Fath Al-Qadir Al-Shawkani — الرعد 13:20 – الرعد 13:43
المحتويات
الرعد 13:20
.
لَمّا خَوَّفَ سُبْحانَهُ عِبادَهُ بِإنْزالِ ما لا مَرَدَّ لَهُ أتْبَعَهُ بِأُمُورٍ تُرْجى مِن بَعْضِ الوُجُوهِ ويُخافُ مِن بَعْضِها، وهي البَرْقُ والسَّحابُ والرَّعْدُ والصّاعِقَةُ وقَدْ مَرَّ في أوَّلِ البَقَرَةِ تَفْسِيرُ هَذِهِ الألْفاظِ وأسْبابُها: وقَدِ اخْتُلِفَ في وجْهِ انْتِصابِ ﴿خَوْفًا وطَمَعًا﴾ فَقِيلَ: عَلى المَصْدَرِيَّةِ، أيْ: لِتَخافُوا ولِتَطْمَعُوا طَمَعًا، وقِيلَ: عَلى العِلَّةِ بِتَقْدِيرِ إرادَةِ الخَوْفِ والطَّمَعِ لِئَلّا يَخْتَلِفَ فاعِلُ الفِعْلِ المُعَلِّلِ وفاعِلُ المَفْعُولِ لَهُ، أوْ عَلى الحالِيَّةِ مِنَ البَرْقِ، أوْ مِنَ المُخاطَبِينَ بِتَقْدِيرِ ذَوِي خَوْفٍ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا لا حاجَةَ إلَيْهِ.
قِيلَ: والمُرادُ بِالخَوْفِ هو الحاصِلُ مِنَ الصَّواعِقِ، وبِالطَّمَعِ هو الحاصِلُ في المَطَرِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: الخَوْفُ لِلْمُسافِرِ لِما يَتَأذّى بِهِ مِنَ المَطَرِ، والطَّمَعُ لِلْحاضِرِ، لِأنَّهُ إذا رَأى البَرْقَ طَمِعَ في المَطَرِ الَّذِي هو سَبَبُ الخِصْبِ ﴿ويُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ﴾ التَّعْرِيفُ لِلْجِنْسِ والواحِدَةُ سَحابَةٌ، والثِّقالُ جُمَعُ ثَقِيلَةٍ.
المُرادُ اللَّهُ سُبْحانَهُ يَجْعَلُ السَّحابَ الَّتِي يُنْشِئُها ثِقالًا بِما يَجْعَلُهُ فِيها مِنَ الماءِ.
﴿ويُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ﴾ أيْ يُسَبِّحُ الرَّعْدُ نَفْسُهُ بِحَمْدِ اللَّهِ، أيْ: مُلْتَبِسًا بِحَمْدِهِ، ولَيْسَ هَذا بِمُسْتَبْعَدٍ، ولا مانِعَ مِن أنْ يُنْطِقَهُ اللَّهُ بِذَلِكَ ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] .
وأمّا عَلى تَفْسِيرِ الرَّعْدِ بِمَلَكٍ مِنَ المَلائِكَةِ فَلا اسْتِبْعادَ في ذَلِكَ.
ويَكُونُ ذِكْرُهُ عَلى الإفْرادِ مَعَ ذِكْرِ المَلائِكَةِ بَعْدَهُ لِمَزِيدِ خُصُوصِيَّةٍ لَهُ، وعِنايَةٍ بِهِ، وقِيلَ: المُرادُ ويُسَبِّحُ سامِعُو (p-٧٢٥)الرَّعْدِ، أيْ: يَقُولُونَ: سُبْحانَ اللَّهِ والحَمْدُ لِلَّهِ ﴿والمَلائِكَةُ مِن خِيفَتِهِ﴾ أيْ ويُسَبِّحُ المَلائِكَةُ مِن خِيفَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وقِيلَ: مِن خِيفَةِ الرَّعْدِ.
وقَدْ ذَكَرَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ هَؤُلاءِ المَلائِكَةَ هم أعْوانُ الرَّعْدِ، وأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ جَعَلَ لَهُ أعْوانًا ﴿ويُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَن يَشاءُ﴾ مِن خَلْقِهِ فَيُهْلِكُهُ، وسِياقُ هَذِهِ الأُمُورِ هُنا لِلْغَرَضِ الَّذِي سِيقَتْ لَهُ الآياتُ الَّتِي قَبْلَها.
وهِيَ الدِّلالَةُ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ ﴿وهم يُجادِلُونَ في اللَّهِ﴾ الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الكُفّارِ المُخاطَبِينَ في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ البَرْقَ﴾ أيْ وهَؤُلاءِ الكَفَرَةُ مَعَ هَذِهِ الآياتِ الَّتِي أراهُمُ اللَّهُ يُجادِلُونَ في شَأْنِ اللَّهِ سُبْحانَهُ فَيُنْكِرُونَ البَعْثَ تارَةً ويَسْتَعْجِلُونَ العَذابَ أُخْرى، ويُكَذِّبُونَ الرُّسُلَ ويَعْصُونَ اللَّهَ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةٌ ﴿وهُوَ شَدِيدُ المِحالِ﴾ قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: المِحالُ المَكْرُ، والمَكْرُ مِنَ اللَّهِ: التَّدْبِيرُ بِالحَقِّ.
وقالَ النَّحّاسُ: المَكْرُ مِنَ اللَّهِ إيصالُ المَكْرُوهِ إلى مَن يَسْتَحِقُّهُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُ.
وقالَ الأزْهَرِيُّ: المِحالُ القُوَّةُ والشِّدَّةُ، والمِيمُ أصْلِيَّةٌ، وماحَلْتُ فُلانًا مِحالًا أيُّنا أشَدُّ.
وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: المِحالُ العُقُوبَةُ والمَكْرُوهُ.
قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ ماحَلْتُهُ مِحالًا: إذا قاوَيْتُهُ حَتّى يَتَبَيَّنَ أيُّكُما أشَدُّ، والمَحْلُ في اللُّغَةِ: الشِّدَّةُ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ، أيْ: شَدِيدُ الكَيْدِ.
وأصْلُهُ مِنَ الحِيلَةِ جُعِلَ المِيمُ كَمِيمِ المَكانِ، وأصْلُهُ مِنَ الكَوْنِ، ثُمَّ يُقالُ تَمَكَّنْتُ.
قالَ الأزْهَرِيُّ: غَلِطَ ابْنُ قُتَيْبَةَ أنَّ المِيمَ فِيهِ زائِدَةٌ بَلْ هي أصْلِيَّةٌ، وإذا رَأيْتَ الحَرْفَ عَلى مِثالِ فِعالٍ أوَّلُهُ مِيمٌ مَكْسُورَةٌ فَهي أصْلِيَّةٌ مِثْلُ مِهادٍ ومِلاكٍ ومِراسٍ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الحُرُوفِ.
وقَرَأ الأعْرَجُ ﴿وهُوَ شَدِيدُ المِحالِ﴾ بِفَتْحِ المِيمِ.
وقَدْ فُسِّرَتْ هَذِهِ القِراءَةُ بِالحَوْلِ.
ولِلصَّحابَةِ والتّابِعِينَ في تَفْسِيرِ المِحالِ هُنا أقْوالٌ ثَمانِيَةٌ: الأوَّلُ العَداوَةُ، الثّانِي الحَوْلُ، الثّالِثُ الأخْذُ، الرّابِعُ الحِقْدُ، الخامِسُ القُوَّةُ، السّادِسُ الغَضَبُ، السّابِعُ الهَلاكُ، الثّامِنُ الحِيلَةُ.
﴿لَهُ دَعْوَةُ الحَقِّ﴾ إضافَةُ الدَّعْوَةِ إلى الحَقِّ لِلْمُلابَسَةِ: أيِ الدَّعْوَةُ المُلابِسَةُ لِلْحَقِّ المُخْتَصَّةُ بِهِ الَّتِي لا مَدْخَلَ لِلْباطِلِ فِيها بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ كَما يُقالُ: كَلِمَةُ الحَقِّ، والمَعْنى أنَّها دَعْوَةٌ مُجابَةٌ واقِعَةٌ في مَوْقِعِها، لا كَدَعْوَةِ مَن دُونَهُ.
وقِيلَ: الحَقُّ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ، والمَعْنى: أنَّ لِلَّهِ سُبْحانَهُ دَعْوَةَ المَدْعُوِّ الحَقِّ وهو الَّذِي يَسْمَعُ فَيُجِيبُ.
وقِيلَ: المُرادُ بِدَعْوَةِ الحَقِّ هاهُنا كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ والإخْلاصِ، والمَعْنى: لِلَّهِ مِن خَلْقِهِ أنْ يُوَحِّدُوهُ ويُخْلِصُوا لَهُ.
وقِيلَ: دَعْوَةُ الحَقِّ دُعاؤُهُ سُبْحانَهُ عِنْدَ الخَوْفِ فَإنَّهُ لا يُدْعى فِيهِ سِواهُ كَما قالَ تَعالى: ﴿ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إلّا إيّاهُ﴾ [الإسراء: ٦٧] .
وقِيلَ: الدَّعْوَةُ العِبادَةُ، فَإنَّ عِبادَةَ اللَّهِ هي الحَقُّ والصِّدْقُ ﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهم بِشَيْءٍ﴾ أيْ والآلِهَةُ الَّذِينَ يَدْعُونَهم يَعْنِي الكُفّارَ مِن دُونِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهم بِشَيْءٍ مِمّا يَطْلُبُونَهُ مِنهم كائِنًا ما كانَ إلّا اسْتِجابَةً كاسْتِجابَةِ الماءِ لِمَن بَسَطَ كَفَّيْهِ إلَيْهِ مِن بَعِيدٍ فَإنَّهُ لا يُجِيبُهُ، لِأنَّهُ جَمادٌ لا يَشْعُرُ بِحاجَتِهِ إلَيْهِ، ولا يَدْرِي أنَّهُ طَلَبَ مِنهُ أنْ يَبْلُغَ فاهُ، ولِهَذا قالَ ﴿وما هُوَ﴾ أيِ الماءُ ﴿بِبالِغِهِ﴾ أيْ بِبالِغٍ فِيهِ.
قالَ الزَّجّاجُ: إلّا كَما يُسْتَجابُ لِلَّذِي يَبْسُطُ كَفَّيْهِ إلى الماءِ يَدْعُو الماءَ إلى فِيهِ، والماءُ لا يَسْتَجِيبُ، أعَلَمَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنَّ دُعاءَهُمُ الأصْنامَ كَدُعاءِ العَطْشانِ إلى الماءِ يَدْعُوهُ إلى بُلُوغِ فَمِهِ، وما الماءُ بِبالِغِهِ.
وقِيلَ: المَعْنى: أنَّهُ كَباسِطِ كَفَّيْهِ إلى الماءِ لِيَقْبِضَ عَلَيْهِ فَلا يَحْصُلُ في كَفِّهِ شَيْءٌ مِنهُ، وقَدْ ضَرَبَتِ العَرَبُ لِمَن سَعى فِيما لا يُدْرِكُهُ مَثَلًا بِالقَبْضِ عَلى الماءِ كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎فَأصْبَحْتُ مِمّا كانَ بَيْنِي وبَيْنَها مِنَ الوُدِّ مِثْلَ القابِضِ الماءَ بِاليَدِ
وقالَ الآخَرُ:
؎ومَن يَأْمَنِ الدُّنْيا يَكُنْ مِثْلَ قابِضٍ ∗∗∗ عَلى الماءِ خانَتْهُ فُرُوجُ الأصابِعِ
وقالَ الفَرّاءُ: إنَّ المُرادَ بِالماءِ هُنا ماءُ البِئْرِ لِأنَّها مَعْدِنٌ لِلْماءِ، وأنَّهُ شَبَّهَهُ بِمَن مَدَّ يَدَهُ إلى البِئْرِ بِغَيْرِ رِشاءٍ، ضَرَبَ اللَّهُ سُبْحانَهُ هَذا مَثَلًا لِمَن يَدْعُو غَيْرَهُ مِنَ الأصْنامِ ﴿وما دُعاءُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ أيْ يَضِلُّ عَنْهم ذَلِكَ الدُّعاءُ فَلا يَجِدُونَ مِنهُ شَيْئًا، ولا يَنْفَعُهم بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ بَلْ هو ضائِعٌ ذاهِبٌ.
﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا﴾ إنْ كانَ المُرادُ بِالسُّجُودِ مَعْناهُ الحَقِيقِيَّ، وهو وضْعُ الجَبْهَةِ عَلى الأرْضِ لِلتَّعْظِيمِ مَعَ الخُضُوعِ والتَّذَلُّلِ، فَذَلِكَ ظاهِرٌ في المُؤْمِنِينَ والمَلائِكَةِ ومُسْلِمِي الجِنِّ، وأمّا في الكُفّارِ فَلا يَصِحُّ تَأْوِيلُ السُّجُودِ بِهَذا في حَقِّهِمْ، فَلا بُدَّ أنْ يُحْمَلَ السُّجُودُ المَذْكُورُ في الآيَةِ عَلى مَعْنى حَقَّ لِلَّهِ السُّجُودُ ووَجَبَ حَتّى يَتَناوَلَ السُّجُودَ بِالفِعْلِ وغَيْرِهِ، أوْ يُفَسَّرَ لِلسُّجُودِ بِالِانْقِيادِ، لِأنَّ الكُفّارَ وإنْ لَمْ يَسْجُدُوا لِلَّهِ سُبْحانَهُ فَهم مُنْقادُونَ لِأمْرِهِ وحُكْمِهِ فِيهِمْ بِالصِّحَّةِ والمَرَضِ والحَياةِ والمَوْتِ والفَقْرِ والغِنى، ويَدُلُّ عَلى إرادَةِ هَذا المَعْنى قَوْلُهُ: ﴿طَوْعًا وكَرْهًا﴾ فَإنَّ الكُفّارَ يَنْقادُونَ كَرْهًا كَما يَنْقادُ المُؤْمِنُونَ طَوْعًا، وهُما مُنْتَصِبانِ عَلى المَصْدَرِيَّةِ: أيِ انْقِيادَ طَوْعٍ وانْقِيادَ كَرْهٍ، أوْ عَلى الحالِ، أيْ: طائِعِينَ وكارِهِينَ.
وقالَ الفَرّاءُ: الآيَةُ خاصَّةٌ بِالمُؤْمِنِينَ فَإنَّهم يَسْجُدُونَ طَوْعًا، وبَعْضُ الكُفّارِ يَسْجُدُونَ إكْراهًا وخَوْفًا كالمُنافِقِينَ، فالآيَةُ مَحْمُولَةٌ عَلى هَؤُلاءِ، وقِيلَ: الآيَةُ في المُؤْمِنِينَ، فَمِنهم مَن سَجَدَ طَوْعًا لا يَثْقُلُ عَلَيْهِ السُّجُودُ، ومِنهم مَن يَثْقُلُ عَلَيْهِ لِأنَّ التِزامَ التَّكْلِيفِ مَشَقَّةٌ ولَكِنَّهم يَتَحَمَّلُونَ المَشَقَّةَ إيمانًا بِاللَّهِ وإخْلاصًا لَهُ ﴿وظِلالُهم بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ وظِلالُهم جَمْعُ ظِلٍّ، والمُرادُ بِهِ ظِلُّ الإنْسانِ الَّذِي يَتْبَعُهُ، جُعِلَ ساجِدًا بِسُجُودِهِ حَيْثُ صارَ لازِمًا لَهُ لا يَنْفَكُّ عَنْهُ.
قالَ الزَّجّاجُ وابْنُ الأنْبارِيِّ: ولا يَبْعُدُ أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ لِلظِّلالِ أفْهامًا تَسْجُدُ بِها لِلَّهِ سُبْحانَهُ كَما جَعَلَ لِلْجِبالِ أفْهامًا حَتّى اشْتَغَلَتْ بِتَسْبِيحِهِ، فَظِلُّ المُؤْمِنُ يَسْجُدُ لِلَّهِ طَوْعًا، وظِلُّ الكافِرُ يَسْجُدُ لِلَّهِ كَرْهًا.
وخُصَّ الغُدُوُّ والآصالُ بِالذّاكِرِ لِأنَّهُ يَزْدادُ ظُهُورُ الظِّلالِ فِيهِما، وهُما ظَرْفٌ لِلسُّجُودِ المُقَدَّرِ، أيْ: ويَسْجُدُ ظِلالُهم في هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الغُدُوِّ والآصالِ في الأعْرافِ، وفي مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ اليَمِينِ والشَّمائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وهم داخِرُونَ﴾ [النحل: ٤٨] (p-٧٢٦)وجاءَ بِـ ( مَن ) في ﴿مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ تَغْلِيبًا لِلْعُقَلاءِ عَلى غَيْرِهِمْ، ولِكَوْنِ سُجُودِ غَيْرِهِمْ تَبَعًا لِسُجُودِهِمْ، ومِمّا يُؤَيِّدُ حَمْلَ السُّجُودِ عَلى الِانْقِيادِ ما يُفِيدُهُ تَقْدِيمُ ( لِلَّهِ ) عَلى الفِعْلِ مِنَ الِاخْتِصاصِ، فَإنَّ سُجُودَ الكُفّارِ لِأصْنامِهِمْ مَعْلُومٌ، ولا يَنْقادُونَ لَهم كانْقِيادِهِمْ لِلَّهِ في الأُمُورِ الَّتِي يُقِرُّونَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِأنَّها مِنَ اللَّهِ، كالخَلْقِ والحَياةِ والمَوْتِ ونَحْوِ ذَلِكَ.
﴿قُلْ مَن رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ أنْ يَسْألَ الكُفّارَ مَن رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ ؟ ثُمَّ لَمّا كانُوا يُقِرُّونَ بِذَلِكَ ويَعْتَرِفُونَ بِهِ كَما حَكاهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ [الزخرف: ٩]، وقَوْلِهِ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧] أمَرَ رَسُولَهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أنْ يُجِيبَ، فَقالَ: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ فَكَأنَّهُ حَكى جَوابَهم وما يَعْتَقِدُونَهُ، لِأنَّهم رُبَّما تَلَعْثَمُوا في الجَوابِ حَذَرًا مِمّا يَلْزَمُهم، ثُمَّ أمَرَهُ بِأنْ يُلْزِمَهُمُ الحُجَّةَ ويُبَكِّتَهم فَقالَ ﴿قُلْ أفاتَّخَذْتُمْ مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾ والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ، أيْ: إذا كانَ رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ هو اللَّهُ كَما تُقِرُّونَ بِذَلِكَ وتَعْتَرِفُونَ بِهِ كَما حَكاهُ سُبْحانَهُ عَنْكم بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ مَن رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ ورَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [المؤمنون: ٨٦، ٨٧] .
فَما بالُكُمُ اتَّخَذْتُمْ لِأنْفُسِكم مِن دُونِهِ أوْلِياءَ عاجِزِينَ ﴿لا يَمْلِكُونَ لِأنْفُسِهِمْ نَفْعًا﴾ يَنْفَعُونَها بِهِ ﴿ولا ضَرًّا﴾ يَضُرُّونَ بِهِ غَيْرَهم أوْ يَدْفَعُونَهُ عَنْ أنْفُسِهِمْ، فَكَيْفَ تَرْجُونَ مِنهُمُ النَّفْعَ والضُّرَّ وهم لا يَمْلِكُونَهُما لِأنْفُسِهِمْ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ثُمَّ ضَرَبَ اللَّهُ سُبْحانَهُ لَهم مَثَلًا وأمَرَ رَسُولَهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أنْ يَقُولَهُ لَهم، فَقالَ: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ﴾ أيْ هَلْ يَسْتَوِي الأعْمى في دِينِهِ وهو الكافِرُ، والبَصِيرُ فِيهِ وهو المُوَحِّدُ، فَإنَّ الأوَّلَ جاهِلٌ لِما يَجِبْ عَلَيْهِ وما يَلْزَمُهُ، والثّانِي عالِمٌ بِذَلِكَ.
قَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وأبُو بَكْرٍ والأعْمَشُ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ " أمْ هَلْ يَسْتَوِي الظُّلُماتُ والنُّورُ " بِالتَّحْتِيَّةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالفَوْقِيَّةِ، واخْتارَ القِراءَةَ الثّانِيَةَ أبُو عُبَيْدٍ.
والمُرادُ بِالظُّلُماتِ الكُفْرُ، وبِالنُّورِ الإيمانُ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، أيْ: كَيْفَ يَكُونانِ مُسْتَوِيَيْنِ وبَيْنَهُما مِنَ التَّفاوُتِ ما بَيْنَ الأعْمى والبَصِيرِ، وما بَيْنَ الظُّلُماتِ والنُّورِ، ووُحِّدَ النُّورُ وجُمِعَ الظُّلْمَةُ، لِأنَّ طَرِيقَ الحَقِّ واحِدَةٌ لا تَخْتَلِفُ، وطَرائِقَ الباطِلِ كَثِيرَةٌ غَيْرُ مُحْصَرَةٍ ﴿أمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ﴾ أمْ هي المُنْقَطِعَةُ الَّتِي بِمَعْنى بَلْ والهَمْزَةِ، أيْ: بَلْ أجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ، والِاسْتِفْهامُ لِإنْكارِ الوُقُوعِ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَعْناهُ أجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا مِثْلَ ما خَلَقَ اللَّهُ فَتَشابَهَ خَلْقُ الشُّرَكاءِ بِخَلْقِ اللَّهِ عِنْدَهم، أيْ: لَيْسَ الأمْرُ عَلى هَذا حَتّى يَشْتَبِهَ الأمْرُ عَلَيْهِمْ، بَلْ إذا فَكَّرُوا بِعُقُولِهِمْ وجَدُوا اللَّهَ هو المُنْفَرِدُ بِالخَلْقِ، وسائِرَ الشُّرَكاءِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا، وجُمْلَةُ: ﴿خَلَقُوا كَخَلْقِهِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ صِفَةٌ لِشُرَكاءَ.
والمَعْنى: أنَّهم لَمْ يَجْعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ مُتَّصِفِينَ بِأنَّهم خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ بِهَذا السَّبَبِ ﴿الخَلْقُ عَلَيْهِمْ﴾ حَتّى يَسْتَحِقُّوا بِذَلِكَ العِبادَةَ مِنهم، بَلْ إنَّما جَعَلُوا لَهُ شُرَكاءَ الأصْنامَ ونَحْوَها، وهي بِمَعْزِلٍ عَنْ أنْ تَكُونَ كَذَلِكَ، ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِأنْ يُوَضِّحَ لَهُمُ الحَقَّ ويُرْشِدَهم إلى الصَّوابِ فَقالَ: ﴿قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ كائِنًا ما كانَ لَيْسَ لِغَيْرِهِ في ذَلِكَ مُشارَكَةٌ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ.
قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى أنَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ مِمّا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مَخْلُوقًا، ألا تَرى أنَّهُ تَعالى شَيْءٌ وهو غَيْرُ مَخْلُوقٍ ﴿وهُوَ الواحِدُ﴾ أيِ المُتَفَرِّدُ بِالرُّبُوبِيَّةِ القَهّارُ لِما عَداهُ، فَكُلُّ ما عَداهُ مَرْبُوبٌ مَقْهُورٌ مَغْلُوبٌ.
ثُمَّ ضَرَبَ سُبْحانَهُ مَثَلًا آخَرَ لِلْحَقِّ وذَوِيهِ، ولِلْباطِلِ ومُنْتَحِلِيهِ فَقالَ: ﴿أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ أيْ مِن جِهَتِها والتَّنْكِيرُ لِلتَّكْثِيرِ أوْ لِلنَّوْعِيَّةِ ﴿فَسالَتْ أوْدِيَةٌ﴾ جَمْعُ وادٍ، وهو كُلُّ مُنْفَرِجٍ بَيْنَ جَبَلَيْنِ أوْ نَحْوِهِما.
قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: لا نَعْلَمُ فاعِلًا جُمِعَ عَلى أفْعِلَةٍ إلّا هَذا، وكَأنَّهُ حُمِلَ عَلى فَعِيلٍ فَجُمِعَ عَلى أفْعِلَةٍ مِثْلُ جَرِيبٍ وأجْرِبَةٍ، كَما أنَّ فَعِيلًا حُمِلَ عَلى فاعِلٍ، فَجُمِعَ عَلى أفْعالٍ مِثْلُ يَتِيمٍ وأيْتامٍ وشَرِيفٍ وأشْرافٍ، كَأصْحابٍ وأنْصارٍ في صاحِبٍ وناصِرٍ قالَ: وفي قَوْلِهِ: ﴿فَسالَتْ أوْدِيَةٌ﴾ تُوَسَّعٌ، أيْ: سالَ ماؤُها، قالَ: ومَعْنى بِقَدَرِها بِقَدَرِ مائِها، لِأنَّ الأوْدِيَةَ ما سالَتْ بِقَدَرِ أنْفُسِها.
قالَ الواحِدِيُّ: والقَدَرُ مَبْلَغُ الشَّيْءِ، والمَعْنى: بِقَدَرِها مِنَ الماءِ، فَإنْ صَغُرَ الوادِي قَلَّ الماءُ وإنِ اتَّسَعَ كَثُرَ، وقالَ في الكَشّافِ: بِقَدَرِها بِمِقْدارِها الَّتِي يَعْرِفُ اللَّهُ أنَّهُ نافِعٌ لِلْمَمْطُورِ عَلَيْهِمْ غَيْرُ ضارٍّ، قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: شُبِّهُ نُزُولُ القُرْآنِ الجامِعِ لِلْهُدى والبَيانِ بِنُزُولِ المَطَرِ، إذْ نَفْعُ نُزُولِ القُرْآنِ يَعُمُّ كَعُمُومِ نَفْعِ نُزُولِ المَطَرِ، وشُبِّهَ الأوْدِيَةُ بِالقُلُوبِ: إذِ الأوْدِيَةُ يَسْتَكِنُّ فِيها الماءُ كَما يَسْتَكِنُّ القُرْآنُ والإيمانُ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ ﴿فاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رابِيًا﴾ الزَّبَدُ: هو الأبْيَضُ المُرْتَفِعُ المُنْتَفِخُ عَلى وجْهِ السَّيْلِ، ويُقالُ لَهُ الغُثاءُ والرَّغْوَةُ، والرّابِي: العالِي المُرْتَفِعُ فَوْقَ الماءِ.
قالَ الزَّجّاجُ: هو الطّافِي فَوْقَ الماءِ، وقالَ غَيْرُهُ: هو الزّائِدُ بِسَبَبِ انْتِفاخِهِ، مِن رَبا يَرْبُو إذا زادَ.
والمُرادُ مِن هَذا تَشْبِيهُ الكُفْرِ بِالزَّبَدِ الَّذِي يَعْلُو الماءَ، فَإنَّهُ يَضْمَحِلُّ ويَعْلَقُ بِجَنَباتِ الوادِي وتَدْفَعُهُ الرِّياحُ، فَكَذَلِكَ يَذْهَبُ الكُفْرُ ويَضْمَحِلُّ.
وقَدْ تَمَّ المَثَلُ الأوَّلُ، ثُمَّ شَرَعَ سُبْحانَهُ في ذِكْرِ المَثَلِ الثّانِي فَقالَ ﴿ومِمّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ في النّارِ﴾ مِن لِابْتِداءِ الغايَةِ، أيْ: ومِنهُ يَنْشَأُ زَبَدٌ مِثْلُ زَبَدِ الماءِ، أوْ لِلتَّبْعِيضِ بِمَعْنى: وبَعْضُهُ زَبَدٌ مِثْلُهُ، والضَّمِيرُ لِلنّاسِ، أُضْمِرَ مَعَ عَدَمِ سَبْقِ الذِّكْرِ لِظُهُورِهِ، هَذا عَلى قِراءَةِ " يُوقِدُونَ " بِالتَّحْتِيَّةِ، وبِها قَرَأ حُمَيْدٌ وابْنُ مُحَيْصِنٍ والأعْمَشُ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ.
وقَرَأ الباقُونَ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، واخْتارَ القِراءَةَ الأُولى أبُو عُبَيْدٍ.
والمَعْنى: ومِمّا تُوقِدُونَ عَلَيْهِ في النّارِ فَيَذُوبُ مِنَ الأجْسامِ المُنْطَرِقَةِ الذّائِبَةِ ﴿ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ﴾ أيْ لِطَلَبِ اتِّخاذِ حِلْيَةٍ تَتَزَيَّنُونَ بِها وتَتَجَمَّلُونَ كالذَّهَبِ والفِضَّةِ ﴿أوْ مَتاعٍ﴾ أيْ أوْ طَلَبِ مَتاعٍ تَتَمَتَّعُونَ بِهِ مِنَ الأوانِي والآلاتِ المُتَّخَذَةِ مِنَ الحَدِيدِ والصُّفْرِ والنُّحاسِ والرَّصاصِ ﴿زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾ المُرادُ بِالزَّبَدِ هُنا الخَبَثُ، فَإنَّهُ يَعْلُو فَوْقَ ما أُذِيبَ مِن تِلْكَ الأجْسامِ كَما يَعْلُو الزَّبَدُ عَلى الماءِ فالضَّمِيرُ في ( مِثْلُهُ ) يَعُودُ (p-٧٢٧)إلى ﴿زَبَدًا رابِيًا﴾، وارْتِفاعُ ( زَبَدٌ ) عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ ﴿ومِمّا يُوقِدُونَ﴾ . ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الحَقَّ والباطِلَ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الضَّرْبِ البَدِيعِ يَضْرِبُ اللَّهُ مَثَلَ الحَقِّ ومَثَلَ الباطِلِ، ثُمَّ شَرَعَ في تَقْسِيمِ المَثَلِ فَقالَ: ﴿فَأمّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً﴾ يُقالُ جَفَأ الوادِي بِالهَمْزِ جَفاءً: إذا رَمى بِالقَذَرِ والزَّبَدِ.
قالَ الفَرّاءُ: الجَفاءُ الرَّمْيُ، يُقالُ: جَفَأ الوادِي غُثاءَهُ جَفاءً: إذا رَمى بِهِ، والجَفاءُ بِمَنزِلَةِ الغُثاءِ.
وكَذا قالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ، وحَكى أبُو عُبَيْدَةَ أنَّهُ سَمِعَ رُؤْبَةَ يَقْرَأُ " جُفالًا " .
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُقالُ أجْفَلَتِ القِدْرُ إذا قَذَفَتْ بِزَبَدِها، وأجْفَلَتِ الرِّيحُ السَّحابَ إذا قَطَعَتْهُ.
قالَ أبُو حاتِمٍ: لا يُقْرَأُ بِقِراءَةِ رُؤْبَةَ، لِأنَّهُ كانَ يَأْكُلُ الفَأْرَ.
واعْلَمْ أنَّ وجْهَ المُماثَلَةِ بَيْنَ الزَّبَدَيْنِ في الزَّبَدِ الَّذِي يَحْمِلُهُ السَّيْلُ والزَّبَدِ الَّذِي يَعْلُو الأجْسامَ المُنْطَرِقَةَ أنَّ تُرابَ الأرْضِ لَمّا خالَطَ الماءَ وحَمَلَهُ مَعَهُ صارَ زَبَدًا رابِيًا فَوْقَهُ، وكَذَلِكَ ما يُوقَدُ عَلَيْهِ في النّارِ حَتّى يَذُوبَ مِنَ الأجْسامِ المُنْطَرِقَةِ، فَإنَّ أصْلَهُ مِنَ المَعادِنِ الَّتِي تَنْبُتُ في الأرْضِ فَيُخالِطُها التُّرابُ، فَإذا أُذِيبَتْ صارَ ذَلِكَ التُّرابُ الَّذِي خالَطَها خَبَثًا مُرْتَفِعًا فَوْقَها ﴿وأمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ﴾ مِنهُما وهو الماءُ الصّافِي، والذّائِبُ الخالِصُ مِنَ الخَبَثِ ﴿فَيَمْكُثُ في الأرْضِ﴾ أيْ يَثْبُتُ فِيها، أمّا الماءُ فَإنَّهُ يَسْلُكُ في عُرُوقِ الأرْضِ فَتَنْتَفِعُ النّاسُ بِهِ، وأمّا ما أُذِيبُ مِن تِلْكَ الأجْسامِ فَإنَّهُ يُصاغُ حِلْيَةً وأمْتِعَةً، وهَذانِ مَثَلانِ ضَرَبَهُما اللَّهُ سُبْحانَهُ لِلْحَقِّ والباطِلِ، يَقُولُ: إنَّ الباطِلَ وإنْ ظَهَرَ عَلى الحَقِّ في بَعْضِ الأحْوالِ وعَلاهُ، فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ سَيَمْحَقُهُ ويُبْطِلُهُ ويَجْعَلُ العاقِبَةَ لِلْحَقِّ وأهْلِهِ كالزَّبَدِ الَّذِي يَعْلُو الماءَ فَيُلْقِيهِ الماءُ ويَضْمَحِلُّ وكَخَبَثِ هَذِهِ الأجْسامِ فَإنَّهُ وإنْ عَلا عَلَيْها فَإنَّ الكِيرَ يَقْذِفُهُ ويَدْفَعُهُ، فَهَذا مَثَلُ الباطِلِ، وأمّا الماءُ الَّذِي يَنْفَعُ النّاسَ ويُنْبِتُ المَراعِيَ فَيَمْكُثُ في الأرْضِ، وكَذَلِكَ الصَّفْوُ مِن هَذِهِ الأجْسامِ فَإنَّهُ يَبْقى خالِصًا لا شَوْبَ فِيهِ، وهو مَثَلُ الحَقِّ.
قالَ الزَّجّاجُ: فَمَثَلُ المُؤْمِنِ واعْتِقادِهِ ونَفْعِ الإيمانِ كَمَثَلِ هَذا الماءِ المُنْتَفَعِ بِهِ في نَباتِ الأرْضِ وحَياةِ كُلِّ شَيْءِ، وكَمَثَلِ نَفْعِ الفِضَّةِ والذَّهَبِ وسائِرِ الجَواهِرِ لِأنَّها كُلَّها تَبْقى مُنْتَفَعًا بِها، ومَثَلُ الكافِرِ وكُفْرِهِ كَمَثَلِ الزَّبَدِ الَّذِي يَذْهَبُ جَفاءً، وكَمَثَلِ خَبَثِ الحَدِيدِ وما تُخْرِجُهُ النّارُ مِن وسَخِ الفِضَّةِ والذَّهَبِ الَّذِي لا يُنْتَفَعُ بِهِ.
وقَدْ حَكَيْنا عَنِ ابْنِ الأنْبارِيِّ فِيما تَقَدَّمَ أنَّهُ شَبَّهَ نُزُولَ القُرْآنِ إلى آخِرِ ما ذَكَرْناهُ فَجَعَلَ ذَلِكَ مَثَلًا ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْقُرْآنِ ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الضَّرْبِ العَجِيبِ يَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ في كُلِّ بابٍ لِكَمالِ العِنايَةِ بِعِبادِهِ واللُّطْفِ بِهِمْ، وهَذا تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الحَقَّ والباطِلَ﴾ .
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ مَن ضَرَبَ لَهُ مَثَلَ الحَقِّ ومَثَلَ الباطِلِ مِن عِبادِهِ، فَقالَ فِيمَن ضَرَبَ لَهُ مَثَلَ الحَقِّ ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ﴾ أيْ أجابُوا دَعْوَتَهُ إذْ دَعاهم إلى تَوْحِيدِهِ وتَصْدِيقِ أنْبِيائِهِ والعَمَلِ بِشَرائِعِهِ، و( الحُسْنى ) صِفَةُ مَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ: أيِ المَثُوبَةِ الحُسْنى وهي الجَنَّةُ، وقالَ سُبْحانَهُ فِيمَن ضَرَبَ لَهُ مَثَلَ الباطِلِ ﴿والَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا﴾ لِدَعْوَتِهِ إلى ما دَعاهم إلَيْهِ، والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ الجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ، وهي ﴿لَوْ أنَّ لَهم ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ مِن أصْنافِ الأمْوالِ الَّتِي يَتَمَلَّكُها العِبادُ ويَجْمَعُونَها بِحَيْثُ لا يَخْرُجُ عَنْ مِلْكِهِمْ مِنها شَيْءٌ ﴿ومِثْلَهُ مَعَهُ﴾ أيْ مِثْلَ ما في الأرْضِ جَمِيعًا كائِنًا مَعَهُ ومُنْضَمًّا إلَيْهِ ﴿لافْتَدَوْا بِهِ﴾ أيْ بِمَجْمُوعِ ما ذُكِرَ وهو ما في الأرْضِ ومِثْلُهُ.
والمَعْنى: لِيَخْلُصُوا بِهِ مِمّا هم فِيهِ مِنَ العَذابِ الكَبِيرِ والهَوْلِ العَظِيمِ، ثُمَّ بَيَّنَ اللَّهُ سُبْحانَهُ ما أعَدَّهُ لَهم فَقالَ أُولَئِكَ يَعْنِي الَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا ﴿لَهم سُوءُ الحِسابِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: لِأنَّ كُفْرَهم أحْبَطَ أعْمالَهم، وقالَ غَيْرُهُ: سُوءُ الحِسابِ المُناقَشَةُ فِيهِ، وقِيلَ: هو أنْ يُحاسَبَ الرَّجُلُ بِذَنْبِهِ كُلِّهِ لا يُغْفَرُ مِنهُ شَيْءٌ ﴿ومَأْواهم جَهَنَّمُ﴾ أيْ مَرْجِعُهم إلَيْها ﴿وبِئْسَ المِهادُ﴾ أيِ المُسْتَقَرِّ الَّذِي يَسْتَقِرُّونَ فِيهِ.
والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا وطَمَعًا﴾ قالَ: خَوْفًا لِلْمُسافِرِ يَخافُ أذاهُ ومَشَقَّتَهُ، وطَمَعًا لِلْمُقِيمِ يَطْمَعُ في رِزْقِ اللَّهِ ويَرْجُو بَرَكَةَ المَطَرِ ومَنفَعَتَهُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ الحَسَنِ قالَ: خَوْفًا لِأهْلِ البَحْرِ وطَمَعًا لِأهْلِ البِرِّ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: الخَوْفُ ما يُخافُ مِنَ الصَّواعِقِ، والطَّمَعُ الغَيْثُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ والخَرائِطِيُّ في مَكارِمِ الأخْلاقِ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ مِن طُرُقٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: البَرْقُ مَخارِيقُ مِن نارٍ بِأيْدِي مَلائِكَةِ السَّحابِ يَزْجُرُونَ بِهِ السَّحابَ.
ورُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ ما يُوافِقُ هَذا ويُخالِفُهُ، ولَعَلَّنا قَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ البَقَرَةِ شَيْئًا مِن ذَلِكَ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ شَيْخٍ مِن بَنِي غِفارٍ قَدْ صَحِبَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «إنَّ اللَّهَ يُنْشِئُ السَّحابَ فَتَنْطِقُ أحْسَنَ النُّطْقِ وتَضْحَكُ أحْسَنَ الضَّحِكِ» قِيلَ والمُرادُ بِنُطْقِها الرَّعْدُ، وبِضَحِكِها البَرْقُ.
وقَدْ ثَبَتَ عِنْدَ أحْمَدَ والتِّرْمِذِيِّ والنَّسائِيِّ في اليَوْمِ واللَّيْلَةِ والحاكِمِ في مُسْتَدْرَكِهِ مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ إذا سَمِعَ الرَّعْدَ والصَّواعِقَ قالَ: اللَّهُمَّ لا تَقْتُلْنا بِغَضَبِكَ، ولا تُهْلِكْنا بِعَذابِكَ، وعافِنا قَبْلَ ذَلِكَ» .
وأخْرَجَ العُقَيْلِيُّ وضَعَّفَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ «يُنْشِئُ اللَّهُ السَّحابَ ثُمَّ يُنْزِلُ فِيهِ الماءَ، فَلا شَيْءَ أحْسَنُ مِن ضَحِكِهِ، ولا شَيْءَ أحْسَنُ مِن نُطْقِهِ، ومَنطِقُهُ الرَّعْدُ وضَحِكُهُ البَرْقُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أنَّ خُزَيْمَةَ بْنَ ثابِتٍ، ولَيْسَ بِالأنْصارِيِّ، «سَألَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَنْ مَنشَأِ السَّحابِ فَقالَ: إنَّ مَلَكًا مُوَكَّلًا يَلُمُّ القاصِيَةَ ويُلْحِمُ الدّانِيَةَ في يَدِهِ مِخْراقٌ، فَإذا رَفَعَ بَرَقَتْ وإذا زَجَرَ رَعَدَتْ، وإذا ضَرَبَ صَعِقَتْ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ والنَّسائِيُّ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «أقْبَلَتْ يَهُودُ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالُوا: يا أبا القاسِمِ إنّا نَسْألُكَ عَنْ خَمْسَةِ (p-٧٢٨)أشْياءَ، فَإنْ أنْبَأتْنا بِهِنَّ عَرَفْنا أنَّكَ نَبِيٌّ واتَّبَعْناكَ، فَأخَذَ عَلَيْهِمْ ما أخَذَ إسْرائِيلُ عَلى بَنِيهِ إذْ قالَ ﴿اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وكِيلٌ﴾، قالَ: هاتُوا، قالُوا: أخْبِرْنا عَنْ عَلامَةِ النَّبِيِّ ؟ قالَ: تَنامُ عَيْناهُ ولا يَنامُ قَلْبُهُ، قالُوا: أخْبِرْنا كَيْفَ تُؤَنِّثُ المَرْأةُ وكَيْفَ تُذَكِّرُ ؟ قالَ: يَلْتَقِي الماءانِ، فَإذا عَلا ماءُ الرَّجُلِ ماءَ المَرْأةِ أذْكَرَتْ، وإذا عَلا ماءُ المَرْأةِ ماءَ الرَّجُلِ أنَّثَتْ، قالُوا: أخْبِرْنا عَمّا حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ ؟ قالَ: كانَ يَشْتَكِي عِرْقَ النَّساءِ، فَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا يُلائِمُهُ إلّا ألْبانَ كَذا وكَذا: يَعْنِي الإبِلَ، فَحَرَّمَ لُحُومَها، قالُوا: صَدَقْتَ، قالُوا: أخْبِرْنا ما هَذا الرَّعْدُ ؟ قالَ: مَلَكٌ مِن مَلائِكَةِ اللَّهِ مُوَكَّلٌ بِالسَّحابِ بِيَدِهِ مِخْراقٌ مِن نارٍ يَزْجُرُ بِهِ السَّحابَ يَسُوقُهُ حَيْثُ أمَرَهُ اللَّهُ، قالُوا: فَما هَذا الصَّوْتُ الَّذِي نَسْمَعُ ؟ قالَ: صَوْتُهُ.
قالُوا: صَدَقْتَ إنَّما بَقِيَتْ واحِدَةٌ، وهي الَّتِي نُتابِعُكَ إنْ أخْبَرْتَنا، إنَّهُ لَيْسَ مِن نَبِيٍّ إلّا لَهُ مَلَكٌ يَأْتِيهِ بِالخَبَرِ، فَأخْبِرْنا مَن صاحِبُكَ ؟ قالَ: جِبْرِيلُ، قالُوا: جِبْرِيلُ ذاكَ يَنْزِلُ بِالخَرابِ والقِتالِ والعَذابِ عَدُوُّنا، لَوْ قُلْتَ مِيكائِيلَ الَّذِي يَنْزِلُ بِالرَّحْمَةِ والنَّباتِ والقَطْرِ لَكانَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿قُلْ مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ [البقرة: ٩٧] إلى آخِرِ الآيَةِ» .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ في الأدَبِ المُفْرَدِ وابْنُ أبِي الدُّنْيا في المَطَرِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ إذا سَمِعَ صَوْتَ الرَّعْدِ قالَ: سُبْحانَ الَّذِي سَبَّحَتْ لَهُ، وقالَ: إنَّ الرَّعْدَ مَلَكٌ يَنْعِقُ بِالغَيْثِ كَما يَنْعِقُ الرّاعِي بِغَنَمِهِ.
وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذا عَنْهُ مِن طُرُقٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ الرَّعْدَ صَوْتُ المَلَكِ، وكَذا أخْرَجَ نَحْوَهُ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الرَّعْدُ مَلَكٌ اسْمُهُ الرَّعْدُ، وصَوْتُهُ هَذا تَسْبِيحُهُ، فَإذا اشْتَدَّ زَجْرُهُ احْتَكَّ السَّحابُ واضْطَرَمَ مِن خَوْفِهِ فَتَخْرُجُ الصَّواعِقُ مِن بَيْنِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والخَرائِطِيُّ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْ أبِي عِمْرانَ الجَوْنِيِّ قالَ: إنَّ بُحُورًا مِن نارٍ دُونَ العَرْشِ تَكُونُ مِنها الصَّواعِقُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: الصَّواعِقُ نارٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وهُوَ شَدِيدُ المِحالِ﴾ قالَ: شَدِيدُ القُوَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: شَدِيدُ الأخْذِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الحَقِّ﴾ قالَ: التَّوْحِيدُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والفِرْيابِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿دَعْوَةُ الحَقِّ﴾ قالَ: شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَلِيٍّ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا كَباسِطِ كَفَّيْهِ إلى الماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ وما هو بِبالِغِهِ﴾ قالَ: كانَ الرَّجُلُ العَطْشانُ يَمُدُّ يَدَهُ إلى البِئْرِ لِيَرْتَفِعَ الماءُ إلَيْهِ وما هو بِبالِغِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: هَذا مَثَلُ المُشْرِكِ الَّذِي عَبَدَ مَعَ اللَّهِ غَيْرَهُ، فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الرَّجُلِ العَطْشانِ الَّذِي يَنْظُرُ إلى خَيالِهِ في الماءِ مِن بَعِيدٍ وهو يُرِيدُ أنْ يَتَناوَلَهُ ولا يَقْدِرُ عَلَيْهِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ﴾ قالَ: المُؤْمِنُ والكافِرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ الآيَةَ قالَ: هَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ احْتَمَلَتْ مِنهُ القُلُوبُ عَلى قَدْرِ يَقِينِها وشَكِّها، فَأمّا الشَّكُّ فَلا يَنْفَعُ مَعَهُ العَمَلُ، وأمّا اليَقِينُ فَيَنْفَعُ اللَّهُ بِهِ أهْلَهُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَأمّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً﴾ وهو الشَّكُّ ﴿وأمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ فَيَمْكُثُ في الأرْضِ﴾ وهو اليَقِينُ، وكَما يُجْعَلُ الحُلِيُّ في النّارِ فَيُؤْخَذُ خالِصُهُ ويُتْرَكُ خَبَثُهُ، فَكَذَلِكَ يَقْبَلُ اللَّهُ اليَقِينَ ويَتْرُكُ الشَّكَّ.
وأخْرُجُ هَؤُلاءِ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَسالَتْ أوْدِيَةٌ بِقَدَرِها﴾ قالَ: الصَّغِيرُ قَدْرُ صِغَرِهِ والكَبِيرُ قَدْرُ كِبَرِهِ.
الرعد 13:21
.
الهَمْزَةُ في قَوْلِهِ: ﴿أفَمَن يَعْلَمُ﴾ لِلْإنْكارِ عَلى مَن يَتَوَهَّمُ المُماثَلَةَ بَيْنَ مَن يَعْلَمُ، إنَّما أنْزَلَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ إلى رَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِنَ الحَقِّ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ ولا شُبْهَةَ، وهو القُرْآنُ، وبَيْنَ مَن هو أعْمى لا يَعْلَمُ ذَلِكَ، فَإنَّ الحالَ بَيْنَهُما مُتَباعِدٌ جِدًّا كالتَّباعُدِ الَّذِي بَيْنَ الماءِ والزَّبَدِ، وبَيْنَ الخَبَثِ والخالِصِ مِن تِلْكَ الأجْسامِ، ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهُ إنَّما يَقِفُ عَلى تَفاوُتِ المَنزِلَتَيْنِ، وتَبايُنِ الرُّتْبَتَيْنِ أهْلُ العُقُولِ الصَّحِيحَةِ، فَقالَ: ﴿إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ .
ثُمَّ وصَفَهم بِهَذِهِ الأوْصافِ المادِحَةِ، فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ أيْ بِما عَقَدُوهُ مِنَ العُهُودِ فِيما بَيْنَهم وبَيْنَ رَبِّهِمْ، أوْ فِيما بَيْنَهم وبَيْنَ العِبادِ ﴿ولا يَنْقُضُونَ المِيثاقَ﴾ الَّذِي وثَّقُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ، وأكَّدُوهُ بِالأيْمانِ ونَحْوِها، وهَذا تَعْمِيمٌ بَعْدَ التَّخْصِيصِ، لِأنَّهُ يَدْخُلُ تَحْتَ المِيثاقِ كُلُّ ما أوْجَبَهُ العَبْدُ عَلى نَفْسِهِ كالنُّذُورِ ونَحْوِها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الأمْرُ بِالعَكْسِ فَيَكُونُ مِنَ التَّخْصِيصِ بَعْدَ التَّعْمِيمِ عَلى أنْ يُرادَ بِالعَهْدِ جَمِيعُ عُهُودِ اللَّهِ، وهي أوامِرُهُ ونَواهِيهِ الَّتِي وصّى بِها عَبِيدَهُ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ الِالتِزاماتُ الَّتِي يُلْزِمُ بِها العَبْدُ نَفْسَهُ، ويُرادُ بِالمِيثاقِ ما أخَذَهُ اللَّهُ عَلى عِبادِهِ حِينَ أخْرَجَهم مِن صُلْبِ آدَمَ في عالَمِ الذَّرِّ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ﴾ [الأعراف: ١٧٢] الآيَةَ.
﴿والَّذِينَ يَصِلُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ﴾ ظاهِرُهُ شُمُولُ كُلِّ ما أمَرَ اللَّهُ بِصِلَتِهِ، ونَهى عَنْ قَطْعِهِ مِن حُقُوقِ اللَّهِ وحُقُوقِ عِبادِهِ، ويَدْخُلُ تَحْتَ ذَلِكَ صِلَةُ الأرْحامِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وقَدْ قَصَرَهُ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَلى صِلَةِ الرَّحِمِ، واللَّفْظُ أوْسَعُ مِن ذَلِكَ ﴿ويَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ خَشْيَةً تَحْمِلُهم عَلى فِعْلِ ما وجَبَ، واجْتِنابِ ما لا يَحِلُّ ﴿ويَخافُونَ سُوءَ الحِسابِ﴾ (p-٧٢٩)وهُوَ الِاسْتِقْصاءُ فِيهِ والمُناقَشَةُ لِلْعَبْدِ، فَمَن نُوقِشَ الحِسابَ عُذِّبَ، ومِن حَقِّ هَذِهِ الخِيفَةِ أنْ يُحاسِبُوا أنْفُسَهم قَبْلَ أنْ يُحاسَبُوا.
﴿والَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِمْ﴾ قِيلَ: هو كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ، وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِلَفْظِ المُضِيِّ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ يَنْبَغِي تَحَقُّقُهُ، والمُرادُ بِالصَّبْرِ الصَّبْرُ عَلى الإتْيانِ بِما أمَرَ اللَّهُ بِهِ، واجْتِنابِ ما نَهى عَنْهُ، وقِيلَ: عَلى الرَّزايا والمَصائِبِ، ومَعْنى كَوْنِ ذَلِكَ الصَّبْرِ لِابْتِغاءِ وجْهِ اللَّهِ: أنْ يَكُونَ خالِصًا لَهُ، لا شائِبَةَ فِيهِ لِغَيْرِهِ ﴿وأقامُوا الصَّلاةَ﴾ أيْ فَعَلُوها في أوْقاتِها عَلى ما شَرَعَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ في أذْكارِها وأرْكانِها مَعَ الخُشُوعِ والإخْلاصِ، والمُرادُ بِها الصَّلَواتُ المَفْرُوضَةُ، وقِيلَ: أعَمُّ مِن ذَلِكَ ﴿وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهُمْ﴾ أيْ أنْفَقُوا بَعْضَ ما رَزَقْناهم، والمُرادُ بِالسِّرِّ: صَدَقَةُ النَّفْلِ، والعَلانِيَةِ: صَدَقَةُ الفَرْضِ، وقِيلَ: السِّرُّ لِمَن لَمْ يُعْرَفْ بِالمالِ، أوْ لا يُتَّهَمُ بِتَرْكِ الزَّكاةِ، والعَلانِيَةُ لِمَن كانَ يُعْرَفُ بِالمالِ أوْ يُتَّهَمُ بِتَرْكِ الزَّكاةِ ﴿ويَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ أيْ يَدْفَعُونَ سَيِّئَةَ مَن أساءَ إلَيْهِمْ بِالإحْسانِ إلَيْهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [ المُؤْمِنُونَ: ٩٦، فُصِّلَتْ: ٣٤ ]، أوْ يَدْفَعُونَ بِالعَمَلِ الصّالِحِ العَمَلَ السَّيِّئَ، أوْ يَدْفَعُونَ الشَّرَّ بِالخَيْرِ، أوِ المُنْكَرَ بِالمَعْرُوفِ، أوِ الظُّلْمَ بِالعَفْوِ، أوِ الذَّنْبَ بِالتَّوْبَةِ، ولا مانِعَ مِن حَمْلِ الآيَةِ عَلى جَمِيعِ هَذِهِ الأُمُورِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ إلى المَوْصُوفِينَ بِالصِّفاتِ المُتَقَدِّمَةِ ﴿لَهم عُقْبى الدّارِ﴾ العُقْبى مَصْدَرٌ كالعاقِبَةِ، والمُرادُ بِالدّارِ الدُّنْيا وعُقْباها الجَنَّةُ، وقِيلَ: المُرادُ بِالدّارِ: الدّارُ الآخِرَةِ، وعُقْباها الجَنَّةُ لِلْمُطِيعِينَ، والنّارُ لِلْعُصاةِ.
﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها﴾ بَدَلٌ مِن عُقْبى الدّارِ أيْ لَهم جَنّاتُ عَدْنٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، وخَبَرُهُ يَدْخُلُونَها، والعَدْنُ أصْلُهُ الإقامَةُ، ثُمَّ صارَ عَلَمًا لِجَنَّةٍ مِنَ الجِنانِ.
قالَ القُشَيْرِيُّ: وجَنّاتُ عَدْنٍ: وسَطُ الجَنَّةِ وقَصَبَتُها وسَقْفُها عَرْشُ الرَّحْمَنِ، ولَكِنْ في صَحِيحِ البُخارِيِّ وغَيْرِهِ «إذا سَألْتُمُ اللَّهَ فاسْألُوهُ الفِرْدَوْسَ فَإنَّهُ أوْسَطُ الجَنَّةِ، وأعْلى الجَنَّةِ، وفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، ومِنهُ تُفَجَّرُ أنْهارُ الجَنَّةِ» .
﴿ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ﴾ يَشْمَلُ الآباءَ والأُمَّهاتِ ﴿وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى الضَّمِيرِ في يَدْخُلُونَ، وجازَ ذَلِكَ لِلْفَصْلِ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، أيْ: ويَدْخُلُها أزْواجُهم وذُرِّيّاتُهم، وذِكْرُ الصَّلاحِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ كَذَلِكَ مِن قَراباتِ أُولَئِكَ، ولا يَنْفَعُ مُجَرَّدُ كَوْنِهِ مِنَ الآباءِ أوِ الأزْواجِ أوِ الذَّرِّيَّةِ بِدُونِ صَلاحٍ ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ أيْ مِن جَمِيعِ أبْوابِ المَنازِلِ الَّتِي يَسْكُنُونَها، أوِ المُرادُ مِن كُلِّ بابٍ مِن أبْوابِ التُّحَفِ والهَدايا مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ.
﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ قائِلِينَ سَلامٌ عَلَيْكم، أيْ: سَلِمْتُمْ مِنَ الآفاتِ أوْ دامَتْ لَكُمُ السَّلامَةُ ﴿بِما صَبَرْتُمْ﴾ أيْ بِسَبَبِ صَبْرِكم وهو مُتَعَلِّقٌ بِالسَّلامِ، أيْ: إنَّما حَصَلَتْ لَكم هَذِهِ السَّلامَةُ بِواسِطَةِ صَبْرِكم أوْ مُتَعَلِّقٌ بِـ عَلَيْكم، أوْ بِمَحْذُوفٍ، أيْ: هَذِهِ الكَرامَةُ بِسَبَبِ صَبْرِكم، أوْ بَدَلُ ما احْتَمَلْتُمْ مِن مَشاقِّ الصَّبْرِ ﴿فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾ جاءَ سُبْحانَهُ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ المُتَضَمِّنَةِ لِمَدْحِ ما أعْطاهم مِن عُقْبى الدّارِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُها لِلتَّرْغِيبِ والتَّشْوِيقِ.
ثُمَّ اتْبَعَ أحْوالَ السُّعَداءِ بِأحْوالِ الأشْقِياءِ، فَقالَ: ﴿والَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ ويَقْطَعُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ﴾ وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ عَدَمِ النَّقْضِ وعَدَمِ القَطْعِ فَعُرِفَ مِنهُما تَفْسِيرُ النَّقْضِ والقَطْعِ، ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِنَفْيِ الخَشْيَةِ والخَوْفِ عَنْهم وما بَعَدَهُما مِنَ الأوْصافِ المُتَقَدِّمَةِ لِدُخُولِها في النَّقْضِ والقَطْعِ ﴿ويُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾ بِالكُفْرِ وارْتِكابِ المَعاصِي والإضْرارِ بِالأنْفُسِ والأمْوالِ أُولَئِكَ المَوْصُوفُونَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ الذَّمِيمَةِ لَهم بِسَبَبِ ذَلِكَ اللَّعْنَةُ: أيِ الطَّرْدُ والإبْعادُ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ ﴿ولَهم سُوءُ الدّارِ﴾ أيْ سُوءُ عاقِبَةِ دارِ الدُّنْيا، وهي النّارُ أوْ عَذابُ النّارِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَمَن يَعْلَمُ أنَّما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ﴾ قالَ: هَؤُلاءِ قَوْمٌ انْتَفَعُوا بِما سَمِعُوا مِن كِتابِ اللَّهِ وعَقَلُوهُ ووَعَوْهُ ﴿كَمَن هو أعْمى﴾ قالَ: عَنِ الحَقِّ، فَلا يُبْصِرُهُ ولا يَعْقِلُهُ ﴿إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ فَبَيَّنَ مَن هم ؟ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ﴿أُولُو الألْبابِ﴾ قالَ: مَن كانَ لَهُ لُبٌّ، أيْ: عَقْلٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ أنَّ اللَّهَ ذَكَرَ الوَفاءَ بِالعَهْدِ والمِيثاقِ في بِضْعٍ وعِشْرِينَ آيَةً مِنَ القُرْآنِ.
وأخْرَجَ الخَطِيبُ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إنَّ البِرَّ والصِّلَةَ لَيُخَفِّفانِ سُوءَ الحِسابِ يَوْمَ القِيامَةِ.
ثُمَّ تَلا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: ﴿والَّذِينَ يَصِلُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ويَخْشَوْنَ رَبَّهم ويَخافُونَ سُوءَ الحِسابِ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يَصِلُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ﴾ يَعْنِي مِن إيمانٍ بِالنَّبِيِّينَ وبِالكُتُبِ كُلِّها ﴿ويَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ يَعْنِي يَخافُونَ مِن قَطِيعَةِ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ﴿ويَخافُونَ سُوءَ الحِسابِ﴾ يَعْنِي شِدَّةَ الحِسابِ.
وقَدْ ورَدَ في صِلَةِ الرَّحِمِ وتَحْرِيمِ قَطْعِها أحادِيثُ كَثِيرَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الضَّحّاكِ ﴿ويَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ قالَ: يَدْفَعُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وهَنّادٌ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ قالَ: بُطْنانُ الجَنَّةِ، يَعْنِي وسَطَها.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّ عُمَرَ قالَ لِكَعْبٍ: ما عَدْنٌ ؟ قالَ: هو قَصْرٌ في الجَنَّةِ لا يَدْخُلُهُ إلّا نَبِيٌّ أوْ صِدِّيقٌ أوْ شَهِيدٌ أوْ حَكَمٌ عَدْلٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «جَنَّةُ عَدْنٍ قَضِيبٌ غَرَسَهُ اللَّهُ بِيَدِهِ، ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَكانَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ﴾ قالَ: مَن آمَنَ في الدُّنْيا.
وأخْرَجَ (p-٧٣٠)عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي عِمْرانَ الجَوْنِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ﴾ قالَ: عَلى دِينِكم ﴿فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾ قالَ: نِعْمَ ما أعْقَبَكُمُ اللَّهُ مِنَ الدُّنْيا في الجَنَّةِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ والبَزّارُ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ حِبّانَ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «أوَّلُ مَن يَدْخُلُ الجَنَّةَ مِن خَلْقِ اللَّهِ فُقَراءُ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ تُسَدُّ بِهِمُ الثُّغُورُ، وتُتَّقى بِهِمُ المَكارِهُ، ويَمُوتُ أحَدُهم وحاجَتُهُ في صَدْرِهِ لا يَسْتَطِيعُ لَها قَضاءً، فَيَقُولُ اللَّهُ لِمَن يَشاءُ مِن مَلائِكَتِهِ: ائْتُوهم فَحَيُّوهم، فَتَقُولُ المَلائِكَةُ: رَبَّنا نَحْنُ سُكّانُ سَمائِكَ وخِيرَتُكَ مِن خَلْقِكَ، أفَتَأْمُرُنا أنْ نَأْتِيَ هَؤُلاءِ فَنُسَلِّمَ عَلَيْهِمْ ؟ قالَ اللَّهُ: إنَّ هَؤُلاءِ عِبادِي كانُوا يَعْبُدُونَنِي ولا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا، وتُسَدُّ بِهِمُ الثُّغُورُ، وتُتَّقى بِهِمُ المَكارِهُ، ويَمُوتُ أحَدُهم وحاجَتُهُ في صَدْرِهِ لا يَسْتَطِيعُ لَها قَضاءً، فَتَأْتِيهِمُ المَلائِكَةُ عِنْدَ ذَلِكَ فَيَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ ﴿سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي أُمامَةَ إنَّ المُؤْمِنَ لَيَكُونُ مُتَّكِئًا عَلى أرِيكَةٍ إذا دَخَلَ الجَنَّةَ وعِنْدَهُ سِماطانِ مِن خَدَمٍ وعِنْدَ طَرَفِ السِّماطَيْنِ بابٌ مُبَوَّبٌ، فَيُقْبِلُ المَلَكُ فَيَسْتَأْذِنُ، فَيَقُولُ أقْصى الخَدَمِ لِلَّذِي يَلِيهِ: مَلَكٌ يَسْتَأْذِنُ، ويَقُولُ الَّذِي يَلِيهِ: مَلَكٌ يَسْتَأْذِنُ، حَتّى يَبْلُغَ المُؤْمِنَ، فَيَقُولُ ائْذَنُوا لَهُ، فَيَقُولُ أقْرَبُهم إلى المُؤْمِنِ: ائْذَنُوا لَهُ، ويَقُولُ الَّذِي يَلِيهِ لِلَّذِي يَلِيهِ ائْذَنُوا لَهُ حَتّى يَبْلُغَ أقْصاهُمُ الَّذِي عِنْدَ البابِ فَيَفْتَحُ لَهُ فَيَدْخُلُ ويُسَلِّمُ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ولَهم سُوءُ الدّارِ﴾ قالَ: سُوءُ العاقِبَةِ.
الرعد 13:22
.
الهَمْزَةُ في قَوْلِهِ: ﴿أفَمَن يَعْلَمُ﴾ لِلْإنْكارِ عَلى مَن يَتَوَهَّمُ المُماثَلَةَ بَيْنَ مَن يَعْلَمُ، إنَّما أنْزَلَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ إلى رَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِنَ الحَقِّ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ ولا شُبْهَةَ، وهو القُرْآنُ، وبَيْنَ مَن هو أعْمى لا يَعْلَمُ ذَلِكَ، فَإنَّ الحالَ بَيْنَهُما مُتَباعِدٌ جِدًّا كالتَّباعُدِ الَّذِي بَيْنَ الماءِ والزَّبَدِ، وبَيْنَ الخَبَثِ والخالِصِ مِن تِلْكَ الأجْسامِ، ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهُ إنَّما يَقِفُ عَلى تَفاوُتِ المَنزِلَتَيْنِ، وتَبايُنِ الرُّتْبَتَيْنِ أهْلُ العُقُولِ الصَّحِيحَةِ، فَقالَ: ﴿إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ .
ثُمَّ وصَفَهم بِهَذِهِ الأوْصافِ المادِحَةِ، فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ أيْ بِما عَقَدُوهُ مِنَ العُهُودِ فِيما بَيْنَهم وبَيْنَ رَبِّهِمْ، أوْ فِيما بَيْنَهم وبَيْنَ العِبادِ ﴿ولا يَنْقُضُونَ المِيثاقَ﴾ الَّذِي وثَّقُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ، وأكَّدُوهُ بِالأيْمانِ ونَحْوِها، وهَذا تَعْمِيمٌ بَعْدَ التَّخْصِيصِ، لِأنَّهُ يَدْخُلُ تَحْتَ المِيثاقِ كُلُّ ما أوْجَبَهُ العَبْدُ عَلى نَفْسِهِ كالنُّذُورِ ونَحْوِها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الأمْرُ بِالعَكْسِ فَيَكُونُ مِنَ التَّخْصِيصِ بَعْدَ التَّعْمِيمِ عَلى أنْ يُرادَ بِالعَهْدِ جَمِيعُ عُهُودِ اللَّهِ، وهي أوامِرُهُ ونَواهِيهِ الَّتِي وصّى بِها عَبِيدَهُ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ الِالتِزاماتُ الَّتِي يُلْزِمُ بِها العَبْدُ نَفْسَهُ، ويُرادُ بِالمِيثاقِ ما أخَذَهُ اللَّهُ عَلى عِبادِهِ حِينَ أخْرَجَهم مِن صُلْبِ آدَمَ في عالَمِ الذَّرِّ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ﴾ [الأعراف: ١٧٢] الآيَةَ.
﴿والَّذِينَ يَصِلُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ﴾ ظاهِرُهُ شُمُولُ كُلِّ ما أمَرَ اللَّهُ بِصِلَتِهِ، ونَهى عَنْ قَطْعِهِ مِن حُقُوقِ اللَّهِ وحُقُوقِ عِبادِهِ، ويَدْخُلُ تَحْتَ ذَلِكَ صِلَةُ الأرْحامِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وقَدْ قَصَرَهُ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَلى صِلَةِ الرَّحِمِ، واللَّفْظُ أوْسَعُ مِن ذَلِكَ ﴿ويَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ خَشْيَةً تَحْمِلُهم عَلى فِعْلِ ما وجَبَ، واجْتِنابِ ما لا يَحِلُّ ﴿ويَخافُونَ سُوءَ الحِسابِ﴾ (p-٧٢٩)وهُوَ الِاسْتِقْصاءُ فِيهِ والمُناقَشَةُ لِلْعَبْدِ، فَمَن نُوقِشَ الحِسابَ عُذِّبَ، ومِن حَقِّ هَذِهِ الخِيفَةِ أنْ يُحاسِبُوا أنْفُسَهم قَبْلَ أنْ يُحاسَبُوا.
﴿والَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِمْ﴾ قِيلَ: هو كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ، وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِلَفْظِ المُضِيِّ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ يَنْبَغِي تَحَقُّقُهُ، والمُرادُ بِالصَّبْرِ الصَّبْرُ عَلى الإتْيانِ بِما أمَرَ اللَّهُ بِهِ، واجْتِنابِ ما نَهى عَنْهُ، وقِيلَ: عَلى الرَّزايا والمَصائِبِ، ومَعْنى كَوْنِ ذَلِكَ الصَّبْرِ لِابْتِغاءِ وجْهِ اللَّهِ: أنْ يَكُونَ خالِصًا لَهُ، لا شائِبَةَ فِيهِ لِغَيْرِهِ ﴿وأقامُوا الصَّلاةَ﴾ أيْ فَعَلُوها في أوْقاتِها عَلى ما شَرَعَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ في أذْكارِها وأرْكانِها مَعَ الخُشُوعِ والإخْلاصِ، والمُرادُ بِها الصَّلَواتُ المَفْرُوضَةُ، وقِيلَ: أعَمُّ مِن ذَلِكَ ﴿وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهُمْ﴾ أيْ أنْفَقُوا بَعْضَ ما رَزَقْناهم، والمُرادُ بِالسِّرِّ: صَدَقَةُ النَّفْلِ، والعَلانِيَةِ: صَدَقَةُ الفَرْضِ، وقِيلَ: السِّرُّ لِمَن لَمْ يُعْرَفْ بِالمالِ، أوْ لا يُتَّهَمُ بِتَرْكِ الزَّكاةِ، والعَلانِيَةُ لِمَن كانَ يُعْرَفُ بِالمالِ أوْ يُتَّهَمُ بِتَرْكِ الزَّكاةِ ﴿ويَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ أيْ يَدْفَعُونَ سَيِّئَةَ مَن أساءَ إلَيْهِمْ بِالإحْسانِ إلَيْهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [ المُؤْمِنُونَ: ٩٦، فُصِّلَتْ: ٣٤ ]، أوْ يَدْفَعُونَ بِالعَمَلِ الصّالِحِ العَمَلَ السَّيِّئَ، أوْ يَدْفَعُونَ الشَّرَّ بِالخَيْرِ، أوِ المُنْكَرَ بِالمَعْرُوفِ، أوِ الظُّلْمَ بِالعَفْوِ، أوِ الذَّنْبَ بِالتَّوْبَةِ، ولا مانِعَ مِن حَمْلِ الآيَةِ عَلى جَمِيعِ هَذِهِ الأُمُورِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ إلى المَوْصُوفِينَ بِالصِّفاتِ المُتَقَدِّمَةِ ﴿لَهم عُقْبى الدّارِ﴾ العُقْبى مَصْدَرٌ كالعاقِبَةِ، والمُرادُ بِالدّارِ الدُّنْيا وعُقْباها الجَنَّةُ، وقِيلَ: المُرادُ بِالدّارِ: الدّارُ الآخِرَةِ، وعُقْباها الجَنَّةُ لِلْمُطِيعِينَ، والنّارُ لِلْعُصاةِ.
﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها﴾ بَدَلٌ مِن عُقْبى الدّارِ أيْ لَهم جَنّاتُ عَدْنٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، وخَبَرُهُ يَدْخُلُونَها، والعَدْنُ أصْلُهُ الإقامَةُ، ثُمَّ صارَ عَلَمًا لِجَنَّةٍ مِنَ الجِنانِ.
قالَ القُشَيْرِيُّ: وجَنّاتُ عَدْنٍ: وسَطُ الجَنَّةِ وقَصَبَتُها وسَقْفُها عَرْشُ الرَّحْمَنِ، ولَكِنْ في صَحِيحِ البُخارِيِّ وغَيْرِهِ «إذا سَألْتُمُ اللَّهَ فاسْألُوهُ الفِرْدَوْسَ فَإنَّهُ أوْسَطُ الجَنَّةِ، وأعْلى الجَنَّةِ، وفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، ومِنهُ تُفَجَّرُ أنْهارُ الجَنَّةِ» .
﴿ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ﴾ يَشْمَلُ الآباءَ والأُمَّهاتِ ﴿وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى الضَّمِيرِ في يَدْخُلُونَ، وجازَ ذَلِكَ لِلْفَصْلِ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، أيْ: ويَدْخُلُها أزْواجُهم وذُرِّيّاتُهم، وذِكْرُ الصَّلاحِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ كَذَلِكَ مِن قَراباتِ أُولَئِكَ، ولا يَنْفَعُ مُجَرَّدُ كَوْنِهِ مِنَ الآباءِ أوِ الأزْواجِ أوِ الذَّرِّيَّةِ بِدُونِ صَلاحٍ ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ أيْ مِن جَمِيعِ أبْوابِ المَنازِلِ الَّتِي يَسْكُنُونَها، أوِ المُرادُ مِن كُلِّ بابٍ مِن أبْوابِ التُّحَفِ والهَدايا مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ.
﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ قائِلِينَ سَلامٌ عَلَيْكم، أيْ: سَلِمْتُمْ مِنَ الآفاتِ أوْ دامَتْ لَكُمُ السَّلامَةُ ﴿بِما صَبَرْتُمْ﴾ أيْ بِسَبَبِ صَبْرِكم وهو مُتَعَلِّقٌ بِالسَّلامِ، أيْ: إنَّما حَصَلَتْ لَكم هَذِهِ السَّلامَةُ بِواسِطَةِ صَبْرِكم أوْ مُتَعَلِّقٌ بِـ عَلَيْكم، أوْ بِمَحْذُوفٍ، أيْ: هَذِهِ الكَرامَةُ بِسَبَبِ صَبْرِكم، أوْ بَدَلُ ما احْتَمَلْتُمْ مِن مَشاقِّ الصَّبْرِ ﴿فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾ جاءَ سُبْحانَهُ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ المُتَضَمِّنَةِ لِمَدْحِ ما أعْطاهم مِن عُقْبى الدّارِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُها لِلتَّرْغِيبِ والتَّشْوِيقِ.
ثُمَّ اتْبَعَ أحْوالَ السُّعَداءِ بِأحْوالِ الأشْقِياءِ، فَقالَ: ﴿والَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ ويَقْطَعُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ﴾ وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ عَدَمِ النَّقْضِ وعَدَمِ القَطْعِ فَعُرِفَ مِنهُما تَفْسِيرُ النَّقْضِ والقَطْعِ، ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِنَفْيِ الخَشْيَةِ والخَوْفِ عَنْهم وما بَعَدَهُما مِنَ الأوْصافِ المُتَقَدِّمَةِ لِدُخُولِها في النَّقْضِ والقَطْعِ ﴿ويُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾ بِالكُفْرِ وارْتِكابِ المَعاصِي والإضْرارِ بِالأنْفُسِ والأمْوالِ أُولَئِكَ المَوْصُوفُونَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ الذَّمِيمَةِ لَهم بِسَبَبِ ذَلِكَ اللَّعْنَةُ: أيِ الطَّرْدُ والإبْعادُ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ ﴿ولَهم سُوءُ الدّارِ﴾ أيْ سُوءُ عاقِبَةِ دارِ الدُّنْيا، وهي النّارُ أوْ عَذابُ النّارِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَمَن يَعْلَمُ أنَّما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ﴾ قالَ: هَؤُلاءِ قَوْمٌ انْتَفَعُوا بِما سَمِعُوا مِن كِتابِ اللَّهِ وعَقَلُوهُ ووَعَوْهُ ﴿كَمَن هو أعْمى﴾ قالَ: عَنِ الحَقِّ، فَلا يُبْصِرُهُ ولا يَعْقِلُهُ ﴿إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ فَبَيَّنَ مَن هم ؟ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ﴿أُولُو الألْبابِ﴾ قالَ: مَن كانَ لَهُ لُبٌّ، أيْ: عَقْلٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ أنَّ اللَّهَ ذَكَرَ الوَفاءَ بِالعَهْدِ والمِيثاقِ في بِضْعٍ وعِشْرِينَ آيَةً مِنَ القُرْآنِ.
وأخْرَجَ الخَطِيبُ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إنَّ البِرَّ والصِّلَةَ لَيُخَفِّفانِ سُوءَ الحِسابِ يَوْمَ القِيامَةِ.
ثُمَّ تَلا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: ﴿والَّذِينَ يَصِلُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ويَخْشَوْنَ رَبَّهم ويَخافُونَ سُوءَ الحِسابِ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يَصِلُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ﴾ يَعْنِي مِن إيمانٍ بِالنَّبِيِّينَ وبِالكُتُبِ كُلِّها ﴿ويَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ يَعْنِي يَخافُونَ مِن قَطِيعَةِ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ﴿ويَخافُونَ سُوءَ الحِسابِ﴾ يَعْنِي شِدَّةَ الحِسابِ.
وقَدْ ورَدَ في صِلَةِ الرَّحِمِ وتَحْرِيمِ قَطْعِها أحادِيثُ كَثِيرَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الضَّحّاكِ ﴿ويَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ قالَ: يَدْفَعُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وهَنّادٌ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ قالَ: بُطْنانُ الجَنَّةِ، يَعْنِي وسَطَها.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّ عُمَرَ قالَ لِكَعْبٍ: ما عَدْنٌ ؟ قالَ: هو قَصْرٌ في الجَنَّةِ لا يَدْخُلُهُ إلّا نَبِيٌّ أوْ صِدِّيقٌ أوْ شَهِيدٌ أوْ حَكَمٌ عَدْلٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «جَنَّةُ عَدْنٍ قَضِيبٌ غَرَسَهُ اللَّهُ بِيَدِهِ، ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَكانَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ﴾ قالَ: مَن آمَنَ في الدُّنْيا.
وأخْرَجَ (p-٧٣٠)عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي عِمْرانَ الجَوْنِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ﴾ قالَ: عَلى دِينِكم ﴿فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾ قالَ: نِعْمَ ما أعْقَبَكُمُ اللَّهُ مِنَ الدُّنْيا في الجَنَّةِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ والبَزّارُ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ حِبّانَ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «أوَّلُ مَن يَدْخُلُ الجَنَّةَ مِن خَلْقِ اللَّهِ فُقَراءُ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ تُسَدُّ بِهِمُ الثُّغُورُ، وتُتَّقى بِهِمُ المَكارِهُ، ويَمُوتُ أحَدُهم وحاجَتُهُ في صَدْرِهِ لا يَسْتَطِيعُ لَها قَضاءً، فَيَقُولُ اللَّهُ لِمَن يَشاءُ مِن مَلائِكَتِهِ: ائْتُوهم فَحَيُّوهم، فَتَقُولُ المَلائِكَةُ: رَبَّنا نَحْنُ سُكّانُ سَمائِكَ وخِيرَتُكَ مِن خَلْقِكَ، أفَتَأْمُرُنا أنْ نَأْتِيَ هَؤُلاءِ فَنُسَلِّمَ عَلَيْهِمْ ؟ قالَ اللَّهُ: إنَّ هَؤُلاءِ عِبادِي كانُوا يَعْبُدُونَنِي ولا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا، وتُسَدُّ بِهِمُ الثُّغُورُ، وتُتَّقى بِهِمُ المَكارِهُ، ويَمُوتُ أحَدُهم وحاجَتُهُ في صَدْرِهِ لا يَسْتَطِيعُ لَها قَضاءً، فَتَأْتِيهِمُ المَلائِكَةُ عِنْدَ ذَلِكَ فَيَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ ﴿سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي أُمامَةَ إنَّ المُؤْمِنَ لَيَكُونُ مُتَّكِئًا عَلى أرِيكَةٍ إذا دَخَلَ الجَنَّةَ وعِنْدَهُ سِماطانِ مِن خَدَمٍ وعِنْدَ طَرَفِ السِّماطَيْنِ بابٌ مُبَوَّبٌ، فَيُقْبِلُ المَلَكُ فَيَسْتَأْذِنُ، فَيَقُولُ أقْصى الخَدَمِ لِلَّذِي يَلِيهِ: مَلَكٌ يَسْتَأْذِنُ، ويَقُولُ الَّذِي يَلِيهِ: مَلَكٌ يَسْتَأْذِنُ، حَتّى يَبْلُغَ المُؤْمِنَ، فَيَقُولُ ائْذَنُوا لَهُ، فَيَقُولُ أقْرَبُهم إلى المُؤْمِنِ: ائْذَنُوا لَهُ، ويَقُولُ الَّذِي يَلِيهِ لِلَّذِي يَلِيهِ ائْذَنُوا لَهُ حَتّى يَبْلُغَ أقْصاهُمُ الَّذِي عِنْدَ البابِ فَيَفْتَحُ لَهُ فَيَدْخُلُ ويُسَلِّمُ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ولَهم سُوءُ الدّارِ﴾ قالَ: سُوءُ العاقِبَةِ.
الرعد 13:23
.
الهَمْزَةُ في قَوْلِهِ: ﴿أفَمَن يَعْلَمُ﴾ لِلْإنْكارِ عَلى مَن يَتَوَهَّمُ المُماثَلَةَ بَيْنَ مَن يَعْلَمُ، إنَّما أنْزَلَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ إلى رَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِنَ الحَقِّ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ ولا شُبْهَةَ، وهو القُرْآنُ، وبَيْنَ مَن هو أعْمى لا يَعْلَمُ ذَلِكَ، فَإنَّ الحالَ بَيْنَهُما مُتَباعِدٌ جِدًّا كالتَّباعُدِ الَّذِي بَيْنَ الماءِ والزَّبَدِ، وبَيْنَ الخَبَثِ والخالِصِ مِن تِلْكَ الأجْسامِ، ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهُ إنَّما يَقِفُ عَلى تَفاوُتِ المَنزِلَتَيْنِ، وتَبايُنِ الرُّتْبَتَيْنِ أهْلُ العُقُولِ الصَّحِيحَةِ، فَقالَ: ﴿إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ .
ثُمَّ وصَفَهم بِهَذِهِ الأوْصافِ المادِحَةِ، فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ أيْ بِما عَقَدُوهُ مِنَ العُهُودِ فِيما بَيْنَهم وبَيْنَ رَبِّهِمْ، أوْ فِيما بَيْنَهم وبَيْنَ العِبادِ ﴿ولا يَنْقُضُونَ المِيثاقَ﴾ الَّذِي وثَّقُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ، وأكَّدُوهُ بِالأيْمانِ ونَحْوِها، وهَذا تَعْمِيمٌ بَعْدَ التَّخْصِيصِ، لِأنَّهُ يَدْخُلُ تَحْتَ المِيثاقِ كُلُّ ما أوْجَبَهُ العَبْدُ عَلى نَفْسِهِ كالنُّذُورِ ونَحْوِها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الأمْرُ بِالعَكْسِ فَيَكُونُ مِنَ التَّخْصِيصِ بَعْدَ التَّعْمِيمِ عَلى أنْ يُرادَ بِالعَهْدِ جَمِيعُ عُهُودِ اللَّهِ، وهي أوامِرُهُ ونَواهِيهِ الَّتِي وصّى بِها عَبِيدَهُ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ الِالتِزاماتُ الَّتِي يُلْزِمُ بِها العَبْدُ نَفْسَهُ، ويُرادُ بِالمِيثاقِ ما أخَذَهُ اللَّهُ عَلى عِبادِهِ حِينَ أخْرَجَهم مِن صُلْبِ آدَمَ في عالَمِ الذَّرِّ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ﴾ [الأعراف: ١٧٢] الآيَةَ.
﴿والَّذِينَ يَصِلُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ﴾ ظاهِرُهُ شُمُولُ كُلِّ ما أمَرَ اللَّهُ بِصِلَتِهِ، ونَهى عَنْ قَطْعِهِ مِن حُقُوقِ اللَّهِ وحُقُوقِ عِبادِهِ، ويَدْخُلُ تَحْتَ ذَلِكَ صِلَةُ الأرْحامِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وقَدْ قَصَرَهُ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَلى صِلَةِ الرَّحِمِ، واللَّفْظُ أوْسَعُ مِن ذَلِكَ ﴿ويَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ خَشْيَةً تَحْمِلُهم عَلى فِعْلِ ما وجَبَ، واجْتِنابِ ما لا يَحِلُّ ﴿ويَخافُونَ سُوءَ الحِسابِ﴾ (p-٧٢٩)وهُوَ الِاسْتِقْصاءُ فِيهِ والمُناقَشَةُ لِلْعَبْدِ، فَمَن نُوقِشَ الحِسابَ عُذِّبَ، ومِن حَقِّ هَذِهِ الخِيفَةِ أنْ يُحاسِبُوا أنْفُسَهم قَبْلَ أنْ يُحاسَبُوا.
﴿والَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِمْ﴾ قِيلَ: هو كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ، وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِلَفْظِ المُضِيِّ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ يَنْبَغِي تَحَقُّقُهُ، والمُرادُ بِالصَّبْرِ الصَّبْرُ عَلى الإتْيانِ بِما أمَرَ اللَّهُ بِهِ، واجْتِنابِ ما نَهى عَنْهُ، وقِيلَ: عَلى الرَّزايا والمَصائِبِ، ومَعْنى كَوْنِ ذَلِكَ الصَّبْرِ لِابْتِغاءِ وجْهِ اللَّهِ: أنْ يَكُونَ خالِصًا لَهُ، لا شائِبَةَ فِيهِ لِغَيْرِهِ ﴿وأقامُوا الصَّلاةَ﴾ أيْ فَعَلُوها في أوْقاتِها عَلى ما شَرَعَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ في أذْكارِها وأرْكانِها مَعَ الخُشُوعِ والإخْلاصِ، والمُرادُ بِها الصَّلَواتُ المَفْرُوضَةُ، وقِيلَ: أعَمُّ مِن ذَلِكَ ﴿وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهُمْ﴾ أيْ أنْفَقُوا بَعْضَ ما رَزَقْناهم، والمُرادُ بِالسِّرِّ: صَدَقَةُ النَّفْلِ، والعَلانِيَةِ: صَدَقَةُ الفَرْضِ، وقِيلَ: السِّرُّ لِمَن لَمْ يُعْرَفْ بِالمالِ، أوْ لا يُتَّهَمُ بِتَرْكِ الزَّكاةِ، والعَلانِيَةُ لِمَن كانَ يُعْرَفُ بِالمالِ أوْ يُتَّهَمُ بِتَرْكِ الزَّكاةِ ﴿ويَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ أيْ يَدْفَعُونَ سَيِّئَةَ مَن أساءَ إلَيْهِمْ بِالإحْسانِ إلَيْهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [ المُؤْمِنُونَ: ٩٦، فُصِّلَتْ: ٣٤ ]، أوْ يَدْفَعُونَ بِالعَمَلِ الصّالِحِ العَمَلَ السَّيِّئَ، أوْ يَدْفَعُونَ الشَّرَّ بِالخَيْرِ، أوِ المُنْكَرَ بِالمَعْرُوفِ، أوِ الظُّلْمَ بِالعَفْوِ، أوِ الذَّنْبَ بِالتَّوْبَةِ، ولا مانِعَ مِن حَمْلِ الآيَةِ عَلى جَمِيعِ هَذِهِ الأُمُورِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ إلى المَوْصُوفِينَ بِالصِّفاتِ المُتَقَدِّمَةِ ﴿لَهم عُقْبى الدّارِ﴾ العُقْبى مَصْدَرٌ كالعاقِبَةِ، والمُرادُ بِالدّارِ الدُّنْيا وعُقْباها الجَنَّةُ، وقِيلَ: المُرادُ بِالدّارِ: الدّارُ الآخِرَةِ، وعُقْباها الجَنَّةُ لِلْمُطِيعِينَ، والنّارُ لِلْعُصاةِ.
﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها﴾ بَدَلٌ مِن عُقْبى الدّارِ أيْ لَهم جَنّاتُ عَدْنٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، وخَبَرُهُ يَدْخُلُونَها، والعَدْنُ أصْلُهُ الإقامَةُ، ثُمَّ صارَ عَلَمًا لِجَنَّةٍ مِنَ الجِنانِ.
قالَ القُشَيْرِيُّ: وجَنّاتُ عَدْنٍ: وسَطُ الجَنَّةِ وقَصَبَتُها وسَقْفُها عَرْشُ الرَّحْمَنِ، ولَكِنْ في صَحِيحِ البُخارِيِّ وغَيْرِهِ «إذا سَألْتُمُ اللَّهَ فاسْألُوهُ الفِرْدَوْسَ فَإنَّهُ أوْسَطُ الجَنَّةِ، وأعْلى الجَنَّةِ، وفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، ومِنهُ تُفَجَّرُ أنْهارُ الجَنَّةِ» .
﴿ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ﴾ يَشْمَلُ الآباءَ والأُمَّهاتِ ﴿وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى الضَّمِيرِ في يَدْخُلُونَ، وجازَ ذَلِكَ لِلْفَصْلِ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، أيْ: ويَدْخُلُها أزْواجُهم وذُرِّيّاتُهم، وذِكْرُ الصَّلاحِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ كَذَلِكَ مِن قَراباتِ أُولَئِكَ، ولا يَنْفَعُ مُجَرَّدُ كَوْنِهِ مِنَ الآباءِ أوِ الأزْواجِ أوِ الذَّرِّيَّةِ بِدُونِ صَلاحٍ ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ أيْ مِن جَمِيعِ أبْوابِ المَنازِلِ الَّتِي يَسْكُنُونَها، أوِ المُرادُ مِن كُلِّ بابٍ مِن أبْوابِ التُّحَفِ والهَدايا مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ.
﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ قائِلِينَ سَلامٌ عَلَيْكم، أيْ: سَلِمْتُمْ مِنَ الآفاتِ أوْ دامَتْ لَكُمُ السَّلامَةُ ﴿بِما صَبَرْتُمْ﴾ أيْ بِسَبَبِ صَبْرِكم وهو مُتَعَلِّقٌ بِالسَّلامِ، أيْ: إنَّما حَصَلَتْ لَكم هَذِهِ السَّلامَةُ بِواسِطَةِ صَبْرِكم أوْ مُتَعَلِّقٌ بِـ عَلَيْكم، أوْ بِمَحْذُوفٍ، أيْ: هَذِهِ الكَرامَةُ بِسَبَبِ صَبْرِكم، أوْ بَدَلُ ما احْتَمَلْتُمْ مِن مَشاقِّ الصَّبْرِ ﴿فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾ جاءَ سُبْحانَهُ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ المُتَضَمِّنَةِ لِمَدْحِ ما أعْطاهم مِن عُقْبى الدّارِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُها لِلتَّرْغِيبِ والتَّشْوِيقِ.
ثُمَّ اتْبَعَ أحْوالَ السُّعَداءِ بِأحْوالِ الأشْقِياءِ، فَقالَ: ﴿والَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ ويَقْطَعُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ﴾ وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ عَدَمِ النَّقْضِ وعَدَمِ القَطْعِ فَعُرِفَ مِنهُما تَفْسِيرُ النَّقْضِ والقَطْعِ، ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِنَفْيِ الخَشْيَةِ والخَوْفِ عَنْهم وما بَعَدَهُما مِنَ الأوْصافِ المُتَقَدِّمَةِ لِدُخُولِها في النَّقْضِ والقَطْعِ ﴿ويُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾ بِالكُفْرِ وارْتِكابِ المَعاصِي والإضْرارِ بِالأنْفُسِ والأمْوالِ أُولَئِكَ المَوْصُوفُونَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ الذَّمِيمَةِ لَهم بِسَبَبِ ذَلِكَ اللَّعْنَةُ: أيِ الطَّرْدُ والإبْعادُ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ ﴿ولَهم سُوءُ الدّارِ﴾ أيْ سُوءُ عاقِبَةِ دارِ الدُّنْيا، وهي النّارُ أوْ عَذابُ النّارِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَمَن يَعْلَمُ أنَّما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ﴾ قالَ: هَؤُلاءِ قَوْمٌ انْتَفَعُوا بِما سَمِعُوا مِن كِتابِ اللَّهِ وعَقَلُوهُ ووَعَوْهُ ﴿كَمَن هو أعْمى﴾ قالَ: عَنِ الحَقِّ، فَلا يُبْصِرُهُ ولا يَعْقِلُهُ ﴿إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ فَبَيَّنَ مَن هم ؟ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ﴿أُولُو الألْبابِ﴾ قالَ: مَن كانَ لَهُ لُبٌّ، أيْ: عَقْلٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ أنَّ اللَّهَ ذَكَرَ الوَفاءَ بِالعَهْدِ والمِيثاقِ في بِضْعٍ وعِشْرِينَ آيَةً مِنَ القُرْآنِ.
وأخْرَجَ الخَطِيبُ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إنَّ البِرَّ والصِّلَةَ لَيُخَفِّفانِ سُوءَ الحِسابِ يَوْمَ القِيامَةِ.
ثُمَّ تَلا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: ﴿والَّذِينَ يَصِلُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ويَخْشَوْنَ رَبَّهم ويَخافُونَ سُوءَ الحِسابِ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يَصِلُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ﴾ يَعْنِي مِن إيمانٍ بِالنَّبِيِّينَ وبِالكُتُبِ كُلِّها ﴿ويَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ يَعْنِي يَخافُونَ مِن قَطِيعَةِ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ﴿ويَخافُونَ سُوءَ الحِسابِ﴾ يَعْنِي شِدَّةَ الحِسابِ.
وقَدْ ورَدَ في صِلَةِ الرَّحِمِ وتَحْرِيمِ قَطْعِها أحادِيثُ كَثِيرَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الضَّحّاكِ ﴿ويَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ قالَ: يَدْفَعُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وهَنّادٌ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ قالَ: بُطْنانُ الجَنَّةِ، يَعْنِي وسَطَها.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّ عُمَرَ قالَ لِكَعْبٍ: ما عَدْنٌ ؟ قالَ: هو قَصْرٌ في الجَنَّةِ لا يَدْخُلُهُ إلّا نَبِيٌّ أوْ صِدِّيقٌ أوْ شَهِيدٌ أوْ حَكَمٌ عَدْلٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «جَنَّةُ عَدْنٍ قَضِيبٌ غَرَسَهُ اللَّهُ بِيَدِهِ، ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَكانَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ﴾ قالَ: مَن آمَنَ في الدُّنْيا.
وأخْرَجَ (p-٧٣٠)عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي عِمْرانَ الجَوْنِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ﴾ قالَ: عَلى دِينِكم ﴿فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾ قالَ: نِعْمَ ما أعْقَبَكُمُ اللَّهُ مِنَ الدُّنْيا في الجَنَّةِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ والبَزّارُ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ حِبّانَ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «أوَّلُ مَن يَدْخُلُ الجَنَّةَ مِن خَلْقِ اللَّهِ فُقَراءُ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ تُسَدُّ بِهِمُ الثُّغُورُ، وتُتَّقى بِهِمُ المَكارِهُ، ويَمُوتُ أحَدُهم وحاجَتُهُ في صَدْرِهِ لا يَسْتَطِيعُ لَها قَضاءً، فَيَقُولُ اللَّهُ لِمَن يَشاءُ مِن مَلائِكَتِهِ: ائْتُوهم فَحَيُّوهم، فَتَقُولُ المَلائِكَةُ: رَبَّنا نَحْنُ سُكّانُ سَمائِكَ وخِيرَتُكَ مِن خَلْقِكَ، أفَتَأْمُرُنا أنْ نَأْتِيَ هَؤُلاءِ فَنُسَلِّمَ عَلَيْهِمْ ؟ قالَ اللَّهُ: إنَّ هَؤُلاءِ عِبادِي كانُوا يَعْبُدُونَنِي ولا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا، وتُسَدُّ بِهِمُ الثُّغُورُ، وتُتَّقى بِهِمُ المَكارِهُ، ويَمُوتُ أحَدُهم وحاجَتُهُ في صَدْرِهِ لا يَسْتَطِيعُ لَها قَضاءً، فَتَأْتِيهِمُ المَلائِكَةُ عِنْدَ ذَلِكَ فَيَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ ﴿سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي أُمامَةَ إنَّ المُؤْمِنَ لَيَكُونُ مُتَّكِئًا عَلى أرِيكَةٍ إذا دَخَلَ الجَنَّةَ وعِنْدَهُ سِماطانِ مِن خَدَمٍ وعِنْدَ طَرَفِ السِّماطَيْنِ بابٌ مُبَوَّبٌ، فَيُقْبِلُ المَلَكُ فَيَسْتَأْذِنُ، فَيَقُولُ أقْصى الخَدَمِ لِلَّذِي يَلِيهِ: مَلَكٌ يَسْتَأْذِنُ، ويَقُولُ الَّذِي يَلِيهِ: مَلَكٌ يَسْتَأْذِنُ، حَتّى يَبْلُغَ المُؤْمِنَ، فَيَقُولُ ائْذَنُوا لَهُ، فَيَقُولُ أقْرَبُهم إلى المُؤْمِنِ: ائْذَنُوا لَهُ، ويَقُولُ الَّذِي يَلِيهِ لِلَّذِي يَلِيهِ ائْذَنُوا لَهُ حَتّى يَبْلُغَ أقْصاهُمُ الَّذِي عِنْدَ البابِ فَيَفْتَحُ لَهُ فَيَدْخُلُ ويُسَلِّمُ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ولَهم سُوءُ الدّارِ﴾ قالَ: سُوءُ العاقِبَةِ.
الرعد 13:24
.
الهَمْزَةُ في قَوْلِهِ: ﴿أفَمَن يَعْلَمُ﴾ لِلْإنْكارِ عَلى مَن يَتَوَهَّمُ المُماثَلَةَ بَيْنَ مَن يَعْلَمُ، إنَّما أنْزَلَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ إلى رَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِنَ الحَقِّ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ ولا شُبْهَةَ، وهو القُرْآنُ، وبَيْنَ مَن هو أعْمى لا يَعْلَمُ ذَلِكَ، فَإنَّ الحالَ بَيْنَهُما مُتَباعِدٌ جِدًّا كالتَّباعُدِ الَّذِي بَيْنَ الماءِ والزَّبَدِ، وبَيْنَ الخَبَثِ والخالِصِ مِن تِلْكَ الأجْسامِ، ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهُ إنَّما يَقِفُ عَلى تَفاوُتِ المَنزِلَتَيْنِ، وتَبايُنِ الرُّتْبَتَيْنِ أهْلُ العُقُولِ الصَّحِيحَةِ، فَقالَ: ﴿إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ .
ثُمَّ وصَفَهم بِهَذِهِ الأوْصافِ المادِحَةِ، فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ أيْ بِما عَقَدُوهُ مِنَ العُهُودِ فِيما بَيْنَهم وبَيْنَ رَبِّهِمْ، أوْ فِيما بَيْنَهم وبَيْنَ العِبادِ ﴿ولا يَنْقُضُونَ المِيثاقَ﴾ الَّذِي وثَّقُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ، وأكَّدُوهُ بِالأيْمانِ ونَحْوِها، وهَذا تَعْمِيمٌ بَعْدَ التَّخْصِيصِ، لِأنَّهُ يَدْخُلُ تَحْتَ المِيثاقِ كُلُّ ما أوْجَبَهُ العَبْدُ عَلى نَفْسِهِ كالنُّذُورِ ونَحْوِها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الأمْرُ بِالعَكْسِ فَيَكُونُ مِنَ التَّخْصِيصِ بَعْدَ التَّعْمِيمِ عَلى أنْ يُرادَ بِالعَهْدِ جَمِيعُ عُهُودِ اللَّهِ، وهي أوامِرُهُ ونَواهِيهِ الَّتِي وصّى بِها عَبِيدَهُ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ الِالتِزاماتُ الَّتِي يُلْزِمُ بِها العَبْدُ نَفْسَهُ، ويُرادُ بِالمِيثاقِ ما أخَذَهُ اللَّهُ عَلى عِبادِهِ حِينَ أخْرَجَهم مِن صُلْبِ آدَمَ في عالَمِ الذَّرِّ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ﴾ [الأعراف: ١٧٢] الآيَةَ.
﴿والَّذِينَ يَصِلُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ﴾ ظاهِرُهُ شُمُولُ كُلِّ ما أمَرَ اللَّهُ بِصِلَتِهِ، ونَهى عَنْ قَطْعِهِ مِن حُقُوقِ اللَّهِ وحُقُوقِ عِبادِهِ، ويَدْخُلُ تَحْتَ ذَلِكَ صِلَةُ الأرْحامِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وقَدْ قَصَرَهُ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَلى صِلَةِ الرَّحِمِ، واللَّفْظُ أوْسَعُ مِن ذَلِكَ ﴿ويَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ خَشْيَةً تَحْمِلُهم عَلى فِعْلِ ما وجَبَ، واجْتِنابِ ما لا يَحِلُّ ﴿ويَخافُونَ سُوءَ الحِسابِ﴾ (p-٧٢٩)وهُوَ الِاسْتِقْصاءُ فِيهِ والمُناقَشَةُ لِلْعَبْدِ، فَمَن نُوقِشَ الحِسابَ عُذِّبَ، ومِن حَقِّ هَذِهِ الخِيفَةِ أنْ يُحاسِبُوا أنْفُسَهم قَبْلَ أنْ يُحاسَبُوا.
﴿والَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِمْ﴾ قِيلَ: هو كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ، وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِلَفْظِ المُضِيِّ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ يَنْبَغِي تَحَقُّقُهُ، والمُرادُ بِالصَّبْرِ الصَّبْرُ عَلى الإتْيانِ بِما أمَرَ اللَّهُ بِهِ، واجْتِنابِ ما نَهى عَنْهُ، وقِيلَ: عَلى الرَّزايا والمَصائِبِ، ومَعْنى كَوْنِ ذَلِكَ الصَّبْرِ لِابْتِغاءِ وجْهِ اللَّهِ: أنْ يَكُونَ خالِصًا لَهُ، لا شائِبَةَ فِيهِ لِغَيْرِهِ ﴿وأقامُوا الصَّلاةَ﴾ أيْ فَعَلُوها في أوْقاتِها عَلى ما شَرَعَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ في أذْكارِها وأرْكانِها مَعَ الخُشُوعِ والإخْلاصِ، والمُرادُ بِها الصَّلَواتُ المَفْرُوضَةُ، وقِيلَ: أعَمُّ مِن ذَلِكَ ﴿وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهُمْ﴾ أيْ أنْفَقُوا بَعْضَ ما رَزَقْناهم، والمُرادُ بِالسِّرِّ: صَدَقَةُ النَّفْلِ، والعَلانِيَةِ: صَدَقَةُ الفَرْضِ، وقِيلَ: السِّرُّ لِمَن لَمْ يُعْرَفْ بِالمالِ، أوْ لا يُتَّهَمُ بِتَرْكِ الزَّكاةِ، والعَلانِيَةُ لِمَن كانَ يُعْرَفُ بِالمالِ أوْ يُتَّهَمُ بِتَرْكِ الزَّكاةِ ﴿ويَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ أيْ يَدْفَعُونَ سَيِّئَةَ مَن أساءَ إلَيْهِمْ بِالإحْسانِ إلَيْهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [ المُؤْمِنُونَ: ٩٦، فُصِّلَتْ: ٣٤ ]، أوْ يَدْفَعُونَ بِالعَمَلِ الصّالِحِ العَمَلَ السَّيِّئَ، أوْ يَدْفَعُونَ الشَّرَّ بِالخَيْرِ، أوِ المُنْكَرَ بِالمَعْرُوفِ، أوِ الظُّلْمَ بِالعَفْوِ، أوِ الذَّنْبَ بِالتَّوْبَةِ، ولا مانِعَ مِن حَمْلِ الآيَةِ عَلى جَمِيعِ هَذِهِ الأُمُورِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ إلى المَوْصُوفِينَ بِالصِّفاتِ المُتَقَدِّمَةِ ﴿لَهم عُقْبى الدّارِ﴾ العُقْبى مَصْدَرٌ كالعاقِبَةِ، والمُرادُ بِالدّارِ الدُّنْيا وعُقْباها الجَنَّةُ، وقِيلَ: المُرادُ بِالدّارِ: الدّارُ الآخِرَةِ، وعُقْباها الجَنَّةُ لِلْمُطِيعِينَ، والنّارُ لِلْعُصاةِ.
﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها﴾ بَدَلٌ مِن عُقْبى الدّارِ أيْ لَهم جَنّاتُ عَدْنٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، وخَبَرُهُ يَدْخُلُونَها، والعَدْنُ أصْلُهُ الإقامَةُ، ثُمَّ صارَ عَلَمًا لِجَنَّةٍ مِنَ الجِنانِ.
قالَ القُشَيْرِيُّ: وجَنّاتُ عَدْنٍ: وسَطُ الجَنَّةِ وقَصَبَتُها وسَقْفُها عَرْشُ الرَّحْمَنِ، ولَكِنْ في صَحِيحِ البُخارِيِّ وغَيْرِهِ «إذا سَألْتُمُ اللَّهَ فاسْألُوهُ الفِرْدَوْسَ فَإنَّهُ أوْسَطُ الجَنَّةِ، وأعْلى الجَنَّةِ، وفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، ومِنهُ تُفَجَّرُ أنْهارُ الجَنَّةِ» .
﴿ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ﴾ يَشْمَلُ الآباءَ والأُمَّهاتِ ﴿وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى الضَّمِيرِ في يَدْخُلُونَ، وجازَ ذَلِكَ لِلْفَصْلِ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، أيْ: ويَدْخُلُها أزْواجُهم وذُرِّيّاتُهم، وذِكْرُ الصَّلاحِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ كَذَلِكَ مِن قَراباتِ أُولَئِكَ، ولا يَنْفَعُ مُجَرَّدُ كَوْنِهِ مِنَ الآباءِ أوِ الأزْواجِ أوِ الذَّرِّيَّةِ بِدُونِ صَلاحٍ ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ أيْ مِن جَمِيعِ أبْوابِ المَنازِلِ الَّتِي يَسْكُنُونَها، أوِ المُرادُ مِن كُلِّ بابٍ مِن أبْوابِ التُّحَفِ والهَدايا مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ.
﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ قائِلِينَ سَلامٌ عَلَيْكم، أيْ: سَلِمْتُمْ مِنَ الآفاتِ أوْ دامَتْ لَكُمُ السَّلامَةُ ﴿بِما صَبَرْتُمْ﴾ أيْ بِسَبَبِ صَبْرِكم وهو مُتَعَلِّقٌ بِالسَّلامِ، أيْ: إنَّما حَصَلَتْ لَكم هَذِهِ السَّلامَةُ بِواسِطَةِ صَبْرِكم أوْ مُتَعَلِّقٌ بِـ عَلَيْكم، أوْ بِمَحْذُوفٍ، أيْ: هَذِهِ الكَرامَةُ بِسَبَبِ صَبْرِكم، أوْ بَدَلُ ما احْتَمَلْتُمْ مِن مَشاقِّ الصَّبْرِ ﴿فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾ جاءَ سُبْحانَهُ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ المُتَضَمِّنَةِ لِمَدْحِ ما أعْطاهم مِن عُقْبى الدّارِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُها لِلتَّرْغِيبِ والتَّشْوِيقِ.
ثُمَّ اتْبَعَ أحْوالَ السُّعَداءِ بِأحْوالِ الأشْقِياءِ، فَقالَ: ﴿والَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ ويَقْطَعُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ﴾ وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ عَدَمِ النَّقْضِ وعَدَمِ القَطْعِ فَعُرِفَ مِنهُما تَفْسِيرُ النَّقْضِ والقَطْعِ، ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِنَفْيِ الخَشْيَةِ والخَوْفِ عَنْهم وما بَعَدَهُما مِنَ الأوْصافِ المُتَقَدِّمَةِ لِدُخُولِها في النَّقْضِ والقَطْعِ ﴿ويُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾ بِالكُفْرِ وارْتِكابِ المَعاصِي والإضْرارِ بِالأنْفُسِ والأمْوالِ أُولَئِكَ المَوْصُوفُونَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ الذَّمِيمَةِ لَهم بِسَبَبِ ذَلِكَ اللَّعْنَةُ: أيِ الطَّرْدُ والإبْعادُ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ ﴿ولَهم سُوءُ الدّارِ﴾ أيْ سُوءُ عاقِبَةِ دارِ الدُّنْيا، وهي النّارُ أوْ عَذابُ النّارِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَمَن يَعْلَمُ أنَّما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ﴾ قالَ: هَؤُلاءِ قَوْمٌ انْتَفَعُوا بِما سَمِعُوا مِن كِتابِ اللَّهِ وعَقَلُوهُ ووَعَوْهُ ﴿كَمَن هو أعْمى﴾ قالَ: عَنِ الحَقِّ، فَلا يُبْصِرُهُ ولا يَعْقِلُهُ ﴿إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ فَبَيَّنَ مَن هم ؟ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ﴿أُولُو الألْبابِ﴾ قالَ: مَن كانَ لَهُ لُبٌّ، أيْ: عَقْلٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ أنَّ اللَّهَ ذَكَرَ الوَفاءَ بِالعَهْدِ والمِيثاقِ في بِضْعٍ وعِشْرِينَ آيَةً مِنَ القُرْآنِ.
وأخْرَجَ الخَطِيبُ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إنَّ البِرَّ والصِّلَةَ لَيُخَفِّفانِ سُوءَ الحِسابِ يَوْمَ القِيامَةِ.
ثُمَّ تَلا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: ﴿والَّذِينَ يَصِلُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ويَخْشَوْنَ رَبَّهم ويَخافُونَ سُوءَ الحِسابِ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يَصِلُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ﴾ يَعْنِي مِن إيمانٍ بِالنَّبِيِّينَ وبِالكُتُبِ كُلِّها ﴿ويَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ يَعْنِي يَخافُونَ مِن قَطِيعَةِ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ﴿ويَخافُونَ سُوءَ الحِسابِ﴾ يَعْنِي شِدَّةَ الحِسابِ.
وقَدْ ورَدَ في صِلَةِ الرَّحِمِ وتَحْرِيمِ قَطْعِها أحادِيثُ كَثِيرَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الضَّحّاكِ ﴿ويَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ قالَ: يَدْفَعُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وهَنّادٌ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ قالَ: بُطْنانُ الجَنَّةِ، يَعْنِي وسَطَها.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّ عُمَرَ قالَ لِكَعْبٍ: ما عَدْنٌ ؟ قالَ: هو قَصْرٌ في الجَنَّةِ لا يَدْخُلُهُ إلّا نَبِيٌّ أوْ صِدِّيقٌ أوْ شَهِيدٌ أوْ حَكَمٌ عَدْلٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «جَنَّةُ عَدْنٍ قَضِيبٌ غَرَسَهُ اللَّهُ بِيَدِهِ، ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَكانَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ﴾ قالَ: مَن آمَنَ في الدُّنْيا.
وأخْرَجَ (p-٧٣٠)عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي عِمْرانَ الجَوْنِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ﴾ قالَ: عَلى دِينِكم ﴿فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾ قالَ: نِعْمَ ما أعْقَبَكُمُ اللَّهُ مِنَ الدُّنْيا في الجَنَّةِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ والبَزّارُ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ حِبّانَ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «أوَّلُ مَن يَدْخُلُ الجَنَّةَ مِن خَلْقِ اللَّهِ فُقَراءُ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ تُسَدُّ بِهِمُ الثُّغُورُ، وتُتَّقى بِهِمُ المَكارِهُ، ويَمُوتُ أحَدُهم وحاجَتُهُ في صَدْرِهِ لا يَسْتَطِيعُ لَها قَضاءً، فَيَقُولُ اللَّهُ لِمَن يَشاءُ مِن مَلائِكَتِهِ: ائْتُوهم فَحَيُّوهم، فَتَقُولُ المَلائِكَةُ: رَبَّنا نَحْنُ سُكّانُ سَمائِكَ وخِيرَتُكَ مِن خَلْقِكَ، أفَتَأْمُرُنا أنْ نَأْتِيَ هَؤُلاءِ فَنُسَلِّمَ عَلَيْهِمْ ؟ قالَ اللَّهُ: إنَّ هَؤُلاءِ عِبادِي كانُوا يَعْبُدُونَنِي ولا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا، وتُسَدُّ بِهِمُ الثُّغُورُ، وتُتَّقى بِهِمُ المَكارِهُ، ويَمُوتُ أحَدُهم وحاجَتُهُ في صَدْرِهِ لا يَسْتَطِيعُ لَها قَضاءً، فَتَأْتِيهِمُ المَلائِكَةُ عِنْدَ ذَلِكَ فَيَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ ﴿سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي أُمامَةَ إنَّ المُؤْمِنَ لَيَكُونُ مُتَّكِئًا عَلى أرِيكَةٍ إذا دَخَلَ الجَنَّةَ وعِنْدَهُ سِماطانِ مِن خَدَمٍ وعِنْدَ طَرَفِ السِّماطَيْنِ بابٌ مُبَوَّبٌ، فَيُقْبِلُ المَلَكُ فَيَسْتَأْذِنُ، فَيَقُولُ أقْصى الخَدَمِ لِلَّذِي يَلِيهِ: مَلَكٌ يَسْتَأْذِنُ، ويَقُولُ الَّذِي يَلِيهِ: مَلَكٌ يَسْتَأْذِنُ، حَتّى يَبْلُغَ المُؤْمِنَ، فَيَقُولُ ائْذَنُوا لَهُ، فَيَقُولُ أقْرَبُهم إلى المُؤْمِنِ: ائْذَنُوا لَهُ، ويَقُولُ الَّذِي يَلِيهِ لِلَّذِي يَلِيهِ ائْذَنُوا لَهُ حَتّى يَبْلُغَ أقْصاهُمُ الَّذِي عِنْدَ البابِ فَيَفْتَحُ لَهُ فَيَدْخُلُ ويُسَلِّمُ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ولَهم سُوءُ الدّارِ﴾ قالَ: سُوءُ العاقِبَةِ.
الرعد 13:25
.
الهَمْزَةُ في قَوْلِهِ: ﴿أفَمَن يَعْلَمُ﴾ لِلْإنْكارِ عَلى مَن يَتَوَهَّمُ المُماثَلَةَ بَيْنَ مَن يَعْلَمُ، إنَّما أنْزَلَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ إلى رَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِنَ الحَقِّ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ ولا شُبْهَةَ، وهو القُرْآنُ، وبَيْنَ مَن هو أعْمى لا يَعْلَمُ ذَلِكَ، فَإنَّ الحالَ بَيْنَهُما مُتَباعِدٌ جِدًّا كالتَّباعُدِ الَّذِي بَيْنَ الماءِ والزَّبَدِ، وبَيْنَ الخَبَثِ والخالِصِ مِن تِلْكَ الأجْسامِ، ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهُ إنَّما يَقِفُ عَلى تَفاوُتِ المَنزِلَتَيْنِ، وتَبايُنِ الرُّتْبَتَيْنِ أهْلُ العُقُولِ الصَّحِيحَةِ، فَقالَ: ﴿إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ .
ثُمَّ وصَفَهم بِهَذِهِ الأوْصافِ المادِحَةِ، فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ أيْ بِما عَقَدُوهُ مِنَ العُهُودِ فِيما بَيْنَهم وبَيْنَ رَبِّهِمْ، أوْ فِيما بَيْنَهم وبَيْنَ العِبادِ ﴿ولا يَنْقُضُونَ المِيثاقَ﴾ الَّذِي وثَّقُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ، وأكَّدُوهُ بِالأيْمانِ ونَحْوِها، وهَذا تَعْمِيمٌ بَعْدَ التَّخْصِيصِ، لِأنَّهُ يَدْخُلُ تَحْتَ المِيثاقِ كُلُّ ما أوْجَبَهُ العَبْدُ عَلى نَفْسِهِ كالنُّذُورِ ونَحْوِها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الأمْرُ بِالعَكْسِ فَيَكُونُ مِنَ التَّخْصِيصِ بَعْدَ التَّعْمِيمِ عَلى أنْ يُرادَ بِالعَهْدِ جَمِيعُ عُهُودِ اللَّهِ، وهي أوامِرُهُ ونَواهِيهِ الَّتِي وصّى بِها عَبِيدَهُ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ الِالتِزاماتُ الَّتِي يُلْزِمُ بِها العَبْدُ نَفْسَهُ، ويُرادُ بِالمِيثاقِ ما أخَذَهُ اللَّهُ عَلى عِبادِهِ حِينَ أخْرَجَهم مِن صُلْبِ آدَمَ في عالَمِ الذَّرِّ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ﴾ [الأعراف: ١٧٢] الآيَةَ.
﴿والَّذِينَ يَصِلُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ﴾ ظاهِرُهُ شُمُولُ كُلِّ ما أمَرَ اللَّهُ بِصِلَتِهِ، ونَهى عَنْ قَطْعِهِ مِن حُقُوقِ اللَّهِ وحُقُوقِ عِبادِهِ، ويَدْخُلُ تَحْتَ ذَلِكَ صِلَةُ الأرْحامِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وقَدْ قَصَرَهُ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَلى صِلَةِ الرَّحِمِ، واللَّفْظُ أوْسَعُ مِن ذَلِكَ ﴿ويَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ خَشْيَةً تَحْمِلُهم عَلى فِعْلِ ما وجَبَ، واجْتِنابِ ما لا يَحِلُّ ﴿ويَخافُونَ سُوءَ الحِسابِ﴾ (p-٧٢٩)وهُوَ الِاسْتِقْصاءُ فِيهِ والمُناقَشَةُ لِلْعَبْدِ، فَمَن نُوقِشَ الحِسابَ عُذِّبَ، ومِن حَقِّ هَذِهِ الخِيفَةِ أنْ يُحاسِبُوا أنْفُسَهم قَبْلَ أنْ يُحاسَبُوا.
﴿والَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِمْ﴾ قِيلَ: هو كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ، وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِلَفْظِ المُضِيِّ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ يَنْبَغِي تَحَقُّقُهُ، والمُرادُ بِالصَّبْرِ الصَّبْرُ عَلى الإتْيانِ بِما أمَرَ اللَّهُ بِهِ، واجْتِنابِ ما نَهى عَنْهُ، وقِيلَ: عَلى الرَّزايا والمَصائِبِ، ومَعْنى كَوْنِ ذَلِكَ الصَّبْرِ لِابْتِغاءِ وجْهِ اللَّهِ: أنْ يَكُونَ خالِصًا لَهُ، لا شائِبَةَ فِيهِ لِغَيْرِهِ ﴿وأقامُوا الصَّلاةَ﴾ أيْ فَعَلُوها في أوْقاتِها عَلى ما شَرَعَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ في أذْكارِها وأرْكانِها مَعَ الخُشُوعِ والإخْلاصِ، والمُرادُ بِها الصَّلَواتُ المَفْرُوضَةُ، وقِيلَ: أعَمُّ مِن ذَلِكَ ﴿وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهُمْ﴾ أيْ أنْفَقُوا بَعْضَ ما رَزَقْناهم، والمُرادُ بِالسِّرِّ: صَدَقَةُ النَّفْلِ، والعَلانِيَةِ: صَدَقَةُ الفَرْضِ، وقِيلَ: السِّرُّ لِمَن لَمْ يُعْرَفْ بِالمالِ، أوْ لا يُتَّهَمُ بِتَرْكِ الزَّكاةِ، والعَلانِيَةُ لِمَن كانَ يُعْرَفُ بِالمالِ أوْ يُتَّهَمُ بِتَرْكِ الزَّكاةِ ﴿ويَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ أيْ يَدْفَعُونَ سَيِّئَةَ مَن أساءَ إلَيْهِمْ بِالإحْسانِ إلَيْهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [ المُؤْمِنُونَ: ٩٦، فُصِّلَتْ: ٣٤ ]، أوْ يَدْفَعُونَ بِالعَمَلِ الصّالِحِ العَمَلَ السَّيِّئَ، أوْ يَدْفَعُونَ الشَّرَّ بِالخَيْرِ، أوِ المُنْكَرَ بِالمَعْرُوفِ، أوِ الظُّلْمَ بِالعَفْوِ، أوِ الذَّنْبَ بِالتَّوْبَةِ، ولا مانِعَ مِن حَمْلِ الآيَةِ عَلى جَمِيعِ هَذِهِ الأُمُورِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ إلى المَوْصُوفِينَ بِالصِّفاتِ المُتَقَدِّمَةِ ﴿لَهم عُقْبى الدّارِ﴾ العُقْبى مَصْدَرٌ كالعاقِبَةِ، والمُرادُ بِالدّارِ الدُّنْيا وعُقْباها الجَنَّةُ، وقِيلَ: المُرادُ بِالدّارِ: الدّارُ الآخِرَةِ، وعُقْباها الجَنَّةُ لِلْمُطِيعِينَ، والنّارُ لِلْعُصاةِ.
﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها﴾ بَدَلٌ مِن عُقْبى الدّارِ أيْ لَهم جَنّاتُ عَدْنٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، وخَبَرُهُ يَدْخُلُونَها، والعَدْنُ أصْلُهُ الإقامَةُ، ثُمَّ صارَ عَلَمًا لِجَنَّةٍ مِنَ الجِنانِ.
قالَ القُشَيْرِيُّ: وجَنّاتُ عَدْنٍ: وسَطُ الجَنَّةِ وقَصَبَتُها وسَقْفُها عَرْشُ الرَّحْمَنِ، ولَكِنْ في صَحِيحِ البُخارِيِّ وغَيْرِهِ «إذا سَألْتُمُ اللَّهَ فاسْألُوهُ الفِرْدَوْسَ فَإنَّهُ أوْسَطُ الجَنَّةِ، وأعْلى الجَنَّةِ، وفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، ومِنهُ تُفَجَّرُ أنْهارُ الجَنَّةِ» .
﴿ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ﴾ يَشْمَلُ الآباءَ والأُمَّهاتِ ﴿وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى الضَّمِيرِ في يَدْخُلُونَ، وجازَ ذَلِكَ لِلْفَصْلِ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، أيْ: ويَدْخُلُها أزْواجُهم وذُرِّيّاتُهم، وذِكْرُ الصَّلاحِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ كَذَلِكَ مِن قَراباتِ أُولَئِكَ، ولا يَنْفَعُ مُجَرَّدُ كَوْنِهِ مِنَ الآباءِ أوِ الأزْواجِ أوِ الذَّرِّيَّةِ بِدُونِ صَلاحٍ ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ أيْ مِن جَمِيعِ أبْوابِ المَنازِلِ الَّتِي يَسْكُنُونَها، أوِ المُرادُ مِن كُلِّ بابٍ مِن أبْوابِ التُّحَفِ والهَدايا مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ.
﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ قائِلِينَ سَلامٌ عَلَيْكم، أيْ: سَلِمْتُمْ مِنَ الآفاتِ أوْ دامَتْ لَكُمُ السَّلامَةُ ﴿بِما صَبَرْتُمْ﴾ أيْ بِسَبَبِ صَبْرِكم وهو مُتَعَلِّقٌ بِالسَّلامِ، أيْ: إنَّما حَصَلَتْ لَكم هَذِهِ السَّلامَةُ بِواسِطَةِ صَبْرِكم أوْ مُتَعَلِّقٌ بِـ عَلَيْكم، أوْ بِمَحْذُوفٍ، أيْ: هَذِهِ الكَرامَةُ بِسَبَبِ صَبْرِكم، أوْ بَدَلُ ما احْتَمَلْتُمْ مِن مَشاقِّ الصَّبْرِ ﴿فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾ جاءَ سُبْحانَهُ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ المُتَضَمِّنَةِ لِمَدْحِ ما أعْطاهم مِن عُقْبى الدّارِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُها لِلتَّرْغِيبِ والتَّشْوِيقِ.
ثُمَّ اتْبَعَ أحْوالَ السُّعَداءِ بِأحْوالِ الأشْقِياءِ، فَقالَ: ﴿والَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ ويَقْطَعُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ﴾ وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ عَدَمِ النَّقْضِ وعَدَمِ القَطْعِ فَعُرِفَ مِنهُما تَفْسِيرُ النَّقْضِ والقَطْعِ، ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِنَفْيِ الخَشْيَةِ والخَوْفِ عَنْهم وما بَعَدَهُما مِنَ الأوْصافِ المُتَقَدِّمَةِ لِدُخُولِها في النَّقْضِ والقَطْعِ ﴿ويُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾ بِالكُفْرِ وارْتِكابِ المَعاصِي والإضْرارِ بِالأنْفُسِ والأمْوالِ أُولَئِكَ المَوْصُوفُونَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ الذَّمِيمَةِ لَهم بِسَبَبِ ذَلِكَ اللَّعْنَةُ: أيِ الطَّرْدُ والإبْعادُ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ ﴿ولَهم سُوءُ الدّارِ﴾ أيْ سُوءُ عاقِبَةِ دارِ الدُّنْيا، وهي النّارُ أوْ عَذابُ النّارِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَمَن يَعْلَمُ أنَّما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ﴾ قالَ: هَؤُلاءِ قَوْمٌ انْتَفَعُوا بِما سَمِعُوا مِن كِتابِ اللَّهِ وعَقَلُوهُ ووَعَوْهُ ﴿كَمَن هو أعْمى﴾ قالَ: عَنِ الحَقِّ، فَلا يُبْصِرُهُ ولا يَعْقِلُهُ ﴿إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ فَبَيَّنَ مَن هم ؟ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ﴿أُولُو الألْبابِ﴾ قالَ: مَن كانَ لَهُ لُبٌّ، أيْ: عَقْلٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ أنَّ اللَّهَ ذَكَرَ الوَفاءَ بِالعَهْدِ والمِيثاقِ في بِضْعٍ وعِشْرِينَ آيَةً مِنَ القُرْآنِ.
وأخْرَجَ الخَطِيبُ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إنَّ البِرَّ والصِّلَةَ لَيُخَفِّفانِ سُوءَ الحِسابِ يَوْمَ القِيامَةِ.
ثُمَّ تَلا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: ﴿والَّذِينَ يَصِلُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ويَخْشَوْنَ رَبَّهم ويَخافُونَ سُوءَ الحِسابِ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يَصِلُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ﴾ يَعْنِي مِن إيمانٍ بِالنَّبِيِّينَ وبِالكُتُبِ كُلِّها ﴿ويَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ يَعْنِي يَخافُونَ مِن قَطِيعَةِ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ﴿ويَخافُونَ سُوءَ الحِسابِ﴾ يَعْنِي شِدَّةَ الحِسابِ.
وقَدْ ورَدَ في صِلَةِ الرَّحِمِ وتَحْرِيمِ قَطْعِها أحادِيثُ كَثِيرَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الضَّحّاكِ ﴿ويَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ قالَ: يَدْفَعُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وهَنّادٌ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ قالَ: بُطْنانُ الجَنَّةِ، يَعْنِي وسَطَها.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّ عُمَرَ قالَ لِكَعْبٍ: ما عَدْنٌ ؟ قالَ: هو قَصْرٌ في الجَنَّةِ لا يَدْخُلُهُ إلّا نَبِيٌّ أوْ صِدِّيقٌ أوْ شَهِيدٌ أوْ حَكَمٌ عَدْلٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «جَنَّةُ عَدْنٍ قَضِيبٌ غَرَسَهُ اللَّهُ بِيَدِهِ، ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَكانَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ﴾ قالَ: مَن آمَنَ في الدُّنْيا.
وأخْرَجَ (p-٧٣٠)عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي عِمْرانَ الجَوْنِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ﴾ قالَ: عَلى دِينِكم ﴿فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾ قالَ: نِعْمَ ما أعْقَبَكُمُ اللَّهُ مِنَ الدُّنْيا في الجَنَّةِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ والبَزّارُ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ حِبّانَ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «أوَّلُ مَن يَدْخُلُ الجَنَّةَ مِن خَلْقِ اللَّهِ فُقَراءُ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ تُسَدُّ بِهِمُ الثُّغُورُ، وتُتَّقى بِهِمُ المَكارِهُ، ويَمُوتُ أحَدُهم وحاجَتُهُ في صَدْرِهِ لا يَسْتَطِيعُ لَها قَضاءً، فَيَقُولُ اللَّهُ لِمَن يَشاءُ مِن مَلائِكَتِهِ: ائْتُوهم فَحَيُّوهم، فَتَقُولُ المَلائِكَةُ: رَبَّنا نَحْنُ سُكّانُ سَمائِكَ وخِيرَتُكَ مِن خَلْقِكَ، أفَتَأْمُرُنا أنْ نَأْتِيَ هَؤُلاءِ فَنُسَلِّمَ عَلَيْهِمْ ؟ قالَ اللَّهُ: إنَّ هَؤُلاءِ عِبادِي كانُوا يَعْبُدُونَنِي ولا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا، وتُسَدُّ بِهِمُ الثُّغُورُ، وتُتَّقى بِهِمُ المَكارِهُ، ويَمُوتُ أحَدُهم وحاجَتُهُ في صَدْرِهِ لا يَسْتَطِيعُ لَها قَضاءً، فَتَأْتِيهِمُ المَلائِكَةُ عِنْدَ ذَلِكَ فَيَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ ﴿سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي أُمامَةَ إنَّ المُؤْمِنَ لَيَكُونُ مُتَّكِئًا عَلى أرِيكَةٍ إذا دَخَلَ الجَنَّةَ وعِنْدَهُ سِماطانِ مِن خَدَمٍ وعِنْدَ طَرَفِ السِّماطَيْنِ بابٌ مُبَوَّبٌ، فَيُقْبِلُ المَلَكُ فَيَسْتَأْذِنُ، فَيَقُولُ أقْصى الخَدَمِ لِلَّذِي يَلِيهِ: مَلَكٌ يَسْتَأْذِنُ، ويَقُولُ الَّذِي يَلِيهِ: مَلَكٌ يَسْتَأْذِنُ، حَتّى يَبْلُغَ المُؤْمِنَ، فَيَقُولُ ائْذَنُوا لَهُ، فَيَقُولُ أقْرَبُهم إلى المُؤْمِنِ: ائْذَنُوا لَهُ، ويَقُولُ الَّذِي يَلِيهِ لِلَّذِي يَلِيهِ ائْذَنُوا لَهُ حَتّى يَبْلُغَ أقْصاهُمُ الَّذِي عِنْدَ البابِ فَيَفْتَحُ لَهُ فَيَدْخُلُ ويُسَلِّمُ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ولَهم سُوءُ الدّارِ﴾ قالَ: سُوءُ العاقِبَةِ.
الرعد 13:26
.
لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ عاقِبَةَ المُشْرِكِينَ بِقَوْلِهِ: ولَهم سُوءُ الدّارِ كانَ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: قَدْ نَرى كَثِيرًا مِنهم قَدْ وفَّرَ اللَّهُ لَهُ الرِّزْقَ وبَسَطَ لَهُ فِيهِ، فَأجابَ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ﴾ فَقَدْ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن كانَ كافِرًا، ويُقَتِّرُهُ عَلى مَن كانَ مُؤْمِنًا ابْتِلاءً وامْتِحانًا، ولا يَدُلُّ البَسْطُ عَلى الكَرامَةِ ولا القَبْضُ عَلى الإهانَةِ، ومَعْنى يَقْدِرُ: يُضَيِّقُ.
ومِنهُ ﴿ومَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: ٧]، أيْ ضُيِّقَ، وقِيلَ: مَعْنى يَقْدِرُ: يُعْطِي بِقَدَرِ الكِفايَةِ، ومَعْنى الآيَةِ: أنَّهُ الفاعِلُ لِذَلِكَ وحْدَهُ القادِرُ عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ ﴿وفَرِحُوا بِالحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ مُشْرِكُو مَكَّةَ فَرِحُوا بِالدُّنْيا وجَهِلُوا ما عِنْدَ اللَّهِ، قِيلَ: وفي هَذِهِ الآيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ.
والتَّقْدِيرُ: الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ ويَقْطَعُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ويُفْسِدُونَ في الأرْضِ وفَرِحُوا بِالحَياةِ الدُّنْيا، فَيَكُونُ وفَرِحُوا مَعْطُوفًا عَلى يُفْسِدُونَ ﴿وما الحَياةُ الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا مَتاعٌ﴾ أيْ ما هي إلّا شَيْءٌ يُسْتَمْتَعُ بِهِ، وقِيلَ: المَتاعُ واحِدُ الأمْتِعَةِ كالقَصْعَةِ والسُّكُرُّجَةِ ونَحْوِهِما، وقِيلَ: المَعْنى: شَيْءٌ قَلِيلٌ ذاهِبٌ، مِن: مَتَعَ النَّهارُ؛ إذا ارْتَفَعَ فَلا بُدَّ لَهُ مِن زَوالٍ، وقِيلَ: زادٌ كَزادِ الرّاكِبِ يَتَزَوَّدُ بِهِ مِنها إلى الآخِرَةِ.
﴿ويَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ أيْ يَقُولُ أُولَئِكَ المُشْرِكُونَ مِن أهْلِ مَكَّةَ هَلّا أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ آيَةٌ مِن رَبِّهِ ؟ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا قَرِيبًا، وتَكَرَّرَ في مَواضِعَ ﴿قُلْ إنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ﴾ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يُجِيبَ عَلَيْهِمْ بِهَذا، وهو أنَّ الضَّلالَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، مَن شاءَ أنْ يُضِلَّهُ ضَلَّ كَما ضَلَّ هَؤُلاءِ القائِلُونَ ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ ﴿ويَهْدِي إلَيْهِ مَن أنابَ﴾ أيْ ويَهْدِي إلى الحَقِّ.
أوْ إلى الإسْلامِ، أوْ إلى جَنابِهِ عَزَّ وجَلَّ مَن أنابَ، أيْ: مَن رَجَعَ إلى اللَّهِ بِالتَّوْبَةِ والإقْلاعِ عَمّا كانَ عَلَيْهِ، وأصْلُ الإنابَةِ الدُّخُولُ في نَوْبَةِ الخَيْرِ، كَذا قالَ النَّيْسابُورِيُّ، ومَحَلُّ " الَّذِينَ آمَنُوا " النَّصْبُ عَلى البَدَلِيَّةِ مِن قَوْلِهِ مَن أنابَ أيْ أنَّهم هُمُ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وأنابُوا إلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ " الَّذِينَ آمَنُوا " خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا، أوْ مَنصُوبٌ عَلى المَدْحِ.
﴿وتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ أيْ تَسْكُنُ وتَسْتَأْنِسُ بِذِكْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِألْسِنَتِهِمْ، كَتِلاوَةِ القُرْآنِ والتَّسْبِيحِ والتَّحْمِيدِ والتَّكْبِيرِ والتَّوْحِيدِ، أوْ بِسَماعِ ذَلِكَ مِن غَيْرِهِمْ، وقَدْ سَمّى سُبْحانَهُ القُرْآنَ ذِكْرًا قالَ: ﴿وهَذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أنْزَلْناهُ﴾ [الأنبياء: ٥٠]، وقالَ: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ﴾ [الحجر: ٩]، قالَ الزَّجّاجُ، أيْ: إذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ آمَنُوا بِهِ غَيْرَ شاكِّينَ بِخِلافِ مَن وُصِفَ بِقَوْلِهِ: ﴿وإذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ اشْمَأزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ [الزمر: ٤٥]، وقِيلَ: تَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم بِتَوْحِيدِ اللَّهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالذِّكْرِ هُنا الطّاعَةُ، وقِيلَ: بِوَعْدِ اللَّهِ، وقِيلَ: بِالحَلِفِ بِاللَّهِ، فَإذا حَلَفَ خَصْمُهُ بِاللَّهِ سَكَنَ قَلْبُهُ، وقِيلَ: بِذِكْرِ رَحْمَتِهِ، وقِيلَ: بِذِكْرِ دَلائِلِهِ الدّالَّةِ عَلى تَوْحِيدِهِ ألا بِذِكْرِ اللَّهِ وحْدَهُ دُونَ غَيْرِهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ، والنَّظَرُ في مَخْلُوقاتِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وبَدائِعِ صُنْعِهِ وإنْ كانَ يُفِيدُ طُمَأْنِينَةً في الجُمْلَةِ - لَكِنْ لَيْسَتْ كَهَذِهِ الطُّمَأْنِينَةِ، وكَذَلِكَ النَّظَرُ في المُعْجِزاتِ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي لا يُطِيقُها البَشَرُ، فَلَيْسَ إفادَتُها لِلطُّمَأْنِينَةِ كَإفادَةِ ذِكْرِ اللَّهِ، فَهَذا وجْهُ ما يُفِيدُهُ هَذا التَّرْكِيبُ مِنَ القَصْرِ.
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ طُوبى لَهم وحُسْنُ مَآبٍ﴾ المَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ الجُمْلَةُ الدُّعائِيَّةُ، وهي طُوبى لَهم عَلى التَّأْوِيلِ المَشْهُورِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى المَدْحِ، و( طُوبى لَهم ) خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ بَدَلًا مِنَ القُلُوبِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: قُلُوبُ الَّذِينَ آمَنُوا.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ والزَّجّاجُ وأهْلُ اللُّغَةِ: طُوبى فُعْلى مِنَ الطِّيبِ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وتَأْوِيلُها الحالُ المُسْتَطابَةُ، وقِيلَ: طُوبى شَجَرَةٌ في الجَنَّةِ، وقِيلَ: هي (p-٧٣١)الجَنَّةُ، وقِيلَ: هي البُسْتانُ بِلُغَةِ الهِنْدِ، وقِيلَ: مَعْنى طُوبى لَهم: حُسْنى لَهم، وقِيلَ: خَيْرٌ لَهم، وقِيلَ: كَرامَةٌ لَهم، وقِيلَ: غِبْطَةٌ لَهم، قالَ النَّحّاسُ: وهَذِهِ الأقْوالُ مُتَقارِبَةٌ، والأصْلُ طُيْبى فَصارَتِ الياءُ واوًا لِسُكُونِها وضَمِّ ما قَبْلِها، واللّامُ في " لَهم " لِلْبَيانِ، مِثْلُ سَقْيًا لَكَ ورَعْيًا لَكَ.
وقُرِئَ " حُسْنُ مَآبٍ " بِالنَّصْبِ والرَّفْعِ، مِن آبَ إذا رَجَعَ، أيْ: وحُسْنُ مَرْجِعٍ، وهو الدّارُ الآخِرَةُ.
﴿كَذَلِكَ أرْسَلْناكَ في أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِها أُمَمٌ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الإرْسالِ العَظِيمِ الشَّأْنِ المُشْتَمِلِ عَلى المُعْجِزَةِ الباهِرَةِ أرْسَلْناكَ يا مُحَمَّدُ، وقِيلَ: شُبِّهَ الإنْعامُ عَلى مَن أُرْسِلَ إلَيْهِ مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِالإنْعامِ عَلى مَن أُرْسِلَ إلَيْهِ الأنْبِياءُ قَبْلَهُ، ومَعْنى ﴿فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِها أُمَمٌ﴾ في قَرْنٍ قَدْ مَضَتْ مِن قَبْلِهِ قُرُونٌ، أوْ في جَماعَةٍ مِنَ النّاسِ قَدْ مَضَتْ مِن قَبْلِها جَماعاتٌ ﴿لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ أيْ لِتَقْرَأ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ، والحالُ أنَّهم يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ، أيْ: بِالكَثِيرِ الرَّحْمَةِ لِعِبادِهِ، ومِن رَحْمَتِهِ لَهم إرْسالُ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ وإنْزالُ الكُتُبِ عَلَيْهِمْ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، وجُمْلَةُ قُلْ هو رَبِّي مُسْتَأْنَفَةٌ بِتَقْدِيرِ سُؤالٍ كَأنَّهم قالُوا: وما الرَّحْمَنُ ؟ فَقالَ سُبْحانَهُ قُلْ يا مُحَمَّدُ هو رَبِّي أيْ خالِقِي، لا إلَهَ إلّا هو، أيْ: لا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ لَهُ والإيمانَ بِهِ سِواهُ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ في جَمِيعِ أُمُورِي وإلَيْهِ لا إلى غَيْرِهِ ( مَتابِ ) أيْ تَوْبَتِي، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِالكُفّارِ وحَثٌّ لَهم عَلى الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ والتَّوْبَةِ مِنَ الكُفْرِ والدُّخُولِ في الإسْلامِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سابِطٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما الحَياةُ الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا مَتاعٌ﴾ قالَ: كَزادِ الرّاعِي يُزَوِّدُهُ أهْلُهُ الكَفَّ مِنَ التَّمْرِ أوِ الشَّيْءَ مِنَ الدَّقِيقِ أوِ الشَّيْءَ يَشْرَبُ عَلَيْهِ اللَّبَنَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: كانَ الرَّجُلُ يَخْرُجُ في الزَّمانِ الأوَّلِ في إبِلِهِ، أوْ غَنَمِهِ فَيَقُولُ لِأهْلِهِ مَتِّعُونِي فَيُمَتِّعُونَهُ فِلْقَةَ الخُبْزِ أوِ التَّمْرِ، فَهَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلدُّنْيا.
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «نامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَلى حَصِيرٍ فَقامَ وقَدْ أثَّرَ في جَنْبِهِ، فَقُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ لَوِ اتَّخَذْنا لَكَ ؟ فَقالَ: ما لِي ولِلدُّنْيا، ما أنا في الدُّنْيا إلّا كَراكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ، ثُمَّ راحَ وتَرَكَها» .
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ عَنِ المُسْتَوْرِدِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «ما الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا كَمَثَلِ ما يَجْعَلُ أحَدُكم أُصْبُعَهُ هَذِهِ في اليَمِّ فَلْيَنْظُرْ بِمَ يَرْجِعُ ؟ وأشارَ بِالسَّبّابَةِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ قالَ: هَشَّتْ إلَيْهِ واسْتَأْنَسَتْ بِهِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ في الآيَةِ قالَ: إذا حَلَفَ لَهم بِاللَّهِ صَدَّقُوا ﴿ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ قالَ: تَسْكُنُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: بِمُحَمَّدٍ وأصْحابِهِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ أنَسٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لِأصْحابِهِ حِينَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ هَلْ تَدْرُونَ ما مَعْنى ذَلِكَ ؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: مَن أحَبَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ وأحَبَّ أصْحابِي» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ قالَ: ذاكَ مَن أحَبَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ، وأحَبَّ أهْلَ بَيْتِي صادِقًا غَيْرَ كاذِبٍ، وأحَبَّ المُؤْمِنِينَ شاهِدًا وغائِبًا، ألا بِذِكْرِ اللَّهِ يَتَحابُّونَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿طُوبى لَهم﴾ قالَ: فَرَحٌ وقُرَّةُ عَيْنٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وهَنّادٌ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿طُوبى لَهم﴾ قالَ: نِعْمَ ما لَهم.
وقَدْ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ نَحْوُ ما قَدَّمْنا ذِكْرَهُ مِنَ الأقْوالِ، والأرْجَحُ تَفْسِيرُ الآيَةِ بِما رُوِيَ مَرْفُوعًا إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ كَما أخْرَجَهُ أحْمَدُ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ حِبّانَ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ عَنْ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدٍ قالَ: «جاءَ أعْرابِيٌّ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ في الجَنَّةِ فاكِهَةٌ ؟ قالَ: نَعَمْ، فِيها شَجَرَةٌ تُدْعى طُوبى» الحَدِيثَ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ وأبُو يَعْلى وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ حِبّانَ والخَطِيبُ في تارِيخِهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ «أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ طُوبى لِمَن رَآكَ وآمَنَ بِكَ، قالَ: طُوبى لِمَن آمَنَ بِي ورَآنِي، ثُمَّ طُوبى ثُمَّ طُوبى ثُمَّ طُوبى لِمَن آمَنَ بِي ولَمْ يَرَنِي، فَقالَ رَجُلٌ: وما طُوبى ؟ قالَ: شَجَرَةٌ في الجَنَّةِ مَسِيرُ مِائَةِ عامٍ، ثِيابُ أهْلِ الجَنَّةِ تَخْرُجُ مِن أكْمامِها» وفي البابِ أحادِيثُ وآثارٌ عَنِ السَّلَفِ، وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ أنَسٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في الجَنَّةِ شَجَرَةٌ يَسِيرُ الرّاكِبُ في ظِلِّها مِائَةَ سَنَةٍ، اقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمْ ﴿وظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾» [الواقعة: ٣٠]، وفي بَعْضِ الألْفاظِ إنَّها شَجَرَةُ الخُلْدِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ ﴿وحُسْنُ مَآبٍ﴾ قالَ: حُسْنُ مُنْقَلَبٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ مِثْلَهُ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وهم يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ قالَ: «ذُكِرَ لَنا أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ زَمَنَ الحُدَيْبِيَةِ حِينَ صالَحَ قُرَيْشًا كَتَبَ في الكِتابِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَقالَتْ قُرَيْشٌ: أمّا الرَّحْمَنُ فَلا نَعْرِفُهُ، وكانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَكْتُبُونَ، بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ، فَقالَ أصْحابُهُ: دَعْنا نُقاتِلْهم، فَقالَ: لا، ولَكِنِ اكْتُبُوا كَما يُرِيدُونَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في هَذِهِ الآيَةِ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ وإلَيْهِ مَتابِ قالَ: تَوْبَتِي.
الرعد 13:27
.
لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ عاقِبَةَ المُشْرِكِينَ بِقَوْلِهِ: ولَهم سُوءُ الدّارِ كانَ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: قَدْ نَرى كَثِيرًا مِنهم قَدْ وفَّرَ اللَّهُ لَهُ الرِّزْقَ وبَسَطَ لَهُ فِيهِ، فَأجابَ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ﴾ فَقَدْ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن كانَ كافِرًا، ويُقَتِّرُهُ عَلى مَن كانَ مُؤْمِنًا ابْتِلاءً وامْتِحانًا، ولا يَدُلُّ البَسْطُ عَلى الكَرامَةِ ولا القَبْضُ عَلى الإهانَةِ، ومَعْنى يَقْدِرُ: يُضَيِّقُ.
ومِنهُ ﴿ومَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: ٧]، أيْ ضُيِّقَ، وقِيلَ: مَعْنى يَقْدِرُ: يُعْطِي بِقَدَرِ الكِفايَةِ، ومَعْنى الآيَةِ: أنَّهُ الفاعِلُ لِذَلِكَ وحْدَهُ القادِرُ عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ ﴿وفَرِحُوا بِالحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ مُشْرِكُو مَكَّةَ فَرِحُوا بِالدُّنْيا وجَهِلُوا ما عِنْدَ اللَّهِ، قِيلَ: وفي هَذِهِ الآيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ.
والتَّقْدِيرُ: الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ ويَقْطَعُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ويُفْسِدُونَ في الأرْضِ وفَرِحُوا بِالحَياةِ الدُّنْيا، فَيَكُونُ وفَرِحُوا مَعْطُوفًا عَلى يُفْسِدُونَ ﴿وما الحَياةُ الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا مَتاعٌ﴾ أيْ ما هي إلّا شَيْءٌ يُسْتَمْتَعُ بِهِ، وقِيلَ: المَتاعُ واحِدُ الأمْتِعَةِ كالقَصْعَةِ والسُّكُرُّجَةِ ونَحْوِهِما، وقِيلَ: المَعْنى: شَيْءٌ قَلِيلٌ ذاهِبٌ، مِن: مَتَعَ النَّهارُ؛ إذا ارْتَفَعَ فَلا بُدَّ لَهُ مِن زَوالٍ، وقِيلَ: زادٌ كَزادِ الرّاكِبِ يَتَزَوَّدُ بِهِ مِنها إلى الآخِرَةِ.
﴿ويَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ أيْ يَقُولُ أُولَئِكَ المُشْرِكُونَ مِن أهْلِ مَكَّةَ هَلّا أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ آيَةٌ مِن رَبِّهِ ؟ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا قَرِيبًا، وتَكَرَّرَ في مَواضِعَ ﴿قُلْ إنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ﴾ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يُجِيبَ عَلَيْهِمْ بِهَذا، وهو أنَّ الضَّلالَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، مَن شاءَ أنْ يُضِلَّهُ ضَلَّ كَما ضَلَّ هَؤُلاءِ القائِلُونَ ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ ﴿ويَهْدِي إلَيْهِ مَن أنابَ﴾ أيْ ويَهْدِي إلى الحَقِّ.
أوْ إلى الإسْلامِ، أوْ إلى جَنابِهِ عَزَّ وجَلَّ مَن أنابَ، أيْ: مَن رَجَعَ إلى اللَّهِ بِالتَّوْبَةِ والإقْلاعِ عَمّا كانَ عَلَيْهِ، وأصْلُ الإنابَةِ الدُّخُولُ في نَوْبَةِ الخَيْرِ، كَذا قالَ النَّيْسابُورِيُّ، ومَحَلُّ " الَّذِينَ آمَنُوا " النَّصْبُ عَلى البَدَلِيَّةِ مِن قَوْلِهِ مَن أنابَ أيْ أنَّهم هُمُ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وأنابُوا إلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ " الَّذِينَ آمَنُوا " خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا، أوْ مَنصُوبٌ عَلى المَدْحِ.
﴿وتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ أيْ تَسْكُنُ وتَسْتَأْنِسُ بِذِكْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِألْسِنَتِهِمْ، كَتِلاوَةِ القُرْآنِ والتَّسْبِيحِ والتَّحْمِيدِ والتَّكْبِيرِ والتَّوْحِيدِ، أوْ بِسَماعِ ذَلِكَ مِن غَيْرِهِمْ، وقَدْ سَمّى سُبْحانَهُ القُرْآنَ ذِكْرًا قالَ: ﴿وهَذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أنْزَلْناهُ﴾ [الأنبياء: ٥٠]، وقالَ: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ﴾ [الحجر: ٩]، قالَ الزَّجّاجُ، أيْ: إذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ آمَنُوا بِهِ غَيْرَ شاكِّينَ بِخِلافِ مَن وُصِفَ بِقَوْلِهِ: ﴿وإذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ اشْمَأزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ [الزمر: ٤٥]، وقِيلَ: تَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم بِتَوْحِيدِ اللَّهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالذِّكْرِ هُنا الطّاعَةُ، وقِيلَ: بِوَعْدِ اللَّهِ، وقِيلَ: بِالحَلِفِ بِاللَّهِ، فَإذا حَلَفَ خَصْمُهُ بِاللَّهِ سَكَنَ قَلْبُهُ، وقِيلَ: بِذِكْرِ رَحْمَتِهِ، وقِيلَ: بِذِكْرِ دَلائِلِهِ الدّالَّةِ عَلى تَوْحِيدِهِ ألا بِذِكْرِ اللَّهِ وحْدَهُ دُونَ غَيْرِهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ، والنَّظَرُ في مَخْلُوقاتِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وبَدائِعِ صُنْعِهِ وإنْ كانَ يُفِيدُ طُمَأْنِينَةً في الجُمْلَةِ - لَكِنْ لَيْسَتْ كَهَذِهِ الطُّمَأْنِينَةِ، وكَذَلِكَ النَّظَرُ في المُعْجِزاتِ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي لا يُطِيقُها البَشَرُ، فَلَيْسَ إفادَتُها لِلطُّمَأْنِينَةِ كَإفادَةِ ذِكْرِ اللَّهِ، فَهَذا وجْهُ ما يُفِيدُهُ هَذا التَّرْكِيبُ مِنَ القَصْرِ.
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ طُوبى لَهم وحُسْنُ مَآبٍ﴾ المَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ الجُمْلَةُ الدُّعائِيَّةُ، وهي طُوبى لَهم عَلى التَّأْوِيلِ المَشْهُورِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى المَدْحِ، و( طُوبى لَهم ) خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ بَدَلًا مِنَ القُلُوبِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: قُلُوبُ الَّذِينَ آمَنُوا.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ والزَّجّاجُ وأهْلُ اللُّغَةِ: طُوبى فُعْلى مِنَ الطِّيبِ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وتَأْوِيلُها الحالُ المُسْتَطابَةُ، وقِيلَ: طُوبى شَجَرَةٌ في الجَنَّةِ، وقِيلَ: هي (p-٧٣١)الجَنَّةُ، وقِيلَ: هي البُسْتانُ بِلُغَةِ الهِنْدِ، وقِيلَ: مَعْنى طُوبى لَهم: حُسْنى لَهم، وقِيلَ: خَيْرٌ لَهم، وقِيلَ: كَرامَةٌ لَهم، وقِيلَ: غِبْطَةٌ لَهم، قالَ النَّحّاسُ: وهَذِهِ الأقْوالُ مُتَقارِبَةٌ، والأصْلُ طُيْبى فَصارَتِ الياءُ واوًا لِسُكُونِها وضَمِّ ما قَبْلِها، واللّامُ في " لَهم " لِلْبَيانِ، مِثْلُ سَقْيًا لَكَ ورَعْيًا لَكَ.
وقُرِئَ " حُسْنُ مَآبٍ " بِالنَّصْبِ والرَّفْعِ، مِن آبَ إذا رَجَعَ، أيْ: وحُسْنُ مَرْجِعٍ، وهو الدّارُ الآخِرَةُ.
﴿كَذَلِكَ أرْسَلْناكَ في أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِها أُمَمٌ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الإرْسالِ العَظِيمِ الشَّأْنِ المُشْتَمِلِ عَلى المُعْجِزَةِ الباهِرَةِ أرْسَلْناكَ يا مُحَمَّدُ، وقِيلَ: شُبِّهَ الإنْعامُ عَلى مَن أُرْسِلَ إلَيْهِ مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِالإنْعامِ عَلى مَن أُرْسِلَ إلَيْهِ الأنْبِياءُ قَبْلَهُ، ومَعْنى ﴿فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِها أُمَمٌ﴾ في قَرْنٍ قَدْ مَضَتْ مِن قَبْلِهِ قُرُونٌ، أوْ في جَماعَةٍ مِنَ النّاسِ قَدْ مَضَتْ مِن قَبْلِها جَماعاتٌ ﴿لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ أيْ لِتَقْرَأ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ، والحالُ أنَّهم يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ، أيْ: بِالكَثِيرِ الرَّحْمَةِ لِعِبادِهِ، ومِن رَحْمَتِهِ لَهم إرْسالُ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ وإنْزالُ الكُتُبِ عَلَيْهِمْ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، وجُمْلَةُ قُلْ هو رَبِّي مُسْتَأْنَفَةٌ بِتَقْدِيرِ سُؤالٍ كَأنَّهم قالُوا: وما الرَّحْمَنُ ؟ فَقالَ سُبْحانَهُ قُلْ يا مُحَمَّدُ هو رَبِّي أيْ خالِقِي، لا إلَهَ إلّا هو، أيْ: لا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ لَهُ والإيمانَ بِهِ سِواهُ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ في جَمِيعِ أُمُورِي وإلَيْهِ لا إلى غَيْرِهِ ( مَتابِ ) أيْ تَوْبَتِي، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِالكُفّارِ وحَثٌّ لَهم عَلى الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ والتَّوْبَةِ مِنَ الكُفْرِ والدُّخُولِ في الإسْلامِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سابِطٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما الحَياةُ الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا مَتاعٌ﴾ قالَ: كَزادِ الرّاعِي يُزَوِّدُهُ أهْلُهُ الكَفَّ مِنَ التَّمْرِ أوِ الشَّيْءَ مِنَ الدَّقِيقِ أوِ الشَّيْءَ يَشْرَبُ عَلَيْهِ اللَّبَنَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: كانَ الرَّجُلُ يَخْرُجُ في الزَّمانِ الأوَّلِ في إبِلِهِ، أوْ غَنَمِهِ فَيَقُولُ لِأهْلِهِ مَتِّعُونِي فَيُمَتِّعُونَهُ فِلْقَةَ الخُبْزِ أوِ التَّمْرِ، فَهَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلدُّنْيا.
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «نامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَلى حَصِيرٍ فَقامَ وقَدْ أثَّرَ في جَنْبِهِ، فَقُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ لَوِ اتَّخَذْنا لَكَ ؟ فَقالَ: ما لِي ولِلدُّنْيا، ما أنا في الدُّنْيا إلّا كَراكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ، ثُمَّ راحَ وتَرَكَها» .
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ عَنِ المُسْتَوْرِدِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «ما الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا كَمَثَلِ ما يَجْعَلُ أحَدُكم أُصْبُعَهُ هَذِهِ في اليَمِّ فَلْيَنْظُرْ بِمَ يَرْجِعُ ؟ وأشارَ بِالسَّبّابَةِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ قالَ: هَشَّتْ إلَيْهِ واسْتَأْنَسَتْ بِهِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ في الآيَةِ قالَ: إذا حَلَفَ لَهم بِاللَّهِ صَدَّقُوا ﴿ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ قالَ: تَسْكُنُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: بِمُحَمَّدٍ وأصْحابِهِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ أنَسٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لِأصْحابِهِ حِينَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ هَلْ تَدْرُونَ ما مَعْنى ذَلِكَ ؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: مَن أحَبَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ وأحَبَّ أصْحابِي» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ قالَ: ذاكَ مَن أحَبَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ، وأحَبَّ أهْلَ بَيْتِي صادِقًا غَيْرَ كاذِبٍ، وأحَبَّ المُؤْمِنِينَ شاهِدًا وغائِبًا، ألا بِذِكْرِ اللَّهِ يَتَحابُّونَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿طُوبى لَهم﴾ قالَ: فَرَحٌ وقُرَّةُ عَيْنٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وهَنّادٌ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿طُوبى لَهم﴾ قالَ: نِعْمَ ما لَهم.
وقَدْ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ نَحْوُ ما قَدَّمْنا ذِكْرَهُ مِنَ الأقْوالِ، والأرْجَحُ تَفْسِيرُ الآيَةِ بِما رُوِيَ مَرْفُوعًا إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ كَما أخْرَجَهُ أحْمَدُ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ حِبّانَ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ عَنْ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدٍ قالَ: «جاءَ أعْرابِيٌّ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ في الجَنَّةِ فاكِهَةٌ ؟ قالَ: نَعَمْ، فِيها شَجَرَةٌ تُدْعى طُوبى» الحَدِيثَ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ وأبُو يَعْلى وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ حِبّانَ والخَطِيبُ في تارِيخِهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ «أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ طُوبى لِمَن رَآكَ وآمَنَ بِكَ، قالَ: طُوبى لِمَن آمَنَ بِي ورَآنِي، ثُمَّ طُوبى ثُمَّ طُوبى ثُمَّ طُوبى لِمَن آمَنَ بِي ولَمْ يَرَنِي، فَقالَ رَجُلٌ: وما طُوبى ؟ قالَ: شَجَرَةٌ في الجَنَّةِ مَسِيرُ مِائَةِ عامٍ، ثِيابُ أهْلِ الجَنَّةِ تَخْرُجُ مِن أكْمامِها» وفي البابِ أحادِيثُ وآثارٌ عَنِ السَّلَفِ، وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ أنَسٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في الجَنَّةِ شَجَرَةٌ يَسِيرُ الرّاكِبُ في ظِلِّها مِائَةَ سَنَةٍ، اقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمْ ﴿وظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾» [الواقعة: ٣٠]، وفي بَعْضِ الألْفاظِ إنَّها شَجَرَةُ الخُلْدِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ ﴿وحُسْنُ مَآبٍ﴾ قالَ: حُسْنُ مُنْقَلَبٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ مِثْلَهُ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وهم يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ قالَ: «ذُكِرَ لَنا أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ زَمَنَ الحُدَيْبِيَةِ حِينَ صالَحَ قُرَيْشًا كَتَبَ في الكِتابِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَقالَتْ قُرَيْشٌ: أمّا الرَّحْمَنُ فَلا نَعْرِفُهُ، وكانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَكْتُبُونَ، بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ، فَقالَ أصْحابُهُ: دَعْنا نُقاتِلْهم، فَقالَ: لا، ولَكِنِ اكْتُبُوا كَما يُرِيدُونَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في هَذِهِ الآيَةِ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ وإلَيْهِ مَتابِ قالَ: تَوْبَتِي.
الرعد 13:28
.
لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ عاقِبَةَ المُشْرِكِينَ بِقَوْلِهِ: ولَهم سُوءُ الدّارِ كانَ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: قَدْ نَرى كَثِيرًا مِنهم قَدْ وفَّرَ اللَّهُ لَهُ الرِّزْقَ وبَسَطَ لَهُ فِيهِ، فَأجابَ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ﴾ فَقَدْ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن كانَ كافِرًا، ويُقَتِّرُهُ عَلى مَن كانَ مُؤْمِنًا ابْتِلاءً وامْتِحانًا، ولا يَدُلُّ البَسْطُ عَلى الكَرامَةِ ولا القَبْضُ عَلى الإهانَةِ، ومَعْنى يَقْدِرُ: يُضَيِّقُ.
ومِنهُ ﴿ومَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: ٧]، أيْ ضُيِّقَ، وقِيلَ: مَعْنى يَقْدِرُ: يُعْطِي بِقَدَرِ الكِفايَةِ، ومَعْنى الآيَةِ: أنَّهُ الفاعِلُ لِذَلِكَ وحْدَهُ القادِرُ عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ ﴿وفَرِحُوا بِالحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ مُشْرِكُو مَكَّةَ فَرِحُوا بِالدُّنْيا وجَهِلُوا ما عِنْدَ اللَّهِ، قِيلَ: وفي هَذِهِ الآيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ.
والتَّقْدِيرُ: الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ ويَقْطَعُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ويُفْسِدُونَ في الأرْضِ وفَرِحُوا بِالحَياةِ الدُّنْيا، فَيَكُونُ وفَرِحُوا مَعْطُوفًا عَلى يُفْسِدُونَ ﴿وما الحَياةُ الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا مَتاعٌ﴾ أيْ ما هي إلّا شَيْءٌ يُسْتَمْتَعُ بِهِ، وقِيلَ: المَتاعُ واحِدُ الأمْتِعَةِ كالقَصْعَةِ والسُّكُرُّجَةِ ونَحْوِهِما، وقِيلَ: المَعْنى: شَيْءٌ قَلِيلٌ ذاهِبٌ، مِن: مَتَعَ النَّهارُ؛ إذا ارْتَفَعَ فَلا بُدَّ لَهُ مِن زَوالٍ، وقِيلَ: زادٌ كَزادِ الرّاكِبِ يَتَزَوَّدُ بِهِ مِنها إلى الآخِرَةِ.
﴿ويَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ أيْ يَقُولُ أُولَئِكَ المُشْرِكُونَ مِن أهْلِ مَكَّةَ هَلّا أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ آيَةٌ مِن رَبِّهِ ؟ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا قَرِيبًا، وتَكَرَّرَ في مَواضِعَ ﴿قُلْ إنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ﴾ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يُجِيبَ عَلَيْهِمْ بِهَذا، وهو أنَّ الضَّلالَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، مَن شاءَ أنْ يُضِلَّهُ ضَلَّ كَما ضَلَّ هَؤُلاءِ القائِلُونَ ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ ﴿ويَهْدِي إلَيْهِ مَن أنابَ﴾ أيْ ويَهْدِي إلى الحَقِّ.
أوْ إلى الإسْلامِ، أوْ إلى جَنابِهِ عَزَّ وجَلَّ مَن أنابَ، أيْ: مَن رَجَعَ إلى اللَّهِ بِالتَّوْبَةِ والإقْلاعِ عَمّا كانَ عَلَيْهِ، وأصْلُ الإنابَةِ الدُّخُولُ في نَوْبَةِ الخَيْرِ، كَذا قالَ النَّيْسابُورِيُّ، ومَحَلُّ " الَّذِينَ آمَنُوا " النَّصْبُ عَلى البَدَلِيَّةِ مِن قَوْلِهِ مَن أنابَ أيْ أنَّهم هُمُ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وأنابُوا إلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ " الَّذِينَ آمَنُوا " خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا، أوْ مَنصُوبٌ عَلى المَدْحِ.
﴿وتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ أيْ تَسْكُنُ وتَسْتَأْنِسُ بِذِكْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِألْسِنَتِهِمْ، كَتِلاوَةِ القُرْآنِ والتَّسْبِيحِ والتَّحْمِيدِ والتَّكْبِيرِ والتَّوْحِيدِ، أوْ بِسَماعِ ذَلِكَ مِن غَيْرِهِمْ، وقَدْ سَمّى سُبْحانَهُ القُرْآنَ ذِكْرًا قالَ: ﴿وهَذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أنْزَلْناهُ﴾ [الأنبياء: ٥٠]، وقالَ: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ﴾ [الحجر: ٩]، قالَ الزَّجّاجُ، أيْ: إذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ آمَنُوا بِهِ غَيْرَ شاكِّينَ بِخِلافِ مَن وُصِفَ بِقَوْلِهِ: ﴿وإذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ اشْمَأزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ [الزمر: ٤٥]، وقِيلَ: تَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم بِتَوْحِيدِ اللَّهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالذِّكْرِ هُنا الطّاعَةُ، وقِيلَ: بِوَعْدِ اللَّهِ، وقِيلَ: بِالحَلِفِ بِاللَّهِ، فَإذا حَلَفَ خَصْمُهُ بِاللَّهِ سَكَنَ قَلْبُهُ، وقِيلَ: بِذِكْرِ رَحْمَتِهِ، وقِيلَ: بِذِكْرِ دَلائِلِهِ الدّالَّةِ عَلى تَوْحِيدِهِ ألا بِذِكْرِ اللَّهِ وحْدَهُ دُونَ غَيْرِهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ، والنَّظَرُ في مَخْلُوقاتِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وبَدائِعِ صُنْعِهِ وإنْ كانَ يُفِيدُ طُمَأْنِينَةً في الجُمْلَةِ - لَكِنْ لَيْسَتْ كَهَذِهِ الطُّمَأْنِينَةِ، وكَذَلِكَ النَّظَرُ في المُعْجِزاتِ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي لا يُطِيقُها البَشَرُ، فَلَيْسَ إفادَتُها لِلطُّمَأْنِينَةِ كَإفادَةِ ذِكْرِ اللَّهِ، فَهَذا وجْهُ ما يُفِيدُهُ هَذا التَّرْكِيبُ مِنَ القَصْرِ.
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ طُوبى لَهم وحُسْنُ مَآبٍ﴾ المَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ الجُمْلَةُ الدُّعائِيَّةُ، وهي طُوبى لَهم عَلى التَّأْوِيلِ المَشْهُورِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى المَدْحِ، و( طُوبى لَهم ) خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ بَدَلًا مِنَ القُلُوبِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: قُلُوبُ الَّذِينَ آمَنُوا.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ والزَّجّاجُ وأهْلُ اللُّغَةِ: طُوبى فُعْلى مِنَ الطِّيبِ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وتَأْوِيلُها الحالُ المُسْتَطابَةُ، وقِيلَ: طُوبى شَجَرَةٌ في الجَنَّةِ، وقِيلَ: هي (p-٧٣١)الجَنَّةُ، وقِيلَ: هي البُسْتانُ بِلُغَةِ الهِنْدِ، وقِيلَ: مَعْنى طُوبى لَهم: حُسْنى لَهم، وقِيلَ: خَيْرٌ لَهم، وقِيلَ: كَرامَةٌ لَهم، وقِيلَ: غِبْطَةٌ لَهم، قالَ النَّحّاسُ: وهَذِهِ الأقْوالُ مُتَقارِبَةٌ، والأصْلُ طُيْبى فَصارَتِ الياءُ واوًا لِسُكُونِها وضَمِّ ما قَبْلِها، واللّامُ في " لَهم " لِلْبَيانِ، مِثْلُ سَقْيًا لَكَ ورَعْيًا لَكَ.
وقُرِئَ " حُسْنُ مَآبٍ " بِالنَّصْبِ والرَّفْعِ، مِن آبَ إذا رَجَعَ، أيْ: وحُسْنُ مَرْجِعٍ، وهو الدّارُ الآخِرَةُ.
﴿كَذَلِكَ أرْسَلْناكَ في أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِها أُمَمٌ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الإرْسالِ العَظِيمِ الشَّأْنِ المُشْتَمِلِ عَلى المُعْجِزَةِ الباهِرَةِ أرْسَلْناكَ يا مُحَمَّدُ، وقِيلَ: شُبِّهَ الإنْعامُ عَلى مَن أُرْسِلَ إلَيْهِ مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِالإنْعامِ عَلى مَن أُرْسِلَ إلَيْهِ الأنْبِياءُ قَبْلَهُ، ومَعْنى ﴿فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِها أُمَمٌ﴾ في قَرْنٍ قَدْ مَضَتْ مِن قَبْلِهِ قُرُونٌ، أوْ في جَماعَةٍ مِنَ النّاسِ قَدْ مَضَتْ مِن قَبْلِها جَماعاتٌ ﴿لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ أيْ لِتَقْرَأ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ، والحالُ أنَّهم يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ، أيْ: بِالكَثِيرِ الرَّحْمَةِ لِعِبادِهِ، ومِن رَحْمَتِهِ لَهم إرْسالُ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ وإنْزالُ الكُتُبِ عَلَيْهِمْ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، وجُمْلَةُ قُلْ هو رَبِّي مُسْتَأْنَفَةٌ بِتَقْدِيرِ سُؤالٍ كَأنَّهم قالُوا: وما الرَّحْمَنُ ؟ فَقالَ سُبْحانَهُ قُلْ يا مُحَمَّدُ هو رَبِّي أيْ خالِقِي، لا إلَهَ إلّا هو، أيْ: لا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ لَهُ والإيمانَ بِهِ سِواهُ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ في جَمِيعِ أُمُورِي وإلَيْهِ لا إلى غَيْرِهِ ( مَتابِ ) أيْ تَوْبَتِي، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِالكُفّارِ وحَثٌّ لَهم عَلى الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ والتَّوْبَةِ مِنَ الكُفْرِ والدُّخُولِ في الإسْلامِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سابِطٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما الحَياةُ الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا مَتاعٌ﴾ قالَ: كَزادِ الرّاعِي يُزَوِّدُهُ أهْلُهُ الكَفَّ مِنَ التَّمْرِ أوِ الشَّيْءَ مِنَ الدَّقِيقِ أوِ الشَّيْءَ يَشْرَبُ عَلَيْهِ اللَّبَنَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: كانَ الرَّجُلُ يَخْرُجُ في الزَّمانِ الأوَّلِ في إبِلِهِ، أوْ غَنَمِهِ فَيَقُولُ لِأهْلِهِ مَتِّعُونِي فَيُمَتِّعُونَهُ فِلْقَةَ الخُبْزِ أوِ التَّمْرِ، فَهَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلدُّنْيا.
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «نامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَلى حَصِيرٍ فَقامَ وقَدْ أثَّرَ في جَنْبِهِ، فَقُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ لَوِ اتَّخَذْنا لَكَ ؟ فَقالَ: ما لِي ولِلدُّنْيا، ما أنا في الدُّنْيا إلّا كَراكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ، ثُمَّ راحَ وتَرَكَها» .
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ عَنِ المُسْتَوْرِدِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «ما الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا كَمَثَلِ ما يَجْعَلُ أحَدُكم أُصْبُعَهُ هَذِهِ في اليَمِّ فَلْيَنْظُرْ بِمَ يَرْجِعُ ؟ وأشارَ بِالسَّبّابَةِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ قالَ: هَشَّتْ إلَيْهِ واسْتَأْنَسَتْ بِهِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ في الآيَةِ قالَ: إذا حَلَفَ لَهم بِاللَّهِ صَدَّقُوا ﴿ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ قالَ: تَسْكُنُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: بِمُحَمَّدٍ وأصْحابِهِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ أنَسٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لِأصْحابِهِ حِينَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ هَلْ تَدْرُونَ ما مَعْنى ذَلِكَ ؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: مَن أحَبَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ وأحَبَّ أصْحابِي» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ قالَ: ذاكَ مَن أحَبَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ، وأحَبَّ أهْلَ بَيْتِي صادِقًا غَيْرَ كاذِبٍ، وأحَبَّ المُؤْمِنِينَ شاهِدًا وغائِبًا، ألا بِذِكْرِ اللَّهِ يَتَحابُّونَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿طُوبى لَهم﴾ قالَ: فَرَحٌ وقُرَّةُ عَيْنٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وهَنّادٌ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿طُوبى لَهم﴾ قالَ: نِعْمَ ما لَهم.
وقَدْ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ نَحْوُ ما قَدَّمْنا ذِكْرَهُ مِنَ الأقْوالِ، والأرْجَحُ تَفْسِيرُ الآيَةِ بِما رُوِيَ مَرْفُوعًا إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ كَما أخْرَجَهُ أحْمَدُ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ حِبّانَ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ عَنْ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدٍ قالَ: «جاءَ أعْرابِيٌّ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ في الجَنَّةِ فاكِهَةٌ ؟ قالَ: نَعَمْ، فِيها شَجَرَةٌ تُدْعى طُوبى» الحَدِيثَ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ وأبُو يَعْلى وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ حِبّانَ والخَطِيبُ في تارِيخِهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ «أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ طُوبى لِمَن رَآكَ وآمَنَ بِكَ، قالَ: طُوبى لِمَن آمَنَ بِي ورَآنِي، ثُمَّ طُوبى ثُمَّ طُوبى ثُمَّ طُوبى لِمَن آمَنَ بِي ولَمْ يَرَنِي، فَقالَ رَجُلٌ: وما طُوبى ؟ قالَ: شَجَرَةٌ في الجَنَّةِ مَسِيرُ مِائَةِ عامٍ، ثِيابُ أهْلِ الجَنَّةِ تَخْرُجُ مِن أكْمامِها» وفي البابِ أحادِيثُ وآثارٌ عَنِ السَّلَفِ، وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ أنَسٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في الجَنَّةِ شَجَرَةٌ يَسِيرُ الرّاكِبُ في ظِلِّها مِائَةَ سَنَةٍ، اقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمْ ﴿وظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾» [الواقعة: ٣٠]، وفي بَعْضِ الألْفاظِ إنَّها شَجَرَةُ الخُلْدِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ ﴿وحُسْنُ مَآبٍ﴾ قالَ: حُسْنُ مُنْقَلَبٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ مِثْلَهُ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وهم يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ قالَ: «ذُكِرَ لَنا أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ زَمَنَ الحُدَيْبِيَةِ حِينَ صالَحَ قُرَيْشًا كَتَبَ في الكِتابِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَقالَتْ قُرَيْشٌ: أمّا الرَّحْمَنُ فَلا نَعْرِفُهُ، وكانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَكْتُبُونَ، بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ، فَقالَ أصْحابُهُ: دَعْنا نُقاتِلْهم، فَقالَ: لا، ولَكِنِ اكْتُبُوا كَما يُرِيدُونَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في هَذِهِ الآيَةِ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ وإلَيْهِ مَتابِ قالَ: تَوْبَتِي.
الرعد 13:29
.
لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ عاقِبَةَ المُشْرِكِينَ بِقَوْلِهِ: ولَهم سُوءُ الدّارِ كانَ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: قَدْ نَرى كَثِيرًا مِنهم قَدْ وفَّرَ اللَّهُ لَهُ الرِّزْقَ وبَسَطَ لَهُ فِيهِ، فَأجابَ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ﴾ فَقَدْ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن كانَ كافِرًا، ويُقَتِّرُهُ عَلى مَن كانَ مُؤْمِنًا ابْتِلاءً وامْتِحانًا، ولا يَدُلُّ البَسْطُ عَلى الكَرامَةِ ولا القَبْضُ عَلى الإهانَةِ، ومَعْنى يَقْدِرُ: يُضَيِّقُ.
ومِنهُ ﴿ومَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: ٧]، أيْ ضُيِّقَ، وقِيلَ: مَعْنى يَقْدِرُ: يُعْطِي بِقَدَرِ الكِفايَةِ، ومَعْنى الآيَةِ: أنَّهُ الفاعِلُ لِذَلِكَ وحْدَهُ القادِرُ عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ ﴿وفَرِحُوا بِالحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ مُشْرِكُو مَكَّةَ فَرِحُوا بِالدُّنْيا وجَهِلُوا ما عِنْدَ اللَّهِ، قِيلَ: وفي هَذِهِ الآيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ.
والتَّقْدِيرُ: الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ ويَقْطَعُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ويُفْسِدُونَ في الأرْضِ وفَرِحُوا بِالحَياةِ الدُّنْيا، فَيَكُونُ وفَرِحُوا مَعْطُوفًا عَلى يُفْسِدُونَ ﴿وما الحَياةُ الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا مَتاعٌ﴾ أيْ ما هي إلّا شَيْءٌ يُسْتَمْتَعُ بِهِ، وقِيلَ: المَتاعُ واحِدُ الأمْتِعَةِ كالقَصْعَةِ والسُّكُرُّجَةِ ونَحْوِهِما، وقِيلَ: المَعْنى: شَيْءٌ قَلِيلٌ ذاهِبٌ، مِن: مَتَعَ النَّهارُ؛ إذا ارْتَفَعَ فَلا بُدَّ لَهُ مِن زَوالٍ، وقِيلَ: زادٌ كَزادِ الرّاكِبِ يَتَزَوَّدُ بِهِ مِنها إلى الآخِرَةِ.
﴿ويَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ أيْ يَقُولُ أُولَئِكَ المُشْرِكُونَ مِن أهْلِ مَكَّةَ هَلّا أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ آيَةٌ مِن رَبِّهِ ؟ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا قَرِيبًا، وتَكَرَّرَ في مَواضِعَ ﴿قُلْ إنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ﴾ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يُجِيبَ عَلَيْهِمْ بِهَذا، وهو أنَّ الضَّلالَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، مَن شاءَ أنْ يُضِلَّهُ ضَلَّ كَما ضَلَّ هَؤُلاءِ القائِلُونَ ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ ﴿ويَهْدِي إلَيْهِ مَن أنابَ﴾ أيْ ويَهْدِي إلى الحَقِّ.
أوْ إلى الإسْلامِ، أوْ إلى جَنابِهِ عَزَّ وجَلَّ مَن أنابَ، أيْ: مَن رَجَعَ إلى اللَّهِ بِالتَّوْبَةِ والإقْلاعِ عَمّا كانَ عَلَيْهِ، وأصْلُ الإنابَةِ الدُّخُولُ في نَوْبَةِ الخَيْرِ، كَذا قالَ النَّيْسابُورِيُّ، ومَحَلُّ " الَّذِينَ آمَنُوا " النَّصْبُ عَلى البَدَلِيَّةِ مِن قَوْلِهِ مَن أنابَ أيْ أنَّهم هُمُ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وأنابُوا إلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ " الَّذِينَ آمَنُوا " خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا، أوْ مَنصُوبٌ عَلى المَدْحِ.
﴿وتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ أيْ تَسْكُنُ وتَسْتَأْنِسُ بِذِكْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِألْسِنَتِهِمْ، كَتِلاوَةِ القُرْآنِ والتَّسْبِيحِ والتَّحْمِيدِ والتَّكْبِيرِ والتَّوْحِيدِ، أوْ بِسَماعِ ذَلِكَ مِن غَيْرِهِمْ، وقَدْ سَمّى سُبْحانَهُ القُرْآنَ ذِكْرًا قالَ: ﴿وهَذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أنْزَلْناهُ﴾ [الأنبياء: ٥٠]، وقالَ: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ﴾ [الحجر: ٩]، قالَ الزَّجّاجُ، أيْ: إذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ آمَنُوا بِهِ غَيْرَ شاكِّينَ بِخِلافِ مَن وُصِفَ بِقَوْلِهِ: ﴿وإذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ اشْمَأزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ [الزمر: ٤٥]، وقِيلَ: تَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم بِتَوْحِيدِ اللَّهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالذِّكْرِ هُنا الطّاعَةُ، وقِيلَ: بِوَعْدِ اللَّهِ، وقِيلَ: بِالحَلِفِ بِاللَّهِ، فَإذا حَلَفَ خَصْمُهُ بِاللَّهِ سَكَنَ قَلْبُهُ، وقِيلَ: بِذِكْرِ رَحْمَتِهِ، وقِيلَ: بِذِكْرِ دَلائِلِهِ الدّالَّةِ عَلى تَوْحِيدِهِ ألا بِذِكْرِ اللَّهِ وحْدَهُ دُونَ غَيْرِهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ، والنَّظَرُ في مَخْلُوقاتِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وبَدائِعِ صُنْعِهِ وإنْ كانَ يُفِيدُ طُمَأْنِينَةً في الجُمْلَةِ - لَكِنْ لَيْسَتْ كَهَذِهِ الطُّمَأْنِينَةِ، وكَذَلِكَ النَّظَرُ في المُعْجِزاتِ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي لا يُطِيقُها البَشَرُ، فَلَيْسَ إفادَتُها لِلطُّمَأْنِينَةِ كَإفادَةِ ذِكْرِ اللَّهِ، فَهَذا وجْهُ ما يُفِيدُهُ هَذا التَّرْكِيبُ مِنَ القَصْرِ.
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ طُوبى لَهم وحُسْنُ مَآبٍ﴾ المَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ الجُمْلَةُ الدُّعائِيَّةُ، وهي طُوبى لَهم عَلى التَّأْوِيلِ المَشْهُورِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى المَدْحِ، و( طُوبى لَهم ) خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ بَدَلًا مِنَ القُلُوبِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: قُلُوبُ الَّذِينَ آمَنُوا.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ والزَّجّاجُ وأهْلُ اللُّغَةِ: طُوبى فُعْلى مِنَ الطِّيبِ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وتَأْوِيلُها الحالُ المُسْتَطابَةُ، وقِيلَ: طُوبى شَجَرَةٌ في الجَنَّةِ، وقِيلَ: هي (p-٧٣١)الجَنَّةُ، وقِيلَ: هي البُسْتانُ بِلُغَةِ الهِنْدِ، وقِيلَ: مَعْنى طُوبى لَهم: حُسْنى لَهم، وقِيلَ: خَيْرٌ لَهم، وقِيلَ: كَرامَةٌ لَهم، وقِيلَ: غِبْطَةٌ لَهم، قالَ النَّحّاسُ: وهَذِهِ الأقْوالُ مُتَقارِبَةٌ، والأصْلُ طُيْبى فَصارَتِ الياءُ واوًا لِسُكُونِها وضَمِّ ما قَبْلِها، واللّامُ في " لَهم " لِلْبَيانِ، مِثْلُ سَقْيًا لَكَ ورَعْيًا لَكَ.
وقُرِئَ " حُسْنُ مَآبٍ " بِالنَّصْبِ والرَّفْعِ، مِن آبَ إذا رَجَعَ، أيْ: وحُسْنُ مَرْجِعٍ، وهو الدّارُ الآخِرَةُ.
﴿كَذَلِكَ أرْسَلْناكَ في أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِها أُمَمٌ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الإرْسالِ العَظِيمِ الشَّأْنِ المُشْتَمِلِ عَلى المُعْجِزَةِ الباهِرَةِ أرْسَلْناكَ يا مُحَمَّدُ، وقِيلَ: شُبِّهَ الإنْعامُ عَلى مَن أُرْسِلَ إلَيْهِ مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِالإنْعامِ عَلى مَن أُرْسِلَ إلَيْهِ الأنْبِياءُ قَبْلَهُ، ومَعْنى ﴿فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِها أُمَمٌ﴾ في قَرْنٍ قَدْ مَضَتْ مِن قَبْلِهِ قُرُونٌ، أوْ في جَماعَةٍ مِنَ النّاسِ قَدْ مَضَتْ مِن قَبْلِها جَماعاتٌ ﴿لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ أيْ لِتَقْرَأ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ، والحالُ أنَّهم يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ، أيْ: بِالكَثِيرِ الرَّحْمَةِ لِعِبادِهِ، ومِن رَحْمَتِهِ لَهم إرْسالُ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ وإنْزالُ الكُتُبِ عَلَيْهِمْ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، وجُمْلَةُ قُلْ هو رَبِّي مُسْتَأْنَفَةٌ بِتَقْدِيرِ سُؤالٍ كَأنَّهم قالُوا: وما الرَّحْمَنُ ؟ فَقالَ سُبْحانَهُ قُلْ يا مُحَمَّدُ هو رَبِّي أيْ خالِقِي، لا إلَهَ إلّا هو، أيْ: لا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ لَهُ والإيمانَ بِهِ سِواهُ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ في جَمِيعِ أُمُورِي وإلَيْهِ لا إلى غَيْرِهِ ( مَتابِ ) أيْ تَوْبَتِي، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِالكُفّارِ وحَثٌّ لَهم عَلى الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ والتَّوْبَةِ مِنَ الكُفْرِ والدُّخُولِ في الإسْلامِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سابِطٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما الحَياةُ الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا مَتاعٌ﴾ قالَ: كَزادِ الرّاعِي يُزَوِّدُهُ أهْلُهُ الكَفَّ مِنَ التَّمْرِ أوِ الشَّيْءَ مِنَ الدَّقِيقِ أوِ الشَّيْءَ يَشْرَبُ عَلَيْهِ اللَّبَنَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: كانَ الرَّجُلُ يَخْرُجُ في الزَّمانِ الأوَّلِ في إبِلِهِ، أوْ غَنَمِهِ فَيَقُولُ لِأهْلِهِ مَتِّعُونِي فَيُمَتِّعُونَهُ فِلْقَةَ الخُبْزِ أوِ التَّمْرِ، فَهَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلدُّنْيا.
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «نامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَلى حَصِيرٍ فَقامَ وقَدْ أثَّرَ في جَنْبِهِ، فَقُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ لَوِ اتَّخَذْنا لَكَ ؟ فَقالَ: ما لِي ولِلدُّنْيا، ما أنا في الدُّنْيا إلّا كَراكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ، ثُمَّ راحَ وتَرَكَها» .
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ عَنِ المُسْتَوْرِدِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «ما الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا كَمَثَلِ ما يَجْعَلُ أحَدُكم أُصْبُعَهُ هَذِهِ في اليَمِّ فَلْيَنْظُرْ بِمَ يَرْجِعُ ؟ وأشارَ بِالسَّبّابَةِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ قالَ: هَشَّتْ إلَيْهِ واسْتَأْنَسَتْ بِهِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ في الآيَةِ قالَ: إذا حَلَفَ لَهم بِاللَّهِ صَدَّقُوا ﴿ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ قالَ: تَسْكُنُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: بِمُحَمَّدٍ وأصْحابِهِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ أنَسٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لِأصْحابِهِ حِينَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ هَلْ تَدْرُونَ ما مَعْنى ذَلِكَ ؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: مَن أحَبَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ وأحَبَّ أصْحابِي» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ قالَ: ذاكَ مَن أحَبَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ، وأحَبَّ أهْلَ بَيْتِي صادِقًا غَيْرَ كاذِبٍ، وأحَبَّ المُؤْمِنِينَ شاهِدًا وغائِبًا، ألا بِذِكْرِ اللَّهِ يَتَحابُّونَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿طُوبى لَهم﴾ قالَ: فَرَحٌ وقُرَّةُ عَيْنٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وهَنّادٌ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿طُوبى لَهم﴾ قالَ: نِعْمَ ما لَهم.
وقَدْ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ نَحْوُ ما قَدَّمْنا ذِكْرَهُ مِنَ الأقْوالِ، والأرْجَحُ تَفْسِيرُ الآيَةِ بِما رُوِيَ مَرْفُوعًا إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ كَما أخْرَجَهُ أحْمَدُ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ حِبّانَ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ عَنْ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدٍ قالَ: «جاءَ أعْرابِيٌّ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ في الجَنَّةِ فاكِهَةٌ ؟ قالَ: نَعَمْ، فِيها شَجَرَةٌ تُدْعى طُوبى» الحَدِيثَ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ وأبُو يَعْلى وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ حِبّانَ والخَطِيبُ في تارِيخِهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ «أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ طُوبى لِمَن رَآكَ وآمَنَ بِكَ، قالَ: طُوبى لِمَن آمَنَ بِي ورَآنِي، ثُمَّ طُوبى ثُمَّ طُوبى ثُمَّ طُوبى لِمَن آمَنَ بِي ولَمْ يَرَنِي، فَقالَ رَجُلٌ: وما طُوبى ؟ قالَ: شَجَرَةٌ في الجَنَّةِ مَسِيرُ مِائَةِ عامٍ، ثِيابُ أهْلِ الجَنَّةِ تَخْرُجُ مِن أكْمامِها» وفي البابِ أحادِيثُ وآثارٌ عَنِ السَّلَفِ، وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ أنَسٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في الجَنَّةِ شَجَرَةٌ يَسِيرُ الرّاكِبُ في ظِلِّها مِائَةَ سَنَةٍ، اقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمْ ﴿وظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾» [الواقعة: ٣٠]، وفي بَعْضِ الألْفاظِ إنَّها شَجَرَةُ الخُلْدِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ ﴿وحُسْنُ مَآبٍ﴾ قالَ: حُسْنُ مُنْقَلَبٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ مِثْلَهُ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وهم يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ قالَ: «ذُكِرَ لَنا أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ زَمَنَ الحُدَيْبِيَةِ حِينَ صالَحَ قُرَيْشًا كَتَبَ في الكِتابِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَقالَتْ قُرَيْشٌ: أمّا الرَّحْمَنُ فَلا نَعْرِفُهُ، وكانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَكْتُبُونَ، بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ، فَقالَ أصْحابُهُ: دَعْنا نُقاتِلْهم، فَقالَ: لا، ولَكِنِ اكْتُبُوا كَما يُرِيدُونَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في هَذِهِ الآيَةِ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ وإلَيْهِ مَتابِ قالَ: تَوْبَتِي.
الرعد 13:30
.
لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ عاقِبَةَ المُشْرِكِينَ بِقَوْلِهِ: ولَهم سُوءُ الدّارِ كانَ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: قَدْ نَرى كَثِيرًا مِنهم قَدْ وفَّرَ اللَّهُ لَهُ الرِّزْقَ وبَسَطَ لَهُ فِيهِ، فَأجابَ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ﴾ فَقَدْ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن كانَ كافِرًا، ويُقَتِّرُهُ عَلى مَن كانَ مُؤْمِنًا ابْتِلاءً وامْتِحانًا، ولا يَدُلُّ البَسْطُ عَلى الكَرامَةِ ولا القَبْضُ عَلى الإهانَةِ، ومَعْنى يَقْدِرُ: يُضَيِّقُ.
ومِنهُ ﴿ومَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: ٧]، أيْ ضُيِّقَ، وقِيلَ: مَعْنى يَقْدِرُ: يُعْطِي بِقَدَرِ الكِفايَةِ، ومَعْنى الآيَةِ: أنَّهُ الفاعِلُ لِذَلِكَ وحْدَهُ القادِرُ عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ ﴿وفَرِحُوا بِالحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ مُشْرِكُو مَكَّةَ فَرِحُوا بِالدُّنْيا وجَهِلُوا ما عِنْدَ اللَّهِ، قِيلَ: وفي هَذِهِ الآيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ.
والتَّقْدِيرُ: الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ ويَقْطَعُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ويُفْسِدُونَ في الأرْضِ وفَرِحُوا بِالحَياةِ الدُّنْيا، فَيَكُونُ وفَرِحُوا مَعْطُوفًا عَلى يُفْسِدُونَ ﴿وما الحَياةُ الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا مَتاعٌ﴾ أيْ ما هي إلّا شَيْءٌ يُسْتَمْتَعُ بِهِ، وقِيلَ: المَتاعُ واحِدُ الأمْتِعَةِ كالقَصْعَةِ والسُّكُرُّجَةِ ونَحْوِهِما، وقِيلَ: المَعْنى: شَيْءٌ قَلِيلٌ ذاهِبٌ، مِن: مَتَعَ النَّهارُ؛ إذا ارْتَفَعَ فَلا بُدَّ لَهُ مِن زَوالٍ، وقِيلَ: زادٌ كَزادِ الرّاكِبِ يَتَزَوَّدُ بِهِ مِنها إلى الآخِرَةِ.
﴿ويَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ أيْ يَقُولُ أُولَئِكَ المُشْرِكُونَ مِن أهْلِ مَكَّةَ هَلّا أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ آيَةٌ مِن رَبِّهِ ؟ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا قَرِيبًا، وتَكَرَّرَ في مَواضِعَ ﴿قُلْ إنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ﴾ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يُجِيبَ عَلَيْهِمْ بِهَذا، وهو أنَّ الضَّلالَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، مَن شاءَ أنْ يُضِلَّهُ ضَلَّ كَما ضَلَّ هَؤُلاءِ القائِلُونَ ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ ﴿ويَهْدِي إلَيْهِ مَن أنابَ﴾ أيْ ويَهْدِي إلى الحَقِّ.
أوْ إلى الإسْلامِ، أوْ إلى جَنابِهِ عَزَّ وجَلَّ مَن أنابَ، أيْ: مَن رَجَعَ إلى اللَّهِ بِالتَّوْبَةِ والإقْلاعِ عَمّا كانَ عَلَيْهِ، وأصْلُ الإنابَةِ الدُّخُولُ في نَوْبَةِ الخَيْرِ، كَذا قالَ النَّيْسابُورِيُّ، ومَحَلُّ " الَّذِينَ آمَنُوا " النَّصْبُ عَلى البَدَلِيَّةِ مِن قَوْلِهِ مَن أنابَ أيْ أنَّهم هُمُ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وأنابُوا إلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ " الَّذِينَ آمَنُوا " خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا، أوْ مَنصُوبٌ عَلى المَدْحِ.
﴿وتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ أيْ تَسْكُنُ وتَسْتَأْنِسُ بِذِكْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِألْسِنَتِهِمْ، كَتِلاوَةِ القُرْآنِ والتَّسْبِيحِ والتَّحْمِيدِ والتَّكْبِيرِ والتَّوْحِيدِ، أوْ بِسَماعِ ذَلِكَ مِن غَيْرِهِمْ، وقَدْ سَمّى سُبْحانَهُ القُرْآنَ ذِكْرًا قالَ: ﴿وهَذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أنْزَلْناهُ﴾ [الأنبياء: ٥٠]، وقالَ: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ﴾ [الحجر: ٩]، قالَ الزَّجّاجُ، أيْ: إذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ آمَنُوا بِهِ غَيْرَ شاكِّينَ بِخِلافِ مَن وُصِفَ بِقَوْلِهِ: ﴿وإذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ اشْمَأزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ [الزمر: ٤٥]، وقِيلَ: تَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم بِتَوْحِيدِ اللَّهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالذِّكْرِ هُنا الطّاعَةُ، وقِيلَ: بِوَعْدِ اللَّهِ، وقِيلَ: بِالحَلِفِ بِاللَّهِ، فَإذا حَلَفَ خَصْمُهُ بِاللَّهِ سَكَنَ قَلْبُهُ، وقِيلَ: بِذِكْرِ رَحْمَتِهِ، وقِيلَ: بِذِكْرِ دَلائِلِهِ الدّالَّةِ عَلى تَوْحِيدِهِ ألا بِذِكْرِ اللَّهِ وحْدَهُ دُونَ غَيْرِهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ، والنَّظَرُ في مَخْلُوقاتِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وبَدائِعِ صُنْعِهِ وإنْ كانَ يُفِيدُ طُمَأْنِينَةً في الجُمْلَةِ - لَكِنْ لَيْسَتْ كَهَذِهِ الطُّمَأْنِينَةِ، وكَذَلِكَ النَّظَرُ في المُعْجِزاتِ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي لا يُطِيقُها البَشَرُ، فَلَيْسَ إفادَتُها لِلطُّمَأْنِينَةِ كَإفادَةِ ذِكْرِ اللَّهِ، فَهَذا وجْهُ ما يُفِيدُهُ هَذا التَّرْكِيبُ مِنَ القَصْرِ.
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ طُوبى لَهم وحُسْنُ مَآبٍ﴾ المَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ الجُمْلَةُ الدُّعائِيَّةُ، وهي طُوبى لَهم عَلى التَّأْوِيلِ المَشْهُورِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى المَدْحِ، و( طُوبى لَهم ) خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ بَدَلًا مِنَ القُلُوبِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: قُلُوبُ الَّذِينَ آمَنُوا.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ والزَّجّاجُ وأهْلُ اللُّغَةِ: طُوبى فُعْلى مِنَ الطِّيبِ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وتَأْوِيلُها الحالُ المُسْتَطابَةُ، وقِيلَ: طُوبى شَجَرَةٌ في الجَنَّةِ، وقِيلَ: هي (p-٧٣١)الجَنَّةُ، وقِيلَ: هي البُسْتانُ بِلُغَةِ الهِنْدِ، وقِيلَ: مَعْنى طُوبى لَهم: حُسْنى لَهم، وقِيلَ: خَيْرٌ لَهم، وقِيلَ: كَرامَةٌ لَهم، وقِيلَ: غِبْطَةٌ لَهم، قالَ النَّحّاسُ: وهَذِهِ الأقْوالُ مُتَقارِبَةٌ، والأصْلُ طُيْبى فَصارَتِ الياءُ واوًا لِسُكُونِها وضَمِّ ما قَبْلِها، واللّامُ في " لَهم " لِلْبَيانِ، مِثْلُ سَقْيًا لَكَ ورَعْيًا لَكَ.
وقُرِئَ " حُسْنُ مَآبٍ " بِالنَّصْبِ والرَّفْعِ، مِن آبَ إذا رَجَعَ، أيْ: وحُسْنُ مَرْجِعٍ، وهو الدّارُ الآخِرَةُ.
﴿كَذَلِكَ أرْسَلْناكَ في أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِها أُمَمٌ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الإرْسالِ العَظِيمِ الشَّأْنِ المُشْتَمِلِ عَلى المُعْجِزَةِ الباهِرَةِ أرْسَلْناكَ يا مُحَمَّدُ، وقِيلَ: شُبِّهَ الإنْعامُ عَلى مَن أُرْسِلَ إلَيْهِ مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِالإنْعامِ عَلى مَن أُرْسِلَ إلَيْهِ الأنْبِياءُ قَبْلَهُ، ومَعْنى ﴿فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِها أُمَمٌ﴾ في قَرْنٍ قَدْ مَضَتْ مِن قَبْلِهِ قُرُونٌ، أوْ في جَماعَةٍ مِنَ النّاسِ قَدْ مَضَتْ مِن قَبْلِها جَماعاتٌ ﴿لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ أيْ لِتَقْرَأ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ، والحالُ أنَّهم يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ، أيْ: بِالكَثِيرِ الرَّحْمَةِ لِعِبادِهِ، ومِن رَحْمَتِهِ لَهم إرْسالُ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ وإنْزالُ الكُتُبِ عَلَيْهِمْ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، وجُمْلَةُ قُلْ هو رَبِّي مُسْتَأْنَفَةٌ بِتَقْدِيرِ سُؤالٍ كَأنَّهم قالُوا: وما الرَّحْمَنُ ؟ فَقالَ سُبْحانَهُ قُلْ يا مُحَمَّدُ هو رَبِّي أيْ خالِقِي، لا إلَهَ إلّا هو، أيْ: لا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ لَهُ والإيمانَ بِهِ سِواهُ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ في جَمِيعِ أُمُورِي وإلَيْهِ لا إلى غَيْرِهِ ( مَتابِ ) أيْ تَوْبَتِي، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِالكُفّارِ وحَثٌّ لَهم عَلى الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ والتَّوْبَةِ مِنَ الكُفْرِ والدُّخُولِ في الإسْلامِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سابِطٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما الحَياةُ الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا مَتاعٌ﴾ قالَ: كَزادِ الرّاعِي يُزَوِّدُهُ أهْلُهُ الكَفَّ مِنَ التَّمْرِ أوِ الشَّيْءَ مِنَ الدَّقِيقِ أوِ الشَّيْءَ يَشْرَبُ عَلَيْهِ اللَّبَنَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: كانَ الرَّجُلُ يَخْرُجُ في الزَّمانِ الأوَّلِ في إبِلِهِ، أوْ غَنَمِهِ فَيَقُولُ لِأهْلِهِ مَتِّعُونِي فَيُمَتِّعُونَهُ فِلْقَةَ الخُبْزِ أوِ التَّمْرِ، فَهَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلدُّنْيا.
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «نامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَلى حَصِيرٍ فَقامَ وقَدْ أثَّرَ في جَنْبِهِ، فَقُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ لَوِ اتَّخَذْنا لَكَ ؟ فَقالَ: ما لِي ولِلدُّنْيا، ما أنا في الدُّنْيا إلّا كَراكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ، ثُمَّ راحَ وتَرَكَها» .
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ عَنِ المُسْتَوْرِدِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «ما الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا كَمَثَلِ ما يَجْعَلُ أحَدُكم أُصْبُعَهُ هَذِهِ في اليَمِّ فَلْيَنْظُرْ بِمَ يَرْجِعُ ؟ وأشارَ بِالسَّبّابَةِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ قالَ: هَشَّتْ إلَيْهِ واسْتَأْنَسَتْ بِهِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ في الآيَةِ قالَ: إذا حَلَفَ لَهم بِاللَّهِ صَدَّقُوا ﴿ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ قالَ: تَسْكُنُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: بِمُحَمَّدٍ وأصْحابِهِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ أنَسٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لِأصْحابِهِ حِينَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ هَلْ تَدْرُونَ ما مَعْنى ذَلِكَ ؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: مَن أحَبَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ وأحَبَّ أصْحابِي» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ قالَ: ذاكَ مَن أحَبَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ، وأحَبَّ أهْلَ بَيْتِي صادِقًا غَيْرَ كاذِبٍ، وأحَبَّ المُؤْمِنِينَ شاهِدًا وغائِبًا، ألا بِذِكْرِ اللَّهِ يَتَحابُّونَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿طُوبى لَهم﴾ قالَ: فَرَحٌ وقُرَّةُ عَيْنٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وهَنّادٌ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿طُوبى لَهم﴾ قالَ: نِعْمَ ما لَهم.
وقَدْ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ نَحْوُ ما قَدَّمْنا ذِكْرَهُ مِنَ الأقْوالِ، والأرْجَحُ تَفْسِيرُ الآيَةِ بِما رُوِيَ مَرْفُوعًا إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ كَما أخْرَجَهُ أحْمَدُ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ حِبّانَ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ عَنْ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدٍ قالَ: «جاءَ أعْرابِيٌّ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ في الجَنَّةِ فاكِهَةٌ ؟ قالَ: نَعَمْ، فِيها شَجَرَةٌ تُدْعى طُوبى» الحَدِيثَ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ وأبُو يَعْلى وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ حِبّانَ والخَطِيبُ في تارِيخِهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ «أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ طُوبى لِمَن رَآكَ وآمَنَ بِكَ، قالَ: طُوبى لِمَن آمَنَ بِي ورَآنِي، ثُمَّ طُوبى ثُمَّ طُوبى ثُمَّ طُوبى لِمَن آمَنَ بِي ولَمْ يَرَنِي، فَقالَ رَجُلٌ: وما طُوبى ؟ قالَ: شَجَرَةٌ في الجَنَّةِ مَسِيرُ مِائَةِ عامٍ، ثِيابُ أهْلِ الجَنَّةِ تَخْرُجُ مِن أكْمامِها» وفي البابِ أحادِيثُ وآثارٌ عَنِ السَّلَفِ، وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ أنَسٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في الجَنَّةِ شَجَرَةٌ يَسِيرُ الرّاكِبُ في ظِلِّها مِائَةَ سَنَةٍ، اقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمْ ﴿وظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾» [الواقعة: ٣٠]، وفي بَعْضِ الألْفاظِ إنَّها شَجَرَةُ الخُلْدِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ ﴿وحُسْنُ مَآبٍ﴾ قالَ: حُسْنُ مُنْقَلَبٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ مِثْلَهُ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وهم يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ قالَ: «ذُكِرَ لَنا أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ زَمَنَ الحُدَيْبِيَةِ حِينَ صالَحَ قُرَيْشًا كَتَبَ في الكِتابِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَقالَتْ قُرَيْشٌ: أمّا الرَّحْمَنُ فَلا نَعْرِفُهُ، وكانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَكْتُبُونَ، بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ، فَقالَ أصْحابُهُ: دَعْنا نُقاتِلْهم، فَقالَ: لا، ولَكِنِ اكْتُبُوا كَما يُرِيدُونَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في هَذِهِ الآيَةِ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ وإلَيْهِ مَتابِ قالَ: تَوْبَتِي.
الرعد 13:31
(p-٧٣٢).
قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ﴾ قِيلَ: هَذا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ [الرعد: ٧]، وإنَّ جَماعَةً مِنَ الكُفّارِ سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أنْ يُسَيِّرَ لَهم جِبالَ مَكَّةَ حَتّى تَنْفَسِحَ فَإنَّها أرْضٌ ضَيِّقَةٌ، فَأمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِأنْ يُجِيبَ عَلَيْهِمْ بِهَذا الجَوابِ المُتَضَمِّنِ لِتَعْظِيمِ شَأْنِ القُرْآنِ وفَسادِ رَأْيِ الكُفّارِ حَيْثُ لَمْ يَقْنَعُوا بِهِ وأصَرُّوا عَلى تَعَنُّتِهِمْ وطَلَبِهِمْ ما لَوْ فَعَلَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يَبْقَ ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ الإلَهِيَّةُ مِن عَدَمِ إنْزالِ الآياتِ الَّتِي يُؤْمِنُ عِنْدَها جَمِيعُ العِبادِ.
ومَعْنى ﴿سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ﴾، أيْ: بِإنْزالِهِ وقِراءَتِهِ فَسارَتْ عَنْ مَحَلِّ اسْتِقْرارِها ﴿أوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرْضُ﴾ أيْ صُدِّعَتْ حَتّى صارَتْ قِطَعًا مُتَفَرِّقَةً ﴿أوْ كُلِّمَ بِهِ المَوْتى﴾ أيْ صارُوا أحْياءً بِقِراءَتِهِ عَلَيْهِمْ، فَكانُوا يَفْهَمُونَهُ عِنْدَ تَكْلِيمِهِمْ بِهِ كَما يَفْهَمُهُ الأحْياءُ.
وقَدِ اخْتُلِفَ في جَوابِ ( لَوْ ) ماذا هو ؟ فَقالَ الفَرّاءُ: هو مَحْذُوفٌ، وتَقْدِيرُهُ: لَكانَ هَذا القُرْآنُ، ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: إنَّ الجَوابَ لَكَفَرُوا بِالرَّحْمَنِ، أيْ: لَوْ فُعِلَ بِهِمْ هَذا لَكَفَرُوا بِالرَّحْمَنِ، وقِيلَ: جَوابُهُ لَما آمَنُوا كَما سَبَقَ في قَوْلِهِ ﴿ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١١١]، وقِيلَ: الجَوابُ مُتَقَدِّمٌ، وفي الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، أيْ: وهم يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ لَوْ أنَّ قُرْآنًا. . . . إلى آخِرِهِ، وكَثِيرًا ما تَحْذِفُ العَرَبُ جَوابَ " لَوْ " إذا دَلَّ عَلَيْهِ سِياقُ الكَلامِ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎فَلَوْ أنَّها نَفْسٌ تَمُوتُ جَمِيعَةً ولَكِنَّها نَفْسٌ تُساقِطُ أنْفُسًا
أيْ لَهانَ عَلَيَّ ذَلِكَ ﴿بَلْ لِلَّهِ الأمْرُ جَمِيعًا﴾ أيْ لَوْ أنَّ قُرْآنًا فُعِلَ بِهِ ذَلِكَ لَكانَ هَذا القُرْآنُ، ولَكِنْ لَمْ يُفْعَلْ بَلْ فُعِلَ ما عَلَيْهِ الشَّأْنُ الآنَ، فَلَوْ شاءَ أنْ يُؤْمِنُوا لَآمَنُوا وإذا لَمْ يَشَأْ أنْ يُؤْمِنُوا لَمْ يَنْفَعْ تَسْيِيرُ الجِبالِ وسائِرُ ما اقْتَرَحُوهُ مِنَ الآياتِ، فالإضْرابُ مُتَوَجِّهٌ إلى ما يُؤَدِّي إلَيْهِ كَوْنُ الأمْرِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ ويَسْتَلْزِمُهُ مِن تَوَقُّفِ الأمْرِ عَلى ما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ ومَشِيئَتُهُ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا هو المَعْنى المُرادُ، مِن ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أفَلَمْ يَيْأسِ الَّذِينَ آمَنُوا أنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدى النّاسَ جَمِيعًا﴾ قالَ الفَرّاءُ: قالَ الكَلْبِيُّ أفَلَمْ يَيْأسْ بِمَعْنى أفَلَمْ يَعْلَمْ، وهي لُغَةُ النَّخْعِ.
قالَ في الصِّحاحِ: وقِيلَ: هي لُغَةُ هَوازِنَ، وبِهَذا قالَ جَماعَةٌ مِنَ السَّلَفِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أفَلَمْ يَعْلَمُوا ويَتَبَيَّنُوا.
قالَ الزَّجّاجُ: وهو مَجازٌ لِأنَّ اليائِسَ مِنَ الشَّيْءِ عالِمٌ بِأنَّهُ لا يَكُونُ، نَظِيرُهُ اسْتِعْمالُ الرَّجاءِ في مَعْنى الخَوْفِ، والنِّسْيانُ في التَّرْكِ لِتَضَمُّنِهُما إيّاهُما، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ وجَماعَةٍ: أفَلَمْ يَتَبَيَّنْ، ومِن هَذا قَوْلُ رَباحِ بْنِ عَدِيٍ:
؎ألَمْ يَيْأسِ الأقْوامُ أنِّي أنا ابْنُهُ ∗∗∗ وإنْ كُنْتُ عَنْ أرْضِ العَشِيرَةِ نائِيًا
أيْ ألَمْ يَعْلَمْ، وأنْشَدَ في هَذا أبُو عُبَيْدَةَ قَوْلَ مالِكِ بْنِ عَوْفٍ النَّضْرِيِّ:
؎أقُولُ لَهم بِالشِّعْبِ إذْ يَأْسِرُونَنِي ∗∗∗ ألَمْ تَيْأسُوا أنِّي ابْنُ فارِسِ زَهْدَمِ
أيْ ألَمْ تَعْلَمُوا، فَمَعْنى الآيَةِ عَلى هَذا: أفَلَمْ يَعْلَمِ الَّذِينَ آمَنُوا أنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدى النّاسَ جَمِيعًا مِن غَيْرِ أنْ يُشاهِدُوا الآياتِ، وقِيلَ: إنَّ الإياسَ عَلى مَعْناهُ الحَقِيقِيِّ، أيْ: أفَلَمْ يَيْأسِ الَّذِينَ آمَنُوا مِن إيمانِ هَؤُلاءِ الكُفّارِ، لِعِلْمِهِمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَوْ أرادَ هِدايَتَهم لَهَداهم، لِأنَّ المُؤْمِنِينَ تَمَنَّوْا نُزُولَ الآياتِ الَّتِي اقْتَرَحَها الكُفّارُ طَمَعًا في إيمانِهِمْ ﴿ولا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهم بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ﴾ هَذا وعِيدٌ لِلْكُفّارِ عَلى العُمُومِ أوْ لِكُفّارِ مَكَّةَ عَلى الخُصُوصِ، أيْ: لا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهم بِسَبَبِ ما صَنَعُوا مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ لِلرُّسُلِ قارِعَةٌ، أيْ: داهِيَةٌ تَفْجَؤُهم، يُقالُ قَرَعَهُ الأمْرُ إذا أصابَهُ، والجَمْعُ قَوارِعُ، والأصْلُ في القَرْعِ الضَّرْبُ.
قالَ الشّاعِرُ:
؎أفْنى تِلادِي وما جَمَّعْتُ مِن نَشَبٍ ∗∗∗ قَرْعُ القَراقِيرِ أفْواهَ الأبارِيقِ
والمَعْنى: أنَّ الكُفّارَ لا يَزالُونَ كَذَلِكَ حَتّى تُصِيبَهم داهِيَةٌ مُهْلِكَةٌ مِن قَتْلٍ أوْ أسْرٍ أوْ جَدْبٍ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنَ العَذابِ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ القارِعَةَ النَّكْبَةُ، وقِيلَ: الطَّلائِعُ والسَّرايا، ولا يَخْفى أنَّ القارِعَةَ تُطْلَقُ عَلى ما هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ أوْ تَحُلُّ أيِ القارِعَةُ ﴿قَرِيبًا مِن دارِهِمْ﴾ فَيَفْزَعُونَ مِنها ويُشاهِدُونَ مِن آثارِها ما تَرْجُفُ لَهُ قُلُوبُهم وتُرْعَدُ مِنهُ بِوادِرُهم وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ في تَحِلُّ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ.
والمَعْنى: أوْ تَحِلُّ أنْتَ يا مُحَمَّدُ قَرِيبًا مِن دارِهِمْ مُحاصِرًا لَهم آخِذًا بِمَخانِقِهِمْ كَما وقَعَ مِنهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لِأهْلِ الطّائِفِ ﴿حَتّى يَأْتِيَ وعْدُ اللَّهِ﴾ وهو مَوْتُهم، أوْ قِيامُ السّاعَةِ عَلَيْهِمْ، فَإنَّهُ إذا جاءَ وعْدُ اللَّهِ المَحْتُومُ حَلَّ بِهِمْ مِن عَذابِهِ ما هو الغايَةُ في الشِّدَّةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِوَعْدِ اللَّهِ هُنا الإذْنُ مِنهُ بِقِتالِ الكُفّارِ، والأوَّلُ أوْلى ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ فَما جَرى بِهِ وعْدُهُ فَهو كائِنٌ لا مَحالَةَ.
﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَأمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ التَّنْكِيرُ في رُسُلٍ لِلتَّكْثِيرِ، أيْ: بِرُسُلٍ كَثِيرَةٍ، والإمْلاءُ: الإمْهالُ، وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ في الأعْرافِ ثُمَّ أخَذْتُهم بِالعَذابِ الَّذِي أنْزَلْتُهُ بِهِمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّهْدِيدِ، أيْ: فَكَيْفَ كانَ عِقابِي لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ الَّذِينَ اسْتَهْزَءُوا بِالرُّسُلِ، فَأمْلَيْتُ لَهم ثُمَّ أخَذْتُهم.
ثُمَّ اسْتَفْهَمَ سُبْحانَهُ اسْتِفْهامًا آخَرَ لِلتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ يَجْرِي مَجْرى الحِجاجِ لِلْكُفّارِ واسْتِرْكاكِ صُنْعِهِمْ والإزْراءِ عَلَيْهِمْ، فَقالَ ﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ﴾ القائِمُ الحَفِيظُ والمُتَوَلِّي لِلْأُمُورِ.
وأرادَ سُبْحانَهُ نَفْسَهُ، فَإنَّهُ المُتَوَلِّي لِأُمُورِ خَلْقِهِ المُدَبِّرُ لِأحْوالِهِمْ بِالآجالِ والأرْزاقِ وإحْصاءِ الأعْمالِ عَلى كُلِّ نَفْسٍ مِنَ الأنْفُسِ كائِنَةً ما كانَتْ، والجَوابُ مَحْذُوفٌ، أيْ: أفَمَن هو بِهَذِهِ الصِّفَةِ كَمَن لَيْسَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ مِن مَعْبُوداتِكُمُ الَّتِي لا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ.
قالَ الفَرّاءُ: كَأنَّهُ في المَعْنى أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ كَشُرَكائِهِمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوهم مِن دُونِ اللَّهِ، والمُرادُ مِنَ الآيَةِ إنْكارُ المُماثَلَةِ بَيْنَهُما، وقِيلَ: المُرادُ بِـ ﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ﴾ (p-٧٣٣)المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِبَنِي آدَمَ، والأوَّلُ أوْلى، وجُمْلَةُ ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجَوابِ المُقَدَّرِ مُبَيِّنَةٌ لَهُ أوْ حالِيَّةٌ بِتَقْدِيرِ " قَدْ "، أيْ: وقَدْ جَعَلُوا، أوْ مَعْطُوفَةٌ عَلى " ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ " أيِ اسْتَهْزَءُوا وجَعَلُوا، ﴿قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ أيْ قُلْ يا مُحَمَّدُ جَعَلْتُمْ لَهُ شُرَكاءَ فَسَمُّوهم مَن هم ؟ وفي هَذا تَبْكِيتٌ لَهم وتَوْبِيخٌ، لِأنَّهُ إنَّما يُقالُ هَكَذا في الشَّيْءِ المُسْتَحْقَرِ الَّذِي لا يَسْتَحِقُّ أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ، فَيُقالُ: سَمِّهِ إنْ شِئْتَ: يَعْنِي أنَّهُ أحْقَرُ مِن أنْ يُسَمّى، وقِيلَ: إنَّ المَعْنى سَمُّوهم بِالآلِهَةِ كَما تَزْعُمُونَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ تَهْدِيدًا لَهم أمْ تُنَبِّئُونَهُ أيْ بَلْ أتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ في الأرْضِ مِنَ الشُّرَكاءِ الَّذِينَ تَعْبُدُونَهم مَعَ كَوْنِهِ العالِمَ بِما في السَّماواتِ والأرْضِ أمْ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ أيْ بَلْ أتُسَمُّونَهم شُرَكاءَ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ مِن غَيْرِ أنْ تَكُونَ لَهُ حَقِيقَةٌ، وقِيلَ: المَعْنى: قُلْ لَهم أتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِباطِنٍ لا يَعْلَمُهُ أمْ بِظاهِرٍ يَعْلَمُهُ ؟ فَإنْ قالُوا بِباطِنٍ لا يَعْلَمُهُ فَقَدْ جاءُوا بِدَعْوى باطِلَةٍ، وإنْ قالُوا بِظاهِرٍ يَعْلَمُهُ فَقُلْ لَهم سَمُّوهم.
فَإذا سَمَّوُا اللّاتَ والعُزّى ونَحْوَهُما، فَقُلْ لَهم إنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ لِنَفْسِهِ شَرِيكًا، وإنَّما خَصَّ الأرْضَ بِنَفْيِ الشَّرِيكِ عَنْها، وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في غَيْرِ الأرْضِ، لِأنَّهُمُ ادَّعَوْا لَهُ شَرِيكًا في الأرْضِ، وقِيلَ: مَعْنى ﴿أمْ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ﴾ أمْ بِزائِلٍ مِنَ القَوْلِ باطِلٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎أعَيَّرْتَنا ألْبانَها ولُحُومَها ∗∗∗ وذَلِكَ عارٌ يا ابْنَ رَيْطَةَ ظاهِرُ
أيْ زائِلٌ باطِلٌ، وقِيلَ: بِكَذِبٍ مِنَ القَوْلِ، وقِيلَ: مَعْنى ﴿بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ﴾ بِحُجَّةٍ مِنَ القَوْلِ ظاهِرَةٍ عَلى زَعْمِهِمْ ﴿بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهم﴾ أيْ لَيْسَ لِلَّهِ شَرِيكٌ، بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهم.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: " زَيَّنَ " عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ عَلى أنَّ الَّذِي زَيَّنَ لَهم ذَلِكَ هو مَكْرُهم.
وقَرَأ مَن عَداهُ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ، والمُزَيِّنُ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ، أوِ الشَّيْطانُ ويَجُوزُ أنْ يُسَمّى المَكْرُ كُفْرًا، لِأنَّ مَكْرَهم بِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ كانَ كُفْرًا، وأمّا مَعْناهُ الحَقِيقِيُّ فَهو الكَيْدُ، أوِ التَّمْوِيهُ بِالأباطِيلِ ﴿وصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وعاصِمٌ صَدُّوا عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، أيْ: صَدَّهُمُ اللَّهُ، أوْ صَدَّهُمُ الشَّيْطانُ.
وقَرَأ الباقُونَ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، أيْ: صَدُّوا غَيْرَهم، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ بِكَسْرِ الصّادِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ أيْ يَجْعَلُهُ ضالًّا وتَقْتَضِي مَشِيئَتُهُ إضْلالَهُ، فَما لَهُ مِن هادٍ يَهْدِيهِ إلى الخَيْرِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ هادٍ مِن دُونِ إثْباتِ الياءِ عَلى اللُّغَةِ الكَثِيرَةِ الفَصِيحَةِ.
وقُرِئَ بِإثْباتِها عَلى اللُّغَةِ القَلِيلَةِ.
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ ما يَسْتَحِقُّونَهُ، فَقالَ ﴿لَهم عَذابٌ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ بِما يُصابُونَ بِهِ مِنَ القَتْلِ والأسْرِ وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَقُّ﴾ عَلَيْهِمْ مِن عَذابِ الحَياةِ الدُّنْيا ﴿وما لَهم مِنَ اللَّهِ مِن واقٍ﴾ يَقِيهِمْ عَذابَهُ، ولا عاصِمٍ يَعْصِمُهم مِنهُ.
ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما يَسْتَحِقُّهُ الكُفّارُ مِنَ العَذابِ في الأُولى والأُخْرى، ذَكَرَ ما أعَدَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَقالَ ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ أيْ صَفْقَتُها العَجِيبَةُ الشَّأْنِ الَّتِي هي في الغَرابَةِ كالمَثَلِ، قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَثَلُ الشَّبَهُ في أصْلِ اللُّغَةِ، ثُمَّ قَدْ يَصِيرُ بِمَعْنى صُورَةِ الشَّيْءِ وصِفَتِهِ، يُقالُ مَثَّلْتُ لَكَ كَذا، أيْ: صَوَّرْتُهُ ووَصَفْتُهُ، فَأرادَ هُنا بِمَثَلِ الجَنَّةِ صُورَتَها وصِفَتَها، ثُمَّ ذَكَرَها، فَقالَ: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ وهو كالتَّفْسِيرِ لِلْمَثَلِ.
قالَ سِيبَوَيْهِ: وتَقْدِيرُهُ فِيما قَصَصْنا عَلَيْكَ مَثَلُ الجَنَّةِ.
وقالَ الخَلِيلُ وغَيْرُهُ: إنَّ ( مَثَلُ الجَنَّةِ ) مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ " تَجْرِي " .
وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّهُ تَمْثِيلٌ لِلْغائِبِ بِالشّاهِدِ، ومَعْناهُ: مَثَلُ الجَنَّةِ جَنَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ، وقِيلَ: إنَّ فائِدَةَ الخَبَرِ تَرْجِعُ إلى ﴿أُكُلُها دائِمٌ﴾ أيْ لا يَنْقَطِعُ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿لا مَقْطُوعَةٍ ولا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٣]، وقالَ الفَرّاءُ: المَثَلُ مُقْحَمٌ لِلتَّأْكِيدِ، والمَعْنى: الجَنَّةُ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ، والعَرَبُ تَفْعَلُ ذَلِكَ كَثِيرًا وظِلُّها أيْ كَذَلِكَ دائِمٌ لا يَتَقَلَّصُ ولا تَنْسَخُهُ الشَّمْسُ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ تِلْكَ إلى الجَنَّةِ المَوْصُوفَةِ بِالصِّفاتِ المُتَقَدِّمَةِ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿عُقْبى الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ أيْ عاقِبَةُ الَّذِينَ اتَّقَوُا المَعاصِيَ، ومُنْتَهى أمْرِهِمْ وعُقْبى الكافِرِينَ النّارُ لَيْسَ لَهم عاقِبَةٌ ولا مُنْتَهًى إلّا ذَلِكَ.
وقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قالُوا لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: إنْ كانَ كَما تَقُولُ فَأرِنا أشْياخَنا الأُوَلَ مِنَ المَوْتى نُكَلِّمُهم، وافْسَحْ لَنا هَذِهِ الجِبالَ جِبالَ مَكَّةَ الَّتِي قَدْ ضَمَّتْنا، فَنَزَلَتْ ﴿ولَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ﴾» الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَطِيَّةَ العَوْفِيِّ قالَ: «قالُوا لِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: لَوْ سَيَّرْتَ لَنا جِبالَ مَكَّةَ حَتّى تَتَّسِعَ فَنَحْرُثَ فِيها، أوْ قَطَّعْتَ لَنا الأرْضَ كَما كانَ سُلَيْمانُ يُقَطِّعُ لِقَوْمِهِ بِالرِّيحِ، أوْ أحْيَيْتَ لَنا المَوْتى كَما كانَ يُحْيِي عِيسى المَوْتى لِقَوْمِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ولَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ﴾» الآيَةَ إلى قَوْلِهِ: ﴿أفَلَمْ يَيْأسِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قالَ: أفَلَمْ يَتَبَيَّنِ الَّذِينَ آمَنُوا، قالُوا: هَلْ تَرْوِي هَذا الحَدِيثَ عَنْ أحَدٍ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ؟ قالَ: عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ.
وأخْرَجَهُ أيْضًا ابْنُ أبِي حاتِمٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو زُرْعَةَ حَدَّثَنا مِنجابُ بْنُ الحارِثِ، أخْبَرَنا بِشْرُ بْنُ عُمارَةَ، حَدَّثَنا عُمَرُ بْنُ حَسّانَ عَنْ عَطِيَّةَ العَوْفِيِّ فَذَكَرَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ مُخْتَصَرًا.
وأخْرَجَ أبُو يَعْلى وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوّامِ في ذِكْرِ سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ نَحْوَ ما تَقَدَّمَ مُطَوَّلًا.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿بَلْ لِلَّهِ الأمْرُ جَمِيعًا﴾ لا يَصْنَعُ مِن ذَلِكَ إلّا ما يَشاءُ ولَمْ يَكُنْ لِيَفْعَلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أفَلَمْ يَيْأسِ يَقُولُ يَعْلَمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ مِن طَرِيقٍ أُخْرى عَنْهُ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي العالِيَةِ أفَلَمْ يَيْأسِ قالَ: قَدْ يَئِسَ الَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَهْدُوا ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَهَدى النّاسَ جَمِيعًا.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿تُصِيبُهم بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ﴾ قالَ: السَّرايا.
وأخْرَجَ (p-٧٣٤)الطَّيالِسِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْهُ نَحْوَهُ، وزادَ ﴿أوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِن دارِهِمْ﴾ قالَ: أنْتَ يا مُحَمَّدُ حَتّى يَأْتِيَ وعْدُ اللَّهِ، قالَ: فَتْحُ مَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قارِعَةٌ قالَ: نَكْبَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنْهُ قارِعَةٌ قالَ: عَذابٌ مِنَ السَّماءِ، أوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِن دارِهِمْ: يَعْنِي نُزُولَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِهِمْ وقِتالَهُ آباءَهم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ قالَ: يَعْنِي بِذَلِكَ نَفْسَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عَطاءٍ في الآيَةِ قالَ: اللَّهُ تَعالى قائِمٌ بِالقِسْطِ والعَدْلِ عَلى كُلِّ نَفْسٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ﴾ قالَ: الظّاهِرُ مِنَ القَوْلِ هو الباطِلُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ﴾ قالَ: نَعْتُ الجَنَّةِ، لَيْسَ لِلْجَنَّةِ مَثَلٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ إبْراهِيمَ التَّيْمِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿أُكُلُها دائِمٌ﴾ قالَ: لَذّاتُها دائِمَةٌ في أفْواهِهِمْ.
الرعد 13:32
(p-٧٣٢).
قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ﴾ قِيلَ: هَذا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ [الرعد: ٧]، وإنَّ جَماعَةً مِنَ الكُفّارِ سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أنْ يُسَيِّرَ لَهم جِبالَ مَكَّةَ حَتّى تَنْفَسِحَ فَإنَّها أرْضٌ ضَيِّقَةٌ، فَأمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِأنْ يُجِيبَ عَلَيْهِمْ بِهَذا الجَوابِ المُتَضَمِّنِ لِتَعْظِيمِ شَأْنِ القُرْآنِ وفَسادِ رَأْيِ الكُفّارِ حَيْثُ لَمْ يَقْنَعُوا بِهِ وأصَرُّوا عَلى تَعَنُّتِهِمْ وطَلَبِهِمْ ما لَوْ فَعَلَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يَبْقَ ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ الإلَهِيَّةُ مِن عَدَمِ إنْزالِ الآياتِ الَّتِي يُؤْمِنُ عِنْدَها جَمِيعُ العِبادِ.
ومَعْنى ﴿سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ﴾، أيْ: بِإنْزالِهِ وقِراءَتِهِ فَسارَتْ عَنْ مَحَلِّ اسْتِقْرارِها ﴿أوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرْضُ﴾ أيْ صُدِّعَتْ حَتّى صارَتْ قِطَعًا مُتَفَرِّقَةً ﴿أوْ كُلِّمَ بِهِ المَوْتى﴾ أيْ صارُوا أحْياءً بِقِراءَتِهِ عَلَيْهِمْ، فَكانُوا يَفْهَمُونَهُ عِنْدَ تَكْلِيمِهِمْ بِهِ كَما يَفْهَمُهُ الأحْياءُ.
وقَدِ اخْتُلِفَ في جَوابِ ( لَوْ ) ماذا هو ؟ فَقالَ الفَرّاءُ: هو مَحْذُوفٌ، وتَقْدِيرُهُ: لَكانَ هَذا القُرْآنُ، ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: إنَّ الجَوابَ لَكَفَرُوا بِالرَّحْمَنِ، أيْ: لَوْ فُعِلَ بِهِمْ هَذا لَكَفَرُوا بِالرَّحْمَنِ، وقِيلَ: جَوابُهُ لَما آمَنُوا كَما سَبَقَ في قَوْلِهِ ﴿ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١١١]، وقِيلَ: الجَوابُ مُتَقَدِّمٌ، وفي الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، أيْ: وهم يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ لَوْ أنَّ قُرْآنًا. . . . إلى آخِرِهِ، وكَثِيرًا ما تَحْذِفُ العَرَبُ جَوابَ " لَوْ " إذا دَلَّ عَلَيْهِ سِياقُ الكَلامِ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎فَلَوْ أنَّها نَفْسٌ تَمُوتُ جَمِيعَةً ولَكِنَّها نَفْسٌ تُساقِطُ أنْفُسًا
أيْ لَهانَ عَلَيَّ ذَلِكَ ﴿بَلْ لِلَّهِ الأمْرُ جَمِيعًا﴾ أيْ لَوْ أنَّ قُرْآنًا فُعِلَ بِهِ ذَلِكَ لَكانَ هَذا القُرْآنُ، ولَكِنْ لَمْ يُفْعَلْ بَلْ فُعِلَ ما عَلَيْهِ الشَّأْنُ الآنَ، فَلَوْ شاءَ أنْ يُؤْمِنُوا لَآمَنُوا وإذا لَمْ يَشَأْ أنْ يُؤْمِنُوا لَمْ يَنْفَعْ تَسْيِيرُ الجِبالِ وسائِرُ ما اقْتَرَحُوهُ مِنَ الآياتِ، فالإضْرابُ مُتَوَجِّهٌ إلى ما يُؤَدِّي إلَيْهِ كَوْنُ الأمْرِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ ويَسْتَلْزِمُهُ مِن تَوَقُّفِ الأمْرِ عَلى ما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ ومَشِيئَتُهُ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا هو المَعْنى المُرادُ، مِن ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أفَلَمْ يَيْأسِ الَّذِينَ آمَنُوا أنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدى النّاسَ جَمِيعًا﴾ قالَ الفَرّاءُ: قالَ الكَلْبِيُّ أفَلَمْ يَيْأسْ بِمَعْنى أفَلَمْ يَعْلَمْ، وهي لُغَةُ النَّخْعِ.
قالَ في الصِّحاحِ: وقِيلَ: هي لُغَةُ هَوازِنَ، وبِهَذا قالَ جَماعَةٌ مِنَ السَّلَفِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أفَلَمْ يَعْلَمُوا ويَتَبَيَّنُوا.
قالَ الزَّجّاجُ: وهو مَجازٌ لِأنَّ اليائِسَ مِنَ الشَّيْءِ عالِمٌ بِأنَّهُ لا يَكُونُ، نَظِيرُهُ اسْتِعْمالُ الرَّجاءِ في مَعْنى الخَوْفِ، والنِّسْيانُ في التَّرْكِ لِتَضَمُّنِهُما إيّاهُما، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ وجَماعَةٍ: أفَلَمْ يَتَبَيَّنْ، ومِن هَذا قَوْلُ رَباحِ بْنِ عَدِيٍ:
؎ألَمْ يَيْأسِ الأقْوامُ أنِّي أنا ابْنُهُ ∗∗∗ وإنْ كُنْتُ عَنْ أرْضِ العَشِيرَةِ نائِيًا
أيْ ألَمْ يَعْلَمْ، وأنْشَدَ في هَذا أبُو عُبَيْدَةَ قَوْلَ مالِكِ بْنِ عَوْفٍ النَّضْرِيِّ:
؎أقُولُ لَهم بِالشِّعْبِ إذْ يَأْسِرُونَنِي ∗∗∗ ألَمْ تَيْأسُوا أنِّي ابْنُ فارِسِ زَهْدَمِ
أيْ ألَمْ تَعْلَمُوا، فَمَعْنى الآيَةِ عَلى هَذا: أفَلَمْ يَعْلَمِ الَّذِينَ آمَنُوا أنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدى النّاسَ جَمِيعًا مِن غَيْرِ أنْ يُشاهِدُوا الآياتِ، وقِيلَ: إنَّ الإياسَ عَلى مَعْناهُ الحَقِيقِيِّ، أيْ: أفَلَمْ يَيْأسِ الَّذِينَ آمَنُوا مِن إيمانِ هَؤُلاءِ الكُفّارِ، لِعِلْمِهِمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَوْ أرادَ هِدايَتَهم لَهَداهم، لِأنَّ المُؤْمِنِينَ تَمَنَّوْا نُزُولَ الآياتِ الَّتِي اقْتَرَحَها الكُفّارُ طَمَعًا في إيمانِهِمْ ﴿ولا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهم بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ﴾ هَذا وعِيدٌ لِلْكُفّارِ عَلى العُمُومِ أوْ لِكُفّارِ مَكَّةَ عَلى الخُصُوصِ، أيْ: لا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهم بِسَبَبِ ما صَنَعُوا مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ لِلرُّسُلِ قارِعَةٌ، أيْ: داهِيَةٌ تَفْجَؤُهم، يُقالُ قَرَعَهُ الأمْرُ إذا أصابَهُ، والجَمْعُ قَوارِعُ، والأصْلُ في القَرْعِ الضَّرْبُ.
قالَ الشّاعِرُ:
؎أفْنى تِلادِي وما جَمَّعْتُ مِن نَشَبٍ ∗∗∗ قَرْعُ القَراقِيرِ أفْواهَ الأبارِيقِ
والمَعْنى: أنَّ الكُفّارَ لا يَزالُونَ كَذَلِكَ حَتّى تُصِيبَهم داهِيَةٌ مُهْلِكَةٌ مِن قَتْلٍ أوْ أسْرٍ أوْ جَدْبٍ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنَ العَذابِ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ القارِعَةَ النَّكْبَةُ، وقِيلَ: الطَّلائِعُ والسَّرايا، ولا يَخْفى أنَّ القارِعَةَ تُطْلَقُ عَلى ما هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ أوْ تَحُلُّ أيِ القارِعَةُ ﴿قَرِيبًا مِن دارِهِمْ﴾ فَيَفْزَعُونَ مِنها ويُشاهِدُونَ مِن آثارِها ما تَرْجُفُ لَهُ قُلُوبُهم وتُرْعَدُ مِنهُ بِوادِرُهم وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ في تَحِلُّ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ.
والمَعْنى: أوْ تَحِلُّ أنْتَ يا مُحَمَّدُ قَرِيبًا مِن دارِهِمْ مُحاصِرًا لَهم آخِذًا بِمَخانِقِهِمْ كَما وقَعَ مِنهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لِأهْلِ الطّائِفِ ﴿حَتّى يَأْتِيَ وعْدُ اللَّهِ﴾ وهو مَوْتُهم، أوْ قِيامُ السّاعَةِ عَلَيْهِمْ، فَإنَّهُ إذا جاءَ وعْدُ اللَّهِ المَحْتُومُ حَلَّ بِهِمْ مِن عَذابِهِ ما هو الغايَةُ في الشِّدَّةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِوَعْدِ اللَّهِ هُنا الإذْنُ مِنهُ بِقِتالِ الكُفّارِ، والأوَّلُ أوْلى ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ فَما جَرى بِهِ وعْدُهُ فَهو كائِنٌ لا مَحالَةَ.
﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَأمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ التَّنْكِيرُ في رُسُلٍ لِلتَّكْثِيرِ، أيْ: بِرُسُلٍ كَثِيرَةٍ، والإمْلاءُ: الإمْهالُ، وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ في الأعْرافِ ثُمَّ أخَذْتُهم بِالعَذابِ الَّذِي أنْزَلْتُهُ بِهِمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّهْدِيدِ، أيْ: فَكَيْفَ كانَ عِقابِي لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ الَّذِينَ اسْتَهْزَءُوا بِالرُّسُلِ، فَأمْلَيْتُ لَهم ثُمَّ أخَذْتُهم.
ثُمَّ اسْتَفْهَمَ سُبْحانَهُ اسْتِفْهامًا آخَرَ لِلتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ يَجْرِي مَجْرى الحِجاجِ لِلْكُفّارِ واسْتِرْكاكِ صُنْعِهِمْ والإزْراءِ عَلَيْهِمْ، فَقالَ ﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ﴾ القائِمُ الحَفِيظُ والمُتَوَلِّي لِلْأُمُورِ.
وأرادَ سُبْحانَهُ نَفْسَهُ، فَإنَّهُ المُتَوَلِّي لِأُمُورِ خَلْقِهِ المُدَبِّرُ لِأحْوالِهِمْ بِالآجالِ والأرْزاقِ وإحْصاءِ الأعْمالِ عَلى كُلِّ نَفْسٍ مِنَ الأنْفُسِ كائِنَةً ما كانَتْ، والجَوابُ مَحْذُوفٌ، أيْ: أفَمَن هو بِهَذِهِ الصِّفَةِ كَمَن لَيْسَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ مِن مَعْبُوداتِكُمُ الَّتِي لا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ.
قالَ الفَرّاءُ: كَأنَّهُ في المَعْنى أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ كَشُرَكائِهِمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوهم مِن دُونِ اللَّهِ، والمُرادُ مِنَ الآيَةِ إنْكارُ المُماثَلَةِ بَيْنَهُما، وقِيلَ: المُرادُ بِـ ﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ﴾ (p-٧٣٣)المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِبَنِي آدَمَ، والأوَّلُ أوْلى، وجُمْلَةُ ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجَوابِ المُقَدَّرِ مُبَيِّنَةٌ لَهُ أوْ حالِيَّةٌ بِتَقْدِيرِ " قَدْ "، أيْ: وقَدْ جَعَلُوا، أوْ مَعْطُوفَةٌ عَلى " ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ " أيِ اسْتَهْزَءُوا وجَعَلُوا، ﴿قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ أيْ قُلْ يا مُحَمَّدُ جَعَلْتُمْ لَهُ شُرَكاءَ فَسَمُّوهم مَن هم ؟ وفي هَذا تَبْكِيتٌ لَهم وتَوْبِيخٌ، لِأنَّهُ إنَّما يُقالُ هَكَذا في الشَّيْءِ المُسْتَحْقَرِ الَّذِي لا يَسْتَحِقُّ أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ، فَيُقالُ: سَمِّهِ إنْ شِئْتَ: يَعْنِي أنَّهُ أحْقَرُ مِن أنْ يُسَمّى، وقِيلَ: إنَّ المَعْنى سَمُّوهم بِالآلِهَةِ كَما تَزْعُمُونَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ تَهْدِيدًا لَهم أمْ تُنَبِّئُونَهُ أيْ بَلْ أتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ في الأرْضِ مِنَ الشُّرَكاءِ الَّذِينَ تَعْبُدُونَهم مَعَ كَوْنِهِ العالِمَ بِما في السَّماواتِ والأرْضِ أمْ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ أيْ بَلْ أتُسَمُّونَهم شُرَكاءَ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ مِن غَيْرِ أنْ تَكُونَ لَهُ حَقِيقَةٌ، وقِيلَ: المَعْنى: قُلْ لَهم أتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِباطِنٍ لا يَعْلَمُهُ أمْ بِظاهِرٍ يَعْلَمُهُ ؟ فَإنْ قالُوا بِباطِنٍ لا يَعْلَمُهُ فَقَدْ جاءُوا بِدَعْوى باطِلَةٍ، وإنْ قالُوا بِظاهِرٍ يَعْلَمُهُ فَقُلْ لَهم سَمُّوهم.
فَإذا سَمَّوُا اللّاتَ والعُزّى ونَحْوَهُما، فَقُلْ لَهم إنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ لِنَفْسِهِ شَرِيكًا، وإنَّما خَصَّ الأرْضَ بِنَفْيِ الشَّرِيكِ عَنْها، وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في غَيْرِ الأرْضِ، لِأنَّهُمُ ادَّعَوْا لَهُ شَرِيكًا في الأرْضِ، وقِيلَ: مَعْنى ﴿أمْ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ﴾ أمْ بِزائِلٍ مِنَ القَوْلِ باطِلٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎أعَيَّرْتَنا ألْبانَها ولُحُومَها ∗∗∗ وذَلِكَ عارٌ يا ابْنَ رَيْطَةَ ظاهِرُ
أيْ زائِلٌ باطِلٌ، وقِيلَ: بِكَذِبٍ مِنَ القَوْلِ، وقِيلَ: مَعْنى ﴿بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ﴾ بِحُجَّةٍ مِنَ القَوْلِ ظاهِرَةٍ عَلى زَعْمِهِمْ ﴿بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهم﴾ أيْ لَيْسَ لِلَّهِ شَرِيكٌ، بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهم.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: " زَيَّنَ " عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ عَلى أنَّ الَّذِي زَيَّنَ لَهم ذَلِكَ هو مَكْرُهم.
وقَرَأ مَن عَداهُ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ، والمُزَيِّنُ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ، أوِ الشَّيْطانُ ويَجُوزُ أنْ يُسَمّى المَكْرُ كُفْرًا، لِأنَّ مَكْرَهم بِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ كانَ كُفْرًا، وأمّا مَعْناهُ الحَقِيقِيُّ فَهو الكَيْدُ، أوِ التَّمْوِيهُ بِالأباطِيلِ ﴿وصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وعاصِمٌ صَدُّوا عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، أيْ: صَدَّهُمُ اللَّهُ، أوْ صَدَّهُمُ الشَّيْطانُ.
وقَرَأ الباقُونَ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، أيْ: صَدُّوا غَيْرَهم، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ بِكَسْرِ الصّادِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ أيْ يَجْعَلُهُ ضالًّا وتَقْتَضِي مَشِيئَتُهُ إضْلالَهُ، فَما لَهُ مِن هادٍ يَهْدِيهِ إلى الخَيْرِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ هادٍ مِن دُونِ إثْباتِ الياءِ عَلى اللُّغَةِ الكَثِيرَةِ الفَصِيحَةِ.
وقُرِئَ بِإثْباتِها عَلى اللُّغَةِ القَلِيلَةِ.
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ ما يَسْتَحِقُّونَهُ، فَقالَ ﴿لَهم عَذابٌ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ بِما يُصابُونَ بِهِ مِنَ القَتْلِ والأسْرِ وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَقُّ﴾ عَلَيْهِمْ مِن عَذابِ الحَياةِ الدُّنْيا ﴿وما لَهم مِنَ اللَّهِ مِن واقٍ﴾ يَقِيهِمْ عَذابَهُ، ولا عاصِمٍ يَعْصِمُهم مِنهُ.
ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما يَسْتَحِقُّهُ الكُفّارُ مِنَ العَذابِ في الأُولى والأُخْرى، ذَكَرَ ما أعَدَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَقالَ ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ أيْ صَفْقَتُها العَجِيبَةُ الشَّأْنِ الَّتِي هي في الغَرابَةِ كالمَثَلِ، قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَثَلُ الشَّبَهُ في أصْلِ اللُّغَةِ، ثُمَّ قَدْ يَصِيرُ بِمَعْنى صُورَةِ الشَّيْءِ وصِفَتِهِ، يُقالُ مَثَّلْتُ لَكَ كَذا، أيْ: صَوَّرْتُهُ ووَصَفْتُهُ، فَأرادَ هُنا بِمَثَلِ الجَنَّةِ صُورَتَها وصِفَتَها، ثُمَّ ذَكَرَها، فَقالَ: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ وهو كالتَّفْسِيرِ لِلْمَثَلِ.
قالَ سِيبَوَيْهِ: وتَقْدِيرُهُ فِيما قَصَصْنا عَلَيْكَ مَثَلُ الجَنَّةِ.
وقالَ الخَلِيلُ وغَيْرُهُ: إنَّ ( مَثَلُ الجَنَّةِ ) مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ " تَجْرِي " .
وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّهُ تَمْثِيلٌ لِلْغائِبِ بِالشّاهِدِ، ومَعْناهُ: مَثَلُ الجَنَّةِ جَنَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ، وقِيلَ: إنَّ فائِدَةَ الخَبَرِ تَرْجِعُ إلى ﴿أُكُلُها دائِمٌ﴾ أيْ لا يَنْقَطِعُ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿لا مَقْطُوعَةٍ ولا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٣]، وقالَ الفَرّاءُ: المَثَلُ مُقْحَمٌ لِلتَّأْكِيدِ، والمَعْنى: الجَنَّةُ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ، والعَرَبُ تَفْعَلُ ذَلِكَ كَثِيرًا وظِلُّها أيْ كَذَلِكَ دائِمٌ لا يَتَقَلَّصُ ولا تَنْسَخُهُ الشَّمْسُ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ تِلْكَ إلى الجَنَّةِ المَوْصُوفَةِ بِالصِّفاتِ المُتَقَدِّمَةِ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿عُقْبى الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ أيْ عاقِبَةُ الَّذِينَ اتَّقَوُا المَعاصِيَ، ومُنْتَهى أمْرِهِمْ وعُقْبى الكافِرِينَ النّارُ لَيْسَ لَهم عاقِبَةٌ ولا مُنْتَهًى إلّا ذَلِكَ.
وقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قالُوا لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: إنْ كانَ كَما تَقُولُ فَأرِنا أشْياخَنا الأُوَلَ مِنَ المَوْتى نُكَلِّمُهم، وافْسَحْ لَنا هَذِهِ الجِبالَ جِبالَ مَكَّةَ الَّتِي قَدْ ضَمَّتْنا، فَنَزَلَتْ ﴿ولَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ﴾» الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَطِيَّةَ العَوْفِيِّ قالَ: «قالُوا لِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: لَوْ سَيَّرْتَ لَنا جِبالَ مَكَّةَ حَتّى تَتَّسِعَ فَنَحْرُثَ فِيها، أوْ قَطَّعْتَ لَنا الأرْضَ كَما كانَ سُلَيْمانُ يُقَطِّعُ لِقَوْمِهِ بِالرِّيحِ، أوْ أحْيَيْتَ لَنا المَوْتى كَما كانَ يُحْيِي عِيسى المَوْتى لِقَوْمِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ولَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ﴾» الآيَةَ إلى قَوْلِهِ: ﴿أفَلَمْ يَيْأسِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قالَ: أفَلَمْ يَتَبَيَّنِ الَّذِينَ آمَنُوا، قالُوا: هَلْ تَرْوِي هَذا الحَدِيثَ عَنْ أحَدٍ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ؟ قالَ: عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ.
وأخْرَجَهُ أيْضًا ابْنُ أبِي حاتِمٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو زُرْعَةَ حَدَّثَنا مِنجابُ بْنُ الحارِثِ، أخْبَرَنا بِشْرُ بْنُ عُمارَةَ، حَدَّثَنا عُمَرُ بْنُ حَسّانَ عَنْ عَطِيَّةَ العَوْفِيِّ فَذَكَرَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ مُخْتَصَرًا.
وأخْرَجَ أبُو يَعْلى وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوّامِ في ذِكْرِ سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ نَحْوَ ما تَقَدَّمَ مُطَوَّلًا.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿بَلْ لِلَّهِ الأمْرُ جَمِيعًا﴾ لا يَصْنَعُ مِن ذَلِكَ إلّا ما يَشاءُ ولَمْ يَكُنْ لِيَفْعَلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أفَلَمْ يَيْأسِ يَقُولُ يَعْلَمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ مِن طَرِيقٍ أُخْرى عَنْهُ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي العالِيَةِ أفَلَمْ يَيْأسِ قالَ: قَدْ يَئِسَ الَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَهْدُوا ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَهَدى النّاسَ جَمِيعًا.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿تُصِيبُهم بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ﴾ قالَ: السَّرايا.
وأخْرَجَ (p-٧٣٤)الطَّيالِسِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْهُ نَحْوَهُ، وزادَ ﴿أوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِن دارِهِمْ﴾ قالَ: أنْتَ يا مُحَمَّدُ حَتّى يَأْتِيَ وعْدُ اللَّهِ، قالَ: فَتْحُ مَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قارِعَةٌ قالَ: نَكْبَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنْهُ قارِعَةٌ قالَ: عَذابٌ مِنَ السَّماءِ، أوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِن دارِهِمْ: يَعْنِي نُزُولَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِهِمْ وقِتالَهُ آباءَهم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ قالَ: يَعْنِي بِذَلِكَ نَفْسَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عَطاءٍ في الآيَةِ قالَ: اللَّهُ تَعالى قائِمٌ بِالقِسْطِ والعَدْلِ عَلى كُلِّ نَفْسٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ﴾ قالَ: الظّاهِرُ مِنَ القَوْلِ هو الباطِلُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ﴾ قالَ: نَعْتُ الجَنَّةِ، لَيْسَ لِلْجَنَّةِ مَثَلٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ إبْراهِيمَ التَّيْمِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿أُكُلُها دائِمٌ﴾ قالَ: لَذّاتُها دائِمَةٌ في أفْواهِهِمْ.
الرعد 13:33
(p-٧٣٢).
قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ﴾ قِيلَ: هَذا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ [الرعد: ٧]، وإنَّ جَماعَةً مِنَ الكُفّارِ سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أنْ يُسَيِّرَ لَهم جِبالَ مَكَّةَ حَتّى تَنْفَسِحَ فَإنَّها أرْضٌ ضَيِّقَةٌ، فَأمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِأنْ يُجِيبَ عَلَيْهِمْ بِهَذا الجَوابِ المُتَضَمِّنِ لِتَعْظِيمِ شَأْنِ القُرْآنِ وفَسادِ رَأْيِ الكُفّارِ حَيْثُ لَمْ يَقْنَعُوا بِهِ وأصَرُّوا عَلى تَعَنُّتِهِمْ وطَلَبِهِمْ ما لَوْ فَعَلَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يَبْقَ ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ الإلَهِيَّةُ مِن عَدَمِ إنْزالِ الآياتِ الَّتِي يُؤْمِنُ عِنْدَها جَمِيعُ العِبادِ.
ومَعْنى ﴿سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ﴾، أيْ: بِإنْزالِهِ وقِراءَتِهِ فَسارَتْ عَنْ مَحَلِّ اسْتِقْرارِها ﴿أوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرْضُ﴾ أيْ صُدِّعَتْ حَتّى صارَتْ قِطَعًا مُتَفَرِّقَةً ﴿أوْ كُلِّمَ بِهِ المَوْتى﴾ أيْ صارُوا أحْياءً بِقِراءَتِهِ عَلَيْهِمْ، فَكانُوا يَفْهَمُونَهُ عِنْدَ تَكْلِيمِهِمْ بِهِ كَما يَفْهَمُهُ الأحْياءُ.
وقَدِ اخْتُلِفَ في جَوابِ ( لَوْ ) ماذا هو ؟ فَقالَ الفَرّاءُ: هو مَحْذُوفٌ، وتَقْدِيرُهُ: لَكانَ هَذا القُرْآنُ، ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: إنَّ الجَوابَ لَكَفَرُوا بِالرَّحْمَنِ، أيْ: لَوْ فُعِلَ بِهِمْ هَذا لَكَفَرُوا بِالرَّحْمَنِ، وقِيلَ: جَوابُهُ لَما آمَنُوا كَما سَبَقَ في قَوْلِهِ ﴿ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١١١]، وقِيلَ: الجَوابُ مُتَقَدِّمٌ، وفي الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، أيْ: وهم يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ لَوْ أنَّ قُرْآنًا. . . . إلى آخِرِهِ، وكَثِيرًا ما تَحْذِفُ العَرَبُ جَوابَ " لَوْ " إذا دَلَّ عَلَيْهِ سِياقُ الكَلامِ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎فَلَوْ أنَّها نَفْسٌ تَمُوتُ جَمِيعَةً ولَكِنَّها نَفْسٌ تُساقِطُ أنْفُسًا
أيْ لَهانَ عَلَيَّ ذَلِكَ ﴿بَلْ لِلَّهِ الأمْرُ جَمِيعًا﴾ أيْ لَوْ أنَّ قُرْآنًا فُعِلَ بِهِ ذَلِكَ لَكانَ هَذا القُرْآنُ، ولَكِنْ لَمْ يُفْعَلْ بَلْ فُعِلَ ما عَلَيْهِ الشَّأْنُ الآنَ، فَلَوْ شاءَ أنْ يُؤْمِنُوا لَآمَنُوا وإذا لَمْ يَشَأْ أنْ يُؤْمِنُوا لَمْ يَنْفَعْ تَسْيِيرُ الجِبالِ وسائِرُ ما اقْتَرَحُوهُ مِنَ الآياتِ، فالإضْرابُ مُتَوَجِّهٌ إلى ما يُؤَدِّي إلَيْهِ كَوْنُ الأمْرِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ ويَسْتَلْزِمُهُ مِن تَوَقُّفِ الأمْرِ عَلى ما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ ومَشِيئَتُهُ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا هو المَعْنى المُرادُ، مِن ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أفَلَمْ يَيْأسِ الَّذِينَ آمَنُوا أنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدى النّاسَ جَمِيعًا﴾ قالَ الفَرّاءُ: قالَ الكَلْبِيُّ أفَلَمْ يَيْأسْ بِمَعْنى أفَلَمْ يَعْلَمْ، وهي لُغَةُ النَّخْعِ.
قالَ في الصِّحاحِ: وقِيلَ: هي لُغَةُ هَوازِنَ، وبِهَذا قالَ جَماعَةٌ مِنَ السَّلَفِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أفَلَمْ يَعْلَمُوا ويَتَبَيَّنُوا.
قالَ الزَّجّاجُ: وهو مَجازٌ لِأنَّ اليائِسَ مِنَ الشَّيْءِ عالِمٌ بِأنَّهُ لا يَكُونُ، نَظِيرُهُ اسْتِعْمالُ الرَّجاءِ في مَعْنى الخَوْفِ، والنِّسْيانُ في التَّرْكِ لِتَضَمُّنِهُما إيّاهُما، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ وجَماعَةٍ: أفَلَمْ يَتَبَيَّنْ، ومِن هَذا قَوْلُ رَباحِ بْنِ عَدِيٍ:
؎ألَمْ يَيْأسِ الأقْوامُ أنِّي أنا ابْنُهُ ∗∗∗ وإنْ كُنْتُ عَنْ أرْضِ العَشِيرَةِ نائِيًا
أيْ ألَمْ يَعْلَمْ، وأنْشَدَ في هَذا أبُو عُبَيْدَةَ قَوْلَ مالِكِ بْنِ عَوْفٍ النَّضْرِيِّ:
؎أقُولُ لَهم بِالشِّعْبِ إذْ يَأْسِرُونَنِي ∗∗∗ ألَمْ تَيْأسُوا أنِّي ابْنُ فارِسِ زَهْدَمِ
أيْ ألَمْ تَعْلَمُوا، فَمَعْنى الآيَةِ عَلى هَذا: أفَلَمْ يَعْلَمِ الَّذِينَ آمَنُوا أنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدى النّاسَ جَمِيعًا مِن غَيْرِ أنْ يُشاهِدُوا الآياتِ، وقِيلَ: إنَّ الإياسَ عَلى مَعْناهُ الحَقِيقِيِّ، أيْ: أفَلَمْ يَيْأسِ الَّذِينَ آمَنُوا مِن إيمانِ هَؤُلاءِ الكُفّارِ، لِعِلْمِهِمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَوْ أرادَ هِدايَتَهم لَهَداهم، لِأنَّ المُؤْمِنِينَ تَمَنَّوْا نُزُولَ الآياتِ الَّتِي اقْتَرَحَها الكُفّارُ طَمَعًا في إيمانِهِمْ ﴿ولا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهم بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ﴾ هَذا وعِيدٌ لِلْكُفّارِ عَلى العُمُومِ أوْ لِكُفّارِ مَكَّةَ عَلى الخُصُوصِ، أيْ: لا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهم بِسَبَبِ ما صَنَعُوا مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ لِلرُّسُلِ قارِعَةٌ، أيْ: داهِيَةٌ تَفْجَؤُهم، يُقالُ قَرَعَهُ الأمْرُ إذا أصابَهُ، والجَمْعُ قَوارِعُ، والأصْلُ في القَرْعِ الضَّرْبُ.
قالَ الشّاعِرُ:
؎أفْنى تِلادِي وما جَمَّعْتُ مِن نَشَبٍ ∗∗∗ قَرْعُ القَراقِيرِ أفْواهَ الأبارِيقِ
والمَعْنى: أنَّ الكُفّارَ لا يَزالُونَ كَذَلِكَ حَتّى تُصِيبَهم داهِيَةٌ مُهْلِكَةٌ مِن قَتْلٍ أوْ أسْرٍ أوْ جَدْبٍ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنَ العَذابِ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ القارِعَةَ النَّكْبَةُ، وقِيلَ: الطَّلائِعُ والسَّرايا، ولا يَخْفى أنَّ القارِعَةَ تُطْلَقُ عَلى ما هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ أوْ تَحُلُّ أيِ القارِعَةُ ﴿قَرِيبًا مِن دارِهِمْ﴾ فَيَفْزَعُونَ مِنها ويُشاهِدُونَ مِن آثارِها ما تَرْجُفُ لَهُ قُلُوبُهم وتُرْعَدُ مِنهُ بِوادِرُهم وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ في تَحِلُّ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ.
والمَعْنى: أوْ تَحِلُّ أنْتَ يا مُحَمَّدُ قَرِيبًا مِن دارِهِمْ مُحاصِرًا لَهم آخِذًا بِمَخانِقِهِمْ كَما وقَعَ مِنهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لِأهْلِ الطّائِفِ ﴿حَتّى يَأْتِيَ وعْدُ اللَّهِ﴾ وهو مَوْتُهم، أوْ قِيامُ السّاعَةِ عَلَيْهِمْ، فَإنَّهُ إذا جاءَ وعْدُ اللَّهِ المَحْتُومُ حَلَّ بِهِمْ مِن عَذابِهِ ما هو الغايَةُ في الشِّدَّةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِوَعْدِ اللَّهِ هُنا الإذْنُ مِنهُ بِقِتالِ الكُفّارِ، والأوَّلُ أوْلى ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ فَما جَرى بِهِ وعْدُهُ فَهو كائِنٌ لا مَحالَةَ.
﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَأمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ التَّنْكِيرُ في رُسُلٍ لِلتَّكْثِيرِ، أيْ: بِرُسُلٍ كَثِيرَةٍ، والإمْلاءُ: الإمْهالُ، وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ في الأعْرافِ ثُمَّ أخَذْتُهم بِالعَذابِ الَّذِي أنْزَلْتُهُ بِهِمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّهْدِيدِ، أيْ: فَكَيْفَ كانَ عِقابِي لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ الَّذِينَ اسْتَهْزَءُوا بِالرُّسُلِ، فَأمْلَيْتُ لَهم ثُمَّ أخَذْتُهم.
ثُمَّ اسْتَفْهَمَ سُبْحانَهُ اسْتِفْهامًا آخَرَ لِلتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ يَجْرِي مَجْرى الحِجاجِ لِلْكُفّارِ واسْتِرْكاكِ صُنْعِهِمْ والإزْراءِ عَلَيْهِمْ، فَقالَ ﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ﴾ القائِمُ الحَفِيظُ والمُتَوَلِّي لِلْأُمُورِ.
وأرادَ سُبْحانَهُ نَفْسَهُ، فَإنَّهُ المُتَوَلِّي لِأُمُورِ خَلْقِهِ المُدَبِّرُ لِأحْوالِهِمْ بِالآجالِ والأرْزاقِ وإحْصاءِ الأعْمالِ عَلى كُلِّ نَفْسٍ مِنَ الأنْفُسِ كائِنَةً ما كانَتْ، والجَوابُ مَحْذُوفٌ، أيْ: أفَمَن هو بِهَذِهِ الصِّفَةِ كَمَن لَيْسَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ مِن مَعْبُوداتِكُمُ الَّتِي لا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ.
قالَ الفَرّاءُ: كَأنَّهُ في المَعْنى أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ كَشُرَكائِهِمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوهم مِن دُونِ اللَّهِ، والمُرادُ مِنَ الآيَةِ إنْكارُ المُماثَلَةِ بَيْنَهُما، وقِيلَ: المُرادُ بِـ ﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ﴾ (p-٧٣٣)المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِبَنِي آدَمَ، والأوَّلُ أوْلى، وجُمْلَةُ ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجَوابِ المُقَدَّرِ مُبَيِّنَةٌ لَهُ أوْ حالِيَّةٌ بِتَقْدِيرِ " قَدْ "، أيْ: وقَدْ جَعَلُوا، أوْ مَعْطُوفَةٌ عَلى " ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ " أيِ اسْتَهْزَءُوا وجَعَلُوا، ﴿قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ أيْ قُلْ يا مُحَمَّدُ جَعَلْتُمْ لَهُ شُرَكاءَ فَسَمُّوهم مَن هم ؟ وفي هَذا تَبْكِيتٌ لَهم وتَوْبِيخٌ، لِأنَّهُ إنَّما يُقالُ هَكَذا في الشَّيْءِ المُسْتَحْقَرِ الَّذِي لا يَسْتَحِقُّ أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ، فَيُقالُ: سَمِّهِ إنْ شِئْتَ: يَعْنِي أنَّهُ أحْقَرُ مِن أنْ يُسَمّى، وقِيلَ: إنَّ المَعْنى سَمُّوهم بِالآلِهَةِ كَما تَزْعُمُونَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ تَهْدِيدًا لَهم أمْ تُنَبِّئُونَهُ أيْ بَلْ أتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ في الأرْضِ مِنَ الشُّرَكاءِ الَّذِينَ تَعْبُدُونَهم مَعَ كَوْنِهِ العالِمَ بِما في السَّماواتِ والأرْضِ أمْ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ أيْ بَلْ أتُسَمُّونَهم شُرَكاءَ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ مِن غَيْرِ أنْ تَكُونَ لَهُ حَقِيقَةٌ، وقِيلَ: المَعْنى: قُلْ لَهم أتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِباطِنٍ لا يَعْلَمُهُ أمْ بِظاهِرٍ يَعْلَمُهُ ؟ فَإنْ قالُوا بِباطِنٍ لا يَعْلَمُهُ فَقَدْ جاءُوا بِدَعْوى باطِلَةٍ، وإنْ قالُوا بِظاهِرٍ يَعْلَمُهُ فَقُلْ لَهم سَمُّوهم.
فَإذا سَمَّوُا اللّاتَ والعُزّى ونَحْوَهُما، فَقُلْ لَهم إنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ لِنَفْسِهِ شَرِيكًا، وإنَّما خَصَّ الأرْضَ بِنَفْيِ الشَّرِيكِ عَنْها، وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في غَيْرِ الأرْضِ، لِأنَّهُمُ ادَّعَوْا لَهُ شَرِيكًا في الأرْضِ، وقِيلَ: مَعْنى ﴿أمْ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ﴾ أمْ بِزائِلٍ مِنَ القَوْلِ باطِلٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎أعَيَّرْتَنا ألْبانَها ولُحُومَها ∗∗∗ وذَلِكَ عارٌ يا ابْنَ رَيْطَةَ ظاهِرُ
أيْ زائِلٌ باطِلٌ، وقِيلَ: بِكَذِبٍ مِنَ القَوْلِ، وقِيلَ: مَعْنى ﴿بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ﴾ بِحُجَّةٍ مِنَ القَوْلِ ظاهِرَةٍ عَلى زَعْمِهِمْ ﴿بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهم﴾ أيْ لَيْسَ لِلَّهِ شَرِيكٌ، بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهم.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: " زَيَّنَ " عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ عَلى أنَّ الَّذِي زَيَّنَ لَهم ذَلِكَ هو مَكْرُهم.
وقَرَأ مَن عَداهُ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ، والمُزَيِّنُ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ، أوِ الشَّيْطانُ ويَجُوزُ أنْ يُسَمّى المَكْرُ كُفْرًا، لِأنَّ مَكْرَهم بِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ كانَ كُفْرًا، وأمّا مَعْناهُ الحَقِيقِيُّ فَهو الكَيْدُ، أوِ التَّمْوِيهُ بِالأباطِيلِ ﴿وصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وعاصِمٌ صَدُّوا عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، أيْ: صَدَّهُمُ اللَّهُ، أوْ صَدَّهُمُ الشَّيْطانُ.
وقَرَأ الباقُونَ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، أيْ: صَدُّوا غَيْرَهم، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ بِكَسْرِ الصّادِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ أيْ يَجْعَلُهُ ضالًّا وتَقْتَضِي مَشِيئَتُهُ إضْلالَهُ، فَما لَهُ مِن هادٍ يَهْدِيهِ إلى الخَيْرِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ هادٍ مِن دُونِ إثْباتِ الياءِ عَلى اللُّغَةِ الكَثِيرَةِ الفَصِيحَةِ.
وقُرِئَ بِإثْباتِها عَلى اللُّغَةِ القَلِيلَةِ.
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ ما يَسْتَحِقُّونَهُ، فَقالَ ﴿لَهم عَذابٌ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ بِما يُصابُونَ بِهِ مِنَ القَتْلِ والأسْرِ وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَقُّ﴾ عَلَيْهِمْ مِن عَذابِ الحَياةِ الدُّنْيا ﴿وما لَهم مِنَ اللَّهِ مِن واقٍ﴾ يَقِيهِمْ عَذابَهُ، ولا عاصِمٍ يَعْصِمُهم مِنهُ.
ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما يَسْتَحِقُّهُ الكُفّارُ مِنَ العَذابِ في الأُولى والأُخْرى، ذَكَرَ ما أعَدَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَقالَ ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ أيْ صَفْقَتُها العَجِيبَةُ الشَّأْنِ الَّتِي هي في الغَرابَةِ كالمَثَلِ، قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَثَلُ الشَّبَهُ في أصْلِ اللُّغَةِ، ثُمَّ قَدْ يَصِيرُ بِمَعْنى صُورَةِ الشَّيْءِ وصِفَتِهِ، يُقالُ مَثَّلْتُ لَكَ كَذا، أيْ: صَوَّرْتُهُ ووَصَفْتُهُ، فَأرادَ هُنا بِمَثَلِ الجَنَّةِ صُورَتَها وصِفَتَها، ثُمَّ ذَكَرَها، فَقالَ: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ وهو كالتَّفْسِيرِ لِلْمَثَلِ.
قالَ سِيبَوَيْهِ: وتَقْدِيرُهُ فِيما قَصَصْنا عَلَيْكَ مَثَلُ الجَنَّةِ.
وقالَ الخَلِيلُ وغَيْرُهُ: إنَّ ( مَثَلُ الجَنَّةِ ) مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ " تَجْرِي " .
وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّهُ تَمْثِيلٌ لِلْغائِبِ بِالشّاهِدِ، ومَعْناهُ: مَثَلُ الجَنَّةِ جَنَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ، وقِيلَ: إنَّ فائِدَةَ الخَبَرِ تَرْجِعُ إلى ﴿أُكُلُها دائِمٌ﴾ أيْ لا يَنْقَطِعُ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿لا مَقْطُوعَةٍ ولا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٣]، وقالَ الفَرّاءُ: المَثَلُ مُقْحَمٌ لِلتَّأْكِيدِ، والمَعْنى: الجَنَّةُ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ، والعَرَبُ تَفْعَلُ ذَلِكَ كَثِيرًا وظِلُّها أيْ كَذَلِكَ دائِمٌ لا يَتَقَلَّصُ ولا تَنْسَخُهُ الشَّمْسُ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ تِلْكَ إلى الجَنَّةِ المَوْصُوفَةِ بِالصِّفاتِ المُتَقَدِّمَةِ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿عُقْبى الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ أيْ عاقِبَةُ الَّذِينَ اتَّقَوُا المَعاصِيَ، ومُنْتَهى أمْرِهِمْ وعُقْبى الكافِرِينَ النّارُ لَيْسَ لَهم عاقِبَةٌ ولا مُنْتَهًى إلّا ذَلِكَ.
وقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قالُوا لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: إنْ كانَ كَما تَقُولُ فَأرِنا أشْياخَنا الأُوَلَ مِنَ المَوْتى نُكَلِّمُهم، وافْسَحْ لَنا هَذِهِ الجِبالَ جِبالَ مَكَّةَ الَّتِي قَدْ ضَمَّتْنا، فَنَزَلَتْ ﴿ولَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ﴾» الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَطِيَّةَ العَوْفِيِّ قالَ: «قالُوا لِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: لَوْ سَيَّرْتَ لَنا جِبالَ مَكَّةَ حَتّى تَتَّسِعَ فَنَحْرُثَ فِيها، أوْ قَطَّعْتَ لَنا الأرْضَ كَما كانَ سُلَيْمانُ يُقَطِّعُ لِقَوْمِهِ بِالرِّيحِ، أوْ أحْيَيْتَ لَنا المَوْتى كَما كانَ يُحْيِي عِيسى المَوْتى لِقَوْمِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ولَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ﴾» الآيَةَ إلى قَوْلِهِ: ﴿أفَلَمْ يَيْأسِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قالَ: أفَلَمْ يَتَبَيَّنِ الَّذِينَ آمَنُوا، قالُوا: هَلْ تَرْوِي هَذا الحَدِيثَ عَنْ أحَدٍ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ؟ قالَ: عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ.
وأخْرَجَهُ أيْضًا ابْنُ أبِي حاتِمٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو زُرْعَةَ حَدَّثَنا مِنجابُ بْنُ الحارِثِ، أخْبَرَنا بِشْرُ بْنُ عُمارَةَ، حَدَّثَنا عُمَرُ بْنُ حَسّانَ عَنْ عَطِيَّةَ العَوْفِيِّ فَذَكَرَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ مُخْتَصَرًا.
وأخْرَجَ أبُو يَعْلى وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوّامِ في ذِكْرِ سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ نَحْوَ ما تَقَدَّمَ مُطَوَّلًا.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿بَلْ لِلَّهِ الأمْرُ جَمِيعًا﴾ لا يَصْنَعُ مِن ذَلِكَ إلّا ما يَشاءُ ولَمْ يَكُنْ لِيَفْعَلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أفَلَمْ يَيْأسِ يَقُولُ يَعْلَمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ مِن طَرِيقٍ أُخْرى عَنْهُ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي العالِيَةِ أفَلَمْ يَيْأسِ قالَ: قَدْ يَئِسَ الَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَهْدُوا ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَهَدى النّاسَ جَمِيعًا.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿تُصِيبُهم بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ﴾ قالَ: السَّرايا.
وأخْرَجَ (p-٧٣٤)الطَّيالِسِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْهُ نَحْوَهُ، وزادَ ﴿أوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِن دارِهِمْ﴾ قالَ: أنْتَ يا مُحَمَّدُ حَتّى يَأْتِيَ وعْدُ اللَّهِ، قالَ: فَتْحُ مَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قارِعَةٌ قالَ: نَكْبَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنْهُ قارِعَةٌ قالَ: عَذابٌ مِنَ السَّماءِ، أوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِن دارِهِمْ: يَعْنِي نُزُولَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِهِمْ وقِتالَهُ آباءَهم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ قالَ: يَعْنِي بِذَلِكَ نَفْسَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عَطاءٍ في الآيَةِ قالَ: اللَّهُ تَعالى قائِمٌ بِالقِسْطِ والعَدْلِ عَلى كُلِّ نَفْسٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ﴾ قالَ: الظّاهِرُ مِنَ القَوْلِ هو الباطِلُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ﴾ قالَ: نَعْتُ الجَنَّةِ، لَيْسَ لِلْجَنَّةِ مَثَلٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ إبْراهِيمَ التَّيْمِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿أُكُلُها دائِمٌ﴾ قالَ: لَذّاتُها دائِمَةٌ في أفْواهِهِمْ.
الرعد 13:34
(p-٧٣٢).
قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ﴾ قِيلَ: هَذا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ [الرعد: ٧]، وإنَّ جَماعَةً مِنَ الكُفّارِ سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أنْ يُسَيِّرَ لَهم جِبالَ مَكَّةَ حَتّى تَنْفَسِحَ فَإنَّها أرْضٌ ضَيِّقَةٌ، فَأمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِأنْ يُجِيبَ عَلَيْهِمْ بِهَذا الجَوابِ المُتَضَمِّنِ لِتَعْظِيمِ شَأْنِ القُرْآنِ وفَسادِ رَأْيِ الكُفّارِ حَيْثُ لَمْ يَقْنَعُوا بِهِ وأصَرُّوا عَلى تَعَنُّتِهِمْ وطَلَبِهِمْ ما لَوْ فَعَلَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يَبْقَ ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ الإلَهِيَّةُ مِن عَدَمِ إنْزالِ الآياتِ الَّتِي يُؤْمِنُ عِنْدَها جَمِيعُ العِبادِ.
ومَعْنى ﴿سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ﴾، أيْ: بِإنْزالِهِ وقِراءَتِهِ فَسارَتْ عَنْ مَحَلِّ اسْتِقْرارِها ﴿أوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرْضُ﴾ أيْ صُدِّعَتْ حَتّى صارَتْ قِطَعًا مُتَفَرِّقَةً ﴿أوْ كُلِّمَ بِهِ المَوْتى﴾ أيْ صارُوا أحْياءً بِقِراءَتِهِ عَلَيْهِمْ، فَكانُوا يَفْهَمُونَهُ عِنْدَ تَكْلِيمِهِمْ بِهِ كَما يَفْهَمُهُ الأحْياءُ.
وقَدِ اخْتُلِفَ في جَوابِ ( لَوْ ) ماذا هو ؟ فَقالَ الفَرّاءُ: هو مَحْذُوفٌ، وتَقْدِيرُهُ: لَكانَ هَذا القُرْآنُ، ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: إنَّ الجَوابَ لَكَفَرُوا بِالرَّحْمَنِ، أيْ: لَوْ فُعِلَ بِهِمْ هَذا لَكَفَرُوا بِالرَّحْمَنِ، وقِيلَ: جَوابُهُ لَما آمَنُوا كَما سَبَقَ في قَوْلِهِ ﴿ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١١١]، وقِيلَ: الجَوابُ مُتَقَدِّمٌ، وفي الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، أيْ: وهم يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ لَوْ أنَّ قُرْآنًا. . . . إلى آخِرِهِ، وكَثِيرًا ما تَحْذِفُ العَرَبُ جَوابَ " لَوْ " إذا دَلَّ عَلَيْهِ سِياقُ الكَلامِ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎فَلَوْ أنَّها نَفْسٌ تَمُوتُ جَمِيعَةً ولَكِنَّها نَفْسٌ تُساقِطُ أنْفُسًا
أيْ لَهانَ عَلَيَّ ذَلِكَ ﴿بَلْ لِلَّهِ الأمْرُ جَمِيعًا﴾ أيْ لَوْ أنَّ قُرْآنًا فُعِلَ بِهِ ذَلِكَ لَكانَ هَذا القُرْآنُ، ولَكِنْ لَمْ يُفْعَلْ بَلْ فُعِلَ ما عَلَيْهِ الشَّأْنُ الآنَ، فَلَوْ شاءَ أنْ يُؤْمِنُوا لَآمَنُوا وإذا لَمْ يَشَأْ أنْ يُؤْمِنُوا لَمْ يَنْفَعْ تَسْيِيرُ الجِبالِ وسائِرُ ما اقْتَرَحُوهُ مِنَ الآياتِ، فالإضْرابُ مُتَوَجِّهٌ إلى ما يُؤَدِّي إلَيْهِ كَوْنُ الأمْرِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ ويَسْتَلْزِمُهُ مِن تَوَقُّفِ الأمْرِ عَلى ما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ ومَشِيئَتُهُ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا هو المَعْنى المُرادُ، مِن ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أفَلَمْ يَيْأسِ الَّذِينَ آمَنُوا أنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدى النّاسَ جَمِيعًا﴾ قالَ الفَرّاءُ: قالَ الكَلْبِيُّ أفَلَمْ يَيْأسْ بِمَعْنى أفَلَمْ يَعْلَمْ، وهي لُغَةُ النَّخْعِ.
قالَ في الصِّحاحِ: وقِيلَ: هي لُغَةُ هَوازِنَ، وبِهَذا قالَ جَماعَةٌ مِنَ السَّلَفِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أفَلَمْ يَعْلَمُوا ويَتَبَيَّنُوا.
قالَ الزَّجّاجُ: وهو مَجازٌ لِأنَّ اليائِسَ مِنَ الشَّيْءِ عالِمٌ بِأنَّهُ لا يَكُونُ، نَظِيرُهُ اسْتِعْمالُ الرَّجاءِ في مَعْنى الخَوْفِ، والنِّسْيانُ في التَّرْكِ لِتَضَمُّنِهُما إيّاهُما، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ وجَماعَةٍ: أفَلَمْ يَتَبَيَّنْ، ومِن هَذا قَوْلُ رَباحِ بْنِ عَدِيٍ:
؎ألَمْ يَيْأسِ الأقْوامُ أنِّي أنا ابْنُهُ ∗∗∗ وإنْ كُنْتُ عَنْ أرْضِ العَشِيرَةِ نائِيًا
أيْ ألَمْ يَعْلَمْ، وأنْشَدَ في هَذا أبُو عُبَيْدَةَ قَوْلَ مالِكِ بْنِ عَوْفٍ النَّضْرِيِّ:
؎أقُولُ لَهم بِالشِّعْبِ إذْ يَأْسِرُونَنِي ∗∗∗ ألَمْ تَيْأسُوا أنِّي ابْنُ فارِسِ زَهْدَمِ
أيْ ألَمْ تَعْلَمُوا، فَمَعْنى الآيَةِ عَلى هَذا: أفَلَمْ يَعْلَمِ الَّذِينَ آمَنُوا أنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدى النّاسَ جَمِيعًا مِن غَيْرِ أنْ يُشاهِدُوا الآياتِ، وقِيلَ: إنَّ الإياسَ عَلى مَعْناهُ الحَقِيقِيِّ، أيْ: أفَلَمْ يَيْأسِ الَّذِينَ آمَنُوا مِن إيمانِ هَؤُلاءِ الكُفّارِ، لِعِلْمِهِمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَوْ أرادَ هِدايَتَهم لَهَداهم، لِأنَّ المُؤْمِنِينَ تَمَنَّوْا نُزُولَ الآياتِ الَّتِي اقْتَرَحَها الكُفّارُ طَمَعًا في إيمانِهِمْ ﴿ولا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهم بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ﴾ هَذا وعِيدٌ لِلْكُفّارِ عَلى العُمُومِ أوْ لِكُفّارِ مَكَّةَ عَلى الخُصُوصِ، أيْ: لا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهم بِسَبَبِ ما صَنَعُوا مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ لِلرُّسُلِ قارِعَةٌ، أيْ: داهِيَةٌ تَفْجَؤُهم، يُقالُ قَرَعَهُ الأمْرُ إذا أصابَهُ، والجَمْعُ قَوارِعُ، والأصْلُ في القَرْعِ الضَّرْبُ.
قالَ الشّاعِرُ:
؎أفْنى تِلادِي وما جَمَّعْتُ مِن نَشَبٍ ∗∗∗ قَرْعُ القَراقِيرِ أفْواهَ الأبارِيقِ
والمَعْنى: أنَّ الكُفّارَ لا يَزالُونَ كَذَلِكَ حَتّى تُصِيبَهم داهِيَةٌ مُهْلِكَةٌ مِن قَتْلٍ أوْ أسْرٍ أوْ جَدْبٍ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنَ العَذابِ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ القارِعَةَ النَّكْبَةُ، وقِيلَ: الطَّلائِعُ والسَّرايا، ولا يَخْفى أنَّ القارِعَةَ تُطْلَقُ عَلى ما هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ أوْ تَحُلُّ أيِ القارِعَةُ ﴿قَرِيبًا مِن دارِهِمْ﴾ فَيَفْزَعُونَ مِنها ويُشاهِدُونَ مِن آثارِها ما تَرْجُفُ لَهُ قُلُوبُهم وتُرْعَدُ مِنهُ بِوادِرُهم وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ في تَحِلُّ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ.
والمَعْنى: أوْ تَحِلُّ أنْتَ يا مُحَمَّدُ قَرِيبًا مِن دارِهِمْ مُحاصِرًا لَهم آخِذًا بِمَخانِقِهِمْ كَما وقَعَ مِنهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لِأهْلِ الطّائِفِ ﴿حَتّى يَأْتِيَ وعْدُ اللَّهِ﴾ وهو مَوْتُهم، أوْ قِيامُ السّاعَةِ عَلَيْهِمْ، فَإنَّهُ إذا جاءَ وعْدُ اللَّهِ المَحْتُومُ حَلَّ بِهِمْ مِن عَذابِهِ ما هو الغايَةُ في الشِّدَّةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِوَعْدِ اللَّهِ هُنا الإذْنُ مِنهُ بِقِتالِ الكُفّارِ، والأوَّلُ أوْلى ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ فَما جَرى بِهِ وعْدُهُ فَهو كائِنٌ لا مَحالَةَ.
﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَأمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ التَّنْكِيرُ في رُسُلٍ لِلتَّكْثِيرِ، أيْ: بِرُسُلٍ كَثِيرَةٍ، والإمْلاءُ: الإمْهالُ، وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ في الأعْرافِ ثُمَّ أخَذْتُهم بِالعَذابِ الَّذِي أنْزَلْتُهُ بِهِمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّهْدِيدِ، أيْ: فَكَيْفَ كانَ عِقابِي لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ الَّذِينَ اسْتَهْزَءُوا بِالرُّسُلِ، فَأمْلَيْتُ لَهم ثُمَّ أخَذْتُهم.
ثُمَّ اسْتَفْهَمَ سُبْحانَهُ اسْتِفْهامًا آخَرَ لِلتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ يَجْرِي مَجْرى الحِجاجِ لِلْكُفّارِ واسْتِرْكاكِ صُنْعِهِمْ والإزْراءِ عَلَيْهِمْ، فَقالَ ﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ﴾ القائِمُ الحَفِيظُ والمُتَوَلِّي لِلْأُمُورِ.
وأرادَ سُبْحانَهُ نَفْسَهُ، فَإنَّهُ المُتَوَلِّي لِأُمُورِ خَلْقِهِ المُدَبِّرُ لِأحْوالِهِمْ بِالآجالِ والأرْزاقِ وإحْصاءِ الأعْمالِ عَلى كُلِّ نَفْسٍ مِنَ الأنْفُسِ كائِنَةً ما كانَتْ، والجَوابُ مَحْذُوفٌ، أيْ: أفَمَن هو بِهَذِهِ الصِّفَةِ كَمَن لَيْسَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ مِن مَعْبُوداتِكُمُ الَّتِي لا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ.
قالَ الفَرّاءُ: كَأنَّهُ في المَعْنى أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ كَشُرَكائِهِمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوهم مِن دُونِ اللَّهِ، والمُرادُ مِنَ الآيَةِ إنْكارُ المُماثَلَةِ بَيْنَهُما، وقِيلَ: المُرادُ بِـ ﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ﴾ (p-٧٣٣)المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِبَنِي آدَمَ، والأوَّلُ أوْلى، وجُمْلَةُ ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجَوابِ المُقَدَّرِ مُبَيِّنَةٌ لَهُ أوْ حالِيَّةٌ بِتَقْدِيرِ " قَدْ "، أيْ: وقَدْ جَعَلُوا، أوْ مَعْطُوفَةٌ عَلى " ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ " أيِ اسْتَهْزَءُوا وجَعَلُوا، ﴿قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ أيْ قُلْ يا مُحَمَّدُ جَعَلْتُمْ لَهُ شُرَكاءَ فَسَمُّوهم مَن هم ؟ وفي هَذا تَبْكِيتٌ لَهم وتَوْبِيخٌ، لِأنَّهُ إنَّما يُقالُ هَكَذا في الشَّيْءِ المُسْتَحْقَرِ الَّذِي لا يَسْتَحِقُّ أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ، فَيُقالُ: سَمِّهِ إنْ شِئْتَ: يَعْنِي أنَّهُ أحْقَرُ مِن أنْ يُسَمّى، وقِيلَ: إنَّ المَعْنى سَمُّوهم بِالآلِهَةِ كَما تَزْعُمُونَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ تَهْدِيدًا لَهم أمْ تُنَبِّئُونَهُ أيْ بَلْ أتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ في الأرْضِ مِنَ الشُّرَكاءِ الَّذِينَ تَعْبُدُونَهم مَعَ كَوْنِهِ العالِمَ بِما في السَّماواتِ والأرْضِ أمْ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ أيْ بَلْ أتُسَمُّونَهم شُرَكاءَ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ مِن غَيْرِ أنْ تَكُونَ لَهُ حَقِيقَةٌ، وقِيلَ: المَعْنى: قُلْ لَهم أتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِباطِنٍ لا يَعْلَمُهُ أمْ بِظاهِرٍ يَعْلَمُهُ ؟ فَإنْ قالُوا بِباطِنٍ لا يَعْلَمُهُ فَقَدْ جاءُوا بِدَعْوى باطِلَةٍ، وإنْ قالُوا بِظاهِرٍ يَعْلَمُهُ فَقُلْ لَهم سَمُّوهم.
فَإذا سَمَّوُا اللّاتَ والعُزّى ونَحْوَهُما، فَقُلْ لَهم إنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ لِنَفْسِهِ شَرِيكًا، وإنَّما خَصَّ الأرْضَ بِنَفْيِ الشَّرِيكِ عَنْها، وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في غَيْرِ الأرْضِ، لِأنَّهُمُ ادَّعَوْا لَهُ شَرِيكًا في الأرْضِ، وقِيلَ: مَعْنى ﴿أمْ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ﴾ أمْ بِزائِلٍ مِنَ القَوْلِ باطِلٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎أعَيَّرْتَنا ألْبانَها ولُحُومَها ∗∗∗ وذَلِكَ عارٌ يا ابْنَ رَيْطَةَ ظاهِرُ
أيْ زائِلٌ باطِلٌ، وقِيلَ: بِكَذِبٍ مِنَ القَوْلِ، وقِيلَ: مَعْنى ﴿بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ﴾ بِحُجَّةٍ مِنَ القَوْلِ ظاهِرَةٍ عَلى زَعْمِهِمْ ﴿بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهم﴾ أيْ لَيْسَ لِلَّهِ شَرِيكٌ، بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهم.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: " زَيَّنَ " عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ عَلى أنَّ الَّذِي زَيَّنَ لَهم ذَلِكَ هو مَكْرُهم.
وقَرَأ مَن عَداهُ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ، والمُزَيِّنُ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ، أوِ الشَّيْطانُ ويَجُوزُ أنْ يُسَمّى المَكْرُ كُفْرًا، لِأنَّ مَكْرَهم بِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ كانَ كُفْرًا، وأمّا مَعْناهُ الحَقِيقِيُّ فَهو الكَيْدُ، أوِ التَّمْوِيهُ بِالأباطِيلِ ﴿وصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وعاصِمٌ صَدُّوا عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، أيْ: صَدَّهُمُ اللَّهُ، أوْ صَدَّهُمُ الشَّيْطانُ.
وقَرَأ الباقُونَ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، أيْ: صَدُّوا غَيْرَهم، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ بِكَسْرِ الصّادِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ أيْ يَجْعَلُهُ ضالًّا وتَقْتَضِي مَشِيئَتُهُ إضْلالَهُ، فَما لَهُ مِن هادٍ يَهْدِيهِ إلى الخَيْرِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ هادٍ مِن دُونِ إثْباتِ الياءِ عَلى اللُّغَةِ الكَثِيرَةِ الفَصِيحَةِ.
وقُرِئَ بِإثْباتِها عَلى اللُّغَةِ القَلِيلَةِ.
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ ما يَسْتَحِقُّونَهُ، فَقالَ ﴿لَهم عَذابٌ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ بِما يُصابُونَ بِهِ مِنَ القَتْلِ والأسْرِ وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَقُّ﴾ عَلَيْهِمْ مِن عَذابِ الحَياةِ الدُّنْيا ﴿وما لَهم مِنَ اللَّهِ مِن واقٍ﴾ يَقِيهِمْ عَذابَهُ، ولا عاصِمٍ يَعْصِمُهم مِنهُ.
ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما يَسْتَحِقُّهُ الكُفّارُ مِنَ العَذابِ في الأُولى والأُخْرى، ذَكَرَ ما أعَدَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَقالَ ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ أيْ صَفْقَتُها العَجِيبَةُ الشَّأْنِ الَّتِي هي في الغَرابَةِ كالمَثَلِ، قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَثَلُ الشَّبَهُ في أصْلِ اللُّغَةِ، ثُمَّ قَدْ يَصِيرُ بِمَعْنى صُورَةِ الشَّيْءِ وصِفَتِهِ، يُقالُ مَثَّلْتُ لَكَ كَذا، أيْ: صَوَّرْتُهُ ووَصَفْتُهُ، فَأرادَ هُنا بِمَثَلِ الجَنَّةِ صُورَتَها وصِفَتَها، ثُمَّ ذَكَرَها، فَقالَ: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ وهو كالتَّفْسِيرِ لِلْمَثَلِ.
قالَ سِيبَوَيْهِ: وتَقْدِيرُهُ فِيما قَصَصْنا عَلَيْكَ مَثَلُ الجَنَّةِ.
وقالَ الخَلِيلُ وغَيْرُهُ: إنَّ ( مَثَلُ الجَنَّةِ ) مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ " تَجْرِي " .
وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّهُ تَمْثِيلٌ لِلْغائِبِ بِالشّاهِدِ، ومَعْناهُ: مَثَلُ الجَنَّةِ جَنَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ، وقِيلَ: إنَّ فائِدَةَ الخَبَرِ تَرْجِعُ إلى ﴿أُكُلُها دائِمٌ﴾ أيْ لا يَنْقَطِعُ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿لا مَقْطُوعَةٍ ولا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٣]، وقالَ الفَرّاءُ: المَثَلُ مُقْحَمٌ لِلتَّأْكِيدِ، والمَعْنى: الجَنَّةُ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ، والعَرَبُ تَفْعَلُ ذَلِكَ كَثِيرًا وظِلُّها أيْ كَذَلِكَ دائِمٌ لا يَتَقَلَّصُ ولا تَنْسَخُهُ الشَّمْسُ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ تِلْكَ إلى الجَنَّةِ المَوْصُوفَةِ بِالصِّفاتِ المُتَقَدِّمَةِ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿عُقْبى الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ أيْ عاقِبَةُ الَّذِينَ اتَّقَوُا المَعاصِيَ، ومُنْتَهى أمْرِهِمْ وعُقْبى الكافِرِينَ النّارُ لَيْسَ لَهم عاقِبَةٌ ولا مُنْتَهًى إلّا ذَلِكَ.
وقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قالُوا لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: إنْ كانَ كَما تَقُولُ فَأرِنا أشْياخَنا الأُوَلَ مِنَ المَوْتى نُكَلِّمُهم، وافْسَحْ لَنا هَذِهِ الجِبالَ جِبالَ مَكَّةَ الَّتِي قَدْ ضَمَّتْنا، فَنَزَلَتْ ﴿ولَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ﴾» الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَطِيَّةَ العَوْفِيِّ قالَ: «قالُوا لِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: لَوْ سَيَّرْتَ لَنا جِبالَ مَكَّةَ حَتّى تَتَّسِعَ فَنَحْرُثَ فِيها، أوْ قَطَّعْتَ لَنا الأرْضَ كَما كانَ سُلَيْمانُ يُقَطِّعُ لِقَوْمِهِ بِالرِّيحِ، أوْ أحْيَيْتَ لَنا المَوْتى كَما كانَ يُحْيِي عِيسى المَوْتى لِقَوْمِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ولَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ﴾» الآيَةَ إلى قَوْلِهِ: ﴿أفَلَمْ يَيْأسِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قالَ: أفَلَمْ يَتَبَيَّنِ الَّذِينَ آمَنُوا، قالُوا: هَلْ تَرْوِي هَذا الحَدِيثَ عَنْ أحَدٍ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ؟ قالَ: عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ.
وأخْرَجَهُ أيْضًا ابْنُ أبِي حاتِمٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو زُرْعَةَ حَدَّثَنا مِنجابُ بْنُ الحارِثِ، أخْبَرَنا بِشْرُ بْنُ عُمارَةَ، حَدَّثَنا عُمَرُ بْنُ حَسّانَ عَنْ عَطِيَّةَ العَوْفِيِّ فَذَكَرَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ مُخْتَصَرًا.
وأخْرَجَ أبُو يَعْلى وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوّامِ في ذِكْرِ سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ نَحْوَ ما تَقَدَّمَ مُطَوَّلًا.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿بَلْ لِلَّهِ الأمْرُ جَمِيعًا﴾ لا يَصْنَعُ مِن ذَلِكَ إلّا ما يَشاءُ ولَمْ يَكُنْ لِيَفْعَلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أفَلَمْ يَيْأسِ يَقُولُ يَعْلَمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ مِن طَرِيقٍ أُخْرى عَنْهُ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي العالِيَةِ أفَلَمْ يَيْأسِ قالَ: قَدْ يَئِسَ الَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَهْدُوا ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَهَدى النّاسَ جَمِيعًا.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿تُصِيبُهم بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ﴾ قالَ: السَّرايا.
وأخْرَجَ (p-٧٣٤)الطَّيالِسِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْهُ نَحْوَهُ، وزادَ ﴿أوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِن دارِهِمْ﴾ قالَ: أنْتَ يا مُحَمَّدُ حَتّى يَأْتِيَ وعْدُ اللَّهِ، قالَ: فَتْحُ مَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قارِعَةٌ قالَ: نَكْبَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنْهُ قارِعَةٌ قالَ: عَذابٌ مِنَ السَّماءِ، أوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِن دارِهِمْ: يَعْنِي نُزُولَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِهِمْ وقِتالَهُ آباءَهم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ قالَ: يَعْنِي بِذَلِكَ نَفْسَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عَطاءٍ في الآيَةِ قالَ: اللَّهُ تَعالى قائِمٌ بِالقِسْطِ والعَدْلِ عَلى كُلِّ نَفْسٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ﴾ قالَ: الظّاهِرُ مِنَ القَوْلِ هو الباطِلُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ﴾ قالَ: نَعْتُ الجَنَّةِ، لَيْسَ لِلْجَنَّةِ مَثَلٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ إبْراهِيمَ التَّيْمِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿أُكُلُها دائِمٌ﴾ قالَ: لَذّاتُها دائِمَةٌ في أفْواهِهِمْ.
الرعد 13:35
(p-٧٣٢).
قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ﴾ قِيلَ: هَذا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ [الرعد: ٧]، وإنَّ جَماعَةً مِنَ الكُفّارِ سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أنْ يُسَيِّرَ لَهم جِبالَ مَكَّةَ حَتّى تَنْفَسِحَ فَإنَّها أرْضٌ ضَيِّقَةٌ، فَأمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِأنْ يُجِيبَ عَلَيْهِمْ بِهَذا الجَوابِ المُتَضَمِّنِ لِتَعْظِيمِ شَأْنِ القُرْآنِ وفَسادِ رَأْيِ الكُفّارِ حَيْثُ لَمْ يَقْنَعُوا بِهِ وأصَرُّوا عَلى تَعَنُّتِهِمْ وطَلَبِهِمْ ما لَوْ فَعَلَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يَبْقَ ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ الإلَهِيَّةُ مِن عَدَمِ إنْزالِ الآياتِ الَّتِي يُؤْمِنُ عِنْدَها جَمِيعُ العِبادِ.
ومَعْنى ﴿سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ﴾، أيْ: بِإنْزالِهِ وقِراءَتِهِ فَسارَتْ عَنْ مَحَلِّ اسْتِقْرارِها ﴿أوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرْضُ﴾ أيْ صُدِّعَتْ حَتّى صارَتْ قِطَعًا مُتَفَرِّقَةً ﴿أوْ كُلِّمَ بِهِ المَوْتى﴾ أيْ صارُوا أحْياءً بِقِراءَتِهِ عَلَيْهِمْ، فَكانُوا يَفْهَمُونَهُ عِنْدَ تَكْلِيمِهِمْ بِهِ كَما يَفْهَمُهُ الأحْياءُ.
وقَدِ اخْتُلِفَ في جَوابِ ( لَوْ ) ماذا هو ؟ فَقالَ الفَرّاءُ: هو مَحْذُوفٌ، وتَقْدِيرُهُ: لَكانَ هَذا القُرْآنُ، ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: إنَّ الجَوابَ لَكَفَرُوا بِالرَّحْمَنِ، أيْ: لَوْ فُعِلَ بِهِمْ هَذا لَكَفَرُوا بِالرَّحْمَنِ، وقِيلَ: جَوابُهُ لَما آمَنُوا كَما سَبَقَ في قَوْلِهِ ﴿ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١١١]، وقِيلَ: الجَوابُ مُتَقَدِّمٌ، وفي الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، أيْ: وهم يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ لَوْ أنَّ قُرْآنًا. . . . إلى آخِرِهِ، وكَثِيرًا ما تَحْذِفُ العَرَبُ جَوابَ " لَوْ " إذا دَلَّ عَلَيْهِ سِياقُ الكَلامِ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎فَلَوْ أنَّها نَفْسٌ تَمُوتُ جَمِيعَةً ولَكِنَّها نَفْسٌ تُساقِطُ أنْفُسًا
أيْ لَهانَ عَلَيَّ ذَلِكَ ﴿بَلْ لِلَّهِ الأمْرُ جَمِيعًا﴾ أيْ لَوْ أنَّ قُرْآنًا فُعِلَ بِهِ ذَلِكَ لَكانَ هَذا القُرْآنُ، ولَكِنْ لَمْ يُفْعَلْ بَلْ فُعِلَ ما عَلَيْهِ الشَّأْنُ الآنَ، فَلَوْ شاءَ أنْ يُؤْمِنُوا لَآمَنُوا وإذا لَمْ يَشَأْ أنْ يُؤْمِنُوا لَمْ يَنْفَعْ تَسْيِيرُ الجِبالِ وسائِرُ ما اقْتَرَحُوهُ مِنَ الآياتِ، فالإضْرابُ مُتَوَجِّهٌ إلى ما يُؤَدِّي إلَيْهِ كَوْنُ الأمْرِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ ويَسْتَلْزِمُهُ مِن تَوَقُّفِ الأمْرِ عَلى ما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ ومَشِيئَتُهُ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا هو المَعْنى المُرادُ، مِن ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أفَلَمْ يَيْأسِ الَّذِينَ آمَنُوا أنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدى النّاسَ جَمِيعًا﴾ قالَ الفَرّاءُ: قالَ الكَلْبِيُّ أفَلَمْ يَيْأسْ بِمَعْنى أفَلَمْ يَعْلَمْ، وهي لُغَةُ النَّخْعِ.
قالَ في الصِّحاحِ: وقِيلَ: هي لُغَةُ هَوازِنَ، وبِهَذا قالَ جَماعَةٌ مِنَ السَّلَفِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أفَلَمْ يَعْلَمُوا ويَتَبَيَّنُوا.
قالَ الزَّجّاجُ: وهو مَجازٌ لِأنَّ اليائِسَ مِنَ الشَّيْءِ عالِمٌ بِأنَّهُ لا يَكُونُ، نَظِيرُهُ اسْتِعْمالُ الرَّجاءِ في مَعْنى الخَوْفِ، والنِّسْيانُ في التَّرْكِ لِتَضَمُّنِهُما إيّاهُما، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ وجَماعَةٍ: أفَلَمْ يَتَبَيَّنْ، ومِن هَذا قَوْلُ رَباحِ بْنِ عَدِيٍ:
؎ألَمْ يَيْأسِ الأقْوامُ أنِّي أنا ابْنُهُ ∗∗∗ وإنْ كُنْتُ عَنْ أرْضِ العَشِيرَةِ نائِيًا
أيْ ألَمْ يَعْلَمْ، وأنْشَدَ في هَذا أبُو عُبَيْدَةَ قَوْلَ مالِكِ بْنِ عَوْفٍ النَّضْرِيِّ:
؎أقُولُ لَهم بِالشِّعْبِ إذْ يَأْسِرُونَنِي ∗∗∗ ألَمْ تَيْأسُوا أنِّي ابْنُ فارِسِ زَهْدَمِ
أيْ ألَمْ تَعْلَمُوا، فَمَعْنى الآيَةِ عَلى هَذا: أفَلَمْ يَعْلَمِ الَّذِينَ آمَنُوا أنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدى النّاسَ جَمِيعًا مِن غَيْرِ أنْ يُشاهِدُوا الآياتِ، وقِيلَ: إنَّ الإياسَ عَلى مَعْناهُ الحَقِيقِيِّ، أيْ: أفَلَمْ يَيْأسِ الَّذِينَ آمَنُوا مِن إيمانِ هَؤُلاءِ الكُفّارِ، لِعِلْمِهِمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَوْ أرادَ هِدايَتَهم لَهَداهم، لِأنَّ المُؤْمِنِينَ تَمَنَّوْا نُزُولَ الآياتِ الَّتِي اقْتَرَحَها الكُفّارُ طَمَعًا في إيمانِهِمْ ﴿ولا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهم بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ﴾ هَذا وعِيدٌ لِلْكُفّارِ عَلى العُمُومِ أوْ لِكُفّارِ مَكَّةَ عَلى الخُصُوصِ، أيْ: لا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهم بِسَبَبِ ما صَنَعُوا مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ لِلرُّسُلِ قارِعَةٌ، أيْ: داهِيَةٌ تَفْجَؤُهم، يُقالُ قَرَعَهُ الأمْرُ إذا أصابَهُ، والجَمْعُ قَوارِعُ، والأصْلُ في القَرْعِ الضَّرْبُ.
قالَ الشّاعِرُ:
؎أفْنى تِلادِي وما جَمَّعْتُ مِن نَشَبٍ ∗∗∗ قَرْعُ القَراقِيرِ أفْواهَ الأبارِيقِ
والمَعْنى: أنَّ الكُفّارَ لا يَزالُونَ كَذَلِكَ حَتّى تُصِيبَهم داهِيَةٌ مُهْلِكَةٌ مِن قَتْلٍ أوْ أسْرٍ أوْ جَدْبٍ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنَ العَذابِ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ القارِعَةَ النَّكْبَةُ، وقِيلَ: الطَّلائِعُ والسَّرايا، ولا يَخْفى أنَّ القارِعَةَ تُطْلَقُ عَلى ما هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ أوْ تَحُلُّ أيِ القارِعَةُ ﴿قَرِيبًا مِن دارِهِمْ﴾ فَيَفْزَعُونَ مِنها ويُشاهِدُونَ مِن آثارِها ما تَرْجُفُ لَهُ قُلُوبُهم وتُرْعَدُ مِنهُ بِوادِرُهم وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ في تَحِلُّ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ.
والمَعْنى: أوْ تَحِلُّ أنْتَ يا مُحَمَّدُ قَرِيبًا مِن دارِهِمْ مُحاصِرًا لَهم آخِذًا بِمَخانِقِهِمْ كَما وقَعَ مِنهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لِأهْلِ الطّائِفِ ﴿حَتّى يَأْتِيَ وعْدُ اللَّهِ﴾ وهو مَوْتُهم، أوْ قِيامُ السّاعَةِ عَلَيْهِمْ، فَإنَّهُ إذا جاءَ وعْدُ اللَّهِ المَحْتُومُ حَلَّ بِهِمْ مِن عَذابِهِ ما هو الغايَةُ في الشِّدَّةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِوَعْدِ اللَّهِ هُنا الإذْنُ مِنهُ بِقِتالِ الكُفّارِ، والأوَّلُ أوْلى ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ فَما جَرى بِهِ وعْدُهُ فَهو كائِنٌ لا مَحالَةَ.
﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَأمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ التَّنْكِيرُ في رُسُلٍ لِلتَّكْثِيرِ، أيْ: بِرُسُلٍ كَثِيرَةٍ، والإمْلاءُ: الإمْهالُ، وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ في الأعْرافِ ثُمَّ أخَذْتُهم بِالعَذابِ الَّذِي أنْزَلْتُهُ بِهِمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّهْدِيدِ، أيْ: فَكَيْفَ كانَ عِقابِي لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ الَّذِينَ اسْتَهْزَءُوا بِالرُّسُلِ، فَأمْلَيْتُ لَهم ثُمَّ أخَذْتُهم.
ثُمَّ اسْتَفْهَمَ سُبْحانَهُ اسْتِفْهامًا آخَرَ لِلتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ يَجْرِي مَجْرى الحِجاجِ لِلْكُفّارِ واسْتِرْكاكِ صُنْعِهِمْ والإزْراءِ عَلَيْهِمْ، فَقالَ ﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ﴾ القائِمُ الحَفِيظُ والمُتَوَلِّي لِلْأُمُورِ.
وأرادَ سُبْحانَهُ نَفْسَهُ، فَإنَّهُ المُتَوَلِّي لِأُمُورِ خَلْقِهِ المُدَبِّرُ لِأحْوالِهِمْ بِالآجالِ والأرْزاقِ وإحْصاءِ الأعْمالِ عَلى كُلِّ نَفْسٍ مِنَ الأنْفُسِ كائِنَةً ما كانَتْ، والجَوابُ مَحْذُوفٌ، أيْ: أفَمَن هو بِهَذِهِ الصِّفَةِ كَمَن لَيْسَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ مِن مَعْبُوداتِكُمُ الَّتِي لا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ.
قالَ الفَرّاءُ: كَأنَّهُ في المَعْنى أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ كَشُرَكائِهِمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوهم مِن دُونِ اللَّهِ، والمُرادُ مِنَ الآيَةِ إنْكارُ المُماثَلَةِ بَيْنَهُما، وقِيلَ: المُرادُ بِـ ﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ﴾ (p-٧٣٣)المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِبَنِي آدَمَ، والأوَّلُ أوْلى، وجُمْلَةُ ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجَوابِ المُقَدَّرِ مُبَيِّنَةٌ لَهُ أوْ حالِيَّةٌ بِتَقْدِيرِ " قَدْ "، أيْ: وقَدْ جَعَلُوا، أوْ مَعْطُوفَةٌ عَلى " ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ " أيِ اسْتَهْزَءُوا وجَعَلُوا، ﴿قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ أيْ قُلْ يا مُحَمَّدُ جَعَلْتُمْ لَهُ شُرَكاءَ فَسَمُّوهم مَن هم ؟ وفي هَذا تَبْكِيتٌ لَهم وتَوْبِيخٌ، لِأنَّهُ إنَّما يُقالُ هَكَذا في الشَّيْءِ المُسْتَحْقَرِ الَّذِي لا يَسْتَحِقُّ أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ، فَيُقالُ: سَمِّهِ إنْ شِئْتَ: يَعْنِي أنَّهُ أحْقَرُ مِن أنْ يُسَمّى، وقِيلَ: إنَّ المَعْنى سَمُّوهم بِالآلِهَةِ كَما تَزْعُمُونَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ تَهْدِيدًا لَهم أمْ تُنَبِّئُونَهُ أيْ بَلْ أتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ في الأرْضِ مِنَ الشُّرَكاءِ الَّذِينَ تَعْبُدُونَهم مَعَ كَوْنِهِ العالِمَ بِما في السَّماواتِ والأرْضِ أمْ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ أيْ بَلْ أتُسَمُّونَهم شُرَكاءَ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ مِن غَيْرِ أنْ تَكُونَ لَهُ حَقِيقَةٌ، وقِيلَ: المَعْنى: قُلْ لَهم أتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِباطِنٍ لا يَعْلَمُهُ أمْ بِظاهِرٍ يَعْلَمُهُ ؟ فَإنْ قالُوا بِباطِنٍ لا يَعْلَمُهُ فَقَدْ جاءُوا بِدَعْوى باطِلَةٍ، وإنْ قالُوا بِظاهِرٍ يَعْلَمُهُ فَقُلْ لَهم سَمُّوهم.
فَإذا سَمَّوُا اللّاتَ والعُزّى ونَحْوَهُما، فَقُلْ لَهم إنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ لِنَفْسِهِ شَرِيكًا، وإنَّما خَصَّ الأرْضَ بِنَفْيِ الشَّرِيكِ عَنْها، وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في غَيْرِ الأرْضِ، لِأنَّهُمُ ادَّعَوْا لَهُ شَرِيكًا في الأرْضِ، وقِيلَ: مَعْنى ﴿أمْ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ﴾ أمْ بِزائِلٍ مِنَ القَوْلِ باطِلٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎أعَيَّرْتَنا ألْبانَها ولُحُومَها ∗∗∗ وذَلِكَ عارٌ يا ابْنَ رَيْطَةَ ظاهِرُ
أيْ زائِلٌ باطِلٌ، وقِيلَ: بِكَذِبٍ مِنَ القَوْلِ، وقِيلَ: مَعْنى ﴿بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ﴾ بِحُجَّةٍ مِنَ القَوْلِ ظاهِرَةٍ عَلى زَعْمِهِمْ ﴿بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهم﴾ أيْ لَيْسَ لِلَّهِ شَرِيكٌ، بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهم.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: " زَيَّنَ " عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ عَلى أنَّ الَّذِي زَيَّنَ لَهم ذَلِكَ هو مَكْرُهم.
وقَرَأ مَن عَداهُ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ، والمُزَيِّنُ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ، أوِ الشَّيْطانُ ويَجُوزُ أنْ يُسَمّى المَكْرُ كُفْرًا، لِأنَّ مَكْرَهم بِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ كانَ كُفْرًا، وأمّا مَعْناهُ الحَقِيقِيُّ فَهو الكَيْدُ، أوِ التَّمْوِيهُ بِالأباطِيلِ ﴿وصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وعاصِمٌ صَدُّوا عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، أيْ: صَدَّهُمُ اللَّهُ، أوْ صَدَّهُمُ الشَّيْطانُ.
وقَرَأ الباقُونَ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، أيْ: صَدُّوا غَيْرَهم، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ بِكَسْرِ الصّادِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ أيْ يَجْعَلُهُ ضالًّا وتَقْتَضِي مَشِيئَتُهُ إضْلالَهُ، فَما لَهُ مِن هادٍ يَهْدِيهِ إلى الخَيْرِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ هادٍ مِن دُونِ إثْباتِ الياءِ عَلى اللُّغَةِ الكَثِيرَةِ الفَصِيحَةِ.
وقُرِئَ بِإثْباتِها عَلى اللُّغَةِ القَلِيلَةِ.
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ ما يَسْتَحِقُّونَهُ، فَقالَ ﴿لَهم عَذابٌ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ بِما يُصابُونَ بِهِ مِنَ القَتْلِ والأسْرِ وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَقُّ﴾ عَلَيْهِمْ مِن عَذابِ الحَياةِ الدُّنْيا ﴿وما لَهم مِنَ اللَّهِ مِن واقٍ﴾ يَقِيهِمْ عَذابَهُ، ولا عاصِمٍ يَعْصِمُهم مِنهُ.
ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما يَسْتَحِقُّهُ الكُفّارُ مِنَ العَذابِ في الأُولى والأُخْرى، ذَكَرَ ما أعَدَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَقالَ ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ أيْ صَفْقَتُها العَجِيبَةُ الشَّأْنِ الَّتِي هي في الغَرابَةِ كالمَثَلِ، قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَثَلُ الشَّبَهُ في أصْلِ اللُّغَةِ، ثُمَّ قَدْ يَصِيرُ بِمَعْنى صُورَةِ الشَّيْءِ وصِفَتِهِ، يُقالُ مَثَّلْتُ لَكَ كَذا، أيْ: صَوَّرْتُهُ ووَصَفْتُهُ، فَأرادَ هُنا بِمَثَلِ الجَنَّةِ صُورَتَها وصِفَتَها، ثُمَّ ذَكَرَها، فَقالَ: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ وهو كالتَّفْسِيرِ لِلْمَثَلِ.
قالَ سِيبَوَيْهِ: وتَقْدِيرُهُ فِيما قَصَصْنا عَلَيْكَ مَثَلُ الجَنَّةِ.
وقالَ الخَلِيلُ وغَيْرُهُ: إنَّ ( مَثَلُ الجَنَّةِ ) مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ " تَجْرِي " .
وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّهُ تَمْثِيلٌ لِلْغائِبِ بِالشّاهِدِ، ومَعْناهُ: مَثَلُ الجَنَّةِ جَنَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ، وقِيلَ: إنَّ فائِدَةَ الخَبَرِ تَرْجِعُ إلى ﴿أُكُلُها دائِمٌ﴾ أيْ لا يَنْقَطِعُ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿لا مَقْطُوعَةٍ ولا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٣]، وقالَ الفَرّاءُ: المَثَلُ مُقْحَمٌ لِلتَّأْكِيدِ، والمَعْنى: الجَنَّةُ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ، والعَرَبُ تَفْعَلُ ذَلِكَ كَثِيرًا وظِلُّها أيْ كَذَلِكَ دائِمٌ لا يَتَقَلَّصُ ولا تَنْسَخُهُ الشَّمْسُ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ تِلْكَ إلى الجَنَّةِ المَوْصُوفَةِ بِالصِّفاتِ المُتَقَدِّمَةِ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿عُقْبى الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ أيْ عاقِبَةُ الَّذِينَ اتَّقَوُا المَعاصِيَ، ومُنْتَهى أمْرِهِمْ وعُقْبى الكافِرِينَ النّارُ لَيْسَ لَهم عاقِبَةٌ ولا مُنْتَهًى إلّا ذَلِكَ.
وقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قالُوا لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: إنْ كانَ كَما تَقُولُ فَأرِنا أشْياخَنا الأُوَلَ مِنَ المَوْتى نُكَلِّمُهم، وافْسَحْ لَنا هَذِهِ الجِبالَ جِبالَ مَكَّةَ الَّتِي قَدْ ضَمَّتْنا، فَنَزَلَتْ ﴿ولَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ﴾» الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَطِيَّةَ العَوْفِيِّ قالَ: «قالُوا لِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: لَوْ سَيَّرْتَ لَنا جِبالَ مَكَّةَ حَتّى تَتَّسِعَ فَنَحْرُثَ فِيها، أوْ قَطَّعْتَ لَنا الأرْضَ كَما كانَ سُلَيْمانُ يُقَطِّعُ لِقَوْمِهِ بِالرِّيحِ، أوْ أحْيَيْتَ لَنا المَوْتى كَما كانَ يُحْيِي عِيسى المَوْتى لِقَوْمِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ولَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ﴾» الآيَةَ إلى قَوْلِهِ: ﴿أفَلَمْ يَيْأسِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قالَ: أفَلَمْ يَتَبَيَّنِ الَّذِينَ آمَنُوا، قالُوا: هَلْ تَرْوِي هَذا الحَدِيثَ عَنْ أحَدٍ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ؟ قالَ: عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ.
وأخْرَجَهُ أيْضًا ابْنُ أبِي حاتِمٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو زُرْعَةَ حَدَّثَنا مِنجابُ بْنُ الحارِثِ، أخْبَرَنا بِشْرُ بْنُ عُمارَةَ، حَدَّثَنا عُمَرُ بْنُ حَسّانَ عَنْ عَطِيَّةَ العَوْفِيِّ فَذَكَرَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ مُخْتَصَرًا.
وأخْرَجَ أبُو يَعْلى وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوّامِ في ذِكْرِ سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ نَحْوَ ما تَقَدَّمَ مُطَوَّلًا.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿بَلْ لِلَّهِ الأمْرُ جَمِيعًا﴾ لا يَصْنَعُ مِن ذَلِكَ إلّا ما يَشاءُ ولَمْ يَكُنْ لِيَفْعَلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أفَلَمْ يَيْأسِ يَقُولُ يَعْلَمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ مِن طَرِيقٍ أُخْرى عَنْهُ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي العالِيَةِ أفَلَمْ يَيْأسِ قالَ: قَدْ يَئِسَ الَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَهْدُوا ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَهَدى النّاسَ جَمِيعًا.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿تُصِيبُهم بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ﴾ قالَ: السَّرايا.
وأخْرَجَ (p-٧٣٤)الطَّيالِسِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْهُ نَحْوَهُ، وزادَ ﴿أوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِن دارِهِمْ﴾ قالَ: أنْتَ يا مُحَمَّدُ حَتّى يَأْتِيَ وعْدُ اللَّهِ، قالَ: فَتْحُ مَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قارِعَةٌ قالَ: نَكْبَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنْهُ قارِعَةٌ قالَ: عَذابٌ مِنَ السَّماءِ، أوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِن دارِهِمْ: يَعْنِي نُزُولَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِهِمْ وقِتالَهُ آباءَهم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ قالَ: يَعْنِي بِذَلِكَ نَفْسَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عَطاءٍ في الآيَةِ قالَ: اللَّهُ تَعالى قائِمٌ بِالقِسْطِ والعَدْلِ عَلى كُلِّ نَفْسٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ﴾ قالَ: الظّاهِرُ مِنَ القَوْلِ هو الباطِلُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ﴾ قالَ: نَعْتُ الجَنَّةِ، لَيْسَ لِلْجَنَّةِ مَثَلٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ إبْراهِيمَ التَّيْمِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿أُكُلُها دائِمٌ﴾ قالَ: لَذّاتُها دائِمَةٌ في أفْواهِهِمْ.
الرعد 13:36
.
اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في تَفْسِيرِ الكِتابِ المَذْكُورِ فَقِيلَ: هو التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، والَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أنْزِلُ إلى رَسُولِ اللَّهِ هم مَن أسْلَمَ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى.
وقِيلَ: الَّذِينَ يَفْرَحُونَ هم أهْلُ الكِتابَيْنِ لِكَوْنِ ذَلِكَ مُوافِقًا لِما في كُتُبِهِمْ مُصَدِّقًا لَهُ، فَعَلى الأوَّلِ يَكُونُ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ومِنَ الأحْزابِ مَن يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾ مَن لَمْ يُسْلِمْ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى، وعَلى الثّانِي يَكُونُ المُرادُ بِهِ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ ومَن يُماثِلُهم، أوْ يَكُونُ المُرادُ بِهِ البَعْضَ مِن أهْلِ الكِتابَيْنِ، أيْ: مِن أحْزابِهِما، فَإنَّهم أنْكَرُوهُ لِما يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِن كَوْنِهِ ناسِخًا لِشَرائِعِهِمْ فَيَتَوَجَّهُ فَرَحُ مَن فَرِحَ بِهِ مِنهم إلى ما هو مُوافِقٌ لِما في الكِتابَيْنِ، وإنْكارُ مَن أنْكَرَ مِنهم إلى ما خالَفَهُما، وقِيلَ: المُرادُ بِالكِتابِ القُرْآنُ، والمُرادُ بِمَن يَفْرَحُ بِهِ المُسْلِمُونَ، والمُرادُ بِالأحْزابِ المُتَحَزِّبُونَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِنَ المُشْرِكِينَ واليَهُودِ والنَّصارى، والمُرادُ بِالبَعْضِ الَّذِي أنْكَرُوهُ مَن خالَفَ ما يَعْتَقِدُونَهُ عَلى اخْتِلافِ اعْتِقادِهِمْ.
واعْتُرِضَ عَلى هَذا بِأنَّ فَرَحَ المُسْلِمِينَ بِنُزُولِ القُرْآنِ مَعْلُومٌ فَلا فائِدَةَ في ذِكْرِهِ.
وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّ المُرادَ زِيادَةُ الفَرَحِ والِاسْتِبْشارِ.
وقالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مِن أهْلِ الكِتابِ ساءَهم قِلَّةُ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ في القُرْآنِ مَعَ كَثْرَةِ ذِكْرِهِ في التَّوْراةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: ١١٠]، فَفَرِحُوا بِذَلِكَ، ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ ما يَحْصُلُ بِنُزُولِ القُرْآنِ مِنَ الفَرَحِ لِلْبَعْضِ والإنْكارِ لِلْبَعْضِ صَرَّحَ بِما عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وأمَرَهُ أنْ يَقُولَ لَهم ذَلِكَ، فَقالَ ﴿قُلْ إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ ولا أُشْرِكَ بِهِ﴾ أيْ لا أُشْرِكُ بِهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، أيْ: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ إلْزامًا لِلْحُجَّةِ ورَدًّا لِلْإنْكارِ إنَّما أُمِرْتُ فِيما أُنْزِلَ إلَيَّ بِعِبادَةِ اللَّهِ وتَوْحِيدِهِ، وهَذا أمْرٌ اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ الشَّرائِعُ وتَطابَقَتْ عَلى عَدَمِ إنْكارِهِ جَمِيعُ المِلَلِ المُقْتَدِيَةِ بِالرُّسُلِ، وقَدِ اتَّفَقَ القُرّاءُ عَلى نَصْبِ ولا أُشْرِكَ بِهِ عَطْفًا عَلى أعْبُدَ.
وقَرَأ أبُو خُلَيْدٍ بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، ورَوى هَذِهِ القِراءَةَ عَنْ نافِعٍ إلَيْهِ أدْعُو أيْ إلى اللَّهِ لا إلى غَيْرِهِ أوْ إلى ما أُمِرْتُ بِهِ، وهو عِبادَةُ اللَّهِ وحْدَهُ، والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ وإلَيْهِ مَآبِ فَإنَّ الضَّمِيرَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ، أيْ: إلَيْهِ وحْدَهُ: لا إلى غَيْرِهِ مَرْجِعِي.
ثُمَّ ذَكَرَ بَعْضَ فَضائِلِ القُرْآنِ، وأوْعَدَ عَلى الإعْراضِ عَنِ اتِّباعِهِ مَعَ التَّعَرُّضِ لِرَدِّ ما أنْكَرُوهُ مِنِ اشْتِمالِهِ عَلى نَسْخِ بَعْضِ شَرائِعِهِمْ فَقالَ ﴿وكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الإنْزالِ البَدِيعِ أنْزَلْنا القُرْآنَ مُشْتَمِلًا عَلى أُصُولِ الشَّرائِعِ وفُرُوعِها، وقِيلَ: المَعْنى: وكَما أنْزَلْنا الكُتُبَ عَلى الرُّسُلِ بِلُغاتِهِمْ كَذَلِكَ أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ بِلِسانِ العَرَبِ، ونُرِيدُ بِالحُكْمِ ما فِيهِ مِنَ الأحْكامِ أوْ حِكْمَةٌ عَرَبِيَّةٌ مُتَرْجَمَةٌ بِلِسانِ العَرَبِ، وانْتِصابُ حُكْمًا عَلى الحالِ ﴿ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهُمْ﴾ الَّتِي يَطْلُبُونَ مِنكَ مُوافَقَتَهم عَلَيْها كالِاسْتِمْرارِ مِنكَ عَلى التَّوَجُّهِ إلى قِبْلَتِهِمْ وعَدَمِ مُخالَفَتِكَ لِشَيْءٍ مِمّا يَعْتَقِدُونَهُ ﴿أهْواءَهم بَعْدَما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ﴾ الَّذِي عَلَّمَكَ اللَّهُ إيّاهُ ﴿ما لَكَ مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ مِن جَنابِهِ مِن ولِيٍّ يَلِي أمْرَكَ ويَنْصُرُكَ ﴿ولا واقٍ﴾ يَقِيكَ مِن عَذابِهِ، والخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ تَعْرِيضٌ لِأُمَّتِهِ، واللّامُ في ولَئِنِ اتَّبَعَتْ هي المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ.
و( ما لَكَ ) سادٌّ مَسَدَّ جَوابِ القَسَمِ والشَّرْطِ.
﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلًا مِن قَبْلِكَ وجَعَلْنا لَهم أزْواجًا وذُرِّيَّةً﴾ أيْ إنَّ الرُّسُلَ الَّذِينَ أرْسَلْناهم قَبْلَكَ هم مِن جِنْسِ البَشَرِ، لَهم أزْواجٌ مِنَ النِّساءِ ولَهم ذُرِّيَّةٌ تَوالَدُوا مِنهم ومِن أزْواجِهِمْ، ولَمْ نُرْسِلِ الرُّسُلَ مِنَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ لا يَتَزَوَّجُونَ ولا يَكُونُ لَهم ذُرِّيَّةٌ.
وفِي هَذا رَدٌّ عَلى مَن كانَ يُنْكِرُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ تَزَوُّجَهُ بِالنِّساءِ، أيْ: أنَّ هَذا شَأْنُ رُسُلِ اللَّهِ المُرْسَلِينَ قَبْلَ هَذا الرَّسُولِ فَما بالُكم تُنْكِرُونَ عَلَيْهِ ما كانُوا عَلَيْهِ ﴿وما كانَ لِرَسُولٍ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ أيْ لَمْ يَكُنْ لِرَسُولٍ مِنَ الرُّسُلِ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ مِنَ الآياتِ، ومِن جُمْلَتِها ما اقْتَرَحَهُ عَلَيْهِ الكُفّارُ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ سُبْحانَهُ.
وفِيهِ رَدٌّ عَلى الكُفّارِ حَيْثُ اقْتَرَحُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِنَ الآياتِ ما اقْتَرَحُوا بِما سَبَقَ ذِكْرُهُ ﴿لِكُلِّ أجَلٍ كِتابٌ﴾ أيْ لِكُلِّ أمْرٍ مِمّا قَضاهُ اللَّهُ، أوْ لِكُلِّ وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ الَّتِي قَضى اللَّهُ بِوُقُوعِ أمْرٍ فِيها كِتابٌ عِنْدَ اللَّهِ يَكْتُبُهُ عَلى عِبادِهِ ويَحْكُمُ بِهِ فِيهِمْ.
وقالَ الفَرّاءُ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ.
والمَعْنى: لِكُلِّ كِتابٍ أجَلٌ، أيْ: لِكُلِّ أمْرٍ كَتَبَهُ اللَّهُ أجْلٌ مُؤَجَّلٌ ووَقْتٌ مَعْلُومٌ كَقَوْلِهِ (p-٧٣٥)سُبْحانَهُ: ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ﴾ [الأنعام: ٦٧]، ولَيْسَ الأمْرُ عَلى حَسَبِ إرادَةِ الكُفّارِ واقْتِراحاتِهِمْ: بَلْ عَلى حَسَبِ ما يَشاؤُهُ ويَخْتارُهُ.
﴿يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ﴾ أيْ يَمْحُو مِن ذَلِكَ الكِتابِ ويُثْبِتُ ما يَشاءُ مِنهُ، يُقالُ مَحَوْتُ الكِتابَ مَحْوًا إذا أذْهَبْتَ أثَرَهُ.
قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ ويُثَبِّتَ بِالتَّخْفِيفِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ وأبُو عُبَيْدٍ.
وظاهِرُ النَّظْمِ القُرْآنِيِّ العُمُومُ في كُلِّ شَيْءٍ مِمّا في الكِتابِ فَيَمْحُو ما يَشاءُ مَحْوَهُ مِن شَقاوَةٍ أوْ سَعادَةٍ أوْ رِزْقٍ أوْ عُمُرٍ أوْ خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، ويُبْدِلُ هَذا بِهَذا، ويَجْعَلُ هَذا مَكانَ هَذا ﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ وهم يُسْألُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]، وإلى هَذا ذَهَبَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ وأبُو وائِلٍ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ وابْنُ جُرَيْجٍ وغَيْرُهم، وقِيلَ: الآيَةُ خاصَّةٌ بِالسَّعادَةِ والشَّقاوَةِ، وقِيلَ: يَمْحُو ما يَشاءُ مِن دِيوانِ الحَفَظَةِ، وهو ما لَيْسَ فِيهِ ثَوابٌ ولا عِقابٌ ويُثْبِتُ ما فِيهِ الثَّوابُ والعِقابُ، وقِيلَ: يَمْحُو ما يَشاءُ مِنَ الرِّزْقِ، وقِيلَ: يَمْحُو مِنَ الأجَلِ، وقِيلَ: يَمْحُو ما يَشاءُ مِنَ الشَّرائِعِ فَيَنْسَخُهُ ويُثْبِتُ ما يَشاءُ فَلا يَنْسَخُهُ، وقِيلَ: يَمْحُو ما يَشاءُ مِن ذُنُوبِ عِبادِهِ ويَتْرُكُ ما يَشاءُ، وقِيلَ: يَمْحُو ما يَشاءُ مِنَ الذُّنُوبِ بِالتَّوْبَةِ ويَتْرُكُ ما يَشاءُ مِنها مَعَ عَدَمِ التَّوْبَةِ، وقِيلَ: يَمْحُو الآباءَ ويُثْبِتُ الأبْناءُ، وقِيلَ: يَمْحُو القَمَرَ ويُثْبِتُ الشَّمْسَ كَقَوْلِهِ: ﴿فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ١٢]، وقِيلَ: يَمْحُو ما يَشاءُ مِنَ الأرْواحِ الَّتِي يَقْبِضُها حالَ النَّوْمِ فَيُمِيتُ صاحِبَهُ ويُثْبِتُ ما يَشاءُ فَيَرُدُّهُ إلى صاحِبِهِ، وقِيلَ: يَمْحُو ما يَشاءُ مِنَ القُرُونِ ويُثْبِتُ ما يَشاءُ مِنها، وقِيلَ: يَمْحُو الدُّنْيا ويُثْبِتُ الآخِرَةَ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا لا حاجَةَ إلى ذِكْرِهِ، والأوَّلُ أوْلى كَما تُفِيدُهُ ( ما ) في قَوْلِهِ: ما يَشاءُ مِنَ العُمُومِ مَعَ تَقَدُّمِ ذِكْرِ الكِتابِ في قَوْلِهِ ﴿لِكُلِّ أجَلٍ كِتابٌ﴾ ومَعَ قَوْلِهِ ﴿وعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ﴾ أيْ أصْلُهُ، وهو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، فالمُرادُ مِنَ الآيَةِ أنَّهُ يَمْحُو ما يَشاءُ مِمّا في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ فَيَكُونُ كالعَدَمِ، ويُثْبِتُ ما يَشاءُ مِمّا فِيهِ فَيَجْرِي فِيهِ قَضاؤُهُ وقَدَرُهُ عَلى حَسَبِ ما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ، وهَذا لا يُنافِي ما ثَبَتَ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِن قَوْلِهِ: «جَفَّ القَلَمُ» وذَلِكَ لِأنَّ المَحْوَ والإثْباتَ هو مِن جُمْلَةِ ما قَضاهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ، وقِيلَ: إنَّ أُمَّ الكِتابِ هو عِلْمُ اللَّهِ تَعالى بِما خَلَقَ وما هو خالِقٌ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ قالَ: أُولَئِكَ أصْحابُ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَرِحُوا بِكِتابِ اللَّهِ وبِرَسُولِهِ وصَدَّقُوا بِهِ ﴿ومِنَ الأحْزابِ مَن يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾ يَعْنِي اليَهُودَ والنَّصارى والمَجُوسَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في الآيَةِ: قالَ هَؤُلاءِ مَن آمَنَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِن أهْلِ الكِتابِ يَفْرَحُونَ بِذَلِكَ، ومِنهم مَن يُؤْمِنُ بِهِ، ومِنهم مَن لا يُؤْمِنُ بِهِ ﴿ومِنَ الأحْزابِ مَن يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾ قالَ: الأحْزابُ الأُمَمُ اليَهُودُ والنَّصارى والمَجُوسُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وإلَيْهِ مَآبِ﴾ قالَ: إلَيْهِ مَصِيرُ كُلِّ عَبْدٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ قَتادَةَ عَنِ الحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ قالَ: «نَهى رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَنِ التَّبَتُّلِ» .
وقَرَأ قَتادَةُ ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلًا مِن قَبْلِكَ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشامٍ قالَ: دَخَلْتُ عَلى عائِشَةَ فَقُلْتُ: إنِّي أُرِيدُ أنْ أتَبَتَّلَ ؟ قالَتْ: لا تَفْعَلْ، أما سَمِعْتَ اللَّهَ يَقُولُ ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلًا مِن قَبْلِكَ وجَعَلْنا لَهم أزْواجًا وذُرِّيَّةً﴾ وقَدْ ورَدَ في النَّهْيِ عَنِ التَّبَتُّلِ والتَّرْغِيبِ في النِّكاحِ ما هو مَعْرُوفٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: قالَتْ قُرَيْشٌ حِينَ أُنْزِلَ ﴿وما كانَ لِرَسُولٍ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ ما نَراكَ يا مُحَمَّدُ تَمْلِكُ مِن شَيْءٍ، ولَقَدْ فُرِغَ مِنَ الأمْرِ، فَأُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ تَخْوِيفًا لَهم ووَعِيدًا لَهم ﴿يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ﴾ إنّا إنْ شِئْنا أحْدَثْنا لَهُ مِن أمْرِنا شَيْئًا، ويُحْدِثُ اللَّهُ في كُلِّ رَمَضانَ فَيَمْحُو ما يَشاءُ ويُثْبِتُ مِن أرْزاقِ النّاسِ ومَصائِبِهِمْ وما يُعْطِيهِمْ وما يَقْسِمُ لَهم.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والفِرْيابِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ نَصْرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ ﴿يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ﴾ قالَ: يَنْزِلُ اللَّهُ في كُلِّ شَهْرِ رَمَضانَ إلى سَماءِ الدُّنْيا، فَيُدَبِّرُ أمْرَ السَّنَةِ إلى السَّنَةِ فَيَمْحُو ما يَشاءُ ويُثْبِتُ إلّا الشَّقاوَةَ والسَّعادَةَ والحَياةَ والمَوْتَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: هو الرَّجُلُ يَعْمَلُ الزَّمانَ بِطاعَةِ اللَّهِ، ثُمَّ يَعُودُ لِمَعْصِيَةِ اللَّهِ فَيَمُوتُ عَلى ضَلالَةٍ، فَهو الَّذِي يَمْحُو، والَّذِي يُثْبِتُ الرَّجُلُ يَعْمَلُ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ وقَدْ سَبَقَ لَهُ خَيْرٌ حَتّى يَمُوتَ عَلى طاعَةِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ ومُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: هُما كِتابانِ يَمْحُو اللَّهُ ما يَشاءُ مِن أحَدِهِما ويُثْبِتُ، ﴿وعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ﴾، أيْ: جُمْلَةُ الكِتابِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ " إنَّ لِلَّهِ لَوْحًا مَحْفُوظًا مَسِيرَةَ خَمْسِمِائَةِ عامٍ مِن دُرَّةٍ بَيْضاءَ لَهُ دَفَّتانِ مِن ياقُوتٍ، والدَّفَّتانِ لَوْحانِ لِلَّهِ كُلَّ يَوْمٍ ثَلاثٌ وسِتُّونَ لَحْظَةً ﴿يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ وعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ﴾ " .
وإسْنادُهُ عِنْدَ ابْنِ جَرِيرٍ: هَكَذا حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ شَهْرِ بْنِ عَسْكَرٍ حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ أخْبَرَنا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطاءٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فَذَكَرَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إنَّ اللَّهَ يَنْزِلُ في ثَلاثِ ساعاتٍ يَبْقَيْنَ مِنَ اللَّيْلِ فَيَفْتَحُ الذِّكْرَ في السّاعَةِ الأُولى مِنها يَنْظُرُ في الذِّكْرِ الَّذِي لا يَنْظُرُ فِيهِ أحَدٌ غَيْرُهُ فَيَمْحُو اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ» الحَدِيثَ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِإسْنادٍ.
قالَ السُّيُوطِيُّ: ضَعِيفٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «يَمْحُو اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ إلّا الشَّقاوَةَ والسَّعادَةَ والحَياةَ والمَماتَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا بِنَحْوِهِ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ «لا يَنْفَعُ الحَذَرُ مِنَ القَدَرِ، ولَكِنَّ اللَّهَ يَمْحُو بِالدُّعاءِ ما يَشاءُ مِنَ القَدَرِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ (p-٧٣٦)قَيْسِ بْنِ عَبّادٍ قالَ العاشِرُ مِن رَجَبٍ وهو يَوْمٌ يَمْحُو اللَّهُ فِيهِ ما يَشاءُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْهُ نَحْوَهُ بِأطْوَلَ مِنهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ قالَ وهو يَطُوفُ بِالبَيْتِ: اللَّهُمَّ إنْ كُنْتَ كَتَبْتَ عَلَيَّ شِقْوَةً أوْ ذَنْبًا فامْحُهُ، فَإنَّكَ تَمْحُو ما تَشاءُ وتُثْبِتُ، وعِنْدَكَ أُمُّ الكِتابِ، فاجْعَلْهُ سَعادَةً ومَغْفِرَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في المَدْخَلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ﴾ قالَ: يُبَدِّلُ اللَّهُ ما يَشاءُ مِنَ القُرْآنِ فَيَنْسَخُهُ، ويُثْبِتُ ما يَشاءُ فَلا يُبَدِّلُهُ ﴿وعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ﴾ يَقُولُ: وجُمْلَةُ ذَلِكَ عِنْدَهُ في أُمِّ الكِتابِ: النّاسِخُ والمَنسُوخُ، ما يُبَدِّلُ، وما يُثْبِتُ - كُلُّ ذَلِكَ في كِتابٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ﴾ قالَ: الذِّكْرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ يَسارٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سَألَ كَعْبًا عَنْ أُمِّ الكِتابِ ؟ فَقالَ: عَلِمَ اللَّهُ ما هو خالِقٌ، وما خَلْقُهُ عالِمُونَ، فَقالَ لِعِلْمِهِ كُنْ كِتابًا، فَكانَ كِتابًا.
الرعد 13:37
.
اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في تَفْسِيرِ الكِتابِ المَذْكُورِ فَقِيلَ: هو التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، والَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أنْزِلُ إلى رَسُولِ اللَّهِ هم مَن أسْلَمَ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى.
وقِيلَ: الَّذِينَ يَفْرَحُونَ هم أهْلُ الكِتابَيْنِ لِكَوْنِ ذَلِكَ مُوافِقًا لِما في كُتُبِهِمْ مُصَدِّقًا لَهُ، فَعَلى الأوَّلِ يَكُونُ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ومِنَ الأحْزابِ مَن يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾ مَن لَمْ يُسْلِمْ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى، وعَلى الثّانِي يَكُونُ المُرادُ بِهِ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ ومَن يُماثِلُهم، أوْ يَكُونُ المُرادُ بِهِ البَعْضَ مِن أهْلِ الكِتابَيْنِ، أيْ: مِن أحْزابِهِما، فَإنَّهم أنْكَرُوهُ لِما يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِن كَوْنِهِ ناسِخًا لِشَرائِعِهِمْ فَيَتَوَجَّهُ فَرَحُ مَن فَرِحَ بِهِ مِنهم إلى ما هو مُوافِقٌ لِما في الكِتابَيْنِ، وإنْكارُ مَن أنْكَرَ مِنهم إلى ما خالَفَهُما، وقِيلَ: المُرادُ بِالكِتابِ القُرْآنُ، والمُرادُ بِمَن يَفْرَحُ بِهِ المُسْلِمُونَ، والمُرادُ بِالأحْزابِ المُتَحَزِّبُونَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِنَ المُشْرِكِينَ واليَهُودِ والنَّصارى، والمُرادُ بِالبَعْضِ الَّذِي أنْكَرُوهُ مَن خالَفَ ما يَعْتَقِدُونَهُ عَلى اخْتِلافِ اعْتِقادِهِمْ.
واعْتُرِضَ عَلى هَذا بِأنَّ فَرَحَ المُسْلِمِينَ بِنُزُولِ القُرْآنِ مَعْلُومٌ فَلا فائِدَةَ في ذِكْرِهِ.
وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّ المُرادَ زِيادَةُ الفَرَحِ والِاسْتِبْشارِ.
وقالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مِن أهْلِ الكِتابِ ساءَهم قِلَّةُ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ في القُرْآنِ مَعَ كَثْرَةِ ذِكْرِهِ في التَّوْراةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: ١١٠]، فَفَرِحُوا بِذَلِكَ، ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ ما يَحْصُلُ بِنُزُولِ القُرْآنِ مِنَ الفَرَحِ لِلْبَعْضِ والإنْكارِ لِلْبَعْضِ صَرَّحَ بِما عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وأمَرَهُ أنْ يَقُولَ لَهم ذَلِكَ، فَقالَ ﴿قُلْ إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ ولا أُشْرِكَ بِهِ﴾ أيْ لا أُشْرِكُ بِهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، أيْ: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ إلْزامًا لِلْحُجَّةِ ورَدًّا لِلْإنْكارِ إنَّما أُمِرْتُ فِيما أُنْزِلَ إلَيَّ بِعِبادَةِ اللَّهِ وتَوْحِيدِهِ، وهَذا أمْرٌ اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ الشَّرائِعُ وتَطابَقَتْ عَلى عَدَمِ إنْكارِهِ جَمِيعُ المِلَلِ المُقْتَدِيَةِ بِالرُّسُلِ، وقَدِ اتَّفَقَ القُرّاءُ عَلى نَصْبِ ولا أُشْرِكَ بِهِ عَطْفًا عَلى أعْبُدَ.
وقَرَأ أبُو خُلَيْدٍ بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، ورَوى هَذِهِ القِراءَةَ عَنْ نافِعٍ إلَيْهِ أدْعُو أيْ إلى اللَّهِ لا إلى غَيْرِهِ أوْ إلى ما أُمِرْتُ بِهِ، وهو عِبادَةُ اللَّهِ وحْدَهُ، والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ وإلَيْهِ مَآبِ فَإنَّ الضَّمِيرَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ، أيْ: إلَيْهِ وحْدَهُ: لا إلى غَيْرِهِ مَرْجِعِي.
ثُمَّ ذَكَرَ بَعْضَ فَضائِلِ القُرْآنِ، وأوْعَدَ عَلى الإعْراضِ عَنِ اتِّباعِهِ مَعَ التَّعَرُّضِ لِرَدِّ ما أنْكَرُوهُ مِنِ اشْتِمالِهِ عَلى نَسْخِ بَعْضِ شَرائِعِهِمْ فَقالَ ﴿وكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الإنْزالِ البَدِيعِ أنْزَلْنا القُرْآنَ مُشْتَمِلًا عَلى أُصُولِ الشَّرائِعِ وفُرُوعِها، وقِيلَ: المَعْنى: وكَما أنْزَلْنا الكُتُبَ عَلى الرُّسُلِ بِلُغاتِهِمْ كَذَلِكَ أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ بِلِسانِ العَرَبِ، ونُرِيدُ بِالحُكْمِ ما فِيهِ مِنَ الأحْكامِ أوْ حِكْمَةٌ عَرَبِيَّةٌ مُتَرْجَمَةٌ بِلِسانِ العَرَبِ، وانْتِصابُ حُكْمًا عَلى الحالِ ﴿ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهُمْ﴾ الَّتِي يَطْلُبُونَ مِنكَ مُوافَقَتَهم عَلَيْها كالِاسْتِمْرارِ مِنكَ عَلى التَّوَجُّهِ إلى قِبْلَتِهِمْ وعَدَمِ مُخالَفَتِكَ لِشَيْءٍ مِمّا يَعْتَقِدُونَهُ ﴿أهْواءَهم بَعْدَما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ﴾ الَّذِي عَلَّمَكَ اللَّهُ إيّاهُ ﴿ما لَكَ مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ مِن جَنابِهِ مِن ولِيٍّ يَلِي أمْرَكَ ويَنْصُرُكَ ﴿ولا واقٍ﴾ يَقِيكَ مِن عَذابِهِ، والخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ تَعْرِيضٌ لِأُمَّتِهِ، واللّامُ في ولَئِنِ اتَّبَعَتْ هي المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ.
و( ما لَكَ ) سادٌّ مَسَدَّ جَوابِ القَسَمِ والشَّرْطِ.
﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلًا مِن قَبْلِكَ وجَعَلْنا لَهم أزْواجًا وذُرِّيَّةً﴾ أيْ إنَّ الرُّسُلَ الَّذِينَ أرْسَلْناهم قَبْلَكَ هم مِن جِنْسِ البَشَرِ، لَهم أزْواجٌ مِنَ النِّساءِ ولَهم ذُرِّيَّةٌ تَوالَدُوا مِنهم ومِن أزْواجِهِمْ، ولَمْ نُرْسِلِ الرُّسُلَ مِنَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ لا يَتَزَوَّجُونَ ولا يَكُونُ لَهم ذُرِّيَّةٌ.
وفِي هَذا رَدٌّ عَلى مَن كانَ يُنْكِرُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ تَزَوُّجَهُ بِالنِّساءِ، أيْ: أنَّ هَذا شَأْنُ رُسُلِ اللَّهِ المُرْسَلِينَ قَبْلَ هَذا الرَّسُولِ فَما بالُكم تُنْكِرُونَ عَلَيْهِ ما كانُوا عَلَيْهِ ﴿وما كانَ لِرَسُولٍ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ أيْ لَمْ يَكُنْ لِرَسُولٍ مِنَ الرُّسُلِ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ مِنَ الآياتِ، ومِن جُمْلَتِها ما اقْتَرَحَهُ عَلَيْهِ الكُفّارُ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ سُبْحانَهُ.
وفِيهِ رَدٌّ عَلى الكُفّارِ حَيْثُ اقْتَرَحُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِنَ الآياتِ ما اقْتَرَحُوا بِما سَبَقَ ذِكْرُهُ ﴿لِكُلِّ أجَلٍ كِتابٌ﴾ أيْ لِكُلِّ أمْرٍ مِمّا قَضاهُ اللَّهُ، أوْ لِكُلِّ وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ الَّتِي قَضى اللَّهُ بِوُقُوعِ أمْرٍ فِيها كِتابٌ عِنْدَ اللَّهِ يَكْتُبُهُ عَلى عِبادِهِ ويَحْكُمُ بِهِ فِيهِمْ.
وقالَ الفَرّاءُ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ.
والمَعْنى: لِكُلِّ كِتابٍ أجَلٌ، أيْ: لِكُلِّ أمْرٍ كَتَبَهُ اللَّهُ أجْلٌ مُؤَجَّلٌ ووَقْتٌ مَعْلُومٌ كَقَوْلِهِ (p-٧٣٥)سُبْحانَهُ: ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ﴾ [الأنعام: ٦٧]، ولَيْسَ الأمْرُ عَلى حَسَبِ إرادَةِ الكُفّارِ واقْتِراحاتِهِمْ: بَلْ عَلى حَسَبِ ما يَشاؤُهُ ويَخْتارُهُ.
﴿يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ﴾ أيْ يَمْحُو مِن ذَلِكَ الكِتابِ ويُثْبِتُ ما يَشاءُ مِنهُ، يُقالُ مَحَوْتُ الكِتابَ مَحْوًا إذا أذْهَبْتَ أثَرَهُ.
قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ ويُثَبِّتَ بِالتَّخْفِيفِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ وأبُو عُبَيْدٍ.
وظاهِرُ النَّظْمِ القُرْآنِيِّ العُمُومُ في كُلِّ شَيْءٍ مِمّا في الكِتابِ فَيَمْحُو ما يَشاءُ مَحْوَهُ مِن شَقاوَةٍ أوْ سَعادَةٍ أوْ رِزْقٍ أوْ عُمُرٍ أوْ خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، ويُبْدِلُ هَذا بِهَذا، ويَجْعَلُ هَذا مَكانَ هَذا ﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ وهم يُسْألُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]، وإلى هَذا ذَهَبَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ وأبُو وائِلٍ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ وابْنُ جُرَيْجٍ وغَيْرُهم، وقِيلَ: الآيَةُ خاصَّةٌ بِالسَّعادَةِ والشَّقاوَةِ، وقِيلَ: يَمْحُو ما يَشاءُ مِن دِيوانِ الحَفَظَةِ، وهو ما لَيْسَ فِيهِ ثَوابٌ ولا عِقابٌ ويُثْبِتُ ما فِيهِ الثَّوابُ والعِقابُ، وقِيلَ: يَمْحُو ما يَشاءُ مِنَ الرِّزْقِ، وقِيلَ: يَمْحُو مِنَ الأجَلِ، وقِيلَ: يَمْحُو ما يَشاءُ مِنَ الشَّرائِعِ فَيَنْسَخُهُ ويُثْبِتُ ما يَشاءُ فَلا يَنْسَخُهُ، وقِيلَ: يَمْحُو ما يَشاءُ مِن ذُنُوبِ عِبادِهِ ويَتْرُكُ ما يَشاءُ، وقِيلَ: يَمْحُو ما يَشاءُ مِنَ الذُّنُوبِ بِالتَّوْبَةِ ويَتْرُكُ ما يَشاءُ مِنها مَعَ عَدَمِ التَّوْبَةِ، وقِيلَ: يَمْحُو الآباءَ ويُثْبِتُ الأبْناءُ، وقِيلَ: يَمْحُو القَمَرَ ويُثْبِتُ الشَّمْسَ كَقَوْلِهِ: ﴿فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ١٢]، وقِيلَ: يَمْحُو ما يَشاءُ مِنَ الأرْواحِ الَّتِي يَقْبِضُها حالَ النَّوْمِ فَيُمِيتُ صاحِبَهُ ويُثْبِتُ ما يَشاءُ فَيَرُدُّهُ إلى صاحِبِهِ، وقِيلَ: يَمْحُو ما يَشاءُ مِنَ القُرُونِ ويُثْبِتُ ما يَشاءُ مِنها، وقِيلَ: يَمْحُو الدُّنْيا ويُثْبِتُ الآخِرَةَ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا لا حاجَةَ إلى ذِكْرِهِ، والأوَّلُ أوْلى كَما تُفِيدُهُ ( ما ) في قَوْلِهِ: ما يَشاءُ مِنَ العُمُومِ مَعَ تَقَدُّمِ ذِكْرِ الكِتابِ في قَوْلِهِ ﴿لِكُلِّ أجَلٍ كِتابٌ﴾ ومَعَ قَوْلِهِ ﴿وعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ﴾ أيْ أصْلُهُ، وهو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، فالمُرادُ مِنَ الآيَةِ أنَّهُ يَمْحُو ما يَشاءُ مِمّا في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ فَيَكُونُ كالعَدَمِ، ويُثْبِتُ ما يَشاءُ مِمّا فِيهِ فَيَجْرِي فِيهِ قَضاؤُهُ وقَدَرُهُ عَلى حَسَبِ ما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ، وهَذا لا يُنافِي ما ثَبَتَ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِن قَوْلِهِ: «جَفَّ القَلَمُ» وذَلِكَ لِأنَّ المَحْوَ والإثْباتَ هو مِن جُمْلَةِ ما قَضاهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ، وقِيلَ: إنَّ أُمَّ الكِتابِ هو عِلْمُ اللَّهِ تَعالى بِما خَلَقَ وما هو خالِقٌ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ قالَ: أُولَئِكَ أصْحابُ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَرِحُوا بِكِتابِ اللَّهِ وبِرَسُولِهِ وصَدَّقُوا بِهِ ﴿ومِنَ الأحْزابِ مَن يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾ يَعْنِي اليَهُودَ والنَّصارى والمَجُوسَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في الآيَةِ: قالَ هَؤُلاءِ مَن آمَنَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِن أهْلِ الكِتابِ يَفْرَحُونَ بِذَلِكَ، ومِنهم مَن يُؤْمِنُ بِهِ، ومِنهم مَن لا يُؤْمِنُ بِهِ ﴿ومِنَ الأحْزابِ مَن يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾ قالَ: الأحْزابُ الأُمَمُ اليَهُودُ والنَّصارى والمَجُوسُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وإلَيْهِ مَآبِ﴾ قالَ: إلَيْهِ مَصِيرُ كُلِّ عَبْدٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ قَتادَةَ عَنِ الحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ قالَ: «نَهى رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَنِ التَّبَتُّلِ» .
وقَرَأ قَتادَةُ ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلًا مِن قَبْلِكَ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشامٍ قالَ: دَخَلْتُ عَلى عائِشَةَ فَقُلْتُ: إنِّي أُرِيدُ أنْ أتَبَتَّلَ ؟ قالَتْ: لا تَفْعَلْ، أما سَمِعْتَ اللَّهَ يَقُولُ ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلًا مِن قَبْلِكَ وجَعَلْنا لَهم أزْواجًا وذُرِّيَّةً﴾ وقَدْ ورَدَ في النَّهْيِ عَنِ التَّبَتُّلِ والتَّرْغِيبِ في النِّكاحِ ما هو مَعْرُوفٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: قالَتْ قُرَيْشٌ حِينَ أُنْزِلَ ﴿وما كانَ لِرَسُولٍ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ ما نَراكَ يا مُحَمَّدُ تَمْلِكُ مِن شَيْءٍ، ولَقَدْ فُرِغَ مِنَ الأمْرِ، فَأُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ تَخْوِيفًا لَهم ووَعِيدًا لَهم ﴿يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ﴾ إنّا إنْ شِئْنا أحْدَثْنا لَهُ مِن أمْرِنا شَيْئًا، ويُحْدِثُ اللَّهُ في كُلِّ رَمَضانَ فَيَمْحُو ما يَشاءُ ويُثْبِتُ مِن أرْزاقِ النّاسِ ومَصائِبِهِمْ وما يُعْطِيهِمْ وما يَقْسِمُ لَهم.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والفِرْيابِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ نَصْرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ ﴿يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ﴾ قالَ: يَنْزِلُ اللَّهُ في كُلِّ شَهْرِ رَمَضانَ إلى سَماءِ الدُّنْيا، فَيُدَبِّرُ أمْرَ السَّنَةِ إلى السَّنَةِ فَيَمْحُو ما يَشاءُ ويُثْبِتُ إلّا الشَّقاوَةَ والسَّعادَةَ والحَياةَ والمَوْتَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: هو الرَّجُلُ يَعْمَلُ الزَّمانَ بِطاعَةِ اللَّهِ، ثُمَّ يَعُودُ لِمَعْصِيَةِ اللَّهِ فَيَمُوتُ عَلى ضَلالَةٍ، فَهو الَّذِي يَمْحُو، والَّذِي يُثْبِتُ الرَّجُلُ يَعْمَلُ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ وقَدْ سَبَقَ لَهُ خَيْرٌ حَتّى يَمُوتَ عَلى طاعَةِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ ومُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: هُما كِتابانِ يَمْحُو اللَّهُ ما يَشاءُ مِن أحَدِهِما ويُثْبِتُ، ﴿وعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ﴾، أيْ: جُمْلَةُ الكِتابِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ " إنَّ لِلَّهِ لَوْحًا مَحْفُوظًا مَسِيرَةَ خَمْسِمِائَةِ عامٍ مِن دُرَّةٍ بَيْضاءَ لَهُ دَفَّتانِ مِن ياقُوتٍ، والدَّفَّتانِ لَوْحانِ لِلَّهِ كُلَّ يَوْمٍ ثَلاثٌ وسِتُّونَ لَحْظَةً ﴿يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ وعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ﴾ " .
وإسْنادُهُ عِنْدَ ابْنِ جَرِيرٍ: هَكَذا حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ شَهْرِ بْنِ عَسْكَرٍ حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ أخْبَرَنا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطاءٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فَذَكَرَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إنَّ اللَّهَ يَنْزِلُ في ثَلاثِ ساعاتٍ يَبْقَيْنَ مِنَ اللَّيْلِ فَيَفْتَحُ الذِّكْرَ في السّاعَةِ الأُولى مِنها يَنْظُرُ في الذِّكْرِ الَّذِي لا يَنْظُرُ فِيهِ أحَدٌ غَيْرُهُ فَيَمْحُو اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ» الحَدِيثَ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِإسْنادٍ.
قالَ السُّيُوطِيُّ: ضَعِيفٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «يَمْحُو اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ إلّا الشَّقاوَةَ والسَّعادَةَ والحَياةَ والمَماتَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا بِنَحْوِهِ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ «لا يَنْفَعُ الحَذَرُ مِنَ القَدَرِ، ولَكِنَّ اللَّهَ يَمْحُو بِالدُّعاءِ ما يَشاءُ مِنَ القَدَرِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ (p-٧٣٦)قَيْسِ بْنِ عَبّادٍ قالَ العاشِرُ مِن رَجَبٍ وهو يَوْمٌ يَمْحُو اللَّهُ فِيهِ ما يَشاءُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْهُ نَحْوَهُ بِأطْوَلَ مِنهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ قالَ وهو يَطُوفُ بِالبَيْتِ: اللَّهُمَّ إنْ كُنْتَ كَتَبْتَ عَلَيَّ شِقْوَةً أوْ ذَنْبًا فامْحُهُ، فَإنَّكَ تَمْحُو ما تَشاءُ وتُثْبِتُ، وعِنْدَكَ أُمُّ الكِتابِ، فاجْعَلْهُ سَعادَةً ومَغْفِرَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في المَدْخَلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ﴾ قالَ: يُبَدِّلُ اللَّهُ ما يَشاءُ مِنَ القُرْآنِ فَيَنْسَخُهُ، ويُثْبِتُ ما يَشاءُ فَلا يُبَدِّلُهُ ﴿وعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ﴾ يَقُولُ: وجُمْلَةُ ذَلِكَ عِنْدَهُ في أُمِّ الكِتابِ: النّاسِخُ والمَنسُوخُ، ما يُبَدِّلُ، وما يُثْبِتُ - كُلُّ ذَلِكَ في كِتابٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ﴾ قالَ: الذِّكْرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ يَسارٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سَألَ كَعْبًا عَنْ أُمِّ الكِتابِ ؟ فَقالَ: عَلِمَ اللَّهُ ما هو خالِقٌ، وما خَلْقُهُ عالِمُونَ، فَقالَ لِعِلْمِهِ كُنْ كِتابًا، فَكانَ كِتابًا.
الرعد 13:38
.
اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في تَفْسِيرِ الكِتابِ المَذْكُورِ فَقِيلَ: هو التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، والَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أنْزِلُ إلى رَسُولِ اللَّهِ هم مَن أسْلَمَ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى.
وقِيلَ: الَّذِينَ يَفْرَحُونَ هم أهْلُ الكِتابَيْنِ لِكَوْنِ ذَلِكَ مُوافِقًا لِما في كُتُبِهِمْ مُصَدِّقًا لَهُ، فَعَلى الأوَّلِ يَكُونُ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ومِنَ الأحْزابِ مَن يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾ مَن لَمْ يُسْلِمْ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى، وعَلى الثّانِي يَكُونُ المُرادُ بِهِ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ ومَن يُماثِلُهم، أوْ يَكُونُ المُرادُ بِهِ البَعْضَ مِن أهْلِ الكِتابَيْنِ، أيْ: مِن أحْزابِهِما، فَإنَّهم أنْكَرُوهُ لِما يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِن كَوْنِهِ ناسِخًا لِشَرائِعِهِمْ فَيَتَوَجَّهُ فَرَحُ مَن فَرِحَ بِهِ مِنهم إلى ما هو مُوافِقٌ لِما في الكِتابَيْنِ، وإنْكارُ مَن أنْكَرَ مِنهم إلى ما خالَفَهُما، وقِيلَ: المُرادُ بِالكِتابِ القُرْآنُ، والمُرادُ بِمَن يَفْرَحُ بِهِ المُسْلِمُونَ، والمُرادُ بِالأحْزابِ المُتَحَزِّبُونَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِنَ المُشْرِكِينَ واليَهُودِ والنَّصارى، والمُرادُ بِالبَعْضِ الَّذِي أنْكَرُوهُ مَن خالَفَ ما يَعْتَقِدُونَهُ عَلى اخْتِلافِ اعْتِقادِهِمْ.
واعْتُرِضَ عَلى هَذا بِأنَّ فَرَحَ المُسْلِمِينَ بِنُزُولِ القُرْآنِ مَعْلُومٌ فَلا فائِدَةَ في ذِكْرِهِ.
وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّ المُرادَ زِيادَةُ الفَرَحِ والِاسْتِبْشارِ.
وقالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مِن أهْلِ الكِتابِ ساءَهم قِلَّةُ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ في القُرْآنِ مَعَ كَثْرَةِ ذِكْرِهِ في التَّوْراةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: ١١٠]، فَفَرِحُوا بِذَلِكَ، ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ ما يَحْصُلُ بِنُزُولِ القُرْآنِ مِنَ الفَرَحِ لِلْبَعْضِ والإنْكارِ لِلْبَعْضِ صَرَّحَ بِما عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وأمَرَهُ أنْ يَقُولَ لَهم ذَلِكَ، فَقالَ ﴿قُلْ إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ ولا أُشْرِكَ بِهِ﴾ أيْ لا أُشْرِكُ بِهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، أيْ: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ إلْزامًا لِلْحُجَّةِ ورَدًّا لِلْإنْكارِ إنَّما أُمِرْتُ فِيما أُنْزِلَ إلَيَّ بِعِبادَةِ اللَّهِ وتَوْحِيدِهِ، وهَذا أمْرٌ اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ الشَّرائِعُ وتَطابَقَتْ عَلى عَدَمِ إنْكارِهِ جَمِيعُ المِلَلِ المُقْتَدِيَةِ بِالرُّسُلِ، وقَدِ اتَّفَقَ القُرّاءُ عَلى نَصْبِ ولا أُشْرِكَ بِهِ عَطْفًا عَلى أعْبُدَ.
وقَرَأ أبُو خُلَيْدٍ بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، ورَوى هَذِهِ القِراءَةَ عَنْ نافِعٍ إلَيْهِ أدْعُو أيْ إلى اللَّهِ لا إلى غَيْرِهِ أوْ إلى ما أُمِرْتُ بِهِ، وهو عِبادَةُ اللَّهِ وحْدَهُ، والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ وإلَيْهِ مَآبِ فَإنَّ الضَّمِيرَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ، أيْ: إلَيْهِ وحْدَهُ: لا إلى غَيْرِهِ مَرْجِعِي.
ثُمَّ ذَكَرَ بَعْضَ فَضائِلِ القُرْآنِ، وأوْعَدَ عَلى الإعْراضِ عَنِ اتِّباعِهِ مَعَ التَّعَرُّضِ لِرَدِّ ما أنْكَرُوهُ مِنِ اشْتِمالِهِ عَلى نَسْخِ بَعْضِ شَرائِعِهِمْ فَقالَ ﴿وكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الإنْزالِ البَدِيعِ أنْزَلْنا القُرْآنَ مُشْتَمِلًا عَلى أُصُولِ الشَّرائِعِ وفُرُوعِها، وقِيلَ: المَعْنى: وكَما أنْزَلْنا الكُتُبَ عَلى الرُّسُلِ بِلُغاتِهِمْ كَذَلِكَ أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ بِلِسانِ العَرَبِ، ونُرِيدُ بِالحُكْمِ ما فِيهِ مِنَ الأحْكامِ أوْ حِكْمَةٌ عَرَبِيَّةٌ مُتَرْجَمَةٌ بِلِسانِ العَرَبِ، وانْتِصابُ حُكْمًا عَلى الحالِ ﴿ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهُمْ﴾ الَّتِي يَطْلُبُونَ مِنكَ مُوافَقَتَهم عَلَيْها كالِاسْتِمْرارِ مِنكَ عَلى التَّوَجُّهِ إلى قِبْلَتِهِمْ وعَدَمِ مُخالَفَتِكَ لِشَيْءٍ مِمّا يَعْتَقِدُونَهُ ﴿أهْواءَهم بَعْدَما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ﴾ الَّذِي عَلَّمَكَ اللَّهُ إيّاهُ ﴿ما لَكَ مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ مِن جَنابِهِ مِن ولِيٍّ يَلِي أمْرَكَ ويَنْصُرُكَ ﴿ولا واقٍ﴾ يَقِيكَ مِن عَذابِهِ، والخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ تَعْرِيضٌ لِأُمَّتِهِ، واللّامُ في ولَئِنِ اتَّبَعَتْ هي المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ.
و( ما لَكَ ) سادٌّ مَسَدَّ جَوابِ القَسَمِ والشَّرْطِ.
﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلًا مِن قَبْلِكَ وجَعَلْنا لَهم أزْواجًا وذُرِّيَّةً﴾ أيْ إنَّ الرُّسُلَ الَّذِينَ أرْسَلْناهم قَبْلَكَ هم مِن جِنْسِ البَشَرِ، لَهم أزْواجٌ مِنَ النِّساءِ ولَهم ذُرِّيَّةٌ تَوالَدُوا مِنهم ومِن أزْواجِهِمْ، ولَمْ نُرْسِلِ الرُّسُلَ مِنَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ لا يَتَزَوَّجُونَ ولا يَكُونُ لَهم ذُرِّيَّةٌ.
وفِي هَذا رَدٌّ عَلى مَن كانَ يُنْكِرُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ تَزَوُّجَهُ بِالنِّساءِ، أيْ: أنَّ هَذا شَأْنُ رُسُلِ اللَّهِ المُرْسَلِينَ قَبْلَ هَذا الرَّسُولِ فَما بالُكم تُنْكِرُونَ عَلَيْهِ ما كانُوا عَلَيْهِ ﴿وما كانَ لِرَسُولٍ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ أيْ لَمْ يَكُنْ لِرَسُولٍ مِنَ الرُّسُلِ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ مِنَ الآياتِ، ومِن جُمْلَتِها ما اقْتَرَحَهُ عَلَيْهِ الكُفّارُ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ سُبْحانَهُ.
وفِيهِ رَدٌّ عَلى الكُفّارِ حَيْثُ اقْتَرَحُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِنَ الآياتِ ما اقْتَرَحُوا بِما سَبَقَ ذِكْرُهُ ﴿لِكُلِّ أجَلٍ كِتابٌ﴾ أيْ لِكُلِّ أمْرٍ مِمّا قَضاهُ اللَّهُ، أوْ لِكُلِّ وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ الَّتِي قَضى اللَّهُ بِوُقُوعِ أمْرٍ فِيها كِتابٌ عِنْدَ اللَّهِ يَكْتُبُهُ عَلى عِبادِهِ ويَحْكُمُ بِهِ فِيهِمْ.
وقالَ الفَرّاءُ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ.
والمَعْنى: لِكُلِّ كِتابٍ أجَلٌ، أيْ: لِكُلِّ أمْرٍ كَتَبَهُ اللَّهُ أجْلٌ مُؤَجَّلٌ ووَقْتٌ مَعْلُومٌ كَقَوْلِهِ (p-٧٣٥)سُبْحانَهُ: ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ﴾ [الأنعام: ٦٧]، ولَيْسَ الأمْرُ عَلى حَسَبِ إرادَةِ الكُفّارِ واقْتِراحاتِهِمْ: بَلْ عَلى حَسَبِ ما يَشاؤُهُ ويَخْتارُهُ.
﴿يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ﴾ أيْ يَمْحُو مِن ذَلِكَ الكِتابِ ويُثْبِتُ ما يَشاءُ مِنهُ، يُقالُ مَحَوْتُ الكِتابَ مَحْوًا إذا أذْهَبْتَ أثَرَهُ.
قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ ويُثَبِّتَ بِالتَّخْفِيفِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ وأبُو عُبَيْدٍ.
وظاهِرُ النَّظْمِ القُرْآنِيِّ العُمُومُ في كُلِّ شَيْءٍ مِمّا في الكِتابِ فَيَمْحُو ما يَشاءُ مَحْوَهُ مِن شَقاوَةٍ أوْ سَعادَةٍ أوْ رِزْقٍ أوْ عُمُرٍ أوْ خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، ويُبْدِلُ هَذا بِهَذا، ويَجْعَلُ هَذا مَكانَ هَذا ﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ وهم يُسْألُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]، وإلى هَذا ذَهَبَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ وأبُو وائِلٍ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ وابْنُ جُرَيْجٍ وغَيْرُهم، وقِيلَ: الآيَةُ خاصَّةٌ بِالسَّعادَةِ والشَّقاوَةِ، وقِيلَ: يَمْحُو ما يَشاءُ مِن دِيوانِ الحَفَظَةِ، وهو ما لَيْسَ فِيهِ ثَوابٌ ولا عِقابٌ ويُثْبِتُ ما فِيهِ الثَّوابُ والعِقابُ، وقِيلَ: يَمْحُو ما يَشاءُ مِنَ الرِّزْقِ، وقِيلَ: يَمْحُو مِنَ الأجَلِ، وقِيلَ: يَمْحُو ما يَشاءُ مِنَ الشَّرائِعِ فَيَنْسَخُهُ ويُثْبِتُ ما يَشاءُ فَلا يَنْسَخُهُ، وقِيلَ: يَمْحُو ما يَشاءُ مِن ذُنُوبِ عِبادِهِ ويَتْرُكُ ما يَشاءُ، وقِيلَ: يَمْحُو ما يَشاءُ مِنَ الذُّنُوبِ بِالتَّوْبَةِ ويَتْرُكُ ما يَشاءُ مِنها مَعَ عَدَمِ التَّوْبَةِ، وقِيلَ: يَمْحُو الآباءَ ويُثْبِتُ الأبْناءُ، وقِيلَ: يَمْحُو القَمَرَ ويُثْبِتُ الشَّمْسَ كَقَوْلِهِ: ﴿فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ١٢]، وقِيلَ: يَمْحُو ما يَشاءُ مِنَ الأرْواحِ الَّتِي يَقْبِضُها حالَ النَّوْمِ فَيُمِيتُ صاحِبَهُ ويُثْبِتُ ما يَشاءُ فَيَرُدُّهُ إلى صاحِبِهِ، وقِيلَ: يَمْحُو ما يَشاءُ مِنَ القُرُونِ ويُثْبِتُ ما يَشاءُ مِنها، وقِيلَ: يَمْحُو الدُّنْيا ويُثْبِتُ الآخِرَةَ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا لا حاجَةَ إلى ذِكْرِهِ، والأوَّلُ أوْلى كَما تُفِيدُهُ ( ما ) في قَوْلِهِ: ما يَشاءُ مِنَ العُمُومِ مَعَ تَقَدُّمِ ذِكْرِ الكِتابِ في قَوْلِهِ ﴿لِكُلِّ أجَلٍ كِتابٌ﴾ ومَعَ قَوْلِهِ ﴿وعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ﴾ أيْ أصْلُهُ، وهو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، فالمُرادُ مِنَ الآيَةِ أنَّهُ يَمْحُو ما يَشاءُ مِمّا في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ فَيَكُونُ كالعَدَمِ، ويُثْبِتُ ما يَشاءُ مِمّا فِيهِ فَيَجْرِي فِيهِ قَضاؤُهُ وقَدَرُهُ عَلى حَسَبِ ما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ، وهَذا لا يُنافِي ما ثَبَتَ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِن قَوْلِهِ: «جَفَّ القَلَمُ» وذَلِكَ لِأنَّ المَحْوَ والإثْباتَ هو مِن جُمْلَةِ ما قَضاهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ، وقِيلَ: إنَّ أُمَّ الكِتابِ هو عِلْمُ اللَّهِ تَعالى بِما خَلَقَ وما هو خالِقٌ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ قالَ: أُولَئِكَ أصْحابُ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَرِحُوا بِكِتابِ اللَّهِ وبِرَسُولِهِ وصَدَّقُوا بِهِ ﴿ومِنَ الأحْزابِ مَن يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾ يَعْنِي اليَهُودَ والنَّصارى والمَجُوسَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في الآيَةِ: قالَ هَؤُلاءِ مَن آمَنَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِن أهْلِ الكِتابِ يَفْرَحُونَ بِذَلِكَ، ومِنهم مَن يُؤْمِنُ بِهِ، ومِنهم مَن لا يُؤْمِنُ بِهِ ﴿ومِنَ الأحْزابِ مَن يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾ قالَ: الأحْزابُ الأُمَمُ اليَهُودُ والنَّصارى والمَجُوسُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وإلَيْهِ مَآبِ﴾ قالَ: إلَيْهِ مَصِيرُ كُلِّ عَبْدٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ قَتادَةَ عَنِ الحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ قالَ: «نَهى رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَنِ التَّبَتُّلِ» .
وقَرَأ قَتادَةُ ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلًا مِن قَبْلِكَ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشامٍ قالَ: دَخَلْتُ عَلى عائِشَةَ فَقُلْتُ: إنِّي أُرِيدُ أنْ أتَبَتَّلَ ؟ قالَتْ: لا تَفْعَلْ، أما سَمِعْتَ اللَّهَ يَقُولُ ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلًا مِن قَبْلِكَ وجَعَلْنا لَهم أزْواجًا وذُرِّيَّةً﴾ وقَدْ ورَدَ في النَّهْيِ عَنِ التَّبَتُّلِ والتَّرْغِيبِ في النِّكاحِ ما هو مَعْرُوفٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: قالَتْ قُرَيْشٌ حِينَ أُنْزِلَ ﴿وما كانَ لِرَسُولٍ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ ما نَراكَ يا مُحَمَّدُ تَمْلِكُ مِن شَيْءٍ، ولَقَدْ فُرِغَ مِنَ الأمْرِ، فَأُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ تَخْوِيفًا لَهم ووَعِيدًا لَهم ﴿يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ﴾ إنّا إنْ شِئْنا أحْدَثْنا لَهُ مِن أمْرِنا شَيْئًا، ويُحْدِثُ اللَّهُ في كُلِّ رَمَضانَ فَيَمْحُو ما يَشاءُ ويُثْبِتُ مِن أرْزاقِ النّاسِ ومَصائِبِهِمْ وما يُعْطِيهِمْ وما يَقْسِمُ لَهم.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والفِرْيابِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ نَصْرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ ﴿يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ﴾ قالَ: يَنْزِلُ اللَّهُ في كُلِّ شَهْرِ رَمَضانَ إلى سَماءِ الدُّنْيا، فَيُدَبِّرُ أمْرَ السَّنَةِ إلى السَّنَةِ فَيَمْحُو ما يَشاءُ ويُثْبِتُ إلّا الشَّقاوَةَ والسَّعادَةَ والحَياةَ والمَوْتَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: هو الرَّجُلُ يَعْمَلُ الزَّمانَ بِطاعَةِ اللَّهِ، ثُمَّ يَعُودُ لِمَعْصِيَةِ اللَّهِ فَيَمُوتُ عَلى ضَلالَةٍ، فَهو الَّذِي يَمْحُو، والَّذِي يُثْبِتُ الرَّجُلُ يَعْمَلُ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ وقَدْ سَبَقَ لَهُ خَيْرٌ حَتّى يَمُوتَ عَلى طاعَةِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ ومُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: هُما كِتابانِ يَمْحُو اللَّهُ ما يَشاءُ مِن أحَدِهِما ويُثْبِتُ، ﴿وعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ﴾، أيْ: جُمْلَةُ الكِتابِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ " إنَّ لِلَّهِ لَوْحًا مَحْفُوظًا مَسِيرَةَ خَمْسِمِائَةِ عامٍ مِن دُرَّةٍ بَيْضاءَ لَهُ دَفَّتانِ مِن ياقُوتٍ، والدَّفَّتانِ لَوْحانِ لِلَّهِ كُلَّ يَوْمٍ ثَلاثٌ وسِتُّونَ لَحْظَةً ﴿يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ وعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ﴾ " .
وإسْنادُهُ عِنْدَ ابْنِ جَرِيرٍ: هَكَذا حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ شَهْرِ بْنِ عَسْكَرٍ حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ أخْبَرَنا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطاءٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فَذَكَرَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إنَّ اللَّهَ يَنْزِلُ في ثَلاثِ ساعاتٍ يَبْقَيْنَ مِنَ اللَّيْلِ فَيَفْتَحُ الذِّكْرَ في السّاعَةِ الأُولى مِنها يَنْظُرُ في الذِّكْرِ الَّذِي لا يَنْظُرُ فِيهِ أحَدٌ غَيْرُهُ فَيَمْحُو اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ» الحَدِيثَ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِإسْنادٍ.
قالَ السُّيُوطِيُّ: ضَعِيفٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «يَمْحُو اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ إلّا الشَّقاوَةَ والسَّعادَةَ والحَياةَ والمَماتَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا بِنَحْوِهِ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ «لا يَنْفَعُ الحَذَرُ مِنَ القَدَرِ، ولَكِنَّ اللَّهَ يَمْحُو بِالدُّعاءِ ما يَشاءُ مِنَ القَدَرِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ (p-٧٣٦)قَيْسِ بْنِ عَبّادٍ قالَ العاشِرُ مِن رَجَبٍ وهو يَوْمٌ يَمْحُو اللَّهُ فِيهِ ما يَشاءُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْهُ نَحْوَهُ بِأطْوَلَ مِنهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ قالَ وهو يَطُوفُ بِالبَيْتِ: اللَّهُمَّ إنْ كُنْتَ كَتَبْتَ عَلَيَّ شِقْوَةً أوْ ذَنْبًا فامْحُهُ، فَإنَّكَ تَمْحُو ما تَشاءُ وتُثْبِتُ، وعِنْدَكَ أُمُّ الكِتابِ، فاجْعَلْهُ سَعادَةً ومَغْفِرَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في المَدْخَلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ﴾ قالَ: يُبَدِّلُ اللَّهُ ما يَشاءُ مِنَ القُرْآنِ فَيَنْسَخُهُ، ويُثْبِتُ ما يَشاءُ فَلا يُبَدِّلُهُ ﴿وعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ﴾ يَقُولُ: وجُمْلَةُ ذَلِكَ عِنْدَهُ في أُمِّ الكِتابِ: النّاسِخُ والمَنسُوخُ، ما يُبَدِّلُ، وما يُثْبِتُ - كُلُّ ذَلِكَ في كِتابٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ﴾ قالَ: الذِّكْرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ يَسارٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سَألَ كَعْبًا عَنْ أُمِّ الكِتابِ ؟ فَقالَ: عَلِمَ اللَّهُ ما هو خالِقٌ، وما خَلْقُهُ عالِمُونَ، فَقالَ لِعِلْمِهِ كُنْ كِتابًا، فَكانَ كِتابًا.
الرعد 13:39
.
اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في تَفْسِيرِ الكِتابِ المَذْكُورِ فَقِيلَ: هو التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، والَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أنْزِلُ إلى رَسُولِ اللَّهِ هم مَن أسْلَمَ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى.
وقِيلَ: الَّذِينَ يَفْرَحُونَ هم أهْلُ الكِتابَيْنِ لِكَوْنِ ذَلِكَ مُوافِقًا لِما في كُتُبِهِمْ مُصَدِّقًا لَهُ، فَعَلى الأوَّلِ يَكُونُ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ومِنَ الأحْزابِ مَن يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾ مَن لَمْ يُسْلِمْ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى، وعَلى الثّانِي يَكُونُ المُرادُ بِهِ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ ومَن يُماثِلُهم، أوْ يَكُونُ المُرادُ بِهِ البَعْضَ مِن أهْلِ الكِتابَيْنِ، أيْ: مِن أحْزابِهِما، فَإنَّهم أنْكَرُوهُ لِما يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِن كَوْنِهِ ناسِخًا لِشَرائِعِهِمْ فَيَتَوَجَّهُ فَرَحُ مَن فَرِحَ بِهِ مِنهم إلى ما هو مُوافِقٌ لِما في الكِتابَيْنِ، وإنْكارُ مَن أنْكَرَ مِنهم إلى ما خالَفَهُما، وقِيلَ: المُرادُ بِالكِتابِ القُرْآنُ، والمُرادُ بِمَن يَفْرَحُ بِهِ المُسْلِمُونَ، والمُرادُ بِالأحْزابِ المُتَحَزِّبُونَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِنَ المُشْرِكِينَ واليَهُودِ والنَّصارى، والمُرادُ بِالبَعْضِ الَّذِي أنْكَرُوهُ مَن خالَفَ ما يَعْتَقِدُونَهُ عَلى اخْتِلافِ اعْتِقادِهِمْ.
واعْتُرِضَ عَلى هَذا بِأنَّ فَرَحَ المُسْلِمِينَ بِنُزُولِ القُرْآنِ مَعْلُومٌ فَلا فائِدَةَ في ذِكْرِهِ.
وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّ المُرادَ زِيادَةُ الفَرَحِ والِاسْتِبْشارِ.
وقالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مِن أهْلِ الكِتابِ ساءَهم قِلَّةُ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ في القُرْآنِ مَعَ كَثْرَةِ ذِكْرِهِ في التَّوْراةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: ١١٠]، فَفَرِحُوا بِذَلِكَ، ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ ما يَحْصُلُ بِنُزُولِ القُرْآنِ مِنَ الفَرَحِ لِلْبَعْضِ والإنْكارِ لِلْبَعْضِ صَرَّحَ بِما عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وأمَرَهُ أنْ يَقُولَ لَهم ذَلِكَ، فَقالَ ﴿قُلْ إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ ولا أُشْرِكَ بِهِ﴾ أيْ لا أُشْرِكُ بِهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، أيْ: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ إلْزامًا لِلْحُجَّةِ ورَدًّا لِلْإنْكارِ إنَّما أُمِرْتُ فِيما أُنْزِلَ إلَيَّ بِعِبادَةِ اللَّهِ وتَوْحِيدِهِ، وهَذا أمْرٌ اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ الشَّرائِعُ وتَطابَقَتْ عَلى عَدَمِ إنْكارِهِ جَمِيعُ المِلَلِ المُقْتَدِيَةِ بِالرُّسُلِ، وقَدِ اتَّفَقَ القُرّاءُ عَلى نَصْبِ ولا أُشْرِكَ بِهِ عَطْفًا عَلى أعْبُدَ.
وقَرَأ أبُو خُلَيْدٍ بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، ورَوى هَذِهِ القِراءَةَ عَنْ نافِعٍ إلَيْهِ أدْعُو أيْ إلى اللَّهِ لا إلى غَيْرِهِ أوْ إلى ما أُمِرْتُ بِهِ، وهو عِبادَةُ اللَّهِ وحْدَهُ، والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ وإلَيْهِ مَآبِ فَإنَّ الضَّمِيرَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ، أيْ: إلَيْهِ وحْدَهُ: لا إلى غَيْرِهِ مَرْجِعِي.
ثُمَّ ذَكَرَ بَعْضَ فَضائِلِ القُرْآنِ، وأوْعَدَ عَلى الإعْراضِ عَنِ اتِّباعِهِ مَعَ التَّعَرُّضِ لِرَدِّ ما أنْكَرُوهُ مِنِ اشْتِمالِهِ عَلى نَسْخِ بَعْضِ شَرائِعِهِمْ فَقالَ ﴿وكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الإنْزالِ البَدِيعِ أنْزَلْنا القُرْآنَ مُشْتَمِلًا عَلى أُصُولِ الشَّرائِعِ وفُرُوعِها، وقِيلَ: المَعْنى: وكَما أنْزَلْنا الكُتُبَ عَلى الرُّسُلِ بِلُغاتِهِمْ كَذَلِكَ أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ بِلِسانِ العَرَبِ، ونُرِيدُ بِالحُكْمِ ما فِيهِ مِنَ الأحْكامِ أوْ حِكْمَةٌ عَرَبِيَّةٌ مُتَرْجَمَةٌ بِلِسانِ العَرَبِ، وانْتِصابُ حُكْمًا عَلى الحالِ ﴿ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهُمْ﴾ الَّتِي يَطْلُبُونَ مِنكَ مُوافَقَتَهم عَلَيْها كالِاسْتِمْرارِ مِنكَ عَلى التَّوَجُّهِ إلى قِبْلَتِهِمْ وعَدَمِ مُخالَفَتِكَ لِشَيْءٍ مِمّا يَعْتَقِدُونَهُ ﴿أهْواءَهم بَعْدَما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ﴾ الَّذِي عَلَّمَكَ اللَّهُ إيّاهُ ﴿ما لَكَ مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ مِن جَنابِهِ مِن ولِيٍّ يَلِي أمْرَكَ ويَنْصُرُكَ ﴿ولا واقٍ﴾ يَقِيكَ مِن عَذابِهِ، والخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ تَعْرِيضٌ لِأُمَّتِهِ، واللّامُ في ولَئِنِ اتَّبَعَتْ هي المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ.
و( ما لَكَ ) سادٌّ مَسَدَّ جَوابِ القَسَمِ والشَّرْطِ.
﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلًا مِن قَبْلِكَ وجَعَلْنا لَهم أزْواجًا وذُرِّيَّةً﴾ أيْ إنَّ الرُّسُلَ الَّذِينَ أرْسَلْناهم قَبْلَكَ هم مِن جِنْسِ البَشَرِ، لَهم أزْواجٌ مِنَ النِّساءِ ولَهم ذُرِّيَّةٌ تَوالَدُوا مِنهم ومِن أزْواجِهِمْ، ولَمْ نُرْسِلِ الرُّسُلَ مِنَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ لا يَتَزَوَّجُونَ ولا يَكُونُ لَهم ذُرِّيَّةٌ.
وفِي هَذا رَدٌّ عَلى مَن كانَ يُنْكِرُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ تَزَوُّجَهُ بِالنِّساءِ، أيْ: أنَّ هَذا شَأْنُ رُسُلِ اللَّهِ المُرْسَلِينَ قَبْلَ هَذا الرَّسُولِ فَما بالُكم تُنْكِرُونَ عَلَيْهِ ما كانُوا عَلَيْهِ ﴿وما كانَ لِرَسُولٍ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ أيْ لَمْ يَكُنْ لِرَسُولٍ مِنَ الرُّسُلِ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ مِنَ الآياتِ، ومِن جُمْلَتِها ما اقْتَرَحَهُ عَلَيْهِ الكُفّارُ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ سُبْحانَهُ.
وفِيهِ رَدٌّ عَلى الكُفّارِ حَيْثُ اقْتَرَحُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِنَ الآياتِ ما اقْتَرَحُوا بِما سَبَقَ ذِكْرُهُ ﴿لِكُلِّ أجَلٍ كِتابٌ﴾ أيْ لِكُلِّ أمْرٍ مِمّا قَضاهُ اللَّهُ، أوْ لِكُلِّ وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ الَّتِي قَضى اللَّهُ بِوُقُوعِ أمْرٍ فِيها كِتابٌ عِنْدَ اللَّهِ يَكْتُبُهُ عَلى عِبادِهِ ويَحْكُمُ بِهِ فِيهِمْ.
وقالَ الفَرّاءُ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ.
والمَعْنى: لِكُلِّ كِتابٍ أجَلٌ، أيْ: لِكُلِّ أمْرٍ كَتَبَهُ اللَّهُ أجْلٌ مُؤَجَّلٌ ووَقْتٌ مَعْلُومٌ كَقَوْلِهِ (p-٧٣٥)سُبْحانَهُ: ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ﴾ [الأنعام: ٦٧]، ولَيْسَ الأمْرُ عَلى حَسَبِ إرادَةِ الكُفّارِ واقْتِراحاتِهِمْ: بَلْ عَلى حَسَبِ ما يَشاؤُهُ ويَخْتارُهُ.
﴿يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ﴾ أيْ يَمْحُو مِن ذَلِكَ الكِتابِ ويُثْبِتُ ما يَشاءُ مِنهُ، يُقالُ مَحَوْتُ الكِتابَ مَحْوًا إذا أذْهَبْتَ أثَرَهُ.
قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ ويُثَبِّتَ بِالتَّخْفِيفِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ وأبُو عُبَيْدٍ.
وظاهِرُ النَّظْمِ القُرْآنِيِّ العُمُومُ في كُلِّ شَيْءٍ مِمّا في الكِتابِ فَيَمْحُو ما يَشاءُ مَحْوَهُ مِن شَقاوَةٍ أوْ سَعادَةٍ أوْ رِزْقٍ أوْ عُمُرٍ أوْ خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، ويُبْدِلُ هَذا بِهَذا، ويَجْعَلُ هَذا مَكانَ هَذا ﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ وهم يُسْألُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]، وإلى هَذا ذَهَبَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ وأبُو وائِلٍ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ وابْنُ جُرَيْجٍ وغَيْرُهم، وقِيلَ: الآيَةُ خاصَّةٌ بِالسَّعادَةِ والشَّقاوَةِ، وقِيلَ: يَمْحُو ما يَشاءُ مِن دِيوانِ الحَفَظَةِ، وهو ما لَيْسَ فِيهِ ثَوابٌ ولا عِقابٌ ويُثْبِتُ ما فِيهِ الثَّوابُ والعِقابُ، وقِيلَ: يَمْحُو ما يَشاءُ مِنَ الرِّزْقِ، وقِيلَ: يَمْحُو مِنَ الأجَلِ، وقِيلَ: يَمْحُو ما يَشاءُ مِنَ الشَّرائِعِ فَيَنْسَخُهُ ويُثْبِتُ ما يَشاءُ فَلا يَنْسَخُهُ، وقِيلَ: يَمْحُو ما يَشاءُ مِن ذُنُوبِ عِبادِهِ ويَتْرُكُ ما يَشاءُ، وقِيلَ: يَمْحُو ما يَشاءُ مِنَ الذُّنُوبِ بِالتَّوْبَةِ ويَتْرُكُ ما يَشاءُ مِنها مَعَ عَدَمِ التَّوْبَةِ، وقِيلَ: يَمْحُو الآباءَ ويُثْبِتُ الأبْناءُ، وقِيلَ: يَمْحُو القَمَرَ ويُثْبِتُ الشَّمْسَ كَقَوْلِهِ: ﴿فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ١٢]، وقِيلَ: يَمْحُو ما يَشاءُ مِنَ الأرْواحِ الَّتِي يَقْبِضُها حالَ النَّوْمِ فَيُمِيتُ صاحِبَهُ ويُثْبِتُ ما يَشاءُ فَيَرُدُّهُ إلى صاحِبِهِ، وقِيلَ: يَمْحُو ما يَشاءُ مِنَ القُرُونِ ويُثْبِتُ ما يَشاءُ مِنها، وقِيلَ: يَمْحُو الدُّنْيا ويُثْبِتُ الآخِرَةَ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا لا حاجَةَ إلى ذِكْرِهِ، والأوَّلُ أوْلى كَما تُفِيدُهُ ( ما ) في قَوْلِهِ: ما يَشاءُ مِنَ العُمُومِ مَعَ تَقَدُّمِ ذِكْرِ الكِتابِ في قَوْلِهِ ﴿لِكُلِّ أجَلٍ كِتابٌ﴾ ومَعَ قَوْلِهِ ﴿وعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ﴾ أيْ أصْلُهُ، وهو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، فالمُرادُ مِنَ الآيَةِ أنَّهُ يَمْحُو ما يَشاءُ مِمّا في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ فَيَكُونُ كالعَدَمِ، ويُثْبِتُ ما يَشاءُ مِمّا فِيهِ فَيَجْرِي فِيهِ قَضاؤُهُ وقَدَرُهُ عَلى حَسَبِ ما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ، وهَذا لا يُنافِي ما ثَبَتَ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِن قَوْلِهِ: «جَفَّ القَلَمُ» وذَلِكَ لِأنَّ المَحْوَ والإثْباتَ هو مِن جُمْلَةِ ما قَضاهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ، وقِيلَ: إنَّ أُمَّ الكِتابِ هو عِلْمُ اللَّهِ تَعالى بِما خَلَقَ وما هو خالِقٌ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ قالَ: أُولَئِكَ أصْحابُ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَرِحُوا بِكِتابِ اللَّهِ وبِرَسُولِهِ وصَدَّقُوا بِهِ ﴿ومِنَ الأحْزابِ مَن يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾ يَعْنِي اليَهُودَ والنَّصارى والمَجُوسَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في الآيَةِ: قالَ هَؤُلاءِ مَن آمَنَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِن أهْلِ الكِتابِ يَفْرَحُونَ بِذَلِكَ، ومِنهم مَن يُؤْمِنُ بِهِ، ومِنهم مَن لا يُؤْمِنُ بِهِ ﴿ومِنَ الأحْزابِ مَن يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾ قالَ: الأحْزابُ الأُمَمُ اليَهُودُ والنَّصارى والمَجُوسُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وإلَيْهِ مَآبِ﴾ قالَ: إلَيْهِ مَصِيرُ كُلِّ عَبْدٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ قَتادَةَ عَنِ الحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ قالَ: «نَهى رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَنِ التَّبَتُّلِ» .
وقَرَأ قَتادَةُ ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلًا مِن قَبْلِكَ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشامٍ قالَ: دَخَلْتُ عَلى عائِشَةَ فَقُلْتُ: إنِّي أُرِيدُ أنْ أتَبَتَّلَ ؟ قالَتْ: لا تَفْعَلْ، أما سَمِعْتَ اللَّهَ يَقُولُ ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلًا مِن قَبْلِكَ وجَعَلْنا لَهم أزْواجًا وذُرِّيَّةً﴾ وقَدْ ورَدَ في النَّهْيِ عَنِ التَّبَتُّلِ والتَّرْغِيبِ في النِّكاحِ ما هو مَعْرُوفٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: قالَتْ قُرَيْشٌ حِينَ أُنْزِلَ ﴿وما كانَ لِرَسُولٍ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ ما نَراكَ يا مُحَمَّدُ تَمْلِكُ مِن شَيْءٍ، ولَقَدْ فُرِغَ مِنَ الأمْرِ، فَأُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ تَخْوِيفًا لَهم ووَعِيدًا لَهم ﴿يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ﴾ إنّا إنْ شِئْنا أحْدَثْنا لَهُ مِن أمْرِنا شَيْئًا، ويُحْدِثُ اللَّهُ في كُلِّ رَمَضانَ فَيَمْحُو ما يَشاءُ ويُثْبِتُ مِن أرْزاقِ النّاسِ ومَصائِبِهِمْ وما يُعْطِيهِمْ وما يَقْسِمُ لَهم.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والفِرْيابِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ نَصْرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ ﴿يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ﴾ قالَ: يَنْزِلُ اللَّهُ في كُلِّ شَهْرِ رَمَضانَ إلى سَماءِ الدُّنْيا، فَيُدَبِّرُ أمْرَ السَّنَةِ إلى السَّنَةِ فَيَمْحُو ما يَشاءُ ويُثْبِتُ إلّا الشَّقاوَةَ والسَّعادَةَ والحَياةَ والمَوْتَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: هو الرَّجُلُ يَعْمَلُ الزَّمانَ بِطاعَةِ اللَّهِ، ثُمَّ يَعُودُ لِمَعْصِيَةِ اللَّهِ فَيَمُوتُ عَلى ضَلالَةٍ، فَهو الَّذِي يَمْحُو، والَّذِي يُثْبِتُ الرَّجُلُ يَعْمَلُ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ وقَدْ سَبَقَ لَهُ خَيْرٌ حَتّى يَمُوتَ عَلى طاعَةِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ ومُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: هُما كِتابانِ يَمْحُو اللَّهُ ما يَشاءُ مِن أحَدِهِما ويُثْبِتُ، ﴿وعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ﴾، أيْ: جُمْلَةُ الكِتابِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ " إنَّ لِلَّهِ لَوْحًا مَحْفُوظًا مَسِيرَةَ خَمْسِمِائَةِ عامٍ مِن دُرَّةٍ بَيْضاءَ لَهُ دَفَّتانِ مِن ياقُوتٍ، والدَّفَّتانِ لَوْحانِ لِلَّهِ كُلَّ يَوْمٍ ثَلاثٌ وسِتُّونَ لَحْظَةً ﴿يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ وعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ﴾ " .
وإسْنادُهُ عِنْدَ ابْنِ جَرِيرٍ: هَكَذا حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ شَهْرِ بْنِ عَسْكَرٍ حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ أخْبَرَنا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطاءٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فَذَكَرَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إنَّ اللَّهَ يَنْزِلُ في ثَلاثِ ساعاتٍ يَبْقَيْنَ مِنَ اللَّيْلِ فَيَفْتَحُ الذِّكْرَ في السّاعَةِ الأُولى مِنها يَنْظُرُ في الذِّكْرِ الَّذِي لا يَنْظُرُ فِيهِ أحَدٌ غَيْرُهُ فَيَمْحُو اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ» الحَدِيثَ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِإسْنادٍ.
قالَ السُّيُوطِيُّ: ضَعِيفٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «يَمْحُو اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ إلّا الشَّقاوَةَ والسَّعادَةَ والحَياةَ والمَماتَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا بِنَحْوِهِ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ «لا يَنْفَعُ الحَذَرُ مِنَ القَدَرِ، ولَكِنَّ اللَّهَ يَمْحُو بِالدُّعاءِ ما يَشاءُ مِنَ القَدَرِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ (p-٧٣٦)قَيْسِ بْنِ عَبّادٍ قالَ العاشِرُ مِن رَجَبٍ وهو يَوْمٌ يَمْحُو اللَّهُ فِيهِ ما يَشاءُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْهُ نَحْوَهُ بِأطْوَلَ مِنهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ قالَ وهو يَطُوفُ بِالبَيْتِ: اللَّهُمَّ إنْ كُنْتَ كَتَبْتَ عَلَيَّ شِقْوَةً أوْ ذَنْبًا فامْحُهُ، فَإنَّكَ تَمْحُو ما تَشاءُ وتُثْبِتُ، وعِنْدَكَ أُمُّ الكِتابِ، فاجْعَلْهُ سَعادَةً ومَغْفِرَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في المَدْخَلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ﴾ قالَ: يُبَدِّلُ اللَّهُ ما يَشاءُ مِنَ القُرْآنِ فَيَنْسَخُهُ، ويُثْبِتُ ما يَشاءُ فَلا يُبَدِّلُهُ ﴿وعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ﴾ يَقُولُ: وجُمْلَةُ ذَلِكَ عِنْدَهُ في أُمِّ الكِتابِ: النّاسِخُ والمَنسُوخُ، ما يُبَدِّلُ، وما يُثْبِتُ - كُلُّ ذَلِكَ في كِتابٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ﴾ قالَ: الذِّكْرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ يَسارٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سَألَ كَعْبًا عَنْ أُمِّ الكِتابِ ؟ فَقالَ: عَلِمَ اللَّهُ ما هو خالِقٌ، وما خَلْقُهُ عالِمُونَ، فَقالَ لِعِلْمِهِ كُنْ كِتابًا، فَكانَ كِتابًا.
الرعد 13:40
.
وإمّا نُرِيَنَّكَ " ما " زائِدَةٌ، وأصْلُهُ: وإنْ نُرِكَ ﴿بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ مِنَ العَذابِ كَما وعَدْناهم بِذَلِكَ بِقَوْلِنا: ﴿لَهم عَذابٌ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [الرعد: ٣٤]، وبِقَوْلِنا ﴿ولا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهم بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ﴾ [الرعد: ٣١]، والمُرادُ أرَيْناكَ بَعْضَ ما نَعِدُهم قَبْلَ مَوْتِكَ، أوْ تَوَفَّيْناكَ قَبْلَ إراءَتِكَ لِذَلِكَ، ﴿فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ﴾ أيْ فَلَيْسَ عَلَيْكَ إلّا تَبْلِيغُ أحْكامِ الرِّسالَةِ، ولا يَلْزَمُكَ حُصُولُ الإجابَةِ مِنهم لِما بَلَّغْتَهُ إلَيْهِمْ ﴿وعَلَيْنا الحِسابُ﴾ أيْ مُحاسَبَتُهم بِأعْمالِهِمْ ومُجازاتِهِمْ عَلَيْها، ولَيْسَ ذَلِكَ عَلَيْكَ، وهَذا تَسْلِيَةٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِرَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وإخْبارٌ لَهُ أنَّهُ قَدْ فَعَلَ ما أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ، ولَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وأنَّ مَن لَمْ يُجِبْ دَعْوَتَهُ، ويُصَدِّقْ نُبُوَّتَهُ فاللَّهُ سُبْحانَهُ مُحاسِبُهُ عَلى ما اجْتَرَمَ واجْتَرَأ عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ.
أوَلَمْ يَرَوْا يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ، أيْ: أوَلَمْ يَنْظُرُوا ﴿أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها﴾ أيْ نَأْتِي أرْضَ الكُفْرِ كَمَكَّةَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها بِالفُتُوحِ عَلى المُسْلِمِينَ مِنها شَيْئًا فَشَيْئًا.
قالَ الزَّجّاجُ: أعْلَمَ اللَّهُ أنَّ بَيانَ ما وعَدَ المُشْرِكِينَ مِن قَهْرِهِمْ قَدْ ظَهَرَ، يَقُولُ: أوَلَمْ يَرَوْا أنّا فَتَحْنا عَلى المُسْلِمِينَ مِنَ الأرْضِ ما قَدْ تَبَيَّنَ لَهم، فَكَيْفَ لا يَعْتَبِرُونَ ؟ وقِيلَ: إنَّ مَعْنى الآيَةِ: مَوْتُ العُلَماءِ والصُّلَحاءِ.
قالَ القُشَيْرِيُّ: وعَلى هَذا فالأطْرافُ الأشْرافُ، وقَدْ قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: الطَّرَفُ الرَّجُلُ الكَرِيمُ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: وهَذا القَوْلُ بِعِيدٌ، لِأنَّ مَقْصُودَ الآيَةِ: أنّا أرَيْناهُمُ النُّقْصانَ في أمْرِهِمْ لِيَعْلَمُوا أنَّ تَأْخِيرَ العِقابِ عَنْهم لَيْسَ عَنْ عَجْزٍ إلّا أنْ يُحْمَلَ عَلى مَوْتِ أحْبارِ اليَهُودِ والنَّصارى وقِيلَ: المُرادُ مِنَ الآيَةِ: خَرابُ الأرْضِ المَعْمُورَةِ حَتّى يَكُونَ العُمْرانُ في ناحِيَةٍ مِنها، وقِيلَ: المُرادُ بِالآيَةِ: هَلاكُ مَن هَلَكَ مِنَ الأُمَمِ، وقِيلَ: المُرادُ: نَقْصُ ثَمَراتِ الأرْضِ، وقِيلَ: المُرادُ: جَوْرُ وُلاتِها حَتّى تَنْقُصَ ﴿واللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ أيْ يَحْكُمُ ما يَشاءُ في خَلْقِهِ، فَيَرْفَعُ هَذا ويَضَعُ هَذا، ويُحْيِي هَذا ويُمِيتُ هَذا، ويُغْنِي هَذا ويُفْقِرُ هَذا، وقَدْ حَكَمَ بِعِزَّةِ الإسْلامِ وعُلُوِّهِ عَلى الأدْيانِ، وجُمْلَةُ ﴿لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وقِيلَ: مُعْتَرِضَةٌ: والمُعَقِّبُ: الَّذِي يَكُرُّ عَلى الشَّيْءِ فَيُبْطِلُهُ، وحَقِيقَتُهُ الَّذِي يُقَفِّيهِ بِالرَّدِّ والإبْطالِ.
قالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ لا رادَّ لِحُكْمِهِ: قالَ: والمُعَقِّبُ الَّذِي يَتْبَعُ الشَّيْءَ فَيَسْتَدْرِكُهُ، ولا يَسْتَدْرِكُ أحَدٌ عَلَيْهِ، والمُرادُ مِنَ الآيَةِ أنَّهُ لا يَتَعَقَّبُ أحَدٌ حُكْمَ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِنَقْصٍ ولا تَغْيِيرٍ ﴿وهُوَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ فَيُجازِي المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ، والمُسِيءَ بِإساءَتِهِ عَلى السُّرْعَةِ.
﴿وقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ المَكْرُ جَمِيعًا﴾ أيْ قَدْ مَكَرَ الكُفّارُ الَّذِينَ مِن قَبْلِ كَفّارِ مَكَّةَ بِمَن أرْسَلَهُ اللَّهُ إلَيْهِمْ مِنَ الرُّسُلِ فَكادُوهم وكَفَرُوا بِهِمْ، وهَذا تَسْلِيَةٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِرَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ حَيْثُ أخْبَرَهُ أنَّ هَذا دَيْدَنُ الكُفّارِ مِن قَدِيمِ الزَّمانِ مَعَ رُسُلِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، ثُمَّ أخْبَرَهُ بِأنَّ مَكْرَهم هَذا كالعَدَمِ، وأنَّ المَكْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ، فَقالَ ﴿فَلِلَّهِ المَكْرُ جَمِيعًا﴾ لا اعْتِدادَ بِمَكْرِ غَيْرِهِ، ثُمَّ فَسَّرَ سُبْحانَهُ هَذا المَكْرَ الثّابِتَ لَهُ دُونَ غَيْرِهِ، فَقالَ: ﴿يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ﴾ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ فَيُجازِيها عَلى ذَلِكَ، ومَن عَلِمَ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وأعَدَّ لَها جَزاءَها كانَ المَكْرُ كُلُّهُ لَهُ، لِأنَّهُ يَأْتِيهِمْ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ.
وقالَ الواحِدِيُّ: إنَّ مَكْرَ الماكِرِينَ مَخْلُوقٌ فَلا يَضُرُّ إلّا بِإرادَتِهِ، وقِيلَ: فالمَعْنى: فَلِلَّهِ جَزاءُ مَكْرِ الماكِرِينَ " وسَيَعْلَمُ الكافِرُ لِمَن عُقْبى الدّارِ " قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو " الكافِرُ " بِالإفْرادِ، وقَرَأ الباقُونَ الكُفّارَ بِالجَمْعِ، أيْ: سَيَعْلَمُ جِنْسُ الكافِرِ لِمَنِ العاقِبَةُ المَحْمُودَةُ مِنَ الفَرِيقَيْنِ في دارِ الدُّنْيا، أوْ في الدّارِ الآخِرَةِ، أوْ فِيهِما، وقِيلَ: المُرادُ بِالكافِرِ: أبُو جَهْلٍ.
﴿ويَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا﴾ أيْ يَقُولُ المُشْرِكُونَ أوْ جَمِيعُ الكُفّارِ: لَسْتَ يا مُحَمَّدُ مُرْسَلًا إلى النّاسِ مِنَ اللَّهِ، فَأمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِأنْ يُجِيبَ عَلَيْهِمْ، فَقالَ: ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ فَهو يَعْلَمُ صِحَّةَ رِسالَتِي، وصِدْقَ دَعَواتِي، ويَعْلَمُ كَذِبَكم ﴿ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ أيْ عِلْمُ جِنْسِ الكِتابِ كالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ، فَإنَّ أهْلَهُما العالِمِينَ بِهِما يَعْلَمُونَ صِحَّةَ رِسالَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وقَدْ أخْبَرَ بِذَلِكَ مَن أسْلَمَ مِنهم كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وسَلْمانَ الفارِسِيِّ وتَمِيمٍ الدّارِيِّ ونَحْوِهِمْ، وقَدْ كانَ المُشْرِكُونَ مِنَ العَرَبِ يَسْألُونَ أهْلَ الكِتابِ ويَرْجِعُونَ إلَيْهِمْ، فَأرْشَدَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ في هَذِهِ الآيَةِ إلى أنَّ أهْلَ الكِتابِ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالكِتابِ القُرْآنُ ومَن عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنهُ هُمُ المُسْلِمُونَ، وقِيلَ: المُرادُ مَن عِنْدَهُ عِلْمُ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ (p-٧٣٧)واخْتارَ هَذا الزَّجّاجُ وقالَ: لِأنَّ الأشْبَهَ أنَّ اللَّهَ لا يَسْتَشْهِدُ عَلى خَلْقِهِ بِغَيْرِهِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿نَنْقُصُها مِن أطْرافِها﴾ قالَ: ذَهابُ العُلَماءِ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ ونَعِيمُ بْنُ حَمّادٍ في الفِتَنِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿نَنْقُصُها مِن أطْرافِها﴾ قالَ: مَوْتُ عُلَمائِها وفُقَهائِها وذَهابُ خِيارِ أهْلِها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في تَفْسِيرِ الآيَةِ قالَ: مَوْتُ العُلَماءِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: أوَلَمْ يَرَوْا أنا نَفْتَحُ لِمُحَمَّدٍ الأرْضَ بَعْدَ الأرْضِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقٍ أُخْرى عَنْهُ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ في الآيَةِ قالَ: يَعْنِي أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ كانَ يُنْتَقَصُ لَهُ ما حَوْلَهُ مِنَ الأرَضِينَ يَنْظُرُونَ إلى ذَلِكَ فَلا يَعْتَبِرُونَ.
وقالَ اللَّهُ في سُورَةِ الأنْبِياءِ ﴿نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها أفَهُمُ الغالِبُونَ﴾ [الأنبياء: ٤٤] .
بَلْ نَبِيُّ اللَّهِ وأصْحابُهُ هُمُ الغالِبُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: نُقْصانُ أهْلِها وبِرْكَتِها.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: إنَّما تَنْقُصُ الأنْفُسُ والثَّمَراتُ وأمّا الأرْضُ فَلا تَنْقُصُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: أوَلَمْ يَرَوْا إلى القَرْيَةِ تُخَرَّبُ حَتّى يَكُونَ العُمْرانُ في ناحِيَةٍ مِنها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ ﴿واللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ لَيْسَ أحَدٌ يَتَعَقَّبُ حُكْمَهُ فَيَرُدُّهُ كَما يَتَعَقَّبُ أهْلُ الدُّنْيا بَعْضُهم حُكْمَ بَعْضٍ فَيَرُدُّهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قَدِمَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أُسْقُفٌ مِنَ اليَمَنِ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: هَلْ تَجِدُنِي في الإنْجِيلِ ؟ قالَ: لا، فَأنْزَلَ اللَّهُ» ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ .
يَقُولُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ، وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ جُنْدَبٍ قالَ: جاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ حَتّى أخَذَ بِعِضادَتَيْ بابِ المَسْجِدِ، ثُمَّ قالَ: أنْشُدُكم بِاللَّهِ أتَعْلَمُونَ أنِّي الَّذِي أُنْزِلَتْ فِيَّ ﴿ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ ؟ قالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقٍ أُخْرى عَنْهُ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ قالَ: هم أهْلُ الكِتابِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ في الآيَةِ قالَ: كانَ قَوْمٌ مِن أهْلِ الكِتابِ يَشْهَدُونَ بِالحَقِّ ويَعْرِفُونَهُ، مِنهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ والجارُودُ وتَمِيمٌ الدّارِيُّ وسَلْمانُ الفارِسِيُّ.
وأخْرَجَ أبُو يَعْلى وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَدِيٍّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قَرَأ ﴿ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ قالَ: ومِن عِنْدِ اللَّهِ عِلْمُ الكِتابِ» .
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ ﴿ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ يَقُولُ: ومِن عِنْدِ اللَّهِ عِلْمُ الكِتابِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والنَّحّاسُ في ناسِخِهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ أهْوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ ؟ قالَ: كَيْفَ وهَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ ؟ وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ ما نَزَلَ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ شَيْءٌ مِنَ القُرْآنِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ قالَ: جِبْرِيلُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: هو اللَّهُ.
الرعد 13:41
.
وإمّا نُرِيَنَّكَ " ما " زائِدَةٌ، وأصْلُهُ: وإنْ نُرِكَ ﴿بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ مِنَ العَذابِ كَما وعَدْناهم بِذَلِكَ بِقَوْلِنا: ﴿لَهم عَذابٌ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [الرعد: ٣٤]، وبِقَوْلِنا ﴿ولا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهم بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ﴾ [الرعد: ٣١]، والمُرادُ أرَيْناكَ بَعْضَ ما نَعِدُهم قَبْلَ مَوْتِكَ، أوْ تَوَفَّيْناكَ قَبْلَ إراءَتِكَ لِذَلِكَ، ﴿فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ﴾ أيْ فَلَيْسَ عَلَيْكَ إلّا تَبْلِيغُ أحْكامِ الرِّسالَةِ، ولا يَلْزَمُكَ حُصُولُ الإجابَةِ مِنهم لِما بَلَّغْتَهُ إلَيْهِمْ ﴿وعَلَيْنا الحِسابُ﴾ أيْ مُحاسَبَتُهم بِأعْمالِهِمْ ومُجازاتِهِمْ عَلَيْها، ولَيْسَ ذَلِكَ عَلَيْكَ، وهَذا تَسْلِيَةٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِرَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وإخْبارٌ لَهُ أنَّهُ قَدْ فَعَلَ ما أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ، ولَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وأنَّ مَن لَمْ يُجِبْ دَعْوَتَهُ، ويُصَدِّقْ نُبُوَّتَهُ فاللَّهُ سُبْحانَهُ مُحاسِبُهُ عَلى ما اجْتَرَمَ واجْتَرَأ عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ.
أوَلَمْ يَرَوْا يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ، أيْ: أوَلَمْ يَنْظُرُوا ﴿أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها﴾ أيْ نَأْتِي أرْضَ الكُفْرِ كَمَكَّةَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها بِالفُتُوحِ عَلى المُسْلِمِينَ مِنها شَيْئًا فَشَيْئًا.
قالَ الزَّجّاجُ: أعْلَمَ اللَّهُ أنَّ بَيانَ ما وعَدَ المُشْرِكِينَ مِن قَهْرِهِمْ قَدْ ظَهَرَ، يَقُولُ: أوَلَمْ يَرَوْا أنّا فَتَحْنا عَلى المُسْلِمِينَ مِنَ الأرْضِ ما قَدْ تَبَيَّنَ لَهم، فَكَيْفَ لا يَعْتَبِرُونَ ؟ وقِيلَ: إنَّ مَعْنى الآيَةِ: مَوْتُ العُلَماءِ والصُّلَحاءِ.
قالَ القُشَيْرِيُّ: وعَلى هَذا فالأطْرافُ الأشْرافُ، وقَدْ قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: الطَّرَفُ الرَّجُلُ الكَرِيمُ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: وهَذا القَوْلُ بِعِيدٌ، لِأنَّ مَقْصُودَ الآيَةِ: أنّا أرَيْناهُمُ النُّقْصانَ في أمْرِهِمْ لِيَعْلَمُوا أنَّ تَأْخِيرَ العِقابِ عَنْهم لَيْسَ عَنْ عَجْزٍ إلّا أنْ يُحْمَلَ عَلى مَوْتِ أحْبارِ اليَهُودِ والنَّصارى وقِيلَ: المُرادُ مِنَ الآيَةِ: خَرابُ الأرْضِ المَعْمُورَةِ حَتّى يَكُونَ العُمْرانُ في ناحِيَةٍ مِنها، وقِيلَ: المُرادُ بِالآيَةِ: هَلاكُ مَن هَلَكَ مِنَ الأُمَمِ، وقِيلَ: المُرادُ: نَقْصُ ثَمَراتِ الأرْضِ، وقِيلَ: المُرادُ: جَوْرُ وُلاتِها حَتّى تَنْقُصَ ﴿واللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ أيْ يَحْكُمُ ما يَشاءُ في خَلْقِهِ، فَيَرْفَعُ هَذا ويَضَعُ هَذا، ويُحْيِي هَذا ويُمِيتُ هَذا، ويُغْنِي هَذا ويُفْقِرُ هَذا، وقَدْ حَكَمَ بِعِزَّةِ الإسْلامِ وعُلُوِّهِ عَلى الأدْيانِ، وجُمْلَةُ ﴿لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وقِيلَ: مُعْتَرِضَةٌ: والمُعَقِّبُ: الَّذِي يَكُرُّ عَلى الشَّيْءِ فَيُبْطِلُهُ، وحَقِيقَتُهُ الَّذِي يُقَفِّيهِ بِالرَّدِّ والإبْطالِ.
قالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ لا رادَّ لِحُكْمِهِ: قالَ: والمُعَقِّبُ الَّذِي يَتْبَعُ الشَّيْءَ فَيَسْتَدْرِكُهُ، ولا يَسْتَدْرِكُ أحَدٌ عَلَيْهِ، والمُرادُ مِنَ الآيَةِ أنَّهُ لا يَتَعَقَّبُ أحَدٌ حُكْمَ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِنَقْصٍ ولا تَغْيِيرٍ ﴿وهُوَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ فَيُجازِي المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ، والمُسِيءَ بِإساءَتِهِ عَلى السُّرْعَةِ.
﴿وقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ المَكْرُ جَمِيعًا﴾ أيْ قَدْ مَكَرَ الكُفّارُ الَّذِينَ مِن قَبْلِ كَفّارِ مَكَّةَ بِمَن أرْسَلَهُ اللَّهُ إلَيْهِمْ مِنَ الرُّسُلِ فَكادُوهم وكَفَرُوا بِهِمْ، وهَذا تَسْلِيَةٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِرَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ حَيْثُ أخْبَرَهُ أنَّ هَذا دَيْدَنُ الكُفّارِ مِن قَدِيمِ الزَّمانِ مَعَ رُسُلِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، ثُمَّ أخْبَرَهُ بِأنَّ مَكْرَهم هَذا كالعَدَمِ، وأنَّ المَكْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ، فَقالَ ﴿فَلِلَّهِ المَكْرُ جَمِيعًا﴾ لا اعْتِدادَ بِمَكْرِ غَيْرِهِ، ثُمَّ فَسَّرَ سُبْحانَهُ هَذا المَكْرَ الثّابِتَ لَهُ دُونَ غَيْرِهِ، فَقالَ: ﴿يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ﴾ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ فَيُجازِيها عَلى ذَلِكَ، ومَن عَلِمَ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وأعَدَّ لَها جَزاءَها كانَ المَكْرُ كُلُّهُ لَهُ، لِأنَّهُ يَأْتِيهِمْ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ.
وقالَ الواحِدِيُّ: إنَّ مَكْرَ الماكِرِينَ مَخْلُوقٌ فَلا يَضُرُّ إلّا بِإرادَتِهِ، وقِيلَ: فالمَعْنى: فَلِلَّهِ جَزاءُ مَكْرِ الماكِرِينَ " وسَيَعْلَمُ الكافِرُ لِمَن عُقْبى الدّارِ " قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو " الكافِرُ " بِالإفْرادِ، وقَرَأ الباقُونَ الكُفّارَ بِالجَمْعِ، أيْ: سَيَعْلَمُ جِنْسُ الكافِرِ لِمَنِ العاقِبَةُ المَحْمُودَةُ مِنَ الفَرِيقَيْنِ في دارِ الدُّنْيا، أوْ في الدّارِ الآخِرَةِ، أوْ فِيهِما، وقِيلَ: المُرادُ بِالكافِرِ: أبُو جَهْلٍ.
﴿ويَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا﴾ أيْ يَقُولُ المُشْرِكُونَ أوْ جَمِيعُ الكُفّارِ: لَسْتَ يا مُحَمَّدُ مُرْسَلًا إلى النّاسِ مِنَ اللَّهِ، فَأمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِأنْ يُجِيبَ عَلَيْهِمْ، فَقالَ: ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ فَهو يَعْلَمُ صِحَّةَ رِسالَتِي، وصِدْقَ دَعَواتِي، ويَعْلَمُ كَذِبَكم ﴿ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ أيْ عِلْمُ جِنْسِ الكِتابِ كالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ، فَإنَّ أهْلَهُما العالِمِينَ بِهِما يَعْلَمُونَ صِحَّةَ رِسالَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وقَدْ أخْبَرَ بِذَلِكَ مَن أسْلَمَ مِنهم كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وسَلْمانَ الفارِسِيِّ وتَمِيمٍ الدّارِيِّ ونَحْوِهِمْ، وقَدْ كانَ المُشْرِكُونَ مِنَ العَرَبِ يَسْألُونَ أهْلَ الكِتابِ ويَرْجِعُونَ إلَيْهِمْ، فَأرْشَدَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ في هَذِهِ الآيَةِ إلى أنَّ أهْلَ الكِتابِ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالكِتابِ القُرْآنُ ومَن عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنهُ هُمُ المُسْلِمُونَ، وقِيلَ: المُرادُ مَن عِنْدَهُ عِلْمُ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ (p-٧٣٧)واخْتارَ هَذا الزَّجّاجُ وقالَ: لِأنَّ الأشْبَهَ أنَّ اللَّهَ لا يَسْتَشْهِدُ عَلى خَلْقِهِ بِغَيْرِهِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿نَنْقُصُها مِن أطْرافِها﴾ قالَ: ذَهابُ العُلَماءِ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ ونَعِيمُ بْنُ حَمّادٍ في الفِتَنِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿نَنْقُصُها مِن أطْرافِها﴾ قالَ: مَوْتُ عُلَمائِها وفُقَهائِها وذَهابُ خِيارِ أهْلِها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في تَفْسِيرِ الآيَةِ قالَ: مَوْتُ العُلَماءِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: أوَلَمْ يَرَوْا أنا نَفْتَحُ لِمُحَمَّدٍ الأرْضَ بَعْدَ الأرْضِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقٍ أُخْرى عَنْهُ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ في الآيَةِ قالَ: يَعْنِي أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ كانَ يُنْتَقَصُ لَهُ ما حَوْلَهُ مِنَ الأرَضِينَ يَنْظُرُونَ إلى ذَلِكَ فَلا يَعْتَبِرُونَ.
وقالَ اللَّهُ في سُورَةِ الأنْبِياءِ ﴿نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها أفَهُمُ الغالِبُونَ﴾ [الأنبياء: ٤٤] .
بَلْ نَبِيُّ اللَّهِ وأصْحابُهُ هُمُ الغالِبُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: نُقْصانُ أهْلِها وبِرْكَتِها.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: إنَّما تَنْقُصُ الأنْفُسُ والثَّمَراتُ وأمّا الأرْضُ فَلا تَنْقُصُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: أوَلَمْ يَرَوْا إلى القَرْيَةِ تُخَرَّبُ حَتّى يَكُونَ العُمْرانُ في ناحِيَةٍ مِنها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ ﴿واللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ لَيْسَ أحَدٌ يَتَعَقَّبُ حُكْمَهُ فَيَرُدُّهُ كَما يَتَعَقَّبُ أهْلُ الدُّنْيا بَعْضُهم حُكْمَ بَعْضٍ فَيَرُدُّهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قَدِمَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أُسْقُفٌ مِنَ اليَمَنِ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: هَلْ تَجِدُنِي في الإنْجِيلِ ؟ قالَ: لا، فَأنْزَلَ اللَّهُ» ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ .
يَقُولُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ، وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ جُنْدَبٍ قالَ: جاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ حَتّى أخَذَ بِعِضادَتَيْ بابِ المَسْجِدِ، ثُمَّ قالَ: أنْشُدُكم بِاللَّهِ أتَعْلَمُونَ أنِّي الَّذِي أُنْزِلَتْ فِيَّ ﴿ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ ؟ قالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقٍ أُخْرى عَنْهُ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ قالَ: هم أهْلُ الكِتابِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ في الآيَةِ قالَ: كانَ قَوْمٌ مِن أهْلِ الكِتابِ يَشْهَدُونَ بِالحَقِّ ويَعْرِفُونَهُ، مِنهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ والجارُودُ وتَمِيمٌ الدّارِيُّ وسَلْمانُ الفارِسِيُّ.
وأخْرَجَ أبُو يَعْلى وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَدِيٍّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قَرَأ ﴿ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ قالَ: ومِن عِنْدِ اللَّهِ عِلْمُ الكِتابِ» .
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ ﴿ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ يَقُولُ: ومِن عِنْدِ اللَّهِ عِلْمُ الكِتابِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والنَّحّاسُ في ناسِخِهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ أهْوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ ؟ قالَ: كَيْفَ وهَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ ؟ وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ ما نَزَلَ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ شَيْءٌ مِنَ القُرْآنِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ قالَ: جِبْرِيلُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: هو اللَّهُ.
الرعد 13:42
.
وإمّا نُرِيَنَّكَ " ما " زائِدَةٌ، وأصْلُهُ: وإنْ نُرِكَ ﴿بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ مِنَ العَذابِ كَما وعَدْناهم بِذَلِكَ بِقَوْلِنا: ﴿لَهم عَذابٌ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [الرعد: ٣٤]، وبِقَوْلِنا ﴿ولا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهم بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ﴾ [الرعد: ٣١]، والمُرادُ أرَيْناكَ بَعْضَ ما نَعِدُهم قَبْلَ مَوْتِكَ، أوْ تَوَفَّيْناكَ قَبْلَ إراءَتِكَ لِذَلِكَ، ﴿فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ﴾ أيْ فَلَيْسَ عَلَيْكَ إلّا تَبْلِيغُ أحْكامِ الرِّسالَةِ، ولا يَلْزَمُكَ حُصُولُ الإجابَةِ مِنهم لِما بَلَّغْتَهُ إلَيْهِمْ ﴿وعَلَيْنا الحِسابُ﴾ أيْ مُحاسَبَتُهم بِأعْمالِهِمْ ومُجازاتِهِمْ عَلَيْها، ولَيْسَ ذَلِكَ عَلَيْكَ، وهَذا تَسْلِيَةٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِرَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وإخْبارٌ لَهُ أنَّهُ قَدْ فَعَلَ ما أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ، ولَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وأنَّ مَن لَمْ يُجِبْ دَعْوَتَهُ، ويُصَدِّقْ نُبُوَّتَهُ فاللَّهُ سُبْحانَهُ مُحاسِبُهُ عَلى ما اجْتَرَمَ واجْتَرَأ عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ.
أوَلَمْ يَرَوْا يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ، أيْ: أوَلَمْ يَنْظُرُوا ﴿أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها﴾ أيْ نَأْتِي أرْضَ الكُفْرِ كَمَكَّةَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها بِالفُتُوحِ عَلى المُسْلِمِينَ مِنها شَيْئًا فَشَيْئًا.
قالَ الزَّجّاجُ: أعْلَمَ اللَّهُ أنَّ بَيانَ ما وعَدَ المُشْرِكِينَ مِن قَهْرِهِمْ قَدْ ظَهَرَ، يَقُولُ: أوَلَمْ يَرَوْا أنّا فَتَحْنا عَلى المُسْلِمِينَ مِنَ الأرْضِ ما قَدْ تَبَيَّنَ لَهم، فَكَيْفَ لا يَعْتَبِرُونَ ؟ وقِيلَ: إنَّ مَعْنى الآيَةِ: مَوْتُ العُلَماءِ والصُّلَحاءِ.
قالَ القُشَيْرِيُّ: وعَلى هَذا فالأطْرافُ الأشْرافُ، وقَدْ قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: الطَّرَفُ الرَّجُلُ الكَرِيمُ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: وهَذا القَوْلُ بِعِيدٌ، لِأنَّ مَقْصُودَ الآيَةِ: أنّا أرَيْناهُمُ النُّقْصانَ في أمْرِهِمْ لِيَعْلَمُوا أنَّ تَأْخِيرَ العِقابِ عَنْهم لَيْسَ عَنْ عَجْزٍ إلّا أنْ يُحْمَلَ عَلى مَوْتِ أحْبارِ اليَهُودِ والنَّصارى وقِيلَ: المُرادُ مِنَ الآيَةِ: خَرابُ الأرْضِ المَعْمُورَةِ حَتّى يَكُونَ العُمْرانُ في ناحِيَةٍ مِنها، وقِيلَ: المُرادُ بِالآيَةِ: هَلاكُ مَن هَلَكَ مِنَ الأُمَمِ، وقِيلَ: المُرادُ: نَقْصُ ثَمَراتِ الأرْضِ، وقِيلَ: المُرادُ: جَوْرُ وُلاتِها حَتّى تَنْقُصَ ﴿واللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ أيْ يَحْكُمُ ما يَشاءُ في خَلْقِهِ، فَيَرْفَعُ هَذا ويَضَعُ هَذا، ويُحْيِي هَذا ويُمِيتُ هَذا، ويُغْنِي هَذا ويُفْقِرُ هَذا، وقَدْ حَكَمَ بِعِزَّةِ الإسْلامِ وعُلُوِّهِ عَلى الأدْيانِ، وجُمْلَةُ ﴿لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وقِيلَ: مُعْتَرِضَةٌ: والمُعَقِّبُ: الَّذِي يَكُرُّ عَلى الشَّيْءِ فَيُبْطِلُهُ، وحَقِيقَتُهُ الَّذِي يُقَفِّيهِ بِالرَّدِّ والإبْطالِ.
قالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ لا رادَّ لِحُكْمِهِ: قالَ: والمُعَقِّبُ الَّذِي يَتْبَعُ الشَّيْءَ فَيَسْتَدْرِكُهُ، ولا يَسْتَدْرِكُ أحَدٌ عَلَيْهِ، والمُرادُ مِنَ الآيَةِ أنَّهُ لا يَتَعَقَّبُ أحَدٌ حُكْمَ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِنَقْصٍ ولا تَغْيِيرٍ ﴿وهُوَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ فَيُجازِي المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ، والمُسِيءَ بِإساءَتِهِ عَلى السُّرْعَةِ.
﴿وقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ المَكْرُ جَمِيعًا﴾ أيْ قَدْ مَكَرَ الكُفّارُ الَّذِينَ مِن قَبْلِ كَفّارِ مَكَّةَ بِمَن أرْسَلَهُ اللَّهُ إلَيْهِمْ مِنَ الرُّسُلِ فَكادُوهم وكَفَرُوا بِهِمْ، وهَذا تَسْلِيَةٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِرَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ حَيْثُ أخْبَرَهُ أنَّ هَذا دَيْدَنُ الكُفّارِ مِن قَدِيمِ الزَّمانِ مَعَ رُسُلِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، ثُمَّ أخْبَرَهُ بِأنَّ مَكْرَهم هَذا كالعَدَمِ، وأنَّ المَكْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ، فَقالَ ﴿فَلِلَّهِ المَكْرُ جَمِيعًا﴾ لا اعْتِدادَ بِمَكْرِ غَيْرِهِ، ثُمَّ فَسَّرَ سُبْحانَهُ هَذا المَكْرَ الثّابِتَ لَهُ دُونَ غَيْرِهِ، فَقالَ: ﴿يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ﴾ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ فَيُجازِيها عَلى ذَلِكَ، ومَن عَلِمَ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وأعَدَّ لَها جَزاءَها كانَ المَكْرُ كُلُّهُ لَهُ، لِأنَّهُ يَأْتِيهِمْ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ.
وقالَ الواحِدِيُّ: إنَّ مَكْرَ الماكِرِينَ مَخْلُوقٌ فَلا يَضُرُّ إلّا بِإرادَتِهِ، وقِيلَ: فالمَعْنى: فَلِلَّهِ جَزاءُ مَكْرِ الماكِرِينَ " وسَيَعْلَمُ الكافِرُ لِمَن عُقْبى الدّارِ " قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو " الكافِرُ " بِالإفْرادِ، وقَرَأ الباقُونَ الكُفّارَ بِالجَمْعِ، أيْ: سَيَعْلَمُ جِنْسُ الكافِرِ لِمَنِ العاقِبَةُ المَحْمُودَةُ مِنَ الفَرِيقَيْنِ في دارِ الدُّنْيا، أوْ في الدّارِ الآخِرَةِ، أوْ فِيهِما، وقِيلَ: المُرادُ بِالكافِرِ: أبُو جَهْلٍ.
﴿ويَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا﴾ أيْ يَقُولُ المُشْرِكُونَ أوْ جَمِيعُ الكُفّارِ: لَسْتَ يا مُحَمَّدُ مُرْسَلًا إلى النّاسِ مِنَ اللَّهِ، فَأمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِأنْ يُجِيبَ عَلَيْهِمْ، فَقالَ: ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ فَهو يَعْلَمُ صِحَّةَ رِسالَتِي، وصِدْقَ دَعَواتِي، ويَعْلَمُ كَذِبَكم ﴿ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ أيْ عِلْمُ جِنْسِ الكِتابِ كالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ، فَإنَّ أهْلَهُما العالِمِينَ بِهِما يَعْلَمُونَ صِحَّةَ رِسالَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وقَدْ أخْبَرَ بِذَلِكَ مَن أسْلَمَ مِنهم كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وسَلْمانَ الفارِسِيِّ وتَمِيمٍ الدّارِيِّ ونَحْوِهِمْ، وقَدْ كانَ المُشْرِكُونَ مِنَ العَرَبِ يَسْألُونَ أهْلَ الكِتابِ ويَرْجِعُونَ إلَيْهِمْ، فَأرْشَدَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ في هَذِهِ الآيَةِ إلى أنَّ أهْلَ الكِتابِ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالكِتابِ القُرْآنُ ومَن عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنهُ هُمُ المُسْلِمُونَ، وقِيلَ: المُرادُ مَن عِنْدَهُ عِلْمُ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ (p-٧٣٧)واخْتارَ هَذا الزَّجّاجُ وقالَ: لِأنَّ الأشْبَهَ أنَّ اللَّهَ لا يَسْتَشْهِدُ عَلى خَلْقِهِ بِغَيْرِهِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿نَنْقُصُها مِن أطْرافِها﴾ قالَ: ذَهابُ العُلَماءِ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ ونَعِيمُ بْنُ حَمّادٍ في الفِتَنِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿نَنْقُصُها مِن أطْرافِها﴾ قالَ: مَوْتُ عُلَمائِها وفُقَهائِها وذَهابُ خِيارِ أهْلِها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في تَفْسِيرِ الآيَةِ قالَ: مَوْتُ العُلَماءِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: أوَلَمْ يَرَوْا أنا نَفْتَحُ لِمُحَمَّدٍ الأرْضَ بَعْدَ الأرْضِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقٍ أُخْرى عَنْهُ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ في الآيَةِ قالَ: يَعْنِي أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ كانَ يُنْتَقَصُ لَهُ ما حَوْلَهُ مِنَ الأرَضِينَ يَنْظُرُونَ إلى ذَلِكَ فَلا يَعْتَبِرُونَ.
وقالَ اللَّهُ في سُورَةِ الأنْبِياءِ ﴿نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها أفَهُمُ الغالِبُونَ﴾ [الأنبياء: ٤٤] .
بَلْ نَبِيُّ اللَّهِ وأصْحابُهُ هُمُ الغالِبُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: نُقْصانُ أهْلِها وبِرْكَتِها.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: إنَّما تَنْقُصُ الأنْفُسُ والثَّمَراتُ وأمّا الأرْضُ فَلا تَنْقُصُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: أوَلَمْ يَرَوْا إلى القَرْيَةِ تُخَرَّبُ حَتّى يَكُونَ العُمْرانُ في ناحِيَةٍ مِنها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ ﴿واللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ لَيْسَ أحَدٌ يَتَعَقَّبُ حُكْمَهُ فَيَرُدُّهُ كَما يَتَعَقَّبُ أهْلُ الدُّنْيا بَعْضُهم حُكْمَ بَعْضٍ فَيَرُدُّهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قَدِمَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أُسْقُفٌ مِنَ اليَمَنِ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: هَلْ تَجِدُنِي في الإنْجِيلِ ؟ قالَ: لا، فَأنْزَلَ اللَّهُ» ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ .
يَقُولُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ، وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ جُنْدَبٍ قالَ: جاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ حَتّى أخَذَ بِعِضادَتَيْ بابِ المَسْجِدِ، ثُمَّ قالَ: أنْشُدُكم بِاللَّهِ أتَعْلَمُونَ أنِّي الَّذِي أُنْزِلَتْ فِيَّ ﴿ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ ؟ قالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقٍ أُخْرى عَنْهُ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ قالَ: هم أهْلُ الكِتابِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ في الآيَةِ قالَ: كانَ قَوْمٌ مِن أهْلِ الكِتابِ يَشْهَدُونَ بِالحَقِّ ويَعْرِفُونَهُ، مِنهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ والجارُودُ وتَمِيمٌ الدّارِيُّ وسَلْمانُ الفارِسِيُّ.
وأخْرَجَ أبُو يَعْلى وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَدِيٍّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قَرَأ ﴿ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ قالَ: ومِن عِنْدِ اللَّهِ عِلْمُ الكِتابِ» .
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ ﴿ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ يَقُولُ: ومِن عِنْدِ اللَّهِ عِلْمُ الكِتابِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والنَّحّاسُ في ناسِخِهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ أهْوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ ؟ قالَ: كَيْفَ وهَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ ؟ وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ ما نَزَلَ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ شَيْءٌ مِنَ القُرْآنِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ قالَ: جِبْرِيلُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: هو اللَّهُ.
الرعد 13:43
.
وإمّا نُرِيَنَّكَ " ما " زائِدَةٌ، وأصْلُهُ: وإنْ نُرِكَ ﴿بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ مِنَ العَذابِ كَما وعَدْناهم بِذَلِكَ بِقَوْلِنا: ﴿لَهم عَذابٌ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [الرعد: ٣٤]، وبِقَوْلِنا ﴿ولا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهم بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ﴾ [الرعد: ٣١]، والمُرادُ أرَيْناكَ بَعْضَ ما نَعِدُهم قَبْلَ مَوْتِكَ، أوْ تَوَفَّيْناكَ قَبْلَ إراءَتِكَ لِذَلِكَ، ﴿فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ﴾ أيْ فَلَيْسَ عَلَيْكَ إلّا تَبْلِيغُ أحْكامِ الرِّسالَةِ، ولا يَلْزَمُكَ حُصُولُ الإجابَةِ مِنهم لِما بَلَّغْتَهُ إلَيْهِمْ ﴿وعَلَيْنا الحِسابُ﴾ أيْ مُحاسَبَتُهم بِأعْمالِهِمْ ومُجازاتِهِمْ عَلَيْها، ولَيْسَ ذَلِكَ عَلَيْكَ، وهَذا تَسْلِيَةٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِرَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وإخْبارٌ لَهُ أنَّهُ قَدْ فَعَلَ ما أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ، ولَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وأنَّ مَن لَمْ يُجِبْ دَعْوَتَهُ، ويُصَدِّقْ نُبُوَّتَهُ فاللَّهُ سُبْحانَهُ مُحاسِبُهُ عَلى ما اجْتَرَمَ واجْتَرَأ عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ.
أوَلَمْ يَرَوْا يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ، أيْ: أوَلَمْ يَنْظُرُوا ﴿أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها﴾ أيْ نَأْتِي أرْضَ الكُفْرِ كَمَكَّةَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها بِالفُتُوحِ عَلى المُسْلِمِينَ مِنها شَيْئًا فَشَيْئًا.
قالَ الزَّجّاجُ: أعْلَمَ اللَّهُ أنَّ بَيانَ ما وعَدَ المُشْرِكِينَ مِن قَهْرِهِمْ قَدْ ظَهَرَ، يَقُولُ: أوَلَمْ يَرَوْا أنّا فَتَحْنا عَلى المُسْلِمِينَ مِنَ الأرْضِ ما قَدْ تَبَيَّنَ لَهم، فَكَيْفَ لا يَعْتَبِرُونَ ؟ وقِيلَ: إنَّ مَعْنى الآيَةِ: مَوْتُ العُلَماءِ والصُّلَحاءِ.
قالَ القُشَيْرِيُّ: وعَلى هَذا فالأطْرافُ الأشْرافُ، وقَدْ قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: الطَّرَفُ الرَّجُلُ الكَرِيمُ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: وهَذا القَوْلُ بِعِيدٌ، لِأنَّ مَقْصُودَ الآيَةِ: أنّا أرَيْناهُمُ النُّقْصانَ في أمْرِهِمْ لِيَعْلَمُوا أنَّ تَأْخِيرَ العِقابِ عَنْهم لَيْسَ عَنْ عَجْزٍ إلّا أنْ يُحْمَلَ عَلى مَوْتِ أحْبارِ اليَهُودِ والنَّصارى وقِيلَ: المُرادُ مِنَ الآيَةِ: خَرابُ الأرْضِ المَعْمُورَةِ حَتّى يَكُونَ العُمْرانُ في ناحِيَةٍ مِنها، وقِيلَ: المُرادُ بِالآيَةِ: هَلاكُ مَن هَلَكَ مِنَ الأُمَمِ، وقِيلَ: المُرادُ: نَقْصُ ثَمَراتِ الأرْضِ، وقِيلَ: المُرادُ: جَوْرُ وُلاتِها حَتّى تَنْقُصَ ﴿واللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ أيْ يَحْكُمُ ما يَشاءُ في خَلْقِهِ، فَيَرْفَعُ هَذا ويَضَعُ هَذا، ويُحْيِي هَذا ويُمِيتُ هَذا، ويُغْنِي هَذا ويُفْقِرُ هَذا، وقَدْ حَكَمَ بِعِزَّةِ الإسْلامِ وعُلُوِّهِ عَلى الأدْيانِ، وجُمْلَةُ ﴿لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وقِيلَ: مُعْتَرِضَةٌ: والمُعَقِّبُ: الَّذِي يَكُرُّ عَلى الشَّيْءِ فَيُبْطِلُهُ، وحَقِيقَتُهُ الَّذِي يُقَفِّيهِ بِالرَّدِّ والإبْطالِ.
قالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ لا رادَّ لِحُكْمِهِ: قالَ: والمُعَقِّبُ الَّذِي يَتْبَعُ الشَّيْءَ فَيَسْتَدْرِكُهُ، ولا يَسْتَدْرِكُ أحَدٌ عَلَيْهِ، والمُرادُ مِنَ الآيَةِ أنَّهُ لا يَتَعَقَّبُ أحَدٌ حُكْمَ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِنَقْصٍ ولا تَغْيِيرٍ ﴿وهُوَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ فَيُجازِي المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ، والمُسِيءَ بِإساءَتِهِ عَلى السُّرْعَةِ.
﴿وقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ المَكْرُ جَمِيعًا﴾ أيْ قَدْ مَكَرَ الكُفّارُ الَّذِينَ مِن قَبْلِ كَفّارِ مَكَّةَ بِمَن أرْسَلَهُ اللَّهُ إلَيْهِمْ مِنَ الرُّسُلِ فَكادُوهم وكَفَرُوا بِهِمْ، وهَذا تَسْلِيَةٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِرَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ حَيْثُ أخْبَرَهُ أنَّ هَذا دَيْدَنُ الكُفّارِ مِن قَدِيمِ الزَّمانِ مَعَ رُسُلِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، ثُمَّ أخْبَرَهُ بِأنَّ مَكْرَهم هَذا كالعَدَمِ، وأنَّ المَكْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ، فَقالَ ﴿فَلِلَّهِ المَكْرُ جَمِيعًا﴾ لا اعْتِدادَ بِمَكْرِ غَيْرِهِ، ثُمَّ فَسَّرَ سُبْحانَهُ هَذا المَكْرَ الثّابِتَ لَهُ دُونَ غَيْرِهِ، فَقالَ: ﴿يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ﴾ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ فَيُجازِيها عَلى ذَلِكَ، ومَن عَلِمَ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وأعَدَّ لَها جَزاءَها كانَ المَكْرُ كُلُّهُ لَهُ، لِأنَّهُ يَأْتِيهِمْ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ.
وقالَ الواحِدِيُّ: إنَّ مَكْرَ الماكِرِينَ مَخْلُوقٌ فَلا يَضُرُّ إلّا بِإرادَتِهِ، وقِيلَ: فالمَعْنى: فَلِلَّهِ جَزاءُ مَكْرِ الماكِرِينَ " وسَيَعْلَمُ الكافِرُ لِمَن عُقْبى الدّارِ " قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو " الكافِرُ " بِالإفْرادِ، وقَرَأ الباقُونَ الكُفّارَ بِالجَمْعِ، أيْ: سَيَعْلَمُ جِنْسُ الكافِرِ لِمَنِ العاقِبَةُ المَحْمُودَةُ مِنَ الفَرِيقَيْنِ في دارِ الدُّنْيا، أوْ في الدّارِ الآخِرَةِ، أوْ فِيهِما، وقِيلَ: المُرادُ بِالكافِرِ: أبُو جَهْلٍ.
﴿ويَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا﴾ أيْ يَقُولُ المُشْرِكُونَ أوْ جَمِيعُ الكُفّارِ: لَسْتَ يا مُحَمَّدُ مُرْسَلًا إلى النّاسِ مِنَ اللَّهِ، فَأمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِأنْ يُجِيبَ عَلَيْهِمْ، فَقالَ: ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ فَهو يَعْلَمُ صِحَّةَ رِسالَتِي، وصِدْقَ دَعَواتِي، ويَعْلَمُ كَذِبَكم ﴿ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ أيْ عِلْمُ جِنْسِ الكِتابِ كالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ، فَإنَّ أهْلَهُما العالِمِينَ بِهِما يَعْلَمُونَ صِحَّةَ رِسالَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وقَدْ أخْبَرَ بِذَلِكَ مَن أسْلَمَ مِنهم كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وسَلْمانَ الفارِسِيِّ وتَمِيمٍ الدّارِيِّ ونَحْوِهِمْ، وقَدْ كانَ المُشْرِكُونَ مِنَ العَرَبِ يَسْألُونَ أهْلَ الكِتابِ ويَرْجِعُونَ إلَيْهِمْ، فَأرْشَدَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ في هَذِهِ الآيَةِ إلى أنَّ أهْلَ الكِتابِ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالكِتابِ القُرْآنُ ومَن عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنهُ هُمُ المُسْلِمُونَ، وقِيلَ: المُرادُ مَن عِنْدَهُ عِلْمُ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ (p-٧٣٧)واخْتارَ هَذا الزَّجّاجُ وقالَ: لِأنَّ الأشْبَهَ أنَّ اللَّهَ لا يَسْتَشْهِدُ عَلى خَلْقِهِ بِغَيْرِهِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿نَنْقُصُها مِن أطْرافِها﴾ قالَ: ذَهابُ العُلَماءِ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ ونَعِيمُ بْنُ حَمّادٍ في الفِتَنِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿نَنْقُصُها مِن أطْرافِها﴾ قالَ: مَوْتُ عُلَمائِها وفُقَهائِها وذَهابُ خِيارِ أهْلِها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في تَفْسِيرِ الآيَةِ قالَ: مَوْتُ العُلَماءِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: أوَلَمْ يَرَوْا أنا نَفْتَحُ لِمُحَمَّدٍ الأرْضَ بَعْدَ الأرْضِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقٍ أُخْرى عَنْهُ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ في الآيَةِ قالَ: يَعْنِي أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ كانَ يُنْتَقَصُ لَهُ ما حَوْلَهُ مِنَ الأرَضِينَ يَنْظُرُونَ إلى ذَلِكَ فَلا يَعْتَبِرُونَ.
وقالَ اللَّهُ في سُورَةِ الأنْبِياءِ ﴿نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها أفَهُمُ الغالِبُونَ﴾ [الأنبياء: ٤٤] .
بَلْ نَبِيُّ اللَّهِ وأصْحابُهُ هُمُ الغالِبُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: نُقْصانُ أهْلِها وبِرْكَتِها.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: إنَّما تَنْقُصُ الأنْفُسُ والثَّمَراتُ وأمّا الأرْضُ فَلا تَنْقُصُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: أوَلَمْ يَرَوْا إلى القَرْيَةِ تُخَرَّبُ حَتّى يَكُونَ العُمْرانُ في ناحِيَةٍ مِنها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ ﴿واللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ لَيْسَ أحَدٌ يَتَعَقَّبُ حُكْمَهُ فَيَرُدُّهُ كَما يَتَعَقَّبُ أهْلُ الدُّنْيا بَعْضُهم حُكْمَ بَعْضٍ فَيَرُدُّهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قَدِمَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أُسْقُفٌ مِنَ اليَمَنِ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: هَلْ تَجِدُنِي في الإنْجِيلِ ؟ قالَ: لا، فَأنْزَلَ اللَّهُ» ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ .
يَقُولُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ، وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ جُنْدَبٍ قالَ: جاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ حَتّى أخَذَ بِعِضادَتَيْ بابِ المَسْجِدِ، ثُمَّ قالَ: أنْشُدُكم بِاللَّهِ أتَعْلَمُونَ أنِّي الَّذِي أُنْزِلَتْ فِيَّ ﴿ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ ؟ قالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقٍ أُخْرى عَنْهُ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ قالَ: هم أهْلُ الكِتابِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ في الآيَةِ قالَ: كانَ قَوْمٌ مِن أهْلِ الكِتابِ يَشْهَدُونَ بِالحَقِّ ويَعْرِفُونَهُ، مِنهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ والجارُودُ وتَمِيمٌ الدّارِيُّ وسَلْمانُ الفارِسِيُّ.
وأخْرَجَ أبُو يَعْلى وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَدِيٍّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قَرَأ ﴿ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ قالَ: ومِن عِنْدِ اللَّهِ عِلْمُ الكِتابِ» .
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ ﴿ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ يَقُولُ: ومِن عِنْدِ اللَّهِ عِلْمُ الكِتابِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والنَّحّاسُ في ناسِخِهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ أهْوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ ؟ قالَ: كَيْفَ وهَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ ؟ وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ ما نَزَلَ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ شَيْءٌ مِنَ القُرْآنِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ قالَ: جِبْرِيلُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: هو اللَّهُ.