Fath Al-Qadir Al-Shawkani — النساء 4:164 – المائدة 5:26
المحتويات
- النساء 4:164
- النساء 4:165
- النساء 4:166
- النساء 4:167
- النساء 4:168
- النساء 4:169
- النساء 4:170
- النساء 4:171
- النساء 4:172
- النساء 4:173
- النساء 4:174
- النساء 4:175
- النساء 4:176
- المائدة 5:1
- المائدة 5:2
- المائدة 5:3
- المائدة 5:4
- المائدة 5:5
- المائدة 5:6
- المائدة 5:7
- المائدة 5:8
- المائدة 5:9
- المائدة 5:10
- المائدة 5:11
- المائدة 5:12
- المائدة 5:13
- المائدة 5:14
- المائدة 5:15
- المائدة 5:16
- المائدة 5:17
- المائدة 5:18
- المائدة 5:19
- المائدة 5:20
- المائدة 5:21
- المائدة 5:22
- المائدة 5:23
- المائدة 5:24
- المائدة 5:25
- المائدة 5:26
النساء 4:164
الباءُ في قَوْلِهِ: ( فَبِظُلْمٍ ) لِلسَّبَبِيَّةِ، والتَّنْكِيرُ والتَّنْوِينُ لِلتَّعْظِيمِ؛ أيْ: فَبِسَبَبِ ظُلْمٍ عَظِيمٍ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهم، لا بِسَبَبِ شَيْءٍ آخَرَ كَما زَعَمُوا أنَّها كانَتْ مُحَرَّمَةً عَلى مَن قَبْلَهم، وقالَ الزَّجّاجُ: هَذا بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ( فَبِما نَقْضِهِمْ ) [ النِّساءِ: ١٥٥، المائِدَةِ: ١٣ ] والطَّيِّباتُ المَذْكُورَةُ هي ما نَصَّهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ ﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ الآيَةَ.
( وبِصَدِّهِمْ ) أنْفُسَهم وغَيْرَهم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وهو اتِّباعُ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وتَحْرِيفِهِمْ وقَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ وما صَدَرَ مِنهم مِنَ الذُّنُوبِ المَعْرُوفَةِ، وقَوْلُهُ: ( كَثِيرًا ) مَفْعُولٌ لِلْفِعْلِ المَذْكُورِ؛ أيْ: بِصَدِّهِمْ ناسًا كَثِيرًا، أوْ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: صَدّا كَثِيرًا.
﴿وأخْذِهِمُ الرِّبا وقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ أيْ: مُعامَلَتِهِمْ فِيما بَيْنَهم بِالرِّبا وأكْلِهِمْ لَهُ وهو مُحَرَّمٌ عَلَيْهِمْ ﴿وأكْلِهِمْ أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ﴾ كالرِّشْوَةِ والسُّحْتِ الَّذِي كانُوا يَأْخُذُونَهُ، قَوْلُهُ: ﴿لَكِنِ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ مِنهُمْ﴾ اسْتِدْراكٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنهم عَذابًا ألِيمًا﴾ أوْ ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ وذَلِكَ أنَّ اليَهُودَ أنْكَرُوا وقالُوا: إنَّ هَذِهِ الأشْياءَ كانَتْ حَرامًا في الأصْلِ وأنْتَ تُحِلُّها، فَنَزَلَ ( لَكِنِ الرّاسِخُونَ ) والرّاسِخُ: هو المُبالِغُ في عِلْمِ الكِتابِ الثّابِتِ فِيهِ، والرُّسُوخُ: الثُّبُوتُ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ في آلِ عِمْرانَ، والمُرادُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ، وكَعْبُ الأحْبارِ ونَحْوُهُما.
والرّاسِخُونَ مُبْتَدَأٌ، ويُؤْمِنُونَ خَبَرُهُ، والمُؤْمِنُونَ مَعْطُوفٌ عَلى الرّاسِخُونَ، والمُرادُ بِالمُؤْمِنِينَ إمّا مَن آمَنَ مِن أهْلِ الكِتابِ أوْ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ أوْ مِنَ الجَمِيعِ، قَوْلُهُ: ( والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ ) قَرَأ الحَسَنُ، ومالِكُ بْنُ دِينارٍ وجَماعَةٌ ( والمُقِيمُونَ الصَّلاةَ ) عَلى العَطْفِ عَلى ما قَبْلَهُ، وكَذا هو في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ، واخْتُلِفَ في وجْهِ نَصْبِهِ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ عَلى أقْوالٍ:
الأوَّلُ: قَوْلُ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ نُصِبَ عَلى المَدْحِ؛ أيْ: أعْنِي المُقِيمِينَ، قالَ سِيبَوَيْهِ: هَذا بابُ ما يُنْتَصَبُ عَلى التَّعْظِيمِ، ومِن ذَلِكَ ( والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ ) وأنْشَدَ:
؎وكُلُّ قَوْمٍ أطاعُوا أمْرَ سَيِّدِهِمْ إلّا نُمَيْرًا أطاعَتْ أمْرَ غاوِيها
؎الطّاعِنِينَ ولَمّا يَطْعَنُوا أحَدًا ∗∗∗ والقائِلُونَ لِمَن دارٌ نُخَلِّيهُا
وأنْشَدَ:
؎لا يَبْعَدَنَّ قَوْمَيِ الَّذِينَ هُمُ ∗∗∗ سُمُّ العُداةِ وآفَةُ الجُزْرِ
؎النّازِلِينَ بِكُلِّ مُعْتَرَكٍ ∗∗∗ والطَّيِّبُونَ مَعاقِدَ الأُزْرِ
قالَ النَّحّاسُ: وهَذا أصَحُّ ما قِيلَ في المُقِيمِينَ، وقالَ الكِسائِيُّ، والخَلِيلُ: هو مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ( بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ ) قالَ الأخْفَشُ: وهَذا بَعِيدٌ؛ لِأنَّ المَعْنى يَكُونُ هَكَذا: ويُؤْمِنُونَ بِالمُقِيمِينَ. ووَجَّهَهُ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ المُبَرِّدُ بِأنَّ المُقِيمِينَ هُنا هُمُ المَلائِكَةُ، فَيَكُونُ المَعْنى: يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وبِما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ وبِالمَلائِكَةِ واخْتارَ هَذا.
وحُكِيَ أنَّ النَّصْبَ عَلى المَدْحِ بَعِيدٌ؛ لِأنَّ المَدْحَ إنَّما يَأْتِي بَعْدَ تَمامِ الخَبَرِ، وخَبَرُ الرّاسِخُونَ هو قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أجْرًا عَظِيمًا﴾ وقِيلَ: إنَّ المُقِيمِينَ مَعْطُوفٌ عَلى الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: ( مِنهم ) وفِيهِ أنَّهُ عَطْفٌ عَلى مُضْمَرٍ بِدُونِ إعادَةِ الخافِضِ وحُكِيَ عَنْ عائِشَةَ أنَّها سُئِلَتْ عَنِ المُقِيمِينَ في هَذِهِ الآيَةِ وعَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ هَذانِ لَساحِرانِ﴾ [طه: ٦٣] وعَنْ قَوْلِهِ: ( والصّابِئُونَ ) [المائدة: ٦٩] في المائِدَةِ ؟ فَقالَتْ: يا ابْنَ أخِي الكُتّابُ أخْطَئُوا، أخْرَجَهُ عَنْها أبُو عُبَيْدٍ في فَضائِلِهِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ.
وقالَ أبانُ بْنُ عُثْمانَ: كانَ الكاتِبُ يُمْلِي عَلَيَّ فَيَكْتُبُ فَكَتَبَ ﴿لَكِنِ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ مِنهم والمُؤْمِنُونَ﴾ ثُمَّ قالَ: ما أكْتُبُ ؟ فَقِيلَ لَهُ: اكْتُبْ ( والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ ) فَمِن ثُمَّ وقَعَ هَذا، أخْرَجَهُ عَنْهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ. قالَ القُشَيْرِيُّ: وهَذا باطِلٌ؛ لِأنَّ الَّذِينَ جَمَعُوا الكِتابَ كانُوا قُدْوَةً في اللُّغَةِ فَلا يُظَنُّ بِهِمْ ذَلِكَ، ويُجابُ عَنِ القُشَيْرِيِّ بِأنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ أنَّهُ لَمّا فَرَغَ مِنَ المُصْحَفِ وأُتِيَ بِهِ إلَيْهِ قالَ: أرى فِيهِ شَيْئًا مِن لَحْنٍ سَتُقِيمُهُ العَرَبُ بِألْسِنَتِها. أخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ أبِي داوُدَ مِن طُرُقٍ، وقَدْ رَجَّحَ قَوْلَ سِيبَوَيْهِ كَثِيرٌ مِن أئِمَّةِ النَّحْوِ والتَّفْسِيرِ، ورَجَّحَ قَوْلَ الخَلِيلِ، والكِسائِيِّ، ابْنُ جَرِيرٍ، الطَّبَرِيُّ، والقَفّالُ، وعَلى قَوْلِ سِيبَوَيْهِ تَكُونُ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ خَبَرَ ( الرّاسِخُونَ ) هو قَوْلُهُ: ( أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ ) أوْ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ إنْ جَعْلَنا خَبَرَ ( الرّاسِخُونَ ) هو يُؤْمِنُونَ، وجَعَلَنا قَوْلَهُ: ( والمُؤْتُونَ الزَّكاةَ ) عَطْفًا عَلى ( المُؤْمِنُونَ ) لا عَلى قَوْلِ سِيبَوَيْهِ أنَّ المُؤْتُونَ الزَّكاةَ مَرْفُوعٌ عَلى الِابْتِداءِ أوْ عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: هُمُ المُؤْتُونَ الزَّكاةَ.
قَوْلُهُ: ﴿والمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ هم مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ وُصِفُوا أوَّلًا بِالرُّسُوخِ في العِلْمِ ثُمَّ بِالإيمانِ بِكُتُبِ اللَّهِ وأنَّهم يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ ويُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِمُ المُؤْمِنُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ كَما سَلَفَ وأنَّهم جامِعُونَ بَيْنَ هَذِهِ الأوْصافِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أجْرًا عَظِيمًا﴾ إلى الرّاسِخُونَ وما عُطِفَ عَلَيْهِ، قَوْلُهُ: ﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ كَما أوْحَيْنا إلى نُوحٍ والنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ﴾ هَذا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ﴾ والمَعْنى: أنَّ أمْرَ مُحَمَّدٍ (p-٣٤٤)صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ كَأمْرٍ مَن تَقَدَّمَهُ مِنَ الأنْبِياءِ فَما بالُكم تَطْلُبُونَ مِنهُ ما لَمْ يَطْلُبْهُ أحَدٌ مِنَ المُعاصِرِينَ لِلرُّسُلِ، والوَحْيُ إعْلامٌ في خَفاءٍ، يُقالُ: وُحِيَ إلَيْهِ بِالكَلامِ وحْيًا، وأوْحى يُوحِي إيحاءً، وخَصَّ نُوحًا لِكَوْنِهِ أوَّلَ نَبِيٍّ شُرِعَتْ عَلى لِسانِهِ الشَّرائِعُ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
والكافُ في قَوْلِهِ: ( كَما ) نَعَتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: إيحاءٌ مِثْلُ إيحائِنا إلى نُوحٍ، أوْ حالٌ؛ أيْ: أوْحَيْنا إلَيْكَ هَذا الإيحاءَ حالَ كَوْنِهِ مُشَبَّهًا بِإيحائِنا إلى نُوحٍ قَوْلُهُ: ﴿وأوْحَيْنا إلى إبْراهِيمَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿أوْحَيْنا إلى نُوحٍ﴾ ﴿وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ﴾ وهم أوْلادُ يَعْقُوبَ كَما تَقَدَّمَ ﴿وعِيسى وأيُّوبَ ويُونُسَ وهارُونَ وسُلَيْمانَ﴾ خَصَّ هَؤُلاءِ بِالذِّكْرِ بَعْدَ دُخُولِهِمْ في لَفْظِ النَّبِيِّينَ تَشْرِيفًا لَهم كَقَوْلِهِ: ﴿ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ﴾، وقُدِّمَ عِيسى عَلى أيُّوبَ ومَن بَعْدَهُ مَعَ كَوْنِهِمْ في زَمانٍ قَبْلَ زَمانِهِ، رَدًّا عَلى اليَهُودِ الَّذِي كَفَرُوا بِهِ، وأيْضًا فالواوُ لَيْسَ إلّا لِمُطْلَقِ الجَمْعِ.
قَوْلُهُ: ﴿وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ( أوْحَيْنا ) والزَّبُورُ: كِتابُ داوُدَ، قالَ القُرْطُبِيُّ: وهو مِائَةٌ وخَمْسُونَ سُورَةً لَيْسَ فِيها حُكْمٌ ولا حَلالٌ ولا حَرامٌ، وإنَّما هي حِكَمٌ ومَواعِظُ انْتَهى، قُلْتُ: هو مِائَةٌ وخَمْسُونَ مَزْمُورًا، والمَزْمُورُ: فَصْلٌ يَشْتَمِلُ عَلى كَلامٍ لِداوُدَ يَسْتَغِيثُ بِاللَّهِ مِن خُصُومِهِ ويَدْعُو اللَّهَ عَلَيْهِمْ ويَسْتَنْصِرُهُ، وتارَةً يَأْتِي بِمَواعِظَ، وكانَ يَقُولُ ذَلِكَ في الغالِبِ في الكَنِيسَةِ، ويُسْتَعْمَلُ مَعَ تَكَلُّمِهِ بِذَلِكَ شَيْئًا مِنَ الآلاتِ الَّتِي لَها نَغَماتٌ حَسَنَةٌ، كَما هو مُصَرَّحٌ بِذَلِكَ في كَثِيرٍ مِن تِلْكَ المَزْمُوراتِ، والزُّبُرُ: الكِتابَةُ، والزَّبُورُ بِمَعْنى المَزْبُورِ؛ أيْ: المَكْتُوبِ، كالرَّسُولِ والحَلُوبِ والرَّكُوبِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ ( زُبُورًا ) بِضَمِّ الزّايِ، جَمْعُ زُبُرٍ كَفَلْسٍ وفُلُوسٍ، والزُّبُرُ بِمَعْنى المَزْبُورِ، والأصْلُ في الكَلِمَةِ التَّوْثِيقُ يُقالُ: بِئْرٌ مَزْبُورَةٌ؛ أيْ: مَطْوِيَّةٌ بِالحِجارَةِ، والكِتابُ سُمِّيَ زَبُورًا لِقُوَّةِ الوَثِيقَةِ بِهِ.
قَوْلُهُ: ( ورُسُلًا ) مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ( أوْحَيْنا ) أيْ: وأرْسَلْنا رُسُلًا ﴿قَدْ قَصَصْناهم عَلَيْكَ مِن قَبْلُ﴾ وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ ( قَصَصْناهم ) أيْ: وقَصَصْنا رُسُلًا، ومِثْلَهُ ما أنْشَدَهُ سِيبَوَيْهِ:
؎أصْبَحْتُ لا أحْمِلُ السِّلاحَ ولا ∗∗∗ أمْلِكُ رَأْسَ البَعِيرِ إنْ نَفَرا
؎والذِّئْبُ أخْشاهُ إنْ مَرَرْتُ بِهِ ∗∗∗ وحْدِي وأخْشى الرِّياحَ والمَطَرا
أيْ: وأخْشى الذِّئْبَ، وقَرَأ أُبَيٌّ ( رُسُلٌ ) بِالرَّفْعِ عَلى تَقْدِيرِ: ومِنهم رُسُلٌ، ومَعْنى: ( مِن قَبْلُ ) أنَّهُ قَصَّهم عَلَيْهِ مِن قَبْلِ هَذِهِ السُّورَةِ، أوْ مِن قَبْلِ هَذا اليَوْمِ، قِيلَ: إنَّهُ لَمّا قَصَّ اللَّهُ في كِتابِهِ بَعْضَ أسْماءِ أنْبِيائِهِ ولَمْ يَذْكُرْ أسْماءَ بَعْضٍ قالَتِ اليَهُودُ: ذَكَرَ مُحَمَّدٌ الأنْبِياءَ ولَمْ يَذْكُرْ مُوسى، فَنَزَلَ ﴿وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ وقِراءَةُ الجُمْهُورِ بِرَفْعِ الِاسْمِ الشَّرِيفِ عَلى أنَّ اللَّهَ هو الَّذِي كَلَّمَ مُوسى، وقَرَأ النَّخَعِيُّ، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ بِنَصْبِ الِاسْمِ الشَّرِيفِ عَلى أنَّ مُوسى هو الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ سُبْحانَهُ و( تَكْلِيمًا ) مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ، وفائِدَةُ التَّأْكِيدِ دَفْعُ تَوَهُّمِ كَوْنِ التَّكْلِيمِ مَجازًا، كَما قالَ الفَرّاءُ: إنَّ العَرَبَ تُسَمِّي ما وصَلَ إلى الإنْسانِ كَلامًا بِأيِّ طَرِيقٍ، وقِيلَ: ما لَمْ يُؤَكَّدْ بِالمَصْدَرِ، فَإذا أُكِّدَ لَمْ يَكُنْ إلّا حَقِيقَةَ الكَلامِ.
قالَ النَّحّاسُ: وأجْمَعَ النَّحْوِيُّونَ عَلى أنَّكَ إذا أكَّدْتَ الفِعْلَ بِالمَصْدَرِ لَمْ يَكُنْ مَجازًا، قَوْلُهُ: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ﴾ بَدَلٌ مِن ( رُسُلًا ) الأوَّلِ، أوْ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ؛ أيْ: وأرْسَلْنا، أوْ عَلى الحالِ بِأنْ يَكُونَ ( رُسُلًا ) مُوَطِّئًا لِما بَعْدَهُ، أوْ عَلى المَدْحِ؛ أيْ: مُبَشِّرِينَ لِأهْلِ الطّاعاتِ ومُنْذِرِينَ لِأهْلِ المَعاصِي.
قَوْلُهُ: ﴿لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ أيْ: مَعْذِرَةٌ يَعْتَذِرُونَ بِها كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ أنّا أهْلَكْناهم بِعَذابٍ مِن قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ﴾ [طه: ١٣٤] وسُمِّيَتِ المَعْذِرَةُ حُجَّةً مَعَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِأحَدٍ مِنَ العِبادِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ هَذِهِ المَعْذِرَةَ مَقْبُولَةٌ لَدَيْهِ تَفَضُّلًا مِنهُ ورَحْمَةً، ومَعْنى قَوْلِهِ: ( ﴿بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ ) بَعْدَ إرْسالِ الرُّسُلِ ( ﴿وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا﴾ ) لا يُغالِبُهُ مُغالِبٌ ( حَكِيمًا ) في أفْعالِهِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها إرْسالُ الرُّسُلِ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ ﴿وبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ قالَ: أنْفُسُهم وغَيْرُهم عَنِ الحَقِّ. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَكِنِ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ مِنهم﴾ قالَ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، وأُسِيدِ بْنِ شُعْبَةَ، وثَعْلَبَةَ بْنِ شُعْبَةَ حِينَ فارَقُوا اليَهُودَ وأسْلَمُوا.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْهُ أنَّ بَعْضَ اليَهُودِ قالَ: يا مُحَمَّدُ ما نَعْلَمُ اللَّهَ أنْزَلَ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ بَعْدَ مُوسى، فَأنْزَلَ اللَّهُ ( إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ ) الآيَةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ وابْنُ حِبّانَ في صَحِيحِهِ والحاكِمُ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: «قُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ كَمِ الأنْبِياءُ ؟ قالَ: مِائَةُ ألْفٍ وأرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا، قُلْتُ: كَمِ الرُّسُلُ مِنهم ؟ قالَ: ثَلَثُمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ جَمٌّ غَفِيرٌ» وأخْرَجَ نَحْوَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي أُمامَةَ مَرْفُوعًا إلّا أنَّهُ قالَ: والرُّسُلُ ثَلَثُمِائَةٍ وخَمْسَةَ عَشَرَ.
وأخْرَجَ أبُو يَعْلى والحاكِمُ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «كانَ فِيمَن خَلا مِن إخْوانِي مِنَ الأنْبِياءِ ثَمانِيَةُ آلافِ نَبِيٍّ، ثُمَّ كانَ عِيسى، ثُمَّ كُنْتُ أنا بَعْدَهُ» وأخْرَجَ الحاكِمُ، عَنْ أنَسٍ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «لا أحَدَ أغْيَرُ مِنَ اللَّهِ، مِن أجْلِ ذَلِكَ حَرَّمَ الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ، ولا أحَدَ أحَبُّ إلَيْهِ المَدْحُ مِنَ اللَّهِ، مِن أجْلِ ذَلِكَ مَدَحَ نَفْسَهُ، ولا أحَدَ أحَبُّ إلَيْهِ العُذْرُ مِنَ اللَّهِ، مِن أجْلِ ذَلِكَ بَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ» .
النساء 4:165
الباءُ في قَوْلِهِ: ( فَبِظُلْمٍ ) لِلسَّبَبِيَّةِ، والتَّنْكِيرُ والتَّنْوِينُ لِلتَّعْظِيمِ؛ أيْ: فَبِسَبَبِ ظُلْمٍ عَظِيمٍ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهم، لا بِسَبَبِ شَيْءٍ آخَرَ كَما زَعَمُوا أنَّها كانَتْ مُحَرَّمَةً عَلى مَن قَبْلَهم، وقالَ الزَّجّاجُ: هَذا بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ( فَبِما نَقْضِهِمْ ) [ النِّساءِ: ١٥٥، المائِدَةِ: ١٣ ] والطَّيِّباتُ المَذْكُورَةُ هي ما نَصَّهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ ﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ الآيَةَ.
( وبِصَدِّهِمْ ) أنْفُسَهم وغَيْرَهم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وهو اتِّباعُ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وتَحْرِيفِهِمْ وقَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ وما صَدَرَ مِنهم مِنَ الذُّنُوبِ المَعْرُوفَةِ، وقَوْلُهُ: ( كَثِيرًا ) مَفْعُولٌ لِلْفِعْلِ المَذْكُورِ؛ أيْ: بِصَدِّهِمْ ناسًا كَثِيرًا، أوْ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: صَدّا كَثِيرًا.
﴿وأخْذِهِمُ الرِّبا وقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ أيْ: مُعامَلَتِهِمْ فِيما بَيْنَهم بِالرِّبا وأكْلِهِمْ لَهُ وهو مُحَرَّمٌ عَلَيْهِمْ ﴿وأكْلِهِمْ أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ﴾ كالرِّشْوَةِ والسُّحْتِ الَّذِي كانُوا يَأْخُذُونَهُ، قَوْلُهُ: ﴿لَكِنِ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ مِنهُمْ﴾ اسْتِدْراكٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنهم عَذابًا ألِيمًا﴾ أوْ ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ وذَلِكَ أنَّ اليَهُودَ أنْكَرُوا وقالُوا: إنَّ هَذِهِ الأشْياءَ كانَتْ حَرامًا في الأصْلِ وأنْتَ تُحِلُّها، فَنَزَلَ ( لَكِنِ الرّاسِخُونَ ) والرّاسِخُ: هو المُبالِغُ في عِلْمِ الكِتابِ الثّابِتِ فِيهِ، والرُّسُوخُ: الثُّبُوتُ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ في آلِ عِمْرانَ، والمُرادُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ، وكَعْبُ الأحْبارِ ونَحْوُهُما.
والرّاسِخُونَ مُبْتَدَأٌ، ويُؤْمِنُونَ خَبَرُهُ، والمُؤْمِنُونَ مَعْطُوفٌ عَلى الرّاسِخُونَ، والمُرادُ بِالمُؤْمِنِينَ إمّا مَن آمَنَ مِن أهْلِ الكِتابِ أوْ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ أوْ مِنَ الجَمِيعِ، قَوْلُهُ: ( والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ ) قَرَأ الحَسَنُ، ومالِكُ بْنُ دِينارٍ وجَماعَةٌ ( والمُقِيمُونَ الصَّلاةَ ) عَلى العَطْفِ عَلى ما قَبْلَهُ، وكَذا هو في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ، واخْتُلِفَ في وجْهِ نَصْبِهِ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ عَلى أقْوالٍ:
الأوَّلُ: قَوْلُ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ نُصِبَ عَلى المَدْحِ؛ أيْ: أعْنِي المُقِيمِينَ، قالَ سِيبَوَيْهِ: هَذا بابُ ما يُنْتَصَبُ عَلى التَّعْظِيمِ، ومِن ذَلِكَ ( والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ ) وأنْشَدَ:
؎وكُلُّ قَوْمٍ أطاعُوا أمْرَ سَيِّدِهِمْ إلّا نُمَيْرًا أطاعَتْ أمْرَ غاوِيها
؎الطّاعِنِينَ ولَمّا يَطْعَنُوا أحَدًا ∗∗∗ والقائِلُونَ لِمَن دارٌ نُخَلِّيهُا
وأنْشَدَ:
؎لا يَبْعَدَنَّ قَوْمَيِ الَّذِينَ هُمُ ∗∗∗ سُمُّ العُداةِ وآفَةُ الجُزْرِ
؎النّازِلِينَ بِكُلِّ مُعْتَرَكٍ ∗∗∗ والطَّيِّبُونَ مَعاقِدَ الأُزْرِ
قالَ النَّحّاسُ: وهَذا أصَحُّ ما قِيلَ في المُقِيمِينَ، وقالَ الكِسائِيُّ، والخَلِيلُ: هو مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ( بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ ) قالَ الأخْفَشُ: وهَذا بَعِيدٌ؛ لِأنَّ المَعْنى يَكُونُ هَكَذا: ويُؤْمِنُونَ بِالمُقِيمِينَ. ووَجَّهَهُ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ المُبَرِّدُ بِأنَّ المُقِيمِينَ هُنا هُمُ المَلائِكَةُ، فَيَكُونُ المَعْنى: يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وبِما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ وبِالمَلائِكَةِ واخْتارَ هَذا.
وحُكِيَ أنَّ النَّصْبَ عَلى المَدْحِ بَعِيدٌ؛ لِأنَّ المَدْحَ إنَّما يَأْتِي بَعْدَ تَمامِ الخَبَرِ، وخَبَرُ الرّاسِخُونَ هو قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أجْرًا عَظِيمًا﴾ وقِيلَ: إنَّ المُقِيمِينَ مَعْطُوفٌ عَلى الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: ( مِنهم ) وفِيهِ أنَّهُ عَطْفٌ عَلى مُضْمَرٍ بِدُونِ إعادَةِ الخافِضِ وحُكِيَ عَنْ عائِشَةَ أنَّها سُئِلَتْ عَنِ المُقِيمِينَ في هَذِهِ الآيَةِ وعَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ هَذانِ لَساحِرانِ﴾ [طه: ٦٣] وعَنْ قَوْلِهِ: ( والصّابِئُونَ ) [المائدة: ٦٩] في المائِدَةِ ؟ فَقالَتْ: يا ابْنَ أخِي الكُتّابُ أخْطَئُوا، أخْرَجَهُ عَنْها أبُو عُبَيْدٍ في فَضائِلِهِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ.
وقالَ أبانُ بْنُ عُثْمانَ: كانَ الكاتِبُ يُمْلِي عَلَيَّ فَيَكْتُبُ فَكَتَبَ ﴿لَكِنِ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ مِنهم والمُؤْمِنُونَ﴾ ثُمَّ قالَ: ما أكْتُبُ ؟ فَقِيلَ لَهُ: اكْتُبْ ( والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ ) فَمِن ثُمَّ وقَعَ هَذا، أخْرَجَهُ عَنْهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ. قالَ القُشَيْرِيُّ: وهَذا باطِلٌ؛ لِأنَّ الَّذِينَ جَمَعُوا الكِتابَ كانُوا قُدْوَةً في اللُّغَةِ فَلا يُظَنُّ بِهِمْ ذَلِكَ، ويُجابُ عَنِ القُشَيْرِيِّ بِأنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ أنَّهُ لَمّا فَرَغَ مِنَ المُصْحَفِ وأُتِيَ بِهِ إلَيْهِ قالَ: أرى فِيهِ شَيْئًا مِن لَحْنٍ سَتُقِيمُهُ العَرَبُ بِألْسِنَتِها. أخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ أبِي داوُدَ مِن طُرُقٍ، وقَدْ رَجَّحَ قَوْلَ سِيبَوَيْهِ كَثِيرٌ مِن أئِمَّةِ النَّحْوِ والتَّفْسِيرِ، ورَجَّحَ قَوْلَ الخَلِيلِ، والكِسائِيِّ، ابْنُ جَرِيرٍ، الطَّبَرِيُّ، والقَفّالُ، وعَلى قَوْلِ سِيبَوَيْهِ تَكُونُ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ خَبَرَ ( الرّاسِخُونَ ) هو قَوْلُهُ: ( أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ ) أوْ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ إنْ جَعْلَنا خَبَرَ ( الرّاسِخُونَ ) هو يُؤْمِنُونَ، وجَعَلَنا قَوْلَهُ: ( والمُؤْتُونَ الزَّكاةَ ) عَطْفًا عَلى ( المُؤْمِنُونَ ) لا عَلى قَوْلِ سِيبَوَيْهِ أنَّ المُؤْتُونَ الزَّكاةَ مَرْفُوعٌ عَلى الِابْتِداءِ أوْ عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: هُمُ المُؤْتُونَ الزَّكاةَ.
قَوْلُهُ: ﴿والمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ هم مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ وُصِفُوا أوَّلًا بِالرُّسُوخِ في العِلْمِ ثُمَّ بِالإيمانِ بِكُتُبِ اللَّهِ وأنَّهم يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ ويُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِمُ المُؤْمِنُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ كَما سَلَفَ وأنَّهم جامِعُونَ بَيْنَ هَذِهِ الأوْصافِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أجْرًا عَظِيمًا﴾ إلى الرّاسِخُونَ وما عُطِفَ عَلَيْهِ، قَوْلُهُ: ﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ كَما أوْحَيْنا إلى نُوحٍ والنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ﴾ هَذا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ﴾ والمَعْنى: أنَّ أمْرَ مُحَمَّدٍ (p-٣٤٤)صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ كَأمْرٍ مَن تَقَدَّمَهُ مِنَ الأنْبِياءِ فَما بالُكم تَطْلُبُونَ مِنهُ ما لَمْ يَطْلُبْهُ أحَدٌ مِنَ المُعاصِرِينَ لِلرُّسُلِ، والوَحْيُ إعْلامٌ في خَفاءٍ، يُقالُ: وُحِيَ إلَيْهِ بِالكَلامِ وحْيًا، وأوْحى يُوحِي إيحاءً، وخَصَّ نُوحًا لِكَوْنِهِ أوَّلَ نَبِيٍّ شُرِعَتْ عَلى لِسانِهِ الشَّرائِعُ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
والكافُ في قَوْلِهِ: ( كَما ) نَعَتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: إيحاءٌ مِثْلُ إيحائِنا إلى نُوحٍ، أوْ حالٌ؛ أيْ: أوْحَيْنا إلَيْكَ هَذا الإيحاءَ حالَ كَوْنِهِ مُشَبَّهًا بِإيحائِنا إلى نُوحٍ قَوْلُهُ: ﴿وأوْحَيْنا إلى إبْراهِيمَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿أوْحَيْنا إلى نُوحٍ﴾ ﴿وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ﴾ وهم أوْلادُ يَعْقُوبَ كَما تَقَدَّمَ ﴿وعِيسى وأيُّوبَ ويُونُسَ وهارُونَ وسُلَيْمانَ﴾ خَصَّ هَؤُلاءِ بِالذِّكْرِ بَعْدَ دُخُولِهِمْ في لَفْظِ النَّبِيِّينَ تَشْرِيفًا لَهم كَقَوْلِهِ: ﴿ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ﴾، وقُدِّمَ عِيسى عَلى أيُّوبَ ومَن بَعْدَهُ مَعَ كَوْنِهِمْ في زَمانٍ قَبْلَ زَمانِهِ، رَدًّا عَلى اليَهُودِ الَّذِي كَفَرُوا بِهِ، وأيْضًا فالواوُ لَيْسَ إلّا لِمُطْلَقِ الجَمْعِ.
قَوْلُهُ: ﴿وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ( أوْحَيْنا ) والزَّبُورُ: كِتابُ داوُدَ، قالَ القُرْطُبِيُّ: وهو مِائَةٌ وخَمْسُونَ سُورَةً لَيْسَ فِيها حُكْمٌ ولا حَلالٌ ولا حَرامٌ، وإنَّما هي حِكَمٌ ومَواعِظُ انْتَهى، قُلْتُ: هو مِائَةٌ وخَمْسُونَ مَزْمُورًا، والمَزْمُورُ: فَصْلٌ يَشْتَمِلُ عَلى كَلامٍ لِداوُدَ يَسْتَغِيثُ بِاللَّهِ مِن خُصُومِهِ ويَدْعُو اللَّهَ عَلَيْهِمْ ويَسْتَنْصِرُهُ، وتارَةً يَأْتِي بِمَواعِظَ، وكانَ يَقُولُ ذَلِكَ في الغالِبِ في الكَنِيسَةِ، ويُسْتَعْمَلُ مَعَ تَكَلُّمِهِ بِذَلِكَ شَيْئًا مِنَ الآلاتِ الَّتِي لَها نَغَماتٌ حَسَنَةٌ، كَما هو مُصَرَّحٌ بِذَلِكَ في كَثِيرٍ مِن تِلْكَ المَزْمُوراتِ، والزُّبُرُ: الكِتابَةُ، والزَّبُورُ بِمَعْنى المَزْبُورِ؛ أيْ: المَكْتُوبِ، كالرَّسُولِ والحَلُوبِ والرَّكُوبِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ ( زُبُورًا ) بِضَمِّ الزّايِ، جَمْعُ زُبُرٍ كَفَلْسٍ وفُلُوسٍ، والزُّبُرُ بِمَعْنى المَزْبُورِ، والأصْلُ في الكَلِمَةِ التَّوْثِيقُ يُقالُ: بِئْرٌ مَزْبُورَةٌ؛ أيْ: مَطْوِيَّةٌ بِالحِجارَةِ، والكِتابُ سُمِّيَ زَبُورًا لِقُوَّةِ الوَثِيقَةِ بِهِ.
قَوْلُهُ: ( ورُسُلًا ) مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ( أوْحَيْنا ) أيْ: وأرْسَلْنا رُسُلًا ﴿قَدْ قَصَصْناهم عَلَيْكَ مِن قَبْلُ﴾ وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ ( قَصَصْناهم ) أيْ: وقَصَصْنا رُسُلًا، ومِثْلَهُ ما أنْشَدَهُ سِيبَوَيْهِ:
؎أصْبَحْتُ لا أحْمِلُ السِّلاحَ ولا ∗∗∗ أمْلِكُ رَأْسَ البَعِيرِ إنْ نَفَرا
؎والذِّئْبُ أخْشاهُ إنْ مَرَرْتُ بِهِ ∗∗∗ وحْدِي وأخْشى الرِّياحَ والمَطَرا
أيْ: وأخْشى الذِّئْبَ، وقَرَأ أُبَيٌّ ( رُسُلٌ ) بِالرَّفْعِ عَلى تَقْدِيرِ: ومِنهم رُسُلٌ، ومَعْنى: ( مِن قَبْلُ ) أنَّهُ قَصَّهم عَلَيْهِ مِن قَبْلِ هَذِهِ السُّورَةِ، أوْ مِن قَبْلِ هَذا اليَوْمِ، قِيلَ: إنَّهُ لَمّا قَصَّ اللَّهُ في كِتابِهِ بَعْضَ أسْماءِ أنْبِيائِهِ ولَمْ يَذْكُرْ أسْماءَ بَعْضٍ قالَتِ اليَهُودُ: ذَكَرَ مُحَمَّدٌ الأنْبِياءَ ولَمْ يَذْكُرْ مُوسى، فَنَزَلَ ﴿وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ وقِراءَةُ الجُمْهُورِ بِرَفْعِ الِاسْمِ الشَّرِيفِ عَلى أنَّ اللَّهَ هو الَّذِي كَلَّمَ مُوسى، وقَرَأ النَّخَعِيُّ، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ بِنَصْبِ الِاسْمِ الشَّرِيفِ عَلى أنَّ مُوسى هو الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ سُبْحانَهُ و( تَكْلِيمًا ) مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ، وفائِدَةُ التَّأْكِيدِ دَفْعُ تَوَهُّمِ كَوْنِ التَّكْلِيمِ مَجازًا، كَما قالَ الفَرّاءُ: إنَّ العَرَبَ تُسَمِّي ما وصَلَ إلى الإنْسانِ كَلامًا بِأيِّ طَرِيقٍ، وقِيلَ: ما لَمْ يُؤَكَّدْ بِالمَصْدَرِ، فَإذا أُكِّدَ لَمْ يَكُنْ إلّا حَقِيقَةَ الكَلامِ.
قالَ النَّحّاسُ: وأجْمَعَ النَّحْوِيُّونَ عَلى أنَّكَ إذا أكَّدْتَ الفِعْلَ بِالمَصْدَرِ لَمْ يَكُنْ مَجازًا، قَوْلُهُ: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ﴾ بَدَلٌ مِن ( رُسُلًا ) الأوَّلِ، أوْ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ؛ أيْ: وأرْسَلْنا، أوْ عَلى الحالِ بِأنْ يَكُونَ ( رُسُلًا ) مُوَطِّئًا لِما بَعْدَهُ، أوْ عَلى المَدْحِ؛ أيْ: مُبَشِّرِينَ لِأهْلِ الطّاعاتِ ومُنْذِرِينَ لِأهْلِ المَعاصِي.
قَوْلُهُ: ﴿لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ أيْ: مَعْذِرَةٌ يَعْتَذِرُونَ بِها كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ أنّا أهْلَكْناهم بِعَذابٍ مِن قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ﴾ [طه: ١٣٤] وسُمِّيَتِ المَعْذِرَةُ حُجَّةً مَعَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِأحَدٍ مِنَ العِبادِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ هَذِهِ المَعْذِرَةَ مَقْبُولَةٌ لَدَيْهِ تَفَضُّلًا مِنهُ ورَحْمَةً، ومَعْنى قَوْلِهِ: ( ﴿بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ ) بَعْدَ إرْسالِ الرُّسُلِ ( ﴿وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا﴾ ) لا يُغالِبُهُ مُغالِبٌ ( حَكِيمًا ) في أفْعالِهِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها إرْسالُ الرُّسُلِ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ ﴿وبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ قالَ: أنْفُسُهم وغَيْرُهم عَنِ الحَقِّ. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَكِنِ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ مِنهم﴾ قالَ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، وأُسِيدِ بْنِ شُعْبَةَ، وثَعْلَبَةَ بْنِ شُعْبَةَ حِينَ فارَقُوا اليَهُودَ وأسْلَمُوا.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْهُ أنَّ بَعْضَ اليَهُودِ قالَ: يا مُحَمَّدُ ما نَعْلَمُ اللَّهَ أنْزَلَ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ بَعْدَ مُوسى، فَأنْزَلَ اللَّهُ ( إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ ) الآيَةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ وابْنُ حِبّانَ في صَحِيحِهِ والحاكِمُ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: «قُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ كَمِ الأنْبِياءُ ؟ قالَ: مِائَةُ ألْفٍ وأرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا، قُلْتُ: كَمِ الرُّسُلُ مِنهم ؟ قالَ: ثَلَثُمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ جَمٌّ غَفِيرٌ» وأخْرَجَ نَحْوَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي أُمامَةَ مَرْفُوعًا إلّا أنَّهُ قالَ: والرُّسُلُ ثَلَثُمِائَةٍ وخَمْسَةَ عَشَرَ.
وأخْرَجَ أبُو يَعْلى والحاكِمُ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «كانَ فِيمَن خَلا مِن إخْوانِي مِنَ الأنْبِياءِ ثَمانِيَةُ آلافِ نَبِيٍّ، ثُمَّ كانَ عِيسى، ثُمَّ كُنْتُ أنا بَعْدَهُ» وأخْرَجَ الحاكِمُ، عَنْ أنَسٍ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «لا أحَدَ أغْيَرُ مِنَ اللَّهِ، مِن أجْلِ ذَلِكَ حَرَّمَ الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ، ولا أحَدَ أحَبُّ إلَيْهِ المَدْحُ مِنَ اللَّهِ، مِن أجْلِ ذَلِكَ مَدَحَ نَفْسَهُ، ولا أحَدَ أحَبُّ إلَيْهِ العُذْرُ مِنَ اللَّهِ، مِن أجْلِ ذَلِكَ بَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ» .
النساء 4:166
الباءُ في قَوْلِهِ: ( فَبِظُلْمٍ ) لِلسَّبَبِيَّةِ، والتَّنْكِيرُ والتَّنْوِينُ لِلتَّعْظِيمِ؛ أيْ: فَبِسَبَبِ ظُلْمٍ عَظِيمٍ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهم، لا بِسَبَبِ شَيْءٍ آخَرَ كَما زَعَمُوا أنَّها كانَتْ مُحَرَّمَةً عَلى مَن قَبْلَهم، وقالَ الزَّجّاجُ: هَذا بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ( فَبِما نَقْضِهِمْ ) [ النِّساءِ: ١٥٥، المائِدَةِ: ١٣ ] والطَّيِّباتُ المَذْكُورَةُ هي ما نَصَّهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ ﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ الآيَةَ.
( وبِصَدِّهِمْ ) أنْفُسَهم وغَيْرَهم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وهو اتِّباعُ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وتَحْرِيفِهِمْ وقَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ وما صَدَرَ مِنهم مِنَ الذُّنُوبِ المَعْرُوفَةِ، وقَوْلُهُ: ( كَثِيرًا ) مَفْعُولٌ لِلْفِعْلِ المَذْكُورِ؛ أيْ: بِصَدِّهِمْ ناسًا كَثِيرًا، أوْ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: صَدّا كَثِيرًا.
﴿وأخْذِهِمُ الرِّبا وقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ أيْ: مُعامَلَتِهِمْ فِيما بَيْنَهم بِالرِّبا وأكْلِهِمْ لَهُ وهو مُحَرَّمٌ عَلَيْهِمْ ﴿وأكْلِهِمْ أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ﴾ كالرِّشْوَةِ والسُّحْتِ الَّذِي كانُوا يَأْخُذُونَهُ، قَوْلُهُ: ﴿لَكِنِ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ مِنهُمْ﴾ اسْتِدْراكٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنهم عَذابًا ألِيمًا﴾ أوْ ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ وذَلِكَ أنَّ اليَهُودَ أنْكَرُوا وقالُوا: إنَّ هَذِهِ الأشْياءَ كانَتْ حَرامًا في الأصْلِ وأنْتَ تُحِلُّها، فَنَزَلَ ( لَكِنِ الرّاسِخُونَ ) والرّاسِخُ: هو المُبالِغُ في عِلْمِ الكِتابِ الثّابِتِ فِيهِ، والرُّسُوخُ: الثُّبُوتُ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ في آلِ عِمْرانَ، والمُرادُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ، وكَعْبُ الأحْبارِ ونَحْوُهُما.
والرّاسِخُونَ مُبْتَدَأٌ، ويُؤْمِنُونَ خَبَرُهُ، والمُؤْمِنُونَ مَعْطُوفٌ عَلى الرّاسِخُونَ، والمُرادُ بِالمُؤْمِنِينَ إمّا مَن آمَنَ مِن أهْلِ الكِتابِ أوْ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ أوْ مِنَ الجَمِيعِ، قَوْلُهُ: ( والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ ) قَرَأ الحَسَنُ، ومالِكُ بْنُ دِينارٍ وجَماعَةٌ ( والمُقِيمُونَ الصَّلاةَ ) عَلى العَطْفِ عَلى ما قَبْلَهُ، وكَذا هو في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ، واخْتُلِفَ في وجْهِ نَصْبِهِ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ عَلى أقْوالٍ:
الأوَّلُ: قَوْلُ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ نُصِبَ عَلى المَدْحِ؛ أيْ: أعْنِي المُقِيمِينَ، قالَ سِيبَوَيْهِ: هَذا بابُ ما يُنْتَصَبُ عَلى التَّعْظِيمِ، ومِن ذَلِكَ ( والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ ) وأنْشَدَ:
؎وكُلُّ قَوْمٍ أطاعُوا أمْرَ سَيِّدِهِمْ إلّا نُمَيْرًا أطاعَتْ أمْرَ غاوِيها
؎الطّاعِنِينَ ولَمّا يَطْعَنُوا أحَدًا ∗∗∗ والقائِلُونَ لِمَن دارٌ نُخَلِّيهُا
وأنْشَدَ:
؎لا يَبْعَدَنَّ قَوْمَيِ الَّذِينَ هُمُ ∗∗∗ سُمُّ العُداةِ وآفَةُ الجُزْرِ
؎النّازِلِينَ بِكُلِّ مُعْتَرَكٍ ∗∗∗ والطَّيِّبُونَ مَعاقِدَ الأُزْرِ
قالَ النَّحّاسُ: وهَذا أصَحُّ ما قِيلَ في المُقِيمِينَ، وقالَ الكِسائِيُّ، والخَلِيلُ: هو مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ( بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ ) قالَ الأخْفَشُ: وهَذا بَعِيدٌ؛ لِأنَّ المَعْنى يَكُونُ هَكَذا: ويُؤْمِنُونَ بِالمُقِيمِينَ. ووَجَّهَهُ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ المُبَرِّدُ بِأنَّ المُقِيمِينَ هُنا هُمُ المَلائِكَةُ، فَيَكُونُ المَعْنى: يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وبِما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ وبِالمَلائِكَةِ واخْتارَ هَذا.
وحُكِيَ أنَّ النَّصْبَ عَلى المَدْحِ بَعِيدٌ؛ لِأنَّ المَدْحَ إنَّما يَأْتِي بَعْدَ تَمامِ الخَبَرِ، وخَبَرُ الرّاسِخُونَ هو قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أجْرًا عَظِيمًا﴾ وقِيلَ: إنَّ المُقِيمِينَ مَعْطُوفٌ عَلى الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: ( مِنهم ) وفِيهِ أنَّهُ عَطْفٌ عَلى مُضْمَرٍ بِدُونِ إعادَةِ الخافِضِ وحُكِيَ عَنْ عائِشَةَ أنَّها سُئِلَتْ عَنِ المُقِيمِينَ في هَذِهِ الآيَةِ وعَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ هَذانِ لَساحِرانِ﴾ [طه: ٦٣] وعَنْ قَوْلِهِ: ( والصّابِئُونَ ) [المائدة: ٦٩] في المائِدَةِ ؟ فَقالَتْ: يا ابْنَ أخِي الكُتّابُ أخْطَئُوا، أخْرَجَهُ عَنْها أبُو عُبَيْدٍ في فَضائِلِهِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ.
وقالَ أبانُ بْنُ عُثْمانَ: كانَ الكاتِبُ يُمْلِي عَلَيَّ فَيَكْتُبُ فَكَتَبَ ﴿لَكِنِ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ مِنهم والمُؤْمِنُونَ﴾ ثُمَّ قالَ: ما أكْتُبُ ؟ فَقِيلَ لَهُ: اكْتُبْ ( والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ ) فَمِن ثُمَّ وقَعَ هَذا، أخْرَجَهُ عَنْهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ. قالَ القُشَيْرِيُّ: وهَذا باطِلٌ؛ لِأنَّ الَّذِينَ جَمَعُوا الكِتابَ كانُوا قُدْوَةً في اللُّغَةِ فَلا يُظَنُّ بِهِمْ ذَلِكَ، ويُجابُ عَنِ القُشَيْرِيِّ بِأنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ أنَّهُ لَمّا فَرَغَ مِنَ المُصْحَفِ وأُتِيَ بِهِ إلَيْهِ قالَ: أرى فِيهِ شَيْئًا مِن لَحْنٍ سَتُقِيمُهُ العَرَبُ بِألْسِنَتِها. أخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ أبِي داوُدَ مِن طُرُقٍ، وقَدْ رَجَّحَ قَوْلَ سِيبَوَيْهِ كَثِيرٌ مِن أئِمَّةِ النَّحْوِ والتَّفْسِيرِ، ورَجَّحَ قَوْلَ الخَلِيلِ، والكِسائِيِّ، ابْنُ جَرِيرٍ، الطَّبَرِيُّ، والقَفّالُ، وعَلى قَوْلِ سِيبَوَيْهِ تَكُونُ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ خَبَرَ ( الرّاسِخُونَ ) هو قَوْلُهُ: ( أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ ) أوْ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ إنْ جَعْلَنا خَبَرَ ( الرّاسِخُونَ ) هو يُؤْمِنُونَ، وجَعَلَنا قَوْلَهُ: ( والمُؤْتُونَ الزَّكاةَ ) عَطْفًا عَلى ( المُؤْمِنُونَ ) لا عَلى قَوْلِ سِيبَوَيْهِ أنَّ المُؤْتُونَ الزَّكاةَ مَرْفُوعٌ عَلى الِابْتِداءِ أوْ عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: هُمُ المُؤْتُونَ الزَّكاةَ.
قَوْلُهُ: ﴿والمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ هم مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ وُصِفُوا أوَّلًا بِالرُّسُوخِ في العِلْمِ ثُمَّ بِالإيمانِ بِكُتُبِ اللَّهِ وأنَّهم يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ ويُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِمُ المُؤْمِنُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ كَما سَلَفَ وأنَّهم جامِعُونَ بَيْنَ هَذِهِ الأوْصافِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أجْرًا عَظِيمًا﴾ إلى الرّاسِخُونَ وما عُطِفَ عَلَيْهِ، قَوْلُهُ: ﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ كَما أوْحَيْنا إلى نُوحٍ والنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ﴾ هَذا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ﴾ والمَعْنى: أنَّ أمْرَ مُحَمَّدٍ (p-٣٤٤)صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ كَأمْرٍ مَن تَقَدَّمَهُ مِنَ الأنْبِياءِ فَما بالُكم تَطْلُبُونَ مِنهُ ما لَمْ يَطْلُبْهُ أحَدٌ مِنَ المُعاصِرِينَ لِلرُّسُلِ، والوَحْيُ إعْلامٌ في خَفاءٍ، يُقالُ: وُحِيَ إلَيْهِ بِالكَلامِ وحْيًا، وأوْحى يُوحِي إيحاءً، وخَصَّ نُوحًا لِكَوْنِهِ أوَّلَ نَبِيٍّ شُرِعَتْ عَلى لِسانِهِ الشَّرائِعُ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
والكافُ في قَوْلِهِ: ( كَما ) نَعَتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: إيحاءٌ مِثْلُ إيحائِنا إلى نُوحٍ، أوْ حالٌ؛ أيْ: أوْحَيْنا إلَيْكَ هَذا الإيحاءَ حالَ كَوْنِهِ مُشَبَّهًا بِإيحائِنا إلى نُوحٍ قَوْلُهُ: ﴿وأوْحَيْنا إلى إبْراهِيمَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿أوْحَيْنا إلى نُوحٍ﴾ ﴿وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ﴾ وهم أوْلادُ يَعْقُوبَ كَما تَقَدَّمَ ﴿وعِيسى وأيُّوبَ ويُونُسَ وهارُونَ وسُلَيْمانَ﴾ خَصَّ هَؤُلاءِ بِالذِّكْرِ بَعْدَ دُخُولِهِمْ في لَفْظِ النَّبِيِّينَ تَشْرِيفًا لَهم كَقَوْلِهِ: ﴿ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ﴾، وقُدِّمَ عِيسى عَلى أيُّوبَ ومَن بَعْدَهُ مَعَ كَوْنِهِمْ في زَمانٍ قَبْلَ زَمانِهِ، رَدًّا عَلى اليَهُودِ الَّذِي كَفَرُوا بِهِ، وأيْضًا فالواوُ لَيْسَ إلّا لِمُطْلَقِ الجَمْعِ.
قَوْلُهُ: ﴿وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ( أوْحَيْنا ) والزَّبُورُ: كِتابُ داوُدَ، قالَ القُرْطُبِيُّ: وهو مِائَةٌ وخَمْسُونَ سُورَةً لَيْسَ فِيها حُكْمٌ ولا حَلالٌ ولا حَرامٌ، وإنَّما هي حِكَمٌ ومَواعِظُ انْتَهى، قُلْتُ: هو مِائَةٌ وخَمْسُونَ مَزْمُورًا، والمَزْمُورُ: فَصْلٌ يَشْتَمِلُ عَلى كَلامٍ لِداوُدَ يَسْتَغِيثُ بِاللَّهِ مِن خُصُومِهِ ويَدْعُو اللَّهَ عَلَيْهِمْ ويَسْتَنْصِرُهُ، وتارَةً يَأْتِي بِمَواعِظَ، وكانَ يَقُولُ ذَلِكَ في الغالِبِ في الكَنِيسَةِ، ويُسْتَعْمَلُ مَعَ تَكَلُّمِهِ بِذَلِكَ شَيْئًا مِنَ الآلاتِ الَّتِي لَها نَغَماتٌ حَسَنَةٌ، كَما هو مُصَرَّحٌ بِذَلِكَ في كَثِيرٍ مِن تِلْكَ المَزْمُوراتِ، والزُّبُرُ: الكِتابَةُ، والزَّبُورُ بِمَعْنى المَزْبُورِ؛ أيْ: المَكْتُوبِ، كالرَّسُولِ والحَلُوبِ والرَّكُوبِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ ( زُبُورًا ) بِضَمِّ الزّايِ، جَمْعُ زُبُرٍ كَفَلْسٍ وفُلُوسٍ، والزُّبُرُ بِمَعْنى المَزْبُورِ، والأصْلُ في الكَلِمَةِ التَّوْثِيقُ يُقالُ: بِئْرٌ مَزْبُورَةٌ؛ أيْ: مَطْوِيَّةٌ بِالحِجارَةِ، والكِتابُ سُمِّيَ زَبُورًا لِقُوَّةِ الوَثِيقَةِ بِهِ.
قَوْلُهُ: ( ورُسُلًا ) مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ( أوْحَيْنا ) أيْ: وأرْسَلْنا رُسُلًا ﴿قَدْ قَصَصْناهم عَلَيْكَ مِن قَبْلُ﴾ وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ ( قَصَصْناهم ) أيْ: وقَصَصْنا رُسُلًا، ومِثْلَهُ ما أنْشَدَهُ سِيبَوَيْهِ:
؎أصْبَحْتُ لا أحْمِلُ السِّلاحَ ولا ∗∗∗ أمْلِكُ رَأْسَ البَعِيرِ إنْ نَفَرا
؎والذِّئْبُ أخْشاهُ إنْ مَرَرْتُ بِهِ ∗∗∗ وحْدِي وأخْشى الرِّياحَ والمَطَرا
أيْ: وأخْشى الذِّئْبَ، وقَرَأ أُبَيٌّ ( رُسُلٌ ) بِالرَّفْعِ عَلى تَقْدِيرِ: ومِنهم رُسُلٌ، ومَعْنى: ( مِن قَبْلُ ) أنَّهُ قَصَّهم عَلَيْهِ مِن قَبْلِ هَذِهِ السُّورَةِ، أوْ مِن قَبْلِ هَذا اليَوْمِ، قِيلَ: إنَّهُ لَمّا قَصَّ اللَّهُ في كِتابِهِ بَعْضَ أسْماءِ أنْبِيائِهِ ولَمْ يَذْكُرْ أسْماءَ بَعْضٍ قالَتِ اليَهُودُ: ذَكَرَ مُحَمَّدٌ الأنْبِياءَ ولَمْ يَذْكُرْ مُوسى، فَنَزَلَ ﴿وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ وقِراءَةُ الجُمْهُورِ بِرَفْعِ الِاسْمِ الشَّرِيفِ عَلى أنَّ اللَّهَ هو الَّذِي كَلَّمَ مُوسى، وقَرَأ النَّخَعِيُّ، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ بِنَصْبِ الِاسْمِ الشَّرِيفِ عَلى أنَّ مُوسى هو الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ سُبْحانَهُ و( تَكْلِيمًا ) مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ، وفائِدَةُ التَّأْكِيدِ دَفْعُ تَوَهُّمِ كَوْنِ التَّكْلِيمِ مَجازًا، كَما قالَ الفَرّاءُ: إنَّ العَرَبَ تُسَمِّي ما وصَلَ إلى الإنْسانِ كَلامًا بِأيِّ طَرِيقٍ، وقِيلَ: ما لَمْ يُؤَكَّدْ بِالمَصْدَرِ، فَإذا أُكِّدَ لَمْ يَكُنْ إلّا حَقِيقَةَ الكَلامِ.
قالَ النَّحّاسُ: وأجْمَعَ النَّحْوِيُّونَ عَلى أنَّكَ إذا أكَّدْتَ الفِعْلَ بِالمَصْدَرِ لَمْ يَكُنْ مَجازًا، قَوْلُهُ: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ﴾ بَدَلٌ مِن ( رُسُلًا ) الأوَّلِ، أوْ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ؛ أيْ: وأرْسَلْنا، أوْ عَلى الحالِ بِأنْ يَكُونَ ( رُسُلًا ) مُوَطِّئًا لِما بَعْدَهُ، أوْ عَلى المَدْحِ؛ أيْ: مُبَشِّرِينَ لِأهْلِ الطّاعاتِ ومُنْذِرِينَ لِأهْلِ المَعاصِي.
قَوْلُهُ: ﴿لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ أيْ: مَعْذِرَةٌ يَعْتَذِرُونَ بِها كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ أنّا أهْلَكْناهم بِعَذابٍ مِن قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ﴾ [طه: ١٣٤] وسُمِّيَتِ المَعْذِرَةُ حُجَّةً مَعَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِأحَدٍ مِنَ العِبادِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ هَذِهِ المَعْذِرَةَ مَقْبُولَةٌ لَدَيْهِ تَفَضُّلًا مِنهُ ورَحْمَةً، ومَعْنى قَوْلِهِ: ( ﴿بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ ) بَعْدَ إرْسالِ الرُّسُلِ ( ﴿وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا﴾ ) لا يُغالِبُهُ مُغالِبٌ ( حَكِيمًا ) في أفْعالِهِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها إرْسالُ الرُّسُلِ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ ﴿وبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ قالَ: أنْفُسُهم وغَيْرُهم عَنِ الحَقِّ. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَكِنِ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ مِنهم﴾ قالَ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، وأُسِيدِ بْنِ شُعْبَةَ، وثَعْلَبَةَ بْنِ شُعْبَةَ حِينَ فارَقُوا اليَهُودَ وأسْلَمُوا.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْهُ أنَّ بَعْضَ اليَهُودِ قالَ: يا مُحَمَّدُ ما نَعْلَمُ اللَّهَ أنْزَلَ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ بَعْدَ مُوسى، فَأنْزَلَ اللَّهُ ( إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ ) الآيَةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ وابْنُ حِبّانَ في صَحِيحِهِ والحاكِمُ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: «قُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ كَمِ الأنْبِياءُ ؟ قالَ: مِائَةُ ألْفٍ وأرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا، قُلْتُ: كَمِ الرُّسُلُ مِنهم ؟ قالَ: ثَلَثُمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ جَمٌّ غَفِيرٌ» وأخْرَجَ نَحْوَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي أُمامَةَ مَرْفُوعًا إلّا أنَّهُ قالَ: والرُّسُلُ ثَلَثُمِائَةٍ وخَمْسَةَ عَشَرَ.
وأخْرَجَ أبُو يَعْلى والحاكِمُ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «كانَ فِيمَن خَلا مِن إخْوانِي مِنَ الأنْبِياءِ ثَمانِيَةُ آلافِ نَبِيٍّ، ثُمَّ كانَ عِيسى، ثُمَّ كُنْتُ أنا بَعْدَهُ» وأخْرَجَ الحاكِمُ، عَنْ أنَسٍ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «لا أحَدَ أغْيَرُ مِنَ اللَّهِ، مِن أجْلِ ذَلِكَ حَرَّمَ الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ، ولا أحَدَ أحَبُّ إلَيْهِ المَدْحُ مِنَ اللَّهِ، مِن أجْلِ ذَلِكَ مَدَحَ نَفْسَهُ، ولا أحَدَ أحَبُّ إلَيْهِ العُذْرُ مِنَ اللَّهِ، مِن أجْلِ ذَلِكَ بَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ» .
النساء 4:167
(p-٣٤٥)قَوْلُهُ: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ﴾ الِاسْمُ الشَّرِيفُ مُبْتَدَأٌ والفِعْلُ خَبَرُهُ، ومَعَ تَشْدِيدِ النُّونِ هو مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ اسْمُ ( لَكِنْ ) والِاسْتِدْراكُ مِن مَحْذُوفٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهم قالُوا: ما نَشْهَدُ لَكَ يا مُحَمَّدُ بِهَذا؛ أيْ: الوَحْيُ والنُّبُوَّةُ، فَنَزَلَ ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ﴾ .
وقَوْلُهُ: ( والمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ ) جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الأُولى أوْ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ( أنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ ) جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ؛ أيْ: مُتَلَبِّسًا بِعِلْمِهِ الَّذِي لا يَعْلَمَهُ غَيْرُهُ مِن كَوْنِكَ أهْلًا لِما اصْطَفاكَ اللَّهُ لَهُ مِنَ النُّبُوَّةِ وأنْزَلَهُ عَلَيْكَ مِنَ القُرْآنِ ﴿وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ أيْ: كَفى اللَّهُ شاهِدًا والباءُ زائِدَةٌ، وشَهادَةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ هي ما يَصْنَعُهُ مِنَ المُعْجِزاتِ الدّالَّةِ عَلى صِحَّةِ النُّبُوَّةِ، فَإنَّ وُجُودَ هَذِهِ المُعْجِزاتِ شَهادَةٌ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِصِدْقِ ما أخْبَرَ بِهِ مِن هَذا وغَيْرِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بِكُلِّ ما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ، أوْ بِهَذا الأمْرِ الخاصِّ، وهو ما في هَذا المَقامِ ﴿وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وهو دِينُ الإسْلامِ بِإنْكارِهِمْ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِقَوْلِهِمْ: ما نَجِدُ صِفَتَهُ في كِتابِنا وإنَّما النُّبُوَّةُ في ولَدِ هارُونَ وداوُدَ، وبِقَوْلِهِمْ: إنَّ شَرْعَ مُوسى لا يُنْسَخُ ﴿قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيدًا﴾ عَنِ الحَقِّ بِما فَعَلُوا؛ لِأنَّهم مَعَ كُفْرِهِمْ مَنَعُوا غَيْرَهم عَنِ الحَقِّ.
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بِجَحْدِهِمْ ( وظَلَمُوا ) غَيْرَهم بِصَدِّهِمْ عَنِ السَّبِيلِ أوْ ظَلَمُوا مُحَمَّدًا بِكِتْمانِهِمْ نُبُوَّتَهُ أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِكُفْرِهِمْ، ويَجُوزُ الحَمْلُ عَلى جَمِيعِ هَذِهِ المَعانِي ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ إذا اسْتَمَرُّوا عَلى كُفْرِهِمْ وماتُوا كافِرِينَ ﴿ولا لِيَهْدِيَهم طَرِيقًا إلّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ لِكَوْنِهِمُ اقْتَرَفُوا ما يُوجِبُ لَهم ذَلِكَ بِسُوءِ اخْتِيارِهِمْ وفَرْطِ شَقائِهِمْ وجَحَدُوا الواضِحَ وعانَدُوا البَيِّنَ ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ أيْ: يُدْخِلُهم جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها، وهي حالٌ مُقَدَّرَةٌ.
وقَوْلُهُ: ( أبَدًا ) مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، وهو لِدَفْعِ احْتِمالِ أنَّ الخُلُودَ هُنا يُرادُ بِهِ المُكْثُ الطَّوِيلُ ( وكانَ ذَلِكَ ) أيْ: تَخْلِيدُهم في جَهَنَّمَ أوْ تَرْكُ المَغْفِرَةِ لَهم والهِدايَةُ مَعَ الخُلُودِ في جَهَنَّمَ ﴿عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَصْعُبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ ﴿إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] ﴿فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ اخْتَلَفَ أئِمَّةُ النَّحْوِ في انْتِصابِ ( خَيْرًا ) عَلى ماذا ؟ فَقالَ سِيبَوَيْهِ، والخَلِيلُ: بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ؛ أيْ: واقْصُدُوا أوِ ائْتُوا خَيْرًا لَكم، وقالَ الفَرّاءُ: هو نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: فَآمِنُوا إيمانًا خَيْرًا لَكم، وذَهَبَ أبُو عُبَيْدَةَ، والكِسائِيُّ إلى أنَّهُ خَبَرٌ لَكانَ مُقَدَّرَةً؛ أيْ: فَآمِنُوا يَكُنِ الإيمانُ خَيْرًا لَكم، وأقْوى هَذِهِ الأقْوالِ الثّالِثُ، ثُمَّ الأوَّلُ، ثُمَّ الثّانِي عَلى ضَعْفٍ فِيهِ ( وإنْ تَكْفُرُوا ) أيْ: وإنْ تَسْتَمِرُّوا عَلى كُفْرِكم ﴿فَإنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مِن مَخْلُوقاتِهِ، وأنْتُمْ مِن جُمْلَتِهِمْ، ومَن كانَ خالِيًا لَكم ولَها فَهو قادِرٌ عَلى مُجازاتِكم بِقَبِيحِ أفْعالِكم، فَفي هَذِهِ الجُمْلَةِ وعِيدٌ لَهم مَعَ إيضاحِ وجْهِ البُرْهانِ وإماطَةِ السَّتْرِ عَنِ الدَّلِيلِ بِما يُوجِبُ عَلَيْهِمُ القَبُولَ والإذْعانَ؛ لِأنَّهم يَعْتَرِفُونَ بِأنَّ اللَّهَ خالِقُهم ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧] .
قَوْلُهُ: ﴿ياأهْلَ الكِتابِ لا تَغْلُوا في دِينِكم﴾ الغُلُوُّ: هو التَّجاوُزُ في الحَدِّ ومِنهُ غَلا السِّعْرُ يَغْلُو غَلاءً، وغَلا الرَّجُلُ في الأمْرِ غُلُوًّا، وغَلا بِالجارِيَةِ لَحْمُها وعَظْمُها إذا أسْرَعَتِ الشَّبابَ فَجاوَزَتْ لِداتَها.
والمُرادُ بِالآيَةِ النَّهْيُ لَهم عَنِ الإفْراطِ تارَةً والتَّفْرِيطِ أُخْرى، فَمِنَ الإفْراطِ غُلُوُّ النَّصارى في عِيسى حَتّى جَعَلُوهُ رَبًّا، ومِنَ التَّفْرِيطِ غُلُوُّ اليَهُودِ فِيهِ عَلَيْهِ السَّلامُ حَتّى جَعَلُوهُ لِغَيْرِ رِشْدَةٍ، وما أحْسَنَ قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎ولا تَغْلُ في شَيْءٍ مِنَ الأمْرِ واقْتَصِدْ كِلا طَرَفَيْ قَصْدِ الأُمُورِ ذَمِيمُ
﴿ولا تَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ﴾ وهو ما وصَفَ بِهِ نَفْسَهُ ووَصَفَتْهُ بِهِ رُسُلُهُ، ولا تَقُولُوا الباطِلَ كَقَوْلِ اليَهُودِ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، وقَوْلُ النَّصارى: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ﴿إنَّما المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ﴾ المَسِيحُ مُبْتَدَأٌ وعِيسى بَدَلٌ مِنهُ، وابْنُ مَرْيَمَ صِفَةٌ لِعِيسى، ورَسُولُ اللَّهِ الخَبَرُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ عَطْفُ بَيانٍ والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى المَسِيحِ في آلِ عِمْرانَ، قَوْلُهُ: ( وكَلِمَتُهُ ) عَطْفٌ عَلى رَسُولِ اللَّهِ، و﴿ألْقاها إلى مَرْيَمَ﴾ حالٌ؛ أيْ: كَوْنُهُ بُقُولَهُ كُنْ فَكانَ بَشَرًا مِن غَيْرِ أبٍ، وقِيلَ ( كَلِمَتُهُ ) بِشارَةُ اللَّهِ مَرْيَمَ ورِسالَتُهُ إلَيْها عَلى لِسانِ جِبْرِيلَ بِقَوْلِهِ: ﴿إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يامَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنهُ﴾ [آل عمران: ٤٥] وقِيلَ: الكَلِمَةُ هاهُنا بِمَعْنى الآيَةِ، ومِنهُ ﴿وصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها﴾ [التحريم: ١٢] وقَوْلُهُ: ﴿ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٢٧] .
قَوْلُهُ: ( ورُوحٌ مِنهُ ) أيْ: أرْسَلَ جِبْرِيلَ فَنَفَخَ في دِرْعِ مَرْيَمَ فَحَمَلَتْ بِإذْنِ اللَّهِ، وهَذِهِ الإضافَةُ لِلتَّفْضِيلِ، وإنْ كانَ جَمِيعُ الأرْواحِ مِن خَلْقِهِ تَعالى، وقِيلَ: قَدْ يُسَمّى مَن تَظْهَرُ مِنهُ الأشْياءُ العَجِيبَةُ رُوحًا ويُضافُ إلى اللَّهِ فَيُقالُ: هَذا رُوحٌ مِنَ اللَّهِ؛ أيْ: مِن خَلْقِهِ، كَما يُقالُ في النِّعْمَةِ: إنَّها مِنَ اللَّهِ وقِيلَ: ( رُوحٌ مِنهُ ) أيْ: مِن خَلْقْهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وسَخَّرَ لَكم ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ جَمِيعًا مِنهُ﴾ [الجاثية: ١٣] أيْ: مِن خَلْقِهِ وقِيلَ: ( رُوحٌ مِنهُ ) أيْ: رَحْمَةٌ مِنهُ، وقِيلَ: ( رُوحٌ مِنهُ ) أيْ: بُرْهانٌ مِنهُ، وكانَ عِيسى بُرْهانًا وحُجَّةً عَلى قَوْمِهِ، وقَوْلُهُ: ( مِنهُ ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِرُوحٍ، أيْ: كائِنَةٌ مِنهُ وجُعِلَتِ الرُّوحُ مِنهُ سُبْحانَهُ وإنْ كانَتْ بِنَفْخِ جِبْرِيلَ لِكَوْنِهِ تَعالى الآمِرَ لِجِبْرِيلَ بِالنَّفْخِ ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ﴾ أيْ: بِأنَّهُ سُبْحانَهُ إلَهٌ واحِدٌ لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ، وبِأنَّ رُسُلَهُ صادِقُونَ مُبَلِّغُونَ عَنِ اللَّهِ ما أمَرَهم بِتَبْلِيغِهِ، ولا تُكَذِّبُوهم ولا تَغْلُوا فِيهِمْ، فَتَجْعَلُوا بَعْضَهم آلِهَةً.
قَوْلُهُ: ﴿ولا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ﴾ ارْتِفاعُ ( ثَلاثَةٌ ) عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ قالَ الزَّجّاجُ؛ أيْ: لا تَقُولُوا آلِهَتُنا ثَلاثَةٌ، وقالَ الفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدٍ؛ أيْ: (p-٣٤٦)لا تَقُولُوا: هم ثَلاثَةٌ كَقَوْلِهِ: ( ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ﴾ ) [الكهف: ٢٢] وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: لا تَقُولُوا: هو ثالِثُ ثَلاثَةٍ، فَحُذِفَ المُبْتَدَأُ والمُضافُ، والنَّصارى مَعَ تَفَرُّقِ مَذاهِبِهِمْ مُتَّفِقُونَ عَلى التَّثْلِيثِ، ويَعْنُونَ بِالثَّلاثَةِ، الثَّلاثَةُ الأقانِيمُ فَيَجْعَلُونَهُ سُبْحانَهُ جَوْهَرًا واحِدًا ولَهُ ثَلاثَةُ أقانِيمَ، ويَعْنُونَ بِالأقانِيمِ أُقْنُومُ الوُجُودِ، وأُقْنُومُ الحَياةِ، وأُقْنُومُ العِلْمِ، ورُبَّما يُعَبِّرُونَ عَنِ الأقانِيمِ بِالأبِ والِابْنِ ورُوحِ القُدُسِ، فَيَعْنُونَ بِالأبِ الوُجُودَ وبِالرُّوحِ الحَياةَ وبِالِابْنِ المَسِيحَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالآلِهَةِ الثَّلاثَةِ: اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، ومَرْيَمُ، والمَسِيحُ.
وقَدِ اخْتَبَطَ النَّصارى في هَذا اخْتِباطًا طَوِيلًا، ووَقَفْنا في الأناجِيلِ الأرْبَعَةِ الَّتِي يُطْلَقُ عَلَيْها عِنْدَهُمُ اسْمُ الإنْجِيلِ عَلى اخْتِلافٍ كَثِيرٍ في عِيسى: فَتارَةً يُوصَفُ بِأنَّهُ ابْنُ الإنْسانِ، وتارَةً يُوصَفُ بِأنَّهُ ابْنُ اللَّهِ، وتارَةً يُوصَفُ بِأنَّهُ ابْنُ الرَّبِّ، وهَذا تَناقُضٌ ظاهِرٌ وتَلاعُبٌ بِالدِّينِ.
والحَقُّ ما أخْبَرَنا اللَّهُ بِهِ في القُرْآنِ، وما خالَفَهُ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ أوِ الزَّبُورِ فَهو مِن تَحْرِيفِ المُحَرِّفِينَ وتَلاعُبِ المُتَلاعِبِينَ، ومِن أعْجَبِ ما رَأيْناهُ أنَّ الأناجِيلَ الأرْبَعَةَ كُلُّ واحِدٍ مِنها مَنسُوبٌ إلى واحِدٍ مِن أصْحابِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وحاصِلُ ما فِيها جَمِيعًا أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن هَؤُلاءِ الأرْبَعَةِ ذَكَرَ سِيرَةَ عِيسى مِن عِنْدِ أنْ بَعْثَهُ اللَّهُ إلى أنْ رَفَعَهُ إلَيْهِ، وذَكَرَ ما جَرى لَهُ مِنَ المُعْجِزاتِ والمُراجَعاتِ لِلْيَهُودِ ونَحْوِهِمْ، فاخْتَلَفَتْ ألْفاظُهم، واتَّفَقَتْ مَعانِيها، وقَدْ يَزِيدُ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ بِحَسَبِ ما يَقْتَضِيهِ الحِفْظُ والضَّبْطُ، وذَكَرَ ما قالَهُ عِيسى وما قِيلَ لَهُ، ولَيْسَ فِيها مِن كَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ شَيْءٌ، ولا أنْزَلَ عَلى عِيسى مِن عِنْدِهِ كِتابًا، بَلْ كانَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ يَحْتَجُّ عَلَيْهِمْ بِما في التَّوْراةِ ويَذْكُرُ أنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِما يُخالِفُها، وهَكَذا الزَّبُورُ فَإنَّهُ مِن أوَّلِهِ إلى آخِرِهِ مِن كَلامِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكَلامُ اللَّهِ أصْدَقُ، وكِتابُهُ أحَقُّ، وقَدْ أخْبَرَنا أنَّ الإنْجِيلَ كِتابُهُ أنْزَلَهُ عَلى عَبْدِهِ ورَسُولِهِ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ، وأنَّ الزَّبُورَ كِتابُهُ آتاهُ داوُدَ وأنْزَلَهُ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: ﴿انْتَهُوا خَيْرًا لَكم﴾ أيْ: انْتَهُوا عَنِ التَّثْلِيثِ، وانْتِصابُ ( خَيْرًا ) هُنا فِيهِ الوُجُوهُ الثَّلاثَةُ الَّتِي تَقَدَّمَتْ في قَوْلِهِ: ﴿فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾، ﴿إنَّما اللَّهُ إلَهٌ واحِدٌ﴾ لا شَرِيكَ لَهُ ولا صاحِبَةَ ولا ولَدَ ﴿سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ﴾ أيْ: أُسَبِّحُهُ تَسْبِيحًا عَنْ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ وما جَعَلْتُمُوهُ لَهُ شَرِيكًا أوْ ولَدًا هو مِن جُمْلَةِ ذَلِكَ، والمَمْلُوكُ المَخْلُوقُ لا يَكُونُ شَرِيكًا ولا ولَدًا ﴿وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ نَكَلَ الخَلْقُ أُمُورَهم إلَيْهِ ولا يَمْلِكُونَ لِأنْفُسِهِمْ ضَرًّا ولا نَفْعًا.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «دَخَلَ جَماعَةٌ مِنَ اليَهُودِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَ لَهم: إنِّي واللَّهِ أعْلَمُ أنَّكم تَعْلَمُونَ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ، قالُوا: ما نَعْلَمُ ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ( لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ ) الآيَةَ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنْ أبِي مُوسى أنَّ النَّجاشِيَّ قالَ لِجَعْفَرٍ: ما يَقُولُ صاحِبُكَ في ابْنِ مَرْيَمَ ؟ قالَ: يَقُولُ فِيهِ قَوْلَ اللَّهِ: هو رُوحُ اللَّهِ وكَلِمَتُهُ، أخْرَجَهُ مِنَ البَتُولِ العَذْراءِ لَمْ يَقْرَبْها بَشَرٌ، فَتَناوَلَ عُودًا مِنَ الأرْضِ فَرَفَعَهُ فَقالَ: يا مَعْشَرَ القِسِّيسِينَ والرُّهْبانِ ما يَزِيدُ هَؤُلاءِ عَلى ما تَقُولُونَ في ابْنِ مَرْيَمَ ما يَزِنُ هَذِهِ، وأخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِأطْوَلَ مِن هَذا.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، عَنْ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «لا تُطْرُونِي كَما أطْرَتِ النَّصارى عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ فَإنَّما أنا عَبْدٌ فَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ» .
النساء 4:168
(p-٣٤٥)قَوْلُهُ: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ﴾ الِاسْمُ الشَّرِيفُ مُبْتَدَأٌ والفِعْلُ خَبَرُهُ، ومَعَ تَشْدِيدِ النُّونِ هو مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ اسْمُ ( لَكِنْ ) والِاسْتِدْراكُ مِن مَحْذُوفٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهم قالُوا: ما نَشْهَدُ لَكَ يا مُحَمَّدُ بِهَذا؛ أيْ: الوَحْيُ والنُّبُوَّةُ، فَنَزَلَ ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ﴾ .
وقَوْلُهُ: ( والمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ ) جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الأُولى أوْ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ( أنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ ) جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ؛ أيْ: مُتَلَبِّسًا بِعِلْمِهِ الَّذِي لا يَعْلَمَهُ غَيْرُهُ مِن كَوْنِكَ أهْلًا لِما اصْطَفاكَ اللَّهُ لَهُ مِنَ النُّبُوَّةِ وأنْزَلَهُ عَلَيْكَ مِنَ القُرْآنِ ﴿وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ أيْ: كَفى اللَّهُ شاهِدًا والباءُ زائِدَةٌ، وشَهادَةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ هي ما يَصْنَعُهُ مِنَ المُعْجِزاتِ الدّالَّةِ عَلى صِحَّةِ النُّبُوَّةِ، فَإنَّ وُجُودَ هَذِهِ المُعْجِزاتِ شَهادَةٌ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِصِدْقِ ما أخْبَرَ بِهِ مِن هَذا وغَيْرِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بِكُلِّ ما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ، أوْ بِهَذا الأمْرِ الخاصِّ، وهو ما في هَذا المَقامِ ﴿وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وهو دِينُ الإسْلامِ بِإنْكارِهِمْ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِقَوْلِهِمْ: ما نَجِدُ صِفَتَهُ في كِتابِنا وإنَّما النُّبُوَّةُ في ولَدِ هارُونَ وداوُدَ، وبِقَوْلِهِمْ: إنَّ شَرْعَ مُوسى لا يُنْسَخُ ﴿قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيدًا﴾ عَنِ الحَقِّ بِما فَعَلُوا؛ لِأنَّهم مَعَ كُفْرِهِمْ مَنَعُوا غَيْرَهم عَنِ الحَقِّ.
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بِجَحْدِهِمْ ( وظَلَمُوا ) غَيْرَهم بِصَدِّهِمْ عَنِ السَّبِيلِ أوْ ظَلَمُوا مُحَمَّدًا بِكِتْمانِهِمْ نُبُوَّتَهُ أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِكُفْرِهِمْ، ويَجُوزُ الحَمْلُ عَلى جَمِيعِ هَذِهِ المَعانِي ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ إذا اسْتَمَرُّوا عَلى كُفْرِهِمْ وماتُوا كافِرِينَ ﴿ولا لِيَهْدِيَهم طَرِيقًا إلّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ لِكَوْنِهِمُ اقْتَرَفُوا ما يُوجِبُ لَهم ذَلِكَ بِسُوءِ اخْتِيارِهِمْ وفَرْطِ شَقائِهِمْ وجَحَدُوا الواضِحَ وعانَدُوا البَيِّنَ ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ أيْ: يُدْخِلُهم جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها، وهي حالٌ مُقَدَّرَةٌ.
وقَوْلُهُ: ( أبَدًا ) مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، وهو لِدَفْعِ احْتِمالِ أنَّ الخُلُودَ هُنا يُرادُ بِهِ المُكْثُ الطَّوِيلُ ( وكانَ ذَلِكَ ) أيْ: تَخْلِيدُهم في جَهَنَّمَ أوْ تَرْكُ المَغْفِرَةِ لَهم والهِدايَةُ مَعَ الخُلُودِ في جَهَنَّمَ ﴿عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَصْعُبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ ﴿إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] ﴿فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ اخْتَلَفَ أئِمَّةُ النَّحْوِ في انْتِصابِ ( خَيْرًا ) عَلى ماذا ؟ فَقالَ سِيبَوَيْهِ، والخَلِيلُ: بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ؛ أيْ: واقْصُدُوا أوِ ائْتُوا خَيْرًا لَكم، وقالَ الفَرّاءُ: هو نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: فَآمِنُوا إيمانًا خَيْرًا لَكم، وذَهَبَ أبُو عُبَيْدَةَ، والكِسائِيُّ إلى أنَّهُ خَبَرٌ لَكانَ مُقَدَّرَةً؛ أيْ: فَآمِنُوا يَكُنِ الإيمانُ خَيْرًا لَكم، وأقْوى هَذِهِ الأقْوالِ الثّالِثُ، ثُمَّ الأوَّلُ، ثُمَّ الثّانِي عَلى ضَعْفٍ فِيهِ ( وإنْ تَكْفُرُوا ) أيْ: وإنْ تَسْتَمِرُّوا عَلى كُفْرِكم ﴿فَإنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مِن مَخْلُوقاتِهِ، وأنْتُمْ مِن جُمْلَتِهِمْ، ومَن كانَ خالِيًا لَكم ولَها فَهو قادِرٌ عَلى مُجازاتِكم بِقَبِيحِ أفْعالِكم، فَفي هَذِهِ الجُمْلَةِ وعِيدٌ لَهم مَعَ إيضاحِ وجْهِ البُرْهانِ وإماطَةِ السَّتْرِ عَنِ الدَّلِيلِ بِما يُوجِبُ عَلَيْهِمُ القَبُولَ والإذْعانَ؛ لِأنَّهم يَعْتَرِفُونَ بِأنَّ اللَّهَ خالِقُهم ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧] .
قَوْلُهُ: ﴿ياأهْلَ الكِتابِ لا تَغْلُوا في دِينِكم﴾ الغُلُوُّ: هو التَّجاوُزُ في الحَدِّ ومِنهُ غَلا السِّعْرُ يَغْلُو غَلاءً، وغَلا الرَّجُلُ في الأمْرِ غُلُوًّا، وغَلا بِالجارِيَةِ لَحْمُها وعَظْمُها إذا أسْرَعَتِ الشَّبابَ فَجاوَزَتْ لِداتَها.
والمُرادُ بِالآيَةِ النَّهْيُ لَهم عَنِ الإفْراطِ تارَةً والتَّفْرِيطِ أُخْرى، فَمِنَ الإفْراطِ غُلُوُّ النَّصارى في عِيسى حَتّى جَعَلُوهُ رَبًّا، ومِنَ التَّفْرِيطِ غُلُوُّ اليَهُودِ فِيهِ عَلَيْهِ السَّلامُ حَتّى جَعَلُوهُ لِغَيْرِ رِشْدَةٍ، وما أحْسَنَ قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎ولا تَغْلُ في شَيْءٍ مِنَ الأمْرِ واقْتَصِدْ كِلا طَرَفَيْ قَصْدِ الأُمُورِ ذَمِيمُ
﴿ولا تَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ﴾ وهو ما وصَفَ بِهِ نَفْسَهُ ووَصَفَتْهُ بِهِ رُسُلُهُ، ولا تَقُولُوا الباطِلَ كَقَوْلِ اليَهُودِ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، وقَوْلُ النَّصارى: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ﴿إنَّما المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ﴾ المَسِيحُ مُبْتَدَأٌ وعِيسى بَدَلٌ مِنهُ، وابْنُ مَرْيَمَ صِفَةٌ لِعِيسى، ورَسُولُ اللَّهِ الخَبَرُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ عَطْفُ بَيانٍ والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى المَسِيحِ في آلِ عِمْرانَ، قَوْلُهُ: ( وكَلِمَتُهُ ) عَطْفٌ عَلى رَسُولِ اللَّهِ، و﴿ألْقاها إلى مَرْيَمَ﴾ حالٌ؛ أيْ: كَوْنُهُ بُقُولَهُ كُنْ فَكانَ بَشَرًا مِن غَيْرِ أبٍ، وقِيلَ ( كَلِمَتُهُ ) بِشارَةُ اللَّهِ مَرْيَمَ ورِسالَتُهُ إلَيْها عَلى لِسانِ جِبْرِيلَ بِقَوْلِهِ: ﴿إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يامَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنهُ﴾ [آل عمران: ٤٥] وقِيلَ: الكَلِمَةُ هاهُنا بِمَعْنى الآيَةِ، ومِنهُ ﴿وصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها﴾ [التحريم: ١٢] وقَوْلُهُ: ﴿ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٢٧] .
قَوْلُهُ: ( ورُوحٌ مِنهُ ) أيْ: أرْسَلَ جِبْرِيلَ فَنَفَخَ في دِرْعِ مَرْيَمَ فَحَمَلَتْ بِإذْنِ اللَّهِ، وهَذِهِ الإضافَةُ لِلتَّفْضِيلِ، وإنْ كانَ جَمِيعُ الأرْواحِ مِن خَلْقِهِ تَعالى، وقِيلَ: قَدْ يُسَمّى مَن تَظْهَرُ مِنهُ الأشْياءُ العَجِيبَةُ رُوحًا ويُضافُ إلى اللَّهِ فَيُقالُ: هَذا رُوحٌ مِنَ اللَّهِ؛ أيْ: مِن خَلْقِهِ، كَما يُقالُ في النِّعْمَةِ: إنَّها مِنَ اللَّهِ وقِيلَ: ( رُوحٌ مِنهُ ) أيْ: مِن خَلْقْهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وسَخَّرَ لَكم ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ جَمِيعًا مِنهُ﴾ [الجاثية: ١٣] أيْ: مِن خَلْقِهِ وقِيلَ: ( رُوحٌ مِنهُ ) أيْ: رَحْمَةٌ مِنهُ، وقِيلَ: ( رُوحٌ مِنهُ ) أيْ: بُرْهانٌ مِنهُ، وكانَ عِيسى بُرْهانًا وحُجَّةً عَلى قَوْمِهِ، وقَوْلُهُ: ( مِنهُ ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِرُوحٍ، أيْ: كائِنَةٌ مِنهُ وجُعِلَتِ الرُّوحُ مِنهُ سُبْحانَهُ وإنْ كانَتْ بِنَفْخِ جِبْرِيلَ لِكَوْنِهِ تَعالى الآمِرَ لِجِبْرِيلَ بِالنَّفْخِ ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ﴾ أيْ: بِأنَّهُ سُبْحانَهُ إلَهٌ واحِدٌ لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ، وبِأنَّ رُسُلَهُ صادِقُونَ مُبَلِّغُونَ عَنِ اللَّهِ ما أمَرَهم بِتَبْلِيغِهِ، ولا تُكَذِّبُوهم ولا تَغْلُوا فِيهِمْ، فَتَجْعَلُوا بَعْضَهم آلِهَةً.
قَوْلُهُ: ﴿ولا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ﴾ ارْتِفاعُ ( ثَلاثَةٌ ) عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ قالَ الزَّجّاجُ؛ أيْ: لا تَقُولُوا آلِهَتُنا ثَلاثَةٌ، وقالَ الفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدٍ؛ أيْ: (p-٣٤٦)لا تَقُولُوا: هم ثَلاثَةٌ كَقَوْلِهِ: ( ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ﴾ ) [الكهف: ٢٢] وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: لا تَقُولُوا: هو ثالِثُ ثَلاثَةٍ، فَحُذِفَ المُبْتَدَأُ والمُضافُ، والنَّصارى مَعَ تَفَرُّقِ مَذاهِبِهِمْ مُتَّفِقُونَ عَلى التَّثْلِيثِ، ويَعْنُونَ بِالثَّلاثَةِ، الثَّلاثَةُ الأقانِيمُ فَيَجْعَلُونَهُ سُبْحانَهُ جَوْهَرًا واحِدًا ولَهُ ثَلاثَةُ أقانِيمَ، ويَعْنُونَ بِالأقانِيمِ أُقْنُومُ الوُجُودِ، وأُقْنُومُ الحَياةِ، وأُقْنُومُ العِلْمِ، ورُبَّما يُعَبِّرُونَ عَنِ الأقانِيمِ بِالأبِ والِابْنِ ورُوحِ القُدُسِ، فَيَعْنُونَ بِالأبِ الوُجُودَ وبِالرُّوحِ الحَياةَ وبِالِابْنِ المَسِيحَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالآلِهَةِ الثَّلاثَةِ: اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، ومَرْيَمُ، والمَسِيحُ.
وقَدِ اخْتَبَطَ النَّصارى في هَذا اخْتِباطًا طَوِيلًا، ووَقَفْنا في الأناجِيلِ الأرْبَعَةِ الَّتِي يُطْلَقُ عَلَيْها عِنْدَهُمُ اسْمُ الإنْجِيلِ عَلى اخْتِلافٍ كَثِيرٍ في عِيسى: فَتارَةً يُوصَفُ بِأنَّهُ ابْنُ الإنْسانِ، وتارَةً يُوصَفُ بِأنَّهُ ابْنُ اللَّهِ، وتارَةً يُوصَفُ بِأنَّهُ ابْنُ الرَّبِّ، وهَذا تَناقُضٌ ظاهِرٌ وتَلاعُبٌ بِالدِّينِ.
والحَقُّ ما أخْبَرَنا اللَّهُ بِهِ في القُرْآنِ، وما خالَفَهُ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ أوِ الزَّبُورِ فَهو مِن تَحْرِيفِ المُحَرِّفِينَ وتَلاعُبِ المُتَلاعِبِينَ، ومِن أعْجَبِ ما رَأيْناهُ أنَّ الأناجِيلَ الأرْبَعَةَ كُلُّ واحِدٍ مِنها مَنسُوبٌ إلى واحِدٍ مِن أصْحابِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وحاصِلُ ما فِيها جَمِيعًا أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن هَؤُلاءِ الأرْبَعَةِ ذَكَرَ سِيرَةَ عِيسى مِن عِنْدِ أنْ بَعْثَهُ اللَّهُ إلى أنْ رَفَعَهُ إلَيْهِ، وذَكَرَ ما جَرى لَهُ مِنَ المُعْجِزاتِ والمُراجَعاتِ لِلْيَهُودِ ونَحْوِهِمْ، فاخْتَلَفَتْ ألْفاظُهم، واتَّفَقَتْ مَعانِيها، وقَدْ يَزِيدُ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ بِحَسَبِ ما يَقْتَضِيهِ الحِفْظُ والضَّبْطُ، وذَكَرَ ما قالَهُ عِيسى وما قِيلَ لَهُ، ولَيْسَ فِيها مِن كَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ شَيْءٌ، ولا أنْزَلَ عَلى عِيسى مِن عِنْدِهِ كِتابًا، بَلْ كانَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ يَحْتَجُّ عَلَيْهِمْ بِما في التَّوْراةِ ويَذْكُرُ أنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِما يُخالِفُها، وهَكَذا الزَّبُورُ فَإنَّهُ مِن أوَّلِهِ إلى آخِرِهِ مِن كَلامِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكَلامُ اللَّهِ أصْدَقُ، وكِتابُهُ أحَقُّ، وقَدْ أخْبَرَنا أنَّ الإنْجِيلَ كِتابُهُ أنْزَلَهُ عَلى عَبْدِهِ ورَسُولِهِ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ، وأنَّ الزَّبُورَ كِتابُهُ آتاهُ داوُدَ وأنْزَلَهُ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: ﴿انْتَهُوا خَيْرًا لَكم﴾ أيْ: انْتَهُوا عَنِ التَّثْلِيثِ، وانْتِصابُ ( خَيْرًا ) هُنا فِيهِ الوُجُوهُ الثَّلاثَةُ الَّتِي تَقَدَّمَتْ في قَوْلِهِ: ﴿فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾، ﴿إنَّما اللَّهُ إلَهٌ واحِدٌ﴾ لا شَرِيكَ لَهُ ولا صاحِبَةَ ولا ولَدَ ﴿سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ﴾ أيْ: أُسَبِّحُهُ تَسْبِيحًا عَنْ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ وما جَعَلْتُمُوهُ لَهُ شَرِيكًا أوْ ولَدًا هو مِن جُمْلَةِ ذَلِكَ، والمَمْلُوكُ المَخْلُوقُ لا يَكُونُ شَرِيكًا ولا ولَدًا ﴿وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ نَكَلَ الخَلْقُ أُمُورَهم إلَيْهِ ولا يَمْلِكُونَ لِأنْفُسِهِمْ ضَرًّا ولا نَفْعًا.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «دَخَلَ جَماعَةٌ مِنَ اليَهُودِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَ لَهم: إنِّي واللَّهِ أعْلَمُ أنَّكم تَعْلَمُونَ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ، قالُوا: ما نَعْلَمُ ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ( لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ ) الآيَةَ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنْ أبِي مُوسى أنَّ النَّجاشِيَّ قالَ لِجَعْفَرٍ: ما يَقُولُ صاحِبُكَ في ابْنِ مَرْيَمَ ؟ قالَ: يَقُولُ فِيهِ قَوْلَ اللَّهِ: هو رُوحُ اللَّهِ وكَلِمَتُهُ، أخْرَجَهُ مِنَ البَتُولِ العَذْراءِ لَمْ يَقْرَبْها بَشَرٌ، فَتَناوَلَ عُودًا مِنَ الأرْضِ فَرَفَعَهُ فَقالَ: يا مَعْشَرَ القِسِّيسِينَ والرُّهْبانِ ما يَزِيدُ هَؤُلاءِ عَلى ما تَقُولُونَ في ابْنِ مَرْيَمَ ما يَزِنُ هَذِهِ، وأخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِأطْوَلَ مِن هَذا.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، عَنْ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «لا تُطْرُونِي كَما أطْرَتِ النَّصارى عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ فَإنَّما أنا عَبْدٌ فَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ» .
النساء 4:169
(p-٣٤٥)قَوْلُهُ: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ﴾ الِاسْمُ الشَّرِيفُ مُبْتَدَأٌ والفِعْلُ خَبَرُهُ، ومَعَ تَشْدِيدِ النُّونِ هو مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ اسْمُ ( لَكِنْ ) والِاسْتِدْراكُ مِن مَحْذُوفٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهم قالُوا: ما نَشْهَدُ لَكَ يا مُحَمَّدُ بِهَذا؛ أيْ: الوَحْيُ والنُّبُوَّةُ، فَنَزَلَ ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ﴾ .
وقَوْلُهُ: ( والمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ ) جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الأُولى أوْ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ( أنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ ) جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ؛ أيْ: مُتَلَبِّسًا بِعِلْمِهِ الَّذِي لا يَعْلَمَهُ غَيْرُهُ مِن كَوْنِكَ أهْلًا لِما اصْطَفاكَ اللَّهُ لَهُ مِنَ النُّبُوَّةِ وأنْزَلَهُ عَلَيْكَ مِنَ القُرْآنِ ﴿وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ أيْ: كَفى اللَّهُ شاهِدًا والباءُ زائِدَةٌ، وشَهادَةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ هي ما يَصْنَعُهُ مِنَ المُعْجِزاتِ الدّالَّةِ عَلى صِحَّةِ النُّبُوَّةِ، فَإنَّ وُجُودَ هَذِهِ المُعْجِزاتِ شَهادَةٌ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِصِدْقِ ما أخْبَرَ بِهِ مِن هَذا وغَيْرِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بِكُلِّ ما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ، أوْ بِهَذا الأمْرِ الخاصِّ، وهو ما في هَذا المَقامِ ﴿وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وهو دِينُ الإسْلامِ بِإنْكارِهِمْ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِقَوْلِهِمْ: ما نَجِدُ صِفَتَهُ في كِتابِنا وإنَّما النُّبُوَّةُ في ولَدِ هارُونَ وداوُدَ، وبِقَوْلِهِمْ: إنَّ شَرْعَ مُوسى لا يُنْسَخُ ﴿قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيدًا﴾ عَنِ الحَقِّ بِما فَعَلُوا؛ لِأنَّهم مَعَ كُفْرِهِمْ مَنَعُوا غَيْرَهم عَنِ الحَقِّ.
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بِجَحْدِهِمْ ( وظَلَمُوا ) غَيْرَهم بِصَدِّهِمْ عَنِ السَّبِيلِ أوْ ظَلَمُوا مُحَمَّدًا بِكِتْمانِهِمْ نُبُوَّتَهُ أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِكُفْرِهِمْ، ويَجُوزُ الحَمْلُ عَلى جَمِيعِ هَذِهِ المَعانِي ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ إذا اسْتَمَرُّوا عَلى كُفْرِهِمْ وماتُوا كافِرِينَ ﴿ولا لِيَهْدِيَهم طَرِيقًا إلّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ لِكَوْنِهِمُ اقْتَرَفُوا ما يُوجِبُ لَهم ذَلِكَ بِسُوءِ اخْتِيارِهِمْ وفَرْطِ شَقائِهِمْ وجَحَدُوا الواضِحَ وعانَدُوا البَيِّنَ ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ أيْ: يُدْخِلُهم جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها، وهي حالٌ مُقَدَّرَةٌ.
وقَوْلُهُ: ( أبَدًا ) مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، وهو لِدَفْعِ احْتِمالِ أنَّ الخُلُودَ هُنا يُرادُ بِهِ المُكْثُ الطَّوِيلُ ( وكانَ ذَلِكَ ) أيْ: تَخْلِيدُهم في جَهَنَّمَ أوْ تَرْكُ المَغْفِرَةِ لَهم والهِدايَةُ مَعَ الخُلُودِ في جَهَنَّمَ ﴿عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَصْعُبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ ﴿إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] ﴿فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ اخْتَلَفَ أئِمَّةُ النَّحْوِ في انْتِصابِ ( خَيْرًا ) عَلى ماذا ؟ فَقالَ سِيبَوَيْهِ، والخَلِيلُ: بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ؛ أيْ: واقْصُدُوا أوِ ائْتُوا خَيْرًا لَكم، وقالَ الفَرّاءُ: هو نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: فَآمِنُوا إيمانًا خَيْرًا لَكم، وذَهَبَ أبُو عُبَيْدَةَ، والكِسائِيُّ إلى أنَّهُ خَبَرٌ لَكانَ مُقَدَّرَةً؛ أيْ: فَآمِنُوا يَكُنِ الإيمانُ خَيْرًا لَكم، وأقْوى هَذِهِ الأقْوالِ الثّالِثُ، ثُمَّ الأوَّلُ، ثُمَّ الثّانِي عَلى ضَعْفٍ فِيهِ ( وإنْ تَكْفُرُوا ) أيْ: وإنْ تَسْتَمِرُّوا عَلى كُفْرِكم ﴿فَإنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مِن مَخْلُوقاتِهِ، وأنْتُمْ مِن جُمْلَتِهِمْ، ومَن كانَ خالِيًا لَكم ولَها فَهو قادِرٌ عَلى مُجازاتِكم بِقَبِيحِ أفْعالِكم، فَفي هَذِهِ الجُمْلَةِ وعِيدٌ لَهم مَعَ إيضاحِ وجْهِ البُرْهانِ وإماطَةِ السَّتْرِ عَنِ الدَّلِيلِ بِما يُوجِبُ عَلَيْهِمُ القَبُولَ والإذْعانَ؛ لِأنَّهم يَعْتَرِفُونَ بِأنَّ اللَّهَ خالِقُهم ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧] .
قَوْلُهُ: ﴿ياأهْلَ الكِتابِ لا تَغْلُوا في دِينِكم﴾ الغُلُوُّ: هو التَّجاوُزُ في الحَدِّ ومِنهُ غَلا السِّعْرُ يَغْلُو غَلاءً، وغَلا الرَّجُلُ في الأمْرِ غُلُوًّا، وغَلا بِالجارِيَةِ لَحْمُها وعَظْمُها إذا أسْرَعَتِ الشَّبابَ فَجاوَزَتْ لِداتَها.
والمُرادُ بِالآيَةِ النَّهْيُ لَهم عَنِ الإفْراطِ تارَةً والتَّفْرِيطِ أُخْرى، فَمِنَ الإفْراطِ غُلُوُّ النَّصارى في عِيسى حَتّى جَعَلُوهُ رَبًّا، ومِنَ التَّفْرِيطِ غُلُوُّ اليَهُودِ فِيهِ عَلَيْهِ السَّلامُ حَتّى جَعَلُوهُ لِغَيْرِ رِشْدَةٍ، وما أحْسَنَ قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎ولا تَغْلُ في شَيْءٍ مِنَ الأمْرِ واقْتَصِدْ كِلا طَرَفَيْ قَصْدِ الأُمُورِ ذَمِيمُ
﴿ولا تَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ﴾ وهو ما وصَفَ بِهِ نَفْسَهُ ووَصَفَتْهُ بِهِ رُسُلُهُ، ولا تَقُولُوا الباطِلَ كَقَوْلِ اليَهُودِ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، وقَوْلُ النَّصارى: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ﴿إنَّما المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ﴾ المَسِيحُ مُبْتَدَأٌ وعِيسى بَدَلٌ مِنهُ، وابْنُ مَرْيَمَ صِفَةٌ لِعِيسى، ورَسُولُ اللَّهِ الخَبَرُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ عَطْفُ بَيانٍ والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى المَسِيحِ في آلِ عِمْرانَ، قَوْلُهُ: ( وكَلِمَتُهُ ) عَطْفٌ عَلى رَسُولِ اللَّهِ، و﴿ألْقاها إلى مَرْيَمَ﴾ حالٌ؛ أيْ: كَوْنُهُ بُقُولَهُ كُنْ فَكانَ بَشَرًا مِن غَيْرِ أبٍ، وقِيلَ ( كَلِمَتُهُ ) بِشارَةُ اللَّهِ مَرْيَمَ ورِسالَتُهُ إلَيْها عَلى لِسانِ جِبْرِيلَ بِقَوْلِهِ: ﴿إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يامَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنهُ﴾ [آل عمران: ٤٥] وقِيلَ: الكَلِمَةُ هاهُنا بِمَعْنى الآيَةِ، ومِنهُ ﴿وصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها﴾ [التحريم: ١٢] وقَوْلُهُ: ﴿ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٢٧] .
قَوْلُهُ: ( ورُوحٌ مِنهُ ) أيْ: أرْسَلَ جِبْرِيلَ فَنَفَخَ في دِرْعِ مَرْيَمَ فَحَمَلَتْ بِإذْنِ اللَّهِ، وهَذِهِ الإضافَةُ لِلتَّفْضِيلِ، وإنْ كانَ جَمِيعُ الأرْواحِ مِن خَلْقِهِ تَعالى، وقِيلَ: قَدْ يُسَمّى مَن تَظْهَرُ مِنهُ الأشْياءُ العَجِيبَةُ رُوحًا ويُضافُ إلى اللَّهِ فَيُقالُ: هَذا رُوحٌ مِنَ اللَّهِ؛ أيْ: مِن خَلْقِهِ، كَما يُقالُ في النِّعْمَةِ: إنَّها مِنَ اللَّهِ وقِيلَ: ( رُوحٌ مِنهُ ) أيْ: مِن خَلْقْهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وسَخَّرَ لَكم ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ جَمِيعًا مِنهُ﴾ [الجاثية: ١٣] أيْ: مِن خَلْقِهِ وقِيلَ: ( رُوحٌ مِنهُ ) أيْ: رَحْمَةٌ مِنهُ، وقِيلَ: ( رُوحٌ مِنهُ ) أيْ: بُرْهانٌ مِنهُ، وكانَ عِيسى بُرْهانًا وحُجَّةً عَلى قَوْمِهِ، وقَوْلُهُ: ( مِنهُ ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِرُوحٍ، أيْ: كائِنَةٌ مِنهُ وجُعِلَتِ الرُّوحُ مِنهُ سُبْحانَهُ وإنْ كانَتْ بِنَفْخِ جِبْرِيلَ لِكَوْنِهِ تَعالى الآمِرَ لِجِبْرِيلَ بِالنَّفْخِ ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ﴾ أيْ: بِأنَّهُ سُبْحانَهُ إلَهٌ واحِدٌ لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ، وبِأنَّ رُسُلَهُ صادِقُونَ مُبَلِّغُونَ عَنِ اللَّهِ ما أمَرَهم بِتَبْلِيغِهِ، ولا تُكَذِّبُوهم ولا تَغْلُوا فِيهِمْ، فَتَجْعَلُوا بَعْضَهم آلِهَةً.
قَوْلُهُ: ﴿ولا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ﴾ ارْتِفاعُ ( ثَلاثَةٌ ) عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ قالَ الزَّجّاجُ؛ أيْ: لا تَقُولُوا آلِهَتُنا ثَلاثَةٌ، وقالَ الفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدٍ؛ أيْ: (p-٣٤٦)لا تَقُولُوا: هم ثَلاثَةٌ كَقَوْلِهِ: ( ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ﴾ ) [الكهف: ٢٢] وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: لا تَقُولُوا: هو ثالِثُ ثَلاثَةٍ، فَحُذِفَ المُبْتَدَأُ والمُضافُ، والنَّصارى مَعَ تَفَرُّقِ مَذاهِبِهِمْ مُتَّفِقُونَ عَلى التَّثْلِيثِ، ويَعْنُونَ بِالثَّلاثَةِ، الثَّلاثَةُ الأقانِيمُ فَيَجْعَلُونَهُ سُبْحانَهُ جَوْهَرًا واحِدًا ولَهُ ثَلاثَةُ أقانِيمَ، ويَعْنُونَ بِالأقانِيمِ أُقْنُومُ الوُجُودِ، وأُقْنُومُ الحَياةِ، وأُقْنُومُ العِلْمِ، ورُبَّما يُعَبِّرُونَ عَنِ الأقانِيمِ بِالأبِ والِابْنِ ورُوحِ القُدُسِ، فَيَعْنُونَ بِالأبِ الوُجُودَ وبِالرُّوحِ الحَياةَ وبِالِابْنِ المَسِيحَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالآلِهَةِ الثَّلاثَةِ: اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، ومَرْيَمُ، والمَسِيحُ.
وقَدِ اخْتَبَطَ النَّصارى في هَذا اخْتِباطًا طَوِيلًا، ووَقَفْنا في الأناجِيلِ الأرْبَعَةِ الَّتِي يُطْلَقُ عَلَيْها عِنْدَهُمُ اسْمُ الإنْجِيلِ عَلى اخْتِلافٍ كَثِيرٍ في عِيسى: فَتارَةً يُوصَفُ بِأنَّهُ ابْنُ الإنْسانِ، وتارَةً يُوصَفُ بِأنَّهُ ابْنُ اللَّهِ، وتارَةً يُوصَفُ بِأنَّهُ ابْنُ الرَّبِّ، وهَذا تَناقُضٌ ظاهِرٌ وتَلاعُبٌ بِالدِّينِ.
والحَقُّ ما أخْبَرَنا اللَّهُ بِهِ في القُرْآنِ، وما خالَفَهُ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ أوِ الزَّبُورِ فَهو مِن تَحْرِيفِ المُحَرِّفِينَ وتَلاعُبِ المُتَلاعِبِينَ، ومِن أعْجَبِ ما رَأيْناهُ أنَّ الأناجِيلَ الأرْبَعَةَ كُلُّ واحِدٍ مِنها مَنسُوبٌ إلى واحِدٍ مِن أصْحابِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وحاصِلُ ما فِيها جَمِيعًا أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن هَؤُلاءِ الأرْبَعَةِ ذَكَرَ سِيرَةَ عِيسى مِن عِنْدِ أنْ بَعْثَهُ اللَّهُ إلى أنْ رَفَعَهُ إلَيْهِ، وذَكَرَ ما جَرى لَهُ مِنَ المُعْجِزاتِ والمُراجَعاتِ لِلْيَهُودِ ونَحْوِهِمْ، فاخْتَلَفَتْ ألْفاظُهم، واتَّفَقَتْ مَعانِيها، وقَدْ يَزِيدُ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ بِحَسَبِ ما يَقْتَضِيهِ الحِفْظُ والضَّبْطُ، وذَكَرَ ما قالَهُ عِيسى وما قِيلَ لَهُ، ولَيْسَ فِيها مِن كَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ شَيْءٌ، ولا أنْزَلَ عَلى عِيسى مِن عِنْدِهِ كِتابًا، بَلْ كانَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ يَحْتَجُّ عَلَيْهِمْ بِما في التَّوْراةِ ويَذْكُرُ أنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِما يُخالِفُها، وهَكَذا الزَّبُورُ فَإنَّهُ مِن أوَّلِهِ إلى آخِرِهِ مِن كَلامِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكَلامُ اللَّهِ أصْدَقُ، وكِتابُهُ أحَقُّ، وقَدْ أخْبَرَنا أنَّ الإنْجِيلَ كِتابُهُ أنْزَلَهُ عَلى عَبْدِهِ ورَسُولِهِ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ، وأنَّ الزَّبُورَ كِتابُهُ آتاهُ داوُدَ وأنْزَلَهُ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: ﴿انْتَهُوا خَيْرًا لَكم﴾ أيْ: انْتَهُوا عَنِ التَّثْلِيثِ، وانْتِصابُ ( خَيْرًا ) هُنا فِيهِ الوُجُوهُ الثَّلاثَةُ الَّتِي تَقَدَّمَتْ في قَوْلِهِ: ﴿فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾، ﴿إنَّما اللَّهُ إلَهٌ واحِدٌ﴾ لا شَرِيكَ لَهُ ولا صاحِبَةَ ولا ولَدَ ﴿سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ﴾ أيْ: أُسَبِّحُهُ تَسْبِيحًا عَنْ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ وما جَعَلْتُمُوهُ لَهُ شَرِيكًا أوْ ولَدًا هو مِن جُمْلَةِ ذَلِكَ، والمَمْلُوكُ المَخْلُوقُ لا يَكُونُ شَرِيكًا ولا ولَدًا ﴿وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ نَكَلَ الخَلْقُ أُمُورَهم إلَيْهِ ولا يَمْلِكُونَ لِأنْفُسِهِمْ ضَرًّا ولا نَفْعًا.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «دَخَلَ جَماعَةٌ مِنَ اليَهُودِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَ لَهم: إنِّي واللَّهِ أعْلَمُ أنَّكم تَعْلَمُونَ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ، قالُوا: ما نَعْلَمُ ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ( لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ ) الآيَةَ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنْ أبِي مُوسى أنَّ النَّجاشِيَّ قالَ لِجَعْفَرٍ: ما يَقُولُ صاحِبُكَ في ابْنِ مَرْيَمَ ؟ قالَ: يَقُولُ فِيهِ قَوْلَ اللَّهِ: هو رُوحُ اللَّهِ وكَلِمَتُهُ، أخْرَجَهُ مِنَ البَتُولِ العَذْراءِ لَمْ يَقْرَبْها بَشَرٌ، فَتَناوَلَ عُودًا مِنَ الأرْضِ فَرَفَعَهُ فَقالَ: يا مَعْشَرَ القِسِّيسِينَ والرُّهْبانِ ما يَزِيدُ هَؤُلاءِ عَلى ما تَقُولُونَ في ابْنِ مَرْيَمَ ما يَزِنُ هَذِهِ، وأخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِأطْوَلَ مِن هَذا.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، عَنْ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «لا تُطْرُونِي كَما أطْرَتِ النَّصارى عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ فَإنَّما أنا عَبْدٌ فَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ» .
النساء 4:170
(p-٣٤٥)قَوْلُهُ: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ﴾ الِاسْمُ الشَّرِيفُ مُبْتَدَأٌ والفِعْلُ خَبَرُهُ، ومَعَ تَشْدِيدِ النُّونِ هو مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ اسْمُ ( لَكِنْ ) والِاسْتِدْراكُ مِن مَحْذُوفٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهم قالُوا: ما نَشْهَدُ لَكَ يا مُحَمَّدُ بِهَذا؛ أيْ: الوَحْيُ والنُّبُوَّةُ، فَنَزَلَ ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ﴾ .
وقَوْلُهُ: ( والمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ ) جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الأُولى أوْ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ( أنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ ) جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ؛ أيْ: مُتَلَبِّسًا بِعِلْمِهِ الَّذِي لا يَعْلَمَهُ غَيْرُهُ مِن كَوْنِكَ أهْلًا لِما اصْطَفاكَ اللَّهُ لَهُ مِنَ النُّبُوَّةِ وأنْزَلَهُ عَلَيْكَ مِنَ القُرْآنِ ﴿وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ أيْ: كَفى اللَّهُ شاهِدًا والباءُ زائِدَةٌ، وشَهادَةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ هي ما يَصْنَعُهُ مِنَ المُعْجِزاتِ الدّالَّةِ عَلى صِحَّةِ النُّبُوَّةِ، فَإنَّ وُجُودَ هَذِهِ المُعْجِزاتِ شَهادَةٌ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِصِدْقِ ما أخْبَرَ بِهِ مِن هَذا وغَيْرِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بِكُلِّ ما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ، أوْ بِهَذا الأمْرِ الخاصِّ، وهو ما في هَذا المَقامِ ﴿وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وهو دِينُ الإسْلامِ بِإنْكارِهِمْ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِقَوْلِهِمْ: ما نَجِدُ صِفَتَهُ في كِتابِنا وإنَّما النُّبُوَّةُ في ولَدِ هارُونَ وداوُدَ، وبِقَوْلِهِمْ: إنَّ شَرْعَ مُوسى لا يُنْسَخُ ﴿قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيدًا﴾ عَنِ الحَقِّ بِما فَعَلُوا؛ لِأنَّهم مَعَ كُفْرِهِمْ مَنَعُوا غَيْرَهم عَنِ الحَقِّ.
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بِجَحْدِهِمْ ( وظَلَمُوا ) غَيْرَهم بِصَدِّهِمْ عَنِ السَّبِيلِ أوْ ظَلَمُوا مُحَمَّدًا بِكِتْمانِهِمْ نُبُوَّتَهُ أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِكُفْرِهِمْ، ويَجُوزُ الحَمْلُ عَلى جَمِيعِ هَذِهِ المَعانِي ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ إذا اسْتَمَرُّوا عَلى كُفْرِهِمْ وماتُوا كافِرِينَ ﴿ولا لِيَهْدِيَهم طَرِيقًا إلّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ لِكَوْنِهِمُ اقْتَرَفُوا ما يُوجِبُ لَهم ذَلِكَ بِسُوءِ اخْتِيارِهِمْ وفَرْطِ شَقائِهِمْ وجَحَدُوا الواضِحَ وعانَدُوا البَيِّنَ ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ أيْ: يُدْخِلُهم جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها، وهي حالٌ مُقَدَّرَةٌ.
وقَوْلُهُ: ( أبَدًا ) مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، وهو لِدَفْعِ احْتِمالِ أنَّ الخُلُودَ هُنا يُرادُ بِهِ المُكْثُ الطَّوِيلُ ( وكانَ ذَلِكَ ) أيْ: تَخْلِيدُهم في جَهَنَّمَ أوْ تَرْكُ المَغْفِرَةِ لَهم والهِدايَةُ مَعَ الخُلُودِ في جَهَنَّمَ ﴿عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَصْعُبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ ﴿إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] ﴿فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ اخْتَلَفَ أئِمَّةُ النَّحْوِ في انْتِصابِ ( خَيْرًا ) عَلى ماذا ؟ فَقالَ سِيبَوَيْهِ، والخَلِيلُ: بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ؛ أيْ: واقْصُدُوا أوِ ائْتُوا خَيْرًا لَكم، وقالَ الفَرّاءُ: هو نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: فَآمِنُوا إيمانًا خَيْرًا لَكم، وذَهَبَ أبُو عُبَيْدَةَ، والكِسائِيُّ إلى أنَّهُ خَبَرٌ لَكانَ مُقَدَّرَةً؛ أيْ: فَآمِنُوا يَكُنِ الإيمانُ خَيْرًا لَكم، وأقْوى هَذِهِ الأقْوالِ الثّالِثُ، ثُمَّ الأوَّلُ، ثُمَّ الثّانِي عَلى ضَعْفٍ فِيهِ ( وإنْ تَكْفُرُوا ) أيْ: وإنْ تَسْتَمِرُّوا عَلى كُفْرِكم ﴿فَإنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مِن مَخْلُوقاتِهِ، وأنْتُمْ مِن جُمْلَتِهِمْ، ومَن كانَ خالِيًا لَكم ولَها فَهو قادِرٌ عَلى مُجازاتِكم بِقَبِيحِ أفْعالِكم، فَفي هَذِهِ الجُمْلَةِ وعِيدٌ لَهم مَعَ إيضاحِ وجْهِ البُرْهانِ وإماطَةِ السَّتْرِ عَنِ الدَّلِيلِ بِما يُوجِبُ عَلَيْهِمُ القَبُولَ والإذْعانَ؛ لِأنَّهم يَعْتَرِفُونَ بِأنَّ اللَّهَ خالِقُهم ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧] .
قَوْلُهُ: ﴿ياأهْلَ الكِتابِ لا تَغْلُوا في دِينِكم﴾ الغُلُوُّ: هو التَّجاوُزُ في الحَدِّ ومِنهُ غَلا السِّعْرُ يَغْلُو غَلاءً، وغَلا الرَّجُلُ في الأمْرِ غُلُوًّا، وغَلا بِالجارِيَةِ لَحْمُها وعَظْمُها إذا أسْرَعَتِ الشَّبابَ فَجاوَزَتْ لِداتَها.
والمُرادُ بِالآيَةِ النَّهْيُ لَهم عَنِ الإفْراطِ تارَةً والتَّفْرِيطِ أُخْرى، فَمِنَ الإفْراطِ غُلُوُّ النَّصارى في عِيسى حَتّى جَعَلُوهُ رَبًّا، ومِنَ التَّفْرِيطِ غُلُوُّ اليَهُودِ فِيهِ عَلَيْهِ السَّلامُ حَتّى جَعَلُوهُ لِغَيْرِ رِشْدَةٍ، وما أحْسَنَ قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎ولا تَغْلُ في شَيْءٍ مِنَ الأمْرِ واقْتَصِدْ كِلا طَرَفَيْ قَصْدِ الأُمُورِ ذَمِيمُ
﴿ولا تَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ﴾ وهو ما وصَفَ بِهِ نَفْسَهُ ووَصَفَتْهُ بِهِ رُسُلُهُ، ولا تَقُولُوا الباطِلَ كَقَوْلِ اليَهُودِ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، وقَوْلُ النَّصارى: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ﴿إنَّما المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ﴾ المَسِيحُ مُبْتَدَأٌ وعِيسى بَدَلٌ مِنهُ، وابْنُ مَرْيَمَ صِفَةٌ لِعِيسى، ورَسُولُ اللَّهِ الخَبَرُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ عَطْفُ بَيانٍ والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى المَسِيحِ في آلِ عِمْرانَ، قَوْلُهُ: ( وكَلِمَتُهُ ) عَطْفٌ عَلى رَسُولِ اللَّهِ، و﴿ألْقاها إلى مَرْيَمَ﴾ حالٌ؛ أيْ: كَوْنُهُ بُقُولَهُ كُنْ فَكانَ بَشَرًا مِن غَيْرِ أبٍ، وقِيلَ ( كَلِمَتُهُ ) بِشارَةُ اللَّهِ مَرْيَمَ ورِسالَتُهُ إلَيْها عَلى لِسانِ جِبْرِيلَ بِقَوْلِهِ: ﴿إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يامَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنهُ﴾ [آل عمران: ٤٥] وقِيلَ: الكَلِمَةُ هاهُنا بِمَعْنى الآيَةِ، ومِنهُ ﴿وصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها﴾ [التحريم: ١٢] وقَوْلُهُ: ﴿ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٢٧] .
قَوْلُهُ: ( ورُوحٌ مِنهُ ) أيْ: أرْسَلَ جِبْرِيلَ فَنَفَخَ في دِرْعِ مَرْيَمَ فَحَمَلَتْ بِإذْنِ اللَّهِ، وهَذِهِ الإضافَةُ لِلتَّفْضِيلِ، وإنْ كانَ جَمِيعُ الأرْواحِ مِن خَلْقِهِ تَعالى، وقِيلَ: قَدْ يُسَمّى مَن تَظْهَرُ مِنهُ الأشْياءُ العَجِيبَةُ رُوحًا ويُضافُ إلى اللَّهِ فَيُقالُ: هَذا رُوحٌ مِنَ اللَّهِ؛ أيْ: مِن خَلْقِهِ، كَما يُقالُ في النِّعْمَةِ: إنَّها مِنَ اللَّهِ وقِيلَ: ( رُوحٌ مِنهُ ) أيْ: مِن خَلْقْهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وسَخَّرَ لَكم ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ جَمِيعًا مِنهُ﴾ [الجاثية: ١٣] أيْ: مِن خَلْقِهِ وقِيلَ: ( رُوحٌ مِنهُ ) أيْ: رَحْمَةٌ مِنهُ، وقِيلَ: ( رُوحٌ مِنهُ ) أيْ: بُرْهانٌ مِنهُ، وكانَ عِيسى بُرْهانًا وحُجَّةً عَلى قَوْمِهِ، وقَوْلُهُ: ( مِنهُ ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِرُوحٍ، أيْ: كائِنَةٌ مِنهُ وجُعِلَتِ الرُّوحُ مِنهُ سُبْحانَهُ وإنْ كانَتْ بِنَفْخِ جِبْرِيلَ لِكَوْنِهِ تَعالى الآمِرَ لِجِبْرِيلَ بِالنَّفْخِ ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ﴾ أيْ: بِأنَّهُ سُبْحانَهُ إلَهٌ واحِدٌ لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ، وبِأنَّ رُسُلَهُ صادِقُونَ مُبَلِّغُونَ عَنِ اللَّهِ ما أمَرَهم بِتَبْلِيغِهِ، ولا تُكَذِّبُوهم ولا تَغْلُوا فِيهِمْ، فَتَجْعَلُوا بَعْضَهم آلِهَةً.
قَوْلُهُ: ﴿ولا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ﴾ ارْتِفاعُ ( ثَلاثَةٌ ) عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ قالَ الزَّجّاجُ؛ أيْ: لا تَقُولُوا آلِهَتُنا ثَلاثَةٌ، وقالَ الفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدٍ؛ أيْ: (p-٣٤٦)لا تَقُولُوا: هم ثَلاثَةٌ كَقَوْلِهِ: ( ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ﴾ ) [الكهف: ٢٢] وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: لا تَقُولُوا: هو ثالِثُ ثَلاثَةٍ، فَحُذِفَ المُبْتَدَأُ والمُضافُ، والنَّصارى مَعَ تَفَرُّقِ مَذاهِبِهِمْ مُتَّفِقُونَ عَلى التَّثْلِيثِ، ويَعْنُونَ بِالثَّلاثَةِ، الثَّلاثَةُ الأقانِيمُ فَيَجْعَلُونَهُ سُبْحانَهُ جَوْهَرًا واحِدًا ولَهُ ثَلاثَةُ أقانِيمَ، ويَعْنُونَ بِالأقانِيمِ أُقْنُومُ الوُجُودِ، وأُقْنُومُ الحَياةِ، وأُقْنُومُ العِلْمِ، ورُبَّما يُعَبِّرُونَ عَنِ الأقانِيمِ بِالأبِ والِابْنِ ورُوحِ القُدُسِ، فَيَعْنُونَ بِالأبِ الوُجُودَ وبِالرُّوحِ الحَياةَ وبِالِابْنِ المَسِيحَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالآلِهَةِ الثَّلاثَةِ: اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، ومَرْيَمُ، والمَسِيحُ.
وقَدِ اخْتَبَطَ النَّصارى في هَذا اخْتِباطًا طَوِيلًا، ووَقَفْنا في الأناجِيلِ الأرْبَعَةِ الَّتِي يُطْلَقُ عَلَيْها عِنْدَهُمُ اسْمُ الإنْجِيلِ عَلى اخْتِلافٍ كَثِيرٍ في عِيسى: فَتارَةً يُوصَفُ بِأنَّهُ ابْنُ الإنْسانِ، وتارَةً يُوصَفُ بِأنَّهُ ابْنُ اللَّهِ، وتارَةً يُوصَفُ بِأنَّهُ ابْنُ الرَّبِّ، وهَذا تَناقُضٌ ظاهِرٌ وتَلاعُبٌ بِالدِّينِ.
والحَقُّ ما أخْبَرَنا اللَّهُ بِهِ في القُرْآنِ، وما خالَفَهُ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ أوِ الزَّبُورِ فَهو مِن تَحْرِيفِ المُحَرِّفِينَ وتَلاعُبِ المُتَلاعِبِينَ، ومِن أعْجَبِ ما رَأيْناهُ أنَّ الأناجِيلَ الأرْبَعَةَ كُلُّ واحِدٍ مِنها مَنسُوبٌ إلى واحِدٍ مِن أصْحابِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وحاصِلُ ما فِيها جَمِيعًا أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن هَؤُلاءِ الأرْبَعَةِ ذَكَرَ سِيرَةَ عِيسى مِن عِنْدِ أنْ بَعْثَهُ اللَّهُ إلى أنْ رَفَعَهُ إلَيْهِ، وذَكَرَ ما جَرى لَهُ مِنَ المُعْجِزاتِ والمُراجَعاتِ لِلْيَهُودِ ونَحْوِهِمْ، فاخْتَلَفَتْ ألْفاظُهم، واتَّفَقَتْ مَعانِيها، وقَدْ يَزِيدُ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ بِحَسَبِ ما يَقْتَضِيهِ الحِفْظُ والضَّبْطُ، وذَكَرَ ما قالَهُ عِيسى وما قِيلَ لَهُ، ولَيْسَ فِيها مِن كَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ شَيْءٌ، ولا أنْزَلَ عَلى عِيسى مِن عِنْدِهِ كِتابًا، بَلْ كانَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ يَحْتَجُّ عَلَيْهِمْ بِما في التَّوْراةِ ويَذْكُرُ أنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِما يُخالِفُها، وهَكَذا الزَّبُورُ فَإنَّهُ مِن أوَّلِهِ إلى آخِرِهِ مِن كَلامِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكَلامُ اللَّهِ أصْدَقُ، وكِتابُهُ أحَقُّ، وقَدْ أخْبَرَنا أنَّ الإنْجِيلَ كِتابُهُ أنْزَلَهُ عَلى عَبْدِهِ ورَسُولِهِ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ، وأنَّ الزَّبُورَ كِتابُهُ آتاهُ داوُدَ وأنْزَلَهُ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: ﴿انْتَهُوا خَيْرًا لَكم﴾ أيْ: انْتَهُوا عَنِ التَّثْلِيثِ، وانْتِصابُ ( خَيْرًا ) هُنا فِيهِ الوُجُوهُ الثَّلاثَةُ الَّتِي تَقَدَّمَتْ في قَوْلِهِ: ﴿فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾، ﴿إنَّما اللَّهُ إلَهٌ واحِدٌ﴾ لا شَرِيكَ لَهُ ولا صاحِبَةَ ولا ولَدَ ﴿سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ﴾ أيْ: أُسَبِّحُهُ تَسْبِيحًا عَنْ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ وما جَعَلْتُمُوهُ لَهُ شَرِيكًا أوْ ولَدًا هو مِن جُمْلَةِ ذَلِكَ، والمَمْلُوكُ المَخْلُوقُ لا يَكُونُ شَرِيكًا ولا ولَدًا ﴿وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ نَكَلَ الخَلْقُ أُمُورَهم إلَيْهِ ولا يَمْلِكُونَ لِأنْفُسِهِمْ ضَرًّا ولا نَفْعًا.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «دَخَلَ جَماعَةٌ مِنَ اليَهُودِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَ لَهم: إنِّي واللَّهِ أعْلَمُ أنَّكم تَعْلَمُونَ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ، قالُوا: ما نَعْلَمُ ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ( لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ ) الآيَةَ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنْ أبِي مُوسى أنَّ النَّجاشِيَّ قالَ لِجَعْفَرٍ: ما يَقُولُ صاحِبُكَ في ابْنِ مَرْيَمَ ؟ قالَ: يَقُولُ فِيهِ قَوْلَ اللَّهِ: هو رُوحُ اللَّهِ وكَلِمَتُهُ، أخْرَجَهُ مِنَ البَتُولِ العَذْراءِ لَمْ يَقْرَبْها بَشَرٌ، فَتَناوَلَ عُودًا مِنَ الأرْضِ فَرَفَعَهُ فَقالَ: يا مَعْشَرَ القِسِّيسِينَ والرُّهْبانِ ما يَزِيدُ هَؤُلاءِ عَلى ما تَقُولُونَ في ابْنِ مَرْيَمَ ما يَزِنُ هَذِهِ، وأخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِأطْوَلَ مِن هَذا.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، عَنْ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «لا تُطْرُونِي كَما أطْرَتِ النَّصارى عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ فَإنَّما أنا عَبْدٌ فَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ» .
النساء 4:171
(p-٣٤٥)قَوْلُهُ: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ﴾ الِاسْمُ الشَّرِيفُ مُبْتَدَأٌ والفِعْلُ خَبَرُهُ، ومَعَ تَشْدِيدِ النُّونِ هو مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ اسْمُ ( لَكِنْ ) والِاسْتِدْراكُ مِن مَحْذُوفٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهم قالُوا: ما نَشْهَدُ لَكَ يا مُحَمَّدُ بِهَذا؛ أيْ: الوَحْيُ والنُّبُوَّةُ، فَنَزَلَ ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ﴾ .
وقَوْلُهُ: ( والمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ ) جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الأُولى أوْ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ( أنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ ) جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ؛ أيْ: مُتَلَبِّسًا بِعِلْمِهِ الَّذِي لا يَعْلَمَهُ غَيْرُهُ مِن كَوْنِكَ أهْلًا لِما اصْطَفاكَ اللَّهُ لَهُ مِنَ النُّبُوَّةِ وأنْزَلَهُ عَلَيْكَ مِنَ القُرْآنِ ﴿وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ أيْ: كَفى اللَّهُ شاهِدًا والباءُ زائِدَةٌ، وشَهادَةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ هي ما يَصْنَعُهُ مِنَ المُعْجِزاتِ الدّالَّةِ عَلى صِحَّةِ النُّبُوَّةِ، فَإنَّ وُجُودَ هَذِهِ المُعْجِزاتِ شَهادَةٌ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِصِدْقِ ما أخْبَرَ بِهِ مِن هَذا وغَيْرِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بِكُلِّ ما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ، أوْ بِهَذا الأمْرِ الخاصِّ، وهو ما في هَذا المَقامِ ﴿وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وهو دِينُ الإسْلامِ بِإنْكارِهِمْ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِقَوْلِهِمْ: ما نَجِدُ صِفَتَهُ في كِتابِنا وإنَّما النُّبُوَّةُ في ولَدِ هارُونَ وداوُدَ، وبِقَوْلِهِمْ: إنَّ شَرْعَ مُوسى لا يُنْسَخُ ﴿قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيدًا﴾ عَنِ الحَقِّ بِما فَعَلُوا؛ لِأنَّهم مَعَ كُفْرِهِمْ مَنَعُوا غَيْرَهم عَنِ الحَقِّ.
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بِجَحْدِهِمْ ( وظَلَمُوا ) غَيْرَهم بِصَدِّهِمْ عَنِ السَّبِيلِ أوْ ظَلَمُوا مُحَمَّدًا بِكِتْمانِهِمْ نُبُوَّتَهُ أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِكُفْرِهِمْ، ويَجُوزُ الحَمْلُ عَلى جَمِيعِ هَذِهِ المَعانِي ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ إذا اسْتَمَرُّوا عَلى كُفْرِهِمْ وماتُوا كافِرِينَ ﴿ولا لِيَهْدِيَهم طَرِيقًا إلّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ لِكَوْنِهِمُ اقْتَرَفُوا ما يُوجِبُ لَهم ذَلِكَ بِسُوءِ اخْتِيارِهِمْ وفَرْطِ شَقائِهِمْ وجَحَدُوا الواضِحَ وعانَدُوا البَيِّنَ ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ أيْ: يُدْخِلُهم جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها، وهي حالٌ مُقَدَّرَةٌ.
وقَوْلُهُ: ( أبَدًا ) مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، وهو لِدَفْعِ احْتِمالِ أنَّ الخُلُودَ هُنا يُرادُ بِهِ المُكْثُ الطَّوِيلُ ( وكانَ ذَلِكَ ) أيْ: تَخْلِيدُهم في جَهَنَّمَ أوْ تَرْكُ المَغْفِرَةِ لَهم والهِدايَةُ مَعَ الخُلُودِ في جَهَنَّمَ ﴿عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَصْعُبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ ﴿إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] ﴿فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ اخْتَلَفَ أئِمَّةُ النَّحْوِ في انْتِصابِ ( خَيْرًا ) عَلى ماذا ؟ فَقالَ سِيبَوَيْهِ، والخَلِيلُ: بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ؛ أيْ: واقْصُدُوا أوِ ائْتُوا خَيْرًا لَكم، وقالَ الفَرّاءُ: هو نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: فَآمِنُوا إيمانًا خَيْرًا لَكم، وذَهَبَ أبُو عُبَيْدَةَ، والكِسائِيُّ إلى أنَّهُ خَبَرٌ لَكانَ مُقَدَّرَةً؛ أيْ: فَآمِنُوا يَكُنِ الإيمانُ خَيْرًا لَكم، وأقْوى هَذِهِ الأقْوالِ الثّالِثُ، ثُمَّ الأوَّلُ، ثُمَّ الثّانِي عَلى ضَعْفٍ فِيهِ ( وإنْ تَكْفُرُوا ) أيْ: وإنْ تَسْتَمِرُّوا عَلى كُفْرِكم ﴿فَإنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مِن مَخْلُوقاتِهِ، وأنْتُمْ مِن جُمْلَتِهِمْ، ومَن كانَ خالِيًا لَكم ولَها فَهو قادِرٌ عَلى مُجازاتِكم بِقَبِيحِ أفْعالِكم، فَفي هَذِهِ الجُمْلَةِ وعِيدٌ لَهم مَعَ إيضاحِ وجْهِ البُرْهانِ وإماطَةِ السَّتْرِ عَنِ الدَّلِيلِ بِما يُوجِبُ عَلَيْهِمُ القَبُولَ والإذْعانَ؛ لِأنَّهم يَعْتَرِفُونَ بِأنَّ اللَّهَ خالِقُهم ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧] .
قَوْلُهُ: ﴿ياأهْلَ الكِتابِ لا تَغْلُوا في دِينِكم﴾ الغُلُوُّ: هو التَّجاوُزُ في الحَدِّ ومِنهُ غَلا السِّعْرُ يَغْلُو غَلاءً، وغَلا الرَّجُلُ في الأمْرِ غُلُوًّا، وغَلا بِالجارِيَةِ لَحْمُها وعَظْمُها إذا أسْرَعَتِ الشَّبابَ فَجاوَزَتْ لِداتَها.
والمُرادُ بِالآيَةِ النَّهْيُ لَهم عَنِ الإفْراطِ تارَةً والتَّفْرِيطِ أُخْرى، فَمِنَ الإفْراطِ غُلُوُّ النَّصارى في عِيسى حَتّى جَعَلُوهُ رَبًّا، ومِنَ التَّفْرِيطِ غُلُوُّ اليَهُودِ فِيهِ عَلَيْهِ السَّلامُ حَتّى جَعَلُوهُ لِغَيْرِ رِشْدَةٍ، وما أحْسَنَ قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎ولا تَغْلُ في شَيْءٍ مِنَ الأمْرِ واقْتَصِدْ كِلا طَرَفَيْ قَصْدِ الأُمُورِ ذَمِيمُ
﴿ولا تَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ﴾ وهو ما وصَفَ بِهِ نَفْسَهُ ووَصَفَتْهُ بِهِ رُسُلُهُ، ولا تَقُولُوا الباطِلَ كَقَوْلِ اليَهُودِ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، وقَوْلُ النَّصارى: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ﴿إنَّما المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ﴾ المَسِيحُ مُبْتَدَأٌ وعِيسى بَدَلٌ مِنهُ، وابْنُ مَرْيَمَ صِفَةٌ لِعِيسى، ورَسُولُ اللَّهِ الخَبَرُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ عَطْفُ بَيانٍ والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى المَسِيحِ في آلِ عِمْرانَ، قَوْلُهُ: ( وكَلِمَتُهُ ) عَطْفٌ عَلى رَسُولِ اللَّهِ، و﴿ألْقاها إلى مَرْيَمَ﴾ حالٌ؛ أيْ: كَوْنُهُ بُقُولَهُ كُنْ فَكانَ بَشَرًا مِن غَيْرِ أبٍ، وقِيلَ ( كَلِمَتُهُ ) بِشارَةُ اللَّهِ مَرْيَمَ ورِسالَتُهُ إلَيْها عَلى لِسانِ جِبْرِيلَ بِقَوْلِهِ: ﴿إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يامَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنهُ﴾ [آل عمران: ٤٥] وقِيلَ: الكَلِمَةُ هاهُنا بِمَعْنى الآيَةِ، ومِنهُ ﴿وصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها﴾ [التحريم: ١٢] وقَوْلُهُ: ﴿ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٢٧] .
قَوْلُهُ: ( ورُوحٌ مِنهُ ) أيْ: أرْسَلَ جِبْرِيلَ فَنَفَخَ في دِرْعِ مَرْيَمَ فَحَمَلَتْ بِإذْنِ اللَّهِ، وهَذِهِ الإضافَةُ لِلتَّفْضِيلِ، وإنْ كانَ جَمِيعُ الأرْواحِ مِن خَلْقِهِ تَعالى، وقِيلَ: قَدْ يُسَمّى مَن تَظْهَرُ مِنهُ الأشْياءُ العَجِيبَةُ رُوحًا ويُضافُ إلى اللَّهِ فَيُقالُ: هَذا رُوحٌ مِنَ اللَّهِ؛ أيْ: مِن خَلْقِهِ، كَما يُقالُ في النِّعْمَةِ: إنَّها مِنَ اللَّهِ وقِيلَ: ( رُوحٌ مِنهُ ) أيْ: مِن خَلْقْهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وسَخَّرَ لَكم ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ جَمِيعًا مِنهُ﴾ [الجاثية: ١٣] أيْ: مِن خَلْقِهِ وقِيلَ: ( رُوحٌ مِنهُ ) أيْ: رَحْمَةٌ مِنهُ، وقِيلَ: ( رُوحٌ مِنهُ ) أيْ: بُرْهانٌ مِنهُ، وكانَ عِيسى بُرْهانًا وحُجَّةً عَلى قَوْمِهِ، وقَوْلُهُ: ( مِنهُ ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِرُوحٍ، أيْ: كائِنَةٌ مِنهُ وجُعِلَتِ الرُّوحُ مِنهُ سُبْحانَهُ وإنْ كانَتْ بِنَفْخِ جِبْرِيلَ لِكَوْنِهِ تَعالى الآمِرَ لِجِبْرِيلَ بِالنَّفْخِ ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ﴾ أيْ: بِأنَّهُ سُبْحانَهُ إلَهٌ واحِدٌ لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ، وبِأنَّ رُسُلَهُ صادِقُونَ مُبَلِّغُونَ عَنِ اللَّهِ ما أمَرَهم بِتَبْلِيغِهِ، ولا تُكَذِّبُوهم ولا تَغْلُوا فِيهِمْ، فَتَجْعَلُوا بَعْضَهم آلِهَةً.
قَوْلُهُ: ﴿ولا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ﴾ ارْتِفاعُ ( ثَلاثَةٌ ) عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ قالَ الزَّجّاجُ؛ أيْ: لا تَقُولُوا آلِهَتُنا ثَلاثَةٌ، وقالَ الفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدٍ؛ أيْ: (p-٣٤٦)لا تَقُولُوا: هم ثَلاثَةٌ كَقَوْلِهِ: ( ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ﴾ ) [الكهف: ٢٢] وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: لا تَقُولُوا: هو ثالِثُ ثَلاثَةٍ، فَحُذِفَ المُبْتَدَأُ والمُضافُ، والنَّصارى مَعَ تَفَرُّقِ مَذاهِبِهِمْ مُتَّفِقُونَ عَلى التَّثْلِيثِ، ويَعْنُونَ بِالثَّلاثَةِ، الثَّلاثَةُ الأقانِيمُ فَيَجْعَلُونَهُ سُبْحانَهُ جَوْهَرًا واحِدًا ولَهُ ثَلاثَةُ أقانِيمَ، ويَعْنُونَ بِالأقانِيمِ أُقْنُومُ الوُجُودِ، وأُقْنُومُ الحَياةِ، وأُقْنُومُ العِلْمِ، ورُبَّما يُعَبِّرُونَ عَنِ الأقانِيمِ بِالأبِ والِابْنِ ورُوحِ القُدُسِ، فَيَعْنُونَ بِالأبِ الوُجُودَ وبِالرُّوحِ الحَياةَ وبِالِابْنِ المَسِيحَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالآلِهَةِ الثَّلاثَةِ: اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، ومَرْيَمُ، والمَسِيحُ.
وقَدِ اخْتَبَطَ النَّصارى في هَذا اخْتِباطًا طَوِيلًا، ووَقَفْنا في الأناجِيلِ الأرْبَعَةِ الَّتِي يُطْلَقُ عَلَيْها عِنْدَهُمُ اسْمُ الإنْجِيلِ عَلى اخْتِلافٍ كَثِيرٍ في عِيسى: فَتارَةً يُوصَفُ بِأنَّهُ ابْنُ الإنْسانِ، وتارَةً يُوصَفُ بِأنَّهُ ابْنُ اللَّهِ، وتارَةً يُوصَفُ بِأنَّهُ ابْنُ الرَّبِّ، وهَذا تَناقُضٌ ظاهِرٌ وتَلاعُبٌ بِالدِّينِ.
والحَقُّ ما أخْبَرَنا اللَّهُ بِهِ في القُرْآنِ، وما خالَفَهُ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ أوِ الزَّبُورِ فَهو مِن تَحْرِيفِ المُحَرِّفِينَ وتَلاعُبِ المُتَلاعِبِينَ، ومِن أعْجَبِ ما رَأيْناهُ أنَّ الأناجِيلَ الأرْبَعَةَ كُلُّ واحِدٍ مِنها مَنسُوبٌ إلى واحِدٍ مِن أصْحابِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وحاصِلُ ما فِيها جَمِيعًا أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن هَؤُلاءِ الأرْبَعَةِ ذَكَرَ سِيرَةَ عِيسى مِن عِنْدِ أنْ بَعْثَهُ اللَّهُ إلى أنْ رَفَعَهُ إلَيْهِ، وذَكَرَ ما جَرى لَهُ مِنَ المُعْجِزاتِ والمُراجَعاتِ لِلْيَهُودِ ونَحْوِهِمْ، فاخْتَلَفَتْ ألْفاظُهم، واتَّفَقَتْ مَعانِيها، وقَدْ يَزِيدُ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ بِحَسَبِ ما يَقْتَضِيهِ الحِفْظُ والضَّبْطُ، وذَكَرَ ما قالَهُ عِيسى وما قِيلَ لَهُ، ولَيْسَ فِيها مِن كَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ شَيْءٌ، ولا أنْزَلَ عَلى عِيسى مِن عِنْدِهِ كِتابًا، بَلْ كانَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ يَحْتَجُّ عَلَيْهِمْ بِما في التَّوْراةِ ويَذْكُرُ أنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِما يُخالِفُها، وهَكَذا الزَّبُورُ فَإنَّهُ مِن أوَّلِهِ إلى آخِرِهِ مِن كَلامِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكَلامُ اللَّهِ أصْدَقُ، وكِتابُهُ أحَقُّ، وقَدْ أخْبَرَنا أنَّ الإنْجِيلَ كِتابُهُ أنْزَلَهُ عَلى عَبْدِهِ ورَسُولِهِ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ، وأنَّ الزَّبُورَ كِتابُهُ آتاهُ داوُدَ وأنْزَلَهُ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: ﴿انْتَهُوا خَيْرًا لَكم﴾ أيْ: انْتَهُوا عَنِ التَّثْلِيثِ، وانْتِصابُ ( خَيْرًا ) هُنا فِيهِ الوُجُوهُ الثَّلاثَةُ الَّتِي تَقَدَّمَتْ في قَوْلِهِ: ﴿فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾، ﴿إنَّما اللَّهُ إلَهٌ واحِدٌ﴾ لا شَرِيكَ لَهُ ولا صاحِبَةَ ولا ولَدَ ﴿سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ﴾ أيْ: أُسَبِّحُهُ تَسْبِيحًا عَنْ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ وما جَعَلْتُمُوهُ لَهُ شَرِيكًا أوْ ولَدًا هو مِن جُمْلَةِ ذَلِكَ، والمَمْلُوكُ المَخْلُوقُ لا يَكُونُ شَرِيكًا ولا ولَدًا ﴿وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ نَكَلَ الخَلْقُ أُمُورَهم إلَيْهِ ولا يَمْلِكُونَ لِأنْفُسِهِمْ ضَرًّا ولا نَفْعًا.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «دَخَلَ جَماعَةٌ مِنَ اليَهُودِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَ لَهم: إنِّي واللَّهِ أعْلَمُ أنَّكم تَعْلَمُونَ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ، قالُوا: ما نَعْلَمُ ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ( لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ ) الآيَةَ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنْ أبِي مُوسى أنَّ النَّجاشِيَّ قالَ لِجَعْفَرٍ: ما يَقُولُ صاحِبُكَ في ابْنِ مَرْيَمَ ؟ قالَ: يَقُولُ فِيهِ قَوْلَ اللَّهِ: هو رُوحُ اللَّهِ وكَلِمَتُهُ، أخْرَجَهُ مِنَ البَتُولِ العَذْراءِ لَمْ يَقْرَبْها بَشَرٌ، فَتَناوَلَ عُودًا مِنَ الأرْضِ فَرَفَعَهُ فَقالَ: يا مَعْشَرَ القِسِّيسِينَ والرُّهْبانِ ما يَزِيدُ هَؤُلاءِ عَلى ما تَقُولُونَ في ابْنِ مَرْيَمَ ما يَزِنُ هَذِهِ، وأخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِأطْوَلَ مِن هَذا.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، عَنْ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «لا تُطْرُونِي كَما أطْرَتِ النَّصارى عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ فَإنَّما أنا عَبْدٌ فَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ» .
النساء 4:172
أصْلُ يَسْتَنْكِفُ نَكَفَ وباقِي الحُرُوفِ زائِدَةٌ، يُقالُ: نَكَفْتُ مِنَ الشَّيْءِ واسْتَنْكَفْتُ مِنهُ وأنْكَفْتُهُ؛ أيْ: نَزَّهْتُهُ عَمّا يُسْتَنْكَفُ مِنهُ، قالَ الزَّجّاجُ: اسْتَنْكَفَ أيْ: أنِفَ، مَأْخُوذٌ مَن نَكَفْتُ الدَّمْعَ؛ إذا نَحَّيْتُهُ بِأُصْبُعِكَ عَنْ خَدَّيْكَ، وقِيلَ: هو مِنَ النَّكَفِ وهو العَيْبُ، يُقالُ: ما عَلَيْهِ في هَذا الأمْرِ نَكَفٌ ولا وكَفٌ؛ أيْ: عَيْبٌ، ومَعْنى الأوَّلِ: لَنْ يَأْنَفَ عَنِ العُبُودِيَّةِ ولَنْ يَتَنَزَّهَ عَنْها.
ومَعْنى الثّانِي: لَنْ يَعِيبَ العُبُودِيَّةَ ولَنْ يَنْقَطِعَ عَنْها ﴿ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى المَسِيحِ؛ أيْ: ولَنْ يَسْتَنْكِفَ المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ عَنْ أنْ يَكُونُوا عِبادًا لِلَّهِ، وقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذا القائِلُونَ بِتَفْضِيلِ المَلائِكَةِ عَلى الأنْبِياءِ، وقَرَّرَ صاحِبُ الكَشّافِ وجْهَ الدَّلالَةِ بِما لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ وادَّعى أنَّ الذَّوْقَ قاضٍ بِذَلِكَ، ونِعْمَ الذَّوْقُ العَرَبِيُّ إذا خالَطَهُ مَحَبَّةُ المَذْهَبِ وشابَهَ شَوائِبُ الجُمُودِ كانَ هَكَذا، وكُلُّ مَن يَفْهَمُ لُغَةَ العَرَبِ يَعْلَمُ أنَّ مَن قالَ لا يَأْنَفُ مِن هَذِهِ المَقالَةِ إمامٌ ولا مَأْمُومٌ أوْ لا كَبِيرٌ ولا صَغِيرٌ أوْ لا جَلِيلٌ ولا حَقِيرٌ، ثُمَّ يَدُلُّ هَذا عَلى أنَّ المَعْطُوفَ أعْظَمُ شَأْنًا مِنَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وعَلى كُلِّ حالٍ فَما أرْدَأ الِاشْتِغالَ بِهَذِهِ المَسْألَةِ وما أقَلَّ فائِدَتَها وما أبْعَدَها عَنْ أنْ تَكُونَ مَرْكَزًا مِنَ المَراكِزِ الشَّرْعِيَّةِ الدِّينِيَّةِ وجِسْرًا مِنَ الجُسُورِ ﴿ومَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ ويَسْتَكْبِرْ﴾ أيْ: يَأْنَفُ تَكَبُّرًا ويُعِدُّ نَفْسَهُ عَنِ العِبادَةِ ﴿فَسَيَحْشُرُهم إلَيْهِ جَمِيعًا﴾ المُسْتَنْكِفُ وغَيْرُهُ، فَيُجازِي كُلًّا بِعَمَلِهِ.
وتَرَكَ ذِكْرَ غَيْرِ المُسْتَنْكِفِ هُنا لِدَلالَةِ أوَّلِ الكَلامِ عَلَيْهِ، ولِكَوْنِ الحَشْرِ لِكِلا الطّائِفَتَيْنِ ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهم﴾ مِن غَيْرِ أنْ يَفُوتَهم مِنها شَيْءٌ (p-٣٤٧)﴿وأمّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا واسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهم عَذابًا ألِيمًا﴾ بِسَبَبِ اسْتِنْكافِهِمْ واسْتِكْبارِهِمْ ﴿ولا يَجِدُونَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا﴾ يُوالِيهِمْ ( ولا نَصِيرًا ) يَنْصُرُهم.
قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها النّاسُ قَدْ جاءَكم بُرْهانٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ بِما أنْزَلَهُ عَلَيْكم مِن كُتُبِهِ وبِمَن أرْسَلَهُ إلَيْكم مِن رُسُلِهِ، وما نَصُبُّهُ لَهم مِنَ المُعْجِزاتِ، والبُرْهانُ: ما يُبَرْهَنُ بِهِ عَلى المَطْلُوبِ ﴿وأنْزَلْنا إلَيْكم نُورًا مُبِينًا﴾ وهو القُرْآنُ، وسَمّاهُ نُورًا لِأنَّهُ يُهْتَدى بِهِ مِن ظُلْمَةِ الضَّلالِ.
﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ واعْتَصَمُوا بِهِ﴾ أيْ: بِاللَّهِ، وقِيلَ: بِالنُّورِ المَذْكُورِ ﴿فَسَيُدْخِلُهم في رَحْمَةٍ مِنهُ﴾ يَرْحَمُهم بِها ( وفَضْلٍ ) يَتَفَضَّلُ بِهِ عَلَيْهِمْ ( ويَهْدِيهِمْ إلَيْهِ ) أيْ: إلى امْتِثالِ ما أمَرَ بِهِ واجْتِنابِ ما نَهى عَنْهُ أوْ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِاعْتِبارِ مَصِيرِهِمْ إلى جَزائِهِ وتَفَضُّلِهِ ( صِراطًا مُسْتَقِيمًا ) أيْ: طَرِيقًا يَسْلُكُونَهُ إلَيْهِ مُسْتَقِيمًا لا عِوَجَ فِيهِ، وهو التَّمَسُّكُ بِدِينِ الإسْلامِ وتَرْكِ غَيْرِهِ مِنَ الأدْيانِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: الهاءُ في قَوْلِهِ: ( إلَيْهِ ) راجِعَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِنِ اسْمِ اللَّهِ، وقِيلَ: راجِعَةٌ إلى القُرْآنِ، وقِيلَ: إلى الفَضْلِ، وقِيلَ: إلى الرَّحْمَةِ والفَضْلِ لِأنَّهُما بِمَعْنى الثَّوابِ، وانْتِصابُ ( صِراطًا ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِلْفِعْلِ المَذْكُورِ، وقِيلَ: عَلى الحالِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ المَسِيحُ﴾ لَنْ يَسْتَكْبِرَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ والإسْماعِيلِيُّ في مُعْجَمِهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهم ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ﴾ قالَ: أُجُورُهم يُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ الشَّفاعَةُ فِيمَن وجَبَتْ لَهُ النّارَ مِمَّنْ صَنَعَ إلَيْهِمُ المَعْرُوفَ في الدُّنْيا» .
وقَدْ ساقَهُ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ فَقالَ: وقَدْ رَوى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ بَقِيَّةَ، عَنْ إسْماعِيلَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الكِنْدِيِّ، عَنِ الأعْمَشِ عَنْ شَقِيقٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَذَكَرَهُ وقالَ: هَذا إسْنادٌ لا يَثْبُتُ، وإذا رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَوْقُوفًا فَهو جَيِّدٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ ﴿قَدْ جاءَكم بُرْهانٌ﴾ أيْ: بَيِّنَةٌ ﴿وأنْزَلْنا إلَيْكم نُورًا مُبِينًا﴾ قالَ: هَذا القُرْآنُ، وأخْرَجا أيْضًا، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: بُرْهانٌ حُجَّةٌ، وأخْرَجا أيْضًا، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ( واعْتَصَمُوا بِهِ ) قالَ: القُرْآنُ.
النساء 4:173
أصْلُ يَسْتَنْكِفُ نَكَفَ وباقِي الحُرُوفِ زائِدَةٌ، يُقالُ: نَكَفْتُ مِنَ الشَّيْءِ واسْتَنْكَفْتُ مِنهُ وأنْكَفْتُهُ؛ أيْ: نَزَّهْتُهُ عَمّا يُسْتَنْكَفُ مِنهُ، قالَ الزَّجّاجُ: اسْتَنْكَفَ أيْ: أنِفَ، مَأْخُوذٌ مَن نَكَفْتُ الدَّمْعَ؛ إذا نَحَّيْتُهُ بِأُصْبُعِكَ عَنْ خَدَّيْكَ، وقِيلَ: هو مِنَ النَّكَفِ وهو العَيْبُ، يُقالُ: ما عَلَيْهِ في هَذا الأمْرِ نَكَفٌ ولا وكَفٌ؛ أيْ: عَيْبٌ، ومَعْنى الأوَّلِ: لَنْ يَأْنَفَ عَنِ العُبُودِيَّةِ ولَنْ يَتَنَزَّهَ عَنْها.
ومَعْنى الثّانِي: لَنْ يَعِيبَ العُبُودِيَّةَ ولَنْ يَنْقَطِعَ عَنْها ﴿ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى المَسِيحِ؛ أيْ: ولَنْ يَسْتَنْكِفَ المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ عَنْ أنْ يَكُونُوا عِبادًا لِلَّهِ، وقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذا القائِلُونَ بِتَفْضِيلِ المَلائِكَةِ عَلى الأنْبِياءِ، وقَرَّرَ صاحِبُ الكَشّافِ وجْهَ الدَّلالَةِ بِما لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ وادَّعى أنَّ الذَّوْقَ قاضٍ بِذَلِكَ، ونِعْمَ الذَّوْقُ العَرَبِيُّ إذا خالَطَهُ مَحَبَّةُ المَذْهَبِ وشابَهَ شَوائِبُ الجُمُودِ كانَ هَكَذا، وكُلُّ مَن يَفْهَمُ لُغَةَ العَرَبِ يَعْلَمُ أنَّ مَن قالَ لا يَأْنَفُ مِن هَذِهِ المَقالَةِ إمامٌ ولا مَأْمُومٌ أوْ لا كَبِيرٌ ولا صَغِيرٌ أوْ لا جَلِيلٌ ولا حَقِيرٌ، ثُمَّ يَدُلُّ هَذا عَلى أنَّ المَعْطُوفَ أعْظَمُ شَأْنًا مِنَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وعَلى كُلِّ حالٍ فَما أرْدَأ الِاشْتِغالَ بِهَذِهِ المَسْألَةِ وما أقَلَّ فائِدَتَها وما أبْعَدَها عَنْ أنْ تَكُونَ مَرْكَزًا مِنَ المَراكِزِ الشَّرْعِيَّةِ الدِّينِيَّةِ وجِسْرًا مِنَ الجُسُورِ ﴿ومَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ ويَسْتَكْبِرْ﴾ أيْ: يَأْنَفُ تَكَبُّرًا ويُعِدُّ نَفْسَهُ عَنِ العِبادَةِ ﴿فَسَيَحْشُرُهم إلَيْهِ جَمِيعًا﴾ المُسْتَنْكِفُ وغَيْرُهُ، فَيُجازِي كُلًّا بِعَمَلِهِ.
وتَرَكَ ذِكْرَ غَيْرِ المُسْتَنْكِفِ هُنا لِدَلالَةِ أوَّلِ الكَلامِ عَلَيْهِ، ولِكَوْنِ الحَشْرِ لِكِلا الطّائِفَتَيْنِ ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهم﴾ مِن غَيْرِ أنْ يَفُوتَهم مِنها شَيْءٌ (p-٣٤٧)﴿وأمّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا واسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهم عَذابًا ألِيمًا﴾ بِسَبَبِ اسْتِنْكافِهِمْ واسْتِكْبارِهِمْ ﴿ولا يَجِدُونَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا﴾ يُوالِيهِمْ ( ولا نَصِيرًا ) يَنْصُرُهم.
قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها النّاسُ قَدْ جاءَكم بُرْهانٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ بِما أنْزَلَهُ عَلَيْكم مِن كُتُبِهِ وبِمَن أرْسَلَهُ إلَيْكم مِن رُسُلِهِ، وما نَصُبُّهُ لَهم مِنَ المُعْجِزاتِ، والبُرْهانُ: ما يُبَرْهَنُ بِهِ عَلى المَطْلُوبِ ﴿وأنْزَلْنا إلَيْكم نُورًا مُبِينًا﴾ وهو القُرْآنُ، وسَمّاهُ نُورًا لِأنَّهُ يُهْتَدى بِهِ مِن ظُلْمَةِ الضَّلالِ.
﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ واعْتَصَمُوا بِهِ﴾ أيْ: بِاللَّهِ، وقِيلَ: بِالنُّورِ المَذْكُورِ ﴿فَسَيُدْخِلُهم في رَحْمَةٍ مِنهُ﴾ يَرْحَمُهم بِها ( وفَضْلٍ ) يَتَفَضَّلُ بِهِ عَلَيْهِمْ ( ويَهْدِيهِمْ إلَيْهِ ) أيْ: إلى امْتِثالِ ما أمَرَ بِهِ واجْتِنابِ ما نَهى عَنْهُ أوْ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِاعْتِبارِ مَصِيرِهِمْ إلى جَزائِهِ وتَفَضُّلِهِ ( صِراطًا مُسْتَقِيمًا ) أيْ: طَرِيقًا يَسْلُكُونَهُ إلَيْهِ مُسْتَقِيمًا لا عِوَجَ فِيهِ، وهو التَّمَسُّكُ بِدِينِ الإسْلامِ وتَرْكِ غَيْرِهِ مِنَ الأدْيانِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: الهاءُ في قَوْلِهِ: ( إلَيْهِ ) راجِعَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِنِ اسْمِ اللَّهِ، وقِيلَ: راجِعَةٌ إلى القُرْآنِ، وقِيلَ: إلى الفَضْلِ، وقِيلَ: إلى الرَّحْمَةِ والفَضْلِ لِأنَّهُما بِمَعْنى الثَّوابِ، وانْتِصابُ ( صِراطًا ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِلْفِعْلِ المَذْكُورِ، وقِيلَ: عَلى الحالِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ المَسِيحُ﴾ لَنْ يَسْتَكْبِرَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ والإسْماعِيلِيُّ في مُعْجَمِهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهم ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ﴾ قالَ: أُجُورُهم يُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ الشَّفاعَةُ فِيمَن وجَبَتْ لَهُ النّارَ مِمَّنْ صَنَعَ إلَيْهِمُ المَعْرُوفَ في الدُّنْيا» .
وقَدْ ساقَهُ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ فَقالَ: وقَدْ رَوى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ بَقِيَّةَ، عَنْ إسْماعِيلَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الكِنْدِيِّ، عَنِ الأعْمَشِ عَنْ شَقِيقٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَذَكَرَهُ وقالَ: هَذا إسْنادٌ لا يَثْبُتُ، وإذا رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَوْقُوفًا فَهو جَيِّدٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ ﴿قَدْ جاءَكم بُرْهانٌ﴾ أيْ: بَيِّنَةٌ ﴿وأنْزَلْنا إلَيْكم نُورًا مُبِينًا﴾ قالَ: هَذا القُرْآنُ، وأخْرَجا أيْضًا، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: بُرْهانٌ حُجَّةٌ، وأخْرَجا أيْضًا، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ( واعْتَصَمُوا بِهِ ) قالَ: القُرْآنُ.
النساء 4:174
أصْلُ يَسْتَنْكِفُ نَكَفَ وباقِي الحُرُوفِ زائِدَةٌ، يُقالُ: نَكَفْتُ مِنَ الشَّيْءِ واسْتَنْكَفْتُ مِنهُ وأنْكَفْتُهُ؛ أيْ: نَزَّهْتُهُ عَمّا يُسْتَنْكَفُ مِنهُ، قالَ الزَّجّاجُ: اسْتَنْكَفَ أيْ: أنِفَ، مَأْخُوذٌ مَن نَكَفْتُ الدَّمْعَ؛ إذا نَحَّيْتُهُ بِأُصْبُعِكَ عَنْ خَدَّيْكَ، وقِيلَ: هو مِنَ النَّكَفِ وهو العَيْبُ، يُقالُ: ما عَلَيْهِ في هَذا الأمْرِ نَكَفٌ ولا وكَفٌ؛ أيْ: عَيْبٌ، ومَعْنى الأوَّلِ: لَنْ يَأْنَفَ عَنِ العُبُودِيَّةِ ولَنْ يَتَنَزَّهَ عَنْها.
ومَعْنى الثّانِي: لَنْ يَعِيبَ العُبُودِيَّةَ ولَنْ يَنْقَطِعَ عَنْها ﴿ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى المَسِيحِ؛ أيْ: ولَنْ يَسْتَنْكِفَ المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ عَنْ أنْ يَكُونُوا عِبادًا لِلَّهِ، وقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذا القائِلُونَ بِتَفْضِيلِ المَلائِكَةِ عَلى الأنْبِياءِ، وقَرَّرَ صاحِبُ الكَشّافِ وجْهَ الدَّلالَةِ بِما لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ وادَّعى أنَّ الذَّوْقَ قاضٍ بِذَلِكَ، ونِعْمَ الذَّوْقُ العَرَبِيُّ إذا خالَطَهُ مَحَبَّةُ المَذْهَبِ وشابَهَ شَوائِبُ الجُمُودِ كانَ هَكَذا، وكُلُّ مَن يَفْهَمُ لُغَةَ العَرَبِ يَعْلَمُ أنَّ مَن قالَ لا يَأْنَفُ مِن هَذِهِ المَقالَةِ إمامٌ ولا مَأْمُومٌ أوْ لا كَبِيرٌ ولا صَغِيرٌ أوْ لا جَلِيلٌ ولا حَقِيرٌ، ثُمَّ يَدُلُّ هَذا عَلى أنَّ المَعْطُوفَ أعْظَمُ شَأْنًا مِنَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وعَلى كُلِّ حالٍ فَما أرْدَأ الِاشْتِغالَ بِهَذِهِ المَسْألَةِ وما أقَلَّ فائِدَتَها وما أبْعَدَها عَنْ أنْ تَكُونَ مَرْكَزًا مِنَ المَراكِزِ الشَّرْعِيَّةِ الدِّينِيَّةِ وجِسْرًا مِنَ الجُسُورِ ﴿ومَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ ويَسْتَكْبِرْ﴾ أيْ: يَأْنَفُ تَكَبُّرًا ويُعِدُّ نَفْسَهُ عَنِ العِبادَةِ ﴿فَسَيَحْشُرُهم إلَيْهِ جَمِيعًا﴾ المُسْتَنْكِفُ وغَيْرُهُ، فَيُجازِي كُلًّا بِعَمَلِهِ.
وتَرَكَ ذِكْرَ غَيْرِ المُسْتَنْكِفِ هُنا لِدَلالَةِ أوَّلِ الكَلامِ عَلَيْهِ، ولِكَوْنِ الحَشْرِ لِكِلا الطّائِفَتَيْنِ ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهم﴾ مِن غَيْرِ أنْ يَفُوتَهم مِنها شَيْءٌ (p-٣٤٧)﴿وأمّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا واسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهم عَذابًا ألِيمًا﴾ بِسَبَبِ اسْتِنْكافِهِمْ واسْتِكْبارِهِمْ ﴿ولا يَجِدُونَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا﴾ يُوالِيهِمْ ( ولا نَصِيرًا ) يَنْصُرُهم.
قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها النّاسُ قَدْ جاءَكم بُرْهانٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ بِما أنْزَلَهُ عَلَيْكم مِن كُتُبِهِ وبِمَن أرْسَلَهُ إلَيْكم مِن رُسُلِهِ، وما نَصُبُّهُ لَهم مِنَ المُعْجِزاتِ، والبُرْهانُ: ما يُبَرْهَنُ بِهِ عَلى المَطْلُوبِ ﴿وأنْزَلْنا إلَيْكم نُورًا مُبِينًا﴾ وهو القُرْآنُ، وسَمّاهُ نُورًا لِأنَّهُ يُهْتَدى بِهِ مِن ظُلْمَةِ الضَّلالِ.
﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ واعْتَصَمُوا بِهِ﴾ أيْ: بِاللَّهِ، وقِيلَ: بِالنُّورِ المَذْكُورِ ﴿فَسَيُدْخِلُهم في رَحْمَةٍ مِنهُ﴾ يَرْحَمُهم بِها ( وفَضْلٍ ) يَتَفَضَّلُ بِهِ عَلَيْهِمْ ( ويَهْدِيهِمْ إلَيْهِ ) أيْ: إلى امْتِثالِ ما أمَرَ بِهِ واجْتِنابِ ما نَهى عَنْهُ أوْ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِاعْتِبارِ مَصِيرِهِمْ إلى جَزائِهِ وتَفَضُّلِهِ ( صِراطًا مُسْتَقِيمًا ) أيْ: طَرِيقًا يَسْلُكُونَهُ إلَيْهِ مُسْتَقِيمًا لا عِوَجَ فِيهِ، وهو التَّمَسُّكُ بِدِينِ الإسْلامِ وتَرْكِ غَيْرِهِ مِنَ الأدْيانِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: الهاءُ في قَوْلِهِ: ( إلَيْهِ ) راجِعَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِنِ اسْمِ اللَّهِ، وقِيلَ: راجِعَةٌ إلى القُرْآنِ، وقِيلَ: إلى الفَضْلِ، وقِيلَ: إلى الرَّحْمَةِ والفَضْلِ لِأنَّهُما بِمَعْنى الثَّوابِ، وانْتِصابُ ( صِراطًا ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِلْفِعْلِ المَذْكُورِ، وقِيلَ: عَلى الحالِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ المَسِيحُ﴾ لَنْ يَسْتَكْبِرَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ والإسْماعِيلِيُّ في مُعْجَمِهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهم ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ﴾ قالَ: أُجُورُهم يُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ الشَّفاعَةُ فِيمَن وجَبَتْ لَهُ النّارَ مِمَّنْ صَنَعَ إلَيْهِمُ المَعْرُوفَ في الدُّنْيا» .
وقَدْ ساقَهُ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ فَقالَ: وقَدْ رَوى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ بَقِيَّةَ، عَنْ إسْماعِيلَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الكِنْدِيِّ، عَنِ الأعْمَشِ عَنْ شَقِيقٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَذَكَرَهُ وقالَ: هَذا إسْنادٌ لا يَثْبُتُ، وإذا رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَوْقُوفًا فَهو جَيِّدٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ ﴿قَدْ جاءَكم بُرْهانٌ﴾ أيْ: بَيِّنَةٌ ﴿وأنْزَلْنا إلَيْكم نُورًا مُبِينًا﴾ قالَ: هَذا القُرْآنُ، وأخْرَجا أيْضًا، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: بُرْهانٌ حُجَّةٌ، وأخْرَجا أيْضًا، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ( واعْتَصَمُوا بِهِ ) قالَ: القُرْآنُ.
النساء 4:175
أصْلُ يَسْتَنْكِفُ نَكَفَ وباقِي الحُرُوفِ زائِدَةٌ، يُقالُ: نَكَفْتُ مِنَ الشَّيْءِ واسْتَنْكَفْتُ مِنهُ وأنْكَفْتُهُ؛ أيْ: نَزَّهْتُهُ عَمّا يُسْتَنْكَفُ مِنهُ، قالَ الزَّجّاجُ: اسْتَنْكَفَ أيْ: أنِفَ، مَأْخُوذٌ مَن نَكَفْتُ الدَّمْعَ؛ إذا نَحَّيْتُهُ بِأُصْبُعِكَ عَنْ خَدَّيْكَ، وقِيلَ: هو مِنَ النَّكَفِ وهو العَيْبُ، يُقالُ: ما عَلَيْهِ في هَذا الأمْرِ نَكَفٌ ولا وكَفٌ؛ أيْ: عَيْبٌ، ومَعْنى الأوَّلِ: لَنْ يَأْنَفَ عَنِ العُبُودِيَّةِ ولَنْ يَتَنَزَّهَ عَنْها.
ومَعْنى الثّانِي: لَنْ يَعِيبَ العُبُودِيَّةَ ولَنْ يَنْقَطِعَ عَنْها ﴿ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى المَسِيحِ؛ أيْ: ولَنْ يَسْتَنْكِفَ المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ عَنْ أنْ يَكُونُوا عِبادًا لِلَّهِ، وقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذا القائِلُونَ بِتَفْضِيلِ المَلائِكَةِ عَلى الأنْبِياءِ، وقَرَّرَ صاحِبُ الكَشّافِ وجْهَ الدَّلالَةِ بِما لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ وادَّعى أنَّ الذَّوْقَ قاضٍ بِذَلِكَ، ونِعْمَ الذَّوْقُ العَرَبِيُّ إذا خالَطَهُ مَحَبَّةُ المَذْهَبِ وشابَهَ شَوائِبُ الجُمُودِ كانَ هَكَذا، وكُلُّ مَن يَفْهَمُ لُغَةَ العَرَبِ يَعْلَمُ أنَّ مَن قالَ لا يَأْنَفُ مِن هَذِهِ المَقالَةِ إمامٌ ولا مَأْمُومٌ أوْ لا كَبِيرٌ ولا صَغِيرٌ أوْ لا جَلِيلٌ ولا حَقِيرٌ، ثُمَّ يَدُلُّ هَذا عَلى أنَّ المَعْطُوفَ أعْظَمُ شَأْنًا مِنَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وعَلى كُلِّ حالٍ فَما أرْدَأ الِاشْتِغالَ بِهَذِهِ المَسْألَةِ وما أقَلَّ فائِدَتَها وما أبْعَدَها عَنْ أنْ تَكُونَ مَرْكَزًا مِنَ المَراكِزِ الشَّرْعِيَّةِ الدِّينِيَّةِ وجِسْرًا مِنَ الجُسُورِ ﴿ومَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ ويَسْتَكْبِرْ﴾ أيْ: يَأْنَفُ تَكَبُّرًا ويُعِدُّ نَفْسَهُ عَنِ العِبادَةِ ﴿فَسَيَحْشُرُهم إلَيْهِ جَمِيعًا﴾ المُسْتَنْكِفُ وغَيْرُهُ، فَيُجازِي كُلًّا بِعَمَلِهِ.
وتَرَكَ ذِكْرَ غَيْرِ المُسْتَنْكِفِ هُنا لِدَلالَةِ أوَّلِ الكَلامِ عَلَيْهِ، ولِكَوْنِ الحَشْرِ لِكِلا الطّائِفَتَيْنِ ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهم﴾ مِن غَيْرِ أنْ يَفُوتَهم مِنها شَيْءٌ (p-٣٤٧)﴿وأمّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا واسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهم عَذابًا ألِيمًا﴾ بِسَبَبِ اسْتِنْكافِهِمْ واسْتِكْبارِهِمْ ﴿ولا يَجِدُونَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا﴾ يُوالِيهِمْ ( ولا نَصِيرًا ) يَنْصُرُهم.
قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها النّاسُ قَدْ جاءَكم بُرْهانٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ بِما أنْزَلَهُ عَلَيْكم مِن كُتُبِهِ وبِمَن أرْسَلَهُ إلَيْكم مِن رُسُلِهِ، وما نَصُبُّهُ لَهم مِنَ المُعْجِزاتِ، والبُرْهانُ: ما يُبَرْهَنُ بِهِ عَلى المَطْلُوبِ ﴿وأنْزَلْنا إلَيْكم نُورًا مُبِينًا﴾ وهو القُرْآنُ، وسَمّاهُ نُورًا لِأنَّهُ يُهْتَدى بِهِ مِن ظُلْمَةِ الضَّلالِ.
﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ واعْتَصَمُوا بِهِ﴾ أيْ: بِاللَّهِ، وقِيلَ: بِالنُّورِ المَذْكُورِ ﴿فَسَيُدْخِلُهم في رَحْمَةٍ مِنهُ﴾ يَرْحَمُهم بِها ( وفَضْلٍ ) يَتَفَضَّلُ بِهِ عَلَيْهِمْ ( ويَهْدِيهِمْ إلَيْهِ ) أيْ: إلى امْتِثالِ ما أمَرَ بِهِ واجْتِنابِ ما نَهى عَنْهُ أوْ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِاعْتِبارِ مَصِيرِهِمْ إلى جَزائِهِ وتَفَضُّلِهِ ( صِراطًا مُسْتَقِيمًا ) أيْ: طَرِيقًا يَسْلُكُونَهُ إلَيْهِ مُسْتَقِيمًا لا عِوَجَ فِيهِ، وهو التَّمَسُّكُ بِدِينِ الإسْلامِ وتَرْكِ غَيْرِهِ مِنَ الأدْيانِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: الهاءُ في قَوْلِهِ: ( إلَيْهِ ) راجِعَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِنِ اسْمِ اللَّهِ، وقِيلَ: راجِعَةٌ إلى القُرْآنِ، وقِيلَ: إلى الفَضْلِ، وقِيلَ: إلى الرَّحْمَةِ والفَضْلِ لِأنَّهُما بِمَعْنى الثَّوابِ، وانْتِصابُ ( صِراطًا ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِلْفِعْلِ المَذْكُورِ، وقِيلَ: عَلى الحالِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ المَسِيحُ﴾ لَنْ يَسْتَكْبِرَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ والإسْماعِيلِيُّ في مُعْجَمِهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهم ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ﴾ قالَ: أُجُورُهم يُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ الشَّفاعَةُ فِيمَن وجَبَتْ لَهُ النّارَ مِمَّنْ صَنَعَ إلَيْهِمُ المَعْرُوفَ في الدُّنْيا» .
وقَدْ ساقَهُ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ فَقالَ: وقَدْ رَوى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ بَقِيَّةَ، عَنْ إسْماعِيلَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الكِنْدِيِّ، عَنِ الأعْمَشِ عَنْ شَقِيقٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَذَكَرَهُ وقالَ: هَذا إسْنادٌ لا يَثْبُتُ، وإذا رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَوْقُوفًا فَهو جَيِّدٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ ﴿قَدْ جاءَكم بُرْهانٌ﴾ أيْ: بَيِّنَةٌ ﴿وأنْزَلْنا إلَيْكم نُورًا مُبِينًا﴾ قالَ: هَذا القُرْآنُ، وأخْرَجا أيْضًا، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: بُرْهانٌ حُجَّةٌ، وأخْرَجا أيْضًا، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ( واعْتَصَمُوا بِهِ ) قالَ: القُرْآنُ.
النساء 4:176
قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في الكَلالَةِ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ، وسَيَأْتِي ذِكْرُ المُسْتَفْتِي المَقْصُودِ بِقَوْلِهِ: ( يَسْتَفْتُونَكَ ) قَوْلُهُ: ﴿إنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾ أيْ: إنِ امْرُؤٌ هَلَكَ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿وإنِ امْرَأةٌ خافَتْ﴾ [النساء: ١٢٨] .
وقَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ لَهُ ولَدٌ﴾ إمّا صِفَةٌ لِامْرُؤٍ أوْ حالٌ، ولا وجْهَ لِلْمَنعِ مِن كَوْنِهِ حالًا، والوَلَدُ يُطْلَقُ عَلى الذَّكَرِ والأُنْثى، واقْتَصَرَ عَلى عَدَمِ الوَلَدِ هُنا مَعَ أنَّ عَدَمَ الوَلَدِ مُعْتَبَرٌ في الكَلالَةِ اتِّكالًا عَلى ظُهُورِ ذَلِكَ، قِيلَ: والمُرادُ بِالوَلَدِ هُنا الِابْنُ، وهو أحَدُ مَعْنَيَيِ المُشْتَرِكِ؛ لِأنَّ البِنْتَ لا تُسْقِطُ الأُخْتَ، وقَوْلُهُ: ( ولَهُ أُخْتٌ ) عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ( لَيْسَ لَهُ ولَدٌ ) .
والمُرادُ بِالأُخْتِ هَنا هي الأُخْتُ لِأبَوَيْنِ أوْ لِأبٍ لا لِأُمٍّ، فَإنَّ فَرْضَها السُّدْسُ كَما ذُكِرَ سابِقًا، وقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ العُلَماءِ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ ومَن بَعْدَهم إلى أنَّ الأخَواتِ لِأبَوَيْنِ أوْ لِأبٍ عَصَبَةٌ لِلْبَناتِ وإنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهم أخٌ.
وذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ إلى أنَّ وإلَيْهِ ذَهَبَ داوُدُ الظّاهِرِيُّ وطائِفَةٌ وقالُوا: إنَّهُ لا مِيراثَ لِلْأُخْتِ لِأبَوَيْنِ أوْ لِأبٍ مَعَ البِنْتِ، واحْتَجُّوا بِظاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ، فَإنَّهُ جَعَلَ عَدَمَ الوَلَدِ المُتَناوِلِ لِلذَّكَرِ والأُنْثى قَيْدًا في مِيراثِ الأُخْتِ، وهَذا اسْتِدْلالٌ صَحِيحٌ لَوْ لَمْ يَرِدْ في السُّنَّةِ ما يَدُلُّ عَلى ثُبُوتِ مِيراثِ الأُخْتِ مَعَ البِنْتِ، وهو ما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ أنَّ مُعاذًا قَضى عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في بِنْتٍ وأُخْتٍ فَجَعَلَ لِلْبِنْتِ النِّصْفَ ولِلْأُخْتِ النِّصْفَ، وثَبَتَ في الصَّحِيحِ أيْضًا «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قَضى في بِنْتٍ وبِنْتِ ابْنٍ وأُخْتٍ فَجَعَلَ لِلْبِنْتِ النِّصْفَ ولِبِنْتِ الِابْنِ السُّدْسَ ولِلْأُخْتِ الباقِيَ» فَكانَتْ هَذِهِ السُّنَّةُ مُقْتَضِيَةً لِتَفْسِيرِ الوَلَدِ بِالِابْنِ دُونَ البِنْتِ.
قَوْلُهُ: ( وهو يَرِثُها ) أيْ: المَرْءُ يَرِثُها؛ أيْ: يَرِثُ الأُخْتَ ﴿إنْ لَمْ يَكُنْ لَها ولَدٌ﴾ ذَكَرٌ إنْ كانَ المُرادُ بِإرْثِهِ لَها حِيازَتَهُ لِجَمِيعِ ما تَرَكَتْهُ، وإنْ كانَ المُرادُ: ثُبُوتُ مِيراثِهِ لَهُ في الجُمْلَةِ أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ كُلًّا أوْ بَعْضًا صَحَّ تَفْسِيرُ الوَلَدِ بِما يَتَناوَلُ الذَّكَرُ والأُنْثى، واقْتَصَرَ سُبْحانَهُ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى نَفْيِ الوَلَدِ مَعَ كَوْنِ الأبِ يُسْقِطُ الأخَ كَما يُسْقِطُهُ الوَلَدُ الذَّكَرُ؛ لِأنَّ المُرادَ بَيانُ حُقُوقِ الأخِ مَعَ الوَلَدِ فَقَطْ هُنا، وأمّا سُقُوطُهُ مَعَ الأبِ فَقَدْ تَبَيَّنَ بِالسُّنَّةِ كَما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ مِن قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «ألْحِقُوا الفَرائِضَ بِأهْلِها فَما بَقِيَ فَلِأوْلى رَجُلٍ ذَكَرٍ» والأبُ أوْلى مِنَ الأخِ ( فَإنْ كانَتا اثْنَتَيْنِ ) أيْ: فَإنْ كانَ مَن يَرِثُ بِالأُخُوَّةِ اثْنَتَيْنِ، والعَطْفُ عَلى الشَّرْطِيَّةِ السّابِقَةِ والتَّأْنِيثِ والتَّثْنِيَةِ، وكَذَلِكَ الجَمْعُ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كانُوا إخْوَةً﴾ بِاعْتِبارِ الخَبَرِ ﴿فَلَهُما الثُّلُثانِ مِمّا تَرَكَ﴾ المَرْءُ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ولَدٌ كَما سَلَفَ وما فَوْقَ الِاثْنَتَيْنِ مِنَ الأخَواتِ يَكُونُ لَهُنَّ الثُّلْثانِ بِالأوْلى ( وإنْ كانُوا ) أيْ: مَن يَرِثُ بِالأُخُوَّةِ ﴿إخْوَةً رِجالًا ونِساءً﴾ أيْ: مُخْتَلِطِينَ ذُكُورًا وإناثًا ( فَلِلذَّكَرِ ) مِنهم ( مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ ) تَعْصِيبًا ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم أنْ تَضِلُّوا﴾ أيْ: يُبَيِّنُ لَكم حُكْمَ الكَلالَةِ وسائِرِ الأحْكامِ كَراهَةَ أنْ تَضِلُّوا، هَكَذا حَكاهُ القُرْطُبِيُّ عَنِ البَصْرِيِّينَ.
وقالَ الكِسائِيُّ: المَعْنى: لِئَلّا تَضِلُّوا، ووافَقَهُ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ مِنَ الكُوفِيِّينَ ﴿واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي هَذِهِ الأحْكامُ المَذْكُورَةُ مِنها ( عَلِيمٌ ) أيْ: كَثِيرُ العِلْمِ، وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وأهْلُ السُّنَنِ وغَيْرُهم، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وأنا مَرِيضٌ لا أعْقِلُ، فَتَوَضَّأ ثُمَّ صَبَّ عَلَيَّ فَعَقِلْتُ، فَقُلْتُ: إنَّهُ لا (p-٣٤٨)يَرِثُنِي إلّا كَلالَةٌ فَكَيْفَ المِيراثُ ؟ فَنَزَلَتْ آيَةُ الفَرائِضِ» .
وأخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ بِلَفْظِ أُنْزِلَتْ فِيَّ ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم في الكَلالَةِ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ راهَوَيْهِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عُمَرَ أنَّهُ سَألَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: كَيْفَ تُورَّثُ الكَلالَةُ: فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم في الكَلالَةِ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ مالِكٌ، ومُسْلِمٌ، وابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ عُمَرَ قالَ: «ما سَألْتُ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَنْ شَيْءٍ أكْثَرَ مِمّا سَألْتُهُ في الكَلالَةِ حَتّى طَعَنَ بِأُصْبُعِهِ في صَدْرِي وقالَ: ما تَكْفِيكَ آيَةُ الصَّيْفِ الَّتِي في آخِرِ سُورَةِ النِّساءِ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَسَألَهُ عَنِ الكَلالَةِ ؟ فَقالَ: تَكْفِيكَ آيَةُ الصَّيْفِ» .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما، عَنْ عُمَرَ قالَ: ثَلاثٌ ودِدْتُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ كانَ عَهِدَ إلَيْنا فِيهِنَّ عَهْدًا نَنْتَهِي إلَيْهِ: الجَدُّ، والكَلالَةُ، وأبْوابٌ مِن أبْوابِ الرِّبا. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ كامِلَةً بَراءَةٌ، وآخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ خاتِمَةُ سُورَةِ النِّساءِ ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم في الكَلالَةِ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قالَ: كانَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ إذا قَرَأ ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم أنْ تَضِلُّوا﴾ قالَ: اللَّهُمَّ مَن بَيَّنْتَ لَهُ الكَلالَةَ فَلَمْ تُبَيِّنْ لِي، وقَدْ أوْضَحْنا الكَلامَ خِلافًا واسْتِدْلالًا وتَرْجِيحًا في شَأْنِ الكَلالَةِ في أوائِلِ هَذِهِ السُّورَةِ فَلا نُعِيدُهُ.
وإلى هُنا انْتَهى الجُزْءُ الأوَّلُ مِنَ التَّفْسِيرِ المُبارَكِ: المُسَمّى فَتْحُ القَدِيرِ الجامِعُ بَيْنَ فَنَّيِ الرِّوايَةِ والدِّرايَةِ مِن عِلْمِ التَّفْسِيرِ بِقَلَمِ مُؤَلِّفِهِ الرّاجِي مِن رَبِّهِ سُبْحانَهُ أنْ يُعِينَهُ عَلى تَمامِهِ، ويَنْفَعَ بِهِ مَن شاءَ مِن عِبادِهِ، ويَجْعَلُهُ ذَخِيرَةً لَهُ عِنْدَ وُفُودِهِ إلى الدّارِ الآخِرَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الشَّوْكانِيِّ غَفَرَ اللَّهُ لَهُما، وكانَ الِانْتِهاءُ إلى هَذا المَوْضِعِ في يَوْمِ العِيدِ الأكْبَرِ، يَوْمِ النَّحْرِ المُبارَكِ مِن سَنَةِ أرْبَعٍ وعِشْرِينَ بَعْدَ مِائَتَيْنِ وألْفٍ مِنَ الهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ، حامِدًا لِلَّهِ ومُصَلِّيًا ومُسَلِّمًا عَلى رَسُولِهِ وحَبِيبِهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وعَلى آلِهِ وصَحِبِهِ.
اهـ. الحَمْدُ لَهُ: كَمُلَ سَماعًا، والحَمْدُ لِلَّهِ في شَهْرِ القَعْدَةِ مِن عامِ سَنَةِ ١٢٣٢ .
يَحْيى بْنُ عَلِيٍّ الشَّوْكانِيُّ.
المائدة 5:1
قالَ القُرْطُبِيُّ: هي مَدَنِيَّةٌ بِالإجْماعِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: المائِدَةُ مَدَنِيَّةٌ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ قالَ: حَجَجْتُ فَدَخَلْتُ عَلى عائِشَةَ، فَقالَتْ لِي: يا جُبَيْرُ تَقْرَأُ المائِدَةَ ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقالَتْ: أما إنَّها آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ، فَما وجَدْتُمْ فِيها مِن حَلالٍ فاسْتَحِلُّوهُ، وما وجَدْتُمْ مِن حَرامٍ فَحَرِّمُوهُ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قالَ: آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ سُورَةُ المائِدَةِ والفَتْحِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْهُ قالَ: «أُنْزِلَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ سُورَةُ المائِدَةِ وهو راكِبٌ عَلى راحِلَتِهِ فَلَمْ تَسْتَطِعْ أنْ تَحْمِلَهُ، فَنَزَلَ عَنْها»، قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: تَفَرَّدَ بِهِ أحْمَدُ، قُلْتُ: وفي إسْنادِهِ ابْنُ لَهِيعَةَ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ في كِتابِ الصَّلاةِ والطَّبَرانِيُّ، وأبُو نُعَيْمٍ في (p-٣٤٩)الدَّلائِلِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ، عَنْ أسْماءَ بِنْتِ يَزِيدَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في مُسْنَدِهِ والبَغَوِيُّ في مُعْجَمِهِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في دَلائِلِ النُّبُوَّةِ، عَنْ أُمِّ عَمْرٍو بِنْتِ عِيسى عَنْ عَمِّها نَحْوَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ نَحْوَهُ.
وزادَ أنَّها نَزَلَتْ في حَجَّةِ الوَداعِ فِيما بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ، وهَكَذا أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ بِهَذِهِ الزِّيادَةِ وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ حَبِيبٍ، وعَطِيَّةَ بْنِ قَيْسٍ قالا: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «المائِدَةُ مِن آخِرِ القُرْآنِ تَنْزِيلًا، فَأحِلُّوا حَلالَها وحَرِّمُوا حَرامَها» . وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، والنَّحاسُ كِلاهُما في النَّسْخِ، عَنْ أبِي مَيْسَرَةَ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ قالَ: لَمْ يُنْسَخْ مِنَ المائِدَةِ شَيْءٌ، وكَذا أخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ، وكَذا أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ في ناسِخِهِ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، وكَذا أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو داوُدَ في ناسِخِهِ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو داوُدَ في ناسِخِهِ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: لَمْ يُنْسَخْ مِنَ المائِدَةِ إلّا هَذِهِ الآيَةُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ ولا الشَّهْرَ الحَرامَ ولا الهَدْيَ ولا القَلائِدَ﴾ . وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نُسِخَ مِن هَذِهِ السُّورَةِ آيَتانِ، آيَةُ القَلائِدِ وقَوْلُهُ: ﴿فَإنْ جاءُوكَ فاحْكم بَيْنَهم أوْ أعْرِضْ عَنْهم﴾ [المائدة: ٤٢] وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ في مُسْنَدِهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قَرَأ في خُطْبَتِهِ سُورَةَ المائِدَةِ والتَّوْبَةِ، وذَكَرَ النَّقّاشُ، عَنْ أبِي سَلَمَةَ أنَّهُ قالَ: ( لَمّا رَجَعَ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ قالَ: يا عَلِيُّ أشْعَرْتَ أنَّها نَزَلَتْ عَلَيَّ سُورَةُ المائِدَةِ ؟ ونَعِمَتِ الفائِدَةُ ) قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: هَذا حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ لا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ اعْتِقادُهُ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذا عِنْدِي لا يُشْبِهُ كَلامَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ.
* *
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أوْفُوا بِالعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ إلّا ما يُتْلى عَلَيْكم غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وأنْتُمْ حُرُمٌ إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ ولا الشَّهْرَ الحَرامَ ولا الهَدْيَ ولا القَلائِدَ ولا آمِّينَ البَيْتَ الحَرامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِن رَبِّهِمْ ورِضْوانًا وإذا حَلَلْتُمْ فاصْطادُوا ولا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ أنْ صَدُّوكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ أنْ تَعْتَدُوا وتَعاوَنُوا عَلى البِرِّ والتَّقْوى ولا تَعاوَنُوا عَلى الإثْمِ والعُدْوانِ واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾
هَذِهِ الآيَةُ الَّتِي افْتَتَحَ اللَّهُ بِها هَذِهِ السُّورَةَ إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ﴾ فِيها مِنَ البَلاغَةِ ما تَتَقاصَرُ عِنْدَهُ القُوى البَشَرِيَّةُ مَعَ شُمُولِها لِأحْكامٍ عِدَّةٍ: مِنها الوَفاءُ بِالعُقُودِ، ومِنها تَحْلِيلُ بَهِيمَةِ الأنْعامِ، ومِنها اسْتِثْناءُ ما سَيُتْلى مِمّا لا يَحِلُّ، ومِنها تَحْرِيمُ الصَّيْدِ عَلى المُحْرِمِ، ومِنها إباحَةُ الصَّيْدِ لِمَن لَيْسَ بِمُحْرِمٍ، وقَدْ حَكى النَّقّاشُ أنَّ أصْحابَ الفَيْلَسُوفِ الكِنْدِيِّ قالُوا لَهُ: أيُّها الحَكِيمُ اعْمَلْ لَنا مِثْلَ هَذا القُرْآنِ، فَقالَ: نَعَمْ أعْمَلُ مِثْلَ بَعْضِهِ، فاحْتَجَبَ أيّامًا كَثِيرَةً ثُمَّ خَرَجَ فَقالَ: واللَّهِ ما أقْدِرُ ولا يُطِيقُ هَذا أحَدٌ، إنِّي فَتَحْتُ المُصْحَفَ فَخَرَجَتْ سُورَةُ المائِدَةِ، فَنَظَرْتُ فَإذا هو قَدْ نَطَقَ بِالوَفاءِ ونَهى عَنِ النَّكْثِ، وحَلَّلَ تَحْلِيلًا عامًّا، ثُمَّ اسْتَثْنى بَعْدَ اسْتِثْناءٍ، ثُمَّ أخْبَرَ عَنْ قُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ في سَطْرَيْنِ، ولا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَأْتِيَ بِهَذا.
قَوْلُهُ: ﴿أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ يُقالُ: أوْفى ووَفى لُغَتانِ وقَدْ جَمَعَ بَيْنَهُما الشّاعِرُ فَقالَ:
؎أمّا ابْنُ طَوْفٍ فَقَدْ أوْفى بِذِمَّتِهِ كَما وفى بِقِلاصِ النَّجْمِ حادِيها
والعُقُودُ: العُهُودُ، وأصْلُ العُقُودِ الرُّبُوطُ، واحِدُها عَقْدٌ، يُقالُ: عَقَدْتُ الحَبْلَ والعَهْدَ، فَهو يُسْتَعْمَلُ في الأجْسامِ والمَعانِي، وإذا اسْتُعْمِلَ في المَعانِي كَما هُنا أفادَ أنَّهُ شَدِيدُ الإحْكامِ، قَوِيُّ التَّوْثِيقِ، قِيلَ: المُرادُ بِالعُقُودِ هي الَّتِي عَقَدَها اللَّهُ عَلى عِبادِهِ وألْزَمَهم بِها مِنَ الأحْكامِ، وقِيلَ: هي العُقُودُ الَّتِي يَعْقِدُونَها بَيْنَهم مِن عُقُودِ المُعامَلاتِ، والأوْلى شُمُولُ الآيَةِ لِلْأمْرَيْنِ جَمِيعًا، ولا وجْهَ لِتَخْصِيصِ بَعْضِها دُونَ بَعْضٍ، قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أوْفَوْا بِعَقْدِ اللَّهِ عَلَيْكم وبِعَقْدِكم بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ، انْتَهى. والعَقْدُ الَّذِي يَجِبُ الوَفاءُ بِهِ ما وافَقَ كِتابَ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ، فَإنْ خالَفَهُما فَهو رَدٌّ لا يُجِبِ الوَفاءُ بِهِ ولا يَحِلُّ.
قَوْلُهُ: ﴿أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ﴾ الخِطابُ لِلَّذِينِ آمَنُوا، والبَهِيمَةُ: اسْمٌ لِكُلِّ ذِي أرْبَعٍ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِإبْهامِها مِن جِهَةِ نَقْصِ نُطْقِها وفَهْمِها وعَقْلِها، ومِنهُ بابٌ مُبْهَمٌ؛ أيْ: مُغْلَقٌ، ولَيْلٌ بَهِيمٌ، وبُهْمَةٌ لِلشُّجاعِ الَّذِي لا يَدْرِي مِن أيْنَ يُؤْتى، وحَلْقَةٌ مُبْهَمَةٌ: لا يُدْرى أيْنَ طَرَفاها، والأنْعامُ: اسْمٌ لِلْإبِلِ والبَقَرِ والغَنَمِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِما في مَشْيِها مِنَ اللِّينِ وقِيلَ: بَهِيمَةُ الأنْعامِ: وحْشِيُّها كالظِّباءِ وبَقَرِ الوَحْشِ والحُمُرِ الوَحْشِيَّةِ وغَيْرِ ذَلِكَ، حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، الطَّبَرِيُّ عَنْ قَوْمٍ، وحَكاهُ غَيْرُهُ عَنِ السُّدِّيِّ، والرَّبِيعِ، وقَتادَةَ، والضَّحّاكِ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ، وذَلِكَ أنَّ الأنْعامَ هي الثَّمانِيَةُ الأزْواجُ، وما انْضافَ إلَيْها مِن سائِرِ الحَيَواناتِ يُقالُ لَهُ أنْعامٌ مَجْمُوعَةٌ مَعَها، وكَأنَّ المُفْتَرِسَ كالأسَدِ، وكُلُّ ذِي نابٍ خارِجٍ عَنْ حَدِّ الأنْعامِ، فَبَهِيمَةُ الأنْعامِ هي الرّاعِي مِن ذَواتِ الأرْبَعِ، وقِيلَ: بَهِيمَةُ الأنْعامِ: ما لَمْ تَكُنْ صَيْدًا؛ لِأنَّ الصَّيْدَ يُسَمّى وحْشًا لا بَهِيمَةً، وقِيلَ: بَهِيمَةُ الأنْعامِ: الأجِنَّةُ الَّتِي تَخْرُجُ عِنْدَ الذَّبْحِ مِن بُطُونِ الأنْعامِ فَهي تُؤْكَلُ مِن دُونِ ذَكاةٍ، وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ أعْنِي تَخْصِيصَ الأنْعامِ بِالإبِلِ والبَقَرِ والغَنَمِ تَكُونُ الإضافَةُ بَيانِيَّةٌ، ويَلْحَقُ بِها ما يَحِلُّ مِمّا هو خارِجٌ عَنْها بِالقِياسِ، بَلْ وبِالنُّصُوصِ الَّتِي في الكِتابِ والسُّنَّةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلّا أنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ الآيَةَ، وقَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «يَحْرُمُ كُلُّ ذِي نابٍ مِنَ السَّبُعِ ومِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ» فَإنَّهُ يَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ عَلى أنَّ ما عَداهُ حَلالٌ، وكَذَلِكَ سائِرُ النُّصُوصِ الخاصَّةِ بِنَوْعٍ كَما في كُتُبِ السُّنَّةِ المُطَهَّرَةِ.
قَوْلُهُ: ﴿إلّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ﴾ أيْ: إلّا مَدْلُولَ ما يُتْلى عَلَيْكم فَإنَّهُ لَيْسَ بِحَلالٍ، والمَتْلُوُّ: هو ما نَصَّ اللَّهُ عَلى تَحْرِيمِهِ، نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ الآيَةَ، (p-٣٥٠)ويَلْحَقُ بِهِ ما صَرَّحَتِ السُّنَّةُ بِتَحْرِيمِهِ، وهَذا الِاسْتِثْناءُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ إلّا ما يُتْلى عَلَيْكُمُ الآنَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ في مُسْتَقْبَلِ الزَّمانِ، فَيَدُلُّ عَلى جَوازِ تَأْخِيرِ البَيانِ عَنْ وقْتِ الحاجَةِ، ويُحْتَمَلُ الأمْرَيْنِ جَمِيعًا.
قَوْلُهُ: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ ذَهَبَ البَصْرِيُّونَ إلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ وقَوْلَهُ: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ اسْتِثْناءٌ آخَرُ مِنهُ أيْضًا، فالِاسْتِثْناءانِ جَمِيعًا مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ، والتَّقْدِيرُ: أُحِلِّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ إلّا ما يُتْلى عَلَيْكم إلّا الصَّيْدَ وأنْتُمْ مُحْرِمُونَ، وقِيلَ: الِاسْتِثْناءُ الأوَّلُ مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ، والِاسْتِثْناءُ الثّانِي هو مِنَ الِاسْتِثْناءِ الأوَّلِ، ورُدَّ بِأنَّ هَذا يَسْتَلْزِمُ إباحَةَ الصَّيْدِ في حالِ الإحْرامِ؛ لِأنَّهُ مُسْتَثْنى مِنَ المَحْظُورِ فَيَكُونُ مُباحًا، وأجازَ الفَرّاءُ أنْ يَكُونَ ( إلّا ما يُتْلى ) في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى البَدَلِ، ولا يُجِيزُهُ البَصْرِيُّونَ إلّا في النَّكِرَةِ وما قارَبَها مِنَ الأجْناسِ، قالَ: وانْتِصابُ ( غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ ) عَلى الحالِ مِن قَوْلِهِ: ( أوْفُوا بِالعُقُودِ ) وكَذا قالَ الأخْفَشُ، وقالَ غَيْرُهُما: حالٌ مِنَ الكافِ والمِيمِ في ( لَكم ) والتَّقْدِيرُ: أُحِلِّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ؛ أيْ: الِاصْطِيادِ في البَرِّ وأكْلِ صَيْدِهِ.
ومَعْنى عَدَمِ إحْلالِهِمْ لَهُ تَقْرِيرُ حُرْمَتِهِ عَمَلًا واعْتِقادًا وهم حُرُمٌ؛ أيْ: مُحِرِمُونَ، وجُمْلَةُ ( وأنْتُمْ حُرُمٌ ) في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في ( مُحِلِّي ) ومَعْنى هَذا التَّقْيِيدِ ظاهِرٌ عِنْدَ مَن يَخُصُّ بَهِيمَةَ الأنْعامِ بِالحَيَواناتِ الوَحْشِيَّةِ البَرِّيَّةِ الَّتِي يَحِلُّ أكْلَها كَأنَّهُ قالَ: أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَرِّ إلّا في حالِ الإحْرامِ، وأمّا عَلى قَوْلِ مَن يَجْعَلُ الإضافَةَ بَيانِيَّةٌ فالمَعْنى: أُحِلِّتْ لَكم بَهِيمَةٌ هي الأنْعامُ حالَ تَحْرِيمِ الصَّيْدِ عَلَيْكم بِدُخُولِكم في الإحْرامِ لِكَوْنِكم مُحْتاجِينَ إلى ذَلِكَ، فَيَكُونُ المُرادُ بِهَذا التَّقْيِيدِ الِامْتِنانُ عَلَيْهِمْ بِتَحْلِيلِ ما عَدا ما هو مُحَرَّمٌ عَلَيْهِمْ في تِلْكَ الحالِ، والمُرادُ بِالحُرُمِ مَن هو مُحْرِمٌ بِالحَجِّ أوِ العُمْرَةِ أوْ بِهِما، وسُمِّيَ مُحْرِمًا لِكَوْنِهِ يَحْرُمُ عَلَيْهِ الصَّيْدُ والطِّيبُ والنِّساءُ، وهَكَذا وجْهُ تَسْمِيَةِ الحُرُمِ حَرَمًا، والإحْرامُ إحْرامًا، وقَرَأ الحَسَنُ، والنَّخَعِيُّ، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ ( حُرْمٌ ) بِسُكُونِ الرّاءِ وهي لُغَةٌ تَمِيمِيَّةٌ يَقُولُونَ في رُسُلٍ رُسْلٍ وفي كُتُبٍ كُتْبٍ ونَحْوِ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ﴾ مِنَ الأحْكامِ المُخالِفَةِ لِما كانَتِ العَرَبُ تَعْتادُهُ، فَهو مالِكُ الكُلِّ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ﴾ الشَّعائِرُ: جَمْعُ شَعِيرَةٍ عَلى وزْنِ فَعِيلَةٍ، قالَ ابْنُ فارِسٍ: ويُقالُ لِلْواحِدَةِ: شِعارٌ وهو أحْسَنُ، ومِنهُ الإشْعارُ لِلْهَدْيِ، والمَشاعِرُ: المَعالِمُ، واحِدُها مَشْعَرٌ، وهي المَواضِعُ الَّتِي قَدْ أُشْعِرَتْ بِالعَلاماتِ، قِيلَ: المُرادُ بِها هُنا جَمِيعُ مَناسِكِ الحَجِّ، وقِيلَ: الصَّفا والمَرْوَةُ، والهَدْيُ والبُنْيانُ، والمَعْنى عَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ: لا تُحِلُّوا هَذِهِ الأُمُورَ بِأنْ يَقَعَ مِنكُمُ الإخْلالُ بِشَيْءٍ مِنها أوْ بِأنْ تَحُولُوا بَيْنَها وبَيْنَ مَن أرادَ فِعْلَها.
ذَكَرَ سُبْحانَهُ النَّهْيَ عَنْ أنْ يُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ عَقِبَ ذِكْرِهِ تَحْرِيمَ صَيْدِ المُحْرِمِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالشَّعائِرِ هُنا فَرائِضُ اللَّهِ، ومِنهُ ﴿ومَن يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ﴾ وقِيلَ: هي حُرُماتُ اللَّهِ، ولا مانِعَ مِن حَمْلِ ذَلِكَ عَلى الجَمِيعِ اعْتِبارًا بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، ولا بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ، قَوْلُهُ: ﴿ولا الشَّهْرَ الحَرامَ﴾ المُرادُ بِهِ الجِنْسُ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ جَمِيعُ الأشْهُرِ الحُرُمِ وهي أرْبَعَةٌ: ذُو القِعْدَةِ، وذُو الحِجَّةِ ومُحَرَّمٌ، ورَجَبٌ؛ أيْ: لا تُحِلُّوها بِالقِتالِ فِيها، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ هُنا شَهْرُ الحَجِّ فَقَطْ.
قَوْلُهُ: ( ولا الهَدْيَ ) هو ما يُهْدى إلى بَيْتِ اللَّهِ مِن ناقَةٍ أوْ بَقَرَةٍ أوْ شاةٍ، الواحِدَةُ هَدِيَّةٌ، نَهاهم سُبْحانَهُ عَنْ أنْ يُحِلُّوا حُرْمَةَ الهَدْيَ بِأنْ يَأْخُذُوهُ عَلى صاحِبِهِ أوْ يَحُولُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ المَكانِ الَّذِي يُهْدى إلَيْهِ، وعَطَفَ الهَدْيَ عَلى الشَّعائِرِ مَعَ دُخُولِهِ تَحْتَها لِقَصْدِ التَّنْبِيهِ عَلى مَزِيدِ خُصُوصِيَّتِهِ والتَّشْدِيدِ في شَأْنِهِ.
قَوْلُهُ: ( ولا القَلائِدَ ) جَمْعُ قِلادَةٍ، وهي ما يُقَلَّدُ بِهِ الهَدْيُ مِن نَعْلٍ أوْ نَحْوِهِ، وإحْلالُها بِأنْ تُؤْخَذَ غَصْبًا، وفي النَّهْيِ عَنْ إحْلالِ القَلائِدِ تَأْكِيدٌ لِلنَّهْيِ عَنْ إحْلالِ الهَدْيِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالقَلائِدِ المُقَلَّداتُ بِها، ويَكُونُ عَطْفُهُ عَلى الهَدْيِ لِزِيادَةِ التَّوْصِيَةِ بِالهَدْيِ، والأوَّلُ أوْلى، وقِيلَ: المُرادُ بِالقَلائِدِ ما كانَ النّاسُ يَتَقَلَّدُونَهُ أمَنَةً لَهم، فَهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ أيْ: ولِأصْحابِ القَلائِدِ.
قَوْلُهُ: ﴿ولا آمِّينَ البَيْتَ الحَرامَ﴾ أيْ: قاصِدِيهِ مِن قَوْلِهِمْ: أمَّمْتُ كَذا؛ أيْ: قَصَدْتُهُ، وقَرَأ الأعْمَشُ: ( ولا آمِّي البَيْتِ الحَرامِ ) بِالإضافَةِ، والمَعْنى: لا تَمْنَعُوا مَن قَصَدَ البَيْتَ الحَرامَ لِحَجٍّ أوْ عُمْرَةٍ أوْ لِيَسْكُنَ فِيهِ، وقِيلَ: إنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَحُجُّونَ ويَعْتَمِرُونَ ويَهْدُونَ فَأرادَ المُسْلِمُونَ أنْ يُغِيرُوا عَلَيْهِمْ، فَنَزَلَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ فَيَكُونُ ذَلِكَ مَنسُوخًا بِقَوْلِهِ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾، وقَوْلِهِ: ﴿فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هَذا﴾ وقَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «لا يَحُجَّنَّ بَعْدَ العامِ مُشْرِكٌ» وقالَ قَوْمٌ: الآيَةُ مُحْكَمَةٌ وهي في المُسْلِمِينَ.
قَوْلُهُ: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِن رَبِّهِمْ ورِضْوانًا﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في ( آمِّينَ ) قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: مَعْناهُ: يَبْتَغُونَ الفَضْلَ والأرْباحَ في التِّجارَةِ، ويَبْتَغُونَ مَعَ ذَلِكَ رِضْوانَ اللَّهِ، وقِيلَ: كانَ مِنهم مَن يَطْلُبُ التِّجارَةَ، ومِنهم مَن يَبْتَغِي بِالحَجِّ رِضْوانَ اللَّهِ، ويَكُونُ هَذا الِابْتِغاءُ لِلرِّضْوانِ بِحَسَبِ اعْتِقادِهِمْ وفي ظَنِّهِمْ عِنْدَ مَن جَعَلَ الآيَةَ في المُشْرِكِينَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالفَضْلِ هُنا الثَّوابُ لا الأرْباحُ في التِّجارَةِ.
قَوْلُهُ: ﴿وإذا حَلَلْتُمْ فاصْطادُوا﴾ هَذا تَصْرِيحٌ بِما أفادَهُ مَفْهُومُ ( وأنْتُمْ حُرُمٌ ) أباحَ لَهُمُ الصَّيْدَ بَعْدَ أنْ حَظَرَهُ عَلَيْهِمْ لِزَوالِ السَّبَبِ الَّذِي حُرِّمَ لِأجْلِهِ، وهو الإحْرامُ.
قَوْلُهُ: ﴿ولا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ قالَ ابْنُ فارِسٍ: جَرَمَ وأجْرَمَ ولا جَرَمَ بِمَعْنى قَوْلِكَ: لا بُدَّ ولا مَحالَةَ، وأصْلُها مِن جَرَمَ أيْ: كَسَبَ، وقِيلَ: المَعْنى: لا يَحْمِلَنَّكم، قالَهُ الكِسائِيُّ، وثَعْلَبٌ وهو يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ يُقالُ: جَرَمَنِي كَذا عَلى بُغْضِكَ؛ أيْ: حَمَلَنِي عَلَيْهِ ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ولَقَدْ طَعَنْتَ أبا عُيَيْنَةَ طَعْنَةً ∗∗∗ جَرَمَتْ فَزارَةُ بَعْدَها أنْ يَغْضَبُوا
أيْ: حَمَلْتَهم عَلى الغَضَبِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والفَرّاءُ: مَعْنى (p-٣٥١)( لا يَجْرِمَنَّكم ) لا يَكْسِبَنَّكم بُغْضَ قَوْمٍ أنْ تَعْتَدُوا الحَقَّ إلى الباطِلِ، والعَدْلَ إلى الجَوْرِ والجَرِيمَةُ، والجارِمُ بِمَعْنى الكاسِبُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎جَرِيمَةَ ناهِضٍ في رَأْسِ نِيقٍ ∗∗∗ يَرى لِعِظامِ ما جَمَعَتْ صَلِيبا
مَعْناهُ كاسِبُ قُوتٍ، والصَّلِيبُ: الوَدَكُ، ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ:
؎يا أيُّها المُشْتَكِي عُكْلًا وما جَرَمَتْ ∗∗∗ إلى القَبائِلِ مِن قَتْلٍ وإيئاسِ
أيْ: كَسَبَتْ، والمَعْنى في الآيَةِ: لا يَحْمِلَنَّكم بُغْضُ قَوْمٍ عَلى الِاعْتِداءِ عَلَيْهِمْ، أوْ لا يَكْسِبَنَّكم بُغْضُهُمُ اعْتِداءَكم لِلْحَقِّ إلى الباطِلِ، ويُقالُ: جَرَمَ يَجْرُمُ جَرْمًا: إذا قَطَعَ، قالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى الرُّمّانِيُّ: وهو الأصْلُ، فَجَرَمَ بِمَعْنى حَمَلَ عَلى الشَّيْءِ لِقَطْعِهِ مِن غَيْرِهِ، وجَرَمَ بِمَعْنى كَسَبَ لِانْقِطاعِهِ إلى الكَسْبِ، ولا جَرَمَ بِمَعْنى حَقٍّ؛ لِأنَّ الحَقَّ يَقْطَعُ عَلَيْهِ.
قالَ الخَلِيلُ: مَعْنى ﴿لا جَرَمَ أنَّ لَهُمُ النّارَ﴾ [النحل: ٦٢] لَقَدْ حَقَّ أنَّ لَهُمُ النّارَ، وقالَ الكِسائِيُّ: جَرَمَ وأجْرَمَ لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ؛ أيْ: اكْتَسَبَ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: ( لا يُجْرِمَنَّكم ) بِضَمِّ الياءِ، والمَعْنى: لا يُكْسِبَنَّكم ولا يَعْرِفُ البَصْرِيُّونَ أجْرَمَ، وإنَّما يَقُولُونَ: جَرَمَ لا غَيْرَ، والشَّنَآنُ: البُغْضُ، وقُرِئَ بِفَتْحِ النُّونِ وإسْكانِها، يُقالُ: شَنَيْتُ الرَّجُلَ أشَنُوهُ شَناءً ومَشْنَأةً وشَنَآنًا، كُلُّ ذَلِكَ إذا أبْغَضْتَهُ، وشَنَآنٌ هُنا مُضافٌ إلى المَفْعُولِ؛ أيْ: بُغْضُ قَوْمٍ مِنكم لا بُغْضُ قَوْمٍ لَكم.
قَوْلُهُ: ( أنْ صَدُّوكم ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ؛ أيْ: لِأنْ صَدُّوكم، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ كَثِيرٍ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى الشَّرْطِيَّةِ، وهو اخْتِيارُ أبِي عُبَيْدٍ، وقَرَأ الأعْمَشُ: ( أنْ يَصُدَّكم ) والمَعْنى عَلى قِراءَةِ الشَّرْطِيَّةِ: لا يَحْمِلَنَّكم بُغْضُهم إنْ وقَعَ مِنهُمُ الصَّدُّ لَكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ عَلى الِاعْتِداءِ عَلَيْهِمْ، قالَ النَّحّاسُ: وأمّا إنْ صَدُّوكم بِكَسْرِ ( إنْ )، فالعُلَماءُ الجُلَّةُ بِالنَّحْوِ والحَدِيثِ والنَّظَرِ يَمْنَعُونَ القِراءَةَ بِها لِأشْياءَ: مِنها أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ عامَ الفَتْحِ سَنَةَ ثَمانٍ، وكانَ المُشْرِكُونَ صَدُّوا المُؤْمِنِينَ عامَ الحُدَيْبِيَةِ سَنَةَ سِتٍّ، فالصَّدُّ كانَ قَبْلَ الآيَةِ، وإذا قُرِئَ بِالكَسْرِ لَمْ يَجُزْ أنْ يَكُونَ إلّا بَعْدَهُ كَما تَقُولُ: لا تُعْطِ فُلانًا شَيْئًا إنْ قاتَلَكَ، فَهَذا لا يَكُونُ إلّا لِلْمُسْتَقْبَلِ وإنْ فُتِحَتْ كانَ لِلْماضِي، وما أحْسَنَ هَذا الكَلامَ، وقَدْ أنْكَرَ أبُو حاتِمٍ، وأبُو عُبَيْدَةَ شَنْآنُ بِسُكُونِ النُّونِ؛ لِأنَّ المَصادِرَ إنَّما تَأْتِي في مِثْلِ هَذا مُتَحَرِّكَةً وخالَفَهُما غَيْرُهُما فَقالَ: لَيْسَ هَذا مَصْدَرًا، ولَكِنَّهُ اسْمُ فاعِلٍ عَلى وزْنِ كَسْلانَ وغَضْبانَ.
ولَمّا نَهاهم عَنِ الِاعْتِداءِ أمَرَهم بِالتَّعاوُنِ عَلى البِرِّ والتَّقْوى كائِنًا ما كانَ، قِيلَ: إنَّ البِرَّ والتَّقْوى لَفْظانِ لِمَعْنًى واحِدٍ، وكُرِّرَ لِلتَّأكُّدِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّ البِرَّ يَتَناوَلُ الواجِبَ والمَندُوبَ، والتَّقْوى تَخْتَصُّ بِالواجِبِ، وقالَ الماوَرْدِيُّ: إنَّ في البِرِّ رِضا النّاسِ وفي التَّقْوى رِضا اللَّهِ، فَمَن جَمَعَ بَيْنَهُما فَقَدْ تَمَّتْ سَعادَتُهُ ثُمَّ نَهاهم سُبْحانَهُ عَنِ التَّعاوُنِ عَلى الإثْمِ والعُدْوانِ، فالإثْمُ: كُلُّ فِعْلٍ أوْ قَوْلٍ يُوجِبُ إثْمَ فاعِلِهِ أوْ قائِلِهِ، والعَدُوّانُ: التَّعَدِّي عَلى النّاسِ بِما فِيهِ ظُلْمٌ، فَلا يَبْقى نَوْعٌ مِن أنْواعِ المُوجِباتِ لِلْإثْمِ ولا نَوْعٌ مِن أنْواعِ الظُّلْمِ لِلنّاسِ الَّذِينَ مِن جُمْلَتِهِمُ النَّفْسُ إلّا وهو داخِلٌ تَحْتَ هَذا النَّهْيِ لِصِدْقِ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ عَلى كُلِّ ما يُوجَدُ فِيهِ مَعْناهُما، ثُمَّ أمَرَ عِبادَهُ بِالتَّقْوى وتَوَعَّدَ مَن خالَفَ ما أمَرَ بِهِ فَتَرَكَهُ أوْ خالَفَ ما نَهى عَنْهُ فَفَعَلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ .
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ( أوْفُوا بِالعُقُودِ ) قالَ: ما أحَلَّ اللَّهُ وما حَرَّمَ وما فَرَضَ وما حَدَّ في القُرْآنِ كُلَّهُ لا تَغْدِرُوا ولا تَنْكُثُوا. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: هي عُقُودُ الجاهِلِيَّةِ الحِلْفُ.
ورَوى عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ أنَّهُ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ كانَ يَقُولُ: «وأوْفُوا بِعَقْدِ الجاهِلِيَّةِ ولا تُحْدِثُوا عَقْدًا في الإسْلامِ» وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ﴾ قالَ: الإبِلُ والبَقَرُ والغَنَمُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ﴾ قالَ: ما في بُطُونِها، قُلْتُ: إنْ خَرَجَ مَيِّتًا آكُلُهُ ؟ قالَ: نَعَمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ قالَ: المَيْتَةُ والدَّمُ ولَحْمُ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ إلى آخِرِ الآيَةِ، فَهَذا ما حَرَّمَ اللَّهُ مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ﴾ قالَ: كانَ المُشْرِكُونَ يَحُجُّونَ البَيْتَ الحَرامَ ويَهْدُونَ الهَدايا ويُعَظِّمُونَ حُرْمَةَ المَشاعِرِ ويَنْحَرُونَ في حَجِّهِمْ، فَأرادَ المُسْلِمُونَ أنْ يُغِيرُوا عَلَيْهِمْ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ﴾ وفي قَوْلِهِ: ( ولا الشَّهْرَ الحَرامَ ) يَعْنِي: لا تَسْتَحِلُّوا قِتالًا فِيهِ ﴿ولا آمِّينَ البَيْتَ الحَرامَ﴾ يَعْنِي: مَن تَوَجَّهَ قِبَلَ البَيْتِ الحَرامِ، فَكانَ المُؤْمِنُونَ والمُشْرِكُونَ يَحُجُّونَ جَمِيعًا، فَنَهى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أنْ يَمْنَعُوا أحَدًا حَجَّ البَيْتَ أوْ يَتَعَرَّضُوا لَهُ مِن مُؤْمِنٍ أوْ كافِرٍ، ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هَذا﴾ [التوبة: ٢٨] وفي قَوْلِهِ: ( يَبْتَغُونَ فَضْلًا ) يَعْنِي أنَّهم يُرْضُونَ اللَّهَ بِحَجِّهِمْ ( ولا يَجْرِمَنَّكم ) يَقُولُ: لا يَحْمِلَنَّكم ( شَنَآنُ قَوْمٍ ) يَقُولُ: عَداوَةُ قَوْمٍ ﴿وتَعاوَنُوا عَلى البِرِّ والتَّقْوى﴾ قالَ: البِرُّ ما أُمِرْتَ بِهِ، والتَّقْوى ما نُهِيتَ عَنْهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: شَعائِرُ اللَّهِ ما نَهى اللَّهُ عَنْهُ أنْ تُصِيبَهُ وأنْتَ مُحْرِمٌ، والهَدْيُ: ما لَمْ يُقَلَّدْ والقَلائِدُ مُقَلَّداتُ الهَدْيِ ﴿ولا آمِّينَ البَيْتَ الحَرامَ﴾ يَقُولُ: مَن تَوَجَّهَ حاجًّا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ﴾ قالَ: مَناسِكُ الحَجِّ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِالحُدَيْبِيَةِ وأصْحابُهُ حِينَ صَدَّهُمُ المُشْرِكُونَ عَنِ البَيْتِ، وقَدِ اشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَمَرَّ بِهِمْ أُناسٌ مِنَ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ المَشْرِقِ يُرِيدُونَ العُمْرَةَ، فَقالَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: نَصُدُّ هَؤُلاءِ كَما صَدَّنا أصْحابُنا، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ( ولا يَجْرِمَنَّكم )» الآيَةَ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ في تارِيخِهِ، عَنْ وابِصَةَ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ لَهُ: «البِرُّ (p-٣٥٢)ما اطْمَأنَّ إلَيْهِ القَلْبُ واطْمَأنَّتْ إلَيْهِ النَّفْسُ، والإثْمُ ما حاكَ في القَلْبِ وتَرَدَّدَ في الصَّدْرِ وإنْ أفْتاكَ النّاسُ وأفْتَوْكَ» وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والبُخارِيُّ في الأدَبِ ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ النَّوّاسِ بْنِ سَمْعانَ قالَ: «سَألْتُ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَنِ البِرِّ والإثْمِ، فَقالَ: البِرُّ حُسْنُ الخُلُقِ، والإثْمُ ما حاكَ في نَفْسِكَ وكَرِهْتَ أنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النّاسُ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ حِبّانَ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي أُمامَةَ «أنَّ رَجُلًا سَألَ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَنِ الإثْمِ، فَقالَ: ما حاكَ في نَفْسِكَ فَدَعْهُ، قالَ: فَما الإيمانُ ؟ قالَ: مَن ساءَتْهُ سَيِّئَتُهُ وسَرَتْهُ حَسَنَتُهُ فَهو مُؤْمِنٌ» .
المائدة 5:2
قالَ القُرْطُبِيُّ: هي مَدَنِيَّةٌ بِالإجْماعِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: المائِدَةُ مَدَنِيَّةٌ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ قالَ: حَجَجْتُ فَدَخَلْتُ عَلى عائِشَةَ، فَقالَتْ لِي: يا جُبَيْرُ تَقْرَأُ المائِدَةَ ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقالَتْ: أما إنَّها آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ، فَما وجَدْتُمْ فِيها مِن حَلالٍ فاسْتَحِلُّوهُ، وما وجَدْتُمْ مِن حَرامٍ فَحَرِّمُوهُ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قالَ: آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ سُورَةُ المائِدَةِ والفَتْحِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْهُ قالَ: «أُنْزِلَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ سُورَةُ المائِدَةِ وهو راكِبٌ عَلى راحِلَتِهِ فَلَمْ تَسْتَطِعْ أنْ تَحْمِلَهُ، فَنَزَلَ عَنْها»، قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: تَفَرَّدَ بِهِ أحْمَدُ، قُلْتُ: وفي إسْنادِهِ ابْنُ لَهِيعَةَ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ في كِتابِ الصَّلاةِ والطَّبَرانِيُّ، وأبُو نُعَيْمٍ في (p-٣٤٩)الدَّلائِلِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ، عَنْ أسْماءَ بِنْتِ يَزِيدَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في مُسْنَدِهِ والبَغَوِيُّ في مُعْجَمِهِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في دَلائِلِ النُّبُوَّةِ، عَنْ أُمِّ عَمْرٍو بِنْتِ عِيسى عَنْ عَمِّها نَحْوَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ نَحْوَهُ.
وزادَ أنَّها نَزَلَتْ في حَجَّةِ الوَداعِ فِيما بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ، وهَكَذا أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ بِهَذِهِ الزِّيادَةِ وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ حَبِيبٍ، وعَطِيَّةَ بْنِ قَيْسٍ قالا: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «المائِدَةُ مِن آخِرِ القُرْآنِ تَنْزِيلًا، فَأحِلُّوا حَلالَها وحَرِّمُوا حَرامَها» . وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، والنَّحاسُ كِلاهُما في النَّسْخِ، عَنْ أبِي مَيْسَرَةَ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ قالَ: لَمْ يُنْسَخْ مِنَ المائِدَةِ شَيْءٌ، وكَذا أخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ، وكَذا أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ في ناسِخِهِ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، وكَذا أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو داوُدَ في ناسِخِهِ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو داوُدَ في ناسِخِهِ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: لَمْ يُنْسَخْ مِنَ المائِدَةِ إلّا هَذِهِ الآيَةُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ ولا الشَّهْرَ الحَرامَ ولا الهَدْيَ ولا القَلائِدَ﴾ . وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نُسِخَ مِن هَذِهِ السُّورَةِ آيَتانِ، آيَةُ القَلائِدِ وقَوْلُهُ: ﴿فَإنْ جاءُوكَ فاحْكم بَيْنَهم أوْ أعْرِضْ عَنْهم﴾ [المائدة: ٤٢] وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ في مُسْنَدِهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قَرَأ في خُطْبَتِهِ سُورَةَ المائِدَةِ والتَّوْبَةِ، وذَكَرَ النَّقّاشُ، عَنْ أبِي سَلَمَةَ أنَّهُ قالَ: ( لَمّا رَجَعَ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ قالَ: يا عَلِيُّ أشْعَرْتَ أنَّها نَزَلَتْ عَلَيَّ سُورَةُ المائِدَةِ ؟ ونَعِمَتِ الفائِدَةُ ) قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: هَذا حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ لا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ اعْتِقادُهُ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذا عِنْدِي لا يُشْبِهُ كَلامَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ.
* *
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أوْفُوا بِالعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ إلّا ما يُتْلى عَلَيْكم غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وأنْتُمْ حُرُمٌ إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ ولا الشَّهْرَ الحَرامَ ولا الهَدْيَ ولا القَلائِدَ ولا آمِّينَ البَيْتَ الحَرامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِن رَبِّهِمْ ورِضْوانًا وإذا حَلَلْتُمْ فاصْطادُوا ولا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ أنْ صَدُّوكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ أنْ تَعْتَدُوا وتَعاوَنُوا عَلى البِرِّ والتَّقْوى ولا تَعاوَنُوا عَلى الإثْمِ والعُدْوانِ واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾
هَذِهِ الآيَةُ الَّتِي افْتَتَحَ اللَّهُ بِها هَذِهِ السُّورَةَ إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ﴾ فِيها مِنَ البَلاغَةِ ما تَتَقاصَرُ عِنْدَهُ القُوى البَشَرِيَّةُ مَعَ شُمُولِها لِأحْكامٍ عِدَّةٍ: مِنها الوَفاءُ بِالعُقُودِ، ومِنها تَحْلِيلُ بَهِيمَةِ الأنْعامِ، ومِنها اسْتِثْناءُ ما سَيُتْلى مِمّا لا يَحِلُّ، ومِنها تَحْرِيمُ الصَّيْدِ عَلى المُحْرِمِ، ومِنها إباحَةُ الصَّيْدِ لِمَن لَيْسَ بِمُحْرِمٍ، وقَدْ حَكى النَّقّاشُ أنَّ أصْحابَ الفَيْلَسُوفِ الكِنْدِيِّ قالُوا لَهُ: أيُّها الحَكِيمُ اعْمَلْ لَنا مِثْلَ هَذا القُرْآنِ، فَقالَ: نَعَمْ أعْمَلُ مِثْلَ بَعْضِهِ، فاحْتَجَبَ أيّامًا كَثِيرَةً ثُمَّ خَرَجَ فَقالَ: واللَّهِ ما أقْدِرُ ولا يُطِيقُ هَذا أحَدٌ، إنِّي فَتَحْتُ المُصْحَفَ فَخَرَجَتْ سُورَةُ المائِدَةِ، فَنَظَرْتُ فَإذا هو قَدْ نَطَقَ بِالوَفاءِ ونَهى عَنِ النَّكْثِ، وحَلَّلَ تَحْلِيلًا عامًّا، ثُمَّ اسْتَثْنى بَعْدَ اسْتِثْناءٍ، ثُمَّ أخْبَرَ عَنْ قُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ في سَطْرَيْنِ، ولا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَأْتِيَ بِهَذا.
قَوْلُهُ: ﴿أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ يُقالُ: أوْفى ووَفى لُغَتانِ وقَدْ جَمَعَ بَيْنَهُما الشّاعِرُ فَقالَ:
؎أمّا ابْنُ طَوْفٍ فَقَدْ أوْفى بِذِمَّتِهِ كَما وفى بِقِلاصِ النَّجْمِ حادِيها
والعُقُودُ: العُهُودُ، وأصْلُ العُقُودِ الرُّبُوطُ، واحِدُها عَقْدٌ، يُقالُ: عَقَدْتُ الحَبْلَ والعَهْدَ، فَهو يُسْتَعْمَلُ في الأجْسامِ والمَعانِي، وإذا اسْتُعْمِلَ في المَعانِي كَما هُنا أفادَ أنَّهُ شَدِيدُ الإحْكامِ، قَوِيُّ التَّوْثِيقِ، قِيلَ: المُرادُ بِالعُقُودِ هي الَّتِي عَقَدَها اللَّهُ عَلى عِبادِهِ وألْزَمَهم بِها مِنَ الأحْكامِ، وقِيلَ: هي العُقُودُ الَّتِي يَعْقِدُونَها بَيْنَهم مِن عُقُودِ المُعامَلاتِ، والأوْلى شُمُولُ الآيَةِ لِلْأمْرَيْنِ جَمِيعًا، ولا وجْهَ لِتَخْصِيصِ بَعْضِها دُونَ بَعْضٍ، قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أوْفَوْا بِعَقْدِ اللَّهِ عَلَيْكم وبِعَقْدِكم بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ، انْتَهى. والعَقْدُ الَّذِي يَجِبُ الوَفاءُ بِهِ ما وافَقَ كِتابَ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ، فَإنْ خالَفَهُما فَهو رَدٌّ لا يُجِبِ الوَفاءُ بِهِ ولا يَحِلُّ.
قَوْلُهُ: ﴿أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ﴾ الخِطابُ لِلَّذِينِ آمَنُوا، والبَهِيمَةُ: اسْمٌ لِكُلِّ ذِي أرْبَعٍ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِإبْهامِها مِن جِهَةِ نَقْصِ نُطْقِها وفَهْمِها وعَقْلِها، ومِنهُ بابٌ مُبْهَمٌ؛ أيْ: مُغْلَقٌ، ولَيْلٌ بَهِيمٌ، وبُهْمَةٌ لِلشُّجاعِ الَّذِي لا يَدْرِي مِن أيْنَ يُؤْتى، وحَلْقَةٌ مُبْهَمَةٌ: لا يُدْرى أيْنَ طَرَفاها، والأنْعامُ: اسْمٌ لِلْإبِلِ والبَقَرِ والغَنَمِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِما في مَشْيِها مِنَ اللِّينِ وقِيلَ: بَهِيمَةُ الأنْعامِ: وحْشِيُّها كالظِّباءِ وبَقَرِ الوَحْشِ والحُمُرِ الوَحْشِيَّةِ وغَيْرِ ذَلِكَ، حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، الطَّبَرِيُّ عَنْ قَوْمٍ، وحَكاهُ غَيْرُهُ عَنِ السُّدِّيِّ، والرَّبِيعِ، وقَتادَةَ، والضَّحّاكِ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ، وذَلِكَ أنَّ الأنْعامَ هي الثَّمانِيَةُ الأزْواجُ، وما انْضافَ إلَيْها مِن سائِرِ الحَيَواناتِ يُقالُ لَهُ أنْعامٌ مَجْمُوعَةٌ مَعَها، وكَأنَّ المُفْتَرِسَ كالأسَدِ، وكُلُّ ذِي نابٍ خارِجٍ عَنْ حَدِّ الأنْعامِ، فَبَهِيمَةُ الأنْعامِ هي الرّاعِي مِن ذَواتِ الأرْبَعِ، وقِيلَ: بَهِيمَةُ الأنْعامِ: ما لَمْ تَكُنْ صَيْدًا؛ لِأنَّ الصَّيْدَ يُسَمّى وحْشًا لا بَهِيمَةً، وقِيلَ: بَهِيمَةُ الأنْعامِ: الأجِنَّةُ الَّتِي تَخْرُجُ عِنْدَ الذَّبْحِ مِن بُطُونِ الأنْعامِ فَهي تُؤْكَلُ مِن دُونِ ذَكاةٍ، وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ أعْنِي تَخْصِيصَ الأنْعامِ بِالإبِلِ والبَقَرِ والغَنَمِ تَكُونُ الإضافَةُ بَيانِيَّةٌ، ويَلْحَقُ بِها ما يَحِلُّ مِمّا هو خارِجٌ عَنْها بِالقِياسِ، بَلْ وبِالنُّصُوصِ الَّتِي في الكِتابِ والسُّنَّةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلّا أنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ الآيَةَ، وقَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «يَحْرُمُ كُلُّ ذِي نابٍ مِنَ السَّبُعِ ومِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ» فَإنَّهُ يَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ عَلى أنَّ ما عَداهُ حَلالٌ، وكَذَلِكَ سائِرُ النُّصُوصِ الخاصَّةِ بِنَوْعٍ كَما في كُتُبِ السُّنَّةِ المُطَهَّرَةِ.
قَوْلُهُ: ﴿إلّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ﴾ أيْ: إلّا مَدْلُولَ ما يُتْلى عَلَيْكم فَإنَّهُ لَيْسَ بِحَلالٍ، والمَتْلُوُّ: هو ما نَصَّ اللَّهُ عَلى تَحْرِيمِهِ، نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ الآيَةَ، (p-٣٥٠)ويَلْحَقُ بِهِ ما صَرَّحَتِ السُّنَّةُ بِتَحْرِيمِهِ، وهَذا الِاسْتِثْناءُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ إلّا ما يُتْلى عَلَيْكُمُ الآنَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ في مُسْتَقْبَلِ الزَّمانِ، فَيَدُلُّ عَلى جَوازِ تَأْخِيرِ البَيانِ عَنْ وقْتِ الحاجَةِ، ويُحْتَمَلُ الأمْرَيْنِ جَمِيعًا.
قَوْلُهُ: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ ذَهَبَ البَصْرِيُّونَ إلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ وقَوْلَهُ: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ اسْتِثْناءٌ آخَرُ مِنهُ أيْضًا، فالِاسْتِثْناءانِ جَمِيعًا مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ، والتَّقْدِيرُ: أُحِلِّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ إلّا ما يُتْلى عَلَيْكم إلّا الصَّيْدَ وأنْتُمْ مُحْرِمُونَ، وقِيلَ: الِاسْتِثْناءُ الأوَّلُ مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ، والِاسْتِثْناءُ الثّانِي هو مِنَ الِاسْتِثْناءِ الأوَّلِ، ورُدَّ بِأنَّ هَذا يَسْتَلْزِمُ إباحَةَ الصَّيْدِ في حالِ الإحْرامِ؛ لِأنَّهُ مُسْتَثْنى مِنَ المَحْظُورِ فَيَكُونُ مُباحًا، وأجازَ الفَرّاءُ أنْ يَكُونَ ( إلّا ما يُتْلى ) في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى البَدَلِ، ولا يُجِيزُهُ البَصْرِيُّونَ إلّا في النَّكِرَةِ وما قارَبَها مِنَ الأجْناسِ، قالَ: وانْتِصابُ ( غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ ) عَلى الحالِ مِن قَوْلِهِ: ( أوْفُوا بِالعُقُودِ ) وكَذا قالَ الأخْفَشُ، وقالَ غَيْرُهُما: حالٌ مِنَ الكافِ والمِيمِ في ( لَكم ) والتَّقْدِيرُ: أُحِلِّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ؛ أيْ: الِاصْطِيادِ في البَرِّ وأكْلِ صَيْدِهِ.
ومَعْنى عَدَمِ إحْلالِهِمْ لَهُ تَقْرِيرُ حُرْمَتِهِ عَمَلًا واعْتِقادًا وهم حُرُمٌ؛ أيْ: مُحِرِمُونَ، وجُمْلَةُ ( وأنْتُمْ حُرُمٌ ) في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في ( مُحِلِّي ) ومَعْنى هَذا التَّقْيِيدِ ظاهِرٌ عِنْدَ مَن يَخُصُّ بَهِيمَةَ الأنْعامِ بِالحَيَواناتِ الوَحْشِيَّةِ البَرِّيَّةِ الَّتِي يَحِلُّ أكْلَها كَأنَّهُ قالَ: أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَرِّ إلّا في حالِ الإحْرامِ، وأمّا عَلى قَوْلِ مَن يَجْعَلُ الإضافَةَ بَيانِيَّةٌ فالمَعْنى: أُحِلِّتْ لَكم بَهِيمَةٌ هي الأنْعامُ حالَ تَحْرِيمِ الصَّيْدِ عَلَيْكم بِدُخُولِكم في الإحْرامِ لِكَوْنِكم مُحْتاجِينَ إلى ذَلِكَ، فَيَكُونُ المُرادُ بِهَذا التَّقْيِيدِ الِامْتِنانُ عَلَيْهِمْ بِتَحْلِيلِ ما عَدا ما هو مُحَرَّمٌ عَلَيْهِمْ في تِلْكَ الحالِ، والمُرادُ بِالحُرُمِ مَن هو مُحْرِمٌ بِالحَجِّ أوِ العُمْرَةِ أوْ بِهِما، وسُمِّيَ مُحْرِمًا لِكَوْنِهِ يَحْرُمُ عَلَيْهِ الصَّيْدُ والطِّيبُ والنِّساءُ، وهَكَذا وجْهُ تَسْمِيَةِ الحُرُمِ حَرَمًا، والإحْرامُ إحْرامًا، وقَرَأ الحَسَنُ، والنَّخَعِيُّ، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ ( حُرْمٌ ) بِسُكُونِ الرّاءِ وهي لُغَةٌ تَمِيمِيَّةٌ يَقُولُونَ في رُسُلٍ رُسْلٍ وفي كُتُبٍ كُتْبٍ ونَحْوِ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ﴾ مِنَ الأحْكامِ المُخالِفَةِ لِما كانَتِ العَرَبُ تَعْتادُهُ، فَهو مالِكُ الكُلِّ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ﴾ الشَّعائِرُ: جَمْعُ شَعِيرَةٍ عَلى وزْنِ فَعِيلَةٍ، قالَ ابْنُ فارِسٍ: ويُقالُ لِلْواحِدَةِ: شِعارٌ وهو أحْسَنُ، ومِنهُ الإشْعارُ لِلْهَدْيِ، والمَشاعِرُ: المَعالِمُ، واحِدُها مَشْعَرٌ، وهي المَواضِعُ الَّتِي قَدْ أُشْعِرَتْ بِالعَلاماتِ، قِيلَ: المُرادُ بِها هُنا جَمِيعُ مَناسِكِ الحَجِّ، وقِيلَ: الصَّفا والمَرْوَةُ، والهَدْيُ والبُنْيانُ، والمَعْنى عَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ: لا تُحِلُّوا هَذِهِ الأُمُورَ بِأنْ يَقَعَ مِنكُمُ الإخْلالُ بِشَيْءٍ مِنها أوْ بِأنْ تَحُولُوا بَيْنَها وبَيْنَ مَن أرادَ فِعْلَها.
ذَكَرَ سُبْحانَهُ النَّهْيَ عَنْ أنْ يُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ عَقِبَ ذِكْرِهِ تَحْرِيمَ صَيْدِ المُحْرِمِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالشَّعائِرِ هُنا فَرائِضُ اللَّهِ، ومِنهُ ﴿ومَن يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ﴾ وقِيلَ: هي حُرُماتُ اللَّهِ، ولا مانِعَ مِن حَمْلِ ذَلِكَ عَلى الجَمِيعِ اعْتِبارًا بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، ولا بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ، قَوْلُهُ: ﴿ولا الشَّهْرَ الحَرامَ﴾ المُرادُ بِهِ الجِنْسُ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ جَمِيعُ الأشْهُرِ الحُرُمِ وهي أرْبَعَةٌ: ذُو القِعْدَةِ، وذُو الحِجَّةِ ومُحَرَّمٌ، ورَجَبٌ؛ أيْ: لا تُحِلُّوها بِالقِتالِ فِيها، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ هُنا شَهْرُ الحَجِّ فَقَطْ.
قَوْلُهُ: ( ولا الهَدْيَ ) هو ما يُهْدى إلى بَيْتِ اللَّهِ مِن ناقَةٍ أوْ بَقَرَةٍ أوْ شاةٍ، الواحِدَةُ هَدِيَّةٌ، نَهاهم سُبْحانَهُ عَنْ أنْ يُحِلُّوا حُرْمَةَ الهَدْيَ بِأنْ يَأْخُذُوهُ عَلى صاحِبِهِ أوْ يَحُولُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ المَكانِ الَّذِي يُهْدى إلَيْهِ، وعَطَفَ الهَدْيَ عَلى الشَّعائِرِ مَعَ دُخُولِهِ تَحْتَها لِقَصْدِ التَّنْبِيهِ عَلى مَزِيدِ خُصُوصِيَّتِهِ والتَّشْدِيدِ في شَأْنِهِ.
قَوْلُهُ: ( ولا القَلائِدَ ) جَمْعُ قِلادَةٍ، وهي ما يُقَلَّدُ بِهِ الهَدْيُ مِن نَعْلٍ أوْ نَحْوِهِ، وإحْلالُها بِأنْ تُؤْخَذَ غَصْبًا، وفي النَّهْيِ عَنْ إحْلالِ القَلائِدِ تَأْكِيدٌ لِلنَّهْيِ عَنْ إحْلالِ الهَدْيِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالقَلائِدِ المُقَلَّداتُ بِها، ويَكُونُ عَطْفُهُ عَلى الهَدْيِ لِزِيادَةِ التَّوْصِيَةِ بِالهَدْيِ، والأوَّلُ أوْلى، وقِيلَ: المُرادُ بِالقَلائِدِ ما كانَ النّاسُ يَتَقَلَّدُونَهُ أمَنَةً لَهم، فَهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ أيْ: ولِأصْحابِ القَلائِدِ.
قَوْلُهُ: ﴿ولا آمِّينَ البَيْتَ الحَرامَ﴾ أيْ: قاصِدِيهِ مِن قَوْلِهِمْ: أمَّمْتُ كَذا؛ أيْ: قَصَدْتُهُ، وقَرَأ الأعْمَشُ: ( ولا آمِّي البَيْتِ الحَرامِ ) بِالإضافَةِ، والمَعْنى: لا تَمْنَعُوا مَن قَصَدَ البَيْتَ الحَرامَ لِحَجٍّ أوْ عُمْرَةٍ أوْ لِيَسْكُنَ فِيهِ، وقِيلَ: إنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَحُجُّونَ ويَعْتَمِرُونَ ويَهْدُونَ فَأرادَ المُسْلِمُونَ أنْ يُغِيرُوا عَلَيْهِمْ، فَنَزَلَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ فَيَكُونُ ذَلِكَ مَنسُوخًا بِقَوْلِهِ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾، وقَوْلِهِ: ﴿فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هَذا﴾ وقَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «لا يَحُجَّنَّ بَعْدَ العامِ مُشْرِكٌ» وقالَ قَوْمٌ: الآيَةُ مُحْكَمَةٌ وهي في المُسْلِمِينَ.
قَوْلُهُ: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِن رَبِّهِمْ ورِضْوانًا﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في ( آمِّينَ ) قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: مَعْناهُ: يَبْتَغُونَ الفَضْلَ والأرْباحَ في التِّجارَةِ، ويَبْتَغُونَ مَعَ ذَلِكَ رِضْوانَ اللَّهِ، وقِيلَ: كانَ مِنهم مَن يَطْلُبُ التِّجارَةَ، ومِنهم مَن يَبْتَغِي بِالحَجِّ رِضْوانَ اللَّهِ، ويَكُونُ هَذا الِابْتِغاءُ لِلرِّضْوانِ بِحَسَبِ اعْتِقادِهِمْ وفي ظَنِّهِمْ عِنْدَ مَن جَعَلَ الآيَةَ في المُشْرِكِينَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالفَضْلِ هُنا الثَّوابُ لا الأرْباحُ في التِّجارَةِ.
قَوْلُهُ: ﴿وإذا حَلَلْتُمْ فاصْطادُوا﴾ هَذا تَصْرِيحٌ بِما أفادَهُ مَفْهُومُ ( وأنْتُمْ حُرُمٌ ) أباحَ لَهُمُ الصَّيْدَ بَعْدَ أنْ حَظَرَهُ عَلَيْهِمْ لِزَوالِ السَّبَبِ الَّذِي حُرِّمَ لِأجْلِهِ، وهو الإحْرامُ.
قَوْلُهُ: ﴿ولا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ قالَ ابْنُ فارِسٍ: جَرَمَ وأجْرَمَ ولا جَرَمَ بِمَعْنى قَوْلِكَ: لا بُدَّ ولا مَحالَةَ، وأصْلُها مِن جَرَمَ أيْ: كَسَبَ، وقِيلَ: المَعْنى: لا يَحْمِلَنَّكم، قالَهُ الكِسائِيُّ، وثَعْلَبٌ وهو يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ يُقالُ: جَرَمَنِي كَذا عَلى بُغْضِكَ؛ أيْ: حَمَلَنِي عَلَيْهِ ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ولَقَدْ طَعَنْتَ أبا عُيَيْنَةَ طَعْنَةً ∗∗∗ جَرَمَتْ فَزارَةُ بَعْدَها أنْ يَغْضَبُوا
أيْ: حَمَلْتَهم عَلى الغَضَبِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والفَرّاءُ: مَعْنى (p-٣٥١)( لا يَجْرِمَنَّكم ) لا يَكْسِبَنَّكم بُغْضَ قَوْمٍ أنْ تَعْتَدُوا الحَقَّ إلى الباطِلِ، والعَدْلَ إلى الجَوْرِ والجَرِيمَةُ، والجارِمُ بِمَعْنى الكاسِبُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎جَرِيمَةَ ناهِضٍ في رَأْسِ نِيقٍ ∗∗∗ يَرى لِعِظامِ ما جَمَعَتْ صَلِيبا
مَعْناهُ كاسِبُ قُوتٍ، والصَّلِيبُ: الوَدَكُ، ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ:
؎يا أيُّها المُشْتَكِي عُكْلًا وما جَرَمَتْ ∗∗∗ إلى القَبائِلِ مِن قَتْلٍ وإيئاسِ
أيْ: كَسَبَتْ، والمَعْنى في الآيَةِ: لا يَحْمِلَنَّكم بُغْضُ قَوْمٍ عَلى الِاعْتِداءِ عَلَيْهِمْ، أوْ لا يَكْسِبَنَّكم بُغْضُهُمُ اعْتِداءَكم لِلْحَقِّ إلى الباطِلِ، ويُقالُ: جَرَمَ يَجْرُمُ جَرْمًا: إذا قَطَعَ، قالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى الرُّمّانِيُّ: وهو الأصْلُ، فَجَرَمَ بِمَعْنى حَمَلَ عَلى الشَّيْءِ لِقَطْعِهِ مِن غَيْرِهِ، وجَرَمَ بِمَعْنى كَسَبَ لِانْقِطاعِهِ إلى الكَسْبِ، ولا جَرَمَ بِمَعْنى حَقٍّ؛ لِأنَّ الحَقَّ يَقْطَعُ عَلَيْهِ.
قالَ الخَلِيلُ: مَعْنى ﴿لا جَرَمَ أنَّ لَهُمُ النّارَ﴾ [النحل: ٦٢] لَقَدْ حَقَّ أنَّ لَهُمُ النّارَ، وقالَ الكِسائِيُّ: جَرَمَ وأجْرَمَ لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ؛ أيْ: اكْتَسَبَ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: ( لا يُجْرِمَنَّكم ) بِضَمِّ الياءِ، والمَعْنى: لا يُكْسِبَنَّكم ولا يَعْرِفُ البَصْرِيُّونَ أجْرَمَ، وإنَّما يَقُولُونَ: جَرَمَ لا غَيْرَ، والشَّنَآنُ: البُغْضُ، وقُرِئَ بِفَتْحِ النُّونِ وإسْكانِها، يُقالُ: شَنَيْتُ الرَّجُلَ أشَنُوهُ شَناءً ومَشْنَأةً وشَنَآنًا، كُلُّ ذَلِكَ إذا أبْغَضْتَهُ، وشَنَآنٌ هُنا مُضافٌ إلى المَفْعُولِ؛ أيْ: بُغْضُ قَوْمٍ مِنكم لا بُغْضُ قَوْمٍ لَكم.
قَوْلُهُ: ( أنْ صَدُّوكم ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ؛ أيْ: لِأنْ صَدُّوكم، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ كَثِيرٍ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى الشَّرْطِيَّةِ، وهو اخْتِيارُ أبِي عُبَيْدٍ، وقَرَأ الأعْمَشُ: ( أنْ يَصُدَّكم ) والمَعْنى عَلى قِراءَةِ الشَّرْطِيَّةِ: لا يَحْمِلَنَّكم بُغْضُهم إنْ وقَعَ مِنهُمُ الصَّدُّ لَكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ عَلى الِاعْتِداءِ عَلَيْهِمْ، قالَ النَّحّاسُ: وأمّا إنْ صَدُّوكم بِكَسْرِ ( إنْ )، فالعُلَماءُ الجُلَّةُ بِالنَّحْوِ والحَدِيثِ والنَّظَرِ يَمْنَعُونَ القِراءَةَ بِها لِأشْياءَ: مِنها أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ عامَ الفَتْحِ سَنَةَ ثَمانٍ، وكانَ المُشْرِكُونَ صَدُّوا المُؤْمِنِينَ عامَ الحُدَيْبِيَةِ سَنَةَ سِتٍّ، فالصَّدُّ كانَ قَبْلَ الآيَةِ، وإذا قُرِئَ بِالكَسْرِ لَمْ يَجُزْ أنْ يَكُونَ إلّا بَعْدَهُ كَما تَقُولُ: لا تُعْطِ فُلانًا شَيْئًا إنْ قاتَلَكَ، فَهَذا لا يَكُونُ إلّا لِلْمُسْتَقْبَلِ وإنْ فُتِحَتْ كانَ لِلْماضِي، وما أحْسَنَ هَذا الكَلامَ، وقَدْ أنْكَرَ أبُو حاتِمٍ، وأبُو عُبَيْدَةَ شَنْآنُ بِسُكُونِ النُّونِ؛ لِأنَّ المَصادِرَ إنَّما تَأْتِي في مِثْلِ هَذا مُتَحَرِّكَةً وخالَفَهُما غَيْرُهُما فَقالَ: لَيْسَ هَذا مَصْدَرًا، ولَكِنَّهُ اسْمُ فاعِلٍ عَلى وزْنِ كَسْلانَ وغَضْبانَ.
ولَمّا نَهاهم عَنِ الِاعْتِداءِ أمَرَهم بِالتَّعاوُنِ عَلى البِرِّ والتَّقْوى كائِنًا ما كانَ، قِيلَ: إنَّ البِرَّ والتَّقْوى لَفْظانِ لِمَعْنًى واحِدٍ، وكُرِّرَ لِلتَّأكُّدِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّ البِرَّ يَتَناوَلُ الواجِبَ والمَندُوبَ، والتَّقْوى تَخْتَصُّ بِالواجِبِ، وقالَ الماوَرْدِيُّ: إنَّ في البِرِّ رِضا النّاسِ وفي التَّقْوى رِضا اللَّهِ، فَمَن جَمَعَ بَيْنَهُما فَقَدْ تَمَّتْ سَعادَتُهُ ثُمَّ نَهاهم سُبْحانَهُ عَنِ التَّعاوُنِ عَلى الإثْمِ والعُدْوانِ، فالإثْمُ: كُلُّ فِعْلٍ أوْ قَوْلٍ يُوجِبُ إثْمَ فاعِلِهِ أوْ قائِلِهِ، والعَدُوّانُ: التَّعَدِّي عَلى النّاسِ بِما فِيهِ ظُلْمٌ، فَلا يَبْقى نَوْعٌ مِن أنْواعِ المُوجِباتِ لِلْإثْمِ ولا نَوْعٌ مِن أنْواعِ الظُّلْمِ لِلنّاسِ الَّذِينَ مِن جُمْلَتِهِمُ النَّفْسُ إلّا وهو داخِلٌ تَحْتَ هَذا النَّهْيِ لِصِدْقِ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ عَلى كُلِّ ما يُوجَدُ فِيهِ مَعْناهُما، ثُمَّ أمَرَ عِبادَهُ بِالتَّقْوى وتَوَعَّدَ مَن خالَفَ ما أمَرَ بِهِ فَتَرَكَهُ أوْ خالَفَ ما نَهى عَنْهُ فَفَعَلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ .
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ( أوْفُوا بِالعُقُودِ ) قالَ: ما أحَلَّ اللَّهُ وما حَرَّمَ وما فَرَضَ وما حَدَّ في القُرْآنِ كُلَّهُ لا تَغْدِرُوا ولا تَنْكُثُوا. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: هي عُقُودُ الجاهِلِيَّةِ الحِلْفُ.
ورَوى عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ أنَّهُ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ كانَ يَقُولُ: «وأوْفُوا بِعَقْدِ الجاهِلِيَّةِ ولا تُحْدِثُوا عَقْدًا في الإسْلامِ» وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ﴾ قالَ: الإبِلُ والبَقَرُ والغَنَمُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ﴾ قالَ: ما في بُطُونِها، قُلْتُ: إنْ خَرَجَ مَيِّتًا آكُلُهُ ؟ قالَ: نَعَمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ قالَ: المَيْتَةُ والدَّمُ ولَحْمُ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ إلى آخِرِ الآيَةِ، فَهَذا ما حَرَّمَ اللَّهُ مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ﴾ قالَ: كانَ المُشْرِكُونَ يَحُجُّونَ البَيْتَ الحَرامَ ويَهْدُونَ الهَدايا ويُعَظِّمُونَ حُرْمَةَ المَشاعِرِ ويَنْحَرُونَ في حَجِّهِمْ، فَأرادَ المُسْلِمُونَ أنْ يُغِيرُوا عَلَيْهِمْ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ﴾ وفي قَوْلِهِ: ( ولا الشَّهْرَ الحَرامَ ) يَعْنِي: لا تَسْتَحِلُّوا قِتالًا فِيهِ ﴿ولا آمِّينَ البَيْتَ الحَرامَ﴾ يَعْنِي: مَن تَوَجَّهَ قِبَلَ البَيْتِ الحَرامِ، فَكانَ المُؤْمِنُونَ والمُشْرِكُونَ يَحُجُّونَ جَمِيعًا، فَنَهى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أنْ يَمْنَعُوا أحَدًا حَجَّ البَيْتَ أوْ يَتَعَرَّضُوا لَهُ مِن مُؤْمِنٍ أوْ كافِرٍ، ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هَذا﴾ [التوبة: ٢٨] وفي قَوْلِهِ: ( يَبْتَغُونَ فَضْلًا ) يَعْنِي أنَّهم يُرْضُونَ اللَّهَ بِحَجِّهِمْ ( ولا يَجْرِمَنَّكم ) يَقُولُ: لا يَحْمِلَنَّكم ( شَنَآنُ قَوْمٍ ) يَقُولُ: عَداوَةُ قَوْمٍ ﴿وتَعاوَنُوا عَلى البِرِّ والتَّقْوى﴾ قالَ: البِرُّ ما أُمِرْتَ بِهِ، والتَّقْوى ما نُهِيتَ عَنْهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: شَعائِرُ اللَّهِ ما نَهى اللَّهُ عَنْهُ أنْ تُصِيبَهُ وأنْتَ مُحْرِمٌ، والهَدْيُ: ما لَمْ يُقَلَّدْ والقَلائِدُ مُقَلَّداتُ الهَدْيِ ﴿ولا آمِّينَ البَيْتَ الحَرامَ﴾ يَقُولُ: مَن تَوَجَّهَ حاجًّا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ﴾ قالَ: مَناسِكُ الحَجِّ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِالحُدَيْبِيَةِ وأصْحابُهُ حِينَ صَدَّهُمُ المُشْرِكُونَ عَنِ البَيْتِ، وقَدِ اشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَمَرَّ بِهِمْ أُناسٌ مِنَ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ المَشْرِقِ يُرِيدُونَ العُمْرَةَ، فَقالَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: نَصُدُّ هَؤُلاءِ كَما صَدَّنا أصْحابُنا، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ( ولا يَجْرِمَنَّكم )» الآيَةَ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ في تارِيخِهِ، عَنْ وابِصَةَ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ لَهُ: «البِرُّ (p-٣٥٢)ما اطْمَأنَّ إلَيْهِ القَلْبُ واطْمَأنَّتْ إلَيْهِ النَّفْسُ، والإثْمُ ما حاكَ في القَلْبِ وتَرَدَّدَ في الصَّدْرِ وإنْ أفْتاكَ النّاسُ وأفْتَوْكَ» وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والبُخارِيُّ في الأدَبِ ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ النَّوّاسِ بْنِ سَمْعانَ قالَ: «سَألْتُ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَنِ البِرِّ والإثْمِ، فَقالَ: البِرُّ حُسْنُ الخُلُقِ، والإثْمُ ما حاكَ في نَفْسِكَ وكَرِهْتَ أنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النّاسُ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ حِبّانَ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي أُمامَةَ «أنَّ رَجُلًا سَألَ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَنِ الإثْمِ، فَقالَ: ما حاكَ في نَفْسِكَ فَدَعْهُ، قالَ: فَما الإيمانُ ؟ قالَ: مَن ساءَتْهُ سَيِّئَتُهُ وسَرَتْهُ حَسَنَتُهُ فَهو مُؤْمِنٌ» .
المائدة 5:3
هَذا شُرُوعٌ في المُحَرَّماتِ الَّتِي أشارَ إلَيْها سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ والمَيْتَةُ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُها في البَقَرَةِ، وكَذَلِكَ الدَّمُ ولَحْمُ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ، وما هُنا مِن تَحْرِيمِ مُطْلَقِ الدَّمِ مُقَيَّدٌ بِكَوْنِهِ مَسْفُوحًا كَما تَقَدَّمَ حَمْلًا لِلْمُطْلِقِ عَلى المُقَيَّدِ، وقَدْ ورَدَ في السُّنَّةِ تَخْصِيصُ المَيْتَةِ بِقَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «أُحِلَّ لَنا مَيْتَتانِ ودَمانِ، فَأمّا المَيْتَتانِ فالحُوتُ والجَرادُ، وأمّا الدَّمانِ فالكَبِدُ والطُّحالُ» أخْرَجَهُ الشّافِعِيُّ، وأحْمَدُ، وابْنُ ماجَهْ، والدّارَقُطْنِيُّ، والبَيْهَقِيُّ وفي إسْنادِهِ مَقالٌ، ويُقَوِّيهِ حَدِيثُ: «هُوَ الطَّهُورُ ماؤُهُ والحِلُّ مِيتَتُهُ» وهو عِنْدَ أحْمَدَ وأهْلِ السُّنَنِ وغَيْرِهِمْ وصَحَّحَهُ جَماعَةٌ مِنهُمُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وابْنُ حِبّانَ، وقَدْ أطَلْنا الكَلامَ عَلَيْهِ في شَرْحِنا لِلْمُنْتَقى.
والإهْلالُ: رَفْعُ الصَّوْتِ لِغَيْرِ اللَّهِ كَأنْ يَقُولَ بِسَمِّ اللّاتِ والعُزّى ونَحْوَ ذَلِكَ، ولا حاجَةَ بِنا هُنا إلى تَكْرِيرِ ما قَدْ أسْلَفْناهُ فَفِيهِ ما لا يَحْتاجُ النّاظِرُ فِيهِ إلى غَيْرِهِ ( والمُنْخَنِقَةُ ) هي الَّتِي تَمُوتُ بِالخَنْقِ: وهو حَبْسُ النَّفْسِ، سَواءً كانَ ذَلِكَ بِفِعْلِها كَأنْ تُدْخِلَ رَأْسَها في حَبْلٍ أوْ بَيْنَ عُودَيْنِ، أوْ بِفِعْلٍ آدَمِيٍّ أوْ بِغَيْرِهِ، وقَدْ كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَخْنُقُونَ الشّاةَ، فَإذا ماتَتْ أكَلُوها.
( والمَوْقُوذَةُ ) هي الَّتِي تُضْرَبُ بِحَجَرٍ أوْ عَصًا حَتّى تَمُوتَ مِن غَيْرِ تَذْكِيَةٍ، يُقالُ: وقَذَهُ يَقِذُهُ وقْذًا فَهو وقِيذٌ، والوَقْذُ شِدَّةُ الضَّرْبِ، وفُلانٌ وقِيذٌ؛ أيْ: مُثْخَنٌ ضَرْبًا، وقَدْ كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ فَيَضْرِبُونَ الأنْعامَ بِالخَشَبِ لِآلِهَتِهِمْ حَتّى تَمُوتَ ثُمَّ يَأْكُلُونَها، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقَ:
؎شَغّارَةٌ تَقِذُ الفَصِيلَ بِرِجْلِها فَطّارَةٌ لِقَوادِمِ الأظْفارِ
قالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: واخْتَلَفَ العُلَماءُ قَدِيمًا وحَدِيثًا في الصَّيْدِ بِالبُنْدُقِ والحَجَرِ والمِعْراضِ، ويَعْنِي بِالبُنْدُقِ قَوْسُ البُنْدُقَةِ، وبِالمِعْراضِ السَّهْمُ الَّذِي لا رِيشَ لَهُ أوِ العَصا الَّتِي رَأسُها مُحَدَّدٌ، قالَ: فَمَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ وقِيذٌ لَمْ يَجُزْهُ إلّا ما أدْرَكَ ذَكاتَهُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وهو قَوْلُ مالِكٍ، وأبِي حَنِيفَةَ وأصْحابِهِ والثَّوْرِيِّ، والشّافِعِيِّ وخالَفَهُمُ الشّامِيُّونَ في ذَلِكَ، قالَ الأوْزاعِيُّ في المِعْراضِ: كُلْهُ خَرَقَ أوْ لَمْ يَخْرِقْ، فَقَدْ كانَ أبُو الدَّرْداءِ، وفَضالَةُ بْنُ عُبَيْدٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، ومَكْحُولٌ لا يَرَوْنَ بِهِ بَأْسًا.
قالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: هَكَذا ذَكَرَ الأوْزاعِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، والمَعْرُوفُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ما ذَكَرَ مالِكٌ، عَنْ نافِعٍ، قالَ: والأصْلُ في هَذا البابِ والَّذِي عَلَيْهِ العَمَلُ وفِيهِ الحُجَّةُ حَدِيثُ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ، وفِيهِ: «ما أصابَ بِعَرْضِهِ فَلا تَأْكُلْ فَإنَّهُ وقِيذٌ» انْتَهى. قُلْتُ: والحَدِيثُ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما عَنْ عَدِيٍّ قالَ: «قَلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أرْمِي بِالمِعْراضِ الصَّيْدَ فَأُصِيبُ فَقالَ: إذا رَمَيْتَ بِالمِعْراضِ فَخَرَقَ فَكُلْهُ، وإنْ أصابَ بِعَرْضِهِ فَإنَّما هو وقِيذٌ فَلا تَأْكُلْهُ» فَقَدِ اعْتَبَرَ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ الخَرْقَ وعَدَمَهُ، فالحَقُّ أنَّهُ لا يَحِلُّ إلّا ما خُرِقَ لا ما صُدِمَ، فَلا بُدَّ مِنَ التَّذْكِيَةِ قَبْلَ المَوْتِ وإلّا كانَ وقِيذًا.
وأمّا البَنادِقُ المَعْرُوفَةُ الآنَ: وهي بَنادِقُ الحَدِيدِ الَّتِي يُجْعَلُ فِيها البارُودُ والرَّصاصُ ويُرْمى بِها، فَلَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَيْها أهْلُ العِلْمِ لِتَأخُّرِ حُدُوثِها، فَإنَّها لَمْ تَصِلْ إلى الدِّيارِ اليَمَنِيَّةِ إلّا في المِائَةِ العاشِرَةِ مِنَ الهِجْرَةِ، وقَدْ سَألَنِي جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ عَنِ الصَّيْدِ بِها إذا ماتَ ولَمْ يَتَمَكَّنِ الصّائِدُ مِن تَذْكِيَتِهِ حَيًّا، والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّهُ حَلالٌ لِأنَّها تَخْرُقُ وتَدْخُلُ في الغالِبِ مِن جانِبٍ مِنهُ وتَخْرُجُ مِنَ الجانِبِ الآخَرِ، وقَدْ قالَ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ السّابِقِ: «إذا رَمَيْتَ بِالمِعْراضِ فَخَرَقَ فَكُلْهُ» فاعْتَبَرَ الخَرْقَ في تَحْلِيلِ الصَّيْدِ.
قَوْلُهُ: ( والمُتَرَدِّيَةُ ) هي الَّتِي تَتَرَدّى مِن عُلُوٍّ إلى أسْفَلَ فَتَمُوتُ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ أنْ تَتَرَدّى مِن جَبَلٍ أوْ بِئْرٍ أوْ مَدْفِنٍ أوْ غَيْرِها، والتَّرَدِّي مَأْخُوذٌ مِنَ الرَّدى وهو الهَلاكُ، وسَواءٌ تَرَدَّتْ بِنَفْسِها أوْ رَدَّها غَيْرُها، قَوْلُهُ: ( والنَّطِيحَةُ ) هي فَعِيلَةٌ بِمَعْنى مَفْعُولَةٍ، وهي الَّتِي تَنْطَحُها أُخْرى فَتَمُوتُ مِن دُونِ تَذْكِيَةٍ، وقالَ قَوْمٌ أيْضًا: فَعِيلَةٌ بِمَعْنى فاعِلَةٍ؛ لِأنَّ الدّابَّتَيْنِ تَتَناطَحانِ فَتَمُوتانِ، وقالَ: نَطِيحَةٌ ولَمْ يَقُلْ: نَطِيحٌ مَعَ أنَّهُ قِياسُ فَعِيلٍ؛ لِأنَّ لُزُومَ الحَذْفِ مُخْتَصٌّ بِما كانَ مِن هَذا البابِ صِفَةً لِمَوْصُوفٍ مَذْكُورٍ فَإنْ لَمْ يُذْكَرْ ثَبَتَتِ التّاءُ لِلنَّقْلِ مِنَ الوَصْفِيَّةِ إلى الِاسْمِيَّةِ، وقَرَأ أبُو مَيْسَرَةَ ( والمَنطُوحَةُ ) .
قَوْلُهُ: ﴿وما أكَلَ السَّبُعُ﴾ أيْ: ما افْتَرَسَهُ ذُو نابٍ كالأسَدِ والنَّمِرِ والذِّئْبِ والضَّبُعِ ونَحْوِها، والمُرادُ هُنا ما أكَلَ مِنهُ السَّبُعُ؛ لِأنَّ ما أكَلَهُ السَّبُعُ كُلُّهُ قَدْ فَنِيَ، ومِنَ العَرَبِ مَن يَخُصُّ اسْمَ السَّبُعِ بِالأسَدِ، وكانَتِ العَرَبُ إذا أكَلَ السَّبُعُ شاةً، ثُمَّ خَلَّصُوها مِنهُ أكَلُوها، وإنْ ماتَتْ ولَمْ يُذَكُّوها، وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو حَيْوَةَ ( السَّبْعُ ) بِسُكُونِ الباءِ، وهي لُغَةٌ لِأهْلِ نَجْدٍ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ في عُتْبَةَ بْنِ أبِي لَهَبٍ:
؎مَن يَرْجِعِ العامَ إلى أهْلِهِ ∗∗∗ فَما أكِيلُ السَّبْعِ بِالرّاجِعِ
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ( وأكِيلَةُ السَّبُعِ )، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: ( وأكِيلُ السَّبُعِ ) .
قَوْلُهُ: ( إلّا ما ذَكَّيْتُمْ ) في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الِاسْتِثْناءِ المُتَّصِلِ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وهو راجِعٌ عَلى ما أدْرَكْتَ ذَكاتَهُ مِنَ المَذْكُوراتِ سابِقًا، وفِيهِ حَياةٌ، وقالَ المَدَنِيُّونَ: وهو (p-٣٥٣)المَشْهُورُ مِن مَذْهَبِ مالِكٍ، وهو أحَدُ قَوْلَيِ الشّافِعِيِّ أنَّهُ إذا بَلَغَ السَّبُعُ مِنها إلّا ما لا حَياةَ مَعَهُ فَإنَّها لا تُؤْكَلُ، وحَكاهُ في المُوَطَّأِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ، وإلَيْهِ ذَهَبَ إسْماعِيلُ القاضِي، فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ عَلى هَذا القَوْلِ مُنْقَطِعًا؛ أيْ: حُرِّمَتْ عَلَيْكم هَذِهِ الأشْياءُ، لَكِنْ ما ذَكَّيْتُمْ فَهو الَّذِي يَحِلُّ ولا يَحْرُمُ، والأوَّلُ أوْلى، والذَّكاةُ في كَلامِ العَرَبِ الذَّبْحُ، قالَهُ قُطْرُبٌ وغَيْرُهُ.
وأصْلُ الذَّكاةِ في اللُّغَةِ: التَّمامُ؛ أيْ: تَمامُ اسْتِكْمالِ القُوَّةِ، والذَّكاءُ: حِدَّةُ القَلْبِ والذَّكاءُ: سُرْعَةُ الفِطْنَةِ، والذَّكْوَةُ ما تَذَكّى مِنهُ النّارُ، ومِنهُ أذْكَيْتُ الحَرْبَ والنّارَ: أوْقَدْتُهُما، وذَكاءُ اسْمُ الشَّمْسِ والمُرادُ هُنا: إلّا ما أدْرَكْتُمْ ذَكاتَهُ عَلى التَّمامِ، والتَّذْكِيَةُ في الشَّرْعِ: عِبارَةٌ عَنْ إنْهارِ الدَّمِ، وفَرْيِ الأوْداجِ في المَذْبُوحِ والنَّحْرِ في المَنحُورِ والعَقْرِ في غَيْرِ المَقْدُورِ مَقْرُونًا بِالقَصْدِ لِلَّهِ، وذِكْرِ اسْمِهِ عَلَيْهِ، وأمّا الآلَةُ الَّتِي تَقَعُ بِها الذَّكاةُ، فَذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ كُلَّ ما أنْهَرَ الدَّمَ وفَرى الأوْداجَ فَهو آلَةٌ لِلذَّكاةِ ما خَلا السِّنَّ والعَظْمَ، وبِهَذا جاءَتِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ.
قَوْلُهُ: ﴿وما ذُبِحَ عَلى النُّصُبِ﴾ قالَ ابْنُ فارِسٍ: النُّصُبُ حَجَرٌ كانَ يُنْصَبُ فَيُعْبَدُ ويُصَبُّ عَلَيْهِ دِماءُ الذَّبائِحِ، والنَّصائِبُ حِجارَةٌ تُنْصَبُ حَوالَيْ شَفِيرِ البِئْرِ فَتُجْعَلُ عَضائِدَ، وقِيلَ: النُّصُبُ: جَمْعٌ، واحِدُهُ نِصابٌ، كَحِمارٍ وحُمُرٍ. وقَرَأ طَلْحَةُ بِضَمِّ النُّونِ وسُكُونِ الصّادِ، ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو بِفَتْحِ النُّونِ وسُكُونِ الصّادِ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ بِفَتْحِ النُّونِ والصّادِ، جَعَلَهُ اسْمًا مُوَحَّدًا كالجَبَلِ والجَمَلِ، والجَمْعُ أنْصابٌ كالأجْبالِ والأجْمالِ، قالَ مُجاهِدٌ: هي حِجارَةٌ كانَتْ حَوالَيْ مَكَّةَ يَذْبَحُونَ عَلَيْها، قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كانَتِ العَرَبُ تَذْبَحُ بِمَكَّةَ وتَنْضَحُ بِالدَّمِ ما أقْبَلَ مِنَ البَيْتِ ويُشَرِّحُونَ اللَّحْمَ ويَضَعُونَهُ عَلى الحِجارَةِ، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ قالَ المُسْلِمُونَ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: نَحْنُ أحَقُّ أنْ نُعَظِّمَ هَذا البَيْتَ بِهَذِهِ الأفْعالِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وما ذُبِحَ عَلى النُّصُبِ﴾ والمَعْنى: والنِّيَّةُ بِذَلِكَ تَعْظِيمُ النُّصُبِ، لا أنَّ الذَّبْحَ عَلَيْها غَيْرُ جائِزٍ، ولِهَذا قِيلَ: إنَّ ( عَلى ) بِمَعْنى اللّامِ؛ أيْ: لِأجْلِها، قالَها قُطْرُبٌ، وهو عَلى هَذا داخِلٌ فِيما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ، وخُصَّ بِالذِّكْرِ لِتَأْكِيدِ تَحْرِيمِهِ ولِدَفْعِ ما كانُوا يَظُنُّونَهُ مِن ذَلِكَ لِتَشْرِيفِ البَيْتِ وتَعْظِيمِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿وأنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأزْلامِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ؛ أيْ: وحَرَّمَ عَلَيْكُمُ الِاسْتِقْسامَ بِالأزْلامِ، والأزْلامُ قِداحُ المَيْسَرِ واحِدُها زَلَمٌ، قالَ الشّاعِرُ:
؎باتَ يُقاسِيها غُلامٌ كالزَّلَمْ
؎لَيْسَ بِراعِي إبِلٍ ولا غَنَمْ ∗∗∗ ولا بِجَزّارِ عَلى لَحْمِ وضَمْ
وقالَ آخَرُ:
؎فَلَئِنْ جَذِيمَةُ قُتِلَتْ ساداتُها ∗∗∗ فَنِساؤُها يَضْرِبْنَ بِالأزْلامِ
والأزْلامُ لِلْعَرَبِ ثَلاثَةُ أنْواعٍ: أحَدُها مَكْتُوبٌ فِيهِ افْعَلْ، والآخَرُ مَكْتُوبٌ فِيهِ لا تَفْعَلْ، والثّالِثُ مُهْمَلٌ لا شَيْءَ عَلَيْهِ فَيَجْعَلُها في خَرِيطَةٍ مَعَهُ، إذا أرادَ فِعْلَ شَيْءٍ أدْخَلَ يَدَهُ وهي مُتَشابِهَةٌ فَأخْرَجَ واحِدًا مِنها، فَإنْ خَرَجَ الأوَّلُ فَعَلَ ما عَزَمَ عَلَيْهِ، وإنْ خَرَجَ الثّانِي تَرَكَهُ، وإنْ خَرَجَ الثّالِثُ أعادَ الضَّرْبَ حَتّى يَخْرُجَ واحِدٌ مِنَ الأوَّلَيْنِ.
وإنَّما قِيلَ لِهَذا الفِعْلِ اسْتِقْسامٌ؛ لِأنَّهم كانُوا يَسْتَقْسِمُونَ بِهِ الرِّزْقَ وما يُرِيدُونَ فِعْلَهُ كَما يُقالُ: اسْتَسْقى؛ أيْ: اسْتَدْعى السَّقْيَ، فالِاسْتِقْسامُ: طَلَبُ القِسْمِ والنَّصِيبِ، وجُمْلَةُ قِداحِ المَيْسَرِ عَشَرَةٌ، وقَدْ قَدَّمْنا بَيانَها، وكانُوا يَضْرِبُونَ بِها في المُقامَرَةِ، وقِيلَ: إنَّ الأزْلامَ كِعابُ فارِسَ والرُّومِ الَّتِي يَتَقامَرُونَ بِها، وقِيلَ: هي الشَّطْرَنْجُ، وإنَّما حَرَّمَ اللَّهُ الِاسْتِقْسامَ بِالأزْلامِ؛ لِأنَّهُ تَعَرُّضٌ لِدَعْوى عِلْمِ الغَيْبِ وضَرْبٌ مِنَ الكَهانَةِ.
قَوْلُهُ: ( ﴿ذَلِكم فِسْقٌ﴾ ) إشارَةٌ إلى الِاسْتِقْسامِ بِالأزْلامِ أوْ إلى جَمِيعِ المُحَرَّماتِ المَذْكُورَةِ هُنا، والفِسْقُ: الخُرُوجُ عَنِ الحَدِّ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْناهُ، وفي هَذا وعِيدٌ شَدِيدٌ؛ لِأنَّ الفِسْقَ هو أشَدُّ الكُفْرِ لا ما وقَعَ عَلَيْهِ اصْطِلاحُ قَوْمٍ مِن أنَّهُ مَنزِلَةٌ مُتَوَسِّطَةٌ بَيْنَ الإيمانِ والكُفْرِ.
قَوْلُهُ: ﴿اليَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكم﴾ المُرادُ اليَوْمَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ الآيَةُ، وهو يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ لِثَمانٍ بَقِينَ مِن رَمَضانَ سَنَةَ تِسْعٍ وقِيلَ: سَنَةَ ثَمانٍ، وقِيلَ: المُرادُ بِاليَوْمِ الزَّمانُ الحاضِرُ وما يَتَّصِلُ بِهِ، ولَمْ يَرِدْ يَوْمًا مُعَيَّنًا و( يَئِسَ ) فِيهِ لُغَتانِ يَيِسَ بِياءَيْنِ يَأْسًا، وأيْسَ إياسًا وإياسَةً، قالَهُ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ؛ أيْ: حَصَلَ لَهُمُ اليَأْسُ مِن إبْطالِ دِينِكم وأنْ يَرُدُّوكم إلى دِينِهِمْ كَما كانُوا يَزْعُمُونَ ( فَلا تَخْشَوْهم ) أيْ: لا تَخافُوا مِنهم أنْ يَغْلِبُوكم أوْ يُبْطِلُوا دِينَكم ( واخْشَوْنِ ) فَأنا القادِرُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ إنْ نَصَرْتُكم فَلا غالِبَ لَكم، وإنْ خَذَلْتُكم لَمْ يَسْتَطِعْ غَيْرِي أنْ يَنْصُرَكم.
قَوْلُهُ: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾ جَعَلْتُهُ كامِلًا غَيْرَ مُحْتاجٍ إلى إكْمالٍ لِظُهُورِهِ عَلى الأدْيانِ كُلِّها وغَلَبَتِهِ لَها ولِكَمالِ أحْكامِهِ الَّتِي يَحْتاجُ المُسْلِمُونَ إلَيْها مِنَ الحَلالِ والحَرامِ والمُشْتَبَهِ، ووَفّى ما تَضَمَّنَهُ الكِتابُ والسُّنَّةُ مِن ذَلِكَ، ولا يَخْفى ما يُسْتَفادُ مِن تَقْدِيمِ قَوْلِهِ: ( لَكم ) قالَ الجُمْهُورُ: المُرادُ بِالإكْمالِ هُنا: نُزُولُ مُعْظَمِ الفَرائِضِ والتَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ.
قالُوا: وقَدْ نَزَلَ بَعْدَ ذَلِكَ قُرْآنٌ كَآيَةِ الرِّبا وآيَةِ الكَلالَةِ ونَحْوِهِما، والمُرادُ بِاليَوْمِ المَذْكُورِ هُنا هو يَوْمُ الجُمُعَةِ، وكانَ يَوْمُ عَرَفَةَ بَعْدَ العَصْرِ في حَجَّةِ الوَداعِ سَنَةَ عَشْرٍ، هَكَذا ثَبَتَ في الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، وقِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في يَوْمِ الحَجِّ الأكْبَرِ.
قَوْلُهُ: ﴿وأتْمَمْتُ عَلَيْكم نِعْمَتِي﴾ بِإكْمالِ الدِّينِ المُشْتَمِلِ عَلى الأحْكامِ وبِفَتْحِ مَكَّةَ وقَهْرِ الكُفّارِ وإياسِهِمْ عَنِ الظُّهُورِ عَلَيْكم كَما وعَدْتُكم بِقَوْلِي: ﴿ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ .
قَوْلُهُ: ﴿ورَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا﴾ أيْ: أخْبَرْتُكم بِرِضايَ بِهِ لَكم فَإنَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يَزَلْ راضِيًا لِأمَةِ نَبِيِّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِالإسْلامِ فَلا يَكُونُ لِاخْتِصاصِ الرِّضا بِهَذا اليَوْمِ كَثِيرُ فائِدَةٍ إنْ حَمَلْناهُ عَلى ظاهِرِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ رَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ الَّذِي أنْتُمْ عَلَيْهِ اليَوْمَ دِينًا باقِيًا إلى انْقِضاءِ أيّامِ الدُّنْيا، ودِينًا مُنْتَصِبٌ عَلى التَّمْيِيزِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا ثانِيًا.
قَوْلُهُ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ في مَخْمَصَةٍ﴾ هَذا مُتَّصِلٌ بِذِكْرِ المُحَرَّماتِ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ؛ أيْ: مَن دَعَتْهُ الضَّرُورَةُ ( في مَخْمَصَةٍ ) أيْ: مَجاعَةٍ إلى أكْلِ المَيْتَةِ وما بَعْدَها مِنَ المُحَرَّماتِ، والخَمْصُ: ضُمُورُ البَطْنِ، ورَجُلٌ خَمِيصٌ وخُمْصانٌ، وامْرَأةٌ (p-٣٥٤)خَمِيصَةٌ وخُمْصانَةٌ، ومِنهُ أخْمَصُ القَدَمِ، ويُسْتَعْمَلُ كَثِيرًا في الجُوعِ، قالَ الأعْشى:
؎تَبِيتُونَ في المَشْتاءِ مِلْأًى بُطُونُكم ∗∗∗ وجاراتُكم غَرْثى يَبِتْنَ خَمائِصا
قَوْلُهُ: ( غَيْرَ مُتَجانِفٍ ) الجَنَفُ: المَيْلُ، والإثْمُ: الحَرامُ؛ أيْ: حالَ كَوْنِ المُضْطَرِّ في مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مائِلٍ لِإثْمٍ، وهو بِمَعْنى غَيْرِ باغٍ ولا عادٍ، وكُلُّ مائِلٍ فَهو مُتَجانِفٌ وجَنَفٌ، وقَرَأ النَّخَعِيُّ، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، والسُّلَمِيُّ ( مُتَجَنِّفٍ ) ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ بِهِ لا يُؤاخِذُهُ بِما ألْجَأتْهُ إلَيْهِ الضَّرُورَةُ في الجُوعِ مَعَ عَدَمِ مَيْلِهِ بِأكْلِ ما حَرَّمَ عَلَيْهِ إلى الإثْمِ بِأنْ يَكُونَ باغِيًا عَلى غَيْرِهِ أوْ مُتَعَدِّيًا لِما دَعَتْ إلَيْهِ الضَّرُورَةُ حَسْبَما تَقَدَّمَ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: «( بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ إلى قَوْمِي أدْعُوهم إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ وأعْرِضُ عَلَيْهِمْ شَعائِرَ الإسْلامِ، فَبَيْنَما نَحْنُ كَذَلِكَ إذْ جاءُوا بِقَصْعَةِ دَمٍ واجْتَمَعُوا عَلَيْها يَأْكُلُونَها، قالُوا: هَلُمَّ يا صَدِّيُّ فَكُلْ، قُلْتُ: ويَحْكم إنَّما أتَيْتُكم مِن عِنْدِ مَن يُحَرِّمُ هَذا عَلَيْكم، لِما أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ، قالُوا: وما ذَلِكَ ؟ قالَ: فَتَلَوْتُ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ )» وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ قالَ: وما أُهِلَّ لِلطَّواغِيتِ بِهِ: ( والمُنْخَنِقَةُ ) قالَ: الَّتِي تُخْنَقُ فَتَمُوتُ ( والمَوْقُوذَةُ ) قالَ: الشّاةُ الَّتِي تَنْطَحُ الشّاةَ ﴿وما أكَلَ السَّبُعُ﴾ يَقُولُ: ما أخَذَ السَّبُعُ ( إلّا ما ذَكَّيْتُمْ ) يَقُولُ: ذَبَحْتُمْ مِن ذَلِكَ، وبِهِ رُوحٌ فَكُلُوهُ ﴿وما ذُبِحَ عَلى النُّصُبِ﴾ قالَ: النُّصُبُ أنْصابٌ كانُوا يَذْبَحُونَ ويُهِلُّونَ عَلَيْها ﴿وأنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأزْلامِ﴾ قالَ: هي القِداحُ كانُوا يَسْتَقْسِمُونَ بِها في الأُمُورِ ( ذَلِكم فِسْقٌ ) يَعْنِي مَن أكَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ فَهو فِسْقٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: الرَّداةُ الَّتِي تَتَرَدّى في البِئْرِ، والمُتَرَدِّيَةُ الَّتِي تَتَرَدّى مِنَ الجَبَلِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأزْلامِ﴾ قالَ: حَصى بِيضٍ كانُوا يَضْرِبُونَ بِها. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الحَسَنِ في الآيَةِ قالَ: كانُوا إذا أرادُوا أمْرًا أوْ سَفَرًا يَعْمِدُونَ إلى قِداحٍ ثَلاثَةٍ يَكْتُبُونَ عَلى واحِدٍ مِنها: أمَرَنِي، وعَلى الآخَرِ: نَهانِي، ويَتْرُكُونَ الثّالِثَ مُخَلَّلًا بَيْنَهُما لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ ثُمَّ يُجِيلُونَها، فَإنْ خَرَجَ الَّذِي عَلَيْهِ أمَرَنِي مَضَوْا لِأمْرِهِمْ، وإنْ خَرَجَ الَّذِي عَلَيْهِ نَهانِي كَفُّوا، وإنْ خَرَجَ الَّذِي لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ أعادُوها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿اليَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكم﴾ قالَ: يَئِسُوا أنْ يَرْجِعُوا إلى دِينِهِمْ أبَدًا.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: يَقُولُ يَئِسَ أهْلُ مَكَّةَ أنْ يَرْجِعُوا إلى دِينِهِمْ عِبادَةِ الأوْثانِ أبَدًا ( فَلا تَخْشَوْهم ) في اتِّباعِ مُحَمَّدٍ ( واخْشَوْنِ ) في عِبادَةِ الأوْثانِ وتَكْذِيبِ مُحَمَّدٍ فَلَمّا كانَ واقِفًا بِعَرَفاتٍ نَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ وهو رافِعٌ يَدَيْهِ والمُسْلِمُونَ يَدْعُونَ اللَّهَ ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾ يَقُولُ: حَلالُكم وحَرامُكم فَلَمْ يَنْزِلْ بَعْدَ هَذا حَلالٌ ولا حَرامٌ ﴿وأتْمَمْتُ عَلَيْكم نِعْمَتِي﴾ قالَ: مِنَّتِي، فَلَمْ يَحُجَّ مَعَكم مُشْرِكٌ ( ورَضِيتُ ) يَقُولُ: اخْتَرْتُ ( ﴿لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا﴾ فَمَكَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أحَدًا وثَمانِينَ يَوْمًا، ثُمَّ قَبَضَهُ اللَّهُ إلَيْهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: أخْبَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ والمُؤْمِنِينَ أنَّهُ أكْمَلَ لَهُمُ الإيمانَ فَلا يَحْتاجُونَ إلى زِيادَةٍ أبَدًا، وقَدْ أتَمَّهُ فَلا يَنْقُصُ أبَدًا، وقَدْ رَضِيَهُ فَلا يُسْخِطُهُ أبَدًا.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما، عَنْ طارِقِ بْنِ شِهابٍ قالَ: قالَتِ اليَهُودُ لِعُمَرَ: إنَّكم تَقْرَءُونَ آيَةً في كِتابِكم لَوْ عَلَيْنا مَعْشَرَ اليَهُودِ نَزَلَتْ لاتَّخَذْنا ذَلِكَ اليَوْمَ عِيدًا، قالَ: وأيُّ آيَةٍ ؟ قالُوا: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾ قالَ عُمَرُ: واللَّهِ إنِّي لَأعْلَمُ اليَوْمَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ والسّاعَةَ الَّتِي نَزَلَتْ فِيها، نَزَلَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ في يَوْمِ الجُمُعَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ( فَمَنِ اضْطُرَّ ) يَعْنِي إلى ما حُرِّمَ مِمّا سُمِّيَ في صَدْرِ هَذِهِ السُّورَةِ ( في مَخْمَصَةٍ ) يَعْنِي في مَجاعَةٍ ( غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإثْمٍ ) يَقُولُ: غَيْرَ مُتَعَمِّدٍ لِإثْمٍ.
المائدة 5:4
هَذا شُرُوعٌ في بَيانِ ما أحَلَّهُ اللَّهُ لَهم بَعْدَ بَيانِ ما حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وسَيَأْتِي ذِكْرُ سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ، قَوْلُهُ: ( ماذا أُحِلَّ لَهم ) أيُّ شَيْءٍ أُحِلَّ لَهم، أوْ ما الَّذِي أُحِلَّ لَهم مِنَ المَطاعِمِ إجْمالًا ومِنَ الصَّيْدِ ومِن طَعامِ أهْلِ الكِتابِ ومِن نِسائِهِمْ، قَوْلُهُ: ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ﴾ هي ما يَسْتَلِذُّهُ آكِلُهُ ويَسْتَطِيبُهُ مِمّا أحَلَّهُ اللَّهُ لِعِبادِهِ، وقِيلَ: هي الحَلالُ، وقَدْ سَبَقَ الكَلامُ في هَذا، وقِيلَ: الطَّيِّباتُ: الذَّبائِحُ؛ لِأنَّها طابَتْ بِالتَّذْكِيَةِ، وهو تَخْصِيصٌ لِلْعامِّ بِغَيْرِ مُخَصِّصٍ، والسَّبَبُ والسِّياقُ لا يَصْلُحانِ لِذَلِكَ.
قَوْلُهُ: ﴿وما عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوارِحِ﴾ وهو مَعْطُوفٌ عَلى الطَّيِّباتِ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ لِتَصْحِيحِ المَعْنى؛ أيْ: أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وأُحِلَّ لَكم صَيْدُ ما عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوارِحِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ الحَنَفِيَّةِ ( عُلِّمْتُمْ ) بِضَمِّ العَيْنِ وكَسْرِ اللّامِ؛ أيْ: عُلِّمْتُمْ مِن أمْرِ الجَوارِحِ والصَّيْدِ بِها.
قالَ القُرْطُبِيُّ: وقَدْ ذَكَرَ بَعْضَ مَن صَنَّفَ في أحْكامِ القُرْآنِ أنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ الإباحَةَ تَناوَلَتْ ما عَلَّمْنا مِنَ الجَوارِحِ، وهو يَتَضَمَّنُ الكَلْبَ وسائِرَ جَوارِحِ الطَّيْرِ، وذَلِكَ يُوجِبُ إباحَةَ سائِرِ وُجُوهِ الِانْتِفاعِ، فَدَلَّ عَلى جَوازِ بَيْعِ الكَلْبِ والجَوارِحِ والِانْتِفاعِ بِها بِسائِرِ وُجُوهِ المَنافِعِ إلّا ما خَصَّهُ الدَّلِيلُ: وهو (p-٣٥٥)الأكْلُ مِنَ الجَوارِحِ؛ أيِ: الكَواسِبُ مِنَ الكِلابِ وسِباعُ الطَّيْرِ، قالَ: أجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى أنَّ الكَلْبَ إذا لَمْ يَكُنْ أسْوَدَ، وعَلَّمَهُ مُسْلِمٌ، ولَمْ يَأْكُلْ مِن صَيْدِهِ الَّذِي صادَهُ، وأثَّرَ فِيهِ بِجُرْحٍ أوْ تَنْيِيبٍ، وصادَ بِهِ مُسْلِمٌ، وذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ عِنْدَ إرْسالِهِ أنَّ صَيْدَهُ صَحِيحٌ يُؤْكَلُ بِلا خِلافٍ.
فَإنِ انْخَرَمَ شَرْطٌ مِن هَذِهِ الشُّرُوطِ دَخَلَ الخِلافُ، فَإنْ كانَ الَّذِي يُصادُ بِهِ غَيْرُ كَلْبٍ كالفَهْدِ وما أشْبَهَهُ، وكالبازِي والصَّقْرِ ونَحْوِهِما مِنَ الطَّيْرِ فَجُمْهُورُ الأُمَّةِ عَلى أنَّ كُلَّ ما صادَ بَعْدَ التَّعْلِيمِ فَهو جارِحٌ كاسِبٌ، يُقالُ: جُرِحَ فُلانٌ واجْتَرَحَ: إذا اكْتَسَبَ، ومِنهُ الجارِحَةُ؛ لِأنَّهُ يُكْتَسَبُ بِها، ومِنهُ اجْتِراحُ السَّيِّئاتِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ﴾ .
قَوْلُهُ: ( مُكَلِّبِينَ ) حالٌ، والمُكَلِّبُ: مُعَلِّمُ الكِلابِ لِكَيْفِيَّةِ الِاصْطِيادِ، والأخَصُّ مُعَلِّمُ الكِلابِ وإنْ كانَ مُعَلِّمَ سائِرِ الجَوارِحِ مِثْلَهُ؛ لِأنَّ الِاصْطِيادَ بِالكِلابِ هو الغالِبُ، ولَمْ يَكْتَفِ بِقَوْلِهِ: ﴿وما عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوارِحِ﴾ مَعَ أنَّ التَّكْلِيبَ هو التَّعْلِيمُ، لِقَصْدِ التَّأْكِيدِ لِما لا بُدَّ مِنهُ مِنَ التَّعْلِيمِ، وقِيلَ: إنَّ السَّبُعَ يُسَمّى كَلْبًا فَيَدْخُلُ كُلُّ سَبْعٍ يُصادُ بِهِ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ خاصَّةً بِالكِلابِ، وقَدْ حَكى ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ قالَ: ما يُصادُ بِالبُزاةِ وغَيْرِها مِنَ الطَّيْرِ فَما أدْرَكْتَ ذَكاتَهُ فَهو لَكَ حَلالٌ، وإلّا فَلا تَطْعَمْهُ.
قالَ ابْنُ المُنْذِرِ: وسُئِلَ أبُو جَعْفَرٍ عَنِ البازِي: هَلْ يَحِلُّ صَيْدُهُ ؟ قالَ: لا، إلّا أنْ تُدْرِكَ ذَكاتَهُ، وقالَ الضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ: ﴿وما عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ هي الكِلابُ خاصَّةً، فَإنْ كانَ الكَلْبُ أسْوَدَ بَهِيمًا فَكَرِهَ صَيْدَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، والنَّخَعِيُّ.
وقالَ أحْمَدُ: ما أعْرِفُ أحَدًا يُرَخِّصُ فِيهِ إذا كانَ بَهِيمًا، وبِهِ قالَ ابْنُ راهَوَيْهِ فَأمّا عامَّةُ أهْلِ العِلْمِ بِالمَدِينَةِ والكُوفَةِ فَيَرَوْنَ جَوازَ صَيْدِ كُلِّ كَلْبٍ مُعَلَّمٍ، واحْتَجَّ مَن مَنَعَ مِن صَيْدِ الكَلْبِ الأسْوَدِ بِقَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «الكَلْبُ الأسْوَدُ شَيْطانٌ» .
أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ، والحَقُّ أنْ يَحِلَّ صَيْدُ كُلِّ ما يَدْخُلُ تَحْتَ عُمُومِ الجَوارِحِ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ الكَلْبِ وغَيْرِهِ وبَيْنَ الأسْوَدِ مِنَ الكِلابِ وغَيْرِهِ وبَيْنَ الطَّيْرِ وغَيْرِهِ، ويُؤَيِّدُ هَذا أنَّ سَبَبَ نُزُولِ الآيَةِ سُؤالُ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ عَنْ صَيْدِ البازِي كَما سَيَأْتِي قَوْلُهُ: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ؛ أيْ: مِمّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ مِمّا أدْرَكْتُمُوهُ بِما خَلَقَهُ فِيكم مِنَ العَقْلِ الَّذِي تَهْتَدُونَ بِهِ إلى تَعْلِيمِها وتَدْرِيبِها حَتّى تَصِيرَ قابِلَةً لِإمْساكِ الصَّيْدِ عِنْدَ إرْسالِكم لَها، قَوْلُهُ: ﴿فَكُلُوا مِمّا أمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ الفاءُ لِلتَّفْرِيعِ، والجُمْلَةُ مُتَفَرِّعَةٌ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن تَحْلِيلِ صَيْدِ ما عَلَّمُوهُ مِنَ الجَوارِحِ، ومِن في قَوْلِهِ: ﴿مِمّا أمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ لِلتَّبْعِيضِ؛ لِأنَّ بَعْضَ الصَّيْدِ لا يُؤْكَلُ كالجِلْدِ والعَظْمِ وما أكَلَهُ الكَلْبُ ونَحْوُهُ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ أنْ يُمْسِكَهُ عَلى صاحِبِهِ فَإنْ أكَلَ مِنهُ فَإنَّما أمْسَكَهُ عَلى نَفْسِهِ كَما في الحَدِيثِ الثّابِتِ في الصَّحِيحِ.
وقَدْ ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّهُ لا يَحِلُّ أكْلُ الصَّيْدِ الَّذِي يَقْصِدُهُ الجارِحُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ مِن غَيْرِ إرْسالٍ، وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ، والأوْزاعِيُّ: وهو مَرْوِيٌّ عَنْ سَلْمانَ الفارِسِيِّ، وسَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ، وأبِي هُرَيْرَةَ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، ورُوِيَ، عَنْ عَلِيٍّ، وابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، البَصْرِيِّ، والزُّهْرِيِّ، ورَبِيعَةَ، ومالِكٍ، والشّافِعِيِّ في القَدِيمِ أنَّهُ يُؤْكَلُ صَيْدُهُ، ويَرُدُّ عَلَيْهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِمّا أمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾، وقَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لِعَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ: «إذا أرْسَلْتَ كَلْبَكَ المُعَلَّمَ وذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ ما أمْسَكَ عَلَيْكَ» وهو في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما، وفي لَفْظٍ لَهُما: «فَإنْ أكَلَ فَلا تَأْكُلْ فَإنِّي أخافُ أنْ يَكُونَ أمْسَكَ عَلى نَفْسِهِ» وأمّا ما أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ بِإسْنادٍ جَيِّدٍ مِن حَدِيثِ أبِي ثَعْلَبَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إذا أرْسَلَتْ كَلْبَكَ المُعَلَّمَ وذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ فَكُلْ وإنْ أكَلَ مِنهُ» وقَدْ أخْرَجَهُ أيْضًا بِإسْنادٍ جَيِّدٍ مِن حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ.
وأخْرَجَهُ أيْضًا النَّسائِيُّ فَقَدْ جَمَعَ بَعْضُ الشّافِعِيَّةِ بَيْنَ هَذِهِ الأحادِيثِ بِأنَّهُ إنْ أكَلَ عَقِبَ ما أمْسَكَهُ فَإنَّهُ يَحْرُمُ لِحَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ، وإنْ أمْسَكَهُ ثُمَّ انْتَظَرَ صاحِبَهُ فَطالَ عَلَيْهِ الِانْتِظارُ وجاعَ فَأكَلَ مِنَ الصَّيْدِ لِجُوعِهِ لا لِكَوْنِهِ أمْسَكَهُ عَلى نَفْسِهِ فَإنَّهُ لا يُؤْثَرُ ذَلِكَ ولا يَحْرُمُ بِهِ الصَّيْدُ، وحَمَلُوا عَلى ذَلِكَ حَدِيثَ أبِي ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيِّ، وحَدِيثَ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، وهَذا جَمْعٌ حَسَنٌ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ إذا أكَلَ الكَلْبُ مِنهُ حُرِّمَ لِحَدِيثِ عَدِيٍّ، وإنْ أكَلَ غَيْرَهُ لَمْ يَحْرُمْ لِلْحَدِيثَيْنِ الآخَرَيْنِ، وقِيلَ: يُحْمَلُ حَدِيثُ أبِي ثَعْلَبَةَ عَلى ما إذا أمْسَكَهُ وخَلّاهُ، ثُمَّ عادَ فَأكَلَ مِنهُ.
وقَدْ سَلَكَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ العِلْمِ طَرِيقَ التَّرْجِيحِ ولَمْ يَسْلُكُوا طَرِيقَ الجَمْعِ لِما فِيها مِنَ البُعْدِ، قالُوا: وحَدِيثُ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ أرْجَحُ لِكَوْنِهِ في الصَّحِيحَيْنِ، وقَدْ قَرَّرْتُ هَذا المَسْلَكَ في شَرْحِي لِلْمُنْتَقى بِما يَزِيدُ النّاظِرَ فِيهِ بَصِيرَةً.
قَوْلُهُ: ﴿واذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ الضَّمِيرُ في ( عَلَيْهِ ) يَعُودُ إلى ( ما عَلَّمْتُمْ ) أيْ: سَمُّوا عَلَيْهِ عِنْدَ إرْسالِهِ، أوْ لِما أمْسَكْنَ عَلَيْكم؛ أيْ: سَمُّوا عَلَيْهِ إذا أرَدْتُمْ ذَكاتَهُ، وقَدْ ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى وُجُوبِ التَّسْمِيَةِ عِنْدَ إرْسالِ الجارِحِ، واسْتَدَلُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ، ويُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ الثّابِتُ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما بِلَفْظِ: «إذا أرْسَلْتَ كَلْبَكَ فاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ وإذا رَمَيْتَ بِسَهْمِكَ فاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ» .
وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: إنَّ المُرادَ التَّسْمِيَةَ عِنْدَ الأكْلِ، قالَ القُرْطُبِيُّ: وهو الأظْهَرُ، واسْتَدَلُّوا بِالأحادِيثِ الَّتِي فِيها الإرْشادُ إلى التَّسْمِيَةِ وهَذا خَطَأٌ، فَإنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قَدْ وقَّتَ التَّسْمِيَةَ بِإرْسالِ الكَلْبِ وإرْسالِ السَّهْمِ، ومَشْرُوعِيَّةُ التَّسْمِيَةِ عِنْدَ الأكْلِ حُكْمٌ آخَرُ، ومَسْألَةٌ غَيْرُ هَذِهِ المَسْألَةِ فَلا وجْهَ لِحَمْلِ ما ورَدَ في الكِتابِ والسُّنَّةِ هُنا عَلى ما ورَدَ في التَّسْمِيَةِ عِنْدَ الأكْلِ، ولا مُلْجِئَ إلى ذَلِكَ، وفي لَفْظٍ في الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ عَدِيٍّ: «إنْ أرْسَلْتَ كَلْبَكَ وسَمَّيْتَ فَأخَذَ فَكُلْ» وقَدْ ذَهَبَ جَماعَةٌ إلى أنَّ التَّسْمِيَةَ شَرْطٌ وذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّها سُنَّةٌ فَقَطْ، وذَهَبَ جَماعَةٌ إلى أنَّها شَرْطٌ عَلى الذّاكِرِ لا النّاسِي، وهَذا أقْوى الأقْوالِ وأرْجَحُها
قَوْلُهُ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ أيْ: حِسابُهُ سُبْحانَهُ سَرِيعٌ إتْيانُهُ وكُلُّ آتٍ قَرِيبٌ، قَوْلُهُ: ﴿اليَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُؤَكِّدَةٌ لِلْجُمْلَةِ الأُولى، وهي قَوْلُهُ: ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ الطَّيِّباتِ.
(p-٣٥٦)قَوْلُهُ: ﴿وطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حِلٌّ لَكم﴾ الطَّعامُ: اسْمٌ لِما يُؤْكَلُ، ومِنهُ الذَّبائِحُ، وذَهَبَ أكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ إلى تَخْصِيصِهِ هُنا بِالذَّبائِحِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ جَمِيعَ طَعامِ أهْلِ الكُتُبِ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ اللَّحْمِ وغَيْرِهِ حَلالٌ لِلْمُسْلِمِينَ وإنْ كانُوا لا يَذْكُرُونَ عَلى ذَبائِحِهِمُ اسْمَ اللَّهِ، وتَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ مُخَصِّصَةً لِعُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿ولا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] وظاهِرُ هَذا أنَّ ذَبائِحَ أهْلِ الكِتابِ حَلالٌ، وإنْ ذَكَرَ اليَهُودِيُّ عَلى ذَبِيحَتِهِ اسْمَ عُزَيْرٍ، وذَكَرَ النَّصْرانِيُّ عَلى ذَبِيحَتِهِ اسْمَ المَسِيحِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ أبُو الدَّرْداءِ، وعِبادَةُ بْنُ الصّامِتِ، وابْنُ عَبّاسٍ، والزُّهْرِيُّ، ورَبِيعَةُ، والشَّعْبِيُّ، ومَكْحُولٌ.
وقالَ عَلِيٌّ وعائِشَةُ وابْنُ عُمَرَ: إذا سَمِعْتَ الكِتابِيَّ يُسَمِّي غَيْرَ اللَّهِ فَلا تَأْكُلْ، وهو قَوْلُ طاوُسٍ، والحَسَنُ وتَمَسَّكُوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ولا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ٣٠ [الأنعام: ١٢١] ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا قَوْلُهُ: وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ [المائدة: ٣] وقالَ مالِكٌ: إنَّهُ يُكْرَهُ ولا يَحْرُمُ، فَهَذا الخِلافُ إذا عَلِمْنا أنَّ أهْلَ الكِتابِ ذَكَرُوا عَلى ذَبائِحِهِمُ اسْمَ غَيْرِ اللَّهِ، وأمّا مَعَ عَدَمِ العِلْمِ فَقَدْ حَكى الكِيا الطَّبَرِيُّ، وابْنُ كَثِيرٍ الإجْماعَ عَلى حِلِّها لِهَذِهِ الآيَةِ، ولِما ورَدَ في السُّنَّةِ مِن أكْلِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِنَ الشّاةِ المَصْلِيَّةِ الَّتِي أهْدَتْها إلَيْهِ اليَهُودِيَّةُ، وهو في الصَّحِيحِ، وكَذَلِكَ الجِرابُ الشَّحْمُ الَّذِي أخَذَهُ بَعْضُ الصَّحابَةِ مِن خَيْبَرَ وعَلِمَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وهو في الصَّحِيحِ أيْضًا وغَيْرُ ذَلِكَ، والمُرادُ بِأهْلِ الكِتابِ هُنا اليَهُودُ والنَّصارى.
وأمّا المَجُوسُ، فَذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّها لا تُؤْكَلْ ذَبائِحُهم ولا تُنْكَحُ نِساؤُهم؛ لِأنَّهم لَيْسُوا بِأهْلِ كِتابٍ عَلى المَشْهُورِ عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ، وخالَفَ في ذَلِكَ أبُو ثَوْرٍ، وأنْكَرَ عَلَيْهِ الفُقَهاءُ ذَلِكَ حَتّى قالَ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: أبُو ثَوْرٍ كاسْمِهِ، يَعْنِي في هَذِهِ المَسْألَةِ، وكَأنَّهُ تَمَسَّكَ بِما يُرْوى عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مُرْسَلًا أنَّهُ قالَ في المَجُوسِ: سَنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أهْلِ الكِتابِ، ولَمْ يَثْبُتْ بِهَذا اللَّفْظِ، وعَلى فَرْضِ أنَّ لَهُ أصْلًا فَفِيهِ زِيادَةٌ تَدْفَعُ ما قالَهُ، وهي قَوْلُهُ: غَيْرَ آكِلِي ذَبائِحِهِمْ ولا ناكِحِي نِسائِهِمْ، وقَدْ رَواهُ بِهَذِهِ الزِّيادَةِ جَماعَةٌ مِمَّنْ لا خِبْرَةَ لَهُ بِفَنِّ الحَدِيثِ مِنَ المُفَسِّرِينَ والفُقَهاءِ، ولَمْ يَثْبُتِ الأصْلُ ولا الزِّيادَةُ، بَلِ الَّذِي ثَبَتَ في الصَّحِيحِ أنَّ «النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أخَذَ الجِزْيَةَ مِن مَجُوسِ هَجَرَ»، وأمّا بَنُو تَغْلَبَ فَكانَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ يَنْهى عَنْ ذَبائِحِهِمْ؛ لِأنَّهم عَرَبٌ، وكانَ يَقُولُ: إنَّهم لَمْ يَتَمَسَّكُوا بِشَيْءٍ مِنَ النَّصْرانِيَّةِ إلّا بِشُرْبِ الخَمْرِ، وهَكَذا سائِرُ العَرَبِ المُتَنَصِّرَةِ كَتَنُوخَ وجُذامٍ ولَخْمٍ وعامِلَةَ ومَن أشْبَهَهم.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهو قَوْلُ غَيْرِ واحِدٍ مِنَ السَّلَفِ والخَلَفِ، ورُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، والحَسَنِ، البَصْرِيِّ أنَّهُما كانا لا يَرَيانِ بَأْسًا بِذَبِيحَةِ نَصارى بَنِي تَغْلَبَ، وقالَ القُرْطُبِيُّ: وقالَ جُمْهُورُ الأُمَّةِ: إنَّ ذَبِيحَةَ كُلِّ نَصْرانِيٍّ حَلالٌ سَواءٌ كانَ مِن بَنِي تَغْلَبَ أوْ مِن غَيْرِهِمْ، وكَذَلِكَ اليَهُودُ، قالَ: ولا خِلافَ بَيْنِ العُلَماءِ أنَّ ما لا يَحْتاجُ إلى ذَكاةٍ كالطَّعامِ يَجُوزُ أكْلُهُ.
قَوْلُهُ: وطَعامُكم حِلٌّ لَهم أيْ: وطَعامُ المُسْلِمِينَ حَلالٌ لِأهْلِ الكِتابِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِينَ أنْ يُطْعِمُوا أهْلَ الكِتابِ مِن ذَبائِحِهِمْ، وهَذا مِن بابِ المُكافَأةِ والمُجازاةِ وإخْبارِ المُسْلِمِينَ بِأنَّ ما يَأْخُذُونَهُ مِنهم مِن أعْراضِ الطَّعامِ حَلالٌ لَهم بِطَرِيقِ الدَّلالَةِ الِالتِزامِيَّةِ، قَوْلُهُ: والمُحْصَناتُ مِنَ المُؤْمِناتِ اخْتُلِفَ في تَفْسِيرِ المُحْصَناتِ هُنا، فَقِيلَ: العَفائِفُ، وقِيلَ: الحَرائِرُ، وقَرَأ الشَّعْبِيُّ بِكَسْرِ الصّادِ، وبِهِ قَرَأ الكِسائِيُّ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في هَذا مُسْتَوْفًى في البَقَرَةِ والنِّساءِ، والمُحْصَناتُ مُبْتَدَأٌ، ومِنَ المُؤْمِناتِ وصْفٌ لَهُ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: حِلٌّ لَكم، وذَكَرَهُنَّ هُنا تَوْطِئَةً وتَمْهِيدًا لِقَوْلِهِ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم﴾ والمُرادُ بِهِنَّ الحَرائِرُ دُونَ الإماءِ، هَكَذا قالَ الجُمْهُورُ، وحَكى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ طائِفَةٍ مِنَ السَّلَفِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَعُمُّ كُلَّ كِتابِيَّةٍ حُرَّةٍ أوْ أمَةٍ، وقِيلَ: المُرادُ بِأهْلِ الكِتابِ هُنا الإسْرائِيلِيّاتِ، وبِهِ قالَ الشّافِعِيُّ، وهو تَخْصِيصٌ بِغَيْرِ مُخَصِّصٍ.
وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: لا تَحِلُّ النَّصْرانِيَّةُ، قالَ: ولا أعْلَمُ شِرْكًا أكْبَرَ مِن أنْ تَقُولَ رَبُّها عِيسى، وقَدْ قالَ اللَّهُ: ﴿ولا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١] الآيَةَ، ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُخَصِّصَةٌ لِلْكِتابِيّاتِ مِن عُمُومِ المُشْرِكاتِ فَيُبْنى العامُّ عَلى الخاصِّ، وقَدِ اسْتَدَلَّ مَن حَرَّمَ نِكاحَ الإماءِ الكِتابِيّاتِ بِهَذِهِ الآيَةِ لِأنَّهُ حَمَلَها عَلى الحَرائِرِ، وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِن فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ﴾ [النساء: ٢٥] وقَدْ ذَهَبَ إلى هَذا كَثِيرٌ مِن أهْلِ العِلْمِ وخالَفَهم مَن قالَ: إنَّ الآيَةَ تَعُمُّ أوْ تَخُصُّ العَفائِفَ كَما تَقَدَّمَ.
والحاصِلُ أنَّهُ يَدْخُلُ تَحْتَ هَذِهِ الآيَةِ الحُرَّةُ العَفِيفَةُ مِنَ الكِتابِيّاتِ عَلى جَمِيعِ الأقْوالِ إلّا عَلى قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ في النَّصْرانِيَّةِ، ويَدْخُلُ تَحْتَها الحُرَّةُ الَّتِي لَيْسَتْ بِعَفِيفَةٍ والأمَةُ العَفِيفَةُ، عَلى قَوْلِ مَن يَقُولُ: إنَّهُ يَجُوزُ اسْتِعْمالُ المُشْرِكِ في كِلا مَعْنَيَيْهِ، وأمّا مَن لَمْ يُجَوِّزْ ذَلِكَ فَإنْ حَمَلَ المُحْصَناتِ هُنا عَلى الحَرائِرِ لَمْ يَقُلْ بِجَوازِ نِكاحِ الأمَةِ عَفِيفَةً كانَتْ أوْ غَيْرَ عَفِيفَةٍ إلّا بِدَلِيلٍ آخَرَ، ويَقُولُ بِجَوازِ نِكاحِ الحُرَّةِ العَفِيفَةِ كانَتْ أوْ غَيْرَ عَفِيفَةٍ، وإنْ حَمَلَ المُحْصَناتُ هُنا عَلى العَفائِفِ قالَ بِجَوازِ نِكاحِ الحُرَّةِ العَفِيفَةِ والأمَةِ العَفِيفَةِ دُونَ غَيْرِ العَفِيفَةِ مِنهُما، قَوْلُهُ: إذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ أيْ: مُهُورَهُنَّ، وجَوابُ ( إذا ) مَحْذُوفٌ؛ أيْ: فَهُنَّ حَلالٌ، أوْ هي ظَرْفٌ لِخَبَرِ المُحْصَناتِ المُقَدَّرِ؛ أيْ: حِلٌّ لَكم قَوْلُهُ: ( مُحْصِنِينَ ) مَنصُوبٌ عَلى الحالِ؛ أيْ: حالَ كَوْنِكم أعِفّاءَ بِالنِّكاحِ، وكَذا قَوْلُهُ: ( غَيْرَ مُسافِحِينَ ) مَنصُوبٌ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في مُحْصِنِينَ أوْ صِفَةٌ لِمُحْصِنِينَ، والمَعْنى: غَيْرُ مُجاهِرِينَ بِالزِّنا.
قَوْلُهُ: ولا مُتَّخِذِي أخْدانٍ مَعْطُوفٌ عَلى ( غَيْرَ مُسافِحِينَ ) أوْ عَلى ( مُسافِحِينَ )، ( ولا ) مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، والخِدْنُ يَقَعُ عَلى الذَّكَرِ والأُنْثى؛ أيْ: لَمْ يَتَّخِذُوا مَعْشُوقاتٍ، فَقَدْ شَرَطَ اللَّهُ في الرِّجالِ العِفَّةَ وعَدَمَ المُجاهَرَةِ بِالزِّنا وعَدَمَ اتِّخاذِ أخْدانٍ، كَما شَرَطَ في النِّساءِ أنْ يَكُنَّ مُحْصَناتٍ ومَن يَكْفُرْ بِالإيمانِ أيْ بِشَرائِعِ الإسْلامِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ أيْ: بَطَلَ وهو في الآخِرَةِ مِنَ الخاسِرِينَ وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ ( فَقَدْ حَبَطَ ) بِفَتْحِ الباءِ. اهـ.
(p-٣٥٧)وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ «عَنْ أبِي رافِعٍ: أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أمَرَهُ بِقَتْلِ الكِلابِ في النّاسِ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ ماذا يَحِلُّ لَنا مِن هَذِهِ الأُمَّةِ الَّتِي أمَرْتَ بِقَتْلِها ؟ فَسَكَتَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: يَسْألُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهم الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّ عَدِيَّ بْنَ حاتِمٍ، وزَيْدَ بْنَ المُهَلْهِلِ الطّائِيَّيْنِ سَألا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالا: يا رَسُولَ اللَّهِ إنّا قَوْمٌ نَصِيدُ بِالكِلابِ والبُزاةِ؛ فَنَزَلَتْ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ: أنَّ عَدِيَّ بْنَ حاتِمٍ الطّائِيَّ أتى رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَسَألَهُ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: وما عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ قالَ: هي الكِلابُ المُعَلَّمَةُ، والبازِي والجَوارِحُ يَعْنِي الكِلابَ والفُهُودَ والصُّقُورَ وأشْباهَها، أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: آيَةُ المُعَلَّمِ أنْ يُمْسِكَ صَيْدَهُ فَلا يَأْكُلْ مِنهُ حَتّى يَأْتِيَ صاحِبُهُ.
وأخْرَجَ عَنْهُ أيْضًا قالَ: إذا أكَلَ الكَلْبُ فَلا تَأْكُلْ، فَإنَّما أمْسَكَ عَلى نَفْسِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ نَحْوَهُ، وزادَ: وإذا أكَلَ الصَّقْرُ فَلا تَأْكُلْ؛ لِأنَّ الكَلْبَ تَسْتَطِيعُ أنْ تَضْرِبَهُ والصَّقْرَ لا تَسْتَطِيعُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: وطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ قالَ: ذَبائِحُهم، وفي قَوْلِهِ: والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم قالَ: حِلٌّ لَكم إذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ يَعْنِي: مُهُورَهُنَّ ( مُحْصِنِينَ ) يَعْنِي تَنْكِحُونَهُنَّ بِالمَهْرِ والبَيِّنَةِ ( غَيْرَ مُسافِحِينَ ) غَيْرَ مُتَغالِينَ بِالزِّنا ولا مُتَّخِذِي أخْدانٍ يَعْنِي يُسِرُّونَ بِالزِّنا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: والمُحْصَناتُ مِنَ المُؤْمِناتِ والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ قالَ: أحَلَّ اللَّهُ لَنا مُحْصَنَتَيْنِ مُحْصَنَةٌ مُؤْمِنَةٌ ومُحْصَنَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ، نِساؤُنا عَلَيْهِمْ حَرامٌ، ونِساؤُهم لَنا حَلالٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «فَنَتَزَوَّجُ نِساءَ أهْلِ الكِتابِ ولا يَتَزَوَّجُونَ نِساءَنا» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: المُسْلِمُ يَتَزَوَّجُ النَّصْرانِيَّةَ ولا يَتَزَوَّجُ النَّصْرانِيُّ المُسْلِمَةَ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّما أُحِلَّتْ ذَبائِحُ اليَهُودِ والنَّصارى مِن أجْلِ أنَّهم آمَنُوا بِالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ قالَ: الحَرائِرُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: العَفائِفُ.
المائدة 5:5
هَذا شُرُوعٌ في بَيانِ ما أحَلَّهُ اللَّهُ لَهم بَعْدَ بَيانِ ما حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وسَيَأْتِي ذِكْرُ سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ، قَوْلُهُ: ( ماذا أُحِلَّ لَهم ) أيُّ شَيْءٍ أُحِلَّ لَهم، أوْ ما الَّذِي أُحِلَّ لَهم مِنَ المَطاعِمِ إجْمالًا ومِنَ الصَّيْدِ ومِن طَعامِ أهْلِ الكِتابِ ومِن نِسائِهِمْ، قَوْلُهُ: ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ﴾ هي ما يَسْتَلِذُّهُ آكِلُهُ ويَسْتَطِيبُهُ مِمّا أحَلَّهُ اللَّهُ لِعِبادِهِ، وقِيلَ: هي الحَلالُ، وقَدْ سَبَقَ الكَلامُ في هَذا، وقِيلَ: الطَّيِّباتُ: الذَّبائِحُ؛ لِأنَّها طابَتْ بِالتَّذْكِيَةِ، وهو تَخْصِيصٌ لِلْعامِّ بِغَيْرِ مُخَصِّصٍ، والسَّبَبُ والسِّياقُ لا يَصْلُحانِ لِذَلِكَ.
قَوْلُهُ: ﴿وما عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوارِحِ﴾ وهو مَعْطُوفٌ عَلى الطَّيِّباتِ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ لِتَصْحِيحِ المَعْنى؛ أيْ: أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وأُحِلَّ لَكم صَيْدُ ما عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوارِحِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ الحَنَفِيَّةِ ( عُلِّمْتُمْ ) بِضَمِّ العَيْنِ وكَسْرِ اللّامِ؛ أيْ: عُلِّمْتُمْ مِن أمْرِ الجَوارِحِ والصَّيْدِ بِها.
قالَ القُرْطُبِيُّ: وقَدْ ذَكَرَ بَعْضَ مَن صَنَّفَ في أحْكامِ القُرْآنِ أنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ الإباحَةَ تَناوَلَتْ ما عَلَّمْنا مِنَ الجَوارِحِ، وهو يَتَضَمَّنُ الكَلْبَ وسائِرَ جَوارِحِ الطَّيْرِ، وذَلِكَ يُوجِبُ إباحَةَ سائِرِ وُجُوهِ الِانْتِفاعِ، فَدَلَّ عَلى جَوازِ بَيْعِ الكَلْبِ والجَوارِحِ والِانْتِفاعِ بِها بِسائِرِ وُجُوهِ المَنافِعِ إلّا ما خَصَّهُ الدَّلِيلُ: وهو (p-٣٥٥)الأكْلُ مِنَ الجَوارِحِ؛ أيِ: الكَواسِبُ مِنَ الكِلابِ وسِباعُ الطَّيْرِ، قالَ: أجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى أنَّ الكَلْبَ إذا لَمْ يَكُنْ أسْوَدَ، وعَلَّمَهُ مُسْلِمٌ، ولَمْ يَأْكُلْ مِن صَيْدِهِ الَّذِي صادَهُ، وأثَّرَ فِيهِ بِجُرْحٍ أوْ تَنْيِيبٍ، وصادَ بِهِ مُسْلِمٌ، وذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ عِنْدَ إرْسالِهِ أنَّ صَيْدَهُ صَحِيحٌ يُؤْكَلُ بِلا خِلافٍ.
فَإنِ انْخَرَمَ شَرْطٌ مِن هَذِهِ الشُّرُوطِ دَخَلَ الخِلافُ، فَإنْ كانَ الَّذِي يُصادُ بِهِ غَيْرُ كَلْبٍ كالفَهْدِ وما أشْبَهَهُ، وكالبازِي والصَّقْرِ ونَحْوِهِما مِنَ الطَّيْرِ فَجُمْهُورُ الأُمَّةِ عَلى أنَّ كُلَّ ما صادَ بَعْدَ التَّعْلِيمِ فَهو جارِحٌ كاسِبٌ، يُقالُ: جُرِحَ فُلانٌ واجْتَرَحَ: إذا اكْتَسَبَ، ومِنهُ الجارِحَةُ؛ لِأنَّهُ يُكْتَسَبُ بِها، ومِنهُ اجْتِراحُ السَّيِّئاتِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ﴾ .
قَوْلُهُ: ( مُكَلِّبِينَ ) حالٌ، والمُكَلِّبُ: مُعَلِّمُ الكِلابِ لِكَيْفِيَّةِ الِاصْطِيادِ، والأخَصُّ مُعَلِّمُ الكِلابِ وإنْ كانَ مُعَلِّمَ سائِرِ الجَوارِحِ مِثْلَهُ؛ لِأنَّ الِاصْطِيادَ بِالكِلابِ هو الغالِبُ، ولَمْ يَكْتَفِ بِقَوْلِهِ: ﴿وما عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوارِحِ﴾ مَعَ أنَّ التَّكْلِيبَ هو التَّعْلِيمُ، لِقَصْدِ التَّأْكِيدِ لِما لا بُدَّ مِنهُ مِنَ التَّعْلِيمِ، وقِيلَ: إنَّ السَّبُعَ يُسَمّى كَلْبًا فَيَدْخُلُ كُلُّ سَبْعٍ يُصادُ بِهِ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ خاصَّةً بِالكِلابِ، وقَدْ حَكى ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ قالَ: ما يُصادُ بِالبُزاةِ وغَيْرِها مِنَ الطَّيْرِ فَما أدْرَكْتَ ذَكاتَهُ فَهو لَكَ حَلالٌ، وإلّا فَلا تَطْعَمْهُ.
قالَ ابْنُ المُنْذِرِ: وسُئِلَ أبُو جَعْفَرٍ عَنِ البازِي: هَلْ يَحِلُّ صَيْدُهُ ؟ قالَ: لا، إلّا أنْ تُدْرِكَ ذَكاتَهُ، وقالَ الضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ: ﴿وما عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ هي الكِلابُ خاصَّةً، فَإنْ كانَ الكَلْبُ أسْوَدَ بَهِيمًا فَكَرِهَ صَيْدَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، والنَّخَعِيُّ.
وقالَ أحْمَدُ: ما أعْرِفُ أحَدًا يُرَخِّصُ فِيهِ إذا كانَ بَهِيمًا، وبِهِ قالَ ابْنُ راهَوَيْهِ فَأمّا عامَّةُ أهْلِ العِلْمِ بِالمَدِينَةِ والكُوفَةِ فَيَرَوْنَ جَوازَ صَيْدِ كُلِّ كَلْبٍ مُعَلَّمٍ، واحْتَجَّ مَن مَنَعَ مِن صَيْدِ الكَلْبِ الأسْوَدِ بِقَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «الكَلْبُ الأسْوَدُ شَيْطانٌ» .
أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ، والحَقُّ أنْ يَحِلَّ صَيْدُ كُلِّ ما يَدْخُلُ تَحْتَ عُمُومِ الجَوارِحِ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ الكَلْبِ وغَيْرِهِ وبَيْنَ الأسْوَدِ مِنَ الكِلابِ وغَيْرِهِ وبَيْنَ الطَّيْرِ وغَيْرِهِ، ويُؤَيِّدُ هَذا أنَّ سَبَبَ نُزُولِ الآيَةِ سُؤالُ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ عَنْ صَيْدِ البازِي كَما سَيَأْتِي قَوْلُهُ: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ؛ أيْ: مِمّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ مِمّا أدْرَكْتُمُوهُ بِما خَلَقَهُ فِيكم مِنَ العَقْلِ الَّذِي تَهْتَدُونَ بِهِ إلى تَعْلِيمِها وتَدْرِيبِها حَتّى تَصِيرَ قابِلَةً لِإمْساكِ الصَّيْدِ عِنْدَ إرْسالِكم لَها، قَوْلُهُ: ﴿فَكُلُوا مِمّا أمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ الفاءُ لِلتَّفْرِيعِ، والجُمْلَةُ مُتَفَرِّعَةٌ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن تَحْلِيلِ صَيْدِ ما عَلَّمُوهُ مِنَ الجَوارِحِ، ومِن في قَوْلِهِ: ﴿مِمّا أمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ لِلتَّبْعِيضِ؛ لِأنَّ بَعْضَ الصَّيْدِ لا يُؤْكَلُ كالجِلْدِ والعَظْمِ وما أكَلَهُ الكَلْبُ ونَحْوُهُ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ أنْ يُمْسِكَهُ عَلى صاحِبِهِ فَإنْ أكَلَ مِنهُ فَإنَّما أمْسَكَهُ عَلى نَفْسِهِ كَما في الحَدِيثِ الثّابِتِ في الصَّحِيحِ.
وقَدْ ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّهُ لا يَحِلُّ أكْلُ الصَّيْدِ الَّذِي يَقْصِدُهُ الجارِحُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ مِن غَيْرِ إرْسالٍ، وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ، والأوْزاعِيُّ: وهو مَرْوِيٌّ عَنْ سَلْمانَ الفارِسِيِّ، وسَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ، وأبِي هُرَيْرَةَ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، ورُوِيَ، عَنْ عَلِيٍّ، وابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، البَصْرِيِّ، والزُّهْرِيِّ، ورَبِيعَةَ، ومالِكٍ، والشّافِعِيِّ في القَدِيمِ أنَّهُ يُؤْكَلُ صَيْدُهُ، ويَرُدُّ عَلَيْهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِمّا أمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾، وقَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لِعَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ: «إذا أرْسَلْتَ كَلْبَكَ المُعَلَّمَ وذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ ما أمْسَكَ عَلَيْكَ» وهو في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما، وفي لَفْظٍ لَهُما: «فَإنْ أكَلَ فَلا تَأْكُلْ فَإنِّي أخافُ أنْ يَكُونَ أمْسَكَ عَلى نَفْسِهِ» وأمّا ما أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ بِإسْنادٍ جَيِّدٍ مِن حَدِيثِ أبِي ثَعْلَبَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إذا أرْسَلَتْ كَلْبَكَ المُعَلَّمَ وذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ فَكُلْ وإنْ أكَلَ مِنهُ» وقَدْ أخْرَجَهُ أيْضًا بِإسْنادٍ جَيِّدٍ مِن حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ.
وأخْرَجَهُ أيْضًا النَّسائِيُّ فَقَدْ جَمَعَ بَعْضُ الشّافِعِيَّةِ بَيْنَ هَذِهِ الأحادِيثِ بِأنَّهُ إنْ أكَلَ عَقِبَ ما أمْسَكَهُ فَإنَّهُ يَحْرُمُ لِحَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ، وإنْ أمْسَكَهُ ثُمَّ انْتَظَرَ صاحِبَهُ فَطالَ عَلَيْهِ الِانْتِظارُ وجاعَ فَأكَلَ مِنَ الصَّيْدِ لِجُوعِهِ لا لِكَوْنِهِ أمْسَكَهُ عَلى نَفْسِهِ فَإنَّهُ لا يُؤْثَرُ ذَلِكَ ولا يَحْرُمُ بِهِ الصَّيْدُ، وحَمَلُوا عَلى ذَلِكَ حَدِيثَ أبِي ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيِّ، وحَدِيثَ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، وهَذا جَمْعٌ حَسَنٌ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ إذا أكَلَ الكَلْبُ مِنهُ حُرِّمَ لِحَدِيثِ عَدِيٍّ، وإنْ أكَلَ غَيْرَهُ لَمْ يَحْرُمْ لِلْحَدِيثَيْنِ الآخَرَيْنِ، وقِيلَ: يُحْمَلُ حَدِيثُ أبِي ثَعْلَبَةَ عَلى ما إذا أمْسَكَهُ وخَلّاهُ، ثُمَّ عادَ فَأكَلَ مِنهُ.
وقَدْ سَلَكَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ العِلْمِ طَرِيقَ التَّرْجِيحِ ولَمْ يَسْلُكُوا طَرِيقَ الجَمْعِ لِما فِيها مِنَ البُعْدِ، قالُوا: وحَدِيثُ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ أرْجَحُ لِكَوْنِهِ في الصَّحِيحَيْنِ، وقَدْ قَرَّرْتُ هَذا المَسْلَكَ في شَرْحِي لِلْمُنْتَقى بِما يَزِيدُ النّاظِرَ فِيهِ بَصِيرَةً.
قَوْلُهُ: ﴿واذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ الضَّمِيرُ في ( عَلَيْهِ ) يَعُودُ إلى ( ما عَلَّمْتُمْ ) أيْ: سَمُّوا عَلَيْهِ عِنْدَ إرْسالِهِ، أوْ لِما أمْسَكْنَ عَلَيْكم؛ أيْ: سَمُّوا عَلَيْهِ إذا أرَدْتُمْ ذَكاتَهُ، وقَدْ ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى وُجُوبِ التَّسْمِيَةِ عِنْدَ إرْسالِ الجارِحِ، واسْتَدَلُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ، ويُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ الثّابِتُ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما بِلَفْظِ: «إذا أرْسَلْتَ كَلْبَكَ فاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ وإذا رَمَيْتَ بِسَهْمِكَ فاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ» .
وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: إنَّ المُرادَ التَّسْمِيَةَ عِنْدَ الأكْلِ، قالَ القُرْطُبِيُّ: وهو الأظْهَرُ، واسْتَدَلُّوا بِالأحادِيثِ الَّتِي فِيها الإرْشادُ إلى التَّسْمِيَةِ وهَذا خَطَأٌ، فَإنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قَدْ وقَّتَ التَّسْمِيَةَ بِإرْسالِ الكَلْبِ وإرْسالِ السَّهْمِ، ومَشْرُوعِيَّةُ التَّسْمِيَةِ عِنْدَ الأكْلِ حُكْمٌ آخَرُ، ومَسْألَةٌ غَيْرُ هَذِهِ المَسْألَةِ فَلا وجْهَ لِحَمْلِ ما ورَدَ في الكِتابِ والسُّنَّةِ هُنا عَلى ما ورَدَ في التَّسْمِيَةِ عِنْدَ الأكْلِ، ولا مُلْجِئَ إلى ذَلِكَ، وفي لَفْظٍ في الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ عَدِيٍّ: «إنْ أرْسَلْتَ كَلْبَكَ وسَمَّيْتَ فَأخَذَ فَكُلْ» وقَدْ ذَهَبَ جَماعَةٌ إلى أنَّ التَّسْمِيَةَ شَرْطٌ وذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّها سُنَّةٌ فَقَطْ، وذَهَبَ جَماعَةٌ إلى أنَّها شَرْطٌ عَلى الذّاكِرِ لا النّاسِي، وهَذا أقْوى الأقْوالِ وأرْجَحُها
قَوْلُهُ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ أيْ: حِسابُهُ سُبْحانَهُ سَرِيعٌ إتْيانُهُ وكُلُّ آتٍ قَرِيبٌ، قَوْلُهُ: ﴿اليَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُؤَكِّدَةٌ لِلْجُمْلَةِ الأُولى، وهي قَوْلُهُ: ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ الطَّيِّباتِ.
(p-٣٥٦)قَوْلُهُ: ﴿وطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حِلٌّ لَكم﴾ الطَّعامُ: اسْمٌ لِما يُؤْكَلُ، ومِنهُ الذَّبائِحُ، وذَهَبَ أكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ إلى تَخْصِيصِهِ هُنا بِالذَّبائِحِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ جَمِيعَ طَعامِ أهْلِ الكُتُبِ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ اللَّحْمِ وغَيْرِهِ حَلالٌ لِلْمُسْلِمِينَ وإنْ كانُوا لا يَذْكُرُونَ عَلى ذَبائِحِهِمُ اسْمَ اللَّهِ، وتَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ مُخَصِّصَةً لِعُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿ولا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] وظاهِرُ هَذا أنَّ ذَبائِحَ أهْلِ الكِتابِ حَلالٌ، وإنْ ذَكَرَ اليَهُودِيُّ عَلى ذَبِيحَتِهِ اسْمَ عُزَيْرٍ، وذَكَرَ النَّصْرانِيُّ عَلى ذَبِيحَتِهِ اسْمَ المَسِيحِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ أبُو الدَّرْداءِ، وعِبادَةُ بْنُ الصّامِتِ، وابْنُ عَبّاسٍ، والزُّهْرِيُّ، ورَبِيعَةُ، والشَّعْبِيُّ، ومَكْحُولٌ.
وقالَ عَلِيٌّ وعائِشَةُ وابْنُ عُمَرَ: إذا سَمِعْتَ الكِتابِيَّ يُسَمِّي غَيْرَ اللَّهِ فَلا تَأْكُلْ، وهو قَوْلُ طاوُسٍ، والحَسَنُ وتَمَسَّكُوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ولا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ٣٠ [الأنعام: ١٢١] ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا قَوْلُهُ: وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ [المائدة: ٣] وقالَ مالِكٌ: إنَّهُ يُكْرَهُ ولا يَحْرُمُ، فَهَذا الخِلافُ إذا عَلِمْنا أنَّ أهْلَ الكِتابِ ذَكَرُوا عَلى ذَبائِحِهِمُ اسْمَ غَيْرِ اللَّهِ، وأمّا مَعَ عَدَمِ العِلْمِ فَقَدْ حَكى الكِيا الطَّبَرِيُّ، وابْنُ كَثِيرٍ الإجْماعَ عَلى حِلِّها لِهَذِهِ الآيَةِ، ولِما ورَدَ في السُّنَّةِ مِن أكْلِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِنَ الشّاةِ المَصْلِيَّةِ الَّتِي أهْدَتْها إلَيْهِ اليَهُودِيَّةُ، وهو في الصَّحِيحِ، وكَذَلِكَ الجِرابُ الشَّحْمُ الَّذِي أخَذَهُ بَعْضُ الصَّحابَةِ مِن خَيْبَرَ وعَلِمَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وهو في الصَّحِيحِ أيْضًا وغَيْرُ ذَلِكَ، والمُرادُ بِأهْلِ الكِتابِ هُنا اليَهُودُ والنَّصارى.
وأمّا المَجُوسُ، فَذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّها لا تُؤْكَلْ ذَبائِحُهم ولا تُنْكَحُ نِساؤُهم؛ لِأنَّهم لَيْسُوا بِأهْلِ كِتابٍ عَلى المَشْهُورِ عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ، وخالَفَ في ذَلِكَ أبُو ثَوْرٍ، وأنْكَرَ عَلَيْهِ الفُقَهاءُ ذَلِكَ حَتّى قالَ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: أبُو ثَوْرٍ كاسْمِهِ، يَعْنِي في هَذِهِ المَسْألَةِ، وكَأنَّهُ تَمَسَّكَ بِما يُرْوى عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مُرْسَلًا أنَّهُ قالَ في المَجُوسِ: سَنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أهْلِ الكِتابِ، ولَمْ يَثْبُتْ بِهَذا اللَّفْظِ، وعَلى فَرْضِ أنَّ لَهُ أصْلًا فَفِيهِ زِيادَةٌ تَدْفَعُ ما قالَهُ، وهي قَوْلُهُ: غَيْرَ آكِلِي ذَبائِحِهِمْ ولا ناكِحِي نِسائِهِمْ، وقَدْ رَواهُ بِهَذِهِ الزِّيادَةِ جَماعَةٌ مِمَّنْ لا خِبْرَةَ لَهُ بِفَنِّ الحَدِيثِ مِنَ المُفَسِّرِينَ والفُقَهاءِ، ولَمْ يَثْبُتِ الأصْلُ ولا الزِّيادَةُ، بَلِ الَّذِي ثَبَتَ في الصَّحِيحِ أنَّ «النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أخَذَ الجِزْيَةَ مِن مَجُوسِ هَجَرَ»، وأمّا بَنُو تَغْلَبَ فَكانَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ يَنْهى عَنْ ذَبائِحِهِمْ؛ لِأنَّهم عَرَبٌ، وكانَ يَقُولُ: إنَّهم لَمْ يَتَمَسَّكُوا بِشَيْءٍ مِنَ النَّصْرانِيَّةِ إلّا بِشُرْبِ الخَمْرِ، وهَكَذا سائِرُ العَرَبِ المُتَنَصِّرَةِ كَتَنُوخَ وجُذامٍ ولَخْمٍ وعامِلَةَ ومَن أشْبَهَهم.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهو قَوْلُ غَيْرِ واحِدٍ مِنَ السَّلَفِ والخَلَفِ، ورُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، والحَسَنِ، البَصْرِيِّ أنَّهُما كانا لا يَرَيانِ بَأْسًا بِذَبِيحَةِ نَصارى بَنِي تَغْلَبَ، وقالَ القُرْطُبِيُّ: وقالَ جُمْهُورُ الأُمَّةِ: إنَّ ذَبِيحَةَ كُلِّ نَصْرانِيٍّ حَلالٌ سَواءٌ كانَ مِن بَنِي تَغْلَبَ أوْ مِن غَيْرِهِمْ، وكَذَلِكَ اليَهُودُ، قالَ: ولا خِلافَ بَيْنِ العُلَماءِ أنَّ ما لا يَحْتاجُ إلى ذَكاةٍ كالطَّعامِ يَجُوزُ أكْلُهُ.
قَوْلُهُ: وطَعامُكم حِلٌّ لَهم أيْ: وطَعامُ المُسْلِمِينَ حَلالٌ لِأهْلِ الكِتابِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِينَ أنْ يُطْعِمُوا أهْلَ الكِتابِ مِن ذَبائِحِهِمْ، وهَذا مِن بابِ المُكافَأةِ والمُجازاةِ وإخْبارِ المُسْلِمِينَ بِأنَّ ما يَأْخُذُونَهُ مِنهم مِن أعْراضِ الطَّعامِ حَلالٌ لَهم بِطَرِيقِ الدَّلالَةِ الِالتِزامِيَّةِ، قَوْلُهُ: والمُحْصَناتُ مِنَ المُؤْمِناتِ اخْتُلِفَ في تَفْسِيرِ المُحْصَناتِ هُنا، فَقِيلَ: العَفائِفُ، وقِيلَ: الحَرائِرُ، وقَرَأ الشَّعْبِيُّ بِكَسْرِ الصّادِ، وبِهِ قَرَأ الكِسائِيُّ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في هَذا مُسْتَوْفًى في البَقَرَةِ والنِّساءِ، والمُحْصَناتُ مُبْتَدَأٌ، ومِنَ المُؤْمِناتِ وصْفٌ لَهُ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: حِلٌّ لَكم، وذَكَرَهُنَّ هُنا تَوْطِئَةً وتَمْهِيدًا لِقَوْلِهِ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم﴾ والمُرادُ بِهِنَّ الحَرائِرُ دُونَ الإماءِ، هَكَذا قالَ الجُمْهُورُ، وحَكى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ طائِفَةٍ مِنَ السَّلَفِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَعُمُّ كُلَّ كِتابِيَّةٍ حُرَّةٍ أوْ أمَةٍ، وقِيلَ: المُرادُ بِأهْلِ الكِتابِ هُنا الإسْرائِيلِيّاتِ، وبِهِ قالَ الشّافِعِيُّ، وهو تَخْصِيصٌ بِغَيْرِ مُخَصِّصٍ.
وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: لا تَحِلُّ النَّصْرانِيَّةُ، قالَ: ولا أعْلَمُ شِرْكًا أكْبَرَ مِن أنْ تَقُولَ رَبُّها عِيسى، وقَدْ قالَ اللَّهُ: ﴿ولا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١] الآيَةَ، ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُخَصِّصَةٌ لِلْكِتابِيّاتِ مِن عُمُومِ المُشْرِكاتِ فَيُبْنى العامُّ عَلى الخاصِّ، وقَدِ اسْتَدَلَّ مَن حَرَّمَ نِكاحَ الإماءِ الكِتابِيّاتِ بِهَذِهِ الآيَةِ لِأنَّهُ حَمَلَها عَلى الحَرائِرِ، وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِن فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ﴾ [النساء: ٢٥] وقَدْ ذَهَبَ إلى هَذا كَثِيرٌ مِن أهْلِ العِلْمِ وخالَفَهم مَن قالَ: إنَّ الآيَةَ تَعُمُّ أوْ تَخُصُّ العَفائِفَ كَما تَقَدَّمَ.
والحاصِلُ أنَّهُ يَدْخُلُ تَحْتَ هَذِهِ الآيَةِ الحُرَّةُ العَفِيفَةُ مِنَ الكِتابِيّاتِ عَلى جَمِيعِ الأقْوالِ إلّا عَلى قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ في النَّصْرانِيَّةِ، ويَدْخُلُ تَحْتَها الحُرَّةُ الَّتِي لَيْسَتْ بِعَفِيفَةٍ والأمَةُ العَفِيفَةُ، عَلى قَوْلِ مَن يَقُولُ: إنَّهُ يَجُوزُ اسْتِعْمالُ المُشْرِكِ في كِلا مَعْنَيَيْهِ، وأمّا مَن لَمْ يُجَوِّزْ ذَلِكَ فَإنْ حَمَلَ المُحْصَناتِ هُنا عَلى الحَرائِرِ لَمْ يَقُلْ بِجَوازِ نِكاحِ الأمَةِ عَفِيفَةً كانَتْ أوْ غَيْرَ عَفِيفَةٍ إلّا بِدَلِيلٍ آخَرَ، ويَقُولُ بِجَوازِ نِكاحِ الحُرَّةِ العَفِيفَةِ كانَتْ أوْ غَيْرَ عَفِيفَةٍ، وإنْ حَمَلَ المُحْصَناتُ هُنا عَلى العَفائِفِ قالَ بِجَوازِ نِكاحِ الحُرَّةِ العَفِيفَةِ والأمَةِ العَفِيفَةِ دُونَ غَيْرِ العَفِيفَةِ مِنهُما، قَوْلُهُ: إذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ أيْ: مُهُورَهُنَّ، وجَوابُ ( إذا ) مَحْذُوفٌ؛ أيْ: فَهُنَّ حَلالٌ، أوْ هي ظَرْفٌ لِخَبَرِ المُحْصَناتِ المُقَدَّرِ؛ أيْ: حِلٌّ لَكم قَوْلُهُ: ( مُحْصِنِينَ ) مَنصُوبٌ عَلى الحالِ؛ أيْ: حالَ كَوْنِكم أعِفّاءَ بِالنِّكاحِ، وكَذا قَوْلُهُ: ( غَيْرَ مُسافِحِينَ ) مَنصُوبٌ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في مُحْصِنِينَ أوْ صِفَةٌ لِمُحْصِنِينَ، والمَعْنى: غَيْرُ مُجاهِرِينَ بِالزِّنا.
قَوْلُهُ: ولا مُتَّخِذِي أخْدانٍ مَعْطُوفٌ عَلى ( غَيْرَ مُسافِحِينَ ) أوْ عَلى ( مُسافِحِينَ )، ( ولا ) مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، والخِدْنُ يَقَعُ عَلى الذَّكَرِ والأُنْثى؛ أيْ: لَمْ يَتَّخِذُوا مَعْشُوقاتٍ، فَقَدْ شَرَطَ اللَّهُ في الرِّجالِ العِفَّةَ وعَدَمَ المُجاهَرَةِ بِالزِّنا وعَدَمَ اتِّخاذِ أخْدانٍ، كَما شَرَطَ في النِّساءِ أنْ يَكُنَّ مُحْصَناتٍ ومَن يَكْفُرْ بِالإيمانِ أيْ بِشَرائِعِ الإسْلامِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ أيْ: بَطَلَ وهو في الآخِرَةِ مِنَ الخاسِرِينَ وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ ( فَقَدْ حَبَطَ ) بِفَتْحِ الباءِ. اهـ.
(p-٣٥٧)وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ «عَنْ أبِي رافِعٍ: أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أمَرَهُ بِقَتْلِ الكِلابِ في النّاسِ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ ماذا يَحِلُّ لَنا مِن هَذِهِ الأُمَّةِ الَّتِي أمَرْتَ بِقَتْلِها ؟ فَسَكَتَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: يَسْألُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهم الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّ عَدِيَّ بْنَ حاتِمٍ، وزَيْدَ بْنَ المُهَلْهِلِ الطّائِيَّيْنِ سَألا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالا: يا رَسُولَ اللَّهِ إنّا قَوْمٌ نَصِيدُ بِالكِلابِ والبُزاةِ؛ فَنَزَلَتْ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ: أنَّ عَدِيَّ بْنَ حاتِمٍ الطّائِيَّ أتى رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَسَألَهُ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: وما عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ قالَ: هي الكِلابُ المُعَلَّمَةُ، والبازِي والجَوارِحُ يَعْنِي الكِلابَ والفُهُودَ والصُّقُورَ وأشْباهَها، أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: آيَةُ المُعَلَّمِ أنْ يُمْسِكَ صَيْدَهُ فَلا يَأْكُلْ مِنهُ حَتّى يَأْتِيَ صاحِبُهُ.
وأخْرَجَ عَنْهُ أيْضًا قالَ: إذا أكَلَ الكَلْبُ فَلا تَأْكُلْ، فَإنَّما أمْسَكَ عَلى نَفْسِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ نَحْوَهُ، وزادَ: وإذا أكَلَ الصَّقْرُ فَلا تَأْكُلْ؛ لِأنَّ الكَلْبَ تَسْتَطِيعُ أنْ تَضْرِبَهُ والصَّقْرَ لا تَسْتَطِيعُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: وطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ قالَ: ذَبائِحُهم، وفي قَوْلِهِ: والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم قالَ: حِلٌّ لَكم إذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ يَعْنِي: مُهُورَهُنَّ ( مُحْصِنِينَ ) يَعْنِي تَنْكِحُونَهُنَّ بِالمَهْرِ والبَيِّنَةِ ( غَيْرَ مُسافِحِينَ ) غَيْرَ مُتَغالِينَ بِالزِّنا ولا مُتَّخِذِي أخْدانٍ يَعْنِي يُسِرُّونَ بِالزِّنا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: والمُحْصَناتُ مِنَ المُؤْمِناتِ والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ قالَ: أحَلَّ اللَّهُ لَنا مُحْصَنَتَيْنِ مُحْصَنَةٌ مُؤْمِنَةٌ ومُحْصَنَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ، نِساؤُنا عَلَيْهِمْ حَرامٌ، ونِساؤُهم لَنا حَلالٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «فَنَتَزَوَّجُ نِساءَ أهْلِ الكِتابِ ولا يَتَزَوَّجُونَ نِساءَنا» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: المُسْلِمُ يَتَزَوَّجُ النَّصْرانِيَّةَ ولا يَتَزَوَّجُ النَّصْرانِيُّ المُسْلِمَةَ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّما أُحِلَّتْ ذَبائِحُ اليَهُودِ والنَّصارى مِن أجْلِ أنَّهم آمَنُوا بِالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ قالَ: الحَرائِرُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: العَفائِفُ.
المائدة 5:6
قَوْلُهُ: ( إذا قُمْتُمْ ) إذا أرَدْتُمُ القِيامَ تَعْبِيرًا بِالمُسَبَّبِ عَنِ السَّبَبِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل: ٩٨] وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في هَذا الأمْرِ عِنْدَ إرادَةِ القِيامِ إلى الصَّلاةِ، فَقالَتْ طائِفَةٌ: هو عامٌّ في كُلِّ قِيامٍ إلَيْها، سَواءٌ كانَ القائِمُ مُتَطَهِّرًا أوْ مُحْدِثًا، فَإنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ إذا قامَ إلى الصَّلاةِ أنْ يَتَوَضَّأ، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ وعِكْرِمَةَ، وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: كانَ الخُلَفاءُ يَتَوَضَّئُونَ لِكُلِّ صَلاةٍ، وقالَتْ طائِفَةٌ أُخْرى: إنَّ هَذا الأمْرَ خاصٌّ بِالنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وهو ضَعِيفٌ، فَإنَّ الخِطابَ لِلْمُؤْمِنِينَ والأمْرَ لَهم، وقالَتْ طائِفَةٌ: الأمْرُ لِلنَّدْبِ طَلَبًا لِلْفَضْلِ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّ الوُضُوءَ لِكُلِّ صَلاةٍ كانَ فَرْضًا عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ الآيَةِ، ثُمَّ نُسِخَ في فَتْحِ مَكَّةَ، وقالَ جَماعَةٌ: هَذا الأمْرُ خاصٌّ بِمَن كانَ مُحْدِثًا، وقالَ آخَرُونَ: المُرادُ إذا قُمْتُمْ مِنَ النَّوْمِ إلى الصَّلاةِ، فَيَعُمُّ الخِطابُ كُلَّ قائِمٍ مِن نَوْمٍ، وقَدْ أخْرَجَ مُسْلِمٌ وأحْمَدُ وأهْلُ السُّنَنِ عَنْ بُرَيْدَةَ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلاةٍ، فَلَمّا كانَ يَوْمُ الفَتْحِ تَوَضَّأ ومَسَحَ عَلى خُفَّيْهِ وصَلّى الصَّلَواتَ بِوُضُوءٍ واحِدٍ، فَقالَ لَهُ عُمَرُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّكَ فَعَلْتَ شَيْئًا لَمْ تَكُنْ تَفْعَلُهُ، فَقالَ: عَمْدًا فَعَلْتُهُ يا عُمَرُ»، وهو مَرْوِيٌّ مِن طُرُقٍ كَثِيرَةٍ بِألْفاظٍ مُتَّفِقَةٍ في المَعْنى. وأخْرَجَ البُخارِيُّ وأحْمَدُ وأهْلُ السُّنَنِ عَنْ عَمْرِو بْنِ عامِرٍ الأنْصارِيِّ سَمِعْتُ أنَسَ بْنَ مالِكٍ يَقُولُ: «كانَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلاةٍ، قالَ: قُلْتُ: فَأنْتُمْ كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ ؟ قالَ: كُنّا نُصَلِّي الصَّلَواتِ بِوُضُوءٍ واحِدٍ ما لَمْ نُحْدِثْ»، فَتَقَرَّرَ بِما ذُكِرَ أنَّ الوُضُوءَ لا يَجِبُ إلّا عَلى المُحْدِثِ، وبِهِ قالَ جُمْهُورُ أهْلِ العِلْمِ وهو الحَقُّ.
قَوْلُهُ: ﴿فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ الوَجْهُ في اللُّغَةِ مَأْخُوذٌ مِنَ المُواجَهَةِ، وهو عُضْوٌ مُشْتَمِلٌ عَلى أعْضاءٍ، ولَهُ طُولٌ وعَرْضٌ، فَحَدُّهُ في الطُّولِ مِن مُبْتَدَأِ سَطْحِ الجَبْهَةِ إلى مُنْتَهى اللِّحْيَيْنِ، وفي العَرْضِ مِنَ الأُذُنِ إلى الأُذُنِ، وقَدْ ورَدَ الدَّلِيلُ بِتَخْلِيلِ اللِّحْيَةِ، واخْتَلَفَ العُلَماءُ في غَسْلِ ما اسْتَرْسَلَ، والكَلامُ في ذَلِكَ مَبْسُوطٌ في مَواطِنِهِ، وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ أيْضًا: هَلْ يُعْتَبَرُ في الغَسْلِ الدَّلْكُ بِاليَدِ أمْ يَكْفِي إمْرارُ الماءِ، والخِلافُ في ذَلِكَ مَعْرُوفٌ، والمَرْجِعُ اللُّغَةُ العَرَبِيَّةُ فَإنْ ثَبَتَ فِيها أنَّ الدَّلْكَ داخِلٌ في مُسَمّى الغَسْلِ كانَ مُعْتَبَرًا وإلّا فَلا، قالَ في شَمْسِ العُلُومِ: غَسَلَ الشَّيْءَ غَسْلًا إذا أجْرى عَلَيْهِ الماءَ ودَلَّكَهُ انْتَهى، وأمّا المَضْمَضَةُ والِاسْتِنْشاقُ، فَإذا لَمْ يَكُنْ لَفْظُ الوَجْهِ يَشْمَلُ باطِنَ الفَمِ والأنْفِ فَقَدْ ثَبَتَ غَسْلُها بِالسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ، والخِلافُ في الوُجُوبِ وعَدَمِهِ مَعْرُوفٌ، وقَدْ أوْضَحْنا ما هو الحَقُّ في مُؤَلَّفاتِنا.
قَوْلُهُ: ﴿وأيْدِيَكم إلى المَرافِقِ﴾ ( إلى ) لِلْغايَةِ، وأمّا كَوْنُ ما بَعْدَها يَدْخُلُ فِيما قَبْلَها فَمَحَلُّ خِلافٍ، وقَدْ ذَهَبَ سِيبَوَيْهِ وجَماعَةٌ إلى أنَّ ما بَعْدَها إنْ كانَ مِن نَوْعِ ما قَبْلَها دَخَلَ وإلّا فَلا، وقِيلَ: إنَّها هُنا بِمَعْنى مَعَ، وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّها تُفِيدُ الغايَةَ مُطْلَقًا، وأمّا الدُّخُولُ وعَدَمُهُ فَأمْرٌ يَدُورُ مَعَ الدَّلِيلِ، وقَدْ ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ المَرافِقَ تُغْسَلُ، واسْتَدَلُّوا بِما (p-٣٥٨)أخْرَجَهُ الدّارَقُطْنِيُّ والبَيْهَقِيُّ مِن طَرِيقِ القاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ إذا تَوَضَّأ أدارَ الماءَ عَلى مِرْفَقَيْهِ»، ولَكِنَّ القاسِمَ هَذا مَتْرُوكٌ وجَدُّهُ ضَعِيفٌ.
قَوْلُهُ: ( وامْسَحُوا بِرُءُوسِكم ) قِيلَ: الباءُ زائِدَةٌ، والمَعْنى: امْسَحُوا رُؤُوسَكم، وذَلِكَ يَقْتَضِي تَعْمِيمَ المَسْحِ لِجَمِيعِ الرَّأْسِ وقِيلَ: هي لِلتَّبْعِيضِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّهُ يُجْزِئُ مَسْحُ بَعْضِهِ، واسْتَدَلَّ القائِلُونَ بِالتَّعْمِيمِ بِقَوْلِهِ تَعالى في التَّيَمُّمِ: ﴿فامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾ ولا يُجْزِئُ مَسْحُ بَعْضِ الوَجْهِ اتِّفاقًا، وقِيلَ: إنَّها لَلْإلْصاقِ؛ أيْ: ألْصِقُوا أيْدِيَكم بِرُءُوسِكم، وعَلى كُلِّ حالٍ فَقَدْ ورَدَ في السُّنَّةِ المُطَهَّرَةِ ما يُفِيدُ أنَّهُ يَكْفِي مَسْحُ بَعْضِ الرَّأْسِ كَما أوْضَحْناهُ في مُؤَلِّفاتِنا، فَكانَ هَذا دَلِيلًا عَلى المَطْلُوبِ غَيْرَ مُحْتَمَلٍ كاحْتِمالِ الآيَةِ عَلى فَرْضِ أنَّها مُحْتَمَلَةٌ، ولا شَكَّ أنَّ مَن أمَرَ غَيْرَهُ بِأنْ يَمْسَحَ رَأْسَهُ كانَ مُمْتَثِلًا بِفِعْلِ ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ مُسَمّى المَسْحِ، ولَيْسَ في لُغَةِ العَرَبِ ما يَقْتَضِي أنَّهُ لا بُدَّ في مِثْلِ هَذا الفِعْلِ مِن مَسْحِ جَمِيعِ الرَّأْسِ، وهَكَذا سائِرُ الأفْعالِ المُتَعَدِّيَةِ نَحْوَ اضْرِبْ زَيْدًا أوِ اطْعَنْهُ أوِ ارْجُمْهُ، فَإنَّهُ يُوجَدُ المَعْنى العَرَبِيُّ بِوُقُوعِ الضَّرْبِ أوِ الطَّعْنِ أوِ الرَّجْمِ عَلى عُضْوٍ مِن أعْضائِهِ ولا يَقُولُ قائِلٌ مِن أهْلِ اللُّغَةِ أوْ مَن هو عالِمٌ بِها إنَّهُ لا يَكُونُ ضارِبًا إلّا بِإيقاعِ الضَّرْبِ عَلى كُلِّ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ زَيْدٍ، وكَذَلِكَ الطَّعْنُ والرَّجْمُ وسائِرُ الأفْعالِ، فاعْرِفْ هَذا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكَ ما هو الصَّوابُ مِنَ الأقْوالِ في مَسْحِ الرَّأْسِ، فَإنْ قُلْتَ: يَلْزَمُ مِثْلُ هَذا في غَسْلِ الوَجْهِ واليَدَيْنِ والرِّجْلَيْنِ، قُلْتُ: مُلْتَزِمٌ لَوْلا البَيانُ مِنَ السُّنَّةِ في الوَجْهِ والتَّحْدِيدِ بِالغايَةِ في اليَدَيْنِ والرِّجْلَيْنِ بِخِلافِ الرَّأْسِ، فَإنَّهُ ورَدَ في السُّنَّةِ مَسْحُ الكُلِّ ومَسْحُ البَعْضِ.
قَوْلُهُ: ﴿وأرْجُلَكم إلى الكَعْبَيْنِ﴾ قَرَأ نافِعٌ بِنَصْبِ الأرْجُلِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ البَصْرِيِّ والأعْمَشِ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ بِالجَرِّ، وقِراءَةُ النَّصْبِ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَجِبُ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ؛ لِأنَّها مَعْطُوفَةٌ عَلى الوَجْهِ، وإلى هُنا ذَهَبَ جُمْهُورُ العُلَماءِ، وقِراءَةُ الجَرِّ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ الِاقْتِصارُ عَلى مَسْحِ الرِّجْلَيْنِ؛ لِأنَّها مَعْطُوفَةٌ عَلى الرَّأْسِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: اتَّفَقَتِ الأُمَّةُ عَلى وُجُوبِ غَسْلِهِما وما عَلِمْتُ مَن رَدَّ ذَلِكَ إلّا الطَّبَرِيَّ مِن فُقَهاءِ المُسْلِمِينَ والرّافِضَةِ مِن غَيْرِهِمْ، وتَعَلَّقَ الطَّبَرِيُّ بِقِراءَةِ الجَرِّ، قالَ القُرْطُبِيُّ: قَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: الوُضُوءُ غَسْلَتانِ ومَسْحَتانِ، قالَ: وكانَ عِكْرِمَةُ يَمْسَحُ رِجْلَيْهِ، وقالَ: لَيْسَ في الرِّجْلَيْنِ غَسْلٌ، إنَّما نَزَلَ فِيهِما المَسْحُ، وقالَ عامِرٌ الشَّعْبِيُّ: نَزَلَ جِبْرِيلُ بِالمَسْحِ، قالَ: وقالَ قَتادَةُ: افْتَرَضَ اللَّهُ مَسْحَتَيْنِ وغَسْلَتَيْنِ، قالَ: وذَهَبَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ إلى أنَّ فَرْضَهُما التَّخْيِيرُ بَيْنَ الغَسْلِ والمَسْحِ وجَعَلَ القِراءَتَيْنِ كالرِّوايَتَيْنِ، وقَوّاهُ النَّحّاسُ، ولَكِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ في السُّنَّةِ المُطَهَّرَةِ بِالأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ مِن فِعْلِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وقَوْلِهِ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ فَقَطْ، وثَبَتَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: «ويْلٌ لِلْأعْقابِ مِنَ النّارِ» وهو في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما فَأفادَ وُجُوبَ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ، وأنَّهُ لا يُجْزِئُ مَسْحُهُما؛ لِأنَّ شَأْنَ المَسْحِ أنْ يُصِيبَ ما أصابَ ويُخْطِئَ ما أخْطَأ، فَلَوْ كانَ مُجْزِئًا لَما قالَ: «ويْلٌ لِلْأعْقابِ مِنَ النّارِ» .
وقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ أنَّهُ «قالَ بَعْدَ أنْ تَوَضَّأ وغَسَلَ رِجْلَيْهِ: هَذا وُضُوءٌ لا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّلاةَ إلّا بِهِ» وقَدْ ثَبَتَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ «أنَّ رَجُلًا تَوَضَّأ فَتَرَكَ عَلى قَدَمِهِ مِثْلَ مَوْضِعِ الظُّفُرِ، فَقالَ لَهُ: ارْجِعْ فَأحْسِنْ وُضُوءَكَ» .
وأمّا المَسْحُ عَلى الخُفَّيْنِ فَهو ثابِتٌ بِالأحادِيثِ المُتَواتِرَةِ، وقَوْلُهُ: ( إلى الكَعْبَيْنِ ) الكَلامُ فِيهِ كالكَلامِ في قَوْلِهِ: ( إلى المَرافِقِ ) وقَدْ قِيلَ في وجْهِ جَمْعِ المَرافِقِ وتَثْنِيَةِ الكِعابِ: إنَّهُ لَمّا كانَ في كُلِّ رَجُلٍ كَعْبانِ ولَمْ يَكُنْ في كُلِّ يَدٍ إلّا مِرْفَقٌ واحِدٌ ثُنِّيَتِ الكِعابُ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ لِكُلِّ رِجْلٍ كَعْبَيْنِ، بِخِلافِ المَرافِقِ فَإنَّها جُمِعَتْ؛ لِأنَّهُ لَمّا كانَ في كُلِّ يَدٍ مِرْفَقٌ واحِدٌ لَمْ يُتَوَهَّمْ وُجُودُ غَيْرِهِ، ذَكَرَ مَعْنى هَذا ابْنُ عَطِيَّةَ.
وقالَ الكَواشِيُّ: ثَنّى الكَعْبَيْنِ وجَمَعَ المَرافِقِ لِنَفْيِ تَوَهُّمِ أنَّ في كُلِّ واحِدَةٍ مِنَ الرِّجْلَيْنِ كَعْبَيْنِ، وإنَّما في كُلِّ واحِدَةٍ كَعْبٌ واحِدٌ لَهُ طَرَفانِ مِن جانِبَيِ الرِّجْلِ، بِخِلافِ المِرْفَقِ فَهي أبْعَدُ عَنِ الوَهْمِ انْتَهى. وبَقِيَ مِن فَرائِضِ الوُضُوءِ النِّيَّةُ والتَّسْمِيَةُ ولَمْ يُذْكَرا في هَذِهِ الآيَةِ، بَلْ ورَدَتْ بِهِما السُّنَّةُ، وقِيلَ: إنَّ في هَذِهِ الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى النِّيَّةِ، لِأنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ كانَ تَقْدِيرُ الكَلامِ: فاغْسِلُوا وُجُوهَكم لَها، وذَلِكَ هو النِّيَّةُ المُعْتَبَرَةُ.
قَوْلُهُ: ﴿وإنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فاطَّهَّرُوا﴾ أيْ: فاغْتَسِلُوا بِالماءِ، وقَدْ ذَهَبَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ وابْنُ مَسْعُودٍ إلى أنَّ الجُنَبَ لا يَتَيَمَّمُ ألْبَتَّةَ بَلْ يَدَعُ الصَّلاةَ حَتّى يَجِدَ الماءَ اسْتِدْلالًا بِهَذِهِ الآيَةِ، وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى وُجُوبِ التَّيَمُّمِ لِلْجَنابَةِ مَعَ عَدَمِ الماءِ، وهَذِهِ الآيَةُ هي لِلْواجِدِ، عَلى أنَّ التَّطَهُّرَ هو أعَمُّ مِنَ الحاصِلِ بِالماءِ أوْ بِما هو عِوَضٌ عَنْهُ مَعَ عَدَمِهِ، وهو التُّرابُ، وقَدْ صَحَّ عَنْ عُمَرَ وابْنِ مَسْعُودٍ الرُّجُوعُ إلى ما قالَهُ الجُمْهُورُ لِلْأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ الوارِدَةِ في تَيَمُّمِ الجُنُبِ مَعَ عَدَمِ الماءِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الجُنُبِ في النِّساءِ.
قَوْلُهُ: ﴿وإنْ كُنْتُمْ مَرْضى أوْ عَلى سَفَرٍ أوْ جاءَ أحَدٌ مِنكم مِنَ الغائِطِ﴾ [النساء: ٤٣] قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ النِّساءِ مُسْتَوْفًى، وكَذَلِكَ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مُلامَسَةِ النِّساءِ وعَلى التَّيَمُّمِ وعَلى الصَّعِيدِ، ومِن في قَوْلِهِ: ( مِنهُ ) لِابْتِداءِ الغايَةِ، وقِيلَ: لِلتَّبْعِيضِ، قِيلَ: ووَجْهُ تَكْرِيرِ هَذا هُنا لِاسْتِيفاءِ الكَلامِ في أنْواعِ الطَّهارَةِ ﴿ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكم مِن حَرَجٍ﴾ أيْ: ما يُرِيدُ بِأمْرِكم بِالطَّهارَةِ بِالماءِ أوْ بِالتُّرابِ التَّضْيِيقَ عَلَيْكم في الدِّينِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] ثُمَّ قالَ: ﴿ولَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكم﴾ مِنَ الذُّنُوبِ، وقِيلَ: مِنَ الحَدَثِ الأصْغَرِ والأكْبَرِ ﴿ولِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: بِالتَّرْخِيصِ لَكم في التَّيَمُّمِ عِنْدَ عَدَمِ الماءِ أوْ بِما شَرَعَهُ لَكم مِنَ الشَّرائِعِ الَّتِي عَرَّضَكم بِها لِلثَّوابِ ( لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ ) نِعْمَتَهُ عَلَيْكم فَتَسْتَحِقُّونَ بِالشُّكْرِ ثَوابَ الشّاكِرِينَ.
وقَدْ أخْرَجَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ في قَوْلِهِ: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ﴾ (p-٣٥٩)قالَ: قُمْتُمْ مِنَ المَضاجِعِ، يَعْنِي النَّوْمَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ أيْضًا عَنْهُ يَقُولُ: إذا قُمْتُمْ وأنْتُمْ عَلى غَيْرِ طُهْرٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ( فاغْسِلُوا وُجُوهَكم ) قالَ: ذَلِكَ الغَسْلُ الدَّلْكُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أنَسٍ أنَّهُ قِيلَ لَهُ: إنَّ الحَجّاجَ خَطَبَنا فَقالَ: اغْسِلُوا وُجُوهَكم وأيْدِيَكم وامْسَحُوا بِرُءُوسِكم وأرْجُلِكم، وأنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ ابْنِ آدَمَ أقْرَبَ إلى الخَبَثِ مِن قَدَمَيْهِ فاغْسِلُوا بُطُونَهُما وظُهُورَهُما وعَراقِيبَهُما، قالَ أنَسٌ: صَدَقَ اللَّهُ وكَذَبَ الحَجّاجُ، قالَ اللَّهُ: ( وامْسَحُوا بِرُءُوسِكم وأرْجُلَكم ) وكانَ أنَسٌ إذا مَسَحَ قَدَمَيْهِ بَلَّهُما.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي لَيْلى قالَ: اجْتَمَعَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَلى غَسْلِ القَدَمَيْنِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ( مِن حَرَجٍ ) قالَ: مِن ضِيقٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ قالَ: تَمامُ النِّعْمَةِ دُخُولُ الجَنَّةِ، لَمْ يُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلى عَبْدٍ لَمْ يَدْخُلِ الجَنَّةَ.
المائدة 5:7
( نِعْمَةَ اللَّهِ ) قِيلَ: هي الإسْلامُ.
والمِيثاقُ: العَهْدُ، قِيلَ: المُرادُ بِهِ هُنا: ما أخَذَهُ عَلى بَنِي آدَمَ كَما قالَ: ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ﴾ [الأعراف: ١٧٢] الآيَةَ، قالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: نَحْنُ وإنْ لَمْ نَذْكُرْهُ فَقَدْ أخْبَرَنا اللَّهُ بِهِ، وقِيلَ: هو خِطابٌ لِلْيَهُودِ، والعَهْدُ: ما أخَذَهُ عَلَيْهِمْ في التَّوْراةِ، وذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ مِنَ السَّلَفِ ومَن بَعْدَهم إلى أنَّهُ العَهْدُ الَّذِي أخَذَهُ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لَيْلَةَ العَقَبَةِ عَلَيْهِمْ، وهو السَّمْعُ والطّاعَةُ في المَنشَطِ والمَكْرَهِ، وأضافَهُ تَعالى إلى نَفْسِهِ؛ لِأنَّهُ عَنْ أمْرِهِ وإذْنِهِ كَما قالَ: ﴿إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠] وبَيْعَةُ العَقَبَةِ مَذْكُورَةٌ في كُتُبِ السِّيَرِ، وهَذا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ( أوْفُوا بِالعُقُودِ ) [المائدة: ١] .
قَوْلُهُ: ﴿إذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ أيْ: وقْتَ قَوْلِكم هَذا القَوْلَ، وهَذا مُتَعَلِّقٌ بِـ ( واثَقَكم )، أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا؛ أيْ: كائِنًا هَذا الوَقْتِ، و( ذاتِ الصُّدُورِ ) ما تُخْفِيهِ الصُّدُورُ لِكَوْنِها مُخْتَصَّةً بِها لا يَعْلَمُها أحَدٌ، ولِهَذا أطْلَقَ عَلَيْها ذاتَ الَّتِي بِمَعْنى الصّاحِبِ، وإذا كانَ سُبْحانَهُ عالِمًا بِها فَكَيْفَ بِما كانَ ظاهِرًا جَلِيًّا.
قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها في النِّساءِ، وصِيغَةُ المُبالَغَةِ في ( قَوّامِينَ ) تُفِيدُ أنَّهم مَأْمُورُونَ بِأنْ يَقُومُوا بِها أتَمَّ قِيامٍ ( لِلَّهِ ) أيْ لِأجْلِهِ تَعْظِيمًا لِأمْرِهِ وطَمَعًا في ثَوابِهِ.
والقِسْطُ: العَدْلُ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى قَوْلِهِ: ( يَجْرِمَنَّكم ) مُسْتَوْفًى؛ أيْ: لا يَحْمِلَنَّكم بُغْضُ قَوْمٍ عَلى تَرْكِ العَدْلِ وكَتْمِ الشَّهادَةِ ( اعْدِلُوا هو ) أيِ: العَدْلُ المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: اعْدِلُوا ( أقْرَبُ لِلتَّقْوى ) الَّتِي أُمِرْتُمْ بِها غَيْرَ مَرَّةٍ؛ أيْ: أقْرَبُ لِأنْ تَتَّقُوا اللَّهَ، أوْ لِأنْ تَتَّقُوا النّارَ.
قَوْلُهُ: ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ عَظِيمٌ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّها المَفْعُولُ الثّانِي لِقَوْلِهِ: ( وعَدَ ) عَلى مَعْنى وعَدَهم أنَّ لَهم مَغْفِرَةً، أوْ وعَدَهم مَغْفِرَةً فَوَقَعَتِ الجُمْلَةُ مَوْقِعَ المُفْرَدِ فَأغْنَتْ عَنْهُ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وجَدْنا الصّالِحِينَ لَهم جَزاءُ وجَنّاتٍ وعَيْنًا سَلْسَبِيلا
قَوْلُهُ: ( أصْحابُ الجَحِيمِ ) أيْ: مُلابِسُوها، قَوْلُهُ: ( إذْ هَمَّ قَوْمٌ ) ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ: ( اذْكُرُوا ) أوْ لِلنِّعْمَةِ أوْ لِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنها: ( أنْ يَبْسُطُوا ) أيْ بِأنْ يَبْسُطُوا، وقَوْلُهُ: ( فَكَفَّ ) مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ( هَمَّ ) وسَيَأْتِي بَيانُ سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، وبِهِ يَتَّضِحُ المَعْنى، وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ في الكَبِيرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ يَعْنِي حَيْثُ بَعَثَ اللَّهُ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وأنْزَلَ عَلَيْهِ الكِتابَ قالُوا: آمَنّا بِالنَّبِيِّ والكِتابِ وأقْرَرْنا بِما في التَّوْراةِ، فَذَكَّرَهُمُ اللَّهُ مِيثاقَهُ الَّذِي أقَرُّوا بِهِ عَلى أنْفُسِهِمْ وأمَرَهم بِالوَفاءِ بِهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: النِّعَمُ: الآلاءُ، ﴿ومِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكم بِهِ﴾ قالَ: الَّذِي واثَقَ بِهِ بَنِي آدَمَ في ظَهْرِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ في قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بِالقِسْطِ﴾ الآيَةَ، قالَ: نَزَلَتْ في يَهُودِ خَيْبَرَ، ذَهَبَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَسْتَفْتِيهِمْ في دِيَةٍ فَهَّمُوا أنْ يَقْتُلُوهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ولا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى ألّا تَعْدِلُوا﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ نَزَلَ مَنزِلًا فَتَفَرَّقَ النّاسُ في العِضاهِ يَسْتَظِلُّونَ تَحْتَها، فَعَلَّقَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ سِلاحَهُ بِشَجَرَةٍ، فَجاءَ أعْرابِيٌّ إلى سَيْفِهِ فَأخَذَهُ فَسَلَّهُ، ثُمَّ أقْبَلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَ: مَن يَمْنَعُكَ مِنِّي ؟ قالَ: اللَّهُ، قالَ الأعْرابِيُّ، مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلاثًا: مَن يَمْنَعُكَ مِنِّي ؟ والنَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: اللَّهُ، فَشامَ الأعْرابِيُّ السَّيْفَ، فَدَعا النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أصْحابَهُ فَأخْبَرَهم بِصَنِيعِ الأعْرابِيِّ وهو جالِسٌ إلى جَنْبِهِ لَمْ يُعاقِبْهُ» .
قالَ مَعْمَرٌ: وكانَ قَتادَةُ يَذْكُرُ نَحْوَ هَذا، ويَذْكُرُ أنَّ قَوْمًا مِنَ العَرَبِ أرادُوا أنْ يَفْتِكُوا بِالنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَأرْسَلُوا هَذا الأعْرابِيَّ، ويَتَأوَّلُ ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ هَمَّ قَوْمٌ أنْ يَبْسُطُوا إلَيْكم أيْدِيَهم﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْهُ بِنَحْوِهِ، وذَكَرَ أنَّ اسْمَ الرَّجُلِ غَوْرَثُ بْنُ الحارِثِ، وأنَّهُ «لَمّا قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: اللَّهُ، سَقَطَ السَّيْفُ مِن يَدِهِ، فَأخَذَهُ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وقالَ: مَن يَمْنَعُكَ مِنِّي ؟ قالَ: كُنْ خَيْرَ آخِذٍ، قالَ: فَشَهِدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ» .
وأخْرَجَهُ أيْضًا ابْنُ إسْحاقَ وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ (p-٣٦٠)عَنْهُ. وأخْرَجَ ابْنُ نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ بَنِي النَّضِيرِ هَمُّوا أنْ يَطْرَحُوا حَجَرًا عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ومَن مَعَهُ، فَجاءَ جِبْرِيلُ فَأخْبَرَهُ بِما هَمُّوا، فَقامَ ومَن مَعَهُ، فَنَزَلَتْ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ هَمَّ قَوْمٌ﴾ الآيَةَ، ورُوِيَ نَحْوُ هَذا مِن طُرُقٍ عَنْ غَيْرِهِ، وقِصَّةُ الأعْرابِيِّ وهو غَوْرَثُ المَذْكُورُ ثابِتَةٌ في الصَّحِيحِ.
المائدة 5:8
( نِعْمَةَ اللَّهِ ) قِيلَ: هي الإسْلامُ.
والمِيثاقُ: العَهْدُ، قِيلَ: المُرادُ بِهِ هُنا: ما أخَذَهُ عَلى بَنِي آدَمَ كَما قالَ: ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ﴾ [الأعراف: ١٧٢] الآيَةَ، قالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: نَحْنُ وإنْ لَمْ نَذْكُرْهُ فَقَدْ أخْبَرَنا اللَّهُ بِهِ، وقِيلَ: هو خِطابٌ لِلْيَهُودِ، والعَهْدُ: ما أخَذَهُ عَلَيْهِمْ في التَّوْراةِ، وذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ مِنَ السَّلَفِ ومَن بَعْدَهم إلى أنَّهُ العَهْدُ الَّذِي أخَذَهُ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لَيْلَةَ العَقَبَةِ عَلَيْهِمْ، وهو السَّمْعُ والطّاعَةُ في المَنشَطِ والمَكْرَهِ، وأضافَهُ تَعالى إلى نَفْسِهِ؛ لِأنَّهُ عَنْ أمْرِهِ وإذْنِهِ كَما قالَ: ﴿إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠] وبَيْعَةُ العَقَبَةِ مَذْكُورَةٌ في كُتُبِ السِّيَرِ، وهَذا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ( أوْفُوا بِالعُقُودِ ) [المائدة: ١] .
قَوْلُهُ: ﴿إذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ أيْ: وقْتَ قَوْلِكم هَذا القَوْلَ، وهَذا مُتَعَلِّقٌ بِـ ( واثَقَكم )، أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا؛ أيْ: كائِنًا هَذا الوَقْتِ، و( ذاتِ الصُّدُورِ ) ما تُخْفِيهِ الصُّدُورُ لِكَوْنِها مُخْتَصَّةً بِها لا يَعْلَمُها أحَدٌ، ولِهَذا أطْلَقَ عَلَيْها ذاتَ الَّتِي بِمَعْنى الصّاحِبِ، وإذا كانَ سُبْحانَهُ عالِمًا بِها فَكَيْفَ بِما كانَ ظاهِرًا جَلِيًّا.
قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها في النِّساءِ، وصِيغَةُ المُبالَغَةِ في ( قَوّامِينَ ) تُفِيدُ أنَّهم مَأْمُورُونَ بِأنْ يَقُومُوا بِها أتَمَّ قِيامٍ ( لِلَّهِ ) أيْ لِأجْلِهِ تَعْظِيمًا لِأمْرِهِ وطَمَعًا في ثَوابِهِ.
والقِسْطُ: العَدْلُ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى قَوْلِهِ: ( يَجْرِمَنَّكم ) مُسْتَوْفًى؛ أيْ: لا يَحْمِلَنَّكم بُغْضُ قَوْمٍ عَلى تَرْكِ العَدْلِ وكَتْمِ الشَّهادَةِ ( اعْدِلُوا هو ) أيِ: العَدْلُ المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: اعْدِلُوا ( أقْرَبُ لِلتَّقْوى ) الَّتِي أُمِرْتُمْ بِها غَيْرَ مَرَّةٍ؛ أيْ: أقْرَبُ لِأنْ تَتَّقُوا اللَّهَ، أوْ لِأنْ تَتَّقُوا النّارَ.
قَوْلُهُ: ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ عَظِيمٌ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّها المَفْعُولُ الثّانِي لِقَوْلِهِ: ( وعَدَ ) عَلى مَعْنى وعَدَهم أنَّ لَهم مَغْفِرَةً، أوْ وعَدَهم مَغْفِرَةً فَوَقَعَتِ الجُمْلَةُ مَوْقِعَ المُفْرَدِ فَأغْنَتْ عَنْهُ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وجَدْنا الصّالِحِينَ لَهم جَزاءُ وجَنّاتٍ وعَيْنًا سَلْسَبِيلا
قَوْلُهُ: ( أصْحابُ الجَحِيمِ ) أيْ: مُلابِسُوها، قَوْلُهُ: ( إذْ هَمَّ قَوْمٌ ) ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ: ( اذْكُرُوا ) أوْ لِلنِّعْمَةِ أوْ لِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنها: ( أنْ يَبْسُطُوا ) أيْ بِأنْ يَبْسُطُوا، وقَوْلُهُ: ( فَكَفَّ ) مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ( هَمَّ ) وسَيَأْتِي بَيانُ سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، وبِهِ يَتَّضِحُ المَعْنى، وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ في الكَبِيرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ يَعْنِي حَيْثُ بَعَثَ اللَّهُ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وأنْزَلَ عَلَيْهِ الكِتابَ قالُوا: آمَنّا بِالنَّبِيِّ والكِتابِ وأقْرَرْنا بِما في التَّوْراةِ، فَذَكَّرَهُمُ اللَّهُ مِيثاقَهُ الَّذِي أقَرُّوا بِهِ عَلى أنْفُسِهِمْ وأمَرَهم بِالوَفاءِ بِهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: النِّعَمُ: الآلاءُ، ﴿ومِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكم بِهِ﴾ قالَ: الَّذِي واثَقَ بِهِ بَنِي آدَمَ في ظَهْرِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ في قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بِالقِسْطِ﴾ الآيَةَ، قالَ: نَزَلَتْ في يَهُودِ خَيْبَرَ، ذَهَبَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَسْتَفْتِيهِمْ في دِيَةٍ فَهَّمُوا أنْ يَقْتُلُوهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ولا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى ألّا تَعْدِلُوا﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ نَزَلَ مَنزِلًا فَتَفَرَّقَ النّاسُ في العِضاهِ يَسْتَظِلُّونَ تَحْتَها، فَعَلَّقَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ سِلاحَهُ بِشَجَرَةٍ، فَجاءَ أعْرابِيٌّ إلى سَيْفِهِ فَأخَذَهُ فَسَلَّهُ، ثُمَّ أقْبَلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَ: مَن يَمْنَعُكَ مِنِّي ؟ قالَ: اللَّهُ، قالَ الأعْرابِيُّ، مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلاثًا: مَن يَمْنَعُكَ مِنِّي ؟ والنَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: اللَّهُ، فَشامَ الأعْرابِيُّ السَّيْفَ، فَدَعا النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أصْحابَهُ فَأخْبَرَهم بِصَنِيعِ الأعْرابِيِّ وهو جالِسٌ إلى جَنْبِهِ لَمْ يُعاقِبْهُ» .
قالَ مَعْمَرٌ: وكانَ قَتادَةُ يَذْكُرُ نَحْوَ هَذا، ويَذْكُرُ أنَّ قَوْمًا مِنَ العَرَبِ أرادُوا أنْ يَفْتِكُوا بِالنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَأرْسَلُوا هَذا الأعْرابِيَّ، ويَتَأوَّلُ ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ هَمَّ قَوْمٌ أنْ يَبْسُطُوا إلَيْكم أيْدِيَهم﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْهُ بِنَحْوِهِ، وذَكَرَ أنَّ اسْمَ الرَّجُلِ غَوْرَثُ بْنُ الحارِثِ، وأنَّهُ «لَمّا قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: اللَّهُ، سَقَطَ السَّيْفُ مِن يَدِهِ، فَأخَذَهُ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وقالَ: مَن يَمْنَعُكَ مِنِّي ؟ قالَ: كُنْ خَيْرَ آخِذٍ، قالَ: فَشَهِدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ» .
وأخْرَجَهُ أيْضًا ابْنُ إسْحاقَ وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ (p-٣٦٠)عَنْهُ. وأخْرَجَ ابْنُ نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ بَنِي النَّضِيرِ هَمُّوا أنْ يَطْرَحُوا حَجَرًا عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ومَن مَعَهُ، فَجاءَ جِبْرِيلُ فَأخْبَرَهُ بِما هَمُّوا، فَقامَ ومَن مَعَهُ، فَنَزَلَتْ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ هَمَّ قَوْمٌ﴾ الآيَةَ، ورُوِيَ نَحْوُ هَذا مِن طُرُقٍ عَنْ غَيْرِهِ، وقِصَّةُ الأعْرابِيِّ وهو غَوْرَثُ المَذْكُورُ ثابِتَةٌ في الصَّحِيحِ.
المائدة 5:9
( نِعْمَةَ اللَّهِ ) قِيلَ: هي الإسْلامُ.
والمِيثاقُ: العَهْدُ، قِيلَ: المُرادُ بِهِ هُنا: ما أخَذَهُ عَلى بَنِي آدَمَ كَما قالَ: ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ﴾ [الأعراف: ١٧٢] الآيَةَ، قالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: نَحْنُ وإنْ لَمْ نَذْكُرْهُ فَقَدْ أخْبَرَنا اللَّهُ بِهِ، وقِيلَ: هو خِطابٌ لِلْيَهُودِ، والعَهْدُ: ما أخَذَهُ عَلَيْهِمْ في التَّوْراةِ، وذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ مِنَ السَّلَفِ ومَن بَعْدَهم إلى أنَّهُ العَهْدُ الَّذِي أخَذَهُ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لَيْلَةَ العَقَبَةِ عَلَيْهِمْ، وهو السَّمْعُ والطّاعَةُ في المَنشَطِ والمَكْرَهِ، وأضافَهُ تَعالى إلى نَفْسِهِ؛ لِأنَّهُ عَنْ أمْرِهِ وإذْنِهِ كَما قالَ: ﴿إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠] وبَيْعَةُ العَقَبَةِ مَذْكُورَةٌ في كُتُبِ السِّيَرِ، وهَذا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ( أوْفُوا بِالعُقُودِ ) [المائدة: ١] .
قَوْلُهُ: ﴿إذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ أيْ: وقْتَ قَوْلِكم هَذا القَوْلَ، وهَذا مُتَعَلِّقٌ بِـ ( واثَقَكم )، أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا؛ أيْ: كائِنًا هَذا الوَقْتِ، و( ذاتِ الصُّدُورِ ) ما تُخْفِيهِ الصُّدُورُ لِكَوْنِها مُخْتَصَّةً بِها لا يَعْلَمُها أحَدٌ، ولِهَذا أطْلَقَ عَلَيْها ذاتَ الَّتِي بِمَعْنى الصّاحِبِ، وإذا كانَ سُبْحانَهُ عالِمًا بِها فَكَيْفَ بِما كانَ ظاهِرًا جَلِيًّا.
قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها في النِّساءِ، وصِيغَةُ المُبالَغَةِ في ( قَوّامِينَ ) تُفِيدُ أنَّهم مَأْمُورُونَ بِأنْ يَقُومُوا بِها أتَمَّ قِيامٍ ( لِلَّهِ ) أيْ لِأجْلِهِ تَعْظِيمًا لِأمْرِهِ وطَمَعًا في ثَوابِهِ.
والقِسْطُ: العَدْلُ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى قَوْلِهِ: ( يَجْرِمَنَّكم ) مُسْتَوْفًى؛ أيْ: لا يَحْمِلَنَّكم بُغْضُ قَوْمٍ عَلى تَرْكِ العَدْلِ وكَتْمِ الشَّهادَةِ ( اعْدِلُوا هو ) أيِ: العَدْلُ المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: اعْدِلُوا ( أقْرَبُ لِلتَّقْوى ) الَّتِي أُمِرْتُمْ بِها غَيْرَ مَرَّةٍ؛ أيْ: أقْرَبُ لِأنْ تَتَّقُوا اللَّهَ، أوْ لِأنْ تَتَّقُوا النّارَ.
قَوْلُهُ: ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ عَظِيمٌ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّها المَفْعُولُ الثّانِي لِقَوْلِهِ: ( وعَدَ ) عَلى مَعْنى وعَدَهم أنَّ لَهم مَغْفِرَةً، أوْ وعَدَهم مَغْفِرَةً فَوَقَعَتِ الجُمْلَةُ مَوْقِعَ المُفْرَدِ فَأغْنَتْ عَنْهُ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وجَدْنا الصّالِحِينَ لَهم جَزاءُ وجَنّاتٍ وعَيْنًا سَلْسَبِيلا
قَوْلُهُ: ( أصْحابُ الجَحِيمِ ) أيْ: مُلابِسُوها، قَوْلُهُ: ( إذْ هَمَّ قَوْمٌ ) ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ: ( اذْكُرُوا ) أوْ لِلنِّعْمَةِ أوْ لِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنها: ( أنْ يَبْسُطُوا ) أيْ بِأنْ يَبْسُطُوا، وقَوْلُهُ: ( فَكَفَّ ) مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ( هَمَّ ) وسَيَأْتِي بَيانُ سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، وبِهِ يَتَّضِحُ المَعْنى، وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ في الكَبِيرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ يَعْنِي حَيْثُ بَعَثَ اللَّهُ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وأنْزَلَ عَلَيْهِ الكِتابَ قالُوا: آمَنّا بِالنَّبِيِّ والكِتابِ وأقْرَرْنا بِما في التَّوْراةِ، فَذَكَّرَهُمُ اللَّهُ مِيثاقَهُ الَّذِي أقَرُّوا بِهِ عَلى أنْفُسِهِمْ وأمَرَهم بِالوَفاءِ بِهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: النِّعَمُ: الآلاءُ، ﴿ومِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكم بِهِ﴾ قالَ: الَّذِي واثَقَ بِهِ بَنِي آدَمَ في ظَهْرِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ في قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بِالقِسْطِ﴾ الآيَةَ، قالَ: نَزَلَتْ في يَهُودِ خَيْبَرَ، ذَهَبَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَسْتَفْتِيهِمْ في دِيَةٍ فَهَّمُوا أنْ يَقْتُلُوهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ولا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى ألّا تَعْدِلُوا﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ نَزَلَ مَنزِلًا فَتَفَرَّقَ النّاسُ في العِضاهِ يَسْتَظِلُّونَ تَحْتَها، فَعَلَّقَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ سِلاحَهُ بِشَجَرَةٍ، فَجاءَ أعْرابِيٌّ إلى سَيْفِهِ فَأخَذَهُ فَسَلَّهُ، ثُمَّ أقْبَلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَ: مَن يَمْنَعُكَ مِنِّي ؟ قالَ: اللَّهُ، قالَ الأعْرابِيُّ، مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلاثًا: مَن يَمْنَعُكَ مِنِّي ؟ والنَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: اللَّهُ، فَشامَ الأعْرابِيُّ السَّيْفَ، فَدَعا النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أصْحابَهُ فَأخْبَرَهم بِصَنِيعِ الأعْرابِيِّ وهو جالِسٌ إلى جَنْبِهِ لَمْ يُعاقِبْهُ» .
قالَ مَعْمَرٌ: وكانَ قَتادَةُ يَذْكُرُ نَحْوَ هَذا، ويَذْكُرُ أنَّ قَوْمًا مِنَ العَرَبِ أرادُوا أنْ يَفْتِكُوا بِالنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَأرْسَلُوا هَذا الأعْرابِيَّ، ويَتَأوَّلُ ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ هَمَّ قَوْمٌ أنْ يَبْسُطُوا إلَيْكم أيْدِيَهم﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْهُ بِنَحْوِهِ، وذَكَرَ أنَّ اسْمَ الرَّجُلِ غَوْرَثُ بْنُ الحارِثِ، وأنَّهُ «لَمّا قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: اللَّهُ، سَقَطَ السَّيْفُ مِن يَدِهِ، فَأخَذَهُ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وقالَ: مَن يَمْنَعُكَ مِنِّي ؟ قالَ: كُنْ خَيْرَ آخِذٍ، قالَ: فَشَهِدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ» .
وأخْرَجَهُ أيْضًا ابْنُ إسْحاقَ وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ (p-٣٦٠)عَنْهُ. وأخْرَجَ ابْنُ نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ بَنِي النَّضِيرِ هَمُّوا أنْ يَطْرَحُوا حَجَرًا عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ومَن مَعَهُ، فَجاءَ جِبْرِيلُ فَأخْبَرَهُ بِما هَمُّوا، فَقامَ ومَن مَعَهُ، فَنَزَلَتْ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ هَمَّ قَوْمٌ﴾ الآيَةَ، ورُوِيَ نَحْوُ هَذا مِن طُرُقٍ عَنْ غَيْرِهِ، وقِصَّةُ الأعْرابِيِّ وهو غَوْرَثُ المَذْكُورُ ثابِتَةٌ في الصَّحِيحِ.
المائدة 5:10
( نِعْمَةَ اللَّهِ ) قِيلَ: هي الإسْلامُ.
والمِيثاقُ: العَهْدُ، قِيلَ: المُرادُ بِهِ هُنا: ما أخَذَهُ عَلى بَنِي آدَمَ كَما قالَ: ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ﴾ [الأعراف: ١٧٢] الآيَةَ، قالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: نَحْنُ وإنْ لَمْ نَذْكُرْهُ فَقَدْ أخْبَرَنا اللَّهُ بِهِ، وقِيلَ: هو خِطابٌ لِلْيَهُودِ، والعَهْدُ: ما أخَذَهُ عَلَيْهِمْ في التَّوْراةِ، وذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ مِنَ السَّلَفِ ومَن بَعْدَهم إلى أنَّهُ العَهْدُ الَّذِي أخَذَهُ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لَيْلَةَ العَقَبَةِ عَلَيْهِمْ، وهو السَّمْعُ والطّاعَةُ في المَنشَطِ والمَكْرَهِ، وأضافَهُ تَعالى إلى نَفْسِهِ؛ لِأنَّهُ عَنْ أمْرِهِ وإذْنِهِ كَما قالَ: ﴿إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠] وبَيْعَةُ العَقَبَةِ مَذْكُورَةٌ في كُتُبِ السِّيَرِ، وهَذا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ( أوْفُوا بِالعُقُودِ ) [المائدة: ١] .
قَوْلُهُ: ﴿إذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ أيْ: وقْتَ قَوْلِكم هَذا القَوْلَ، وهَذا مُتَعَلِّقٌ بِـ ( واثَقَكم )، أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا؛ أيْ: كائِنًا هَذا الوَقْتِ، و( ذاتِ الصُّدُورِ ) ما تُخْفِيهِ الصُّدُورُ لِكَوْنِها مُخْتَصَّةً بِها لا يَعْلَمُها أحَدٌ، ولِهَذا أطْلَقَ عَلَيْها ذاتَ الَّتِي بِمَعْنى الصّاحِبِ، وإذا كانَ سُبْحانَهُ عالِمًا بِها فَكَيْفَ بِما كانَ ظاهِرًا جَلِيًّا.
قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها في النِّساءِ، وصِيغَةُ المُبالَغَةِ في ( قَوّامِينَ ) تُفِيدُ أنَّهم مَأْمُورُونَ بِأنْ يَقُومُوا بِها أتَمَّ قِيامٍ ( لِلَّهِ ) أيْ لِأجْلِهِ تَعْظِيمًا لِأمْرِهِ وطَمَعًا في ثَوابِهِ.
والقِسْطُ: العَدْلُ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى قَوْلِهِ: ( يَجْرِمَنَّكم ) مُسْتَوْفًى؛ أيْ: لا يَحْمِلَنَّكم بُغْضُ قَوْمٍ عَلى تَرْكِ العَدْلِ وكَتْمِ الشَّهادَةِ ( اعْدِلُوا هو ) أيِ: العَدْلُ المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: اعْدِلُوا ( أقْرَبُ لِلتَّقْوى ) الَّتِي أُمِرْتُمْ بِها غَيْرَ مَرَّةٍ؛ أيْ: أقْرَبُ لِأنْ تَتَّقُوا اللَّهَ، أوْ لِأنْ تَتَّقُوا النّارَ.
قَوْلُهُ: ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ عَظِيمٌ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّها المَفْعُولُ الثّانِي لِقَوْلِهِ: ( وعَدَ ) عَلى مَعْنى وعَدَهم أنَّ لَهم مَغْفِرَةً، أوْ وعَدَهم مَغْفِرَةً فَوَقَعَتِ الجُمْلَةُ مَوْقِعَ المُفْرَدِ فَأغْنَتْ عَنْهُ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وجَدْنا الصّالِحِينَ لَهم جَزاءُ وجَنّاتٍ وعَيْنًا سَلْسَبِيلا
قَوْلُهُ: ( أصْحابُ الجَحِيمِ ) أيْ: مُلابِسُوها، قَوْلُهُ: ( إذْ هَمَّ قَوْمٌ ) ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ: ( اذْكُرُوا ) أوْ لِلنِّعْمَةِ أوْ لِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنها: ( أنْ يَبْسُطُوا ) أيْ بِأنْ يَبْسُطُوا، وقَوْلُهُ: ( فَكَفَّ ) مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ( هَمَّ ) وسَيَأْتِي بَيانُ سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، وبِهِ يَتَّضِحُ المَعْنى، وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ في الكَبِيرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ يَعْنِي حَيْثُ بَعَثَ اللَّهُ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وأنْزَلَ عَلَيْهِ الكِتابَ قالُوا: آمَنّا بِالنَّبِيِّ والكِتابِ وأقْرَرْنا بِما في التَّوْراةِ، فَذَكَّرَهُمُ اللَّهُ مِيثاقَهُ الَّذِي أقَرُّوا بِهِ عَلى أنْفُسِهِمْ وأمَرَهم بِالوَفاءِ بِهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: النِّعَمُ: الآلاءُ، ﴿ومِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكم بِهِ﴾ قالَ: الَّذِي واثَقَ بِهِ بَنِي آدَمَ في ظَهْرِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ في قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بِالقِسْطِ﴾ الآيَةَ، قالَ: نَزَلَتْ في يَهُودِ خَيْبَرَ، ذَهَبَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَسْتَفْتِيهِمْ في دِيَةٍ فَهَّمُوا أنْ يَقْتُلُوهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ولا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى ألّا تَعْدِلُوا﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ نَزَلَ مَنزِلًا فَتَفَرَّقَ النّاسُ في العِضاهِ يَسْتَظِلُّونَ تَحْتَها، فَعَلَّقَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ سِلاحَهُ بِشَجَرَةٍ، فَجاءَ أعْرابِيٌّ إلى سَيْفِهِ فَأخَذَهُ فَسَلَّهُ، ثُمَّ أقْبَلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَ: مَن يَمْنَعُكَ مِنِّي ؟ قالَ: اللَّهُ، قالَ الأعْرابِيُّ، مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلاثًا: مَن يَمْنَعُكَ مِنِّي ؟ والنَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: اللَّهُ، فَشامَ الأعْرابِيُّ السَّيْفَ، فَدَعا النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أصْحابَهُ فَأخْبَرَهم بِصَنِيعِ الأعْرابِيِّ وهو جالِسٌ إلى جَنْبِهِ لَمْ يُعاقِبْهُ» .
قالَ مَعْمَرٌ: وكانَ قَتادَةُ يَذْكُرُ نَحْوَ هَذا، ويَذْكُرُ أنَّ قَوْمًا مِنَ العَرَبِ أرادُوا أنْ يَفْتِكُوا بِالنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَأرْسَلُوا هَذا الأعْرابِيَّ، ويَتَأوَّلُ ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ هَمَّ قَوْمٌ أنْ يَبْسُطُوا إلَيْكم أيْدِيَهم﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْهُ بِنَحْوِهِ، وذَكَرَ أنَّ اسْمَ الرَّجُلِ غَوْرَثُ بْنُ الحارِثِ، وأنَّهُ «لَمّا قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: اللَّهُ، سَقَطَ السَّيْفُ مِن يَدِهِ، فَأخَذَهُ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وقالَ: مَن يَمْنَعُكَ مِنِّي ؟ قالَ: كُنْ خَيْرَ آخِذٍ، قالَ: فَشَهِدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ» .
وأخْرَجَهُ أيْضًا ابْنُ إسْحاقَ وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ (p-٣٦٠)عَنْهُ. وأخْرَجَ ابْنُ نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ بَنِي النَّضِيرِ هَمُّوا أنْ يَطْرَحُوا حَجَرًا عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ومَن مَعَهُ، فَجاءَ جِبْرِيلُ فَأخْبَرَهُ بِما هَمُّوا، فَقامَ ومَن مَعَهُ، فَنَزَلَتْ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ هَمَّ قَوْمٌ﴾ الآيَةَ، ورُوِيَ نَحْوُ هَذا مِن طُرُقٍ عَنْ غَيْرِهِ، وقِصَّةُ الأعْرابِيِّ وهو غَوْرَثُ المَذْكُورُ ثابِتَةٌ في الصَّحِيحِ.
المائدة 5:11
( نِعْمَةَ اللَّهِ ) قِيلَ: هي الإسْلامُ.
والمِيثاقُ: العَهْدُ، قِيلَ: المُرادُ بِهِ هُنا: ما أخَذَهُ عَلى بَنِي آدَمَ كَما قالَ: ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ﴾ [الأعراف: ١٧٢] الآيَةَ، قالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: نَحْنُ وإنْ لَمْ نَذْكُرْهُ فَقَدْ أخْبَرَنا اللَّهُ بِهِ، وقِيلَ: هو خِطابٌ لِلْيَهُودِ، والعَهْدُ: ما أخَذَهُ عَلَيْهِمْ في التَّوْراةِ، وذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ مِنَ السَّلَفِ ومَن بَعْدَهم إلى أنَّهُ العَهْدُ الَّذِي أخَذَهُ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لَيْلَةَ العَقَبَةِ عَلَيْهِمْ، وهو السَّمْعُ والطّاعَةُ في المَنشَطِ والمَكْرَهِ، وأضافَهُ تَعالى إلى نَفْسِهِ؛ لِأنَّهُ عَنْ أمْرِهِ وإذْنِهِ كَما قالَ: ﴿إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠] وبَيْعَةُ العَقَبَةِ مَذْكُورَةٌ في كُتُبِ السِّيَرِ، وهَذا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ( أوْفُوا بِالعُقُودِ ) [المائدة: ١] .
قَوْلُهُ: ﴿إذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ أيْ: وقْتَ قَوْلِكم هَذا القَوْلَ، وهَذا مُتَعَلِّقٌ بِـ ( واثَقَكم )، أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا؛ أيْ: كائِنًا هَذا الوَقْتِ، و( ذاتِ الصُّدُورِ ) ما تُخْفِيهِ الصُّدُورُ لِكَوْنِها مُخْتَصَّةً بِها لا يَعْلَمُها أحَدٌ، ولِهَذا أطْلَقَ عَلَيْها ذاتَ الَّتِي بِمَعْنى الصّاحِبِ، وإذا كانَ سُبْحانَهُ عالِمًا بِها فَكَيْفَ بِما كانَ ظاهِرًا جَلِيًّا.
قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها في النِّساءِ، وصِيغَةُ المُبالَغَةِ في ( قَوّامِينَ ) تُفِيدُ أنَّهم مَأْمُورُونَ بِأنْ يَقُومُوا بِها أتَمَّ قِيامٍ ( لِلَّهِ ) أيْ لِأجْلِهِ تَعْظِيمًا لِأمْرِهِ وطَمَعًا في ثَوابِهِ.
والقِسْطُ: العَدْلُ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى قَوْلِهِ: ( يَجْرِمَنَّكم ) مُسْتَوْفًى؛ أيْ: لا يَحْمِلَنَّكم بُغْضُ قَوْمٍ عَلى تَرْكِ العَدْلِ وكَتْمِ الشَّهادَةِ ( اعْدِلُوا هو ) أيِ: العَدْلُ المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: اعْدِلُوا ( أقْرَبُ لِلتَّقْوى ) الَّتِي أُمِرْتُمْ بِها غَيْرَ مَرَّةٍ؛ أيْ: أقْرَبُ لِأنْ تَتَّقُوا اللَّهَ، أوْ لِأنْ تَتَّقُوا النّارَ.
قَوْلُهُ: ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ عَظِيمٌ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّها المَفْعُولُ الثّانِي لِقَوْلِهِ: ( وعَدَ ) عَلى مَعْنى وعَدَهم أنَّ لَهم مَغْفِرَةً، أوْ وعَدَهم مَغْفِرَةً فَوَقَعَتِ الجُمْلَةُ مَوْقِعَ المُفْرَدِ فَأغْنَتْ عَنْهُ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وجَدْنا الصّالِحِينَ لَهم جَزاءُ وجَنّاتٍ وعَيْنًا سَلْسَبِيلا
قَوْلُهُ: ( أصْحابُ الجَحِيمِ ) أيْ: مُلابِسُوها، قَوْلُهُ: ( إذْ هَمَّ قَوْمٌ ) ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ: ( اذْكُرُوا ) أوْ لِلنِّعْمَةِ أوْ لِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنها: ( أنْ يَبْسُطُوا ) أيْ بِأنْ يَبْسُطُوا، وقَوْلُهُ: ( فَكَفَّ ) مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ( هَمَّ ) وسَيَأْتِي بَيانُ سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، وبِهِ يَتَّضِحُ المَعْنى، وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ في الكَبِيرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ يَعْنِي حَيْثُ بَعَثَ اللَّهُ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وأنْزَلَ عَلَيْهِ الكِتابَ قالُوا: آمَنّا بِالنَّبِيِّ والكِتابِ وأقْرَرْنا بِما في التَّوْراةِ، فَذَكَّرَهُمُ اللَّهُ مِيثاقَهُ الَّذِي أقَرُّوا بِهِ عَلى أنْفُسِهِمْ وأمَرَهم بِالوَفاءِ بِهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: النِّعَمُ: الآلاءُ، ﴿ومِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكم بِهِ﴾ قالَ: الَّذِي واثَقَ بِهِ بَنِي آدَمَ في ظَهْرِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ في قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بِالقِسْطِ﴾ الآيَةَ، قالَ: نَزَلَتْ في يَهُودِ خَيْبَرَ، ذَهَبَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَسْتَفْتِيهِمْ في دِيَةٍ فَهَّمُوا أنْ يَقْتُلُوهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ولا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى ألّا تَعْدِلُوا﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ نَزَلَ مَنزِلًا فَتَفَرَّقَ النّاسُ في العِضاهِ يَسْتَظِلُّونَ تَحْتَها، فَعَلَّقَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ سِلاحَهُ بِشَجَرَةٍ، فَجاءَ أعْرابِيٌّ إلى سَيْفِهِ فَأخَذَهُ فَسَلَّهُ، ثُمَّ أقْبَلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَ: مَن يَمْنَعُكَ مِنِّي ؟ قالَ: اللَّهُ، قالَ الأعْرابِيُّ، مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلاثًا: مَن يَمْنَعُكَ مِنِّي ؟ والنَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: اللَّهُ، فَشامَ الأعْرابِيُّ السَّيْفَ، فَدَعا النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أصْحابَهُ فَأخْبَرَهم بِصَنِيعِ الأعْرابِيِّ وهو جالِسٌ إلى جَنْبِهِ لَمْ يُعاقِبْهُ» .
قالَ مَعْمَرٌ: وكانَ قَتادَةُ يَذْكُرُ نَحْوَ هَذا، ويَذْكُرُ أنَّ قَوْمًا مِنَ العَرَبِ أرادُوا أنْ يَفْتِكُوا بِالنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَأرْسَلُوا هَذا الأعْرابِيَّ، ويَتَأوَّلُ ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ هَمَّ قَوْمٌ أنْ يَبْسُطُوا إلَيْكم أيْدِيَهم﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْهُ بِنَحْوِهِ، وذَكَرَ أنَّ اسْمَ الرَّجُلِ غَوْرَثُ بْنُ الحارِثِ، وأنَّهُ «لَمّا قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: اللَّهُ، سَقَطَ السَّيْفُ مِن يَدِهِ، فَأخَذَهُ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وقالَ: مَن يَمْنَعُكَ مِنِّي ؟ قالَ: كُنْ خَيْرَ آخِذٍ، قالَ: فَشَهِدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ» .
وأخْرَجَهُ أيْضًا ابْنُ إسْحاقَ وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ (p-٣٦٠)عَنْهُ. وأخْرَجَ ابْنُ نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ بَنِي النَّضِيرِ هَمُّوا أنْ يَطْرَحُوا حَجَرًا عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ومَن مَعَهُ، فَجاءَ جِبْرِيلُ فَأخْبَرَهُ بِما هَمُّوا، فَقامَ ومَن مَعَهُ، فَنَزَلَتْ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ هَمَّ قَوْمٌ﴾ الآيَةَ، ورُوِيَ نَحْوُ هَذا مِن طُرُقٍ عَنْ غَيْرِهِ، وقِصَّةُ الأعْرابِيِّ وهو غَوْرَثُ المَذْكُورُ ثابِتَةٌ في الصَّحِيحِ.
المائدة 5:12
قَوْلُهُ: ولَقَدْ أخَذَ اللَّهُ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ يَتَضَمَّنُ ذِكْرَ بَعْضِ ما صَدَرَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ الخِيانَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ المِيثاقِ الَّذِي أخَذَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في كَيْفِيَّةِ بَعْثِ هَؤُلاءِ النُّقَباءِ بَعْدَ الإجْماعِ مِنهم عَلى أنَّ النَّقِيبَ كَبِيرُ القَوْمِ العالِمِ بِأُمُورِهِمُ الَّذِي يَنْقُبُ عَنْها وعَنْ مَصالِحِهِمْ فِيها، والنِّقابُ: الرَّجُلُ العَظِيمُ الَّذِي هو في النّاسِ عَلى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ، ويُقالُ: نَقِيبُ القَوْمِ لِشاهِدِهِمْ وضَمِينِهِمْ.
والنَّقِيبُ: الطَّرِيقُ في الجَبَلِ هَذا أصْلُهُ، وسُمِّيَ بِهِ نَقِيبُ القَوْمِ؛ لِأنَّهُ طَرِيقٌ إلى مَعْرِفَةِ أُمُورِهِمْ، والنَّقِيبُ: أعْلى مَكانًا مِنَ العَرِيفِ، فَقِيلَ: المُرادُ بِبَعْثِ هَؤُلاءِ النُّقَباءِ أنَّهم بُعِثُوا أُمَناءَ عَلى الِاطِّلاعِ عَلى الجَبّارِينَ والنَّظَرِ في قُوَّتِهِمْ ومَنَعَتِهِمْ فَسارُوا لِيَخْتَبِرُوا حالَ مَن بِها ويُخْبِرُوا بِذَلِكَ، فاطَّلَعُوا مِنَ الجَبّارِينَ عَلى قُوَّةٍ عَظِيمَةٍ وظَنُّوا أنَّهم لا قِبَلَ لَهم بِها، فَتَعاقَدُوا بَيْنَهم عَلى أنْ يُخْفُوا ذَلِكَ عَنْ بَنِي إسْرائِيلَ وأنْ يُعْلِمُوا بِهِ مُوسى، فَلَمّا انْصَرَفُوا إلى بَنِي إسْرائِيلَ خانَ مِنهم عَشَرَةً فَأخْبَرُوا قُراباتَهم، فَفَشا الخَبَرُ حَتّى بَطَلَ أمْرُ الغَزْوِ وقالُوا: ﴿فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا﴾ [المائدة: ٣٦٠] وقِيلَ: إنَّ هَؤُلاءِ النُّقَباءَ كَفَلَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم عَلى سِبْطِهِ بِأنْ يُؤْمِنُوا ويَتَّقُوا اللَّهَ، وهَذا مَعْنى بَعْثِهِمْ، وسَيَأْتِي ذِكْرُ بَعْضِ ما قالَهُ جَماعَةٌ مِنَ السَّلَفِ في ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: ﴿وقالَ اللَّهُ إنِّي مَعَكُمْ﴾ أيْ قالَ ذَلِكَ لِبَنِي إسْرائِيلَ، وقِيلَ: لِلنُّقَباءِ، والمَعْنى: إنِّي مَعَكم بِالنَّصْرِ والعَوْنِ، واللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ أقَمْتُمُ الصَّلاةَ﴾ هي المُوَطِئَّةُ لِلْقِسَمِ المَحْذُوفِ، وجَوابُهُ: ( لَأُكَفِّرَنَّ ) وهو سادٌّ مَسَدَّ جَوابِ الشَّرْطِ، والتَّعْزِيرُ: التَّعْظِيمُ والتَّوْقِيرُ، وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ:
؎وكَمْ مِن ماجِدٍ لَهُمُ كَرِيمٍ ومِن لَيْثٍ يُعَزَّرُ في النَّدِيِّ
أيْ: يُعَظِّمُ ويُوَقِّرُ، ويُطْلَقُ التَّعْزِيرُ عَلى الضَّرْبِ والرَّدِّ، يُقالُ: عَزَّرْتُ فُلانًا إذا أدَّبْتَهُ ورَدَدْتَهُ عَنِ القَبِيحِ، فَقَوْلُهُ: ( وعَزَّرْتُمُوهم ) أيْ: عَظَّمْتُمُوهم عَلى المَعْنى الأوَّلِ، أوْ رَدَدْتُمْ عَنْهم أعْداءَهم ومَنَعْتُمُوهم عَلى الثّانِي، قَوْلُهُ: ﴿وأقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ أيْ: أنْفَقْتُمْ في وُجُوهِ الخَيْرِ، و( قَرْضًا ) مَصْدَرٌ مَحْذُوفُ الزَّوائِدِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا﴾ [آل عمران: ٣٧] أوْ مَفْعُولٌ ثانٍ لِأقْرَضْتُمْ، والحَسَنُ: قِيلَ: هو ما طابَتْ بِهِ النَّفْسُ، وقِيلَ: ما ابْتَغى بِهِ وجْهَ اللَّهِ، وقِيلَ: الحَلالُ، قَوْلُهُ: ﴿فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أيْ: بَعْدَ المِيثاقِ أوْ بَعْدَ الشَّرْطِ المَذْكُورِ ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ أيْ: أخْطَأ وسَطَ الطَّرِيقِ.
قَوْلُهُ: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم﴾ الباءُ سَبَبِيَّةٌ وما زائِدَةٌ، أيْ: فَبِسَبَبِ نَقْضِهِمْ مِيثاقِهِمْ ( لَعَنّاهم ) أيْ: طَرَدْناهم وأبْعَدْناهم ﴿وجَعَلْنا قُلُوبَهم قاسِيَةً﴾ أيْ: صَلْبَةً لا تَعِي خَيْرًا ولا تَعْقِلُهُ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( قَسِيَّةً ) بِتَشْدِيدِ الياءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ، وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ والنَّخَعِيِّ ويَحْيى بْنِ وثّابٍ، يُقالُ: دِرْهَمٌ قَسِيٌّ مُخَفَّفَ السِّينِ مُشَدَّدَ الياءِ؛ أيْ: زائِفٌ، ذَكَرَ ذَلِكَ أبُو عُبَيْدٍ، وقالَ الأصْمَعِيُّ وأبُو عُبَيْدَةَ: دِرْهَمٌ قَسِيٌّ كَأنَّهُ مُعَرَّبُ قاسٍ، وقَرَأ الأعْمَشُ ( قَسِيَةً ) بِتَخْفِيفِ الياءِ، وقَرَأ الباقُونَ: ( قاسِيَةً ) .
﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ حالِهِمْ أوْ حالِيَّةٌ؛ أيْ: يُبَدِّلُونَهُ بِغَيْرِهِ أوْ يَتَأوَّلُونَهُ عَلى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ، وقَرَأ السَّلَمِيُّ والنَّخَعِيُّ " الكَلامَ "، قَوْلُهُ: ﴿ولا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنهم﴾ أيْ: لا تَزالُ يا مُحَمَّدُ تَقِفُ عَلى خائِنَةٍ مِنهم، والخائِنَةُ: الخِيانَةُ، وقِيلَ: هو نَعْتٌ لِمَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ فِرْقَةٌ خائِنَةٌ، وقَدْ تَقَعُ لِلْمُبالَغَةِ نَحْوَ عَلّامَةٌ ونَسّابَةٌ إذا أرَدْتَ المُبالَغَةَ في وصْفِهِ بِالخِيانَةِ، وقِيلَ: ( خائِنَةٍ ) مَعْصِيَةٌ.
قَوْلُهُ: ( إلّا قَلِيلًا مِنهم ) اسْتِثْناءٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ( مِنهم ) ﴿فاعْفُ عَنْهم واصْفَحْ﴾ قِيلَ: هَذا مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، وقِيلَ: خاصٌّ بِالمُعاهِدِينَ، قَوْلُهُ: ﴿ومِنَ الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى أخَذْنا مِيثاقَهم﴾ أيْ: في التَّوْحِيدِ والإيمانِ بِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وبِما جاءَ بِهِ، قالَ الأخْفَشُ: هو كَقَوْلِكَ: أخَذْتُ مِن زَيْدٍ ثَوْبَهُ ودِرْهَمَهُ، فَرُتْبَةُ الَّذِينَ بَعْدَ أخَذْنا، وقالَ الكُوفِيُّونَ بِخِلافِهِ، وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ( مِيثاقَهم ) راجِعٌ إلى بَنِي إسْرائِيلَ؛ أيْ: أخَذْنا مِنَ النَّصارى مِثْلَ مِيثاقِ المَذْكُورِينَ قَبْلَهم مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وقالَ: ﴿ومِنَ الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى﴾ ولَمْ يَقُلْ ومِنَ النَّصارى لِلْإيذانِ بِأنَّهم كاذِبُونَ في دَعْوى النَّصْرانِيَّةِ وأنَّهم أنْصارُ اللَّهِ.
قَوْلُهُ: ﴿فَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ أيْ: نَسُوا مِنَ المِيثاقِ المَأْخُوذِ عَلَيْهِمْ نَصِيبًا وافِرًا عَقِبَ أخْذِهِ عَلَيْهِمْ ﴿فَأغْرَيْنا بَيْنَهُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ﴾ أيْ ألْصَقْنا ذَلِكَ بِهِمْ، مَأْخُوذٌ مِنَ الغِراءِ: وهو ما يُلْصِقُ الشَّيْءَ بِالشَّيْءِ كالصَّمْغِ وشِبْهِهِ يُقالُ غَرِيَ بِالشَّيْءِ يَغْرى غَرًا بِفَتْحِ الغَيْنِ مَقْصُورًا، وغِراءً بِكَسْرِها مَمْدُودًا؛ أيْ: أُولِعَ بِهِ حَتّى كَأنَّهُ صارَ مُلْتَصِقًا بِهِ، ومِثْلُ الإغْراءِ التَّحَرُّشُ، وأغْرَيْتُ الكَلْبَ؛ أيْ: أوْلَعْتُهُ بِالصَّيْدِ، (p-٣٦١)والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ( بَيْنَهم ) اليَهُودُ والنَّصارى لِتُقَدِّمِ ذِكْرَهم جَمِيعًا، وقِيلَ: بَيْنَ النَّصارى خاصَّةً، لِأنَّهم أقْرَبُ مَذْكُورٍ، وذَلِكَ لِأنَّهُمُ افْتَرَقُوا إلى اليَعْقُوبِيَّةِ والنَّسْطُورِيَّةِ والمَلَكانِيَّةِ، وكَفَّرَ بَعْضُهم بَعْضًا، وتَظاهَرُوا بِالعَداوَةِ في ذاتِ بَيْنِهِمْ، قالَ النَّحّاسُ: وما أحْسَنَ ما قِيلَ في مَعْنى ﴿فَأغْرَيْنا بَيْنَهُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ﴾ إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أمَرَ بِعَداوَةِ الكُفّارِ وإبْغاضِهِمْ، فَكُلُّ فِرْقَةٍ مَأْمُورَةٍ بِعَداوَةِ صاحِبَتِها وإبْغاضِها.
قَوْلُهُ: ﴿وسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ تَهْدِيدٌ لَهم؛ أيْ: سَيَلْقُونَ جَزاءَ نَقْضِ المِيثاقِ، وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ قالَ: أخَذَ مَواثِيقَهم بِأنْ يُخْلِصُوا لَهُ ولا يَعْبُدُوا غَيْرَهُ ﴿وبَعَثْنا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ أيْ: كَفِيلًا كَفَلُوا عَلَيْهِمْ بِالوَفاءِ لِلَّهِ بِما واثَقُوهُ عَلَيْهِ مِنَ العُهُودِ فِيما أمَرَهم بِهِ وفِيما نَهاهم عَنْهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ( اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا ) قالَ: مِن كُلِّ سِبْطٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ رِجالٌ أرْسَلَهم مُوسى إلى الجَبّارِينَ فَوَجَدُوهم يَدْخُلُ في كُمِّ أحَدِهِمُ اثْنانِ مِنهم، ولا يَحْمِلُ عُنْقُودَ عِنَبِهِمْ إلّا خَمْسَةُ أنْفُسٍ مِنهم في خَشَبَةٍ، ويَدْخُلُ في شَطْرِ الرُّمّانَةِ إذا نُزِعَ حَبُّها خَمْسَةُ أنْفُسٍ أوْ أرْبَعَةٌ، فَرَجَعَ النُّقَباءُ كُلُّهم يَنْهى سِبْطَهُ عَنْ قِتالِهِمْ إلّا يُوشَعَ بْنَ نُونٍ وكالِبَ بْنَ يافَنَةَ، فَإنَّهُما أمَرا الأسْباطَ بِقِتالِ الجَبّارِينَ ومُجاهَدَتِهِمْ فَعَصَوْهُما وأطاعُوا الآخَرِينَ، فَهُما الرَّجُلانِ اللَّذانِ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِما، فَتاهَتْ بَنُو إسْرائِيلَ أرْبَعِينَ سَنَةً يُصْبِحُونَ حَيْثُ أمْسَوْا ويُمْسُونَ حَيْثُ أصْبَحُوا في تِيهِهِمْ ذَلِكَ، فَضَرَبَ مُوسى الحَجَرَ لِكُلِّ سِبْطٍ عَيْنًا حَجَرًا لَهم يَحْمِلُونَهُ مَعَهم، فَقالَ لَهم مُوسى: اشْرَبُوا يا حِمْيَرُ، فَنَهاهُ اللَّهُ عَنْ سَبِّهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ( اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا ) قالَ: هم مِن بَنِي إسْرائِيلَ بَعَثَهم مُوسى لِيَنْظُرُوا إلى المَدِينَةِ فَجاءُوا بِحَبَّةٍ مِن فاكِهَتِهِمْ وقَرَّ رَجُلٌ، فَقالَ: اقْدِرُوا قُوَّةَ قَوْمٍ وبَأْسَهم وهَذِهِ فاكِهَتُهم، فَعِنْدَ ذَلِكَ فُتِنُوا فَقالُوا: لا نَسْتَطِيعُ القِتالَ ﴿فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا﴾ [المائدة: ٢٤] وقَدْ ذَكَرَ ابْنُ إسْحاقَ أسْماءَ هَؤُلاءِ الأسْباطِ، وأسْماؤُهم مَذْكُورَةٌ في السِّفْرِ الرّابِعِ مِنَ التَّوْراةِ، وفِيهِ مُخالَفَةٌ لِما ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحاقَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ( وعَزَّرْتُمُوهم ) قالَ: أعَنْتُمُوهم. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ( وعَزَّرْتُمُوهم ) قالَ: نَصَرْتُمُوهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ﴾ قالَ: هو مِيثاقٌ أخَذَهُ اللَّهُ عَلى أهْلِ التَّوْراةِ فَنَقَضُوهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾ يَعْنِي حُدُودَ اللَّهِ، يَقُولُونَ إنْ أمَرَكم مُحَمَّدٌ بِما أنْتُمْ عَلَيْهِ فاقْبَلُوهُ، وإنْ خالَفَكم فاحْذَرُوا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ونَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ قالَ: نَسُوا الكِتابَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنهم﴾ قالَ: هم يَهُودٌ مِثْلَ الَّذِي هَمُّوا بِهِ مِنَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَوْمَ دَخَلَ عَلَيْهِمْ حائِطَهم. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنهم﴾ قالَ: كَذِبٌ وفُجُورٌ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فاعْفُ عَنْهم واصْفَحْ﴾ قالَ: لَمْ يُؤْمَرْ يَوْمَئِذٍ بِقِتالِهِمْ، فَأمَرَهُ اللَّهُ أنْ يَعْفُوَ عَنْهم ويَصْفَحَ ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ في ( بَراءَةٌ ) فَقالَ: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ﴾ الآيَةَ [التوبة: ٢٩] وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿فَأغْرَيْنا بَيْنَهُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ قالَ: أغْرى بَعْضُهم بِبَعْضٍ بِالخُصُوماتِ والجِدالِ في الدِّينِ.
المائدة 5:13
قَوْلُهُ: ولَقَدْ أخَذَ اللَّهُ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ يَتَضَمَّنُ ذِكْرَ بَعْضِ ما صَدَرَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ الخِيانَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ المِيثاقِ الَّذِي أخَذَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في كَيْفِيَّةِ بَعْثِ هَؤُلاءِ النُّقَباءِ بَعْدَ الإجْماعِ مِنهم عَلى أنَّ النَّقِيبَ كَبِيرُ القَوْمِ العالِمِ بِأُمُورِهِمُ الَّذِي يَنْقُبُ عَنْها وعَنْ مَصالِحِهِمْ فِيها، والنِّقابُ: الرَّجُلُ العَظِيمُ الَّذِي هو في النّاسِ عَلى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ، ويُقالُ: نَقِيبُ القَوْمِ لِشاهِدِهِمْ وضَمِينِهِمْ.
والنَّقِيبُ: الطَّرِيقُ في الجَبَلِ هَذا أصْلُهُ، وسُمِّيَ بِهِ نَقِيبُ القَوْمِ؛ لِأنَّهُ طَرِيقٌ إلى مَعْرِفَةِ أُمُورِهِمْ، والنَّقِيبُ: أعْلى مَكانًا مِنَ العَرِيفِ، فَقِيلَ: المُرادُ بِبَعْثِ هَؤُلاءِ النُّقَباءِ أنَّهم بُعِثُوا أُمَناءَ عَلى الِاطِّلاعِ عَلى الجَبّارِينَ والنَّظَرِ في قُوَّتِهِمْ ومَنَعَتِهِمْ فَسارُوا لِيَخْتَبِرُوا حالَ مَن بِها ويُخْبِرُوا بِذَلِكَ، فاطَّلَعُوا مِنَ الجَبّارِينَ عَلى قُوَّةٍ عَظِيمَةٍ وظَنُّوا أنَّهم لا قِبَلَ لَهم بِها، فَتَعاقَدُوا بَيْنَهم عَلى أنْ يُخْفُوا ذَلِكَ عَنْ بَنِي إسْرائِيلَ وأنْ يُعْلِمُوا بِهِ مُوسى، فَلَمّا انْصَرَفُوا إلى بَنِي إسْرائِيلَ خانَ مِنهم عَشَرَةً فَأخْبَرُوا قُراباتَهم، فَفَشا الخَبَرُ حَتّى بَطَلَ أمْرُ الغَزْوِ وقالُوا: ﴿فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا﴾ [المائدة: ٣٦٠] وقِيلَ: إنَّ هَؤُلاءِ النُّقَباءَ كَفَلَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم عَلى سِبْطِهِ بِأنْ يُؤْمِنُوا ويَتَّقُوا اللَّهَ، وهَذا مَعْنى بَعْثِهِمْ، وسَيَأْتِي ذِكْرُ بَعْضِ ما قالَهُ جَماعَةٌ مِنَ السَّلَفِ في ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: ﴿وقالَ اللَّهُ إنِّي مَعَكُمْ﴾ أيْ قالَ ذَلِكَ لِبَنِي إسْرائِيلَ، وقِيلَ: لِلنُّقَباءِ، والمَعْنى: إنِّي مَعَكم بِالنَّصْرِ والعَوْنِ، واللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ أقَمْتُمُ الصَّلاةَ﴾ هي المُوَطِئَّةُ لِلْقِسَمِ المَحْذُوفِ، وجَوابُهُ: ( لَأُكَفِّرَنَّ ) وهو سادٌّ مَسَدَّ جَوابِ الشَّرْطِ، والتَّعْزِيرُ: التَّعْظِيمُ والتَّوْقِيرُ، وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ:
؎وكَمْ مِن ماجِدٍ لَهُمُ كَرِيمٍ ومِن لَيْثٍ يُعَزَّرُ في النَّدِيِّ
أيْ: يُعَظِّمُ ويُوَقِّرُ، ويُطْلَقُ التَّعْزِيرُ عَلى الضَّرْبِ والرَّدِّ، يُقالُ: عَزَّرْتُ فُلانًا إذا أدَّبْتَهُ ورَدَدْتَهُ عَنِ القَبِيحِ، فَقَوْلُهُ: ( وعَزَّرْتُمُوهم ) أيْ: عَظَّمْتُمُوهم عَلى المَعْنى الأوَّلِ، أوْ رَدَدْتُمْ عَنْهم أعْداءَهم ومَنَعْتُمُوهم عَلى الثّانِي، قَوْلُهُ: ﴿وأقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ أيْ: أنْفَقْتُمْ في وُجُوهِ الخَيْرِ، و( قَرْضًا ) مَصْدَرٌ مَحْذُوفُ الزَّوائِدِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا﴾ [آل عمران: ٣٧] أوْ مَفْعُولٌ ثانٍ لِأقْرَضْتُمْ، والحَسَنُ: قِيلَ: هو ما طابَتْ بِهِ النَّفْسُ، وقِيلَ: ما ابْتَغى بِهِ وجْهَ اللَّهِ، وقِيلَ: الحَلالُ، قَوْلُهُ: ﴿فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أيْ: بَعْدَ المِيثاقِ أوْ بَعْدَ الشَّرْطِ المَذْكُورِ ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ أيْ: أخْطَأ وسَطَ الطَّرِيقِ.
قَوْلُهُ: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم﴾ الباءُ سَبَبِيَّةٌ وما زائِدَةٌ، أيْ: فَبِسَبَبِ نَقْضِهِمْ مِيثاقِهِمْ ( لَعَنّاهم ) أيْ: طَرَدْناهم وأبْعَدْناهم ﴿وجَعَلْنا قُلُوبَهم قاسِيَةً﴾ أيْ: صَلْبَةً لا تَعِي خَيْرًا ولا تَعْقِلُهُ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( قَسِيَّةً ) بِتَشْدِيدِ الياءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ، وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ والنَّخَعِيِّ ويَحْيى بْنِ وثّابٍ، يُقالُ: دِرْهَمٌ قَسِيٌّ مُخَفَّفَ السِّينِ مُشَدَّدَ الياءِ؛ أيْ: زائِفٌ، ذَكَرَ ذَلِكَ أبُو عُبَيْدٍ، وقالَ الأصْمَعِيُّ وأبُو عُبَيْدَةَ: دِرْهَمٌ قَسِيٌّ كَأنَّهُ مُعَرَّبُ قاسٍ، وقَرَأ الأعْمَشُ ( قَسِيَةً ) بِتَخْفِيفِ الياءِ، وقَرَأ الباقُونَ: ( قاسِيَةً ) .
﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ حالِهِمْ أوْ حالِيَّةٌ؛ أيْ: يُبَدِّلُونَهُ بِغَيْرِهِ أوْ يَتَأوَّلُونَهُ عَلى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ، وقَرَأ السَّلَمِيُّ والنَّخَعِيُّ " الكَلامَ "، قَوْلُهُ: ﴿ولا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنهم﴾ أيْ: لا تَزالُ يا مُحَمَّدُ تَقِفُ عَلى خائِنَةٍ مِنهم، والخائِنَةُ: الخِيانَةُ، وقِيلَ: هو نَعْتٌ لِمَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ فِرْقَةٌ خائِنَةٌ، وقَدْ تَقَعُ لِلْمُبالَغَةِ نَحْوَ عَلّامَةٌ ونَسّابَةٌ إذا أرَدْتَ المُبالَغَةَ في وصْفِهِ بِالخِيانَةِ، وقِيلَ: ( خائِنَةٍ ) مَعْصِيَةٌ.
قَوْلُهُ: ( إلّا قَلِيلًا مِنهم ) اسْتِثْناءٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ( مِنهم ) ﴿فاعْفُ عَنْهم واصْفَحْ﴾ قِيلَ: هَذا مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، وقِيلَ: خاصٌّ بِالمُعاهِدِينَ، قَوْلُهُ: ﴿ومِنَ الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى أخَذْنا مِيثاقَهم﴾ أيْ: في التَّوْحِيدِ والإيمانِ بِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وبِما جاءَ بِهِ، قالَ الأخْفَشُ: هو كَقَوْلِكَ: أخَذْتُ مِن زَيْدٍ ثَوْبَهُ ودِرْهَمَهُ، فَرُتْبَةُ الَّذِينَ بَعْدَ أخَذْنا، وقالَ الكُوفِيُّونَ بِخِلافِهِ، وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ( مِيثاقَهم ) راجِعٌ إلى بَنِي إسْرائِيلَ؛ أيْ: أخَذْنا مِنَ النَّصارى مِثْلَ مِيثاقِ المَذْكُورِينَ قَبْلَهم مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وقالَ: ﴿ومِنَ الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى﴾ ولَمْ يَقُلْ ومِنَ النَّصارى لِلْإيذانِ بِأنَّهم كاذِبُونَ في دَعْوى النَّصْرانِيَّةِ وأنَّهم أنْصارُ اللَّهِ.
قَوْلُهُ: ﴿فَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ أيْ: نَسُوا مِنَ المِيثاقِ المَأْخُوذِ عَلَيْهِمْ نَصِيبًا وافِرًا عَقِبَ أخْذِهِ عَلَيْهِمْ ﴿فَأغْرَيْنا بَيْنَهُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ﴾ أيْ ألْصَقْنا ذَلِكَ بِهِمْ، مَأْخُوذٌ مِنَ الغِراءِ: وهو ما يُلْصِقُ الشَّيْءَ بِالشَّيْءِ كالصَّمْغِ وشِبْهِهِ يُقالُ غَرِيَ بِالشَّيْءِ يَغْرى غَرًا بِفَتْحِ الغَيْنِ مَقْصُورًا، وغِراءً بِكَسْرِها مَمْدُودًا؛ أيْ: أُولِعَ بِهِ حَتّى كَأنَّهُ صارَ مُلْتَصِقًا بِهِ، ومِثْلُ الإغْراءِ التَّحَرُّشُ، وأغْرَيْتُ الكَلْبَ؛ أيْ: أوْلَعْتُهُ بِالصَّيْدِ، (p-٣٦١)والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ( بَيْنَهم ) اليَهُودُ والنَّصارى لِتُقَدِّمِ ذِكْرَهم جَمِيعًا، وقِيلَ: بَيْنَ النَّصارى خاصَّةً، لِأنَّهم أقْرَبُ مَذْكُورٍ، وذَلِكَ لِأنَّهُمُ افْتَرَقُوا إلى اليَعْقُوبِيَّةِ والنَّسْطُورِيَّةِ والمَلَكانِيَّةِ، وكَفَّرَ بَعْضُهم بَعْضًا، وتَظاهَرُوا بِالعَداوَةِ في ذاتِ بَيْنِهِمْ، قالَ النَّحّاسُ: وما أحْسَنَ ما قِيلَ في مَعْنى ﴿فَأغْرَيْنا بَيْنَهُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ﴾ إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أمَرَ بِعَداوَةِ الكُفّارِ وإبْغاضِهِمْ، فَكُلُّ فِرْقَةٍ مَأْمُورَةٍ بِعَداوَةِ صاحِبَتِها وإبْغاضِها.
قَوْلُهُ: ﴿وسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ تَهْدِيدٌ لَهم؛ أيْ: سَيَلْقُونَ جَزاءَ نَقْضِ المِيثاقِ، وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ قالَ: أخَذَ مَواثِيقَهم بِأنْ يُخْلِصُوا لَهُ ولا يَعْبُدُوا غَيْرَهُ ﴿وبَعَثْنا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ أيْ: كَفِيلًا كَفَلُوا عَلَيْهِمْ بِالوَفاءِ لِلَّهِ بِما واثَقُوهُ عَلَيْهِ مِنَ العُهُودِ فِيما أمَرَهم بِهِ وفِيما نَهاهم عَنْهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ( اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا ) قالَ: مِن كُلِّ سِبْطٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ رِجالٌ أرْسَلَهم مُوسى إلى الجَبّارِينَ فَوَجَدُوهم يَدْخُلُ في كُمِّ أحَدِهِمُ اثْنانِ مِنهم، ولا يَحْمِلُ عُنْقُودَ عِنَبِهِمْ إلّا خَمْسَةُ أنْفُسٍ مِنهم في خَشَبَةٍ، ويَدْخُلُ في شَطْرِ الرُّمّانَةِ إذا نُزِعَ حَبُّها خَمْسَةُ أنْفُسٍ أوْ أرْبَعَةٌ، فَرَجَعَ النُّقَباءُ كُلُّهم يَنْهى سِبْطَهُ عَنْ قِتالِهِمْ إلّا يُوشَعَ بْنَ نُونٍ وكالِبَ بْنَ يافَنَةَ، فَإنَّهُما أمَرا الأسْباطَ بِقِتالِ الجَبّارِينَ ومُجاهَدَتِهِمْ فَعَصَوْهُما وأطاعُوا الآخَرِينَ، فَهُما الرَّجُلانِ اللَّذانِ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِما، فَتاهَتْ بَنُو إسْرائِيلَ أرْبَعِينَ سَنَةً يُصْبِحُونَ حَيْثُ أمْسَوْا ويُمْسُونَ حَيْثُ أصْبَحُوا في تِيهِهِمْ ذَلِكَ، فَضَرَبَ مُوسى الحَجَرَ لِكُلِّ سِبْطٍ عَيْنًا حَجَرًا لَهم يَحْمِلُونَهُ مَعَهم، فَقالَ لَهم مُوسى: اشْرَبُوا يا حِمْيَرُ، فَنَهاهُ اللَّهُ عَنْ سَبِّهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ( اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا ) قالَ: هم مِن بَنِي إسْرائِيلَ بَعَثَهم مُوسى لِيَنْظُرُوا إلى المَدِينَةِ فَجاءُوا بِحَبَّةٍ مِن فاكِهَتِهِمْ وقَرَّ رَجُلٌ، فَقالَ: اقْدِرُوا قُوَّةَ قَوْمٍ وبَأْسَهم وهَذِهِ فاكِهَتُهم، فَعِنْدَ ذَلِكَ فُتِنُوا فَقالُوا: لا نَسْتَطِيعُ القِتالَ ﴿فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا﴾ [المائدة: ٢٤] وقَدْ ذَكَرَ ابْنُ إسْحاقَ أسْماءَ هَؤُلاءِ الأسْباطِ، وأسْماؤُهم مَذْكُورَةٌ في السِّفْرِ الرّابِعِ مِنَ التَّوْراةِ، وفِيهِ مُخالَفَةٌ لِما ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحاقَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ( وعَزَّرْتُمُوهم ) قالَ: أعَنْتُمُوهم. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ( وعَزَّرْتُمُوهم ) قالَ: نَصَرْتُمُوهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ﴾ قالَ: هو مِيثاقٌ أخَذَهُ اللَّهُ عَلى أهْلِ التَّوْراةِ فَنَقَضُوهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾ يَعْنِي حُدُودَ اللَّهِ، يَقُولُونَ إنْ أمَرَكم مُحَمَّدٌ بِما أنْتُمْ عَلَيْهِ فاقْبَلُوهُ، وإنْ خالَفَكم فاحْذَرُوا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ونَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ قالَ: نَسُوا الكِتابَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنهم﴾ قالَ: هم يَهُودٌ مِثْلَ الَّذِي هَمُّوا بِهِ مِنَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَوْمَ دَخَلَ عَلَيْهِمْ حائِطَهم. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنهم﴾ قالَ: كَذِبٌ وفُجُورٌ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فاعْفُ عَنْهم واصْفَحْ﴾ قالَ: لَمْ يُؤْمَرْ يَوْمَئِذٍ بِقِتالِهِمْ، فَأمَرَهُ اللَّهُ أنْ يَعْفُوَ عَنْهم ويَصْفَحَ ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ في ( بَراءَةٌ ) فَقالَ: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ﴾ الآيَةَ [التوبة: ٢٩] وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿فَأغْرَيْنا بَيْنَهُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ قالَ: أغْرى بَعْضُهم بِبَعْضٍ بِالخُصُوماتِ والجِدالِ في الدِّينِ.
المائدة 5:14
قَوْلُهُ: ولَقَدْ أخَذَ اللَّهُ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ يَتَضَمَّنُ ذِكْرَ بَعْضِ ما صَدَرَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ الخِيانَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ المِيثاقِ الَّذِي أخَذَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في كَيْفِيَّةِ بَعْثِ هَؤُلاءِ النُّقَباءِ بَعْدَ الإجْماعِ مِنهم عَلى أنَّ النَّقِيبَ كَبِيرُ القَوْمِ العالِمِ بِأُمُورِهِمُ الَّذِي يَنْقُبُ عَنْها وعَنْ مَصالِحِهِمْ فِيها، والنِّقابُ: الرَّجُلُ العَظِيمُ الَّذِي هو في النّاسِ عَلى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ، ويُقالُ: نَقِيبُ القَوْمِ لِشاهِدِهِمْ وضَمِينِهِمْ.
والنَّقِيبُ: الطَّرِيقُ في الجَبَلِ هَذا أصْلُهُ، وسُمِّيَ بِهِ نَقِيبُ القَوْمِ؛ لِأنَّهُ طَرِيقٌ إلى مَعْرِفَةِ أُمُورِهِمْ، والنَّقِيبُ: أعْلى مَكانًا مِنَ العَرِيفِ، فَقِيلَ: المُرادُ بِبَعْثِ هَؤُلاءِ النُّقَباءِ أنَّهم بُعِثُوا أُمَناءَ عَلى الِاطِّلاعِ عَلى الجَبّارِينَ والنَّظَرِ في قُوَّتِهِمْ ومَنَعَتِهِمْ فَسارُوا لِيَخْتَبِرُوا حالَ مَن بِها ويُخْبِرُوا بِذَلِكَ، فاطَّلَعُوا مِنَ الجَبّارِينَ عَلى قُوَّةٍ عَظِيمَةٍ وظَنُّوا أنَّهم لا قِبَلَ لَهم بِها، فَتَعاقَدُوا بَيْنَهم عَلى أنْ يُخْفُوا ذَلِكَ عَنْ بَنِي إسْرائِيلَ وأنْ يُعْلِمُوا بِهِ مُوسى، فَلَمّا انْصَرَفُوا إلى بَنِي إسْرائِيلَ خانَ مِنهم عَشَرَةً فَأخْبَرُوا قُراباتَهم، فَفَشا الخَبَرُ حَتّى بَطَلَ أمْرُ الغَزْوِ وقالُوا: ﴿فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا﴾ [المائدة: ٣٦٠] وقِيلَ: إنَّ هَؤُلاءِ النُّقَباءَ كَفَلَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم عَلى سِبْطِهِ بِأنْ يُؤْمِنُوا ويَتَّقُوا اللَّهَ، وهَذا مَعْنى بَعْثِهِمْ، وسَيَأْتِي ذِكْرُ بَعْضِ ما قالَهُ جَماعَةٌ مِنَ السَّلَفِ في ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: ﴿وقالَ اللَّهُ إنِّي مَعَكُمْ﴾ أيْ قالَ ذَلِكَ لِبَنِي إسْرائِيلَ، وقِيلَ: لِلنُّقَباءِ، والمَعْنى: إنِّي مَعَكم بِالنَّصْرِ والعَوْنِ، واللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ أقَمْتُمُ الصَّلاةَ﴾ هي المُوَطِئَّةُ لِلْقِسَمِ المَحْذُوفِ، وجَوابُهُ: ( لَأُكَفِّرَنَّ ) وهو سادٌّ مَسَدَّ جَوابِ الشَّرْطِ، والتَّعْزِيرُ: التَّعْظِيمُ والتَّوْقِيرُ، وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ:
؎وكَمْ مِن ماجِدٍ لَهُمُ كَرِيمٍ ومِن لَيْثٍ يُعَزَّرُ في النَّدِيِّ
أيْ: يُعَظِّمُ ويُوَقِّرُ، ويُطْلَقُ التَّعْزِيرُ عَلى الضَّرْبِ والرَّدِّ، يُقالُ: عَزَّرْتُ فُلانًا إذا أدَّبْتَهُ ورَدَدْتَهُ عَنِ القَبِيحِ، فَقَوْلُهُ: ( وعَزَّرْتُمُوهم ) أيْ: عَظَّمْتُمُوهم عَلى المَعْنى الأوَّلِ، أوْ رَدَدْتُمْ عَنْهم أعْداءَهم ومَنَعْتُمُوهم عَلى الثّانِي، قَوْلُهُ: ﴿وأقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ أيْ: أنْفَقْتُمْ في وُجُوهِ الخَيْرِ، و( قَرْضًا ) مَصْدَرٌ مَحْذُوفُ الزَّوائِدِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا﴾ [آل عمران: ٣٧] أوْ مَفْعُولٌ ثانٍ لِأقْرَضْتُمْ، والحَسَنُ: قِيلَ: هو ما طابَتْ بِهِ النَّفْسُ، وقِيلَ: ما ابْتَغى بِهِ وجْهَ اللَّهِ، وقِيلَ: الحَلالُ، قَوْلُهُ: ﴿فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أيْ: بَعْدَ المِيثاقِ أوْ بَعْدَ الشَّرْطِ المَذْكُورِ ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ أيْ: أخْطَأ وسَطَ الطَّرِيقِ.
قَوْلُهُ: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم﴾ الباءُ سَبَبِيَّةٌ وما زائِدَةٌ، أيْ: فَبِسَبَبِ نَقْضِهِمْ مِيثاقِهِمْ ( لَعَنّاهم ) أيْ: طَرَدْناهم وأبْعَدْناهم ﴿وجَعَلْنا قُلُوبَهم قاسِيَةً﴾ أيْ: صَلْبَةً لا تَعِي خَيْرًا ولا تَعْقِلُهُ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( قَسِيَّةً ) بِتَشْدِيدِ الياءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ، وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ والنَّخَعِيِّ ويَحْيى بْنِ وثّابٍ، يُقالُ: دِرْهَمٌ قَسِيٌّ مُخَفَّفَ السِّينِ مُشَدَّدَ الياءِ؛ أيْ: زائِفٌ، ذَكَرَ ذَلِكَ أبُو عُبَيْدٍ، وقالَ الأصْمَعِيُّ وأبُو عُبَيْدَةَ: دِرْهَمٌ قَسِيٌّ كَأنَّهُ مُعَرَّبُ قاسٍ، وقَرَأ الأعْمَشُ ( قَسِيَةً ) بِتَخْفِيفِ الياءِ، وقَرَأ الباقُونَ: ( قاسِيَةً ) .
﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ حالِهِمْ أوْ حالِيَّةٌ؛ أيْ: يُبَدِّلُونَهُ بِغَيْرِهِ أوْ يَتَأوَّلُونَهُ عَلى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ، وقَرَأ السَّلَمِيُّ والنَّخَعِيُّ " الكَلامَ "، قَوْلُهُ: ﴿ولا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنهم﴾ أيْ: لا تَزالُ يا مُحَمَّدُ تَقِفُ عَلى خائِنَةٍ مِنهم، والخائِنَةُ: الخِيانَةُ، وقِيلَ: هو نَعْتٌ لِمَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ فِرْقَةٌ خائِنَةٌ، وقَدْ تَقَعُ لِلْمُبالَغَةِ نَحْوَ عَلّامَةٌ ونَسّابَةٌ إذا أرَدْتَ المُبالَغَةَ في وصْفِهِ بِالخِيانَةِ، وقِيلَ: ( خائِنَةٍ ) مَعْصِيَةٌ.
قَوْلُهُ: ( إلّا قَلِيلًا مِنهم ) اسْتِثْناءٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ( مِنهم ) ﴿فاعْفُ عَنْهم واصْفَحْ﴾ قِيلَ: هَذا مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، وقِيلَ: خاصٌّ بِالمُعاهِدِينَ، قَوْلُهُ: ﴿ومِنَ الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى أخَذْنا مِيثاقَهم﴾ أيْ: في التَّوْحِيدِ والإيمانِ بِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وبِما جاءَ بِهِ، قالَ الأخْفَشُ: هو كَقَوْلِكَ: أخَذْتُ مِن زَيْدٍ ثَوْبَهُ ودِرْهَمَهُ، فَرُتْبَةُ الَّذِينَ بَعْدَ أخَذْنا، وقالَ الكُوفِيُّونَ بِخِلافِهِ، وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ( مِيثاقَهم ) راجِعٌ إلى بَنِي إسْرائِيلَ؛ أيْ: أخَذْنا مِنَ النَّصارى مِثْلَ مِيثاقِ المَذْكُورِينَ قَبْلَهم مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وقالَ: ﴿ومِنَ الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى﴾ ولَمْ يَقُلْ ومِنَ النَّصارى لِلْإيذانِ بِأنَّهم كاذِبُونَ في دَعْوى النَّصْرانِيَّةِ وأنَّهم أنْصارُ اللَّهِ.
قَوْلُهُ: ﴿فَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ أيْ: نَسُوا مِنَ المِيثاقِ المَأْخُوذِ عَلَيْهِمْ نَصِيبًا وافِرًا عَقِبَ أخْذِهِ عَلَيْهِمْ ﴿فَأغْرَيْنا بَيْنَهُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ﴾ أيْ ألْصَقْنا ذَلِكَ بِهِمْ، مَأْخُوذٌ مِنَ الغِراءِ: وهو ما يُلْصِقُ الشَّيْءَ بِالشَّيْءِ كالصَّمْغِ وشِبْهِهِ يُقالُ غَرِيَ بِالشَّيْءِ يَغْرى غَرًا بِفَتْحِ الغَيْنِ مَقْصُورًا، وغِراءً بِكَسْرِها مَمْدُودًا؛ أيْ: أُولِعَ بِهِ حَتّى كَأنَّهُ صارَ مُلْتَصِقًا بِهِ، ومِثْلُ الإغْراءِ التَّحَرُّشُ، وأغْرَيْتُ الكَلْبَ؛ أيْ: أوْلَعْتُهُ بِالصَّيْدِ، (p-٣٦١)والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ( بَيْنَهم ) اليَهُودُ والنَّصارى لِتُقَدِّمِ ذِكْرَهم جَمِيعًا، وقِيلَ: بَيْنَ النَّصارى خاصَّةً، لِأنَّهم أقْرَبُ مَذْكُورٍ، وذَلِكَ لِأنَّهُمُ افْتَرَقُوا إلى اليَعْقُوبِيَّةِ والنَّسْطُورِيَّةِ والمَلَكانِيَّةِ، وكَفَّرَ بَعْضُهم بَعْضًا، وتَظاهَرُوا بِالعَداوَةِ في ذاتِ بَيْنِهِمْ، قالَ النَّحّاسُ: وما أحْسَنَ ما قِيلَ في مَعْنى ﴿فَأغْرَيْنا بَيْنَهُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ﴾ إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أمَرَ بِعَداوَةِ الكُفّارِ وإبْغاضِهِمْ، فَكُلُّ فِرْقَةٍ مَأْمُورَةٍ بِعَداوَةِ صاحِبَتِها وإبْغاضِها.
قَوْلُهُ: ﴿وسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ تَهْدِيدٌ لَهم؛ أيْ: سَيَلْقُونَ جَزاءَ نَقْضِ المِيثاقِ، وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ قالَ: أخَذَ مَواثِيقَهم بِأنْ يُخْلِصُوا لَهُ ولا يَعْبُدُوا غَيْرَهُ ﴿وبَعَثْنا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ أيْ: كَفِيلًا كَفَلُوا عَلَيْهِمْ بِالوَفاءِ لِلَّهِ بِما واثَقُوهُ عَلَيْهِ مِنَ العُهُودِ فِيما أمَرَهم بِهِ وفِيما نَهاهم عَنْهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ( اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا ) قالَ: مِن كُلِّ سِبْطٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ رِجالٌ أرْسَلَهم مُوسى إلى الجَبّارِينَ فَوَجَدُوهم يَدْخُلُ في كُمِّ أحَدِهِمُ اثْنانِ مِنهم، ولا يَحْمِلُ عُنْقُودَ عِنَبِهِمْ إلّا خَمْسَةُ أنْفُسٍ مِنهم في خَشَبَةٍ، ويَدْخُلُ في شَطْرِ الرُّمّانَةِ إذا نُزِعَ حَبُّها خَمْسَةُ أنْفُسٍ أوْ أرْبَعَةٌ، فَرَجَعَ النُّقَباءُ كُلُّهم يَنْهى سِبْطَهُ عَنْ قِتالِهِمْ إلّا يُوشَعَ بْنَ نُونٍ وكالِبَ بْنَ يافَنَةَ، فَإنَّهُما أمَرا الأسْباطَ بِقِتالِ الجَبّارِينَ ومُجاهَدَتِهِمْ فَعَصَوْهُما وأطاعُوا الآخَرِينَ، فَهُما الرَّجُلانِ اللَّذانِ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِما، فَتاهَتْ بَنُو إسْرائِيلَ أرْبَعِينَ سَنَةً يُصْبِحُونَ حَيْثُ أمْسَوْا ويُمْسُونَ حَيْثُ أصْبَحُوا في تِيهِهِمْ ذَلِكَ، فَضَرَبَ مُوسى الحَجَرَ لِكُلِّ سِبْطٍ عَيْنًا حَجَرًا لَهم يَحْمِلُونَهُ مَعَهم، فَقالَ لَهم مُوسى: اشْرَبُوا يا حِمْيَرُ، فَنَهاهُ اللَّهُ عَنْ سَبِّهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ( اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا ) قالَ: هم مِن بَنِي إسْرائِيلَ بَعَثَهم مُوسى لِيَنْظُرُوا إلى المَدِينَةِ فَجاءُوا بِحَبَّةٍ مِن فاكِهَتِهِمْ وقَرَّ رَجُلٌ، فَقالَ: اقْدِرُوا قُوَّةَ قَوْمٍ وبَأْسَهم وهَذِهِ فاكِهَتُهم، فَعِنْدَ ذَلِكَ فُتِنُوا فَقالُوا: لا نَسْتَطِيعُ القِتالَ ﴿فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا﴾ [المائدة: ٢٤] وقَدْ ذَكَرَ ابْنُ إسْحاقَ أسْماءَ هَؤُلاءِ الأسْباطِ، وأسْماؤُهم مَذْكُورَةٌ في السِّفْرِ الرّابِعِ مِنَ التَّوْراةِ، وفِيهِ مُخالَفَةٌ لِما ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحاقَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ( وعَزَّرْتُمُوهم ) قالَ: أعَنْتُمُوهم. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ( وعَزَّرْتُمُوهم ) قالَ: نَصَرْتُمُوهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ﴾ قالَ: هو مِيثاقٌ أخَذَهُ اللَّهُ عَلى أهْلِ التَّوْراةِ فَنَقَضُوهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾ يَعْنِي حُدُودَ اللَّهِ، يَقُولُونَ إنْ أمَرَكم مُحَمَّدٌ بِما أنْتُمْ عَلَيْهِ فاقْبَلُوهُ، وإنْ خالَفَكم فاحْذَرُوا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ونَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ قالَ: نَسُوا الكِتابَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنهم﴾ قالَ: هم يَهُودٌ مِثْلَ الَّذِي هَمُّوا بِهِ مِنَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَوْمَ دَخَلَ عَلَيْهِمْ حائِطَهم. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنهم﴾ قالَ: كَذِبٌ وفُجُورٌ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فاعْفُ عَنْهم واصْفَحْ﴾ قالَ: لَمْ يُؤْمَرْ يَوْمَئِذٍ بِقِتالِهِمْ، فَأمَرَهُ اللَّهُ أنْ يَعْفُوَ عَنْهم ويَصْفَحَ ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ في ( بَراءَةٌ ) فَقالَ: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ﴾ الآيَةَ [التوبة: ٢٩] وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿فَأغْرَيْنا بَيْنَهُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ قالَ: أغْرى بَعْضُهم بِبَعْضٍ بِالخُصُوماتِ والجِدالِ في الدِّينِ.
المائدة 5:15
الألِفُ واللّامُ في الكِتابِ لِلْجِنْسِ والخِطابُ لِلْيَهُودِ والنَّصارى ﴿قَدْ جاءَكم رَسُولُنا﴾ أيْ: مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ حالَ كَوْنِهِ: ﴿يُبَيِّنُ لَكم كَثِيرًا مِمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكِتابِ﴾ المُنَزَّلِ عَلَيْكم، وهو التَّوْراةُ والإنْجِيلُ: كَآيَةِ الرَّجْمِ وقِصَّةِ أصْحابِ السَّبْتِ المَمْسُوخِينَ قِرَدَةً ( ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ) مِمّا تُخْفُونَهُ، فَيَتْرُكُ بَيانَهُ لِعَدَمِ اشْتِمالِهِ عَلى ما يَجِبُ بَيانُهُ عَلَيْهِ مِنَ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ، فَإنَّ ما لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لا فائِدَةَ تَتَعَلَّقُ بِبَيانِهِ إلّا مُجَرَّدُ افْتِضاحِكم، وقِيلَ المَعْنى: إنَّهُ يَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ فَيَتَجاوَزُهُ ولا يُخْبِرُكم بِهِ، وقِيلَ: يَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ مِنكم فَلا يُؤاخِذُكم بِما يَصْدُرُ مِنهم، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَطْفًا عَلى الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ: أعْنِي قَوْلَهُ: ( يُبَيِّنُ لَكم ) .
قَوْلُهُ: ﴿قَدْ جاءَكم مِنَ اللَّهِ نُورٌ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلى بَيانِ أنَّ مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قَدْ تَضَمَّنَتْ بَعْثَتُهُ فَوائِدَ غَيْرَ ما تَقَدَّمَ مِن مُجَرَّدِ البَيانِ، قالَ الزَّجّاجُ: النُّورُ مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وقِيلَ: الإسْلامُ، والكِتابُ المُبِينُ: القُرْآنُ، فَإنَّهُ المُبِينُ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ( يَهْدِي بِهِ ) راجِعٌ إلى الكِتابِ أوْ إلَيْهِ وإلى النُّورِ لِكَوْنِهِما كالشَّيْءِ الواحِدِ ( مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ ) أيْ: ما رَضِيَهُ اللَّهُ، و( سُبُلَ السَّلامِ ) طُرُقُ السَّلامَةِ مِنَ العَذابِ المُوَصِّلَةِ إلى السَّلامِ المُنَزَّهَةِ عَنْ كُلِّ آفَةٍ، وقِيلَ المُرادُ بِالسَّلامِ: الإسْلامُ ﴿ويُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ﴾ الكُفْرِيَّةِ ( إلى النُّورِ ) الإسْلامِيِّ ﴿ويَهْدِيهِمْ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ إلى طَرِيقٍ يَتَوَصَّلُونَ بِها إلى الحَقِّ لا عِوَجَ فِيها ولا مَخافَةَ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ( رَسُولُنا ) قالَ: هو مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ أيْضًا عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: «إنْ نَبِيَّ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أتاهُ اليَهُودُ يَسْألُونَهُ عَنِ الرَّجْمِ فَقالَ: أيُّكم أعْلَمُ ؟ فَأشارُوا إلى ابْنِ صُورِيا، فَناشَدَهُ بِالَّذِي أنْزَلَ التَّوْراةَ عَلى مُوسى والَّذِي رَفَعَ الطُّورَ بِالمَواثِيقِ الَّتِي أُخِذَتْ عَلَيْهِمْ حَتّى أخَذَهُ أفْكَلُ، فَقالَ: إنَّهُ لَمّا كَثُرَ فِينا جُلِدْنا مِائَةَ جَلْدَةٍ (p-٣٦٢)وحالَقْنا الرُّءُوسَ، فَحَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالرَّجْمِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ( ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ) يَقُولُ: عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الذُّنُوبِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: ( سُبُلَ السَّلامِ ) هي سَبِيلُ اللَّهِ الَّذِي شَرَعَهُ لِعِبادِهِ ودَعاهم إلَيْهِ وابْتَعَثَ بِهِ رُسُلَهُ: وهو الإسْلامُ.
المائدة 5:16
الألِفُ واللّامُ في الكِتابِ لِلْجِنْسِ والخِطابُ لِلْيَهُودِ والنَّصارى ﴿قَدْ جاءَكم رَسُولُنا﴾ أيْ: مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ حالَ كَوْنِهِ: ﴿يُبَيِّنُ لَكم كَثِيرًا مِمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكِتابِ﴾ المُنَزَّلِ عَلَيْكم، وهو التَّوْراةُ والإنْجِيلُ: كَآيَةِ الرَّجْمِ وقِصَّةِ أصْحابِ السَّبْتِ المَمْسُوخِينَ قِرَدَةً ( ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ) مِمّا تُخْفُونَهُ، فَيَتْرُكُ بَيانَهُ لِعَدَمِ اشْتِمالِهِ عَلى ما يَجِبُ بَيانُهُ عَلَيْهِ مِنَ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ، فَإنَّ ما لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لا فائِدَةَ تَتَعَلَّقُ بِبَيانِهِ إلّا مُجَرَّدُ افْتِضاحِكم، وقِيلَ المَعْنى: إنَّهُ يَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ فَيَتَجاوَزُهُ ولا يُخْبِرُكم بِهِ، وقِيلَ: يَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ مِنكم فَلا يُؤاخِذُكم بِما يَصْدُرُ مِنهم، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَطْفًا عَلى الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ: أعْنِي قَوْلَهُ: ( يُبَيِّنُ لَكم ) .
قَوْلُهُ: ﴿قَدْ جاءَكم مِنَ اللَّهِ نُورٌ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلى بَيانِ أنَّ مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قَدْ تَضَمَّنَتْ بَعْثَتُهُ فَوائِدَ غَيْرَ ما تَقَدَّمَ مِن مُجَرَّدِ البَيانِ، قالَ الزَّجّاجُ: النُّورُ مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وقِيلَ: الإسْلامُ، والكِتابُ المُبِينُ: القُرْآنُ، فَإنَّهُ المُبِينُ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ( يَهْدِي بِهِ ) راجِعٌ إلى الكِتابِ أوْ إلَيْهِ وإلى النُّورِ لِكَوْنِهِما كالشَّيْءِ الواحِدِ ( مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ ) أيْ: ما رَضِيَهُ اللَّهُ، و( سُبُلَ السَّلامِ ) طُرُقُ السَّلامَةِ مِنَ العَذابِ المُوَصِّلَةِ إلى السَّلامِ المُنَزَّهَةِ عَنْ كُلِّ آفَةٍ، وقِيلَ المُرادُ بِالسَّلامِ: الإسْلامُ ﴿ويُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ﴾ الكُفْرِيَّةِ ( إلى النُّورِ ) الإسْلامِيِّ ﴿ويَهْدِيهِمْ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ إلى طَرِيقٍ يَتَوَصَّلُونَ بِها إلى الحَقِّ لا عِوَجَ فِيها ولا مَخافَةَ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ( رَسُولُنا ) قالَ: هو مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ أيْضًا عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: «إنْ نَبِيَّ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أتاهُ اليَهُودُ يَسْألُونَهُ عَنِ الرَّجْمِ فَقالَ: أيُّكم أعْلَمُ ؟ فَأشارُوا إلى ابْنِ صُورِيا، فَناشَدَهُ بِالَّذِي أنْزَلَ التَّوْراةَ عَلى مُوسى والَّذِي رَفَعَ الطُّورَ بِالمَواثِيقِ الَّتِي أُخِذَتْ عَلَيْهِمْ حَتّى أخَذَهُ أفْكَلُ، فَقالَ: إنَّهُ لَمّا كَثُرَ فِينا جُلِدْنا مِائَةَ جَلْدَةٍ (p-٣٦٢)وحالَقْنا الرُّءُوسَ، فَحَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالرَّجْمِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ( ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ) يَقُولُ: عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الذُّنُوبِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: ( سُبُلَ السَّلامِ ) هي سَبِيلُ اللَّهِ الَّذِي شَرَعَهُ لِعِبادِهِ ودَعاهم إلَيْهِ وابْتَعَثَ بِهِ رُسُلَهُ: وهو الإسْلامُ.
المائدة 5:17
ضَمِيرُ الفَصْلِ في قَوْلِهِ: ( هو المَسِيحُ ) يُفِيدُ الحَصْرَ، قِيلَ: وقَدْ قالَ بِذَلِكَ بَعْضُ طَوائِفِ النَّصارى، وقِيلَ: لَمْ يَقُلْ بِهِ أحَدٌ مِنهم، ولَكِنِ اسْتَلْزَمَ قَوْلَهم: ( إنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ ) لا غَيْرَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في آخِرِ سُورَةِ النِّساءِ ما يَكْفِي ويُغْنِي عَنِ التَّكْرارِ.
قَوْلُهُ: ﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ، والمِلْكُ: الضَّبْطُ والحِفْظُ والقُدْرَةُ، مِن قَوْلِهِمْ: مَلَكْتُ عَلى فُلانٍ أمْرَهُ؛ أيْ: قَدَرْتُ عَلَيْهِ؛ أيْ: فَمَن يَقْدِرُ أنْ يَمْنَعَ ﴿إنْ أرادَ أنْ يُهْلِكَ المَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ وإذا لَمْ يَقْدِرْ أحَدٌ أنْ يَمْنَعَ مِن ذَلِكَ فَلا إلَهَ إلّا اللَّهُ ولا رَبَّ غَيْرُهُ ولا مَعْبُودَ بِحَقٍّ سِواهُ، ولَوْ كانَ المَسِيحُ إلَهًا كَما تَزْعُمُ النَّصارى لَكانَ لَهُ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ، ولَقَدَرَ عَلى أنْ يَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ أقَلَّ حالٍ ولَمْ يَقْدِرْ عَلى أنْ يَدْفَعَ عَنْ أُمِّهِ المَوْتَ عِنْدَ نُزُولِهِ بِها، وتَخْصِيصِها بِالذِّكْرِ مَعَ دُخُولِها في عُمُومِ مَن في الأرْضِ لِكَوْنِ الدَّفْعِ مِنهُ عَنْها أوْلى وأحَقَّ مِن غَيْرِها، فَهو إذا لَمْ يَقْدِرْ عَلى الدَّفْعِ عَنْها أعْجَزُ عَنْ أنْ يَدْفَعَ عَنْ غَيْرِها، وذَكَرَ مَن في الأرْضِ لِلدَّلالَةِ عَلى شُمُولِ قُدْرَتِهِ، وأنَّهُ إذا أرادَ شَيْئًا كانَ لا مُعارِضَ لَهُ في أمْرِهِ ولا مُشارِكَ لَهُ في قَضائِهِ ﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾ أيْ ما بَيْنَ النَّوْعَيْنِ مِنَ المَخْلُوقاتِ. قَوْلُهُ: ( يَخْلُقُ ما يَشاءُ ) جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ أنَّهُ سُبْحانَهُ خالِقُ الخَلْقِ بِحَسَبِ مَشِيئَتِهِ، وأنَّهُ يَقْدِرُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ لا يَسْتَصْعِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ.
قَوْلُهُ: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ والنَّصارى نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ أثْبَتَتِ اليَهُودُ لِأنْفُسِها ما أثْبَتَتْهُ لِعُزَيْرٍ حَيْثُ قالُوا: ( عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ ) [التوبة: ٣٠] وأثْبَتَتِ النَّصارى لِأنْفُسِها ما أثْبَتَتْهُ لِلْمَسِيحِ حَيْثُ قالُوا: ( المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ) [التوبة: ٣٠] وقِيلَ: هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ أيْ: نَحْنُ أتْباعُ أبْناءِ اللَّهِ، وهَكَذا أثْبَتُوا لِأنْفُسِهِمْ أنَّهم أحِبّاءُ اللَّهِ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوى الباطِلَةِ والأمانِي العاطِلَةِ، فَأمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ، فَقالَ: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكم بِذُنُوبِكُمْ﴾ أيْ: إنْ كُنْتُمْ كَما تَزْعُمُونَ، فَما بالُهُ يُعَذِّبُكم بِما تَقْتَرِفُونَهُ مِنَ الذُّنُوبِ بِالقَتْلِ والمَسْخِ وبِالنّارِ في يَوْمِ القِيامَةِ كَما تَعْتَرِفُونَ بِذَلِكَ لِقَوْلِكم: ﴿لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ فَإنَّ الِابْنَ مِن جِنْسِ أبِيهِ لا يَصْدُرُ عَنْهُ ما يَسْتَحِيلُ عَلى الأبِ وأنْتُمْ تُذْنِبُونَ، والحَبِيبُ لا يُعَذِّبُ حَبِيبَهُ وأنْتُمْ تُعَذَّبُونَ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّكم كاذِبُونَ في هَذِهِ الدَّعْوى، وهَذا البُرْهانُ هو المُسَمّى عِنْدَ الجَدَلِيِّينَ بِبُرْهانِ الخَلْفِ.
قَوْلُهُ: ﴿بَلْ أنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ؛ أيْ: فَلَسْتُمْ حِينَئِذٍ كَذَلِكَ ﴿بَلْ أنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ أيْ: مِن جِنْسِ مَن خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى يُحاسِبُهم عَلى الخَيْرِ والشَّرِّ، ويُجازِي كُلَّ عامِلٍ بِعَمَلِهِ ﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾ مِنَ المَوْجُوداتِ ( وإلَيْهِ المَصِيرُ ) أيْ: تَصِيرُونَ إلَيْهِ عِنْدَ انْتِقالِكم مِن دارِ الدُّنْيا إلى دارِ الآخِرَةِ، وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «أتى رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ نُعْمانُ بْنُ أضاءٍ وبَحْرِيُّ بْنُ عَمْرٍو وشاسُ بْنُ عَدِيٍّ فَكَلَّمُوهُ وكَلَّمَهم رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ودَعاهم إلى اللَّهِ وحَذَّرَهم نِقْمَتَهُ، فَقالُوا: ما تُخَوِّفُنا يا مُحَمَّدُ ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ كَقَوْلِ النَّصارى فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ والنَّصارى﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ في مُسْنَدِهِ، عَنْ أنَسٍ قالَ: «مَرَّ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في نَفَرٍ مِن أصْحابِهِ وصَبِيٍّ في الطَّرِيقِ، فَلَمّا رَأتْ أُمُّهُ القَوْمَ خَشِيَتْ عَلى ولَدِها أنْ يُوطَأ، فَأقْبَلَتْ تَسْعى وتَقُولُ: ابْنِي ابْنِي، فَسَعَتْ فَأخَذَتْهُ، فَقالَ القَوْمُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما كانَتْ هَذِهِ لِتُلْقِيَ ابْنَها في النّارِ ؟ فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: لا، واللَّهُ لا يُلْقِي حَبِيبَهُ في النّارِ» وإسْنادُهُ في المُسْنَدِ هَكَذا: حَدَّثَنا ابْنُ أبِي عَدِيٍّ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أنَسٍ فَذَكَرَهُ.
ومَعْنى الآيَةِ يُشِيرُ إلى مَعْنى هَذا الحَدِيثِ، ولِهَذا قالَ بَعْضُ مَشايِخِ الصُّوفِيَّةِ لِبَعْضِ الفُقَهاءِ: أيْنَ تَجِدُ في القُرْآنِ أنَّ الحَبِيبَ لا يُعَذِّبُ حَبِيبَهُ ؟ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ، فَتَلا الصُّوفِيُّ هَذِهِ الآيَةَ. وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ عَنِ الحَسَنِ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «لا واللَّهِ لا يُعَذِّبُ اللَّهُ حَبِيبَهُ، ولَكِنْ قَدْ يَبْتَلِيهِ في الدُّنْيا» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ﴾ يَقُولُ: يَهْدِي مِنكم مَن يَشاءُ في الدُّنْيا فَيَغْفِرُ لَهُ، ويُمِيتُ مَن يَشاءُ مِنكم عَلى كُفْرِهِ فَيُعَذِّبُهُ.
المائدة 5:18
ضَمِيرُ الفَصْلِ في قَوْلِهِ: ( هو المَسِيحُ ) يُفِيدُ الحَصْرَ، قِيلَ: وقَدْ قالَ بِذَلِكَ بَعْضُ طَوائِفِ النَّصارى، وقِيلَ: لَمْ يَقُلْ بِهِ أحَدٌ مِنهم، ولَكِنِ اسْتَلْزَمَ قَوْلَهم: ( إنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ ) لا غَيْرَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في آخِرِ سُورَةِ النِّساءِ ما يَكْفِي ويُغْنِي عَنِ التَّكْرارِ.
قَوْلُهُ: ﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ، والمِلْكُ: الضَّبْطُ والحِفْظُ والقُدْرَةُ، مِن قَوْلِهِمْ: مَلَكْتُ عَلى فُلانٍ أمْرَهُ؛ أيْ: قَدَرْتُ عَلَيْهِ؛ أيْ: فَمَن يَقْدِرُ أنْ يَمْنَعَ ﴿إنْ أرادَ أنْ يُهْلِكَ المَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ وإذا لَمْ يَقْدِرْ أحَدٌ أنْ يَمْنَعَ مِن ذَلِكَ فَلا إلَهَ إلّا اللَّهُ ولا رَبَّ غَيْرُهُ ولا مَعْبُودَ بِحَقٍّ سِواهُ، ولَوْ كانَ المَسِيحُ إلَهًا كَما تَزْعُمُ النَّصارى لَكانَ لَهُ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ، ولَقَدَرَ عَلى أنْ يَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ أقَلَّ حالٍ ولَمْ يَقْدِرْ عَلى أنْ يَدْفَعَ عَنْ أُمِّهِ المَوْتَ عِنْدَ نُزُولِهِ بِها، وتَخْصِيصِها بِالذِّكْرِ مَعَ دُخُولِها في عُمُومِ مَن في الأرْضِ لِكَوْنِ الدَّفْعِ مِنهُ عَنْها أوْلى وأحَقَّ مِن غَيْرِها، فَهو إذا لَمْ يَقْدِرْ عَلى الدَّفْعِ عَنْها أعْجَزُ عَنْ أنْ يَدْفَعَ عَنْ غَيْرِها، وذَكَرَ مَن في الأرْضِ لِلدَّلالَةِ عَلى شُمُولِ قُدْرَتِهِ، وأنَّهُ إذا أرادَ شَيْئًا كانَ لا مُعارِضَ لَهُ في أمْرِهِ ولا مُشارِكَ لَهُ في قَضائِهِ ﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾ أيْ ما بَيْنَ النَّوْعَيْنِ مِنَ المَخْلُوقاتِ. قَوْلُهُ: ( يَخْلُقُ ما يَشاءُ ) جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ أنَّهُ سُبْحانَهُ خالِقُ الخَلْقِ بِحَسَبِ مَشِيئَتِهِ، وأنَّهُ يَقْدِرُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ لا يَسْتَصْعِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ.
قَوْلُهُ: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ والنَّصارى نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ أثْبَتَتِ اليَهُودُ لِأنْفُسِها ما أثْبَتَتْهُ لِعُزَيْرٍ حَيْثُ قالُوا: ( عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ ) [التوبة: ٣٠] وأثْبَتَتِ النَّصارى لِأنْفُسِها ما أثْبَتَتْهُ لِلْمَسِيحِ حَيْثُ قالُوا: ( المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ) [التوبة: ٣٠] وقِيلَ: هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ أيْ: نَحْنُ أتْباعُ أبْناءِ اللَّهِ، وهَكَذا أثْبَتُوا لِأنْفُسِهِمْ أنَّهم أحِبّاءُ اللَّهِ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوى الباطِلَةِ والأمانِي العاطِلَةِ، فَأمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ، فَقالَ: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكم بِذُنُوبِكُمْ﴾ أيْ: إنْ كُنْتُمْ كَما تَزْعُمُونَ، فَما بالُهُ يُعَذِّبُكم بِما تَقْتَرِفُونَهُ مِنَ الذُّنُوبِ بِالقَتْلِ والمَسْخِ وبِالنّارِ في يَوْمِ القِيامَةِ كَما تَعْتَرِفُونَ بِذَلِكَ لِقَوْلِكم: ﴿لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ فَإنَّ الِابْنَ مِن جِنْسِ أبِيهِ لا يَصْدُرُ عَنْهُ ما يَسْتَحِيلُ عَلى الأبِ وأنْتُمْ تُذْنِبُونَ، والحَبِيبُ لا يُعَذِّبُ حَبِيبَهُ وأنْتُمْ تُعَذَّبُونَ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّكم كاذِبُونَ في هَذِهِ الدَّعْوى، وهَذا البُرْهانُ هو المُسَمّى عِنْدَ الجَدَلِيِّينَ بِبُرْهانِ الخَلْفِ.
قَوْلُهُ: ﴿بَلْ أنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ؛ أيْ: فَلَسْتُمْ حِينَئِذٍ كَذَلِكَ ﴿بَلْ أنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ أيْ: مِن جِنْسِ مَن خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى يُحاسِبُهم عَلى الخَيْرِ والشَّرِّ، ويُجازِي كُلَّ عامِلٍ بِعَمَلِهِ ﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾ مِنَ المَوْجُوداتِ ( وإلَيْهِ المَصِيرُ ) أيْ: تَصِيرُونَ إلَيْهِ عِنْدَ انْتِقالِكم مِن دارِ الدُّنْيا إلى دارِ الآخِرَةِ، وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «أتى رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ نُعْمانُ بْنُ أضاءٍ وبَحْرِيُّ بْنُ عَمْرٍو وشاسُ بْنُ عَدِيٍّ فَكَلَّمُوهُ وكَلَّمَهم رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ودَعاهم إلى اللَّهِ وحَذَّرَهم نِقْمَتَهُ، فَقالُوا: ما تُخَوِّفُنا يا مُحَمَّدُ ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ كَقَوْلِ النَّصارى فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ والنَّصارى﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ في مُسْنَدِهِ، عَنْ أنَسٍ قالَ: «مَرَّ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في نَفَرٍ مِن أصْحابِهِ وصَبِيٍّ في الطَّرِيقِ، فَلَمّا رَأتْ أُمُّهُ القَوْمَ خَشِيَتْ عَلى ولَدِها أنْ يُوطَأ، فَأقْبَلَتْ تَسْعى وتَقُولُ: ابْنِي ابْنِي، فَسَعَتْ فَأخَذَتْهُ، فَقالَ القَوْمُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما كانَتْ هَذِهِ لِتُلْقِيَ ابْنَها في النّارِ ؟ فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: لا، واللَّهُ لا يُلْقِي حَبِيبَهُ في النّارِ» وإسْنادُهُ في المُسْنَدِ هَكَذا: حَدَّثَنا ابْنُ أبِي عَدِيٍّ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أنَسٍ فَذَكَرَهُ.
ومَعْنى الآيَةِ يُشِيرُ إلى مَعْنى هَذا الحَدِيثِ، ولِهَذا قالَ بَعْضُ مَشايِخِ الصُّوفِيَّةِ لِبَعْضِ الفُقَهاءِ: أيْنَ تَجِدُ في القُرْآنِ أنَّ الحَبِيبَ لا يُعَذِّبُ حَبِيبَهُ ؟ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ، فَتَلا الصُّوفِيُّ هَذِهِ الآيَةَ. وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ عَنِ الحَسَنِ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «لا واللَّهِ لا يُعَذِّبُ اللَّهُ حَبِيبَهُ، ولَكِنْ قَدْ يَبْتَلِيهِ في الدُّنْيا» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ﴾ يَقُولُ: يَهْدِي مِنكم مَن يَشاءُ في الدُّنْيا فَيَغْفِرُ لَهُ، ويُمِيتُ مَن يَشاءُ مِنكم عَلى كُفْرِهِ فَيُعَذِّبُهُ.
المائدة 5:19
المُرادُ بِأهْلِ الكِتابِ اليَهُودُ والنَّصارى، والرَّسُولُ هو مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: ( ويُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ ) حالٌ، والمُبَيَّنُ هو ما شَرَعَهُ اللَّهُ لِعِبادِهِ وحُذِفَ لِلْعِلْمِ بِهِ؛ لِأنَّ بِعْثَةَ الرُّسُلِ إنَّما هي بِذَلِكَ، والفَتْرَةُ أصْلُها السُّكُونُ، يُقالُ فَتَرَ الشَّيْءَ: سَكَنَ، وقِيلَ: هي الِانْقِطاعُ، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ وغَيْرُهُ، ومِنهُ فَتَرَ الماءُ: إذا انْقَطَعَ عَمّا كانَ عَلَيْهِ مِنَ البَرْدِ إلى السُّخُونَةِ، وفَتَرَ الرَّجُلُ عَنْ عَمَلِهِ: إذا انْقَطَعَ عَمّا كانَ عَلَيْهِ مِنَ الجِدِّ فِيهِ، وامْرَأةٌ فاتِرَةُ الطَّرَفِ؛ أيْ: مُنْقَطِعَةٌ عَنْ حِدَّةِ النَّظَرِ، والمَعْنى: أنَّهُ انْقَطَعَ الرُّسُلُ قَبْلَ بَعْثِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مُدَّةً مِنَ الزَّمانِ، واخْتُلِفَ في قَدْرِ مُدَّةِ (p-٣٦٣)تِلْكَ الفَتْرَةِ وسَيَأْتِي بَيانُ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: ﴿أنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِن بَشِيرٍ ولا نَذِيرٍ﴾ تَعْلِيلٌ لِمَجِيءِ الرَّسُولِ بِالبَيانِ عَلى حِينِ فَتْرَةٍ؛ أيْ: كَراهَةَ أنْ تَقُولُوا هَذا القَوْلَ مُعْتَذِرِينَ عَنْ تَفْرِيطِكم، و( مِن ) في قَوْلِهِ: ( مِن بَشِيرٍ ) زائِدَةٌ لِلْمُبالَغَةِ في نَفْيِ المَجِيءِ، والفاءُ في قَوْلِهِ: ( فَقَدْ جاءَكم ) هي الفَصِيحَةُ مِثْلَ قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎فَقَدْ جِئْنا خُراسانا
أيْ: لا تَعْتَذِرُوا فَقَدْ جاءَكم بَشِيرٌ ونَذِيرٌ، وهو مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ومِن جُمْلَةِ مَقْدُوراتِهِ إرْسالُهُ رَسُولَهُ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ، وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ، في الدَّلائِلِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «دَعا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَهُودَ إلى الإسْلامِ، فَرَغَّبَهم فِيهِ وحَذَّرَهم فَأبَوْا عَلَيْهِ، فَقالَ لَهم مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ وسَعْدُ بْنُ عُبادَةَ وعُقْبَةُ بْنُ وهْبٍ: يا مَعْشَرَ يَهُودَ اتَّقُوا اللَّهَ فَواللَّهِ إنَّكم لَتَعْلَمُونَ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، لَقَدْ كُنْتُمْ تَذْكُرُونَهُ لَنا قَبْلَ مَبْعَثِهِ وتَصِفُونَهُ لَنا بِصِفَتِهِ، فَقالَ رافِعُ بْنُ حَرْمَلَةَ ووَهْبُ بْنُ يَهُوذا: ما قُلْنا لَكم هَذا وما أنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتابٍ مِن بَعْدِ مُوسى ولا أرْسَلَ بَشِيرًا ولا نَذِيرًا بَعْدَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ياأهْلَ الكِتابِ قَدْ جاءَكم رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكم عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾» الآيَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: هو مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ جاءَ بِالحَقِّ الَّذِي فَرَّقَ اللَّهُ بِهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ فِيهِ بَيانٌ ومَوْعِظَةٌ ونُورٌ وهُدًى وعِصْمَةٌ لِمَن أخَذَ بِهِ، قالَ: وكانَتِ الفَتْرَةُ بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ سِتَّمِائَةِ سَنَةٍ وما شاءَ اللَّهُ مِن ذَلِكَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: كانَتْ خَمْسَمِائَةِ سَنَةٍ وسِتِّينَ سَنَةً، وقالَ الكَلْبِيُّ: خَمْسَمِائَةِ سَنَةٍ وأرْبَعِينَ سَنَةً. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جَرِيرٍ قالَ: كانَتْ خَمْسَمِائَةِ سَنَةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: كانَتْ أرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ وبِضْعًا وثَلاثِينَ سَنَةً. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ في كِتابِ الطَّبَقاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ بَيْنَ مُوسى وعِيسى ألْفُ سَنَةٍ وتِسْعُمِائَةِ سَنَةٍ ولَمْ يَكُنْ بَيْنَهُما فَتْرَةً، فَإنَّهُ أُرْسِلَ بَيْنَهُما ألْفُ نَبِيٍّ مِن بَنِي إسْرائِيلَ سِوى مَن أُرْسِلَ مِن غَيْرِهِمْ، وكانَ بَيْنَ مِيلادِ عِيسى ومُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ وتِسْعٌ وسِتُّونَ سَنَةً، بُعِثَ في أوَّلِها ثَلاثَةُ أنْبِياءَ كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إذْ أرْسَلْنا إلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ﴾ [يس: ١٤] والَّذِي عَزَّزَ بِهِ شَمْعُونَ وكانَ مِنَ الحَوارِيِّينَ، وكانَتِ الفَتْرَةُ الَّتِي لَمْ يَبْعَثُ اللَّهُ فِيها رَسُولًا أرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ وأرْبَعَةً وثَلاثِينَ سَنَةً، وقَدْ قِيلَ غَيْرَ ما ذَكَرْنا.
المائدة 5:20
هَذِهِ الآياتُ مُتَضَمِّنَةٌ لِلْبَيانِ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِأنَّ أسْلافَ اليَهُودِ المَوْجُودِينَ في عَصْرِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ تَمَرَّدُوا عَلى مُوسى وعَصَوْهُ كَما تَمَرَّدَ هَؤُلاءِ عَلى نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وعَصَوْهُ، وفي ذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لَهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، ورُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ أنَّهُ قَرَأ: ( يا قَوْمُ اذْكُرُوا ) بِضَمِّ المِيمِ وكَذا قَرَأ فِيما أشْبَهَهُ، وتَقْدِيرُهُ: يا أيُّها القَوْمُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جَعَلَ فِيكم أنْبِياءَ؛ أيْ: وقْتَ هَذا الجَعْلِ، وإيقاعُ الذِّكْرِ عَلى الوَقْتِ مَعَ كَوْنِ المَقْصُودِ ما وقَعَ فِيهِ مِنَ الحَوادِثِ لِلْمُبالَغَةِ؛ لِأنَّ الأمْرَ بِذِكْرِ الوَقْتِ أمْرٌ بِذِكْرِ ما وقَعَ فِيهِ بِطَرِيقِ الأوْلى، وامْتَنَّ عَلَيْهِمْ سُبْحانَهُ بِجَعْلِ الأنْبِياءِ فِيهِمْ مَعَ كَوْنِهِ قَدْ جَعَلَ أنْبِياءَ مِن غَيْرِهِمْ، لِكَثْرَةِ مَن بَعَثَهُ مِنَ الأنْبِياءِ مِنهم، قَوْلُهُ: ( وجَعَلَكم مُلُوكًا ) أيْ وجَعَلَ مِنكم مُلُوكًا، وإنَّما حَذَفَ حَرْفَ الجَرِّ لِظُهُورِ أنَّ مَعْنى الكَلامِ عَلى تَقْدِيرِهِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ مَنصِبَ النُّبُوَّةِ لَمّا كانَ لِعِظَمِ قَدْرِهِ وجَلالَةِ خَطَرِهِ بِحَيْثُ لا يُنْسَبُ إلى غَيْرِ مَن هو لَهُ قالَ فِيهِ: ﴿إذْ جَعَلَ فِيكم أنْبِياءَ﴾ ولَمّا كانَ مَنصِبُ المَلِكِ مِمّا يَجُوزُ نِسْبَتُهُ إلى غَيْرِ مَن قالَ بِهِ كَما تَقُولُ قَرابَةُ المَلِكِ: نَحْنُ المُلُوكُ، قالَ فِيهِ: ( وجَعَلَكم مُلُوكًا ) وقِيلَ: المُرادُ بِالمَلِكِ: أنَّهم مَلَكُوا أمْرَهم بَعْدَ أنْ كانُوا مَمْلُوكِينَ لِفِرْعَوْنَ، فَهم جَمِيعًا مُلُوكٌ بِهَذا المَعْنى، وقِيلَ: مَعْناهُ أنَّهُ جَعَلَهم ذَوِي مَنازِلَ لا يَدْخُلُ عَلَيْهِمْ غَيْرُهم إلّا بِإذْنٍ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مِنَ الآيَةِ المَلِكُ الحَقِيقِيُّ، ولَوْ كانَ بِمَعْنًى آخَرَ لَما كانَ لِلِامْتِنانِ بِهِ كَثِيرُ مَعْنًى، فَإنْ قُلْتَ: قَدْ جَعَلَ غَيْرَهم مُلُوكًا كَما جَعَلَهم، قُلْتُ: قَدْ كَثُرَ المُلُوكُ فِيهِمْ كَما كَثُرَ الأنْبِياءُ، فَهَذا وجْهُ الِامْتِنانِ.
قَوْلُهُ: ﴿وآتاكم ما لَمْ يُؤْتِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ أيْ مِنَ المَنِّ والسَّلْوى والحَجَرِ والغَمامِ وكَثْرَةِ الأنْبِياءِ وكَثْرَةِ المُلُوكِ وغَيْرِ ذَلِكَ، والمُرادُ عالِمِي زَمانِهِمْ، وقِيلَ: إنَّ الخِطابَ هاهُنا لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وهو عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ غَيْرُ مُوجِبٍ، والصَّوابُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ مِن أنَّهُ مِن كَلامِ مُوسى لِقَوْمِهِ وخاطَبَهم بِهَذا الخِطابِ تَوْطِئَةً وتَمْهِيدًا لِما بَعْدَهُ مِن أمَرِهِ لَهم بِدُخُولِ الأرْضِ المُقَدَّسَةِ، وقَدِ اخْتُلِفَ في تَعْيِينِها، فَقالَ قَتادَةُ: هي الشّامُ، وقالَ مُجاهِدٌ: الطُّورُ وما حَوْلَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ وغَيْرُهُما: أرْيَحاءُ، وقالَ الزَّجّاجُ: دِمَشْقُ وفِلَسْطِينُ وبَعْضُ الأُرْدُنِ، وقَوْلُ قَتادَةَ يَجْمَعُ هَذِهِ الأقْوالَ المَذْكُورَةَ بَعْدَهُ، والمُقَدَّسَةُ: المُطَهَّرَةُ، وقِيلَ: المُبارَكَةُ ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ أيْ: قَسَّمَها وقَدَّرَها لَهم في سابِقِ عِلْمِهِ وجَعَلَها مَسْكَنًا لَكم ﴿ولا تَرْتَدُّوا عَلى أدْبارِكُمْ﴾ أيْ: لا تَرْجِعُوا عَنْ أمْرِي وتَتْرُكُوا طاعَتِي وما أوْجَبْتُهُ عَلَيْكم مِن قِتالِ الجَبّارِينَ جُبْنًا وفَشَلًا ( فَتَنْقَلِبُوا ) (p-٣٦٤)بِسَبَبِ ذَلِكَ ( خاسِرِينَ ) لِخَيْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ.
﴿قالُوا يا مُوسى إنَّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الجَبّارُ مِنَ الآدَمِيِّينَ العاتِي، وهو الَّذِي يُجْبِرُ النّاسَ عَلى ما يُرِيدُ، وأصْلُهُ عَلى هَذا مِنَ الإجْبارِ وهو الإكْراهُ، فَإنَّهُ يُجْبِرُ غَيْرَهُ عَلى ما يُرِيدُهُ، يُقالُ: أجْبَرَهُ إذا أكْرَهَهُ، وقِيلَ: هو مَأْخُوذٌ مِن جَبَرَ العَظْمَ، فَأصْلُ الجَبّارِ عَلى هَذا المُصْلِحُ لِأمْرِ نَفْسِهِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في كُلِّ مَن جَرَّ إلى نَفْسِهِ نَفْعًا بِحَقٍّ أوْ باطِلٍ، وقِيلَ: إنَّ جَبْرَ العَظْمِ راجِعٌ إلى مَعْنى الإكْراهِ، قالَ الفَرّاءُ: لَمْ أسْمَعْ فَعّالًا مِن أفْعَلَ إلّا في حَرْفَيْنِ؛ جَبّارٌ مِن أجْبَرَ، ودَرّاكٌ مِن أدْرَكَ.
والمُرادُ هُنا: أنَّهم قَوْمٌ عِظامُ الأجْسامِ طِوالٌ مُتَعاظِمُونَ، قِيلَ: هم قَوْمٌ مِن بَقِيَّةِ قَوْمِ عادٍ، وقِيلَ: هم مَن ولَدِ عِيصِ بْنِ إسْحاقَ، وقِيلَ: هم مِنَ الرُّومِ، ويُقالُ: إنَّ مِنهم عَوْجُ بْنُ عُنُقَ المَشْهُورُ بِالطُّولِ المُفْرِطِ، وعُنُقُ هي بِنْتُ آدَمَ، قِيلَ: كانَ طُولُهُ ثَلاثَةَ آلافِ ذِراعٍ وثَلَثَمِائَةٍ وثَلاثَةً وثَلاثِينَ ذِراعًا وثُلُثَ ذِراعٍ، قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا شَيْءٌ يُسْتَحَيا مِن ذِكْرِهِ، ثُمَّ هو مُخالِفٌ لِما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «إنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ وطُولُهُ سِتُّونَ ذِراعًا ثُمَّ لَمْ يَزَلِ الخَلْقُ يَنْقُصُ» ثُمَّ قَدْ ذَكَرُوا أنَّ هَذا الرَّجُلَ كانَ كافِرًا، وأنَّهُ كانَ ولَدَ زَنْيَةٍ، وأنَّهُ امْتَنَعَ مِن رُكُوبِ السَّفِينَةِ، وأنَّ الطُّوفانَ لَمْ يَصِلْ إلى رُكْبَتِهِ، وهَذا كَذِبٌ وافْتِراءٌ، فَإنَّ اللَّهَ ذَكَرَ أنَّ نُوحًا دَعا عَلى أهْلِ الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ فَقالَ: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ [نوح: ٢٦]، وقالَ تَعالى: ﴿فَأنْجَيْناهُ ومَن مَعَهُ في الفُلْكِ المَشْحُونِ ثُمَّ أغْرَقْنا بَعْدُ الباقِينَ﴾ [الشعراء: ١١٩، ١٢٠]، وقالَ تَعالى: ﴿لا عاصِمَ اليَوْمَ مِن أمْرِ اللَّهِ إلّا مَن رَحِمَ﴾ [هود: ٤٣] وإذا كانَ ابْنُ نُوحٍ الكافِرُ غَرِقَ فَكَيْفَ يَبْقى عَوْجُ بْنُ عُنُقَ وهو كافِرٌ ولَدُ زَنْيَةٍ ؟ هَذا لا يَسُوغُ في عَقْلٍ ولا شَرْعٍ، ثُمَّ في وُجُودِ رَجُلٍ يُقالُ لَهُ عَوْجُ بْنُ عُنُقَ نَظَرٌ، واللَّهُ أعْلَمُ، انْتَهى كَلامُهُ.
قُلْتُ: لَمْ يَأْتِ في أمْرِ هَذا الرَّجُلِ ما يَقْتَضِي تَطْوِيلُ الكَلامِ في شَأْنِهِ، وما هَذا بِأوَّلِ كِذْبَةٍ اشْتُهِرَتْ في النّاسِ، ولَسْنا بِمَلْزُومِينَ بِدَفْعِ الأكاذِيبِ الَّتِي وضَعَها القَصّاصُ ونَفَقَتْ عِنْدَ مَن لا يُمَيِّزُ بَيْنَ الصَّحِيحِ والسَّقِيمِ، فَكَمْ في بُطُونِ دَفاتِرِ التَّفاسِيرِ مِن أكاذِيبَ وبَلايا وأقاصِيصَ كُلِّها حَدِيثُ خُرافَةٍ، وما أحَقَّ مَن لا تَمْيِيزَ عِنْدِهِ لِفَنِّ الرِّوايَةِ ولا مَعْرِفَةَ بِهِ أنْ يَدَعَ التَّعَرُّضَ لِتَفْسِيرِ كِتابِ اللَّهِ، ويَضَعَ هَذِهِ الحَماقاتِ والأُضْحُوكاتِ في المَواضِعِ المُناسِبَةِ لَها مِن كُتُبَ القَصّاصِ.
قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ يَخْرُجُوا مِنها فَإنّا داخِلُونَ﴾ هَذا تَصْرِيحٌ بِما هو مَفْهُومٌ مِنَ الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ الجُمْلَةِ لِبَيانِ أنَّ امْتِناعَهم مِنَ الدُّخُولِ لَيْسَ إلّا لِهَذا السَّبَبِ، قَوْلُهُ: ( قالَ رَجُلانِ ) هُما يُوشَعُ وكالِبُ بْنُ يُوفَنّا أوِ ابْنُ فانِيا، وكانا مِنَ الِاثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا كَما مَرَّ بَيانُ ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ: ( مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ ) أيْ: يَخافُونَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: مِنَ الجَبّارِينَ؛ أيْ: هَذانِ الرَّجُلانِ مِن جُمْلَةِ القَوْمِ الَّذِينَ يَخافُونَ مِنَ الجَبّارِينَ، وقِيلَ: مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ ضَعْفَ بَنِي إسْرائِيلَ وجُبْنَهم، وقِيلَ: إنَّ الواوَ في ( يَخافُونَ ) لِبَنِي إسْرائِيلَ؛ أيْ: مِنَ الَّذِينَ يَخافُهم بَنُو إسْرائِيلَ، وقَرَأ مُجاهِدٌ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ( يُخافُونَ ) بِضَمِّ الياءِ؛ أيْ: يَخافُهم غَيْرُهم.
قَوْلُهُ: ﴿أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِما﴾ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لَرَجُلانِ، بِالإيمانِ واليَقِينُ بِحُصُولِ ما وعَدُوا بِهِ مِنَ النَّصْرِ والظَّفْرِ ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البابَ﴾ أيْ: بابَ بَلَدِ الجَبّارِينَ ﴿فَإذا دَخَلْتُمُوهُ فَإنَّكم غالِبُونَ﴾ قالا: هَذِهِ المَقالَةَ لِبَنِي إسْرائِيلَ، والظّاهِرُ أنَّهُما قَدْ عَلِما بِذَلِكَ مِن خَبَرِ مُوسى، أوْ قالاهُ ثِقَةً بِوَعْدِ اللَّهِ، أوْ كانا قَدْ عَرَفا أنَّ الجَبّارِينَ قَدْ مُلِئَتْ قُلُوبُهم خَوْفًا ورُعْبًا.
( قالُوا ) أيْ بَنُو إسْرائِيلَ لِمُوسى ﴿إنّا لَنْ نَدْخُلَها أبَدًا ما دامُوا فِيها﴾ وكانَ هَذا القَوْلُ مِنهم فَشَلًا وجُبْنًا أوْ عِنادًا وجُرْأةً عَلى اللَّهِ وعَلى رَسُولِهِ ﴿فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا﴾ قالُوا هَذا جَهْلًا بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وبِصِفاتِهِ وكُفْرًا بِما يَجِبُ لَهُ، أوِ اسْتِهانَةً بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، وقِيلَ: أرادُوا بِالذَّهابِ الإرادَةَ والقَصْدَ، وقِيلَ: أرادُوا بِالرَّبِّ هارُونَ، وكانَ أكْبَرَ مِن مُوسى، وكانَ مُوسى يُطِيعُهُ ﴿إنّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾ أيْ: لا نَبْرَحُ هاهُنا لا نَتَقَدَّمُ مَعَكَ ولا نَتَأخَّرُ عَنْ هَذا المَوْضِعِ، وقِيلَ: أرادُوا بِذَلِكَ عَدَمَ التَّقَدُّمِ لا عَدَمَ التَّأخُّرِ ( قالَ ) مُوسى ﴿رَبِّ إنِّي لا أمْلِكُ إلّا نَفْسِي وأخِي﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُعْطَفَ ( وأخِي ) عَلى ( نَفْسِي ) وأنْ يُعْطَفَ عَلى الضَّمِيرِ في ( إنِّي ) أيْ: إنِّي لا أمْلِكُ إلّا نَفْسِي وإنَّ أخِي لا يَمْلِكُ إلّا نَفْسَهُ، قالَ هَذا تَحَسُّرًا وتَحَزُّنًا واسْتِجْلابًا لِلنَّصْرِ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿فافْرُقْ بَيْنَنا وبَيْنَ القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ أيِ: افْصِلْ بَيْنَنا: يَعْنِي نَفْسَهُ وأخاهُ وبَيْنَ القَوْمِ الفاسِقِينَ ومَيَّزْنا عَنْ جُمْلَتِهِمْ ولا تُلْحِقْنا بِهِمْ في العُقُوبَةِ، وقِيلَ: المَعْنى: فاقْضِ بَيْنَنا وبَيْنَهم، وقِيلَ: إنَّما أرادَ في الآخِرَةِ.
وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ ( فافْرِقْ ) بِكَسْرِ الرّاءِ ( قالَ فَإنَّها ) أيِ: الأرْضَ المُقَدَّسَةَ ( مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ) أيْ: عَلى هَؤُلاءِ العُصاةِ بِسَبَبِ امْتِناعِهِمْ مِن قِتالِ الجَبّارِينَ ( أرْبَعِينَ سَنَةً ) ظَرْفٌ لِلتَّحْرِيمِ؛ أيْ: أنَّهُ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِمْ دُخُولُها هَذِهِ المُدَّةَ لا زِيادَةَ عَلَيْها، فَلا يُخالِفُ هَذا التَّحْرِيمَ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ( الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكم ) فَإنَّها مَكْتُوبَةٌ لِمَن بَقِيَ مِنهم بَعْدَ هَذِهِ المُدَّةِ، وقِيلَ: إنَّهُ لَمْ يَدْخُلْها أحَدٌ مِمَّنْ قالَ: ( إنّا لَنْ نَدْخُلَها ) فَيَكُونُ تَوْقِيتُ التَّحْرِيمِ بِهَذِهِ المُدَّةِ بِاعْتِبارِ ذَرارِيِّهِمْ، وقِيلَ: إنَّ ( أرْبَعِينَ سَنَةً ) ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ: ﴿يَتِيهُونَ في الأرْضِ﴾ أيْ: يَتِيهُونَ هَذا المِقْدارَ فَيَكُونُ التَّحْرِيمُ مُطْلَقًا.
والمُوَقَّتُ: هو التِّيهُ، وهو في اللُّغَةِ الحَيْرَةُ، يُقالُ مِنهُ: تاهَ يَتِيهُ تِيهًا أوْ تَوْهًا إذا تَحَيَّرَ، فالمَعْنى: يَتَحَيَّرُونَ في الأرْضِ، قِيلَ: إنَّ هَذِهِ الأرْضَ الَّتِي تاهُوا فِيها كانَتْ صَغِيرَةً نَحْوَ سِتَّةِ فَراسِخَ كانُوا يَمْسُونَ حَيْثُ أصْبَحُوا ويُصْبِحُونَ حَيْثُ أمْسُوا، وكانُوا سَيّارَةً مُسْتَمِرِّينَ عَلى ذَلِكَ لا قَرارَ لَهم، واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ هَلْ كانَ مَعَهم مُوسى وهارُونَ أمْ لا ؟ فَقِيلَ: لَمْ يَكُونا مَعَهم؛ لِأنَّ التِّيهَ عُقُوبَةٌ، وقِيلَ: كانا مَعَهم لَكِنْ سَهَّلَ اللَّهُ عَلَيْهِما ذَلِكَ كَما جَعَلَ النّارَ بَرْدًا وسَلامًا عَلى إبْراهِيمَ، وقَدْ قِيلَ: كَيْفَ يَقَعُ هَذا لِجَماعَةٍ مِنَ العُقَلاءِ في مِثْلِ هَذِهِ الأرْضِ اليَسِيرَةِ في هَذِهِ المُدَّةِ الطَّوِيلَةِ ؟ قالَ أبُو عَلِيٍّ: يَكُونُ ذَلِكَ بِأنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ الأرْضَ الَّتِي هم عَلَيْها إذا نامُوا إلى (p-٣٦٥)المَكانِ الَّذِي ابْتَدَءُوا مِنهُ، وقَدْ يَكُونُ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأسْبابِ المانِعَةِ مِنَ الخُرُوجِ عَنْها عَلى طَرِيقِ المُعْجِزَةِ الخارِقَةِ لِلْعادَةِ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ( وجَعَلَكم مُلُوكًا ) قالَ: مَلَكَهُمُ الخَدَمُ، وكانُوا أوَّلَ مَن مَلَكَ الخَدَمَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: كانَ الرَّجُلُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ إذا كانَتْ لَهُ الزَّوْجَةُ والخادِمُ والدّارُ سُمِّيَ مَلِكًا. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: الزَّوْجَةُ والخادِمُ والبَيْتُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ( وجَعَلَكم مُلُوكًا ) قالَ: المَرْأةُ والخَدَمُ ﴿وآتاكم ما لَمْ يُؤْتِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ قالَ: الَّذِينَ هم بَيْنَ ظَهْرانِيهِمْ يَوْمَئِذٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «كانَ بَنُو إسْرائِيلَ إذا كانَ لِأحَدِهِمْ خادِمٌ ودابَّةٌ وامْرَأةٌ كُتِبَ مَلِكًا» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والزُّبَيْرُ بْنُ بَكّارٍ في المَوْقِفِيّاتِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «مَن كانَ لَهُ بَيْتٌ وخادِمٌ فَهو مَلِكٌ» .
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في مَراسِيلِهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ في الآيَةِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: ( زَوْجَةٌ ومَسْكَنٌ وخادِمٌ ) وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ أنَّهُ سَألَهُ رَجُلٌ: ألْسْنا مِن فُقَراءِ المُهاجِرِينَ ؟ قالَ: ألَكَ امْرَأةٌ تَأْوِي إلَيْها ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: ألَكَ مَسْكَنٌ تَسْكُنُهُ ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: فَأنْتَ مِنَ الأغْنِياءِ، قالَ: إنَّ لِي خادِمًا، قالَ: فَأنْتَ مِنَ المُلُوكِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ( وجَعَلَكم مُلُوكًا ) قالَ: جَعَلَ لَهم أزْواجًا وخَدَمًا وبُيُوتًا ﴿وآتاكم ما لَمْ يُؤْتِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ قالَ: المَنَّ والسَّلْوى والحَجَرَ والغَمامَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ مُجاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: المَنَّ والسَّلْوى والحَجَرَ والغَمامَ، وقَدْ ثَبَتَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «مَن أصْبَحَ مِنكم مُعافًى في جَسَدِهِ آمِنًا في سِرْبِهِ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأنَّما حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيا بِحَذافِيرِها» وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ( ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ ) قالَ: الطُّورُ وما حَوْلَهُ. وأخْرَجَ عَنْهُ أيْضًا قالَ: هي أرْيَحاءُ.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ قالَ: هي ما بَيْنَ العَرِيشِ إلى الفُراتِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: هي الشّامُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ قالَ: الَّتِي أمَرَكُمُ اللَّهُ بِها. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: أمَرَ القَوْمَ بِها كَما أمَرَنا بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ والحَجِّ والعُمْرَةِ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أُمِرَ مُوسى أنْ يَدْخُلَ مَدِينَةَ الجَبّارِينَ، فَسارَ بِمَن مَعَهُ حَتّى نَزَلَ قَرِيبًا مِنَ المَدِينَةِ وهي أرْيَحاءُ، فَبَعَثَ إلَيْهِمُ اثْنَيْ عَشَرَ عَيْنًا مِن كُلِّ سِبْطٍ مِنهم عَيْنٌ لِيَأْتُوهُ بِخَبَرِ القَوْمِ، فَدَخَلُوا المَدِينَةَ فَرَأوْا أمْرًا عَظِيمًا مِن هَيْئَتِهِمْ وجِسْمِهِمْ وعِظَمِهِمْ، فَدَخَلُوا حائِطًا لِبَعْضِهِمْ فَجاءَ صاحِبُ الحائِطِ لِيَجْتَنِيَ الثِّمارَ مِن حائِطِهِ، فَجَعَلَ يَجْتَنِي الثِّمارَ فَنَظَرَ إلى آثارِهِمْ فَتَتَبَّعَهم، فَكُلَّما أصابَ واحِدًا مِنهم أخَذَهُ فَجَعَلَهُ في كُمِّهِ مَعَ الفاكِهَةِ حَتّى التَقَطَ الِاثْنَيْ عَشْرَ كُلَّهم فَجَعَلَهم في كُمِّهِ مَعَ الفاكِهَةِ، وذَهَبَ إلى مَلِكِهِمْ فَنَثَرَهم بَيْنَ يَدَيْهِ فَقالَ المَلِكُ: قَدْ رَأيْتُمْ شَأْنَنا وأمْرَنا اذْهَبُوا فَأخْبِرُوا صاحِبَكم، قالَ: فَرَجَعُوا إلى مُوسى فَأخْبَرُوهُ بِما عايَنُوا مِن أمْرِهِمْ، فَقالَ: اكْتُمُوا عَنّا، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يُخْبِرُ أباهُ وصَدِيقَهُ ويَقُولُ: اكْتُمْ عَنِّي، فَأُشِيعَ ذَلِكَ في عَسْكَرِهِمْ ولَمْ يَكْتُمْ مِنهم إلّا رَجُلانِ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ وكالِبُ بْنُ يُوفَنّا وهُما اللَّذانِ أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِما ﴿قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ﴾ .
وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذا مِمّا يَتَضَمَّنُ المُبالَغَةَ في وصْفِ هَؤُلاءِ وعِظَمِ أجْسامِهِمْ، ولا فائِدَةَ في بَسْطِ ذَلِكَ فَغالِبُهُ مِن أكاذِيبِ القَصّاصِ كَما قَدَّمْنا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ( فافْرُقْ ) يَقُولُ: اقْضِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ يَقُولُ: افْصِلْ بَيْنَنا وبَيْنَهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ قالَ: أبَدًا، وفي قَوْلِهِ: ﴿يَتِيهُونَ في الأرْضِ﴾ قالَ: أرْبَعِينَ سَنَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: تاهُوا أرْبَعِينَ سَنَةً، فَهَلَكَ مُوسى وهارُونَ في التِّيهِ، وكُلُّ مَن جاوَزَ الأرْبَعِينَ سَنَةً، فَلَمّا مَضَتِ الأرْبَعُونَ سَنَةً ناهَضَهم يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، وهو الَّذِي قامَ بِالأمْرِ بَعْدَ مُوسى، وهو الَّذِي افْتَتَحَها وهو الَّذِي قِيلَ لَهُ اليَوْمُ يَوْمُ جُمُعَةٍ، فَهَّمُوا بِافْتِتاحِها فَدَنَتِ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ، فَخَشِيَ إنْ دَخَلَتْ لَيْلَةُ السَّبْتِ أنْ يَسْبِتُوا، فَنادى الشَّمْسَ: إنِّي مَأْمُورٌ وأنْتِ مَأْمُورَةٌ فَوَقَفَتْ حَتّى افْتَتَحَها، فَوَجَدَ فِيها مِنَ الأمْوالِ ما لَمْ يَرِدْ مِثْلُهُ قَطُّ، فَقَرَّبُوهُ إلى النّارِ فَلَمْ تَأْتِ، فَقالَ: فِيكُمُ الغُلُولُ، فَدَعا رُءُوسَ الأسْباطِ وهُمُ اثْنا عَشَرَ رَجُلًا فَبايَعَهم والتَصَقَتْ يَدُ رَجُلٍ مِنهم بِيَدِهِ، فَقالَ: الغُلُولُ عِنْدَكَ فَأخْرِجْهُ، فَأخْرَجَ رَأْسَ بَقَرَةٍ مِن ذَهَبٍ لَها عَيْنانِ مِن ياقُوتٍ وأسْنانٌ مِن لُؤْلُؤٍ، فَوَضَعَهُ مَعَ القُرْبانِ فَأتَتِ النّارُ فَأكَلَتْها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: خُلِقَ لَهم في التِّيهِ ثِيابٌ لا تَخْلُقُ ولا تَدْرَنُ.
المائدة 5:21
هَذِهِ الآياتُ مُتَضَمِّنَةٌ لِلْبَيانِ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِأنَّ أسْلافَ اليَهُودِ المَوْجُودِينَ في عَصْرِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ تَمَرَّدُوا عَلى مُوسى وعَصَوْهُ كَما تَمَرَّدَ هَؤُلاءِ عَلى نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وعَصَوْهُ، وفي ذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لَهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، ورُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ أنَّهُ قَرَأ: ( يا قَوْمُ اذْكُرُوا ) بِضَمِّ المِيمِ وكَذا قَرَأ فِيما أشْبَهَهُ، وتَقْدِيرُهُ: يا أيُّها القَوْمُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جَعَلَ فِيكم أنْبِياءَ؛ أيْ: وقْتَ هَذا الجَعْلِ، وإيقاعُ الذِّكْرِ عَلى الوَقْتِ مَعَ كَوْنِ المَقْصُودِ ما وقَعَ فِيهِ مِنَ الحَوادِثِ لِلْمُبالَغَةِ؛ لِأنَّ الأمْرَ بِذِكْرِ الوَقْتِ أمْرٌ بِذِكْرِ ما وقَعَ فِيهِ بِطَرِيقِ الأوْلى، وامْتَنَّ عَلَيْهِمْ سُبْحانَهُ بِجَعْلِ الأنْبِياءِ فِيهِمْ مَعَ كَوْنِهِ قَدْ جَعَلَ أنْبِياءَ مِن غَيْرِهِمْ، لِكَثْرَةِ مَن بَعَثَهُ مِنَ الأنْبِياءِ مِنهم، قَوْلُهُ: ( وجَعَلَكم مُلُوكًا ) أيْ وجَعَلَ مِنكم مُلُوكًا، وإنَّما حَذَفَ حَرْفَ الجَرِّ لِظُهُورِ أنَّ مَعْنى الكَلامِ عَلى تَقْدِيرِهِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ مَنصِبَ النُّبُوَّةِ لَمّا كانَ لِعِظَمِ قَدْرِهِ وجَلالَةِ خَطَرِهِ بِحَيْثُ لا يُنْسَبُ إلى غَيْرِ مَن هو لَهُ قالَ فِيهِ: ﴿إذْ جَعَلَ فِيكم أنْبِياءَ﴾ ولَمّا كانَ مَنصِبُ المَلِكِ مِمّا يَجُوزُ نِسْبَتُهُ إلى غَيْرِ مَن قالَ بِهِ كَما تَقُولُ قَرابَةُ المَلِكِ: نَحْنُ المُلُوكُ، قالَ فِيهِ: ( وجَعَلَكم مُلُوكًا ) وقِيلَ: المُرادُ بِالمَلِكِ: أنَّهم مَلَكُوا أمْرَهم بَعْدَ أنْ كانُوا مَمْلُوكِينَ لِفِرْعَوْنَ، فَهم جَمِيعًا مُلُوكٌ بِهَذا المَعْنى، وقِيلَ: مَعْناهُ أنَّهُ جَعَلَهم ذَوِي مَنازِلَ لا يَدْخُلُ عَلَيْهِمْ غَيْرُهم إلّا بِإذْنٍ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مِنَ الآيَةِ المَلِكُ الحَقِيقِيُّ، ولَوْ كانَ بِمَعْنًى آخَرَ لَما كانَ لِلِامْتِنانِ بِهِ كَثِيرُ مَعْنًى، فَإنْ قُلْتَ: قَدْ جَعَلَ غَيْرَهم مُلُوكًا كَما جَعَلَهم، قُلْتُ: قَدْ كَثُرَ المُلُوكُ فِيهِمْ كَما كَثُرَ الأنْبِياءُ، فَهَذا وجْهُ الِامْتِنانِ.
قَوْلُهُ: ﴿وآتاكم ما لَمْ يُؤْتِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ أيْ مِنَ المَنِّ والسَّلْوى والحَجَرِ والغَمامِ وكَثْرَةِ الأنْبِياءِ وكَثْرَةِ المُلُوكِ وغَيْرِ ذَلِكَ، والمُرادُ عالِمِي زَمانِهِمْ، وقِيلَ: إنَّ الخِطابَ هاهُنا لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وهو عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ غَيْرُ مُوجِبٍ، والصَّوابُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ مِن أنَّهُ مِن كَلامِ مُوسى لِقَوْمِهِ وخاطَبَهم بِهَذا الخِطابِ تَوْطِئَةً وتَمْهِيدًا لِما بَعْدَهُ مِن أمَرِهِ لَهم بِدُخُولِ الأرْضِ المُقَدَّسَةِ، وقَدِ اخْتُلِفَ في تَعْيِينِها، فَقالَ قَتادَةُ: هي الشّامُ، وقالَ مُجاهِدٌ: الطُّورُ وما حَوْلَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ وغَيْرُهُما: أرْيَحاءُ، وقالَ الزَّجّاجُ: دِمَشْقُ وفِلَسْطِينُ وبَعْضُ الأُرْدُنِ، وقَوْلُ قَتادَةَ يَجْمَعُ هَذِهِ الأقْوالَ المَذْكُورَةَ بَعْدَهُ، والمُقَدَّسَةُ: المُطَهَّرَةُ، وقِيلَ: المُبارَكَةُ ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ أيْ: قَسَّمَها وقَدَّرَها لَهم في سابِقِ عِلْمِهِ وجَعَلَها مَسْكَنًا لَكم ﴿ولا تَرْتَدُّوا عَلى أدْبارِكُمْ﴾ أيْ: لا تَرْجِعُوا عَنْ أمْرِي وتَتْرُكُوا طاعَتِي وما أوْجَبْتُهُ عَلَيْكم مِن قِتالِ الجَبّارِينَ جُبْنًا وفَشَلًا ( فَتَنْقَلِبُوا ) (p-٣٦٤)بِسَبَبِ ذَلِكَ ( خاسِرِينَ ) لِخَيْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ.
﴿قالُوا يا مُوسى إنَّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الجَبّارُ مِنَ الآدَمِيِّينَ العاتِي، وهو الَّذِي يُجْبِرُ النّاسَ عَلى ما يُرِيدُ، وأصْلُهُ عَلى هَذا مِنَ الإجْبارِ وهو الإكْراهُ، فَإنَّهُ يُجْبِرُ غَيْرَهُ عَلى ما يُرِيدُهُ، يُقالُ: أجْبَرَهُ إذا أكْرَهَهُ، وقِيلَ: هو مَأْخُوذٌ مِن جَبَرَ العَظْمَ، فَأصْلُ الجَبّارِ عَلى هَذا المُصْلِحُ لِأمْرِ نَفْسِهِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في كُلِّ مَن جَرَّ إلى نَفْسِهِ نَفْعًا بِحَقٍّ أوْ باطِلٍ، وقِيلَ: إنَّ جَبْرَ العَظْمِ راجِعٌ إلى مَعْنى الإكْراهِ، قالَ الفَرّاءُ: لَمْ أسْمَعْ فَعّالًا مِن أفْعَلَ إلّا في حَرْفَيْنِ؛ جَبّارٌ مِن أجْبَرَ، ودَرّاكٌ مِن أدْرَكَ.
والمُرادُ هُنا: أنَّهم قَوْمٌ عِظامُ الأجْسامِ طِوالٌ مُتَعاظِمُونَ، قِيلَ: هم قَوْمٌ مِن بَقِيَّةِ قَوْمِ عادٍ، وقِيلَ: هم مَن ولَدِ عِيصِ بْنِ إسْحاقَ، وقِيلَ: هم مِنَ الرُّومِ، ويُقالُ: إنَّ مِنهم عَوْجُ بْنُ عُنُقَ المَشْهُورُ بِالطُّولِ المُفْرِطِ، وعُنُقُ هي بِنْتُ آدَمَ، قِيلَ: كانَ طُولُهُ ثَلاثَةَ آلافِ ذِراعٍ وثَلَثَمِائَةٍ وثَلاثَةً وثَلاثِينَ ذِراعًا وثُلُثَ ذِراعٍ، قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا شَيْءٌ يُسْتَحَيا مِن ذِكْرِهِ، ثُمَّ هو مُخالِفٌ لِما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «إنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ وطُولُهُ سِتُّونَ ذِراعًا ثُمَّ لَمْ يَزَلِ الخَلْقُ يَنْقُصُ» ثُمَّ قَدْ ذَكَرُوا أنَّ هَذا الرَّجُلَ كانَ كافِرًا، وأنَّهُ كانَ ولَدَ زَنْيَةٍ، وأنَّهُ امْتَنَعَ مِن رُكُوبِ السَّفِينَةِ، وأنَّ الطُّوفانَ لَمْ يَصِلْ إلى رُكْبَتِهِ، وهَذا كَذِبٌ وافْتِراءٌ، فَإنَّ اللَّهَ ذَكَرَ أنَّ نُوحًا دَعا عَلى أهْلِ الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ فَقالَ: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ [نوح: ٢٦]، وقالَ تَعالى: ﴿فَأنْجَيْناهُ ومَن مَعَهُ في الفُلْكِ المَشْحُونِ ثُمَّ أغْرَقْنا بَعْدُ الباقِينَ﴾ [الشعراء: ١١٩، ١٢٠]، وقالَ تَعالى: ﴿لا عاصِمَ اليَوْمَ مِن أمْرِ اللَّهِ إلّا مَن رَحِمَ﴾ [هود: ٤٣] وإذا كانَ ابْنُ نُوحٍ الكافِرُ غَرِقَ فَكَيْفَ يَبْقى عَوْجُ بْنُ عُنُقَ وهو كافِرٌ ولَدُ زَنْيَةٍ ؟ هَذا لا يَسُوغُ في عَقْلٍ ولا شَرْعٍ، ثُمَّ في وُجُودِ رَجُلٍ يُقالُ لَهُ عَوْجُ بْنُ عُنُقَ نَظَرٌ، واللَّهُ أعْلَمُ، انْتَهى كَلامُهُ.
قُلْتُ: لَمْ يَأْتِ في أمْرِ هَذا الرَّجُلِ ما يَقْتَضِي تَطْوِيلُ الكَلامِ في شَأْنِهِ، وما هَذا بِأوَّلِ كِذْبَةٍ اشْتُهِرَتْ في النّاسِ، ولَسْنا بِمَلْزُومِينَ بِدَفْعِ الأكاذِيبِ الَّتِي وضَعَها القَصّاصُ ونَفَقَتْ عِنْدَ مَن لا يُمَيِّزُ بَيْنَ الصَّحِيحِ والسَّقِيمِ، فَكَمْ في بُطُونِ دَفاتِرِ التَّفاسِيرِ مِن أكاذِيبَ وبَلايا وأقاصِيصَ كُلِّها حَدِيثُ خُرافَةٍ، وما أحَقَّ مَن لا تَمْيِيزَ عِنْدِهِ لِفَنِّ الرِّوايَةِ ولا مَعْرِفَةَ بِهِ أنْ يَدَعَ التَّعَرُّضَ لِتَفْسِيرِ كِتابِ اللَّهِ، ويَضَعَ هَذِهِ الحَماقاتِ والأُضْحُوكاتِ في المَواضِعِ المُناسِبَةِ لَها مِن كُتُبَ القَصّاصِ.
قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ يَخْرُجُوا مِنها فَإنّا داخِلُونَ﴾ هَذا تَصْرِيحٌ بِما هو مَفْهُومٌ مِنَ الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ الجُمْلَةِ لِبَيانِ أنَّ امْتِناعَهم مِنَ الدُّخُولِ لَيْسَ إلّا لِهَذا السَّبَبِ، قَوْلُهُ: ( قالَ رَجُلانِ ) هُما يُوشَعُ وكالِبُ بْنُ يُوفَنّا أوِ ابْنُ فانِيا، وكانا مِنَ الِاثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا كَما مَرَّ بَيانُ ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ: ( مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ ) أيْ: يَخافُونَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: مِنَ الجَبّارِينَ؛ أيْ: هَذانِ الرَّجُلانِ مِن جُمْلَةِ القَوْمِ الَّذِينَ يَخافُونَ مِنَ الجَبّارِينَ، وقِيلَ: مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ ضَعْفَ بَنِي إسْرائِيلَ وجُبْنَهم، وقِيلَ: إنَّ الواوَ في ( يَخافُونَ ) لِبَنِي إسْرائِيلَ؛ أيْ: مِنَ الَّذِينَ يَخافُهم بَنُو إسْرائِيلَ، وقَرَأ مُجاهِدٌ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ( يُخافُونَ ) بِضَمِّ الياءِ؛ أيْ: يَخافُهم غَيْرُهم.
قَوْلُهُ: ﴿أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِما﴾ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لَرَجُلانِ، بِالإيمانِ واليَقِينُ بِحُصُولِ ما وعَدُوا بِهِ مِنَ النَّصْرِ والظَّفْرِ ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البابَ﴾ أيْ: بابَ بَلَدِ الجَبّارِينَ ﴿فَإذا دَخَلْتُمُوهُ فَإنَّكم غالِبُونَ﴾ قالا: هَذِهِ المَقالَةَ لِبَنِي إسْرائِيلَ، والظّاهِرُ أنَّهُما قَدْ عَلِما بِذَلِكَ مِن خَبَرِ مُوسى، أوْ قالاهُ ثِقَةً بِوَعْدِ اللَّهِ، أوْ كانا قَدْ عَرَفا أنَّ الجَبّارِينَ قَدْ مُلِئَتْ قُلُوبُهم خَوْفًا ورُعْبًا.
( قالُوا ) أيْ بَنُو إسْرائِيلَ لِمُوسى ﴿إنّا لَنْ نَدْخُلَها أبَدًا ما دامُوا فِيها﴾ وكانَ هَذا القَوْلُ مِنهم فَشَلًا وجُبْنًا أوْ عِنادًا وجُرْأةً عَلى اللَّهِ وعَلى رَسُولِهِ ﴿فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا﴾ قالُوا هَذا جَهْلًا بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وبِصِفاتِهِ وكُفْرًا بِما يَجِبُ لَهُ، أوِ اسْتِهانَةً بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، وقِيلَ: أرادُوا بِالذَّهابِ الإرادَةَ والقَصْدَ، وقِيلَ: أرادُوا بِالرَّبِّ هارُونَ، وكانَ أكْبَرَ مِن مُوسى، وكانَ مُوسى يُطِيعُهُ ﴿إنّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾ أيْ: لا نَبْرَحُ هاهُنا لا نَتَقَدَّمُ مَعَكَ ولا نَتَأخَّرُ عَنْ هَذا المَوْضِعِ، وقِيلَ: أرادُوا بِذَلِكَ عَدَمَ التَّقَدُّمِ لا عَدَمَ التَّأخُّرِ ( قالَ ) مُوسى ﴿رَبِّ إنِّي لا أمْلِكُ إلّا نَفْسِي وأخِي﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُعْطَفَ ( وأخِي ) عَلى ( نَفْسِي ) وأنْ يُعْطَفَ عَلى الضَّمِيرِ في ( إنِّي ) أيْ: إنِّي لا أمْلِكُ إلّا نَفْسِي وإنَّ أخِي لا يَمْلِكُ إلّا نَفْسَهُ، قالَ هَذا تَحَسُّرًا وتَحَزُّنًا واسْتِجْلابًا لِلنَّصْرِ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿فافْرُقْ بَيْنَنا وبَيْنَ القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ أيِ: افْصِلْ بَيْنَنا: يَعْنِي نَفْسَهُ وأخاهُ وبَيْنَ القَوْمِ الفاسِقِينَ ومَيَّزْنا عَنْ جُمْلَتِهِمْ ولا تُلْحِقْنا بِهِمْ في العُقُوبَةِ، وقِيلَ: المَعْنى: فاقْضِ بَيْنَنا وبَيْنَهم، وقِيلَ: إنَّما أرادَ في الآخِرَةِ.
وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ ( فافْرِقْ ) بِكَسْرِ الرّاءِ ( قالَ فَإنَّها ) أيِ: الأرْضَ المُقَدَّسَةَ ( مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ) أيْ: عَلى هَؤُلاءِ العُصاةِ بِسَبَبِ امْتِناعِهِمْ مِن قِتالِ الجَبّارِينَ ( أرْبَعِينَ سَنَةً ) ظَرْفٌ لِلتَّحْرِيمِ؛ أيْ: أنَّهُ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِمْ دُخُولُها هَذِهِ المُدَّةَ لا زِيادَةَ عَلَيْها، فَلا يُخالِفُ هَذا التَّحْرِيمَ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ( الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكم ) فَإنَّها مَكْتُوبَةٌ لِمَن بَقِيَ مِنهم بَعْدَ هَذِهِ المُدَّةِ، وقِيلَ: إنَّهُ لَمْ يَدْخُلْها أحَدٌ مِمَّنْ قالَ: ( إنّا لَنْ نَدْخُلَها ) فَيَكُونُ تَوْقِيتُ التَّحْرِيمِ بِهَذِهِ المُدَّةِ بِاعْتِبارِ ذَرارِيِّهِمْ، وقِيلَ: إنَّ ( أرْبَعِينَ سَنَةً ) ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ: ﴿يَتِيهُونَ في الأرْضِ﴾ أيْ: يَتِيهُونَ هَذا المِقْدارَ فَيَكُونُ التَّحْرِيمُ مُطْلَقًا.
والمُوَقَّتُ: هو التِّيهُ، وهو في اللُّغَةِ الحَيْرَةُ، يُقالُ مِنهُ: تاهَ يَتِيهُ تِيهًا أوْ تَوْهًا إذا تَحَيَّرَ، فالمَعْنى: يَتَحَيَّرُونَ في الأرْضِ، قِيلَ: إنَّ هَذِهِ الأرْضَ الَّتِي تاهُوا فِيها كانَتْ صَغِيرَةً نَحْوَ سِتَّةِ فَراسِخَ كانُوا يَمْسُونَ حَيْثُ أصْبَحُوا ويُصْبِحُونَ حَيْثُ أمْسُوا، وكانُوا سَيّارَةً مُسْتَمِرِّينَ عَلى ذَلِكَ لا قَرارَ لَهم، واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ هَلْ كانَ مَعَهم مُوسى وهارُونَ أمْ لا ؟ فَقِيلَ: لَمْ يَكُونا مَعَهم؛ لِأنَّ التِّيهَ عُقُوبَةٌ، وقِيلَ: كانا مَعَهم لَكِنْ سَهَّلَ اللَّهُ عَلَيْهِما ذَلِكَ كَما جَعَلَ النّارَ بَرْدًا وسَلامًا عَلى إبْراهِيمَ، وقَدْ قِيلَ: كَيْفَ يَقَعُ هَذا لِجَماعَةٍ مِنَ العُقَلاءِ في مِثْلِ هَذِهِ الأرْضِ اليَسِيرَةِ في هَذِهِ المُدَّةِ الطَّوِيلَةِ ؟ قالَ أبُو عَلِيٍّ: يَكُونُ ذَلِكَ بِأنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ الأرْضَ الَّتِي هم عَلَيْها إذا نامُوا إلى (p-٣٦٥)المَكانِ الَّذِي ابْتَدَءُوا مِنهُ، وقَدْ يَكُونُ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأسْبابِ المانِعَةِ مِنَ الخُرُوجِ عَنْها عَلى طَرِيقِ المُعْجِزَةِ الخارِقَةِ لِلْعادَةِ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ( وجَعَلَكم مُلُوكًا ) قالَ: مَلَكَهُمُ الخَدَمُ، وكانُوا أوَّلَ مَن مَلَكَ الخَدَمَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: كانَ الرَّجُلُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ إذا كانَتْ لَهُ الزَّوْجَةُ والخادِمُ والدّارُ سُمِّيَ مَلِكًا. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: الزَّوْجَةُ والخادِمُ والبَيْتُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ( وجَعَلَكم مُلُوكًا ) قالَ: المَرْأةُ والخَدَمُ ﴿وآتاكم ما لَمْ يُؤْتِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ قالَ: الَّذِينَ هم بَيْنَ ظَهْرانِيهِمْ يَوْمَئِذٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «كانَ بَنُو إسْرائِيلَ إذا كانَ لِأحَدِهِمْ خادِمٌ ودابَّةٌ وامْرَأةٌ كُتِبَ مَلِكًا» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والزُّبَيْرُ بْنُ بَكّارٍ في المَوْقِفِيّاتِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «مَن كانَ لَهُ بَيْتٌ وخادِمٌ فَهو مَلِكٌ» .
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في مَراسِيلِهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ في الآيَةِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: ( زَوْجَةٌ ومَسْكَنٌ وخادِمٌ ) وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ أنَّهُ سَألَهُ رَجُلٌ: ألْسْنا مِن فُقَراءِ المُهاجِرِينَ ؟ قالَ: ألَكَ امْرَأةٌ تَأْوِي إلَيْها ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: ألَكَ مَسْكَنٌ تَسْكُنُهُ ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: فَأنْتَ مِنَ الأغْنِياءِ، قالَ: إنَّ لِي خادِمًا، قالَ: فَأنْتَ مِنَ المُلُوكِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ( وجَعَلَكم مُلُوكًا ) قالَ: جَعَلَ لَهم أزْواجًا وخَدَمًا وبُيُوتًا ﴿وآتاكم ما لَمْ يُؤْتِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ قالَ: المَنَّ والسَّلْوى والحَجَرَ والغَمامَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ مُجاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: المَنَّ والسَّلْوى والحَجَرَ والغَمامَ، وقَدْ ثَبَتَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «مَن أصْبَحَ مِنكم مُعافًى في جَسَدِهِ آمِنًا في سِرْبِهِ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأنَّما حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيا بِحَذافِيرِها» وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ( ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ ) قالَ: الطُّورُ وما حَوْلَهُ. وأخْرَجَ عَنْهُ أيْضًا قالَ: هي أرْيَحاءُ.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ قالَ: هي ما بَيْنَ العَرِيشِ إلى الفُراتِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: هي الشّامُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ قالَ: الَّتِي أمَرَكُمُ اللَّهُ بِها. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: أمَرَ القَوْمَ بِها كَما أمَرَنا بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ والحَجِّ والعُمْرَةِ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أُمِرَ مُوسى أنْ يَدْخُلَ مَدِينَةَ الجَبّارِينَ، فَسارَ بِمَن مَعَهُ حَتّى نَزَلَ قَرِيبًا مِنَ المَدِينَةِ وهي أرْيَحاءُ، فَبَعَثَ إلَيْهِمُ اثْنَيْ عَشَرَ عَيْنًا مِن كُلِّ سِبْطٍ مِنهم عَيْنٌ لِيَأْتُوهُ بِخَبَرِ القَوْمِ، فَدَخَلُوا المَدِينَةَ فَرَأوْا أمْرًا عَظِيمًا مِن هَيْئَتِهِمْ وجِسْمِهِمْ وعِظَمِهِمْ، فَدَخَلُوا حائِطًا لِبَعْضِهِمْ فَجاءَ صاحِبُ الحائِطِ لِيَجْتَنِيَ الثِّمارَ مِن حائِطِهِ، فَجَعَلَ يَجْتَنِي الثِّمارَ فَنَظَرَ إلى آثارِهِمْ فَتَتَبَّعَهم، فَكُلَّما أصابَ واحِدًا مِنهم أخَذَهُ فَجَعَلَهُ في كُمِّهِ مَعَ الفاكِهَةِ حَتّى التَقَطَ الِاثْنَيْ عَشْرَ كُلَّهم فَجَعَلَهم في كُمِّهِ مَعَ الفاكِهَةِ، وذَهَبَ إلى مَلِكِهِمْ فَنَثَرَهم بَيْنَ يَدَيْهِ فَقالَ المَلِكُ: قَدْ رَأيْتُمْ شَأْنَنا وأمْرَنا اذْهَبُوا فَأخْبِرُوا صاحِبَكم، قالَ: فَرَجَعُوا إلى مُوسى فَأخْبَرُوهُ بِما عايَنُوا مِن أمْرِهِمْ، فَقالَ: اكْتُمُوا عَنّا، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يُخْبِرُ أباهُ وصَدِيقَهُ ويَقُولُ: اكْتُمْ عَنِّي، فَأُشِيعَ ذَلِكَ في عَسْكَرِهِمْ ولَمْ يَكْتُمْ مِنهم إلّا رَجُلانِ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ وكالِبُ بْنُ يُوفَنّا وهُما اللَّذانِ أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِما ﴿قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ﴾ .
وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذا مِمّا يَتَضَمَّنُ المُبالَغَةَ في وصْفِ هَؤُلاءِ وعِظَمِ أجْسامِهِمْ، ولا فائِدَةَ في بَسْطِ ذَلِكَ فَغالِبُهُ مِن أكاذِيبِ القَصّاصِ كَما قَدَّمْنا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ( فافْرُقْ ) يَقُولُ: اقْضِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ يَقُولُ: افْصِلْ بَيْنَنا وبَيْنَهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ قالَ: أبَدًا، وفي قَوْلِهِ: ﴿يَتِيهُونَ في الأرْضِ﴾ قالَ: أرْبَعِينَ سَنَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: تاهُوا أرْبَعِينَ سَنَةً، فَهَلَكَ مُوسى وهارُونَ في التِّيهِ، وكُلُّ مَن جاوَزَ الأرْبَعِينَ سَنَةً، فَلَمّا مَضَتِ الأرْبَعُونَ سَنَةً ناهَضَهم يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، وهو الَّذِي قامَ بِالأمْرِ بَعْدَ مُوسى، وهو الَّذِي افْتَتَحَها وهو الَّذِي قِيلَ لَهُ اليَوْمُ يَوْمُ جُمُعَةٍ، فَهَّمُوا بِافْتِتاحِها فَدَنَتِ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ، فَخَشِيَ إنْ دَخَلَتْ لَيْلَةُ السَّبْتِ أنْ يَسْبِتُوا، فَنادى الشَّمْسَ: إنِّي مَأْمُورٌ وأنْتِ مَأْمُورَةٌ فَوَقَفَتْ حَتّى افْتَتَحَها، فَوَجَدَ فِيها مِنَ الأمْوالِ ما لَمْ يَرِدْ مِثْلُهُ قَطُّ، فَقَرَّبُوهُ إلى النّارِ فَلَمْ تَأْتِ، فَقالَ: فِيكُمُ الغُلُولُ، فَدَعا رُءُوسَ الأسْباطِ وهُمُ اثْنا عَشَرَ رَجُلًا فَبايَعَهم والتَصَقَتْ يَدُ رَجُلٍ مِنهم بِيَدِهِ، فَقالَ: الغُلُولُ عِنْدَكَ فَأخْرِجْهُ، فَأخْرَجَ رَأْسَ بَقَرَةٍ مِن ذَهَبٍ لَها عَيْنانِ مِن ياقُوتٍ وأسْنانٌ مِن لُؤْلُؤٍ، فَوَضَعَهُ مَعَ القُرْبانِ فَأتَتِ النّارُ فَأكَلَتْها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: خُلِقَ لَهم في التِّيهِ ثِيابٌ لا تَخْلُقُ ولا تَدْرَنُ.
المائدة 5:22
هَذِهِ الآياتُ مُتَضَمِّنَةٌ لِلْبَيانِ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِأنَّ أسْلافَ اليَهُودِ المَوْجُودِينَ في عَصْرِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ تَمَرَّدُوا عَلى مُوسى وعَصَوْهُ كَما تَمَرَّدَ هَؤُلاءِ عَلى نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وعَصَوْهُ، وفي ذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لَهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، ورُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ أنَّهُ قَرَأ: ( يا قَوْمُ اذْكُرُوا ) بِضَمِّ المِيمِ وكَذا قَرَأ فِيما أشْبَهَهُ، وتَقْدِيرُهُ: يا أيُّها القَوْمُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جَعَلَ فِيكم أنْبِياءَ؛ أيْ: وقْتَ هَذا الجَعْلِ، وإيقاعُ الذِّكْرِ عَلى الوَقْتِ مَعَ كَوْنِ المَقْصُودِ ما وقَعَ فِيهِ مِنَ الحَوادِثِ لِلْمُبالَغَةِ؛ لِأنَّ الأمْرَ بِذِكْرِ الوَقْتِ أمْرٌ بِذِكْرِ ما وقَعَ فِيهِ بِطَرِيقِ الأوْلى، وامْتَنَّ عَلَيْهِمْ سُبْحانَهُ بِجَعْلِ الأنْبِياءِ فِيهِمْ مَعَ كَوْنِهِ قَدْ جَعَلَ أنْبِياءَ مِن غَيْرِهِمْ، لِكَثْرَةِ مَن بَعَثَهُ مِنَ الأنْبِياءِ مِنهم، قَوْلُهُ: ( وجَعَلَكم مُلُوكًا ) أيْ وجَعَلَ مِنكم مُلُوكًا، وإنَّما حَذَفَ حَرْفَ الجَرِّ لِظُهُورِ أنَّ مَعْنى الكَلامِ عَلى تَقْدِيرِهِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ مَنصِبَ النُّبُوَّةِ لَمّا كانَ لِعِظَمِ قَدْرِهِ وجَلالَةِ خَطَرِهِ بِحَيْثُ لا يُنْسَبُ إلى غَيْرِ مَن هو لَهُ قالَ فِيهِ: ﴿إذْ جَعَلَ فِيكم أنْبِياءَ﴾ ولَمّا كانَ مَنصِبُ المَلِكِ مِمّا يَجُوزُ نِسْبَتُهُ إلى غَيْرِ مَن قالَ بِهِ كَما تَقُولُ قَرابَةُ المَلِكِ: نَحْنُ المُلُوكُ، قالَ فِيهِ: ( وجَعَلَكم مُلُوكًا ) وقِيلَ: المُرادُ بِالمَلِكِ: أنَّهم مَلَكُوا أمْرَهم بَعْدَ أنْ كانُوا مَمْلُوكِينَ لِفِرْعَوْنَ، فَهم جَمِيعًا مُلُوكٌ بِهَذا المَعْنى، وقِيلَ: مَعْناهُ أنَّهُ جَعَلَهم ذَوِي مَنازِلَ لا يَدْخُلُ عَلَيْهِمْ غَيْرُهم إلّا بِإذْنٍ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مِنَ الآيَةِ المَلِكُ الحَقِيقِيُّ، ولَوْ كانَ بِمَعْنًى آخَرَ لَما كانَ لِلِامْتِنانِ بِهِ كَثِيرُ مَعْنًى، فَإنْ قُلْتَ: قَدْ جَعَلَ غَيْرَهم مُلُوكًا كَما جَعَلَهم، قُلْتُ: قَدْ كَثُرَ المُلُوكُ فِيهِمْ كَما كَثُرَ الأنْبِياءُ، فَهَذا وجْهُ الِامْتِنانِ.
قَوْلُهُ: ﴿وآتاكم ما لَمْ يُؤْتِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ أيْ مِنَ المَنِّ والسَّلْوى والحَجَرِ والغَمامِ وكَثْرَةِ الأنْبِياءِ وكَثْرَةِ المُلُوكِ وغَيْرِ ذَلِكَ، والمُرادُ عالِمِي زَمانِهِمْ، وقِيلَ: إنَّ الخِطابَ هاهُنا لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وهو عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ غَيْرُ مُوجِبٍ، والصَّوابُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ مِن أنَّهُ مِن كَلامِ مُوسى لِقَوْمِهِ وخاطَبَهم بِهَذا الخِطابِ تَوْطِئَةً وتَمْهِيدًا لِما بَعْدَهُ مِن أمَرِهِ لَهم بِدُخُولِ الأرْضِ المُقَدَّسَةِ، وقَدِ اخْتُلِفَ في تَعْيِينِها، فَقالَ قَتادَةُ: هي الشّامُ، وقالَ مُجاهِدٌ: الطُّورُ وما حَوْلَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ وغَيْرُهُما: أرْيَحاءُ، وقالَ الزَّجّاجُ: دِمَشْقُ وفِلَسْطِينُ وبَعْضُ الأُرْدُنِ، وقَوْلُ قَتادَةَ يَجْمَعُ هَذِهِ الأقْوالَ المَذْكُورَةَ بَعْدَهُ، والمُقَدَّسَةُ: المُطَهَّرَةُ، وقِيلَ: المُبارَكَةُ ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ أيْ: قَسَّمَها وقَدَّرَها لَهم في سابِقِ عِلْمِهِ وجَعَلَها مَسْكَنًا لَكم ﴿ولا تَرْتَدُّوا عَلى أدْبارِكُمْ﴾ أيْ: لا تَرْجِعُوا عَنْ أمْرِي وتَتْرُكُوا طاعَتِي وما أوْجَبْتُهُ عَلَيْكم مِن قِتالِ الجَبّارِينَ جُبْنًا وفَشَلًا ( فَتَنْقَلِبُوا ) (p-٣٦٤)بِسَبَبِ ذَلِكَ ( خاسِرِينَ ) لِخَيْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ.
﴿قالُوا يا مُوسى إنَّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الجَبّارُ مِنَ الآدَمِيِّينَ العاتِي، وهو الَّذِي يُجْبِرُ النّاسَ عَلى ما يُرِيدُ، وأصْلُهُ عَلى هَذا مِنَ الإجْبارِ وهو الإكْراهُ، فَإنَّهُ يُجْبِرُ غَيْرَهُ عَلى ما يُرِيدُهُ، يُقالُ: أجْبَرَهُ إذا أكْرَهَهُ، وقِيلَ: هو مَأْخُوذٌ مِن جَبَرَ العَظْمَ، فَأصْلُ الجَبّارِ عَلى هَذا المُصْلِحُ لِأمْرِ نَفْسِهِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في كُلِّ مَن جَرَّ إلى نَفْسِهِ نَفْعًا بِحَقٍّ أوْ باطِلٍ، وقِيلَ: إنَّ جَبْرَ العَظْمِ راجِعٌ إلى مَعْنى الإكْراهِ، قالَ الفَرّاءُ: لَمْ أسْمَعْ فَعّالًا مِن أفْعَلَ إلّا في حَرْفَيْنِ؛ جَبّارٌ مِن أجْبَرَ، ودَرّاكٌ مِن أدْرَكَ.
والمُرادُ هُنا: أنَّهم قَوْمٌ عِظامُ الأجْسامِ طِوالٌ مُتَعاظِمُونَ، قِيلَ: هم قَوْمٌ مِن بَقِيَّةِ قَوْمِ عادٍ، وقِيلَ: هم مَن ولَدِ عِيصِ بْنِ إسْحاقَ، وقِيلَ: هم مِنَ الرُّومِ، ويُقالُ: إنَّ مِنهم عَوْجُ بْنُ عُنُقَ المَشْهُورُ بِالطُّولِ المُفْرِطِ، وعُنُقُ هي بِنْتُ آدَمَ، قِيلَ: كانَ طُولُهُ ثَلاثَةَ آلافِ ذِراعٍ وثَلَثَمِائَةٍ وثَلاثَةً وثَلاثِينَ ذِراعًا وثُلُثَ ذِراعٍ، قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا شَيْءٌ يُسْتَحَيا مِن ذِكْرِهِ، ثُمَّ هو مُخالِفٌ لِما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «إنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ وطُولُهُ سِتُّونَ ذِراعًا ثُمَّ لَمْ يَزَلِ الخَلْقُ يَنْقُصُ» ثُمَّ قَدْ ذَكَرُوا أنَّ هَذا الرَّجُلَ كانَ كافِرًا، وأنَّهُ كانَ ولَدَ زَنْيَةٍ، وأنَّهُ امْتَنَعَ مِن رُكُوبِ السَّفِينَةِ، وأنَّ الطُّوفانَ لَمْ يَصِلْ إلى رُكْبَتِهِ، وهَذا كَذِبٌ وافْتِراءٌ، فَإنَّ اللَّهَ ذَكَرَ أنَّ نُوحًا دَعا عَلى أهْلِ الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ فَقالَ: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ [نوح: ٢٦]، وقالَ تَعالى: ﴿فَأنْجَيْناهُ ومَن مَعَهُ في الفُلْكِ المَشْحُونِ ثُمَّ أغْرَقْنا بَعْدُ الباقِينَ﴾ [الشعراء: ١١٩، ١٢٠]، وقالَ تَعالى: ﴿لا عاصِمَ اليَوْمَ مِن أمْرِ اللَّهِ إلّا مَن رَحِمَ﴾ [هود: ٤٣] وإذا كانَ ابْنُ نُوحٍ الكافِرُ غَرِقَ فَكَيْفَ يَبْقى عَوْجُ بْنُ عُنُقَ وهو كافِرٌ ولَدُ زَنْيَةٍ ؟ هَذا لا يَسُوغُ في عَقْلٍ ولا شَرْعٍ، ثُمَّ في وُجُودِ رَجُلٍ يُقالُ لَهُ عَوْجُ بْنُ عُنُقَ نَظَرٌ، واللَّهُ أعْلَمُ، انْتَهى كَلامُهُ.
قُلْتُ: لَمْ يَأْتِ في أمْرِ هَذا الرَّجُلِ ما يَقْتَضِي تَطْوِيلُ الكَلامِ في شَأْنِهِ، وما هَذا بِأوَّلِ كِذْبَةٍ اشْتُهِرَتْ في النّاسِ، ولَسْنا بِمَلْزُومِينَ بِدَفْعِ الأكاذِيبِ الَّتِي وضَعَها القَصّاصُ ونَفَقَتْ عِنْدَ مَن لا يُمَيِّزُ بَيْنَ الصَّحِيحِ والسَّقِيمِ، فَكَمْ في بُطُونِ دَفاتِرِ التَّفاسِيرِ مِن أكاذِيبَ وبَلايا وأقاصِيصَ كُلِّها حَدِيثُ خُرافَةٍ، وما أحَقَّ مَن لا تَمْيِيزَ عِنْدِهِ لِفَنِّ الرِّوايَةِ ولا مَعْرِفَةَ بِهِ أنْ يَدَعَ التَّعَرُّضَ لِتَفْسِيرِ كِتابِ اللَّهِ، ويَضَعَ هَذِهِ الحَماقاتِ والأُضْحُوكاتِ في المَواضِعِ المُناسِبَةِ لَها مِن كُتُبَ القَصّاصِ.
قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ يَخْرُجُوا مِنها فَإنّا داخِلُونَ﴾ هَذا تَصْرِيحٌ بِما هو مَفْهُومٌ مِنَ الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ الجُمْلَةِ لِبَيانِ أنَّ امْتِناعَهم مِنَ الدُّخُولِ لَيْسَ إلّا لِهَذا السَّبَبِ، قَوْلُهُ: ( قالَ رَجُلانِ ) هُما يُوشَعُ وكالِبُ بْنُ يُوفَنّا أوِ ابْنُ فانِيا، وكانا مِنَ الِاثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا كَما مَرَّ بَيانُ ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ: ( مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ ) أيْ: يَخافُونَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: مِنَ الجَبّارِينَ؛ أيْ: هَذانِ الرَّجُلانِ مِن جُمْلَةِ القَوْمِ الَّذِينَ يَخافُونَ مِنَ الجَبّارِينَ، وقِيلَ: مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ ضَعْفَ بَنِي إسْرائِيلَ وجُبْنَهم، وقِيلَ: إنَّ الواوَ في ( يَخافُونَ ) لِبَنِي إسْرائِيلَ؛ أيْ: مِنَ الَّذِينَ يَخافُهم بَنُو إسْرائِيلَ، وقَرَأ مُجاهِدٌ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ( يُخافُونَ ) بِضَمِّ الياءِ؛ أيْ: يَخافُهم غَيْرُهم.
قَوْلُهُ: ﴿أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِما﴾ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لَرَجُلانِ، بِالإيمانِ واليَقِينُ بِحُصُولِ ما وعَدُوا بِهِ مِنَ النَّصْرِ والظَّفْرِ ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البابَ﴾ أيْ: بابَ بَلَدِ الجَبّارِينَ ﴿فَإذا دَخَلْتُمُوهُ فَإنَّكم غالِبُونَ﴾ قالا: هَذِهِ المَقالَةَ لِبَنِي إسْرائِيلَ، والظّاهِرُ أنَّهُما قَدْ عَلِما بِذَلِكَ مِن خَبَرِ مُوسى، أوْ قالاهُ ثِقَةً بِوَعْدِ اللَّهِ، أوْ كانا قَدْ عَرَفا أنَّ الجَبّارِينَ قَدْ مُلِئَتْ قُلُوبُهم خَوْفًا ورُعْبًا.
( قالُوا ) أيْ بَنُو إسْرائِيلَ لِمُوسى ﴿إنّا لَنْ نَدْخُلَها أبَدًا ما دامُوا فِيها﴾ وكانَ هَذا القَوْلُ مِنهم فَشَلًا وجُبْنًا أوْ عِنادًا وجُرْأةً عَلى اللَّهِ وعَلى رَسُولِهِ ﴿فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا﴾ قالُوا هَذا جَهْلًا بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وبِصِفاتِهِ وكُفْرًا بِما يَجِبُ لَهُ، أوِ اسْتِهانَةً بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، وقِيلَ: أرادُوا بِالذَّهابِ الإرادَةَ والقَصْدَ، وقِيلَ: أرادُوا بِالرَّبِّ هارُونَ، وكانَ أكْبَرَ مِن مُوسى، وكانَ مُوسى يُطِيعُهُ ﴿إنّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾ أيْ: لا نَبْرَحُ هاهُنا لا نَتَقَدَّمُ مَعَكَ ولا نَتَأخَّرُ عَنْ هَذا المَوْضِعِ، وقِيلَ: أرادُوا بِذَلِكَ عَدَمَ التَّقَدُّمِ لا عَدَمَ التَّأخُّرِ ( قالَ ) مُوسى ﴿رَبِّ إنِّي لا أمْلِكُ إلّا نَفْسِي وأخِي﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُعْطَفَ ( وأخِي ) عَلى ( نَفْسِي ) وأنْ يُعْطَفَ عَلى الضَّمِيرِ في ( إنِّي ) أيْ: إنِّي لا أمْلِكُ إلّا نَفْسِي وإنَّ أخِي لا يَمْلِكُ إلّا نَفْسَهُ، قالَ هَذا تَحَسُّرًا وتَحَزُّنًا واسْتِجْلابًا لِلنَّصْرِ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿فافْرُقْ بَيْنَنا وبَيْنَ القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ أيِ: افْصِلْ بَيْنَنا: يَعْنِي نَفْسَهُ وأخاهُ وبَيْنَ القَوْمِ الفاسِقِينَ ومَيَّزْنا عَنْ جُمْلَتِهِمْ ولا تُلْحِقْنا بِهِمْ في العُقُوبَةِ، وقِيلَ: المَعْنى: فاقْضِ بَيْنَنا وبَيْنَهم، وقِيلَ: إنَّما أرادَ في الآخِرَةِ.
وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ ( فافْرِقْ ) بِكَسْرِ الرّاءِ ( قالَ فَإنَّها ) أيِ: الأرْضَ المُقَدَّسَةَ ( مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ) أيْ: عَلى هَؤُلاءِ العُصاةِ بِسَبَبِ امْتِناعِهِمْ مِن قِتالِ الجَبّارِينَ ( أرْبَعِينَ سَنَةً ) ظَرْفٌ لِلتَّحْرِيمِ؛ أيْ: أنَّهُ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِمْ دُخُولُها هَذِهِ المُدَّةَ لا زِيادَةَ عَلَيْها، فَلا يُخالِفُ هَذا التَّحْرِيمَ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ( الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكم ) فَإنَّها مَكْتُوبَةٌ لِمَن بَقِيَ مِنهم بَعْدَ هَذِهِ المُدَّةِ، وقِيلَ: إنَّهُ لَمْ يَدْخُلْها أحَدٌ مِمَّنْ قالَ: ( إنّا لَنْ نَدْخُلَها ) فَيَكُونُ تَوْقِيتُ التَّحْرِيمِ بِهَذِهِ المُدَّةِ بِاعْتِبارِ ذَرارِيِّهِمْ، وقِيلَ: إنَّ ( أرْبَعِينَ سَنَةً ) ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ: ﴿يَتِيهُونَ في الأرْضِ﴾ أيْ: يَتِيهُونَ هَذا المِقْدارَ فَيَكُونُ التَّحْرِيمُ مُطْلَقًا.
والمُوَقَّتُ: هو التِّيهُ، وهو في اللُّغَةِ الحَيْرَةُ، يُقالُ مِنهُ: تاهَ يَتِيهُ تِيهًا أوْ تَوْهًا إذا تَحَيَّرَ، فالمَعْنى: يَتَحَيَّرُونَ في الأرْضِ، قِيلَ: إنَّ هَذِهِ الأرْضَ الَّتِي تاهُوا فِيها كانَتْ صَغِيرَةً نَحْوَ سِتَّةِ فَراسِخَ كانُوا يَمْسُونَ حَيْثُ أصْبَحُوا ويُصْبِحُونَ حَيْثُ أمْسُوا، وكانُوا سَيّارَةً مُسْتَمِرِّينَ عَلى ذَلِكَ لا قَرارَ لَهم، واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ هَلْ كانَ مَعَهم مُوسى وهارُونَ أمْ لا ؟ فَقِيلَ: لَمْ يَكُونا مَعَهم؛ لِأنَّ التِّيهَ عُقُوبَةٌ، وقِيلَ: كانا مَعَهم لَكِنْ سَهَّلَ اللَّهُ عَلَيْهِما ذَلِكَ كَما جَعَلَ النّارَ بَرْدًا وسَلامًا عَلى إبْراهِيمَ، وقَدْ قِيلَ: كَيْفَ يَقَعُ هَذا لِجَماعَةٍ مِنَ العُقَلاءِ في مِثْلِ هَذِهِ الأرْضِ اليَسِيرَةِ في هَذِهِ المُدَّةِ الطَّوِيلَةِ ؟ قالَ أبُو عَلِيٍّ: يَكُونُ ذَلِكَ بِأنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ الأرْضَ الَّتِي هم عَلَيْها إذا نامُوا إلى (p-٣٦٥)المَكانِ الَّذِي ابْتَدَءُوا مِنهُ، وقَدْ يَكُونُ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأسْبابِ المانِعَةِ مِنَ الخُرُوجِ عَنْها عَلى طَرِيقِ المُعْجِزَةِ الخارِقَةِ لِلْعادَةِ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ( وجَعَلَكم مُلُوكًا ) قالَ: مَلَكَهُمُ الخَدَمُ، وكانُوا أوَّلَ مَن مَلَكَ الخَدَمَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: كانَ الرَّجُلُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ إذا كانَتْ لَهُ الزَّوْجَةُ والخادِمُ والدّارُ سُمِّيَ مَلِكًا. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: الزَّوْجَةُ والخادِمُ والبَيْتُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ( وجَعَلَكم مُلُوكًا ) قالَ: المَرْأةُ والخَدَمُ ﴿وآتاكم ما لَمْ يُؤْتِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ قالَ: الَّذِينَ هم بَيْنَ ظَهْرانِيهِمْ يَوْمَئِذٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «كانَ بَنُو إسْرائِيلَ إذا كانَ لِأحَدِهِمْ خادِمٌ ودابَّةٌ وامْرَأةٌ كُتِبَ مَلِكًا» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والزُّبَيْرُ بْنُ بَكّارٍ في المَوْقِفِيّاتِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «مَن كانَ لَهُ بَيْتٌ وخادِمٌ فَهو مَلِكٌ» .
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في مَراسِيلِهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ في الآيَةِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: ( زَوْجَةٌ ومَسْكَنٌ وخادِمٌ ) وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ أنَّهُ سَألَهُ رَجُلٌ: ألْسْنا مِن فُقَراءِ المُهاجِرِينَ ؟ قالَ: ألَكَ امْرَأةٌ تَأْوِي إلَيْها ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: ألَكَ مَسْكَنٌ تَسْكُنُهُ ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: فَأنْتَ مِنَ الأغْنِياءِ، قالَ: إنَّ لِي خادِمًا، قالَ: فَأنْتَ مِنَ المُلُوكِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ( وجَعَلَكم مُلُوكًا ) قالَ: جَعَلَ لَهم أزْواجًا وخَدَمًا وبُيُوتًا ﴿وآتاكم ما لَمْ يُؤْتِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ قالَ: المَنَّ والسَّلْوى والحَجَرَ والغَمامَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ مُجاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: المَنَّ والسَّلْوى والحَجَرَ والغَمامَ، وقَدْ ثَبَتَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «مَن أصْبَحَ مِنكم مُعافًى في جَسَدِهِ آمِنًا في سِرْبِهِ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأنَّما حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيا بِحَذافِيرِها» وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ( ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ ) قالَ: الطُّورُ وما حَوْلَهُ. وأخْرَجَ عَنْهُ أيْضًا قالَ: هي أرْيَحاءُ.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ قالَ: هي ما بَيْنَ العَرِيشِ إلى الفُراتِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: هي الشّامُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ قالَ: الَّتِي أمَرَكُمُ اللَّهُ بِها. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: أمَرَ القَوْمَ بِها كَما أمَرَنا بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ والحَجِّ والعُمْرَةِ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أُمِرَ مُوسى أنْ يَدْخُلَ مَدِينَةَ الجَبّارِينَ، فَسارَ بِمَن مَعَهُ حَتّى نَزَلَ قَرِيبًا مِنَ المَدِينَةِ وهي أرْيَحاءُ، فَبَعَثَ إلَيْهِمُ اثْنَيْ عَشَرَ عَيْنًا مِن كُلِّ سِبْطٍ مِنهم عَيْنٌ لِيَأْتُوهُ بِخَبَرِ القَوْمِ، فَدَخَلُوا المَدِينَةَ فَرَأوْا أمْرًا عَظِيمًا مِن هَيْئَتِهِمْ وجِسْمِهِمْ وعِظَمِهِمْ، فَدَخَلُوا حائِطًا لِبَعْضِهِمْ فَجاءَ صاحِبُ الحائِطِ لِيَجْتَنِيَ الثِّمارَ مِن حائِطِهِ، فَجَعَلَ يَجْتَنِي الثِّمارَ فَنَظَرَ إلى آثارِهِمْ فَتَتَبَّعَهم، فَكُلَّما أصابَ واحِدًا مِنهم أخَذَهُ فَجَعَلَهُ في كُمِّهِ مَعَ الفاكِهَةِ حَتّى التَقَطَ الِاثْنَيْ عَشْرَ كُلَّهم فَجَعَلَهم في كُمِّهِ مَعَ الفاكِهَةِ، وذَهَبَ إلى مَلِكِهِمْ فَنَثَرَهم بَيْنَ يَدَيْهِ فَقالَ المَلِكُ: قَدْ رَأيْتُمْ شَأْنَنا وأمْرَنا اذْهَبُوا فَأخْبِرُوا صاحِبَكم، قالَ: فَرَجَعُوا إلى مُوسى فَأخْبَرُوهُ بِما عايَنُوا مِن أمْرِهِمْ، فَقالَ: اكْتُمُوا عَنّا، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يُخْبِرُ أباهُ وصَدِيقَهُ ويَقُولُ: اكْتُمْ عَنِّي، فَأُشِيعَ ذَلِكَ في عَسْكَرِهِمْ ولَمْ يَكْتُمْ مِنهم إلّا رَجُلانِ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ وكالِبُ بْنُ يُوفَنّا وهُما اللَّذانِ أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِما ﴿قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ﴾ .
وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذا مِمّا يَتَضَمَّنُ المُبالَغَةَ في وصْفِ هَؤُلاءِ وعِظَمِ أجْسامِهِمْ، ولا فائِدَةَ في بَسْطِ ذَلِكَ فَغالِبُهُ مِن أكاذِيبِ القَصّاصِ كَما قَدَّمْنا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ( فافْرُقْ ) يَقُولُ: اقْضِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ يَقُولُ: افْصِلْ بَيْنَنا وبَيْنَهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ قالَ: أبَدًا، وفي قَوْلِهِ: ﴿يَتِيهُونَ في الأرْضِ﴾ قالَ: أرْبَعِينَ سَنَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: تاهُوا أرْبَعِينَ سَنَةً، فَهَلَكَ مُوسى وهارُونَ في التِّيهِ، وكُلُّ مَن جاوَزَ الأرْبَعِينَ سَنَةً، فَلَمّا مَضَتِ الأرْبَعُونَ سَنَةً ناهَضَهم يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، وهو الَّذِي قامَ بِالأمْرِ بَعْدَ مُوسى، وهو الَّذِي افْتَتَحَها وهو الَّذِي قِيلَ لَهُ اليَوْمُ يَوْمُ جُمُعَةٍ، فَهَّمُوا بِافْتِتاحِها فَدَنَتِ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ، فَخَشِيَ إنْ دَخَلَتْ لَيْلَةُ السَّبْتِ أنْ يَسْبِتُوا، فَنادى الشَّمْسَ: إنِّي مَأْمُورٌ وأنْتِ مَأْمُورَةٌ فَوَقَفَتْ حَتّى افْتَتَحَها، فَوَجَدَ فِيها مِنَ الأمْوالِ ما لَمْ يَرِدْ مِثْلُهُ قَطُّ، فَقَرَّبُوهُ إلى النّارِ فَلَمْ تَأْتِ، فَقالَ: فِيكُمُ الغُلُولُ، فَدَعا رُءُوسَ الأسْباطِ وهُمُ اثْنا عَشَرَ رَجُلًا فَبايَعَهم والتَصَقَتْ يَدُ رَجُلٍ مِنهم بِيَدِهِ، فَقالَ: الغُلُولُ عِنْدَكَ فَأخْرِجْهُ، فَأخْرَجَ رَأْسَ بَقَرَةٍ مِن ذَهَبٍ لَها عَيْنانِ مِن ياقُوتٍ وأسْنانٌ مِن لُؤْلُؤٍ، فَوَضَعَهُ مَعَ القُرْبانِ فَأتَتِ النّارُ فَأكَلَتْها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: خُلِقَ لَهم في التِّيهِ ثِيابٌ لا تَخْلُقُ ولا تَدْرَنُ.
المائدة 5:23
هَذِهِ الآياتُ مُتَضَمِّنَةٌ لِلْبَيانِ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِأنَّ أسْلافَ اليَهُودِ المَوْجُودِينَ في عَصْرِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ تَمَرَّدُوا عَلى مُوسى وعَصَوْهُ كَما تَمَرَّدَ هَؤُلاءِ عَلى نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وعَصَوْهُ، وفي ذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لَهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، ورُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ أنَّهُ قَرَأ: ( يا قَوْمُ اذْكُرُوا ) بِضَمِّ المِيمِ وكَذا قَرَأ فِيما أشْبَهَهُ، وتَقْدِيرُهُ: يا أيُّها القَوْمُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جَعَلَ فِيكم أنْبِياءَ؛ أيْ: وقْتَ هَذا الجَعْلِ، وإيقاعُ الذِّكْرِ عَلى الوَقْتِ مَعَ كَوْنِ المَقْصُودِ ما وقَعَ فِيهِ مِنَ الحَوادِثِ لِلْمُبالَغَةِ؛ لِأنَّ الأمْرَ بِذِكْرِ الوَقْتِ أمْرٌ بِذِكْرِ ما وقَعَ فِيهِ بِطَرِيقِ الأوْلى، وامْتَنَّ عَلَيْهِمْ سُبْحانَهُ بِجَعْلِ الأنْبِياءِ فِيهِمْ مَعَ كَوْنِهِ قَدْ جَعَلَ أنْبِياءَ مِن غَيْرِهِمْ، لِكَثْرَةِ مَن بَعَثَهُ مِنَ الأنْبِياءِ مِنهم، قَوْلُهُ: ( وجَعَلَكم مُلُوكًا ) أيْ وجَعَلَ مِنكم مُلُوكًا، وإنَّما حَذَفَ حَرْفَ الجَرِّ لِظُهُورِ أنَّ مَعْنى الكَلامِ عَلى تَقْدِيرِهِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ مَنصِبَ النُّبُوَّةِ لَمّا كانَ لِعِظَمِ قَدْرِهِ وجَلالَةِ خَطَرِهِ بِحَيْثُ لا يُنْسَبُ إلى غَيْرِ مَن هو لَهُ قالَ فِيهِ: ﴿إذْ جَعَلَ فِيكم أنْبِياءَ﴾ ولَمّا كانَ مَنصِبُ المَلِكِ مِمّا يَجُوزُ نِسْبَتُهُ إلى غَيْرِ مَن قالَ بِهِ كَما تَقُولُ قَرابَةُ المَلِكِ: نَحْنُ المُلُوكُ، قالَ فِيهِ: ( وجَعَلَكم مُلُوكًا ) وقِيلَ: المُرادُ بِالمَلِكِ: أنَّهم مَلَكُوا أمْرَهم بَعْدَ أنْ كانُوا مَمْلُوكِينَ لِفِرْعَوْنَ، فَهم جَمِيعًا مُلُوكٌ بِهَذا المَعْنى، وقِيلَ: مَعْناهُ أنَّهُ جَعَلَهم ذَوِي مَنازِلَ لا يَدْخُلُ عَلَيْهِمْ غَيْرُهم إلّا بِإذْنٍ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مِنَ الآيَةِ المَلِكُ الحَقِيقِيُّ، ولَوْ كانَ بِمَعْنًى آخَرَ لَما كانَ لِلِامْتِنانِ بِهِ كَثِيرُ مَعْنًى، فَإنْ قُلْتَ: قَدْ جَعَلَ غَيْرَهم مُلُوكًا كَما جَعَلَهم، قُلْتُ: قَدْ كَثُرَ المُلُوكُ فِيهِمْ كَما كَثُرَ الأنْبِياءُ، فَهَذا وجْهُ الِامْتِنانِ.
قَوْلُهُ: ﴿وآتاكم ما لَمْ يُؤْتِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ أيْ مِنَ المَنِّ والسَّلْوى والحَجَرِ والغَمامِ وكَثْرَةِ الأنْبِياءِ وكَثْرَةِ المُلُوكِ وغَيْرِ ذَلِكَ، والمُرادُ عالِمِي زَمانِهِمْ، وقِيلَ: إنَّ الخِطابَ هاهُنا لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وهو عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ غَيْرُ مُوجِبٍ، والصَّوابُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ مِن أنَّهُ مِن كَلامِ مُوسى لِقَوْمِهِ وخاطَبَهم بِهَذا الخِطابِ تَوْطِئَةً وتَمْهِيدًا لِما بَعْدَهُ مِن أمَرِهِ لَهم بِدُخُولِ الأرْضِ المُقَدَّسَةِ، وقَدِ اخْتُلِفَ في تَعْيِينِها، فَقالَ قَتادَةُ: هي الشّامُ، وقالَ مُجاهِدٌ: الطُّورُ وما حَوْلَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ وغَيْرُهُما: أرْيَحاءُ، وقالَ الزَّجّاجُ: دِمَشْقُ وفِلَسْطِينُ وبَعْضُ الأُرْدُنِ، وقَوْلُ قَتادَةَ يَجْمَعُ هَذِهِ الأقْوالَ المَذْكُورَةَ بَعْدَهُ، والمُقَدَّسَةُ: المُطَهَّرَةُ، وقِيلَ: المُبارَكَةُ ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ أيْ: قَسَّمَها وقَدَّرَها لَهم في سابِقِ عِلْمِهِ وجَعَلَها مَسْكَنًا لَكم ﴿ولا تَرْتَدُّوا عَلى أدْبارِكُمْ﴾ أيْ: لا تَرْجِعُوا عَنْ أمْرِي وتَتْرُكُوا طاعَتِي وما أوْجَبْتُهُ عَلَيْكم مِن قِتالِ الجَبّارِينَ جُبْنًا وفَشَلًا ( فَتَنْقَلِبُوا ) (p-٣٦٤)بِسَبَبِ ذَلِكَ ( خاسِرِينَ ) لِخَيْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ.
﴿قالُوا يا مُوسى إنَّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الجَبّارُ مِنَ الآدَمِيِّينَ العاتِي، وهو الَّذِي يُجْبِرُ النّاسَ عَلى ما يُرِيدُ، وأصْلُهُ عَلى هَذا مِنَ الإجْبارِ وهو الإكْراهُ، فَإنَّهُ يُجْبِرُ غَيْرَهُ عَلى ما يُرِيدُهُ، يُقالُ: أجْبَرَهُ إذا أكْرَهَهُ، وقِيلَ: هو مَأْخُوذٌ مِن جَبَرَ العَظْمَ، فَأصْلُ الجَبّارِ عَلى هَذا المُصْلِحُ لِأمْرِ نَفْسِهِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في كُلِّ مَن جَرَّ إلى نَفْسِهِ نَفْعًا بِحَقٍّ أوْ باطِلٍ، وقِيلَ: إنَّ جَبْرَ العَظْمِ راجِعٌ إلى مَعْنى الإكْراهِ، قالَ الفَرّاءُ: لَمْ أسْمَعْ فَعّالًا مِن أفْعَلَ إلّا في حَرْفَيْنِ؛ جَبّارٌ مِن أجْبَرَ، ودَرّاكٌ مِن أدْرَكَ.
والمُرادُ هُنا: أنَّهم قَوْمٌ عِظامُ الأجْسامِ طِوالٌ مُتَعاظِمُونَ، قِيلَ: هم قَوْمٌ مِن بَقِيَّةِ قَوْمِ عادٍ، وقِيلَ: هم مَن ولَدِ عِيصِ بْنِ إسْحاقَ، وقِيلَ: هم مِنَ الرُّومِ، ويُقالُ: إنَّ مِنهم عَوْجُ بْنُ عُنُقَ المَشْهُورُ بِالطُّولِ المُفْرِطِ، وعُنُقُ هي بِنْتُ آدَمَ، قِيلَ: كانَ طُولُهُ ثَلاثَةَ آلافِ ذِراعٍ وثَلَثَمِائَةٍ وثَلاثَةً وثَلاثِينَ ذِراعًا وثُلُثَ ذِراعٍ، قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا شَيْءٌ يُسْتَحَيا مِن ذِكْرِهِ، ثُمَّ هو مُخالِفٌ لِما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «إنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ وطُولُهُ سِتُّونَ ذِراعًا ثُمَّ لَمْ يَزَلِ الخَلْقُ يَنْقُصُ» ثُمَّ قَدْ ذَكَرُوا أنَّ هَذا الرَّجُلَ كانَ كافِرًا، وأنَّهُ كانَ ولَدَ زَنْيَةٍ، وأنَّهُ امْتَنَعَ مِن رُكُوبِ السَّفِينَةِ، وأنَّ الطُّوفانَ لَمْ يَصِلْ إلى رُكْبَتِهِ، وهَذا كَذِبٌ وافْتِراءٌ، فَإنَّ اللَّهَ ذَكَرَ أنَّ نُوحًا دَعا عَلى أهْلِ الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ فَقالَ: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ [نوح: ٢٦]، وقالَ تَعالى: ﴿فَأنْجَيْناهُ ومَن مَعَهُ في الفُلْكِ المَشْحُونِ ثُمَّ أغْرَقْنا بَعْدُ الباقِينَ﴾ [الشعراء: ١١٩، ١٢٠]، وقالَ تَعالى: ﴿لا عاصِمَ اليَوْمَ مِن أمْرِ اللَّهِ إلّا مَن رَحِمَ﴾ [هود: ٤٣] وإذا كانَ ابْنُ نُوحٍ الكافِرُ غَرِقَ فَكَيْفَ يَبْقى عَوْجُ بْنُ عُنُقَ وهو كافِرٌ ولَدُ زَنْيَةٍ ؟ هَذا لا يَسُوغُ في عَقْلٍ ولا شَرْعٍ، ثُمَّ في وُجُودِ رَجُلٍ يُقالُ لَهُ عَوْجُ بْنُ عُنُقَ نَظَرٌ، واللَّهُ أعْلَمُ، انْتَهى كَلامُهُ.
قُلْتُ: لَمْ يَأْتِ في أمْرِ هَذا الرَّجُلِ ما يَقْتَضِي تَطْوِيلُ الكَلامِ في شَأْنِهِ، وما هَذا بِأوَّلِ كِذْبَةٍ اشْتُهِرَتْ في النّاسِ، ولَسْنا بِمَلْزُومِينَ بِدَفْعِ الأكاذِيبِ الَّتِي وضَعَها القَصّاصُ ونَفَقَتْ عِنْدَ مَن لا يُمَيِّزُ بَيْنَ الصَّحِيحِ والسَّقِيمِ، فَكَمْ في بُطُونِ دَفاتِرِ التَّفاسِيرِ مِن أكاذِيبَ وبَلايا وأقاصِيصَ كُلِّها حَدِيثُ خُرافَةٍ، وما أحَقَّ مَن لا تَمْيِيزَ عِنْدِهِ لِفَنِّ الرِّوايَةِ ولا مَعْرِفَةَ بِهِ أنْ يَدَعَ التَّعَرُّضَ لِتَفْسِيرِ كِتابِ اللَّهِ، ويَضَعَ هَذِهِ الحَماقاتِ والأُضْحُوكاتِ في المَواضِعِ المُناسِبَةِ لَها مِن كُتُبَ القَصّاصِ.
قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ يَخْرُجُوا مِنها فَإنّا داخِلُونَ﴾ هَذا تَصْرِيحٌ بِما هو مَفْهُومٌ مِنَ الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ الجُمْلَةِ لِبَيانِ أنَّ امْتِناعَهم مِنَ الدُّخُولِ لَيْسَ إلّا لِهَذا السَّبَبِ، قَوْلُهُ: ( قالَ رَجُلانِ ) هُما يُوشَعُ وكالِبُ بْنُ يُوفَنّا أوِ ابْنُ فانِيا، وكانا مِنَ الِاثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا كَما مَرَّ بَيانُ ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ: ( مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ ) أيْ: يَخافُونَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: مِنَ الجَبّارِينَ؛ أيْ: هَذانِ الرَّجُلانِ مِن جُمْلَةِ القَوْمِ الَّذِينَ يَخافُونَ مِنَ الجَبّارِينَ، وقِيلَ: مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ ضَعْفَ بَنِي إسْرائِيلَ وجُبْنَهم، وقِيلَ: إنَّ الواوَ في ( يَخافُونَ ) لِبَنِي إسْرائِيلَ؛ أيْ: مِنَ الَّذِينَ يَخافُهم بَنُو إسْرائِيلَ، وقَرَأ مُجاهِدٌ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ( يُخافُونَ ) بِضَمِّ الياءِ؛ أيْ: يَخافُهم غَيْرُهم.
قَوْلُهُ: ﴿أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِما﴾ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لَرَجُلانِ، بِالإيمانِ واليَقِينُ بِحُصُولِ ما وعَدُوا بِهِ مِنَ النَّصْرِ والظَّفْرِ ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البابَ﴾ أيْ: بابَ بَلَدِ الجَبّارِينَ ﴿فَإذا دَخَلْتُمُوهُ فَإنَّكم غالِبُونَ﴾ قالا: هَذِهِ المَقالَةَ لِبَنِي إسْرائِيلَ، والظّاهِرُ أنَّهُما قَدْ عَلِما بِذَلِكَ مِن خَبَرِ مُوسى، أوْ قالاهُ ثِقَةً بِوَعْدِ اللَّهِ، أوْ كانا قَدْ عَرَفا أنَّ الجَبّارِينَ قَدْ مُلِئَتْ قُلُوبُهم خَوْفًا ورُعْبًا.
( قالُوا ) أيْ بَنُو إسْرائِيلَ لِمُوسى ﴿إنّا لَنْ نَدْخُلَها أبَدًا ما دامُوا فِيها﴾ وكانَ هَذا القَوْلُ مِنهم فَشَلًا وجُبْنًا أوْ عِنادًا وجُرْأةً عَلى اللَّهِ وعَلى رَسُولِهِ ﴿فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا﴾ قالُوا هَذا جَهْلًا بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وبِصِفاتِهِ وكُفْرًا بِما يَجِبُ لَهُ، أوِ اسْتِهانَةً بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، وقِيلَ: أرادُوا بِالذَّهابِ الإرادَةَ والقَصْدَ، وقِيلَ: أرادُوا بِالرَّبِّ هارُونَ، وكانَ أكْبَرَ مِن مُوسى، وكانَ مُوسى يُطِيعُهُ ﴿إنّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾ أيْ: لا نَبْرَحُ هاهُنا لا نَتَقَدَّمُ مَعَكَ ولا نَتَأخَّرُ عَنْ هَذا المَوْضِعِ، وقِيلَ: أرادُوا بِذَلِكَ عَدَمَ التَّقَدُّمِ لا عَدَمَ التَّأخُّرِ ( قالَ ) مُوسى ﴿رَبِّ إنِّي لا أمْلِكُ إلّا نَفْسِي وأخِي﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُعْطَفَ ( وأخِي ) عَلى ( نَفْسِي ) وأنْ يُعْطَفَ عَلى الضَّمِيرِ في ( إنِّي ) أيْ: إنِّي لا أمْلِكُ إلّا نَفْسِي وإنَّ أخِي لا يَمْلِكُ إلّا نَفْسَهُ، قالَ هَذا تَحَسُّرًا وتَحَزُّنًا واسْتِجْلابًا لِلنَّصْرِ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿فافْرُقْ بَيْنَنا وبَيْنَ القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ أيِ: افْصِلْ بَيْنَنا: يَعْنِي نَفْسَهُ وأخاهُ وبَيْنَ القَوْمِ الفاسِقِينَ ومَيَّزْنا عَنْ جُمْلَتِهِمْ ولا تُلْحِقْنا بِهِمْ في العُقُوبَةِ، وقِيلَ: المَعْنى: فاقْضِ بَيْنَنا وبَيْنَهم، وقِيلَ: إنَّما أرادَ في الآخِرَةِ.
وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ ( فافْرِقْ ) بِكَسْرِ الرّاءِ ( قالَ فَإنَّها ) أيِ: الأرْضَ المُقَدَّسَةَ ( مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ) أيْ: عَلى هَؤُلاءِ العُصاةِ بِسَبَبِ امْتِناعِهِمْ مِن قِتالِ الجَبّارِينَ ( أرْبَعِينَ سَنَةً ) ظَرْفٌ لِلتَّحْرِيمِ؛ أيْ: أنَّهُ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِمْ دُخُولُها هَذِهِ المُدَّةَ لا زِيادَةَ عَلَيْها، فَلا يُخالِفُ هَذا التَّحْرِيمَ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ( الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكم ) فَإنَّها مَكْتُوبَةٌ لِمَن بَقِيَ مِنهم بَعْدَ هَذِهِ المُدَّةِ، وقِيلَ: إنَّهُ لَمْ يَدْخُلْها أحَدٌ مِمَّنْ قالَ: ( إنّا لَنْ نَدْخُلَها ) فَيَكُونُ تَوْقِيتُ التَّحْرِيمِ بِهَذِهِ المُدَّةِ بِاعْتِبارِ ذَرارِيِّهِمْ، وقِيلَ: إنَّ ( أرْبَعِينَ سَنَةً ) ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ: ﴿يَتِيهُونَ في الأرْضِ﴾ أيْ: يَتِيهُونَ هَذا المِقْدارَ فَيَكُونُ التَّحْرِيمُ مُطْلَقًا.
والمُوَقَّتُ: هو التِّيهُ، وهو في اللُّغَةِ الحَيْرَةُ، يُقالُ مِنهُ: تاهَ يَتِيهُ تِيهًا أوْ تَوْهًا إذا تَحَيَّرَ، فالمَعْنى: يَتَحَيَّرُونَ في الأرْضِ، قِيلَ: إنَّ هَذِهِ الأرْضَ الَّتِي تاهُوا فِيها كانَتْ صَغِيرَةً نَحْوَ سِتَّةِ فَراسِخَ كانُوا يَمْسُونَ حَيْثُ أصْبَحُوا ويُصْبِحُونَ حَيْثُ أمْسُوا، وكانُوا سَيّارَةً مُسْتَمِرِّينَ عَلى ذَلِكَ لا قَرارَ لَهم، واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ هَلْ كانَ مَعَهم مُوسى وهارُونَ أمْ لا ؟ فَقِيلَ: لَمْ يَكُونا مَعَهم؛ لِأنَّ التِّيهَ عُقُوبَةٌ، وقِيلَ: كانا مَعَهم لَكِنْ سَهَّلَ اللَّهُ عَلَيْهِما ذَلِكَ كَما جَعَلَ النّارَ بَرْدًا وسَلامًا عَلى إبْراهِيمَ، وقَدْ قِيلَ: كَيْفَ يَقَعُ هَذا لِجَماعَةٍ مِنَ العُقَلاءِ في مِثْلِ هَذِهِ الأرْضِ اليَسِيرَةِ في هَذِهِ المُدَّةِ الطَّوِيلَةِ ؟ قالَ أبُو عَلِيٍّ: يَكُونُ ذَلِكَ بِأنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ الأرْضَ الَّتِي هم عَلَيْها إذا نامُوا إلى (p-٣٦٥)المَكانِ الَّذِي ابْتَدَءُوا مِنهُ، وقَدْ يَكُونُ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأسْبابِ المانِعَةِ مِنَ الخُرُوجِ عَنْها عَلى طَرِيقِ المُعْجِزَةِ الخارِقَةِ لِلْعادَةِ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ( وجَعَلَكم مُلُوكًا ) قالَ: مَلَكَهُمُ الخَدَمُ، وكانُوا أوَّلَ مَن مَلَكَ الخَدَمَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: كانَ الرَّجُلُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ إذا كانَتْ لَهُ الزَّوْجَةُ والخادِمُ والدّارُ سُمِّيَ مَلِكًا. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: الزَّوْجَةُ والخادِمُ والبَيْتُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ( وجَعَلَكم مُلُوكًا ) قالَ: المَرْأةُ والخَدَمُ ﴿وآتاكم ما لَمْ يُؤْتِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ قالَ: الَّذِينَ هم بَيْنَ ظَهْرانِيهِمْ يَوْمَئِذٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «كانَ بَنُو إسْرائِيلَ إذا كانَ لِأحَدِهِمْ خادِمٌ ودابَّةٌ وامْرَأةٌ كُتِبَ مَلِكًا» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والزُّبَيْرُ بْنُ بَكّارٍ في المَوْقِفِيّاتِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «مَن كانَ لَهُ بَيْتٌ وخادِمٌ فَهو مَلِكٌ» .
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في مَراسِيلِهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ في الآيَةِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: ( زَوْجَةٌ ومَسْكَنٌ وخادِمٌ ) وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ أنَّهُ سَألَهُ رَجُلٌ: ألْسْنا مِن فُقَراءِ المُهاجِرِينَ ؟ قالَ: ألَكَ امْرَأةٌ تَأْوِي إلَيْها ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: ألَكَ مَسْكَنٌ تَسْكُنُهُ ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: فَأنْتَ مِنَ الأغْنِياءِ، قالَ: إنَّ لِي خادِمًا، قالَ: فَأنْتَ مِنَ المُلُوكِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ( وجَعَلَكم مُلُوكًا ) قالَ: جَعَلَ لَهم أزْواجًا وخَدَمًا وبُيُوتًا ﴿وآتاكم ما لَمْ يُؤْتِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ قالَ: المَنَّ والسَّلْوى والحَجَرَ والغَمامَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ مُجاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: المَنَّ والسَّلْوى والحَجَرَ والغَمامَ، وقَدْ ثَبَتَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «مَن أصْبَحَ مِنكم مُعافًى في جَسَدِهِ آمِنًا في سِرْبِهِ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأنَّما حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيا بِحَذافِيرِها» وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ( ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ ) قالَ: الطُّورُ وما حَوْلَهُ. وأخْرَجَ عَنْهُ أيْضًا قالَ: هي أرْيَحاءُ.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ قالَ: هي ما بَيْنَ العَرِيشِ إلى الفُراتِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: هي الشّامُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ قالَ: الَّتِي أمَرَكُمُ اللَّهُ بِها. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: أمَرَ القَوْمَ بِها كَما أمَرَنا بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ والحَجِّ والعُمْرَةِ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أُمِرَ مُوسى أنْ يَدْخُلَ مَدِينَةَ الجَبّارِينَ، فَسارَ بِمَن مَعَهُ حَتّى نَزَلَ قَرِيبًا مِنَ المَدِينَةِ وهي أرْيَحاءُ، فَبَعَثَ إلَيْهِمُ اثْنَيْ عَشَرَ عَيْنًا مِن كُلِّ سِبْطٍ مِنهم عَيْنٌ لِيَأْتُوهُ بِخَبَرِ القَوْمِ، فَدَخَلُوا المَدِينَةَ فَرَأوْا أمْرًا عَظِيمًا مِن هَيْئَتِهِمْ وجِسْمِهِمْ وعِظَمِهِمْ، فَدَخَلُوا حائِطًا لِبَعْضِهِمْ فَجاءَ صاحِبُ الحائِطِ لِيَجْتَنِيَ الثِّمارَ مِن حائِطِهِ، فَجَعَلَ يَجْتَنِي الثِّمارَ فَنَظَرَ إلى آثارِهِمْ فَتَتَبَّعَهم، فَكُلَّما أصابَ واحِدًا مِنهم أخَذَهُ فَجَعَلَهُ في كُمِّهِ مَعَ الفاكِهَةِ حَتّى التَقَطَ الِاثْنَيْ عَشْرَ كُلَّهم فَجَعَلَهم في كُمِّهِ مَعَ الفاكِهَةِ، وذَهَبَ إلى مَلِكِهِمْ فَنَثَرَهم بَيْنَ يَدَيْهِ فَقالَ المَلِكُ: قَدْ رَأيْتُمْ شَأْنَنا وأمْرَنا اذْهَبُوا فَأخْبِرُوا صاحِبَكم، قالَ: فَرَجَعُوا إلى مُوسى فَأخْبَرُوهُ بِما عايَنُوا مِن أمْرِهِمْ، فَقالَ: اكْتُمُوا عَنّا، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يُخْبِرُ أباهُ وصَدِيقَهُ ويَقُولُ: اكْتُمْ عَنِّي، فَأُشِيعَ ذَلِكَ في عَسْكَرِهِمْ ولَمْ يَكْتُمْ مِنهم إلّا رَجُلانِ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ وكالِبُ بْنُ يُوفَنّا وهُما اللَّذانِ أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِما ﴿قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ﴾ .
وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذا مِمّا يَتَضَمَّنُ المُبالَغَةَ في وصْفِ هَؤُلاءِ وعِظَمِ أجْسامِهِمْ، ولا فائِدَةَ في بَسْطِ ذَلِكَ فَغالِبُهُ مِن أكاذِيبِ القَصّاصِ كَما قَدَّمْنا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ( فافْرُقْ ) يَقُولُ: اقْضِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ يَقُولُ: افْصِلْ بَيْنَنا وبَيْنَهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ قالَ: أبَدًا، وفي قَوْلِهِ: ﴿يَتِيهُونَ في الأرْضِ﴾ قالَ: أرْبَعِينَ سَنَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: تاهُوا أرْبَعِينَ سَنَةً، فَهَلَكَ مُوسى وهارُونَ في التِّيهِ، وكُلُّ مَن جاوَزَ الأرْبَعِينَ سَنَةً، فَلَمّا مَضَتِ الأرْبَعُونَ سَنَةً ناهَضَهم يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، وهو الَّذِي قامَ بِالأمْرِ بَعْدَ مُوسى، وهو الَّذِي افْتَتَحَها وهو الَّذِي قِيلَ لَهُ اليَوْمُ يَوْمُ جُمُعَةٍ، فَهَّمُوا بِافْتِتاحِها فَدَنَتِ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ، فَخَشِيَ إنْ دَخَلَتْ لَيْلَةُ السَّبْتِ أنْ يَسْبِتُوا، فَنادى الشَّمْسَ: إنِّي مَأْمُورٌ وأنْتِ مَأْمُورَةٌ فَوَقَفَتْ حَتّى افْتَتَحَها، فَوَجَدَ فِيها مِنَ الأمْوالِ ما لَمْ يَرِدْ مِثْلُهُ قَطُّ، فَقَرَّبُوهُ إلى النّارِ فَلَمْ تَأْتِ، فَقالَ: فِيكُمُ الغُلُولُ، فَدَعا رُءُوسَ الأسْباطِ وهُمُ اثْنا عَشَرَ رَجُلًا فَبايَعَهم والتَصَقَتْ يَدُ رَجُلٍ مِنهم بِيَدِهِ، فَقالَ: الغُلُولُ عِنْدَكَ فَأخْرِجْهُ، فَأخْرَجَ رَأْسَ بَقَرَةٍ مِن ذَهَبٍ لَها عَيْنانِ مِن ياقُوتٍ وأسْنانٌ مِن لُؤْلُؤٍ، فَوَضَعَهُ مَعَ القُرْبانِ فَأتَتِ النّارُ فَأكَلَتْها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: خُلِقَ لَهم في التِّيهِ ثِيابٌ لا تَخْلُقُ ولا تَدْرَنُ.
المائدة 5:24
هَذِهِ الآياتُ مُتَضَمِّنَةٌ لِلْبَيانِ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِأنَّ أسْلافَ اليَهُودِ المَوْجُودِينَ في عَصْرِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ تَمَرَّدُوا عَلى مُوسى وعَصَوْهُ كَما تَمَرَّدَ هَؤُلاءِ عَلى نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وعَصَوْهُ، وفي ذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لَهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، ورُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ أنَّهُ قَرَأ: ( يا قَوْمُ اذْكُرُوا ) بِضَمِّ المِيمِ وكَذا قَرَأ فِيما أشْبَهَهُ، وتَقْدِيرُهُ: يا أيُّها القَوْمُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جَعَلَ فِيكم أنْبِياءَ؛ أيْ: وقْتَ هَذا الجَعْلِ، وإيقاعُ الذِّكْرِ عَلى الوَقْتِ مَعَ كَوْنِ المَقْصُودِ ما وقَعَ فِيهِ مِنَ الحَوادِثِ لِلْمُبالَغَةِ؛ لِأنَّ الأمْرَ بِذِكْرِ الوَقْتِ أمْرٌ بِذِكْرِ ما وقَعَ فِيهِ بِطَرِيقِ الأوْلى، وامْتَنَّ عَلَيْهِمْ سُبْحانَهُ بِجَعْلِ الأنْبِياءِ فِيهِمْ مَعَ كَوْنِهِ قَدْ جَعَلَ أنْبِياءَ مِن غَيْرِهِمْ، لِكَثْرَةِ مَن بَعَثَهُ مِنَ الأنْبِياءِ مِنهم، قَوْلُهُ: ( وجَعَلَكم مُلُوكًا ) أيْ وجَعَلَ مِنكم مُلُوكًا، وإنَّما حَذَفَ حَرْفَ الجَرِّ لِظُهُورِ أنَّ مَعْنى الكَلامِ عَلى تَقْدِيرِهِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ مَنصِبَ النُّبُوَّةِ لَمّا كانَ لِعِظَمِ قَدْرِهِ وجَلالَةِ خَطَرِهِ بِحَيْثُ لا يُنْسَبُ إلى غَيْرِ مَن هو لَهُ قالَ فِيهِ: ﴿إذْ جَعَلَ فِيكم أنْبِياءَ﴾ ولَمّا كانَ مَنصِبُ المَلِكِ مِمّا يَجُوزُ نِسْبَتُهُ إلى غَيْرِ مَن قالَ بِهِ كَما تَقُولُ قَرابَةُ المَلِكِ: نَحْنُ المُلُوكُ، قالَ فِيهِ: ( وجَعَلَكم مُلُوكًا ) وقِيلَ: المُرادُ بِالمَلِكِ: أنَّهم مَلَكُوا أمْرَهم بَعْدَ أنْ كانُوا مَمْلُوكِينَ لِفِرْعَوْنَ، فَهم جَمِيعًا مُلُوكٌ بِهَذا المَعْنى، وقِيلَ: مَعْناهُ أنَّهُ جَعَلَهم ذَوِي مَنازِلَ لا يَدْخُلُ عَلَيْهِمْ غَيْرُهم إلّا بِإذْنٍ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مِنَ الآيَةِ المَلِكُ الحَقِيقِيُّ، ولَوْ كانَ بِمَعْنًى آخَرَ لَما كانَ لِلِامْتِنانِ بِهِ كَثِيرُ مَعْنًى، فَإنْ قُلْتَ: قَدْ جَعَلَ غَيْرَهم مُلُوكًا كَما جَعَلَهم، قُلْتُ: قَدْ كَثُرَ المُلُوكُ فِيهِمْ كَما كَثُرَ الأنْبِياءُ، فَهَذا وجْهُ الِامْتِنانِ.
قَوْلُهُ: ﴿وآتاكم ما لَمْ يُؤْتِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ أيْ مِنَ المَنِّ والسَّلْوى والحَجَرِ والغَمامِ وكَثْرَةِ الأنْبِياءِ وكَثْرَةِ المُلُوكِ وغَيْرِ ذَلِكَ، والمُرادُ عالِمِي زَمانِهِمْ، وقِيلَ: إنَّ الخِطابَ هاهُنا لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وهو عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ غَيْرُ مُوجِبٍ، والصَّوابُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ مِن أنَّهُ مِن كَلامِ مُوسى لِقَوْمِهِ وخاطَبَهم بِهَذا الخِطابِ تَوْطِئَةً وتَمْهِيدًا لِما بَعْدَهُ مِن أمَرِهِ لَهم بِدُخُولِ الأرْضِ المُقَدَّسَةِ، وقَدِ اخْتُلِفَ في تَعْيِينِها، فَقالَ قَتادَةُ: هي الشّامُ، وقالَ مُجاهِدٌ: الطُّورُ وما حَوْلَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ وغَيْرُهُما: أرْيَحاءُ، وقالَ الزَّجّاجُ: دِمَشْقُ وفِلَسْطِينُ وبَعْضُ الأُرْدُنِ، وقَوْلُ قَتادَةَ يَجْمَعُ هَذِهِ الأقْوالَ المَذْكُورَةَ بَعْدَهُ، والمُقَدَّسَةُ: المُطَهَّرَةُ، وقِيلَ: المُبارَكَةُ ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ أيْ: قَسَّمَها وقَدَّرَها لَهم في سابِقِ عِلْمِهِ وجَعَلَها مَسْكَنًا لَكم ﴿ولا تَرْتَدُّوا عَلى أدْبارِكُمْ﴾ أيْ: لا تَرْجِعُوا عَنْ أمْرِي وتَتْرُكُوا طاعَتِي وما أوْجَبْتُهُ عَلَيْكم مِن قِتالِ الجَبّارِينَ جُبْنًا وفَشَلًا ( فَتَنْقَلِبُوا ) (p-٣٦٤)بِسَبَبِ ذَلِكَ ( خاسِرِينَ ) لِخَيْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ.
﴿قالُوا يا مُوسى إنَّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الجَبّارُ مِنَ الآدَمِيِّينَ العاتِي، وهو الَّذِي يُجْبِرُ النّاسَ عَلى ما يُرِيدُ، وأصْلُهُ عَلى هَذا مِنَ الإجْبارِ وهو الإكْراهُ، فَإنَّهُ يُجْبِرُ غَيْرَهُ عَلى ما يُرِيدُهُ، يُقالُ: أجْبَرَهُ إذا أكْرَهَهُ، وقِيلَ: هو مَأْخُوذٌ مِن جَبَرَ العَظْمَ، فَأصْلُ الجَبّارِ عَلى هَذا المُصْلِحُ لِأمْرِ نَفْسِهِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في كُلِّ مَن جَرَّ إلى نَفْسِهِ نَفْعًا بِحَقٍّ أوْ باطِلٍ، وقِيلَ: إنَّ جَبْرَ العَظْمِ راجِعٌ إلى مَعْنى الإكْراهِ، قالَ الفَرّاءُ: لَمْ أسْمَعْ فَعّالًا مِن أفْعَلَ إلّا في حَرْفَيْنِ؛ جَبّارٌ مِن أجْبَرَ، ودَرّاكٌ مِن أدْرَكَ.
والمُرادُ هُنا: أنَّهم قَوْمٌ عِظامُ الأجْسامِ طِوالٌ مُتَعاظِمُونَ، قِيلَ: هم قَوْمٌ مِن بَقِيَّةِ قَوْمِ عادٍ، وقِيلَ: هم مَن ولَدِ عِيصِ بْنِ إسْحاقَ، وقِيلَ: هم مِنَ الرُّومِ، ويُقالُ: إنَّ مِنهم عَوْجُ بْنُ عُنُقَ المَشْهُورُ بِالطُّولِ المُفْرِطِ، وعُنُقُ هي بِنْتُ آدَمَ، قِيلَ: كانَ طُولُهُ ثَلاثَةَ آلافِ ذِراعٍ وثَلَثَمِائَةٍ وثَلاثَةً وثَلاثِينَ ذِراعًا وثُلُثَ ذِراعٍ، قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا شَيْءٌ يُسْتَحَيا مِن ذِكْرِهِ، ثُمَّ هو مُخالِفٌ لِما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «إنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ وطُولُهُ سِتُّونَ ذِراعًا ثُمَّ لَمْ يَزَلِ الخَلْقُ يَنْقُصُ» ثُمَّ قَدْ ذَكَرُوا أنَّ هَذا الرَّجُلَ كانَ كافِرًا، وأنَّهُ كانَ ولَدَ زَنْيَةٍ، وأنَّهُ امْتَنَعَ مِن رُكُوبِ السَّفِينَةِ، وأنَّ الطُّوفانَ لَمْ يَصِلْ إلى رُكْبَتِهِ، وهَذا كَذِبٌ وافْتِراءٌ، فَإنَّ اللَّهَ ذَكَرَ أنَّ نُوحًا دَعا عَلى أهْلِ الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ فَقالَ: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ [نوح: ٢٦]، وقالَ تَعالى: ﴿فَأنْجَيْناهُ ومَن مَعَهُ في الفُلْكِ المَشْحُونِ ثُمَّ أغْرَقْنا بَعْدُ الباقِينَ﴾ [الشعراء: ١١٩، ١٢٠]، وقالَ تَعالى: ﴿لا عاصِمَ اليَوْمَ مِن أمْرِ اللَّهِ إلّا مَن رَحِمَ﴾ [هود: ٤٣] وإذا كانَ ابْنُ نُوحٍ الكافِرُ غَرِقَ فَكَيْفَ يَبْقى عَوْجُ بْنُ عُنُقَ وهو كافِرٌ ولَدُ زَنْيَةٍ ؟ هَذا لا يَسُوغُ في عَقْلٍ ولا شَرْعٍ، ثُمَّ في وُجُودِ رَجُلٍ يُقالُ لَهُ عَوْجُ بْنُ عُنُقَ نَظَرٌ، واللَّهُ أعْلَمُ، انْتَهى كَلامُهُ.
قُلْتُ: لَمْ يَأْتِ في أمْرِ هَذا الرَّجُلِ ما يَقْتَضِي تَطْوِيلُ الكَلامِ في شَأْنِهِ، وما هَذا بِأوَّلِ كِذْبَةٍ اشْتُهِرَتْ في النّاسِ، ولَسْنا بِمَلْزُومِينَ بِدَفْعِ الأكاذِيبِ الَّتِي وضَعَها القَصّاصُ ونَفَقَتْ عِنْدَ مَن لا يُمَيِّزُ بَيْنَ الصَّحِيحِ والسَّقِيمِ، فَكَمْ في بُطُونِ دَفاتِرِ التَّفاسِيرِ مِن أكاذِيبَ وبَلايا وأقاصِيصَ كُلِّها حَدِيثُ خُرافَةٍ، وما أحَقَّ مَن لا تَمْيِيزَ عِنْدِهِ لِفَنِّ الرِّوايَةِ ولا مَعْرِفَةَ بِهِ أنْ يَدَعَ التَّعَرُّضَ لِتَفْسِيرِ كِتابِ اللَّهِ، ويَضَعَ هَذِهِ الحَماقاتِ والأُضْحُوكاتِ في المَواضِعِ المُناسِبَةِ لَها مِن كُتُبَ القَصّاصِ.
قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ يَخْرُجُوا مِنها فَإنّا داخِلُونَ﴾ هَذا تَصْرِيحٌ بِما هو مَفْهُومٌ مِنَ الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ الجُمْلَةِ لِبَيانِ أنَّ امْتِناعَهم مِنَ الدُّخُولِ لَيْسَ إلّا لِهَذا السَّبَبِ، قَوْلُهُ: ( قالَ رَجُلانِ ) هُما يُوشَعُ وكالِبُ بْنُ يُوفَنّا أوِ ابْنُ فانِيا، وكانا مِنَ الِاثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا كَما مَرَّ بَيانُ ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ: ( مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ ) أيْ: يَخافُونَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: مِنَ الجَبّارِينَ؛ أيْ: هَذانِ الرَّجُلانِ مِن جُمْلَةِ القَوْمِ الَّذِينَ يَخافُونَ مِنَ الجَبّارِينَ، وقِيلَ: مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ ضَعْفَ بَنِي إسْرائِيلَ وجُبْنَهم، وقِيلَ: إنَّ الواوَ في ( يَخافُونَ ) لِبَنِي إسْرائِيلَ؛ أيْ: مِنَ الَّذِينَ يَخافُهم بَنُو إسْرائِيلَ، وقَرَأ مُجاهِدٌ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ( يُخافُونَ ) بِضَمِّ الياءِ؛ أيْ: يَخافُهم غَيْرُهم.
قَوْلُهُ: ﴿أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِما﴾ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لَرَجُلانِ، بِالإيمانِ واليَقِينُ بِحُصُولِ ما وعَدُوا بِهِ مِنَ النَّصْرِ والظَّفْرِ ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البابَ﴾ أيْ: بابَ بَلَدِ الجَبّارِينَ ﴿فَإذا دَخَلْتُمُوهُ فَإنَّكم غالِبُونَ﴾ قالا: هَذِهِ المَقالَةَ لِبَنِي إسْرائِيلَ، والظّاهِرُ أنَّهُما قَدْ عَلِما بِذَلِكَ مِن خَبَرِ مُوسى، أوْ قالاهُ ثِقَةً بِوَعْدِ اللَّهِ، أوْ كانا قَدْ عَرَفا أنَّ الجَبّارِينَ قَدْ مُلِئَتْ قُلُوبُهم خَوْفًا ورُعْبًا.
( قالُوا ) أيْ بَنُو إسْرائِيلَ لِمُوسى ﴿إنّا لَنْ نَدْخُلَها أبَدًا ما دامُوا فِيها﴾ وكانَ هَذا القَوْلُ مِنهم فَشَلًا وجُبْنًا أوْ عِنادًا وجُرْأةً عَلى اللَّهِ وعَلى رَسُولِهِ ﴿فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا﴾ قالُوا هَذا جَهْلًا بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وبِصِفاتِهِ وكُفْرًا بِما يَجِبُ لَهُ، أوِ اسْتِهانَةً بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، وقِيلَ: أرادُوا بِالذَّهابِ الإرادَةَ والقَصْدَ، وقِيلَ: أرادُوا بِالرَّبِّ هارُونَ، وكانَ أكْبَرَ مِن مُوسى، وكانَ مُوسى يُطِيعُهُ ﴿إنّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾ أيْ: لا نَبْرَحُ هاهُنا لا نَتَقَدَّمُ مَعَكَ ولا نَتَأخَّرُ عَنْ هَذا المَوْضِعِ، وقِيلَ: أرادُوا بِذَلِكَ عَدَمَ التَّقَدُّمِ لا عَدَمَ التَّأخُّرِ ( قالَ ) مُوسى ﴿رَبِّ إنِّي لا أمْلِكُ إلّا نَفْسِي وأخِي﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُعْطَفَ ( وأخِي ) عَلى ( نَفْسِي ) وأنْ يُعْطَفَ عَلى الضَّمِيرِ في ( إنِّي ) أيْ: إنِّي لا أمْلِكُ إلّا نَفْسِي وإنَّ أخِي لا يَمْلِكُ إلّا نَفْسَهُ، قالَ هَذا تَحَسُّرًا وتَحَزُّنًا واسْتِجْلابًا لِلنَّصْرِ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿فافْرُقْ بَيْنَنا وبَيْنَ القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ أيِ: افْصِلْ بَيْنَنا: يَعْنِي نَفْسَهُ وأخاهُ وبَيْنَ القَوْمِ الفاسِقِينَ ومَيَّزْنا عَنْ جُمْلَتِهِمْ ولا تُلْحِقْنا بِهِمْ في العُقُوبَةِ، وقِيلَ: المَعْنى: فاقْضِ بَيْنَنا وبَيْنَهم، وقِيلَ: إنَّما أرادَ في الآخِرَةِ.
وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ ( فافْرِقْ ) بِكَسْرِ الرّاءِ ( قالَ فَإنَّها ) أيِ: الأرْضَ المُقَدَّسَةَ ( مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ) أيْ: عَلى هَؤُلاءِ العُصاةِ بِسَبَبِ امْتِناعِهِمْ مِن قِتالِ الجَبّارِينَ ( أرْبَعِينَ سَنَةً ) ظَرْفٌ لِلتَّحْرِيمِ؛ أيْ: أنَّهُ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِمْ دُخُولُها هَذِهِ المُدَّةَ لا زِيادَةَ عَلَيْها، فَلا يُخالِفُ هَذا التَّحْرِيمَ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ( الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكم ) فَإنَّها مَكْتُوبَةٌ لِمَن بَقِيَ مِنهم بَعْدَ هَذِهِ المُدَّةِ، وقِيلَ: إنَّهُ لَمْ يَدْخُلْها أحَدٌ مِمَّنْ قالَ: ( إنّا لَنْ نَدْخُلَها ) فَيَكُونُ تَوْقِيتُ التَّحْرِيمِ بِهَذِهِ المُدَّةِ بِاعْتِبارِ ذَرارِيِّهِمْ، وقِيلَ: إنَّ ( أرْبَعِينَ سَنَةً ) ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ: ﴿يَتِيهُونَ في الأرْضِ﴾ أيْ: يَتِيهُونَ هَذا المِقْدارَ فَيَكُونُ التَّحْرِيمُ مُطْلَقًا.
والمُوَقَّتُ: هو التِّيهُ، وهو في اللُّغَةِ الحَيْرَةُ، يُقالُ مِنهُ: تاهَ يَتِيهُ تِيهًا أوْ تَوْهًا إذا تَحَيَّرَ، فالمَعْنى: يَتَحَيَّرُونَ في الأرْضِ، قِيلَ: إنَّ هَذِهِ الأرْضَ الَّتِي تاهُوا فِيها كانَتْ صَغِيرَةً نَحْوَ سِتَّةِ فَراسِخَ كانُوا يَمْسُونَ حَيْثُ أصْبَحُوا ويُصْبِحُونَ حَيْثُ أمْسُوا، وكانُوا سَيّارَةً مُسْتَمِرِّينَ عَلى ذَلِكَ لا قَرارَ لَهم، واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ هَلْ كانَ مَعَهم مُوسى وهارُونَ أمْ لا ؟ فَقِيلَ: لَمْ يَكُونا مَعَهم؛ لِأنَّ التِّيهَ عُقُوبَةٌ، وقِيلَ: كانا مَعَهم لَكِنْ سَهَّلَ اللَّهُ عَلَيْهِما ذَلِكَ كَما جَعَلَ النّارَ بَرْدًا وسَلامًا عَلى إبْراهِيمَ، وقَدْ قِيلَ: كَيْفَ يَقَعُ هَذا لِجَماعَةٍ مِنَ العُقَلاءِ في مِثْلِ هَذِهِ الأرْضِ اليَسِيرَةِ في هَذِهِ المُدَّةِ الطَّوِيلَةِ ؟ قالَ أبُو عَلِيٍّ: يَكُونُ ذَلِكَ بِأنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ الأرْضَ الَّتِي هم عَلَيْها إذا نامُوا إلى (p-٣٦٥)المَكانِ الَّذِي ابْتَدَءُوا مِنهُ، وقَدْ يَكُونُ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأسْبابِ المانِعَةِ مِنَ الخُرُوجِ عَنْها عَلى طَرِيقِ المُعْجِزَةِ الخارِقَةِ لِلْعادَةِ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ( وجَعَلَكم مُلُوكًا ) قالَ: مَلَكَهُمُ الخَدَمُ، وكانُوا أوَّلَ مَن مَلَكَ الخَدَمَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: كانَ الرَّجُلُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ إذا كانَتْ لَهُ الزَّوْجَةُ والخادِمُ والدّارُ سُمِّيَ مَلِكًا. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: الزَّوْجَةُ والخادِمُ والبَيْتُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ( وجَعَلَكم مُلُوكًا ) قالَ: المَرْأةُ والخَدَمُ ﴿وآتاكم ما لَمْ يُؤْتِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ قالَ: الَّذِينَ هم بَيْنَ ظَهْرانِيهِمْ يَوْمَئِذٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «كانَ بَنُو إسْرائِيلَ إذا كانَ لِأحَدِهِمْ خادِمٌ ودابَّةٌ وامْرَأةٌ كُتِبَ مَلِكًا» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والزُّبَيْرُ بْنُ بَكّارٍ في المَوْقِفِيّاتِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «مَن كانَ لَهُ بَيْتٌ وخادِمٌ فَهو مَلِكٌ» .
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في مَراسِيلِهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ في الآيَةِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: ( زَوْجَةٌ ومَسْكَنٌ وخادِمٌ ) وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ أنَّهُ سَألَهُ رَجُلٌ: ألْسْنا مِن فُقَراءِ المُهاجِرِينَ ؟ قالَ: ألَكَ امْرَأةٌ تَأْوِي إلَيْها ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: ألَكَ مَسْكَنٌ تَسْكُنُهُ ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: فَأنْتَ مِنَ الأغْنِياءِ، قالَ: إنَّ لِي خادِمًا، قالَ: فَأنْتَ مِنَ المُلُوكِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ( وجَعَلَكم مُلُوكًا ) قالَ: جَعَلَ لَهم أزْواجًا وخَدَمًا وبُيُوتًا ﴿وآتاكم ما لَمْ يُؤْتِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ قالَ: المَنَّ والسَّلْوى والحَجَرَ والغَمامَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ مُجاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: المَنَّ والسَّلْوى والحَجَرَ والغَمامَ، وقَدْ ثَبَتَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «مَن أصْبَحَ مِنكم مُعافًى في جَسَدِهِ آمِنًا في سِرْبِهِ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأنَّما حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيا بِحَذافِيرِها» وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ( ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ ) قالَ: الطُّورُ وما حَوْلَهُ. وأخْرَجَ عَنْهُ أيْضًا قالَ: هي أرْيَحاءُ.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ قالَ: هي ما بَيْنَ العَرِيشِ إلى الفُراتِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: هي الشّامُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ قالَ: الَّتِي أمَرَكُمُ اللَّهُ بِها. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: أمَرَ القَوْمَ بِها كَما أمَرَنا بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ والحَجِّ والعُمْرَةِ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أُمِرَ مُوسى أنْ يَدْخُلَ مَدِينَةَ الجَبّارِينَ، فَسارَ بِمَن مَعَهُ حَتّى نَزَلَ قَرِيبًا مِنَ المَدِينَةِ وهي أرْيَحاءُ، فَبَعَثَ إلَيْهِمُ اثْنَيْ عَشَرَ عَيْنًا مِن كُلِّ سِبْطٍ مِنهم عَيْنٌ لِيَأْتُوهُ بِخَبَرِ القَوْمِ، فَدَخَلُوا المَدِينَةَ فَرَأوْا أمْرًا عَظِيمًا مِن هَيْئَتِهِمْ وجِسْمِهِمْ وعِظَمِهِمْ، فَدَخَلُوا حائِطًا لِبَعْضِهِمْ فَجاءَ صاحِبُ الحائِطِ لِيَجْتَنِيَ الثِّمارَ مِن حائِطِهِ، فَجَعَلَ يَجْتَنِي الثِّمارَ فَنَظَرَ إلى آثارِهِمْ فَتَتَبَّعَهم، فَكُلَّما أصابَ واحِدًا مِنهم أخَذَهُ فَجَعَلَهُ في كُمِّهِ مَعَ الفاكِهَةِ حَتّى التَقَطَ الِاثْنَيْ عَشْرَ كُلَّهم فَجَعَلَهم في كُمِّهِ مَعَ الفاكِهَةِ، وذَهَبَ إلى مَلِكِهِمْ فَنَثَرَهم بَيْنَ يَدَيْهِ فَقالَ المَلِكُ: قَدْ رَأيْتُمْ شَأْنَنا وأمْرَنا اذْهَبُوا فَأخْبِرُوا صاحِبَكم، قالَ: فَرَجَعُوا إلى مُوسى فَأخْبَرُوهُ بِما عايَنُوا مِن أمْرِهِمْ، فَقالَ: اكْتُمُوا عَنّا، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يُخْبِرُ أباهُ وصَدِيقَهُ ويَقُولُ: اكْتُمْ عَنِّي، فَأُشِيعَ ذَلِكَ في عَسْكَرِهِمْ ولَمْ يَكْتُمْ مِنهم إلّا رَجُلانِ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ وكالِبُ بْنُ يُوفَنّا وهُما اللَّذانِ أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِما ﴿قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ﴾ .
وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذا مِمّا يَتَضَمَّنُ المُبالَغَةَ في وصْفِ هَؤُلاءِ وعِظَمِ أجْسامِهِمْ، ولا فائِدَةَ في بَسْطِ ذَلِكَ فَغالِبُهُ مِن أكاذِيبِ القَصّاصِ كَما قَدَّمْنا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ( فافْرُقْ ) يَقُولُ: اقْضِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ يَقُولُ: افْصِلْ بَيْنَنا وبَيْنَهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ قالَ: أبَدًا، وفي قَوْلِهِ: ﴿يَتِيهُونَ في الأرْضِ﴾ قالَ: أرْبَعِينَ سَنَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: تاهُوا أرْبَعِينَ سَنَةً، فَهَلَكَ مُوسى وهارُونَ في التِّيهِ، وكُلُّ مَن جاوَزَ الأرْبَعِينَ سَنَةً، فَلَمّا مَضَتِ الأرْبَعُونَ سَنَةً ناهَضَهم يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، وهو الَّذِي قامَ بِالأمْرِ بَعْدَ مُوسى، وهو الَّذِي افْتَتَحَها وهو الَّذِي قِيلَ لَهُ اليَوْمُ يَوْمُ جُمُعَةٍ، فَهَّمُوا بِافْتِتاحِها فَدَنَتِ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ، فَخَشِيَ إنْ دَخَلَتْ لَيْلَةُ السَّبْتِ أنْ يَسْبِتُوا، فَنادى الشَّمْسَ: إنِّي مَأْمُورٌ وأنْتِ مَأْمُورَةٌ فَوَقَفَتْ حَتّى افْتَتَحَها، فَوَجَدَ فِيها مِنَ الأمْوالِ ما لَمْ يَرِدْ مِثْلُهُ قَطُّ، فَقَرَّبُوهُ إلى النّارِ فَلَمْ تَأْتِ، فَقالَ: فِيكُمُ الغُلُولُ، فَدَعا رُءُوسَ الأسْباطِ وهُمُ اثْنا عَشَرَ رَجُلًا فَبايَعَهم والتَصَقَتْ يَدُ رَجُلٍ مِنهم بِيَدِهِ، فَقالَ: الغُلُولُ عِنْدَكَ فَأخْرِجْهُ، فَأخْرَجَ رَأْسَ بَقَرَةٍ مِن ذَهَبٍ لَها عَيْنانِ مِن ياقُوتٍ وأسْنانٌ مِن لُؤْلُؤٍ، فَوَضَعَهُ مَعَ القُرْبانِ فَأتَتِ النّارُ فَأكَلَتْها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: خُلِقَ لَهم في التِّيهِ ثِيابٌ لا تَخْلُقُ ولا تَدْرَنُ.
المائدة 5:25
هَذِهِ الآياتُ مُتَضَمِّنَةٌ لِلْبَيانِ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِأنَّ أسْلافَ اليَهُودِ المَوْجُودِينَ في عَصْرِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ تَمَرَّدُوا عَلى مُوسى وعَصَوْهُ كَما تَمَرَّدَ هَؤُلاءِ عَلى نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وعَصَوْهُ، وفي ذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لَهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، ورُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ أنَّهُ قَرَأ: ( يا قَوْمُ اذْكُرُوا ) بِضَمِّ المِيمِ وكَذا قَرَأ فِيما أشْبَهَهُ، وتَقْدِيرُهُ: يا أيُّها القَوْمُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جَعَلَ فِيكم أنْبِياءَ؛ أيْ: وقْتَ هَذا الجَعْلِ، وإيقاعُ الذِّكْرِ عَلى الوَقْتِ مَعَ كَوْنِ المَقْصُودِ ما وقَعَ فِيهِ مِنَ الحَوادِثِ لِلْمُبالَغَةِ؛ لِأنَّ الأمْرَ بِذِكْرِ الوَقْتِ أمْرٌ بِذِكْرِ ما وقَعَ فِيهِ بِطَرِيقِ الأوْلى، وامْتَنَّ عَلَيْهِمْ سُبْحانَهُ بِجَعْلِ الأنْبِياءِ فِيهِمْ مَعَ كَوْنِهِ قَدْ جَعَلَ أنْبِياءَ مِن غَيْرِهِمْ، لِكَثْرَةِ مَن بَعَثَهُ مِنَ الأنْبِياءِ مِنهم، قَوْلُهُ: ( وجَعَلَكم مُلُوكًا ) أيْ وجَعَلَ مِنكم مُلُوكًا، وإنَّما حَذَفَ حَرْفَ الجَرِّ لِظُهُورِ أنَّ مَعْنى الكَلامِ عَلى تَقْدِيرِهِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ مَنصِبَ النُّبُوَّةِ لَمّا كانَ لِعِظَمِ قَدْرِهِ وجَلالَةِ خَطَرِهِ بِحَيْثُ لا يُنْسَبُ إلى غَيْرِ مَن هو لَهُ قالَ فِيهِ: ﴿إذْ جَعَلَ فِيكم أنْبِياءَ﴾ ولَمّا كانَ مَنصِبُ المَلِكِ مِمّا يَجُوزُ نِسْبَتُهُ إلى غَيْرِ مَن قالَ بِهِ كَما تَقُولُ قَرابَةُ المَلِكِ: نَحْنُ المُلُوكُ، قالَ فِيهِ: ( وجَعَلَكم مُلُوكًا ) وقِيلَ: المُرادُ بِالمَلِكِ: أنَّهم مَلَكُوا أمْرَهم بَعْدَ أنْ كانُوا مَمْلُوكِينَ لِفِرْعَوْنَ، فَهم جَمِيعًا مُلُوكٌ بِهَذا المَعْنى، وقِيلَ: مَعْناهُ أنَّهُ جَعَلَهم ذَوِي مَنازِلَ لا يَدْخُلُ عَلَيْهِمْ غَيْرُهم إلّا بِإذْنٍ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مِنَ الآيَةِ المَلِكُ الحَقِيقِيُّ، ولَوْ كانَ بِمَعْنًى آخَرَ لَما كانَ لِلِامْتِنانِ بِهِ كَثِيرُ مَعْنًى، فَإنْ قُلْتَ: قَدْ جَعَلَ غَيْرَهم مُلُوكًا كَما جَعَلَهم، قُلْتُ: قَدْ كَثُرَ المُلُوكُ فِيهِمْ كَما كَثُرَ الأنْبِياءُ، فَهَذا وجْهُ الِامْتِنانِ.
قَوْلُهُ: ﴿وآتاكم ما لَمْ يُؤْتِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ أيْ مِنَ المَنِّ والسَّلْوى والحَجَرِ والغَمامِ وكَثْرَةِ الأنْبِياءِ وكَثْرَةِ المُلُوكِ وغَيْرِ ذَلِكَ، والمُرادُ عالِمِي زَمانِهِمْ، وقِيلَ: إنَّ الخِطابَ هاهُنا لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وهو عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ غَيْرُ مُوجِبٍ، والصَّوابُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ مِن أنَّهُ مِن كَلامِ مُوسى لِقَوْمِهِ وخاطَبَهم بِهَذا الخِطابِ تَوْطِئَةً وتَمْهِيدًا لِما بَعْدَهُ مِن أمَرِهِ لَهم بِدُخُولِ الأرْضِ المُقَدَّسَةِ، وقَدِ اخْتُلِفَ في تَعْيِينِها، فَقالَ قَتادَةُ: هي الشّامُ، وقالَ مُجاهِدٌ: الطُّورُ وما حَوْلَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ وغَيْرُهُما: أرْيَحاءُ، وقالَ الزَّجّاجُ: دِمَشْقُ وفِلَسْطِينُ وبَعْضُ الأُرْدُنِ، وقَوْلُ قَتادَةَ يَجْمَعُ هَذِهِ الأقْوالَ المَذْكُورَةَ بَعْدَهُ، والمُقَدَّسَةُ: المُطَهَّرَةُ، وقِيلَ: المُبارَكَةُ ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ أيْ: قَسَّمَها وقَدَّرَها لَهم في سابِقِ عِلْمِهِ وجَعَلَها مَسْكَنًا لَكم ﴿ولا تَرْتَدُّوا عَلى أدْبارِكُمْ﴾ أيْ: لا تَرْجِعُوا عَنْ أمْرِي وتَتْرُكُوا طاعَتِي وما أوْجَبْتُهُ عَلَيْكم مِن قِتالِ الجَبّارِينَ جُبْنًا وفَشَلًا ( فَتَنْقَلِبُوا ) (p-٣٦٤)بِسَبَبِ ذَلِكَ ( خاسِرِينَ ) لِخَيْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ.
﴿قالُوا يا مُوسى إنَّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الجَبّارُ مِنَ الآدَمِيِّينَ العاتِي، وهو الَّذِي يُجْبِرُ النّاسَ عَلى ما يُرِيدُ، وأصْلُهُ عَلى هَذا مِنَ الإجْبارِ وهو الإكْراهُ، فَإنَّهُ يُجْبِرُ غَيْرَهُ عَلى ما يُرِيدُهُ، يُقالُ: أجْبَرَهُ إذا أكْرَهَهُ، وقِيلَ: هو مَأْخُوذٌ مِن جَبَرَ العَظْمَ، فَأصْلُ الجَبّارِ عَلى هَذا المُصْلِحُ لِأمْرِ نَفْسِهِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في كُلِّ مَن جَرَّ إلى نَفْسِهِ نَفْعًا بِحَقٍّ أوْ باطِلٍ، وقِيلَ: إنَّ جَبْرَ العَظْمِ راجِعٌ إلى مَعْنى الإكْراهِ، قالَ الفَرّاءُ: لَمْ أسْمَعْ فَعّالًا مِن أفْعَلَ إلّا في حَرْفَيْنِ؛ جَبّارٌ مِن أجْبَرَ، ودَرّاكٌ مِن أدْرَكَ.
والمُرادُ هُنا: أنَّهم قَوْمٌ عِظامُ الأجْسامِ طِوالٌ مُتَعاظِمُونَ، قِيلَ: هم قَوْمٌ مِن بَقِيَّةِ قَوْمِ عادٍ، وقِيلَ: هم مَن ولَدِ عِيصِ بْنِ إسْحاقَ، وقِيلَ: هم مِنَ الرُّومِ، ويُقالُ: إنَّ مِنهم عَوْجُ بْنُ عُنُقَ المَشْهُورُ بِالطُّولِ المُفْرِطِ، وعُنُقُ هي بِنْتُ آدَمَ، قِيلَ: كانَ طُولُهُ ثَلاثَةَ آلافِ ذِراعٍ وثَلَثَمِائَةٍ وثَلاثَةً وثَلاثِينَ ذِراعًا وثُلُثَ ذِراعٍ، قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا شَيْءٌ يُسْتَحَيا مِن ذِكْرِهِ، ثُمَّ هو مُخالِفٌ لِما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «إنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ وطُولُهُ سِتُّونَ ذِراعًا ثُمَّ لَمْ يَزَلِ الخَلْقُ يَنْقُصُ» ثُمَّ قَدْ ذَكَرُوا أنَّ هَذا الرَّجُلَ كانَ كافِرًا، وأنَّهُ كانَ ولَدَ زَنْيَةٍ، وأنَّهُ امْتَنَعَ مِن رُكُوبِ السَّفِينَةِ، وأنَّ الطُّوفانَ لَمْ يَصِلْ إلى رُكْبَتِهِ، وهَذا كَذِبٌ وافْتِراءٌ، فَإنَّ اللَّهَ ذَكَرَ أنَّ نُوحًا دَعا عَلى أهْلِ الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ فَقالَ: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ [نوح: ٢٦]، وقالَ تَعالى: ﴿فَأنْجَيْناهُ ومَن مَعَهُ في الفُلْكِ المَشْحُونِ ثُمَّ أغْرَقْنا بَعْدُ الباقِينَ﴾ [الشعراء: ١١٩، ١٢٠]، وقالَ تَعالى: ﴿لا عاصِمَ اليَوْمَ مِن أمْرِ اللَّهِ إلّا مَن رَحِمَ﴾ [هود: ٤٣] وإذا كانَ ابْنُ نُوحٍ الكافِرُ غَرِقَ فَكَيْفَ يَبْقى عَوْجُ بْنُ عُنُقَ وهو كافِرٌ ولَدُ زَنْيَةٍ ؟ هَذا لا يَسُوغُ في عَقْلٍ ولا شَرْعٍ، ثُمَّ في وُجُودِ رَجُلٍ يُقالُ لَهُ عَوْجُ بْنُ عُنُقَ نَظَرٌ، واللَّهُ أعْلَمُ، انْتَهى كَلامُهُ.
قُلْتُ: لَمْ يَأْتِ في أمْرِ هَذا الرَّجُلِ ما يَقْتَضِي تَطْوِيلُ الكَلامِ في شَأْنِهِ، وما هَذا بِأوَّلِ كِذْبَةٍ اشْتُهِرَتْ في النّاسِ، ولَسْنا بِمَلْزُومِينَ بِدَفْعِ الأكاذِيبِ الَّتِي وضَعَها القَصّاصُ ونَفَقَتْ عِنْدَ مَن لا يُمَيِّزُ بَيْنَ الصَّحِيحِ والسَّقِيمِ، فَكَمْ في بُطُونِ دَفاتِرِ التَّفاسِيرِ مِن أكاذِيبَ وبَلايا وأقاصِيصَ كُلِّها حَدِيثُ خُرافَةٍ، وما أحَقَّ مَن لا تَمْيِيزَ عِنْدِهِ لِفَنِّ الرِّوايَةِ ولا مَعْرِفَةَ بِهِ أنْ يَدَعَ التَّعَرُّضَ لِتَفْسِيرِ كِتابِ اللَّهِ، ويَضَعَ هَذِهِ الحَماقاتِ والأُضْحُوكاتِ في المَواضِعِ المُناسِبَةِ لَها مِن كُتُبَ القَصّاصِ.
قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ يَخْرُجُوا مِنها فَإنّا داخِلُونَ﴾ هَذا تَصْرِيحٌ بِما هو مَفْهُومٌ مِنَ الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ الجُمْلَةِ لِبَيانِ أنَّ امْتِناعَهم مِنَ الدُّخُولِ لَيْسَ إلّا لِهَذا السَّبَبِ، قَوْلُهُ: ( قالَ رَجُلانِ ) هُما يُوشَعُ وكالِبُ بْنُ يُوفَنّا أوِ ابْنُ فانِيا، وكانا مِنَ الِاثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا كَما مَرَّ بَيانُ ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ: ( مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ ) أيْ: يَخافُونَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: مِنَ الجَبّارِينَ؛ أيْ: هَذانِ الرَّجُلانِ مِن جُمْلَةِ القَوْمِ الَّذِينَ يَخافُونَ مِنَ الجَبّارِينَ، وقِيلَ: مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ ضَعْفَ بَنِي إسْرائِيلَ وجُبْنَهم، وقِيلَ: إنَّ الواوَ في ( يَخافُونَ ) لِبَنِي إسْرائِيلَ؛ أيْ: مِنَ الَّذِينَ يَخافُهم بَنُو إسْرائِيلَ، وقَرَأ مُجاهِدٌ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ( يُخافُونَ ) بِضَمِّ الياءِ؛ أيْ: يَخافُهم غَيْرُهم.
قَوْلُهُ: ﴿أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِما﴾ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لَرَجُلانِ، بِالإيمانِ واليَقِينُ بِحُصُولِ ما وعَدُوا بِهِ مِنَ النَّصْرِ والظَّفْرِ ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البابَ﴾ أيْ: بابَ بَلَدِ الجَبّارِينَ ﴿فَإذا دَخَلْتُمُوهُ فَإنَّكم غالِبُونَ﴾ قالا: هَذِهِ المَقالَةَ لِبَنِي إسْرائِيلَ، والظّاهِرُ أنَّهُما قَدْ عَلِما بِذَلِكَ مِن خَبَرِ مُوسى، أوْ قالاهُ ثِقَةً بِوَعْدِ اللَّهِ، أوْ كانا قَدْ عَرَفا أنَّ الجَبّارِينَ قَدْ مُلِئَتْ قُلُوبُهم خَوْفًا ورُعْبًا.
( قالُوا ) أيْ بَنُو إسْرائِيلَ لِمُوسى ﴿إنّا لَنْ نَدْخُلَها أبَدًا ما دامُوا فِيها﴾ وكانَ هَذا القَوْلُ مِنهم فَشَلًا وجُبْنًا أوْ عِنادًا وجُرْأةً عَلى اللَّهِ وعَلى رَسُولِهِ ﴿فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا﴾ قالُوا هَذا جَهْلًا بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وبِصِفاتِهِ وكُفْرًا بِما يَجِبُ لَهُ، أوِ اسْتِهانَةً بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، وقِيلَ: أرادُوا بِالذَّهابِ الإرادَةَ والقَصْدَ، وقِيلَ: أرادُوا بِالرَّبِّ هارُونَ، وكانَ أكْبَرَ مِن مُوسى، وكانَ مُوسى يُطِيعُهُ ﴿إنّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾ أيْ: لا نَبْرَحُ هاهُنا لا نَتَقَدَّمُ مَعَكَ ولا نَتَأخَّرُ عَنْ هَذا المَوْضِعِ، وقِيلَ: أرادُوا بِذَلِكَ عَدَمَ التَّقَدُّمِ لا عَدَمَ التَّأخُّرِ ( قالَ ) مُوسى ﴿رَبِّ إنِّي لا أمْلِكُ إلّا نَفْسِي وأخِي﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُعْطَفَ ( وأخِي ) عَلى ( نَفْسِي ) وأنْ يُعْطَفَ عَلى الضَّمِيرِ في ( إنِّي ) أيْ: إنِّي لا أمْلِكُ إلّا نَفْسِي وإنَّ أخِي لا يَمْلِكُ إلّا نَفْسَهُ، قالَ هَذا تَحَسُّرًا وتَحَزُّنًا واسْتِجْلابًا لِلنَّصْرِ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿فافْرُقْ بَيْنَنا وبَيْنَ القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ أيِ: افْصِلْ بَيْنَنا: يَعْنِي نَفْسَهُ وأخاهُ وبَيْنَ القَوْمِ الفاسِقِينَ ومَيَّزْنا عَنْ جُمْلَتِهِمْ ولا تُلْحِقْنا بِهِمْ في العُقُوبَةِ، وقِيلَ: المَعْنى: فاقْضِ بَيْنَنا وبَيْنَهم، وقِيلَ: إنَّما أرادَ في الآخِرَةِ.
وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ ( فافْرِقْ ) بِكَسْرِ الرّاءِ ( قالَ فَإنَّها ) أيِ: الأرْضَ المُقَدَّسَةَ ( مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ) أيْ: عَلى هَؤُلاءِ العُصاةِ بِسَبَبِ امْتِناعِهِمْ مِن قِتالِ الجَبّارِينَ ( أرْبَعِينَ سَنَةً ) ظَرْفٌ لِلتَّحْرِيمِ؛ أيْ: أنَّهُ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِمْ دُخُولُها هَذِهِ المُدَّةَ لا زِيادَةَ عَلَيْها، فَلا يُخالِفُ هَذا التَّحْرِيمَ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ( الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكم ) فَإنَّها مَكْتُوبَةٌ لِمَن بَقِيَ مِنهم بَعْدَ هَذِهِ المُدَّةِ، وقِيلَ: إنَّهُ لَمْ يَدْخُلْها أحَدٌ مِمَّنْ قالَ: ( إنّا لَنْ نَدْخُلَها ) فَيَكُونُ تَوْقِيتُ التَّحْرِيمِ بِهَذِهِ المُدَّةِ بِاعْتِبارِ ذَرارِيِّهِمْ، وقِيلَ: إنَّ ( أرْبَعِينَ سَنَةً ) ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ: ﴿يَتِيهُونَ في الأرْضِ﴾ أيْ: يَتِيهُونَ هَذا المِقْدارَ فَيَكُونُ التَّحْرِيمُ مُطْلَقًا.
والمُوَقَّتُ: هو التِّيهُ، وهو في اللُّغَةِ الحَيْرَةُ، يُقالُ مِنهُ: تاهَ يَتِيهُ تِيهًا أوْ تَوْهًا إذا تَحَيَّرَ، فالمَعْنى: يَتَحَيَّرُونَ في الأرْضِ، قِيلَ: إنَّ هَذِهِ الأرْضَ الَّتِي تاهُوا فِيها كانَتْ صَغِيرَةً نَحْوَ سِتَّةِ فَراسِخَ كانُوا يَمْسُونَ حَيْثُ أصْبَحُوا ويُصْبِحُونَ حَيْثُ أمْسُوا، وكانُوا سَيّارَةً مُسْتَمِرِّينَ عَلى ذَلِكَ لا قَرارَ لَهم، واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ هَلْ كانَ مَعَهم مُوسى وهارُونَ أمْ لا ؟ فَقِيلَ: لَمْ يَكُونا مَعَهم؛ لِأنَّ التِّيهَ عُقُوبَةٌ، وقِيلَ: كانا مَعَهم لَكِنْ سَهَّلَ اللَّهُ عَلَيْهِما ذَلِكَ كَما جَعَلَ النّارَ بَرْدًا وسَلامًا عَلى إبْراهِيمَ، وقَدْ قِيلَ: كَيْفَ يَقَعُ هَذا لِجَماعَةٍ مِنَ العُقَلاءِ في مِثْلِ هَذِهِ الأرْضِ اليَسِيرَةِ في هَذِهِ المُدَّةِ الطَّوِيلَةِ ؟ قالَ أبُو عَلِيٍّ: يَكُونُ ذَلِكَ بِأنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ الأرْضَ الَّتِي هم عَلَيْها إذا نامُوا إلى (p-٣٦٥)المَكانِ الَّذِي ابْتَدَءُوا مِنهُ، وقَدْ يَكُونُ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأسْبابِ المانِعَةِ مِنَ الخُرُوجِ عَنْها عَلى طَرِيقِ المُعْجِزَةِ الخارِقَةِ لِلْعادَةِ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ( وجَعَلَكم مُلُوكًا ) قالَ: مَلَكَهُمُ الخَدَمُ، وكانُوا أوَّلَ مَن مَلَكَ الخَدَمَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: كانَ الرَّجُلُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ إذا كانَتْ لَهُ الزَّوْجَةُ والخادِمُ والدّارُ سُمِّيَ مَلِكًا. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: الزَّوْجَةُ والخادِمُ والبَيْتُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ( وجَعَلَكم مُلُوكًا ) قالَ: المَرْأةُ والخَدَمُ ﴿وآتاكم ما لَمْ يُؤْتِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ قالَ: الَّذِينَ هم بَيْنَ ظَهْرانِيهِمْ يَوْمَئِذٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «كانَ بَنُو إسْرائِيلَ إذا كانَ لِأحَدِهِمْ خادِمٌ ودابَّةٌ وامْرَأةٌ كُتِبَ مَلِكًا» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والزُّبَيْرُ بْنُ بَكّارٍ في المَوْقِفِيّاتِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «مَن كانَ لَهُ بَيْتٌ وخادِمٌ فَهو مَلِكٌ» .
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في مَراسِيلِهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ في الآيَةِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: ( زَوْجَةٌ ومَسْكَنٌ وخادِمٌ ) وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ أنَّهُ سَألَهُ رَجُلٌ: ألْسْنا مِن فُقَراءِ المُهاجِرِينَ ؟ قالَ: ألَكَ امْرَأةٌ تَأْوِي إلَيْها ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: ألَكَ مَسْكَنٌ تَسْكُنُهُ ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: فَأنْتَ مِنَ الأغْنِياءِ، قالَ: إنَّ لِي خادِمًا، قالَ: فَأنْتَ مِنَ المُلُوكِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ( وجَعَلَكم مُلُوكًا ) قالَ: جَعَلَ لَهم أزْواجًا وخَدَمًا وبُيُوتًا ﴿وآتاكم ما لَمْ يُؤْتِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ قالَ: المَنَّ والسَّلْوى والحَجَرَ والغَمامَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ مُجاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: المَنَّ والسَّلْوى والحَجَرَ والغَمامَ، وقَدْ ثَبَتَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «مَن أصْبَحَ مِنكم مُعافًى في جَسَدِهِ آمِنًا في سِرْبِهِ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأنَّما حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيا بِحَذافِيرِها» وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ( ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ ) قالَ: الطُّورُ وما حَوْلَهُ. وأخْرَجَ عَنْهُ أيْضًا قالَ: هي أرْيَحاءُ.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ قالَ: هي ما بَيْنَ العَرِيشِ إلى الفُراتِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: هي الشّامُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ قالَ: الَّتِي أمَرَكُمُ اللَّهُ بِها. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: أمَرَ القَوْمَ بِها كَما أمَرَنا بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ والحَجِّ والعُمْرَةِ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أُمِرَ مُوسى أنْ يَدْخُلَ مَدِينَةَ الجَبّارِينَ، فَسارَ بِمَن مَعَهُ حَتّى نَزَلَ قَرِيبًا مِنَ المَدِينَةِ وهي أرْيَحاءُ، فَبَعَثَ إلَيْهِمُ اثْنَيْ عَشَرَ عَيْنًا مِن كُلِّ سِبْطٍ مِنهم عَيْنٌ لِيَأْتُوهُ بِخَبَرِ القَوْمِ، فَدَخَلُوا المَدِينَةَ فَرَأوْا أمْرًا عَظِيمًا مِن هَيْئَتِهِمْ وجِسْمِهِمْ وعِظَمِهِمْ، فَدَخَلُوا حائِطًا لِبَعْضِهِمْ فَجاءَ صاحِبُ الحائِطِ لِيَجْتَنِيَ الثِّمارَ مِن حائِطِهِ، فَجَعَلَ يَجْتَنِي الثِّمارَ فَنَظَرَ إلى آثارِهِمْ فَتَتَبَّعَهم، فَكُلَّما أصابَ واحِدًا مِنهم أخَذَهُ فَجَعَلَهُ في كُمِّهِ مَعَ الفاكِهَةِ حَتّى التَقَطَ الِاثْنَيْ عَشْرَ كُلَّهم فَجَعَلَهم في كُمِّهِ مَعَ الفاكِهَةِ، وذَهَبَ إلى مَلِكِهِمْ فَنَثَرَهم بَيْنَ يَدَيْهِ فَقالَ المَلِكُ: قَدْ رَأيْتُمْ شَأْنَنا وأمْرَنا اذْهَبُوا فَأخْبِرُوا صاحِبَكم، قالَ: فَرَجَعُوا إلى مُوسى فَأخْبَرُوهُ بِما عايَنُوا مِن أمْرِهِمْ، فَقالَ: اكْتُمُوا عَنّا، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يُخْبِرُ أباهُ وصَدِيقَهُ ويَقُولُ: اكْتُمْ عَنِّي، فَأُشِيعَ ذَلِكَ في عَسْكَرِهِمْ ولَمْ يَكْتُمْ مِنهم إلّا رَجُلانِ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ وكالِبُ بْنُ يُوفَنّا وهُما اللَّذانِ أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِما ﴿قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ﴾ .
وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذا مِمّا يَتَضَمَّنُ المُبالَغَةَ في وصْفِ هَؤُلاءِ وعِظَمِ أجْسامِهِمْ، ولا فائِدَةَ في بَسْطِ ذَلِكَ فَغالِبُهُ مِن أكاذِيبِ القَصّاصِ كَما قَدَّمْنا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ( فافْرُقْ ) يَقُولُ: اقْضِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ يَقُولُ: افْصِلْ بَيْنَنا وبَيْنَهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ قالَ: أبَدًا، وفي قَوْلِهِ: ﴿يَتِيهُونَ في الأرْضِ﴾ قالَ: أرْبَعِينَ سَنَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: تاهُوا أرْبَعِينَ سَنَةً، فَهَلَكَ مُوسى وهارُونَ في التِّيهِ، وكُلُّ مَن جاوَزَ الأرْبَعِينَ سَنَةً، فَلَمّا مَضَتِ الأرْبَعُونَ سَنَةً ناهَضَهم يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، وهو الَّذِي قامَ بِالأمْرِ بَعْدَ مُوسى، وهو الَّذِي افْتَتَحَها وهو الَّذِي قِيلَ لَهُ اليَوْمُ يَوْمُ جُمُعَةٍ، فَهَّمُوا بِافْتِتاحِها فَدَنَتِ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ، فَخَشِيَ إنْ دَخَلَتْ لَيْلَةُ السَّبْتِ أنْ يَسْبِتُوا، فَنادى الشَّمْسَ: إنِّي مَأْمُورٌ وأنْتِ مَأْمُورَةٌ فَوَقَفَتْ حَتّى افْتَتَحَها، فَوَجَدَ فِيها مِنَ الأمْوالِ ما لَمْ يَرِدْ مِثْلُهُ قَطُّ، فَقَرَّبُوهُ إلى النّارِ فَلَمْ تَأْتِ، فَقالَ: فِيكُمُ الغُلُولُ، فَدَعا رُءُوسَ الأسْباطِ وهُمُ اثْنا عَشَرَ رَجُلًا فَبايَعَهم والتَصَقَتْ يَدُ رَجُلٍ مِنهم بِيَدِهِ، فَقالَ: الغُلُولُ عِنْدَكَ فَأخْرِجْهُ، فَأخْرَجَ رَأْسَ بَقَرَةٍ مِن ذَهَبٍ لَها عَيْنانِ مِن ياقُوتٍ وأسْنانٌ مِن لُؤْلُؤٍ، فَوَضَعَهُ مَعَ القُرْبانِ فَأتَتِ النّارُ فَأكَلَتْها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: خُلِقَ لَهم في التِّيهِ ثِيابٌ لا تَخْلُقُ ولا تَدْرَنُ.
المائدة 5:26
هَذِهِ الآياتُ مُتَضَمِّنَةٌ لِلْبَيانِ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِأنَّ أسْلافَ اليَهُودِ المَوْجُودِينَ في عَصْرِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ تَمَرَّدُوا عَلى مُوسى وعَصَوْهُ كَما تَمَرَّدَ هَؤُلاءِ عَلى نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وعَصَوْهُ، وفي ذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لَهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، ورُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ أنَّهُ قَرَأ: ( يا قَوْمُ اذْكُرُوا ) بِضَمِّ المِيمِ وكَذا قَرَأ فِيما أشْبَهَهُ، وتَقْدِيرُهُ: يا أيُّها القَوْمُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جَعَلَ فِيكم أنْبِياءَ؛ أيْ: وقْتَ هَذا الجَعْلِ، وإيقاعُ الذِّكْرِ عَلى الوَقْتِ مَعَ كَوْنِ المَقْصُودِ ما وقَعَ فِيهِ مِنَ الحَوادِثِ لِلْمُبالَغَةِ؛ لِأنَّ الأمْرَ بِذِكْرِ الوَقْتِ أمْرٌ بِذِكْرِ ما وقَعَ فِيهِ بِطَرِيقِ الأوْلى، وامْتَنَّ عَلَيْهِمْ سُبْحانَهُ بِجَعْلِ الأنْبِياءِ فِيهِمْ مَعَ كَوْنِهِ قَدْ جَعَلَ أنْبِياءَ مِن غَيْرِهِمْ، لِكَثْرَةِ مَن بَعَثَهُ مِنَ الأنْبِياءِ مِنهم، قَوْلُهُ: ( وجَعَلَكم مُلُوكًا ) أيْ وجَعَلَ مِنكم مُلُوكًا، وإنَّما حَذَفَ حَرْفَ الجَرِّ لِظُهُورِ أنَّ مَعْنى الكَلامِ عَلى تَقْدِيرِهِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ مَنصِبَ النُّبُوَّةِ لَمّا كانَ لِعِظَمِ قَدْرِهِ وجَلالَةِ خَطَرِهِ بِحَيْثُ لا يُنْسَبُ إلى غَيْرِ مَن هو لَهُ قالَ فِيهِ: ﴿إذْ جَعَلَ فِيكم أنْبِياءَ﴾ ولَمّا كانَ مَنصِبُ المَلِكِ مِمّا يَجُوزُ نِسْبَتُهُ إلى غَيْرِ مَن قالَ بِهِ كَما تَقُولُ قَرابَةُ المَلِكِ: نَحْنُ المُلُوكُ، قالَ فِيهِ: ( وجَعَلَكم مُلُوكًا ) وقِيلَ: المُرادُ بِالمَلِكِ: أنَّهم مَلَكُوا أمْرَهم بَعْدَ أنْ كانُوا مَمْلُوكِينَ لِفِرْعَوْنَ، فَهم جَمِيعًا مُلُوكٌ بِهَذا المَعْنى، وقِيلَ: مَعْناهُ أنَّهُ جَعَلَهم ذَوِي مَنازِلَ لا يَدْخُلُ عَلَيْهِمْ غَيْرُهم إلّا بِإذْنٍ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مِنَ الآيَةِ المَلِكُ الحَقِيقِيُّ، ولَوْ كانَ بِمَعْنًى آخَرَ لَما كانَ لِلِامْتِنانِ بِهِ كَثِيرُ مَعْنًى، فَإنْ قُلْتَ: قَدْ جَعَلَ غَيْرَهم مُلُوكًا كَما جَعَلَهم، قُلْتُ: قَدْ كَثُرَ المُلُوكُ فِيهِمْ كَما كَثُرَ الأنْبِياءُ، فَهَذا وجْهُ الِامْتِنانِ.
قَوْلُهُ: ﴿وآتاكم ما لَمْ يُؤْتِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ أيْ مِنَ المَنِّ والسَّلْوى والحَجَرِ والغَمامِ وكَثْرَةِ الأنْبِياءِ وكَثْرَةِ المُلُوكِ وغَيْرِ ذَلِكَ، والمُرادُ عالِمِي زَمانِهِمْ، وقِيلَ: إنَّ الخِطابَ هاهُنا لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وهو عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ غَيْرُ مُوجِبٍ، والصَّوابُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ مِن أنَّهُ مِن كَلامِ مُوسى لِقَوْمِهِ وخاطَبَهم بِهَذا الخِطابِ تَوْطِئَةً وتَمْهِيدًا لِما بَعْدَهُ مِن أمَرِهِ لَهم بِدُخُولِ الأرْضِ المُقَدَّسَةِ، وقَدِ اخْتُلِفَ في تَعْيِينِها، فَقالَ قَتادَةُ: هي الشّامُ، وقالَ مُجاهِدٌ: الطُّورُ وما حَوْلَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ وغَيْرُهُما: أرْيَحاءُ، وقالَ الزَّجّاجُ: دِمَشْقُ وفِلَسْطِينُ وبَعْضُ الأُرْدُنِ، وقَوْلُ قَتادَةَ يَجْمَعُ هَذِهِ الأقْوالَ المَذْكُورَةَ بَعْدَهُ، والمُقَدَّسَةُ: المُطَهَّرَةُ، وقِيلَ: المُبارَكَةُ ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ أيْ: قَسَّمَها وقَدَّرَها لَهم في سابِقِ عِلْمِهِ وجَعَلَها مَسْكَنًا لَكم ﴿ولا تَرْتَدُّوا عَلى أدْبارِكُمْ﴾ أيْ: لا تَرْجِعُوا عَنْ أمْرِي وتَتْرُكُوا طاعَتِي وما أوْجَبْتُهُ عَلَيْكم مِن قِتالِ الجَبّارِينَ جُبْنًا وفَشَلًا ( فَتَنْقَلِبُوا ) (p-٣٦٤)بِسَبَبِ ذَلِكَ ( خاسِرِينَ ) لِخَيْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ.
﴿قالُوا يا مُوسى إنَّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الجَبّارُ مِنَ الآدَمِيِّينَ العاتِي، وهو الَّذِي يُجْبِرُ النّاسَ عَلى ما يُرِيدُ، وأصْلُهُ عَلى هَذا مِنَ الإجْبارِ وهو الإكْراهُ، فَإنَّهُ يُجْبِرُ غَيْرَهُ عَلى ما يُرِيدُهُ، يُقالُ: أجْبَرَهُ إذا أكْرَهَهُ، وقِيلَ: هو مَأْخُوذٌ مِن جَبَرَ العَظْمَ، فَأصْلُ الجَبّارِ عَلى هَذا المُصْلِحُ لِأمْرِ نَفْسِهِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في كُلِّ مَن جَرَّ إلى نَفْسِهِ نَفْعًا بِحَقٍّ أوْ باطِلٍ، وقِيلَ: إنَّ جَبْرَ العَظْمِ راجِعٌ إلى مَعْنى الإكْراهِ، قالَ الفَرّاءُ: لَمْ أسْمَعْ فَعّالًا مِن أفْعَلَ إلّا في حَرْفَيْنِ؛ جَبّارٌ مِن أجْبَرَ، ودَرّاكٌ مِن أدْرَكَ.
والمُرادُ هُنا: أنَّهم قَوْمٌ عِظامُ الأجْسامِ طِوالٌ مُتَعاظِمُونَ، قِيلَ: هم قَوْمٌ مِن بَقِيَّةِ قَوْمِ عادٍ، وقِيلَ: هم مَن ولَدِ عِيصِ بْنِ إسْحاقَ، وقِيلَ: هم مِنَ الرُّومِ، ويُقالُ: إنَّ مِنهم عَوْجُ بْنُ عُنُقَ المَشْهُورُ بِالطُّولِ المُفْرِطِ، وعُنُقُ هي بِنْتُ آدَمَ، قِيلَ: كانَ طُولُهُ ثَلاثَةَ آلافِ ذِراعٍ وثَلَثَمِائَةٍ وثَلاثَةً وثَلاثِينَ ذِراعًا وثُلُثَ ذِراعٍ، قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا شَيْءٌ يُسْتَحَيا مِن ذِكْرِهِ، ثُمَّ هو مُخالِفٌ لِما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «إنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ وطُولُهُ سِتُّونَ ذِراعًا ثُمَّ لَمْ يَزَلِ الخَلْقُ يَنْقُصُ» ثُمَّ قَدْ ذَكَرُوا أنَّ هَذا الرَّجُلَ كانَ كافِرًا، وأنَّهُ كانَ ولَدَ زَنْيَةٍ، وأنَّهُ امْتَنَعَ مِن رُكُوبِ السَّفِينَةِ، وأنَّ الطُّوفانَ لَمْ يَصِلْ إلى رُكْبَتِهِ، وهَذا كَذِبٌ وافْتِراءٌ، فَإنَّ اللَّهَ ذَكَرَ أنَّ نُوحًا دَعا عَلى أهْلِ الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ فَقالَ: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ [نوح: ٢٦]، وقالَ تَعالى: ﴿فَأنْجَيْناهُ ومَن مَعَهُ في الفُلْكِ المَشْحُونِ ثُمَّ أغْرَقْنا بَعْدُ الباقِينَ﴾ [الشعراء: ١١٩، ١٢٠]، وقالَ تَعالى: ﴿لا عاصِمَ اليَوْمَ مِن أمْرِ اللَّهِ إلّا مَن رَحِمَ﴾ [هود: ٤٣] وإذا كانَ ابْنُ نُوحٍ الكافِرُ غَرِقَ فَكَيْفَ يَبْقى عَوْجُ بْنُ عُنُقَ وهو كافِرٌ ولَدُ زَنْيَةٍ ؟ هَذا لا يَسُوغُ في عَقْلٍ ولا شَرْعٍ، ثُمَّ في وُجُودِ رَجُلٍ يُقالُ لَهُ عَوْجُ بْنُ عُنُقَ نَظَرٌ، واللَّهُ أعْلَمُ، انْتَهى كَلامُهُ.
قُلْتُ: لَمْ يَأْتِ في أمْرِ هَذا الرَّجُلِ ما يَقْتَضِي تَطْوِيلُ الكَلامِ في شَأْنِهِ، وما هَذا بِأوَّلِ كِذْبَةٍ اشْتُهِرَتْ في النّاسِ، ولَسْنا بِمَلْزُومِينَ بِدَفْعِ الأكاذِيبِ الَّتِي وضَعَها القَصّاصُ ونَفَقَتْ عِنْدَ مَن لا يُمَيِّزُ بَيْنَ الصَّحِيحِ والسَّقِيمِ، فَكَمْ في بُطُونِ دَفاتِرِ التَّفاسِيرِ مِن أكاذِيبَ وبَلايا وأقاصِيصَ كُلِّها حَدِيثُ خُرافَةٍ، وما أحَقَّ مَن لا تَمْيِيزَ عِنْدِهِ لِفَنِّ الرِّوايَةِ ولا مَعْرِفَةَ بِهِ أنْ يَدَعَ التَّعَرُّضَ لِتَفْسِيرِ كِتابِ اللَّهِ، ويَضَعَ هَذِهِ الحَماقاتِ والأُضْحُوكاتِ في المَواضِعِ المُناسِبَةِ لَها مِن كُتُبَ القَصّاصِ.
قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ يَخْرُجُوا مِنها فَإنّا داخِلُونَ﴾ هَذا تَصْرِيحٌ بِما هو مَفْهُومٌ مِنَ الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ الجُمْلَةِ لِبَيانِ أنَّ امْتِناعَهم مِنَ الدُّخُولِ لَيْسَ إلّا لِهَذا السَّبَبِ، قَوْلُهُ: ( قالَ رَجُلانِ ) هُما يُوشَعُ وكالِبُ بْنُ يُوفَنّا أوِ ابْنُ فانِيا، وكانا مِنَ الِاثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا كَما مَرَّ بَيانُ ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ: ( مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ ) أيْ: يَخافُونَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: مِنَ الجَبّارِينَ؛ أيْ: هَذانِ الرَّجُلانِ مِن جُمْلَةِ القَوْمِ الَّذِينَ يَخافُونَ مِنَ الجَبّارِينَ، وقِيلَ: مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ ضَعْفَ بَنِي إسْرائِيلَ وجُبْنَهم، وقِيلَ: إنَّ الواوَ في ( يَخافُونَ ) لِبَنِي إسْرائِيلَ؛ أيْ: مِنَ الَّذِينَ يَخافُهم بَنُو إسْرائِيلَ، وقَرَأ مُجاهِدٌ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ( يُخافُونَ ) بِضَمِّ الياءِ؛ أيْ: يَخافُهم غَيْرُهم.
قَوْلُهُ: ﴿أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِما﴾ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لَرَجُلانِ، بِالإيمانِ واليَقِينُ بِحُصُولِ ما وعَدُوا بِهِ مِنَ النَّصْرِ والظَّفْرِ ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البابَ﴾ أيْ: بابَ بَلَدِ الجَبّارِينَ ﴿فَإذا دَخَلْتُمُوهُ فَإنَّكم غالِبُونَ﴾ قالا: هَذِهِ المَقالَةَ لِبَنِي إسْرائِيلَ، والظّاهِرُ أنَّهُما قَدْ عَلِما بِذَلِكَ مِن خَبَرِ مُوسى، أوْ قالاهُ ثِقَةً بِوَعْدِ اللَّهِ، أوْ كانا قَدْ عَرَفا أنَّ الجَبّارِينَ قَدْ مُلِئَتْ قُلُوبُهم خَوْفًا ورُعْبًا.
( قالُوا ) أيْ بَنُو إسْرائِيلَ لِمُوسى ﴿إنّا لَنْ نَدْخُلَها أبَدًا ما دامُوا فِيها﴾ وكانَ هَذا القَوْلُ مِنهم فَشَلًا وجُبْنًا أوْ عِنادًا وجُرْأةً عَلى اللَّهِ وعَلى رَسُولِهِ ﴿فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا﴾ قالُوا هَذا جَهْلًا بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وبِصِفاتِهِ وكُفْرًا بِما يَجِبُ لَهُ، أوِ اسْتِهانَةً بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، وقِيلَ: أرادُوا بِالذَّهابِ الإرادَةَ والقَصْدَ، وقِيلَ: أرادُوا بِالرَّبِّ هارُونَ، وكانَ أكْبَرَ مِن مُوسى، وكانَ مُوسى يُطِيعُهُ ﴿إنّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾ أيْ: لا نَبْرَحُ هاهُنا لا نَتَقَدَّمُ مَعَكَ ولا نَتَأخَّرُ عَنْ هَذا المَوْضِعِ، وقِيلَ: أرادُوا بِذَلِكَ عَدَمَ التَّقَدُّمِ لا عَدَمَ التَّأخُّرِ ( قالَ ) مُوسى ﴿رَبِّ إنِّي لا أمْلِكُ إلّا نَفْسِي وأخِي﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُعْطَفَ ( وأخِي ) عَلى ( نَفْسِي ) وأنْ يُعْطَفَ عَلى الضَّمِيرِ في ( إنِّي ) أيْ: إنِّي لا أمْلِكُ إلّا نَفْسِي وإنَّ أخِي لا يَمْلِكُ إلّا نَفْسَهُ، قالَ هَذا تَحَسُّرًا وتَحَزُّنًا واسْتِجْلابًا لِلنَّصْرِ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿فافْرُقْ بَيْنَنا وبَيْنَ القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ أيِ: افْصِلْ بَيْنَنا: يَعْنِي نَفْسَهُ وأخاهُ وبَيْنَ القَوْمِ الفاسِقِينَ ومَيَّزْنا عَنْ جُمْلَتِهِمْ ولا تُلْحِقْنا بِهِمْ في العُقُوبَةِ، وقِيلَ: المَعْنى: فاقْضِ بَيْنَنا وبَيْنَهم، وقِيلَ: إنَّما أرادَ في الآخِرَةِ.
وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ ( فافْرِقْ ) بِكَسْرِ الرّاءِ ( قالَ فَإنَّها ) أيِ: الأرْضَ المُقَدَّسَةَ ( مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ) أيْ: عَلى هَؤُلاءِ العُصاةِ بِسَبَبِ امْتِناعِهِمْ مِن قِتالِ الجَبّارِينَ ( أرْبَعِينَ سَنَةً ) ظَرْفٌ لِلتَّحْرِيمِ؛ أيْ: أنَّهُ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِمْ دُخُولُها هَذِهِ المُدَّةَ لا زِيادَةَ عَلَيْها، فَلا يُخالِفُ هَذا التَّحْرِيمَ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ( الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكم ) فَإنَّها مَكْتُوبَةٌ لِمَن بَقِيَ مِنهم بَعْدَ هَذِهِ المُدَّةِ، وقِيلَ: إنَّهُ لَمْ يَدْخُلْها أحَدٌ مِمَّنْ قالَ: ( إنّا لَنْ نَدْخُلَها ) فَيَكُونُ تَوْقِيتُ التَّحْرِيمِ بِهَذِهِ المُدَّةِ بِاعْتِبارِ ذَرارِيِّهِمْ، وقِيلَ: إنَّ ( أرْبَعِينَ سَنَةً ) ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ: ﴿يَتِيهُونَ في الأرْضِ﴾ أيْ: يَتِيهُونَ هَذا المِقْدارَ فَيَكُونُ التَّحْرِيمُ مُطْلَقًا.
والمُوَقَّتُ: هو التِّيهُ، وهو في اللُّغَةِ الحَيْرَةُ، يُقالُ مِنهُ: تاهَ يَتِيهُ تِيهًا أوْ تَوْهًا إذا تَحَيَّرَ، فالمَعْنى: يَتَحَيَّرُونَ في الأرْضِ، قِيلَ: إنَّ هَذِهِ الأرْضَ الَّتِي تاهُوا فِيها كانَتْ صَغِيرَةً نَحْوَ سِتَّةِ فَراسِخَ كانُوا يَمْسُونَ حَيْثُ أصْبَحُوا ويُصْبِحُونَ حَيْثُ أمْسُوا، وكانُوا سَيّارَةً مُسْتَمِرِّينَ عَلى ذَلِكَ لا قَرارَ لَهم، واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ هَلْ كانَ مَعَهم مُوسى وهارُونَ أمْ لا ؟ فَقِيلَ: لَمْ يَكُونا مَعَهم؛ لِأنَّ التِّيهَ عُقُوبَةٌ، وقِيلَ: كانا مَعَهم لَكِنْ سَهَّلَ اللَّهُ عَلَيْهِما ذَلِكَ كَما جَعَلَ النّارَ بَرْدًا وسَلامًا عَلى إبْراهِيمَ، وقَدْ قِيلَ: كَيْفَ يَقَعُ هَذا لِجَماعَةٍ مِنَ العُقَلاءِ في مِثْلِ هَذِهِ الأرْضِ اليَسِيرَةِ في هَذِهِ المُدَّةِ الطَّوِيلَةِ ؟ قالَ أبُو عَلِيٍّ: يَكُونُ ذَلِكَ بِأنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ الأرْضَ الَّتِي هم عَلَيْها إذا نامُوا إلى (p-٣٦٥)المَكانِ الَّذِي ابْتَدَءُوا مِنهُ، وقَدْ يَكُونُ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأسْبابِ المانِعَةِ مِنَ الخُرُوجِ عَنْها عَلى طَرِيقِ المُعْجِزَةِ الخارِقَةِ لِلْعادَةِ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ( وجَعَلَكم مُلُوكًا ) قالَ: مَلَكَهُمُ الخَدَمُ، وكانُوا أوَّلَ مَن مَلَكَ الخَدَمَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: كانَ الرَّجُلُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ إذا كانَتْ لَهُ الزَّوْجَةُ والخادِمُ والدّارُ سُمِّيَ مَلِكًا. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: الزَّوْجَةُ والخادِمُ والبَيْتُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ( وجَعَلَكم مُلُوكًا ) قالَ: المَرْأةُ والخَدَمُ ﴿وآتاكم ما لَمْ يُؤْتِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ قالَ: الَّذِينَ هم بَيْنَ ظَهْرانِيهِمْ يَوْمَئِذٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «كانَ بَنُو إسْرائِيلَ إذا كانَ لِأحَدِهِمْ خادِمٌ ودابَّةٌ وامْرَأةٌ كُتِبَ مَلِكًا» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والزُّبَيْرُ بْنُ بَكّارٍ في المَوْقِفِيّاتِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «مَن كانَ لَهُ بَيْتٌ وخادِمٌ فَهو مَلِكٌ» .
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في مَراسِيلِهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ في الآيَةِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: ( زَوْجَةٌ ومَسْكَنٌ وخادِمٌ ) وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ أنَّهُ سَألَهُ رَجُلٌ: ألْسْنا مِن فُقَراءِ المُهاجِرِينَ ؟ قالَ: ألَكَ امْرَأةٌ تَأْوِي إلَيْها ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: ألَكَ مَسْكَنٌ تَسْكُنُهُ ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: فَأنْتَ مِنَ الأغْنِياءِ، قالَ: إنَّ لِي خادِمًا، قالَ: فَأنْتَ مِنَ المُلُوكِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ( وجَعَلَكم مُلُوكًا ) قالَ: جَعَلَ لَهم أزْواجًا وخَدَمًا وبُيُوتًا ﴿وآتاكم ما لَمْ يُؤْتِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ قالَ: المَنَّ والسَّلْوى والحَجَرَ والغَمامَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ مُجاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: المَنَّ والسَّلْوى والحَجَرَ والغَمامَ، وقَدْ ثَبَتَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «مَن أصْبَحَ مِنكم مُعافًى في جَسَدِهِ آمِنًا في سِرْبِهِ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأنَّما حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيا بِحَذافِيرِها» وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ( ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ ) قالَ: الطُّورُ وما حَوْلَهُ. وأخْرَجَ عَنْهُ أيْضًا قالَ: هي أرْيَحاءُ.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ قالَ: هي ما بَيْنَ العَرِيشِ إلى الفُراتِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: هي الشّامُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ قالَ: الَّتِي أمَرَكُمُ اللَّهُ بِها. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: أمَرَ القَوْمَ بِها كَما أمَرَنا بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ والحَجِّ والعُمْرَةِ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أُمِرَ مُوسى أنْ يَدْخُلَ مَدِينَةَ الجَبّارِينَ، فَسارَ بِمَن مَعَهُ حَتّى نَزَلَ قَرِيبًا مِنَ المَدِينَةِ وهي أرْيَحاءُ، فَبَعَثَ إلَيْهِمُ اثْنَيْ عَشَرَ عَيْنًا مِن كُلِّ سِبْطٍ مِنهم عَيْنٌ لِيَأْتُوهُ بِخَبَرِ القَوْمِ، فَدَخَلُوا المَدِينَةَ فَرَأوْا أمْرًا عَظِيمًا مِن هَيْئَتِهِمْ وجِسْمِهِمْ وعِظَمِهِمْ، فَدَخَلُوا حائِطًا لِبَعْضِهِمْ فَجاءَ صاحِبُ الحائِطِ لِيَجْتَنِيَ الثِّمارَ مِن حائِطِهِ، فَجَعَلَ يَجْتَنِي الثِّمارَ فَنَظَرَ إلى آثارِهِمْ فَتَتَبَّعَهم، فَكُلَّما أصابَ واحِدًا مِنهم أخَذَهُ فَجَعَلَهُ في كُمِّهِ مَعَ الفاكِهَةِ حَتّى التَقَطَ الِاثْنَيْ عَشْرَ كُلَّهم فَجَعَلَهم في كُمِّهِ مَعَ الفاكِهَةِ، وذَهَبَ إلى مَلِكِهِمْ فَنَثَرَهم بَيْنَ يَدَيْهِ فَقالَ المَلِكُ: قَدْ رَأيْتُمْ شَأْنَنا وأمْرَنا اذْهَبُوا فَأخْبِرُوا صاحِبَكم، قالَ: فَرَجَعُوا إلى مُوسى فَأخْبَرُوهُ بِما عايَنُوا مِن أمْرِهِمْ، فَقالَ: اكْتُمُوا عَنّا، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يُخْبِرُ أباهُ وصَدِيقَهُ ويَقُولُ: اكْتُمْ عَنِّي، فَأُشِيعَ ذَلِكَ في عَسْكَرِهِمْ ولَمْ يَكْتُمْ مِنهم إلّا رَجُلانِ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ وكالِبُ بْنُ يُوفَنّا وهُما اللَّذانِ أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِما ﴿قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ﴾ .
وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذا مِمّا يَتَضَمَّنُ المُبالَغَةَ في وصْفِ هَؤُلاءِ وعِظَمِ أجْسامِهِمْ، ولا فائِدَةَ في بَسْطِ ذَلِكَ فَغالِبُهُ مِن أكاذِيبِ القَصّاصِ كَما قَدَّمْنا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ( فافْرُقْ ) يَقُولُ: اقْضِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ يَقُولُ: افْصِلْ بَيْنَنا وبَيْنَهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ قالَ: أبَدًا، وفي قَوْلِهِ: ﴿يَتِيهُونَ في الأرْضِ﴾ قالَ: أرْبَعِينَ سَنَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: تاهُوا أرْبَعِينَ سَنَةً، فَهَلَكَ مُوسى وهارُونَ في التِّيهِ، وكُلُّ مَن جاوَزَ الأرْبَعِينَ سَنَةً، فَلَمّا مَضَتِ الأرْبَعُونَ سَنَةً ناهَضَهم يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، وهو الَّذِي قامَ بِالأمْرِ بَعْدَ مُوسى، وهو الَّذِي افْتَتَحَها وهو الَّذِي قِيلَ لَهُ اليَوْمُ يَوْمُ جُمُعَةٍ، فَهَّمُوا بِافْتِتاحِها فَدَنَتِ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ، فَخَشِيَ إنْ دَخَلَتْ لَيْلَةُ السَّبْتِ أنْ يَسْبِتُوا، فَنادى الشَّمْسَ: إنِّي مَأْمُورٌ وأنْتِ مَأْمُورَةٌ فَوَقَفَتْ حَتّى افْتَتَحَها، فَوَجَدَ فِيها مِنَ الأمْوالِ ما لَمْ يَرِدْ مِثْلُهُ قَطُّ، فَقَرَّبُوهُ إلى النّارِ فَلَمْ تَأْتِ، فَقالَ: فِيكُمُ الغُلُولُ، فَدَعا رُءُوسَ الأسْباطِ وهُمُ اثْنا عَشَرَ رَجُلًا فَبايَعَهم والتَصَقَتْ يَدُ رَجُلٍ مِنهم بِيَدِهِ، فَقالَ: الغُلُولُ عِنْدَكَ فَأخْرِجْهُ، فَأخْرَجَ رَأْسَ بَقَرَةٍ مِن ذَهَبٍ لَها عَيْنانِ مِن ياقُوتٍ وأسْنانٌ مِن لُؤْلُؤٍ، فَوَضَعَهُ مَعَ القُرْبانِ فَأتَتِ النّارُ فَأكَلَتْها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: خُلِقَ لَهم في التِّيهِ ثِيابٌ لا تَخْلُقُ ولا تَدْرَنُ.