز وجل، والمعنى أن الله يرفع العمل الصالح على الكلم الطيب، لأن العمل يحقق الكلام، وقيل: العمل الصالح يرفع صاحبه وهو الذي أراد العزة، وقال قتادة: المعنى أن الله يرفع العمل الصالح لصاحبه أي يقبله فيكون قوله والعمل الصالح مبتدأ وخبره يرفع، وكذا على قول من قال يرفع صاحبه، قرأ الجمهور يصعد من صعد الثلاثي، والكلم بالرفع على الفاعلية، وقرأ علي وابن مسعود يصعد بضم حرف المضارعة من أصعد، والكلم بالنصب على المفعولية، وقرأ الضحاك على البناء للمفعول وقرأ الجمهور الكلم وقرأ أبو عبد الرحمن الكلام وقرأوا العمل بالرفع على العطف أو على الابتداء وقرأ ابن أبي عبلة وعيسى بن عمر بالنصب على الاشتغال.
وعن ابن مسعود في الآية قال: " إذا حدثناكم بحديث أتيناكم بتصديق ذلك من كتاب الله سبحانه إن العبد المسلم إذا قال: سبحان الله وبحمده والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر وتبارك الله قبض عليهن ملك فضمهن تحت جناحه، ثم يصعد بهن إلى السماء فلا يمر بهن على جمع من الملائكة إلا استغفر لقائلهن حتى يحيي بهن وجه الرحمن، ثم قرأ: إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه، قال: أداء الفرائض فمن ذكر الله في أداء فرائضه حمل عمله ذكر الله فصعد به إلى الله، ومن ذكر الله ولم يؤد فرائضه رد كلامه على عمله، وكان عمله أولى به ". أخرجه الطبراني والبيهقي والحاكم وصححه وغيرهم.
(والذين يمكرون السيئات) ليس مفعولاً به لأن مكر لازم فانتصابه على أنه صفة لمصدر محذوف أي يمكرون المكرات السيئات ويجوز أن يضمن يمكرون معنى يكسبون فيكون السيئات مفعولاً به. قال مجاهد وقتادة: هم أهل الربا.
وقال أبو العالية: هم الذين مكروا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - لما اجتمعوا في دار الندوة. وقال الكلبي: هم الذين يعملون السيئات في الدنيا. وقال مقاتل: هم المشركون (لهم عذاب شديد) أي بالغ الغاية في الشدة.
(ومكر أولئك هو يبور) أي يهلك ويفسد ويبطل ومنه: وكنتم قوماً بوراً، وقد أبارهم الله إبارة بسبب مكرانهم، حيث أخرجهم من مكة وقتلهم وأثبتهم في قليب، فجمع عليهم مكراتهم الثلاث التي اكتفوا في حقه بواحدة منها، والمكر في الأصل الخديعة والاحتيال والإشارة بقوله " أولئك " إلى الذين مكروا السيئات على اختلاف الأقوال في تفسير مكرهم وجملة هو يبور خبر مكر أولئك ووضع اسم الإشارة موضع ضميرهم للإيذان بكمال تميزهم بما هم عليه من الشر والفساد عن سائر المفسدين. واشتهارهم بذلك، ثم ذكر سبحانه دليلاً آخر على صحة البعث والنشور فقال:
فاطر 35:11
(والله خلقكم) ابتداء في ضمن خلق أبيكم آدم (من تراب) وقال قتادة: يعني آدم والتقدير على هذا خلق أباكم الأول وأصلكم الذي ترجعون إليه من تراب.
(ثم من نطفة) أخرجها من ظهر أبيكم (ثم جعلكم أزواجاً) أي زوج بعضكم ببعض فالذكر زوج الأنثى أو جعلكم أصنافاً ذكراناً وإناثاً (وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه) أي لا يكون حمل ولا وضع إلا والله عالم به فلا يخرج شيء من علمه وتدبيره، ومن زائدة.
(وما يعمّر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب) قرىء ينقص مبنياً للمفعول وللفاعل ومن عمره بضم الميم وبسكونها والمعنى ما يطول عمر أحد ولا ينقص من عمره إلا في اللوح المحفوظ، قال الفراء: يريد آخر غير الأول فكنى عنه بالضمير، كأنه الأول لأن لفظ الثاني لو ظهر كان كالأول كأنه قال: ولا ينقص من عمر معمر فالكناية في عمره ترجع إلى آخر غير الأول، ومثله قولك: عندي درهم ونصفه، أي نصف آخر، قيل: إنما سمى معمراً باعتبار مصيره إليه والمعنى ما يمد في عمر أحد ولا ينقص من عمر أحد لكن لا على معنى: ولا ينقص من عمره بعد كونه زائداً، بل على معنى أنه لا يجعل من الابتداء ناقصاً إلا وهو في كتاب. قال سعيد بن جبير وما يعمر من معمر إلا كتب عمره كم هو سنة؟ كم هو شهراً؟ كم هو يوماً؟ كم هو ساعة؟ ثم يكتب في كتاب آخر نقص من عمره ساعة، نقص من عمره يوم، نقص من عمره شهر، نقص من عمره سنة، حتى يستوفي أجله فما مضى من أجله فهو النقصان، وما يستقبل فهو الذي يعمره.
قال النسفي: هذا من الكلام المتسامح فيه ثقة في تأويله بأفهام السامعين واتكالاً على تسديدهم معناه بعقولهم، وأنه لا يلتبس عليهم إحالة الطول والقصر في عمر واحد، وعليه كلام الناس يقولون: لا يثيب الله عبداً ولا يعاقبه إلا بحق، أو تأويل الآية أنه يكتب في الصحيفة عمره كذا كذا سنة، ثم يكتب في أسفل ذلك ذهب يوم، ذهب يومان، حتى يأتي على آخره، فذلك نقصان عمره انتهى. وقال قتادة: المعمر من بلغ ستين سنة والمنقوص من عمره من يموت قبل ستين، وقيل المعنى: أن الله كتب عمر الإنسان كذا إن أطاع ودونه إن عصى، فأيهما بلغ فهو في كتاب، والضمير على هذا يرجع إلى معمر، وقيل المعنى: وما يعمر من معمر إلى الهرم ولا ينقص آخر من عمر الهرم إلا في كتاب الله، أي بقضاء الله قاله الضحاك، واختاره النحاس قال وهو أشبهها بظاهر التنزل، والأولى أن يقال: ظاهر النظم القرآني أن تطويل العمر وتقصيره هما بقضاء الله وقدره لأسباب تقتضي التطويل، وأسباب تقتضي التقصير فمن أسباب التطويل ما ورد في صلة الرحم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثل قوله " من أحب أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره، أي يؤخر في عمره فليصل رحمه ". ونحو ذلك.
ومن أسباب التقصير: الاستكثار من معاصي الله سبحانه فإذا كان العمر المضروب للرجل مثلاً سبعين سنة فقد يزيد الله له عليها إذا فعل أسباب الزيادة وقد ينقصه منها إذا فعل أسباب النقصان والكل في كتاب مبين، فلا تخالف بين هذه الآية وبين قوله سبحانه: (فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون) ويؤيد هذا قوله سبحانه: (يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب)، وقد قدمنا في تفسيرها ما يزيد ما ذكرنا هنا وضوحاً وبياناً.
قال ابن عباس في الآية يقول: ليس أحد قضيت له طول العمر والحياة إلا وهو بالغ ما قدرت له من العمر وقد قضيت له ذلك فإنما ينتهي إلى الكتاب الذي قدرت له لا يزاد عليه، وليس أحد قضيت عليه أنه قصير العمر والحياة ببالغ العمر، ولكن ينتهي إلى الكتاب الذي كتب له فذلك قوله: ولا ينقص من عمره إلا في كتاب، يقول: كل ذلك في كتاب عنده.
وأخرج أحمد ومسلم وأبو عوانة وابن حبان والطبراني وابن المنذر وابن أبي حاتم عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال: " قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدخل الملك على النطفة بعد ما تستقر في الرحم بأربعين أو بخمس وأربعين ليلة، فيقول: أي رب أشقي أم سعيد؟ أذكر أم أنثى؟ فيقول الله ويكتبان، ثم يكتب عمله ورزقه وأجله وأثره ومصيبته، ثم تطوى الصحيفة فلا يزاد فيها ولا ينقص منها ".
وأخرج ابن أبيِ شيبة ومسلم والنسائي أبو الشيخ عن ابن مسعود قال قالت أم حبيبة: اللهم امتعني بزوجي النبي، وبأبي سفيان، وبأخي معاوية، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - " إنك سألت الله لآجال مضروبة، وأيام معدودة، وأرزاق مقسومة، ولن يعجل الله شيئاًً قبل حله أو يؤخر شيئاًً ولو كنت سألت الله أن يعيذك من عذاب في النار أو عذاب في القبر كان خيراً وأفضل ". وهذه الأحاديث مخصصة بما ورد من قبول الدعاء، وأنه يعتلج هو والقضاء، وبما ورد في صلة الرحم أنها تزيد في العمر فلا معارضة بين الأدلة كما قدمنا.
(إن ذلك) أي ما سبق من الخلق وما بعده (على الله يسير) لا يصعب عليه منه شيء، ولا يعزب عنه كثير ولا قليل، ولا كبير ولا صغير، ثم ذكر سبحانه نوعاً آخر من بديع صنعه، وعجيب قدرته، فقال: وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (12) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (13)
فاطر 35:12
(وما يستوي البحران هذا) أي أحدهما (عذب فرات) شديد العذوبة (سائغ شرابه) مريء يسهل انحداره في الحلق لعذوبته (وهذا ملح أجاج) شديد الملوحة، وقيل هو الذي يحرق الحلق بملوحته فالمراد بالبحرين: العذب والمالح، فالعذب الفرات: الحلو، والأجاج: المر، وقرىء سيغ مشدداً وقرىء ملح بفتح الميم، وقيل: المقصود من الآية ضرب مثل ضربه الله تعالى للمؤمن والكافر.
(ومن كل) منهما (تأكلون لحماً طرياً) وهو ما يصاد منهما من حيواناتهما التي تؤكل، وهذا وما بعد ذلك إما استطراداً في صفة البحرين وما فيهما من النعم والمنافع، وإما تكملة للتمثيل، والمعنى كما أنهما وإن اشتركا في بعض الفوائد لا يتساويان من حيث إنهما متفاوتان فيما هو المقصود بالذات من الماء، لما خالط أحدهما ما أفسده، وغيره عن كمال فطرته، كذلك لا يساوي الكافر المؤمن، وإن شاركه في بعض الصفات كالشجاعة والسخاوة ونحوهما لتباينهما فيما هو الخاصية العظمى لبقاء أحدهما على فطرته الأصيلة وحيازته لكماله اللائق دون الآخر، أو تفضيل للأجاج على الكافر من حيث إنه يشارك العذب في منافع كثيرة، والكافر خلو من المنافع بالكلية على طريقة قوله تعالى: (ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة) الخ. قاله أبو السعود.
(وتستخرجون حلية) وهي اللؤلؤ والمرجان، وهو صغار اللؤلؤ، وقال الطرطوشي: هو عروق حمر تطلع من البحر كأصابع الكف وهكذا شاهدناه بمغارب الأرض كثيراً انتهى. والظاهر أن المعنى وتستخرجون منهما حلية، وقال المبرد: إنما تستخرج الحلية من المالح، وروي عن الزجاج أنه قال: إنما تستخرج الحلية منهما إذا اختلطا لا من كل واحد منهما على انفراده ورجح النحاس قول المبرد، ومعنى.
(تلبسونها) تلبسون كل شيء منها بحسبه، كالخاتم في الأصبع، والسوار في الذراع، والقلادة في العنق والخلخال في الرجل، ومما يلبس حلية السلاح الذي يحمل كالسيف والدرع ونحوهما.
(وترى الفلك فيه) أي في كل واحد من البحرين، وقال النحاس: الضمير يعود إلى المالح خاصة ولولا ذلك لقال: فيهما (مواخر) يقال: مخرت السفينة تمخر إذا شقت الماء بجريها فيه فالمعنى: وترى السفن في البحرين شواق للماء. بعضها مقبلة وبعضها مدبرة، بريح واحدة، وقد تقدم الكلام على هذا في سورة النحل (لتبتغوا من فضله) أي فعل ذلك لتبتغوا، قال مجاهد ابتغاء الفضل هو التجارة في البحر إلى البلدان البعيدة في المدة القريبة كما تقدم في البقرة.
(ولعلكم تشكرون) الله على ما أنعم به عليكم من ذلك.
فاطر 35:13
(يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل) أي يضيف بعض أجزائهما إلى الآخر فيزيد في أحدهما بالنقص في الآخر وقد تقدم تفسيره في آل عمران وفي مواضع من الكتاب العزيز.
(وسخر الشمس والقمر) عطف على يولج واختلاف الصيغة لما أن إيلاج أحد الملوين في الآخر متجدد حيناً فحيناً وأما تسخير النيرين فأمر لا تجدد ولا تعدد فيه، وإنما المتعدد المتجدد آثاره.
(كل) منهما (يجري) في فلكه (لأجل مسمى) قدره الله لجريانهما وهو يوم القيامة، وقيل: هو المدة التي يقطعان في مثلها الفلك وهو سنة للشمس وشهر للقمر، وقيل: المراد به جري الشمس في اليوم والقمر في الليلة، وقد تقدم تفسير هذا مستوفى في سورة لقمان.
(ذلكم) أي الفاعل لهذه الأفعال المتقدمة من أول السورة إلى هنا وهو مبتدأ وخبره.
(الله ربكم له الملك) أي هذا الذي من صنعته ما تقدم هو الخالق المقدر والقادر والمقتدر المالك للعالم والمتصرف فيه، ويجوز أن يكون قوله: له الملك جملة مستقلة في مقابلة قوله:
(والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير) أي لا يقدرون عليه ولا على خلقه، والقطمير: القشرة الرقيقة التي تكون بين التمرة والنواة، وتصير على النواة كاللفافة لها، وقال المبرد: هو شق النواة، وقال قتادة هو القمع الذي على رأس النواة. قال الجوهري: ويقال هي النكتة البيضاء التي في ظهر النواة تنبت منها النخلة، وقال ابن عباس: القطمير القشر. وفي لفظ الجلد الذي يكون على ظهر النواة ومعلوم أن في النواة أربعة أشياء يضرب بها المثل في القلة: الفتيل وهو ما في شق النواة، والقطمير: وهو اللفافة، والثفروق: وهو ما بين القمع والنواة، والنقير: وهو ما في ظهرها. ثم بين سبحانه حال هؤلاء الذين يدعونهم من دون الله بأنهم لا ينفعون ولا يضرون فقال: إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (14) يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (15) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (16) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (17)
فاطر 35:14
(إن تدعوهم) أي إن تستغيثوا بهم في النوائب (لا يسمعوا دعاءكم) لكونها جمادات لا تدرك شيئاًً من المدركات.
(ولو سمعوا) فرضاً وتقديراً (ما استجابوا لكم) لعجزهم عن ذلك. قال قتادة: المعنى ولو سمعوا لم ينفعوكم، وقيل المعنى لو جعلنا لهم سماعاً وحياة فسمعوا دعاءكم لكانوا أطوع لله منكم ولم يستجيبوا لكم إلى ما دعوتهم إليه من الكفر.
(ويوم القيامة يكفرون بشرككم) أي يتبرأون من عبادتكم لهم، ويقولون: ما كنتم إيانا تعبدون، ويجوز أن يرجع: والذين تدعون من دونه وما بعده إلى من يعقل ممن عبدهم الكفار، وهم الملائكة والجن والشياطين والمعنى: أنهم يجحدون أن يكون ما فعلتموه حقاً وينكرون أنهم أمروكم بعبادتهم كما أخبر الله عن عيسى بقوله: (ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق)، قال القرطبي: ويجوز أن يندرج فيه الأصنام أيضاًً أي: يحييها الله حتى تخبر بأنها ليست أهلاً للعبادة.
(ولا ينبئك مثل خبير) أي لا يخبرك أيها المفتون بأسباب الغرور مثل من هو خبير بالأشياء، عالم بخبايا الأمور، وهو الله سبحانه فإنه لا أحد أخبر بخلقه وأقوالهم وأفعالهم منه سبحانه، وهو الخبير بكنه الأمور وحقائقها ثم ذكر سبحانه افتقار خلقه إليه ومزيد حاجتهم إلى فضله فقال:
فاطر 35:15
(يا أيها الناس أنتم الفقراء) المحتاجون (إلى الله) في جميع أمور الدين والدنيا فهم الفقراء إليه على الإطلاق في أنفسهم وفيما يعرض لهم من سائر الأمور وتعريف الفقراء للمبالغة في فقرهم، كأنهم لشدة افتقارهم وكثرة احتياجهم هم الفقراء، وأن افتقار سائر الخلائق بالإضافة إلى فقرهم غير معتدّ به ولذلك قال: (وخلق الإنسان ضعيفاً)، ولم يسمهم بالفقراء للتحقير بك للتعريض على الاستغناء، ولهذا وصف نفسه بالغنى الذي هو مطمع الأغنياء فقال:
(والله هو الغني) على الإطلاق (الحميد) المستحق للحمد من عباده بإحسانه إليهم ثم ذكر سبحانه نوعاً آخر من الأنواع التي يتحقق عندها افتقارهم إليه واستغناؤهم عنهم فقال:
فاطر 35:16
(إن يشأ يذهبكم) كلكم إلى العدم ويفنيكم وفيه بلاغة كاملة أي ليس إذهابكم موقوفاً إلا على مشيئته ثم زاد على بيان الاستغناء بقوله: (ويأت) بدلكم (بخلق جديد) يطيعونه ولا يعصونه أو يأت بنوع من أنواع الخلق، وعالم من العوالم غير ما تعرفون.
فاطر 35:17
(وما ذلك) الإذهاب بكم والإتيان بآخرين (على الله بعزيز) أي بممتنع ولا متعسر، وقد مضى تفسير هذا في سورة إبراهيم.
وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (18) وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (19) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (20) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (21) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (22)
فاطر 35:18
(ولا تزر) أي ولا تحمل نفس (وازرة) آثمة (وزر) إثم نفس (أخرى) فحذف الموصوف للعلم به بل كل نفس تحمل وزرها ولا تخالف هذه الآية قوله: (وليحملن أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم)، لأنهم إنما حملوا أثقال إضلالهم مع أثقال ضلالهم، والكل من أوزارهم لا من أوزار غيرهم، ومثل هذا: حديث " من سنَّ سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة "، فإن الذي سن السنة السيئة إنما حمل وزر سنته السيئة، وقد تقدم الكلام على هذه الآية مستوفى وقد أخرج أحمد والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجة عن عمرو بن الأحوص أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال في حجة الوداع: " ألا لا يجني جان إلا على نفسه، لا يجني والد على ولده، ولا مولود على والده ".
وأخرج أبو داود والترمذي والنسائي والبيهقي وغيرهم عن أبي رمثة قال: " انطلقت مع أبي نحو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلما رأيته قال لأبي: ابنك هذا؟ قال أي ورب الكعبة. قال: أما إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه ". ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذه الآية. قال ابن عباس: يلقى الأب والأم الابن فيقولان له: يا بني احمل عنا بعض ذنوبنا فيقول: لا أستطيع حسبي ما علي.
(وإن تدع مثقلة إلى حملها) قال الفراء: أي نفس مثقلة بالذنوب قال: وهذا يقع للمذكر والمؤنث. قال الأخفش: أي وإن تدع مثقلة إنساناً إلى حملها وهو ذنوبها. والحمل بالكسر ما يحمل على الظهر ونحوه، والجمع أحمال وحمول وحملت المتاع حملاً من باب ضرب فأنا حامل والأنثى حاملة بالتاء لأنها صفة مشتركة. قال ابن السكيت: الحمل بالفتح ما كان في البطن أو على رأس شجرة، والحمل بالكسر ما كان على ظهر أو رأس، قال الأزهري: وهذا هو الصواب وهو قول الأصمعي. وقال: امرأة حامل وحاملة إذا كانت حبلى.
(لا يحمل منه) أي من حملها (شيء) قال ابن عباس: لكونه عليه وزر لا يجد أحداً يحمل عنه من وزره شيئاًً (ولو كان ذا قربى) أي، ولو كان الذي تدعوه ذا قرابة لها لم يحمل من حملها شيئاًً، ومعنى الآية وإن تدع نفس مثقلة بالذنوب نفساً أخرى إلى حمل شيء من ذنوبها معها لم تحمل تلك المدعوة من تلك الذنوب شيئاًً، ولو كانت قريبة لها من النسب كالأب والأم والابن والأخ فكيف بغيرها ممن لا قرابة بينها وبين الداعية لها.
وقرىء: ذو قربى على أن كان تامة. كقوله: (وإن كان ذو عسرة)، قال الزمخشري: ونظم الكلام أحسن ملاءمة للناقصة لأن المعنى على أن المثقلة إذا دعت أحداً إلى حملها لا يحمل منه ولو كان مدعوها ذا قربى، وهو ملتئم. ولو قلت: ولو وجد ذو قربى لخرج عن التئامه اهـ.
(إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب) مستأنفة مسوقة لبيان من يتعظ بالإنذار، أي أنهم يخشونه حال كونهم غائبين عن عذابه، أو يخشون عذابه وهو غائب عنهم، ويخشونه في الخلوات عن الناس. قال الزجاج: تأويله أن إنذارك إنما ينفع الذين يخشون ربهم فكأنك تنذرهم دون غيرهم ممن لا ينفعهم الإنذار كقوله: (إنما أنت منذر من يخشاها)، وقوله: (إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب).
(وأقاموا الصلاة) أي احتفلوا بأمرها، ولم يشتغلوا عنها بشيء مما يلهيهم وأداموها (ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه) وقرىء من أزكى فإنما يزكى لنفسه، والتزكي: التطهر من أدناس الشرك والفواحش والمعنى أن من تطهر بترك المعاصي واستكثر من العمل الصالح فإنما يتطهر لنفسه لأن نفع ذلك مختص به كما أن وزر من تدنس لا يكون إلا عليه لا على غيره.
(وإلى الله المصير) لا إلى غيره، ذكر سبحانه أولاً: أنه لا يحمل أحد ذنب أحد، ثم ذكر ثانياً: أن المذنب إن دعا غيره وإن كان من قرابته إلى حمل شيء من ذنوبه لا يحمله، ثم ذكر ثالثاً: أن ثواب الطاعة مختص بفاعلها ليس لغيره منه شيء، ثم ضرب مثلاً للمؤمن والكافي وقد قرر ببيان التنامي أولاً بين ذاتيهما، وثانياً بين وصفيهما، وثالثاً بين مستقريهما، ودار بهما في الآخرة فقال:
فاطر 35:19
(وما يستوي الأعمى) أي المسلوب حاسة البصر واستوى من الأفعال التي لا يكفي فيها واحد، فلو قلت استوى زيد لم يصح، فمن ثم لزم العطف على الفاعل، أو تعدده (والبصير) الذي له ملكة البصر فشبه الكافر بالأعمى وشبه المؤمن بالبصير، وقيل: مثل للجاهل والعالم.
فاطر 35:20
(ولا) تستوي (الظلمات ولا النور) فشبه الباطل بالظلمات وشبه الحق بالنور، وقيل: إنما جمع الظلمات وأفرد النور لتعدد فنون الباطل، واتحاد الحق.
فاطر 35:21
(ولا الظل ولا الحرور) بالفتح شدة حر الشمس وهو خلاف البرد يقال: حر اليوم والطعام يحر من باب تعب وحر حراً وحروراً من بابي ضرب وقعد لغة، والاسم: الحرارة، فهو حار وحرت النار تحر من باب تعب توقّدت واستعرت، والحرة بالفتح: أرض ذات حجارة سود والجمع حرار مثل كلبة وكلاب، والحرور على وزن رسول: الريح الحارة. قال الأخفش: لا يكون الحرور إلا مع شمس النهار، والسموم يكون بالليل، وقيل: عكسه. وقال رؤبة بن العجاج: الحرور يكون بالليل خاصة والسموم يكون بالنهار خاصة وقال الفراء: السموم لا يكون إلا بالنهار والحرور يكون فيهما. قال النحاس: وهذا أصح، وقال قطرب: الحرور: الحر، والظل: البرد، والمعنى أنه لا يستوي الظل الذي لا حر فيه ولا أذى، والحر الذي يؤذي قيل: أراد الثواب والعقاب، وسمي الحر حروراً مبالغة في شدة الحر، لأن زيادة البناء تدل على زيادة المعنى. وقال الكلبي: أراد بالظل الجنة، وبالحرور النار. وقال عطاء: يعني ظل الليل وشمس النهار ثم ذكر سبحانه تمثيلاً آخر للمؤمن والكافر، وهو أبلغ من الأول فقال:
فاطر 35:22
(وما يستوي الأحياء ولا الأموات) فشبه المؤمنين بالأحياء وشبه الكافرين بالأموات وهو أبلغ من الأول لكمال التنافي بين الحي والميت، ولذلك أعيد الفعل، وأما التنافي بين الأعمى والبصير فليس تاماً لإمكان اشتراكهما في كثير من الإدراكات.
وقال ابن قتيبة: الأحياء العقلاء والأموات الجهال. قال قتادة هذه كلها أمثال أي: كما لا تستوي هذه الأشياء كذلك لا يستوي الكافر والمؤمن، وقد زيدت (لا) في المواضع الثلاثة خمس مرات اثنتين في الأولى واثنتين في الثانية وواحدة في الثالثة. والكل لتأكيد نفي الاستواء فالزيادة شاملة لأصل زيادتهما كالأولى من الجملة الأولى ولتكريرها كالثانية منها.
(إن الله يسمع من يشاء) أن يسمعه من أوليائه الذين خلقهم لجنته، ووفقهم لطاعته، وهذا شروع في تسلية النبي صلى الله عليه وسلم. وتنتهي بقوله: فكيف كان نكير. والمراد من قوله: يسمع بها ويوصل من شاء وصوله وهدايته فيحييه بالإيمان.
(وما أنت بمسمع من في القبور) يعني الكفار الذين أمات الكفر قلوبهم، أي كما لا يسمع من مات كذلك لا يسمع من مات قلبه. قرىء: بتنوين مسمع وقطعه عن الإضافة وبإضافته.
إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ (23) إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ (24) وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (25) ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (26)
فاطر 35:23
(إن أنت إلا نذير) أي ما أنت إلا رسول منذر ليس عليك إلا الإنذار والتبليغ وليس لك من الهدى شيء إنما الهدى والضلالة بيد الله عز وجل.
فاطر 35:24
(إنا أرسلناك بالحق) أي محقين أو محقاً أو إرسالاً متلبساً بالحق أي بالهدى (بشيراً) بالوعد الحق (ونذيراً) بالوعيد الحق أو بشيراً لأهل الطاعة ونذيراً لأهل المعصية.
(وإن من أمة إلا خلا فيها نذير) أي ما من أمة من الأمم الماضية إلا مضى فيها نذير من الأنبياء ينذرها، والأمة الجماعة الكثيرة، وتقال لكل أهل عصر، والمراد هنا أهل العصر، واقتصر على ذكر النذير دون البشير لأنه ألصق بالمقام.
فإن قلت: كم من أمة في الفترة بين عيسى ومحمد - صلى الله عليه وسلم - لم يخل فيها نذير؟ قلت: إذا كانت آثار النذارة باقية لم تخل من نذير إلا أن تندرس وحين اندرست آثار نذارة عيسى عليه السلام بعث الله محمداً - صلى الله عليه وسلم -، وآثار نذارته باقية إلى يوم القيامة لأنه لا نبي بعده، فهل من مدّكر، وهذا يقتضي أن أهل الفترة مكلفون لبقاء آثار الرسل المتقدمة فيهم، وهو خلاف ما في شرح ابن حجر على الهمزية أن أهل الفترة من أهل الجنة وإن غيروا وبدلوا وعبدوا غير الله، لأنه لم يرسل إليهم رسولاً لأن من قبلهم من الرسل انتهت رسالته بموته إذ لم يعلم لأحد من الرسل استمرار رسالته بعد الموت إلا نبينا - صلى الله عليه وسلم -، فهم غير مكلفين بما يفعلونه ولو كان صورة معصية.
لكن ورد النص بتعذيب بعض أهل الفترة كعمرو ابن لحي فيتلقى، ويعتقد فيمن ورد فيهم بخصوصهم، لا لأن ما فعلوه كفر بل لحكمة يعلمها الله تعالى لم نطلع عليها. انتهى ملخصاً. وحينئذ فالظاهر أنه لا يحصل الاتصال بين الآية وبين ما تقرر إلا بأن يلزم أن جملة العرب أمة ويصدق تقدم النذير فيها بتقدم إسماعيل وإن بني إسرائيل أمة، ويصدق تقدم النذير فيهم بتقدم عيسى ومن قبله فتأمل ثم سلى سبحانه نبيه - صلى الله عليه وسلم - وعزاه فقال:
فاطر 35:25
(وإن يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم) من الأمم الماضية أنبياءهم (جاءتهم رسلهم بالبينات) أي بالمعجزات الواضحة والدلالات الظاهرة (وبالزبر) أي الكتب المكتوبة كصحف إبراهيم وهي ثلاثون، وكصحف موسى قبل التوراة وهي عشرة. وكصحف شيت وهي ستون فجملة الصحف مائة تضم لها الكتب الأربعة فجملة الكتب المنزلة على الأنبياء مائة وأربعة. قاله الحفناوي.
(وبالكتاب المنير) كالتوراة والإنجيل، قيل: الكتاب المنير داخل تحت الزبر، وتحت البينات، والعطف لتغاير المفهومات وإن كانت متحدة في الصدق، والأولى تخصيص البينات بالمعجزات، والزبر بالكتب التي فيها مواعظ، والكتاب بما فيه شرائع وأحكام، وجواب الشرط محذوف، أي فاصبر كما صبروا، وأن المذكور دليل له.
فاطر 35:26
(ثم أخذت الذين كفروا) وضع الظاهر موضع المضمر يفيد التصريح بذمهم بما في حيز الصلة ويشعر بعلة الأخذ (فكيف كان نكير) الاستفهام تقريري كما قاله الكرخي، وينبغي أن يتأمل فيه، أي فكيف كان نكيري عليهم؟ وعقوبتي لهم؟ والنكير بمعنى الإنكار، وهو تغيير المنكر وقد مضى بيان هذا قريباً، ثم ذكر سبحانه نوعاً من أنواع قدرته الباهرة وخلقاً من مخلوفاته البديعة فقال: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (27) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (28)
فاطر 35:27
(ألم تر) والخطاب لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو لكل من يصلح له، وهذه الرؤية هي القلبية أي: ألم تعلم (أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به) أي بالماء يعني المطر، والنكتة في هذا الالتفات إظهار كمال العناية بالفعل، لما فيه من الصنع البديع، ولأن المنة بالإخراج أبلغ من إنزال الماء.
(ثمرات مختلفاً ألوانها) المراد بالألوان الأجناس والأصناف من الرمان والتفاح والتين والعنب وغيرها مما لا يحصر، أو هيئاتها أي بعضها أبيض، وبعضها أحمر، وبعضها أصفر، وبعضها أخضر وبعضها أسود، قال ابن عباس: أي الأبيض والأحمر والأسود.
(ومن الجبال جدد) الجدد جمع جدة بالضم وهي الطريق. قال: الأخفش ولو كان جمع جديد لقال: جدد بضم الجيم والدال نحو: سرير وسرر، وقرأ الزهري: جدد بضم الجيم والدال: جمع جديدة يقال جديدة وجدد وجدائد، وقال أبو الفضل: معناها آثار جديدة واضحة الألوان، وقرىء بفتحهما.
وقد رد أبو حاتم هذه القراءة من حيث النقل والمعنى وقد صححها غيره وقال الجدد: الطريق الواضح البين، وقيل الجدد: القطع مأخوذ من جددت الشيء إذا قطعته، حكاه ابن بحر. قال الجوهري: الجدة الخطة التي في ظهر الحمار تخالف لونه، والجدة الطريق، والجمع جدد وجدائد. قال المبرد: جدد طرائق وخطوط، قال الواحدي: ونحو هذا قال المفسرون في تفسير الجدد. وقال الفراء: هي الطرق تكون في الجبال كالعروق بيض وسود وحمر واحدها جدة.
(بيض وحمر) وصفر (مختلف ألوانها) بالشدة والضعف، والمعنى أن الله سبحانه أخبر عن جدد الجبال وهي طرائقها أو الخطوط التي فيها بأن لون بعضها البياض ولون بعضها الحمرة.
(وغرابيب سود) الغربيب الشديد السواد الذي يشبه لونه لون الغراب قال الجوهري: تقول هذا أسود غربيب، أي شديد السواد، وإذا قلت: غرابيب سود جعلت السود بدلاً من غرابيب، قال الفراء: في الكلام تقديم وتأخير، تقديره: وسود غرابيب لأنه يقال أسود غربيب، وقلما يقال: غربيب أسود، وقيل الغربيب تأكيد للأسود كالقاني للأحمر، ومن حق التوكيد أن يتبع المؤكد وإنما قدم للمبالغة والمعنى من الجبال جدد بيض وحمر ومن الجبال غرابيب على لون واحد وهو السواد، أو من الجبال جدد بيض وحمر وسود وقيل التقدير: ومن الجبال ذو جدد لأن الجدد إنما هي في ألوان بعضها.
فاطر 35:28
(ومن الناس والدواب) وقرىء بتخفيف الباء (والأنعام) أي ومنهم نف أو نوع أو بعض.
(مختلف ألوانه) بالحمرة والسواد والبياض والخضرة والصفرة قال الفراء أي: خلق مختلف ألوانه كاختلاف الثمرات والجبال، وإنما ذكر سبحانه اختلاف الألوان في هذه الأشياء لأن هذا الاختلاف من أعظم الأدلة على قدرة الله وبديع صنعه.
(كذلك) أي مختلفاً مثل ذلك الاختلاف، والتقدير مختلف ألوانه اختلافاً كائناً كذلك أي كاختلاف الجبال والثمار، وقال ابن عطية: متعلق بما بعده أي مثل ذلك النظر والاعتبار في مخلوقات الله، واختلاف ألوانها (إنما يخشى الله من عباده العلماء)، وهو مردود بأن ما بعد إنما لا يعمل فيما قبلها، والراجح الوجه الأول والوقف على كذلك تام، ثم استأنف الكلام وأخبر سبحانه بقوله:
(إنما يخشى الله من عباده العلماء) وهو من تتمة قوله: (إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب) على معنى إنما يخشاه سبحانه بالغيب العالمون به، وبما يليق به من صفاته الجليلة وأفعاله الجميلة، وعلى كل تقدير فهو سبحانه قد عين في هذه الآية أهل خشيته، وهم العلماء به، وبعظيم قدرته قال مجاهد: إنما العالم من خشي الله عز وجل، ومثله عن الشعبي.
وقال مسروق: كفى بخشية الله علماً وكفى بالاغترار جهلاً، وعن ابن مسعود نحوه فمن كان أعلم بالله كان أخشاهم له. قال الربيع بن أنس: من لم يخش الله فليس بعالم، ووجه تقديم المفعول أن المقام مقام حصر الفاعلية ولو أخر لانعكس الأمر، وقرىء: برفع الاسم الشريف ونصب العلماء ورويت هذه القراءة عن أبي حنيفة. قال في الكشاف: الخشية في هذه القراءة استعارة، والمعنى أنه يجلهم ويعظهم كما يجل المهيب المخشي من الرجال بين الناس.
قال ابن عباس: العلماء بالله الذين يخافونه، وعنه قال: الذين يعلمون أن الله على كل شيء قدير، وعن ابن مسعود قال: ليس العلم من كثرة الحديث، لكن العلم من الخشية، وفي لفظ بكثرة الرواية وعن حذيفة بحسب المؤمن من العلم أن يخشى الله.
وعن عائشة قالت: صنع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيئاًً فرخص فيه فتنزه عنه قوم فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فخطب فحمد الله، ثم قال: " ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه فوالله إني لأعلمهم بالله وأشدهم له خشية " أخرجه البخاري ومسلم.
(إن الله عزيز غفور) تعليل لوجوب الخشية لدلالته على أنه معاقب لى معصيته غافر لمن تاب من عباده.
إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (29) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (30)
فاطر 35:29
(إن الذين يتلون كتاب الله) أي يستمرون على تلاوته ويداومونها، الكتاب هو القرآن العظيم ولا وجه لما قيل: إن المراد به جنس كتب الله.
(وأقاموا الصلاة) أي فعلوها في أوقاتها مع كمال أركانها، وأذكارها، عن ابن عباس قال: نزلت في حصين بن الحرث بن عبد المطلب بن عبد مناف.
(وأنفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية) فيه حث على الإنفاق كيفما تهيأ فإن تهيأ سراً فهو أفضل، وإلا فعلانية ولا يمنعه ظنه أن يكون رياء، فإن ترك الخير مخافة ذلك هو عين الرياء ويمكن أن يكون المراد بالسر الصدقة المطلقة. وبالعلانية الزكاة، وإليه أشار في التقرير قاله الكرخي. وقيل: السر في المسنونة والعلانية في المفروضة.
(يرجون تجارة) أي ثواب الطاعة (لن تبور) أي لن تكسد ولن تهلك والأخبار برجائهم لثواب ما عملوا بمنزلة الوعد بحصول مرجوهم واللام في قوله:
فاطر 35:30
(ليوفيهم أجورهم) متعلقة بلن تبور على معنى أنها لن تكسد لأجل أن نوفيهم أجور أعمالهم الصالحة ومثل هذه الآية قوله سبحانه: (فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله) وقيل إن اللام متعلقة بمحذوف دل عليه السياق أي فعلوا ذلك ليوفيهم ومعنى:
(ويزيدهم من فضله) أنه يتفضل عليهم بزيادة على أجورهم التي هي جزاء أعمالهم، قيل بتفسيح القبور أو بتشفيعهم فيمن أحسن إليهم، أو بتضعيف حسناتهم، أو بتحقيق وعد لقائه (إنه غفور شكور) تعليل لما ذكر من التوفية والزيادة، أي غفور لذنوبهم شكور لطاعاتهم.
وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ (31) ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (32)
فاطر 35:31
(والذي أوحينا إليك من الكتاب) يعني القرآن وقيل اللوح المحفوظ على أن من تبعيضية أو ابتدائية (هو الحق مصدقاً لما بين يديه) أي موافقاً لما تقدمه من الكتب (إن الله بعباده لخبير بصير) أي محيط بجميع أمورهم الباطنة والظاهرة.
فاطر 35:32
(ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا) إنما قدم المفعول الثاني لقصد التشريف والتعظيم للكتاب والمعنى ثم أورثنا الذين اصطفيناهم من عبادنا الكتاب، وهو القرآن، أي قضينا وقدرنا أن نورث العلماء من أمتك يا محمد هذا الكتاب الذي نزلناه عليك، فأورثنا استعارة تبعية سمى إعطاء الكتاب إياهم من غير كد وتعب في وصوله إليهم بتوريث الوارث.
و (من) للبيان أو للتبعيض، والمراد بعبادنا أمة الإجابة سواء حفظوه أو لا فهو عطية لجميعهم حتى من لم يحفظه لأنه قدوته، وفيه هدايته وبركته، ومعنى اصطفائهم: اختيارهم واستخلاصهم. ولا شك أن علماء هذه الأمة من الصحابة فمن بعدهم إلى يوم القيامة قد شرفهم الله على سائر العباد، وجعلهم أمة وسطاً ليكونوا شهداء على الناس، وأكرمهم بكونهم أمة خير الأنبياء وسيد ولد آدم عليه وعليهم الصلاة والسلام، وخصهم بحمل أفضل الكتب، قال مقاتل: يعني قرآن محمد جعلناه ينتهي إلى الذين اصطفيناهم من عبادنا، وقيل: إن المعنى أورثناه من الأمم السالفة أي أخرناه عنهم، وأعطيناه الذين اصطفينا، والأول أولى.
ثم قسم سبحانه هؤلاء الذين أورثهم كتابه واصطفاهم من عباده إلى لاثة أقسام فقال:
(فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات) وفي قوله: (بإذن الله) تنبيه على عزة منال هذه الرتبة، وصعوبة مأخذها أي بأمره أو بعلمه، أو بتوفيقه (ذلك) أي توريث الكتاب والاصطفاء وقيل السبق إلى الخيرات، والأول أولى، وهو مبتدأ وخبره.
(هو الفضل الكبير) أي الفضل الذي لا يقادر قدره، وقد استشكل كثير من أهل العلم معنى هذه الآية لأنه سبحانه جعل هذا القسم الظالم لنفسه من ذلك المقسم، وهو من اصطفاهم من العباد فكيف يكون من اصطفاه الله ظالماً لنفسه، فقيل: إن التقسيم هو راجع إلى العباد أي فمن عبادنا ظالم لنفسه، وهو الكافر ويكون ضمير يدخلونها عائداً إلى المقتصد والسابق، وقيل: المراد بالظالم لنفسه هو المقصر في العمل به، وهو المرجى لأمر الله، وليس من ضرورة وراثة الكتاب مراعاته حق رعايته لقوله: فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب وهذا فيه نظر، لأن ظلم النفس لا يناسب الاصطفاء.
وقيل الظالم لنفسه هو الذي عمل الصغائر، وقد روي هذا القول عن عمر وعثمان وابن مسعود وأبي الدرداء وعائشة، وهذا هو الراجح لأن عمل الصغائر لا ينافي الاصطفاء، ولا يمنع من دخول صاحبه مع الذين يدخلون الجنة ووجه كونه ظالاً لنفسه أنه نقصها من الثواب بما فعل من الصغائر المغفورة له فإنه لو عمل مكان تلك الصغائر طاعات لكان لنفسه فيها من الثواب حظ عظيم وقيل الظالم هو صاحب الكبائر، قلت: ومنشأ الإشكال هو من جعل الوارثين هم العلماء من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم -، إذ لو جعلت الوراثة لجميع الأمة زال الإشكال للقطع بأن منهم ظالماً لنفسه، ولا ينافي الاصطفاء لكونهم فضلوا الأمم الآخرة، وقد ورد في ذلك شيء كثير كما لا يخفى ويؤيده ما سيأتي آخر البحث والله أعلم.
وقد اختلف السلف في تفسير السابق والمقتصد فقال عكرمة وقتادة والضحاك: إن المقتصد المؤمن العاصي، والسابق التقي على الإطلاق وبه قال الفراء. وقال مجاهد في تفسير الآية: فمنهم ظالم لنفسه أصحاب المشأمة ومنهم مقتصد أصحاب الميمنة ومنهم سابق بالخيرات السابقون من الناس كلهم، وقال المبرد: إن المقتصد هو الذي يعطي الدنيا حقها والآخرة حقها.
وقال الحسن الظالم الذي ترجح سيئاته على حسناته، والمقتصد الذي استوت حسناته وسيئاته والسابق من رجحت حسناته على سيئاته، وقال مقاتل: الظالم لنفسه أصحاب الكبائر من أهل التوحيد، والمقتصد الذي لم يصب كبيرة والسابق الذي سبق إلى الأعمال الصالحة. وحكى النحاس: أن الظالم صاحب الكبائر، والمقتصد لم يستحق الجنة بزيادة حسناته على سيئاته فيكون قوله الآتي:
فاطر 35:33
(جنات عدن يدخلونها) للذين سبقوا بالخيرات لا غير. قال: وهذا قول جماعة من أهل النظر لأن الضمير في حقيقة النظر لما يليه أولى.
وقال الضحاك: فمنهم ظالم لنفسه أي من ذريتهم ظالم لنفسه وقال سهل بن عبد الله: السابق العالم والمقتصد المتعلم، والظالم لنفسه الجاهل. وقال ذو النون المصري: الظالم لنفسه الذاكر لله بلسانه فقط، والمقتصد الذاكر بقلبه والسابق الذي لا ينساه. وقال الأنطاكي: الظالم صاحب الأقوال والمقتصد صاحب الأفعال والسابق صاحب الأحوال. وقال ابن عطاء: الظالم الذي يحب الله من أجل الدنيا والمقتصد الذي يحب الله من أجل العقبى والسابق الذي أسقط مراده بمراد الحق.
وقيل: الظالم الذي يعبد الله خوفاً من النار والمقتصد الذي يعبده طمعاً في الجنة والسابق الذي يعبده لا لسبب. وقيل: الظالم الذي يحب نفسه، والمقتصد الذي يحب دينه، والسابق: الذي يحب ربه، وقيل: الظالم الذي ينتصف ولا ينصف، والمقتصد: الذي ينصف وينتصف، والسابق: الذي ينصف ولا ينتصف وقيل: الظالم هو المرجىء لأمر الله، والمقتصد هو الذي خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً.
قال النسفي: وهنا التأويل يوافق التنزيل فإنه تعالى قال: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ) الآية، وقال بعده: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم) الآية وقال بعده: وآخرون مرجون لأمر الله) انتهى.
وقال الربيع بن أنس: الظالم صاحب الكبائر، والمقتصد صاحب الصغائر، والسابق المجتنب لهما، وسئل أبو يوسف عن هذه الآية فقال كلهم مؤمنون وأما صفة الكفار فبعد هذا. وهو قوله: (والذين كفروا لهم نار جهنم)، وأما الطبقات الثلاث فهم الذين اصطفى من عباده وهم أهل الإيمان وعليه الجمهور، وقيل الظالم من كان ظاهره خيراً من باطنه والمقتصد الذي استوى ظاهره وباطنه، والسابق الذي باطنه خير من ظاهره. وقيل: الظالم التالي للقرآن ولم يعمل به، والمقتصد: التالي له العالم به والسابق القارىء له العالم به لعامل بما فيه.
وقد ذكر الثعلبي وغيره أقوالاً كثيرة ولا شك أن المعاني اللغوية للظالم والمقتصد والسابق معروفة، وهو يصدق الظلم للنفس بمجرد إحرامها للحظ وتفويت ما هو خير لها، فتارك الاستكثار من الطاعات قد ظلم نفسه باعتبار ما فوقها من الثواب وإن كان قائماً بما أوجب الله عليه تاركاً لما نهاه عنه.
فهو من هذه الحيثية ممن اصطفاه الله ومن أهل الجنة فلا إشكال في الآية، ومن هذا قول آدم عليه السلام (ربنا ظلمنا أنفسنا) وقول يونس (إني كنت من الظالمين) ومعنى المقتصد: هو من يتوسط في أمر الدين، ولا يميل إلى جانب الإفراط ولا إلى جانب التفريط، وهذا من أهل الجنة، وأما السابق: فهو الذي سبق غيره في أمور الدين وهو خير الثلاثة، وقد استشكل تقديم الظالم على المقتصد وتقديمهما على السابق مع كون المقتصد أفضل من الظالم لنفسه، والسابق أفضل منهما فقيل: إن التقديم لا يقتضي التشريف كما في قوله: (لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة)، ونحوها من الآيات القرآنية التي فيها تقديم أهل الشر على أهل الخير وتقديم المفضولين على الفاضلين.
وقيل: وجه التقديم هنا أن الظالمين كثير وأن المقتصدين بالنسبة إلى أهل المعاصي قليل والسابقين بالنسبة إلى الفريقين أقل قليل، فقدم الأكثر على الأقل والأول أولى، فإن الكثرة بمجردها لا تقتضي تقديم الذكر.
وقال ابن عطاء: إنما قدم الظالم لئلا ييأس من فضله، وقيل: إنما قدمه ليعرفه أن ذنبه لا يبعده من ربه، وقيل: إن أول الأحوال معصية ثم توبة ثم استقامة. وقال جعفر الصادق: بدأ بالظالمين إخبار بأنه لا يتقرب إليه إلا بكرمه، وأن الظلم لا يؤثر في الاصطفاء، ثم ثنى بالمقتصدين لأنهم بين الخوف والرجاء، ثم ختم بالسابقين لئلا يأمن أحد مكره وكلهم في الجنة، وقد قيل في وجه التقديم غير ما ذكرناه مما لا حاجة إلى التطويل به.
وعن ابن عباس في الآية قال: هم أمة محمد - صلى الله عليه وسلم -، ورثهم الله كل كتاب أنزل، فظالمهم مغفور له، ومقتصدهم يحاسب حساباً يسيراً، وسابقهم يدخل الجنة بغير حساب.
وأخرج أحمد والترمذي وحسنه وغيرهما عن أبي سعيد الخدري عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في هذه الآية: " هؤلاء كلهم بمنزلة واحدة وكلهم يدخلون الجنة "، وفي إسناده رجلان مجهولان.
وأخرج أحمد وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وغيرهم عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: قال الله: (ثم أورثنا الكتاب) الآية فأما الذين سبقوا وأولئك الذين يدخلون الجنة بغير حساب، وأما الذين اقتصدوا فأولئك يحاسبون حساباً يسيراً، وأما الذين ظلموا أنفسهم فأولئك الذين يحبسون في طول المحشر، ثم هم الذين تلافاهم الله برحمته، فهم الذين يقولون: (الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن). الآية. قال البيهقي: إذا كثرت روايات في حديث ظهر أن للحديث أصلاً انتهى. وفي إسناد أحمد: محمد بن إسحق وفي إسناد ابن أبي حاتم رجل مجهول.
وأخرج الطبراني وابن أبي حاتم عن عوف بن مالك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " قال: أمتي ثلاثة أثلاث فثلث يدخلون الجنة بغير حساب، وثلث يحاسبون حساباً يسيراً، ثم يدخلون الجنة، وثلث يمحصون ويكشفون، ثم تأتي الملائكة فيقولون: وجدناهم يقولون: لا إله إلا الله وحده فيقول الله: أدخلوهم الجنة بقولهم لا إله إلا الله وحده، واحملوا خطاياهم على أهل التكذيب وهي التي قال الله: (وليحملن أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم) وتصديقها في التي ذكر في الملائكة قال الله تعالى: (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا) فجعلهم ثلاثة أفواج فمنهم ظالم لنفسه فهذا الذي يكشف ويمحص ومنهم مقتصد وهو الذي يحاسب حساباً يسيراً ومنهم سابق بالخيرات فهو الذي يلج الجنة بغير حساب ولا عذاب بإذن الله يدخلون الجنة جميعاً ". قال ابن كثير بعد ذكر هذا الحديث: غريب جداً انتهى.
وهذه الأحاديث يقوي بعضها بعضاً، ويجب المصير إليها ويدفع بها قول ن حمل الظالم لنفسه على الكافر.
ويؤيدها ما أخرجه الطبراني وابن مردويه والبيهقي في البعث، عن أسامة بن زيد: فمنهم ظالم لنفسه الآية قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " كلهم من هذه الأمة وكلهم في الجنة ". وما أخرجه الطيالسي وعبد ابن حميد والطبراني وغيرهم عن عقبة بن صهبان قال: قلت لعائشة أرأيت قول الله: ثم أورثنا الكتاب الآية؟ قالت: أما السابق فمن مضى في حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فشهد له بالجنة، أما المقتصد فمن تبع أثارهم، فعمل بمثل عملهم حتى لحق بهم، وأما الظالم لنفسه فمثلي ومثلك، ومن اتبعنا، وكل في الجنة. وعن ابن مسعود قال: هذه ثلاثة أثلاث يوم القيامة. ثلث يدخلون الجنة جميعاً بغير حساب، وثلث يحاسبون حساباً يسيراً، وثلث يجيئون بذنوب عظام إلا أنهم لم يشركوا فيقول الرب: أدخلوا هؤلاء في سعة رحمتي. ثم قرأ: (ثم أورثنا الكتاب) الآية.
وأخرج سعيد ابن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر والبيهقي في البعث عن عمر بن الخطاب أنه كان إذا مر بهذه الآية (ثم أورثنا الكتاب) قال: ألا. إن سابقنا سابق. ومقتصدنا، ناج وظالمنا مغفور له، وأخرجه البيهقي وغيره عنه من وجه آخر مرفوعاً، وأخرجه ابن النجار من حديث أنس مرفوعاً.
وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال: السابق بالخيرات يدخل الجنة بغير حساب والمقتصد يدخل الجنة برحمة الله. والظالم لنفسه أصحاب الأعراف يدخلون الجنة بشفاعة محمد - صلى الله عليه وسلم -.
وأخرج سعيد بن منصور وغيره عن عثمان بن عفان أنه نزع بهذه الآية ثم قال: ألا إن سابقنا أهل جهادنا. ألا وإن مقتصدنا أهل حضرنا. ألا وإن ظالمنا أهل بدونا.
وأخرج البيهقي في البعث عن البراء بن عازب قال: أشهد على الله أنه يدخلهم الجنة جميعاً، وأخرج الفريابي وابن جرير وابن مردويه عنه قال قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذه الآية قال: [أكلهم ناج وهي هذه الأمة].
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد عن ابن عباس في الآية قال هي مثل التي في الواقعة أصحاب الميمنة، وأصحاب المشأمة والسابقون، صنفان ناجيان، وصنف هالك، وعنه قال: هو الكافر، والمقتصد أصحاب اليمين، وهذا المروى عنه رضي الله عنه لا يطابق ما هو الظاهر من النظم القرآني، ولا يوافق ما قدمنا من الروايات عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وعن جماعة من الصحابة، وعن عبد الله بن الحارث أن ابن عباس سأل كعباً عن هذه الآية فقال: نجوا كلهم، ثم قال تحاكت مناكبهم ورب الكعبة، ثم أعطوا الفضل بأعمالهم. أخرجه ابن أبي شيبة وغيره وقد قدمنا عن ابن عباس ما يفيد أن الظالم لنفسه من الناجين فتعارضت الأقوال عنه.
جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (33) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (34) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ (35) وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (36)
وقوله (جنات عدن) مبتدأ وخبره (يدخلونها) والضمير يعود إلى الأصناف الثلاثة فلا وجه لقصره على الصنف الأخير وقرىء: جنة بالإفراد وقرىء: جنات بالنصب على الاشتغال، وقرىء: يدخلونها على البناء للمفعول (يحلون فيها) هو من حليت المرأة فهي حال، وفيه إشارة إلى سرعة الدخول فإن في تحليتهم خارج الجنة تأخيراً للدخول، فلما قال: يحلون فيها أشار إلى أن دخولهم على وجه السرعة.
(من أساور من ذهب) من الأولى تبعيضية، والثانية بيانية أي يحلون بعض أساور كائنة من ذهب. والأساور جمع أسورة جمع سوار (ولؤلؤاً) منصوب بالعطف على محل من أساور، وقرىء بالجر عطفاً على ذهب أي مرصعاً بلؤلؤ أو يحلون أساوراً ولؤلؤاً وهو الأولى.
أخرج الترمذي والحاكم وصححه والبيهقي في البعث عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تلا قول الله: (جنات عدن يدخلونها) الآية فقال: " إن عليهم التيجان إن أدنى لؤلؤة لتضيء ما بين المشرق والمغرب ". (ولباسهم فيها حرير) لما فيه من اللذة والزينة، وقد تقدم تفسير هذه الآية مستوفى في سورة الحج.
فاطر 35:34
(وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن) بفتحتين وقرىء بضم الحاء وسكون الزاي والمعنى أنهم يقولون هذه المقالة إذا دخلوا الجنة، وصيغة الماضي للدلالة على التحقق. قال قتادة: حزن الموت، وقال عكرمة: حزن السيئات والذنوب وخوف رد الطاعات، وقال ابن عباس: حزن النار وقال القاسم حزن زوال النعم وخوف العاقبة. وقيل: حزن أهوال يوم القيامة. وقال الكلبي: ما كان يحزنهم في الدنيا من أمر يوم القيامة، وقال سعيد بن جبير: همّ الخبز في الدنيا، وقيل: همّ المعيشة. وقال الزجاج: أذهب الله عن أهل الجنة كل الأحزان ما كان منها لمعاش أو لمعاد وهذا أرجح الأقوال فإن الدنيا وإن بلغ نعيمها أي مبلغ لا يخلو من شوائب ونوائب تكثر لأجلها الأحزان وخصوصاً أهل الإيمان فإنهم لا يزالون وجلين من عذاب الله خائفين من عقابه مضطربين القلوب في كل حين، هل تقبل أعمالهم؟ أو ترد؟ حذرين من عاقبة السوء وخاتمة الشر، ثم لا تزال همومهم وأحزانهم حتى يدخلوا الجنة، وأما أهل العصيان فهم وإن نفس عن خناقهم قليلاً في الحياة الدنيا التي هي دار الغرور، وتناسوا دار القرار يوماً من دهرهم، فلا بد أن يشتد وجلهم وتعظم مصيبتهم، وتغلي مراجل أحزانهم إذا شارفوا الموت، وقربوا من منازل الآخرة، ثم إذا قبضت أرواحهم ولاح لهم ما يسوؤهم من جزاء أعمالهم ازدادوا غماً وحزناً. فإن تفضل الله عليهم بالمغفرة وأدخلهم الجنة فقد أذهب عنهم أحزانهم وأزال غمومهم وهمومهم.
أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في الآية قال: هم قوم في الدنيا يخافون الله ويجتهدون له في العبادة سراً وعلانية وفي قلوبهم حزن من ذنوب قد سلفت منهم فهم خائفون أن لا يتقبل منهم هذا الاجتهاد من الذنوب التي سلفت فعندها قالوا: (الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن).
وروى البغوي بسنده عن ابن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة في قبورهم، ولا في نشورهم، وكأني بأهل لا إله إلا الله ينفضون التراب عن رؤوسهم يقولون (الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن).
(إن ربنا لغفور شكور) غفر لنا العظيم وشكر لنا القليل من أعمالنا أو يغفر الجنايات ويقبل الطاعات، وقيل: غفور لمن عصاه شكور لمن أطاعه
فاطر 35:35
(الذي أحلنا) أي أنزلنا (دار المقامة) أي التي يقام فيها أبداً ولا ينتقل عنها (من فضله) أي تفضلاً منه ورحمة.
(لا يمسنا فيها نصب) أي لا يصيبنا في الجنة عناء ولا تعب ولا مشقة (ولا يمسنا فيها لغوب) أي إعياء من التعب، وكلال من النصب، ثم لما فرغ سبحانه من ذكر جزاء عباده الصالحين ذكر جزاء عباده الظالمين فقال:
فاطر 35:36
(والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم) بالموت (فيموتوا) ويستريحوا من العذاب. قرىء: فيموتوا بالنصب جواباً للنفي وقرىء: بإثبات النون. قال ابن عطية: هي ضعيفة ولا وجه لهذا التضعيف، بل هي كقوله: (ولا يؤذن لهم فيعتذرون).
(ولا يخفف عنهم من عذابها) بل كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب وكلما خبت النار زيد إسعارها وهذه الآية هي مثل قوله سبحانه: (لا يموت فيها ولا يحيى).
(كذلك نجزي كل كفور) أي مثل ذلك الجزاء الفظيع نجزي كل من هو مبالغ في الكفر لا جزاء أخف وأدنى منه، وقرىء: يجزي على البناء للمفعول.
وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (37) إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (38)
فاطر 35:37
(وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا) من الصراخ وهو الصياخ، أي وهم يستغيثون في النار رافعين أصواتهم والصارخ المستغيث: (ربنا) أي يقولون ربنا، أو قائلين ربنا وقال مقاتل: إنهم ينادون ربنا.
(أخرجنا نعمل) عملاً (صالحاً غير الذي كنا نعمل) من الشرك والمعاصي فنجعل الإيمان منا بدل ما كنا عليه من الكفر، والطاعة بدل المعصية، قيل وزيادة قوله غير الذي كنا نعمل للتحسر على ما عملوه من غير الأعمال الصالحة مع الاعتراف منهم بأن أعمالهم في الدنيا كانت غير صالحة فأجاب الله عليهم بقوله:
(أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ) الاستفهام للتقريع والتوبيخ، والواو للعطف على مقدر كما في نظائره وما نكرة موصوفه أي أولم نعمركم عمراً يتمكن من التذكر فيه من تذكر، فقيل: هو ستون سنة وقيل: أربعون وقيل: ثماني عشرة سنة، قال بالأول: جماعة من الصحابة. ومنهم ابن عباس وبالثاني: الحسن ومسروق وغيرهما، وبالثالث: عطاء وقتادة.
أخرج ابن أبي حاتم والطبراني والبيهقي عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: إذا كان يوم القيامة قيل: أين أبناء الستين؟ وهو العمر الذي قال الله: (أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ)، وفي إسناده إبراهيم بن الفضل المخزومي. وفيه مقال.
وأخرج أحمد والبخاري والنسائي وغيرهم عن أبي هريرة قال: قال سول الله - صلى الله عليه وسلم -: " أعذر الله إلى امرىء أَخّر عمره حتى بلغ ستين سنة "، وعن سهل بن سعيد مرفوعاً نحوه أخرجه عبد بن حميد والطبراني والحاكم، وعن علي بن أبي طالب قال: العمر الذي غيرهم الله به ستون سنة.
وأخرج الترمذي وابن ماجة والحاكم وابن المنذر والبيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وأقلهم من يجوز ذلك ". قال الترمذي بعد إخراجه: حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وعن ابن عباس في هذه الآية: هو ست وأربعون سنة، وعنه قال: العمر الذي أعذر الله إلى ابن آدم فيه بقوله: أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر؟ أربعون سنة.
(وجاءكم النذير) قال الواحدي قال جمهور المفسرين: هو النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقال عكرمة وسفيان بن عيينة ووكيع والحسن بن الفضل والفراء وابن جرير: هو الشيب ويكون معناه على هذا القول: أولم نعمركم حتى شبتم وقيل هو القرآن، وقيل الحمى قال الأزهري معناه أن الحمى رسول الموت أي كأنها تشعر بقدومه وتنذر بمجيئه والشيب نذير أيضاًً، لأنه يأتي في سن الاكتهال، وهو علامة لمفارقة سن الصبا الذي هو سن اللهو واللعب، وقيل: هو موت الأهل والأقارب، وقيل: هو كمال العقل، وقيل: البلوغ.
(فذوقوا فما للظالمين من نصير) الفاء لترتيب الأمر بالذوق على ما بلها من التعمير، ومجىء النذير، وفي " فما " للتعليل أي فذوقوا عذاب جهنم لأنكم لم تعتبروا ولم تتعظوا فما لكم ناصر يمنعكم من عذاب الله، ويحول بينكم وبينه قال مقاتل: فذوقوا فما للمشركين من مانع يمنعهم.
فاطر 35:38
(إن الله عالم غيب السموات والأرض) قرأ الجمهور بالإضافة وقرىء التنوين ونصب غيب والمعنى: أنه عالم بكل شىء. ومن ذلك أعمالكم لا تخفى عليه منها خافية لو ردكم إلى الدنيا لم تعملوا صالحاً كما قال: (ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه).
(إنه عليم بذات الصدور) تعليل لما قبله لأنه إذا علم مضمرات الصدور وهي أخفى من كل شيء علم ما فوقها بالأولى، وقيل: هذه الجملة مفسرة للجملة الأولى، (وذات) تأنيث (ذو) بمعنى صاحب أي بالأمور صاحبة الصدور، ومصاحبتها لها من حيث اختباؤها فيها.
هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا (39) قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا (40)
فاطر 35:39
(هو الذي جعلكم خلائف في الأرض) جمع خليفة، ويقال للمستخلف: خليفة وخليف، ويجمع الأول على خلائف والثاني على خلفاء أي جعلكم أمة خالفة لمن قبلها. قال قتادة: خلفاً بعد خلف وقرناً بعد قرن، والخلف هو التالي للمتقدم، وقيل: جعلكم خلفاء في أرضه.
(فمن كفر) منكم هذه النعمة (فعليه كفره) أي عليه ضرر كفره لا يتعداه إلى غيره (ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتاً) أي غضباً وبغضاً.
(ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا خساراً) أي نقصاً وهلاكاً، والمعنى أن الكفر لا ينفع عند الله حيث لا يزيدهم إلا المقت ولا ينفعهم في أنفسهم حيث لا يزيدهم إلا خساراً والتكرير لزيادة التكرير، والتنبيه على أن اقتضاء الكفر لكل واحد من الأمرين الهائلين القبيحين بطريق الاستقلال والأصالة. ثم أمره سبحانه أن يوبخهم ويبكتهم فقال:
فاطر 35:40
(قل أرأيتم شركاءكم الذين تدعون) أي أخبروني عن الشركاء الذين تخذتموهم آلهة وعبدتموهم (من دون الله) أي غيره وهم الأصنام وغيرها (أروني ماذا خلقوا من الأرض) بدل اشتمال من أرأيتم والمعنى: أخبروني عن شركائكم أروني أي شيء خلقوا من الأرض، وقيل: إن الفعلين وهما أرأيتم وأروني من باب التنازع، وقد أعمل الثاني على ما هو اختيار البصريين.
(أم لهم شرك في السموات) أي أم لهم شركة مع الله في خلقها أو لكها أو التصرف فيها؟ حتى يستحقوا بذلك الشركة في الإلهية.
(أم آتيناهم) الضمير فيه وفي قوله لهم: الأحسن أن يعود إلى الشركاء لتناسق الضمائر، وقيل: يعود على المشركين فيكوت التفاتاً من الخطاب إلى الغيبة أي: أم أنزلنا عليهم.
(كتاباً) بالشركة وأم في الموضعين منقطعة بمعنى: بل والهمزة فيكون قد أضرب عن الاستفهام الأول، وشرع في استفهام آخر، والاستفهام إنكاري.
(فهم على بينة منه) أي على حجة ظاهرة واضحة من ذلك الكتاب قرىء: بينة بالتوحيد وبالجمع، قال مقاتل: يقول هل أعطينا كفار مكة كتاباً فهم على بيان بأن مع الله شريكاً، ثم أضرب سبحانه عن هذا إلى غيره فقال:
(بل إذ يعد الظالمون بعضهم بعضاً إلا غروراً) أي ما يعد الظالمون عضهم بعضاً -كما يفعله الرؤساء والقادة من المواعيد لأتباعهم- إلا غروراً يغرونهم به، ويزينونه لهم، وهو الأباطيل التي تغر ولا حقيقة لها، وذلك قولهم: إن هذه الآلهة تنفعهم وتقربهم إلى الله وتشفع لهم عنده، وقيل: إن الشياطين تعد المشركين بذلك: وقيل: المراد بالوعد الذي يعد بعضهم بعضاً هو أنهم ينصرون على المسلمين ويغلبونهم.
إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (41) وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا (42) اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا (43)
فاطر 35:41
(إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا) أي يمنعهما من الزوال قاله الزجاج أو كراهة أن تزولا وقيل لئلا تزولا، والجملة مستأنفة لبيان قدرة الله سبحانه وبديع صنعه بعد بيان ضعف الأصنام وعدم قدرتها على شىء، وقيل: المعنى أن شركهم يقتضي زوال السموات والأرض كقوله: (تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدّاً أن دعوا للرحمن ولداً).
وعن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول على المنبر: " قال وقع في قلب موسى هل ينام الله عز وجل؟ فأرسل الله إليه ملكاً فأرّقه ثلاثاً وأعطاه قارورتين في كل يد قارورة وأمره أن يحتفظ بهما فجعل ينام وتكاد يداه تلقيان، ثم يستيقظ فيحبس إحداهما على الأخرى حتى نام نومة فاصطفقت يداه وانكسرت القارورتان. قال ضرب الله له مثلاً: إن الله تبارك وتعالى لو كان ينام لم تستمسك السماء والأرض " أخرجه أبو يعلى وابن جرير وابن أبي حاتم والدارقطني والبيهقي في الأسماء والصفات وغيرهم وروي من طرق عن ابن سلام وابن أبي بردة.
(ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده) أي ما أمسكهما أحد من بعد إمساكه أو من بعد زوالهما، والجملة سادة مسد جواب القسم والشرط ومن الأولى زائدة والثانية ابتدائية. قال الفراء أي ولو زالتا ما أمسكهما من أحد، قال وهو مثل قوله: (وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ)، وقيل: المراد زوالهما يوم القيامة (إنه كان حليماً غفوراً) تعليل لما قبله من إمساكه تعالى السموات والأرض.
فاطر 35:42
(وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم) المراد قريش أقسموا قبل أن يبعث الله محمداً - صلى الله عليه وسلم - بهذا القسم حين بلغهم أن أهل الكتاب كذبوا رسلهم، قالوا: لعن الله اليهود والنصارى أتتهم الرسل فكذبوهم وأقسموا بالله لو جاءنا نذير لنكونن أهدى ديناً منهم فلما بعث محمد - صلى الله عليه وسلم - كذبوه فأنزل الله هذه الآية والمعنى من إحدى الأمم المكذبة للرسل، والنذير: النبي. والهدى: الاستقامة، وكانت تتمنى أن يكون منهم رسول كما كان الرسل في بني إسرائيل، وأنث إحدى لكون أمة مؤنثة كما قال الأخفش، وقيل: المعنى من إحدى الأمم على العموم، وقيل: من الأمة التي يقال لها إحدى الأمم تفضيلاً لها.
(فلما جاءهم نذير) أي ما تمنوه وهو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي هو أشرف نذير وأكرم رسول وكان من أنفسهم (ما زادهم) مجيئه (إلا نفوراً) منهم عنه وتباعداً عن إجابته.
فاطر 35:43
(استكباراً في الأرض) أي لأجل الاستكبار والعتو، أو بدل من نفور أو حال، قاله الأخفش، وهذا جواب لما، وفيه دليل على أنها حرف لا ظرف، إذ لا يعمل ما بعد (ما) النافية فيما قبلها وتقدمت له نظائر، وإسناد الزيادة إلى النذير مجاز لأنه سبي في ذلك كقوله: (فزادتهم رجساً إلى رجسهم).
(وَمَكْرَ السَّيِّئِ) أي ولأجل مكر العمل السيء، أو منكروا المكر السيىء والمكر هو الحيلة والخداع والعمل القبيح، وأضيف إلا صفته كقولهم: مسجد الجامع وصلاة الأولى قرأ الجمهور: ومكر السيء بخفض همزة السيء، وقرأ الأعمش وحمزة: بسكونها وصلاً، وقد غلط كثير من النحاة هذه القراءة ونزهوا الأعمش على جلالته أن يقرأ بها. قالوا: وإنما كان يقف بالسكون فغلط من روى عنه أنه كان يقرأ بالسكون وصلاً، وتوجيه هذه القراءة ممكن بأن من قرأ بها أجرى الوصل مجرى الوقف، ومثله قراءة من قرأ: (ما يشعرْكم) بسكون الراء ومثل ذلك قراءة أبي عمر: (وإلى بارئْكم) بسكون الهمزة. وغير ذلك كثير قال أبو علي الفارسي: هذا على إجراء الوصل مجرى الوقف وقرأ ابن مسعود ومكراً سيئاً.
(ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله) أي لا تنزل عاقبة السوء إلا بمن أساء. قال الكلبي: يحيق بمعنى يحيط، والحوق الإحاطة. يقال: حاق به كذا أي أحاط به، وهذا هو الظاهر من معنى يحيق في لغة العرب ولكن قطرب فسره هنا بينزل.
(فهل ينظرون) أي ما ينتظرون (إلا سنة الأولين) أي سنة الله فيهم بأن ينزل بهؤلاء العذاب كما نزل بأولئك (فلن تجد لسنة الله تبديلاً) أي لا يقدر أحد أن يبدل سنة الله التي سنها بالأمم المكذبة من إنزال عذابه بهم، بأن يضع موضعه غيره بدلاً عنه، والفاء لتعليل ما يفيده الحكم بانتظارهم العذاب.
(ولن تجد لسنة الله تحويلاً) بأن يحول أحد ما جرت به سنة الله من العذاب فيدفعه عنهم ويضعه على غيرهم ونفي وجدان التبديل والتحويل كناية عن نفي وجودهما بالطريق البرهاني، وتخصيص كل منهما بنفي مستقل لتأكيد انتفائهما.
أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا (44) وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا (45)
فاطر 35:44
(أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) هذه الجملة مسوقة لتقرير ما قبلها وتأكيده أي: ألم يسيروا في أرض الشام واليمن والعراق فينظروا ما أنزلنا بعاد وثمود ومدين وأمثالهم من العذاب لما كذبوا الرسل فإن ذلك هو من سنة الله في المكذبين التي لا تبدل ولا تحول وآثار عذابهم وما أنزل الله بهم موجودة في مساكنهم ظاهرة في منازلهم، والهمزة للإنكار أو النفي، والواو للعطف على مقدر يليق بالمقام.
(وكانوا) أي والحال أنهم كانوا (أشد منهم قوة) وأطول أعماراً وأكثر أموالاً وأقوى أبداناً فما نفعهم طول المدى، وما أغنت عنهم شدة القوة.
(وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ) أي ما كان ليسبقه ويفوته شيء من الأشياء كائناً ما كان فيهما، وهذا تقرير لما يفهم مما قبله من استئصال الأمم السابقة.
(إنه كان عليماً قديراً) أي كثير العلم كثير القدرة لا يخفى عليه شيء ولا يصعب عليه أمر، وهذا تعليل لذلك التقرير.
فاطر 35:45
(ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا) من الذنوب وعملوا من الخطايا (ما ترك على ظهرها) أي الأرض (من دابة) من الدواب التي تدب كائنة ما كانت، أما بنو آدم فلذنوبهم، وأما غيرهم فلشؤم معاصي بني آدم وقيل المراد: ما ترك على ظهر الأرض من دابة تدب من بني آدم، والجن. وقال بالأول ابن مسعود وقتادة، وقال بالثاني الكلبي، وقال ابن جريج والأخفش والحسين بن الفضل: أراد بالدابة هنا: الناس وحدهم دون غيرهم.
أخرج الفريابي وغيره عن ابن مسعود قال: إنه كاد الجعل ليعذب في حجره بذنب ابن آدم، ثم قرأ هذه الآية قيل: وجه الملاءمة بين الشرط والجزاء أنه تعالى إذا كان يؤاخذ الناس بما كسبوا كان ينقطع عنهم النعم التي من جملتها المطر، فإذا انقطع عنهم المطر انقطع النبات فيموت جميع الحيوانات فهذا كناية أريد بها الملزوم وقوله: على ظهرها فيه استعارة مكنية قال قتادة: وقد فعل ذلك في زمن نوح، وقال يحيى بن سلام. يحبس الله المطر فيهلك كل شيء (ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى) وهو يوم القيامة.
(فإذا جاء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيراً) أي بمن يستحق منهم الثواب ومن يستحق منهم العقاب وفي هذا تسلية للمؤمنين ووعيد للكافرين والعامل في (إذا) هو: جاء لا (بصيراً).
يس 36:1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سورة يس
(هي ثلاث أو ثنتان وثمانون آية)
والأول أولى:
وهي مكيّة. قال القرطبي بالإجماع إلا أن فرقة قالت: (وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ) نزلت في بني سلمة من الأنصار حين أرادوا أن يتركوا ديارهم وينتقلوا إلى جوار مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسيأتي بيان ذلك [[قد ذكر أبو سليمان الدمشقي أنها مدنية وقال: ليس بالمشهور.]].
وعن ابن عباس قال: نزلت بمكة وعن عائشة مثله.
وأخرج الدارمي والترمذي ومحمد بن نصر والبيهقي في الشعب عن أنس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، " إن لكل شيء قلباً وقلب القرآن يس ". من قرأ يس كتب له بقراءتها قراءة القرآن عشر مرات " [[اتفق المحدثون على أن من علامات وضع الحديث أن يكون فيه أجر كبير جداً على عمل قليل، فكيف يصح أن من قرأ يس كان له أجر من قرأ القرآن عشر مرات. وهو حديث موضوع أخرجه الترمذي 4/ 46 والدارمي 2/ 456 وابن كثير في تفسير 3/ 563.]] قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث حميد بن عبد الرحمن، وفي إسناده هارون أبو محمد، وهو شيخ مجهول.
وفي الباب عن أبي بكر، ولا يصح لضعف إسناده، وأخرج الدارمي وأبو يعلى والطبراني والبيهقي وغيرهم عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: " من قرأ يس في ليلة ابتغاء وجه الله غفر له في تلك الليلة " [[ضعيف الجامع 5797 و5798 و5766 و5800 و5801.]] قال ابن كثير إسناده جيد.
وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة والطبراني وابن حبان والحاكم والبيهقي عن معقل بن يسار أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " يس قلب القرآن لا يقرؤها عبد يريد الله والدار والآخرة إلا غفر له ما تقدم من ذنبه، فاقرؤوها على موتاكم " [[قال العلماء: معنى (على موتاكم) أي من حضره الموت، وذلك لكي يسمع ما فيها من آيات التوحيد والبعث والجزاء - عند مفارقته للدنيا.
أما من مات فعلاً فلا يقرأ عليه يس ولا غيرها.
وفي النية أن ننشر في آخر تفسير هذه السورة ملحق به أبحاث طويلة للمنار وغيره يظهر به الحق في هذه المسألة وموقف ابن تيمية وابن القيم منها فليراجع. وقد نقل عن أحمد قوله: " كانت المشيخة يقولون: إذا قرئت عند الميت خفف الله عنه بها.]]، وقد ذكر له أحمد إسنادين أحدهما فيه مجهول والآخر ذكر فيه عن أبي عثمان، وقال ليس بالنهدي عن أبيه عن معقل.
وأخرج الطبراني وابن مردويه قال السيوطي: بسند ضعيف عن أنس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " من داوم على قراءة يس كل ليلة ثم مات مات شهيداً ".
بسم الله الرحمن الرحيم
يس (1) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (2) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (3) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (4) تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (5)
(يس) قرأ الجمهور بسكون النون وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وحفص وقالون وورش بإدغام النون في الواو التي بعدها، وقرىء بفتح النون وبكسرها، فالفتح على البناء أو على أنه مفعول فعل مقدر تقديره: اتل يس والكسر على البناء أيضاًً كجير، وقيل الفتح والكسر للفرار من التقاء الساكنين، وأما وجه قراءة الجمهور فلكونها مسرودة على نمط التعديد فلا حظ لها من الإعراب، وقرىء بضم النون على البناء كمذ وحيث، وقط.
وقيل على أنها خبر مبتدأ محذوف أي هذه يس، ومنعت من الصرف للعلمية والتأنيث، واختلف في معنى هذه اللفظة فقيل: معناها يا رجل، أو يا إنسان. قال ابن الأنباري: الوقف على يس حسن لمن قال: هو افتتاح السورة.
ومن قال: معناه يا رجل لم يقف عليه، وقال سعيد بن جبير وغيره: هو اسم من أسماء محمد صلى الله عليه وسلم دليله إنك لمن المرسلين، ومنه قوله تعالى: (سلام على آل ياسين) أي آل محمد ومنه قول الشاعر:
يا نفس لا تمحضي بالنصح جاحدة ... على المودة إلا آل ياسينا
وسيأتي في الصافات ما المراد بآل ياسين، قال الواحدي قال ابن عباس والمفسرون: يريد يا إنسان يعني: محمداً صلى الله عليه وسلم، وقال أبو بكر الوراق: معناه يا سيد البشر، وقال مالك: هو اسم من أسماء الله تعالى. روي ذلك عنه أشهب، وحكى أبو عبد الرحمن السلمي عن جعفر الصادق أن معناه يا سيد وقال كعب: هو قسم أقسم الله به ورجح الزجاج أن معناه يا محمد.
واختلفوا هل هو عربي أو غير عربي؟ فقال سعيد بن جبير وعكرمة حبشي، وقال الكلبي: سرياني، تكلمت به العرب فصار من لغتهم، وقال الشعبي: هو بلغة طي، وقال الحسن: هو بلغة كلب وقد تقدم في طه وفي مفتتح سورة البقرة ما يغني عن التطويل ههنا، والأولى أن يقال: الله أعلم بمراده به.
يس 36:2
(والقرآن الحكيم) بالجر على أنه مقسم به ابتداء، وقيل هو معطوف على يس على تقدير كونه مجروراً بإضمار القسم، قال النقاش لم يقسم الله لأحد من أنبيائه بالرسالة في كتابه إلا لمحمد صلى الله عليه وسلم تعظيماً له وتمجيداً. والحكيم المحكم الذي لا يتناقض ولا يتخالف، أو الحكيم قائله أو ذي الحكمة، أو لأنه دليل ناطق بالحكمة بطريق الاستعارة أو متصف بها، والمتصف على الإسناد المجازي، وجواب القسم.
يس 36:3
(إنك لمن المرسلين) الذين أرسلوا على طريقه مستقيمة، وهذا رد على من أنكر رسالته من الكفار بقولهم: (لست مرسلاً)، وقوله:
يس 36:4
(على صراط مستقيم) خبر آخر لإن، أي: إنك على الطريق القيم الموصل إلى المطلوب. قال الزجاج: على طريقة الأنبياء الذين تقدموك ويجوز أن يكون في محل نصب على الحال.
يس 36:5
(تنزيل العزيز الرحيم) قرأ نافع وغيره برفع تنزيل على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي هو تنزيل، ويجوز أن يكون خبراً لقوله " يس " إن جعل اسماً للسورة، وقرىء بالنصب على المصدرية أي نزل الله ذلك تنزيل العزيز، والمعنى: أن القرآن تنزيل العزيز الرحيم، وقيل: المعنى إنك يا محمد تنزيل العزيز والأول أولى، وقيل: هو منصوب على المدح على قراءة النصب، وعبر سبحانه عن المنزل بالمصدر مبالغة، حتى كأنه نفس التنزيل، وقرىء بالجر على المنعت للقرآن أو البدل منه واللام في قوله: لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (6) لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (7) إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (8) وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (9) وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (10)
يس 36:6
(لتنذر) يجوز أن يتعلق بتنزيل أو بفعل مضمر يدل عليه لمن المرسلين أي أرسلناك لتنذر (قوماً) أي العرب وغيرهم.
(ما أنذر) ما: هي النافية أي لم تنذر (آباؤهم) ويجوز أن تكون ما موصولة أو موصوفة أي: لتنذر قوماً الذي أنذر آباؤهم، أو لتنذرهم عذاباً أنذره آباؤهم، أو مصدرية أي إنذار آبائهم، وعلى القول بأنها نافية المعنى ما أنذر آباؤهم برسول من أنفسهم، ويجوز أن يراد ما أنذر آباؤهم الأقربون لتطاول مدة الفترة، وإلا فآباؤهم الأبعدون قد أنذروا بإسماعيل وبعيسى ومن قبلهما.
(فهم غافلون) أي فهم بسبب ذلك غافلون أو فهم غافلون عما أنذرنا به آباءهم، قال أبو السعود: الضمير للفريقين أي فهم جميعاً غافلون وقد ذهب أكثر أهل التفسير إلى أن المعنى على النفي، وهو الظاهر من النظم القرآني لترتيب فهم غافلون على ما قبله.
يس 36:7
(لقد حق القول) اللام هي الموطئة للقسم، أي والله لقد ثبت وتحقق ووجب القول أي: الحكم والقضاء الأزلي أو العذاب (على أكثرهم) أي أكثر أهل مكة أو أكثر الكفار على الإطلاق أو أكثر كفار العرب، وهم من مات على الكفر وأصر عليه طول حياته، فيتفرع قوله:
(فهم لا يؤمنون) على ما قبله بهذا الاعتبار، أي لأن الله سبحانه قد علم منهم الإصرار على ما هم فيه من الكفر والموت عليه، وقيل: المراد بالقول المذكور هنا قوله سبحانه: (فالحق والحق أقول لأملأن جهنم منك وممن تبعك)، وقيل نزلت هذه الآية في أبي جهل وصاحبيه المخزوميين وجملة
يس 36:8
(إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً) تقرير لما قبلها مثلت حالهم بحال الذين غلت أعناقهم.
(فهي) أي الأغلال منتهية (إلى الأذقان) جمع ذقن. وهو أسفل اللحيين لأن الغل يجمع اليد إلى العنق فلا يقدرون عند ذلك على الالتفات، ولا يتمكنون من عطفها لأن طوق الغل الذي في عنق المغلول يكون في ملتقى طرفيه تحت الذقن، حلقة فيها رأس العمود، خارجاً من الحلقة إلى الذقن، فلا يخليه يطأطىء رأسه فلا يزال مقمحاً وهو معنى قوله:
(فهم مقمحون) أي رافعون رؤوسهم غاضون أبصارهم، قال الفراء والزجاج: المقمح الغاض بصره بعد رفع رأسه ومعنى الإقماح: رفع الرأس وغض البصر، يقال: أقمح البعير رأسه وقمح: إذا رفع رأسه ولم يشرب الماء.
قال الأزهري: أراد الله أن أيديهم لما غلت عند أعناقهم رفعت الأغلال إلى أذقانهم ورؤوسهم صعداء فهم مرفوعو الرؤوس برفع الأغلال إياها، وقال قتادة: معنى مقمحون مغلولون والأول أولى.
وقال أبو عبيدة: قمح البعير إذا رفع رأسه عن الحوض ولم يشرب، وعنه أيضاًً: هو مثل ضربه الله لهم في امتناعهم عن الهدى كامتناع المغلول، كما يقال: فلان حمار أي لا يبصر الهدى، قال الفراء: هذا ضرب مثل أي حبسناهم عن الإنفاق في سبيل الله، وهو كقوله: (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك) وبه قال الضحاك.
وقيل: الآية إشارة إلى ما يفعل بقوم في النار من وضع الأغلال في أعناقهم كما قال تعالى: (إذ الأغلال في أعناقهم) وقرأ ابن عباس: (إنا جعلنا في أيمانهم أغلالاً) قال الزجاج أي في أيديهم، قال النحاس: وهذه القراءة تفسير، ولا يقرأ بما خالف المصحف، قال: وفي الكلام حذف على قراءة الجماعة أي: إنا جعلنا في أعناقهم وفي أيديهم أغلالاً فهي إلى الأذقان.
فلفظ (هي) كناية عن الأيدي لا عن الأعناق والعرب تحذف مثل هذا ونظير (سرابيل تقيكم الحر) أي وسرابيل تقيكم البرد لأن ما وقى من الحر وقى من البرد لأن الغل إذا كان في العنق فلا بد أن يكون في اليد، ولا سيما وقد قال الله: (فهي إلى الأذقان) فقد علم أنه يراد به الأيدي فهم مقمحون، أي رافعو رؤوسهم لا يستطيعون الإطراق لأن من غلت يداه إلى ذقنه ارتفع رأسه.
وروي عن ابن عباس أنه قرأ (إنا جعلنا في أيديهم أغلالاً) وعن ابن مسعود أنه قرأ (إنا جعلنا في أيمانهم أغلالاً) كما روي سابقاً عن ابن عباس، وعنه قال: الأغلال ما بين الصدر إلى الذقن فهم مقمحون كما تقمح الدابة باللجام [[زاد المسير 7/ 6.]].
يس 36:9
(وجعلنا من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً) أي منعناهم عن الإيمان بموانع فهم لا يستطيعون الخروج من الكفر إلى الإيمان كالمضروب أمامه وخلفه بالأسداد، والسد: بضم السين وفتحها لغتان. قال الضحاك: سداً أي الدنيا وسداً أي الآخرة، قيل: بالعكس (فأغشيناهم) بالغين المعجمة أي غطينا أبصارهم على حذف مضاف، وقرىء: بالعين المهملة من العشا، وهو ضعف البصر، ومنه: (ومن يعش عن ذكر الرحمن) فهم بسبب ذلك.
(لا يبصرون) أي لا يقدرون على إبصار شيء، قال الفراء: فألبسنا أبصارهم غشاوة أي عمى، فهم لا يبصرون سبيل الهدى، وكذا قال قتادة إن المعنى لا يبصرون الهدى، وقال السدي: لا يبصرون محمداً صلى الله عليه وآله وسلم حين ائتمروا على قتله.
وعن ابن عباس قال: في السد كانوا يمرون على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلا يرونه، وعنه أيضاًً قال: " اجتمعت قريش بباب النبي صلى الله عليه وسلم ينتظرون خروجه ليؤذوه فشق ذلك عليه، فأتاه جبريل بسورة يس وأمره بالخروج عليهم، فأخذ كفاً من تراب وخرج وهو يقرؤها ويذر التراب على رؤوسهم، فما رأوه حتى جاز فجعل أحدهم يلمس رأسه فيجد التراب، وجاء بعضهم فقال: ما يجلسكم؟ قالوا ننتظر محمداً فقال: لقد رأيته داخل المسجد، قال: قوموا فقد سحركم " [[وتمام القصة في سيرة ابن هشام 1/ 484.]].
قال الضحاك في الآية أي عموا عن البعث، وعموا عن قبول الشرائع في الدنيا، قال تعالى: (وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ)، قال البيضاوي، هذا تمثيل آخر بمن أحاط بهم سدان فغطيا أبصارهم بحيث لا يبصرون قدامهم ووراءهم في أنهم محبوسون في مطمورة الجهالة، ممنوعون عن النظر في الآيات والدلائل.
يس 36:10
(وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم) أي إنذارك إياهم وعدمه سواء، وهذا بيان لشأنهم بطريق التوبيخ بعد بيانه بطريق التمثيل، وجملة: (لا يؤمنون) مستأنفة مبينة لما قبلها من الاستواء أو حال مؤكدة أو بدل منه.
وروي أن عمر بن عبد العزيز قرأ هذه الآية على غيلان القدري. فقال: كأني لم أقرأها أشهدك أني تائب عن قولي في القدر. فقال عمر: " اللهم إن صدق فتب عليه، وإن كذب فسلط عليه من لا يرحمه "، فأخذه هشام ابن عبد الملك من عنده فقطع يديه ورجليه وصلبه على باب دمشق.
وعن ابن عباس في الآية قال: " كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المسجد فجهر بالقراءة حتى تأذى به ناس من قريش حتى قاموا ليأخذوه وإذا أيديهم مجموعة بأعناقهم، وإذا هم عمي لا يبصرون، فجاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: ننشدك الله والرحم يا محمد، قال: ولم يكن بطن من بطون قريش إلا وللنبي صلى الله عليه وسلم فيهم قرابة، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم حتى ذهب ذلك عنهم، فنزلت: " يس إلى قوله: لا يؤمنون "، قال: فلم يؤمن من ذلك النفر أحد وفي الباب روايات في سبب نزول ذلك هذه الرواية أحسنها وأقربها إلى الصحة.
إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (11) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (12) وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (13) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (14)
وقال الزجاج في الآية: أي من أضله الله هذا الإضلال لم ينفعه الإنذار، وإنما ينفع الإنذار من ذكر في قوله:
يس 36:11
(إنما تنذر من اتبع الذكر) أي القرآن (وخشى الرحمن بالغيب) أي في الدنيا.
(فبشره) الفاء لترتيب البشارة أو الأمر بها على ما قبلها من اتباع الذكر والخشية أي بشر هذا الذي اتبع الذكر (بمغفرة) عظيمة (وأجر كريم) أي حسن، وهو الجنة، ثم أخبر سبحانه بإحيائه الموتى فقال:
يس 36:12
(إنا نحن نحيي الموتى) أي نبعثهم بعد الموت، وقال الحسن والضحاك: أي نحييهم بالإيمان بعد الجهل، والأول أولى، وهو بيان لشأن عظيم، ينطوي على الإنذار والتبشير انطواء إجمالياً ثم توعدهم بكتب آثارهم فقال: (ونكتب) في صحف الملائكة.
(ما قدموا) أي أسلفوا من الأعمال الصالحة والطالحة (وآثارهم) أي ما أبقوه من الحسنات التي لا ينقطع نفعها بعد الموت كمن سن سنة حسنة كعلم علموه أو كتاب صنفوه، أو حبس حبسوه، أو بناء بنوه من مسجد أو رباط، أو قنطرة، أو نحو ذلك، أو السيئات التي تبقى بعد موت فاعلها، كمن سن سُنة سيئة كوظيفة وظفها بعض الظلام على المسلمين وسكة أحدثها فيها تخسيرهم، وشيء أحدث فيه صد عن ذكر الله من ألحان وملاهٍ ونحو ذلك [[من قال معنى آثارهم، خطاهم بأرجلهم استدلوا بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: عليكم منازلكم فإنما تكتب آثاركم " رواه الترمذي 2/ 155 ومن قال إنه الخطا إلى الجمعة ومن قال: إنه من سنه سنة حسنة أو سيئة.]]. قال مجاهد وابن زيد: نظيره قوله: (علمت نفس ما قدمت وأخرت)، وقوله (يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ)، وقيل: المراد بالآية آثار المشائين إلى المساجد، وبه قال جماعة من الصحابة والتابعين، قال النحاس: وهو أولى ما قيل في الآية لأنها نزلت في ذلك، ويجاب عنه بأن الاعتبار بعموم الآية لا بخصوص سببها، وعمومها يقتضي كتب جميع آثار الخير والشر، والإحياء هو المعتبر والكتابة مؤكدة معظمة لأمره، فلهذا قدم الإحياء.
وقرى: نكتب على البناء للفاعل وللمفعول.
عن أبي سعيد الخدري قال: " كان بنو سلمة في ناحية من المدينة فأرادوا أن ينتقلوا إلى قرب المسجد فأنزل الله (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ) فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " إنه يكتب آثارهم ثم قرأ عليهم الآية فتركوا " أخرجه الترمذي وحسنه، والبزار والحاكم وصححه، وغيرهم.
وفي صحيح مسلم وغيره من حديث جابر قال: " إن بني سلمة أرادوا أن يبيعوا ديارهم ويتحولوا قريباً من المسجد فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يا بني سلمة دياركم تكتب آثاركم " [[رواه الطبري 22/ 154 والحاكم 2/ 428 والواحدي/209 ومسلم 1/ 462.]].
(وكل شيء) من أعمال العباد وغيرها كائناً ما كان، وقرأ الجمهور بنصب كل على الاشتغال، وقرىء بالرفع على الابتداء (أحصيناه في إمام) أي كتاب مقتدى به (مبين) موضح لكل شيء، قال مجاهد وقتادة وابن زيد: أراد اللوح المحفوظ، وقالت فرقه: أراد صحائف الأعمال.
يس 36:13
(واضرب لهم مثلاً أصحاب القرية) قد تقدم الكلام على نظير هذا في البقرة والنمل، والمعنى اضرب لأجلهم مثلاً أو اضرب لأجل نفسك أصحاب القرية مثلاً، أي مثلهم عند نفسك بأصحاب القرية؛ فعلى الأول: لما قال تعالى: (إنك لمن المرسلين) وقال: (لتنذر قوماً) قال قل لهم: ما أنا بدعاً من الرسل، فإن قبلي بقليل جاء أصحاب القرية المرسلون وأنذروهم بما أنذرتكم وذكروا التوحيد وخوفوا بالقيامة وبشروا بنعيم دار المقامة، وعلى الثاني لما قال: إن الإنذار لا ينفع من أضله الله: وكتب عليه أنه لا يؤمن قال للنبي صلى الله عليه وسلم: اضرب لنفسك ولقومك مثلاً، أي مثل لهم عند نفسك مثلاً بأصحاب القرية، حيث جاءهم ثلاثة رسل ولم يؤمنوا وصبر الرسل على الإيذاء وأنت جئت إليهم واحداً، وقومك أكثر من قوم الثلاثة فإنهم جاؤوا إلى أهل قرية وأنت بعثتك إلى الناس كافة:
والمعنى: واضرب لهم مثلاً مثل أصحاب القرية، أي اذكر لهم قصة عجيبة قصة أصحاب القرية فترك المثل وأقيم أصحاب القرية مقامه في الإعراب. وقيل لا حاجة إلى الإضمار، بل العنى اجعل أصحاب القرية لهم مثلاً على أن يكون مثلاً.
وأصحاب القرية مفعولين لـ (اضرب) أو يكون أصحاب القرية بدلاً من (مثلاً) وقد قدمنا الكلام على المفعول الأول من هذين المفعولين؛ هل هو (مثلاً) و (أصحاب القرية) وقد قيل: إن ضرب المثل يستعمل تارة في تطبيق حالة غريبة بحالة أخرى مثلها، كما في قوله: (ضرب الله مثلاً للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط) ويستعمل أخرى في ذكر حالة غريبة وبيانها للناس من غير قصد إلى تطبيقها بنظيرة لها كما في قوله: (وضربنا لكم الأمثال) أي بينا لكم أحوالاً بديعة غريبة هي في الغرابة كالأمثال.
فقوله سبحانه هنا (واضرب لهم مثلاً) يصح اعتبار الأمرين فيه. قال القرطبي: هذه القرية هي انطاكية في قول جميع المفسرين، وبه قال ابن عباس وبريدة، وهي ذات أعين وسور عظيم من صخر داخله خمسة أجبل، دورها اثني عشر ميلاً، والعواصم بلاد قصبتها انطاكية، وهي بأرض الروم.
(إذ جاءها المرسلون) بدل اشتمال من أصحاب القرية، والمرسلون هم أصحاب عيسى بعثهم إلى أهل انطاكية للدعاء إلى الله وكانوا عبدة أوثان، وإنما أضاف سبحانه الإرسال إلى نفسه في قوله:
يس 36:14
(إذ أرسلنا إليهم اثنين) لأن عيسى أرسلهم بأمر الله سبحانه ويجوز أن يكون أرسلهم الله بعد رفع عيسى إلى السماء من غير واسطة (فكذبوهما) في الرسالة، وقيل ضربوهما وسجنوهما، وقيل: واسم الاثنين: يوحنا وشمعون، وقيل: أسماء الثلاثة صادق ومصدوق وشلوم، قاله ابن جرير وغيره. وقيل: شمعان ويوحنا وبولس، وقال وهب: اسمهما يحيى وبولس، وقال كعب: صادق وصدوق.
(فعززنا بثالث) قرىء بتشديد الزاي وتخفيفها. قال الجوهري: فعززنا يخفف ويشدد أي قوينا وشددنا فالقراءتان على هذا بمعنى، وقيل: التخفيف بمعنى غلبنا وقهرنا، ومنه (وعزني في الخطاب)، والتشديد بمعنى قوَّينا وكثرنا، قيل: وهذا الثالث هو شمعون، وقيل غيره - وعن ابن عباس قال: " كان بين موسى بن عمران وبين عيسى بن مريم ألف سنة وتسعمائة سنة، ولم تكن بينهما فترة وإنه أرسل بينهما ألف نبي من بني إسرائيل سوى من أرسل من غيرهم، وكان بين ميلاد عيسى والنبي صلى الله عليه وسلم خمسمائة سنة وتسع وستون سنة، بعث في أولها ثلاثة أنبياء.
وهو قوله: (إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث) والذي عزز به شمعون، وكان من الحواريين وكانت الفترة التي لم يبعث الله فيها رسولاً أربعمائة سنة وأربعاً وثلاثين سنة [[زاد المسير 7/ 11.]] أخرجه ابن سعد وابن عساكر.
(فقالوا إنا إليكم مرسلون) أي قال الثلاثة جميعاً؛ وجاؤوا بكلامهم هذا مؤكداً لسبق التكذيب للاثنين والتكذيب بهما تكذيب للثالث لأنهم أرسلوا جميعاً بشيء واحد وهو الدعاء إلى الله عز وجل، وهذه الجملة مستأنفة جواب سؤال مقدر كأنه قيل: ما قال هؤلاء الرسل بعد التعزيز لهم بثالث؟ وكذلك جملة: قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ (15) قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (16) وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (17) قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (18) قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (19)
يس 36:15
(قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا) فإنها مستأنفة، كأنه قيل: فما قال لهم أهل أنطاكية؟ فقيل: (قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا) أي مشاركون لنا في البشرية فليس لكم مزية علينا تختصون بها، والخطاب للثلاثة، ثم صرحوا بجحود إنزال الكتب السماوية فقالوا: (وما أنزل الرحمن من شيء) مما تدعونه أنتم ويدعيه غيركم ممن قبلكم من الرسل وأتباعهم (إن أنتم إلا تكذبون) في دعوى ما تدعون من ذلك.
يس 36:16
(قالوا) أي فأجابوهم بإثبات رسالتهم بكلام مؤكد تأكيداً بليغاً لتكرر الإنكار من أهل أنطاكية، وهو قولهم: (ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون) فأكدوا الجواب بالقسم الذي يفهم من قولهم ربنا يعلم وبإن وباللام.
قال الزمخشري: ووجه التكرار أن الأول ابتداء إخبار، والثاني جواب عن إنكار انتهى، وهذا مخالف لما في المفتاح من أنهم أكدوا في المرة الأولى لأن تكذيب الاثنين تكذيب للثالث لاتحاد المقالة، فلما بالغوا في تكذيبهم زادوا التأكيد، وما ذهب إليه الزمخشري نظراً إلى أن مجموع الثلاثة لم يسبق منهم إخبار ولا تكذيب لهم في المرة الأولى، فالتأكيد فيها للاعتناء والاهتمام بالخبر. انتهى، قاله الشهاب.
يس 36:17
(وما علينا إلا البلاغ المبين) أي ما يجب علينا من جهة ربنا إلا تبليغ رسالته على وجه الظهور والوضوح بالأدلة الواضحة. وهي إبراء الأكمه والأبرص والمريض، وإحياء الميت، وليس علينا غير ذلك، وهذه جملة مستأنفة كالتي قبلها، وكذلك جملة:
يس 36:18
(قالوا إنا تطيرنا بكم) فإنها مستأنفة جواباً عن سؤال مقدر، أي إنا تشاءمنا بكم لانقطاع المطر عنا بسببكم. لم يجدوا جواباً يجيبون به على الرسل إلا هذا الجواب، المبني على الجهل، المنبىء عن الغباوة العظيمة وعدم وجود حجة يدفعون الرسل بها، وعادة الجهال أن يتيمنوا بكل شيء مالوا إليه وقبلته طباعهم، ويتشاءموا بما نفروا عنه وكرهوه، فإن أصابهم بلاء أو نعمة قالوا بشؤم هذا وبركة هذا.
قال مقاتل: حبس عنهم المطر ثلاث سنين فقالوا: هذا بشؤمكم. قيل: إنهم أقاموا ينذرونهم عشر سنين، وقيل: إنما تطيروا لما بلغهم من أن كل نبي إذا دعا قومه فلم يجيبوه كان عاقبتهم الهلاك، وأصل التطير التفاؤل بالطير، فإنهم كانوا يزعمون أن الطائر السانح سبب للخير، والبارح سبب للشر، ثم استعمل في كل ما يتشاءم به.
وفي المختار: وطائر الإنسان عمله الذي قلده، والطير أيضاًً الاسم من التطير ومنه قولهم: لا طير إلا طير الله وتطير من الشيء وبالشيء والاسم الطيرة بوزن عنبة، وهو ما يتشاءم به من الفأل الرديء.
وفي الحديث: " أنه كان يحب الفأل ويكره الطيرة "، وقوله تعالى: (قالوا اطيرنا بك) أصله تطيرنا فأدغم، ثم رجعوا إلى التجبر والتكبر لما ضاقت صدورهم، وأعيتهم العلل فقالوا:
(لئن لم تنتهوا) اللام للقسم، أي والله لئن لم تتركوا هذه الدعوى وتعرضوا عن هذه المقالة: (لنرجمنكم) بالحجارة، قال الفراء: عامة ما في القرآن من الرجم المراد به القتل، وقال قتادة: هو على بابه من الرجم بالحجارة.
(وليمسنَّكم منا عذاب أليم) أي شديد فظيع، وقيل: معناه التحريق بالنار أو القتل، وقيل: الشتم، وقيل: هو التعذيب المؤلم من غير تقييد بنوع خاص، وهذا هو الظاهر لكنهم حنثوا في هذا القسم لأنهم لم يتمكنوا من بره لإهلاك الله لهم.
ثم أجاب عليهم الرسل دفعاً لما زعموه من التطير بهم و
يس 36:19
(قالوا طائركم معكم) أي شؤمكم معكم من جهة أنفسكم لازم في أعناقكم، وليس هو من شؤمنا. قال الفراء: طائركم أي رزقكم وقدركم وعملكم، وبه قال قتادة، وقرأ الجمهور: طائركم اسم فاعل. أي ما طار لكم من الخير والشر، وقرأ الحسن: اطيركم أي تطيركم.
(أئن ذكرتم) قرىء بهمزة استفهام بعدها إن الشرطية على الخلاف بينهم في التسهيل والتخفيف وإدخال ألف بين الهمزتين وعدمه، وقرىء بهمزتين مفتوحتين وقرىء أين على صيغة الظرف.
واختلف سيبويه ويونس إذا اجتمع استفهام وشرط أيهما يجاب؟ فذهب سيبويه إلى أنه يجاب بالاستفهام، وذهب يونس إلى أنه يجاب بالشرط، وعلى القولين فالجواب هنا محذوف، أي أئن ذكرتم ووعظتم وخوفتم فتطيرتم لدلالة ما تقدم عليه وقرىء: أن ذكرتم بهمزة مفتوحة أي لأن ذكرتم، والقراآت كلها سبعية، ثم أضربوا عما يقتضيه الاستفهام والشرط من كون التذكير سبباً للشؤم أو مصححاً للتوعد فقالوا:
(بل أنتم قوم مسرفون) أي ليس الأمر كذلك، بل أنتم قوم عادتكم الإسراف في المعصية، فمن ثم أتاكم الشؤم من قبلكم. لا من قبل رسل الله وتذكيرهم، أو بل أنتم مسرفون في تطيركم، قاله قتادة. وقال يحيى بن سلام مسرفون في كفركم، وقال ابن بحر: السرف هنا الفساد، والإسراف في الأصل مجاوزة الحد في مخالفة الحق، أي متجاوزون الحد بشرككم، وهذا لا ينافي كون أهل أنطاكية أول المؤمنين برسل عيسى، فإن الملك وقومه آمنوا وهلاك قاتلي حبيب لا يستلزم هلاك أهل أنطاكية.
وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (21) وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (22) أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ (23) إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (24)
يس 36:20
(وجاء من أقصى المدينة) وهي القرية السابق ذكرها وعبر عنها هنا بالمدينة إشارة لكبرها واتساعها (رجل يسعى) هو حبيب بن مري وكان نجاراً، وقيل: إسكافاً، وقيل قصاراً، وقال مجاهد ومقاتل: هو حبيب بن إسرائيل النجار، وكان ينحت الأصنام، وقال وهب: كان يعمل الحرير.
وقال قتادة: كان يعبد الله في غار فلما سمع بخبر الرسل جاء يسعى، أي يشتد عدواً.
وقال ابن عباس: اسم صاحب يس حبيب وكان الجذام قد أسرع فيه قال القرطبي: وهو ممن آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم وبينهما ستمائة سنة كما آمن به تبع الأكبر وورقة بن نوفل وغيرهما، ولم يؤمن أحد بنبي غير نبينا، صلى الله عليه وسلم إلا بعد ظهوره وأما نبينا فآمن به قبل ظهوره كثير، انتهى. وفيه من البعد والضعف ما لا يخفى ويدفعه قوله سبحانه:
(قال يا قوم اتبعوا المرسلين) أي رسل عيسى عليه السلام، ولم يذكر نبينا صلى الله عليه وسلم ولا دلت الآية عليه والجملة مستأنفة كأنه قيل فماذا قال لهم عند مجيئه؟ فقيل: قال إلخ، أي اتبعوا هؤلاء الذين أرسلوا إليكم فإنهم جاؤوا بحق، ثم أكد ذلك وكرره فقال:
يس 36:21
(اتبعوا من لا يسألكم) بدل من المرسلين بإعادة العامل أو تابع له (أجراً) على ما جاؤوكم به من الهدى (وهم) أي الرسل (مهتدون) ولو كانوا متهمين بعدم الصدق لسألوكم المال، فاهتدوا أنتم أيضاًً تبعاً لهم، ثم أبرز الكلام في معرض النصيحة لنفسه، وهو يريد مناصحة قومه فقال:
يس 36:22
(وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي) أي أَيُّ مانع من جانبي يمنعني من عبادة الذي خلقني، ثم رجع إلى خطابهم لبيان أنه ما أراد نفسه بل أرادهم بكلامه فقال:
(وإليه ترجعون) أضاف الفطرة إلى نفسه، والرجوع إليهم لأن الفطرة أثر النعمة وكانت عليه أظهر والرجوع فيه معنى الزجر، فكان بهم أليق، ولذلك لم يقل: إليه أرجع، وفيه مبالغة في التهديد وهذه الطريقة أحسن من ادعاء الالتفات ثم عاد إلى المساق الأول وهو التلطف في الإرشاد والنصيحة لقصد التأكيد ومزيد الإيضاح فقال:
يس 36:23
(أأتخذ من دونه) أي غيره (آلهة) فجعل الإنكار متوجهاً إلى نفسه، وهم المرادون به أي لا أتخذ من دون الله آلهة وأعبدها، وأترك عبادة من يستحقها وهو الذي فطرني. ثم بين حال هذه الأصنام التي يعبدونها من دون الله سبحانه إنكاراً عليهم وبياناً لضلال عقولهم وقصور إدراكهم فقال:
(إن يردن الرحمن بضر) أي بسوء ومكروه شرط وجوابه (لا تغن عني شفاعتهم شيئاًً) من النفع كائناً ما كان أي لا شفاعة لها فتغني عني (ولا ينقذون) من ذلك الضر الذي أرادني الرحمن به وهذه الجملة صفة لآلهة أو مستأنفة لبيان حالها في عدم النفع والدفع.
يس 36:24
(إني إذاً) أي إني إذاً اتخذت من دونه آلهة وعبدت غير الله (لفي ضلال مبين) ظاهر واضح لأن إيثار ما لا ينفع ولا يدفع ضراً بوجه ما على الخالق المقتدر على النفع والضر وإشراكه به ضلال بيِّن لا يخفى على عاقل، وهذا تعريض بهم كما سبق، والضلال الخسران.
إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (25) قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (27) وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ (28) إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ (29)
ثم صرح بإيمانه تصريحاً لا يبقى بعده شك فقال:
يس 36:25
(إني آمنت بربكم فاسمعون) وكسر النون، وهي نون الوقاية، وهي اللغة العالية وقرىء بفتحها، وهي غلط. قال المفسرون: أراد القوم قتله فأقبل هو على المرسلين فقال: إني آمنت بربكم أيها الرسل فاسمعوا إيماني، واشهدوا لي به.
وقيل: إنه خاطب بهذا الكلام قومه لما أرادوا قتله تصلباً في الدين، وتشدداً في الحق وعدم المبالاة بالقتل، فلما قال هذا القول وصرح بالإيمان وثبوا عليه فقتلوه، وقيل وطؤوه بأرجلهم.
وقال الحسن: حرقوه حرقاً وعلقوه في سور المدينة، وقبره في سور أنطاكية حكاه الثعلبي. وقيل: حفروا له حفيرة وألقوه فيها، وقيل: إنهم لم يقتلوه بل رفعه الله إلى السماء وهو في الجنة، وبه قال الحسن. وقال السدي: رموه بالحجارة وهو يقول: اللهم اهد قومي، حتى قتلوه. وقيل نشروه بالمنشار حتى خرج من بين رجليه، فوالله ما خرجت روحه إلا في الجنة فدخلها فذلك قوله تعالى:
يس 36:26
(قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ) أي قيل له ذلك عند موته تكريماً له بدخولها بعد قتله كما هي سنة الله في شهداء عباده ولم يذكر لفظ (له) في نظم الآية لأن الغرض بيان القول دون المقول له فإنه معلوم، وعلى قول من قال إنه رفع إلى السماء ولم يقتل يكون المعنى: إنهم أرادوا قتله فنجاه الله من القتل وقيل له: ادخل الجنة وفيه دليل على أن الجنة مخلوقة الآن، وعليه فالأمر أمر تكوين لا أمر امتثال على حد قوله: أن يقول له كن فيكون، فالمعنى أدخله الله الجنة سريعاً فلما دخلها ورأى نعيمها وشاهدها.
(قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ) الجملة مستأنفة جواب سؤال مقدر، أي فماذا قال بعد أن قيل له: ادخل الجنة فدخلها؟ فقال يا ليت قومي .. الخ. وهم الذين قتلوه فنصحهم حياً وميتاً.
قال ابن أبي ليلى: سباق الأمم ثلاثة لم يكفروا بالله طرفة عين علي بن أبي طالب، وهو أفضلهم، ومؤمن آل فرعون، وصاحب يس وهم الصديقون. ذكره الزمخشري و (ما) في
يس 36:27
(بما) هي المصدرية، وقيل موصولة أي بالذي غفر لي ربي، والباء صلة يعلمون، والعائد محذوف، أي غفره لي ربي، واستضعف هذا لأنه لا معنى لتمنيه أن يعلم قومه بذنوبه المغفورة وليس المراد إلا التمني منه بأن يعلم قومه بغفران ربه له، وإليه أشار في التقرير، وقال الفراء: إنها استفهامية جاءت على الأصل بمعنى التعجب.
والباء صلة غفر كأنه قال بأي شيء غفر لي ربي يريد به المهاجرة عن دينهم، والمصابرة على أذيتهم، قال الكسائي: لو صح هذا لقال: بم من غير ألف، ويجاب عنه بأنه قد ورد في لغة العرب إثباتها وإن كان مكثوراً بالنسبة إلى حذفها وفي معنى تمنيه قولان: أحدهما أنه تمنى أن يعلموا بحاله ليعلموا حسن مآله وحميد عاقبته إرغاماً لهم، وقيل: إنه تمنى أن يعلموا بذلك ليؤمنوا مثل إيمانه فيصيروا إلى مثل حاله، ولما وقع ما وقع منهم مع حبيب النجار غضب الله له وعجل لهم النقمة، وأهلكهم بالصيحة فقال:
يس 36:28
(وما أنزلنا على قومه من بعده) أي على قوم حبيب النجار من بعد قتلهم له أو من بعد رفع الله له إلى السموات على الاختلاف السابق.
(من جند من السماء) لإهلاكهم وللانتقام منهم، أي لم نحتج إلى إرسال جنود من السماء لإهلاكهم كما وقع ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم: " يوم بدر من إرسال الملائكة لنصرته وحرب أعدائه " [[راجع ما ذكرناه في سورة الأنفال حول نزول الملائكة.]]، وذلك لأن الله أجرى هلاك كل قوم على بعض الوجوه دون بعض لحكمة اقتضت ذلك، وعن ابن مسعود في الآية قال: يقول ما كابدناهم بالجموع، أي الأمر أيسر علينا من ذلك.
(وما كنا منزلين) أي وما صح في قضائنا وحكمتنا أن ننزل لإهلاكهم جنداً لسبق قضائنا وقدرنا بأن إهلاكهم بالصيحة لا بإنزال الجند، وقال قتادة ومجاهد والحسن: أي ما أنزلنا عليهم من رسالة من السمماء ولا نبي بعد قتله، وروي عن الحسن أنه قال: هم الملائكة النازلون بالوحي على الأنبياء والظاهر أن معنى النظم القرآني تحقير شأنهم، وتصغير أمرهم، أي ليسوا بأحقاء بأن ننزل لإهلاكهم جنداً من السماء، بل أهلكناهم بصيحة واحدة كما يفيده قوله:
يس 36:29
(إن كانت) أي العقوبة أو النقمة أو الأخذة.
(إلا صيحة واحدة) صاح بها جبريل فأهلكهم قرىء: صيحة بالنصب على أن كان ناقصة، واسمها ضمير يعود إلى ما يفهم من السياق كما قدمنا، وقرىء برفعها على أن كان تامة، أي وقع وحدث، وأنكرها أبو حاتم وكثير من النحويين بسبب التأنيث في قوله: إن كانت، وقيل: غير ذلك.
وقرأ ابن مسعود إن كانت إلا زقية واحدة والزقية الصيحة، قال النحاس: وهذا مخالف للمصحف، وأيضاًً فإن اللغة المعروفة زقا يزقو إذا صاح ومنه المثل: أثقل من الزواقي فكان يجب على هذا أن يكون زقوة، ويجاب عنه بما ذكره الجوهري. قال: الزقو والزقى مصدر، وقد زقا الصدى يزق زقاً أي صاح، وكل صائح زاق، والزقية الصيحة.
قال المفسرون: أخذ جبريل بعضادتي باب المدينة ثم صاح بهم صيحة فإذا هم ميتون لا يسمع لهم حس كالنار إذا طفئت، وهو معنى قوله: (فإذا هم خامدون) ميتون شبههم بالنار إذا طفئت لأن الحياة كالنار الساطعة في الحركة، والالتهاب. والموت: كخمودها.
يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (30) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ (31) وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (32) وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (33) وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (34)
يس 36:30
(يا حسرة على العباد) النصب على أنها منادى منكر، كأنه نادى الحسرة وقال لها: هذا أوانك فاحضري، وقيل: إنها منصوبة على المصدرية، والمنادى محذوف والتقدير: يا هؤلاء تحسروا حسرة، وقرىء: بالضم على النداء، قال الفراء في توجيه هذه القراءة: إن الاختيار النصب، وأنها لو رفعت النكرة لكان صواباً. واستشهد بأشياء نقلها عن العرب منها أنه سمع منهم: يا مهتم، بأمرنا لا تهتم.
قال النحاس: وفي هذا إبطال باب النداء أو أكثره، قال: وتقدير ما ذكره: يا أيها المهتم لا تهتم بأمرنا وحقيقة الحسرة أن يلحق الإنسان من الندم ما يصير به حسيراً، قال ابن جرير: المعنى يا حسرة من العباد على أنفسهم وتندماً وتلهفاً في استهزائهم برسل الله، وقرىء: يا حسرة العباد على الإضافة، ورويت هذه القراءة عن أبيّ. وقال الضحاك: إنها حسرة الملائكة على الكفار حين كذبوا الرسل، وقيل: هي من قول الرجل الذي جاء من أقصى المدينة.
وقيل: إن القائل يا (حسرة على العباد) هم الكفار المكذبون، والعباد الرسل، وذلك أنهم لما رأوا العذاب تحسروا على قتلهم وتمنوا الإيمان قاله أبو العالية ومجاهد. وقيل: إن التحسر عليهم هو من الله عز وجل بطريق الاستعارة لتعظيم ما جنوه، وقرىء: يا حسره بسكون الهاء إجراء للوصل مجرى الوقف، وقرىء يا حسرتا كما قرىء بذلك في سورة الزمر، قال ابن عباس: أي يا ويلاً للعباد، وعنه قال: الندامة على العباد يوم القيامة وأل في العباد للجنس.
(ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون) مستأنفة مسوقة لبيان ما كانوا عليه من تكذيب الرسل والاستهزاء بهم، وأن ذلك هو سبب التحسر عليهم، ثم عجب سبحانه من حالهم حيث لم يعتبروا بأمثالهم من الأمم الخالية فقال:
يس 36:31
(ألم يروا كم أهلكنا) أي ألم يعلموا كثرة من أهلكنا (قبلهم من القرون) التي أهلكناها من الأمم الخالية، والاستفهام للتقرير على حد قوله: (ألم نشرح لك صدرك).
(أنهم إليهم لا يرجعون) بدل من أهلكنا على المعنى، قال سيبويه: إنه بدل من كم وهي الخبرية فلذلك جاز أن يبدل منها ما ليس باستفهام، والمعنى: ألم يروا أن القرون الذين أهلكناهم أنهم إليهم لا يرجعون.
وقال الفراء: كم في موضع نصب من وجهين أحدهما بـ (يروا) والوجه الآخر (بأهلكنا) قال النحاس: القول الأول محال لأن كم لا يعمل فيها ما قبلها لأنها استفهام ومحال أن يدخل الاستفهام في حيز ما قبله، وكذا حكمها إذا كانت خبراً وإن كان سيبويه قد أومأ إلى بعض هذا فجعل أنهم بدلاً من كم، وقد رد ذلك المبرّد أشد رد، ثم بين سبحانه رجوع الكل إلى الحشر بعد بيان عدم الرجوع إلى الدنيا فقال:
يس 36:32
(وإن كل لما جميع لدينا محضرون) قرىء لما مشدداً ومخففاً، قال: الفراء من شدد جعل لما بمعنى إلا وإن بمعنى ما أي ما كل إلا جميع، ومعنى جميع مجموعون، فهو فعيل بمعنى مفعول، ولدينا ظرف له وأما على قراءة التخفيف فإن هي المخففة من الثقيلة، وما بعدها مرفوع بالابتداء، واللام هي الفارقة بين المخففة والنافية.
قال أبو عبيدة: وما على هذه القراءة زائدة، والتقدير عنده: وإن كل لجميع، والحاصل أن (كل) أشير بها لاستغراق الأفراد وشمولهم، (وجميع) أشير بها لاجتماع الكل في مكان واحد وهو المحشر [[قال ابن كثير: وإن جميع الأمم الماضية والآتية ستحضر للحساب يوم القيامة بين يدي الله عز وجل فيجازيهم بأعمالهم كلها خيرها وشرها.]]، وقيل: معنى محضرون معذبون، والأولى أنه على معناه الحقيقي من الإحضار للحساب والجزاء ثم ذكر سبحانه البرهان على التوحيد والحشر مع تعداد النعم وتذكيرها فقال:
يس 36:33
(وآية لهم) على البعث والتوحيد (الأرض الميتة) فآية خبر مقدم وتنكيرها للتفخيم، ولهم صفتها أو متعلقة بآية، لأنها بمعنى علامة، والأرض مبتدأ ويجوز أن يكون آية مبتدأ لكونها قد تخصصت بالصفة، وما بعدها الخبر. قرىء ميتة بالتشديد والتخفيف.
(أحييناها) مستأنفة مبينة لكيفية كونها آية، وقيل: هي صفة للأرض فنبههم الله بهذا على إحياء الموتى، وذكرهم نعمه، وكمال قدرته فإنه سبحانه أحيى الأرض بالنبات، وأخرج منها الحبوب التي يأكلونها ويتغذون بها، وهو معنى قوله:
(وأخرجنا منها حباً فمنه يأكلون) وهو ما يقتاتونه من الحبوب وتقديم منه للدلالة على أن الحب معظم ما يؤكل وأكثر ما يقوم به المعاش.
يس 36:34
(وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب) أي جعلنا في الأرض جنات من أنواع النخل والعقب وخصهما بالذكر لأنهما أعلى الثمار وأنفعها للعباد والنخل والنخيل بمعنى، والواحدة نخلة، وفي المصباح: النخل اسم جمع، والواحدة نخلة وكل جمع يفرق بينه وبين واحده بالتاء، فأهل الحجاز يؤنثونه وأهل نجد وتميم يذكرونه، وأما النخيل بالياء فمؤنثة. قال ابن أبي حاتم: لا اختلاف في ذلك، والأعناب جمع عنب. والعنب: الواحدة من العنب.
(وفجرنا فيها من العيون) أي فجرنا في الأرض بعضاً من العيون فحذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه، أو المفعول العيون، ومن مزيدة على رأي من جوز زيادتها في الإثبات والمراد بالعيون عيون الماء وقرأ الجمهور بالتشديد، وقرىء: بالتخفيف، والفجر والتفجير كالفتح والتفتيح لفظاً ومعنى واللام في قوله: لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (35) سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ (36) وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (37)
يس 36:35
(ليأكلوا من ثمره) متعلقة بجعلنا والضمير المجرور يعود إلى المذكور من الجنات والنخيل، وقيل هو راجع إلى ماء العيون لأن الثمر منه، قاله الجرجاني، وقرىء ثمره بضمتين وبفتحتين وهما سبعيتان وقرأ الأعمش بضم الثاء وإسكان الميم، وقد تقدم الكلام على هذا في الأنعام.
(وما عملته أيديهم) أي ليأكلوا من ثمره ويأكلوا مما عملته أيديهم كالعصير والدبس ونحوهما وكذلك ما غرسوه وحفروه وعالجوه على أن (ما) موصولة. وفيه تجوز على هذا. وصل: هي نافية، والمعنى لم يعملوه بل العامل له هو الله عز وجل أي وجدوها معمولة ولا صنع لهم فيها وهو قول الضحاك ومقاتل. وقيل: إنها نكرة موصوفة والكلام فيها كالذي في الموصولة، وقيل إنها مصدرية أي ومن عمل أيديهم والمصدر واقع موقع المفعول به فيعود المعنى إلى معنى الموصولة أو الموصوفة.
وعن ابن عباس في الآية قال: " وجدوها معمولة لم تعملها أيديهم " يعني الفرات ودجلة ونهر بلخ وأشباهها (أفلا يشكرون) الاستفهام للتقريع والتوبيخ لهم بعدم شكرهم للنعم المعدودة والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام أي: أيرون هذه النعم؟ أو أيتنعمون بها فلا يشكرونها؟.
يس 36:36
(سبحان الذي خلق الأزواج كلها) مستأنفة مسوقة لتنزيهه سبحانه عما وقع منهم من ترك الشكر لنعمه المذكورة والتعجب من إخلالهم بذلك وقد تقدم الكلام مستوفى في معنى سبحان؛ وهو في تقدير الأمر للعباد بأن ينزهوه عما لا يليق به؛ والأزواج الأنواع والأصناف فكل زوج صنف لأنه مختلف في الألوان والطعوم والأشكال والصغر والكبر فاختلافها هو ازدواجها قال قتادة يعني الذكر والأنثى (مما تنبت الأرض) بيان للأزواج والمراد كل ما نبت فيها من الأشياء المذكورة وغيرها لأنه أصناف.
(ومن أنفسهم) أي خلق الأزواج من أنفسهم وهم الذكور والإناث (ومما لا يعلمون) من أصناف خلقه في البر والبحر والسماء والأرض ففي الأودية والبحار أشياء لا يعلمها الناس؛ ولم يطلعهم الله عليها، ولا توصلوا إلى معرفتها ووجه الاستدلال في هذه الآية أنه إذا انفرد بالخلق فلا ينبغي أن يشرك به.
يس 36:37
(وآية لهم الليل نسلخ منه النهار) الكلام في هذا كما قدمنا في قوله (وآية لهم الأرض) الخ والمعنى أن ذلك علامة دالة على توحيد الله وقدرته، ووجوب إلهيته. والسلخ الكشط والنزع، يقال: سلخه الله من بدنه، ثم يستعمل بمعنى الإخراج فجعل سبحانه ذهاب الضوء ومجيء الظلمة كالسلخ من الشيء وهو استعارة بليغة.
(فإذا هم مظلمون) أي داخلون في الظلام مفاجأة وبغتة. يقال: أظلمنا أي دخلنا في ظلام الليل، وأظهرنا دخلنا في وقت الظهر، وكذلك أصبحنا وأمسينا، وقيل منه بمعنى عنه. والمعنى نسلخ عنه ضوء النهار فإذا هم في ظلمة لأن ضوء النهار يتداخل في الهواء فيضيء، فإذا خرج منه أظلم.
قال الفراء: يرمي بالنهار على الليل فيأتي بالظلمة، وذلك أن الأصل هي الظلمة والنهار داخل عليه، فإذا غربت الشمس سلخ النهار من الليل أي كشط وأزيل فتظهر الظلمة، وظاهره يشعر بأن النهار طارىء على الليل، قال المرزوقي في الآية: دلت على أن الليل قبل النهار لأن المسلوخ منه يكون قبل المسلوخ كما أن المغطى قبل الغطاء، لكن كلامه في سورة الرعد مؤذن بأن بين الليل والنهار توالجاً وتداخلاً، قال تعالى: (يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل).
وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (38) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (39)
يس 36:38
(والشمس تجري لمستقر لها) يحتمل أن تكون الواو للعطف على الليل والتقدير: وآية لهم الشمس، ويجوز أن تكون ابتدائية، والشمس مبتدأ وما بعدها الخبر، ويكون الكلام مستأنفاً مشتملاً على ذكر آية مستقلة. قيل: وفي الكلام حذف، والتقدير تجري لمجرى مستقرٍ لها أي تنتهي في سيرها لأجل مستقر لها.
وقيل: اللام بمعنى إلى، قيل: والمراد بالمستقر يوم القيامة فعنده تستقر فلا تبقى لها حركة، وقيل: مستقرها هو أبعد ما تنتهي إليه ولا تجاوزه، وقيل: نهاية ارتفاعها في الصيف، ونهاية هبوطها في الشتاء، وقيل: مستقرها تحت العرش لأنها تذهب إلى هنالك فتسجد فتستأذن في الرجوع فيؤذن لها، وهذا هو الراجح.
وقال الحسن: إن للشمس في السنة ثلثمائة وستين مطلعاً تنزل في كل يوم مطلعاً، ثم لا تنزل إلى الحول، فهي تجري في تلك المنازل وهو مستقرها.
وقيل: إن الشمس في الليل تسير وتشرق على عالم آخر من أهل الأرض، وإن كنا لا نعرفه [[ينبغي التعليق على قوله: وقيل: إن الشمس في الليل تسير وتشرق على عالم آخر من أهل الأرض وإن كنا لا نعرفه .. الخ .. بالقول: إن الشمس تشرق على عالم آخر حينما تغيب عنا، ولكن لا تسير الشمس بل بسير ودوران الأرض نفسها، كما أثبت العلم حديثاً.]]، ويؤيد هذا القول ما قاله الفقهاء في باب المواقيت.
كالشمس الرملي من أن الأوقات الخمسة تختلف باختلاف الجهات والنواحي فقد يكون المغرب عندنا عصراً عند آخرين، ويكون الظهر صبحاً عند آخرين، وهكذا، وقيل غير ذلك، وقرىء لا مستقر لها بلا التي لنفي الجنس، وبناء مستقر على الفتح وقرىء لا مستقر، بلا التي بمعنى ليس، ومستقر اسمها ولها خبرها.
(ذلك) أي ذلك الجري على ذلك الحساب الذي يكل النظر عن استخراجه وتتحير الأفهام عن استنباطه (تقدير العزيز) أي الغالب القاهر بقدرته على كل مقدور (العليم) أي المحيط علمه بكل شيء، ويحتمل أن تكون الإشارة راجعة إلى المستقر أي ذلك المستقر تقدير الله.
أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي ذر قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله: (والشمس تجري لمستقر لها) قال: مستقرها تحت العرش [[رواه البخاري في صحيحه 6/ 214 و8/ 416 و13/ 350 ومسلم 1/ 139 والترمذي 2/ 155 وقال: هذا حديث حسن صحيح والسيوطي في الدر 5/ 263 وللنووي في شرح مسلم 2/ 195 كلام فليراجع هناك.]].
وفي لفظ للبخاري وغيره من حديثه قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد عند غروب الشمس فقال: يا أبا ذر أتدري أين تغرب الشمس؟ قلت الله ورسوله أعلم. قال: إنها تذهب حتى تسجد تحت العرش فذلك قوله: والشمس تجري لمستقر لها.
وفي لفظ من حديثه أيضاًً عند أحمد والترمذي والنسائي وغيرهم، قال: " يا أبا ذر أتدري أين تذهب هذه؟ قلت الله ورسوله أعلم قال: فإنها تذهب حتى تسجد بين يدي ربها فتستأذن في الرجوع فيأذن لها، وكأنها قد قيل لها: اطلعي من حيث جئت فتطلع من مغربها، ثم قرأ ذلك مستقر لها، وذلك قراءة عبد الله وأخرج الترمذي والنسائي وغيرهما من قول ابن عمر نحوه.
قال النووي: اختلف المفسرون فيه، فقال جماعة بظاهر الحديث، قال الواحدي: فعلى هذا القول إذا غربت الشمس كل يوم استقرت تحت العرش إلى أن تطلع، وقيل: تجري إلى مستقر لها وأصل لا تتعداه وعلى هذا فمستقرها انتهاء سيرها عند انقضاء الدنيا، وأما سجود الشمس فهو تمييز وإدراك يخلقه الله تعالى فيها والله أعلم [[زاد المسير 7/ 18.]].
يس 36:39
(والقمر قدرناه منازل) قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو برفع القمر على الابتداء، وقرأ الباقون بالنصب على الاشتغال، وانتصاب منازل على أنه مفعول لأن قدرنا بمعنى صيرنا، ويجوز أن يكون منتصباً على الحال. أي قدرنا سيره حال كونه ذا منازل، ويجوز أن يكون منتصباً على الظرفية أي في منازل، واختار أبو عبيد النصب في القمر، قال: لأن قبله فعلاً وهو، نسلخ وبعده فعلاً وهو: قدرنا.
قال النحاس: أهل العربية جميعاً فيما علمت على خلاف ما قال، منهم الفراء قال الرفع أعجب إليّ. قال: وإنما كان الرفع عندهم أولى لأنه معطوف على ما قبله، ومعناه: وآية لهم القمر، قال أبو حاتم: الرفع أولى لأنك شغلت الفعل عنه بالضمير فرفعته بالابتداء.
والمنازل هي الثمانية والعشرون التي ينزل القمر كل ليلة في واحد منها لا يتخطاه ولا يتقاصر عنه على تقدير مستو يسير فيها من ليلة المستهل إلى الثامنة والعشرين، ثم يستتر ليلتين أو ليلة إذا نقص الشهر وهي معروفة، وسيأتي ذكرها، فإذا صار القمر في آخرها عاد إلى أولها فيقطع الفلك في ثمان وعشرين ليلة ثم يستتر ليلتين ثم يطلع هلالاً فيعود في قطع تلك المنازل في الفلك كالعرجون.
أخرج الخطيب عن ابن عباس في الآية قال: " هي ثمانية وعشرون منزلاً ينزلها القمر في كل شهر، أربعة عشر منها شامية وأربعة عشر منها يمانية، فأولها الشرطين والبطين والثريا والدبران والهقعة والهنعة والذراع والنثرة والطرف والجبهة والزبرة والصرفة والعواء والسماك. وهو آخر الشامية، والغفر والزباني والإكليل والقلب والشولة والنعائم والبلدة وسعد الذابح وسعد بلع وسعد السعود وسعد الأخبية ومقدم الدلو ومؤخر الدلو والحوت وهو آخر اليمانية ".
سئل الرملي: هل القمر الموجود في كل شهر هو الموجود في الآخر أو غيره؟ فأجاب بأن في كل شهر قمراً جديداً [[لا صحة لما قاله الرملي. فقد ثبت بالدليل العلمي أن القمر واحد.]]، انتهى، وهذا يدل على صحة تجدد الأمثال إن ثبت بالنص من الشارع. ويمكن بمثله القول في الشمس لكن لا دليل على ذلك كله.
(حتى عاد) في آخر منازله في رأى العين (كالعرجون القديم) هو عود الشمراخ بالضم إذا يبس واعوج والقديم الذي أتى عليه الحول فإذا قدم عتق ويبس وتقوس واصفر فشبه القمر به من ثلاثة أوجه. فإذا سار هذه الثمانية وعشرين منزلاً عاد كالعرجون القديم كما كان في أول الشهر، وهذا يدفع ما ذكره الرملي فليتأمل.
وقال ابن عباس: العرجون القديم أصل العذق العتيق، قال الزجاج العرجون هو عود العذق الذي فيه الشماريخ، وهو فعلون من الانعراج وهو الانعطاف، أي سار في منازله حتى إذا كان في آخرها دق واستقوس وصغر حتى صار كالعرجون القديم، وعلى هذا فالنون زائدة.
قال قتادة: هو العذق اليابس المنحني من النخلة، قال ثعلب: العرجون الذي يبقى في النخلة إذا قطعت، والقديم البالي. وقال الخليل: العرجون أصل العذق، وهو أصفر عريض يشبه به الهلال إذا انحنى، وكذا قال الجوهري: إنه أصل العذق الذي يعوج ويقطع منه الشماريخ فيبقى على النخل يابساً، وعرجنه ضربه بالعرجون وعلى هذا فالنون أصلية قرأ الجمهور:
بضم العين والجيم وقرىء: بكسر العين وفتح الجيم وهما لغتان.
لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (40) وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (41) وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ (42)
يس 36:40
(لا الشمس ينبغي لها) مرفوعة بالابتداء أي لا يصح ولا يمكن للشمس ولا يستقيم ولا يتسهل (أن تدرك القمر) في سرعة السير وتنزل في المنزل الذي فيه القمر وتجتمع معه في وقت واحد وتداخله في سلطانه فتطمس نوره لأن ذلك يخل بتكوين النبات وتعييش الحيوان، ولأن لكل واحد منهما سلطاناً على انفراده فلا يتمكن أحدهما من الدخول على الآخر فيذهب سلطانه إلى أن يأذن الله بالقيامة فتطلع الشمس من مغربها، ويفهم من الآية أن حركتها بالتسخير لا بإرادتها.
ونفى الله تعالى الإدراك عن الشمس دون عكسه، لأن مسير القمر أسرع، لأنه يقطع فلكه في شهر، والشمس لا تقطع فلكها إلا في سنة، فكانت جديرة بأن توصف بنفي الإدراك لبطء سيرها، وكان القمر خليقاً بأن يوصف بنفي السبق لسرعة سيره كما سيأتي [[للقمر مداره، كما أن للأرض مدارها، والقمر كما هو معروف يدور حول الأرض والأرض تدور حول الشمس، والقمر يتبع الأرض بدورانها أيضاًً، كما ثبت علمياً. فالكلام المذكور غير صحيح.]]، وقال الضحاك: معناه إذا طلعت الشمس لم يكن للقمر ضوء، وإذا طلع القمر لم يكن للشمس ضوء، وقال مجاهد: أي لا يشبه ضوء أحدهما ضوء الآخر، وقال الحسن إنهما لا يجتمعان في السماء ليلة الهلال خاصة، وكذا قال يحيى بن سلام.
وقيل: معناه إذا اجتمعا في السماء كان أحدهما بين يدي الآخر في منزل لا يشتركان فيه، وقيل: القمر في سماء الدنيا والشمس في السماء الرابعة ذكره النحاس والمهدوي، قال النحاس وأحسن ما قيل في معناه وأبينه أن سير القمر سريع والشمس لا تدركه في السير [[للقمر مداره، كما أن للأرض مدارها، والقمر كما هو معروف يدور حول الأرض والأرض تدور حول الشمس، والقمر يتبع الأرض بدورانها أيضاًً، كما ثبت علمياً. فالكلام المذكور غير صحيح.]]، وأما قوله تعالى: وجمع الشمس والقمر فذلك حين حبس الشمس عن الطلوع على ما تقدم بيانه في الأنعام، ويأتي في سورة القيامة أيضاًً، وجمعهما علامة لانقضاء الدنيا وقيام الساعة.
(ولا الليل سابق النهار) أي لا يسبقه فيفوته، ولكن يعاقبه ويجيء كل واحد منهما في وقته، ولا يسبق صاحبه. وقيل: المراد من الليل والنهار آيتاهما وهما الشمس والقمر، فيكون عكس قوله: لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر أي ولا القمر سابق الشمس، وإيراد السبق مكان الإدراك لسرعة سير القمر وهما نيران لا يزال أمرهما على هذا الترتيب إلى أن تقوم الساعة، فيجمع الله بين الشمس والقمر، وتطلع الشمس من مغربها. وهذا لا ينافي أن الليل برمته سابق في الوجود على النهار برمته، وهو أحد قولين.
واستدل بعضهم بهذه الآية على أن النهار مخلوق قبل الليل وأن الليل لم يسبقه بالخلق ووجه الاستدلال: أن المعنى ليس الليل سابق النهار، يعني بل النهار هو السابق وهذا ينظر إلى مقابلة جملة الليل بجملة النهار، والآية محتملة لكل من القولين.
(وكل في فلك يسبحون) التنوين في كل عوض من المضاف إليه أي وكل واحد منهما والفلك هو الجسم المستدير أو السطح المستدير أو الدائرة، قال العماد بن كثير في البداية والنهاية: حكى ابن حزم وابن الجوزي وغير واحد الإجماع على أن السموات كرية مستديرة واستدل عليه بهذه الآية. قال الحسن: يدورون.
وقال ابن عباس في فلكة مثل فلكة المغزل قالوا: ويدل على ذلك أن الشمس تغرب كل ليلة من المغرب ثم تطلع في آخرها من الشرق. قال: ابن حجر حكى الإجماع على أن السموات مستديرة جمع وأقاموا عليه الأدلة وخالف في ذلك فرق يسيرة من أهل الجدل وقال ابن العربي: السموات ساكنة لا حركة فيها جعلها الله ثابتة مستقرة هي لنا كالسقف للبيت، ولهذا سماها السقف المرفوع.
واستخرج أهل البديع من لفظ كل في فلك صنعة القلب، ونحوه قوله تعالى: (وربك فكبر) والسبح السير بانبساط وسهولة، والجمع باعتبار اختلاف مطالعهما فكأنهما متعددان بتعددها أو المراد الشمس والقمر والكواكب، ثم ذكر سبحانه وتعالى نوعاً آخر مما امتن به على عباده من النعم فقال:
يس 36:41
(وآية لهم) ارتفاع آية على أنها خبر مقدم والمبتدأ أنا حملنا أو العكس، أي علامة ودلالة، وقيل: معنى آية هنا العبرة، وقيل: النعمة، وقيل: النذارة، وقد اختلف في معنى.
(أنا حملنا ذريتهم) وإلى من يرجع الضمير لأن الضمير الأول وهو قوله: وآية لهم لأهل مكة أو لكفار العرب أو للكفار على الإطلاق الكائنين في عصر محمد صلى الله عليه وسلم، فقيل: الضمير يرجع إلى القرون الماضية، والمعنى: أن الله حمل ذرية القرون الماضية.
(في الفلك المشحون) فالضميران مختلفان، وهذا حكاه النحاس عن الأخفش، وقيل: الضميران لكفار مكة ونحوهم، والمعنى: أن الله حمل ذرياتهم من أولادهم وضعفائهم على الفلك فامتن الله عليهم بذلك، أي أنهم يحملونهم معهم في السفن إذا سافروا أو يبعثون أولادهم للتجارة لهم فيها، وإنما ذكر ذريتهم دونهم لأنه أبلغ في الامتنان عليه، وأبلغ في التعجب من قدرته، وقيل: الذرية الآباء والأجداد، والفلك: هو سفينة نوح أي أن الله حمل آباء هؤلاء وأجدادهم في سفينة نوح.
قال الواحدي: والذرية تقع على الآباء كما تقع على الأولاد، قال أبو عثمان: وسمى الآباء ذرية لأن منهم ذرء الأبناء وقيل الذرية النطف الكائنة في بطون النساء، وشبه البطون بالفلك المشحون. قاله علي بن أبي طالب ذكره الماوردي والراجح القول الثاني ثم الأول ثم الثالث، وأما الرابع: ففي غاية البعد والنكارة وقد تقدم الكلام في الذرية واشتقاقها في سورة البقرة مستوفى.
وقيل: إن الضمير في قوله (لهم) يرجع إلى العباد المذكورين في قوله يا حسرة على العباد، لأنه قال بعد ذلك: (وآية لهم الأرض الميتة)، وقال: (وآية لهم الليل)، ثم قال: (وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ)، فكأنه قال: وآية للعباد أنا حملنا ذريات العباد، ولا يلزم أن يكون المراد بأحد الضميرين البعض منهم، وبالضمير الآخر البعض الآخر وهذا قول حسن. والمشحون: المملوء الموقر، والفلك يطلق على الواحد والجمع كما تقدم في يونس.
عن أبي مالك في الآية قال في سفينة نوح: حمل فيها من كل زوجين اثنين، وعن أبي صالح نحوه، وعنه في الآية قال: يعني الإبل خلقها الله كما رأيت فهي سفن البر يحملون عليها ويركبونها، ومثله عن الحسن وعكرمة وعبد الله بن شداد ومجاهد.
يس 36:42
(وخلقنا لهم من مثله ما يركبون) أي وخلقنا لهم مما يماثل الفلك ما يركبونه على أن (ما) هي الموصولة ومن زائدة وقال مجاهد وقتادة وجماعة من أهل العلم من المفسرين وهي الإبل خلقها لهم للركوب في البر مثل السفن المركوبة في البحر، والعرب تسمي الإبل سفائن البر، وقيل: المعنى وخلقنا لهم سفناً أمثال تلك السفن يركبونها، قاله الحسن والضحاك وأبو مالك، وقال النحاس: وهذا أصح لأنه متصل الإسناد عن ابن عباس، وقيل: هي السفن المتخذة بعد سفينة نوح. قلت: والعموم أولى ولا وجه للتخصيص، فيشمل كل ما يركب حيواناً كان أو جماداً دخاناً كان أو ريحاً، كالعجلات الحادثة في هذا الزمان، وما سيحدث في المستقبل بتلاحق الأفكار وتعامل الأيدي والأنظار.
وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ (43) إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (44) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (45) وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (46) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (47)
يس 36:43
(وإن نشأ نغرقهم) هذا من تمام الآية التي امتن الله بها عليهم ووجه الامتنان أنه لم يغرقهم في لجج البحار مع قدرته على ذلك، أولم يحرقهم بنار العجلات الدخانية الحادثة الآن، والضمير يرجع إلى أصحاب الذرية أو إلى الذرية أو إلى الجميع على اختلاف الأقوال.
(فلا صريخ لهم) الصريخ: بمعنى المصرخ والمصرخ هو المغيث أي فلا مغيث لهم يغيثهم إن شئنا إغراقهم أو إحراقهم، وقيل هو المنعة وكما يطلق الصريخ على المغيث يطلق على الصارخ وهو المستغيث، فهو من الأضداد كما صرح به أهل اللغة، ويكون مصدراً بمعنى الإغاثة لأنه في الأصل بمعنى الصراخ، وهو صوت مخصوص وكل منهما صحيح هنا قاله الشهاب.
(ولا هم ينقذون) أي لا يخلصون ولا ينجون. يقال: أنقذه واستنقذه إذا خلصه من مكروه
يس 36:44
(إلا رحمة منا) استثناء مفرغ من أعم العلل، أي لا صريخ لهم ولا ينقذون لشيء من الأشياء إلا لرحمة منا، كذا قال الكسائي والزجاج وغيرهما، وقيل: هو استثناء منقطع أي لكن لرحمة منا.
(ومتاعاً) أي نمتعهم بالحياة الدنيا (إلى حين) وهو الموت، قاله قتادة، وقال يحيى بن سلام إلى القيامة.
يس 36:45
(وإذا قيل لهم) بيان لإعراضهم عن الآيات التنزيلية بعد بيان إعراضهم عن الآيات الآفاقية التي كانوا يشاهدونها وعدم تأملهم فيها (اتقوا ما بين أيديكم) من الآفات والنوازل فإنها محيطة بكم.
(وما خلفكم) منها قال قتادة: أي اتقوا ما بين أيديكم من الوقائع فيمن كان قبلكم من الأمم، وما خلفكم في الآخرة. وقال سعيد بن جبير ومجاهد: ما بين أيديكم ما مضى من الذنوب وما خلفكم ما بقي منها، وقيل: ما بين أيديكم الدنيا وما خلفكم الآخرة، قاله سفيان وحكى عكس هذا القول الثعلبي عن ابن عباس، وقيل: ما بين أيديكم ما ظهر لكم وما خلفكم ما خفي عنكم وجواب إذا محذوف، والتقدير إذا قيل لهم ذلك أعرضوا كما يدل عليه إلا كانوا عنها معرضين.
(لعلكم ترحمون) أي رجاء أن ترحموا أو كي ترحموا أو راجين أن ترحموا.
يس 36:46
(وما تأتيهم من آية من آيات ربهم) ما هي النافية وصيغة المضارع للدلالة على التجدد ومن الأولى مزيدة للتوكيد والثانية للتبعيض والمعنى: ما تأتيهم من آية دالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وعلى صحة ما دعا إليه من التوحيد في حال من الأحوال.
(إلا كانوا عنها معرضين) وظاهره يشمل الآيات التنزيلية والتكوينية، والمراد بالإعراض عدم الالتفات إليها وترك النظر الصحيح فيها، وهذه الآية متعلقة بقوله: يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون إذا جاءتهم الرسل كذبوا، وإذا أتوا بالآيات أعرضوا عنها.
يس 36:47
(وإذا قيل لهم) إشارة إلى أنهم أخلوا بجميع التكاليف لأن جملتها ترجع إلى أمرين: التعظيم لجانب الله والشفقة على خلق الله.
(أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ) أي تصدقوا على الفقراء مما أعطاكم الله وأنعم به عليكم من الأموال، قال الحسن: يعني اليهود أمروا بإطعام الفقراء، وقال مقاتل: إن المؤمنين قالوا لكفار قريش: أنفقوا على المساكين مما زعمتم أنه لله من أموالكم من الحرث والأنعام كما في قوله سبحانه: (وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً) فكان جوابهم ما حكاه الله عنهم بقوله: (قال الذين كفروا للذين آمنوا) استهزاء بهم وتهكماً بقولهم.
(أنطعم من لو يشاء الله أطعمه)؟ أي من لو يشاء الله رزقه؟ وقد كانوا سمعوا المسلمين يقولون: إن الرازق هو الله، وإنه يغني من يشاء ويفقر من يشاء، فكأنهم حاولوا بهذا القول الإلزام للمسلمين، وقالوا: نحن نوافق مشيئة الله فلا نطعم من لم يطعمه الله وهذا غلط منهم ومكابرة ومجادلة بالباطل فإن الله سبحانه أغنى بعض خلقه وأفقر بعضاً ابتلاء، فمنع الدنيا من الفقير لا بخلاً، وأعطى الدنيا للغني لا استحقاقاً وأمر الغني أن يطعم الفقير وابتلاه به فيما فرض له من ماله من الصدقة ولا اعتراض لأحد في مشيئة الله وحكمته في خلقه. والمؤمن يوافق أمر الله.
وقولهم: من لو يشاء الله أطعمه هو وإن كان كلاماً صحيحاً في نفسه ولكنهم لما قصدوا به الإنكار لقدرة الله وإنكار جواز الأمر بالإنفاق مع قدرة الله كان احتجاجهم من هذه الحيثية باطلاً.
(إن أنتم) في قولكم لنا ذلك مع معتقدكم هذا (إلا في ضلال مبين) أي بين وهذا من تمام كلام الكفار، والمعنى أنكم أيها المسلمون في سؤال المال وأمرنا بإطعام الفقراء لفي ضلال في غاية الوضوح والظهور، وقيل: هو من كلام الله سبحانه جواباً على هذه المقالة التي قالها الكفار، وقيل: هو من قول أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لهم:
وقال القشيري والماوردي: إن الآية نزلت في قوم من الزنادقة وقد كان في كفار قريش وغيرهم من سائر العرب قوم يتزندقون فلا يؤمنون بالصانع فقالوا هذه المقالة استهزاء بالمسلمين ومناقضة لهم، وحكى نحو هذا القرطبي عن ابن عباس ولهذا أظهر في مقام الإضمار قيل: كان العاص بن وائل السهمي إذا سأله المسكين قال له: اذهب إلى ربك فهو أولى مني بك، ويقول: قد منعه الله أفأطعمه أنا [[ذكر هذا المعنى الخازن في تفسيره.]].
وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (48) مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (49) فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (50) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (51) قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (52) إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (53) فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (54)
يس 36:48
(ويقولون متى هذا الوعد) الذي تعدوننا به من البعث والعذاب والقيامة والمصير إلى الجنة والنار، وهذا رجوع للكلام مع الكفار من قريش المعترفين بوجود الله تعالى.
(إن كنتم صادقين) فيما تقولونه وتعدوننا به. قالوا ذلك استهزاء منهم، وسخرية بالمؤمنين، ومقصودهم إنكار ذلك بالمرة ونفي تحققه وجحد وقوعه، فأجاب الله سبحانه عنهم بقوله:
يس 36:49
(ما ينظرون) أي ما ينتظرون.
(إلا صيحة واحدة) وهي نفخة إسرافيل في الصور، وهذه النفخة هي الأولى وهي نفخة الصعق التي يموت بها من كان موجوداً على وجه الأرض، وجعلوا منتظرين نظراً إلى قولهم متى تقع لأن من قال: متى يقع الشيء الفلاني يفهم من كلامه أنه ينتظر وقوعه.
(تأخذهم وهم يخصمون) أي يختصمون في ذات بينهم في البيع والشراء ونحوهما من أمور الدنيا، ويتكلمون في الأسواق والمجالس وفي متصرفاتهم فتأتيهم الساعة أغفل ما كانوا عنها، وقد صح هذا في الأحاديث الصحيحة وهي معروفة في كتب السنة [[مسلم/2954.]]، وقرىء يخصمون بسكون الخاء وتخفيف الصاد من خصم يخصم والمعنى يخصم بعضهم بعضاً وقرىء بإخفاء فتحة الخاء وتشديد الصاد وبإظهار فتحة الخاء وتشديد الصاد وبكسر الخاء وتشديد الصاد والأصل في القراآت الثلاث يختصمون وقرأ أبي على الأصل والقراآت كلها سبعية.
يس 36:50
(فلا يستطيعون توصية) أي لا يستطيع بعضهم أن يوصي إلى بعض بما له وما عليه، أو لا يستطيع أن يوصيه بالتوبة والإقلاع عن المعاصي، بل يموتون في أسواقهم ومواضعهم. قال أبو هريرة: " تقوم الساعة والناس في أسواقهم يتبايعون ويذرعون الثياب ويحلبون اللقاح، وفي حوائجهم فلا يستطيعون توصية " الآية.
وعن الزبير بن العوام قال: " إن الساعة تقوم والرجل يذرع الثوب، والرجل يحلب الناقة " ثم قرأ الآية.
وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقي فيه. ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته ولا يطعمه ولتقومن الساعة وقد رفع أكلته إلى فيه فلا يطعمها ".
(ولا إلى أهلهم يرجعون) أي إلى منازلهم التي ماتوا خارجين عنها بل يموتون حيث يسمعون الصيحة لأن الساعة لا تمهلهم بشيء، وقيل: المعنى لا يرجعون إلى أهلهم قولاً، وهذا إخبار عما ينزل بهم عند النفخة الأولى ثم أخبر سبحانه عما ينزل بهم عند النفخة الثانية فقال:
يس 36:51
(ونفخ في الصور) وهي النفخة التي يبعثون بها من قبورهم وما بين النفختين أربعون سنة.
أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما بين النفختين أربعون. قالوا: يا أبا هريرة أربعين يوماً قال أبيت قالوا: أربعين شهراً؟ قال: أبيت. قالوا: أربعين سنة. قال: أبيت، ثم ينزل من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل وليس من الإنسان شيء لا يبلى إلا عظماً واحداً وهو عجب الذنب، ومنه يركب الخلق يوم القيامة " [[وهذا اللفظ لمسلم.]]. وعبر عن المستقبل بلفظ الماضي حيث قال:
(ونفخ) تنبيهاً على تحقق وقوعه كما ذكره أهل البيان، وجعلوا هذه الآية مثالاً له، والصور بإسكان الواو: هو القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل كما وردت بذلك السنة وإطلاق هذه الاسم على القرن معروف في لغة العرب وقد مضى هذا مستوفى في سورة الأنعام، وقال قتادة: الصور جمع صورة أي نفخ في الصور الأرواح.
(فإذا هم من الأجداث) أي القبور جمع جدث وهو القبر وقرىء الأجداف بالفاء وهي لغة واللغة الفصيحة بالثاء المثلثة.
(إلى ربهم ينسلون) أي يسرعون ويعدون ويخرجون منها أحياء بسرعة بطريق الجبر والقهر، لا بطريق الاختيار، فالنسل والنسلان الإسراع في السير يقال: نسل الذئب ينسل كضرب يضرب، ويقال: ينسل بالضم أيضاًً وهو الإسراع في المشي.
يس 36:52
(قالوا) عند بعثهم من القبور بالنفخة.
(يا ويلنا) نادوا ويلهم كأنهم قالوا له: احضر فهذا أوان حضورك، وهو مصدر لا فعل له من لفظه، بل من معناه وهو هلك، وهؤلاء القائلون هم الكفار. قال ابن الأنباري: الوقف على يا ويلنا وقف حسن، ثم يبتدىء الكلام بقوله:
(من بعثنا من مرقدنا) أي مضجعنا ظنوا لاختلاط عقولهم بما شاهدوا من الهول وما داخلهم من الفزع أنهم كانوا نياماً. قرىء: من بعثنا على الاستفهام وبكسر الميم على أنها حرف جر وفي قراءة أبيّ: من أهبنا من هب من نومه إذا انتبه، وقيل: إنهم يقولون ذلك إذا عاينوا جهنم.
وقال أبو صالح: إذا نفخ النفخة الأولى رفع العذاب عن أهل القبور وهجعوا هجعة إلى النفخة الثانية وعن أبيّ بن كعب في الآية قال: " ينامون قبل البعث نومة "، وعن مجاهد: أنهم يستريحون من العذاب قبيل النفخة الثانية ويذوقون طعم النوم، انتهى. فعليه يكون قولهم من مرقدنا حقيقة لأن المرقد حقيقة هو مكان النوم وقيل: إن الله يرفع عنهم العذاب بين النفختين فيرقدون. فإذا بعثوا في الثانية عاينوا أهوال القيامة ودعوا بالويل.
(هذا ما وعد الرحمن) جواب عليهم من جهة الملائكة أو من جهة المؤمنين المتقين وقيل: هو من كلام الكفرة يجيب به بعضهم على بعض. قال بالأول الفراء وبالثاني مجاهد، وقال قتادة: هي من قول الله سبحانه و (ما) في (ما وعد) موصولة وعائدها محذوف، أي هذا الذي وعده الرحمن.
(وصدق) فيه (المرسلون) قد حق عليكم ونزل بكم، ومفعولا الوعد والصدق محذوفان، أي وعدكموه الرحمن وصدقكموه المرسلون، والأصل وعدكم به وصدقكم فيه أو وعدناه الرحمن وصدقناه المرسلون، على أن هذا من قول المؤمنين أو من قول الكفار أقروا حين لا ينفعهم الإقرار.
يس 36:53
(إن) أي ما (كانت) تلك النفخة الثانية التي حكيت عنهم آنفاً (إلا صيحة واحدة) صاحها إسرافيل بنفخه في الصور (فإذا هم جميع لدينا محضرون) أي فإذا هم مجموعون محضرون لدينا بسرعة للحساب والعقاب.
يس 36:54
(فاليوم لا تظلم نفس) من النفوس (شيئاًً) مما تستحقه أي لا ينقص من ثواب عملها شيئاًً من النقص، ولا تظلم فيه بنوع من أنواع الظلم، وهذا حكاية لما سيقال لهم حين يرون العذاب المعد لهم تحقيقاً للحق وتقريعاً لهم.
(ولا تجزون إلا) جزاء (ما كنتم تعملون) في الدنيا أو إلا بما كنتم تعملونه أي بسببه أو في مقابلته، ولما ذكر الله سبحانه حال الكافرين أتبعه بحكاية حال عباده الصالحين، وجعله من جملة ما يقال للكفار يومئذ زيادة لحسرتهم، وتكميلاً لجزعهم، وتتميماً لما نزل بهم من البلاء. وما شاهدوه من الشقاء، فإذا رأوا ما أعد الله لهم من العذاب وما أعده لأوليائه من أنواع النعيم بلغ ذلك من قلوبهم مبلغاً عظيماً، وزاد في ضيق صدورهم زيادة لا يقادر قدرها فقال: إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (55) هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (56)
يس 36:55
(إن أصحاب الجنة اليوم في شغل) لما هم فيه من اللذات التي هي ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، عن الاهتمام بأمر الكفار ومصيرهم إلى النار، وإن كانوا من قراباتهم، والأولى عدم تخصيص الشغل بشيء معين والشغل هو الشأن الذي يصد المرء ويشغله عما سواه من شؤونه، لكونه أهم عنده من الكل، إما لإيجابه كمال المسرة والبهجة، أو كمال المساءة والغم، والمراد هنا هو الأول وما فيه من التنكير والإبهام للإيذان بارتفاعه عن رتبة البيان.
وقال قتادة ومجاهد: شغلهم ذلك اليوم بافتضاض العذارى وبه قال ابن عباس وابن مسعود وعكرمة، وعن ابن عمر: " أن المؤمن كلما أراد زوجة وجدها عذراء " وقد روي نحوه مرفوعاً [[رواه ابن الجوزي في تفسيره 7/ 27.]]، وعن ابن عباس أيضاًً قال في ضرب الأوتار، وقال أبو حاتم: هذا لعله خطأ من المستمع، وإنما هو افتضاض الأبكار على شط الأنهار تحت الأشجار.
ْوقال وكيع: شغلهم بالسماع، وقال ابن كيسان بزيارة بعضهم بعضاً، وقيل: شغلهم كونهم ذلك اليوم في ضيافة الله الجبار، وقيل: شغلهم عما فيه أهل النار على الإطلاق أو عن أهاليهم في النار، لا يهمهم أمرهم، ولا يبالون بهم كيلا يدخل عليهم تنغيص في نعيمهم، والمراد به ما هم فيه من فنون الملاذ التي تلهيهم عما عداها بالكلية.
وأما أن المراد به افتضاض الأبكار أو السماع أو ضرب الأوتار أو التزاور أو ضيافة الجبار كما روي كل واحد منها عن واحد من أكابر السلف فليس مرادهم بذلك حصر شغلهم فيما ذكروه فقط، بل بيان أنه من جملة أشغالهم وتخصيص كل منهم من تلك الأمور بالذكر محمول على اقتضاء مقام البيان إياه. قرىء: شغل بضمتين وبضم الشين وسكون الغين وهما لغتان كما قال الفراء، وقرىء: بفتحتين وبفتح الشين وسكون الغين.
(فاكهون) وقرىء فاكهين وفكهون قال الفراء: هما لغتان كالفارة والفرة والحاذر والحذر، وقال الكسائي وأبو عبيدة: الفاكه والفاكهة مثل تامر، ولابن، والفكه والمتفكه المتنعم.
وقال قتادة: الفكهون المعجبون، وقال أبو زيد: يقال: رجل فكه إذا كان طيب النفس ضحوكاً، وقال مجاهد والضحاك كما قال قتادة، وقال السدي كما قال الكسائي، وقال ابن عباس: فاكهون فرحون. وقيل: ناعمون متلذذون في النعمة من الفكاهة وهي التمتع والتلذذ مأخوذ من الفاكهة وفسرها زاده بطيب العيش والنشاط.
يس 36:56
(هم وأزواجهم في ظلال على الأرائك متكئون) مستأنفة مسوقة لبيان كيفية شغلهم وتفكههم وتكميلها بما يزيدهم سروراً وبهجة من كون أزواجهم معهم على هذه الصفة من الاتكاء على الأرائك تحت تلك الظلال والظلال جمع ظل وقرىء ظل بضم الظاء جمع ظلة والظل هو الموضع الذي لا تقع عليه الشمس، والظلة ما سترك عن الشمس، وعلى القراءتين: فالمراد الفرش والستور التي تظللهم كالخيام والحجال، والأرائك جمع أريكة، كسفائن جمع سفينة، والمراد بها السرر التي في الحجال. قال أحمد بن يحيى: ثعلب الأريكة لا تكون إلا سريراً في قبة، وقال مقاتل: إن المراد بالظلال أكنان القصور. وجملة: لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ (57) سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (58) وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (59) أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (60) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (61)
يس 36:57
(لهم فيها فاكهة) مبينة لما يتمتعون به في الجنة من المآكل والمشارب ونحوها ويتلذذون به من الملاذ الجسمانية والروحانية بعد بيان ما لهم فيها من مجالس الأنس ومحافل القدس. أي ولهم فيها فاكهة كثيرة من كل نوع من أنواع الفواكه.
(ولهم ما يدعون) ما هذه هي الموصولة، والعائد محذوف أو موصوفة أو مصدرية، ويدعون مضارع ادعى. قال أبو عبيد: يدعون يتمنون والعرب تقول ادع على ما شئت أي تمن وفلان في خير ما يدعى أي يتمنى. قال الزجاج: هو من الدعاء أي ما يدعونه أهل الجنة يأتيهم من دعوت غلامي فيكون الافتعال بمعنى الفعل كالاحتمال بمعنى الحمل، والارتحال بمعنى الرحل. قيل: افتعل بمعنى تفاعل أي ما يتداعونه كقولهم: ارتموا وتراموا.
وقيل: المعنى أن من ادعى منهم شيئاًً فهو له لأن الله قد طبعهم على أن لا يدعي أحد منهم شيئاًً إلا وهو يحسن ويجمل به أن يدعيه، وقرىء يدعون بالتخفيف ومعناه واضح، قال ابن الأنباري: والوقف على (يدعون) وقف حسن، ثم يبتدىء.
يس 36:58
(سلام) على معنى لهم سلام: وقيل: إن سلام هو خبر (ما) أي: مسلم خالص أو ذو سلامة، وقال الزجاج: سلام بدل من (ما) أي: ولهم أن يسلم الله عليهم وهذا مُنى أهل الجنة، والأولى أن يحمل قوله: (ولهم ما يدعون) على العموم وهذا السلام يدخل تحته دخولاً أولياً، ولا وجه لقصره على نوع خاص، وإن كان أشرف أنواعه تحقيقاً لمعنى العموم، ورعاية لما يقتضيه النظم القرآني.
وقيل: إن سلام مبتدأ وخبره الناصب لـ (قولاً) أي سلام يقال لهم (قولاً) وقيل: التقدير سلام عليكم، وقرىء سلاماً على المصدرية أو على الحالية بمعنى خالصاً، والسلام إما من التحية أو من السلامة، وقرىء: يسلم كأنه قال: يسلم لهم لا يتنازعون فيه وانتصاب (قولاً) على أنه مصدر لفعل محذوف أي قال الله لهم ذلك قولاً أو يقوله لهم قولاً.
(من رب رحيم) أي من جهته قيل: يرسل الله سبحانه إليهم بالسلام وقال مقاتل: إن الملائكة تدخل على أهل الجنة من كل باب يقولون: سلام عليكم يا أهل الجنة من رب رحيم.
وأخرج ابن ماجة وابن أبي الدنيا في صفة الجنة، والبزار وابن أبي حاتم والآجري في الرؤية، وابن مردويه عن جابر قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور فرفعوا رؤوسهم فإذا الرب قد أشرف عليهم من فوقهم فقال: السلام عليكم يا أهل الجنة، وذلك قول الله (سلام قولاً من رب رحيم) قال فينظر إليهم وينظرون إليه فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه حتى يحتجب عنهم، ويبقى نوره وبركته عليهم في ديارهم ". قال ابن كثير في إسناده نظر.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في الآية قال: إن الله هو يسلم عليهم.
يس 36:59
(وامتازوا اليوم أيها المجرمون) هو على إضمار القول مقابل ما قيل للمؤمنين، أي ويقال للمجرمين: امتازوا أي اعتزلوا من مازه يميزه، يقال مزت الشيء من الشيء إذا عزلته عنه ونحيته، قال مقاتل: معناه اعتزلوا اليوم يعني في الآخرة من الصالحين، وقال السدي: كونوا على حدة، وقال الزجاج: انفردوا عن المؤمنين، وذلك حين يحشر المؤمنون ويسار بهم إلى الجنة، وقيل: إن لكل كافر في النار بيتاً فيدخل ذلك البيت ويردم بابه فيكون فيه أبد الآبدين لا يرى ولا يرى، فعلى هذا القول يمتاز بعضهم عن بعض. وقال قتادة: عزلوا عن كل خير.
وقال الضحاك: يمتاز المجرمون بعضهم من بعض فيمتاز اليهود فرقة، والنصارى فرقة. والمجوس فرقة، والصابئون فرقة، وعبدة الأوثان فرقة.
وقال داود بن الجراح: يمتاز المسلمون من المجرمين إلا أصحاب الأهواء فإنهم يكونون مع المجرمين. ثم وبخهم سبحانه وقرعهم بقوله:
يس 36:60
(ألم أعهد إليكم يا بني آدم ألا تعبدوا الشيطان)؟ وهذا من جملة ما يقال لهم، والعهد الوصية والتقدم بأمر فيه خير ومنفعة، والمراد هنا: ما كلفهم الله به على ألسنة الرسل من الأوامر والنواهي، أي ألم أوصكم وأبلغكم على ألسن رسلي أن لا تطيعوا الشيطان.
قال الزجاج: المعنى ألم أتقدم إليكم على لسان الرسل يا بني آدم، وقال مقاتل: يعني الذين أمروا بالاعتزال، وقيل: المراد بالعهد هنا الميثاق المأخوذ عليهم حين أخرجوا من ظهر آدم، وقيل: هو ما نصبه الله لهم وركزه فيهم من الدلائل العقلية التي في سمواته وأرضه وما أنزل عليهم من أدلة السمع.
وعبادة الشيطان طاعته فيما يوسوس به إليهم ويزينه لهم وإنما عبر عنها بالعبادة لزيادة التحذير والتنفير عنها ولوقوعها في مقابلة عبادة الله.
وجملة: (إنه لكم عدو مبين) تعليل لما قبلها من النهي عن طاعة الشيطان وقبول وسوسته
يس 36:61
(وأن اعبدوني) أن في الموضعين هي المفسرة للعهد، الذي فيه معنى القول، ويجوز أن تكون مصدرية فيهما أي: ألم أعهد إليكم بأن لا تعبدوا الشيطان وبأن اعبدوني، أو ألم أعهد إليكم في ترك عبادة الشيطان وفي عبادتي؟ وتقديم النهي على الأمر لما أن حق التخلية التقديم على التحلية كما في كلمة التوحيد وليتصف به قوله:
(هذا) أي عبادة الله وتوحيده أو دين الإسلام (صراط مستقيم) بليغ في الاستقامة ولا صراط أقوم منه.
وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (62) هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (63) اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (64) الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (65) وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ (66) وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ (67)
ثم ذكر سبحانه عداوة الشيطان لبني آدم فقال:
يس 36:62
(ولقد أضل منكم جبلاً كثيراً) اللام هي الموطئة للقسم، والجملة مستأنفة لتشديد التقريع وتأكيد التوبيخ، أي والله لقد أضل، قرىء: جبلاً بكسر الجيم والباء وتشديد اللام، وبضم الجيم وسكون الباء وبضمتين مع تخفيف اللام، وبضمتين مع تشديد اللام، وقرىء بكسر الجيم وإسكان الباء وتخفيف اللام.
قال النحاس: وأبينها القراءة الأولى، والدليل على ذلك أنهم قد قرأوا جميعاً: والجبلة الأولين بكسر الجيم والباء وتشديد اللام فيكون جبلاً جمع جبلة واشتقاق الكل من جبل الله الخلق أي خلقهم ومعنى الآية: أن الشيطان قد أغوى خلقاً كثيراً، كما قال مجاهد، وقال قتادة جموعاً كثيرة وقال الكلبي أمماً كثيرة، قال الثعلبي: والقراآت كلها بمعنى الخلق، وقرىء جيلاً بالجيم والياء التحتية، وقال الضحاك: الجيل الواحد عشرة آلاف، والكثير ما يحصيه إلا الله عز وجل.
(أفلم تكونوا تعقلون)؟ الهمزة للتوبيخ والتقريع والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام كما تقدم في نظائره، أي أتشاهدون آثار العقوبات؟ فلم تكونوا تعقلون أو أفلم تكونوا تعقلون عداوة الشيطان لكم؟ أو أفلم تكونوا تعقلون شيئاًً أصلاً؟ قرىء الفعلان بالخطاب وبالغيبة.
يس 36:63
(هذه جهنم التي كنتم توعدون) بها في الدنيا على ألسنة الرسل، والقائل لهم الملائكة، وهو استئناف خوطبوا به بعد تمام التوبيخ عند إشرافهم على شفير جهنم، ثم يقولون لهم:
يس 36:64
(اصلوها) أمر تبكيت وإهانة كقوله: (ذق إنك أنت العزيز الكريم) أي قاسوا حرها وادخلوها (اليوم) وذوقوا أنواع العذاب فيها (بما كنتم تكفرون) أي بسبب كفركم بالله في الدنيا وطاعتكم للشيطان وعبادتكم للأوثان.
يس 36:65
(اليوم نختم على أفواههم) قال المفسرون إنهم ينكرون الشرك وتكذيب الرسل كما في قولهم: (والله ربنا ما كنا مشركين) فيختم الله على أفواههم ختماً لا يقدرون معه على الكلام وفي هذا ألتفات من الخطاب إلى الغيبة للإيذان بأن أفعالهم القبيحة مستدعية للإعراض عن خطابهم ثم قال:
(وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون) أي تكلمت أيديهم بما كانوا يفعلونه وشهدت أرجلهم عليهم بما كانوا يعملون باختيارها بعد إقدار الله تعالى لها على الكلام ليكون أدل على صدور الذنب منهم. وقرى: لتكلمنا ولتشهد بلام.
كما قيل: سبب الختم على أفواههم ليعرفهم أهل الموقف، وقيل: ختم على أفواههم لأجل أن يكون الإقرار من جوارحهم لأن شهادة غير الناطق أبلغ في الحجة من شهادة الناطق لخروجه مخرج الإعجاز، وقيل: ليعلموا أن أعضاءهم التي كانت أعواناً لهم في معاصي الله صارت شهوداً عليهم.
وجعل ما تنطق به الأيدي كلاماً وإقراراً لأنها كانت المباشرة لغالب المعاصي وجعل نطق الأرجل شهادة لأنها حاضرة عند كل معصية، وكلام الفاعل إقرار وكلام الحاضر شهادة، وهذا اعتبار الغالب وإلا فالأرجل قد تكون مباشرة للمعصية كما تكون الأيدي مباشرة لها.
وأخرج أحمد ومسلم والنسائي والبزار وغيرهم عن أنس في الآية قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فضحك حتى بدت نواجذه قال: " أتدرون مم ضحكت؟ قلنا لا يا رسول الله قال: من مخاطبة العبد ربه يقول: يا رب ألم تجرني من الظلم. فيقول: بلى. فيقول: إني لا أجيز عليّ إلا شاهداً مني فيقول: (كفى بنفسك اليوم عليك شهيداً) بالكرام الكاتبين شهوداً فيختم على فيه، ويقال لأركانه: أنطقي فتنطق بأعماله، ثم يخلى بينه وبين الكلام فيقول: بعداً لكن وسحقاً فعنكن كنت أناضل " [[أحمد 2/ 48.]].
وأخرج مسلم والترمذي وابن مردويه والبيهقي عن أبي سعيد وأبي هريرة قالا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يلقى العبد ربه فيقول الله له ألم أكرمك وأسودك وأزوجك وأسخر لك الخيل والإبل وأذرك ترأس وتربع؟ فيقول: بلى أي رب، فيقول: أفظننت أنك ملاقي؟ فيقول: لا، فيقول: إني أنساك كما نسيتني، ثم يلقى الثاني فيقول مثل ذلك، ثم يلقى الثالث فيقول له مثل ذلك فيقول: آمنت بك وبكتابك وبرسولك وصليت وصمت وتصدقت ويثني بخير ما استطاع فيقول: ألا نبعث شاهدنا عليك فيفكر في نفسه من الذي يشهد علي؟ فيختم على فيه. ويقال لفخذه: انطقي فتنطق فخذه وفمه وعظامه بعمله ما كان، وذلك ليعذر من نفسه، وذلك المنافق وذلك الذي يسخط عليه "، وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث أبي موسى نحوه [[أخرجه ابن أبي حاتم ورواه مسلم والنسائي بنحوه.]].
يس 36:66
(ولو نشاء) أن نطمس (لطمسنا على أعينهم) أي أذهبنا أعينهم وجعلناها بحيث لا يبدو لها شق ولا جفن، قال الكسائي: طمس يطمس ويطمس والطميس والمطموس عند أهل اللغة الذي ليس في عينيه شق كما في قوله: (ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم)، قال السدي والحسن: المعنى لتركناهم عمياً يترددون لا يبصرون طريق الهدى، واختار هذا ابن جرير، قال ابن عباس في الآية: أعميناهم وأضللناهم عن الهدى، وقال عطاء ومقاتل وقتادة: المعنى لو نشاء لفقأنا أعينهم وأعميناهم عن غيهم، وحولنا أبصارهم من الضلالة إلى الهدى فأبصروا رشدهم واهتدوا، وتبادروا إلى طريق الآخرة.
(فاستبقوا الصراط) معطوف على لطمسنا أي تبادروا إلى الطريق ليجوزوه ويمضوا فيه والصراط منصوب بنزع الخافض أي فاستبقوا إليه وقرىء: فاستبقوا على صيغة الأمر. أي فيقال لهم: استبقوا وفي هذا تهديد لهم.
(فأنى) أي فكيف (يبصرون) الطريق ويحسنون سلوكه ولا أبصار لهم ثم كرر التهديد لهم فقال:
يس 36:67
(ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم) المسخ تبديل الخلقة أي تغيير الصورة وإبطال القوى إلى حجر أو غيره من الجماد أو بهيمة والمكانة المكان أي: لو شئنا لبدلنا خلقهم على المكان الذي هم فيه، قيل: والمكانة أخص من المكان كالمقامة والمقام، قال الحسن: أي لأقعدناهم، وقيل: لمسخناهم في المكان الذي فعلوا فيه المعصية، وقيل: المعنى لو نشاء لأهلكناهم في مساكنهم قاله ابن عباس، وقال يحيى بن سلام: هذا كله يوم القيامة قرأ الجمهور: على مكانتهم بالإفراد وقرىء: على مكاناتهم بالجمع.
(فما استطاعوا مضياً ولا يرجعون) أي لا يقدرون على ذهاب ولا مجيء. قال الحسن: فلا يستطيعون أن يمضوا أمامهم ولا يرجعوا وراءهم، وكذلك الجماد لا يتقدم ولا يتأخر، وقرىء: مضياً بضم الميم وبفتحها وبكسرها، قيل: والمعنى لا يستطيعون رجوعا، يقال: مضى يمضي مضياً إذا ذهب في الأرض ورجع يرجع رجوعاً إذا عاد من حيث جاء.
وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ (68) وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (69)
يس 36:68
(ومن نعمره ننكسه في الخلق) قرأ الجمهور: ننكسه بفتح النون الأولى وسكون الثانية وضم الكاف مخففة، وقرىء: بضم النون الأولى وفتح الثانية وكسر الكاف مشددة والتنكيس جعل الشيء أعلاه أسفله، والمعنى: من نطل عمره نغير خلقه، ونجعله على عكس ما كان عليه أولاً من القوة والطراوة قال الزجاج المعنى من أطلنا عمره نكسنا خلقه فصار بدل القوة الضعف، وبدل الشباب الهرم، ومثل هذه الآية قوله سبحانه (ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئاًً). وقوله: (ثم رددناه أسفل سافلين.
(أفلا يعقلون)؟ قرأ الجمهور بالتحتية وقرىء بالفوقية على الخطاب أي أفلا يعلمون بعقولهم أن من قدر على ذلك قدر على البعث والنشور؟ ولما قال كفار مكة إن القرآن شعر، وإن محمداً شاعر، رد الله عليهم بقوله:
يس 36:69
(وما علمناه الشعر) والمعنى نفي كون القرآن شعراً، لأن الشعر كلام متكلف موضوع، ومقال مزخرف مصنوع، منسوج على منوال الوزن والقافية، مبني على خيالات وأوهام واهية، فأين ذلك من التنزيل الجليل المنزه عن مماثلة كلام البشر؟ المشحون بفنون الحكم والأحكام الباهرة. الموصل إلى سعادة الدنيا والآخرة، ثم نفى أن يكون النبي شاعراً فقال:
(وما ينبغي له) أي لا يصح له الشعر ولا يتأتى منه، ولا يتسهل عليه لو طلبه، وأراد أن يقوله بالطبع والسجية، كما جعلناه أمياً لا يهتدي إلى الخط لتكون الحجة أثبت، والشبهة أدحض، بل كان صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن ينشد بيتاً قد قاله شاعر متمثلاً به كسر وزنه، فإنه لما أنشد بيت طرفة بن العبد المشهور وهو قوله.
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود قال ويأتيك من لم تزود بالأخبار، وأنشد مرة أخرى قول العباس ابن مرداس السلمي:
أتجعل نهبي ونهب العبيد بين عيينة والأقرع
فقال: بين الأقرع وعيينة، وأنشد أيضاًً:
كفى بالإسلام والشيب ناهياً
فقال أبو بكر: يا رسول الله إنما قال الشاعر:
كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا
فقال: أشهد أنك رسول الله، يقول الله عز وجل: (وما علمناه الشعر وما ينبغي له).
وقد وقع منه صلى الله عليه وسلم كثير من مثل هذا، قال الخليل: كان الشعر أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من كثير من الكلام، ولكن لا يتأتى منه. انتهى ووجه عدم تعليمه الشعر وعدم قدرته عليه التكميل للحجة، والدحض للشبهة كما جعله الله أمياً لا يقرأ، ولا يكتب وأما ما روي عنه من قوله صلى الله عليه وسلم.
" هل أنت إلا أصبع دميت ... وفي سبيل الله ما لقيت "
وقوله:
" أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب " [[ولابن كثير كلام طويل حول هذه النقطة فليراجع هناك.]]
ونحو ذلك فمن الاتفاق الوارد من غير قصد كما يأتي ذلك في بعض آيات القرآن وليس بشعر ولا مراد به الشعر، بل اتفق ذلك اتفاقاً كما يقع في كثير من كلام الناس فإنهم قد يتكلمون بما لو اعتبره معتبر لكان على وزن الشعر، ولا يعدونه شعراً، وذلك كقوله تعالى: (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) وقوله (وجفان كالجواب وقدور راسيات) على أنه قد قال الأخفش: إن قوله: أنا النبي لا كذب ليس بشعر.
وقال الخليل في كتاب العين: إن ما جاء من السجع على جزأين لا يكون شعراً، قال ابن العربي: والأظهر من حاله أنه قال: لا كذب برفع الباء من كذب وبخفضها من عبد المطلب، قال النحاس قال بعضهم: إنما الرواية بالإعراب وإذا كانت بالإعراب لم يكن شعراً لأنه إذا فتح الباء من الأول أو ضمها أو نونها وكسر الباء من الثاني خرج عن وزن الشعر، وقيل: إن الضمير في (له) عائد إلى القرآن أي: وما ينبغي للقرآن أن يكون شعراً.
أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم قال: " بلغني أنه قيل لعائشة هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتمثل بشيء من الشعر؟ قالت: كان أبغض الحديث إليه غير أنه كان يتمثل ببيت أخي بني قيس، فيجعل أوله آخره، يقول ويأتيك من لم تزود بالأخبار، فقال أبو بكر ليس هكذا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني والله ما أنا بشاعر ولا ينبغي لي " (1)، وهذا يرد ما نقلناه عن الخليل سابقاً أن الشعر كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من كثير من الكلام.
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استراث الخبر تمثل ببيت طرفة.
ويأتيك بالأخبار من لم تزود [[رواه أحمد في المسند وذكره السيوطي في الدر 5/ 268 والطبري في التفسير 23/ 27.]]
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس قال: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتمثل من الأشعار. ويأتيك الخ "، وأخرج البيهقي في سننه عن عائشة: " قالت ما جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت شعر قط إلا بيتاً واحداً.
تفاءل بما تهوى يكن فلقلما ... يقال لشيء كان إلا تحقق
قالت عائشة: ولم يقل تحققا لئلا يعربه فيصير شعراً، وإسناده هكذا. قال أخبرنا أبو عبد الله الحافظ يعني الحاكم حدثنا أبو حفص عمر بن أحمد بن نعيم حدثنا أبو محمد عبد الله بن هلال النحوي الضرير حدثنا علي بن عمرو الأنصاري حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن عروة عن عائشة فذكره وقد سئل المزي عن هذا الحديث فقال: هو منكر ولم يعرف شيخ الحاكم ولا الضرير في إسناده.
قال البيضاوي والخازن قال العلماء: ما كان يتزن له بيت شعر وإن تمثل ببيت شعر جرى على لسانه الشريف مكسراً، ولو كان ممن يقول الشعر لتطرقت التهمة عقلاً في أن ما جاء به من عند نفسه، ولهذا قال: ويحق القول الخ كما يأتي لأنه لم يبق إلا العناد الموجب للهلاك وقال القرطبي: إصابة الوزن منه صلى الله عليه وسلم في بعض الأحيان لا توجب أنه يعلم الشعر كقوله: أنا النبي لا كذب الخ والمعول عليه في الانفصال على تسليم أن هذا شعر، إذ التمثل بالبيت لا يوجب أن يكون قائله عالماً بالشعر ولا أن يسمى شاعراً باتفاق العلماء كما أن من خاط خيطاً على سبيل الاتفاق لا يكون خياطاً.
قال الزجاج: أي ما جعلناه شاعراً وهذا لا ينافي أن ينشىء شيئاًً من الشعر من غير قصد كونه شعراً. قال النحاس: وهذا أحسن ما قيل في هذا، وقد قيل: إنما أخبر الله عز وجل أنه ما علمه الشعر، وإن لم يخبر أنه لا ينشىء الشعر، وقد قالوا: كل من قال قولاً موزوناً لا يقصد به إلى شعر فليس بشاعر، وإنما وافق الشعر، فما يجري على اللسان من موزون الكلام لا يعد شعراً وإنما يعد منه ما يجري على وزن الشعر مع القصد إليه، ولما نفى أن يكون القرآن من جنس الشعر قال:
(إن هو) أي ما القرآن (إلا ذكر) من الأذكار وموعظة من المواعظ يوعظ بها الإنس والجن.
(وقرآن مبين) أي كتاب من كتب الله السماوية مشتمل على الأحكام الشرعية يقرأ في المحاريب، ويتلى في المتعبدات، وينال بتلاوته والعمل به فوز الدارين والدرجات، فكم بينه وبين الشعر الذي هو من همزات الشياطين، وأقاويل الشعراء الكاذبين.
لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ (70) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (71) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (72) وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (73) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (74) لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ (75) فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (76)
يس 36:70
(لينذر) قرىء بالتحتية وبالفوقية وعلى الأولى: المراد القرآن وعلى الثانية: المراد النبي صلى الله عليه وسلم (من كان حياً) يعقل ما يخاطب به أي مؤمناً قلبه صحيح يقبل الحق ويأبى الباطل لأن الكافر كالميت لا يتدبر ولا يتفكر.
(ويحق القول على الكافرين) أي وتجب كلمة العذاب على المصرين على الكفر، الممتنعين من الإيمان بالله وبرسوله، وإيرادهم في مقابلة من كان حياً فيه إشعار بأنهم لخلوهم عن آثار الحياة التي هي المعرفة أموات في الحقيقة ثم ذكر سبحانه قدرته العظيمة وإنعامه على عبيده. وجحْدَ الكفار لنعمة فقال:
يس 36:71
(أولم يروا) الهمزة للإنكار والتعجيب من حالهم، والواو للعطف على مقدر كما في نظائره، والرؤية هي القلبية أي: أولم يعلموا بالتفكر والاعتبار (أنا خلقنا لهم) أي لأجلهم. انتفاعهم (مما عملت أيدينا) أي مما أبدعناه وعملناه من غير واسطة ولا شركة.
وإسناد العمل إلى الأيدي مبالغة في الاختصاص والتفرد بالخلق، كما يقول الواحد منا: عملته بيدي للدلالة على تفرده بعمله، وما: بمعنى الذي وحذف العائد لطول الصلة ويجوز أن تكون مصدرية وأتى بهذه الجملة بعد قوله: خلقنا للإشارة إلى حصر الخلق لهذه النعم فيه تعالى، واستقلاله بها، فهو كناية عرفية، وقيل: تمثيلية، أي مما تولينا إحداثه، ولم يقدر على إحداثه غيرنا وقوله:
(أنعاماً) مفعول خلقنا، وهي جمع نعم، وهي: البقر والغنم والإبل وإنما خصها بالذكر -وإن كانت الأشياء كلها من خلق الله وإيجاده- لأن النعم أكثر أموال العرب والنفع بها أعم، وقد سبق تحقيق الكلام فيها، ثم ذكر سبحانه المنافع المترتبة على خلق الأنعام فقال:
(فهم لها مالكون) أي ضابطون قاهرون، يتصرفون بها كيف شاؤوا، ولو خلقناها وحشية لنفرت عنهم ولم يقدروا على ضبطها، أو المراد أنها صارت في أملاكهم ومعدودة في جملة أموالهم المنسوبة إليهم نسبة الملك، وهذا أظهر ليكون قوله:
يس 36:72
(وذللناها لهم) تأسيساً لنعمه على حيالها لا تتمة لما قبلها. أي: جعلناها لهم مسخرة لا تمتنع مما يريدون منها من منافعهم حتى الذبح، ويقودها الصبي فتنقاد له، ويزجرها فتنزجر.
(فمنها ركوبهم) الفاء لتفريع أحكام التذليل عليه. أي: فمنها مركوبهم الذي يركبونه كما يقال: ناقة حلوب أي محلوبة يعني: معظم منافعها الركوب، وعدم التعرض للحمل لكونه من تتمة الركوب. قرأ الجمهور: ركوبهم بفتح الراء وقرىء: بضمها على المصدر، وقرأ أبي وعائشة: ركوبتهم. والركوب والركوبة واحد مثل الحلوب والحلوبة والحمول والحمولة. وقال أبو عبيدة: الركوبة تكون للواحدة والجماعة، والركوب لا يكون إلا للجماعة، وزعم أبو حاتم أنه لا يجوز فمنها ركوبهم بضم الراء لأنه مصدر، والركوب ما يركب وأجاز ذلك الفراء. كما يقال: فمنها أكلهم ومنها شربهم.
(ومنها يأكلون) أي يأكلونه من لحمها ومن للتبعيض، وإنما غير الأسلوب هنا لأن الأكل يعم الأنعام كلها بخلاف الركوب فهو خاص بالإبل منها.
يس 36:73
(ولهم فيها) أي لهم في الأنعام بقسميها (منافع) غير الركوب لها والأكل منها، وهي ما ينتفعون به من أصوافها وأوبارها وأشعارها وما يتخذونه من الأدهان من شحومها، وكذلك الحمل عليها والحراثة بها وجلودها ونسلها.
(و) لهم فيها (مشارب) مما يحصل من ألبانها جمع مشرب وهو موضع الشرب أو الشراب والظاهر أن المراد به ضروعها.
(أفلا يشكرون) الله على هذه النعم ويوحدونه ويخصونه بالعبادة، ثم ذكر سبحانه: جهلهم واغترارهم ووضعهم كفران النعم موضع شكرها فقال:
يس 36:74
(واتخذوا من دون الله آلهة) من الأصنام ونحوها يعبدونها ولا قدرة لها على شيء، ولم يحصل لهم منها فائدة، ولا عاد عليهم من عبادتها عائدة.
(لعلهم ينصرون) أي رجاء أن ينصروا من جهتهم إن نزل بهم عذاب، أو دهمهم أمر من الأمور.
يس 36:75
(لا يستطيعون نصرهم) مستأنفة لبيان بطلان ما رجوه منها وأملوه من نفعها، وانعكاس تدبيرهم وجمعهم بالواو والنون جمع العقلاء بناء على زعم المشركين أنهم ينفعون ويضرون ويعقلون.
(وهم لهم جند محضرون) أي والكفار جند للأصنام يحضرونهم في الدنيا، قال الحسن: يمنعون منهم، ويدفعون عنهم، وقال قتادة: أي يغضبون لهم في الدنيا، قال الزجاج: ينتصرون للأصنام وهي لا تستطيع نصرهم، وقيل: المعنى يعبدون الآلهة ويقومون بها فهم لهم بمنزلة الجند، هذه الأقوال على جعل ضمير (هم) للمشركين وضمير (لهم) للآلهة.
وقيل: (وهم) أي الآلهة (لهم) أي للمشركين جند معدون ومحضرون معهم في النار، فلا يدفع بعضهم عن بعض، وقيل: معناه، وهذه الأصنام لهؤلاء الكفار جند الله عليهم في جهنم، لأنهم يلعنونهم ويتبرأون منهم، وقيل: المعنى إن الكفار يعتقدون أن الأصنام جند لهم يحضرون يوم القيامة لإعانتهم، ثم سلى سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم فقال:
يس 36:76
(فلا يحزنك قولهم) الفاء لترتيب النهي على ما قبله فلا بد أن يكون عبارة عن خسرانهم وحرمانهم عما علقوا به أطماعهم الفارغة، وانعكاس الأمر عليهم بترتيب الشر على ما رتبوه لرجاء الخير، فإن ذلك مما يهون الخطر، ويورث السلوة، والنهي وإن توجه بحسب الظاهر إلى قولهم لكنه في الحقيقة متوجه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا القول هو ما يفيده قوله: (واتخذوا من دون الله آلهة) فإنهم لا بد أن يقولوا: هؤلاء آلهتنا وإنها شركاء لله في المعبودية، ونحو ذلك.
وهو نهي للرسول صلى الله عليه وسلم عن التأثر لذلك بطريق الكناية على أبلغ وجه وآكده، وقيل: إنه نهي لهم عن الأسباب التي تحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن النهي لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن التأثر لما يصدر منهم هو من باب: لا أرينك ههنا، فإنه يراد به نهي من خاطبه عن الحضور لديه لا نهي نفسه عن الرؤية، وهذا بعيد، والأول أولى، والكلام من باب التسلية كما ذكرنا، ويجوز أن يكون المراد بالقول المذكور هو قولهم: إنه ساحر وشاعر ومجنون.
(إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون) تعليل لما تقدم من النهي، فإن علمه سبحانه بما يظهرون وما يضمرون مستلزم للمجازاة لهم بذلك، وإن جميع ما صدر منهم لا يعزب عنه سواء كان خافياً أو بادياً سراً أو جهراً مظهراً أو مضمراً، وتقديم السر على الجهر للمبالغة في شمول علمه بجميع المعلومات، وقرىء: إنا بالكسر وبالفتح على حذف لام التعليل وهو كثير في القرآن والشعر، وفي كل كلام؛ وكسرها أبو حنيفة وفتح الشافعي وكلاهما تعليل كما تقدم.
أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (77) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (79) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (80) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (81) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (82) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (83)
يس 36:77
(أولم ير الإنسان) مستأنفة مسوقة لبيان إقامة الحجة على من أنكر البعث وللتعجيب من جهله، فإن مشاهدة خلقهم في أنفسهم على هذه الصفة من البداية إلى النهاية مستلزمة للاعتراف بقدرة القادر الحكيم، على ما هو دون ذلك من بعث الأجسام وردها، كما كانت، والإنسان المذكور في الآية المراد به جنس الإنسان كما في قوله (أو لا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئاًً).
ولا وجه لتخصيصه بإنسان معين؛ كما قيل: إنه عبد الله بن أبيّ وإنه قيل له ذلك لما أنكر البعث. وقال الحسن: هو أمية بن خلف، وقال سعيد بن جبير: هو العاص بن وائل السهمي، وقال قتادة ومجاهد: هو أبيّ بن خلف الجمحي، فإن أحد هؤلاء وإن كان سبباً للنزول فمعنى الآية خطاب للإنسان من حيث هو، لا إنسان معين، ويدخل من كان سبباً للنزول تحت جنس الإنسان دخولاً أولياً.
(إنا خلقناه من نطفة) قذرة خسيسة مدرة خارجة من الإحليل الذي هو قناة النجاسة، والنطفة هي اليسير من الماء، وقد تقدم تحقيق معناها.
(فإذا هو خصيم مبين) هذه الجملة معطوفة على الجملة المنفية قبلها داخلة معها في حيز الإنكار، المفهوم من الاستفهام؛ وإذا هي الفجائية أي. ألم ير الإنسان أنا خلقناه من أضعف الأشياء وأخسها وأمهنها ففاجأ خصومتنا في أمر قد قامت فيه عليه حجج الله وبراهينه؛ وشهدت بصحته وتحققه مبدأ فطرته شهادة بينة. والمعنى: العجب من جهل هذا المخاصم -مع مهانة أصله ودناءة أوله- كيف يتصدى. لمخاصمة الجبار؟ ويبرز لمجادلته في إنكار البعث؟ ولا يتفكر في بدء خلقه وأنه من نطفة قذرة وهو غاية المكابرة، والخصيم الشديد الخصومة الكثير الجدال، ومعنى المبين: المظهر لما يقوله الموضح له بقوة عارضته وطلاقة لسانه.
قال ابن عباس: " جاء العاص بن وائل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعظم حائل ففتّه بيده فقال: يا محمد أيحيى الله هذا بعد ما أرى؟ قال: نعم يبعث الله هذا ثم يميتك ثم يحييك ثم يدخلك نار جهنم فنزلت الآيات من آخر يس: أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة الخ [[رواه الطبري 23/ 30 والسيوطي في الدرر 5/ 269.]] " أخرجه ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم في معجمه.
وعنه قال: جاء عبد الله بن أبيّ في يده عظم حائل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وذكر مثل ما تقدم. قال ابن كثير: وهذا منكر لأن السورة مكية وابن أبيّ إنما كان بالمدينة، وعنه قال: جاء أبيّ بن خلف الجمحي وذكر نحو ما تقدم؛ وعنه أيضاًً قال: نزلت في أبي جهل وذكر نحو ما تقدم.
يس 36:78
(وضرب لنا مثلاً) بفته العظم والجملة معطوفة على الجملة المنفية داخلة في حيز الإنكار المفهوم من الاستفهام، فهي تكميل للتعجيب من حال الإنسان، وبيان جهله بالحقائق، وإهماله للتفكر في نفسه فضلاً عن التفكر في سائر مخلوقات الله.
ويجوز أن تكون جملة: (فإذا هو خصيم مبين) معطوفة على خلقنا، وهذه معطوفة عليها، أي أورد في شأننا قصة عجيبة في نفس الأمر كالمثل في الغرابة، وهي إنكاره إحياءنا للعظام، أو قصة عجيبة في زعمه واستبعدها وعدها من قبيل المثل، وأنكرها أشد الإنكار، وهي إحياؤنا إياها، أو جعل لنا مثلاً ونظيراً من الخلق، وقاس قدرتنا على قدرتهم، ونفى الكل على العموم فالمثل على الأول هو إنكار إحيائه للعظام، وعلى الثاني هو إحياؤه لها، وأما على الثالث فلا فرق بين أن يكون المثل هو الإنكار أو المنكر.
(ونسي خلقة) أي خلقنا إياه من المني الدال على بطلان ما ضربه من المثل وذهل عنه، وترك ذكره على طريقة اللداد والمكابرة، فهو أغرب من إحياء العظم.
(قال من يحيي العظام وهي رميم) بالية استئناف جواباً عن سؤال مقدر كأنه قيل: ما هذا المثل الذي ضربه؟ فقيل: قال من يحيي العظام وهي رميم؟ وهذا الاستفهام للإنكار لأنه قاس قدرة الله على قدرة العبد فأنكر أن الله يحيي العظام البالية حيث لم يكن ذلك في مقدور البشر. يقال: رم العظم يرم رماً إذا بلي، فهو رميم ورمام، وإنما قال: رميم ولم يقل: رميمة مع كونه خبراً للمؤنث لأنه اسم لما بلي من العظام غير صفة، كالرمة والرفات، وقيل: لكونه معدولاً عن فاعله، وكل معدول عن وجهه يكون مصروفاً عن إعرابه كما في قوله: (وما كانت أمك بغياً) لأنه مصروف عن باغية. كذا قال البغوي والقرطبي، وقال بالأول صاحب الكشاف.
والأولى أن يقال: إنه فعيل بمعنى فاعل. من رم الشيء صار اسماً بالغلبة أو مفعول، وهو يستوي فيه المذكر والمؤنث كما قيل في جريح وصبور.
ومن يثبت الحياة في العظام ويقول: إن عظام الميتة نجسة لأن الموت يؤثر فيها من قبل أن الحياة تحلها يتشبت بهذه الآية، وهي عند الحنفية طاهرة، وكذا الشعر والعصب لأن الحياة لا تحلها فلا يؤثر فيها الموت.
والمراد بإحياء العظام في الآية ردها إلى ما كانت عليه غضة رطبة في بدن حي حساس، وقد استدل أبو حنيفة وبعض أصحاب الشافعي بهذه الآية على أن العظام مما تحله الحياة، وقال الشافعي: لا تحلها الحياة، وأن المراد بقوله: من يحيي العظام؟ من يحيي أصحاب العظام على تقدير مضاف محذوف، ورد بأن هذا التقدير خلاف الظاهر، ثم أجاب سبحانه عن الضارب لهذا المثل فقال
يس 36:79
(قل) أي على سبيل تبكيته وتذكيره بما نسيه من فطرته الدالة على حقيقة الحال.
(يحييها الذي أنشأها) أي ابتدأها وخلقها (أول مرة) من غير شيء ومن قدر على النشأة الأولى قدر على النشأة الثانية.
(وهو بكل خلق عليم) لا تخفى عليه خافية ولا يخرج عن علمه خارج كائناً ما كان، أي يعلم تفاصيل المخلوقات بعلمه وكيفية خلقها فيعلم أجزاء الأشخاص المتفتتة المتبددة أصولها وفصولها، ومواقعها وطريق تمييزها، وضم بعضها إلى بعض على النمط السابق وإعادة الأعراض والقوى التي كانت فيها أو إحداث مثلها.
وقال الكرخي: يعلمه مجملاً ومفصلاً، أي قبل خلقه وبعد خلقه، والآية حجة على من ينكر علمه سبحانه بالجزئيات ونظيره قوله سبحانه: (إن الله قد أحاط بكل شيء علماً).
يس 36:80
(الذي جعل لكم من الشجر الأخضر ناراً) هذا رجوع منه سبحانه إلى تقرير ما تقدم من دفع استبعادهم فنبه سبحانه على وحدانيته، ودل على قدرته على إحياء الموات بما يشاهدونه من إخراج النار المحرقة من العود الندي الرطب.
وذلك أن الشجر المعروف بالمرخ والشجر المعروف بالعفار إذا قطع منهما عودان مثل السِواكين وضرب أحدهما على الآخر انقدحت منهما النار وهما أخضران، قيل المرخ هو الذكر والعفار هو الأنثى ويسمى الأول الزند والثاني الزندة، تقول العرب: في كل شجر نار، واستمجد المرخ والعفار، أي استكثر منهما وذلك أن هاتين الشجرتين من أكثر الشجر ناراً، وقال الحكماء: في كل شجر نار إلا العناب لمصلحة الدق للثياب، ولذلك تتخذ منه مطارق القصارين.
وبالجملة فمن بدائع خلقه انقداح النار من الشجر الأخضر مع مضادة النار الماء وانطفائها به، فمن قدر على جمع الماء والنار في الشجر قدر على المعاقبة بين الموت والحياة في البشر، وإجراء أحد الضدين على الآخر بالتعقيب أسهل في العقل من الجمع معاً بلا ترتيب، وقال الأخضر، ولم يقل الخضر اعتباراً باللفظ، وقرىء الخضر اعتباراً بالمعنى.
وقد تقرر: أنه يجوز تذكير اسم الجنس وتأنيثه، كما في قوله: (نخل منقعر) وقوله: (نخل خاوية) فبنو تميم ونجد يذكرونه، وأهل الحجاز يؤنثونه إلا نادراً، والموصول بدل من الموصول الأول.
(فإذا أنتم منه توقدون) أي تقدحون منه النار وتوقدونها من ذلك الشجر الأخضر ثم ذكر سبحانه ما هو أعظم من الإنسان خلقاً فقال:
يس 36:81
(أوليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم)؟
والهمزة للإنكار والواو للعطف على مقدر كنظائره، ومعنى الآية: أن من قدر على خلق السموات والأرض وهما في غاية العظم وكبر الأجزاء يقدر على إعادة خلق البشر الذي هو صغير الشكل ضعيف القوة، كما قال سبحانه: (لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس) قال الشهاب: أي مثل هؤلاء الأناس الذين ماتوا، والمراد هم وأمثالهم على سبيل التقديم والتأخير، أو المراد هم على طريق الكناية في نحو مثلك يفعل كذا، قرأ الجمهور: بقادر بصيغة اسم الفاعل، وقرىء: يقدر بصيغة المضارع، ثم أجاب سبحانه عما أفاده الاستفهام من الإنكار التقريري بقوله: (بلى وهو الخلاق العليم) أي بلى هو قادر على ذلك، وهو المبالغ في الخلق والعلم على أكمل وجه وأتمه، وقرى: وهو الخالق، ثم ذكر سبحانه ما يدل على كمال قدرته وتيسير المبدأ والإعادة عليها فقال:
يس 36:82
(إنما أمره إذا أراد شيئاًً أن يقول له كن فيكون) أي إنما شأنه سبحانه إذا تعلقت إرادته بشيء من الأشياء أن يقول له: احدث فيحدث من غير توقف على شيء آخر أصلاً، وقد تقدم تفسير هذا في سورة النحل، وفي البقرة، قرأ الجمهور: فيكون بالرفع على الاستئناف، وقرأ الكسائي: بالنصب عطفاً على يقول، ثم نزه سبحانه نفسه عن أن يوصف بغير القدرة فقال:
يس 36:83
(فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء) هذا تنزيه له تعالى عما وصفوه به وتعجيب مما قالوا في شأنه، والملكوت في كلام العرب لفظ مبالغة في الملك كالجبروت والرحموت كأنه قال: فسبحان من بيده مالكية الأشياء الكلية. قال قتادة: ملكوت كل شيء مفاتح كل شيء. وقرىء: ملكة بزنة شجرة، وقرىء: مملكة بزنة مفعلة. والملك والملكوت أبلغ من الجميع.
(وإليه ترجعون) قرأ الجهور بالفوقية على الخطاب مبنياً للمفعول وقرىء: بالتحتية على الغيبة مبنياً للمفعول أيضاًً، وقرأ زيد بن علي: على البناء للفاعل أي ترجعون إليه لا إلى غيره، وتردون وتعادون بعد الموت بلا فوت.
وذلك في الدار الآخرة بعد البعث.
ملحق لتفسير سورة يس
ذكر المؤلف في صدر تفسيره لهذه السورة حديث: " اقرأوا يس عند موتاكم " وقلنا: في التعليق على ذلك إننا سننشر في آخر تفسير السورة ملحق يفصل موضوع القراءة على الأموات ننقله من المنار وغيره، وبناء عليه نقول: قال ابن القيم: وهذا يحتمل أن يراد به قراءتها على المحتضر عند موته مثل قوله: لقنوا موتاكم لا إله إلا الله ويحتمل أن يراد به القراءة عند القبر، والأول أظهر لوجوه:
أحدها: أنه نظير قوله: لقنوا موتاكم لا إله إلا الله.
الثاني: انتفاع المحتضر بهذه السورة لما فيها من التوحيد والمعاد والبشرى بالجنة لأهل التوحيد وغبطة من مات عليه بقوله: (يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ) فيستبشر الروح بذلك فيحب لقاء الله فيحب الله لقاءه.
الثالث: إن هذا عمل الناس وعادتهم قديماً وحديثاً يقرأون يس عند المحتضر.
الرابع: أن الصحابة لم يكونوا يقرأونها عند القبور ولو فهموا من قوله صلى الله عليه وسلم اقرأوا يس عند موتاكم قراءتها عند القبر لما أخلوا به، وكان ذلك أمراً معتاداً مشهوراً بينهم.
الخامس: إن انتفاعه باستماعها وحضور قلبه وذهنه عند قراءتها في آخر عهده بالدنيا هو المقصود، وأما قراءتها عند قبره لا يثاب على ذلك لأن الثواب إما بالقراءة أو بالاستماع وهو عمل، وقد انقطع عمل الميت .. أهـ.
وكتب صاحب المنار رحمه الله في آخر سورة الأنعام استدراكاً على تفسير قوله تعالى (ولا تزر وازرة وزر أخرى) بدأه بتمهيد مهم ثم قال: أقول هذا تمهيداً لتذكيرك بعدم الاغترار بما لعلك اطلعت أو تطلع عليه من الوجوه التي حمل عليها بعض المتفقهة والمصنفين في تفسير قوله تعالى في سورة النجم: (أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (38) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى) فحرفوا الكلم عن مواضعه تارة بالتأويلات السخيفة، وتارة بدعوى النسخ الباطلة، وتارة بدعوى أن هاتين الآيتين من شريعة إبراهيم وموسى لا من شرعنا، وتارة بتخصيصها بالكفار دون المسلمين.
وقد غفل هؤلاء عن كون مضمون الآيتين من قواعد الدين وأصول الإسلام، الثابتة على ألسنة جميع الرسل ومؤيداً بآيات كثيرة بلفظها ومعناها كآية: (ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه) وغيرها مما يعلق الفلاح والخسر بالأعمال.
أما هؤلاء المقلدون من المتأخرين فسبب غفلهم وتأويلهم أنهم يحاولون تصحيح كل ما فشا من البدع بين أقوالهم والمنسوبين إلى مذاهبهم وليسوا من أهل الدليل، ولكنهم لا يتركون ضلالة التأويل، وأما أهل النظر في أدلة المذاهب منهم فلا هم من النظر في الكتاب والسنة إلا أخذ ما يرونه مؤيداً لمذاهبهم وترك ما سواه بضرب من التأويل، أو دعوى النسخ أو احتماله بغير دليل.
ولو كان هؤلاء المقلدون العميان هم الذين جوزوا وحدهم للناس إهداء عباداتهم للموتى لهان الخطب ولكن تابعهم على ذلك بعض علماء السنة من أهل الأثر والنظر (كابن تيمية وابن القيم) إذ ظنوا أن الأحاديث الواردة في الدعاء للموتى والإذن للأولاد بأن يقضوا ما على والديهم من صيام أو صدقة أو حج، تدل على انتفاع الموتى بعبادات الأحياء مطلقاً، غافلين عن حصر ما صح من ذلك في الأولاد فقط، وحديث " صام عنه وليه " يتعين أن يراد بالولي هنا الولد ليوافق سائر النصوص، وولد المرء من عمله، فانتفاع الميت بعمل ولده الحي يدخل في القاعدة ولا يناقضها.
كلام ابن القيم ورد المنار عليه
قال ابن القيم فإن قيل: فهذا لم يكن معروفاً في السلف ولا يمكن نقله عن واحد منهم مع شدة حرصهم على الخير ولا أرشدهم النبي صلى الله عليه وسلم إليه وقد أرشدهم إلى الدعاء والاستغفار بالصدقة والحج والصيام، فلو كان ثواب القراءة يصل لأرشدهم ولكانوا يفعلونه:
وأجاب ابن القيم عن هذا الاعتراض فقال:
إن مورد هذا السؤال إن كان معترفاً بوصول ثواب الحج والصيام و .. و .. قيل له: ما هذه الخاصية التي منعت وصول ثواب القرآن واقتضت وصول ثواب هذه الأعمال؟ وهل هذا إلا تفريق بين المتماثلات، وإن لم يعترف بوصول تلك الأعمال إلى الميت فهو محجوج بالكتاب والسنة والإجماع.
رد المنار على ابن القيم
أقول وبالله التوفيق: عفا الله عن شيخنا وأستاذنا أما قوله لمورد السؤال إذا كان معترفاً بوصول ثواب الحج والصيام: ما هذه الخاصية التي منعت وصول ثواب القرآن .. الخ فنجيب عنه بأن المانع لذلك نصوص القرآن التي جاءت في أن عمل كل عامل له دون غيره والسائل يعترف بأن النبي صلى الله عليه وسلم أذن للأولاد أن يقضوا عن والديهم حقوقاً ثبتت عليهم كما يقضون ديون الناس عنهم، فهي ليست كقراءة القرآن التي ليست مفروضة على الأعيان في غير الصلاة.
وبهذا كان أداء الحقوق غير معارض للآيات الواردة، وبهذا بطل قوله وهل هذا إلا تفريق بين المتماثلات.
كلام ابن القيم
فإن قيل: فرسول الله صلى الله عليه وسلم أرشدهم إلى الصوم و ..
و .. دون القراءة.
ثم أجاب ابن القيم: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبتدئهم بذلك بل خرج ذلك منه مخرج الجواب لهم، فهذا سأله عن الحج عن ميته فأذن له، وهذا سأله عن الصدقة فأذن له، ولم يمنعهم مما سوى ذلك.
رد المنار عليه
إن عدم ابتداء الرسول صلى الله عليه وسلم إياهم بذلك على إطلاقه دليل على أنه ليس من دينه، وإلا لم يكن مبينا لما أُنزل إليه كما أمر به وهذا محال.
وسؤال أولئك الأفراد إياه دليل على أنهم لم يكونوا يعلمون من نصوص الدين ولا من السنة العملية ما يدل على شرعيته، فلذلك استفتوه فيه، ولم يستفتوه في العمل عن غير الوالدين لنص القرآن في منعه ... اهـ.
...
وقد يستدل بعضهم على انتفاع الموتى بعمل الأحياء بحديث: " وضع النبي صلى الله عليه وسلم الجريدتين على القبرين "، [[انظر مسند أحمد 4/ 172 وقد روي نحوه.]] والجواب على ذلك أن هذا واقعة حال في أمر غيبي غير معقول المعنى والظاهر أنه من خصائصه صلى الله عليه وسلم.
وكذلك حديث شبرمة وفيه أنه أخ لي أو قريب أحج عنه، والجواب: أنه حديث موقوف كما هو الراجح عند أحمد، وقال ابن المنذر لا يثبت رفعه.
...
وجاء في كتابنا مشكلات القرآن ما نصه: المشكلة العاشرة
هل ينتفع الأموات بعمل الأحياء؟
قال الله تعالى (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى) وقال (يوم ينظر المرء ما قدمت يداه).
القرآن الكريم مملوء بالآيات في هذا المعنى، وتقرير هذه القاعدة، وهي أن الإنسان في الآخرة مجزى بعمله لا بعمل غيره (كل نفس بما كسبت رهينة) (فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره).
غير أن المسلمين اليوم وقبل اليوم درجوا على الانصراف عن هذه القاعدة فتراهم يقرأون القرآن على الموتى ويتصدقون عنهم ويدعون لهم سواء في ذلك الولد على الوالد أو الوالد على الولد، أو الزوجة على زوجها: أو الزوج على زوجته أو الأقارب والأصهار. وإذا صارحناهم بأن هذا خطأ لا يقره دين ولا شريعة قالوا: كيف هذا والناس عليه من قديم، والشيوخ في هذا العصر لا ينكرون.
فإذا قلنا لهم إن الحجة في كلام الله ورسوله فقط لا في عمل الجماهير وسكوت الشيوخ قالوا: إن شيخ الإسلام ابن تيمية قد جوز هذا في بعض كتبه وهو عالم كبير وله شهرة واسعة في الدفاع عن السنة ومحاربة البدع.
ونحن نورد هنا ما قاله ابن تيمية وما رد به عليه أستاذ جليل محقق يحب ابن تيمية ولكن حبه للحق أكبر، قال الأستاذ [[هو الأستاذ الكبير الشيخ أبو الوفا محمد درويش رحمه الله.]]:
قال ابن تيمية: من اعتقد أن الإنسان لا ينتفع إلا بما عمله فقوله باطل من وجوه:
أحدها أن الإنسان ينتفع بدعاء غيره، وهذا انتفاع بعمل الغير.
والجواب إن الداعي للإنسان إما أن يكون ولده وإما أن يكون غير ولده أما الولد فقد بينت السنة أن عمله استمرار لعمل الوالد: " إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث .. أو ولد صالح يدعو له " فدعوة الولد من سعي الوالد وعمله.
وأما إذا كان الداعي غير ولده فقد أثبت الواقع المشاهد الذي لا ينكره إلا معاند أن أحداً لا يدعو لأحد إلا لإحسان أو بر نال الداعي من المدعو له وما رأينا أحداً يدعو لأحد اعتباطاً أو مجاناً.
ولا شك أن البر والإحسان إلى المسلمين من الطاعات. وهي من كسب الشخص وسعيه وعمله، فإذا استجاب الله دعاء الداعي للبار المحسن، كان ذلك ثواباً لإحسانه وبره، وبذلك يكون الشخص قد انتفع بكسبه وسعيه وعمله، إذ لولا الإحسان والبر ما دعا الداعي.
فقد انتفع الشخص بكسبه وسعيه وعمله لا بعمل غيره.
وإذا فرضنا أن الداعي لم ينله من المدعو له إحسان ولا بر، أفلا يدعو له بالخير لأنه من إخوانه المسلمين المؤمنين، والإيمان رحم بين المؤمنين؛ ولولا إسلامه وإيمانه ما دعا له، لأن المسلم يعتبر المسلمين إخوة ويعتبر الدعاء لهم من البر بهم، والإسلام والإيمان من كسب العبد وسعيه وعمله، فإذا انتفع المسلم باستجابة الله تعالى لدعاء مسلم من إخوانه، كان انتفاعه بسبب إسلامه وإيمانه، أي بسبب كسبه وعمله قبل كل شيء.
والله تعالى جعل الدعاء للمؤمن من ثواب إيمانه، قال تعالى: (وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ).
فلولا صبرهم ما سلمت عليهم الملائكة، وتسليم الملائكة دعاء بالسلامة وهو ثواب صبرهم، وصبرهم من كسبهم وسعيهم وعملهم، وهذا شيء من الوضوح والجلاء بحيث لا يحتاج إلى إقامة دليل ولا برهان، فهو في حكم البدهيات التي لا تفتقر إلى نظر ولا استدلال.
فثبت بذلك أن انتفاع المؤمن بدعاء المؤمنين، سواء عليه، أكانوا من ولده أم من غيرهم: إنما هو انتفاع بكسبه وسعيه وعمله لا بكسب غيره ولا بسعي سواه ولا بعمل الناس.
قال ابن تيمية:
ثانيها: أن النبي صلى الله عليه وسلم يشفع لأهل الموقف في الحساب، ثم لأهل الجنة في دخولها، ثم لأهل الكبائر في الخروج من النار، وهذا انتفاع بعمل الغير.
ونقول وبالله نعتصم وبقوله الحق نتأيد: أما في الموقف فالشفاعة لا تنفع الكفار، ولا هي بمغنية عنهم شيئاًً، فهم منتقلون من كربة إلى كربات، ومن شدة إلى شدات وحسبنا دليل على ذلك قول الله تعالى في سورة البقرة: (وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (48)).
والآيات في معناها كثير.
فكيف يقال مع هذه النصوص الصريحة: إنهم انتفعوا بشفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم أو إنهم انتفعوا بعمل غيرهم؟ وهم أعداء الله وأعداء رسوله الذين حبطت أعمالهم، وضل سعيهم، ولا يقام لهم يوم القيامة وزن، ولا تنالهم من الرسول صلى الله عليه وسلم شفاعة ولا من الله تعالى رحمة.
وأما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله واليوم الآخر فتكون شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم ثواباً لإيمانهم. ولولا إيمانهم لم ينالوا هذه الشفاعة، فهم في واقع الأمر وحقيقته قد انتفعوا بكسبهم واستفادوا بسعيهم، وقطفوا ثمرة عملهم فكيف يقال إنهم انتفعوا بعمل غيرهم، وما انتفاعهم بعد فضل الله ورحمته إلا بمحض عملهم.
وأما شفاعته صلى الله عليه وسلم لأهل الجنة في دخولها فهي كذلك ثواب أعمالهم لقوله تعالى (ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون) فلولا إنهم آمنوا وعملوا الصالحات ما دخلوا الجنة ولا وجدوا ريحها ولا نالتهم شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، فهم في حقيقة الأمر وواقعه ينتفعون بسعيهم وكسبهم وعملهم، ولولا أعمالهم ما استحقوا شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم.
فكيف يقال إنهم انتفعوا بعمل غيرهم؟
وأما شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم لأهل الكبائر في الخروج من النار؛ فإنها لن تكون إلا بعد أن تمسهم النار بذنوبهم ويصيروا حمماً أو فحماً كما جاء في حديث مسلم ولولا أنهم مؤمنون ما أذن الله في الشفاعة لهم، فالشفاعة لهم وخروجهم من النار من ثواب إيمانهم، وإيمانهم من كسبهم وسعيهم وعملهم فكيف يقال: إنهم انتفعوا بعمل غيرهم.
ثم قال ابن تيمية:
ثالثها: إن كل نبي وصالح له شفاعة وذلك انتفاع بعمل الغير.
ونقول: إن هذه الشفاعات لا تنفع (إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولاً) لقوله تعالى (وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى) [النجم: 26]. والآيات في معناها كثيرة.
فالشفاعة مشروط فيها بحسب نصوص القرآن الكريم الإذن والرضا، والله لا يرضى عن القوم الفاسقين، ولا يأذن في الشفاعة لهم، ولا يأذن للنبي صلى الله عليه وسلم في الشفاعة لأهل الكبائر لخروجهم من النار إلا بعد أن تمسهم النار بذنوبهم وتطهرهم من أوزارهم ويبقى إيمانهم وهو موضع رضا الكريم سبحانه.
فشفاعة الأنبياء والصالحين لا تكون إلا بعد الإذن والرضا وإذاً فتكون للمؤمنين لا لغيرهم، والله تعالى قد جعل هذه الشفاعات ثواباً للإيمان وصالح العمل فهؤلاء الذين يشفع لهم الأنبياء والصالحون في حقيقة الأمر وواقعه منتفعون بإيمانهم وأعمالهم وسعيهم وكسبهم، ولولا ذلك ما شفع لهم شافع ولا نفعتهم شفاعة الشافعين.
فكيف يقال: إنهم انتفعوا بعمل غيرهم؟
ثم قال ابن تيمية:
رابعها: إن الملائكة يدعون ويستغفرون لمن في الأرض وذلك منفعة بعمل الغير.
ونقول: إن الله تعالى بين لنا في كتابه العزيز دعاء الملائكة واستغفارهم وبين لنا كذلك من مِن أهل الأرض تستغفر لهم الملائكة، فقال تعالى في سورة غافر: (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (7) رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (8) وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (9)).
ألم تر كيف وقف الملائكة عند حدهم ولم يطلبوا من ربهم إلا ما يقتضيه عدله وحكمته؟
ليس هذا الدعاء والاستغفار إلا تسبيحاً لله وتنزيهاً له بذكر صفات فضله وعدله ورحمته، فحين أخبر الله تعالى عن ملائكته الكرام أنهم يستغفرون لم يذكر أنهم يستغفرون لكل من دب ودرج على وجه الأرض ولكن ذكر أنهم يستغفرون للذين آمنوا، فدل على أن استغفار الملائكة للمؤمنين من ثواب إيمانهم.
وحين حكى سبحانه قوله بين أنهم لم يقولوا: اغفر لكل مصر على ذنبه، أو مجاهر بمعصية ربه. بل بين أنهم يقولون: (رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ).
فقد أثنوا على الله تعالى بسعة الرحمة والعلم، وسألوه أن يغفر للذين تابوا واتبعوا سبيله: أي سلكوا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين:
ولا جرم أن الله تعالى وعد أن يغفر لهؤلاء جميعاً.
فالملائكة الكرام لا يسألون ربهم إلا تصديق وعده، بدليل قوله تعالى: (ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم)
وحين طلبوا ذلك لمن يتصل بهم من أولي قرباهم، لم يطلبوه لكل قريب ولو خب في الإثم ووضع، ولو تمرغ في حمأة الفساد بل طلبوه لمن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم. فهم لم يطلبوا المغفرة إلا لأهل الصلاح.
فلولا أنهم مؤمنون، وأنهم تابوا واتبعوا سبيل الله، ولولا أن آباءهم وأزواجهم وذرياتهم صالحون ما استغفرت لهم الملائكة.
إذاً لا يكون استغفار الملائكة إلا ثواباً لإيمانهم وتوبتهم واتباعهم سبيل الله.
وإذاً فهم ينتفعون بإيمانهم وتوبتهم واتباعهم سبيل الله أي أنهم منتفعون بسعيهم وكسبهم وعملهم.
فكيف يقال: إن هؤلاء منتفعون بعمل غيرهم؟
ثم قال رحمه الله:
ثامنها: أن الميت ينتفع بالصدقة عنه والحج والصوم وبالعتق بنص السنة والإجماع، وهو من عمل الغير.
ونقول: إن الصدقة التي وردت السنة بانتفاع الميت بها هي ما يقوم بأدائها ولده من بعده ومثلها العتق والحج والصوم، وقد أسلفنا أن ولد الميت من كسبه بنص الحديث الشريف وقد بينا أن كل ما يعمله الولد نيابة عن والديه من الصدقة والحج فإنه لهما وينتفعان به، وذلك من فضل الله ورحمته فليس للوالدين إلا ما سعيا بنفسهما أو بولدهما الذي ينوب عنهما وهو كسبهما.
قال ابن تيمية: إن المدين الذي امتنع الرسول صلى الله عليه وسلم من الصلاة عليه حتى قضى دينه أبو قتادة وقضى دين الآخر علي بن أبي طالب، وانتفع بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم وبردت جلدته بقضاء دينه وهو من عمل الغير.
ونقول: إن المدين الذي مات وعليه دين يقضي دينه مما ترك، إذ لا تركة إلا بعد وفاء الديون، فإن لم يكن له مال أصبح دينه في ذمة ورثته يجب عليهم أداؤه وهذا المدين إن كان قد استدان وفي نيته أداء الدين ولكن الموت أعجله عن الوفاء فلم يتح له الوفاء حتى مات، فلا إثم عليه. إذ لم يكن عدم الوفاء بتقصير منه، ولا بسبق نية وإصرار.
وإن كان قد استدان وهو عازم على ألا يوفي، فإن نية السوء هذه تلازمه منذ وصل مال الدائن إلى يده حتى لقي حتفه، وهو مؤاخذ بها ومسؤول عنها ولا يخليه من تبعتها أن الدين قد أداه عنه غيره، لأنه ليس مسؤولاً عن الدين فقط، بل عن نية الغدر والإتلاف أيضاًً، فلا يغني عنه أن غيره أدى عنه الدين.
ولكن الله تعالى لا يرضى أن تضيع الحقوق، فجعل الدين في ذمة الورثة يدفعونها إلى الدائن إن كانوا موسرين، فإن كانوا معسرين (فنظرة إلى ميسرة) وقد شدد الرسول الأمين صلى الله عليه وسلم في أداء الدين، حتى لقد كان لا يصلي على المدين إذا مات ولم يخلف ما يقضي به دينه ليحمل جماعة المسلمين على أن يتضامنوا في أداء دينه حتى يظفر بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم على جنازته.
والشريعة الإسلامية سنت مبدأ التضامن الاجتماعي، والتكافل القومي وجعلت مال الشخص في يده يتصرف فيه بالمعروف كيف يشاء، ما لم تكن بجماعة المسلمين حاجة ماسة إليه فإذا مست إليه حاجتهم فهو مالهم جميعاً قال تعالى: (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) أي لا يأكل بعضكم مال بعض بالباطل.
ولكنه أضاف الأموال إليهم جميعاً ليعلم كل فرد أن المال الذي في يده هو مال الأمة، وأن أموال الأفراد تكون الثروة العامة للأمة، فأبو قتادة حين دفع دين الميت المدين لم يزد على أن تصدق على ورثته بما يؤدي دينه، فإن كان هناك ثواب يرجى، وأجر يمنح، فهو لهذا المتصدق ولا شيء منه للميت إذ لا سعي له ولا عمل، وإن كان الميت سيء القصد، فاسد النية مات وهو مصر على عدم الوفاء، فإنّ وفاء أبي قتادة لا يغني عنه شيئاًً.
فبطل القول بأن في هذا انتفاع الميت بعمل غيره وثبت أن ليس للإنسان إلا ما سعى ولا يظلم ربك أحداً.
قال ابن تيمية: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمن صلى وحده؛ ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه؟ قد حصل له فضل الجماعة بفعل الغير.
نقول: بل حصل له فضل الجماعة بنيته إذ لو بقي على نية الصلاة فإذاً لم يحصل له فضل الجماعة، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: " إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرىء ما نوى " ولو خرج من بيته يريد أن يصلي في المسجد في جماعة، فلم يجد أحداً واضطر أن يصلي منفرداً لكان له أجر نيته، ولو اكتظ المسجد بالمسلمين وصلوا كلهم أفذاذاً لم يكن لأحد منهم فضل الجماعة.
وإذاً لا يكسب فضل الجماعة إلا بالنية، ونية الرجل من كسبه وسعيه وعمله فلا يصح أن يقال: أن هذا حصل له فضل الجماعة بعمل غيره (والله يقول الحق وهو يهدي السبيل).
ثم قال ابن تيمية: الصلاة على الميت والدعاء له في الصلاة انتفاع للميت بصلاة الحي عليه، وهو عمل غيره.
ونقول: كلا بل انتفاعه بعمل نفسه، فلولا أنه من زمرة المسلمين ما فرض الله على المسلمين الصلاة عليه، فصلاة المسلمين عليه ودعاؤهم له من ثواب إيمانه، وإيمانه من كسبه كما تقدم، فلو لم يكن مؤمناً ما صلى عليه المؤمنون، ولا دعوا له.
...
ويظهر أن الإمام ابن تيمية قد رجع عن كل ما قاله هنا، فقد قال في بعض فتاويه (فلم يكن من عادة السلف إذا صلوا أو صاموا أو حجوا تطوعاً أو قرأوا القرآن أن يهدوا ثواب ذلك للموتى) انظر مختصر الفتاوى لابن تيمية ص (171).
ويقول: لم يكن من عادة السلف إهداء ذلك إلى موتى المسلمين بل كانوا يدعون لهم فلا ينبغي الخروج عنهم - انظر تفسير المنار (ص 26 جـ 8).
فصل
في قراءة القرآن على الموتى
إذا كان العلامة (أبو الوفاء محمد درويش) قد قوم الخطأ الذي سقط فيه الإمام ابن تيمية في البحث السابق فقد سبقه المرحوم صاحب المنار إلى تقويم الخطأ الذي تورط فيه العلامة ابن القيم، فقد أطال ابن القيم في جواز قراءة القرآن للموتى قياساً على الصدقة والدعاء .. الخ.
وكان هذا التقويم من هذين الشيخين آية جديدة على ما أوتيا من شجاعة أدبية؛ وأن حبهما للإمام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم لم يمنعهما من الرد عليهما وآية جديدة على أن العصمة لله وحده.
وقد أطال صاحب المنار في تفنيد أدلة جواز قراءة القرآن للموتى (وقد تقدم هنا) وختم هذا البحث القيم بقوله:
وإذ قد علمت أن حديث قراءة سورة يس على الموتى غير صحيح وإن أريد به من حضرهم الموت، وأنه لم يصح في هذا الباب حديث قط، كما قال المحقق الدارقطني فاعلم أن ما اشتهر وعم البدو والحضر من قراءة الفاتحة للموتى لم يرد فيه حديث صحيح ولا ضعيف فهو من البدع المخالفة لما تقدم من النصوص القطعية، ولكنه صار بسكوت اللابسين لباس العلماء وبإقرارهم له ثم بمجاراة العامة عليه من قبيل السنن المؤكدة أو الفرائض المحتمة.
وخلاصة القول: أن المسألة من الأمور التعبدية التي يجب فيها الوقوف عند نصوص الكتاب والسنة وعمل الصدر الأول من السلف الصالح؛ وقد علمنا أن القاعدة المقررة في نصوص القرآن الصريحة والأحاديث الصحيحة أن الناس لا يجزون في الآخرة إلا بأعمالهم (82: 19) (يوم لا تملك نفس لنفس شيئاًً) (31 - 22) (واخشوا يوماً لا يجزى والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئاًً) وأن النبي صلى الله عليه وسلم بلغ أقرب أهل عشيرته إليه بأمر ربه أن: " اعملوا لا أغنى عنكم من الله شيئاًً " فقال ذلك لعمه وعمته ولابنته سيدة النساء وأن مدار النجاة في الآخرة على تزكية النفس بالإيمان والعمل الصالح.
والثواب ما يثوب ويرجع إلى العامل من تأثير عمله في نفسه - الخ ما تقدم شرحه مع التذكير بالآيات الكثيرة والأحاديث فيه، وكل ذلك من الأخبار وقواعد العقائد فلا يدخلها النسخ.
وورد مع ذلك الأمر بالدعاء لأحياء المؤمنين وأمواتهم في صلاة الجنازة وفي غيرها، فالدعاء عبادة ثوابها لفاعلها سواء أستجيب أم لا، ويستحيل شرعاً وعقلاً استجابة كل دعاء لتناقض الأدعية ولاقتضاء الاستجابة ألا يعاقب فاسق ولا مجرم إلا إذا اتفق وجود أحد لا يدعو له أحد برحمة ولا مغفرة في صلاة ولا غيرها، ولا يترتب على ذلك من تعطيل كثير من النصوص أو عدم صدقها.
وورد في الأخبار جواز صدقة الأولاد عن الوالدين ودعائهم لهما وقضاء ما وجب عليهما من صيام أو صدقة أو نسك، وقد بينا حكمته مع النصوص فيه، والظاهر من هذا أن الوالدين ينتفعان ببعض عمل أولادهما لأن الشارع ألحقهم بهما، فيسقط عنهما ما ينوبان عنهما فيه من أداء دين الله تعالى كديون الناس.
فمن أراد أن يتبع الهدى، ويتقي جعل الدين تابعاً للهوى، فليقف عند النصوص الصحيحة؛ ويتبع فيها سيرة السلف الصالح ويعرض عن أقيسة بعض الخلف المروجة للبدع؛ وإذا زين لك الشيطان أنه يمكنك أن تكون أهدى وأكمل عملاً بالدين من الصحابة والتابعين فحاسب نفسك على الفرائض والفضائل المجمع عليها والصحيحة التي يضعف الخلاف فيها.
وانظر أين مكانك منها فإن رأيت ولو بعين العجب والغرور أنك بلغت مد أحدهم أو نصيفه من الكمال فيها، فعند ذلك تعذر في الزيادة عليها، وهيهات هيهات لا يدعي ذلك إلا جهول مفتون، أو من به مس من الجنون وأن أكثر المتعبدين بالبدع؛ مقصرون في أداء الفرائض أو في المواظبة على السنن، ومنهم المصرون على الفواحش والمنكرات؛ كإصرارهم على ما التزموا في المقابر من العادات، كاتخاذها أعياداً تشد إليها الرحال، ويجتمع لديها النساء والرجال والأطفال؛ ولا سيما في ليلتي العيدين وأول جمعة من رجب، وتذبح عندها الذبائح؛ وتطبخ أنواع المآكل؛ فيأكلون ثم يشربون، ويبولون ويغوطون ويلغون ويصخبون ويقرأ لهم القرآن من يستأجرون لذلك من العميان، ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون. [[والحمد لله فقد تم بفضل الله ثم بجهود المخلصين بمنع بعض البدع في بعض الأقطار الإسلامية ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يكلل هذه الخطوات لإنهاء هذه الشواذات إنه سميع مجيب.]] فصل
هل يتأذى الأموات بعمل الأحياء
قدمنا لك الأدلة الكافية في عدم انتفاع الأموات بعمل الخير من الأحياء، فما القول في الموضوع إذا انعكس الأمر؟ هل يتأذى الميت إذا صدر من الحي ما حرمه الله ورسوله؟ ليس في هذا إلا قوله صلى الله عليه وسلم: " إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه " رواه الشيخان وغيرهما عن ابن عمر والمراد به النياحة كما صرح به في بعض الروايات عنه وعن أبيه وورد التصريح بعدم المؤاخذة بالبكاء المجرد وقد أوله بعضهم بأنه يعذب بما نيح عليه إذا أوصى أهله به وكان ممن يرضى به، ويحتمل أن يكون المراد بتعذيب الميت بنواح الحي عليه أنه يشعر ببكائه فيؤلمه ذلك لا أن الله تعالى يعذبه به ويؤاخذه عليه والله أعلم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن أبي مليكة قال: توفيت أم عمرو بنت أبان بن عثمان فحضرت الجنازة فسمع ابن عمر بكاء فقال: ألا تنهى هؤلاء عن البكاء فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن الميت يعذب ببكاء الحي عليه " فأتيت عائشة فذكرت لها ذلك. فقالت: " والله إنك لتخبرني عن غير كاذب ولا متهم ولكن السمع يخطىء وفي القرآن ما يكفيكم: (ولا تزر وازرة وزر أخرى).
وقال الشيخ محمد عبد السلام في رسالته: (القراءة للأموات) ما نصه:
وبعد فقد سألنا أخ لنا في الله تعالى عن قراءة القرآن: هل يصل ثوابها للموتى؟ فأجبناه بما يأتي:
أخرج أبو داود في سننه: أنه صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه فقال: " استغفروا لأخيكم، وسلوا له التثبيت فإنه الآن يسأل " [[صحيح الجامع/956.]] حديث حسن وأخرج أيضاًً أبو داود وغيره بإسناد حسن: أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا وضع الميت في لحده قال: " بسم الله وبالله وفي سبيل الله وعلى ملة رسول الله ".
فليس في هذه الأحاديث أنه قرأ سورة لا هو ولا أحد أصحابه على القبر كما يفعل ذلك القراء الآن.
وكذا رواية مسلم عن أبي هريرة قال زار النبي صلى الله عليه وسلم قبر أمه فبكى وأبكى من حوله فقال: " استأذنت ربي في أن استغفر لها فلم يأذن لي واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي فزوروا القبور، فإنها تذكر الموت -وفي رواية- فإن فيها عبرة، فإنها تزهد في الدنيا وتذكر الآخرة " [[أحمد 2/ 441.]].
فظهر أن المعروف عنه صلى الله عليه وسلم إنما هو الاستغفار لا تلاوة القرآن. وهذا هو المنقول والمعقول أما تلاوة القرآن التي هي أحكام الدين وآدابه وحلاله وحرامه، فلا يمكن أن يفيد الميت شيئاًً قط. والقرآن والسنة الثابتة معنا على ذلك.
وأخرج أحمد ومسلم والنسائي أن بريدة الأسلمي قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر فكان قائلهم يقول: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، إنا إن شاء الله بكم لاحقون أنتم فرطنا [[فرطنا أي سبقتمونا.]] ونحن لكم تبع، ونسأل الله لنا ولكم العافية " [[صحيح الجامع/3592 بطولة.]] وليس في هذا الحديث أيضاًً سوى التسليم على أهل المقابر وطلب العافية لهم من الله، وليس فيه ما يشم منه رائحة إباحة تلاوة القرآن للأموات.
وأخرج مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كلما كانت ليلتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج من آخر الليل إلى البقع فيقول: " السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وأتاكم ما توعدون اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد " [[مقبرة بالمدينة.]] وهذا ليس فيه سوى طلب المغفرة لأهل الجبانة فلم يقرأ قرآنا.
فصل
(فيما ينتفع به الإنسان بعد موته)
نعم ينتفع الميت بكل ما قررته شريعة الإسلام في كتاب الله وهدي رسوله فقد ورد في الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال: " إذ مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: صدقة جارية، أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له [[صحيح الجامع/6181 و6182.]] ".
وينتفع الميت بما ورد في حديث: " إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته: علماً نشره، وولداً صالحاً تركه، ومصحفاً ورثه أو مسجداً بناه أو بيتاً لابن السبيل بناه أو نهراً أجراه أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته، تلحقه بعد موته " رواه ابن ماجة وابن خزيمة.
وينتفع الميت بعد موته بسنة حسنة سنها فعمل بها من بعده كما روى مسلم في صحيحه أنه صلى الله عليه وسلم قال: " من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء -وفي رواية- من سن سنة حسنة فله أجرها ما عمل بها في حياته وبعد مماته حتى تترك " [[صحيح الجامع/805.]].
وينتفع الميت بالصدقة عنه كما روى البخاري: " أن رجلاً قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم إن أمي توفيت أينفعها إن تصدقت عنها؟ قال نعم " [[صحيح الجامع/682.]].
وفي المسند والسنن عن سعد بن عبادة (رض) أنه قال: " يا رسول الله إن أم سعد ماتت فأي الصدقة أفضل؟ قال " الماء " فحفر بئرا وقال: هذا لأم سعد؛ فسقي الماء من الصدقات التي ينتفع بها الميت من ولده ".
وأخرج مسلم أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم: " إن أبي ترك مالاً ولم يوص فهل يكفي أن أتصدق عنه؟ قال نعم ".
وينتفع الميت بدعاء المسلمين واستغفارهم له لقوله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ) وفي السنن مرفوعاً: " إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء ".
هذا هو الوارد في هذا الباب مما ينفع الأموات بسعي الأحياء وليس فيها دليل واحد يستأنس به أو يشم منه رائحة جواز قراءة القرآن للموتى أو سورة مخصوصة كسورة (يس) أو غيرها أو عمل عتاقة بسورة الإخلاص مائة ألف مرة أو سبحه بلا إله إلا الله ألف مرة وسنسرد عليك هنا إن شاء الله أقوال المفسرين والمحدثين والأصوليين وأئمة المذاهب المعروفة مما يدلك دلالة واضحة على أن كل ما عليه الناس في مآتمهم وعلى قبورهم لا يتفق وشرائع الإسلام وهدي الرسول عليه السلام.
أقوال المفسرين
تفسير الإمام ابن كثير:
قال رحمه الله عند قوله تعالى: (أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (36) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (37) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (38) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (40) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى) أي كل نفس ظلمت نفسها بكفر أو شيء من الذنوب فإنما عليها وزرها لا يحمله عنها أحد كما قال: (وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى) (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى) أي كما لا يحمل عليه وزر غيره كذلك لا يحصل له من الأجر إلا ما كسب هو لنفسه.
قال: ومن هذه الآية الكريمة استنبط الشافعي رحمه الله ومن اتبعه أن القراءة لا يصل ثوابها إلى الموتى لأنه ليس من عملهم ولا كسبهم، ولهذا لم يندب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته ولا حثهم عليه ولا أرشدهم إليه بنص ولا إيماء ولم ينقل ذلك عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم ولو كان خيراً لسبقوا إليه وباب القربات يقتصر فيه على النصوص ولا يتصرف فيه بأنواع الأقيسة والآراء: فأما الدعاء والصدقة فذلك مجمع على وصولهما ومنصوص من الشارع عليهما.
وأما الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: ولد صالح يدعو له أو صدقة جارية من بعده أو علم ينتفع به ". فهذه الثلاثة في الحقيقة من سعيه وكده وعمله كما جاء في الحديث: " أن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وأن ولده من كسبه " [[أحمد 1/ 36.]] والصدقة الجارية كالوقف ونحوه هي من آثار عمله ووقفه، وقد قال تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ) والعلم الذي نشره في الناس فاقتدى به الناس هو أيضاًً من سعيه وعمله. وثبت في الصحيح: " من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيئاًً " [[صحيح الجامع/6110.]]. أهـ.
تفسير الإمام الشوكاني:
قال رحمه الله عند قوله تعالى: (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى) والمعنى ليس له إلا أجر سعيه وجزاء عمله ولا ينفع أحداً عمل أحد وهذا العموم مخصص بمثل قوله سبحانه (ألحقنا بهم ذرياتهم) وبمثل ما ورد في شفاعة الأنبياء والملائكة للعباد ومشروعية دعاء الأحياء للأموات ونحو ذلك.
ولم يصب من قال: أن هذه الآية منسوخة بمثل هذه الأمور، فإن الخاص لا ينسخ العام بل يخصصه فكل ما قام الدليل على أن الإنسان ينتفع به وهو من غير سعيه كان مخصصاً لما في هذه الآية من العموم أهـ.
تفسير الإمام الخازن:
قال رحمه الله عند هذه الآية: (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى) بعد أن قدم النصوص الدالة على جواز الدعاء والصدقة والحج عن الميت: والمشهور من مذهب الشافعي أن قراءة القرآن لا يصله ثوابها، وقال جماعة من أصحابه: يصله ثوابها، وبه قال أحمد. وأما الصلوات فلا يصله عند الشافعي والجمهور أهـ.
تفسير المنار:
قال رحمه الله في تفسيره عند آية: (ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى) في آخر سورة الأنعام بعد بحث طويل قال ما حاصله: إن كل ما جرت به العادة من قراءة القرآن والأذكار وإهداء ثوابها إلى الأموات واستئجار القُراء وحبس الأوقاف على ذلك بدع غير مشروعة، ومثلها ما يسمونه إسقاط الصلاة ولو كان لها أصل في الدين لما جهلها السلف ولو علموها لما أهملوا العمل بها.
وقال أيضاًً: وإن حديث قراءة سورة يس على الموتى غير صحيح وإن أريد به من حضرهم الموت. وأنه لم يصح في هذا الباب حديث قط كما قال بذلك المحدث الدارقطني.
واعلم أن ما اشتهر وعم البدو والحضر من قراءة الفاتحة للموتى لم يرد فيه حديث صحيح ولا ضعيف، فهو من البدع المخالفة لما تقدم من النصوص القطعية ولكنه صار بسكوت اللابسين لباس العلماء وبإقرارهم له، ثم بمجاراة العامة عليه من قبيل السنن المؤكدة أو الفرائض المحتمة.
قال: وخلاصة القول أن المسألة من الأمور التعبدية التي يجب فيها الوقوف عند نصوص الكتاب والسنة وعمل الصدر الأول من السلف الصالح.
قد علمنا أن القاعدة المقررة في نصوص القرآن الصريحة والأحاديث الصحيحة أن الناس لا يجزون في الآخرة إلا بأعمالهم: (يوم لا تملك نفس لنفس شيئاًً) وقال تعالى: (واخشوا يوماً لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئاًً) وإن النبي صلى الله عليه وسلم بلغ أقرب أهل عشيرته إليه بأمر ربه: " أن اعملوا لا أغني عنكم من الله شيئاًً " وإن مدار النجاة في الآخرة على تزكية النفس بالإيمان والعمل الصالح أهـ.
ونقل السيد رشيد رضا عن الحافظ بن حجر أنه سئل عمن قرأ شيئاًً من القرآن وقال في دعائه: اللهم اجعل ثواب ما قرأته، زيادة في شرف سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال فأجاب بقوله: هذا مخترع من متأخري القراء لا أعرف لهم سلفاً أهـ.
" نقول " إن كثيراً من المتمشيخين الذين لم يفهموا معنى آية من الكتاب العزيز ولم يفهموا معنى الآية (وما آتاكم الرسول فخذوه) ولا معنى الحديث الصحيح: " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد " [[أحمد 6/ 146.]] وحديث: " وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة " [[أحمد 4/ 126.]] هؤلاء هم الذين يتأكلون بالقرآن فحسابهم على الله.
أقوال أئمة الحديث
قال الإمام النووي في شرح مسلم في باب وصول ثواب الصدقة عن الميت إليه: عند حديث عائشة أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " يا رسول الله إن أمي افتلتت نفسها ولم توص، وأظنها لو تكلمت تصدقت أفلها أجر إن تصدقت عنها؟ قال نعم " وفي هذا الحديث أن الصدقة عن الميت تنفع الميت ويصل ثوابها. وهو كذلك بإجماع العلماء وكذا أجمعوا على وصول الدعاء وقضاء الدين بالنصوص الواردة في الجميع، ويصح الحج عن الميت والصوم للأحاديث الصحيحة فيه والمشهور من مذهبنا أن قراءة القرآن لا يصله ثوابها أهـ.
وقال الإمام الصنعاني في كتاب سبل السلام عند حديث ابن عباس قال: " مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبور المدينة فأقبل عليهم بوجهه فقال: " السلام عليكم يا أهل القبور، يغفر الله لنا ولكم أنتم سلفنا ونحن بالأثر " [[ضعيف الجامع/1167.]] رواه الترمذي بإسناد حسن.
قال: في الحديث دليل على أن الإنسان إذا دعا لأحد أو استغفر يبدأ بالدعاء لنفسه والاستغفار لها، وعليه وردت الأدعية القرآنية (ربنا اغفر لنا ولإخواننا) (فاستغفر لذنبك وللمؤمنين) وفيه أن هذه الأدعية ونحوها نافعة للميت بلا خلاف. وأما غيرها من قراءة القرآن له: فالشافعي يقول: لا يصل ذلك إليه.
وقال الإمام الشوكاني رحمه الله في شرح المنتقى:
والمشهور من مذهب الشافعي وجماعة من أصحابه أنه لا يصل إلى الميت ثواب قراءة القرآن.
ونقول: أن مما يدل دلالة واضحة على أن القرآن لا ينفع الموتى ولا يتلى على قبورهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه البيهقي بلفظ: " اقرؤا سورة البقرة في بيوتكم ولا تجعلوها قبوراً " وأيضاًً " صلوا في بيوتكم ولا تتخذوها قبوراً " [[صحيح الجامع/3678.]] رواه الترمذي والنسائي وأبو يعلي والضياء المقدسي، وصححه السيوطي في الصغير فلو كان القرآن يتلى لنفع الأموات ويقرأ على قبورهم لما قال النبي -الذي هو (بالمؤمنين رؤوف رحيم) - اقرأوا وصلوا في بيوتكم ولا تجعلوها قبوراً. وإنما قال هذا لأن القبور ليست محلاً لقراءة القرآن ولا للصلاة، ولهذا لم يرد حديث واحد بسند صحيح ولا ضعيف مقبول أنه صلى الله عليه وسلم قرأ القرآن ولا شيئاًً منه مرة واحدة في حياته كلها مع كثرة زيارته للقبور وتعليمه للناس كيفية زيارتها.
أقوال أئمة المذاهب الأربعة
مذهب أبي حنيفة:
قال في كتاب الفقه الأكبر للإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان للإمام ملا على القارىء الحنفي (ص 110): ثم القراءة عند القبور مكروهة عند أبي حنيفة ومالك وأحمد رحمهم الله في رواية لأنه محدث لم ترد به السنة. أهـ.
وكذلك قال شارح الإحياء (ج 3 ص 280).
مذهب الشافعي:
استدل الإمام الشافعي على عدم وصول ثواب القراءة بآية: (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى) وبحديث: " إذا مات ابن آدم انقطع عمله، الخ " وقال النووي في شرح هذا الحديث: وأما قراءة القرآن وجعل ثوابها للميت والصلاة عنه ونحوها فذهب الشافعي والجمهور أنها لا تلحق الميت. أهـ، وكرر ذلك في عدة مواضع من شرح مسلم.
وقال: وفي شرح المنهاج لابن النحوي: لا يصل إلى الميت عندنا ثواب القراءة على المشهور أهـ.
وسئل العز بن عبد السلام عن ثواب القراءة المهدى للميت هل يصل أو لا؟ فأجاب بقوله: ثواب القراءة مقصور على القارىء ولا يصل إلى غيره قال: والعجب من الناس من يثبت ذلك بالمنامات وليست المنامات من الحجج.
مذهب المالكية:
قال الشيخ ابن أبي جمرة: إن القراءة عند المقابر بدعة وليست بسنة.
كذا في المدخل وقال الشيخ الدردير في كتابه الشرح الصغير (ج 1 ص 180) وكره قراءة شيء من القرآن عند الموت وبعده وعلى القبور لأنه ليس من عمل السلف وإنما كان من شأنهم الدعاء بالمغفرة والرحمة والاتعاظ أهـ. وكذلك في حاشية العلامة العدوي على شرح أبي الحسن.
مذهب الحنابلة:
قال الإمام أحمد لمن يراه يقرأ على القبر: يا هذا إن قراءة القرآن على القبر بدعة. وقال الإمام ابن تيمية. ونقل الجماعة عن أحمد كراهة القرآن على القبور، وهو قول جمهور السلف وعليه قدماء أصحابه وقال أيضاًً: والقراءة على الميت بعد موته بدعة بخلاف قراءة (يس) على المحتضر فإنها تستحب.
وقال: ولم يكن من عادة السلف إذا صلوا تطوعاً أو صاموا تطوعاً أو حجوا تطوعاً أو قرأوا القرآن يهدون ثواب ذلك إلى موتى المسلمين، فلا ينبغي العدول عن طريق السلف.
وقال الإمام ابن القيم في زاد المعاد (ج 1 ص 146): ولم يكن من هديه صلى الله عليه وسلم أن يجتمع للعزاء ويقرأ له القرآن لا عند قبره ولا غيره. وكل هذا بدعة حادثة مكروهة.
وأما حديث: (اقرأوا على موتاكم يس) فهو حديث معلول مضطرب الإسناد مجهول السند. وعلى فرض صحته فلا دلالة فيه قطعاً، فإن المراد من قوله (موتاكم) أي من حضره مقدمات الموت حيث يكون ضعيف البنية ساقط الأعضاء، قد أقبل على الله بكلية فيقرأ عليه ما يزداد به قوة قلب، فهذا قطعاً من عمله في حياته. وخصت (يس) بهذه الحالة لما فيها من ذكر الله وتوحيده وتبشيره بما أعده لعباده الصالحين. فهذه المعاني كلها تجدها في سورة يس. وهذا ملخص ما قاله الفخر الرازي. والعلامة العزيزي على الجامع الصغير في شرحه لهذا الحديث.
وقال الفيروزبادي: قراءة القرآن بدعة ومكروه.
كلام علماء الأصول:
قال صاحب كتاب طريق الوصول إلى إبطال البدع بعلم الأصول بعد ما ذكر قاعدة أصولية نفيسة ما نصه: من هذه القاعدة الجليلة تعلم أن أكثر ما تفعله العامة من البدع المذمومة ولنذكر لك أمثلة:
الأول: قراءة القرآن على القبور رحمة بالميت، تركه النبي صلى الله عليه وسلم وتركه الصحابة مع قيام المقتضى للفعل، والشفقة للميت وعدم المانع منه، فبمقتضى القاعدة المذكورة يكون تركه هو السنة وفعله بدعة مذمومة، وكيف يعقل أن يترك الرسول صلى الله عليه وسلم شيئاًً نافعاً لأمته يعود عليها بالرحمة ويتركه الرسول صلى الله عليه وسلم طول حياته ولا يقرأه على ميت مرة واحدة؟
الثاني: قراءة الصمدية بعدد معلوم أو الجلالة بعدد معلوم. القرآن في ذاته عبادة لقارئه يتقرب بقراءته وبسماعه إلى الله تعالى ولا ينازع في ذلك أحد، إنما النزاع في قراءته للميت ليكون عتقاً لرقبته من النار.
مع العلم بأن القرآن ما نزل للأموات وإنما نزل للأحياء نزل ليكون تبشيراً للمطيع وإنذاراً للعاصي، نزل لنهذب به نفوسنا ونصلح به شؤوننا، أنزل الله القرآن كغيره من الكتب السماوية ليعمل على طريقه العاملون، ويهتدي بهديه المهتدون، قال جل شأنه: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (9) وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا).
فهل سمعتم أن كتاباً من الكتب السماوية قرىء على الأموات أو أخذت عليه الأجور والصدقات؟ ويقول الله خطابا لنبيه (قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين) (إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (87) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ).
أكان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ على أصحابه عدداً معلوماً من الصمدية أو عدداً معلوماً من الجلالة ليكون ذلك عتقاً لرقبتهم، وإنقاذاً لهم من النار؟ مع العلم بأن من ليس بمعصوم في حاجة إلى تكفير السيئات ورفع الدرجات، أم كانت سنته أن يدفن الرجل من أصحابه ويذهب كل إلى عمله ليس له إلا ما قدم؟ هذه كانت سنته وهذه طريقته والله تعالى يقول: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر) فلنتأس به في الفعل، كما نتأسى به في الترك أهـ. كلام صاحب طريق الوصول.
فصل في أشياء تتعلق بذلك
وأما ما يروى عن ابن عمر أنه أوصى بقراءة الفاتحة وخواتيم البقرة على قبره، فهو أثر شاذ لم يصح سنده، ولم يوافقه عليه أحد من الصحابة، وكذلك ما يروى من قراءة الفاتحة والصمدية والمعوذتين وألهاكم والكافرون وإهدائها لأهل المقابر فباطل لمخالفتها لأقوال النبي وأفعاله وأقوال وأفعال أصحابه.
- ومن البدع: قراءة القرآن في الشوارع والطرقات وعلى أبواب الأضرحة للتعيش والارتزاق، إذ في ذلك تسول فاحش بالقرآن فهو امتهان للقرآن، والتسول يحرمه الدين الإسلامي تحريماً باتاً، وهو بالقرآن أشد تحريماً ولكن يجب على العلماء أن يفهموا الحكومة والأغنياء أنه فرض عليهم أن ينفقوا على هؤلاء العميان وأن يستخدموهم في أي عمل كصناعة الزنابيل وخيزران الكراسي وما يليق بهم من الصناعات.
- ومن البدع: نصب السرادقات (الصواوين) يوم وفاة الميت وعمل السبحة التي هي عبارة عن التهليل ألف مرة من المعزين، ويهبون ثوابها للميت وأصلها منام رآه بعض المتمشيخين فأذاعه بين إخوانه الجهلاء فاتخذوها سنة ثم حديث من قرأ: قل هو الله أحد ألف مرة فقد اشترى نفسه من النار، موضوع وفيه مجاشع الكذاب.
- ومن البدع: والمنكر أنهم يجددون الحزن كل خميس بعد وفاة الميت إلى يوم الأربعين أو إلى أول عيد له، ويعملون السرادقات ويحضرون القراء وينتظرون مجيء الناس إليهم للتعزية، وقد روى الإمام أحمد وابن ماجة بإسناد صحيح عن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال: " كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام بعد دفنه من النياحة " وقال الشافعي: يكره الجلوس للتعزية. وقال الأوزاعي مثله. وقال الإمام أحمد: وهو من فعل الجاهلية وأنكره.
- ومن البدع: ذهاب النساء والرجال إلى المقابر في الأعياد والجمع ومعهم القرص والبلح لتوزيعها على القراء وغيرهم، ومن عيوب القراء أنهم يقولون للجالسات على القبر: أقرأ سورة هنا يا ست ثم يتشاجر معها بعد القراءة لقلة ما تعطيه، وهذا قبيح جداً يحط من كرامة القراء ورجولتهم.
وعلاج ذلك أن تمنع الحكومة في شدة وحزم هذه المهازل قبل وقوعها فلا تسمح للنساء بالخروج إلى المقابر وتجري على هؤلاء القراء ما يغنيهم عن ذلك، كما يجب على العلماء أن يذكروا وينكروا ذلك العمل عند كل مناسبة.
- ومن البدع: تسهير القراء في شهر رمضان إذ لم يكن هذا من فعل السلف الصالح ولا هو من تعليم الرسول صلى الله عليه وسلم وليس في الكتب الصحيحة بل ولا غيرها ما يدل على جواز ذلك. وإنما المطلوب شرعاً أن نتدارس القرآن كما ورد أنه صلى الله عليه وسلم: " كان إذا دخل العشر الأخير من رمضان شد مئزره وأحيا ليله وأيقظ أهله " [[صحيح الجامع 6346 و6347.]] رواه البخاري ومسلم وغيرهما.
- ومن البدع: قراءة سورة ياسين 40 مرة بقصد إهلاك شخص أو إضرار طائفة وغاب عن هؤلاء أن الله أنزل القرآن شفاء ورحمة وأرسل الرسول رحمة للعالمين، وما أنزل الله علينا القرآن لنشقى، وهذا من الجهلاء شنيع، لكنه من أهل العلم أشنع وأفظع، ولكن ضللهم هؤلاء بقولهم خذ من القرآن ما شئت لما شئت " ويس " لما قرأت له. وكلاهما باطل لا أصل له.
- ومن البدع: قراءة سورة الكهف بالمساجد على الهيئة المعروفة، والسنة أن يقرأها يوم الجمعة كل مسلم ومسلمة لحديث: " من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين " وفي رواية: " أضاء له من النور ما بينه وبين البيت العتيق " وهذان الحديثان ضعيفان وهما يفيدان أن الكل مطلوب منه قراءة سورة الكهف ولكن التشويش بها من قارىء واحد ممنوع شرعاً وعقلاً وفي الحديث: " لا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن " رواه مالك في الموطأ وأبو داود في سننه.
وروى الإمام أحمد ومسلم والنسائي مرفوعاً: " من قرأ العشر الأواخر من سورة الكهف عصم من فتنة الدجال ".
- ومن البدع: قراءة سورة تبارك جماعة على صوت واحد كما يفعل ذلك جماعة الخلوتية وغيرهم، أما السورة نفسها فقراءتها سنة: " إن سورة من القرآن ما هي إلا ثلاثون آية شفعت لرجل حتى غفر له، وهي تبارك الذي بيده الملك " [[صحيح الجامع 6277.]] رواه أحمد وأصحاب السنن وابن حبان.
- ومن البدع: قراءة سورة الفاتحة لروح النبي صلى الله عليه وسلم بعد صلاة الظهر وقراءتها بعد صلاة العصر لروح عمر وبعد صلاة المغرب لروح عثمان وبعد صلاة العشاء لروح علي ويعتقدون أنهم بهذا يحضرونهم عند تغسيلهم بعد الموت أو عند سؤال القبر، وتلك بدع وخرافات ما أنزل الله بها من سلطان.
- ومن البدع: قول بعض المصلين عقب التسليم من صلاة الجمعة فوراً (الفاتحة لسيدي الحسين) أو يقول: (للسيد البدوي) أو (الفاتحة على هذه النية) وهذا جهل قبيح، ولكن لماذا يقره العلماء ويسكتون عليه؟ الحق أن الكل أجمع على ترك أوامر الدين ولا قوة إلا بالله.
- ومن البدع: تعليق المصحف على الصغير أو الكبير كحجاب أو للنظرة. وكذا من البدع كتابة شيء من القرآن لهذا الغرض والمشروع قراءة آية الكرسي عند النوم أو المعوذتين أو قراءة الأدعية الواردة في السنة لهذا فليعلم.
- ومن البدع: تعليق سورة (ألم نشرح) في ورقة على الدكاكين لجلب الزبون، والمطلوب حسن المعاملة وحسن الخلق والصدق وعدم رفع الأسعار فإن هذا حقاً يجلب الزبون، وقد نهى الإسلام عن التعليق حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من علق فقد أشرك " [[روى بمعناه ضعيف الجامع 5715 وصحيح الجامع 6570.]].
- ومن البدع: أنهم عندما يمرون بقبر أو تابوت أو قبة يتجهون إلى القبلة رافعين أيديهم إلى السماء قائلين: الفاتحة لصاحب هذا المقام ويكثرون من الدعاء ثم يمسحون وجوههم بأيديهم قائلين: راعنا يا سيدي راعنا سقت عليك النبي، وهذا منهم بدعة وجهل وضلال، وهذه كبدعة زائري القبور فإنهم أيضاًً يقولون: الفاتحة لروح أمواتنا وأموات المسلمين كافة عامة، ثم يقول يا حي يا قيوم ويقرأ الفاتحة.
(تم الملحق)