Lafzullah

Fath Al-Qadir Al-Shawkani — الفاتحة 1:1 – البقرة 2:37

المؤلف / المصدر: Fath Al-Qadir Al-Shawkani

المحتويات
  1. الفاتحة 1:1
  2. الفاتحة 1:2
  3. الفاتحة 1:3
  4. الفاتحة 1:4
  5. الفاتحة 1:5
  6. الفاتحة 1:6
  7. الفاتحة 1:7
  8. البقرة 2:1
  9. البقرة 2:2
  10. البقرة 2:3
  11. البقرة 2:4
  12. البقرة 2:5
  13. البقرة 2:6
  14. البقرة 2:7
  15. البقرة 2:8
  16. البقرة 2:9
  17. البقرة 2:10
  18. البقرة 2:11
  19. البقرة 2:12
  20. البقرة 2:13
  21. البقرة 2:14
  22. البقرة 2:15
  23. البقرة 2:16
  24. البقرة 2:17
  25. البقرة 2:18
  26. البقرة 2:19
  27. البقرة 2:20
  28. البقرة 2:21
  29. البقرة 2:22
  30. البقرة 2:23
  31. البقرة 2:24
  32. البقرة 2:25
  33. البقرة 2:26
  34. البقرة 2:27
  35. البقرة 2:28
  36. البقرة 2:29
  37. البقرة 2:30
  38. البقرة 2:31
  39. البقرة 2:32
  40. البقرة 2:33
  41. البقرة 2:34
  42. البقرة 2:35
  43. البقرة 2:36
  44. البقرة 2:37

الفاتحة 1:1

(p-١٣)مَعْنى الفاتِحَةِ في الأصْلِ أوَّلُ ما مِن شَأْنِهِ أنْ يُفْتَتَحَ بِهِ، ثُمَّ أُطْلِقَتْ عَلى أوَّلِ كُلِّ شَيْءٍ كالكَلامِ، والتّاءُ لِلنَّقْلِ مِنَ الوَصْفِيَّةِ إلى الِاسْمِيَّةِ، فَسُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ فاتِحَةَ الكِتابِ لِكَوْنِهِ افْتُتِحَ بِها، إذْ هي أوَّلُ ما يَكْتُبُهُ الكاتِبُ مِنَ المُصْحَفِ، وأوَّلُ ما يَتْلُوهُ التّالِي مِنَ الكِتابِ العَزِيزِ، وإنْ لَمْ تَكُنْ أوَّلَ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ. وقَدِ اشْتَهَرَتْ هَذِهِ السُّورَةُ الشَّرِيفَةُ بِهَذا الِاسْمِ في أيّامِ النُّبُوَّةِ. قِيلَ هي مَكِّيَّةٌ، وقِيلَ مَدَنِيَّةٌ. وقَدْ أخْرَجَ الواحِدِيُّ في أسْبابِ النُّزُولِ، والثَّعْلَبِيُّ في تَفْسِيرِهِ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: نَزَلَتْ فاتِحَةُ الكِتابِ بِمَكَّةَ مِن كَنْزٍ تَحْتَ العَرْشِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ، وأبُو نُعَيْمٍ والبَيْهَقِيُّ كِلاهُما في دَلائِلَ النُّبُوَّةِ، والثَّعْلَبِيُّ والواحِدِيُّ مِن حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ شُرَحْبِيلَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لَمّا شَكا إلى خَدِيجَةَ ما يَجِدُهُ عِنْدَ أوائِلِ الوَحْيِ، فَذَهَبَتْ بِهِ إلى ورَقَةَ فَأخْبَرَهُ فَقالَ لَهُ: إذا خَلَوْتُ وحْدِي سَمِعْتُ نِداءً خَلْفِي: يا مُحَمَّدُ يا مُحَمَّدُ يا مُحَمَّدُ فَأنْطَلِقُ هارِبًا في الأرْضِ، فَقالَ: لا تَفْعَلْ، إذا أتاكَ فاثْبُتْ حَتّى تَسْمَعَ ما يَقُولُ ثُمَّ ائْتِنِي فَأخْبِرْنِي، فَلَمّا خَلا ناداهُ يا مُحَمَّدُ قُلْ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، حَتّى بَلَغَ ﴿ولا الضّالِّينَ﴾» الحَدِيثَ. وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ «عَنْ رَجُلٍ مِن بَنِي سَلِمَةَ قالَ: لَمّا أسْلَمَتْ فِتْيانُ بَنِي سَلِمَةَ وأسْلَمَ ولَدُ عَمْرِو بْنِ الجَمُوحِ قالَتِ امْرَأةُ عَمْرٍو لَهُ: هَلْ لَكَ أنْ تَسْمَعَ مِن أبِيكَ ما رُوِيَ عَنْهُ ؟ فَسَألَهُ فَقَرَأ عَلَيْهِ: ( ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ )، وكانَ ذَلِكَ قَبْلَ الهِجْرَةِ» . وأخْرَجَ أبُو بَكْرِ بْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ عَنْ عُبادَةَ قالَ: فاتِحَةُ الكِتابِ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ. فَهَذا جُمْلَةُ ما اسْتَدَلَّ بِهِ مَن قالَ إنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ. واسْتَدَلَّ مَن قالَ إنَّها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ بِما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ، وأبُو سَعِيدِ بْنُ الأعْرابِيِّ في مُعْجَمِهِ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ مِن طَرِيقِ مُجاهِدِ بْنِ أبِي هُرَيْرَةَ «رَنَّ إبْلِيسُ حِينَ أُنْزِلَتْ فاتِحَةُ الكِتابِ» وأُنْزِلَتْ بِالمَدِينَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ وغَيْرُهم مِن طُرُقٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: نَزَلَتْ فاتِحَةُ الكِتابِ بِالمَدِينَةِ، وقِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً بِمَكَّةَ ومَرَّةً بِالمَدِينَةِ جَمْعًا بَيْنَ هَذِهِ الرِّواياتِ. * * وتُسَمّى أُمَّ الكِتابِ، قالَ البُخارِيُّ في أوَّلِ التَّفْسِيرِ: وسُمِّيَتْ أُمَّ الكِتابِ؛ لِأنَّهُ يُبْدَأُ بِكِتابَتِها في المَصاحِفِ، ويُبْدَأُ بِقِراءَتِها في الصَّلاةِ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ في فَضائِلِ القُرْآنِ عَنِ أيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ كانَ يَكْرَهُ أنْ يَقُولَ: أُمُّ الكِتابِ، ويَقُولُ: قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ﴾ ولَكِنْ يَقُولُ: فاتِحَةُ الكِتابِ. ويُقالُ لَها الفاتِحَةُ لِأنَّها يُفْتَتَحُ بِها القِراءَةُ، وافْتَتَحَتِ الصَّحابَةُ بِها كِتابَةَ المُصْحَفِ الإمامِ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ: وصَحَّ تَسْمِيَتُها بِالسَّبْعِ المَثانِي، قالُوا: لِأنَّها تُثَنّى في الصَّلاةِ فَتُقْرَأُ في كُلِّ رَكْعَةٍ. وأخْرَجَ أحْمَدُ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ لِأُمِّ القُرْآنِ: «هِيَ أُمُّ القُرْآنِ، وهي السَّبْعُ المَثانِي، وهي القُرْآنُ العَظِيمُ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ في تَفْسِيرِهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «هِيَ أُمُّ القُرْآنِ، وهي فاتِحَةُ الكِتابِ، وهي السَّبْعُ المَثانِي» . وأخْرَجَ نَحْوَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ في تَفْسِيرِهِ والدّارَقُطْنِيُّ مِن حَدِيثِهِ، وقالَ: كُلُّهم ثِقاتٌ. ورَوى البَيْهَقِيُّ عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ وأبِي هُرَيْرَةَ أنَّهم فَسَّرُوا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿سَبْعًا مِنَ المَثانِي﴾ [الحجر: ٨٧] بِالفاتِحَةِ. ومِن جُمْلَةِ أسْمائِها كَما حَكاهُ في الكَشّافِ سُورَةُ الكَنْزِ، والوافِيَةُ، وسُورَةُ الحَمْدِ، وسُورَةُ الصَّلاةِ. وقَدْ أخْرَجَ الثَّعْلَبِيُّ أنَّ سُفْيانَ بْنَ عُيَيْنَةَ كانَ يُسَمِّي فاتِحَةَ الكِتابِ الواقِيَةَ. وأخْرَجَ الثَّعْلَبِيُّ أيْضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَحْيى بْنِ أبِي كَثِيرٍ أنَّهُ سَألَهُ سائِلٌ عَنْ قِراءَةِ الفاتِحَةِ خَلْفَ الإمامِ، فَقالَ: عَنِ الكافِيَةِ تَسْألُ ؟ قالَ السّائِلُ: وما الكافِيَةُ ! ؟ قالَ: الفاتِحَةُ، أمّا عَلِمْتَ أنَّها تَكْفِي عَنْ سِواها ولا يَكْفِي سِواها عَنْها. وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ الشَّعْبِيِّ أنَّ رَجُلًا اشْتَكى إلَيْهِ وجَعَ الخاصِرَةِ، فَقالَ: عَلَيْكَ بِأساسِ القُرْآنِ، قالَ: وما أساسُ القُرْآنِ ؟ قالَ: فاتِحَةُ الكِتابِ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «إنَّ اللَّهَ أعْطانِي فِيما مَنَّ بِهِ عَلَيَّ فاتِحَةَ الكِتابِ، وقالَ: هي مِن كُنُوزِ عَرْشِي» وأخْرَجَ إسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ في مُسْنَدِهِ عَنْ عَلِيٍّ نَحْوَهُ مَرْفُوعًا. وقَدْ ذَكَرَ الدّارَقُطْنِيُّ في تَفْسِيرِهِ لِلْفاتِحَةِ اثْنَيْ عَشَرَ اسْمًا وهي سَبْعُ آياتٍ بِلا خِلافٍ كَما حَكاهُ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ. وقالَ القُرْطُبِيُّ: أجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى أنَّ فاتِحَةَ الكِتابِ سَبْعُ آياتٍ إلّا ما رُوِيَ عَنْ حُسَيْنٍ الجُعْفِيِّ أنَّها سِتٌّ وهو شاذٌّ. وإلّا ما رُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ أنَّهُ جَعَلَ إيّاكَ نَعْبُدُ آيَةً، فَهي عِنْدُهُ ثَمانٍ، وهو شاذٌّ انْتَهى. وإنَّما اخْتَلَفُوا في البَسْمَلَةِ كَما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ في كِتابِ الصَّلاةِ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ وعُثْمانَ بْنَ عَفّانَ كانا يَكْتُبانِ فاتِحَةَ الكِتابِ والمُعَوِّذَتَيْنِ، ولَمْ يَكْتُبِ ابْنُ مَسْعُودٍ شَيْئًا مِنهُنَّ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ إبْراهِيمَ قالَ: كانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ لا يَكْتُبُ فاتِحَةَ الكِتابِ في المُصْحَفِ، وقالَ: لَوْ كَتَبْتُها لَكَتَبْتُ في أوَّلِ كُلِّ شَيْءٍ. وقَدْ ورَدَ في فَضْلِ هَذِهِ السُّورَةِ أحادِيثُ، مِنها ما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ وأحْمَدُ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدِ بْنِ المُعَلّى «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ لَهُ: لَأُعَلِّمَنَّكَ أعْظَمَ سُورَةٍ في القُرْآنِ قَبْلَ أنْ تَخْرُجَ مِنَ المَسْجِدِ، قالَ: فَأخَذَ بِيَدِي، فَلَمّا أرادَ أنْ يَخْرُجَ مِنَ المَسْجِدِ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّكَ قُلْتَ لَأُعَلِّمَنَّكَ أعْظَمَ سُورَةٍ في القُرْآنِ ؟ قالَ: نَعَمْ، ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ هي السَّبْعُ المَثانِي والقُرْآنُ العَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ مِن حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ لَهُ: «أتُحِبُّ أنْ أُعَلِّمَكَ سُورَةً لَمْ يَنْزِلْ في التَّوْراةِ ولا في الإنْجِيلِ ولا في الزَّبُورِ ولا في الفُرْقانِ مِثْلُها ؟» ثُمَّ أخْبَرَهُ أنَّها الفاتِحَةُ. وأخْرَجَهُ النَّسائِيُّ وأخْرَجَ أحْمَدُ في المُسْنَدِ مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جابِرٍ «أنَّ (p-١٤)رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ لَهُ: ألا أُخْبِرُكَ بِأخْيَرِ سُورَةٍ في القُرْآنِ ؟ قُلْتُ: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: اقْرَأِ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ حَتّى تَخْتِمَها» . وفِي إسْنادِهِ ابْنُ عَقِيلٍ، وقَدِ احْتَجَّ بِهِ كِبارُ الأئِمَّةِ، وبَقِيَّةُ رِجالِهِ ثِقاتٌ. وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جابِرٍ هَذا هو العَبْدِيُّ كَما قالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ، وقِيلَ: الأنْصارِيُّ البَياضِيُّ كَما قالَ ابْنُ عَساكِرَ. وفِي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ لَمّا أخْبَرُوهُ بِأنَّ رَجُلًا رَقى سَلِيمًا بِفاتِحَةِ الكِتابِ: وما كانَ يُدْرِيهِ أنَّها رُقْيَةٌ» الحَدِيثَ. وأخْرَجَ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ، والنَّسائِيُّ في سُنَنِهِ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «بَيْنا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وعِنْدَهُ جِبْرِيلُ إذْ سَمِعَ نَقِيضًا فَوْقَهُ، فَرَفَعَ جِبْرِيلُ بَصَرَهُ إلى السَّماءِ فَقالَ: هَذا بابٌ قَدْ فُتِحَ مِنَ السَّماءِ ما فُتِحَ قَطُّ، قالَ: فَنَزَلَ مِنهُ مَلَكٌ فَأتى النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَ: أبْشِرْ بِنُورَيْنِ قَدْ أُوتِيتَهُما لَمْ يُؤْتَهُما نَبِيٌّ قَبْلَكَ: فاتِحَةُ الكِتابِ، وخَواتِيمُ سُورَةِ البَقَرَةِ، لَنْ تَقْرَأ حَرْفًا مِنهُما إلّا أُوتِيتَهُ» وأخْرَجَ مُسْلِمٌ والنَّسائِيُّ والتِّرْمِذِيُّ، وصَحَّحَهُ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ: «مَن صَلّى صَلاةً لَمْ يُقْرَأْ فِيها بِأُمِّ القُرْآنِ فَهي خِداجٌ - ثَلاثًا - غَيْرُ تامَّةٍ» . وأخْرَجَ البَزّارُ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أنَسٍ قالَ «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: إذا وضَعْتَ جَنْبَكَ عَلى الفِراشِ وقَرَأْتَ فاتِحَةَ الكِتابِ وقُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ فَقَدْ أمِنتَ مِن كُلِّ شَيْءٍ إلّا المَوْتَ» وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أبِي زَيْدٍ وكانَ لَهُ صُحْبَةٌ قالَ: «كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في بَعْضِ فِجاجِ المَدِينَةِ، فَسَمِعَ رَجُلًا يَتَهَجَّدُ ويَقْرَأُ بِأُمِّ القُرْآنِ، فَقامَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فاسْتَمَعَ حَتّى خَتَمَها ثُمَّ قالَ: ما في القُرْآنِ مِثْلُها» . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ في سُنَنِهِ، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «فاتِحَةُ الكِتابِ شِفاءٌ مِن كُلِّ سَقَمٍ» . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ نَحْوَهُ مِن حَدِيثِهِ، وحَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا. وأخْرَجَ الدّارِمِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ بِسَنَدٍ رِجالُهُ ثِقاتٌ عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في فاتِحَةِ الكِتابِ: «شِفاءٌ مِن كُلِّ داءٍ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وابْنُ السُّنِّيِّ في عَمَلِ اليَوْمِ واللَّيْلَةِ، وابْنُ جَرِيرٍ والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ عَنْ خارِجَةَ بْنِ الصَّلْتِ التَّمِيمِيِّ عَنْ عَمِّهِ أنَّهُ «أتى رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ثُمَّ أقْبَلَ راجِعًا مِن عِنْدِهِ، فَمَرَّ عَلى قَوْمٍ وعِنْدَهم رَجُلٌ مَجْنُونٌ مُوثَقٌ بِالحَدِيدِ، فَقالَ أهْلُهُ: أعِنْدَكَ ما تُداوِي بِهِ هَذا ؟ ! فَإنَّ صاحِبَكم قَدْ جاءَ بِخَيْرٍ، قالَ: فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ فاتِحَةَ الكِتابِ ثَلاثَةَ أيّامٍ في كُلِّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ غُدْوَةً وعَشِيَّةً، أجْمَعُ بُزاقِي ثُمَّ أتْفُلُ فَبَرَأ، فَأعْطانِي مِائَةَ شاةٍ، فَأتَيْتُ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَقالَ: كُلْ، فَمَن أكَلَ بِرُقْيَةِ باطِلٍ، فَقَدْ أكَلْتَ بِرُقْيَةِ حَقٍّ» . وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ في تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " فاتِحَةُ الكِتابِ ثُلُثُ القُرْآنِ " . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: مَن قَرَأ أُمَّ القُرْآنِ وقُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ فَكَأنَّما قَرَأ ثُلُثَ القُرْآنِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ يَرْفَعُهُ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «فاتِحَةُ الكِتابِ تَعْدِلُ بِثُلُثَيِ القُرْآنِ» . وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وأبُو ذَرٍّ الهَرَوِيُّ في فَضائِلِهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أنَسٍ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في مَسِيرٍ لَهُ، فَنَزَلَ فَمَشى رَجُلٌ مِن أصْحابِهِ إلى جَنْبِهِ، فالتَفَتَ إلَيْهِ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَ: ألا أُخْبِرُكَ بِأفْضَلِ القُرْآنِ، فَتَلا عَلَيْهِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ» . وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «فاتِحَةُ الكِتابِ تَجْزِي ما لا يَجْزِي شَيْءٌ مِنَ القُرْآنِ، ولَوْ أنَّ فاتِحَةَ الكِتابِ جُعِلَتْ في كِفَّةِ المِيزانِ، وجُعِلَ القُرْآنُ في الكِفَّةِ الأُخْرى لَفَضَلَتْ فاتِحَةُ الكِتابِ عَلى القُرْآنِ سَبْعَ مَرّاتٍ» . وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في فَضائِلِهِ عَنِ الحَسَنِ مُرْسَلًا قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «مَن قَرَأ فاتِحَةَ الكِتابِ فَكَأنَّما قَرَأ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ والزَّبُورَ والفُرْقانَ» . * * اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ هَلْ هي آيَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ في أوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ كُتِبَتْ في أوَّلِها، أوْ هي بَعْضُ آيَةٍ مِن أوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ، أوْ هي كَذَلِكَ في الفاتِحَةِ فَقَطْ دُونَ غَيْرِها، أوْ أنَّها لَيْسَتْ بِآيَةٍ في الجَمِيعِ وإنَّما كُتِبَتْ لِلْفَصْلِ ؟ والأقْوالُ وأدِلَّتُها مَبْسُوطَةٌ في مَوْضِعِ الكَلامِ عَلى ذَلِكَ. وقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّها بَعْضُ آيَةٍ في سُورَةِ النَّمْلِ. وقَدْ جَزَمَ قُرّاءُ مَكَّةَ والكُوفَةِ بِأنَّها آيَةٌ مِنَ الفاتِحَةِ ومِن كُلِّ سُورَةٍ. وخالَفَهم قُرّاءُ المَدِينَةِ والبَصْرَةِ والشّامِ فَلَمْ يَجْعَلُوها آيَةً لا مِنَ الفاتِحَةِ ولا مِن غَيْرِها مِنَ السُّوَرِ، قالُوا: وإنَّما كُتِبَتْ لِلْفَصْلِ والتَّبَرُّكِ. وقَدْ أخْرَجَ أبُو داوُدَ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ كانَ لا يَعْرِفُ فَصْلَ السُّورَةِ حَتّى يَنْزِلَ عَلَيْهِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» . وأخْرَجَهُ الحاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ. وأخْرَجَ ابْنُ خُزَيْمَةَ في صَحِيحِهِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قَرَأ البَسْمَلَةَ في أوَّلِ الفاتِحَةِ في الصَّلاةِ وغَيْرِها آيَةً» وفي إسْنادِهِ عَمْرُو بْنُ هارُونَ البَلْخِيُّ وفِيهِ ضَعْفٌ، ورَوى نَحْوَهُ الدّارَقُطْنِيُّ مَرْفُوعًا عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ. وكَما وقَعَ الخِلافُ في إثْباتِها وقَعَ الخِلافُ في الجَهْرِ بِها في الصَّلاةِ. وقَدْ أخْرَجَ النَّسائِيُّ في سُنَنِهِ، وابْنُ خُزَيْمَةَ وابْنُ حِبّانَ في صَحِيحَيْهِما، والحاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ «عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ " أنَّهُ صَلّى فَجَهَرَ في قِراءَتِهِ بِالبَسْمَلَةِ، وقالَ بَعْدَ أنْ فَرَغَ: إنِّي لَأشْبَهُكم صَلاةً بِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ "» وصَحَّحَهُ الدّارَقُطْنِيُّ والخَطِيبُ والبَيْهَقِيُّ وغَيْرُهم. ورَوى أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ كانَ يَفْتَتِحُ الصَّلاةَ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» قالَ التِّرْمِذِيُّ: ولَيْسَ إسْنادُهُ بِذاكَ. وقَدْ أخْرَجَهُ الحاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ بِلَفْظِ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَجْهَرُ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» ثُمَّ قالَ: صَحِيحٌ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ «عَنْ أنَسٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قِراءَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَ: كانَتْ قِراءَتُهُ مَدًّا، ثُمَّ قَرَأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يَمُدُّ بِسْمِ اللَّهِ ويَمُدُّ ( الرَّحْمَنِ ) ويَمُدُّ ( الرَّحِيمِ )» . وأخْرَجَ أحْمَدُ في المُسْنَدِ وأبُو داوُدَ في السُّنَنِ وابْنُ خُزَيْمَةَ في صَحِيحِهِ، والحاكِمُ في مُسْتَدْرَكِهِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أنَّها قالَتْ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَقْطَعُ قِراءَتَهُ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾» (p-١٥)وقالَ الدّارَقُطْنِيُّ: إسْنادُهُ صَحِيحٌ. واحْتَجَّ مَن قالَ: بِأنَّهُ لا يُجْهَرُ بِالبَسْمَلَةِ في الصَّلاةِ بِما في صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَفْتَتِحُ الصَّلاةَ بِالتَّكْبِيرِ، والقِراءَةَ بِـ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾» . وفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أنَسٍ قالَ: «صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وأبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمانَ فَكانُوا يَسْتَفْتِحُونَ بِـ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾» . ولِمُسْلِمٍ «لا يَذْكُرُونَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ في أوَّلِ قِراءَةٍ ولا في آخِرِها» . وأخْرَجَ أهْلُ السُّنَنِ نَحْوَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ. وإلى هَذا ذَهَبَ الخُلَفاءُ الأرْبَعَةُ وجَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ. وأحادِيثُ التَّرْكِ وإنْ كانَتْ أصَحَّ ولَكِنَّ الإثْباتَ أرْجَحُ مَعَ كَوْنِهِ خارِجًا مِن مَخْرَجٍ صَحِيحٍ، فالأخْذُ بِهِ أوْلى ولا سِيَّما مَعَ إمْكانِ تَأْوِيلِ التَّرْكِ، وهَذا يَقْتَضِي الإثْباتَ الذّاتِيَّ، أعْنِي كَوْنَها قُرْآنًا، والوَصْفِيَّ أعْنِي الجَهْرَ بِها عِنْدَ الجَهْرِ بِقِراءَةِ ما يُفْتَتَحُ بِها مِنَ السُّوَرِ في الصَّلاةِ. ولِتَنْقِيحِ البَحْثِ والكَلامِ عَلى أطْرافِهِ اسْتِدْلالًا ورَدًّا وتَعَقُّبًا ودَفْعًا، ورِوايَةً ودِرايَةً مَوْضِعٌ غَيْرُ هَذا. ومُتَعَلِّقُ الباءِ مَحْذُوفٌ وهو أقْرَأُ أوْ أتْلُو؛ لِأنَّهُ المُناسِبُ لِما جُعِلَتِ البَسْمَلَةُ مَبْدَأً لَهُ، فَمَن قَدَّرَهُ مُتَقَدِّمًا كانَ غَرَضُهُ الدَّلالَةَ بِتَقْدِيمِهِ عَلى الِاهْتِمامِ بِشَأْنِ الفِعْلِ، ومَن قَدَّرَهُ مُتَأخِّرًا كانَ غَرَضُهُ الدَّلالَةَ بِتَأْخِيرِهِ عَلى الِاخْتِصاصِ مَعَ ما يَحْصُلُ في ضِمْنِ ذَلِكَ مِنَ العِنايَةِ بِشَأْنِ الِاسْمِ والإشارَةِ إلى أنَّ البِدايَةَ بِهِ أهَمُّ لِكَوْنِ التَّبَرُّكِ حَصَلَ بِهِ، وبِهَذا يَظْهَرُ رُجْحانُ تَقْدِيرِ الفِعْلِ مُتَأخِّرًا في مِثْلِ هَذا المَقامِ، ولا يُعارِضُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١] لِأنَّ ذَلِكَ المَقامَ مَقامُ القِراءَةِ، فَكانَ الأمْرُ بِها أهَمَّ، وأمّا الخِلافُ بَيْنَ أئِمَّةِ النَّحْوِ في كَوْنِ المُقَدَّرِ اسْمًا أوْ فِعْلًا فَلا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ كَثِيرُ فائِدَةٍ. والباءُ لِلِاسْتِعانَةِ أوْ لِلْمُصاحَبَةِ، ورَجَّحَ الثّانِي الزَّمَخْشَرِيُّ. واسْمٌ أصْلُهُ سَمَوٌ حُذِفَتْ لامُهُ، ولَمّا كانَ مِنَ الأسْماءِ الَّتِي بَنَوْا أوائِلَها عَلى السُّكُونِ زادُوا في أوَّلِهِ الهَمْزَةَ إذا نَطَقُوا بِهِ لِئَلّا يَقَعَ الِابْتِداءُ بِالسّاكِنِ، وهو اللَّفْظُ الدّالُّ عَلى المُسَمّى، ومَن زَعَمَ أنَّ الِاسْمَ هو المُسَمّى كَما قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ وسِيبَوَيْهِ والباقِلّانِيُّ وابْنُ فُورَكٍ، وحَكاهُ الرّازِيُّ عَنِ الحَشْوِيَّةِ والكَرّامِيَّةِ والأشْعَرِيَّةِ فَقَدْ غَلِطَ غَلَطًا بَيِّنًا، وجاءَ بِما لا يُعْقَلُ، مَعَ عَدَمِ وُرُودِ ما يُوجِبُ المُخالَفَةَ لِلْعَقْلِ لا مِنَ الكِتابِ ولا مِنَ السُّنَّةِ ولا مِن لُغَةِ العَرَبِ، بَلِ العِلْمُ الضَّرُورِيُّ حاصِلٌ بِأنَّ الِاسْمَ الَّذِي هو أصْواتٌ مُقَطَّعَةٌ وحُرُوفٌ مُؤَلَّفَةٌ غَيْرُ المُسَمّى الَّذِي هو مَدْلُولُهُ، والبَحْثُ مَبْسُوطٌ في عِلْمِ الكَلامِ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ: «إنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وتِسْعِينَ اسْمًا مَن أحْصاها دَخَلَ الجَنَّةَ» وقالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى فادْعُوهُ بِها﴾ [الأعراف: ١٨٠] وقالَ تَعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ [الإسراء: ١١٠] . واللَّهُ عَلَمٌ لِذاتِ الواجِبِ الوُجُودِ لَمْ يُطْلَقْ عَلى غَيْرِهِ، وأصْلُهُ إلَهٌ حُذِفَتِ الهَمْزَةُ وعُوِّضَتْ عَنْها أداةُ التَّعْرِيفِ فَلَزِمَتْ. وكانَ قَبْلَ الحَذْفِ مِن أسْماءِ الأجْناسِ يَقَعُ عَلى كُلِّ مَعْبُودٍ بِحَقٍّ أوْ باطِلٍ، ثُمَّ غَلَبَ عَلى المَعْبُودِ بِحَقٍّ كالنَّجْمِ والصَّعْقِ، فَهو قَبْلَ الحَذْفِ مِنَ الأعْلامِ الغالِبَةِ، وبَعْدَهُ مِنَ الأعْلامِ المُخْتَصَّةِ. والرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ اسْمانِ مُشْتَقّانِ مِنَ الرَّحْمَةِ عَلى طَرِيقِ المُبالَغَةِ، ورَحْمَنُ أشَدُّ مُبالَغَةً مِن رَحِيمٍ. وفِي كَلامِ ابْنِ جَرِيرٍ ما يُفْهِمُ حِكايَةَ الِاتِّفاقِ عَلى هَذا، ولِذَلِكَ قالُوا رَحْمَنُ الدُّنْيا والآخِرَةِ ورَحِيمُ الدُّنْيا. وقَدْ تَقَرَّرَ أنَّ زِيادَةَ البِناءِ تَدُلُّ عَلى زِيادَةِ المَعْنى. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ والزَّجّاجُ: إنَّ الرَّحْمَنَ عِبْرانِيٌّ والرَّحِيمَ عَرَبِيٌّ وخالَفَهُما غَيْرُهُما. والرَّحْمَنُ مِنَ الصِّفاتِ الغالِبَةِ لَمْ يُسْتَعْمَلْ في غَيْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. وأمّا قَوْلُ بَنِي حَنِيفَةَ في مُسَيْلِمَةَ رَحْمَنُ اليَمامَةِ، فَقالَ في الكَشّافِ: إنَّهُ بابٌ مِن تَعَنُّتِهِمْ في كُفْرِهِمْ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: الرَّحْمَنُ اسْمٌ عامٌّ في جَمِيعِ أنْواعِ الرَّحْمَةِ يَخْتَصُّ بِهِ اللَّهُ تَعالى، والرَّحِيمُ إنَّما هو في جِهَةِ المُؤْمِنِينَ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وكانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣] وقَدْ ورَدَ في فَضْلِها أحادِيثُ. مِنها ما أخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ في سُنَنِهِ وابْنُ خُزَيْمَةَ في كِتابِ البَسْمَلَةِ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: اسْتَرَقَ الشَّيْطانُ مِنَ النّاسِ أعْظَمَ آيَةٍ مِنَ القُرْآنِ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ . وأخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «كانَ جِبْرِيلُ إذا جاءَنِي بِالوَحْيِ أوَّلَ ما يُلْقِي عَلَيَّ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ في تَفْسِيرِهِ والحاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ، وصَحَّحَهُ البَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ عُثْمانَ بْنَ عَفّانَ سَألَ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَنْ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فَقالَ: هو اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ، وما بَيْنَهُ وبَيْنَ اسْمِ اللَّهِ الأكْبَرِ إلّا كَما بَيْنَ سَوادِ العَيْنِ وبَياضِها مِنَ القُرْبِ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ عَدِيٍّ في الكامِلِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ وابْنُ عَساكِرَ في تارِيخِ دِمَشْقَ، والثَّعْلَبِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ جِدًّا عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إنَّ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ أسْلَمَتْهُ أُمُّهُ إلى الكُتّابِ لِتُعَلِّمَهُ، فَقالَ لَهُ المُعَلِّمُ: اكْتُبْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَقالَ لَهُ عِيسى: وما بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ؟ قالَ المُعَلِّمُ: لا أدْرِي، فَقالَ لَهُ عِيسى: الباءُ بَهاءُ اللَّهِ، والسِّينُ سَناهُ، والمِيمُ مَمْلَكَتُهُ، واللَّهُ إلَهُ الآلِهَةِ، والرَّحْمَنُ رَحْمَنُ الدُّنْيا والآخِرَةُ، والرَّحِيمُ رَحِيمُ الآخِرَةُ» وفي إسْنادِهِ إسْماعِيلُ بْنُ يَحْيى وهو كَذّابٌ. وقَدْ أوْرَدَ هَذا الحَدِيثَ ابْنُ الجَوْزِيِّ في المَوْضُوعاتِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ والثَّعْلَبِيُّ عَنْ جابِرٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هَرَبَ الغَيْمُ إلى المَشْرِقِ، وسَكَنَتِ الرِّيحُ، وهاجَ البَحْرُ، وأصْغَتِ البَهائِمُ بِآذانِها، ورُجِمَتِ الشَّياطِينُ مِنَ السَّماءِ، وحَلَفَ اللَّهُ بِعِزَّتِهِ وجَلالِهِ أنْ لا تُسَمّى عَلى شَيْءٍ إلّا بارَكَ فِيهِ. وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «لَمّا نَزَلَتْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ضَجَّتِ الجِبالُ حَتّى سَمِعَ أهْلُ مَكَّةَ» دَوِيَّها، فَقالُوا: سَحَرَ مُحَمَّدٌ الجِبالَ، فَبَعَثَ اللَّهُ دُخانًا حَتّى أظَلَّ عَلى أهْلِ مَكَّةَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: مَن قَرَأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ مُوقِنًا سَبَّحَتْ مَعَهُ الجِبالُ إلّا أنَّهُ لا يَسْمَعُ ذَلِكَ مِنها. وأخْرَجَ (p-١٦)الدَّيْلَمِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «مَن قَرَأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ أرْبَعَةَ آلافِ حَسَنَةٍ، ومَحا عَنْهُ أرْبَعَةَ آلافِ سَيِّئَةٍ، ورَفَعَ لَهُ أرْبَعَةَ آلافِ دَرَجَةٍ» . وأخْرَجَ الخَطِيبُ في الجامِعِ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِفْتاحُ كُلِّ كِتابٍ» . وهَذِهِ الأحادِيثُ يَنْبَغِي البَحْثُ عَنْ أسانِيدِها والكَلامُ عَلَيْها بِما يَتَبَيَّنُ بَعْدَ البَحْثِ إنْ شاءَ اللَّهُ. وقَدْ شُرِعَتِ التَّسْمِيَةُ في مَواطِنَ كَثِيرَةٍ قَدْ بَيَّنَها الشّارِعُ مِنها عِنْدَ الوُضُوءِ، وعِنْدَ الذَّبِيحَةِ، وعِنْدَ الأكْلِ، وعِنْدَ الجِماعِ وغَيْرِ ذَلِكَ.

الفاتحة 1:2

الحَمْدُ لِلَّهِ الحَمْدُ: هو الثَّناءُ بِاللِّسانِ عَلى الجَمِيلِ الِاخْتِيارِيِّ، وبِقَيْدِ الِاخْتِيارِ فارَقَ المَدْحَ، فَإنَّهُ يَكُونُ عَلى الجَمِيلِ وإنْ لَمْ يَكُنِ المَمْدُوحُ مُخْتارًا كَمَدْحِ الرَّجُلِ عَلى جَمالِهِ وقُوَّتِهِ وشَجاعَتِهِ. وقالَ صاحِبُ الكَشّافِ: إنَّهُما أخَوانِ، والحَمْدُ أخَصُّ مِنَ الشُّكْرِ مَوْرِدًا وأعَمُّ مِنهُ مُتَعَلَّقًا. فَمَوْرِدُ الحَمْدِ اللِّسانُ فَقَطْ، ومُتَعَلِّقُهُ النِّعْمَةُ وغَيْرُها. ومَوْرِدُ الشُّكْرِ اللِّسانُ والجَنانُ والأرْكانُ، ومُتَعَلِّقُهُ النِّعْمَةُ. وقِيلَ: إنَّ مَوْرِدَ الحَمْدِ كَمَوْرِدِ الشُّكْرِ، لِأنَّ كُلَّ ثَناءٍ بِاللِّسانِ لا يَكُونُ مِن صَمِيمِ القَلْبِ مَعَ مُوافَقَةِ الجَوارِحِ لَيْسَ بِحَمْدٍ بَلْ سُخْرِيَةٌ واسْتِهْزاءٌ. وأُجِيبُ بِأنَّ اعْتِبارَ مُوافَقَةِ القَلْبِ والجَوارِحِ في الحَمْدِ لا يَسْتَلْزِمُ أنْ يَكُونَ مَوْرِدًا لَهُ بَلْ شَرْطًا - وفَرْقٌ بَيْنَ الشَّرْطِ والشَّطْرِ وتَعْرِيفُهُ لِاسْتِغْراقِ أفْرادِ الحَمْدِ وأنَّها مُخْتَصَّةٌ بِالرَّبِّ سُبْحانَهُ عَلى مَعْنى أنَّ حَمْدَ غَيْرِهِ لا اعْتِدادَ بِهِ، لِأنَّ المُنْعِمَ هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، أوْ عَلى أنَّ حَمْدَهُ هو الفَرْدُ الكامِلُ فَيَكُونُ الحَصْرُ ادِّعائِيًّا. ورَجَّحَ صاحِبُ الكَشّافِ أنَّ التَّعْرِيفَ هُنا هو تَعْرِيفُ الجِنْسِ لا الِاسْتِغْراقُ، والصَّوابُ ما ذَكَرْناهُ. وقَدْ جاءَ في الحَدِيثِ: «اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ كُلُّهُ» وهو مُرْتَفِعٌ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُهُ الظَّرْفُ وهو اللَّهُ. وأصْلُهُ النَّصْبُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِإضْمارِ فِعْلِهِ كَسائِرِ المَصادِرِ الَّتِي تَنْصِبُها العَرَبُ، فَعَدَلَ عَنْهُ إلى الرَّفْعِ لِقَصْدِ الدَّلالَةِ عَلى الدَّوامِ والثَّباتِ المُسْتَفادِ مِنَ الجُمَلِ الِاسْمِيَّةِ دُونَ الحُدُوثِ والتَّجَدُّدِ اللَّذَيْنِ تُفِيدُهُما الجُمَلُ الفِعْلِيَّةُ، واللّامُ الدّاخِلَةُ عَلى الِاسْمِ الشَّرِيفِ هي لامُ الِاخْتِصاصِ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الحَمْدُ ثَناءٌ أثْنى بِهِ عَلى نَفْسِهِ، وفي ضِمْنِهِ أمَرَ عِبادَهُ أنْ يُثْنُوا عَلَيْهِ، فَكَأنَّهُ قالَ: قُولُوا الحَمْدُ لِلَّهِ، ثُمَّ رَجَّحَ اتِّحادَ الحَمْدِ والشُّكْرِ مُسْتَدِلًّا عَلى ذَلِكَ بِما حاصِلُهُ: أنَّ جَمِيعَ أهْلِ المَعْرِفَةِ بِلِسانِ العَرَبِ يُوقِعُونَ كُلًّا مِنَ الحَمْدِ والشُّكْرِ مَكانَ الآخَرِ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وفِيهِ نَظَرٌ لِأنَّهُ اشْتَهَرَ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ العُلَماءِ المُتَأخِّرِينَ أنَّ الحَمْدَ هو الثَّناءُ بِالقَوْلِ عَلى المَحْمُودِ بِصِفاتِهِ اللّازِمَةِ والمُتَعَدِّيَةِ. والشُّكْرُ لا يَكُونُ إلّا عَلى المُتَعَدِّيَةِ ويَكُونُ بِالجَنانِ واللِّسانِ والأرْكانِ انْتَهى. ولا يَخْفى أنَّ المَرْجِعَ في مِثْلِ هَذا إلى مَعْنى الحَمْدِ في لُغَةِ العَرَبِ لا إلى ما قالَهُ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ المُتَأخِّرِينَ، فَإنَّ ذَلِكَ لا يُرَدُّ عَلى ابْنِ جَرِيرٍ، ولا تَقُومُ بِهِ الحُجَّةُ، هَذا إذا لَمْ يَثْبُتْ لِلْحَمْدِ حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ، فَإنْ ثَبَتَتَ وجَبَ تَقْدِيمُها. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ عُمَرُ: قَدْ عَلِمْنا سُبْحانَ اللَّهِ ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَما الحَمْدُ لِلَّهِ ؟ فَقالَ عَلِيٌّ: كَلِمَةٌ رَضِيَها لِنَفْسِهِ. ورَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ كَلِمَةُ الشُّكْرِ، وإذا قالَ العَبْدُ الحَمْدُ لِلَّهِ قالَ: شَكَرَنِي عَبْدِي. ورَوى هو وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا أنَّهُ قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ هو الشُّكْرُ لِلَّهِ والِاسْتِحْذاءُ لَهُ والإقْرارُ لَهُ بِنِعَمِهِ وهِدايَتِهِ وابْتِدائِهِ وغَيْرُ ذَلِكَ. ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَكَمِ بْنِ عُمَيْرٍ، وكانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ قالَ: قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إذا قُلْتَ: الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ فَقَدْ شَكَرْتَ اللَّهَ فَزادَكَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في المُصَنَّفِ والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ والخَطّابِيُّ في الغَرِيبِ والبَيْهَقِيُّ في الأدَبِ والدَّيْلَمِيُّ في مُسْنَدِ الفِرْدَوْسِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: «الحَمْدُ رَأسُ الشُّكْرِ ما شَكَرَ اللَّهَ عَبْدٌ لا يَحْمَدُهُ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الحُبُلِيِّ قالَ: " الصَّلاةُ شُكْرٌ والصِّيامُ، وكُلُّ خَيْرٍ تَفْعَلُهُ شُكْرٌ وأفْضَلُ الشُّكْرِ الحَمْدُ " . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ النَّوّاسِ بْنِ سَمْعانَ قالَ: «سُرِقَتْ ناقَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَ: لَئِنْ رَدَّها اللَّهُ عَلَيَّ لَأشْكُرَنَّ رَبِّي فَرَجَعَتْ، فَلَمّا رَآها قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ، فانْتَظَرُوا هَلْ يُحْدِثُ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ صَوْمًا أوْ صَلاةً، فَظَنُّوا أنَّهُ نَسِيَ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ كُنْتَ قُلْتَ: لَئِنْ رَدَّها اللَّهُ عَلَيَّ لَأشْكُرَنَّ رَبِّي، قالَ: ألَمْ أقُلِ: الحَمْدُ لِلَّهِ ؟» . وقَدْ ورَدَ في فَضْلِ الحَمْدِ أحادِيثُ. مِنها: ما أخْرَجَهُ أحْمَدُ والنَّسائِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبُخارِيُّ في الأدَبِ المُفْرَدِ «عَنِ الأسْوَدِ بْنِ سَرِيعٍ قالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ألا أنْشُدَكَ مَحامِدَ حَمَدْتُ بِها رَبِّي تَبارَكَ وتَعالى ؟ فَقالَ: أما إنَّ رَبَّكَ يُحِبُّ الحَمْدَ» . وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ حِبّانَ والبَيْهَقِيُّ عَنْ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «أفْضَلُ الذِّكْرِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأفْضَلُ الدُّعاءِ الحَمْدُ لِلَّهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ والبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أنَسٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: ما أنْعَمَ اللَّهُ عَلى عَبْدٍ نِعْمَةً فَقالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ إلّا كانَ الَّذِي أعْطى أفْضَلَ مِمّا أخَذَ» . وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ والقُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ عَنْ أنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «لَوْ أنَّ الدُّنْيا كُلَّها بِحَذافِيرِها في يَدِ رَجُلٍ مِن أُمَّتِي ثُمَّ قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ، لَكانَ الحَمْدُ أفْضَلَ مِن ذَلِكَ» . قالَ القُرْطُبِيُّ: مَعْناهُ لَكانَ إلْهامُهُ الحَمْدَ أكْبَرَ نِعْمَةٍ عَلَيْهِ مِن نِعَمِ الدُّنْيا، لِأنَّ ثَوابَ الحَمْدِ لا يَفْنى، ونَعِيمَ الدُّنْيا لا يَبْقى. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «ما مِن (p-١٧)عَبْدٍ يُنْعَمُ عَلَيْهِ بِنِعْمَةٍ إلّا كانَ الحَمْدُ أفْضَلَ مِنها» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في المُصَنَّفِ نَحْوَهُ عَنِ الحَسَنِ مَرْفُوعًا. وأخْرَجَ مُسْلِمٌ والنَّسائِيُّ وأحْمَدُ عَنْ أبِي مالِكٍ الأشْعَرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «الطَّهُورُ شَطْرُ الإيمانِ، والحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأُ المِيزانَ» الحَدِيثَ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وأحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ رَجُلٍ مِن بَنِي سُلَيْمٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «سُبْحانَ اللَّهِ نِصْفُ المِيزانِ، والحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأُ المِيزانَ واللَّهُ أكْبَرُ تَمْلَأُ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ والطَّهُورُ نِصْفُ الإيمانِ والصَّوْمُ نِصْفُ الصَّبْرِ» . وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «التَّسْبِيحُ نِصْفُ المِيزانِ، والحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَؤُهُ، ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ لَيْسَ لَها دُونَ اللَّهِ حِجابٌ حَتّى تَخْلُصَ إلَيْهِ» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «التَّأنِّي مِنَ اللَّهِ، والعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطانِ، وما شَيْءٌ أكْثَرُ مَعاذِيرَ مِنَ اللَّهِ، وما شَيْءٌ أحَبُّ إلى اللَّهِ مِنَ الحَمْدِ» . وأخْرَجَ ابْنُ شاهِينَ في السُّنَّةِ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ أبانَ بْنِ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «التَّوْحِيدُ ثَمَنُ الجَنَّةِ، والحَمْدُ ثَمَنُ كُلِّ نِعْمَةٍ، ويَتَقاسَمُونَ الجَنَّةَ بِأعْمالِهِمْ» . وأخْرَجَ أهْلُ السُّنَنِ وابْنُ حِبّانَ والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «كُلُّ أمْرٍ ذِي بالٍ لا يُبْدَأُ فِيهِ بِحَمْدِ اللَّهِ فَهو أقْطَعُ» . وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ حَدَّثَهم «أنَّ عَبْدًا مِن عِبادِ اللَّهِ قالَ: يا رَبِّ لَكَ الحَمْدُ كَما يَنْبَغِي لِجَلالِ وجْهِكَ وعَظِيمِ سُلْطانِكِ، فَلَمْ يَدْرِ المَلَكانِ كَيْفَ يَكْتُبانِها، فَصَعِدا إلى السَّماءِ فَقالا: يا رَبَّنا إنَّ عَبْدًا قَدْ قالَ مَقالَةً لا نَدْرِي كَيْفَ نَكْتُبُها، قالَ اللَّهُ وهو أعْلَمُ بِما قالَ عَبْدُهُ: ماذا قالَ عَبْدِي ؟ قالا: يا رَبِّ إنَّهُ قالَ: لَكَ الحَمْدُ كَما يَنْبَغِي لِجَلالِ وجْهِكَ وعَظِيمِ سُلْطانِكَ، فَقالَ اللَّهُ لَهُما: اكْتُباها كَما قالَ عَبْدِي حَتّى يَلْقانِي وأجْزِيهِ بِها» . وأخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إنَّ اللَّهَ لَيَرْضى عَنِ العَبْدِ أنْ يَأْكُلَ الأكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْها أوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْها» . ﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾ قالَ في الصِّحاحِ: الرَّبُّ اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، ولا يُقالُ في غَيْرِهِ إلّا بِالإضافَةِ، وقَدْ قالُوهُ في الجاهِلِيَّةِ لِلْمَلِكِ. وقالَ في الكَشّافِ: الرَّبُّ المالِكُ. ومِنهُ قَوْلُ صَفْوانَ لِأبِي سُفْيانَ: لَأنْ يَرُبَّنِي رَجُلٌ مِن قُرَيْشٍ أحَبُّ إلَيَّ مِن أنْ يَرُبَّنِي رَجُلٌ مِن هَوازِنَ، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ كَلامِ الصِّحاحِ. قالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ: والرَّبُّ السَّيِّدُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٤٢] وفي الحَدِيثِ: «أنْ تَلِدَ الأمَةُ رَبَّها»، والرَّبُّ: المُصْلِحُ والمُدَبِّرُ والجابِرُ والقائِمُ قالَ: والرَّبُّ المَعْبُودُ. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أرَبٌّ يَبُولُ الثُّعْلُبانُ بِرَأْسِهِ لَقَدْ هانَ مَن بالَتْ عَلَيْهِ الثَّعالِبُ و العالَمِينَ: جَمْعُ العالَمِ، وهو كُلُّ مَوْجُودٍ سِوى اللَّهِ تَعالى، قالَهُ قَتادَةُ. وقِيلَ: أهْلُ كُلِّ زَمانٍ عالَمٌ، قالَهُ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: العالَمُونَ الجِنُّ والإنْسُ. وقالَ الفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدٍ: العالَمُ عِبارَةٌ عَمَّنْ يَعْقِلُ وهم أرْبَعَةُ أُمَمٍ: الإنْسُ، والجِنُّ، والمَلائِكَةُ، والشَّياطِينُ. ولا يُقالُ لِلْبَهائِمِ عالَمٌ، لِأنَّ هَذا الجَمْعَ إنَّما هو جَمْعُ ما يَعْقِلُ. حَكى هَذِهِ الأقْوالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ وذَكَرَ أدِلَّتَها وقالَ: إنَّ القَوْلَ الأوَّلَ أصَحُّ هَذِهِ الأقْوالِ لِأنَّهُ شامِلٌ لِكُلِّ مَخْلُوقٍ ومَوْجُودٍ، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ فِرْعَوْنُ وما رَبُّ العالَمِينَ قالَ رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾ [الشعراء: ٢٣، ٢٤] وهو مَأْخُوذٌ مِنَ العِلْمِ والعَلامَةِ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى مُوجِدِهِ، كَذا قالَ الزَّجّاجُ. وقالَ: العالَمُ كُلُّ ما خَلَقَهُ اللَّهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ انْتَهى. وعَلى هَذا يَكُونُ جَمْعُهُ عَلى هَذِهِ الصِّيغَةِ المُخْتَصَّةِ بِالعُقَلاءِ تَغْلِيبًا لِلْعُقَلاءِ عَلى غَيْرِهِمْ. وقالَ في الكَشّافِ: ساغَ ذَلِكَ لِمَعْنى الوَصْفِيَّةِ فِيهِ، وهي الدَّلالَةُ عَلى مَعْنى العِلْمِ. وقَدْ أخْرَجَ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْهُ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ. وأخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ. وأخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾ قالَ: إلَهُ الخَلْقِ كُلِّهِ: السَّماواتُ كُلُّهُنَّ ومَن فِيهِنَّ: والأرَضُونَ كُلُّهُنَّ ومِن فِيهِنَّ ومَن بَيْنَهُنَّ مِمّا يُعْلَمُ ومِمّا لا يُعْلَمُ. * * ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها. قالَ القُرْطُبِيُّ: وصَفَ نَفْسَهُ تَعالى بَعْدَ رَبِّ العالَمِينَ بِأنَّهُ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ؛ لِأنَّهُ لَمّا كانَ في اتِّصافِهِ بِرَبِّ العالَمِينَ تَرْهِيبٌ قَرَنَهُ بِالرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ لِما تَضَمَّنَ مِنَ التَّرْغِيبِ لِيَجْمَعَ في صِفاتِهِ بَيْنَ الرَّهْبَةِ مِنهُ والرَّغْبَةِ إلَيْهِ، فَيَكُونَ أعُونَ عَلى طاعَتِهِ وأمْنَعَ كَما قالَ تَعالى: ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿وأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩، ٥٠] وقالَ: ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقابِ﴾ [غافر: ٣] . وفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «لَوْ يَعْلَمُ المُؤْمِنُ ما عِنْدَ اللَّهِ مِنَ العُقُوبَةِ ما طَمِعَ في جَنَّتِهِ أحَدٌ، ولَوْ يَعْلَمُ الكافِرُ ما عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الرَّحْمَةِ ما قَنِطَ مِن جَنَّتِهِ أحَدٌ انْتَهى» . وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ قالَ: ما وُصِفَ مِن خَلْقِهِ، وفي قَوْلِهِ ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، قالَ: مَدَحَ نَفْسَهُ.

الفاتحة 1:3

الحَمْدُ لِلَّهِ الحَمْدُ: هو الثَّناءُ بِاللِّسانِ عَلى الجَمِيلِ الِاخْتِيارِيِّ، وبِقَيْدِ الِاخْتِيارِ فارَقَ المَدْحَ، فَإنَّهُ يَكُونُ عَلى الجَمِيلِ وإنْ لَمْ يَكُنِ المَمْدُوحُ مُخْتارًا كَمَدْحِ الرَّجُلِ عَلى جَمالِهِ وقُوَّتِهِ وشَجاعَتِهِ. وقالَ صاحِبُ الكَشّافِ: إنَّهُما أخَوانِ، والحَمْدُ أخَصُّ مِنَ الشُّكْرِ مَوْرِدًا وأعَمُّ مِنهُ مُتَعَلَّقًا. فَمَوْرِدُ الحَمْدِ اللِّسانُ فَقَطْ، ومُتَعَلِّقُهُ النِّعْمَةُ وغَيْرُها. ومَوْرِدُ الشُّكْرِ اللِّسانُ والجَنانُ والأرْكانُ، ومُتَعَلِّقُهُ النِّعْمَةُ. وقِيلَ: إنَّ مَوْرِدَ الحَمْدِ كَمَوْرِدِ الشُّكْرِ، لِأنَّ كُلَّ ثَناءٍ بِاللِّسانِ لا يَكُونُ مِن صَمِيمِ القَلْبِ مَعَ مُوافَقَةِ الجَوارِحِ لَيْسَ بِحَمْدٍ بَلْ سُخْرِيَةٌ واسْتِهْزاءٌ. وأُجِيبُ بِأنَّ اعْتِبارَ مُوافَقَةِ القَلْبِ والجَوارِحِ في الحَمْدِ لا يَسْتَلْزِمُ أنْ يَكُونَ مَوْرِدًا لَهُ بَلْ شَرْطًا - وفَرْقٌ بَيْنَ الشَّرْطِ والشَّطْرِ وتَعْرِيفُهُ لِاسْتِغْراقِ أفْرادِ الحَمْدِ وأنَّها مُخْتَصَّةٌ بِالرَّبِّ سُبْحانَهُ عَلى مَعْنى أنَّ حَمْدَ غَيْرِهِ لا اعْتِدادَ بِهِ، لِأنَّ المُنْعِمَ هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، أوْ عَلى أنَّ حَمْدَهُ هو الفَرْدُ الكامِلُ فَيَكُونُ الحَصْرُ ادِّعائِيًّا. ورَجَّحَ صاحِبُ الكَشّافِ أنَّ التَّعْرِيفَ هُنا هو تَعْرِيفُ الجِنْسِ لا الِاسْتِغْراقُ، والصَّوابُ ما ذَكَرْناهُ. وقَدْ جاءَ في الحَدِيثِ: «اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ كُلُّهُ» وهو مُرْتَفِعٌ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُهُ الظَّرْفُ وهو اللَّهُ. وأصْلُهُ النَّصْبُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِإضْمارِ فِعْلِهِ كَسائِرِ المَصادِرِ الَّتِي تَنْصِبُها العَرَبُ، فَعَدَلَ عَنْهُ إلى الرَّفْعِ لِقَصْدِ الدَّلالَةِ عَلى الدَّوامِ والثَّباتِ المُسْتَفادِ مِنَ الجُمَلِ الِاسْمِيَّةِ دُونَ الحُدُوثِ والتَّجَدُّدِ اللَّذَيْنِ تُفِيدُهُما الجُمَلُ الفِعْلِيَّةُ، واللّامُ الدّاخِلَةُ عَلى الِاسْمِ الشَّرِيفِ هي لامُ الِاخْتِصاصِ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الحَمْدُ ثَناءٌ أثْنى بِهِ عَلى نَفْسِهِ، وفي ضِمْنِهِ أمَرَ عِبادَهُ أنْ يُثْنُوا عَلَيْهِ، فَكَأنَّهُ قالَ: قُولُوا الحَمْدُ لِلَّهِ، ثُمَّ رَجَّحَ اتِّحادَ الحَمْدِ والشُّكْرِ مُسْتَدِلًّا عَلى ذَلِكَ بِما حاصِلُهُ: أنَّ جَمِيعَ أهْلِ المَعْرِفَةِ بِلِسانِ العَرَبِ يُوقِعُونَ كُلًّا مِنَ الحَمْدِ والشُّكْرِ مَكانَ الآخَرِ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وفِيهِ نَظَرٌ لِأنَّهُ اشْتَهَرَ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ العُلَماءِ المُتَأخِّرِينَ أنَّ الحَمْدَ هو الثَّناءُ بِالقَوْلِ عَلى المَحْمُودِ بِصِفاتِهِ اللّازِمَةِ والمُتَعَدِّيَةِ. والشُّكْرُ لا يَكُونُ إلّا عَلى المُتَعَدِّيَةِ ويَكُونُ بِالجَنانِ واللِّسانِ والأرْكانِ انْتَهى. ولا يَخْفى أنَّ المَرْجِعَ في مِثْلِ هَذا إلى مَعْنى الحَمْدِ في لُغَةِ العَرَبِ لا إلى ما قالَهُ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ المُتَأخِّرِينَ، فَإنَّ ذَلِكَ لا يُرَدُّ عَلى ابْنِ جَرِيرٍ، ولا تَقُومُ بِهِ الحُجَّةُ، هَذا إذا لَمْ يَثْبُتْ لِلْحَمْدِ حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ، فَإنْ ثَبَتَتَ وجَبَ تَقْدِيمُها. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ عُمَرُ: قَدْ عَلِمْنا سُبْحانَ اللَّهِ ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَما الحَمْدُ لِلَّهِ ؟ فَقالَ عَلِيٌّ: كَلِمَةٌ رَضِيَها لِنَفْسِهِ. ورَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ كَلِمَةُ الشُّكْرِ، وإذا قالَ العَبْدُ الحَمْدُ لِلَّهِ قالَ: شَكَرَنِي عَبْدِي. ورَوى هو وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا أنَّهُ قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ هو الشُّكْرُ لِلَّهِ والِاسْتِحْذاءُ لَهُ والإقْرارُ لَهُ بِنِعَمِهِ وهِدايَتِهِ وابْتِدائِهِ وغَيْرُ ذَلِكَ. ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَكَمِ بْنِ عُمَيْرٍ، وكانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ قالَ: قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إذا قُلْتَ: الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ فَقَدْ شَكَرْتَ اللَّهَ فَزادَكَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في المُصَنَّفِ والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ والخَطّابِيُّ في الغَرِيبِ والبَيْهَقِيُّ في الأدَبِ والدَّيْلَمِيُّ في مُسْنَدِ الفِرْدَوْسِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: «الحَمْدُ رَأسُ الشُّكْرِ ما شَكَرَ اللَّهَ عَبْدٌ لا يَحْمَدُهُ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الحُبُلِيِّ قالَ: " الصَّلاةُ شُكْرٌ والصِّيامُ، وكُلُّ خَيْرٍ تَفْعَلُهُ شُكْرٌ وأفْضَلُ الشُّكْرِ الحَمْدُ " . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ النَّوّاسِ بْنِ سَمْعانَ قالَ: «سُرِقَتْ ناقَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَ: لَئِنْ رَدَّها اللَّهُ عَلَيَّ لَأشْكُرَنَّ رَبِّي فَرَجَعَتْ، فَلَمّا رَآها قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ، فانْتَظَرُوا هَلْ يُحْدِثُ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ صَوْمًا أوْ صَلاةً، فَظَنُّوا أنَّهُ نَسِيَ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ كُنْتَ قُلْتَ: لَئِنْ رَدَّها اللَّهُ عَلَيَّ لَأشْكُرَنَّ رَبِّي، قالَ: ألَمْ أقُلِ: الحَمْدُ لِلَّهِ ؟» . وقَدْ ورَدَ في فَضْلِ الحَمْدِ أحادِيثُ. مِنها: ما أخْرَجَهُ أحْمَدُ والنَّسائِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبُخارِيُّ في الأدَبِ المُفْرَدِ «عَنِ الأسْوَدِ بْنِ سَرِيعٍ قالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ألا أنْشُدَكَ مَحامِدَ حَمَدْتُ بِها رَبِّي تَبارَكَ وتَعالى ؟ فَقالَ: أما إنَّ رَبَّكَ يُحِبُّ الحَمْدَ» . وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ حِبّانَ والبَيْهَقِيُّ عَنْ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «أفْضَلُ الذِّكْرِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأفْضَلُ الدُّعاءِ الحَمْدُ لِلَّهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ والبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أنَسٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: ما أنْعَمَ اللَّهُ عَلى عَبْدٍ نِعْمَةً فَقالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ إلّا كانَ الَّذِي أعْطى أفْضَلَ مِمّا أخَذَ» . وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ والقُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ عَنْ أنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «لَوْ أنَّ الدُّنْيا كُلَّها بِحَذافِيرِها في يَدِ رَجُلٍ مِن أُمَّتِي ثُمَّ قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ، لَكانَ الحَمْدُ أفْضَلَ مِن ذَلِكَ» . قالَ القُرْطُبِيُّ: مَعْناهُ لَكانَ إلْهامُهُ الحَمْدَ أكْبَرَ نِعْمَةٍ عَلَيْهِ مِن نِعَمِ الدُّنْيا، لِأنَّ ثَوابَ الحَمْدِ لا يَفْنى، ونَعِيمَ الدُّنْيا لا يَبْقى. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «ما مِن (p-١٧)عَبْدٍ يُنْعَمُ عَلَيْهِ بِنِعْمَةٍ إلّا كانَ الحَمْدُ أفْضَلَ مِنها» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في المُصَنَّفِ نَحْوَهُ عَنِ الحَسَنِ مَرْفُوعًا. وأخْرَجَ مُسْلِمٌ والنَّسائِيُّ وأحْمَدُ عَنْ أبِي مالِكٍ الأشْعَرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «الطَّهُورُ شَطْرُ الإيمانِ، والحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأُ المِيزانَ» الحَدِيثَ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وأحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ رَجُلٍ مِن بَنِي سُلَيْمٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «سُبْحانَ اللَّهِ نِصْفُ المِيزانِ، والحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأُ المِيزانَ واللَّهُ أكْبَرُ تَمْلَأُ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ والطَّهُورُ نِصْفُ الإيمانِ والصَّوْمُ نِصْفُ الصَّبْرِ» . وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «التَّسْبِيحُ نِصْفُ المِيزانِ، والحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَؤُهُ، ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ لَيْسَ لَها دُونَ اللَّهِ حِجابٌ حَتّى تَخْلُصَ إلَيْهِ» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «التَّأنِّي مِنَ اللَّهِ، والعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطانِ، وما شَيْءٌ أكْثَرُ مَعاذِيرَ مِنَ اللَّهِ، وما شَيْءٌ أحَبُّ إلى اللَّهِ مِنَ الحَمْدِ» . وأخْرَجَ ابْنُ شاهِينَ في السُّنَّةِ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ أبانَ بْنِ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «التَّوْحِيدُ ثَمَنُ الجَنَّةِ، والحَمْدُ ثَمَنُ كُلِّ نِعْمَةٍ، ويَتَقاسَمُونَ الجَنَّةَ بِأعْمالِهِمْ» . وأخْرَجَ أهْلُ السُّنَنِ وابْنُ حِبّانَ والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «كُلُّ أمْرٍ ذِي بالٍ لا يُبْدَأُ فِيهِ بِحَمْدِ اللَّهِ فَهو أقْطَعُ» . وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ حَدَّثَهم «أنَّ عَبْدًا مِن عِبادِ اللَّهِ قالَ: يا رَبِّ لَكَ الحَمْدُ كَما يَنْبَغِي لِجَلالِ وجْهِكَ وعَظِيمِ سُلْطانِكِ، فَلَمْ يَدْرِ المَلَكانِ كَيْفَ يَكْتُبانِها، فَصَعِدا إلى السَّماءِ فَقالا: يا رَبَّنا إنَّ عَبْدًا قَدْ قالَ مَقالَةً لا نَدْرِي كَيْفَ نَكْتُبُها، قالَ اللَّهُ وهو أعْلَمُ بِما قالَ عَبْدُهُ: ماذا قالَ عَبْدِي ؟ قالا: يا رَبِّ إنَّهُ قالَ: لَكَ الحَمْدُ كَما يَنْبَغِي لِجَلالِ وجْهِكَ وعَظِيمِ سُلْطانِكَ، فَقالَ اللَّهُ لَهُما: اكْتُباها كَما قالَ عَبْدِي حَتّى يَلْقانِي وأجْزِيهِ بِها» . وأخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إنَّ اللَّهَ لَيَرْضى عَنِ العَبْدِ أنْ يَأْكُلَ الأكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْها أوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْها» . ﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾ قالَ في الصِّحاحِ: الرَّبُّ اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، ولا يُقالُ في غَيْرِهِ إلّا بِالإضافَةِ، وقَدْ قالُوهُ في الجاهِلِيَّةِ لِلْمَلِكِ. وقالَ في الكَشّافِ: الرَّبُّ المالِكُ. ومِنهُ قَوْلُ صَفْوانَ لِأبِي سُفْيانَ: لَأنْ يَرُبَّنِي رَجُلٌ مِن قُرَيْشٍ أحَبُّ إلَيَّ مِن أنْ يَرُبَّنِي رَجُلٌ مِن هَوازِنَ، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ كَلامِ الصِّحاحِ. قالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ: والرَّبُّ السَّيِّدُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٤٢] وفي الحَدِيثِ: «أنْ تَلِدَ الأمَةُ رَبَّها»، والرَّبُّ: المُصْلِحُ والمُدَبِّرُ والجابِرُ والقائِمُ قالَ: والرَّبُّ المَعْبُودُ. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أرَبٌّ يَبُولُ الثُّعْلُبانُ بِرَأْسِهِ لَقَدْ هانَ مَن بالَتْ عَلَيْهِ الثَّعالِبُ و العالَمِينَ: جَمْعُ العالَمِ، وهو كُلُّ مَوْجُودٍ سِوى اللَّهِ تَعالى، قالَهُ قَتادَةُ. وقِيلَ: أهْلُ كُلِّ زَمانٍ عالَمٌ، قالَهُ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: العالَمُونَ الجِنُّ والإنْسُ. وقالَ الفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدٍ: العالَمُ عِبارَةٌ عَمَّنْ يَعْقِلُ وهم أرْبَعَةُ أُمَمٍ: الإنْسُ، والجِنُّ، والمَلائِكَةُ، والشَّياطِينُ. ولا يُقالُ لِلْبَهائِمِ عالَمٌ، لِأنَّ هَذا الجَمْعَ إنَّما هو جَمْعُ ما يَعْقِلُ. حَكى هَذِهِ الأقْوالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ وذَكَرَ أدِلَّتَها وقالَ: إنَّ القَوْلَ الأوَّلَ أصَحُّ هَذِهِ الأقْوالِ لِأنَّهُ شامِلٌ لِكُلِّ مَخْلُوقٍ ومَوْجُودٍ، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ فِرْعَوْنُ وما رَبُّ العالَمِينَ قالَ رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾ [الشعراء: ٢٣، ٢٤] وهو مَأْخُوذٌ مِنَ العِلْمِ والعَلامَةِ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى مُوجِدِهِ، كَذا قالَ الزَّجّاجُ. وقالَ: العالَمُ كُلُّ ما خَلَقَهُ اللَّهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ انْتَهى. وعَلى هَذا يَكُونُ جَمْعُهُ عَلى هَذِهِ الصِّيغَةِ المُخْتَصَّةِ بِالعُقَلاءِ تَغْلِيبًا لِلْعُقَلاءِ عَلى غَيْرِهِمْ. وقالَ في الكَشّافِ: ساغَ ذَلِكَ لِمَعْنى الوَصْفِيَّةِ فِيهِ، وهي الدَّلالَةُ عَلى مَعْنى العِلْمِ. وقَدْ أخْرَجَ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْهُ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ. وأخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ. وأخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾ قالَ: إلَهُ الخَلْقِ كُلِّهِ: السَّماواتُ كُلُّهُنَّ ومَن فِيهِنَّ: والأرَضُونَ كُلُّهُنَّ ومِن فِيهِنَّ ومَن بَيْنَهُنَّ مِمّا يُعْلَمُ ومِمّا لا يُعْلَمُ. * * ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها. قالَ القُرْطُبِيُّ: وصَفَ نَفْسَهُ تَعالى بَعْدَ رَبِّ العالَمِينَ بِأنَّهُ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ؛ لِأنَّهُ لَمّا كانَ في اتِّصافِهِ بِرَبِّ العالَمِينَ تَرْهِيبٌ قَرَنَهُ بِالرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ لِما تَضَمَّنَ مِنَ التَّرْغِيبِ لِيَجْمَعَ في صِفاتِهِ بَيْنَ الرَّهْبَةِ مِنهُ والرَّغْبَةِ إلَيْهِ، فَيَكُونَ أعُونَ عَلى طاعَتِهِ وأمْنَعَ كَما قالَ تَعالى: ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿وأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩، ٥٠] وقالَ: ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقابِ﴾ [غافر: ٣] . وفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «لَوْ يَعْلَمُ المُؤْمِنُ ما عِنْدَ اللَّهِ مِنَ العُقُوبَةِ ما طَمِعَ في جَنَّتِهِ أحَدٌ، ولَوْ يَعْلَمُ الكافِرُ ما عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الرَّحْمَةِ ما قَنِطَ مِن جَنَّتِهِ أحَدٌ انْتَهى» . وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ قالَ: ما وُصِفَ مِن خَلْقِهِ، وفي قَوْلِهِ ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، قالَ: مَدَحَ نَفْسَهُ.

الفاتحة 1:4

ثُمَّ ذَكَرَ بَقِيَّةَ الفاتِحَةِ ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قُرِئَ مَلِكِ ومالِكَ ومَلْكِ بِسُكُونِ اللّامِ ومَلَكَ بِصِيغَةِ الفِعْلِ. وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ أيُّهُما أبْلَغُ ( مَلِكِ ) أوْ ( مالِكِ ) ؟ فَقِيلَ: إنَّ مَلِكَ أعَمُّ وأبْلَغُ مِن مالِكٍ، إذْ كُلُّ مَلِكٍ مالِكٌ، ولَيْسَ كُلُّ مالِكٍ مَلِكًا، ولِأنَّ أمْرَ المَلِكِ نافِذٌ عَلى المالِكِ في مِلْكِهِ حَتّى لا يَنْصَرِفَ إلّا عَنْ تَدْبِيرِ المَلِكِ، قالَهُ أبُو عُبَيْدٍ والمُبَرِّدُ ورَجَّحَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقِيلَ: مالِكٌ أبْلَغُ لِأنَّهُ يَكُونُ مالِكًا لِلنّاسِ وغَيْرِهِمْ، فالمالِكُ أبْلَغُ تَصَرُّفًا وأعْظَمُ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: إنَّ مالِكًا أبْلَغُ في مَدْحِ الخالِقِ مِن مَلِكٍ، ومَلِكٌ أبْلَغُ في مَدْحِ المَخْلُوقِينَ مِن مالِكٍ، لِأنَّ المالِكَ مِنَ المَخْلُوقِينَ قَدْ يَكُونُ غَيْرَ مَلِكٍ، وإذا كانَ اللَّهُ تَعالى مالِكًا كانَ مَلِكًا. واخْتارَ هَذا القاضِي أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ. والحَقُّ أنَّ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ الوَصْفَيْنِ نَوْعَ أخَصِّيَّةٍ لا يُوجَدُ في الآخَرِ، فالمالِكُ يَقْدِرُ عَلى ما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ المَلِكُ مِنَ التَّصَرُّفاتِ بِما (p-١٨)هُوَ مالِكٌ لَهُ بِالبَيْعِ والهِبَةِ والعِتْقِ ونَحْوِها، والمَلِكُ يَقْدِرُ عَلى ما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ المالِكُ مِنَ التَّصَرُّفاتِ العائِدَةِ إلى تَدْبِيرِ المَلِكِ وحِياطَتِهِ ورِعايَةِ مَصالِحِ الرَّعِيَّةِ، فالمالِكُ أقْوى مِنَ المَلِكِ في بَعْضِ الأُمُورِ، والمَلِكُ أقْوى مِنَ المالِكِ في بَعْضِ الأُمُورِ. والفَرْقُ بَيْنَ الوَصْفَيْنِ بِالنِّسْبَةِ إلى الرَّبِّ سُبْحانَهُ أنَّ المَلِكَ صِفَةٌ لَذّاتِهِ، والمالِكَ صِفَةٌ لِفِعْلِهِ. و( يَوْمِ الدِّينِ ): يَوْمُ الجَزاءِ مِنَ الرَّبِّ سُبْحانَهُ لِعِبادِهِ كَما قالَ: ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ ﴿ثُمَّ ما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾ ﴿والأمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار: ١٧ - ١٩] وهَذِهِ الإضافَةُ إلى الظَّرْفِ عَلى طَرِيقِ الِاتِّساعِ كَقَوْلِهِمْ: يا سارِقٌ اللَّيْلَةَ أهْلَ الدّارِ، و( ﴿يَوْمِ الدِّينِ﴾ ) وإنْ كانَ مُتَأخِّرًا فَقَدْ يُضافُ اسْمُ الفاعِلِ وما في مَعْناهُ إلى المُسْتَقْبَلِ كَقَوْلِكَ: هَذا ضارِبٌ زَيْدًا غَدًا. وقَدْ أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ كانَ يَقْرَأُ " ( مَلِكِ ) بِغَيْرِ ألِفٍ "» . وأخْرَجَ نَحْوَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْ أنَسٍ. وأخْرَجَ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ عَنْ أنَسٍ أيْضًا: «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وأبا بَكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمانَ كانُوا يَقْرَءُونَ ( مالِكِ ) بِالألِفِ» . وأخْرَجَ نَحْوَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا. وأخْرَجَ نَحْوَهُ أيْضًا وكِيعٌ في تَفْسِيرِهِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ عَنِ الزُّهْرِيِّ يَرْفَعُهُ مُرْسَلًا. وأخْرَجَهُ أيْضًا عَبْدُ الرَّزّاقِ في تَفْسِيرِهِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ عَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ مَرْفُوعًا مُرْسَلًا. وقَدْ رُوِيَ هَذا مِن طُرُقٍ كَثِيرَةٍ، فَهو أرْجَحُ مِنَ الأوَّلِ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: «" أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ كانَ يَقْرَأُ ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾» وكَذا رَواهُ الطَّبَرانِيُّ في الكَبِيرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ أنَّهم فَسَّرُوا يَوْمَ الدِّينِ بِيَوْمِ الحِسابِ. وكَذا رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: ( يَوْمِ الدِّينِ ): يَوْمَ يَدِينُ اللَّهُ العِبادَ بِأعْمالِهِمْ.

الفاتحة 1:5

قِراءَةُ السَّبْعَةِ وغَيْرِهِمْ بِتَشْدِيدِ الياءِ، وقَرَأ عَمْرُو بْنُ فايِدٍ بِتَخْفِيفِها مَعَ الكَسْرِ، وقَرَأ الفَضْلُ والرَّقاشِيُّ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ أبُو السَّوّارِ الغَنَوِيُّ هَيّاكَ في المَوْضِعَيْنِ وهي لُغَةٌ مَشْهُورَةٌ. والضَّمِيرُ المُنْفَصِلُ هو إيّا وما يَلْحَقُهُ مِنَ الكافِ والهاءِ والياءِ هي حُرُوفٌ لِبَيانِ الخِطابِ والغَيْبَةِ والتَّكَلُّمِ، ولا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ، وتَقْدِيمُهُ عَلى الفِعْلِ لِقَصْدِ الِاخْتِصاصِ، وقِيلَ: لِلِاهْتِمامِ، والصَّوابُ أنَّهُ لَهُما ولا تَزاحُمَ بَيْنَ المُقْتَضَياتِ. والمَعْنى: نَخُصُّكَ بِالعِبادَةِ ونَخُصُّكَ بِالِاسْتِعانَةِ لا نَعْبُدُ غَيْرَكَ ولا نَسْتَعِينُهُ، والعِبادَةُ أقْصى غاياتِ الخُضُوعِ والتَّذَلُّلِ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وفي الشَّرْعِ عِبارَةٌ عَمّا يَجْمَعُ كَمالَ المَحَبَّةِ والخُضُوعِ والخَوْفِ، وعَدَلَ عَنِ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ لِقَصْدِ الِالتِفاتِ، لِأنَّ الكَلامَ إذا نُقِلَ مِن أُسْلُوبٍ إلى آخَرَ كانَ أحْسَنَ تَطْرِيَةً لِنَشاطِ السّامِعِ وأكْثَرَ إيقاظًا لَهُ كَما تَقَرَّرَ في عِلْمِ المَعانِي. والمَجِيءُ بِالنُّونِ في الفِعْلَيْنِ لِقَصْدِ الإخْبارِ مِنَ الدّاعِي عَنْ نَفْسِهِ وعَنْ جِنْسِهِ مِنَ العِبادِ، وقِيلَ: إنَّ المَقامَ لَمّا كانَ عَظِيًما لَمْ يَسْتَقِلَّ بِهِ الواحِدُ اسْتِقْصارًا لِنَفْسِهِ واسْتِصْغارًا لَها، فالمَجِيءُ بِالنُّونِ لِقَصْدِ التَّواضُعِ لا لِتَعْظِيمِ النَّفْسِ، وقُدِّمَتِ العِبادَةُ عَلى الِاسْتِعانَةِ لِكَوْنِ الأُولى وسِيلَةً إلى الثّانِيَةِ، وتَقْدِيمُ الوَسائِلِ سَبَبٌ لِتَحْصِيلِ المَطالِبِ، وإطْلاقُ الِاسْتِعانَةِ لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ إيّاكَ نَعْبُدُ: يَعْنِي إيّاكَ نُوَحِّدُ ونَخافُ يا رَبَّنا لا غَيْرَكَ، وإيّاكَ نَسْتَعِينُ عَلى طاعَتِكَ وعَلى أُمُورِنا كُلِّها. وحَكى ابْنُ كَثِيرٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ في ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: يَأْمُرُكم أنْ تُخْلِصُوا لَهُ العِبادَةَ وأنْ تَسْتَعِينُوهُ عَلى أمْرِكم. وفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ المُعَلّى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أبِيهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: «قَسَمْتُ الصَّلاةَ بَيْنِي وبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، فَنِصْفُها لِي ونِصْفُها لِعَبْدِي ولِعَبْدِي ما سَألَ، إذا قالَ العَبْدُ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ قالَ: حَمِدَنِي عَبْدِي، وإذا قالَ ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قالَ: أثْنى عَلَيَّ عَبْدِي، فَإذا قالَ: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي، فَإذا قالَ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قالَ: هَذا بَيْنِي وبَيْنَ عَبْدِي ولِعَبْدِي ما سَألَ، فَإذا قالَ: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ ﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ﴾ قالَ: هَذا لِعَبْدِي ولِعَبْدِي ما سَألَ» . وأخْرَجَ أبُو القاسِمِ البَغَوِيُّ والباوَرْدِيُّ مَعًا في مَعْرِفَةِ الصَّحابَةِ والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ عَنْ أبِي طَلْحَةَ قالَ: «" كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في غَزاةٍ فَلَقِيَ العَدُوَّ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يا مالِكَ يَوْمِ الدِّينِ إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ، قالَ: فَلَقَدْ رَأيْتُ الرِّجالَ تُصْرَعُ فَتَضْرِبُها المَلائِكَةُ مِن بَيْنِ يَدَيْها ومِن خَلْفِها» " .

الفاتحة 1:6

قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِالصّادِ، وقُرِئَ السِّراطُ بِالسِّينِ، والزِّراطُ بِالزّايِ، والهِدايَةُ قَدْ يَتَعَذَّرُ فِعْلُها بِنَفْسِهِ كَما هُنا، وكَقَوْلِهِ: ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠] وقَدْ يَتَعَدّى بِإلى قَوْلُهُ: ﴿اجْتَباهُ وهَداهُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: ١٢١] ﴿فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٣] ﴿وإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] وقَدْ يَتَعَدّى بِاللّامِ كَقَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا﴾ [الأعراف: ٤٣] ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أصْلُهُ أنْ يَتَعَدّى بِاللّامِ أوْ بِإلى انْتَهى. وهِيَ الإرْشادُ أوِ التَّوْفِيقُ أوِ الإلْهامُ أوِ الدَّلالَةُ. وفَرَّقَ كَثِيرٌ مِنَ المُتَأخِّرِينَ بَيْنَ مَعْنى المُتَعَدِّي بِنَفَسِهِ وغَيْرِ المُتَعَدِّي فَقالُوا: مَعْنى الأوَّلِ الدَّلالَةُ، والثّانِي الإيصالُ. وطَلَبُ الهِدايَةِ مِنَ المُهْتَدِي مَعْناهُ طَلَبُ الزِّيادَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهم هُدًى﴾ [محمد: ١٧] ﴿والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا﴾ [العنكبوت: ٦٩] والصِّراطُ: الطَّرِيقُ، قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أجْمَعَتِ الأُمَّةُ مِن أهْلِ التَّأْوِيلِ جَمِيعًا عَلى أنَّ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ هو الطَّرِيقُ الواضِحُ الَّذِي لا اعْوِجاجَ فِيهِ، وهو كَذَلِكَ في لُغَةِ جَمِيعِ العَرَبِ. قالَ: ثُمَّ تَسْتَعِيرُ العَرَبُ الصِّراطَ فَتَسْتَعْمِلُهُ فَتَصِفُ المُسْتَقِيمَ بِاسْتِقامَتِهِ والمُعْوَجَّ بِاعْوِجاجِهِ. وقَدْ أخْرَجَ الحاكِمُ (p-١٩)وصَحَّحَهُ وتَعَقَّبَهُ الذَّهَبِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قَرَأ ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ بِالصّادِ» . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والبُخارِيُّ في تارِيخِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ " أنَّهُ قَرَأ الصِّراطَ بِالسِّينِ " . وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ السِّراطَ بِالسِّينِ. وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ حَمْزَةَ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ الزِّراطَ بِالزّايِ قالَ الفَرّاءُ: وهي لُغَةٌ لِعُذْرَةَ وكَلْبٍ وبَنِي القَيْنِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ يَقُولُ: ألْهِمْنا دِينَكَ الحَقَّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ وابْنُ المُنْذِرِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ وكِيعٌ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أنَّهُ قالَ: " هو دِينُ الإسْلامِ وهو أوْسَعُ مِمّا بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ " . وأخْرَجَ نَحْوَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وأخْرَجَ نَحْوَهُ أيْضًا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والنَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنِ النَّوّاسُ بْنُ سَمْعانَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا صِراطًا مُسْتَقِيمًا، وعَلى جَنْبَتَيِ الصِّراطِ سُورانِ فِيهِما أبْوابٌ مُفَتَّحَةٌ، وعَلى الأبْوابِ سُتُورٌ مُرْخاةٌ، وعَلى بابِ الصِّراطِ داعٍ يَقُولُ: يا أيُّها النّاسُ ادْخُلُوا الصِّراطَ جَمِيعًا ولا تَفَرَّقُوا، وداعٍ يَدْعُو مِن فَوْقِ الصِّراطِ، فَإذا أرادَ الإنْسانُ أنْ يَفْتَحَ شَيْئًا مِن تِلْكَ الأبْوابِ قالَ: ويْحَكَ لا تَفْتَحْهُ فَإنَّكَ إنْ تَفْتَحْهُ تَلِجْهُ، فالصِّراطُ: الإسْلامُ، والسُّورانِ: حُدُودُ اللَّهِ، والأبْوابُ المُفَتَّحَةُ: مَحارِمُ اللَّهِ، وذَلِكَ الدّاعِي عَلى رَأْسِ الصِّراطِ: كِتابُ اللَّهِ، والدّاعِي مِن فَوْقٍ: واعِظُ اللَّهِ تَعالى في قَلْبِ كُلِّ مُسْلِمٍ» . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ بَعْدَ إخْراجِهِ: وهو إسْنادٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وأخْرَجَ وكِيعٌ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو بَكْرٍ الأنْبارِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: " هو كِتابُ اللَّهِ " . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ عَدِيٍّ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: هو رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وصاحِباهُ مِن بَعْدِهِ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي العالِيَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِثْلَهُ. ورَوى القُرْطُبِيُّ عَنِ الفُضَيْلِ بْنِ عِياضٍ أنَّهُ قالَ: الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ طَرِيقُ الحَجِّ، قالَ: وهَذا خاصٌّ والعُمُومُ أوْلى انْتَهى. وجَمِيعُ ما رُوِيَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ ما عَدا هَذا المَرْوِيَّ عَنِ الفُضَيْلِ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ، فَإنَّ مَنِ اتَّبَعَ الإسْلامَ أوِ القُرْآنَ أوِ النَّبِيَّ فَقَدِ اتَّبَعَ الحَقَّ. وقَدْ ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ نَحْوَ هَذا فَقالَ: والَّذِي هو أوْلى بِتَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ عِنْدِي مَعْنِيًّا بِهِ، وفِّقْنا لِلثَّباتِ عَلى ما ارْتَضَيْتَهُ، ووَفَّقْتَ لَهُ مَن أنْعَمْتَ عَلَيْهِ مِن عِبادِكَ مِن قَوْلٍ وعَمَلٍ، وذَلِكَ هو الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ، لِأنَّ مَن وُفِّقَ إلَيْهِ مِمَّنْ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ النَّبِيِّينَ والصَّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ فَقَدْ وُفِّقَ لِلْإسْلامِ وتَصْدِيقِ الرُّسُلِ، والتَّمَسُّكِ بِالكِتابِ، والعَمَلِ بِما أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ والِانْزِجارِ عَمّا زَجَرَهُ عَنْهُ، واتِّباعِ مِنهاجِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ومِنهاجِ الخُلَفاءِ الأرْبَعَةِ وكُلِّ عَبْدٍ صالِحٍ، وكُلُّ ذَلِكَ مِنَ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ انْتَهى.

الفاتحة 1:7

انْتَصَبَ ( صِراطَ ) عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الأوَّلِ، وفائِدَتُهُ التَّوْكِيدُ لِما فِيهِ مِنَ التَّثْنِيَةِ والتَّكْرِيرِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفَ بَيانٍ، وفائِدَتُهُ الإيضاحُ، والَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ هُمُ المَذْكُورُونَ في سُورَةِ النِّساءِ حَيْثُ قالَ: ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ ﴿ذَلِكَ الفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ [النساء: ٦٩، ٧٠] وأطْلَقَ الإنْعامَ لِيَشْمَلَ كُلَّ إنْعامٍ، و﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ بَدَلٌ مِنَ ﴿الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ عَلى مَعْنى أنَّهم جَمَعُوا بَيْنَ النِّعْمَتَيْنِ نِعْمَةَ الإيمانِ والسَّلامَةِ مِن ذَلِكَ، وصَحَّ جَعْلُهُ صِفَةً لِلْمَعْرِفَةِ مَعَ كَوْنِ غَيْرِ لا تَتَعَرَّفُ بِالإضافَةِ إلى المَعارِفِ لِما فِيها مِنَ الإبْهامِ، لِأنَّها هُنا غَيْرُ مُبْهَمَةٍ لِاشْتِهارِ المُغايِرَةِ بَيْنَ الجِنْسَيْنِ. والغَضَبُ في اللُّغَةِ قالَ القُرْطُبِيُّ: الشِّدَّةُ، ورَجُلٌ غَضُوبٌ: أيْ شَدِيدُ الخُلُقِ، والغَضُوبُ: الحَيَّةُ الخَبِيثَةُ لِشِدَّتِها. قالَ: ومَعْنى الغَضَبِ في صِفَةِ اللَّهِ: إرادَةُ العُقُوبَةِ فَهو صِفَةُ ذاتِهِ، أوْ نَفْسُ العُقُوبَةِ، ومِنهُ الحَدِيثُ: «إنَّ الصَّدَقَةَ لَتُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ» فَهو صِفَةُ فِعْلِهِ. قالَ في الكَشّافِ: هو إرادَةُ الِانْتِقامِ مِنَ العُصاةِ وإنْزالُ العُقُوبَةِ بِهِمْ، وأنْ يَفْعَلَ بِهِمْ ما يَفْعَلُهُ المَلِكُ إذا غَضِبَ عَلى مَن تَحْتَ يَدِهِ، والفَرْقُ بَيْنَ عَلَيْهِمُ الأُولى وعَلَيْهِمُ الثّانِيَةِ، أنَّ الأُولى في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى المَفْعُولِيَّةِ، والثّانِيَةَ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى النِّيابَةِ عَنِ الفاعِلِ. و" لا " في قَوْلِهِ ﴿ولا الضّالِّينَ﴾ تَأْكِيدٌ لِلنَّفْيِ المَفْهُومِ مِن ( غَيْرِ )، والضَّلالُ في لِسانِ العَرَبِ قالَ القُرْطُبِيُّ: هو الذَّهابُ عَنْ سَنَنِ القَصْدِ وطَرِيقِ الحَقِّ، ومِنهُ ضَلَّ اللَّبَنُ في الماءِ: أيْ غابَ، ومِنهُ ﴿أئِذا ضَلَلْنا في الأرْضِ﴾ [السجدة: ١٠] أيْ غِبْنا بِالمَوْتِ وصِرْنا تُرابًا. وأخْرَجَ وكِيعٌ وأبُو سَعِيدٍ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ " صِراطَ مَن أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وغَيْرِ الصّالِحِينَ " وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ قَرَأ كَذَلِكَ. وأخْرَجَ الأنْبارِيُّ، عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ عَلَيْهِمِي بِكَسْرِ الهاءِ والمِيمِ وإثْباتِ الياءِ. وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنِ الأعْرَجِ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ " عَلَيْهُمُو " بِضَمِّ الهاءِ والمِيمِ وإلْحاقِ الواوِ. وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ " عَلَيْهِمُو " بِكَسْرِ الهاءِ وضَمِّ المِيمِ مَعَ إلْحاقِ الواوِ. وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ أبِي إسْحاقَ أنَّهُ قَرَأ عَلَيْهِمْ بِضَمِّ الهاءِ والمِيمِ مِن غَيْرِ إلْحاقِ الواوِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ عَنْ عِكْرِمَةَ والأسْوَدِ أنَّهُما كانا يَقْرَآنِ كَقِراءَةِ عُمَرَ السّابِقَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ يَقُولُ: طَرِيقُ مَن أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ مِنَ المَلائِكَةِ والنَّبِيِّينَ والصَّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ الَّذِينَ أطاعُوكَ وعَبَدُوكَ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الرَّبِيعِ (p-٢٠)بْنِ أنَسٍ في قَوْلِهِ: ﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ قالَ النَّبِيُّونَ. ﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ قالَ اليَهُودُ. ﴿ولا الضّالِّينَ﴾ قالَ النَّصارى. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وأحْمَدُ في مُسْنَدِهِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ والبَغَوِيُّ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ قالَ: «" أخْبَرَنِي مَن سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وهو بِوادِي القُرى عَلى فَرَسٍ لَهُ، وسَألَهُ رَجُلٌ مِن بَنِي القَيْنِ فَقالَ: مَنِ المَغْضُوبُ عَلَيْهِمْ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: اليَهُودُ، قالَ: فَمَنِ الضّالُّونَ ؟ قالَ: النَّصارى» . وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَذَكَرَهُ. وأخْرَجَهُ وكِيعٌ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ قالَ: " كانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يُحاصِرُ أهْلَ وادِي القُرى فَقالَ لَهُ رَجُل " إلى آخِرِهِ، ولَمْ يَذْكُرْ فِيهِ أخْبَرَنِي مَن سَمِعَ النَّبِيَّ كالأوَّلِ. وأخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ عَنْ رَجُلٍ مِن بَنِي القَيْنِ عَنِ ابْنِ عَمٍّ لَهُ أنَّهُ قالَ: " أتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ " فَذَكَرَهُ. وأخْرَجَهُ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ في تَفْسِيرِهِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ عَنِ إسْماعِيلَ بْنِ أبِي خالِدٍ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «المَغْضُوبُ عَلَيْهِمُ اليَهُودُ، والضّالُّونَ النَّصارى» . وأخْرَجَهُ أحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ حِبّانَ في صَحِيحِهِ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إنَّ المَغْضُوبَ عَلَيْهِمْ هُمُ اليَهُودُ، وإنَّ الضّالِّينَ النَّصارى» . وأخْرَجَ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ وابْنُ حِبّانَ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والطَّبَرانِيُّ عَنِ الشَّرِيدِ «قالَ: مَرَّ بِي رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وأنا جالِسٌ هَكَذا، وقَدْ وضَعْتُ يَدِي اليُسْرى خَلْفَ ظَهْرِي واتَّكَأْتُ عَلى ألْيَةِ يَدِي فَقالَ: أتَقْعُدُ قَعْدَةَ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ؟» قالَ ابْنُ كَثِيرٍ بَعْدَ ذِكْرِهِ لِحَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ: وقَدْ رُوِيَ حَدِيثُ عَدِيٍّ هَذا مِن طُرُقٍ، ولَهُ ألْفاظٌ كَثِيرَةٌ يَطُولُ ذِكْرُها انْتَهى. والمَصِيرُ إلى هَذا التَّفْسِيرِ النَّبَوِيِّ مُتَعَيِّنٌ، وهو الَّذِي أطْبَقَ عَلَيْهِ أئِمَّةُ التَّفْسِيرِ مِنَ السَّلَفِ. قالَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ: لا أعْلَمُ خِلافًا بَيْنَ المُفَسِّرِينَ في تَفْسِيرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ بِاليَهُودِ، والضّالِّينَ بِالنَّصارى. ويَشْهَدُ لِهَذا التَّفْسِيرِ النَّبَوِيِّ آياتٌ مِنَ القُرْآنِ، قالَ اللَّهُ تَعالى في خِطابِهِ لِبَنِي إسْرائِيلَ في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿بِئْسَما اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم أنْ يَكْفُرُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ فَباءُوا بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ [البقرة: ٩٠] . وقالَ في المائِدَةِ: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ وغَضِبَ عَلَيْهِ وجَعَلَ مِنهُمُ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ وعَبَدَ الطّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكانًا وأضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٦٠] وفي السِّيرَةِ عَنْ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ أنَّهُ لَمّا خَرَجَ هو وجَماعَةٌ مِن أصْحابِهِ إلى الشّامِ يَطْلُبُونَ الدِّينَ الحَنِيفَ قالَ اليَهُودُ: إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ الدُّخُولَ مَعَنا حَتّى تَأْخُذَ بِنَصِيبِكَ مِن غَضَبِ اللَّهِ، فَقالَ: أنا مِن غَضَبِ اللَّهِ أفِرُّ، وقالَتْ لَهُ النَّصارى: إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ الدُّخُولَ مَعَنا حَتّى تَأْخُذَ بِنَصِيبِكَ مِن سَخَطِ اللَّهِ، فَقالَ: لا أسْتَطِيعُهُ، فاسْتَمَرَّ عَلى فِطْرَتِهِ وجانَبَ عِبادَةَ الأوْثانِ. * * [ فائِدَةٌ في مَشْرُوعِيَّةِ التَّأْمِينِ بَعْدَ قِراءَةِ الفاتِحَةِ ] اعْلَمْ أنَّ السُّنَّةَ الصَّحِيحَةَ الصَّرِيحَةَ الثّابِتَةَ تَواتُرًا، قَدْ دَلَّتْ عَلى ذَلِكَ، فَمِن ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ عَنْ وائِلِ بْنِ حُجْرٍ قالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قَرَأ ﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ﴾ فَقالَ آمِينْ مَدَّ بِها صَوْتَهُ» ولِأبِي داوُدَ " رَفَعَ بِها صَوْتَهُ " وقَدْ حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ. وأخْرَجَهُ أيْضًا النَّسائِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ ماجَهْ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وفي لَفْظٍ مِن حَدِيثِهِ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: رَبِّ اغْفِرْ لِي آمِينْ أخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ. وفِي لَفْظٍ أنَّهُ قالَ: آمِينْ ثَلاثَ مَرّاتٍ أخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ. وأخْرَجَ وكِيعٌ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ أبِي مَيْسَرَةَ قالَ: «لَمّا أقْرَأ جِبْرِيلُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فاتِحَةَ الكِتابِ فَبَلَغَ ﴿ولا الضّالِّينَ﴾ قالَ: قُلْ آمِينْ، فَقالَ: آمِينْ» . وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ إذا قالَ: ولا الضّالِّينَ قالَ: آمِينْ» . وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ عَنْ أبِي مُوسى قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: إذا قَرَأ - يَعْنِي الإمامَ - ( ﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ﴾ ) فَقُولُوا آمِينْ يُحِبُّكُمُ اللَّهُ» وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وأهْلُ السُّنَنِ وأحْمَدُ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وغَيْرُهم عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: إذا أمَّنَ الإمامُ فَأمِّنُوا فَإنَّهُ مَن وافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ المَلائِكَةِ غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ» وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ ماجَهْ والبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ قالَ السُّيُوطِيُّ: صَحِيحٌ عَنْ عائِشَةَ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «ما حَسَدَتْكُمُ اليَهُودُ عَلى شَيْءٍ ما حَسَدَتْكم عَلى السَّلامِ والتَّأْمِينِ» . وأخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إنَّ اليَهُودَ قَوْمٌ حُسَّدٌ، حَسَدُوكم عَلى ثَلاثَةٍ: إفْشاءِ السَّلامِ، وإقامَةِ الصَّفِّ، وآمِينْ» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ مِن حَدِيثِ مُعاذٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما حَسَدَتْكُمُ اليَهُودُ عَلى شَيْءٍ ما حَسَدَتْكم عَلى آمِينْ، فَأكْثِرُوا مِن قَوْلِ آمِينْ، ووَجْهُ ضَعْفِهِ أنَّ في إسْنادِهِ طَلْحَةَ بْنَ عَمْرٍو وهو ضَعِيفٌ. وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «مَن قَرَأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ثُمَّ قَرَأ فاتِحَةَ الكِتابِ ثُمَّ قالَ آمِينْ لَمْ يَبْقَ مَلَكٌ في السَّماءِ مُقَرَّبٌ إلّا اسْتَغْفَرَ لَهُ» . وأخْرَجَ أبُو داوُدَ عَنْ بِلالٍ أنَّهُ قالَ: " «يا رَسُولَ اللَّهِ لا تَسْبِقْنِي بِآمِينْ " ومَعْنى آمِينْ: اسْتَجِبْ» . قالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ: مَعْنى آمِينْ عِنْدَ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ: اللَّهُ اسْتَجِبْ لَنا، وُضِعَ مَوْضِعَ الدُّعاءِ. وقالَ في الصِّحاحِ مَعْنى آمِينْ كَذَلِكَ فَلْيَكُنْ. وأخْرَجَ جُوَيْبِرٌ في تَفْسِيرِهِ عَنِ الضَّحّاكِ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قَلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ: ما مَعْنى آمِينْ ؟ قالَ: رَبِّ افْعَلْ» . وأخْرَجَ الكَلْبِيُّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ وكِيعٌ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ عَنْ هِلالِ بْنِ يَسافٍ ومُجاهِدٍ قالا: ( آمِينْ ) اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ مِثْلَهُ. وقالَ التِّرْمِذِيُّ: مَعْناهُ لا تُخَيِّبْ رَجاءَنا. وفِيهِ لُغَتانِ، المَدُّ عَلى وزْنِ (p-٢١)فاعِيلَ كَياسِينَ. والقَصْرُ عَلى وزْنِ يَمِينٍ، قالَ الشّاعِرُ في المَدِّ: ؎يا رَبُّ لا تَسْلُبَنِّي حُبَّها أبَدًا ويَرْحَمُ اللَّهُ عَبْدًا قالَ آمِينا وقالَ آخَرُ: آمِينْ آمِينْ لا أرْضى بِواحِدَةٍ حَتّى أُبَلِّغَها ألْفَيْنِ آمِينا قالَ الجَوْهَرِيُّ: وتَشْدِيدُ المِيمِ خَطَأٌ. ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وجَعْفَرٍ الصّادِقِ والحُسَيْنِ بْنِ فَضْلٍ التَّشْدِيدُ مِن أمَّ إذا قَصَدَ: أيْ نَحْنُ قاصِدُونَ نَحْوَكَ، حَكى ذَلِكَ القُرْطُبِيُّ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: وهو مَبْنِيٌّ عَلى الفَتْحِ مِثْلُ أيْنَ وكَيْفَ لِاجْتِماعِ السّاكِنِينَ، وتَقُولُ مِنهُ: أمَّنَ فُلانٌ تَأْمِينًا. وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في الجَهْرِ بِها، وفي أنَّ الإمامَ يَقُولُها أمْ لا ؟ وذَلِكَ مُبَيَّنٌ في مَواطِنِهِ.

البقرة 2:1

قالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِ سُورَةِ البَقَرَةِ: مَدَنِيَّةٌ نَزَلَتْ في مُدَدٍ شَتّى. وقِيلَ هي أوَّلُ سُورَةٍ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ إلّا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١] فَإنَّها آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ مِنَ السَّماءِ، ونَزَلَتْ يَوْمَ النَّحْرِ في حِجَّةِ الوَداعِ بِمِنًى، وآياتُ الرِّبا أيْضًا مِن أواخِرِ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ انْتَهى. وأخْرَجَ أبُو الضُّرَيْسِ في فَضائِلِهِ وأبُو جَعْفَرٍ النَّحّاسُ في النّاسِخِ والمَنسُوخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في دَلائِلِ النُّبُوَّةِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ سُورَةُ البَقَرَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في النّاسِخِ والمَنسُوخِ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: أوَّلُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ بِالمَدِينَةِ سُورَةُ البَقَرَةِ. وقَدْ ورَدَ في فَضْلِها أحادِيثُ مِنها ما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ وأحْمَدُ والبُخارِيُّ في تارِيخِهِ ومُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ عَنِ النَّوّاسِ بْنِ سَمْعانَ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «يُؤْتى بِالقُرْآنِ وأهْلِهِ الَّذِينَ كانُوا يَعْمَلُونَ بِهِ في الدُّنْيا تَقَدَّمُهم سُورَةُ البَقَرَةِ وآلُ عِمْرانَ» قالَ: وضَرَبَ لَهُما رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ثَلاثَةَ أمْثالٍ ما نَسِيتُهُنَّ بَعْدُ قالَ: «كَأنَّهُما غَمامَتانِ أوْ كَأنَّهُما غَيابَتانِ أوْ كَأنَّهُما ظُلَّتانِ سَوْداوانِ أوْ كَأنَّهُما فِرْقانِ مِن طَيْرٍ صَوّافَّ تُحاجّانِ عَنْ صاحِبِهِما» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ والدّارِمِيُّ ومُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ بُرَيْدَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «تَعَلَّمُوا سُورَةَ البَقَرَةِ فَإنَّ أخْذَها بَرَكَةٌ وتَرْكَها حَسْرَةٌ ولا يَسْتَطِيعُها البَطَلَةُ، ثُمَّ سَكَتَ ساعَةً ثُمَّ قالَ: تَعْلَّمُوا سُورَةَ البَقَرَةِ وآلِ عِمْرانَ فَإنَّهُما الزَّهْراوانِ تُظِلّانِ صاحِبَهُما يَوْمَ القِيامَةِ كَأنَّهُما غَمامَتانِ أوْ غَيابَتانِ أوْ فِرْقانِ مِن طَيْرٍ صَوّافَّ» . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وإسْنادُهُ حَسَنٌ عَلى شَرْطِ مُسْلِمٍ. وأخْرَجَ نَحْوَهُ أبُو عُبَيْدٍ وأحْمَدُ وحُمَيْدُ بْنُ زَنْجُوَيْهِ ومُسْلِمٌ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ مِن حَدِيثِ أبِي أُمامَةَ مَرْفُوعًا. وأخْرَجَ نَحْوَهُ أيْضًا الطَّبَرانِيُّ وأبُو ذَرٍّ الهَرَوِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا. وأخْرَجَ نَحْوَهُ أيْضًا البَزّارُ في سُنَنِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا. وأخْرَجَ مُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ وأحْمَدُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «لا تَجْعَلُوا بُيُوتَكم مَقابِرَ، إنَّ الشَّيْطانَ يَنْفِرُ مِنَ البَيْتِ الَّذِي يُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ البَقَرَةِ» . وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ عَنْ أنَسٍ نَحْوَهُ مَرْفُوعًا. وأخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ في الكامِلِ وابْنُ عَساكِرَ في تارِيخِهِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ النَّسائِيُّ والطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وسَنَدُهُ ضَعِيفٌ. وأخْرَجَهُ الدّارِمِيُّ والبَيْهَقِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن حَدِيثِهِ بِنَحْوِهِ. وأخْرَجَ أبُو يَعْلى وابْنُ حِبّانَ والطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السّاعِدِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ «إنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ سَنامًا، وسَنامُ القُرْآنِ سُورَةُ البَقَرَةِ، مَن قَرَأها في بَيْتِهِ نَهارًا لَمْ يَدْخُلْهُ الشَّيْطانُ ثَلاثَةَ أيّامٍ، ومَن قَرَأها في بَيْتِهِ لَيْلًا لَمْ يَدْخُلْهُ الشَّيْطانُ ثَلاثَ لَيالٍ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ ومُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ والطَّبَرانِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسارٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «البَقَرَةُ سَنامُ القُرْآنِ وذُرْوَتُهُ، نَزَلَ مَعَ كُلِّ آيَةٍ مِنها ثَمانُونَ مَلَكًا واسْتُخْرِجَتْ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ مِن تَحْتِ العَرْشِ فَوُصِلَتْ بِها» . وأخْرَجَ البَغَوِيُّ في مُعْجَمِ الصَّحابَةِ وابْنُ عَساكِرَ في تارِيخِهِ عَنْ رَبِيعَةَ الجَرَسِيِّ قالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: أيُّ القُرْآنِ أفْضَلُ ؟ قالَ: السُّورَةُ الَّتِي يُذْكَرُ فِيها البَقَرَةُ، قِيلَ: فَأيُّ البَقَرَةِ أفْضَلُ ؟ قالَ: آيَةُ الكُرْسِيِّ وخَواتِيمُ سُورَةِ البَقَرَةِ نَزَلَتْ مِن تَحْتِ العَرْشِ» . وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وأحْمَدُ والبُخارِيُّ في صَحِيحِهِ تَعْلِيقًا ومُسْلِمٌ والنَّسائِيُّ عَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ قالَ «بَيْنَما هو يَقْرَأُ مِنَ اللَّيْلِ سُورَةَ البَقَرَةِ وفَرَسُهُ مَرْبُوطَةٌ عِنْدَهُ إذْ جالَتِ الفَرَسُ فَسَكَتَ فَسَكَنَتْ، ثُمَّ قَرَأ فَجالَتِ الفَرَسُ فَسَكَتَ فَسَكَنَتْ، ثُمَّ قَرَأ فَجالَتِ الفَرَسُ فَسَكَتَ فَسَكَنَتْ فانْصَرَفَ إلى ابْنِهِ يَحْيى وكانَ قَرِيبًا مِنها فَأشْفَقَ أنْ تُصِيبَهُ، فَلَمّا أخَذَهُ رَفَعَ رَأْسَهُ إلى السَّماءِ فَإذا هو بِمِثْلِ الظُّلَّةِ فِيها أمْثالُ المَصابِيحِ عَرَجَتْ إلى السَّماءِ حَتّى ما يَراها، فَلَمّا أصْبَحَ حَدَّثَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِذَلِكَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: أتَدْرِي ما ذاكَ ؟ قالَ: لا يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: تِلْكَ المَلائِكَةُ دَنَتْ لِصَوْتِكَ، ولَوْ قَرَأْتَ لَأصْبَحَتْ تَنْظُرُ إلَيْها النّاسُ لا تَتَوارى مِنهم» ولِهَذا الحَدِيثِ ألْفاظٌ. وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ النَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ حِبّانَ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ " «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بَعْثًا فاسْتَقْرَأ كُلَّ رَجُلٍ مِنهم " يَعْنِي ما مَعَهُ مِنَ القُرْآنِ " فَأتى عَلى رَجُلٍ مِن أحْدَثِهِمْ سِنًّا فَقالَ: ما مَعَكَ يا فُلانُ ؟ قالَ: مَعِي كَذا وكَذا وسُورَةُ البَقَرَةِ، قالَ: أمَعَكَ سُورَةُ البَقَرَةِ ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: اذْهَبْ فَأنْتَ أمِيرُهم» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ عُثْمانَ بْنِ أبِي العاصِ، قالَ: «اسْتَعْمَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وأنا أصْغَرُ القَوْمِ الَّذِينَ وفَدُوا عَلَيْهِ مِن ثَقِيفٍ، وذَلِكَ أنِّي كُنْتُ قَرَأْتُ سُورَةَ البَقَرَةِ» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ الصَّلْصالِ بْنِ الدَّيَهْمَسِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «اقْرَءُوا سُورَةَ البَقَرَةِ في بُيُوتِكم ولا تَجْعَلُوها قُبُورًا قالَ: ومَن قَرَأ سُورَةَ البَقَرَةِ في (p-٢٢)لَيْلَةٍ تُوِّجَ بِتاجٍ في الجَنَّةِ» . وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ عَنْ عَبّادِ بْنِ عَبّادٍ عَنْ جَرِيرِ بْنِ حازِمٍ عَنْ عَمِّهِ جَرِيرِ بْنِ يَزِيدَ أنَّ أشْياخَ أهْلِ المَدِينَةِ حَدَّثُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قِيلَ لَهُ: «ألَمْ تَرَ إلى ثابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ لَمْ تَزَلْ دارُهُ البارِحَةَ تَزْهَرُ مَصابِيحَ، قالَ: فَلَعَلَّهُ قَرَأ سُورَةَ البَقَرَةِ، قالَ: فَسُئِلَ ثابِتٌ فَقالَ: قَرَأْتُ سُورَةَ البَقَرَةِ» . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ وهَذا إسْنادٌ جَيِّدٌ، إلّا أنَّ فِيهِ إبْهامًا ثُمَّ هو مُرْسَلٌ. وقَدْ رَوى أئِمَّةُ الحَدِيثِ في فَضائِلِها أحادِيثَ كَثِيرَةً وآثارًا عَنِ الصَّحابَةِ واسِعَةً، ومِن فَضائِلِها ما هو خاصٌّ بِآيَةِ الكُرْسِيِّ، وما هو خاصٌّ بِخَواتِمِ هَذِهِ السُّورَةِ، وقَدْ سَبَقَ بَعْضُ ذَلِكَ، وما هو في فَضْلِها وفَضْلِ آلِ عِمْرانَ، وقَدْ سَبَقَ أيْضًا بَعْضٌ مِن ذَلِكَ وما هو في فَضْلِ السَّبْعِ الطِّوالِ، كَما أخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ عَنْ واثِلَةَ بْنِ الأسْقَعِ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «أُعْطِيتُ السَّبْعَ مَكانَ التَّوْراةِ، وأُعْطِيتُ المِئِينَ مَكانَ الإنْجِيلِ، وأُعْطِيتُ المَثانِي مَكانَ الزَّبُورِ، وفُضِّلْتُ بِالمُفَصَّلِ» وفي إسْنادِهِ سَعِيدُ بْنُ بَشِيرٍ وفِيهِ لِينٌ، وقَدْ رَواهُ بِسَنَدٍ آخَرَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أبِي هِلالٍ. وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ عائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «مَن أخَذَ السَّبْعَ فَهو خَيْرٌ» وقَدْ رَواهُ عَنْها أحْمَدُ في المُسْنَدِ بِاللَّفْظِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «مَن أخَذَ السَّبْعَ الأُوَلَ مِنَ القُرْآنِ فَهو خَيْرٌ» . وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي﴾ [الحجرات: ٨٧] قالَ: هي السَّبْعُ الطِّوالُ البَقَرَةُ وآلُ عِمْرانَ والنِّساءُ والمائِدَةُ والأنْعامُ والأعْرافُ ويُونُسُ، وبِذَلِكَ قالَ مُجاهِدٌ ومَكْحُولٌ وعَطِيَّةُ بْنُ قَيْسٍ وأبُو مُحَمَّدٍ القارِي شَدّادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ويَحْيى بْنُ الحارِثِ الذِّمارِيُّ.وقَدْ ورَدَ ما يَدُلُّ عَلى كَراهَةِ أنْ يَقُولَ القائِلُ: سُورَةُ البَقَرَةِ ولا سُورَةُ آلِ عِمْرانَ ولا سُورَةُ النِّساءِ وكَذا القُرْآنُ كُلُّهُ. فَأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «لا تَقُولُوا: سُورَةَ البَقَرَةِ ولا سُورَةَ آلِ عِمْرانَ ولا سُورَةَ النِّساءِ وكَذا القُرْآنُ كُلُّهُ، ولَكِنْ قُولُوا: السُّورَةَ الَّتِي تُذْكَرُ فِيها البَقَرَةُ، والسُّورَةَ الَّتِي يُذْكَرُ فِيها آلُ عِمْرانَ، وكَذا القُرْآنُ كُلُّهُ» قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لا يَصِحُّ رَفْعُهُ، وفي إسْنادِهِ يَحْيى بْنُ مَيْمُونٍ الخَوّاصُّ وهو ضَعِيفُ الرِّوايَةِ لا يُحْتَجُّ بِهِ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: " لا تَقُولُوا سُورَةَ البَقَرَةِ، ولَكِنْ قُولُوا السُّورَةَ الَّتِي تُذْكَرُ فِيها البَقَرَةُ " . وقَدْ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ خِلافَ هَذا. فَثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ رَمى الجَمْرَةَ مِن بَطْنِ الوادِي، فَجَعَلَ البَيْتَ عَنْ يَسارِهِ ومِنًى عَنْ يَمِينِهِ ثُمَّ قالَ: هَذا مَقامُ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ البَقَرَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ ومُسْلِمٌ وأهْلُ السُّنَنِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ حُذَيْفَةَ قالَ: " «صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لَيْلَةً مِن رَمَضانَ فافْتَتَحَ البَقَرَةَ، فَقُلْتُ: يُصَلِّي بِها في رَكْعَةٍ، ثُمَّ افْتَتَحَ النِّساءَ فَقَرَأها، ثُمَّ افْتَتَحَ آلَ عِمْرانَ فَقَرَأها مُتَرَسِّلًا» الحَدِيثَ: وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ الضُّرَيْسِ والبَيْهَقِيُّ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «كُنْتُ أقُومُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في اللَّيْلِ فَيَقْرَأُ بِالبَقَرَةِ وآلِ عِمْرانَ والنِّساءِ» . وأخْرَجَ أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ في الشَّمائِلِ والنَّسائِيُّ والبَيْهَقِيُّ عَنْ عَوْفِ بْنِ مالِكٍ الأشْجَعِيِّ قالَ: «قُمْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لَيْلَةً، فَقامَ فَقَرَأ سُورَةَ البَقَرَةِ لا يَمُرُّ بِآيَةِ رَحْمَةٍ إلّا وقَفَ» الحَدِيثَ. * * بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ: اخْتَلَفَ أهْلُ التَّأْوِيلِ في الحُرُوفِ الَّتِي في أوائِلِ السُّوَرِ فَقالَ الشَّعْبِيُّ وسُفْيانُ الثَّوْرِيُّ وجَماعَةٌ مِنَ المُحَدِّثِينَ: هي سِرُّ اللَّهِ في القُرْآنِ، ولِلَّهِ في كُلِّ كِتابٍ مِن كُتُبِهِ سِرٌّ، فَهي مِنَ المُتَشابِهِ الَّذِي انْفَرَدَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ ولا نُحِبُّ أنْ نَتَكَلَّمَ فِيها ولَكِنْ نُؤْمِنُ بِها، وتُمَدُّ كَما جاءَتْ. ورُوِيَ هَذا القَوْلُ عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ. قالَ: وذَكَرَ أبُو اللَّيْثِ السَّمَرْقَنْدِيُّ عَنْ عُمَرَ وعُثْمانَ وابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهم قالُوا: الحُرُوفُ المُقَطَّعَةُ مِنَ المَكْتُومِ الَّذِي لا يُفَسَّرُ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: لَمْ نَجِدِ الحُرُوفَ في القُرْآنِ إلّا في أوائِلِ السُّوَرِ، ولا نَدْرِي ما أرادَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. قالَ: وقالَ جَمْعٌ مِنَ العُلَماءِ كَثِيرٌ: بَلْ نُحِبُّ أنْ نَتَكَلَّمَ فِيها ونَلْتَمِسَ الفَوائِدَ الَّتِي تَحْتَها والمَعانِيَ الَّتِي تَتَخَرَّجُ عَلَيْها. واخْتَلَفُوا في ذَلِكَ عَلى أقْوالٍ عَدِيدَةٍ، فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعَلِيٍّ أيْضًا أنَّ الحُرُوفَ المُقَطَّعَةَ في القُرْآنِ اسْمُ اللَّهِ الأعْظَمِ إلّا أنّا لا نَعْرِفُ تَأْلِيفَهُ مِنها. وقالَ قُطْرُبٌ والفَرّاءُ وغَيْرُهُما: هي إشارَةٌ إلى حُرُوفِ الهِجاءِ أعْلَمَ اللَّهُ بِها العَرَبَ حِينَ تَحَدّاهم بِالقُرْآنِ أنَّهُ مُؤْتَلِفٌ مِن حُرُوفٍ هي الَّتِي بِناءُ كَلامِهِمْ عَلَيْها لِيَكُونَ عَجْزُهم عَنْهُ أبْلَغَ في الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ إذْ لَمْ يَخْرُجُ عَنْ كَلامِهِمْ. قالَ قُطْرُبٌ: كانَ يَنْفِرُونَ عِنْدَ اسْتِماعِ القُرْآنِ، فَلَمّا نَزَلَ ﴿الم﴾ ﴿المص﴾ اسْتَنْكَرُوا هَذا اللَّفْظَ، فَلَمّا أنْصَتُوا لَهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِالقُرْآنِ المُؤْتَلِفِ لِيُثْبِتَهُ في أسْماعِهِمْ وآذانِهِمْ ويُقِيمَ الحُجَّةَ عَلَيْهِمْ. وقالَ قَوْمٌ: رُوِيَ أنَّ المُشْرِكِينَ لَمّا أعْرَضُوا عَنِ القُرْآنِ بِمَكَّةَ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦] فَأنْزَلَها اسْتَغْرَبُوها فَيَفْتَحُونَ أسْماعَهم فَيَسْمَعُونَ القُرْآنَ بَعْدَها فَتَجِبُ عَلَيْهِمُ الحُجَّةُ. وقالَ جَماعَةٌ: هي حُرُوفٌ دالَّةٌ عَلى أسْماءٍ أُخِذَتْ مِنها وحُذِفَتْ بَقِيَّتُها، كَقَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ الألِفُ مِنَ اللَّهِ واللّامُ مِن جِبْرِيلَ والمِيمُ مِن مُحَمَّدٍ. وذَهَبَ إلى هَذا الزَّجّاجُ فَقالَ: أذْهَبُ إلى أنَّ كُلَّ حَرْفٍ مِنها يُؤَدِّي عَنْ مَعْنًى. وقَدْ تَكَلَّمَتِ العَرَبُ بِالحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ كَقَوْلِهِ: ؎فَقُلْتُ لَها قِفِي، فَقالَتْ قافِ أيْ وقَفْتُ. وفِي الحَدِيثِ «مَن أعانَ عَلى قَتْلِ مُسْلِمٍ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ» قالَ شَقِيقٌ: هو أنْ يَقُولَ في اقْتُلْ: اقْ كَما قالَ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «كَفى بِالسَّيْفِ شا» أيْ شافِيًا، وفي نُسْخَةٍ شاهِدًا. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: هي أسْماءٌ لِلسُّوَرِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: هي أقْسامٌ أقْسَمَ اللَّهُ بِها لِشَرَفِها وفَضْلِها وهي مِن أسْمائِهِ. ومِن أدَقِّ ما أبْرَزَهُ المُتَكَلِّمُونَ في مَعانِي هَذِهِ الحُرُوفِ ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ في الكَشّافِ فَإنَّهُ قالَ: واعْلَمْ أنَّكَ إذا تَأمَّلْتَ (p-٢٣)ما أوْرَدَهُ اللَّهُ عَزَّ سُلْطانُهُ في الفَواتِحِ مِن هَذِهِ الأسْماءِ وجَدْتَها نِصْفَ أسامِي حُرُوفِ المُعْجَمِ أرْبَعَةَ عَشَرَ سَواءً: وهي الألِفُ واللّامُ والمِيمُ والصّادُ والرّاءُ والكافُ والهاءُ والياءُ والعَيْنُ والطّاءُ والسِّينُ والحاءُ والقافُ والنُّونُ في تِسْعٍ وعِشْرِينَ سُورَةً عَلى عَدَدِ حُرُوفِ المُعْجَمِ، ثُمَّ إذا نَظَرْتَ في هَذِهِ الأرْبَعَةَ عَشَرَ وجَدْتَها مُشْتَمِلَةً عَلى أنْصافِ أجْناسِ الحُرُوفِ. بَيانُ ذَلِكَ أنَّ فِيها مِنَ المَهْمُوسَةِ نِصْفَها الصّادَ والكافَ والهاءَ والسِّينَ والحاءَ، ومِنَ المَجْهُورَةِ نِصْفَها الألِفَ واللّامَ والمِيمَ والرّاءَ والعَيْنَ والطّاءَ والقافَ والياءَ والنُّونَ، ومِنَ الشَّدِيدَةِ نِصْفَها الألِفَ والكافَ والطّاءَ والنُّونَ، ومِنَ الرِّخْوَةِ نِصْفَها اللّامَ والمِيمَ والرّاءَ والصّادَ والهاءَ والعَيْنَ والسِّينَ والحاءَ والياءَ والنُّونَ، ومِنَ المُطْبَقَةِ نِصْفَها الصّادَ والطّاءَ، ومِنَ المُنْفَتِحَةِ نِصْفَها الألِفَ واللّامَ والمِيمَ والرّاءَ والكافَ والهاءَ والعَيْنَ والسِّينَ والحاءَ والقافَ والياءَ والنُّونَ، ومِنَ المُسْتَعْلِيَةِ نِصْفَها القافَ والصّادَ والطّاءَ، ومِنَ المُنْخَفِضَةِ نِصْفَها الألِفَ واللّامَ والمِيمَ والرّاءَ والكافَ والهاءَ والتّاءَ والعَيْنَ والسِّينَ والحاءَ والنُّونَ، ومِن حُرُوفِ القَلْقَلَةِ نَصْفَها القافَ والطّاءَ. ثُمَّ إذا اسْتَقْرَيْتَ الكَلِمَ وتَراكِيبَها رَأيْتَ الحُرُوفَ الَّتِي ألْغى اللَّهُ ذِكْرَها مِن هَذِهِ الأجْناسِ المَعْدُودَةِ مَكْنُوزَةً بِالمَذْكُورَةِ مِنها، فَسُبْحانَ الَّذِي دَقَّتْ في كُلِّ شَيْءٍ حِكْمَتُهُ، وقَدْ عَلِمْتَ أنَّ مُعْظَمَ الشَّيْءِ وجُلَّهُ يَنْزِلُ مَنزِلَةَ كُلِّهِ، وهو المُطابِقُ لِلَطائِفِ التَّنْزِيلِ واخْتِصاراتِهِ، فَكَأنَّ اللَّهَ عَزَّ اسْمُهُ عَدَّدَ عَلى العَرَبِ الألْفاظَ الَّتِي مِنها تَراكِيبُ كَلامِهِمْ إشارَةً إلى ما ذَكَرْتُ مِنَ التَّبْكِيتِ لَهم وإلْزامِ الحُجَّةِ إيّاهم، وما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعَمَّدَ بِالذِّكْرِ مِن حُرُوفِ المُعْجَمِ أكْثَرَها وُقُوعًا في تَراكِيبِ الكَلِمِ، أنَّ الألِفَ واللّامَ لَمّا تَكاثَرَ وُقُوعُهُما فِيها جاءَتا في مُعْظَمِ هَذِهِ الفَواتِحِ مُكَرَّرَتَيْنِ، وهي فَواتِحُ سُورَةِ البَقَرَةِ وآلِ عِمْرانَ والرُّومِ والعَنْكَبُوتِ ولُقْمانَ والسَّجْدَةِ والأعْرافِ والرَّعْدِ ويُونُسَ وإبْراهِيمَ وهُودٍ ويُوسُفَ والحِجْرِ انْتَهى. وأقُولُ: هَذا التَّدْقِيقُ لا يَأْتِي بِفائِدَةٍ يُعْتَدُّ بِها، وبَيانُهُ أنَّهُ إذا كانَ المُرادُ مِنهُ إلْزامَ الحُجَّةِ والتَّبْكِيتِ كَما قالَ: فَهَذا مُتَيَسِّرٌ بِأنْ يُقالَ لَهم: هَذا القُرْآنُ هو مِنَ الحُرُوفِ الَّتِي تَتَكَلَّمُونَ بِها لَيْسَ هو مِن حُرُوفٍ مُغايِرَةٍ لَها، فَيَكُونُ هَذا تَبْكِيتًا وإلْزامًا يَفْهَمُهُ كُلُّ سامِعٍ مِنهم مِن دُونِ إلْغازٍ وتَعْمِيَةٍ وتَفْرِيقٍ لِهَذِهِ الحُرُوفِ في فَواتِحِ تِسْعٍ وعِشْرِينَ سُورَةً، فَإنَّ هَذا مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّطْوِيلِ الَّذِي لا يَسْتَوْفِيهِ سامِعُهُ إلّا بِسَماعِ جَمِيعِ هَذِهِ الفَواتِحِ، هو أيْضًا مِمّا لا يَفْهَمُهُ أحَدٌ مِنَ السّامِعِينَ ولا يَتَعَقَّلُ شَيْئًا مِنهُ فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونَ تَبْكِيتًا لَهُ وإلْزامًا لِلْحُجَّةِ أيًّا كانَ، فَإنَّ ذَلِكَ هو أمْرٌ وراءَ الفَهْمِ مُتَرَتِّبٌ عَلَيْهِ ولَمْ يَفْهَمِ السّامِعُ هَذا، ولا ذَكَرَ أهْلُ العِلْمِ عَنْ فَرْدٍ مِن أفْرادِ الجاهِلِيَّةِ الَّذِينَ وقَعَ التَّحْدِيثُ لَهم بِالقُرْآنِ أنَّهُ بَلَغَ فَهْمُهُ إلى بَعْضِ هَذا فَضْلًا عَنْ كُلِّهِ. ثُمَّ كَوْنُ هَذِهِ الحُرُوفِ مُشْتَمِلَةً عَلى النِّصْفِ مِن جَمِيعِ الحُرُوفِ الَّتِي تَرَكَّبَتْ لُغَةُ العَرَبِ مِنها، وذَلِكَ النِّصْفُ مُشْتَمِلٌ عَلى أنْصافِ تِلْكَ الأنْواعِ مِنَ الحُرُوفِ المُتَّصِفَةِ بِتِلْكَ الأوْصافِ هو أمْرٌ لا يَتَعَلَّقُ بِهِ فائِدَةٌ لِجاهِلِيٍّ ولا إسْلامِيٍّ ولا مُقِرٍّ ولا مُنْكِرٍ ولا مُسَلِّمٍ ولا مُعارِضٍ، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مَقْصِدًا مِن مَقاصِدِ الرَّبِّ سُبْحانَهُ، الَّذِي أنْزَلَ كِتابَهُ لِلْإرْشادِ إلى شَرائِعِهِ والهِدايَةِ بِهِ. وهَبْ أنَّ هَذِهِ صِناعَةٌ عَجِيبَةٌ ونُكْتَةٌ غَرِيبَةٌ، فَلَيْسَ ذَلِكَ مِمّا يَتَّصِفُ بِفَصاحَةٍ ولا بَلاغَةٍ حَتّى يَكُونَ مُفِيدًا أنَّهُ كَلامٌ بَلِيغٌ أوْ فَصِيحٌ، وذَلِكَ لِأنَّ هَذِهِ الحُرُوفَ الواقِعَةَ في الفَواتِحِ لَيْسَتْ مِن جِنْسِ كَلامِ العَرَبِ حَتّى يَتَّصِفَ بِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ، وغايَةُ ما هُناكَ أنَّها مِن جِنْسِ حُرُوفِ كَلامِهِمْ ولا مَدْخَلَ لِذَلِكَ فِيما ذُكِرَ. وأيْضًا لَوْ فُرِضَ أنَّها كَلِماتٌ مُتَرَكِّبَةٌ بِتَقْدِيرِ شَيْءٍ قَبْلَها أوْ بَعْدَها لَمْ يَصِحَّ وصْفُها بِذَلِكَ، لِأنَّها تَعْمِيَةٌ غَيْرُ مَفْهُومَةٍ لِلسّامِعِ إلّا بِأنْ يَأْتِيَ مَن يُرِيدُ بَيانَها بِمِثْلِ ما يَأْتِي بِهِ مَن أرادَ بَيانَ الألْغازِ والتَّعْمِيَةِ، ولَيْسَ ذَلِكَ مِنَ الفَصاحَةِ والبَلاغَةِ في وِرْدٍ ولا صَدْرٍ بَلْ مِن عَكْسِهِما وضِدِّ رَسْمِهِما. وإذا عَرَفْتَ هَذا فاعْلَمْ أنَّ مَن تَكَلَّمَ في بَيانِ مَعانِي هَذِهِ الحُرُوفِ جازِمًا بِأنَّ ذَلِكَ هو ما أرادَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، فَقَدْ غَلِطَ أقْبَحَ الغَلَطِ ورَكِبَ في فَهْمِهِ ودَعْواهُ أعْظَمَ الشَّطَطِ، فَإنَّهُ إنْ كانَ تَفْسِيرُهُ لَها بِما فَسَّرَها بِهِ راجِعًا إلى لُغَةِ العَرَبِ وعُلُومِها فَهو كَذِبٌ بَحْتٌ، فَإنَّ العَرَبَ لَمْ يَتَكَلَّمُوا بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ، وإذا سَمِعَهُ السّامِعُ مِنهم كانَ مَعْدُودًا عِنْدَهُ مِنَ الرَّطانَةِ، ولا يُنافِي ذَلِكَ أنَّهم قَدْ يَقْتَصِرُونَ عَلى أحْرُفٍ أوْ حُرُوفٍ مِنَ الكَلِمَةِ الَّتِي يُرِيدُونَ النُّطْقَ بِها، فَإنَّهم لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ إلّا بَعْدَ أنْ تَقَدَّمَهُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ ويُفِيدُ مَعْناهُ، بِحَيْثُ لا يَلْتَبِسُ عَلى سامِعِهِ كَمِثْلِ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. ومِن هَذا القَبِيلِ ما يَقَعُ مِنهم مِنَ التَّرْخِيمِ، وأيْنَ هَذِهِ الفَواتِحُ الواقِعَةُ في أوائِلِ السُّوَرِ مِن هَذا ؟ وإذا تَقَرَّرَ لَكَ أنَّهُ لا يُمْكِنُ اسْتِفادَةُ ما ادَّعَوْهُ مِن لُغَةِ العَرَبِ وعُلُومِها لَمْ يَبْقَ حِينَئِذٍ إلّا أحَدُ أمْرَيْنِ: الأوَّلُ التَّفْسِيرُ بِمَحْضِ الرَّأْيِ الَّذِي ورَدَ النَّهْيُ عَنْهُ والوَعِيدُ عَلَيْهِ، وأهْلُ العِلْمِ أحَقُّ النّاسِ بِتَجَنُّبِهِ والصَّدِّ عَنْهُ والتَّنَكُّبِ عَنْ طَرِيقِهِ، وهم أتْقى لِلَّهِ سُبْحانَهُ مِن أنْ يَجْعَلُوا كِتابَ اللَّهِ سُبْحانَهُ مِلْعَبَةً لَهم يَتَلاعَبُونَ بِهِ ويَضَعُونَ حَماقاتِ أنْظارِهِمْ وخُزَعْبَلاتِ أفْكارِهِمْ عَلَيْهِ. الثّانِي التَّفْسِيرُ بِتَوْقِيفٍ عَنْ صاحِبِ الشَّرْعِ، وهَذا هو المَهْيَعُ الواضِحُ والسَّبِيلُ القَوِيمُ، بَلِ الجادَّةُ الَّتِي ما سِواها مَرْدُومٌ والطَّرِيقَةُ العامِرَةُ الَّتِي ما عَداها مَعْدُومٌ، فَمَن وجَدَ شَيْئًا مِن هَذا فَغَيْرُ مُلْزَمٍ أنْ يَقُولَ بِمِلْءِ فِيهِ ويَتَكَلَّمَ بِما وصَلَ إلَيْهِ عِلْمُهُ، ومَن لَمْ يَبْلُغْهُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ فَلْيَقُلْ لا أدْرِي، أوِ اللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ، فَقَدْ ثَبَتَ النَّهْيُ عَنْ طَلَبِ فَهْمِ المُتَشابِهِ ومُحاوَلَةِ الوُقُوفِ عَلى عِلْمِهِ مَعَ كَوْنِهِ ألْفاظًا عَرَبِيَّةً وتَراكِيبَ مَفْهُومَةً، وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ تَتَبُّعَ ذَلِكَ صَنِيعَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ، فَكَيْفَ بِما نَحْنُ بِصَدَدِهِ ؟ فَإنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يُقالَ فِيهِ إنَّهُ مُتَشابِهُ المُتَشابِهِ عَلى فَرْضِ أنَّ لِلْفَهْمِ إلَيْهِ سَبِيلًا، ولِكَلامِ العَرَبِ فِيهِ مَدْخَلًا، فَكَيْفَ وهو خارِجٌ عَنْ ذَلِكَ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ. وانْظُرْ كَيْفَ فَهِمَ اليَهُودُ عِنْدَ سَماعِ ﴿الم﴾ فَإنَّهم لَمّا لَمْ يَجِدُوها عَلى نَمَطِ لُغَةِ العَرَبِ فَهِمُوا أنَّ الحُرُوفَ المَذْكُورَةَ رَمْزٌ إلى ما يَصْطَلِحُونَ عَلَيْهِ مِنَ العَدَدِ الَّذِي يَجْعَلُونَهُ لَها، كَما أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ والبُخارِيُّ في تارِيخِهِ وابْنُ جَرِيرٍ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: مَرَّ أبُو ياسِرِ بْنُ أخْطَبَ في رِجالٍ مِن يَهُودَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وهو يَتْلُو فاتِحَةَ (p-٢٤)سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿الم﴾ ﴿ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ﴾ فَأتى أخاهُ حُيَيَّ بْنَ أخْطَبَ في رِجالٍ مِنَ اليَهُودِ فَقالَ: تَعْلَمُونَ واللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ مُحَمَّدًا يَتْلُو فِيما أُنْزِلَ عَلَيْهِ ﴿الم﴾ ﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾، فَقالَ: أنْتَ سَمِعْتَهُ ؟ فَقالَ: نَعَمْ، فَمَشى حُيَيٌّ في أُولَئِكَ النَّفَرِ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ ألَمْ تَذْكُرْ أنَّكَ تَتْلُو فِيما أُنْزِلَ عَلَيْكَ ﴿الم﴾ ﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾ قالَ: بَلى، قالُوا: أجاءَكَ بِهَذا جِبْرِيلُ مِن عِنْدِ اللَّهِ ؟ قالَ: نَعَمْ. قالُوا: لَقَدْ بَعَثَ اللَّهُ قَبْلَكَ الأنْبِياءَ ما نَعْلُمُهُ بَيَّنَ لِنَبِيٍّ مِنهم ما مُدَّةُ مُلْكِهِ وما أجَلُ أُمَّتِهِ غَيْرَكَ، فَقالَحُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ: وأقْبَلَ عَلى مَن كانَ مَعَهُ الألِفُ واحِدٌ واللّامُ ثَلاثُونَ والمِيمُ أرْبَعُونَ، فَهَذِهِ إحْدى وسَبْعُونَ سَنَةً، أفَتَدْخُلُونَ في دِينِ نَبِيٍّ إنَّما مُدَّةُ مُلْكِهِ وأجَلُ أُمَّتِهِ إحْدى وسَبْعُونَ سَنَةً ؟ ثُمَّ أقْبَلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ هَلْ مَعَ هَذا غَيْرُهُ ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: وما ذاكَ ؟ قالَ: ﴿المص﴾، قالَ: هَذِهِ أثْقَلُ وأطْوَلُ الألِفُ واحِدَةٌ واللّامُ ثَلاثُونَ والمِيمُ أرْبَعُونَ والصّادُ تِسْعُونَ، فَهَذِهِ إحْدى وسِتُّونَ ومِائَةُ سَنَةٍ، هَلْ مَعَ هَذا يا مُحَمَّدُ غَيْرُهُ ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: وما ذاكَ ؟ قالَ: ﴿الر﴾ قالَ: هَذِهِ أثْقَلُ وأطْوَلُ الألِفُ واحِدَةٌ واللّامُ ثَلاثُونَ والرّاءُ مِائَتانِ، هَذِهِ إحْدى وثَلاثُونَ سَنَةً ومِائَتانِ، فَهَلْ مَعَ هَذا غَيْرُهُ ؟ قالَ: نَعَمْ ﴿المر﴾ قالَ: فَهَذِهِ أثْقَلُ وأطْوَلُ الألِفُ واحِدَةٌ واللّامُ ثَلاثُونَ والمِيمُ أرْبَعُونَ والرّاءُ مِائَتانِ، فَهَذِهِ إحْدى وسَبْعُونَ سَنَةً ومِائَتانِ، ثُمَّ قالَ: لَقَدْ لُبِّسَ عَلَيْنا أمْرُكَ يا مُحَمَّدُ حَتّى ما نَدْرِي قَلِيلًا أُعْطِيتَ أمْ كَثِيرًا ثُمَّ قامُوا، فَقالَ أبُو ياسِرٍ لِأخِيهِ حُيَيٍّ ومَن مَعَهُ مِنَ الأحْبارِ: ما يُدْرِيكم لَعَلَّهُ قَدْ جُمِعَ هَذا لِمُحَمَّدٍ كُلِّهِ إحْدى وسَبْعُونَ وإحْدى وسِتُّونَ ومِائَةٌ وإحْدى وثَلاثُونَ ومِائَتانِ وإحْدى وسَبْعُونَ ومِائَتانِ، فَذَلِكَ سَبْعُمِائَةٍ وأرْبَعٌ وثَلاثُونَ سَنَةً، فَقالُوا: لَقَدْ تَشابَهَ عَلَيْنا أمْرُهُ، فَيَزْعُمُونَ أنَّ هَذِهِ الآياتِ نَزَلَتْ فِيهِمْ ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتابِ وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ﴾ [آل عمران: ٧] فانْظُرْ ما بَلَغَتْ إلَيْهِ أفْهامُهم مِن هَذا الأمْرِ المُخْتَصِّ بِهِمْ مِن عَدَدِ الحُرُوفِ مَعَ كَوْنِهِ لَيْسَ مِن لُغَةِ العَرَبِ في شَيْءٍ، وتَأمَّلْ أيَّ مَوْضِعٍ أحَقُّ بِالبَيانِ مِن رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِن هَذا المَوْضِعِ، فَإنَّ هَؤُلاءِ المَلاعِينَ قَدْ جَعَلُوا ما فَهِمُوهُ عِنْدَ سَماعِ ﴿الم﴾ ﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾ مِن ذَلِكَ العَدَدِ مُوجِبًا لِلتَّثْبِيطِ عَنِ الإجابَةِ لَهُ والدُّخُولِ في شَرِيعَتِهِ، فَلَوْ كانَ لِذَلِكَ مَعْنًى يُعْقَلُ ومَدْلُولٌ يُفْهَمُ، لَدَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ما ظَنُّوهُ بادِئَ بَدْءٍ حَتّى لا يَتَأثَّرَ عَنْهُ ما جاءُوا بِهِ مِنَ التَّشْكِيكِ عَلى مَن مَعَهم. فَإنْ قُلْتَ: هَلْ ثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ في هَذِهِ الفَواتِحِ شَيْءٌ يَصْلُحُ لِلتَّمَسُّكِ بِهِ ؟ قُلْتُ: لا أعْلَمُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ تَكَلَّمَ في شَيْءٍ مِن مَعانِيها، بَلْ غايَةُ ما ثَبَتَ عَنْهُ هو مُجَرَّدُ عَدَدِ حُرُوفِها، فَأخْرَجَ البُخارِيُّ في تارِيخِهِ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «مَن قَرَأ حَرْفًا مِن كِتابِ اللَّهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، والحَسَنَةُ بِعَشْرِ أمْثالِها، لا أقُولُ ﴿الم﴾ حَرْفٌ، ولَكِنْ ألِفٌ حَرْفٌ ولامٌ حَرْفٌ ومِيمٌ حَرْفٌ» ولَهُ طُرُقٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والبَزّارُ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ عَوْفِ بْنِ مالِكٍ والأشْجَعِيِّ نَحْوَهُ مَرْفُوعًا. فَإنْ قُلْتَ: هَلْ رُوِيَ عَنِ الصَّحابَةِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ بِإسْنادٍ مُتَّصِلٍ بِقائِلِهِ أمْ لَيْسَ إلّا ما تَقَدَّمَ مِن حِكايَةِ القُرْطُبِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعَلِيٍّ ؟ قُلْتُ: قَدْ رَوى ابْنُ جَرِيرٍ والبَيْهَقِيُّ في كِتابِ الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: الم حَرْفٌ اشْتُقَّتْ مِن حُرُوفِ اسْمِ اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿الم﴾ و﴿حم﴾ و﴿ن﴾ قالَ: اسْمٌ مُقَطَّعٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في كِتابِ الأسْماءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا في قَوْلِهِ، ﴿الم﴾، و ﴿المص﴾، و ﴿المر﴾، و ﴿كهيعص﴾، و ﴿طه﴾، و ﴿طسم﴾، و ﴿طس﴾ و ﴿يس﴾، و ﴿ص﴾، و﴿حم﴾، و ﴿ق﴾، و ﴿ن﴾، قالَ: هو قَسَمٌ أقْسَمَهُ اللَّهُ وهو مِن أسْماءِ اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ " ﴿الم﴾ " قالَ: هي اسْمُ اللَّهِ الأعْظَمُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ في قَوْلِهِ: " ﴿الم﴾ " قالَ: ألِفٌ مِفْتاحُ اسْمِهِ اللَّهِ، ولامٌ مِفْتاحُ اسْمِهِ لَطِيفٍ، ومِيمٌ مِفْتاحُ اسْمِهِ مَجِيدٍ. وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذِهِ التَّفاسِيرِ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ فِيهِمْ عِكْرِمَةُ والشَّعْبِيُّ والسُّدِّيُّ وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ والحَسَنُ. فَإنْ قُلْتَ: هَلْ يَجُوزُ الِاقْتِداءُ بِأحَدٍ مِنَ الصَّحابَةِ ؟ قالَ في تَفْسِيرِ شَيْءٍ مِن هَذِهِ الفَواتِحِ قَوْلًا صَحَّ إسْنادُهُ إلَيْهِ. قُلْتُ: لا لِما قَدَّمْنا، إلّا أنْ يُعْلَمَ أنَّهُ قالَ ذَلِكَ عَنْ عِلْمٍ أخَذَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. فَإنْ قُلْتَ: هَذا مِمّا لا مَجالَ لِلِاجْتِهادِ فِيهِ ولا مَدْخَلَ لِلُغَةِ العَرَبِ فَلِمَ لا يَكُونُ لَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ ؟ قُلْتُ: تَنْزِيلُ هَذا مَنزِلَةَ المَرْفُوعِ، وإنْ قالَ بِهِ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الأُصُولِ وغَيْرِهِمْ، فَلَيْسَ مِمّا يَنْشَرِحُ لَهُ صُدُورُ المُنْصِفِينَ، ولا سِيَّما إذا كانَ في مِثْلِ هَذا المَقامِ وهو التَّفْسِيرُ لِكَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، فَإنَّهُ دُخُولٌ في أعْظَمِ الخَطَرِ بِما لا بُرْهانَ عَلَيْهِ صَحِيحٌ إلّا مُجَرَّدَ قَوْلِهِمْ إنَّهُ يَبْعُدُ مِنَ الصَّحابِيِّ كُلَّ البُعْدِ أنْ يَقُولَ بِمَحْضِ رَأْيِهِ فِيما لا مَجالَ فِيهِ لِلِاجْتِهادِ، ولَيْسَ مُجَرَّدُ هَذا الِاسْتِبْعادِ مُسَوِّغًا لِلْوُقُوعِ في خَطَرِ الوَعِيدِ الشَّدِيدِ. عَلى أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يَذْهَبَ بَعْضُ الصَّحابَةِ إلى تَفْسِيرِ بَعْضِ المُتَشابِهِ كَما تَجِدُهُ كَثِيرًا في تَفاسِيرِهِمُ المَنقُولَةِ عَنْهم ويَجْعَلَ هَذِهِ الفَواتِحَ مِن جُمْلَةِ المُتَشابِهِ، ثُمَّ هاهُنا مانِعٌ آخَرُ، وهو أنَّ المَرْوِيَّ عَنِ الصَّحابَةِ في هَذا مُخْتَلِفٌ مُتَناقِضٌ، فَإنْ عَمِلْنا بِما قالَهُ أحَدُهم دُونَ الآخَرِ كانَ تَحَكُّمًا لا وجْهَ لَهُ، وإنْ عَمِلْنا بِالجَمِيعِ كانَ عَمَلًا بِما هو مُخْتَلِفٌ مُتَناقِضٌ ولا يَجُوزُ. ثُمَّ هاهُنا مانِعٌ غَيْرُ هَذا المانِعِ، وهو أنَّهُ لَوْ كانَ شَيْءٌ لِما قالُوهُ مَأْخُوذًا عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لاتَّفَقُوا عَلَيْهِ ولَمْ يَخْتَلِفُوا كَسائِرِ ما هو مَأْخُوذٌ عَنْهُ، فَلَمّا اخْتَلَفُوا في هَذا عَلِمْنا أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَأْخُوذًا عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، ثُمَّ لَوْ كانَ عِنْدَهم شَيْءٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في هَذا لَما تَرَكُوا حِكايَتَهُ عَنْهُ ورَفْعَهُ إلَيْهِ، لا سِيَّما عِنْدَ اخْتِلافِهِمْ واضْطِرابِ أقْوالِهِمْ في مِثْلِ هَذا الكَلامِ الَّذِي لا مَجالَ لِلُغَةِ العَرَبِ فِيهِ ولا مَدْخَلَ لَها. والَّذِي أراهُ لِنَفْسِي ولِكُلِّ مَن أحَبَّ السَّلامَةَ واقْتَدى بِسَلَفِ الأُمَّةِ أنْ لا يَتَكَلَّمَ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ، مَعَ الِاعْتِرافِ بِأنَّ في إنْزالِها حِكْمَةً لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ ولا تَبْلُغُها عُقُولُنا ولا تَهْتَدِي إلَيْها أفْهامُنا، وإذا انْتَهَيْتَ إلى السَّلامَةِ في (p-٢٥)مَداكَ فَلا تُجاوِزْهُ، وسَيَأْتِي لَنا عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتابِ وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ﴾ [آل عمران: ٧] كَلامٌ طَوِيلُ الذُّيُولِ، وتَحْقِيقُ تَقَبُّلِهِ صَحِيحاتُ الأفْهامِ وسَلِيماتُ العُقُولِ.

البقرة 2:2

الإشارَةُ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ إلى الكِتابِ المَذْكُورِ بَعْدَهُ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾ هَذا الكِتابُ وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والسُّدِّيُّ ومُقاتِلٌ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ وابْنُ جُرَيْجٍ، وحَكاهُ البُخارِيُّ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ. والعَرَبُ قَدْ تَسْتَعْمِلُ الإشارَةَ إلى البَعِيدِ الغائِبِ مَكانَ الإشارَةِ إلى القَرِيبِ الحاضِرِ كَما قالَ خُفافٌ: ؎أقُولُ لَهُ والرُّمْحُ يَأْطُرُ مَتْنَهُ تَأمَّلْ خُفافًا أنَّنِي أنا ذَلِكا أيْ أنا هَذا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [السجدة: ٦] و﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ﴾ [الأنعام: ٨٣] ﴿تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ﴾ [البقرة: ٢٥٢] ﴿ذَلِكم حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكم﴾ [الممتحنة: ١٠] وقِيلَ إنَّ الإشارَةَ إلى غائِبٍ، واخْتُلِفَ في ذَلِكَ الغائِبِ، فَقِيلَ: هو الكِتابُ الَّذِي كُتِبَ عَلى الخَلائِقِ بِالسَّعادَةِ والشَّقاوَةِ والأجَلِ والرِّزْقِ. ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أيْ لا مُبَدِّلَ لَهُ، وقِيلَ: ذَلِكَ الكِتابُ الَّذِي كَتَبَهُ اللَّهُ عَلى نَفْسِهِ في الأزَلِ أنَّ رَحْمَتَهُ سَبَقَتْ غَضَبَهُ، كَما في صَحِيحِمُسْلِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «لَمّا قَضى اللَّهُ الخَلْقَ كَتَبَ في كِتابٍ عَلى نَفْسِهِ فَهو مَوْضُوعٌ عِنْدَهُ: إنَّ رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِي» . وفِي رِوايَةٍ سَبَقَتْ. وقِيلَ: الإشارَةُ إلى ما قَدْ نَزَلَ بِمَكَّةَ، وقِيلَ: إلى ما في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وقِيلَ: إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ قَبْلَهُ ﴿الم﴾، ورَجَّحَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وقَدْ وقَعَ الِاخْتِلافُ في ذَلِكَ إلى تَمامِ عَشْرَةِ أقْوالٍ حَسْبَما حَكاهُ القُرْطُبِيُّ وأرْجَحُها ما صَدَّرْناهُ، واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ، و﴿الكِتابُ﴾ صِفَتُهُ، والخَبَرُ ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ ومَن جَوَّزَ الِابْتِداءَ بِـ ﴿الم﴾ جَعَلَ ذَلِكَ مُبْتَدَأً ثانِيًا، وخَبَرُهُ ﴿الكِتابُ﴾ أوْ هو صِفَتُهُ، والخَبَرُ ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ والجُمْلَةُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ. ويَجُوزُ أنْتَ يَكُونُ المُبْتَدَأُ مُقَدَّرًا وخَبَرُهُ ﴿الم﴾ وما بَعْدَهُ. والرَّيْبُ مَصْدَرٌ، وهو قَلَقُ النَّفْسِ واضْطِرابُها، وقِيلَ إنَّ الرَّيْبَ الشَّكُّ. قالَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ: لا أعْلَمُ في هَذا خِلافًا. وقَدْ يُسْتَعْمَلُ الرَّيْبُ في التُّهْمَةِ والحاجَةِ، حَكى ذَلِكَ القُرْطُبِيُّ. ومَعْنى هَذا النَّفْيِ العامِّ أنَّ الكِتابَ لَيْسَ بِمَظِنَّةٍ لِلرَّيْبِ لِوُضُوحِ دَلالَتِهِ وُضُوحًا يَقُومُ مَقامَ البُرْهانِ المُقْتَضِي لِكَوْنِهِ لا يَنْبَغِي الِارْتِيابُ فِيهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، والوَقْفُ عَلى ﴿فِيهِ﴾ هو المَشْهُورُ. وقَدْ رُوِيَ عَنْ نافِعٍ وعاصِمٍ الوَقْفُ عَلى ﴿لا رَيْبَ﴾ . قالَ في الكَشّافِ: ولا بُدَّ لِلْواقِفِ مِن أنْ يَنْوِيَ خَبَرًا ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا لا ضَيْرَ﴾ [الشعراء: ٥٠] وقَوْلُ العَرَبِ: لا بَأْسَ، وهي كَثِيرَةٌ في لِسانِ أهْلِ الحِجازِ، والتَّقْدِيرُ: لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى. والهُدى مَصْدَرٌ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهو الدَّلالَةُ المُوصِلَةُ إلى البُغْيَةِ بِدَلِيلِ وُقُوعِ الضَّلالِ في مُقابَلَتِهِ انْتَهى. ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ الظَّرْفُ المَذْكُورُ قَبْلَهُ عَلى ما سَبَقَ. قالَ القُرْطُبِيُّ: الهُدى هُدَيانِ: هُدى دَلالَةٍ وهو الَّذِي يَقْدِرُ عَلَيْهِ الرُّسُلُ وأتْباعُهم، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ [الرعد: ٧] وقالَ: ﴿وإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] فَأثْبَتَ لَهُمُ الهُدى الَّذِي مَعْناهُ الدَّلالَةُ والدَّعْوَةُ والتَّنْبِيهُ، وتَفَرَّدَ سُبْحانَهُ بِالهُدى الَّذِي مَعْناهُ التَّأْيِيدُ والتَّوْفِيقُ، فَقالَ لِنَبِيِّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] فالهُدى عَلى هَذا يَجِيءُ بِمَعْنى خَلْقِ الإيمانِ في القَلْبِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ انْتَهى. والمُتَّقِينَ مَن ثَبَتَتْ لَهُمُ التَّقْوى. قالَ ابْنُ فارِسٍ: وأصْلُها في اللُّغَةِ قِلَّةُ الكَلامِ. وقالَ في الكَشّافِ: المُتَّقِي في اللُّغَةِ: اسْمُ فاعِلٍ مِن قَوْلِهِمْ وقاهُ فاتَّقى، والوِقايَةُ: الصِّيانَةُ، ومِنهُ: فَرَسٌ واقٍ، وهَذِهِ الدّابَّةُ تَقِي مِن وِجارِها: إذا أصابَها ضَلَعٌ مِن غِلَظِ الأرْضِ ورِقَّةِ الحافِرِ، فَهو يَقِي حافِرَهُ أنْ يُصِيبَهُ أدْنى شَيْءٍ يُؤْلِمُهُ. وهُوَ في الشَّرِيعَةِ: الَّذِي يَقِي نَفْسَهُ تَعاطِيَ ما يَسْتَحِقُّ بِهِ العُقُوبَةَ مِن فِعْلٍ أوْ تَرْكٍ انْتَهى. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ ﴿الكِتابُ﴾ القُرْآنُ، ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ لا شَكَّ فِيهِ. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ قالَ: لا شَكَّ فِيهِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: الرَّيْبُ الشَّكُّ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ مِثْلَهُ، وكَذا ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ قالَ: نُورٌ لِلْمُتَّقِينَ وهُمُ المُؤْمِنُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ أيِ الَّذِينَ يَحْذَرُونَ مِنَ اللَّهِ عُقُوبَتَهُ في تَرْكِ ما يَعْرِفُونَ مِنَ الهُدى ويَرْجُونَ رَحْمَتَهُ في التَّصْدِيقِ مِمّا جاءَ مِنهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ أنَّهُ قِيلَ لَهُ: مَنِ المُتَّقُونَ ؟ فَقالَ: قَوْمٌ اتَّقَوُا الشِّرْكَ وعِبادَةَ الأوْثانِ وأخْلَصُوا لِلَّهِ العِبادَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَجُلًا قالَ لَهُ: ما التَّقْوى ؟ قالَ: هَلْ وجَدْتَ طَرِيقًا ذا شَوْكٍ ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: فَكَيْفَ صَنَعْتَ ؟ قالَ: إذا رَأيْتُ الشَّوْكَ عَدَلْتُ عَنْهُ أوْ جاوَزْتُهُ أوْ قَصَّرْتُ عَنْهُ، قالَ: ذاكَ التَّقْوى. وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: تَمامُ التَّقْوى أنْ يَتَّقِيَ اللَّهَ العَبْدُ حَتّى يَتَّقِيَهُ مِن مِثْقالِ ذَرَّةٍ حِينِ يَتْرُكُ بَعْضَ ما يَرى أنَّهُ حَلالٌ خَشْيَةَ أنْ يَكُونَ حِجابًا بَيْنَهُ وبَيْنَ الحَرامِ. وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ ما قالَهُ أبُو الدَّرْداءِ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ. وأخْرَجَ أحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والبُخارِيُّ في تارِيخِهِ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عَطِيَّةَ السَّعْدِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «لا يَبْلُغُ العَبْدُ أنْ يَكُونَ مِنَ المُتَّقِينَ حَتّى يَدَعَ ما لا بَأْسَ بِهِ حَذَرًا لِما بِهِ البَأْسُ» فالمَصِيرُ إلى ما أفادَهُ هَذا الحَدِيثُ واجِبٌ، ويَكُونُ هَذا مَعْنًى شَرْعِيًّا لِلْمُتَّقِي أخَصَّ مِنَ المَعْنى الَّذِي قَدَّمْناهُ عَنْ صاحِبِ الكَشّافِ زاعِمًا أنَّهُ المَعْنى الشَّرْعِيُّ.

البقرة 2:3

(p-٢٦)هُوَ وصْفٌ لِلْمُتَّقِينَ كاشِفٌ، والإيمانُ في اللُّغَةِ: التَّصْدِيقُ، وفي الشَّرْعِ ما سَيَأْتِي. والغَيْبُ في كَلامِ العَرَبِ: كُلُّ ما غابَ عَنْكَ. قالَ القُرْطُبِيُّ: واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في تَأْوِيلِ الغَيْبِ هُنا، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: الغَيْبُ في هَذِهِ الآيَةِ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ، وضَعَفَّهُ ابْنُ العَرَبِيِّ. وقالَ آخَرُونَ: القَضاءُ والقَدْرُ. وقالَ آخَرُونَ: القُرْآنُ وما فِيهِ مِنَ الغُيُوبِ. وقالَ آخَرُونَ: الغَيْبُ كُلُّ ما أخْبَرَ بِهِ الرَّسُولُ مِمّا لا تَهْتَدِي إلَيْهِ العُقُولُ مِن أشْراطِ السّاعَةِ وعَذابِ القَبْرِ والحَشْرِ والنَّشْرِ والصِّراطِ والمِيزانِ والجَنَّةِ والنّارِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذِهِ الأقْوالُ لا تَتَعارَضُ بَلْ يَقَعُ الغَيْبُ عَلى جَمِيعِها، قالَ: وهَذا هو الإيمانُ الشَّرْعِيُّ المُشارُ إلَيْهِ في حَدِيثِ جِبْرِيلَ حِينَ قالَ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «فَأخْبِرْنِي عَنِ الإيمانِ ؟ قالَ: أنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ واليَوْمِ الآخِرِ، وتُؤْمِنَ بِالقَدَرِ خَيْرِهِ وشَرِّهِ، قالَ: صَدَقْتَ انْتَهى» . وهَذا الحَدِيثُ هو ثابِتٌ في الصَّحِيحِ بِلَفْظِ: «أنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ، والقَدَرِ خَيْرِهِ وشَرِّهِ» . وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَندَهْ وأبُو نُعَيْمٍ كِلاهُما في مَعْرِفَةِ الصَّحابَةِ عَنْ تَوِيلَةَ بِنْتِ أسْلَمَ قالَتْ: «صَلَّيْتُ الظُّهْرَ أوِ العَصْرَ في مَسْجِدِ بَنِي حارِثَةَ، فاسْتَقْبَلْنا مَسْجِدَ إيلِيا فَصَلَّيْنا سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ جاءَنا مَن يُخْبِرُنا بِأنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قَدِ اسْتَقْبَلَ البَيْتَ، فَتَحَوَّلَ الرِّجالُ مَكانَ النِّساءِ والنِّساءُ مَكانَ الرِّجالِ، فَصَلَّيْنا السَّجْدَتَيْنِ الباقِيَتَيْنِ ونَحْنُ مُسْتَقْبِلُونَ البَيْتَ الحَرامَ، فَبَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَ: أُولَئِكَ قَوْمٌ آمَنُوا بِالغَيْبِ» . وأخْرَجَ البَزّارُ وأبُو يَعْلى والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: كُنْتُ جالِسًا مَعَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَ: «أنْبِئُونِي بِأفْضَلِ أهْلِ الإيمانِ إيمانًا ؟ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ المَلائِكَةُ، قالَ: هم كَذَلِكَ ويَحِقُّ لَهم، وما يَمْنَعُهم وقَدْ أنْزَلَهُمُ اللَّهُ المَنزِلَةَ الَّتِي أنْزَلَهم بِها، قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ الأنْبِياءُ الَّذِينَ أكْرَمَهُمُ اللَّهُ بِرِسالَتِهِ والنُّبُوَّةِ، قالَ: هم كَذَلِكَ ويَحِقُّ لَهم، وما يَمْنَعُهم وقَدْ أنْزَلَهُمُ اللَّهُ المَنزِلَةَ الَّتِي أنْزَلَهم بِها، قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ الشُّهَداءُ الَّذِينَ اسْتَشْهَدُوا مَعَ الأنْبِياءِ، قالَ: هم كَذَلِكَ، وما يَمْنَعُهم وقَدْ أكْرَمَهُمُ اللَّهُ بِالشَّهادَةِ، قالُوا: فَمَن يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: أقْوامٌ في أصْلابِ الرِّجالِ يَأْتُونَ مِن بَعْدِي يُؤْمِنُونَ بِي ولَمْ يَرَوْنِي ويُصَدِّقُونِي ولَمْ يَرَوْنِي، يَجِدُونَ الوَرَقَ المُعَلَّقَ فَيَعْمَلُونَ بِما فِيهِ، فَهَؤُلاءِ أفْضَلُ أهْلِ الإيمانِ إيمانًا» وفي إسْنادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ أبِي حُمَيْدٍ وفِيهِ ضَعْفٌ. وأخْرَجَ الحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ في حِزْبِهِ المَشْهُورِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، فَذَكَرَ نَحْوَ الحَدِيثِ الأوَّلِ، وفي إسْنادِهِ المُغِيرَةُ بْنُ قَيْسٍ البَصَرِيُّ وهو مُنْكَرُ الحَدِيثِ. وأخْرَجَ نَحْوَهُ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا، والإسْماعِيلِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا أيْضًا، والبَزّارُ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في مُسْنَدِهِ عَنْ عَوْفِ بْنِ مالِكٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «يا لَيْتَنِي قَدْ لَقِيتُ إخْوانِي. قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ ألَسْنا إخْوانَكَ ؟ قالَ: بَلى، ولَكِنْ قَوْمٌ يَجِيئُونَ مِن بَعْدِكم يُؤْمِنُونَ بِي إيمانَكم ويُصَدِّقُونِي تَصْدِيقَكم ويَنْصُرُونِي نَصْرَكم، فَيا لَيْتَنِي قَدْ لَقِيتُ إخْوانِي» وأخْرَجَ نَحْوَهُ ابْنُ عَساكِرَ في الأرْبَعِينَ السُّباعِيَّةِ مِن حَدِيثِ أنَسٍ، وفي إسْنادِهِ أبُو هُدْبَةَ وهو كَذّابٌ، وزادَ فِيهِ «ثُمَّ قَرَأ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾» [البقرة: ٣] الآيَةَ " . وأخْرَجَ أحْمَدُ والدّارِمِيُّ والبارُودِيُّ وابْنُ قانِعٍ مَعًا في مُعْجَمِ الصَّحابَةِ والبُخارِيُّ في تارِيخِهِ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ عَنْ أبِي جُمُعَةَ الأنْصارِيِّ قالَ: قُلْتُ: «يا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ مِن قَوْمٍ أعْظَمَ مِنّا أجْرًا آمَنّا بِكَ واتَّبَعْناكَ ؟ قالَ: ما يَمْنَعُكم مِن ذَلِكَ ورَسُولُ اللَّهِ بَيْنَ أظْهُرِكم يَأْتِيكم بِالوَحْيِ مِنَ السَّماءِ، بَلْ قَوْمٌ يَأْتُونَ مِن بَعْدِكم يَأْتِيهِمْ كِتابُ اللَّهِ بَيْنَ لَوْحَيْنِ فَيُؤْمِنُونَ بِي ويَعْمَلُونَ بِما فِيهِ أُولَئِكَ أعْظَمُ مِنكم أجْرًا» . وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ والحاكِمُ عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الجُهَنِيِّ قالَ: «بَيْنَما نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ إذْ طَلَعَ راكِبانِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: كِنْدِيّانِ أوْ مَذْحَجِيّانِ حَتّى أتَيا، فَإذا رَجُلانِ مِن مَذْحِجٍ، فَدَنا أحَدُهُما لِيُبايِعَهُ، فَلَمّا أخَذَ بِيَدِهِ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أرَأيْتَ مَن جاءَكَ فَآمَنَ بِكَ واتَّبَعَكَ وصَدَّقَكَ فَماذا لَهُ ؟ قالَ: طُوبى لَهُ، فَمَسَحَ عَلى زَنْدِهِ وانْصَرَفَ، ثُمَّ جاءَ الآخَرُ حَتّى أخَذَ بِيَدِهِ لِيُبايِعَهُ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أرَأيْتَ مَن آمَنَ بِكَ وصَدَّقَكَ واتَّبَعَكَ ولَمْ يَرَكَ ؟ قالَ: طُوبى لَهُ ثُمَّ طُوبى لَهُ، ثُمَّ مَسَحَ عَلى زَنْدِهِ وانْصَرَفَ» . وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ وأحْمَدُ والبُخارِيُّ في تارِيخِهِ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ عَنْ أبِي أُمامَةَ الباهِلِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «طُوبى لِمَن رَآنِي وآمَنَ بِي، وطُوبى لِمَن آمَنَ بِي ولَمْ يَرَنِي سَبْعَ مَرّاتٍ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ حِبّانَ عَنْ أبِي سَعِيدٍ أنَّ رَجُلًا قالَ: «يا رَسُولَ اللَّهِ طُوبى لِمَن رَآكَ وآمَنَ بِكَ ؟ قالَ: طُوبى لِمَن رَآنِي وآمَنَ بِي، وطُوبى ثُمَّ طُوبى ثُمَّ طُوبى لِمَن آمَنَ بِي ولَمْ يَرَنِي» وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ وأبُو يَعْلى والطَّبَرانِيُّ مِن حَدِيثِ أنَسٍ نَحْوَ حَدِيثِ أبِي أُمامَةَ الباهِلِيِّ المُتَقَدِّمِ. وأخْرَجَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وأحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ في مُسْنَدِهِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ الضُّبارِيِّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: والَّذِي لا إلَهَ غَيْرُهُ ما آمَنَ أحَدٌ أفْضَلَ مِن إيمانٍ بِغَيْبٍ، ثُمَّ قَرَأ ﴿الم﴾ ﴿ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿المُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١ - ٥] . ولِلتّابِعِينَ أقْوالٌ، والرّاجِحُ ما تَقَدَّمَ مِن أنَّ الإيمانَ الشَّرْعِيَّ يَصْدُقُ عَلى جَمِيعِ ما ذُكِرَ هُنا. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: والأوْلى أنْ تَكُونُوا مَوْصُوفِينَ بِالإيمانِ بِالغَيْبِ قَوْلًا واعْتِقادًا وعَمَلًا. قالَ: وتَدْخُلُ الخَشْيَةُ لِلَّهِ في مَعْنى الإيمانِ الَّذِي هو تَصْدِيقُ القَوْلِ بِالعَمَلِ. والإيمانُ كَلِمَةٌ جامِعَةٌ لِلْإقْرارِ بِاللَّهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ وتَصْدِيقُ الإقْرارِ بِالفِعْلِ. وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: إنَّ الإيمانَ الشَّرْعِيَّ المَطْلُوبَ لا يَكُونُ إلّا اعْتِقادًا وقَوْلًا وعَمَلًا، هَكَذا ذَهَبَ إلَيْهِ أكْثَرُ الأئِمَّةِ. بَلْ قَدْ حَكاهُ الشّافِعِيُّ وأحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وأبُو عُبَيْدٍ وغَيْرُ واحِدٍ إجْماعًا أنَّ الإيمانَ قَوْلٌ وعَمَلٌ ويَزِيدُ ويَنْقُصُ. وقَدْ ورَدَ فِيهِ آياتٌ كَثِيرَةٌ. انْتَهى. * * هُوَ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ والإقامَةُ في الأصْلِ: الدَّوامُ (p-٢٧)والثَّباتُ. يُقالُ: قامَ الشَّيْءُ: أيْ دامَ وثَبَتَ. ولَيْسَ مِنَ القِيامِ عَلى الرِّجْلِ، وإنَّما هو مِن قَوْلِكَ قامَ الحَقُّ: أيْ ظَهَرَ وثَبَتَ، قالَ الشّاعِرُ: ؎وقامَتِ الحَرْبُ بِنا عَلى ساقِ وقالَ آخَرُ: ؎وإذا يُقالُ أقِيمُوا لَمْ تَبْرَحُوا ∗∗∗ حَتّى تُقِيمَ الخَيْلُ سُوقَ طِعانِ وإقامَةُ الصَّلاةِ أداؤُها بِأرْكانِها وسُنَنِها وهَيْئاتِها في أوْقاتِها. والصَّلاةُ أصْلُها في اللُّغَةِ: الدُّعاءُ مِن صَلّى يُصَلِّي إذا دَعا. وقَدْ ذَكَرَ هَذا الجَوْهَرِيُّ وغَيْرُهُ. وقالَ قَوْمٌ: هي مَأْخُوذَةٌ مِنَ الصَّلا، وهو عِرْقٌ في وسَطِ الظَّهْرِ ويَفْتَرِقُ عِنْدَ العَجْبِ. ومِنهُ أخَذَ المُصَلِّي في سَبْقِ الخَيْلِ؛ لِأنَّهُ يَأْتِي في الحَلْبَةِ ورَأْسُهُ عِنْدَ صَلْوَيِ السّابِقِ، فاشْتُقَّتْ مِنهُ الصَّلاةُ لِأنَّها ثانِيَةٌ لِلْإيمانِ فَشُبِّهَتْ بِالمُصَلِّي مِنَ الخَيْلِ. وإمّا لِأنَّ الرّاكِعَ يُثْنِي صَلْوَيْهِ، والصَّلا مَغْرِزُ الذَّنَبِ مِنَ الفَرَسِ والِاثْنانِ صَلْوانِ، والمُصَلِّي تالِي السّابِقِ لِأنَّ رَأْسَهُ عِنْدَ صَلْوِهِ. ذَكَرَ هَذا القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ. وقَدْ ذُكِرَ المَعْنى الثّانِي في الكَشّافِ، هَذا المَعْنى اللُّغَوِيُّ. وأمّا المَعْنى الشَّرْعِيُّ فَهو هَذِهِ الصَّلاةُ الَّتِي هي ذاتُ الأرْكانِ والأذْكارِ. وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ هَلْ هي مُبْقاةٌ عَلى أصْلِها اللُّغَوِيِّ أوْ مَوْضُوعَةٌ وضْعًا شَرْعِيًّا ابْتِدائِيًّا. فَقِيلَ: بِالأوَّلِ، وإنَّما جاءَ الشَّرْعُ بِزِياداتٍ هي الشُّرُوطُ والفُرُوضُ الثّابِتَةُ فِيها. وقالَ قَوْمٌ: بِالثّانِي. والرِّزْقُ عِنْدَ الجُمْهُورِ ما صَلَحَ لِلِانْتِفاعِ بِهِ حَلالًا كانَ أوْ حَرامًا خِلافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ. فَقالُوا: إنَّ الحَرامَ لَيْسَ بِرِزْقٍ، ولِلْبَحْثِ في هَذِهِ المَسْألَةِ مَوْضِعٌ غَيْرُ هَذا. والإنْفاقُ: إخْراجُ المالِ مِنَ اليَدِ، وفي المَجِيءِ بِمِنَ التَّبْعِيضِيَّةِ هاهُنا نُكْتَةٌ سَرِيَّةٌ هي الإرْشادُ إلى تَرْكِ الإسْرافِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ إسْحاقَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ قالَ: الصَّلَواتُ الخَمْسُ ﴿ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ قالَ: زَكاةُ أمْوالِهِمْ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّ إقامَةَ الصَّلاةِ المُحافَظَةُ عَلى مَواقِيتِها ووُضُوئِها ورُكُوعِها وسُجُودِها ﴿ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ قالَ: أنْفَقُوا في فَرائِضِ اللَّهِ الَّتِي افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ في طاعَتِهِ وسَبِيلِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ قالَ: هي نَفَقَةُ الرَّجُلِ عَلى أهْلِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: كانَتِ النَّفَقاتُ قُرُباتٍ يَتَقَرَّبُونَ بِها إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى قَدْرِ مَيْسُورِهِمْ وجُهْدِهِمْ حَتّى نَزَلَتْ فَرائِضُ الصَّدَقاتِ في سُورَةِ بَراءَةَ هُنَّ النّاسِخاتُ المُبَيِّناتُ. واخْتارَ ابْنُ جَرِيرٍ أنَّ الآيَةَ عامَّةٌ في الزَّكاةِ والنَّفَقاتِ، وهو الحَقُّ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ النَّفَقَةِ عَلى الأقارِبِ وغَيْرِهِمْ وصَدَقَةِ الفَرْضِ والنَّفْلِ، وعَدَمُ التَّصْرِيحِ بِنَوْعٍ مِنَ الأنْواعِ الَّتِي يَصْدُقُ عَلَيْها مُسَمّى الإنْفاقِ يُشْعِرُ أتَمَّ إشْعارٍ بِالتَّعْمِيمِ. * * ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ (p-٢٨)هَذا كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا، كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ حالُ هَؤُلاءِ الجامِعِينَ بَيْنَ التَّقْوى والإيمانِ بِالغَيْبِ والإتْيانِ بِالفَرائِضِ والإيمانِ بِما أُنْزِلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وعَلى مَن قَبْلَهُ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقِيلَ: ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى﴾ ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ هَذا خَبَرًا عَنِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ إلَخْ فَيَكُونُ مُتَّصِلًا بِما قَبْلَهُ. قالَ في الكَشّافِ: ومَعْنى الِاسْتِعْلاءِ في قَوْلِهِ: عَلى هُدًى مَثَلٌ لِتَمَكُّنِهِمْ مِنَ الهُدى واسْتِقْرارِهِمْ عَلَيْهِ وتَمَسُّكِهِمْ بِهِ، شُبِّهَتْ حالُهم حالَ مَنِ اعْتَلى الشَّيْءَ ورَكِبَهُ، ونَحْوَهُ: هو عَلى الحَقِّ وعَلى الباطِلِ. وقَدْ صَرَّحُوا بِذَلِكَ في قَوْلِهِ: جَعَلَ الغَوايَةَ مَرْكَبًا وامْتَطى الجَهْلَ واقْتَعَدَ عازِبَ الهَوى انْتَهى. وقَدْ أطالَ المُحَقِّقُونَ الكَلامَ عَلى هَذا بِما لا يَتَّسِعُ لَهُ المَقامُ، واشْتُهِرَ الخِلافُ في ذَلِكَ بَيْنَ المُحَقِّقِ السَّعْدِ والمُحَقِّقِ الشَّرِيفِ. واخْتَلَفَ مَن بَعْدَهم في تَرْجِيحِ الرّاجِحِ مِنَ القَوْلَيْنِ، وقَدْ جَمَعْتُ في ذَلِكَ رِسالَةً سَمَّيْتُها [ الطَّوْدُ المُنِيفُ في تَرْجِيحٍ ما قالَهُ السَّعْدُ عَلى ما قالَهُ الشَّرِيفُ ] فَلْيَرْجِعْ إلَيْها مَن أرادَ أنْ يَتَّضِحَ لَهُ المَقامُ ويَجْمَعَ بَيْنَ أطْرافِ الكَلامِ عَلى التَّمامِ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: إنَّ مَعْنى ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِمْ وبُرْهانٍ واسْتِقامَةٍ وسَدادٍ بِتَسْدِيدِ اللَّهِ إيّاهم وتَوْفِيقِهِ لَهم، والمُفْلِحُونَ أيِ المُنْجِحُونَ المُدَّكِرُونَ ما طَلَبُوا عِنْدَ اللَّهِ بِأعْمالِهِمْ وإيمانِهِمْ بِاللَّهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ. هَذا مَعْنى كَلامِهِ. والفَلاحُ أصْلُهُ في اللُّغَةِ: الشَّقُّ والقَطْعُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدٍ: ويُقالُ الَّذِي شُقَّتْ شَفَتُهُ أفْلَحُ، ومِنهُ سُمِّيَ الأكّارُ فَلّاحًا لِأنَّهُ شَقَّ الأرْضَ بِالحَرْثِ، فَكَأنَّ المُفْلِحَ قَدْ قَطَعَ المَصاعِبَ حَتّى نالَ مَطْلُوبَهُ. قالَ القُرْطُبِيُّ: وقَدْ يُسْتَعْمَلُ في الفَوْزِ والبَقاءِ وهو أصْلُهُ أيْضًا في اللُّغَةِ، فَمَعْنى ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ الفائِزُونَ بِالجَنَّةِ والباقُونَ. وقالَ في الكَشّافِ: المُفْلِحُ الفائِزُ بِالبُغْيَةِ، كَأنَّهُ الَّذِي انْفَتَحَتْ لَهُ وُجُوهُ الظَّفَرِ ولَمْ تَسْتَغْلِقْ عَلَيْهِ انْتَهى. وقَدِ اسْتُعْمِلَ الفَلاحُ في السُّحُورِ، ومِنهُ الحَدِيثُ الَّذِي أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ " «حَتّى كادَ يَفُوتُنا الفَلاحُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ» . قُلْتُ: وما الفَلاحُ ؟ قالَ: السُّحُورُ. فَكَأنَّ مَعْنى الحَدِيثِ: أنَّ السُّحُورَ بِهِ بَقاءُ الصَّوْمِ فَلِهَذا سُمِّيَ فَلاحًا. وفِي تَكْرِيرِ اسْمِ الإشارَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ كُلًّا مِنَ الهُدى والفَلاحِ مُسْتَقِلٌّ بِتَمَيُّزِهِمْ بِهِ عَنْ غَيْرِهِمْ، بِحَيْثُ لَوِ انْفَرَدَ أحَدُهُما لَكَفى تَمَيُّزًا عَلى حِيالِهِ. وفائِدَةُ ضَمِيرِ الفَصْلِ الدَّلالَةُ عَلى اخْتِصاصُ المُسْنَدُ إلَيْهِ بِالمُسْنَدِ دُونَ غَيْرِهِ. وقَدْ رَوى السُّدِّيُّ عَنْ أبِي مالِكٍ وأبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعَنْ مُرَّةَ الهَمْدانِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وعَنْ أُناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ أنَّ ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾: هُمُ المُؤْمِنُونَ مِنَ العَرَبِ - الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وما أُنْزِلَ إلى مَن قَبْلَهُ: هم، والمُؤْمِنُونَ مِن أهْلِ الكِتابِ. ثُمَّ جَمَعَ الفَرِيقَيْنِ فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ وقَدْ قَدَّمْنا الإشارَةَ إلى هَذا وإلى ما هو أرْجَحُ مِنهُ كَما هو مَنقُولٌ عَنْ مُجاهِدٍ وأبِي العالِيَةِ والرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ وقَتادَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنّا نَقْرَأُ مِنَ القُرْآنِ فَنَرْجُو ونَقْرَأُ فَنَكادُ أنْ نَيْأسَ أوْ كَما قالَ: فَقالَ: ألا أُخْبِرُكم عَنْ أهْلِ الجَنَّةِ وأهْلِ النّارِ ؟ قالُوا: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: ﴿الم﴾ ﴿ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿المُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١ - ٥] هَؤُلاءِ أهْلُ الجَنَّةِ، قالُوا: إنّا نَرْجُو أنْ نَكُونَ هَؤُلاءِ، ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: ٦] إلى قَوْلِهِ: ﴿عَظِيمٌ﴾، هَؤُلاءِ أهْلُ النّارِ، قالُوا: ألَسْنا هم يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: أجَلْ» . وقَدْ ورَدَ في فَضْلِ هَذِهِ الآياتِ الشَّرِيفَةِ أحادِيثُ: مِنها ما أخْرَجَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ المُسْنَدِ والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: «كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، فَجاءَ أعْرابِيٌّ فَقالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ إنَّ لِي أخًا وبِهِ وجَعٌ فَقالَ: وما وجَعُهُ ؟ قالَ: بِهِ لَمَمٌ، قالَ: فائْتِنِي بِهِ، فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَعَوَّذَهُ النَّبِيُّ بِفاتِحَةِ الكِتابِ وأرْبَعِ آياتٍ مِن أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ، وهاتَيْنِ الآيَتَيْنِ ﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ [البقرة: ١٦٣] وآيَةِ الكُرْسِيِّ وثَلاثِ آياتٍ مِن آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ، وآيَةٍ مِن آلِ عِمْرانَ ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨]، وآيَةٍ مِنَ الأعْرافِ ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٥٤]، وآخِرِ سُورَةِ المُؤْمِنِينَ ﴿فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ﴾ [المؤمنون: ١١٤]، وآيَةٍ مِن سُورَةِ الجِنِّ ﴿وأنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا﴾ [الجن: ٣]، وعَشْرِ آياتٍ مِن أوَّلِ الصّافّاتِ، وثَلاثِ آياتٍ مِن آخِرِ سُورَةِ الحَشْرِ، وقُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ والمُعَوِّذَتَيْنِ، فَقامَ الرَّجُلُ كَأنَّهُ لَمْ يَشْتَكِ قَطُّ» . وأخْرَجَ نَحْوَهُ ابْنُ السُّنِّيِّ في عَمَلِ اليَوْمِ واللَّيْلَةَ مِن طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي يَعْلى عَنْ رَجُلٍ عَنْ أُبَيٍّ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ الدّارِمِيُّ وابْنُ الضُّرَيْسِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: مَن قَرَأ أرْبَعَ آياتٍ مَن أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ وآيَةِ الكُرْسِيِّ وآيَتَيْنِ بَعْدَ آيَةِ الكُرْسِيِّ وثَلاثًا مِن آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ لَمْ يَقْرَبْهُ ولا أهْلَهُ يَوْمَئِذٍ شَيْطانٌ، ولا شَيْءٌ يَكْرَهُهُ في أهْلِهِ ولا مالِهِ، ولا تُقْرَأُ عَلى مَجْنُونٍ إلّا أفاقَ. وأخْرَجَ الدّارِمِيُّ وابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ عَنْهُ قالَ: " مَن قَرَأ عَشْرَ آياتٍ مِن سُورَةِ البَقَرَةِ في لَيْلَةٍ لَمْ يَدْخُلْ ذَلِكَ البَيْتَ شَيْطانٌ تِلْكَ اللَّيْلَةَ حَتّى يُصْبِحَ: أرْبَعٌ مِن أوَّلِها، وآيَةُ الكُرْسِيِّ، وآيَتانِ بَعْدَها، وثَلاثٌ خَواتِمُها أوَّلُها ﴿لِلَّهِ ما في السَّماواتِ﴾ [البقرة: ٢٨٤] " . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ والدّارِمِيُّ والبَيْهَقِيُّ عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ سُبَيْعٍ، وكانَ مِن أصْحابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ بِنَحْوِهِ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إذا ماتَ أحَدُكم فَلا تَحْبِسُوهُ، وأسْرِعُوا بِهِ إلى قَبْرِهِ، ولْيُقْرَأْ عِنْدَ رَأْسِهِ بِفاتِحَةِ البَقَرَةِ وعِنْدَ رِجْلَيْهِ بِخاتِمَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ» وقَدْ ورَدَ في ذَلِكَ غَيْرُ هَذا.

البقرة 2:4

وقِيلَ: هم مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ، فَإنَّهم جَمَعُوا بَيْنَ الإيمانِ بِما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وما أنْزَلَهُ عَلى مَن قَبْلَهُ وفِيهِمْ نَزَلَتْ. وقَدْ رَجَّحَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ، ونَقَلَهُ السُّدِّيُّ في تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ وأُناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ، واسْتَشْهَدَ بِهِ ابْنُ جَرِيرٍ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْكم وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ﴾ [آل عمران: ١١٩] وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِن قَبْلِهِ هم بِهِ يُؤْمِنُونَ وإذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنّا بِهِ إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّنا إنّا كُنّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ﴾ [القصص: ٥٢ - ٥٤] الآيَةَ. والآيَةُ الأُولى نَزَلَتْ في مُؤْمِنِي العَرَبِ. وقِيلَ: الآيَتانِ جَمِيعًا في المُؤْمِنِينَ عَلى العُمُومِ. وعَلى هَذا فَهَذِهِ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الأُولى صِفَةً لِلْمُتَّقِينَ بَعْدَ صِفَةٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَرْفُوعَةً عَلى الِاسْتِئْنافِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى المُتَّقِينَ بَعْدَ صِفَةٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَرْفُوعَةً عَلى الِاسْتِئْنافِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى المُتَّقِينَ فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ولِلَّذِينِ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ. والمُرادُ بِما أُنْزِلَ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: هو القُرْآنُ، وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِهِ: هو الكُتُبُ السّالِفَةُ. والإيقانُ: إيقانُ العِلْمِ بِانْتِفاءِ الشَّكِّ والشُّبْهَةِ عَنْهُ، قالَهُ في الكَشّافِ، والمُرادُ أنَّهم يُوقِنُونَ بِالبَعْثِ والنُّشُورِ وسائِرِ أُمُورِ الآخِرَةِ مِن دُونِ شَكٍّ. والآخِرَةُ تَأْنِيثُ الآخَرِ الَّذِي هو نَقِيضُ الأوَّلِ، وهي صِفَةُ الدّارِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الأرْضِ ولا فَسادًا﴾ [القصص: ٨٣] وفي تَقْدِيمِ الظَّرْفِ مَعَ بِناءِ الفِعْلِ عَلى الضَّمِيرِ المَذْكُورِ إشْعارٌ بِالحَصْرِ، وأنَّ ما عَدا هَذا الأمْرَ الَّذِي هو أساسُ الإيمانِ ورَأْسُهُ لَيْسَ بِمُسْتَأْهِلٍ لِلْإيقانِ بِهِ والقَطْعِ بِوُقُوعِهِ. وإنَّما عَبَّرَ بِالماضِي مَعَ أنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ إذْ ذاكَ إلّا البَعْضُ لا الكُلُّ تَغْلِيبًا لِلْمَوْجُودِ عَلى ما لَمْ يُوجَدْ، أوْ تَنْبِيهًا عَلى تَحَقُّقِ الوُقُوعِ كَأنَّهُ بِمَنزِلَةِ النّازِلِ قَبْلَ نُزُولِهِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبِلَكَ﴾ أيْ يُصَدِّقُونَكَ بِما جِئْتَ بِهِ مِنَ اللَّهِ وما جاءَ بِهِ مِن قَبْلِكَ مِنَ المُرْسَلِينَ، لا يُفَرِّقُونَ بَيْنَهم، ولا يَجْحَدُونَ ما جاءُوهم مِن رَبِّهِمْ ﴿وبِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ إيمانًا بِالبَعْثِ والقِيامَةِ والجَنَّةِ والنّارِ والحِسابِ والمِيزانِ أيْ لا هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما كانَ قَبْلَكَ ويَكْفُرُونَ بِما جاءَ مِن رَبِّكَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ. والحَقُّ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ في المُؤْمِنِينَ كالَّتِي قَبْلَها، ولَيْسَ مُجَرَّدَ ذِكْرِ الإيمانِ بِما أُنْزِلَ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وما أُنْزِلَ إلى مَن قَبْلَهُ بِمُقْتَضٍ لِجَعْلِ ذَلِكَ وصْفًا لِمُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ، ولَمْ يَأْتِ ما يُوجِبُ المُخالَفَةَ لِهَذا ولا في النَّظْمِ القُرْآنِيِّ ما يَقْتَضِي ذَلِكَ. وقَدْ ثَبَتَ الثَّناءُ عَلى مَن جَمَعَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ مِنَ المُؤْمِنِينَ في غَيْرِ آيَةٍ. فَمِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ والكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ والكِتابِ الَّذِي أنْزَلَ مِن قَبْلُ﴾ [النساء: ١٣٦] وكَقَوْلِهِ: ﴿وقُولُوا آمَنّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إلَيْنا وأُنْزِلَ إلَيْكم﴾ [العنكبوت: ٤٦] وقَوْلِهِ: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إلَيْهِ مِن رَبِّهِ والمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] وقالَ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أحَدٍ مِنهم﴾ [النساء: ١٥٢] .

البقرة 2:5

وقِيلَ: هم مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ، فَإنَّهم جَمَعُوا بَيْنَ الإيمانِ بِما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وما أنْزَلَهُ عَلى مَن قَبْلَهُ وفِيهِمْ نَزَلَتْ. وقَدْ رَجَّحَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ، ونَقَلَهُ السُّدِّيُّ في تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ وأُناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ، واسْتَشْهَدَ بِهِ ابْنُ جَرِيرٍ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْكم وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ﴾ [آل عمران: ١١٩] وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِن قَبْلِهِ هم بِهِ يُؤْمِنُونَ وإذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنّا بِهِ إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّنا إنّا كُنّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ﴾ [القصص: ٥٢ - ٥٤] الآيَةَ. والآيَةُ الأُولى نَزَلَتْ في مُؤْمِنِي العَرَبِ. وقِيلَ: الآيَتانِ جَمِيعًا في المُؤْمِنِينَ عَلى العُمُومِ. وعَلى هَذا فَهَذِهِ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الأُولى صِفَةً لِلْمُتَّقِينَ بَعْدَ صِفَةٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَرْفُوعَةً عَلى الِاسْتِئْنافِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى المُتَّقِينَ بَعْدَ صِفَةٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَرْفُوعَةً عَلى الِاسْتِئْنافِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى المُتَّقِينَ فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ولِلَّذِينِ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ. والمُرادُ بِما أُنْزِلَ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: هو القُرْآنُ، وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِهِ: هو الكُتُبُ السّالِفَةُ. والإيقانُ: إيقانُ العِلْمِ بِانْتِفاءِ الشَّكِّ والشُّبْهَةِ عَنْهُ، قالَهُ في الكَشّافِ، والمُرادُ أنَّهم يُوقِنُونَ بِالبَعْثِ والنُّشُورِ وسائِرِ أُمُورِ الآخِرَةِ مِن دُونِ شَكٍّ. والآخِرَةُ تَأْنِيثُ الآخَرِ الَّذِي هو نَقِيضُ الأوَّلِ، وهي صِفَةُ الدّارِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الأرْضِ ولا فَسادًا﴾ [القصص: ٨٣] وفي تَقْدِيمِ الظَّرْفِ مَعَ بِناءِ الفِعْلِ عَلى الضَّمِيرِ المَذْكُورِ إشْعارٌ بِالحَصْرِ، وأنَّ ما عَدا هَذا الأمْرَ الَّذِي هو أساسُ الإيمانِ ورَأْسُهُ لَيْسَ بِمُسْتَأْهِلٍ لِلْإيقانِ بِهِ والقَطْعِ بِوُقُوعِهِ. وإنَّما عَبَّرَ بِالماضِي مَعَ أنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ إذْ ذاكَ إلّا البَعْضُ لا الكُلُّ تَغْلِيبًا لِلْمَوْجُودِ عَلى ما لَمْ يُوجَدْ، أوْ تَنْبِيهًا عَلى تَحَقُّقِ الوُقُوعِ كَأنَّهُ بِمَنزِلَةِ النّازِلِ قَبْلَ نُزُولِهِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبِلَكَ﴾ أيْ يُصَدِّقُونَكَ بِما جِئْتَ بِهِ مِنَ اللَّهِ وما جاءَ بِهِ مِن قَبْلِكَ مِنَ المُرْسَلِينَ، لا يُفَرِّقُونَ بَيْنَهم، ولا يَجْحَدُونَ ما جاءُوهم مِن رَبِّهِمْ ﴿وبِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ إيمانًا بِالبَعْثِ والقِيامَةِ والجَنَّةِ والنّارِ والحِسابِ والمِيزانِ أيْ لا هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما كانَ قَبْلَكَ ويَكْفُرُونَ بِما جاءَ مِن رَبِّكَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ. والحَقُّ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ في المُؤْمِنِينَ كالَّتِي قَبْلَها، ولَيْسَ مُجَرَّدَ ذِكْرِ الإيمانِ بِما أُنْزِلَ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وما أُنْزِلَ إلى مَن قَبْلَهُ بِمُقْتَضٍ لِجَعْلِ ذَلِكَ وصْفًا لِمُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ، ولَمْ يَأْتِ ما يُوجِبُ المُخالَفَةَ لِهَذا ولا في النَّظْمِ القُرْآنِيِّ ما يَقْتَضِي ذَلِكَ. وقَدْ ثَبَتَ الثَّناءُ عَلى مَن جَمَعَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ مِنَ المُؤْمِنِينَ في غَيْرِ آيَةٍ. فَمِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ والكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ والكِتابِ الَّذِي أنْزَلَ مِن قَبْلُ﴾ [النساء: ١٣٦] وكَقَوْلِهِ: ﴿وقُولُوا آمَنّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إلَيْنا وأُنْزِلَ إلَيْكم﴾ [العنكبوت: ٤٦] وقَوْلِهِ: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إلَيْهِ مِن رَبِّهِ والمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] وقالَ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أحَدٍ مِنهم﴾ [النساء: ١٥٢] .

البقرة 2:6

ذَكَرَ سُبْحانَهُ فَرِيقَ الشَّرِّ بَعْدَ الفَراغِ مِن ذِكْرِ فَرِيقِ الخَيْرِ (p-٢٩)قاطِعًا لِهَذا الكَلامِ عَنِ الكَلامِ الأوَّلِ، مُعَنْوِنًا لَهُ بِما يُفِيدُ أنَّ شَأْنَ جِنْسِ الكَفَرَةِ عَدَمُ إجْداءِ الإنْذارِ لَهم، وأنَّهُ لا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِمْ ما هو المَطْلُوبُ مِنهم مِنَ الإيمانِ، وأنَّ وُجُودَ ذَلِكَ كَعَدَمِهِ. و" سَواءٌ " اسْمٌ بِمَعْنى الِاسْتِواءِ وُصِفَ بِهِ كَما يُوصَفُ بِالمَصادِرِ، والهَمْزَةُ وأمْ مُجَرَّدَتانِ لِمَعْنى الِاسْتِواءِ غَيْرُ مُرادٍ بِهِما ما هو أصْلُهُما مِنَ الِاسْتِفْهامِ، وصَحَّ الِابْتِداءُ بِالفِعْلِ والإخْبارِ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: " سَواءٌ "، هَجْرًا لِجانِبِ اللَّفْظِ إلى جانِبِ المَعْنى، كَأنَّهُ قالَ: الإنْذارُ وعَدَمُهُ سَواءٌ، كَقَوْلِهِمْ: تَسْمَعُ بِالمُعِيدِيِّ خَيْرٌ مِن أنْ تَراهُ: أيْ سَماعُكَ. وأصْلُ الكُفْرِ في اللُّغَةِ: السَّتْرُ والتَّغْطِيَةُ، قالَ الشّاعِرُ: ؎فِي لَيْلَةٍ كَفَرَ النُّجُومَ غَمامُها أيْ سَتَرَها، ومِنهُ سُمِّيَ الكافِرُ كافِرًا لِأنَّهُ يُغَطِّي بِكُفْرِهِ ما يَجِبُ أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ مِنَ الإيمانِ. والإنْذارُ: الإبْلاغُ والإعْلامُ. قالَ القُرْطُبِيُّ: واخْتَلَفَ العُلَماءُ في تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ، فَقِيلَ: هي عامَّةٌ ومَعْناها الخُصُوصُ فِيمَن سَبَقَتْ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ، وسَبَقَ في عِلْمِ اللَّهِ أنَّهُ يَمُوتُ عَلى كُفْرِهِ. أرادَ اللَّهُ تَعالى أنْ يُعْلِمَ النّاسَ أنَّ فِيهِمْ مَن هَذا حالُهُ دُونَ أنْ يُعَيِّنَ أحَدًا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ في رُؤَساءِ اليَهُودِ حُيَيِّ بْنِ أخْطَبَ وكَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ ونُظَرائِهِما. وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: نَزَلَتْ فِيمَن قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ مِن قادَةِ الأحْزابِ، والأوَّلُ أصَحُّ، فَإنَّ مَن عَيَّنَ أحَدًا فَإنَّما مَثَّلَ بِمَن كُشِفَ الغَيْبُ بِمَوْتِهِ عَلى الكُفْرِ انْتَهى. وقَوْلُهُ: لا يُؤْمِنُونَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ هم لا يُؤْمِنُونَ، وهي جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لِأنَّها جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: هَؤُلاءِ الَّذِي اسْتَوى حالُهم مَعَ الإنْذارِ وعَدَمِهِ ماذا يَكُونُ مِنهم ؟ فَقِيلَ: لا يُؤْمِنُونَ: أيْ هم لا يُؤْمِنُونَ: وقالَ في الكَشّافِ: إنَّها جُمْلَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِلْجُمْلَةِ الأُولى، أوْ خَبَرٌ لِأنَّ والجُمْلَةُ قَبْلَها اعْتِراضٌ انْتَهى. والأوْلى ما ذَكَرْناهُ، لِأنَّ المَقْصُودَ الإخْبارُ عَنْ عَدَمِ الِاعْتِدادِ بِإنْذارِهِمْ، وأنَّهُ لا يُجْدِي شَيْئًا بَلْ بِمَنزِلَةِ العَدَمِ، فَهَذِهِ الجُمْلَةُ هي الَّتِي وقَعَتْ خَبَرًا لِأنَّ، وما بَعْدَها مِن عَدَمِ الإيمانِ مُتَسَبِّبٌ عَنْها لا أنَّهُ المَقْصُودُ. وقَدْ قالَ بِمِثْلِ قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ القُرْطُبِيُّ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: إنَّ خَبَرَ إنَّ سَواءٌ، وما بَعْدَهُ يَقُومُ مَقامَ الصِّلَةِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ المُبَرِّدُ: سَواءٌ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ ﴿أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهم﴾، والجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ، والخَتْمُ: مَصْدَرُ خَتَمْتُ الشَّيْءَ، ومَعْناهُ: التَّغْطِيَةُ عَلى الشَّيْءِ والِاسْتِيثاقُ مِنهُ حَتّى لا يَدْخُلَهُ شَيْءٌ، ومِنهُ خَتْمُ الكِتابِ والبابِ وما يُشْبِهُ ذَلِكَ حَتّى لا يُوصَلَ إلى ما فِيهِ ولا يُوضَعَ فِيهِ غَيْرُهُ. والغِشاوَةُ: الغِطاءُ، ومِنهُ غاشِيَةُ السَّرْجِ، والمُرادُ بِالخَتْمِ والغِشاوَةِ هُنا هُما المَعْنَوِيّانِ لا الحِسِّيّانِ: أيْ لَمّا كانَتْ قُلُوبُهم غَيْرَ واعِيَةٍ لِما وصَلَ إلَيْها، والأسْماعُ غَيْرَ مُؤَدِّيَةٍ لِما يَطْرُقُها مِنَ الآياتِ البَيِّناتِ إلى العَقْلِ عَلى وجْهٍ مَفْهُومٍ، والأبْصارُ غَيْرَ مَهْدِيَّةٍ لِلنَّظَرِ في مَخْلُوقاتِهِ وعَجائِبِ مَصْنُوعاتِهِ جُعِلَتْ بِمَنزِلَةِ الأشْياءِ المَخْتُومِ عَلَيْها خَتْمًا حِسِّيًّا، والمُسْتَوْثَقِ مِنها اسْتِيثاقًا حَقِيقِيًّا، والمُغَطّاةِ بِغِطاءٍ مُدْرَكٍ اسْتِعارَةً أوْ تَمْثِيلًا، وإسْنادُ الخَتْمِ إلى اللَّهِ قَدِ احْتَجَّ بِهِ أهْلُ السُّنَّةِ عَلى المُعْتَزِلَةِ، وحاوَلُوا دَفْعَ هَذِهِ الحُجَّةِ بِمِثْلِ ما ذَكَرَهُ صاحِبُ الكَشّافِ، والكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذا مُتَقَرِّرٌ في مَواطِنِهِ. وقَدِ اخْتُلِفَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعَلى سَمْعِهِمْ﴾ هَلْ هو داخِلٌ في حُكْمِ الخَتْمِ فَيَكُونُ مَعْطُوفًا عَلى القُلُوبِ أوْ في حُكْمِ التَّغْشِيَةِ، فَقِيلَ: إنَّ الوَقْفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وعَلى سَمْعِهِمْ﴾ تامٌّ، وما بَعْدَهُ كَلامٌ مُسْتَقِلٌّ، فَيَكُونُ الطَّبْعُ عَلى القُلُوبِ والأسْماعِ، والغِشاوَةُ عَلى الأبْصارِ كَما قالَهُ جَماعَةٌ، وقَدْ قُرِئَ: " غِشاوَةً " بِالنَّصْبِ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَحْتَمِلُ أنَّهُ نَصَبَها بِإضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: وجَعَلَ عَلى أبْصارِهِمْ غِشاوَةً، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ نَصْبُها عَلى الإتْباعِ عَلى مَحَلِّ وعَلى سَمْعِهِمْ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وحُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة: ٢٢] وقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا وإنَّما وحَّدَ السَّمْعَ مَعَ جَمْعِ القُلُوبِ والأبْصارِ؛ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ يَقَعُ عَلى القَلِيلِ والكَثِيرِ. والعَذابُ: هو ما يُؤْلِمُ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الحَبْسِ والمَنعِ، يُقالُ في اللُّغَةِ أعْذَبَهُ عَنْ كَذا: حَبَسَهُ ومَنَعَهُ، ومِنهُ عُذُوبَةُ الماءِ لِأنَّها حُبِسَتْ في الإناءِ حَتّى صَفَتْ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ في الكَبِيرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهُمْ﴾ قالَ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَحْرِصُ أنْ يُؤْمِنَ جَمِيعُ النّاسِ ويُتابِعُوهُ عَلى الهُدى، فَأخْبَرَهُ اللَّهُ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ إلّا مَن سَبَقَ لَهُ مِنَ اللَّهِ السَّعادَةُ في الذِّكْرِ الأوَّلِ، ولا يَضِلُّ إلّا مَن سَبَقَ لَهُ مِنَ اللَّهِ الشَّقاوَةُ في الذِّكْرِ الأوَّلِ. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا في تَفْسِيرِ الآيَةِ: أنَّهم قَدْ كَفَرُوا بِما عِنْدَهم مِن ذِكْرِكَ، وجَحَدُوا ما أُخِذَ عَلَيْهِمْ مِنَ المِيثاقِ، فَكَيْفَ يَسْمَعُونَ مِنكَ إنْذارًا وتَحْذِيرًا، وقَدْ كَفَرُوا بِما عِنْدَهم مِن عِلْمِكَ. ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وعَلى سَمْعِهِمْ وعَلى أبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا قالَ: نَزَلَتْ هاتانِ الآيَتانِ في قادَةِ الأحْزابِ، وهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ [إبراهيم: ٢٨] قالَ: فَهُمُ الَّذِينَ قُتِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ، ولَمْ يَدْخُلِ القادَةُ في الإسْلامِ إلّا رَجُلانِ: أبُو سُفْيانَ، والحَكَمُ بْنُ العاصِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ قالَ: أوَعَظْتَهم أمْ لَمْ تَعِظْهم. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: أطاعُوا الشَّيْطانَ فاسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمْ، فَخَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وعَلى سَمْعِهِمْ وعَلى أبْصارِهِمْ غِشاوَةً فَهم لا يُبْصِرُونَ هُدًى، ولا يَسْمَعُونَ ولا يَفْقَهُونَ ولا يَعْقِلُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: الخَتْمُ عَلى قُلُوبِهِمْ وعَلى سَمْعِهِمْ والغِشاوَةُ عَلى أبْصارِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وعَلى سَمْعِهِمْ﴾ فَلا يَعْقِلُونَ ولا يَسْمَعُونَ، وجَعَلَ عَلى أبْصارِهِمْ: يَعْنِي أعْيُنَهم غِشاوَةً فَهم لا يُبْصِرُونَ. ورَوى ذَلِكَ السُّدِّيُّ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ (p-٣٠)جُرَيْجٍ قالَ: الخَتْمُ عَلى القَلْبِ والسَّمْعِ، والغِشاوَةُ عَلى البَصَرِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ﴾ [الشورى: ٢٤] وقالَ: ﴿وخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وقَلْبِهِ وجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً﴾ [الجاثية: ٢٣] . قالَ ابْنُ جَرِيرٍ في مَعْنى الخَتْمِ: والحَقُّ عِنْدِي في ذَلِكَ ما صَحَّ نَظِيرُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، ثُمَّ ذَكَرَ إسْنادًا مُتَّصِلًا بِأبِي هُرَيْرَةَ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إنَّ المُؤْمِنَ إذا أذْنَبَ ذَنْبًا كانَ نُكْتَةً سَوْداءَ في قَلْبِهِ، فَإنْ تابَ ونَزَعَ واسْتَعْتَبَ صُقِلَ قَلْبُهُ، وإنْ زادَ زادَتْ حَتّى تُغْلِقَ قَلْبَهُ فَذَلِكَ الرّانُ الَّذِي قالَ اللَّهُ: ﴿كَلّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤] ٣٠» . وقَدْ رَواهُ مِن هَذا الوَجْهِ التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ والنَّسائِيُّ. ثُمَّ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ فَأخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أنَّ الذُّنُوبَ إذا تَتابَعَتْ عَلى القُلُوبِ أغْلَقَتْها، وإذا أغْلَقَتْها أتاها حِينَئِذٍ الخَتْمُ مِن قِبَلِ اللَّهِ سُبْحانَهُ والطَّبْعُ فَلا يَكُونُ إلَيْها مَسْلَكٌ ولا لِلْكُفْرِ مِنها مَخْلَصٌ، فَذَلِكَ هو الخَتْمُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ في قَوْلِهِ: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وعَلى سَمْعِهِمْ﴾ نَظِيرُ الطَّبْعِ والخَتْمِ عَلى ما تُدْرِكُهُ الأبْصارُ مِنَ الأوْعِيَةِ والظُّرُوفِ الَّتِي لا يُوصَلُ إلى ما فِيها إلّا بِفَضِّ ذَلِكَ عَنْها ثُمَّ حَلِّها، فَذَلِكَ لا يَصِلُ الإيمانُ إلى قُلُوبِ مَن وصَفَ اللَّهُ أنَّهُ خَتَمَ عَلى قُلُوبِهِمْ إلّا بَعْدَ فَضِّ خاتَمِهِ، وحَلِّ رِباطِهِ عَنْها.

البقرة 2:7

ذَكَرَ سُبْحانَهُ فَرِيقَ الشَّرِّ بَعْدَ الفَراغِ مِن ذِكْرِ فَرِيقِ الخَيْرِ (p-٢٩)قاطِعًا لِهَذا الكَلامِ عَنِ الكَلامِ الأوَّلِ، مُعَنْوِنًا لَهُ بِما يُفِيدُ أنَّ شَأْنَ جِنْسِ الكَفَرَةِ عَدَمُ إجْداءِ الإنْذارِ لَهم، وأنَّهُ لا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِمْ ما هو المَطْلُوبُ مِنهم مِنَ الإيمانِ، وأنَّ وُجُودَ ذَلِكَ كَعَدَمِهِ. و" سَواءٌ " اسْمٌ بِمَعْنى الِاسْتِواءِ وُصِفَ بِهِ كَما يُوصَفُ بِالمَصادِرِ، والهَمْزَةُ وأمْ مُجَرَّدَتانِ لِمَعْنى الِاسْتِواءِ غَيْرُ مُرادٍ بِهِما ما هو أصْلُهُما مِنَ الِاسْتِفْهامِ، وصَحَّ الِابْتِداءُ بِالفِعْلِ والإخْبارِ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: " سَواءٌ "، هَجْرًا لِجانِبِ اللَّفْظِ إلى جانِبِ المَعْنى، كَأنَّهُ قالَ: الإنْذارُ وعَدَمُهُ سَواءٌ، كَقَوْلِهِمْ: تَسْمَعُ بِالمُعِيدِيِّ خَيْرٌ مِن أنْ تَراهُ: أيْ سَماعُكَ. وأصْلُ الكُفْرِ في اللُّغَةِ: السَّتْرُ والتَّغْطِيَةُ، قالَ الشّاعِرُ: ؎فِي لَيْلَةٍ كَفَرَ النُّجُومَ غَمامُها أيْ سَتَرَها، ومِنهُ سُمِّيَ الكافِرُ كافِرًا لِأنَّهُ يُغَطِّي بِكُفْرِهِ ما يَجِبُ أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ مِنَ الإيمانِ. والإنْذارُ: الإبْلاغُ والإعْلامُ. قالَ القُرْطُبِيُّ: واخْتَلَفَ العُلَماءُ في تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ، فَقِيلَ: هي عامَّةٌ ومَعْناها الخُصُوصُ فِيمَن سَبَقَتْ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ، وسَبَقَ في عِلْمِ اللَّهِ أنَّهُ يَمُوتُ عَلى كُفْرِهِ. أرادَ اللَّهُ تَعالى أنْ يُعْلِمَ النّاسَ أنَّ فِيهِمْ مَن هَذا حالُهُ دُونَ أنْ يُعَيِّنَ أحَدًا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ في رُؤَساءِ اليَهُودِ حُيَيِّ بْنِ أخْطَبَ وكَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ ونُظَرائِهِما. وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: نَزَلَتْ فِيمَن قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ مِن قادَةِ الأحْزابِ، والأوَّلُ أصَحُّ، فَإنَّ مَن عَيَّنَ أحَدًا فَإنَّما مَثَّلَ بِمَن كُشِفَ الغَيْبُ بِمَوْتِهِ عَلى الكُفْرِ انْتَهى. وقَوْلُهُ: لا يُؤْمِنُونَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ هم لا يُؤْمِنُونَ، وهي جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لِأنَّها جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: هَؤُلاءِ الَّذِي اسْتَوى حالُهم مَعَ الإنْذارِ وعَدَمِهِ ماذا يَكُونُ مِنهم ؟ فَقِيلَ: لا يُؤْمِنُونَ: أيْ هم لا يُؤْمِنُونَ: وقالَ في الكَشّافِ: إنَّها جُمْلَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِلْجُمْلَةِ الأُولى، أوْ خَبَرٌ لِأنَّ والجُمْلَةُ قَبْلَها اعْتِراضٌ انْتَهى. والأوْلى ما ذَكَرْناهُ، لِأنَّ المَقْصُودَ الإخْبارُ عَنْ عَدَمِ الِاعْتِدادِ بِإنْذارِهِمْ، وأنَّهُ لا يُجْدِي شَيْئًا بَلْ بِمَنزِلَةِ العَدَمِ، فَهَذِهِ الجُمْلَةُ هي الَّتِي وقَعَتْ خَبَرًا لِأنَّ، وما بَعْدَها مِن عَدَمِ الإيمانِ مُتَسَبِّبٌ عَنْها لا أنَّهُ المَقْصُودُ. وقَدْ قالَ بِمِثْلِ قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ القُرْطُبِيُّ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: إنَّ خَبَرَ إنَّ سَواءٌ، وما بَعْدَهُ يَقُومُ مَقامَ الصِّلَةِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ المُبَرِّدُ: سَواءٌ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ ﴿أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهم﴾، والجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ، والخَتْمُ: مَصْدَرُ خَتَمْتُ الشَّيْءَ، ومَعْناهُ: التَّغْطِيَةُ عَلى الشَّيْءِ والِاسْتِيثاقُ مِنهُ حَتّى لا يَدْخُلَهُ شَيْءٌ، ومِنهُ خَتْمُ الكِتابِ والبابِ وما يُشْبِهُ ذَلِكَ حَتّى لا يُوصَلَ إلى ما فِيهِ ولا يُوضَعَ فِيهِ غَيْرُهُ. والغِشاوَةُ: الغِطاءُ، ومِنهُ غاشِيَةُ السَّرْجِ، والمُرادُ بِالخَتْمِ والغِشاوَةِ هُنا هُما المَعْنَوِيّانِ لا الحِسِّيّانِ: أيْ لَمّا كانَتْ قُلُوبُهم غَيْرَ واعِيَةٍ لِما وصَلَ إلَيْها، والأسْماعُ غَيْرَ مُؤَدِّيَةٍ لِما يَطْرُقُها مِنَ الآياتِ البَيِّناتِ إلى العَقْلِ عَلى وجْهٍ مَفْهُومٍ، والأبْصارُ غَيْرَ مَهْدِيَّةٍ لِلنَّظَرِ في مَخْلُوقاتِهِ وعَجائِبِ مَصْنُوعاتِهِ جُعِلَتْ بِمَنزِلَةِ الأشْياءِ المَخْتُومِ عَلَيْها خَتْمًا حِسِّيًّا، والمُسْتَوْثَقِ مِنها اسْتِيثاقًا حَقِيقِيًّا، والمُغَطّاةِ بِغِطاءٍ مُدْرَكٍ اسْتِعارَةً أوْ تَمْثِيلًا، وإسْنادُ الخَتْمِ إلى اللَّهِ قَدِ احْتَجَّ بِهِ أهْلُ السُّنَّةِ عَلى المُعْتَزِلَةِ، وحاوَلُوا دَفْعَ هَذِهِ الحُجَّةِ بِمِثْلِ ما ذَكَرَهُ صاحِبُ الكَشّافِ، والكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذا مُتَقَرِّرٌ في مَواطِنِهِ. وقَدِ اخْتُلِفَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعَلى سَمْعِهِمْ﴾ هَلْ هو داخِلٌ في حُكْمِ الخَتْمِ فَيَكُونُ مَعْطُوفًا عَلى القُلُوبِ أوْ في حُكْمِ التَّغْشِيَةِ، فَقِيلَ: إنَّ الوَقْفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وعَلى سَمْعِهِمْ﴾ تامٌّ، وما بَعْدَهُ كَلامٌ مُسْتَقِلٌّ، فَيَكُونُ الطَّبْعُ عَلى القُلُوبِ والأسْماعِ، والغِشاوَةُ عَلى الأبْصارِ كَما قالَهُ جَماعَةٌ، وقَدْ قُرِئَ: " غِشاوَةً " بِالنَّصْبِ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَحْتَمِلُ أنَّهُ نَصَبَها بِإضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: وجَعَلَ عَلى أبْصارِهِمْ غِشاوَةً، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ نَصْبُها عَلى الإتْباعِ عَلى مَحَلِّ وعَلى سَمْعِهِمْ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وحُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة: ٢٢] وقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا وإنَّما وحَّدَ السَّمْعَ مَعَ جَمْعِ القُلُوبِ والأبْصارِ؛ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ يَقَعُ عَلى القَلِيلِ والكَثِيرِ. والعَذابُ: هو ما يُؤْلِمُ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الحَبْسِ والمَنعِ، يُقالُ في اللُّغَةِ أعْذَبَهُ عَنْ كَذا: حَبَسَهُ ومَنَعَهُ، ومِنهُ عُذُوبَةُ الماءِ لِأنَّها حُبِسَتْ في الإناءِ حَتّى صَفَتْ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ في الكَبِيرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهُمْ﴾ قالَ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَحْرِصُ أنْ يُؤْمِنَ جَمِيعُ النّاسِ ويُتابِعُوهُ عَلى الهُدى، فَأخْبَرَهُ اللَّهُ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ إلّا مَن سَبَقَ لَهُ مِنَ اللَّهِ السَّعادَةُ في الذِّكْرِ الأوَّلِ، ولا يَضِلُّ إلّا مَن سَبَقَ لَهُ مِنَ اللَّهِ الشَّقاوَةُ في الذِّكْرِ الأوَّلِ. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا في تَفْسِيرِ الآيَةِ: أنَّهم قَدْ كَفَرُوا بِما عِنْدَهم مِن ذِكْرِكَ، وجَحَدُوا ما أُخِذَ عَلَيْهِمْ مِنَ المِيثاقِ، فَكَيْفَ يَسْمَعُونَ مِنكَ إنْذارًا وتَحْذِيرًا، وقَدْ كَفَرُوا بِما عِنْدَهم مِن عِلْمِكَ. ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وعَلى سَمْعِهِمْ وعَلى أبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا قالَ: نَزَلَتْ هاتانِ الآيَتانِ في قادَةِ الأحْزابِ، وهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ [إبراهيم: ٢٨] قالَ: فَهُمُ الَّذِينَ قُتِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ، ولَمْ يَدْخُلِ القادَةُ في الإسْلامِ إلّا رَجُلانِ: أبُو سُفْيانَ، والحَكَمُ بْنُ العاصِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ قالَ: أوَعَظْتَهم أمْ لَمْ تَعِظْهم. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: أطاعُوا الشَّيْطانَ فاسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمْ، فَخَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وعَلى سَمْعِهِمْ وعَلى أبْصارِهِمْ غِشاوَةً فَهم لا يُبْصِرُونَ هُدًى، ولا يَسْمَعُونَ ولا يَفْقَهُونَ ولا يَعْقِلُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: الخَتْمُ عَلى قُلُوبِهِمْ وعَلى سَمْعِهِمْ والغِشاوَةُ عَلى أبْصارِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وعَلى سَمْعِهِمْ﴾ فَلا يَعْقِلُونَ ولا يَسْمَعُونَ، وجَعَلَ عَلى أبْصارِهِمْ: يَعْنِي أعْيُنَهم غِشاوَةً فَهم لا يُبْصِرُونَ. ورَوى ذَلِكَ السُّدِّيُّ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ (p-٣٠)جُرَيْجٍ قالَ: الخَتْمُ عَلى القَلْبِ والسَّمْعِ، والغِشاوَةُ عَلى البَصَرِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ﴾ [الشورى: ٢٤] وقالَ: ﴿وخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وقَلْبِهِ وجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً﴾ [الجاثية: ٢٣] . قالَ ابْنُ جَرِيرٍ في مَعْنى الخَتْمِ: والحَقُّ عِنْدِي في ذَلِكَ ما صَحَّ نَظِيرُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، ثُمَّ ذَكَرَ إسْنادًا مُتَّصِلًا بِأبِي هُرَيْرَةَ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إنَّ المُؤْمِنَ إذا أذْنَبَ ذَنْبًا كانَ نُكْتَةً سَوْداءَ في قَلْبِهِ، فَإنْ تابَ ونَزَعَ واسْتَعْتَبَ صُقِلَ قَلْبُهُ، وإنْ زادَ زادَتْ حَتّى تُغْلِقَ قَلْبَهُ فَذَلِكَ الرّانُ الَّذِي قالَ اللَّهُ: ﴿كَلّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤] ٣٠» . وقَدْ رَواهُ مِن هَذا الوَجْهِ التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ والنَّسائِيُّ. ثُمَّ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ فَأخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أنَّ الذُّنُوبَ إذا تَتابَعَتْ عَلى القُلُوبِ أغْلَقَتْها، وإذا أغْلَقَتْها أتاها حِينَئِذٍ الخَتْمُ مِن قِبَلِ اللَّهِ سُبْحانَهُ والطَّبْعُ فَلا يَكُونُ إلَيْها مَسْلَكٌ ولا لِلْكُفْرِ مِنها مَخْلَصٌ، فَذَلِكَ هو الخَتْمُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ في قَوْلِهِ: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وعَلى سَمْعِهِمْ﴾ نَظِيرُ الطَّبْعِ والخَتْمِ عَلى ما تُدْرِكُهُ الأبْصارُ مِنَ الأوْعِيَةِ والظُّرُوفِ الَّتِي لا يُوصَلُ إلى ما فِيها إلّا بِفَضِّ ذَلِكَ عَنْها ثُمَّ حَلِّها، فَذَلِكَ لا يَصِلُ الإيمانُ إلى قُلُوبِ مَن وصَفَ اللَّهُ أنَّهُ خَتَمَ عَلى قُلُوبِهِمْ إلّا بَعْدَ فَضِّ خاتَمِهِ، وحَلِّ رِباطِهِ عَنْها.

البقرة 2:8

ذَكَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ المُؤْمِنِينَ الخُلَّصَ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُمُ الكَفَرَةَ الخُلَّصَ، ثُمَّ ذَكَرَ ثالِثًا المُنافِقِينَ وهُمُ الَّذِينَ لَمْ يَكُونُوا مِن إحْدى الطّائِفَتَيْنِ، بَلْ صارُوا فِرْقَةً ثالِثَةً لِأنَّهم وافَقُوا في الظّاهِرِ الطّائِفَةَ الأُولى وفي الباطِنِ الطّائِفَةَ الثّانِيَةَ، ومَعَ ذَلِكَ فَهم أهْلُ الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ. وأصْلُ ناسٍ حُذِفَتْ هَمْزَتُهُ تَخْفِيفًا، وهو مِنَ النَّوْسِ وهو الحَرَكَةُ، يُقالُ: ناسَ يَنُوسُ: أيْ تَحَرَّكَ، وهو مِن أسْماءِ الجُمُوعِ، جَمْعُ إنْسانٍ وإنْسانَةٍ عَلى غَيْرِ لَفْظِهِ، واللّامُ الدّاخِلَةُ عَلَيْهِ لِلْجِنْسِ، و( مِن ) تَبْعِيضِيَّةٌ، أيْ بَعْضُ النّاسِ، و( مِن ) مَوْصُوفَةٌ: أيْ ومِنَ النّاسِ ناسٌ يَقُولُ. والمُرادُ بِاليَوْمِ الآخِرِ: الوَقْتُ الَّذِي لا يَنْقَطِعُ، بَلْ هو دائِمٌ أبَدًا. والخِداعُ في أصْلِ اللُّغَةِ: الفَسادُ حَكاهُ ثَعْلَبٌ عَنِ ابْنِ الأعْرابِيِّ، وأنْشَدَ: ؎أبْيَضَ اللَّوْنِ رَقِيقًا طَعْمُهُ طَيِّبَ الرِّيقِ إذا الرِّيقُ خَدَعْ وقِيلَ: أصْلُهُ الإخْفاءُ، ومِنهُ مَخْدَعُ البَيْتِ الَّذِي يُحْرَزُ فِيهِ الشَّيْءُ، حَكاهُ ابْنُ فارِسٍ وغَيْرُهُ. والمُرادُ مِن مُخادَعَتِهِمْ لِلَّهِ أنَّهم صَنَعُوا مَعَهُ صُنْعَ المُخادِعِينَ، وإنْ كانَ العالِمُ الَّذِي لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ لا يُخْدَعُ. وصِيغَةُ فاعِلٍ تُفِيدُ الِاشْتِراكَ في أصْلِ الفِعْلِ، فَكَوْنُهم ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ والَّذِينَ آمَنُوا﴾ يُفِيدُ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ والَّذِينَ آمَنُوا يُخادِعُونَهم. والمُرادُ بِالمُخادَعَةِ مِنَ اللَّهِ: أنَّهُ لَمّا أجْرى عَلَيْهِمْ أحْكامَ الإسْلامِ مَعَ أنَّهم لَيْسُوا مِنهُ في شَيْءٍ، فَكَأنَّهُ خادَعَهم بِذَلِكَ كَما خادَعُوهُ بِإظْهارِ الإسْلامِ وإبِطانِ الكُفْرِ مُشاكَلَةً لِما وقَعَ مِنهم بِما وقَعَ مِنهُ. والمُرادُ بِمُخادَعَةِ المُؤْمِنِينَ لَهم: هو أنَّهم أجْرَوْا عَلَيْهِمْ ما أمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِن أحْكامِ الإسْلامِ ظاهِرًا وإنْ كانُوا يَعْلَمُونَ فَسادَ بَواطِنِهِمْ، كَما أنَّ المُنافِقِينَ خادَعُوهم بِإظْهارِ الإسْلامِ وإبِطانِ الكُفْرِ. والمُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما يَخْدَعُونَ إلّا أنْفُسَهم﴾ الإشْعارُ بِأنَّهم لَمّا خادَعُوا مَن لا يُخْدَعُ كانُوا مُخادِعِينَ لِأنْفُسِهِمْ، لِأنَّ الخِداعَ إنَّما يَكُونُ مَعَ مَن لا يَعْرِفُ البَواطِنَ. وأمّا مَن عَرَفَ البَواطِنَ فَمَن دَخَلَ مَعَهُ في الخِداعِ فَإنَّما يَخْدَعُ نَفْسَهُ وما يَشْعُرُ بِذَلِكَ، ومِن هَذا قَوْلُ مَن قالَ: مَن خادَعْتَهُ فانْخَدَعَ لَكَ فَقَدْ خَدَعَكَ. وقَدْ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو يُخادِعُونَ في المَوْضِعَيْنِ، وقَرَأ حَمْزَةُ وعاصِمٌ والكِسائِيُّ وابْنُ عامِرٍ في الثّانِي " يَخْدَعُونَ " . والمُرادُ بِمُخادَعَتِهِمْ أنْفُسَهم: أنَّهم يُمَنُّونَها الأمانِيَّ الباطِلَةَ وهي كَذَلِكَ تُمَنِّيهِمْ. قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: شَعَرْتُ بِالشَّيْءِ فَطِنْتُ. قالَ في الكَشّافِ: والشُّعُورُ عِلْمُ الشَّيْءِ عِلْمَ حَسٍّ، مِنَ الشِّعارِ - ومَشاعِرُ الإنْسانِ: حَواسُّهُ. والمَعْنى: أنَّ لُحُوقَ ضَرَرِ ذَلِكَ لَهم كالمَحْسُوسِ، وهم لِتَمادِي غَفْلَتِهِمْ كالَّذِي لا حِسَّ لَهُ. والمُرادُ بِالأنْفُسِ هُنا ذَواتُهم لا سائِرُ المَعانِي الَّتِي تَدْخُلُ في مُسَمّى النَّفْسِ كالرُّوحِ والدَّمِ والقَلْبِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُمُ المُنافِقُونَ مِنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ ومَن كانَ عَلى أمْرِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: والمُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ المُنافِقُونَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قالَ: لَمْ يَكُنْ عِنْدَهم شَيْءٌ أخْوَفَ مِن هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ وما هم بِمُؤْمِنِينَ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ حُذَيْفَةَ أنَّهُ قِيلَ لَهُ: ما النِّفاقُ ؟ قالَ: أنْ يَتَكَلَّمَ بِالإسْلامِ ولا يَعْمَلَ بِهِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ «عَنْ رَجُلٍ مِنَ الصَّحابَةِ أنَّ قائِلًا مِنَ المُسْلِمِينَ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما النَّجاةُ غَدًا ؟ قالَ: لا تُخادِعِ اللَّهَ قالَ: وكَيْفَ نُخادِعُ اللَّهَ ؟ قالَ: أنْ تَعْمَلَ بِما أمَرَكَ اللَّهُ بِهِ تُرِيدُ بِهِ غَيْرَهُ، فاتَّقُوا الرِّياءَ فَإنَّهُ الشِّرْكُ بِاللَّهِ، فَإنَّ المُرائِيَ يُنادى يَوْمَ القِيامَةِ عَلى رُءُوسِ الخَلائِقِ بِأرْبَعَةِ أسْماءٍ: يا كافِرُ يا فاجِرُ يا خاسِرُ يا غادِرُ، ضَلَّ عَمَلُكَ وبَطَلَ أجْرُكَ فَلا خَلاقَ لَكَ اليَوْمَ عِنْدَ اللَّهِ، فالتَمِسْ أجْرَكَ مِمَّنْ كُنْتَ تَعْمَلُ لَهُ يا مُخادِعُ، وقَرَأ آياتٍ مِنَ القُرْآنِ ﴿فَمَن كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا﴾ [الكهف: ١١٠] الآيَةَ، و﴿إنَّ المُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ﴾ [النساء: ١٤٢] الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ وهْبٍ قالَ: سَألْتُ ابْنَ زَيْدٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ والَّذِينَ آمَنُوا﴾ قالَ: هَؤُلاءِ المُنافِقُونَ يُخادِعُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ، والَّذِينَ آمَنُوا أنَّهم يُؤْمِنُونَ بِما أظْهَرُوهُ. وعَنْ قَوْلِهِ: ﴿وما يَخْدَعُونَ إلّا أنْفُسَهم وما يَشْعُرُونَ﴾ أنَّهم ضَرُّوا أنْفُسَهم بِما أضْمَرُوا مِنَ الكُفْرِ والنِّفاقِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: يُخادِعُونَ اللَّهَ قالَ: يُظْهِرُونَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يُرِيدُونَ أنْ يُحْرِزُوا بِذَلِكَ دِماءَهم وأمْوالَهم وفي أنْفُسِهِمْ غَيْرُ ذَلِكَ.

البقرة 2:9

ذَكَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ المُؤْمِنِينَ الخُلَّصَ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُمُ الكَفَرَةَ الخُلَّصَ، ثُمَّ ذَكَرَ ثالِثًا المُنافِقِينَ وهُمُ الَّذِينَ لَمْ يَكُونُوا مِن إحْدى الطّائِفَتَيْنِ، بَلْ صارُوا فِرْقَةً ثالِثَةً لِأنَّهم وافَقُوا في الظّاهِرِ الطّائِفَةَ الأُولى وفي الباطِنِ الطّائِفَةَ الثّانِيَةَ، ومَعَ ذَلِكَ فَهم أهْلُ الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ. وأصْلُ ناسٍ حُذِفَتْ هَمْزَتُهُ تَخْفِيفًا، وهو مِنَ النَّوْسِ وهو الحَرَكَةُ، يُقالُ: ناسَ يَنُوسُ: أيْ تَحَرَّكَ، وهو مِن أسْماءِ الجُمُوعِ، جَمْعُ إنْسانٍ وإنْسانَةٍ عَلى غَيْرِ لَفْظِهِ، واللّامُ الدّاخِلَةُ عَلَيْهِ لِلْجِنْسِ، و( مِن ) تَبْعِيضِيَّةٌ، أيْ بَعْضُ النّاسِ، و( مِن ) مَوْصُوفَةٌ: أيْ ومِنَ النّاسِ ناسٌ يَقُولُ. والمُرادُ بِاليَوْمِ الآخِرِ: الوَقْتُ الَّذِي لا يَنْقَطِعُ، بَلْ هو دائِمٌ أبَدًا. والخِداعُ في أصْلِ اللُّغَةِ: الفَسادُ حَكاهُ ثَعْلَبٌ عَنِ ابْنِ الأعْرابِيِّ، وأنْشَدَ: ؎أبْيَضَ اللَّوْنِ رَقِيقًا طَعْمُهُ طَيِّبَ الرِّيقِ إذا الرِّيقُ خَدَعْ وقِيلَ: أصْلُهُ الإخْفاءُ، ومِنهُ مَخْدَعُ البَيْتِ الَّذِي يُحْرَزُ فِيهِ الشَّيْءُ، حَكاهُ ابْنُ فارِسٍ وغَيْرُهُ. والمُرادُ مِن مُخادَعَتِهِمْ لِلَّهِ أنَّهم صَنَعُوا مَعَهُ صُنْعَ المُخادِعِينَ، وإنْ كانَ العالِمُ الَّذِي لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ لا يُخْدَعُ. وصِيغَةُ فاعِلٍ تُفِيدُ الِاشْتِراكَ في أصْلِ الفِعْلِ، فَكَوْنُهم ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ والَّذِينَ آمَنُوا﴾ يُفِيدُ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ والَّذِينَ آمَنُوا يُخادِعُونَهم. والمُرادُ بِالمُخادَعَةِ مِنَ اللَّهِ: أنَّهُ لَمّا أجْرى عَلَيْهِمْ أحْكامَ الإسْلامِ مَعَ أنَّهم لَيْسُوا مِنهُ في شَيْءٍ، فَكَأنَّهُ خادَعَهم بِذَلِكَ كَما خادَعُوهُ بِإظْهارِ الإسْلامِ وإبِطانِ الكُفْرِ مُشاكَلَةً لِما وقَعَ مِنهم بِما وقَعَ مِنهُ. والمُرادُ بِمُخادَعَةِ المُؤْمِنِينَ لَهم: هو أنَّهم أجْرَوْا عَلَيْهِمْ ما أمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِن أحْكامِ الإسْلامِ ظاهِرًا وإنْ كانُوا يَعْلَمُونَ فَسادَ بَواطِنِهِمْ، كَما أنَّ المُنافِقِينَ خادَعُوهم بِإظْهارِ الإسْلامِ وإبِطانِ الكُفْرِ. والمُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما يَخْدَعُونَ إلّا أنْفُسَهم﴾ الإشْعارُ بِأنَّهم لَمّا خادَعُوا مَن لا يُخْدَعُ كانُوا مُخادِعِينَ لِأنْفُسِهِمْ، لِأنَّ الخِداعَ إنَّما يَكُونُ مَعَ مَن لا يَعْرِفُ البَواطِنَ. وأمّا مَن عَرَفَ البَواطِنَ فَمَن دَخَلَ مَعَهُ في الخِداعِ فَإنَّما يَخْدَعُ نَفْسَهُ وما يَشْعُرُ بِذَلِكَ، ومِن هَذا قَوْلُ مَن قالَ: مَن خادَعْتَهُ فانْخَدَعَ لَكَ فَقَدْ خَدَعَكَ. وقَدْ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو يُخادِعُونَ في المَوْضِعَيْنِ، وقَرَأ حَمْزَةُ وعاصِمٌ والكِسائِيُّ وابْنُ عامِرٍ في الثّانِي " يَخْدَعُونَ " . والمُرادُ بِمُخادَعَتِهِمْ أنْفُسَهم: أنَّهم يُمَنُّونَها الأمانِيَّ الباطِلَةَ وهي كَذَلِكَ تُمَنِّيهِمْ. قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: شَعَرْتُ بِالشَّيْءِ فَطِنْتُ. قالَ في الكَشّافِ: والشُّعُورُ عِلْمُ الشَّيْءِ عِلْمَ حَسٍّ، مِنَ الشِّعارِ - ومَشاعِرُ الإنْسانِ: حَواسُّهُ. والمَعْنى: أنَّ لُحُوقَ ضَرَرِ ذَلِكَ لَهم كالمَحْسُوسِ، وهم لِتَمادِي غَفْلَتِهِمْ كالَّذِي لا حِسَّ لَهُ. والمُرادُ بِالأنْفُسِ هُنا ذَواتُهم لا سائِرُ المَعانِي الَّتِي تَدْخُلُ في مُسَمّى النَّفْسِ كالرُّوحِ والدَّمِ والقَلْبِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُمُ المُنافِقُونَ مِنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ ومَن كانَ عَلى أمْرِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: والمُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ المُنافِقُونَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قالَ: لَمْ يَكُنْ عِنْدَهم شَيْءٌ أخْوَفَ مِن هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ وما هم بِمُؤْمِنِينَ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ حُذَيْفَةَ أنَّهُ قِيلَ لَهُ: ما النِّفاقُ ؟ قالَ: أنْ يَتَكَلَّمَ بِالإسْلامِ ولا يَعْمَلَ بِهِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ «عَنْ رَجُلٍ مِنَ الصَّحابَةِ أنَّ قائِلًا مِنَ المُسْلِمِينَ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما النَّجاةُ غَدًا ؟ قالَ: لا تُخادِعِ اللَّهَ قالَ: وكَيْفَ نُخادِعُ اللَّهَ ؟ قالَ: أنْ تَعْمَلَ بِما أمَرَكَ اللَّهُ بِهِ تُرِيدُ بِهِ غَيْرَهُ، فاتَّقُوا الرِّياءَ فَإنَّهُ الشِّرْكُ بِاللَّهِ، فَإنَّ المُرائِيَ يُنادى يَوْمَ القِيامَةِ عَلى رُءُوسِ الخَلائِقِ بِأرْبَعَةِ أسْماءٍ: يا كافِرُ يا فاجِرُ يا خاسِرُ يا غادِرُ، ضَلَّ عَمَلُكَ وبَطَلَ أجْرُكَ فَلا خَلاقَ لَكَ اليَوْمَ عِنْدَ اللَّهِ، فالتَمِسْ أجْرَكَ مِمَّنْ كُنْتَ تَعْمَلُ لَهُ يا مُخادِعُ، وقَرَأ آياتٍ مِنَ القُرْآنِ ﴿فَمَن كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا﴾ [الكهف: ١١٠] الآيَةَ، و﴿إنَّ المُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ﴾ [النساء: ١٤٢] الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ وهْبٍ قالَ: سَألْتُ ابْنَ زَيْدٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ والَّذِينَ آمَنُوا﴾ قالَ: هَؤُلاءِ المُنافِقُونَ يُخادِعُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ، والَّذِينَ آمَنُوا أنَّهم يُؤْمِنُونَ بِما أظْهَرُوهُ. وعَنْ قَوْلِهِ: ﴿وما يَخْدَعُونَ إلّا أنْفُسَهم وما يَشْعُرُونَ﴾ أنَّهم ضَرُّوا أنْفُسَهم بِما أضْمَرُوا مِنَ الكُفْرِ والنِّفاقِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: يُخادِعُونَ اللَّهَ قالَ: يُظْهِرُونَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يُرِيدُونَ أنْ يُحْرِزُوا بِذَلِكَ دِماءَهم وأمْوالَهم وفي أنْفُسِهِمْ غَيْرُ ذَلِكَ.

البقرة 2:10

المَرَضُ: كُلُّ ما يَخْرُجُ بِهِ الإنْسانُ عَنْ حَدِّ الصِّحَّةِ مِن (p-٣١)عِلَّةٍ أوْ إنْفاقٍ أوْ تَقْصِيرٍ في أمْرٍ، قالَهُ ابْنُ فارِسٍ، وقِيلَ: هو الألَمُ، فَيَكُونُ عَلى هَذا مُسْتَعارًا لِلْفَسادِ الَّذِي في عَقائِدِهِمْ إمّا شَكًّا ونِفاقًا، أوْ جَحْدًا وتَكْذِيبًا، وتَقْدِيمُ الخَبَرِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ المَرَضَ مُخْتَصٌّ بِها بِمُبالَغَةٍ في تَعَلُّقِ هَذا الدّاءِ بِتِلْكَ القُلُوبِ لِما كانُوا عَلَيْهِ مِن شِدَّةِ الحَسَدِ وفَرْطِ العَداوَةِ. والمُرادُ بِقَوْلِهِ: فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا الإخْبارُ بِأنَّهم كَذَلِكَ بِما يَتَجَدَّدُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِنَ النِّعَمِ، ويَتَكَرَّرُ لَهُ مِن مِنَنِ اللَّهِ الدُّنْيَوِيَّةِ والدِّينِيَّةِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ دُعاءً عَلَيْهِمْ بِزِيادَةِ الشَّكِّ وتَرادُفِ الحَسْرَةِ وفَرْطِ النِّفاقِ. والألِيمُ المُؤْلِمُ: أيِ المُوجِعِ، و( ما ) في قَوْلِهِ: ﴿بِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ مَصْدَرِيَّةٌ: أيْ بِتَكْذِيبِهِمْ وهو قَوْلُهم: ﴿آمَنّا بِاللَّهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ وما هم بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨] والقُرّاءُ مُجْمِعُونَ عَلى فَتْحِ الرّاءِ مِن قَوْلِهِ: ( مَرَضٌ )، إلّا ما رَواهُ الأصْمَعِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو أنَّهُ قَرَأ بِإسْكانِ الرّاءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ وعاصِمٌ والكِسائِيُّ يَكْذِبُونَ بِالتَّخْفِيفِ، والباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ قالَ: شَكٌّ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا قالَ: شَكًّا. وأخْرَجَ عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ في قَوْلِهِ: في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ قالَ: النِّفاقُ، ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ قالَ: نَكالٌ مُوجِعٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ قالَ: يُبَدِّلُونَ ويُحَرِّفُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِثْلَ ما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أوَّلًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كُلُّ شَيْءٍ في القُرْآنِ ألِيمٌ فَهو المُوجِعُ. وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ أبِي العالِيَةِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ مِثْلَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أيْ رِيبَةٌ وشَكٌّ في أمْرِ اللَّهِ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا رِيبَةً وشَكًّا ﴿ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ قالَ: إيّاكم والكَذِبَ فَإنَّهُ بابُ النِّفاقِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: هَذا مَرَضٌ في الدِّينِ ولَيْسَ مَرَضًا في الأجْسادِ وهُمُ المُنافِقُونَ. والمَرَضُ: الشَّكُّ الَّذِي دَخَلَ في الإسْلامِ. ورُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ وطاوُسٍ أنَّ المَرَضَ: الرِّياءُ.

البقرة 2:11

" إذا " في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الظَّرْفِ والعامِلُ فِيهِ " قالُوا " المَذْكُورُ بَعْدَهُ. وفِيهِ مَعْنى الشَّرْطِ. والفَسادُ ضِدُّ الصَّلاحِ، وحَقِيقَتُهُ العُدُولُ عَنِ الِاسْتِقامَةِ إلى ضِدِّها. فَسَدَ الشَّيْءُ يَفْسُدُ فَسادًا وفُسُودًا فَهو فاسِدٌ وفَسِيدٌ. والمُرادُ في الآيَةِ: ﴿لا تُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾ بِالنِّفاقِ ومُوالاةِ الكَفَرَةِ وتَفْرِيقِ النّاسِ عَنِ الإيمانِ بِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ والقُرْآنِ، فَإنَّكم إذا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ فَسَدَ ما في الأرْضِ بِهَلاكِ الأبْدانِ وخَرابِ الدِّيارِ وبُطْلانِ الذَّرائِعِ، كَما هو مُشاهَدٌ عِنْدَ ثَوَرانِ الفِتَنِ والتَّنازُعِ. و" إنَّما " مِن أدَواتِ القَصْرِ كَما هو مُبَيَّنٌ في عِلْمِ المَعانِي. والصَّلاحُ ضِدُّ الفَسادِ. لِما نَهاهُمُ اللَّهُ عَنِ الفَسادِ الَّذِي هو دَأْبُهم أجابُوا بِهَذِهِ الدَّعْوى العَرِيضَةِ، ونَقَلُوا أنْفُسَهم مِنَ الِاتِّصافِ بِما هي عَلَيْهِ حَقِيقَةً وهو الفَسادُ، إلى الِاتِّصافِ بِما هو ضِدٌّ لِذَلِكَ وهو الصَّلاحُ، ولَمْ يَقِفُوا عِنْدَ هَذا الكَذِبِ البَحْتِ والزُّورِ المَحْضِ حَتّى جَعَلُوا صِفَةَ الصَّلاحِ مُخْتَصَّةً بِهِمْ خالِصَةً لَهم، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ أبْلَغَ رَدٍّ لِما يُفِيدُهُ حَرْفُ التَّنْبِيهِ مِن تَحَقُّقِ ما بَعْدَهُ، ولِما في ( إنَّ ) مِنَ التَّأْكِيدِ، وما في تَعْرِيفِ الخَبَرِ مَعَ تَوْسِيطِ ضَمِيرِ الفَصْلِ مِنَ الحَصْرِ المُبالَغِ فِيهِ بِالجَمْعِ بَيْنَ أمْرَيْنِ مِنَ الأُمُورِ المُفِيدَةِ لَهُ، ورَدَّهم إلى صِفَةِ الفَسادِ الَّتِي هي مُتَّصِفُونَ بِها في الحَقِيقَةِ رَدًّا مُؤَكَّدًا مُبالَغًا فِيهِ بِزِيادَةٍ عَلى ما تَضَمَّنَتْهُ دَعْواهُمُ الكاذِبَةُ مِن مُجَرَّدِ الحَصْرِ المُسْتَفادِ مِن إنَّما. وأمّا نَفْيُ الشُّعُورِ عَنْهم فَيُحْتَمَلُ أنَّهم لَمّا كانُوا يُظْهِرُونَ الصَّلاحَ مَعَ عِلْمِهِمْ أنَّهم عَلى الفَسادِ الخالِصِ، ظَنُّوا أنَّ ذَلِكَ يَنْفُقُ عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ويَنْكَتِمُ عَنْهُ بُطْلانُ ما أضْمَرُوهُ، ولَمْ يَشْعُرُوا بِأنَّهُ عالِمٌ بِهِ، وأنَّ الخَبَرَ يَأْتِيهِ بِذَلِكَ مِنَ السَّماءِ، فَكانَ نَفْيُ الشُّعُورِ عَنْهم مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ لا مِن جِهَةِ أنَّهم لا يَشْعُرُونَ بِأنَّهم عَلى الفَسادِ. ويُحْتَمَلُ أنَّ فَسادَهم كانَ عِنْدَهم صَلاحًا لِما اسْتَقَرَّ في عُقُولِهِمْ مِن مَحَبَّةِ الكُفْرِ وعَداوَةِ الإسْلامِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: الفَسادُ هُنا هو الكُفْرُ والعَمَلُ بِالمَعْصِيَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ أيْ إنَّما نُرِيدُ الإصْلاحَ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ مِنَ المُؤْمِنِينَ وأهْلِ الكِتابِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ قالَ: إذا رَكِبُوا مَعْصِيَةً فَقِيلَ لَهم: لا تَفْعَلُوا كَذا قالُوا: إنَّما نَحْنُ عَلى الهُدى. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَلْمانَ أنَّهُ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ فَقالَ: لَمْ تَجِئْ أهْلُ هَذِهِ الآيَةِ بَعْدُ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يُحْتَمَلُ أنَّ سَلْمانَ أرادَ بِهَذا أنَّ الَّذِينَ يَأْتُونَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ أعْظَمُ فَسادًا مِنَ الَّذِينَ كانُوا في زَمَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، لا أنَّهُ عَنى أنَّهُ لَمْ يَمْضِ مِمَّنْ تِلْكَ صِفَتُهُ أحَدٌ انْتَهى. ويُحْتَمَلُ أنَّ سَلْمانَ يَرى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لَيْسَتْ في المُنافِقِينَ، بَلْ يَحْمِلُها عَلى مِثْلِ أهْلِ الفِتَنِ الَّتِي يَدِينُ أهْلُها بِوَضْعِ السَّيْفِ في المُسْلِمِينَ، كالخَوارِجِ وسائِرِ مَن يَعْتَقِدُ في فَسادِهِ أنَّهُ صَلاحٌ لِما يَطْرَأُ عَلَيْهِ مِنَ الشُّبَهِ الباطِلَةِ.

البقرة 2:12

" إذا " في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الظَّرْفِ والعامِلُ فِيهِ " قالُوا " المَذْكُورُ بَعْدَهُ. وفِيهِ مَعْنى الشَّرْطِ. والفَسادُ ضِدُّ الصَّلاحِ، وحَقِيقَتُهُ العُدُولُ عَنِ الِاسْتِقامَةِ إلى ضِدِّها. فَسَدَ الشَّيْءُ يَفْسُدُ فَسادًا وفُسُودًا فَهو فاسِدٌ وفَسِيدٌ. والمُرادُ في الآيَةِ: ﴿لا تُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾ بِالنِّفاقِ ومُوالاةِ الكَفَرَةِ وتَفْرِيقِ النّاسِ عَنِ الإيمانِ بِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ والقُرْآنِ، فَإنَّكم إذا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ فَسَدَ ما في الأرْضِ بِهَلاكِ الأبْدانِ وخَرابِ الدِّيارِ وبُطْلانِ الذَّرائِعِ، كَما هو مُشاهَدٌ عِنْدَ ثَوَرانِ الفِتَنِ والتَّنازُعِ. و" إنَّما " مِن أدَواتِ القَصْرِ كَما هو مُبَيَّنٌ في عِلْمِ المَعانِي. والصَّلاحُ ضِدُّ الفَسادِ. لِما نَهاهُمُ اللَّهُ عَنِ الفَسادِ الَّذِي هو دَأْبُهم أجابُوا بِهَذِهِ الدَّعْوى العَرِيضَةِ، ونَقَلُوا أنْفُسَهم مِنَ الِاتِّصافِ بِما هي عَلَيْهِ حَقِيقَةً وهو الفَسادُ، إلى الِاتِّصافِ بِما هو ضِدٌّ لِذَلِكَ وهو الصَّلاحُ، ولَمْ يَقِفُوا عِنْدَ هَذا الكَذِبِ البَحْتِ والزُّورِ المَحْضِ حَتّى جَعَلُوا صِفَةَ الصَّلاحِ مُخْتَصَّةً بِهِمْ خالِصَةً لَهم، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ أبْلَغَ رَدٍّ لِما يُفِيدُهُ حَرْفُ التَّنْبِيهِ مِن تَحَقُّقِ ما بَعْدَهُ، ولِما في ( إنَّ ) مِنَ التَّأْكِيدِ، وما في تَعْرِيفِ الخَبَرِ مَعَ تَوْسِيطِ ضَمِيرِ الفَصْلِ مِنَ الحَصْرِ المُبالَغِ فِيهِ بِالجَمْعِ بَيْنَ أمْرَيْنِ مِنَ الأُمُورِ المُفِيدَةِ لَهُ، ورَدَّهم إلى صِفَةِ الفَسادِ الَّتِي هي مُتَّصِفُونَ بِها في الحَقِيقَةِ رَدًّا مُؤَكَّدًا مُبالَغًا فِيهِ بِزِيادَةٍ عَلى ما تَضَمَّنَتْهُ دَعْواهُمُ الكاذِبَةُ مِن مُجَرَّدِ الحَصْرِ المُسْتَفادِ مِن إنَّما. وأمّا نَفْيُ الشُّعُورِ عَنْهم فَيُحْتَمَلُ أنَّهم لَمّا كانُوا يُظْهِرُونَ الصَّلاحَ مَعَ عِلْمِهِمْ أنَّهم عَلى الفَسادِ الخالِصِ، ظَنُّوا أنَّ ذَلِكَ يَنْفُقُ عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ويَنْكَتِمُ عَنْهُ بُطْلانُ ما أضْمَرُوهُ، ولَمْ يَشْعُرُوا بِأنَّهُ عالِمٌ بِهِ، وأنَّ الخَبَرَ يَأْتِيهِ بِذَلِكَ مِنَ السَّماءِ، فَكانَ نَفْيُ الشُّعُورِ عَنْهم مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ لا مِن جِهَةِ أنَّهم لا يَشْعُرُونَ بِأنَّهم عَلى الفَسادِ. ويُحْتَمَلُ أنَّ فَسادَهم كانَ عِنْدَهم صَلاحًا لِما اسْتَقَرَّ في عُقُولِهِمْ مِن مَحَبَّةِ الكُفْرِ وعَداوَةِ الإسْلامِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: الفَسادُ هُنا هو الكُفْرُ والعَمَلُ بِالمَعْصِيَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ أيْ إنَّما نُرِيدُ الإصْلاحَ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ مِنَ المُؤْمِنِينَ وأهْلِ الكِتابِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ قالَ: إذا رَكِبُوا مَعْصِيَةً فَقِيلَ لَهم: لا تَفْعَلُوا كَذا قالُوا: إنَّما نَحْنُ عَلى الهُدى. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَلْمانَ أنَّهُ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ فَقالَ: لَمْ تَجِئْ أهْلُ هَذِهِ الآيَةِ بَعْدُ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يُحْتَمَلُ أنَّ سَلْمانَ أرادَ بِهَذا أنَّ الَّذِينَ يَأْتُونَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ أعْظَمُ فَسادًا مِنَ الَّذِينَ كانُوا في زَمَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، لا أنَّهُ عَنى أنَّهُ لَمْ يَمْضِ مِمَّنْ تِلْكَ صِفَتُهُ أحَدٌ انْتَهى. ويُحْتَمَلُ أنَّ سَلْمانَ يَرى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لَيْسَتْ في المُنافِقِينَ، بَلْ يَحْمِلُها عَلى مِثْلِ أهْلِ الفِتَنِ الَّتِي يَدِينُ أهْلُها بِوَضْعِ السَّيْفِ في المُسْلِمِينَ، كالخَوارِجِ وسائِرِ مَن يَعْتَقِدُ في فَسادِهِ أنَّهُ صَلاحٌ لِما يَطْرَأُ عَلَيْهِ مِنَ الشُّبَهِ الباطِلَةِ.

البقرة 2:13

إذا قِيلَ لِلْمُنافِقِينَ: آمِنُوا كَما آمَنَ أصْحابُ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ أجابُوا بِأحْمَقِ جَوابٍ وأبْعَدِهِ عَنِ الحَقِّ والصَّوابِ، فَنَسَبُوا إلى المُؤْمِنِينَ السَّفَهَ اسْتِهْزاءً واسْتِخْفافًا، فَتَسَبَّبُوا بِذَلِكَ إلى تَسْجِيلِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِالسَّفَهِ بِأبْلَغِ عِبارَةٍ وآكَدِ قَوْلٍ. وحَصَرَ السَّفاهَةَ وهي رِقَّةُ الحُلُومِ وفَسادُ البَصائِرِ وسَخافَةُ العُقُولِ فِيهِمْ مَعَ كَوْنِهِمْ لا يَعْلَمُونَ أنَّهم كَذَلِكَ إمّا حَقِيقَةً أوْ مَجازًا، تَنْزِيلًا لِإصْرارِهِمْ عَلى السَّفَهِ مَنزِلَةَ عَدَمِ العِلْمِ بِكَوْنِهِمْ عَلَيْهِ وأنَّهم مُتَّصِفُونَ بِهِ، ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ هُنا السَّفَهَ ناسَبَهُ نَفْيُ العِلْمِ عَنْهم لِأنَّهُ لا يَتَسافَهُ إلّا جاهِلٌ. والكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ لِأنَّها نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ: أيْ إيمانًا كَإيمانِ النّاسِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا قِيلَ لَهم آمِنُوا كَما آمَنَ النّاسُ﴾ (p-٣٢)أيْ صَدِّقُوا كَما صَدَّقَ أصْحابُ مُحَمَّدٍ أنَّهُ نَبِيٌّ ورَسُولٌ، وأنَّ ما أُنْزِلَ عَلَيْهِ حَقٌّ، ﴿قالُوا أنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ﴾ يَعْنُونَ أصْحابَ مُحَمَّدٍ ألا إنَّهم هُمُ السُّفَهاءُ يَقُولُ: الجُهّالُ: ولَكِنْ لا يَعْلَمُونَ يَقُولُ: لا يَعْقِلُونَ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَساكِرَ في تارِيخِهِ بِسَنَدٍ واهٍ أنَّهُ قالَ: آمِنُوا كَما آمَنَ النّاسُ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ وعُثْمانُ وعَلِيٌّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿كَما آمَنَ السُّفَهاءُ﴾ قالَ: يَعْنُونَ أصْحابَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. وأخْرَجَ عَنِ الرَّبِيعِ وابْنِ زَيْدٍ مِثْلَهُ. ورَوى الكَلْبِيُّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ في شَأْنِ اليَهُودِ: أيْ إذا قِيلَ لَهم: يَعْنِي اليَهُودَ آمِنُوا كَما آمَنَ النّاسُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ وأصْحابُهُ قالُوا أنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ.

البقرة 2:14

لَقُوا أصْلُهُ لَقْيُوا، نُقِلَتِ الضَّمَّةُ إلى القافِ وحُذِفَتِ الياءُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ. ومَعْنى لَقِيتُهُ ولاقَيْتُهُ: اسْتَقْبَلْتُهُ قَرِيبًا. وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ السَّمَيْفَعِ اليَمانِيُّ وأبُو حَنِيفَةَ لاقُوا، وأصْلُهُ لاقَيُوا تَحَرَّكَتِ الياءُ وانْفَتَحَ ما قَبْلَها فانْقَلَبَتْ ألِفًا. ثُمَّ حُذِفَتِ الألِفُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ. وخَلَوْتُ بِفُلانٍ وإلَيْهِ: إذا انْفَرَدْتُ بِهِ. وإنَّما عُدِّيَ بِإلى وهو يَتَعَدّى بِالباءِ فَيُقالُ: خَلَوْتُ بِهِ لا خَلَوْتُ إلَيْهِ، لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى ذَهَبُوا وانْصَرَفُوا. والشَّياطِينُ جَمْعُ شَيْطانٍ عَلى التَّكْسِيرِ. وقَدِ اخْتَلَفَ كَلامُ سِيبَوَيْهِ في نُونِ الشَّيْطانِ فَجَعَلَها في مَوْضِعٍ مِن كِتابِهِ أصْلِيَّةً وفي آخِرَ زائِدَةً، فَعَلى الأوَّلِ هو مِن شَطَنَ أيْ بَعُدَ عَنِ الحَقِّ، وعَلى الثّانِي مِن شَطَّ: أيْ بَعُدَ أوْ شاطَ: أيْ بَطَلَ، وشاطَ: أيِ احْتَرَقَ، وأشاطَ: إذا هَلَكَ، قالَ: وقَدْ يَشِيطُ عَلى أرْماحِنا البَطَلُ أيْ يَهْلِكُ. وقالَ آخَرُ: ؎وأبْيَضَ ذِي تاجٍ أشاطَتْ رِماحُنا لِمُعْتَرَكٍ بَيْنَ الفَوارِسِ أقْتَما أيْ أهْلَكَتْ. وحَكى سِيبَوَيْهِ أنَّ العَرَبَ تَقُولُ: تَشَيْطَنَ فُلانٌ: إذا فَعَلَ أفْعالَ الشَّياطِينِ. ولَوْ كانَ مِن شاطَ لَقالُوا: تَشَيَّطَ، ومِنهُ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ: ؎أيُّما شاطِنٌ عَصاهُ عَكا ∗∗∗ هُ ورَماهُ في السِّجْنِ والأغْلالِ وقَوْلُهُ: ( إنّا مَعَكم ) مَعْناهُ مُصاحِبُوكم في دِينِكم ومُوافِقُوكم عَلَيْهِ. والهُزُؤُ: السُّخْرِيَةُ واللَّعِبُ. قالَ الرّاجِزُ: قَدْ هَزِئَتْ مِنِّي أُمُّ طَيْسَلَهْ ∗∗∗ قالَتْ أراهُ مُعْدَمًا لا مالَ لَهْقالَ في الكَشّافِ: وأصْلُ البابِ الخِفَّةُ مِنَ الهَزْءِ وهو القَتْلُ السَّرِيعُ، وهَزَأ يَهْزَأُ: ماتَ عَلى المَكانِ. عَنْ بَعْضِ العَرَبِ مَشَيْتُ فَلَغِبْتُ فَظَنَنْتُ لَأهْزَأنَّ عَلى مَكانِي، وناقَتُهُ تَهْزَأُ بِهِ: أيْ تُسْرِعُ وتَخَفُّ انْتَهى. وقِيلَ: أصْلُهُ الِانْتِقامُ، قالَ الشّاعِرُ: قَدِ اسْتَهْزَءُوا مِنهم بِألْفَيْ مُدَجَّجٍ ∗∗∗ سَراتُهم وسْطَ الصَّحاصِحِ جُثَّمِفَأفادَ قَوْلُهم: إنّا مَعَكم أنَّهم ثابِتُونَ عَلى الكُفْرِ، وأفادَ قَوْلُهم: ﴿إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ﴾ رَدَّهم لِلْإسْلامِ ورَفَعَهم لِلْحَقِّ، وكَأنَّهُ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ ناشِئٍ مِن قَوْلِهِمْ إنّا مَعَكم: أيْ إذا كُنْتُمْ مَعَنا فَما بالُكم إذا لَقِيتُمُ المُسْلِمِينَ وافَقْتُمُوهم ؟ فَقالُوا: إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ بِهِمْ في تِلْكَ المُوافَقَةِ، ولَمْ تَكُنْ بَواطِنُنا مُوافِقَةً لَهم ولا مائِلَةً إلَيْهِمْ. فَرَدَّ اللَّهُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ أيْ يُنْزِلُ بِهِمُ الهَوانَ والحَقارَةَ ويَنْتَقِمُ مِنهم ويَسْتَخِفُّ بِهِمُ انْتِصافًا مِنهم لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ، وإنَّما جَعَلَ سُبْحانَهُ ما وقَعَ مِنهُ اسْتِهْزاءً مَعَ كَوْنِهِ عُقُوبَةً ومُكافَأةً مُشاكَلَةً، وقَدْ كانَتِ العَرَبُ إذا وضَعَتْ لَفْظًا بِإزاءِ لَفْظٍ جَوابًا لَهُ وجَزاءً ذَكَرَتْهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ اللَّفْظِ وإنْ كانَ مُخالِفًا لَهُ في مَعْناهُ. ووَرَدَ في ذَلِكَ في القُرْآنِ كَثِيرًا، ومِنهُ ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكم﴾ [البقرة: ١٩٤] والجَزاءُ لا يَكُونُ سَيِّئَةً. والقَصاصُ لا يَكُونُ اعْتِداءً لِأنَّهُ حَقٌّ، ومِنهُ ﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤] ﴿إنَّهم يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ ﴿وأكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٥، ١٦]، ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ والَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٩]، ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ وهو خادِعُهم﴾ [النساء: ١٤٢]، ﴿تَعْلَمُ ما في نَفْسِي ولا أعْلَمُ ما في نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦] . وهُوَ في السُّنَّةِ كَثِيرٌ كَقَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إنَّ اللَّهَ لا يَمَلُّ حَتّى تَمَلُّوا» وإنَّما قالَ: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ لِأنَّهُ يُفِيدُ التَّجَدُّدَ وقْتًا بَعْدَ وقْتٍ، وهو أشَدُّ عَلَيْهِمْ وأنْكَأُ لِقُلُوبِهِمْ وأوْجَعُ لَهم مِنَ الِاسْتِهْزاءِ الدّائِمِ الثّابِتِ المُسْتَفادِ مِنَ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ، لِما هو مَحْسُوسٌ مِن أنَّ العُقُوبَةَ الحادِثَةَ وقْتًا بَعْدَ وقْتٍ، والمُتَجَدِّدَةَ حِينًا بَعْدَ حِينٍ، أشُدُّ عَلى مَن وقَعَتْ عَلَيْهِ مِنَ العَذابِ الدّائِمِ المُسْتَمِرِّ لِأنَّهُ يَأْلَفُهُ ويُوَطِّنُ نَفْسَهُ عَلَيْهِ. والمَدُّ: الزِّيادَةُ. قالَ يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ: يُقالُ مَدَّ في الشَّرِّ وأمَدَّ في الخَيْرِ، ومِنهُ ﴿وأمْدَدْناكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ﴾ [الإسراء: ٦]، ﴿وأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ ولَحْمٍ﴾ [الطور: ٢٢] . وقالَ الأخْفَشُ: مَدَدْتُ لَهُ إذا تَرَكْتُهُ، وأمْدَدْتُ: إذا أعْطَيْتُهُ. وقالَ الفَرّاءُ واللِّحْيانِيُّ: مَدَدْتُ فِيما كانَتْ زِيادَتُهُ مِن مِثْلِهِ، يُقالُ: مَدَّ النَّهْرُ، ومِنهُ ﴿والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ﴾ [لقمان: ٢٧] وأمْدَدْتُ فِيما كانَتْ زِيادَتُهُ مِن غَيْرِهِ، ومِنهُ ﴿يُمْدِدْكم رَبُّكم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ﴾ [آل عمران: ١٢٥] والطُّغْيانُ مُجاوَزَةُ الحَدِّ والغُلُوُّ في الكُفْرِ ومِنهُ ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ﴾ [الحاقة: ١١] أيْ تَجاوَزَ المِقْدارَ الَّذِي قَدَّرْتُهُ الخُزّانُ، وقَوْلُهُ في فِرْعَوْنَ: ﴿إنَّهُ طَغى﴾ [طه: ٢٤] أيْ أسْرَفَ في الدَّعْوى حَيْثُ قالَ: أنا ﴿رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ [النازعات: ٢٤] . والعَمِهُ والعامِهُ: الحائِرُ المُتَرَدِّدُ، وذَهَبَتْ إبِلُهُ العُمَّهى: إذا لَمْ يَدْرِ أيْنَ ذَهَبَتْ، والعَمَهُ في القَلْبِ كالعَمى في العَيْنِ. قالَ في الكَشّافِ: العَمَهُ مِثْلُ العَمى، إلّا أنَّ العَمى في البَصَرِ والرَّأْيِ، والعَمَهُ في الرَّأْيِ خاصَّةً انْتَهى. والمُرادُ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يُطِيلُ لَهُمُ المُدَّةَ ويُمْهِلُهم كَما قالَ: ﴿إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا﴾ [آل عمران: ١٧٨] . قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: في ﴿طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ في ضَلالِهِمْ وكُفْرِهِمُ الَّذِي قَدْ غَمَرَهم يَتَرَدَّدُونَ حَيارى ضُلّالًا لا يَجِدُونَ إلى المَخْرِجِ مِنهُ سَبِيلًا، لِأنَّ اللَّهَ قَدْ طَبَعَ عَلى قُلُوبِهِمْ وخَتَمَ عَلَيْها، وأعْمى أبْصارَهم عَنِ الهُدى وأغْشاها، فَلا يُبْصِرُونَ رُشْدًا ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا. وقَدْ أخْرَجَ الواحِدِيُّ (p-٣٣)والثَّعْلَبِيُّ بِسَنَدٍ واهٍ، لِأنَّ فِيهِ مُحَمَّدَ بْنَ مَرْوانَ وهو مَتْرُوكٌ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وأصْحابِهِ، وذَكَرَ قِصَّةً وقَعَتْ لَهم مَعَ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: كانَ رِجالٌ مِنَ اليَهُودِ إذا لَقُوا أصْحابَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أوْ بَعْضَهم قالُوا: إنّا عَلى دِينِكم ﴿وإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ﴾ وهم إخْوانُهم قالُوا: إنّا مَعَكم عَلى مِثْلِ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ بِأصْحابِ مُحَمَّدٍ ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ قالَ: يَسْخَرُ بِهِمْ لِلنِّقْمَةِ مِنهم ﴿ويَمُدُّهم في طُغْيانِهِمْ﴾ قالَ: في كُفْرِهِمْ يَعْمَهُونَ قالَ: يَتَرَدَّدُونَ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْهُ بِمَعْناهُ وأطْوَلَ مِنهُ. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ بِنَحْوِ الأوَّلِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ﴾ قالَ: رُؤَسائِهِمْ في الكُفْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي مالِكٍ قالَ: وإذا خَلَوْا أيْ مَضَوْا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَ ما قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ويَمُدُّهم قالَ: يُمْلِي لَهم ﴿فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ قالَ: في كُفْرِهِمْ يَتَمادُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَ ما قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ في تَفْسِيرِ يَعْمَهُونَ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ يَمُدُّهم يَزِيدُهم ﴿فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ قالَ: يَلْعَبُونَ ويَتَرَدَّدُونَ في الضَّلالَةِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ في المُسْنَدِ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «نَعُوذُ بِاللَّهِ مِن شَياطِينِ الإنْسِ والجِنِّ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ولِلْإنْسِ شَياطِينٌ ؟ قالَ: نَعَمْ» .

البقرة 2:15

لَقُوا أصْلُهُ لَقْيُوا، نُقِلَتِ الضَّمَّةُ إلى القافِ وحُذِفَتِ الياءُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ. ومَعْنى لَقِيتُهُ ولاقَيْتُهُ: اسْتَقْبَلْتُهُ قَرِيبًا. وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ السَّمَيْفَعِ اليَمانِيُّ وأبُو حَنِيفَةَ لاقُوا، وأصْلُهُ لاقَيُوا تَحَرَّكَتِ الياءُ وانْفَتَحَ ما قَبْلَها فانْقَلَبَتْ ألِفًا. ثُمَّ حُذِفَتِ الألِفُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ. وخَلَوْتُ بِفُلانٍ وإلَيْهِ: إذا انْفَرَدْتُ بِهِ. وإنَّما عُدِّيَ بِإلى وهو يَتَعَدّى بِالباءِ فَيُقالُ: خَلَوْتُ بِهِ لا خَلَوْتُ إلَيْهِ، لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى ذَهَبُوا وانْصَرَفُوا. والشَّياطِينُ جَمْعُ شَيْطانٍ عَلى التَّكْسِيرِ. وقَدِ اخْتَلَفَ كَلامُ سِيبَوَيْهِ في نُونِ الشَّيْطانِ فَجَعَلَها في مَوْضِعٍ مِن كِتابِهِ أصْلِيَّةً وفي آخِرَ زائِدَةً، فَعَلى الأوَّلِ هو مِن شَطَنَ أيْ بَعُدَ عَنِ الحَقِّ، وعَلى الثّانِي مِن شَطَّ: أيْ بَعُدَ أوْ شاطَ: أيْ بَطَلَ، وشاطَ: أيِ احْتَرَقَ، وأشاطَ: إذا هَلَكَ، قالَ: وقَدْ يَشِيطُ عَلى أرْماحِنا البَطَلُ أيْ يَهْلِكُ. وقالَ آخَرُ: ؎وأبْيَضَ ذِي تاجٍ أشاطَتْ رِماحُنا لِمُعْتَرَكٍ بَيْنَ الفَوارِسِ أقْتَما أيْ أهْلَكَتْ. وحَكى سِيبَوَيْهِ أنَّ العَرَبَ تَقُولُ: تَشَيْطَنَ فُلانٌ: إذا فَعَلَ أفْعالَ الشَّياطِينِ. ولَوْ كانَ مِن شاطَ لَقالُوا: تَشَيَّطَ، ومِنهُ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ: ؎أيُّما شاطِنٌ عَصاهُ عَكا ∗∗∗ هُ ورَماهُ في السِّجْنِ والأغْلالِ وقَوْلُهُ: ( إنّا مَعَكم ) مَعْناهُ مُصاحِبُوكم في دِينِكم ومُوافِقُوكم عَلَيْهِ. والهُزُؤُ: السُّخْرِيَةُ واللَّعِبُ. قالَ الرّاجِزُ: قَدْ هَزِئَتْ مِنِّي أُمُّ طَيْسَلَهْ ∗∗∗ قالَتْ أراهُ مُعْدَمًا لا مالَ لَهْقالَ في الكَشّافِ: وأصْلُ البابِ الخِفَّةُ مِنَ الهَزْءِ وهو القَتْلُ السَّرِيعُ، وهَزَأ يَهْزَأُ: ماتَ عَلى المَكانِ. عَنْ بَعْضِ العَرَبِ مَشَيْتُ فَلَغِبْتُ فَظَنَنْتُ لَأهْزَأنَّ عَلى مَكانِي، وناقَتُهُ تَهْزَأُ بِهِ: أيْ تُسْرِعُ وتَخَفُّ انْتَهى. وقِيلَ: أصْلُهُ الِانْتِقامُ، قالَ الشّاعِرُ: قَدِ اسْتَهْزَءُوا مِنهم بِألْفَيْ مُدَجَّجٍ ∗∗∗ سَراتُهم وسْطَ الصَّحاصِحِ جُثَّمِفَأفادَ قَوْلُهم: إنّا مَعَكم أنَّهم ثابِتُونَ عَلى الكُفْرِ، وأفادَ قَوْلُهم: ﴿إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ﴾ رَدَّهم لِلْإسْلامِ ورَفَعَهم لِلْحَقِّ، وكَأنَّهُ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ ناشِئٍ مِن قَوْلِهِمْ إنّا مَعَكم: أيْ إذا كُنْتُمْ مَعَنا فَما بالُكم إذا لَقِيتُمُ المُسْلِمِينَ وافَقْتُمُوهم ؟ فَقالُوا: إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ بِهِمْ في تِلْكَ المُوافَقَةِ، ولَمْ تَكُنْ بَواطِنُنا مُوافِقَةً لَهم ولا مائِلَةً إلَيْهِمْ. فَرَدَّ اللَّهُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ أيْ يُنْزِلُ بِهِمُ الهَوانَ والحَقارَةَ ويَنْتَقِمُ مِنهم ويَسْتَخِفُّ بِهِمُ انْتِصافًا مِنهم لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ، وإنَّما جَعَلَ سُبْحانَهُ ما وقَعَ مِنهُ اسْتِهْزاءً مَعَ كَوْنِهِ عُقُوبَةً ومُكافَأةً مُشاكَلَةً، وقَدْ كانَتِ العَرَبُ إذا وضَعَتْ لَفْظًا بِإزاءِ لَفْظٍ جَوابًا لَهُ وجَزاءً ذَكَرَتْهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ اللَّفْظِ وإنْ كانَ مُخالِفًا لَهُ في مَعْناهُ. ووَرَدَ في ذَلِكَ في القُرْآنِ كَثِيرًا، ومِنهُ ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكم﴾ [البقرة: ١٩٤] والجَزاءُ لا يَكُونُ سَيِّئَةً. والقَصاصُ لا يَكُونُ اعْتِداءً لِأنَّهُ حَقٌّ، ومِنهُ ﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤] ﴿إنَّهم يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ ﴿وأكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٥، ١٦]، ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ والَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٩]، ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ وهو خادِعُهم﴾ [النساء: ١٤٢]، ﴿تَعْلَمُ ما في نَفْسِي ولا أعْلَمُ ما في نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦] . وهُوَ في السُّنَّةِ كَثِيرٌ كَقَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إنَّ اللَّهَ لا يَمَلُّ حَتّى تَمَلُّوا» وإنَّما قالَ: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ لِأنَّهُ يُفِيدُ التَّجَدُّدَ وقْتًا بَعْدَ وقْتٍ، وهو أشَدُّ عَلَيْهِمْ وأنْكَأُ لِقُلُوبِهِمْ وأوْجَعُ لَهم مِنَ الِاسْتِهْزاءِ الدّائِمِ الثّابِتِ المُسْتَفادِ مِنَ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ، لِما هو مَحْسُوسٌ مِن أنَّ العُقُوبَةَ الحادِثَةَ وقْتًا بَعْدَ وقْتٍ، والمُتَجَدِّدَةَ حِينًا بَعْدَ حِينٍ، أشُدُّ عَلى مَن وقَعَتْ عَلَيْهِ مِنَ العَذابِ الدّائِمِ المُسْتَمِرِّ لِأنَّهُ يَأْلَفُهُ ويُوَطِّنُ نَفْسَهُ عَلَيْهِ. والمَدُّ: الزِّيادَةُ. قالَ يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ: يُقالُ مَدَّ في الشَّرِّ وأمَدَّ في الخَيْرِ، ومِنهُ ﴿وأمْدَدْناكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ﴾ [الإسراء: ٦]، ﴿وأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ ولَحْمٍ﴾ [الطور: ٢٢] . وقالَ الأخْفَشُ: مَدَدْتُ لَهُ إذا تَرَكْتُهُ، وأمْدَدْتُ: إذا أعْطَيْتُهُ. وقالَ الفَرّاءُ واللِّحْيانِيُّ: مَدَدْتُ فِيما كانَتْ زِيادَتُهُ مِن مِثْلِهِ، يُقالُ: مَدَّ النَّهْرُ، ومِنهُ ﴿والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ﴾ [لقمان: ٢٧] وأمْدَدْتُ فِيما كانَتْ زِيادَتُهُ مِن غَيْرِهِ، ومِنهُ ﴿يُمْدِدْكم رَبُّكم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ﴾ [آل عمران: ١٢٥] والطُّغْيانُ مُجاوَزَةُ الحَدِّ والغُلُوُّ في الكُفْرِ ومِنهُ ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ﴾ [الحاقة: ١١] أيْ تَجاوَزَ المِقْدارَ الَّذِي قَدَّرْتُهُ الخُزّانُ، وقَوْلُهُ في فِرْعَوْنَ: ﴿إنَّهُ طَغى﴾ [طه: ٢٤] أيْ أسْرَفَ في الدَّعْوى حَيْثُ قالَ: أنا ﴿رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ [النازعات: ٢٤] . والعَمِهُ والعامِهُ: الحائِرُ المُتَرَدِّدُ، وذَهَبَتْ إبِلُهُ العُمَّهى: إذا لَمْ يَدْرِ أيْنَ ذَهَبَتْ، والعَمَهُ في القَلْبِ كالعَمى في العَيْنِ. قالَ في الكَشّافِ: العَمَهُ مِثْلُ العَمى، إلّا أنَّ العَمى في البَصَرِ والرَّأْيِ، والعَمَهُ في الرَّأْيِ خاصَّةً انْتَهى. والمُرادُ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يُطِيلُ لَهُمُ المُدَّةَ ويُمْهِلُهم كَما قالَ: ﴿إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا﴾ [آل عمران: ١٧٨] . قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: في ﴿طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ في ضَلالِهِمْ وكُفْرِهِمُ الَّذِي قَدْ غَمَرَهم يَتَرَدَّدُونَ حَيارى ضُلّالًا لا يَجِدُونَ إلى المَخْرِجِ مِنهُ سَبِيلًا، لِأنَّ اللَّهَ قَدْ طَبَعَ عَلى قُلُوبِهِمْ وخَتَمَ عَلَيْها، وأعْمى أبْصارَهم عَنِ الهُدى وأغْشاها، فَلا يُبْصِرُونَ رُشْدًا ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا. وقَدْ أخْرَجَ الواحِدِيُّ (p-٣٣)والثَّعْلَبِيُّ بِسَنَدٍ واهٍ، لِأنَّ فِيهِ مُحَمَّدَ بْنَ مَرْوانَ وهو مَتْرُوكٌ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وأصْحابِهِ، وذَكَرَ قِصَّةً وقَعَتْ لَهم مَعَ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: كانَ رِجالٌ مِنَ اليَهُودِ إذا لَقُوا أصْحابَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أوْ بَعْضَهم قالُوا: إنّا عَلى دِينِكم ﴿وإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ﴾ وهم إخْوانُهم قالُوا: إنّا مَعَكم عَلى مِثْلِ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ بِأصْحابِ مُحَمَّدٍ ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ قالَ: يَسْخَرُ بِهِمْ لِلنِّقْمَةِ مِنهم ﴿ويَمُدُّهم في طُغْيانِهِمْ﴾ قالَ: في كُفْرِهِمْ يَعْمَهُونَ قالَ: يَتَرَدَّدُونَ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْهُ بِمَعْناهُ وأطْوَلَ مِنهُ. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ بِنَحْوِ الأوَّلِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ﴾ قالَ: رُؤَسائِهِمْ في الكُفْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي مالِكٍ قالَ: وإذا خَلَوْا أيْ مَضَوْا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَ ما قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ويَمُدُّهم قالَ: يُمْلِي لَهم ﴿فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ قالَ: في كُفْرِهِمْ يَتَمادُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَ ما قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ في تَفْسِيرِ يَعْمَهُونَ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ يَمُدُّهم يَزِيدُهم ﴿فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ قالَ: يَلْعَبُونَ ويَتَرَدَّدُونَ في الضَّلالَةِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ في المُسْنَدِ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «نَعُوذُ بِاللَّهِ مِن شَياطِينِ الإنْسِ والجِنِّ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ولِلْإنْسِ شَياطِينٌ ؟ قالَ: نَعَمْ» .

البقرة 2:16

قالَ سِيبَوَيْهِ: صَحَّتِ الواوُ في اشْتَرَوْا فَرْقًا بَيْنَها وبَيْنَ الواوِ الأصْلِيَّةِ في نَحْوِ ﴿وألَّوِ اسْتَقامُوا﴾ [الجن: ١٦] . وقالَ الزَّجّاجُ: حُرِّكَتْ بِالضَّمِّ كَما يُفْعَلُ في نَحْنُ. وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمَرَ بِكَسْرِ الواوِ عَلى أصْلِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ. وقَرَأ أبُو السَّمّاكِ العَدَوِيُّ بِفَتْحِها لِخِفَّةِ الفَتْحَةِ. وأجازَ الكِسائِيُّ هَمْزَ الواوِ. والشِّراءُ هُنا مُسْتَعارٌ لِلِاسْتِبْدالِ: أيِ اسْتَبْدَلُوا الضَّلالَةَ بِالهُدى كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى﴾ [فصلت: ١٧] فَأمّا أنْ يَكُونَ مَعْنى الشِّراءِ المُعاوَضَةَ كَما هو أصْلُهُ حَقِيقَةً فَلا، لِأنَّ المُنافِقِينَ لَمْ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ فَيَبِيعُوا إيمانَهم، والعَرَبُ قَدْ تَسْتَعْمِلُ ذَلِكَ في كُلِّ مَنِ اسْتَبْدَلَ شَيْئًا بِشَيْءٍ. قالَ أبُو ذُؤَيْبٍ: فَإنْ تَزْعُمِينِي كُنْتُ أجْهَلُ فِيكُمُو فَإنِّي شَرَيْتُ الحِلْمَ بَعْدَكِ بِالجَهْلِ وأصْلُ الضَّلالَةِ الحَيْرَةُ والجَوْرُ عَنِ القَصْدِ وفَقْدِ الِاهْتِداءِ، وتُطْلَقُ عَلى النِّسْيانِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: قالَ ﴿فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ [الشعراء: ٢٠]، وعَلى الهَلاكِ كَقَوْلِهِ: وقالُوا ﴿أإذا ضَلَلْنا في الأرْضِ﴾ [السجدة: ١٠] وأصْلُ الرِّبْحِ الفَضْلُ. والتِّجارَةُ: صِناعَةُ التّاجِرِ، وأسْنَدَ الرِّبْحَ إلَيْها عَلى عادَةِ العَرَبِ في قَوْلِهِمْ: رَبِحَ بَيْعُكَ وخَسِرَتْ صَفْقَتُكَ، وهو مِنَ الإسْنادِ المَجازِيِّ، وهو إسْنادُ الفِعْلِ إلى مُلابِسٍ لِلْفاعِلِ كَما هو مُقَرَّرٌ في عِلْمِ المَعانِي. والمُرادُ: رَبِحُوا وخَسِرُوا. والِاهْتِداءُ قَدْ سَبَقَ تَحْقِيقُهُ: أيْ وما كانُوا مُهْتَدِينَ في شِرائِهِمُ الضَّلالَةَ، وقِيلَ: في سابِقِ عِلْمِ اللَّهِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى أيِ الكُفْرَ بِالإيمانِ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: أخَذُوا الضَّلالَةَ وتَرَكُوا الهُدى. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: اسْتَحَبُّوا الضَّلالَةَ عَلى الهُدى، قَدْ واللَّهِ رَأيْتُمُوهم خَرَجُوا مِنَ الهُدى إلى الضَّلالَةِ، ومِنَ الجَماعَةِ إلى الفِرْقَةِ، ومِنَ الأمْنِ إلى الخَوْفِ، ومِنَ السُّنَّةِ إلى البِدْعَةِ.

البقرة 2:17

( مَثَلُهم ) مُرْتَفِعٌ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ إمّا الكافُ في قَوْلِهِ: ( كَمَثَلِ ) لِأنَّها اسْمٌ: أيْ مَثَلُ مَثَلٍ كَما في قَوْلِ الأعْشى: أتَنْتَهُونَ ولَنْ تَنْهى ذَوِي شَطَطٍ كالطَّعْنِ يَذْهَبُ فِيهِ الزَّيْتُ والفَتْلُ وقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: ∗∗∗ ورُحْنا بِكابِنِ الماءِ يُجْنَبُ وسْطَناتُصَوَّبُ فِيهِ العَيْنُ طَوْرًا وتَرْتَقِي أرادَ مِثْلَ الطَّعْنِ وبِمِثْلِ ابْنِ الماءِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ مَحْذُوفًا: أيْ مَثَلُهم مُسْتَنِيرٌ كَمَثَلِ، فالكافُ عَلى هَذا حَرْفٌ. والمَثَلُ: الشَّبَهُ، والمِثْلانِ: المُتَشابِهانِ و" الَّذِي " مَوْضُوعٌ مَوْضِعَ الَّذِينَ: أيْ كَمَثَلِ الَّذِينَ اسْتَوْقَدُوا، وذَلِكَ مَوْجُودٌ في كَلامِ العَرَبِ كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ∗∗∗ وإنَّ الَّذِي حانَتْ بِفَلَجٍ دِماؤُهُمْهُمُ القَوْمُ كُلُّ القَوْمِ يا أُمَّ خالِدِ ومِنهُ ﴿وخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا﴾ [التوبة: ٦٩] ومِنهُ ﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٣٣] . ووَقُودُ النّارِ: سُطُوعُها وارْتِفاعُ لَهَبِها، اسْتَوْقَدَ بِمَعْنى أوْقَدَ مِثْلُ اسْتَجابَ بِمَعْنى أجابَ، فالسِّينُ والتّاءُ زائِدَتانِ، قالَهُ الأخْفَشُ. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ∗∗∗ وداعٍ دَعا يا مَن يُجِيبُ إلى النِّدافَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذاكَ مُجِيبُ أيْ يُجِبْهُ. والإضاءَةُ فَرْطُ الإنارَةِ، وفِعْلُها يَكُونُ لازِمًا ومُتَعَدِيًّا. و ما حَوْلَهُ قِيلَ: ما زائِدَةٌ. وقِيلَ: هي مَوْصُولَةٌ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّها مَفْعُولُ ( أضاءَتْ ) وحَوْلَهُ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، وذَهَبَ مِنَ الذَّهابِ، وهو زَوالُ الشَّيْءِ. ( وتَرَكَهم ) أيْ أبْقاهم ( في ظُلُماتٍ ) جَمْعُ ظُلْمَةٍ. وقَرَأ الأعْمَشُ بِإسْكانِ اللّامِ عَلى الأصْلِ. وقَرَأ أشْهَبُ العُقَيْلِيُّ بِفَتْحِ اللّامِ، وهي عَدَمُ النُّورِ. و( صُمٌّ ) وما بَعْدَهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ هم. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " صُمًّا بُكْمًا عُمْيًا " بِالنَّصْبِ عَلى الذَّمِّ، ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ بِقَوْلِهِ ( تَرَكَهم ) . والصَّمَمُ: الِانْسِدادُ، يُقالُ قَناةٌ صَمّاءُ: إذا لَمْ تَكُنْ مُجَوَّفَةً، وصَمَمْتُ القارُورَةَ: إذا سَدَدْتُها، وفُلانٌ أصَمُّ: إذا انْسَدَّتْ خُرُوقُ (p-٣٤)مَسامِعِهِ. والأبْكَمُ: الَّذِي لا يَنْطِقُ ولا يَفْهَمُ، فَإذا فَهِمَ فَهو الأخْرَسُ. وقِيلَ: الأخْرَسُ والأبْكَمُ واحِدٌ. والعَمى: ذَهابُ البَصَرِ. والمُرادُ بِقَوْلِهِ: فَهم لا يَرْجِعُونَ أيْ إلى الحَقِّ، وجَوابُ لَمّا في قَوْلِهِ فَلَمّا أضاءَتْ، قِيلَ هو: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ وقِيلَ: مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: طَفِئَتْ فَبَقُوا حائِرِينَ. وعَلى الثّانِي فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ كَلامًا مُسْتَأْنَفًا أوْ بَدَلًا مِنَ المُقَدَّرِ. ضَرَبَ اللَّهُ هَذا المَثَلَ لِلْمُنافِقِينَ لِبَيانِ أنَّ ما يُظْهِرُونَهُ مِنَ الإيمانِ مَعَ ما يُبْطِنُونَهُ مِنَ النِّفاقِ لا يَثْبُتُ لَهم بِهِ أحْكامُ الإسْلامِ، كَمَثَلِ المُسْتَوْقِدِ الَّذِي أضاءَتْ نارُهُ ثُمَّ طَفِئَتْ، فَإنَّهُ يَعُودُ إلى الظُّلْمَةِ ولا تَنْفَعُهُ تِلْكَ الإضاءَةُ اليَسِيرَةُ، فَكانَ بَقاءُ المُسْتَوْقِدِ في ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُ كَبَقاءِ المُنافِقِ في حَيْرَتِهِ وتَرَدُّدِهِ. وإنَّما وُصِفَتْ هَذِهِ النّارُ بِالإضاءَةِ مَعَ كَوْنِها نارَ باطِلٍ لِأنَّ الباطِلَ كَذَلِكَ تَسْطَعُ ذَوائِبُ لَهَبِ نارِهِ لَحْظَةً ثُمَّ تَخْفُتُ. ومِنهُ قَوْلُهم: لِلْباطِلِ صَوْلَةٌ ثُمَّ يَضْمَحِلُّ وقَدْ تَقَرَّرَ عِنْدَ عُلَماءِ البَلاغَةِ أنَّ لِضَرْبِ الأمْثالِ شَأْنًا عَظِيمًا في إبْرازِ خَفِيّاتِ المَعانِي ورَفْعِ أسْتارِ مُحَجَّباتِ الدَّقائِقِ ولِهَذا اسْتَكْثَرَ مِن ذَلِكَ في كِتابِهِ العَزِيزِ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يُكْثِرُ مِن ذَلِكَ في مُخاطَباتِهِ ومَواعِظِهِ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: إنَّ هَؤُلاءِ المَضْرُوبَ لَهُمُ المَثَلُ هاهُنا لَمْ يُؤْمِنُوا في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ، واحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ وما هم بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨] . وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: إنَّ الصَّوابَ أنَّ هَذا إخْبارٌ عَنْهم في حالِ نِفاقِهِمْ وكُفْرِهِمْ، وهَذا لا يَنْفِي أنَّهُ كانَ حَصَلَ لَهم إيمانٌ قَبْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ سُلِبُوهُ وطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ كَما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون: ٣] . قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وصَحَّ ضَرْبُ مَثَلِ الجَماعَةِ بِالواحِدِ كَما قالَ: ﴿رَأيْتَهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ تَدُورُ أعْيُنُهم كالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ﴾ [الأحزاب: ١٩] أيْ كَدَوَرانِ عَيْنَيِ الَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ، وقالَ تَعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا﴾ [الجمعة: ٥] أه. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ قالَ: هَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْمُنافِقِينَ كانُوا يَعْتَزُّونَ بِالإسْلامِ فَيُناكِحُهُمُ المُسْلِمُونَ ويُوارِثُونَهم ويُقاسِمُونَهُمُ الفَيْءَ، فَلَمّا ماتُوا سَلَبَهُمُ اللَّهُ العِزَّ كَما سَلَبَ صاحِبَ النّارِ ضَوْءَهُ ﴿وتَرَكَهم في ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ﴾ يَقُولُ: في عَذابٍ ( صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ ) فَهم لا يَسْمَعُونَ الهُدى ولا يُبْصِرُونَهُ ولا يَعْقِلُونَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ في قَوْلِهِ: ﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ قالُوا: إنَّ ناسًا دَخَلُوا في الإسْلامِ عِنْدَ مَقْدِمِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ المَدِينَةَ ثُمَّ نافَقُوا، فَكانَ مَثَلُهم كَمَثَلِ رَجُلٍ كانَ في ظُلْمَةٍ فَأوْقَدَ نارًا فَأضاءَتْ ما حَوْلَهُ مِن قَذًى وأذًى فَأبْصَرَهُ حَتّى عَرَفَ ما يَتَّقِي، فَبَيْنَما هو كَذَلِكَ إذْ طَفِئَتْ نارُهُ فَأقْبَلَ لا يَدْرِي ما يَتَّقِي مِن أذًى. فَكَذَلِكَ المُنافِقُ كانَ في ظُلْمَةِ الشِّرْكِ فَأسْلَمَ فَعَرَفَ الحَلالَ مِنَ الحَرامِ والخَيْرَ مِنَ الشَّرِّ، فَبَيْنَما هو كَذَلِكَ إذْ كَفَرَ فَصارَ لا يَعْرِفُ الحَلالَ مِنَ الحَرامِ ولا الخَيْرَ مِنَ الشَّرِّ، فَهم صُمٌّ بُكْمٌ هُمُ الخُرْسُ، فَهم لا يَرْجِعُونَ إلى الإسْلامِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ قالَ: ضَرَبَهُ اللَّهُ مَثَلًا لِلْمُنافِقِ، وقَوْلُهُ: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ قالَ: أمّا النُّورُ فَهو إيمانُهُمُ الَّذِي يَتَكَلَّمُونَ بِهِ، وأمّا الظُّلْمَةُ فَهو ضَلالُهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجا أيْضًا عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ والحَسَنِ والسُّدِّيِّ والرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ نَحْوَ ما تَقَدَّمَ.

البقرة 2:18

( مَثَلُهم ) مُرْتَفِعٌ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ إمّا الكافُ في قَوْلِهِ: ( كَمَثَلِ ) لِأنَّها اسْمٌ: أيْ مَثَلُ مَثَلٍ كَما في قَوْلِ الأعْشى: أتَنْتَهُونَ ولَنْ تَنْهى ذَوِي شَطَطٍ كالطَّعْنِ يَذْهَبُ فِيهِ الزَّيْتُ والفَتْلُ وقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: ∗∗∗ ورُحْنا بِكابِنِ الماءِ يُجْنَبُ وسْطَناتُصَوَّبُ فِيهِ العَيْنُ طَوْرًا وتَرْتَقِي أرادَ مِثْلَ الطَّعْنِ وبِمِثْلِ ابْنِ الماءِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ مَحْذُوفًا: أيْ مَثَلُهم مُسْتَنِيرٌ كَمَثَلِ، فالكافُ عَلى هَذا حَرْفٌ. والمَثَلُ: الشَّبَهُ، والمِثْلانِ: المُتَشابِهانِ و" الَّذِي " مَوْضُوعٌ مَوْضِعَ الَّذِينَ: أيْ كَمَثَلِ الَّذِينَ اسْتَوْقَدُوا، وذَلِكَ مَوْجُودٌ في كَلامِ العَرَبِ كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ∗∗∗ وإنَّ الَّذِي حانَتْ بِفَلَجٍ دِماؤُهُمْهُمُ القَوْمُ كُلُّ القَوْمِ يا أُمَّ خالِدِ ومِنهُ ﴿وخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا﴾ [التوبة: ٦٩] ومِنهُ ﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٣٣] . ووَقُودُ النّارِ: سُطُوعُها وارْتِفاعُ لَهَبِها، اسْتَوْقَدَ بِمَعْنى أوْقَدَ مِثْلُ اسْتَجابَ بِمَعْنى أجابَ، فالسِّينُ والتّاءُ زائِدَتانِ، قالَهُ الأخْفَشُ. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ∗∗∗ وداعٍ دَعا يا مَن يُجِيبُ إلى النِّدافَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذاكَ مُجِيبُ أيْ يُجِبْهُ. والإضاءَةُ فَرْطُ الإنارَةِ، وفِعْلُها يَكُونُ لازِمًا ومُتَعَدِيًّا. و ما حَوْلَهُ قِيلَ: ما زائِدَةٌ. وقِيلَ: هي مَوْصُولَةٌ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّها مَفْعُولُ ( أضاءَتْ ) وحَوْلَهُ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، وذَهَبَ مِنَ الذَّهابِ، وهو زَوالُ الشَّيْءِ. ( وتَرَكَهم ) أيْ أبْقاهم ( في ظُلُماتٍ ) جَمْعُ ظُلْمَةٍ. وقَرَأ الأعْمَشُ بِإسْكانِ اللّامِ عَلى الأصْلِ. وقَرَأ أشْهَبُ العُقَيْلِيُّ بِفَتْحِ اللّامِ، وهي عَدَمُ النُّورِ. و( صُمٌّ ) وما بَعْدَهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ هم. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " صُمًّا بُكْمًا عُمْيًا " بِالنَّصْبِ عَلى الذَّمِّ، ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ بِقَوْلِهِ ( تَرَكَهم ) . والصَّمَمُ: الِانْسِدادُ، يُقالُ قَناةٌ صَمّاءُ: إذا لَمْ تَكُنْ مُجَوَّفَةً، وصَمَمْتُ القارُورَةَ: إذا سَدَدْتُها، وفُلانٌ أصَمُّ: إذا انْسَدَّتْ خُرُوقُ (p-٣٤)مَسامِعِهِ. والأبْكَمُ: الَّذِي لا يَنْطِقُ ولا يَفْهَمُ، فَإذا فَهِمَ فَهو الأخْرَسُ. وقِيلَ: الأخْرَسُ والأبْكَمُ واحِدٌ. والعَمى: ذَهابُ البَصَرِ. والمُرادُ بِقَوْلِهِ: فَهم لا يَرْجِعُونَ أيْ إلى الحَقِّ، وجَوابُ لَمّا في قَوْلِهِ فَلَمّا أضاءَتْ، قِيلَ هو: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ وقِيلَ: مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: طَفِئَتْ فَبَقُوا حائِرِينَ. وعَلى الثّانِي فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ كَلامًا مُسْتَأْنَفًا أوْ بَدَلًا مِنَ المُقَدَّرِ. ضَرَبَ اللَّهُ هَذا المَثَلَ لِلْمُنافِقِينَ لِبَيانِ أنَّ ما يُظْهِرُونَهُ مِنَ الإيمانِ مَعَ ما يُبْطِنُونَهُ مِنَ النِّفاقِ لا يَثْبُتُ لَهم بِهِ أحْكامُ الإسْلامِ، كَمَثَلِ المُسْتَوْقِدِ الَّذِي أضاءَتْ نارُهُ ثُمَّ طَفِئَتْ، فَإنَّهُ يَعُودُ إلى الظُّلْمَةِ ولا تَنْفَعُهُ تِلْكَ الإضاءَةُ اليَسِيرَةُ، فَكانَ بَقاءُ المُسْتَوْقِدِ في ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُ كَبَقاءِ المُنافِقِ في حَيْرَتِهِ وتَرَدُّدِهِ. وإنَّما وُصِفَتْ هَذِهِ النّارُ بِالإضاءَةِ مَعَ كَوْنِها نارَ باطِلٍ لِأنَّ الباطِلَ كَذَلِكَ تَسْطَعُ ذَوائِبُ لَهَبِ نارِهِ لَحْظَةً ثُمَّ تَخْفُتُ. ومِنهُ قَوْلُهم: لِلْباطِلِ صَوْلَةٌ ثُمَّ يَضْمَحِلُّ وقَدْ تَقَرَّرَ عِنْدَ عُلَماءِ البَلاغَةِ أنَّ لِضَرْبِ الأمْثالِ شَأْنًا عَظِيمًا في إبْرازِ خَفِيّاتِ المَعانِي ورَفْعِ أسْتارِ مُحَجَّباتِ الدَّقائِقِ ولِهَذا اسْتَكْثَرَ مِن ذَلِكَ في كِتابِهِ العَزِيزِ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يُكْثِرُ مِن ذَلِكَ في مُخاطَباتِهِ ومَواعِظِهِ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: إنَّ هَؤُلاءِ المَضْرُوبَ لَهُمُ المَثَلُ هاهُنا لَمْ يُؤْمِنُوا في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ، واحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ وما هم بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨] . وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: إنَّ الصَّوابَ أنَّ هَذا إخْبارٌ عَنْهم في حالِ نِفاقِهِمْ وكُفْرِهِمْ، وهَذا لا يَنْفِي أنَّهُ كانَ حَصَلَ لَهم إيمانٌ قَبْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ سُلِبُوهُ وطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ كَما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون: ٣] . قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وصَحَّ ضَرْبُ مَثَلِ الجَماعَةِ بِالواحِدِ كَما قالَ: ﴿رَأيْتَهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ تَدُورُ أعْيُنُهم كالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ﴾ [الأحزاب: ١٩] أيْ كَدَوَرانِ عَيْنَيِ الَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ، وقالَ تَعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا﴾ [الجمعة: ٥] أه. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ قالَ: هَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْمُنافِقِينَ كانُوا يَعْتَزُّونَ بِالإسْلامِ فَيُناكِحُهُمُ المُسْلِمُونَ ويُوارِثُونَهم ويُقاسِمُونَهُمُ الفَيْءَ، فَلَمّا ماتُوا سَلَبَهُمُ اللَّهُ العِزَّ كَما سَلَبَ صاحِبَ النّارِ ضَوْءَهُ ﴿وتَرَكَهم في ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ﴾ يَقُولُ: في عَذابٍ ( صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ ) فَهم لا يَسْمَعُونَ الهُدى ولا يُبْصِرُونَهُ ولا يَعْقِلُونَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ في قَوْلِهِ: ﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ قالُوا: إنَّ ناسًا دَخَلُوا في الإسْلامِ عِنْدَ مَقْدِمِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ المَدِينَةَ ثُمَّ نافَقُوا، فَكانَ مَثَلُهم كَمَثَلِ رَجُلٍ كانَ في ظُلْمَةٍ فَأوْقَدَ نارًا فَأضاءَتْ ما حَوْلَهُ مِن قَذًى وأذًى فَأبْصَرَهُ حَتّى عَرَفَ ما يَتَّقِي، فَبَيْنَما هو كَذَلِكَ إذْ طَفِئَتْ نارُهُ فَأقْبَلَ لا يَدْرِي ما يَتَّقِي مِن أذًى. فَكَذَلِكَ المُنافِقُ كانَ في ظُلْمَةِ الشِّرْكِ فَأسْلَمَ فَعَرَفَ الحَلالَ مِنَ الحَرامِ والخَيْرَ مِنَ الشَّرِّ، فَبَيْنَما هو كَذَلِكَ إذْ كَفَرَ فَصارَ لا يَعْرِفُ الحَلالَ مِنَ الحَرامِ ولا الخَيْرَ مِنَ الشَّرِّ، فَهم صُمٌّ بُكْمٌ هُمُ الخُرْسُ، فَهم لا يَرْجِعُونَ إلى الإسْلامِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ قالَ: ضَرَبَهُ اللَّهُ مَثَلًا لِلْمُنافِقِ، وقَوْلُهُ: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ قالَ: أمّا النُّورُ فَهو إيمانُهُمُ الَّذِي يَتَكَلَّمُونَ بِهِ، وأمّا الظُّلْمَةُ فَهو ضَلالُهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجا أيْضًا عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ والحَسَنِ والسُّدِّيِّ والرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ نَحْوَ ما تَقَدَّمَ.

البقرة 2:19

عَطَفَ هَذا المَثَلَ عَلى المَثَلِ الأوَّلِ بِحَرْفِ الشَّكِّ لِقَصْدِ التَّخْيِيرِ بَيْنَ المَثَلَيْنِ: أيْ مَثِّلُوهم بِهَذا أوْ هَذا، وهي وإنْ كانَتْ في الأصْلِ لِلشَّكِّ فَقَدْ تَوَسَّعَ فِيها حَتّى صارَتْ لِمُجَرَّدِ التَّساوِي مِن غَيْرِ شَكٍّ - وقِيلَ: إنَّها بِمَعْنى الواوِ، قالَهُ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ، وأنْشَدَ: وقَدْ زَعَمَتْ لَيْلى بِأنِّي فاجِرٌ لِنَفْسِي تُقاها أوْ عَلَيْها فُجُورُها وقالَ آخَرُ: ∗∗∗ نالَ الخِلافَةَ أوْ كانَتْ لَهُ قَدَرًاكَما أتى رَبَّهُ مُوسى عَلى قَدَرِ والمُرادُ بِالصَّيِّبِ: المَطَرُ، واشْتِقاقُهُ مِن صابَ يَصُوبُ: إذا نَزَلَ. قالَ عَلْقَمَةُ: ∗∗∗ فَلا تَعْدِلِي بَيْنِي وبَيْنَ مُغَمَّرٍسَقَتْكِ رَوايا المَوْتِ حَيْثُ تَصُوبُ وأصْلُهُ صَيُّوبٌ، اجْتَمَعَتِ الياءُ والواوُ وسُبِقَتْ إحْداهُما بِالسُّكُونِ فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدْغَمَتْ، كَما فَعَلُوا في مَيِّتٍ وسَيِّدٍ. والسَّماءُ في الأصْلِ: كُلُّ ما عَلاكَ فَأظَلَّكَ. ومِنهُ قِيلَ لِسَقْفِ البَيْتِ سَماءٌ. والسَّماءُ أيْضًا: المَطَرُ سُمِّيَ بِها لِنُزُولِهِ مِنها، وفائِدَةُ ذِكْرِ نُزُولِهِ مِنَ السَّماءِ مَعَ كَوْنِهِ لا يَكُونُ إلّا مِنها أنَّهُ لا يَخْتَصُّ نُزُولُهُ بِجانِبٍ مِنها دُونَ جانِبٍ، وإطْلاقُ السَّماءِ عَلى المَطَرِ واقِعٌ كَثِيرًا في كَلامِ العَرَبِ، فَمِنهُ قَوْلُ حَسّانٍ: ∗∗∗ دِيارٌ مِن بَنِي الحَسْحاسِ قَفْرٌتُعَفِّيها الدَّوامِسُ والسَّماءُ وقالَ آخَرُ: ؎إذا نَزَلَ السَّماءُ بِأرْضِ قَوْمٍ والظُّلُماتُ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها، وإنَّما جَمَعَها إشارَةً إلى أنَّهُ انْضَمَّ إلى ظُلْمَةِ اللَّيْلِ ظُلْمَةُ الغَيْمِ. والرَّعْدُ: اسْمٌ لِصَوْتِ المَلَكِ الَّذِي يَزْجُرُ السَّحابَ. وقَدْ أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: سَألَتِ اليَهُودُ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَنِ الرَّعْدِ ما هو ؟ قالَ: «مَلَكٌ مِنَ المَلائِكَةِ بِيَدِهِ مَخارِيقُ مِن نارٍ يَسُوقُ بِها السَّحابَ حَيْثُ شاءَ اللَّهُ، قالُوا: فَما هَذا الصَّوْتُ الَّذِي نَسْمَعُ ؟ قالَ: زَجْرَهُ بِالسَّحابِ إذا زَجَرَهُ حَتّى يَنْتَهِيَ إلى حَيْثُ أُمِرَ. قالَتْ: صَدَقْتَ» الحَدِيثَ بِطُولِهِ، وفي إسْنادِهِ مَقالٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ: وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ أكْثَرُ العُلَماءِ - وقِيلَ: هو اضْطِرابُ أجْرامِ (p-٣٥)السَّحابِ عِنْدَ نُزُولِ المَطَرِ مِنها، وإلى هَذا ذَهَبَ جَمْعٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ تَبَعًا لِلْفَلاسِفَةِ وجَهَلَةِ المُتَكَلِّمِينَ وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، والبَرْقُ: مِخْراقُ حَدِيدٍ بِيَدِ المَلَكِ الَّذِي يَسُوقُ السَّحابَ، وإلَيْهِ ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ الصَّحابَةِ وجُمْهُورُ عُلَماءِ الشَّرِيعَةِ لِلْحَدِيثِ السّابِقِ. وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ تَبَعًا لِلْفَلاسِفَةِ: إنَّ البَرْقَ ما يَنْقَدِحُ مِنَ اصْطِكاكِ أجْرامِ السَّحابِ المُتَراكِمَةِ مِنَ الأبْخِرَةِ المُتَصَعِّدَةِ المُشْتَمِلَةِ عَلى جُزْءٍ نارِيٍّ يَتَلَهَّبُ عِنْدَ الِاصْطِكاكِ. وقَوْلُهُ: ﴿يَجْعَلُونَ أصابِعَهم في آذانِهِمْ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لَها كَأنَّ قائِلًا قالَ: فَكَيْفَ حالُهم عِنْدَ ذَلِكَ الرَّعْدِ ؟ فَقِيلَ: يَجْعَلُونَ أصابِعَهم في آذانِهِمْ. وإطْلاقُ الأُصْبُعِ عَلى بَعْضِها مَجازٌ مَشْهُورٌ، والعَلاقَةُ الجُزْئِيَّةُ والكُلِّيَّةُ لِأنَّ الَّذِي يُجْعَلُ في الأُذُنِ إنَّما هو رَأْسُ الأُصْبُعِ كُلِّها. والصَّواعِقُ ويُقالُ الصَّواقِعُ: هي قِطْعَةُ نارٍ تَنْفَصِلُ مِن مِخْراقِ المَلَكِ الَّذِي يَزْجُرُ السَّحابَ عِنْدَ غَضَبِهِ وشِدَّةِ ضَرْبِهِ لَها، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ ما في حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ الَّذِي ذَكَرْنا بَعْضَهُ قَرِيبًا وبِهِ قالَ كَثِيرٌ مِن عُلَماءِ الشَّرِيعَةِ. ومِنهم مَن قالَ: إنَّها نارٌ تَخْرُجُ مِن فَمِ المَلَكِ. وقالَ الخَلِيلُ: هي الواقِعَةُ الشَّدِيدَةُ مِن صَوْتِ الرَّعْدِ، يَكُونُ مَعَها أحْيانًا قِطْعَةُ نارٍ تَحْرِقُ ما أتَتْ عَلَيْهِ. وقالَ أبُو زَيْدٍ: الصّاعِقَةُ نارٌ تَسْقُطُ مِنَ السَّماءِ في رَعْدٍ شَدِيدٍ. وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ تَبَعًا لِلْفَلاسِفَةِ ومَن قالَ بِقَوْلِهِمْ: إنَّها نارٌ لَطِيفَةٌ تَنْقَدِحُ مِنَ السَّحابِ إذا اصْطَكَّتْ أجْرامُها. وسَيَأْتِي في سُورَةِ الرَّعْدِ إنْ شاءَ اللَّهُ في تَفْسِيرِ الرَّعْدِ والبَرْقِ والصَّواعِقِ ما لَهُ مَزِيدُ فائِدَةٍ وإيضاحٍ. ونَصَبَ حَذَرَ المَوْتِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ. وقالَ الفَرّاءُ: مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ. والمَوْتُ: ضِدُّ الحَياةِ. والإحاطَةُ الأخْذُ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ حَتّى لا تَفُوتَ المُحاطَ بِهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ. وقَوْلُهُ: ﴿يَكادُ البَرْقُ يَخْطَفُ أبْصارَهم﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ كَأنَّهُ قِيلَ: فَكَيْفَ حالُهم مَعَ ذَلِكَ البَرْقِ ؟ ويَكادُ: يُقارِبُ. والخَطْفُ: الأخْذُ بِسُرْعَةٍ، ومِنهُ سُمِّيَ الطَّيْرُ خَطّافًا لِسُرْعَتِهِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ " يَخْطِفُ " بِكَسْرِ الطّاءِ، والفَتْحُ أفْصَحُ. وقَوْلُهُ: ﴿كُلَّما أضاءَ لَهم مَشَوْا فِيهِ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ تَصْنَعُونَ في تارَتَيْ خُفُوقِ البَرْقِ وسُكُونِهِ، وهو تَمْثِيلٌ لِشِدَّةِ الأمْرِ عَلى المُنافِقِينَ بِشِدَّتِهِ عَلى أهْلِ الصَّيِّبِ ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ﴾ بِالزِّيادَةِ في الرَّعْدِ والبَرْقِ ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وهَذا مِن جُمْلَةِ مَقْدُوراتِهِ سُبْحانَهُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أوْ كَصَيِّبٍ هو المَطَرُ ضُرِبَ مَثَلُهُ في القُرْآنِ فِيهِ ظُلُماتٌ يَقُولُ ابْتِلاءٌ ( ورَعْدٌ وبَرْقٌ ) تَخْوِيفٌ ﴿يَكادُ البَرْقُ يَخْطَفُ أبْصارَهُمْ﴾ يَقُولُ: يَكادُ مُحْكَمُ القُرْآنِ يَدُلُّ عَلى عَوْراتِ المُنافِقِينَ ﴿كُلَّما أضاءَ لَهم مَشَوْا فِيهِ﴾ يَقُولُ: كُلَّما أصابَ المُنافِقُونَ مِنَ الإسْلامِ عِزًّا اطْمَأنُّوا، فَإنْ أصابَ الإسْلامَ نَكْبَةٌ قامُوا لِيَرْجِعُوا إلى الكُفْرِ كَقَوْلِهِ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ﴾ [الحج: ١١] الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ قالُوا: كانَ رَجُلانِ مِنَ المُنافِقِينَ مِن أهْلِ المَدِينَةِ هَرَبا مِن رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ إلى المُشْرِكِينَ، فَأصابَهُما هَذا المَطَرُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ فِيهِ رَعْدٌ شَدِيدٌ وصَواعِقُ وبَرْقٌ، فَجَعَلا كُلَّما أصابَهُما الصَّواعِقُ يَجْعَلانِ أصابِعَهُما في آذانِهِما مِنَ الفَرَقِ أنْ تَدْخُلَ الصَّواعِقُ في مَسامِعِهِما فَتَقْتُلُهُما، وإذا لَمَعَ البَرْقُ مَشَيا في ضَوْئِهِ وإذا لَمْ يَلْمَعْ لَمْ يُبْصِرا قاما مَكانَهُما لا يَمْشِيانِ فَجَعَلا يَقُولانِ: لَيْتَنا قَدْ أصْبَحْنا فَنَأْتِيَ مُحَمَّدًا فَنَضَعَ أيْدِيَنا في يَدِهِ، فَأصْبَحا فَأتَياهُ فَأسْلَما ووَضَعا أيْدِيَهُما في يَدِهِ وحَسُنَ إسْلامُهُما فَضَرَبَ اللَّهُ شَأْنَ هَذَيْنِ المُنافِقَيْنِ الخارِجَيْنِ مَثَلًا لِلْمُنافِقِينَ الَّذِينَ بِالمَدِينَةِ، وكانَ المُنافِقُونَ إذا حَضَرُوا مَجْلِسَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ جَعَلُوا أصابِعَهم في آذانِهِمْ فَرَقًا مِن كَلامِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أنْ يَنْزِلَ فِيهِمْ شَيْءٌ أوْ يُذْكَرُوا بِشَيْءٍ فَيُقْتَلُوا، كَما كانَ ذَلِكَ المُنافِقانِ الخارِجانِ يَجْعَلانِ أصابِعَهُما في آذانِهِما، وإذا أضاءَ لَهم مَشَوْا فِيهِ: أيْ فَإذا كَثُرَتْ أمْوالُهم وأوْلادُهم وأصابُوا غَنِيمَةً وفَتْحًا مَشَوْا فِيهِ وقالُوا: إنَّ دِينَ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ حِينَئِذٍ صَدَقَ واسْتَقامُوا عَلَيْهِ، كَما كانَ ذانِكَ المُنافِقانِ يَمْشِيانِ إذا أضاءَ لَهُمُ البَرْقُ، وإذا أظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا فَكانُوا إذا هَلَكَتْ أمْوالُهم وأوْلادُهم وأصابَهُمُ البَلاءُ قالُوا: هَذا مِن أجْلِ دِينِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وارْتَدُّوا كُفْرًا كَما قامَ المُنافِقانِ حِينَ أظْلَمَ البَرْقُ عَلَيْهِما. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أوْ كَصَيِّبٍ قالَ: هو المَطَرُ وهو مَثَلٌ لِلْمُنافِقِ في ضَوْئِهِ يَتَكَلَّمُ بِما مَعَهُ مِن كِتابِ اللَّهِ مُراءاةَ النّاسِ، فَإذا خَلا وحْدَهُ عَمِلَ بِغَيْرِهِ فَهو في ظُلْمَةٍ ما أقامَ عَلى ذَلِكَ. وأمّا الظُّلُماتُ: فالضَّلالاتُ. وأمّا البَرْقُ: فالإيمانُ، وهم أهْلُ الكِتابِ، وإذا أظْلَمَ عَلَيْهِمْ: فَهو رَجُلٌ يَأْخُذُ بِطَرَفِ الحَقِّ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يُجاوِزَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا نَحْوَ ما سَلَفَ. وقَدْ رُوِيَ تَفْسِيرُهُ بِنَحْوِ ذَلِكَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ. واعْلَمْ أنَّ المُنافِقِينَ أصْنافٌ، فَمِنهم مَن يُظْهِرُ الإسْلامَ ويُبْطِنُ الكُفْرَ، ومِنهم مَن قالَ فِيهِ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ كَما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما: «ثَلاثٌ مَن كُنَّ فِيهِ كانَ مُنافِقًا خالِصًا، ومَن كانَتْ فِيهِ واحِدَةٌ مِنهُنَّ كانَ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفاقِ حَتّى يَدَعَها: مَن إذا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذا وعَدَ أخْلَفَ، وإذا اؤْتُمِنَ خانَ» ووَرَدَ بِلَفْظِ أرْبَعٌ وزادَ «وإذا خاصَمَ فَجَرَ» . ووَرَدَ بِلَفْظِ «وإذا عاهَدَ غَدَرَ» . وقَدْ ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ ومَن تَبِعَهُ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ هَذَيْنِ المَثَلَيْنِ لِصِنْفٍ واحِدٍ مِنَ المُنافِقِينَ.

البقرة 2:20

عَطَفَ هَذا المَثَلَ عَلى المَثَلِ الأوَّلِ بِحَرْفِ الشَّكِّ لِقَصْدِ التَّخْيِيرِ بَيْنَ المَثَلَيْنِ: أيْ مَثِّلُوهم بِهَذا أوْ هَذا، وهي وإنْ كانَتْ في الأصْلِ لِلشَّكِّ فَقَدْ تَوَسَّعَ فِيها حَتّى صارَتْ لِمُجَرَّدِ التَّساوِي مِن غَيْرِ شَكٍّ - وقِيلَ: إنَّها بِمَعْنى الواوِ، قالَهُ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ، وأنْشَدَ: وقَدْ زَعَمَتْ لَيْلى بِأنِّي فاجِرٌ لِنَفْسِي تُقاها أوْ عَلَيْها فُجُورُها وقالَ آخَرُ: ∗∗∗ نالَ الخِلافَةَ أوْ كانَتْ لَهُ قَدَرًاكَما أتى رَبَّهُ مُوسى عَلى قَدَرِ والمُرادُ بِالصَّيِّبِ: المَطَرُ، واشْتِقاقُهُ مِن صابَ يَصُوبُ: إذا نَزَلَ. قالَ عَلْقَمَةُ: ∗∗∗ فَلا تَعْدِلِي بَيْنِي وبَيْنَ مُغَمَّرٍسَقَتْكِ رَوايا المَوْتِ حَيْثُ تَصُوبُ وأصْلُهُ صَيُّوبٌ، اجْتَمَعَتِ الياءُ والواوُ وسُبِقَتْ إحْداهُما بِالسُّكُونِ فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدْغَمَتْ، كَما فَعَلُوا في مَيِّتٍ وسَيِّدٍ. والسَّماءُ في الأصْلِ: كُلُّ ما عَلاكَ فَأظَلَّكَ. ومِنهُ قِيلَ لِسَقْفِ البَيْتِ سَماءٌ. والسَّماءُ أيْضًا: المَطَرُ سُمِّيَ بِها لِنُزُولِهِ مِنها، وفائِدَةُ ذِكْرِ نُزُولِهِ مِنَ السَّماءِ مَعَ كَوْنِهِ لا يَكُونُ إلّا مِنها أنَّهُ لا يَخْتَصُّ نُزُولُهُ بِجانِبٍ مِنها دُونَ جانِبٍ، وإطْلاقُ السَّماءِ عَلى المَطَرِ واقِعٌ كَثِيرًا في كَلامِ العَرَبِ، فَمِنهُ قَوْلُ حَسّانٍ: ∗∗∗ دِيارٌ مِن بَنِي الحَسْحاسِ قَفْرٌتُعَفِّيها الدَّوامِسُ والسَّماءُ وقالَ آخَرُ: ؎إذا نَزَلَ السَّماءُ بِأرْضِ قَوْمٍ والظُّلُماتُ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها، وإنَّما جَمَعَها إشارَةً إلى أنَّهُ انْضَمَّ إلى ظُلْمَةِ اللَّيْلِ ظُلْمَةُ الغَيْمِ. والرَّعْدُ: اسْمٌ لِصَوْتِ المَلَكِ الَّذِي يَزْجُرُ السَّحابَ. وقَدْ أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: سَألَتِ اليَهُودُ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَنِ الرَّعْدِ ما هو ؟ قالَ: «مَلَكٌ مِنَ المَلائِكَةِ بِيَدِهِ مَخارِيقُ مِن نارٍ يَسُوقُ بِها السَّحابَ حَيْثُ شاءَ اللَّهُ، قالُوا: فَما هَذا الصَّوْتُ الَّذِي نَسْمَعُ ؟ قالَ: زَجْرَهُ بِالسَّحابِ إذا زَجَرَهُ حَتّى يَنْتَهِيَ إلى حَيْثُ أُمِرَ. قالَتْ: صَدَقْتَ» الحَدِيثَ بِطُولِهِ، وفي إسْنادِهِ مَقالٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ: وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ أكْثَرُ العُلَماءِ - وقِيلَ: هو اضْطِرابُ أجْرامِ (p-٣٥)السَّحابِ عِنْدَ نُزُولِ المَطَرِ مِنها، وإلى هَذا ذَهَبَ جَمْعٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ تَبَعًا لِلْفَلاسِفَةِ وجَهَلَةِ المُتَكَلِّمِينَ وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، والبَرْقُ: مِخْراقُ حَدِيدٍ بِيَدِ المَلَكِ الَّذِي يَسُوقُ السَّحابَ، وإلَيْهِ ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ الصَّحابَةِ وجُمْهُورُ عُلَماءِ الشَّرِيعَةِ لِلْحَدِيثِ السّابِقِ. وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ تَبَعًا لِلْفَلاسِفَةِ: إنَّ البَرْقَ ما يَنْقَدِحُ مِنَ اصْطِكاكِ أجْرامِ السَّحابِ المُتَراكِمَةِ مِنَ الأبْخِرَةِ المُتَصَعِّدَةِ المُشْتَمِلَةِ عَلى جُزْءٍ نارِيٍّ يَتَلَهَّبُ عِنْدَ الِاصْطِكاكِ. وقَوْلُهُ: ﴿يَجْعَلُونَ أصابِعَهم في آذانِهِمْ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لَها كَأنَّ قائِلًا قالَ: فَكَيْفَ حالُهم عِنْدَ ذَلِكَ الرَّعْدِ ؟ فَقِيلَ: يَجْعَلُونَ أصابِعَهم في آذانِهِمْ. وإطْلاقُ الأُصْبُعِ عَلى بَعْضِها مَجازٌ مَشْهُورٌ، والعَلاقَةُ الجُزْئِيَّةُ والكُلِّيَّةُ لِأنَّ الَّذِي يُجْعَلُ في الأُذُنِ إنَّما هو رَأْسُ الأُصْبُعِ كُلِّها. والصَّواعِقُ ويُقالُ الصَّواقِعُ: هي قِطْعَةُ نارٍ تَنْفَصِلُ مِن مِخْراقِ المَلَكِ الَّذِي يَزْجُرُ السَّحابَ عِنْدَ غَضَبِهِ وشِدَّةِ ضَرْبِهِ لَها، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ ما في حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ الَّذِي ذَكَرْنا بَعْضَهُ قَرِيبًا وبِهِ قالَ كَثِيرٌ مِن عُلَماءِ الشَّرِيعَةِ. ومِنهم مَن قالَ: إنَّها نارٌ تَخْرُجُ مِن فَمِ المَلَكِ. وقالَ الخَلِيلُ: هي الواقِعَةُ الشَّدِيدَةُ مِن صَوْتِ الرَّعْدِ، يَكُونُ مَعَها أحْيانًا قِطْعَةُ نارٍ تَحْرِقُ ما أتَتْ عَلَيْهِ. وقالَ أبُو زَيْدٍ: الصّاعِقَةُ نارٌ تَسْقُطُ مِنَ السَّماءِ في رَعْدٍ شَدِيدٍ. وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ تَبَعًا لِلْفَلاسِفَةِ ومَن قالَ بِقَوْلِهِمْ: إنَّها نارٌ لَطِيفَةٌ تَنْقَدِحُ مِنَ السَّحابِ إذا اصْطَكَّتْ أجْرامُها. وسَيَأْتِي في سُورَةِ الرَّعْدِ إنْ شاءَ اللَّهُ في تَفْسِيرِ الرَّعْدِ والبَرْقِ والصَّواعِقِ ما لَهُ مَزِيدُ فائِدَةٍ وإيضاحٍ. ونَصَبَ حَذَرَ المَوْتِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ. وقالَ الفَرّاءُ: مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ. والمَوْتُ: ضِدُّ الحَياةِ. والإحاطَةُ الأخْذُ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ حَتّى لا تَفُوتَ المُحاطَ بِهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ. وقَوْلُهُ: ﴿يَكادُ البَرْقُ يَخْطَفُ أبْصارَهم﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ كَأنَّهُ قِيلَ: فَكَيْفَ حالُهم مَعَ ذَلِكَ البَرْقِ ؟ ويَكادُ: يُقارِبُ. والخَطْفُ: الأخْذُ بِسُرْعَةٍ، ومِنهُ سُمِّيَ الطَّيْرُ خَطّافًا لِسُرْعَتِهِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ " يَخْطِفُ " بِكَسْرِ الطّاءِ، والفَتْحُ أفْصَحُ. وقَوْلُهُ: ﴿كُلَّما أضاءَ لَهم مَشَوْا فِيهِ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ تَصْنَعُونَ في تارَتَيْ خُفُوقِ البَرْقِ وسُكُونِهِ، وهو تَمْثِيلٌ لِشِدَّةِ الأمْرِ عَلى المُنافِقِينَ بِشِدَّتِهِ عَلى أهْلِ الصَّيِّبِ ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ﴾ بِالزِّيادَةِ في الرَّعْدِ والبَرْقِ ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وهَذا مِن جُمْلَةِ مَقْدُوراتِهِ سُبْحانَهُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أوْ كَصَيِّبٍ هو المَطَرُ ضُرِبَ مَثَلُهُ في القُرْآنِ فِيهِ ظُلُماتٌ يَقُولُ ابْتِلاءٌ ( ورَعْدٌ وبَرْقٌ ) تَخْوِيفٌ ﴿يَكادُ البَرْقُ يَخْطَفُ أبْصارَهُمْ﴾ يَقُولُ: يَكادُ مُحْكَمُ القُرْآنِ يَدُلُّ عَلى عَوْراتِ المُنافِقِينَ ﴿كُلَّما أضاءَ لَهم مَشَوْا فِيهِ﴾ يَقُولُ: كُلَّما أصابَ المُنافِقُونَ مِنَ الإسْلامِ عِزًّا اطْمَأنُّوا، فَإنْ أصابَ الإسْلامَ نَكْبَةٌ قامُوا لِيَرْجِعُوا إلى الكُفْرِ كَقَوْلِهِ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ﴾ [الحج: ١١] الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ قالُوا: كانَ رَجُلانِ مِنَ المُنافِقِينَ مِن أهْلِ المَدِينَةِ هَرَبا مِن رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ إلى المُشْرِكِينَ، فَأصابَهُما هَذا المَطَرُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ فِيهِ رَعْدٌ شَدِيدٌ وصَواعِقُ وبَرْقٌ، فَجَعَلا كُلَّما أصابَهُما الصَّواعِقُ يَجْعَلانِ أصابِعَهُما في آذانِهِما مِنَ الفَرَقِ أنْ تَدْخُلَ الصَّواعِقُ في مَسامِعِهِما فَتَقْتُلُهُما، وإذا لَمَعَ البَرْقُ مَشَيا في ضَوْئِهِ وإذا لَمْ يَلْمَعْ لَمْ يُبْصِرا قاما مَكانَهُما لا يَمْشِيانِ فَجَعَلا يَقُولانِ: لَيْتَنا قَدْ أصْبَحْنا فَنَأْتِيَ مُحَمَّدًا فَنَضَعَ أيْدِيَنا في يَدِهِ، فَأصْبَحا فَأتَياهُ فَأسْلَما ووَضَعا أيْدِيَهُما في يَدِهِ وحَسُنَ إسْلامُهُما فَضَرَبَ اللَّهُ شَأْنَ هَذَيْنِ المُنافِقَيْنِ الخارِجَيْنِ مَثَلًا لِلْمُنافِقِينَ الَّذِينَ بِالمَدِينَةِ، وكانَ المُنافِقُونَ إذا حَضَرُوا مَجْلِسَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ جَعَلُوا أصابِعَهم في آذانِهِمْ فَرَقًا مِن كَلامِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أنْ يَنْزِلَ فِيهِمْ شَيْءٌ أوْ يُذْكَرُوا بِشَيْءٍ فَيُقْتَلُوا، كَما كانَ ذَلِكَ المُنافِقانِ الخارِجانِ يَجْعَلانِ أصابِعَهُما في آذانِهِما، وإذا أضاءَ لَهم مَشَوْا فِيهِ: أيْ فَإذا كَثُرَتْ أمْوالُهم وأوْلادُهم وأصابُوا غَنِيمَةً وفَتْحًا مَشَوْا فِيهِ وقالُوا: إنَّ دِينَ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ حِينَئِذٍ صَدَقَ واسْتَقامُوا عَلَيْهِ، كَما كانَ ذانِكَ المُنافِقانِ يَمْشِيانِ إذا أضاءَ لَهُمُ البَرْقُ، وإذا أظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا فَكانُوا إذا هَلَكَتْ أمْوالُهم وأوْلادُهم وأصابَهُمُ البَلاءُ قالُوا: هَذا مِن أجْلِ دِينِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وارْتَدُّوا كُفْرًا كَما قامَ المُنافِقانِ حِينَ أظْلَمَ البَرْقُ عَلَيْهِما. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أوْ كَصَيِّبٍ قالَ: هو المَطَرُ وهو مَثَلٌ لِلْمُنافِقِ في ضَوْئِهِ يَتَكَلَّمُ بِما مَعَهُ مِن كِتابِ اللَّهِ مُراءاةَ النّاسِ، فَإذا خَلا وحْدَهُ عَمِلَ بِغَيْرِهِ فَهو في ظُلْمَةٍ ما أقامَ عَلى ذَلِكَ. وأمّا الظُّلُماتُ: فالضَّلالاتُ. وأمّا البَرْقُ: فالإيمانُ، وهم أهْلُ الكِتابِ، وإذا أظْلَمَ عَلَيْهِمْ: فَهو رَجُلٌ يَأْخُذُ بِطَرَفِ الحَقِّ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يُجاوِزَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا نَحْوَ ما سَلَفَ. وقَدْ رُوِيَ تَفْسِيرُهُ بِنَحْوِ ذَلِكَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ. واعْلَمْ أنَّ المُنافِقِينَ أصْنافٌ، فَمِنهم مَن يُظْهِرُ الإسْلامَ ويُبْطِنُ الكُفْرَ، ومِنهم مَن قالَ فِيهِ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ كَما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما: «ثَلاثٌ مَن كُنَّ فِيهِ كانَ مُنافِقًا خالِصًا، ومَن كانَتْ فِيهِ واحِدَةٌ مِنهُنَّ كانَ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفاقِ حَتّى يَدَعَها: مَن إذا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذا وعَدَ أخْلَفَ، وإذا اؤْتُمِنَ خانَ» ووَرَدَ بِلَفْظِ أرْبَعٌ وزادَ «وإذا خاصَمَ فَجَرَ» . ووَرَدَ بِلَفْظِ «وإذا عاهَدَ غَدَرَ» . وقَدْ ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ ومَن تَبِعَهُ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ هَذَيْنِ المَثَلَيْنِ لِصِنْفٍ واحِدٍ مِنَ المُنافِقِينَ.

البقرة 2:21

لَمّا فَرَغَ سُبْحانَهُ مِن ذِكْرِ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ والمُنافِقِينَ أقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِالخِطابِ التَفاتًا لِلنُّكْتَةِ السّابِقَةِ في الفاتِحَةِ. ويا حَرْفُ نِداءٍ. والمُنادى أيُّ وهو اسْمٌ مُفْرَدٌ مَبْنِيٌّ عَلى الضَّمِّ، وها حَرْفُ تَنْبِيهٍ مُقْحَمٌ بَيْنَ المُنادى وصِفَتِهِ. قالَ سِيبَوَيْهِ: كَأنَّكَ كَرَّرْتَ يا مَرَّتَيْنِ، وصارَ الِاسْمُ بَيْنَهُما كَما قالُوا: ها هو ذا. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في تَفْسِيرِ النّاسِ والعِبادَةِ. وإنَّما خَصَّ نِعْمَةَ الخَلْقِ وامْتَنَّ بِها عَلَيْهِمْ، لِأنَّ جَمِيعَ النِّعَمِ مُتَرَتِّبَةٌ (p-٣٦)عَلَيْها. وهِيَ أصْلُها الَّذِي لا يُوجَدُ شَيْءٌ مِنها بِدُونِها، وأيْضًا فالكُفّارُ مُقِرُّونَ بِأنَّ اللَّهَ هو الخالِقُ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧] فامْتَنَّ عَلَيْهِمْ بِما يَعْتَرِفُونَ بِهِ ولا يُنْكِرُونَهُ. وفِي أصْلِ مَعْنى الخَلْقِ وجْهانِ: أحَدُهُما التَّقْدِيرُ. يُقالُ: خَلَقْتُ الأدِيمَ لِلسِّقاءِ: إذا قَدَّرْتُهُ قَبْلَ القَطْعِ. قالَ زُهَيْرٌ: ؎ولَأنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ وبَعْ ضُ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لا يَفْرِي الثّانِي: الإنْشاءُ والِاخْتِراعُ والإبْداعُ. ولَعَلَّ أصْلَها التَّرَجِّي والطَّمَعُ والتَّوَقُّعُ والإشْفاقُ، وذَلِكَ مُسْتَحِيلٌ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، ولَكِنَّهُ لَمّا كانَتِ المُخاطَبَةُ مِنهُ سُبْحانَهُ لِلْبَشَرِ كانَ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ لَهم: افْعَلُوا ذَلِكَ عَلى الرَّجاءِ مِنكم والطَّمَعِ وبِهَذا قالَ جَماعَةٌ مِن أئِمَّةِ العَرَبِيَّةِ مِنهم سِيبَوَيْهِ. وقِيلَ: إنَّ العَرَبَ اسْتَعْمَلَتْ لَعَلَّ مُجَرَّدَةً مِنَ الشَّكِّ بِمَعْنى لامِ كَيْ. والمَعْنى هُنا: لِتَتَّقُوا: وكَذَلِكَ ما وقَعَ هَذا المَوْقِعَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وقُلْتُمْ لَنا كُفُّوا الحُرُوبَ لَعَلَّنا ∗∗∗ نَكُفُّ ووَثِقْتُمْ لَنا كُلَّ مُوَثَّقِ ؎فَلَمّا كَفَفْنا الحَرْبَ كانَتْ عُهُودُكم ∗∗∗ كَشِبْهِ سَرابٍ في المَلا مُتَألِّقِ أيْ كُفُّوا عَنِ الحَرْبِ لِنَكُفَّ، ولَوْ كانَتْ لَعَلَّ لِلشَّكِّ لَمْ يُوثِقُوا لَهم كُلَّ مُوَثَّقٍ، وبِهَذا قالَ جَماعَةٌ مِنهم قُطْرُبٌ. وقِيلَ: إنَّها بِمَعْنى التَّعَرُّضِ لِلشَّيْءِ كَأنَّهُ قالَ: مُتَعَرِّضِينَ لِلتَّقْوى. وجَعَلَ هُنا بِمَعْنى صَيَّرَ لِتَعَدِّيهِ إلى المَفْعُولَيْنِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وقَدْ جَعَلْتُ أرى الإثْنَيْنِ أرْبَعَةً ∗∗∗ والأرْبَعَ اثْنَيْنِ لَمّا هَدَّنِي الكِبَرُ و( فِراشًا ) أيْ وطاءٌ يَسْتَقِرُّونَ عَلَيْها. لَمّا قَدَّمَ نِعْمَةَ خَلْقِهِمْ أتْبَعَهُ بِنِعْمَةِ خَلْقِ الأرْضِ فِراشًا لَهم، لَمّا كانَتِ الأرْضُ الَّتِي هي مَسْكَنُهم ومَحَلُّ اسْتِقْرارِهِمْ مِن أعْظَمِ ما تَدْعُو إلَيْهِ حاجَتُهم، ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ بِنِعْمَةِ جَعْلِ السَّماءِ كالقُبَّةِ المَضْرُوبَةِ عَلَيْهِمْ، والسَّقْفِ لِلْبَيْتِ الَّذِي يَسْكُنُونَهُ كَما قالَ: ﴿وجَعَلْنا السَّماءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ [الأنبياء: ٣٢] . وأصْلُ البِناءِ: وضْعُ لَبِنَةٍ عَلى أُخْرى. ثُمَّ امْتَنَّ عَلَيْهِمْ بِإنْزالِ الماءِ مِنَ السَّماءِ. وأصْلُ ماءٍ مَوَهٌ، قُلِبَتِ الواوُ لِتَحَرُّكِها وانْفِتاحِ ما قَبْلَها ألِفًا فَصارَ: ماهٌ، فاجْتَمَعَ حَرْفانِ خَفِيفانِ فَقُلِبَتِ الهاءُ هَمْزَةً. والثَّمَراتُ جَمْعُ ثَمَرَةٍ. والمَعْنى: أخْرَجْنا لَكم ألْوانًا مِنَ الثَّمَراتِ وأنْواعًا مِنَ النَّباتِ لِيَكُونَ ذَلِكَ مَتاعًا لَكم إلى حِينٍ. والأنْدادُ جَمْعُ نِدٍّ، وهو المِثْلُ والنَّظِيرُ. وقَوْلُهُ: وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، والخِطابُ لِلْكُفّارِ والمُنافِقِينَ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ وصَفَهَمْ بِالعِلْمِ وقَدْ نَعَتَهم بِخِلافِ ذَلِكَ حَيْثُ قالَ: ولَكِنْ لا يَعْلَمُونَ [البقرة: ١٣] ولَكِنْ لا يَشْعُرُونَ [البقرة: ١٢] وما كانُوا مُهْتَدِينَ [البقرة: ١٦] صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ [البقرة: ١٨] . فَيُقالُ إنَّ المُرادَ أنَّ جَهْلَهم وعَدَمَ شُعُورِهِمْ لا يَتَناوَلُ هَذا: أيْ كَوْنُهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ المُنْعِمُ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الأنْدادِ، فَإنَّهم كانُوا يَعْلَمُونَ هَذا ولا يُنْكِرُونَهُ كَما حَكاهُ اللَّهُ عَنْهم في غَيْرِ آيَةٍ. وقَدْ يُقالُ: المُرادُ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ وحْدانِيَّتَهُ بِالقُوَّةِ والإمْكانِ لَوْ تَدَبَّرْتُمْ ونَظَرْتُمْ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى وُجُوبِ اسْتِعْمالِ الحُجَجِ وتَرْكِ التَّقْلِيدِ. قالَ ابْنُ فُورَكٍ: المُرادُ وتَجْعَلُونَ لِلَّهِ أنْدادًا بَعْدَ عِلْمِكُمُ الَّذِي هو نَفْيُ الجَهْلِ بِأنَّ اللَّهَ واحِدٌ انْتَهى. وحَذَفَ مَفْعُولَ تَعْلَمُونَ لِلدَّلالَةِ عَلى عَدَمِ اخْتِصاصِ ما هم عَلَيْهِ مِنَ العِلْمِ بِنَوْعٍ واحِدٍ مِنَ الأنْواعِ المُوجِبَةِ لِلتَّوْحِيدِ. وقَدْ أخْرَجَ البَزّارُ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ما كانَ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا فَهو أُنْزِلَ بِالمَدِينَةِ، وما كانَ يا أيُّها النّاسُ فَهو أُنْزِلَ بِمَكَّةَ. ورُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ والطَّبَرانِيِّ في الأوْسَطِ والحاكِمِ وصَحَّحَهُ. ورَوى نَحْوَهُ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ مِن قَوْلِ عَلْقَمَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الضَّحّاكِ مِثْلَهُ. وكَذا أخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ. وأخْرَجَ نَحْوَهُ أيْضًا ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عُرْوَةَ وعِكْرِمَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: يا أيُّها النّاسُ قالَ: هي لِلْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا مِنَ الكُفّارِ والمُؤْمِنِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي مالِكٍ في قَوْلِهِ: لَعَلَّكم يَعْنِي كَيْ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ قالَ: لَعَلَّ مِنَ اللَّهِ واجِبٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِراشًا﴾ [البقرة: ٢٢] أيْ تَمْشُونَ عَلَيْها وهي المِهادُ والقَرارُ ﴿والسَّماءَ بِناءً﴾ [البقرة: ٢٢] قالَ كَهَيْئَةِ القُبَّةِ وهي سَقْفُ الأرْضِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ سُئِلَ: المَطَرُ مِنَ السَّماءِ أمْ مِنَ السَّحابِ ؟ قالَ: مِنَ السَّماءِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ كَعْبٍ قالَ: السَّحابُ غِرْبالُ المَطَرِ، ولَوْلا السَّحابُ حِينَ يَنْزِلُ الماءُ مِنَ السَّماءِ لَأفْسَدَ ما يَقَعُ عَلَيْهِ مِنَ الأرْضِ والبَذْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ خالِدِ بْنِ مَعْدانَ قالَ: المَطَرُ ماءٌ يَخْرُجُ مِن تَحْتِ العَرْشِ فَيَنْزِلُ مِن سَماءٍ إلى سَماءٍ حَتّى يَجْتَمِعَ في سَماءِ الدُّنْيا، فَيَجْتَمِعُ في مَوْضِعٍ يُقالُ لَهُ الأبْزَمُ، فَتَجِيءُ السَّحابُ السُّودُ فَتَدْخُلُهُ فَتَشْرَبُهُ مِثْلَ شُرْبِ الإسْفَنْجَةِ فَيَسُوقُها اللَّهُ حَيْثُ يَشاءُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: يَنْزِلُ الماءُ مِنَ السَّماءِ السّابِعَةِ، فَتَقَعُ القَطْرَةُ مِنهُ عَلى الحِسابِ مِثْلَ البَعِيرِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ خالِدِ بْنِ يَزِيدَ قالَ: المَطَرُ مِنهُ مِنَ السَّماءِ، ومِنهُ ما يَسْتَقِيهِ الغَيْمُ مِنَ البَحْرِ فَيُعْذِبُهُ الرَّعْدُ والبَرْقُ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِ المَطَرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إذا جاءَ القَطْرُ مِنَ السَّماءِ تَفَتَّحَتْ لَهُ الأصْدافُ فَكانَ لُؤْلُؤًا. وأخْرَجَ الشّافِعِيُّ في الأُمِّ وابْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِ المَطَرِ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنِ المُطَّلِبِ بْنِ حَنْطَبٍ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «ما مِن ساعَةٍ مِن لَيْلٍ ولا نَهارٍ إلّا والسَّماءُ تُمْطِرُ فِيها يُصَرِّفُهُ اللَّهُ حَيْثُ يَشاءُ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما نَزَلَ مَطَرٌ مِنَ السَّماءِ إلّا ومَعَهُ البَذْرُ، أما لَوْ أنَّكم بَسَطْتُمْ نِطْعًا لَرَأيْتُمُوهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: المَطَرُ مِزاجَةٌ مِنَ الجَنَّةِ، فَإذا كَثُرَ المِزاجُ عَظُمَتِ البَرَكَةُ وإنْ قَلَّ المَطَرُ، وإذا قَلَّ المِزاجُ قَلَّتِ البَرَكَةُ وإنْ كَثُرَ المَطَرُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ (p-٣٧)الحَسَنِ قالَ: ما مِن عامٍ بِأمْطَرَ مِن عامٍ ولَكِنَّ اللَّهَ يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشاءُ، ويَنْزِلُ مَعَ المَطَرِ كَذا وكَذا مِنَ المَلائِكَةِ يَكْتُبُونَ حَيْثُ يَقَعُ ذَلِكَ المَطَرُ ومَن يُرْزَقُهُ ومَن يَخْرُجُ مِنهُ مَعَ كُلِّ قَطْرَةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا﴾ أيْ لا تُشْرِكُوا بِهِ غَيْرَهُ مِنَ الأنْدادِ الَّتِي لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّهُ لا رَبَّ لَكم يَرْزُقُكم غَيْرُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنْدادًا قالَ: أشْباهًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنْدادًا قالَ: أكْفاءً مِنَ الرِّجالِ يُطِيعُونَهم في مَعْصِيَةِ اللَّهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ أنْدادًا قالَ: شُرَكاءً. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ والبُخارِيُّ في الأدَبِ المُفْرَدِ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: ما شاءَ اللَّهُ وشِئْتَ، قالَ: جَعَلْتَنِي لِلَّهِ نِدًّا ما شاءَ اللَّهُ وحْدَهُ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ قُتَيْلَةَ بِنْتِ صَيْفِيٍّ قالَتْ: «جاءَ حَبْرٌ مِنَ الأحْبارِ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ نِعْمَ القَوْمُ أنْتُمْ لَوْلا أنَّكم تُشْرِكُونَ، قالَ: وكَيْفَ ؟ قالَ: يَقُولُ أحَدُكم لا والكَعْبَةِ، فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: مَن حَلَفَ فَلْيَحْلِفْ بِرَبِّ الكَعْبَةِ. فَقالَ: يا مُحَمَّدُ نِعْمَ القَوْمُ أنْتُمْ لَوْلا أنَّكم تَجْعَلُونَ لِلَّهِ نِدًّا، قالَ: وكَيْفَ ذَلِكَ ؟ قالَ: يَقُولُ أحَدُكم ما شاءَ اللَّهُ وشِئْتَ، فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: فَمَن قالَ مِنكم ما شاءَ اللَّهُ قالَ: ثُمَّ شِئْتَ» وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ والبَيْهَقِيُّ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «لا تَقُولُوا ما شاءَ اللَّهُ وشاءَ فُلانٌ، قُولُوا ما شاءَ اللَّهُ ثُمَّ شاءَ فُلانٌ» وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ ماجَهْ والبَيْهَقِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ طُفَيْلِ بْنِ سَخْبَرَةَ «أنَّهُ رَأى فِيما يَرى النّائِمُ كَأنَّهُ مَرَّ بِرَهْطٍ مِنَ اليَهُودِ فَقالَ: أنْتُمْ نِعْمَ القَوْمُ لَوْلا أنَّكم تَزْعُمُونَ أنَّ عُزَيْرًا ابْنُ اللَّهِ، فَقالُوا: وأنْتُمْ نِعْمَ القَوْمُ لَوْلا أنَّكم تَقُولُونَ ما شاءَ اللَّهُ وشاءَ مُحَمَّدٌ. ثُمَّ مَرَّ بِرَهْطٍ مِنَ النَّصارى فَقالَ: أنْتُمْ نِعْمَ القَوْمُ لَوْلا أنَّكم تَقُولُونَ: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، قالُوا: وأنْتُمْ نِعْمَ القَوْمُ لَوْلا أنَّكم تَقُولُونَ ما شاءَ اللَّهُ وشاءَ مُحَمَّدٌ. فَلَمّا أصْبَحَ أخْبَرَ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَخَطَبَ فَقالَ: إنَّ طُفَيْلًا رَأى رُؤْيا وإنَّكم تَقُولُونَ كَلِمَةً كانَ يَمْنَعُنِي الحَياءُ مِنكم فَلا تَقُولُوها، ولَكِنْ قُولُوا: ما شاءَ اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ» وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الأنْدادُ هو الشِّرْكُ أخْفى مِن دَبِيبِ النَّمْلِ عَلى صَفًا سَوْداءَ في ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، وهو أنْ تَقُولَ: واللَّهِ وحَياتِكَ يا فُلانُ وحَياتِي، وتَقُولَ: لَوْلا كَلْبُهُ هَذا لَأتانا اللُّصُوصُ، ولَوْلا القِطُّ في الدّارِ لَأتى اللُّصُوصُ، وقَوْلُ الرَّجُلِ: ما شاءَ اللَّهُ وشِئْتَ، وقَوْلُ الرَّجُلِ: لَوْلا اللَّهُ وفُلانٌ، هَذا كُلُّهُ شِرْكٌ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أيُّ الذَّنْبِ أعْظَمُ ؟ قالَ: أنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وهو خَلَقَكَ الحَدِيثَ» .

البقرة 2:22

لَمّا فَرَغَ سُبْحانَهُ مِن ذِكْرِ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ والمُنافِقِينَ أقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِالخِطابِ التَفاتًا لِلنُّكْتَةِ السّابِقَةِ في الفاتِحَةِ. ويا حَرْفُ نِداءٍ. والمُنادى أيُّ وهو اسْمٌ مُفْرَدٌ مَبْنِيٌّ عَلى الضَّمِّ، وها حَرْفُ تَنْبِيهٍ مُقْحَمٌ بَيْنَ المُنادى وصِفَتِهِ. قالَ سِيبَوَيْهِ: كَأنَّكَ كَرَّرْتَ يا مَرَّتَيْنِ، وصارَ الِاسْمُ بَيْنَهُما كَما قالُوا: ها هو ذا. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في تَفْسِيرِ النّاسِ والعِبادَةِ. وإنَّما خَصَّ نِعْمَةَ الخَلْقِ وامْتَنَّ بِها عَلَيْهِمْ، لِأنَّ جَمِيعَ النِّعَمِ مُتَرَتِّبَةٌ (p-٣٦)عَلَيْها. وهِيَ أصْلُها الَّذِي لا يُوجَدُ شَيْءٌ مِنها بِدُونِها، وأيْضًا فالكُفّارُ مُقِرُّونَ بِأنَّ اللَّهَ هو الخالِقُ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧] فامْتَنَّ عَلَيْهِمْ بِما يَعْتَرِفُونَ بِهِ ولا يُنْكِرُونَهُ. وفِي أصْلِ مَعْنى الخَلْقِ وجْهانِ: أحَدُهُما التَّقْدِيرُ. يُقالُ: خَلَقْتُ الأدِيمَ لِلسِّقاءِ: إذا قَدَّرْتُهُ قَبْلَ القَطْعِ. قالَ زُهَيْرٌ: ؎ولَأنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ وبَعْ ضُ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لا يَفْرِي الثّانِي: الإنْشاءُ والِاخْتِراعُ والإبْداعُ. ولَعَلَّ أصْلَها التَّرَجِّي والطَّمَعُ والتَّوَقُّعُ والإشْفاقُ، وذَلِكَ مُسْتَحِيلٌ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، ولَكِنَّهُ لَمّا كانَتِ المُخاطَبَةُ مِنهُ سُبْحانَهُ لِلْبَشَرِ كانَ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ لَهم: افْعَلُوا ذَلِكَ عَلى الرَّجاءِ مِنكم والطَّمَعِ وبِهَذا قالَ جَماعَةٌ مِن أئِمَّةِ العَرَبِيَّةِ مِنهم سِيبَوَيْهِ. وقِيلَ: إنَّ العَرَبَ اسْتَعْمَلَتْ لَعَلَّ مُجَرَّدَةً مِنَ الشَّكِّ بِمَعْنى لامِ كَيْ. والمَعْنى هُنا: لِتَتَّقُوا: وكَذَلِكَ ما وقَعَ هَذا المَوْقِعَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وقُلْتُمْ لَنا كُفُّوا الحُرُوبَ لَعَلَّنا ∗∗∗ نَكُفُّ ووَثِقْتُمْ لَنا كُلَّ مُوَثَّقِ ؎فَلَمّا كَفَفْنا الحَرْبَ كانَتْ عُهُودُكم ∗∗∗ كَشِبْهِ سَرابٍ في المَلا مُتَألِّقِ أيْ كُفُّوا عَنِ الحَرْبِ لِنَكُفَّ، ولَوْ كانَتْ لَعَلَّ لِلشَّكِّ لَمْ يُوثِقُوا لَهم كُلَّ مُوَثَّقٍ، وبِهَذا قالَ جَماعَةٌ مِنهم قُطْرُبٌ. وقِيلَ: إنَّها بِمَعْنى التَّعَرُّضِ لِلشَّيْءِ كَأنَّهُ قالَ: مُتَعَرِّضِينَ لِلتَّقْوى. وجَعَلَ هُنا بِمَعْنى صَيَّرَ لِتَعَدِّيهِ إلى المَفْعُولَيْنِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وقَدْ جَعَلْتُ أرى الإثْنَيْنِ أرْبَعَةً ∗∗∗ والأرْبَعَ اثْنَيْنِ لَمّا هَدَّنِي الكِبَرُ و( فِراشًا ) أيْ وطاءٌ يَسْتَقِرُّونَ عَلَيْها. لَمّا قَدَّمَ نِعْمَةَ خَلْقِهِمْ أتْبَعَهُ بِنِعْمَةِ خَلْقِ الأرْضِ فِراشًا لَهم، لَمّا كانَتِ الأرْضُ الَّتِي هي مَسْكَنُهم ومَحَلُّ اسْتِقْرارِهِمْ مِن أعْظَمِ ما تَدْعُو إلَيْهِ حاجَتُهم، ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ بِنِعْمَةِ جَعْلِ السَّماءِ كالقُبَّةِ المَضْرُوبَةِ عَلَيْهِمْ، والسَّقْفِ لِلْبَيْتِ الَّذِي يَسْكُنُونَهُ كَما قالَ: ﴿وجَعَلْنا السَّماءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ [الأنبياء: ٣٢] . وأصْلُ البِناءِ: وضْعُ لَبِنَةٍ عَلى أُخْرى. ثُمَّ امْتَنَّ عَلَيْهِمْ بِإنْزالِ الماءِ مِنَ السَّماءِ. وأصْلُ ماءٍ مَوَهٌ، قُلِبَتِ الواوُ لِتَحَرُّكِها وانْفِتاحِ ما قَبْلَها ألِفًا فَصارَ: ماهٌ، فاجْتَمَعَ حَرْفانِ خَفِيفانِ فَقُلِبَتِ الهاءُ هَمْزَةً. والثَّمَراتُ جَمْعُ ثَمَرَةٍ. والمَعْنى: أخْرَجْنا لَكم ألْوانًا مِنَ الثَّمَراتِ وأنْواعًا مِنَ النَّباتِ لِيَكُونَ ذَلِكَ مَتاعًا لَكم إلى حِينٍ. والأنْدادُ جَمْعُ نِدٍّ، وهو المِثْلُ والنَّظِيرُ. وقَوْلُهُ: وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، والخِطابُ لِلْكُفّارِ والمُنافِقِينَ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ وصَفَهَمْ بِالعِلْمِ وقَدْ نَعَتَهم بِخِلافِ ذَلِكَ حَيْثُ قالَ: ولَكِنْ لا يَعْلَمُونَ [البقرة: ١٣] ولَكِنْ لا يَشْعُرُونَ [البقرة: ١٢] وما كانُوا مُهْتَدِينَ [البقرة: ١٦] صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ [البقرة: ١٨] . فَيُقالُ إنَّ المُرادَ أنَّ جَهْلَهم وعَدَمَ شُعُورِهِمْ لا يَتَناوَلُ هَذا: أيْ كَوْنُهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ المُنْعِمُ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الأنْدادِ، فَإنَّهم كانُوا يَعْلَمُونَ هَذا ولا يُنْكِرُونَهُ كَما حَكاهُ اللَّهُ عَنْهم في غَيْرِ آيَةٍ. وقَدْ يُقالُ: المُرادُ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ وحْدانِيَّتَهُ بِالقُوَّةِ والإمْكانِ لَوْ تَدَبَّرْتُمْ ونَظَرْتُمْ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى وُجُوبِ اسْتِعْمالِ الحُجَجِ وتَرْكِ التَّقْلِيدِ. قالَ ابْنُ فُورَكٍ: المُرادُ وتَجْعَلُونَ لِلَّهِ أنْدادًا بَعْدَ عِلْمِكُمُ الَّذِي هو نَفْيُ الجَهْلِ بِأنَّ اللَّهَ واحِدٌ انْتَهى. وحَذَفَ مَفْعُولَ تَعْلَمُونَ لِلدَّلالَةِ عَلى عَدَمِ اخْتِصاصِ ما هم عَلَيْهِ مِنَ العِلْمِ بِنَوْعٍ واحِدٍ مِنَ الأنْواعِ المُوجِبَةِ لِلتَّوْحِيدِ. وقَدْ أخْرَجَ البَزّارُ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ما كانَ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا فَهو أُنْزِلَ بِالمَدِينَةِ، وما كانَ يا أيُّها النّاسُ فَهو أُنْزِلَ بِمَكَّةَ. ورُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ والطَّبَرانِيِّ في الأوْسَطِ والحاكِمِ وصَحَّحَهُ. ورَوى نَحْوَهُ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ مِن قَوْلِ عَلْقَمَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الضَّحّاكِ مِثْلَهُ. وكَذا أخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ. وأخْرَجَ نَحْوَهُ أيْضًا ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عُرْوَةَ وعِكْرِمَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: يا أيُّها النّاسُ قالَ: هي لِلْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا مِنَ الكُفّارِ والمُؤْمِنِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي مالِكٍ في قَوْلِهِ: لَعَلَّكم يَعْنِي كَيْ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ قالَ: لَعَلَّ مِنَ اللَّهِ واجِبٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِراشًا﴾ [البقرة: ٢٢] أيْ تَمْشُونَ عَلَيْها وهي المِهادُ والقَرارُ ﴿والسَّماءَ بِناءً﴾ [البقرة: ٢٢] قالَ كَهَيْئَةِ القُبَّةِ وهي سَقْفُ الأرْضِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ سُئِلَ: المَطَرُ مِنَ السَّماءِ أمْ مِنَ السَّحابِ ؟ قالَ: مِنَ السَّماءِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ كَعْبٍ قالَ: السَّحابُ غِرْبالُ المَطَرِ، ولَوْلا السَّحابُ حِينَ يَنْزِلُ الماءُ مِنَ السَّماءِ لَأفْسَدَ ما يَقَعُ عَلَيْهِ مِنَ الأرْضِ والبَذْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ خالِدِ بْنِ مَعْدانَ قالَ: المَطَرُ ماءٌ يَخْرُجُ مِن تَحْتِ العَرْشِ فَيَنْزِلُ مِن سَماءٍ إلى سَماءٍ حَتّى يَجْتَمِعَ في سَماءِ الدُّنْيا، فَيَجْتَمِعُ في مَوْضِعٍ يُقالُ لَهُ الأبْزَمُ، فَتَجِيءُ السَّحابُ السُّودُ فَتَدْخُلُهُ فَتَشْرَبُهُ مِثْلَ شُرْبِ الإسْفَنْجَةِ فَيَسُوقُها اللَّهُ حَيْثُ يَشاءُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: يَنْزِلُ الماءُ مِنَ السَّماءِ السّابِعَةِ، فَتَقَعُ القَطْرَةُ مِنهُ عَلى الحِسابِ مِثْلَ البَعِيرِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ خالِدِ بْنِ يَزِيدَ قالَ: المَطَرُ مِنهُ مِنَ السَّماءِ، ومِنهُ ما يَسْتَقِيهِ الغَيْمُ مِنَ البَحْرِ فَيُعْذِبُهُ الرَّعْدُ والبَرْقُ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِ المَطَرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إذا جاءَ القَطْرُ مِنَ السَّماءِ تَفَتَّحَتْ لَهُ الأصْدافُ فَكانَ لُؤْلُؤًا. وأخْرَجَ الشّافِعِيُّ في الأُمِّ وابْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِ المَطَرِ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنِ المُطَّلِبِ بْنِ حَنْطَبٍ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «ما مِن ساعَةٍ مِن لَيْلٍ ولا نَهارٍ إلّا والسَّماءُ تُمْطِرُ فِيها يُصَرِّفُهُ اللَّهُ حَيْثُ يَشاءُ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما نَزَلَ مَطَرٌ مِنَ السَّماءِ إلّا ومَعَهُ البَذْرُ، أما لَوْ أنَّكم بَسَطْتُمْ نِطْعًا لَرَأيْتُمُوهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: المَطَرُ مِزاجَةٌ مِنَ الجَنَّةِ، فَإذا كَثُرَ المِزاجُ عَظُمَتِ البَرَكَةُ وإنْ قَلَّ المَطَرُ، وإذا قَلَّ المِزاجُ قَلَّتِ البَرَكَةُ وإنْ كَثُرَ المَطَرُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ (p-٣٧)الحَسَنِ قالَ: ما مِن عامٍ بِأمْطَرَ مِن عامٍ ولَكِنَّ اللَّهَ يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشاءُ، ويَنْزِلُ مَعَ المَطَرِ كَذا وكَذا مِنَ المَلائِكَةِ يَكْتُبُونَ حَيْثُ يَقَعُ ذَلِكَ المَطَرُ ومَن يُرْزَقُهُ ومَن يَخْرُجُ مِنهُ مَعَ كُلِّ قَطْرَةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا﴾ أيْ لا تُشْرِكُوا بِهِ غَيْرَهُ مِنَ الأنْدادِ الَّتِي لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّهُ لا رَبَّ لَكم يَرْزُقُكم غَيْرُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنْدادًا قالَ: أشْباهًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنْدادًا قالَ: أكْفاءً مِنَ الرِّجالِ يُطِيعُونَهم في مَعْصِيَةِ اللَّهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ أنْدادًا قالَ: شُرَكاءً. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ والبُخارِيُّ في الأدَبِ المُفْرَدِ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: ما شاءَ اللَّهُ وشِئْتَ، قالَ: جَعَلْتَنِي لِلَّهِ نِدًّا ما شاءَ اللَّهُ وحْدَهُ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ قُتَيْلَةَ بِنْتِ صَيْفِيٍّ قالَتْ: «جاءَ حَبْرٌ مِنَ الأحْبارِ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ نِعْمَ القَوْمُ أنْتُمْ لَوْلا أنَّكم تُشْرِكُونَ، قالَ: وكَيْفَ ؟ قالَ: يَقُولُ أحَدُكم لا والكَعْبَةِ، فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: مَن حَلَفَ فَلْيَحْلِفْ بِرَبِّ الكَعْبَةِ. فَقالَ: يا مُحَمَّدُ نِعْمَ القَوْمُ أنْتُمْ لَوْلا أنَّكم تَجْعَلُونَ لِلَّهِ نِدًّا، قالَ: وكَيْفَ ذَلِكَ ؟ قالَ: يَقُولُ أحَدُكم ما شاءَ اللَّهُ وشِئْتَ، فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: فَمَن قالَ مِنكم ما شاءَ اللَّهُ قالَ: ثُمَّ شِئْتَ» وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ والبَيْهَقِيُّ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «لا تَقُولُوا ما شاءَ اللَّهُ وشاءَ فُلانٌ، قُولُوا ما شاءَ اللَّهُ ثُمَّ شاءَ فُلانٌ» وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ ماجَهْ والبَيْهَقِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ طُفَيْلِ بْنِ سَخْبَرَةَ «أنَّهُ رَأى فِيما يَرى النّائِمُ كَأنَّهُ مَرَّ بِرَهْطٍ مِنَ اليَهُودِ فَقالَ: أنْتُمْ نِعْمَ القَوْمُ لَوْلا أنَّكم تَزْعُمُونَ أنَّ عُزَيْرًا ابْنُ اللَّهِ، فَقالُوا: وأنْتُمْ نِعْمَ القَوْمُ لَوْلا أنَّكم تَقُولُونَ ما شاءَ اللَّهُ وشاءَ مُحَمَّدٌ. ثُمَّ مَرَّ بِرَهْطٍ مِنَ النَّصارى فَقالَ: أنْتُمْ نِعْمَ القَوْمُ لَوْلا أنَّكم تَقُولُونَ: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، قالُوا: وأنْتُمْ نِعْمَ القَوْمُ لَوْلا أنَّكم تَقُولُونَ ما شاءَ اللَّهُ وشاءَ مُحَمَّدٌ. فَلَمّا أصْبَحَ أخْبَرَ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَخَطَبَ فَقالَ: إنَّ طُفَيْلًا رَأى رُؤْيا وإنَّكم تَقُولُونَ كَلِمَةً كانَ يَمْنَعُنِي الحَياءُ مِنكم فَلا تَقُولُوها، ولَكِنْ قُولُوا: ما شاءَ اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ» وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الأنْدادُ هو الشِّرْكُ أخْفى مِن دَبِيبِ النَّمْلِ عَلى صَفًا سَوْداءَ في ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، وهو أنْ تَقُولَ: واللَّهِ وحَياتِكَ يا فُلانُ وحَياتِي، وتَقُولَ: لَوْلا كَلْبُهُ هَذا لَأتانا اللُّصُوصُ، ولَوْلا القِطُّ في الدّارِ لَأتى اللُّصُوصُ، وقَوْلُ الرَّجُلِ: ما شاءَ اللَّهُ وشِئْتَ، وقَوْلُ الرَّجُلِ: لَوْلا اللَّهُ وفُلانٌ، هَذا كُلُّهُ شِرْكٌ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أيُّ الذَّنْبِ أعْظَمُ ؟ قالَ: أنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وهو خَلَقَكَ الحَدِيثَ» .

البقرة 2:23

فِي رَيْبٍ أيْ شَكٍّ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا: أيِ القُرْآنُ أنْزَلَهُ عَلى مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. والعَبْدُ مَأْخُوذٌ مِنَ التَّعَبُّدِ وهو التَّذَلُّلُ. والتَّنْزِيلُ التَّدْرِيجُ والتَّنْجِيمُ. وقَوْلُهُ: فَأْتُوا الفاءُ جَوابُ الشَّرْطِ وهو أمْرٌ مَعْناهُ التَّعْجِيزُ. لِما احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِما يُثْبِتُ الوَحْدانِيَّةَ ويُبْطِلُ الشِّرْكَ عَقَّبَهُ بِما هو الحُجَّةُ عَلى إثْباتِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وما يَدْفَعُ الشُّبْهَةَ في كَوْنِ القُرْآنِ مُعْجِزَةً، فَتَحَدّاهم بِأنْ يَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن سُوَرِهِ. والسُّورَةُ الطّائِفَةُ مِنَ القُرْآنِ المُسَمّاةُ بِاسْمٍ خاصٍّ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها مُشْتَمِلَةٌ عَلى كَلِماتِها كاشْتِمالِ سُورِ البَلَدِ عَلَيْها. ومِن في قَوْلِهِ: مِن مِثْلِهِ زائِدَةٌ لِقَوْلِهِ: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ. والضَّمِيرُ في مِثْلِهِ عائِدٌ عَلى القُرْآنِ عِنْدَ جُمْهُورِ أهْلِ العِلْمِ. وقِيلَ: عائِدٌ عَلى التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، لِأنَّ المَعْنى: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن كِتابٍ مِثْلِهِ فَإنَّها تُصَدِّقُ ما فِيهِ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، والمَعْنى مِن بَشَرٍ مِثْلِ مُحَمَّدٍ: أيْ لا يَكْتُبُ ولا يَقْرَأُ. والشُّهَداءُ جَمْعُ شَهِيدٍ بِمَعْنى الحاضِرِ أوِ القائِمِ بِالشَّهادَةِ أوِ المُعاوِنِ، والمُرادُ هُنا الآلِهَةُ. ومَعْنى دُونِ: أدْنى مَكانٍ مِنَ الشَّيْءِ واتَّسَعَ فِيهِ حَتّى اسْتُعْمِلَ في تَخَطِّي الشَّيْءِ إلى شَيْءٍ آخَرَ، ومِنهُ ما في هَذِهِ الآيَةِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٢٨] ولَهُ مَعانٍ أُخَرُ، مِنها التَّقْصِيرُ عَنِ الغايَةِ والحَقارَةِ، يُقالُ: هَذا الشَّيْءُ دُونٌ: أيْ حَقِيرٌ، ومِنهُ: إذا ما عَلا المَرْءُ رامَ العُلا ويَقْنَعُ بِالدُّونِ مَن كانَ دُونا والقُرْبُ يُقالُ هَذا دُونَ ذاكَ: أيْ أقْرَبُ مِنهُ ويَكُونُ إغْراءً، تَقُولُ: دُونَكَ زَيْدًا: أيْ خُذْهُ مِن أدْنى مَكانٍ مِن دُونِ اللَّهِ مُتَعَلِّقٌ بِـ " ادْعُوا ": أيِ ادْعُوا الَّذِينَ يَشْهَدُونَ لَكم مِن دُونِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فِيما قُلْتُمْ مِن أنَّكم تَقْدِرُونَ عَلى المُعارَضَةِ، وهَذا تَعْجِيزٌ لَهم وبَيانٌ لِانْقِطاعِهِمْ. والصِّدْقُ خِلافُ الكَذِبِ، وهو مُطابَقَةُ الخَبَرِ لِلْواقِعِ أوْ لِلِاعْتِقادِ أوْ لَهُما عَلى الخِلافِ المَعْرُوفِ في عِلْمِ المَعانِي. فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا يَعْنِي فِيما مَضى ولَنْ تَفْعَلُوا أيْ تُطِيقُوا ذَلِكَ فِيما يَأْتِي وتَبَيَّنَ لَكم عَجْزُكم عَنِ المُعارَضَةِ فاتَّقُوا النّارَ بِالإيمانِ بِاللَّهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ والقِيامِ بِفَرائِضِهِ واجْتِنابِ مَناهِيهِ وعَبَّرَ عَنِ الإتْيانِ بِالفِعْلِ لِأنَّ الإتْيانَ فِعْلٌ مِنَ الأفْعالِ لِقَصْدِ الِاخْتِصارِ، وجُمْلَةُ لَنْ تَفْعَلُوا لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ لِأنَّها اعْتِراضِيَّةٌ، ولَنْ لِلنَّفْيِ المُؤَكَّدِ لِما دَخَلَتْ عَلَيْهِ، وهَذا مِنَ الغُيُوبِ الَّتِي أخْبَرَ بِها القُرْآنُ قَبْلَ وُقُوعِها، لِأنَّها لَمْ تَقَعِ المُعارَضَةُ مِن أحَدِ الكَفَرَةِ في أيّامِ النُّبُوَّةِ وفِيما بَعْدَها وإلى الآنِ. والوَقُودُ بِالفَتْحِ: الحَطَبُ، وبِالضَّمِّ: التَّوَقُّدُ أيِ المَصْدَرُ، وقَدْ جاءَ في الفَتْحِ. والمُرادُ بِالحِجارَةِ الأصْنامُ الَّتِي كانُوا يَعْبُدُونَها لِأنَّهم قَرَنُوا أنْفُسَهم بِها في الدُّنْيا فَجُعِلَتْ وقُودًا لِلنّارِ مَعَهم. ويَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] أيْ حَطَبُ جَهَنَّمَ. وقِيلَ: المُرادُ بِها حِجارَةُ الكِبْرِيتِ، وفي هَذا مِنَ التَّهْوِيلِ ما لا يُقَدَّرُ قَدْرُهُ مِن كَوْنِ هَذِهِ النّارِ تَتَّقِدُ بِالنّاسِ والحِجارَةِ، فَأُوقِدَتْ بِنَفْسِ ما يُرادُ إحْراقُهُ بِها، والمُرادُ بِقَوْلِهِ: أُعِدَّتْ جُعِلَتْ عُدَّةً لِعَذابِهِمْ وهُيِّئَتْ لِذَلِكَ. وقَدْ كَرَّرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ تَحَدِّي الكَفّارِ بِهَذا في مَواضِعَ في القُرْآنِ، مِنها هَذا، ومِنها قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ القَصَصِ: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ هو أهْدى مِنهُما أتَّبِعْهُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [القصص: ٤٩] (p-٣٨)وقالَ في سُورَةِ سُبْحانَ: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ عَلى أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ولَوْ كانَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] وقالَ في سُورَةِ هُودٍ: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [هود: ١٣] وقالَ في سُورَةِ يُونُسَ: ﴿وما كانَ هَذا القُرْآنُ أنْ يُفْتَرى مِن دُونِ اللَّهِ ولَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وتَفْصِيلَ الكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [يونس: ٣٧، ٣٨] . وقَدْ وقَعَ الخِلافُ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ هَلْ وجْهُ الإعْجازِ في القُرْآنِ هو كَوْنُهُ في الرُّتْبَةِ العَلِيَّةِ مِنَ البَلاغَةِ الخارِجَةِ عَنْ طَوْقِ البَشَرِ، أوْ كانَ العَجْزُ عَنِ المُعارَضَةِ لِلصِّرْفَةِ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لَهم عَنْ أنْ يُعارِضُوهُ، والحَقُّ الأوَّلُ، والكَلامُ في هَذا مَبْسُوطٌ في مَواطِنِهِ. وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ والبُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والنَّسائِيُّ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «ما مِن نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ إلّا أُعْطِيَ ما مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ البَشَرُ، وإنَّما كانَ الَّذِي أُوتِيتُهُ وحْيًا أوْحاهُ اللَّهُ إلَيَّ، فَأرْجُو أنْ أكُونَ أكْثَرَهم تابِعًا يَوْمَ القِيامَةِ» وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ﴾ قالَ: هَذا قَوْلُ اللَّهِ لِمَن شَكَّ مِنَ الكَفّارِ فِيما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ﴾ قالَ: في شَكٍّ ﴿مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ﴾ قالَ: مِن مِثْلِ القُرْآنِ حَقًّا وصِدْقًا لا باطِلَ فِيهِ ولا كَذِبَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ﴾ قالَ: مِثْلِ القُرْآنِ ﴿وادْعُوا شُهَداءَكُمْ﴾ قالَ: ناسٌ يَشْهَدُونَ لَكم إذا أتَيْتُمْ بِها أنَّها مِثْلُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: شُهَداءَكم قالَ: أعْوانَكم عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا ولَنْ تَفْعَلُوا﴾ فَقَدْ بَيَّنَ لَكُمُ الحَقَّ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا ولَنْ تَفْعَلُوا﴾ يَقُولُ: لَنْ تَقْدِرُوا عَلى ذَلِكَ ولَنْ تُطِيقُوهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ كُلَّ شَيْءٍ في القُرْآنِ وُقُودُها بِرَفْعِ الواوِ الأُولى، إلّا الَّتِي في السَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ ﴿النّارِ ذاتِ الوَقُودِ﴾ [البروج: ٥] بِنَصْبِ الواوِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ في الكَبِيرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: إنَّ الحِجارَةَ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ في القُرْآنِ في قَوْلِهِ: ﴿وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ﴾ [البقرة: ٢٤] حِجارَةٌ مِن كِبْرِيتٍ خَلَقَها اللَّهُ عِنْدَهُ كَيْفَ شاءَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ أيْضًا عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ مِثْلَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ أنَسٍ قالَ: «تَلا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ هَذِهِ الآيَةَ ﴿وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ﴾ قالَ: أوْقَدَ عَلَيْها ألْفَ عامٍ حَتّى احْمَرَّتْ، وألْفَ عامٍ حَتّى ابْيَضَّتْ، وألْفَ عامٍ حَتّى اسْوَدَّتْ، فَهي سَوْداءُ مُظْلِمَةٌ لا يُطْفَأُ لَهَبُها» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ ومالِكٌ والبُخارِيُّ ومُسْلِمٌ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «نارُ بَنِي آدَمَ الَّتِي تُوقِدُونَ جُزْءٌ مِن سَبْعِينَ جُزْءًا مِن نارِ جَهَنَّمَ، قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ إنْ كانَتْ لَكافِيَةً ؟ قالَ: فَإنَّها قَدْ فُضِّلَتْ عَلَيْها بِتِسْعَةٍ وسِتِّينَ جُزْءًا كُلُّهُنَّ مِثْلُ حَرِّها» . وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ عَنْ أبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ مالِكٌ في المُوَطَّأِ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: أتَرَوْنَها حَمْراءَ مِثْلَ نارِكم هَذِهِ الَّتِي تُوقِدُونَ، إنَّها لَأشَدُّ سَوادًا مِنَ القارِ. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ قالَ: أيْ لِمَن كانَ مِثْلَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ.

البقرة 2:24

فِي رَيْبٍ أيْ شَكٍّ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا: أيِ القُرْآنُ أنْزَلَهُ عَلى مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. والعَبْدُ مَأْخُوذٌ مِنَ التَّعَبُّدِ وهو التَّذَلُّلُ. والتَّنْزِيلُ التَّدْرِيجُ والتَّنْجِيمُ. وقَوْلُهُ: فَأْتُوا الفاءُ جَوابُ الشَّرْطِ وهو أمْرٌ مَعْناهُ التَّعْجِيزُ. لِما احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِما يُثْبِتُ الوَحْدانِيَّةَ ويُبْطِلُ الشِّرْكَ عَقَّبَهُ بِما هو الحُجَّةُ عَلى إثْباتِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وما يَدْفَعُ الشُّبْهَةَ في كَوْنِ القُرْآنِ مُعْجِزَةً، فَتَحَدّاهم بِأنْ يَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن سُوَرِهِ. والسُّورَةُ الطّائِفَةُ مِنَ القُرْآنِ المُسَمّاةُ بِاسْمٍ خاصٍّ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها مُشْتَمِلَةٌ عَلى كَلِماتِها كاشْتِمالِ سُورِ البَلَدِ عَلَيْها. ومِن في قَوْلِهِ: مِن مِثْلِهِ زائِدَةٌ لِقَوْلِهِ: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ. والضَّمِيرُ في مِثْلِهِ عائِدٌ عَلى القُرْآنِ عِنْدَ جُمْهُورِ أهْلِ العِلْمِ. وقِيلَ: عائِدٌ عَلى التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، لِأنَّ المَعْنى: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن كِتابٍ مِثْلِهِ فَإنَّها تُصَدِّقُ ما فِيهِ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، والمَعْنى مِن بَشَرٍ مِثْلِ مُحَمَّدٍ: أيْ لا يَكْتُبُ ولا يَقْرَأُ. والشُّهَداءُ جَمْعُ شَهِيدٍ بِمَعْنى الحاضِرِ أوِ القائِمِ بِالشَّهادَةِ أوِ المُعاوِنِ، والمُرادُ هُنا الآلِهَةُ. ومَعْنى دُونِ: أدْنى مَكانٍ مِنَ الشَّيْءِ واتَّسَعَ فِيهِ حَتّى اسْتُعْمِلَ في تَخَطِّي الشَّيْءِ إلى شَيْءٍ آخَرَ، ومِنهُ ما في هَذِهِ الآيَةِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٢٨] ولَهُ مَعانٍ أُخَرُ، مِنها التَّقْصِيرُ عَنِ الغايَةِ والحَقارَةِ، يُقالُ: هَذا الشَّيْءُ دُونٌ: أيْ حَقِيرٌ، ومِنهُ: إذا ما عَلا المَرْءُ رامَ العُلا ويَقْنَعُ بِالدُّونِ مَن كانَ دُونا والقُرْبُ يُقالُ هَذا دُونَ ذاكَ: أيْ أقْرَبُ مِنهُ ويَكُونُ إغْراءً، تَقُولُ: دُونَكَ زَيْدًا: أيْ خُذْهُ مِن أدْنى مَكانٍ مِن دُونِ اللَّهِ مُتَعَلِّقٌ بِـ " ادْعُوا ": أيِ ادْعُوا الَّذِينَ يَشْهَدُونَ لَكم مِن دُونِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فِيما قُلْتُمْ مِن أنَّكم تَقْدِرُونَ عَلى المُعارَضَةِ، وهَذا تَعْجِيزٌ لَهم وبَيانٌ لِانْقِطاعِهِمْ. والصِّدْقُ خِلافُ الكَذِبِ، وهو مُطابَقَةُ الخَبَرِ لِلْواقِعِ أوْ لِلِاعْتِقادِ أوْ لَهُما عَلى الخِلافِ المَعْرُوفِ في عِلْمِ المَعانِي. فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا يَعْنِي فِيما مَضى ولَنْ تَفْعَلُوا أيْ تُطِيقُوا ذَلِكَ فِيما يَأْتِي وتَبَيَّنَ لَكم عَجْزُكم عَنِ المُعارَضَةِ فاتَّقُوا النّارَ بِالإيمانِ بِاللَّهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ والقِيامِ بِفَرائِضِهِ واجْتِنابِ مَناهِيهِ وعَبَّرَ عَنِ الإتْيانِ بِالفِعْلِ لِأنَّ الإتْيانَ فِعْلٌ مِنَ الأفْعالِ لِقَصْدِ الِاخْتِصارِ، وجُمْلَةُ لَنْ تَفْعَلُوا لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ لِأنَّها اعْتِراضِيَّةٌ، ولَنْ لِلنَّفْيِ المُؤَكَّدِ لِما دَخَلَتْ عَلَيْهِ، وهَذا مِنَ الغُيُوبِ الَّتِي أخْبَرَ بِها القُرْآنُ قَبْلَ وُقُوعِها، لِأنَّها لَمْ تَقَعِ المُعارَضَةُ مِن أحَدِ الكَفَرَةِ في أيّامِ النُّبُوَّةِ وفِيما بَعْدَها وإلى الآنِ. والوَقُودُ بِالفَتْحِ: الحَطَبُ، وبِالضَّمِّ: التَّوَقُّدُ أيِ المَصْدَرُ، وقَدْ جاءَ في الفَتْحِ. والمُرادُ بِالحِجارَةِ الأصْنامُ الَّتِي كانُوا يَعْبُدُونَها لِأنَّهم قَرَنُوا أنْفُسَهم بِها في الدُّنْيا فَجُعِلَتْ وقُودًا لِلنّارِ مَعَهم. ويَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] أيْ حَطَبُ جَهَنَّمَ. وقِيلَ: المُرادُ بِها حِجارَةُ الكِبْرِيتِ، وفي هَذا مِنَ التَّهْوِيلِ ما لا يُقَدَّرُ قَدْرُهُ مِن كَوْنِ هَذِهِ النّارِ تَتَّقِدُ بِالنّاسِ والحِجارَةِ، فَأُوقِدَتْ بِنَفْسِ ما يُرادُ إحْراقُهُ بِها، والمُرادُ بِقَوْلِهِ: أُعِدَّتْ جُعِلَتْ عُدَّةً لِعَذابِهِمْ وهُيِّئَتْ لِذَلِكَ. وقَدْ كَرَّرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ تَحَدِّي الكَفّارِ بِهَذا في مَواضِعَ في القُرْآنِ، مِنها هَذا، ومِنها قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ القَصَصِ: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ هو أهْدى مِنهُما أتَّبِعْهُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [القصص: ٤٩] (p-٣٨)وقالَ في سُورَةِ سُبْحانَ: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ عَلى أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ولَوْ كانَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] وقالَ في سُورَةِ هُودٍ: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [هود: ١٣] وقالَ في سُورَةِ يُونُسَ: ﴿وما كانَ هَذا القُرْآنُ أنْ يُفْتَرى مِن دُونِ اللَّهِ ولَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وتَفْصِيلَ الكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [يونس: ٣٧، ٣٨] . وقَدْ وقَعَ الخِلافُ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ هَلْ وجْهُ الإعْجازِ في القُرْآنِ هو كَوْنُهُ في الرُّتْبَةِ العَلِيَّةِ مِنَ البَلاغَةِ الخارِجَةِ عَنْ طَوْقِ البَشَرِ، أوْ كانَ العَجْزُ عَنِ المُعارَضَةِ لِلصِّرْفَةِ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لَهم عَنْ أنْ يُعارِضُوهُ، والحَقُّ الأوَّلُ، والكَلامُ في هَذا مَبْسُوطٌ في مَواطِنِهِ. وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ والبُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والنَّسائِيُّ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «ما مِن نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ إلّا أُعْطِيَ ما مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ البَشَرُ، وإنَّما كانَ الَّذِي أُوتِيتُهُ وحْيًا أوْحاهُ اللَّهُ إلَيَّ، فَأرْجُو أنْ أكُونَ أكْثَرَهم تابِعًا يَوْمَ القِيامَةِ» وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ﴾ قالَ: هَذا قَوْلُ اللَّهِ لِمَن شَكَّ مِنَ الكَفّارِ فِيما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ﴾ قالَ: في شَكٍّ ﴿مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ﴾ قالَ: مِن مِثْلِ القُرْآنِ حَقًّا وصِدْقًا لا باطِلَ فِيهِ ولا كَذِبَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ﴾ قالَ: مِثْلِ القُرْآنِ ﴿وادْعُوا شُهَداءَكُمْ﴾ قالَ: ناسٌ يَشْهَدُونَ لَكم إذا أتَيْتُمْ بِها أنَّها مِثْلُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: شُهَداءَكم قالَ: أعْوانَكم عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا ولَنْ تَفْعَلُوا﴾ فَقَدْ بَيَّنَ لَكُمُ الحَقَّ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا ولَنْ تَفْعَلُوا﴾ يَقُولُ: لَنْ تَقْدِرُوا عَلى ذَلِكَ ولَنْ تُطِيقُوهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ كُلَّ شَيْءٍ في القُرْآنِ وُقُودُها بِرَفْعِ الواوِ الأُولى، إلّا الَّتِي في السَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ ﴿النّارِ ذاتِ الوَقُودِ﴾ [البروج: ٥] بِنَصْبِ الواوِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ في الكَبِيرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: إنَّ الحِجارَةَ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ في القُرْآنِ في قَوْلِهِ: ﴿وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ﴾ [البقرة: ٢٤] حِجارَةٌ مِن كِبْرِيتٍ خَلَقَها اللَّهُ عِنْدَهُ كَيْفَ شاءَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ أيْضًا عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ مِثْلَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ أنَسٍ قالَ: «تَلا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ هَذِهِ الآيَةَ ﴿وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ﴾ قالَ: أوْقَدَ عَلَيْها ألْفَ عامٍ حَتّى احْمَرَّتْ، وألْفَ عامٍ حَتّى ابْيَضَّتْ، وألْفَ عامٍ حَتّى اسْوَدَّتْ، فَهي سَوْداءُ مُظْلِمَةٌ لا يُطْفَأُ لَهَبُها» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ ومالِكٌ والبُخارِيُّ ومُسْلِمٌ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «نارُ بَنِي آدَمَ الَّتِي تُوقِدُونَ جُزْءٌ مِن سَبْعِينَ جُزْءًا مِن نارِ جَهَنَّمَ، قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ إنْ كانَتْ لَكافِيَةً ؟ قالَ: فَإنَّها قَدْ فُضِّلَتْ عَلَيْها بِتِسْعَةٍ وسِتِّينَ جُزْءًا كُلُّهُنَّ مِثْلُ حَرِّها» . وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ عَنْ أبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ مالِكٌ في المُوَطَّأِ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: أتَرَوْنَها حَمْراءَ مِثْلَ نارِكم هَذِهِ الَّتِي تُوقِدُونَ، إنَّها لَأشَدُّ سَوادًا مِنَ القارِ. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ قالَ: أيْ لِمَن كانَ مِثْلَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ.

البقرة 2:25

لَمّا ذَكَرَ تَعالى جَزاءَ الكافِرِينَ عَقَّبَهُ بِجَزاءِ المُؤْمِنِينَ لِيَجْمَعَ بَيْنَ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ والوَعْدِ والوَعِيدِ كَما هي عادَتُهُ سُبْحانَهُ في كِتابِهِ العَزِيزِ، لِما في ذَلِكَ مِن تَنْشِيطِ عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ لِطاعاتِهِ، وتَثْبِيطِ عِبادِهِ الكافِرِينَ عَنْ مَعاصِيهِ. والتَّبْشِيرُ: الإخْبارُ بِما يَظْهَرُ أثَرُهُ عَلى البَشَرَةِ، وهي الجِلْدَةُ الظّاهِرَةُ، مِنَ البِشْرِ والسُّرُورِ. قالَ القُرْطُبِيُّ: أجْمَعَ العُلَماءُ عَلى أنَّ المُكَلَّفَ إذا قالَ: مَن بَشَّرَنِي مِن عَبِيدِي فَهو حُرٌّ فَبَشَّرَهُ واحِدٌ مِن عَبِيدِهِ فَأكْثَرُ، فَإنَّ أوَّلَهم يَكُونُ حُرًّا دُونَ الثّانِي واخْتَلَفُوا إذا قالَ: مَن أخْبَرَنِي مِن عَبِيدِي بِكَذا فَهو حُرٌّ، فَقالَ أصْحابُ الشّافِعِيِّ: يَعُمُّ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم مُخْبِرٌ، وقالَ عُلَماؤُنا: لا، لِأنَّ المُكَلَّفَ إنَّما قَصَدَ خَبَرًا يَكُونُ بِشارَةً، وذَلِكَ مُخْتَصٌّ بِالأوَّلِ انْتَهى. والحَقُّ أنَّهُ إنْ أرادَ مَدْلُولَ الخَبَرِ عُتِقُوا جَمِيعًا، وإنْ أرادَ الخَبَرَ المُقَيَّدَ بِكَوْنِهِ بِشارَةً عُتِقَ الأوَّلُ، فالخِلافُ لَفْظِيٌّ. والمَأْمُورُ بِالتَّبْشِيرِ قِيلَ: هو النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وقِيلَ: هو كُلُّ أحَدٍ كَما في قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «بَشِّرِ المَشّائِينَ» وهَذِهِ الجُمَلُ وإنْ كانَتْ مُصَدَّرَةً بِالإنْشاءِ فَلا يَقْدَحُ ذَلِكَ في عَطْفِها عَلى ما قَبْلَها، لِأنَّ المُرادَ عَطْفُ جُمْلَةِ وصْفِ ثَوابِ المُطِيعِينَ عَلى جُمْلَةِ وصْفِ عِقابِ العاصِينَ مِن دُونِ نَظَرٍ إلى ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ الوَصْفانِ مِنَ الأفْرادِ المُتَخالِفَةِ خَبَرًا وإنْشاءً. وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: وبَشِّرِ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: فاتَّقُوا النّارَ [البقرة: ٢٤]، ولَيْسَ هَذا بِجَيِّدٍ. والصّالِحاتِ الأعْمالَ المُسْتَقِيمَةَ. والمُرادُ هُنا: الأعْمالُ المَطْلُوبَةُ مِنهُمُ المُفْتَرَضَةُ عَلَيْهِمْ، وفِيهِ رَدٌّ عَلى مَن يَقُولُ إنَّ الإيمانَ بِمُجَرَّدِهِ يَكْفِي، فالجَنَّةُ تُنالُ بِالإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ. والجَنّاتُ: البَساتِينُ، وإنَّما سُمِّيَتْ جَنّاتٍ لِأنَّها تُجِنُّ ما فِيها: أيْ تَسْتُرُهُ بِشَجَرِها، وهو اسْمٌ لِدارِ الثَّوابِ كُلِّها وهي مُشْتَمِلَةٌ عَلى (p-٣٩)جَنّاتٍ كَثِيرَةٍ. والأنْهارُ جَمْعُ نَهْرٍ، وهو المَجْرى الواسِعُ فَوْقَ الجَدْوَلِ ودُونَ البَحْرِ، والمُرادُ: الماءُ الَّذِي يَجْرِي فِيها، وأسْنَدَ الجَرْيَ إلَيْها مَجازًا، والجارِي حَقِيقَةً هو الماءُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: واسْألِ القَرْيَةَ [يوسف: ٨٢] أيْ أهْلَها وكَما قالَ الشّاعِرُ: ونُبِّئْتُ أنَّ النّارَ بَعْدَكَ أُوقِدَتْ واسْتَبَّ بَعْدَكَ يا كُلَيْبُ المَجْلِسُ والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: مِن تَحْتِها عائِدٌ إلى الجَنّاتِ لِاشْتِمالِها عَلى الأشْجارِ: أيْ مِن تَحْتِ أشْجارِها. وقَوْلُهُ: كُلَّما رُزِقُوا وصْفٌ آخَرُ لِلْجَنّاتِ، أوْ هو جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ كَأنَّ سائِلًا قالَ: كَيْفَ ثِمارُها. ومِن ثَمَرَةٍ في مَعْنى مِن أيِّ ثَمَرَةٍ: أيْ نَوْعٍ مِن أنْواعِ الثَّمَراتِ. والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿هَذا الَّذِي رُزِقْنا مِن قَبْلُ﴾ أنَّهُ شَبِيهُهُ ونَظِيرُهُ، لا أنَّهُ هو، لِأنَّ ذاتَ الحاضِرِ لا تَكُونُ عَيْنَ ذاتِ الغائِبِ لِاخْتِلافِهِما، وذَلِكَ أنَّ اللَّوْنَ يُشْبِهُ اللَّوْنَ وإنْ كانَ الحَجْمُ والطَّعْمُ والرّائِحَةُ والماوِيَّةُ مُتَخالِفَةً. والضَّمِيرُ في بِهِ عائِدٌ إلى الرِّزْقِ، وقِيلَ: المُرادُ أنَّهم أتَوْا بِما يُرْزَقُونَهُ في الجَنَّةِ مُتَشابِهًا فَما يَأْتِيهِمْ في أوَّلِ النَّهارِ يُشابِهُ الَّذِي يَأْتِيهِمْ في آخِرِهِ، فَيَقُولُونَ هَذا الَّذِي رُزِقْنا مِن قَبْلُ، فَإذا أكَلُوا وجَدُوا لَهُ طَعْمًا غَيْرَ طَعْمِ الأوَّلِ. ومُتَشابِهًا مَنصُوبٌ عَلى الحالِ. والمُرادُ بِتَطْهِيرِ الأزْواجِ أنَّهُ لا يُصِيبُهُنَّ ما يُصِيبُ النِّساءَ مِن قَذَرِ الحَيْضِ والنِّفاسِ وسائِرِ الأدْناسِ الَّتِي لا يَمْتَنِعُ تَعَلُّقُها بِنِساءِ الدُّنْيا. والخُلُودُ: البَقاءُ الدّائِمُ الَّذِي لا يَنْقَطِعُ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ مَجازًا فِيما يَطُولُ، والمُرادُ هُنا الأوَّلُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ وابْنُ أبِي الدُّنْيا في صِفَةِ الجَنَّةِ والبَزّارُ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ حِبّانَ والبَيْهَقِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «ألا هَلْ مُشَمِّرٌ لِلْجَنَّةِ فَإنَّ الجَنَّةَ لا خَطَرَ لَها، هي ورَبِّ الكَعْبَةِ نُورٌ يَتَلَأْلَأُ، ورَيْحانَةٌ تَهْتَزُّ، وقَصْرٌ مَشِيدٌ، ونَهْرٌ مُطَّرِدٌ، وثَمَرَةٌ نَضِيجَةٌ، وزَوْجَةٌ حَسْناءُ جَمِيلَةٌ، وحُلَلٌ كَثِيرَةٌ، ومَقامٌ في أبَدٍ في دارٍ سَلِيمَةٍ، وفاكِهَةٍ خَضْراءَ» الحَدِيثَ. والأحادِيثُ في وصْفِ الجَنَّةِ كَثِيرَةٌ جِدًّا ثابِتَةٌ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ حِبّانَ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «أنْهارُ الجَنَّةِ تَفَجَّرُ مِن تَحْتِ جِبالِ مِسْكٍ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأبُو حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ حِبّانَ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ مَوْقُوفًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي مالِكٍ في قَوْلِهِ: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ قالَ: يَعْنِي المَساكِنَ تَجْرِي أسْفَلَها أنْهارُها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ في قَوْلِهِ: ﴿كُلَّما رُزِقُوا مِنها مِن ثَمَرَةٍ رِزْقًا﴾ قالَ: أُتُوا بِالثَّمَرَةِ في الجَنَّةِ فَنَظَرُوا إلَيْها قالُوا هَذا الَّذِي رُزِقْنا مِن قَبْلُ في الدُّنْيا ﴿وأُتُوا بِهِ مُتَشابِهًا﴾ في اللَّوْنِ والمَرْأى ولَيْسَ يُشْبِهُ الطَّعْمَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ وقَتادَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ مُسَدَّدٌ في مُسْنَدِهِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَيْسَ في الدُّنْيا مِمّا في الجَنَّةِ شَيْءٌ إلّا الأسْماءَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: قَوْلُهم: مِن قَبْلُ مَعْناهُ: هَذا مِثْلُ الَّذِي كانَ بِالأمْسِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ يَحْيى بْنِ أبِي كَثِيرٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: مُتَشابِهًا في اللَّوْنِ مُخْتَلِفًا في الطَّعْمِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: مُتَشابِهًا قالَ: خِيارٌ كُلُّهُ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا لا رَذْلَ فِيهِ، ألَمْ تَرَوْا إلى ثِمارِ الدُّنْيا كَيْفَ تَرْذُلُونَ بَعْضَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَهم فِيها أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ قالَ: «مِنَ الحَيْضِ والغائِطِ والبُزاقِ والنُّخامَةِ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: مِنَ القَذَرِ والأذى. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: لا يَحِضْنَ ولا يُحْدِثْنَ ولا يَتَنَخَّمْنَ. وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذا عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ وقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في صِفاتِ أهْلِ الجَنَّةِ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن طَرِيقِ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ لا يَبْصُقُونَ ولا يَتَمَخَّطُونَ ولا يَتَغَوَّطُونَ. وثَبَتَ أيْضًا عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في أحادِيثَ كَثِيرَةٍ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن صِفاتِ نِساءِ أهْلِ الجَنَّةِ ما لا يَتَّسِعُ المَقامُ لِبَسْطِهِ، فَلْيُنْظَرْ في دَواوِينِ الإسْلامِ وغَيْرِها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ إسْحاقَ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: وهم فِيها خالِدُونَ أيْ خالِدُونَ أبَدًا، يُخْبِرُهم أنَّ الثَّوابَ بِالخَيْرِ والشَّرِّ مُقِيمٌ عَلى أهْلِهِ أبَدًا لا انْقِطاعَ لَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: وهم فِيها خالِدُونَ يَعْنِي لا يَمُوتُونَ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «يَدْخُلُ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ وأهْلُ النّارِ النّارَ، ثُمَّ يَقُومُ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهم، يا أهْلَ النّارِ لا مَوْتَ ويا أهْلَ الجَنَّةِ لا مَوْتَ، كُلٌّ هو خالِدٌ فِيما هو فِيهِ» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن حَدِيثِ مُعاذٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ مِن حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «لَوْ قِيلَ لِأهْلِ النّارِ إنَّكم ماكِثُونَ في النّارِ عَدَدَ كُلِّ حَصاةٍ في الدُّنْيا لَفَرِحُوا بِها ولَوْ قِيلَ لِأهْلِ الجَنَّةِ إنَّكم ماكِثُونَ عَدَدَ كُلِّ حَصاةٍ لَحَزِنُوا، ولَكِنْ جَعَلَ لَهُمُ الأبَدَ» .

البقرة 2:26

أنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ رَدًّا عَلى الكُفّارِ لَمّا أنْكَرُوا ما ضَرَبَهُ سُبْحانَهُ مِنَ الأمْثالِ كَقَوْلِهِ: ﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ [البقرة: ١٧] وقَوْلِهِ: ﴿أوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ﴾ [البقرة: ١٩] فَقالُوا اللَّهُ أجَلُّ وأعْلى مِن أنْ يَضْرِبَ الأمْثالَ. وقالَ (p-٤٠)الرّازِيُّ: إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ بِالدَّلِيلِ كَوْنَ القُرْآنِ مُعْجِزًا أوْرَدَ هاهُنا شُبْهَةً أوْرَدَها الكُفّارُ قَدْحًا في ذَلِكَ وأجابَ عَنْها، وتَقْرِيرُ الشُّبْهَةِ أنَّهُ جاءَ في القُرْآنِ ذِكْرُ النَّحْلِ والعَنْكَبُوتِ والنَّمْلِ، وهَذِهِ الأشْياءُ لا يَلِيقُ ذِكْرُها بِكَلامِ الفُصَحاءِ فاشْتِمالُ القُرْآنِ عَلَيْها يَقْدَحُ في فَصاحَتِهِ فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ مُعْجِزًا. وأجابَ اللَّهُ عَنْها بِأنَّ صِغَرَ هَذِهِ الأشْياءِ لا تَقْدَحُ في الفَصاحَةِ إذا كانَ ذِكْرُها مُشْتَمِلًا عَلى حِكْمَةٍ بالِغَةٍ انْتَهى. ولا يَخْفاكَ أنَّ تَقْرِيرَ هَذِهِ الشُّبْهَةِ عَلى هَذا الوَجْهِ وإرْجاعَ الإنْكارِ إلى مُجَرَّدِ الفَصاحَةِ لا مُسْتَنَدَ لَهُ ولا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وقَدْ تَقَدَّمَهُ إلى شَيْءٍ مِن هَذا صاحِبُ الكَشّافِ، والظّاهِرُ ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا لِكَوْنِ هَذِهِ الآيَةِ جاءَتْ بِعَقِبِ المَثَلَيْنِ اللَّذَيْنِ هُما مَذْكُورانِ قَبْلَهُما، ولا يَسْتَلْزِمُ اسْتِنْكارُهم لِضَرْبِ الأمْثالِ بِالأشْياءِ المُحَقَّرَةِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ قادِحًا في الفَصاحَةِ والإعْجازِ. والحَياءُ: تَغَيُّرٌ وانْكِسارٌ يَعْتَرِي الإنْسانَ مِن تَخَوِّفِ ما يُعابُ بِهِ ويُذَمُّ، كَذا في الكَشّافِ، وتَبِعَهُ الرّازِيُّ في مَفاتِيحِ الغَيْبِ. وقالَ القُرْطُبِيُّ: أصْلُ الِاسْتِحْياءِ الِانْقِباضُ عَنِ الشَّيْءِ والِامْتِناعُ مِنهُ خَوْفًا مِن مُواقَعَةِ القَبِيحِ، وهَذا مُحالٌ عَلى اللَّهِ انْتَهى. وقَدِ اخْتَلَفُوا في تَأْوِيلِ ما في هَذِهِ الآيَةِ مِن ذِكْرِ الحَياءِ فَقِيلَ: ساغَ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ واقِعًا في الكَلامِ المَحْكِيِّ عَنِ الكُفّارِ، وقِيلَ: هو مِن بابِ المُشاكَلَةِ كَما تَقَدَّمَ، وقِيلَ: هو جارٍ عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ. قالَ في الكَشّافِ: مِثْلُ تَرْكِهِ تَخْيِيبِ العَبْدِ وأنَّهُ لا يَرُدُّ يَدَيْهِ صِفْرًا مِن عَطائِهِ لِكَرَمِهِ بِتَرْكِ مَن يَتْرُكُ رَدَّ المُحْتاجِ إلَيْهِ حَياءً مِنهُ انْتَهى. وقَدْ قَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ ويَسْتَحِي بِياءٍ واحِدَةٍ وهي لُغَةُ تَمِيمٍ وبَكْرِ بْنِ وائِلٍ، نُقِلَتْ فِيها حَرَكَةُ الياءِ الأُولى إلى الحاءِ فَسَكَنَتْ، ثُمَّ اسْتُثْقِلَتِ الضَّمَّةُ عَلى الثّانِيَةِ فَسَكَنَتْ، فَحُذِفَتْ إحْداهُما لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ. وضَرْبُ المَثَلِ: اعْتِمادُهُ وصُنْعُهُ. وما في قَوْلِهِ: ما بَعُوضَةً إبْهامِيَّةٌ أيْ مُوجِبَةٌ لِإبْهامِ ما دَخَلَتْ عَلَيْهِ حَتّى يَصِيرَ أعَمَّ مِمّا كانَ عَلَيْهِ وأكْثَرَ شُيُوعًا في أفْرادِهِ، وهي في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى البَدَلِ مِن قَوْلِهِ: مَثَلًا وبَعُوضَةً نَعْتٌ لَها لِإبْهامِها، قالَهُ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ وثَعْلَبٌ، وقِيلَ: إنَّها زائِدَةٌ، و( بَعُوضَةً ) بَدَلٌ مِن مَثَلٍ. ونَصْبُ بَعُوضَةٍ في هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ ظاهِرٌ، وقِيلَ: إنَّها مَنصُوبَةٌ بِنَزْعِ الخافِضِ، والتَّقْدِيرُ: أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَيْنَ بَعُوضَةٍ فَحَذَفَ لَفْظَ بَيْنَ. وقَدْ رُوِيَ هَذا عَنِ الكِسائِيِّ، وقِيلَ: إنْ يَضْرِبْ بِمَعْنى يَجْعَلُ فَتَكُونُ ( بَعُوضَةً ) المَفْعُولَ الثّانِي. وقَرَأ الضَّحّاكُ وإبْراهِيمُ بْنُ أبِي عَبْلَةَ ورُؤْبَةُ بْنُ العَجّاجِ " بَعُوضَةٌ " بِالرَّفْعِ وهي لُغَةُ تَمِيمٍ. قالَ أبُو الفَتْحِ: وجْهُ ذَلِكَ أنَّ ما اسْمٌ بِمَنزِلَةِ الَّذِي، وبَعُوضَةٌ رُفِعَ عَلى إضْمارِ المُبْتَدَأِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ما اسْتِفْهامِيَّةً كَأنَّهُ قالَ تَعالى: ﴿ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها﴾ حَتّى لا يُضْرَبَ المَثَلُ بِهِ، بَلْ يُدانُ لِمَثَلٍ بِما هو أقَلُّ مِن ذَلِكَ بِكَثِيرٍ، والبَعُوضَةُ فَعُولَةٌ مِن بَعَضَ: إذا قَطَعَ، يُقالُ: بَعَضَ وبَضَعَ بِمَعْنًى، والبَعُوضُ: البَقُّ، الواحِدَةُ بَعُوضَةٌ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِصِغَرِها قالَهُ الجَوْهَرِيُّ وغَيْرُهُ. وقَوْلُهُ: فَما فَوْقَها قالَ الكِسائِيُّ وأبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُما. فَما فَوْقَها واللَّهُ أعْلَمُ ما دُونَها، أيْ أنَّها فَوْقَها في الصِّغَرِ كَجَناحِها. قالَ الكِسائِيُّ: وهَذا كَقَوْلِكَ في الكَلامِ أتَراهُ قَصِيرًا فَيَقُولُ القائِلُ: أوْ فَوْقَ ذَلِكَ أيْ أقْصَرُ مِمّا تَرى. ويُمْكِنُ أنْ يُرادَ فَما زادَ عَلَيْها في الكِبَرِ. وقَدْ قالَ بِذَلِكَ جَماعَةٌ. قَوْلُهُ: فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا أمّا حَرْفٌ فِيهِ مَعْنى الشَّرْطِ، وقَدَّرَهُ سِيبَوَيْهِ بِمَهْما يَكُنْ مِن شَيْءٍ فَكَذا. وذَكَرَ صاحِبُ الكَشّافِ أنَّ فائِدَتَهُ في الكَلامِ أنَّهُ يُعْطِيهِ فَضْلَ تَوْكِيدٍ وجَعَلَ تَقْدِيرَ سِيبَوَيْهِ دَلِيلًا عَلى ذَلِكَ. والضَّمِيرُ في أنَّهُ راجِعٌ إلى المَثَلِ. والحَقُّ الثّابِتُ، وهو المُقابِلُ لِلْباطِلِ والحَقُّ واحِدُ الحُقُوقِ، والمُرادُ هُنا الأوَّلُ. وقَدِ اخْتَلَفَ النُّحاةُ في " ماذا " فَقِيلَ: هي بِمَنزِلَةِ اسْمٍ واحِدٍ بِمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ أرادَ اللَّهُ، فَتَكُونُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِأرادَ. قالَ ابْنُ كَيْسانَ: وهو الجَيِّدُ. وقِيلَ: ما اسْمٌ تامٌّ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، وذا بِمَعْنى الَّذِي، وهو خَبَرُ المُبْتَدَأِ مَعَ صِلَتِهِ، وجَوابُهُ يَكُونُ عَلى الأوَّلِ مَنصُوبًا وعَلى الثّانِي مَرْفُوعًا. والإرادَةُ نَقِيضُ الكَراهَةِ، وقَدِ اتَّفَقَ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ إطْلاقُ هَذا اللَّفْظِ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ. ومَثَلًا قالَ ثَعْلَبٌ: مَنصُوبٌ عَلى القَطْعِ، والتَّقْدِيرُ: أرادَ مَثَلًا. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: هو مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ الَّذِي وقَعَ مَوْقِعَ الحالِ، وهَذا أقْوى مِنَ الأوَّلِ. وقَوْلُهُ: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ هو كالتَّفْسِيرِ لِلْجُمْلَتَيْنِ السّابِقَتَيْنِ المُصَدَّرَتَيْنِ بِأمّا، فَهو خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ. وقِيلَ: هو حِكايَةٌ لِقَوْلِ الكافِرِينَ كَأنَّهم قالُوا: ما مُرادُ اللَّهِ بِهَذا المَثَلِ الَّذِي يُفَرِّقُ بِهِ النّاسَ إلى ضَلالَةٍ وإلى هُدًى ؟ ولَيْسَ هَذا بِصَحِيحٍ، فَإنَّ الكافِرِينَ لا يُقِرُّونَ بِأنَّ في القُرْآنِ شَيْئًا مِنَ الهِدايَةِ، ولا يَعْتَرِفُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِشَيْءٍ مِنَ الضَّلالَةِ. قالَ القُرْطُبِيُّ: ولا خِلافَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما يُضِلُّ بِهِ إلّا الفاسِقِينَ﴾ مِن كَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ. وقَدْ نَقَّحَ البَحْثَ الرّازِيُّ في تَفْسِيرِهِ مَفاتِيحِ الغَيْبِ في هَذا المَوْضِعِ تَنْقِيحًا نَفِيسًا، وُجَوَّدَهُ وطَوَّلَهُ وأوْضَحَ فُرُوعَهُ وأُصُولَهُ، فَلْيُرْجَعْ إلَيْهِ فَإنَّهُ مُفِيدٌ جِدًّا. وأمّا صاحِبُ الكَشّافِ فَقَدِ اعْتَمَدَ هاهُنا عَلى عَصاهُ الَّتِي يَتَوَكَّأُ عَلَيْها في تَفْسِيرِهِ، فَجَعَلَ إسْنادَ الإضْلالِ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ بِكَوْنِهِ سَبَبًا، فَهو مِنَ الإسْنادِ المَجازِيِّ إلى مُلابِسٍ لِلْفاعِلِ الحَقِيقِيِّ. وحَكى القُرْطُبِيُّ عَنْ أهْلِ الحَقِّ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: يُضِلُّ يَخْذُلُ. والفِسْقُ: الخُرُوجُ عَنِ الشَّيْءِ، يُقالُ: فَسَقَتِ الرُّطَبَةُ: إذا خَرَجَتْ عَنْ قِشْرِها. والفَأْرَةُ مِن جُحْرِها، ذَكَرَ مَعْنى هَذا الفَرّاءُ. وقَدِ اسْتَشْهَدَ أبُو بَكْرِ بْنُ الأنْبارِيِّ في كِتابِ الزّاهِرِ لَهُ عَلى مَعْنى الفِسْقِ بِقَوْلِ رُؤْبَةَ بْنِ العَجّاجِ: ؎يَهْوِينَ في نَجْدٍ وغَوْرًا غائِرا فَواسِقًا عَنْ قَصْدِها جَوائِرا وقَدْ زَعَمَ ابْنُ الأعْرابِيِّ أنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ قَطُّ في كَلامِ الجاهِلِيَّةِ ولا في شِعْرِهِمْ فاسِقًا، وهَذا مَرْدُودٌ عَلَيْهِ، فَقَدْ حَكى ذَلِكَ عَنِ العَرَبِ وأنَّهُ مِن كَلامِهِمْ جَماعَةٌ مِن أئِمَّةِ اللُّغَةِ كابْنِ فارِسٍ والجَوْهَرِيِّ وابْنِ الأنْبارِيِّ وغَيْرِهِمْ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: «خَمْسُ فَواسِقَ» الحَدِيثَ. وقالَ في (p-٤١)الكَشّافِ: الفِسْقُ الخُرُوجُ عَنِ القَصْدِ، ثُمَّ ذَكَرَ عَجُزَ بَيْتِ رُؤْبَةَ المَذْكُورِ، ثُمَّ قالَ: والفاسِقُ في الشَّرِيعَةِ: الخارِجُ عَنْ أمْرِ اللَّهِ بِارْتِكابِ الكَبِيرَةِ انْتَهى. وقالَ القُرْطُبِيُّ: والفِسْقُ في عُرْفِ الِاسْتِعْمالِ الشَّرْعِيِّ: الخُرُوجُ مِن طاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، فَقَدْ يَقَعُ عَلى مَن خَرَجَ بِكُفْرٍ وعَلى مَن خَرَجَ بِعِصْيانٍ انْتَهى. وهَذا هو أنْسَبُ بِالمَعْنى اللُّغَوِيِّ، ولا وجْهَ لِقَصْرِهِ عَلى بَعْضِ الخارِجِينَ دُونَ بَعْضٍ. قالَ الرّازِيُّ في تَفْسِيرِهِ: واخْتَلَفَ أهْلُ القِبْلَةِ هَلْ هو مُؤْمِنٌ أوْ كافِرٌ ؟ فَعِنْدَ أصْحابِنا أنَّهُ مُؤْمِنٌ، وعِنْدَ الخَوارِجِ أنَّهُ كافِرٌ، وعِنْدَ المُعْتَزِلَةِ لا مُؤْمِنٌ ولا كافِرٌ، واحْتَجَّ المُخالِفُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِئْسَ الِاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإيمانِ﴾ [الحجرات: ١١] وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ المُنافِقِينَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٦٧] وقَوْلِهِ: ﴿حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمانَ وزَيَّنَهُ في قُلُوبِكم وكَرَّهَ إلَيْكُمُ الكُفْرَ والفُسُوقَ والعِصْيانَ﴾ [الحجرات: ٧] وهَذِهِ المَسْألَةُ طَوِيلَةٌ مَذْكُورَةٌ في عِلْمِ الكَلامِ انْتَهى. وقَوْلُهُ: الَّذِينَ يَنْقُضُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍّ وصْفًا لِلْفاسِقِينَ. والنَّقْضُ: إفْسادُ ما أُبْرِمَ مِن بِناءٍ أوْ حَبْلٍ أوْ عَهْدٍ، والنُّقاضَةُ: ما نُقِضَ مِن حَبْلِ الشَّعْرِ. والعَهْدُ: قِيلَ: هو الَّذِي أخَذَهُ اللَّهُ عَلى بَنِي آدَمَ حِينَ اسْتَخْرَجَهم مِن ظَهْرِهِ، وقِيلَ: هو وصِيَّةُ اللَّهِ إلى خَلْقِهِ وأمْرُهُ إيّاهم بِما أمَرَهم بِهِ مِن طاعَتِهِ ونَهْيُهُ إيّاهم عَمّا نَهاهم عَنْهُ مِن مَعْصِيَتِهِ في كُتُبِهِ عَلى ألْسُنِ رُسُلِهِ، ونَقْضُهم ذَلِكَ: تَرْكُ العَمَلِ بِهِ، وقِيلَ: بَلْ هو نَصْبُ الأدِلَّةِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ بِالسَّماواتِ والأرْضِ وسائِرِ مَخْلُوقاتِهِ، ونَقْضُهُ: تَرْكُ النَّظَرِ فِيهِ، وقِيلَ: هو ما عَهِدَهُ إلى الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَيُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ. والمِيثاقُ: العَهْدُ المُؤَكَّدُ بِاليَمِينِ مِفْعالٌ مِنَ الوِثاقَةِ وهي الشِّدَّةُ في العَقْدِ والرَّبْطِ، والجَمْعُ المَواثِيقُ والمَياثِيقُ، وأنْشَدَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: ؎حِمًى لا يُحَلُّ الدَّهْرَ إلّا بِإذْنِنا ∗∗∗ ولا نَسْألُ الأقْوامَ عَهْدَ المَياثِقِ واسْتِعْمالُ النَّقْضِ في إبْطالِ العَهْدِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ. والقَطْعُ مَعْرُوفٌ، والمَصْدَرُ في الرَّحِمِ القَطِيعَةُ، وقَطَعْتُ الحَبْلَ قَطْعًا، وقَطَعْتُ النَّهْرَ قَطْعًا. و" ما " في قَوْلِهِ: ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ يَقْطَعُونَ وأنْ يُوصَلَ في مَحَلِّ نَصْبٍّ بِأمَرَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن " ما "، أوْ مِنَ الهاءِ في " بِهِ " . واخْتَلَفُوا ما هو الشَّيْءُ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ بِوَصْلِهِ: فَقِيلَ: الأرْحامُ، وقِيلَ: أمَرَ أنْ يُوصَلَ القَوْلُ بِالعَمَلِ، وقِيلَ: أمَرَ أنْ يُوصَلَ التَّصْدِيقُ بِجَمِيعِ شَرائِعِهِ وحُدُودِهِ الَّتِي أمَرَ في كُتُبِهِ المُنَزَّلَةِ وعَلى ألْسُنِ رُسُلِهِ بِالمُحافَظَةِ عَلَيْها فَهي عامَّةٌ، وبِهِ قالَ الجُمْهُورُ وهو الحَقُّ. والمُرادُ بِالفَسادِ في الأرْضِ الأفْعالُ والأقْوالُ المُخالِفَةُ لِما أمَرَ اللَّهُ بِهِ، كَعِبادَةِ غَيْرِهِ والإضْرارِ بِعِبادِهِ وتَغْيِيرِ ما أمَرَ بِحِفْظِهِ، وبِالجُمْلَةِ فَكُلُّ ما خالَفَ الصَّلاحَ شَرْعًا أوْ عَقْلًا فَهو فَسادٌ. والخُسْرانُ: النُّقْصانُ، والخاسِرُ، هو الَّذِي نَقَصَ نَفْسَهُ مِنَ الفَلاحِ والفَوْزِ، وهَؤُلاءِ لَمّا اسْتَبْدَلُوا النَّقْضَ بِالوَفاءِ والقَطْعَ بِالوَصْلِ كانَ عَمَلُهم فَسادًا لِما نَقَصُوا أنْفُسَهم مِنَ الفَلاحِ والرِّبْحِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ قالَ: لَمّا ضَرَبَ اللَّهُ هَذَيْنِ المَثَلَيْنِ لِلْمُنافِقِينَ قَوْلَهُ: ﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ [البقرة: ١٧] وقَوْلَهُ: ﴿أوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ﴾ [البقرة: ١٩] قالَ المُنافِقُونَ: اللَّهُ أعْلى وأجَلُّ مِن أنْ يَضْرِبَ هَذِهِ الأمْثالَ فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ الواحِدِيُّ في تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ اللَّهَ ذَكَرَ آلِهَةَ المُشْرِكِينَ فَقالَ: ﴿وإنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئًا﴾ [الحج: ٧٣] وذَكَرَ كَيْدَ الآلِهَةِ فَجَعَلَهُ كَبَيْتِ العَنْكَبُوتِ، فَقالُوا: أرَأيْتَ حَيْثُ ذَكَرَ اللَّهُ الذُّبابَ والعَنْكَبُوتَ فِيما أنْزَلَ مِنَ القُرْآنِ عَلى مُحَمَّدٍ، أيُّ شَيْءٍ كانَ يَصْنَعُ بِهَذا ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي﴾ [الحج: ٧٣] وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَ قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿ياأيُّها النّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ﴾ قالَ المُشْرِكُونَ: ما هَذا مِنَ الأمْثالِ فَيُضْرَبُ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ﴾ قالَ: يُؤْمِنُ بِهِ المُؤْمِنُ، ويَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ ويَهْدِيهِمُ اللَّهُ بِهِ، ويَعْرِفُهُ الفاسِقُونَ فَيَكْفُرُونَ بِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ في قَوْلِهِ: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا﴾ يَعْنِي المُنافِقِينَ ﴿ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ يَعْنِي المُؤْمِنِينَ ﴿وما يُضِلُّ بِهِ إلّا الفاسِقِينَ﴾ قالَ: هُمُ المُنافِقُونَ. وفِي قَوْلِهِ: ﴿يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ﴾ قالَ: هو ما عَهِدَ إلَيْهِمْ في القُرْآنِ فَأقَرُّوا بِهِ ثُمَّ كَفَرُوا فَنَقَضُوهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما يُضِلُّ بِهِ إلّا الفاسِقِينَ﴾ يَقُولُ: يَعْرِفُهُ الكافِرُونَ فَيَكْفُرُونَ بِهِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقاصٍّ قالَ: الحَرُورِيَّةُ هُمُ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ، وكانَ يُسَمِّيهِمُ الفاسِقِينَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: ما نَعْلَمُ اللَّهَ أوْعَدَ في ذَنْبٍ ما أوْعَدَ في نَقْضِ هَذا المِيثاقِ، فَمَن أعْطى عَهْدَ اللَّهِ ومِيثاقَهُ مِن ثَمَرَةِ قَلْبِهِ فَلْيُوفِ بِهِ اللَّهُ. وقَدْ ثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في أحادِيثَ ثابِتَةٍ في الصَّحِيحِ وغَيْرِهِ مِن طَرِيقِ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ النَّهْيُ عَنْ نَقْضِ العَهْدِ والوَعِيدِ الشَّدِيدِ عَلَيْهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ويَقْطَعُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ﴾ قالَ: الرَّحِمُ والقُرابَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ويُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾ قالَ: يَعْمَلُونَ فِيها بِالمَعْصِيَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُقاتِلٍ في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ يَقُولُ: هم أهْلُ النّارِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كُلُّ شَيْءٍ نَسَبَهُ اللَّهُ إلى غَيْرِ أهْلِ الإسْلامِ مِثْلِ خاسِرٍ ومُسْرِفٍ وظالِمٍ ومُجْرِمٍ وفاسِقٍ فَإنَّما يَعْنِي بِهِ الكُفْرَ، وما نَسَبَهُ إلى أهْلِ الإسْلامِ فَإنَّما يَعْنِي بِهِ الذَّمَّ.

البقرة 2:27

أنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ رَدًّا عَلى الكُفّارِ لَمّا أنْكَرُوا ما ضَرَبَهُ سُبْحانَهُ مِنَ الأمْثالِ كَقَوْلِهِ: ﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ [البقرة: ١٧] وقَوْلِهِ: ﴿أوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ﴾ [البقرة: ١٩] فَقالُوا اللَّهُ أجَلُّ وأعْلى مِن أنْ يَضْرِبَ الأمْثالَ. وقالَ (p-٤٠)الرّازِيُّ: إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ بِالدَّلِيلِ كَوْنَ القُرْآنِ مُعْجِزًا أوْرَدَ هاهُنا شُبْهَةً أوْرَدَها الكُفّارُ قَدْحًا في ذَلِكَ وأجابَ عَنْها، وتَقْرِيرُ الشُّبْهَةِ أنَّهُ جاءَ في القُرْآنِ ذِكْرُ النَّحْلِ والعَنْكَبُوتِ والنَّمْلِ، وهَذِهِ الأشْياءُ لا يَلِيقُ ذِكْرُها بِكَلامِ الفُصَحاءِ فاشْتِمالُ القُرْآنِ عَلَيْها يَقْدَحُ في فَصاحَتِهِ فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ مُعْجِزًا. وأجابَ اللَّهُ عَنْها بِأنَّ صِغَرَ هَذِهِ الأشْياءِ لا تَقْدَحُ في الفَصاحَةِ إذا كانَ ذِكْرُها مُشْتَمِلًا عَلى حِكْمَةٍ بالِغَةٍ انْتَهى. ولا يَخْفاكَ أنَّ تَقْرِيرَ هَذِهِ الشُّبْهَةِ عَلى هَذا الوَجْهِ وإرْجاعَ الإنْكارِ إلى مُجَرَّدِ الفَصاحَةِ لا مُسْتَنَدَ لَهُ ولا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وقَدْ تَقَدَّمَهُ إلى شَيْءٍ مِن هَذا صاحِبُ الكَشّافِ، والظّاهِرُ ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا لِكَوْنِ هَذِهِ الآيَةِ جاءَتْ بِعَقِبِ المَثَلَيْنِ اللَّذَيْنِ هُما مَذْكُورانِ قَبْلَهُما، ولا يَسْتَلْزِمُ اسْتِنْكارُهم لِضَرْبِ الأمْثالِ بِالأشْياءِ المُحَقَّرَةِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ قادِحًا في الفَصاحَةِ والإعْجازِ. والحَياءُ: تَغَيُّرٌ وانْكِسارٌ يَعْتَرِي الإنْسانَ مِن تَخَوِّفِ ما يُعابُ بِهِ ويُذَمُّ، كَذا في الكَشّافِ، وتَبِعَهُ الرّازِيُّ في مَفاتِيحِ الغَيْبِ. وقالَ القُرْطُبِيُّ: أصْلُ الِاسْتِحْياءِ الِانْقِباضُ عَنِ الشَّيْءِ والِامْتِناعُ مِنهُ خَوْفًا مِن مُواقَعَةِ القَبِيحِ، وهَذا مُحالٌ عَلى اللَّهِ انْتَهى. وقَدِ اخْتَلَفُوا في تَأْوِيلِ ما في هَذِهِ الآيَةِ مِن ذِكْرِ الحَياءِ فَقِيلَ: ساغَ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ واقِعًا في الكَلامِ المَحْكِيِّ عَنِ الكُفّارِ، وقِيلَ: هو مِن بابِ المُشاكَلَةِ كَما تَقَدَّمَ، وقِيلَ: هو جارٍ عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ. قالَ في الكَشّافِ: مِثْلُ تَرْكِهِ تَخْيِيبِ العَبْدِ وأنَّهُ لا يَرُدُّ يَدَيْهِ صِفْرًا مِن عَطائِهِ لِكَرَمِهِ بِتَرْكِ مَن يَتْرُكُ رَدَّ المُحْتاجِ إلَيْهِ حَياءً مِنهُ انْتَهى. وقَدْ قَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ ويَسْتَحِي بِياءٍ واحِدَةٍ وهي لُغَةُ تَمِيمٍ وبَكْرِ بْنِ وائِلٍ، نُقِلَتْ فِيها حَرَكَةُ الياءِ الأُولى إلى الحاءِ فَسَكَنَتْ، ثُمَّ اسْتُثْقِلَتِ الضَّمَّةُ عَلى الثّانِيَةِ فَسَكَنَتْ، فَحُذِفَتْ إحْداهُما لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ. وضَرْبُ المَثَلِ: اعْتِمادُهُ وصُنْعُهُ. وما في قَوْلِهِ: ما بَعُوضَةً إبْهامِيَّةٌ أيْ مُوجِبَةٌ لِإبْهامِ ما دَخَلَتْ عَلَيْهِ حَتّى يَصِيرَ أعَمَّ مِمّا كانَ عَلَيْهِ وأكْثَرَ شُيُوعًا في أفْرادِهِ، وهي في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى البَدَلِ مِن قَوْلِهِ: مَثَلًا وبَعُوضَةً نَعْتٌ لَها لِإبْهامِها، قالَهُ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ وثَعْلَبٌ، وقِيلَ: إنَّها زائِدَةٌ، و( بَعُوضَةً ) بَدَلٌ مِن مَثَلٍ. ونَصْبُ بَعُوضَةٍ في هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ ظاهِرٌ، وقِيلَ: إنَّها مَنصُوبَةٌ بِنَزْعِ الخافِضِ، والتَّقْدِيرُ: أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَيْنَ بَعُوضَةٍ فَحَذَفَ لَفْظَ بَيْنَ. وقَدْ رُوِيَ هَذا عَنِ الكِسائِيِّ، وقِيلَ: إنْ يَضْرِبْ بِمَعْنى يَجْعَلُ فَتَكُونُ ( بَعُوضَةً ) المَفْعُولَ الثّانِي. وقَرَأ الضَّحّاكُ وإبْراهِيمُ بْنُ أبِي عَبْلَةَ ورُؤْبَةُ بْنُ العَجّاجِ " بَعُوضَةٌ " بِالرَّفْعِ وهي لُغَةُ تَمِيمٍ. قالَ أبُو الفَتْحِ: وجْهُ ذَلِكَ أنَّ ما اسْمٌ بِمَنزِلَةِ الَّذِي، وبَعُوضَةٌ رُفِعَ عَلى إضْمارِ المُبْتَدَأِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ما اسْتِفْهامِيَّةً كَأنَّهُ قالَ تَعالى: ﴿ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها﴾ حَتّى لا يُضْرَبَ المَثَلُ بِهِ، بَلْ يُدانُ لِمَثَلٍ بِما هو أقَلُّ مِن ذَلِكَ بِكَثِيرٍ، والبَعُوضَةُ فَعُولَةٌ مِن بَعَضَ: إذا قَطَعَ، يُقالُ: بَعَضَ وبَضَعَ بِمَعْنًى، والبَعُوضُ: البَقُّ، الواحِدَةُ بَعُوضَةٌ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِصِغَرِها قالَهُ الجَوْهَرِيُّ وغَيْرُهُ. وقَوْلُهُ: فَما فَوْقَها قالَ الكِسائِيُّ وأبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُما. فَما فَوْقَها واللَّهُ أعْلَمُ ما دُونَها، أيْ أنَّها فَوْقَها في الصِّغَرِ كَجَناحِها. قالَ الكِسائِيُّ: وهَذا كَقَوْلِكَ في الكَلامِ أتَراهُ قَصِيرًا فَيَقُولُ القائِلُ: أوْ فَوْقَ ذَلِكَ أيْ أقْصَرُ مِمّا تَرى. ويُمْكِنُ أنْ يُرادَ فَما زادَ عَلَيْها في الكِبَرِ. وقَدْ قالَ بِذَلِكَ جَماعَةٌ. قَوْلُهُ: فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا أمّا حَرْفٌ فِيهِ مَعْنى الشَّرْطِ، وقَدَّرَهُ سِيبَوَيْهِ بِمَهْما يَكُنْ مِن شَيْءٍ فَكَذا. وذَكَرَ صاحِبُ الكَشّافِ أنَّ فائِدَتَهُ في الكَلامِ أنَّهُ يُعْطِيهِ فَضْلَ تَوْكِيدٍ وجَعَلَ تَقْدِيرَ سِيبَوَيْهِ دَلِيلًا عَلى ذَلِكَ. والضَّمِيرُ في أنَّهُ راجِعٌ إلى المَثَلِ. والحَقُّ الثّابِتُ، وهو المُقابِلُ لِلْباطِلِ والحَقُّ واحِدُ الحُقُوقِ، والمُرادُ هُنا الأوَّلُ. وقَدِ اخْتَلَفَ النُّحاةُ في " ماذا " فَقِيلَ: هي بِمَنزِلَةِ اسْمٍ واحِدٍ بِمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ أرادَ اللَّهُ، فَتَكُونُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِأرادَ. قالَ ابْنُ كَيْسانَ: وهو الجَيِّدُ. وقِيلَ: ما اسْمٌ تامٌّ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، وذا بِمَعْنى الَّذِي، وهو خَبَرُ المُبْتَدَأِ مَعَ صِلَتِهِ، وجَوابُهُ يَكُونُ عَلى الأوَّلِ مَنصُوبًا وعَلى الثّانِي مَرْفُوعًا. والإرادَةُ نَقِيضُ الكَراهَةِ، وقَدِ اتَّفَقَ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ إطْلاقُ هَذا اللَّفْظِ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ. ومَثَلًا قالَ ثَعْلَبٌ: مَنصُوبٌ عَلى القَطْعِ، والتَّقْدِيرُ: أرادَ مَثَلًا. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: هو مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ الَّذِي وقَعَ مَوْقِعَ الحالِ، وهَذا أقْوى مِنَ الأوَّلِ. وقَوْلُهُ: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ هو كالتَّفْسِيرِ لِلْجُمْلَتَيْنِ السّابِقَتَيْنِ المُصَدَّرَتَيْنِ بِأمّا، فَهو خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ. وقِيلَ: هو حِكايَةٌ لِقَوْلِ الكافِرِينَ كَأنَّهم قالُوا: ما مُرادُ اللَّهِ بِهَذا المَثَلِ الَّذِي يُفَرِّقُ بِهِ النّاسَ إلى ضَلالَةٍ وإلى هُدًى ؟ ولَيْسَ هَذا بِصَحِيحٍ، فَإنَّ الكافِرِينَ لا يُقِرُّونَ بِأنَّ في القُرْآنِ شَيْئًا مِنَ الهِدايَةِ، ولا يَعْتَرِفُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِشَيْءٍ مِنَ الضَّلالَةِ. قالَ القُرْطُبِيُّ: ولا خِلافَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما يُضِلُّ بِهِ إلّا الفاسِقِينَ﴾ مِن كَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ. وقَدْ نَقَّحَ البَحْثَ الرّازِيُّ في تَفْسِيرِهِ مَفاتِيحِ الغَيْبِ في هَذا المَوْضِعِ تَنْقِيحًا نَفِيسًا، وُجَوَّدَهُ وطَوَّلَهُ وأوْضَحَ فُرُوعَهُ وأُصُولَهُ، فَلْيُرْجَعْ إلَيْهِ فَإنَّهُ مُفِيدٌ جِدًّا. وأمّا صاحِبُ الكَشّافِ فَقَدِ اعْتَمَدَ هاهُنا عَلى عَصاهُ الَّتِي يَتَوَكَّأُ عَلَيْها في تَفْسِيرِهِ، فَجَعَلَ إسْنادَ الإضْلالِ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ بِكَوْنِهِ سَبَبًا، فَهو مِنَ الإسْنادِ المَجازِيِّ إلى مُلابِسٍ لِلْفاعِلِ الحَقِيقِيِّ. وحَكى القُرْطُبِيُّ عَنْ أهْلِ الحَقِّ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: يُضِلُّ يَخْذُلُ. والفِسْقُ: الخُرُوجُ عَنِ الشَّيْءِ، يُقالُ: فَسَقَتِ الرُّطَبَةُ: إذا خَرَجَتْ عَنْ قِشْرِها. والفَأْرَةُ مِن جُحْرِها، ذَكَرَ مَعْنى هَذا الفَرّاءُ. وقَدِ اسْتَشْهَدَ أبُو بَكْرِ بْنُ الأنْبارِيِّ في كِتابِ الزّاهِرِ لَهُ عَلى مَعْنى الفِسْقِ بِقَوْلِ رُؤْبَةَ بْنِ العَجّاجِ: ؎يَهْوِينَ في نَجْدٍ وغَوْرًا غائِرا فَواسِقًا عَنْ قَصْدِها جَوائِرا وقَدْ زَعَمَ ابْنُ الأعْرابِيِّ أنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ قَطُّ في كَلامِ الجاهِلِيَّةِ ولا في شِعْرِهِمْ فاسِقًا، وهَذا مَرْدُودٌ عَلَيْهِ، فَقَدْ حَكى ذَلِكَ عَنِ العَرَبِ وأنَّهُ مِن كَلامِهِمْ جَماعَةٌ مِن أئِمَّةِ اللُّغَةِ كابْنِ فارِسٍ والجَوْهَرِيِّ وابْنِ الأنْبارِيِّ وغَيْرِهِمْ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: «خَمْسُ فَواسِقَ» الحَدِيثَ. وقالَ في (p-٤١)الكَشّافِ: الفِسْقُ الخُرُوجُ عَنِ القَصْدِ، ثُمَّ ذَكَرَ عَجُزَ بَيْتِ رُؤْبَةَ المَذْكُورِ، ثُمَّ قالَ: والفاسِقُ في الشَّرِيعَةِ: الخارِجُ عَنْ أمْرِ اللَّهِ بِارْتِكابِ الكَبِيرَةِ انْتَهى. وقالَ القُرْطُبِيُّ: والفِسْقُ في عُرْفِ الِاسْتِعْمالِ الشَّرْعِيِّ: الخُرُوجُ مِن طاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، فَقَدْ يَقَعُ عَلى مَن خَرَجَ بِكُفْرٍ وعَلى مَن خَرَجَ بِعِصْيانٍ انْتَهى. وهَذا هو أنْسَبُ بِالمَعْنى اللُّغَوِيِّ، ولا وجْهَ لِقَصْرِهِ عَلى بَعْضِ الخارِجِينَ دُونَ بَعْضٍ. قالَ الرّازِيُّ في تَفْسِيرِهِ: واخْتَلَفَ أهْلُ القِبْلَةِ هَلْ هو مُؤْمِنٌ أوْ كافِرٌ ؟ فَعِنْدَ أصْحابِنا أنَّهُ مُؤْمِنٌ، وعِنْدَ الخَوارِجِ أنَّهُ كافِرٌ، وعِنْدَ المُعْتَزِلَةِ لا مُؤْمِنٌ ولا كافِرٌ، واحْتَجَّ المُخالِفُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِئْسَ الِاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإيمانِ﴾ [الحجرات: ١١] وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ المُنافِقِينَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٦٧] وقَوْلِهِ: ﴿حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمانَ وزَيَّنَهُ في قُلُوبِكم وكَرَّهَ إلَيْكُمُ الكُفْرَ والفُسُوقَ والعِصْيانَ﴾ [الحجرات: ٧] وهَذِهِ المَسْألَةُ طَوِيلَةٌ مَذْكُورَةٌ في عِلْمِ الكَلامِ انْتَهى. وقَوْلُهُ: الَّذِينَ يَنْقُضُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍّ وصْفًا لِلْفاسِقِينَ. والنَّقْضُ: إفْسادُ ما أُبْرِمَ مِن بِناءٍ أوْ حَبْلٍ أوْ عَهْدٍ، والنُّقاضَةُ: ما نُقِضَ مِن حَبْلِ الشَّعْرِ. والعَهْدُ: قِيلَ: هو الَّذِي أخَذَهُ اللَّهُ عَلى بَنِي آدَمَ حِينَ اسْتَخْرَجَهم مِن ظَهْرِهِ، وقِيلَ: هو وصِيَّةُ اللَّهِ إلى خَلْقِهِ وأمْرُهُ إيّاهم بِما أمَرَهم بِهِ مِن طاعَتِهِ ونَهْيُهُ إيّاهم عَمّا نَهاهم عَنْهُ مِن مَعْصِيَتِهِ في كُتُبِهِ عَلى ألْسُنِ رُسُلِهِ، ونَقْضُهم ذَلِكَ: تَرْكُ العَمَلِ بِهِ، وقِيلَ: بَلْ هو نَصْبُ الأدِلَّةِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ بِالسَّماواتِ والأرْضِ وسائِرِ مَخْلُوقاتِهِ، ونَقْضُهُ: تَرْكُ النَّظَرِ فِيهِ، وقِيلَ: هو ما عَهِدَهُ إلى الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَيُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ. والمِيثاقُ: العَهْدُ المُؤَكَّدُ بِاليَمِينِ مِفْعالٌ مِنَ الوِثاقَةِ وهي الشِّدَّةُ في العَقْدِ والرَّبْطِ، والجَمْعُ المَواثِيقُ والمَياثِيقُ، وأنْشَدَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: ؎حِمًى لا يُحَلُّ الدَّهْرَ إلّا بِإذْنِنا ∗∗∗ ولا نَسْألُ الأقْوامَ عَهْدَ المَياثِقِ واسْتِعْمالُ النَّقْضِ في إبْطالِ العَهْدِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ. والقَطْعُ مَعْرُوفٌ، والمَصْدَرُ في الرَّحِمِ القَطِيعَةُ، وقَطَعْتُ الحَبْلَ قَطْعًا، وقَطَعْتُ النَّهْرَ قَطْعًا. و" ما " في قَوْلِهِ: ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ يَقْطَعُونَ وأنْ يُوصَلَ في مَحَلِّ نَصْبٍّ بِأمَرَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن " ما "، أوْ مِنَ الهاءِ في " بِهِ " . واخْتَلَفُوا ما هو الشَّيْءُ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ بِوَصْلِهِ: فَقِيلَ: الأرْحامُ، وقِيلَ: أمَرَ أنْ يُوصَلَ القَوْلُ بِالعَمَلِ، وقِيلَ: أمَرَ أنْ يُوصَلَ التَّصْدِيقُ بِجَمِيعِ شَرائِعِهِ وحُدُودِهِ الَّتِي أمَرَ في كُتُبِهِ المُنَزَّلَةِ وعَلى ألْسُنِ رُسُلِهِ بِالمُحافَظَةِ عَلَيْها فَهي عامَّةٌ، وبِهِ قالَ الجُمْهُورُ وهو الحَقُّ. والمُرادُ بِالفَسادِ في الأرْضِ الأفْعالُ والأقْوالُ المُخالِفَةُ لِما أمَرَ اللَّهُ بِهِ، كَعِبادَةِ غَيْرِهِ والإضْرارِ بِعِبادِهِ وتَغْيِيرِ ما أمَرَ بِحِفْظِهِ، وبِالجُمْلَةِ فَكُلُّ ما خالَفَ الصَّلاحَ شَرْعًا أوْ عَقْلًا فَهو فَسادٌ. والخُسْرانُ: النُّقْصانُ، والخاسِرُ، هو الَّذِي نَقَصَ نَفْسَهُ مِنَ الفَلاحِ والفَوْزِ، وهَؤُلاءِ لَمّا اسْتَبْدَلُوا النَّقْضَ بِالوَفاءِ والقَطْعَ بِالوَصْلِ كانَ عَمَلُهم فَسادًا لِما نَقَصُوا أنْفُسَهم مِنَ الفَلاحِ والرِّبْحِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ قالَ: لَمّا ضَرَبَ اللَّهُ هَذَيْنِ المَثَلَيْنِ لِلْمُنافِقِينَ قَوْلَهُ: ﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ [البقرة: ١٧] وقَوْلَهُ: ﴿أوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ﴾ [البقرة: ١٩] قالَ المُنافِقُونَ: اللَّهُ أعْلى وأجَلُّ مِن أنْ يَضْرِبَ هَذِهِ الأمْثالَ فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ الواحِدِيُّ في تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ اللَّهَ ذَكَرَ آلِهَةَ المُشْرِكِينَ فَقالَ: ﴿وإنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئًا﴾ [الحج: ٧٣] وذَكَرَ كَيْدَ الآلِهَةِ فَجَعَلَهُ كَبَيْتِ العَنْكَبُوتِ، فَقالُوا: أرَأيْتَ حَيْثُ ذَكَرَ اللَّهُ الذُّبابَ والعَنْكَبُوتَ فِيما أنْزَلَ مِنَ القُرْآنِ عَلى مُحَمَّدٍ، أيُّ شَيْءٍ كانَ يَصْنَعُ بِهَذا ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي﴾ [الحج: ٧٣] وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَ قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿ياأيُّها النّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ﴾ قالَ المُشْرِكُونَ: ما هَذا مِنَ الأمْثالِ فَيُضْرَبُ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ﴾ قالَ: يُؤْمِنُ بِهِ المُؤْمِنُ، ويَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ ويَهْدِيهِمُ اللَّهُ بِهِ، ويَعْرِفُهُ الفاسِقُونَ فَيَكْفُرُونَ بِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ في قَوْلِهِ: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا﴾ يَعْنِي المُنافِقِينَ ﴿ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ يَعْنِي المُؤْمِنِينَ ﴿وما يُضِلُّ بِهِ إلّا الفاسِقِينَ﴾ قالَ: هُمُ المُنافِقُونَ. وفِي قَوْلِهِ: ﴿يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ﴾ قالَ: هو ما عَهِدَ إلَيْهِمْ في القُرْآنِ فَأقَرُّوا بِهِ ثُمَّ كَفَرُوا فَنَقَضُوهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما يُضِلُّ بِهِ إلّا الفاسِقِينَ﴾ يَقُولُ: يَعْرِفُهُ الكافِرُونَ فَيَكْفُرُونَ بِهِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقاصٍّ قالَ: الحَرُورِيَّةُ هُمُ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ، وكانَ يُسَمِّيهِمُ الفاسِقِينَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: ما نَعْلَمُ اللَّهَ أوْعَدَ في ذَنْبٍ ما أوْعَدَ في نَقْضِ هَذا المِيثاقِ، فَمَن أعْطى عَهْدَ اللَّهِ ومِيثاقَهُ مِن ثَمَرَةِ قَلْبِهِ فَلْيُوفِ بِهِ اللَّهُ. وقَدْ ثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في أحادِيثَ ثابِتَةٍ في الصَّحِيحِ وغَيْرِهِ مِن طَرِيقِ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ النَّهْيُ عَنْ نَقْضِ العَهْدِ والوَعِيدِ الشَّدِيدِ عَلَيْهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ويَقْطَعُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ﴾ قالَ: الرَّحِمُ والقُرابَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ويُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾ قالَ: يَعْمَلُونَ فِيها بِالمَعْصِيَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُقاتِلٍ في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ يَقُولُ: هم أهْلُ النّارِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كُلُّ شَيْءٍ نَسَبَهُ اللَّهُ إلى غَيْرِ أهْلِ الإسْلامِ مِثْلِ خاسِرٍ ومُسْرِفٍ وظالِمٍ ومُجْرِمٍ وفاسِقٍ فَإنَّما يَعْنِي بِهِ الكُفْرَ، وما نَسَبَهُ إلى أهْلِ الإسْلامِ فَإنَّما يَعْنِي بِهِ الذَّمَّ.

البقرة 2:28

(p-٤٢)كَيْفَ مَبْنِيَّةٌ عَلى الفَتْحِ لِخِفَّتِهِ وهي في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ تَكْفُرُونَ، ويُسْألُ بِها عَنِ الحالِ، وهَذا الِاسْتِفْهامُ هو لِلْإنْكارِ عَلَيْهِمْ والتَّعْجِيبِ مِن حالِهِمْ وهي مُتَضَمِّنَةٌ لِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، والواوُ في ( وكُنْتُمْ ) لِلْحالِ وقَدْ مُقَدَّرَةٌ كَما قالَ الزَّجّاجُ والفَرّاءُ، وإنَّما صَحَّ جَعْلُ هَذا الماضِي حالًا لِأنَّ الحالَ لَيْسَ هو مُجَرَّدَ قَوْلِهِ: كُنْتُمْ أمْواتًا بَلْ هو وما بَعْدَهُ إلى قَوْلِهِ: تُرْجَعُونَ كَما جَزَمَ بِهِ صاحِبُ الكَشّافِ كَأنَّهُ قالَ: كَيْفَ تَكْفُرُونَ وقِصَّتُكم هَذِهِ ؟: أيْ وأنْتُمْ عالِمُونَ بِهَذِهِ القِصَّةِ وبِأوَّلِها وآخِرِها. والأمْواتُ جَمْعُ مَيِّتٍ، واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في تَرْتِيبِ هاتَيْنِ المَوْتَتَيْنِ والحَياتَيْنِ، فَقِيلَ: إنَّ المُرادَ كُنْتُمْ أمْواتًا قَبْلَ أنْ تُخْلَقُوا: أيْ مَعْدُومِينَ؛ لِأنَّهُ يَجُوزُ إطْلاقُ اسْمِ المَوْتِ عَلى المَعْدُومِ لِاجْتِماعِهِما في عَدَمِ الإحْساسِ فَأحْياكم أيْ خَلَقَكم ثُمَّ يُمِيتُكم عِنْدَ انْقِضاءِ آجالِكم ثُمَّ يُحْيِيكم يَوْمَ القِيامَةِ. وقَدْ ذَهَبَ إلى هَذا جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ فَمَن بَعْدَهم. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا القَوْلُ هو المُرادُ بِالآيَةِ، وهو الَّذِي لا مَحِيدَ لِلْكَفّارِ عَنْهُ، وإذا أذْعَنَتْ نُفُوسُ الكُفّارِ بِكَوْنِهِمْ كانُوا مَعْدُومِينَ ثُمَّ أحْياءً في الدُّنْيا ثُمَّ أمْواتًا فِيها لَزِمَهُمُ الإقْرارُ بِالحَياةِ الأُخْرى. قالَ غَيْرُهُ: والحَياةُ الَّتِي تَكُونُ في القَبْرِ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ في حُكْمِ حَياةِ الدُّنْيا. وقِيلَ: إنَّ المُرادَ كُنْتُمْ أمْواتًا في ظَهْرِ آدَمَ ثُمَّ أخْرَجَكم مِن ظَهْرِهِ كالذَّرِّ، ثُمَّ يُمِيتُكم مَوْتَ الدُّنْيا ثُمَّ يَبْعَثُكم. وقِيلَ: كُنْتُمْ أمْواتًا أيْ نُطَفًا في أصْلابِ الرِّجالِ فَأحْياكم حَياةَ الدُّنْيا ثُمَّ يُمِيتُكم بَعْدَ هَذِهِ الحَياةِ ثُمَّ يُحْيِيكم في القُبُورِ ( ثُمَّ يُمِيتُكم ) في القَبْرِ ( ثُمَّ يُحْيِيكم ) الحَياةَ الَّتِي لَيْسَ بَعْدَها مَوْتٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ: فَعَلى هَذا التَّأْوِيلِ هي ثَلاثُ مَوْتاتٍ وثَلاثُ إحْياءاتٍ، وكَوْنُهم مَوْتى في ظَهْرِ آدَمَ وإخْراجُهم مِن ظَهْرِهِ والشَّهادَةُ عَلَيْهِمْ غَيْرُ كَوْنِهِمْ نُطَفًا في أصْلابِ الرِّجالِ، فَعَلى هَذا يَجِيءُ أرْبَعُ مَوْتاتٍ وأرْبَعُ إحْياءاتٍ. وقَدْ قِيلَ: إنَّ اللَّهَ أوَجَدَهم قَبْلَ خَلْقِ آدَمَ كالبَهائِمِ وأماتَهم فَيَكُونُ عَلى هَذا خَمْسُ مَوْتاتٍ وخَمْسُ إحْياءاتٍ، ومَوْتَةٌ سادِسَةٌ لِلْعُصاةِ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ كَما ورَدَ في الحَدِيثِ «ولَكِنْ ناسٌ أصابَتْهُمُ النّارُ بِذُنُوبِهِمْ فَأماتَهُمُ اللَّهُ إماتَةً، حَتّى إذا كانُوا فَحْمًا أذِنَ في الشَّفاعَةِ فَجِيءَ بِهِمْ، إلى أنْ قالَ: فَيَنْبِتُونَ نَباتَ الحَبَّةِ في حَمِيلِ السَّيْلِ» وهو في الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ. وقَوْلُهُ: ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ أيْ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ فَيُجازِيكم بِأعْمالِكم. وقَدْ قَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ وابْنُ أبِي إسْحاقَ ومُجاهِدٌ وسَلامٌ ويَعْقُوبُ بِفَتْحِ حَرْفِ المُضارَعَةِ، وقَرَأ الجَماعَةُ بِضَمِّهِ. قالَ في الكَشّافِ: عَطَفَ الأوَّلَ بِالفاءِ وما بَعْدَهُ بِـ " ثُمَّ "، لِأنَّ الإحْياءَ الأوَّلَ قَدْ تَعَقَّبَ المَوْتَ بِغَيْرِ تَراخٍ، وأمّا المَوْتُ فَقَدْ تَراخى عَنِ الإحْياءِ، والإحْياءُ الثّانِي كَذَلِكَ مُتَراخٍ عَنِ المَوْتِ إنْ أُرِيدَ بِهِ النُّشُورُ تَراخِيًّا ظاهِرًا، وإنْ أُرِيدَ بِهِ إحْياءُ القَبْرِ فَمِنهُ يُكْتَسَبُ العِلْمُ بِتَراخِيهِ، والرُّجُوعُ إلى الجَزاءِ أيْضًا مُتَراخٍ عَنِ النُّشُورِ انْتَهى. ولا يَخْفاكَ أنَّهُ إنْ أرادَ بِقَوْلِهِ إنَّ الأحْياءَ الأوَّلَ قَدْ تَعَقَّبَ المَوْتَ أنَّهُ وقَعَ عَلى ما هو مُتَّصِفٌ بِالمَوْتِ، فالمَوْتُ الآخَرُ وقَعَ عَلى ما هو مُتَّصِفٌ بِالحَياةِ، وإنْ أرادَ أنَّهُ وقَعَ الإحْياءُ الأوَّلُ عِنْدَ أوَّلِ اتِّصافِهِ بِالمَوْتِ بِخِلافِ الثّانِي فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ، فَإنَّهُ وقَعَ عِنْدَ آخِرِ أوْقاتِ مَوْتِهِ كَما وقَعَ الثّانِي عِنْدَ آخِرِ أوْقاتِ حَياتِهِ، فَتَأمَّلْ هَذا. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: وكُنْتُمْ أمْواتًا الآيَةَ، قالَ: لَمْ تَكُونُوا شَيْئًا فَخَلَقَكم ﴿ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي صالِحٍ قالَ: يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكم في القَبْرِ ثُمَّ يُمِيتُكم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: وكُنْتُمْ أمْواتًا قالَ: حِينَ لَمْ تَكُونُوا شَيْئًا، ثُمَّ أماتَهم ثُمَّ أحْياهم يَوْمَ القِيامَةِ، ثُمَّ يَرْجِعُونَ إلَيْهِ بَعْدَ الحَياةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ قالَ: خَلَقَهم مِن ظَهْرِ آدَمَ فَأخَذَ عَلَيْهِمُ المِيثاقَ ثُمَّ أماتَهم، ثُمَّ خَلَقَهم في الأرْحامِ، ثُمَّ أماتَهم، ثُمَّ أحْياهم يَوْمَ القِيامَةِ والصَّحِيحُ الأوَّلُ.

البقرة 2:29

قالَ ابْنُ كَيْسانَ: ﴿خَلَقَ لَكُمْ﴾ أيْ مِن أجْلِكم، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الأصْلَ في الأشْياءِ المَخْلُوقَةِ الإباحَةُ حَتّى يَقُومَ دَلِيلٌ يَدُلُّ عَلى النَّقْلِ عَنْ هَذا الأصْلِ، ولا فَرْقَ بَيْنَ الحَيَواناتِ وغَيْرِها مِمّا يُنْتَفَعُ بِهِ مِن غَيْرِ ضَرَرٍ، وفي التَّأْكِيدِ بِقَوْلِهِ: جَمِيعًا أقْوى دَلالَةً عَلى هَذا. وقَدِ اسْتُدِلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى تَحْرِيمِ أكْلِ الطِّينِ، لِأنَّهُ تَعالى خَلَقَ لَنا ما في الأرْضِ دُونَ نَفْسِ الأرْضِ. وقالَ الرّازِيُّ في تَفْسِيرِهِ: إنَّ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ في جُمْلَةِ الأرْضِ ما يُطْلَقُ عَلَيْهِ أنَّهُ في الأرْضِ فَيَكُونُ جامِعًا لِلْوَصْفَيْنِ، ولا شَكَّ أنَّ المَعادِنَ داخِلَةٌ في ذَلِكَ، وكَذَلِكَ عُرُوقُ الأرْضِ وما يَجْرِي مَجْرى البَعْضِ لَها ولِأنَّ تَخْصِيصَ الشَّيْءِ بِالذِّكْرِ لا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ الحُكْمِ عَمّا عَداهُ انْتَهى. وقَدْ ذَكَرَ صاحِبُ الكَشّافِ ما هو أوْضَحُ مِن هَذا فَقالَ: فَإنْ قُلْتَ: هَلْ لِقَوْلِ مَن زَعَمَ أنَّ المَعْنى خَلَقَ لَكُمُ الأرْضَ وما فِيها وجْهُ صِحَّةٍ ؟ قُلْتُ: إنْ أرادَ بِالأرْضِ الجِهاتِ السُّفْلِيَّةَ دُونَ الغَبْراءِ كَما تُذْكَرُ السَّماءُ ويُرادُ الجِهاتُ العُلْوِيَّةُ جازَ ذَلِكَ، فَإنَّ الغَبْراءَ وما فِيها واقِعَةٌ في الجِهاتِ السُّفْلِيَّةِ انْتَهى. وأمّا التُّرابُ فَقَدْ ورَدَ في السُّنَّةِ تَحْرِيمُهُ، وهو أيْضًا ضارٌّ فَلَيْسَ مِمّا يُنْتَفَعُ بِهِ أكْلًا، ولَكِنَّهُ يُنْتَفَعُ بِهِ في مَنافِعَ أُخْرى، ولَيْسَ المُرادُ مَنفَعَةً خاصَّةً كَمَنفَعَةِ الأكْلِ، بَلْ كُلُّ ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ يُنْتَفَعُ بِهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، و( جَمِيعًا ) مَنصُوبٌ عَلى الحالِ. والِاسْتِواءُ في اللُّغَةِ: الِاعْتِدالُ والِاسْتِقامَةُ، قالَهُ في الكَشّافِ، ويُطْلَقُ عَلى الِارْتِفاعِ والعُلُوِّ عَلى الشَّيْءِ، قالَ تَعالى: ﴿فَإذا اسْتَوَيْتَ أنْتَ ومَن مَعَكَ عَلى الفُلْكِ﴾ [المؤمنون: ٢٨] وقالَ: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ﴾ [الزخرف: ١٣] وهَذا المَعْنى هو المُناسِبُ لِهَذِهِ الآيَةِ. وقَدْ قِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِنَ (p-٤٣)المُشْكِلاتِ. وقَدْ ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ الأئِمَّةِ إلى الإيمانِ بِها وتَرْكِ التَّعَرُّضِ لِتَفْسِيرِها، وخالَفَهم آخَرُونَ. والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: " فَسَوّاهُنَّ " مُبْهَمٌ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ كَقَوْلِهِمْ: زَيْدٌ رَجُلًا، وقِيلَ: إنَّهُ راجِعٌ إلى السَّماءِ لِأنَّها في مَعْنى الجِنْسِ، والمَعْنى: أنَّهُ عَدَلَ خَلْقَهُنَّ فَلا اعْوِجاجَ فِيهِ. وقَدِ اسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى﴾ عَلى أنَّ خَلْقَ الأرْضِ مُتَقَدِّمٌ عَلى خَلْقِ السَّماءِ. وكَذَلِكَ الآيَةُ الَّتِي في حم السَّجْدَةِ. وقالَ في النّازِعاتِ ﴿أأنْتُمْ أشَدُّ خَلْقًا أمِ السَّماءُ بَناها﴾ [النازعات: ٢٧] فَوَصَفَ خَلْقَها ثُمَّ قالَ: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ [النازعات: ٣٠] فَكَأنَّ السَّماءَ عَلى هَذا خُلِقَتْ قَبْلَ الأرْضِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [الأنعام: ١] وقَدْ قِيلَ: إنَّ خَلْقَ جِرْمِ الأرْضِ مُتَقَدِّمٌ عَلى السَّماءِ ودَحْوُها مُتَأخِّرٌ. وقَدْ ذَكَرَ نَحْوَ هَذا جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ، وهَذا جَمٌّ جَيِّدٌ لا بُدَّ مِنَ المَصِيرِ إلَيْهِ، ولَكِنْ خَلْقُ ما في الأرْضِ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ الدَّحْوِ، والآيَةُ المَذْكُورَةُ هُنا دَلَّتْ عَلى أنَّهُ خَلَقَ ما في الأرْضِ قَبْلَ خَلْقِ السَّماءِ، وهَذا يَقْتَضِي بَقاءَ الإشْكالِ وعَدَمَ التَّخَلُّصِ عَنْهُ بِمِثْلِ هَذا الجَمْعِ. وقَوْلُهُ: ﴿سَبْعَ سَماواتٍ﴾ فِيهِ التَّصْرِيحُ بِأنَّ السَّماواتِ سَبْعٌ، وأمّا الأرْضُ فَلَمْ يَأْتِ في ذِكْرِ عَدَدِها إلّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢] فَقِيلَ: أيْ في العَدَدِ، وقِيلَ: أيْ في غِلَظِهِنَّ وما بَيْنَهُنَّ. وقالَ الدّاوُدِيُّ: إنَّ الأرْضَ سَبْعٌ، ولَكِنْ لَمْ يُفْتَقْ بَعْضُها مِن بَعْضٍ. والصَّحِيحُ أنَّها سَبْعٌ كالسَّماواتِ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «مَن أخَذَ شِبْرًا مِنَ الأرْضِ ظُلْمًا طَوَّقَهُ اللَّهُ مِن سَبْعِ أرَضِينَ» وهو ثابِتٌ مِن حَدِيثِ عائِشَةَ وسَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ. ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: سَواهُنَّ سَوّى سُطُوحَهُنَّ بِالإمْلاسِ، وقِيلَ: جَعَلَهُنَّ سَواءً. قالَ الرّازِيُّ في تَفْسِيرِهِ: فَإنْ قِيلَ: فَهَلْ يَدُلُّ التَّنْصِيصَ عَلى سَبْعِ سَماواتٍ. أيْ فَقَطْ ؟ قُلْنا: الحَقُّ أنَّ تَخْصِيصَ العَدَدِ بِالذِّكْرِ لا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ الزّائِدِ واللَّهُ أعْلَمُ انْتَهى. وفِي هَذا إشارَةٌ إلى ما ذَكَرَهُ الحُكَماءُ مِنَ الزِّيادَةِ عَلى السَّبْعِ. ونَحْنُ نَقُولُ: إنَّهُ لَمْ يَأْتِنا عَنِ اللَّهِ ولا عَنْ رَسُولِهِ إلّا السَّبْعُ فَنَقْتَصِرُ عَلى ذَلِكَ ولا نَعْمَلُ بِالزِّيادَةِ إلّا إذا جاءَتْ مِن طَرِيقِ الشَّرْعِ ولَمْ يَأْتِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، وإنَّما أثْبَتَ لِنَفْسِهِ سُبْحانَهُ أنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ؛ لِأنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ عالِمًا بِجَمِيعِ ما ثَبَتَ أنَّهُ خالِقُهُ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ قالَ: سَخَّرَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا كَرامَةً مِنَ اللَّهِ ونِعْمَةً لِابْنِ آدَمَ وبُلْغَةً ومَنفَعَةً إلى أجَلٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ قالَ: سَخَّرَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾، قالَ: خَلَقَ الأرْضَ قَبْلَ السَّماءِ، فَلَمّا خَلَقَ الأرْضَ ثارَ مِنها دُخانٌ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ فَسَوّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ﴾ يَقُولُ: خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ بَعْضُهُنَّ فَوْقَ بَعْضٍ، وسَبْعَ أرَضِينَ بَعْضُهُنَّ فَوْقَ بَعْضٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ﴾ الآيَةَ، قالُوا: إنَّ اللَّهَ كانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ ولَمْ يَخْلُقْ شَيْئًا قَبْلَ الماءِ، فَلَمّا أرادَ أنْ يَخْلُقَ الخَلْقَ أخْرَجَ مِنَ الماءِ دُخانًا فارْتَفَعَ فَوْقَ الماءِ فَسَما عَلَيْهِ فَسَمّاهُ سَماءً ثُمَّ انْبَسَّ الماءُ فَجَعَلَهُ أرْضًا واحِدَةً ثُمَّ فَتَقَها سَبْعَ أرَضِينَ في يَوْمَيْنِ الأحَدِ والِاثْنَيْنِ، فَخَلَقَ الأرْضَ عَلى حُوتٍ وهو الَّذِي ذَكَرَهُ في قَوْلِهِ: ﴿ن والقَلَمِ﴾ [القلم: ١] والحُوتُ في الماءِ، والماءُ عَلى ظَهْرِ صَفاةٍ، والصَّفاةُ عَلى ظَهْرِ مَلَكٍ، والمَلَكُ عَلى صَخْرَةٍ، والصَّخْرَةُ في الرِّيحِ، وهي الصَّخْرَةُ الَّتِي ذَكَرَ لُقْمانُ لَيْسَتْ في السَّماءِ ولا في الأرْضِ، فَتَحَرَّكَ الحُوتُ فاضْطَرَبَ فَتَزَلْزَلَتِ الأرْضُ، فَأرْسى عَلَيْها الجِبالَ فَقَرَّتْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: ١٥] وخَلَقَ الجِبالَ فِيها وأقْواتَ أهْلِها، سَخَّرَها وما يَنْبَغِي لَها في يَوْمَيْنِ في الثُّلاثاءِ والأرْبِعاءِ وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أئِنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿وبارَكَ فِيها﴾ [فصلت: ٩] يَقُولُ: أنْبَتَ شَجَرَها ﴿وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها﴾ [فصلت: ١٠] يَقُولُ: أقْواتَ أهْلِها ﴿فِي أرْبَعَةِ أيّامٍ سَواءً لِلسّائِلِينَ﴾ [فصلت: ١٠] يَقُولُ: مَن سَألَ فَهَكَذا الأمْرُ، ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ﴾ [فصلت: ١١] وكانَ ذَلِكَ الدُّخانُ مِن تَنَفُّسِ الماءِ حِينَ تَنَفَّسَ فَجَعَلَها سَماءً واحِدَةً، ثُمَّ فَتَقَها فَجَعَلَها سَبْعَ سَماواتٍ في يَوْمَيْنِ في الخَمِيسِ والجُمُعَةِ، وإنَّما سُمِّيَ يَوْمَ الجُمُعَةِ لِأنَّهُ جَمَعَ فِيهِ خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ ﴿وأوْحى في كُلِّ سَماءٍ أمْرَها﴾ [فصلت: ١٢] قالَ: خَلَقَ في كُلِّ سَماءٍ خَلْقَها مِنَ المَلائِكَةِ والخَلْقِ الَّذِي فِيها مِنَ البِحارِ وجِبالِ البَرْدِ وما لا يُعْلَمُ، ثُمَّ زَيَّنَ السَّماءَ الدُّنْيا بِالكَواكِبِ فَجَعَلَها زِينَةً وحِفْظًا مِنَ الشَّياطِينِ، فَلَمّا فَرَغَ مِن خَلْقِ ما أحَبَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ يَعْنِي صَعِدَ أمْرُهُ إلى السَّماءِ ﴿فَسَوّاهُنَّ﴾: يَعْنِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ، قالَ: أجْرى النّارَ عَلى الماءِ فَبَخَّرَ البَحْرَ فَصَعِدَ في الهَواءِ فَجَعَلَ السَّماواتِ مِنهُ. وقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ في الصَّحِيحِ قالَ: أخَذَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِيَدِي فَقالَ: «خَلَقَ اللَّهُ التُّرْبَةَ يَوْمَ السَّبْتِ، وخَلَقَ فِيها الجِبالَ يَوْمَ الأحَدِ، وخَلَقَ الشَّجَرَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وخَلَقَ المَكْرُوهَ يَوْمَ الثُّلاثاءِ، وخَلَقَ النُّورَ يَوْمَ الأرْبِعاءِ، وبَثَّ فِيها الدَّوابَّ يَوْمَ الخَمِيسِ، وخَلَقَ آدَمَ يَوْمَ الجُمُعَةِ بَعْدَ العَصْرِ» . وقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِن طُرُقٍ عِنْدَ أهْلِ السُّنَنِ وغَيْرِهِمْ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ أحادِيثُ في وصْفِ السَّماواتِ، وأنَّ غِلَظَ كُلِّ سَماءٍ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، وما بَيْنَ كُلِّ سَماءٍ إلى سَماءٍ خَمْسُمِائَةِ عامٍ، وأنَّها سَبْعُ سَماواتٍ، وأنَّ الأرْضَ سَبْعُ أرَضِينَ، وكَذَلِكَ ثَبَتَ في وصْفِ السَّماءِ آثارٌ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ. وقَدْ ذَكَرَ السُّيُوطِيُّ في الدُّرِّ المَنثُورِ بَعْضَ ذَلِكَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، وإنَّما تَرَكْنا ذِكْرَهُ هاهُنا لِكَوْنِهِ غَيْرَ مُتَعَلِّقٍ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى الخُصُوصِ، (p-٤٤)بَلْ هو مُتَعَلِّقٌ بِما هو أعَمُّ مِنها.

البقرة 2:30

" إذْ " مِنَ الظُّرُوفِ المَوْضُوعَةِ لِلتَّوْقِيتِ وهي لِلْمُسْتَقْبَلِ، وإذا لِلْماضِي، وقَدْ تُوضَعُ إحْداهُما مَوْضِعَ الأُخْرى. وقالَ المُبَرِّدُ: هي مَعَ المُسْتَقْبَلِ لِلْمُضِيِّ ومَعَ الماضِي لِلِاسْتِقْبالِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إنَّها هُنا زائِدَةٌ. وحَكاهُ الزَّجّاجُ وابْنُ النَّحّاسِ وقالا: هي ظَرْفُ زَمانٍ لَيْسَتْ مِمّا يُزادُ، وهي هُنا في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِتَقْدِيرِ اذْكُرْ أوْ قالُوا، وقِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ بِـ " خَلَقَ لَكم "، ولَيْسَ بِظاهِرٍ، والمَلائِكَةُ جَمْعُ مَلَكٍ بِوَزْنِ فَعَلٍ، قالَهُ ابْنُ كَيْسانَ، وقِيلَ، جَمْعُ مَلْأكٍ بِوَزْنِ مَفْعَلٍ قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، مِن لَأكَ: إذا أرْسَلَ، والألُوكَةُ: الرِّسالَةُ. قالَ لَبِيَدٌ: ؎وغُلامٍ أرْسَلَتْهُ أُمُّهُ بِألُوكٍ فَبَذَلْنا ما سَألْ وقالَ عَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ: ؎أبْلِغِ النُّعْمانَ عَنِّي مَأْلَكًا ∗∗∗ أنَّهُ قَدْ طالَ حَبْسِي وانْتِظارِ ويُقالُ ألِكْنِي: أيْ أرْسِلْنِي. وقالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: لا اشْتِقاقَ لِمَلَكٍ عِنْدَ العَرَبِ، والهاءُ في المَلائِكَةِ تَأْكِيدٌ لِتَأْنِيثِ الجَمْعِ، ومِثْلُهُ الصُّلادِمَةُ، والصُّلادِمُ الخَيْلُ الشِّدادُ، وإحْداها صِلْدَمٌ، وقِيلَ: هي لِلْمُبالَغَةِ كَعَلّامَةٍ ونَسّابَةٍ وجاعِلٌ هُنا مَن جَعَلَ المُتَعَدِّي إلى مَفْعُولَيْنِ. وذَكَرَ المُطَرِّزِيُّ أنَّهُ بِمَعْنى خالِقٍ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّهُ مُتَعَدٍّ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، والأرْضُ هُنا: هي هَذِهِ الغَبْراءُ، ولا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِمَكانٍ دُونَ مَكانٍ - وقِيلَ: إنَّها مَكَّةُ. والخَلِيفَةُ هُنا مَعْناهُ الخالِفُ لِمَن كانَ قَبْلَهُ مِنَ المَلائِكَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى المَخْلُوفِ: أيْ يَخْلُفُهُ غَيْرُهُ، قِيلَ: هو آدَمُ، وقِيلَ: كُلُّ مَن لَهُ خِلافَةٌ في الأرْضِ، ويُقَوِّي الأوَّلَ قَوْلُهُ: خَلِيفَةٌ دُونَ خَلائِفَ، واسْتُغْنِيَ بِآدَمَ عَنْ ذِكْرِ ما بَعْدَهُ قِيلَ: خاطَبَ اللَّهُ المَلائِكَةَ بِهَذا الخِطابِ لا لِلْمَشُورَةِ ولَكِنْ لِاسْتِخْراجِ ما عِنْدَهم، وقِيلَ: خاطَبَهم بِذَلِكَ لِأجْلِ أنْ يَصْدُرَ مِنهم ذَلِكَ السُّؤالُ فَيُجابُونَ بِذَلِكَ الجَوابِ، وقِيلَ: لِأجْلِ تَعْلِيمِ عِبادِهِ مَشْرُوعِيَّةَ المُشاوَرَةِ لَهم. وأمّا قَوْلُهم: ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ فَظاهِرُهُ أنَّهُمُ اسْتَنْكَرُوا اسْتِخْلافَ بَنِي آدَمَ في الأرْضِ لِكَوْنِهِمْ مَظِنَّةً لِلْإفْسادِ في الأرْضِ، وإنَّما قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ قَبْلَ أنْ يَتَقَدَّمَ لَهم مَعْرِفَةً بِبَنِي آدَمَ، بَلْ قَبْلَ وُجُودِ آدَمَ فَضْلًا عَنْ ذُرِّيَّتِهِ، لِعِلْمٍ قَدْ عَلِمُوهُ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ لِأنَّهم لا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ، قالَ بِهَذا جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ. وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ في الكَلامِ حَذْفًا، والتَّقْدِيرُ: إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً يَفْعَلُ كَذا وكَذا، فَقالُوا: ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ وقَوْلُهُ: يُفْسِدُ قائِمٌ مَقامَ المَفْعُولِ الثّانِي. والفَسادُ: ضِدُّ الصَّلاحِ، وسَفْكُ الدَّمِ: صَبُّهُ، قالَهُ ابْنُ فارِسٍ والجَوْهَرِيُّ: ولا يُسْتَعْمَلُ السَّفْكُ إلّا في الدَّمِ، وواحِدُ الدِّماءِ دَمٌ، وأصْلُهُ دَمِيَ حُذِفَ لامُهُ، وجُمْلَةُ ﴿ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ حالِيَّةٌ. والتَّسْبِيحُ في كَلامِ العَرَبِ التَّنْزِيهُ والتَّبْعِيدُ مِنَ السُّوءِ عَلى وجْهِ التَّعْظِيمِ. قالَ الأعْشى: ؎أقُولُ لَمّا جاءَنِي فَخْرُهُ ∗∗∗ سُبْحانَ مِن عَلْقَمَةَ الفاخِرِ وبِحَمْدِكَ في مَوْضِعِ الحالِ: أيْ حامِدِينَ لَكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى الحَمْدِ. والتَّقْدِيسُ: التَّطْهِيرُ، أيْ ونُطَهِّرُكَ عَمّا لا يَلِيقُ بِكَ مِمّا نَسَبَهُ إلَيْكَ المُلْحِدُونَ وافْتَراهُ الجاحِدُونَ. وذَكَرَ في الكَشّافِ أنَّ مَعْنى التَّسْبِيحِ والتَّقْدِيسِ واحِدٌ وهو تَبْعِيدُ اللَّهِ مِنَ السُّوءِ، وأنَّهُما مِن سَبَحَ في الأرْضِ والماءِ وقَدَّسَ في الأرْضِ إذا ذَهَبَ فِيها وأبْعَدَ. وفِي القامُوسِ وغَيْرِهِ مِن كُتُبِ اللُّغَةِ ما يُرْشِدُ إلى ما ذَكَرْناهُ، والتَّأْسِيسُ خَيْرٌ مِنَ التَّأْكِيدِ خُصُوصًا في كَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ. ولَمّا كانَ سُؤالُهم واقِعًا عَلى صِفَةٍ تَسْتَلْزِمُ إثْباتَ شَيْءٍ مِنَ العِلْمِ لِأنْفُسِهِمْ. أجابَ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ وفي هَذا الإجْمالِ ما يُغْنِي عَنِ التَّفْصِيلِ، لِأنَّ مَن عَلِمَ ما لا يَعْلَمُ المُخاطِبُ لَهُ كانَ حَقِيقًا بِأنْ يُسَلِّمَ لَهُ ما يَصْدُرُ عَنْهُ، وعَلى مَن لا يَعْلَمُ أنْ يَعْتَرِفَ لِمَن يَعْلَمُ بِأنَّ أفْعالَهُ صادِرَةٌ عَلى ما يُوجِبُهُ العِلْمُ وتَقْتَضِيهِ المَصْلَحَةُ الرّاجِحَةُ والحِكْمَةُ البالِغَةُ. ولَمْ يُذْكَرْ مُتَعَلِّقُ قَوْلِهِ: تَعْلَمُونَ لِيُفِيدَ التَّعْمِيمَ، ويَذْهَبَ السّامِعُ عِنْدَ ذَلِكَ كُلَّ مَذْهَبٍ ويَعْتَرِفَ بِالعَجْزِ ويُقِرَّ بِالقُصُورِ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ اللَّهَ أخْرَجَ آدَمَ مِنَ الجَنَّةِ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَهُ ثُمَّ قَرَأ ﴿إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْهُ أيْضًا نَحْوَهُ وزادَ. وقَدْ كانَ فِيها قَبْلَ أنْ يُخْلَقَ بِألْفَيْ عامٍ الجِنُّ بَنُو الجانِّ، فَأفْسَدُوا في الأرْضِ وسَفَكُوا الدِّماءَ، فَلَمّا أفْسَدُوا في الأرْضِ بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ جُنُودًا مِنَ المَلائِكَةِ فَضَرَبُوهم حَتّى ألْحَقُوهم بِجَزائِرِ البُحُورِ، فَلَمّا قالَ اللَّهُ: ﴿إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ﴾ كَما فَعَلَ أُولَئِكَ الجانُّ فَقالَ اللَّهُ: ﴿إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أطْوَلَ مِنهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ قالَ: لَمّا فَرَغَ اللَّهُ مِن خَلْقِ ما أحَبَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ، فَجَعَلَ إبْلِيسَ عَلى مُلْكِ سَماءِ الدُّنْيا، وكانَ مِن قَبِيلَةٍ مِنَ المَلائِكَةِ يُقالُ لَهُمُ: الجِنُّ، وإنَّما سُمُّوا الجِنَّ لِأنَّهم خُزّانُ الجَنَّةِ، وكانَ إبْلِيسُ مَعَ مُلْكِهِ خازِنًا فَوَقَعَ في صَدْرِهِ كِبْرٌ وقالَ: ما أعْطانِي اللَّهُ هَذا إلّا لِمَزِيَّةٍ لِي فاطَّلَعَ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ مِنهُ فَقالَ لِلْمَلائِكَةِ: ﴿إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ قالُوا: رَبَّنا وما يَكُونُ ذَلِكَ الخَلِيفَةُ ؟ قالَ: يَكُونُ لَهُ ذُرِّيَّةٌ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ويَتَحاسَدُونَ ويَقْتُلُ بَعْضُهم بَعْضًا قالُوا: رَبَّنا ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ﴾ ﴿قالَ إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: قَدْ عَلِمَتِ المَلائِكَةُ وعَلِمَ اللَّهُ أنَّهُ لا شَيْءَ أكْرَهُ عِنْدَ اللَّهِ مِن سَفْكِ الدِّماءِ والفَسادِ في الأرْضِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إيّاكم والرَّأْيَ، فَإنَّ اللَّهَ رَدَّ الرَّأْيَ عَلى المَلائِكَةِ وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ قالَتِ المَلائِكَةُ: ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ قالَ: ﴿إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ (p-٤٥)وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أبِي سابِطٍ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «دُحِيَتِ الأرْضُ مِن مَكَّةَ وكانَتِ المَلائِكَةُ تَطُوفُ بِالبَيْتِ» فَهي أوَّلُ مَن طافَ بِهِ وهي الأرْضُ الَّتِي قالَ اللَّهُ: ﴿إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا مُرْسَلٌ في سَنَدِهِ ضَعْفٌ، وفِيهِ مُدْرَجٌ، وهو أنَّ المُرادَ بِالأرْضِ مَكَّةُ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالأرْضِ أعَمُّ مِن ذَلِكَ انْتَهى. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: التَّسْبِيحُ والتَّقْدِيسُ المَذْكُورُ في الآيَةِ هو الصَّلاةُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِ التَّوْبَةِ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إنَّ أوَّلَ مَن لَبّى المَلائِكَةُ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ﴾ قالَ: فَرادُّوهُ فَأعْرَضَ عَنْهم، فَطافُوا بِالعَرْشِ سِتَّ سِنِينَ يَقُولُونَ: لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ اعْتِذارًا إلَيْكَ، لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ نَسْتَغْفِرُكَ ونَتُوبُ إلَيْكَ» وثَبَتَ في الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ أبِي ذَرٍّ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «أحَبُّ الكَلامِ إلى اللَّهِ ما اصْطَفاهُ لِمَلائِكَتِهِ سُبْحانَ رَبِّي وبِحَمْدِهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ونُقَدِّسُ لَكَ﴾ قالَ: نُصَلِّي لَكَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: التَّقْدِيسُ: التَّطْهِيرُ: وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ونُقَدِّسُ لَكَ﴾ قالَ: نُعَظِّمُكَ ونُكَبِّرُكَ. وأخْرَجا عَنْ أبِي صالِحٍ قالَ: نُعَظِّمُكَ ونُمَجِّدُكَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ قالَ: عَلِمَ مِن إبْلِيسَ المَعْصِيَةَ وخَلَقَهُ لَها. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في تَفْسِيرِها قالَ: كانَ في عِلْمِ اللَّهِ أنَّهُ سَيَكُونُ مِنَ الخَلِيفَةِ أنْبِياءٌ ورُسُلٌ وقَوْمٌ صالِحُونَ وساكِنُو الجَنَّةِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ حِبّانَ في صَحِيحِهِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «إنَّ آدَمَ لَمّا أهْبَطَهُ اللَّهُ إلى الأرْضِ قالَتِ المَلائِكَةُ: أيْ رَبِّ ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ﴾ الآيَةَ، قالُوا: رَبَّنا نَحْنُ أطْوَعُ لَكَ مِن بَنِي آدَمَ، قالَ اللَّهُ لِمَلائِكَتِهِ: هَلُمُّوا مَلَكَيْنِ مِنَ المَلائِكَةِ حَتّى يَهْبِطا إلى الأرْضِ فَنَنْظُرَ كَيْفَ يَعْمَلانِ ؟ فَقالُوا: رَبَّنا هارُوتُ ومارُوتُ، قالَ: فاهْبِطا إلى الأرْضِ، فَتَمَثَّلَتْ لَهُما الزُّهْرَةُ امْرَأةً مِن أحْسَنِ البَشَرِ وذَكَرَ القِصَّةَ» . وقَدْ ثَبَتَ في كُتُبِ الحَدِيثِ المُعْتَبَرَةِ أحادِيثُ مِن طَرِيقِ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ في صِفَةِ خَلْقِهِ سُبْحانَهُ لِآدَمَ وهي مَوْجُودَةٌ فَلا نُطَوِّلُ بِذِكْرِها.

البقرة 2:31

" آدَمُ " أصْلُهُ أأْدَمُ بِهَمْزَتَيْنِ إلّا أنَّهم لَيَّنُوا الثّانِيَةَ وإذا حُرِّكَتْ قُلِبَتْ واوًا، كَما قالُوا في الجَمْعِ أوادِمٌ، قالَهُ الأخْفَشُ. واخْتُلِفَ في اشْتِقاقِهِ، فَقِيلَ: مِن أدِيمِ الأرْضِ وهو وجْهُها، وقِيلَ: مِنَ الأُدْمَةِ وهي السُّمْرَةُ. قالَ في الكَشّافِ: وما آدَمُ إلّا اسْمٌ عَجَمِيٌّ، وأقْرَبُ أمْرِهِ أنْ يَكُونَ عَلى فاعَلَ كَآزَرَ وعازَرَ وعابَرَ وشالَخَ وفالَغَ وأشْباهِ ذَلِكَ، والأسْماءَ هي العِباراتُ والمُرادُ: أسْماءُ المُسَمَّياتِ، قالَ بِذَلِكَ أكْثَرُ العُلَماءِ، وهو المَعْنى الحَقِيقِيُّ لِلِاسْمِ. والتَّأْكِيدُ بِقَوْلِهِ: كُلَّها يُفِيدُ أنَّهُ عَلَّمَهُ جَمِيعَ الأسْماءِ ولَمْ يَخْرُجْ عَنْ هَذا شَيْءٌ مِنها كائِنًا ما كانَ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: إنَّها أسْماءُ المَلائِكَةِ وأسْماءُ ذَرِّيَّةِ آدَمَ، ثُمَّ رَجَّحَ هَذا وهو غَيْرُ راجِحٍ. وقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ: أسْماءُ الذُّرِّيَّةِ. وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ خَيْثَمٍ: أسْماءُ المَلائِكَةِ. واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ هَلْ عَرَضَ عَلى المَلائِكَةِ المُسَمَّياتِ أوِ الأسْماءَ، والظّاهِرُ الأوَّلُ لِأنَّ عَرْضَ نَفْسِ الأسْماءِ غَيْرُ واضِحٍ. وعَرْضُ الشَّيْءِ إظْهارُهُ، ومِنهُ عَرْضُ الشَّيْءِ لِلْبَيْعِ. وإنَّما ذُكِرَ ضَمِيرُ المَعْرُوضِينَ تَغْلِيبًا لِلْعُقَلاءِ عَلى غَيْرِهِمْ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: " عَرَضَهُنَّ " وقَرَأ أُبَيٌّ: " عَرَضَها " وإنَّما رَجَعَ ضَمِيرُ عَرْضِهِمْ إلى مُسَمَّياتٍ مَعَ عَدَمِ تَقَدُّمِ ذِكْرِها؛ لِأنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ ما يَدُلُّ عَلَيْها وهو أسْماؤُها. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ اللَّهَ عَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ وعَرَضَ عَلَيْهِ مَعَ ذَلِكَ الأجْناسَ أشْخاصًا، ثُمَّ عَرَضَ تِلْكَ عَلى المَلائِكَةِ وسَألَهم عَنْ أسْماءِ مُسَمَّياتِها الَّتِي قَدْ تَعَلَّمَها آدَمُ، فَقالَ لَهم آدَمُ: هَذا اسْمُهُ كَذا وهَذا اسْمُهُ كَذا. قالَ الماوَرْدِيُّ: فَكانَ الأصَحُّ تَوَجُّهَ العَرْضِ إلى المُسَمَّيْنَ. ثُمَّ في زَمَنِ عَرْضِهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ عَرَضَهم بَعْدَ أنْ خَلَقَهم. الثّانِي: أنَّهُ صَوَّرَهم لِقُلُوبِ المَلائِكَةِ ثُمَّ عَرَضَهم. وأمّا أمْرُهُ سُبْحانَهُ لِلْمَلائِكَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿أنْبِئُونِي بِأسْماءِ هَؤُلاءِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ فَهَذا مِنهُ تَعالى لِقَصْدِ التَّبْكِيتِ لَهم مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّهم يَعْجِزُونَ عَنْ ذَلِكَ. والمُرادُ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أنَّ بَنِي آدَمَ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ فَأنْبَئُونِي، كَذا قالَ المُبَرِّدُ. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ: إنَّ بَعْضَ المُفَسِّرِينَ قالَ: مَعْنى ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ إذْ كُنْتُمْ، قالا: وهَذا خَطَأٌ. ومَعْنى أنْبِئُونِي أخْبَرُونِي. فَلَمّا قالَ لَهم ذَلِكَ اعْتَرَفُوا بِالعَجْزِ والقُصُورِ ﴿قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إلّا ما عَلَّمْتَنا﴾ وسُبْحانَ: مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ عِنْدَ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ وقالَ الكِسائِيُّ: هو مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مُنادى مُضافٌ وهَذا ضَعِيفٌ جِدًّا. والعَلِيمُ: لِلْمُبالَغَةِ والدَّلالَةِ عَلى كَثْرَةِ المَعْلُوماتِ. والحَكِيمُ صِيغَةُ مُبالَغَةٍ في إثْباتِ الحِكْمَةِ لَهُ. ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ آدَمَ أنْ يُعْلِمَهم بِأسْمائِهِمْ بَعْدَ أنْ عَرَضَهم عَلى المَلائِكَةِ فَعَجَزُوا واعْتَرَفُوا بِالقُصُورِ. ولِهَذا قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ألَمْ أقُلْ لَكُمْ﴾ الآيَةَ. قالَ فِيما تَقَدَّمَ: ﴿أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ثُمَّ قالَ هُنا: ﴿أعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ تَدَرُّجًا مِنَ المُجْمَلِ إلى ما هو مُبَيَّنٌ بَعْضَ بَيانٍ، ومَبْسُوطٌ بَعْضَ بَسْطٍ. وفِي اخْتِصاصِهِ بِعِلْمِ غَيْبِ السَّماواتِ والأرْضِ رَدٌّ لِما يَتَكَلَّفُهُ كَثِيرٌ مِنَ العِبادِ مِنَ الِاطِّلاعِ عَلى شَيْءٍ مِن عِلْمِ الغَيْبِ كالمُنَجِّمِينَ والكُهّانِ وأهْلِ الرَّمْلِ والسِّحْرِ والشَّعْوَذَةِ. والمُرادُ بِما يُبْدُونَ وما يَكْتُمُونَ: ما يُظْهِرُونَ ويُسِرُّونَ كَما (p-٤٦)يُفِيدُهُ مَعْنى ذَلِكَ عِنْدَ العَرَبِ، ومَن فَسَّرَهُ بِشَيْءٍ خاصٍّ فَلا يُقْبَلُ مِنهُ ذَلِكَ إلّا بِدَلِيلٍ. وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ سَعْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّما سُمِّيَ آدَمَ لِأنَّهُ خُلِقَ مِن أدِيمِ الأرْضِ. وأخْرَجَ نَحْوَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها﴾ قالَ: عَلَّمَهُ اسْمَ الصَّفْحَةِ والقِدْرِ وكُلِّ شَيْءٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في تَفْسِيرِ الآيَةِ قالَ: عَرَضَ عَلَيْهِ أسْماءَ ولَدِهِ إنْسانًا إنْسانًا والدَّوابِّ، فَقِيلَ: هَذا الجَمَلُ هَذا الحِمارُ هَذا الفَرَسُ. وأخْرَجَ الحاكِمُ في تارِيخِهِ وابْنُ عَساكِرَ والدَّيْلَمِيُّ «عَنْ عَطِيَّةَ بْنِ بِشْرٍ مَرْفُوعًا في قَوْلِهِ: ﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها﴾ قالَ: عَلَّمَ اللَّهُ آدَمَ في تِلْكَ الأسْماءِ ألْفَ حِرْفَةٍ مِنَ الحِرَفِ وقالَ لَهُ: قُلْ لِأوْلادِكَ ولِذُرِّيَّتِكَ إنْ لَمْ تَصْبِرُوا عَنِ الدُّنْيا فاطْلُبُوها بِهَذِهِ الحِرَفِ ولا تَطْلُبُوها بِالدِّينِ، فَإنَّ الدِّينَ لِي وحْدِي خالِصًا، ويْلٌ لِمَن طَلَبَ الدُّنْيا بِالدِّينِ ويْلٌ لَهُ» . وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ أبِي رافِعٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «مُثِّلَتْ لِي أُمَّتِي في الماءِ والطِّينِ وعُلِّمْتُ الأسْماءَ كُلَّها كَما عُلِّمَ آدَمُ الأسْماءَ كُلَّها» وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في تَفْسِيرِ الآيَةِ قالَ: أسْماءَ ذُرِّيَّتِهِ أجْمَعِينَ ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ﴾ قالَ: أخَذَهم مِن ظَهْرِهِ. وأخْرَجَ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ قالَ: أسْماءَ المَلائِكَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: هي هَذِهِ الأسْماءُ الَّتِي يَتَعارَفُ بِها النّاسُ ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ﴾ يَعْنِي عَرَضَ أسْماءَ جَمِيعِ الأشْياءِ الَّتِي عَلَّمَها آدَمَ مِن أصْنافِ الخَلْقِ. ﴿فَقالَ أنْبِئُونِي﴾ يَقُولُ: أخْبِرُونِي ﴿بِأسْماءِ هَؤُلاءِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنِّي لَمْ أجْعَلْ في الأرْضِ خَلِيفَةً ﴿قالُوا سُبْحانَكَ﴾ تَنْزِيهًا لِلَّهِ مِن أنْ يَكُونَ يَعْلَمُ الغَيْبَ أحَدٌ غَيْرُهُ، تُبْنا إلَيْكَ ﴿لا عِلْمَ لَنا﴾ تَبَرَّءُوا مِنهم مِن عِلْمِ الغَيْبِ ﴿إلّا ما عَلَّمْتَنا﴾ كَما عَلَّمْتَ آدَمَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: عَرَضَ أصْحابَ الأسْماءِ عَلى المَلائِكَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ أنْتَ العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾ قالَ: العَلِيمُ الَّذِي قَدْ كَمَلَ في عِلْمِهِ، والحَكِيمُ الَّذِي قَدْ كَمَلَ في حُكْمِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أنَّ بَنِي آدَمَ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ويَسْفِكُونَ الدِّماءَ ﴿وأعْلَمُ ما تُبْدُونَ﴾ قالَ: قَوْلُهم ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ ﴿وما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠ - ٣٣] يَعْنِي: ما أسَرَّ إبْلِيسُ في نَفْسِهِ مِنَ الكِبْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ﴿ما تُبْدُونَ﴾ ما تُظْهِرُونَ ﴿وما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ يَقُولُ: أعْلَمُ السِّرَّ كَما أعْلَمُ العَلانِيَةَ. * * " إذْ " مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ إذْ قُلْنا. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ إذْ زائِدَةٌ وهو ضَعِيفٌ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في المَلائِكَةِ وآدَمَ. السُّجُودُ مَعْناهُ في كَلامِ العَرَبِ: التَّذَلُّلُ والخُضُوعُ. وغايَتُهُ وضْعُ الوَجْهِ عَلى الأرْضِ. قالَ ابْنُ فارِسٍ: سَجَدَ إذا تَطامَنَ، وكُلُّ ما سَجَدَ فَقَدْ ذَلَّ، والإسْجادُ: إدامَةُ النَّظَرِ. وقالَ أبُو عُمَرَ: وسَجَدَ إذا طَأْطَأ رَأْسَهُ، وفي هَذِهِ الآيَةِ فَضِيلَةٌ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَظِيمَةٌ حَيْثُ أسْجَدَ اللَّهُ لَهُ مَلائِكَتَهُ. وقِيلَ: إنَّ السُّجُودَ كانَ لِلَّهِ ولَمْ يَكُنْ لِآدَمَ، وإنَّما كانُوا مُسْتَقْبِلِينَ لَهُ عِنْدَ السُّجُودِ، ولا مُلْجِئَ لِهَذا فَإنَّ السُّجُودَ لِلْبَشَرِ قَدْ يَكُونُ جائِزًا في بَعْضِ الشَّرائِعِ بِحَسَبِ ما تَقْتَضِيهِ المَصالِحُ. وقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ السُّجُودَ لِآدَمَ وكَذَلِكَ الآيَةُ الأُخْرى أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ [الحجر: ٢٩] وقالَ تَعالى: ﴿ورَفَعَ أبَوَيْهِ عَلى العَرْشِ وخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ [يوسف: ١٠٠] فَلا يَسْتَلْزِمُ تَحْرِيمُهُ لِغَيْرِ اللَّهِ في شَرِيعَةِ نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ في سائِرِ الشَّرائِعِ. ومَعْنى السُّجُودِ هُنا: هو وضْعُ الجَبْهَةِ عَلى الأرْضِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الجُمْهُورُ. وقالَ قَوْمٌ: هو مُجَرَّدُ التَّذَلُّلِ والِانْقِيادِ. وقَدْ وقَعَ الخِلافُ هَلْ كانَ السُّجُودُ مِنَ المَلائِكَةِ لِآدَمَ قَبْلَ تَعْلِيمِهِ الأسْماءَ أمْ بَعْدَهُ ؟ وقَدْ أطالَ البَحْثَ في ذَلِكَ البِقاعِيُّ في تَفْسِيرِهِ. وظاهِرُ السِّياقِ أنَّهُ وقَعَ التَّعْلِيمُ وتَعَقَّبَهُ الأمْرُ بِالسُّجُودِ وتَعَقَّبَهُ إسْكانُهُ الجَنَّةَ ثُمَّ إخْراجُهُ مِنها وإسْكانُهُ الأرْضَ. وقَوْلُهُ: ﴿إلّا إبْلِيسَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ لِأنَّهُ كانَ مِنَ المَلائِكَةِ عَلى ما قالَهُ الجُمْهُورُ. وقالَ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ وبَعْضُ الأُصُولِيِّينَ: ﴿كانَ مِنَ الجِنِّ﴾ الَّذِي كانُوا في الأرْضِ. فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ عَلى هَذا مُنْقِطَعًا. واسْتَدَلُّوا عَلى هَذا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أمَرَهم ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦] وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا إبْلِيسَ كانَ مِنَ الجِنِّ﴾ [الكهف: ٥٠] والجِنُّ غَيْرُ المَلائِكَةِ، وأجابَ الأوَّلُونَ بِأنَّهُ لا يَمْتَنِعُ أنْ يَخْرُجَ إبْلِيسُ عَنْ جُمْلَةِ المَلائِكَةِ، لِما سَبَقَ في عِلْمِ اللَّهِ مِن شَقائِهِ عَدْلًا مِنهُ ﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء: ٢٣] ولَيْسَ في خَلْقِهِ مِن نارٍ ولا تَرْكِيبِ الشَّهْوَةِ فِيهِ حِينَ غَضِبَ عَلَيْهِ ما يَدْفَعُ أنَّهُ مِنَ المَلائِكَةِ وأيْضًا عَلى تَسْلِيمِ ذَلِكَ لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا تَغْلِيبًا لِلْمَلائِكَةِ الَّذِينَ هم أُلُوفٌ مُؤَلَّفَةٌ عَلى إبْلِيسَ الَّذِي هو فَرْدٌ واحِدٌ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ. ومَعْنى أبى امْتَنَعَ مِن فِعْلِ ما أُمِرَ بِهِ. والِاسْتِكْبارُ: الِاسْتِعْظامُ لِلنَّفْسِ، وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إنَّ الكِبْرَ بَطَرُ الحَقِّ وغَمْطُ النّاسِ» وفي رِوايَةٍ " غَمْصُ " بِالصّادِ المُهْمَلَةِ ﴿وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ أيْ مِن جِنْسِهِمْ. قِيلَ: إنَّ " كانَ " هُنا بِمَعْنى صارَ. وقالَ ابْنُ فُورَكٍ: إنَّهُ خَطَأٌ تَرُدُّهُ الأُصُولُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَتِ السَّجْدَةُ لِآدَمَ والطّاعَةُ لِلَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: سَجَدُوا كَرامَةً مِنَ اللَّهِ أكْرَمَ بِها آدَمَ وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ إبْراهِيمَ المُزَنِيِّ قالَ: إنَّ اللَّهَ جَعَلَ آدَمَ كالكَعْبَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ إبْلِيسُ اسْمُهُ عَزازِيلُ، وكانَ مِن أشْرافِ المَلائِكَةِ مِن ذَوِي الأجْنِحَةِ الأرْبَعَةِ، ثُمَّ أبْلَسَ بَعْدُ. ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: إنَّما سُمِّيَ إبْلِيسَ لِأنَّ اللَّهَ أبْلَسَهُ مِنَ الخَيْرِ كُلِّهِ، أيْ آيَسَهُ مِنهُ. وأخْرَجَ (p-٤٧)ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْهُ قالَ: كانَ إبْلِيسُ قَبْلَ أنْ يَرْتَكِبَ المَعْصِيَةَ مِنَ المَلائِكَةِ اسْمُهُ عَزازِيلَ، وكانَ مِن سُكّانِ الأرْضِ، وكانَ مِن أشَدِّ المَلائِكَةِ اجْتِهادًا وأكْثَرِهِمْ عِلْمًا، فَذَلِكَ دَعاهُ إلى الكِبْرِ، وكانَ مِن حَيٍّ يُسَمَّوْنَ جِنًّا. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْهُ قالَ: كانَ إبْلِيسُ مِن خُزّانِ الجَنَّةِ، وكانَ يُدَبِّرُ أمْرَ سَماءِ الدُّنْيا. وأخْرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إنَّ اللَّهَ أمَرَ آدَمَ بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ، فَقالَ: لَكَ الجَنَّةُ ولِمَن سَجَدَ مِن ولَدِكَ، وأمَرَ إبْلِيسَ بِالسُّجُودِ فَأبى أنْ يَسْجُدَ، فَقالَ: لَكَ النّارُ ولِمَن أبى مِن ولَدِكَ أنْ يَسْجُدَ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ قالَ: جَعَلَهُ اللَّهُ كافِرًا لا يَسْتَطِيعُ أنْ يُؤْمِنَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ قالَ: ابْتَدَأ اللَّهُ خَلْقَ إبْلِيسَ عَلى الكُفْرِ والضَّلالَةِ وعَمِلَ بِعَمَلِ المَلائِكَةِ فَصَيَّرَهُ إلى ما ابْتُدِئَ إلَيْهِ خَلْقُهُ مِنَ الكُفْرِ، قالَ اللَّهُ: ﴿وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ .

البقرة 2:32

" آدَمُ " أصْلُهُ أأْدَمُ بِهَمْزَتَيْنِ إلّا أنَّهم لَيَّنُوا الثّانِيَةَ وإذا حُرِّكَتْ قُلِبَتْ واوًا، كَما قالُوا في الجَمْعِ أوادِمٌ، قالَهُ الأخْفَشُ. واخْتُلِفَ في اشْتِقاقِهِ، فَقِيلَ: مِن أدِيمِ الأرْضِ وهو وجْهُها، وقِيلَ: مِنَ الأُدْمَةِ وهي السُّمْرَةُ. قالَ في الكَشّافِ: وما آدَمُ إلّا اسْمٌ عَجَمِيٌّ، وأقْرَبُ أمْرِهِ أنْ يَكُونَ عَلى فاعَلَ كَآزَرَ وعازَرَ وعابَرَ وشالَخَ وفالَغَ وأشْباهِ ذَلِكَ، والأسْماءَ هي العِباراتُ والمُرادُ: أسْماءُ المُسَمَّياتِ، قالَ بِذَلِكَ أكْثَرُ العُلَماءِ، وهو المَعْنى الحَقِيقِيُّ لِلِاسْمِ. والتَّأْكِيدُ بِقَوْلِهِ: كُلَّها يُفِيدُ أنَّهُ عَلَّمَهُ جَمِيعَ الأسْماءِ ولَمْ يَخْرُجْ عَنْ هَذا شَيْءٌ مِنها كائِنًا ما كانَ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: إنَّها أسْماءُ المَلائِكَةِ وأسْماءُ ذَرِّيَّةِ آدَمَ، ثُمَّ رَجَّحَ هَذا وهو غَيْرُ راجِحٍ. وقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ: أسْماءُ الذُّرِّيَّةِ. وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ خَيْثَمٍ: أسْماءُ المَلائِكَةِ. واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ هَلْ عَرَضَ عَلى المَلائِكَةِ المُسَمَّياتِ أوِ الأسْماءَ، والظّاهِرُ الأوَّلُ لِأنَّ عَرْضَ نَفْسِ الأسْماءِ غَيْرُ واضِحٍ. وعَرْضُ الشَّيْءِ إظْهارُهُ، ومِنهُ عَرْضُ الشَّيْءِ لِلْبَيْعِ. وإنَّما ذُكِرَ ضَمِيرُ المَعْرُوضِينَ تَغْلِيبًا لِلْعُقَلاءِ عَلى غَيْرِهِمْ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: " عَرَضَهُنَّ " وقَرَأ أُبَيٌّ: " عَرَضَها " وإنَّما رَجَعَ ضَمِيرُ عَرْضِهِمْ إلى مُسَمَّياتٍ مَعَ عَدَمِ تَقَدُّمِ ذِكْرِها؛ لِأنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ ما يَدُلُّ عَلَيْها وهو أسْماؤُها. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ اللَّهَ عَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ وعَرَضَ عَلَيْهِ مَعَ ذَلِكَ الأجْناسَ أشْخاصًا، ثُمَّ عَرَضَ تِلْكَ عَلى المَلائِكَةِ وسَألَهم عَنْ أسْماءِ مُسَمَّياتِها الَّتِي قَدْ تَعَلَّمَها آدَمُ، فَقالَ لَهم آدَمُ: هَذا اسْمُهُ كَذا وهَذا اسْمُهُ كَذا. قالَ الماوَرْدِيُّ: فَكانَ الأصَحُّ تَوَجُّهَ العَرْضِ إلى المُسَمَّيْنَ. ثُمَّ في زَمَنِ عَرْضِهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ عَرَضَهم بَعْدَ أنْ خَلَقَهم. الثّانِي: أنَّهُ صَوَّرَهم لِقُلُوبِ المَلائِكَةِ ثُمَّ عَرَضَهم. وأمّا أمْرُهُ سُبْحانَهُ لِلْمَلائِكَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿أنْبِئُونِي بِأسْماءِ هَؤُلاءِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ فَهَذا مِنهُ تَعالى لِقَصْدِ التَّبْكِيتِ لَهم مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّهم يَعْجِزُونَ عَنْ ذَلِكَ. والمُرادُ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أنَّ بَنِي آدَمَ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ فَأنْبَئُونِي، كَذا قالَ المُبَرِّدُ. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ: إنَّ بَعْضَ المُفَسِّرِينَ قالَ: مَعْنى ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ إذْ كُنْتُمْ، قالا: وهَذا خَطَأٌ. ومَعْنى أنْبِئُونِي أخْبَرُونِي. فَلَمّا قالَ لَهم ذَلِكَ اعْتَرَفُوا بِالعَجْزِ والقُصُورِ ﴿قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إلّا ما عَلَّمْتَنا﴾ وسُبْحانَ: مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ عِنْدَ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ وقالَ الكِسائِيُّ: هو مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مُنادى مُضافٌ وهَذا ضَعِيفٌ جِدًّا. والعَلِيمُ: لِلْمُبالَغَةِ والدَّلالَةِ عَلى كَثْرَةِ المَعْلُوماتِ. والحَكِيمُ صِيغَةُ مُبالَغَةٍ في إثْباتِ الحِكْمَةِ لَهُ. ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ آدَمَ أنْ يُعْلِمَهم بِأسْمائِهِمْ بَعْدَ أنْ عَرَضَهم عَلى المَلائِكَةِ فَعَجَزُوا واعْتَرَفُوا بِالقُصُورِ. ولِهَذا قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ألَمْ أقُلْ لَكُمْ﴾ الآيَةَ. قالَ فِيما تَقَدَّمَ: ﴿أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ثُمَّ قالَ هُنا: ﴿أعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ تَدَرُّجًا مِنَ المُجْمَلِ إلى ما هو مُبَيَّنٌ بَعْضَ بَيانٍ، ومَبْسُوطٌ بَعْضَ بَسْطٍ. وفِي اخْتِصاصِهِ بِعِلْمِ غَيْبِ السَّماواتِ والأرْضِ رَدٌّ لِما يَتَكَلَّفُهُ كَثِيرٌ مِنَ العِبادِ مِنَ الِاطِّلاعِ عَلى شَيْءٍ مِن عِلْمِ الغَيْبِ كالمُنَجِّمِينَ والكُهّانِ وأهْلِ الرَّمْلِ والسِّحْرِ والشَّعْوَذَةِ. والمُرادُ بِما يُبْدُونَ وما يَكْتُمُونَ: ما يُظْهِرُونَ ويُسِرُّونَ كَما (p-٤٦)يُفِيدُهُ مَعْنى ذَلِكَ عِنْدَ العَرَبِ، ومَن فَسَّرَهُ بِشَيْءٍ خاصٍّ فَلا يُقْبَلُ مِنهُ ذَلِكَ إلّا بِدَلِيلٍ. وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ سَعْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّما سُمِّيَ آدَمَ لِأنَّهُ خُلِقَ مِن أدِيمِ الأرْضِ. وأخْرَجَ نَحْوَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها﴾ قالَ: عَلَّمَهُ اسْمَ الصَّفْحَةِ والقِدْرِ وكُلِّ شَيْءٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في تَفْسِيرِ الآيَةِ قالَ: عَرَضَ عَلَيْهِ أسْماءَ ولَدِهِ إنْسانًا إنْسانًا والدَّوابِّ، فَقِيلَ: هَذا الجَمَلُ هَذا الحِمارُ هَذا الفَرَسُ. وأخْرَجَ الحاكِمُ في تارِيخِهِ وابْنُ عَساكِرَ والدَّيْلَمِيُّ «عَنْ عَطِيَّةَ بْنِ بِشْرٍ مَرْفُوعًا في قَوْلِهِ: ﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها﴾ قالَ: عَلَّمَ اللَّهُ آدَمَ في تِلْكَ الأسْماءِ ألْفَ حِرْفَةٍ مِنَ الحِرَفِ وقالَ لَهُ: قُلْ لِأوْلادِكَ ولِذُرِّيَّتِكَ إنْ لَمْ تَصْبِرُوا عَنِ الدُّنْيا فاطْلُبُوها بِهَذِهِ الحِرَفِ ولا تَطْلُبُوها بِالدِّينِ، فَإنَّ الدِّينَ لِي وحْدِي خالِصًا، ويْلٌ لِمَن طَلَبَ الدُّنْيا بِالدِّينِ ويْلٌ لَهُ» . وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ أبِي رافِعٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «مُثِّلَتْ لِي أُمَّتِي في الماءِ والطِّينِ وعُلِّمْتُ الأسْماءَ كُلَّها كَما عُلِّمَ آدَمُ الأسْماءَ كُلَّها» وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في تَفْسِيرِ الآيَةِ قالَ: أسْماءَ ذُرِّيَّتِهِ أجْمَعِينَ ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ﴾ قالَ: أخَذَهم مِن ظَهْرِهِ. وأخْرَجَ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ قالَ: أسْماءَ المَلائِكَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: هي هَذِهِ الأسْماءُ الَّتِي يَتَعارَفُ بِها النّاسُ ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ﴾ يَعْنِي عَرَضَ أسْماءَ جَمِيعِ الأشْياءِ الَّتِي عَلَّمَها آدَمَ مِن أصْنافِ الخَلْقِ. ﴿فَقالَ أنْبِئُونِي﴾ يَقُولُ: أخْبِرُونِي ﴿بِأسْماءِ هَؤُلاءِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنِّي لَمْ أجْعَلْ في الأرْضِ خَلِيفَةً ﴿قالُوا سُبْحانَكَ﴾ تَنْزِيهًا لِلَّهِ مِن أنْ يَكُونَ يَعْلَمُ الغَيْبَ أحَدٌ غَيْرُهُ، تُبْنا إلَيْكَ ﴿لا عِلْمَ لَنا﴾ تَبَرَّءُوا مِنهم مِن عِلْمِ الغَيْبِ ﴿إلّا ما عَلَّمْتَنا﴾ كَما عَلَّمْتَ آدَمَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: عَرَضَ أصْحابَ الأسْماءِ عَلى المَلائِكَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ أنْتَ العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾ قالَ: العَلِيمُ الَّذِي قَدْ كَمَلَ في عِلْمِهِ، والحَكِيمُ الَّذِي قَدْ كَمَلَ في حُكْمِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أنَّ بَنِي آدَمَ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ويَسْفِكُونَ الدِّماءَ ﴿وأعْلَمُ ما تُبْدُونَ﴾ قالَ: قَوْلُهم ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ ﴿وما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠ - ٣٣] يَعْنِي: ما أسَرَّ إبْلِيسُ في نَفْسِهِ مِنَ الكِبْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ﴿ما تُبْدُونَ﴾ ما تُظْهِرُونَ ﴿وما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ يَقُولُ: أعْلَمُ السِّرَّ كَما أعْلَمُ العَلانِيَةَ. * * " إذْ " مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ إذْ قُلْنا. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ إذْ زائِدَةٌ وهو ضَعِيفٌ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في المَلائِكَةِ وآدَمَ. السُّجُودُ مَعْناهُ في كَلامِ العَرَبِ: التَّذَلُّلُ والخُضُوعُ. وغايَتُهُ وضْعُ الوَجْهِ عَلى الأرْضِ. قالَ ابْنُ فارِسٍ: سَجَدَ إذا تَطامَنَ، وكُلُّ ما سَجَدَ فَقَدْ ذَلَّ، والإسْجادُ: إدامَةُ النَّظَرِ. وقالَ أبُو عُمَرَ: وسَجَدَ إذا طَأْطَأ رَأْسَهُ، وفي هَذِهِ الآيَةِ فَضِيلَةٌ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَظِيمَةٌ حَيْثُ أسْجَدَ اللَّهُ لَهُ مَلائِكَتَهُ. وقِيلَ: إنَّ السُّجُودَ كانَ لِلَّهِ ولَمْ يَكُنْ لِآدَمَ، وإنَّما كانُوا مُسْتَقْبِلِينَ لَهُ عِنْدَ السُّجُودِ، ولا مُلْجِئَ لِهَذا فَإنَّ السُّجُودَ لِلْبَشَرِ قَدْ يَكُونُ جائِزًا في بَعْضِ الشَّرائِعِ بِحَسَبِ ما تَقْتَضِيهِ المَصالِحُ. وقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ السُّجُودَ لِآدَمَ وكَذَلِكَ الآيَةُ الأُخْرى أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ [الحجر: ٢٩] وقالَ تَعالى: ﴿ورَفَعَ أبَوَيْهِ عَلى العَرْشِ وخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ [يوسف: ١٠٠] فَلا يَسْتَلْزِمُ تَحْرِيمُهُ لِغَيْرِ اللَّهِ في شَرِيعَةِ نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ في سائِرِ الشَّرائِعِ. ومَعْنى السُّجُودِ هُنا: هو وضْعُ الجَبْهَةِ عَلى الأرْضِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الجُمْهُورُ. وقالَ قَوْمٌ: هو مُجَرَّدُ التَّذَلُّلِ والِانْقِيادِ. وقَدْ وقَعَ الخِلافُ هَلْ كانَ السُّجُودُ مِنَ المَلائِكَةِ لِآدَمَ قَبْلَ تَعْلِيمِهِ الأسْماءَ أمْ بَعْدَهُ ؟ وقَدْ أطالَ البَحْثَ في ذَلِكَ البِقاعِيُّ في تَفْسِيرِهِ. وظاهِرُ السِّياقِ أنَّهُ وقَعَ التَّعْلِيمُ وتَعَقَّبَهُ الأمْرُ بِالسُّجُودِ وتَعَقَّبَهُ إسْكانُهُ الجَنَّةَ ثُمَّ إخْراجُهُ مِنها وإسْكانُهُ الأرْضَ. وقَوْلُهُ: ﴿إلّا إبْلِيسَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ لِأنَّهُ كانَ مِنَ المَلائِكَةِ عَلى ما قالَهُ الجُمْهُورُ. وقالَ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ وبَعْضُ الأُصُولِيِّينَ: ﴿كانَ مِنَ الجِنِّ﴾ الَّذِي كانُوا في الأرْضِ. فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ عَلى هَذا مُنْقِطَعًا. واسْتَدَلُّوا عَلى هَذا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أمَرَهم ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦] وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا إبْلِيسَ كانَ مِنَ الجِنِّ﴾ [الكهف: ٥٠] والجِنُّ غَيْرُ المَلائِكَةِ، وأجابَ الأوَّلُونَ بِأنَّهُ لا يَمْتَنِعُ أنْ يَخْرُجَ إبْلِيسُ عَنْ جُمْلَةِ المَلائِكَةِ، لِما سَبَقَ في عِلْمِ اللَّهِ مِن شَقائِهِ عَدْلًا مِنهُ ﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء: ٢٣] ولَيْسَ في خَلْقِهِ مِن نارٍ ولا تَرْكِيبِ الشَّهْوَةِ فِيهِ حِينَ غَضِبَ عَلَيْهِ ما يَدْفَعُ أنَّهُ مِنَ المَلائِكَةِ وأيْضًا عَلى تَسْلِيمِ ذَلِكَ لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا تَغْلِيبًا لِلْمَلائِكَةِ الَّذِينَ هم أُلُوفٌ مُؤَلَّفَةٌ عَلى إبْلِيسَ الَّذِي هو فَرْدٌ واحِدٌ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ. ومَعْنى أبى امْتَنَعَ مِن فِعْلِ ما أُمِرَ بِهِ. والِاسْتِكْبارُ: الِاسْتِعْظامُ لِلنَّفْسِ، وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إنَّ الكِبْرَ بَطَرُ الحَقِّ وغَمْطُ النّاسِ» وفي رِوايَةٍ " غَمْصُ " بِالصّادِ المُهْمَلَةِ ﴿وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ أيْ مِن جِنْسِهِمْ. قِيلَ: إنَّ " كانَ " هُنا بِمَعْنى صارَ. وقالَ ابْنُ فُورَكٍ: إنَّهُ خَطَأٌ تَرُدُّهُ الأُصُولُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَتِ السَّجْدَةُ لِآدَمَ والطّاعَةُ لِلَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: سَجَدُوا كَرامَةً مِنَ اللَّهِ أكْرَمَ بِها آدَمَ وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ إبْراهِيمَ المُزَنِيِّ قالَ: إنَّ اللَّهَ جَعَلَ آدَمَ كالكَعْبَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ إبْلِيسُ اسْمُهُ عَزازِيلُ، وكانَ مِن أشْرافِ المَلائِكَةِ مِن ذَوِي الأجْنِحَةِ الأرْبَعَةِ، ثُمَّ أبْلَسَ بَعْدُ. ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: إنَّما سُمِّيَ إبْلِيسَ لِأنَّ اللَّهَ أبْلَسَهُ مِنَ الخَيْرِ كُلِّهِ، أيْ آيَسَهُ مِنهُ. وأخْرَجَ (p-٤٧)ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْهُ قالَ: كانَ إبْلِيسُ قَبْلَ أنْ يَرْتَكِبَ المَعْصِيَةَ مِنَ المَلائِكَةِ اسْمُهُ عَزازِيلَ، وكانَ مِن سُكّانِ الأرْضِ، وكانَ مِن أشَدِّ المَلائِكَةِ اجْتِهادًا وأكْثَرِهِمْ عِلْمًا، فَذَلِكَ دَعاهُ إلى الكِبْرِ، وكانَ مِن حَيٍّ يُسَمَّوْنَ جِنًّا. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْهُ قالَ: كانَ إبْلِيسُ مِن خُزّانِ الجَنَّةِ، وكانَ يُدَبِّرُ أمْرَ سَماءِ الدُّنْيا. وأخْرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إنَّ اللَّهَ أمَرَ آدَمَ بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ، فَقالَ: لَكَ الجَنَّةُ ولِمَن سَجَدَ مِن ولَدِكَ، وأمَرَ إبْلِيسَ بِالسُّجُودِ فَأبى أنْ يَسْجُدَ، فَقالَ: لَكَ النّارُ ولِمَن أبى مِن ولَدِكَ أنْ يَسْجُدَ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ قالَ: جَعَلَهُ اللَّهُ كافِرًا لا يَسْتَطِيعُ أنْ يُؤْمِنَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ قالَ: ابْتَدَأ اللَّهُ خَلْقَ إبْلِيسَ عَلى الكُفْرِ والضَّلالَةِ وعَمِلَ بِعَمَلِ المَلائِكَةِ فَصَيَّرَهُ إلى ما ابْتُدِئَ إلَيْهِ خَلْقُهُ مِنَ الكُفْرِ، قالَ اللَّهُ: ﴿وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ .

البقرة 2:33

" آدَمُ " أصْلُهُ أأْدَمُ بِهَمْزَتَيْنِ إلّا أنَّهم لَيَّنُوا الثّانِيَةَ وإذا حُرِّكَتْ قُلِبَتْ واوًا، كَما قالُوا في الجَمْعِ أوادِمٌ، قالَهُ الأخْفَشُ. واخْتُلِفَ في اشْتِقاقِهِ، فَقِيلَ: مِن أدِيمِ الأرْضِ وهو وجْهُها، وقِيلَ: مِنَ الأُدْمَةِ وهي السُّمْرَةُ. قالَ في الكَشّافِ: وما آدَمُ إلّا اسْمٌ عَجَمِيٌّ، وأقْرَبُ أمْرِهِ أنْ يَكُونَ عَلى فاعَلَ كَآزَرَ وعازَرَ وعابَرَ وشالَخَ وفالَغَ وأشْباهِ ذَلِكَ، والأسْماءَ هي العِباراتُ والمُرادُ: أسْماءُ المُسَمَّياتِ، قالَ بِذَلِكَ أكْثَرُ العُلَماءِ، وهو المَعْنى الحَقِيقِيُّ لِلِاسْمِ. والتَّأْكِيدُ بِقَوْلِهِ: كُلَّها يُفِيدُ أنَّهُ عَلَّمَهُ جَمِيعَ الأسْماءِ ولَمْ يَخْرُجْ عَنْ هَذا شَيْءٌ مِنها كائِنًا ما كانَ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: إنَّها أسْماءُ المَلائِكَةِ وأسْماءُ ذَرِّيَّةِ آدَمَ، ثُمَّ رَجَّحَ هَذا وهو غَيْرُ راجِحٍ. وقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ: أسْماءُ الذُّرِّيَّةِ. وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ خَيْثَمٍ: أسْماءُ المَلائِكَةِ. واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ هَلْ عَرَضَ عَلى المَلائِكَةِ المُسَمَّياتِ أوِ الأسْماءَ، والظّاهِرُ الأوَّلُ لِأنَّ عَرْضَ نَفْسِ الأسْماءِ غَيْرُ واضِحٍ. وعَرْضُ الشَّيْءِ إظْهارُهُ، ومِنهُ عَرْضُ الشَّيْءِ لِلْبَيْعِ. وإنَّما ذُكِرَ ضَمِيرُ المَعْرُوضِينَ تَغْلِيبًا لِلْعُقَلاءِ عَلى غَيْرِهِمْ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: " عَرَضَهُنَّ " وقَرَأ أُبَيٌّ: " عَرَضَها " وإنَّما رَجَعَ ضَمِيرُ عَرْضِهِمْ إلى مُسَمَّياتٍ مَعَ عَدَمِ تَقَدُّمِ ذِكْرِها؛ لِأنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ ما يَدُلُّ عَلَيْها وهو أسْماؤُها. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ اللَّهَ عَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ وعَرَضَ عَلَيْهِ مَعَ ذَلِكَ الأجْناسَ أشْخاصًا، ثُمَّ عَرَضَ تِلْكَ عَلى المَلائِكَةِ وسَألَهم عَنْ أسْماءِ مُسَمَّياتِها الَّتِي قَدْ تَعَلَّمَها آدَمُ، فَقالَ لَهم آدَمُ: هَذا اسْمُهُ كَذا وهَذا اسْمُهُ كَذا. قالَ الماوَرْدِيُّ: فَكانَ الأصَحُّ تَوَجُّهَ العَرْضِ إلى المُسَمَّيْنَ. ثُمَّ في زَمَنِ عَرْضِهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ عَرَضَهم بَعْدَ أنْ خَلَقَهم. الثّانِي: أنَّهُ صَوَّرَهم لِقُلُوبِ المَلائِكَةِ ثُمَّ عَرَضَهم. وأمّا أمْرُهُ سُبْحانَهُ لِلْمَلائِكَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿أنْبِئُونِي بِأسْماءِ هَؤُلاءِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ فَهَذا مِنهُ تَعالى لِقَصْدِ التَّبْكِيتِ لَهم مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّهم يَعْجِزُونَ عَنْ ذَلِكَ. والمُرادُ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أنَّ بَنِي آدَمَ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ فَأنْبَئُونِي، كَذا قالَ المُبَرِّدُ. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ: إنَّ بَعْضَ المُفَسِّرِينَ قالَ: مَعْنى ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ إذْ كُنْتُمْ، قالا: وهَذا خَطَأٌ. ومَعْنى أنْبِئُونِي أخْبَرُونِي. فَلَمّا قالَ لَهم ذَلِكَ اعْتَرَفُوا بِالعَجْزِ والقُصُورِ ﴿قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إلّا ما عَلَّمْتَنا﴾ وسُبْحانَ: مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ عِنْدَ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ وقالَ الكِسائِيُّ: هو مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مُنادى مُضافٌ وهَذا ضَعِيفٌ جِدًّا. والعَلِيمُ: لِلْمُبالَغَةِ والدَّلالَةِ عَلى كَثْرَةِ المَعْلُوماتِ. والحَكِيمُ صِيغَةُ مُبالَغَةٍ في إثْباتِ الحِكْمَةِ لَهُ. ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ آدَمَ أنْ يُعْلِمَهم بِأسْمائِهِمْ بَعْدَ أنْ عَرَضَهم عَلى المَلائِكَةِ فَعَجَزُوا واعْتَرَفُوا بِالقُصُورِ. ولِهَذا قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ألَمْ أقُلْ لَكُمْ﴾ الآيَةَ. قالَ فِيما تَقَدَّمَ: ﴿أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ثُمَّ قالَ هُنا: ﴿أعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ تَدَرُّجًا مِنَ المُجْمَلِ إلى ما هو مُبَيَّنٌ بَعْضَ بَيانٍ، ومَبْسُوطٌ بَعْضَ بَسْطٍ. وفِي اخْتِصاصِهِ بِعِلْمِ غَيْبِ السَّماواتِ والأرْضِ رَدٌّ لِما يَتَكَلَّفُهُ كَثِيرٌ مِنَ العِبادِ مِنَ الِاطِّلاعِ عَلى شَيْءٍ مِن عِلْمِ الغَيْبِ كالمُنَجِّمِينَ والكُهّانِ وأهْلِ الرَّمْلِ والسِّحْرِ والشَّعْوَذَةِ. والمُرادُ بِما يُبْدُونَ وما يَكْتُمُونَ: ما يُظْهِرُونَ ويُسِرُّونَ كَما (p-٤٦)يُفِيدُهُ مَعْنى ذَلِكَ عِنْدَ العَرَبِ، ومَن فَسَّرَهُ بِشَيْءٍ خاصٍّ فَلا يُقْبَلُ مِنهُ ذَلِكَ إلّا بِدَلِيلٍ. وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ سَعْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّما سُمِّيَ آدَمَ لِأنَّهُ خُلِقَ مِن أدِيمِ الأرْضِ. وأخْرَجَ نَحْوَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها﴾ قالَ: عَلَّمَهُ اسْمَ الصَّفْحَةِ والقِدْرِ وكُلِّ شَيْءٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في تَفْسِيرِ الآيَةِ قالَ: عَرَضَ عَلَيْهِ أسْماءَ ولَدِهِ إنْسانًا إنْسانًا والدَّوابِّ، فَقِيلَ: هَذا الجَمَلُ هَذا الحِمارُ هَذا الفَرَسُ. وأخْرَجَ الحاكِمُ في تارِيخِهِ وابْنُ عَساكِرَ والدَّيْلَمِيُّ «عَنْ عَطِيَّةَ بْنِ بِشْرٍ مَرْفُوعًا في قَوْلِهِ: ﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها﴾ قالَ: عَلَّمَ اللَّهُ آدَمَ في تِلْكَ الأسْماءِ ألْفَ حِرْفَةٍ مِنَ الحِرَفِ وقالَ لَهُ: قُلْ لِأوْلادِكَ ولِذُرِّيَّتِكَ إنْ لَمْ تَصْبِرُوا عَنِ الدُّنْيا فاطْلُبُوها بِهَذِهِ الحِرَفِ ولا تَطْلُبُوها بِالدِّينِ، فَإنَّ الدِّينَ لِي وحْدِي خالِصًا، ويْلٌ لِمَن طَلَبَ الدُّنْيا بِالدِّينِ ويْلٌ لَهُ» . وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ أبِي رافِعٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «مُثِّلَتْ لِي أُمَّتِي في الماءِ والطِّينِ وعُلِّمْتُ الأسْماءَ كُلَّها كَما عُلِّمَ آدَمُ الأسْماءَ كُلَّها» وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في تَفْسِيرِ الآيَةِ قالَ: أسْماءَ ذُرِّيَّتِهِ أجْمَعِينَ ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ﴾ قالَ: أخَذَهم مِن ظَهْرِهِ. وأخْرَجَ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ قالَ: أسْماءَ المَلائِكَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: هي هَذِهِ الأسْماءُ الَّتِي يَتَعارَفُ بِها النّاسُ ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ﴾ يَعْنِي عَرَضَ أسْماءَ جَمِيعِ الأشْياءِ الَّتِي عَلَّمَها آدَمَ مِن أصْنافِ الخَلْقِ. ﴿فَقالَ أنْبِئُونِي﴾ يَقُولُ: أخْبِرُونِي ﴿بِأسْماءِ هَؤُلاءِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنِّي لَمْ أجْعَلْ في الأرْضِ خَلِيفَةً ﴿قالُوا سُبْحانَكَ﴾ تَنْزِيهًا لِلَّهِ مِن أنْ يَكُونَ يَعْلَمُ الغَيْبَ أحَدٌ غَيْرُهُ، تُبْنا إلَيْكَ ﴿لا عِلْمَ لَنا﴾ تَبَرَّءُوا مِنهم مِن عِلْمِ الغَيْبِ ﴿إلّا ما عَلَّمْتَنا﴾ كَما عَلَّمْتَ آدَمَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: عَرَضَ أصْحابَ الأسْماءِ عَلى المَلائِكَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ أنْتَ العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾ قالَ: العَلِيمُ الَّذِي قَدْ كَمَلَ في عِلْمِهِ، والحَكِيمُ الَّذِي قَدْ كَمَلَ في حُكْمِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أنَّ بَنِي آدَمَ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ويَسْفِكُونَ الدِّماءَ ﴿وأعْلَمُ ما تُبْدُونَ﴾ قالَ: قَوْلُهم ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ ﴿وما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠ - ٣٣] يَعْنِي: ما أسَرَّ إبْلِيسُ في نَفْسِهِ مِنَ الكِبْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ﴿ما تُبْدُونَ﴾ ما تُظْهِرُونَ ﴿وما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ يَقُولُ: أعْلَمُ السِّرَّ كَما أعْلَمُ العَلانِيَةَ. * * " إذْ " مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ إذْ قُلْنا. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ إذْ زائِدَةٌ وهو ضَعِيفٌ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في المَلائِكَةِ وآدَمَ. السُّجُودُ مَعْناهُ في كَلامِ العَرَبِ: التَّذَلُّلُ والخُضُوعُ. وغايَتُهُ وضْعُ الوَجْهِ عَلى الأرْضِ. قالَ ابْنُ فارِسٍ: سَجَدَ إذا تَطامَنَ، وكُلُّ ما سَجَدَ فَقَدْ ذَلَّ، والإسْجادُ: إدامَةُ النَّظَرِ. وقالَ أبُو عُمَرَ: وسَجَدَ إذا طَأْطَأ رَأْسَهُ، وفي هَذِهِ الآيَةِ فَضِيلَةٌ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَظِيمَةٌ حَيْثُ أسْجَدَ اللَّهُ لَهُ مَلائِكَتَهُ. وقِيلَ: إنَّ السُّجُودَ كانَ لِلَّهِ ولَمْ يَكُنْ لِآدَمَ، وإنَّما كانُوا مُسْتَقْبِلِينَ لَهُ عِنْدَ السُّجُودِ، ولا مُلْجِئَ لِهَذا فَإنَّ السُّجُودَ لِلْبَشَرِ قَدْ يَكُونُ جائِزًا في بَعْضِ الشَّرائِعِ بِحَسَبِ ما تَقْتَضِيهِ المَصالِحُ. وقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ السُّجُودَ لِآدَمَ وكَذَلِكَ الآيَةُ الأُخْرى أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ [الحجر: ٢٩] وقالَ تَعالى: ﴿ورَفَعَ أبَوَيْهِ عَلى العَرْشِ وخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ [يوسف: ١٠٠] فَلا يَسْتَلْزِمُ تَحْرِيمُهُ لِغَيْرِ اللَّهِ في شَرِيعَةِ نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ في سائِرِ الشَّرائِعِ. ومَعْنى السُّجُودِ هُنا: هو وضْعُ الجَبْهَةِ عَلى الأرْضِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الجُمْهُورُ. وقالَ قَوْمٌ: هو مُجَرَّدُ التَّذَلُّلِ والِانْقِيادِ. وقَدْ وقَعَ الخِلافُ هَلْ كانَ السُّجُودُ مِنَ المَلائِكَةِ لِآدَمَ قَبْلَ تَعْلِيمِهِ الأسْماءَ أمْ بَعْدَهُ ؟ وقَدْ أطالَ البَحْثَ في ذَلِكَ البِقاعِيُّ في تَفْسِيرِهِ. وظاهِرُ السِّياقِ أنَّهُ وقَعَ التَّعْلِيمُ وتَعَقَّبَهُ الأمْرُ بِالسُّجُودِ وتَعَقَّبَهُ إسْكانُهُ الجَنَّةَ ثُمَّ إخْراجُهُ مِنها وإسْكانُهُ الأرْضَ. وقَوْلُهُ: ﴿إلّا إبْلِيسَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ لِأنَّهُ كانَ مِنَ المَلائِكَةِ عَلى ما قالَهُ الجُمْهُورُ. وقالَ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ وبَعْضُ الأُصُولِيِّينَ: ﴿كانَ مِنَ الجِنِّ﴾ الَّذِي كانُوا في الأرْضِ. فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ عَلى هَذا مُنْقِطَعًا. واسْتَدَلُّوا عَلى هَذا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أمَرَهم ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦] وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا إبْلِيسَ كانَ مِنَ الجِنِّ﴾ [الكهف: ٥٠] والجِنُّ غَيْرُ المَلائِكَةِ، وأجابَ الأوَّلُونَ بِأنَّهُ لا يَمْتَنِعُ أنْ يَخْرُجَ إبْلِيسُ عَنْ جُمْلَةِ المَلائِكَةِ، لِما سَبَقَ في عِلْمِ اللَّهِ مِن شَقائِهِ عَدْلًا مِنهُ ﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء: ٢٣] ولَيْسَ في خَلْقِهِ مِن نارٍ ولا تَرْكِيبِ الشَّهْوَةِ فِيهِ حِينَ غَضِبَ عَلَيْهِ ما يَدْفَعُ أنَّهُ مِنَ المَلائِكَةِ وأيْضًا عَلى تَسْلِيمِ ذَلِكَ لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا تَغْلِيبًا لِلْمَلائِكَةِ الَّذِينَ هم أُلُوفٌ مُؤَلَّفَةٌ عَلى إبْلِيسَ الَّذِي هو فَرْدٌ واحِدٌ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ. ومَعْنى أبى امْتَنَعَ مِن فِعْلِ ما أُمِرَ بِهِ. والِاسْتِكْبارُ: الِاسْتِعْظامُ لِلنَّفْسِ، وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إنَّ الكِبْرَ بَطَرُ الحَقِّ وغَمْطُ النّاسِ» وفي رِوايَةٍ " غَمْصُ " بِالصّادِ المُهْمَلَةِ ﴿وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ أيْ مِن جِنْسِهِمْ. قِيلَ: إنَّ " كانَ " هُنا بِمَعْنى صارَ. وقالَ ابْنُ فُورَكٍ: إنَّهُ خَطَأٌ تَرُدُّهُ الأُصُولُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَتِ السَّجْدَةُ لِآدَمَ والطّاعَةُ لِلَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: سَجَدُوا كَرامَةً مِنَ اللَّهِ أكْرَمَ بِها آدَمَ وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ إبْراهِيمَ المُزَنِيِّ قالَ: إنَّ اللَّهَ جَعَلَ آدَمَ كالكَعْبَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ إبْلِيسُ اسْمُهُ عَزازِيلُ، وكانَ مِن أشْرافِ المَلائِكَةِ مِن ذَوِي الأجْنِحَةِ الأرْبَعَةِ، ثُمَّ أبْلَسَ بَعْدُ. ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: إنَّما سُمِّيَ إبْلِيسَ لِأنَّ اللَّهَ أبْلَسَهُ مِنَ الخَيْرِ كُلِّهِ، أيْ آيَسَهُ مِنهُ. وأخْرَجَ (p-٤٧)ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْهُ قالَ: كانَ إبْلِيسُ قَبْلَ أنْ يَرْتَكِبَ المَعْصِيَةَ مِنَ المَلائِكَةِ اسْمُهُ عَزازِيلَ، وكانَ مِن سُكّانِ الأرْضِ، وكانَ مِن أشَدِّ المَلائِكَةِ اجْتِهادًا وأكْثَرِهِمْ عِلْمًا، فَذَلِكَ دَعاهُ إلى الكِبْرِ، وكانَ مِن حَيٍّ يُسَمَّوْنَ جِنًّا. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْهُ قالَ: كانَ إبْلِيسُ مِن خُزّانِ الجَنَّةِ، وكانَ يُدَبِّرُ أمْرَ سَماءِ الدُّنْيا. وأخْرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إنَّ اللَّهَ أمَرَ آدَمَ بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ، فَقالَ: لَكَ الجَنَّةُ ولِمَن سَجَدَ مِن ولَدِكَ، وأمَرَ إبْلِيسَ بِالسُّجُودِ فَأبى أنْ يَسْجُدَ، فَقالَ: لَكَ النّارُ ولِمَن أبى مِن ولَدِكَ أنْ يَسْجُدَ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ قالَ: جَعَلَهُ اللَّهُ كافِرًا لا يَسْتَطِيعُ أنْ يُؤْمِنَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ قالَ: ابْتَدَأ اللَّهُ خَلْقَ إبْلِيسَ عَلى الكُفْرِ والضَّلالَةِ وعَمِلَ بِعَمَلِ المَلائِكَةِ فَصَيَّرَهُ إلى ما ابْتُدِئَ إلَيْهِ خَلْقُهُ مِنَ الكُفْرِ، قالَ اللَّهُ: ﴿وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ .

البقرة 2:34

" آدَمُ " أصْلُهُ أأْدَمُ بِهَمْزَتَيْنِ إلّا أنَّهم لَيَّنُوا الثّانِيَةَ وإذا حُرِّكَتْ قُلِبَتْ واوًا، كَما قالُوا في الجَمْعِ أوادِمٌ، قالَهُ الأخْفَشُ. واخْتُلِفَ في اشْتِقاقِهِ، فَقِيلَ: مِن أدِيمِ الأرْضِ وهو وجْهُها، وقِيلَ: مِنَ الأُدْمَةِ وهي السُّمْرَةُ. قالَ في الكَشّافِ: وما آدَمُ إلّا اسْمٌ عَجَمِيٌّ، وأقْرَبُ أمْرِهِ أنْ يَكُونَ عَلى فاعَلَ كَآزَرَ وعازَرَ وعابَرَ وشالَخَ وفالَغَ وأشْباهِ ذَلِكَ، والأسْماءَ هي العِباراتُ والمُرادُ: أسْماءُ المُسَمَّياتِ، قالَ بِذَلِكَ أكْثَرُ العُلَماءِ، وهو المَعْنى الحَقِيقِيُّ لِلِاسْمِ. والتَّأْكِيدُ بِقَوْلِهِ: كُلَّها يُفِيدُ أنَّهُ عَلَّمَهُ جَمِيعَ الأسْماءِ ولَمْ يَخْرُجْ عَنْ هَذا شَيْءٌ مِنها كائِنًا ما كانَ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: إنَّها أسْماءُ المَلائِكَةِ وأسْماءُ ذَرِّيَّةِ آدَمَ، ثُمَّ رَجَّحَ هَذا وهو غَيْرُ راجِحٍ. وقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ: أسْماءُ الذُّرِّيَّةِ. وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ خَيْثَمٍ: أسْماءُ المَلائِكَةِ. واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ هَلْ عَرَضَ عَلى المَلائِكَةِ المُسَمَّياتِ أوِ الأسْماءَ، والظّاهِرُ الأوَّلُ لِأنَّ عَرْضَ نَفْسِ الأسْماءِ غَيْرُ واضِحٍ. وعَرْضُ الشَّيْءِ إظْهارُهُ، ومِنهُ عَرْضُ الشَّيْءِ لِلْبَيْعِ. وإنَّما ذُكِرَ ضَمِيرُ المَعْرُوضِينَ تَغْلِيبًا لِلْعُقَلاءِ عَلى غَيْرِهِمْ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: " عَرَضَهُنَّ " وقَرَأ أُبَيٌّ: " عَرَضَها " وإنَّما رَجَعَ ضَمِيرُ عَرْضِهِمْ إلى مُسَمَّياتٍ مَعَ عَدَمِ تَقَدُّمِ ذِكْرِها؛ لِأنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ ما يَدُلُّ عَلَيْها وهو أسْماؤُها. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ اللَّهَ عَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ وعَرَضَ عَلَيْهِ مَعَ ذَلِكَ الأجْناسَ أشْخاصًا، ثُمَّ عَرَضَ تِلْكَ عَلى المَلائِكَةِ وسَألَهم عَنْ أسْماءِ مُسَمَّياتِها الَّتِي قَدْ تَعَلَّمَها آدَمُ، فَقالَ لَهم آدَمُ: هَذا اسْمُهُ كَذا وهَذا اسْمُهُ كَذا. قالَ الماوَرْدِيُّ: فَكانَ الأصَحُّ تَوَجُّهَ العَرْضِ إلى المُسَمَّيْنَ. ثُمَّ في زَمَنِ عَرْضِهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ عَرَضَهم بَعْدَ أنْ خَلَقَهم. الثّانِي: أنَّهُ صَوَّرَهم لِقُلُوبِ المَلائِكَةِ ثُمَّ عَرَضَهم. وأمّا أمْرُهُ سُبْحانَهُ لِلْمَلائِكَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿أنْبِئُونِي بِأسْماءِ هَؤُلاءِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ فَهَذا مِنهُ تَعالى لِقَصْدِ التَّبْكِيتِ لَهم مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّهم يَعْجِزُونَ عَنْ ذَلِكَ. والمُرادُ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أنَّ بَنِي آدَمَ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ فَأنْبَئُونِي، كَذا قالَ المُبَرِّدُ. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ: إنَّ بَعْضَ المُفَسِّرِينَ قالَ: مَعْنى ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ إذْ كُنْتُمْ، قالا: وهَذا خَطَأٌ. ومَعْنى أنْبِئُونِي أخْبَرُونِي. فَلَمّا قالَ لَهم ذَلِكَ اعْتَرَفُوا بِالعَجْزِ والقُصُورِ ﴿قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إلّا ما عَلَّمْتَنا﴾ وسُبْحانَ: مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ عِنْدَ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ وقالَ الكِسائِيُّ: هو مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مُنادى مُضافٌ وهَذا ضَعِيفٌ جِدًّا. والعَلِيمُ: لِلْمُبالَغَةِ والدَّلالَةِ عَلى كَثْرَةِ المَعْلُوماتِ. والحَكِيمُ صِيغَةُ مُبالَغَةٍ في إثْباتِ الحِكْمَةِ لَهُ. ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ آدَمَ أنْ يُعْلِمَهم بِأسْمائِهِمْ بَعْدَ أنْ عَرَضَهم عَلى المَلائِكَةِ فَعَجَزُوا واعْتَرَفُوا بِالقُصُورِ. ولِهَذا قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ألَمْ أقُلْ لَكُمْ﴾ الآيَةَ. قالَ فِيما تَقَدَّمَ: ﴿أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ثُمَّ قالَ هُنا: ﴿أعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ تَدَرُّجًا مِنَ المُجْمَلِ إلى ما هو مُبَيَّنٌ بَعْضَ بَيانٍ، ومَبْسُوطٌ بَعْضَ بَسْطٍ. وفِي اخْتِصاصِهِ بِعِلْمِ غَيْبِ السَّماواتِ والأرْضِ رَدٌّ لِما يَتَكَلَّفُهُ كَثِيرٌ مِنَ العِبادِ مِنَ الِاطِّلاعِ عَلى شَيْءٍ مِن عِلْمِ الغَيْبِ كالمُنَجِّمِينَ والكُهّانِ وأهْلِ الرَّمْلِ والسِّحْرِ والشَّعْوَذَةِ. والمُرادُ بِما يُبْدُونَ وما يَكْتُمُونَ: ما يُظْهِرُونَ ويُسِرُّونَ كَما (p-٤٦)يُفِيدُهُ مَعْنى ذَلِكَ عِنْدَ العَرَبِ، ومَن فَسَّرَهُ بِشَيْءٍ خاصٍّ فَلا يُقْبَلُ مِنهُ ذَلِكَ إلّا بِدَلِيلٍ. وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ سَعْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّما سُمِّيَ آدَمَ لِأنَّهُ خُلِقَ مِن أدِيمِ الأرْضِ. وأخْرَجَ نَحْوَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها﴾ قالَ: عَلَّمَهُ اسْمَ الصَّفْحَةِ والقِدْرِ وكُلِّ شَيْءٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في تَفْسِيرِ الآيَةِ قالَ: عَرَضَ عَلَيْهِ أسْماءَ ولَدِهِ إنْسانًا إنْسانًا والدَّوابِّ، فَقِيلَ: هَذا الجَمَلُ هَذا الحِمارُ هَذا الفَرَسُ. وأخْرَجَ الحاكِمُ في تارِيخِهِ وابْنُ عَساكِرَ والدَّيْلَمِيُّ «عَنْ عَطِيَّةَ بْنِ بِشْرٍ مَرْفُوعًا في قَوْلِهِ: ﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها﴾ قالَ: عَلَّمَ اللَّهُ آدَمَ في تِلْكَ الأسْماءِ ألْفَ حِرْفَةٍ مِنَ الحِرَفِ وقالَ لَهُ: قُلْ لِأوْلادِكَ ولِذُرِّيَّتِكَ إنْ لَمْ تَصْبِرُوا عَنِ الدُّنْيا فاطْلُبُوها بِهَذِهِ الحِرَفِ ولا تَطْلُبُوها بِالدِّينِ، فَإنَّ الدِّينَ لِي وحْدِي خالِصًا، ويْلٌ لِمَن طَلَبَ الدُّنْيا بِالدِّينِ ويْلٌ لَهُ» . وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ أبِي رافِعٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «مُثِّلَتْ لِي أُمَّتِي في الماءِ والطِّينِ وعُلِّمْتُ الأسْماءَ كُلَّها كَما عُلِّمَ آدَمُ الأسْماءَ كُلَّها» وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في تَفْسِيرِ الآيَةِ قالَ: أسْماءَ ذُرِّيَّتِهِ أجْمَعِينَ ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ﴾ قالَ: أخَذَهم مِن ظَهْرِهِ. وأخْرَجَ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ قالَ: أسْماءَ المَلائِكَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: هي هَذِهِ الأسْماءُ الَّتِي يَتَعارَفُ بِها النّاسُ ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ﴾ يَعْنِي عَرَضَ أسْماءَ جَمِيعِ الأشْياءِ الَّتِي عَلَّمَها آدَمَ مِن أصْنافِ الخَلْقِ. ﴿فَقالَ أنْبِئُونِي﴾ يَقُولُ: أخْبِرُونِي ﴿بِأسْماءِ هَؤُلاءِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنِّي لَمْ أجْعَلْ في الأرْضِ خَلِيفَةً ﴿قالُوا سُبْحانَكَ﴾ تَنْزِيهًا لِلَّهِ مِن أنْ يَكُونَ يَعْلَمُ الغَيْبَ أحَدٌ غَيْرُهُ، تُبْنا إلَيْكَ ﴿لا عِلْمَ لَنا﴾ تَبَرَّءُوا مِنهم مِن عِلْمِ الغَيْبِ ﴿إلّا ما عَلَّمْتَنا﴾ كَما عَلَّمْتَ آدَمَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: عَرَضَ أصْحابَ الأسْماءِ عَلى المَلائِكَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ أنْتَ العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾ قالَ: العَلِيمُ الَّذِي قَدْ كَمَلَ في عِلْمِهِ، والحَكِيمُ الَّذِي قَدْ كَمَلَ في حُكْمِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أنَّ بَنِي آدَمَ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ويَسْفِكُونَ الدِّماءَ ﴿وأعْلَمُ ما تُبْدُونَ﴾ قالَ: قَوْلُهم ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ ﴿وما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠ - ٣٣] يَعْنِي: ما أسَرَّ إبْلِيسُ في نَفْسِهِ مِنَ الكِبْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ﴿ما تُبْدُونَ﴾ ما تُظْهِرُونَ ﴿وما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ يَقُولُ: أعْلَمُ السِّرَّ كَما أعْلَمُ العَلانِيَةَ. * * " إذْ " مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ إذْ قُلْنا. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ إذْ زائِدَةٌ وهو ضَعِيفٌ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في المَلائِكَةِ وآدَمَ. السُّجُودُ مَعْناهُ في كَلامِ العَرَبِ: التَّذَلُّلُ والخُضُوعُ. وغايَتُهُ وضْعُ الوَجْهِ عَلى الأرْضِ. قالَ ابْنُ فارِسٍ: سَجَدَ إذا تَطامَنَ، وكُلُّ ما سَجَدَ فَقَدْ ذَلَّ، والإسْجادُ: إدامَةُ النَّظَرِ. وقالَ أبُو عُمَرَ: وسَجَدَ إذا طَأْطَأ رَأْسَهُ، وفي هَذِهِ الآيَةِ فَضِيلَةٌ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَظِيمَةٌ حَيْثُ أسْجَدَ اللَّهُ لَهُ مَلائِكَتَهُ. وقِيلَ: إنَّ السُّجُودَ كانَ لِلَّهِ ولَمْ يَكُنْ لِآدَمَ، وإنَّما كانُوا مُسْتَقْبِلِينَ لَهُ عِنْدَ السُّجُودِ، ولا مُلْجِئَ لِهَذا فَإنَّ السُّجُودَ لِلْبَشَرِ قَدْ يَكُونُ جائِزًا في بَعْضِ الشَّرائِعِ بِحَسَبِ ما تَقْتَضِيهِ المَصالِحُ. وقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ السُّجُودَ لِآدَمَ وكَذَلِكَ الآيَةُ الأُخْرى أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ [الحجر: ٢٩] وقالَ تَعالى: ﴿ورَفَعَ أبَوَيْهِ عَلى العَرْشِ وخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ [يوسف: ١٠٠] فَلا يَسْتَلْزِمُ تَحْرِيمُهُ لِغَيْرِ اللَّهِ في شَرِيعَةِ نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ في سائِرِ الشَّرائِعِ. ومَعْنى السُّجُودِ هُنا: هو وضْعُ الجَبْهَةِ عَلى الأرْضِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الجُمْهُورُ. وقالَ قَوْمٌ: هو مُجَرَّدُ التَّذَلُّلِ والِانْقِيادِ. وقَدْ وقَعَ الخِلافُ هَلْ كانَ السُّجُودُ مِنَ المَلائِكَةِ لِآدَمَ قَبْلَ تَعْلِيمِهِ الأسْماءَ أمْ بَعْدَهُ ؟ وقَدْ أطالَ البَحْثَ في ذَلِكَ البِقاعِيُّ في تَفْسِيرِهِ. وظاهِرُ السِّياقِ أنَّهُ وقَعَ التَّعْلِيمُ وتَعَقَّبَهُ الأمْرُ بِالسُّجُودِ وتَعَقَّبَهُ إسْكانُهُ الجَنَّةَ ثُمَّ إخْراجُهُ مِنها وإسْكانُهُ الأرْضَ. وقَوْلُهُ: ﴿إلّا إبْلِيسَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ لِأنَّهُ كانَ مِنَ المَلائِكَةِ عَلى ما قالَهُ الجُمْهُورُ. وقالَ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ وبَعْضُ الأُصُولِيِّينَ: ﴿كانَ مِنَ الجِنِّ﴾ الَّذِي كانُوا في الأرْضِ. فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ عَلى هَذا مُنْقِطَعًا. واسْتَدَلُّوا عَلى هَذا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أمَرَهم ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦] وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا إبْلِيسَ كانَ مِنَ الجِنِّ﴾ [الكهف: ٥٠] والجِنُّ غَيْرُ المَلائِكَةِ، وأجابَ الأوَّلُونَ بِأنَّهُ لا يَمْتَنِعُ أنْ يَخْرُجَ إبْلِيسُ عَنْ جُمْلَةِ المَلائِكَةِ، لِما سَبَقَ في عِلْمِ اللَّهِ مِن شَقائِهِ عَدْلًا مِنهُ ﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء: ٢٣] ولَيْسَ في خَلْقِهِ مِن نارٍ ولا تَرْكِيبِ الشَّهْوَةِ فِيهِ حِينَ غَضِبَ عَلَيْهِ ما يَدْفَعُ أنَّهُ مِنَ المَلائِكَةِ وأيْضًا عَلى تَسْلِيمِ ذَلِكَ لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا تَغْلِيبًا لِلْمَلائِكَةِ الَّذِينَ هم أُلُوفٌ مُؤَلَّفَةٌ عَلى إبْلِيسَ الَّذِي هو فَرْدٌ واحِدٌ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ. ومَعْنى أبى امْتَنَعَ مِن فِعْلِ ما أُمِرَ بِهِ. والِاسْتِكْبارُ: الِاسْتِعْظامُ لِلنَّفْسِ، وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إنَّ الكِبْرَ بَطَرُ الحَقِّ وغَمْطُ النّاسِ» وفي رِوايَةٍ " غَمْصُ " بِالصّادِ المُهْمَلَةِ ﴿وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ أيْ مِن جِنْسِهِمْ. قِيلَ: إنَّ " كانَ " هُنا بِمَعْنى صارَ. وقالَ ابْنُ فُورَكٍ: إنَّهُ خَطَأٌ تَرُدُّهُ الأُصُولُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَتِ السَّجْدَةُ لِآدَمَ والطّاعَةُ لِلَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: سَجَدُوا كَرامَةً مِنَ اللَّهِ أكْرَمَ بِها آدَمَ وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ إبْراهِيمَ المُزَنِيِّ قالَ: إنَّ اللَّهَ جَعَلَ آدَمَ كالكَعْبَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ إبْلِيسُ اسْمُهُ عَزازِيلُ، وكانَ مِن أشْرافِ المَلائِكَةِ مِن ذَوِي الأجْنِحَةِ الأرْبَعَةِ، ثُمَّ أبْلَسَ بَعْدُ. ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: إنَّما سُمِّيَ إبْلِيسَ لِأنَّ اللَّهَ أبْلَسَهُ مِنَ الخَيْرِ كُلِّهِ، أيْ آيَسَهُ مِنهُ. وأخْرَجَ (p-٤٧)ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْهُ قالَ: كانَ إبْلِيسُ قَبْلَ أنْ يَرْتَكِبَ المَعْصِيَةَ مِنَ المَلائِكَةِ اسْمُهُ عَزازِيلَ، وكانَ مِن سُكّانِ الأرْضِ، وكانَ مِن أشَدِّ المَلائِكَةِ اجْتِهادًا وأكْثَرِهِمْ عِلْمًا، فَذَلِكَ دَعاهُ إلى الكِبْرِ، وكانَ مِن حَيٍّ يُسَمَّوْنَ جِنًّا. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْهُ قالَ: كانَ إبْلِيسُ مِن خُزّانِ الجَنَّةِ، وكانَ يُدَبِّرُ أمْرَ سَماءِ الدُّنْيا. وأخْرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إنَّ اللَّهَ أمَرَ آدَمَ بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ، فَقالَ: لَكَ الجَنَّةُ ولِمَن سَجَدَ مِن ولَدِكَ، وأمَرَ إبْلِيسَ بِالسُّجُودِ فَأبى أنْ يَسْجُدَ، فَقالَ: لَكَ النّارُ ولِمَن أبى مِن ولَدِكَ أنْ يَسْجُدَ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ قالَ: جَعَلَهُ اللَّهُ كافِرًا لا يَسْتَطِيعُ أنْ يُؤْمِنَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ قالَ: ابْتَدَأ اللَّهُ خَلْقَ إبْلِيسَ عَلى الكُفْرِ والضَّلالَةِ وعَمِلَ بِعَمَلِ المَلائِكَةِ فَصَيَّرَهُ إلى ما ابْتُدِئَ إلَيْهِ خَلْقُهُ مِنَ الكُفْرِ، قالَ اللَّهُ: ﴿وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ .

البقرة 2:35

اسْكُنْ أيِ اتَّخِذِ الجَنَّةَ مَسْكَنًا وهو مَحَلُّ السُّكُونِ، وأمّا ما قالَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ مِن أنَّ في قَوْلِهِ: اسْكُنْ تَنْبِيهًا عَلى الخُرُوجِ لِأنَّ السُّكْنى لا تَكُونُ مِلْكًا، وأُخِذَ ذَلِكَ مِن قَوْلِ جَماعَةٍ مِنَ العُلَماءِ أنَّ مَن أسْكَنَ رَجُلًا مَنزِلًا لَهُ فَإنَّهُ لا يَمْلِكُهُ بِذَلِكَ، وإنَّ لَهُ أنْ يُخْرِجَهُ مِنهُ، فَهو مَعْنًى عُرْفِيٌّ، والواجِبُ الأخْذُ بِالمَعْنى العَرَبِيِّ إذا لَمْ تَثْبُتْ في اللَّفْظِ حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ. وأنْتَ تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في الفِعْلِ لِيَصِحَّ العَطْفُ عَلَيْهِ كَما تَقَرَّرَ في عِلْمِ النَّحْوِ أنَّهُ لا يَجُوزُ العَطْفُ عَلى الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ المُسْتَكِنِّ إلّا بَعْدَ تَأْكِيدِهِ بِمُنْفَصِلٍ. وقَدْ يَجِيءُ العَطْفُ نادِرًا بِغَيْرِ تَأْكِيدٍ كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎قُلْتُ إذْ أقْبَلَتْ وزُهْرٌ تَهادى كَنِعاجِ المَلا تَعَسَّفْنَ رَمْلا وقَوْلُهُ: وزَوْجُكَ أيْ حَوّاءُ وهَذِهِ هي اللُّغَةُ الفَصِيحَةُ زَوْجٌ بِغَيْرِ هاءٍ، وقَدْ جاءَ بِها قَلِيلًا كَما في صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ أنَسٍ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ كانَ مَعَ إحْدى نِسائِهِ، فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ فَدَعاهُ وقالَ: «يا فُلانُ هَذِهِ زَوْجَتِي فُلانَةُ» الحَدِيثَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وإنَّ الَّذِي يَسْعى لِيُفْسِدَ زَوْجَتِي ∗∗∗ كَساعٍ إلى أُسْدِ الشَّرى يَسْتَمِيلُها ورَغَدًا بِفَتْحِ المُعْجَمَةِ، وقَرَأ النَّخَعِيُّ وابْنُ وثّابٍ بِسُكُونِها، والرَّغَدُ: العَيْشُ الهَنِيءُ الَّذِي لا عَناءَ فِيهِ، وهو مَنصُوبٌ عَلى الصِّفَةِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ. وحَيْثُ مَبْنِيَّةٌ عَلى الضَّمِّ وفِيها لُغاتٌ كَثِيرَةٌ مَذْكُورَةٌ في كُتُبِ العَرَبِيَّةِ. والقُرْبُ: الدُّنُوُّ. قالَ في الصِّحاحِ: قَرُبَ الشَّيْءُ بِالضَّمِّ يَقْرُبُ قُرْبًا: أيْ دَنا، وقَرِبْتُهُ بِالكَسْرِ أقْرَبُهُ قُرْبانًا: أيْ دَنَوْتُ مِنهُ، وقَرَبْتُ أقْرُبُ قَرابَةً مِثْلُ كَتَبْتُ أكْتُبُ كِتابَةً: إذا سِرْتَ إلى الماءِ وبَيْنَكَ وبَيْنَهُ لَيْلَةٌ، والِاسْمُ القُرْبُ قالَ الأصْمَعِيُّ: قُلْتُ لِأعْرابِيٍّ: ما القُرْبُ ؟ قالَ: سَيْرُ اللَّيْلِ لِوُرُودِ الغَدِ. والنَّهْيُ عَنِ القُرْبِ فِيهِ سَدٌّ لِلذَّرِيعَةِ وقَطْعٌ لِلْوَسِيلَةِ، ولِهَذا جاءَ بِهِ عِوَضًا عَنِ الأكْلِ، ولا يَخْفى أنَّ النَّهْيَ عَنِ القُرْبِ لا يَسْتَلْزِمُ النَّهْيَ عَنِ الأكْلِ؛ لِأنَّهُ قَدْ يَأْكُلُ مِن ثَمَرِ الشَّجَرَةِ مَن هو بَعِيدٌ عَنْها إذا يُحْمَلُ إلَيْهِ، فالأوْلى أنْ يُقالَ: المَنعُ مِنَ الأكْلِ مُسْتَفادٌ مِنَ المَقامِ. والشَّجَرُ: ما كانَ لَهُ ساقٌ مِن نَباتِ الأرْضِ وواحِدُهُ شَجَرَةٌ وقُرِئَ بِكَسْرِ الشِّينِ وبِالياءِ المُثَنّاةِ مِن تَحْتِ مَكانِ الجِيمِ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ " هَذِي " بِالياءِ بَدَلَ الهاءِ وهو الأصْلُ. واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الشَّجَرَةِ، فَقِيلَ: هي الكَرْمُ وقِيلَ: السُّنْبُلَةُ، وقِيلَ: التِّينُ، وقِيلَ: الحِنْطَةُ، وسَيَأْتِي ما رُوِيَ عَنِ الصَّحابَةِ فَمَن بَعْدَهم في تَعْيِينِها. وقَوْلُهُ: فَتَكُونا مَعْطُوفٌ عَلى تَقْرَبا في الكَشّافِ، أوْ نُصِبَ في جَوابِ النَّهْيِ وهو الأظْهَرُ. والظُّلْمُ أصْلُهُ: وضْعُ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، والأرْضُ المَظْلُومَةُ: الَّتِي لَمْ تُحْفَرْ قَطُّ ثُمَّ حُفِرَتْ، ورَجُلٌ ظَلِيمٌ: شَدِيدُ الظُّلْمِ. والمُرادُ هُنا ﴿فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ لِأنْفُسِهِمْ بِالمَعْصِيَةِ، وكَلامُ أهْلِ العِلْمِ في عِصْمَةِ الأنْبِياءِ واخْتِلافُ مَذاهِبِهِمْ في ذَلِكَ مُدَوَّنٌ في مَواطِنِهِ، وقَدْ أطالَ البَحْثَ في ذَلِكَ الرّازِيُّ في تَفْسِيرِهِ في هَذا المَوْضِعِ فَلْيُرْجَعْ إلَيْهِ فَإنَّهُ مُفِيدٌ. وأزَلَّهُما مِنَ الزَّلَّةِ وهي الخَطِيئَةُ أيِ اسْتَزَلَّهُما وأوْقَعَهُما فِيها، وقَرَأ حَمْزَةُ " فَأزالَهُما " بِإثْباتِ الألِفِ مِنَ الإزالَةِ وهي التَّحْتِيَّةُ: أيْ نَحّاهُما، وقَرَأ الباقُونَ بِحَذْفِ الألِفِ. قالَ ابْنُ كَيْسانَ: هو مِنَ الزَّوالِ: أيْ صَرَفَهُما عَمّا كانَ عَلَيْهِ مِنَ الطّاعَةِ إلى المَعْصِيَةِ. قالَ القُرْطُبِيُّ: وعَلى هَذا تَكُونُ القِراءَتانِ بِمَعْنًى، إلّا أنَّ قِراءَةَ الجَماعَةِ أمْكَنُ في المَعْنى، يُقالُ مِنهُ: أزْلَلْتُهُ فَزَلَّ وعَنْها مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: أزَلَّهُما عَلى تَضْمِينِهِ مَعْنى أصْدَرَ: أيْ أصْدَرَ الشَّيْطانُ زَلَّتَهُما عَنْها أيْ بِسَبَبِها، يَعْنِي الشَّجَرَةَ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْجَنَّةِ، وعَلى هَذا فالفِعْلُ مُضَمَّنٌ مَعْنى أبْعَدَهُما: أيْ أبْعَدَهُما عَنِ الجَنَّةِ. وقَوْلُهُ: فَأخْرَجَهُما تَأْكِيدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ الأُولى: أيْ أزَلَّهُما إنْ كانَ مَعْناهُ زالَ عَنِ المَكانِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ مَعْناهُ كَذَلِكَ فَهو تَأْسِيسٌ، لِأنَّ الإخْراجَ فِيهِ زِيادَةٌ عَلى مُجَرَّدِ الصَّرْفِ والإبْعادِ ونَحْوِهِما، لِأنَّ الصَّرْفَ عَنِ الشَّجَرَةِ والإبْعادَ عَنْها قَدْ يَكُونُ مَعَ البَقاءِ في الجَنَّةِ بِخِلافِ الإخْراجِ لَهُما عَمّا كانا فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ والكَرامَةِ أوْ مِنَ الجَنَّةِ، وإنَّما نَسَبَ ذَلِكَ إلى الشَّيْطانِ لِأنَّهُ الَّذِي تَوَلّى إغْواءَ آدَمَ حَتّى أكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ. وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في الكَيْفِيَّةِ الَّتِي فَعَلَها الشَّيْطانُ في إزْلالِهِما، فَقِيلَ: إنَّهُ كانَ ذَلِكَ بِمُشافَهَةٍ مِنهُ لَهُما، وإلَيْهِ ذَهَبَ الجُمْهُورُ واسْتَدَلُّوا عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وقاسَمَهُما إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٢١] والمُقاسَمَةُ ظاهِرُها المُشافَهَةُ: وقِيلَ: لَمْ يَصْدُرْ مِنهُ إلّا مُجَرَّدُ الوَسْوَسَةِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا سَيَأْتِي في المَرْوِيِّ عَنِ السَّلَفِ. وقَوْلُهُ: اهْبِطُوا خِطابٌ لِآدَمَ وحَوّاءَ، وخُوطِبا بِما يُخاطَبُ بِهِ الجَمْعُ لِأنَّ الِاثْنَيْنِ أقَلُّ الجَمْعِ عِنْدَ البَعْضِ مِن أئِمَّةِ العَرَبِيَّةِ، (p-٤٨)وقِيلَ: إنَّهُ خِطابٌ لَهُما ولِذُرِّيَّتِهِما، لِأنَّهُما لَمّا كانا أصْلَ هَذا النَّوْعِ الإنْسانِيِّ جُعِلا بِمَنزِلَتِهِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ فَإنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ الواقِعَةَ حالًا مُبَيِّنًا لِلْهَيْئَةِ الثّابِتَةِ لِلْمَأْمُورِينَ بِالهُبُوطِ تُفِيدُ ذَلِكَ. والعَدُوُّ خِلافُ الصَّدِيقِ، وهو مِن عَدا إذا ظَلَمَ، ويُقالُ: ذِئْبٌ عَدَوانٌ: أيْ يَعْدُو عَلى النّاسِ، والعُدْوانُ: الظُّلْمُ الصُّراحُ وقِيلَ إنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ المُجاوَزَةِ، يُقالُ عَداهُ: إذا جاوَزَهُ، والمَعْنَيانِ مُتَقارِبانِ، فَإنَّ مَن ظَلَمَ فَقَدْ تَجاوَزَ. وإنَّما أخْبَرَ عَنْ قَوْلِهِ: بَعْضُكم بِقَوْلِهِ: عَدُوٌّ مَعَ كَوْنِهِ مُفْرَدًا، لِأنَّ لَفْظَ بَعْضٍ وإنْ كانَ مَعْناهُ مُحْتَمِلًا لِلتَّعَدُّدِ فَهو مُفْرَدٌ، فَرُوعِيَ جانِبُ اللَّفْظِ وأخْبَرَ عَنْهُ بِالمُفْرَدِ، وقَدْ يُراعِي المَعْنى فَيُخْبِرُ عَنْهُ بِالمُتَعَدِّدِ. وقَدْ يُجابُ بِأنَّ عَدُوٌّ وإنْ كانَ مُفْرَدًا فَقَدْ يَقَعُ مَوْقِعَ المُتَعَدِّدِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهم لَكم عَدُوٌّ﴾ [الكهف: ٥٠] وقَوْلِهِ: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ العَدُوُّ﴾ [المنافقون: ٤] قالَ ابْنُ فارِسٍ: العَدُوُّ اسْمٌ جامِعٌ لِلْواحِدِ والِاثْنَيْنِ والثَّلاثَةِ. والمُرادُ بِالمُسْتَقَرِّ مَوْضِعُ الِاسْتِقْرارِ، ومِنهُ ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ [الفرقان: ٢٤] وقَدْ يَكُونُ بِمَعْنى الِاسْتِقْرارِ، ومِنهُ ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾ [القيامة: ١٢] فالآيَةُ مُحْتَمِلَةٌ لِلْمَعْنَيَيْنِ، ومِثْلُها قَوْلُهُ: ﴿جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ قَرارًا﴾ [غافر: ٦٤] والمَتاعُ: ما يُسْتَمْتَعُ بِهِ مِنَ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ والمَلْبُوسِ ونَحْوِها. واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في قَوْلِهِ: إلى حِينٍ فَقِيلَ: إلى المَوْتِ، وقِيلَ: إلى قِيامِ السّاعَةِ. وأصْلُ مَعْنى الحِينِ في اللُّغَةِ: الوَقْتُ البَعِيدُ، ومِنهُ ﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ [الإنسان: ١]، والحِينُ السّاعَةُ، ومِنهُ ﴿أوْ تَقُولَ حِينَ تَرى العَذابَ﴾ [الزمر: ٥٨] والقِطْعَةُ مِنَ الدَّهْرِ، ومِنهُ ﴿فَذَرْهم في غَمْرَتِهِمْ حَتّى حِينٍ﴾ [المؤمنون: ٥٤] أيْ حَتّى تَفْنى آجالُهم، ويُطْلَقُ عَلى السَّنَةِ، وقِيلَ: عَلى سِتَّةِ أشْهُرٍ، ومِنهُ ﴿تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ﴾ [إبراهيم: ٢٥] ويُطْلَقُ عَلى المَساءِ والصَّباحِ، ومِنهُ ﴿حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧] وقالَ الفَرّاءُ: الحِينُ حِينانِ، حِينٌ لا يُوقَفُ عَلى حَدِّهِ، ثُمَّ ذَكَرَ الحِينَ الآخَرَ، واخْتِلافُهُ بِحَسَبِ اخْتِلافِ المَقاماتِ كَما ذَكَرْنا. وقالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: الحِينُ المَجْهُولُ لا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ، والحِينُ المَعْلُومُ سَنَةٌ. ومَعْنى تَلَقِّي آدَمَ لِلْكَلِماتِ: أخْذُهُ لَها وقَبُولُهُ لِما فِيها وعَمَلُهُ بِها، وقِيلَ: فَهْمُهُ لَها وفَطانَتُهُ لِما تَضَمَّنَتْهُ. وأصْلُ مَعْنى التَّلَقِّي الِاسْتِقْبالُ: أيِ اسْتَقْبَلَ الكَلِماتِ المُوَحاةَ إلَيْهِ ومَن قَرَأ بِنَصْبِ " آدَمَ " جَعَلَ مَعْناهُ اسْتَقْبَلَتْهُ الكَلِماتُ. وقِيلَ: إنَّ مَعْنى تَلْقّى تَلَقَّنَ، ولا وجْهَ لَهُ في العَرَبِيَّةِ. واخْتَلَفَ السَّلَفُ في تَعْيِينِ هَذِهِ الكَلِماتِ وسَيَأْتِي. والتَّوْبَةُ الرُّجُوعُ، يُقالُ تابَ العَبْدُ: إذا رَجَعَ إلى طاعَةِ مَوْلاهُ، وعَبْدٌ تَوّابٌ: كَثِيرُ الرُّجُوعِ فَمَعْنى تابَ عَلَيْهِ: رَجَعَ عَلَيْهِ بِالرَّحْمَةِ فَقَبِلَ تَوْبَتَهُ أوْ وفَّقَهُ لِلتَّوْبَةِ. واقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ التَّوْبَةِ عَلى آدَمَ دُونَ حَوّاءَ مَعَ اشْتِراكِهِما في الذَّنْبِ، لِأنَّ الكَلامَ مِن أوَّلِ القِصَّةِ مَعَهُ فاسْتَمَرَّ عَلى ذَلِكَ واسْتَغْنى بِالتَّوْبَةِ عَلَيْهِ عَنْ ذِكْرِ التَّوْبَةِ عَلَيْها لِكَوْنِها تابِعَةً لَهُ، كَما اسْتَغْنى بِنِسْبَةِ الذَّنْبِ إلَيْهِ عَنْ نِسْبَتِهِ إلَيْها في قَوْلِهِ: ﴿وعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى﴾ [طه: ١٢١] . وأمّا قَوْلُهُ: ﴿قُلْنا اهْبِطُوا﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿قُلْنا اهْبِطُوا﴾، فَكَرَّرَهُ لِلتَّوْكِيدِ والتَّغْلِيظِ. وقِيلَ: إنَّهُ لَمّا تَعَلَّقَ بِهِ حُكْمٌ غَيْرُ الحُكْمِ الأوَّلِ كَرَّرَهُ، ولا تَزاحُمَ بَيْنَ المُقْتَضَياتِ. فَقَدْ يَكُونُ التَّكْرِيرُ لِلْأمْرَيْنِ مَعًا. وجَوابُ الشَّرْطِ في قَوْلِهِ: ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى﴾ هو الشَّرْطُ الثّانِي مَعَ جَوابِهِ قالَهُ سِيبَوَيْهِ. وقالَ الكِسائِيُّ: إنَّ جَوابَ الشَّرْطِ الأوَّلَ والثّانِيَ قَوْلُهُ: ﴿فَلا خَوْفٌ﴾ واخْتَلَفُوا في مَعْنى الهُدى المَذْكُورِ فَقِيلَ: هو كِتابُ اللَّهِ، وقِيلَ: التَّوْفِيقُ لِلْهِدايَةِ. والخَوْفُ: هو الذُّعْرُ، ولا يَكُونُ إلّا في المُسْتَقْبَلِ. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ والحَسَنُ وعِيسى بْنُ عَمّارٍ وابْنُ أبِي إسْحاقَ ويَعْقُوبُ " فَلا خَوْفَ " بِفَتْحِ الفاءِ، والحُزْنُ ضِدُّ السُّرُورِ. قالَ اليَزِيدِيُّ: حَزَنَهُ لُغَةُ قُرَيْشٍ، وأحْزَنَهُ لُغَةُ تَمِيمٍ. وقَدْ قُرِئَ بِهِما. وصُحْبَةُ أهْلِ النّارِ لَها بِمَعْنى الِاقْتِرانِ والمُلازَمَةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ تَفْسِيرِ الخُلُودِ. وقَدْ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أرَأيْتَ آدَمَ نَبِيًّا كانَ ؟ قالَ: نَعَمْ كانَ نَبِيًّا رَسُولًا كَلَّمَهُ اللَّهُ، قالَ لَهُ: ﴿ياآدَمُ اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والطَّبَرانِيُّ «عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ مَن أوَّلُ الأنْبِياءِ ؟ قالَ: آدَمُ قُلْتُ: نَبِيٌّ ؟ قالَ: نَعَمْ» . قُلْتُ: ثُمَّ مَن ؟ قالَ: «نُوحٌ وبَيْنَهُما عَشَرَةُ آباءٍ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ والبُخارِيُّ في تارِيخِهِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ نَحْوَهُ مِن حَدِيثِ أبِي ذَرٍّ مَرْفُوعًا وزادَ: كَمْ كانَ المُرْسَلُونَ ؟ قالَ: «ثَلاثُمِائَةٍ وخَمْسَةَ عَشَرَ جَمًّا غَفِيرًا» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ حِبّانَ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي أُمامَةَ الباهِلِيِّ، «أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أنَبِيٌّ كانَ آدَمُ ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: كَمْ بَيْنَهُ وبَيْنَ نُوحٍ ؟ قالَ: عَشَرَةُ قُرُونٍ قالَ: كَمْ بَيْنَ نُوحٍ وبَيْنَ إبْراهِيمَ ؟ قالَ: عَشَرَةُ قُرُونٍ، قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ كَمِ الأنْبِياءُ ؟ قالَ: مِائَةُ ألْفٍ وأرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا، قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ كَمْ كانَتِ الرُّسُلُ مِن ذَلِكَ ؟ قالَ: ثَلاثُمِائَةٍ وخَمْسَةَ عَشَرَ جَمًّا غَفِيرًا» . وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ أبِي أُمامَةَ نَحْوَهُ، وصَرَّحَ بِأنَّ السّائِلَ أبُو ذَرٍّ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما سَكَنَ آدَمُ الجَنَّةَ إلّا بَيْنَ صَلاةِ العَصْرِ إلى غُرُوبِ الشَّمْسِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ قالَ: " ما غابَتِ الشَّمْسُ مِن ذَلِكَ اليَوْمِ حَتّى أُهْبِطَ مِنَ الجَنَّةِ " . وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الحَسَنِ قالَ: لَبِثَ آدَمُ في الجَنَّةِ ساعَةً مِن نَهارٍ، تِلْكَ السّاعَةُ مِائَةٌ وثَلاثُونَ سَنَةً مِن أيّامِ الدُّنْيا. وقَدْ رُوِيَ تَقْدِيرُ اللَّبْثِ في الجَنَّةِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ بِمِثْلِ ما تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ كَما رَواهُ أحْمَدُ في الزُّهْدِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ قالُوا: لَمّا سَكَنَ آدَمُ الجَنَّةَ كانَ يَمْشِي فِيها وحْشًا لَيْسَ لَهُ زَوْجٌ يَسْكُنُ إلَيْها، فَنامَ نَوْمَةً فاسْتَيْقَظَ وإذا عِنْدَ رَأْسِهِ امْرَأةٌ قاعِدَةٌ خَلَقَها اللَّهُ مِن ضِلْعِهِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «اسْتَوْصُوا بِالنِّساءِ خَيْرًا، فَإنَّ المَرْأةَ (p-٤٩)خُلِقَتْ مِن ضِلْعٍ، وإنَّ أعْوَجَ شَيْءٍ مِنَ الضِّلْعِ رَأْسُهُ، فَإنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ، وإنْ تَرَكْتَهُ تَرَكْتَهُ وفِيهِ عِوَجٌ» ورَوى أبُو الشَّيْخِ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّما سُمِّيَتْ حَوّاءَ لِأنَّها أُمُّ كُلِّ حَيٍّ. وأخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ النَّخَعِيِّ قالَ: لَمّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ وخَلَقَ لَهُ زَوْجَهُ بَعَثَ إلَيْهِ مَلَكًا وأمَرَهُ بِالجِماعِ فَفَعَلَ، فَلَمّا فَرَغَ قالَتْ لَهُ حَوّاءُ: يا آدَمُ هَذا طَيِّبٌ زِدْنا مِنهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ قالَ: الرَّغَدُ الهَنِيءُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الرَّغَدُ سَعَةُ المَعِيشَةِ. وأخْرَجا عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وكُلا مِنها رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُما﴾ قالَ: لا حِسابَ عَلَيْكم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ عَساكِرَ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الشَّجَرَةُ الَّتِي نَهى اللَّهُ عَنْها آدَمَ السُّنْبُلَةُ وفي لَفْظٍ: البُرُّ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: هي الكَرْمُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْهُ قالَ: هي اللَّوْزُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ بَعْضِ الصَّحابَةِ قالَ: هي التِّينَةُ. ورَوى مِثْلَهُ أبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ وابْنِ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قالَ: هي البُرُّ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي مالِكٍ قالَ: هي النَّخْلَةُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ قالَ: هي الأُتْرُجُّ. وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ عَنْ شُعَيْبٍ الجُبّائِيِّ قالَ: هي تُشْبِهُ البُرَّ وتُسَمّى الدَّعَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ فَأزَلَّهُما قالَ: فَأغْواهُما. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ قالَ: فَأزَلَّهُما فَنَحّاهُما. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في المَصاحِفِ عَنِ الأعْمَشِ قالَ: قِراءَتُنا في البَقَرَةِ مَكانَ فَأزَلَّهُما فَوَسْوَسَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ قالُوا: أرادَ إبْلِيسُ أنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِما الجَنَّةَ فَمَنَعَتْهُ الخَزَنَةُ، فَأتى الحَيَّةَ وهي دابَّةٌ لَها أرْبَعُ قَوائِمَ كَأنَّها البَعِيرُ وهي كَأحْسَنِ الدَّوابِّ، فَكَلَّمَها أنْ تُدْخِلَهُ في فَمِها حَتّى تَدْخُلَ بِهِ إلى آدَمَ، فَأدْخَلَتْهُ في فَمِها، فَمَرَّتِ الحَيَّةُ عَلى الخَزَنَةِ فَدَخَلَتْ ولا يَعْلَمُونَ لِما أرادَ اللَّهُ مِنَ الأمْرِ، فَكَلَّمَهُ مِن فَمِها فَلَمْ يُبالِ بِكَلامِهِ، فَخَرَجَ إلَيْهِ فَقالَ: يا آدَمُ ﴿هَلْ أدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ ومُلْكٍ لا يَبْلى﴾ [طه: ١٢٠] وحَلَفَ لَهُما بِاللَّهِ ﴿إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٢١] فَأبى آدَمُ أنْ يَأْكُلَ مِنها، فَتَقَدَّمَتْ حَوّاءُ فَأكَلَتْ، ثُمَّ قالَتْ: يا آدَمُ كُلْ، فَإنِّي قَدْ أكَلْتُ فَلَمْ يَضُرَّنِي، فَلَمّا أكَلا ﴿بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِن ورَقِ الجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٢] . وقَدْ أخْرَجَ قِصَّةَ الحَيَّةِ ودُخُولِ إبْلِيسَ مَعَها عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «إنَّ آدَمَ كانَ رَجُلًا طُوالًا، كَأنَّهُ نَخْلَةُ سَحُوقٍ، طُولُهُ سِتُّونَ ذِراعًا، كَثِيرَ شَعْرِ الرَّأْسِ، فَلَمّا رَكِبَ الخَطِيئَةَ بَدَتْ لَهُ عَوْرَتُهُ» الحَدِيثَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَنِيعٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. قالَ: قالَ اللَّهُ لِآدَمَ: ما حَمَلَكَ عَلى أنْ أكَلْتَ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي نَهَيْتُكَ عَنْها ؟ قالَ: يا رَبِّ زَيَّنَتْهُ لِي حَوّاءُ، قالَ: فَإنِّي عاقَبْتُها بِأنْ لا تَحْمِلَ إلّا كُرْهًا ولا تَضَعَ إلّا كُرْهًا، وأدْمَيْتُها في كُلِّ شَهْرٍ مَرَّتَيْنِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ والحاكِمُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «لَوْلا بَنُو إسْرائِيلَ لَمْ يَخْنَزِ اللَّحْمُ، ولَوْلا حَوّاءُ لَمْ تَخُنْ أُنْثى زَوْجَها» . وقَدْ ثَبَتَتْ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما في «مُحاجَّةِ آدَمَ ومُوسى، وحَجَّ آدَمُ مُوسى بِقَوْلِهِ: أتَلُومُنِي عَلى أمْرٍ قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيَّ قَبْلَ أنْ أُخْلَقَ ؟» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقُلْنا اهْبِطُوا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ قالَ: آدَمُ وحَوّاءُ وإبْلِيسُ والحَيَّةُ ﴿ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ قالَ: القُبُورُ ﴿ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ قالَ: الحَياةُ. ورُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ وأبِي صالِحٍ وقَتادَةَ كَما أخْرَجَهُ عَنِ الأوَّلِ والثّانِي أبُو الشَّيْخِ وعَنِ الثّالِثِ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ قالَ: القُبُورُ ﴿ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ قالَ: إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: أُهْبِطَ آدَمُ بِالصَّفا وحَوّاءُ بِالمَرْوَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " أوَّلُ ما أهْبَطَ اللَّهُ آدَمَ إلى أرْضِ الهِنْدِ " وفي لَفْظٍ " بِدَجْنى أرْضِ الهِنْدِ " . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أنَّهُ أُهْبِطَ إلى أرْضٍ بَيْنَ مَكَّةَ والطّائِفِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ قالَ: قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: أطْيَبُ رِيحِ الأرْضِ الهِنْدُ، هَبَطَ بِها آدَمُ فَعَلِقَ شَجَرُها مِن رِيحِ الجَنَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أُهْبِطَ آدَمُ بِالهِنْدِ وحَوّاءُ بِجُدَّةَ، فَجاءَ في طَلَبِها حَتّى أتى جَمْعًا، فازْدَلَفَتْ إلَيْهِ حَوّاءُ، فَلِذَلِكَ سُمِّيَتِ المُزْدَلِفَةَ، واجْتَمَعا بِجَمْعٍ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «أُنْزِلَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالهِنْدِ فاسْتَوْحَشَ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ فَنادى بِالأذانِ، فَلَمّا سَمِعَ ذِكْرَ مُحَمَّدٍ قالَ لَهُ: ومَن مُحَمَّدٌ هَذا ؟ قالَ هَذا آخِرُ ولَدِكَ مِنَ الأنْبِياءِ» . وقَدْ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ أنَّ آدَمَ أُهْبِطَ إلى أرْضِ الهِنْدِ، مِنهم جابِرٌ أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ عَساكِرَ، ومِنهُمُ ابْنُ عُمَرَ أخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ. وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إنَّ اللَّهَ لَمّا خَلَقَ الدُّنْيا لَمْ يَخْلُقْ فِيها ذَهَبًا ولا فِضَّةً، فَلَمّا أهْبَطَ آدَمَ وحَوّاءَ أنْزَلَ مَعَهُما ذَهَبًا وفِضَّةً، فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ في الأرْضِ مَنفَعَةً لِأوْلادِهِما مِن بَعْدِهِما وجَعَلَ ذَلِكَ صَداقًا لِحَوّاءَ، فَلا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَتَزَوَّجَ إلّا بِصَداقٍ» . وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «هَبَطَ آدَمُ وحَوّاءُ عُرْيانَيْنِ جَمِيعًا عَلَيْهِمْ ورَقُ الجَنَّةِ قَعَدَ يَبْكِي ويَقُولُ لَها: يا حَوّاءُ قَدْ آذانِي الحَرُّ، فَجاءَهُ جِبْرِيلُ بِقُطْنٍ وأمَرَها أنْ تَغْزِلَ وعَلَّمَها، وأمَرَ آدَمَ بِالحِياكَةِ وعَلَّمَهُ» . وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ في مُسْنَدِ الفِرْدَوْسِ (p-٥٠)عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا «أوَّلُ مَن حاكَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ» . وقَدْ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ ومَن بَعْدَهم حِكاياتٌ في صِفَةِ هُبُوطِ آدَمَ مِنَ الجَنَّةِ وما أُهْبِطَ مَعَهُ وما صَنَعَ عِنْدَ وُصُولِهِ إلى الأرْضِ، ولا حاجَةَ لَنا بِبَسْطِ جَمِيعِ ذَلِكَ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ﴾ قالَ: أيْ رَبِّ ألَمْ تَخْلُقْنِي بِيَدِكَ ؟ قالَ: بَلى، قالَ: أيْ رَبِّ ألَمْ تَنْفُخْ فِيَّ رُوحَكَ ؟ قالَ: بَلى، قالَ: أيْ رَبِّ ألَمْ تَسْبِقْ إلَيَّ رَحْمَتُكَ قَبْلَ غَضَبِكَ ؟ قالَ: بَلى، قالَ: أيْ رَبِّ ألَمْ تُسْكِنِّي جَنَّتَكَ ؟ قالَ: بَلى، قالَ: أيْ رَبِّ أرَأيْتَ إنْ تُبْتُ وأصْلَحْتُ أراجِعِي أنْتَ إلى الجَنَّةِ ؟ قالَ: نَعَمْ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وابْنُ عَساكِرَ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ عائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «لَمّا أهْبَطَ اللَّهُ آدَمَ إلى الأرْضِ قامَ وِجاهَ الكَعْبَةِ فَصَلّى رَكْعَتَيْنِ» الحَدِيثَ. وقَدْ رُوِيَ نَحْوُهُ بِإسْنادٍ لا بَأْسَ بِهِ أخْرَجَهُ الأزْرَقِيُّ في تارِيخِ مَكَّةَ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّعَواتِ وابْنُ عَساكِرَ مِن حَدِيثِ بُرَيْدَةَ مَرْفُوعًا. وأخْرَجَ الثَّعْلَبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ﴾ قالَ: قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣] . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقِ ابْنِ جَرِيرٍ عَنْهُ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ﴾ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ والضَّحّاكِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قِيلَ لَهُ: ما الكَلِماتُ الَّتِي تَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ ؟ قالَ: عِلْمُ شَأْنِ الحَجِّ فَهي الكَلِماتُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ﴾ قالَ: لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ وبِحَمْدِكَ رَبِّ عَمِلْتُ سُوءًا وظَلَمْتُ نَفْسِي، فارْحَمْنِي إنَّكَ أنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ، لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ وبِحَمْدِكَ رَبِّ عَمِلْتُ سُوءًا وظَلَمْتُ نَفْسِي، فَتُبْ عَلَيَّ إنَّكَ أنْتَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ. وأخْرَجَ نَحْوَهُ البَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أنَسٍ. وأخْرَجَ نَحْوَهُ هُنا وفي الزُّهْدِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. وأخْرَجَ نَحْوَهُ ابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ جُوَيْبِرٍ عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وأخْرَجَ نَحْوَهُ الدَّيْلَمِيُّ في مُسْنَدِ الفِرْدَوْسِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى﴾ قالَ الهُدى: الأنْبِياءُ والرُّسُلُ والبَيانُ. وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ عَنْ أبِي الطُّفَيْلِ قالَ: «قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: " فَمَن تَبِعَ هُدايَّ " بِتَثْقِيلِ الياءِ وفَتْحِها» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ يَعْنِي في الآخِرَةِ ﴿ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ يَعْنِي لا يَحْزَنُونَ لِلْمَوْتِ.

البقرة 2:36

اسْكُنْ أيِ اتَّخِذِ الجَنَّةَ مَسْكَنًا وهو مَحَلُّ السُّكُونِ، وأمّا ما قالَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ مِن أنَّ في قَوْلِهِ: اسْكُنْ تَنْبِيهًا عَلى الخُرُوجِ لِأنَّ السُّكْنى لا تَكُونُ مِلْكًا، وأُخِذَ ذَلِكَ مِن قَوْلِ جَماعَةٍ مِنَ العُلَماءِ أنَّ مَن أسْكَنَ رَجُلًا مَنزِلًا لَهُ فَإنَّهُ لا يَمْلِكُهُ بِذَلِكَ، وإنَّ لَهُ أنْ يُخْرِجَهُ مِنهُ، فَهو مَعْنًى عُرْفِيٌّ، والواجِبُ الأخْذُ بِالمَعْنى العَرَبِيِّ إذا لَمْ تَثْبُتْ في اللَّفْظِ حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ. وأنْتَ تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في الفِعْلِ لِيَصِحَّ العَطْفُ عَلَيْهِ كَما تَقَرَّرَ في عِلْمِ النَّحْوِ أنَّهُ لا يَجُوزُ العَطْفُ عَلى الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ المُسْتَكِنِّ إلّا بَعْدَ تَأْكِيدِهِ بِمُنْفَصِلٍ. وقَدْ يَجِيءُ العَطْفُ نادِرًا بِغَيْرِ تَأْكِيدٍ كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎قُلْتُ إذْ أقْبَلَتْ وزُهْرٌ تَهادى كَنِعاجِ المَلا تَعَسَّفْنَ رَمْلا وقَوْلُهُ: وزَوْجُكَ أيْ حَوّاءُ وهَذِهِ هي اللُّغَةُ الفَصِيحَةُ زَوْجٌ بِغَيْرِ هاءٍ، وقَدْ جاءَ بِها قَلِيلًا كَما في صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ أنَسٍ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ كانَ مَعَ إحْدى نِسائِهِ، فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ فَدَعاهُ وقالَ: «يا فُلانُ هَذِهِ زَوْجَتِي فُلانَةُ» الحَدِيثَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وإنَّ الَّذِي يَسْعى لِيُفْسِدَ زَوْجَتِي ∗∗∗ كَساعٍ إلى أُسْدِ الشَّرى يَسْتَمِيلُها ورَغَدًا بِفَتْحِ المُعْجَمَةِ، وقَرَأ النَّخَعِيُّ وابْنُ وثّابٍ بِسُكُونِها، والرَّغَدُ: العَيْشُ الهَنِيءُ الَّذِي لا عَناءَ فِيهِ، وهو مَنصُوبٌ عَلى الصِّفَةِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ. وحَيْثُ مَبْنِيَّةٌ عَلى الضَّمِّ وفِيها لُغاتٌ كَثِيرَةٌ مَذْكُورَةٌ في كُتُبِ العَرَبِيَّةِ. والقُرْبُ: الدُّنُوُّ. قالَ في الصِّحاحِ: قَرُبَ الشَّيْءُ بِالضَّمِّ يَقْرُبُ قُرْبًا: أيْ دَنا، وقَرِبْتُهُ بِالكَسْرِ أقْرَبُهُ قُرْبانًا: أيْ دَنَوْتُ مِنهُ، وقَرَبْتُ أقْرُبُ قَرابَةً مِثْلُ كَتَبْتُ أكْتُبُ كِتابَةً: إذا سِرْتَ إلى الماءِ وبَيْنَكَ وبَيْنَهُ لَيْلَةٌ، والِاسْمُ القُرْبُ قالَ الأصْمَعِيُّ: قُلْتُ لِأعْرابِيٍّ: ما القُرْبُ ؟ قالَ: سَيْرُ اللَّيْلِ لِوُرُودِ الغَدِ. والنَّهْيُ عَنِ القُرْبِ فِيهِ سَدٌّ لِلذَّرِيعَةِ وقَطْعٌ لِلْوَسِيلَةِ، ولِهَذا جاءَ بِهِ عِوَضًا عَنِ الأكْلِ، ولا يَخْفى أنَّ النَّهْيَ عَنِ القُرْبِ لا يَسْتَلْزِمُ النَّهْيَ عَنِ الأكْلِ؛ لِأنَّهُ قَدْ يَأْكُلُ مِن ثَمَرِ الشَّجَرَةِ مَن هو بَعِيدٌ عَنْها إذا يُحْمَلُ إلَيْهِ، فالأوْلى أنْ يُقالَ: المَنعُ مِنَ الأكْلِ مُسْتَفادٌ مِنَ المَقامِ. والشَّجَرُ: ما كانَ لَهُ ساقٌ مِن نَباتِ الأرْضِ وواحِدُهُ شَجَرَةٌ وقُرِئَ بِكَسْرِ الشِّينِ وبِالياءِ المُثَنّاةِ مِن تَحْتِ مَكانِ الجِيمِ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ " هَذِي " بِالياءِ بَدَلَ الهاءِ وهو الأصْلُ. واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الشَّجَرَةِ، فَقِيلَ: هي الكَرْمُ وقِيلَ: السُّنْبُلَةُ، وقِيلَ: التِّينُ، وقِيلَ: الحِنْطَةُ، وسَيَأْتِي ما رُوِيَ عَنِ الصَّحابَةِ فَمَن بَعْدَهم في تَعْيِينِها. وقَوْلُهُ: فَتَكُونا مَعْطُوفٌ عَلى تَقْرَبا في الكَشّافِ، أوْ نُصِبَ في جَوابِ النَّهْيِ وهو الأظْهَرُ. والظُّلْمُ أصْلُهُ: وضْعُ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، والأرْضُ المَظْلُومَةُ: الَّتِي لَمْ تُحْفَرْ قَطُّ ثُمَّ حُفِرَتْ، ورَجُلٌ ظَلِيمٌ: شَدِيدُ الظُّلْمِ. والمُرادُ هُنا ﴿فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ لِأنْفُسِهِمْ بِالمَعْصِيَةِ، وكَلامُ أهْلِ العِلْمِ في عِصْمَةِ الأنْبِياءِ واخْتِلافُ مَذاهِبِهِمْ في ذَلِكَ مُدَوَّنٌ في مَواطِنِهِ، وقَدْ أطالَ البَحْثَ في ذَلِكَ الرّازِيُّ في تَفْسِيرِهِ في هَذا المَوْضِعِ فَلْيُرْجَعْ إلَيْهِ فَإنَّهُ مُفِيدٌ. وأزَلَّهُما مِنَ الزَّلَّةِ وهي الخَطِيئَةُ أيِ اسْتَزَلَّهُما وأوْقَعَهُما فِيها، وقَرَأ حَمْزَةُ " فَأزالَهُما " بِإثْباتِ الألِفِ مِنَ الإزالَةِ وهي التَّحْتِيَّةُ: أيْ نَحّاهُما، وقَرَأ الباقُونَ بِحَذْفِ الألِفِ. قالَ ابْنُ كَيْسانَ: هو مِنَ الزَّوالِ: أيْ صَرَفَهُما عَمّا كانَ عَلَيْهِ مِنَ الطّاعَةِ إلى المَعْصِيَةِ. قالَ القُرْطُبِيُّ: وعَلى هَذا تَكُونُ القِراءَتانِ بِمَعْنًى، إلّا أنَّ قِراءَةَ الجَماعَةِ أمْكَنُ في المَعْنى، يُقالُ مِنهُ: أزْلَلْتُهُ فَزَلَّ وعَنْها مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: أزَلَّهُما عَلى تَضْمِينِهِ مَعْنى أصْدَرَ: أيْ أصْدَرَ الشَّيْطانُ زَلَّتَهُما عَنْها أيْ بِسَبَبِها، يَعْنِي الشَّجَرَةَ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْجَنَّةِ، وعَلى هَذا فالفِعْلُ مُضَمَّنٌ مَعْنى أبْعَدَهُما: أيْ أبْعَدَهُما عَنِ الجَنَّةِ. وقَوْلُهُ: فَأخْرَجَهُما تَأْكِيدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ الأُولى: أيْ أزَلَّهُما إنْ كانَ مَعْناهُ زالَ عَنِ المَكانِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ مَعْناهُ كَذَلِكَ فَهو تَأْسِيسٌ، لِأنَّ الإخْراجَ فِيهِ زِيادَةٌ عَلى مُجَرَّدِ الصَّرْفِ والإبْعادِ ونَحْوِهِما، لِأنَّ الصَّرْفَ عَنِ الشَّجَرَةِ والإبْعادَ عَنْها قَدْ يَكُونُ مَعَ البَقاءِ في الجَنَّةِ بِخِلافِ الإخْراجِ لَهُما عَمّا كانا فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ والكَرامَةِ أوْ مِنَ الجَنَّةِ، وإنَّما نَسَبَ ذَلِكَ إلى الشَّيْطانِ لِأنَّهُ الَّذِي تَوَلّى إغْواءَ آدَمَ حَتّى أكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ. وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في الكَيْفِيَّةِ الَّتِي فَعَلَها الشَّيْطانُ في إزْلالِهِما، فَقِيلَ: إنَّهُ كانَ ذَلِكَ بِمُشافَهَةٍ مِنهُ لَهُما، وإلَيْهِ ذَهَبَ الجُمْهُورُ واسْتَدَلُّوا عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وقاسَمَهُما إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٢١] والمُقاسَمَةُ ظاهِرُها المُشافَهَةُ: وقِيلَ: لَمْ يَصْدُرْ مِنهُ إلّا مُجَرَّدُ الوَسْوَسَةِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا سَيَأْتِي في المَرْوِيِّ عَنِ السَّلَفِ. وقَوْلُهُ: اهْبِطُوا خِطابٌ لِآدَمَ وحَوّاءَ، وخُوطِبا بِما يُخاطَبُ بِهِ الجَمْعُ لِأنَّ الِاثْنَيْنِ أقَلُّ الجَمْعِ عِنْدَ البَعْضِ مِن أئِمَّةِ العَرَبِيَّةِ، (p-٤٨)وقِيلَ: إنَّهُ خِطابٌ لَهُما ولِذُرِّيَّتِهِما، لِأنَّهُما لَمّا كانا أصْلَ هَذا النَّوْعِ الإنْسانِيِّ جُعِلا بِمَنزِلَتِهِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ فَإنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ الواقِعَةَ حالًا مُبَيِّنًا لِلْهَيْئَةِ الثّابِتَةِ لِلْمَأْمُورِينَ بِالهُبُوطِ تُفِيدُ ذَلِكَ. والعَدُوُّ خِلافُ الصَّدِيقِ، وهو مِن عَدا إذا ظَلَمَ، ويُقالُ: ذِئْبٌ عَدَوانٌ: أيْ يَعْدُو عَلى النّاسِ، والعُدْوانُ: الظُّلْمُ الصُّراحُ وقِيلَ إنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ المُجاوَزَةِ، يُقالُ عَداهُ: إذا جاوَزَهُ، والمَعْنَيانِ مُتَقارِبانِ، فَإنَّ مَن ظَلَمَ فَقَدْ تَجاوَزَ. وإنَّما أخْبَرَ عَنْ قَوْلِهِ: بَعْضُكم بِقَوْلِهِ: عَدُوٌّ مَعَ كَوْنِهِ مُفْرَدًا، لِأنَّ لَفْظَ بَعْضٍ وإنْ كانَ مَعْناهُ مُحْتَمِلًا لِلتَّعَدُّدِ فَهو مُفْرَدٌ، فَرُوعِيَ جانِبُ اللَّفْظِ وأخْبَرَ عَنْهُ بِالمُفْرَدِ، وقَدْ يُراعِي المَعْنى فَيُخْبِرُ عَنْهُ بِالمُتَعَدِّدِ. وقَدْ يُجابُ بِأنَّ عَدُوٌّ وإنْ كانَ مُفْرَدًا فَقَدْ يَقَعُ مَوْقِعَ المُتَعَدِّدِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهم لَكم عَدُوٌّ﴾ [الكهف: ٥٠] وقَوْلِهِ: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ العَدُوُّ﴾ [المنافقون: ٤] قالَ ابْنُ فارِسٍ: العَدُوُّ اسْمٌ جامِعٌ لِلْواحِدِ والِاثْنَيْنِ والثَّلاثَةِ. والمُرادُ بِالمُسْتَقَرِّ مَوْضِعُ الِاسْتِقْرارِ، ومِنهُ ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ [الفرقان: ٢٤] وقَدْ يَكُونُ بِمَعْنى الِاسْتِقْرارِ، ومِنهُ ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾ [القيامة: ١٢] فالآيَةُ مُحْتَمِلَةٌ لِلْمَعْنَيَيْنِ، ومِثْلُها قَوْلُهُ: ﴿جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ قَرارًا﴾ [غافر: ٦٤] والمَتاعُ: ما يُسْتَمْتَعُ بِهِ مِنَ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ والمَلْبُوسِ ونَحْوِها. واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في قَوْلِهِ: إلى حِينٍ فَقِيلَ: إلى المَوْتِ، وقِيلَ: إلى قِيامِ السّاعَةِ. وأصْلُ مَعْنى الحِينِ في اللُّغَةِ: الوَقْتُ البَعِيدُ، ومِنهُ ﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ [الإنسان: ١]، والحِينُ السّاعَةُ، ومِنهُ ﴿أوْ تَقُولَ حِينَ تَرى العَذابَ﴾ [الزمر: ٥٨] والقِطْعَةُ مِنَ الدَّهْرِ، ومِنهُ ﴿فَذَرْهم في غَمْرَتِهِمْ حَتّى حِينٍ﴾ [المؤمنون: ٥٤] أيْ حَتّى تَفْنى آجالُهم، ويُطْلَقُ عَلى السَّنَةِ، وقِيلَ: عَلى سِتَّةِ أشْهُرٍ، ومِنهُ ﴿تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ﴾ [إبراهيم: ٢٥] ويُطْلَقُ عَلى المَساءِ والصَّباحِ، ومِنهُ ﴿حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧] وقالَ الفَرّاءُ: الحِينُ حِينانِ، حِينٌ لا يُوقَفُ عَلى حَدِّهِ، ثُمَّ ذَكَرَ الحِينَ الآخَرَ، واخْتِلافُهُ بِحَسَبِ اخْتِلافِ المَقاماتِ كَما ذَكَرْنا. وقالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: الحِينُ المَجْهُولُ لا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ، والحِينُ المَعْلُومُ سَنَةٌ. ومَعْنى تَلَقِّي آدَمَ لِلْكَلِماتِ: أخْذُهُ لَها وقَبُولُهُ لِما فِيها وعَمَلُهُ بِها، وقِيلَ: فَهْمُهُ لَها وفَطانَتُهُ لِما تَضَمَّنَتْهُ. وأصْلُ مَعْنى التَّلَقِّي الِاسْتِقْبالُ: أيِ اسْتَقْبَلَ الكَلِماتِ المُوَحاةَ إلَيْهِ ومَن قَرَأ بِنَصْبِ " آدَمَ " جَعَلَ مَعْناهُ اسْتَقْبَلَتْهُ الكَلِماتُ. وقِيلَ: إنَّ مَعْنى تَلْقّى تَلَقَّنَ، ولا وجْهَ لَهُ في العَرَبِيَّةِ. واخْتَلَفَ السَّلَفُ في تَعْيِينِ هَذِهِ الكَلِماتِ وسَيَأْتِي. والتَّوْبَةُ الرُّجُوعُ، يُقالُ تابَ العَبْدُ: إذا رَجَعَ إلى طاعَةِ مَوْلاهُ، وعَبْدٌ تَوّابٌ: كَثِيرُ الرُّجُوعِ فَمَعْنى تابَ عَلَيْهِ: رَجَعَ عَلَيْهِ بِالرَّحْمَةِ فَقَبِلَ تَوْبَتَهُ أوْ وفَّقَهُ لِلتَّوْبَةِ. واقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ التَّوْبَةِ عَلى آدَمَ دُونَ حَوّاءَ مَعَ اشْتِراكِهِما في الذَّنْبِ، لِأنَّ الكَلامَ مِن أوَّلِ القِصَّةِ مَعَهُ فاسْتَمَرَّ عَلى ذَلِكَ واسْتَغْنى بِالتَّوْبَةِ عَلَيْهِ عَنْ ذِكْرِ التَّوْبَةِ عَلَيْها لِكَوْنِها تابِعَةً لَهُ، كَما اسْتَغْنى بِنِسْبَةِ الذَّنْبِ إلَيْهِ عَنْ نِسْبَتِهِ إلَيْها في قَوْلِهِ: ﴿وعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى﴾ [طه: ١٢١] . وأمّا قَوْلُهُ: ﴿قُلْنا اهْبِطُوا﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿قُلْنا اهْبِطُوا﴾، فَكَرَّرَهُ لِلتَّوْكِيدِ والتَّغْلِيظِ. وقِيلَ: إنَّهُ لَمّا تَعَلَّقَ بِهِ حُكْمٌ غَيْرُ الحُكْمِ الأوَّلِ كَرَّرَهُ، ولا تَزاحُمَ بَيْنَ المُقْتَضَياتِ. فَقَدْ يَكُونُ التَّكْرِيرُ لِلْأمْرَيْنِ مَعًا. وجَوابُ الشَّرْطِ في قَوْلِهِ: ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى﴾ هو الشَّرْطُ الثّانِي مَعَ جَوابِهِ قالَهُ سِيبَوَيْهِ. وقالَ الكِسائِيُّ: إنَّ جَوابَ الشَّرْطِ الأوَّلَ والثّانِيَ قَوْلُهُ: ﴿فَلا خَوْفٌ﴾ واخْتَلَفُوا في مَعْنى الهُدى المَذْكُورِ فَقِيلَ: هو كِتابُ اللَّهِ، وقِيلَ: التَّوْفِيقُ لِلْهِدايَةِ. والخَوْفُ: هو الذُّعْرُ، ولا يَكُونُ إلّا في المُسْتَقْبَلِ. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ والحَسَنُ وعِيسى بْنُ عَمّارٍ وابْنُ أبِي إسْحاقَ ويَعْقُوبُ " فَلا خَوْفَ " بِفَتْحِ الفاءِ، والحُزْنُ ضِدُّ السُّرُورِ. قالَ اليَزِيدِيُّ: حَزَنَهُ لُغَةُ قُرَيْشٍ، وأحْزَنَهُ لُغَةُ تَمِيمٍ. وقَدْ قُرِئَ بِهِما. وصُحْبَةُ أهْلِ النّارِ لَها بِمَعْنى الِاقْتِرانِ والمُلازَمَةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ تَفْسِيرِ الخُلُودِ. وقَدْ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أرَأيْتَ آدَمَ نَبِيًّا كانَ ؟ قالَ: نَعَمْ كانَ نَبِيًّا رَسُولًا كَلَّمَهُ اللَّهُ، قالَ لَهُ: ﴿ياآدَمُ اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والطَّبَرانِيُّ «عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ مَن أوَّلُ الأنْبِياءِ ؟ قالَ: آدَمُ قُلْتُ: نَبِيٌّ ؟ قالَ: نَعَمْ» . قُلْتُ: ثُمَّ مَن ؟ قالَ: «نُوحٌ وبَيْنَهُما عَشَرَةُ آباءٍ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ والبُخارِيُّ في تارِيخِهِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ نَحْوَهُ مِن حَدِيثِ أبِي ذَرٍّ مَرْفُوعًا وزادَ: كَمْ كانَ المُرْسَلُونَ ؟ قالَ: «ثَلاثُمِائَةٍ وخَمْسَةَ عَشَرَ جَمًّا غَفِيرًا» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ حِبّانَ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي أُمامَةَ الباهِلِيِّ، «أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أنَبِيٌّ كانَ آدَمُ ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: كَمْ بَيْنَهُ وبَيْنَ نُوحٍ ؟ قالَ: عَشَرَةُ قُرُونٍ قالَ: كَمْ بَيْنَ نُوحٍ وبَيْنَ إبْراهِيمَ ؟ قالَ: عَشَرَةُ قُرُونٍ، قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ كَمِ الأنْبِياءُ ؟ قالَ: مِائَةُ ألْفٍ وأرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا، قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ كَمْ كانَتِ الرُّسُلُ مِن ذَلِكَ ؟ قالَ: ثَلاثُمِائَةٍ وخَمْسَةَ عَشَرَ جَمًّا غَفِيرًا» . وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ أبِي أُمامَةَ نَحْوَهُ، وصَرَّحَ بِأنَّ السّائِلَ أبُو ذَرٍّ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما سَكَنَ آدَمُ الجَنَّةَ إلّا بَيْنَ صَلاةِ العَصْرِ إلى غُرُوبِ الشَّمْسِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ قالَ: " ما غابَتِ الشَّمْسُ مِن ذَلِكَ اليَوْمِ حَتّى أُهْبِطَ مِنَ الجَنَّةِ " . وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الحَسَنِ قالَ: لَبِثَ آدَمُ في الجَنَّةِ ساعَةً مِن نَهارٍ، تِلْكَ السّاعَةُ مِائَةٌ وثَلاثُونَ سَنَةً مِن أيّامِ الدُّنْيا. وقَدْ رُوِيَ تَقْدِيرُ اللَّبْثِ في الجَنَّةِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ بِمِثْلِ ما تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ كَما رَواهُ أحْمَدُ في الزُّهْدِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ قالُوا: لَمّا سَكَنَ آدَمُ الجَنَّةَ كانَ يَمْشِي فِيها وحْشًا لَيْسَ لَهُ زَوْجٌ يَسْكُنُ إلَيْها، فَنامَ نَوْمَةً فاسْتَيْقَظَ وإذا عِنْدَ رَأْسِهِ امْرَأةٌ قاعِدَةٌ خَلَقَها اللَّهُ مِن ضِلْعِهِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «اسْتَوْصُوا بِالنِّساءِ خَيْرًا، فَإنَّ المَرْأةَ (p-٤٩)خُلِقَتْ مِن ضِلْعٍ، وإنَّ أعْوَجَ شَيْءٍ مِنَ الضِّلْعِ رَأْسُهُ، فَإنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ، وإنْ تَرَكْتَهُ تَرَكْتَهُ وفِيهِ عِوَجٌ» ورَوى أبُو الشَّيْخِ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّما سُمِّيَتْ حَوّاءَ لِأنَّها أُمُّ كُلِّ حَيٍّ. وأخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ النَّخَعِيِّ قالَ: لَمّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ وخَلَقَ لَهُ زَوْجَهُ بَعَثَ إلَيْهِ مَلَكًا وأمَرَهُ بِالجِماعِ فَفَعَلَ، فَلَمّا فَرَغَ قالَتْ لَهُ حَوّاءُ: يا آدَمُ هَذا طَيِّبٌ زِدْنا مِنهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ قالَ: الرَّغَدُ الهَنِيءُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الرَّغَدُ سَعَةُ المَعِيشَةِ. وأخْرَجا عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وكُلا مِنها رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُما﴾ قالَ: لا حِسابَ عَلَيْكم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ عَساكِرَ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الشَّجَرَةُ الَّتِي نَهى اللَّهُ عَنْها آدَمَ السُّنْبُلَةُ وفي لَفْظٍ: البُرُّ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: هي الكَرْمُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْهُ قالَ: هي اللَّوْزُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ بَعْضِ الصَّحابَةِ قالَ: هي التِّينَةُ. ورَوى مِثْلَهُ أبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ وابْنِ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قالَ: هي البُرُّ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي مالِكٍ قالَ: هي النَّخْلَةُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ قالَ: هي الأُتْرُجُّ. وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ عَنْ شُعَيْبٍ الجُبّائِيِّ قالَ: هي تُشْبِهُ البُرَّ وتُسَمّى الدَّعَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ فَأزَلَّهُما قالَ: فَأغْواهُما. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ قالَ: فَأزَلَّهُما فَنَحّاهُما. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في المَصاحِفِ عَنِ الأعْمَشِ قالَ: قِراءَتُنا في البَقَرَةِ مَكانَ فَأزَلَّهُما فَوَسْوَسَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ قالُوا: أرادَ إبْلِيسُ أنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِما الجَنَّةَ فَمَنَعَتْهُ الخَزَنَةُ، فَأتى الحَيَّةَ وهي دابَّةٌ لَها أرْبَعُ قَوائِمَ كَأنَّها البَعِيرُ وهي كَأحْسَنِ الدَّوابِّ، فَكَلَّمَها أنْ تُدْخِلَهُ في فَمِها حَتّى تَدْخُلَ بِهِ إلى آدَمَ، فَأدْخَلَتْهُ في فَمِها، فَمَرَّتِ الحَيَّةُ عَلى الخَزَنَةِ فَدَخَلَتْ ولا يَعْلَمُونَ لِما أرادَ اللَّهُ مِنَ الأمْرِ، فَكَلَّمَهُ مِن فَمِها فَلَمْ يُبالِ بِكَلامِهِ، فَخَرَجَ إلَيْهِ فَقالَ: يا آدَمُ ﴿هَلْ أدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ ومُلْكٍ لا يَبْلى﴾ [طه: ١٢٠] وحَلَفَ لَهُما بِاللَّهِ ﴿إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٢١] فَأبى آدَمُ أنْ يَأْكُلَ مِنها، فَتَقَدَّمَتْ حَوّاءُ فَأكَلَتْ، ثُمَّ قالَتْ: يا آدَمُ كُلْ، فَإنِّي قَدْ أكَلْتُ فَلَمْ يَضُرَّنِي، فَلَمّا أكَلا ﴿بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِن ورَقِ الجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٢] . وقَدْ أخْرَجَ قِصَّةَ الحَيَّةِ ودُخُولِ إبْلِيسَ مَعَها عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «إنَّ آدَمَ كانَ رَجُلًا طُوالًا، كَأنَّهُ نَخْلَةُ سَحُوقٍ، طُولُهُ سِتُّونَ ذِراعًا، كَثِيرَ شَعْرِ الرَّأْسِ، فَلَمّا رَكِبَ الخَطِيئَةَ بَدَتْ لَهُ عَوْرَتُهُ» الحَدِيثَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَنِيعٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. قالَ: قالَ اللَّهُ لِآدَمَ: ما حَمَلَكَ عَلى أنْ أكَلْتَ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي نَهَيْتُكَ عَنْها ؟ قالَ: يا رَبِّ زَيَّنَتْهُ لِي حَوّاءُ، قالَ: فَإنِّي عاقَبْتُها بِأنْ لا تَحْمِلَ إلّا كُرْهًا ولا تَضَعَ إلّا كُرْهًا، وأدْمَيْتُها في كُلِّ شَهْرٍ مَرَّتَيْنِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ والحاكِمُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «لَوْلا بَنُو إسْرائِيلَ لَمْ يَخْنَزِ اللَّحْمُ، ولَوْلا حَوّاءُ لَمْ تَخُنْ أُنْثى زَوْجَها» . وقَدْ ثَبَتَتْ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما في «مُحاجَّةِ آدَمَ ومُوسى، وحَجَّ آدَمُ مُوسى بِقَوْلِهِ: أتَلُومُنِي عَلى أمْرٍ قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيَّ قَبْلَ أنْ أُخْلَقَ ؟» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقُلْنا اهْبِطُوا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ قالَ: آدَمُ وحَوّاءُ وإبْلِيسُ والحَيَّةُ ﴿ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ قالَ: القُبُورُ ﴿ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ قالَ: الحَياةُ. ورُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ وأبِي صالِحٍ وقَتادَةَ كَما أخْرَجَهُ عَنِ الأوَّلِ والثّانِي أبُو الشَّيْخِ وعَنِ الثّالِثِ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ قالَ: القُبُورُ ﴿ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ قالَ: إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: أُهْبِطَ آدَمُ بِالصَّفا وحَوّاءُ بِالمَرْوَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " أوَّلُ ما أهْبَطَ اللَّهُ آدَمَ إلى أرْضِ الهِنْدِ " وفي لَفْظٍ " بِدَجْنى أرْضِ الهِنْدِ " . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أنَّهُ أُهْبِطَ إلى أرْضٍ بَيْنَ مَكَّةَ والطّائِفِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ قالَ: قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: أطْيَبُ رِيحِ الأرْضِ الهِنْدُ، هَبَطَ بِها آدَمُ فَعَلِقَ شَجَرُها مِن رِيحِ الجَنَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أُهْبِطَ آدَمُ بِالهِنْدِ وحَوّاءُ بِجُدَّةَ، فَجاءَ في طَلَبِها حَتّى أتى جَمْعًا، فازْدَلَفَتْ إلَيْهِ حَوّاءُ، فَلِذَلِكَ سُمِّيَتِ المُزْدَلِفَةَ، واجْتَمَعا بِجَمْعٍ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «أُنْزِلَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالهِنْدِ فاسْتَوْحَشَ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ فَنادى بِالأذانِ، فَلَمّا سَمِعَ ذِكْرَ مُحَمَّدٍ قالَ لَهُ: ومَن مُحَمَّدٌ هَذا ؟ قالَ هَذا آخِرُ ولَدِكَ مِنَ الأنْبِياءِ» . وقَدْ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ أنَّ آدَمَ أُهْبِطَ إلى أرْضِ الهِنْدِ، مِنهم جابِرٌ أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ عَساكِرَ، ومِنهُمُ ابْنُ عُمَرَ أخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ. وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إنَّ اللَّهَ لَمّا خَلَقَ الدُّنْيا لَمْ يَخْلُقْ فِيها ذَهَبًا ولا فِضَّةً، فَلَمّا أهْبَطَ آدَمَ وحَوّاءَ أنْزَلَ مَعَهُما ذَهَبًا وفِضَّةً، فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ في الأرْضِ مَنفَعَةً لِأوْلادِهِما مِن بَعْدِهِما وجَعَلَ ذَلِكَ صَداقًا لِحَوّاءَ، فَلا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَتَزَوَّجَ إلّا بِصَداقٍ» . وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «هَبَطَ آدَمُ وحَوّاءُ عُرْيانَيْنِ جَمِيعًا عَلَيْهِمْ ورَقُ الجَنَّةِ قَعَدَ يَبْكِي ويَقُولُ لَها: يا حَوّاءُ قَدْ آذانِي الحَرُّ، فَجاءَهُ جِبْرِيلُ بِقُطْنٍ وأمَرَها أنْ تَغْزِلَ وعَلَّمَها، وأمَرَ آدَمَ بِالحِياكَةِ وعَلَّمَهُ» . وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ في مُسْنَدِ الفِرْدَوْسِ (p-٥٠)عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا «أوَّلُ مَن حاكَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ» . وقَدْ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ ومَن بَعْدَهم حِكاياتٌ في صِفَةِ هُبُوطِ آدَمَ مِنَ الجَنَّةِ وما أُهْبِطَ مَعَهُ وما صَنَعَ عِنْدَ وُصُولِهِ إلى الأرْضِ، ولا حاجَةَ لَنا بِبَسْطِ جَمِيعِ ذَلِكَ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ﴾ قالَ: أيْ رَبِّ ألَمْ تَخْلُقْنِي بِيَدِكَ ؟ قالَ: بَلى، قالَ: أيْ رَبِّ ألَمْ تَنْفُخْ فِيَّ رُوحَكَ ؟ قالَ: بَلى، قالَ: أيْ رَبِّ ألَمْ تَسْبِقْ إلَيَّ رَحْمَتُكَ قَبْلَ غَضَبِكَ ؟ قالَ: بَلى، قالَ: أيْ رَبِّ ألَمْ تُسْكِنِّي جَنَّتَكَ ؟ قالَ: بَلى، قالَ: أيْ رَبِّ أرَأيْتَ إنْ تُبْتُ وأصْلَحْتُ أراجِعِي أنْتَ إلى الجَنَّةِ ؟ قالَ: نَعَمْ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وابْنُ عَساكِرَ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ عائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «لَمّا أهْبَطَ اللَّهُ آدَمَ إلى الأرْضِ قامَ وِجاهَ الكَعْبَةِ فَصَلّى رَكْعَتَيْنِ» الحَدِيثَ. وقَدْ رُوِيَ نَحْوُهُ بِإسْنادٍ لا بَأْسَ بِهِ أخْرَجَهُ الأزْرَقِيُّ في تارِيخِ مَكَّةَ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّعَواتِ وابْنُ عَساكِرَ مِن حَدِيثِ بُرَيْدَةَ مَرْفُوعًا. وأخْرَجَ الثَّعْلَبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ﴾ قالَ: قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣] . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقِ ابْنِ جَرِيرٍ عَنْهُ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ﴾ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ والضَّحّاكِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قِيلَ لَهُ: ما الكَلِماتُ الَّتِي تَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ ؟ قالَ: عِلْمُ شَأْنِ الحَجِّ فَهي الكَلِماتُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ﴾ قالَ: لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ وبِحَمْدِكَ رَبِّ عَمِلْتُ سُوءًا وظَلَمْتُ نَفْسِي، فارْحَمْنِي إنَّكَ أنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ، لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ وبِحَمْدِكَ رَبِّ عَمِلْتُ سُوءًا وظَلَمْتُ نَفْسِي، فَتُبْ عَلَيَّ إنَّكَ أنْتَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ. وأخْرَجَ نَحْوَهُ البَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أنَسٍ. وأخْرَجَ نَحْوَهُ هُنا وفي الزُّهْدِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. وأخْرَجَ نَحْوَهُ ابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ جُوَيْبِرٍ عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وأخْرَجَ نَحْوَهُ الدَّيْلَمِيُّ في مُسْنَدِ الفِرْدَوْسِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى﴾ قالَ الهُدى: الأنْبِياءُ والرُّسُلُ والبَيانُ. وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ عَنْ أبِي الطُّفَيْلِ قالَ: «قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: " فَمَن تَبِعَ هُدايَّ " بِتَثْقِيلِ الياءِ وفَتْحِها» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ يَعْنِي في الآخِرَةِ ﴿ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ يَعْنِي لا يَحْزَنُونَ لِلْمَوْتِ.

البقرة 2:37

اسْكُنْ أيِ اتَّخِذِ الجَنَّةَ مَسْكَنًا وهو مَحَلُّ السُّكُونِ، وأمّا ما قالَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ مِن أنَّ في قَوْلِهِ: اسْكُنْ تَنْبِيهًا عَلى الخُرُوجِ لِأنَّ السُّكْنى لا تَكُونُ مِلْكًا، وأُخِذَ ذَلِكَ مِن قَوْلِ جَماعَةٍ مِنَ العُلَماءِ أنَّ مَن أسْكَنَ رَجُلًا مَنزِلًا لَهُ فَإنَّهُ لا يَمْلِكُهُ بِذَلِكَ، وإنَّ لَهُ أنْ يُخْرِجَهُ مِنهُ، فَهو مَعْنًى عُرْفِيٌّ، والواجِبُ الأخْذُ بِالمَعْنى العَرَبِيِّ إذا لَمْ تَثْبُتْ في اللَّفْظِ حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ. وأنْتَ تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في الفِعْلِ لِيَصِحَّ العَطْفُ عَلَيْهِ كَما تَقَرَّرَ في عِلْمِ النَّحْوِ أنَّهُ لا يَجُوزُ العَطْفُ عَلى الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ المُسْتَكِنِّ إلّا بَعْدَ تَأْكِيدِهِ بِمُنْفَصِلٍ. وقَدْ يَجِيءُ العَطْفُ نادِرًا بِغَيْرِ تَأْكِيدٍ كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎قُلْتُ إذْ أقْبَلَتْ وزُهْرٌ تَهادى كَنِعاجِ المَلا تَعَسَّفْنَ رَمْلا وقَوْلُهُ: وزَوْجُكَ أيْ حَوّاءُ وهَذِهِ هي اللُّغَةُ الفَصِيحَةُ زَوْجٌ بِغَيْرِ هاءٍ، وقَدْ جاءَ بِها قَلِيلًا كَما في صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ أنَسٍ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ كانَ مَعَ إحْدى نِسائِهِ، فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ فَدَعاهُ وقالَ: «يا فُلانُ هَذِهِ زَوْجَتِي فُلانَةُ» الحَدِيثَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وإنَّ الَّذِي يَسْعى لِيُفْسِدَ زَوْجَتِي ∗∗∗ كَساعٍ إلى أُسْدِ الشَّرى يَسْتَمِيلُها ورَغَدًا بِفَتْحِ المُعْجَمَةِ، وقَرَأ النَّخَعِيُّ وابْنُ وثّابٍ بِسُكُونِها، والرَّغَدُ: العَيْشُ الهَنِيءُ الَّذِي لا عَناءَ فِيهِ، وهو مَنصُوبٌ عَلى الصِّفَةِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ. وحَيْثُ مَبْنِيَّةٌ عَلى الضَّمِّ وفِيها لُغاتٌ كَثِيرَةٌ مَذْكُورَةٌ في كُتُبِ العَرَبِيَّةِ. والقُرْبُ: الدُّنُوُّ. قالَ في الصِّحاحِ: قَرُبَ الشَّيْءُ بِالضَّمِّ يَقْرُبُ قُرْبًا: أيْ دَنا، وقَرِبْتُهُ بِالكَسْرِ أقْرَبُهُ قُرْبانًا: أيْ دَنَوْتُ مِنهُ، وقَرَبْتُ أقْرُبُ قَرابَةً مِثْلُ كَتَبْتُ أكْتُبُ كِتابَةً: إذا سِرْتَ إلى الماءِ وبَيْنَكَ وبَيْنَهُ لَيْلَةٌ، والِاسْمُ القُرْبُ قالَ الأصْمَعِيُّ: قُلْتُ لِأعْرابِيٍّ: ما القُرْبُ ؟ قالَ: سَيْرُ اللَّيْلِ لِوُرُودِ الغَدِ. والنَّهْيُ عَنِ القُرْبِ فِيهِ سَدٌّ لِلذَّرِيعَةِ وقَطْعٌ لِلْوَسِيلَةِ، ولِهَذا جاءَ بِهِ عِوَضًا عَنِ الأكْلِ، ولا يَخْفى أنَّ النَّهْيَ عَنِ القُرْبِ لا يَسْتَلْزِمُ النَّهْيَ عَنِ الأكْلِ؛ لِأنَّهُ قَدْ يَأْكُلُ مِن ثَمَرِ الشَّجَرَةِ مَن هو بَعِيدٌ عَنْها إذا يُحْمَلُ إلَيْهِ، فالأوْلى أنْ يُقالَ: المَنعُ مِنَ الأكْلِ مُسْتَفادٌ مِنَ المَقامِ. والشَّجَرُ: ما كانَ لَهُ ساقٌ مِن نَباتِ الأرْضِ وواحِدُهُ شَجَرَةٌ وقُرِئَ بِكَسْرِ الشِّينِ وبِالياءِ المُثَنّاةِ مِن تَحْتِ مَكانِ الجِيمِ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ " هَذِي " بِالياءِ بَدَلَ الهاءِ وهو الأصْلُ. واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الشَّجَرَةِ، فَقِيلَ: هي الكَرْمُ وقِيلَ: السُّنْبُلَةُ، وقِيلَ: التِّينُ، وقِيلَ: الحِنْطَةُ، وسَيَأْتِي ما رُوِيَ عَنِ الصَّحابَةِ فَمَن بَعْدَهم في تَعْيِينِها. وقَوْلُهُ: فَتَكُونا مَعْطُوفٌ عَلى تَقْرَبا في الكَشّافِ، أوْ نُصِبَ في جَوابِ النَّهْيِ وهو الأظْهَرُ. والظُّلْمُ أصْلُهُ: وضْعُ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، والأرْضُ المَظْلُومَةُ: الَّتِي لَمْ تُحْفَرْ قَطُّ ثُمَّ حُفِرَتْ، ورَجُلٌ ظَلِيمٌ: شَدِيدُ الظُّلْمِ. والمُرادُ هُنا ﴿فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ لِأنْفُسِهِمْ بِالمَعْصِيَةِ، وكَلامُ أهْلِ العِلْمِ في عِصْمَةِ الأنْبِياءِ واخْتِلافُ مَذاهِبِهِمْ في ذَلِكَ مُدَوَّنٌ في مَواطِنِهِ، وقَدْ أطالَ البَحْثَ في ذَلِكَ الرّازِيُّ في تَفْسِيرِهِ في هَذا المَوْضِعِ فَلْيُرْجَعْ إلَيْهِ فَإنَّهُ مُفِيدٌ. وأزَلَّهُما مِنَ الزَّلَّةِ وهي الخَطِيئَةُ أيِ اسْتَزَلَّهُما وأوْقَعَهُما فِيها، وقَرَأ حَمْزَةُ " فَأزالَهُما " بِإثْباتِ الألِفِ مِنَ الإزالَةِ وهي التَّحْتِيَّةُ: أيْ نَحّاهُما، وقَرَأ الباقُونَ بِحَذْفِ الألِفِ. قالَ ابْنُ كَيْسانَ: هو مِنَ الزَّوالِ: أيْ صَرَفَهُما عَمّا كانَ عَلَيْهِ مِنَ الطّاعَةِ إلى المَعْصِيَةِ. قالَ القُرْطُبِيُّ: وعَلى هَذا تَكُونُ القِراءَتانِ بِمَعْنًى، إلّا أنَّ قِراءَةَ الجَماعَةِ أمْكَنُ في المَعْنى، يُقالُ مِنهُ: أزْلَلْتُهُ فَزَلَّ وعَنْها مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: أزَلَّهُما عَلى تَضْمِينِهِ مَعْنى أصْدَرَ: أيْ أصْدَرَ الشَّيْطانُ زَلَّتَهُما عَنْها أيْ بِسَبَبِها، يَعْنِي الشَّجَرَةَ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْجَنَّةِ، وعَلى هَذا فالفِعْلُ مُضَمَّنٌ مَعْنى أبْعَدَهُما: أيْ أبْعَدَهُما عَنِ الجَنَّةِ. وقَوْلُهُ: فَأخْرَجَهُما تَأْكِيدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ الأُولى: أيْ أزَلَّهُما إنْ كانَ مَعْناهُ زالَ عَنِ المَكانِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ مَعْناهُ كَذَلِكَ فَهو تَأْسِيسٌ، لِأنَّ الإخْراجَ فِيهِ زِيادَةٌ عَلى مُجَرَّدِ الصَّرْفِ والإبْعادِ ونَحْوِهِما، لِأنَّ الصَّرْفَ عَنِ الشَّجَرَةِ والإبْعادَ عَنْها قَدْ يَكُونُ مَعَ البَقاءِ في الجَنَّةِ بِخِلافِ الإخْراجِ لَهُما عَمّا كانا فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ والكَرامَةِ أوْ مِنَ الجَنَّةِ، وإنَّما نَسَبَ ذَلِكَ إلى الشَّيْطانِ لِأنَّهُ الَّذِي تَوَلّى إغْواءَ آدَمَ حَتّى أكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ. وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في الكَيْفِيَّةِ الَّتِي فَعَلَها الشَّيْطانُ في إزْلالِهِما، فَقِيلَ: إنَّهُ كانَ ذَلِكَ بِمُشافَهَةٍ مِنهُ لَهُما، وإلَيْهِ ذَهَبَ الجُمْهُورُ واسْتَدَلُّوا عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وقاسَمَهُما إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٢١] والمُقاسَمَةُ ظاهِرُها المُشافَهَةُ: وقِيلَ: لَمْ يَصْدُرْ مِنهُ إلّا مُجَرَّدُ الوَسْوَسَةِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا سَيَأْتِي في المَرْوِيِّ عَنِ السَّلَفِ. وقَوْلُهُ: اهْبِطُوا خِطابٌ لِآدَمَ وحَوّاءَ، وخُوطِبا بِما يُخاطَبُ بِهِ الجَمْعُ لِأنَّ الِاثْنَيْنِ أقَلُّ الجَمْعِ عِنْدَ البَعْضِ مِن أئِمَّةِ العَرَبِيَّةِ، (p-٤٨)وقِيلَ: إنَّهُ خِطابٌ لَهُما ولِذُرِّيَّتِهِما، لِأنَّهُما لَمّا كانا أصْلَ هَذا النَّوْعِ الإنْسانِيِّ جُعِلا بِمَنزِلَتِهِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ فَإنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ الواقِعَةَ حالًا مُبَيِّنًا لِلْهَيْئَةِ الثّابِتَةِ لِلْمَأْمُورِينَ بِالهُبُوطِ تُفِيدُ ذَلِكَ. والعَدُوُّ خِلافُ الصَّدِيقِ، وهو مِن عَدا إذا ظَلَمَ، ويُقالُ: ذِئْبٌ عَدَوانٌ: أيْ يَعْدُو عَلى النّاسِ، والعُدْوانُ: الظُّلْمُ الصُّراحُ وقِيلَ إنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ المُجاوَزَةِ، يُقالُ عَداهُ: إذا جاوَزَهُ، والمَعْنَيانِ مُتَقارِبانِ، فَإنَّ مَن ظَلَمَ فَقَدْ تَجاوَزَ. وإنَّما أخْبَرَ عَنْ قَوْلِهِ: بَعْضُكم بِقَوْلِهِ: عَدُوٌّ مَعَ كَوْنِهِ مُفْرَدًا، لِأنَّ لَفْظَ بَعْضٍ وإنْ كانَ مَعْناهُ مُحْتَمِلًا لِلتَّعَدُّدِ فَهو مُفْرَدٌ، فَرُوعِيَ جانِبُ اللَّفْظِ وأخْبَرَ عَنْهُ بِالمُفْرَدِ، وقَدْ يُراعِي المَعْنى فَيُخْبِرُ عَنْهُ بِالمُتَعَدِّدِ. وقَدْ يُجابُ بِأنَّ عَدُوٌّ وإنْ كانَ مُفْرَدًا فَقَدْ يَقَعُ مَوْقِعَ المُتَعَدِّدِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهم لَكم عَدُوٌّ﴾ [الكهف: ٥٠] وقَوْلِهِ: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ العَدُوُّ﴾ [المنافقون: ٤] قالَ ابْنُ فارِسٍ: العَدُوُّ اسْمٌ جامِعٌ لِلْواحِدِ والِاثْنَيْنِ والثَّلاثَةِ. والمُرادُ بِالمُسْتَقَرِّ مَوْضِعُ الِاسْتِقْرارِ، ومِنهُ ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ [الفرقان: ٢٤] وقَدْ يَكُونُ بِمَعْنى الِاسْتِقْرارِ، ومِنهُ ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾ [القيامة: ١٢] فالآيَةُ مُحْتَمِلَةٌ لِلْمَعْنَيَيْنِ، ومِثْلُها قَوْلُهُ: ﴿جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ قَرارًا﴾ [غافر: ٦٤] والمَتاعُ: ما يُسْتَمْتَعُ بِهِ مِنَ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ والمَلْبُوسِ ونَحْوِها. واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في قَوْلِهِ: إلى حِينٍ فَقِيلَ: إلى المَوْتِ، وقِيلَ: إلى قِيامِ السّاعَةِ. وأصْلُ مَعْنى الحِينِ في اللُّغَةِ: الوَقْتُ البَعِيدُ، ومِنهُ ﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ [الإنسان: ١]، والحِينُ السّاعَةُ، ومِنهُ ﴿أوْ تَقُولَ حِينَ تَرى العَذابَ﴾ [الزمر: ٥٨] والقِطْعَةُ مِنَ الدَّهْرِ، ومِنهُ ﴿فَذَرْهم في غَمْرَتِهِمْ حَتّى حِينٍ﴾ [المؤمنون: ٥٤] أيْ حَتّى تَفْنى آجالُهم، ويُطْلَقُ عَلى السَّنَةِ، وقِيلَ: عَلى سِتَّةِ أشْهُرٍ، ومِنهُ ﴿تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ﴾ [إبراهيم: ٢٥] ويُطْلَقُ عَلى المَساءِ والصَّباحِ، ومِنهُ ﴿حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧] وقالَ الفَرّاءُ: الحِينُ حِينانِ، حِينٌ لا يُوقَفُ عَلى حَدِّهِ، ثُمَّ ذَكَرَ الحِينَ الآخَرَ، واخْتِلافُهُ بِحَسَبِ اخْتِلافِ المَقاماتِ كَما ذَكَرْنا. وقالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: الحِينُ المَجْهُولُ لا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ، والحِينُ المَعْلُومُ سَنَةٌ. ومَعْنى تَلَقِّي آدَمَ لِلْكَلِماتِ: أخْذُهُ لَها وقَبُولُهُ لِما فِيها وعَمَلُهُ بِها، وقِيلَ: فَهْمُهُ لَها وفَطانَتُهُ لِما تَضَمَّنَتْهُ. وأصْلُ مَعْنى التَّلَقِّي الِاسْتِقْبالُ: أيِ اسْتَقْبَلَ الكَلِماتِ المُوَحاةَ إلَيْهِ ومَن قَرَأ بِنَصْبِ " آدَمَ " جَعَلَ مَعْناهُ اسْتَقْبَلَتْهُ الكَلِماتُ. وقِيلَ: إنَّ مَعْنى تَلْقّى تَلَقَّنَ، ولا وجْهَ لَهُ في العَرَبِيَّةِ. واخْتَلَفَ السَّلَفُ في تَعْيِينِ هَذِهِ الكَلِماتِ وسَيَأْتِي. والتَّوْبَةُ الرُّجُوعُ، يُقالُ تابَ العَبْدُ: إذا رَجَعَ إلى طاعَةِ مَوْلاهُ، وعَبْدٌ تَوّابٌ: كَثِيرُ الرُّجُوعِ فَمَعْنى تابَ عَلَيْهِ: رَجَعَ عَلَيْهِ بِالرَّحْمَةِ فَقَبِلَ تَوْبَتَهُ أوْ وفَّقَهُ لِلتَّوْبَةِ. واقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ التَّوْبَةِ عَلى آدَمَ دُونَ حَوّاءَ مَعَ اشْتِراكِهِما في الذَّنْبِ، لِأنَّ الكَلامَ مِن أوَّلِ القِصَّةِ مَعَهُ فاسْتَمَرَّ عَلى ذَلِكَ واسْتَغْنى بِالتَّوْبَةِ عَلَيْهِ عَنْ ذِكْرِ التَّوْبَةِ عَلَيْها لِكَوْنِها تابِعَةً لَهُ، كَما اسْتَغْنى بِنِسْبَةِ الذَّنْبِ إلَيْهِ عَنْ نِسْبَتِهِ إلَيْها في قَوْلِهِ: ﴿وعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى﴾ [طه: ١٢١] . وأمّا قَوْلُهُ: ﴿قُلْنا اهْبِطُوا﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿قُلْنا اهْبِطُوا﴾، فَكَرَّرَهُ لِلتَّوْكِيدِ والتَّغْلِيظِ. وقِيلَ: إنَّهُ لَمّا تَعَلَّقَ بِهِ حُكْمٌ غَيْرُ الحُكْمِ الأوَّلِ كَرَّرَهُ، ولا تَزاحُمَ بَيْنَ المُقْتَضَياتِ. فَقَدْ يَكُونُ التَّكْرِيرُ لِلْأمْرَيْنِ مَعًا. وجَوابُ الشَّرْطِ في قَوْلِهِ: ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى﴾ هو الشَّرْطُ الثّانِي مَعَ جَوابِهِ قالَهُ سِيبَوَيْهِ. وقالَ الكِسائِيُّ: إنَّ جَوابَ الشَّرْطِ الأوَّلَ والثّانِيَ قَوْلُهُ: ﴿فَلا خَوْفٌ﴾ واخْتَلَفُوا في مَعْنى الهُدى المَذْكُورِ فَقِيلَ: هو كِتابُ اللَّهِ، وقِيلَ: التَّوْفِيقُ لِلْهِدايَةِ. والخَوْفُ: هو الذُّعْرُ، ولا يَكُونُ إلّا في المُسْتَقْبَلِ. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ والحَسَنُ وعِيسى بْنُ عَمّارٍ وابْنُ أبِي إسْحاقَ ويَعْقُوبُ " فَلا خَوْفَ " بِفَتْحِ الفاءِ، والحُزْنُ ضِدُّ السُّرُورِ. قالَ اليَزِيدِيُّ: حَزَنَهُ لُغَةُ قُرَيْشٍ، وأحْزَنَهُ لُغَةُ تَمِيمٍ. وقَدْ قُرِئَ بِهِما. وصُحْبَةُ أهْلِ النّارِ لَها بِمَعْنى الِاقْتِرانِ والمُلازَمَةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ تَفْسِيرِ الخُلُودِ. وقَدْ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أرَأيْتَ آدَمَ نَبِيًّا كانَ ؟ قالَ: نَعَمْ كانَ نَبِيًّا رَسُولًا كَلَّمَهُ اللَّهُ، قالَ لَهُ: ﴿ياآدَمُ اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والطَّبَرانِيُّ «عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ مَن أوَّلُ الأنْبِياءِ ؟ قالَ: آدَمُ قُلْتُ: نَبِيٌّ ؟ قالَ: نَعَمْ» . قُلْتُ: ثُمَّ مَن ؟ قالَ: «نُوحٌ وبَيْنَهُما عَشَرَةُ آباءٍ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ والبُخارِيُّ في تارِيخِهِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ نَحْوَهُ مِن حَدِيثِ أبِي ذَرٍّ مَرْفُوعًا وزادَ: كَمْ كانَ المُرْسَلُونَ ؟ قالَ: «ثَلاثُمِائَةٍ وخَمْسَةَ عَشَرَ جَمًّا غَفِيرًا» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ حِبّانَ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي أُمامَةَ الباهِلِيِّ، «أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أنَبِيٌّ كانَ آدَمُ ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: كَمْ بَيْنَهُ وبَيْنَ نُوحٍ ؟ قالَ: عَشَرَةُ قُرُونٍ قالَ: كَمْ بَيْنَ نُوحٍ وبَيْنَ إبْراهِيمَ ؟ قالَ: عَشَرَةُ قُرُونٍ، قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ كَمِ الأنْبِياءُ ؟ قالَ: مِائَةُ ألْفٍ وأرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا، قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ كَمْ كانَتِ الرُّسُلُ مِن ذَلِكَ ؟ قالَ: ثَلاثُمِائَةٍ وخَمْسَةَ عَشَرَ جَمًّا غَفِيرًا» . وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ أبِي أُمامَةَ نَحْوَهُ، وصَرَّحَ بِأنَّ السّائِلَ أبُو ذَرٍّ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما سَكَنَ آدَمُ الجَنَّةَ إلّا بَيْنَ صَلاةِ العَصْرِ إلى غُرُوبِ الشَّمْسِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ قالَ: " ما غابَتِ الشَّمْسُ مِن ذَلِكَ اليَوْمِ حَتّى أُهْبِطَ مِنَ الجَنَّةِ " . وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الحَسَنِ قالَ: لَبِثَ آدَمُ في الجَنَّةِ ساعَةً مِن نَهارٍ، تِلْكَ السّاعَةُ مِائَةٌ وثَلاثُونَ سَنَةً مِن أيّامِ الدُّنْيا. وقَدْ رُوِيَ تَقْدِيرُ اللَّبْثِ في الجَنَّةِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ بِمِثْلِ ما تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ كَما رَواهُ أحْمَدُ في الزُّهْدِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ قالُوا: لَمّا سَكَنَ آدَمُ الجَنَّةَ كانَ يَمْشِي فِيها وحْشًا لَيْسَ لَهُ زَوْجٌ يَسْكُنُ إلَيْها، فَنامَ نَوْمَةً فاسْتَيْقَظَ وإذا عِنْدَ رَأْسِهِ امْرَأةٌ قاعِدَةٌ خَلَقَها اللَّهُ مِن ضِلْعِهِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «اسْتَوْصُوا بِالنِّساءِ خَيْرًا، فَإنَّ المَرْأةَ (p-٤٩)خُلِقَتْ مِن ضِلْعٍ، وإنَّ أعْوَجَ شَيْءٍ مِنَ الضِّلْعِ رَأْسُهُ، فَإنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ، وإنْ تَرَكْتَهُ تَرَكْتَهُ وفِيهِ عِوَجٌ» ورَوى أبُو الشَّيْخِ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّما سُمِّيَتْ حَوّاءَ لِأنَّها أُمُّ كُلِّ حَيٍّ. وأخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ النَّخَعِيِّ قالَ: لَمّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ وخَلَقَ لَهُ زَوْجَهُ بَعَثَ إلَيْهِ مَلَكًا وأمَرَهُ بِالجِماعِ فَفَعَلَ، فَلَمّا فَرَغَ قالَتْ لَهُ حَوّاءُ: يا آدَمُ هَذا طَيِّبٌ زِدْنا مِنهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ قالَ: الرَّغَدُ الهَنِيءُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الرَّغَدُ سَعَةُ المَعِيشَةِ. وأخْرَجا عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وكُلا مِنها رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُما﴾ قالَ: لا حِسابَ عَلَيْكم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ عَساكِرَ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الشَّجَرَةُ الَّتِي نَهى اللَّهُ عَنْها آدَمَ السُّنْبُلَةُ وفي لَفْظٍ: البُرُّ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: هي الكَرْمُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْهُ قالَ: هي اللَّوْزُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ بَعْضِ الصَّحابَةِ قالَ: هي التِّينَةُ. ورَوى مِثْلَهُ أبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ وابْنِ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قالَ: هي البُرُّ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي مالِكٍ قالَ: هي النَّخْلَةُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ قالَ: هي الأُتْرُجُّ. وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ عَنْ شُعَيْبٍ الجُبّائِيِّ قالَ: هي تُشْبِهُ البُرَّ وتُسَمّى الدَّعَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ فَأزَلَّهُما قالَ: فَأغْواهُما. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ قالَ: فَأزَلَّهُما فَنَحّاهُما. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في المَصاحِفِ عَنِ الأعْمَشِ قالَ: قِراءَتُنا في البَقَرَةِ مَكانَ فَأزَلَّهُما فَوَسْوَسَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ قالُوا: أرادَ إبْلِيسُ أنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِما الجَنَّةَ فَمَنَعَتْهُ الخَزَنَةُ، فَأتى الحَيَّةَ وهي دابَّةٌ لَها أرْبَعُ قَوائِمَ كَأنَّها البَعِيرُ وهي كَأحْسَنِ الدَّوابِّ، فَكَلَّمَها أنْ تُدْخِلَهُ في فَمِها حَتّى تَدْخُلَ بِهِ إلى آدَمَ، فَأدْخَلَتْهُ في فَمِها، فَمَرَّتِ الحَيَّةُ عَلى الخَزَنَةِ فَدَخَلَتْ ولا يَعْلَمُونَ لِما أرادَ اللَّهُ مِنَ الأمْرِ، فَكَلَّمَهُ مِن فَمِها فَلَمْ يُبالِ بِكَلامِهِ، فَخَرَجَ إلَيْهِ فَقالَ: يا آدَمُ ﴿هَلْ أدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ ومُلْكٍ لا يَبْلى﴾ [طه: ١٢٠] وحَلَفَ لَهُما بِاللَّهِ ﴿إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٢١] فَأبى آدَمُ أنْ يَأْكُلَ مِنها، فَتَقَدَّمَتْ حَوّاءُ فَأكَلَتْ، ثُمَّ قالَتْ: يا آدَمُ كُلْ، فَإنِّي قَدْ أكَلْتُ فَلَمْ يَضُرَّنِي، فَلَمّا أكَلا ﴿بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِن ورَقِ الجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٢] . وقَدْ أخْرَجَ قِصَّةَ الحَيَّةِ ودُخُولِ إبْلِيسَ مَعَها عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «إنَّ آدَمَ كانَ رَجُلًا طُوالًا، كَأنَّهُ نَخْلَةُ سَحُوقٍ، طُولُهُ سِتُّونَ ذِراعًا، كَثِيرَ شَعْرِ الرَّأْسِ، فَلَمّا رَكِبَ الخَطِيئَةَ بَدَتْ لَهُ عَوْرَتُهُ» الحَدِيثَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَنِيعٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. قالَ: قالَ اللَّهُ لِآدَمَ: ما حَمَلَكَ عَلى أنْ أكَلْتَ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي نَهَيْتُكَ عَنْها ؟ قالَ: يا رَبِّ زَيَّنَتْهُ لِي حَوّاءُ، قالَ: فَإنِّي عاقَبْتُها بِأنْ لا تَحْمِلَ إلّا كُرْهًا ولا تَضَعَ إلّا كُرْهًا، وأدْمَيْتُها في كُلِّ شَهْرٍ مَرَّتَيْنِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ والحاكِمُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «لَوْلا بَنُو إسْرائِيلَ لَمْ يَخْنَزِ اللَّحْمُ، ولَوْلا حَوّاءُ لَمْ تَخُنْ أُنْثى زَوْجَها» . وقَدْ ثَبَتَتْ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما في «مُحاجَّةِ آدَمَ ومُوسى، وحَجَّ آدَمُ مُوسى بِقَوْلِهِ: أتَلُومُنِي عَلى أمْرٍ قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيَّ قَبْلَ أنْ أُخْلَقَ ؟» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقُلْنا اهْبِطُوا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ قالَ: آدَمُ وحَوّاءُ وإبْلِيسُ والحَيَّةُ ﴿ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ قالَ: القُبُورُ ﴿ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ قالَ: الحَياةُ. ورُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ وأبِي صالِحٍ وقَتادَةَ كَما أخْرَجَهُ عَنِ الأوَّلِ والثّانِي أبُو الشَّيْخِ وعَنِ الثّالِثِ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ قالَ: القُبُورُ ﴿ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ قالَ: إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: أُهْبِطَ آدَمُ بِالصَّفا وحَوّاءُ بِالمَرْوَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " أوَّلُ ما أهْبَطَ اللَّهُ آدَمَ إلى أرْضِ الهِنْدِ " وفي لَفْظٍ " بِدَجْنى أرْضِ الهِنْدِ " . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أنَّهُ أُهْبِطَ إلى أرْضٍ بَيْنَ مَكَّةَ والطّائِفِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ قالَ: قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: أطْيَبُ رِيحِ الأرْضِ الهِنْدُ، هَبَطَ بِها آدَمُ فَعَلِقَ شَجَرُها مِن رِيحِ الجَنَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أُهْبِطَ آدَمُ بِالهِنْدِ وحَوّاءُ بِجُدَّةَ، فَجاءَ في طَلَبِها حَتّى أتى جَمْعًا، فازْدَلَفَتْ إلَيْهِ حَوّاءُ، فَلِذَلِكَ سُمِّيَتِ المُزْدَلِفَةَ، واجْتَمَعا بِجَمْعٍ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «أُنْزِلَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالهِنْدِ فاسْتَوْحَشَ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ فَنادى بِالأذانِ، فَلَمّا سَمِعَ ذِكْرَ مُحَمَّدٍ قالَ لَهُ: ومَن مُحَمَّدٌ هَذا ؟ قالَ هَذا آخِرُ ولَدِكَ مِنَ الأنْبِياءِ» . وقَدْ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ أنَّ آدَمَ أُهْبِطَ إلى أرْضِ الهِنْدِ، مِنهم جابِرٌ أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ عَساكِرَ، ومِنهُمُ ابْنُ عُمَرَ أخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ. وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إنَّ اللَّهَ لَمّا خَلَقَ الدُّنْيا لَمْ يَخْلُقْ فِيها ذَهَبًا ولا فِضَّةً، فَلَمّا أهْبَطَ آدَمَ وحَوّاءَ أنْزَلَ مَعَهُما ذَهَبًا وفِضَّةً، فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ في الأرْضِ مَنفَعَةً لِأوْلادِهِما مِن بَعْدِهِما وجَعَلَ ذَلِكَ صَداقًا لِحَوّاءَ، فَلا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَتَزَوَّجَ إلّا بِصَداقٍ» . وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «هَبَطَ آدَمُ وحَوّاءُ عُرْيانَيْنِ جَمِيعًا عَلَيْهِمْ ورَقُ الجَنَّةِ قَعَدَ يَبْكِي ويَقُولُ لَها: يا حَوّاءُ قَدْ آذانِي الحَرُّ، فَجاءَهُ جِبْرِيلُ بِقُطْنٍ وأمَرَها أنْ تَغْزِلَ وعَلَّمَها، وأمَرَ آدَمَ بِالحِياكَةِ وعَلَّمَهُ» . وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ في مُسْنَدِ الفِرْدَوْسِ (p-٥٠)عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا «أوَّلُ مَن حاكَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ» . وقَدْ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ ومَن بَعْدَهم حِكاياتٌ في صِفَةِ هُبُوطِ آدَمَ مِنَ الجَنَّةِ وما أُهْبِطَ مَعَهُ وما صَنَعَ عِنْدَ وُصُولِهِ إلى الأرْضِ، ولا حاجَةَ لَنا بِبَسْطِ جَمِيعِ ذَلِكَ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ﴾ قالَ: أيْ رَبِّ ألَمْ تَخْلُقْنِي بِيَدِكَ ؟ قالَ: بَلى، قالَ: أيْ رَبِّ ألَمْ تَنْفُخْ فِيَّ رُوحَكَ ؟ قالَ: بَلى، قالَ: أيْ رَبِّ ألَمْ تَسْبِقْ إلَيَّ رَحْمَتُكَ قَبْلَ غَضَبِكَ ؟ قالَ: بَلى، قالَ: أيْ رَبِّ ألَمْ تُسْكِنِّي جَنَّتَكَ ؟ قالَ: بَلى، قالَ: أيْ رَبِّ أرَأيْتَ إنْ تُبْتُ وأصْلَحْتُ أراجِعِي أنْتَ إلى الجَنَّةِ ؟ قالَ: نَعَمْ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وابْنُ عَساكِرَ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ عائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «لَمّا أهْبَطَ اللَّهُ آدَمَ إلى الأرْضِ قامَ وِجاهَ الكَعْبَةِ فَصَلّى رَكْعَتَيْنِ» الحَدِيثَ. وقَدْ رُوِيَ نَحْوُهُ بِإسْنادٍ لا بَأْسَ بِهِ أخْرَجَهُ الأزْرَقِيُّ في تارِيخِ مَكَّةَ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّعَواتِ وابْنُ عَساكِرَ مِن حَدِيثِ بُرَيْدَةَ مَرْفُوعًا. وأخْرَجَ الثَّعْلَبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ﴾ قالَ: قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣] . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقِ ابْنِ جَرِيرٍ عَنْهُ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ﴾ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ والضَّحّاكِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قِيلَ لَهُ: ما الكَلِماتُ الَّتِي تَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ ؟ قالَ: عِلْمُ شَأْنِ الحَجِّ فَهي الكَلِماتُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ﴾ قالَ: لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ وبِحَمْدِكَ رَبِّ عَمِلْتُ سُوءًا وظَلَمْتُ نَفْسِي، فارْحَمْنِي إنَّكَ أنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ، لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ وبِحَمْدِكَ رَبِّ عَمِلْتُ سُوءًا وظَلَمْتُ نَفْسِي، فَتُبْ عَلَيَّ إنَّكَ أنْتَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ. وأخْرَجَ نَحْوَهُ البَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أنَسٍ. وأخْرَجَ نَحْوَهُ هُنا وفي الزُّهْدِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. وأخْرَجَ نَحْوَهُ ابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ جُوَيْبِرٍ عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وأخْرَجَ نَحْوَهُ الدَّيْلَمِيُّ في مُسْنَدِ الفِرْدَوْسِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى﴾ قالَ الهُدى: الأنْبِياءُ والرُّسُلُ والبَيانُ. وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ عَنْ أبِي الطُّفَيْلِ قالَ: «قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: " فَمَن تَبِعَ هُدايَّ " بِتَثْقِيلِ الياءِ وفَتْحِها» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ يَعْنِي في الآخِرَةِ ﴿ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ يَعْنِي لا يَحْزَنُونَ لِلْمَوْتِ.