Fath Al-Qadir Al-Shawkani — هود 11:55 – هود 11:86
المحتويات
هود 11:55
.
قَوْلُهُ: ﴿وإلى عادٍ أخاهم هُودًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى وأرْسَلْنا نُوحًا: أيْ وأرْسَلْنا إلى عادٍ أخاهم: أيْ واحِدًا مِنهم، وهُودًا عَطْفُ بَيانٍ وقَوْمُ عادٍ كانُوا عَبَدَةَ أوْثانٍ وقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلَ هَذا في الأعْرافِ.
وقِيلَ: هم عادٌ الأُولى وعادٌ الأُخْرى، فَهَؤُلاءِ هم عادٌ الأُولى وعادٌ الأُخْرى هم شَدّادُ ولُقْمانُ وقَوْمُهُما المَذْكُورُونَ في قَوْلِهِ: ﴿إرَمَ ذاتِ العِمادِ﴾ [الفجر: ٧]، وأصْلُ عادٍ: اسْمُ رَجُلٍ ثُمَّ صارَ اسْمًا لِلْقَبِيلَةِ كَتَمِيمٍ وبَكْرٍ ونَحْوِهِما ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ قُرِئَ " غَيْرُهُ " بِالجَرِّ عَلى اللَّفْظِ، وبِالرَّفْعِ عَلى مَحَلِّ مِن إلَهٍ، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى الِاسْتِثْناءِ ﴿إنْ أنْتُمْ إلّا مُفْتَرُونَ﴾ أيْ ما أنْتُمْ بِاتِّخاذِ إلَهٍ غَيْرِ اللَّهِ إلّا كاذِبُونَ عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
ثُمَّ خاطَبَهم فَقالَ: ﴿ياقَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا﴾ أيْ لا أطْلُبُ مِنكم أجْرًا عَلى ما أُبَلِّغُهُ إلَيْكم وأنْصَحُكم بِهِ مِنَ الإرْشادِ إلى عِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ وأنَّهُ لا إلَهَ لَكم سِواهُ، فالضَّمِيرُ راجِعٌ إلى مَضْمُونِ هَذا الكَلامِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى هَذا في قِصَّةِ نُوحٍ ﴿إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى الَّذِي فَطَرَنِي﴾ أيْ ما أجْرِيَ الَّذِي أطْلُبُ إلّا مِنَ الَّذِي فَطَرَنِي: أيْ خَلَقَنِي فَهو الَّذِي يُثِيبُنِي عَلى ذَلِكَ ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أنَّ أجْرَ النّاصِحِينَ إنَّما هو مِن رَبِّ العالَمِينَ، قِيلَ: إنَّما قالَ فِيما تَقَدَّمَ في قِصَّةِ نُوحٍ: ما لًا، وهُنا قالَ: أجْرًا لِذِكْرِ الخَزائِنِ بَعْدَهُ في قِصَّةِ نُوحٍ، ولَفْظُ المالِ بِها ألْيَقُ.
ثُمَّ أرْشَدَهم إلى الِاسْتِغْفارِ والتَّوْبَةِ.
والمَعْنى: اطْلُبُوا مَغْفِرَتَهُ لِما سَلَفَ مِن ذُنُوبِكم ثُمَّ تَوَسَّلُوا إلَيْهِ بِالتَّوْبَةِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ زِيادَةُ بَيانٍ لِمِثْلِ هَذا في قِصَّةِ نُوحٍ، ثُمَّ رَغَّبَهم في الإيمانِ بِالخَيْرِ العاجِلِ، فَقالَ: ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ﴾ أيِ المَطَرَ ﴿عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ أيْ كَثِيرَ الدُّرُورِ، (p-٦٦٢)وهُوَ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، دَرَّتِ السَّماءُ تُدِرُّ وتَدُرُّ فَهي مِدْرارٌ، وكانَ قَوْمُ هُودٍ أهْلَ بَساتِينَ وزَرْعٍ وعِمارَةٍ، وكانَتْ مَساكِنُهُمُ الرِّمالَ الَّتِي بَيْنَ الشّامِ واليَمَنِ ﴿ويَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى يُرْسِلِ: أيْ شِدَّةً مُضافَةً إلى شِدَّتِكم، أوْ خِصْبًا إلى خِصْبِكم، أوْ عِزًّا إلى عِزِّكم.
قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى يَزِدْكم قُوَّةً في النِّعَمِ ﴿ولا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ أيْ لا تُعْرِضُوا عَمّا أدْعُوكم إلَيْهِ وتُقِيمُوا عَلى الكُفْرِ مُصِرِّينَ عَلَيْهِ، والإجْرامُ: الآثامُ كَما تَقَدَّمَ.
ثُمَّ أجابَهُ قَوْمُهُ بِما يَدُلُّ عَلى فَرْطِ جَهالَتِهِمْ، وعَظِيمِ غَباوَتِهِمْ، ﴿قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ﴾ أيْ بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ نَعْمَلُ عَلَيْها، ونُؤْمِنُ لَكَ بِها غَيْرَ مُعْتَرِفِينَ بِما جاءَهم مِن حُجَجِ اللَّهِ وبَراهِينِهِ عِنادًا وبُعْدًا عَنِ الحَقِّ ﴿وما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا﴾ الَّتِي نَعْبُدُها مِن دُونِ اللَّهِ.
ومَعْنى ﴿عَنْ قَوْلِكَ﴾ صادِرِينَ عَنْ قَوْلِكَ، فالظَّرْفُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ ﴿وما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ بِمُصَدِّقِينَ في شَيْءٍ مِمّا جِئْتَ بِهِ.
﴿إنْ نَقُولُ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾ أيْ ما نَقُولُ إلّا أنَّهُ أصابَكَ بَعْضُ آلِهَتِنا الَّتِي تَعِيبُها وتُسَفِّهُ رَأْيَنا في عِبادَتِها بِسُوءٍ بِجُنُونٍ، حَتّى نَشَأ عَنْ جُنُونِكَ ما تَقُولُهُ لَنا وتَكَرِّرُهُ عَلَيْنا مِنَ التَّنْفِيرِ عَنْها، يُقالُ: عَراهُ الأمْرُ واعْتَراهُ: إذا ألَمَّ بِهِ، فَأجابَهم بِما يَدُلُّ عَلى عَدَمِ مُبالاتِهِ بِهِمْ وعَلى وُثُوقِهِ بِرَبِّهِ وتَوَكُّلِهِ عَلَيْهِ، وأنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا يُرِيدُهُ الكُفّارُ بِهِ، بَلِ اللَّهُ سُبْحانَهُ هو الضّارُّ النّافِعُ فَ ﴿قالَ إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ واشْهَدُوا﴾ أنْتُمْ ﴿أنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ بِهِ.
﴿مِن دُونِهِ﴾ أيْ مِن إشْراكِكِمْ مِن دُونِ اللَّهِ مِن غَيْرِ أنْ يُنَزِّلَ بِهِ سُلْطانًا ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا﴾ أنْتُمْ وآلِهَتُكم إنْ كانَتْ كَما تَزْعُمُونَ مِن أنَّها تَقْدِرُ عَلى الإضْرارِ بِي وأنَّها اعْتَرَتْنِي بِسُوءٍ ﴿ثُمَّ لا تُنْظِرُونِي﴾ أيْ لا تُمْهِلُونِي، بَلْ عاجِلُونِي واصْنَعُوا ما بَدا لَكم، وفي هَذا مِن إظْهارِ عَدَمِ المُبالاةِ بِهِمْ وبِأصْنامِهِمُ الَّتِي يَعْبُدُونَها ما يَصُكُّ مَسامِعَهم، ويُوَضِّحُ عَجْزَهم وعَدَمَ قُدْرَتِهِمْ عَلى شَيْءٍ.
﴿إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلى اللَّهِ رَبِّي ورَبِّكم﴾ فَهو يَعْصِمُنِي مِن كَيْدِكم، وإنْ بَلَغْتُمْ في تَطَلُّبِ وُجُوهِ الإضْرارِ بِي كُلَّ مَبْلَغٍ، فَمَن تَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ كَفاهُ.
ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ لَهم تَوَكُّلَهُ عَلى اللَّهِ وثِقَتَهُ بِحِفْظِهِ وكَلاءَتِهِ وصَفَهُ بِما يُوجِبُ التَّوَكُّلَ عَلَيْهِ والتَّفْوِيضَ إلَيْهِ مِنِ اشْتِمالِ رُبُوبِيَّتِهِ عَلَيْهِ وعَلَيْهِمْ، وأنَّهُ مالِكٌ لِلْجَمِيعِ، وأنَّ ناصِيَةَ كُلِّ دابَّةٍ مِن دَوابِّ الأرْضِ بِيَدِهِ، وفي قَبْضَتِهِ وتَحْتَ قَهْرِهِ، وهو تَمْثِيلٌ لِغايَةِ التَّسْخِيرِ ونِهايَةِ التَّذْلِيلِ، وكانُوا إذا أسَرُوا الأسِيرَ وأرادُوا إطْلاقَهُ، والمَنَّ عَلَيْهِ جَزُّوا ناصِيَتَهُ فَجَعَلُوا ذَلِكَ عَلامَةً لِقَهْرِهِ.
قالَ الفَرّاءُ: مَعْنى آخِذٌ بِناصِيَتِها مالِكُها والقادِرُ عَلَيْها، وقالَ القُتَيْبِيُّ: قاهِرُها لِأنَّ مَن أخَذْتَ بِناصِيَتِهِ فَقَدْ قَهَرْتَهُ، والنّاصِيَةُ قُصاصُ الشَّعْرِ مِن مُقَدَّمِ الرَّأْسِ، ثُمَّ عَلَّلَ ما تَقَدَّمَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أيْ هو عَلى الحَقِّ والعَدْلِ فَلا يَكادُ يُسَلِّطُكم عَلَيَّ.
﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ أيْ تَتَوَلَّوْا فَحُذِفَتْ إحْدى التّاءَيْنِ، والمَعْنى فَإنْ تَسْتَمِرُّوا عَلى الإعْراضِ عَنِ الإجابَةِ والتَّصْمِيمِ عَلى ما أنْتَمْ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ ﴿فَقَدْ أبْلَغْتُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ إلَيْكُمْ﴾ لَيْسَ عَلَيَّ إلّا ذَلِكَ، وقَدْ لَزِمَتْكُمُ الحُجَّةُ ﴿ويَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَقْرِيرِ الوَعِيدِ بِالهَلاكِ: أيْ يَسْتَخْلِفُ في دِيارِكم وأمْوالِكم قَوْمًا آخَرِينَ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى ﴿فَقَدْ أبْلَغْتُكُمْ﴾ .
ورَوى حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ قَرَأ ويَسْتَخْلِفْ بِالجَزْمِ حَمْلًا عَلى مَوْضِعِ ﴿فَقَدْ أبْلَغْتُكُمْ﴾ ﴿ولا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا﴾ أيْ بِتَوَلِّيكم، ولا تَقْدِرُونَ عَلى كَثِيرٍ مِنَ الضَّرَرِ ولا حَقِيرٍ ﴿إنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ أيْ رَقِيبٌ مُهَيْمِنٌ عَلَيْهِ يَحْفَظُهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، قِيلَ: وعَلى بِمَعْنى اللّامِ، فَيَكُونُ المَعْنى: لِكُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ فَهو يَحْفَظُنِي مِن أنْ تَنالُونِي بِسُوءٍ.
﴿ولَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ أيْ عَذابُنا الَّذِي هو إهْلاكُ عادٍ ﴿نَجَّيْنا هُودًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ مِن قَوْمِهِ ﴿بِرَحْمَةٍ مِنّا﴾ أيْ بِرَحْمَةٍ عَظِيمَةٍ كائِنَةٍ مِنّا لِأنَّهُ لا يَنْجُو أحَدٌ إلّا بِرَحْمَةِ اللَّهِ، وقِيلَ هي الإيمانُ ﴿مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ أيْ شَدِيدٍ وقِيلَ وهو السَّمُومُ الَّتِي كانَتْ تَدْخُلُ أُنُوفَهم.
﴿وتِلْكَ عادٌ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، وأنَّثَ الإشارَةَ اعْتِبارًا بِالقَبِيلَةِ.
قالَ الكِسائِيُّ: إنَّ مِنَ العَرَبِ مَن لا يَصْرِفُ عادًا ويَجْعَلُهُ اسْمًا لِلْقَبِيلَةِ ﴿جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ أيْ كَفَرُوا بِها وكَذَّبُوها وأنْكَرُوا المُعْجِزاتِ ﴿وعَصَوْا رُسُلَهُ﴾ أيْ هُودًا وحْدَهُ، لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ في عَصْرِهِ رَسُولٌ سِواهُ، وإنَّما جَمَعَ هُنا لِأنَّ مِن كَذَّبَ رَسُولًا فَقَدْ كَذَّبَ جَمِيعَ الرُّسُلِ، وقِيلَ: إنَّهم عَصَوْا هُودًا ومَن كانَ قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ، أوْ كانُوا بِحَيْثُ لَوْ بَعَثَ اللَّهُ إلَيْهِمْ رُسُلًا مُتَعَدِّدِينَ لَكَذَّبُوهم ﴿واتَّبَعُوا أمْرَ كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ الجَبّارُ المُتَكَبِّرُ، والعَنِيدُ: الطّاغِي الَّذِي لا يَقْبَلُ الحَقَّ ولا يُذْعِنُ لَهُ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: العَنِيدُ العَنُودُ والعانِدُ والمُعانِدُ، وهو المُعارِضُ بِالخِلافِ مِنهُ، ومِنهُ قِيلَ لِلْعِرْقِ الَّذِي يَتَفَجَّرُ بِالدَّمِ عانِدٌ.
قالَ الرّاجِزُ:
؎إنِّي كَبِيرٌ لا أُطِيقُ العُنَّدا
﴿وأُتْبِعُوا في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً﴾ أيْ: أُلْحِقُوها، وهي الإبْعادُ مِنَ الرَّحْمَةِ والطَّرْدُ مِنَ الخَيْرِ، والمَعْنى أنَّها لازِمَةٌ لَهم لا تُفارِقُهم ما دامُوا في الدُّنْيا وأُتْبِعُوها يَوْمَ القِيامَةِ فَلُعِنُوا هُنالِكَ كَما لُعِنُوا في الدُّنْيا ﴿ألا إنَّ عادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾ أيْ بِرَبِّهِمْ.
وقالَ الفَرّاءُ: كَفَرُوا نِعْمَةَ رَبِّهِمْ، يُقالُ: كَفَرْتُهُ وكَفَرَتُ بِهِ: مِثْلَ شَكَرْتُهُ وشَكَرْتُ لَهُ ﴿ألا بُعْدًا لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾ أيْ لا زالُوا مُبْعَدِينَ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، والبُعْدُ: الهَلاكُ، والبُعْدُ: التَّباعُدُ مِنَ الخَيْرِ، يُقالُ: بَعُدَ يَبْعُدُ بُعْدًا: إذا تَأخَّرَ وتَباعَدَ، وبَعُدَ يَبْعُدُ بُعْدًا: إذا هَلَكَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لا يَبْعَدَنْ قَوْمِي الَّذِينَ هُمُ ∗∗∗ سُمُّ العُداةِ وآفَةُ الجُزُرِ
وقالَ النّابِغَةُ:
؎فَلا تَبْعُدَنَّ إنَّ المَنِيَّةَ مَنهَلٌ ∗∗∗ وكُلُّ امْرِئٍ يَوْمًا بِهِ الحالُ زائِلُ
ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ما كانَ يَنْفَعُنِي مَقالُ نِسائِهِمْ ∗∗∗ وقُتِلْتُ دُونَ رِجالِهِمْ لا تَبْعَدِ
وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ العَرَبَ تَسْتَعْمِلُهُ في الدُّعاءِ بِالهَلاكِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ ﴿إلّا عَلى الَّذِي فَطَرَنِي﴾ أيْ خَلَقَنِي.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: أمْسَكَ اللَّهُ عَنْ عادٍ (p-٦٦٣)القَطْرَ ثَلاثَ سِنِينَ، فَقالَ لَهم هُودٌ: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ فَأبَوْا إلّا تَمادِيًا.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ هارُونَ التَّيْمِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ قالَ: المَطَرَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكم﴾ قالَ: شِدَّةً إلى شِدَّتِكم.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ويَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكم﴾ قالَ: ولَدَ الوَلَدِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ نَقُولُ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾ قالَ: أصابَتْكَ بِالجُنُونِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ يَحْيى بْنِ سَعِيدٍ قالَ: ما مِن أحَدٍ يَخافُ لِصًّا عادِيًا، أوْ سَبُعًا ضارِيًا، أوْ شَيْطانًا مارِدًا - فَيَتْلُو هَذِهِ الآيَةَ إلّا صَرَفَهُ اللَّهُ عَنْهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ قالَ: الحَقُّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي مالِكٍ في قَوْلِهِ: ﴿عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ قالَ: شَدِيدٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ قالَ: المُشْرِكُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: العَنِيدُ المُشاقُّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وأُتْبِعُوا في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً﴾ قالَ: لَمْ يُبْعَثْ نَبِيٌّ بَعْدَ عادٍ إلّا لُعِنَتْ عَلى لِسانِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: تَتابَعَتْ عَلَيْهِمْ لَعْنَتانِ مِنَ اللَّهِ: لَعْنَةٌ في الدُّنْيا، ولَعْنَةٌ في الآخِرَةِ.
هود 11:56
.
قَوْلُهُ: ﴿وإلى عادٍ أخاهم هُودًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى وأرْسَلْنا نُوحًا: أيْ وأرْسَلْنا إلى عادٍ أخاهم: أيْ واحِدًا مِنهم، وهُودًا عَطْفُ بَيانٍ وقَوْمُ عادٍ كانُوا عَبَدَةَ أوْثانٍ وقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلَ هَذا في الأعْرافِ.
وقِيلَ: هم عادٌ الأُولى وعادٌ الأُخْرى، فَهَؤُلاءِ هم عادٌ الأُولى وعادٌ الأُخْرى هم شَدّادُ ولُقْمانُ وقَوْمُهُما المَذْكُورُونَ في قَوْلِهِ: ﴿إرَمَ ذاتِ العِمادِ﴾ [الفجر: ٧]، وأصْلُ عادٍ: اسْمُ رَجُلٍ ثُمَّ صارَ اسْمًا لِلْقَبِيلَةِ كَتَمِيمٍ وبَكْرٍ ونَحْوِهِما ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ قُرِئَ " غَيْرُهُ " بِالجَرِّ عَلى اللَّفْظِ، وبِالرَّفْعِ عَلى مَحَلِّ مِن إلَهٍ، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى الِاسْتِثْناءِ ﴿إنْ أنْتُمْ إلّا مُفْتَرُونَ﴾ أيْ ما أنْتُمْ بِاتِّخاذِ إلَهٍ غَيْرِ اللَّهِ إلّا كاذِبُونَ عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
ثُمَّ خاطَبَهم فَقالَ: ﴿ياقَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا﴾ أيْ لا أطْلُبُ مِنكم أجْرًا عَلى ما أُبَلِّغُهُ إلَيْكم وأنْصَحُكم بِهِ مِنَ الإرْشادِ إلى عِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ وأنَّهُ لا إلَهَ لَكم سِواهُ، فالضَّمِيرُ راجِعٌ إلى مَضْمُونِ هَذا الكَلامِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى هَذا في قِصَّةِ نُوحٍ ﴿إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى الَّذِي فَطَرَنِي﴾ أيْ ما أجْرِيَ الَّذِي أطْلُبُ إلّا مِنَ الَّذِي فَطَرَنِي: أيْ خَلَقَنِي فَهو الَّذِي يُثِيبُنِي عَلى ذَلِكَ ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أنَّ أجْرَ النّاصِحِينَ إنَّما هو مِن رَبِّ العالَمِينَ، قِيلَ: إنَّما قالَ فِيما تَقَدَّمَ في قِصَّةِ نُوحٍ: ما لًا، وهُنا قالَ: أجْرًا لِذِكْرِ الخَزائِنِ بَعْدَهُ في قِصَّةِ نُوحٍ، ولَفْظُ المالِ بِها ألْيَقُ.
ثُمَّ أرْشَدَهم إلى الِاسْتِغْفارِ والتَّوْبَةِ.
والمَعْنى: اطْلُبُوا مَغْفِرَتَهُ لِما سَلَفَ مِن ذُنُوبِكم ثُمَّ تَوَسَّلُوا إلَيْهِ بِالتَّوْبَةِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ زِيادَةُ بَيانٍ لِمِثْلِ هَذا في قِصَّةِ نُوحٍ، ثُمَّ رَغَّبَهم في الإيمانِ بِالخَيْرِ العاجِلِ، فَقالَ: ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ﴾ أيِ المَطَرَ ﴿عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ أيْ كَثِيرَ الدُّرُورِ، (p-٦٦٢)وهُوَ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، دَرَّتِ السَّماءُ تُدِرُّ وتَدُرُّ فَهي مِدْرارٌ، وكانَ قَوْمُ هُودٍ أهْلَ بَساتِينَ وزَرْعٍ وعِمارَةٍ، وكانَتْ مَساكِنُهُمُ الرِّمالَ الَّتِي بَيْنَ الشّامِ واليَمَنِ ﴿ويَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى يُرْسِلِ: أيْ شِدَّةً مُضافَةً إلى شِدَّتِكم، أوْ خِصْبًا إلى خِصْبِكم، أوْ عِزًّا إلى عِزِّكم.
قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى يَزِدْكم قُوَّةً في النِّعَمِ ﴿ولا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ أيْ لا تُعْرِضُوا عَمّا أدْعُوكم إلَيْهِ وتُقِيمُوا عَلى الكُفْرِ مُصِرِّينَ عَلَيْهِ، والإجْرامُ: الآثامُ كَما تَقَدَّمَ.
ثُمَّ أجابَهُ قَوْمُهُ بِما يَدُلُّ عَلى فَرْطِ جَهالَتِهِمْ، وعَظِيمِ غَباوَتِهِمْ، ﴿قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ﴾ أيْ بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ نَعْمَلُ عَلَيْها، ونُؤْمِنُ لَكَ بِها غَيْرَ مُعْتَرِفِينَ بِما جاءَهم مِن حُجَجِ اللَّهِ وبَراهِينِهِ عِنادًا وبُعْدًا عَنِ الحَقِّ ﴿وما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا﴾ الَّتِي نَعْبُدُها مِن دُونِ اللَّهِ.
ومَعْنى ﴿عَنْ قَوْلِكَ﴾ صادِرِينَ عَنْ قَوْلِكَ، فالظَّرْفُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ ﴿وما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ بِمُصَدِّقِينَ في شَيْءٍ مِمّا جِئْتَ بِهِ.
﴿إنْ نَقُولُ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾ أيْ ما نَقُولُ إلّا أنَّهُ أصابَكَ بَعْضُ آلِهَتِنا الَّتِي تَعِيبُها وتُسَفِّهُ رَأْيَنا في عِبادَتِها بِسُوءٍ بِجُنُونٍ، حَتّى نَشَأ عَنْ جُنُونِكَ ما تَقُولُهُ لَنا وتَكَرِّرُهُ عَلَيْنا مِنَ التَّنْفِيرِ عَنْها، يُقالُ: عَراهُ الأمْرُ واعْتَراهُ: إذا ألَمَّ بِهِ، فَأجابَهم بِما يَدُلُّ عَلى عَدَمِ مُبالاتِهِ بِهِمْ وعَلى وُثُوقِهِ بِرَبِّهِ وتَوَكُّلِهِ عَلَيْهِ، وأنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا يُرِيدُهُ الكُفّارُ بِهِ، بَلِ اللَّهُ سُبْحانَهُ هو الضّارُّ النّافِعُ فَ ﴿قالَ إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ واشْهَدُوا﴾ أنْتُمْ ﴿أنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ بِهِ.
﴿مِن دُونِهِ﴾ أيْ مِن إشْراكِكِمْ مِن دُونِ اللَّهِ مِن غَيْرِ أنْ يُنَزِّلَ بِهِ سُلْطانًا ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا﴾ أنْتُمْ وآلِهَتُكم إنْ كانَتْ كَما تَزْعُمُونَ مِن أنَّها تَقْدِرُ عَلى الإضْرارِ بِي وأنَّها اعْتَرَتْنِي بِسُوءٍ ﴿ثُمَّ لا تُنْظِرُونِي﴾ أيْ لا تُمْهِلُونِي، بَلْ عاجِلُونِي واصْنَعُوا ما بَدا لَكم، وفي هَذا مِن إظْهارِ عَدَمِ المُبالاةِ بِهِمْ وبِأصْنامِهِمُ الَّتِي يَعْبُدُونَها ما يَصُكُّ مَسامِعَهم، ويُوَضِّحُ عَجْزَهم وعَدَمَ قُدْرَتِهِمْ عَلى شَيْءٍ.
﴿إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلى اللَّهِ رَبِّي ورَبِّكم﴾ فَهو يَعْصِمُنِي مِن كَيْدِكم، وإنْ بَلَغْتُمْ في تَطَلُّبِ وُجُوهِ الإضْرارِ بِي كُلَّ مَبْلَغٍ، فَمَن تَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ كَفاهُ.
ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ لَهم تَوَكُّلَهُ عَلى اللَّهِ وثِقَتَهُ بِحِفْظِهِ وكَلاءَتِهِ وصَفَهُ بِما يُوجِبُ التَّوَكُّلَ عَلَيْهِ والتَّفْوِيضَ إلَيْهِ مِنِ اشْتِمالِ رُبُوبِيَّتِهِ عَلَيْهِ وعَلَيْهِمْ، وأنَّهُ مالِكٌ لِلْجَمِيعِ، وأنَّ ناصِيَةَ كُلِّ دابَّةٍ مِن دَوابِّ الأرْضِ بِيَدِهِ، وفي قَبْضَتِهِ وتَحْتَ قَهْرِهِ، وهو تَمْثِيلٌ لِغايَةِ التَّسْخِيرِ ونِهايَةِ التَّذْلِيلِ، وكانُوا إذا أسَرُوا الأسِيرَ وأرادُوا إطْلاقَهُ، والمَنَّ عَلَيْهِ جَزُّوا ناصِيَتَهُ فَجَعَلُوا ذَلِكَ عَلامَةً لِقَهْرِهِ.
قالَ الفَرّاءُ: مَعْنى آخِذٌ بِناصِيَتِها مالِكُها والقادِرُ عَلَيْها، وقالَ القُتَيْبِيُّ: قاهِرُها لِأنَّ مَن أخَذْتَ بِناصِيَتِهِ فَقَدْ قَهَرْتَهُ، والنّاصِيَةُ قُصاصُ الشَّعْرِ مِن مُقَدَّمِ الرَّأْسِ، ثُمَّ عَلَّلَ ما تَقَدَّمَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أيْ هو عَلى الحَقِّ والعَدْلِ فَلا يَكادُ يُسَلِّطُكم عَلَيَّ.
﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ أيْ تَتَوَلَّوْا فَحُذِفَتْ إحْدى التّاءَيْنِ، والمَعْنى فَإنْ تَسْتَمِرُّوا عَلى الإعْراضِ عَنِ الإجابَةِ والتَّصْمِيمِ عَلى ما أنْتَمْ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ ﴿فَقَدْ أبْلَغْتُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ إلَيْكُمْ﴾ لَيْسَ عَلَيَّ إلّا ذَلِكَ، وقَدْ لَزِمَتْكُمُ الحُجَّةُ ﴿ويَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَقْرِيرِ الوَعِيدِ بِالهَلاكِ: أيْ يَسْتَخْلِفُ في دِيارِكم وأمْوالِكم قَوْمًا آخَرِينَ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى ﴿فَقَدْ أبْلَغْتُكُمْ﴾ .
ورَوى حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ قَرَأ ويَسْتَخْلِفْ بِالجَزْمِ حَمْلًا عَلى مَوْضِعِ ﴿فَقَدْ أبْلَغْتُكُمْ﴾ ﴿ولا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا﴾ أيْ بِتَوَلِّيكم، ولا تَقْدِرُونَ عَلى كَثِيرٍ مِنَ الضَّرَرِ ولا حَقِيرٍ ﴿إنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ أيْ رَقِيبٌ مُهَيْمِنٌ عَلَيْهِ يَحْفَظُهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، قِيلَ: وعَلى بِمَعْنى اللّامِ، فَيَكُونُ المَعْنى: لِكُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ فَهو يَحْفَظُنِي مِن أنْ تَنالُونِي بِسُوءٍ.
﴿ولَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ أيْ عَذابُنا الَّذِي هو إهْلاكُ عادٍ ﴿نَجَّيْنا هُودًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ مِن قَوْمِهِ ﴿بِرَحْمَةٍ مِنّا﴾ أيْ بِرَحْمَةٍ عَظِيمَةٍ كائِنَةٍ مِنّا لِأنَّهُ لا يَنْجُو أحَدٌ إلّا بِرَحْمَةِ اللَّهِ، وقِيلَ هي الإيمانُ ﴿مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ أيْ شَدِيدٍ وقِيلَ وهو السَّمُومُ الَّتِي كانَتْ تَدْخُلُ أُنُوفَهم.
﴿وتِلْكَ عادٌ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، وأنَّثَ الإشارَةَ اعْتِبارًا بِالقَبِيلَةِ.
قالَ الكِسائِيُّ: إنَّ مِنَ العَرَبِ مَن لا يَصْرِفُ عادًا ويَجْعَلُهُ اسْمًا لِلْقَبِيلَةِ ﴿جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ أيْ كَفَرُوا بِها وكَذَّبُوها وأنْكَرُوا المُعْجِزاتِ ﴿وعَصَوْا رُسُلَهُ﴾ أيْ هُودًا وحْدَهُ، لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ في عَصْرِهِ رَسُولٌ سِواهُ، وإنَّما جَمَعَ هُنا لِأنَّ مِن كَذَّبَ رَسُولًا فَقَدْ كَذَّبَ جَمِيعَ الرُّسُلِ، وقِيلَ: إنَّهم عَصَوْا هُودًا ومَن كانَ قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ، أوْ كانُوا بِحَيْثُ لَوْ بَعَثَ اللَّهُ إلَيْهِمْ رُسُلًا مُتَعَدِّدِينَ لَكَذَّبُوهم ﴿واتَّبَعُوا أمْرَ كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ الجَبّارُ المُتَكَبِّرُ، والعَنِيدُ: الطّاغِي الَّذِي لا يَقْبَلُ الحَقَّ ولا يُذْعِنُ لَهُ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: العَنِيدُ العَنُودُ والعانِدُ والمُعانِدُ، وهو المُعارِضُ بِالخِلافِ مِنهُ، ومِنهُ قِيلَ لِلْعِرْقِ الَّذِي يَتَفَجَّرُ بِالدَّمِ عانِدٌ.
قالَ الرّاجِزُ:
؎إنِّي كَبِيرٌ لا أُطِيقُ العُنَّدا
﴿وأُتْبِعُوا في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً﴾ أيْ: أُلْحِقُوها، وهي الإبْعادُ مِنَ الرَّحْمَةِ والطَّرْدُ مِنَ الخَيْرِ، والمَعْنى أنَّها لازِمَةٌ لَهم لا تُفارِقُهم ما دامُوا في الدُّنْيا وأُتْبِعُوها يَوْمَ القِيامَةِ فَلُعِنُوا هُنالِكَ كَما لُعِنُوا في الدُّنْيا ﴿ألا إنَّ عادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾ أيْ بِرَبِّهِمْ.
وقالَ الفَرّاءُ: كَفَرُوا نِعْمَةَ رَبِّهِمْ، يُقالُ: كَفَرْتُهُ وكَفَرَتُ بِهِ: مِثْلَ شَكَرْتُهُ وشَكَرْتُ لَهُ ﴿ألا بُعْدًا لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾ أيْ لا زالُوا مُبْعَدِينَ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، والبُعْدُ: الهَلاكُ، والبُعْدُ: التَّباعُدُ مِنَ الخَيْرِ، يُقالُ: بَعُدَ يَبْعُدُ بُعْدًا: إذا تَأخَّرَ وتَباعَدَ، وبَعُدَ يَبْعُدُ بُعْدًا: إذا هَلَكَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لا يَبْعَدَنْ قَوْمِي الَّذِينَ هُمُ ∗∗∗ سُمُّ العُداةِ وآفَةُ الجُزُرِ
وقالَ النّابِغَةُ:
؎فَلا تَبْعُدَنَّ إنَّ المَنِيَّةَ مَنهَلٌ ∗∗∗ وكُلُّ امْرِئٍ يَوْمًا بِهِ الحالُ زائِلُ
ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ما كانَ يَنْفَعُنِي مَقالُ نِسائِهِمْ ∗∗∗ وقُتِلْتُ دُونَ رِجالِهِمْ لا تَبْعَدِ
وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ العَرَبَ تَسْتَعْمِلُهُ في الدُّعاءِ بِالهَلاكِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ ﴿إلّا عَلى الَّذِي فَطَرَنِي﴾ أيْ خَلَقَنِي.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: أمْسَكَ اللَّهُ عَنْ عادٍ (p-٦٦٣)القَطْرَ ثَلاثَ سِنِينَ، فَقالَ لَهم هُودٌ: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ فَأبَوْا إلّا تَمادِيًا.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ هارُونَ التَّيْمِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ قالَ: المَطَرَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكم﴾ قالَ: شِدَّةً إلى شِدَّتِكم.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ويَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكم﴾ قالَ: ولَدَ الوَلَدِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ نَقُولُ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾ قالَ: أصابَتْكَ بِالجُنُونِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ يَحْيى بْنِ سَعِيدٍ قالَ: ما مِن أحَدٍ يَخافُ لِصًّا عادِيًا، أوْ سَبُعًا ضارِيًا، أوْ شَيْطانًا مارِدًا - فَيَتْلُو هَذِهِ الآيَةَ إلّا صَرَفَهُ اللَّهُ عَنْهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ قالَ: الحَقُّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي مالِكٍ في قَوْلِهِ: ﴿عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ قالَ: شَدِيدٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ قالَ: المُشْرِكُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: العَنِيدُ المُشاقُّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وأُتْبِعُوا في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً﴾ قالَ: لَمْ يُبْعَثْ نَبِيٌّ بَعْدَ عادٍ إلّا لُعِنَتْ عَلى لِسانِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: تَتابَعَتْ عَلَيْهِمْ لَعْنَتانِ مِنَ اللَّهِ: لَعْنَةٌ في الدُّنْيا، ولَعْنَةٌ في الآخِرَةِ.
هود 11:57
.
قَوْلُهُ: ﴿وإلى عادٍ أخاهم هُودًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى وأرْسَلْنا نُوحًا: أيْ وأرْسَلْنا إلى عادٍ أخاهم: أيْ واحِدًا مِنهم، وهُودًا عَطْفُ بَيانٍ وقَوْمُ عادٍ كانُوا عَبَدَةَ أوْثانٍ وقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلَ هَذا في الأعْرافِ.
وقِيلَ: هم عادٌ الأُولى وعادٌ الأُخْرى، فَهَؤُلاءِ هم عادٌ الأُولى وعادٌ الأُخْرى هم شَدّادُ ولُقْمانُ وقَوْمُهُما المَذْكُورُونَ في قَوْلِهِ: ﴿إرَمَ ذاتِ العِمادِ﴾ [الفجر: ٧]، وأصْلُ عادٍ: اسْمُ رَجُلٍ ثُمَّ صارَ اسْمًا لِلْقَبِيلَةِ كَتَمِيمٍ وبَكْرٍ ونَحْوِهِما ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ قُرِئَ " غَيْرُهُ " بِالجَرِّ عَلى اللَّفْظِ، وبِالرَّفْعِ عَلى مَحَلِّ مِن إلَهٍ، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى الِاسْتِثْناءِ ﴿إنْ أنْتُمْ إلّا مُفْتَرُونَ﴾ أيْ ما أنْتُمْ بِاتِّخاذِ إلَهٍ غَيْرِ اللَّهِ إلّا كاذِبُونَ عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
ثُمَّ خاطَبَهم فَقالَ: ﴿ياقَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا﴾ أيْ لا أطْلُبُ مِنكم أجْرًا عَلى ما أُبَلِّغُهُ إلَيْكم وأنْصَحُكم بِهِ مِنَ الإرْشادِ إلى عِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ وأنَّهُ لا إلَهَ لَكم سِواهُ، فالضَّمِيرُ راجِعٌ إلى مَضْمُونِ هَذا الكَلامِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى هَذا في قِصَّةِ نُوحٍ ﴿إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى الَّذِي فَطَرَنِي﴾ أيْ ما أجْرِيَ الَّذِي أطْلُبُ إلّا مِنَ الَّذِي فَطَرَنِي: أيْ خَلَقَنِي فَهو الَّذِي يُثِيبُنِي عَلى ذَلِكَ ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أنَّ أجْرَ النّاصِحِينَ إنَّما هو مِن رَبِّ العالَمِينَ، قِيلَ: إنَّما قالَ فِيما تَقَدَّمَ في قِصَّةِ نُوحٍ: ما لًا، وهُنا قالَ: أجْرًا لِذِكْرِ الخَزائِنِ بَعْدَهُ في قِصَّةِ نُوحٍ، ولَفْظُ المالِ بِها ألْيَقُ.
ثُمَّ أرْشَدَهم إلى الِاسْتِغْفارِ والتَّوْبَةِ.
والمَعْنى: اطْلُبُوا مَغْفِرَتَهُ لِما سَلَفَ مِن ذُنُوبِكم ثُمَّ تَوَسَّلُوا إلَيْهِ بِالتَّوْبَةِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ زِيادَةُ بَيانٍ لِمِثْلِ هَذا في قِصَّةِ نُوحٍ، ثُمَّ رَغَّبَهم في الإيمانِ بِالخَيْرِ العاجِلِ، فَقالَ: ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ﴾ أيِ المَطَرَ ﴿عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ أيْ كَثِيرَ الدُّرُورِ، (p-٦٦٢)وهُوَ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، دَرَّتِ السَّماءُ تُدِرُّ وتَدُرُّ فَهي مِدْرارٌ، وكانَ قَوْمُ هُودٍ أهْلَ بَساتِينَ وزَرْعٍ وعِمارَةٍ، وكانَتْ مَساكِنُهُمُ الرِّمالَ الَّتِي بَيْنَ الشّامِ واليَمَنِ ﴿ويَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى يُرْسِلِ: أيْ شِدَّةً مُضافَةً إلى شِدَّتِكم، أوْ خِصْبًا إلى خِصْبِكم، أوْ عِزًّا إلى عِزِّكم.
قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى يَزِدْكم قُوَّةً في النِّعَمِ ﴿ولا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ أيْ لا تُعْرِضُوا عَمّا أدْعُوكم إلَيْهِ وتُقِيمُوا عَلى الكُفْرِ مُصِرِّينَ عَلَيْهِ، والإجْرامُ: الآثامُ كَما تَقَدَّمَ.
ثُمَّ أجابَهُ قَوْمُهُ بِما يَدُلُّ عَلى فَرْطِ جَهالَتِهِمْ، وعَظِيمِ غَباوَتِهِمْ، ﴿قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ﴾ أيْ بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ نَعْمَلُ عَلَيْها، ونُؤْمِنُ لَكَ بِها غَيْرَ مُعْتَرِفِينَ بِما جاءَهم مِن حُجَجِ اللَّهِ وبَراهِينِهِ عِنادًا وبُعْدًا عَنِ الحَقِّ ﴿وما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا﴾ الَّتِي نَعْبُدُها مِن دُونِ اللَّهِ.
ومَعْنى ﴿عَنْ قَوْلِكَ﴾ صادِرِينَ عَنْ قَوْلِكَ، فالظَّرْفُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ ﴿وما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ بِمُصَدِّقِينَ في شَيْءٍ مِمّا جِئْتَ بِهِ.
﴿إنْ نَقُولُ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾ أيْ ما نَقُولُ إلّا أنَّهُ أصابَكَ بَعْضُ آلِهَتِنا الَّتِي تَعِيبُها وتُسَفِّهُ رَأْيَنا في عِبادَتِها بِسُوءٍ بِجُنُونٍ، حَتّى نَشَأ عَنْ جُنُونِكَ ما تَقُولُهُ لَنا وتَكَرِّرُهُ عَلَيْنا مِنَ التَّنْفِيرِ عَنْها، يُقالُ: عَراهُ الأمْرُ واعْتَراهُ: إذا ألَمَّ بِهِ، فَأجابَهم بِما يَدُلُّ عَلى عَدَمِ مُبالاتِهِ بِهِمْ وعَلى وُثُوقِهِ بِرَبِّهِ وتَوَكُّلِهِ عَلَيْهِ، وأنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا يُرِيدُهُ الكُفّارُ بِهِ، بَلِ اللَّهُ سُبْحانَهُ هو الضّارُّ النّافِعُ فَ ﴿قالَ إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ واشْهَدُوا﴾ أنْتُمْ ﴿أنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ بِهِ.
﴿مِن دُونِهِ﴾ أيْ مِن إشْراكِكِمْ مِن دُونِ اللَّهِ مِن غَيْرِ أنْ يُنَزِّلَ بِهِ سُلْطانًا ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا﴾ أنْتُمْ وآلِهَتُكم إنْ كانَتْ كَما تَزْعُمُونَ مِن أنَّها تَقْدِرُ عَلى الإضْرارِ بِي وأنَّها اعْتَرَتْنِي بِسُوءٍ ﴿ثُمَّ لا تُنْظِرُونِي﴾ أيْ لا تُمْهِلُونِي، بَلْ عاجِلُونِي واصْنَعُوا ما بَدا لَكم، وفي هَذا مِن إظْهارِ عَدَمِ المُبالاةِ بِهِمْ وبِأصْنامِهِمُ الَّتِي يَعْبُدُونَها ما يَصُكُّ مَسامِعَهم، ويُوَضِّحُ عَجْزَهم وعَدَمَ قُدْرَتِهِمْ عَلى شَيْءٍ.
﴿إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلى اللَّهِ رَبِّي ورَبِّكم﴾ فَهو يَعْصِمُنِي مِن كَيْدِكم، وإنْ بَلَغْتُمْ في تَطَلُّبِ وُجُوهِ الإضْرارِ بِي كُلَّ مَبْلَغٍ، فَمَن تَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ كَفاهُ.
ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ لَهم تَوَكُّلَهُ عَلى اللَّهِ وثِقَتَهُ بِحِفْظِهِ وكَلاءَتِهِ وصَفَهُ بِما يُوجِبُ التَّوَكُّلَ عَلَيْهِ والتَّفْوِيضَ إلَيْهِ مِنِ اشْتِمالِ رُبُوبِيَّتِهِ عَلَيْهِ وعَلَيْهِمْ، وأنَّهُ مالِكٌ لِلْجَمِيعِ، وأنَّ ناصِيَةَ كُلِّ دابَّةٍ مِن دَوابِّ الأرْضِ بِيَدِهِ، وفي قَبْضَتِهِ وتَحْتَ قَهْرِهِ، وهو تَمْثِيلٌ لِغايَةِ التَّسْخِيرِ ونِهايَةِ التَّذْلِيلِ، وكانُوا إذا أسَرُوا الأسِيرَ وأرادُوا إطْلاقَهُ، والمَنَّ عَلَيْهِ جَزُّوا ناصِيَتَهُ فَجَعَلُوا ذَلِكَ عَلامَةً لِقَهْرِهِ.
قالَ الفَرّاءُ: مَعْنى آخِذٌ بِناصِيَتِها مالِكُها والقادِرُ عَلَيْها، وقالَ القُتَيْبِيُّ: قاهِرُها لِأنَّ مَن أخَذْتَ بِناصِيَتِهِ فَقَدْ قَهَرْتَهُ، والنّاصِيَةُ قُصاصُ الشَّعْرِ مِن مُقَدَّمِ الرَّأْسِ، ثُمَّ عَلَّلَ ما تَقَدَّمَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أيْ هو عَلى الحَقِّ والعَدْلِ فَلا يَكادُ يُسَلِّطُكم عَلَيَّ.
﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ أيْ تَتَوَلَّوْا فَحُذِفَتْ إحْدى التّاءَيْنِ، والمَعْنى فَإنْ تَسْتَمِرُّوا عَلى الإعْراضِ عَنِ الإجابَةِ والتَّصْمِيمِ عَلى ما أنْتَمْ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ ﴿فَقَدْ أبْلَغْتُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ إلَيْكُمْ﴾ لَيْسَ عَلَيَّ إلّا ذَلِكَ، وقَدْ لَزِمَتْكُمُ الحُجَّةُ ﴿ويَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَقْرِيرِ الوَعِيدِ بِالهَلاكِ: أيْ يَسْتَخْلِفُ في دِيارِكم وأمْوالِكم قَوْمًا آخَرِينَ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى ﴿فَقَدْ أبْلَغْتُكُمْ﴾ .
ورَوى حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ قَرَأ ويَسْتَخْلِفْ بِالجَزْمِ حَمْلًا عَلى مَوْضِعِ ﴿فَقَدْ أبْلَغْتُكُمْ﴾ ﴿ولا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا﴾ أيْ بِتَوَلِّيكم، ولا تَقْدِرُونَ عَلى كَثِيرٍ مِنَ الضَّرَرِ ولا حَقِيرٍ ﴿إنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ أيْ رَقِيبٌ مُهَيْمِنٌ عَلَيْهِ يَحْفَظُهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، قِيلَ: وعَلى بِمَعْنى اللّامِ، فَيَكُونُ المَعْنى: لِكُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ فَهو يَحْفَظُنِي مِن أنْ تَنالُونِي بِسُوءٍ.
﴿ولَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ أيْ عَذابُنا الَّذِي هو إهْلاكُ عادٍ ﴿نَجَّيْنا هُودًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ مِن قَوْمِهِ ﴿بِرَحْمَةٍ مِنّا﴾ أيْ بِرَحْمَةٍ عَظِيمَةٍ كائِنَةٍ مِنّا لِأنَّهُ لا يَنْجُو أحَدٌ إلّا بِرَحْمَةِ اللَّهِ، وقِيلَ هي الإيمانُ ﴿مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ أيْ شَدِيدٍ وقِيلَ وهو السَّمُومُ الَّتِي كانَتْ تَدْخُلُ أُنُوفَهم.
﴿وتِلْكَ عادٌ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، وأنَّثَ الإشارَةَ اعْتِبارًا بِالقَبِيلَةِ.
قالَ الكِسائِيُّ: إنَّ مِنَ العَرَبِ مَن لا يَصْرِفُ عادًا ويَجْعَلُهُ اسْمًا لِلْقَبِيلَةِ ﴿جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ أيْ كَفَرُوا بِها وكَذَّبُوها وأنْكَرُوا المُعْجِزاتِ ﴿وعَصَوْا رُسُلَهُ﴾ أيْ هُودًا وحْدَهُ، لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ في عَصْرِهِ رَسُولٌ سِواهُ، وإنَّما جَمَعَ هُنا لِأنَّ مِن كَذَّبَ رَسُولًا فَقَدْ كَذَّبَ جَمِيعَ الرُّسُلِ، وقِيلَ: إنَّهم عَصَوْا هُودًا ومَن كانَ قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ، أوْ كانُوا بِحَيْثُ لَوْ بَعَثَ اللَّهُ إلَيْهِمْ رُسُلًا مُتَعَدِّدِينَ لَكَذَّبُوهم ﴿واتَّبَعُوا أمْرَ كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ الجَبّارُ المُتَكَبِّرُ، والعَنِيدُ: الطّاغِي الَّذِي لا يَقْبَلُ الحَقَّ ولا يُذْعِنُ لَهُ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: العَنِيدُ العَنُودُ والعانِدُ والمُعانِدُ، وهو المُعارِضُ بِالخِلافِ مِنهُ، ومِنهُ قِيلَ لِلْعِرْقِ الَّذِي يَتَفَجَّرُ بِالدَّمِ عانِدٌ.
قالَ الرّاجِزُ:
؎إنِّي كَبِيرٌ لا أُطِيقُ العُنَّدا
﴿وأُتْبِعُوا في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً﴾ أيْ: أُلْحِقُوها، وهي الإبْعادُ مِنَ الرَّحْمَةِ والطَّرْدُ مِنَ الخَيْرِ، والمَعْنى أنَّها لازِمَةٌ لَهم لا تُفارِقُهم ما دامُوا في الدُّنْيا وأُتْبِعُوها يَوْمَ القِيامَةِ فَلُعِنُوا هُنالِكَ كَما لُعِنُوا في الدُّنْيا ﴿ألا إنَّ عادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾ أيْ بِرَبِّهِمْ.
وقالَ الفَرّاءُ: كَفَرُوا نِعْمَةَ رَبِّهِمْ، يُقالُ: كَفَرْتُهُ وكَفَرَتُ بِهِ: مِثْلَ شَكَرْتُهُ وشَكَرْتُ لَهُ ﴿ألا بُعْدًا لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾ أيْ لا زالُوا مُبْعَدِينَ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، والبُعْدُ: الهَلاكُ، والبُعْدُ: التَّباعُدُ مِنَ الخَيْرِ، يُقالُ: بَعُدَ يَبْعُدُ بُعْدًا: إذا تَأخَّرَ وتَباعَدَ، وبَعُدَ يَبْعُدُ بُعْدًا: إذا هَلَكَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لا يَبْعَدَنْ قَوْمِي الَّذِينَ هُمُ ∗∗∗ سُمُّ العُداةِ وآفَةُ الجُزُرِ
وقالَ النّابِغَةُ:
؎فَلا تَبْعُدَنَّ إنَّ المَنِيَّةَ مَنهَلٌ ∗∗∗ وكُلُّ امْرِئٍ يَوْمًا بِهِ الحالُ زائِلُ
ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ما كانَ يَنْفَعُنِي مَقالُ نِسائِهِمْ ∗∗∗ وقُتِلْتُ دُونَ رِجالِهِمْ لا تَبْعَدِ
وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ العَرَبَ تَسْتَعْمِلُهُ في الدُّعاءِ بِالهَلاكِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ ﴿إلّا عَلى الَّذِي فَطَرَنِي﴾ أيْ خَلَقَنِي.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: أمْسَكَ اللَّهُ عَنْ عادٍ (p-٦٦٣)القَطْرَ ثَلاثَ سِنِينَ، فَقالَ لَهم هُودٌ: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ فَأبَوْا إلّا تَمادِيًا.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ هارُونَ التَّيْمِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ قالَ: المَطَرَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكم﴾ قالَ: شِدَّةً إلى شِدَّتِكم.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ويَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكم﴾ قالَ: ولَدَ الوَلَدِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ نَقُولُ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾ قالَ: أصابَتْكَ بِالجُنُونِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ يَحْيى بْنِ سَعِيدٍ قالَ: ما مِن أحَدٍ يَخافُ لِصًّا عادِيًا، أوْ سَبُعًا ضارِيًا، أوْ شَيْطانًا مارِدًا - فَيَتْلُو هَذِهِ الآيَةَ إلّا صَرَفَهُ اللَّهُ عَنْهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ قالَ: الحَقُّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي مالِكٍ في قَوْلِهِ: ﴿عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ قالَ: شَدِيدٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ قالَ: المُشْرِكُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: العَنِيدُ المُشاقُّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وأُتْبِعُوا في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً﴾ قالَ: لَمْ يُبْعَثْ نَبِيٌّ بَعْدَ عادٍ إلّا لُعِنَتْ عَلى لِسانِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: تَتابَعَتْ عَلَيْهِمْ لَعْنَتانِ مِنَ اللَّهِ: لَعْنَةٌ في الدُّنْيا، ولَعْنَةٌ في الآخِرَةِ.
هود 11:58
.
قَوْلُهُ: ﴿وإلى عادٍ أخاهم هُودًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى وأرْسَلْنا نُوحًا: أيْ وأرْسَلْنا إلى عادٍ أخاهم: أيْ واحِدًا مِنهم، وهُودًا عَطْفُ بَيانٍ وقَوْمُ عادٍ كانُوا عَبَدَةَ أوْثانٍ وقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلَ هَذا في الأعْرافِ.
وقِيلَ: هم عادٌ الأُولى وعادٌ الأُخْرى، فَهَؤُلاءِ هم عادٌ الأُولى وعادٌ الأُخْرى هم شَدّادُ ولُقْمانُ وقَوْمُهُما المَذْكُورُونَ في قَوْلِهِ: ﴿إرَمَ ذاتِ العِمادِ﴾ [الفجر: ٧]، وأصْلُ عادٍ: اسْمُ رَجُلٍ ثُمَّ صارَ اسْمًا لِلْقَبِيلَةِ كَتَمِيمٍ وبَكْرٍ ونَحْوِهِما ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ قُرِئَ " غَيْرُهُ " بِالجَرِّ عَلى اللَّفْظِ، وبِالرَّفْعِ عَلى مَحَلِّ مِن إلَهٍ، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى الِاسْتِثْناءِ ﴿إنْ أنْتُمْ إلّا مُفْتَرُونَ﴾ أيْ ما أنْتُمْ بِاتِّخاذِ إلَهٍ غَيْرِ اللَّهِ إلّا كاذِبُونَ عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
ثُمَّ خاطَبَهم فَقالَ: ﴿ياقَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا﴾ أيْ لا أطْلُبُ مِنكم أجْرًا عَلى ما أُبَلِّغُهُ إلَيْكم وأنْصَحُكم بِهِ مِنَ الإرْشادِ إلى عِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ وأنَّهُ لا إلَهَ لَكم سِواهُ، فالضَّمِيرُ راجِعٌ إلى مَضْمُونِ هَذا الكَلامِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى هَذا في قِصَّةِ نُوحٍ ﴿إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى الَّذِي فَطَرَنِي﴾ أيْ ما أجْرِيَ الَّذِي أطْلُبُ إلّا مِنَ الَّذِي فَطَرَنِي: أيْ خَلَقَنِي فَهو الَّذِي يُثِيبُنِي عَلى ذَلِكَ ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أنَّ أجْرَ النّاصِحِينَ إنَّما هو مِن رَبِّ العالَمِينَ، قِيلَ: إنَّما قالَ فِيما تَقَدَّمَ في قِصَّةِ نُوحٍ: ما لًا، وهُنا قالَ: أجْرًا لِذِكْرِ الخَزائِنِ بَعْدَهُ في قِصَّةِ نُوحٍ، ولَفْظُ المالِ بِها ألْيَقُ.
ثُمَّ أرْشَدَهم إلى الِاسْتِغْفارِ والتَّوْبَةِ.
والمَعْنى: اطْلُبُوا مَغْفِرَتَهُ لِما سَلَفَ مِن ذُنُوبِكم ثُمَّ تَوَسَّلُوا إلَيْهِ بِالتَّوْبَةِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ زِيادَةُ بَيانٍ لِمِثْلِ هَذا في قِصَّةِ نُوحٍ، ثُمَّ رَغَّبَهم في الإيمانِ بِالخَيْرِ العاجِلِ، فَقالَ: ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ﴾ أيِ المَطَرَ ﴿عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ أيْ كَثِيرَ الدُّرُورِ، (p-٦٦٢)وهُوَ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، دَرَّتِ السَّماءُ تُدِرُّ وتَدُرُّ فَهي مِدْرارٌ، وكانَ قَوْمُ هُودٍ أهْلَ بَساتِينَ وزَرْعٍ وعِمارَةٍ، وكانَتْ مَساكِنُهُمُ الرِّمالَ الَّتِي بَيْنَ الشّامِ واليَمَنِ ﴿ويَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى يُرْسِلِ: أيْ شِدَّةً مُضافَةً إلى شِدَّتِكم، أوْ خِصْبًا إلى خِصْبِكم، أوْ عِزًّا إلى عِزِّكم.
قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى يَزِدْكم قُوَّةً في النِّعَمِ ﴿ولا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ أيْ لا تُعْرِضُوا عَمّا أدْعُوكم إلَيْهِ وتُقِيمُوا عَلى الكُفْرِ مُصِرِّينَ عَلَيْهِ، والإجْرامُ: الآثامُ كَما تَقَدَّمَ.
ثُمَّ أجابَهُ قَوْمُهُ بِما يَدُلُّ عَلى فَرْطِ جَهالَتِهِمْ، وعَظِيمِ غَباوَتِهِمْ، ﴿قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ﴾ أيْ بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ نَعْمَلُ عَلَيْها، ونُؤْمِنُ لَكَ بِها غَيْرَ مُعْتَرِفِينَ بِما جاءَهم مِن حُجَجِ اللَّهِ وبَراهِينِهِ عِنادًا وبُعْدًا عَنِ الحَقِّ ﴿وما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا﴾ الَّتِي نَعْبُدُها مِن دُونِ اللَّهِ.
ومَعْنى ﴿عَنْ قَوْلِكَ﴾ صادِرِينَ عَنْ قَوْلِكَ، فالظَّرْفُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ ﴿وما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ بِمُصَدِّقِينَ في شَيْءٍ مِمّا جِئْتَ بِهِ.
﴿إنْ نَقُولُ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾ أيْ ما نَقُولُ إلّا أنَّهُ أصابَكَ بَعْضُ آلِهَتِنا الَّتِي تَعِيبُها وتُسَفِّهُ رَأْيَنا في عِبادَتِها بِسُوءٍ بِجُنُونٍ، حَتّى نَشَأ عَنْ جُنُونِكَ ما تَقُولُهُ لَنا وتَكَرِّرُهُ عَلَيْنا مِنَ التَّنْفِيرِ عَنْها، يُقالُ: عَراهُ الأمْرُ واعْتَراهُ: إذا ألَمَّ بِهِ، فَأجابَهم بِما يَدُلُّ عَلى عَدَمِ مُبالاتِهِ بِهِمْ وعَلى وُثُوقِهِ بِرَبِّهِ وتَوَكُّلِهِ عَلَيْهِ، وأنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا يُرِيدُهُ الكُفّارُ بِهِ، بَلِ اللَّهُ سُبْحانَهُ هو الضّارُّ النّافِعُ فَ ﴿قالَ إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ واشْهَدُوا﴾ أنْتُمْ ﴿أنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ بِهِ.
﴿مِن دُونِهِ﴾ أيْ مِن إشْراكِكِمْ مِن دُونِ اللَّهِ مِن غَيْرِ أنْ يُنَزِّلَ بِهِ سُلْطانًا ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا﴾ أنْتُمْ وآلِهَتُكم إنْ كانَتْ كَما تَزْعُمُونَ مِن أنَّها تَقْدِرُ عَلى الإضْرارِ بِي وأنَّها اعْتَرَتْنِي بِسُوءٍ ﴿ثُمَّ لا تُنْظِرُونِي﴾ أيْ لا تُمْهِلُونِي، بَلْ عاجِلُونِي واصْنَعُوا ما بَدا لَكم، وفي هَذا مِن إظْهارِ عَدَمِ المُبالاةِ بِهِمْ وبِأصْنامِهِمُ الَّتِي يَعْبُدُونَها ما يَصُكُّ مَسامِعَهم، ويُوَضِّحُ عَجْزَهم وعَدَمَ قُدْرَتِهِمْ عَلى شَيْءٍ.
﴿إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلى اللَّهِ رَبِّي ورَبِّكم﴾ فَهو يَعْصِمُنِي مِن كَيْدِكم، وإنْ بَلَغْتُمْ في تَطَلُّبِ وُجُوهِ الإضْرارِ بِي كُلَّ مَبْلَغٍ، فَمَن تَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ كَفاهُ.
ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ لَهم تَوَكُّلَهُ عَلى اللَّهِ وثِقَتَهُ بِحِفْظِهِ وكَلاءَتِهِ وصَفَهُ بِما يُوجِبُ التَّوَكُّلَ عَلَيْهِ والتَّفْوِيضَ إلَيْهِ مِنِ اشْتِمالِ رُبُوبِيَّتِهِ عَلَيْهِ وعَلَيْهِمْ، وأنَّهُ مالِكٌ لِلْجَمِيعِ، وأنَّ ناصِيَةَ كُلِّ دابَّةٍ مِن دَوابِّ الأرْضِ بِيَدِهِ، وفي قَبْضَتِهِ وتَحْتَ قَهْرِهِ، وهو تَمْثِيلٌ لِغايَةِ التَّسْخِيرِ ونِهايَةِ التَّذْلِيلِ، وكانُوا إذا أسَرُوا الأسِيرَ وأرادُوا إطْلاقَهُ، والمَنَّ عَلَيْهِ جَزُّوا ناصِيَتَهُ فَجَعَلُوا ذَلِكَ عَلامَةً لِقَهْرِهِ.
قالَ الفَرّاءُ: مَعْنى آخِذٌ بِناصِيَتِها مالِكُها والقادِرُ عَلَيْها، وقالَ القُتَيْبِيُّ: قاهِرُها لِأنَّ مَن أخَذْتَ بِناصِيَتِهِ فَقَدْ قَهَرْتَهُ، والنّاصِيَةُ قُصاصُ الشَّعْرِ مِن مُقَدَّمِ الرَّأْسِ، ثُمَّ عَلَّلَ ما تَقَدَّمَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أيْ هو عَلى الحَقِّ والعَدْلِ فَلا يَكادُ يُسَلِّطُكم عَلَيَّ.
﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ أيْ تَتَوَلَّوْا فَحُذِفَتْ إحْدى التّاءَيْنِ، والمَعْنى فَإنْ تَسْتَمِرُّوا عَلى الإعْراضِ عَنِ الإجابَةِ والتَّصْمِيمِ عَلى ما أنْتَمْ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ ﴿فَقَدْ أبْلَغْتُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ إلَيْكُمْ﴾ لَيْسَ عَلَيَّ إلّا ذَلِكَ، وقَدْ لَزِمَتْكُمُ الحُجَّةُ ﴿ويَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَقْرِيرِ الوَعِيدِ بِالهَلاكِ: أيْ يَسْتَخْلِفُ في دِيارِكم وأمْوالِكم قَوْمًا آخَرِينَ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى ﴿فَقَدْ أبْلَغْتُكُمْ﴾ .
ورَوى حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ قَرَأ ويَسْتَخْلِفْ بِالجَزْمِ حَمْلًا عَلى مَوْضِعِ ﴿فَقَدْ أبْلَغْتُكُمْ﴾ ﴿ولا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا﴾ أيْ بِتَوَلِّيكم، ولا تَقْدِرُونَ عَلى كَثِيرٍ مِنَ الضَّرَرِ ولا حَقِيرٍ ﴿إنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ أيْ رَقِيبٌ مُهَيْمِنٌ عَلَيْهِ يَحْفَظُهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، قِيلَ: وعَلى بِمَعْنى اللّامِ، فَيَكُونُ المَعْنى: لِكُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ فَهو يَحْفَظُنِي مِن أنْ تَنالُونِي بِسُوءٍ.
﴿ولَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ أيْ عَذابُنا الَّذِي هو إهْلاكُ عادٍ ﴿نَجَّيْنا هُودًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ مِن قَوْمِهِ ﴿بِرَحْمَةٍ مِنّا﴾ أيْ بِرَحْمَةٍ عَظِيمَةٍ كائِنَةٍ مِنّا لِأنَّهُ لا يَنْجُو أحَدٌ إلّا بِرَحْمَةِ اللَّهِ، وقِيلَ هي الإيمانُ ﴿مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ أيْ شَدِيدٍ وقِيلَ وهو السَّمُومُ الَّتِي كانَتْ تَدْخُلُ أُنُوفَهم.
﴿وتِلْكَ عادٌ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، وأنَّثَ الإشارَةَ اعْتِبارًا بِالقَبِيلَةِ.
قالَ الكِسائِيُّ: إنَّ مِنَ العَرَبِ مَن لا يَصْرِفُ عادًا ويَجْعَلُهُ اسْمًا لِلْقَبِيلَةِ ﴿جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ أيْ كَفَرُوا بِها وكَذَّبُوها وأنْكَرُوا المُعْجِزاتِ ﴿وعَصَوْا رُسُلَهُ﴾ أيْ هُودًا وحْدَهُ، لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ في عَصْرِهِ رَسُولٌ سِواهُ، وإنَّما جَمَعَ هُنا لِأنَّ مِن كَذَّبَ رَسُولًا فَقَدْ كَذَّبَ جَمِيعَ الرُّسُلِ، وقِيلَ: إنَّهم عَصَوْا هُودًا ومَن كانَ قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ، أوْ كانُوا بِحَيْثُ لَوْ بَعَثَ اللَّهُ إلَيْهِمْ رُسُلًا مُتَعَدِّدِينَ لَكَذَّبُوهم ﴿واتَّبَعُوا أمْرَ كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ الجَبّارُ المُتَكَبِّرُ، والعَنِيدُ: الطّاغِي الَّذِي لا يَقْبَلُ الحَقَّ ولا يُذْعِنُ لَهُ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: العَنِيدُ العَنُودُ والعانِدُ والمُعانِدُ، وهو المُعارِضُ بِالخِلافِ مِنهُ، ومِنهُ قِيلَ لِلْعِرْقِ الَّذِي يَتَفَجَّرُ بِالدَّمِ عانِدٌ.
قالَ الرّاجِزُ:
؎إنِّي كَبِيرٌ لا أُطِيقُ العُنَّدا
﴿وأُتْبِعُوا في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً﴾ أيْ: أُلْحِقُوها، وهي الإبْعادُ مِنَ الرَّحْمَةِ والطَّرْدُ مِنَ الخَيْرِ، والمَعْنى أنَّها لازِمَةٌ لَهم لا تُفارِقُهم ما دامُوا في الدُّنْيا وأُتْبِعُوها يَوْمَ القِيامَةِ فَلُعِنُوا هُنالِكَ كَما لُعِنُوا في الدُّنْيا ﴿ألا إنَّ عادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾ أيْ بِرَبِّهِمْ.
وقالَ الفَرّاءُ: كَفَرُوا نِعْمَةَ رَبِّهِمْ، يُقالُ: كَفَرْتُهُ وكَفَرَتُ بِهِ: مِثْلَ شَكَرْتُهُ وشَكَرْتُ لَهُ ﴿ألا بُعْدًا لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾ أيْ لا زالُوا مُبْعَدِينَ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، والبُعْدُ: الهَلاكُ، والبُعْدُ: التَّباعُدُ مِنَ الخَيْرِ، يُقالُ: بَعُدَ يَبْعُدُ بُعْدًا: إذا تَأخَّرَ وتَباعَدَ، وبَعُدَ يَبْعُدُ بُعْدًا: إذا هَلَكَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لا يَبْعَدَنْ قَوْمِي الَّذِينَ هُمُ ∗∗∗ سُمُّ العُداةِ وآفَةُ الجُزُرِ
وقالَ النّابِغَةُ:
؎فَلا تَبْعُدَنَّ إنَّ المَنِيَّةَ مَنهَلٌ ∗∗∗ وكُلُّ امْرِئٍ يَوْمًا بِهِ الحالُ زائِلُ
ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ما كانَ يَنْفَعُنِي مَقالُ نِسائِهِمْ ∗∗∗ وقُتِلْتُ دُونَ رِجالِهِمْ لا تَبْعَدِ
وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ العَرَبَ تَسْتَعْمِلُهُ في الدُّعاءِ بِالهَلاكِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ ﴿إلّا عَلى الَّذِي فَطَرَنِي﴾ أيْ خَلَقَنِي.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: أمْسَكَ اللَّهُ عَنْ عادٍ (p-٦٦٣)القَطْرَ ثَلاثَ سِنِينَ، فَقالَ لَهم هُودٌ: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ فَأبَوْا إلّا تَمادِيًا.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ هارُونَ التَّيْمِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ قالَ: المَطَرَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكم﴾ قالَ: شِدَّةً إلى شِدَّتِكم.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ويَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكم﴾ قالَ: ولَدَ الوَلَدِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ نَقُولُ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾ قالَ: أصابَتْكَ بِالجُنُونِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ يَحْيى بْنِ سَعِيدٍ قالَ: ما مِن أحَدٍ يَخافُ لِصًّا عادِيًا، أوْ سَبُعًا ضارِيًا، أوْ شَيْطانًا مارِدًا - فَيَتْلُو هَذِهِ الآيَةَ إلّا صَرَفَهُ اللَّهُ عَنْهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ قالَ: الحَقُّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي مالِكٍ في قَوْلِهِ: ﴿عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ قالَ: شَدِيدٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ قالَ: المُشْرِكُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: العَنِيدُ المُشاقُّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وأُتْبِعُوا في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً﴾ قالَ: لَمْ يُبْعَثْ نَبِيٌّ بَعْدَ عادٍ إلّا لُعِنَتْ عَلى لِسانِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: تَتابَعَتْ عَلَيْهِمْ لَعْنَتانِ مِنَ اللَّهِ: لَعْنَةٌ في الدُّنْيا، ولَعْنَةٌ في الآخِرَةِ.
هود 11:59
.
قَوْلُهُ: ﴿وإلى عادٍ أخاهم هُودًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى وأرْسَلْنا نُوحًا: أيْ وأرْسَلْنا إلى عادٍ أخاهم: أيْ واحِدًا مِنهم، وهُودًا عَطْفُ بَيانٍ وقَوْمُ عادٍ كانُوا عَبَدَةَ أوْثانٍ وقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلَ هَذا في الأعْرافِ.
وقِيلَ: هم عادٌ الأُولى وعادٌ الأُخْرى، فَهَؤُلاءِ هم عادٌ الأُولى وعادٌ الأُخْرى هم شَدّادُ ولُقْمانُ وقَوْمُهُما المَذْكُورُونَ في قَوْلِهِ: ﴿إرَمَ ذاتِ العِمادِ﴾ [الفجر: ٧]، وأصْلُ عادٍ: اسْمُ رَجُلٍ ثُمَّ صارَ اسْمًا لِلْقَبِيلَةِ كَتَمِيمٍ وبَكْرٍ ونَحْوِهِما ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ قُرِئَ " غَيْرُهُ " بِالجَرِّ عَلى اللَّفْظِ، وبِالرَّفْعِ عَلى مَحَلِّ مِن إلَهٍ، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى الِاسْتِثْناءِ ﴿إنْ أنْتُمْ إلّا مُفْتَرُونَ﴾ أيْ ما أنْتُمْ بِاتِّخاذِ إلَهٍ غَيْرِ اللَّهِ إلّا كاذِبُونَ عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
ثُمَّ خاطَبَهم فَقالَ: ﴿ياقَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا﴾ أيْ لا أطْلُبُ مِنكم أجْرًا عَلى ما أُبَلِّغُهُ إلَيْكم وأنْصَحُكم بِهِ مِنَ الإرْشادِ إلى عِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ وأنَّهُ لا إلَهَ لَكم سِواهُ، فالضَّمِيرُ راجِعٌ إلى مَضْمُونِ هَذا الكَلامِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى هَذا في قِصَّةِ نُوحٍ ﴿إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى الَّذِي فَطَرَنِي﴾ أيْ ما أجْرِيَ الَّذِي أطْلُبُ إلّا مِنَ الَّذِي فَطَرَنِي: أيْ خَلَقَنِي فَهو الَّذِي يُثِيبُنِي عَلى ذَلِكَ ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أنَّ أجْرَ النّاصِحِينَ إنَّما هو مِن رَبِّ العالَمِينَ، قِيلَ: إنَّما قالَ فِيما تَقَدَّمَ في قِصَّةِ نُوحٍ: ما لًا، وهُنا قالَ: أجْرًا لِذِكْرِ الخَزائِنِ بَعْدَهُ في قِصَّةِ نُوحٍ، ولَفْظُ المالِ بِها ألْيَقُ.
ثُمَّ أرْشَدَهم إلى الِاسْتِغْفارِ والتَّوْبَةِ.
والمَعْنى: اطْلُبُوا مَغْفِرَتَهُ لِما سَلَفَ مِن ذُنُوبِكم ثُمَّ تَوَسَّلُوا إلَيْهِ بِالتَّوْبَةِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ زِيادَةُ بَيانٍ لِمِثْلِ هَذا في قِصَّةِ نُوحٍ، ثُمَّ رَغَّبَهم في الإيمانِ بِالخَيْرِ العاجِلِ، فَقالَ: ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ﴾ أيِ المَطَرَ ﴿عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ أيْ كَثِيرَ الدُّرُورِ، (p-٦٦٢)وهُوَ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، دَرَّتِ السَّماءُ تُدِرُّ وتَدُرُّ فَهي مِدْرارٌ، وكانَ قَوْمُ هُودٍ أهْلَ بَساتِينَ وزَرْعٍ وعِمارَةٍ، وكانَتْ مَساكِنُهُمُ الرِّمالَ الَّتِي بَيْنَ الشّامِ واليَمَنِ ﴿ويَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى يُرْسِلِ: أيْ شِدَّةً مُضافَةً إلى شِدَّتِكم، أوْ خِصْبًا إلى خِصْبِكم، أوْ عِزًّا إلى عِزِّكم.
قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى يَزِدْكم قُوَّةً في النِّعَمِ ﴿ولا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ أيْ لا تُعْرِضُوا عَمّا أدْعُوكم إلَيْهِ وتُقِيمُوا عَلى الكُفْرِ مُصِرِّينَ عَلَيْهِ، والإجْرامُ: الآثامُ كَما تَقَدَّمَ.
ثُمَّ أجابَهُ قَوْمُهُ بِما يَدُلُّ عَلى فَرْطِ جَهالَتِهِمْ، وعَظِيمِ غَباوَتِهِمْ، ﴿قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ﴾ أيْ بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ نَعْمَلُ عَلَيْها، ونُؤْمِنُ لَكَ بِها غَيْرَ مُعْتَرِفِينَ بِما جاءَهم مِن حُجَجِ اللَّهِ وبَراهِينِهِ عِنادًا وبُعْدًا عَنِ الحَقِّ ﴿وما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا﴾ الَّتِي نَعْبُدُها مِن دُونِ اللَّهِ.
ومَعْنى ﴿عَنْ قَوْلِكَ﴾ صادِرِينَ عَنْ قَوْلِكَ، فالظَّرْفُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ ﴿وما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ بِمُصَدِّقِينَ في شَيْءٍ مِمّا جِئْتَ بِهِ.
﴿إنْ نَقُولُ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾ أيْ ما نَقُولُ إلّا أنَّهُ أصابَكَ بَعْضُ آلِهَتِنا الَّتِي تَعِيبُها وتُسَفِّهُ رَأْيَنا في عِبادَتِها بِسُوءٍ بِجُنُونٍ، حَتّى نَشَأ عَنْ جُنُونِكَ ما تَقُولُهُ لَنا وتَكَرِّرُهُ عَلَيْنا مِنَ التَّنْفِيرِ عَنْها، يُقالُ: عَراهُ الأمْرُ واعْتَراهُ: إذا ألَمَّ بِهِ، فَأجابَهم بِما يَدُلُّ عَلى عَدَمِ مُبالاتِهِ بِهِمْ وعَلى وُثُوقِهِ بِرَبِّهِ وتَوَكُّلِهِ عَلَيْهِ، وأنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا يُرِيدُهُ الكُفّارُ بِهِ، بَلِ اللَّهُ سُبْحانَهُ هو الضّارُّ النّافِعُ فَ ﴿قالَ إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ واشْهَدُوا﴾ أنْتُمْ ﴿أنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ بِهِ.
﴿مِن دُونِهِ﴾ أيْ مِن إشْراكِكِمْ مِن دُونِ اللَّهِ مِن غَيْرِ أنْ يُنَزِّلَ بِهِ سُلْطانًا ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا﴾ أنْتُمْ وآلِهَتُكم إنْ كانَتْ كَما تَزْعُمُونَ مِن أنَّها تَقْدِرُ عَلى الإضْرارِ بِي وأنَّها اعْتَرَتْنِي بِسُوءٍ ﴿ثُمَّ لا تُنْظِرُونِي﴾ أيْ لا تُمْهِلُونِي، بَلْ عاجِلُونِي واصْنَعُوا ما بَدا لَكم، وفي هَذا مِن إظْهارِ عَدَمِ المُبالاةِ بِهِمْ وبِأصْنامِهِمُ الَّتِي يَعْبُدُونَها ما يَصُكُّ مَسامِعَهم، ويُوَضِّحُ عَجْزَهم وعَدَمَ قُدْرَتِهِمْ عَلى شَيْءٍ.
﴿إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلى اللَّهِ رَبِّي ورَبِّكم﴾ فَهو يَعْصِمُنِي مِن كَيْدِكم، وإنْ بَلَغْتُمْ في تَطَلُّبِ وُجُوهِ الإضْرارِ بِي كُلَّ مَبْلَغٍ، فَمَن تَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ كَفاهُ.
ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ لَهم تَوَكُّلَهُ عَلى اللَّهِ وثِقَتَهُ بِحِفْظِهِ وكَلاءَتِهِ وصَفَهُ بِما يُوجِبُ التَّوَكُّلَ عَلَيْهِ والتَّفْوِيضَ إلَيْهِ مِنِ اشْتِمالِ رُبُوبِيَّتِهِ عَلَيْهِ وعَلَيْهِمْ، وأنَّهُ مالِكٌ لِلْجَمِيعِ، وأنَّ ناصِيَةَ كُلِّ دابَّةٍ مِن دَوابِّ الأرْضِ بِيَدِهِ، وفي قَبْضَتِهِ وتَحْتَ قَهْرِهِ، وهو تَمْثِيلٌ لِغايَةِ التَّسْخِيرِ ونِهايَةِ التَّذْلِيلِ، وكانُوا إذا أسَرُوا الأسِيرَ وأرادُوا إطْلاقَهُ، والمَنَّ عَلَيْهِ جَزُّوا ناصِيَتَهُ فَجَعَلُوا ذَلِكَ عَلامَةً لِقَهْرِهِ.
قالَ الفَرّاءُ: مَعْنى آخِذٌ بِناصِيَتِها مالِكُها والقادِرُ عَلَيْها، وقالَ القُتَيْبِيُّ: قاهِرُها لِأنَّ مَن أخَذْتَ بِناصِيَتِهِ فَقَدْ قَهَرْتَهُ، والنّاصِيَةُ قُصاصُ الشَّعْرِ مِن مُقَدَّمِ الرَّأْسِ، ثُمَّ عَلَّلَ ما تَقَدَّمَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أيْ هو عَلى الحَقِّ والعَدْلِ فَلا يَكادُ يُسَلِّطُكم عَلَيَّ.
﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ أيْ تَتَوَلَّوْا فَحُذِفَتْ إحْدى التّاءَيْنِ، والمَعْنى فَإنْ تَسْتَمِرُّوا عَلى الإعْراضِ عَنِ الإجابَةِ والتَّصْمِيمِ عَلى ما أنْتَمْ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ ﴿فَقَدْ أبْلَغْتُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ إلَيْكُمْ﴾ لَيْسَ عَلَيَّ إلّا ذَلِكَ، وقَدْ لَزِمَتْكُمُ الحُجَّةُ ﴿ويَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَقْرِيرِ الوَعِيدِ بِالهَلاكِ: أيْ يَسْتَخْلِفُ في دِيارِكم وأمْوالِكم قَوْمًا آخَرِينَ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى ﴿فَقَدْ أبْلَغْتُكُمْ﴾ .
ورَوى حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ قَرَأ ويَسْتَخْلِفْ بِالجَزْمِ حَمْلًا عَلى مَوْضِعِ ﴿فَقَدْ أبْلَغْتُكُمْ﴾ ﴿ولا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا﴾ أيْ بِتَوَلِّيكم، ولا تَقْدِرُونَ عَلى كَثِيرٍ مِنَ الضَّرَرِ ولا حَقِيرٍ ﴿إنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ أيْ رَقِيبٌ مُهَيْمِنٌ عَلَيْهِ يَحْفَظُهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، قِيلَ: وعَلى بِمَعْنى اللّامِ، فَيَكُونُ المَعْنى: لِكُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ فَهو يَحْفَظُنِي مِن أنْ تَنالُونِي بِسُوءٍ.
﴿ولَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ أيْ عَذابُنا الَّذِي هو إهْلاكُ عادٍ ﴿نَجَّيْنا هُودًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ مِن قَوْمِهِ ﴿بِرَحْمَةٍ مِنّا﴾ أيْ بِرَحْمَةٍ عَظِيمَةٍ كائِنَةٍ مِنّا لِأنَّهُ لا يَنْجُو أحَدٌ إلّا بِرَحْمَةِ اللَّهِ، وقِيلَ هي الإيمانُ ﴿مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ أيْ شَدِيدٍ وقِيلَ وهو السَّمُومُ الَّتِي كانَتْ تَدْخُلُ أُنُوفَهم.
﴿وتِلْكَ عادٌ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، وأنَّثَ الإشارَةَ اعْتِبارًا بِالقَبِيلَةِ.
قالَ الكِسائِيُّ: إنَّ مِنَ العَرَبِ مَن لا يَصْرِفُ عادًا ويَجْعَلُهُ اسْمًا لِلْقَبِيلَةِ ﴿جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ أيْ كَفَرُوا بِها وكَذَّبُوها وأنْكَرُوا المُعْجِزاتِ ﴿وعَصَوْا رُسُلَهُ﴾ أيْ هُودًا وحْدَهُ، لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ في عَصْرِهِ رَسُولٌ سِواهُ، وإنَّما جَمَعَ هُنا لِأنَّ مِن كَذَّبَ رَسُولًا فَقَدْ كَذَّبَ جَمِيعَ الرُّسُلِ، وقِيلَ: إنَّهم عَصَوْا هُودًا ومَن كانَ قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ، أوْ كانُوا بِحَيْثُ لَوْ بَعَثَ اللَّهُ إلَيْهِمْ رُسُلًا مُتَعَدِّدِينَ لَكَذَّبُوهم ﴿واتَّبَعُوا أمْرَ كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ الجَبّارُ المُتَكَبِّرُ، والعَنِيدُ: الطّاغِي الَّذِي لا يَقْبَلُ الحَقَّ ولا يُذْعِنُ لَهُ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: العَنِيدُ العَنُودُ والعانِدُ والمُعانِدُ، وهو المُعارِضُ بِالخِلافِ مِنهُ، ومِنهُ قِيلَ لِلْعِرْقِ الَّذِي يَتَفَجَّرُ بِالدَّمِ عانِدٌ.
قالَ الرّاجِزُ:
؎إنِّي كَبِيرٌ لا أُطِيقُ العُنَّدا
﴿وأُتْبِعُوا في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً﴾ أيْ: أُلْحِقُوها، وهي الإبْعادُ مِنَ الرَّحْمَةِ والطَّرْدُ مِنَ الخَيْرِ، والمَعْنى أنَّها لازِمَةٌ لَهم لا تُفارِقُهم ما دامُوا في الدُّنْيا وأُتْبِعُوها يَوْمَ القِيامَةِ فَلُعِنُوا هُنالِكَ كَما لُعِنُوا في الدُّنْيا ﴿ألا إنَّ عادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾ أيْ بِرَبِّهِمْ.
وقالَ الفَرّاءُ: كَفَرُوا نِعْمَةَ رَبِّهِمْ، يُقالُ: كَفَرْتُهُ وكَفَرَتُ بِهِ: مِثْلَ شَكَرْتُهُ وشَكَرْتُ لَهُ ﴿ألا بُعْدًا لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾ أيْ لا زالُوا مُبْعَدِينَ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، والبُعْدُ: الهَلاكُ، والبُعْدُ: التَّباعُدُ مِنَ الخَيْرِ، يُقالُ: بَعُدَ يَبْعُدُ بُعْدًا: إذا تَأخَّرَ وتَباعَدَ، وبَعُدَ يَبْعُدُ بُعْدًا: إذا هَلَكَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لا يَبْعَدَنْ قَوْمِي الَّذِينَ هُمُ ∗∗∗ سُمُّ العُداةِ وآفَةُ الجُزُرِ
وقالَ النّابِغَةُ:
؎فَلا تَبْعُدَنَّ إنَّ المَنِيَّةَ مَنهَلٌ ∗∗∗ وكُلُّ امْرِئٍ يَوْمًا بِهِ الحالُ زائِلُ
ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ما كانَ يَنْفَعُنِي مَقالُ نِسائِهِمْ ∗∗∗ وقُتِلْتُ دُونَ رِجالِهِمْ لا تَبْعَدِ
وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ العَرَبَ تَسْتَعْمِلُهُ في الدُّعاءِ بِالهَلاكِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ ﴿إلّا عَلى الَّذِي فَطَرَنِي﴾ أيْ خَلَقَنِي.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: أمْسَكَ اللَّهُ عَنْ عادٍ (p-٦٦٣)القَطْرَ ثَلاثَ سِنِينَ، فَقالَ لَهم هُودٌ: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ فَأبَوْا إلّا تَمادِيًا.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ هارُونَ التَّيْمِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ قالَ: المَطَرَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكم﴾ قالَ: شِدَّةً إلى شِدَّتِكم.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ويَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكم﴾ قالَ: ولَدَ الوَلَدِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ نَقُولُ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾ قالَ: أصابَتْكَ بِالجُنُونِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ يَحْيى بْنِ سَعِيدٍ قالَ: ما مِن أحَدٍ يَخافُ لِصًّا عادِيًا، أوْ سَبُعًا ضارِيًا، أوْ شَيْطانًا مارِدًا - فَيَتْلُو هَذِهِ الآيَةَ إلّا صَرَفَهُ اللَّهُ عَنْهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ قالَ: الحَقُّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي مالِكٍ في قَوْلِهِ: ﴿عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ قالَ: شَدِيدٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ قالَ: المُشْرِكُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: العَنِيدُ المُشاقُّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وأُتْبِعُوا في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً﴾ قالَ: لَمْ يُبْعَثْ نَبِيٌّ بَعْدَ عادٍ إلّا لُعِنَتْ عَلى لِسانِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: تَتابَعَتْ عَلَيْهِمْ لَعْنَتانِ مِنَ اللَّهِ: لَعْنَةٌ في الدُّنْيا، ولَعْنَةٌ في الآخِرَةِ.
هود 11:60
.
قَوْلُهُ: ﴿وإلى عادٍ أخاهم هُودًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى وأرْسَلْنا نُوحًا: أيْ وأرْسَلْنا إلى عادٍ أخاهم: أيْ واحِدًا مِنهم، وهُودًا عَطْفُ بَيانٍ وقَوْمُ عادٍ كانُوا عَبَدَةَ أوْثانٍ وقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلَ هَذا في الأعْرافِ.
وقِيلَ: هم عادٌ الأُولى وعادٌ الأُخْرى، فَهَؤُلاءِ هم عادٌ الأُولى وعادٌ الأُخْرى هم شَدّادُ ولُقْمانُ وقَوْمُهُما المَذْكُورُونَ في قَوْلِهِ: ﴿إرَمَ ذاتِ العِمادِ﴾ [الفجر: ٧]، وأصْلُ عادٍ: اسْمُ رَجُلٍ ثُمَّ صارَ اسْمًا لِلْقَبِيلَةِ كَتَمِيمٍ وبَكْرٍ ونَحْوِهِما ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ قُرِئَ " غَيْرُهُ " بِالجَرِّ عَلى اللَّفْظِ، وبِالرَّفْعِ عَلى مَحَلِّ مِن إلَهٍ، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى الِاسْتِثْناءِ ﴿إنْ أنْتُمْ إلّا مُفْتَرُونَ﴾ أيْ ما أنْتُمْ بِاتِّخاذِ إلَهٍ غَيْرِ اللَّهِ إلّا كاذِبُونَ عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
ثُمَّ خاطَبَهم فَقالَ: ﴿ياقَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا﴾ أيْ لا أطْلُبُ مِنكم أجْرًا عَلى ما أُبَلِّغُهُ إلَيْكم وأنْصَحُكم بِهِ مِنَ الإرْشادِ إلى عِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ وأنَّهُ لا إلَهَ لَكم سِواهُ، فالضَّمِيرُ راجِعٌ إلى مَضْمُونِ هَذا الكَلامِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى هَذا في قِصَّةِ نُوحٍ ﴿إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى الَّذِي فَطَرَنِي﴾ أيْ ما أجْرِيَ الَّذِي أطْلُبُ إلّا مِنَ الَّذِي فَطَرَنِي: أيْ خَلَقَنِي فَهو الَّذِي يُثِيبُنِي عَلى ذَلِكَ ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أنَّ أجْرَ النّاصِحِينَ إنَّما هو مِن رَبِّ العالَمِينَ، قِيلَ: إنَّما قالَ فِيما تَقَدَّمَ في قِصَّةِ نُوحٍ: ما لًا، وهُنا قالَ: أجْرًا لِذِكْرِ الخَزائِنِ بَعْدَهُ في قِصَّةِ نُوحٍ، ولَفْظُ المالِ بِها ألْيَقُ.
ثُمَّ أرْشَدَهم إلى الِاسْتِغْفارِ والتَّوْبَةِ.
والمَعْنى: اطْلُبُوا مَغْفِرَتَهُ لِما سَلَفَ مِن ذُنُوبِكم ثُمَّ تَوَسَّلُوا إلَيْهِ بِالتَّوْبَةِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ زِيادَةُ بَيانٍ لِمِثْلِ هَذا في قِصَّةِ نُوحٍ، ثُمَّ رَغَّبَهم في الإيمانِ بِالخَيْرِ العاجِلِ، فَقالَ: ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ﴾ أيِ المَطَرَ ﴿عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ أيْ كَثِيرَ الدُّرُورِ، (p-٦٦٢)وهُوَ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، دَرَّتِ السَّماءُ تُدِرُّ وتَدُرُّ فَهي مِدْرارٌ، وكانَ قَوْمُ هُودٍ أهْلَ بَساتِينَ وزَرْعٍ وعِمارَةٍ، وكانَتْ مَساكِنُهُمُ الرِّمالَ الَّتِي بَيْنَ الشّامِ واليَمَنِ ﴿ويَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى يُرْسِلِ: أيْ شِدَّةً مُضافَةً إلى شِدَّتِكم، أوْ خِصْبًا إلى خِصْبِكم، أوْ عِزًّا إلى عِزِّكم.
قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى يَزِدْكم قُوَّةً في النِّعَمِ ﴿ولا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ أيْ لا تُعْرِضُوا عَمّا أدْعُوكم إلَيْهِ وتُقِيمُوا عَلى الكُفْرِ مُصِرِّينَ عَلَيْهِ، والإجْرامُ: الآثامُ كَما تَقَدَّمَ.
ثُمَّ أجابَهُ قَوْمُهُ بِما يَدُلُّ عَلى فَرْطِ جَهالَتِهِمْ، وعَظِيمِ غَباوَتِهِمْ، ﴿قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ﴾ أيْ بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ نَعْمَلُ عَلَيْها، ونُؤْمِنُ لَكَ بِها غَيْرَ مُعْتَرِفِينَ بِما جاءَهم مِن حُجَجِ اللَّهِ وبَراهِينِهِ عِنادًا وبُعْدًا عَنِ الحَقِّ ﴿وما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا﴾ الَّتِي نَعْبُدُها مِن دُونِ اللَّهِ.
ومَعْنى ﴿عَنْ قَوْلِكَ﴾ صادِرِينَ عَنْ قَوْلِكَ، فالظَّرْفُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ ﴿وما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ بِمُصَدِّقِينَ في شَيْءٍ مِمّا جِئْتَ بِهِ.
﴿إنْ نَقُولُ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾ أيْ ما نَقُولُ إلّا أنَّهُ أصابَكَ بَعْضُ آلِهَتِنا الَّتِي تَعِيبُها وتُسَفِّهُ رَأْيَنا في عِبادَتِها بِسُوءٍ بِجُنُونٍ، حَتّى نَشَأ عَنْ جُنُونِكَ ما تَقُولُهُ لَنا وتَكَرِّرُهُ عَلَيْنا مِنَ التَّنْفِيرِ عَنْها، يُقالُ: عَراهُ الأمْرُ واعْتَراهُ: إذا ألَمَّ بِهِ، فَأجابَهم بِما يَدُلُّ عَلى عَدَمِ مُبالاتِهِ بِهِمْ وعَلى وُثُوقِهِ بِرَبِّهِ وتَوَكُّلِهِ عَلَيْهِ، وأنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا يُرِيدُهُ الكُفّارُ بِهِ، بَلِ اللَّهُ سُبْحانَهُ هو الضّارُّ النّافِعُ فَ ﴿قالَ إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ واشْهَدُوا﴾ أنْتُمْ ﴿أنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ بِهِ.
﴿مِن دُونِهِ﴾ أيْ مِن إشْراكِكِمْ مِن دُونِ اللَّهِ مِن غَيْرِ أنْ يُنَزِّلَ بِهِ سُلْطانًا ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا﴾ أنْتُمْ وآلِهَتُكم إنْ كانَتْ كَما تَزْعُمُونَ مِن أنَّها تَقْدِرُ عَلى الإضْرارِ بِي وأنَّها اعْتَرَتْنِي بِسُوءٍ ﴿ثُمَّ لا تُنْظِرُونِي﴾ أيْ لا تُمْهِلُونِي، بَلْ عاجِلُونِي واصْنَعُوا ما بَدا لَكم، وفي هَذا مِن إظْهارِ عَدَمِ المُبالاةِ بِهِمْ وبِأصْنامِهِمُ الَّتِي يَعْبُدُونَها ما يَصُكُّ مَسامِعَهم، ويُوَضِّحُ عَجْزَهم وعَدَمَ قُدْرَتِهِمْ عَلى شَيْءٍ.
﴿إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلى اللَّهِ رَبِّي ورَبِّكم﴾ فَهو يَعْصِمُنِي مِن كَيْدِكم، وإنْ بَلَغْتُمْ في تَطَلُّبِ وُجُوهِ الإضْرارِ بِي كُلَّ مَبْلَغٍ، فَمَن تَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ كَفاهُ.
ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ لَهم تَوَكُّلَهُ عَلى اللَّهِ وثِقَتَهُ بِحِفْظِهِ وكَلاءَتِهِ وصَفَهُ بِما يُوجِبُ التَّوَكُّلَ عَلَيْهِ والتَّفْوِيضَ إلَيْهِ مِنِ اشْتِمالِ رُبُوبِيَّتِهِ عَلَيْهِ وعَلَيْهِمْ، وأنَّهُ مالِكٌ لِلْجَمِيعِ، وأنَّ ناصِيَةَ كُلِّ دابَّةٍ مِن دَوابِّ الأرْضِ بِيَدِهِ، وفي قَبْضَتِهِ وتَحْتَ قَهْرِهِ، وهو تَمْثِيلٌ لِغايَةِ التَّسْخِيرِ ونِهايَةِ التَّذْلِيلِ، وكانُوا إذا أسَرُوا الأسِيرَ وأرادُوا إطْلاقَهُ، والمَنَّ عَلَيْهِ جَزُّوا ناصِيَتَهُ فَجَعَلُوا ذَلِكَ عَلامَةً لِقَهْرِهِ.
قالَ الفَرّاءُ: مَعْنى آخِذٌ بِناصِيَتِها مالِكُها والقادِرُ عَلَيْها، وقالَ القُتَيْبِيُّ: قاهِرُها لِأنَّ مَن أخَذْتَ بِناصِيَتِهِ فَقَدْ قَهَرْتَهُ، والنّاصِيَةُ قُصاصُ الشَّعْرِ مِن مُقَدَّمِ الرَّأْسِ، ثُمَّ عَلَّلَ ما تَقَدَّمَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أيْ هو عَلى الحَقِّ والعَدْلِ فَلا يَكادُ يُسَلِّطُكم عَلَيَّ.
﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ أيْ تَتَوَلَّوْا فَحُذِفَتْ إحْدى التّاءَيْنِ، والمَعْنى فَإنْ تَسْتَمِرُّوا عَلى الإعْراضِ عَنِ الإجابَةِ والتَّصْمِيمِ عَلى ما أنْتَمْ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ ﴿فَقَدْ أبْلَغْتُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ إلَيْكُمْ﴾ لَيْسَ عَلَيَّ إلّا ذَلِكَ، وقَدْ لَزِمَتْكُمُ الحُجَّةُ ﴿ويَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَقْرِيرِ الوَعِيدِ بِالهَلاكِ: أيْ يَسْتَخْلِفُ في دِيارِكم وأمْوالِكم قَوْمًا آخَرِينَ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى ﴿فَقَدْ أبْلَغْتُكُمْ﴾ .
ورَوى حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ قَرَأ ويَسْتَخْلِفْ بِالجَزْمِ حَمْلًا عَلى مَوْضِعِ ﴿فَقَدْ أبْلَغْتُكُمْ﴾ ﴿ولا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا﴾ أيْ بِتَوَلِّيكم، ولا تَقْدِرُونَ عَلى كَثِيرٍ مِنَ الضَّرَرِ ولا حَقِيرٍ ﴿إنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ أيْ رَقِيبٌ مُهَيْمِنٌ عَلَيْهِ يَحْفَظُهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، قِيلَ: وعَلى بِمَعْنى اللّامِ، فَيَكُونُ المَعْنى: لِكُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ فَهو يَحْفَظُنِي مِن أنْ تَنالُونِي بِسُوءٍ.
﴿ولَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ أيْ عَذابُنا الَّذِي هو إهْلاكُ عادٍ ﴿نَجَّيْنا هُودًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ مِن قَوْمِهِ ﴿بِرَحْمَةٍ مِنّا﴾ أيْ بِرَحْمَةٍ عَظِيمَةٍ كائِنَةٍ مِنّا لِأنَّهُ لا يَنْجُو أحَدٌ إلّا بِرَحْمَةِ اللَّهِ، وقِيلَ هي الإيمانُ ﴿مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ أيْ شَدِيدٍ وقِيلَ وهو السَّمُومُ الَّتِي كانَتْ تَدْخُلُ أُنُوفَهم.
﴿وتِلْكَ عادٌ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، وأنَّثَ الإشارَةَ اعْتِبارًا بِالقَبِيلَةِ.
قالَ الكِسائِيُّ: إنَّ مِنَ العَرَبِ مَن لا يَصْرِفُ عادًا ويَجْعَلُهُ اسْمًا لِلْقَبِيلَةِ ﴿جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ أيْ كَفَرُوا بِها وكَذَّبُوها وأنْكَرُوا المُعْجِزاتِ ﴿وعَصَوْا رُسُلَهُ﴾ أيْ هُودًا وحْدَهُ، لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ في عَصْرِهِ رَسُولٌ سِواهُ، وإنَّما جَمَعَ هُنا لِأنَّ مِن كَذَّبَ رَسُولًا فَقَدْ كَذَّبَ جَمِيعَ الرُّسُلِ، وقِيلَ: إنَّهم عَصَوْا هُودًا ومَن كانَ قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ، أوْ كانُوا بِحَيْثُ لَوْ بَعَثَ اللَّهُ إلَيْهِمْ رُسُلًا مُتَعَدِّدِينَ لَكَذَّبُوهم ﴿واتَّبَعُوا أمْرَ كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ الجَبّارُ المُتَكَبِّرُ، والعَنِيدُ: الطّاغِي الَّذِي لا يَقْبَلُ الحَقَّ ولا يُذْعِنُ لَهُ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: العَنِيدُ العَنُودُ والعانِدُ والمُعانِدُ، وهو المُعارِضُ بِالخِلافِ مِنهُ، ومِنهُ قِيلَ لِلْعِرْقِ الَّذِي يَتَفَجَّرُ بِالدَّمِ عانِدٌ.
قالَ الرّاجِزُ:
؎إنِّي كَبِيرٌ لا أُطِيقُ العُنَّدا
﴿وأُتْبِعُوا في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً﴾ أيْ: أُلْحِقُوها، وهي الإبْعادُ مِنَ الرَّحْمَةِ والطَّرْدُ مِنَ الخَيْرِ، والمَعْنى أنَّها لازِمَةٌ لَهم لا تُفارِقُهم ما دامُوا في الدُّنْيا وأُتْبِعُوها يَوْمَ القِيامَةِ فَلُعِنُوا هُنالِكَ كَما لُعِنُوا في الدُّنْيا ﴿ألا إنَّ عادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾ أيْ بِرَبِّهِمْ.
وقالَ الفَرّاءُ: كَفَرُوا نِعْمَةَ رَبِّهِمْ، يُقالُ: كَفَرْتُهُ وكَفَرَتُ بِهِ: مِثْلَ شَكَرْتُهُ وشَكَرْتُ لَهُ ﴿ألا بُعْدًا لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾ أيْ لا زالُوا مُبْعَدِينَ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، والبُعْدُ: الهَلاكُ، والبُعْدُ: التَّباعُدُ مِنَ الخَيْرِ، يُقالُ: بَعُدَ يَبْعُدُ بُعْدًا: إذا تَأخَّرَ وتَباعَدَ، وبَعُدَ يَبْعُدُ بُعْدًا: إذا هَلَكَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لا يَبْعَدَنْ قَوْمِي الَّذِينَ هُمُ ∗∗∗ سُمُّ العُداةِ وآفَةُ الجُزُرِ
وقالَ النّابِغَةُ:
؎فَلا تَبْعُدَنَّ إنَّ المَنِيَّةَ مَنهَلٌ ∗∗∗ وكُلُّ امْرِئٍ يَوْمًا بِهِ الحالُ زائِلُ
ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ما كانَ يَنْفَعُنِي مَقالُ نِسائِهِمْ ∗∗∗ وقُتِلْتُ دُونَ رِجالِهِمْ لا تَبْعَدِ
وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ العَرَبَ تَسْتَعْمِلُهُ في الدُّعاءِ بِالهَلاكِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ ﴿إلّا عَلى الَّذِي فَطَرَنِي﴾ أيْ خَلَقَنِي.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: أمْسَكَ اللَّهُ عَنْ عادٍ (p-٦٦٣)القَطْرَ ثَلاثَ سِنِينَ، فَقالَ لَهم هُودٌ: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ فَأبَوْا إلّا تَمادِيًا.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ هارُونَ التَّيْمِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ قالَ: المَطَرَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكم﴾ قالَ: شِدَّةً إلى شِدَّتِكم.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ويَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكم﴾ قالَ: ولَدَ الوَلَدِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ نَقُولُ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾ قالَ: أصابَتْكَ بِالجُنُونِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ يَحْيى بْنِ سَعِيدٍ قالَ: ما مِن أحَدٍ يَخافُ لِصًّا عادِيًا، أوْ سَبُعًا ضارِيًا، أوْ شَيْطانًا مارِدًا - فَيَتْلُو هَذِهِ الآيَةَ إلّا صَرَفَهُ اللَّهُ عَنْهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ قالَ: الحَقُّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي مالِكٍ في قَوْلِهِ: ﴿عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ قالَ: شَدِيدٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ قالَ: المُشْرِكُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: العَنِيدُ المُشاقُّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وأُتْبِعُوا في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً﴾ قالَ: لَمْ يُبْعَثْ نَبِيٌّ بَعْدَ عادٍ إلّا لُعِنَتْ عَلى لِسانِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: تَتابَعَتْ عَلَيْهِمْ لَعْنَتانِ مِنَ اللَّهِ: لَعْنَةٌ في الدُّنْيا، ولَعْنَةٌ في الآخِرَةِ.
هود 11:61
.
قَوْلُهُ: ﴿وإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما تَقَدَّمَ، والتَّقْدِيرُ: وأرْسَلْنا إلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا، والكَلامُ فِيهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ كَما تَقَدَّمَ في قِصَّةِ هُودٍ.
وقَرَأ الحَسَنُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ وإلى ثَمُودٍ بِالتَّنْوِينِ في جَمِيعِ المَواضِعِ.
واخْتَلَفَ سائِرُ القُرّاءِ فِيهِ فَصَرَفُوهُ في مَوْضِعٍ ولَمْ يَصْرِفُوهُ في مَوْضِعٍ، فالصَّرْفُ بِاعْتِبارِ التَّأْوِيلِ بِالحَيِّ، والمَنعُ بِاعْتِبارِ التَّأْوِيلِ بِالقَبِيلَةِ، وهَكَذا سائِرُ ما يَصِحُّ فِيهِ التَّأْوِيلانِ، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ في التَّأْنِيثِ بِاعْتِبارِ التَّأْوِيلِ بِالقَبِيلَةِ:
؎غَلَبَ المَسامِيحَ الوَلِيدُ جَماعَةً وكَفى قُرَيْشَ المُعْضِلاتِ وسادَها
﴿هُوَ أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ﴾ أيِ ابْتَدَأ خَلْقَكم مِنَ الأرْضِ، لِأنَّ كُلَّ بَنِي آدَمَ مِن صُلْبِ آدَمَ، وهو مَخْلُوقٌ مِنَ الأرْضِ ﴿واسْتَعْمَرَكم فِيها﴾ أيْ جَعَلَكم عُمّارَها وسُكّانَها، مِن قَوْلِهِمْ: أعْمَرَ فُلانٌ فُلانًا دارَهُ فَهي لَهُ عُمْرى، فَيَكُونُ اسْتَفْعَلْ بِمَعْنى أفْعَلَ: مِثْلَ اسْتَجابَ بِمَعْنى أجابَ.
وقالَ الضَّحّاكُ: مَعْناهُ أطالَ أعْمارَكم، وكانَتْ أعْمارُهم مِن ثَلاثِمِائَةٍ إلى ألْفٍ، وقِيلَ مَعْناهُ: أمَرَكم بِعِمارَتِها مِن بِناءِ المَساكِنِ وغَرْسِ الأشْجارِ ﴿فاسْتَغْفِرُوهُ﴾ أيْ سَلُوهُ المَغْفِرَةَ لَكم مِن عِبادَةِ الأصْنامِ ﴿ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ أيِ ارْجِعُوا إلى عِبادَتِهِ ﴿إنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ أيْ قَرِيبُ الإجابَةِ لِمَن دَعاهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيهِ في البَقَرَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ﴾ [البقرة: ١٨٦] .
﴿قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذا﴾ أيْ كُنّا نَرْجُو أنْ تَكُونَ فِينا سَيِّدًا مُطاعًا نَنْتَفِعُ بِرَأْيِكَ، ونَسْعَدُ بِسِيادَتِكَ قَبْلَ هَذا الَّذِي أظْهَرْتَهُ مِنِ ادِّعائِكَ النُّبُوَّةَ ودَعْوَتِكَ إلى التَّوْحِيدِ، وقِيلَ: كانَ صالِحٌ يَعِيبُ آلِهَتَهم وكانُوا يَرْجُونَ رُجُوعَهُ إلى دِينِهِمْ، فَلَمّا دَعاهم إلى اللَّهِ قالُوا انْقَطَعَ رَجاؤُنا مِنكَ، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿أتَنْهانا أنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ لِلْإنْكارِ أنْكَرُوا عَلَيْهِ هَذا النَّهْيَ، وأنْ نَعْبُدَ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِحَذْفِ الجارِّ: أيْ بِأنْ نَعْبُدَ، ومَعْنى ما يَعْبُدُ آباؤُنا: ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا، فَهو حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ ﴿وإنَّنا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ مِن أرَبْتُهُ فَأنا أُرِيبُهُ: إذا فَعَلْتُ بِهِ فِعْلًا يُوجِبُ لَهُ الرِّيبَةَ، وهي قَلَقُ النَّفْسِ وانْتِفاءُ الطُّمَأْنِينَةِ، أوْ مِن أرابَ الرَّجُلُ: إذا كانَ ذا رِيبَةٍ، والمَعْنى: إنَّنا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ مِن عِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ، وتَرْكُ عِبادَةِ الأوْثانِ مُوقِعٌ في الرَّيْبِ.
﴿قالَ ياقَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي﴾ أيْ حُجَّةٍ ظاهِرَةٍ وبُرْهانٍ صَحِيحٍ ﴿وآتانِي مِنهُ﴾ أيْ مِن جِهَتِهِ رَحْمَةً أيْ نُبُوَّةً، وهَذِهِ الأُمُورُ وإنْ كانَتْ مُتَحَقِّقَةَ الوُقُوعِ، لَكِنَّها صُدِّرَتْ بِكَلِمَةِ الشَّكِّ اعْتِبارًا بِحالِ المُخاطَبِينَ، لِأنَّهم في شَكٍّ مِن ذَلِكَ، كَما وصَفُوهُ عَنْ أنْفُسِهِمْ ﴿فَمَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ﴾ اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ النَّفْيُ: أيْ لا ناصِرَ لِي يَمْنَعُنِي مِن عَذابِ اللَّهِ ﴿إنْ عَصَيْتُهُ﴾ في تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ وراقَبْتُكم وفَتَرْتُ عَمّا يَجِبُ عَلَيَّ مِنَ البَلاغِ ﴿فَما تَزِيدُونَنِي﴾ بِتَثْبِيطِكم إيّايَ ﴿غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ بِأنْ تَجْعَلُونِي خاسِرًا بِإبْطالِ عَمَلِي، والتَّعَرُّضِ لِعُقُوبَةِ اللَّهِ لِي.
قالَ الفَرّاءُ: أيْ تَضْلِيلٍ وإبْعادٍ مِنَ الخَيْرِ، وقِيلَ المَعْنى: فَما تَزِيدُونَنِي بِاحْتِياجِكم بِدِينِ آبائِكم غَيْرَ بَصِيرَةٍ بِخَسارَتِكم.
قَوْلُهُ: ﴿ويا قَوْمِ هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكم آيَةً﴾ قَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في الأعْرافِ، ومَعْنى ﴿لَكم آيَةً﴾: مُعْجِزَةً ظاهِرَةً، وهي مُنْتَصِبَةٌ عَلى الحالِ، ولَكم في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن آيَةٍ مُقَدَّمَةٍ عَلَيْها، ولَوْ تَأخَّرَتْ لَكانَتْ صِفَةً لَها، وقِيلَ: إنَّ ناقَةَ اللَّهِ بَدَلٌ مِن هَذِهِ، والخَبَرُ لَكم، والأوَّلُ أوْلى، وإنَّما قالَ: ﴿ناقَةُ اللَّهِ﴾ لِأنَّهُ أخْرَجَها لَهم مِن جَبَلٍ عَلى حَسَبِ اقْتِراحِهِمْ، وقِيلَ: مِن صَخْرَةٍ صَمّاءَ (p-٦٦٤)﴿فَذَرُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللَّهِ﴾ أيْ دَعُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللَّهِ مِمّا فِيها مِنَ المَراعِي الَّتِي تَأْكُلُها الحَيَواناتُ.
قالَ أبُو إسْحاقَ الزَّجّاجُ: ويَجُوزُ رَفْعُ ( تَأْكُلْ ) عَلى الحالِ والِاسْتِئْنافِ، ولَعَلَّهُ يَعْنِي في الأصْلِ عَلى ما تَقْتَضِيهِ لُغَةُ العَرَبِ لا في الآيَةِ، فالمُعْتَمَدُ القِراءاتُ المَرْوِيَّةُ عَلى وجْهِ الصِّحَّةِ ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ﴾ .
قالَ الفَرّاءُ: بِعَقْرٍ، والظّاهِرُ أنَّ النَّهْيَ عَمّا هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ ﴿فَيَأْخُذَكم عَذابٌ قَرِيبٌ﴾ جَوابُ النَّهْيِ: أيْ قَرِيبٌ مِن عَقْرِها، وذَلِكَ ثَلاثَةُ أيّامٍ.
فَعَقَرُوها أيْ فَلَمْ يَمْتَثِلُوا الأمْرَ مِن صالِحٍ ولا النَّهْيَ، بَلْ خالَفُوا كُلَّ ذَلِكَ فَوَقَعَ مِنهُمُ العَقْرُ لَها فَقالَ لَهم صالِحٌ ﴿تَمَتَّعُوا في دارِكم ثَلاثَةَ أيّامٍ﴾ أيْ تَمَتَّعُوا بِالعَيْشِ في مَنازِلِكم ثَلاثَةَ أيّامٍ، فَإنَّ العِقابَ نازِلٌ عَلَيْكم بَعْدَها، قِيلَ: إنَّهم عَقَرُوها يَوْمَ الأرْبِعاءِ، فَأقامُوا الخَمِيسَ والجُمُعَةَ والسَّبْتَ وأتاهُمُ العَذابُ يَوْمَ الأحَدِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الأمْرُ بِالتَّمَتُّعِ ثَلاثَةَ أيّامٍ ﴿وعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ أيْ غَيْرُ مَكْذُوبٍ فِيهِ، فَحَذَفَ الجارَّ اتِّساعًا، أوْ مِن بابِ المَجازِ كَأنَّ الوَعْدَ إذا وُفِّيَ بِهِ صَدَقَ ولَمْ يَكْذِبْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا: أيْ وعْدٌ غَيْرُ كَذِبٍ.
﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ أيْ عَذابُنا، أوْ أمْرُنا بِوُقُوعِ العَذابِ ﴿نَجَّيْنا صالِحًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في قِصَّةِ هُودٍ ﴿ومِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾ أيْ ونَجَّيْناهم مِن خِزْيِ يَوْمَئِذٍ وهو هَلاكُهم بِالصَّيْحَةِ، والخِزْيُ: الذُّلُّ والمَهانَةُ، وقِيلَ مِن عَذابِ يَوْمِ القِيامَةِ، والأوَّلُ أوْلى.
وقَرَأ نافِعٌ والكِسائِيُّ بِفَتْحِ ( يَوْمَ ) عَلى أنَّهُ اكْتَسَبَ البِناءَ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِالكَسْرِ ﴿إنَّ رَبَّكَ هو القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ القادِرُ الغالِبُ الَّذِي لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ.
﴿وأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ أيْ في اليَوْمِ الرّابِعِ مِن عَقْرِ النّاقَةِ، صِيحَ بِهِمْ فَماتُوا، وذُكِرَ الفِعْلُ لِأنَّ الصَّيْحَةَ والصِّياحَ واحِدٌ مَعَ كَوْنِ التَّأْنِيثِ غَيْرَ حَقِيقِيٍّ، قِيلَ صَيْحَةُ جِبْرِيلَ، وقِيلَ صَيْحَةٌ مِنَ السَّماءِ فَتَقَطَّعَتْ قُلُوبُهم وماتُوا، وتَقَدَّمَ في الأعْرافِ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ [الأعراف: ٧٨] قِيلَ: ولَعَلَّها وقَعَتْ عَقِبَ الصَّيْحَةِ ﴿فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ أيْ ساقِطِينَ عَلى وُجُوهِهِمْ مَوْتى قَدْ لَصِقُوا بِالتُّرابِ كالطَّيْرِ إذا جَثَمَتْ.
﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾ أيْ كَأنَّهم لَمْ يُقِيمُوا في بِلادِهِمْ أوْ دِيارِهِمْ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ والتَّقْدِيرِ: مُماثِلِينَ لِمَن لَمْ يُوجَدْ ولَمْ يَقُمْ في مَقامٍ قَطُّ ﴿ألا إنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾ وضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِزِيادَةِ البَيانِ، وصَرَّحَ بِكُفْرِهِمْ مَعَ كَوْنِهِ مَعْلُومًا تَعْلِيلًا لِلدُّعاءِ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ألا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾ .
وقَرَأ الكِسائِيُّ بِالتَّنْوِينِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ القِصَّةِ في الأعْرافِ بِما يَحْتاجُ إلى مُراجَعَتِهِ لِيَضُمَّ ما في إحْدى القِصَّتَيْنِ مِنَ الفَوائِدِ إلى الأُخْرى.
وقَدْ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿هُوَ أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ﴾ قالَ: خَلَقَكم مِنَ الأرْضِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿واسْتَعْمَرَكم فِيها﴾ قالَ: أعْمَرَكم فِيها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ ﴿واسْتَعْمَرَكم فِيها﴾ قالَ: اسْتَخْلَفَكم فِيها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ يَقُولُ: ما تَزْدادُونَ أنْتُمْ إلّا خَسارًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ قالَ: مَيِّتِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾ قالَ: كَأنْ لَمْ يَعِيشُوا فِيها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ، قالَ: كَأنْ لَمْ يَعْمُرُوا فِيها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: كَأنْ لَمْ يَنْعَمُوا فِيها.
هود 11:62
.
قَوْلُهُ: ﴿وإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما تَقَدَّمَ، والتَّقْدِيرُ: وأرْسَلْنا إلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا، والكَلامُ فِيهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ كَما تَقَدَّمَ في قِصَّةِ هُودٍ.
وقَرَأ الحَسَنُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ وإلى ثَمُودٍ بِالتَّنْوِينِ في جَمِيعِ المَواضِعِ.
واخْتَلَفَ سائِرُ القُرّاءِ فِيهِ فَصَرَفُوهُ في مَوْضِعٍ ولَمْ يَصْرِفُوهُ في مَوْضِعٍ، فالصَّرْفُ بِاعْتِبارِ التَّأْوِيلِ بِالحَيِّ، والمَنعُ بِاعْتِبارِ التَّأْوِيلِ بِالقَبِيلَةِ، وهَكَذا سائِرُ ما يَصِحُّ فِيهِ التَّأْوِيلانِ، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ في التَّأْنِيثِ بِاعْتِبارِ التَّأْوِيلِ بِالقَبِيلَةِ:
؎غَلَبَ المَسامِيحَ الوَلِيدُ جَماعَةً وكَفى قُرَيْشَ المُعْضِلاتِ وسادَها
﴿هُوَ أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ﴾ أيِ ابْتَدَأ خَلْقَكم مِنَ الأرْضِ، لِأنَّ كُلَّ بَنِي آدَمَ مِن صُلْبِ آدَمَ، وهو مَخْلُوقٌ مِنَ الأرْضِ ﴿واسْتَعْمَرَكم فِيها﴾ أيْ جَعَلَكم عُمّارَها وسُكّانَها، مِن قَوْلِهِمْ: أعْمَرَ فُلانٌ فُلانًا دارَهُ فَهي لَهُ عُمْرى، فَيَكُونُ اسْتَفْعَلْ بِمَعْنى أفْعَلَ: مِثْلَ اسْتَجابَ بِمَعْنى أجابَ.
وقالَ الضَّحّاكُ: مَعْناهُ أطالَ أعْمارَكم، وكانَتْ أعْمارُهم مِن ثَلاثِمِائَةٍ إلى ألْفٍ، وقِيلَ مَعْناهُ: أمَرَكم بِعِمارَتِها مِن بِناءِ المَساكِنِ وغَرْسِ الأشْجارِ ﴿فاسْتَغْفِرُوهُ﴾ أيْ سَلُوهُ المَغْفِرَةَ لَكم مِن عِبادَةِ الأصْنامِ ﴿ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ أيِ ارْجِعُوا إلى عِبادَتِهِ ﴿إنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ أيْ قَرِيبُ الإجابَةِ لِمَن دَعاهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيهِ في البَقَرَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ﴾ [البقرة: ١٨٦] .
﴿قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذا﴾ أيْ كُنّا نَرْجُو أنْ تَكُونَ فِينا سَيِّدًا مُطاعًا نَنْتَفِعُ بِرَأْيِكَ، ونَسْعَدُ بِسِيادَتِكَ قَبْلَ هَذا الَّذِي أظْهَرْتَهُ مِنِ ادِّعائِكَ النُّبُوَّةَ ودَعْوَتِكَ إلى التَّوْحِيدِ، وقِيلَ: كانَ صالِحٌ يَعِيبُ آلِهَتَهم وكانُوا يَرْجُونَ رُجُوعَهُ إلى دِينِهِمْ، فَلَمّا دَعاهم إلى اللَّهِ قالُوا انْقَطَعَ رَجاؤُنا مِنكَ، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿أتَنْهانا أنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ لِلْإنْكارِ أنْكَرُوا عَلَيْهِ هَذا النَّهْيَ، وأنْ نَعْبُدَ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِحَذْفِ الجارِّ: أيْ بِأنْ نَعْبُدَ، ومَعْنى ما يَعْبُدُ آباؤُنا: ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا، فَهو حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ ﴿وإنَّنا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ مِن أرَبْتُهُ فَأنا أُرِيبُهُ: إذا فَعَلْتُ بِهِ فِعْلًا يُوجِبُ لَهُ الرِّيبَةَ، وهي قَلَقُ النَّفْسِ وانْتِفاءُ الطُّمَأْنِينَةِ، أوْ مِن أرابَ الرَّجُلُ: إذا كانَ ذا رِيبَةٍ، والمَعْنى: إنَّنا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ مِن عِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ، وتَرْكُ عِبادَةِ الأوْثانِ مُوقِعٌ في الرَّيْبِ.
﴿قالَ ياقَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي﴾ أيْ حُجَّةٍ ظاهِرَةٍ وبُرْهانٍ صَحِيحٍ ﴿وآتانِي مِنهُ﴾ أيْ مِن جِهَتِهِ رَحْمَةً أيْ نُبُوَّةً، وهَذِهِ الأُمُورُ وإنْ كانَتْ مُتَحَقِّقَةَ الوُقُوعِ، لَكِنَّها صُدِّرَتْ بِكَلِمَةِ الشَّكِّ اعْتِبارًا بِحالِ المُخاطَبِينَ، لِأنَّهم في شَكٍّ مِن ذَلِكَ، كَما وصَفُوهُ عَنْ أنْفُسِهِمْ ﴿فَمَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ﴾ اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ النَّفْيُ: أيْ لا ناصِرَ لِي يَمْنَعُنِي مِن عَذابِ اللَّهِ ﴿إنْ عَصَيْتُهُ﴾ في تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ وراقَبْتُكم وفَتَرْتُ عَمّا يَجِبُ عَلَيَّ مِنَ البَلاغِ ﴿فَما تَزِيدُونَنِي﴾ بِتَثْبِيطِكم إيّايَ ﴿غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ بِأنْ تَجْعَلُونِي خاسِرًا بِإبْطالِ عَمَلِي، والتَّعَرُّضِ لِعُقُوبَةِ اللَّهِ لِي.
قالَ الفَرّاءُ: أيْ تَضْلِيلٍ وإبْعادٍ مِنَ الخَيْرِ، وقِيلَ المَعْنى: فَما تَزِيدُونَنِي بِاحْتِياجِكم بِدِينِ آبائِكم غَيْرَ بَصِيرَةٍ بِخَسارَتِكم.
قَوْلُهُ: ﴿ويا قَوْمِ هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكم آيَةً﴾ قَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في الأعْرافِ، ومَعْنى ﴿لَكم آيَةً﴾: مُعْجِزَةً ظاهِرَةً، وهي مُنْتَصِبَةٌ عَلى الحالِ، ولَكم في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن آيَةٍ مُقَدَّمَةٍ عَلَيْها، ولَوْ تَأخَّرَتْ لَكانَتْ صِفَةً لَها، وقِيلَ: إنَّ ناقَةَ اللَّهِ بَدَلٌ مِن هَذِهِ، والخَبَرُ لَكم، والأوَّلُ أوْلى، وإنَّما قالَ: ﴿ناقَةُ اللَّهِ﴾ لِأنَّهُ أخْرَجَها لَهم مِن جَبَلٍ عَلى حَسَبِ اقْتِراحِهِمْ، وقِيلَ: مِن صَخْرَةٍ صَمّاءَ (p-٦٦٤)﴿فَذَرُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللَّهِ﴾ أيْ دَعُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللَّهِ مِمّا فِيها مِنَ المَراعِي الَّتِي تَأْكُلُها الحَيَواناتُ.
قالَ أبُو إسْحاقَ الزَّجّاجُ: ويَجُوزُ رَفْعُ ( تَأْكُلْ ) عَلى الحالِ والِاسْتِئْنافِ، ولَعَلَّهُ يَعْنِي في الأصْلِ عَلى ما تَقْتَضِيهِ لُغَةُ العَرَبِ لا في الآيَةِ، فالمُعْتَمَدُ القِراءاتُ المَرْوِيَّةُ عَلى وجْهِ الصِّحَّةِ ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ﴾ .
قالَ الفَرّاءُ: بِعَقْرٍ، والظّاهِرُ أنَّ النَّهْيَ عَمّا هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ ﴿فَيَأْخُذَكم عَذابٌ قَرِيبٌ﴾ جَوابُ النَّهْيِ: أيْ قَرِيبٌ مِن عَقْرِها، وذَلِكَ ثَلاثَةُ أيّامٍ.
فَعَقَرُوها أيْ فَلَمْ يَمْتَثِلُوا الأمْرَ مِن صالِحٍ ولا النَّهْيَ، بَلْ خالَفُوا كُلَّ ذَلِكَ فَوَقَعَ مِنهُمُ العَقْرُ لَها فَقالَ لَهم صالِحٌ ﴿تَمَتَّعُوا في دارِكم ثَلاثَةَ أيّامٍ﴾ أيْ تَمَتَّعُوا بِالعَيْشِ في مَنازِلِكم ثَلاثَةَ أيّامٍ، فَإنَّ العِقابَ نازِلٌ عَلَيْكم بَعْدَها، قِيلَ: إنَّهم عَقَرُوها يَوْمَ الأرْبِعاءِ، فَأقامُوا الخَمِيسَ والجُمُعَةَ والسَّبْتَ وأتاهُمُ العَذابُ يَوْمَ الأحَدِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الأمْرُ بِالتَّمَتُّعِ ثَلاثَةَ أيّامٍ ﴿وعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ أيْ غَيْرُ مَكْذُوبٍ فِيهِ، فَحَذَفَ الجارَّ اتِّساعًا، أوْ مِن بابِ المَجازِ كَأنَّ الوَعْدَ إذا وُفِّيَ بِهِ صَدَقَ ولَمْ يَكْذِبْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا: أيْ وعْدٌ غَيْرُ كَذِبٍ.
﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ أيْ عَذابُنا، أوْ أمْرُنا بِوُقُوعِ العَذابِ ﴿نَجَّيْنا صالِحًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في قِصَّةِ هُودٍ ﴿ومِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾ أيْ ونَجَّيْناهم مِن خِزْيِ يَوْمَئِذٍ وهو هَلاكُهم بِالصَّيْحَةِ، والخِزْيُ: الذُّلُّ والمَهانَةُ، وقِيلَ مِن عَذابِ يَوْمِ القِيامَةِ، والأوَّلُ أوْلى.
وقَرَأ نافِعٌ والكِسائِيُّ بِفَتْحِ ( يَوْمَ ) عَلى أنَّهُ اكْتَسَبَ البِناءَ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِالكَسْرِ ﴿إنَّ رَبَّكَ هو القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ القادِرُ الغالِبُ الَّذِي لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ.
﴿وأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ أيْ في اليَوْمِ الرّابِعِ مِن عَقْرِ النّاقَةِ، صِيحَ بِهِمْ فَماتُوا، وذُكِرَ الفِعْلُ لِأنَّ الصَّيْحَةَ والصِّياحَ واحِدٌ مَعَ كَوْنِ التَّأْنِيثِ غَيْرَ حَقِيقِيٍّ، قِيلَ صَيْحَةُ جِبْرِيلَ، وقِيلَ صَيْحَةٌ مِنَ السَّماءِ فَتَقَطَّعَتْ قُلُوبُهم وماتُوا، وتَقَدَّمَ في الأعْرافِ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ [الأعراف: ٧٨] قِيلَ: ولَعَلَّها وقَعَتْ عَقِبَ الصَّيْحَةِ ﴿فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ أيْ ساقِطِينَ عَلى وُجُوهِهِمْ مَوْتى قَدْ لَصِقُوا بِالتُّرابِ كالطَّيْرِ إذا جَثَمَتْ.
﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾ أيْ كَأنَّهم لَمْ يُقِيمُوا في بِلادِهِمْ أوْ دِيارِهِمْ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ والتَّقْدِيرِ: مُماثِلِينَ لِمَن لَمْ يُوجَدْ ولَمْ يَقُمْ في مَقامٍ قَطُّ ﴿ألا إنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾ وضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِزِيادَةِ البَيانِ، وصَرَّحَ بِكُفْرِهِمْ مَعَ كَوْنِهِ مَعْلُومًا تَعْلِيلًا لِلدُّعاءِ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ألا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾ .
وقَرَأ الكِسائِيُّ بِالتَّنْوِينِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ القِصَّةِ في الأعْرافِ بِما يَحْتاجُ إلى مُراجَعَتِهِ لِيَضُمَّ ما في إحْدى القِصَّتَيْنِ مِنَ الفَوائِدِ إلى الأُخْرى.
وقَدْ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿هُوَ أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ﴾ قالَ: خَلَقَكم مِنَ الأرْضِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿واسْتَعْمَرَكم فِيها﴾ قالَ: أعْمَرَكم فِيها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ ﴿واسْتَعْمَرَكم فِيها﴾ قالَ: اسْتَخْلَفَكم فِيها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ يَقُولُ: ما تَزْدادُونَ أنْتُمْ إلّا خَسارًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ قالَ: مَيِّتِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾ قالَ: كَأنْ لَمْ يَعِيشُوا فِيها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ، قالَ: كَأنْ لَمْ يَعْمُرُوا فِيها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: كَأنْ لَمْ يَنْعَمُوا فِيها.
هود 11:63
.
قَوْلُهُ: ﴿وإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما تَقَدَّمَ، والتَّقْدِيرُ: وأرْسَلْنا إلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا، والكَلامُ فِيهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ كَما تَقَدَّمَ في قِصَّةِ هُودٍ.
وقَرَأ الحَسَنُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ وإلى ثَمُودٍ بِالتَّنْوِينِ في جَمِيعِ المَواضِعِ.
واخْتَلَفَ سائِرُ القُرّاءِ فِيهِ فَصَرَفُوهُ في مَوْضِعٍ ولَمْ يَصْرِفُوهُ في مَوْضِعٍ، فالصَّرْفُ بِاعْتِبارِ التَّأْوِيلِ بِالحَيِّ، والمَنعُ بِاعْتِبارِ التَّأْوِيلِ بِالقَبِيلَةِ، وهَكَذا سائِرُ ما يَصِحُّ فِيهِ التَّأْوِيلانِ، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ في التَّأْنِيثِ بِاعْتِبارِ التَّأْوِيلِ بِالقَبِيلَةِ:
؎غَلَبَ المَسامِيحَ الوَلِيدُ جَماعَةً وكَفى قُرَيْشَ المُعْضِلاتِ وسادَها
﴿هُوَ أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ﴾ أيِ ابْتَدَأ خَلْقَكم مِنَ الأرْضِ، لِأنَّ كُلَّ بَنِي آدَمَ مِن صُلْبِ آدَمَ، وهو مَخْلُوقٌ مِنَ الأرْضِ ﴿واسْتَعْمَرَكم فِيها﴾ أيْ جَعَلَكم عُمّارَها وسُكّانَها، مِن قَوْلِهِمْ: أعْمَرَ فُلانٌ فُلانًا دارَهُ فَهي لَهُ عُمْرى، فَيَكُونُ اسْتَفْعَلْ بِمَعْنى أفْعَلَ: مِثْلَ اسْتَجابَ بِمَعْنى أجابَ.
وقالَ الضَّحّاكُ: مَعْناهُ أطالَ أعْمارَكم، وكانَتْ أعْمارُهم مِن ثَلاثِمِائَةٍ إلى ألْفٍ، وقِيلَ مَعْناهُ: أمَرَكم بِعِمارَتِها مِن بِناءِ المَساكِنِ وغَرْسِ الأشْجارِ ﴿فاسْتَغْفِرُوهُ﴾ أيْ سَلُوهُ المَغْفِرَةَ لَكم مِن عِبادَةِ الأصْنامِ ﴿ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ أيِ ارْجِعُوا إلى عِبادَتِهِ ﴿إنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ أيْ قَرِيبُ الإجابَةِ لِمَن دَعاهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيهِ في البَقَرَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ﴾ [البقرة: ١٨٦] .
﴿قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذا﴾ أيْ كُنّا نَرْجُو أنْ تَكُونَ فِينا سَيِّدًا مُطاعًا نَنْتَفِعُ بِرَأْيِكَ، ونَسْعَدُ بِسِيادَتِكَ قَبْلَ هَذا الَّذِي أظْهَرْتَهُ مِنِ ادِّعائِكَ النُّبُوَّةَ ودَعْوَتِكَ إلى التَّوْحِيدِ، وقِيلَ: كانَ صالِحٌ يَعِيبُ آلِهَتَهم وكانُوا يَرْجُونَ رُجُوعَهُ إلى دِينِهِمْ، فَلَمّا دَعاهم إلى اللَّهِ قالُوا انْقَطَعَ رَجاؤُنا مِنكَ، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿أتَنْهانا أنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ لِلْإنْكارِ أنْكَرُوا عَلَيْهِ هَذا النَّهْيَ، وأنْ نَعْبُدَ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِحَذْفِ الجارِّ: أيْ بِأنْ نَعْبُدَ، ومَعْنى ما يَعْبُدُ آباؤُنا: ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا، فَهو حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ ﴿وإنَّنا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ مِن أرَبْتُهُ فَأنا أُرِيبُهُ: إذا فَعَلْتُ بِهِ فِعْلًا يُوجِبُ لَهُ الرِّيبَةَ، وهي قَلَقُ النَّفْسِ وانْتِفاءُ الطُّمَأْنِينَةِ، أوْ مِن أرابَ الرَّجُلُ: إذا كانَ ذا رِيبَةٍ، والمَعْنى: إنَّنا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ مِن عِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ، وتَرْكُ عِبادَةِ الأوْثانِ مُوقِعٌ في الرَّيْبِ.
﴿قالَ ياقَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي﴾ أيْ حُجَّةٍ ظاهِرَةٍ وبُرْهانٍ صَحِيحٍ ﴿وآتانِي مِنهُ﴾ أيْ مِن جِهَتِهِ رَحْمَةً أيْ نُبُوَّةً، وهَذِهِ الأُمُورُ وإنْ كانَتْ مُتَحَقِّقَةَ الوُقُوعِ، لَكِنَّها صُدِّرَتْ بِكَلِمَةِ الشَّكِّ اعْتِبارًا بِحالِ المُخاطَبِينَ، لِأنَّهم في شَكٍّ مِن ذَلِكَ، كَما وصَفُوهُ عَنْ أنْفُسِهِمْ ﴿فَمَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ﴾ اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ النَّفْيُ: أيْ لا ناصِرَ لِي يَمْنَعُنِي مِن عَذابِ اللَّهِ ﴿إنْ عَصَيْتُهُ﴾ في تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ وراقَبْتُكم وفَتَرْتُ عَمّا يَجِبُ عَلَيَّ مِنَ البَلاغِ ﴿فَما تَزِيدُونَنِي﴾ بِتَثْبِيطِكم إيّايَ ﴿غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ بِأنْ تَجْعَلُونِي خاسِرًا بِإبْطالِ عَمَلِي، والتَّعَرُّضِ لِعُقُوبَةِ اللَّهِ لِي.
قالَ الفَرّاءُ: أيْ تَضْلِيلٍ وإبْعادٍ مِنَ الخَيْرِ، وقِيلَ المَعْنى: فَما تَزِيدُونَنِي بِاحْتِياجِكم بِدِينِ آبائِكم غَيْرَ بَصِيرَةٍ بِخَسارَتِكم.
قَوْلُهُ: ﴿ويا قَوْمِ هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكم آيَةً﴾ قَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في الأعْرافِ، ومَعْنى ﴿لَكم آيَةً﴾: مُعْجِزَةً ظاهِرَةً، وهي مُنْتَصِبَةٌ عَلى الحالِ، ولَكم في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن آيَةٍ مُقَدَّمَةٍ عَلَيْها، ولَوْ تَأخَّرَتْ لَكانَتْ صِفَةً لَها، وقِيلَ: إنَّ ناقَةَ اللَّهِ بَدَلٌ مِن هَذِهِ، والخَبَرُ لَكم، والأوَّلُ أوْلى، وإنَّما قالَ: ﴿ناقَةُ اللَّهِ﴾ لِأنَّهُ أخْرَجَها لَهم مِن جَبَلٍ عَلى حَسَبِ اقْتِراحِهِمْ، وقِيلَ: مِن صَخْرَةٍ صَمّاءَ (p-٦٦٤)﴿فَذَرُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللَّهِ﴾ أيْ دَعُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللَّهِ مِمّا فِيها مِنَ المَراعِي الَّتِي تَأْكُلُها الحَيَواناتُ.
قالَ أبُو إسْحاقَ الزَّجّاجُ: ويَجُوزُ رَفْعُ ( تَأْكُلْ ) عَلى الحالِ والِاسْتِئْنافِ، ولَعَلَّهُ يَعْنِي في الأصْلِ عَلى ما تَقْتَضِيهِ لُغَةُ العَرَبِ لا في الآيَةِ، فالمُعْتَمَدُ القِراءاتُ المَرْوِيَّةُ عَلى وجْهِ الصِّحَّةِ ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ﴾ .
قالَ الفَرّاءُ: بِعَقْرٍ، والظّاهِرُ أنَّ النَّهْيَ عَمّا هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ ﴿فَيَأْخُذَكم عَذابٌ قَرِيبٌ﴾ جَوابُ النَّهْيِ: أيْ قَرِيبٌ مِن عَقْرِها، وذَلِكَ ثَلاثَةُ أيّامٍ.
فَعَقَرُوها أيْ فَلَمْ يَمْتَثِلُوا الأمْرَ مِن صالِحٍ ولا النَّهْيَ، بَلْ خالَفُوا كُلَّ ذَلِكَ فَوَقَعَ مِنهُمُ العَقْرُ لَها فَقالَ لَهم صالِحٌ ﴿تَمَتَّعُوا في دارِكم ثَلاثَةَ أيّامٍ﴾ أيْ تَمَتَّعُوا بِالعَيْشِ في مَنازِلِكم ثَلاثَةَ أيّامٍ، فَإنَّ العِقابَ نازِلٌ عَلَيْكم بَعْدَها، قِيلَ: إنَّهم عَقَرُوها يَوْمَ الأرْبِعاءِ، فَأقامُوا الخَمِيسَ والجُمُعَةَ والسَّبْتَ وأتاهُمُ العَذابُ يَوْمَ الأحَدِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الأمْرُ بِالتَّمَتُّعِ ثَلاثَةَ أيّامٍ ﴿وعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ أيْ غَيْرُ مَكْذُوبٍ فِيهِ، فَحَذَفَ الجارَّ اتِّساعًا، أوْ مِن بابِ المَجازِ كَأنَّ الوَعْدَ إذا وُفِّيَ بِهِ صَدَقَ ولَمْ يَكْذِبْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا: أيْ وعْدٌ غَيْرُ كَذِبٍ.
﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ أيْ عَذابُنا، أوْ أمْرُنا بِوُقُوعِ العَذابِ ﴿نَجَّيْنا صالِحًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في قِصَّةِ هُودٍ ﴿ومِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾ أيْ ونَجَّيْناهم مِن خِزْيِ يَوْمَئِذٍ وهو هَلاكُهم بِالصَّيْحَةِ، والخِزْيُ: الذُّلُّ والمَهانَةُ، وقِيلَ مِن عَذابِ يَوْمِ القِيامَةِ، والأوَّلُ أوْلى.
وقَرَأ نافِعٌ والكِسائِيُّ بِفَتْحِ ( يَوْمَ ) عَلى أنَّهُ اكْتَسَبَ البِناءَ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِالكَسْرِ ﴿إنَّ رَبَّكَ هو القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ القادِرُ الغالِبُ الَّذِي لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ.
﴿وأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ أيْ في اليَوْمِ الرّابِعِ مِن عَقْرِ النّاقَةِ، صِيحَ بِهِمْ فَماتُوا، وذُكِرَ الفِعْلُ لِأنَّ الصَّيْحَةَ والصِّياحَ واحِدٌ مَعَ كَوْنِ التَّأْنِيثِ غَيْرَ حَقِيقِيٍّ، قِيلَ صَيْحَةُ جِبْرِيلَ، وقِيلَ صَيْحَةٌ مِنَ السَّماءِ فَتَقَطَّعَتْ قُلُوبُهم وماتُوا، وتَقَدَّمَ في الأعْرافِ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ [الأعراف: ٧٨] قِيلَ: ولَعَلَّها وقَعَتْ عَقِبَ الصَّيْحَةِ ﴿فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ أيْ ساقِطِينَ عَلى وُجُوهِهِمْ مَوْتى قَدْ لَصِقُوا بِالتُّرابِ كالطَّيْرِ إذا جَثَمَتْ.
﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾ أيْ كَأنَّهم لَمْ يُقِيمُوا في بِلادِهِمْ أوْ دِيارِهِمْ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ والتَّقْدِيرِ: مُماثِلِينَ لِمَن لَمْ يُوجَدْ ولَمْ يَقُمْ في مَقامٍ قَطُّ ﴿ألا إنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾ وضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِزِيادَةِ البَيانِ، وصَرَّحَ بِكُفْرِهِمْ مَعَ كَوْنِهِ مَعْلُومًا تَعْلِيلًا لِلدُّعاءِ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ألا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾ .
وقَرَأ الكِسائِيُّ بِالتَّنْوِينِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ القِصَّةِ في الأعْرافِ بِما يَحْتاجُ إلى مُراجَعَتِهِ لِيَضُمَّ ما في إحْدى القِصَّتَيْنِ مِنَ الفَوائِدِ إلى الأُخْرى.
وقَدْ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿هُوَ أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ﴾ قالَ: خَلَقَكم مِنَ الأرْضِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿واسْتَعْمَرَكم فِيها﴾ قالَ: أعْمَرَكم فِيها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ ﴿واسْتَعْمَرَكم فِيها﴾ قالَ: اسْتَخْلَفَكم فِيها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ يَقُولُ: ما تَزْدادُونَ أنْتُمْ إلّا خَسارًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ قالَ: مَيِّتِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾ قالَ: كَأنْ لَمْ يَعِيشُوا فِيها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ، قالَ: كَأنْ لَمْ يَعْمُرُوا فِيها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: كَأنْ لَمْ يَنْعَمُوا فِيها.
هود 11:64
.
قَوْلُهُ: ﴿وإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما تَقَدَّمَ، والتَّقْدِيرُ: وأرْسَلْنا إلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا، والكَلامُ فِيهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ كَما تَقَدَّمَ في قِصَّةِ هُودٍ.
وقَرَأ الحَسَنُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ وإلى ثَمُودٍ بِالتَّنْوِينِ في جَمِيعِ المَواضِعِ.
واخْتَلَفَ سائِرُ القُرّاءِ فِيهِ فَصَرَفُوهُ في مَوْضِعٍ ولَمْ يَصْرِفُوهُ في مَوْضِعٍ، فالصَّرْفُ بِاعْتِبارِ التَّأْوِيلِ بِالحَيِّ، والمَنعُ بِاعْتِبارِ التَّأْوِيلِ بِالقَبِيلَةِ، وهَكَذا سائِرُ ما يَصِحُّ فِيهِ التَّأْوِيلانِ، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ في التَّأْنِيثِ بِاعْتِبارِ التَّأْوِيلِ بِالقَبِيلَةِ:
؎غَلَبَ المَسامِيحَ الوَلِيدُ جَماعَةً وكَفى قُرَيْشَ المُعْضِلاتِ وسادَها
﴿هُوَ أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ﴾ أيِ ابْتَدَأ خَلْقَكم مِنَ الأرْضِ، لِأنَّ كُلَّ بَنِي آدَمَ مِن صُلْبِ آدَمَ، وهو مَخْلُوقٌ مِنَ الأرْضِ ﴿واسْتَعْمَرَكم فِيها﴾ أيْ جَعَلَكم عُمّارَها وسُكّانَها، مِن قَوْلِهِمْ: أعْمَرَ فُلانٌ فُلانًا دارَهُ فَهي لَهُ عُمْرى، فَيَكُونُ اسْتَفْعَلْ بِمَعْنى أفْعَلَ: مِثْلَ اسْتَجابَ بِمَعْنى أجابَ.
وقالَ الضَّحّاكُ: مَعْناهُ أطالَ أعْمارَكم، وكانَتْ أعْمارُهم مِن ثَلاثِمِائَةٍ إلى ألْفٍ، وقِيلَ مَعْناهُ: أمَرَكم بِعِمارَتِها مِن بِناءِ المَساكِنِ وغَرْسِ الأشْجارِ ﴿فاسْتَغْفِرُوهُ﴾ أيْ سَلُوهُ المَغْفِرَةَ لَكم مِن عِبادَةِ الأصْنامِ ﴿ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ أيِ ارْجِعُوا إلى عِبادَتِهِ ﴿إنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ أيْ قَرِيبُ الإجابَةِ لِمَن دَعاهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيهِ في البَقَرَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ﴾ [البقرة: ١٨٦] .
﴿قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذا﴾ أيْ كُنّا نَرْجُو أنْ تَكُونَ فِينا سَيِّدًا مُطاعًا نَنْتَفِعُ بِرَأْيِكَ، ونَسْعَدُ بِسِيادَتِكَ قَبْلَ هَذا الَّذِي أظْهَرْتَهُ مِنِ ادِّعائِكَ النُّبُوَّةَ ودَعْوَتِكَ إلى التَّوْحِيدِ، وقِيلَ: كانَ صالِحٌ يَعِيبُ آلِهَتَهم وكانُوا يَرْجُونَ رُجُوعَهُ إلى دِينِهِمْ، فَلَمّا دَعاهم إلى اللَّهِ قالُوا انْقَطَعَ رَجاؤُنا مِنكَ، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿أتَنْهانا أنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ لِلْإنْكارِ أنْكَرُوا عَلَيْهِ هَذا النَّهْيَ، وأنْ نَعْبُدَ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِحَذْفِ الجارِّ: أيْ بِأنْ نَعْبُدَ، ومَعْنى ما يَعْبُدُ آباؤُنا: ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا، فَهو حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ ﴿وإنَّنا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ مِن أرَبْتُهُ فَأنا أُرِيبُهُ: إذا فَعَلْتُ بِهِ فِعْلًا يُوجِبُ لَهُ الرِّيبَةَ، وهي قَلَقُ النَّفْسِ وانْتِفاءُ الطُّمَأْنِينَةِ، أوْ مِن أرابَ الرَّجُلُ: إذا كانَ ذا رِيبَةٍ، والمَعْنى: إنَّنا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ مِن عِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ، وتَرْكُ عِبادَةِ الأوْثانِ مُوقِعٌ في الرَّيْبِ.
﴿قالَ ياقَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي﴾ أيْ حُجَّةٍ ظاهِرَةٍ وبُرْهانٍ صَحِيحٍ ﴿وآتانِي مِنهُ﴾ أيْ مِن جِهَتِهِ رَحْمَةً أيْ نُبُوَّةً، وهَذِهِ الأُمُورُ وإنْ كانَتْ مُتَحَقِّقَةَ الوُقُوعِ، لَكِنَّها صُدِّرَتْ بِكَلِمَةِ الشَّكِّ اعْتِبارًا بِحالِ المُخاطَبِينَ، لِأنَّهم في شَكٍّ مِن ذَلِكَ، كَما وصَفُوهُ عَنْ أنْفُسِهِمْ ﴿فَمَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ﴾ اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ النَّفْيُ: أيْ لا ناصِرَ لِي يَمْنَعُنِي مِن عَذابِ اللَّهِ ﴿إنْ عَصَيْتُهُ﴾ في تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ وراقَبْتُكم وفَتَرْتُ عَمّا يَجِبُ عَلَيَّ مِنَ البَلاغِ ﴿فَما تَزِيدُونَنِي﴾ بِتَثْبِيطِكم إيّايَ ﴿غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ بِأنْ تَجْعَلُونِي خاسِرًا بِإبْطالِ عَمَلِي، والتَّعَرُّضِ لِعُقُوبَةِ اللَّهِ لِي.
قالَ الفَرّاءُ: أيْ تَضْلِيلٍ وإبْعادٍ مِنَ الخَيْرِ، وقِيلَ المَعْنى: فَما تَزِيدُونَنِي بِاحْتِياجِكم بِدِينِ آبائِكم غَيْرَ بَصِيرَةٍ بِخَسارَتِكم.
قَوْلُهُ: ﴿ويا قَوْمِ هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكم آيَةً﴾ قَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في الأعْرافِ، ومَعْنى ﴿لَكم آيَةً﴾: مُعْجِزَةً ظاهِرَةً، وهي مُنْتَصِبَةٌ عَلى الحالِ، ولَكم في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن آيَةٍ مُقَدَّمَةٍ عَلَيْها، ولَوْ تَأخَّرَتْ لَكانَتْ صِفَةً لَها، وقِيلَ: إنَّ ناقَةَ اللَّهِ بَدَلٌ مِن هَذِهِ، والخَبَرُ لَكم، والأوَّلُ أوْلى، وإنَّما قالَ: ﴿ناقَةُ اللَّهِ﴾ لِأنَّهُ أخْرَجَها لَهم مِن جَبَلٍ عَلى حَسَبِ اقْتِراحِهِمْ، وقِيلَ: مِن صَخْرَةٍ صَمّاءَ (p-٦٦٤)﴿فَذَرُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللَّهِ﴾ أيْ دَعُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللَّهِ مِمّا فِيها مِنَ المَراعِي الَّتِي تَأْكُلُها الحَيَواناتُ.
قالَ أبُو إسْحاقَ الزَّجّاجُ: ويَجُوزُ رَفْعُ ( تَأْكُلْ ) عَلى الحالِ والِاسْتِئْنافِ، ولَعَلَّهُ يَعْنِي في الأصْلِ عَلى ما تَقْتَضِيهِ لُغَةُ العَرَبِ لا في الآيَةِ، فالمُعْتَمَدُ القِراءاتُ المَرْوِيَّةُ عَلى وجْهِ الصِّحَّةِ ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ﴾ .
قالَ الفَرّاءُ: بِعَقْرٍ، والظّاهِرُ أنَّ النَّهْيَ عَمّا هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ ﴿فَيَأْخُذَكم عَذابٌ قَرِيبٌ﴾ جَوابُ النَّهْيِ: أيْ قَرِيبٌ مِن عَقْرِها، وذَلِكَ ثَلاثَةُ أيّامٍ.
فَعَقَرُوها أيْ فَلَمْ يَمْتَثِلُوا الأمْرَ مِن صالِحٍ ولا النَّهْيَ، بَلْ خالَفُوا كُلَّ ذَلِكَ فَوَقَعَ مِنهُمُ العَقْرُ لَها فَقالَ لَهم صالِحٌ ﴿تَمَتَّعُوا في دارِكم ثَلاثَةَ أيّامٍ﴾ أيْ تَمَتَّعُوا بِالعَيْشِ في مَنازِلِكم ثَلاثَةَ أيّامٍ، فَإنَّ العِقابَ نازِلٌ عَلَيْكم بَعْدَها، قِيلَ: إنَّهم عَقَرُوها يَوْمَ الأرْبِعاءِ، فَأقامُوا الخَمِيسَ والجُمُعَةَ والسَّبْتَ وأتاهُمُ العَذابُ يَوْمَ الأحَدِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الأمْرُ بِالتَّمَتُّعِ ثَلاثَةَ أيّامٍ ﴿وعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ أيْ غَيْرُ مَكْذُوبٍ فِيهِ، فَحَذَفَ الجارَّ اتِّساعًا، أوْ مِن بابِ المَجازِ كَأنَّ الوَعْدَ إذا وُفِّيَ بِهِ صَدَقَ ولَمْ يَكْذِبْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا: أيْ وعْدٌ غَيْرُ كَذِبٍ.
﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ أيْ عَذابُنا، أوْ أمْرُنا بِوُقُوعِ العَذابِ ﴿نَجَّيْنا صالِحًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في قِصَّةِ هُودٍ ﴿ومِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾ أيْ ونَجَّيْناهم مِن خِزْيِ يَوْمَئِذٍ وهو هَلاكُهم بِالصَّيْحَةِ، والخِزْيُ: الذُّلُّ والمَهانَةُ، وقِيلَ مِن عَذابِ يَوْمِ القِيامَةِ، والأوَّلُ أوْلى.
وقَرَأ نافِعٌ والكِسائِيُّ بِفَتْحِ ( يَوْمَ ) عَلى أنَّهُ اكْتَسَبَ البِناءَ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِالكَسْرِ ﴿إنَّ رَبَّكَ هو القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ القادِرُ الغالِبُ الَّذِي لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ.
﴿وأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ أيْ في اليَوْمِ الرّابِعِ مِن عَقْرِ النّاقَةِ، صِيحَ بِهِمْ فَماتُوا، وذُكِرَ الفِعْلُ لِأنَّ الصَّيْحَةَ والصِّياحَ واحِدٌ مَعَ كَوْنِ التَّأْنِيثِ غَيْرَ حَقِيقِيٍّ، قِيلَ صَيْحَةُ جِبْرِيلَ، وقِيلَ صَيْحَةٌ مِنَ السَّماءِ فَتَقَطَّعَتْ قُلُوبُهم وماتُوا، وتَقَدَّمَ في الأعْرافِ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ [الأعراف: ٧٨] قِيلَ: ولَعَلَّها وقَعَتْ عَقِبَ الصَّيْحَةِ ﴿فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ أيْ ساقِطِينَ عَلى وُجُوهِهِمْ مَوْتى قَدْ لَصِقُوا بِالتُّرابِ كالطَّيْرِ إذا جَثَمَتْ.
﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾ أيْ كَأنَّهم لَمْ يُقِيمُوا في بِلادِهِمْ أوْ دِيارِهِمْ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ والتَّقْدِيرِ: مُماثِلِينَ لِمَن لَمْ يُوجَدْ ولَمْ يَقُمْ في مَقامٍ قَطُّ ﴿ألا إنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾ وضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِزِيادَةِ البَيانِ، وصَرَّحَ بِكُفْرِهِمْ مَعَ كَوْنِهِ مَعْلُومًا تَعْلِيلًا لِلدُّعاءِ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ألا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾ .
وقَرَأ الكِسائِيُّ بِالتَّنْوِينِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ القِصَّةِ في الأعْرافِ بِما يَحْتاجُ إلى مُراجَعَتِهِ لِيَضُمَّ ما في إحْدى القِصَّتَيْنِ مِنَ الفَوائِدِ إلى الأُخْرى.
وقَدْ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿هُوَ أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ﴾ قالَ: خَلَقَكم مِنَ الأرْضِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿واسْتَعْمَرَكم فِيها﴾ قالَ: أعْمَرَكم فِيها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ ﴿واسْتَعْمَرَكم فِيها﴾ قالَ: اسْتَخْلَفَكم فِيها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ يَقُولُ: ما تَزْدادُونَ أنْتُمْ إلّا خَسارًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ قالَ: مَيِّتِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾ قالَ: كَأنْ لَمْ يَعِيشُوا فِيها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ، قالَ: كَأنْ لَمْ يَعْمُرُوا فِيها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: كَأنْ لَمْ يَنْعَمُوا فِيها.
هود 11:65
.
قَوْلُهُ: ﴿وإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما تَقَدَّمَ، والتَّقْدِيرُ: وأرْسَلْنا إلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا، والكَلامُ فِيهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ كَما تَقَدَّمَ في قِصَّةِ هُودٍ.
وقَرَأ الحَسَنُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ وإلى ثَمُودٍ بِالتَّنْوِينِ في جَمِيعِ المَواضِعِ.
واخْتَلَفَ سائِرُ القُرّاءِ فِيهِ فَصَرَفُوهُ في مَوْضِعٍ ولَمْ يَصْرِفُوهُ في مَوْضِعٍ، فالصَّرْفُ بِاعْتِبارِ التَّأْوِيلِ بِالحَيِّ، والمَنعُ بِاعْتِبارِ التَّأْوِيلِ بِالقَبِيلَةِ، وهَكَذا سائِرُ ما يَصِحُّ فِيهِ التَّأْوِيلانِ، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ في التَّأْنِيثِ بِاعْتِبارِ التَّأْوِيلِ بِالقَبِيلَةِ:
؎غَلَبَ المَسامِيحَ الوَلِيدُ جَماعَةً وكَفى قُرَيْشَ المُعْضِلاتِ وسادَها
﴿هُوَ أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ﴾ أيِ ابْتَدَأ خَلْقَكم مِنَ الأرْضِ، لِأنَّ كُلَّ بَنِي آدَمَ مِن صُلْبِ آدَمَ، وهو مَخْلُوقٌ مِنَ الأرْضِ ﴿واسْتَعْمَرَكم فِيها﴾ أيْ جَعَلَكم عُمّارَها وسُكّانَها، مِن قَوْلِهِمْ: أعْمَرَ فُلانٌ فُلانًا دارَهُ فَهي لَهُ عُمْرى، فَيَكُونُ اسْتَفْعَلْ بِمَعْنى أفْعَلَ: مِثْلَ اسْتَجابَ بِمَعْنى أجابَ.
وقالَ الضَّحّاكُ: مَعْناهُ أطالَ أعْمارَكم، وكانَتْ أعْمارُهم مِن ثَلاثِمِائَةٍ إلى ألْفٍ، وقِيلَ مَعْناهُ: أمَرَكم بِعِمارَتِها مِن بِناءِ المَساكِنِ وغَرْسِ الأشْجارِ ﴿فاسْتَغْفِرُوهُ﴾ أيْ سَلُوهُ المَغْفِرَةَ لَكم مِن عِبادَةِ الأصْنامِ ﴿ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ أيِ ارْجِعُوا إلى عِبادَتِهِ ﴿إنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ أيْ قَرِيبُ الإجابَةِ لِمَن دَعاهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيهِ في البَقَرَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ﴾ [البقرة: ١٨٦] .
﴿قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذا﴾ أيْ كُنّا نَرْجُو أنْ تَكُونَ فِينا سَيِّدًا مُطاعًا نَنْتَفِعُ بِرَأْيِكَ، ونَسْعَدُ بِسِيادَتِكَ قَبْلَ هَذا الَّذِي أظْهَرْتَهُ مِنِ ادِّعائِكَ النُّبُوَّةَ ودَعْوَتِكَ إلى التَّوْحِيدِ، وقِيلَ: كانَ صالِحٌ يَعِيبُ آلِهَتَهم وكانُوا يَرْجُونَ رُجُوعَهُ إلى دِينِهِمْ، فَلَمّا دَعاهم إلى اللَّهِ قالُوا انْقَطَعَ رَجاؤُنا مِنكَ، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿أتَنْهانا أنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ لِلْإنْكارِ أنْكَرُوا عَلَيْهِ هَذا النَّهْيَ، وأنْ نَعْبُدَ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِحَذْفِ الجارِّ: أيْ بِأنْ نَعْبُدَ، ومَعْنى ما يَعْبُدُ آباؤُنا: ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا، فَهو حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ ﴿وإنَّنا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ مِن أرَبْتُهُ فَأنا أُرِيبُهُ: إذا فَعَلْتُ بِهِ فِعْلًا يُوجِبُ لَهُ الرِّيبَةَ، وهي قَلَقُ النَّفْسِ وانْتِفاءُ الطُّمَأْنِينَةِ، أوْ مِن أرابَ الرَّجُلُ: إذا كانَ ذا رِيبَةٍ، والمَعْنى: إنَّنا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ مِن عِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ، وتَرْكُ عِبادَةِ الأوْثانِ مُوقِعٌ في الرَّيْبِ.
﴿قالَ ياقَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي﴾ أيْ حُجَّةٍ ظاهِرَةٍ وبُرْهانٍ صَحِيحٍ ﴿وآتانِي مِنهُ﴾ أيْ مِن جِهَتِهِ رَحْمَةً أيْ نُبُوَّةً، وهَذِهِ الأُمُورُ وإنْ كانَتْ مُتَحَقِّقَةَ الوُقُوعِ، لَكِنَّها صُدِّرَتْ بِكَلِمَةِ الشَّكِّ اعْتِبارًا بِحالِ المُخاطَبِينَ، لِأنَّهم في شَكٍّ مِن ذَلِكَ، كَما وصَفُوهُ عَنْ أنْفُسِهِمْ ﴿فَمَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ﴾ اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ النَّفْيُ: أيْ لا ناصِرَ لِي يَمْنَعُنِي مِن عَذابِ اللَّهِ ﴿إنْ عَصَيْتُهُ﴾ في تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ وراقَبْتُكم وفَتَرْتُ عَمّا يَجِبُ عَلَيَّ مِنَ البَلاغِ ﴿فَما تَزِيدُونَنِي﴾ بِتَثْبِيطِكم إيّايَ ﴿غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ بِأنْ تَجْعَلُونِي خاسِرًا بِإبْطالِ عَمَلِي، والتَّعَرُّضِ لِعُقُوبَةِ اللَّهِ لِي.
قالَ الفَرّاءُ: أيْ تَضْلِيلٍ وإبْعادٍ مِنَ الخَيْرِ، وقِيلَ المَعْنى: فَما تَزِيدُونَنِي بِاحْتِياجِكم بِدِينِ آبائِكم غَيْرَ بَصِيرَةٍ بِخَسارَتِكم.
قَوْلُهُ: ﴿ويا قَوْمِ هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكم آيَةً﴾ قَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في الأعْرافِ، ومَعْنى ﴿لَكم آيَةً﴾: مُعْجِزَةً ظاهِرَةً، وهي مُنْتَصِبَةٌ عَلى الحالِ، ولَكم في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن آيَةٍ مُقَدَّمَةٍ عَلَيْها، ولَوْ تَأخَّرَتْ لَكانَتْ صِفَةً لَها، وقِيلَ: إنَّ ناقَةَ اللَّهِ بَدَلٌ مِن هَذِهِ، والخَبَرُ لَكم، والأوَّلُ أوْلى، وإنَّما قالَ: ﴿ناقَةُ اللَّهِ﴾ لِأنَّهُ أخْرَجَها لَهم مِن جَبَلٍ عَلى حَسَبِ اقْتِراحِهِمْ، وقِيلَ: مِن صَخْرَةٍ صَمّاءَ (p-٦٦٤)﴿فَذَرُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللَّهِ﴾ أيْ دَعُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللَّهِ مِمّا فِيها مِنَ المَراعِي الَّتِي تَأْكُلُها الحَيَواناتُ.
قالَ أبُو إسْحاقَ الزَّجّاجُ: ويَجُوزُ رَفْعُ ( تَأْكُلْ ) عَلى الحالِ والِاسْتِئْنافِ، ولَعَلَّهُ يَعْنِي في الأصْلِ عَلى ما تَقْتَضِيهِ لُغَةُ العَرَبِ لا في الآيَةِ، فالمُعْتَمَدُ القِراءاتُ المَرْوِيَّةُ عَلى وجْهِ الصِّحَّةِ ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ﴾ .
قالَ الفَرّاءُ: بِعَقْرٍ، والظّاهِرُ أنَّ النَّهْيَ عَمّا هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ ﴿فَيَأْخُذَكم عَذابٌ قَرِيبٌ﴾ جَوابُ النَّهْيِ: أيْ قَرِيبٌ مِن عَقْرِها، وذَلِكَ ثَلاثَةُ أيّامٍ.
فَعَقَرُوها أيْ فَلَمْ يَمْتَثِلُوا الأمْرَ مِن صالِحٍ ولا النَّهْيَ، بَلْ خالَفُوا كُلَّ ذَلِكَ فَوَقَعَ مِنهُمُ العَقْرُ لَها فَقالَ لَهم صالِحٌ ﴿تَمَتَّعُوا في دارِكم ثَلاثَةَ أيّامٍ﴾ أيْ تَمَتَّعُوا بِالعَيْشِ في مَنازِلِكم ثَلاثَةَ أيّامٍ، فَإنَّ العِقابَ نازِلٌ عَلَيْكم بَعْدَها، قِيلَ: إنَّهم عَقَرُوها يَوْمَ الأرْبِعاءِ، فَأقامُوا الخَمِيسَ والجُمُعَةَ والسَّبْتَ وأتاهُمُ العَذابُ يَوْمَ الأحَدِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الأمْرُ بِالتَّمَتُّعِ ثَلاثَةَ أيّامٍ ﴿وعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ أيْ غَيْرُ مَكْذُوبٍ فِيهِ، فَحَذَفَ الجارَّ اتِّساعًا، أوْ مِن بابِ المَجازِ كَأنَّ الوَعْدَ إذا وُفِّيَ بِهِ صَدَقَ ولَمْ يَكْذِبْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا: أيْ وعْدٌ غَيْرُ كَذِبٍ.
﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ أيْ عَذابُنا، أوْ أمْرُنا بِوُقُوعِ العَذابِ ﴿نَجَّيْنا صالِحًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في قِصَّةِ هُودٍ ﴿ومِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾ أيْ ونَجَّيْناهم مِن خِزْيِ يَوْمَئِذٍ وهو هَلاكُهم بِالصَّيْحَةِ، والخِزْيُ: الذُّلُّ والمَهانَةُ، وقِيلَ مِن عَذابِ يَوْمِ القِيامَةِ، والأوَّلُ أوْلى.
وقَرَأ نافِعٌ والكِسائِيُّ بِفَتْحِ ( يَوْمَ ) عَلى أنَّهُ اكْتَسَبَ البِناءَ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِالكَسْرِ ﴿إنَّ رَبَّكَ هو القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ القادِرُ الغالِبُ الَّذِي لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ.
﴿وأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ أيْ في اليَوْمِ الرّابِعِ مِن عَقْرِ النّاقَةِ، صِيحَ بِهِمْ فَماتُوا، وذُكِرَ الفِعْلُ لِأنَّ الصَّيْحَةَ والصِّياحَ واحِدٌ مَعَ كَوْنِ التَّأْنِيثِ غَيْرَ حَقِيقِيٍّ، قِيلَ صَيْحَةُ جِبْرِيلَ، وقِيلَ صَيْحَةٌ مِنَ السَّماءِ فَتَقَطَّعَتْ قُلُوبُهم وماتُوا، وتَقَدَّمَ في الأعْرافِ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ [الأعراف: ٧٨] قِيلَ: ولَعَلَّها وقَعَتْ عَقِبَ الصَّيْحَةِ ﴿فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ أيْ ساقِطِينَ عَلى وُجُوهِهِمْ مَوْتى قَدْ لَصِقُوا بِالتُّرابِ كالطَّيْرِ إذا جَثَمَتْ.
﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾ أيْ كَأنَّهم لَمْ يُقِيمُوا في بِلادِهِمْ أوْ دِيارِهِمْ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ والتَّقْدِيرِ: مُماثِلِينَ لِمَن لَمْ يُوجَدْ ولَمْ يَقُمْ في مَقامٍ قَطُّ ﴿ألا إنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾ وضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِزِيادَةِ البَيانِ، وصَرَّحَ بِكُفْرِهِمْ مَعَ كَوْنِهِ مَعْلُومًا تَعْلِيلًا لِلدُّعاءِ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ألا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾ .
وقَرَأ الكِسائِيُّ بِالتَّنْوِينِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ القِصَّةِ في الأعْرافِ بِما يَحْتاجُ إلى مُراجَعَتِهِ لِيَضُمَّ ما في إحْدى القِصَّتَيْنِ مِنَ الفَوائِدِ إلى الأُخْرى.
وقَدْ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿هُوَ أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ﴾ قالَ: خَلَقَكم مِنَ الأرْضِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿واسْتَعْمَرَكم فِيها﴾ قالَ: أعْمَرَكم فِيها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ ﴿واسْتَعْمَرَكم فِيها﴾ قالَ: اسْتَخْلَفَكم فِيها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ يَقُولُ: ما تَزْدادُونَ أنْتُمْ إلّا خَسارًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ قالَ: مَيِّتِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾ قالَ: كَأنْ لَمْ يَعِيشُوا فِيها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ، قالَ: كَأنْ لَمْ يَعْمُرُوا فِيها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: كَأنْ لَمْ يَنْعَمُوا فِيها.
هود 11:66
.
قَوْلُهُ: ﴿وإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما تَقَدَّمَ، والتَّقْدِيرُ: وأرْسَلْنا إلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا، والكَلامُ فِيهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ كَما تَقَدَّمَ في قِصَّةِ هُودٍ.
وقَرَأ الحَسَنُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ وإلى ثَمُودٍ بِالتَّنْوِينِ في جَمِيعِ المَواضِعِ.
واخْتَلَفَ سائِرُ القُرّاءِ فِيهِ فَصَرَفُوهُ في مَوْضِعٍ ولَمْ يَصْرِفُوهُ في مَوْضِعٍ، فالصَّرْفُ بِاعْتِبارِ التَّأْوِيلِ بِالحَيِّ، والمَنعُ بِاعْتِبارِ التَّأْوِيلِ بِالقَبِيلَةِ، وهَكَذا سائِرُ ما يَصِحُّ فِيهِ التَّأْوِيلانِ، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ في التَّأْنِيثِ بِاعْتِبارِ التَّأْوِيلِ بِالقَبِيلَةِ:
؎غَلَبَ المَسامِيحَ الوَلِيدُ جَماعَةً وكَفى قُرَيْشَ المُعْضِلاتِ وسادَها
﴿هُوَ أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ﴾ أيِ ابْتَدَأ خَلْقَكم مِنَ الأرْضِ، لِأنَّ كُلَّ بَنِي آدَمَ مِن صُلْبِ آدَمَ، وهو مَخْلُوقٌ مِنَ الأرْضِ ﴿واسْتَعْمَرَكم فِيها﴾ أيْ جَعَلَكم عُمّارَها وسُكّانَها، مِن قَوْلِهِمْ: أعْمَرَ فُلانٌ فُلانًا دارَهُ فَهي لَهُ عُمْرى، فَيَكُونُ اسْتَفْعَلْ بِمَعْنى أفْعَلَ: مِثْلَ اسْتَجابَ بِمَعْنى أجابَ.
وقالَ الضَّحّاكُ: مَعْناهُ أطالَ أعْمارَكم، وكانَتْ أعْمارُهم مِن ثَلاثِمِائَةٍ إلى ألْفٍ، وقِيلَ مَعْناهُ: أمَرَكم بِعِمارَتِها مِن بِناءِ المَساكِنِ وغَرْسِ الأشْجارِ ﴿فاسْتَغْفِرُوهُ﴾ أيْ سَلُوهُ المَغْفِرَةَ لَكم مِن عِبادَةِ الأصْنامِ ﴿ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ أيِ ارْجِعُوا إلى عِبادَتِهِ ﴿إنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ أيْ قَرِيبُ الإجابَةِ لِمَن دَعاهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيهِ في البَقَرَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ﴾ [البقرة: ١٨٦] .
﴿قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذا﴾ أيْ كُنّا نَرْجُو أنْ تَكُونَ فِينا سَيِّدًا مُطاعًا نَنْتَفِعُ بِرَأْيِكَ، ونَسْعَدُ بِسِيادَتِكَ قَبْلَ هَذا الَّذِي أظْهَرْتَهُ مِنِ ادِّعائِكَ النُّبُوَّةَ ودَعْوَتِكَ إلى التَّوْحِيدِ، وقِيلَ: كانَ صالِحٌ يَعِيبُ آلِهَتَهم وكانُوا يَرْجُونَ رُجُوعَهُ إلى دِينِهِمْ، فَلَمّا دَعاهم إلى اللَّهِ قالُوا انْقَطَعَ رَجاؤُنا مِنكَ، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿أتَنْهانا أنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ لِلْإنْكارِ أنْكَرُوا عَلَيْهِ هَذا النَّهْيَ، وأنْ نَعْبُدَ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِحَذْفِ الجارِّ: أيْ بِأنْ نَعْبُدَ، ومَعْنى ما يَعْبُدُ آباؤُنا: ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا، فَهو حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ ﴿وإنَّنا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ مِن أرَبْتُهُ فَأنا أُرِيبُهُ: إذا فَعَلْتُ بِهِ فِعْلًا يُوجِبُ لَهُ الرِّيبَةَ، وهي قَلَقُ النَّفْسِ وانْتِفاءُ الطُّمَأْنِينَةِ، أوْ مِن أرابَ الرَّجُلُ: إذا كانَ ذا رِيبَةٍ، والمَعْنى: إنَّنا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ مِن عِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ، وتَرْكُ عِبادَةِ الأوْثانِ مُوقِعٌ في الرَّيْبِ.
﴿قالَ ياقَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي﴾ أيْ حُجَّةٍ ظاهِرَةٍ وبُرْهانٍ صَحِيحٍ ﴿وآتانِي مِنهُ﴾ أيْ مِن جِهَتِهِ رَحْمَةً أيْ نُبُوَّةً، وهَذِهِ الأُمُورُ وإنْ كانَتْ مُتَحَقِّقَةَ الوُقُوعِ، لَكِنَّها صُدِّرَتْ بِكَلِمَةِ الشَّكِّ اعْتِبارًا بِحالِ المُخاطَبِينَ، لِأنَّهم في شَكٍّ مِن ذَلِكَ، كَما وصَفُوهُ عَنْ أنْفُسِهِمْ ﴿فَمَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ﴾ اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ النَّفْيُ: أيْ لا ناصِرَ لِي يَمْنَعُنِي مِن عَذابِ اللَّهِ ﴿إنْ عَصَيْتُهُ﴾ في تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ وراقَبْتُكم وفَتَرْتُ عَمّا يَجِبُ عَلَيَّ مِنَ البَلاغِ ﴿فَما تَزِيدُونَنِي﴾ بِتَثْبِيطِكم إيّايَ ﴿غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ بِأنْ تَجْعَلُونِي خاسِرًا بِإبْطالِ عَمَلِي، والتَّعَرُّضِ لِعُقُوبَةِ اللَّهِ لِي.
قالَ الفَرّاءُ: أيْ تَضْلِيلٍ وإبْعادٍ مِنَ الخَيْرِ، وقِيلَ المَعْنى: فَما تَزِيدُونَنِي بِاحْتِياجِكم بِدِينِ آبائِكم غَيْرَ بَصِيرَةٍ بِخَسارَتِكم.
قَوْلُهُ: ﴿ويا قَوْمِ هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكم آيَةً﴾ قَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في الأعْرافِ، ومَعْنى ﴿لَكم آيَةً﴾: مُعْجِزَةً ظاهِرَةً، وهي مُنْتَصِبَةٌ عَلى الحالِ، ولَكم في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن آيَةٍ مُقَدَّمَةٍ عَلَيْها، ولَوْ تَأخَّرَتْ لَكانَتْ صِفَةً لَها، وقِيلَ: إنَّ ناقَةَ اللَّهِ بَدَلٌ مِن هَذِهِ، والخَبَرُ لَكم، والأوَّلُ أوْلى، وإنَّما قالَ: ﴿ناقَةُ اللَّهِ﴾ لِأنَّهُ أخْرَجَها لَهم مِن جَبَلٍ عَلى حَسَبِ اقْتِراحِهِمْ، وقِيلَ: مِن صَخْرَةٍ صَمّاءَ (p-٦٦٤)﴿فَذَرُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللَّهِ﴾ أيْ دَعُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللَّهِ مِمّا فِيها مِنَ المَراعِي الَّتِي تَأْكُلُها الحَيَواناتُ.
قالَ أبُو إسْحاقَ الزَّجّاجُ: ويَجُوزُ رَفْعُ ( تَأْكُلْ ) عَلى الحالِ والِاسْتِئْنافِ، ولَعَلَّهُ يَعْنِي في الأصْلِ عَلى ما تَقْتَضِيهِ لُغَةُ العَرَبِ لا في الآيَةِ، فالمُعْتَمَدُ القِراءاتُ المَرْوِيَّةُ عَلى وجْهِ الصِّحَّةِ ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ﴾ .
قالَ الفَرّاءُ: بِعَقْرٍ، والظّاهِرُ أنَّ النَّهْيَ عَمّا هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ ﴿فَيَأْخُذَكم عَذابٌ قَرِيبٌ﴾ جَوابُ النَّهْيِ: أيْ قَرِيبٌ مِن عَقْرِها، وذَلِكَ ثَلاثَةُ أيّامٍ.
فَعَقَرُوها أيْ فَلَمْ يَمْتَثِلُوا الأمْرَ مِن صالِحٍ ولا النَّهْيَ، بَلْ خالَفُوا كُلَّ ذَلِكَ فَوَقَعَ مِنهُمُ العَقْرُ لَها فَقالَ لَهم صالِحٌ ﴿تَمَتَّعُوا في دارِكم ثَلاثَةَ أيّامٍ﴾ أيْ تَمَتَّعُوا بِالعَيْشِ في مَنازِلِكم ثَلاثَةَ أيّامٍ، فَإنَّ العِقابَ نازِلٌ عَلَيْكم بَعْدَها، قِيلَ: إنَّهم عَقَرُوها يَوْمَ الأرْبِعاءِ، فَأقامُوا الخَمِيسَ والجُمُعَةَ والسَّبْتَ وأتاهُمُ العَذابُ يَوْمَ الأحَدِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الأمْرُ بِالتَّمَتُّعِ ثَلاثَةَ أيّامٍ ﴿وعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ أيْ غَيْرُ مَكْذُوبٍ فِيهِ، فَحَذَفَ الجارَّ اتِّساعًا، أوْ مِن بابِ المَجازِ كَأنَّ الوَعْدَ إذا وُفِّيَ بِهِ صَدَقَ ولَمْ يَكْذِبْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا: أيْ وعْدٌ غَيْرُ كَذِبٍ.
﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ أيْ عَذابُنا، أوْ أمْرُنا بِوُقُوعِ العَذابِ ﴿نَجَّيْنا صالِحًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في قِصَّةِ هُودٍ ﴿ومِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾ أيْ ونَجَّيْناهم مِن خِزْيِ يَوْمَئِذٍ وهو هَلاكُهم بِالصَّيْحَةِ، والخِزْيُ: الذُّلُّ والمَهانَةُ، وقِيلَ مِن عَذابِ يَوْمِ القِيامَةِ، والأوَّلُ أوْلى.
وقَرَأ نافِعٌ والكِسائِيُّ بِفَتْحِ ( يَوْمَ ) عَلى أنَّهُ اكْتَسَبَ البِناءَ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِالكَسْرِ ﴿إنَّ رَبَّكَ هو القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ القادِرُ الغالِبُ الَّذِي لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ.
﴿وأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ أيْ في اليَوْمِ الرّابِعِ مِن عَقْرِ النّاقَةِ، صِيحَ بِهِمْ فَماتُوا، وذُكِرَ الفِعْلُ لِأنَّ الصَّيْحَةَ والصِّياحَ واحِدٌ مَعَ كَوْنِ التَّأْنِيثِ غَيْرَ حَقِيقِيٍّ، قِيلَ صَيْحَةُ جِبْرِيلَ، وقِيلَ صَيْحَةٌ مِنَ السَّماءِ فَتَقَطَّعَتْ قُلُوبُهم وماتُوا، وتَقَدَّمَ في الأعْرافِ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ [الأعراف: ٧٨] قِيلَ: ولَعَلَّها وقَعَتْ عَقِبَ الصَّيْحَةِ ﴿فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ أيْ ساقِطِينَ عَلى وُجُوهِهِمْ مَوْتى قَدْ لَصِقُوا بِالتُّرابِ كالطَّيْرِ إذا جَثَمَتْ.
﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾ أيْ كَأنَّهم لَمْ يُقِيمُوا في بِلادِهِمْ أوْ دِيارِهِمْ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ والتَّقْدِيرِ: مُماثِلِينَ لِمَن لَمْ يُوجَدْ ولَمْ يَقُمْ في مَقامٍ قَطُّ ﴿ألا إنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾ وضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِزِيادَةِ البَيانِ، وصَرَّحَ بِكُفْرِهِمْ مَعَ كَوْنِهِ مَعْلُومًا تَعْلِيلًا لِلدُّعاءِ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ألا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾ .
وقَرَأ الكِسائِيُّ بِالتَّنْوِينِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ القِصَّةِ في الأعْرافِ بِما يَحْتاجُ إلى مُراجَعَتِهِ لِيَضُمَّ ما في إحْدى القِصَّتَيْنِ مِنَ الفَوائِدِ إلى الأُخْرى.
وقَدْ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿هُوَ أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ﴾ قالَ: خَلَقَكم مِنَ الأرْضِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿واسْتَعْمَرَكم فِيها﴾ قالَ: أعْمَرَكم فِيها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ ﴿واسْتَعْمَرَكم فِيها﴾ قالَ: اسْتَخْلَفَكم فِيها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ يَقُولُ: ما تَزْدادُونَ أنْتُمْ إلّا خَسارًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ قالَ: مَيِّتِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾ قالَ: كَأنْ لَمْ يَعِيشُوا فِيها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ، قالَ: كَأنْ لَمْ يَعْمُرُوا فِيها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: كَأنْ لَمْ يَنْعَمُوا فِيها.
هود 11:67
.
قَوْلُهُ: ﴿وإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما تَقَدَّمَ، والتَّقْدِيرُ: وأرْسَلْنا إلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا، والكَلامُ فِيهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ كَما تَقَدَّمَ في قِصَّةِ هُودٍ.
وقَرَأ الحَسَنُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ وإلى ثَمُودٍ بِالتَّنْوِينِ في جَمِيعِ المَواضِعِ.
واخْتَلَفَ سائِرُ القُرّاءِ فِيهِ فَصَرَفُوهُ في مَوْضِعٍ ولَمْ يَصْرِفُوهُ في مَوْضِعٍ، فالصَّرْفُ بِاعْتِبارِ التَّأْوِيلِ بِالحَيِّ، والمَنعُ بِاعْتِبارِ التَّأْوِيلِ بِالقَبِيلَةِ، وهَكَذا سائِرُ ما يَصِحُّ فِيهِ التَّأْوِيلانِ، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ في التَّأْنِيثِ بِاعْتِبارِ التَّأْوِيلِ بِالقَبِيلَةِ:
؎غَلَبَ المَسامِيحَ الوَلِيدُ جَماعَةً وكَفى قُرَيْشَ المُعْضِلاتِ وسادَها
﴿هُوَ أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ﴾ أيِ ابْتَدَأ خَلْقَكم مِنَ الأرْضِ، لِأنَّ كُلَّ بَنِي آدَمَ مِن صُلْبِ آدَمَ، وهو مَخْلُوقٌ مِنَ الأرْضِ ﴿واسْتَعْمَرَكم فِيها﴾ أيْ جَعَلَكم عُمّارَها وسُكّانَها، مِن قَوْلِهِمْ: أعْمَرَ فُلانٌ فُلانًا دارَهُ فَهي لَهُ عُمْرى، فَيَكُونُ اسْتَفْعَلْ بِمَعْنى أفْعَلَ: مِثْلَ اسْتَجابَ بِمَعْنى أجابَ.
وقالَ الضَّحّاكُ: مَعْناهُ أطالَ أعْمارَكم، وكانَتْ أعْمارُهم مِن ثَلاثِمِائَةٍ إلى ألْفٍ، وقِيلَ مَعْناهُ: أمَرَكم بِعِمارَتِها مِن بِناءِ المَساكِنِ وغَرْسِ الأشْجارِ ﴿فاسْتَغْفِرُوهُ﴾ أيْ سَلُوهُ المَغْفِرَةَ لَكم مِن عِبادَةِ الأصْنامِ ﴿ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ أيِ ارْجِعُوا إلى عِبادَتِهِ ﴿إنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ أيْ قَرِيبُ الإجابَةِ لِمَن دَعاهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيهِ في البَقَرَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ﴾ [البقرة: ١٨٦] .
﴿قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذا﴾ أيْ كُنّا نَرْجُو أنْ تَكُونَ فِينا سَيِّدًا مُطاعًا نَنْتَفِعُ بِرَأْيِكَ، ونَسْعَدُ بِسِيادَتِكَ قَبْلَ هَذا الَّذِي أظْهَرْتَهُ مِنِ ادِّعائِكَ النُّبُوَّةَ ودَعْوَتِكَ إلى التَّوْحِيدِ، وقِيلَ: كانَ صالِحٌ يَعِيبُ آلِهَتَهم وكانُوا يَرْجُونَ رُجُوعَهُ إلى دِينِهِمْ، فَلَمّا دَعاهم إلى اللَّهِ قالُوا انْقَطَعَ رَجاؤُنا مِنكَ، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿أتَنْهانا أنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ لِلْإنْكارِ أنْكَرُوا عَلَيْهِ هَذا النَّهْيَ، وأنْ نَعْبُدَ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِحَذْفِ الجارِّ: أيْ بِأنْ نَعْبُدَ، ومَعْنى ما يَعْبُدُ آباؤُنا: ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا، فَهو حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ ﴿وإنَّنا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ مِن أرَبْتُهُ فَأنا أُرِيبُهُ: إذا فَعَلْتُ بِهِ فِعْلًا يُوجِبُ لَهُ الرِّيبَةَ، وهي قَلَقُ النَّفْسِ وانْتِفاءُ الطُّمَأْنِينَةِ، أوْ مِن أرابَ الرَّجُلُ: إذا كانَ ذا رِيبَةٍ، والمَعْنى: إنَّنا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ مِن عِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ، وتَرْكُ عِبادَةِ الأوْثانِ مُوقِعٌ في الرَّيْبِ.
﴿قالَ ياقَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي﴾ أيْ حُجَّةٍ ظاهِرَةٍ وبُرْهانٍ صَحِيحٍ ﴿وآتانِي مِنهُ﴾ أيْ مِن جِهَتِهِ رَحْمَةً أيْ نُبُوَّةً، وهَذِهِ الأُمُورُ وإنْ كانَتْ مُتَحَقِّقَةَ الوُقُوعِ، لَكِنَّها صُدِّرَتْ بِكَلِمَةِ الشَّكِّ اعْتِبارًا بِحالِ المُخاطَبِينَ، لِأنَّهم في شَكٍّ مِن ذَلِكَ، كَما وصَفُوهُ عَنْ أنْفُسِهِمْ ﴿فَمَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ﴾ اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ النَّفْيُ: أيْ لا ناصِرَ لِي يَمْنَعُنِي مِن عَذابِ اللَّهِ ﴿إنْ عَصَيْتُهُ﴾ في تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ وراقَبْتُكم وفَتَرْتُ عَمّا يَجِبُ عَلَيَّ مِنَ البَلاغِ ﴿فَما تَزِيدُونَنِي﴾ بِتَثْبِيطِكم إيّايَ ﴿غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ بِأنْ تَجْعَلُونِي خاسِرًا بِإبْطالِ عَمَلِي، والتَّعَرُّضِ لِعُقُوبَةِ اللَّهِ لِي.
قالَ الفَرّاءُ: أيْ تَضْلِيلٍ وإبْعادٍ مِنَ الخَيْرِ، وقِيلَ المَعْنى: فَما تَزِيدُونَنِي بِاحْتِياجِكم بِدِينِ آبائِكم غَيْرَ بَصِيرَةٍ بِخَسارَتِكم.
قَوْلُهُ: ﴿ويا قَوْمِ هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكم آيَةً﴾ قَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في الأعْرافِ، ومَعْنى ﴿لَكم آيَةً﴾: مُعْجِزَةً ظاهِرَةً، وهي مُنْتَصِبَةٌ عَلى الحالِ، ولَكم في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن آيَةٍ مُقَدَّمَةٍ عَلَيْها، ولَوْ تَأخَّرَتْ لَكانَتْ صِفَةً لَها، وقِيلَ: إنَّ ناقَةَ اللَّهِ بَدَلٌ مِن هَذِهِ، والخَبَرُ لَكم، والأوَّلُ أوْلى، وإنَّما قالَ: ﴿ناقَةُ اللَّهِ﴾ لِأنَّهُ أخْرَجَها لَهم مِن جَبَلٍ عَلى حَسَبِ اقْتِراحِهِمْ، وقِيلَ: مِن صَخْرَةٍ صَمّاءَ (p-٦٦٤)﴿فَذَرُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللَّهِ﴾ أيْ دَعُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللَّهِ مِمّا فِيها مِنَ المَراعِي الَّتِي تَأْكُلُها الحَيَواناتُ.
قالَ أبُو إسْحاقَ الزَّجّاجُ: ويَجُوزُ رَفْعُ ( تَأْكُلْ ) عَلى الحالِ والِاسْتِئْنافِ، ولَعَلَّهُ يَعْنِي في الأصْلِ عَلى ما تَقْتَضِيهِ لُغَةُ العَرَبِ لا في الآيَةِ، فالمُعْتَمَدُ القِراءاتُ المَرْوِيَّةُ عَلى وجْهِ الصِّحَّةِ ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ﴾ .
قالَ الفَرّاءُ: بِعَقْرٍ، والظّاهِرُ أنَّ النَّهْيَ عَمّا هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ ﴿فَيَأْخُذَكم عَذابٌ قَرِيبٌ﴾ جَوابُ النَّهْيِ: أيْ قَرِيبٌ مِن عَقْرِها، وذَلِكَ ثَلاثَةُ أيّامٍ.
فَعَقَرُوها أيْ فَلَمْ يَمْتَثِلُوا الأمْرَ مِن صالِحٍ ولا النَّهْيَ، بَلْ خالَفُوا كُلَّ ذَلِكَ فَوَقَعَ مِنهُمُ العَقْرُ لَها فَقالَ لَهم صالِحٌ ﴿تَمَتَّعُوا في دارِكم ثَلاثَةَ أيّامٍ﴾ أيْ تَمَتَّعُوا بِالعَيْشِ في مَنازِلِكم ثَلاثَةَ أيّامٍ، فَإنَّ العِقابَ نازِلٌ عَلَيْكم بَعْدَها، قِيلَ: إنَّهم عَقَرُوها يَوْمَ الأرْبِعاءِ، فَأقامُوا الخَمِيسَ والجُمُعَةَ والسَّبْتَ وأتاهُمُ العَذابُ يَوْمَ الأحَدِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الأمْرُ بِالتَّمَتُّعِ ثَلاثَةَ أيّامٍ ﴿وعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ أيْ غَيْرُ مَكْذُوبٍ فِيهِ، فَحَذَفَ الجارَّ اتِّساعًا، أوْ مِن بابِ المَجازِ كَأنَّ الوَعْدَ إذا وُفِّيَ بِهِ صَدَقَ ولَمْ يَكْذِبْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا: أيْ وعْدٌ غَيْرُ كَذِبٍ.
﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ أيْ عَذابُنا، أوْ أمْرُنا بِوُقُوعِ العَذابِ ﴿نَجَّيْنا صالِحًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في قِصَّةِ هُودٍ ﴿ومِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾ أيْ ونَجَّيْناهم مِن خِزْيِ يَوْمَئِذٍ وهو هَلاكُهم بِالصَّيْحَةِ، والخِزْيُ: الذُّلُّ والمَهانَةُ، وقِيلَ مِن عَذابِ يَوْمِ القِيامَةِ، والأوَّلُ أوْلى.
وقَرَأ نافِعٌ والكِسائِيُّ بِفَتْحِ ( يَوْمَ ) عَلى أنَّهُ اكْتَسَبَ البِناءَ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِالكَسْرِ ﴿إنَّ رَبَّكَ هو القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ القادِرُ الغالِبُ الَّذِي لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ.
﴿وأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ أيْ في اليَوْمِ الرّابِعِ مِن عَقْرِ النّاقَةِ، صِيحَ بِهِمْ فَماتُوا، وذُكِرَ الفِعْلُ لِأنَّ الصَّيْحَةَ والصِّياحَ واحِدٌ مَعَ كَوْنِ التَّأْنِيثِ غَيْرَ حَقِيقِيٍّ، قِيلَ صَيْحَةُ جِبْرِيلَ، وقِيلَ صَيْحَةٌ مِنَ السَّماءِ فَتَقَطَّعَتْ قُلُوبُهم وماتُوا، وتَقَدَّمَ في الأعْرافِ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ [الأعراف: ٧٨] قِيلَ: ولَعَلَّها وقَعَتْ عَقِبَ الصَّيْحَةِ ﴿فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ أيْ ساقِطِينَ عَلى وُجُوهِهِمْ مَوْتى قَدْ لَصِقُوا بِالتُّرابِ كالطَّيْرِ إذا جَثَمَتْ.
﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾ أيْ كَأنَّهم لَمْ يُقِيمُوا في بِلادِهِمْ أوْ دِيارِهِمْ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ والتَّقْدِيرِ: مُماثِلِينَ لِمَن لَمْ يُوجَدْ ولَمْ يَقُمْ في مَقامٍ قَطُّ ﴿ألا إنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾ وضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِزِيادَةِ البَيانِ، وصَرَّحَ بِكُفْرِهِمْ مَعَ كَوْنِهِ مَعْلُومًا تَعْلِيلًا لِلدُّعاءِ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ألا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾ .
وقَرَأ الكِسائِيُّ بِالتَّنْوِينِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ القِصَّةِ في الأعْرافِ بِما يَحْتاجُ إلى مُراجَعَتِهِ لِيَضُمَّ ما في إحْدى القِصَّتَيْنِ مِنَ الفَوائِدِ إلى الأُخْرى.
وقَدْ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿هُوَ أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ﴾ قالَ: خَلَقَكم مِنَ الأرْضِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿واسْتَعْمَرَكم فِيها﴾ قالَ: أعْمَرَكم فِيها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ ﴿واسْتَعْمَرَكم فِيها﴾ قالَ: اسْتَخْلَفَكم فِيها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ يَقُولُ: ما تَزْدادُونَ أنْتُمْ إلّا خَسارًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ قالَ: مَيِّتِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾ قالَ: كَأنْ لَمْ يَعِيشُوا فِيها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ، قالَ: كَأنْ لَمْ يَعْمُرُوا فِيها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: كَأنْ لَمْ يَنْعَمُوا فِيها.
هود 11:68
.
قَوْلُهُ: ﴿وإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما تَقَدَّمَ، والتَّقْدِيرُ: وأرْسَلْنا إلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا، والكَلامُ فِيهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ كَما تَقَدَّمَ في قِصَّةِ هُودٍ.
وقَرَأ الحَسَنُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ وإلى ثَمُودٍ بِالتَّنْوِينِ في جَمِيعِ المَواضِعِ.
واخْتَلَفَ سائِرُ القُرّاءِ فِيهِ فَصَرَفُوهُ في مَوْضِعٍ ولَمْ يَصْرِفُوهُ في مَوْضِعٍ، فالصَّرْفُ بِاعْتِبارِ التَّأْوِيلِ بِالحَيِّ، والمَنعُ بِاعْتِبارِ التَّأْوِيلِ بِالقَبِيلَةِ، وهَكَذا سائِرُ ما يَصِحُّ فِيهِ التَّأْوِيلانِ، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ في التَّأْنِيثِ بِاعْتِبارِ التَّأْوِيلِ بِالقَبِيلَةِ:
؎غَلَبَ المَسامِيحَ الوَلِيدُ جَماعَةً وكَفى قُرَيْشَ المُعْضِلاتِ وسادَها
﴿هُوَ أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ﴾ أيِ ابْتَدَأ خَلْقَكم مِنَ الأرْضِ، لِأنَّ كُلَّ بَنِي آدَمَ مِن صُلْبِ آدَمَ، وهو مَخْلُوقٌ مِنَ الأرْضِ ﴿واسْتَعْمَرَكم فِيها﴾ أيْ جَعَلَكم عُمّارَها وسُكّانَها، مِن قَوْلِهِمْ: أعْمَرَ فُلانٌ فُلانًا دارَهُ فَهي لَهُ عُمْرى، فَيَكُونُ اسْتَفْعَلْ بِمَعْنى أفْعَلَ: مِثْلَ اسْتَجابَ بِمَعْنى أجابَ.
وقالَ الضَّحّاكُ: مَعْناهُ أطالَ أعْمارَكم، وكانَتْ أعْمارُهم مِن ثَلاثِمِائَةٍ إلى ألْفٍ، وقِيلَ مَعْناهُ: أمَرَكم بِعِمارَتِها مِن بِناءِ المَساكِنِ وغَرْسِ الأشْجارِ ﴿فاسْتَغْفِرُوهُ﴾ أيْ سَلُوهُ المَغْفِرَةَ لَكم مِن عِبادَةِ الأصْنامِ ﴿ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ أيِ ارْجِعُوا إلى عِبادَتِهِ ﴿إنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ أيْ قَرِيبُ الإجابَةِ لِمَن دَعاهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيهِ في البَقَرَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ﴾ [البقرة: ١٨٦] .
﴿قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذا﴾ أيْ كُنّا نَرْجُو أنْ تَكُونَ فِينا سَيِّدًا مُطاعًا نَنْتَفِعُ بِرَأْيِكَ، ونَسْعَدُ بِسِيادَتِكَ قَبْلَ هَذا الَّذِي أظْهَرْتَهُ مِنِ ادِّعائِكَ النُّبُوَّةَ ودَعْوَتِكَ إلى التَّوْحِيدِ، وقِيلَ: كانَ صالِحٌ يَعِيبُ آلِهَتَهم وكانُوا يَرْجُونَ رُجُوعَهُ إلى دِينِهِمْ، فَلَمّا دَعاهم إلى اللَّهِ قالُوا انْقَطَعَ رَجاؤُنا مِنكَ، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿أتَنْهانا أنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ لِلْإنْكارِ أنْكَرُوا عَلَيْهِ هَذا النَّهْيَ، وأنْ نَعْبُدَ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِحَذْفِ الجارِّ: أيْ بِأنْ نَعْبُدَ، ومَعْنى ما يَعْبُدُ آباؤُنا: ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا، فَهو حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ ﴿وإنَّنا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ مِن أرَبْتُهُ فَأنا أُرِيبُهُ: إذا فَعَلْتُ بِهِ فِعْلًا يُوجِبُ لَهُ الرِّيبَةَ، وهي قَلَقُ النَّفْسِ وانْتِفاءُ الطُّمَأْنِينَةِ، أوْ مِن أرابَ الرَّجُلُ: إذا كانَ ذا رِيبَةٍ، والمَعْنى: إنَّنا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ مِن عِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ، وتَرْكُ عِبادَةِ الأوْثانِ مُوقِعٌ في الرَّيْبِ.
﴿قالَ ياقَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي﴾ أيْ حُجَّةٍ ظاهِرَةٍ وبُرْهانٍ صَحِيحٍ ﴿وآتانِي مِنهُ﴾ أيْ مِن جِهَتِهِ رَحْمَةً أيْ نُبُوَّةً، وهَذِهِ الأُمُورُ وإنْ كانَتْ مُتَحَقِّقَةَ الوُقُوعِ، لَكِنَّها صُدِّرَتْ بِكَلِمَةِ الشَّكِّ اعْتِبارًا بِحالِ المُخاطَبِينَ، لِأنَّهم في شَكٍّ مِن ذَلِكَ، كَما وصَفُوهُ عَنْ أنْفُسِهِمْ ﴿فَمَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ﴾ اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ النَّفْيُ: أيْ لا ناصِرَ لِي يَمْنَعُنِي مِن عَذابِ اللَّهِ ﴿إنْ عَصَيْتُهُ﴾ في تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ وراقَبْتُكم وفَتَرْتُ عَمّا يَجِبُ عَلَيَّ مِنَ البَلاغِ ﴿فَما تَزِيدُونَنِي﴾ بِتَثْبِيطِكم إيّايَ ﴿غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ بِأنْ تَجْعَلُونِي خاسِرًا بِإبْطالِ عَمَلِي، والتَّعَرُّضِ لِعُقُوبَةِ اللَّهِ لِي.
قالَ الفَرّاءُ: أيْ تَضْلِيلٍ وإبْعادٍ مِنَ الخَيْرِ، وقِيلَ المَعْنى: فَما تَزِيدُونَنِي بِاحْتِياجِكم بِدِينِ آبائِكم غَيْرَ بَصِيرَةٍ بِخَسارَتِكم.
قَوْلُهُ: ﴿ويا قَوْمِ هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكم آيَةً﴾ قَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في الأعْرافِ، ومَعْنى ﴿لَكم آيَةً﴾: مُعْجِزَةً ظاهِرَةً، وهي مُنْتَصِبَةٌ عَلى الحالِ، ولَكم في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن آيَةٍ مُقَدَّمَةٍ عَلَيْها، ولَوْ تَأخَّرَتْ لَكانَتْ صِفَةً لَها، وقِيلَ: إنَّ ناقَةَ اللَّهِ بَدَلٌ مِن هَذِهِ، والخَبَرُ لَكم، والأوَّلُ أوْلى، وإنَّما قالَ: ﴿ناقَةُ اللَّهِ﴾ لِأنَّهُ أخْرَجَها لَهم مِن جَبَلٍ عَلى حَسَبِ اقْتِراحِهِمْ، وقِيلَ: مِن صَخْرَةٍ صَمّاءَ (p-٦٦٤)﴿فَذَرُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللَّهِ﴾ أيْ دَعُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللَّهِ مِمّا فِيها مِنَ المَراعِي الَّتِي تَأْكُلُها الحَيَواناتُ.
قالَ أبُو إسْحاقَ الزَّجّاجُ: ويَجُوزُ رَفْعُ ( تَأْكُلْ ) عَلى الحالِ والِاسْتِئْنافِ، ولَعَلَّهُ يَعْنِي في الأصْلِ عَلى ما تَقْتَضِيهِ لُغَةُ العَرَبِ لا في الآيَةِ، فالمُعْتَمَدُ القِراءاتُ المَرْوِيَّةُ عَلى وجْهِ الصِّحَّةِ ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ﴾ .
قالَ الفَرّاءُ: بِعَقْرٍ، والظّاهِرُ أنَّ النَّهْيَ عَمّا هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ ﴿فَيَأْخُذَكم عَذابٌ قَرِيبٌ﴾ جَوابُ النَّهْيِ: أيْ قَرِيبٌ مِن عَقْرِها، وذَلِكَ ثَلاثَةُ أيّامٍ.
فَعَقَرُوها أيْ فَلَمْ يَمْتَثِلُوا الأمْرَ مِن صالِحٍ ولا النَّهْيَ، بَلْ خالَفُوا كُلَّ ذَلِكَ فَوَقَعَ مِنهُمُ العَقْرُ لَها فَقالَ لَهم صالِحٌ ﴿تَمَتَّعُوا في دارِكم ثَلاثَةَ أيّامٍ﴾ أيْ تَمَتَّعُوا بِالعَيْشِ في مَنازِلِكم ثَلاثَةَ أيّامٍ، فَإنَّ العِقابَ نازِلٌ عَلَيْكم بَعْدَها، قِيلَ: إنَّهم عَقَرُوها يَوْمَ الأرْبِعاءِ، فَأقامُوا الخَمِيسَ والجُمُعَةَ والسَّبْتَ وأتاهُمُ العَذابُ يَوْمَ الأحَدِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الأمْرُ بِالتَّمَتُّعِ ثَلاثَةَ أيّامٍ ﴿وعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ أيْ غَيْرُ مَكْذُوبٍ فِيهِ، فَحَذَفَ الجارَّ اتِّساعًا، أوْ مِن بابِ المَجازِ كَأنَّ الوَعْدَ إذا وُفِّيَ بِهِ صَدَقَ ولَمْ يَكْذِبْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا: أيْ وعْدٌ غَيْرُ كَذِبٍ.
﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ أيْ عَذابُنا، أوْ أمْرُنا بِوُقُوعِ العَذابِ ﴿نَجَّيْنا صالِحًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في قِصَّةِ هُودٍ ﴿ومِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾ أيْ ونَجَّيْناهم مِن خِزْيِ يَوْمَئِذٍ وهو هَلاكُهم بِالصَّيْحَةِ، والخِزْيُ: الذُّلُّ والمَهانَةُ، وقِيلَ مِن عَذابِ يَوْمِ القِيامَةِ، والأوَّلُ أوْلى.
وقَرَأ نافِعٌ والكِسائِيُّ بِفَتْحِ ( يَوْمَ ) عَلى أنَّهُ اكْتَسَبَ البِناءَ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِالكَسْرِ ﴿إنَّ رَبَّكَ هو القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ القادِرُ الغالِبُ الَّذِي لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ.
﴿وأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ أيْ في اليَوْمِ الرّابِعِ مِن عَقْرِ النّاقَةِ، صِيحَ بِهِمْ فَماتُوا، وذُكِرَ الفِعْلُ لِأنَّ الصَّيْحَةَ والصِّياحَ واحِدٌ مَعَ كَوْنِ التَّأْنِيثِ غَيْرَ حَقِيقِيٍّ، قِيلَ صَيْحَةُ جِبْرِيلَ، وقِيلَ صَيْحَةٌ مِنَ السَّماءِ فَتَقَطَّعَتْ قُلُوبُهم وماتُوا، وتَقَدَّمَ في الأعْرافِ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ [الأعراف: ٧٨] قِيلَ: ولَعَلَّها وقَعَتْ عَقِبَ الصَّيْحَةِ ﴿فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ أيْ ساقِطِينَ عَلى وُجُوهِهِمْ مَوْتى قَدْ لَصِقُوا بِالتُّرابِ كالطَّيْرِ إذا جَثَمَتْ.
﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾ أيْ كَأنَّهم لَمْ يُقِيمُوا في بِلادِهِمْ أوْ دِيارِهِمْ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ والتَّقْدِيرِ: مُماثِلِينَ لِمَن لَمْ يُوجَدْ ولَمْ يَقُمْ في مَقامٍ قَطُّ ﴿ألا إنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾ وضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِزِيادَةِ البَيانِ، وصَرَّحَ بِكُفْرِهِمْ مَعَ كَوْنِهِ مَعْلُومًا تَعْلِيلًا لِلدُّعاءِ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ألا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾ .
وقَرَأ الكِسائِيُّ بِالتَّنْوِينِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ القِصَّةِ في الأعْرافِ بِما يَحْتاجُ إلى مُراجَعَتِهِ لِيَضُمَّ ما في إحْدى القِصَّتَيْنِ مِنَ الفَوائِدِ إلى الأُخْرى.
وقَدْ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿هُوَ أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ﴾ قالَ: خَلَقَكم مِنَ الأرْضِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿واسْتَعْمَرَكم فِيها﴾ قالَ: أعْمَرَكم فِيها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ ﴿واسْتَعْمَرَكم فِيها﴾ قالَ: اسْتَخْلَفَكم فِيها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ يَقُولُ: ما تَزْدادُونَ أنْتُمْ إلّا خَسارًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ قالَ: مَيِّتِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾ قالَ: كَأنْ لَمْ يَعِيشُوا فِيها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ، قالَ: كَأنْ لَمْ يَعْمُرُوا فِيها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: كَأنْ لَمْ يَنْعَمُوا فِيها.
هود 11:69
.
هَذِهِ قِصَّةُ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وقَوْمِهِ، وهو ابْنُ عَمِّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانَتْ قُرى لُوطٍ بِنَواحِي الشّامِ وإبْراهِيمُ بِبِلادِ فِلَسْطِينَ.
فَلَمّا أنْزَلَ اللَّهُ المَلائِكَةَ بِعَذابِ قَوْمِ لُوطٍ، مَرُّوا بِإبْراهِيمَ ونَزَلُوا عِنْدَهُ، وكانَ كُلُّ مَن نَزَلَ عِنْدَهُ يُحْسِنُ قِراهُ، وكانَ مُرُورُهم عَلَيْهِ لِتَبْشِيرِهِ بِهَذِهِ البِشارَةِ المَذْكُورَةِ، فَظَنَّهم أضْيافًا، وهم جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ وإسْرافِيلُ.
وقِيلَ كانُوا تِسْعَةً، وقِيلَ أحَدَ عَشَرَ، والبُشْرى الَّتِي بَشَّرُوهُ بِها هي بِشارَتُهُ بِالوَلَدِ، وقِيلَ بِإهْلاكِ قَوْمِ لُوطٍ، والأُولى أوْلى ﴿قالُوا سَلامًا﴾ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أيْ سَلَّمْنا عَلَيْكَ سَلامًا ﴿قالَ سَلامٌ﴾ ارْتِفاعُهُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ أمْرُكم سَلامٌ، أوْ مُرْتَفِعٌ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: عَلَيْكم سَلامٌ ﴿فَما لَبِثَ﴾ أيْ إبْراهِيمُ ﴿أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ قالَ أكْثَرُ النَّحْوِيِّينَ أنْ هُنا بِمَعْنى حَتّى: أيْ فَما لَبِثَ حَتّى جاءَ، وقِيلَ: إنَّها في مَحَلِّ نَصْبٍ بِسُقُوطِ حَرْفِ الجَرِّ، والتَّقْدِيرُ فَما لَبِثَ عَنْ أنْ جاءَ: أيْ ما أبْطَأ إبْراهِيمُ عَنْ مَجِيئِهِ بِعِجْلٍ وما نافِيَةٌ قالَهُ سِيبَوَيْهِ.
وقالَ الفَرّاءُ: فَما لَبِثَ مَجِيئُهُ: أيْ ما أبْطَأ مَجِيئُهُ، وقِيلَ: إنَّ ما مَوْصُولَةٌ وهي مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ ﴿أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ والتَّقْدِيرُ: فالَّذِي لَبِثَ إبْراهِيمُ هو مَجِيئُهُ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ، والحَنِيذُ: المَشْوِيُّ مُطْلَقًا، وقِيلَ: المَشْوِيُّ بِحَرِّ الحِجارَةِ مِن غَيْرِ أنْ تَمَسَّهُ النّارُ، يُقالُ: حَنَذَ الشّاةَ يَحْنِذُها: جَعَلَها فَوْقَ حِجارَةٍ مُحَمّاةٍ لِتُنْضِجَها فَهي حَنِيذٌ، وقِيلَ مَعْنى حَنِيذٍ: سَمِينٌ، وقِيلَ الحَنِيذُ هو السَّمِيطُ، وقِيلَ النَّضِيجُ، وهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، وإنَّما جاءَهم بِعِجْلٍ، لِأنَّ البَقَرَ كانَتْ أكْثَرَ أمْوالِهِ.
﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ﴾ أيْ لا يَمُدُّونَها إلى العِجْلِ كَما يَمُدُّ يَدَهُ مَن يُرِيدُ الأكْلَ (p-٦٦٥)نَكِرَهم يُقالُ: نَكِرْتَهُ وأنْكَرْتَهُ واسْتَنْكَرْتَهُ: إذا وجَدْتَهُ عَلى غَيْرِ ما تَعْهَدُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَأنْكَرَتْنِي وما كانَ الَّذِي نَكِرَتْ مِنَ الحَوادِثِ إلّا الشَّيْبُ والصَّلَعا
فَجَمَعَ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ، ومِمّا جُمِعَ فِيهِ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎إذا أنْكَرَتْنِي بَلْدَةٌ أوْ نَكِرْتُها ∗∗∗ خَرَجْتُ مَعَ البازِي عَلَيَّ سَوادُ
وقِيلَ يُقالُ: أنْكَرْتُ لِما تَراهُ بِعَيْنِكَ، ونَكِرْتُ لِما تَراهُ بِقَلْبِكَ، قِيلَ: وإنَّما اسْتَنْكَرَ مِنهم ذَلِكَ، لِأنَّ عادَتَهم أنَّ الضَّيْفَ إذا نَزَلَ بِهِمْ ولَمْ يَأْكُلْ مِن طَعامِهِمْ ظَنُّوا أنَّهُ قَدْ جاءَ بِشْرٍ ﴿وأوْجَسَ مِنهُمْ﴾ أيْ أحَسَّ في نَفْسِهِ مِنهم خِيفَةً أيْ خَوْفًا وفَزَعًا، وقِيلَ مَعْنى أوْجَسَ: أضْمَرَ في نَفْسِهِ خِيفَةً، والأوَّلُ ألْصَقُ بِالمَعْنى اللُّغَوِيِّ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎جاءَ البَرِيدُ بِقِرْطاسٍ يَحُثُّ بِهِ ∗∗∗ فَأوْجَسَ القَلْبُ مِن قِرْطاسِهِ فَزَعا
وكَأنَّهُ ظَنَّ أنَّهم قَدْ نَزَلُوا بِهِ لِأمْرٍ يُنْكِرُهُ، أوْ لِتَعْذِيبِ قَوْمِهِ ﴿قالُوا لا تَخَفْ﴾ قالُوا لَهُ هَذِهِ المَقالَةَ مَعَ كَوْنِهِ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِما يَدُلُّ عَلى الخَوْفِ، بَلْ أوْجَسَ ذَلِكَ في نَفْسِهِ، فَلَعَلَّهُمُ اسْتَدَلُّوا عَلى خَوْفِهِ بِأماراتٍ كَظُهُورِ أثَرِهِ عَلى وجْهِهِ، أوْ قالُوهُ لَهُ بَعْدَما قالَ عَقِبَ ما أوْجَسَ في نَفْسِهِ مِنَ الخِيفَةِ قَوْلًا يَدُلُّ عَلى الخَوْفِ كَما في قَوْلِهِ في سُورَةِ الحِجْرِ: ﴿قالَ إنّا مِنكم وجِلُونَ﴾ [الحجر: ٥٢]، ولَمْ يُذْكَرْ ذَلِكَ هَهُنا اكْتِفاءً بِما هُنالِكَ، ثُمَّ عَلَّلُوا نَهْيَهُ عَنِ الخَوْفِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ أيْ أُرْسِلْنا إلَيْهِمْ خاصَّةً، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ قالَ قَوْلًا يَكُونُ هَذا جَوابًا عَنْهُ: ﴿قالَ فَما خَطْبُكم أيُّها المُرْسَلُونَ﴾ ﴿قالُوا إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ [الحجر: ٥٧، ٥٨] .
وجُمْلَةُ ﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، قِيلَ: كانَتْ قائِمَةً عِنْدَ تَحاوُرِهِمْ وراءَ السِّتْرِ، وقِيلَ: كانَتْ قائِمَةً تَخْدِمُ المَلائِكَةَ وهو جالِسٌ، والضَّحِكُ هُنا هو الضَّحِكُ المَعْرُوفُ الَّذِي يَكُونُ لِلتَّعَجُّبِ أوْ لِلسُّرُورِ كَما قالَهُ الجُمْهُورُ.
وقالَ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ: إنَّهُ الحَيْضُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وإنِّي لَآتِي العِرْسَ عِنْدَ طَهُورِها ∗∗∗ وأهْجُرُها يَوْمًا إذا تَكُ ضاحِكا
وقالَ الآخَرُ:
؎وضَحِكَ الأرانِبُ فَوْقَ الصَّفا ∗∗∗ كَمِثْلِ دَمِ الخَوْفِ يَوْمَ اللُّقا
والعَرَبُ تَقُولُ: ضَحِكَتِ الأرْنَبُ: إذا حاضَتْ.
وقَدْ أنْكَرَ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ أنْ يَكُونَ في كَلامِ العَرَبِ ضَحِكَتْ بِمَعْنى حاضَتْ ﴿فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ﴾ ظاهِرُهُ أنَّ التَّبْشِيرَ كانَ بَعْدَ الضَّحِكِ.
وقالَ الفَرّاءُ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ.
والمَعْنى: فَبَشَّرْناها فَضَحِكَتْ سُرُورًا بِالوَلَدِ.
وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ زِيادٍ مِن قُرّاءِ مَكَّةَ فَضَحَكَتْ بِفَتْحِ الحاءِ، وأنْكَرَهُ الَمَهَدَوِيُّ ﴿ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ .
قَرَأ حَمْزَةُ وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ بِنَصْبِ يَعْقُوبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ فِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ فَبَشَّرْناها، كَأنَّهُ قالَ: ووَهَبْنا لَها مِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ.
وأجازَ الكِسائِيُّ والأخْفَشُ وأبُو حاتِمٍ أنْ يَكُونَ يَعْقُوبُ في مَوْضِعِ جَرٍّ.
وقالَ الفَرّاءُ: لا يَجُوزُ الجَرُّ إلّا بِإعادَةِ حَرْفِهِ.
قالَ سِيبَوَيْهِ: ولَوْ قُلْتَ مَرَرْتُ بِزَيْدٍ أوَّلَ مِن أمْسِ، وأمْسِ عُمَرُ كانَ قَبِيحًا خَبِيثًا، لِأنَّكَ فَرَّقْتَ بَيْنَ المَجْرُورِ وما يَشْرَكُهُ كَما يُفَرَّقُ بَيْنَ الجارِّ والمَجْرُورِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِرَفْعِ يَعْقُوبَ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ الظَّرْفُ الَّذِي قَبْلَهُ، وقِيلَ: الرَّفْعُ بِتَقْدِيرِ فِعْلٍ مَحْذُوفٍ: أيْ ويَحْدُثُ لَها، أوْ وثَبَتَ لَها.
وقَدْ وقَعَ التَّبْشِيرُ هُنا لَها، ووَقَعَ لِإبْراهِيمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠١] ﴿وبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات: ٢٨]، لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مُسْتَحِقٌّ لِلْبِشارَةِ بِهِ لِكَوْنِهِ مِنهُما.
وجُمْلَةُ ﴿قالَتْ ياوَيْلَتى﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَتْ ؟ قالَ الزَّجّاجُ: أصْلُها يا ويْلَتِي، فَأُبْدِلَ مِنَ الياءِ ألِفٌ لِأنَّها أخَفُّ مِنَ الياءِ والكَسْرَةِ، وهي لَمْ تُرِدِ الدُّعاءَ عَلى نَفْسِها بِالوَيْلِ، ولَكِنَّها كَلِمَةٌ تَقَعُ كَثِيرًا عَلى أفْواهِ النِّساءِ إذا طَرَأ عَلَيْهِنَّ ما يَعْجَبْنَ مِنهُ، وأصْلُ الوَيْلِ: الخِزْيُ، ثُمَّ شاعَ في كُلِّ أمْرٍ فَظِيعٍ، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِها: ﴿أألِدُ وأنا عَجُوزٌ﴾ لِلتَّعَجُّبِ: أيْ كَيْفَ ألِدُ وأنا شَيْخَةٌ قَدْ طَعَنْتُ في السِّنِّ، يُقالُ: عَجَزَتْ تَعْجَزُ مُخَفَّفًا ومُثَقَّلًا عَجْزًا وتَعْجِيزًا: أيْ طَعَنَتْ في السِّنِّ، ويُقالُ: عَجُوزٌ وعَجُوزَةٌ، وأمّا عَجِزَتْ بِكَسْرِ الجِيمِ: فَمَعْناهُ عَظُمَتْ عَجِيزَتُها، قِيلَ كانَتْ بِنْتَ تِسْعٍ وتِسْعِينَ، وقِيلَ بِنْتَ تِسْعِينَ ﴿وهَذا بَعْلِي شَيْخًا﴾ أيْ وهَذا زَوْجِي إبْراهِيمُ شَيْخًا لا تَحْبَلُ مِن مِثْلِهِ النِّساءُ، وشَيْخًا مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ، والعامِلُ فِيهِ مَعْنى الإشارَةِ.
قالَ النَّحّاسُ: وفي قِراءَةِ أُبَيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ شَيْخٌ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ، أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وعَلى الأوَّلِ يَكُونُ بَعْلِي بَدَلًا مِنِ اسْمِ الإشارَةِ، قِيلَ: كانَ إبْراهِيمُ ابْنَ مِائَةٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، وقِيلَ ابْنَ مِائَةٍ، وهَذِهِ المُبَشَّرَةُ هي سارَةُ امْرَأةُ إبْراهِيمَ.
وقَدْ كانَ وُلِدَ لِإبْراهِيمَ مِن هاجَرَ أمَتِهِ إسْماعِيلُ، فَتَمَنَّتْ سارَةُ أنْ يَكُونَ لَها ابْنٌ وأيِسَتْ مِنهُ لِكِبَرِ سِنِّها، فَبَشَّرَها اللَّهُ بِهِ عَلى لِسانِ مَلائِكَتِهِ ﴿إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ أيْ ما ذَكَرَتْهُ المَلائِكَةُ مِنَ التَّبْشِيرِ بِحُصُولِ الوَلَدِ مَعَ كَوْنِها في هَذِهِ السِّنِّ العالِيَةِ الَّتِي لا يُولَدُ لِمِثْلِها - شَيْءٌ يُقْضى مِنهُ العَجَبُ.
وجُمْلَةُ ﴿قالُوا أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، والِاسْتِفْهامُ فِيها لِلْإنْكارِ: أيْ كَيْفَ تَعْجَبِينَ مِن قَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ، وهو لا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وإنَّما أنْكَرُوا عَلَيْها مَعَ كَوْنِ ما تَعَجَّبَتْ مِنهُ مِن خَوارِقِ العادَةِ لِأنَّها مِن بَيْتِ النُّبُوَّةِ، ولا يَخْفى عَلى مِثْلِها أنَّ هَذا مِن مَقْدُوراتِهِ سُبْحانَهُ، ولِهَذا قالُوا: ﴿رَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ﴾ أيْ الرَّحْمَةُ الَّتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ والبَرَكاتُ وهي النُّمُوُّ والزِّيادَةُ قِيلَ الرَّحْمَةُ: النُّبُوَّةُ، والبَرَكاتُ: الأسْباطُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ لِما فِيهِمْ مِنَ الأنْبِياءِ، وانْتِصابُ ﴿أهْلَ البَيْتِ﴾ عَلى المَدْحِ أوِ الِاخْتِصاصِ، وصَرْفُ الخِطابِ مِن صِيغَةِ الواحِدَةِ إلى الجَمْعِ لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ ﴿إنَّهُ حَمِيدٌ﴾ أيْ يَفْعَلُ مُوجِباتِ حَمْدِهِ مِن عِبادِهِ عَلى سَبِيلِ الكَثْرَةِ مَجِيدٌ كَثِيرُ الإحْسانِ إلى عِبادِهِ بِما يَفِيضُهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الخَيْراتِ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿رَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ﴾ .
قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إبْراهِيمَ الرَّوْعُ﴾ أيْ الخِيفَةُ الَّتِي أوْجَسَها في نَفْسِهِ، يُقالُ: ارْتاعَ مِن كَذا: إذا خافَ، ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ:(p-٦٦٦)
؎فارْتاعَ مِن صَوْتِ كَلّابٍ فَباتَ لَهُ ∗∗∗ طَوْعَ الشَّوامِتِ مِن خَوْفٍ ومِن حَذَرِ
﴿وجاءَتْهُ البُشْرى﴾ أيْ بِالوَلَدِ، أوْ بِقَوْلِهِمْ: لا تَخَفْ.
قَوْلُهُ: ﴿يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾ .
قالَ الأخْفَشُ والكِسائِيُّ: إنَّ يُجادِلُنا في مَوْضِعِ جادَلَنا، فَيَكُونُ هو جَوابُ لَمّا، لِما تَقَرَّرَ مِن أنَّ جَوابَها يَكُونُ بِالماضِي لا بِالمُسْتَقْبَلِ.
قالَ النَّحّاسُ: جُعِلَ المُسْتَقْبَلُ مَكانَهُ كَما يُجْعَلُ الماضِي مَكانَ المُسْتَقْبَلِ في الشَّرْطِ، وقِيلَ: إنَّ الجَوابَ مَحْذُوفٌ، ويُجادِلُنا في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ قالَهُ الفَرّاءُ، وتَقْدِيرُهُ: فَلَمّا ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ وجاءَتْهُ البُشْرى اجْتَرَأ عَلى خِطابِنا حالَ كَوْنِهِ يُجادِلُنا: أيْ يُجادِلُ رُسُلَنا، وقِيلَ إنَّ المَعْنى: أخَذَ يُجادِلُنا، ومُجادَلَتُهُ لَهم قِيلَ إنَّهُ لَمّا سَمِعَ قَوْلَهم: ﴿إنّا مُهْلِكُو أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ﴾ [العنكبوت: ٣١] قالَ: أرَأيْتُمْ إنْ كانَ فِيهِمْ خَمْسُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ أتُهْلِكُونَهم ؟ قالُوا: لا، قالَ: فَأرْبَعُونَ ؟ قالُوا: لا، قالَ: فَعِشْرُونَ ؟ قالُوا: لا، ثُمَّ قالَ: فَعَشَرَةٌ ؟ فَخَمْسَةٌ ؟ قالُوا: لا.
قالَ: فَواحِدٌ ؟ قالُوا: لا.
﴿قالَ إنَّ فِيها لُوطًا قالُوا نَحْنُ أعْلَمُ بِمَن فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وأهْلَهُ﴾ [العنكبوت: ٣٢] الآيَةَ، فَهَذا مَعْنى مُجادَلَتِهِ في قَوْمِ لُوطٍ: أيْ في شَأْنِهِمْ وأمْرِهِمْ.
ثُمَّ أثْنَوْا عَلى إبْراهِيمَ، أوْ أثْنى اللَّهُ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ﴾ أيْ لَيْسَ بِعَجُولٍ في الأُمُورِ، ولا بِمُوقِعٍ لَها عَلى غَيْرِ ما يَنْبَغِي.
والأوّاهُ: كَثِيرُ التَّأوُّهِ، والمُنِيبُ: الرّاجِعُ إلى اللَّهِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ في بَراءَةَ الكَلامُ عَلى الأوّاهِ.
قَوْلُهُ: ﴿ياإبْراهِيمُ أعْرِضْ عَنْ هَذا﴾ هَذا قَوْلُ المَلائِكَةِ لَهُ: أيْ أعْرَضْ عَنْ هَذا الجِدالِ في أمْرٍ قَدْ فُرِغَ مِنهُ، وجَفَّ بِهِ القَلَمُ، وحَقَّ بِهِ القَضاءُ ﴿إنَّهُ قَدْ جاءَ أمْرُ رَبِّكَ﴾ الضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ، ومَعْنى مَجِيءِ أمْرِ اللَّهِ: مَجِيءُ عَذابِهِ الَّذِي قَدَّرَهُ عَلَيْهِمْ، وسَبَقَ بِهِ قَضاؤُهُ ﴿وإنَّهم آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ أيْ لا يَرُدُّهُ دُعاءٌ ولا جِدالٌ، بَلْ هو واقِعٌ بِهِمْ لا مَحالَةَ، ونازِلٌ بِهِمْ عَلى كُلِّ حالٍ لَيْسَ بِمَصْرُوفٍ ولا مَدْفُوعٍ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُثْمانَ بْنِ مِحْصَنٍ في ضَيْفِ إبْراهِيمَ قالَ: كانُوا أرْبَعَةً: جِبْرِيلَ، ومِيكائِيلَ، وإسْرافِيلَ، ورافائِيلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ قالَ: نَضِيجٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: مَشْوِيٌّ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: سَمِيطٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: الحَنِيذُ الَّذِي أُنْضِجَ بِالحِجارَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ يَزِيدِ بْنِ أبِي يَزِيدٍ البَصْرِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ﴾ قالَ: لَمْ يَرَ لَهم أيْدِيًا فَنَكِرَهم.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: نَكِرَهم قالَ: كانُوا إذا نَزَلَ بِهِمْ ضَيْفٌ فَلَمْ يَأْكُلْ مِن طَعامِهِمْ ظَنُّوا أنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِخَيْرٍ، وأنَّهُ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ بِشَرٍّ، ثُمَّ حَدَّثُوهُ عِنْدَ ذَلِكَ بِما جاءُوا فِيهِ فَضَحِكَتِ امْرَأتُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ المُغِيرَةِ قالَ: في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ وهو جالِسٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ﴾ قالَ: في خِدْمَةِ أضْيافِ إبْراهِيمَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: لَمّا أوْجَسَ إبْراهِيمُ في نَفْسِهِ خِيفَةً حَدَّثُوهُ عِنْدَ ذَلِكَ بِما جاءُوا فِيهِ، فَضَحِكَتِ امْرَأتُهُ تَعَجُّبًا مِمّا فِيهِ قَوْمُ لُوطٍ مِنَ الغَفْلَةِ، ومِمّا أتاهم مِنَ العَذابِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فَضَحِكَتْ﴾ قالَ: فَحاضَتْ وهي بِنْتُ ثَمانٍ وتِسْعِينَ سَنَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَضَحِكَتْ﴾ قالَ: حاضَتْ وكانَتِ ابْنَةُ بِضْعٍ وتِسْعِينَ سَنَةً، وكانَ إبْراهِيمُ ابْنُ مِائَةِ سَنَةٍ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: حاضَتْ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ قالَ: هو ولَدُ الوَلَدِ.
وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في كِتابِ الوَقْفِ والِابْتِداءِ عَنْ حَسّانَ بْنِ أبْجَرَ قالَ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ فَجاءَ رَجُلٌ مِن هُذَيْلٍ، فَقالَ لَهُ ابْنُ عَبّاسٍ: ما فَعَلَ فُلانٌ ؟ قالَ: ماتَ وتَرَكَ أرْبَعَةً مِنَ الوَلَدِ وثَلاثَةً مِنَ الوَراءِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ قالَ: ولَدُ الوَلَدِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وأبُو الشَّيْخِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَنْهى عَنْ أنْ يُزادَ في جَوابِ التَّحِيَّةِ عَلى قَوْلِهِمْ: عَلَيْكُمُ السَّلامُ ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ، ويَتْلُو هَذِهِ الآيَةَ ﴿رَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ﴾ .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إبْراهِيمَ الرَّوْعُ﴾ قالَ: الفَرَقُ ﴿يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾ قالَ: يُخاصِمُنا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في تَفْسِيرِ المُجادَلَةِ قالَ: إنَّهُ قالَ لَهم يَوْمَئِذٍ: أرَأيْتُمْ إنْ كانَ فِيهِمْ خَمْسُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ ؟ قالُوا: إنْ كانَ فِيهِمْ خَمْسُونَ لَمْ نُعَذِّبْهم، قالَ: أرْبَعُونَ ؟ قالُوا: وأرْبَعُونَ، قالَ: ثَلاثُونَ ؟ قالُوا: وثَلاثُونَ حَتّى بَلَغُوا عَشَرَةً، قالُوا: إنْ كانَ فِيهِمْ عَشَرَةٌ لَمْ نُعَذِّبْهم، قالَ: ما قَوْمٌ لا يَكُونُ فِيهِمْ عَشَرَةٌ فِيهِمْ خَيْرٌ ؟ قالَ قَتادَةُ: إنَّهُ كانَ في قَرْيَةِ لُوطٍ أرْبَعَةُ آلافِ ألْفِ إنْسانٍ، أوْ ما شاءَ اللَّهُ مِن ذَلِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا جاءَتِ المَلائِكَةُ إلى إبْراهِيمَ قالُوا لِإبْراهِيمَ: إنْ كانَ فِيها خَمْسَةٌ يُصَلُّونَ رُفِعَ عَنْهُمُ العَذابُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قالَ: الأوّاهُ الرَّحِيمُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: المُنِيبُ المُقْبِلُ إلى طاعَةِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: المُنِيبُ المُخْلِصُ.
هود 11:70
.
هَذِهِ قِصَّةُ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وقَوْمِهِ، وهو ابْنُ عَمِّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانَتْ قُرى لُوطٍ بِنَواحِي الشّامِ وإبْراهِيمُ بِبِلادِ فِلَسْطِينَ.
فَلَمّا أنْزَلَ اللَّهُ المَلائِكَةَ بِعَذابِ قَوْمِ لُوطٍ، مَرُّوا بِإبْراهِيمَ ونَزَلُوا عِنْدَهُ، وكانَ كُلُّ مَن نَزَلَ عِنْدَهُ يُحْسِنُ قِراهُ، وكانَ مُرُورُهم عَلَيْهِ لِتَبْشِيرِهِ بِهَذِهِ البِشارَةِ المَذْكُورَةِ، فَظَنَّهم أضْيافًا، وهم جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ وإسْرافِيلُ.
وقِيلَ كانُوا تِسْعَةً، وقِيلَ أحَدَ عَشَرَ، والبُشْرى الَّتِي بَشَّرُوهُ بِها هي بِشارَتُهُ بِالوَلَدِ، وقِيلَ بِإهْلاكِ قَوْمِ لُوطٍ، والأُولى أوْلى ﴿قالُوا سَلامًا﴾ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أيْ سَلَّمْنا عَلَيْكَ سَلامًا ﴿قالَ سَلامٌ﴾ ارْتِفاعُهُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ أمْرُكم سَلامٌ، أوْ مُرْتَفِعٌ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: عَلَيْكم سَلامٌ ﴿فَما لَبِثَ﴾ أيْ إبْراهِيمُ ﴿أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ قالَ أكْثَرُ النَّحْوِيِّينَ أنْ هُنا بِمَعْنى حَتّى: أيْ فَما لَبِثَ حَتّى جاءَ، وقِيلَ: إنَّها في مَحَلِّ نَصْبٍ بِسُقُوطِ حَرْفِ الجَرِّ، والتَّقْدِيرُ فَما لَبِثَ عَنْ أنْ جاءَ: أيْ ما أبْطَأ إبْراهِيمُ عَنْ مَجِيئِهِ بِعِجْلٍ وما نافِيَةٌ قالَهُ سِيبَوَيْهِ.
وقالَ الفَرّاءُ: فَما لَبِثَ مَجِيئُهُ: أيْ ما أبْطَأ مَجِيئُهُ، وقِيلَ: إنَّ ما مَوْصُولَةٌ وهي مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ ﴿أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ والتَّقْدِيرُ: فالَّذِي لَبِثَ إبْراهِيمُ هو مَجِيئُهُ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ، والحَنِيذُ: المَشْوِيُّ مُطْلَقًا، وقِيلَ: المَشْوِيُّ بِحَرِّ الحِجارَةِ مِن غَيْرِ أنْ تَمَسَّهُ النّارُ، يُقالُ: حَنَذَ الشّاةَ يَحْنِذُها: جَعَلَها فَوْقَ حِجارَةٍ مُحَمّاةٍ لِتُنْضِجَها فَهي حَنِيذٌ، وقِيلَ مَعْنى حَنِيذٍ: سَمِينٌ، وقِيلَ الحَنِيذُ هو السَّمِيطُ، وقِيلَ النَّضِيجُ، وهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، وإنَّما جاءَهم بِعِجْلٍ، لِأنَّ البَقَرَ كانَتْ أكْثَرَ أمْوالِهِ.
﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ﴾ أيْ لا يَمُدُّونَها إلى العِجْلِ كَما يَمُدُّ يَدَهُ مَن يُرِيدُ الأكْلَ (p-٦٦٥)نَكِرَهم يُقالُ: نَكِرْتَهُ وأنْكَرْتَهُ واسْتَنْكَرْتَهُ: إذا وجَدْتَهُ عَلى غَيْرِ ما تَعْهَدُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَأنْكَرَتْنِي وما كانَ الَّذِي نَكِرَتْ مِنَ الحَوادِثِ إلّا الشَّيْبُ والصَّلَعا
فَجَمَعَ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ، ومِمّا جُمِعَ فِيهِ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎إذا أنْكَرَتْنِي بَلْدَةٌ أوْ نَكِرْتُها ∗∗∗ خَرَجْتُ مَعَ البازِي عَلَيَّ سَوادُ
وقِيلَ يُقالُ: أنْكَرْتُ لِما تَراهُ بِعَيْنِكَ، ونَكِرْتُ لِما تَراهُ بِقَلْبِكَ، قِيلَ: وإنَّما اسْتَنْكَرَ مِنهم ذَلِكَ، لِأنَّ عادَتَهم أنَّ الضَّيْفَ إذا نَزَلَ بِهِمْ ولَمْ يَأْكُلْ مِن طَعامِهِمْ ظَنُّوا أنَّهُ قَدْ جاءَ بِشْرٍ ﴿وأوْجَسَ مِنهُمْ﴾ أيْ أحَسَّ في نَفْسِهِ مِنهم خِيفَةً أيْ خَوْفًا وفَزَعًا، وقِيلَ مَعْنى أوْجَسَ: أضْمَرَ في نَفْسِهِ خِيفَةً، والأوَّلُ ألْصَقُ بِالمَعْنى اللُّغَوِيِّ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎جاءَ البَرِيدُ بِقِرْطاسٍ يَحُثُّ بِهِ ∗∗∗ فَأوْجَسَ القَلْبُ مِن قِرْطاسِهِ فَزَعا
وكَأنَّهُ ظَنَّ أنَّهم قَدْ نَزَلُوا بِهِ لِأمْرٍ يُنْكِرُهُ، أوْ لِتَعْذِيبِ قَوْمِهِ ﴿قالُوا لا تَخَفْ﴾ قالُوا لَهُ هَذِهِ المَقالَةَ مَعَ كَوْنِهِ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِما يَدُلُّ عَلى الخَوْفِ، بَلْ أوْجَسَ ذَلِكَ في نَفْسِهِ، فَلَعَلَّهُمُ اسْتَدَلُّوا عَلى خَوْفِهِ بِأماراتٍ كَظُهُورِ أثَرِهِ عَلى وجْهِهِ، أوْ قالُوهُ لَهُ بَعْدَما قالَ عَقِبَ ما أوْجَسَ في نَفْسِهِ مِنَ الخِيفَةِ قَوْلًا يَدُلُّ عَلى الخَوْفِ كَما في قَوْلِهِ في سُورَةِ الحِجْرِ: ﴿قالَ إنّا مِنكم وجِلُونَ﴾ [الحجر: ٥٢]، ولَمْ يُذْكَرْ ذَلِكَ هَهُنا اكْتِفاءً بِما هُنالِكَ، ثُمَّ عَلَّلُوا نَهْيَهُ عَنِ الخَوْفِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ أيْ أُرْسِلْنا إلَيْهِمْ خاصَّةً، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ قالَ قَوْلًا يَكُونُ هَذا جَوابًا عَنْهُ: ﴿قالَ فَما خَطْبُكم أيُّها المُرْسَلُونَ﴾ ﴿قالُوا إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ [الحجر: ٥٧، ٥٨] .
وجُمْلَةُ ﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، قِيلَ: كانَتْ قائِمَةً عِنْدَ تَحاوُرِهِمْ وراءَ السِّتْرِ، وقِيلَ: كانَتْ قائِمَةً تَخْدِمُ المَلائِكَةَ وهو جالِسٌ، والضَّحِكُ هُنا هو الضَّحِكُ المَعْرُوفُ الَّذِي يَكُونُ لِلتَّعَجُّبِ أوْ لِلسُّرُورِ كَما قالَهُ الجُمْهُورُ.
وقالَ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ: إنَّهُ الحَيْضُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وإنِّي لَآتِي العِرْسَ عِنْدَ طَهُورِها ∗∗∗ وأهْجُرُها يَوْمًا إذا تَكُ ضاحِكا
وقالَ الآخَرُ:
؎وضَحِكَ الأرانِبُ فَوْقَ الصَّفا ∗∗∗ كَمِثْلِ دَمِ الخَوْفِ يَوْمَ اللُّقا
والعَرَبُ تَقُولُ: ضَحِكَتِ الأرْنَبُ: إذا حاضَتْ.
وقَدْ أنْكَرَ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ أنْ يَكُونَ في كَلامِ العَرَبِ ضَحِكَتْ بِمَعْنى حاضَتْ ﴿فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ﴾ ظاهِرُهُ أنَّ التَّبْشِيرَ كانَ بَعْدَ الضَّحِكِ.
وقالَ الفَرّاءُ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ.
والمَعْنى: فَبَشَّرْناها فَضَحِكَتْ سُرُورًا بِالوَلَدِ.
وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ زِيادٍ مِن قُرّاءِ مَكَّةَ فَضَحَكَتْ بِفَتْحِ الحاءِ، وأنْكَرَهُ الَمَهَدَوِيُّ ﴿ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ .
قَرَأ حَمْزَةُ وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ بِنَصْبِ يَعْقُوبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ فِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ فَبَشَّرْناها، كَأنَّهُ قالَ: ووَهَبْنا لَها مِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ.
وأجازَ الكِسائِيُّ والأخْفَشُ وأبُو حاتِمٍ أنْ يَكُونَ يَعْقُوبُ في مَوْضِعِ جَرٍّ.
وقالَ الفَرّاءُ: لا يَجُوزُ الجَرُّ إلّا بِإعادَةِ حَرْفِهِ.
قالَ سِيبَوَيْهِ: ولَوْ قُلْتَ مَرَرْتُ بِزَيْدٍ أوَّلَ مِن أمْسِ، وأمْسِ عُمَرُ كانَ قَبِيحًا خَبِيثًا، لِأنَّكَ فَرَّقْتَ بَيْنَ المَجْرُورِ وما يَشْرَكُهُ كَما يُفَرَّقُ بَيْنَ الجارِّ والمَجْرُورِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِرَفْعِ يَعْقُوبَ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ الظَّرْفُ الَّذِي قَبْلَهُ، وقِيلَ: الرَّفْعُ بِتَقْدِيرِ فِعْلٍ مَحْذُوفٍ: أيْ ويَحْدُثُ لَها، أوْ وثَبَتَ لَها.
وقَدْ وقَعَ التَّبْشِيرُ هُنا لَها، ووَقَعَ لِإبْراهِيمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠١] ﴿وبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات: ٢٨]، لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مُسْتَحِقٌّ لِلْبِشارَةِ بِهِ لِكَوْنِهِ مِنهُما.
وجُمْلَةُ ﴿قالَتْ ياوَيْلَتى﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَتْ ؟ قالَ الزَّجّاجُ: أصْلُها يا ويْلَتِي، فَأُبْدِلَ مِنَ الياءِ ألِفٌ لِأنَّها أخَفُّ مِنَ الياءِ والكَسْرَةِ، وهي لَمْ تُرِدِ الدُّعاءَ عَلى نَفْسِها بِالوَيْلِ، ولَكِنَّها كَلِمَةٌ تَقَعُ كَثِيرًا عَلى أفْواهِ النِّساءِ إذا طَرَأ عَلَيْهِنَّ ما يَعْجَبْنَ مِنهُ، وأصْلُ الوَيْلِ: الخِزْيُ، ثُمَّ شاعَ في كُلِّ أمْرٍ فَظِيعٍ، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِها: ﴿أألِدُ وأنا عَجُوزٌ﴾ لِلتَّعَجُّبِ: أيْ كَيْفَ ألِدُ وأنا شَيْخَةٌ قَدْ طَعَنْتُ في السِّنِّ، يُقالُ: عَجَزَتْ تَعْجَزُ مُخَفَّفًا ومُثَقَّلًا عَجْزًا وتَعْجِيزًا: أيْ طَعَنَتْ في السِّنِّ، ويُقالُ: عَجُوزٌ وعَجُوزَةٌ، وأمّا عَجِزَتْ بِكَسْرِ الجِيمِ: فَمَعْناهُ عَظُمَتْ عَجِيزَتُها، قِيلَ كانَتْ بِنْتَ تِسْعٍ وتِسْعِينَ، وقِيلَ بِنْتَ تِسْعِينَ ﴿وهَذا بَعْلِي شَيْخًا﴾ أيْ وهَذا زَوْجِي إبْراهِيمُ شَيْخًا لا تَحْبَلُ مِن مِثْلِهِ النِّساءُ، وشَيْخًا مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ، والعامِلُ فِيهِ مَعْنى الإشارَةِ.
قالَ النَّحّاسُ: وفي قِراءَةِ أُبَيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ شَيْخٌ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ، أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وعَلى الأوَّلِ يَكُونُ بَعْلِي بَدَلًا مِنِ اسْمِ الإشارَةِ، قِيلَ: كانَ إبْراهِيمُ ابْنَ مِائَةٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، وقِيلَ ابْنَ مِائَةٍ، وهَذِهِ المُبَشَّرَةُ هي سارَةُ امْرَأةُ إبْراهِيمَ.
وقَدْ كانَ وُلِدَ لِإبْراهِيمَ مِن هاجَرَ أمَتِهِ إسْماعِيلُ، فَتَمَنَّتْ سارَةُ أنْ يَكُونَ لَها ابْنٌ وأيِسَتْ مِنهُ لِكِبَرِ سِنِّها، فَبَشَّرَها اللَّهُ بِهِ عَلى لِسانِ مَلائِكَتِهِ ﴿إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ أيْ ما ذَكَرَتْهُ المَلائِكَةُ مِنَ التَّبْشِيرِ بِحُصُولِ الوَلَدِ مَعَ كَوْنِها في هَذِهِ السِّنِّ العالِيَةِ الَّتِي لا يُولَدُ لِمِثْلِها - شَيْءٌ يُقْضى مِنهُ العَجَبُ.
وجُمْلَةُ ﴿قالُوا أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، والِاسْتِفْهامُ فِيها لِلْإنْكارِ: أيْ كَيْفَ تَعْجَبِينَ مِن قَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ، وهو لا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وإنَّما أنْكَرُوا عَلَيْها مَعَ كَوْنِ ما تَعَجَّبَتْ مِنهُ مِن خَوارِقِ العادَةِ لِأنَّها مِن بَيْتِ النُّبُوَّةِ، ولا يَخْفى عَلى مِثْلِها أنَّ هَذا مِن مَقْدُوراتِهِ سُبْحانَهُ، ولِهَذا قالُوا: ﴿رَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ﴾ أيْ الرَّحْمَةُ الَّتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ والبَرَكاتُ وهي النُّمُوُّ والزِّيادَةُ قِيلَ الرَّحْمَةُ: النُّبُوَّةُ، والبَرَكاتُ: الأسْباطُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ لِما فِيهِمْ مِنَ الأنْبِياءِ، وانْتِصابُ ﴿أهْلَ البَيْتِ﴾ عَلى المَدْحِ أوِ الِاخْتِصاصِ، وصَرْفُ الخِطابِ مِن صِيغَةِ الواحِدَةِ إلى الجَمْعِ لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ ﴿إنَّهُ حَمِيدٌ﴾ أيْ يَفْعَلُ مُوجِباتِ حَمْدِهِ مِن عِبادِهِ عَلى سَبِيلِ الكَثْرَةِ مَجِيدٌ كَثِيرُ الإحْسانِ إلى عِبادِهِ بِما يَفِيضُهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الخَيْراتِ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿رَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ﴾ .
قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إبْراهِيمَ الرَّوْعُ﴾ أيْ الخِيفَةُ الَّتِي أوْجَسَها في نَفْسِهِ، يُقالُ: ارْتاعَ مِن كَذا: إذا خافَ، ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ:(p-٦٦٦)
؎فارْتاعَ مِن صَوْتِ كَلّابٍ فَباتَ لَهُ ∗∗∗ طَوْعَ الشَّوامِتِ مِن خَوْفٍ ومِن حَذَرِ
﴿وجاءَتْهُ البُشْرى﴾ أيْ بِالوَلَدِ، أوْ بِقَوْلِهِمْ: لا تَخَفْ.
قَوْلُهُ: ﴿يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾ .
قالَ الأخْفَشُ والكِسائِيُّ: إنَّ يُجادِلُنا في مَوْضِعِ جادَلَنا، فَيَكُونُ هو جَوابُ لَمّا، لِما تَقَرَّرَ مِن أنَّ جَوابَها يَكُونُ بِالماضِي لا بِالمُسْتَقْبَلِ.
قالَ النَّحّاسُ: جُعِلَ المُسْتَقْبَلُ مَكانَهُ كَما يُجْعَلُ الماضِي مَكانَ المُسْتَقْبَلِ في الشَّرْطِ، وقِيلَ: إنَّ الجَوابَ مَحْذُوفٌ، ويُجادِلُنا في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ قالَهُ الفَرّاءُ، وتَقْدِيرُهُ: فَلَمّا ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ وجاءَتْهُ البُشْرى اجْتَرَأ عَلى خِطابِنا حالَ كَوْنِهِ يُجادِلُنا: أيْ يُجادِلُ رُسُلَنا، وقِيلَ إنَّ المَعْنى: أخَذَ يُجادِلُنا، ومُجادَلَتُهُ لَهم قِيلَ إنَّهُ لَمّا سَمِعَ قَوْلَهم: ﴿إنّا مُهْلِكُو أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ﴾ [العنكبوت: ٣١] قالَ: أرَأيْتُمْ إنْ كانَ فِيهِمْ خَمْسُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ أتُهْلِكُونَهم ؟ قالُوا: لا، قالَ: فَأرْبَعُونَ ؟ قالُوا: لا، قالَ: فَعِشْرُونَ ؟ قالُوا: لا، ثُمَّ قالَ: فَعَشَرَةٌ ؟ فَخَمْسَةٌ ؟ قالُوا: لا.
قالَ: فَواحِدٌ ؟ قالُوا: لا.
﴿قالَ إنَّ فِيها لُوطًا قالُوا نَحْنُ أعْلَمُ بِمَن فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وأهْلَهُ﴾ [العنكبوت: ٣٢] الآيَةَ، فَهَذا مَعْنى مُجادَلَتِهِ في قَوْمِ لُوطٍ: أيْ في شَأْنِهِمْ وأمْرِهِمْ.
ثُمَّ أثْنَوْا عَلى إبْراهِيمَ، أوْ أثْنى اللَّهُ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ﴾ أيْ لَيْسَ بِعَجُولٍ في الأُمُورِ، ولا بِمُوقِعٍ لَها عَلى غَيْرِ ما يَنْبَغِي.
والأوّاهُ: كَثِيرُ التَّأوُّهِ، والمُنِيبُ: الرّاجِعُ إلى اللَّهِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ في بَراءَةَ الكَلامُ عَلى الأوّاهِ.
قَوْلُهُ: ﴿ياإبْراهِيمُ أعْرِضْ عَنْ هَذا﴾ هَذا قَوْلُ المَلائِكَةِ لَهُ: أيْ أعْرَضْ عَنْ هَذا الجِدالِ في أمْرٍ قَدْ فُرِغَ مِنهُ، وجَفَّ بِهِ القَلَمُ، وحَقَّ بِهِ القَضاءُ ﴿إنَّهُ قَدْ جاءَ أمْرُ رَبِّكَ﴾ الضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ، ومَعْنى مَجِيءِ أمْرِ اللَّهِ: مَجِيءُ عَذابِهِ الَّذِي قَدَّرَهُ عَلَيْهِمْ، وسَبَقَ بِهِ قَضاؤُهُ ﴿وإنَّهم آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ أيْ لا يَرُدُّهُ دُعاءٌ ولا جِدالٌ، بَلْ هو واقِعٌ بِهِمْ لا مَحالَةَ، ونازِلٌ بِهِمْ عَلى كُلِّ حالٍ لَيْسَ بِمَصْرُوفٍ ولا مَدْفُوعٍ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُثْمانَ بْنِ مِحْصَنٍ في ضَيْفِ إبْراهِيمَ قالَ: كانُوا أرْبَعَةً: جِبْرِيلَ، ومِيكائِيلَ، وإسْرافِيلَ، ورافائِيلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ قالَ: نَضِيجٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: مَشْوِيٌّ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: سَمِيطٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: الحَنِيذُ الَّذِي أُنْضِجَ بِالحِجارَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ يَزِيدِ بْنِ أبِي يَزِيدٍ البَصْرِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ﴾ قالَ: لَمْ يَرَ لَهم أيْدِيًا فَنَكِرَهم.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: نَكِرَهم قالَ: كانُوا إذا نَزَلَ بِهِمْ ضَيْفٌ فَلَمْ يَأْكُلْ مِن طَعامِهِمْ ظَنُّوا أنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِخَيْرٍ، وأنَّهُ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ بِشَرٍّ، ثُمَّ حَدَّثُوهُ عِنْدَ ذَلِكَ بِما جاءُوا فِيهِ فَضَحِكَتِ امْرَأتُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ المُغِيرَةِ قالَ: في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ وهو جالِسٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ﴾ قالَ: في خِدْمَةِ أضْيافِ إبْراهِيمَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: لَمّا أوْجَسَ إبْراهِيمُ في نَفْسِهِ خِيفَةً حَدَّثُوهُ عِنْدَ ذَلِكَ بِما جاءُوا فِيهِ، فَضَحِكَتِ امْرَأتُهُ تَعَجُّبًا مِمّا فِيهِ قَوْمُ لُوطٍ مِنَ الغَفْلَةِ، ومِمّا أتاهم مِنَ العَذابِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فَضَحِكَتْ﴾ قالَ: فَحاضَتْ وهي بِنْتُ ثَمانٍ وتِسْعِينَ سَنَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَضَحِكَتْ﴾ قالَ: حاضَتْ وكانَتِ ابْنَةُ بِضْعٍ وتِسْعِينَ سَنَةً، وكانَ إبْراهِيمُ ابْنُ مِائَةِ سَنَةٍ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: حاضَتْ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ قالَ: هو ولَدُ الوَلَدِ.
وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في كِتابِ الوَقْفِ والِابْتِداءِ عَنْ حَسّانَ بْنِ أبْجَرَ قالَ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ فَجاءَ رَجُلٌ مِن هُذَيْلٍ، فَقالَ لَهُ ابْنُ عَبّاسٍ: ما فَعَلَ فُلانٌ ؟ قالَ: ماتَ وتَرَكَ أرْبَعَةً مِنَ الوَلَدِ وثَلاثَةً مِنَ الوَراءِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ قالَ: ولَدُ الوَلَدِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وأبُو الشَّيْخِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَنْهى عَنْ أنْ يُزادَ في جَوابِ التَّحِيَّةِ عَلى قَوْلِهِمْ: عَلَيْكُمُ السَّلامُ ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ، ويَتْلُو هَذِهِ الآيَةَ ﴿رَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ﴾ .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إبْراهِيمَ الرَّوْعُ﴾ قالَ: الفَرَقُ ﴿يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾ قالَ: يُخاصِمُنا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في تَفْسِيرِ المُجادَلَةِ قالَ: إنَّهُ قالَ لَهم يَوْمَئِذٍ: أرَأيْتُمْ إنْ كانَ فِيهِمْ خَمْسُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ ؟ قالُوا: إنْ كانَ فِيهِمْ خَمْسُونَ لَمْ نُعَذِّبْهم، قالَ: أرْبَعُونَ ؟ قالُوا: وأرْبَعُونَ، قالَ: ثَلاثُونَ ؟ قالُوا: وثَلاثُونَ حَتّى بَلَغُوا عَشَرَةً، قالُوا: إنْ كانَ فِيهِمْ عَشَرَةٌ لَمْ نُعَذِّبْهم، قالَ: ما قَوْمٌ لا يَكُونُ فِيهِمْ عَشَرَةٌ فِيهِمْ خَيْرٌ ؟ قالَ قَتادَةُ: إنَّهُ كانَ في قَرْيَةِ لُوطٍ أرْبَعَةُ آلافِ ألْفِ إنْسانٍ، أوْ ما شاءَ اللَّهُ مِن ذَلِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا جاءَتِ المَلائِكَةُ إلى إبْراهِيمَ قالُوا لِإبْراهِيمَ: إنْ كانَ فِيها خَمْسَةٌ يُصَلُّونَ رُفِعَ عَنْهُمُ العَذابُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قالَ: الأوّاهُ الرَّحِيمُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: المُنِيبُ المُقْبِلُ إلى طاعَةِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: المُنِيبُ المُخْلِصُ.
هود 11:71
.
هَذِهِ قِصَّةُ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وقَوْمِهِ، وهو ابْنُ عَمِّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانَتْ قُرى لُوطٍ بِنَواحِي الشّامِ وإبْراهِيمُ بِبِلادِ فِلَسْطِينَ.
فَلَمّا أنْزَلَ اللَّهُ المَلائِكَةَ بِعَذابِ قَوْمِ لُوطٍ، مَرُّوا بِإبْراهِيمَ ونَزَلُوا عِنْدَهُ، وكانَ كُلُّ مَن نَزَلَ عِنْدَهُ يُحْسِنُ قِراهُ، وكانَ مُرُورُهم عَلَيْهِ لِتَبْشِيرِهِ بِهَذِهِ البِشارَةِ المَذْكُورَةِ، فَظَنَّهم أضْيافًا، وهم جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ وإسْرافِيلُ.
وقِيلَ كانُوا تِسْعَةً، وقِيلَ أحَدَ عَشَرَ، والبُشْرى الَّتِي بَشَّرُوهُ بِها هي بِشارَتُهُ بِالوَلَدِ، وقِيلَ بِإهْلاكِ قَوْمِ لُوطٍ، والأُولى أوْلى ﴿قالُوا سَلامًا﴾ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أيْ سَلَّمْنا عَلَيْكَ سَلامًا ﴿قالَ سَلامٌ﴾ ارْتِفاعُهُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ أمْرُكم سَلامٌ، أوْ مُرْتَفِعٌ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: عَلَيْكم سَلامٌ ﴿فَما لَبِثَ﴾ أيْ إبْراهِيمُ ﴿أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ قالَ أكْثَرُ النَّحْوِيِّينَ أنْ هُنا بِمَعْنى حَتّى: أيْ فَما لَبِثَ حَتّى جاءَ، وقِيلَ: إنَّها في مَحَلِّ نَصْبٍ بِسُقُوطِ حَرْفِ الجَرِّ، والتَّقْدِيرُ فَما لَبِثَ عَنْ أنْ جاءَ: أيْ ما أبْطَأ إبْراهِيمُ عَنْ مَجِيئِهِ بِعِجْلٍ وما نافِيَةٌ قالَهُ سِيبَوَيْهِ.
وقالَ الفَرّاءُ: فَما لَبِثَ مَجِيئُهُ: أيْ ما أبْطَأ مَجِيئُهُ، وقِيلَ: إنَّ ما مَوْصُولَةٌ وهي مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ ﴿أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ والتَّقْدِيرُ: فالَّذِي لَبِثَ إبْراهِيمُ هو مَجِيئُهُ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ، والحَنِيذُ: المَشْوِيُّ مُطْلَقًا، وقِيلَ: المَشْوِيُّ بِحَرِّ الحِجارَةِ مِن غَيْرِ أنْ تَمَسَّهُ النّارُ، يُقالُ: حَنَذَ الشّاةَ يَحْنِذُها: جَعَلَها فَوْقَ حِجارَةٍ مُحَمّاةٍ لِتُنْضِجَها فَهي حَنِيذٌ، وقِيلَ مَعْنى حَنِيذٍ: سَمِينٌ، وقِيلَ الحَنِيذُ هو السَّمِيطُ، وقِيلَ النَّضِيجُ، وهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، وإنَّما جاءَهم بِعِجْلٍ، لِأنَّ البَقَرَ كانَتْ أكْثَرَ أمْوالِهِ.
﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ﴾ أيْ لا يَمُدُّونَها إلى العِجْلِ كَما يَمُدُّ يَدَهُ مَن يُرِيدُ الأكْلَ (p-٦٦٥)نَكِرَهم يُقالُ: نَكِرْتَهُ وأنْكَرْتَهُ واسْتَنْكَرْتَهُ: إذا وجَدْتَهُ عَلى غَيْرِ ما تَعْهَدُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَأنْكَرَتْنِي وما كانَ الَّذِي نَكِرَتْ مِنَ الحَوادِثِ إلّا الشَّيْبُ والصَّلَعا
فَجَمَعَ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ، ومِمّا جُمِعَ فِيهِ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎إذا أنْكَرَتْنِي بَلْدَةٌ أوْ نَكِرْتُها ∗∗∗ خَرَجْتُ مَعَ البازِي عَلَيَّ سَوادُ
وقِيلَ يُقالُ: أنْكَرْتُ لِما تَراهُ بِعَيْنِكَ، ونَكِرْتُ لِما تَراهُ بِقَلْبِكَ، قِيلَ: وإنَّما اسْتَنْكَرَ مِنهم ذَلِكَ، لِأنَّ عادَتَهم أنَّ الضَّيْفَ إذا نَزَلَ بِهِمْ ولَمْ يَأْكُلْ مِن طَعامِهِمْ ظَنُّوا أنَّهُ قَدْ جاءَ بِشْرٍ ﴿وأوْجَسَ مِنهُمْ﴾ أيْ أحَسَّ في نَفْسِهِ مِنهم خِيفَةً أيْ خَوْفًا وفَزَعًا، وقِيلَ مَعْنى أوْجَسَ: أضْمَرَ في نَفْسِهِ خِيفَةً، والأوَّلُ ألْصَقُ بِالمَعْنى اللُّغَوِيِّ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎جاءَ البَرِيدُ بِقِرْطاسٍ يَحُثُّ بِهِ ∗∗∗ فَأوْجَسَ القَلْبُ مِن قِرْطاسِهِ فَزَعا
وكَأنَّهُ ظَنَّ أنَّهم قَدْ نَزَلُوا بِهِ لِأمْرٍ يُنْكِرُهُ، أوْ لِتَعْذِيبِ قَوْمِهِ ﴿قالُوا لا تَخَفْ﴾ قالُوا لَهُ هَذِهِ المَقالَةَ مَعَ كَوْنِهِ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِما يَدُلُّ عَلى الخَوْفِ، بَلْ أوْجَسَ ذَلِكَ في نَفْسِهِ، فَلَعَلَّهُمُ اسْتَدَلُّوا عَلى خَوْفِهِ بِأماراتٍ كَظُهُورِ أثَرِهِ عَلى وجْهِهِ، أوْ قالُوهُ لَهُ بَعْدَما قالَ عَقِبَ ما أوْجَسَ في نَفْسِهِ مِنَ الخِيفَةِ قَوْلًا يَدُلُّ عَلى الخَوْفِ كَما في قَوْلِهِ في سُورَةِ الحِجْرِ: ﴿قالَ إنّا مِنكم وجِلُونَ﴾ [الحجر: ٥٢]، ولَمْ يُذْكَرْ ذَلِكَ هَهُنا اكْتِفاءً بِما هُنالِكَ، ثُمَّ عَلَّلُوا نَهْيَهُ عَنِ الخَوْفِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ أيْ أُرْسِلْنا إلَيْهِمْ خاصَّةً، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ قالَ قَوْلًا يَكُونُ هَذا جَوابًا عَنْهُ: ﴿قالَ فَما خَطْبُكم أيُّها المُرْسَلُونَ﴾ ﴿قالُوا إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ [الحجر: ٥٧، ٥٨] .
وجُمْلَةُ ﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، قِيلَ: كانَتْ قائِمَةً عِنْدَ تَحاوُرِهِمْ وراءَ السِّتْرِ، وقِيلَ: كانَتْ قائِمَةً تَخْدِمُ المَلائِكَةَ وهو جالِسٌ، والضَّحِكُ هُنا هو الضَّحِكُ المَعْرُوفُ الَّذِي يَكُونُ لِلتَّعَجُّبِ أوْ لِلسُّرُورِ كَما قالَهُ الجُمْهُورُ.
وقالَ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ: إنَّهُ الحَيْضُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وإنِّي لَآتِي العِرْسَ عِنْدَ طَهُورِها ∗∗∗ وأهْجُرُها يَوْمًا إذا تَكُ ضاحِكا
وقالَ الآخَرُ:
؎وضَحِكَ الأرانِبُ فَوْقَ الصَّفا ∗∗∗ كَمِثْلِ دَمِ الخَوْفِ يَوْمَ اللُّقا
والعَرَبُ تَقُولُ: ضَحِكَتِ الأرْنَبُ: إذا حاضَتْ.
وقَدْ أنْكَرَ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ أنْ يَكُونَ في كَلامِ العَرَبِ ضَحِكَتْ بِمَعْنى حاضَتْ ﴿فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ﴾ ظاهِرُهُ أنَّ التَّبْشِيرَ كانَ بَعْدَ الضَّحِكِ.
وقالَ الفَرّاءُ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ.
والمَعْنى: فَبَشَّرْناها فَضَحِكَتْ سُرُورًا بِالوَلَدِ.
وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ زِيادٍ مِن قُرّاءِ مَكَّةَ فَضَحَكَتْ بِفَتْحِ الحاءِ، وأنْكَرَهُ الَمَهَدَوِيُّ ﴿ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ .
قَرَأ حَمْزَةُ وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ بِنَصْبِ يَعْقُوبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ فِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ فَبَشَّرْناها، كَأنَّهُ قالَ: ووَهَبْنا لَها مِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ.
وأجازَ الكِسائِيُّ والأخْفَشُ وأبُو حاتِمٍ أنْ يَكُونَ يَعْقُوبُ في مَوْضِعِ جَرٍّ.
وقالَ الفَرّاءُ: لا يَجُوزُ الجَرُّ إلّا بِإعادَةِ حَرْفِهِ.
قالَ سِيبَوَيْهِ: ولَوْ قُلْتَ مَرَرْتُ بِزَيْدٍ أوَّلَ مِن أمْسِ، وأمْسِ عُمَرُ كانَ قَبِيحًا خَبِيثًا، لِأنَّكَ فَرَّقْتَ بَيْنَ المَجْرُورِ وما يَشْرَكُهُ كَما يُفَرَّقُ بَيْنَ الجارِّ والمَجْرُورِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِرَفْعِ يَعْقُوبَ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ الظَّرْفُ الَّذِي قَبْلَهُ، وقِيلَ: الرَّفْعُ بِتَقْدِيرِ فِعْلٍ مَحْذُوفٍ: أيْ ويَحْدُثُ لَها، أوْ وثَبَتَ لَها.
وقَدْ وقَعَ التَّبْشِيرُ هُنا لَها، ووَقَعَ لِإبْراهِيمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠١] ﴿وبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات: ٢٨]، لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مُسْتَحِقٌّ لِلْبِشارَةِ بِهِ لِكَوْنِهِ مِنهُما.
وجُمْلَةُ ﴿قالَتْ ياوَيْلَتى﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَتْ ؟ قالَ الزَّجّاجُ: أصْلُها يا ويْلَتِي، فَأُبْدِلَ مِنَ الياءِ ألِفٌ لِأنَّها أخَفُّ مِنَ الياءِ والكَسْرَةِ، وهي لَمْ تُرِدِ الدُّعاءَ عَلى نَفْسِها بِالوَيْلِ، ولَكِنَّها كَلِمَةٌ تَقَعُ كَثِيرًا عَلى أفْواهِ النِّساءِ إذا طَرَأ عَلَيْهِنَّ ما يَعْجَبْنَ مِنهُ، وأصْلُ الوَيْلِ: الخِزْيُ، ثُمَّ شاعَ في كُلِّ أمْرٍ فَظِيعٍ، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِها: ﴿أألِدُ وأنا عَجُوزٌ﴾ لِلتَّعَجُّبِ: أيْ كَيْفَ ألِدُ وأنا شَيْخَةٌ قَدْ طَعَنْتُ في السِّنِّ، يُقالُ: عَجَزَتْ تَعْجَزُ مُخَفَّفًا ومُثَقَّلًا عَجْزًا وتَعْجِيزًا: أيْ طَعَنَتْ في السِّنِّ، ويُقالُ: عَجُوزٌ وعَجُوزَةٌ، وأمّا عَجِزَتْ بِكَسْرِ الجِيمِ: فَمَعْناهُ عَظُمَتْ عَجِيزَتُها، قِيلَ كانَتْ بِنْتَ تِسْعٍ وتِسْعِينَ، وقِيلَ بِنْتَ تِسْعِينَ ﴿وهَذا بَعْلِي شَيْخًا﴾ أيْ وهَذا زَوْجِي إبْراهِيمُ شَيْخًا لا تَحْبَلُ مِن مِثْلِهِ النِّساءُ، وشَيْخًا مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ، والعامِلُ فِيهِ مَعْنى الإشارَةِ.
قالَ النَّحّاسُ: وفي قِراءَةِ أُبَيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ شَيْخٌ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ، أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وعَلى الأوَّلِ يَكُونُ بَعْلِي بَدَلًا مِنِ اسْمِ الإشارَةِ، قِيلَ: كانَ إبْراهِيمُ ابْنَ مِائَةٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، وقِيلَ ابْنَ مِائَةٍ، وهَذِهِ المُبَشَّرَةُ هي سارَةُ امْرَأةُ إبْراهِيمَ.
وقَدْ كانَ وُلِدَ لِإبْراهِيمَ مِن هاجَرَ أمَتِهِ إسْماعِيلُ، فَتَمَنَّتْ سارَةُ أنْ يَكُونَ لَها ابْنٌ وأيِسَتْ مِنهُ لِكِبَرِ سِنِّها، فَبَشَّرَها اللَّهُ بِهِ عَلى لِسانِ مَلائِكَتِهِ ﴿إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ أيْ ما ذَكَرَتْهُ المَلائِكَةُ مِنَ التَّبْشِيرِ بِحُصُولِ الوَلَدِ مَعَ كَوْنِها في هَذِهِ السِّنِّ العالِيَةِ الَّتِي لا يُولَدُ لِمِثْلِها - شَيْءٌ يُقْضى مِنهُ العَجَبُ.
وجُمْلَةُ ﴿قالُوا أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، والِاسْتِفْهامُ فِيها لِلْإنْكارِ: أيْ كَيْفَ تَعْجَبِينَ مِن قَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ، وهو لا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وإنَّما أنْكَرُوا عَلَيْها مَعَ كَوْنِ ما تَعَجَّبَتْ مِنهُ مِن خَوارِقِ العادَةِ لِأنَّها مِن بَيْتِ النُّبُوَّةِ، ولا يَخْفى عَلى مِثْلِها أنَّ هَذا مِن مَقْدُوراتِهِ سُبْحانَهُ، ولِهَذا قالُوا: ﴿رَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ﴾ أيْ الرَّحْمَةُ الَّتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ والبَرَكاتُ وهي النُّمُوُّ والزِّيادَةُ قِيلَ الرَّحْمَةُ: النُّبُوَّةُ، والبَرَكاتُ: الأسْباطُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ لِما فِيهِمْ مِنَ الأنْبِياءِ، وانْتِصابُ ﴿أهْلَ البَيْتِ﴾ عَلى المَدْحِ أوِ الِاخْتِصاصِ، وصَرْفُ الخِطابِ مِن صِيغَةِ الواحِدَةِ إلى الجَمْعِ لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ ﴿إنَّهُ حَمِيدٌ﴾ أيْ يَفْعَلُ مُوجِباتِ حَمْدِهِ مِن عِبادِهِ عَلى سَبِيلِ الكَثْرَةِ مَجِيدٌ كَثِيرُ الإحْسانِ إلى عِبادِهِ بِما يَفِيضُهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الخَيْراتِ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿رَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ﴾ .
قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إبْراهِيمَ الرَّوْعُ﴾ أيْ الخِيفَةُ الَّتِي أوْجَسَها في نَفْسِهِ، يُقالُ: ارْتاعَ مِن كَذا: إذا خافَ، ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ:(p-٦٦٦)
؎فارْتاعَ مِن صَوْتِ كَلّابٍ فَباتَ لَهُ ∗∗∗ طَوْعَ الشَّوامِتِ مِن خَوْفٍ ومِن حَذَرِ
﴿وجاءَتْهُ البُشْرى﴾ أيْ بِالوَلَدِ، أوْ بِقَوْلِهِمْ: لا تَخَفْ.
قَوْلُهُ: ﴿يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾ .
قالَ الأخْفَشُ والكِسائِيُّ: إنَّ يُجادِلُنا في مَوْضِعِ جادَلَنا، فَيَكُونُ هو جَوابُ لَمّا، لِما تَقَرَّرَ مِن أنَّ جَوابَها يَكُونُ بِالماضِي لا بِالمُسْتَقْبَلِ.
قالَ النَّحّاسُ: جُعِلَ المُسْتَقْبَلُ مَكانَهُ كَما يُجْعَلُ الماضِي مَكانَ المُسْتَقْبَلِ في الشَّرْطِ، وقِيلَ: إنَّ الجَوابَ مَحْذُوفٌ، ويُجادِلُنا في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ قالَهُ الفَرّاءُ، وتَقْدِيرُهُ: فَلَمّا ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ وجاءَتْهُ البُشْرى اجْتَرَأ عَلى خِطابِنا حالَ كَوْنِهِ يُجادِلُنا: أيْ يُجادِلُ رُسُلَنا، وقِيلَ إنَّ المَعْنى: أخَذَ يُجادِلُنا، ومُجادَلَتُهُ لَهم قِيلَ إنَّهُ لَمّا سَمِعَ قَوْلَهم: ﴿إنّا مُهْلِكُو أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ﴾ [العنكبوت: ٣١] قالَ: أرَأيْتُمْ إنْ كانَ فِيهِمْ خَمْسُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ أتُهْلِكُونَهم ؟ قالُوا: لا، قالَ: فَأرْبَعُونَ ؟ قالُوا: لا، قالَ: فَعِشْرُونَ ؟ قالُوا: لا، ثُمَّ قالَ: فَعَشَرَةٌ ؟ فَخَمْسَةٌ ؟ قالُوا: لا.
قالَ: فَواحِدٌ ؟ قالُوا: لا.
﴿قالَ إنَّ فِيها لُوطًا قالُوا نَحْنُ أعْلَمُ بِمَن فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وأهْلَهُ﴾ [العنكبوت: ٣٢] الآيَةَ، فَهَذا مَعْنى مُجادَلَتِهِ في قَوْمِ لُوطٍ: أيْ في شَأْنِهِمْ وأمْرِهِمْ.
ثُمَّ أثْنَوْا عَلى إبْراهِيمَ، أوْ أثْنى اللَّهُ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ﴾ أيْ لَيْسَ بِعَجُولٍ في الأُمُورِ، ولا بِمُوقِعٍ لَها عَلى غَيْرِ ما يَنْبَغِي.
والأوّاهُ: كَثِيرُ التَّأوُّهِ، والمُنِيبُ: الرّاجِعُ إلى اللَّهِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ في بَراءَةَ الكَلامُ عَلى الأوّاهِ.
قَوْلُهُ: ﴿ياإبْراهِيمُ أعْرِضْ عَنْ هَذا﴾ هَذا قَوْلُ المَلائِكَةِ لَهُ: أيْ أعْرَضْ عَنْ هَذا الجِدالِ في أمْرٍ قَدْ فُرِغَ مِنهُ، وجَفَّ بِهِ القَلَمُ، وحَقَّ بِهِ القَضاءُ ﴿إنَّهُ قَدْ جاءَ أمْرُ رَبِّكَ﴾ الضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ، ومَعْنى مَجِيءِ أمْرِ اللَّهِ: مَجِيءُ عَذابِهِ الَّذِي قَدَّرَهُ عَلَيْهِمْ، وسَبَقَ بِهِ قَضاؤُهُ ﴿وإنَّهم آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ أيْ لا يَرُدُّهُ دُعاءٌ ولا جِدالٌ، بَلْ هو واقِعٌ بِهِمْ لا مَحالَةَ، ونازِلٌ بِهِمْ عَلى كُلِّ حالٍ لَيْسَ بِمَصْرُوفٍ ولا مَدْفُوعٍ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُثْمانَ بْنِ مِحْصَنٍ في ضَيْفِ إبْراهِيمَ قالَ: كانُوا أرْبَعَةً: جِبْرِيلَ، ومِيكائِيلَ، وإسْرافِيلَ، ورافائِيلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ قالَ: نَضِيجٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: مَشْوِيٌّ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: سَمِيطٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: الحَنِيذُ الَّذِي أُنْضِجَ بِالحِجارَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ يَزِيدِ بْنِ أبِي يَزِيدٍ البَصْرِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ﴾ قالَ: لَمْ يَرَ لَهم أيْدِيًا فَنَكِرَهم.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: نَكِرَهم قالَ: كانُوا إذا نَزَلَ بِهِمْ ضَيْفٌ فَلَمْ يَأْكُلْ مِن طَعامِهِمْ ظَنُّوا أنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِخَيْرٍ، وأنَّهُ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ بِشَرٍّ، ثُمَّ حَدَّثُوهُ عِنْدَ ذَلِكَ بِما جاءُوا فِيهِ فَضَحِكَتِ امْرَأتُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ المُغِيرَةِ قالَ: في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ وهو جالِسٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ﴾ قالَ: في خِدْمَةِ أضْيافِ إبْراهِيمَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: لَمّا أوْجَسَ إبْراهِيمُ في نَفْسِهِ خِيفَةً حَدَّثُوهُ عِنْدَ ذَلِكَ بِما جاءُوا فِيهِ، فَضَحِكَتِ امْرَأتُهُ تَعَجُّبًا مِمّا فِيهِ قَوْمُ لُوطٍ مِنَ الغَفْلَةِ، ومِمّا أتاهم مِنَ العَذابِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فَضَحِكَتْ﴾ قالَ: فَحاضَتْ وهي بِنْتُ ثَمانٍ وتِسْعِينَ سَنَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَضَحِكَتْ﴾ قالَ: حاضَتْ وكانَتِ ابْنَةُ بِضْعٍ وتِسْعِينَ سَنَةً، وكانَ إبْراهِيمُ ابْنُ مِائَةِ سَنَةٍ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: حاضَتْ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ قالَ: هو ولَدُ الوَلَدِ.
وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في كِتابِ الوَقْفِ والِابْتِداءِ عَنْ حَسّانَ بْنِ أبْجَرَ قالَ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ فَجاءَ رَجُلٌ مِن هُذَيْلٍ، فَقالَ لَهُ ابْنُ عَبّاسٍ: ما فَعَلَ فُلانٌ ؟ قالَ: ماتَ وتَرَكَ أرْبَعَةً مِنَ الوَلَدِ وثَلاثَةً مِنَ الوَراءِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ قالَ: ولَدُ الوَلَدِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وأبُو الشَّيْخِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَنْهى عَنْ أنْ يُزادَ في جَوابِ التَّحِيَّةِ عَلى قَوْلِهِمْ: عَلَيْكُمُ السَّلامُ ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ، ويَتْلُو هَذِهِ الآيَةَ ﴿رَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ﴾ .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إبْراهِيمَ الرَّوْعُ﴾ قالَ: الفَرَقُ ﴿يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾ قالَ: يُخاصِمُنا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في تَفْسِيرِ المُجادَلَةِ قالَ: إنَّهُ قالَ لَهم يَوْمَئِذٍ: أرَأيْتُمْ إنْ كانَ فِيهِمْ خَمْسُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ ؟ قالُوا: إنْ كانَ فِيهِمْ خَمْسُونَ لَمْ نُعَذِّبْهم، قالَ: أرْبَعُونَ ؟ قالُوا: وأرْبَعُونَ، قالَ: ثَلاثُونَ ؟ قالُوا: وثَلاثُونَ حَتّى بَلَغُوا عَشَرَةً، قالُوا: إنْ كانَ فِيهِمْ عَشَرَةٌ لَمْ نُعَذِّبْهم، قالَ: ما قَوْمٌ لا يَكُونُ فِيهِمْ عَشَرَةٌ فِيهِمْ خَيْرٌ ؟ قالَ قَتادَةُ: إنَّهُ كانَ في قَرْيَةِ لُوطٍ أرْبَعَةُ آلافِ ألْفِ إنْسانٍ، أوْ ما شاءَ اللَّهُ مِن ذَلِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا جاءَتِ المَلائِكَةُ إلى إبْراهِيمَ قالُوا لِإبْراهِيمَ: إنْ كانَ فِيها خَمْسَةٌ يُصَلُّونَ رُفِعَ عَنْهُمُ العَذابُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قالَ: الأوّاهُ الرَّحِيمُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: المُنِيبُ المُقْبِلُ إلى طاعَةِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: المُنِيبُ المُخْلِصُ.
هود 11:72
.
هَذِهِ قِصَّةُ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وقَوْمِهِ، وهو ابْنُ عَمِّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانَتْ قُرى لُوطٍ بِنَواحِي الشّامِ وإبْراهِيمُ بِبِلادِ فِلَسْطِينَ.
فَلَمّا أنْزَلَ اللَّهُ المَلائِكَةَ بِعَذابِ قَوْمِ لُوطٍ، مَرُّوا بِإبْراهِيمَ ونَزَلُوا عِنْدَهُ، وكانَ كُلُّ مَن نَزَلَ عِنْدَهُ يُحْسِنُ قِراهُ، وكانَ مُرُورُهم عَلَيْهِ لِتَبْشِيرِهِ بِهَذِهِ البِشارَةِ المَذْكُورَةِ، فَظَنَّهم أضْيافًا، وهم جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ وإسْرافِيلُ.
وقِيلَ كانُوا تِسْعَةً، وقِيلَ أحَدَ عَشَرَ، والبُشْرى الَّتِي بَشَّرُوهُ بِها هي بِشارَتُهُ بِالوَلَدِ، وقِيلَ بِإهْلاكِ قَوْمِ لُوطٍ، والأُولى أوْلى ﴿قالُوا سَلامًا﴾ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أيْ سَلَّمْنا عَلَيْكَ سَلامًا ﴿قالَ سَلامٌ﴾ ارْتِفاعُهُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ أمْرُكم سَلامٌ، أوْ مُرْتَفِعٌ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: عَلَيْكم سَلامٌ ﴿فَما لَبِثَ﴾ أيْ إبْراهِيمُ ﴿أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ قالَ أكْثَرُ النَّحْوِيِّينَ أنْ هُنا بِمَعْنى حَتّى: أيْ فَما لَبِثَ حَتّى جاءَ، وقِيلَ: إنَّها في مَحَلِّ نَصْبٍ بِسُقُوطِ حَرْفِ الجَرِّ، والتَّقْدِيرُ فَما لَبِثَ عَنْ أنْ جاءَ: أيْ ما أبْطَأ إبْراهِيمُ عَنْ مَجِيئِهِ بِعِجْلٍ وما نافِيَةٌ قالَهُ سِيبَوَيْهِ.
وقالَ الفَرّاءُ: فَما لَبِثَ مَجِيئُهُ: أيْ ما أبْطَأ مَجِيئُهُ، وقِيلَ: إنَّ ما مَوْصُولَةٌ وهي مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ ﴿أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ والتَّقْدِيرُ: فالَّذِي لَبِثَ إبْراهِيمُ هو مَجِيئُهُ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ، والحَنِيذُ: المَشْوِيُّ مُطْلَقًا، وقِيلَ: المَشْوِيُّ بِحَرِّ الحِجارَةِ مِن غَيْرِ أنْ تَمَسَّهُ النّارُ، يُقالُ: حَنَذَ الشّاةَ يَحْنِذُها: جَعَلَها فَوْقَ حِجارَةٍ مُحَمّاةٍ لِتُنْضِجَها فَهي حَنِيذٌ، وقِيلَ مَعْنى حَنِيذٍ: سَمِينٌ، وقِيلَ الحَنِيذُ هو السَّمِيطُ، وقِيلَ النَّضِيجُ، وهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، وإنَّما جاءَهم بِعِجْلٍ، لِأنَّ البَقَرَ كانَتْ أكْثَرَ أمْوالِهِ.
﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ﴾ أيْ لا يَمُدُّونَها إلى العِجْلِ كَما يَمُدُّ يَدَهُ مَن يُرِيدُ الأكْلَ (p-٦٦٥)نَكِرَهم يُقالُ: نَكِرْتَهُ وأنْكَرْتَهُ واسْتَنْكَرْتَهُ: إذا وجَدْتَهُ عَلى غَيْرِ ما تَعْهَدُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَأنْكَرَتْنِي وما كانَ الَّذِي نَكِرَتْ مِنَ الحَوادِثِ إلّا الشَّيْبُ والصَّلَعا
فَجَمَعَ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ، ومِمّا جُمِعَ فِيهِ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎إذا أنْكَرَتْنِي بَلْدَةٌ أوْ نَكِرْتُها ∗∗∗ خَرَجْتُ مَعَ البازِي عَلَيَّ سَوادُ
وقِيلَ يُقالُ: أنْكَرْتُ لِما تَراهُ بِعَيْنِكَ، ونَكِرْتُ لِما تَراهُ بِقَلْبِكَ، قِيلَ: وإنَّما اسْتَنْكَرَ مِنهم ذَلِكَ، لِأنَّ عادَتَهم أنَّ الضَّيْفَ إذا نَزَلَ بِهِمْ ولَمْ يَأْكُلْ مِن طَعامِهِمْ ظَنُّوا أنَّهُ قَدْ جاءَ بِشْرٍ ﴿وأوْجَسَ مِنهُمْ﴾ أيْ أحَسَّ في نَفْسِهِ مِنهم خِيفَةً أيْ خَوْفًا وفَزَعًا، وقِيلَ مَعْنى أوْجَسَ: أضْمَرَ في نَفْسِهِ خِيفَةً، والأوَّلُ ألْصَقُ بِالمَعْنى اللُّغَوِيِّ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎جاءَ البَرِيدُ بِقِرْطاسٍ يَحُثُّ بِهِ ∗∗∗ فَأوْجَسَ القَلْبُ مِن قِرْطاسِهِ فَزَعا
وكَأنَّهُ ظَنَّ أنَّهم قَدْ نَزَلُوا بِهِ لِأمْرٍ يُنْكِرُهُ، أوْ لِتَعْذِيبِ قَوْمِهِ ﴿قالُوا لا تَخَفْ﴾ قالُوا لَهُ هَذِهِ المَقالَةَ مَعَ كَوْنِهِ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِما يَدُلُّ عَلى الخَوْفِ، بَلْ أوْجَسَ ذَلِكَ في نَفْسِهِ، فَلَعَلَّهُمُ اسْتَدَلُّوا عَلى خَوْفِهِ بِأماراتٍ كَظُهُورِ أثَرِهِ عَلى وجْهِهِ، أوْ قالُوهُ لَهُ بَعْدَما قالَ عَقِبَ ما أوْجَسَ في نَفْسِهِ مِنَ الخِيفَةِ قَوْلًا يَدُلُّ عَلى الخَوْفِ كَما في قَوْلِهِ في سُورَةِ الحِجْرِ: ﴿قالَ إنّا مِنكم وجِلُونَ﴾ [الحجر: ٥٢]، ولَمْ يُذْكَرْ ذَلِكَ هَهُنا اكْتِفاءً بِما هُنالِكَ، ثُمَّ عَلَّلُوا نَهْيَهُ عَنِ الخَوْفِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ أيْ أُرْسِلْنا إلَيْهِمْ خاصَّةً، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ قالَ قَوْلًا يَكُونُ هَذا جَوابًا عَنْهُ: ﴿قالَ فَما خَطْبُكم أيُّها المُرْسَلُونَ﴾ ﴿قالُوا إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ [الحجر: ٥٧، ٥٨] .
وجُمْلَةُ ﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، قِيلَ: كانَتْ قائِمَةً عِنْدَ تَحاوُرِهِمْ وراءَ السِّتْرِ، وقِيلَ: كانَتْ قائِمَةً تَخْدِمُ المَلائِكَةَ وهو جالِسٌ، والضَّحِكُ هُنا هو الضَّحِكُ المَعْرُوفُ الَّذِي يَكُونُ لِلتَّعَجُّبِ أوْ لِلسُّرُورِ كَما قالَهُ الجُمْهُورُ.
وقالَ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ: إنَّهُ الحَيْضُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وإنِّي لَآتِي العِرْسَ عِنْدَ طَهُورِها ∗∗∗ وأهْجُرُها يَوْمًا إذا تَكُ ضاحِكا
وقالَ الآخَرُ:
؎وضَحِكَ الأرانِبُ فَوْقَ الصَّفا ∗∗∗ كَمِثْلِ دَمِ الخَوْفِ يَوْمَ اللُّقا
والعَرَبُ تَقُولُ: ضَحِكَتِ الأرْنَبُ: إذا حاضَتْ.
وقَدْ أنْكَرَ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ أنْ يَكُونَ في كَلامِ العَرَبِ ضَحِكَتْ بِمَعْنى حاضَتْ ﴿فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ﴾ ظاهِرُهُ أنَّ التَّبْشِيرَ كانَ بَعْدَ الضَّحِكِ.
وقالَ الفَرّاءُ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ.
والمَعْنى: فَبَشَّرْناها فَضَحِكَتْ سُرُورًا بِالوَلَدِ.
وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ زِيادٍ مِن قُرّاءِ مَكَّةَ فَضَحَكَتْ بِفَتْحِ الحاءِ، وأنْكَرَهُ الَمَهَدَوِيُّ ﴿ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ .
قَرَأ حَمْزَةُ وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ بِنَصْبِ يَعْقُوبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ فِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ فَبَشَّرْناها، كَأنَّهُ قالَ: ووَهَبْنا لَها مِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ.
وأجازَ الكِسائِيُّ والأخْفَشُ وأبُو حاتِمٍ أنْ يَكُونَ يَعْقُوبُ في مَوْضِعِ جَرٍّ.
وقالَ الفَرّاءُ: لا يَجُوزُ الجَرُّ إلّا بِإعادَةِ حَرْفِهِ.
قالَ سِيبَوَيْهِ: ولَوْ قُلْتَ مَرَرْتُ بِزَيْدٍ أوَّلَ مِن أمْسِ، وأمْسِ عُمَرُ كانَ قَبِيحًا خَبِيثًا، لِأنَّكَ فَرَّقْتَ بَيْنَ المَجْرُورِ وما يَشْرَكُهُ كَما يُفَرَّقُ بَيْنَ الجارِّ والمَجْرُورِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِرَفْعِ يَعْقُوبَ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ الظَّرْفُ الَّذِي قَبْلَهُ، وقِيلَ: الرَّفْعُ بِتَقْدِيرِ فِعْلٍ مَحْذُوفٍ: أيْ ويَحْدُثُ لَها، أوْ وثَبَتَ لَها.
وقَدْ وقَعَ التَّبْشِيرُ هُنا لَها، ووَقَعَ لِإبْراهِيمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠١] ﴿وبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات: ٢٨]، لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مُسْتَحِقٌّ لِلْبِشارَةِ بِهِ لِكَوْنِهِ مِنهُما.
وجُمْلَةُ ﴿قالَتْ ياوَيْلَتى﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَتْ ؟ قالَ الزَّجّاجُ: أصْلُها يا ويْلَتِي، فَأُبْدِلَ مِنَ الياءِ ألِفٌ لِأنَّها أخَفُّ مِنَ الياءِ والكَسْرَةِ، وهي لَمْ تُرِدِ الدُّعاءَ عَلى نَفْسِها بِالوَيْلِ، ولَكِنَّها كَلِمَةٌ تَقَعُ كَثِيرًا عَلى أفْواهِ النِّساءِ إذا طَرَأ عَلَيْهِنَّ ما يَعْجَبْنَ مِنهُ، وأصْلُ الوَيْلِ: الخِزْيُ، ثُمَّ شاعَ في كُلِّ أمْرٍ فَظِيعٍ، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِها: ﴿أألِدُ وأنا عَجُوزٌ﴾ لِلتَّعَجُّبِ: أيْ كَيْفَ ألِدُ وأنا شَيْخَةٌ قَدْ طَعَنْتُ في السِّنِّ، يُقالُ: عَجَزَتْ تَعْجَزُ مُخَفَّفًا ومُثَقَّلًا عَجْزًا وتَعْجِيزًا: أيْ طَعَنَتْ في السِّنِّ، ويُقالُ: عَجُوزٌ وعَجُوزَةٌ، وأمّا عَجِزَتْ بِكَسْرِ الجِيمِ: فَمَعْناهُ عَظُمَتْ عَجِيزَتُها، قِيلَ كانَتْ بِنْتَ تِسْعٍ وتِسْعِينَ، وقِيلَ بِنْتَ تِسْعِينَ ﴿وهَذا بَعْلِي شَيْخًا﴾ أيْ وهَذا زَوْجِي إبْراهِيمُ شَيْخًا لا تَحْبَلُ مِن مِثْلِهِ النِّساءُ، وشَيْخًا مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ، والعامِلُ فِيهِ مَعْنى الإشارَةِ.
قالَ النَّحّاسُ: وفي قِراءَةِ أُبَيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ شَيْخٌ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ، أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وعَلى الأوَّلِ يَكُونُ بَعْلِي بَدَلًا مِنِ اسْمِ الإشارَةِ، قِيلَ: كانَ إبْراهِيمُ ابْنَ مِائَةٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، وقِيلَ ابْنَ مِائَةٍ، وهَذِهِ المُبَشَّرَةُ هي سارَةُ امْرَأةُ إبْراهِيمَ.
وقَدْ كانَ وُلِدَ لِإبْراهِيمَ مِن هاجَرَ أمَتِهِ إسْماعِيلُ، فَتَمَنَّتْ سارَةُ أنْ يَكُونَ لَها ابْنٌ وأيِسَتْ مِنهُ لِكِبَرِ سِنِّها، فَبَشَّرَها اللَّهُ بِهِ عَلى لِسانِ مَلائِكَتِهِ ﴿إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ أيْ ما ذَكَرَتْهُ المَلائِكَةُ مِنَ التَّبْشِيرِ بِحُصُولِ الوَلَدِ مَعَ كَوْنِها في هَذِهِ السِّنِّ العالِيَةِ الَّتِي لا يُولَدُ لِمِثْلِها - شَيْءٌ يُقْضى مِنهُ العَجَبُ.
وجُمْلَةُ ﴿قالُوا أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، والِاسْتِفْهامُ فِيها لِلْإنْكارِ: أيْ كَيْفَ تَعْجَبِينَ مِن قَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ، وهو لا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وإنَّما أنْكَرُوا عَلَيْها مَعَ كَوْنِ ما تَعَجَّبَتْ مِنهُ مِن خَوارِقِ العادَةِ لِأنَّها مِن بَيْتِ النُّبُوَّةِ، ولا يَخْفى عَلى مِثْلِها أنَّ هَذا مِن مَقْدُوراتِهِ سُبْحانَهُ، ولِهَذا قالُوا: ﴿رَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ﴾ أيْ الرَّحْمَةُ الَّتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ والبَرَكاتُ وهي النُّمُوُّ والزِّيادَةُ قِيلَ الرَّحْمَةُ: النُّبُوَّةُ، والبَرَكاتُ: الأسْباطُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ لِما فِيهِمْ مِنَ الأنْبِياءِ، وانْتِصابُ ﴿أهْلَ البَيْتِ﴾ عَلى المَدْحِ أوِ الِاخْتِصاصِ، وصَرْفُ الخِطابِ مِن صِيغَةِ الواحِدَةِ إلى الجَمْعِ لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ ﴿إنَّهُ حَمِيدٌ﴾ أيْ يَفْعَلُ مُوجِباتِ حَمْدِهِ مِن عِبادِهِ عَلى سَبِيلِ الكَثْرَةِ مَجِيدٌ كَثِيرُ الإحْسانِ إلى عِبادِهِ بِما يَفِيضُهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الخَيْراتِ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿رَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ﴾ .
قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إبْراهِيمَ الرَّوْعُ﴾ أيْ الخِيفَةُ الَّتِي أوْجَسَها في نَفْسِهِ، يُقالُ: ارْتاعَ مِن كَذا: إذا خافَ، ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ:(p-٦٦٦)
؎فارْتاعَ مِن صَوْتِ كَلّابٍ فَباتَ لَهُ ∗∗∗ طَوْعَ الشَّوامِتِ مِن خَوْفٍ ومِن حَذَرِ
﴿وجاءَتْهُ البُشْرى﴾ أيْ بِالوَلَدِ، أوْ بِقَوْلِهِمْ: لا تَخَفْ.
قَوْلُهُ: ﴿يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾ .
قالَ الأخْفَشُ والكِسائِيُّ: إنَّ يُجادِلُنا في مَوْضِعِ جادَلَنا، فَيَكُونُ هو جَوابُ لَمّا، لِما تَقَرَّرَ مِن أنَّ جَوابَها يَكُونُ بِالماضِي لا بِالمُسْتَقْبَلِ.
قالَ النَّحّاسُ: جُعِلَ المُسْتَقْبَلُ مَكانَهُ كَما يُجْعَلُ الماضِي مَكانَ المُسْتَقْبَلِ في الشَّرْطِ، وقِيلَ: إنَّ الجَوابَ مَحْذُوفٌ، ويُجادِلُنا في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ قالَهُ الفَرّاءُ، وتَقْدِيرُهُ: فَلَمّا ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ وجاءَتْهُ البُشْرى اجْتَرَأ عَلى خِطابِنا حالَ كَوْنِهِ يُجادِلُنا: أيْ يُجادِلُ رُسُلَنا، وقِيلَ إنَّ المَعْنى: أخَذَ يُجادِلُنا، ومُجادَلَتُهُ لَهم قِيلَ إنَّهُ لَمّا سَمِعَ قَوْلَهم: ﴿إنّا مُهْلِكُو أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ﴾ [العنكبوت: ٣١] قالَ: أرَأيْتُمْ إنْ كانَ فِيهِمْ خَمْسُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ أتُهْلِكُونَهم ؟ قالُوا: لا، قالَ: فَأرْبَعُونَ ؟ قالُوا: لا، قالَ: فَعِشْرُونَ ؟ قالُوا: لا، ثُمَّ قالَ: فَعَشَرَةٌ ؟ فَخَمْسَةٌ ؟ قالُوا: لا.
قالَ: فَواحِدٌ ؟ قالُوا: لا.
﴿قالَ إنَّ فِيها لُوطًا قالُوا نَحْنُ أعْلَمُ بِمَن فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وأهْلَهُ﴾ [العنكبوت: ٣٢] الآيَةَ، فَهَذا مَعْنى مُجادَلَتِهِ في قَوْمِ لُوطٍ: أيْ في شَأْنِهِمْ وأمْرِهِمْ.
ثُمَّ أثْنَوْا عَلى إبْراهِيمَ، أوْ أثْنى اللَّهُ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ﴾ أيْ لَيْسَ بِعَجُولٍ في الأُمُورِ، ولا بِمُوقِعٍ لَها عَلى غَيْرِ ما يَنْبَغِي.
والأوّاهُ: كَثِيرُ التَّأوُّهِ، والمُنِيبُ: الرّاجِعُ إلى اللَّهِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ في بَراءَةَ الكَلامُ عَلى الأوّاهِ.
قَوْلُهُ: ﴿ياإبْراهِيمُ أعْرِضْ عَنْ هَذا﴾ هَذا قَوْلُ المَلائِكَةِ لَهُ: أيْ أعْرَضْ عَنْ هَذا الجِدالِ في أمْرٍ قَدْ فُرِغَ مِنهُ، وجَفَّ بِهِ القَلَمُ، وحَقَّ بِهِ القَضاءُ ﴿إنَّهُ قَدْ جاءَ أمْرُ رَبِّكَ﴾ الضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ، ومَعْنى مَجِيءِ أمْرِ اللَّهِ: مَجِيءُ عَذابِهِ الَّذِي قَدَّرَهُ عَلَيْهِمْ، وسَبَقَ بِهِ قَضاؤُهُ ﴿وإنَّهم آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ أيْ لا يَرُدُّهُ دُعاءٌ ولا جِدالٌ، بَلْ هو واقِعٌ بِهِمْ لا مَحالَةَ، ونازِلٌ بِهِمْ عَلى كُلِّ حالٍ لَيْسَ بِمَصْرُوفٍ ولا مَدْفُوعٍ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُثْمانَ بْنِ مِحْصَنٍ في ضَيْفِ إبْراهِيمَ قالَ: كانُوا أرْبَعَةً: جِبْرِيلَ، ومِيكائِيلَ، وإسْرافِيلَ، ورافائِيلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ قالَ: نَضِيجٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: مَشْوِيٌّ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: سَمِيطٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: الحَنِيذُ الَّذِي أُنْضِجَ بِالحِجارَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ يَزِيدِ بْنِ أبِي يَزِيدٍ البَصْرِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ﴾ قالَ: لَمْ يَرَ لَهم أيْدِيًا فَنَكِرَهم.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: نَكِرَهم قالَ: كانُوا إذا نَزَلَ بِهِمْ ضَيْفٌ فَلَمْ يَأْكُلْ مِن طَعامِهِمْ ظَنُّوا أنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِخَيْرٍ، وأنَّهُ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ بِشَرٍّ، ثُمَّ حَدَّثُوهُ عِنْدَ ذَلِكَ بِما جاءُوا فِيهِ فَضَحِكَتِ امْرَأتُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ المُغِيرَةِ قالَ: في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ وهو جالِسٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ﴾ قالَ: في خِدْمَةِ أضْيافِ إبْراهِيمَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: لَمّا أوْجَسَ إبْراهِيمُ في نَفْسِهِ خِيفَةً حَدَّثُوهُ عِنْدَ ذَلِكَ بِما جاءُوا فِيهِ، فَضَحِكَتِ امْرَأتُهُ تَعَجُّبًا مِمّا فِيهِ قَوْمُ لُوطٍ مِنَ الغَفْلَةِ، ومِمّا أتاهم مِنَ العَذابِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فَضَحِكَتْ﴾ قالَ: فَحاضَتْ وهي بِنْتُ ثَمانٍ وتِسْعِينَ سَنَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَضَحِكَتْ﴾ قالَ: حاضَتْ وكانَتِ ابْنَةُ بِضْعٍ وتِسْعِينَ سَنَةً، وكانَ إبْراهِيمُ ابْنُ مِائَةِ سَنَةٍ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: حاضَتْ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ قالَ: هو ولَدُ الوَلَدِ.
وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في كِتابِ الوَقْفِ والِابْتِداءِ عَنْ حَسّانَ بْنِ أبْجَرَ قالَ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ فَجاءَ رَجُلٌ مِن هُذَيْلٍ، فَقالَ لَهُ ابْنُ عَبّاسٍ: ما فَعَلَ فُلانٌ ؟ قالَ: ماتَ وتَرَكَ أرْبَعَةً مِنَ الوَلَدِ وثَلاثَةً مِنَ الوَراءِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ قالَ: ولَدُ الوَلَدِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وأبُو الشَّيْخِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَنْهى عَنْ أنْ يُزادَ في جَوابِ التَّحِيَّةِ عَلى قَوْلِهِمْ: عَلَيْكُمُ السَّلامُ ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ، ويَتْلُو هَذِهِ الآيَةَ ﴿رَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ﴾ .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إبْراهِيمَ الرَّوْعُ﴾ قالَ: الفَرَقُ ﴿يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾ قالَ: يُخاصِمُنا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في تَفْسِيرِ المُجادَلَةِ قالَ: إنَّهُ قالَ لَهم يَوْمَئِذٍ: أرَأيْتُمْ إنْ كانَ فِيهِمْ خَمْسُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ ؟ قالُوا: إنْ كانَ فِيهِمْ خَمْسُونَ لَمْ نُعَذِّبْهم، قالَ: أرْبَعُونَ ؟ قالُوا: وأرْبَعُونَ، قالَ: ثَلاثُونَ ؟ قالُوا: وثَلاثُونَ حَتّى بَلَغُوا عَشَرَةً، قالُوا: إنْ كانَ فِيهِمْ عَشَرَةٌ لَمْ نُعَذِّبْهم، قالَ: ما قَوْمٌ لا يَكُونُ فِيهِمْ عَشَرَةٌ فِيهِمْ خَيْرٌ ؟ قالَ قَتادَةُ: إنَّهُ كانَ في قَرْيَةِ لُوطٍ أرْبَعَةُ آلافِ ألْفِ إنْسانٍ، أوْ ما شاءَ اللَّهُ مِن ذَلِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا جاءَتِ المَلائِكَةُ إلى إبْراهِيمَ قالُوا لِإبْراهِيمَ: إنْ كانَ فِيها خَمْسَةٌ يُصَلُّونَ رُفِعَ عَنْهُمُ العَذابُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قالَ: الأوّاهُ الرَّحِيمُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: المُنِيبُ المُقْبِلُ إلى طاعَةِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: المُنِيبُ المُخْلِصُ.
هود 11:73
.
هَذِهِ قِصَّةُ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وقَوْمِهِ، وهو ابْنُ عَمِّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانَتْ قُرى لُوطٍ بِنَواحِي الشّامِ وإبْراهِيمُ بِبِلادِ فِلَسْطِينَ.
فَلَمّا أنْزَلَ اللَّهُ المَلائِكَةَ بِعَذابِ قَوْمِ لُوطٍ، مَرُّوا بِإبْراهِيمَ ونَزَلُوا عِنْدَهُ، وكانَ كُلُّ مَن نَزَلَ عِنْدَهُ يُحْسِنُ قِراهُ، وكانَ مُرُورُهم عَلَيْهِ لِتَبْشِيرِهِ بِهَذِهِ البِشارَةِ المَذْكُورَةِ، فَظَنَّهم أضْيافًا، وهم جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ وإسْرافِيلُ.
وقِيلَ كانُوا تِسْعَةً، وقِيلَ أحَدَ عَشَرَ، والبُشْرى الَّتِي بَشَّرُوهُ بِها هي بِشارَتُهُ بِالوَلَدِ، وقِيلَ بِإهْلاكِ قَوْمِ لُوطٍ، والأُولى أوْلى ﴿قالُوا سَلامًا﴾ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أيْ سَلَّمْنا عَلَيْكَ سَلامًا ﴿قالَ سَلامٌ﴾ ارْتِفاعُهُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ أمْرُكم سَلامٌ، أوْ مُرْتَفِعٌ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: عَلَيْكم سَلامٌ ﴿فَما لَبِثَ﴾ أيْ إبْراهِيمُ ﴿أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ قالَ أكْثَرُ النَّحْوِيِّينَ أنْ هُنا بِمَعْنى حَتّى: أيْ فَما لَبِثَ حَتّى جاءَ، وقِيلَ: إنَّها في مَحَلِّ نَصْبٍ بِسُقُوطِ حَرْفِ الجَرِّ، والتَّقْدِيرُ فَما لَبِثَ عَنْ أنْ جاءَ: أيْ ما أبْطَأ إبْراهِيمُ عَنْ مَجِيئِهِ بِعِجْلٍ وما نافِيَةٌ قالَهُ سِيبَوَيْهِ.
وقالَ الفَرّاءُ: فَما لَبِثَ مَجِيئُهُ: أيْ ما أبْطَأ مَجِيئُهُ، وقِيلَ: إنَّ ما مَوْصُولَةٌ وهي مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ ﴿أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ والتَّقْدِيرُ: فالَّذِي لَبِثَ إبْراهِيمُ هو مَجِيئُهُ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ، والحَنِيذُ: المَشْوِيُّ مُطْلَقًا، وقِيلَ: المَشْوِيُّ بِحَرِّ الحِجارَةِ مِن غَيْرِ أنْ تَمَسَّهُ النّارُ، يُقالُ: حَنَذَ الشّاةَ يَحْنِذُها: جَعَلَها فَوْقَ حِجارَةٍ مُحَمّاةٍ لِتُنْضِجَها فَهي حَنِيذٌ، وقِيلَ مَعْنى حَنِيذٍ: سَمِينٌ، وقِيلَ الحَنِيذُ هو السَّمِيطُ، وقِيلَ النَّضِيجُ، وهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، وإنَّما جاءَهم بِعِجْلٍ، لِأنَّ البَقَرَ كانَتْ أكْثَرَ أمْوالِهِ.
﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ﴾ أيْ لا يَمُدُّونَها إلى العِجْلِ كَما يَمُدُّ يَدَهُ مَن يُرِيدُ الأكْلَ (p-٦٦٥)نَكِرَهم يُقالُ: نَكِرْتَهُ وأنْكَرْتَهُ واسْتَنْكَرْتَهُ: إذا وجَدْتَهُ عَلى غَيْرِ ما تَعْهَدُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَأنْكَرَتْنِي وما كانَ الَّذِي نَكِرَتْ مِنَ الحَوادِثِ إلّا الشَّيْبُ والصَّلَعا
فَجَمَعَ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ، ومِمّا جُمِعَ فِيهِ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎إذا أنْكَرَتْنِي بَلْدَةٌ أوْ نَكِرْتُها ∗∗∗ خَرَجْتُ مَعَ البازِي عَلَيَّ سَوادُ
وقِيلَ يُقالُ: أنْكَرْتُ لِما تَراهُ بِعَيْنِكَ، ونَكِرْتُ لِما تَراهُ بِقَلْبِكَ، قِيلَ: وإنَّما اسْتَنْكَرَ مِنهم ذَلِكَ، لِأنَّ عادَتَهم أنَّ الضَّيْفَ إذا نَزَلَ بِهِمْ ولَمْ يَأْكُلْ مِن طَعامِهِمْ ظَنُّوا أنَّهُ قَدْ جاءَ بِشْرٍ ﴿وأوْجَسَ مِنهُمْ﴾ أيْ أحَسَّ في نَفْسِهِ مِنهم خِيفَةً أيْ خَوْفًا وفَزَعًا، وقِيلَ مَعْنى أوْجَسَ: أضْمَرَ في نَفْسِهِ خِيفَةً، والأوَّلُ ألْصَقُ بِالمَعْنى اللُّغَوِيِّ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎جاءَ البَرِيدُ بِقِرْطاسٍ يَحُثُّ بِهِ ∗∗∗ فَأوْجَسَ القَلْبُ مِن قِرْطاسِهِ فَزَعا
وكَأنَّهُ ظَنَّ أنَّهم قَدْ نَزَلُوا بِهِ لِأمْرٍ يُنْكِرُهُ، أوْ لِتَعْذِيبِ قَوْمِهِ ﴿قالُوا لا تَخَفْ﴾ قالُوا لَهُ هَذِهِ المَقالَةَ مَعَ كَوْنِهِ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِما يَدُلُّ عَلى الخَوْفِ، بَلْ أوْجَسَ ذَلِكَ في نَفْسِهِ، فَلَعَلَّهُمُ اسْتَدَلُّوا عَلى خَوْفِهِ بِأماراتٍ كَظُهُورِ أثَرِهِ عَلى وجْهِهِ، أوْ قالُوهُ لَهُ بَعْدَما قالَ عَقِبَ ما أوْجَسَ في نَفْسِهِ مِنَ الخِيفَةِ قَوْلًا يَدُلُّ عَلى الخَوْفِ كَما في قَوْلِهِ في سُورَةِ الحِجْرِ: ﴿قالَ إنّا مِنكم وجِلُونَ﴾ [الحجر: ٥٢]، ولَمْ يُذْكَرْ ذَلِكَ هَهُنا اكْتِفاءً بِما هُنالِكَ، ثُمَّ عَلَّلُوا نَهْيَهُ عَنِ الخَوْفِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ أيْ أُرْسِلْنا إلَيْهِمْ خاصَّةً، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ قالَ قَوْلًا يَكُونُ هَذا جَوابًا عَنْهُ: ﴿قالَ فَما خَطْبُكم أيُّها المُرْسَلُونَ﴾ ﴿قالُوا إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ [الحجر: ٥٧، ٥٨] .
وجُمْلَةُ ﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، قِيلَ: كانَتْ قائِمَةً عِنْدَ تَحاوُرِهِمْ وراءَ السِّتْرِ، وقِيلَ: كانَتْ قائِمَةً تَخْدِمُ المَلائِكَةَ وهو جالِسٌ، والضَّحِكُ هُنا هو الضَّحِكُ المَعْرُوفُ الَّذِي يَكُونُ لِلتَّعَجُّبِ أوْ لِلسُّرُورِ كَما قالَهُ الجُمْهُورُ.
وقالَ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ: إنَّهُ الحَيْضُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وإنِّي لَآتِي العِرْسَ عِنْدَ طَهُورِها ∗∗∗ وأهْجُرُها يَوْمًا إذا تَكُ ضاحِكا
وقالَ الآخَرُ:
؎وضَحِكَ الأرانِبُ فَوْقَ الصَّفا ∗∗∗ كَمِثْلِ دَمِ الخَوْفِ يَوْمَ اللُّقا
والعَرَبُ تَقُولُ: ضَحِكَتِ الأرْنَبُ: إذا حاضَتْ.
وقَدْ أنْكَرَ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ أنْ يَكُونَ في كَلامِ العَرَبِ ضَحِكَتْ بِمَعْنى حاضَتْ ﴿فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ﴾ ظاهِرُهُ أنَّ التَّبْشِيرَ كانَ بَعْدَ الضَّحِكِ.
وقالَ الفَرّاءُ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ.
والمَعْنى: فَبَشَّرْناها فَضَحِكَتْ سُرُورًا بِالوَلَدِ.
وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ زِيادٍ مِن قُرّاءِ مَكَّةَ فَضَحَكَتْ بِفَتْحِ الحاءِ، وأنْكَرَهُ الَمَهَدَوِيُّ ﴿ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ .
قَرَأ حَمْزَةُ وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ بِنَصْبِ يَعْقُوبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ فِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ فَبَشَّرْناها، كَأنَّهُ قالَ: ووَهَبْنا لَها مِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ.
وأجازَ الكِسائِيُّ والأخْفَشُ وأبُو حاتِمٍ أنْ يَكُونَ يَعْقُوبُ في مَوْضِعِ جَرٍّ.
وقالَ الفَرّاءُ: لا يَجُوزُ الجَرُّ إلّا بِإعادَةِ حَرْفِهِ.
قالَ سِيبَوَيْهِ: ولَوْ قُلْتَ مَرَرْتُ بِزَيْدٍ أوَّلَ مِن أمْسِ، وأمْسِ عُمَرُ كانَ قَبِيحًا خَبِيثًا، لِأنَّكَ فَرَّقْتَ بَيْنَ المَجْرُورِ وما يَشْرَكُهُ كَما يُفَرَّقُ بَيْنَ الجارِّ والمَجْرُورِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِرَفْعِ يَعْقُوبَ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ الظَّرْفُ الَّذِي قَبْلَهُ، وقِيلَ: الرَّفْعُ بِتَقْدِيرِ فِعْلٍ مَحْذُوفٍ: أيْ ويَحْدُثُ لَها، أوْ وثَبَتَ لَها.
وقَدْ وقَعَ التَّبْشِيرُ هُنا لَها، ووَقَعَ لِإبْراهِيمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠١] ﴿وبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات: ٢٨]، لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مُسْتَحِقٌّ لِلْبِشارَةِ بِهِ لِكَوْنِهِ مِنهُما.
وجُمْلَةُ ﴿قالَتْ ياوَيْلَتى﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَتْ ؟ قالَ الزَّجّاجُ: أصْلُها يا ويْلَتِي، فَأُبْدِلَ مِنَ الياءِ ألِفٌ لِأنَّها أخَفُّ مِنَ الياءِ والكَسْرَةِ، وهي لَمْ تُرِدِ الدُّعاءَ عَلى نَفْسِها بِالوَيْلِ، ولَكِنَّها كَلِمَةٌ تَقَعُ كَثِيرًا عَلى أفْواهِ النِّساءِ إذا طَرَأ عَلَيْهِنَّ ما يَعْجَبْنَ مِنهُ، وأصْلُ الوَيْلِ: الخِزْيُ، ثُمَّ شاعَ في كُلِّ أمْرٍ فَظِيعٍ، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِها: ﴿أألِدُ وأنا عَجُوزٌ﴾ لِلتَّعَجُّبِ: أيْ كَيْفَ ألِدُ وأنا شَيْخَةٌ قَدْ طَعَنْتُ في السِّنِّ، يُقالُ: عَجَزَتْ تَعْجَزُ مُخَفَّفًا ومُثَقَّلًا عَجْزًا وتَعْجِيزًا: أيْ طَعَنَتْ في السِّنِّ، ويُقالُ: عَجُوزٌ وعَجُوزَةٌ، وأمّا عَجِزَتْ بِكَسْرِ الجِيمِ: فَمَعْناهُ عَظُمَتْ عَجِيزَتُها، قِيلَ كانَتْ بِنْتَ تِسْعٍ وتِسْعِينَ، وقِيلَ بِنْتَ تِسْعِينَ ﴿وهَذا بَعْلِي شَيْخًا﴾ أيْ وهَذا زَوْجِي إبْراهِيمُ شَيْخًا لا تَحْبَلُ مِن مِثْلِهِ النِّساءُ، وشَيْخًا مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ، والعامِلُ فِيهِ مَعْنى الإشارَةِ.
قالَ النَّحّاسُ: وفي قِراءَةِ أُبَيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ شَيْخٌ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ، أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وعَلى الأوَّلِ يَكُونُ بَعْلِي بَدَلًا مِنِ اسْمِ الإشارَةِ، قِيلَ: كانَ إبْراهِيمُ ابْنَ مِائَةٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، وقِيلَ ابْنَ مِائَةٍ، وهَذِهِ المُبَشَّرَةُ هي سارَةُ امْرَأةُ إبْراهِيمَ.
وقَدْ كانَ وُلِدَ لِإبْراهِيمَ مِن هاجَرَ أمَتِهِ إسْماعِيلُ، فَتَمَنَّتْ سارَةُ أنْ يَكُونَ لَها ابْنٌ وأيِسَتْ مِنهُ لِكِبَرِ سِنِّها، فَبَشَّرَها اللَّهُ بِهِ عَلى لِسانِ مَلائِكَتِهِ ﴿إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ أيْ ما ذَكَرَتْهُ المَلائِكَةُ مِنَ التَّبْشِيرِ بِحُصُولِ الوَلَدِ مَعَ كَوْنِها في هَذِهِ السِّنِّ العالِيَةِ الَّتِي لا يُولَدُ لِمِثْلِها - شَيْءٌ يُقْضى مِنهُ العَجَبُ.
وجُمْلَةُ ﴿قالُوا أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، والِاسْتِفْهامُ فِيها لِلْإنْكارِ: أيْ كَيْفَ تَعْجَبِينَ مِن قَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ، وهو لا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وإنَّما أنْكَرُوا عَلَيْها مَعَ كَوْنِ ما تَعَجَّبَتْ مِنهُ مِن خَوارِقِ العادَةِ لِأنَّها مِن بَيْتِ النُّبُوَّةِ، ولا يَخْفى عَلى مِثْلِها أنَّ هَذا مِن مَقْدُوراتِهِ سُبْحانَهُ، ولِهَذا قالُوا: ﴿رَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ﴾ أيْ الرَّحْمَةُ الَّتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ والبَرَكاتُ وهي النُّمُوُّ والزِّيادَةُ قِيلَ الرَّحْمَةُ: النُّبُوَّةُ، والبَرَكاتُ: الأسْباطُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ لِما فِيهِمْ مِنَ الأنْبِياءِ، وانْتِصابُ ﴿أهْلَ البَيْتِ﴾ عَلى المَدْحِ أوِ الِاخْتِصاصِ، وصَرْفُ الخِطابِ مِن صِيغَةِ الواحِدَةِ إلى الجَمْعِ لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ ﴿إنَّهُ حَمِيدٌ﴾ أيْ يَفْعَلُ مُوجِباتِ حَمْدِهِ مِن عِبادِهِ عَلى سَبِيلِ الكَثْرَةِ مَجِيدٌ كَثِيرُ الإحْسانِ إلى عِبادِهِ بِما يَفِيضُهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الخَيْراتِ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿رَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ﴾ .
قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إبْراهِيمَ الرَّوْعُ﴾ أيْ الخِيفَةُ الَّتِي أوْجَسَها في نَفْسِهِ، يُقالُ: ارْتاعَ مِن كَذا: إذا خافَ، ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ:(p-٦٦٦)
؎فارْتاعَ مِن صَوْتِ كَلّابٍ فَباتَ لَهُ ∗∗∗ طَوْعَ الشَّوامِتِ مِن خَوْفٍ ومِن حَذَرِ
﴿وجاءَتْهُ البُشْرى﴾ أيْ بِالوَلَدِ، أوْ بِقَوْلِهِمْ: لا تَخَفْ.
قَوْلُهُ: ﴿يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾ .
قالَ الأخْفَشُ والكِسائِيُّ: إنَّ يُجادِلُنا في مَوْضِعِ جادَلَنا، فَيَكُونُ هو جَوابُ لَمّا، لِما تَقَرَّرَ مِن أنَّ جَوابَها يَكُونُ بِالماضِي لا بِالمُسْتَقْبَلِ.
قالَ النَّحّاسُ: جُعِلَ المُسْتَقْبَلُ مَكانَهُ كَما يُجْعَلُ الماضِي مَكانَ المُسْتَقْبَلِ في الشَّرْطِ، وقِيلَ: إنَّ الجَوابَ مَحْذُوفٌ، ويُجادِلُنا في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ قالَهُ الفَرّاءُ، وتَقْدِيرُهُ: فَلَمّا ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ وجاءَتْهُ البُشْرى اجْتَرَأ عَلى خِطابِنا حالَ كَوْنِهِ يُجادِلُنا: أيْ يُجادِلُ رُسُلَنا، وقِيلَ إنَّ المَعْنى: أخَذَ يُجادِلُنا، ومُجادَلَتُهُ لَهم قِيلَ إنَّهُ لَمّا سَمِعَ قَوْلَهم: ﴿إنّا مُهْلِكُو أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ﴾ [العنكبوت: ٣١] قالَ: أرَأيْتُمْ إنْ كانَ فِيهِمْ خَمْسُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ أتُهْلِكُونَهم ؟ قالُوا: لا، قالَ: فَأرْبَعُونَ ؟ قالُوا: لا، قالَ: فَعِشْرُونَ ؟ قالُوا: لا، ثُمَّ قالَ: فَعَشَرَةٌ ؟ فَخَمْسَةٌ ؟ قالُوا: لا.
قالَ: فَواحِدٌ ؟ قالُوا: لا.
﴿قالَ إنَّ فِيها لُوطًا قالُوا نَحْنُ أعْلَمُ بِمَن فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وأهْلَهُ﴾ [العنكبوت: ٣٢] الآيَةَ، فَهَذا مَعْنى مُجادَلَتِهِ في قَوْمِ لُوطٍ: أيْ في شَأْنِهِمْ وأمْرِهِمْ.
ثُمَّ أثْنَوْا عَلى إبْراهِيمَ، أوْ أثْنى اللَّهُ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ﴾ أيْ لَيْسَ بِعَجُولٍ في الأُمُورِ، ولا بِمُوقِعٍ لَها عَلى غَيْرِ ما يَنْبَغِي.
والأوّاهُ: كَثِيرُ التَّأوُّهِ، والمُنِيبُ: الرّاجِعُ إلى اللَّهِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ في بَراءَةَ الكَلامُ عَلى الأوّاهِ.
قَوْلُهُ: ﴿ياإبْراهِيمُ أعْرِضْ عَنْ هَذا﴾ هَذا قَوْلُ المَلائِكَةِ لَهُ: أيْ أعْرَضْ عَنْ هَذا الجِدالِ في أمْرٍ قَدْ فُرِغَ مِنهُ، وجَفَّ بِهِ القَلَمُ، وحَقَّ بِهِ القَضاءُ ﴿إنَّهُ قَدْ جاءَ أمْرُ رَبِّكَ﴾ الضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ، ومَعْنى مَجِيءِ أمْرِ اللَّهِ: مَجِيءُ عَذابِهِ الَّذِي قَدَّرَهُ عَلَيْهِمْ، وسَبَقَ بِهِ قَضاؤُهُ ﴿وإنَّهم آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ أيْ لا يَرُدُّهُ دُعاءٌ ولا جِدالٌ، بَلْ هو واقِعٌ بِهِمْ لا مَحالَةَ، ونازِلٌ بِهِمْ عَلى كُلِّ حالٍ لَيْسَ بِمَصْرُوفٍ ولا مَدْفُوعٍ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُثْمانَ بْنِ مِحْصَنٍ في ضَيْفِ إبْراهِيمَ قالَ: كانُوا أرْبَعَةً: جِبْرِيلَ، ومِيكائِيلَ، وإسْرافِيلَ، ورافائِيلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ قالَ: نَضِيجٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: مَشْوِيٌّ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: سَمِيطٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: الحَنِيذُ الَّذِي أُنْضِجَ بِالحِجارَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ يَزِيدِ بْنِ أبِي يَزِيدٍ البَصْرِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ﴾ قالَ: لَمْ يَرَ لَهم أيْدِيًا فَنَكِرَهم.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: نَكِرَهم قالَ: كانُوا إذا نَزَلَ بِهِمْ ضَيْفٌ فَلَمْ يَأْكُلْ مِن طَعامِهِمْ ظَنُّوا أنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِخَيْرٍ، وأنَّهُ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ بِشَرٍّ، ثُمَّ حَدَّثُوهُ عِنْدَ ذَلِكَ بِما جاءُوا فِيهِ فَضَحِكَتِ امْرَأتُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ المُغِيرَةِ قالَ: في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ وهو جالِسٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ﴾ قالَ: في خِدْمَةِ أضْيافِ إبْراهِيمَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: لَمّا أوْجَسَ إبْراهِيمُ في نَفْسِهِ خِيفَةً حَدَّثُوهُ عِنْدَ ذَلِكَ بِما جاءُوا فِيهِ، فَضَحِكَتِ امْرَأتُهُ تَعَجُّبًا مِمّا فِيهِ قَوْمُ لُوطٍ مِنَ الغَفْلَةِ، ومِمّا أتاهم مِنَ العَذابِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فَضَحِكَتْ﴾ قالَ: فَحاضَتْ وهي بِنْتُ ثَمانٍ وتِسْعِينَ سَنَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَضَحِكَتْ﴾ قالَ: حاضَتْ وكانَتِ ابْنَةُ بِضْعٍ وتِسْعِينَ سَنَةً، وكانَ إبْراهِيمُ ابْنُ مِائَةِ سَنَةٍ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: حاضَتْ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ قالَ: هو ولَدُ الوَلَدِ.
وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في كِتابِ الوَقْفِ والِابْتِداءِ عَنْ حَسّانَ بْنِ أبْجَرَ قالَ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ فَجاءَ رَجُلٌ مِن هُذَيْلٍ، فَقالَ لَهُ ابْنُ عَبّاسٍ: ما فَعَلَ فُلانٌ ؟ قالَ: ماتَ وتَرَكَ أرْبَعَةً مِنَ الوَلَدِ وثَلاثَةً مِنَ الوَراءِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ قالَ: ولَدُ الوَلَدِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وأبُو الشَّيْخِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَنْهى عَنْ أنْ يُزادَ في جَوابِ التَّحِيَّةِ عَلى قَوْلِهِمْ: عَلَيْكُمُ السَّلامُ ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ، ويَتْلُو هَذِهِ الآيَةَ ﴿رَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ﴾ .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إبْراهِيمَ الرَّوْعُ﴾ قالَ: الفَرَقُ ﴿يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾ قالَ: يُخاصِمُنا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في تَفْسِيرِ المُجادَلَةِ قالَ: إنَّهُ قالَ لَهم يَوْمَئِذٍ: أرَأيْتُمْ إنْ كانَ فِيهِمْ خَمْسُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ ؟ قالُوا: إنْ كانَ فِيهِمْ خَمْسُونَ لَمْ نُعَذِّبْهم، قالَ: أرْبَعُونَ ؟ قالُوا: وأرْبَعُونَ، قالَ: ثَلاثُونَ ؟ قالُوا: وثَلاثُونَ حَتّى بَلَغُوا عَشَرَةً، قالُوا: إنْ كانَ فِيهِمْ عَشَرَةٌ لَمْ نُعَذِّبْهم، قالَ: ما قَوْمٌ لا يَكُونُ فِيهِمْ عَشَرَةٌ فِيهِمْ خَيْرٌ ؟ قالَ قَتادَةُ: إنَّهُ كانَ في قَرْيَةِ لُوطٍ أرْبَعَةُ آلافِ ألْفِ إنْسانٍ، أوْ ما شاءَ اللَّهُ مِن ذَلِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا جاءَتِ المَلائِكَةُ إلى إبْراهِيمَ قالُوا لِإبْراهِيمَ: إنْ كانَ فِيها خَمْسَةٌ يُصَلُّونَ رُفِعَ عَنْهُمُ العَذابُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قالَ: الأوّاهُ الرَّحِيمُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: المُنِيبُ المُقْبِلُ إلى طاعَةِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: المُنِيبُ المُخْلِصُ.
هود 11:74
.
هَذِهِ قِصَّةُ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وقَوْمِهِ، وهو ابْنُ عَمِّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانَتْ قُرى لُوطٍ بِنَواحِي الشّامِ وإبْراهِيمُ بِبِلادِ فِلَسْطِينَ.
فَلَمّا أنْزَلَ اللَّهُ المَلائِكَةَ بِعَذابِ قَوْمِ لُوطٍ، مَرُّوا بِإبْراهِيمَ ونَزَلُوا عِنْدَهُ، وكانَ كُلُّ مَن نَزَلَ عِنْدَهُ يُحْسِنُ قِراهُ، وكانَ مُرُورُهم عَلَيْهِ لِتَبْشِيرِهِ بِهَذِهِ البِشارَةِ المَذْكُورَةِ، فَظَنَّهم أضْيافًا، وهم جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ وإسْرافِيلُ.
وقِيلَ كانُوا تِسْعَةً، وقِيلَ أحَدَ عَشَرَ، والبُشْرى الَّتِي بَشَّرُوهُ بِها هي بِشارَتُهُ بِالوَلَدِ، وقِيلَ بِإهْلاكِ قَوْمِ لُوطٍ، والأُولى أوْلى ﴿قالُوا سَلامًا﴾ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أيْ سَلَّمْنا عَلَيْكَ سَلامًا ﴿قالَ سَلامٌ﴾ ارْتِفاعُهُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ أمْرُكم سَلامٌ، أوْ مُرْتَفِعٌ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: عَلَيْكم سَلامٌ ﴿فَما لَبِثَ﴾ أيْ إبْراهِيمُ ﴿أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ قالَ أكْثَرُ النَّحْوِيِّينَ أنْ هُنا بِمَعْنى حَتّى: أيْ فَما لَبِثَ حَتّى جاءَ، وقِيلَ: إنَّها في مَحَلِّ نَصْبٍ بِسُقُوطِ حَرْفِ الجَرِّ، والتَّقْدِيرُ فَما لَبِثَ عَنْ أنْ جاءَ: أيْ ما أبْطَأ إبْراهِيمُ عَنْ مَجِيئِهِ بِعِجْلٍ وما نافِيَةٌ قالَهُ سِيبَوَيْهِ.
وقالَ الفَرّاءُ: فَما لَبِثَ مَجِيئُهُ: أيْ ما أبْطَأ مَجِيئُهُ، وقِيلَ: إنَّ ما مَوْصُولَةٌ وهي مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ ﴿أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ والتَّقْدِيرُ: فالَّذِي لَبِثَ إبْراهِيمُ هو مَجِيئُهُ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ، والحَنِيذُ: المَشْوِيُّ مُطْلَقًا، وقِيلَ: المَشْوِيُّ بِحَرِّ الحِجارَةِ مِن غَيْرِ أنْ تَمَسَّهُ النّارُ، يُقالُ: حَنَذَ الشّاةَ يَحْنِذُها: جَعَلَها فَوْقَ حِجارَةٍ مُحَمّاةٍ لِتُنْضِجَها فَهي حَنِيذٌ، وقِيلَ مَعْنى حَنِيذٍ: سَمِينٌ، وقِيلَ الحَنِيذُ هو السَّمِيطُ، وقِيلَ النَّضِيجُ، وهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، وإنَّما جاءَهم بِعِجْلٍ، لِأنَّ البَقَرَ كانَتْ أكْثَرَ أمْوالِهِ.
﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ﴾ أيْ لا يَمُدُّونَها إلى العِجْلِ كَما يَمُدُّ يَدَهُ مَن يُرِيدُ الأكْلَ (p-٦٦٥)نَكِرَهم يُقالُ: نَكِرْتَهُ وأنْكَرْتَهُ واسْتَنْكَرْتَهُ: إذا وجَدْتَهُ عَلى غَيْرِ ما تَعْهَدُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَأنْكَرَتْنِي وما كانَ الَّذِي نَكِرَتْ مِنَ الحَوادِثِ إلّا الشَّيْبُ والصَّلَعا
فَجَمَعَ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ، ومِمّا جُمِعَ فِيهِ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎إذا أنْكَرَتْنِي بَلْدَةٌ أوْ نَكِرْتُها ∗∗∗ خَرَجْتُ مَعَ البازِي عَلَيَّ سَوادُ
وقِيلَ يُقالُ: أنْكَرْتُ لِما تَراهُ بِعَيْنِكَ، ونَكِرْتُ لِما تَراهُ بِقَلْبِكَ، قِيلَ: وإنَّما اسْتَنْكَرَ مِنهم ذَلِكَ، لِأنَّ عادَتَهم أنَّ الضَّيْفَ إذا نَزَلَ بِهِمْ ولَمْ يَأْكُلْ مِن طَعامِهِمْ ظَنُّوا أنَّهُ قَدْ جاءَ بِشْرٍ ﴿وأوْجَسَ مِنهُمْ﴾ أيْ أحَسَّ في نَفْسِهِ مِنهم خِيفَةً أيْ خَوْفًا وفَزَعًا، وقِيلَ مَعْنى أوْجَسَ: أضْمَرَ في نَفْسِهِ خِيفَةً، والأوَّلُ ألْصَقُ بِالمَعْنى اللُّغَوِيِّ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎جاءَ البَرِيدُ بِقِرْطاسٍ يَحُثُّ بِهِ ∗∗∗ فَأوْجَسَ القَلْبُ مِن قِرْطاسِهِ فَزَعا
وكَأنَّهُ ظَنَّ أنَّهم قَدْ نَزَلُوا بِهِ لِأمْرٍ يُنْكِرُهُ، أوْ لِتَعْذِيبِ قَوْمِهِ ﴿قالُوا لا تَخَفْ﴾ قالُوا لَهُ هَذِهِ المَقالَةَ مَعَ كَوْنِهِ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِما يَدُلُّ عَلى الخَوْفِ، بَلْ أوْجَسَ ذَلِكَ في نَفْسِهِ، فَلَعَلَّهُمُ اسْتَدَلُّوا عَلى خَوْفِهِ بِأماراتٍ كَظُهُورِ أثَرِهِ عَلى وجْهِهِ، أوْ قالُوهُ لَهُ بَعْدَما قالَ عَقِبَ ما أوْجَسَ في نَفْسِهِ مِنَ الخِيفَةِ قَوْلًا يَدُلُّ عَلى الخَوْفِ كَما في قَوْلِهِ في سُورَةِ الحِجْرِ: ﴿قالَ إنّا مِنكم وجِلُونَ﴾ [الحجر: ٥٢]، ولَمْ يُذْكَرْ ذَلِكَ هَهُنا اكْتِفاءً بِما هُنالِكَ، ثُمَّ عَلَّلُوا نَهْيَهُ عَنِ الخَوْفِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ أيْ أُرْسِلْنا إلَيْهِمْ خاصَّةً، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ قالَ قَوْلًا يَكُونُ هَذا جَوابًا عَنْهُ: ﴿قالَ فَما خَطْبُكم أيُّها المُرْسَلُونَ﴾ ﴿قالُوا إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ [الحجر: ٥٧، ٥٨] .
وجُمْلَةُ ﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، قِيلَ: كانَتْ قائِمَةً عِنْدَ تَحاوُرِهِمْ وراءَ السِّتْرِ، وقِيلَ: كانَتْ قائِمَةً تَخْدِمُ المَلائِكَةَ وهو جالِسٌ، والضَّحِكُ هُنا هو الضَّحِكُ المَعْرُوفُ الَّذِي يَكُونُ لِلتَّعَجُّبِ أوْ لِلسُّرُورِ كَما قالَهُ الجُمْهُورُ.
وقالَ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ: إنَّهُ الحَيْضُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وإنِّي لَآتِي العِرْسَ عِنْدَ طَهُورِها ∗∗∗ وأهْجُرُها يَوْمًا إذا تَكُ ضاحِكا
وقالَ الآخَرُ:
؎وضَحِكَ الأرانِبُ فَوْقَ الصَّفا ∗∗∗ كَمِثْلِ دَمِ الخَوْفِ يَوْمَ اللُّقا
والعَرَبُ تَقُولُ: ضَحِكَتِ الأرْنَبُ: إذا حاضَتْ.
وقَدْ أنْكَرَ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ أنْ يَكُونَ في كَلامِ العَرَبِ ضَحِكَتْ بِمَعْنى حاضَتْ ﴿فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ﴾ ظاهِرُهُ أنَّ التَّبْشِيرَ كانَ بَعْدَ الضَّحِكِ.
وقالَ الفَرّاءُ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ.
والمَعْنى: فَبَشَّرْناها فَضَحِكَتْ سُرُورًا بِالوَلَدِ.
وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ زِيادٍ مِن قُرّاءِ مَكَّةَ فَضَحَكَتْ بِفَتْحِ الحاءِ، وأنْكَرَهُ الَمَهَدَوِيُّ ﴿ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ .
قَرَأ حَمْزَةُ وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ بِنَصْبِ يَعْقُوبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ فِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ فَبَشَّرْناها، كَأنَّهُ قالَ: ووَهَبْنا لَها مِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ.
وأجازَ الكِسائِيُّ والأخْفَشُ وأبُو حاتِمٍ أنْ يَكُونَ يَعْقُوبُ في مَوْضِعِ جَرٍّ.
وقالَ الفَرّاءُ: لا يَجُوزُ الجَرُّ إلّا بِإعادَةِ حَرْفِهِ.
قالَ سِيبَوَيْهِ: ولَوْ قُلْتَ مَرَرْتُ بِزَيْدٍ أوَّلَ مِن أمْسِ، وأمْسِ عُمَرُ كانَ قَبِيحًا خَبِيثًا، لِأنَّكَ فَرَّقْتَ بَيْنَ المَجْرُورِ وما يَشْرَكُهُ كَما يُفَرَّقُ بَيْنَ الجارِّ والمَجْرُورِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِرَفْعِ يَعْقُوبَ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ الظَّرْفُ الَّذِي قَبْلَهُ، وقِيلَ: الرَّفْعُ بِتَقْدِيرِ فِعْلٍ مَحْذُوفٍ: أيْ ويَحْدُثُ لَها، أوْ وثَبَتَ لَها.
وقَدْ وقَعَ التَّبْشِيرُ هُنا لَها، ووَقَعَ لِإبْراهِيمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠١] ﴿وبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات: ٢٨]، لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مُسْتَحِقٌّ لِلْبِشارَةِ بِهِ لِكَوْنِهِ مِنهُما.
وجُمْلَةُ ﴿قالَتْ ياوَيْلَتى﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَتْ ؟ قالَ الزَّجّاجُ: أصْلُها يا ويْلَتِي، فَأُبْدِلَ مِنَ الياءِ ألِفٌ لِأنَّها أخَفُّ مِنَ الياءِ والكَسْرَةِ، وهي لَمْ تُرِدِ الدُّعاءَ عَلى نَفْسِها بِالوَيْلِ، ولَكِنَّها كَلِمَةٌ تَقَعُ كَثِيرًا عَلى أفْواهِ النِّساءِ إذا طَرَأ عَلَيْهِنَّ ما يَعْجَبْنَ مِنهُ، وأصْلُ الوَيْلِ: الخِزْيُ، ثُمَّ شاعَ في كُلِّ أمْرٍ فَظِيعٍ، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِها: ﴿أألِدُ وأنا عَجُوزٌ﴾ لِلتَّعَجُّبِ: أيْ كَيْفَ ألِدُ وأنا شَيْخَةٌ قَدْ طَعَنْتُ في السِّنِّ، يُقالُ: عَجَزَتْ تَعْجَزُ مُخَفَّفًا ومُثَقَّلًا عَجْزًا وتَعْجِيزًا: أيْ طَعَنَتْ في السِّنِّ، ويُقالُ: عَجُوزٌ وعَجُوزَةٌ، وأمّا عَجِزَتْ بِكَسْرِ الجِيمِ: فَمَعْناهُ عَظُمَتْ عَجِيزَتُها، قِيلَ كانَتْ بِنْتَ تِسْعٍ وتِسْعِينَ، وقِيلَ بِنْتَ تِسْعِينَ ﴿وهَذا بَعْلِي شَيْخًا﴾ أيْ وهَذا زَوْجِي إبْراهِيمُ شَيْخًا لا تَحْبَلُ مِن مِثْلِهِ النِّساءُ، وشَيْخًا مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ، والعامِلُ فِيهِ مَعْنى الإشارَةِ.
قالَ النَّحّاسُ: وفي قِراءَةِ أُبَيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ شَيْخٌ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ، أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وعَلى الأوَّلِ يَكُونُ بَعْلِي بَدَلًا مِنِ اسْمِ الإشارَةِ، قِيلَ: كانَ إبْراهِيمُ ابْنَ مِائَةٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، وقِيلَ ابْنَ مِائَةٍ، وهَذِهِ المُبَشَّرَةُ هي سارَةُ امْرَأةُ إبْراهِيمَ.
وقَدْ كانَ وُلِدَ لِإبْراهِيمَ مِن هاجَرَ أمَتِهِ إسْماعِيلُ، فَتَمَنَّتْ سارَةُ أنْ يَكُونَ لَها ابْنٌ وأيِسَتْ مِنهُ لِكِبَرِ سِنِّها، فَبَشَّرَها اللَّهُ بِهِ عَلى لِسانِ مَلائِكَتِهِ ﴿إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ أيْ ما ذَكَرَتْهُ المَلائِكَةُ مِنَ التَّبْشِيرِ بِحُصُولِ الوَلَدِ مَعَ كَوْنِها في هَذِهِ السِّنِّ العالِيَةِ الَّتِي لا يُولَدُ لِمِثْلِها - شَيْءٌ يُقْضى مِنهُ العَجَبُ.
وجُمْلَةُ ﴿قالُوا أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، والِاسْتِفْهامُ فِيها لِلْإنْكارِ: أيْ كَيْفَ تَعْجَبِينَ مِن قَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ، وهو لا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وإنَّما أنْكَرُوا عَلَيْها مَعَ كَوْنِ ما تَعَجَّبَتْ مِنهُ مِن خَوارِقِ العادَةِ لِأنَّها مِن بَيْتِ النُّبُوَّةِ، ولا يَخْفى عَلى مِثْلِها أنَّ هَذا مِن مَقْدُوراتِهِ سُبْحانَهُ، ولِهَذا قالُوا: ﴿رَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ﴾ أيْ الرَّحْمَةُ الَّتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ والبَرَكاتُ وهي النُّمُوُّ والزِّيادَةُ قِيلَ الرَّحْمَةُ: النُّبُوَّةُ، والبَرَكاتُ: الأسْباطُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ لِما فِيهِمْ مِنَ الأنْبِياءِ، وانْتِصابُ ﴿أهْلَ البَيْتِ﴾ عَلى المَدْحِ أوِ الِاخْتِصاصِ، وصَرْفُ الخِطابِ مِن صِيغَةِ الواحِدَةِ إلى الجَمْعِ لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ ﴿إنَّهُ حَمِيدٌ﴾ أيْ يَفْعَلُ مُوجِباتِ حَمْدِهِ مِن عِبادِهِ عَلى سَبِيلِ الكَثْرَةِ مَجِيدٌ كَثِيرُ الإحْسانِ إلى عِبادِهِ بِما يَفِيضُهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الخَيْراتِ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿رَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ﴾ .
قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إبْراهِيمَ الرَّوْعُ﴾ أيْ الخِيفَةُ الَّتِي أوْجَسَها في نَفْسِهِ، يُقالُ: ارْتاعَ مِن كَذا: إذا خافَ، ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ:(p-٦٦٦)
؎فارْتاعَ مِن صَوْتِ كَلّابٍ فَباتَ لَهُ ∗∗∗ طَوْعَ الشَّوامِتِ مِن خَوْفٍ ومِن حَذَرِ
﴿وجاءَتْهُ البُشْرى﴾ أيْ بِالوَلَدِ، أوْ بِقَوْلِهِمْ: لا تَخَفْ.
قَوْلُهُ: ﴿يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾ .
قالَ الأخْفَشُ والكِسائِيُّ: إنَّ يُجادِلُنا في مَوْضِعِ جادَلَنا، فَيَكُونُ هو جَوابُ لَمّا، لِما تَقَرَّرَ مِن أنَّ جَوابَها يَكُونُ بِالماضِي لا بِالمُسْتَقْبَلِ.
قالَ النَّحّاسُ: جُعِلَ المُسْتَقْبَلُ مَكانَهُ كَما يُجْعَلُ الماضِي مَكانَ المُسْتَقْبَلِ في الشَّرْطِ، وقِيلَ: إنَّ الجَوابَ مَحْذُوفٌ، ويُجادِلُنا في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ قالَهُ الفَرّاءُ، وتَقْدِيرُهُ: فَلَمّا ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ وجاءَتْهُ البُشْرى اجْتَرَأ عَلى خِطابِنا حالَ كَوْنِهِ يُجادِلُنا: أيْ يُجادِلُ رُسُلَنا، وقِيلَ إنَّ المَعْنى: أخَذَ يُجادِلُنا، ومُجادَلَتُهُ لَهم قِيلَ إنَّهُ لَمّا سَمِعَ قَوْلَهم: ﴿إنّا مُهْلِكُو أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ﴾ [العنكبوت: ٣١] قالَ: أرَأيْتُمْ إنْ كانَ فِيهِمْ خَمْسُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ أتُهْلِكُونَهم ؟ قالُوا: لا، قالَ: فَأرْبَعُونَ ؟ قالُوا: لا، قالَ: فَعِشْرُونَ ؟ قالُوا: لا، ثُمَّ قالَ: فَعَشَرَةٌ ؟ فَخَمْسَةٌ ؟ قالُوا: لا.
قالَ: فَواحِدٌ ؟ قالُوا: لا.
﴿قالَ إنَّ فِيها لُوطًا قالُوا نَحْنُ أعْلَمُ بِمَن فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وأهْلَهُ﴾ [العنكبوت: ٣٢] الآيَةَ، فَهَذا مَعْنى مُجادَلَتِهِ في قَوْمِ لُوطٍ: أيْ في شَأْنِهِمْ وأمْرِهِمْ.
ثُمَّ أثْنَوْا عَلى إبْراهِيمَ، أوْ أثْنى اللَّهُ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ﴾ أيْ لَيْسَ بِعَجُولٍ في الأُمُورِ، ولا بِمُوقِعٍ لَها عَلى غَيْرِ ما يَنْبَغِي.
والأوّاهُ: كَثِيرُ التَّأوُّهِ، والمُنِيبُ: الرّاجِعُ إلى اللَّهِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ في بَراءَةَ الكَلامُ عَلى الأوّاهِ.
قَوْلُهُ: ﴿ياإبْراهِيمُ أعْرِضْ عَنْ هَذا﴾ هَذا قَوْلُ المَلائِكَةِ لَهُ: أيْ أعْرَضْ عَنْ هَذا الجِدالِ في أمْرٍ قَدْ فُرِغَ مِنهُ، وجَفَّ بِهِ القَلَمُ، وحَقَّ بِهِ القَضاءُ ﴿إنَّهُ قَدْ جاءَ أمْرُ رَبِّكَ﴾ الضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ، ومَعْنى مَجِيءِ أمْرِ اللَّهِ: مَجِيءُ عَذابِهِ الَّذِي قَدَّرَهُ عَلَيْهِمْ، وسَبَقَ بِهِ قَضاؤُهُ ﴿وإنَّهم آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ أيْ لا يَرُدُّهُ دُعاءٌ ولا جِدالٌ، بَلْ هو واقِعٌ بِهِمْ لا مَحالَةَ، ونازِلٌ بِهِمْ عَلى كُلِّ حالٍ لَيْسَ بِمَصْرُوفٍ ولا مَدْفُوعٍ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُثْمانَ بْنِ مِحْصَنٍ في ضَيْفِ إبْراهِيمَ قالَ: كانُوا أرْبَعَةً: جِبْرِيلَ، ومِيكائِيلَ، وإسْرافِيلَ، ورافائِيلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ قالَ: نَضِيجٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: مَشْوِيٌّ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: سَمِيطٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: الحَنِيذُ الَّذِي أُنْضِجَ بِالحِجارَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ يَزِيدِ بْنِ أبِي يَزِيدٍ البَصْرِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ﴾ قالَ: لَمْ يَرَ لَهم أيْدِيًا فَنَكِرَهم.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: نَكِرَهم قالَ: كانُوا إذا نَزَلَ بِهِمْ ضَيْفٌ فَلَمْ يَأْكُلْ مِن طَعامِهِمْ ظَنُّوا أنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِخَيْرٍ، وأنَّهُ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ بِشَرٍّ، ثُمَّ حَدَّثُوهُ عِنْدَ ذَلِكَ بِما جاءُوا فِيهِ فَضَحِكَتِ امْرَأتُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ المُغِيرَةِ قالَ: في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ وهو جالِسٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ﴾ قالَ: في خِدْمَةِ أضْيافِ إبْراهِيمَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: لَمّا أوْجَسَ إبْراهِيمُ في نَفْسِهِ خِيفَةً حَدَّثُوهُ عِنْدَ ذَلِكَ بِما جاءُوا فِيهِ، فَضَحِكَتِ امْرَأتُهُ تَعَجُّبًا مِمّا فِيهِ قَوْمُ لُوطٍ مِنَ الغَفْلَةِ، ومِمّا أتاهم مِنَ العَذابِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فَضَحِكَتْ﴾ قالَ: فَحاضَتْ وهي بِنْتُ ثَمانٍ وتِسْعِينَ سَنَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَضَحِكَتْ﴾ قالَ: حاضَتْ وكانَتِ ابْنَةُ بِضْعٍ وتِسْعِينَ سَنَةً، وكانَ إبْراهِيمُ ابْنُ مِائَةِ سَنَةٍ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: حاضَتْ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ قالَ: هو ولَدُ الوَلَدِ.
وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في كِتابِ الوَقْفِ والِابْتِداءِ عَنْ حَسّانَ بْنِ أبْجَرَ قالَ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ فَجاءَ رَجُلٌ مِن هُذَيْلٍ، فَقالَ لَهُ ابْنُ عَبّاسٍ: ما فَعَلَ فُلانٌ ؟ قالَ: ماتَ وتَرَكَ أرْبَعَةً مِنَ الوَلَدِ وثَلاثَةً مِنَ الوَراءِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ قالَ: ولَدُ الوَلَدِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وأبُو الشَّيْخِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَنْهى عَنْ أنْ يُزادَ في جَوابِ التَّحِيَّةِ عَلى قَوْلِهِمْ: عَلَيْكُمُ السَّلامُ ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ، ويَتْلُو هَذِهِ الآيَةَ ﴿رَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ﴾ .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إبْراهِيمَ الرَّوْعُ﴾ قالَ: الفَرَقُ ﴿يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾ قالَ: يُخاصِمُنا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في تَفْسِيرِ المُجادَلَةِ قالَ: إنَّهُ قالَ لَهم يَوْمَئِذٍ: أرَأيْتُمْ إنْ كانَ فِيهِمْ خَمْسُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ ؟ قالُوا: إنْ كانَ فِيهِمْ خَمْسُونَ لَمْ نُعَذِّبْهم، قالَ: أرْبَعُونَ ؟ قالُوا: وأرْبَعُونَ، قالَ: ثَلاثُونَ ؟ قالُوا: وثَلاثُونَ حَتّى بَلَغُوا عَشَرَةً، قالُوا: إنْ كانَ فِيهِمْ عَشَرَةٌ لَمْ نُعَذِّبْهم، قالَ: ما قَوْمٌ لا يَكُونُ فِيهِمْ عَشَرَةٌ فِيهِمْ خَيْرٌ ؟ قالَ قَتادَةُ: إنَّهُ كانَ في قَرْيَةِ لُوطٍ أرْبَعَةُ آلافِ ألْفِ إنْسانٍ، أوْ ما شاءَ اللَّهُ مِن ذَلِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا جاءَتِ المَلائِكَةُ إلى إبْراهِيمَ قالُوا لِإبْراهِيمَ: إنْ كانَ فِيها خَمْسَةٌ يُصَلُّونَ رُفِعَ عَنْهُمُ العَذابُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قالَ: الأوّاهُ الرَّحِيمُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: المُنِيبُ المُقْبِلُ إلى طاعَةِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: المُنِيبُ المُخْلِصُ.
هود 11:75
.
هَذِهِ قِصَّةُ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وقَوْمِهِ، وهو ابْنُ عَمِّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانَتْ قُرى لُوطٍ بِنَواحِي الشّامِ وإبْراهِيمُ بِبِلادِ فِلَسْطِينَ.
فَلَمّا أنْزَلَ اللَّهُ المَلائِكَةَ بِعَذابِ قَوْمِ لُوطٍ، مَرُّوا بِإبْراهِيمَ ونَزَلُوا عِنْدَهُ، وكانَ كُلُّ مَن نَزَلَ عِنْدَهُ يُحْسِنُ قِراهُ، وكانَ مُرُورُهم عَلَيْهِ لِتَبْشِيرِهِ بِهَذِهِ البِشارَةِ المَذْكُورَةِ، فَظَنَّهم أضْيافًا، وهم جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ وإسْرافِيلُ.
وقِيلَ كانُوا تِسْعَةً، وقِيلَ أحَدَ عَشَرَ، والبُشْرى الَّتِي بَشَّرُوهُ بِها هي بِشارَتُهُ بِالوَلَدِ، وقِيلَ بِإهْلاكِ قَوْمِ لُوطٍ، والأُولى أوْلى ﴿قالُوا سَلامًا﴾ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أيْ سَلَّمْنا عَلَيْكَ سَلامًا ﴿قالَ سَلامٌ﴾ ارْتِفاعُهُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ أمْرُكم سَلامٌ، أوْ مُرْتَفِعٌ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: عَلَيْكم سَلامٌ ﴿فَما لَبِثَ﴾ أيْ إبْراهِيمُ ﴿أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ قالَ أكْثَرُ النَّحْوِيِّينَ أنْ هُنا بِمَعْنى حَتّى: أيْ فَما لَبِثَ حَتّى جاءَ، وقِيلَ: إنَّها في مَحَلِّ نَصْبٍ بِسُقُوطِ حَرْفِ الجَرِّ، والتَّقْدِيرُ فَما لَبِثَ عَنْ أنْ جاءَ: أيْ ما أبْطَأ إبْراهِيمُ عَنْ مَجِيئِهِ بِعِجْلٍ وما نافِيَةٌ قالَهُ سِيبَوَيْهِ.
وقالَ الفَرّاءُ: فَما لَبِثَ مَجِيئُهُ: أيْ ما أبْطَأ مَجِيئُهُ، وقِيلَ: إنَّ ما مَوْصُولَةٌ وهي مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ ﴿أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ والتَّقْدِيرُ: فالَّذِي لَبِثَ إبْراهِيمُ هو مَجِيئُهُ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ، والحَنِيذُ: المَشْوِيُّ مُطْلَقًا، وقِيلَ: المَشْوِيُّ بِحَرِّ الحِجارَةِ مِن غَيْرِ أنْ تَمَسَّهُ النّارُ، يُقالُ: حَنَذَ الشّاةَ يَحْنِذُها: جَعَلَها فَوْقَ حِجارَةٍ مُحَمّاةٍ لِتُنْضِجَها فَهي حَنِيذٌ، وقِيلَ مَعْنى حَنِيذٍ: سَمِينٌ، وقِيلَ الحَنِيذُ هو السَّمِيطُ، وقِيلَ النَّضِيجُ، وهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، وإنَّما جاءَهم بِعِجْلٍ، لِأنَّ البَقَرَ كانَتْ أكْثَرَ أمْوالِهِ.
﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ﴾ أيْ لا يَمُدُّونَها إلى العِجْلِ كَما يَمُدُّ يَدَهُ مَن يُرِيدُ الأكْلَ (p-٦٦٥)نَكِرَهم يُقالُ: نَكِرْتَهُ وأنْكَرْتَهُ واسْتَنْكَرْتَهُ: إذا وجَدْتَهُ عَلى غَيْرِ ما تَعْهَدُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَأنْكَرَتْنِي وما كانَ الَّذِي نَكِرَتْ مِنَ الحَوادِثِ إلّا الشَّيْبُ والصَّلَعا
فَجَمَعَ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ، ومِمّا جُمِعَ فِيهِ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎إذا أنْكَرَتْنِي بَلْدَةٌ أوْ نَكِرْتُها ∗∗∗ خَرَجْتُ مَعَ البازِي عَلَيَّ سَوادُ
وقِيلَ يُقالُ: أنْكَرْتُ لِما تَراهُ بِعَيْنِكَ، ونَكِرْتُ لِما تَراهُ بِقَلْبِكَ، قِيلَ: وإنَّما اسْتَنْكَرَ مِنهم ذَلِكَ، لِأنَّ عادَتَهم أنَّ الضَّيْفَ إذا نَزَلَ بِهِمْ ولَمْ يَأْكُلْ مِن طَعامِهِمْ ظَنُّوا أنَّهُ قَدْ جاءَ بِشْرٍ ﴿وأوْجَسَ مِنهُمْ﴾ أيْ أحَسَّ في نَفْسِهِ مِنهم خِيفَةً أيْ خَوْفًا وفَزَعًا، وقِيلَ مَعْنى أوْجَسَ: أضْمَرَ في نَفْسِهِ خِيفَةً، والأوَّلُ ألْصَقُ بِالمَعْنى اللُّغَوِيِّ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎جاءَ البَرِيدُ بِقِرْطاسٍ يَحُثُّ بِهِ ∗∗∗ فَأوْجَسَ القَلْبُ مِن قِرْطاسِهِ فَزَعا
وكَأنَّهُ ظَنَّ أنَّهم قَدْ نَزَلُوا بِهِ لِأمْرٍ يُنْكِرُهُ، أوْ لِتَعْذِيبِ قَوْمِهِ ﴿قالُوا لا تَخَفْ﴾ قالُوا لَهُ هَذِهِ المَقالَةَ مَعَ كَوْنِهِ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِما يَدُلُّ عَلى الخَوْفِ، بَلْ أوْجَسَ ذَلِكَ في نَفْسِهِ، فَلَعَلَّهُمُ اسْتَدَلُّوا عَلى خَوْفِهِ بِأماراتٍ كَظُهُورِ أثَرِهِ عَلى وجْهِهِ، أوْ قالُوهُ لَهُ بَعْدَما قالَ عَقِبَ ما أوْجَسَ في نَفْسِهِ مِنَ الخِيفَةِ قَوْلًا يَدُلُّ عَلى الخَوْفِ كَما في قَوْلِهِ في سُورَةِ الحِجْرِ: ﴿قالَ إنّا مِنكم وجِلُونَ﴾ [الحجر: ٥٢]، ولَمْ يُذْكَرْ ذَلِكَ هَهُنا اكْتِفاءً بِما هُنالِكَ، ثُمَّ عَلَّلُوا نَهْيَهُ عَنِ الخَوْفِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ أيْ أُرْسِلْنا إلَيْهِمْ خاصَّةً، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ قالَ قَوْلًا يَكُونُ هَذا جَوابًا عَنْهُ: ﴿قالَ فَما خَطْبُكم أيُّها المُرْسَلُونَ﴾ ﴿قالُوا إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ [الحجر: ٥٧، ٥٨] .
وجُمْلَةُ ﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، قِيلَ: كانَتْ قائِمَةً عِنْدَ تَحاوُرِهِمْ وراءَ السِّتْرِ، وقِيلَ: كانَتْ قائِمَةً تَخْدِمُ المَلائِكَةَ وهو جالِسٌ، والضَّحِكُ هُنا هو الضَّحِكُ المَعْرُوفُ الَّذِي يَكُونُ لِلتَّعَجُّبِ أوْ لِلسُّرُورِ كَما قالَهُ الجُمْهُورُ.
وقالَ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ: إنَّهُ الحَيْضُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وإنِّي لَآتِي العِرْسَ عِنْدَ طَهُورِها ∗∗∗ وأهْجُرُها يَوْمًا إذا تَكُ ضاحِكا
وقالَ الآخَرُ:
؎وضَحِكَ الأرانِبُ فَوْقَ الصَّفا ∗∗∗ كَمِثْلِ دَمِ الخَوْفِ يَوْمَ اللُّقا
والعَرَبُ تَقُولُ: ضَحِكَتِ الأرْنَبُ: إذا حاضَتْ.
وقَدْ أنْكَرَ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ أنْ يَكُونَ في كَلامِ العَرَبِ ضَحِكَتْ بِمَعْنى حاضَتْ ﴿فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ﴾ ظاهِرُهُ أنَّ التَّبْشِيرَ كانَ بَعْدَ الضَّحِكِ.
وقالَ الفَرّاءُ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ.
والمَعْنى: فَبَشَّرْناها فَضَحِكَتْ سُرُورًا بِالوَلَدِ.
وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ زِيادٍ مِن قُرّاءِ مَكَّةَ فَضَحَكَتْ بِفَتْحِ الحاءِ، وأنْكَرَهُ الَمَهَدَوِيُّ ﴿ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ .
قَرَأ حَمْزَةُ وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ بِنَصْبِ يَعْقُوبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ فِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ فَبَشَّرْناها، كَأنَّهُ قالَ: ووَهَبْنا لَها مِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ.
وأجازَ الكِسائِيُّ والأخْفَشُ وأبُو حاتِمٍ أنْ يَكُونَ يَعْقُوبُ في مَوْضِعِ جَرٍّ.
وقالَ الفَرّاءُ: لا يَجُوزُ الجَرُّ إلّا بِإعادَةِ حَرْفِهِ.
قالَ سِيبَوَيْهِ: ولَوْ قُلْتَ مَرَرْتُ بِزَيْدٍ أوَّلَ مِن أمْسِ، وأمْسِ عُمَرُ كانَ قَبِيحًا خَبِيثًا، لِأنَّكَ فَرَّقْتَ بَيْنَ المَجْرُورِ وما يَشْرَكُهُ كَما يُفَرَّقُ بَيْنَ الجارِّ والمَجْرُورِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِرَفْعِ يَعْقُوبَ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ الظَّرْفُ الَّذِي قَبْلَهُ، وقِيلَ: الرَّفْعُ بِتَقْدِيرِ فِعْلٍ مَحْذُوفٍ: أيْ ويَحْدُثُ لَها، أوْ وثَبَتَ لَها.
وقَدْ وقَعَ التَّبْشِيرُ هُنا لَها، ووَقَعَ لِإبْراهِيمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠١] ﴿وبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات: ٢٨]، لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مُسْتَحِقٌّ لِلْبِشارَةِ بِهِ لِكَوْنِهِ مِنهُما.
وجُمْلَةُ ﴿قالَتْ ياوَيْلَتى﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَتْ ؟ قالَ الزَّجّاجُ: أصْلُها يا ويْلَتِي، فَأُبْدِلَ مِنَ الياءِ ألِفٌ لِأنَّها أخَفُّ مِنَ الياءِ والكَسْرَةِ، وهي لَمْ تُرِدِ الدُّعاءَ عَلى نَفْسِها بِالوَيْلِ، ولَكِنَّها كَلِمَةٌ تَقَعُ كَثِيرًا عَلى أفْواهِ النِّساءِ إذا طَرَأ عَلَيْهِنَّ ما يَعْجَبْنَ مِنهُ، وأصْلُ الوَيْلِ: الخِزْيُ، ثُمَّ شاعَ في كُلِّ أمْرٍ فَظِيعٍ، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِها: ﴿أألِدُ وأنا عَجُوزٌ﴾ لِلتَّعَجُّبِ: أيْ كَيْفَ ألِدُ وأنا شَيْخَةٌ قَدْ طَعَنْتُ في السِّنِّ، يُقالُ: عَجَزَتْ تَعْجَزُ مُخَفَّفًا ومُثَقَّلًا عَجْزًا وتَعْجِيزًا: أيْ طَعَنَتْ في السِّنِّ، ويُقالُ: عَجُوزٌ وعَجُوزَةٌ، وأمّا عَجِزَتْ بِكَسْرِ الجِيمِ: فَمَعْناهُ عَظُمَتْ عَجِيزَتُها، قِيلَ كانَتْ بِنْتَ تِسْعٍ وتِسْعِينَ، وقِيلَ بِنْتَ تِسْعِينَ ﴿وهَذا بَعْلِي شَيْخًا﴾ أيْ وهَذا زَوْجِي إبْراهِيمُ شَيْخًا لا تَحْبَلُ مِن مِثْلِهِ النِّساءُ، وشَيْخًا مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ، والعامِلُ فِيهِ مَعْنى الإشارَةِ.
قالَ النَّحّاسُ: وفي قِراءَةِ أُبَيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ شَيْخٌ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ، أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وعَلى الأوَّلِ يَكُونُ بَعْلِي بَدَلًا مِنِ اسْمِ الإشارَةِ، قِيلَ: كانَ إبْراهِيمُ ابْنَ مِائَةٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، وقِيلَ ابْنَ مِائَةٍ، وهَذِهِ المُبَشَّرَةُ هي سارَةُ امْرَأةُ إبْراهِيمَ.
وقَدْ كانَ وُلِدَ لِإبْراهِيمَ مِن هاجَرَ أمَتِهِ إسْماعِيلُ، فَتَمَنَّتْ سارَةُ أنْ يَكُونَ لَها ابْنٌ وأيِسَتْ مِنهُ لِكِبَرِ سِنِّها، فَبَشَّرَها اللَّهُ بِهِ عَلى لِسانِ مَلائِكَتِهِ ﴿إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ أيْ ما ذَكَرَتْهُ المَلائِكَةُ مِنَ التَّبْشِيرِ بِحُصُولِ الوَلَدِ مَعَ كَوْنِها في هَذِهِ السِّنِّ العالِيَةِ الَّتِي لا يُولَدُ لِمِثْلِها - شَيْءٌ يُقْضى مِنهُ العَجَبُ.
وجُمْلَةُ ﴿قالُوا أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، والِاسْتِفْهامُ فِيها لِلْإنْكارِ: أيْ كَيْفَ تَعْجَبِينَ مِن قَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ، وهو لا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وإنَّما أنْكَرُوا عَلَيْها مَعَ كَوْنِ ما تَعَجَّبَتْ مِنهُ مِن خَوارِقِ العادَةِ لِأنَّها مِن بَيْتِ النُّبُوَّةِ، ولا يَخْفى عَلى مِثْلِها أنَّ هَذا مِن مَقْدُوراتِهِ سُبْحانَهُ، ولِهَذا قالُوا: ﴿رَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ﴾ أيْ الرَّحْمَةُ الَّتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ والبَرَكاتُ وهي النُّمُوُّ والزِّيادَةُ قِيلَ الرَّحْمَةُ: النُّبُوَّةُ، والبَرَكاتُ: الأسْباطُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ لِما فِيهِمْ مِنَ الأنْبِياءِ، وانْتِصابُ ﴿أهْلَ البَيْتِ﴾ عَلى المَدْحِ أوِ الِاخْتِصاصِ، وصَرْفُ الخِطابِ مِن صِيغَةِ الواحِدَةِ إلى الجَمْعِ لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ ﴿إنَّهُ حَمِيدٌ﴾ أيْ يَفْعَلُ مُوجِباتِ حَمْدِهِ مِن عِبادِهِ عَلى سَبِيلِ الكَثْرَةِ مَجِيدٌ كَثِيرُ الإحْسانِ إلى عِبادِهِ بِما يَفِيضُهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الخَيْراتِ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿رَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ﴾ .
قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إبْراهِيمَ الرَّوْعُ﴾ أيْ الخِيفَةُ الَّتِي أوْجَسَها في نَفْسِهِ، يُقالُ: ارْتاعَ مِن كَذا: إذا خافَ، ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ:(p-٦٦٦)
؎فارْتاعَ مِن صَوْتِ كَلّابٍ فَباتَ لَهُ ∗∗∗ طَوْعَ الشَّوامِتِ مِن خَوْفٍ ومِن حَذَرِ
﴿وجاءَتْهُ البُشْرى﴾ أيْ بِالوَلَدِ، أوْ بِقَوْلِهِمْ: لا تَخَفْ.
قَوْلُهُ: ﴿يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾ .
قالَ الأخْفَشُ والكِسائِيُّ: إنَّ يُجادِلُنا في مَوْضِعِ جادَلَنا، فَيَكُونُ هو جَوابُ لَمّا، لِما تَقَرَّرَ مِن أنَّ جَوابَها يَكُونُ بِالماضِي لا بِالمُسْتَقْبَلِ.
قالَ النَّحّاسُ: جُعِلَ المُسْتَقْبَلُ مَكانَهُ كَما يُجْعَلُ الماضِي مَكانَ المُسْتَقْبَلِ في الشَّرْطِ، وقِيلَ: إنَّ الجَوابَ مَحْذُوفٌ، ويُجادِلُنا في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ قالَهُ الفَرّاءُ، وتَقْدِيرُهُ: فَلَمّا ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ وجاءَتْهُ البُشْرى اجْتَرَأ عَلى خِطابِنا حالَ كَوْنِهِ يُجادِلُنا: أيْ يُجادِلُ رُسُلَنا، وقِيلَ إنَّ المَعْنى: أخَذَ يُجادِلُنا، ومُجادَلَتُهُ لَهم قِيلَ إنَّهُ لَمّا سَمِعَ قَوْلَهم: ﴿إنّا مُهْلِكُو أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ﴾ [العنكبوت: ٣١] قالَ: أرَأيْتُمْ إنْ كانَ فِيهِمْ خَمْسُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ أتُهْلِكُونَهم ؟ قالُوا: لا، قالَ: فَأرْبَعُونَ ؟ قالُوا: لا، قالَ: فَعِشْرُونَ ؟ قالُوا: لا، ثُمَّ قالَ: فَعَشَرَةٌ ؟ فَخَمْسَةٌ ؟ قالُوا: لا.
قالَ: فَواحِدٌ ؟ قالُوا: لا.
﴿قالَ إنَّ فِيها لُوطًا قالُوا نَحْنُ أعْلَمُ بِمَن فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وأهْلَهُ﴾ [العنكبوت: ٣٢] الآيَةَ، فَهَذا مَعْنى مُجادَلَتِهِ في قَوْمِ لُوطٍ: أيْ في شَأْنِهِمْ وأمْرِهِمْ.
ثُمَّ أثْنَوْا عَلى إبْراهِيمَ، أوْ أثْنى اللَّهُ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ﴾ أيْ لَيْسَ بِعَجُولٍ في الأُمُورِ، ولا بِمُوقِعٍ لَها عَلى غَيْرِ ما يَنْبَغِي.
والأوّاهُ: كَثِيرُ التَّأوُّهِ، والمُنِيبُ: الرّاجِعُ إلى اللَّهِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ في بَراءَةَ الكَلامُ عَلى الأوّاهِ.
قَوْلُهُ: ﴿ياإبْراهِيمُ أعْرِضْ عَنْ هَذا﴾ هَذا قَوْلُ المَلائِكَةِ لَهُ: أيْ أعْرَضْ عَنْ هَذا الجِدالِ في أمْرٍ قَدْ فُرِغَ مِنهُ، وجَفَّ بِهِ القَلَمُ، وحَقَّ بِهِ القَضاءُ ﴿إنَّهُ قَدْ جاءَ أمْرُ رَبِّكَ﴾ الضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ، ومَعْنى مَجِيءِ أمْرِ اللَّهِ: مَجِيءُ عَذابِهِ الَّذِي قَدَّرَهُ عَلَيْهِمْ، وسَبَقَ بِهِ قَضاؤُهُ ﴿وإنَّهم آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ أيْ لا يَرُدُّهُ دُعاءٌ ولا جِدالٌ، بَلْ هو واقِعٌ بِهِمْ لا مَحالَةَ، ونازِلٌ بِهِمْ عَلى كُلِّ حالٍ لَيْسَ بِمَصْرُوفٍ ولا مَدْفُوعٍ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُثْمانَ بْنِ مِحْصَنٍ في ضَيْفِ إبْراهِيمَ قالَ: كانُوا أرْبَعَةً: جِبْرِيلَ، ومِيكائِيلَ، وإسْرافِيلَ، ورافائِيلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ قالَ: نَضِيجٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: مَشْوِيٌّ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: سَمِيطٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: الحَنِيذُ الَّذِي أُنْضِجَ بِالحِجارَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ يَزِيدِ بْنِ أبِي يَزِيدٍ البَصْرِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ﴾ قالَ: لَمْ يَرَ لَهم أيْدِيًا فَنَكِرَهم.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: نَكِرَهم قالَ: كانُوا إذا نَزَلَ بِهِمْ ضَيْفٌ فَلَمْ يَأْكُلْ مِن طَعامِهِمْ ظَنُّوا أنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِخَيْرٍ، وأنَّهُ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ بِشَرٍّ، ثُمَّ حَدَّثُوهُ عِنْدَ ذَلِكَ بِما جاءُوا فِيهِ فَضَحِكَتِ امْرَأتُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ المُغِيرَةِ قالَ: في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ وهو جالِسٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ﴾ قالَ: في خِدْمَةِ أضْيافِ إبْراهِيمَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: لَمّا أوْجَسَ إبْراهِيمُ في نَفْسِهِ خِيفَةً حَدَّثُوهُ عِنْدَ ذَلِكَ بِما جاءُوا فِيهِ، فَضَحِكَتِ امْرَأتُهُ تَعَجُّبًا مِمّا فِيهِ قَوْمُ لُوطٍ مِنَ الغَفْلَةِ، ومِمّا أتاهم مِنَ العَذابِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فَضَحِكَتْ﴾ قالَ: فَحاضَتْ وهي بِنْتُ ثَمانٍ وتِسْعِينَ سَنَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَضَحِكَتْ﴾ قالَ: حاضَتْ وكانَتِ ابْنَةُ بِضْعٍ وتِسْعِينَ سَنَةً، وكانَ إبْراهِيمُ ابْنُ مِائَةِ سَنَةٍ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: حاضَتْ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ قالَ: هو ولَدُ الوَلَدِ.
وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في كِتابِ الوَقْفِ والِابْتِداءِ عَنْ حَسّانَ بْنِ أبْجَرَ قالَ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ فَجاءَ رَجُلٌ مِن هُذَيْلٍ، فَقالَ لَهُ ابْنُ عَبّاسٍ: ما فَعَلَ فُلانٌ ؟ قالَ: ماتَ وتَرَكَ أرْبَعَةً مِنَ الوَلَدِ وثَلاثَةً مِنَ الوَراءِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ قالَ: ولَدُ الوَلَدِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وأبُو الشَّيْخِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَنْهى عَنْ أنْ يُزادَ في جَوابِ التَّحِيَّةِ عَلى قَوْلِهِمْ: عَلَيْكُمُ السَّلامُ ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ، ويَتْلُو هَذِهِ الآيَةَ ﴿رَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ﴾ .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إبْراهِيمَ الرَّوْعُ﴾ قالَ: الفَرَقُ ﴿يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾ قالَ: يُخاصِمُنا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في تَفْسِيرِ المُجادَلَةِ قالَ: إنَّهُ قالَ لَهم يَوْمَئِذٍ: أرَأيْتُمْ إنْ كانَ فِيهِمْ خَمْسُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ ؟ قالُوا: إنْ كانَ فِيهِمْ خَمْسُونَ لَمْ نُعَذِّبْهم، قالَ: أرْبَعُونَ ؟ قالُوا: وأرْبَعُونَ، قالَ: ثَلاثُونَ ؟ قالُوا: وثَلاثُونَ حَتّى بَلَغُوا عَشَرَةً، قالُوا: إنْ كانَ فِيهِمْ عَشَرَةٌ لَمْ نُعَذِّبْهم، قالَ: ما قَوْمٌ لا يَكُونُ فِيهِمْ عَشَرَةٌ فِيهِمْ خَيْرٌ ؟ قالَ قَتادَةُ: إنَّهُ كانَ في قَرْيَةِ لُوطٍ أرْبَعَةُ آلافِ ألْفِ إنْسانٍ، أوْ ما شاءَ اللَّهُ مِن ذَلِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا جاءَتِ المَلائِكَةُ إلى إبْراهِيمَ قالُوا لِإبْراهِيمَ: إنْ كانَ فِيها خَمْسَةٌ يُصَلُّونَ رُفِعَ عَنْهُمُ العَذابُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قالَ: الأوّاهُ الرَّحِيمُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: المُنِيبُ المُقْبِلُ إلى طاعَةِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: المُنِيبُ المُخْلِصُ.
هود 11:76
.
هَذِهِ قِصَّةُ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وقَوْمِهِ، وهو ابْنُ عَمِّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانَتْ قُرى لُوطٍ بِنَواحِي الشّامِ وإبْراهِيمُ بِبِلادِ فِلَسْطِينَ.
فَلَمّا أنْزَلَ اللَّهُ المَلائِكَةَ بِعَذابِ قَوْمِ لُوطٍ، مَرُّوا بِإبْراهِيمَ ونَزَلُوا عِنْدَهُ، وكانَ كُلُّ مَن نَزَلَ عِنْدَهُ يُحْسِنُ قِراهُ، وكانَ مُرُورُهم عَلَيْهِ لِتَبْشِيرِهِ بِهَذِهِ البِشارَةِ المَذْكُورَةِ، فَظَنَّهم أضْيافًا، وهم جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ وإسْرافِيلُ.
وقِيلَ كانُوا تِسْعَةً، وقِيلَ أحَدَ عَشَرَ، والبُشْرى الَّتِي بَشَّرُوهُ بِها هي بِشارَتُهُ بِالوَلَدِ، وقِيلَ بِإهْلاكِ قَوْمِ لُوطٍ، والأُولى أوْلى ﴿قالُوا سَلامًا﴾ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أيْ سَلَّمْنا عَلَيْكَ سَلامًا ﴿قالَ سَلامٌ﴾ ارْتِفاعُهُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ أمْرُكم سَلامٌ، أوْ مُرْتَفِعٌ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: عَلَيْكم سَلامٌ ﴿فَما لَبِثَ﴾ أيْ إبْراهِيمُ ﴿أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ قالَ أكْثَرُ النَّحْوِيِّينَ أنْ هُنا بِمَعْنى حَتّى: أيْ فَما لَبِثَ حَتّى جاءَ، وقِيلَ: إنَّها في مَحَلِّ نَصْبٍ بِسُقُوطِ حَرْفِ الجَرِّ، والتَّقْدِيرُ فَما لَبِثَ عَنْ أنْ جاءَ: أيْ ما أبْطَأ إبْراهِيمُ عَنْ مَجِيئِهِ بِعِجْلٍ وما نافِيَةٌ قالَهُ سِيبَوَيْهِ.
وقالَ الفَرّاءُ: فَما لَبِثَ مَجِيئُهُ: أيْ ما أبْطَأ مَجِيئُهُ، وقِيلَ: إنَّ ما مَوْصُولَةٌ وهي مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ ﴿أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ والتَّقْدِيرُ: فالَّذِي لَبِثَ إبْراهِيمُ هو مَجِيئُهُ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ، والحَنِيذُ: المَشْوِيُّ مُطْلَقًا، وقِيلَ: المَشْوِيُّ بِحَرِّ الحِجارَةِ مِن غَيْرِ أنْ تَمَسَّهُ النّارُ، يُقالُ: حَنَذَ الشّاةَ يَحْنِذُها: جَعَلَها فَوْقَ حِجارَةٍ مُحَمّاةٍ لِتُنْضِجَها فَهي حَنِيذٌ، وقِيلَ مَعْنى حَنِيذٍ: سَمِينٌ، وقِيلَ الحَنِيذُ هو السَّمِيطُ، وقِيلَ النَّضِيجُ، وهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، وإنَّما جاءَهم بِعِجْلٍ، لِأنَّ البَقَرَ كانَتْ أكْثَرَ أمْوالِهِ.
﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ﴾ أيْ لا يَمُدُّونَها إلى العِجْلِ كَما يَمُدُّ يَدَهُ مَن يُرِيدُ الأكْلَ (p-٦٦٥)نَكِرَهم يُقالُ: نَكِرْتَهُ وأنْكَرْتَهُ واسْتَنْكَرْتَهُ: إذا وجَدْتَهُ عَلى غَيْرِ ما تَعْهَدُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَأنْكَرَتْنِي وما كانَ الَّذِي نَكِرَتْ مِنَ الحَوادِثِ إلّا الشَّيْبُ والصَّلَعا
فَجَمَعَ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ، ومِمّا جُمِعَ فِيهِ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎إذا أنْكَرَتْنِي بَلْدَةٌ أوْ نَكِرْتُها ∗∗∗ خَرَجْتُ مَعَ البازِي عَلَيَّ سَوادُ
وقِيلَ يُقالُ: أنْكَرْتُ لِما تَراهُ بِعَيْنِكَ، ونَكِرْتُ لِما تَراهُ بِقَلْبِكَ، قِيلَ: وإنَّما اسْتَنْكَرَ مِنهم ذَلِكَ، لِأنَّ عادَتَهم أنَّ الضَّيْفَ إذا نَزَلَ بِهِمْ ولَمْ يَأْكُلْ مِن طَعامِهِمْ ظَنُّوا أنَّهُ قَدْ جاءَ بِشْرٍ ﴿وأوْجَسَ مِنهُمْ﴾ أيْ أحَسَّ في نَفْسِهِ مِنهم خِيفَةً أيْ خَوْفًا وفَزَعًا، وقِيلَ مَعْنى أوْجَسَ: أضْمَرَ في نَفْسِهِ خِيفَةً، والأوَّلُ ألْصَقُ بِالمَعْنى اللُّغَوِيِّ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎جاءَ البَرِيدُ بِقِرْطاسٍ يَحُثُّ بِهِ ∗∗∗ فَأوْجَسَ القَلْبُ مِن قِرْطاسِهِ فَزَعا
وكَأنَّهُ ظَنَّ أنَّهم قَدْ نَزَلُوا بِهِ لِأمْرٍ يُنْكِرُهُ، أوْ لِتَعْذِيبِ قَوْمِهِ ﴿قالُوا لا تَخَفْ﴾ قالُوا لَهُ هَذِهِ المَقالَةَ مَعَ كَوْنِهِ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِما يَدُلُّ عَلى الخَوْفِ، بَلْ أوْجَسَ ذَلِكَ في نَفْسِهِ، فَلَعَلَّهُمُ اسْتَدَلُّوا عَلى خَوْفِهِ بِأماراتٍ كَظُهُورِ أثَرِهِ عَلى وجْهِهِ، أوْ قالُوهُ لَهُ بَعْدَما قالَ عَقِبَ ما أوْجَسَ في نَفْسِهِ مِنَ الخِيفَةِ قَوْلًا يَدُلُّ عَلى الخَوْفِ كَما في قَوْلِهِ في سُورَةِ الحِجْرِ: ﴿قالَ إنّا مِنكم وجِلُونَ﴾ [الحجر: ٥٢]، ولَمْ يُذْكَرْ ذَلِكَ هَهُنا اكْتِفاءً بِما هُنالِكَ، ثُمَّ عَلَّلُوا نَهْيَهُ عَنِ الخَوْفِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ أيْ أُرْسِلْنا إلَيْهِمْ خاصَّةً، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ قالَ قَوْلًا يَكُونُ هَذا جَوابًا عَنْهُ: ﴿قالَ فَما خَطْبُكم أيُّها المُرْسَلُونَ﴾ ﴿قالُوا إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ [الحجر: ٥٧، ٥٨] .
وجُمْلَةُ ﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، قِيلَ: كانَتْ قائِمَةً عِنْدَ تَحاوُرِهِمْ وراءَ السِّتْرِ، وقِيلَ: كانَتْ قائِمَةً تَخْدِمُ المَلائِكَةَ وهو جالِسٌ، والضَّحِكُ هُنا هو الضَّحِكُ المَعْرُوفُ الَّذِي يَكُونُ لِلتَّعَجُّبِ أوْ لِلسُّرُورِ كَما قالَهُ الجُمْهُورُ.
وقالَ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ: إنَّهُ الحَيْضُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وإنِّي لَآتِي العِرْسَ عِنْدَ طَهُورِها ∗∗∗ وأهْجُرُها يَوْمًا إذا تَكُ ضاحِكا
وقالَ الآخَرُ:
؎وضَحِكَ الأرانِبُ فَوْقَ الصَّفا ∗∗∗ كَمِثْلِ دَمِ الخَوْفِ يَوْمَ اللُّقا
والعَرَبُ تَقُولُ: ضَحِكَتِ الأرْنَبُ: إذا حاضَتْ.
وقَدْ أنْكَرَ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ أنْ يَكُونَ في كَلامِ العَرَبِ ضَحِكَتْ بِمَعْنى حاضَتْ ﴿فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ﴾ ظاهِرُهُ أنَّ التَّبْشِيرَ كانَ بَعْدَ الضَّحِكِ.
وقالَ الفَرّاءُ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ.
والمَعْنى: فَبَشَّرْناها فَضَحِكَتْ سُرُورًا بِالوَلَدِ.
وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ زِيادٍ مِن قُرّاءِ مَكَّةَ فَضَحَكَتْ بِفَتْحِ الحاءِ، وأنْكَرَهُ الَمَهَدَوِيُّ ﴿ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ .
قَرَأ حَمْزَةُ وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ بِنَصْبِ يَعْقُوبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ فِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ فَبَشَّرْناها، كَأنَّهُ قالَ: ووَهَبْنا لَها مِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ.
وأجازَ الكِسائِيُّ والأخْفَشُ وأبُو حاتِمٍ أنْ يَكُونَ يَعْقُوبُ في مَوْضِعِ جَرٍّ.
وقالَ الفَرّاءُ: لا يَجُوزُ الجَرُّ إلّا بِإعادَةِ حَرْفِهِ.
قالَ سِيبَوَيْهِ: ولَوْ قُلْتَ مَرَرْتُ بِزَيْدٍ أوَّلَ مِن أمْسِ، وأمْسِ عُمَرُ كانَ قَبِيحًا خَبِيثًا، لِأنَّكَ فَرَّقْتَ بَيْنَ المَجْرُورِ وما يَشْرَكُهُ كَما يُفَرَّقُ بَيْنَ الجارِّ والمَجْرُورِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِرَفْعِ يَعْقُوبَ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ الظَّرْفُ الَّذِي قَبْلَهُ، وقِيلَ: الرَّفْعُ بِتَقْدِيرِ فِعْلٍ مَحْذُوفٍ: أيْ ويَحْدُثُ لَها، أوْ وثَبَتَ لَها.
وقَدْ وقَعَ التَّبْشِيرُ هُنا لَها، ووَقَعَ لِإبْراهِيمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠١] ﴿وبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات: ٢٨]، لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مُسْتَحِقٌّ لِلْبِشارَةِ بِهِ لِكَوْنِهِ مِنهُما.
وجُمْلَةُ ﴿قالَتْ ياوَيْلَتى﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَتْ ؟ قالَ الزَّجّاجُ: أصْلُها يا ويْلَتِي، فَأُبْدِلَ مِنَ الياءِ ألِفٌ لِأنَّها أخَفُّ مِنَ الياءِ والكَسْرَةِ، وهي لَمْ تُرِدِ الدُّعاءَ عَلى نَفْسِها بِالوَيْلِ، ولَكِنَّها كَلِمَةٌ تَقَعُ كَثِيرًا عَلى أفْواهِ النِّساءِ إذا طَرَأ عَلَيْهِنَّ ما يَعْجَبْنَ مِنهُ، وأصْلُ الوَيْلِ: الخِزْيُ، ثُمَّ شاعَ في كُلِّ أمْرٍ فَظِيعٍ، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِها: ﴿أألِدُ وأنا عَجُوزٌ﴾ لِلتَّعَجُّبِ: أيْ كَيْفَ ألِدُ وأنا شَيْخَةٌ قَدْ طَعَنْتُ في السِّنِّ، يُقالُ: عَجَزَتْ تَعْجَزُ مُخَفَّفًا ومُثَقَّلًا عَجْزًا وتَعْجِيزًا: أيْ طَعَنَتْ في السِّنِّ، ويُقالُ: عَجُوزٌ وعَجُوزَةٌ، وأمّا عَجِزَتْ بِكَسْرِ الجِيمِ: فَمَعْناهُ عَظُمَتْ عَجِيزَتُها، قِيلَ كانَتْ بِنْتَ تِسْعٍ وتِسْعِينَ، وقِيلَ بِنْتَ تِسْعِينَ ﴿وهَذا بَعْلِي شَيْخًا﴾ أيْ وهَذا زَوْجِي إبْراهِيمُ شَيْخًا لا تَحْبَلُ مِن مِثْلِهِ النِّساءُ، وشَيْخًا مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ، والعامِلُ فِيهِ مَعْنى الإشارَةِ.
قالَ النَّحّاسُ: وفي قِراءَةِ أُبَيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ شَيْخٌ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ، أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وعَلى الأوَّلِ يَكُونُ بَعْلِي بَدَلًا مِنِ اسْمِ الإشارَةِ، قِيلَ: كانَ إبْراهِيمُ ابْنَ مِائَةٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، وقِيلَ ابْنَ مِائَةٍ، وهَذِهِ المُبَشَّرَةُ هي سارَةُ امْرَأةُ إبْراهِيمَ.
وقَدْ كانَ وُلِدَ لِإبْراهِيمَ مِن هاجَرَ أمَتِهِ إسْماعِيلُ، فَتَمَنَّتْ سارَةُ أنْ يَكُونَ لَها ابْنٌ وأيِسَتْ مِنهُ لِكِبَرِ سِنِّها، فَبَشَّرَها اللَّهُ بِهِ عَلى لِسانِ مَلائِكَتِهِ ﴿إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ أيْ ما ذَكَرَتْهُ المَلائِكَةُ مِنَ التَّبْشِيرِ بِحُصُولِ الوَلَدِ مَعَ كَوْنِها في هَذِهِ السِّنِّ العالِيَةِ الَّتِي لا يُولَدُ لِمِثْلِها - شَيْءٌ يُقْضى مِنهُ العَجَبُ.
وجُمْلَةُ ﴿قالُوا أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، والِاسْتِفْهامُ فِيها لِلْإنْكارِ: أيْ كَيْفَ تَعْجَبِينَ مِن قَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ، وهو لا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وإنَّما أنْكَرُوا عَلَيْها مَعَ كَوْنِ ما تَعَجَّبَتْ مِنهُ مِن خَوارِقِ العادَةِ لِأنَّها مِن بَيْتِ النُّبُوَّةِ، ولا يَخْفى عَلى مِثْلِها أنَّ هَذا مِن مَقْدُوراتِهِ سُبْحانَهُ، ولِهَذا قالُوا: ﴿رَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ﴾ أيْ الرَّحْمَةُ الَّتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ والبَرَكاتُ وهي النُّمُوُّ والزِّيادَةُ قِيلَ الرَّحْمَةُ: النُّبُوَّةُ، والبَرَكاتُ: الأسْباطُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ لِما فِيهِمْ مِنَ الأنْبِياءِ، وانْتِصابُ ﴿أهْلَ البَيْتِ﴾ عَلى المَدْحِ أوِ الِاخْتِصاصِ، وصَرْفُ الخِطابِ مِن صِيغَةِ الواحِدَةِ إلى الجَمْعِ لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ ﴿إنَّهُ حَمِيدٌ﴾ أيْ يَفْعَلُ مُوجِباتِ حَمْدِهِ مِن عِبادِهِ عَلى سَبِيلِ الكَثْرَةِ مَجِيدٌ كَثِيرُ الإحْسانِ إلى عِبادِهِ بِما يَفِيضُهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الخَيْراتِ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿رَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ﴾ .
قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إبْراهِيمَ الرَّوْعُ﴾ أيْ الخِيفَةُ الَّتِي أوْجَسَها في نَفْسِهِ، يُقالُ: ارْتاعَ مِن كَذا: إذا خافَ، ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ:(p-٦٦٦)
؎فارْتاعَ مِن صَوْتِ كَلّابٍ فَباتَ لَهُ ∗∗∗ طَوْعَ الشَّوامِتِ مِن خَوْفٍ ومِن حَذَرِ
﴿وجاءَتْهُ البُشْرى﴾ أيْ بِالوَلَدِ، أوْ بِقَوْلِهِمْ: لا تَخَفْ.
قَوْلُهُ: ﴿يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾ .
قالَ الأخْفَشُ والكِسائِيُّ: إنَّ يُجادِلُنا في مَوْضِعِ جادَلَنا، فَيَكُونُ هو جَوابُ لَمّا، لِما تَقَرَّرَ مِن أنَّ جَوابَها يَكُونُ بِالماضِي لا بِالمُسْتَقْبَلِ.
قالَ النَّحّاسُ: جُعِلَ المُسْتَقْبَلُ مَكانَهُ كَما يُجْعَلُ الماضِي مَكانَ المُسْتَقْبَلِ في الشَّرْطِ، وقِيلَ: إنَّ الجَوابَ مَحْذُوفٌ، ويُجادِلُنا في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ قالَهُ الفَرّاءُ، وتَقْدِيرُهُ: فَلَمّا ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ وجاءَتْهُ البُشْرى اجْتَرَأ عَلى خِطابِنا حالَ كَوْنِهِ يُجادِلُنا: أيْ يُجادِلُ رُسُلَنا، وقِيلَ إنَّ المَعْنى: أخَذَ يُجادِلُنا، ومُجادَلَتُهُ لَهم قِيلَ إنَّهُ لَمّا سَمِعَ قَوْلَهم: ﴿إنّا مُهْلِكُو أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ﴾ [العنكبوت: ٣١] قالَ: أرَأيْتُمْ إنْ كانَ فِيهِمْ خَمْسُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ أتُهْلِكُونَهم ؟ قالُوا: لا، قالَ: فَأرْبَعُونَ ؟ قالُوا: لا، قالَ: فَعِشْرُونَ ؟ قالُوا: لا، ثُمَّ قالَ: فَعَشَرَةٌ ؟ فَخَمْسَةٌ ؟ قالُوا: لا.
قالَ: فَواحِدٌ ؟ قالُوا: لا.
﴿قالَ إنَّ فِيها لُوطًا قالُوا نَحْنُ أعْلَمُ بِمَن فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وأهْلَهُ﴾ [العنكبوت: ٣٢] الآيَةَ، فَهَذا مَعْنى مُجادَلَتِهِ في قَوْمِ لُوطٍ: أيْ في شَأْنِهِمْ وأمْرِهِمْ.
ثُمَّ أثْنَوْا عَلى إبْراهِيمَ، أوْ أثْنى اللَّهُ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ﴾ أيْ لَيْسَ بِعَجُولٍ في الأُمُورِ، ولا بِمُوقِعٍ لَها عَلى غَيْرِ ما يَنْبَغِي.
والأوّاهُ: كَثِيرُ التَّأوُّهِ، والمُنِيبُ: الرّاجِعُ إلى اللَّهِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ في بَراءَةَ الكَلامُ عَلى الأوّاهِ.
قَوْلُهُ: ﴿ياإبْراهِيمُ أعْرِضْ عَنْ هَذا﴾ هَذا قَوْلُ المَلائِكَةِ لَهُ: أيْ أعْرَضْ عَنْ هَذا الجِدالِ في أمْرٍ قَدْ فُرِغَ مِنهُ، وجَفَّ بِهِ القَلَمُ، وحَقَّ بِهِ القَضاءُ ﴿إنَّهُ قَدْ جاءَ أمْرُ رَبِّكَ﴾ الضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ، ومَعْنى مَجِيءِ أمْرِ اللَّهِ: مَجِيءُ عَذابِهِ الَّذِي قَدَّرَهُ عَلَيْهِمْ، وسَبَقَ بِهِ قَضاؤُهُ ﴿وإنَّهم آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ أيْ لا يَرُدُّهُ دُعاءٌ ولا جِدالٌ، بَلْ هو واقِعٌ بِهِمْ لا مَحالَةَ، ونازِلٌ بِهِمْ عَلى كُلِّ حالٍ لَيْسَ بِمَصْرُوفٍ ولا مَدْفُوعٍ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُثْمانَ بْنِ مِحْصَنٍ في ضَيْفِ إبْراهِيمَ قالَ: كانُوا أرْبَعَةً: جِبْرِيلَ، ومِيكائِيلَ، وإسْرافِيلَ، ورافائِيلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ قالَ: نَضِيجٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: مَشْوِيٌّ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: سَمِيطٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: الحَنِيذُ الَّذِي أُنْضِجَ بِالحِجارَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ يَزِيدِ بْنِ أبِي يَزِيدٍ البَصْرِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ﴾ قالَ: لَمْ يَرَ لَهم أيْدِيًا فَنَكِرَهم.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: نَكِرَهم قالَ: كانُوا إذا نَزَلَ بِهِمْ ضَيْفٌ فَلَمْ يَأْكُلْ مِن طَعامِهِمْ ظَنُّوا أنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِخَيْرٍ، وأنَّهُ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ بِشَرٍّ، ثُمَّ حَدَّثُوهُ عِنْدَ ذَلِكَ بِما جاءُوا فِيهِ فَضَحِكَتِ امْرَأتُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ المُغِيرَةِ قالَ: في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ وهو جالِسٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ﴾ قالَ: في خِدْمَةِ أضْيافِ إبْراهِيمَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: لَمّا أوْجَسَ إبْراهِيمُ في نَفْسِهِ خِيفَةً حَدَّثُوهُ عِنْدَ ذَلِكَ بِما جاءُوا فِيهِ، فَضَحِكَتِ امْرَأتُهُ تَعَجُّبًا مِمّا فِيهِ قَوْمُ لُوطٍ مِنَ الغَفْلَةِ، ومِمّا أتاهم مِنَ العَذابِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فَضَحِكَتْ﴾ قالَ: فَحاضَتْ وهي بِنْتُ ثَمانٍ وتِسْعِينَ سَنَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَضَحِكَتْ﴾ قالَ: حاضَتْ وكانَتِ ابْنَةُ بِضْعٍ وتِسْعِينَ سَنَةً، وكانَ إبْراهِيمُ ابْنُ مِائَةِ سَنَةٍ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: حاضَتْ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ قالَ: هو ولَدُ الوَلَدِ.
وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في كِتابِ الوَقْفِ والِابْتِداءِ عَنْ حَسّانَ بْنِ أبْجَرَ قالَ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ فَجاءَ رَجُلٌ مِن هُذَيْلٍ، فَقالَ لَهُ ابْنُ عَبّاسٍ: ما فَعَلَ فُلانٌ ؟ قالَ: ماتَ وتَرَكَ أرْبَعَةً مِنَ الوَلَدِ وثَلاثَةً مِنَ الوَراءِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ قالَ: ولَدُ الوَلَدِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وأبُو الشَّيْخِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَنْهى عَنْ أنْ يُزادَ في جَوابِ التَّحِيَّةِ عَلى قَوْلِهِمْ: عَلَيْكُمُ السَّلامُ ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ، ويَتْلُو هَذِهِ الآيَةَ ﴿رَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ﴾ .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إبْراهِيمَ الرَّوْعُ﴾ قالَ: الفَرَقُ ﴿يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾ قالَ: يُخاصِمُنا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في تَفْسِيرِ المُجادَلَةِ قالَ: إنَّهُ قالَ لَهم يَوْمَئِذٍ: أرَأيْتُمْ إنْ كانَ فِيهِمْ خَمْسُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ ؟ قالُوا: إنْ كانَ فِيهِمْ خَمْسُونَ لَمْ نُعَذِّبْهم، قالَ: أرْبَعُونَ ؟ قالُوا: وأرْبَعُونَ، قالَ: ثَلاثُونَ ؟ قالُوا: وثَلاثُونَ حَتّى بَلَغُوا عَشَرَةً، قالُوا: إنْ كانَ فِيهِمْ عَشَرَةٌ لَمْ نُعَذِّبْهم، قالَ: ما قَوْمٌ لا يَكُونُ فِيهِمْ عَشَرَةٌ فِيهِمْ خَيْرٌ ؟ قالَ قَتادَةُ: إنَّهُ كانَ في قَرْيَةِ لُوطٍ أرْبَعَةُ آلافِ ألْفِ إنْسانٍ، أوْ ما شاءَ اللَّهُ مِن ذَلِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا جاءَتِ المَلائِكَةُ إلى إبْراهِيمَ قالُوا لِإبْراهِيمَ: إنْ كانَ فِيها خَمْسَةٌ يُصَلُّونَ رُفِعَ عَنْهُمُ العَذابُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قالَ: الأوّاهُ الرَّحِيمُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: المُنِيبُ المُقْبِلُ إلى طاعَةِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: المُنِيبُ المُخْلِصُ.
هود 11:77
(p-٦٦٧)لَمّا خَرَجَتِ المَلائِكَةُ مِن عِنْدِ إبْراهِيمَ وكانَ بَيْنَ إبْراهِيمَ وقَرْيَةِ لُوطٍ أرْبَعَةُ فَراسِخَ جاءُوا إلى لُوطٍ، فَلَمّا رَآهم لُوطٌ وكانُوا في صُورَةِ غِلْمانٍ حِسانٍ مُرْدٍ ﴿سِيءَ بِهِمْ﴾ أيْ ساءَهُ مَجِيئُهم، يُقالُ: ساءَهُ يَسُوءُهُ، وأصْلُ سِيءَ بِهِمْ سُوِئَ بِهِمْ نُقِلَتْ حَرَكَةُ الواوِ إلى السِّينِ فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً، ولَمّا خُفِّفَتِ الهَمْزَةُ أُلْقِيَتْ حَرَكَتُها عَلى الياءِ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ وأبُو عَمْرٍو بِإشْمامِ السِّينِ الضَّمَّ ﴿وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ قالَ الأزْهَرِيُّ: الذَّرْعُ يُوضَعُ مَوْضِعَ الطّاقَةِ، وأصْلُهُ أنَّ البَعِيرَ يَذْرَعُ بِيَدِهِ في سَيْرِهِ عَلى قَدْرِ سِعَةِ خَطْوِهِ: أيْ يَبْسُطُها، فَإذا حُمِلَ عَلَيْهِ أكْثَرُ مِن طاقَتِهِ ضاقَ ذَرْعُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَجُعِلَ ضِيقُ الذَّرْعِ كِنايَةً عَنْ قِلَّةِ الوُسْعِ والطّاقَةِ وشِدَّةِ الأمْرِ، وقِيلَ: هو مِن ذَرَعَهُ القَيْءُ: إذا غَلَبَهُ وضاقَ عَنْ حَبْسِهِ.
والمَعْنى أنَّهُ ضاقَ صَدْرُهُ لَمّا رَأى المَلائِكَةَ في تِلْكَ الصُّورَةِ خَوْفًا عَلَيْهِمْ مِن قَوْمِهِ لِما يَعْلَمُ مِن فِسْقِهِمْ وارْتِكابِهِمْ لِفاحِشَةِ اللِّواطِ ﴿وقالَ هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ أيْ شَدِيدٌ.
قالَ الشّاعِرُ:
؎وإنَّكَ إنْ لَمْ تَرْضَ بَكْرَ بْنَ وائِلٍ يَكُنْ لَكَ يَوْمٌ بِالعِراقِ عَصِيبُ
يُقالُ: عَصِيبٌ وعُصَيْصِبٌ وعَصَوْصَبٌ عَلى التَّكْثِيرِ: أيْ يَوْمٌ مَكْرُوهٌ يَجْتَمِعُ فِيهِ الشَّرُّ، ومِنهُ قِيلَ: عُصْبَةٌ وعِصابَةٌ: أيْ مُجْتَمِعُو الكَلِمَةِ، ورَجُلٌ مَعْصُوبٌ: أيْ مُجْتَمِعُ الخَلْقِ.
﴿وجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إلَيْهِ﴾ أيْ جاءُوا لُوطًا، الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
ومَعْنى يُهْرَعُونَ إلَيْهِ: يُسْرِعُونَ إلَيْهِ.
قالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ وغَيْرُهُما مِن أهْلِ اللُّغَةِ: لا يَكُونُ الإهْراعُ إلّا إسْراعًا مَعَ رِعْدَةٍ، يُقالُ: أهْرَعَ الرَّجُلُ إهْراعًا: أيْ أسْرَعَ في رِعْدَةٍ مِن بَرْدٍ أوْ غَضَبٍ أوْ حُمّى، قالَ مُهَلْهَلٌ:
؎فَجاءُوا يُهْرَعُونَ وهم أُسارى ∗∗∗ نُهُودُهُمُ عَلى رَغْمِ الأُنُوفِ
وقِيلَ يُهْرَعُونَ: يُهَرْوِلُونَ، وقِيلَ: هو مَشْيٌ بَيْنَ الهَرْوَلَةِ والعَدْوِ.
والمَعْنى: أنَّ قَوْمَ لُوطٍ لَمّا بَلَغَهم مَجِيءُ المَلائِكَةِ في تِلْكَ الصُّورَةِ أسْرَعُوا إلَيْهِ، كَأنَّما يُدْفَعُونَ دَفْعًا لِطَلَبِ الفاحِشَةِ مِن أضْيافِهِ ﴿ومِن قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ أيْ ومِن قَبْلِ مَجِيءِ الرُّسُلِ في هَذا الوَقْتِ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ، وقِيلَ: ومِن قَبْلِ لُوطٍ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ: أيْ كانَتْ عادَتُهم إتْيانَ الرِّجالِ، فَلَمّا جاءُوا إلى لُوطٍ، وقَصَدُوا أضْيافَهُ لِذَلِكَ العَمَلِ، قامَ إلَيْهِمْ لُوطٌ مُدافِعًا ﴿قالَ ياقَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أطْهَرُ لَكم﴾ أيْ تَزَوَّجُوهُنَّ، ودَعُوا ما تَطْلُبُونَهُ مِنَ الفاحِشَةِ بِأضْيافِي، وقَدْ كانَ لَهُ ثَلاثُ بَناتٍ، وقِيلَ اثْنَتانِ، وكانُوا يَطْلُبُونَ مِنهُ أنْ يُزَوِّجَهم بِهِنَّ فَيَمْتَنِعُ لِخُبْثِهِمْ، وكانَ لَهم سَيِّدانِ مُطاعانِ فَأرادَ أنْ يُزَوِّجَهُما بِنْتَيْهِ، وقِيلَ أرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿هَؤُلاءِ بَناتِي﴾ النِّساءَ جُمْلَةً، لِأنَّ نَبِيَّ القَوْمِ أبٌ لَهم، وقالَتْ طائِفَةٌ: إنَّما كانَ هَذا القَوْلُ مِنهُ عَلى طَرِيقِ المُدافَعَةِ ولَمْ يُرِدِ الحَقِيقَةَ.
ومَعْنى ﴿هُنَّ أطْهَرُ لَكُمْ﴾ أيْ أحَلُّ وأنْزَهُ، والتَّطَهُّرُ: التَّنَزُّهُ عَمّا لا يَحِلُّ، ولَيْسَ في صِيغَةِ أطْهَرُ دَلالَةً عَلى التَّفْضِيلِ، بَلْ هي مِثْلُ اللَّهُ أكْبَرُ، وقَرَأ الحَسَنُ وعِيسى بْنُ عُمَرَ بِنَصْبِ أطْهَرُ، وقَرَأ الباقُونَ بِالرَّفْعِ، ووَجْهُ النَّصْبِ أنْ يَكُونَ اسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأً وخَبَرُهُ بَناتِي، وهُنَّ ضَمِيرُ فَصْلٍ، وأطْهَرُ حالٌ.
وقَدْ مَنَعَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ والأخْفَشُ مِثْلَ هَذا، لِأنَّ ضَمِيرَ الفَصْلِ الَّذِي يُسَمّى عِمادًا إنَّما يَكُونُ بَيْنَ كَلامَيْنِ بِحَيْثُ لا يَتِمُّ الكَلامُ إلّا بِما بَعْدَها، نَحْوَ كانَ زَيْدٌ هو أخاكَ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِي في ضَيْفِي﴾ أيِ اتَّقَوُا اللَّهَ بِتَرْكِ ما تُرِيدُونَ مِنَ الفاحِشَةِ بِهِمْ، ولا تُذِلُّونِي وتَجْلِبُوا عَلَيَّ العارَ في ضَيْفِي، والضَّيْفُ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ والِاثْنَيْنِ والجَماعَةِ، لِأنَّهُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لا تَعْدَمِي الدَّهْرَ شِفارَ الجازِرِ ∗∗∗ لِلضَّيْفِ والضَّيْفُ أحَقُّ زائِرِ
ويَجُوزُ فِيهِ التَّثْنِيَةُ والجَمْعُ، والأوَّلُ أكْثَرُ.
يُقالُ: خَزِيَ الرَّجُلُ خَزايَةً: أيِ اسْتَحْيا أوْ ذَلَّ أوْ هانَ، وخَزِيَ خِزْيًا: إذا افْتَضَحَ، ومَعْنى في ضَيْفِي: في حَقِّ ضَيْفِي، فَخِزْيُ الضَّيْفِ خِزْيٌ لِلْمُضِيفِ، ثُمَّ وبَّخَهم فَقالَ: ﴿ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ يُرْشِدُكم إلى تَرْكِ هَذا العَمَلِ القَبِيحِ ويَمْنَعُكم مِنهُ.
فَأجابُوا عَلَيْهِ مُعْرِضِينَ عَمّا نَصَحَهم بِهِ، وأرْشَدَهم إلَيْهِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ﴾ أيْ ما لَنا فِيهِمْ مِن شَهْوَةٍ ولا حاجَةٍ، لِأنَّ مَنِ احْتاجَ إلى شَيْءٍ فَكَأنَّهُ حَصَلَ لَهُ فِيهِ نَوْعُ حَقٍّ.
ومَعْنى ما نَسَبُوهُ إلَيْهِ مِنَ العِلْمِ أنَّهُ قَدْ عَلِمَ مِنهُمُ المُكالَبَةَ عَلى إتْيانِ الذُّكُورِ وشِدَّةِ الشَّهْوَةِ إلَيْهِمْ، فَهم مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ كَأنَّهم لا حاجَةَ لَهم إلى النِّساءِ، ويُمْكِنُ أنْ يُرِيدُوا: أنَّهُ لا حَقَّ لَنا في نِكاحِهِنَّ، لِأنَّهُ لا يَنْكِحُهُنَّ ويَتَزَوَّجُ بِهِنَّ إلّا مُؤْمِنٌ ونَحْنُ لا نُؤْمِنُ أبَدًا، وقِيلَ: إنَّهم كانُوا قَدْ خَطَبُوا بَناتَهُ مِن قَبْلُ فَرَدَّهم، وكانَ مِن سُنَّتِهِمْ أنَّ مَن خَطَبَ فَرُدَّ فَلا تَحِلُّ المَخْطُوبَةُ أبَدًا ﴿وإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾ مِن إتْيانِ الذُّكُورِ.
ثُمَّ إنَّهُ لَمّا عَلِمَ تَصْمِيمَهم عَلى الفاحِشَةِ وأنَّهم لا يَتْرُكُونَ ما قَدْ طَلَبُوهُ ﴿قالَ لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً﴾ وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: لَدافَعْتُكم عَنْهم ومَنَعْتُكم مِنهم، وهَذا مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى طَرِيقِ التَّمَنِّي: أيْ لَوْ وجَدْتُ مُعِينًا وناصِرًا، فَسَمّى ما يُتَقَوّى بِهِ قُوَّةً ﴿أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ عَطْفٌ عَلى ما بَعْدَ لَوْ لِما فِيهِ مِن مَعْنى الفِعْلِ، والتَّقْدِيرُ: لَوْ قَوِيتُ عَلى دَفْعِكم أوْ آوَيْتُ إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ.
وقُرِئَ أوْ آوِيَ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى قُوَّةً كَأنَّهُ قالَ: لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً، أوْ إيواءً إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ، ومُرادُهُ بِالرُّكْنِ الشَّدِيدِ: العَشِيرَةُ، وما يَمْتَنِعُ بِهِ عَنْهم هو ومَن مَعَهُ، وقِيلَ أرادَ بِالقُوَّةِ الوَلَدَ، وبِالرُّكْنِ الشَّدِيدِ: مَن يَنْصُرُهُ مِن غَيْرِ ولَدِهِ، وقِيلَ أرادَ بِالقُوَّةِ: قَوَّتَهُ في نَفْسِهِ.
ولَمّا سَمِعَتْهُ المَلائِكَةُ يَقُولُ هَذِهِ المَقالَةَ، ووَجَدُوا قَوْمَهُ قَدْ غَلَبُوهُ وعَجَزَ عَنْ مُدافَعَتِهِمْ ﴿قالُوا يالُوطُ إنّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ﴾ أخْبَرُوهُ أوَّلًا أنَّهم رُسُلُ رَبِّهِ ثُمَّ بَشَّرُوهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ﴾ وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُوَضِّحَةٌ ما قَبْلَها، لِأنَّهم إذا كانُوا مُرْسَلِينَ مِن عِنْدِ اللَّهِ إلَيْهِ لَمْ يَصِلْ عَدُوُّهُ إلَيْهِ ولَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، ثُمَّ أمَرُوهُ أنْ يَخْرُجَ عَنْهم فَقالُوا لَهُ: ﴿فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ قَرَأ (p-٦٦٨)نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ بِالوَصْلِ، وقَرَأ غَيْرُهُما بِالقَطْعِ، وهُما لُغَتانِ فَصِيحَتانِ.
قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿واللَّيْلِ إذا يَسْرِي﴾ [الفجر: ٤] وقالَ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى﴾ [الإسراء: ١] وقَدْ جَمَعَ الشّاعِرُ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ فَقالَ:
؎حَيُّ النَّضِيرِ ورَبَّةُ الخِدْرِ ∗∗∗ أسْرَتْ عَلَيْهِ ولَمْ تَكُنْ تَسْرِي
وقِيلَ: إنَّ أسْرى لِلْمَسِيرِ مِن أوَّلِ اللَّيْلِ، وسَرى لِلْمَسِيرِ مِن آخِرِهِ، والقِطْعُ مِنَ اللَّيْلِ: الطّائِفَةُ مِنهُ.
قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: ﴿بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾: بِساعَةٍ مِنهُ، وقالَ الأخْفَشُ: بِجُنْحٍ مِنَ اللَّيْلِ، وقِيلَ: بِظُلْمَةٍ مِنَ اللَّيْلِ، وقِيلَ: بَعْدَ هُدُوٍّ مِنَ اللَّيْلِ.
قِيلَ: إنَّ السُّرى لا يَكُونُ إلّا في اللَّيْلِ، فَما وجْهُ زِيادَةِ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ ؟ قِيلَ: لَوْ لَمْ يَقُلْ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ لَجازَ أنْ يَكُونَ في أوَّلِهِ قَبْلَ اجْتِماعِ الظُّلْمَةِ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِمُرادٍ ﴿ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ﴾ أيْ لا يَنْظُرْ إلى ما وراءَهُ، أوْ يَشْتَغِلْ بِما خَلْفَهُ مِن مالٍ أوْ غَيْرِهِ.
قِيلَ: وجْهُ النَّهْيِ عَنِ الِالتِفاتِ أنْ لا يَرَوْا عَذابَ قَوْمِهِمْ، وهَوْلَ ما نَزَلَ بِهِمْ فَيَرْحَمُوهم ويَرِقُّوا لَهم، أوْ لِئَلّا يَنْقَطِعُوا عَنِ السَّيْرِ المَطْلُوبِ مِنهم بِما يَقَعُ مِنَ الِالتِفاتِ، فَإنَّهُ لا بُدَّ لِلْمُلْتَفِتِ مِن فَتْرَةٍ في سَيْرِهِ ﴿إلّا امْرَأتَكَ﴾ بِالنَّصْبِ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ بِالرَّفْعِ عَلى البَدَلِ، فَعَلى القِراءَةِ الأُولى امْرَأتُهُ مُسْتَثْناةٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَأسْرِ بِأهْلِكَ﴾ أيْ أسْرِ بِأهْلِكَ جَمِيعًا إلّا امْرَأتَكَ فَلا تَسْرِ بِها، فَ ﴿إنَّهُ مُصِيبُها ما أصابَهُمْ﴾ مِنَ العَذابِ، وهو رَمْيُهم بِالحِجارَةِ لِكَوْنِها كانَتْ كافِرَةً، وأنْكَرَ قِراءَةَ الرَّفْعِ جَماعَةٌ مِنهم أبُو عُبَيْدٍ وقالَ: لا يَصِحُّ ذَلِكَ إلّا بِرَفْعِ يَلْتَفِتْ ويَكُونُ نَعْتًا، لِأنَّ المَعْنى يَصِيرُ إذا أبْدَلْتَ وجَزَمْتَ أنَّ المَرْأةَ أُبِيحَ لَها الِالتِفاتُ ولَيْسَ المَعْنى كَذَلِكَ.
قالَ النَّحّاسُ: وهَذا العَمَلُ مِن أبِي عُبَيْدٍ وغَيْرِهِ عَلى مِثْلِ أبِي عَمْرٍو مَعَ جَلالَتِهِ ومَحَلِّهِ مِنَ العَرَبِيَّةِ لا يَجِبُ أنْ يَكُونَ، والرَّفْعُ عَلى البَدَلِ لَهُ مَعْنًى صَحِيحٌ، وهو أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مِنَ النَّهْيِ عَنِ الِالتِفاتِ: أيْ لا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ إلّا امْرَأتُكَ فَإنَّها تَلْتَفِتُ وتَهْلَكُ، وقِيلَ: إنَّ الرَّفْعَ عَلى البَدَلِ مِن أحَدٌ، ويَكُونُ الِالتِفاتُ بِمَعْنى التَّخَلُّفِ لا بِمَعْنى النَّظَرِ إلى الخَلْفِ، فَكَأنَّهُ قالَ: ولا يَتَخَلَّفْ مِنكم أحَدٌ إلّا امْرَأتُكَ، فَإنَّها تَتَخَلَّفُ، والمُلْجِئُ إلى هَذا التَّأْوِيلِ البَعِيدِ الفِرارُ مِن تُناقِضِ القِراءَتَيْنِ، والضَّمِيرُ في ﴿إنَّهُ مُصِيبُها ما أصابَهُمْ﴾ لِلشَّأْنِ، والجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ ﴿إنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَقْلِيلٌ لِما تَقَدَّمَ مِنَ الأمْرِ بِالإسْراءِ والنَّهْيِ عَنِ الِالتِفاتِ، والمَعْنى: أنَّ مَوْعِدَ عَذابِهِمُ الصُّبْحُ المُسْفِرُ عَنْ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، والِاسْتِفْهامُ في ﴿ألَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ لِلْإنْكارِ التَّقْرِيرِيِّ، والجُمْلَةُ تَأْكِيدٌ لِلتَّعْلِيلِ.
وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ ألَيْسَ الصُّبُحُ بِضَمِّ الباءِ وهي لُغَةٌ، ولَعَلَّ جَعْلَ الصُّبْحِ مِيقاتًا لِهَلاكِهِمْ لِكَوْنِ النُّفُوسِ فِيهِ أسْكَنَ، والنّاسُ فِيهِ مُجْتَمِعُونَ لَمْ يَتَفَرَّقُوا إلى أعْمالِهِمْ.
﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ أيْ الوَقْتُ المَضْرُوبُ لِوُقُوعِ العَذابِ فِيهِ، أوِ المُرادُ بِالأمْرِ نَفْسُ العَذابِ ﴿جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها﴾ أيْ عالِيَ قُرى قَوْمِ لُوطٍ سافِلَها، والمَعْنى: أنَّهُ قَلَبَها عَلى هَذِهِ الهَيْئَةِ، وهي كَوْنُ عالِيها صارَ سافِلَها وسافِلِها صارَ عالِيَها، وذَلِكَ لِأنَّ جِبْرِيلَ أدْخَلَ جَناحَهُ تَحْتَها فَرَفَعَها مِن تَخُومِ الأرْضِ حَتّى أدْناها مِنَ السَّماءِ ثُمَّ قَلَبَها عَلَيْهِمْ ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ قِيلَ: إنَّهُ يُقالُ أمْطَرْنا في العَذابِ ومَطَرْنا في الرَّحْمَةِ، وقِيلَ هُما لُغَتانِ، يُقالُ: مَطَرَتِ السَّماءُ وأمْطَرَتْ حَكى ذَلِكالهَرَوِيُّ، والسِّجِّيلُ: الطِّينُ المُتَحَجِّرُ بِطَبْخٍ أوْ غَيْرِهِ، وقِيلَ هو الشَّدِيدُ الصُّلْبُ مِنَ الحِجارَةِ، وقِيلَ السِّجِّيلُ الكَثِيرُ، وقِيلَ إنَّ السِّجِّيلَ لَفْظَةٌ غَيْرُ عَرَبِيَّةٍ، أصْلُهُ سِجْ وجِيلْ، وهَمّا بِالفارِسِيَّةِ حَجَرٌ وطِينٌ عَرَّبَتْهُما العَرَبُ فَجَعَلَتْهُما اسْمًا واحِدًا، وقِيلَ هو مِن لُغَةِ العَرَبِ.
وذَكَرَ الهَرَوِيُّ: أنَّ السِّجِّيلَ اسْمٌ لِسَماءِ الدُّنْيا.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا ضَعِيفٌ يَرُدُّهُ وصْفُهُ بِمَنضُودٍ، وقِيلَ هو بَحْرٌ مُعَلَّقٌ في الهَواءِ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، وقِيلَ هي جِبالٌ في السَّماءِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: هو مِنَ التَّسْجِيلِ لَهم: أيْ ما كُتِبَ لَهم مِنَ العَذابِ فَهو في مَعْنى سِجِّينٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أدْراكَ ما سِجِّينٌ﴾ ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ [المطففين: ٨، ٩] وقِيلَ هو مَن أسْجَلْتُهُ إذا أعْطَيْتُهُ، فَكَأنَّهُ عَذابٌ أُعْطُوهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎مَن يُساجِلْنِي يُساجِلْ ماجِدًا ∗∗∗ يَمْلَأُ الدَّلْوَ إلى عَقْدِ الكَرَبْ
ومَعْنى مَنضُودٍ أنَّهُ نُضِّدَ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ، وقِيلَ بَعْضُهُ في أثَرِ بَعْضٍ، يُقالُ: نَضَّدْتُ المَتاعَ: إذا جَعَلْتُ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ، فَهو مَنضُودٌ ونَضِيدٌ.
والمُسَوَّمَةُ: المُعَلَّمَةُ أيِ الَّتِي لَها عَلامَةٌ: قِيلَ: كانَ عَلَيْها أمْثالُ الخَواتِيمِ، وقِيلَ: مَكْتُوبٌ عَلى كُلِّ حَجَرٍ اسْمُ مَن رُمِيَ بِهِ.
وقالَ الفَرّاءُ: زَعَمُوا أنَّها كانَتْ مُخَطَّطَةً بِحُمْرَةٍ وسَوادٍ في بَياضٍ.
فَذَلِكَ تَسْوِيمُها، ومَعْنى ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ في خَزائِنِهِ ﴿وما هي مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ أيْ وما هَذِهِ الحِجارَةُ المَوْصُوفَةُ مِنَ الظّالِمِينَ وهم قَوْمُ لُوطٍ بِبَعِيدٍ، أوْ ما هي مِن كُلِّ ظالِمٍ مِنَ الظَّلَمَةِ ومِنهم كُفّارُ قُرَيْشٍ ومَن عاضَدَهم عَلى الكُفْرِ بِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِبَعِيدٍ، فَهم لِظُلْمِهِمْ مُسْتَحِقُّونَ لَها.
وقِيلَ: ﴿وما هِيَ﴾ أيْ قُرى ﴿مِنَ الظّالِمِينَ﴾ مَن كَفَرَ بِالنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِبَعِيدٍ فَإنَّها بَيْنَ الشّامِ والمَدِينَةِ.
وفِي إمْطارِ الحِجارَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها أُمْطِرَتْ عَلى المُدُنِ حِينَ رَفَعَها جِبْرِيلُ.
والثّانِي: أنَّها أُمْطِرَتْ عَلى مَن لَمْ يَكُنْ في المُدُنِ مِن أهْلِها وكانَ خارِجًا عَنْها.
وتَذْكِيرُ البَعِيدِ عَلى تَأْوِيلِ الحِجارَةِ بِالحَجَرِ أوْ إجْراءً لَهُ عَلى مَوْصُوفٍ مُذَكَّرٍ: أيْ شَيْءٍ بَعِيدٍ، أوْ مَكانٍ بَعِيدٍ، أوْ لِكَوْنِهِ مَصْدَرًا كالزَّفِيرِ والصَّهِيلِ، والمَصادِرُ يَسْتَوِي في الوَصْفِ بِها المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ قالَ: ساءَ ظَنًّا بِقَوْمِهِ، وضاقَ ذَرْعًا بِأضْيافِهِ ﴿وقالَ هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ يَقُولُ: شَدِيدٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿يُهْرَعُونَ إلَيْهِ﴾ قالَ: يُسْرِعُونَ ﴿ومِن قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ قالَ: يَأْتُونَ الرِّجالَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: ﴿يُهْرَعُونَ إلَيْهِ﴾ يَسْتَمِعُونَ إلَيْهِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿هَؤُلاءِ بَناتِي﴾ قالَ: ما عَرَضَ لُوطٌ (p-٦٦٩)بَناتَهُ عَلى قَوْمِهِ لا سِفاحًا ولا نِكاحًا، إنَّما قالَ هَؤُلاءِ نِساؤُكم، لِأنَّ النَّبِيَّ إذا كانَ بَيْنَ ظَهْرانَيْ قَوْمٍ فَهو أبُوهم، قالَ اللَّهُ تَعالى في القُرْآنِ: ﴿وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦] وهو أبُوهم في قِراءَةِ أُبَيٍّ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: لَمْ تَكُنْ بَناتُهُ ولَكِنْ كُنَّ مِن أُمَّتِهِ، وكُلُّ نَبِيٍّ أبُو أُمَّتِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ عَساكِرَ عَنِ السُّدِّيِّ نَحْوَهُ.
قالَ: وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وهو أبٌ لَهم وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ قالَ: عَرَضَ عَلَيْهِمْ بَناتَهُ تَزْوِيجًا، وأرادَ أنْ يَقِيَ أضْيافَهُ بِتَزْوِيجِ بَناتِهِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تُخْزُونِي في ضَيْفِي﴾ قالَ: لا تَفْضَحُونِي.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي مالِكٍ ﴿ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ قالَ: رَجُلٌ يَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهى عَنِ المُنْكَرِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ قالَ: واحِدٌ يَقُولُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ عِكْرِمَةَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ ﴿وإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾ قالَ: إنَّما نُرِيدُ الرِّجالَ قالَ لُوطٌ ﴿لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ يَقُولُ: إلى جُنْدٍ شَدِيدٍ لِمُقاتَلَتِكم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ قالَ: عَشِيرَةٍ.
وقَدْ ثَبَتَ في البُخارِيِّ وغَيْرِهِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «يَغْفِرُ اللَّهُ لِلُوطٍ إنْ كانَ يَأْوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ» وهو مَرْوِيٌّ في غَيْرِ الصَّحِيحِ مِن طَرِيقِ غَيْرِهِ مِنَ الصَّحابَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ قالَ: جَوْفِ اللَّيْلِ.
وأخْرَجا عَنْهُ قالَ: بِسَوادِ اللَّيْلِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: بِطائِفَةٍ مِنَ اللَّيْلِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ﴾ قالَ: لا يَتَخَلَّفُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ﴾ قالَ: لا يَنْظُرُ وراءَهُ أحَدٌ ﴿إلّا امْرَأتَكَ﴾ .
وأخْرَجَ أبُو عَبِيدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ هارُونَ قالَ: في حَرْفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ إلّا امْرَأتَكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها﴾ قالَ: لَمّا أصْبَحُوا عَدا جِبْرِيلُ عَلى قَرْيَتِهِمْ فَقَلَعَها مِن أرْكانِها، ثُمَّ أدْخَلَ جَناحَهُ ثُمَّ حَمَلَها عَلى خَوافِي جَناحِهِ بِما فِيها ثُمَّ صَعِدَ بِها إلى السَّماءِ حَتّى سَمِعَ أهْلُ السَّماءِ نُباحَ كِلابِهِمْ، ثُمَّ قَلَبَها، فَكانَ أوَّلَ ما سَقَطَ مِنها سُرادِقُها، فَلَمْ يُصِبْ قَوْمًا ما أصابَهم، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ طَمَسَ عَلى أعْيُنِهِمْ، ثُمَّ قُلِبَتْ قَرْيَتُهم، وأُمْطِرَ عَلَيْهِمْ حِجارَةٌ مِن سِجِّيلٍ.
وقَدْ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ رِواياتٍ وقَصَصًا في كَيْفِيَّةِ هَلاكِ قَوْمِ لُوطٍ طَوِيلَةً مُتَخالِفَةً، ولَيْسَ في ذِكْرِها فائِدَةٌ لا سِيَّما وبَيْنَ مَن قالَ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ وبَيْنَ هَلاكِ قَوْمِ لُوطٍ دَهْرٌ طَوِيلٌ لا يَتَيَسَّرُ لَهُ في مِثْلِهِ إسْنادٌ صَحِيحٌ، وغالِبُ ذَلِكَ مَأْخُوذٌ عَنْ أهْلِ الكِتابِ، وحالُهم في الرِّوايَةِ مَعْرُوفٌ.
وقَدْ أُمِرْنا بِأنّا لا نُصَدِّقُهم ولا نُكَذِّبُهم، فاعْرِفْ هَذا، فَهو الوَجْهُ في حَذْفِنا لِكَثِيرٍ مِن هَذِهِ الرِّواياتِ الكائِنَةِ في قَصَصِ الأنْبِياءِ وقَوْمِهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما هي مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ قالَ: يُرْهِبُ بِها قُرَيْشًا أنْ يُصِيبَهم ما أصابَ القَوْمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في الآيَةِ قالَ: مِن ظَلَمَةِ العَرَبِ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا فَيُعَذَّبُوا بِها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: مِن ظالِمِي هَذِهِ الأُمَّةِ.
هود 11:78
(p-٦٦٧)لَمّا خَرَجَتِ المَلائِكَةُ مِن عِنْدِ إبْراهِيمَ وكانَ بَيْنَ إبْراهِيمَ وقَرْيَةِ لُوطٍ أرْبَعَةُ فَراسِخَ جاءُوا إلى لُوطٍ، فَلَمّا رَآهم لُوطٌ وكانُوا في صُورَةِ غِلْمانٍ حِسانٍ مُرْدٍ ﴿سِيءَ بِهِمْ﴾ أيْ ساءَهُ مَجِيئُهم، يُقالُ: ساءَهُ يَسُوءُهُ، وأصْلُ سِيءَ بِهِمْ سُوِئَ بِهِمْ نُقِلَتْ حَرَكَةُ الواوِ إلى السِّينِ فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً، ولَمّا خُفِّفَتِ الهَمْزَةُ أُلْقِيَتْ حَرَكَتُها عَلى الياءِ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ وأبُو عَمْرٍو بِإشْمامِ السِّينِ الضَّمَّ ﴿وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ قالَ الأزْهَرِيُّ: الذَّرْعُ يُوضَعُ مَوْضِعَ الطّاقَةِ، وأصْلُهُ أنَّ البَعِيرَ يَذْرَعُ بِيَدِهِ في سَيْرِهِ عَلى قَدْرِ سِعَةِ خَطْوِهِ: أيْ يَبْسُطُها، فَإذا حُمِلَ عَلَيْهِ أكْثَرُ مِن طاقَتِهِ ضاقَ ذَرْعُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَجُعِلَ ضِيقُ الذَّرْعِ كِنايَةً عَنْ قِلَّةِ الوُسْعِ والطّاقَةِ وشِدَّةِ الأمْرِ، وقِيلَ: هو مِن ذَرَعَهُ القَيْءُ: إذا غَلَبَهُ وضاقَ عَنْ حَبْسِهِ.
والمَعْنى أنَّهُ ضاقَ صَدْرُهُ لَمّا رَأى المَلائِكَةَ في تِلْكَ الصُّورَةِ خَوْفًا عَلَيْهِمْ مِن قَوْمِهِ لِما يَعْلَمُ مِن فِسْقِهِمْ وارْتِكابِهِمْ لِفاحِشَةِ اللِّواطِ ﴿وقالَ هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ أيْ شَدِيدٌ.
قالَ الشّاعِرُ:
؎وإنَّكَ إنْ لَمْ تَرْضَ بَكْرَ بْنَ وائِلٍ يَكُنْ لَكَ يَوْمٌ بِالعِراقِ عَصِيبُ
يُقالُ: عَصِيبٌ وعُصَيْصِبٌ وعَصَوْصَبٌ عَلى التَّكْثِيرِ: أيْ يَوْمٌ مَكْرُوهٌ يَجْتَمِعُ فِيهِ الشَّرُّ، ومِنهُ قِيلَ: عُصْبَةٌ وعِصابَةٌ: أيْ مُجْتَمِعُو الكَلِمَةِ، ورَجُلٌ مَعْصُوبٌ: أيْ مُجْتَمِعُ الخَلْقِ.
﴿وجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إلَيْهِ﴾ أيْ جاءُوا لُوطًا، الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
ومَعْنى يُهْرَعُونَ إلَيْهِ: يُسْرِعُونَ إلَيْهِ.
قالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ وغَيْرُهُما مِن أهْلِ اللُّغَةِ: لا يَكُونُ الإهْراعُ إلّا إسْراعًا مَعَ رِعْدَةٍ، يُقالُ: أهْرَعَ الرَّجُلُ إهْراعًا: أيْ أسْرَعَ في رِعْدَةٍ مِن بَرْدٍ أوْ غَضَبٍ أوْ حُمّى، قالَ مُهَلْهَلٌ:
؎فَجاءُوا يُهْرَعُونَ وهم أُسارى ∗∗∗ نُهُودُهُمُ عَلى رَغْمِ الأُنُوفِ
وقِيلَ يُهْرَعُونَ: يُهَرْوِلُونَ، وقِيلَ: هو مَشْيٌ بَيْنَ الهَرْوَلَةِ والعَدْوِ.
والمَعْنى: أنَّ قَوْمَ لُوطٍ لَمّا بَلَغَهم مَجِيءُ المَلائِكَةِ في تِلْكَ الصُّورَةِ أسْرَعُوا إلَيْهِ، كَأنَّما يُدْفَعُونَ دَفْعًا لِطَلَبِ الفاحِشَةِ مِن أضْيافِهِ ﴿ومِن قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ أيْ ومِن قَبْلِ مَجِيءِ الرُّسُلِ في هَذا الوَقْتِ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ، وقِيلَ: ومِن قَبْلِ لُوطٍ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ: أيْ كانَتْ عادَتُهم إتْيانَ الرِّجالِ، فَلَمّا جاءُوا إلى لُوطٍ، وقَصَدُوا أضْيافَهُ لِذَلِكَ العَمَلِ، قامَ إلَيْهِمْ لُوطٌ مُدافِعًا ﴿قالَ ياقَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أطْهَرُ لَكم﴾ أيْ تَزَوَّجُوهُنَّ، ودَعُوا ما تَطْلُبُونَهُ مِنَ الفاحِشَةِ بِأضْيافِي، وقَدْ كانَ لَهُ ثَلاثُ بَناتٍ، وقِيلَ اثْنَتانِ، وكانُوا يَطْلُبُونَ مِنهُ أنْ يُزَوِّجَهم بِهِنَّ فَيَمْتَنِعُ لِخُبْثِهِمْ، وكانَ لَهم سَيِّدانِ مُطاعانِ فَأرادَ أنْ يُزَوِّجَهُما بِنْتَيْهِ، وقِيلَ أرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿هَؤُلاءِ بَناتِي﴾ النِّساءَ جُمْلَةً، لِأنَّ نَبِيَّ القَوْمِ أبٌ لَهم، وقالَتْ طائِفَةٌ: إنَّما كانَ هَذا القَوْلُ مِنهُ عَلى طَرِيقِ المُدافَعَةِ ولَمْ يُرِدِ الحَقِيقَةَ.
ومَعْنى ﴿هُنَّ أطْهَرُ لَكُمْ﴾ أيْ أحَلُّ وأنْزَهُ، والتَّطَهُّرُ: التَّنَزُّهُ عَمّا لا يَحِلُّ، ولَيْسَ في صِيغَةِ أطْهَرُ دَلالَةً عَلى التَّفْضِيلِ، بَلْ هي مِثْلُ اللَّهُ أكْبَرُ، وقَرَأ الحَسَنُ وعِيسى بْنُ عُمَرَ بِنَصْبِ أطْهَرُ، وقَرَأ الباقُونَ بِالرَّفْعِ، ووَجْهُ النَّصْبِ أنْ يَكُونَ اسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأً وخَبَرُهُ بَناتِي، وهُنَّ ضَمِيرُ فَصْلٍ، وأطْهَرُ حالٌ.
وقَدْ مَنَعَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ والأخْفَشُ مِثْلَ هَذا، لِأنَّ ضَمِيرَ الفَصْلِ الَّذِي يُسَمّى عِمادًا إنَّما يَكُونُ بَيْنَ كَلامَيْنِ بِحَيْثُ لا يَتِمُّ الكَلامُ إلّا بِما بَعْدَها، نَحْوَ كانَ زَيْدٌ هو أخاكَ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِي في ضَيْفِي﴾ أيِ اتَّقَوُا اللَّهَ بِتَرْكِ ما تُرِيدُونَ مِنَ الفاحِشَةِ بِهِمْ، ولا تُذِلُّونِي وتَجْلِبُوا عَلَيَّ العارَ في ضَيْفِي، والضَّيْفُ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ والِاثْنَيْنِ والجَماعَةِ، لِأنَّهُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لا تَعْدَمِي الدَّهْرَ شِفارَ الجازِرِ ∗∗∗ لِلضَّيْفِ والضَّيْفُ أحَقُّ زائِرِ
ويَجُوزُ فِيهِ التَّثْنِيَةُ والجَمْعُ، والأوَّلُ أكْثَرُ.
يُقالُ: خَزِيَ الرَّجُلُ خَزايَةً: أيِ اسْتَحْيا أوْ ذَلَّ أوْ هانَ، وخَزِيَ خِزْيًا: إذا افْتَضَحَ، ومَعْنى في ضَيْفِي: في حَقِّ ضَيْفِي، فَخِزْيُ الضَّيْفِ خِزْيٌ لِلْمُضِيفِ، ثُمَّ وبَّخَهم فَقالَ: ﴿ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ يُرْشِدُكم إلى تَرْكِ هَذا العَمَلِ القَبِيحِ ويَمْنَعُكم مِنهُ.
فَأجابُوا عَلَيْهِ مُعْرِضِينَ عَمّا نَصَحَهم بِهِ، وأرْشَدَهم إلَيْهِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ﴾ أيْ ما لَنا فِيهِمْ مِن شَهْوَةٍ ولا حاجَةٍ، لِأنَّ مَنِ احْتاجَ إلى شَيْءٍ فَكَأنَّهُ حَصَلَ لَهُ فِيهِ نَوْعُ حَقٍّ.
ومَعْنى ما نَسَبُوهُ إلَيْهِ مِنَ العِلْمِ أنَّهُ قَدْ عَلِمَ مِنهُمُ المُكالَبَةَ عَلى إتْيانِ الذُّكُورِ وشِدَّةِ الشَّهْوَةِ إلَيْهِمْ، فَهم مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ كَأنَّهم لا حاجَةَ لَهم إلى النِّساءِ، ويُمْكِنُ أنْ يُرِيدُوا: أنَّهُ لا حَقَّ لَنا في نِكاحِهِنَّ، لِأنَّهُ لا يَنْكِحُهُنَّ ويَتَزَوَّجُ بِهِنَّ إلّا مُؤْمِنٌ ونَحْنُ لا نُؤْمِنُ أبَدًا، وقِيلَ: إنَّهم كانُوا قَدْ خَطَبُوا بَناتَهُ مِن قَبْلُ فَرَدَّهم، وكانَ مِن سُنَّتِهِمْ أنَّ مَن خَطَبَ فَرُدَّ فَلا تَحِلُّ المَخْطُوبَةُ أبَدًا ﴿وإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾ مِن إتْيانِ الذُّكُورِ.
ثُمَّ إنَّهُ لَمّا عَلِمَ تَصْمِيمَهم عَلى الفاحِشَةِ وأنَّهم لا يَتْرُكُونَ ما قَدْ طَلَبُوهُ ﴿قالَ لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً﴾ وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: لَدافَعْتُكم عَنْهم ومَنَعْتُكم مِنهم، وهَذا مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى طَرِيقِ التَّمَنِّي: أيْ لَوْ وجَدْتُ مُعِينًا وناصِرًا، فَسَمّى ما يُتَقَوّى بِهِ قُوَّةً ﴿أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ عَطْفٌ عَلى ما بَعْدَ لَوْ لِما فِيهِ مِن مَعْنى الفِعْلِ، والتَّقْدِيرُ: لَوْ قَوِيتُ عَلى دَفْعِكم أوْ آوَيْتُ إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ.
وقُرِئَ أوْ آوِيَ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى قُوَّةً كَأنَّهُ قالَ: لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً، أوْ إيواءً إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ، ومُرادُهُ بِالرُّكْنِ الشَّدِيدِ: العَشِيرَةُ، وما يَمْتَنِعُ بِهِ عَنْهم هو ومَن مَعَهُ، وقِيلَ أرادَ بِالقُوَّةِ الوَلَدَ، وبِالرُّكْنِ الشَّدِيدِ: مَن يَنْصُرُهُ مِن غَيْرِ ولَدِهِ، وقِيلَ أرادَ بِالقُوَّةِ: قَوَّتَهُ في نَفْسِهِ.
ولَمّا سَمِعَتْهُ المَلائِكَةُ يَقُولُ هَذِهِ المَقالَةَ، ووَجَدُوا قَوْمَهُ قَدْ غَلَبُوهُ وعَجَزَ عَنْ مُدافَعَتِهِمْ ﴿قالُوا يالُوطُ إنّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ﴾ أخْبَرُوهُ أوَّلًا أنَّهم رُسُلُ رَبِّهِ ثُمَّ بَشَّرُوهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ﴾ وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُوَضِّحَةٌ ما قَبْلَها، لِأنَّهم إذا كانُوا مُرْسَلِينَ مِن عِنْدِ اللَّهِ إلَيْهِ لَمْ يَصِلْ عَدُوُّهُ إلَيْهِ ولَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، ثُمَّ أمَرُوهُ أنْ يَخْرُجَ عَنْهم فَقالُوا لَهُ: ﴿فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ قَرَأ (p-٦٦٨)نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ بِالوَصْلِ، وقَرَأ غَيْرُهُما بِالقَطْعِ، وهُما لُغَتانِ فَصِيحَتانِ.
قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿واللَّيْلِ إذا يَسْرِي﴾ [الفجر: ٤] وقالَ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى﴾ [الإسراء: ١] وقَدْ جَمَعَ الشّاعِرُ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ فَقالَ:
؎حَيُّ النَّضِيرِ ورَبَّةُ الخِدْرِ ∗∗∗ أسْرَتْ عَلَيْهِ ولَمْ تَكُنْ تَسْرِي
وقِيلَ: إنَّ أسْرى لِلْمَسِيرِ مِن أوَّلِ اللَّيْلِ، وسَرى لِلْمَسِيرِ مِن آخِرِهِ، والقِطْعُ مِنَ اللَّيْلِ: الطّائِفَةُ مِنهُ.
قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: ﴿بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾: بِساعَةٍ مِنهُ، وقالَ الأخْفَشُ: بِجُنْحٍ مِنَ اللَّيْلِ، وقِيلَ: بِظُلْمَةٍ مِنَ اللَّيْلِ، وقِيلَ: بَعْدَ هُدُوٍّ مِنَ اللَّيْلِ.
قِيلَ: إنَّ السُّرى لا يَكُونُ إلّا في اللَّيْلِ، فَما وجْهُ زِيادَةِ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ ؟ قِيلَ: لَوْ لَمْ يَقُلْ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ لَجازَ أنْ يَكُونَ في أوَّلِهِ قَبْلَ اجْتِماعِ الظُّلْمَةِ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِمُرادٍ ﴿ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ﴾ أيْ لا يَنْظُرْ إلى ما وراءَهُ، أوْ يَشْتَغِلْ بِما خَلْفَهُ مِن مالٍ أوْ غَيْرِهِ.
قِيلَ: وجْهُ النَّهْيِ عَنِ الِالتِفاتِ أنْ لا يَرَوْا عَذابَ قَوْمِهِمْ، وهَوْلَ ما نَزَلَ بِهِمْ فَيَرْحَمُوهم ويَرِقُّوا لَهم، أوْ لِئَلّا يَنْقَطِعُوا عَنِ السَّيْرِ المَطْلُوبِ مِنهم بِما يَقَعُ مِنَ الِالتِفاتِ، فَإنَّهُ لا بُدَّ لِلْمُلْتَفِتِ مِن فَتْرَةٍ في سَيْرِهِ ﴿إلّا امْرَأتَكَ﴾ بِالنَّصْبِ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ بِالرَّفْعِ عَلى البَدَلِ، فَعَلى القِراءَةِ الأُولى امْرَأتُهُ مُسْتَثْناةٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَأسْرِ بِأهْلِكَ﴾ أيْ أسْرِ بِأهْلِكَ جَمِيعًا إلّا امْرَأتَكَ فَلا تَسْرِ بِها، فَ ﴿إنَّهُ مُصِيبُها ما أصابَهُمْ﴾ مِنَ العَذابِ، وهو رَمْيُهم بِالحِجارَةِ لِكَوْنِها كانَتْ كافِرَةً، وأنْكَرَ قِراءَةَ الرَّفْعِ جَماعَةٌ مِنهم أبُو عُبَيْدٍ وقالَ: لا يَصِحُّ ذَلِكَ إلّا بِرَفْعِ يَلْتَفِتْ ويَكُونُ نَعْتًا، لِأنَّ المَعْنى يَصِيرُ إذا أبْدَلْتَ وجَزَمْتَ أنَّ المَرْأةَ أُبِيحَ لَها الِالتِفاتُ ولَيْسَ المَعْنى كَذَلِكَ.
قالَ النَّحّاسُ: وهَذا العَمَلُ مِن أبِي عُبَيْدٍ وغَيْرِهِ عَلى مِثْلِ أبِي عَمْرٍو مَعَ جَلالَتِهِ ومَحَلِّهِ مِنَ العَرَبِيَّةِ لا يَجِبُ أنْ يَكُونَ، والرَّفْعُ عَلى البَدَلِ لَهُ مَعْنًى صَحِيحٌ، وهو أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مِنَ النَّهْيِ عَنِ الِالتِفاتِ: أيْ لا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ إلّا امْرَأتُكَ فَإنَّها تَلْتَفِتُ وتَهْلَكُ، وقِيلَ: إنَّ الرَّفْعَ عَلى البَدَلِ مِن أحَدٌ، ويَكُونُ الِالتِفاتُ بِمَعْنى التَّخَلُّفِ لا بِمَعْنى النَّظَرِ إلى الخَلْفِ، فَكَأنَّهُ قالَ: ولا يَتَخَلَّفْ مِنكم أحَدٌ إلّا امْرَأتُكَ، فَإنَّها تَتَخَلَّفُ، والمُلْجِئُ إلى هَذا التَّأْوِيلِ البَعِيدِ الفِرارُ مِن تُناقِضِ القِراءَتَيْنِ، والضَّمِيرُ في ﴿إنَّهُ مُصِيبُها ما أصابَهُمْ﴾ لِلشَّأْنِ، والجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ ﴿إنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَقْلِيلٌ لِما تَقَدَّمَ مِنَ الأمْرِ بِالإسْراءِ والنَّهْيِ عَنِ الِالتِفاتِ، والمَعْنى: أنَّ مَوْعِدَ عَذابِهِمُ الصُّبْحُ المُسْفِرُ عَنْ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، والِاسْتِفْهامُ في ﴿ألَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ لِلْإنْكارِ التَّقْرِيرِيِّ، والجُمْلَةُ تَأْكِيدٌ لِلتَّعْلِيلِ.
وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ ألَيْسَ الصُّبُحُ بِضَمِّ الباءِ وهي لُغَةٌ، ولَعَلَّ جَعْلَ الصُّبْحِ مِيقاتًا لِهَلاكِهِمْ لِكَوْنِ النُّفُوسِ فِيهِ أسْكَنَ، والنّاسُ فِيهِ مُجْتَمِعُونَ لَمْ يَتَفَرَّقُوا إلى أعْمالِهِمْ.
﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ أيْ الوَقْتُ المَضْرُوبُ لِوُقُوعِ العَذابِ فِيهِ، أوِ المُرادُ بِالأمْرِ نَفْسُ العَذابِ ﴿جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها﴾ أيْ عالِيَ قُرى قَوْمِ لُوطٍ سافِلَها، والمَعْنى: أنَّهُ قَلَبَها عَلى هَذِهِ الهَيْئَةِ، وهي كَوْنُ عالِيها صارَ سافِلَها وسافِلِها صارَ عالِيَها، وذَلِكَ لِأنَّ جِبْرِيلَ أدْخَلَ جَناحَهُ تَحْتَها فَرَفَعَها مِن تَخُومِ الأرْضِ حَتّى أدْناها مِنَ السَّماءِ ثُمَّ قَلَبَها عَلَيْهِمْ ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ قِيلَ: إنَّهُ يُقالُ أمْطَرْنا في العَذابِ ومَطَرْنا في الرَّحْمَةِ، وقِيلَ هُما لُغَتانِ، يُقالُ: مَطَرَتِ السَّماءُ وأمْطَرَتْ حَكى ذَلِكالهَرَوِيُّ، والسِّجِّيلُ: الطِّينُ المُتَحَجِّرُ بِطَبْخٍ أوْ غَيْرِهِ، وقِيلَ هو الشَّدِيدُ الصُّلْبُ مِنَ الحِجارَةِ، وقِيلَ السِّجِّيلُ الكَثِيرُ، وقِيلَ إنَّ السِّجِّيلَ لَفْظَةٌ غَيْرُ عَرَبِيَّةٍ، أصْلُهُ سِجْ وجِيلْ، وهَمّا بِالفارِسِيَّةِ حَجَرٌ وطِينٌ عَرَّبَتْهُما العَرَبُ فَجَعَلَتْهُما اسْمًا واحِدًا، وقِيلَ هو مِن لُغَةِ العَرَبِ.
وذَكَرَ الهَرَوِيُّ: أنَّ السِّجِّيلَ اسْمٌ لِسَماءِ الدُّنْيا.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا ضَعِيفٌ يَرُدُّهُ وصْفُهُ بِمَنضُودٍ، وقِيلَ هو بَحْرٌ مُعَلَّقٌ في الهَواءِ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، وقِيلَ هي جِبالٌ في السَّماءِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: هو مِنَ التَّسْجِيلِ لَهم: أيْ ما كُتِبَ لَهم مِنَ العَذابِ فَهو في مَعْنى سِجِّينٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أدْراكَ ما سِجِّينٌ﴾ ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ [المطففين: ٨، ٩] وقِيلَ هو مَن أسْجَلْتُهُ إذا أعْطَيْتُهُ، فَكَأنَّهُ عَذابٌ أُعْطُوهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎مَن يُساجِلْنِي يُساجِلْ ماجِدًا ∗∗∗ يَمْلَأُ الدَّلْوَ إلى عَقْدِ الكَرَبْ
ومَعْنى مَنضُودٍ أنَّهُ نُضِّدَ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ، وقِيلَ بَعْضُهُ في أثَرِ بَعْضٍ، يُقالُ: نَضَّدْتُ المَتاعَ: إذا جَعَلْتُ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ، فَهو مَنضُودٌ ونَضِيدٌ.
والمُسَوَّمَةُ: المُعَلَّمَةُ أيِ الَّتِي لَها عَلامَةٌ: قِيلَ: كانَ عَلَيْها أمْثالُ الخَواتِيمِ، وقِيلَ: مَكْتُوبٌ عَلى كُلِّ حَجَرٍ اسْمُ مَن رُمِيَ بِهِ.
وقالَ الفَرّاءُ: زَعَمُوا أنَّها كانَتْ مُخَطَّطَةً بِحُمْرَةٍ وسَوادٍ في بَياضٍ.
فَذَلِكَ تَسْوِيمُها، ومَعْنى ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ في خَزائِنِهِ ﴿وما هي مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ أيْ وما هَذِهِ الحِجارَةُ المَوْصُوفَةُ مِنَ الظّالِمِينَ وهم قَوْمُ لُوطٍ بِبَعِيدٍ، أوْ ما هي مِن كُلِّ ظالِمٍ مِنَ الظَّلَمَةِ ومِنهم كُفّارُ قُرَيْشٍ ومَن عاضَدَهم عَلى الكُفْرِ بِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِبَعِيدٍ، فَهم لِظُلْمِهِمْ مُسْتَحِقُّونَ لَها.
وقِيلَ: ﴿وما هِيَ﴾ أيْ قُرى ﴿مِنَ الظّالِمِينَ﴾ مَن كَفَرَ بِالنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِبَعِيدٍ فَإنَّها بَيْنَ الشّامِ والمَدِينَةِ.
وفِي إمْطارِ الحِجارَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها أُمْطِرَتْ عَلى المُدُنِ حِينَ رَفَعَها جِبْرِيلُ.
والثّانِي: أنَّها أُمْطِرَتْ عَلى مَن لَمْ يَكُنْ في المُدُنِ مِن أهْلِها وكانَ خارِجًا عَنْها.
وتَذْكِيرُ البَعِيدِ عَلى تَأْوِيلِ الحِجارَةِ بِالحَجَرِ أوْ إجْراءً لَهُ عَلى مَوْصُوفٍ مُذَكَّرٍ: أيْ شَيْءٍ بَعِيدٍ، أوْ مَكانٍ بَعِيدٍ، أوْ لِكَوْنِهِ مَصْدَرًا كالزَّفِيرِ والصَّهِيلِ، والمَصادِرُ يَسْتَوِي في الوَصْفِ بِها المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ قالَ: ساءَ ظَنًّا بِقَوْمِهِ، وضاقَ ذَرْعًا بِأضْيافِهِ ﴿وقالَ هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ يَقُولُ: شَدِيدٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿يُهْرَعُونَ إلَيْهِ﴾ قالَ: يُسْرِعُونَ ﴿ومِن قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ قالَ: يَأْتُونَ الرِّجالَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: ﴿يُهْرَعُونَ إلَيْهِ﴾ يَسْتَمِعُونَ إلَيْهِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿هَؤُلاءِ بَناتِي﴾ قالَ: ما عَرَضَ لُوطٌ (p-٦٦٩)بَناتَهُ عَلى قَوْمِهِ لا سِفاحًا ولا نِكاحًا، إنَّما قالَ هَؤُلاءِ نِساؤُكم، لِأنَّ النَّبِيَّ إذا كانَ بَيْنَ ظَهْرانَيْ قَوْمٍ فَهو أبُوهم، قالَ اللَّهُ تَعالى في القُرْآنِ: ﴿وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦] وهو أبُوهم في قِراءَةِ أُبَيٍّ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: لَمْ تَكُنْ بَناتُهُ ولَكِنْ كُنَّ مِن أُمَّتِهِ، وكُلُّ نَبِيٍّ أبُو أُمَّتِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ عَساكِرَ عَنِ السُّدِّيِّ نَحْوَهُ.
قالَ: وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وهو أبٌ لَهم وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ قالَ: عَرَضَ عَلَيْهِمْ بَناتَهُ تَزْوِيجًا، وأرادَ أنْ يَقِيَ أضْيافَهُ بِتَزْوِيجِ بَناتِهِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تُخْزُونِي في ضَيْفِي﴾ قالَ: لا تَفْضَحُونِي.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي مالِكٍ ﴿ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ قالَ: رَجُلٌ يَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهى عَنِ المُنْكَرِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ قالَ: واحِدٌ يَقُولُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ عِكْرِمَةَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ ﴿وإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾ قالَ: إنَّما نُرِيدُ الرِّجالَ قالَ لُوطٌ ﴿لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ يَقُولُ: إلى جُنْدٍ شَدِيدٍ لِمُقاتَلَتِكم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ قالَ: عَشِيرَةٍ.
وقَدْ ثَبَتَ في البُخارِيِّ وغَيْرِهِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «يَغْفِرُ اللَّهُ لِلُوطٍ إنْ كانَ يَأْوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ» وهو مَرْوِيٌّ في غَيْرِ الصَّحِيحِ مِن طَرِيقِ غَيْرِهِ مِنَ الصَّحابَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ قالَ: جَوْفِ اللَّيْلِ.
وأخْرَجا عَنْهُ قالَ: بِسَوادِ اللَّيْلِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: بِطائِفَةٍ مِنَ اللَّيْلِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ﴾ قالَ: لا يَتَخَلَّفُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ﴾ قالَ: لا يَنْظُرُ وراءَهُ أحَدٌ ﴿إلّا امْرَأتَكَ﴾ .
وأخْرَجَ أبُو عَبِيدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ هارُونَ قالَ: في حَرْفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ إلّا امْرَأتَكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها﴾ قالَ: لَمّا أصْبَحُوا عَدا جِبْرِيلُ عَلى قَرْيَتِهِمْ فَقَلَعَها مِن أرْكانِها، ثُمَّ أدْخَلَ جَناحَهُ ثُمَّ حَمَلَها عَلى خَوافِي جَناحِهِ بِما فِيها ثُمَّ صَعِدَ بِها إلى السَّماءِ حَتّى سَمِعَ أهْلُ السَّماءِ نُباحَ كِلابِهِمْ، ثُمَّ قَلَبَها، فَكانَ أوَّلَ ما سَقَطَ مِنها سُرادِقُها، فَلَمْ يُصِبْ قَوْمًا ما أصابَهم، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ طَمَسَ عَلى أعْيُنِهِمْ، ثُمَّ قُلِبَتْ قَرْيَتُهم، وأُمْطِرَ عَلَيْهِمْ حِجارَةٌ مِن سِجِّيلٍ.
وقَدْ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ رِواياتٍ وقَصَصًا في كَيْفِيَّةِ هَلاكِ قَوْمِ لُوطٍ طَوِيلَةً مُتَخالِفَةً، ولَيْسَ في ذِكْرِها فائِدَةٌ لا سِيَّما وبَيْنَ مَن قالَ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ وبَيْنَ هَلاكِ قَوْمِ لُوطٍ دَهْرٌ طَوِيلٌ لا يَتَيَسَّرُ لَهُ في مِثْلِهِ إسْنادٌ صَحِيحٌ، وغالِبُ ذَلِكَ مَأْخُوذٌ عَنْ أهْلِ الكِتابِ، وحالُهم في الرِّوايَةِ مَعْرُوفٌ.
وقَدْ أُمِرْنا بِأنّا لا نُصَدِّقُهم ولا نُكَذِّبُهم، فاعْرِفْ هَذا، فَهو الوَجْهُ في حَذْفِنا لِكَثِيرٍ مِن هَذِهِ الرِّواياتِ الكائِنَةِ في قَصَصِ الأنْبِياءِ وقَوْمِهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما هي مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ قالَ: يُرْهِبُ بِها قُرَيْشًا أنْ يُصِيبَهم ما أصابَ القَوْمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في الآيَةِ قالَ: مِن ظَلَمَةِ العَرَبِ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا فَيُعَذَّبُوا بِها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: مِن ظالِمِي هَذِهِ الأُمَّةِ.
هود 11:79
(p-٦٦٧)لَمّا خَرَجَتِ المَلائِكَةُ مِن عِنْدِ إبْراهِيمَ وكانَ بَيْنَ إبْراهِيمَ وقَرْيَةِ لُوطٍ أرْبَعَةُ فَراسِخَ جاءُوا إلى لُوطٍ، فَلَمّا رَآهم لُوطٌ وكانُوا في صُورَةِ غِلْمانٍ حِسانٍ مُرْدٍ ﴿سِيءَ بِهِمْ﴾ أيْ ساءَهُ مَجِيئُهم، يُقالُ: ساءَهُ يَسُوءُهُ، وأصْلُ سِيءَ بِهِمْ سُوِئَ بِهِمْ نُقِلَتْ حَرَكَةُ الواوِ إلى السِّينِ فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً، ولَمّا خُفِّفَتِ الهَمْزَةُ أُلْقِيَتْ حَرَكَتُها عَلى الياءِ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ وأبُو عَمْرٍو بِإشْمامِ السِّينِ الضَّمَّ ﴿وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ قالَ الأزْهَرِيُّ: الذَّرْعُ يُوضَعُ مَوْضِعَ الطّاقَةِ، وأصْلُهُ أنَّ البَعِيرَ يَذْرَعُ بِيَدِهِ في سَيْرِهِ عَلى قَدْرِ سِعَةِ خَطْوِهِ: أيْ يَبْسُطُها، فَإذا حُمِلَ عَلَيْهِ أكْثَرُ مِن طاقَتِهِ ضاقَ ذَرْعُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَجُعِلَ ضِيقُ الذَّرْعِ كِنايَةً عَنْ قِلَّةِ الوُسْعِ والطّاقَةِ وشِدَّةِ الأمْرِ، وقِيلَ: هو مِن ذَرَعَهُ القَيْءُ: إذا غَلَبَهُ وضاقَ عَنْ حَبْسِهِ.
والمَعْنى أنَّهُ ضاقَ صَدْرُهُ لَمّا رَأى المَلائِكَةَ في تِلْكَ الصُّورَةِ خَوْفًا عَلَيْهِمْ مِن قَوْمِهِ لِما يَعْلَمُ مِن فِسْقِهِمْ وارْتِكابِهِمْ لِفاحِشَةِ اللِّواطِ ﴿وقالَ هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ أيْ شَدِيدٌ.
قالَ الشّاعِرُ:
؎وإنَّكَ إنْ لَمْ تَرْضَ بَكْرَ بْنَ وائِلٍ يَكُنْ لَكَ يَوْمٌ بِالعِراقِ عَصِيبُ
يُقالُ: عَصِيبٌ وعُصَيْصِبٌ وعَصَوْصَبٌ عَلى التَّكْثِيرِ: أيْ يَوْمٌ مَكْرُوهٌ يَجْتَمِعُ فِيهِ الشَّرُّ، ومِنهُ قِيلَ: عُصْبَةٌ وعِصابَةٌ: أيْ مُجْتَمِعُو الكَلِمَةِ، ورَجُلٌ مَعْصُوبٌ: أيْ مُجْتَمِعُ الخَلْقِ.
﴿وجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إلَيْهِ﴾ أيْ جاءُوا لُوطًا، الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
ومَعْنى يُهْرَعُونَ إلَيْهِ: يُسْرِعُونَ إلَيْهِ.
قالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ وغَيْرُهُما مِن أهْلِ اللُّغَةِ: لا يَكُونُ الإهْراعُ إلّا إسْراعًا مَعَ رِعْدَةٍ، يُقالُ: أهْرَعَ الرَّجُلُ إهْراعًا: أيْ أسْرَعَ في رِعْدَةٍ مِن بَرْدٍ أوْ غَضَبٍ أوْ حُمّى، قالَ مُهَلْهَلٌ:
؎فَجاءُوا يُهْرَعُونَ وهم أُسارى ∗∗∗ نُهُودُهُمُ عَلى رَغْمِ الأُنُوفِ
وقِيلَ يُهْرَعُونَ: يُهَرْوِلُونَ، وقِيلَ: هو مَشْيٌ بَيْنَ الهَرْوَلَةِ والعَدْوِ.
والمَعْنى: أنَّ قَوْمَ لُوطٍ لَمّا بَلَغَهم مَجِيءُ المَلائِكَةِ في تِلْكَ الصُّورَةِ أسْرَعُوا إلَيْهِ، كَأنَّما يُدْفَعُونَ دَفْعًا لِطَلَبِ الفاحِشَةِ مِن أضْيافِهِ ﴿ومِن قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ أيْ ومِن قَبْلِ مَجِيءِ الرُّسُلِ في هَذا الوَقْتِ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ، وقِيلَ: ومِن قَبْلِ لُوطٍ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ: أيْ كانَتْ عادَتُهم إتْيانَ الرِّجالِ، فَلَمّا جاءُوا إلى لُوطٍ، وقَصَدُوا أضْيافَهُ لِذَلِكَ العَمَلِ، قامَ إلَيْهِمْ لُوطٌ مُدافِعًا ﴿قالَ ياقَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أطْهَرُ لَكم﴾ أيْ تَزَوَّجُوهُنَّ، ودَعُوا ما تَطْلُبُونَهُ مِنَ الفاحِشَةِ بِأضْيافِي، وقَدْ كانَ لَهُ ثَلاثُ بَناتٍ، وقِيلَ اثْنَتانِ، وكانُوا يَطْلُبُونَ مِنهُ أنْ يُزَوِّجَهم بِهِنَّ فَيَمْتَنِعُ لِخُبْثِهِمْ، وكانَ لَهم سَيِّدانِ مُطاعانِ فَأرادَ أنْ يُزَوِّجَهُما بِنْتَيْهِ، وقِيلَ أرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿هَؤُلاءِ بَناتِي﴾ النِّساءَ جُمْلَةً، لِأنَّ نَبِيَّ القَوْمِ أبٌ لَهم، وقالَتْ طائِفَةٌ: إنَّما كانَ هَذا القَوْلُ مِنهُ عَلى طَرِيقِ المُدافَعَةِ ولَمْ يُرِدِ الحَقِيقَةَ.
ومَعْنى ﴿هُنَّ أطْهَرُ لَكُمْ﴾ أيْ أحَلُّ وأنْزَهُ، والتَّطَهُّرُ: التَّنَزُّهُ عَمّا لا يَحِلُّ، ولَيْسَ في صِيغَةِ أطْهَرُ دَلالَةً عَلى التَّفْضِيلِ، بَلْ هي مِثْلُ اللَّهُ أكْبَرُ، وقَرَأ الحَسَنُ وعِيسى بْنُ عُمَرَ بِنَصْبِ أطْهَرُ، وقَرَأ الباقُونَ بِالرَّفْعِ، ووَجْهُ النَّصْبِ أنْ يَكُونَ اسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأً وخَبَرُهُ بَناتِي، وهُنَّ ضَمِيرُ فَصْلٍ، وأطْهَرُ حالٌ.
وقَدْ مَنَعَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ والأخْفَشُ مِثْلَ هَذا، لِأنَّ ضَمِيرَ الفَصْلِ الَّذِي يُسَمّى عِمادًا إنَّما يَكُونُ بَيْنَ كَلامَيْنِ بِحَيْثُ لا يَتِمُّ الكَلامُ إلّا بِما بَعْدَها، نَحْوَ كانَ زَيْدٌ هو أخاكَ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِي في ضَيْفِي﴾ أيِ اتَّقَوُا اللَّهَ بِتَرْكِ ما تُرِيدُونَ مِنَ الفاحِشَةِ بِهِمْ، ولا تُذِلُّونِي وتَجْلِبُوا عَلَيَّ العارَ في ضَيْفِي، والضَّيْفُ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ والِاثْنَيْنِ والجَماعَةِ، لِأنَّهُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لا تَعْدَمِي الدَّهْرَ شِفارَ الجازِرِ ∗∗∗ لِلضَّيْفِ والضَّيْفُ أحَقُّ زائِرِ
ويَجُوزُ فِيهِ التَّثْنِيَةُ والجَمْعُ، والأوَّلُ أكْثَرُ.
يُقالُ: خَزِيَ الرَّجُلُ خَزايَةً: أيِ اسْتَحْيا أوْ ذَلَّ أوْ هانَ، وخَزِيَ خِزْيًا: إذا افْتَضَحَ، ومَعْنى في ضَيْفِي: في حَقِّ ضَيْفِي، فَخِزْيُ الضَّيْفِ خِزْيٌ لِلْمُضِيفِ، ثُمَّ وبَّخَهم فَقالَ: ﴿ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ يُرْشِدُكم إلى تَرْكِ هَذا العَمَلِ القَبِيحِ ويَمْنَعُكم مِنهُ.
فَأجابُوا عَلَيْهِ مُعْرِضِينَ عَمّا نَصَحَهم بِهِ، وأرْشَدَهم إلَيْهِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ﴾ أيْ ما لَنا فِيهِمْ مِن شَهْوَةٍ ولا حاجَةٍ، لِأنَّ مَنِ احْتاجَ إلى شَيْءٍ فَكَأنَّهُ حَصَلَ لَهُ فِيهِ نَوْعُ حَقٍّ.
ومَعْنى ما نَسَبُوهُ إلَيْهِ مِنَ العِلْمِ أنَّهُ قَدْ عَلِمَ مِنهُمُ المُكالَبَةَ عَلى إتْيانِ الذُّكُورِ وشِدَّةِ الشَّهْوَةِ إلَيْهِمْ، فَهم مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ كَأنَّهم لا حاجَةَ لَهم إلى النِّساءِ، ويُمْكِنُ أنْ يُرِيدُوا: أنَّهُ لا حَقَّ لَنا في نِكاحِهِنَّ، لِأنَّهُ لا يَنْكِحُهُنَّ ويَتَزَوَّجُ بِهِنَّ إلّا مُؤْمِنٌ ونَحْنُ لا نُؤْمِنُ أبَدًا، وقِيلَ: إنَّهم كانُوا قَدْ خَطَبُوا بَناتَهُ مِن قَبْلُ فَرَدَّهم، وكانَ مِن سُنَّتِهِمْ أنَّ مَن خَطَبَ فَرُدَّ فَلا تَحِلُّ المَخْطُوبَةُ أبَدًا ﴿وإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾ مِن إتْيانِ الذُّكُورِ.
ثُمَّ إنَّهُ لَمّا عَلِمَ تَصْمِيمَهم عَلى الفاحِشَةِ وأنَّهم لا يَتْرُكُونَ ما قَدْ طَلَبُوهُ ﴿قالَ لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً﴾ وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: لَدافَعْتُكم عَنْهم ومَنَعْتُكم مِنهم، وهَذا مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى طَرِيقِ التَّمَنِّي: أيْ لَوْ وجَدْتُ مُعِينًا وناصِرًا، فَسَمّى ما يُتَقَوّى بِهِ قُوَّةً ﴿أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ عَطْفٌ عَلى ما بَعْدَ لَوْ لِما فِيهِ مِن مَعْنى الفِعْلِ، والتَّقْدِيرُ: لَوْ قَوِيتُ عَلى دَفْعِكم أوْ آوَيْتُ إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ.
وقُرِئَ أوْ آوِيَ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى قُوَّةً كَأنَّهُ قالَ: لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً، أوْ إيواءً إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ، ومُرادُهُ بِالرُّكْنِ الشَّدِيدِ: العَشِيرَةُ، وما يَمْتَنِعُ بِهِ عَنْهم هو ومَن مَعَهُ، وقِيلَ أرادَ بِالقُوَّةِ الوَلَدَ، وبِالرُّكْنِ الشَّدِيدِ: مَن يَنْصُرُهُ مِن غَيْرِ ولَدِهِ، وقِيلَ أرادَ بِالقُوَّةِ: قَوَّتَهُ في نَفْسِهِ.
ولَمّا سَمِعَتْهُ المَلائِكَةُ يَقُولُ هَذِهِ المَقالَةَ، ووَجَدُوا قَوْمَهُ قَدْ غَلَبُوهُ وعَجَزَ عَنْ مُدافَعَتِهِمْ ﴿قالُوا يالُوطُ إنّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ﴾ أخْبَرُوهُ أوَّلًا أنَّهم رُسُلُ رَبِّهِ ثُمَّ بَشَّرُوهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ﴾ وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُوَضِّحَةٌ ما قَبْلَها، لِأنَّهم إذا كانُوا مُرْسَلِينَ مِن عِنْدِ اللَّهِ إلَيْهِ لَمْ يَصِلْ عَدُوُّهُ إلَيْهِ ولَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، ثُمَّ أمَرُوهُ أنْ يَخْرُجَ عَنْهم فَقالُوا لَهُ: ﴿فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ قَرَأ (p-٦٦٨)نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ بِالوَصْلِ، وقَرَأ غَيْرُهُما بِالقَطْعِ، وهُما لُغَتانِ فَصِيحَتانِ.
قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿واللَّيْلِ إذا يَسْرِي﴾ [الفجر: ٤] وقالَ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى﴾ [الإسراء: ١] وقَدْ جَمَعَ الشّاعِرُ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ فَقالَ:
؎حَيُّ النَّضِيرِ ورَبَّةُ الخِدْرِ ∗∗∗ أسْرَتْ عَلَيْهِ ولَمْ تَكُنْ تَسْرِي
وقِيلَ: إنَّ أسْرى لِلْمَسِيرِ مِن أوَّلِ اللَّيْلِ، وسَرى لِلْمَسِيرِ مِن آخِرِهِ، والقِطْعُ مِنَ اللَّيْلِ: الطّائِفَةُ مِنهُ.
قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: ﴿بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾: بِساعَةٍ مِنهُ، وقالَ الأخْفَشُ: بِجُنْحٍ مِنَ اللَّيْلِ، وقِيلَ: بِظُلْمَةٍ مِنَ اللَّيْلِ، وقِيلَ: بَعْدَ هُدُوٍّ مِنَ اللَّيْلِ.
قِيلَ: إنَّ السُّرى لا يَكُونُ إلّا في اللَّيْلِ، فَما وجْهُ زِيادَةِ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ ؟ قِيلَ: لَوْ لَمْ يَقُلْ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ لَجازَ أنْ يَكُونَ في أوَّلِهِ قَبْلَ اجْتِماعِ الظُّلْمَةِ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِمُرادٍ ﴿ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ﴾ أيْ لا يَنْظُرْ إلى ما وراءَهُ، أوْ يَشْتَغِلْ بِما خَلْفَهُ مِن مالٍ أوْ غَيْرِهِ.
قِيلَ: وجْهُ النَّهْيِ عَنِ الِالتِفاتِ أنْ لا يَرَوْا عَذابَ قَوْمِهِمْ، وهَوْلَ ما نَزَلَ بِهِمْ فَيَرْحَمُوهم ويَرِقُّوا لَهم، أوْ لِئَلّا يَنْقَطِعُوا عَنِ السَّيْرِ المَطْلُوبِ مِنهم بِما يَقَعُ مِنَ الِالتِفاتِ، فَإنَّهُ لا بُدَّ لِلْمُلْتَفِتِ مِن فَتْرَةٍ في سَيْرِهِ ﴿إلّا امْرَأتَكَ﴾ بِالنَّصْبِ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ بِالرَّفْعِ عَلى البَدَلِ، فَعَلى القِراءَةِ الأُولى امْرَأتُهُ مُسْتَثْناةٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَأسْرِ بِأهْلِكَ﴾ أيْ أسْرِ بِأهْلِكَ جَمِيعًا إلّا امْرَأتَكَ فَلا تَسْرِ بِها، فَ ﴿إنَّهُ مُصِيبُها ما أصابَهُمْ﴾ مِنَ العَذابِ، وهو رَمْيُهم بِالحِجارَةِ لِكَوْنِها كانَتْ كافِرَةً، وأنْكَرَ قِراءَةَ الرَّفْعِ جَماعَةٌ مِنهم أبُو عُبَيْدٍ وقالَ: لا يَصِحُّ ذَلِكَ إلّا بِرَفْعِ يَلْتَفِتْ ويَكُونُ نَعْتًا، لِأنَّ المَعْنى يَصِيرُ إذا أبْدَلْتَ وجَزَمْتَ أنَّ المَرْأةَ أُبِيحَ لَها الِالتِفاتُ ولَيْسَ المَعْنى كَذَلِكَ.
قالَ النَّحّاسُ: وهَذا العَمَلُ مِن أبِي عُبَيْدٍ وغَيْرِهِ عَلى مِثْلِ أبِي عَمْرٍو مَعَ جَلالَتِهِ ومَحَلِّهِ مِنَ العَرَبِيَّةِ لا يَجِبُ أنْ يَكُونَ، والرَّفْعُ عَلى البَدَلِ لَهُ مَعْنًى صَحِيحٌ، وهو أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مِنَ النَّهْيِ عَنِ الِالتِفاتِ: أيْ لا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ إلّا امْرَأتُكَ فَإنَّها تَلْتَفِتُ وتَهْلَكُ، وقِيلَ: إنَّ الرَّفْعَ عَلى البَدَلِ مِن أحَدٌ، ويَكُونُ الِالتِفاتُ بِمَعْنى التَّخَلُّفِ لا بِمَعْنى النَّظَرِ إلى الخَلْفِ، فَكَأنَّهُ قالَ: ولا يَتَخَلَّفْ مِنكم أحَدٌ إلّا امْرَأتُكَ، فَإنَّها تَتَخَلَّفُ، والمُلْجِئُ إلى هَذا التَّأْوِيلِ البَعِيدِ الفِرارُ مِن تُناقِضِ القِراءَتَيْنِ، والضَّمِيرُ في ﴿إنَّهُ مُصِيبُها ما أصابَهُمْ﴾ لِلشَّأْنِ، والجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ ﴿إنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَقْلِيلٌ لِما تَقَدَّمَ مِنَ الأمْرِ بِالإسْراءِ والنَّهْيِ عَنِ الِالتِفاتِ، والمَعْنى: أنَّ مَوْعِدَ عَذابِهِمُ الصُّبْحُ المُسْفِرُ عَنْ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، والِاسْتِفْهامُ في ﴿ألَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ لِلْإنْكارِ التَّقْرِيرِيِّ، والجُمْلَةُ تَأْكِيدٌ لِلتَّعْلِيلِ.
وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ ألَيْسَ الصُّبُحُ بِضَمِّ الباءِ وهي لُغَةٌ، ولَعَلَّ جَعْلَ الصُّبْحِ مِيقاتًا لِهَلاكِهِمْ لِكَوْنِ النُّفُوسِ فِيهِ أسْكَنَ، والنّاسُ فِيهِ مُجْتَمِعُونَ لَمْ يَتَفَرَّقُوا إلى أعْمالِهِمْ.
﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ أيْ الوَقْتُ المَضْرُوبُ لِوُقُوعِ العَذابِ فِيهِ، أوِ المُرادُ بِالأمْرِ نَفْسُ العَذابِ ﴿جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها﴾ أيْ عالِيَ قُرى قَوْمِ لُوطٍ سافِلَها، والمَعْنى: أنَّهُ قَلَبَها عَلى هَذِهِ الهَيْئَةِ، وهي كَوْنُ عالِيها صارَ سافِلَها وسافِلِها صارَ عالِيَها، وذَلِكَ لِأنَّ جِبْرِيلَ أدْخَلَ جَناحَهُ تَحْتَها فَرَفَعَها مِن تَخُومِ الأرْضِ حَتّى أدْناها مِنَ السَّماءِ ثُمَّ قَلَبَها عَلَيْهِمْ ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ قِيلَ: إنَّهُ يُقالُ أمْطَرْنا في العَذابِ ومَطَرْنا في الرَّحْمَةِ، وقِيلَ هُما لُغَتانِ، يُقالُ: مَطَرَتِ السَّماءُ وأمْطَرَتْ حَكى ذَلِكالهَرَوِيُّ، والسِّجِّيلُ: الطِّينُ المُتَحَجِّرُ بِطَبْخٍ أوْ غَيْرِهِ، وقِيلَ هو الشَّدِيدُ الصُّلْبُ مِنَ الحِجارَةِ، وقِيلَ السِّجِّيلُ الكَثِيرُ، وقِيلَ إنَّ السِّجِّيلَ لَفْظَةٌ غَيْرُ عَرَبِيَّةٍ، أصْلُهُ سِجْ وجِيلْ، وهَمّا بِالفارِسِيَّةِ حَجَرٌ وطِينٌ عَرَّبَتْهُما العَرَبُ فَجَعَلَتْهُما اسْمًا واحِدًا، وقِيلَ هو مِن لُغَةِ العَرَبِ.
وذَكَرَ الهَرَوِيُّ: أنَّ السِّجِّيلَ اسْمٌ لِسَماءِ الدُّنْيا.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا ضَعِيفٌ يَرُدُّهُ وصْفُهُ بِمَنضُودٍ، وقِيلَ هو بَحْرٌ مُعَلَّقٌ في الهَواءِ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، وقِيلَ هي جِبالٌ في السَّماءِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: هو مِنَ التَّسْجِيلِ لَهم: أيْ ما كُتِبَ لَهم مِنَ العَذابِ فَهو في مَعْنى سِجِّينٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أدْراكَ ما سِجِّينٌ﴾ ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ [المطففين: ٨، ٩] وقِيلَ هو مَن أسْجَلْتُهُ إذا أعْطَيْتُهُ، فَكَأنَّهُ عَذابٌ أُعْطُوهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎مَن يُساجِلْنِي يُساجِلْ ماجِدًا ∗∗∗ يَمْلَأُ الدَّلْوَ إلى عَقْدِ الكَرَبْ
ومَعْنى مَنضُودٍ أنَّهُ نُضِّدَ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ، وقِيلَ بَعْضُهُ في أثَرِ بَعْضٍ، يُقالُ: نَضَّدْتُ المَتاعَ: إذا جَعَلْتُ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ، فَهو مَنضُودٌ ونَضِيدٌ.
والمُسَوَّمَةُ: المُعَلَّمَةُ أيِ الَّتِي لَها عَلامَةٌ: قِيلَ: كانَ عَلَيْها أمْثالُ الخَواتِيمِ، وقِيلَ: مَكْتُوبٌ عَلى كُلِّ حَجَرٍ اسْمُ مَن رُمِيَ بِهِ.
وقالَ الفَرّاءُ: زَعَمُوا أنَّها كانَتْ مُخَطَّطَةً بِحُمْرَةٍ وسَوادٍ في بَياضٍ.
فَذَلِكَ تَسْوِيمُها، ومَعْنى ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ في خَزائِنِهِ ﴿وما هي مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ أيْ وما هَذِهِ الحِجارَةُ المَوْصُوفَةُ مِنَ الظّالِمِينَ وهم قَوْمُ لُوطٍ بِبَعِيدٍ، أوْ ما هي مِن كُلِّ ظالِمٍ مِنَ الظَّلَمَةِ ومِنهم كُفّارُ قُرَيْشٍ ومَن عاضَدَهم عَلى الكُفْرِ بِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِبَعِيدٍ، فَهم لِظُلْمِهِمْ مُسْتَحِقُّونَ لَها.
وقِيلَ: ﴿وما هِيَ﴾ أيْ قُرى ﴿مِنَ الظّالِمِينَ﴾ مَن كَفَرَ بِالنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِبَعِيدٍ فَإنَّها بَيْنَ الشّامِ والمَدِينَةِ.
وفِي إمْطارِ الحِجارَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها أُمْطِرَتْ عَلى المُدُنِ حِينَ رَفَعَها جِبْرِيلُ.
والثّانِي: أنَّها أُمْطِرَتْ عَلى مَن لَمْ يَكُنْ في المُدُنِ مِن أهْلِها وكانَ خارِجًا عَنْها.
وتَذْكِيرُ البَعِيدِ عَلى تَأْوِيلِ الحِجارَةِ بِالحَجَرِ أوْ إجْراءً لَهُ عَلى مَوْصُوفٍ مُذَكَّرٍ: أيْ شَيْءٍ بَعِيدٍ، أوْ مَكانٍ بَعِيدٍ، أوْ لِكَوْنِهِ مَصْدَرًا كالزَّفِيرِ والصَّهِيلِ، والمَصادِرُ يَسْتَوِي في الوَصْفِ بِها المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ قالَ: ساءَ ظَنًّا بِقَوْمِهِ، وضاقَ ذَرْعًا بِأضْيافِهِ ﴿وقالَ هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ يَقُولُ: شَدِيدٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿يُهْرَعُونَ إلَيْهِ﴾ قالَ: يُسْرِعُونَ ﴿ومِن قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ قالَ: يَأْتُونَ الرِّجالَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: ﴿يُهْرَعُونَ إلَيْهِ﴾ يَسْتَمِعُونَ إلَيْهِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿هَؤُلاءِ بَناتِي﴾ قالَ: ما عَرَضَ لُوطٌ (p-٦٦٩)بَناتَهُ عَلى قَوْمِهِ لا سِفاحًا ولا نِكاحًا، إنَّما قالَ هَؤُلاءِ نِساؤُكم، لِأنَّ النَّبِيَّ إذا كانَ بَيْنَ ظَهْرانَيْ قَوْمٍ فَهو أبُوهم، قالَ اللَّهُ تَعالى في القُرْآنِ: ﴿وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦] وهو أبُوهم في قِراءَةِ أُبَيٍّ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: لَمْ تَكُنْ بَناتُهُ ولَكِنْ كُنَّ مِن أُمَّتِهِ، وكُلُّ نَبِيٍّ أبُو أُمَّتِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ عَساكِرَ عَنِ السُّدِّيِّ نَحْوَهُ.
قالَ: وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وهو أبٌ لَهم وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ قالَ: عَرَضَ عَلَيْهِمْ بَناتَهُ تَزْوِيجًا، وأرادَ أنْ يَقِيَ أضْيافَهُ بِتَزْوِيجِ بَناتِهِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تُخْزُونِي في ضَيْفِي﴾ قالَ: لا تَفْضَحُونِي.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي مالِكٍ ﴿ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ قالَ: رَجُلٌ يَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهى عَنِ المُنْكَرِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ قالَ: واحِدٌ يَقُولُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ عِكْرِمَةَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ ﴿وإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾ قالَ: إنَّما نُرِيدُ الرِّجالَ قالَ لُوطٌ ﴿لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ يَقُولُ: إلى جُنْدٍ شَدِيدٍ لِمُقاتَلَتِكم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ قالَ: عَشِيرَةٍ.
وقَدْ ثَبَتَ في البُخارِيِّ وغَيْرِهِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «يَغْفِرُ اللَّهُ لِلُوطٍ إنْ كانَ يَأْوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ» وهو مَرْوِيٌّ في غَيْرِ الصَّحِيحِ مِن طَرِيقِ غَيْرِهِ مِنَ الصَّحابَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ قالَ: جَوْفِ اللَّيْلِ.
وأخْرَجا عَنْهُ قالَ: بِسَوادِ اللَّيْلِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: بِطائِفَةٍ مِنَ اللَّيْلِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ﴾ قالَ: لا يَتَخَلَّفُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ﴾ قالَ: لا يَنْظُرُ وراءَهُ أحَدٌ ﴿إلّا امْرَأتَكَ﴾ .
وأخْرَجَ أبُو عَبِيدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ هارُونَ قالَ: في حَرْفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ إلّا امْرَأتَكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها﴾ قالَ: لَمّا أصْبَحُوا عَدا جِبْرِيلُ عَلى قَرْيَتِهِمْ فَقَلَعَها مِن أرْكانِها، ثُمَّ أدْخَلَ جَناحَهُ ثُمَّ حَمَلَها عَلى خَوافِي جَناحِهِ بِما فِيها ثُمَّ صَعِدَ بِها إلى السَّماءِ حَتّى سَمِعَ أهْلُ السَّماءِ نُباحَ كِلابِهِمْ، ثُمَّ قَلَبَها، فَكانَ أوَّلَ ما سَقَطَ مِنها سُرادِقُها، فَلَمْ يُصِبْ قَوْمًا ما أصابَهم، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ طَمَسَ عَلى أعْيُنِهِمْ، ثُمَّ قُلِبَتْ قَرْيَتُهم، وأُمْطِرَ عَلَيْهِمْ حِجارَةٌ مِن سِجِّيلٍ.
وقَدْ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ رِواياتٍ وقَصَصًا في كَيْفِيَّةِ هَلاكِ قَوْمِ لُوطٍ طَوِيلَةً مُتَخالِفَةً، ولَيْسَ في ذِكْرِها فائِدَةٌ لا سِيَّما وبَيْنَ مَن قالَ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ وبَيْنَ هَلاكِ قَوْمِ لُوطٍ دَهْرٌ طَوِيلٌ لا يَتَيَسَّرُ لَهُ في مِثْلِهِ إسْنادٌ صَحِيحٌ، وغالِبُ ذَلِكَ مَأْخُوذٌ عَنْ أهْلِ الكِتابِ، وحالُهم في الرِّوايَةِ مَعْرُوفٌ.
وقَدْ أُمِرْنا بِأنّا لا نُصَدِّقُهم ولا نُكَذِّبُهم، فاعْرِفْ هَذا، فَهو الوَجْهُ في حَذْفِنا لِكَثِيرٍ مِن هَذِهِ الرِّواياتِ الكائِنَةِ في قَصَصِ الأنْبِياءِ وقَوْمِهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما هي مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ قالَ: يُرْهِبُ بِها قُرَيْشًا أنْ يُصِيبَهم ما أصابَ القَوْمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في الآيَةِ قالَ: مِن ظَلَمَةِ العَرَبِ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا فَيُعَذَّبُوا بِها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: مِن ظالِمِي هَذِهِ الأُمَّةِ.
هود 11:80
(p-٦٦٧)لَمّا خَرَجَتِ المَلائِكَةُ مِن عِنْدِ إبْراهِيمَ وكانَ بَيْنَ إبْراهِيمَ وقَرْيَةِ لُوطٍ أرْبَعَةُ فَراسِخَ جاءُوا إلى لُوطٍ، فَلَمّا رَآهم لُوطٌ وكانُوا في صُورَةِ غِلْمانٍ حِسانٍ مُرْدٍ ﴿سِيءَ بِهِمْ﴾ أيْ ساءَهُ مَجِيئُهم، يُقالُ: ساءَهُ يَسُوءُهُ، وأصْلُ سِيءَ بِهِمْ سُوِئَ بِهِمْ نُقِلَتْ حَرَكَةُ الواوِ إلى السِّينِ فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً، ولَمّا خُفِّفَتِ الهَمْزَةُ أُلْقِيَتْ حَرَكَتُها عَلى الياءِ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ وأبُو عَمْرٍو بِإشْمامِ السِّينِ الضَّمَّ ﴿وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ قالَ الأزْهَرِيُّ: الذَّرْعُ يُوضَعُ مَوْضِعَ الطّاقَةِ، وأصْلُهُ أنَّ البَعِيرَ يَذْرَعُ بِيَدِهِ في سَيْرِهِ عَلى قَدْرِ سِعَةِ خَطْوِهِ: أيْ يَبْسُطُها، فَإذا حُمِلَ عَلَيْهِ أكْثَرُ مِن طاقَتِهِ ضاقَ ذَرْعُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَجُعِلَ ضِيقُ الذَّرْعِ كِنايَةً عَنْ قِلَّةِ الوُسْعِ والطّاقَةِ وشِدَّةِ الأمْرِ، وقِيلَ: هو مِن ذَرَعَهُ القَيْءُ: إذا غَلَبَهُ وضاقَ عَنْ حَبْسِهِ.
والمَعْنى أنَّهُ ضاقَ صَدْرُهُ لَمّا رَأى المَلائِكَةَ في تِلْكَ الصُّورَةِ خَوْفًا عَلَيْهِمْ مِن قَوْمِهِ لِما يَعْلَمُ مِن فِسْقِهِمْ وارْتِكابِهِمْ لِفاحِشَةِ اللِّواطِ ﴿وقالَ هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ أيْ شَدِيدٌ.
قالَ الشّاعِرُ:
؎وإنَّكَ إنْ لَمْ تَرْضَ بَكْرَ بْنَ وائِلٍ يَكُنْ لَكَ يَوْمٌ بِالعِراقِ عَصِيبُ
يُقالُ: عَصِيبٌ وعُصَيْصِبٌ وعَصَوْصَبٌ عَلى التَّكْثِيرِ: أيْ يَوْمٌ مَكْرُوهٌ يَجْتَمِعُ فِيهِ الشَّرُّ، ومِنهُ قِيلَ: عُصْبَةٌ وعِصابَةٌ: أيْ مُجْتَمِعُو الكَلِمَةِ، ورَجُلٌ مَعْصُوبٌ: أيْ مُجْتَمِعُ الخَلْقِ.
﴿وجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إلَيْهِ﴾ أيْ جاءُوا لُوطًا، الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
ومَعْنى يُهْرَعُونَ إلَيْهِ: يُسْرِعُونَ إلَيْهِ.
قالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ وغَيْرُهُما مِن أهْلِ اللُّغَةِ: لا يَكُونُ الإهْراعُ إلّا إسْراعًا مَعَ رِعْدَةٍ، يُقالُ: أهْرَعَ الرَّجُلُ إهْراعًا: أيْ أسْرَعَ في رِعْدَةٍ مِن بَرْدٍ أوْ غَضَبٍ أوْ حُمّى، قالَ مُهَلْهَلٌ:
؎فَجاءُوا يُهْرَعُونَ وهم أُسارى ∗∗∗ نُهُودُهُمُ عَلى رَغْمِ الأُنُوفِ
وقِيلَ يُهْرَعُونَ: يُهَرْوِلُونَ، وقِيلَ: هو مَشْيٌ بَيْنَ الهَرْوَلَةِ والعَدْوِ.
والمَعْنى: أنَّ قَوْمَ لُوطٍ لَمّا بَلَغَهم مَجِيءُ المَلائِكَةِ في تِلْكَ الصُّورَةِ أسْرَعُوا إلَيْهِ، كَأنَّما يُدْفَعُونَ دَفْعًا لِطَلَبِ الفاحِشَةِ مِن أضْيافِهِ ﴿ومِن قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ أيْ ومِن قَبْلِ مَجِيءِ الرُّسُلِ في هَذا الوَقْتِ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ، وقِيلَ: ومِن قَبْلِ لُوطٍ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ: أيْ كانَتْ عادَتُهم إتْيانَ الرِّجالِ، فَلَمّا جاءُوا إلى لُوطٍ، وقَصَدُوا أضْيافَهُ لِذَلِكَ العَمَلِ، قامَ إلَيْهِمْ لُوطٌ مُدافِعًا ﴿قالَ ياقَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أطْهَرُ لَكم﴾ أيْ تَزَوَّجُوهُنَّ، ودَعُوا ما تَطْلُبُونَهُ مِنَ الفاحِشَةِ بِأضْيافِي، وقَدْ كانَ لَهُ ثَلاثُ بَناتٍ، وقِيلَ اثْنَتانِ، وكانُوا يَطْلُبُونَ مِنهُ أنْ يُزَوِّجَهم بِهِنَّ فَيَمْتَنِعُ لِخُبْثِهِمْ، وكانَ لَهم سَيِّدانِ مُطاعانِ فَأرادَ أنْ يُزَوِّجَهُما بِنْتَيْهِ، وقِيلَ أرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿هَؤُلاءِ بَناتِي﴾ النِّساءَ جُمْلَةً، لِأنَّ نَبِيَّ القَوْمِ أبٌ لَهم، وقالَتْ طائِفَةٌ: إنَّما كانَ هَذا القَوْلُ مِنهُ عَلى طَرِيقِ المُدافَعَةِ ولَمْ يُرِدِ الحَقِيقَةَ.
ومَعْنى ﴿هُنَّ أطْهَرُ لَكُمْ﴾ أيْ أحَلُّ وأنْزَهُ، والتَّطَهُّرُ: التَّنَزُّهُ عَمّا لا يَحِلُّ، ولَيْسَ في صِيغَةِ أطْهَرُ دَلالَةً عَلى التَّفْضِيلِ، بَلْ هي مِثْلُ اللَّهُ أكْبَرُ، وقَرَأ الحَسَنُ وعِيسى بْنُ عُمَرَ بِنَصْبِ أطْهَرُ، وقَرَأ الباقُونَ بِالرَّفْعِ، ووَجْهُ النَّصْبِ أنْ يَكُونَ اسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأً وخَبَرُهُ بَناتِي، وهُنَّ ضَمِيرُ فَصْلٍ، وأطْهَرُ حالٌ.
وقَدْ مَنَعَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ والأخْفَشُ مِثْلَ هَذا، لِأنَّ ضَمِيرَ الفَصْلِ الَّذِي يُسَمّى عِمادًا إنَّما يَكُونُ بَيْنَ كَلامَيْنِ بِحَيْثُ لا يَتِمُّ الكَلامُ إلّا بِما بَعْدَها، نَحْوَ كانَ زَيْدٌ هو أخاكَ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِي في ضَيْفِي﴾ أيِ اتَّقَوُا اللَّهَ بِتَرْكِ ما تُرِيدُونَ مِنَ الفاحِشَةِ بِهِمْ، ولا تُذِلُّونِي وتَجْلِبُوا عَلَيَّ العارَ في ضَيْفِي، والضَّيْفُ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ والِاثْنَيْنِ والجَماعَةِ، لِأنَّهُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لا تَعْدَمِي الدَّهْرَ شِفارَ الجازِرِ ∗∗∗ لِلضَّيْفِ والضَّيْفُ أحَقُّ زائِرِ
ويَجُوزُ فِيهِ التَّثْنِيَةُ والجَمْعُ، والأوَّلُ أكْثَرُ.
يُقالُ: خَزِيَ الرَّجُلُ خَزايَةً: أيِ اسْتَحْيا أوْ ذَلَّ أوْ هانَ، وخَزِيَ خِزْيًا: إذا افْتَضَحَ، ومَعْنى في ضَيْفِي: في حَقِّ ضَيْفِي، فَخِزْيُ الضَّيْفِ خِزْيٌ لِلْمُضِيفِ، ثُمَّ وبَّخَهم فَقالَ: ﴿ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ يُرْشِدُكم إلى تَرْكِ هَذا العَمَلِ القَبِيحِ ويَمْنَعُكم مِنهُ.
فَأجابُوا عَلَيْهِ مُعْرِضِينَ عَمّا نَصَحَهم بِهِ، وأرْشَدَهم إلَيْهِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ﴾ أيْ ما لَنا فِيهِمْ مِن شَهْوَةٍ ولا حاجَةٍ، لِأنَّ مَنِ احْتاجَ إلى شَيْءٍ فَكَأنَّهُ حَصَلَ لَهُ فِيهِ نَوْعُ حَقٍّ.
ومَعْنى ما نَسَبُوهُ إلَيْهِ مِنَ العِلْمِ أنَّهُ قَدْ عَلِمَ مِنهُمُ المُكالَبَةَ عَلى إتْيانِ الذُّكُورِ وشِدَّةِ الشَّهْوَةِ إلَيْهِمْ، فَهم مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ كَأنَّهم لا حاجَةَ لَهم إلى النِّساءِ، ويُمْكِنُ أنْ يُرِيدُوا: أنَّهُ لا حَقَّ لَنا في نِكاحِهِنَّ، لِأنَّهُ لا يَنْكِحُهُنَّ ويَتَزَوَّجُ بِهِنَّ إلّا مُؤْمِنٌ ونَحْنُ لا نُؤْمِنُ أبَدًا، وقِيلَ: إنَّهم كانُوا قَدْ خَطَبُوا بَناتَهُ مِن قَبْلُ فَرَدَّهم، وكانَ مِن سُنَّتِهِمْ أنَّ مَن خَطَبَ فَرُدَّ فَلا تَحِلُّ المَخْطُوبَةُ أبَدًا ﴿وإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾ مِن إتْيانِ الذُّكُورِ.
ثُمَّ إنَّهُ لَمّا عَلِمَ تَصْمِيمَهم عَلى الفاحِشَةِ وأنَّهم لا يَتْرُكُونَ ما قَدْ طَلَبُوهُ ﴿قالَ لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً﴾ وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: لَدافَعْتُكم عَنْهم ومَنَعْتُكم مِنهم، وهَذا مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى طَرِيقِ التَّمَنِّي: أيْ لَوْ وجَدْتُ مُعِينًا وناصِرًا، فَسَمّى ما يُتَقَوّى بِهِ قُوَّةً ﴿أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ عَطْفٌ عَلى ما بَعْدَ لَوْ لِما فِيهِ مِن مَعْنى الفِعْلِ، والتَّقْدِيرُ: لَوْ قَوِيتُ عَلى دَفْعِكم أوْ آوَيْتُ إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ.
وقُرِئَ أوْ آوِيَ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى قُوَّةً كَأنَّهُ قالَ: لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً، أوْ إيواءً إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ، ومُرادُهُ بِالرُّكْنِ الشَّدِيدِ: العَشِيرَةُ، وما يَمْتَنِعُ بِهِ عَنْهم هو ومَن مَعَهُ، وقِيلَ أرادَ بِالقُوَّةِ الوَلَدَ، وبِالرُّكْنِ الشَّدِيدِ: مَن يَنْصُرُهُ مِن غَيْرِ ولَدِهِ، وقِيلَ أرادَ بِالقُوَّةِ: قَوَّتَهُ في نَفْسِهِ.
ولَمّا سَمِعَتْهُ المَلائِكَةُ يَقُولُ هَذِهِ المَقالَةَ، ووَجَدُوا قَوْمَهُ قَدْ غَلَبُوهُ وعَجَزَ عَنْ مُدافَعَتِهِمْ ﴿قالُوا يالُوطُ إنّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ﴾ أخْبَرُوهُ أوَّلًا أنَّهم رُسُلُ رَبِّهِ ثُمَّ بَشَّرُوهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ﴾ وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُوَضِّحَةٌ ما قَبْلَها، لِأنَّهم إذا كانُوا مُرْسَلِينَ مِن عِنْدِ اللَّهِ إلَيْهِ لَمْ يَصِلْ عَدُوُّهُ إلَيْهِ ولَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، ثُمَّ أمَرُوهُ أنْ يَخْرُجَ عَنْهم فَقالُوا لَهُ: ﴿فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ قَرَأ (p-٦٦٨)نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ بِالوَصْلِ، وقَرَأ غَيْرُهُما بِالقَطْعِ، وهُما لُغَتانِ فَصِيحَتانِ.
قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿واللَّيْلِ إذا يَسْرِي﴾ [الفجر: ٤] وقالَ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى﴾ [الإسراء: ١] وقَدْ جَمَعَ الشّاعِرُ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ فَقالَ:
؎حَيُّ النَّضِيرِ ورَبَّةُ الخِدْرِ ∗∗∗ أسْرَتْ عَلَيْهِ ولَمْ تَكُنْ تَسْرِي
وقِيلَ: إنَّ أسْرى لِلْمَسِيرِ مِن أوَّلِ اللَّيْلِ، وسَرى لِلْمَسِيرِ مِن آخِرِهِ، والقِطْعُ مِنَ اللَّيْلِ: الطّائِفَةُ مِنهُ.
قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: ﴿بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾: بِساعَةٍ مِنهُ، وقالَ الأخْفَشُ: بِجُنْحٍ مِنَ اللَّيْلِ، وقِيلَ: بِظُلْمَةٍ مِنَ اللَّيْلِ، وقِيلَ: بَعْدَ هُدُوٍّ مِنَ اللَّيْلِ.
قِيلَ: إنَّ السُّرى لا يَكُونُ إلّا في اللَّيْلِ، فَما وجْهُ زِيادَةِ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ ؟ قِيلَ: لَوْ لَمْ يَقُلْ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ لَجازَ أنْ يَكُونَ في أوَّلِهِ قَبْلَ اجْتِماعِ الظُّلْمَةِ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِمُرادٍ ﴿ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ﴾ أيْ لا يَنْظُرْ إلى ما وراءَهُ، أوْ يَشْتَغِلْ بِما خَلْفَهُ مِن مالٍ أوْ غَيْرِهِ.
قِيلَ: وجْهُ النَّهْيِ عَنِ الِالتِفاتِ أنْ لا يَرَوْا عَذابَ قَوْمِهِمْ، وهَوْلَ ما نَزَلَ بِهِمْ فَيَرْحَمُوهم ويَرِقُّوا لَهم، أوْ لِئَلّا يَنْقَطِعُوا عَنِ السَّيْرِ المَطْلُوبِ مِنهم بِما يَقَعُ مِنَ الِالتِفاتِ، فَإنَّهُ لا بُدَّ لِلْمُلْتَفِتِ مِن فَتْرَةٍ في سَيْرِهِ ﴿إلّا امْرَأتَكَ﴾ بِالنَّصْبِ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ بِالرَّفْعِ عَلى البَدَلِ، فَعَلى القِراءَةِ الأُولى امْرَأتُهُ مُسْتَثْناةٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَأسْرِ بِأهْلِكَ﴾ أيْ أسْرِ بِأهْلِكَ جَمِيعًا إلّا امْرَأتَكَ فَلا تَسْرِ بِها، فَ ﴿إنَّهُ مُصِيبُها ما أصابَهُمْ﴾ مِنَ العَذابِ، وهو رَمْيُهم بِالحِجارَةِ لِكَوْنِها كانَتْ كافِرَةً، وأنْكَرَ قِراءَةَ الرَّفْعِ جَماعَةٌ مِنهم أبُو عُبَيْدٍ وقالَ: لا يَصِحُّ ذَلِكَ إلّا بِرَفْعِ يَلْتَفِتْ ويَكُونُ نَعْتًا، لِأنَّ المَعْنى يَصِيرُ إذا أبْدَلْتَ وجَزَمْتَ أنَّ المَرْأةَ أُبِيحَ لَها الِالتِفاتُ ولَيْسَ المَعْنى كَذَلِكَ.
قالَ النَّحّاسُ: وهَذا العَمَلُ مِن أبِي عُبَيْدٍ وغَيْرِهِ عَلى مِثْلِ أبِي عَمْرٍو مَعَ جَلالَتِهِ ومَحَلِّهِ مِنَ العَرَبِيَّةِ لا يَجِبُ أنْ يَكُونَ، والرَّفْعُ عَلى البَدَلِ لَهُ مَعْنًى صَحِيحٌ، وهو أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مِنَ النَّهْيِ عَنِ الِالتِفاتِ: أيْ لا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ إلّا امْرَأتُكَ فَإنَّها تَلْتَفِتُ وتَهْلَكُ، وقِيلَ: إنَّ الرَّفْعَ عَلى البَدَلِ مِن أحَدٌ، ويَكُونُ الِالتِفاتُ بِمَعْنى التَّخَلُّفِ لا بِمَعْنى النَّظَرِ إلى الخَلْفِ، فَكَأنَّهُ قالَ: ولا يَتَخَلَّفْ مِنكم أحَدٌ إلّا امْرَأتُكَ، فَإنَّها تَتَخَلَّفُ، والمُلْجِئُ إلى هَذا التَّأْوِيلِ البَعِيدِ الفِرارُ مِن تُناقِضِ القِراءَتَيْنِ، والضَّمِيرُ في ﴿إنَّهُ مُصِيبُها ما أصابَهُمْ﴾ لِلشَّأْنِ، والجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ ﴿إنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَقْلِيلٌ لِما تَقَدَّمَ مِنَ الأمْرِ بِالإسْراءِ والنَّهْيِ عَنِ الِالتِفاتِ، والمَعْنى: أنَّ مَوْعِدَ عَذابِهِمُ الصُّبْحُ المُسْفِرُ عَنْ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، والِاسْتِفْهامُ في ﴿ألَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ لِلْإنْكارِ التَّقْرِيرِيِّ، والجُمْلَةُ تَأْكِيدٌ لِلتَّعْلِيلِ.
وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ ألَيْسَ الصُّبُحُ بِضَمِّ الباءِ وهي لُغَةٌ، ولَعَلَّ جَعْلَ الصُّبْحِ مِيقاتًا لِهَلاكِهِمْ لِكَوْنِ النُّفُوسِ فِيهِ أسْكَنَ، والنّاسُ فِيهِ مُجْتَمِعُونَ لَمْ يَتَفَرَّقُوا إلى أعْمالِهِمْ.
﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ أيْ الوَقْتُ المَضْرُوبُ لِوُقُوعِ العَذابِ فِيهِ، أوِ المُرادُ بِالأمْرِ نَفْسُ العَذابِ ﴿جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها﴾ أيْ عالِيَ قُرى قَوْمِ لُوطٍ سافِلَها، والمَعْنى: أنَّهُ قَلَبَها عَلى هَذِهِ الهَيْئَةِ، وهي كَوْنُ عالِيها صارَ سافِلَها وسافِلِها صارَ عالِيَها، وذَلِكَ لِأنَّ جِبْرِيلَ أدْخَلَ جَناحَهُ تَحْتَها فَرَفَعَها مِن تَخُومِ الأرْضِ حَتّى أدْناها مِنَ السَّماءِ ثُمَّ قَلَبَها عَلَيْهِمْ ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ قِيلَ: إنَّهُ يُقالُ أمْطَرْنا في العَذابِ ومَطَرْنا في الرَّحْمَةِ، وقِيلَ هُما لُغَتانِ، يُقالُ: مَطَرَتِ السَّماءُ وأمْطَرَتْ حَكى ذَلِكالهَرَوِيُّ، والسِّجِّيلُ: الطِّينُ المُتَحَجِّرُ بِطَبْخٍ أوْ غَيْرِهِ، وقِيلَ هو الشَّدِيدُ الصُّلْبُ مِنَ الحِجارَةِ، وقِيلَ السِّجِّيلُ الكَثِيرُ، وقِيلَ إنَّ السِّجِّيلَ لَفْظَةٌ غَيْرُ عَرَبِيَّةٍ، أصْلُهُ سِجْ وجِيلْ، وهَمّا بِالفارِسِيَّةِ حَجَرٌ وطِينٌ عَرَّبَتْهُما العَرَبُ فَجَعَلَتْهُما اسْمًا واحِدًا، وقِيلَ هو مِن لُغَةِ العَرَبِ.
وذَكَرَ الهَرَوِيُّ: أنَّ السِّجِّيلَ اسْمٌ لِسَماءِ الدُّنْيا.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا ضَعِيفٌ يَرُدُّهُ وصْفُهُ بِمَنضُودٍ، وقِيلَ هو بَحْرٌ مُعَلَّقٌ في الهَواءِ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، وقِيلَ هي جِبالٌ في السَّماءِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: هو مِنَ التَّسْجِيلِ لَهم: أيْ ما كُتِبَ لَهم مِنَ العَذابِ فَهو في مَعْنى سِجِّينٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أدْراكَ ما سِجِّينٌ﴾ ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ [المطففين: ٨، ٩] وقِيلَ هو مَن أسْجَلْتُهُ إذا أعْطَيْتُهُ، فَكَأنَّهُ عَذابٌ أُعْطُوهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎مَن يُساجِلْنِي يُساجِلْ ماجِدًا ∗∗∗ يَمْلَأُ الدَّلْوَ إلى عَقْدِ الكَرَبْ
ومَعْنى مَنضُودٍ أنَّهُ نُضِّدَ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ، وقِيلَ بَعْضُهُ في أثَرِ بَعْضٍ، يُقالُ: نَضَّدْتُ المَتاعَ: إذا جَعَلْتُ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ، فَهو مَنضُودٌ ونَضِيدٌ.
والمُسَوَّمَةُ: المُعَلَّمَةُ أيِ الَّتِي لَها عَلامَةٌ: قِيلَ: كانَ عَلَيْها أمْثالُ الخَواتِيمِ، وقِيلَ: مَكْتُوبٌ عَلى كُلِّ حَجَرٍ اسْمُ مَن رُمِيَ بِهِ.
وقالَ الفَرّاءُ: زَعَمُوا أنَّها كانَتْ مُخَطَّطَةً بِحُمْرَةٍ وسَوادٍ في بَياضٍ.
فَذَلِكَ تَسْوِيمُها، ومَعْنى ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ في خَزائِنِهِ ﴿وما هي مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ أيْ وما هَذِهِ الحِجارَةُ المَوْصُوفَةُ مِنَ الظّالِمِينَ وهم قَوْمُ لُوطٍ بِبَعِيدٍ، أوْ ما هي مِن كُلِّ ظالِمٍ مِنَ الظَّلَمَةِ ومِنهم كُفّارُ قُرَيْشٍ ومَن عاضَدَهم عَلى الكُفْرِ بِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِبَعِيدٍ، فَهم لِظُلْمِهِمْ مُسْتَحِقُّونَ لَها.
وقِيلَ: ﴿وما هِيَ﴾ أيْ قُرى ﴿مِنَ الظّالِمِينَ﴾ مَن كَفَرَ بِالنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِبَعِيدٍ فَإنَّها بَيْنَ الشّامِ والمَدِينَةِ.
وفِي إمْطارِ الحِجارَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها أُمْطِرَتْ عَلى المُدُنِ حِينَ رَفَعَها جِبْرِيلُ.
والثّانِي: أنَّها أُمْطِرَتْ عَلى مَن لَمْ يَكُنْ في المُدُنِ مِن أهْلِها وكانَ خارِجًا عَنْها.
وتَذْكِيرُ البَعِيدِ عَلى تَأْوِيلِ الحِجارَةِ بِالحَجَرِ أوْ إجْراءً لَهُ عَلى مَوْصُوفٍ مُذَكَّرٍ: أيْ شَيْءٍ بَعِيدٍ، أوْ مَكانٍ بَعِيدٍ، أوْ لِكَوْنِهِ مَصْدَرًا كالزَّفِيرِ والصَّهِيلِ، والمَصادِرُ يَسْتَوِي في الوَصْفِ بِها المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ قالَ: ساءَ ظَنًّا بِقَوْمِهِ، وضاقَ ذَرْعًا بِأضْيافِهِ ﴿وقالَ هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ يَقُولُ: شَدِيدٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿يُهْرَعُونَ إلَيْهِ﴾ قالَ: يُسْرِعُونَ ﴿ومِن قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ قالَ: يَأْتُونَ الرِّجالَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: ﴿يُهْرَعُونَ إلَيْهِ﴾ يَسْتَمِعُونَ إلَيْهِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿هَؤُلاءِ بَناتِي﴾ قالَ: ما عَرَضَ لُوطٌ (p-٦٦٩)بَناتَهُ عَلى قَوْمِهِ لا سِفاحًا ولا نِكاحًا، إنَّما قالَ هَؤُلاءِ نِساؤُكم، لِأنَّ النَّبِيَّ إذا كانَ بَيْنَ ظَهْرانَيْ قَوْمٍ فَهو أبُوهم، قالَ اللَّهُ تَعالى في القُرْآنِ: ﴿وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦] وهو أبُوهم في قِراءَةِ أُبَيٍّ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: لَمْ تَكُنْ بَناتُهُ ولَكِنْ كُنَّ مِن أُمَّتِهِ، وكُلُّ نَبِيٍّ أبُو أُمَّتِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ عَساكِرَ عَنِ السُّدِّيِّ نَحْوَهُ.
قالَ: وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وهو أبٌ لَهم وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ قالَ: عَرَضَ عَلَيْهِمْ بَناتَهُ تَزْوِيجًا، وأرادَ أنْ يَقِيَ أضْيافَهُ بِتَزْوِيجِ بَناتِهِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تُخْزُونِي في ضَيْفِي﴾ قالَ: لا تَفْضَحُونِي.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي مالِكٍ ﴿ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ قالَ: رَجُلٌ يَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهى عَنِ المُنْكَرِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ قالَ: واحِدٌ يَقُولُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ عِكْرِمَةَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ ﴿وإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾ قالَ: إنَّما نُرِيدُ الرِّجالَ قالَ لُوطٌ ﴿لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ يَقُولُ: إلى جُنْدٍ شَدِيدٍ لِمُقاتَلَتِكم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ قالَ: عَشِيرَةٍ.
وقَدْ ثَبَتَ في البُخارِيِّ وغَيْرِهِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «يَغْفِرُ اللَّهُ لِلُوطٍ إنْ كانَ يَأْوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ» وهو مَرْوِيٌّ في غَيْرِ الصَّحِيحِ مِن طَرِيقِ غَيْرِهِ مِنَ الصَّحابَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ قالَ: جَوْفِ اللَّيْلِ.
وأخْرَجا عَنْهُ قالَ: بِسَوادِ اللَّيْلِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: بِطائِفَةٍ مِنَ اللَّيْلِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ﴾ قالَ: لا يَتَخَلَّفُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ﴾ قالَ: لا يَنْظُرُ وراءَهُ أحَدٌ ﴿إلّا امْرَأتَكَ﴾ .
وأخْرَجَ أبُو عَبِيدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ هارُونَ قالَ: في حَرْفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ إلّا امْرَأتَكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها﴾ قالَ: لَمّا أصْبَحُوا عَدا جِبْرِيلُ عَلى قَرْيَتِهِمْ فَقَلَعَها مِن أرْكانِها، ثُمَّ أدْخَلَ جَناحَهُ ثُمَّ حَمَلَها عَلى خَوافِي جَناحِهِ بِما فِيها ثُمَّ صَعِدَ بِها إلى السَّماءِ حَتّى سَمِعَ أهْلُ السَّماءِ نُباحَ كِلابِهِمْ، ثُمَّ قَلَبَها، فَكانَ أوَّلَ ما سَقَطَ مِنها سُرادِقُها، فَلَمْ يُصِبْ قَوْمًا ما أصابَهم، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ طَمَسَ عَلى أعْيُنِهِمْ، ثُمَّ قُلِبَتْ قَرْيَتُهم، وأُمْطِرَ عَلَيْهِمْ حِجارَةٌ مِن سِجِّيلٍ.
وقَدْ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ رِواياتٍ وقَصَصًا في كَيْفِيَّةِ هَلاكِ قَوْمِ لُوطٍ طَوِيلَةً مُتَخالِفَةً، ولَيْسَ في ذِكْرِها فائِدَةٌ لا سِيَّما وبَيْنَ مَن قالَ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ وبَيْنَ هَلاكِ قَوْمِ لُوطٍ دَهْرٌ طَوِيلٌ لا يَتَيَسَّرُ لَهُ في مِثْلِهِ إسْنادٌ صَحِيحٌ، وغالِبُ ذَلِكَ مَأْخُوذٌ عَنْ أهْلِ الكِتابِ، وحالُهم في الرِّوايَةِ مَعْرُوفٌ.
وقَدْ أُمِرْنا بِأنّا لا نُصَدِّقُهم ولا نُكَذِّبُهم، فاعْرِفْ هَذا، فَهو الوَجْهُ في حَذْفِنا لِكَثِيرٍ مِن هَذِهِ الرِّواياتِ الكائِنَةِ في قَصَصِ الأنْبِياءِ وقَوْمِهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما هي مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ قالَ: يُرْهِبُ بِها قُرَيْشًا أنْ يُصِيبَهم ما أصابَ القَوْمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في الآيَةِ قالَ: مِن ظَلَمَةِ العَرَبِ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا فَيُعَذَّبُوا بِها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: مِن ظالِمِي هَذِهِ الأُمَّةِ.
هود 11:81
(p-٦٦٧)لَمّا خَرَجَتِ المَلائِكَةُ مِن عِنْدِ إبْراهِيمَ وكانَ بَيْنَ إبْراهِيمَ وقَرْيَةِ لُوطٍ أرْبَعَةُ فَراسِخَ جاءُوا إلى لُوطٍ، فَلَمّا رَآهم لُوطٌ وكانُوا في صُورَةِ غِلْمانٍ حِسانٍ مُرْدٍ ﴿سِيءَ بِهِمْ﴾ أيْ ساءَهُ مَجِيئُهم، يُقالُ: ساءَهُ يَسُوءُهُ، وأصْلُ سِيءَ بِهِمْ سُوِئَ بِهِمْ نُقِلَتْ حَرَكَةُ الواوِ إلى السِّينِ فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً، ولَمّا خُفِّفَتِ الهَمْزَةُ أُلْقِيَتْ حَرَكَتُها عَلى الياءِ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ وأبُو عَمْرٍو بِإشْمامِ السِّينِ الضَّمَّ ﴿وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ قالَ الأزْهَرِيُّ: الذَّرْعُ يُوضَعُ مَوْضِعَ الطّاقَةِ، وأصْلُهُ أنَّ البَعِيرَ يَذْرَعُ بِيَدِهِ في سَيْرِهِ عَلى قَدْرِ سِعَةِ خَطْوِهِ: أيْ يَبْسُطُها، فَإذا حُمِلَ عَلَيْهِ أكْثَرُ مِن طاقَتِهِ ضاقَ ذَرْعُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَجُعِلَ ضِيقُ الذَّرْعِ كِنايَةً عَنْ قِلَّةِ الوُسْعِ والطّاقَةِ وشِدَّةِ الأمْرِ، وقِيلَ: هو مِن ذَرَعَهُ القَيْءُ: إذا غَلَبَهُ وضاقَ عَنْ حَبْسِهِ.
والمَعْنى أنَّهُ ضاقَ صَدْرُهُ لَمّا رَأى المَلائِكَةَ في تِلْكَ الصُّورَةِ خَوْفًا عَلَيْهِمْ مِن قَوْمِهِ لِما يَعْلَمُ مِن فِسْقِهِمْ وارْتِكابِهِمْ لِفاحِشَةِ اللِّواطِ ﴿وقالَ هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ أيْ شَدِيدٌ.
قالَ الشّاعِرُ:
؎وإنَّكَ إنْ لَمْ تَرْضَ بَكْرَ بْنَ وائِلٍ يَكُنْ لَكَ يَوْمٌ بِالعِراقِ عَصِيبُ
يُقالُ: عَصِيبٌ وعُصَيْصِبٌ وعَصَوْصَبٌ عَلى التَّكْثِيرِ: أيْ يَوْمٌ مَكْرُوهٌ يَجْتَمِعُ فِيهِ الشَّرُّ، ومِنهُ قِيلَ: عُصْبَةٌ وعِصابَةٌ: أيْ مُجْتَمِعُو الكَلِمَةِ، ورَجُلٌ مَعْصُوبٌ: أيْ مُجْتَمِعُ الخَلْقِ.
﴿وجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إلَيْهِ﴾ أيْ جاءُوا لُوطًا، الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
ومَعْنى يُهْرَعُونَ إلَيْهِ: يُسْرِعُونَ إلَيْهِ.
قالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ وغَيْرُهُما مِن أهْلِ اللُّغَةِ: لا يَكُونُ الإهْراعُ إلّا إسْراعًا مَعَ رِعْدَةٍ، يُقالُ: أهْرَعَ الرَّجُلُ إهْراعًا: أيْ أسْرَعَ في رِعْدَةٍ مِن بَرْدٍ أوْ غَضَبٍ أوْ حُمّى، قالَ مُهَلْهَلٌ:
؎فَجاءُوا يُهْرَعُونَ وهم أُسارى ∗∗∗ نُهُودُهُمُ عَلى رَغْمِ الأُنُوفِ
وقِيلَ يُهْرَعُونَ: يُهَرْوِلُونَ، وقِيلَ: هو مَشْيٌ بَيْنَ الهَرْوَلَةِ والعَدْوِ.
والمَعْنى: أنَّ قَوْمَ لُوطٍ لَمّا بَلَغَهم مَجِيءُ المَلائِكَةِ في تِلْكَ الصُّورَةِ أسْرَعُوا إلَيْهِ، كَأنَّما يُدْفَعُونَ دَفْعًا لِطَلَبِ الفاحِشَةِ مِن أضْيافِهِ ﴿ومِن قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ أيْ ومِن قَبْلِ مَجِيءِ الرُّسُلِ في هَذا الوَقْتِ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ، وقِيلَ: ومِن قَبْلِ لُوطٍ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ: أيْ كانَتْ عادَتُهم إتْيانَ الرِّجالِ، فَلَمّا جاءُوا إلى لُوطٍ، وقَصَدُوا أضْيافَهُ لِذَلِكَ العَمَلِ، قامَ إلَيْهِمْ لُوطٌ مُدافِعًا ﴿قالَ ياقَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أطْهَرُ لَكم﴾ أيْ تَزَوَّجُوهُنَّ، ودَعُوا ما تَطْلُبُونَهُ مِنَ الفاحِشَةِ بِأضْيافِي، وقَدْ كانَ لَهُ ثَلاثُ بَناتٍ، وقِيلَ اثْنَتانِ، وكانُوا يَطْلُبُونَ مِنهُ أنْ يُزَوِّجَهم بِهِنَّ فَيَمْتَنِعُ لِخُبْثِهِمْ، وكانَ لَهم سَيِّدانِ مُطاعانِ فَأرادَ أنْ يُزَوِّجَهُما بِنْتَيْهِ، وقِيلَ أرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿هَؤُلاءِ بَناتِي﴾ النِّساءَ جُمْلَةً، لِأنَّ نَبِيَّ القَوْمِ أبٌ لَهم، وقالَتْ طائِفَةٌ: إنَّما كانَ هَذا القَوْلُ مِنهُ عَلى طَرِيقِ المُدافَعَةِ ولَمْ يُرِدِ الحَقِيقَةَ.
ومَعْنى ﴿هُنَّ أطْهَرُ لَكُمْ﴾ أيْ أحَلُّ وأنْزَهُ، والتَّطَهُّرُ: التَّنَزُّهُ عَمّا لا يَحِلُّ، ولَيْسَ في صِيغَةِ أطْهَرُ دَلالَةً عَلى التَّفْضِيلِ، بَلْ هي مِثْلُ اللَّهُ أكْبَرُ، وقَرَأ الحَسَنُ وعِيسى بْنُ عُمَرَ بِنَصْبِ أطْهَرُ، وقَرَأ الباقُونَ بِالرَّفْعِ، ووَجْهُ النَّصْبِ أنْ يَكُونَ اسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأً وخَبَرُهُ بَناتِي، وهُنَّ ضَمِيرُ فَصْلٍ، وأطْهَرُ حالٌ.
وقَدْ مَنَعَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ والأخْفَشُ مِثْلَ هَذا، لِأنَّ ضَمِيرَ الفَصْلِ الَّذِي يُسَمّى عِمادًا إنَّما يَكُونُ بَيْنَ كَلامَيْنِ بِحَيْثُ لا يَتِمُّ الكَلامُ إلّا بِما بَعْدَها، نَحْوَ كانَ زَيْدٌ هو أخاكَ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِي في ضَيْفِي﴾ أيِ اتَّقَوُا اللَّهَ بِتَرْكِ ما تُرِيدُونَ مِنَ الفاحِشَةِ بِهِمْ، ولا تُذِلُّونِي وتَجْلِبُوا عَلَيَّ العارَ في ضَيْفِي، والضَّيْفُ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ والِاثْنَيْنِ والجَماعَةِ، لِأنَّهُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لا تَعْدَمِي الدَّهْرَ شِفارَ الجازِرِ ∗∗∗ لِلضَّيْفِ والضَّيْفُ أحَقُّ زائِرِ
ويَجُوزُ فِيهِ التَّثْنِيَةُ والجَمْعُ، والأوَّلُ أكْثَرُ.
يُقالُ: خَزِيَ الرَّجُلُ خَزايَةً: أيِ اسْتَحْيا أوْ ذَلَّ أوْ هانَ، وخَزِيَ خِزْيًا: إذا افْتَضَحَ، ومَعْنى في ضَيْفِي: في حَقِّ ضَيْفِي، فَخِزْيُ الضَّيْفِ خِزْيٌ لِلْمُضِيفِ، ثُمَّ وبَّخَهم فَقالَ: ﴿ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ يُرْشِدُكم إلى تَرْكِ هَذا العَمَلِ القَبِيحِ ويَمْنَعُكم مِنهُ.
فَأجابُوا عَلَيْهِ مُعْرِضِينَ عَمّا نَصَحَهم بِهِ، وأرْشَدَهم إلَيْهِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ﴾ أيْ ما لَنا فِيهِمْ مِن شَهْوَةٍ ولا حاجَةٍ، لِأنَّ مَنِ احْتاجَ إلى شَيْءٍ فَكَأنَّهُ حَصَلَ لَهُ فِيهِ نَوْعُ حَقٍّ.
ومَعْنى ما نَسَبُوهُ إلَيْهِ مِنَ العِلْمِ أنَّهُ قَدْ عَلِمَ مِنهُمُ المُكالَبَةَ عَلى إتْيانِ الذُّكُورِ وشِدَّةِ الشَّهْوَةِ إلَيْهِمْ، فَهم مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ كَأنَّهم لا حاجَةَ لَهم إلى النِّساءِ، ويُمْكِنُ أنْ يُرِيدُوا: أنَّهُ لا حَقَّ لَنا في نِكاحِهِنَّ، لِأنَّهُ لا يَنْكِحُهُنَّ ويَتَزَوَّجُ بِهِنَّ إلّا مُؤْمِنٌ ونَحْنُ لا نُؤْمِنُ أبَدًا، وقِيلَ: إنَّهم كانُوا قَدْ خَطَبُوا بَناتَهُ مِن قَبْلُ فَرَدَّهم، وكانَ مِن سُنَّتِهِمْ أنَّ مَن خَطَبَ فَرُدَّ فَلا تَحِلُّ المَخْطُوبَةُ أبَدًا ﴿وإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾ مِن إتْيانِ الذُّكُورِ.
ثُمَّ إنَّهُ لَمّا عَلِمَ تَصْمِيمَهم عَلى الفاحِشَةِ وأنَّهم لا يَتْرُكُونَ ما قَدْ طَلَبُوهُ ﴿قالَ لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً﴾ وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: لَدافَعْتُكم عَنْهم ومَنَعْتُكم مِنهم، وهَذا مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى طَرِيقِ التَّمَنِّي: أيْ لَوْ وجَدْتُ مُعِينًا وناصِرًا، فَسَمّى ما يُتَقَوّى بِهِ قُوَّةً ﴿أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ عَطْفٌ عَلى ما بَعْدَ لَوْ لِما فِيهِ مِن مَعْنى الفِعْلِ، والتَّقْدِيرُ: لَوْ قَوِيتُ عَلى دَفْعِكم أوْ آوَيْتُ إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ.
وقُرِئَ أوْ آوِيَ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى قُوَّةً كَأنَّهُ قالَ: لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً، أوْ إيواءً إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ، ومُرادُهُ بِالرُّكْنِ الشَّدِيدِ: العَشِيرَةُ، وما يَمْتَنِعُ بِهِ عَنْهم هو ومَن مَعَهُ، وقِيلَ أرادَ بِالقُوَّةِ الوَلَدَ، وبِالرُّكْنِ الشَّدِيدِ: مَن يَنْصُرُهُ مِن غَيْرِ ولَدِهِ، وقِيلَ أرادَ بِالقُوَّةِ: قَوَّتَهُ في نَفْسِهِ.
ولَمّا سَمِعَتْهُ المَلائِكَةُ يَقُولُ هَذِهِ المَقالَةَ، ووَجَدُوا قَوْمَهُ قَدْ غَلَبُوهُ وعَجَزَ عَنْ مُدافَعَتِهِمْ ﴿قالُوا يالُوطُ إنّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ﴾ أخْبَرُوهُ أوَّلًا أنَّهم رُسُلُ رَبِّهِ ثُمَّ بَشَّرُوهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ﴾ وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُوَضِّحَةٌ ما قَبْلَها، لِأنَّهم إذا كانُوا مُرْسَلِينَ مِن عِنْدِ اللَّهِ إلَيْهِ لَمْ يَصِلْ عَدُوُّهُ إلَيْهِ ولَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، ثُمَّ أمَرُوهُ أنْ يَخْرُجَ عَنْهم فَقالُوا لَهُ: ﴿فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ قَرَأ (p-٦٦٨)نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ بِالوَصْلِ، وقَرَأ غَيْرُهُما بِالقَطْعِ، وهُما لُغَتانِ فَصِيحَتانِ.
قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿واللَّيْلِ إذا يَسْرِي﴾ [الفجر: ٤] وقالَ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى﴾ [الإسراء: ١] وقَدْ جَمَعَ الشّاعِرُ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ فَقالَ:
؎حَيُّ النَّضِيرِ ورَبَّةُ الخِدْرِ ∗∗∗ أسْرَتْ عَلَيْهِ ولَمْ تَكُنْ تَسْرِي
وقِيلَ: إنَّ أسْرى لِلْمَسِيرِ مِن أوَّلِ اللَّيْلِ، وسَرى لِلْمَسِيرِ مِن آخِرِهِ، والقِطْعُ مِنَ اللَّيْلِ: الطّائِفَةُ مِنهُ.
قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: ﴿بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾: بِساعَةٍ مِنهُ، وقالَ الأخْفَشُ: بِجُنْحٍ مِنَ اللَّيْلِ، وقِيلَ: بِظُلْمَةٍ مِنَ اللَّيْلِ، وقِيلَ: بَعْدَ هُدُوٍّ مِنَ اللَّيْلِ.
قِيلَ: إنَّ السُّرى لا يَكُونُ إلّا في اللَّيْلِ، فَما وجْهُ زِيادَةِ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ ؟ قِيلَ: لَوْ لَمْ يَقُلْ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ لَجازَ أنْ يَكُونَ في أوَّلِهِ قَبْلَ اجْتِماعِ الظُّلْمَةِ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِمُرادٍ ﴿ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ﴾ أيْ لا يَنْظُرْ إلى ما وراءَهُ، أوْ يَشْتَغِلْ بِما خَلْفَهُ مِن مالٍ أوْ غَيْرِهِ.
قِيلَ: وجْهُ النَّهْيِ عَنِ الِالتِفاتِ أنْ لا يَرَوْا عَذابَ قَوْمِهِمْ، وهَوْلَ ما نَزَلَ بِهِمْ فَيَرْحَمُوهم ويَرِقُّوا لَهم، أوْ لِئَلّا يَنْقَطِعُوا عَنِ السَّيْرِ المَطْلُوبِ مِنهم بِما يَقَعُ مِنَ الِالتِفاتِ، فَإنَّهُ لا بُدَّ لِلْمُلْتَفِتِ مِن فَتْرَةٍ في سَيْرِهِ ﴿إلّا امْرَأتَكَ﴾ بِالنَّصْبِ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ بِالرَّفْعِ عَلى البَدَلِ، فَعَلى القِراءَةِ الأُولى امْرَأتُهُ مُسْتَثْناةٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَأسْرِ بِأهْلِكَ﴾ أيْ أسْرِ بِأهْلِكَ جَمِيعًا إلّا امْرَأتَكَ فَلا تَسْرِ بِها، فَ ﴿إنَّهُ مُصِيبُها ما أصابَهُمْ﴾ مِنَ العَذابِ، وهو رَمْيُهم بِالحِجارَةِ لِكَوْنِها كانَتْ كافِرَةً، وأنْكَرَ قِراءَةَ الرَّفْعِ جَماعَةٌ مِنهم أبُو عُبَيْدٍ وقالَ: لا يَصِحُّ ذَلِكَ إلّا بِرَفْعِ يَلْتَفِتْ ويَكُونُ نَعْتًا، لِأنَّ المَعْنى يَصِيرُ إذا أبْدَلْتَ وجَزَمْتَ أنَّ المَرْأةَ أُبِيحَ لَها الِالتِفاتُ ولَيْسَ المَعْنى كَذَلِكَ.
قالَ النَّحّاسُ: وهَذا العَمَلُ مِن أبِي عُبَيْدٍ وغَيْرِهِ عَلى مِثْلِ أبِي عَمْرٍو مَعَ جَلالَتِهِ ومَحَلِّهِ مِنَ العَرَبِيَّةِ لا يَجِبُ أنْ يَكُونَ، والرَّفْعُ عَلى البَدَلِ لَهُ مَعْنًى صَحِيحٌ، وهو أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مِنَ النَّهْيِ عَنِ الِالتِفاتِ: أيْ لا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ إلّا امْرَأتُكَ فَإنَّها تَلْتَفِتُ وتَهْلَكُ، وقِيلَ: إنَّ الرَّفْعَ عَلى البَدَلِ مِن أحَدٌ، ويَكُونُ الِالتِفاتُ بِمَعْنى التَّخَلُّفِ لا بِمَعْنى النَّظَرِ إلى الخَلْفِ، فَكَأنَّهُ قالَ: ولا يَتَخَلَّفْ مِنكم أحَدٌ إلّا امْرَأتُكَ، فَإنَّها تَتَخَلَّفُ، والمُلْجِئُ إلى هَذا التَّأْوِيلِ البَعِيدِ الفِرارُ مِن تُناقِضِ القِراءَتَيْنِ، والضَّمِيرُ في ﴿إنَّهُ مُصِيبُها ما أصابَهُمْ﴾ لِلشَّأْنِ، والجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ ﴿إنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَقْلِيلٌ لِما تَقَدَّمَ مِنَ الأمْرِ بِالإسْراءِ والنَّهْيِ عَنِ الِالتِفاتِ، والمَعْنى: أنَّ مَوْعِدَ عَذابِهِمُ الصُّبْحُ المُسْفِرُ عَنْ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، والِاسْتِفْهامُ في ﴿ألَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ لِلْإنْكارِ التَّقْرِيرِيِّ، والجُمْلَةُ تَأْكِيدٌ لِلتَّعْلِيلِ.
وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ ألَيْسَ الصُّبُحُ بِضَمِّ الباءِ وهي لُغَةٌ، ولَعَلَّ جَعْلَ الصُّبْحِ مِيقاتًا لِهَلاكِهِمْ لِكَوْنِ النُّفُوسِ فِيهِ أسْكَنَ، والنّاسُ فِيهِ مُجْتَمِعُونَ لَمْ يَتَفَرَّقُوا إلى أعْمالِهِمْ.
﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ أيْ الوَقْتُ المَضْرُوبُ لِوُقُوعِ العَذابِ فِيهِ، أوِ المُرادُ بِالأمْرِ نَفْسُ العَذابِ ﴿جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها﴾ أيْ عالِيَ قُرى قَوْمِ لُوطٍ سافِلَها، والمَعْنى: أنَّهُ قَلَبَها عَلى هَذِهِ الهَيْئَةِ، وهي كَوْنُ عالِيها صارَ سافِلَها وسافِلِها صارَ عالِيَها، وذَلِكَ لِأنَّ جِبْرِيلَ أدْخَلَ جَناحَهُ تَحْتَها فَرَفَعَها مِن تَخُومِ الأرْضِ حَتّى أدْناها مِنَ السَّماءِ ثُمَّ قَلَبَها عَلَيْهِمْ ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ قِيلَ: إنَّهُ يُقالُ أمْطَرْنا في العَذابِ ومَطَرْنا في الرَّحْمَةِ، وقِيلَ هُما لُغَتانِ، يُقالُ: مَطَرَتِ السَّماءُ وأمْطَرَتْ حَكى ذَلِكالهَرَوِيُّ، والسِّجِّيلُ: الطِّينُ المُتَحَجِّرُ بِطَبْخٍ أوْ غَيْرِهِ، وقِيلَ هو الشَّدِيدُ الصُّلْبُ مِنَ الحِجارَةِ، وقِيلَ السِّجِّيلُ الكَثِيرُ، وقِيلَ إنَّ السِّجِّيلَ لَفْظَةٌ غَيْرُ عَرَبِيَّةٍ، أصْلُهُ سِجْ وجِيلْ، وهَمّا بِالفارِسِيَّةِ حَجَرٌ وطِينٌ عَرَّبَتْهُما العَرَبُ فَجَعَلَتْهُما اسْمًا واحِدًا، وقِيلَ هو مِن لُغَةِ العَرَبِ.
وذَكَرَ الهَرَوِيُّ: أنَّ السِّجِّيلَ اسْمٌ لِسَماءِ الدُّنْيا.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا ضَعِيفٌ يَرُدُّهُ وصْفُهُ بِمَنضُودٍ، وقِيلَ هو بَحْرٌ مُعَلَّقٌ في الهَواءِ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، وقِيلَ هي جِبالٌ في السَّماءِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: هو مِنَ التَّسْجِيلِ لَهم: أيْ ما كُتِبَ لَهم مِنَ العَذابِ فَهو في مَعْنى سِجِّينٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أدْراكَ ما سِجِّينٌ﴾ ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ [المطففين: ٨، ٩] وقِيلَ هو مَن أسْجَلْتُهُ إذا أعْطَيْتُهُ، فَكَأنَّهُ عَذابٌ أُعْطُوهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎مَن يُساجِلْنِي يُساجِلْ ماجِدًا ∗∗∗ يَمْلَأُ الدَّلْوَ إلى عَقْدِ الكَرَبْ
ومَعْنى مَنضُودٍ أنَّهُ نُضِّدَ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ، وقِيلَ بَعْضُهُ في أثَرِ بَعْضٍ، يُقالُ: نَضَّدْتُ المَتاعَ: إذا جَعَلْتُ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ، فَهو مَنضُودٌ ونَضِيدٌ.
والمُسَوَّمَةُ: المُعَلَّمَةُ أيِ الَّتِي لَها عَلامَةٌ: قِيلَ: كانَ عَلَيْها أمْثالُ الخَواتِيمِ، وقِيلَ: مَكْتُوبٌ عَلى كُلِّ حَجَرٍ اسْمُ مَن رُمِيَ بِهِ.
وقالَ الفَرّاءُ: زَعَمُوا أنَّها كانَتْ مُخَطَّطَةً بِحُمْرَةٍ وسَوادٍ في بَياضٍ.
فَذَلِكَ تَسْوِيمُها، ومَعْنى ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ في خَزائِنِهِ ﴿وما هي مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ أيْ وما هَذِهِ الحِجارَةُ المَوْصُوفَةُ مِنَ الظّالِمِينَ وهم قَوْمُ لُوطٍ بِبَعِيدٍ، أوْ ما هي مِن كُلِّ ظالِمٍ مِنَ الظَّلَمَةِ ومِنهم كُفّارُ قُرَيْشٍ ومَن عاضَدَهم عَلى الكُفْرِ بِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِبَعِيدٍ، فَهم لِظُلْمِهِمْ مُسْتَحِقُّونَ لَها.
وقِيلَ: ﴿وما هِيَ﴾ أيْ قُرى ﴿مِنَ الظّالِمِينَ﴾ مَن كَفَرَ بِالنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِبَعِيدٍ فَإنَّها بَيْنَ الشّامِ والمَدِينَةِ.
وفِي إمْطارِ الحِجارَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها أُمْطِرَتْ عَلى المُدُنِ حِينَ رَفَعَها جِبْرِيلُ.
والثّانِي: أنَّها أُمْطِرَتْ عَلى مَن لَمْ يَكُنْ في المُدُنِ مِن أهْلِها وكانَ خارِجًا عَنْها.
وتَذْكِيرُ البَعِيدِ عَلى تَأْوِيلِ الحِجارَةِ بِالحَجَرِ أوْ إجْراءً لَهُ عَلى مَوْصُوفٍ مُذَكَّرٍ: أيْ شَيْءٍ بَعِيدٍ، أوْ مَكانٍ بَعِيدٍ، أوْ لِكَوْنِهِ مَصْدَرًا كالزَّفِيرِ والصَّهِيلِ، والمَصادِرُ يَسْتَوِي في الوَصْفِ بِها المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ قالَ: ساءَ ظَنًّا بِقَوْمِهِ، وضاقَ ذَرْعًا بِأضْيافِهِ ﴿وقالَ هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ يَقُولُ: شَدِيدٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿يُهْرَعُونَ إلَيْهِ﴾ قالَ: يُسْرِعُونَ ﴿ومِن قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ قالَ: يَأْتُونَ الرِّجالَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: ﴿يُهْرَعُونَ إلَيْهِ﴾ يَسْتَمِعُونَ إلَيْهِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿هَؤُلاءِ بَناتِي﴾ قالَ: ما عَرَضَ لُوطٌ (p-٦٦٩)بَناتَهُ عَلى قَوْمِهِ لا سِفاحًا ولا نِكاحًا، إنَّما قالَ هَؤُلاءِ نِساؤُكم، لِأنَّ النَّبِيَّ إذا كانَ بَيْنَ ظَهْرانَيْ قَوْمٍ فَهو أبُوهم، قالَ اللَّهُ تَعالى في القُرْآنِ: ﴿وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦] وهو أبُوهم في قِراءَةِ أُبَيٍّ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: لَمْ تَكُنْ بَناتُهُ ولَكِنْ كُنَّ مِن أُمَّتِهِ، وكُلُّ نَبِيٍّ أبُو أُمَّتِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ عَساكِرَ عَنِ السُّدِّيِّ نَحْوَهُ.
قالَ: وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وهو أبٌ لَهم وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ قالَ: عَرَضَ عَلَيْهِمْ بَناتَهُ تَزْوِيجًا، وأرادَ أنْ يَقِيَ أضْيافَهُ بِتَزْوِيجِ بَناتِهِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تُخْزُونِي في ضَيْفِي﴾ قالَ: لا تَفْضَحُونِي.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي مالِكٍ ﴿ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ قالَ: رَجُلٌ يَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهى عَنِ المُنْكَرِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ قالَ: واحِدٌ يَقُولُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ عِكْرِمَةَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ ﴿وإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾ قالَ: إنَّما نُرِيدُ الرِّجالَ قالَ لُوطٌ ﴿لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ يَقُولُ: إلى جُنْدٍ شَدِيدٍ لِمُقاتَلَتِكم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ قالَ: عَشِيرَةٍ.
وقَدْ ثَبَتَ في البُخارِيِّ وغَيْرِهِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «يَغْفِرُ اللَّهُ لِلُوطٍ إنْ كانَ يَأْوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ» وهو مَرْوِيٌّ في غَيْرِ الصَّحِيحِ مِن طَرِيقِ غَيْرِهِ مِنَ الصَّحابَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ قالَ: جَوْفِ اللَّيْلِ.
وأخْرَجا عَنْهُ قالَ: بِسَوادِ اللَّيْلِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: بِطائِفَةٍ مِنَ اللَّيْلِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ﴾ قالَ: لا يَتَخَلَّفُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ﴾ قالَ: لا يَنْظُرُ وراءَهُ أحَدٌ ﴿إلّا امْرَأتَكَ﴾ .
وأخْرَجَ أبُو عَبِيدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ هارُونَ قالَ: في حَرْفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ إلّا امْرَأتَكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها﴾ قالَ: لَمّا أصْبَحُوا عَدا جِبْرِيلُ عَلى قَرْيَتِهِمْ فَقَلَعَها مِن أرْكانِها، ثُمَّ أدْخَلَ جَناحَهُ ثُمَّ حَمَلَها عَلى خَوافِي جَناحِهِ بِما فِيها ثُمَّ صَعِدَ بِها إلى السَّماءِ حَتّى سَمِعَ أهْلُ السَّماءِ نُباحَ كِلابِهِمْ، ثُمَّ قَلَبَها، فَكانَ أوَّلَ ما سَقَطَ مِنها سُرادِقُها، فَلَمْ يُصِبْ قَوْمًا ما أصابَهم، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ طَمَسَ عَلى أعْيُنِهِمْ، ثُمَّ قُلِبَتْ قَرْيَتُهم، وأُمْطِرَ عَلَيْهِمْ حِجارَةٌ مِن سِجِّيلٍ.
وقَدْ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ رِواياتٍ وقَصَصًا في كَيْفِيَّةِ هَلاكِ قَوْمِ لُوطٍ طَوِيلَةً مُتَخالِفَةً، ولَيْسَ في ذِكْرِها فائِدَةٌ لا سِيَّما وبَيْنَ مَن قالَ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ وبَيْنَ هَلاكِ قَوْمِ لُوطٍ دَهْرٌ طَوِيلٌ لا يَتَيَسَّرُ لَهُ في مِثْلِهِ إسْنادٌ صَحِيحٌ، وغالِبُ ذَلِكَ مَأْخُوذٌ عَنْ أهْلِ الكِتابِ، وحالُهم في الرِّوايَةِ مَعْرُوفٌ.
وقَدْ أُمِرْنا بِأنّا لا نُصَدِّقُهم ولا نُكَذِّبُهم، فاعْرِفْ هَذا، فَهو الوَجْهُ في حَذْفِنا لِكَثِيرٍ مِن هَذِهِ الرِّواياتِ الكائِنَةِ في قَصَصِ الأنْبِياءِ وقَوْمِهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما هي مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ قالَ: يُرْهِبُ بِها قُرَيْشًا أنْ يُصِيبَهم ما أصابَ القَوْمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في الآيَةِ قالَ: مِن ظَلَمَةِ العَرَبِ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا فَيُعَذَّبُوا بِها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: مِن ظالِمِي هَذِهِ الأُمَّةِ.
هود 11:82
(p-٦٦٧)لَمّا خَرَجَتِ المَلائِكَةُ مِن عِنْدِ إبْراهِيمَ وكانَ بَيْنَ إبْراهِيمَ وقَرْيَةِ لُوطٍ أرْبَعَةُ فَراسِخَ جاءُوا إلى لُوطٍ، فَلَمّا رَآهم لُوطٌ وكانُوا في صُورَةِ غِلْمانٍ حِسانٍ مُرْدٍ ﴿سِيءَ بِهِمْ﴾ أيْ ساءَهُ مَجِيئُهم، يُقالُ: ساءَهُ يَسُوءُهُ، وأصْلُ سِيءَ بِهِمْ سُوِئَ بِهِمْ نُقِلَتْ حَرَكَةُ الواوِ إلى السِّينِ فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً، ولَمّا خُفِّفَتِ الهَمْزَةُ أُلْقِيَتْ حَرَكَتُها عَلى الياءِ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ وأبُو عَمْرٍو بِإشْمامِ السِّينِ الضَّمَّ ﴿وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ قالَ الأزْهَرِيُّ: الذَّرْعُ يُوضَعُ مَوْضِعَ الطّاقَةِ، وأصْلُهُ أنَّ البَعِيرَ يَذْرَعُ بِيَدِهِ في سَيْرِهِ عَلى قَدْرِ سِعَةِ خَطْوِهِ: أيْ يَبْسُطُها، فَإذا حُمِلَ عَلَيْهِ أكْثَرُ مِن طاقَتِهِ ضاقَ ذَرْعُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَجُعِلَ ضِيقُ الذَّرْعِ كِنايَةً عَنْ قِلَّةِ الوُسْعِ والطّاقَةِ وشِدَّةِ الأمْرِ، وقِيلَ: هو مِن ذَرَعَهُ القَيْءُ: إذا غَلَبَهُ وضاقَ عَنْ حَبْسِهِ.
والمَعْنى أنَّهُ ضاقَ صَدْرُهُ لَمّا رَأى المَلائِكَةَ في تِلْكَ الصُّورَةِ خَوْفًا عَلَيْهِمْ مِن قَوْمِهِ لِما يَعْلَمُ مِن فِسْقِهِمْ وارْتِكابِهِمْ لِفاحِشَةِ اللِّواطِ ﴿وقالَ هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ أيْ شَدِيدٌ.
قالَ الشّاعِرُ:
؎وإنَّكَ إنْ لَمْ تَرْضَ بَكْرَ بْنَ وائِلٍ يَكُنْ لَكَ يَوْمٌ بِالعِراقِ عَصِيبُ
يُقالُ: عَصِيبٌ وعُصَيْصِبٌ وعَصَوْصَبٌ عَلى التَّكْثِيرِ: أيْ يَوْمٌ مَكْرُوهٌ يَجْتَمِعُ فِيهِ الشَّرُّ، ومِنهُ قِيلَ: عُصْبَةٌ وعِصابَةٌ: أيْ مُجْتَمِعُو الكَلِمَةِ، ورَجُلٌ مَعْصُوبٌ: أيْ مُجْتَمِعُ الخَلْقِ.
﴿وجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إلَيْهِ﴾ أيْ جاءُوا لُوطًا، الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
ومَعْنى يُهْرَعُونَ إلَيْهِ: يُسْرِعُونَ إلَيْهِ.
قالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ وغَيْرُهُما مِن أهْلِ اللُّغَةِ: لا يَكُونُ الإهْراعُ إلّا إسْراعًا مَعَ رِعْدَةٍ، يُقالُ: أهْرَعَ الرَّجُلُ إهْراعًا: أيْ أسْرَعَ في رِعْدَةٍ مِن بَرْدٍ أوْ غَضَبٍ أوْ حُمّى، قالَ مُهَلْهَلٌ:
؎فَجاءُوا يُهْرَعُونَ وهم أُسارى ∗∗∗ نُهُودُهُمُ عَلى رَغْمِ الأُنُوفِ
وقِيلَ يُهْرَعُونَ: يُهَرْوِلُونَ، وقِيلَ: هو مَشْيٌ بَيْنَ الهَرْوَلَةِ والعَدْوِ.
والمَعْنى: أنَّ قَوْمَ لُوطٍ لَمّا بَلَغَهم مَجِيءُ المَلائِكَةِ في تِلْكَ الصُّورَةِ أسْرَعُوا إلَيْهِ، كَأنَّما يُدْفَعُونَ دَفْعًا لِطَلَبِ الفاحِشَةِ مِن أضْيافِهِ ﴿ومِن قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ أيْ ومِن قَبْلِ مَجِيءِ الرُّسُلِ في هَذا الوَقْتِ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ، وقِيلَ: ومِن قَبْلِ لُوطٍ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ: أيْ كانَتْ عادَتُهم إتْيانَ الرِّجالِ، فَلَمّا جاءُوا إلى لُوطٍ، وقَصَدُوا أضْيافَهُ لِذَلِكَ العَمَلِ، قامَ إلَيْهِمْ لُوطٌ مُدافِعًا ﴿قالَ ياقَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أطْهَرُ لَكم﴾ أيْ تَزَوَّجُوهُنَّ، ودَعُوا ما تَطْلُبُونَهُ مِنَ الفاحِشَةِ بِأضْيافِي، وقَدْ كانَ لَهُ ثَلاثُ بَناتٍ، وقِيلَ اثْنَتانِ، وكانُوا يَطْلُبُونَ مِنهُ أنْ يُزَوِّجَهم بِهِنَّ فَيَمْتَنِعُ لِخُبْثِهِمْ، وكانَ لَهم سَيِّدانِ مُطاعانِ فَأرادَ أنْ يُزَوِّجَهُما بِنْتَيْهِ، وقِيلَ أرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿هَؤُلاءِ بَناتِي﴾ النِّساءَ جُمْلَةً، لِأنَّ نَبِيَّ القَوْمِ أبٌ لَهم، وقالَتْ طائِفَةٌ: إنَّما كانَ هَذا القَوْلُ مِنهُ عَلى طَرِيقِ المُدافَعَةِ ولَمْ يُرِدِ الحَقِيقَةَ.
ومَعْنى ﴿هُنَّ أطْهَرُ لَكُمْ﴾ أيْ أحَلُّ وأنْزَهُ، والتَّطَهُّرُ: التَّنَزُّهُ عَمّا لا يَحِلُّ، ولَيْسَ في صِيغَةِ أطْهَرُ دَلالَةً عَلى التَّفْضِيلِ، بَلْ هي مِثْلُ اللَّهُ أكْبَرُ، وقَرَأ الحَسَنُ وعِيسى بْنُ عُمَرَ بِنَصْبِ أطْهَرُ، وقَرَأ الباقُونَ بِالرَّفْعِ، ووَجْهُ النَّصْبِ أنْ يَكُونَ اسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأً وخَبَرُهُ بَناتِي، وهُنَّ ضَمِيرُ فَصْلٍ، وأطْهَرُ حالٌ.
وقَدْ مَنَعَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ والأخْفَشُ مِثْلَ هَذا، لِأنَّ ضَمِيرَ الفَصْلِ الَّذِي يُسَمّى عِمادًا إنَّما يَكُونُ بَيْنَ كَلامَيْنِ بِحَيْثُ لا يَتِمُّ الكَلامُ إلّا بِما بَعْدَها، نَحْوَ كانَ زَيْدٌ هو أخاكَ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِي في ضَيْفِي﴾ أيِ اتَّقَوُا اللَّهَ بِتَرْكِ ما تُرِيدُونَ مِنَ الفاحِشَةِ بِهِمْ، ولا تُذِلُّونِي وتَجْلِبُوا عَلَيَّ العارَ في ضَيْفِي، والضَّيْفُ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ والِاثْنَيْنِ والجَماعَةِ، لِأنَّهُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لا تَعْدَمِي الدَّهْرَ شِفارَ الجازِرِ ∗∗∗ لِلضَّيْفِ والضَّيْفُ أحَقُّ زائِرِ
ويَجُوزُ فِيهِ التَّثْنِيَةُ والجَمْعُ، والأوَّلُ أكْثَرُ.
يُقالُ: خَزِيَ الرَّجُلُ خَزايَةً: أيِ اسْتَحْيا أوْ ذَلَّ أوْ هانَ، وخَزِيَ خِزْيًا: إذا افْتَضَحَ، ومَعْنى في ضَيْفِي: في حَقِّ ضَيْفِي، فَخِزْيُ الضَّيْفِ خِزْيٌ لِلْمُضِيفِ، ثُمَّ وبَّخَهم فَقالَ: ﴿ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ يُرْشِدُكم إلى تَرْكِ هَذا العَمَلِ القَبِيحِ ويَمْنَعُكم مِنهُ.
فَأجابُوا عَلَيْهِ مُعْرِضِينَ عَمّا نَصَحَهم بِهِ، وأرْشَدَهم إلَيْهِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ﴾ أيْ ما لَنا فِيهِمْ مِن شَهْوَةٍ ولا حاجَةٍ، لِأنَّ مَنِ احْتاجَ إلى شَيْءٍ فَكَأنَّهُ حَصَلَ لَهُ فِيهِ نَوْعُ حَقٍّ.
ومَعْنى ما نَسَبُوهُ إلَيْهِ مِنَ العِلْمِ أنَّهُ قَدْ عَلِمَ مِنهُمُ المُكالَبَةَ عَلى إتْيانِ الذُّكُورِ وشِدَّةِ الشَّهْوَةِ إلَيْهِمْ، فَهم مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ كَأنَّهم لا حاجَةَ لَهم إلى النِّساءِ، ويُمْكِنُ أنْ يُرِيدُوا: أنَّهُ لا حَقَّ لَنا في نِكاحِهِنَّ، لِأنَّهُ لا يَنْكِحُهُنَّ ويَتَزَوَّجُ بِهِنَّ إلّا مُؤْمِنٌ ونَحْنُ لا نُؤْمِنُ أبَدًا، وقِيلَ: إنَّهم كانُوا قَدْ خَطَبُوا بَناتَهُ مِن قَبْلُ فَرَدَّهم، وكانَ مِن سُنَّتِهِمْ أنَّ مَن خَطَبَ فَرُدَّ فَلا تَحِلُّ المَخْطُوبَةُ أبَدًا ﴿وإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾ مِن إتْيانِ الذُّكُورِ.
ثُمَّ إنَّهُ لَمّا عَلِمَ تَصْمِيمَهم عَلى الفاحِشَةِ وأنَّهم لا يَتْرُكُونَ ما قَدْ طَلَبُوهُ ﴿قالَ لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً﴾ وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: لَدافَعْتُكم عَنْهم ومَنَعْتُكم مِنهم، وهَذا مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى طَرِيقِ التَّمَنِّي: أيْ لَوْ وجَدْتُ مُعِينًا وناصِرًا، فَسَمّى ما يُتَقَوّى بِهِ قُوَّةً ﴿أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ عَطْفٌ عَلى ما بَعْدَ لَوْ لِما فِيهِ مِن مَعْنى الفِعْلِ، والتَّقْدِيرُ: لَوْ قَوِيتُ عَلى دَفْعِكم أوْ آوَيْتُ إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ.
وقُرِئَ أوْ آوِيَ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى قُوَّةً كَأنَّهُ قالَ: لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً، أوْ إيواءً إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ، ومُرادُهُ بِالرُّكْنِ الشَّدِيدِ: العَشِيرَةُ، وما يَمْتَنِعُ بِهِ عَنْهم هو ومَن مَعَهُ، وقِيلَ أرادَ بِالقُوَّةِ الوَلَدَ، وبِالرُّكْنِ الشَّدِيدِ: مَن يَنْصُرُهُ مِن غَيْرِ ولَدِهِ، وقِيلَ أرادَ بِالقُوَّةِ: قَوَّتَهُ في نَفْسِهِ.
ولَمّا سَمِعَتْهُ المَلائِكَةُ يَقُولُ هَذِهِ المَقالَةَ، ووَجَدُوا قَوْمَهُ قَدْ غَلَبُوهُ وعَجَزَ عَنْ مُدافَعَتِهِمْ ﴿قالُوا يالُوطُ إنّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ﴾ أخْبَرُوهُ أوَّلًا أنَّهم رُسُلُ رَبِّهِ ثُمَّ بَشَّرُوهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ﴾ وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُوَضِّحَةٌ ما قَبْلَها، لِأنَّهم إذا كانُوا مُرْسَلِينَ مِن عِنْدِ اللَّهِ إلَيْهِ لَمْ يَصِلْ عَدُوُّهُ إلَيْهِ ولَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، ثُمَّ أمَرُوهُ أنْ يَخْرُجَ عَنْهم فَقالُوا لَهُ: ﴿فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ قَرَأ (p-٦٦٨)نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ بِالوَصْلِ، وقَرَأ غَيْرُهُما بِالقَطْعِ، وهُما لُغَتانِ فَصِيحَتانِ.
قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿واللَّيْلِ إذا يَسْرِي﴾ [الفجر: ٤] وقالَ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى﴾ [الإسراء: ١] وقَدْ جَمَعَ الشّاعِرُ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ فَقالَ:
؎حَيُّ النَّضِيرِ ورَبَّةُ الخِدْرِ ∗∗∗ أسْرَتْ عَلَيْهِ ولَمْ تَكُنْ تَسْرِي
وقِيلَ: إنَّ أسْرى لِلْمَسِيرِ مِن أوَّلِ اللَّيْلِ، وسَرى لِلْمَسِيرِ مِن آخِرِهِ، والقِطْعُ مِنَ اللَّيْلِ: الطّائِفَةُ مِنهُ.
قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: ﴿بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾: بِساعَةٍ مِنهُ، وقالَ الأخْفَشُ: بِجُنْحٍ مِنَ اللَّيْلِ، وقِيلَ: بِظُلْمَةٍ مِنَ اللَّيْلِ، وقِيلَ: بَعْدَ هُدُوٍّ مِنَ اللَّيْلِ.
قِيلَ: إنَّ السُّرى لا يَكُونُ إلّا في اللَّيْلِ، فَما وجْهُ زِيادَةِ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ ؟ قِيلَ: لَوْ لَمْ يَقُلْ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ لَجازَ أنْ يَكُونَ في أوَّلِهِ قَبْلَ اجْتِماعِ الظُّلْمَةِ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِمُرادٍ ﴿ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ﴾ أيْ لا يَنْظُرْ إلى ما وراءَهُ، أوْ يَشْتَغِلْ بِما خَلْفَهُ مِن مالٍ أوْ غَيْرِهِ.
قِيلَ: وجْهُ النَّهْيِ عَنِ الِالتِفاتِ أنْ لا يَرَوْا عَذابَ قَوْمِهِمْ، وهَوْلَ ما نَزَلَ بِهِمْ فَيَرْحَمُوهم ويَرِقُّوا لَهم، أوْ لِئَلّا يَنْقَطِعُوا عَنِ السَّيْرِ المَطْلُوبِ مِنهم بِما يَقَعُ مِنَ الِالتِفاتِ، فَإنَّهُ لا بُدَّ لِلْمُلْتَفِتِ مِن فَتْرَةٍ في سَيْرِهِ ﴿إلّا امْرَأتَكَ﴾ بِالنَّصْبِ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ بِالرَّفْعِ عَلى البَدَلِ، فَعَلى القِراءَةِ الأُولى امْرَأتُهُ مُسْتَثْناةٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَأسْرِ بِأهْلِكَ﴾ أيْ أسْرِ بِأهْلِكَ جَمِيعًا إلّا امْرَأتَكَ فَلا تَسْرِ بِها، فَ ﴿إنَّهُ مُصِيبُها ما أصابَهُمْ﴾ مِنَ العَذابِ، وهو رَمْيُهم بِالحِجارَةِ لِكَوْنِها كانَتْ كافِرَةً، وأنْكَرَ قِراءَةَ الرَّفْعِ جَماعَةٌ مِنهم أبُو عُبَيْدٍ وقالَ: لا يَصِحُّ ذَلِكَ إلّا بِرَفْعِ يَلْتَفِتْ ويَكُونُ نَعْتًا، لِأنَّ المَعْنى يَصِيرُ إذا أبْدَلْتَ وجَزَمْتَ أنَّ المَرْأةَ أُبِيحَ لَها الِالتِفاتُ ولَيْسَ المَعْنى كَذَلِكَ.
قالَ النَّحّاسُ: وهَذا العَمَلُ مِن أبِي عُبَيْدٍ وغَيْرِهِ عَلى مِثْلِ أبِي عَمْرٍو مَعَ جَلالَتِهِ ومَحَلِّهِ مِنَ العَرَبِيَّةِ لا يَجِبُ أنْ يَكُونَ، والرَّفْعُ عَلى البَدَلِ لَهُ مَعْنًى صَحِيحٌ، وهو أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مِنَ النَّهْيِ عَنِ الِالتِفاتِ: أيْ لا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ إلّا امْرَأتُكَ فَإنَّها تَلْتَفِتُ وتَهْلَكُ، وقِيلَ: إنَّ الرَّفْعَ عَلى البَدَلِ مِن أحَدٌ، ويَكُونُ الِالتِفاتُ بِمَعْنى التَّخَلُّفِ لا بِمَعْنى النَّظَرِ إلى الخَلْفِ، فَكَأنَّهُ قالَ: ولا يَتَخَلَّفْ مِنكم أحَدٌ إلّا امْرَأتُكَ، فَإنَّها تَتَخَلَّفُ، والمُلْجِئُ إلى هَذا التَّأْوِيلِ البَعِيدِ الفِرارُ مِن تُناقِضِ القِراءَتَيْنِ، والضَّمِيرُ في ﴿إنَّهُ مُصِيبُها ما أصابَهُمْ﴾ لِلشَّأْنِ، والجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ ﴿إنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَقْلِيلٌ لِما تَقَدَّمَ مِنَ الأمْرِ بِالإسْراءِ والنَّهْيِ عَنِ الِالتِفاتِ، والمَعْنى: أنَّ مَوْعِدَ عَذابِهِمُ الصُّبْحُ المُسْفِرُ عَنْ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، والِاسْتِفْهامُ في ﴿ألَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ لِلْإنْكارِ التَّقْرِيرِيِّ، والجُمْلَةُ تَأْكِيدٌ لِلتَّعْلِيلِ.
وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ ألَيْسَ الصُّبُحُ بِضَمِّ الباءِ وهي لُغَةٌ، ولَعَلَّ جَعْلَ الصُّبْحِ مِيقاتًا لِهَلاكِهِمْ لِكَوْنِ النُّفُوسِ فِيهِ أسْكَنَ، والنّاسُ فِيهِ مُجْتَمِعُونَ لَمْ يَتَفَرَّقُوا إلى أعْمالِهِمْ.
﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ أيْ الوَقْتُ المَضْرُوبُ لِوُقُوعِ العَذابِ فِيهِ، أوِ المُرادُ بِالأمْرِ نَفْسُ العَذابِ ﴿جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها﴾ أيْ عالِيَ قُرى قَوْمِ لُوطٍ سافِلَها، والمَعْنى: أنَّهُ قَلَبَها عَلى هَذِهِ الهَيْئَةِ، وهي كَوْنُ عالِيها صارَ سافِلَها وسافِلِها صارَ عالِيَها، وذَلِكَ لِأنَّ جِبْرِيلَ أدْخَلَ جَناحَهُ تَحْتَها فَرَفَعَها مِن تَخُومِ الأرْضِ حَتّى أدْناها مِنَ السَّماءِ ثُمَّ قَلَبَها عَلَيْهِمْ ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ قِيلَ: إنَّهُ يُقالُ أمْطَرْنا في العَذابِ ومَطَرْنا في الرَّحْمَةِ، وقِيلَ هُما لُغَتانِ، يُقالُ: مَطَرَتِ السَّماءُ وأمْطَرَتْ حَكى ذَلِكالهَرَوِيُّ، والسِّجِّيلُ: الطِّينُ المُتَحَجِّرُ بِطَبْخٍ أوْ غَيْرِهِ، وقِيلَ هو الشَّدِيدُ الصُّلْبُ مِنَ الحِجارَةِ، وقِيلَ السِّجِّيلُ الكَثِيرُ، وقِيلَ إنَّ السِّجِّيلَ لَفْظَةٌ غَيْرُ عَرَبِيَّةٍ، أصْلُهُ سِجْ وجِيلْ، وهَمّا بِالفارِسِيَّةِ حَجَرٌ وطِينٌ عَرَّبَتْهُما العَرَبُ فَجَعَلَتْهُما اسْمًا واحِدًا، وقِيلَ هو مِن لُغَةِ العَرَبِ.
وذَكَرَ الهَرَوِيُّ: أنَّ السِّجِّيلَ اسْمٌ لِسَماءِ الدُّنْيا.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا ضَعِيفٌ يَرُدُّهُ وصْفُهُ بِمَنضُودٍ، وقِيلَ هو بَحْرٌ مُعَلَّقٌ في الهَواءِ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، وقِيلَ هي جِبالٌ في السَّماءِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: هو مِنَ التَّسْجِيلِ لَهم: أيْ ما كُتِبَ لَهم مِنَ العَذابِ فَهو في مَعْنى سِجِّينٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أدْراكَ ما سِجِّينٌ﴾ ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ [المطففين: ٨، ٩] وقِيلَ هو مَن أسْجَلْتُهُ إذا أعْطَيْتُهُ، فَكَأنَّهُ عَذابٌ أُعْطُوهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎مَن يُساجِلْنِي يُساجِلْ ماجِدًا ∗∗∗ يَمْلَأُ الدَّلْوَ إلى عَقْدِ الكَرَبْ
ومَعْنى مَنضُودٍ أنَّهُ نُضِّدَ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ، وقِيلَ بَعْضُهُ في أثَرِ بَعْضٍ، يُقالُ: نَضَّدْتُ المَتاعَ: إذا جَعَلْتُ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ، فَهو مَنضُودٌ ونَضِيدٌ.
والمُسَوَّمَةُ: المُعَلَّمَةُ أيِ الَّتِي لَها عَلامَةٌ: قِيلَ: كانَ عَلَيْها أمْثالُ الخَواتِيمِ، وقِيلَ: مَكْتُوبٌ عَلى كُلِّ حَجَرٍ اسْمُ مَن رُمِيَ بِهِ.
وقالَ الفَرّاءُ: زَعَمُوا أنَّها كانَتْ مُخَطَّطَةً بِحُمْرَةٍ وسَوادٍ في بَياضٍ.
فَذَلِكَ تَسْوِيمُها، ومَعْنى ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ في خَزائِنِهِ ﴿وما هي مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ أيْ وما هَذِهِ الحِجارَةُ المَوْصُوفَةُ مِنَ الظّالِمِينَ وهم قَوْمُ لُوطٍ بِبَعِيدٍ، أوْ ما هي مِن كُلِّ ظالِمٍ مِنَ الظَّلَمَةِ ومِنهم كُفّارُ قُرَيْشٍ ومَن عاضَدَهم عَلى الكُفْرِ بِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِبَعِيدٍ، فَهم لِظُلْمِهِمْ مُسْتَحِقُّونَ لَها.
وقِيلَ: ﴿وما هِيَ﴾ أيْ قُرى ﴿مِنَ الظّالِمِينَ﴾ مَن كَفَرَ بِالنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِبَعِيدٍ فَإنَّها بَيْنَ الشّامِ والمَدِينَةِ.
وفِي إمْطارِ الحِجارَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها أُمْطِرَتْ عَلى المُدُنِ حِينَ رَفَعَها جِبْرِيلُ.
والثّانِي: أنَّها أُمْطِرَتْ عَلى مَن لَمْ يَكُنْ في المُدُنِ مِن أهْلِها وكانَ خارِجًا عَنْها.
وتَذْكِيرُ البَعِيدِ عَلى تَأْوِيلِ الحِجارَةِ بِالحَجَرِ أوْ إجْراءً لَهُ عَلى مَوْصُوفٍ مُذَكَّرٍ: أيْ شَيْءٍ بَعِيدٍ، أوْ مَكانٍ بَعِيدٍ، أوْ لِكَوْنِهِ مَصْدَرًا كالزَّفِيرِ والصَّهِيلِ، والمَصادِرُ يَسْتَوِي في الوَصْفِ بِها المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ قالَ: ساءَ ظَنًّا بِقَوْمِهِ، وضاقَ ذَرْعًا بِأضْيافِهِ ﴿وقالَ هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ يَقُولُ: شَدِيدٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿يُهْرَعُونَ إلَيْهِ﴾ قالَ: يُسْرِعُونَ ﴿ومِن قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ قالَ: يَأْتُونَ الرِّجالَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: ﴿يُهْرَعُونَ إلَيْهِ﴾ يَسْتَمِعُونَ إلَيْهِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿هَؤُلاءِ بَناتِي﴾ قالَ: ما عَرَضَ لُوطٌ (p-٦٦٩)بَناتَهُ عَلى قَوْمِهِ لا سِفاحًا ولا نِكاحًا، إنَّما قالَ هَؤُلاءِ نِساؤُكم، لِأنَّ النَّبِيَّ إذا كانَ بَيْنَ ظَهْرانَيْ قَوْمٍ فَهو أبُوهم، قالَ اللَّهُ تَعالى في القُرْآنِ: ﴿وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦] وهو أبُوهم في قِراءَةِ أُبَيٍّ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: لَمْ تَكُنْ بَناتُهُ ولَكِنْ كُنَّ مِن أُمَّتِهِ، وكُلُّ نَبِيٍّ أبُو أُمَّتِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ عَساكِرَ عَنِ السُّدِّيِّ نَحْوَهُ.
قالَ: وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وهو أبٌ لَهم وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ قالَ: عَرَضَ عَلَيْهِمْ بَناتَهُ تَزْوِيجًا، وأرادَ أنْ يَقِيَ أضْيافَهُ بِتَزْوِيجِ بَناتِهِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تُخْزُونِي في ضَيْفِي﴾ قالَ: لا تَفْضَحُونِي.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي مالِكٍ ﴿ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ قالَ: رَجُلٌ يَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهى عَنِ المُنْكَرِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ قالَ: واحِدٌ يَقُولُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ عِكْرِمَةَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ ﴿وإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾ قالَ: إنَّما نُرِيدُ الرِّجالَ قالَ لُوطٌ ﴿لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ يَقُولُ: إلى جُنْدٍ شَدِيدٍ لِمُقاتَلَتِكم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ قالَ: عَشِيرَةٍ.
وقَدْ ثَبَتَ في البُخارِيِّ وغَيْرِهِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «يَغْفِرُ اللَّهُ لِلُوطٍ إنْ كانَ يَأْوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ» وهو مَرْوِيٌّ في غَيْرِ الصَّحِيحِ مِن طَرِيقِ غَيْرِهِ مِنَ الصَّحابَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ قالَ: جَوْفِ اللَّيْلِ.
وأخْرَجا عَنْهُ قالَ: بِسَوادِ اللَّيْلِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: بِطائِفَةٍ مِنَ اللَّيْلِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ﴾ قالَ: لا يَتَخَلَّفُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ﴾ قالَ: لا يَنْظُرُ وراءَهُ أحَدٌ ﴿إلّا امْرَأتَكَ﴾ .
وأخْرَجَ أبُو عَبِيدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ هارُونَ قالَ: في حَرْفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ إلّا امْرَأتَكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها﴾ قالَ: لَمّا أصْبَحُوا عَدا جِبْرِيلُ عَلى قَرْيَتِهِمْ فَقَلَعَها مِن أرْكانِها، ثُمَّ أدْخَلَ جَناحَهُ ثُمَّ حَمَلَها عَلى خَوافِي جَناحِهِ بِما فِيها ثُمَّ صَعِدَ بِها إلى السَّماءِ حَتّى سَمِعَ أهْلُ السَّماءِ نُباحَ كِلابِهِمْ، ثُمَّ قَلَبَها، فَكانَ أوَّلَ ما سَقَطَ مِنها سُرادِقُها، فَلَمْ يُصِبْ قَوْمًا ما أصابَهم، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ طَمَسَ عَلى أعْيُنِهِمْ، ثُمَّ قُلِبَتْ قَرْيَتُهم، وأُمْطِرَ عَلَيْهِمْ حِجارَةٌ مِن سِجِّيلٍ.
وقَدْ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ رِواياتٍ وقَصَصًا في كَيْفِيَّةِ هَلاكِ قَوْمِ لُوطٍ طَوِيلَةً مُتَخالِفَةً، ولَيْسَ في ذِكْرِها فائِدَةٌ لا سِيَّما وبَيْنَ مَن قالَ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ وبَيْنَ هَلاكِ قَوْمِ لُوطٍ دَهْرٌ طَوِيلٌ لا يَتَيَسَّرُ لَهُ في مِثْلِهِ إسْنادٌ صَحِيحٌ، وغالِبُ ذَلِكَ مَأْخُوذٌ عَنْ أهْلِ الكِتابِ، وحالُهم في الرِّوايَةِ مَعْرُوفٌ.
وقَدْ أُمِرْنا بِأنّا لا نُصَدِّقُهم ولا نُكَذِّبُهم، فاعْرِفْ هَذا، فَهو الوَجْهُ في حَذْفِنا لِكَثِيرٍ مِن هَذِهِ الرِّواياتِ الكائِنَةِ في قَصَصِ الأنْبِياءِ وقَوْمِهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما هي مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ قالَ: يُرْهِبُ بِها قُرَيْشًا أنْ يُصِيبَهم ما أصابَ القَوْمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في الآيَةِ قالَ: مِن ظَلَمَةِ العَرَبِ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا فَيُعَذَّبُوا بِها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: مِن ظالِمِي هَذِهِ الأُمَّةِ.
هود 11:83
(p-٦٦٧)لَمّا خَرَجَتِ المَلائِكَةُ مِن عِنْدِ إبْراهِيمَ وكانَ بَيْنَ إبْراهِيمَ وقَرْيَةِ لُوطٍ أرْبَعَةُ فَراسِخَ جاءُوا إلى لُوطٍ، فَلَمّا رَآهم لُوطٌ وكانُوا في صُورَةِ غِلْمانٍ حِسانٍ مُرْدٍ ﴿سِيءَ بِهِمْ﴾ أيْ ساءَهُ مَجِيئُهم، يُقالُ: ساءَهُ يَسُوءُهُ، وأصْلُ سِيءَ بِهِمْ سُوِئَ بِهِمْ نُقِلَتْ حَرَكَةُ الواوِ إلى السِّينِ فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً، ولَمّا خُفِّفَتِ الهَمْزَةُ أُلْقِيَتْ حَرَكَتُها عَلى الياءِ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ وأبُو عَمْرٍو بِإشْمامِ السِّينِ الضَّمَّ ﴿وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ قالَ الأزْهَرِيُّ: الذَّرْعُ يُوضَعُ مَوْضِعَ الطّاقَةِ، وأصْلُهُ أنَّ البَعِيرَ يَذْرَعُ بِيَدِهِ في سَيْرِهِ عَلى قَدْرِ سِعَةِ خَطْوِهِ: أيْ يَبْسُطُها، فَإذا حُمِلَ عَلَيْهِ أكْثَرُ مِن طاقَتِهِ ضاقَ ذَرْعُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَجُعِلَ ضِيقُ الذَّرْعِ كِنايَةً عَنْ قِلَّةِ الوُسْعِ والطّاقَةِ وشِدَّةِ الأمْرِ، وقِيلَ: هو مِن ذَرَعَهُ القَيْءُ: إذا غَلَبَهُ وضاقَ عَنْ حَبْسِهِ.
والمَعْنى أنَّهُ ضاقَ صَدْرُهُ لَمّا رَأى المَلائِكَةَ في تِلْكَ الصُّورَةِ خَوْفًا عَلَيْهِمْ مِن قَوْمِهِ لِما يَعْلَمُ مِن فِسْقِهِمْ وارْتِكابِهِمْ لِفاحِشَةِ اللِّواطِ ﴿وقالَ هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ أيْ شَدِيدٌ.
قالَ الشّاعِرُ:
؎وإنَّكَ إنْ لَمْ تَرْضَ بَكْرَ بْنَ وائِلٍ يَكُنْ لَكَ يَوْمٌ بِالعِراقِ عَصِيبُ
يُقالُ: عَصِيبٌ وعُصَيْصِبٌ وعَصَوْصَبٌ عَلى التَّكْثِيرِ: أيْ يَوْمٌ مَكْرُوهٌ يَجْتَمِعُ فِيهِ الشَّرُّ، ومِنهُ قِيلَ: عُصْبَةٌ وعِصابَةٌ: أيْ مُجْتَمِعُو الكَلِمَةِ، ورَجُلٌ مَعْصُوبٌ: أيْ مُجْتَمِعُ الخَلْقِ.
﴿وجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إلَيْهِ﴾ أيْ جاءُوا لُوطًا، الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
ومَعْنى يُهْرَعُونَ إلَيْهِ: يُسْرِعُونَ إلَيْهِ.
قالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ وغَيْرُهُما مِن أهْلِ اللُّغَةِ: لا يَكُونُ الإهْراعُ إلّا إسْراعًا مَعَ رِعْدَةٍ، يُقالُ: أهْرَعَ الرَّجُلُ إهْراعًا: أيْ أسْرَعَ في رِعْدَةٍ مِن بَرْدٍ أوْ غَضَبٍ أوْ حُمّى، قالَ مُهَلْهَلٌ:
؎فَجاءُوا يُهْرَعُونَ وهم أُسارى ∗∗∗ نُهُودُهُمُ عَلى رَغْمِ الأُنُوفِ
وقِيلَ يُهْرَعُونَ: يُهَرْوِلُونَ، وقِيلَ: هو مَشْيٌ بَيْنَ الهَرْوَلَةِ والعَدْوِ.
والمَعْنى: أنَّ قَوْمَ لُوطٍ لَمّا بَلَغَهم مَجِيءُ المَلائِكَةِ في تِلْكَ الصُّورَةِ أسْرَعُوا إلَيْهِ، كَأنَّما يُدْفَعُونَ دَفْعًا لِطَلَبِ الفاحِشَةِ مِن أضْيافِهِ ﴿ومِن قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ أيْ ومِن قَبْلِ مَجِيءِ الرُّسُلِ في هَذا الوَقْتِ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ، وقِيلَ: ومِن قَبْلِ لُوطٍ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ: أيْ كانَتْ عادَتُهم إتْيانَ الرِّجالِ، فَلَمّا جاءُوا إلى لُوطٍ، وقَصَدُوا أضْيافَهُ لِذَلِكَ العَمَلِ، قامَ إلَيْهِمْ لُوطٌ مُدافِعًا ﴿قالَ ياقَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أطْهَرُ لَكم﴾ أيْ تَزَوَّجُوهُنَّ، ودَعُوا ما تَطْلُبُونَهُ مِنَ الفاحِشَةِ بِأضْيافِي، وقَدْ كانَ لَهُ ثَلاثُ بَناتٍ، وقِيلَ اثْنَتانِ، وكانُوا يَطْلُبُونَ مِنهُ أنْ يُزَوِّجَهم بِهِنَّ فَيَمْتَنِعُ لِخُبْثِهِمْ، وكانَ لَهم سَيِّدانِ مُطاعانِ فَأرادَ أنْ يُزَوِّجَهُما بِنْتَيْهِ، وقِيلَ أرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿هَؤُلاءِ بَناتِي﴾ النِّساءَ جُمْلَةً، لِأنَّ نَبِيَّ القَوْمِ أبٌ لَهم، وقالَتْ طائِفَةٌ: إنَّما كانَ هَذا القَوْلُ مِنهُ عَلى طَرِيقِ المُدافَعَةِ ولَمْ يُرِدِ الحَقِيقَةَ.
ومَعْنى ﴿هُنَّ أطْهَرُ لَكُمْ﴾ أيْ أحَلُّ وأنْزَهُ، والتَّطَهُّرُ: التَّنَزُّهُ عَمّا لا يَحِلُّ، ولَيْسَ في صِيغَةِ أطْهَرُ دَلالَةً عَلى التَّفْضِيلِ، بَلْ هي مِثْلُ اللَّهُ أكْبَرُ، وقَرَأ الحَسَنُ وعِيسى بْنُ عُمَرَ بِنَصْبِ أطْهَرُ، وقَرَأ الباقُونَ بِالرَّفْعِ، ووَجْهُ النَّصْبِ أنْ يَكُونَ اسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأً وخَبَرُهُ بَناتِي، وهُنَّ ضَمِيرُ فَصْلٍ، وأطْهَرُ حالٌ.
وقَدْ مَنَعَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ والأخْفَشُ مِثْلَ هَذا، لِأنَّ ضَمِيرَ الفَصْلِ الَّذِي يُسَمّى عِمادًا إنَّما يَكُونُ بَيْنَ كَلامَيْنِ بِحَيْثُ لا يَتِمُّ الكَلامُ إلّا بِما بَعْدَها، نَحْوَ كانَ زَيْدٌ هو أخاكَ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِي في ضَيْفِي﴾ أيِ اتَّقَوُا اللَّهَ بِتَرْكِ ما تُرِيدُونَ مِنَ الفاحِشَةِ بِهِمْ، ولا تُذِلُّونِي وتَجْلِبُوا عَلَيَّ العارَ في ضَيْفِي، والضَّيْفُ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ والِاثْنَيْنِ والجَماعَةِ، لِأنَّهُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لا تَعْدَمِي الدَّهْرَ شِفارَ الجازِرِ ∗∗∗ لِلضَّيْفِ والضَّيْفُ أحَقُّ زائِرِ
ويَجُوزُ فِيهِ التَّثْنِيَةُ والجَمْعُ، والأوَّلُ أكْثَرُ.
يُقالُ: خَزِيَ الرَّجُلُ خَزايَةً: أيِ اسْتَحْيا أوْ ذَلَّ أوْ هانَ، وخَزِيَ خِزْيًا: إذا افْتَضَحَ، ومَعْنى في ضَيْفِي: في حَقِّ ضَيْفِي، فَخِزْيُ الضَّيْفِ خِزْيٌ لِلْمُضِيفِ، ثُمَّ وبَّخَهم فَقالَ: ﴿ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ يُرْشِدُكم إلى تَرْكِ هَذا العَمَلِ القَبِيحِ ويَمْنَعُكم مِنهُ.
فَأجابُوا عَلَيْهِ مُعْرِضِينَ عَمّا نَصَحَهم بِهِ، وأرْشَدَهم إلَيْهِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ﴾ أيْ ما لَنا فِيهِمْ مِن شَهْوَةٍ ولا حاجَةٍ، لِأنَّ مَنِ احْتاجَ إلى شَيْءٍ فَكَأنَّهُ حَصَلَ لَهُ فِيهِ نَوْعُ حَقٍّ.
ومَعْنى ما نَسَبُوهُ إلَيْهِ مِنَ العِلْمِ أنَّهُ قَدْ عَلِمَ مِنهُمُ المُكالَبَةَ عَلى إتْيانِ الذُّكُورِ وشِدَّةِ الشَّهْوَةِ إلَيْهِمْ، فَهم مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ كَأنَّهم لا حاجَةَ لَهم إلى النِّساءِ، ويُمْكِنُ أنْ يُرِيدُوا: أنَّهُ لا حَقَّ لَنا في نِكاحِهِنَّ، لِأنَّهُ لا يَنْكِحُهُنَّ ويَتَزَوَّجُ بِهِنَّ إلّا مُؤْمِنٌ ونَحْنُ لا نُؤْمِنُ أبَدًا، وقِيلَ: إنَّهم كانُوا قَدْ خَطَبُوا بَناتَهُ مِن قَبْلُ فَرَدَّهم، وكانَ مِن سُنَّتِهِمْ أنَّ مَن خَطَبَ فَرُدَّ فَلا تَحِلُّ المَخْطُوبَةُ أبَدًا ﴿وإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾ مِن إتْيانِ الذُّكُورِ.
ثُمَّ إنَّهُ لَمّا عَلِمَ تَصْمِيمَهم عَلى الفاحِشَةِ وأنَّهم لا يَتْرُكُونَ ما قَدْ طَلَبُوهُ ﴿قالَ لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً﴾ وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: لَدافَعْتُكم عَنْهم ومَنَعْتُكم مِنهم، وهَذا مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى طَرِيقِ التَّمَنِّي: أيْ لَوْ وجَدْتُ مُعِينًا وناصِرًا، فَسَمّى ما يُتَقَوّى بِهِ قُوَّةً ﴿أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ عَطْفٌ عَلى ما بَعْدَ لَوْ لِما فِيهِ مِن مَعْنى الفِعْلِ، والتَّقْدِيرُ: لَوْ قَوِيتُ عَلى دَفْعِكم أوْ آوَيْتُ إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ.
وقُرِئَ أوْ آوِيَ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى قُوَّةً كَأنَّهُ قالَ: لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً، أوْ إيواءً إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ، ومُرادُهُ بِالرُّكْنِ الشَّدِيدِ: العَشِيرَةُ، وما يَمْتَنِعُ بِهِ عَنْهم هو ومَن مَعَهُ، وقِيلَ أرادَ بِالقُوَّةِ الوَلَدَ، وبِالرُّكْنِ الشَّدِيدِ: مَن يَنْصُرُهُ مِن غَيْرِ ولَدِهِ، وقِيلَ أرادَ بِالقُوَّةِ: قَوَّتَهُ في نَفْسِهِ.
ولَمّا سَمِعَتْهُ المَلائِكَةُ يَقُولُ هَذِهِ المَقالَةَ، ووَجَدُوا قَوْمَهُ قَدْ غَلَبُوهُ وعَجَزَ عَنْ مُدافَعَتِهِمْ ﴿قالُوا يالُوطُ إنّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ﴾ أخْبَرُوهُ أوَّلًا أنَّهم رُسُلُ رَبِّهِ ثُمَّ بَشَّرُوهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ﴾ وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُوَضِّحَةٌ ما قَبْلَها، لِأنَّهم إذا كانُوا مُرْسَلِينَ مِن عِنْدِ اللَّهِ إلَيْهِ لَمْ يَصِلْ عَدُوُّهُ إلَيْهِ ولَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، ثُمَّ أمَرُوهُ أنْ يَخْرُجَ عَنْهم فَقالُوا لَهُ: ﴿فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ قَرَأ (p-٦٦٨)نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ بِالوَصْلِ، وقَرَأ غَيْرُهُما بِالقَطْعِ، وهُما لُغَتانِ فَصِيحَتانِ.
قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿واللَّيْلِ إذا يَسْرِي﴾ [الفجر: ٤] وقالَ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى﴾ [الإسراء: ١] وقَدْ جَمَعَ الشّاعِرُ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ فَقالَ:
؎حَيُّ النَّضِيرِ ورَبَّةُ الخِدْرِ ∗∗∗ أسْرَتْ عَلَيْهِ ولَمْ تَكُنْ تَسْرِي
وقِيلَ: إنَّ أسْرى لِلْمَسِيرِ مِن أوَّلِ اللَّيْلِ، وسَرى لِلْمَسِيرِ مِن آخِرِهِ، والقِطْعُ مِنَ اللَّيْلِ: الطّائِفَةُ مِنهُ.
قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: ﴿بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾: بِساعَةٍ مِنهُ، وقالَ الأخْفَشُ: بِجُنْحٍ مِنَ اللَّيْلِ، وقِيلَ: بِظُلْمَةٍ مِنَ اللَّيْلِ، وقِيلَ: بَعْدَ هُدُوٍّ مِنَ اللَّيْلِ.
قِيلَ: إنَّ السُّرى لا يَكُونُ إلّا في اللَّيْلِ، فَما وجْهُ زِيادَةِ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ ؟ قِيلَ: لَوْ لَمْ يَقُلْ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ لَجازَ أنْ يَكُونَ في أوَّلِهِ قَبْلَ اجْتِماعِ الظُّلْمَةِ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِمُرادٍ ﴿ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ﴾ أيْ لا يَنْظُرْ إلى ما وراءَهُ، أوْ يَشْتَغِلْ بِما خَلْفَهُ مِن مالٍ أوْ غَيْرِهِ.
قِيلَ: وجْهُ النَّهْيِ عَنِ الِالتِفاتِ أنْ لا يَرَوْا عَذابَ قَوْمِهِمْ، وهَوْلَ ما نَزَلَ بِهِمْ فَيَرْحَمُوهم ويَرِقُّوا لَهم، أوْ لِئَلّا يَنْقَطِعُوا عَنِ السَّيْرِ المَطْلُوبِ مِنهم بِما يَقَعُ مِنَ الِالتِفاتِ، فَإنَّهُ لا بُدَّ لِلْمُلْتَفِتِ مِن فَتْرَةٍ في سَيْرِهِ ﴿إلّا امْرَأتَكَ﴾ بِالنَّصْبِ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ بِالرَّفْعِ عَلى البَدَلِ، فَعَلى القِراءَةِ الأُولى امْرَأتُهُ مُسْتَثْناةٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَأسْرِ بِأهْلِكَ﴾ أيْ أسْرِ بِأهْلِكَ جَمِيعًا إلّا امْرَأتَكَ فَلا تَسْرِ بِها، فَ ﴿إنَّهُ مُصِيبُها ما أصابَهُمْ﴾ مِنَ العَذابِ، وهو رَمْيُهم بِالحِجارَةِ لِكَوْنِها كانَتْ كافِرَةً، وأنْكَرَ قِراءَةَ الرَّفْعِ جَماعَةٌ مِنهم أبُو عُبَيْدٍ وقالَ: لا يَصِحُّ ذَلِكَ إلّا بِرَفْعِ يَلْتَفِتْ ويَكُونُ نَعْتًا، لِأنَّ المَعْنى يَصِيرُ إذا أبْدَلْتَ وجَزَمْتَ أنَّ المَرْأةَ أُبِيحَ لَها الِالتِفاتُ ولَيْسَ المَعْنى كَذَلِكَ.
قالَ النَّحّاسُ: وهَذا العَمَلُ مِن أبِي عُبَيْدٍ وغَيْرِهِ عَلى مِثْلِ أبِي عَمْرٍو مَعَ جَلالَتِهِ ومَحَلِّهِ مِنَ العَرَبِيَّةِ لا يَجِبُ أنْ يَكُونَ، والرَّفْعُ عَلى البَدَلِ لَهُ مَعْنًى صَحِيحٌ، وهو أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مِنَ النَّهْيِ عَنِ الِالتِفاتِ: أيْ لا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ إلّا امْرَأتُكَ فَإنَّها تَلْتَفِتُ وتَهْلَكُ، وقِيلَ: إنَّ الرَّفْعَ عَلى البَدَلِ مِن أحَدٌ، ويَكُونُ الِالتِفاتُ بِمَعْنى التَّخَلُّفِ لا بِمَعْنى النَّظَرِ إلى الخَلْفِ، فَكَأنَّهُ قالَ: ولا يَتَخَلَّفْ مِنكم أحَدٌ إلّا امْرَأتُكَ، فَإنَّها تَتَخَلَّفُ، والمُلْجِئُ إلى هَذا التَّأْوِيلِ البَعِيدِ الفِرارُ مِن تُناقِضِ القِراءَتَيْنِ، والضَّمِيرُ في ﴿إنَّهُ مُصِيبُها ما أصابَهُمْ﴾ لِلشَّأْنِ، والجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ ﴿إنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَقْلِيلٌ لِما تَقَدَّمَ مِنَ الأمْرِ بِالإسْراءِ والنَّهْيِ عَنِ الِالتِفاتِ، والمَعْنى: أنَّ مَوْعِدَ عَذابِهِمُ الصُّبْحُ المُسْفِرُ عَنْ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، والِاسْتِفْهامُ في ﴿ألَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ لِلْإنْكارِ التَّقْرِيرِيِّ، والجُمْلَةُ تَأْكِيدٌ لِلتَّعْلِيلِ.
وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ ألَيْسَ الصُّبُحُ بِضَمِّ الباءِ وهي لُغَةٌ، ولَعَلَّ جَعْلَ الصُّبْحِ مِيقاتًا لِهَلاكِهِمْ لِكَوْنِ النُّفُوسِ فِيهِ أسْكَنَ، والنّاسُ فِيهِ مُجْتَمِعُونَ لَمْ يَتَفَرَّقُوا إلى أعْمالِهِمْ.
﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ أيْ الوَقْتُ المَضْرُوبُ لِوُقُوعِ العَذابِ فِيهِ، أوِ المُرادُ بِالأمْرِ نَفْسُ العَذابِ ﴿جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها﴾ أيْ عالِيَ قُرى قَوْمِ لُوطٍ سافِلَها، والمَعْنى: أنَّهُ قَلَبَها عَلى هَذِهِ الهَيْئَةِ، وهي كَوْنُ عالِيها صارَ سافِلَها وسافِلِها صارَ عالِيَها، وذَلِكَ لِأنَّ جِبْرِيلَ أدْخَلَ جَناحَهُ تَحْتَها فَرَفَعَها مِن تَخُومِ الأرْضِ حَتّى أدْناها مِنَ السَّماءِ ثُمَّ قَلَبَها عَلَيْهِمْ ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ قِيلَ: إنَّهُ يُقالُ أمْطَرْنا في العَذابِ ومَطَرْنا في الرَّحْمَةِ، وقِيلَ هُما لُغَتانِ، يُقالُ: مَطَرَتِ السَّماءُ وأمْطَرَتْ حَكى ذَلِكالهَرَوِيُّ، والسِّجِّيلُ: الطِّينُ المُتَحَجِّرُ بِطَبْخٍ أوْ غَيْرِهِ، وقِيلَ هو الشَّدِيدُ الصُّلْبُ مِنَ الحِجارَةِ، وقِيلَ السِّجِّيلُ الكَثِيرُ، وقِيلَ إنَّ السِّجِّيلَ لَفْظَةٌ غَيْرُ عَرَبِيَّةٍ، أصْلُهُ سِجْ وجِيلْ، وهَمّا بِالفارِسِيَّةِ حَجَرٌ وطِينٌ عَرَّبَتْهُما العَرَبُ فَجَعَلَتْهُما اسْمًا واحِدًا، وقِيلَ هو مِن لُغَةِ العَرَبِ.
وذَكَرَ الهَرَوِيُّ: أنَّ السِّجِّيلَ اسْمٌ لِسَماءِ الدُّنْيا.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا ضَعِيفٌ يَرُدُّهُ وصْفُهُ بِمَنضُودٍ، وقِيلَ هو بَحْرٌ مُعَلَّقٌ في الهَواءِ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، وقِيلَ هي جِبالٌ في السَّماءِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: هو مِنَ التَّسْجِيلِ لَهم: أيْ ما كُتِبَ لَهم مِنَ العَذابِ فَهو في مَعْنى سِجِّينٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أدْراكَ ما سِجِّينٌ﴾ ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ [المطففين: ٨، ٩] وقِيلَ هو مَن أسْجَلْتُهُ إذا أعْطَيْتُهُ، فَكَأنَّهُ عَذابٌ أُعْطُوهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎مَن يُساجِلْنِي يُساجِلْ ماجِدًا ∗∗∗ يَمْلَأُ الدَّلْوَ إلى عَقْدِ الكَرَبْ
ومَعْنى مَنضُودٍ أنَّهُ نُضِّدَ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ، وقِيلَ بَعْضُهُ في أثَرِ بَعْضٍ، يُقالُ: نَضَّدْتُ المَتاعَ: إذا جَعَلْتُ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ، فَهو مَنضُودٌ ونَضِيدٌ.
والمُسَوَّمَةُ: المُعَلَّمَةُ أيِ الَّتِي لَها عَلامَةٌ: قِيلَ: كانَ عَلَيْها أمْثالُ الخَواتِيمِ، وقِيلَ: مَكْتُوبٌ عَلى كُلِّ حَجَرٍ اسْمُ مَن رُمِيَ بِهِ.
وقالَ الفَرّاءُ: زَعَمُوا أنَّها كانَتْ مُخَطَّطَةً بِحُمْرَةٍ وسَوادٍ في بَياضٍ.
فَذَلِكَ تَسْوِيمُها، ومَعْنى ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ في خَزائِنِهِ ﴿وما هي مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ أيْ وما هَذِهِ الحِجارَةُ المَوْصُوفَةُ مِنَ الظّالِمِينَ وهم قَوْمُ لُوطٍ بِبَعِيدٍ، أوْ ما هي مِن كُلِّ ظالِمٍ مِنَ الظَّلَمَةِ ومِنهم كُفّارُ قُرَيْشٍ ومَن عاضَدَهم عَلى الكُفْرِ بِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِبَعِيدٍ، فَهم لِظُلْمِهِمْ مُسْتَحِقُّونَ لَها.
وقِيلَ: ﴿وما هِيَ﴾ أيْ قُرى ﴿مِنَ الظّالِمِينَ﴾ مَن كَفَرَ بِالنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِبَعِيدٍ فَإنَّها بَيْنَ الشّامِ والمَدِينَةِ.
وفِي إمْطارِ الحِجارَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها أُمْطِرَتْ عَلى المُدُنِ حِينَ رَفَعَها جِبْرِيلُ.
والثّانِي: أنَّها أُمْطِرَتْ عَلى مَن لَمْ يَكُنْ في المُدُنِ مِن أهْلِها وكانَ خارِجًا عَنْها.
وتَذْكِيرُ البَعِيدِ عَلى تَأْوِيلِ الحِجارَةِ بِالحَجَرِ أوْ إجْراءً لَهُ عَلى مَوْصُوفٍ مُذَكَّرٍ: أيْ شَيْءٍ بَعِيدٍ، أوْ مَكانٍ بَعِيدٍ، أوْ لِكَوْنِهِ مَصْدَرًا كالزَّفِيرِ والصَّهِيلِ، والمَصادِرُ يَسْتَوِي في الوَصْفِ بِها المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ قالَ: ساءَ ظَنًّا بِقَوْمِهِ، وضاقَ ذَرْعًا بِأضْيافِهِ ﴿وقالَ هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ يَقُولُ: شَدِيدٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿يُهْرَعُونَ إلَيْهِ﴾ قالَ: يُسْرِعُونَ ﴿ومِن قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ قالَ: يَأْتُونَ الرِّجالَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: ﴿يُهْرَعُونَ إلَيْهِ﴾ يَسْتَمِعُونَ إلَيْهِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿هَؤُلاءِ بَناتِي﴾ قالَ: ما عَرَضَ لُوطٌ (p-٦٦٩)بَناتَهُ عَلى قَوْمِهِ لا سِفاحًا ولا نِكاحًا، إنَّما قالَ هَؤُلاءِ نِساؤُكم، لِأنَّ النَّبِيَّ إذا كانَ بَيْنَ ظَهْرانَيْ قَوْمٍ فَهو أبُوهم، قالَ اللَّهُ تَعالى في القُرْآنِ: ﴿وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦] وهو أبُوهم في قِراءَةِ أُبَيٍّ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: لَمْ تَكُنْ بَناتُهُ ولَكِنْ كُنَّ مِن أُمَّتِهِ، وكُلُّ نَبِيٍّ أبُو أُمَّتِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ عَساكِرَ عَنِ السُّدِّيِّ نَحْوَهُ.
قالَ: وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وهو أبٌ لَهم وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ قالَ: عَرَضَ عَلَيْهِمْ بَناتَهُ تَزْوِيجًا، وأرادَ أنْ يَقِيَ أضْيافَهُ بِتَزْوِيجِ بَناتِهِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تُخْزُونِي في ضَيْفِي﴾ قالَ: لا تَفْضَحُونِي.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي مالِكٍ ﴿ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ قالَ: رَجُلٌ يَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهى عَنِ المُنْكَرِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ قالَ: واحِدٌ يَقُولُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ عِكْرِمَةَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ ﴿وإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾ قالَ: إنَّما نُرِيدُ الرِّجالَ قالَ لُوطٌ ﴿لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ يَقُولُ: إلى جُنْدٍ شَدِيدٍ لِمُقاتَلَتِكم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ قالَ: عَشِيرَةٍ.
وقَدْ ثَبَتَ في البُخارِيِّ وغَيْرِهِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «يَغْفِرُ اللَّهُ لِلُوطٍ إنْ كانَ يَأْوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ» وهو مَرْوِيٌّ في غَيْرِ الصَّحِيحِ مِن طَرِيقِ غَيْرِهِ مِنَ الصَّحابَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ قالَ: جَوْفِ اللَّيْلِ.
وأخْرَجا عَنْهُ قالَ: بِسَوادِ اللَّيْلِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: بِطائِفَةٍ مِنَ اللَّيْلِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ﴾ قالَ: لا يَتَخَلَّفُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ﴾ قالَ: لا يَنْظُرُ وراءَهُ أحَدٌ ﴿إلّا امْرَأتَكَ﴾ .
وأخْرَجَ أبُو عَبِيدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ هارُونَ قالَ: في حَرْفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ إلّا امْرَأتَكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها﴾ قالَ: لَمّا أصْبَحُوا عَدا جِبْرِيلُ عَلى قَرْيَتِهِمْ فَقَلَعَها مِن أرْكانِها، ثُمَّ أدْخَلَ جَناحَهُ ثُمَّ حَمَلَها عَلى خَوافِي جَناحِهِ بِما فِيها ثُمَّ صَعِدَ بِها إلى السَّماءِ حَتّى سَمِعَ أهْلُ السَّماءِ نُباحَ كِلابِهِمْ، ثُمَّ قَلَبَها، فَكانَ أوَّلَ ما سَقَطَ مِنها سُرادِقُها، فَلَمْ يُصِبْ قَوْمًا ما أصابَهم، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ طَمَسَ عَلى أعْيُنِهِمْ، ثُمَّ قُلِبَتْ قَرْيَتُهم، وأُمْطِرَ عَلَيْهِمْ حِجارَةٌ مِن سِجِّيلٍ.
وقَدْ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ رِواياتٍ وقَصَصًا في كَيْفِيَّةِ هَلاكِ قَوْمِ لُوطٍ طَوِيلَةً مُتَخالِفَةً، ولَيْسَ في ذِكْرِها فائِدَةٌ لا سِيَّما وبَيْنَ مَن قالَ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ وبَيْنَ هَلاكِ قَوْمِ لُوطٍ دَهْرٌ طَوِيلٌ لا يَتَيَسَّرُ لَهُ في مِثْلِهِ إسْنادٌ صَحِيحٌ، وغالِبُ ذَلِكَ مَأْخُوذٌ عَنْ أهْلِ الكِتابِ، وحالُهم في الرِّوايَةِ مَعْرُوفٌ.
وقَدْ أُمِرْنا بِأنّا لا نُصَدِّقُهم ولا نُكَذِّبُهم، فاعْرِفْ هَذا، فَهو الوَجْهُ في حَذْفِنا لِكَثِيرٍ مِن هَذِهِ الرِّواياتِ الكائِنَةِ في قَصَصِ الأنْبِياءِ وقَوْمِهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما هي مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ قالَ: يُرْهِبُ بِها قُرَيْشًا أنْ يُصِيبَهم ما أصابَ القَوْمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في الآيَةِ قالَ: مِن ظَلَمَةِ العَرَبِ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا فَيُعَذَّبُوا بِها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: مِن ظالِمِي هَذِهِ الأُمَّةِ.
هود 11:84
(p-٦٦٧)لَمّا خَرَجَتِ المَلائِكَةُ مِن عِنْدِ إبْراهِيمَ وكانَ بَيْنَ إبْراهِيمَ وقَرْيَةِ لُوطٍ أرْبَعَةُ فَراسِخَ جاءُوا إلى لُوطٍ، فَلَمّا رَآهم لُوطٌ وكانُوا في صُورَةِ غِلْمانٍ حِسانٍ مُرْدٍ ﴿سِيءَ بِهِمْ﴾ أيْ ساءَهُ مَجِيئُهم، يُقالُ: ساءَهُ يَسُوءُهُ، وأصْلُ سِيءَ بِهِمْ سُوِئَ بِهِمْ نُقِلَتْ حَرَكَةُ الواوِ إلى السِّينِ فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً، ولَمّا خُفِّفَتِ الهَمْزَةُ أُلْقِيَتْ حَرَكَتُها عَلى الياءِ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ وأبُو عَمْرٍو بِإشْمامِ السِّينِ الضَّمَّ ﴿وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ قالَ الأزْهَرِيُّ: الذَّرْعُ يُوضَعُ مَوْضِعَ الطّاقَةِ، وأصْلُهُ أنَّ البَعِيرَ يَذْرَعُ بِيَدِهِ في سَيْرِهِ عَلى قَدْرِ سِعَةِ خَطْوِهِ: أيْ يَبْسُطُها، فَإذا حُمِلَ عَلَيْهِ أكْثَرُ مِن طاقَتِهِ ضاقَ ذَرْعُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَجُعِلَ ضِيقُ الذَّرْعِ كِنايَةً عَنْ قِلَّةِ الوُسْعِ والطّاقَةِ وشِدَّةِ الأمْرِ، وقِيلَ: هو مِن ذَرَعَهُ القَيْءُ: إذا غَلَبَهُ وضاقَ عَنْ حَبْسِهِ.
والمَعْنى أنَّهُ ضاقَ صَدْرُهُ لَمّا رَأى المَلائِكَةَ في تِلْكَ الصُّورَةِ خَوْفًا عَلَيْهِمْ مِن قَوْمِهِ لِما يَعْلَمُ مِن فِسْقِهِمْ وارْتِكابِهِمْ لِفاحِشَةِ اللِّواطِ ﴿وقالَ هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ أيْ شَدِيدٌ.
قالَ الشّاعِرُ:
؎وإنَّكَ إنْ لَمْ تَرْضَ بَكْرَ بْنَ وائِلٍ يَكُنْ لَكَ يَوْمٌ بِالعِراقِ عَصِيبُ
يُقالُ: عَصِيبٌ وعُصَيْصِبٌ وعَصَوْصَبٌ عَلى التَّكْثِيرِ: أيْ يَوْمٌ مَكْرُوهٌ يَجْتَمِعُ فِيهِ الشَّرُّ، ومِنهُ قِيلَ: عُصْبَةٌ وعِصابَةٌ: أيْ مُجْتَمِعُو الكَلِمَةِ، ورَجُلٌ مَعْصُوبٌ: أيْ مُجْتَمِعُ الخَلْقِ.
﴿وجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إلَيْهِ﴾ أيْ جاءُوا لُوطًا، الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
ومَعْنى يُهْرَعُونَ إلَيْهِ: يُسْرِعُونَ إلَيْهِ.
قالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ وغَيْرُهُما مِن أهْلِ اللُّغَةِ: لا يَكُونُ الإهْراعُ إلّا إسْراعًا مَعَ رِعْدَةٍ، يُقالُ: أهْرَعَ الرَّجُلُ إهْراعًا: أيْ أسْرَعَ في رِعْدَةٍ مِن بَرْدٍ أوْ غَضَبٍ أوْ حُمّى، قالَ مُهَلْهَلٌ:
؎فَجاءُوا يُهْرَعُونَ وهم أُسارى ∗∗∗ نُهُودُهُمُ عَلى رَغْمِ الأُنُوفِ
وقِيلَ يُهْرَعُونَ: يُهَرْوِلُونَ، وقِيلَ: هو مَشْيٌ بَيْنَ الهَرْوَلَةِ والعَدْوِ.
والمَعْنى: أنَّ قَوْمَ لُوطٍ لَمّا بَلَغَهم مَجِيءُ المَلائِكَةِ في تِلْكَ الصُّورَةِ أسْرَعُوا إلَيْهِ، كَأنَّما يُدْفَعُونَ دَفْعًا لِطَلَبِ الفاحِشَةِ مِن أضْيافِهِ ﴿ومِن قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ أيْ ومِن قَبْلِ مَجِيءِ الرُّسُلِ في هَذا الوَقْتِ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ، وقِيلَ: ومِن قَبْلِ لُوطٍ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ: أيْ كانَتْ عادَتُهم إتْيانَ الرِّجالِ، فَلَمّا جاءُوا إلى لُوطٍ، وقَصَدُوا أضْيافَهُ لِذَلِكَ العَمَلِ، قامَ إلَيْهِمْ لُوطٌ مُدافِعًا ﴿قالَ ياقَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أطْهَرُ لَكم﴾ أيْ تَزَوَّجُوهُنَّ، ودَعُوا ما تَطْلُبُونَهُ مِنَ الفاحِشَةِ بِأضْيافِي، وقَدْ كانَ لَهُ ثَلاثُ بَناتٍ، وقِيلَ اثْنَتانِ، وكانُوا يَطْلُبُونَ مِنهُ أنْ يُزَوِّجَهم بِهِنَّ فَيَمْتَنِعُ لِخُبْثِهِمْ، وكانَ لَهم سَيِّدانِ مُطاعانِ فَأرادَ أنْ يُزَوِّجَهُما بِنْتَيْهِ، وقِيلَ أرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿هَؤُلاءِ بَناتِي﴾ النِّساءَ جُمْلَةً، لِأنَّ نَبِيَّ القَوْمِ أبٌ لَهم، وقالَتْ طائِفَةٌ: إنَّما كانَ هَذا القَوْلُ مِنهُ عَلى طَرِيقِ المُدافَعَةِ ولَمْ يُرِدِ الحَقِيقَةَ.
ومَعْنى ﴿هُنَّ أطْهَرُ لَكُمْ﴾ أيْ أحَلُّ وأنْزَهُ، والتَّطَهُّرُ: التَّنَزُّهُ عَمّا لا يَحِلُّ، ولَيْسَ في صِيغَةِ أطْهَرُ دَلالَةً عَلى التَّفْضِيلِ، بَلْ هي مِثْلُ اللَّهُ أكْبَرُ، وقَرَأ الحَسَنُ وعِيسى بْنُ عُمَرَ بِنَصْبِ أطْهَرُ، وقَرَأ الباقُونَ بِالرَّفْعِ، ووَجْهُ النَّصْبِ أنْ يَكُونَ اسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأً وخَبَرُهُ بَناتِي، وهُنَّ ضَمِيرُ فَصْلٍ، وأطْهَرُ حالٌ.
وقَدْ مَنَعَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ والأخْفَشُ مِثْلَ هَذا، لِأنَّ ضَمِيرَ الفَصْلِ الَّذِي يُسَمّى عِمادًا إنَّما يَكُونُ بَيْنَ كَلامَيْنِ بِحَيْثُ لا يَتِمُّ الكَلامُ إلّا بِما بَعْدَها، نَحْوَ كانَ زَيْدٌ هو أخاكَ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِي في ضَيْفِي﴾ أيِ اتَّقَوُا اللَّهَ بِتَرْكِ ما تُرِيدُونَ مِنَ الفاحِشَةِ بِهِمْ، ولا تُذِلُّونِي وتَجْلِبُوا عَلَيَّ العارَ في ضَيْفِي، والضَّيْفُ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ والِاثْنَيْنِ والجَماعَةِ، لِأنَّهُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لا تَعْدَمِي الدَّهْرَ شِفارَ الجازِرِ ∗∗∗ لِلضَّيْفِ والضَّيْفُ أحَقُّ زائِرِ
ويَجُوزُ فِيهِ التَّثْنِيَةُ والجَمْعُ، والأوَّلُ أكْثَرُ.
يُقالُ: خَزِيَ الرَّجُلُ خَزايَةً: أيِ اسْتَحْيا أوْ ذَلَّ أوْ هانَ، وخَزِيَ خِزْيًا: إذا افْتَضَحَ، ومَعْنى في ضَيْفِي: في حَقِّ ضَيْفِي، فَخِزْيُ الضَّيْفِ خِزْيٌ لِلْمُضِيفِ، ثُمَّ وبَّخَهم فَقالَ: ﴿ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ يُرْشِدُكم إلى تَرْكِ هَذا العَمَلِ القَبِيحِ ويَمْنَعُكم مِنهُ.
فَأجابُوا عَلَيْهِ مُعْرِضِينَ عَمّا نَصَحَهم بِهِ، وأرْشَدَهم إلَيْهِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ﴾ أيْ ما لَنا فِيهِمْ مِن شَهْوَةٍ ولا حاجَةٍ، لِأنَّ مَنِ احْتاجَ إلى شَيْءٍ فَكَأنَّهُ حَصَلَ لَهُ فِيهِ نَوْعُ حَقٍّ.
ومَعْنى ما نَسَبُوهُ إلَيْهِ مِنَ العِلْمِ أنَّهُ قَدْ عَلِمَ مِنهُمُ المُكالَبَةَ عَلى إتْيانِ الذُّكُورِ وشِدَّةِ الشَّهْوَةِ إلَيْهِمْ، فَهم مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ كَأنَّهم لا حاجَةَ لَهم إلى النِّساءِ، ويُمْكِنُ أنْ يُرِيدُوا: أنَّهُ لا حَقَّ لَنا في نِكاحِهِنَّ، لِأنَّهُ لا يَنْكِحُهُنَّ ويَتَزَوَّجُ بِهِنَّ إلّا مُؤْمِنٌ ونَحْنُ لا نُؤْمِنُ أبَدًا، وقِيلَ: إنَّهم كانُوا قَدْ خَطَبُوا بَناتَهُ مِن قَبْلُ فَرَدَّهم، وكانَ مِن سُنَّتِهِمْ أنَّ مَن خَطَبَ فَرُدَّ فَلا تَحِلُّ المَخْطُوبَةُ أبَدًا ﴿وإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾ مِن إتْيانِ الذُّكُورِ.
ثُمَّ إنَّهُ لَمّا عَلِمَ تَصْمِيمَهم عَلى الفاحِشَةِ وأنَّهم لا يَتْرُكُونَ ما قَدْ طَلَبُوهُ ﴿قالَ لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً﴾ وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: لَدافَعْتُكم عَنْهم ومَنَعْتُكم مِنهم، وهَذا مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى طَرِيقِ التَّمَنِّي: أيْ لَوْ وجَدْتُ مُعِينًا وناصِرًا، فَسَمّى ما يُتَقَوّى بِهِ قُوَّةً ﴿أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ عَطْفٌ عَلى ما بَعْدَ لَوْ لِما فِيهِ مِن مَعْنى الفِعْلِ، والتَّقْدِيرُ: لَوْ قَوِيتُ عَلى دَفْعِكم أوْ آوَيْتُ إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ.
وقُرِئَ أوْ آوِيَ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى قُوَّةً كَأنَّهُ قالَ: لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً، أوْ إيواءً إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ، ومُرادُهُ بِالرُّكْنِ الشَّدِيدِ: العَشِيرَةُ، وما يَمْتَنِعُ بِهِ عَنْهم هو ومَن مَعَهُ، وقِيلَ أرادَ بِالقُوَّةِ الوَلَدَ، وبِالرُّكْنِ الشَّدِيدِ: مَن يَنْصُرُهُ مِن غَيْرِ ولَدِهِ، وقِيلَ أرادَ بِالقُوَّةِ: قَوَّتَهُ في نَفْسِهِ.
ولَمّا سَمِعَتْهُ المَلائِكَةُ يَقُولُ هَذِهِ المَقالَةَ، ووَجَدُوا قَوْمَهُ قَدْ غَلَبُوهُ وعَجَزَ عَنْ مُدافَعَتِهِمْ ﴿قالُوا يالُوطُ إنّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ﴾ أخْبَرُوهُ أوَّلًا أنَّهم رُسُلُ رَبِّهِ ثُمَّ بَشَّرُوهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ﴾ وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُوَضِّحَةٌ ما قَبْلَها، لِأنَّهم إذا كانُوا مُرْسَلِينَ مِن عِنْدِ اللَّهِ إلَيْهِ لَمْ يَصِلْ عَدُوُّهُ إلَيْهِ ولَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، ثُمَّ أمَرُوهُ أنْ يَخْرُجَ عَنْهم فَقالُوا لَهُ: ﴿فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ قَرَأ (p-٦٦٨)نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ بِالوَصْلِ، وقَرَأ غَيْرُهُما بِالقَطْعِ، وهُما لُغَتانِ فَصِيحَتانِ.
قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿واللَّيْلِ إذا يَسْرِي﴾ [الفجر: ٤] وقالَ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى﴾ [الإسراء: ١] وقَدْ جَمَعَ الشّاعِرُ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ فَقالَ:
؎حَيُّ النَّضِيرِ ورَبَّةُ الخِدْرِ ∗∗∗ أسْرَتْ عَلَيْهِ ولَمْ تَكُنْ تَسْرِي
وقِيلَ: إنَّ أسْرى لِلْمَسِيرِ مِن أوَّلِ اللَّيْلِ، وسَرى لِلْمَسِيرِ مِن آخِرِهِ، والقِطْعُ مِنَ اللَّيْلِ: الطّائِفَةُ مِنهُ.
قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: ﴿بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾: بِساعَةٍ مِنهُ، وقالَ الأخْفَشُ: بِجُنْحٍ مِنَ اللَّيْلِ، وقِيلَ: بِظُلْمَةٍ مِنَ اللَّيْلِ، وقِيلَ: بَعْدَ هُدُوٍّ مِنَ اللَّيْلِ.
قِيلَ: إنَّ السُّرى لا يَكُونُ إلّا في اللَّيْلِ، فَما وجْهُ زِيادَةِ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ ؟ قِيلَ: لَوْ لَمْ يَقُلْ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ لَجازَ أنْ يَكُونَ في أوَّلِهِ قَبْلَ اجْتِماعِ الظُّلْمَةِ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِمُرادٍ ﴿ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ﴾ أيْ لا يَنْظُرْ إلى ما وراءَهُ، أوْ يَشْتَغِلْ بِما خَلْفَهُ مِن مالٍ أوْ غَيْرِهِ.
قِيلَ: وجْهُ النَّهْيِ عَنِ الِالتِفاتِ أنْ لا يَرَوْا عَذابَ قَوْمِهِمْ، وهَوْلَ ما نَزَلَ بِهِمْ فَيَرْحَمُوهم ويَرِقُّوا لَهم، أوْ لِئَلّا يَنْقَطِعُوا عَنِ السَّيْرِ المَطْلُوبِ مِنهم بِما يَقَعُ مِنَ الِالتِفاتِ، فَإنَّهُ لا بُدَّ لِلْمُلْتَفِتِ مِن فَتْرَةٍ في سَيْرِهِ ﴿إلّا امْرَأتَكَ﴾ بِالنَّصْبِ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ بِالرَّفْعِ عَلى البَدَلِ، فَعَلى القِراءَةِ الأُولى امْرَأتُهُ مُسْتَثْناةٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَأسْرِ بِأهْلِكَ﴾ أيْ أسْرِ بِأهْلِكَ جَمِيعًا إلّا امْرَأتَكَ فَلا تَسْرِ بِها، فَ ﴿إنَّهُ مُصِيبُها ما أصابَهُمْ﴾ مِنَ العَذابِ، وهو رَمْيُهم بِالحِجارَةِ لِكَوْنِها كانَتْ كافِرَةً، وأنْكَرَ قِراءَةَ الرَّفْعِ جَماعَةٌ مِنهم أبُو عُبَيْدٍ وقالَ: لا يَصِحُّ ذَلِكَ إلّا بِرَفْعِ يَلْتَفِتْ ويَكُونُ نَعْتًا، لِأنَّ المَعْنى يَصِيرُ إذا أبْدَلْتَ وجَزَمْتَ أنَّ المَرْأةَ أُبِيحَ لَها الِالتِفاتُ ولَيْسَ المَعْنى كَذَلِكَ.
قالَ النَّحّاسُ: وهَذا العَمَلُ مِن أبِي عُبَيْدٍ وغَيْرِهِ عَلى مِثْلِ أبِي عَمْرٍو مَعَ جَلالَتِهِ ومَحَلِّهِ مِنَ العَرَبِيَّةِ لا يَجِبُ أنْ يَكُونَ، والرَّفْعُ عَلى البَدَلِ لَهُ مَعْنًى صَحِيحٌ، وهو أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مِنَ النَّهْيِ عَنِ الِالتِفاتِ: أيْ لا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ إلّا امْرَأتُكَ فَإنَّها تَلْتَفِتُ وتَهْلَكُ، وقِيلَ: إنَّ الرَّفْعَ عَلى البَدَلِ مِن أحَدٌ، ويَكُونُ الِالتِفاتُ بِمَعْنى التَّخَلُّفِ لا بِمَعْنى النَّظَرِ إلى الخَلْفِ، فَكَأنَّهُ قالَ: ولا يَتَخَلَّفْ مِنكم أحَدٌ إلّا امْرَأتُكَ، فَإنَّها تَتَخَلَّفُ، والمُلْجِئُ إلى هَذا التَّأْوِيلِ البَعِيدِ الفِرارُ مِن تُناقِضِ القِراءَتَيْنِ، والضَّمِيرُ في ﴿إنَّهُ مُصِيبُها ما أصابَهُمْ﴾ لِلشَّأْنِ، والجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ ﴿إنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَقْلِيلٌ لِما تَقَدَّمَ مِنَ الأمْرِ بِالإسْراءِ والنَّهْيِ عَنِ الِالتِفاتِ، والمَعْنى: أنَّ مَوْعِدَ عَذابِهِمُ الصُّبْحُ المُسْفِرُ عَنْ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، والِاسْتِفْهامُ في ﴿ألَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ لِلْإنْكارِ التَّقْرِيرِيِّ، والجُمْلَةُ تَأْكِيدٌ لِلتَّعْلِيلِ.
وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ ألَيْسَ الصُّبُحُ بِضَمِّ الباءِ وهي لُغَةٌ، ولَعَلَّ جَعْلَ الصُّبْحِ مِيقاتًا لِهَلاكِهِمْ لِكَوْنِ النُّفُوسِ فِيهِ أسْكَنَ، والنّاسُ فِيهِ مُجْتَمِعُونَ لَمْ يَتَفَرَّقُوا إلى أعْمالِهِمْ.
﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ أيْ الوَقْتُ المَضْرُوبُ لِوُقُوعِ العَذابِ فِيهِ، أوِ المُرادُ بِالأمْرِ نَفْسُ العَذابِ ﴿جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها﴾ أيْ عالِيَ قُرى قَوْمِ لُوطٍ سافِلَها، والمَعْنى: أنَّهُ قَلَبَها عَلى هَذِهِ الهَيْئَةِ، وهي كَوْنُ عالِيها صارَ سافِلَها وسافِلِها صارَ عالِيَها، وذَلِكَ لِأنَّ جِبْرِيلَ أدْخَلَ جَناحَهُ تَحْتَها فَرَفَعَها مِن تَخُومِ الأرْضِ حَتّى أدْناها مِنَ السَّماءِ ثُمَّ قَلَبَها عَلَيْهِمْ ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ قِيلَ: إنَّهُ يُقالُ أمْطَرْنا في العَذابِ ومَطَرْنا في الرَّحْمَةِ، وقِيلَ هُما لُغَتانِ، يُقالُ: مَطَرَتِ السَّماءُ وأمْطَرَتْ حَكى ذَلِكالهَرَوِيُّ، والسِّجِّيلُ: الطِّينُ المُتَحَجِّرُ بِطَبْخٍ أوْ غَيْرِهِ، وقِيلَ هو الشَّدِيدُ الصُّلْبُ مِنَ الحِجارَةِ، وقِيلَ السِّجِّيلُ الكَثِيرُ، وقِيلَ إنَّ السِّجِّيلَ لَفْظَةٌ غَيْرُ عَرَبِيَّةٍ، أصْلُهُ سِجْ وجِيلْ، وهَمّا بِالفارِسِيَّةِ حَجَرٌ وطِينٌ عَرَّبَتْهُما العَرَبُ فَجَعَلَتْهُما اسْمًا واحِدًا، وقِيلَ هو مِن لُغَةِ العَرَبِ.
وذَكَرَ الهَرَوِيُّ: أنَّ السِّجِّيلَ اسْمٌ لِسَماءِ الدُّنْيا.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا ضَعِيفٌ يَرُدُّهُ وصْفُهُ بِمَنضُودٍ، وقِيلَ هو بَحْرٌ مُعَلَّقٌ في الهَواءِ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، وقِيلَ هي جِبالٌ في السَّماءِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: هو مِنَ التَّسْجِيلِ لَهم: أيْ ما كُتِبَ لَهم مِنَ العَذابِ فَهو في مَعْنى سِجِّينٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أدْراكَ ما سِجِّينٌ﴾ ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ [المطففين: ٨، ٩] وقِيلَ هو مَن أسْجَلْتُهُ إذا أعْطَيْتُهُ، فَكَأنَّهُ عَذابٌ أُعْطُوهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎مَن يُساجِلْنِي يُساجِلْ ماجِدًا ∗∗∗ يَمْلَأُ الدَّلْوَ إلى عَقْدِ الكَرَبْ
ومَعْنى مَنضُودٍ أنَّهُ نُضِّدَ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ، وقِيلَ بَعْضُهُ في أثَرِ بَعْضٍ، يُقالُ: نَضَّدْتُ المَتاعَ: إذا جَعَلْتُ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ، فَهو مَنضُودٌ ونَضِيدٌ.
والمُسَوَّمَةُ: المُعَلَّمَةُ أيِ الَّتِي لَها عَلامَةٌ: قِيلَ: كانَ عَلَيْها أمْثالُ الخَواتِيمِ، وقِيلَ: مَكْتُوبٌ عَلى كُلِّ حَجَرٍ اسْمُ مَن رُمِيَ بِهِ.
وقالَ الفَرّاءُ: زَعَمُوا أنَّها كانَتْ مُخَطَّطَةً بِحُمْرَةٍ وسَوادٍ في بَياضٍ.
فَذَلِكَ تَسْوِيمُها، ومَعْنى ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ في خَزائِنِهِ ﴿وما هي مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ أيْ وما هَذِهِ الحِجارَةُ المَوْصُوفَةُ مِنَ الظّالِمِينَ وهم قَوْمُ لُوطٍ بِبَعِيدٍ، أوْ ما هي مِن كُلِّ ظالِمٍ مِنَ الظَّلَمَةِ ومِنهم كُفّارُ قُرَيْشٍ ومَن عاضَدَهم عَلى الكُفْرِ بِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِبَعِيدٍ، فَهم لِظُلْمِهِمْ مُسْتَحِقُّونَ لَها.
وقِيلَ: ﴿وما هِيَ﴾ أيْ قُرى ﴿مِنَ الظّالِمِينَ﴾ مَن كَفَرَ بِالنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِبَعِيدٍ فَإنَّها بَيْنَ الشّامِ والمَدِينَةِ.
وفِي إمْطارِ الحِجارَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها أُمْطِرَتْ عَلى المُدُنِ حِينَ رَفَعَها جِبْرِيلُ.
والثّانِي: أنَّها أُمْطِرَتْ عَلى مَن لَمْ يَكُنْ في المُدُنِ مِن أهْلِها وكانَ خارِجًا عَنْها.
وتَذْكِيرُ البَعِيدِ عَلى تَأْوِيلِ الحِجارَةِ بِالحَجَرِ أوْ إجْراءً لَهُ عَلى مَوْصُوفٍ مُذَكَّرٍ: أيْ شَيْءٍ بَعِيدٍ، أوْ مَكانٍ بَعِيدٍ، أوْ لِكَوْنِهِ مَصْدَرًا كالزَّفِيرِ والصَّهِيلِ، والمَصادِرُ يَسْتَوِي في الوَصْفِ بِها المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ قالَ: ساءَ ظَنًّا بِقَوْمِهِ، وضاقَ ذَرْعًا بِأضْيافِهِ ﴿وقالَ هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ يَقُولُ: شَدِيدٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿يُهْرَعُونَ إلَيْهِ﴾ قالَ: يُسْرِعُونَ ﴿ومِن قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ قالَ: يَأْتُونَ الرِّجالَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: ﴿يُهْرَعُونَ إلَيْهِ﴾ يَسْتَمِعُونَ إلَيْهِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿هَؤُلاءِ بَناتِي﴾ قالَ: ما عَرَضَ لُوطٌ (p-٦٦٩)بَناتَهُ عَلى قَوْمِهِ لا سِفاحًا ولا نِكاحًا، إنَّما قالَ هَؤُلاءِ نِساؤُكم، لِأنَّ النَّبِيَّ إذا كانَ بَيْنَ ظَهْرانَيْ قَوْمٍ فَهو أبُوهم، قالَ اللَّهُ تَعالى في القُرْآنِ: ﴿وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦] وهو أبُوهم في قِراءَةِ أُبَيٍّ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: لَمْ تَكُنْ بَناتُهُ ولَكِنْ كُنَّ مِن أُمَّتِهِ، وكُلُّ نَبِيٍّ أبُو أُمَّتِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ عَساكِرَ عَنِ السُّدِّيِّ نَحْوَهُ.
قالَ: وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وهو أبٌ لَهم وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ قالَ: عَرَضَ عَلَيْهِمْ بَناتَهُ تَزْوِيجًا، وأرادَ أنْ يَقِيَ أضْيافَهُ بِتَزْوِيجِ بَناتِهِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تُخْزُونِي في ضَيْفِي﴾ قالَ: لا تَفْضَحُونِي.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي مالِكٍ ﴿ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ قالَ: رَجُلٌ يَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهى عَنِ المُنْكَرِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ قالَ: واحِدٌ يَقُولُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ عِكْرِمَةَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ ﴿وإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾ قالَ: إنَّما نُرِيدُ الرِّجالَ قالَ لُوطٌ ﴿لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ يَقُولُ: إلى جُنْدٍ شَدِيدٍ لِمُقاتَلَتِكم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ قالَ: عَشِيرَةٍ.
وقَدْ ثَبَتَ في البُخارِيِّ وغَيْرِهِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «يَغْفِرُ اللَّهُ لِلُوطٍ إنْ كانَ يَأْوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ» وهو مَرْوِيٌّ في غَيْرِ الصَّحِيحِ مِن طَرِيقِ غَيْرِهِ مِنَ الصَّحابَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ قالَ: جَوْفِ اللَّيْلِ.
وأخْرَجا عَنْهُ قالَ: بِسَوادِ اللَّيْلِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: بِطائِفَةٍ مِنَ اللَّيْلِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ﴾ قالَ: لا يَتَخَلَّفُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ﴾ قالَ: لا يَنْظُرُ وراءَهُ أحَدٌ ﴿إلّا امْرَأتَكَ﴾ .
وأخْرَجَ أبُو عَبِيدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ هارُونَ قالَ: في حَرْفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ إلّا امْرَأتَكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها﴾ قالَ: لَمّا أصْبَحُوا عَدا جِبْرِيلُ عَلى قَرْيَتِهِمْ فَقَلَعَها مِن أرْكانِها، ثُمَّ أدْخَلَ جَناحَهُ ثُمَّ حَمَلَها عَلى خَوافِي جَناحِهِ بِما فِيها ثُمَّ صَعِدَ بِها إلى السَّماءِ حَتّى سَمِعَ أهْلُ السَّماءِ نُباحَ كِلابِهِمْ، ثُمَّ قَلَبَها، فَكانَ أوَّلَ ما سَقَطَ مِنها سُرادِقُها، فَلَمْ يُصِبْ قَوْمًا ما أصابَهم، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ طَمَسَ عَلى أعْيُنِهِمْ، ثُمَّ قُلِبَتْ قَرْيَتُهم، وأُمْطِرَ عَلَيْهِمْ حِجارَةٌ مِن سِجِّيلٍ.
وقَدْ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ رِواياتٍ وقَصَصًا في كَيْفِيَّةِ هَلاكِ قَوْمِ لُوطٍ طَوِيلَةً مُتَخالِفَةً، ولَيْسَ في ذِكْرِها فائِدَةٌ لا سِيَّما وبَيْنَ مَن قالَ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ وبَيْنَ هَلاكِ قَوْمِ لُوطٍ دَهْرٌ طَوِيلٌ لا يَتَيَسَّرُ لَهُ في مِثْلِهِ إسْنادٌ صَحِيحٌ، وغالِبُ ذَلِكَ مَأْخُوذٌ عَنْ أهْلِ الكِتابِ، وحالُهم في الرِّوايَةِ مَعْرُوفٌ.
وقَدْ أُمِرْنا بِأنّا لا نُصَدِّقُهم ولا نُكَذِّبُهم، فاعْرِفْ هَذا، فَهو الوَجْهُ في حَذْفِنا لِكَثِيرٍ مِن هَذِهِ الرِّواياتِ الكائِنَةِ في قَصَصِ الأنْبِياءِ وقَوْمِهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما هي مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ قالَ: يُرْهِبُ بِها قُرَيْشًا أنْ يُصِيبَهم ما أصابَ القَوْمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في الآيَةِ قالَ: مِن ظَلَمَةِ العَرَبِ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا فَيُعَذَّبُوا بِها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: مِن ظالِمِي هَذِهِ الأُمَّةِ.
هود 11:85
(p-٦٦٧)لَمّا خَرَجَتِ المَلائِكَةُ مِن عِنْدِ إبْراهِيمَ وكانَ بَيْنَ إبْراهِيمَ وقَرْيَةِ لُوطٍ أرْبَعَةُ فَراسِخَ جاءُوا إلى لُوطٍ، فَلَمّا رَآهم لُوطٌ وكانُوا في صُورَةِ غِلْمانٍ حِسانٍ مُرْدٍ ﴿سِيءَ بِهِمْ﴾ أيْ ساءَهُ مَجِيئُهم، يُقالُ: ساءَهُ يَسُوءُهُ، وأصْلُ سِيءَ بِهِمْ سُوِئَ بِهِمْ نُقِلَتْ حَرَكَةُ الواوِ إلى السِّينِ فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً، ولَمّا خُفِّفَتِ الهَمْزَةُ أُلْقِيَتْ حَرَكَتُها عَلى الياءِ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ وأبُو عَمْرٍو بِإشْمامِ السِّينِ الضَّمَّ ﴿وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ قالَ الأزْهَرِيُّ: الذَّرْعُ يُوضَعُ مَوْضِعَ الطّاقَةِ، وأصْلُهُ أنَّ البَعِيرَ يَذْرَعُ بِيَدِهِ في سَيْرِهِ عَلى قَدْرِ سِعَةِ خَطْوِهِ: أيْ يَبْسُطُها، فَإذا حُمِلَ عَلَيْهِ أكْثَرُ مِن طاقَتِهِ ضاقَ ذَرْعُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَجُعِلَ ضِيقُ الذَّرْعِ كِنايَةً عَنْ قِلَّةِ الوُسْعِ والطّاقَةِ وشِدَّةِ الأمْرِ، وقِيلَ: هو مِن ذَرَعَهُ القَيْءُ: إذا غَلَبَهُ وضاقَ عَنْ حَبْسِهِ.
والمَعْنى أنَّهُ ضاقَ صَدْرُهُ لَمّا رَأى المَلائِكَةَ في تِلْكَ الصُّورَةِ خَوْفًا عَلَيْهِمْ مِن قَوْمِهِ لِما يَعْلَمُ مِن فِسْقِهِمْ وارْتِكابِهِمْ لِفاحِشَةِ اللِّواطِ ﴿وقالَ هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ أيْ شَدِيدٌ.
قالَ الشّاعِرُ:
؎وإنَّكَ إنْ لَمْ تَرْضَ بَكْرَ بْنَ وائِلٍ يَكُنْ لَكَ يَوْمٌ بِالعِراقِ عَصِيبُ
يُقالُ: عَصِيبٌ وعُصَيْصِبٌ وعَصَوْصَبٌ عَلى التَّكْثِيرِ: أيْ يَوْمٌ مَكْرُوهٌ يَجْتَمِعُ فِيهِ الشَّرُّ، ومِنهُ قِيلَ: عُصْبَةٌ وعِصابَةٌ: أيْ مُجْتَمِعُو الكَلِمَةِ، ورَجُلٌ مَعْصُوبٌ: أيْ مُجْتَمِعُ الخَلْقِ.
﴿وجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إلَيْهِ﴾ أيْ جاءُوا لُوطًا، الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
ومَعْنى يُهْرَعُونَ إلَيْهِ: يُسْرِعُونَ إلَيْهِ.
قالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ وغَيْرُهُما مِن أهْلِ اللُّغَةِ: لا يَكُونُ الإهْراعُ إلّا إسْراعًا مَعَ رِعْدَةٍ، يُقالُ: أهْرَعَ الرَّجُلُ إهْراعًا: أيْ أسْرَعَ في رِعْدَةٍ مِن بَرْدٍ أوْ غَضَبٍ أوْ حُمّى، قالَ مُهَلْهَلٌ:
؎فَجاءُوا يُهْرَعُونَ وهم أُسارى ∗∗∗ نُهُودُهُمُ عَلى رَغْمِ الأُنُوفِ
وقِيلَ يُهْرَعُونَ: يُهَرْوِلُونَ، وقِيلَ: هو مَشْيٌ بَيْنَ الهَرْوَلَةِ والعَدْوِ.
والمَعْنى: أنَّ قَوْمَ لُوطٍ لَمّا بَلَغَهم مَجِيءُ المَلائِكَةِ في تِلْكَ الصُّورَةِ أسْرَعُوا إلَيْهِ، كَأنَّما يُدْفَعُونَ دَفْعًا لِطَلَبِ الفاحِشَةِ مِن أضْيافِهِ ﴿ومِن قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ أيْ ومِن قَبْلِ مَجِيءِ الرُّسُلِ في هَذا الوَقْتِ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ، وقِيلَ: ومِن قَبْلِ لُوطٍ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ: أيْ كانَتْ عادَتُهم إتْيانَ الرِّجالِ، فَلَمّا جاءُوا إلى لُوطٍ، وقَصَدُوا أضْيافَهُ لِذَلِكَ العَمَلِ، قامَ إلَيْهِمْ لُوطٌ مُدافِعًا ﴿قالَ ياقَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أطْهَرُ لَكم﴾ أيْ تَزَوَّجُوهُنَّ، ودَعُوا ما تَطْلُبُونَهُ مِنَ الفاحِشَةِ بِأضْيافِي، وقَدْ كانَ لَهُ ثَلاثُ بَناتٍ، وقِيلَ اثْنَتانِ، وكانُوا يَطْلُبُونَ مِنهُ أنْ يُزَوِّجَهم بِهِنَّ فَيَمْتَنِعُ لِخُبْثِهِمْ، وكانَ لَهم سَيِّدانِ مُطاعانِ فَأرادَ أنْ يُزَوِّجَهُما بِنْتَيْهِ، وقِيلَ أرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿هَؤُلاءِ بَناتِي﴾ النِّساءَ جُمْلَةً، لِأنَّ نَبِيَّ القَوْمِ أبٌ لَهم، وقالَتْ طائِفَةٌ: إنَّما كانَ هَذا القَوْلُ مِنهُ عَلى طَرِيقِ المُدافَعَةِ ولَمْ يُرِدِ الحَقِيقَةَ.
ومَعْنى ﴿هُنَّ أطْهَرُ لَكُمْ﴾ أيْ أحَلُّ وأنْزَهُ، والتَّطَهُّرُ: التَّنَزُّهُ عَمّا لا يَحِلُّ، ولَيْسَ في صِيغَةِ أطْهَرُ دَلالَةً عَلى التَّفْضِيلِ، بَلْ هي مِثْلُ اللَّهُ أكْبَرُ، وقَرَأ الحَسَنُ وعِيسى بْنُ عُمَرَ بِنَصْبِ أطْهَرُ، وقَرَأ الباقُونَ بِالرَّفْعِ، ووَجْهُ النَّصْبِ أنْ يَكُونَ اسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأً وخَبَرُهُ بَناتِي، وهُنَّ ضَمِيرُ فَصْلٍ، وأطْهَرُ حالٌ.
وقَدْ مَنَعَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ والأخْفَشُ مِثْلَ هَذا، لِأنَّ ضَمِيرَ الفَصْلِ الَّذِي يُسَمّى عِمادًا إنَّما يَكُونُ بَيْنَ كَلامَيْنِ بِحَيْثُ لا يَتِمُّ الكَلامُ إلّا بِما بَعْدَها، نَحْوَ كانَ زَيْدٌ هو أخاكَ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِي في ضَيْفِي﴾ أيِ اتَّقَوُا اللَّهَ بِتَرْكِ ما تُرِيدُونَ مِنَ الفاحِشَةِ بِهِمْ، ولا تُذِلُّونِي وتَجْلِبُوا عَلَيَّ العارَ في ضَيْفِي، والضَّيْفُ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ والِاثْنَيْنِ والجَماعَةِ، لِأنَّهُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لا تَعْدَمِي الدَّهْرَ شِفارَ الجازِرِ ∗∗∗ لِلضَّيْفِ والضَّيْفُ أحَقُّ زائِرِ
ويَجُوزُ فِيهِ التَّثْنِيَةُ والجَمْعُ، والأوَّلُ أكْثَرُ.
يُقالُ: خَزِيَ الرَّجُلُ خَزايَةً: أيِ اسْتَحْيا أوْ ذَلَّ أوْ هانَ، وخَزِيَ خِزْيًا: إذا افْتَضَحَ، ومَعْنى في ضَيْفِي: في حَقِّ ضَيْفِي، فَخِزْيُ الضَّيْفِ خِزْيٌ لِلْمُضِيفِ، ثُمَّ وبَّخَهم فَقالَ: ﴿ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ يُرْشِدُكم إلى تَرْكِ هَذا العَمَلِ القَبِيحِ ويَمْنَعُكم مِنهُ.
فَأجابُوا عَلَيْهِ مُعْرِضِينَ عَمّا نَصَحَهم بِهِ، وأرْشَدَهم إلَيْهِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ﴾ أيْ ما لَنا فِيهِمْ مِن شَهْوَةٍ ولا حاجَةٍ، لِأنَّ مَنِ احْتاجَ إلى شَيْءٍ فَكَأنَّهُ حَصَلَ لَهُ فِيهِ نَوْعُ حَقٍّ.
ومَعْنى ما نَسَبُوهُ إلَيْهِ مِنَ العِلْمِ أنَّهُ قَدْ عَلِمَ مِنهُمُ المُكالَبَةَ عَلى إتْيانِ الذُّكُورِ وشِدَّةِ الشَّهْوَةِ إلَيْهِمْ، فَهم مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ كَأنَّهم لا حاجَةَ لَهم إلى النِّساءِ، ويُمْكِنُ أنْ يُرِيدُوا: أنَّهُ لا حَقَّ لَنا في نِكاحِهِنَّ، لِأنَّهُ لا يَنْكِحُهُنَّ ويَتَزَوَّجُ بِهِنَّ إلّا مُؤْمِنٌ ونَحْنُ لا نُؤْمِنُ أبَدًا، وقِيلَ: إنَّهم كانُوا قَدْ خَطَبُوا بَناتَهُ مِن قَبْلُ فَرَدَّهم، وكانَ مِن سُنَّتِهِمْ أنَّ مَن خَطَبَ فَرُدَّ فَلا تَحِلُّ المَخْطُوبَةُ أبَدًا ﴿وإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾ مِن إتْيانِ الذُّكُورِ.
ثُمَّ إنَّهُ لَمّا عَلِمَ تَصْمِيمَهم عَلى الفاحِشَةِ وأنَّهم لا يَتْرُكُونَ ما قَدْ طَلَبُوهُ ﴿قالَ لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً﴾ وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: لَدافَعْتُكم عَنْهم ومَنَعْتُكم مِنهم، وهَذا مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى طَرِيقِ التَّمَنِّي: أيْ لَوْ وجَدْتُ مُعِينًا وناصِرًا، فَسَمّى ما يُتَقَوّى بِهِ قُوَّةً ﴿أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ عَطْفٌ عَلى ما بَعْدَ لَوْ لِما فِيهِ مِن مَعْنى الفِعْلِ، والتَّقْدِيرُ: لَوْ قَوِيتُ عَلى دَفْعِكم أوْ آوَيْتُ إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ.
وقُرِئَ أوْ آوِيَ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى قُوَّةً كَأنَّهُ قالَ: لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً، أوْ إيواءً إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ، ومُرادُهُ بِالرُّكْنِ الشَّدِيدِ: العَشِيرَةُ، وما يَمْتَنِعُ بِهِ عَنْهم هو ومَن مَعَهُ، وقِيلَ أرادَ بِالقُوَّةِ الوَلَدَ، وبِالرُّكْنِ الشَّدِيدِ: مَن يَنْصُرُهُ مِن غَيْرِ ولَدِهِ، وقِيلَ أرادَ بِالقُوَّةِ: قَوَّتَهُ في نَفْسِهِ.
ولَمّا سَمِعَتْهُ المَلائِكَةُ يَقُولُ هَذِهِ المَقالَةَ، ووَجَدُوا قَوْمَهُ قَدْ غَلَبُوهُ وعَجَزَ عَنْ مُدافَعَتِهِمْ ﴿قالُوا يالُوطُ إنّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ﴾ أخْبَرُوهُ أوَّلًا أنَّهم رُسُلُ رَبِّهِ ثُمَّ بَشَّرُوهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ﴾ وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُوَضِّحَةٌ ما قَبْلَها، لِأنَّهم إذا كانُوا مُرْسَلِينَ مِن عِنْدِ اللَّهِ إلَيْهِ لَمْ يَصِلْ عَدُوُّهُ إلَيْهِ ولَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، ثُمَّ أمَرُوهُ أنْ يَخْرُجَ عَنْهم فَقالُوا لَهُ: ﴿فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ قَرَأ (p-٦٦٨)نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ بِالوَصْلِ، وقَرَأ غَيْرُهُما بِالقَطْعِ، وهُما لُغَتانِ فَصِيحَتانِ.
قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿واللَّيْلِ إذا يَسْرِي﴾ [الفجر: ٤] وقالَ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى﴾ [الإسراء: ١] وقَدْ جَمَعَ الشّاعِرُ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ فَقالَ:
؎حَيُّ النَّضِيرِ ورَبَّةُ الخِدْرِ ∗∗∗ أسْرَتْ عَلَيْهِ ولَمْ تَكُنْ تَسْرِي
وقِيلَ: إنَّ أسْرى لِلْمَسِيرِ مِن أوَّلِ اللَّيْلِ، وسَرى لِلْمَسِيرِ مِن آخِرِهِ، والقِطْعُ مِنَ اللَّيْلِ: الطّائِفَةُ مِنهُ.
قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: ﴿بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾: بِساعَةٍ مِنهُ، وقالَ الأخْفَشُ: بِجُنْحٍ مِنَ اللَّيْلِ، وقِيلَ: بِظُلْمَةٍ مِنَ اللَّيْلِ، وقِيلَ: بَعْدَ هُدُوٍّ مِنَ اللَّيْلِ.
قِيلَ: إنَّ السُّرى لا يَكُونُ إلّا في اللَّيْلِ، فَما وجْهُ زِيادَةِ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ ؟ قِيلَ: لَوْ لَمْ يَقُلْ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ لَجازَ أنْ يَكُونَ في أوَّلِهِ قَبْلَ اجْتِماعِ الظُّلْمَةِ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِمُرادٍ ﴿ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ﴾ أيْ لا يَنْظُرْ إلى ما وراءَهُ، أوْ يَشْتَغِلْ بِما خَلْفَهُ مِن مالٍ أوْ غَيْرِهِ.
قِيلَ: وجْهُ النَّهْيِ عَنِ الِالتِفاتِ أنْ لا يَرَوْا عَذابَ قَوْمِهِمْ، وهَوْلَ ما نَزَلَ بِهِمْ فَيَرْحَمُوهم ويَرِقُّوا لَهم، أوْ لِئَلّا يَنْقَطِعُوا عَنِ السَّيْرِ المَطْلُوبِ مِنهم بِما يَقَعُ مِنَ الِالتِفاتِ، فَإنَّهُ لا بُدَّ لِلْمُلْتَفِتِ مِن فَتْرَةٍ في سَيْرِهِ ﴿إلّا امْرَأتَكَ﴾ بِالنَّصْبِ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ بِالرَّفْعِ عَلى البَدَلِ، فَعَلى القِراءَةِ الأُولى امْرَأتُهُ مُسْتَثْناةٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَأسْرِ بِأهْلِكَ﴾ أيْ أسْرِ بِأهْلِكَ جَمِيعًا إلّا امْرَأتَكَ فَلا تَسْرِ بِها، فَ ﴿إنَّهُ مُصِيبُها ما أصابَهُمْ﴾ مِنَ العَذابِ، وهو رَمْيُهم بِالحِجارَةِ لِكَوْنِها كانَتْ كافِرَةً، وأنْكَرَ قِراءَةَ الرَّفْعِ جَماعَةٌ مِنهم أبُو عُبَيْدٍ وقالَ: لا يَصِحُّ ذَلِكَ إلّا بِرَفْعِ يَلْتَفِتْ ويَكُونُ نَعْتًا، لِأنَّ المَعْنى يَصِيرُ إذا أبْدَلْتَ وجَزَمْتَ أنَّ المَرْأةَ أُبِيحَ لَها الِالتِفاتُ ولَيْسَ المَعْنى كَذَلِكَ.
قالَ النَّحّاسُ: وهَذا العَمَلُ مِن أبِي عُبَيْدٍ وغَيْرِهِ عَلى مِثْلِ أبِي عَمْرٍو مَعَ جَلالَتِهِ ومَحَلِّهِ مِنَ العَرَبِيَّةِ لا يَجِبُ أنْ يَكُونَ، والرَّفْعُ عَلى البَدَلِ لَهُ مَعْنًى صَحِيحٌ، وهو أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مِنَ النَّهْيِ عَنِ الِالتِفاتِ: أيْ لا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ إلّا امْرَأتُكَ فَإنَّها تَلْتَفِتُ وتَهْلَكُ، وقِيلَ: إنَّ الرَّفْعَ عَلى البَدَلِ مِن أحَدٌ، ويَكُونُ الِالتِفاتُ بِمَعْنى التَّخَلُّفِ لا بِمَعْنى النَّظَرِ إلى الخَلْفِ، فَكَأنَّهُ قالَ: ولا يَتَخَلَّفْ مِنكم أحَدٌ إلّا امْرَأتُكَ، فَإنَّها تَتَخَلَّفُ، والمُلْجِئُ إلى هَذا التَّأْوِيلِ البَعِيدِ الفِرارُ مِن تُناقِضِ القِراءَتَيْنِ، والضَّمِيرُ في ﴿إنَّهُ مُصِيبُها ما أصابَهُمْ﴾ لِلشَّأْنِ، والجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ ﴿إنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَقْلِيلٌ لِما تَقَدَّمَ مِنَ الأمْرِ بِالإسْراءِ والنَّهْيِ عَنِ الِالتِفاتِ، والمَعْنى: أنَّ مَوْعِدَ عَذابِهِمُ الصُّبْحُ المُسْفِرُ عَنْ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، والِاسْتِفْهامُ في ﴿ألَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ لِلْإنْكارِ التَّقْرِيرِيِّ، والجُمْلَةُ تَأْكِيدٌ لِلتَّعْلِيلِ.
وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ ألَيْسَ الصُّبُحُ بِضَمِّ الباءِ وهي لُغَةٌ، ولَعَلَّ جَعْلَ الصُّبْحِ مِيقاتًا لِهَلاكِهِمْ لِكَوْنِ النُّفُوسِ فِيهِ أسْكَنَ، والنّاسُ فِيهِ مُجْتَمِعُونَ لَمْ يَتَفَرَّقُوا إلى أعْمالِهِمْ.
﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ أيْ الوَقْتُ المَضْرُوبُ لِوُقُوعِ العَذابِ فِيهِ، أوِ المُرادُ بِالأمْرِ نَفْسُ العَذابِ ﴿جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها﴾ أيْ عالِيَ قُرى قَوْمِ لُوطٍ سافِلَها، والمَعْنى: أنَّهُ قَلَبَها عَلى هَذِهِ الهَيْئَةِ، وهي كَوْنُ عالِيها صارَ سافِلَها وسافِلِها صارَ عالِيَها، وذَلِكَ لِأنَّ جِبْرِيلَ أدْخَلَ جَناحَهُ تَحْتَها فَرَفَعَها مِن تَخُومِ الأرْضِ حَتّى أدْناها مِنَ السَّماءِ ثُمَّ قَلَبَها عَلَيْهِمْ ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ قِيلَ: إنَّهُ يُقالُ أمْطَرْنا في العَذابِ ومَطَرْنا في الرَّحْمَةِ، وقِيلَ هُما لُغَتانِ، يُقالُ: مَطَرَتِ السَّماءُ وأمْطَرَتْ حَكى ذَلِكالهَرَوِيُّ، والسِّجِّيلُ: الطِّينُ المُتَحَجِّرُ بِطَبْخٍ أوْ غَيْرِهِ، وقِيلَ هو الشَّدِيدُ الصُّلْبُ مِنَ الحِجارَةِ، وقِيلَ السِّجِّيلُ الكَثِيرُ، وقِيلَ إنَّ السِّجِّيلَ لَفْظَةٌ غَيْرُ عَرَبِيَّةٍ، أصْلُهُ سِجْ وجِيلْ، وهَمّا بِالفارِسِيَّةِ حَجَرٌ وطِينٌ عَرَّبَتْهُما العَرَبُ فَجَعَلَتْهُما اسْمًا واحِدًا، وقِيلَ هو مِن لُغَةِ العَرَبِ.
وذَكَرَ الهَرَوِيُّ: أنَّ السِّجِّيلَ اسْمٌ لِسَماءِ الدُّنْيا.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا ضَعِيفٌ يَرُدُّهُ وصْفُهُ بِمَنضُودٍ، وقِيلَ هو بَحْرٌ مُعَلَّقٌ في الهَواءِ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، وقِيلَ هي جِبالٌ في السَّماءِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: هو مِنَ التَّسْجِيلِ لَهم: أيْ ما كُتِبَ لَهم مِنَ العَذابِ فَهو في مَعْنى سِجِّينٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أدْراكَ ما سِجِّينٌ﴾ ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ [المطففين: ٨، ٩] وقِيلَ هو مَن أسْجَلْتُهُ إذا أعْطَيْتُهُ، فَكَأنَّهُ عَذابٌ أُعْطُوهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎مَن يُساجِلْنِي يُساجِلْ ماجِدًا ∗∗∗ يَمْلَأُ الدَّلْوَ إلى عَقْدِ الكَرَبْ
ومَعْنى مَنضُودٍ أنَّهُ نُضِّدَ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ، وقِيلَ بَعْضُهُ في أثَرِ بَعْضٍ، يُقالُ: نَضَّدْتُ المَتاعَ: إذا جَعَلْتُ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ، فَهو مَنضُودٌ ونَضِيدٌ.
والمُسَوَّمَةُ: المُعَلَّمَةُ أيِ الَّتِي لَها عَلامَةٌ: قِيلَ: كانَ عَلَيْها أمْثالُ الخَواتِيمِ، وقِيلَ: مَكْتُوبٌ عَلى كُلِّ حَجَرٍ اسْمُ مَن رُمِيَ بِهِ.
وقالَ الفَرّاءُ: زَعَمُوا أنَّها كانَتْ مُخَطَّطَةً بِحُمْرَةٍ وسَوادٍ في بَياضٍ.
فَذَلِكَ تَسْوِيمُها، ومَعْنى ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ في خَزائِنِهِ ﴿وما هي مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ أيْ وما هَذِهِ الحِجارَةُ المَوْصُوفَةُ مِنَ الظّالِمِينَ وهم قَوْمُ لُوطٍ بِبَعِيدٍ، أوْ ما هي مِن كُلِّ ظالِمٍ مِنَ الظَّلَمَةِ ومِنهم كُفّارُ قُرَيْشٍ ومَن عاضَدَهم عَلى الكُفْرِ بِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِبَعِيدٍ، فَهم لِظُلْمِهِمْ مُسْتَحِقُّونَ لَها.
وقِيلَ: ﴿وما هِيَ﴾ أيْ قُرى ﴿مِنَ الظّالِمِينَ﴾ مَن كَفَرَ بِالنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِبَعِيدٍ فَإنَّها بَيْنَ الشّامِ والمَدِينَةِ.
وفِي إمْطارِ الحِجارَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها أُمْطِرَتْ عَلى المُدُنِ حِينَ رَفَعَها جِبْرِيلُ.
والثّانِي: أنَّها أُمْطِرَتْ عَلى مَن لَمْ يَكُنْ في المُدُنِ مِن أهْلِها وكانَ خارِجًا عَنْها.
وتَذْكِيرُ البَعِيدِ عَلى تَأْوِيلِ الحِجارَةِ بِالحَجَرِ أوْ إجْراءً لَهُ عَلى مَوْصُوفٍ مُذَكَّرٍ: أيْ شَيْءٍ بَعِيدٍ، أوْ مَكانٍ بَعِيدٍ، أوْ لِكَوْنِهِ مَصْدَرًا كالزَّفِيرِ والصَّهِيلِ، والمَصادِرُ يَسْتَوِي في الوَصْفِ بِها المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ قالَ: ساءَ ظَنًّا بِقَوْمِهِ، وضاقَ ذَرْعًا بِأضْيافِهِ ﴿وقالَ هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ يَقُولُ: شَدِيدٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿يُهْرَعُونَ إلَيْهِ﴾ قالَ: يُسْرِعُونَ ﴿ومِن قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ قالَ: يَأْتُونَ الرِّجالَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: ﴿يُهْرَعُونَ إلَيْهِ﴾ يَسْتَمِعُونَ إلَيْهِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿هَؤُلاءِ بَناتِي﴾ قالَ: ما عَرَضَ لُوطٌ (p-٦٦٩)بَناتَهُ عَلى قَوْمِهِ لا سِفاحًا ولا نِكاحًا، إنَّما قالَ هَؤُلاءِ نِساؤُكم، لِأنَّ النَّبِيَّ إذا كانَ بَيْنَ ظَهْرانَيْ قَوْمٍ فَهو أبُوهم، قالَ اللَّهُ تَعالى في القُرْآنِ: ﴿وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦] وهو أبُوهم في قِراءَةِ أُبَيٍّ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: لَمْ تَكُنْ بَناتُهُ ولَكِنْ كُنَّ مِن أُمَّتِهِ، وكُلُّ نَبِيٍّ أبُو أُمَّتِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ عَساكِرَ عَنِ السُّدِّيِّ نَحْوَهُ.
قالَ: وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وهو أبٌ لَهم وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ قالَ: عَرَضَ عَلَيْهِمْ بَناتَهُ تَزْوِيجًا، وأرادَ أنْ يَقِيَ أضْيافَهُ بِتَزْوِيجِ بَناتِهِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تُخْزُونِي في ضَيْفِي﴾ قالَ: لا تَفْضَحُونِي.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي مالِكٍ ﴿ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ قالَ: رَجُلٌ يَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهى عَنِ المُنْكَرِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ قالَ: واحِدٌ يَقُولُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ عِكْرِمَةَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ ﴿وإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾ قالَ: إنَّما نُرِيدُ الرِّجالَ قالَ لُوطٌ ﴿لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ يَقُولُ: إلى جُنْدٍ شَدِيدٍ لِمُقاتَلَتِكم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ قالَ: عَشِيرَةٍ.
وقَدْ ثَبَتَ في البُخارِيِّ وغَيْرِهِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «يَغْفِرُ اللَّهُ لِلُوطٍ إنْ كانَ يَأْوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ» وهو مَرْوِيٌّ في غَيْرِ الصَّحِيحِ مِن طَرِيقِ غَيْرِهِ مِنَ الصَّحابَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ قالَ: جَوْفِ اللَّيْلِ.
وأخْرَجا عَنْهُ قالَ: بِسَوادِ اللَّيْلِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: بِطائِفَةٍ مِنَ اللَّيْلِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ﴾ قالَ: لا يَتَخَلَّفُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ﴾ قالَ: لا يَنْظُرُ وراءَهُ أحَدٌ ﴿إلّا امْرَأتَكَ﴾ .
وأخْرَجَ أبُو عَبِيدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ هارُونَ قالَ: في حَرْفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ إلّا امْرَأتَكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها﴾ قالَ: لَمّا أصْبَحُوا عَدا جِبْرِيلُ عَلى قَرْيَتِهِمْ فَقَلَعَها مِن أرْكانِها، ثُمَّ أدْخَلَ جَناحَهُ ثُمَّ حَمَلَها عَلى خَوافِي جَناحِهِ بِما فِيها ثُمَّ صَعِدَ بِها إلى السَّماءِ حَتّى سَمِعَ أهْلُ السَّماءِ نُباحَ كِلابِهِمْ، ثُمَّ قَلَبَها، فَكانَ أوَّلَ ما سَقَطَ مِنها سُرادِقُها، فَلَمْ يُصِبْ قَوْمًا ما أصابَهم، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ طَمَسَ عَلى أعْيُنِهِمْ، ثُمَّ قُلِبَتْ قَرْيَتُهم، وأُمْطِرَ عَلَيْهِمْ حِجارَةٌ مِن سِجِّيلٍ.
وقَدْ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ رِواياتٍ وقَصَصًا في كَيْفِيَّةِ هَلاكِ قَوْمِ لُوطٍ طَوِيلَةً مُتَخالِفَةً، ولَيْسَ في ذِكْرِها فائِدَةٌ لا سِيَّما وبَيْنَ مَن قالَ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ وبَيْنَ هَلاكِ قَوْمِ لُوطٍ دَهْرٌ طَوِيلٌ لا يَتَيَسَّرُ لَهُ في مِثْلِهِ إسْنادٌ صَحِيحٌ، وغالِبُ ذَلِكَ مَأْخُوذٌ عَنْ أهْلِ الكِتابِ، وحالُهم في الرِّوايَةِ مَعْرُوفٌ.
وقَدْ أُمِرْنا بِأنّا لا نُصَدِّقُهم ولا نُكَذِّبُهم، فاعْرِفْ هَذا، فَهو الوَجْهُ في حَذْفِنا لِكَثِيرٍ مِن هَذِهِ الرِّواياتِ الكائِنَةِ في قَصَصِ الأنْبِياءِ وقَوْمِهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما هي مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ قالَ: يُرْهِبُ بِها قُرَيْشًا أنْ يُصِيبَهم ما أصابَ القَوْمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في الآيَةِ قالَ: مِن ظَلَمَةِ العَرَبِ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا فَيُعَذَّبُوا بِها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: مِن ظالِمِي هَذِهِ الأُمَّةِ.
هود 11:86
(p-٦٦٧)لَمّا خَرَجَتِ المَلائِكَةُ مِن عِنْدِ إبْراهِيمَ وكانَ بَيْنَ إبْراهِيمَ وقَرْيَةِ لُوطٍ أرْبَعَةُ فَراسِخَ جاءُوا إلى لُوطٍ، فَلَمّا رَآهم لُوطٌ وكانُوا في صُورَةِ غِلْمانٍ حِسانٍ مُرْدٍ ﴿سِيءَ بِهِمْ﴾ أيْ ساءَهُ مَجِيئُهم، يُقالُ: ساءَهُ يَسُوءُهُ، وأصْلُ سِيءَ بِهِمْ سُوِئَ بِهِمْ نُقِلَتْ حَرَكَةُ الواوِ إلى السِّينِ فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً، ولَمّا خُفِّفَتِ الهَمْزَةُ أُلْقِيَتْ حَرَكَتُها عَلى الياءِ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ وأبُو عَمْرٍو بِإشْمامِ السِّينِ الضَّمَّ ﴿وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ قالَ الأزْهَرِيُّ: الذَّرْعُ يُوضَعُ مَوْضِعَ الطّاقَةِ، وأصْلُهُ أنَّ البَعِيرَ يَذْرَعُ بِيَدِهِ في سَيْرِهِ عَلى قَدْرِ سِعَةِ خَطْوِهِ: أيْ يَبْسُطُها، فَإذا حُمِلَ عَلَيْهِ أكْثَرُ مِن طاقَتِهِ ضاقَ ذَرْعُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَجُعِلَ ضِيقُ الذَّرْعِ كِنايَةً عَنْ قِلَّةِ الوُسْعِ والطّاقَةِ وشِدَّةِ الأمْرِ، وقِيلَ: هو مِن ذَرَعَهُ القَيْءُ: إذا غَلَبَهُ وضاقَ عَنْ حَبْسِهِ.
والمَعْنى أنَّهُ ضاقَ صَدْرُهُ لَمّا رَأى المَلائِكَةَ في تِلْكَ الصُّورَةِ خَوْفًا عَلَيْهِمْ مِن قَوْمِهِ لِما يَعْلَمُ مِن فِسْقِهِمْ وارْتِكابِهِمْ لِفاحِشَةِ اللِّواطِ ﴿وقالَ هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ أيْ شَدِيدٌ.
قالَ الشّاعِرُ:
؎وإنَّكَ إنْ لَمْ تَرْضَ بَكْرَ بْنَ وائِلٍ يَكُنْ لَكَ يَوْمٌ بِالعِراقِ عَصِيبُ
يُقالُ: عَصِيبٌ وعُصَيْصِبٌ وعَصَوْصَبٌ عَلى التَّكْثِيرِ: أيْ يَوْمٌ مَكْرُوهٌ يَجْتَمِعُ فِيهِ الشَّرُّ، ومِنهُ قِيلَ: عُصْبَةٌ وعِصابَةٌ: أيْ مُجْتَمِعُو الكَلِمَةِ، ورَجُلٌ مَعْصُوبٌ: أيْ مُجْتَمِعُ الخَلْقِ.
﴿وجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إلَيْهِ﴾ أيْ جاءُوا لُوطًا، الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
ومَعْنى يُهْرَعُونَ إلَيْهِ: يُسْرِعُونَ إلَيْهِ.
قالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ وغَيْرُهُما مِن أهْلِ اللُّغَةِ: لا يَكُونُ الإهْراعُ إلّا إسْراعًا مَعَ رِعْدَةٍ، يُقالُ: أهْرَعَ الرَّجُلُ إهْراعًا: أيْ أسْرَعَ في رِعْدَةٍ مِن بَرْدٍ أوْ غَضَبٍ أوْ حُمّى، قالَ مُهَلْهَلٌ:
؎فَجاءُوا يُهْرَعُونَ وهم أُسارى ∗∗∗ نُهُودُهُمُ عَلى رَغْمِ الأُنُوفِ
وقِيلَ يُهْرَعُونَ: يُهَرْوِلُونَ، وقِيلَ: هو مَشْيٌ بَيْنَ الهَرْوَلَةِ والعَدْوِ.
والمَعْنى: أنَّ قَوْمَ لُوطٍ لَمّا بَلَغَهم مَجِيءُ المَلائِكَةِ في تِلْكَ الصُّورَةِ أسْرَعُوا إلَيْهِ، كَأنَّما يُدْفَعُونَ دَفْعًا لِطَلَبِ الفاحِشَةِ مِن أضْيافِهِ ﴿ومِن قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ أيْ ومِن قَبْلِ مَجِيءِ الرُّسُلِ في هَذا الوَقْتِ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ، وقِيلَ: ومِن قَبْلِ لُوطٍ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ: أيْ كانَتْ عادَتُهم إتْيانَ الرِّجالِ، فَلَمّا جاءُوا إلى لُوطٍ، وقَصَدُوا أضْيافَهُ لِذَلِكَ العَمَلِ، قامَ إلَيْهِمْ لُوطٌ مُدافِعًا ﴿قالَ ياقَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أطْهَرُ لَكم﴾ أيْ تَزَوَّجُوهُنَّ، ودَعُوا ما تَطْلُبُونَهُ مِنَ الفاحِشَةِ بِأضْيافِي، وقَدْ كانَ لَهُ ثَلاثُ بَناتٍ، وقِيلَ اثْنَتانِ، وكانُوا يَطْلُبُونَ مِنهُ أنْ يُزَوِّجَهم بِهِنَّ فَيَمْتَنِعُ لِخُبْثِهِمْ، وكانَ لَهم سَيِّدانِ مُطاعانِ فَأرادَ أنْ يُزَوِّجَهُما بِنْتَيْهِ، وقِيلَ أرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿هَؤُلاءِ بَناتِي﴾ النِّساءَ جُمْلَةً، لِأنَّ نَبِيَّ القَوْمِ أبٌ لَهم، وقالَتْ طائِفَةٌ: إنَّما كانَ هَذا القَوْلُ مِنهُ عَلى طَرِيقِ المُدافَعَةِ ولَمْ يُرِدِ الحَقِيقَةَ.
ومَعْنى ﴿هُنَّ أطْهَرُ لَكُمْ﴾ أيْ أحَلُّ وأنْزَهُ، والتَّطَهُّرُ: التَّنَزُّهُ عَمّا لا يَحِلُّ، ولَيْسَ في صِيغَةِ أطْهَرُ دَلالَةً عَلى التَّفْضِيلِ، بَلْ هي مِثْلُ اللَّهُ أكْبَرُ، وقَرَأ الحَسَنُ وعِيسى بْنُ عُمَرَ بِنَصْبِ أطْهَرُ، وقَرَأ الباقُونَ بِالرَّفْعِ، ووَجْهُ النَّصْبِ أنْ يَكُونَ اسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأً وخَبَرُهُ بَناتِي، وهُنَّ ضَمِيرُ فَصْلٍ، وأطْهَرُ حالٌ.
وقَدْ مَنَعَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ والأخْفَشُ مِثْلَ هَذا، لِأنَّ ضَمِيرَ الفَصْلِ الَّذِي يُسَمّى عِمادًا إنَّما يَكُونُ بَيْنَ كَلامَيْنِ بِحَيْثُ لا يَتِمُّ الكَلامُ إلّا بِما بَعْدَها، نَحْوَ كانَ زَيْدٌ هو أخاكَ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِي في ضَيْفِي﴾ أيِ اتَّقَوُا اللَّهَ بِتَرْكِ ما تُرِيدُونَ مِنَ الفاحِشَةِ بِهِمْ، ولا تُذِلُّونِي وتَجْلِبُوا عَلَيَّ العارَ في ضَيْفِي، والضَّيْفُ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ والِاثْنَيْنِ والجَماعَةِ، لِأنَّهُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لا تَعْدَمِي الدَّهْرَ شِفارَ الجازِرِ ∗∗∗ لِلضَّيْفِ والضَّيْفُ أحَقُّ زائِرِ
ويَجُوزُ فِيهِ التَّثْنِيَةُ والجَمْعُ، والأوَّلُ أكْثَرُ.
يُقالُ: خَزِيَ الرَّجُلُ خَزايَةً: أيِ اسْتَحْيا أوْ ذَلَّ أوْ هانَ، وخَزِيَ خِزْيًا: إذا افْتَضَحَ، ومَعْنى في ضَيْفِي: في حَقِّ ضَيْفِي، فَخِزْيُ الضَّيْفِ خِزْيٌ لِلْمُضِيفِ، ثُمَّ وبَّخَهم فَقالَ: ﴿ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ يُرْشِدُكم إلى تَرْكِ هَذا العَمَلِ القَبِيحِ ويَمْنَعُكم مِنهُ.
فَأجابُوا عَلَيْهِ مُعْرِضِينَ عَمّا نَصَحَهم بِهِ، وأرْشَدَهم إلَيْهِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ﴾ أيْ ما لَنا فِيهِمْ مِن شَهْوَةٍ ولا حاجَةٍ، لِأنَّ مَنِ احْتاجَ إلى شَيْءٍ فَكَأنَّهُ حَصَلَ لَهُ فِيهِ نَوْعُ حَقٍّ.
ومَعْنى ما نَسَبُوهُ إلَيْهِ مِنَ العِلْمِ أنَّهُ قَدْ عَلِمَ مِنهُمُ المُكالَبَةَ عَلى إتْيانِ الذُّكُورِ وشِدَّةِ الشَّهْوَةِ إلَيْهِمْ، فَهم مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ كَأنَّهم لا حاجَةَ لَهم إلى النِّساءِ، ويُمْكِنُ أنْ يُرِيدُوا: أنَّهُ لا حَقَّ لَنا في نِكاحِهِنَّ، لِأنَّهُ لا يَنْكِحُهُنَّ ويَتَزَوَّجُ بِهِنَّ إلّا مُؤْمِنٌ ونَحْنُ لا نُؤْمِنُ أبَدًا، وقِيلَ: إنَّهم كانُوا قَدْ خَطَبُوا بَناتَهُ مِن قَبْلُ فَرَدَّهم، وكانَ مِن سُنَّتِهِمْ أنَّ مَن خَطَبَ فَرُدَّ فَلا تَحِلُّ المَخْطُوبَةُ أبَدًا ﴿وإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾ مِن إتْيانِ الذُّكُورِ.
ثُمَّ إنَّهُ لَمّا عَلِمَ تَصْمِيمَهم عَلى الفاحِشَةِ وأنَّهم لا يَتْرُكُونَ ما قَدْ طَلَبُوهُ ﴿قالَ لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً﴾ وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: لَدافَعْتُكم عَنْهم ومَنَعْتُكم مِنهم، وهَذا مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى طَرِيقِ التَّمَنِّي: أيْ لَوْ وجَدْتُ مُعِينًا وناصِرًا، فَسَمّى ما يُتَقَوّى بِهِ قُوَّةً ﴿أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ عَطْفٌ عَلى ما بَعْدَ لَوْ لِما فِيهِ مِن مَعْنى الفِعْلِ، والتَّقْدِيرُ: لَوْ قَوِيتُ عَلى دَفْعِكم أوْ آوَيْتُ إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ.
وقُرِئَ أوْ آوِيَ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى قُوَّةً كَأنَّهُ قالَ: لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً، أوْ إيواءً إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ، ومُرادُهُ بِالرُّكْنِ الشَّدِيدِ: العَشِيرَةُ، وما يَمْتَنِعُ بِهِ عَنْهم هو ومَن مَعَهُ، وقِيلَ أرادَ بِالقُوَّةِ الوَلَدَ، وبِالرُّكْنِ الشَّدِيدِ: مَن يَنْصُرُهُ مِن غَيْرِ ولَدِهِ، وقِيلَ أرادَ بِالقُوَّةِ: قَوَّتَهُ في نَفْسِهِ.
ولَمّا سَمِعَتْهُ المَلائِكَةُ يَقُولُ هَذِهِ المَقالَةَ، ووَجَدُوا قَوْمَهُ قَدْ غَلَبُوهُ وعَجَزَ عَنْ مُدافَعَتِهِمْ ﴿قالُوا يالُوطُ إنّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ﴾ أخْبَرُوهُ أوَّلًا أنَّهم رُسُلُ رَبِّهِ ثُمَّ بَشَّرُوهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ﴾ وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُوَضِّحَةٌ ما قَبْلَها، لِأنَّهم إذا كانُوا مُرْسَلِينَ مِن عِنْدِ اللَّهِ إلَيْهِ لَمْ يَصِلْ عَدُوُّهُ إلَيْهِ ولَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، ثُمَّ أمَرُوهُ أنْ يَخْرُجَ عَنْهم فَقالُوا لَهُ: ﴿فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ قَرَأ (p-٦٦٨)نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ بِالوَصْلِ، وقَرَأ غَيْرُهُما بِالقَطْعِ، وهُما لُغَتانِ فَصِيحَتانِ.
قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿واللَّيْلِ إذا يَسْرِي﴾ [الفجر: ٤] وقالَ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى﴾ [الإسراء: ١] وقَدْ جَمَعَ الشّاعِرُ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ فَقالَ:
؎حَيُّ النَّضِيرِ ورَبَّةُ الخِدْرِ ∗∗∗ أسْرَتْ عَلَيْهِ ولَمْ تَكُنْ تَسْرِي
وقِيلَ: إنَّ أسْرى لِلْمَسِيرِ مِن أوَّلِ اللَّيْلِ، وسَرى لِلْمَسِيرِ مِن آخِرِهِ، والقِطْعُ مِنَ اللَّيْلِ: الطّائِفَةُ مِنهُ.
قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: ﴿بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾: بِساعَةٍ مِنهُ، وقالَ الأخْفَشُ: بِجُنْحٍ مِنَ اللَّيْلِ، وقِيلَ: بِظُلْمَةٍ مِنَ اللَّيْلِ، وقِيلَ: بَعْدَ هُدُوٍّ مِنَ اللَّيْلِ.
قِيلَ: إنَّ السُّرى لا يَكُونُ إلّا في اللَّيْلِ، فَما وجْهُ زِيادَةِ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ ؟ قِيلَ: لَوْ لَمْ يَقُلْ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ لَجازَ أنْ يَكُونَ في أوَّلِهِ قَبْلَ اجْتِماعِ الظُّلْمَةِ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِمُرادٍ ﴿ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ﴾ أيْ لا يَنْظُرْ إلى ما وراءَهُ، أوْ يَشْتَغِلْ بِما خَلْفَهُ مِن مالٍ أوْ غَيْرِهِ.
قِيلَ: وجْهُ النَّهْيِ عَنِ الِالتِفاتِ أنْ لا يَرَوْا عَذابَ قَوْمِهِمْ، وهَوْلَ ما نَزَلَ بِهِمْ فَيَرْحَمُوهم ويَرِقُّوا لَهم، أوْ لِئَلّا يَنْقَطِعُوا عَنِ السَّيْرِ المَطْلُوبِ مِنهم بِما يَقَعُ مِنَ الِالتِفاتِ، فَإنَّهُ لا بُدَّ لِلْمُلْتَفِتِ مِن فَتْرَةٍ في سَيْرِهِ ﴿إلّا امْرَأتَكَ﴾ بِالنَّصْبِ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ بِالرَّفْعِ عَلى البَدَلِ، فَعَلى القِراءَةِ الأُولى امْرَأتُهُ مُسْتَثْناةٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَأسْرِ بِأهْلِكَ﴾ أيْ أسْرِ بِأهْلِكَ جَمِيعًا إلّا امْرَأتَكَ فَلا تَسْرِ بِها، فَ ﴿إنَّهُ مُصِيبُها ما أصابَهُمْ﴾ مِنَ العَذابِ، وهو رَمْيُهم بِالحِجارَةِ لِكَوْنِها كانَتْ كافِرَةً، وأنْكَرَ قِراءَةَ الرَّفْعِ جَماعَةٌ مِنهم أبُو عُبَيْدٍ وقالَ: لا يَصِحُّ ذَلِكَ إلّا بِرَفْعِ يَلْتَفِتْ ويَكُونُ نَعْتًا، لِأنَّ المَعْنى يَصِيرُ إذا أبْدَلْتَ وجَزَمْتَ أنَّ المَرْأةَ أُبِيحَ لَها الِالتِفاتُ ولَيْسَ المَعْنى كَذَلِكَ.
قالَ النَّحّاسُ: وهَذا العَمَلُ مِن أبِي عُبَيْدٍ وغَيْرِهِ عَلى مِثْلِ أبِي عَمْرٍو مَعَ جَلالَتِهِ ومَحَلِّهِ مِنَ العَرَبِيَّةِ لا يَجِبُ أنْ يَكُونَ، والرَّفْعُ عَلى البَدَلِ لَهُ مَعْنًى صَحِيحٌ، وهو أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مِنَ النَّهْيِ عَنِ الِالتِفاتِ: أيْ لا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ إلّا امْرَأتُكَ فَإنَّها تَلْتَفِتُ وتَهْلَكُ، وقِيلَ: إنَّ الرَّفْعَ عَلى البَدَلِ مِن أحَدٌ، ويَكُونُ الِالتِفاتُ بِمَعْنى التَّخَلُّفِ لا بِمَعْنى النَّظَرِ إلى الخَلْفِ، فَكَأنَّهُ قالَ: ولا يَتَخَلَّفْ مِنكم أحَدٌ إلّا امْرَأتُكَ، فَإنَّها تَتَخَلَّفُ، والمُلْجِئُ إلى هَذا التَّأْوِيلِ البَعِيدِ الفِرارُ مِن تُناقِضِ القِراءَتَيْنِ، والضَّمِيرُ في ﴿إنَّهُ مُصِيبُها ما أصابَهُمْ﴾ لِلشَّأْنِ، والجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ ﴿إنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَقْلِيلٌ لِما تَقَدَّمَ مِنَ الأمْرِ بِالإسْراءِ والنَّهْيِ عَنِ الِالتِفاتِ، والمَعْنى: أنَّ مَوْعِدَ عَذابِهِمُ الصُّبْحُ المُسْفِرُ عَنْ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، والِاسْتِفْهامُ في ﴿ألَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ لِلْإنْكارِ التَّقْرِيرِيِّ، والجُمْلَةُ تَأْكِيدٌ لِلتَّعْلِيلِ.
وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ ألَيْسَ الصُّبُحُ بِضَمِّ الباءِ وهي لُغَةٌ، ولَعَلَّ جَعْلَ الصُّبْحِ مِيقاتًا لِهَلاكِهِمْ لِكَوْنِ النُّفُوسِ فِيهِ أسْكَنَ، والنّاسُ فِيهِ مُجْتَمِعُونَ لَمْ يَتَفَرَّقُوا إلى أعْمالِهِمْ.
﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ أيْ الوَقْتُ المَضْرُوبُ لِوُقُوعِ العَذابِ فِيهِ، أوِ المُرادُ بِالأمْرِ نَفْسُ العَذابِ ﴿جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها﴾ أيْ عالِيَ قُرى قَوْمِ لُوطٍ سافِلَها، والمَعْنى: أنَّهُ قَلَبَها عَلى هَذِهِ الهَيْئَةِ، وهي كَوْنُ عالِيها صارَ سافِلَها وسافِلِها صارَ عالِيَها، وذَلِكَ لِأنَّ جِبْرِيلَ أدْخَلَ جَناحَهُ تَحْتَها فَرَفَعَها مِن تَخُومِ الأرْضِ حَتّى أدْناها مِنَ السَّماءِ ثُمَّ قَلَبَها عَلَيْهِمْ ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ قِيلَ: إنَّهُ يُقالُ أمْطَرْنا في العَذابِ ومَطَرْنا في الرَّحْمَةِ، وقِيلَ هُما لُغَتانِ، يُقالُ: مَطَرَتِ السَّماءُ وأمْطَرَتْ حَكى ذَلِكالهَرَوِيُّ، والسِّجِّيلُ: الطِّينُ المُتَحَجِّرُ بِطَبْخٍ أوْ غَيْرِهِ، وقِيلَ هو الشَّدِيدُ الصُّلْبُ مِنَ الحِجارَةِ، وقِيلَ السِّجِّيلُ الكَثِيرُ، وقِيلَ إنَّ السِّجِّيلَ لَفْظَةٌ غَيْرُ عَرَبِيَّةٍ، أصْلُهُ سِجْ وجِيلْ، وهَمّا بِالفارِسِيَّةِ حَجَرٌ وطِينٌ عَرَّبَتْهُما العَرَبُ فَجَعَلَتْهُما اسْمًا واحِدًا، وقِيلَ هو مِن لُغَةِ العَرَبِ.
وذَكَرَ الهَرَوِيُّ: أنَّ السِّجِّيلَ اسْمٌ لِسَماءِ الدُّنْيا.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا ضَعِيفٌ يَرُدُّهُ وصْفُهُ بِمَنضُودٍ، وقِيلَ هو بَحْرٌ مُعَلَّقٌ في الهَواءِ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، وقِيلَ هي جِبالٌ في السَّماءِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: هو مِنَ التَّسْجِيلِ لَهم: أيْ ما كُتِبَ لَهم مِنَ العَذابِ فَهو في مَعْنى سِجِّينٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أدْراكَ ما سِجِّينٌ﴾ ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ [المطففين: ٨، ٩] وقِيلَ هو مَن أسْجَلْتُهُ إذا أعْطَيْتُهُ، فَكَأنَّهُ عَذابٌ أُعْطُوهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎مَن يُساجِلْنِي يُساجِلْ ماجِدًا ∗∗∗ يَمْلَأُ الدَّلْوَ إلى عَقْدِ الكَرَبْ
ومَعْنى مَنضُودٍ أنَّهُ نُضِّدَ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ، وقِيلَ بَعْضُهُ في أثَرِ بَعْضٍ، يُقالُ: نَضَّدْتُ المَتاعَ: إذا جَعَلْتُ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ، فَهو مَنضُودٌ ونَضِيدٌ.
والمُسَوَّمَةُ: المُعَلَّمَةُ أيِ الَّتِي لَها عَلامَةٌ: قِيلَ: كانَ عَلَيْها أمْثالُ الخَواتِيمِ، وقِيلَ: مَكْتُوبٌ عَلى كُلِّ حَجَرٍ اسْمُ مَن رُمِيَ بِهِ.
وقالَ الفَرّاءُ: زَعَمُوا أنَّها كانَتْ مُخَطَّطَةً بِحُمْرَةٍ وسَوادٍ في بَياضٍ.
فَذَلِكَ تَسْوِيمُها، ومَعْنى ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ في خَزائِنِهِ ﴿وما هي مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ أيْ وما هَذِهِ الحِجارَةُ المَوْصُوفَةُ مِنَ الظّالِمِينَ وهم قَوْمُ لُوطٍ بِبَعِيدٍ، أوْ ما هي مِن كُلِّ ظالِمٍ مِنَ الظَّلَمَةِ ومِنهم كُفّارُ قُرَيْشٍ ومَن عاضَدَهم عَلى الكُفْرِ بِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِبَعِيدٍ، فَهم لِظُلْمِهِمْ مُسْتَحِقُّونَ لَها.
وقِيلَ: ﴿وما هِيَ﴾ أيْ قُرى ﴿مِنَ الظّالِمِينَ﴾ مَن كَفَرَ بِالنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِبَعِيدٍ فَإنَّها بَيْنَ الشّامِ والمَدِينَةِ.
وفِي إمْطارِ الحِجارَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها أُمْطِرَتْ عَلى المُدُنِ حِينَ رَفَعَها جِبْرِيلُ.
والثّانِي: أنَّها أُمْطِرَتْ عَلى مَن لَمْ يَكُنْ في المُدُنِ مِن أهْلِها وكانَ خارِجًا عَنْها.
وتَذْكِيرُ البَعِيدِ عَلى تَأْوِيلِ الحِجارَةِ بِالحَجَرِ أوْ إجْراءً لَهُ عَلى مَوْصُوفٍ مُذَكَّرٍ: أيْ شَيْءٍ بَعِيدٍ، أوْ مَكانٍ بَعِيدٍ، أوْ لِكَوْنِهِ مَصْدَرًا كالزَّفِيرِ والصَّهِيلِ، والمَصادِرُ يَسْتَوِي في الوَصْفِ بِها المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ قالَ: ساءَ ظَنًّا بِقَوْمِهِ، وضاقَ ذَرْعًا بِأضْيافِهِ ﴿وقالَ هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ يَقُولُ: شَدِيدٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿يُهْرَعُونَ إلَيْهِ﴾ قالَ: يُسْرِعُونَ ﴿ومِن قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ قالَ: يَأْتُونَ الرِّجالَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: ﴿يُهْرَعُونَ إلَيْهِ﴾ يَسْتَمِعُونَ إلَيْهِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿هَؤُلاءِ بَناتِي﴾ قالَ: ما عَرَضَ لُوطٌ (p-٦٦٩)بَناتَهُ عَلى قَوْمِهِ لا سِفاحًا ولا نِكاحًا، إنَّما قالَ هَؤُلاءِ نِساؤُكم، لِأنَّ النَّبِيَّ إذا كانَ بَيْنَ ظَهْرانَيْ قَوْمٍ فَهو أبُوهم، قالَ اللَّهُ تَعالى في القُرْآنِ: ﴿وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦] وهو أبُوهم في قِراءَةِ أُبَيٍّ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: لَمْ تَكُنْ بَناتُهُ ولَكِنْ كُنَّ مِن أُمَّتِهِ، وكُلُّ نَبِيٍّ أبُو أُمَّتِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ عَساكِرَ عَنِ السُّدِّيِّ نَحْوَهُ.
قالَ: وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وهو أبٌ لَهم وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ قالَ: عَرَضَ عَلَيْهِمْ بَناتَهُ تَزْوِيجًا، وأرادَ أنْ يَقِيَ أضْيافَهُ بِتَزْوِيجِ بَناتِهِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تُخْزُونِي في ضَيْفِي﴾ قالَ: لا تَفْضَحُونِي.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي مالِكٍ ﴿ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ قالَ: رَجُلٌ يَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهى عَنِ المُنْكَرِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ قالَ: واحِدٌ يَقُولُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ عِكْرِمَةَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ ﴿وإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾ قالَ: إنَّما نُرِيدُ الرِّجالَ قالَ لُوطٌ ﴿لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ يَقُولُ: إلى جُنْدٍ شَدِيدٍ لِمُقاتَلَتِكم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ قالَ: عَشِيرَةٍ.
وقَدْ ثَبَتَ في البُخارِيِّ وغَيْرِهِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «يَغْفِرُ اللَّهُ لِلُوطٍ إنْ كانَ يَأْوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ» وهو مَرْوِيٌّ في غَيْرِ الصَّحِيحِ مِن طَرِيقِ غَيْرِهِ مِنَ الصَّحابَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ قالَ: جَوْفِ اللَّيْلِ.
وأخْرَجا عَنْهُ قالَ: بِسَوادِ اللَّيْلِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: بِطائِفَةٍ مِنَ اللَّيْلِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ﴾ قالَ: لا يَتَخَلَّفُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ﴾ قالَ: لا يَنْظُرُ وراءَهُ أحَدٌ ﴿إلّا امْرَأتَكَ﴾ .
وأخْرَجَ أبُو عَبِيدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ هارُونَ قالَ: في حَرْفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ إلّا امْرَأتَكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها﴾ قالَ: لَمّا أصْبَحُوا عَدا جِبْرِيلُ عَلى قَرْيَتِهِمْ فَقَلَعَها مِن أرْكانِها، ثُمَّ أدْخَلَ جَناحَهُ ثُمَّ حَمَلَها عَلى خَوافِي جَناحِهِ بِما فِيها ثُمَّ صَعِدَ بِها إلى السَّماءِ حَتّى سَمِعَ أهْلُ السَّماءِ نُباحَ كِلابِهِمْ، ثُمَّ قَلَبَها، فَكانَ أوَّلَ ما سَقَطَ مِنها سُرادِقُها، فَلَمْ يُصِبْ قَوْمًا ما أصابَهم، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ طَمَسَ عَلى أعْيُنِهِمْ، ثُمَّ قُلِبَتْ قَرْيَتُهم، وأُمْطِرَ عَلَيْهِمْ حِجارَةٌ مِن سِجِّيلٍ.
وقَدْ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ رِواياتٍ وقَصَصًا في كَيْفِيَّةِ هَلاكِ قَوْمِ لُوطٍ طَوِيلَةً مُتَخالِفَةً، ولَيْسَ في ذِكْرِها فائِدَةٌ لا سِيَّما وبَيْنَ مَن قالَ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ وبَيْنَ هَلاكِ قَوْمِ لُوطٍ دَهْرٌ طَوِيلٌ لا يَتَيَسَّرُ لَهُ في مِثْلِهِ إسْنادٌ صَحِيحٌ، وغالِبُ ذَلِكَ مَأْخُوذٌ عَنْ أهْلِ الكِتابِ، وحالُهم في الرِّوايَةِ مَعْرُوفٌ.
وقَدْ أُمِرْنا بِأنّا لا نُصَدِّقُهم ولا نُكَذِّبُهم، فاعْرِفْ هَذا، فَهو الوَجْهُ في حَذْفِنا لِكَثِيرٍ مِن هَذِهِ الرِّواياتِ الكائِنَةِ في قَصَصِ الأنْبِياءِ وقَوْمِهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما هي مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ قالَ: يُرْهِبُ بِها قُرَيْشًا أنْ يُصِيبَهم ما أصابَ القَوْمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في الآيَةِ قالَ: مِن ظَلَمَةِ العَرَبِ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا فَيُعَذَّبُوا بِها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: مِن ظالِمِي هَذِهِ الأُمَّةِ.