Lafzullah

Fath Al-Qadir Al-Shawkani — إبراهيم 14:32 – إبراهيم 14:52

المؤلف / المصدر: Fath Al-Qadir Al-Shawkani

المحتويات
  1. إبراهيم 14:32
  2. إبراهيم 14:33
  3. إبراهيم 14:34
  4. إبراهيم 14:35
  5. إبراهيم 14:36
  6. إبراهيم 14:37
  7. إبراهيم 14:38
  8. إبراهيم 14:39
  9. إبراهيم 14:40
  10. إبراهيم 14:41
  11. إبراهيم 14:42
  12. إبراهيم 14:43
  13. إبراهيم 14:44
  14. إبراهيم 14:45
  15. إبراهيم 14:46
  16. إبراهيم 14:47
  17. إبراهيم 14:48
  18. إبراهيم 14:49
  19. إبراهيم 14:50
  20. إبراهيم 14:51
  21. إبراهيم 14:52

إبراهيم 14:32

. قَوْلُهُ: ألَمْ تَرَ هَذا خِطابٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أوْ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ، وهو تَعْجِيبٌ مِن حالِ الكُفّارِ حَيْثُ جَعَلُوا بَدَلَ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمُ الكُفْرَ، أيْ: بَدَلَ شُكْرِها الكُفْرَ بِها، وذَلِكَ بِتَكْذِيبِهِمْ مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ حِينَ بَعَثَهُ اللَّهُ مِنهم وأنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِهِ. وقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّهم كُفّارُ مَكَّةَ وأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِمْ وقِيلَ: نَزَلَتْ في الَّذِينَ قاتَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَوْمَ بَدْرٍ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في بَطْنَيْنِ مِن بُطُونِ قُرَيْشٍ بَنِي مَخْزُومٍ وبَنِي أُمَيَّةَ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في مُتَنَصِّرَةِ العَرَبِ، وهم جَبَلَةُ بْنُ الأيْهَمِ وأصْحابُهُ، وفِيهِ نَظَرٌ، فَإنَّ جَبَلَةَ وأصْحابَهُ لَمْ يُسْلِمُوا إلّا في خِلافَةِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وقِيلَ: إنَّها عامَّةٌ في جَمِيعِ المُشْرِكِينَ، وقِيلَ: المُرادُ بِتَبْدِيلِ نِعْمَةِ اللَّهِ (p-٧٤٨)كُفْرًا أنَّهم لَمّا كَفَرُوها سَلَبَهُمُ اللَّهُ ذَلِكَ فَصارُوا مُتَبَدِّلِينَ بِها الكُفْرَ ﴿وأحَلُّوا قَوْمَهم دارَ البَوارِ﴾ أيْ أنْزَلُوا قَوْمَهم بِسَبَبِ ما زَيَّنُوهُ لَهم مِنَ الكُفْرِ، ﴿دارَ البَوارِ﴾ وهي جَهَنَّمُ، والبَوارُ الهَلاكُ، وقِيلَ: هم قادَةُ قُرَيْشٍ أحَلُّوا قَوْمَهم يَوْمَ بَدْرٍ دارَ البَوارِ: أيِ الهَلاكِ، وهو القَتْلُ الَّذِي أُصِيبُوا بِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَلَمْ أرَ مِثْلَهم أبْطالَ حَرْبٍ غَداةَ الحَرْبِ إذْ خِيفَ البَوارُ والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ: جَهَنَّمَ فَإنَّهُ عَطْفُ بَيانٍ لِدارِ البَوارِ، و( يَصْلَوْنَها ) في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أوْ هو مُسْتَأْنَفٌ لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ حُلُولِهِمْ فِيها ﴿وبِئْسَ القَرارُ﴾ أيْ بِئْسَ القَرارُ قَرارُهم فِيها، أوْ بِئْسَ المَقَرُّ جَهَنَّمُ، فالمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ. ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى: وأحَلُّوا: أيْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ في الرُّبُوبِيَّةِ، أوْ في التَّسْمِيَةِ وهي الأصْنامُ. قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو " لِيَضِلُّوا " بِفَتْحِ الياءِ، أيْ: لِيَضِلُّوا أنْفُسَهم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وتَكُونُ اللّامُ لِلْعاقِبَةِ، أيْ: لِيَتَعَقَّبَ جَعْلَهم لِلَّهِ أنْدادًا ضَلالُهم، لِأنَّ العاقِلَ لا يُرِيدُ ضَلالَ نَفْسِهِ، وحَسُنَ اسْتِعْمالُ لامِ العاقِبَةِ هُنا لِأنَّها تُشْبِهُ الغَرَضَ والغايَةَ مِن جِهَةِ حُصُولِها في آخِرِ المَراتِبِ، والمُشابَهَةُ أحَدُ الأُمُورِ المُصَحِّحَةِ لِلْمَجازِ. وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّ الياءِ لِيُوقِعُوا قَوْمَهم في الضَّلالِ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، فَهَذا هو الغَرَضُ مِن جَعْلِهِمْ لِلَّهِ أنْدادًا. ثُمَّ هَدَّدَهم سُبْحانَهُ، فَقالَ لِنَبِيِّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: قُلْ تَمَتَّعُوا بِما أنْتُمْ فِيهِ مِنَ الشَّهَواتِ، وما زَيَّنَتْهُ لَكم أنْفُسُكم مِن كُفْرانِ النِّعَمِ وإضْلالِ النّاسِ ﴿فَإنَّ مَصِيرَكم إلى النّارِ﴾ أيْ مَرَدُّكم ومَرْجِعُكم إلَيْها لَيْسَ إلّا، ولَمّا كانَ هَذا حالَهم، وقَدْ صارُوا لِفَرْطِ تَهالُكِهِمْ عَلَيْهِ وانْهِماكِهِمْ فِيهِ لا يُقْلِعُونَ عَنْهُ، ولا يَقْبَلُونَ فِيهِ نُصْحَ النّاصِحِينَ جُعِلَ الأمْرُ بِمُباشَرَتِهِ مَكانَ نَهْيِ قُرْبانِهِ؛ إيضاحًا لِما تَكُونُ عَلَيْهِ عاقِبَتُهم، وأنَّهم لا مَحالَةَ صائِرُونَ إلى النّارِ، فَلا بُدَّ لَهم مِن تَعاطِي الأسْبابِ المُقْتَضِيَةِ ذَلِكَ، فَجُمْلَةُ ﴿فَإنَّ مَصِيرَكم إلى النّارِ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالتَّمَتُّعِ، وفِيهِ مِنَ التَّهْدِيدِ ما لا يُقادَرُ قَدَرُهٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ جَوابًا لِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ سِياقُ الكَلامِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَإنْ دُمْتُمْ عَلى ذَلِكَ فَإنَّ مَصِيرَكم إلى النّارِ، والأوَّلُ أوْلى والنَّظْمُ القُرْآنِيِّ عَلَيْهِ أدَلُّ، وذَلِكَ كَما يُقالُ لِمَن يَسْعى في مُخالَفَةِ السُّلْطانِ: اصْنَعْ ما شِئْتَ مِنَ المُخالَفَةِ، فَإنَّ مَصِيرَكَ إلى السَّيْفِ. ﴿قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ ويُنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناهم سِرًّا وعَلانِيَةً﴾ لَمّا أمَرَهُ بِأنْ يَقُولَ لِلْمُبَدِّلِينَ نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا الجاعِلِينَ لِلَّهِ أنْدادًا ما قالَهُ لَهم؛ أمَرَهُ سُبْحانَهُ أنْ يَقُولَ لِلطّائِفَةِ المُقابِلَةِ لَهم، وهي طائِفَةُ المُؤْمِنِينَ - هَذا القَوْلَ، والمَقُولُ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ: أيْ قُلْ لِعِبادِي أقِيمُوا، وأنْفِقُوا، ويُقِيمُوا، ويُنْفِقُوا، فَجَزَمَ " يُقِيمُوا " عَلى أنَّهُ جَوابُ الأمْرِ المَحْذُوفِ، وكَذَلِكَ " يُنْفِقُوا "، ذَكَرَ مَعْنى هَذا الفَرّاءُ. وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّ " يُقِيمُوا " مَجْزُومٌ بِمَعْنى اللّامِ، أيْ: لِيُقِيمُوا فَأُسْقِطَتِ اللّامُ: ثُمَّ ذَكَرَ وجْهًا آخَرَ لِلْجَزْمِ مِثْلَ ما ذَكَرَهُ الفَرّاءُ: وانْتِصابُ " سِرًّا وعَلانِيَةً "، إمّا عَلى الحالِ، أيْ: مُسِرِّينَ ومُعْلِنِينَ، أوْ عَلى المَصْدَرِ، أيْ: إنْفاقَ سِرٍّ وإنْفاقَ عَلانِيَةٍ، أوْ عَلى الظَّرْفِ، أيْ: وقْتَ سِرٍّ ووَقْتَ عَلانِيَةٍ. قالَ الجُمْهُورُ: السِّرُّ ما خَفِيَ، والعَلانِيَةُ ما ظَهَرَ. وقِيلَ: السِّرُّ التَّطَوُّعُ، والعَلانِيَةُ الفَرْضُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿إنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمّا هِيَ﴾ [البقرة: ٣٧١] ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خِلالٌ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: البَيْعُ هاهُنا الفِداءُ والخِلالُ المُخالَّةُ، وهو مَصْدَرٌ. قالَ الواحِدِيُّ: هَذا قَوْلُ جَمِيعِ أهْلِ اللُّغَةِ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ خُلَّةٍ مِثْلَ بُرْمَةِ وبِرامٍ وعُلْبَةِ وعِلابٍ، والمَعْنى: أنَّ يَوْمَ القِيامَةِ لا بَيْعَ فِيهِ حَتّى يَفْتَدِيَ المُقَصِّرُ في العَمَلِ نَفْسَهُ مِن عَذابِ اللَّهِ بِدَفْعِ عِوَضٍ عَنْ ذَلِكَ، ولَيْسَ هُناكَ مُخالَلَةٌ حَتّى يَشْفَعَ الخَلِيلُ لِخَلِيلِهِ ويُنْقِذَهُ مِنَ العَذابِ، فَأمَرَهم سُبْحانَهُ بِالإنْفاقِ في وُجُوهِ الخَيْرِ مِمّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ ما دامُوا في الحَياةِ الدُّنْيا قادِرِينَ عَلى إنْفاقِ أمْوالِهِمْ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمُ القِيامَةِ، فَإنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلى ذَلِكَ بَلْ لا مالَ لَهم إذْ ذاكَ، فالجُمْلَةُ أعْنِي ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خِلالٌ﴾ لِتَأْكِيدِ مَضْمُونِ الأمْرِ بِالإنْفاقِ مِمّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ. ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ فِيها أيْضًا تَأْكِيدٌ لِمَضْمُونِ الأمْرِ بِإقامَةِ الصَّلاةِ، وذَلِكَ لِأنَّ تَرْكَها كَثِيرًا ما يَكُونُ بِسَبَبِ الِاشْتِغالِ بِالبَيْعِ ورِعايَةِ حُقُوقِ الأخِلّاءِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في البَقَرَةِ تَفْسِيرُ البَيْعِ والخِلالِ. ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ أيْ أبْدَعَهُما واخْتَرَعَهُما عَلى غَيْرِ مِثالٍ وخَلَقَ ما فِيهِما مِنَ الأجْرامِ العُلْوِيَّةِ والسُّفْلِيَّةِ، والِاسْمُ الشَّرِيفُ مُبْتَدَأٌ وما بَعْدَهُ خَبَرُهُ ( ﴿وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ ) المُرادُ بِالسَّماءِ هُنا جِهَةُ العُلُوِّ، فَإنَّهُ يَدْخُلُ في ذَلِكَ الفَلَكُ عِنْدَ مَن قالَ إنَّ ابْتِداءَ المَطَرِ مِنهُ، ويَدْخُلُ فِيهِ السَّحابُ عِنْدَ مَن قالَ إنَّ ابْتِداءَ المَطَرِ مِنها، وتَدْخُلُ فِيهِ الأسْبابُ الَّتِي تُثِيرُ السَّحابَ كالرِّياحِ، وتَنْكِيرُ الماءِ هُنا لِلنَّوْعِيَّةِ، أيْ: نَوْعًا مِن أنْواعِ الماءِ، وهو ماءُ المَطَرِ ﴿فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ أيْ أخْرَجَ بِذَلِكَ الماءِ مِنَ الثَّمَراتِ المُتَنَوِّعَةِ رِزْقًا لِبَنِي آدَمَ يَعِيشُونَ بِهِ، وِ ( مِن ) في مِنَ الثَّمَراتِ لِلْبَيانِ كَقَوْلِكَ: أنْفَقْتُ مِنَ الدَّراهِمِ، وقِيلَ: لِلتَّبْعِيضِ لِأنَّ الثَّمَراتِ مِنها ما هو رِزْقٌ لِبَنِي آدَمَ، ومِنها ما لَيْسَ بِرِزْقٍ لَهم، وهو ما لا يَأْكُلُونَهُ ولا يَنْتَفِعُونَ بِهِ وسَخَّرَ لَكُمُ الفُلْكَ فَجَرَتْ عَلى إرادَتِكم واسْتَعْمَلْتُمُوها في مَصالِحِكم، ولِذا قالَ: لِتَجْرِيَ في البَحْرِ كَما تُرِيدُونَ وعَلى ما تَطْلُبُونَ بِأمْرِهِ أيْ بِأمْرِ اللَّهِ ومَشِيئَتِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في البَقَرَةِ وسَخَّرَ لَكُمُ الأنْهارَ أيْ ذَلَّلَها لَكم بِالرُّكُوبِ عَلَيْها والإجْراءِ لَها إلى حَيْثُ تُرِيدُونَ. وسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ والقَمَرَ لِتَنْتَفِعُوا بِهِما وتَسْتَضِيئُوا بِضَوْئِهِما، وانْتِصابُ دائِبَيْنِ عَلى الحالِ، والدُّءُوبُ مُرُورُ الشَّيْءِ في العَمَلِ عَلى عادَةٍ جارِيَةٍ، أيْ: دائِبَيْنِ في إصْلاحِ ما يُصْلِحانِهِ مِنَ النَّباتِ وغَيْرِهِ، وقِيلَ: دائِبَيْنِ في السَّيْرِ امْتِثالًا لِأمْرِ اللَّهِ، والمَعْنى: يَجْرِيانِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ لا يَفْتُرانِ ولا يَنْقَطِعُ سَيْرُهُما ﴿وسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ﴾ يَتَعاقَبانِ، فالنَّهارُ لِسَعْيِكم في أُمُورِ مَعاشِكم وما تَحْتاجُونَ إلَيْهِ مِن أُمُورِ دُنْياكم، واللَّيْلُ لِتَسْكُنُوا كَما قالَ سُبْحانَهُ: (p-٧٤٩)﴿ومِن رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ [القصص: ٧٣] . ﴿وآتاكم مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ﴾ قالَ الأخْفَشُ، أيْ: أعْطاكم مِن كُلِّ مَسْئُولٍ سَألْتُمُوهُ شَيْئًا فَحُذِفَ شَيْئًا، وقِيلَ: المَعْنى: وآتاكم مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ ومِن كُلِّ ما لَمْ تَسْألُوهُ فَحُذِفَتِ الجُمْلَةَ الأُخْرى، قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ. وقِيلَ: " مِن " زائِدَةٌ، أيْ: آتاكم كُلَّ ما سَألْتُمُوهُ، وقِيلَ: لِلتَّبْعِيضِ، أيْ: آتاكم بَعْضَ كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ والحَسَنُ وقَتادَةُ: " مِن كُلٍّ " بِتَنْوِينِ " كُلٍّ "، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ " ما " نافِيَةً، أيْ: آتاكم مِن جَمِيعِ ذَلِكَ حالَ كَوْنِكم غَيْرَ سائِلِينَ لَهُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً، أيْ: آتاكم مِن كُلِّ شَيْءٍ الَّذِي سَألْتُمُوهُ ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ أيْ وإنْ تَتَعَرَّضُوا لِتَعْدادِ نِعَمِ اللَّهِ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيْكم إجْمالًا فَضْلًا عَنِ التَّفْصِيلِ لا تُطِيقُوا إحْصاءَها بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، ولا تَقُومُوا بِحَصْرِها عَلى حالٍ مِنَ الأحْوالِ، وأصْلُ الإحْصاءِ أنَّ الحاسِبَ إذا بَلَغَ عَقْدًا مُعَيَّنًا مِن عُقُودِ الأعْدادِ وضَعَ حَصاةً لِيَحْفَظَهُ بِها، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَوْ رامَ فَرْدٌ مِن أفْرادِ العِبادِ أنْ يُحْصِيَ ما أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ في خَلْقِ عُضْوٍ مِن أعْضائِهِ، أوْ حاسَّةٍ مِن حَواسِّهِ لَمْ يَقْدِرْ عَلى ذَلِكَ قَطُّ ولا أمْكَنَهُ أصْلًا، فَكَيْفَ بِما عَدا ذَلِكَ مِنَ النِّعَمِ في جَمِيعِ ما خَلَقَهُ اللَّهُ في بَدَنِهِ، فَكَيْفَ بِما عَدا ذَلِكَ مِنَ النِّعَمِ الواصِلَةِ إلَيْهِ في كُلِّ وقْتٍ عَلى تَنَوُّعِها واخْتِلافِ أجْناسِها. اللَّهُمَّ إنّا نَشْكُرُكَ عَلى كُلِّ نِعْمَةٍ أنْعَمْتَ بِها عَلَيْنا مِمّا لا يَعْلَمُهُ إلّا أنْتَ، ومِمّا عَلِمْناهُ شُكْرًا لا يُحِيطُ بِهِ حَصْرٌ ولا يَحْصُرُهُ عَدٌّ، وعَدَدَ ما شَكَرَكَ الشّاكِرُونَ بِكُلِّ لِسانٍ في كُلِّ زَمانٍ ( إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ ) لِنَفْسِهِ بِإغْفالِهِ لِشُكْرِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ، وظاهِرُهُ شُمُولُ كُلِّ إنْسانٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّ الإنْسانَ اسْمُ جِنْسٍ يُقْصَدُ بِهِ الكافِرُ خاصَّةً كَما قالَ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢] ( كَفّارٌ ) أيْ: شَدِيدُ كُفْرانِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ جاحِدٌ لَها غَيْرُ شاكِرٍ لِلَّهِ سُبْحانَهُ عَلَيْها، كَما يَنْبَغِي ويَجِبُ عَلَيْهِ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ والبُخارِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ قالَ: هم كُفّارُ أهْلِ مَكَّةَ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ في تارِيخِهِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ قالَ: هُما الأفْجَرانِ مِن قُرَيْشٍ: بَنُو المُغِيرَةِ، وبَنُو أُمَيَّةَ، فَأمّا بَنُو المُغِيرَةِ فَكُفِيتُمُوهم يَوْمَ بَدْرٍ، وأمّا بَنُو أُمَيَّةَ فَمُتِّعُوا إلى حِينٍ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْ عُمَرَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طُرُقٍ عَنْ عَلِيٍّ في الآيَةِ نَحْوَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والفِرْيابِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي الطُّفَيْلِ أنَّ ابْنَ الكَوّاءِ سَألَ عَلِيًّا عَنِ الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا قالَ: هُمُ الفُجّارُ مِن قُرَيْشٍ كُفِيتُهم يَوْمَ بَدْرٍ. قالَ: فَمَنِ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهم في الحَياةِ الدُّنْيا ؟ قالَ: مِنهم أهْلُ حَرُوراءَ. وقَدْ رُوِيَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ عَنْ عَلِيٍّ مِن طُرُقٍ نَحْوُ هَذا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: هم جَبَلَةُ بْنُ الأيْهَمِ والَّذِينَ اتَّبَعُوهُ مِنَ العَرَبِ فَلَحِقُوا بِالرُّومِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وأحَلُّوا قَوْمَهم دارَ البَوارِ﴾ قالَ: الهَلاكِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا﴾ قالَ: أشْرَكُوا بِاللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿وسَخَّرَ لَكُمُ الأنْهارَ﴾ قالَ: بِكُلِّ فائِدَةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ والقَمَرَ دائِبَيْنِ﴾ قالَ: دُءُوبُهُما في طاعَةِ اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ ﴿وآتاكم مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ﴾ قالَ: مِن كُلِّ شَيْءٍ رَغِبْتُمْ إلَيْهِ فِيهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: مِن كُلِّ الَّذِي سَألْتُمُوهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ سُلَيْمانَ التَّيْمِيِّ قالَ: إنَّ اللَّهَ أنْعَمَ عَلى العِبادِ عَلى قَدَرِهِ وكَلَّفَهُمُ الشُّكْرَ عَلى قَدَرِهِمْ. وأخْرَجا أيْضًا عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ المُزَنِيِّ قالَ: يا ابْنَ آدَمَ إنْ أرَدْتَ أنْ تَعْلَمَ قَدْرَ ما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْكَ فَغَمِّضْ عَيْنَيْكَ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: مَن لَمْ يَعْرِفْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إلّا في مَطْعَمِهِ ومَشْرَبِهِ، فَقَدْ قَلَّ عَمَلُهُ وحَضَرَ عَذابُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي أيُّوبَ القُرَشِيِّ مَوْلى بَنِي هاشِمٍ قالَ: قالَ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ: رَبِّ أخْبِرْنِي ما أدْنى نِعْمَتِكَ عَلَيَّ، فَأوْحى إلَيَّ: يا داوُدُ تَنَفَّسَ فَتَنَفَّسَ، فَقالَ: هَذا أدْنى نِعْمَتِي عَلَيْكَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ قالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ظُلْمِي وكُفْرِي، فَقالَ قائِلٌ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ هَذا الظُّلْمُ، فَما بالُ الكُفْرِ ؟ قالَ: " إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ " .

إبراهيم 14:33

. قَوْلُهُ: ألَمْ تَرَ هَذا خِطابٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أوْ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ، وهو تَعْجِيبٌ مِن حالِ الكُفّارِ حَيْثُ جَعَلُوا بَدَلَ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمُ الكُفْرَ، أيْ: بَدَلَ شُكْرِها الكُفْرَ بِها، وذَلِكَ بِتَكْذِيبِهِمْ مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ حِينَ بَعَثَهُ اللَّهُ مِنهم وأنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِهِ. وقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّهم كُفّارُ مَكَّةَ وأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِمْ وقِيلَ: نَزَلَتْ في الَّذِينَ قاتَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَوْمَ بَدْرٍ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في بَطْنَيْنِ مِن بُطُونِ قُرَيْشٍ بَنِي مَخْزُومٍ وبَنِي أُمَيَّةَ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في مُتَنَصِّرَةِ العَرَبِ، وهم جَبَلَةُ بْنُ الأيْهَمِ وأصْحابُهُ، وفِيهِ نَظَرٌ، فَإنَّ جَبَلَةَ وأصْحابَهُ لَمْ يُسْلِمُوا إلّا في خِلافَةِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وقِيلَ: إنَّها عامَّةٌ في جَمِيعِ المُشْرِكِينَ، وقِيلَ: المُرادُ بِتَبْدِيلِ نِعْمَةِ اللَّهِ (p-٧٤٨)كُفْرًا أنَّهم لَمّا كَفَرُوها سَلَبَهُمُ اللَّهُ ذَلِكَ فَصارُوا مُتَبَدِّلِينَ بِها الكُفْرَ ﴿وأحَلُّوا قَوْمَهم دارَ البَوارِ﴾ أيْ أنْزَلُوا قَوْمَهم بِسَبَبِ ما زَيَّنُوهُ لَهم مِنَ الكُفْرِ، ﴿دارَ البَوارِ﴾ وهي جَهَنَّمُ، والبَوارُ الهَلاكُ، وقِيلَ: هم قادَةُ قُرَيْشٍ أحَلُّوا قَوْمَهم يَوْمَ بَدْرٍ دارَ البَوارِ: أيِ الهَلاكِ، وهو القَتْلُ الَّذِي أُصِيبُوا بِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَلَمْ أرَ مِثْلَهم أبْطالَ حَرْبٍ غَداةَ الحَرْبِ إذْ خِيفَ البَوارُ والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ: جَهَنَّمَ فَإنَّهُ عَطْفُ بَيانٍ لِدارِ البَوارِ، و( يَصْلَوْنَها ) في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أوْ هو مُسْتَأْنَفٌ لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ حُلُولِهِمْ فِيها ﴿وبِئْسَ القَرارُ﴾ أيْ بِئْسَ القَرارُ قَرارُهم فِيها، أوْ بِئْسَ المَقَرُّ جَهَنَّمُ، فالمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ. ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى: وأحَلُّوا: أيْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ في الرُّبُوبِيَّةِ، أوْ في التَّسْمِيَةِ وهي الأصْنامُ. قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو " لِيَضِلُّوا " بِفَتْحِ الياءِ، أيْ: لِيَضِلُّوا أنْفُسَهم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وتَكُونُ اللّامُ لِلْعاقِبَةِ، أيْ: لِيَتَعَقَّبَ جَعْلَهم لِلَّهِ أنْدادًا ضَلالُهم، لِأنَّ العاقِلَ لا يُرِيدُ ضَلالَ نَفْسِهِ، وحَسُنَ اسْتِعْمالُ لامِ العاقِبَةِ هُنا لِأنَّها تُشْبِهُ الغَرَضَ والغايَةَ مِن جِهَةِ حُصُولِها في آخِرِ المَراتِبِ، والمُشابَهَةُ أحَدُ الأُمُورِ المُصَحِّحَةِ لِلْمَجازِ. وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّ الياءِ لِيُوقِعُوا قَوْمَهم في الضَّلالِ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، فَهَذا هو الغَرَضُ مِن جَعْلِهِمْ لِلَّهِ أنْدادًا. ثُمَّ هَدَّدَهم سُبْحانَهُ، فَقالَ لِنَبِيِّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: قُلْ تَمَتَّعُوا بِما أنْتُمْ فِيهِ مِنَ الشَّهَواتِ، وما زَيَّنَتْهُ لَكم أنْفُسُكم مِن كُفْرانِ النِّعَمِ وإضْلالِ النّاسِ ﴿فَإنَّ مَصِيرَكم إلى النّارِ﴾ أيْ مَرَدُّكم ومَرْجِعُكم إلَيْها لَيْسَ إلّا، ولَمّا كانَ هَذا حالَهم، وقَدْ صارُوا لِفَرْطِ تَهالُكِهِمْ عَلَيْهِ وانْهِماكِهِمْ فِيهِ لا يُقْلِعُونَ عَنْهُ، ولا يَقْبَلُونَ فِيهِ نُصْحَ النّاصِحِينَ جُعِلَ الأمْرُ بِمُباشَرَتِهِ مَكانَ نَهْيِ قُرْبانِهِ؛ إيضاحًا لِما تَكُونُ عَلَيْهِ عاقِبَتُهم، وأنَّهم لا مَحالَةَ صائِرُونَ إلى النّارِ، فَلا بُدَّ لَهم مِن تَعاطِي الأسْبابِ المُقْتَضِيَةِ ذَلِكَ، فَجُمْلَةُ ﴿فَإنَّ مَصِيرَكم إلى النّارِ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالتَّمَتُّعِ، وفِيهِ مِنَ التَّهْدِيدِ ما لا يُقادَرُ قَدَرُهٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ جَوابًا لِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ سِياقُ الكَلامِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَإنْ دُمْتُمْ عَلى ذَلِكَ فَإنَّ مَصِيرَكم إلى النّارِ، والأوَّلُ أوْلى والنَّظْمُ القُرْآنِيِّ عَلَيْهِ أدَلُّ، وذَلِكَ كَما يُقالُ لِمَن يَسْعى في مُخالَفَةِ السُّلْطانِ: اصْنَعْ ما شِئْتَ مِنَ المُخالَفَةِ، فَإنَّ مَصِيرَكَ إلى السَّيْفِ. ﴿قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ ويُنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناهم سِرًّا وعَلانِيَةً﴾ لَمّا أمَرَهُ بِأنْ يَقُولَ لِلْمُبَدِّلِينَ نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا الجاعِلِينَ لِلَّهِ أنْدادًا ما قالَهُ لَهم؛ أمَرَهُ سُبْحانَهُ أنْ يَقُولَ لِلطّائِفَةِ المُقابِلَةِ لَهم، وهي طائِفَةُ المُؤْمِنِينَ - هَذا القَوْلَ، والمَقُولُ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ: أيْ قُلْ لِعِبادِي أقِيمُوا، وأنْفِقُوا، ويُقِيمُوا، ويُنْفِقُوا، فَجَزَمَ " يُقِيمُوا " عَلى أنَّهُ جَوابُ الأمْرِ المَحْذُوفِ، وكَذَلِكَ " يُنْفِقُوا "، ذَكَرَ مَعْنى هَذا الفَرّاءُ. وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّ " يُقِيمُوا " مَجْزُومٌ بِمَعْنى اللّامِ، أيْ: لِيُقِيمُوا فَأُسْقِطَتِ اللّامُ: ثُمَّ ذَكَرَ وجْهًا آخَرَ لِلْجَزْمِ مِثْلَ ما ذَكَرَهُ الفَرّاءُ: وانْتِصابُ " سِرًّا وعَلانِيَةً "، إمّا عَلى الحالِ، أيْ: مُسِرِّينَ ومُعْلِنِينَ، أوْ عَلى المَصْدَرِ، أيْ: إنْفاقَ سِرٍّ وإنْفاقَ عَلانِيَةٍ، أوْ عَلى الظَّرْفِ، أيْ: وقْتَ سِرٍّ ووَقْتَ عَلانِيَةٍ. قالَ الجُمْهُورُ: السِّرُّ ما خَفِيَ، والعَلانِيَةُ ما ظَهَرَ. وقِيلَ: السِّرُّ التَّطَوُّعُ، والعَلانِيَةُ الفَرْضُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿إنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمّا هِيَ﴾ [البقرة: ٣٧١] ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خِلالٌ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: البَيْعُ هاهُنا الفِداءُ والخِلالُ المُخالَّةُ، وهو مَصْدَرٌ. قالَ الواحِدِيُّ: هَذا قَوْلُ جَمِيعِ أهْلِ اللُّغَةِ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ خُلَّةٍ مِثْلَ بُرْمَةِ وبِرامٍ وعُلْبَةِ وعِلابٍ، والمَعْنى: أنَّ يَوْمَ القِيامَةِ لا بَيْعَ فِيهِ حَتّى يَفْتَدِيَ المُقَصِّرُ في العَمَلِ نَفْسَهُ مِن عَذابِ اللَّهِ بِدَفْعِ عِوَضٍ عَنْ ذَلِكَ، ولَيْسَ هُناكَ مُخالَلَةٌ حَتّى يَشْفَعَ الخَلِيلُ لِخَلِيلِهِ ويُنْقِذَهُ مِنَ العَذابِ، فَأمَرَهم سُبْحانَهُ بِالإنْفاقِ في وُجُوهِ الخَيْرِ مِمّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ ما دامُوا في الحَياةِ الدُّنْيا قادِرِينَ عَلى إنْفاقِ أمْوالِهِمْ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمُ القِيامَةِ، فَإنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلى ذَلِكَ بَلْ لا مالَ لَهم إذْ ذاكَ، فالجُمْلَةُ أعْنِي ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خِلالٌ﴾ لِتَأْكِيدِ مَضْمُونِ الأمْرِ بِالإنْفاقِ مِمّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ. ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ فِيها أيْضًا تَأْكِيدٌ لِمَضْمُونِ الأمْرِ بِإقامَةِ الصَّلاةِ، وذَلِكَ لِأنَّ تَرْكَها كَثِيرًا ما يَكُونُ بِسَبَبِ الِاشْتِغالِ بِالبَيْعِ ورِعايَةِ حُقُوقِ الأخِلّاءِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في البَقَرَةِ تَفْسِيرُ البَيْعِ والخِلالِ. ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ أيْ أبْدَعَهُما واخْتَرَعَهُما عَلى غَيْرِ مِثالٍ وخَلَقَ ما فِيهِما مِنَ الأجْرامِ العُلْوِيَّةِ والسُّفْلِيَّةِ، والِاسْمُ الشَّرِيفُ مُبْتَدَأٌ وما بَعْدَهُ خَبَرُهُ ( ﴿وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ ) المُرادُ بِالسَّماءِ هُنا جِهَةُ العُلُوِّ، فَإنَّهُ يَدْخُلُ في ذَلِكَ الفَلَكُ عِنْدَ مَن قالَ إنَّ ابْتِداءَ المَطَرِ مِنهُ، ويَدْخُلُ فِيهِ السَّحابُ عِنْدَ مَن قالَ إنَّ ابْتِداءَ المَطَرِ مِنها، وتَدْخُلُ فِيهِ الأسْبابُ الَّتِي تُثِيرُ السَّحابَ كالرِّياحِ، وتَنْكِيرُ الماءِ هُنا لِلنَّوْعِيَّةِ، أيْ: نَوْعًا مِن أنْواعِ الماءِ، وهو ماءُ المَطَرِ ﴿فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ أيْ أخْرَجَ بِذَلِكَ الماءِ مِنَ الثَّمَراتِ المُتَنَوِّعَةِ رِزْقًا لِبَنِي آدَمَ يَعِيشُونَ بِهِ، وِ ( مِن ) في مِنَ الثَّمَراتِ لِلْبَيانِ كَقَوْلِكَ: أنْفَقْتُ مِنَ الدَّراهِمِ، وقِيلَ: لِلتَّبْعِيضِ لِأنَّ الثَّمَراتِ مِنها ما هو رِزْقٌ لِبَنِي آدَمَ، ومِنها ما لَيْسَ بِرِزْقٍ لَهم، وهو ما لا يَأْكُلُونَهُ ولا يَنْتَفِعُونَ بِهِ وسَخَّرَ لَكُمُ الفُلْكَ فَجَرَتْ عَلى إرادَتِكم واسْتَعْمَلْتُمُوها في مَصالِحِكم، ولِذا قالَ: لِتَجْرِيَ في البَحْرِ كَما تُرِيدُونَ وعَلى ما تَطْلُبُونَ بِأمْرِهِ أيْ بِأمْرِ اللَّهِ ومَشِيئَتِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في البَقَرَةِ وسَخَّرَ لَكُمُ الأنْهارَ أيْ ذَلَّلَها لَكم بِالرُّكُوبِ عَلَيْها والإجْراءِ لَها إلى حَيْثُ تُرِيدُونَ. وسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ والقَمَرَ لِتَنْتَفِعُوا بِهِما وتَسْتَضِيئُوا بِضَوْئِهِما، وانْتِصابُ دائِبَيْنِ عَلى الحالِ، والدُّءُوبُ مُرُورُ الشَّيْءِ في العَمَلِ عَلى عادَةٍ جارِيَةٍ، أيْ: دائِبَيْنِ في إصْلاحِ ما يُصْلِحانِهِ مِنَ النَّباتِ وغَيْرِهِ، وقِيلَ: دائِبَيْنِ في السَّيْرِ امْتِثالًا لِأمْرِ اللَّهِ، والمَعْنى: يَجْرِيانِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ لا يَفْتُرانِ ولا يَنْقَطِعُ سَيْرُهُما ﴿وسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ﴾ يَتَعاقَبانِ، فالنَّهارُ لِسَعْيِكم في أُمُورِ مَعاشِكم وما تَحْتاجُونَ إلَيْهِ مِن أُمُورِ دُنْياكم، واللَّيْلُ لِتَسْكُنُوا كَما قالَ سُبْحانَهُ: (p-٧٤٩)﴿ومِن رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ [القصص: ٧٣] . ﴿وآتاكم مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ﴾ قالَ الأخْفَشُ، أيْ: أعْطاكم مِن كُلِّ مَسْئُولٍ سَألْتُمُوهُ شَيْئًا فَحُذِفَ شَيْئًا، وقِيلَ: المَعْنى: وآتاكم مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ ومِن كُلِّ ما لَمْ تَسْألُوهُ فَحُذِفَتِ الجُمْلَةَ الأُخْرى، قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ. وقِيلَ: " مِن " زائِدَةٌ، أيْ: آتاكم كُلَّ ما سَألْتُمُوهُ، وقِيلَ: لِلتَّبْعِيضِ، أيْ: آتاكم بَعْضَ كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ والحَسَنُ وقَتادَةُ: " مِن كُلٍّ " بِتَنْوِينِ " كُلٍّ "، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ " ما " نافِيَةً، أيْ: آتاكم مِن جَمِيعِ ذَلِكَ حالَ كَوْنِكم غَيْرَ سائِلِينَ لَهُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً، أيْ: آتاكم مِن كُلِّ شَيْءٍ الَّذِي سَألْتُمُوهُ ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ أيْ وإنْ تَتَعَرَّضُوا لِتَعْدادِ نِعَمِ اللَّهِ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيْكم إجْمالًا فَضْلًا عَنِ التَّفْصِيلِ لا تُطِيقُوا إحْصاءَها بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، ولا تَقُومُوا بِحَصْرِها عَلى حالٍ مِنَ الأحْوالِ، وأصْلُ الإحْصاءِ أنَّ الحاسِبَ إذا بَلَغَ عَقْدًا مُعَيَّنًا مِن عُقُودِ الأعْدادِ وضَعَ حَصاةً لِيَحْفَظَهُ بِها، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَوْ رامَ فَرْدٌ مِن أفْرادِ العِبادِ أنْ يُحْصِيَ ما أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ في خَلْقِ عُضْوٍ مِن أعْضائِهِ، أوْ حاسَّةٍ مِن حَواسِّهِ لَمْ يَقْدِرْ عَلى ذَلِكَ قَطُّ ولا أمْكَنَهُ أصْلًا، فَكَيْفَ بِما عَدا ذَلِكَ مِنَ النِّعَمِ في جَمِيعِ ما خَلَقَهُ اللَّهُ في بَدَنِهِ، فَكَيْفَ بِما عَدا ذَلِكَ مِنَ النِّعَمِ الواصِلَةِ إلَيْهِ في كُلِّ وقْتٍ عَلى تَنَوُّعِها واخْتِلافِ أجْناسِها. اللَّهُمَّ إنّا نَشْكُرُكَ عَلى كُلِّ نِعْمَةٍ أنْعَمْتَ بِها عَلَيْنا مِمّا لا يَعْلَمُهُ إلّا أنْتَ، ومِمّا عَلِمْناهُ شُكْرًا لا يُحِيطُ بِهِ حَصْرٌ ولا يَحْصُرُهُ عَدٌّ، وعَدَدَ ما شَكَرَكَ الشّاكِرُونَ بِكُلِّ لِسانٍ في كُلِّ زَمانٍ ( إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ ) لِنَفْسِهِ بِإغْفالِهِ لِشُكْرِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ، وظاهِرُهُ شُمُولُ كُلِّ إنْسانٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّ الإنْسانَ اسْمُ جِنْسٍ يُقْصَدُ بِهِ الكافِرُ خاصَّةً كَما قالَ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢] ( كَفّارٌ ) أيْ: شَدِيدُ كُفْرانِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ جاحِدٌ لَها غَيْرُ شاكِرٍ لِلَّهِ سُبْحانَهُ عَلَيْها، كَما يَنْبَغِي ويَجِبُ عَلَيْهِ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ والبُخارِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ قالَ: هم كُفّارُ أهْلِ مَكَّةَ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ في تارِيخِهِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ قالَ: هُما الأفْجَرانِ مِن قُرَيْشٍ: بَنُو المُغِيرَةِ، وبَنُو أُمَيَّةَ، فَأمّا بَنُو المُغِيرَةِ فَكُفِيتُمُوهم يَوْمَ بَدْرٍ، وأمّا بَنُو أُمَيَّةَ فَمُتِّعُوا إلى حِينٍ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْ عُمَرَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طُرُقٍ عَنْ عَلِيٍّ في الآيَةِ نَحْوَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والفِرْيابِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي الطُّفَيْلِ أنَّ ابْنَ الكَوّاءِ سَألَ عَلِيًّا عَنِ الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا قالَ: هُمُ الفُجّارُ مِن قُرَيْشٍ كُفِيتُهم يَوْمَ بَدْرٍ. قالَ: فَمَنِ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهم في الحَياةِ الدُّنْيا ؟ قالَ: مِنهم أهْلُ حَرُوراءَ. وقَدْ رُوِيَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ عَنْ عَلِيٍّ مِن طُرُقٍ نَحْوُ هَذا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: هم جَبَلَةُ بْنُ الأيْهَمِ والَّذِينَ اتَّبَعُوهُ مِنَ العَرَبِ فَلَحِقُوا بِالرُّومِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وأحَلُّوا قَوْمَهم دارَ البَوارِ﴾ قالَ: الهَلاكِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا﴾ قالَ: أشْرَكُوا بِاللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿وسَخَّرَ لَكُمُ الأنْهارَ﴾ قالَ: بِكُلِّ فائِدَةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ والقَمَرَ دائِبَيْنِ﴾ قالَ: دُءُوبُهُما في طاعَةِ اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ ﴿وآتاكم مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ﴾ قالَ: مِن كُلِّ شَيْءٍ رَغِبْتُمْ إلَيْهِ فِيهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: مِن كُلِّ الَّذِي سَألْتُمُوهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ سُلَيْمانَ التَّيْمِيِّ قالَ: إنَّ اللَّهَ أنْعَمَ عَلى العِبادِ عَلى قَدَرِهِ وكَلَّفَهُمُ الشُّكْرَ عَلى قَدَرِهِمْ. وأخْرَجا أيْضًا عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ المُزَنِيِّ قالَ: يا ابْنَ آدَمَ إنْ أرَدْتَ أنْ تَعْلَمَ قَدْرَ ما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْكَ فَغَمِّضْ عَيْنَيْكَ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: مَن لَمْ يَعْرِفْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إلّا في مَطْعَمِهِ ومَشْرَبِهِ، فَقَدْ قَلَّ عَمَلُهُ وحَضَرَ عَذابُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي أيُّوبَ القُرَشِيِّ مَوْلى بَنِي هاشِمٍ قالَ: قالَ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ: رَبِّ أخْبِرْنِي ما أدْنى نِعْمَتِكَ عَلَيَّ، فَأوْحى إلَيَّ: يا داوُدُ تَنَفَّسَ فَتَنَفَّسَ، فَقالَ: هَذا أدْنى نِعْمَتِي عَلَيْكَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ قالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ظُلْمِي وكُفْرِي، فَقالَ قائِلٌ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ هَذا الظُّلْمُ، فَما بالُ الكُفْرِ ؟ قالَ: " إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ " .

إبراهيم 14:34

. قَوْلُهُ: ألَمْ تَرَ هَذا خِطابٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أوْ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ، وهو تَعْجِيبٌ مِن حالِ الكُفّارِ حَيْثُ جَعَلُوا بَدَلَ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمُ الكُفْرَ، أيْ: بَدَلَ شُكْرِها الكُفْرَ بِها، وذَلِكَ بِتَكْذِيبِهِمْ مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ حِينَ بَعَثَهُ اللَّهُ مِنهم وأنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِهِ. وقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّهم كُفّارُ مَكَّةَ وأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِمْ وقِيلَ: نَزَلَتْ في الَّذِينَ قاتَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَوْمَ بَدْرٍ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في بَطْنَيْنِ مِن بُطُونِ قُرَيْشٍ بَنِي مَخْزُومٍ وبَنِي أُمَيَّةَ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في مُتَنَصِّرَةِ العَرَبِ، وهم جَبَلَةُ بْنُ الأيْهَمِ وأصْحابُهُ، وفِيهِ نَظَرٌ، فَإنَّ جَبَلَةَ وأصْحابَهُ لَمْ يُسْلِمُوا إلّا في خِلافَةِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وقِيلَ: إنَّها عامَّةٌ في جَمِيعِ المُشْرِكِينَ، وقِيلَ: المُرادُ بِتَبْدِيلِ نِعْمَةِ اللَّهِ (p-٧٤٨)كُفْرًا أنَّهم لَمّا كَفَرُوها سَلَبَهُمُ اللَّهُ ذَلِكَ فَصارُوا مُتَبَدِّلِينَ بِها الكُفْرَ ﴿وأحَلُّوا قَوْمَهم دارَ البَوارِ﴾ أيْ أنْزَلُوا قَوْمَهم بِسَبَبِ ما زَيَّنُوهُ لَهم مِنَ الكُفْرِ، ﴿دارَ البَوارِ﴾ وهي جَهَنَّمُ، والبَوارُ الهَلاكُ، وقِيلَ: هم قادَةُ قُرَيْشٍ أحَلُّوا قَوْمَهم يَوْمَ بَدْرٍ دارَ البَوارِ: أيِ الهَلاكِ، وهو القَتْلُ الَّذِي أُصِيبُوا بِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَلَمْ أرَ مِثْلَهم أبْطالَ حَرْبٍ غَداةَ الحَرْبِ إذْ خِيفَ البَوارُ والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ: جَهَنَّمَ فَإنَّهُ عَطْفُ بَيانٍ لِدارِ البَوارِ، و( يَصْلَوْنَها ) في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أوْ هو مُسْتَأْنَفٌ لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ حُلُولِهِمْ فِيها ﴿وبِئْسَ القَرارُ﴾ أيْ بِئْسَ القَرارُ قَرارُهم فِيها، أوْ بِئْسَ المَقَرُّ جَهَنَّمُ، فالمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ. ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى: وأحَلُّوا: أيْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ في الرُّبُوبِيَّةِ، أوْ في التَّسْمِيَةِ وهي الأصْنامُ. قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو " لِيَضِلُّوا " بِفَتْحِ الياءِ، أيْ: لِيَضِلُّوا أنْفُسَهم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وتَكُونُ اللّامُ لِلْعاقِبَةِ، أيْ: لِيَتَعَقَّبَ جَعْلَهم لِلَّهِ أنْدادًا ضَلالُهم، لِأنَّ العاقِلَ لا يُرِيدُ ضَلالَ نَفْسِهِ، وحَسُنَ اسْتِعْمالُ لامِ العاقِبَةِ هُنا لِأنَّها تُشْبِهُ الغَرَضَ والغايَةَ مِن جِهَةِ حُصُولِها في آخِرِ المَراتِبِ، والمُشابَهَةُ أحَدُ الأُمُورِ المُصَحِّحَةِ لِلْمَجازِ. وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّ الياءِ لِيُوقِعُوا قَوْمَهم في الضَّلالِ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، فَهَذا هو الغَرَضُ مِن جَعْلِهِمْ لِلَّهِ أنْدادًا. ثُمَّ هَدَّدَهم سُبْحانَهُ، فَقالَ لِنَبِيِّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: قُلْ تَمَتَّعُوا بِما أنْتُمْ فِيهِ مِنَ الشَّهَواتِ، وما زَيَّنَتْهُ لَكم أنْفُسُكم مِن كُفْرانِ النِّعَمِ وإضْلالِ النّاسِ ﴿فَإنَّ مَصِيرَكم إلى النّارِ﴾ أيْ مَرَدُّكم ومَرْجِعُكم إلَيْها لَيْسَ إلّا، ولَمّا كانَ هَذا حالَهم، وقَدْ صارُوا لِفَرْطِ تَهالُكِهِمْ عَلَيْهِ وانْهِماكِهِمْ فِيهِ لا يُقْلِعُونَ عَنْهُ، ولا يَقْبَلُونَ فِيهِ نُصْحَ النّاصِحِينَ جُعِلَ الأمْرُ بِمُباشَرَتِهِ مَكانَ نَهْيِ قُرْبانِهِ؛ إيضاحًا لِما تَكُونُ عَلَيْهِ عاقِبَتُهم، وأنَّهم لا مَحالَةَ صائِرُونَ إلى النّارِ، فَلا بُدَّ لَهم مِن تَعاطِي الأسْبابِ المُقْتَضِيَةِ ذَلِكَ، فَجُمْلَةُ ﴿فَإنَّ مَصِيرَكم إلى النّارِ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالتَّمَتُّعِ، وفِيهِ مِنَ التَّهْدِيدِ ما لا يُقادَرُ قَدَرُهٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ جَوابًا لِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ سِياقُ الكَلامِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَإنْ دُمْتُمْ عَلى ذَلِكَ فَإنَّ مَصِيرَكم إلى النّارِ، والأوَّلُ أوْلى والنَّظْمُ القُرْآنِيِّ عَلَيْهِ أدَلُّ، وذَلِكَ كَما يُقالُ لِمَن يَسْعى في مُخالَفَةِ السُّلْطانِ: اصْنَعْ ما شِئْتَ مِنَ المُخالَفَةِ، فَإنَّ مَصِيرَكَ إلى السَّيْفِ. ﴿قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ ويُنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناهم سِرًّا وعَلانِيَةً﴾ لَمّا أمَرَهُ بِأنْ يَقُولَ لِلْمُبَدِّلِينَ نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا الجاعِلِينَ لِلَّهِ أنْدادًا ما قالَهُ لَهم؛ أمَرَهُ سُبْحانَهُ أنْ يَقُولَ لِلطّائِفَةِ المُقابِلَةِ لَهم، وهي طائِفَةُ المُؤْمِنِينَ - هَذا القَوْلَ، والمَقُولُ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ: أيْ قُلْ لِعِبادِي أقِيمُوا، وأنْفِقُوا، ويُقِيمُوا، ويُنْفِقُوا، فَجَزَمَ " يُقِيمُوا " عَلى أنَّهُ جَوابُ الأمْرِ المَحْذُوفِ، وكَذَلِكَ " يُنْفِقُوا "، ذَكَرَ مَعْنى هَذا الفَرّاءُ. وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّ " يُقِيمُوا " مَجْزُومٌ بِمَعْنى اللّامِ، أيْ: لِيُقِيمُوا فَأُسْقِطَتِ اللّامُ: ثُمَّ ذَكَرَ وجْهًا آخَرَ لِلْجَزْمِ مِثْلَ ما ذَكَرَهُ الفَرّاءُ: وانْتِصابُ " سِرًّا وعَلانِيَةً "، إمّا عَلى الحالِ، أيْ: مُسِرِّينَ ومُعْلِنِينَ، أوْ عَلى المَصْدَرِ، أيْ: إنْفاقَ سِرٍّ وإنْفاقَ عَلانِيَةٍ، أوْ عَلى الظَّرْفِ، أيْ: وقْتَ سِرٍّ ووَقْتَ عَلانِيَةٍ. قالَ الجُمْهُورُ: السِّرُّ ما خَفِيَ، والعَلانِيَةُ ما ظَهَرَ. وقِيلَ: السِّرُّ التَّطَوُّعُ، والعَلانِيَةُ الفَرْضُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿إنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمّا هِيَ﴾ [البقرة: ٣٧١] ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خِلالٌ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: البَيْعُ هاهُنا الفِداءُ والخِلالُ المُخالَّةُ، وهو مَصْدَرٌ. قالَ الواحِدِيُّ: هَذا قَوْلُ جَمِيعِ أهْلِ اللُّغَةِ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ خُلَّةٍ مِثْلَ بُرْمَةِ وبِرامٍ وعُلْبَةِ وعِلابٍ، والمَعْنى: أنَّ يَوْمَ القِيامَةِ لا بَيْعَ فِيهِ حَتّى يَفْتَدِيَ المُقَصِّرُ في العَمَلِ نَفْسَهُ مِن عَذابِ اللَّهِ بِدَفْعِ عِوَضٍ عَنْ ذَلِكَ، ولَيْسَ هُناكَ مُخالَلَةٌ حَتّى يَشْفَعَ الخَلِيلُ لِخَلِيلِهِ ويُنْقِذَهُ مِنَ العَذابِ، فَأمَرَهم سُبْحانَهُ بِالإنْفاقِ في وُجُوهِ الخَيْرِ مِمّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ ما دامُوا في الحَياةِ الدُّنْيا قادِرِينَ عَلى إنْفاقِ أمْوالِهِمْ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمُ القِيامَةِ، فَإنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلى ذَلِكَ بَلْ لا مالَ لَهم إذْ ذاكَ، فالجُمْلَةُ أعْنِي ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خِلالٌ﴾ لِتَأْكِيدِ مَضْمُونِ الأمْرِ بِالإنْفاقِ مِمّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ. ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ فِيها أيْضًا تَأْكِيدٌ لِمَضْمُونِ الأمْرِ بِإقامَةِ الصَّلاةِ، وذَلِكَ لِأنَّ تَرْكَها كَثِيرًا ما يَكُونُ بِسَبَبِ الِاشْتِغالِ بِالبَيْعِ ورِعايَةِ حُقُوقِ الأخِلّاءِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في البَقَرَةِ تَفْسِيرُ البَيْعِ والخِلالِ. ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ أيْ أبْدَعَهُما واخْتَرَعَهُما عَلى غَيْرِ مِثالٍ وخَلَقَ ما فِيهِما مِنَ الأجْرامِ العُلْوِيَّةِ والسُّفْلِيَّةِ، والِاسْمُ الشَّرِيفُ مُبْتَدَأٌ وما بَعْدَهُ خَبَرُهُ ( ﴿وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ ) المُرادُ بِالسَّماءِ هُنا جِهَةُ العُلُوِّ، فَإنَّهُ يَدْخُلُ في ذَلِكَ الفَلَكُ عِنْدَ مَن قالَ إنَّ ابْتِداءَ المَطَرِ مِنهُ، ويَدْخُلُ فِيهِ السَّحابُ عِنْدَ مَن قالَ إنَّ ابْتِداءَ المَطَرِ مِنها، وتَدْخُلُ فِيهِ الأسْبابُ الَّتِي تُثِيرُ السَّحابَ كالرِّياحِ، وتَنْكِيرُ الماءِ هُنا لِلنَّوْعِيَّةِ، أيْ: نَوْعًا مِن أنْواعِ الماءِ، وهو ماءُ المَطَرِ ﴿فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ أيْ أخْرَجَ بِذَلِكَ الماءِ مِنَ الثَّمَراتِ المُتَنَوِّعَةِ رِزْقًا لِبَنِي آدَمَ يَعِيشُونَ بِهِ، وِ ( مِن ) في مِنَ الثَّمَراتِ لِلْبَيانِ كَقَوْلِكَ: أنْفَقْتُ مِنَ الدَّراهِمِ، وقِيلَ: لِلتَّبْعِيضِ لِأنَّ الثَّمَراتِ مِنها ما هو رِزْقٌ لِبَنِي آدَمَ، ومِنها ما لَيْسَ بِرِزْقٍ لَهم، وهو ما لا يَأْكُلُونَهُ ولا يَنْتَفِعُونَ بِهِ وسَخَّرَ لَكُمُ الفُلْكَ فَجَرَتْ عَلى إرادَتِكم واسْتَعْمَلْتُمُوها في مَصالِحِكم، ولِذا قالَ: لِتَجْرِيَ في البَحْرِ كَما تُرِيدُونَ وعَلى ما تَطْلُبُونَ بِأمْرِهِ أيْ بِأمْرِ اللَّهِ ومَشِيئَتِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في البَقَرَةِ وسَخَّرَ لَكُمُ الأنْهارَ أيْ ذَلَّلَها لَكم بِالرُّكُوبِ عَلَيْها والإجْراءِ لَها إلى حَيْثُ تُرِيدُونَ. وسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ والقَمَرَ لِتَنْتَفِعُوا بِهِما وتَسْتَضِيئُوا بِضَوْئِهِما، وانْتِصابُ دائِبَيْنِ عَلى الحالِ، والدُّءُوبُ مُرُورُ الشَّيْءِ في العَمَلِ عَلى عادَةٍ جارِيَةٍ، أيْ: دائِبَيْنِ في إصْلاحِ ما يُصْلِحانِهِ مِنَ النَّباتِ وغَيْرِهِ، وقِيلَ: دائِبَيْنِ في السَّيْرِ امْتِثالًا لِأمْرِ اللَّهِ، والمَعْنى: يَجْرِيانِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ لا يَفْتُرانِ ولا يَنْقَطِعُ سَيْرُهُما ﴿وسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ﴾ يَتَعاقَبانِ، فالنَّهارُ لِسَعْيِكم في أُمُورِ مَعاشِكم وما تَحْتاجُونَ إلَيْهِ مِن أُمُورِ دُنْياكم، واللَّيْلُ لِتَسْكُنُوا كَما قالَ سُبْحانَهُ: (p-٧٤٩)﴿ومِن رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ [القصص: ٧٣] . ﴿وآتاكم مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ﴾ قالَ الأخْفَشُ، أيْ: أعْطاكم مِن كُلِّ مَسْئُولٍ سَألْتُمُوهُ شَيْئًا فَحُذِفَ شَيْئًا، وقِيلَ: المَعْنى: وآتاكم مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ ومِن كُلِّ ما لَمْ تَسْألُوهُ فَحُذِفَتِ الجُمْلَةَ الأُخْرى، قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ. وقِيلَ: " مِن " زائِدَةٌ، أيْ: آتاكم كُلَّ ما سَألْتُمُوهُ، وقِيلَ: لِلتَّبْعِيضِ، أيْ: آتاكم بَعْضَ كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ والحَسَنُ وقَتادَةُ: " مِن كُلٍّ " بِتَنْوِينِ " كُلٍّ "، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ " ما " نافِيَةً، أيْ: آتاكم مِن جَمِيعِ ذَلِكَ حالَ كَوْنِكم غَيْرَ سائِلِينَ لَهُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً، أيْ: آتاكم مِن كُلِّ شَيْءٍ الَّذِي سَألْتُمُوهُ ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ أيْ وإنْ تَتَعَرَّضُوا لِتَعْدادِ نِعَمِ اللَّهِ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيْكم إجْمالًا فَضْلًا عَنِ التَّفْصِيلِ لا تُطِيقُوا إحْصاءَها بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، ولا تَقُومُوا بِحَصْرِها عَلى حالٍ مِنَ الأحْوالِ، وأصْلُ الإحْصاءِ أنَّ الحاسِبَ إذا بَلَغَ عَقْدًا مُعَيَّنًا مِن عُقُودِ الأعْدادِ وضَعَ حَصاةً لِيَحْفَظَهُ بِها، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَوْ رامَ فَرْدٌ مِن أفْرادِ العِبادِ أنْ يُحْصِيَ ما أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ في خَلْقِ عُضْوٍ مِن أعْضائِهِ، أوْ حاسَّةٍ مِن حَواسِّهِ لَمْ يَقْدِرْ عَلى ذَلِكَ قَطُّ ولا أمْكَنَهُ أصْلًا، فَكَيْفَ بِما عَدا ذَلِكَ مِنَ النِّعَمِ في جَمِيعِ ما خَلَقَهُ اللَّهُ في بَدَنِهِ، فَكَيْفَ بِما عَدا ذَلِكَ مِنَ النِّعَمِ الواصِلَةِ إلَيْهِ في كُلِّ وقْتٍ عَلى تَنَوُّعِها واخْتِلافِ أجْناسِها. اللَّهُمَّ إنّا نَشْكُرُكَ عَلى كُلِّ نِعْمَةٍ أنْعَمْتَ بِها عَلَيْنا مِمّا لا يَعْلَمُهُ إلّا أنْتَ، ومِمّا عَلِمْناهُ شُكْرًا لا يُحِيطُ بِهِ حَصْرٌ ولا يَحْصُرُهُ عَدٌّ، وعَدَدَ ما شَكَرَكَ الشّاكِرُونَ بِكُلِّ لِسانٍ في كُلِّ زَمانٍ ( إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ ) لِنَفْسِهِ بِإغْفالِهِ لِشُكْرِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ، وظاهِرُهُ شُمُولُ كُلِّ إنْسانٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّ الإنْسانَ اسْمُ جِنْسٍ يُقْصَدُ بِهِ الكافِرُ خاصَّةً كَما قالَ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢] ( كَفّارٌ ) أيْ: شَدِيدُ كُفْرانِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ جاحِدٌ لَها غَيْرُ شاكِرٍ لِلَّهِ سُبْحانَهُ عَلَيْها، كَما يَنْبَغِي ويَجِبُ عَلَيْهِ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ والبُخارِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ قالَ: هم كُفّارُ أهْلِ مَكَّةَ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ في تارِيخِهِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ قالَ: هُما الأفْجَرانِ مِن قُرَيْشٍ: بَنُو المُغِيرَةِ، وبَنُو أُمَيَّةَ، فَأمّا بَنُو المُغِيرَةِ فَكُفِيتُمُوهم يَوْمَ بَدْرٍ، وأمّا بَنُو أُمَيَّةَ فَمُتِّعُوا إلى حِينٍ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْ عُمَرَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طُرُقٍ عَنْ عَلِيٍّ في الآيَةِ نَحْوَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والفِرْيابِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي الطُّفَيْلِ أنَّ ابْنَ الكَوّاءِ سَألَ عَلِيًّا عَنِ الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا قالَ: هُمُ الفُجّارُ مِن قُرَيْشٍ كُفِيتُهم يَوْمَ بَدْرٍ. قالَ: فَمَنِ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهم في الحَياةِ الدُّنْيا ؟ قالَ: مِنهم أهْلُ حَرُوراءَ. وقَدْ رُوِيَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ عَنْ عَلِيٍّ مِن طُرُقٍ نَحْوُ هَذا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: هم جَبَلَةُ بْنُ الأيْهَمِ والَّذِينَ اتَّبَعُوهُ مِنَ العَرَبِ فَلَحِقُوا بِالرُّومِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وأحَلُّوا قَوْمَهم دارَ البَوارِ﴾ قالَ: الهَلاكِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا﴾ قالَ: أشْرَكُوا بِاللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿وسَخَّرَ لَكُمُ الأنْهارَ﴾ قالَ: بِكُلِّ فائِدَةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ والقَمَرَ دائِبَيْنِ﴾ قالَ: دُءُوبُهُما في طاعَةِ اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ ﴿وآتاكم مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ﴾ قالَ: مِن كُلِّ شَيْءٍ رَغِبْتُمْ إلَيْهِ فِيهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: مِن كُلِّ الَّذِي سَألْتُمُوهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ سُلَيْمانَ التَّيْمِيِّ قالَ: إنَّ اللَّهَ أنْعَمَ عَلى العِبادِ عَلى قَدَرِهِ وكَلَّفَهُمُ الشُّكْرَ عَلى قَدَرِهِمْ. وأخْرَجا أيْضًا عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ المُزَنِيِّ قالَ: يا ابْنَ آدَمَ إنْ أرَدْتَ أنْ تَعْلَمَ قَدْرَ ما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْكَ فَغَمِّضْ عَيْنَيْكَ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: مَن لَمْ يَعْرِفْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إلّا في مَطْعَمِهِ ومَشْرَبِهِ، فَقَدْ قَلَّ عَمَلُهُ وحَضَرَ عَذابُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي أيُّوبَ القُرَشِيِّ مَوْلى بَنِي هاشِمٍ قالَ: قالَ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ: رَبِّ أخْبِرْنِي ما أدْنى نِعْمَتِكَ عَلَيَّ، فَأوْحى إلَيَّ: يا داوُدُ تَنَفَّسَ فَتَنَفَّسَ، فَقالَ: هَذا أدْنى نِعْمَتِي عَلَيْكَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ قالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ظُلْمِي وكُفْرِي، فَقالَ قائِلٌ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ هَذا الظُّلْمُ، فَما بالُ الكُفْرِ ؟ قالَ: " إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ " .

إبراهيم 14:35

. قَوْلُهُ: وإذْ قالَ إبْراهِيمُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ: أيِ اذْكُرْ وقْتَ قَوْلِهِ، ولَعَلَّ المُرادَ بِسِياقِ ما قالَهُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ في هَذا المَوْضِعِ - بَيانُ كُفْرِ قُرَيْشٍ بِالنِّعَمِ الخاصَّةِ بِهِمْ، وهي إسْكانُهم مَكَّةَ بَعْدَ ما بَيَّنَ كُفْرَهم بِالنِّعَمِ العامَّةِ، وقِيلَ: إنَّ ذِكْرَ قِصَّةِ إبْراهِيمَ هاهُنا لِمِثالِ الكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ، وقِيلَ: لِقَصْدِ الدُّعاءِ إلى التَّوْحِيدِ، وإنْكارِ عِبادَةِ الأصْنامِ ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا﴾ المُرادُ بِالبَلَدِ هُنا مَكَّةُ: دَعا إبْراهِيمُ رَبَّهُ أنْ يَجْعَلَهُ آمِنًا: (p-٧٥٠)أيْ ذا أمْنٍ، وقَدَّمَ طَلَبَ الأمْنِ عَلى سائِرِ المَطالِبِ المَذْكُورَةِ بَعْدَهُ، لِأنَّهُ إذا انْتَفى الأمْنُ لَمْ يَفْرَغِ الإنْسانُ لِشَيْءٍ آخَرَ مِن أُمُورِ الدِّينِ والدُّنْيا، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ في البَقَرَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذا بَلَدًا آمِنًا﴾ [البقرة: ١٢٦] والفَرْقُ بَيْنَ ما هُنا وما هُنالِكَ أنَّ المَطْلُوبَ هُنا مُجَرَّدُ الأمْنِ لِلْبَلَدِ، والمَطْلُوبَ هُنالِكَ البَلَدِيَّةُ والأمْنُ ﴿واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾، يُقالُ جَنَّبْتُهُ كَذا وأجْنَبْتُهُ وجَنَّبْتُهُ، أيْ: باعَدْتُهُ عَنْهُ، والمَعْنى: باعِدْنِي، وباعِدْ بَنِيَّ عَنْ عِبادَةِ الأصْنامِ، قِيلَ: أرادَ بَنِيهِ مِن صُلْبِهُ وكانُوا ثَمانِيَةً، وقِيلَ: أرادَ مَن كانَ مَوْجُودًا حالَ دَعْوَتِهِ مِن بَنِيهِ وبَنِي بَنِيهِ، وقِيلَ: أرادَ جَمِيعَ ذُرِّيَّتِهِ ما تَناسَلُوا، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما قِيلَ مِن أنَّهُ لَمْ يَعْبُدْ أحَدٌ مِن أوْلادِ إبْراهِيمَ صَنَمًا، والصَّنَمُ هو التِّمْثالُ الَّذِي كانَتْ تَصْنَعُهُ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ مِنَ الأحْجارِ ونَحْوِها فَيَعْبُدُونَهُ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ وعِيسى بْنُ عُمَرَ " وأجْنِبْنِي " بِقَطْعِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّ أصْلَهُ أجْنَبَ. ﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ أسْنَدَ الإضْلالَ إلى الأصْنامِ مَعَ كَوْنِها جَماداتٍ لا تَعْقِلُ، لِأنَّها سَبَبٌ لِضَلالِهِمْ فَكَأنَّها أضَلَّتْهم، وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِدُعائِهِ لِرَبِّهِ، ثُمَّ قالَ: فَمَن تَبِعَنِي أيْ مَن تَبِعَ دِينِي مِنَ النّاسِ فَصارَ مُسْلِمًا مُوَحِّدًا فَإنَّهُ مِنِّي أيْ مِن أهْلِ دِينِي: جَعَلَ أهْلَ مِلَّتِهِ كَنَفْسِهِ مُبالَغَةً ومَن عَصانِي فَلَمْ يُتابِعْنِي ويَدْخُلْ في مِلَّتِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ قادِرٌ عَلى أنْ تَغْفِرَ لَهُ، قِيلَ: قالَ هَذا قَبْلَ أنْ يَعْلَمَ أنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ كَما وقَعَ مِنهُ الِاسْتِغْفارُ لِأبِيهِ وهو مُشْرِكٌ، كَذا قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ، وقِيلَ: المُرادُ عِصْيانُهُ هُنا فِيما دُونَ الشِّرْكِ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ المَغْفِرَةَ مُقَيَّدَةٌ بِالتَّوْبَةِ مِنَ الشِّرْكِ. ثُمَّ قالَ ﴿رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي﴾ قالَ الفَرّاءُ: " مِن " لِلتَّبْعِيضِ، أيْ: بَعْضِ ذُرِّيَّتِي. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّها زائِدَةٌ، أيْ: أسْكَنْتُ ذُرِّيَّتِي، والأوَّلُ أوْلى، لِأنَّهُ إنَّما أسْكَنَ إسْماعِيلَ وهو بَعْضُ ولَدِهِ ﴿بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ أيْ لا زَرْعَ فِيهِ، وهو وادِي مَكَّةَ ﴿عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ﴾ أيِ الَّذِي يَحْرُمُ فِيهِ ما يُسْتَباحُ في غَيْرِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ مُحَرَّمٌ عَلى الجَبابِرَةِ، وقِيلَ: مُحَرَّمٌ مِن أنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَتُهُ، أوْ يُسْتَخَفَّ بِهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ المائِدَةِ ما يُغْنِي عَنِ الإعادَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ اللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ أسْكَنْتُ، أيْ: أسْكَنْتُهم لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فِيهِ، مُتَوَجِّهِينَ إلَيْهِ، مُتَبَرِّكِينَ بِهِ، وخَصَّها دُونَ سائِرِ العِباداتِ لِمَزِيدِ فَضْلِها، ولَعَلَّ تَكْرِيرَ النِّداءِ لِإظْهارِ العِنايَةِ الكامِلَةِ بِهَذِهِ العِبادَةِ فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ الأفْئِدَةُ جَمْعُ فُؤادٍ، وهو القَلْبُ، عُبِّرَ بِهِ عَنْ جَمِيعِ البَدَنِ، لِأنَّهُ أشْرَفُ عُضْوٍ فِيهِ. وقِيلَ: هو جَمْعُ وفْدٍ، والأصْلُ أوْفِدَةٌ، فَقُدِّمَتِ الفاءُ، وقْلِبَتِ الواوُ ياءً، فَكَأنَّهُ قالَ: وجَعَلَ وُفُودًا مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ، و( مِن ) في مِنَ النّاسِ لِلتَّبْعِيضِ، وقِيلَ: زائِدَةٌ ولا يَلْزَمُ مِنهُ أنْ يَحُجَّ اليَهُودُ والنَّصارى بِدُخُولِهِمْ تَحْتَ لَفْظِ النّاسِ، لِأنَّ المَطْلُوبَ تَوْجِيهُ قُلُوبِ النّاسِ إلَيْهِمْ لِلسُّكُونِ مَعَهم والجَلْبِ إلَيْهِمْ لا تَوْجِيهُها إلى الحَجِّ، ولَوْ كانَ هَذا مَرادًا لَقالَ تَهْوِي إلَيْهِ، وقِيلَ: ( مِن ) لِلِابْتِداءِ كَقَوْلِكَ: القَلْبُ مِنِّي سَقِيمٌ، يُرِيدُ قَلْبِي، ومَعْنى تَهْوِي إلَيْهِمْ: تَنْزِعُ إلَيْهِمْ، يُقالُ هَوى نَحْوَهُ: إذا مالَ، وهَوَتِ النّاقَةُ تَهْوِي هَوْيًا فَهي هاوِيَةٌ: إذا عَدَتْ عَدْوًا شَدِيدًا كَأنَّها تَهْوِي في بِئْرٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: تَجِيءُ إلَيْهِمْ أوْ تُسْرِعُ إلَيْهِمْ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ. ﴿وارْزُقْهم مِنَ الثَّمَراتِ﴾: أيِ ارْزُقْ ذُرِّيَّتِي الَّذِينَ أسْكَنْتَهم هُنالِكَ أوْ هم ومَن يُساكِنُهم مِنَ النّاسِ مِن أنْواعِ الثَّمَراتِ الَّتِي تَنْبُتُ فِيهِ، أوْ تُجْلَبُ إلَيْهِ لَعَلَّهم يَشْكُرُونَ نِعَمَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ بِها عَلَيْهِمْ. ﴿رَبَّنا إنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وما نُعْلِنُ﴾ أيْ: ما نَكْتُمُهُ وما نُظْهِرُهُ، لِأنَّ الظّاهِرَ والمُضْمَرَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ سِيّانِ. قِيلَ: والمُرادُ هُنا بِـ " ما نُخْفِي " ما يُقابِلُ " ما نُعْلِنُ "، فالمَعْنى ما نُظْهِرُهُ وما لا نُظْهِرُهُ، وقَدَّمَ " ما نُخْفِي " عَلى " ما نُعْلِنُ " لِلدِّلالَةِ عَلى أنَّهُما مُسْتَوِيانِ في عِلْمِ اللَّهِ سُبْحانَهُ. وظاهِرُ النَّظْمِ القُرْآنِيِّ عُمُومُ كُلِّ ما لا يَظْهَرُ وما يَظْهَرُ مِن غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ مِن ذَلِكَ، وقِيلَ: المُرادُ ما يُخْفِيهِ إبْراهِيمُ مِن وجْدِهِ بِإسْماعِيلَ وأُمِّهِ حَيْثُ أسْكَنَهُما بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ، وما يُعْلِنُهُ مِن ذَلِكَ، وقِيلَ: ما يُخْفِيهِ إبْراهِيمُ مِنَ الوَجْدِ ويُعْلِنُهُ مِنَ البُكاءِ والدُّعاءِ، والمَجِيءُ بِضَمِيرِ الجَماعَةِ يُشْعِرُ بِأنَّ إبْراهِيمَ لَمْ يُرِدْ نَفْسَهُ فَقَطْ، بَلْ أرادَ جَمِيعَ العِبادِ، فَكَأنَّ المَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَعْلَمُ بِكُلِّ ما يُظْهِرُهُ العِبادُ وبِكُلِّ ما لا يُظْهِرُونَهُ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وما يَخْفى عَلى اللَّهِ مِن شَيْءٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ فَقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: هو مِن كَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ تَصْدِيقًا لِما قالَهُ إبْراهِيمُ مِن أنَّهُ سُبْحانَهُ يَعْلَمُ بِما يُخْفِيهِ العِبادُ وما يُعْلِنُونَهُ، فَقالَ سُبْحانَهُ: وما يَخْفى عَلى اللَّهِ شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ المَوْجُودَةِ كائِنًا ما كانَ، وإنَّما ذَكَرَ السَّماواتِ والأرْضَ لِأنَّها المُشاهَدَةُ لِلْعِبادِ، وإلّا فَعِلْمُهُ سُبْحانَهُ مُحِيطٌ بِكُلِّ ما هو داخِلٌ في العالَمِ، وكُلِّ ما هو خارِجٌ عَنْهُ لا تَخْفى عَلَيْهِ مِنهُ خافِيَةٌ. قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا مِن قَوْلِ إبْراهِيمَ تَحْقِيقًا لِقَوْلِهِ الأوَّلِ، وتَعْمِيمًا بَعْدَ التَّخْصِيصِ. ثُمَّ حَمِدَ اللَّهَ سُبْحانَهُ عَلى بَعْضِ نِعَمِهِ الواصِلَةِ إلَيْهِ فَقالَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وهَبَ لِي عَلى الكِبَرِ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ أيْ وهَبَ لِي عَلى كِبَرِ سِنِّي وسِنِّ امْرَأتِي، قِيلَ: وُلِدَ لَهُ إسْماعِيلُ وهو ابْنُ تِسْعٍ وتِسْعِينَ سَنَةً، ووُلِدَ لَهُ إسْحاقُ وهو ابْنُ مِائَةٍ واثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وقِيلَ: و( عَلى ) هُنا بِمَعْنى مَعَ، أيْ: وهَبَ لِي مَعَ كِبَرِي ويَأْسِي عَنِ الوَلَدِ ﴿إنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ أيْ لَمُجِيبُ الدُّعاءِ، مِن قَوْلِهِمْ: سَمِعَ كَلامَهُ إذا أجابَهُ واعْتَدَّ بِهِ وعَمِلَ بِمُقْتَضاهُ، وهو مِن إضافَةِ الصِّفَةِ المُتَضَمِّنَةِ لِلْمُبالَغَةِ إلى المَفْعُولِ، والمَعْنى: إنَّكَ لَكَثِيرُ إجابَةِ الدُّعاءِ لِمَن يَدْعُوكَ. ثُمَّ سَألَ اللَّهَ سُبْحانَهُ بِأنْ يَجْعَلَهُ مُقِيمَ الصَّلاةِ مُحافِظًا عَلَيْها غَيْرَ مُهْمِلٍ لِشَيْءٍ مِنها، ثُمَّ قالَ: ومِن ذُرِّيَّتِي أيْ بَعْضَ ذُرِّيَّتِي: أيِ اجْعَلْنِي واجْعَلْ بَعْضَ ذُرِّيَّتِي مُقِيمِينَ لِلصَّلاةِ، وإنَّما خَصَّ البَعْضَ مِن ذُرِّيَّتِهِ، لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّ مِنهم مِن لا يُقِيمُها كَما يَنْبَغِي. قالَ الزَّجّاجُ: أيِ اجْعَلْ مِن ذُرِّيَّتِي مَن يُقِيمُ الصَّلاةَ، ثُمَّ سَألَ اللَّهَ سُبْحانَهُ أنَّ يَتَقَبَّلَ دُعاءَهُ عَلى العُمُومِ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ دُعاؤُهُ في هَذا المَقامِ دُخُولًا أوَّلِيًّا. قِيلَ: والمُرادُ بِالدُّعاءِ هُنا العِبادَةُ، فَيَكُونُ المَعْنى: وتَقَبَّلْ عِبادَتِي (p-٧٥١)الَّتِي أعْبُدُكَ بِها. ثُمَّ طَلَبَ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ أنْ يَغْفِرَ لَهُ ما وقَعَ مِنهُ مِمّا يَسْتَحِقُّ أنْ يَغْفِرَهُ اللَّهُ وإنْ لَمْ يَكُنْ كَبِيرًا؛ لِما هو مَعْلُومٌ مِن عِصْمَةِ الأنْبِياءِ عَنِ الكَبائِرِ. ثُمَّ طَلَبَ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ أنْ يَغْفِرَ لِوالِدَيْهِ. وقَدْ قِيلَ إنَّهُ دَعا لَهُما بِالمَغْفِرَةِ قَبْلَ أنْ يَعْلَمَ أنَّهُما عَدُوّانِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ إلّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ﴾ [التوبة: ١١٤] . وقِيلَ: كانَتْ أُمُّهُ مَسْلِمَةً، وقِيلَ: أرادَ بِوالِدَيْهِ آدَمَ وحَوّاءَ. وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ " ولِوالِدِي " بِالتَّوْحِيدِ عَلى إرادَةِ الأبِ وحْدَهُ. وقَرَأ إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ " ولِوَلَدِي " يَعْنِي إسْماعِيلَ وإسْحاقَ، وكَذا قَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ، ثُمَّ اسْتَغْفَرَ لِلْمُؤْمِنِينَ. وظاهِرُهُ شُمُولُ كُلِّ مُؤْمِنٍ، سَواءٌ كانَ مِن ذُرِّيَّتِهِ أوْ لَمْ يَكُنْ مِنهم، وقِيلَ: أرادَ المُؤْمِنِينَ مِن ذُرِّيَّتِهِ فَقَطْ يَوْمَ يَقُومُ الحِسابُ أيْ يَوْمَ يَثْبُتُ حِسابُ المُكَلَّفِينَ في المَحْشَرِ، اسْتُعِيرَ لَهُ لَفْظُ " يَقُومُ " الَّذِي هو حَقِيقَتُهُ في قِيامِ الرَّجُلِ لِلدِّلالَةِ عَلى أنَّهُ في غايَةِ الِاسْتِقامَةِ، وقِيلَ: إنَّ المَعْنى يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِلْحِسابِ، والأوَّلُ أوْلى. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: وإذْ قالَ إبْراهِيمُ الآيَةَ، قالَ: فاسْتَجابَ اللَّهُ لِإبْراهِيمَ دَعْوَتَهُ في ولَدِهِ فَلَمْ يَعْبُدْ أحَدٌ مِن ولَدِهِ صَنَمًا بَعْدَ دَعْوَتِهِ، واسْتَجابَ اللَّهُ لَهُ، وجَعَلَ هَذا البَلَدَ آمِنًا، ورَزَقَ أهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ، وجَعَلَهُ إمامًا، وجَعَلَ مِن ذُرِّيَّتِهِ مَن يُقِيمُ الصَّلاةَ، وتَقَبَّلَ دُعاءَهُ فَأراهُ مَناسِكَهُ وتابَ عَلَيْهِ. وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنْ عَقِيلِ بْنِ أبِي طالِبٍ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لَمّا أتاهُ السِّتَّةُ النَّفَرِ مِنَ الأنْصارِ جَلَسَ إلَيْهِمْ عِنْدَ جَمْرَةِ العَقَبَةِ، فَدَعاهم إلى اللَّهِ وإلى عِبادَتِهِ والمُؤازَرَةِ عَلى دِينِهِ، فَسَألُوهُ أنْ يَعْرِضَ عَلَيْهِمْ ما أُوحِيَ إلَيْهِ، فَقَرَأ مِن سُورَةِ إبْراهِيمَ ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ إلى آخِرِ السُّورَةِ، فَرَقَّ القَوْمُ وأخْبَتُوا حِينَ سَمِعُوا مِنهُ ما سَمِعُوا وأجابُوهُ» . وأخْرَجَ الواقِدِيُّ وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ عامِرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أبِيهِ قالَ: كانَتْ سارَةُ تَحْتَ إبْراهِيمَ، فَمَكَثَتْ تَحْتَهُ دَهْرًا لا تُرْزَقُ مِنهُ ولَدًا، فَلَمّا رَأتْ ذَلِكَ وهَبَتْ لَهُ هاجَرَ أمَةً لَها قِبْطِيَّةً، فَوَلَدَتْ لَهُ إسْماعِيلَ، فَغارَتْ مِن ذَلِكَ سارَةُ ووَجَدَتْ في نَفْسِها وعَتَبَتْ عَلى هاجَرَ، فَحَلَفَتْ أنْ تَقْطَعَ مِنها ثَلاثَةَ أطْرافٍ، فَقالَ لَها إبْراهِيمُ: هَلْ لَكِ أنْ تُبِرِّي يَمِينَكِ ؟ قالَتْ: كَيْفَ أصْنَعُ ؟ قالَ: اثْقُبِي أُذُنَيْها واخْفِضِيها، والخَفْضُ: هو الخِتانُ، فَفَعَلَتْ ذَلِكَ بِها فَوَضَعَتْ هاجَرُ في أُذُنَيْها قُرْطَيْنِ فازْدادَتْ بِهِما حُسْنًا. فَقالَتْ سارَةُ: أرانِي أنَّما زِدْتُها جَمالًا فَلَمْ تُقارَّهُ عَلى كَوْنِهِ مَعَها ووَجِدَ بِها إبْراهِيمُ وجْدًا شَدِيدًا، فَنَقَلَها إلى مَكَّةَ فَكانَ يَزُورُها في كُلِّ يَوْمٍ مِنَ الشّامَ عَلى البُراقِ مِن شَغَفِهِ بِها وقِلَّةِ صَبْرِهِ عَنْها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي﴾ قالَ: أسْكَنَ إسْماعِيلَ وأُمَّهُ مَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: إنَّ إبْراهِيمَ حِينَ قالَ ﴿فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ﴾ لَوْ قالَ أفْئِدَةَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ لازْدَحَمَتْ عَلَيْهِ فارِسُ والرُّومُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَكَمِ قالَ: سَألْتُ عِكْرِمَةَ وطاوُسًا وعَطاءَ بْنَ أبِي رَباحٍ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ ﴿فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ﴾ فَقالُوا: البَيْتُ تَهْوِي إلَيْهِ قُلُوبُهم يَأْتُونَهُ، وفي لَفْظٍ قالُوا: هَواهم إلى مَكَّةَ أنْ يَحُجُّوا. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: تَهْوِي إلَيْهِمْ قالَ: تَنْزِعُ إلَيْهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ الطّائِفِيِّ أنَّ إبْراهِيمَ لَمّا دَعا لِلْحَرَمِ ﴿وارْزُقْ أهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ﴾ نَقَلَ اللَّهُ الطّائِفَ مِن فِلَسْطِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: إنَّ اللَّهَ نَقَلَ قَرْيَةً مِن قُرى الشّامِ فَوَضَعَها بِالطّائِفِ لِدَعْوَةِ إبْراهِيمَ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالُوا: لَوْ كانَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ فاجْعَلْ أفْئِدَةَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ لَحَجَّ اليَهُودُ والنَّصارى والنّاسُ كُلُّهم، ولَكِنَّهُ قالَ ﴿أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ﴾ فَخَصَّ بِهِ المُؤْمِنِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ما نُخْفِي وما نُعْلِنُ﴾ قالَ: مِنَ الحُزْنِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا إنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي﴾ قالَ: مِن حُبِّ إسْماعِيلَ وأُمِّهِ وما نُعْلِنُ قالَ: ما نُظْهِرُ لِسارَةَ مِنَ الجَفاءِ لَهُما. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وهَبَ لِي عَلى الكِبَرِ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ قالَ: هَذا بَعْدَ ذَلِكَ بِحِينٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: بُشِّرَ إبْراهِيمُ بَعْدَ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً ومِائَةِ سَنَةٍ.

إبراهيم 14:36

. قَوْلُهُ: وإذْ قالَ إبْراهِيمُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ: أيِ اذْكُرْ وقْتَ قَوْلِهِ، ولَعَلَّ المُرادَ بِسِياقِ ما قالَهُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ في هَذا المَوْضِعِ - بَيانُ كُفْرِ قُرَيْشٍ بِالنِّعَمِ الخاصَّةِ بِهِمْ، وهي إسْكانُهم مَكَّةَ بَعْدَ ما بَيَّنَ كُفْرَهم بِالنِّعَمِ العامَّةِ، وقِيلَ: إنَّ ذِكْرَ قِصَّةِ إبْراهِيمَ هاهُنا لِمِثالِ الكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ، وقِيلَ: لِقَصْدِ الدُّعاءِ إلى التَّوْحِيدِ، وإنْكارِ عِبادَةِ الأصْنامِ ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا﴾ المُرادُ بِالبَلَدِ هُنا مَكَّةُ: دَعا إبْراهِيمُ رَبَّهُ أنْ يَجْعَلَهُ آمِنًا: (p-٧٥٠)أيْ ذا أمْنٍ، وقَدَّمَ طَلَبَ الأمْنِ عَلى سائِرِ المَطالِبِ المَذْكُورَةِ بَعْدَهُ، لِأنَّهُ إذا انْتَفى الأمْنُ لَمْ يَفْرَغِ الإنْسانُ لِشَيْءٍ آخَرَ مِن أُمُورِ الدِّينِ والدُّنْيا، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ في البَقَرَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذا بَلَدًا آمِنًا﴾ [البقرة: ١٢٦] والفَرْقُ بَيْنَ ما هُنا وما هُنالِكَ أنَّ المَطْلُوبَ هُنا مُجَرَّدُ الأمْنِ لِلْبَلَدِ، والمَطْلُوبَ هُنالِكَ البَلَدِيَّةُ والأمْنُ ﴿واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾، يُقالُ جَنَّبْتُهُ كَذا وأجْنَبْتُهُ وجَنَّبْتُهُ، أيْ: باعَدْتُهُ عَنْهُ، والمَعْنى: باعِدْنِي، وباعِدْ بَنِيَّ عَنْ عِبادَةِ الأصْنامِ، قِيلَ: أرادَ بَنِيهِ مِن صُلْبِهُ وكانُوا ثَمانِيَةً، وقِيلَ: أرادَ مَن كانَ مَوْجُودًا حالَ دَعْوَتِهِ مِن بَنِيهِ وبَنِي بَنِيهِ، وقِيلَ: أرادَ جَمِيعَ ذُرِّيَّتِهِ ما تَناسَلُوا، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما قِيلَ مِن أنَّهُ لَمْ يَعْبُدْ أحَدٌ مِن أوْلادِ إبْراهِيمَ صَنَمًا، والصَّنَمُ هو التِّمْثالُ الَّذِي كانَتْ تَصْنَعُهُ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ مِنَ الأحْجارِ ونَحْوِها فَيَعْبُدُونَهُ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ وعِيسى بْنُ عُمَرَ " وأجْنِبْنِي " بِقَطْعِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّ أصْلَهُ أجْنَبَ. ﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ أسْنَدَ الإضْلالَ إلى الأصْنامِ مَعَ كَوْنِها جَماداتٍ لا تَعْقِلُ، لِأنَّها سَبَبٌ لِضَلالِهِمْ فَكَأنَّها أضَلَّتْهم، وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِدُعائِهِ لِرَبِّهِ، ثُمَّ قالَ: فَمَن تَبِعَنِي أيْ مَن تَبِعَ دِينِي مِنَ النّاسِ فَصارَ مُسْلِمًا مُوَحِّدًا فَإنَّهُ مِنِّي أيْ مِن أهْلِ دِينِي: جَعَلَ أهْلَ مِلَّتِهِ كَنَفْسِهِ مُبالَغَةً ومَن عَصانِي فَلَمْ يُتابِعْنِي ويَدْخُلْ في مِلَّتِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ قادِرٌ عَلى أنْ تَغْفِرَ لَهُ، قِيلَ: قالَ هَذا قَبْلَ أنْ يَعْلَمَ أنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ كَما وقَعَ مِنهُ الِاسْتِغْفارُ لِأبِيهِ وهو مُشْرِكٌ، كَذا قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ، وقِيلَ: المُرادُ عِصْيانُهُ هُنا فِيما دُونَ الشِّرْكِ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ المَغْفِرَةَ مُقَيَّدَةٌ بِالتَّوْبَةِ مِنَ الشِّرْكِ. ثُمَّ قالَ ﴿رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي﴾ قالَ الفَرّاءُ: " مِن " لِلتَّبْعِيضِ، أيْ: بَعْضِ ذُرِّيَّتِي. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّها زائِدَةٌ، أيْ: أسْكَنْتُ ذُرِّيَّتِي، والأوَّلُ أوْلى، لِأنَّهُ إنَّما أسْكَنَ إسْماعِيلَ وهو بَعْضُ ولَدِهِ ﴿بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ أيْ لا زَرْعَ فِيهِ، وهو وادِي مَكَّةَ ﴿عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ﴾ أيِ الَّذِي يَحْرُمُ فِيهِ ما يُسْتَباحُ في غَيْرِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ مُحَرَّمٌ عَلى الجَبابِرَةِ، وقِيلَ: مُحَرَّمٌ مِن أنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَتُهُ، أوْ يُسْتَخَفَّ بِهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ المائِدَةِ ما يُغْنِي عَنِ الإعادَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ اللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ أسْكَنْتُ، أيْ: أسْكَنْتُهم لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فِيهِ، مُتَوَجِّهِينَ إلَيْهِ، مُتَبَرِّكِينَ بِهِ، وخَصَّها دُونَ سائِرِ العِباداتِ لِمَزِيدِ فَضْلِها، ولَعَلَّ تَكْرِيرَ النِّداءِ لِإظْهارِ العِنايَةِ الكامِلَةِ بِهَذِهِ العِبادَةِ فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ الأفْئِدَةُ جَمْعُ فُؤادٍ، وهو القَلْبُ، عُبِّرَ بِهِ عَنْ جَمِيعِ البَدَنِ، لِأنَّهُ أشْرَفُ عُضْوٍ فِيهِ. وقِيلَ: هو جَمْعُ وفْدٍ، والأصْلُ أوْفِدَةٌ، فَقُدِّمَتِ الفاءُ، وقْلِبَتِ الواوُ ياءً، فَكَأنَّهُ قالَ: وجَعَلَ وُفُودًا مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ، و( مِن ) في مِنَ النّاسِ لِلتَّبْعِيضِ، وقِيلَ: زائِدَةٌ ولا يَلْزَمُ مِنهُ أنْ يَحُجَّ اليَهُودُ والنَّصارى بِدُخُولِهِمْ تَحْتَ لَفْظِ النّاسِ، لِأنَّ المَطْلُوبَ تَوْجِيهُ قُلُوبِ النّاسِ إلَيْهِمْ لِلسُّكُونِ مَعَهم والجَلْبِ إلَيْهِمْ لا تَوْجِيهُها إلى الحَجِّ، ولَوْ كانَ هَذا مَرادًا لَقالَ تَهْوِي إلَيْهِ، وقِيلَ: ( مِن ) لِلِابْتِداءِ كَقَوْلِكَ: القَلْبُ مِنِّي سَقِيمٌ، يُرِيدُ قَلْبِي، ومَعْنى تَهْوِي إلَيْهِمْ: تَنْزِعُ إلَيْهِمْ، يُقالُ هَوى نَحْوَهُ: إذا مالَ، وهَوَتِ النّاقَةُ تَهْوِي هَوْيًا فَهي هاوِيَةٌ: إذا عَدَتْ عَدْوًا شَدِيدًا كَأنَّها تَهْوِي في بِئْرٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: تَجِيءُ إلَيْهِمْ أوْ تُسْرِعُ إلَيْهِمْ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ. ﴿وارْزُقْهم مِنَ الثَّمَراتِ﴾: أيِ ارْزُقْ ذُرِّيَّتِي الَّذِينَ أسْكَنْتَهم هُنالِكَ أوْ هم ومَن يُساكِنُهم مِنَ النّاسِ مِن أنْواعِ الثَّمَراتِ الَّتِي تَنْبُتُ فِيهِ، أوْ تُجْلَبُ إلَيْهِ لَعَلَّهم يَشْكُرُونَ نِعَمَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ بِها عَلَيْهِمْ. ﴿رَبَّنا إنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وما نُعْلِنُ﴾ أيْ: ما نَكْتُمُهُ وما نُظْهِرُهُ، لِأنَّ الظّاهِرَ والمُضْمَرَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ سِيّانِ. قِيلَ: والمُرادُ هُنا بِـ " ما نُخْفِي " ما يُقابِلُ " ما نُعْلِنُ "، فالمَعْنى ما نُظْهِرُهُ وما لا نُظْهِرُهُ، وقَدَّمَ " ما نُخْفِي " عَلى " ما نُعْلِنُ " لِلدِّلالَةِ عَلى أنَّهُما مُسْتَوِيانِ في عِلْمِ اللَّهِ سُبْحانَهُ. وظاهِرُ النَّظْمِ القُرْآنِيِّ عُمُومُ كُلِّ ما لا يَظْهَرُ وما يَظْهَرُ مِن غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ مِن ذَلِكَ، وقِيلَ: المُرادُ ما يُخْفِيهِ إبْراهِيمُ مِن وجْدِهِ بِإسْماعِيلَ وأُمِّهِ حَيْثُ أسْكَنَهُما بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ، وما يُعْلِنُهُ مِن ذَلِكَ، وقِيلَ: ما يُخْفِيهِ إبْراهِيمُ مِنَ الوَجْدِ ويُعْلِنُهُ مِنَ البُكاءِ والدُّعاءِ، والمَجِيءُ بِضَمِيرِ الجَماعَةِ يُشْعِرُ بِأنَّ إبْراهِيمَ لَمْ يُرِدْ نَفْسَهُ فَقَطْ، بَلْ أرادَ جَمِيعَ العِبادِ، فَكَأنَّ المَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَعْلَمُ بِكُلِّ ما يُظْهِرُهُ العِبادُ وبِكُلِّ ما لا يُظْهِرُونَهُ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وما يَخْفى عَلى اللَّهِ مِن شَيْءٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ فَقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: هو مِن كَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ تَصْدِيقًا لِما قالَهُ إبْراهِيمُ مِن أنَّهُ سُبْحانَهُ يَعْلَمُ بِما يُخْفِيهِ العِبادُ وما يُعْلِنُونَهُ، فَقالَ سُبْحانَهُ: وما يَخْفى عَلى اللَّهِ شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ المَوْجُودَةِ كائِنًا ما كانَ، وإنَّما ذَكَرَ السَّماواتِ والأرْضَ لِأنَّها المُشاهَدَةُ لِلْعِبادِ، وإلّا فَعِلْمُهُ سُبْحانَهُ مُحِيطٌ بِكُلِّ ما هو داخِلٌ في العالَمِ، وكُلِّ ما هو خارِجٌ عَنْهُ لا تَخْفى عَلَيْهِ مِنهُ خافِيَةٌ. قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا مِن قَوْلِ إبْراهِيمَ تَحْقِيقًا لِقَوْلِهِ الأوَّلِ، وتَعْمِيمًا بَعْدَ التَّخْصِيصِ. ثُمَّ حَمِدَ اللَّهَ سُبْحانَهُ عَلى بَعْضِ نِعَمِهِ الواصِلَةِ إلَيْهِ فَقالَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وهَبَ لِي عَلى الكِبَرِ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ أيْ وهَبَ لِي عَلى كِبَرِ سِنِّي وسِنِّ امْرَأتِي، قِيلَ: وُلِدَ لَهُ إسْماعِيلُ وهو ابْنُ تِسْعٍ وتِسْعِينَ سَنَةً، ووُلِدَ لَهُ إسْحاقُ وهو ابْنُ مِائَةٍ واثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وقِيلَ: و( عَلى ) هُنا بِمَعْنى مَعَ، أيْ: وهَبَ لِي مَعَ كِبَرِي ويَأْسِي عَنِ الوَلَدِ ﴿إنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ أيْ لَمُجِيبُ الدُّعاءِ، مِن قَوْلِهِمْ: سَمِعَ كَلامَهُ إذا أجابَهُ واعْتَدَّ بِهِ وعَمِلَ بِمُقْتَضاهُ، وهو مِن إضافَةِ الصِّفَةِ المُتَضَمِّنَةِ لِلْمُبالَغَةِ إلى المَفْعُولِ، والمَعْنى: إنَّكَ لَكَثِيرُ إجابَةِ الدُّعاءِ لِمَن يَدْعُوكَ. ثُمَّ سَألَ اللَّهَ سُبْحانَهُ بِأنْ يَجْعَلَهُ مُقِيمَ الصَّلاةِ مُحافِظًا عَلَيْها غَيْرَ مُهْمِلٍ لِشَيْءٍ مِنها، ثُمَّ قالَ: ومِن ذُرِّيَّتِي أيْ بَعْضَ ذُرِّيَّتِي: أيِ اجْعَلْنِي واجْعَلْ بَعْضَ ذُرِّيَّتِي مُقِيمِينَ لِلصَّلاةِ، وإنَّما خَصَّ البَعْضَ مِن ذُرِّيَّتِهِ، لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّ مِنهم مِن لا يُقِيمُها كَما يَنْبَغِي. قالَ الزَّجّاجُ: أيِ اجْعَلْ مِن ذُرِّيَّتِي مَن يُقِيمُ الصَّلاةَ، ثُمَّ سَألَ اللَّهَ سُبْحانَهُ أنَّ يَتَقَبَّلَ دُعاءَهُ عَلى العُمُومِ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ دُعاؤُهُ في هَذا المَقامِ دُخُولًا أوَّلِيًّا. قِيلَ: والمُرادُ بِالدُّعاءِ هُنا العِبادَةُ، فَيَكُونُ المَعْنى: وتَقَبَّلْ عِبادَتِي (p-٧٥١)الَّتِي أعْبُدُكَ بِها. ثُمَّ طَلَبَ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ أنْ يَغْفِرَ لَهُ ما وقَعَ مِنهُ مِمّا يَسْتَحِقُّ أنْ يَغْفِرَهُ اللَّهُ وإنْ لَمْ يَكُنْ كَبِيرًا؛ لِما هو مَعْلُومٌ مِن عِصْمَةِ الأنْبِياءِ عَنِ الكَبائِرِ. ثُمَّ طَلَبَ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ أنْ يَغْفِرَ لِوالِدَيْهِ. وقَدْ قِيلَ إنَّهُ دَعا لَهُما بِالمَغْفِرَةِ قَبْلَ أنْ يَعْلَمَ أنَّهُما عَدُوّانِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ إلّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ﴾ [التوبة: ١١٤] . وقِيلَ: كانَتْ أُمُّهُ مَسْلِمَةً، وقِيلَ: أرادَ بِوالِدَيْهِ آدَمَ وحَوّاءَ. وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ " ولِوالِدِي " بِالتَّوْحِيدِ عَلى إرادَةِ الأبِ وحْدَهُ. وقَرَأ إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ " ولِوَلَدِي " يَعْنِي إسْماعِيلَ وإسْحاقَ، وكَذا قَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ، ثُمَّ اسْتَغْفَرَ لِلْمُؤْمِنِينَ. وظاهِرُهُ شُمُولُ كُلِّ مُؤْمِنٍ، سَواءٌ كانَ مِن ذُرِّيَّتِهِ أوْ لَمْ يَكُنْ مِنهم، وقِيلَ: أرادَ المُؤْمِنِينَ مِن ذُرِّيَّتِهِ فَقَطْ يَوْمَ يَقُومُ الحِسابُ أيْ يَوْمَ يَثْبُتُ حِسابُ المُكَلَّفِينَ في المَحْشَرِ، اسْتُعِيرَ لَهُ لَفْظُ " يَقُومُ " الَّذِي هو حَقِيقَتُهُ في قِيامِ الرَّجُلِ لِلدِّلالَةِ عَلى أنَّهُ في غايَةِ الِاسْتِقامَةِ، وقِيلَ: إنَّ المَعْنى يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِلْحِسابِ، والأوَّلُ أوْلى. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: وإذْ قالَ إبْراهِيمُ الآيَةَ، قالَ: فاسْتَجابَ اللَّهُ لِإبْراهِيمَ دَعْوَتَهُ في ولَدِهِ فَلَمْ يَعْبُدْ أحَدٌ مِن ولَدِهِ صَنَمًا بَعْدَ دَعْوَتِهِ، واسْتَجابَ اللَّهُ لَهُ، وجَعَلَ هَذا البَلَدَ آمِنًا، ورَزَقَ أهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ، وجَعَلَهُ إمامًا، وجَعَلَ مِن ذُرِّيَّتِهِ مَن يُقِيمُ الصَّلاةَ، وتَقَبَّلَ دُعاءَهُ فَأراهُ مَناسِكَهُ وتابَ عَلَيْهِ. وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنْ عَقِيلِ بْنِ أبِي طالِبٍ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لَمّا أتاهُ السِّتَّةُ النَّفَرِ مِنَ الأنْصارِ جَلَسَ إلَيْهِمْ عِنْدَ جَمْرَةِ العَقَبَةِ، فَدَعاهم إلى اللَّهِ وإلى عِبادَتِهِ والمُؤازَرَةِ عَلى دِينِهِ، فَسَألُوهُ أنْ يَعْرِضَ عَلَيْهِمْ ما أُوحِيَ إلَيْهِ، فَقَرَأ مِن سُورَةِ إبْراهِيمَ ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ إلى آخِرِ السُّورَةِ، فَرَقَّ القَوْمُ وأخْبَتُوا حِينَ سَمِعُوا مِنهُ ما سَمِعُوا وأجابُوهُ» . وأخْرَجَ الواقِدِيُّ وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ عامِرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أبِيهِ قالَ: كانَتْ سارَةُ تَحْتَ إبْراهِيمَ، فَمَكَثَتْ تَحْتَهُ دَهْرًا لا تُرْزَقُ مِنهُ ولَدًا، فَلَمّا رَأتْ ذَلِكَ وهَبَتْ لَهُ هاجَرَ أمَةً لَها قِبْطِيَّةً، فَوَلَدَتْ لَهُ إسْماعِيلَ، فَغارَتْ مِن ذَلِكَ سارَةُ ووَجَدَتْ في نَفْسِها وعَتَبَتْ عَلى هاجَرَ، فَحَلَفَتْ أنْ تَقْطَعَ مِنها ثَلاثَةَ أطْرافٍ، فَقالَ لَها إبْراهِيمُ: هَلْ لَكِ أنْ تُبِرِّي يَمِينَكِ ؟ قالَتْ: كَيْفَ أصْنَعُ ؟ قالَ: اثْقُبِي أُذُنَيْها واخْفِضِيها، والخَفْضُ: هو الخِتانُ، فَفَعَلَتْ ذَلِكَ بِها فَوَضَعَتْ هاجَرُ في أُذُنَيْها قُرْطَيْنِ فازْدادَتْ بِهِما حُسْنًا. فَقالَتْ سارَةُ: أرانِي أنَّما زِدْتُها جَمالًا فَلَمْ تُقارَّهُ عَلى كَوْنِهِ مَعَها ووَجِدَ بِها إبْراهِيمُ وجْدًا شَدِيدًا، فَنَقَلَها إلى مَكَّةَ فَكانَ يَزُورُها في كُلِّ يَوْمٍ مِنَ الشّامَ عَلى البُراقِ مِن شَغَفِهِ بِها وقِلَّةِ صَبْرِهِ عَنْها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي﴾ قالَ: أسْكَنَ إسْماعِيلَ وأُمَّهُ مَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: إنَّ إبْراهِيمَ حِينَ قالَ ﴿فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ﴾ لَوْ قالَ أفْئِدَةَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ لازْدَحَمَتْ عَلَيْهِ فارِسُ والرُّومُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَكَمِ قالَ: سَألْتُ عِكْرِمَةَ وطاوُسًا وعَطاءَ بْنَ أبِي رَباحٍ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ ﴿فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ﴾ فَقالُوا: البَيْتُ تَهْوِي إلَيْهِ قُلُوبُهم يَأْتُونَهُ، وفي لَفْظٍ قالُوا: هَواهم إلى مَكَّةَ أنْ يَحُجُّوا. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: تَهْوِي إلَيْهِمْ قالَ: تَنْزِعُ إلَيْهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ الطّائِفِيِّ أنَّ إبْراهِيمَ لَمّا دَعا لِلْحَرَمِ ﴿وارْزُقْ أهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ﴾ نَقَلَ اللَّهُ الطّائِفَ مِن فِلَسْطِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: إنَّ اللَّهَ نَقَلَ قَرْيَةً مِن قُرى الشّامِ فَوَضَعَها بِالطّائِفِ لِدَعْوَةِ إبْراهِيمَ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالُوا: لَوْ كانَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ فاجْعَلْ أفْئِدَةَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ لَحَجَّ اليَهُودُ والنَّصارى والنّاسُ كُلُّهم، ولَكِنَّهُ قالَ ﴿أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ﴾ فَخَصَّ بِهِ المُؤْمِنِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ما نُخْفِي وما نُعْلِنُ﴾ قالَ: مِنَ الحُزْنِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا إنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي﴾ قالَ: مِن حُبِّ إسْماعِيلَ وأُمِّهِ وما نُعْلِنُ قالَ: ما نُظْهِرُ لِسارَةَ مِنَ الجَفاءِ لَهُما. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وهَبَ لِي عَلى الكِبَرِ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ قالَ: هَذا بَعْدَ ذَلِكَ بِحِينٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: بُشِّرَ إبْراهِيمُ بَعْدَ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً ومِائَةِ سَنَةٍ.

إبراهيم 14:37

. قَوْلُهُ: وإذْ قالَ إبْراهِيمُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ: أيِ اذْكُرْ وقْتَ قَوْلِهِ، ولَعَلَّ المُرادَ بِسِياقِ ما قالَهُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ في هَذا المَوْضِعِ - بَيانُ كُفْرِ قُرَيْشٍ بِالنِّعَمِ الخاصَّةِ بِهِمْ، وهي إسْكانُهم مَكَّةَ بَعْدَ ما بَيَّنَ كُفْرَهم بِالنِّعَمِ العامَّةِ، وقِيلَ: إنَّ ذِكْرَ قِصَّةِ إبْراهِيمَ هاهُنا لِمِثالِ الكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ، وقِيلَ: لِقَصْدِ الدُّعاءِ إلى التَّوْحِيدِ، وإنْكارِ عِبادَةِ الأصْنامِ ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا﴾ المُرادُ بِالبَلَدِ هُنا مَكَّةُ: دَعا إبْراهِيمُ رَبَّهُ أنْ يَجْعَلَهُ آمِنًا: (p-٧٥٠)أيْ ذا أمْنٍ، وقَدَّمَ طَلَبَ الأمْنِ عَلى سائِرِ المَطالِبِ المَذْكُورَةِ بَعْدَهُ، لِأنَّهُ إذا انْتَفى الأمْنُ لَمْ يَفْرَغِ الإنْسانُ لِشَيْءٍ آخَرَ مِن أُمُورِ الدِّينِ والدُّنْيا، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ في البَقَرَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذا بَلَدًا آمِنًا﴾ [البقرة: ١٢٦] والفَرْقُ بَيْنَ ما هُنا وما هُنالِكَ أنَّ المَطْلُوبَ هُنا مُجَرَّدُ الأمْنِ لِلْبَلَدِ، والمَطْلُوبَ هُنالِكَ البَلَدِيَّةُ والأمْنُ ﴿واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾، يُقالُ جَنَّبْتُهُ كَذا وأجْنَبْتُهُ وجَنَّبْتُهُ، أيْ: باعَدْتُهُ عَنْهُ، والمَعْنى: باعِدْنِي، وباعِدْ بَنِيَّ عَنْ عِبادَةِ الأصْنامِ، قِيلَ: أرادَ بَنِيهِ مِن صُلْبِهُ وكانُوا ثَمانِيَةً، وقِيلَ: أرادَ مَن كانَ مَوْجُودًا حالَ دَعْوَتِهِ مِن بَنِيهِ وبَنِي بَنِيهِ، وقِيلَ: أرادَ جَمِيعَ ذُرِّيَّتِهِ ما تَناسَلُوا، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما قِيلَ مِن أنَّهُ لَمْ يَعْبُدْ أحَدٌ مِن أوْلادِ إبْراهِيمَ صَنَمًا، والصَّنَمُ هو التِّمْثالُ الَّذِي كانَتْ تَصْنَعُهُ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ مِنَ الأحْجارِ ونَحْوِها فَيَعْبُدُونَهُ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ وعِيسى بْنُ عُمَرَ " وأجْنِبْنِي " بِقَطْعِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّ أصْلَهُ أجْنَبَ. ﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ أسْنَدَ الإضْلالَ إلى الأصْنامِ مَعَ كَوْنِها جَماداتٍ لا تَعْقِلُ، لِأنَّها سَبَبٌ لِضَلالِهِمْ فَكَأنَّها أضَلَّتْهم، وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِدُعائِهِ لِرَبِّهِ، ثُمَّ قالَ: فَمَن تَبِعَنِي أيْ مَن تَبِعَ دِينِي مِنَ النّاسِ فَصارَ مُسْلِمًا مُوَحِّدًا فَإنَّهُ مِنِّي أيْ مِن أهْلِ دِينِي: جَعَلَ أهْلَ مِلَّتِهِ كَنَفْسِهِ مُبالَغَةً ومَن عَصانِي فَلَمْ يُتابِعْنِي ويَدْخُلْ في مِلَّتِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ قادِرٌ عَلى أنْ تَغْفِرَ لَهُ، قِيلَ: قالَ هَذا قَبْلَ أنْ يَعْلَمَ أنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ كَما وقَعَ مِنهُ الِاسْتِغْفارُ لِأبِيهِ وهو مُشْرِكٌ، كَذا قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ، وقِيلَ: المُرادُ عِصْيانُهُ هُنا فِيما دُونَ الشِّرْكِ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ المَغْفِرَةَ مُقَيَّدَةٌ بِالتَّوْبَةِ مِنَ الشِّرْكِ. ثُمَّ قالَ ﴿رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي﴾ قالَ الفَرّاءُ: " مِن " لِلتَّبْعِيضِ، أيْ: بَعْضِ ذُرِّيَّتِي. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّها زائِدَةٌ، أيْ: أسْكَنْتُ ذُرِّيَّتِي، والأوَّلُ أوْلى، لِأنَّهُ إنَّما أسْكَنَ إسْماعِيلَ وهو بَعْضُ ولَدِهِ ﴿بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ أيْ لا زَرْعَ فِيهِ، وهو وادِي مَكَّةَ ﴿عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ﴾ أيِ الَّذِي يَحْرُمُ فِيهِ ما يُسْتَباحُ في غَيْرِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ مُحَرَّمٌ عَلى الجَبابِرَةِ، وقِيلَ: مُحَرَّمٌ مِن أنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَتُهُ، أوْ يُسْتَخَفَّ بِهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ المائِدَةِ ما يُغْنِي عَنِ الإعادَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ اللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ أسْكَنْتُ، أيْ: أسْكَنْتُهم لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فِيهِ، مُتَوَجِّهِينَ إلَيْهِ، مُتَبَرِّكِينَ بِهِ، وخَصَّها دُونَ سائِرِ العِباداتِ لِمَزِيدِ فَضْلِها، ولَعَلَّ تَكْرِيرَ النِّداءِ لِإظْهارِ العِنايَةِ الكامِلَةِ بِهَذِهِ العِبادَةِ فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ الأفْئِدَةُ جَمْعُ فُؤادٍ، وهو القَلْبُ، عُبِّرَ بِهِ عَنْ جَمِيعِ البَدَنِ، لِأنَّهُ أشْرَفُ عُضْوٍ فِيهِ. وقِيلَ: هو جَمْعُ وفْدٍ، والأصْلُ أوْفِدَةٌ، فَقُدِّمَتِ الفاءُ، وقْلِبَتِ الواوُ ياءً، فَكَأنَّهُ قالَ: وجَعَلَ وُفُودًا مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ، و( مِن ) في مِنَ النّاسِ لِلتَّبْعِيضِ، وقِيلَ: زائِدَةٌ ولا يَلْزَمُ مِنهُ أنْ يَحُجَّ اليَهُودُ والنَّصارى بِدُخُولِهِمْ تَحْتَ لَفْظِ النّاسِ، لِأنَّ المَطْلُوبَ تَوْجِيهُ قُلُوبِ النّاسِ إلَيْهِمْ لِلسُّكُونِ مَعَهم والجَلْبِ إلَيْهِمْ لا تَوْجِيهُها إلى الحَجِّ، ولَوْ كانَ هَذا مَرادًا لَقالَ تَهْوِي إلَيْهِ، وقِيلَ: ( مِن ) لِلِابْتِداءِ كَقَوْلِكَ: القَلْبُ مِنِّي سَقِيمٌ، يُرِيدُ قَلْبِي، ومَعْنى تَهْوِي إلَيْهِمْ: تَنْزِعُ إلَيْهِمْ، يُقالُ هَوى نَحْوَهُ: إذا مالَ، وهَوَتِ النّاقَةُ تَهْوِي هَوْيًا فَهي هاوِيَةٌ: إذا عَدَتْ عَدْوًا شَدِيدًا كَأنَّها تَهْوِي في بِئْرٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: تَجِيءُ إلَيْهِمْ أوْ تُسْرِعُ إلَيْهِمْ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ. ﴿وارْزُقْهم مِنَ الثَّمَراتِ﴾: أيِ ارْزُقْ ذُرِّيَّتِي الَّذِينَ أسْكَنْتَهم هُنالِكَ أوْ هم ومَن يُساكِنُهم مِنَ النّاسِ مِن أنْواعِ الثَّمَراتِ الَّتِي تَنْبُتُ فِيهِ، أوْ تُجْلَبُ إلَيْهِ لَعَلَّهم يَشْكُرُونَ نِعَمَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ بِها عَلَيْهِمْ. ﴿رَبَّنا إنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وما نُعْلِنُ﴾ أيْ: ما نَكْتُمُهُ وما نُظْهِرُهُ، لِأنَّ الظّاهِرَ والمُضْمَرَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ سِيّانِ. قِيلَ: والمُرادُ هُنا بِـ " ما نُخْفِي " ما يُقابِلُ " ما نُعْلِنُ "، فالمَعْنى ما نُظْهِرُهُ وما لا نُظْهِرُهُ، وقَدَّمَ " ما نُخْفِي " عَلى " ما نُعْلِنُ " لِلدِّلالَةِ عَلى أنَّهُما مُسْتَوِيانِ في عِلْمِ اللَّهِ سُبْحانَهُ. وظاهِرُ النَّظْمِ القُرْآنِيِّ عُمُومُ كُلِّ ما لا يَظْهَرُ وما يَظْهَرُ مِن غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ مِن ذَلِكَ، وقِيلَ: المُرادُ ما يُخْفِيهِ إبْراهِيمُ مِن وجْدِهِ بِإسْماعِيلَ وأُمِّهِ حَيْثُ أسْكَنَهُما بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ، وما يُعْلِنُهُ مِن ذَلِكَ، وقِيلَ: ما يُخْفِيهِ إبْراهِيمُ مِنَ الوَجْدِ ويُعْلِنُهُ مِنَ البُكاءِ والدُّعاءِ، والمَجِيءُ بِضَمِيرِ الجَماعَةِ يُشْعِرُ بِأنَّ إبْراهِيمَ لَمْ يُرِدْ نَفْسَهُ فَقَطْ، بَلْ أرادَ جَمِيعَ العِبادِ، فَكَأنَّ المَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَعْلَمُ بِكُلِّ ما يُظْهِرُهُ العِبادُ وبِكُلِّ ما لا يُظْهِرُونَهُ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وما يَخْفى عَلى اللَّهِ مِن شَيْءٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ فَقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: هو مِن كَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ تَصْدِيقًا لِما قالَهُ إبْراهِيمُ مِن أنَّهُ سُبْحانَهُ يَعْلَمُ بِما يُخْفِيهِ العِبادُ وما يُعْلِنُونَهُ، فَقالَ سُبْحانَهُ: وما يَخْفى عَلى اللَّهِ شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ المَوْجُودَةِ كائِنًا ما كانَ، وإنَّما ذَكَرَ السَّماواتِ والأرْضَ لِأنَّها المُشاهَدَةُ لِلْعِبادِ، وإلّا فَعِلْمُهُ سُبْحانَهُ مُحِيطٌ بِكُلِّ ما هو داخِلٌ في العالَمِ، وكُلِّ ما هو خارِجٌ عَنْهُ لا تَخْفى عَلَيْهِ مِنهُ خافِيَةٌ. قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا مِن قَوْلِ إبْراهِيمَ تَحْقِيقًا لِقَوْلِهِ الأوَّلِ، وتَعْمِيمًا بَعْدَ التَّخْصِيصِ. ثُمَّ حَمِدَ اللَّهَ سُبْحانَهُ عَلى بَعْضِ نِعَمِهِ الواصِلَةِ إلَيْهِ فَقالَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وهَبَ لِي عَلى الكِبَرِ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ أيْ وهَبَ لِي عَلى كِبَرِ سِنِّي وسِنِّ امْرَأتِي، قِيلَ: وُلِدَ لَهُ إسْماعِيلُ وهو ابْنُ تِسْعٍ وتِسْعِينَ سَنَةً، ووُلِدَ لَهُ إسْحاقُ وهو ابْنُ مِائَةٍ واثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وقِيلَ: و( عَلى ) هُنا بِمَعْنى مَعَ، أيْ: وهَبَ لِي مَعَ كِبَرِي ويَأْسِي عَنِ الوَلَدِ ﴿إنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ أيْ لَمُجِيبُ الدُّعاءِ، مِن قَوْلِهِمْ: سَمِعَ كَلامَهُ إذا أجابَهُ واعْتَدَّ بِهِ وعَمِلَ بِمُقْتَضاهُ، وهو مِن إضافَةِ الصِّفَةِ المُتَضَمِّنَةِ لِلْمُبالَغَةِ إلى المَفْعُولِ، والمَعْنى: إنَّكَ لَكَثِيرُ إجابَةِ الدُّعاءِ لِمَن يَدْعُوكَ. ثُمَّ سَألَ اللَّهَ سُبْحانَهُ بِأنْ يَجْعَلَهُ مُقِيمَ الصَّلاةِ مُحافِظًا عَلَيْها غَيْرَ مُهْمِلٍ لِشَيْءٍ مِنها، ثُمَّ قالَ: ومِن ذُرِّيَّتِي أيْ بَعْضَ ذُرِّيَّتِي: أيِ اجْعَلْنِي واجْعَلْ بَعْضَ ذُرِّيَّتِي مُقِيمِينَ لِلصَّلاةِ، وإنَّما خَصَّ البَعْضَ مِن ذُرِّيَّتِهِ، لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّ مِنهم مِن لا يُقِيمُها كَما يَنْبَغِي. قالَ الزَّجّاجُ: أيِ اجْعَلْ مِن ذُرِّيَّتِي مَن يُقِيمُ الصَّلاةَ، ثُمَّ سَألَ اللَّهَ سُبْحانَهُ أنَّ يَتَقَبَّلَ دُعاءَهُ عَلى العُمُومِ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ دُعاؤُهُ في هَذا المَقامِ دُخُولًا أوَّلِيًّا. قِيلَ: والمُرادُ بِالدُّعاءِ هُنا العِبادَةُ، فَيَكُونُ المَعْنى: وتَقَبَّلْ عِبادَتِي (p-٧٥١)الَّتِي أعْبُدُكَ بِها. ثُمَّ طَلَبَ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ أنْ يَغْفِرَ لَهُ ما وقَعَ مِنهُ مِمّا يَسْتَحِقُّ أنْ يَغْفِرَهُ اللَّهُ وإنْ لَمْ يَكُنْ كَبِيرًا؛ لِما هو مَعْلُومٌ مِن عِصْمَةِ الأنْبِياءِ عَنِ الكَبائِرِ. ثُمَّ طَلَبَ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ أنْ يَغْفِرَ لِوالِدَيْهِ. وقَدْ قِيلَ إنَّهُ دَعا لَهُما بِالمَغْفِرَةِ قَبْلَ أنْ يَعْلَمَ أنَّهُما عَدُوّانِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ إلّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ﴾ [التوبة: ١١٤] . وقِيلَ: كانَتْ أُمُّهُ مَسْلِمَةً، وقِيلَ: أرادَ بِوالِدَيْهِ آدَمَ وحَوّاءَ. وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ " ولِوالِدِي " بِالتَّوْحِيدِ عَلى إرادَةِ الأبِ وحْدَهُ. وقَرَأ إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ " ولِوَلَدِي " يَعْنِي إسْماعِيلَ وإسْحاقَ، وكَذا قَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ، ثُمَّ اسْتَغْفَرَ لِلْمُؤْمِنِينَ. وظاهِرُهُ شُمُولُ كُلِّ مُؤْمِنٍ، سَواءٌ كانَ مِن ذُرِّيَّتِهِ أوْ لَمْ يَكُنْ مِنهم، وقِيلَ: أرادَ المُؤْمِنِينَ مِن ذُرِّيَّتِهِ فَقَطْ يَوْمَ يَقُومُ الحِسابُ أيْ يَوْمَ يَثْبُتُ حِسابُ المُكَلَّفِينَ في المَحْشَرِ، اسْتُعِيرَ لَهُ لَفْظُ " يَقُومُ " الَّذِي هو حَقِيقَتُهُ في قِيامِ الرَّجُلِ لِلدِّلالَةِ عَلى أنَّهُ في غايَةِ الِاسْتِقامَةِ، وقِيلَ: إنَّ المَعْنى يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِلْحِسابِ، والأوَّلُ أوْلى. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: وإذْ قالَ إبْراهِيمُ الآيَةَ، قالَ: فاسْتَجابَ اللَّهُ لِإبْراهِيمَ دَعْوَتَهُ في ولَدِهِ فَلَمْ يَعْبُدْ أحَدٌ مِن ولَدِهِ صَنَمًا بَعْدَ دَعْوَتِهِ، واسْتَجابَ اللَّهُ لَهُ، وجَعَلَ هَذا البَلَدَ آمِنًا، ورَزَقَ أهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ، وجَعَلَهُ إمامًا، وجَعَلَ مِن ذُرِّيَّتِهِ مَن يُقِيمُ الصَّلاةَ، وتَقَبَّلَ دُعاءَهُ فَأراهُ مَناسِكَهُ وتابَ عَلَيْهِ. وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنْ عَقِيلِ بْنِ أبِي طالِبٍ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لَمّا أتاهُ السِّتَّةُ النَّفَرِ مِنَ الأنْصارِ جَلَسَ إلَيْهِمْ عِنْدَ جَمْرَةِ العَقَبَةِ، فَدَعاهم إلى اللَّهِ وإلى عِبادَتِهِ والمُؤازَرَةِ عَلى دِينِهِ، فَسَألُوهُ أنْ يَعْرِضَ عَلَيْهِمْ ما أُوحِيَ إلَيْهِ، فَقَرَأ مِن سُورَةِ إبْراهِيمَ ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ إلى آخِرِ السُّورَةِ، فَرَقَّ القَوْمُ وأخْبَتُوا حِينَ سَمِعُوا مِنهُ ما سَمِعُوا وأجابُوهُ» . وأخْرَجَ الواقِدِيُّ وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ عامِرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أبِيهِ قالَ: كانَتْ سارَةُ تَحْتَ إبْراهِيمَ، فَمَكَثَتْ تَحْتَهُ دَهْرًا لا تُرْزَقُ مِنهُ ولَدًا، فَلَمّا رَأتْ ذَلِكَ وهَبَتْ لَهُ هاجَرَ أمَةً لَها قِبْطِيَّةً، فَوَلَدَتْ لَهُ إسْماعِيلَ، فَغارَتْ مِن ذَلِكَ سارَةُ ووَجَدَتْ في نَفْسِها وعَتَبَتْ عَلى هاجَرَ، فَحَلَفَتْ أنْ تَقْطَعَ مِنها ثَلاثَةَ أطْرافٍ، فَقالَ لَها إبْراهِيمُ: هَلْ لَكِ أنْ تُبِرِّي يَمِينَكِ ؟ قالَتْ: كَيْفَ أصْنَعُ ؟ قالَ: اثْقُبِي أُذُنَيْها واخْفِضِيها، والخَفْضُ: هو الخِتانُ، فَفَعَلَتْ ذَلِكَ بِها فَوَضَعَتْ هاجَرُ في أُذُنَيْها قُرْطَيْنِ فازْدادَتْ بِهِما حُسْنًا. فَقالَتْ سارَةُ: أرانِي أنَّما زِدْتُها جَمالًا فَلَمْ تُقارَّهُ عَلى كَوْنِهِ مَعَها ووَجِدَ بِها إبْراهِيمُ وجْدًا شَدِيدًا، فَنَقَلَها إلى مَكَّةَ فَكانَ يَزُورُها في كُلِّ يَوْمٍ مِنَ الشّامَ عَلى البُراقِ مِن شَغَفِهِ بِها وقِلَّةِ صَبْرِهِ عَنْها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي﴾ قالَ: أسْكَنَ إسْماعِيلَ وأُمَّهُ مَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: إنَّ إبْراهِيمَ حِينَ قالَ ﴿فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ﴾ لَوْ قالَ أفْئِدَةَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ لازْدَحَمَتْ عَلَيْهِ فارِسُ والرُّومُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَكَمِ قالَ: سَألْتُ عِكْرِمَةَ وطاوُسًا وعَطاءَ بْنَ أبِي رَباحٍ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ ﴿فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ﴾ فَقالُوا: البَيْتُ تَهْوِي إلَيْهِ قُلُوبُهم يَأْتُونَهُ، وفي لَفْظٍ قالُوا: هَواهم إلى مَكَّةَ أنْ يَحُجُّوا. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: تَهْوِي إلَيْهِمْ قالَ: تَنْزِعُ إلَيْهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ الطّائِفِيِّ أنَّ إبْراهِيمَ لَمّا دَعا لِلْحَرَمِ ﴿وارْزُقْ أهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ﴾ نَقَلَ اللَّهُ الطّائِفَ مِن فِلَسْطِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: إنَّ اللَّهَ نَقَلَ قَرْيَةً مِن قُرى الشّامِ فَوَضَعَها بِالطّائِفِ لِدَعْوَةِ إبْراهِيمَ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالُوا: لَوْ كانَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ فاجْعَلْ أفْئِدَةَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ لَحَجَّ اليَهُودُ والنَّصارى والنّاسُ كُلُّهم، ولَكِنَّهُ قالَ ﴿أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ﴾ فَخَصَّ بِهِ المُؤْمِنِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ما نُخْفِي وما نُعْلِنُ﴾ قالَ: مِنَ الحُزْنِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا إنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي﴾ قالَ: مِن حُبِّ إسْماعِيلَ وأُمِّهِ وما نُعْلِنُ قالَ: ما نُظْهِرُ لِسارَةَ مِنَ الجَفاءِ لَهُما. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وهَبَ لِي عَلى الكِبَرِ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ قالَ: هَذا بَعْدَ ذَلِكَ بِحِينٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: بُشِّرَ إبْراهِيمُ بَعْدَ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً ومِائَةِ سَنَةٍ.

إبراهيم 14:38

. قَوْلُهُ: وإذْ قالَ إبْراهِيمُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ: أيِ اذْكُرْ وقْتَ قَوْلِهِ، ولَعَلَّ المُرادَ بِسِياقِ ما قالَهُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ في هَذا المَوْضِعِ - بَيانُ كُفْرِ قُرَيْشٍ بِالنِّعَمِ الخاصَّةِ بِهِمْ، وهي إسْكانُهم مَكَّةَ بَعْدَ ما بَيَّنَ كُفْرَهم بِالنِّعَمِ العامَّةِ، وقِيلَ: إنَّ ذِكْرَ قِصَّةِ إبْراهِيمَ هاهُنا لِمِثالِ الكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ، وقِيلَ: لِقَصْدِ الدُّعاءِ إلى التَّوْحِيدِ، وإنْكارِ عِبادَةِ الأصْنامِ ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا﴾ المُرادُ بِالبَلَدِ هُنا مَكَّةُ: دَعا إبْراهِيمُ رَبَّهُ أنْ يَجْعَلَهُ آمِنًا: (p-٧٥٠)أيْ ذا أمْنٍ، وقَدَّمَ طَلَبَ الأمْنِ عَلى سائِرِ المَطالِبِ المَذْكُورَةِ بَعْدَهُ، لِأنَّهُ إذا انْتَفى الأمْنُ لَمْ يَفْرَغِ الإنْسانُ لِشَيْءٍ آخَرَ مِن أُمُورِ الدِّينِ والدُّنْيا، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ في البَقَرَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذا بَلَدًا آمِنًا﴾ [البقرة: ١٢٦] والفَرْقُ بَيْنَ ما هُنا وما هُنالِكَ أنَّ المَطْلُوبَ هُنا مُجَرَّدُ الأمْنِ لِلْبَلَدِ، والمَطْلُوبَ هُنالِكَ البَلَدِيَّةُ والأمْنُ ﴿واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾، يُقالُ جَنَّبْتُهُ كَذا وأجْنَبْتُهُ وجَنَّبْتُهُ، أيْ: باعَدْتُهُ عَنْهُ، والمَعْنى: باعِدْنِي، وباعِدْ بَنِيَّ عَنْ عِبادَةِ الأصْنامِ، قِيلَ: أرادَ بَنِيهِ مِن صُلْبِهُ وكانُوا ثَمانِيَةً، وقِيلَ: أرادَ مَن كانَ مَوْجُودًا حالَ دَعْوَتِهِ مِن بَنِيهِ وبَنِي بَنِيهِ، وقِيلَ: أرادَ جَمِيعَ ذُرِّيَّتِهِ ما تَناسَلُوا، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما قِيلَ مِن أنَّهُ لَمْ يَعْبُدْ أحَدٌ مِن أوْلادِ إبْراهِيمَ صَنَمًا، والصَّنَمُ هو التِّمْثالُ الَّذِي كانَتْ تَصْنَعُهُ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ مِنَ الأحْجارِ ونَحْوِها فَيَعْبُدُونَهُ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ وعِيسى بْنُ عُمَرَ " وأجْنِبْنِي " بِقَطْعِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّ أصْلَهُ أجْنَبَ. ﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ أسْنَدَ الإضْلالَ إلى الأصْنامِ مَعَ كَوْنِها جَماداتٍ لا تَعْقِلُ، لِأنَّها سَبَبٌ لِضَلالِهِمْ فَكَأنَّها أضَلَّتْهم، وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِدُعائِهِ لِرَبِّهِ، ثُمَّ قالَ: فَمَن تَبِعَنِي أيْ مَن تَبِعَ دِينِي مِنَ النّاسِ فَصارَ مُسْلِمًا مُوَحِّدًا فَإنَّهُ مِنِّي أيْ مِن أهْلِ دِينِي: جَعَلَ أهْلَ مِلَّتِهِ كَنَفْسِهِ مُبالَغَةً ومَن عَصانِي فَلَمْ يُتابِعْنِي ويَدْخُلْ في مِلَّتِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ قادِرٌ عَلى أنْ تَغْفِرَ لَهُ، قِيلَ: قالَ هَذا قَبْلَ أنْ يَعْلَمَ أنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ كَما وقَعَ مِنهُ الِاسْتِغْفارُ لِأبِيهِ وهو مُشْرِكٌ، كَذا قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ، وقِيلَ: المُرادُ عِصْيانُهُ هُنا فِيما دُونَ الشِّرْكِ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ المَغْفِرَةَ مُقَيَّدَةٌ بِالتَّوْبَةِ مِنَ الشِّرْكِ. ثُمَّ قالَ ﴿رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي﴾ قالَ الفَرّاءُ: " مِن " لِلتَّبْعِيضِ، أيْ: بَعْضِ ذُرِّيَّتِي. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّها زائِدَةٌ، أيْ: أسْكَنْتُ ذُرِّيَّتِي، والأوَّلُ أوْلى، لِأنَّهُ إنَّما أسْكَنَ إسْماعِيلَ وهو بَعْضُ ولَدِهِ ﴿بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ أيْ لا زَرْعَ فِيهِ، وهو وادِي مَكَّةَ ﴿عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ﴾ أيِ الَّذِي يَحْرُمُ فِيهِ ما يُسْتَباحُ في غَيْرِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ مُحَرَّمٌ عَلى الجَبابِرَةِ، وقِيلَ: مُحَرَّمٌ مِن أنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَتُهُ، أوْ يُسْتَخَفَّ بِهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ المائِدَةِ ما يُغْنِي عَنِ الإعادَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ اللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ أسْكَنْتُ، أيْ: أسْكَنْتُهم لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فِيهِ، مُتَوَجِّهِينَ إلَيْهِ، مُتَبَرِّكِينَ بِهِ، وخَصَّها دُونَ سائِرِ العِباداتِ لِمَزِيدِ فَضْلِها، ولَعَلَّ تَكْرِيرَ النِّداءِ لِإظْهارِ العِنايَةِ الكامِلَةِ بِهَذِهِ العِبادَةِ فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ الأفْئِدَةُ جَمْعُ فُؤادٍ، وهو القَلْبُ، عُبِّرَ بِهِ عَنْ جَمِيعِ البَدَنِ، لِأنَّهُ أشْرَفُ عُضْوٍ فِيهِ. وقِيلَ: هو جَمْعُ وفْدٍ، والأصْلُ أوْفِدَةٌ، فَقُدِّمَتِ الفاءُ، وقْلِبَتِ الواوُ ياءً، فَكَأنَّهُ قالَ: وجَعَلَ وُفُودًا مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ، و( مِن ) في مِنَ النّاسِ لِلتَّبْعِيضِ، وقِيلَ: زائِدَةٌ ولا يَلْزَمُ مِنهُ أنْ يَحُجَّ اليَهُودُ والنَّصارى بِدُخُولِهِمْ تَحْتَ لَفْظِ النّاسِ، لِأنَّ المَطْلُوبَ تَوْجِيهُ قُلُوبِ النّاسِ إلَيْهِمْ لِلسُّكُونِ مَعَهم والجَلْبِ إلَيْهِمْ لا تَوْجِيهُها إلى الحَجِّ، ولَوْ كانَ هَذا مَرادًا لَقالَ تَهْوِي إلَيْهِ، وقِيلَ: ( مِن ) لِلِابْتِداءِ كَقَوْلِكَ: القَلْبُ مِنِّي سَقِيمٌ، يُرِيدُ قَلْبِي، ومَعْنى تَهْوِي إلَيْهِمْ: تَنْزِعُ إلَيْهِمْ، يُقالُ هَوى نَحْوَهُ: إذا مالَ، وهَوَتِ النّاقَةُ تَهْوِي هَوْيًا فَهي هاوِيَةٌ: إذا عَدَتْ عَدْوًا شَدِيدًا كَأنَّها تَهْوِي في بِئْرٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: تَجِيءُ إلَيْهِمْ أوْ تُسْرِعُ إلَيْهِمْ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ. ﴿وارْزُقْهم مِنَ الثَّمَراتِ﴾: أيِ ارْزُقْ ذُرِّيَّتِي الَّذِينَ أسْكَنْتَهم هُنالِكَ أوْ هم ومَن يُساكِنُهم مِنَ النّاسِ مِن أنْواعِ الثَّمَراتِ الَّتِي تَنْبُتُ فِيهِ، أوْ تُجْلَبُ إلَيْهِ لَعَلَّهم يَشْكُرُونَ نِعَمَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ بِها عَلَيْهِمْ. ﴿رَبَّنا إنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وما نُعْلِنُ﴾ أيْ: ما نَكْتُمُهُ وما نُظْهِرُهُ، لِأنَّ الظّاهِرَ والمُضْمَرَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ سِيّانِ. قِيلَ: والمُرادُ هُنا بِـ " ما نُخْفِي " ما يُقابِلُ " ما نُعْلِنُ "، فالمَعْنى ما نُظْهِرُهُ وما لا نُظْهِرُهُ، وقَدَّمَ " ما نُخْفِي " عَلى " ما نُعْلِنُ " لِلدِّلالَةِ عَلى أنَّهُما مُسْتَوِيانِ في عِلْمِ اللَّهِ سُبْحانَهُ. وظاهِرُ النَّظْمِ القُرْآنِيِّ عُمُومُ كُلِّ ما لا يَظْهَرُ وما يَظْهَرُ مِن غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ مِن ذَلِكَ، وقِيلَ: المُرادُ ما يُخْفِيهِ إبْراهِيمُ مِن وجْدِهِ بِإسْماعِيلَ وأُمِّهِ حَيْثُ أسْكَنَهُما بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ، وما يُعْلِنُهُ مِن ذَلِكَ، وقِيلَ: ما يُخْفِيهِ إبْراهِيمُ مِنَ الوَجْدِ ويُعْلِنُهُ مِنَ البُكاءِ والدُّعاءِ، والمَجِيءُ بِضَمِيرِ الجَماعَةِ يُشْعِرُ بِأنَّ إبْراهِيمَ لَمْ يُرِدْ نَفْسَهُ فَقَطْ، بَلْ أرادَ جَمِيعَ العِبادِ، فَكَأنَّ المَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَعْلَمُ بِكُلِّ ما يُظْهِرُهُ العِبادُ وبِكُلِّ ما لا يُظْهِرُونَهُ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وما يَخْفى عَلى اللَّهِ مِن شَيْءٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ فَقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: هو مِن كَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ تَصْدِيقًا لِما قالَهُ إبْراهِيمُ مِن أنَّهُ سُبْحانَهُ يَعْلَمُ بِما يُخْفِيهِ العِبادُ وما يُعْلِنُونَهُ، فَقالَ سُبْحانَهُ: وما يَخْفى عَلى اللَّهِ شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ المَوْجُودَةِ كائِنًا ما كانَ، وإنَّما ذَكَرَ السَّماواتِ والأرْضَ لِأنَّها المُشاهَدَةُ لِلْعِبادِ، وإلّا فَعِلْمُهُ سُبْحانَهُ مُحِيطٌ بِكُلِّ ما هو داخِلٌ في العالَمِ، وكُلِّ ما هو خارِجٌ عَنْهُ لا تَخْفى عَلَيْهِ مِنهُ خافِيَةٌ. قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا مِن قَوْلِ إبْراهِيمَ تَحْقِيقًا لِقَوْلِهِ الأوَّلِ، وتَعْمِيمًا بَعْدَ التَّخْصِيصِ. ثُمَّ حَمِدَ اللَّهَ سُبْحانَهُ عَلى بَعْضِ نِعَمِهِ الواصِلَةِ إلَيْهِ فَقالَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وهَبَ لِي عَلى الكِبَرِ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ أيْ وهَبَ لِي عَلى كِبَرِ سِنِّي وسِنِّ امْرَأتِي، قِيلَ: وُلِدَ لَهُ إسْماعِيلُ وهو ابْنُ تِسْعٍ وتِسْعِينَ سَنَةً، ووُلِدَ لَهُ إسْحاقُ وهو ابْنُ مِائَةٍ واثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وقِيلَ: و( عَلى ) هُنا بِمَعْنى مَعَ، أيْ: وهَبَ لِي مَعَ كِبَرِي ويَأْسِي عَنِ الوَلَدِ ﴿إنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ أيْ لَمُجِيبُ الدُّعاءِ، مِن قَوْلِهِمْ: سَمِعَ كَلامَهُ إذا أجابَهُ واعْتَدَّ بِهِ وعَمِلَ بِمُقْتَضاهُ، وهو مِن إضافَةِ الصِّفَةِ المُتَضَمِّنَةِ لِلْمُبالَغَةِ إلى المَفْعُولِ، والمَعْنى: إنَّكَ لَكَثِيرُ إجابَةِ الدُّعاءِ لِمَن يَدْعُوكَ. ثُمَّ سَألَ اللَّهَ سُبْحانَهُ بِأنْ يَجْعَلَهُ مُقِيمَ الصَّلاةِ مُحافِظًا عَلَيْها غَيْرَ مُهْمِلٍ لِشَيْءٍ مِنها، ثُمَّ قالَ: ومِن ذُرِّيَّتِي أيْ بَعْضَ ذُرِّيَّتِي: أيِ اجْعَلْنِي واجْعَلْ بَعْضَ ذُرِّيَّتِي مُقِيمِينَ لِلصَّلاةِ، وإنَّما خَصَّ البَعْضَ مِن ذُرِّيَّتِهِ، لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّ مِنهم مِن لا يُقِيمُها كَما يَنْبَغِي. قالَ الزَّجّاجُ: أيِ اجْعَلْ مِن ذُرِّيَّتِي مَن يُقِيمُ الصَّلاةَ، ثُمَّ سَألَ اللَّهَ سُبْحانَهُ أنَّ يَتَقَبَّلَ دُعاءَهُ عَلى العُمُومِ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ دُعاؤُهُ في هَذا المَقامِ دُخُولًا أوَّلِيًّا. قِيلَ: والمُرادُ بِالدُّعاءِ هُنا العِبادَةُ، فَيَكُونُ المَعْنى: وتَقَبَّلْ عِبادَتِي (p-٧٥١)الَّتِي أعْبُدُكَ بِها. ثُمَّ طَلَبَ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ أنْ يَغْفِرَ لَهُ ما وقَعَ مِنهُ مِمّا يَسْتَحِقُّ أنْ يَغْفِرَهُ اللَّهُ وإنْ لَمْ يَكُنْ كَبِيرًا؛ لِما هو مَعْلُومٌ مِن عِصْمَةِ الأنْبِياءِ عَنِ الكَبائِرِ. ثُمَّ طَلَبَ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ أنْ يَغْفِرَ لِوالِدَيْهِ. وقَدْ قِيلَ إنَّهُ دَعا لَهُما بِالمَغْفِرَةِ قَبْلَ أنْ يَعْلَمَ أنَّهُما عَدُوّانِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ إلّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ﴾ [التوبة: ١١٤] . وقِيلَ: كانَتْ أُمُّهُ مَسْلِمَةً، وقِيلَ: أرادَ بِوالِدَيْهِ آدَمَ وحَوّاءَ. وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ " ولِوالِدِي " بِالتَّوْحِيدِ عَلى إرادَةِ الأبِ وحْدَهُ. وقَرَأ إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ " ولِوَلَدِي " يَعْنِي إسْماعِيلَ وإسْحاقَ، وكَذا قَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ، ثُمَّ اسْتَغْفَرَ لِلْمُؤْمِنِينَ. وظاهِرُهُ شُمُولُ كُلِّ مُؤْمِنٍ، سَواءٌ كانَ مِن ذُرِّيَّتِهِ أوْ لَمْ يَكُنْ مِنهم، وقِيلَ: أرادَ المُؤْمِنِينَ مِن ذُرِّيَّتِهِ فَقَطْ يَوْمَ يَقُومُ الحِسابُ أيْ يَوْمَ يَثْبُتُ حِسابُ المُكَلَّفِينَ في المَحْشَرِ، اسْتُعِيرَ لَهُ لَفْظُ " يَقُومُ " الَّذِي هو حَقِيقَتُهُ في قِيامِ الرَّجُلِ لِلدِّلالَةِ عَلى أنَّهُ في غايَةِ الِاسْتِقامَةِ، وقِيلَ: إنَّ المَعْنى يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِلْحِسابِ، والأوَّلُ أوْلى. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: وإذْ قالَ إبْراهِيمُ الآيَةَ، قالَ: فاسْتَجابَ اللَّهُ لِإبْراهِيمَ دَعْوَتَهُ في ولَدِهِ فَلَمْ يَعْبُدْ أحَدٌ مِن ولَدِهِ صَنَمًا بَعْدَ دَعْوَتِهِ، واسْتَجابَ اللَّهُ لَهُ، وجَعَلَ هَذا البَلَدَ آمِنًا، ورَزَقَ أهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ، وجَعَلَهُ إمامًا، وجَعَلَ مِن ذُرِّيَّتِهِ مَن يُقِيمُ الصَّلاةَ، وتَقَبَّلَ دُعاءَهُ فَأراهُ مَناسِكَهُ وتابَ عَلَيْهِ. وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنْ عَقِيلِ بْنِ أبِي طالِبٍ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لَمّا أتاهُ السِّتَّةُ النَّفَرِ مِنَ الأنْصارِ جَلَسَ إلَيْهِمْ عِنْدَ جَمْرَةِ العَقَبَةِ، فَدَعاهم إلى اللَّهِ وإلى عِبادَتِهِ والمُؤازَرَةِ عَلى دِينِهِ، فَسَألُوهُ أنْ يَعْرِضَ عَلَيْهِمْ ما أُوحِيَ إلَيْهِ، فَقَرَأ مِن سُورَةِ إبْراهِيمَ ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ إلى آخِرِ السُّورَةِ، فَرَقَّ القَوْمُ وأخْبَتُوا حِينَ سَمِعُوا مِنهُ ما سَمِعُوا وأجابُوهُ» . وأخْرَجَ الواقِدِيُّ وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ عامِرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أبِيهِ قالَ: كانَتْ سارَةُ تَحْتَ إبْراهِيمَ، فَمَكَثَتْ تَحْتَهُ دَهْرًا لا تُرْزَقُ مِنهُ ولَدًا، فَلَمّا رَأتْ ذَلِكَ وهَبَتْ لَهُ هاجَرَ أمَةً لَها قِبْطِيَّةً، فَوَلَدَتْ لَهُ إسْماعِيلَ، فَغارَتْ مِن ذَلِكَ سارَةُ ووَجَدَتْ في نَفْسِها وعَتَبَتْ عَلى هاجَرَ، فَحَلَفَتْ أنْ تَقْطَعَ مِنها ثَلاثَةَ أطْرافٍ، فَقالَ لَها إبْراهِيمُ: هَلْ لَكِ أنْ تُبِرِّي يَمِينَكِ ؟ قالَتْ: كَيْفَ أصْنَعُ ؟ قالَ: اثْقُبِي أُذُنَيْها واخْفِضِيها، والخَفْضُ: هو الخِتانُ، فَفَعَلَتْ ذَلِكَ بِها فَوَضَعَتْ هاجَرُ في أُذُنَيْها قُرْطَيْنِ فازْدادَتْ بِهِما حُسْنًا. فَقالَتْ سارَةُ: أرانِي أنَّما زِدْتُها جَمالًا فَلَمْ تُقارَّهُ عَلى كَوْنِهِ مَعَها ووَجِدَ بِها إبْراهِيمُ وجْدًا شَدِيدًا، فَنَقَلَها إلى مَكَّةَ فَكانَ يَزُورُها في كُلِّ يَوْمٍ مِنَ الشّامَ عَلى البُراقِ مِن شَغَفِهِ بِها وقِلَّةِ صَبْرِهِ عَنْها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي﴾ قالَ: أسْكَنَ إسْماعِيلَ وأُمَّهُ مَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: إنَّ إبْراهِيمَ حِينَ قالَ ﴿فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ﴾ لَوْ قالَ أفْئِدَةَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ لازْدَحَمَتْ عَلَيْهِ فارِسُ والرُّومُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَكَمِ قالَ: سَألْتُ عِكْرِمَةَ وطاوُسًا وعَطاءَ بْنَ أبِي رَباحٍ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ ﴿فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ﴾ فَقالُوا: البَيْتُ تَهْوِي إلَيْهِ قُلُوبُهم يَأْتُونَهُ، وفي لَفْظٍ قالُوا: هَواهم إلى مَكَّةَ أنْ يَحُجُّوا. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: تَهْوِي إلَيْهِمْ قالَ: تَنْزِعُ إلَيْهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ الطّائِفِيِّ أنَّ إبْراهِيمَ لَمّا دَعا لِلْحَرَمِ ﴿وارْزُقْ أهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ﴾ نَقَلَ اللَّهُ الطّائِفَ مِن فِلَسْطِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: إنَّ اللَّهَ نَقَلَ قَرْيَةً مِن قُرى الشّامِ فَوَضَعَها بِالطّائِفِ لِدَعْوَةِ إبْراهِيمَ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالُوا: لَوْ كانَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ فاجْعَلْ أفْئِدَةَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ لَحَجَّ اليَهُودُ والنَّصارى والنّاسُ كُلُّهم، ولَكِنَّهُ قالَ ﴿أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ﴾ فَخَصَّ بِهِ المُؤْمِنِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ما نُخْفِي وما نُعْلِنُ﴾ قالَ: مِنَ الحُزْنِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا إنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي﴾ قالَ: مِن حُبِّ إسْماعِيلَ وأُمِّهِ وما نُعْلِنُ قالَ: ما نُظْهِرُ لِسارَةَ مِنَ الجَفاءِ لَهُما. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وهَبَ لِي عَلى الكِبَرِ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ قالَ: هَذا بَعْدَ ذَلِكَ بِحِينٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: بُشِّرَ إبْراهِيمُ بَعْدَ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً ومِائَةِ سَنَةٍ.

إبراهيم 14:39

. قَوْلُهُ: وإذْ قالَ إبْراهِيمُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ: أيِ اذْكُرْ وقْتَ قَوْلِهِ، ولَعَلَّ المُرادَ بِسِياقِ ما قالَهُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ في هَذا المَوْضِعِ - بَيانُ كُفْرِ قُرَيْشٍ بِالنِّعَمِ الخاصَّةِ بِهِمْ، وهي إسْكانُهم مَكَّةَ بَعْدَ ما بَيَّنَ كُفْرَهم بِالنِّعَمِ العامَّةِ، وقِيلَ: إنَّ ذِكْرَ قِصَّةِ إبْراهِيمَ هاهُنا لِمِثالِ الكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ، وقِيلَ: لِقَصْدِ الدُّعاءِ إلى التَّوْحِيدِ، وإنْكارِ عِبادَةِ الأصْنامِ ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا﴾ المُرادُ بِالبَلَدِ هُنا مَكَّةُ: دَعا إبْراهِيمُ رَبَّهُ أنْ يَجْعَلَهُ آمِنًا: (p-٧٥٠)أيْ ذا أمْنٍ، وقَدَّمَ طَلَبَ الأمْنِ عَلى سائِرِ المَطالِبِ المَذْكُورَةِ بَعْدَهُ، لِأنَّهُ إذا انْتَفى الأمْنُ لَمْ يَفْرَغِ الإنْسانُ لِشَيْءٍ آخَرَ مِن أُمُورِ الدِّينِ والدُّنْيا، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ في البَقَرَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذا بَلَدًا آمِنًا﴾ [البقرة: ١٢٦] والفَرْقُ بَيْنَ ما هُنا وما هُنالِكَ أنَّ المَطْلُوبَ هُنا مُجَرَّدُ الأمْنِ لِلْبَلَدِ، والمَطْلُوبَ هُنالِكَ البَلَدِيَّةُ والأمْنُ ﴿واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾، يُقالُ جَنَّبْتُهُ كَذا وأجْنَبْتُهُ وجَنَّبْتُهُ، أيْ: باعَدْتُهُ عَنْهُ، والمَعْنى: باعِدْنِي، وباعِدْ بَنِيَّ عَنْ عِبادَةِ الأصْنامِ، قِيلَ: أرادَ بَنِيهِ مِن صُلْبِهُ وكانُوا ثَمانِيَةً، وقِيلَ: أرادَ مَن كانَ مَوْجُودًا حالَ دَعْوَتِهِ مِن بَنِيهِ وبَنِي بَنِيهِ، وقِيلَ: أرادَ جَمِيعَ ذُرِّيَّتِهِ ما تَناسَلُوا، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما قِيلَ مِن أنَّهُ لَمْ يَعْبُدْ أحَدٌ مِن أوْلادِ إبْراهِيمَ صَنَمًا، والصَّنَمُ هو التِّمْثالُ الَّذِي كانَتْ تَصْنَعُهُ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ مِنَ الأحْجارِ ونَحْوِها فَيَعْبُدُونَهُ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ وعِيسى بْنُ عُمَرَ " وأجْنِبْنِي " بِقَطْعِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّ أصْلَهُ أجْنَبَ. ﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ أسْنَدَ الإضْلالَ إلى الأصْنامِ مَعَ كَوْنِها جَماداتٍ لا تَعْقِلُ، لِأنَّها سَبَبٌ لِضَلالِهِمْ فَكَأنَّها أضَلَّتْهم، وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِدُعائِهِ لِرَبِّهِ، ثُمَّ قالَ: فَمَن تَبِعَنِي أيْ مَن تَبِعَ دِينِي مِنَ النّاسِ فَصارَ مُسْلِمًا مُوَحِّدًا فَإنَّهُ مِنِّي أيْ مِن أهْلِ دِينِي: جَعَلَ أهْلَ مِلَّتِهِ كَنَفْسِهِ مُبالَغَةً ومَن عَصانِي فَلَمْ يُتابِعْنِي ويَدْخُلْ في مِلَّتِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ قادِرٌ عَلى أنْ تَغْفِرَ لَهُ، قِيلَ: قالَ هَذا قَبْلَ أنْ يَعْلَمَ أنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ كَما وقَعَ مِنهُ الِاسْتِغْفارُ لِأبِيهِ وهو مُشْرِكٌ، كَذا قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ، وقِيلَ: المُرادُ عِصْيانُهُ هُنا فِيما دُونَ الشِّرْكِ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ المَغْفِرَةَ مُقَيَّدَةٌ بِالتَّوْبَةِ مِنَ الشِّرْكِ. ثُمَّ قالَ ﴿رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي﴾ قالَ الفَرّاءُ: " مِن " لِلتَّبْعِيضِ، أيْ: بَعْضِ ذُرِّيَّتِي. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّها زائِدَةٌ، أيْ: أسْكَنْتُ ذُرِّيَّتِي، والأوَّلُ أوْلى، لِأنَّهُ إنَّما أسْكَنَ إسْماعِيلَ وهو بَعْضُ ولَدِهِ ﴿بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ أيْ لا زَرْعَ فِيهِ، وهو وادِي مَكَّةَ ﴿عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ﴾ أيِ الَّذِي يَحْرُمُ فِيهِ ما يُسْتَباحُ في غَيْرِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ مُحَرَّمٌ عَلى الجَبابِرَةِ، وقِيلَ: مُحَرَّمٌ مِن أنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَتُهُ، أوْ يُسْتَخَفَّ بِهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ المائِدَةِ ما يُغْنِي عَنِ الإعادَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ اللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ أسْكَنْتُ، أيْ: أسْكَنْتُهم لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فِيهِ، مُتَوَجِّهِينَ إلَيْهِ، مُتَبَرِّكِينَ بِهِ، وخَصَّها دُونَ سائِرِ العِباداتِ لِمَزِيدِ فَضْلِها، ولَعَلَّ تَكْرِيرَ النِّداءِ لِإظْهارِ العِنايَةِ الكامِلَةِ بِهَذِهِ العِبادَةِ فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ الأفْئِدَةُ جَمْعُ فُؤادٍ، وهو القَلْبُ، عُبِّرَ بِهِ عَنْ جَمِيعِ البَدَنِ، لِأنَّهُ أشْرَفُ عُضْوٍ فِيهِ. وقِيلَ: هو جَمْعُ وفْدٍ، والأصْلُ أوْفِدَةٌ، فَقُدِّمَتِ الفاءُ، وقْلِبَتِ الواوُ ياءً، فَكَأنَّهُ قالَ: وجَعَلَ وُفُودًا مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ، و( مِن ) في مِنَ النّاسِ لِلتَّبْعِيضِ، وقِيلَ: زائِدَةٌ ولا يَلْزَمُ مِنهُ أنْ يَحُجَّ اليَهُودُ والنَّصارى بِدُخُولِهِمْ تَحْتَ لَفْظِ النّاسِ، لِأنَّ المَطْلُوبَ تَوْجِيهُ قُلُوبِ النّاسِ إلَيْهِمْ لِلسُّكُونِ مَعَهم والجَلْبِ إلَيْهِمْ لا تَوْجِيهُها إلى الحَجِّ، ولَوْ كانَ هَذا مَرادًا لَقالَ تَهْوِي إلَيْهِ، وقِيلَ: ( مِن ) لِلِابْتِداءِ كَقَوْلِكَ: القَلْبُ مِنِّي سَقِيمٌ، يُرِيدُ قَلْبِي، ومَعْنى تَهْوِي إلَيْهِمْ: تَنْزِعُ إلَيْهِمْ، يُقالُ هَوى نَحْوَهُ: إذا مالَ، وهَوَتِ النّاقَةُ تَهْوِي هَوْيًا فَهي هاوِيَةٌ: إذا عَدَتْ عَدْوًا شَدِيدًا كَأنَّها تَهْوِي في بِئْرٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: تَجِيءُ إلَيْهِمْ أوْ تُسْرِعُ إلَيْهِمْ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ. ﴿وارْزُقْهم مِنَ الثَّمَراتِ﴾: أيِ ارْزُقْ ذُرِّيَّتِي الَّذِينَ أسْكَنْتَهم هُنالِكَ أوْ هم ومَن يُساكِنُهم مِنَ النّاسِ مِن أنْواعِ الثَّمَراتِ الَّتِي تَنْبُتُ فِيهِ، أوْ تُجْلَبُ إلَيْهِ لَعَلَّهم يَشْكُرُونَ نِعَمَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ بِها عَلَيْهِمْ. ﴿رَبَّنا إنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وما نُعْلِنُ﴾ أيْ: ما نَكْتُمُهُ وما نُظْهِرُهُ، لِأنَّ الظّاهِرَ والمُضْمَرَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ سِيّانِ. قِيلَ: والمُرادُ هُنا بِـ " ما نُخْفِي " ما يُقابِلُ " ما نُعْلِنُ "، فالمَعْنى ما نُظْهِرُهُ وما لا نُظْهِرُهُ، وقَدَّمَ " ما نُخْفِي " عَلى " ما نُعْلِنُ " لِلدِّلالَةِ عَلى أنَّهُما مُسْتَوِيانِ في عِلْمِ اللَّهِ سُبْحانَهُ. وظاهِرُ النَّظْمِ القُرْآنِيِّ عُمُومُ كُلِّ ما لا يَظْهَرُ وما يَظْهَرُ مِن غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ مِن ذَلِكَ، وقِيلَ: المُرادُ ما يُخْفِيهِ إبْراهِيمُ مِن وجْدِهِ بِإسْماعِيلَ وأُمِّهِ حَيْثُ أسْكَنَهُما بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ، وما يُعْلِنُهُ مِن ذَلِكَ، وقِيلَ: ما يُخْفِيهِ إبْراهِيمُ مِنَ الوَجْدِ ويُعْلِنُهُ مِنَ البُكاءِ والدُّعاءِ، والمَجِيءُ بِضَمِيرِ الجَماعَةِ يُشْعِرُ بِأنَّ إبْراهِيمَ لَمْ يُرِدْ نَفْسَهُ فَقَطْ، بَلْ أرادَ جَمِيعَ العِبادِ، فَكَأنَّ المَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَعْلَمُ بِكُلِّ ما يُظْهِرُهُ العِبادُ وبِكُلِّ ما لا يُظْهِرُونَهُ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وما يَخْفى عَلى اللَّهِ مِن شَيْءٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ فَقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: هو مِن كَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ تَصْدِيقًا لِما قالَهُ إبْراهِيمُ مِن أنَّهُ سُبْحانَهُ يَعْلَمُ بِما يُخْفِيهِ العِبادُ وما يُعْلِنُونَهُ، فَقالَ سُبْحانَهُ: وما يَخْفى عَلى اللَّهِ شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ المَوْجُودَةِ كائِنًا ما كانَ، وإنَّما ذَكَرَ السَّماواتِ والأرْضَ لِأنَّها المُشاهَدَةُ لِلْعِبادِ، وإلّا فَعِلْمُهُ سُبْحانَهُ مُحِيطٌ بِكُلِّ ما هو داخِلٌ في العالَمِ، وكُلِّ ما هو خارِجٌ عَنْهُ لا تَخْفى عَلَيْهِ مِنهُ خافِيَةٌ. قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا مِن قَوْلِ إبْراهِيمَ تَحْقِيقًا لِقَوْلِهِ الأوَّلِ، وتَعْمِيمًا بَعْدَ التَّخْصِيصِ. ثُمَّ حَمِدَ اللَّهَ سُبْحانَهُ عَلى بَعْضِ نِعَمِهِ الواصِلَةِ إلَيْهِ فَقالَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وهَبَ لِي عَلى الكِبَرِ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ أيْ وهَبَ لِي عَلى كِبَرِ سِنِّي وسِنِّ امْرَأتِي، قِيلَ: وُلِدَ لَهُ إسْماعِيلُ وهو ابْنُ تِسْعٍ وتِسْعِينَ سَنَةً، ووُلِدَ لَهُ إسْحاقُ وهو ابْنُ مِائَةٍ واثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وقِيلَ: و( عَلى ) هُنا بِمَعْنى مَعَ، أيْ: وهَبَ لِي مَعَ كِبَرِي ويَأْسِي عَنِ الوَلَدِ ﴿إنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ أيْ لَمُجِيبُ الدُّعاءِ، مِن قَوْلِهِمْ: سَمِعَ كَلامَهُ إذا أجابَهُ واعْتَدَّ بِهِ وعَمِلَ بِمُقْتَضاهُ، وهو مِن إضافَةِ الصِّفَةِ المُتَضَمِّنَةِ لِلْمُبالَغَةِ إلى المَفْعُولِ، والمَعْنى: إنَّكَ لَكَثِيرُ إجابَةِ الدُّعاءِ لِمَن يَدْعُوكَ. ثُمَّ سَألَ اللَّهَ سُبْحانَهُ بِأنْ يَجْعَلَهُ مُقِيمَ الصَّلاةِ مُحافِظًا عَلَيْها غَيْرَ مُهْمِلٍ لِشَيْءٍ مِنها، ثُمَّ قالَ: ومِن ذُرِّيَّتِي أيْ بَعْضَ ذُرِّيَّتِي: أيِ اجْعَلْنِي واجْعَلْ بَعْضَ ذُرِّيَّتِي مُقِيمِينَ لِلصَّلاةِ، وإنَّما خَصَّ البَعْضَ مِن ذُرِّيَّتِهِ، لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّ مِنهم مِن لا يُقِيمُها كَما يَنْبَغِي. قالَ الزَّجّاجُ: أيِ اجْعَلْ مِن ذُرِّيَّتِي مَن يُقِيمُ الصَّلاةَ، ثُمَّ سَألَ اللَّهَ سُبْحانَهُ أنَّ يَتَقَبَّلَ دُعاءَهُ عَلى العُمُومِ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ دُعاؤُهُ في هَذا المَقامِ دُخُولًا أوَّلِيًّا. قِيلَ: والمُرادُ بِالدُّعاءِ هُنا العِبادَةُ، فَيَكُونُ المَعْنى: وتَقَبَّلْ عِبادَتِي (p-٧٥١)الَّتِي أعْبُدُكَ بِها. ثُمَّ طَلَبَ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ أنْ يَغْفِرَ لَهُ ما وقَعَ مِنهُ مِمّا يَسْتَحِقُّ أنْ يَغْفِرَهُ اللَّهُ وإنْ لَمْ يَكُنْ كَبِيرًا؛ لِما هو مَعْلُومٌ مِن عِصْمَةِ الأنْبِياءِ عَنِ الكَبائِرِ. ثُمَّ طَلَبَ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ أنْ يَغْفِرَ لِوالِدَيْهِ. وقَدْ قِيلَ إنَّهُ دَعا لَهُما بِالمَغْفِرَةِ قَبْلَ أنْ يَعْلَمَ أنَّهُما عَدُوّانِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ إلّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ﴾ [التوبة: ١١٤] . وقِيلَ: كانَتْ أُمُّهُ مَسْلِمَةً، وقِيلَ: أرادَ بِوالِدَيْهِ آدَمَ وحَوّاءَ. وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ " ولِوالِدِي " بِالتَّوْحِيدِ عَلى إرادَةِ الأبِ وحْدَهُ. وقَرَأ إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ " ولِوَلَدِي " يَعْنِي إسْماعِيلَ وإسْحاقَ، وكَذا قَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ، ثُمَّ اسْتَغْفَرَ لِلْمُؤْمِنِينَ. وظاهِرُهُ شُمُولُ كُلِّ مُؤْمِنٍ، سَواءٌ كانَ مِن ذُرِّيَّتِهِ أوْ لَمْ يَكُنْ مِنهم، وقِيلَ: أرادَ المُؤْمِنِينَ مِن ذُرِّيَّتِهِ فَقَطْ يَوْمَ يَقُومُ الحِسابُ أيْ يَوْمَ يَثْبُتُ حِسابُ المُكَلَّفِينَ في المَحْشَرِ، اسْتُعِيرَ لَهُ لَفْظُ " يَقُومُ " الَّذِي هو حَقِيقَتُهُ في قِيامِ الرَّجُلِ لِلدِّلالَةِ عَلى أنَّهُ في غايَةِ الِاسْتِقامَةِ، وقِيلَ: إنَّ المَعْنى يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِلْحِسابِ، والأوَّلُ أوْلى. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: وإذْ قالَ إبْراهِيمُ الآيَةَ، قالَ: فاسْتَجابَ اللَّهُ لِإبْراهِيمَ دَعْوَتَهُ في ولَدِهِ فَلَمْ يَعْبُدْ أحَدٌ مِن ولَدِهِ صَنَمًا بَعْدَ دَعْوَتِهِ، واسْتَجابَ اللَّهُ لَهُ، وجَعَلَ هَذا البَلَدَ آمِنًا، ورَزَقَ أهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ، وجَعَلَهُ إمامًا، وجَعَلَ مِن ذُرِّيَّتِهِ مَن يُقِيمُ الصَّلاةَ، وتَقَبَّلَ دُعاءَهُ فَأراهُ مَناسِكَهُ وتابَ عَلَيْهِ. وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنْ عَقِيلِ بْنِ أبِي طالِبٍ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لَمّا أتاهُ السِّتَّةُ النَّفَرِ مِنَ الأنْصارِ جَلَسَ إلَيْهِمْ عِنْدَ جَمْرَةِ العَقَبَةِ، فَدَعاهم إلى اللَّهِ وإلى عِبادَتِهِ والمُؤازَرَةِ عَلى دِينِهِ، فَسَألُوهُ أنْ يَعْرِضَ عَلَيْهِمْ ما أُوحِيَ إلَيْهِ، فَقَرَأ مِن سُورَةِ إبْراهِيمَ ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ إلى آخِرِ السُّورَةِ، فَرَقَّ القَوْمُ وأخْبَتُوا حِينَ سَمِعُوا مِنهُ ما سَمِعُوا وأجابُوهُ» . وأخْرَجَ الواقِدِيُّ وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ عامِرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أبِيهِ قالَ: كانَتْ سارَةُ تَحْتَ إبْراهِيمَ، فَمَكَثَتْ تَحْتَهُ دَهْرًا لا تُرْزَقُ مِنهُ ولَدًا، فَلَمّا رَأتْ ذَلِكَ وهَبَتْ لَهُ هاجَرَ أمَةً لَها قِبْطِيَّةً، فَوَلَدَتْ لَهُ إسْماعِيلَ، فَغارَتْ مِن ذَلِكَ سارَةُ ووَجَدَتْ في نَفْسِها وعَتَبَتْ عَلى هاجَرَ، فَحَلَفَتْ أنْ تَقْطَعَ مِنها ثَلاثَةَ أطْرافٍ، فَقالَ لَها إبْراهِيمُ: هَلْ لَكِ أنْ تُبِرِّي يَمِينَكِ ؟ قالَتْ: كَيْفَ أصْنَعُ ؟ قالَ: اثْقُبِي أُذُنَيْها واخْفِضِيها، والخَفْضُ: هو الخِتانُ، فَفَعَلَتْ ذَلِكَ بِها فَوَضَعَتْ هاجَرُ في أُذُنَيْها قُرْطَيْنِ فازْدادَتْ بِهِما حُسْنًا. فَقالَتْ سارَةُ: أرانِي أنَّما زِدْتُها جَمالًا فَلَمْ تُقارَّهُ عَلى كَوْنِهِ مَعَها ووَجِدَ بِها إبْراهِيمُ وجْدًا شَدِيدًا، فَنَقَلَها إلى مَكَّةَ فَكانَ يَزُورُها في كُلِّ يَوْمٍ مِنَ الشّامَ عَلى البُراقِ مِن شَغَفِهِ بِها وقِلَّةِ صَبْرِهِ عَنْها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي﴾ قالَ: أسْكَنَ إسْماعِيلَ وأُمَّهُ مَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: إنَّ إبْراهِيمَ حِينَ قالَ ﴿فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ﴾ لَوْ قالَ أفْئِدَةَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ لازْدَحَمَتْ عَلَيْهِ فارِسُ والرُّومُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَكَمِ قالَ: سَألْتُ عِكْرِمَةَ وطاوُسًا وعَطاءَ بْنَ أبِي رَباحٍ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ ﴿فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ﴾ فَقالُوا: البَيْتُ تَهْوِي إلَيْهِ قُلُوبُهم يَأْتُونَهُ، وفي لَفْظٍ قالُوا: هَواهم إلى مَكَّةَ أنْ يَحُجُّوا. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: تَهْوِي إلَيْهِمْ قالَ: تَنْزِعُ إلَيْهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ الطّائِفِيِّ أنَّ إبْراهِيمَ لَمّا دَعا لِلْحَرَمِ ﴿وارْزُقْ أهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ﴾ نَقَلَ اللَّهُ الطّائِفَ مِن فِلَسْطِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: إنَّ اللَّهَ نَقَلَ قَرْيَةً مِن قُرى الشّامِ فَوَضَعَها بِالطّائِفِ لِدَعْوَةِ إبْراهِيمَ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالُوا: لَوْ كانَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ فاجْعَلْ أفْئِدَةَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ لَحَجَّ اليَهُودُ والنَّصارى والنّاسُ كُلُّهم، ولَكِنَّهُ قالَ ﴿أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ﴾ فَخَصَّ بِهِ المُؤْمِنِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ما نُخْفِي وما نُعْلِنُ﴾ قالَ: مِنَ الحُزْنِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا إنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي﴾ قالَ: مِن حُبِّ إسْماعِيلَ وأُمِّهِ وما نُعْلِنُ قالَ: ما نُظْهِرُ لِسارَةَ مِنَ الجَفاءِ لَهُما. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وهَبَ لِي عَلى الكِبَرِ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ قالَ: هَذا بَعْدَ ذَلِكَ بِحِينٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: بُشِّرَ إبْراهِيمُ بَعْدَ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً ومِائَةِ سَنَةٍ.

إبراهيم 14:40

. قَوْلُهُ: وإذْ قالَ إبْراهِيمُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ: أيِ اذْكُرْ وقْتَ قَوْلِهِ، ولَعَلَّ المُرادَ بِسِياقِ ما قالَهُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ في هَذا المَوْضِعِ - بَيانُ كُفْرِ قُرَيْشٍ بِالنِّعَمِ الخاصَّةِ بِهِمْ، وهي إسْكانُهم مَكَّةَ بَعْدَ ما بَيَّنَ كُفْرَهم بِالنِّعَمِ العامَّةِ، وقِيلَ: إنَّ ذِكْرَ قِصَّةِ إبْراهِيمَ هاهُنا لِمِثالِ الكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ، وقِيلَ: لِقَصْدِ الدُّعاءِ إلى التَّوْحِيدِ، وإنْكارِ عِبادَةِ الأصْنامِ ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا﴾ المُرادُ بِالبَلَدِ هُنا مَكَّةُ: دَعا إبْراهِيمُ رَبَّهُ أنْ يَجْعَلَهُ آمِنًا: (p-٧٥٠)أيْ ذا أمْنٍ، وقَدَّمَ طَلَبَ الأمْنِ عَلى سائِرِ المَطالِبِ المَذْكُورَةِ بَعْدَهُ، لِأنَّهُ إذا انْتَفى الأمْنُ لَمْ يَفْرَغِ الإنْسانُ لِشَيْءٍ آخَرَ مِن أُمُورِ الدِّينِ والدُّنْيا، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ في البَقَرَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذا بَلَدًا آمِنًا﴾ [البقرة: ١٢٦] والفَرْقُ بَيْنَ ما هُنا وما هُنالِكَ أنَّ المَطْلُوبَ هُنا مُجَرَّدُ الأمْنِ لِلْبَلَدِ، والمَطْلُوبَ هُنالِكَ البَلَدِيَّةُ والأمْنُ ﴿واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾، يُقالُ جَنَّبْتُهُ كَذا وأجْنَبْتُهُ وجَنَّبْتُهُ، أيْ: باعَدْتُهُ عَنْهُ، والمَعْنى: باعِدْنِي، وباعِدْ بَنِيَّ عَنْ عِبادَةِ الأصْنامِ، قِيلَ: أرادَ بَنِيهِ مِن صُلْبِهُ وكانُوا ثَمانِيَةً، وقِيلَ: أرادَ مَن كانَ مَوْجُودًا حالَ دَعْوَتِهِ مِن بَنِيهِ وبَنِي بَنِيهِ، وقِيلَ: أرادَ جَمِيعَ ذُرِّيَّتِهِ ما تَناسَلُوا، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما قِيلَ مِن أنَّهُ لَمْ يَعْبُدْ أحَدٌ مِن أوْلادِ إبْراهِيمَ صَنَمًا، والصَّنَمُ هو التِّمْثالُ الَّذِي كانَتْ تَصْنَعُهُ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ مِنَ الأحْجارِ ونَحْوِها فَيَعْبُدُونَهُ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ وعِيسى بْنُ عُمَرَ " وأجْنِبْنِي " بِقَطْعِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّ أصْلَهُ أجْنَبَ. ﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ أسْنَدَ الإضْلالَ إلى الأصْنامِ مَعَ كَوْنِها جَماداتٍ لا تَعْقِلُ، لِأنَّها سَبَبٌ لِضَلالِهِمْ فَكَأنَّها أضَلَّتْهم، وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِدُعائِهِ لِرَبِّهِ، ثُمَّ قالَ: فَمَن تَبِعَنِي أيْ مَن تَبِعَ دِينِي مِنَ النّاسِ فَصارَ مُسْلِمًا مُوَحِّدًا فَإنَّهُ مِنِّي أيْ مِن أهْلِ دِينِي: جَعَلَ أهْلَ مِلَّتِهِ كَنَفْسِهِ مُبالَغَةً ومَن عَصانِي فَلَمْ يُتابِعْنِي ويَدْخُلْ في مِلَّتِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ قادِرٌ عَلى أنْ تَغْفِرَ لَهُ، قِيلَ: قالَ هَذا قَبْلَ أنْ يَعْلَمَ أنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ كَما وقَعَ مِنهُ الِاسْتِغْفارُ لِأبِيهِ وهو مُشْرِكٌ، كَذا قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ، وقِيلَ: المُرادُ عِصْيانُهُ هُنا فِيما دُونَ الشِّرْكِ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ المَغْفِرَةَ مُقَيَّدَةٌ بِالتَّوْبَةِ مِنَ الشِّرْكِ. ثُمَّ قالَ ﴿رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي﴾ قالَ الفَرّاءُ: " مِن " لِلتَّبْعِيضِ، أيْ: بَعْضِ ذُرِّيَّتِي. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّها زائِدَةٌ، أيْ: أسْكَنْتُ ذُرِّيَّتِي، والأوَّلُ أوْلى، لِأنَّهُ إنَّما أسْكَنَ إسْماعِيلَ وهو بَعْضُ ولَدِهِ ﴿بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ أيْ لا زَرْعَ فِيهِ، وهو وادِي مَكَّةَ ﴿عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ﴾ أيِ الَّذِي يَحْرُمُ فِيهِ ما يُسْتَباحُ في غَيْرِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ مُحَرَّمٌ عَلى الجَبابِرَةِ، وقِيلَ: مُحَرَّمٌ مِن أنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَتُهُ، أوْ يُسْتَخَفَّ بِهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ المائِدَةِ ما يُغْنِي عَنِ الإعادَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ اللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ أسْكَنْتُ، أيْ: أسْكَنْتُهم لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فِيهِ، مُتَوَجِّهِينَ إلَيْهِ، مُتَبَرِّكِينَ بِهِ، وخَصَّها دُونَ سائِرِ العِباداتِ لِمَزِيدِ فَضْلِها، ولَعَلَّ تَكْرِيرَ النِّداءِ لِإظْهارِ العِنايَةِ الكامِلَةِ بِهَذِهِ العِبادَةِ فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ الأفْئِدَةُ جَمْعُ فُؤادٍ، وهو القَلْبُ، عُبِّرَ بِهِ عَنْ جَمِيعِ البَدَنِ، لِأنَّهُ أشْرَفُ عُضْوٍ فِيهِ. وقِيلَ: هو جَمْعُ وفْدٍ، والأصْلُ أوْفِدَةٌ، فَقُدِّمَتِ الفاءُ، وقْلِبَتِ الواوُ ياءً، فَكَأنَّهُ قالَ: وجَعَلَ وُفُودًا مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ، و( مِن ) في مِنَ النّاسِ لِلتَّبْعِيضِ، وقِيلَ: زائِدَةٌ ولا يَلْزَمُ مِنهُ أنْ يَحُجَّ اليَهُودُ والنَّصارى بِدُخُولِهِمْ تَحْتَ لَفْظِ النّاسِ، لِأنَّ المَطْلُوبَ تَوْجِيهُ قُلُوبِ النّاسِ إلَيْهِمْ لِلسُّكُونِ مَعَهم والجَلْبِ إلَيْهِمْ لا تَوْجِيهُها إلى الحَجِّ، ولَوْ كانَ هَذا مَرادًا لَقالَ تَهْوِي إلَيْهِ، وقِيلَ: ( مِن ) لِلِابْتِداءِ كَقَوْلِكَ: القَلْبُ مِنِّي سَقِيمٌ، يُرِيدُ قَلْبِي، ومَعْنى تَهْوِي إلَيْهِمْ: تَنْزِعُ إلَيْهِمْ، يُقالُ هَوى نَحْوَهُ: إذا مالَ، وهَوَتِ النّاقَةُ تَهْوِي هَوْيًا فَهي هاوِيَةٌ: إذا عَدَتْ عَدْوًا شَدِيدًا كَأنَّها تَهْوِي في بِئْرٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: تَجِيءُ إلَيْهِمْ أوْ تُسْرِعُ إلَيْهِمْ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ. ﴿وارْزُقْهم مِنَ الثَّمَراتِ﴾: أيِ ارْزُقْ ذُرِّيَّتِي الَّذِينَ أسْكَنْتَهم هُنالِكَ أوْ هم ومَن يُساكِنُهم مِنَ النّاسِ مِن أنْواعِ الثَّمَراتِ الَّتِي تَنْبُتُ فِيهِ، أوْ تُجْلَبُ إلَيْهِ لَعَلَّهم يَشْكُرُونَ نِعَمَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ بِها عَلَيْهِمْ. ﴿رَبَّنا إنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وما نُعْلِنُ﴾ أيْ: ما نَكْتُمُهُ وما نُظْهِرُهُ، لِأنَّ الظّاهِرَ والمُضْمَرَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ سِيّانِ. قِيلَ: والمُرادُ هُنا بِـ " ما نُخْفِي " ما يُقابِلُ " ما نُعْلِنُ "، فالمَعْنى ما نُظْهِرُهُ وما لا نُظْهِرُهُ، وقَدَّمَ " ما نُخْفِي " عَلى " ما نُعْلِنُ " لِلدِّلالَةِ عَلى أنَّهُما مُسْتَوِيانِ في عِلْمِ اللَّهِ سُبْحانَهُ. وظاهِرُ النَّظْمِ القُرْآنِيِّ عُمُومُ كُلِّ ما لا يَظْهَرُ وما يَظْهَرُ مِن غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ مِن ذَلِكَ، وقِيلَ: المُرادُ ما يُخْفِيهِ إبْراهِيمُ مِن وجْدِهِ بِإسْماعِيلَ وأُمِّهِ حَيْثُ أسْكَنَهُما بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ، وما يُعْلِنُهُ مِن ذَلِكَ، وقِيلَ: ما يُخْفِيهِ إبْراهِيمُ مِنَ الوَجْدِ ويُعْلِنُهُ مِنَ البُكاءِ والدُّعاءِ، والمَجِيءُ بِضَمِيرِ الجَماعَةِ يُشْعِرُ بِأنَّ إبْراهِيمَ لَمْ يُرِدْ نَفْسَهُ فَقَطْ، بَلْ أرادَ جَمِيعَ العِبادِ، فَكَأنَّ المَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَعْلَمُ بِكُلِّ ما يُظْهِرُهُ العِبادُ وبِكُلِّ ما لا يُظْهِرُونَهُ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وما يَخْفى عَلى اللَّهِ مِن شَيْءٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ فَقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: هو مِن كَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ تَصْدِيقًا لِما قالَهُ إبْراهِيمُ مِن أنَّهُ سُبْحانَهُ يَعْلَمُ بِما يُخْفِيهِ العِبادُ وما يُعْلِنُونَهُ، فَقالَ سُبْحانَهُ: وما يَخْفى عَلى اللَّهِ شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ المَوْجُودَةِ كائِنًا ما كانَ، وإنَّما ذَكَرَ السَّماواتِ والأرْضَ لِأنَّها المُشاهَدَةُ لِلْعِبادِ، وإلّا فَعِلْمُهُ سُبْحانَهُ مُحِيطٌ بِكُلِّ ما هو داخِلٌ في العالَمِ، وكُلِّ ما هو خارِجٌ عَنْهُ لا تَخْفى عَلَيْهِ مِنهُ خافِيَةٌ. قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا مِن قَوْلِ إبْراهِيمَ تَحْقِيقًا لِقَوْلِهِ الأوَّلِ، وتَعْمِيمًا بَعْدَ التَّخْصِيصِ. ثُمَّ حَمِدَ اللَّهَ سُبْحانَهُ عَلى بَعْضِ نِعَمِهِ الواصِلَةِ إلَيْهِ فَقالَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وهَبَ لِي عَلى الكِبَرِ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ أيْ وهَبَ لِي عَلى كِبَرِ سِنِّي وسِنِّ امْرَأتِي، قِيلَ: وُلِدَ لَهُ إسْماعِيلُ وهو ابْنُ تِسْعٍ وتِسْعِينَ سَنَةً، ووُلِدَ لَهُ إسْحاقُ وهو ابْنُ مِائَةٍ واثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وقِيلَ: و( عَلى ) هُنا بِمَعْنى مَعَ، أيْ: وهَبَ لِي مَعَ كِبَرِي ويَأْسِي عَنِ الوَلَدِ ﴿إنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ أيْ لَمُجِيبُ الدُّعاءِ، مِن قَوْلِهِمْ: سَمِعَ كَلامَهُ إذا أجابَهُ واعْتَدَّ بِهِ وعَمِلَ بِمُقْتَضاهُ، وهو مِن إضافَةِ الصِّفَةِ المُتَضَمِّنَةِ لِلْمُبالَغَةِ إلى المَفْعُولِ، والمَعْنى: إنَّكَ لَكَثِيرُ إجابَةِ الدُّعاءِ لِمَن يَدْعُوكَ. ثُمَّ سَألَ اللَّهَ سُبْحانَهُ بِأنْ يَجْعَلَهُ مُقِيمَ الصَّلاةِ مُحافِظًا عَلَيْها غَيْرَ مُهْمِلٍ لِشَيْءٍ مِنها، ثُمَّ قالَ: ومِن ذُرِّيَّتِي أيْ بَعْضَ ذُرِّيَّتِي: أيِ اجْعَلْنِي واجْعَلْ بَعْضَ ذُرِّيَّتِي مُقِيمِينَ لِلصَّلاةِ، وإنَّما خَصَّ البَعْضَ مِن ذُرِّيَّتِهِ، لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّ مِنهم مِن لا يُقِيمُها كَما يَنْبَغِي. قالَ الزَّجّاجُ: أيِ اجْعَلْ مِن ذُرِّيَّتِي مَن يُقِيمُ الصَّلاةَ، ثُمَّ سَألَ اللَّهَ سُبْحانَهُ أنَّ يَتَقَبَّلَ دُعاءَهُ عَلى العُمُومِ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ دُعاؤُهُ في هَذا المَقامِ دُخُولًا أوَّلِيًّا. قِيلَ: والمُرادُ بِالدُّعاءِ هُنا العِبادَةُ، فَيَكُونُ المَعْنى: وتَقَبَّلْ عِبادَتِي (p-٧٥١)الَّتِي أعْبُدُكَ بِها. ثُمَّ طَلَبَ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ أنْ يَغْفِرَ لَهُ ما وقَعَ مِنهُ مِمّا يَسْتَحِقُّ أنْ يَغْفِرَهُ اللَّهُ وإنْ لَمْ يَكُنْ كَبِيرًا؛ لِما هو مَعْلُومٌ مِن عِصْمَةِ الأنْبِياءِ عَنِ الكَبائِرِ. ثُمَّ طَلَبَ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ أنْ يَغْفِرَ لِوالِدَيْهِ. وقَدْ قِيلَ إنَّهُ دَعا لَهُما بِالمَغْفِرَةِ قَبْلَ أنْ يَعْلَمَ أنَّهُما عَدُوّانِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ إلّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ﴾ [التوبة: ١١٤] . وقِيلَ: كانَتْ أُمُّهُ مَسْلِمَةً، وقِيلَ: أرادَ بِوالِدَيْهِ آدَمَ وحَوّاءَ. وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ " ولِوالِدِي " بِالتَّوْحِيدِ عَلى إرادَةِ الأبِ وحْدَهُ. وقَرَأ إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ " ولِوَلَدِي " يَعْنِي إسْماعِيلَ وإسْحاقَ، وكَذا قَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ، ثُمَّ اسْتَغْفَرَ لِلْمُؤْمِنِينَ. وظاهِرُهُ شُمُولُ كُلِّ مُؤْمِنٍ، سَواءٌ كانَ مِن ذُرِّيَّتِهِ أوْ لَمْ يَكُنْ مِنهم، وقِيلَ: أرادَ المُؤْمِنِينَ مِن ذُرِّيَّتِهِ فَقَطْ يَوْمَ يَقُومُ الحِسابُ أيْ يَوْمَ يَثْبُتُ حِسابُ المُكَلَّفِينَ في المَحْشَرِ، اسْتُعِيرَ لَهُ لَفْظُ " يَقُومُ " الَّذِي هو حَقِيقَتُهُ في قِيامِ الرَّجُلِ لِلدِّلالَةِ عَلى أنَّهُ في غايَةِ الِاسْتِقامَةِ، وقِيلَ: إنَّ المَعْنى يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِلْحِسابِ، والأوَّلُ أوْلى. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: وإذْ قالَ إبْراهِيمُ الآيَةَ، قالَ: فاسْتَجابَ اللَّهُ لِإبْراهِيمَ دَعْوَتَهُ في ولَدِهِ فَلَمْ يَعْبُدْ أحَدٌ مِن ولَدِهِ صَنَمًا بَعْدَ دَعْوَتِهِ، واسْتَجابَ اللَّهُ لَهُ، وجَعَلَ هَذا البَلَدَ آمِنًا، ورَزَقَ أهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ، وجَعَلَهُ إمامًا، وجَعَلَ مِن ذُرِّيَّتِهِ مَن يُقِيمُ الصَّلاةَ، وتَقَبَّلَ دُعاءَهُ فَأراهُ مَناسِكَهُ وتابَ عَلَيْهِ. وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنْ عَقِيلِ بْنِ أبِي طالِبٍ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لَمّا أتاهُ السِّتَّةُ النَّفَرِ مِنَ الأنْصارِ جَلَسَ إلَيْهِمْ عِنْدَ جَمْرَةِ العَقَبَةِ، فَدَعاهم إلى اللَّهِ وإلى عِبادَتِهِ والمُؤازَرَةِ عَلى دِينِهِ، فَسَألُوهُ أنْ يَعْرِضَ عَلَيْهِمْ ما أُوحِيَ إلَيْهِ، فَقَرَأ مِن سُورَةِ إبْراهِيمَ ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ إلى آخِرِ السُّورَةِ، فَرَقَّ القَوْمُ وأخْبَتُوا حِينَ سَمِعُوا مِنهُ ما سَمِعُوا وأجابُوهُ» . وأخْرَجَ الواقِدِيُّ وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ عامِرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أبِيهِ قالَ: كانَتْ سارَةُ تَحْتَ إبْراهِيمَ، فَمَكَثَتْ تَحْتَهُ دَهْرًا لا تُرْزَقُ مِنهُ ولَدًا، فَلَمّا رَأتْ ذَلِكَ وهَبَتْ لَهُ هاجَرَ أمَةً لَها قِبْطِيَّةً، فَوَلَدَتْ لَهُ إسْماعِيلَ، فَغارَتْ مِن ذَلِكَ سارَةُ ووَجَدَتْ في نَفْسِها وعَتَبَتْ عَلى هاجَرَ، فَحَلَفَتْ أنْ تَقْطَعَ مِنها ثَلاثَةَ أطْرافٍ، فَقالَ لَها إبْراهِيمُ: هَلْ لَكِ أنْ تُبِرِّي يَمِينَكِ ؟ قالَتْ: كَيْفَ أصْنَعُ ؟ قالَ: اثْقُبِي أُذُنَيْها واخْفِضِيها، والخَفْضُ: هو الخِتانُ، فَفَعَلَتْ ذَلِكَ بِها فَوَضَعَتْ هاجَرُ في أُذُنَيْها قُرْطَيْنِ فازْدادَتْ بِهِما حُسْنًا. فَقالَتْ سارَةُ: أرانِي أنَّما زِدْتُها جَمالًا فَلَمْ تُقارَّهُ عَلى كَوْنِهِ مَعَها ووَجِدَ بِها إبْراهِيمُ وجْدًا شَدِيدًا، فَنَقَلَها إلى مَكَّةَ فَكانَ يَزُورُها في كُلِّ يَوْمٍ مِنَ الشّامَ عَلى البُراقِ مِن شَغَفِهِ بِها وقِلَّةِ صَبْرِهِ عَنْها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي﴾ قالَ: أسْكَنَ إسْماعِيلَ وأُمَّهُ مَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: إنَّ إبْراهِيمَ حِينَ قالَ ﴿فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ﴾ لَوْ قالَ أفْئِدَةَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ لازْدَحَمَتْ عَلَيْهِ فارِسُ والرُّومُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَكَمِ قالَ: سَألْتُ عِكْرِمَةَ وطاوُسًا وعَطاءَ بْنَ أبِي رَباحٍ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ ﴿فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ﴾ فَقالُوا: البَيْتُ تَهْوِي إلَيْهِ قُلُوبُهم يَأْتُونَهُ، وفي لَفْظٍ قالُوا: هَواهم إلى مَكَّةَ أنْ يَحُجُّوا. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: تَهْوِي إلَيْهِمْ قالَ: تَنْزِعُ إلَيْهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ الطّائِفِيِّ أنَّ إبْراهِيمَ لَمّا دَعا لِلْحَرَمِ ﴿وارْزُقْ أهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ﴾ نَقَلَ اللَّهُ الطّائِفَ مِن فِلَسْطِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: إنَّ اللَّهَ نَقَلَ قَرْيَةً مِن قُرى الشّامِ فَوَضَعَها بِالطّائِفِ لِدَعْوَةِ إبْراهِيمَ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالُوا: لَوْ كانَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ فاجْعَلْ أفْئِدَةَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ لَحَجَّ اليَهُودُ والنَّصارى والنّاسُ كُلُّهم، ولَكِنَّهُ قالَ ﴿أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ﴾ فَخَصَّ بِهِ المُؤْمِنِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ما نُخْفِي وما نُعْلِنُ﴾ قالَ: مِنَ الحُزْنِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا إنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي﴾ قالَ: مِن حُبِّ إسْماعِيلَ وأُمِّهِ وما نُعْلِنُ قالَ: ما نُظْهِرُ لِسارَةَ مِنَ الجَفاءِ لَهُما. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وهَبَ لِي عَلى الكِبَرِ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ قالَ: هَذا بَعْدَ ذَلِكَ بِحِينٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: بُشِّرَ إبْراهِيمُ بَعْدَ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً ومِائَةِ سَنَةٍ.

إبراهيم 14:41

. قَوْلُهُ: وإذْ قالَ إبْراهِيمُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ: أيِ اذْكُرْ وقْتَ قَوْلِهِ، ولَعَلَّ المُرادَ بِسِياقِ ما قالَهُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ في هَذا المَوْضِعِ - بَيانُ كُفْرِ قُرَيْشٍ بِالنِّعَمِ الخاصَّةِ بِهِمْ، وهي إسْكانُهم مَكَّةَ بَعْدَ ما بَيَّنَ كُفْرَهم بِالنِّعَمِ العامَّةِ، وقِيلَ: إنَّ ذِكْرَ قِصَّةِ إبْراهِيمَ هاهُنا لِمِثالِ الكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ، وقِيلَ: لِقَصْدِ الدُّعاءِ إلى التَّوْحِيدِ، وإنْكارِ عِبادَةِ الأصْنامِ ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا﴾ المُرادُ بِالبَلَدِ هُنا مَكَّةُ: دَعا إبْراهِيمُ رَبَّهُ أنْ يَجْعَلَهُ آمِنًا: (p-٧٥٠)أيْ ذا أمْنٍ، وقَدَّمَ طَلَبَ الأمْنِ عَلى سائِرِ المَطالِبِ المَذْكُورَةِ بَعْدَهُ، لِأنَّهُ إذا انْتَفى الأمْنُ لَمْ يَفْرَغِ الإنْسانُ لِشَيْءٍ آخَرَ مِن أُمُورِ الدِّينِ والدُّنْيا، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ في البَقَرَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذا بَلَدًا آمِنًا﴾ [البقرة: ١٢٦] والفَرْقُ بَيْنَ ما هُنا وما هُنالِكَ أنَّ المَطْلُوبَ هُنا مُجَرَّدُ الأمْنِ لِلْبَلَدِ، والمَطْلُوبَ هُنالِكَ البَلَدِيَّةُ والأمْنُ ﴿واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾، يُقالُ جَنَّبْتُهُ كَذا وأجْنَبْتُهُ وجَنَّبْتُهُ، أيْ: باعَدْتُهُ عَنْهُ، والمَعْنى: باعِدْنِي، وباعِدْ بَنِيَّ عَنْ عِبادَةِ الأصْنامِ، قِيلَ: أرادَ بَنِيهِ مِن صُلْبِهُ وكانُوا ثَمانِيَةً، وقِيلَ: أرادَ مَن كانَ مَوْجُودًا حالَ دَعْوَتِهِ مِن بَنِيهِ وبَنِي بَنِيهِ، وقِيلَ: أرادَ جَمِيعَ ذُرِّيَّتِهِ ما تَناسَلُوا، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما قِيلَ مِن أنَّهُ لَمْ يَعْبُدْ أحَدٌ مِن أوْلادِ إبْراهِيمَ صَنَمًا، والصَّنَمُ هو التِّمْثالُ الَّذِي كانَتْ تَصْنَعُهُ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ مِنَ الأحْجارِ ونَحْوِها فَيَعْبُدُونَهُ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ وعِيسى بْنُ عُمَرَ " وأجْنِبْنِي " بِقَطْعِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّ أصْلَهُ أجْنَبَ. ﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ أسْنَدَ الإضْلالَ إلى الأصْنامِ مَعَ كَوْنِها جَماداتٍ لا تَعْقِلُ، لِأنَّها سَبَبٌ لِضَلالِهِمْ فَكَأنَّها أضَلَّتْهم، وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِدُعائِهِ لِرَبِّهِ، ثُمَّ قالَ: فَمَن تَبِعَنِي أيْ مَن تَبِعَ دِينِي مِنَ النّاسِ فَصارَ مُسْلِمًا مُوَحِّدًا فَإنَّهُ مِنِّي أيْ مِن أهْلِ دِينِي: جَعَلَ أهْلَ مِلَّتِهِ كَنَفْسِهِ مُبالَغَةً ومَن عَصانِي فَلَمْ يُتابِعْنِي ويَدْخُلْ في مِلَّتِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ قادِرٌ عَلى أنْ تَغْفِرَ لَهُ، قِيلَ: قالَ هَذا قَبْلَ أنْ يَعْلَمَ أنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ كَما وقَعَ مِنهُ الِاسْتِغْفارُ لِأبِيهِ وهو مُشْرِكٌ، كَذا قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ، وقِيلَ: المُرادُ عِصْيانُهُ هُنا فِيما دُونَ الشِّرْكِ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ المَغْفِرَةَ مُقَيَّدَةٌ بِالتَّوْبَةِ مِنَ الشِّرْكِ. ثُمَّ قالَ ﴿رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي﴾ قالَ الفَرّاءُ: " مِن " لِلتَّبْعِيضِ، أيْ: بَعْضِ ذُرِّيَّتِي. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّها زائِدَةٌ، أيْ: أسْكَنْتُ ذُرِّيَّتِي، والأوَّلُ أوْلى، لِأنَّهُ إنَّما أسْكَنَ إسْماعِيلَ وهو بَعْضُ ولَدِهِ ﴿بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ أيْ لا زَرْعَ فِيهِ، وهو وادِي مَكَّةَ ﴿عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ﴾ أيِ الَّذِي يَحْرُمُ فِيهِ ما يُسْتَباحُ في غَيْرِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ مُحَرَّمٌ عَلى الجَبابِرَةِ، وقِيلَ: مُحَرَّمٌ مِن أنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَتُهُ، أوْ يُسْتَخَفَّ بِهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ المائِدَةِ ما يُغْنِي عَنِ الإعادَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ اللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ أسْكَنْتُ، أيْ: أسْكَنْتُهم لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فِيهِ، مُتَوَجِّهِينَ إلَيْهِ، مُتَبَرِّكِينَ بِهِ، وخَصَّها دُونَ سائِرِ العِباداتِ لِمَزِيدِ فَضْلِها، ولَعَلَّ تَكْرِيرَ النِّداءِ لِإظْهارِ العِنايَةِ الكامِلَةِ بِهَذِهِ العِبادَةِ فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ الأفْئِدَةُ جَمْعُ فُؤادٍ، وهو القَلْبُ، عُبِّرَ بِهِ عَنْ جَمِيعِ البَدَنِ، لِأنَّهُ أشْرَفُ عُضْوٍ فِيهِ. وقِيلَ: هو جَمْعُ وفْدٍ، والأصْلُ أوْفِدَةٌ، فَقُدِّمَتِ الفاءُ، وقْلِبَتِ الواوُ ياءً، فَكَأنَّهُ قالَ: وجَعَلَ وُفُودًا مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ، و( مِن ) في مِنَ النّاسِ لِلتَّبْعِيضِ، وقِيلَ: زائِدَةٌ ولا يَلْزَمُ مِنهُ أنْ يَحُجَّ اليَهُودُ والنَّصارى بِدُخُولِهِمْ تَحْتَ لَفْظِ النّاسِ، لِأنَّ المَطْلُوبَ تَوْجِيهُ قُلُوبِ النّاسِ إلَيْهِمْ لِلسُّكُونِ مَعَهم والجَلْبِ إلَيْهِمْ لا تَوْجِيهُها إلى الحَجِّ، ولَوْ كانَ هَذا مَرادًا لَقالَ تَهْوِي إلَيْهِ، وقِيلَ: ( مِن ) لِلِابْتِداءِ كَقَوْلِكَ: القَلْبُ مِنِّي سَقِيمٌ، يُرِيدُ قَلْبِي، ومَعْنى تَهْوِي إلَيْهِمْ: تَنْزِعُ إلَيْهِمْ، يُقالُ هَوى نَحْوَهُ: إذا مالَ، وهَوَتِ النّاقَةُ تَهْوِي هَوْيًا فَهي هاوِيَةٌ: إذا عَدَتْ عَدْوًا شَدِيدًا كَأنَّها تَهْوِي في بِئْرٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: تَجِيءُ إلَيْهِمْ أوْ تُسْرِعُ إلَيْهِمْ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ. ﴿وارْزُقْهم مِنَ الثَّمَراتِ﴾: أيِ ارْزُقْ ذُرِّيَّتِي الَّذِينَ أسْكَنْتَهم هُنالِكَ أوْ هم ومَن يُساكِنُهم مِنَ النّاسِ مِن أنْواعِ الثَّمَراتِ الَّتِي تَنْبُتُ فِيهِ، أوْ تُجْلَبُ إلَيْهِ لَعَلَّهم يَشْكُرُونَ نِعَمَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ بِها عَلَيْهِمْ. ﴿رَبَّنا إنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وما نُعْلِنُ﴾ أيْ: ما نَكْتُمُهُ وما نُظْهِرُهُ، لِأنَّ الظّاهِرَ والمُضْمَرَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ سِيّانِ. قِيلَ: والمُرادُ هُنا بِـ " ما نُخْفِي " ما يُقابِلُ " ما نُعْلِنُ "، فالمَعْنى ما نُظْهِرُهُ وما لا نُظْهِرُهُ، وقَدَّمَ " ما نُخْفِي " عَلى " ما نُعْلِنُ " لِلدِّلالَةِ عَلى أنَّهُما مُسْتَوِيانِ في عِلْمِ اللَّهِ سُبْحانَهُ. وظاهِرُ النَّظْمِ القُرْآنِيِّ عُمُومُ كُلِّ ما لا يَظْهَرُ وما يَظْهَرُ مِن غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ مِن ذَلِكَ، وقِيلَ: المُرادُ ما يُخْفِيهِ إبْراهِيمُ مِن وجْدِهِ بِإسْماعِيلَ وأُمِّهِ حَيْثُ أسْكَنَهُما بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ، وما يُعْلِنُهُ مِن ذَلِكَ، وقِيلَ: ما يُخْفِيهِ إبْراهِيمُ مِنَ الوَجْدِ ويُعْلِنُهُ مِنَ البُكاءِ والدُّعاءِ، والمَجِيءُ بِضَمِيرِ الجَماعَةِ يُشْعِرُ بِأنَّ إبْراهِيمَ لَمْ يُرِدْ نَفْسَهُ فَقَطْ، بَلْ أرادَ جَمِيعَ العِبادِ، فَكَأنَّ المَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَعْلَمُ بِكُلِّ ما يُظْهِرُهُ العِبادُ وبِكُلِّ ما لا يُظْهِرُونَهُ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وما يَخْفى عَلى اللَّهِ مِن شَيْءٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ فَقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: هو مِن كَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ تَصْدِيقًا لِما قالَهُ إبْراهِيمُ مِن أنَّهُ سُبْحانَهُ يَعْلَمُ بِما يُخْفِيهِ العِبادُ وما يُعْلِنُونَهُ، فَقالَ سُبْحانَهُ: وما يَخْفى عَلى اللَّهِ شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ المَوْجُودَةِ كائِنًا ما كانَ، وإنَّما ذَكَرَ السَّماواتِ والأرْضَ لِأنَّها المُشاهَدَةُ لِلْعِبادِ، وإلّا فَعِلْمُهُ سُبْحانَهُ مُحِيطٌ بِكُلِّ ما هو داخِلٌ في العالَمِ، وكُلِّ ما هو خارِجٌ عَنْهُ لا تَخْفى عَلَيْهِ مِنهُ خافِيَةٌ. قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا مِن قَوْلِ إبْراهِيمَ تَحْقِيقًا لِقَوْلِهِ الأوَّلِ، وتَعْمِيمًا بَعْدَ التَّخْصِيصِ. ثُمَّ حَمِدَ اللَّهَ سُبْحانَهُ عَلى بَعْضِ نِعَمِهِ الواصِلَةِ إلَيْهِ فَقالَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وهَبَ لِي عَلى الكِبَرِ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ أيْ وهَبَ لِي عَلى كِبَرِ سِنِّي وسِنِّ امْرَأتِي، قِيلَ: وُلِدَ لَهُ إسْماعِيلُ وهو ابْنُ تِسْعٍ وتِسْعِينَ سَنَةً، ووُلِدَ لَهُ إسْحاقُ وهو ابْنُ مِائَةٍ واثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وقِيلَ: و( عَلى ) هُنا بِمَعْنى مَعَ، أيْ: وهَبَ لِي مَعَ كِبَرِي ويَأْسِي عَنِ الوَلَدِ ﴿إنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ أيْ لَمُجِيبُ الدُّعاءِ، مِن قَوْلِهِمْ: سَمِعَ كَلامَهُ إذا أجابَهُ واعْتَدَّ بِهِ وعَمِلَ بِمُقْتَضاهُ، وهو مِن إضافَةِ الصِّفَةِ المُتَضَمِّنَةِ لِلْمُبالَغَةِ إلى المَفْعُولِ، والمَعْنى: إنَّكَ لَكَثِيرُ إجابَةِ الدُّعاءِ لِمَن يَدْعُوكَ. ثُمَّ سَألَ اللَّهَ سُبْحانَهُ بِأنْ يَجْعَلَهُ مُقِيمَ الصَّلاةِ مُحافِظًا عَلَيْها غَيْرَ مُهْمِلٍ لِشَيْءٍ مِنها، ثُمَّ قالَ: ومِن ذُرِّيَّتِي أيْ بَعْضَ ذُرِّيَّتِي: أيِ اجْعَلْنِي واجْعَلْ بَعْضَ ذُرِّيَّتِي مُقِيمِينَ لِلصَّلاةِ، وإنَّما خَصَّ البَعْضَ مِن ذُرِّيَّتِهِ، لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّ مِنهم مِن لا يُقِيمُها كَما يَنْبَغِي. قالَ الزَّجّاجُ: أيِ اجْعَلْ مِن ذُرِّيَّتِي مَن يُقِيمُ الصَّلاةَ، ثُمَّ سَألَ اللَّهَ سُبْحانَهُ أنَّ يَتَقَبَّلَ دُعاءَهُ عَلى العُمُومِ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ دُعاؤُهُ في هَذا المَقامِ دُخُولًا أوَّلِيًّا. قِيلَ: والمُرادُ بِالدُّعاءِ هُنا العِبادَةُ، فَيَكُونُ المَعْنى: وتَقَبَّلْ عِبادَتِي (p-٧٥١)الَّتِي أعْبُدُكَ بِها. ثُمَّ طَلَبَ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ أنْ يَغْفِرَ لَهُ ما وقَعَ مِنهُ مِمّا يَسْتَحِقُّ أنْ يَغْفِرَهُ اللَّهُ وإنْ لَمْ يَكُنْ كَبِيرًا؛ لِما هو مَعْلُومٌ مِن عِصْمَةِ الأنْبِياءِ عَنِ الكَبائِرِ. ثُمَّ طَلَبَ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ أنْ يَغْفِرَ لِوالِدَيْهِ. وقَدْ قِيلَ إنَّهُ دَعا لَهُما بِالمَغْفِرَةِ قَبْلَ أنْ يَعْلَمَ أنَّهُما عَدُوّانِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ إلّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ﴾ [التوبة: ١١٤] . وقِيلَ: كانَتْ أُمُّهُ مَسْلِمَةً، وقِيلَ: أرادَ بِوالِدَيْهِ آدَمَ وحَوّاءَ. وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ " ولِوالِدِي " بِالتَّوْحِيدِ عَلى إرادَةِ الأبِ وحْدَهُ. وقَرَأ إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ " ولِوَلَدِي " يَعْنِي إسْماعِيلَ وإسْحاقَ، وكَذا قَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ، ثُمَّ اسْتَغْفَرَ لِلْمُؤْمِنِينَ. وظاهِرُهُ شُمُولُ كُلِّ مُؤْمِنٍ، سَواءٌ كانَ مِن ذُرِّيَّتِهِ أوْ لَمْ يَكُنْ مِنهم، وقِيلَ: أرادَ المُؤْمِنِينَ مِن ذُرِّيَّتِهِ فَقَطْ يَوْمَ يَقُومُ الحِسابُ أيْ يَوْمَ يَثْبُتُ حِسابُ المُكَلَّفِينَ في المَحْشَرِ، اسْتُعِيرَ لَهُ لَفْظُ " يَقُومُ " الَّذِي هو حَقِيقَتُهُ في قِيامِ الرَّجُلِ لِلدِّلالَةِ عَلى أنَّهُ في غايَةِ الِاسْتِقامَةِ، وقِيلَ: إنَّ المَعْنى يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِلْحِسابِ، والأوَّلُ أوْلى. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: وإذْ قالَ إبْراهِيمُ الآيَةَ، قالَ: فاسْتَجابَ اللَّهُ لِإبْراهِيمَ دَعْوَتَهُ في ولَدِهِ فَلَمْ يَعْبُدْ أحَدٌ مِن ولَدِهِ صَنَمًا بَعْدَ دَعْوَتِهِ، واسْتَجابَ اللَّهُ لَهُ، وجَعَلَ هَذا البَلَدَ آمِنًا، ورَزَقَ أهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ، وجَعَلَهُ إمامًا، وجَعَلَ مِن ذُرِّيَّتِهِ مَن يُقِيمُ الصَّلاةَ، وتَقَبَّلَ دُعاءَهُ فَأراهُ مَناسِكَهُ وتابَ عَلَيْهِ. وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنْ عَقِيلِ بْنِ أبِي طالِبٍ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لَمّا أتاهُ السِّتَّةُ النَّفَرِ مِنَ الأنْصارِ جَلَسَ إلَيْهِمْ عِنْدَ جَمْرَةِ العَقَبَةِ، فَدَعاهم إلى اللَّهِ وإلى عِبادَتِهِ والمُؤازَرَةِ عَلى دِينِهِ، فَسَألُوهُ أنْ يَعْرِضَ عَلَيْهِمْ ما أُوحِيَ إلَيْهِ، فَقَرَأ مِن سُورَةِ إبْراهِيمَ ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ إلى آخِرِ السُّورَةِ، فَرَقَّ القَوْمُ وأخْبَتُوا حِينَ سَمِعُوا مِنهُ ما سَمِعُوا وأجابُوهُ» . وأخْرَجَ الواقِدِيُّ وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ عامِرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أبِيهِ قالَ: كانَتْ سارَةُ تَحْتَ إبْراهِيمَ، فَمَكَثَتْ تَحْتَهُ دَهْرًا لا تُرْزَقُ مِنهُ ولَدًا، فَلَمّا رَأتْ ذَلِكَ وهَبَتْ لَهُ هاجَرَ أمَةً لَها قِبْطِيَّةً، فَوَلَدَتْ لَهُ إسْماعِيلَ، فَغارَتْ مِن ذَلِكَ سارَةُ ووَجَدَتْ في نَفْسِها وعَتَبَتْ عَلى هاجَرَ، فَحَلَفَتْ أنْ تَقْطَعَ مِنها ثَلاثَةَ أطْرافٍ، فَقالَ لَها إبْراهِيمُ: هَلْ لَكِ أنْ تُبِرِّي يَمِينَكِ ؟ قالَتْ: كَيْفَ أصْنَعُ ؟ قالَ: اثْقُبِي أُذُنَيْها واخْفِضِيها، والخَفْضُ: هو الخِتانُ، فَفَعَلَتْ ذَلِكَ بِها فَوَضَعَتْ هاجَرُ في أُذُنَيْها قُرْطَيْنِ فازْدادَتْ بِهِما حُسْنًا. فَقالَتْ سارَةُ: أرانِي أنَّما زِدْتُها جَمالًا فَلَمْ تُقارَّهُ عَلى كَوْنِهِ مَعَها ووَجِدَ بِها إبْراهِيمُ وجْدًا شَدِيدًا، فَنَقَلَها إلى مَكَّةَ فَكانَ يَزُورُها في كُلِّ يَوْمٍ مِنَ الشّامَ عَلى البُراقِ مِن شَغَفِهِ بِها وقِلَّةِ صَبْرِهِ عَنْها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي﴾ قالَ: أسْكَنَ إسْماعِيلَ وأُمَّهُ مَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: إنَّ إبْراهِيمَ حِينَ قالَ ﴿فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ﴾ لَوْ قالَ أفْئِدَةَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ لازْدَحَمَتْ عَلَيْهِ فارِسُ والرُّومُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَكَمِ قالَ: سَألْتُ عِكْرِمَةَ وطاوُسًا وعَطاءَ بْنَ أبِي رَباحٍ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ ﴿فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ﴾ فَقالُوا: البَيْتُ تَهْوِي إلَيْهِ قُلُوبُهم يَأْتُونَهُ، وفي لَفْظٍ قالُوا: هَواهم إلى مَكَّةَ أنْ يَحُجُّوا. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: تَهْوِي إلَيْهِمْ قالَ: تَنْزِعُ إلَيْهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ الطّائِفِيِّ أنَّ إبْراهِيمَ لَمّا دَعا لِلْحَرَمِ ﴿وارْزُقْ أهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ﴾ نَقَلَ اللَّهُ الطّائِفَ مِن فِلَسْطِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: إنَّ اللَّهَ نَقَلَ قَرْيَةً مِن قُرى الشّامِ فَوَضَعَها بِالطّائِفِ لِدَعْوَةِ إبْراهِيمَ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالُوا: لَوْ كانَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ فاجْعَلْ أفْئِدَةَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ لَحَجَّ اليَهُودُ والنَّصارى والنّاسُ كُلُّهم، ولَكِنَّهُ قالَ ﴿أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ﴾ فَخَصَّ بِهِ المُؤْمِنِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ما نُخْفِي وما نُعْلِنُ﴾ قالَ: مِنَ الحُزْنِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا إنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي﴾ قالَ: مِن حُبِّ إسْماعِيلَ وأُمِّهِ وما نُعْلِنُ قالَ: ما نُظْهِرُ لِسارَةَ مِنَ الجَفاءِ لَهُما. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وهَبَ لِي عَلى الكِبَرِ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ قالَ: هَذا بَعْدَ ذَلِكَ بِحِينٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: بُشِّرَ إبْراهِيمُ بَعْدَ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً ومِائَةِ سَنَةٍ.

إبراهيم 14:42

. قَوْلُهُ: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ﴾ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وهو تَعْرِيضٌ لِأُمَّتِهِ، فَكَأنَّهُ قالَ: ولا تَحْسَبُ أُمَّتُكَ يا مُحَمَّدُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ مِنَ المُكَلَّفِينَ، وإنْ كانَ الخِطابُ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِن غَيْرِ تَعْرِيضٍ لِأُمَّتِهِ، فَمَعْناهُ التَّثْبِيتُ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ مِن عَدَمِ الحُسْبانِ كَقَوْلِهِ: ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ونَحْوِهِ، وقِيلَ: المُرادُ: ولا تَحْسَبَنَّهُ يُعامِلُهم مُعامَلَةَ الغافِلِ عَمّا يَعْمَلُونَ، ولَكِنْ مُعامَلَةَ الرَّقِيبِ عَلَيْهِمْ، أوْ يَكُونُ المُرادُ بِالنَّهْيِ عَنِ الحُسْبانِ الإيذانَ بِأنَّهُ عالِمٌ بِذَلِكَ لا تَخْفى عَلَيْهِ مِنهُ خافِيَةٌ. وفِي هَذا تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وإعْلامٌ لِلْمُشْرِكِينَ بِأنَّ تَأْخِيرَ العَذابِ عَنْهم لَيْسَ لِلرِّضا بِأفْعالِهِمْ، بَلْ سُنَّةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ في إمْهالِ العُصاةِ (p-٧٥٢)﴿إنَّما يُؤَخِّرُهم لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ﴾ أيْ يُؤَخِّرُ جَزاءَهم ولا يُؤاخِذُهم بِظُلْمِهِمْ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ السّابِقِ. وقَرَأ الحَسَنُ والسُّلَمِيُّ وهو رِوايَةٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو بِالنُّونِ في نُؤَخِّرُهم. وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ. واخْتارَها أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ لِقَوْلِهِ ﴿ولا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ﴾ ومَعْنى ﴿لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ﴾ أيْ تُرْفَعُ فِيهِ أبْصارُ أهْلِ المَوْقِفِ، ولا تُغْمِضُ مِن هَوْلِ ما تَراهُ في ذَلِكَ اليَوْمِ، هَكَذا قالَ الفَرّاءُ. يُقالُ: شَخَصَ الرَّجُلُ بَصَرَهُ وشَخَصَ البَصَرُ نَفْسُهُ إلى السَّماءِ مِن هَوْلِ ما يَرى، والمُرادُ أنَّ الأبْصارَ بَقِيَتْ مَفْتُوحَةً لا تَتَحَرَّكُ مِن شِدَّةِ الحَيْرَةِ والدَّهْشَةِ. ﴿مُهْطِعِينَ﴾ أيْ مُسْرِعِينَ، مِن أهْطَعَ يَهْطَعُ إهْطاعًا: إذا أسْرَعَ، وقِيلَ: المُهْطِعُ: الَّذِي يَنْظُرُ في ذُلٍّ وخُشُوعٍ. ومِنهُ: ؎بِدَجْلَةَ دارُهم ولَقَدْ أراهم بِدَجْلَةَ مُهْطِعِينَ إلى السَّماءِ وقِيلَ: المُهْطِعُ: الَّذِي يُدِيمُ النَّظَرَ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: قَدْ يَكُونُ الوَجْهانِ جَمِيعًا، يَعْنِي الإسْراعَ مَعَ إدامَةِ النَّظَرِ، وقِيلَ: المُهْطِعُ الَّذِي لا يَرْفَعُ رَأْسَهُ. وقالَ ثَعْلَبٌ: المُهْطِعُ الَّذِي يَنْظُرُ في ذُلٍّ وخُضُوعٍ، وقِيلَ: هو السّاكِتُ. قالَ النَّحّاسُ: والمَعْرُوفُ في اللُّغَةِ أهْطَعَ: إذا أسْرَعَ ﴿مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ أيْ رافِعِي رُءُوسِهِمْ، وإقْناعُ الرَّأْسِ: رَفْعُهُ، وأقْنَعَ صَوْتَهُ: إذا رَفَعَهُ، والمَعْنى: أنَّهم يَوْمَئِذٍ رافِعُونَ رُءُوسَهم إلى السَّماءِ يَنْظُرُونَ إلَيْها نَظَرَ فَزَعٍ وذُلٍّ ولا يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ. وقِيلَ: إنَّ إقْناعَ الرَّأْسِ نَكْسُهُ، وقِيلَ: يُقالُ أقْنَعَ: إذا رَفَعَ رَأْسَهُ، وأقْنَعَ: إذا طَأْطَأ ذِلَّةً وخُضُوعًا، والآيَةُ مُحْتَمِلَةٌ لِلْوَجْهَيْنِ. قالَ المِبْرَدُ: والقَوْلُ الأوَّلُ أعْرَفُ في اللُّغَةِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎أنَغْضَ نَحْوِي رَأْسَهُ وأقْنَعا ∗∗∗ كَأنَّما أبْصَرَ شَيْئًا أطْمَعا ﴿لا يَرْتَدُّ إلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ أيْ لا تَرْجِعُ إلَيْهِمْ أبْصارُهم، وأصْلُ الطَّرْفِ: تَحْرِيكُ الأجْفانِ، وسُمِّيَتِ العَيْنُ طَرْفًا لِأنَّهُ يَكُونُ بِها، ومِن إطْلاقِ الطَّرْفِ عَلى العَيْنِ قَوْلُ عَنْتَرَةَ: ؎وأغُضُّ طَرْفِي إنْ بَدَتْ لِي جارَتِي ∗∗∗ حَتّى يُوارِيَ جارَتِي مَأْواها ﴿وأفْئِدَتُهم هَواءٌ﴾ الهَواءُ في اللُّغَةِ: المُجَوَّفُ الخالِي الَّذِي لَمْ تَشْغَلْهُ الأجْرامُ، والمَعْنى: أنَّ قُلُوبَهم خالِيَةٌ عَنِ العَقْلِ والفَهْمِ لِما شاهَدُوا مِنَ الفَزَعِ والحَيْرَةِ والدَّهَشِ، وجَعْلُها نَفْسَ الهَوى مُبالَغَةٌ، ومِنهُ قِيلَ لِلْأحْمَقِ والجَبانِ: قَلْبُهُ هَواءٌ، أيْ: لا رَأْيَ فِيهِ ولا قُوَّةَ، وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ أنَّها خَرَجَتْ قُلُوبُهم عَنْ مَواضِعِها فَصارَتْ في الحَناجِرِ. وقِيلَ: المَعْنى: إنَّ أفْئِدَةَ الكُفّارِ في الدُّنْيا خالِيَةٌ عَنِ الخَيْرِ، وقِيلَ: المَعْنى: وأفْئِدَتُهم ذاتُ هَواءٍ. ومِمّا يُقارِبُ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغًا﴾ [القصص: ١٠]، أيْ خالِيًا مِن كُلِّ شَيْءٍ إلّا مِن هَمِّ مُوسى. ﴿وأنْذِرِ النّاسَ﴾ هَذا رُجُوعٌ إلى خِطابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِأنْ يُنْذِرَ النّاسَ، والمُرادُ النّاسُ عَلى العُمُومِ، وقِيلَ: المُرادُ كُفّارُ مَكَّةَ، وقِيلَ: الكُفّارُ عَلى العُمُومِ. والأوَّلُ أوْلى لِأنَّ الإنْذارَ كَما يَكُونُ لِلْكافِرِ يَكُونُ أيْضًا لِلْمُسْلِمِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ [يس: ١١]، ومَعْنى ﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العَذابُ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ، أيْ: خَوِّفْهم هَذا اليَوْمَ، وهو يَوْمُ إتْيانِ العَذابِ، وإنَّما اقْتُصِرَ عَلى ذِكْرِ إتْيانِ العَذابِ فِيهِ مَعَ كَوْنِهِ يَوْمَ إتْيانِ الثَّوابِ، لِأنَّ المَقامَ مَقامُ تَهْدِيدٍ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ يَوْمُ مَوْتِهِمْ، فَإنَّهُ أوَّلُ أوْقاتِ إتْيانِ العَذابِ، وقِيلَ: المُرادُ يَوْمُ هَلاكِهِمْ بِالعَذابِ العاجِلِ، وانْتِصابُ يَوْمَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِ أنْذِرْ ﴿فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أخِّرْنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ﴾ المُرادُ بِالَّذِينَ ظَلَمُوا هاهُنا هُمُ النّاسُ، أيْ: فَيَقُولُونَ، والعُدُولُ إلى الإظْهارِ مَكانَ الإضْمارِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ الظُّلْمَ هو العِلَّةُ فِيما نَزَلَ بِهِمْ، هَذا إذا كانَ المُرادُ بِالنّاسِ هُمُ الكُفّارَ. وعَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ المُرادِ بِهِمْ مَن يَعُمُّ المُسْلِمِينَ، فالمَعْنى: فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم وهُمُ الكُفّارُ ﴿رَبَّنا أخِّرْنا﴾ أمْهِلْنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ إلى أمَدٍ مِنَ الزَّمانِ مَعْلُومٍ غَيْرِ بَعِيدٍ ﴿نُجِبْ دَعْوَتَكَ﴾ أيْ دَعْوَتَكَ لِعِبادِكَ عَلى ألْسُنِ أنْبِيائِكَ إلى تَوْحِيدِكَ ﴿ونَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾ المُرْسَلِينَ مِنكَ إلَيْنا فَنَعْمَلْ بِما بَلَّغُوهُ إلَيْنا مِن شَرائِعِكَ، ونَتَدارَكْ ما فَرَطَ مِنّا مِنَ الإهْمالِ، وإنَّما جُمِعَ الرُّسُلُ، لِأنَّ دَعْوَتَهم إلى التَّوْحِيدِ مُتَّفِقَةٌ، فاتِّباعُ واحِدٍ مِنهُمُ اتِّباعٌ لِجَمِيعِهِمْ، وهَذا مِنهم سُؤالٌ لِلرُّجُوعِ إلى الدُّنْيا لَمّا ظَهَرَ لَهُمُ الحَقُّ في الآخِرَةِ ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨]، ثُمَّ حَكى سُبْحانَهُ ما يُجابُ بِهِ عَنْهم عِنْدَ أنْ يَقُولُوا هَذِهِ المَقالَةَ. فَقالَ: ﴿أوَلَمْ تَكُونُوا أقْسَمْتُمْ مِن قَبْلُ ما لَكم مِن زَوالٍ﴾ أيْ فَيُقالُ لَهم هَذا القَوْلُ تَوْبِيخًا وتَقْرِيعًا، أيْ: أوَلَمْ تَكُونُوا أقْسَمْتُمْ مِن قَبْلِ هَذا اليَوْمِ ما لَكَمَ مِن زَوالٍ مِن دارِ الدُّنْيا، وقِيلَ: إنَّهُ لا قَسَمَ مِنهم حَقِيقَةً، وإنَّما كانَ لِسانُ حالِهِمْ ذَلِكَ لِاسْتِغْراقِهِمْ في الشَّهَواتِ وإخْلادِهِمْ إلى الحَياةِ الدُّنْيا، وقِيلَ: قَسَمُهم هَذا هو ما حَكاهُ اللَّهُ عَنْهم في قَوْلِهِ: ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ﴾ [النحل: ٣٨] وجَوابُ القَسَمِ ﴿ما لَكم مِن زَوالٍ﴾ وإنَّما جاءَ بِلَفْظِ الخِطابِ في " ما لَكَمَ مِن زَوالٍ " لِمُراعاةِ " أقْسَمْتُمْ "، ولَوْلا ذَلِكَ لَقالَ: ما لَنا مِن زَوالٍ. ﴿وسَكَنْتُمْ في مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم﴾ أيِ اسْتَقْرَرْتُمْ، يُقالُ سَكَنَ الدّارَ وسَكَنَ فِيها، وهي بِلادُ ثَمُودَ ونَحْوِهِمْ مِنَ الكُفّارِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِالكُفْرِ بِاللَّهِ والعِصْيانِ لَهُ ﴿وتَبَيَّنَ لَكم كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ﴾ قَرَأ عَبْدُ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ " نُبَيِّنُ " بِالنُّونِ والفِعْلِ المُضارِعِ. وقَرَأ مَن عَداهُ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ والفِعْلِ الماضِي، أيْ: تَبَيَّنَ لَكم بِمُشاهَدَةِ الآثارِ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ مِنَ العُقُوبَةِ والعَذابِ الشَّدِيدِ بِما فَعَلُوهُ مِنَ الذُّنُوبِ، وفاعِلُ " تَبَيَّنَ " ما دَلَّتْ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ المَذْكُورَةُ بَعْدَهُ، أيْ: تَبَيَّنَ لَكم فِعْلُنا العَجِيبُ بِهِمْ ﴿وضَرَبْنا لَكُمُ الأمْثالَ﴾ في كُتُبِ اللَّهِ وعَلى ألْسُنِ رُسُلِهِ إيضاحًا لَكم وتَقْرِيرًا وتَكْمِيلًا لِلْحُجَّةِ عَلَيْكم. ﴿وقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ﴾ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أيْ: فَعَلْنا بِهِمْ ما فَعَلْنا، والحالُ أنَّهم قَدْ مَكَرُوا في رَدِّ الحَقِّ وإثْباتِ الباطِلِ مَكْرَهُمُ العَظِيمَ، الَّذِي اسْتَفْرَغُوا فِيهِ وُسْعَهم ﴿وعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ﴾ أيْ وعِنْدَ اللَّهِ جَزاءُ مَكْرِهِمْ، أوْ وعِنْدَ اللَّهِ مَكْتُوبٌ مَكْرُهم فَهو مُجازِيهِمْ، أوْ عِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمُ الَّذِي يَمْكُرُهم بِهِ؛ عَلى أنْ يَكُونَ المَكْرُ مُضافًا إلى المَفْعُولِ، قِيلَ: والمُرادُ بِهِمْ قَوْمُ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مَكَرُوا بِالنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ حِينَ هَمُّوا بِقَتْلِهِ أوْ نَفْيِهِ، وقِيلَ: المُرادُ ما (p-٧٥٣)وقَعَ مِنَ النُّمْرُوذِ حَيْثُ حاوَلَ الصُّعُودَ إلى السَّماءِ، فاتَّخَذَ لِنَفْسِهِ تابُوتًا ورَبَطَ قَوائِمَهُ بِأرْبَعَةِ نُسُورٍ ﴿وإنْ كانَ مَكْرُهم لِتَزُولَ مِنهُ الجِبالُ﴾ قَرَأ عُمَرُ وعَلِيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ وأُبَيٌّ: " وإنْ كادَ مَكْرُهم " بِالدّالِ المُهْمَلَةِ مَكانَ النُّونِ. وقَرَأ غَيْرُهم مِنَ القُرّاءِ وإنْ كانَ بِالنُّونِ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وابْنُ جُرَيْجٍ والكِسائِيُّ " لَتَزُولُ " بِفَتْحِ اللّامِ عَلى أنَّها لامُ الِابْتِداءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِها عَلى أنَّها لامُ الجُحُودِ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الِاخْتِيارُ هَذِهِ القِراءَةُ، يَعْنِي قِراءَةَ الجُمْهُورِ لِأنَّها لَوْ كانَتْ زالَتْ لَمْ تَكُنْ ثابِتَةً، فَعَلى قِراءَةِ الكِسائِيِّ ومَن مَعَهُ تَكُونُ إنْ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واللّامُ هي الفارِقَةَ، وزَوالُ الجِبالِ مَثَلٌ لِعِظَمِ مَكْرِهِمْ وشِدَّتِهِ، أيْ: وإنَّ الشَّأْنَ كانَ مَكْرُهم مُعَدًّا لِذَلِكَ. قالَ الزَّجّاجُ: وإنْ كانَ مَكْرُهم يَبْلُغُ في الكَيْدِ إلى إزالَةِ الجِبالِ، فَإنَّ اللَّهَ يَنْصُرُ دِينَهُ، وعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنْ تَكُونَ " إنْ " هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، والمَعْنى كَما مَرَّ. والثّانِي أنْ تَكُونَ نافِيَةً واللّامُ المَكْسُورَةُ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ كَقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] والمَعْنى: ومُحالٌّ أنْ تَزُولَ الجِبالُ بِمَكْرِهِمْ، عَلى أنَّ الجِبالَ مَثَلٌ لِآياتِ اللَّهِ وشَرائِعِهِ الثّابِتَةِ عَلى حالِها مَدى الدَّهْرِ، فالجُمْلَةُ عَلى هَذا حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في مَكَرُوا لا مِن قَوْلِهِ: ﴿وعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ﴾ أيْ والحالُ أنَّ مَكْرَهم لَمْ يَكُنْ لِتَزُولَ مِنهُ الجِبالُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والخَرائِطِيُّ في مَساوِي الأخْلاقِ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ﴾ قالَ: هي تَعْزِيَةٌ لِلْمَظْلُومِ ووَعِيدٌ لِلظّالِمِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ﴾ قالَ: شَخَصَتْ فِيهِ واللَّهِ أبْصارُهم فَلا تَرْتَدُّ إلَيْهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مُهْطِعِينَ﴾ قالَ: يَعْنِي بِالإهْطاعِ النَّظَرَ مِن غَيْرِ أنْ يَطْرِفَ ﴿مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ قالَ: الإقْناعُ رَفْعُ رُءُوسِهِمْ ﴿لا يَرْتَدُّ إلَيْهِمْ طَرْفُهم﴾ قالَ: شاخِصَةٌ أبْصارُهم ﴿وأفْئِدَتُهم هَواءٌ﴾ لَيْسَ فِيها شَيْءٌ مِنَ الخَيْرِ، فَهي كالخَرِبَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿مُهْطِعِينَ﴾ قالَ: مُدِيمِي النَّظَرِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ ﴿مُهْطِعِينَ﴾ قالَ: مُسْرِعِينَ. وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وأفْئِدَتُهم هَواءٌ﴾ قالَ: لَيْسَ فِيها شَيْءٌ، خَرَجَتْ مِن صُدُورِهِمْ فَنَشِبَتْ في حُلُوقِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُرَّةَ ﴿وأفْئِدَتُهم هَواءٌ﴾ قالَ: مُنْخَرِقَةٌ لا تَعِي شَيْئًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وأنْذِرِ النّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العَذابُ﴾ يَقُولُ: أنْذِرْهم في الدُّنْيا مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: ﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العَذابُ﴾ هو يَوْمُ القِيامَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ما لَكم مِن زَوالٍ﴾ قالَ: عَمّا أنْتُمْ فِيهِ إلى ما تَقُولُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ ﴿ما لَكم مِن زَوالٍ﴾ قالَ: بَعْثٍ بَعْدَ المَوْتِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿وسَكَنْتُمْ في مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم﴾ قالَ: عَمِلْتُمْ بِمِثْلِ أعْمالِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كانَ مَكْرُهُمْ﴾ يَقُولُ: ما كانَ مَكْرُهم ﴿لِتَزُولَ مِنهُ الجِبالُ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وإنْ كانَ مَكْرُهُمْ﴾ يَقُولُ شِرْكُهم كَقَوْلِهِ: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ [مريم: ٩٠] . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ أنَّهُ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ﴿وإنْ كانَ مَكْرُهم لِتَزُولَ مِنهُ الجِبالُ﴾ ثُمَّ فَسَّرَها فَقالَ: إنَّ جَبّارًا مِنَ الجَبابِرَةِ قالَ: لا أنْتَهِي حَتّى أنْظُرَ إلى ما في السَّماءِ، فَأمَرَ بِفِراخِ النُّسُورِ تُعْلَفُ اللَّحْمَ حَتّى شَبَّتْ وغَلُظَتْ، وأمَرَ بِتابُوتٍ فَنُجِرَ يَسَعُ رَجُلَيْنِ، ثُمَّ جَعَلَ في وسَطِهِ خَشَبَةً، ثُمَّ رَبَطَ أرْجُلَهُنَّ بِأوْتادٍ، ثُمَّ جَوَّعَهُنَّ، ثُمَّ جَعَلَ عَلى رَأْسِ الخَشَبَةِ لَحْمًا، ثُمَّ دَخَلَ هو وصاحِبُهُ في التّابُوتِ، ثُمَّ رَبَطَهُنَّ إلى قَوائِمِ التّابُوتِ، ثُمَّ خَلّى عَنْهُنَّ يُرِدْنَ اللَّحْمَ، فَذَهَبْنَ بِهِ ما شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ قالَ لِصاحِبِهِ افْتَحْ فانْظُرْ ماذا تَرى، فَفَتَحَ فَقالَ: انْظُرْ إلى الجِبالِ كَأنَّها الذُّبابُ، قالَ: أغْلِقْ فَأغْلَقَ، فَطِرْنَ بِهِ ما شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ قالَ: افْتَحْ فَفَتَحَ، فَقالَ: انْظُرْ ماذا تَرى، فَقالَ: ما أرى إلّا السَّماءَ وما أراها تَزْدادُ إلّا بُعْدًا، قالَ: صَوِّبِ الخَشَبَةَ فَصَوَّبَها فانْقَضَّتْ تُرِيدُ اللَّحْمَ، فَسَمِعَ الجِبالَ هَدَّتَها فَكادَتْ تَزُولُ عَنْ مَراتِبِها، وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذِهِ القِصَّةِ لِبُخْتُ نَصَّرَ ولِلنُّمْرُوذِ مِن طُرُقٍ، ذِكْرُها في الدُّرِّ المَنثُورِ.

إبراهيم 14:43

. قَوْلُهُ: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ﴾ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وهو تَعْرِيضٌ لِأُمَّتِهِ، فَكَأنَّهُ قالَ: ولا تَحْسَبُ أُمَّتُكَ يا مُحَمَّدُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ مِنَ المُكَلَّفِينَ، وإنْ كانَ الخِطابُ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِن غَيْرِ تَعْرِيضٍ لِأُمَّتِهِ، فَمَعْناهُ التَّثْبِيتُ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ مِن عَدَمِ الحُسْبانِ كَقَوْلِهِ: ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ونَحْوِهِ، وقِيلَ: المُرادُ: ولا تَحْسَبَنَّهُ يُعامِلُهم مُعامَلَةَ الغافِلِ عَمّا يَعْمَلُونَ، ولَكِنْ مُعامَلَةَ الرَّقِيبِ عَلَيْهِمْ، أوْ يَكُونُ المُرادُ بِالنَّهْيِ عَنِ الحُسْبانِ الإيذانَ بِأنَّهُ عالِمٌ بِذَلِكَ لا تَخْفى عَلَيْهِ مِنهُ خافِيَةٌ. وفِي هَذا تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وإعْلامٌ لِلْمُشْرِكِينَ بِأنَّ تَأْخِيرَ العَذابِ عَنْهم لَيْسَ لِلرِّضا بِأفْعالِهِمْ، بَلْ سُنَّةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ في إمْهالِ العُصاةِ (p-٧٥٢)﴿إنَّما يُؤَخِّرُهم لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ﴾ أيْ يُؤَخِّرُ جَزاءَهم ولا يُؤاخِذُهم بِظُلْمِهِمْ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ السّابِقِ. وقَرَأ الحَسَنُ والسُّلَمِيُّ وهو رِوايَةٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو بِالنُّونِ في نُؤَخِّرُهم. وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ. واخْتارَها أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ لِقَوْلِهِ ﴿ولا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ﴾ ومَعْنى ﴿لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ﴾ أيْ تُرْفَعُ فِيهِ أبْصارُ أهْلِ المَوْقِفِ، ولا تُغْمِضُ مِن هَوْلِ ما تَراهُ في ذَلِكَ اليَوْمِ، هَكَذا قالَ الفَرّاءُ. يُقالُ: شَخَصَ الرَّجُلُ بَصَرَهُ وشَخَصَ البَصَرُ نَفْسُهُ إلى السَّماءِ مِن هَوْلِ ما يَرى، والمُرادُ أنَّ الأبْصارَ بَقِيَتْ مَفْتُوحَةً لا تَتَحَرَّكُ مِن شِدَّةِ الحَيْرَةِ والدَّهْشَةِ. ﴿مُهْطِعِينَ﴾ أيْ مُسْرِعِينَ، مِن أهْطَعَ يَهْطَعُ إهْطاعًا: إذا أسْرَعَ، وقِيلَ: المُهْطِعُ: الَّذِي يَنْظُرُ في ذُلٍّ وخُشُوعٍ. ومِنهُ: ؎بِدَجْلَةَ دارُهم ولَقَدْ أراهم بِدَجْلَةَ مُهْطِعِينَ إلى السَّماءِ وقِيلَ: المُهْطِعُ: الَّذِي يُدِيمُ النَّظَرَ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: قَدْ يَكُونُ الوَجْهانِ جَمِيعًا، يَعْنِي الإسْراعَ مَعَ إدامَةِ النَّظَرِ، وقِيلَ: المُهْطِعُ الَّذِي لا يَرْفَعُ رَأْسَهُ. وقالَ ثَعْلَبٌ: المُهْطِعُ الَّذِي يَنْظُرُ في ذُلٍّ وخُضُوعٍ، وقِيلَ: هو السّاكِتُ. قالَ النَّحّاسُ: والمَعْرُوفُ في اللُّغَةِ أهْطَعَ: إذا أسْرَعَ ﴿مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ أيْ رافِعِي رُءُوسِهِمْ، وإقْناعُ الرَّأْسِ: رَفْعُهُ، وأقْنَعَ صَوْتَهُ: إذا رَفَعَهُ، والمَعْنى: أنَّهم يَوْمَئِذٍ رافِعُونَ رُءُوسَهم إلى السَّماءِ يَنْظُرُونَ إلَيْها نَظَرَ فَزَعٍ وذُلٍّ ولا يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ. وقِيلَ: إنَّ إقْناعَ الرَّأْسِ نَكْسُهُ، وقِيلَ: يُقالُ أقْنَعَ: إذا رَفَعَ رَأْسَهُ، وأقْنَعَ: إذا طَأْطَأ ذِلَّةً وخُضُوعًا، والآيَةُ مُحْتَمِلَةٌ لِلْوَجْهَيْنِ. قالَ المِبْرَدُ: والقَوْلُ الأوَّلُ أعْرَفُ في اللُّغَةِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎أنَغْضَ نَحْوِي رَأْسَهُ وأقْنَعا ∗∗∗ كَأنَّما أبْصَرَ شَيْئًا أطْمَعا ﴿لا يَرْتَدُّ إلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ أيْ لا تَرْجِعُ إلَيْهِمْ أبْصارُهم، وأصْلُ الطَّرْفِ: تَحْرِيكُ الأجْفانِ، وسُمِّيَتِ العَيْنُ طَرْفًا لِأنَّهُ يَكُونُ بِها، ومِن إطْلاقِ الطَّرْفِ عَلى العَيْنِ قَوْلُ عَنْتَرَةَ: ؎وأغُضُّ طَرْفِي إنْ بَدَتْ لِي جارَتِي ∗∗∗ حَتّى يُوارِيَ جارَتِي مَأْواها ﴿وأفْئِدَتُهم هَواءٌ﴾ الهَواءُ في اللُّغَةِ: المُجَوَّفُ الخالِي الَّذِي لَمْ تَشْغَلْهُ الأجْرامُ، والمَعْنى: أنَّ قُلُوبَهم خالِيَةٌ عَنِ العَقْلِ والفَهْمِ لِما شاهَدُوا مِنَ الفَزَعِ والحَيْرَةِ والدَّهَشِ، وجَعْلُها نَفْسَ الهَوى مُبالَغَةٌ، ومِنهُ قِيلَ لِلْأحْمَقِ والجَبانِ: قَلْبُهُ هَواءٌ، أيْ: لا رَأْيَ فِيهِ ولا قُوَّةَ، وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ أنَّها خَرَجَتْ قُلُوبُهم عَنْ مَواضِعِها فَصارَتْ في الحَناجِرِ. وقِيلَ: المَعْنى: إنَّ أفْئِدَةَ الكُفّارِ في الدُّنْيا خالِيَةٌ عَنِ الخَيْرِ، وقِيلَ: المَعْنى: وأفْئِدَتُهم ذاتُ هَواءٍ. ومِمّا يُقارِبُ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغًا﴾ [القصص: ١٠]، أيْ خالِيًا مِن كُلِّ شَيْءٍ إلّا مِن هَمِّ مُوسى. ﴿وأنْذِرِ النّاسَ﴾ هَذا رُجُوعٌ إلى خِطابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِأنْ يُنْذِرَ النّاسَ، والمُرادُ النّاسُ عَلى العُمُومِ، وقِيلَ: المُرادُ كُفّارُ مَكَّةَ، وقِيلَ: الكُفّارُ عَلى العُمُومِ. والأوَّلُ أوْلى لِأنَّ الإنْذارَ كَما يَكُونُ لِلْكافِرِ يَكُونُ أيْضًا لِلْمُسْلِمِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ [يس: ١١]، ومَعْنى ﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العَذابُ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ، أيْ: خَوِّفْهم هَذا اليَوْمَ، وهو يَوْمُ إتْيانِ العَذابِ، وإنَّما اقْتُصِرَ عَلى ذِكْرِ إتْيانِ العَذابِ فِيهِ مَعَ كَوْنِهِ يَوْمَ إتْيانِ الثَّوابِ، لِأنَّ المَقامَ مَقامُ تَهْدِيدٍ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ يَوْمُ مَوْتِهِمْ، فَإنَّهُ أوَّلُ أوْقاتِ إتْيانِ العَذابِ، وقِيلَ: المُرادُ يَوْمُ هَلاكِهِمْ بِالعَذابِ العاجِلِ، وانْتِصابُ يَوْمَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِ أنْذِرْ ﴿فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أخِّرْنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ﴾ المُرادُ بِالَّذِينَ ظَلَمُوا هاهُنا هُمُ النّاسُ، أيْ: فَيَقُولُونَ، والعُدُولُ إلى الإظْهارِ مَكانَ الإضْمارِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ الظُّلْمَ هو العِلَّةُ فِيما نَزَلَ بِهِمْ، هَذا إذا كانَ المُرادُ بِالنّاسِ هُمُ الكُفّارَ. وعَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ المُرادِ بِهِمْ مَن يَعُمُّ المُسْلِمِينَ، فالمَعْنى: فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم وهُمُ الكُفّارُ ﴿رَبَّنا أخِّرْنا﴾ أمْهِلْنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ إلى أمَدٍ مِنَ الزَّمانِ مَعْلُومٍ غَيْرِ بَعِيدٍ ﴿نُجِبْ دَعْوَتَكَ﴾ أيْ دَعْوَتَكَ لِعِبادِكَ عَلى ألْسُنِ أنْبِيائِكَ إلى تَوْحِيدِكَ ﴿ونَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾ المُرْسَلِينَ مِنكَ إلَيْنا فَنَعْمَلْ بِما بَلَّغُوهُ إلَيْنا مِن شَرائِعِكَ، ونَتَدارَكْ ما فَرَطَ مِنّا مِنَ الإهْمالِ، وإنَّما جُمِعَ الرُّسُلُ، لِأنَّ دَعْوَتَهم إلى التَّوْحِيدِ مُتَّفِقَةٌ، فاتِّباعُ واحِدٍ مِنهُمُ اتِّباعٌ لِجَمِيعِهِمْ، وهَذا مِنهم سُؤالٌ لِلرُّجُوعِ إلى الدُّنْيا لَمّا ظَهَرَ لَهُمُ الحَقُّ في الآخِرَةِ ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨]، ثُمَّ حَكى سُبْحانَهُ ما يُجابُ بِهِ عَنْهم عِنْدَ أنْ يَقُولُوا هَذِهِ المَقالَةَ. فَقالَ: ﴿أوَلَمْ تَكُونُوا أقْسَمْتُمْ مِن قَبْلُ ما لَكم مِن زَوالٍ﴾ أيْ فَيُقالُ لَهم هَذا القَوْلُ تَوْبِيخًا وتَقْرِيعًا، أيْ: أوَلَمْ تَكُونُوا أقْسَمْتُمْ مِن قَبْلِ هَذا اليَوْمِ ما لَكَمَ مِن زَوالٍ مِن دارِ الدُّنْيا، وقِيلَ: إنَّهُ لا قَسَمَ مِنهم حَقِيقَةً، وإنَّما كانَ لِسانُ حالِهِمْ ذَلِكَ لِاسْتِغْراقِهِمْ في الشَّهَواتِ وإخْلادِهِمْ إلى الحَياةِ الدُّنْيا، وقِيلَ: قَسَمُهم هَذا هو ما حَكاهُ اللَّهُ عَنْهم في قَوْلِهِ: ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ﴾ [النحل: ٣٨] وجَوابُ القَسَمِ ﴿ما لَكم مِن زَوالٍ﴾ وإنَّما جاءَ بِلَفْظِ الخِطابِ في " ما لَكَمَ مِن زَوالٍ " لِمُراعاةِ " أقْسَمْتُمْ "، ولَوْلا ذَلِكَ لَقالَ: ما لَنا مِن زَوالٍ. ﴿وسَكَنْتُمْ في مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم﴾ أيِ اسْتَقْرَرْتُمْ، يُقالُ سَكَنَ الدّارَ وسَكَنَ فِيها، وهي بِلادُ ثَمُودَ ونَحْوِهِمْ مِنَ الكُفّارِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِالكُفْرِ بِاللَّهِ والعِصْيانِ لَهُ ﴿وتَبَيَّنَ لَكم كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ﴾ قَرَأ عَبْدُ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ " نُبَيِّنُ " بِالنُّونِ والفِعْلِ المُضارِعِ. وقَرَأ مَن عَداهُ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ والفِعْلِ الماضِي، أيْ: تَبَيَّنَ لَكم بِمُشاهَدَةِ الآثارِ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ مِنَ العُقُوبَةِ والعَذابِ الشَّدِيدِ بِما فَعَلُوهُ مِنَ الذُّنُوبِ، وفاعِلُ " تَبَيَّنَ " ما دَلَّتْ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ المَذْكُورَةُ بَعْدَهُ، أيْ: تَبَيَّنَ لَكم فِعْلُنا العَجِيبُ بِهِمْ ﴿وضَرَبْنا لَكُمُ الأمْثالَ﴾ في كُتُبِ اللَّهِ وعَلى ألْسُنِ رُسُلِهِ إيضاحًا لَكم وتَقْرِيرًا وتَكْمِيلًا لِلْحُجَّةِ عَلَيْكم. ﴿وقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ﴾ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أيْ: فَعَلْنا بِهِمْ ما فَعَلْنا، والحالُ أنَّهم قَدْ مَكَرُوا في رَدِّ الحَقِّ وإثْباتِ الباطِلِ مَكْرَهُمُ العَظِيمَ، الَّذِي اسْتَفْرَغُوا فِيهِ وُسْعَهم ﴿وعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ﴾ أيْ وعِنْدَ اللَّهِ جَزاءُ مَكْرِهِمْ، أوْ وعِنْدَ اللَّهِ مَكْتُوبٌ مَكْرُهم فَهو مُجازِيهِمْ، أوْ عِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمُ الَّذِي يَمْكُرُهم بِهِ؛ عَلى أنْ يَكُونَ المَكْرُ مُضافًا إلى المَفْعُولِ، قِيلَ: والمُرادُ بِهِمْ قَوْمُ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مَكَرُوا بِالنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ حِينَ هَمُّوا بِقَتْلِهِ أوْ نَفْيِهِ، وقِيلَ: المُرادُ ما (p-٧٥٣)وقَعَ مِنَ النُّمْرُوذِ حَيْثُ حاوَلَ الصُّعُودَ إلى السَّماءِ، فاتَّخَذَ لِنَفْسِهِ تابُوتًا ورَبَطَ قَوائِمَهُ بِأرْبَعَةِ نُسُورٍ ﴿وإنْ كانَ مَكْرُهم لِتَزُولَ مِنهُ الجِبالُ﴾ قَرَأ عُمَرُ وعَلِيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ وأُبَيٌّ: " وإنْ كادَ مَكْرُهم " بِالدّالِ المُهْمَلَةِ مَكانَ النُّونِ. وقَرَأ غَيْرُهم مِنَ القُرّاءِ وإنْ كانَ بِالنُّونِ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وابْنُ جُرَيْجٍ والكِسائِيُّ " لَتَزُولُ " بِفَتْحِ اللّامِ عَلى أنَّها لامُ الِابْتِداءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِها عَلى أنَّها لامُ الجُحُودِ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الِاخْتِيارُ هَذِهِ القِراءَةُ، يَعْنِي قِراءَةَ الجُمْهُورِ لِأنَّها لَوْ كانَتْ زالَتْ لَمْ تَكُنْ ثابِتَةً، فَعَلى قِراءَةِ الكِسائِيِّ ومَن مَعَهُ تَكُونُ إنْ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واللّامُ هي الفارِقَةَ، وزَوالُ الجِبالِ مَثَلٌ لِعِظَمِ مَكْرِهِمْ وشِدَّتِهِ، أيْ: وإنَّ الشَّأْنَ كانَ مَكْرُهم مُعَدًّا لِذَلِكَ. قالَ الزَّجّاجُ: وإنْ كانَ مَكْرُهم يَبْلُغُ في الكَيْدِ إلى إزالَةِ الجِبالِ، فَإنَّ اللَّهَ يَنْصُرُ دِينَهُ، وعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنْ تَكُونَ " إنْ " هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، والمَعْنى كَما مَرَّ. والثّانِي أنْ تَكُونَ نافِيَةً واللّامُ المَكْسُورَةُ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ كَقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] والمَعْنى: ومُحالٌّ أنْ تَزُولَ الجِبالُ بِمَكْرِهِمْ، عَلى أنَّ الجِبالَ مَثَلٌ لِآياتِ اللَّهِ وشَرائِعِهِ الثّابِتَةِ عَلى حالِها مَدى الدَّهْرِ، فالجُمْلَةُ عَلى هَذا حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في مَكَرُوا لا مِن قَوْلِهِ: ﴿وعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ﴾ أيْ والحالُ أنَّ مَكْرَهم لَمْ يَكُنْ لِتَزُولَ مِنهُ الجِبالُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والخَرائِطِيُّ في مَساوِي الأخْلاقِ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ﴾ قالَ: هي تَعْزِيَةٌ لِلْمَظْلُومِ ووَعِيدٌ لِلظّالِمِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ﴾ قالَ: شَخَصَتْ فِيهِ واللَّهِ أبْصارُهم فَلا تَرْتَدُّ إلَيْهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مُهْطِعِينَ﴾ قالَ: يَعْنِي بِالإهْطاعِ النَّظَرَ مِن غَيْرِ أنْ يَطْرِفَ ﴿مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ قالَ: الإقْناعُ رَفْعُ رُءُوسِهِمْ ﴿لا يَرْتَدُّ إلَيْهِمْ طَرْفُهم﴾ قالَ: شاخِصَةٌ أبْصارُهم ﴿وأفْئِدَتُهم هَواءٌ﴾ لَيْسَ فِيها شَيْءٌ مِنَ الخَيْرِ، فَهي كالخَرِبَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿مُهْطِعِينَ﴾ قالَ: مُدِيمِي النَّظَرِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ ﴿مُهْطِعِينَ﴾ قالَ: مُسْرِعِينَ. وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وأفْئِدَتُهم هَواءٌ﴾ قالَ: لَيْسَ فِيها شَيْءٌ، خَرَجَتْ مِن صُدُورِهِمْ فَنَشِبَتْ في حُلُوقِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُرَّةَ ﴿وأفْئِدَتُهم هَواءٌ﴾ قالَ: مُنْخَرِقَةٌ لا تَعِي شَيْئًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وأنْذِرِ النّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العَذابُ﴾ يَقُولُ: أنْذِرْهم في الدُّنْيا مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: ﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العَذابُ﴾ هو يَوْمُ القِيامَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ما لَكم مِن زَوالٍ﴾ قالَ: عَمّا أنْتُمْ فِيهِ إلى ما تَقُولُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ ﴿ما لَكم مِن زَوالٍ﴾ قالَ: بَعْثٍ بَعْدَ المَوْتِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿وسَكَنْتُمْ في مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم﴾ قالَ: عَمِلْتُمْ بِمِثْلِ أعْمالِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كانَ مَكْرُهُمْ﴾ يَقُولُ: ما كانَ مَكْرُهم ﴿لِتَزُولَ مِنهُ الجِبالُ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وإنْ كانَ مَكْرُهُمْ﴾ يَقُولُ شِرْكُهم كَقَوْلِهِ: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ [مريم: ٩٠] . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ أنَّهُ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ﴿وإنْ كانَ مَكْرُهم لِتَزُولَ مِنهُ الجِبالُ﴾ ثُمَّ فَسَّرَها فَقالَ: إنَّ جَبّارًا مِنَ الجَبابِرَةِ قالَ: لا أنْتَهِي حَتّى أنْظُرَ إلى ما في السَّماءِ، فَأمَرَ بِفِراخِ النُّسُورِ تُعْلَفُ اللَّحْمَ حَتّى شَبَّتْ وغَلُظَتْ، وأمَرَ بِتابُوتٍ فَنُجِرَ يَسَعُ رَجُلَيْنِ، ثُمَّ جَعَلَ في وسَطِهِ خَشَبَةً، ثُمَّ رَبَطَ أرْجُلَهُنَّ بِأوْتادٍ، ثُمَّ جَوَّعَهُنَّ، ثُمَّ جَعَلَ عَلى رَأْسِ الخَشَبَةِ لَحْمًا، ثُمَّ دَخَلَ هو وصاحِبُهُ في التّابُوتِ، ثُمَّ رَبَطَهُنَّ إلى قَوائِمِ التّابُوتِ، ثُمَّ خَلّى عَنْهُنَّ يُرِدْنَ اللَّحْمَ، فَذَهَبْنَ بِهِ ما شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ قالَ لِصاحِبِهِ افْتَحْ فانْظُرْ ماذا تَرى، فَفَتَحَ فَقالَ: انْظُرْ إلى الجِبالِ كَأنَّها الذُّبابُ، قالَ: أغْلِقْ فَأغْلَقَ، فَطِرْنَ بِهِ ما شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ قالَ: افْتَحْ فَفَتَحَ، فَقالَ: انْظُرْ ماذا تَرى، فَقالَ: ما أرى إلّا السَّماءَ وما أراها تَزْدادُ إلّا بُعْدًا، قالَ: صَوِّبِ الخَشَبَةَ فَصَوَّبَها فانْقَضَّتْ تُرِيدُ اللَّحْمَ، فَسَمِعَ الجِبالَ هَدَّتَها فَكادَتْ تَزُولُ عَنْ مَراتِبِها، وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذِهِ القِصَّةِ لِبُخْتُ نَصَّرَ ولِلنُّمْرُوذِ مِن طُرُقٍ، ذِكْرُها في الدُّرِّ المَنثُورِ.

إبراهيم 14:44

. قَوْلُهُ: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ﴾ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وهو تَعْرِيضٌ لِأُمَّتِهِ، فَكَأنَّهُ قالَ: ولا تَحْسَبُ أُمَّتُكَ يا مُحَمَّدُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ مِنَ المُكَلَّفِينَ، وإنْ كانَ الخِطابُ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِن غَيْرِ تَعْرِيضٍ لِأُمَّتِهِ، فَمَعْناهُ التَّثْبِيتُ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ مِن عَدَمِ الحُسْبانِ كَقَوْلِهِ: ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ونَحْوِهِ، وقِيلَ: المُرادُ: ولا تَحْسَبَنَّهُ يُعامِلُهم مُعامَلَةَ الغافِلِ عَمّا يَعْمَلُونَ، ولَكِنْ مُعامَلَةَ الرَّقِيبِ عَلَيْهِمْ، أوْ يَكُونُ المُرادُ بِالنَّهْيِ عَنِ الحُسْبانِ الإيذانَ بِأنَّهُ عالِمٌ بِذَلِكَ لا تَخْفى عَلَيْهِ مِنهُ خافِيَةٌ. وفِي هَذا تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وإعْلامٌ لِلْمُشْرِكِينَ بِأنَّ تَأْخِيرَ العَذابِ عَنْهم لَيْسَ لِلرِّضا بِأفْعالِهِمْ، بَلْ سُنَّةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ في إمْهالِ العُصاةِ (p-٧٥٢)﴿إنَّما يُؤَخِّرُهم لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ﴾ أيْ يُؤَخِّرُ جَزاءَهم ولا يُؤاخِذُهم بِظُلْمِهِمْ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ السّابِقِ. وقَرَأ الحَسَنُ والسُّلَمِيُّ وهو رِوايَةٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو بِالنُّونِ في نُؤَخِّرُهم. وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ. واخْتارَها أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ لِقَوْلِهِ ﴿ولا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ﴾ ومَعْنى ﴿لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ﴾ أيْ تُرْفَعُ فِيهِ أبْصارُ أهْلِ المَوْقِفِ، ولا تُغْمِضُ مِن هَوْلِ ما تَراهُ في ذَلِكَ اليَوْمِ، هَكَذا قالَ الفَرّاءُ. يُقالُ: شَخَصَ الرَّجُلُ بَصَرَهُ وشَخَصَ البَصَرُ نَفْسُهُ إلى السَّماءِ مِن هَوْلِ ما يَرى، والمُرادُ أنَّ الأبْصارَ بَقِيَتْ مَفْتُوحَةً لا تَتَحَرَّكُ مِن شِدَّةِ الحَيْرَةِ والدَّهْشَةِ. ﴿مُهْطِعِينَ﴾ أيْ مُسْرِعِينَ، مِن أهْطَعَ يَهْطَعُ إهْطاعًا: إذا أسْرَعَ، وقِيلَ: المُهْطِعُ: الَّذِي يَنْظُرُ في ذُلٍّ وخُشُوعٍ. ومِنهُ: ؎بِدَجْلَةَ دارُهم ولَقَدْ أراهم بِدَجْلَةَ مُهْطِعِينَ إلى السَّماءِ وقِيلَ: المُهْطِعُ: الَّذِي يُدِيمُ النَّظَرَ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: قَدْ يَكُونُ الوَجْهانِ جَمِيعًا، يَعْنِي الإسْراعَ مَعَ إدامَةِ النَّظَرِ، وقِيلَ: المُهْطِعُ الَّذِي لا يَرْفَعُ رَأْسَهُ. وقالَ ثَعْلَبٌ: المُهْطِعُ الَّذِي يَنْظُرُ في ذُلٍّ وخُضُوعٍ، وقِيلَ: هو السّاكِتُ. قالَ النَّحّاسُ: والمَعْرُوفُ في اللُّغَةِ أهْطَعَ: إذا أسْرَعَ ﴿مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ أيْ رافِعِي رُءُوسِهِمْ، وإقْناعُ الرَّأْسِ: رَفْعُهُ، وأقْنَعَ صَوْتَهُ: إذا رَفَعَهُ، والمَعْنى: أنَّهم يَوْمَئِذٍ رافِعُونَ رُءُوسَهم إلى السَّماءِ يَنْظُرُونَ إلَيْها نَظَرَ فَزَعٍ وذُلٍّ ولا يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ. وقِيلَ: إنَّ إقْناعَ الرَّأْسِ نَكْسُهُ، وقِيلَ: يُقالُ أقْنَعَ: إذا رَفَعَ رَأْسَهُ، وأقْنَعَ: إذا طَأْطَأ ذِلَّةً وخُضُوعًا، والآيَةُ مُحْتَمِلَةٌ لِلْوَجْهَيْنِ. قالَ المِبْرَدُ: والقَوْلُ الأوَّلُ أعْرَفُ في اللُّغَةِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎أنَغْضَ نَحْوِي رَأْسَهُ وأقْنَعا ∗∗∗ كَأنَّما أبْصَرَ شَيْئًا أطْمَعا ﴿لا يَرْتَدُّ إلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ أيْ لا تَرْجِعُ إلَيْهِمْ أبْصارُهم، وأصْلُ الطَّرْفِ: تَحْرِيكُ الأجْفانِ، وسُمِّيَتِ العَيْنُ طَرْفًا لِأنَّهُ يَكُونُ بِها، ومِن إطْلاقِ الطَّرْفِ عَلى العَيْنِ قَوْلُ عَنْتَرَةَ: ؎وأغُضُّ طَرْفِي إنْ بَدَتْ لِي جارَتِي ∗∗∗ حَتّى يُوارِيَ جارَتِي مَأْواها ﴿وأفْئِدَتُهم هَواءٌ﴾ الهَواءُ في اللُّغَةِ: المُجَوَّفُ الخالِي الَّذِي لَمْ تَشْغَلْهُ الأجْرامُ، والمَعْنى: أنَّ قُلُوبَهم خالِيَةٌ عَنِ العَقْلِ والفَهْمِ لِما شاهَدُوا مِنَ الفَزَعِ والحَيْرَةِ والدَّهَشِ، وجَعْلُها نَفْسَ الهَوى مُبالَغَةٌ، ومِنهُ قِيلَ لِلْأحْمَقِ والجَبانِ: قَلْبُهُ هَواءٌ، أيْ: لا رَأْيَ فِيهِ ولا قُوَّةَ، وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ أنَّها خَرَجَتْ قُلُوبُهم عَنْ مَواضِعِها فَصارَتْ في الحَناجِرِ. وقِيلَ: المَعْنى: إنَّ أفْئِدَةَ الكُفّارِ في الدُّنْيا خالِيَةٌ عَنِ الخَيْرِ، وقِيلَ: المَعْنى: وأفْئِدَتُهم ذاتُ هَواءٍ. ومِمّا يُقارِبُ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغًا﴾ [القصص: ١٠]، أيْ خالِيًا مِن كُلِّ شَيْءٍ إلّا مِن هَمِّ مُوسى. ﴿وأنْذِرِ النّاسَ﴾ هَذا رُجُوعٌ إلى خِطابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِأنْ يُنْذِرَ النّاسَ، والمُرادُ النّاسُ عَلى العُمُومِ، وقِيلَ: المُرادُ كُفّارُ مَكَّةَ، وقِيلَ: الكُفّارُ عَلى العُمُومِ. والأوَّلُ أوْلى لِأنَّ الإنْذارَ كَما يَكُونُ لِلْكافِرِ يَكُونُ أيْضًا لِلْمُسْلِمِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ [يس: ١١]، ومَعْنى ﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العَذابُ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ، أيْ: خَوِّفْهم هَذا اليَوْمَ، وهو يَوْمُ إتْيانِ العَذابِ، وإنَّما اقْتُصِرَ عَلى ذِكْرِ إتْيانِ العَذابِ فِيهِ مَعَ كَوْنِهِ يَوْمَ إتْيانِ الثَّوابِ، لِأنَّ المَقامَ مَقامُ تَهْدِيدٍ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ يَوْمُ مَوْتِهِمْ، فَإنَّهُ أوَّلُ أوْقاتِ إتْيانِ العَذابِ، وقِيلَ: المُرادُ يَوْمُ هَلاكِهِمْ بِالعَذابِ العاجِلِ، وانْتِصابُ يَوْمَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِ أنْذِرْ ﴿فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أخِّرْنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ﴾ المُرادُ بِالَّذِينَ ظَلَمُوا هاهُنا هُمُ النّاسُ، أيْ: فَيَقُولُونَ، والعُدُولُ إلى الإظْهارِ مَكانَ الإضْمارِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ الظُّلْمَ هو العِلَّةُ فِيما نَزَلَ بِهِمْ، هَذا إذا كانَ المُرادُ بِالنّاسِ هُمُ الكُفّارَ. وعَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ المُرادِ بِهِمْ مَن يَعُمُّ المُسْلِمِينَ، فالمَعْنى: فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم وهُمُ الكُفّارُ ﴿رَبَّنا أخِّرْنا﴾ أمْهِلْنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ إلى أمَدٍ مِنَ الزَّمانِ مَعْلُومٍ غَيْرِ بَعِيدٍ ﴿نُجِبْ دَعْوَتَكَ﴾ أيْ دَعْوَتَكَ لِعِبادِكَ عَلى ألْسُنِ أنْبِيائِكَ إلى تَوْحِيدِكَ ﴿ونَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾ المُرْسَلِينَ مِنكَ إلَيْنا فَنَعْمَلْ بِما بَلَّغُوهُ إلَيْنا مِن شَرائِعِكَ، ونَتَدارَكْ ما فَرَطَ مِنّا مِنَ الإهْمالِ، وإنَّما جُمِعَ الرُّسُلُ، لِأنَّ دَعْوَتَهم إلى التَّوْحِيدِ مُتَّفِقَةٌ، فاتِّباعُ واحِدٍ مِنهُمُ اتِّباعٌ لِجَمِيعِهِمْ، وهَذا مِنهم سُؤالٌ لِلرُّجُوعِ إلى الدُّنْيا لَمّا ظَهَرَ لَهُمُ الحَقُّ في الآخِرَةِ ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨]، ثُمَّ حَكى سُبْحانَهُ ما يُجابُ بِهِ عَنْهم عِنْدَ أنْ يَقُولُوا هَذِهِ المَقالَةَ. فَقالَ: ﴿أوَلَمْ تَكُونُوا أقْسَمْتُمْ مِن قَبْلُ ما لَكم مِن زَوالٍ﴾ أيْ فَيُقالُ لَهم هَذا القَوْلُ تَوْبِيخًا وتَقْرِيعًا، أيْ: أوَلَمْ تَكُونُوا أقْسَمْتُمْ مِن قَبْلِ هَذا اليَوْمِ ما لَكَمَ مِن زَوالٍ مِن دارِ الدُّنْيا، وقِيلَ: إنَّهُ لا قَسَمَ مِنهم حَقِيقَةً، وإنَّما كانَ لِسانُ حالِهِمْ ذَلِكَ لِاسْتِغْراقِهِمْ في الشَّهَواتِ وإخْلادِهِمْ إلى الحَياةِ الدُّنْيا، وقِيلَ: قَسَمُهم هَذا هو ما حَكاهُ اللَّهُ عَنْهم في قَوْلِهِ: ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ﴾ [النحل: ٣٨] وجَوابُ القَسَمِ ﴿ما لَكم مِن زَوالٍ﴾ وإنَّما جاءَ بِلَفْظِ الخِطابِ في " ما لَكَمَ مِن زَوالٍ " لِمُراعاةِ " أقْسَمْتُمْ "، ولَوْلا ذَلِكَ لَقالَ: ما لَنا مِن زَوالٍ. ﴿وسَكَنْتُمْ في مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم﴾ أيِ اسْتَقْرَرْتُمْ، يُقالُ سَكَنَ الدّارَ وسَكَنَ فِيها، وهي بِلادُ ثَمُودَ ونَحْوِهِمْ مِنَ الكُفّارِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِالكُفْرِ بِاللَّهِ والعِصْيانِ لَهُ ﴿وتَبَيَّنَ لَكم كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ﴾ قَرَأ عَبْدُ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ " نُبَيِّنُ " بِالنُّونِ والفِعْلِ المُضارِعِ. وقَرَأ مَن عَداهُ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ والفِعْلِ الماضِي، أيْ: تَبَيَّنَ لَكم بِمُشاهَدَةِ الآثارِ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ مِنَ العُقُوبَةِ والعَذابِ الشَّدِيدِ بِما فَعَلُوهُ مِنَ الذُّنُوبِ، وفاعِلُ " تَبَيَّنَ " ما دَلَّتْ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ المَذْكُورَةُ بَعْدَهُ، أيْ: تَبَيَّنَ لَكم فِعْلُنا العَجِيبُ بِهِمْ ﴿وضَرَبْنا لَكُمُ الأمْثالَ﴾ في كُتُبِ اللَّهِ وعَلى ألْسُنِ رُسُلِهِ إيضاحًا لَكم وتَقْرِيرًا وتَكْمِيلًا لِلْحُجَّةِ عَلَيْكم. ﴿وقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ﴾ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أيْ: فَعَلْنا بِهِمْ ما فَعَلْنا، والحالُ أنَّهم قَدْ مَكَرُوا في رَدِّ الحَقِّ وإثْباتِ الباطِلِ مَكْرَهُمُ العَظِيمَ، الَّذِي اسْتَفْرَغُوا فِيهِ وُسْعَهم ﴿وعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ﴾ أيْ وعِنْدَ اللَّهِ جَزاءُ مَكْرِهِمْ، أوْ وعِنْدَ اللَّهِ مَكْتُوبٌ مَكْرُهم فَهو مُجازِيهِمْ، أوْ عِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمُ الَّذِي يَمْكُرُهم بِهِ؛ عَلى أنْ يَكُونَ المَكْرُ مُضافًا إلى المَفْعُولِ، قِيلَ: والمُرادُ بِهِمْ قَوْمُ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مَكَرُوا بِالنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ حِينَ هَمُّوا بِقَتْلِهِ أوْ نَفْيِهِ، وقِيلَ: المُرادُ ما (p-٧٥٣)وقَعَ مِنَ النُّمْرُوذِ حَيْثُ حاوَلَ الصُّعُودَ إلى السَّماءِ، فاتَّخَذَ لِنَفْسِهِ تابُوتًا ورَبَطَ قَوائِمَهُ بِأرْبَعَةِ نُسُورٍ ﴿وإنْ كانَ مَكْرُهم لِتَزُولَ مِنهُ الجِبالُ﴾ قَرَأ عُمَرُ وعَلِيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ وأُبَيٌّ: " وإنْ كادَ مَكْرُهم " بِالدّالِ المُهْمَلَةِ مَكانَ النُّونِ. وقَرَأ غَيْرُهم مِنَ القُرّاءِ وإنْ كانَ بِالنُّونِ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وابْنُ جُرَيْجٍ والكِسائِيُّ " لَتَزُولُ " بِفَتْحِ اللّامِ عَلى أنَّها لامُ الِابْتِداءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِها عَلى أنَّها لامُ الجُحُودِ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الِاخْتِيارُ هَذِهِ القِراءَةُ، يَعْنِي قِراءَةَ الجُمْهُورِ لِأنَّها لَوْ كانَتْ زالَتْ لَمْ تَكُنْ ثابِتَةً، فَعَلى قِراءَةِ الكِسائِيِّ ومَن مَعَهُ تَكُونُ إنْ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واللّامُ هي الفارِقَةَ، وزَوالُ الجِبالِ مَثَلٌ لِعِظَمِ مَكْرِهِمْ وشِدَّتِهِ، أيْ: وإنَّ الشَّأْنَ كانَ مَكْرُهم مُعَدًّا لِذَلِكَ. قالَ الزَّجّاجُ: وإنْ كانَ مَكْرُهم يَبْلُغُ في الكَيْدِ إلى إزالَةِ الجِبالِ، فَإنَّ اللَّهَ يَنْصُرُ دِينَهُ، وعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنْ تَكُونَ " إنْ " هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، والمَعْنى كَما مَرَّ. والثّانِي أنْ تَكُونَ نافِيَةً واللّامُ المَكْسُورَةُ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ كَقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] والمَعْنى: ومُحالٌّ أنْ تَزُولَ الجِبالُ بِمَكْرِهِمْ، عَلى أنَّ الجِبالَ مَثَلٌ لِآياتِ اللَّهِ وشَرائِعِهِ الثّابِتَةِ عَلى حالِها مَدى الدَّهْرِ، فالجُمْلَةُ عَلى هَذا حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في مَكَرُوا لا مِن قَوْلِهِ: ﴿وعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ﴾ أيْ والحالُ أنَّ مَكْرَهم لَمْ يَكُنْ لِتَزُولَ مِنهُ الجِبالُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والخَرائِطِيُّ في مَساوِي الأخْلاقِ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ﴾ قالَ: هي تَعْزِيَةٌ لِلْمَظْلُومِ ووَعِيدٌ لِلظّالِمِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ﴾ قالَ: شَخَصَتْ فِيهِ واللَّهِ أبْصارُهم فَلا تَرْتَدُّ إلَيْهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مُهْطِعِينَ﴾ قالَ: يَعْنِي بِالإهْطاعِ النَّظَرَ مِن غَيْرِ أنْ يَطْرِفَ ﴿مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ قالَ: الإقْناعُ رَفْعُ رُءُوسِهِمْ ﴿لا يَرْتَدُّ إلَيْهِمْ طَرْفُهم﴾ قالَ: شاخِصَةٌ أبْصارُهم ﴿وأفْئِدَتُهم هَواءٌ﴾ لَيْسَ فِيها شَيْءٌ مِنَ الخَيْرِ، فَهي كالخَرِبَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿مُهْطِعِينَ﴾ قالَ: مُدِيمِي النَّظَرِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ ﴿مُهْطِعِينَ﴾ قالَ: مُسْرِعِينَ. وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وأفْئِدَتُهم هَواءٌ﴾ قالَ: لَيْسَ فِيها شَيْءٌ، خَرَجَتْ مِن صُدُورِهِمْ فَنَشِبَتْ في حُلُوقِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُرَّةَ ﴿وأفْئِدَتُهم هَواءٌ﴾ قالَ: مُنْخَرِقَةٌ لا تَعِي شَيْئًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وأنْذِرِ النّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العَذابُ﴾ يَقُولُ: أنْذِرْهم في الدُّنْيا مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: ﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العَذابُ﴾ هو يَوْمُ القِيامَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ما لَكم مِن زَوالٍ﴾ قالَ: عَمّا أنْتُمْ فِيهِ إلى ما تَقُولُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ ﴿ما لَكم مِن زَوالٍ﴾ قالَ: بَعْثٍ بَعْدَ المَوْتِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿وسَكَنْتُمْ في مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم﴾ قالَ: عَمِلْتُمْ بِمِثْلِ أعْمالِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كانَ مَكْرُهُمْ﴾ يَقُولُ: ما كانَ مَكْرُهم ﴿لِتَزُولَ مِنهُ الجِبالُ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وإنْ كانَ مَكْرُهُمْ﴾ يَقُولُ شِرْكُهم كَقَوْلِهِ: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ [مريم: ٩٠] . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ أنَّهُ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ﴿وإنْ كانَ مَكْرُهم لِتَزُولَ مِنهُ الجِبالُ﴾ ثُمَّ فَسَّرَها فَقالَ: إنَّ جَبّارًا مِنَ الجَبابِرَةِ قالَ: لا أنْتَهِي حَتّى أنْظُرَ إلى ما في السَّماءِ، فَأمَرَ بِفِراخِ النُّسُورِ تُعْلَفُ اللَّحْمَ حَتّى شَبَّتْ وغَلُظَتْ، وأمَرَ بِتابُوتٍ فَنُجِرَ يَسَعُ رَجُلَيْنِ، ثُمَّ جَعَلَ في وسَطِهِ خَشَبَةً، ثُمَّ رَبَطَ أرْجُلَهُنَّ بِأوْتادٍ، ثُمَّ جَوَّعَهُنَّ، ثُمَّ جَعَلَ عَلى رَأْسِ الخَشَبَةِ لَحْمًا، ثُمَّ دَخَلَ هو وصاحِبُهُ في التّابُوتِ، ثُمَّ رَبَطَهُنَّ إلى قَوائِمِ التّابُوتِ، ثُمَّ خَلّى عَنْهُنَّ يُرِدْنَ اللَّحْمَ، فَذَهَبْنَ بِهِ ما شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ قالَ لِصاحِبِهِ افْتَحْ فانْظُرْ ماذا تَرى، فَفَتَحَ فَقالَ: انْظُرْ إلى الجِبالِ كَأنَّها الذُّبابُ، قالَ: أغْلِقْ فَأغْلَقَ، فَطِرْنَ بِهِ ما شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ قالَ: افْتَحْ فَفَتَحَ، فَقالَ: انْظُرْ ماذا تَرى، فَقالَ: ما أرى إلّا السَّماءَ وما أراها تَزْدادُ إلّا بُعْدًا، قالَ: صَوِّبِ الخَشَبَةَ فَصَوَّبَها فانْقَضَّتْ تُرِيدُ اللَّحْمَ، فَسَمِعَ الجِبالَ هَدَّتَها فَكادَتْ تَزُولُ عَنْ مَراتِبِها، وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذِهِ القِصَّةِ لِبُخْتُ نَصَّرَ ولِلنُّمْرُوذِ مِن طُرُقٍ، ذِكْرُها في الدُّرِّ المَنثُورِ.

إبراهيم 14:45

. قَوْلُهُ: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ﴾ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وهو تَعْرِيضٌ لِأُمَّتِهِ، فَكَأنَّهُ قالَ: ولا تَحْسَبُ أُمَّتُكَ يا مُحَمَّدُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ مِنَ المُكَلَّفِينَ، وإنْ كانَ الخِطابُ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِن غَيْرِ تَعْرِيضٍ لِأُمَّتِهِ، فَمَعْناهُ التَّثْبِيتُ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ مِن عَدَمِ الحُسْبانِ كَقَوْلِهِ: ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ونَحْوِهِ، وقِيلَ: المُرادُ: ولا تَحْسَبَنَّهُ يُعامِلُهم مُعامَلَةَ الغافِلِ عَمّا يَعْمَلُونَ، ولَكِنْ مُعامَلَةَ الرَّقِيبِ عَلَيْهِمْ، أوْ يَكُونُ المُرادُ بِالنَّهْيِ عَنِ الحُسْبانِ الإيذانَ بِأنَّهُ عالِمٌ بِذَلِكَ لا تَخْفى عَلَيْهِ مِنهُ خافِيَةٌ. وفِي هَذا تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وإعْلامٌ لِلْمُشْرِكِينَ بِأنَّ تَأْخِيرَ العَذابِ عَنْهم لَيْسَ لِلرِّضا بِأفْعالِهِمْ، بَلْ سُنَّةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ في إمْهالِ العُصاةِ (p-٧٥٢)﴿إنَّما يُؤَخِّرُهم لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ﴾ أيْ يُؤَخِّرُ جَزاءَهم ولا يُؤاخِذُهم بِظُلْمِهِمْ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ السّابِقِ. وقَرَأ الحَسَنُ والسُّلَمِيُّ وهو رِوايَةٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو بِالنُّونِ في نُؤَخِّرُهم. وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ. واخْتارَها أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ لِقَوْلِهِ ﴿ولا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ﴾ ومَعْنى ﴿لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ﴾ أيْ تُرْفَعُ فِيهِ أبْصارُ أهْلِ المَوْقِفِ، ولا تُغْمِضُ مِن هَوْلِ ما تَراهُ في ذَلِكَ اليَوْمِ، هَكَذا قالَ الفَرّاءُ. يُقالُ: شَخَصَ الرَّجُلُ بَصَرَهُ وشَخَصَ البَصَرُ نَفْسُهُ إلى السَّماءِ مِن هَوْلِ ما يَرى، والمُرادُ أنَّ الأبْصارَ بَقِيَتْ مَفْتُوحَةً لا تَتَحَرَّكُ مِن شِدَّةِ الحَيْرَةِ والدَّهْشَةِ. ﴿مُهْطِعِينَ﴾ أيْ مُسْرِعِينَ، مِن أهْطَعَ يَهْطَعُ إهْطاعًا: إذا أسْرَعَ، وقِيلَ: المُهْطِعُ: الَّذِي يَنْظُرُ في ذُلٍّ وخُشُوعٍ. ومِنهُ: ؎بِدَجْلَةَ دارُهم ولَقَدْ أراهم بِدَجْلَةَ مُهْطِعِينَ إلى السَّماءِ وقِيلَ: المُهْطِعُ: الَّذِي يُدِيمُ النَّظَرَ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: قَدْ يَكُونُ الوَجْهانِ جَمِيعًا، يَعْنِي الإسْراعَ مَعَ إدامَةِ النَّظَرِ، وقِيلَ: المُهْطِعُ الَّذِي لا يَرْفَعُ رَأْسَهُ. وقالَ ثَعْلَبٌ: المُهْطِعُ الَّذِي يَنْظُرُ في ذُلٍّ وخُضُوعٍ، وقِيلَ: هو السّاكِتُ. قالَ النَّحّاسُ: والمَعْرُوفُ في اللُّغَةِ أهْطَعَ: إذا أسْرَعَ ﴿مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ أيْ رافِعِي رُءُوسِهِمْ، وإقْناعُ الرَّأْسِ: رَفْعُهُ، وأقْنَعَ صَوْتَهُ: إذا رَفَعَهُ، والمَعْنى: أنَّهم يَوْمَئِذٍ رافِعُونَ رُءُوسَهم إلى السَّماءِ يَنْظُرُونَ إلَيْها نَظَرَ فَزَعٍ وذُلٍّ ولا يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ. وقِيلَ: إنَّ إقْناعَ الرَّأْسِ نَكْسُهُ، وقِيلَ: يُقالُ أقْنَعَ: إذا رَفَعَ رَأْسَهُ، وأقْنَعَ: إذا طَأْطَأ ذِلَّةً وخُضُوعًا، والآيَةُ مُحْتَمِلَةٌ لِلْوَجْهَيْنِ. قالَ المِبْرَدُ: والقَوْلُ الأوَّلُ أعْرَفُ في اللُّغَةِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎أنَغْضَ نَحْوِي رَأْسَهُ وأقْنَعا ∗∗∗ كَأنَّما أبْصَرَ شَيْئًا أطْمَعا ﴿لا يَرْتَدُّ إلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ أيْ لا تَرْجِعُ إلَيْهِمْ أبْصارُهم، وأصْلُ الطَّرْفِ: تَحْرِيكُ الأجْفانِ، وسُمِّيَتِ العَيْنُ طَرْفًا لِأنَّهُ يَكُونُ بِها، ومِن إطْلاقِ الطَّرْفِ عَلى العَيْنِ قَوْلُ عَنْتَرَةَ: ؎وأغُضُّ طَرْفِي إنْ بَدَتْ لِي جارَتِي ∗∗∗ حَتّى يُوارِيَ جارَتِي مَأْواها ﴿وأفْئِدَتُهم هَواءٌ﴾ الهَواءُ في اللُّغَةِ: المُجَوَّفُ الخالِي الَّذِي لَمْ تَشْغَلْهُ الأجْرامُ، والمَعْنى: أنَّ قُلُوبَهم خالِيَةٌ عَنِ العَقْلِ والفَهْمِ لِما شاهَدُوا مِنَ الفَزَعِ والحَيْرَةِ والدَّهَشِ، وجَعْلُها نَفْسَ الهَوى مُبالَغَةٌ، ومِنهُ قِيلَ لِلْأحْمَقِ والجَبانِ: قَلْبُهُ هَواءٌ، أيْ: لا رَأْيَ فِيهِ ولا قُوَّةَ، وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ أنَّها خَرَجَتْ قُلُوبُهم عَنْ مَواضِعِها فَصارَتْ في الحَناجِرِ. وقِيلَ: المَعْنى: إنَّ أفْئِدَةَ الكُفّارِ في الدُّنْيا خالِيَةٌ عَنِ الخَيْرِ، وقِيلَ: المَعْنى: وأفْئِدَتُهم ذاتُ هَواءٍ. ومِمّا يُقارِبُ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغًا﴾ [القصص: ١٠]، أيْ خالِيًا مِن كُلِّ شَيْءٍ إلّا مِن هَمِّ مُوسى. ﴿وأنْذِرِ النّاسَ﴾ هَذا رُجُوعٌ إلى خِطابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِأنْ يُنْذِرَ النّاسَ، والمُرادُ النّاسُ عَلى العُمُومِ، وقِيلَ: المُرادُ كُفّارُ مَكَّةَ، وقِيلَ: الكُفّارُ عَلى العُمُومِ. والأوَّلُ أوْلى لِأنَّ الإنْذارَ كَما يَكُونُ لِلْكافِرِ يَكُونُ أيْضًا لِلْمُسْلِمِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ [يس: ١١]، ومَعْنى ﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العَذابُ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ، أيْ: خَوِّفْهم هَذا اليَوْمَ، وهو يَوْمُ إتْيانِ العَذابِ، وإنَّما اقْتُصِرَ عَلى ذِكْرِ إتْيانِ العَذابِ فِيهِ مَعَ كَوْنِهِ يَوْمَ إتْيانِ الثَّوابِ، لِأنَّ المَقامَ مَقامُ تَهْدِيدٍ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ يَوْمُ مَوْتِهِمْ، فَإنَّهُ أوَّلُ أوْقاتِ إتْيانِ العَذابِ، وقِيلَ: المُرادُ يَوْمُ هَلاكِهِمْ بِالعَذابِ العاجِلِ، وانْتِصابُ يَوْمَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِ أنْذِرْ ﴿فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أخِّرْنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ﴾ المُرادُ بِالَّذِينَ ظَلَمُوا هاهُنا هُمُ النّاسُ، أيْ: فَيَقُولُونَ، والعُدُولُ إلى الإظْهارِ مَكانَ الإضْمارِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ الظُّلْمَ هو العِلَّةُ فِيما نَزَلَ بِهِمْ، هَذا إذا كانَ المُرادُ بِالنّاسِ هُمُ الكُفّارَ. وعَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ المُرادِ بِهِمْ مَن يَعُمُّ المُسْلِمِينَ، فالمَعْنى: فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم وهُمُ الكُفّارُ ﴿رَبَّنا أخِّرْنا﴾ أمْهِلْنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ إلى أمَدٍ مِنَ الزَّمانِ مَعْلُومٍ غَيْرِ بَعِيدٍ ﴿نُجِبْ دَعْوَتَكَ﴾ أيْ دَعْوَتَكَ لِعِبادِكَ عَلى ألْسُنِ أنْبِيائِكَ إلى تَوْحِيدِكَ ﴿ونَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾ المُرْسَلِينَ مِنكَ إلَيْنا فَنَعْمَلْ بِما بَلَّغُوهُ إلَيْنا مِن شَرائِعِكَ، ونَتَدارَكْ ما فَرَطَ مِنّا مِنَ الإهْمالِ، وإنَّما جُمِعَ الرُّسُلُ، لِأنَّ دَعْوَتَهم إلى التَّوْحِيدِ مُتَّفِقَةٌ، فاتِّباعُ واحِدٍ مِنهُمُ اتِّباعٌ لِجَمِيعِهِمْ، وهَذا مِنهم سُؤالٌ لِلرُّجُوعِ إلى الدُّنْيا لَمّا ظَهَرَ لَهُمُ الحَقُّ في الآخِرَةِ ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨]، ثُمَّ حَكى سُبْحانَهُ ما يُجابُ بِهِ عَنْهم عِنْدَ أنْ يَقُولُوا هَذِهِ المَقالَةَ. فَقالَ: ﴿أوَلَمْ تَكُونُوا أقْسَمْتُمْ مِن قَبْلُ ما لَكم مِن زَوالٍ﴾ أيْ فَيُقالُ لَهم هَذا القَوْلُ تَوْبِيخًا وتَقْرِيعًا، أيْ: أوَلَمْ تَكُونُوا أقْسَمْتُمْ مِن قَبْلِ هَذا اليَوْمِ ما لَكَمَ مِن زَوالٍ مِن دارِ الدُّنْيا، وقِيلَ: إنَّهُ لا قَسَمَ مِنهم حَقِيقَةً، وإنَّما كانَ لِسانُ حالِهِمْ ذَلِكَ لِاسْتِغْراقِهِمْ في الشَّهَواتِ وإخْلادِهِمْ إلى الحَياةِ الدُّنْيا، وقِيلَ: قَسَمُهم هَذا هو ما حَكاهُ اللَّهُ عَنْهم في قَوْلِهِ: ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ﴾ [النحل: ٣٨] وجَوابُ القَسَمِ ﴿ما لَكم مِن زَوالٍ﴾ وإنَّما جاءَ بِلَفْظِ الخِطابِ في " ما لَكَمَ مِن زَوالٍ " لِمُراعاةِ " أقْسَمْتُمْ "، ولَوْلا ذَلِكَ لَقالَ: ما لَنا مِن زَوالٍ. ﴿وسَكَنْتُمْ في مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم﴾ أيِ اسْتَقْرَرْتُمْ، يُقالُ سَكَنَ الدّارَ وسَكَنَ فِيها، وهي بِلادُ ثَمُودَ ونَحْوِهِمْ مِنَ الكُفّارِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِالكُفْرِ بِاللَّهِ والعِصْيانِ لَهُ ﴿وتَبَيَّنَ لَكم كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ﴾ قَرَأ عَبْدُ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ " نُبَيِّنُ " بِالنُّونِ والفِعْلِ المُضارِعِ. وقَرَأ مَن عَداهُ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ والفِعْلِ الماضِي، أيْ: تَبَيَّنَ لَكم بِمُشاهَدَةِ الآثارِ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ مِنَ العُقُوبَةِ والعَذابِ الشَّدِيدِ بِما فَعَلُوهُ مِنَ الذُّنُوبِ، وفاعِلُ " تَبَيَّنَ " ما دَلَّتْ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ المَذْكُورَةُ بَعْدَهُ، أيْ: تَبَيَّنَ لَكم فِعْلُنا العَجِيبُ بِهِمْ ﴿وضَرَبْنا لَكُمُ الأمْثالَ﴾ في كُتُبِ اللَّهِ وعَلى ألْسُنِ رُسُلِهِ إيضاحًا لَكم وتَقْرِيرًا وتَكْمِيلًا لِلْحُجَّةِ عَلَيْكم. ﴿وقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ﴾ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أيْ: فَعَلْنا بِهِمْ ما فَعَلْنا، والحالُ أنَّهم قَدْ مَكَرُوا في رَدِّ الحَقِّ وإثْباتِ الباطِلِ مَكْرَهُمُ العَظِيمَ، الَّذِي اسْتَفْرَغُوا فِيهِ وُسْعَهم ﴿وعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ﴾ أيْ وعِنْدَ اللَّهِ جَزاءُ مَكْرِهِمْ، أوْ وعِنْدَ اللَّهِ مَكْتُوبٌ مَكْرُهم فَهو مُجازِيهِمْ، أوْ عِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمُ الَّذِي يَمْكُرُهم بِهِ؛ عَلى أنْ يَكُونَ المَكْرُ مُضافًا إلى المَفْعُولِ، قِيلَ: والمُرادُ بِهِمْ قَوْمُ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مَكَرُوا بِالنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ حِينَ هَمُّوا بِقَتْلِهِ أوْ نَفْيِهِ، وقِيلَ: المُرادُ ما (p-٧٥٣)وقَعَ مِنَ النُّمْرُوذِ حَيْثُ حاوَلَ الصُّعُودَ إلى السَّماءِ، فاتَّخَذَ لِنَفْسِهِ تابُوتًا ورَبَطَ قَوائِمَهُ بِأرْبَعَةِ نُسُورٍ ﴿وإنْ كانَ مَكْرُهم لِتَزُولَ مِنهُ الجِبالُ﴾ قَرَأ عُمَرُ وعَلِيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ وأُبَيٌّ: " وإنْ كادَ مَكْرُهم " بِالدّالِ المُهْمَلَةِ مَكانَ النُّونِ. وقَرَأ غَيْرُهم مِنَ القُرّاءِ وإنْ كانَ بِالنُّونِ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وابْنُ جُرَيْجٍ والكِسائِيُّ " لَتَزُولُ " بِفَتْحِ اللّامِ عَلى أنَّها لامُ الِابْتِداءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِها عَلى أنَّها لامُ الجُحُودِ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الِاخْتِيارُ هَذِهِ القِراءَةُ، يَعْنِي قِراءَةَ الجُمْهُورِ لِأنَّها لَوْ كانَتْ زالَتْ لَمْ تَكُنْ ثابِتَةً، فَعَلى قِراءَةِ الكِسائِيِّ ومَن مَعَهُ تَكُونُ إنْ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واللّامُ هي الفارِقَةَ، وزَوالُ الجِبالِ مَثَلٌ لِعِظَمِ مَكْرِهِمْ وشِدَّتِهِ، أيْ: وإنَّ الشَّأْنَ كانَ مَكْرُهم مُعَدًّا لِذَلِكَ. قالَ الزَّجّاجُ: وإنْ كانَ مَكْرُهم يَبْلُغُ في الكَيْدِ إلى إزالَةِ الجِبالِ، فَإنَّ اللَّهَ يَنْصُرُ دِينَهُ، وعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنْ تَكُونَ " إنْ " هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، والمَعْنى كَما مَرَّ. والثّانِي أنْ تَكُونَ نافِيَةً واللّامُ المَكْسُورَةُ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ كَقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] والمَعْنى: ومُحالٌّ أنْ تَزُولَ الجِبالُ بِمَكْرِهِمْ، عَلى أنَّ الجِبالَ مَثَلٌ لِآياتِ اللَّهِ وشَرائِعِهِ الثّابِتَةِ عَلى حالِها مَدى الدَّهْرِ، فالجُمْلَةُ عَلى هَذا حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في مَكَرُوا لا مِن قَوْلِهِ: ﴿وعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ﴾ أيْ والحالُ أنَّ مَكْرَهم لَمْ يَكُنْ لِتَزُولَ مِنهُ الجِبالُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والخَرائِطِيُّ في مَساوِي الأخْلاقِ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ﴾ قالَ: هي تَعْزِيَةٌ لِلْمَظْلُومِ ووَعِيدٌ لِلظّالِمِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ﴾ قالَ: شَخَصَتْ فِيهِ واللَّهِ أبْصارُهم فَلا تَرْتَدُّ إلَيْهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مُهْطِعِينَ﴾ قالَ: يَعْنِي بِالإهْطاعِ النَّظَرَ مِن غَيْرِ أنْ يَطْرِفَ ﴿مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ قالَ: الإقْناعُ رَفْعُ رُءُوسِهِمْ ﴿لا يَرْتَدُّ إلَيْهِمْ طَرْفُهم﴾ قالَ: شاخِصَةٌ أبْصارُهم ﴿وأفْئِدَتُهم هَواءٌ﴾ لَيْسَ فِيها شَيْءٌ مِنَ الخَيْرِ، فَهي كالخَرِبَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿مُهْطِعِينَ﴾ قالَ: مُدِيمِي النَّظَرِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ ﴿مُهْطِعِينَ﴾ قالَ: مُسْرِعِينَ. وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وأفْئِدَتُهم هَواءٌ﴾ قالَ: لَيْسَ فِيها شَيْءٌ، خَرَجَتْ مِن صُدُورِهِمْ فَنَشِبَتْ في حُلُوقِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُرَّةَ ﴿وأفْئِدَتُهم هَواءٌ﴾ قالَ: مُنْخَرِقَةٌ لا تَعِي شَيْئًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وأنْذِرِ النّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العَذابُ﴾ يَقُولُ: أنْذِرْهم في الدُّنْيا مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: ﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العَذابُ﴾ هو يَوْمُ القِيامَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ما لَكم مِن زَوالٍ﴾ قالَ: عَمّا أنْتُمْ فِيهِ إلى ما تَقُولُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ ﴿ما لَكم مِن زَوالٍ﴾ قالَ: بَعْثٍ بَعْدَ المَوْتِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿وسَكَنْتُمْ في مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم﴾ قالَ: عَمِلْتُمْ بِمِثْلِ أعْمالِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كانَ مَكْرُهُمْ﴾ يَقُولُ: ما كانَ مَكْرُهم ﴿لِتَزُولَ مِنهُ الجِبالُ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وإنْ كانَ مَكْرُهُمْ﴾ يَقُولُ شِرْكُهم كَقَوْلِهِ: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ [مريم: ٩٠] . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ أنَّهُ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ﴿وإنْ كانَ مَكْرُهم لِتَزُولَ مِنهُ الجِبالُ﴾ ثُمَّ فَسَّرَها فَقالَ: إنَّ جَبّارًا مِنَ الجَبابِرَةِ قالَ: لا أنْتَهِي حَتّى أنْظُرَ إلى ما في السَّماءِ، فَأمَرَ بِفِراخِ النُّسُورِ تُعْلَفُ اللَّحْمَ حَتّى شَبَّتْ وغَلُظَتْ، وأمَرَ بِتابُوتٍ فَنُجِرَ يَسَعُ رَجُلَيْنِ، ثُمَّ جَعَلَ في وسَطِهِ خَشَبَةً، ثُمَّ رَبَطَ أرْجُلَهُنَّ بِأوْتادٍ، ثُمَّ جَوَّعَهُنَّ، ثُمَّ جَعَلَ عَلى رَأْسِ الخَشَبَةِ لَحْمًا، ثُمَّ دَخَلَ هو وصاحِبُهُ في التّابُوتِ، ثُمَّ رَبَطَهُنَّ إلى قَوائِمِ التّابُوتِ، ثُمَّ خَلّى عَنْهُنَّ يُرِدْنَ اللَّحْمَ، فَذَهَبْنَ بِهِ ما شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ قالَ لِصاحِبِهِ افْتَحْ فانْظُرْ ماذا تَرى، فَفَتَحَ فَقالَ: انْظُرْ إلى الجِبالِ كَأنَّها الذُّبابُ، قالَ: أغْلِقْ فَأغْلَقَ، فَطِرْنَ بِهِ ما شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ قالَ: افْتَحْ فَفَتَحَ، فَقالَ: انْظُرْ ماذا تَرى، فَقالَ: ما أرى إلّا السَّماءَ وما أراها تَزْدادُ إلّا بُعْدًا، قالَ: صَوِّبِ الخَشَبَةَ فَصَوَّبَها فانْقَضَّتْ تُرِيدُ اللَّحْمَ، فَسَمِعَ الجِبالَ هَدَّتَها فَكادَتْ تَزُولُ عَنْ مَراتِبِها، وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذِهِ القِصَّةِ لِبُخْتُ نَصَّرَ ولِلنُّمْرُوذِ مِن طُرُقٍ، ذِكْرُها في الدُّرِّ المَنثُورِ.

إبراهيم 14:46

. قَوْلُهُ: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ﴾ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وهو تَعْرِيضٌ لِأُمَّتِهِ، فَكَأنَّهُ قالَ: ولا تَحْسَبُ أُمَّتُكَ يا مُحَمَّدُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ مِنَ المُكَلَّفِينَ، وإنْ كانَ الخِطابُ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِن غَيْرِ تَعْرِيضٍ لِأُمَّتِهِ، فَمَعْناهُ التَّثْبِيتُ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ مِن عَدَمِ الحُسْبانِ كَقَوْلِهِ: ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ونَحْوِهِ، وقِيلَ: المُرادُ: ولا تَحْسَبَنَّهُ يُعامِلُهم مُعامَلَةَ الغافِلِ عَمّا يَعْمَلُونَ، ولَكِنْ مُعامَلَةَ الرَّقِيبِ عَلَيْهِمْ، أوْ يَكُونُ المُرادُ بِالنَّهْيِ عَنِ الحُسْبانِ الإيذانَ بِأنَّهُ عالِمٌ بِذَلِكَ لا تَخْفى عَلَيْهِ مِنهُ خافِيَةٌ. وفِي هَذا تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وإعْلامٌ لِلْمُشْرِكِينَ بِأنَّ تَأْخِيرَ العَذابِ عَنْهم لَيْسَ لِلرِّضا بِأفْعالِهِمْ، بَلْ سُنَّةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ في إمْهالِ العُصاةِ (p-٧٥٢)﴿إنَّما يُؤَخِّرُهم لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ﴾ أيْ يُؤَخِّرُ جَزاءَهم ولا يُؤاخِذُهم بِظُلْمِهِمْ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ السّابِقِ. وقَرَأ الحَسَنُ والسُّلَمِيُّ وهو رِوايَةٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو بِالنُّونِ في نُؤَخِّرُهم. وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ. واخْتارَها أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ لِقَوْلِهِ ﴿ولا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ﴾ ومَعْنى ﴿لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ﴾ أيْ تُرْفَعُ فِيهِ أبْصارُ أهْلِ المَوْقِفِ، ولا تُغْمِضُ مِن هَوْلِ ما تَراهُ في ذَلِكَ اليَوْمِ، هَكَذا قالَ الفَرّاءُ. يُقالُ: شَخَصَ الرَّجُلُ بَصَرَهُ وشَخَصَ البَصَرُ نَفْسُهُ إلى السَّماءِ مِن هَوْلِ ما يَرى، والمُرادُ أنَّ الأبْصارَ بَقِيَتْ مَفْتُوحَةً لا تَتَحَرَّكُ مِن شِدَّةِ الحَيْرَةِ والدَّهْشَةِ. ﴿مُهْطِعِينَ﴾ أيْ مُسْرِعِينَ، مِن أهْطَعَ يَهْطَعُ إهْطاعًا: إذا أسْرَعَ، وقِيلَ: المُهْطِعُ: الَّذِي يَنْظُرُ في ذُلٍّ وخُشُوعٍ. ومِنهُ: ؎بِدَجْلَةَ دارُهم ولَقَدْ أراهم بِدَجْلَةَ مُهْطِعِينَ إلى السَّماءِ وقِيلَ: المُهْطِعُ: الَّذِي يُدِيمُ النَّظَرَ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: قَدْ يَكُونُ الوَجْهانِ جَمِيعًا، يَعْنِي الإسْراعَ مَعَ إدامَةِ النَّظَرِ، وقِيلَ: المُهْطِعُ الَّذِي لا يَرْفَعُ رَأْسَهُ. وقالَ ثَعْلَبٌ: المُهْطِعُ الَّذِي يَنْظُرُ في ذُلٍّ وخُضُوعٍ، وقِيلَ: هو السّاكِتُ. قالَ النَّحّاسُ: والمَعْرُوفُ في اللُّغَةِ أهْطَعَ: إذا أسْرَعَ ﴿مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ أيْ رافِعِي رُءُوسِهِمْ، وإقْناعُ الرَّأْسِ: رَفْعُهُ، وأقْنَعَ صَوْتَهُ: إذا رَفَعَهُ، والمَعْنى: أنَّهم يَوْمَئِذٍ رافِعُونَ رُءُوسَهم إلى السَّماءِ يَنْظُرُونَ إلَيْها نَظَرَ فَزَعٍ وذُلٍّ ولا يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ. وقِيلَ: إنَّ إقْناعَ الرَّأْسِ نَكْسُهُ، وقِيلَ: يُقالُ أقْنَعَ: إذا رَفَعَ رَأْسَهُ، وأقْنَعَ: إذا طَأْطَأ ذِلَّةً وخُضُوعًا، والآيَةُ مُحْتَمِلَةٌ لِلْوَجْهَيْنِ. قالَ المِبْرَدُ: والقَوْلُ الأوَّلُ أعْرَفُ في اللُّغَةِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎أنَغْضَ نَحْوِي رَأْسَهُ وأقْنَعا ∗∗∗ كَأنَّما أبْصَرَ شَيْئًا أطْمَعا ﴿لا يَرْتَدُّ إلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ أيْ لا تَرْجِعُ إلَيْهِمْ أبْصارُهم، وأصْلُ الطَّرْفِ: تَحْرِيكُ الأجْفانِ، وسُمِّيَتِ العَيْنُ طَرْفًا لِأنَّهُ يَكُونُ بِها، ومِن إطْلاقِ الطَّرْفِ عَلى العَيْنِ قَوْلُ عَنْتَرَةَ: ؎وأغُضُّ طَرْفِي إنْ بَدَتْ لِي جارَتِي ∗∗∗ حَتّى يُوارِيَ جارَتِي مَأْواها ﴿وأفْئِدَتُهم هَواءٌ﴾ الهَواءُ في اللُّغَةِ: المُجَوَّفُ الخالِي الَّذِي لَمْ تَشْغَلْهُ الأجْرامُ، والمَعْنى: أنَّ قُلُوبَهم خالِيَةٌ عَنِ العَقْلِ والفَهْمِ لِما شاهَدُوا مِنَ الفَزَعِ والحَيْرَةِ والدَّهَشِ، وجَعْلُها نَفْسَ الهَوى مُبالَغَةٌ، ومِنهُ قِيلَ لِلْأحْمَقِ والجَبانِ: قَلْبُهُ هَواءٌ، أيْ: لا رَأْيَ فِيهِ ولا قُوَّةَ، وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ أنَّها خَرَجَتْ قُلُوبُهم عَنْ مَواضِعِها فَصارَتْ في الحَناجِرِ. وقِيلَ: المَعْنى: إنَّ أفْئِدَةَ الكُفّارِ في الدُّنْيا خالِيَةٌ عَنِ الخَيْرِ، وقِيلَ: المَعْنى: وأفْئِدَتُهم ذاتُ هَواءٍ. ومِمّا يُقارِبُ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغًا﴾ [القصص: ١٠]، أيْ خالِيًا مِن كُلِّ شَيْءٍ إلّا مِن هَمِّ مُوسى. ﴿وأنْذِرِ النّاسَ﴾ هَذا رُجُوعٌ إلى خِطابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِأنْ يُنْذِرَ النّاسَ، والمُرادُ النّاسُ عَلى العُمُومِ، وقِيلَ: المُرادُ كُفّارُ مَكَّةَ، وقِيلَ: الكُفّارُ عَلى العُمُومِ. والأوَّلُ أوْلى لِأنَّ الإنْذارَ كَما يَكُونُ لِلْكافِرِ يَكُونُ أيْضًا لِلْمُسْلِمِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ [يس: ١١]، ومَعْنى ﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العَذابُ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ، أيْ: خَوِّفْهم هَذا اليَوْمَ، وهو يَوْمُ إتْيانِ العَذابِ، وإنَّما اقْتُصِرَ عَلى ذِكْرِ إتْيانِ العَذابِ فِيهِ مَعَ كَوْنِهِ يَوْمَ إتْيانِ الثَّوابِ، لِأنَّ المَقامَ مَقامُ تَهْدِيدٍ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ يَوْمُ مَوْتِهِمْ، فَإنَّهُ أوَّلُ أوْقاتِ إتْيانِ العَذابِ، وقِيلَ: المُرادُ يَوْمُ هَلاكِهِمْ بِالعَذابِ العاجِلِ، وانْتِصابُ يَوْمَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِ أنْذِرْ ﴿فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أخِّرْنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ﴾ المُرادُ بِالَّذِينَ ظَلَمُوا هاهُنا هُمُ النّاسُ، أيْ: فَيَقُولُونَ، والعُدُولُ إلى الإظْهارِ مَكانَ الإضْمارِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ الظُّلْمَ هو العِلَّةُ فِيما نَزَلَ بِهِمْ، هَذا إذا كانَ المُرادُ بِالنّاسِ هُمُ الكُفّارَ. وعَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ المُرادِ بِهِمْ مَن يَعُمُّ المُسْلِمِينَ، فالمَعْنى: فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم وهُمُ الكُفّارُ ﴿رَبَّنا أخِّرْنا﴾ أمْهِلْنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ إلى أمَدٍ مِنَ الزَّمانِ مَعْلُومٍ غَيْرِ بَعِيدٍ ﴿نُجِبْ دَعْوَتَكَ﴾ أيْ دَعْوَتَكَ لِعِبادِكَ عَلى ألْسُنِ أنْبِيائِكَ إلى تَوْحِيدِكَ ﴿ونَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾ المُرْسَلِينَ مِنكَ إلَيْنا فَنَعْمَلْ بِما بَلَّغُوهُ إلَيْنا مِن شَرائِعِكَ، ونَتَدارَكْ ما فَرَطَ مِنّا مِنَ الإهْمالِ، وإنَّما جُمِعَ الرُّسُلُ، لِأنَّ دَعْوَتَهم إلى التَّوْحِيدِ مُتَّفِقَةٌ، فاتِّباعُ واحِدٍ مِنهُمُ اتِّباعٌ لِجَمِيعِهِمْ، وهَذا مِنهم سُؤالٌ لِلرُّجُوعِ إلى الدُّنْيا لَمّا ظَهَرَ لَهُمُ الحَقُّ في الآخِرَةِ ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨]، ثُمَّ حَكى سُبْحانَهُ ما يُجابُ بِهِ عَنْهم عِنْدَ أنْ يَقُولُوا هَذِهِ المَقالَةَ. فَقالَ: ﴿أوَلَمْ تَكُونُوا أقْسَمْتُمْ مِن قَبْلُ ما لَكم مِن زَوالٍ﴾ أيْ فَيُقالُ لَهم هَذا القَوْلُ تَوْبِيخًا وتَقْرِيعًا، أيْ: أوَلَمْ تَكُونُوا أقْسَمْتُمْ مِن قَبْلِ هَذا اليَوْمِ ما لَكَمَ مِن زَوالٍ مِن دارِ الدُّنْيا، وقِيلَ: إنَّهُ لا قَسَمَ مِنهم حَقِيقَةً، وإنَّما كانَ لِسانُ حالِهِمْ ذَلِكَ لِاسْتِغْراقِهِمْ في الشَّهَواتِ وإخْلادِهِمْ إلى الحَياةِ الدُّنْيا، وقِيلَ: قَسَمُهم هَذا هو ما حَكاهُ اللَّهُ عَنْهم في قَوْلِهِ: ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ﴾ [النحل: ٣٨] وجَوابُ القَسَمِ ﴿ما لَكم مِن زَوالٍ﴾ وإنَّما جاءَ بِلَفْظِ الخِطابِ في " ما لَكَمَ مِن زَوالٍ " لِمُراعاةِ " أقْسَمْتُمْ "، ولَوْلا ذَلِكَ لَقالَ: ما لَنا مِن زَوالٍ. ﴿وسَكَنْتُمْ في مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم﴾ أيِ اسْتَقْرَرْتُمْ، يُقالُ سَكَنَ الدّارَ وسَكَنَ فِيها، وهي بِلادُ ثَمُودَ ونَحْوِهِمْ مِنَ الكُفّارِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِالكُفْرِ بِاللَّهِ والعِصْيانِ لَهُ ﴿وتَبَيَّنَ لَكم كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ﴾ قَرَأ عَبْدُ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ " نُبَيِّنُ " بِالنُّونِ والفِعْلِ المُضارِعِ. وقَرَأ مَن عَداهُ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ والفِعْلِ الماضِي، أيْ: تَبَيَّنَ لَكم بِمُشاهَدَةِ الآثارِ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ مِنَ العُقُوبَةِ والعَذابِ الشَّدِيدِ بِما فَعَلُوهُ مِنَ الذُّنُوبِ، وفاعِلُ " تَبَيَّنَ " ما دَلَّتْ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ المَذْكُورَةُ بَعْدَهُ، أيْ: تَبَيَّنَ لَكم فِعْلُنا العَجِيبُ بِهِمْ ﴿وضَرَبْنا لَكُمُ الأمْثالَ﴾ في كُتُبِ اللَّهِ وعَلى ألْسُنِ رُسُلِهِ إيضاحًا لَكم وتَقْرِيرًا وتَكْمِيلًا لِلْحُجَّةِ عَلَيْكم. ﴿وقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ﴾ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أيْ: فَعَلْنا بِهِمْ ما فَعَلْنا، والحالُ أنَّهم قَدْ مَكَرُوا في رَدِّ الحَقِّ وإثْباتِ الباطِلِ مَكْرَهُمُ العَظِيمَ، الَّذِي اسْتَفْرَغُوا فِيهِ وُسْعَهم ﴿وعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ﴾ أيْ وعِنْدَ اللَّهِ جَزاءُ مَكْرِهِمْ، أوْ وعِنْدَ اللَّهِ مَكْتُوبٌ مَكْرُهم فَهو مُجازِيهِمْ، أوْ عِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمُ الَّذِي يَمْكُرُهم بِهِ؛ عَلى أنْ يَكُونَ المَكْرُ مُضافًا إلى المَفْعُولِ، قِيلَ: والمُرادُ بِهِمْ قَوْمُ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مَكَرُوا بِالنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ حِينَ هَمُّوا بِقَتْلِهِ أوْ نَفْيِهِ، وقِيلَ: المُرادُ ما (p-٧٥٣)وقَعَ مِنَ النُّمْرُوذِ حَيْثُ حاوَلَ الصُّعُودَ إلى السَّماءِ، فاتَّخَذَ لِنَفْسِهِ تابُوتًا ورَبَطَ قَوائِمَهُ بِأرْبَعَةِ نُسُورٍ ﴿وإنْ كانَ مَكْرُهم لِتَزُولَ مِنهُ الجِبالُ﴾ قَرَأ عُمَرُ وعَلِيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ وأُبَيٌّ: " وإنْ كادَ مَكْرُهم " بِالدّالِ المُهْمَلَةِ مَكانَ النُّونِ. وقَرَأ غَيْرُهم مِنَ القُرّاءِ وإنْ كانَ بِالنُّونِ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وابْنُ جُرَيْجٍ والكِسائِيُّ " لَتَزُولُ " بِفَتْحِ اللّامِ عَلى أنَّها لامُ الِابْتِداءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِها عَلى أنَّها لامُ الجُحُودِ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الِاخْتِيارُ هَذِهِ القِراءَةُ، يَعْنِي قِراءَةَ الجُمْهُورِ لِأنَّها لَوْ كانَتْ زالَتْ لَمْ تَكُنْ ثابِتَةً، فَعَلى قِراءَةِ الكِسائِيِّ ومَن مَعَهُ تَكُونُ إنْ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واللّامُ هي الفارِقَةَ، وزَوالُ الجِبالِ مَثَلٌ لِعِظَمِ مَكْرِهِمْ وشِدَّتِهِ، أيْ: وإنَّ الشَّأْنَ كانَ مَكْرُهم مُعَدًّا لِذَلِكَ. قالَ الزَّجّاجُ: وإنْ كانَ مَكْرُهم يَبْلُغُ في الكَيْدِ إلى إزالَةِ الجِبالِ، فَإنَّ اللَّهَ يَنْصُرُ دِينَهُ، وعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنْ تَكُونَ " إنْ " هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، والمَعْنى كَما مَرَّ. والثّانِي أنْ تَكُونَ نافِيَةً واللّامُ المَكْسُورَةُ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ كَقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] والمَعْنى: ومُحالٌّ أنْ تَزُولَ الجِبالُ بِمَكْرِهِمْ، عَلى أنَّ الجِبالَ مَثَلٌ لِآياتِ اللَّهِ وشَرائِعِهِ الثّابِتَةِ عَلى حالِها مَدى الدَّهْرِ، فالجُمْلَةُ عَلى هَذا حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في مَكَرُوا لا مِن قَوْلِهِ: ﴿وعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ﴾ أيْ والحالُ أنَّ مَكْرَهم لَمْ يَكُنْ لِتَزُولَ مِنهُ الجِبالُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والخَرائِطِيُّ في مَساوِي الأخْلاقِ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ﴾ قالَ: هي تَعْزِيَةٌ لِلْمَظْلُومِ ووَعِيدٌ لِلظّالِمِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ﴾ قالَ: شَخَصَتْ فِيهِ واللَّهِ أبْصارُهم فَلا تَرْتَدُّ إلَيْهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مُهْطِعِينَ﴾ قالَ: يَعْنِي بِالإهْطاعِ النَّظَرَ مِن غَيْرِ أنْ يَطْرِفَ ﴿مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ قالَ: الإقْناعُ رَفْعُ رُءُوسِهِمْ ﴿لا يَرْتَدُّ إلَيْهِمْ طَرْفُهم﴾ قالَ: شاخِصَةٌ أبْصارُهم ﴿وأفْئِدَتُهم هَواءٌ﴾ لَيْسَ فِيها شَيْءٌ مِنَ الخَيْرِ، فَهي كالخَرِبَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿مُهْطِعِينَ﴾ قالَ: مُدِيمِي النَّظَرِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ ﴿مُهْطِعِينَ﴾ قالَ: مُسْرِعِينَ. وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وأفْئِدَتُهم هَواءٌ﴾ قالَ: لَيْسَ فِيها شَيْءٌ، خَرَجَتْ مِن صُدُورِهِمْ فَنَشِبَتْ في حُلُوقِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُرَّةَ ﴿وأفْئِدَتُهم هَواءٌ﴾ قالَ: مُنْخَرِقَةٌ لا تَعِي شَيْئًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وأنْذِرِ النّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العَذابُ﴾ يَقُولُ: أنْذِرْهم في الدُّنْيا مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: ﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العَذابُ﴾ هو يَوْمُ القِيامَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ما لَكم مِن زَوالٍ﴾ قالَ: عَمّا أنْتُمْ فِيهِ إلى ما تَقُولُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ ﴿ما لَكم مِن زَوالٍ﴾ قالَ: بَعْثٍ بَعْدَ المَوْتِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿وسَكَنْتُمْ في مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم﴾ قالَ: عَمِلْتُمْ بِمِثْلِ أعْمالِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كانَ مَكْرُهُمْ﴾ يَقُولُ: ما كانَ مَكْرُهم ﴿لِتَزُولَ مِنهُ الجِبالُ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وإنْ كانَ مَكْرُهُمْ﴾ يَقُولُ شِرْكُهم كَقَوْلِهِ: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ [مريم: ٩٠] . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ أنَّهُ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ﴿وإنْ كانَ مَكْرُهم لِتَزُولَ مِنهُ الجِبالُ﴾ ثُمَّ فَسَّرَها فَقالَ: إنَّ جَبّارًا مِنَ الجَبابِرَةِ قالَ: لا أنْتَهِي حَتّى أنْظُرَ إلى ما في السَّماءِ، فَأمَرَ بِفِراخِ النُّسُورِ تُعْلَفُ اللَّحْمَ حَتّى شَبَّتْ وغَلُظَتْ، وأمَرَ بِتابُوتٍ فَنُجِرَ يَسَعُ رَجُلَيْنِ، ثُمَّ جَعَلَ في وسَطِهِ خَشَبَةً، ثُمَّ رَبَطَ أرْجُلَهُنَّ بِأوْتادٍ، ثُمَّ جَوَّعَهُنَّ، ثُمَّ جَعَلَ عَلى رَأْسِ الخَشَبَةِ لَحْمًا، ثُمَّ دَخَلَ هو وصاحِبُهُ في التّابُوتِ، ثُمَّ رَبَطَهُنَّ إلى قَوائِمِ التّابُوتِ، ثُمَّ خَلّى عَنْهُنَّ يُرِدْنَ اللَّحْمَ، فَذَهَبْنَ بِهِ ما شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ قالَ لِصاحِبِهِ افْتَحْ فانْظُرْ ماذا تَرى، فَفَتَحَ فَقالَ: انْظُرْ إلى الجِبالِ كَأنَّها الذُّبابُ، قالَ: أغْلِقْ فَأغْلَقَ، فَطِرْنَ بِهِ ما شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ قالَ: افْتَحْ فَفَتَحَ، فَقالَ: انْظُرْ ماذا تَرى، فَقالَ: ما أرى إلّا السَّماءَ وما أراها تَزْدادُ إلّا بُعْدًا، قالَ: صَوِّبِ الخَشَبَةَ فَصَوَّبَها فانْقَضَّتْ تُرِيدُ اللَّحْمَ، فَسَمِعَ الجِبالَ هَدَّتَها فَكادَتْ تَزُولُ عَنْ مَراتِبِها، وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذِهِ القِصَّةِ لِبُخْتُ نَصَّرَ ولِلنُّمْرُوذِ مِن طُرُقٍ، ذِكْرُها في الدُّرِّ المَنثُورِ.

إبراهيم 14:47

. مُخْلِفَ مُنْتَصِبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ " تَحْسَبَنَّ "، وانْتِصابُ ( رُسُلَهُ ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ ( وعْدِهِ )، قِيلَ: وذَلِكَ عَلى الِاتِّساعِ، والمَعْنى: مُخْلِفَ رُسُلِهِ وعْدَهُ. قالَ القُتَيْبِيُّ: هو مِنَ المُقَدَّمِ الَّذِي يُوَضِّحُهُ التَّأْخِيرُ، والمُؤَخَّرُ الَّذِي يُوَضِّحُهُ التَّقْدِيمُ، وسَواءٌ في ذَلِكَ مُخْلِفَ وعْدِهِ رُسُلَهُ ومُخْلِفَ رُسُلِهِ وعْدَهُ، ومِثْلُ ما في الآيَةِ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎تَرى الثَّوْرَ فِيها مُدْخِلَ الظِّلِّ رَأْسَهُ وسائِرُهَ بادٍ إلى الشَّمْسِ أجْمَعُ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قَدَّمَ الوَعْدَ لِيُعْلِمَ أنَّهُ لا يُخْلِفُ الوَعْدَ أصْلًا كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ [آل عمران: ٣١] ثُمَّ قالَ رُسُلَهُ لِيُؤْذِنَ أنَّهُ إذا لَمْ يُخْلِفْ وعْدَهُ أحَدًا، ولَيْسَ مِن شَأْنِهِ إخْلافُ المَواعِيدِ، فَكَيْفَ يُخْلِفُهُ رُسُلَهُ الَّذِينَ هم خِيرَتُهُ وصَفْوَتُهُ والمُرادُ بِالوَعْدِ هُنا هو ما وعَدَهم سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا﴾ [غافر: ٥١] (p-٧٥٤)و﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] وقُرِئَ " مُخْلِفَ وعْدَهُ رُسُلِهِ " بِجَرِّ رُسُلِهِ ونَصْبِ وعْدِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذِهِ القِراءَةُ في الضَّعْفِ كَمَن قَرَأ: قَتْلُ أوْلادَهم شُرَكائِهِمْ ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ غالِبٌ لا يُغالِبُهُ أحَدٌ ﴿ذُو انْتِقامٍ﴾ يَنْتَقِمُ مِن أعْدائِهِ لِأوْلِيائِهِ. والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ في أوَّلِ آلِ عِمْرانَ. ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: انْتِصابُ ( يَوْمَ ) عَلى البَدَلِ مِن يَوْمَ يَأْتِيهِمْ، أوْ عَلى الظَّرْفِ لِلِانْتِقامِ. انْتَهى. ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ بِمُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ، أيْ: واذْكُرْ أوْ وارْتَقِبْ، والتَّبْدِيلُ قَدْ يَكُونُ في الذّاتِ كَما في: بَدَّلْتُ الدَّراهِمَ دَنانِيرَ، وقَدْ يَكُونُ في الصِّفاتِ كَما في: بَدَّلْتُ الحَلْقَةَ خاتَمًا، والآيَةُ تَحْتَمِلُ الأمْرَيْنِ، وقَدْ قِيلَ: المُرادُ تَغَيُّرُ صِفاتِها، وبِهِ قالَ الأكْثَرُ، وقِيلَ: تَغَيُّرُ ذاتِها، ومَعْنى " والسَّماواتُ " أيْ وتُبَدَّلُ السَّماواتُ غَيْرَ السَّماواتِ عَلى الِاخْتِلافِ الَّذِي مَرَّ ﴿وبَرَزُوا لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ أيْ بَرَزَ العِبادُ لِلَّهِ أوِ الظّالِمُونَ كَما يُفِيدُهُ السِّياقُ، أيْ: ظَهَرُوا مِن قُبُورِهِمْ، أوْ ظَهَرَ مِن أعْمالِهِمْ ما كانُوا يَكْتُمُونَهُ، والتَّعْبِيرُ عَلى المُسْتَقْبَلِ بِلَفْظِ الماضِي لِلتَّنْبِيهِ عَلى تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ﴾ [الكهف: ٩٩]، [يس: ٥١] و" الواحِدُ القَهّارُ " المُتَفَرِّدُ بِالأُلُوهِيَّةِ الكَثِيرُ القَهْرِ لِمَن عانَدَهُ. ﴿وتَرى المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ في الأصْفادِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى " بَرَزُوا " أوْ عَلى " تُبَدَّلُ "، والمَجِيءُ بِالمُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ، والمُجْرِمُونَ هُمُ المُشْرِكُونَ، ويَوْمَئِذٍ يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ، ومُقَرَّنِينَ أيْ مَشْدُودِينَ إمّا بِجَعْلِ بَعْضِهِمْ مَقْرُونًا مَعَ بَعْضٍ، أوْ قُرِنُوا مَعَ الشَّياطِينِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهو لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦] أوْ جُعِلَتْ أيْدِيهم مَقْرُونَةً إلى أرْجُلِهِمْ، والأصْفادُ: الأغْلالُ والقُيُودُ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِـ مُقَرَّنِينَ أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِهِ، يُقالُ صَفَدْتُهُ صَفْدًا، أيْ: قَيَّدْتُهُ، والِاسْمُ الصَّفْدُ، فَإذا أرَدْتَ التَّكْثِيرَ قُلْتَ صَفَّدْتُهُ. قالَ عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ: ؎فَآبُوا بِالنِّهابِ وبِالسَّبايا ∗∗∗ وأُبْنا بِالمُلُوكِ مُصَفَّدِينا وقالَ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ: ؎مِن بَيْنِ مَأْسُورٍ يَشُدُّ صَفادَهُ ∗∗∗ صَقْرٍ إذا لاقى الكَرِيهَةَ حامِي ويُقالُ صَفَدْتُهُ وأصْفَدْتُهُ: إذا أعْطَيْتَهُ، ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ: ؎ولَمْ أُعَرِّضْ أبَيْتَ اللَّعْنَ بِالصَّفَدِ ﴿سَرابِيلُهم مِن قَطِرانٍ﴾ السَّرابِيلُ: القُمُصُ، واحِدُها سِرْبالٌ، ومِنهُ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ: ؎تَلْقاكم عُصَبٌ حَوْلَ النَّبِيِّ لَهم ∗∗∗ مِن نَسْجِ داوُدَ في الهَيْجا سَرابِيلُ والقَطِرانُ: هو قَطِرانُ الإبِلِ الَّذِي تَهْنَأُ بِهِ، أيْ: قُمْصانُهم مِن قَطِرانٍ تُطْلى بِهِ جُلُودُهم حَتّى يَعُودَ ذَلِكَ الطِّلاءُ كالسَّرابِيلِ، وخُصَّ القَطِرانُ لِسُرْعَةِ اشْتِعالِ النّارِ فِيهِ مَعَ نَتْنِ رائِحَتِهِ. وقالَ جَماعَةٌ: هو النُّحاسُ، أيْ: قُمْصانُهم مِن نُحاسٍ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ " مِن قَطْرانٍ " بِفَتْحِ القافِ وتَسْكِينِ الطّاءِ. وقُرِئَ بِكَسْرِ القافِ وسُكُونِ الطّاءِ، وقُرِئَ بِفَتْحِ القافِ والطّاءِ، رُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأبِي هُرَيْرَةَ وعِكْرِمَةَ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ويَعْقُوبَ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ ﴿وتَغْشى وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ أيْ تَعْلُو وُجُوهَهم وتَضْرِبُها، وخَصَّ الوُجُوهَ لِأنَّها أشْرَفُ ما في البَدَنِ، وفِيها الحَواسُّ المُدْرِكَةُ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْضًا. و( لِيَجْزِيَ اللَّهُ ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، أيْ: يَفْعَلُ ذَلِكَ بِهِمْ لِيَجْزِيَ كُلَّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ مِنَ المَعاصِي، أيْ: جَزاءً مُوافِقًا لِما كَسَبَتْ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ ﴿إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ لا يَشْغَلُهُ عَنْهُ شَيْءٌ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ. ( هَذا بَلاغٌ ) أيْ هَذا الَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ بَلاغٌ، أيْ: تَبْلِيغٌ وكِفايَةٌ في المَوْعِظَةِ والتَّذْكِيرِ. قِيلَ: إنَّ الإشارَةَ إلى ما ذَكَرَهُ سُبْحانَهُ هُنا مِن قَوْلِهِ: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا﴾ إلى ﴿سَرِيعُ الحِسابِ﴾ [ إبْراهِيمَ: ٤٢: ٥١ ] أيْ هَذا فِيهِ كِفايَةٌ مِن غَيْرِ ما انْطَوَتْ عَلَيْهِ السُّورَةُ، وقِيلَ: الإشارَةُ إلى جَمِيعِ السُّورَةِ، وقِيلَ: إلى القُرْآنِ، ومَعْنى " لِلنّاسِ " لِلْكُفّارِ، أوْ لِجَمِيعِ النّاسِ عَلى ما قِيلَ في قَوْلِهِ: ﴿وأنْذِرِ النّاسَ﴾ [إبراهيم: ٤٤] ( ولِيُنْذَرُوا بِهِ ) مَعْطُوفٌ عَلى مَحْذُوفٍ، أيْ: لِيُنْصَحُوا ولِيُنْذَرُوا بِهِ، والمَعْنى: ولِيُخَوَّفُوا بِهِ، وقُرِئَ " ولِيَنْذَرُوا " بِفَتْحِ الياءِ التَّحْتِيَّةِ والذّالِ المُعْجَمَةِ، يُقالُ نَذَرْتُ بِالشَّيْءِ أنْذِرَ: إذا عَلِمْتَ بِهِ فاسْتَعْدَدْتَ لَهُ ﴿ولِيَعْلَمُوا أنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ﴾ أيْ لِيَعْلَمُوا بِالأدِلَّةِ التَّكْوِينِيَّةِ المَذْكُورَةِ سابِقًا وحْدانِيَّةَ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وأنَّهُ لا شَرِيكَ لَهُ ﴿ولِيَذَّكَّرَ أُولُو الألْبابِ﴾ أيْ: ولِيَتَّعِظَ أصْحابُ العُقُولِ، وهَذِهِ اللّاماتُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: وكَذَلِكَ أنْزَلْنا، أوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِالبَلاغِ المَذْكُورِ، أيْ: كِفايَةً لَهم في أنْ يُنْصَحُوا ويُنْذَرُوا ويَعْلَمُوا بِما أقامَ اللَّهُ مِنَ الحُجَجِ والبَراهِينِ وحْدانِيَّتَهُ سُبْحانَهُ وأنَّهُ لا شَرِيكَ لَهُ، ولِيَتَّعِظَ بِذَلِكَ أصْحابُ العُقُولِ الَّتِي تَعْقِلُ وتُدْرِكُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ﴾ قالَ: عَزِيزٌ واللَّهِ في أمْرِهِ، يُمْلِي وكَيْدُهُ مَتِينٌ، ثُمَّ إذا انْتَقَمَ انْتَقَمَ بِقُدْرَةٍ. وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ مِن حَدِيثِ ثَوْبانَ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَ: أيْنَ يَكُونُ النّاسُ يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: في الظُّلْمَةِ دُونَ الجِسْرِ» . وأخْرَجَ مُسْلِمٌ أيْضًا وغَيْرُهُ مِن «حَدِيثِ عائِشَةَ. قالَتْ " أنا أوَّلُ مَن سَألَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ﴾ قُلْتُ: أيْنَ النّاسُ يَوْمَئِذٍ ؟ قالَ: عَلى الصِّراطِ» . وأخْرَجَ البَزّارُ وابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: في قَوْلِ اللَّهِ ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ﴾ قالَ: أرْضٌ بَيْضاءُ، كَأنَّها فِضَّةٌ لَمْ يُسْفَكْ فِيها دَمٌ حَرامٌ، ولَمْ يُعْمَلْ بِها خَطِيئَةٌ» . وأخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْهُ مَوْقُوفًا نَحْوَهُ، قالَ البَيْهَقِيُّ: المَوْقُوفُ أصَحُّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ قالَ «أتى اليَهُودُ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَ: جاءُونِي يَسْألُونَنِي وسَأُخْبِرُهم قَبْلَ أنْ يَسْألُونِي ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ﴾ قالَ: (p-٧٥٥)أرْضٌ بَيْضاءُ كالفِضَّةِ، فَسَألَهم فَقالُوا: أرْضٌ بَيْضاءُ كالنَّقِيِّ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مَرْفُوعًا عَنْ عَلِيٍّ نَحْوَ ما تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ مَوْقُوفًا نَحْوَهُ، وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ، وثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «يُحْشَرُ النّاسُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى أرْضٍ بَيْضاءَ عَفْراءَ كَقُرْصَةِ نَقِيٍّ» . وفِيهِما أيْضًا مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «تَكُونُ الأرْضُ يَوْمَ القِيامَةِ خُبْزَةً واحِدَةً يَتَكَفَّؤُها الجَبّارُ بِيَدِهِ» الحَدِيثَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مُقَرَّنِينَ في الأصْفادِ﴾ قالَ: الكُبُولُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ ﴿فِي الأصْفادِ﴾ قالَ: القُيُودِ والأغْلالِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: في السَّلاسِلِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فِي الأصْفادِ﴾ يَقُولُ: في وِثاقٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ ﴿سَرابِيلُهُمْ﴾ قالَ: قُمُصُهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿مِن قَطِرانٍ﴾ قالَ: قَطِرانِ الإبِلِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ في الآيَةِ قالَ: هَذا القَطِرانُ يُطْلى بِهِ حَتّى يَشْتَعِلَ نارًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: هو النُّحاسُ المُذابُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ قَرَأ ﴿مِن قَطِرانٍ﴾ فَقالَ القَطْرُ: الصُّفْرُ، والآنُ: الحارُّ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ عَنْ أبِي مالِكٍ الأشْعَرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ «النّائِحَةُ إذا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِها تُقامُ يَوْمَ القِيامَةِ وعَلَيْها سِرْبالٌ مِن قَطِرانٍ، ودِرْعٌ مَن جَرَبٍ» وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿هَذا بَلاغٌ لِلنّاسِ﴾ قالَ: القُرْآنُ ﴿ولِيُنْذَرُوا بِهِ﴾ قالَ: القُرْآنُ.

إبراهيم 14:48

. مُخْلِفَ مُنْتَصِبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ " تَحْسَبَنَّ "، وانْتِصابُ ( رُسُلَهُ ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ ( وعْدِهِ )، قِيلَ: وذَلِكَ عَلى الِاتِّساعِ، والمَعْنى: مُخْلِفَ رُسُلِهِ وعْدَهُ. قالَ القُتَيْبِيُّ: هو مِنَ المُقَدَّمِ الَّذِي يُوَضِّحُهُ التَّأْخِيرُ، والمُؤَخَّرُ الَّذِي يُوَضِّحُهُ التَّقْدِيمُ، وسَواءٌ في ذَلِكَ مُخْلِفَ وعْدِهِ رُسُلَهُ ومُخْلِفَ رُسُلِهِ وعْدَهُ، ومِثْلُ ما في الآيَةِ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎تَرى الثَّوْرَ فِيها مُدْخِلَ الظِّلِّ رَأْسَهُ وسائِرُهَ بادٍ إلى الشَّمْسِ أجْمَعُ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قَدَّمَ الوَعْدَ لِيُعْلِمَ أنَّهُ لا يُخْلِفُ الوَعْدَ أصْلًا كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ [آل عمران: ٣١] ثُمَّ قالَ رُسُلَهُ لِيُؤْذِنَ أنَّهُ إذا لَمْ يُخْلِفْ وعْدَهُ أحَدًا، ولَيْسَ مِن شَأْنِهِ إخْلافُ المَواعِيدِ، فَكَيْفَ يُخْلِفُهُ رُسُلَهُ الَّذِينَ هم خِيرَتُهُ وصَفْوَتُهُ والمُرادُ بِالوَعْدِ هُنا هو ما وعَدَهم سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا﴾ [غافر: ٥١] (p-٧٥٤)و﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] وقُرِئَ " مُخْلِفَ وعْدَهُ رُسُلِهِ " بِجَرِّ رُسُلِهِ ونَصْبِ وعْدِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذِهِ القِراءَةُ في الضَّعْفِ كَمَن قَرَأ: قَتْلُ أوْلادَهم شُرَكائِهِمْ ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ غالِبٌ لا يُغالِبُهُ أحَدٌ ﴿ذُو انْتِقامٍ﴾ يَنْتَقِمُ مِن أعْدائِهِ لِأوْلِيائِهِ. والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ في أوَّلِ آلِ عِمْرانَ. ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: انْتِصابُ ( يَوْمَ ) عَلى البَدَلِ مِن يَوْمَ يَأْتِيهِمْ، أوْ عَلى الظَّرْفِ لِلِانْتِقامِ. انْتَهى. ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ بِمُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ، أيْ: واذْكُرْ أوْ وارْتَقِبْ، والتَّبْدِيلُ قَدْ يَكُونُ في الذّاتِ كَما في: بَدَّلْتُ الدَّراهِمَ دَنانِيرَ، وقَدْ يَكُونُ في الصِّفاتِ كَما في: بَدَّلْتُ الحَلْقَةَ خاتَمًا، والآيَةُ تَحْتَمِلُ الأمْرَيْنِ، وقَدْ قِيلَ: المُرادُ تَغَيُّرُ صِفاتِها، وبِهِ قالَ الأكْثَرُ، وقِيلَ: تَغَيُّرُ ذاتِها، ومَعْنى " والسَّماواتُ " أيْ وتُبَدَّلُ السَّماواتُ غَيْرَ السَّماواتِ عَلى الِاخْتِلافِ الَّذِي مَرَّ ﴿وبَرَزُوا لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ أيْ بَرَزَ العِبادُ لِلَّهِ أوِ الظّالِمُونَ كَما يُفِيدُهُ السِّياقُ، أيْ: ظَهَرُوا مِن قُبُورِهِمْ، أوْ ظَهَرَ مِن أعْمالِهِمْ ما كانُوا يَكْتُمُونَهُ، والتَّعْبِيرُ عَلى المُسْتَقْبَلِ بِلَفْظِ الماضِي لِلتَّنْبِيهِ عَلى تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ﴾ [الكهف: ٩٩]، [يس: ٥١] و" الواحِدُ القَهّارُ " المُتَفَرِّدُ بِالأُلُوهِيَّةِ الكَثِيرُ القَهْرِ لِمَن عانَدَهُ. ﴿وتَرى المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ في الأصْفادِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى " بَرَزُوا " أوْ عَلى " تُبَدَّلُ "، والمَجِيءُ بِالمُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ، والمُجْرِمُونَ هُمُ المُشْرِكُونَ، ويَوْمَئِذٍ يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ، ومُقَرَّنِينَ أيْ مَشْدُودِينَ إمّا بِجَعْلِ بَعْضِهِمْ مَقْرُونًا مَعَ بَعْضٍ، أوْ قُرِنُوا مَعَ الشَّياطِينِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهو لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦] أوْ جُعِلَتْ أيْدِيهم مَقْرُونَةً إلى أرْجُلِهِمْ، والأصْفادُ: الأغْلالُ والقُيُودُ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِـ مُقَرَّنِينَ أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِهِ، يُقالُ صَفَدْتُهُ صَفْدًا، أيْ: قَيَّدْتُهُ، والِاسْمُ الصَّفْدُ، فَإذا أرَدْتَ التَّكْثِيرَ قُلْتَ صَفَّدْتُهُ. قالَ عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ: ؎فَآبُوا بِالنِّهابِ وبِالسَّبايا ∗∗∗ وأُبْنا بِالمُلُوكِ مُصَفَّدِينا وقالَ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ: ؎مِن بَيْنِ مَأْسُورٍ يَشُدُّ صَفادَهُ ∗∗∗ صَقْرٍ إذا لاقى الكَرِيهَةَ حامِي ويُقالُ صَفَدْتُهُ وأصْفَدْتُهُ: إذا أعْطَيْتَهُ، ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ: ؎ولَمْ أُعَرِّضْ أبَيْتَ اللَّعْنَ بِالصَّفَدِ ﴿سَرابِيلُهم مِن قَطِرانٍ﴾ السَّرابِيلُ: القُمُصُ، واحِدُها سِرْبالٌ، ومِنهُ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ: ؎تَلْقاكم عُصَبٌ حَوْلَ النَّبِيِّ لَهم ∗∗∗ مِن نَسْجِ داوُدَ في الهَيْجا سَرابِيلُ والقَطِرانُ: هو قَطِرانُ الإبِلِ الَّذِي تَهْنَأُ بِهِ، أيْ: قُمْصانُهم مِن قَطِرانٍ تُطْلى بِهِ جُلُودُهم حَتّى يَعُودَ ذَلِكَ الطِّلاءُ كالسَّرابِيلِ، وخُصَّ القَطِرانُ لِسُرْعَةِ اشْتِعالِ النّارِ فِيهِ مَعَ نَتْنِ رائِحَتِهِ. وقالَ جَماعَةٌ: هو النُّحاسُ، أيْ: قُمْصانُهم مِن نُحاسٍ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ " مِن قَطْرانٍ " بِفَتْحِ القافِ وتَسْكِينِ الطّاءِ. وقُرِئَ بِكَسْرِ القافِ وسُكُونِ الطّاءِ، وقُرِئَ بِفَتْحِ القافِ والطّاءِ، رُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأبِي هُرَيْرَةَ وعِكْرِمَةَ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ويَعْقُوبَ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ ﴿وتَغْشى وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ أيْ تَعْلُو وُجُوهَهم وتَضْرِبُها، وخَصَّ الوُجُوهَ لِأنَّها أشْرَفُ ما في البَدَنِ، وفِيها الحَواسُّ المُدْرِكَةُ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْضًا. و( لِيَجْزِيَ اللَّهُ ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، أيْ: يَفْعَلُ ذَلِكَ بِهِمْ لِيَجْزِيَ كُلَّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ مِنَ المَعاصِي، أيْ: جَزاءً مُوافِقًا لِما كَسَبَتْ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ ﴿إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ لا يَشْغَلُهُ عَنْهُ شَيْءٌ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ. ( هَذا بَلاغٌ ) أيْ هَذا الَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ بَلاغٌ، أيْ: تَبْلِيغٌ وكِفايَةٌ في المَوْعِظَةِ والتَّذْكِيرِ. قِيلَ: إنَّ الإشارَةَ إلى ما ذَكَرَهُ سُبْحانَهُ هُنا مِن قَوْلِهِ: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا﴾ إلى ﴿سَرِيعُ الحِسابِ﴾ [ إبْراهِيمَ: ٤٢: ٥١ ] أيْ هَذا فِيهِ كِفايَةٌ مِن غَيْرِ ما انْطَوَتْ عَلَيْهِ السُّورَةُ، وقِيلَ: الإشارَةُ إلى جَمِيعِ السُّورَةِ، وقِيلَ: إلى القُرْآنِ، ومَعْنى " لِلنّاسِ " لِلْكُفّارِ، أوْ لِجَمِيعِ النّاسِ عَلى ما قِيلَ في قَوْلِهِ: ﴿وأنْذِرِ النّاسَ﴾ [إبراهيم: ٤٤] ( ولِيُنْذَرُوا بِهِ ) مَعْطُوفٌ عَلى مَحْذُوفٍ، أيْ: لِيُنْصَحُوا ولِيُنْذَرُوا بِهِ، والمَعْنى: ولِيُخَوَّفُوا بِهِ، وقُرِئَ " ولِيَنْذَرُوا " بِفَتْحِ الياءِ التَّحْتِيَّةِ والذّالِ المُعْجَمَةِ، يُقالُ نَذَرْتُ بِالشَّيْءِ أنْذِرَ: إذا عَلِمْتَ بِهِ فاسْتَعْدَدْتَ لَهُ ﴿ولِيَعْلَمُوا أنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ﴾ أيْ لِيَعْلَمُوا بِالأدِلَّةِ التَّكْوِينِيَّةِ المَذْكُورَةِ سابِقًا وحْدانِيَّةَ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وأنَّهُ لا شَرِيكَ لَهُ ﴿ولِيَذَّكَّرَ أُولُو الألْبابِ﴾ أيْ: ولِيَتَّعِظَ أصْحابُ العُقُولِ، وهَذِهِ اللّاماتُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: وكَذَلِكَ أنْزَلْنا، أوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِالبَلاغِ المَذْكُورِ، أيْ: كِفايَةً لَهم في أنْ يُنْصَحُوا ويُنْذَرُوا ويَعْلَمُوا بِما أقامَ اللَّهُ مِنَ الحُجَجِ والبَراهِينِ وحْدانِيَّتَهُ سُبْحانَهُ وأنَّهُ لا شَرِيكَ لَهُ، ولِيَتَّعِظَ بِذَلِكَ أصْحابُ العُقُولِ الَّتِي تَعْقِلُ وتُدْرِكُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ﴾ قالَ: عَزِيزٌ واللَّهِ في أمْرِهِ، يُمْلِي وكَيْدُهُ مَتِينٌ، ثُمَّ إذا انْتَقَمَ انْتَقَمَ بِقُدْرَةٍ. وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ مِن حَدِيثِ ثَوْبانَ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَ: أيْنَ يَكُونُ النّاسُ يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: في الظُّلْمَةِ دُونَ الجِسْرِ» . وأخْرَجَ مُسْلِمٌ أيْضًا وغَيْرُهُ مِن «حَدِيثِ عائِشَةَ. قالَتْ " أنا أوَّلُ مَن سَألَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ﴾ قُلْتُ: أيْنَ النّاسُ يَوْمَئِذٍ ؟ قالَ: عَلى الصِّراطِ» . وأخْرَجَ البَزّارُ وابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: في قَوْلِ اللَّهِ ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ﴾ قالَ: أرْضٌ بَيْضاءُ، كَأنَّها فِضَّةٌ لَمْ يُسْفَكْ فِيها دَمٌ حَرامٌ، ولَمْ يُعْمَلْ بِها خَطِيئَةٌ» . وأخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْهُ مَوْقُوفًا نَحْوَهُ، قالَ البَيْهَقِيُّ: المَوْقُوفُ أصَحُّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ قالَ «أتى اليَهُودُ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَ: جاءُونِي يَسْألُونَنِي وسَأُخْبِرُهم قَبْلَ أنْ يَسْألُونِي ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ﴾ قالَ: (p-٧٥٥)أرْضٌ بَيْضاءُ كالفِضَّةِ، فَسَألَهم فَقالُوا: أرْضٌ بَيْضاءُ كالنَّقِيِّ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مَرْفُوعًا عَنْ عَلِيٍّ نَحْوَ ما تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ مَوْقُوفًا نَحْوَهُ، وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ، وثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «يُحْشَرُ النّاسُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى أرْضٍ بَيْضاءَ عَفْراءَ كَقُرْصَةِ نَقِيٍّ» . وفِيهِما أيْضًا مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «تَكُونُ الأرْضُ يَوْمَ القِيامَةِ خُبْزَةً واحِدَةً يَتَكَفَّؤُها الجَبّارُ بِيَدِهِ» الحَدِيثَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مُقَرَّنِينَ في الأصْفادِ﴾ قالَ: الكُبُولُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ ﴿فِي الأصْفادِ﴾ قالَ: القُيُودِ والأغْلالِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: في السَّلاسِلِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فِي الأصْفادِ﴾ يَقُولُ: في وِثاقٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ ﴿سَرابِيلُهُمْ﴾ قالَ: قُمُصُهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿مِن قَطِرانٍ﴾ قالَ: قَطِرانِ الإبِلِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ في الآيَةِ قالَ: هَذا القَطِرانُ يُطْلى بِهِ حَتّى يَشْتَعِلَ نارًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: هو النُّحاسُ المُذابُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ قَرَأ ﴿مِن قَطِرانٍ﴾ فَقالَ القَطْرُ: الصُّفْرُ، والآنُ: الحارُّ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ عَنْ أبِي مالِكٍ الأشْعَرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ «النّائِحَةُ إذا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِها تُقامُ يَوْمَ القِيامَةِ وعَلَيْها سِرْبالٌ مِن قَطِرانٍ، ودِرْعٌ مَن جَرَبٍ» وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿هَذا بَلاغٌ لِلنّاسِ﴾ قالَ: القُرْآنُ ﴿ولِيُنْذَرُوا بِهِ﴾ قالَ: القُرْآنُ.

إبراهيم 14:49

. مُخْلِفَ مُنْتَصِبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ " تَحْسَبَنَّ "، وانْتِصابُ ( رُسُلَهُ ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ ( وعْدِهِ )، قِيلَ: وذَلِكَ عَلى الِاتِّساعِ، والمَعْنى: مُخْلِفَ رُسُلِهِ وعْدَهُ. قالَ القُتَيْبِيُّ: هو مِنَ المُقَدَّمِ الَّذِي يُوَضِّحُهُ التَّأْخِيرُ، والمُؤَخَّرُ الَّذِي يُوَضِّحُهُ التَّقْدِيمُ، وسَواءٌ في ذَلِكَ مُخْلِفَ وعْدِهِ رُسُلَهُ ومُخْلِفَ رُسُلِهِ وعْدَهُ، ومِثْلُ ما في الآيَةِ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎تَرى الثَّوْرَ فِيها مُدْخِلَ الظِّلِّ رَأْسَهُ وسائِرُهَ بادٍ إلى الشَّمْسِ أجْمَعُ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قَدَّمَ الوَعْدَ لِيُعْلِمَ أنَّهُ لا يُخْلِفُ الوَعْدَ أصْلًا كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ [آل عمران: ٣١] ثُمَّ قالَ رُسُلَهُ لِيُؤْذِنَ أنَّهُ إذا لَمْ يُخْلِفْ وعْدَهُ أحَدًا، ولَيْسَ مِن شَأْنِهِ إخْلافُ المَواعِيدِ، فَكَيْفَ يُخْلِفُهُ رُسُلَهُ الَّذِينَ هم خِيرَتُهُ وصَفْوَتُهُ والمُرادُ بِالوَعْدِ هُنا هو ما وعَدَهم سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا﴾ [غافر: ٥١] (p-٧٥٤)و﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] وقُرِئَ " مُخْلِفَ وعْدَهُ رُسُلِهِ " بِجَرِّ رُسُلِهِ ونَصْبِ وعْدِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذِهِ القِراءَةُ في الضَّعْفِ كَمَن قَرَأ: قَتْلُ أوْلادَهم شُرَكائِهِمْ ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ غالِبٌ لا يُغالِبُهُ أحَدٌ ﴿ذُو انْتِقامٍ﴾ يَنْتَقِمُ مِن أعْدائِهِ لِأوْلِيائِهِ. والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ في أوَّلِ آلِ عِمْرانَ. ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: انْتِصابُ ( يَوْمَ ) عَلى البَدَلِ مِن يَوْمَ يَأْتِيهِمْ، أوْ عَلى الظَّرْفِ لِلِانْتِقامِ. انْتَهى. ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ بِمُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ، أيْ: واذْكُرْ أوْ وارْتَقِبْ، والتَّبْدِيلُ قَدْ يَكُونُ في الذّاتِ كَما في: بَدَّلْتُ الدَّراهِمَ دَنانِيرَ، وقَدْ يَكُونُ في الصِّفاتِ كَما في: بَدَّلْتُ الحَلْقَةَ خاتَمًا، والآيَةُ تَحْتَمِلُ الأمْرَيْنِ، وقَدْ قِيلَ: المُرادُ تَغَيُّرُ صِفاتِها، وبِهِ قالَ الأكْثَرُ، وقِيلَ: تَغَيُّرُ ذاتِها، ومَعْنى " والسَّماواتُ " أيْ وتُبَدَّلُ السَّماواتُ غَيْرَ السَّماواتِ عَلى الِاخْتِلافِ الَّذِي مَرَّ ﴿وبَرَزُوا لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ أيْ بَرَزَ العِبادُ لِلَّهِ أوِ الظّالِمُونَ كَما يُفِيدُهُ السِّياقُ، أيْ: ظَهَرُوا مِن قُبُورِهِمْ، أوْ ظَهَرَ مِن أعْمالِهِمْ ما كانُوا يَكْتُمُونَهُ، والتَّعْبِيرُ عَلى المُسْتَقْبَلِ بِلَفْظِ الماضِي لِلتَّنْبِيهِ عَلى تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ﴾ [الكهف: ٩٩]، [يس: ٥١] و" الواحِدُ القَهّارُ " المُتَفَرِّدُ بِالأُلُوهِيَّةِ الكَثِيرُ القَهْرِ لِمَن عانَدَهُ. ﴿وتَرى المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ في الأصْفادِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى " بَرَزُوا " أوْ عَلى " تُبَدَّلُ "، والمَجِيءُ بِالمُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ، والمُجْرِمُونَ هُمُ المُشْرِكُونَ، ويَوْمَئِذٍ يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ، ومُقَرَّنِينَ أيْ مَشْدُودِينَ إمّا بِجَعْلِ بَعْضِهِمْ مَقْرُونًا مَعَ بَعْضٍ، أوْ قُرِنُوا مَعَ الشَّياطِينِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهو لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦] أوْ جُعِلَتْ أيْدِيهم مَقْرُونَةً إلى أرْجُلِهِمْ، والأصْفادُ: الأغْلالُ والقُيُودُ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِـ مُقَرَّنِينَ أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِهِ، يُقالُ صَفَدْتُهُ صَفْدًا، أيْ: قَيَّدْتُهُ، والِاسْمُ الصَّفْدُ، فَإذا أرَدْتَ التَّكْثِيرَ قُلْتَ صَفَّدْتُهُ. قالَ عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ: ؎فَآبُوا بِالنِّهابِ وبِالسَّبايا ∗∗∗ وأُبْنا بِالمُلُوكِ مُصَفَّدِينا وقالَ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ: ؎مِن بَيْنِ مَأْسُورٍ يَشُدُّ صَفادَهُ ∗∗∗ صَقْرٍ إذا لاقى الكَرِيهَةَ حامِي ويُقالُ صَفَدْتُهُ وأصْفَدْتُهُ: إذا أعْطَيْتَهُ، ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ: ؎ولَمْ أُعَرِّضْ أبَيْتَ اللَّعْنَ بِالصَّفَدِ ﴿سَرابِيلُهم مِن قَطِرانٍ﴾ السَّرابِيلُ: القُمُصُ، واحِدُها سِرْبالٌ، ومِنهُ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ: ؎تَلْقاكم عُصَبٌ حَوْلَ النَّبِيِّ لَهم ∗∗∗ مِن نَسْجِ داوُدَ في الهَيْجا سَرابِيلُ والقَطِرانُ: هو قَطِرانُ الإبِلِ الَّذِي تَهْنَأُ بِهِ، أيْ: قُمْصانُهم مِن قَطِرانٍ تُطْلى بِهِ جُلُودُهم حَتّى يَعُودَ ذَلِكَ الطِّلاءُ كالسَّرابِيلِ، وخُصَّ القَطِرانُ لِسُرْعَةِ اشْتِعالِ النّارِ فِيهِ مَعَ نَتْنِ رائِحَتِهِ. وقالَ جَماعَةٌ: هو النُّحاسُ، أيْ: قُمْصانُهم مِن نُحاسٍ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ " مِن قَطْرانٍ " بِفَتْحِ القافِ وتَسْكِينِ الطّاءِ. وقُرِئَ بِكَسْرِ القافِ وسُكُونِ الطّاءِ، وقُرِئَ بِفَتْحِ القافِ والطّاءِ، رُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأبِي هُرَيْرَةَ وعِكْرِمَةَ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ويَعْقُوبَ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ ﴿وتَغْشى وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ أيْ تَعْلُو وُجُوهَهم وتَضْرِبُها، وخَصَّ الوُجُوهَ لِأنَّها أشْرَفُ ما في البَدَنِ، وفِيها الحَواسُّ المُدْرِكَةُ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْضًا. و( لِيَجْزِيَ اللَّهُ ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، أيْ: يَفْعَلُ ذَلِكَ بِهِمْ لِيَجْزِيَ كُلَّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ مِنَ المَعاصِي، أيْ: جَزاءً مُوافِقًا لِما كَسَبَتْ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ ﴿إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ لا يَشْغَلُهُ عَنْهُ شَيْءٌ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ. ( هَذا بَلاغٌ ) أيْ هَذا الَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ بَلاغٌ، أيْ: تَبْلِيغٌ وكِفايَةٌ في المَوْعِظَةِ والتَّذْكِيرِ. قِيلَ: إنَّ الإشارَةَ إلى ما ذَكَرَهُ سُبْحانَهُ هُنا مِن قَوْلِهِ: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا﴾ إلى ﴿سَرِيعُ الحِسابِ﴾ [ إبْراهِيمَ: ٤٢: ٥١ ] أيْ هَذا فِيهِ كِفايَةٌ مِن غَيْرِ ما انْطَوَتْ عَلَيْهِ السُّورَةُ، وقِيلَ: الإشارَةُ إلى جَمِيعِ السُّورَةِ، وقِيلَ: إلى القُرْآنِ، ومَعْنى " لِلنّاسِ " لِلْكُفّارِ، أوْ لِجَمِيعِ النّاسِ عَلى ما قِيلَ في قَوْلِهِ: ﴿وأنْذِرِ النّاسَ﴾ [إبراهيم: ٤٤] ( ولِيُنْذَرُوا بِهِ ) مَعْطُوفٌ عَلى مَحْذُوفٍ، أيْ: لِيُنْصَحُوا ولِيُنْذَرُوا بِهِ، والمَعْنى: ولِيُخَوَّفُوا بِهِ، وقُرِئَ " ولِيَنْذَرُوا " بِفَتْحِ الياءِ التَّحْتِيَّةِ والذّالِ المُعْجَمَةِ، يُقالُ نَذَرْتُ بِالشَّيْءِ أنْذِرَ: إذا عَلِمْتَ بِهِ فاسْتَعْدَدْتَ لَهُ ﴿ولِيَعْلَمُوا أنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ﴾ أيْ لِيَعْلَمُوا بِالأدِلَّةِ التَّكْوِينِيَّةِ المَذْكُورَةِ سابِقًا وحْدانِيَّةَ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وأنَّهُ لا شَرِيكَ لَهُ ﴿ولِيَذَّكَّرَ أُولُو الألْبابِ﴾ أيْ: ولِيَتَّعِظَ أصْحابُ العُقُولِ، وهَذِهِ اللّاماتُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: وكَذَلِكَ أنْزَلْنا، أوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِالبَلاغِ المَذْكُورِ، أيْ: كِفايَةً لَهم في أنْ يُنْصَحُوا ويُنْذَرُوا ويَعْلَمُوا بِما أقامَ اللَّهُ مِنَ الحُجَجِ والبَراهِينِ وحْدانِيَّتَهُ سُبْحانَهُ وأنَّهُ لا شَرِيكَ لَهُ، ولِيَتَّعِظَ بِذَلِكَ أصْحابُ العُقُولِ الَّتِي تَعْقِلُ وتُدْرِكُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ﴾ قالَ: عَزِيزٌ واللَّهِ في أمْرِهِ، يُمْلِي وكَيْدُهُ مَتِينٌ، ثُمَّ إذا انْتَقَمَ انْتَقَمَ بِقُدْرَةٍ. وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ مِن حَدِيثِ ثَوْبانَ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَ: أيْنَ يَكُونُ النّاسُ يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: في الظُّلْمَةِ دُونَ الجِسْرِ» . وأخْرَجَ مُسْلِمٌ أيْضًا وغَيْرُهُ مِن «حَدِيثِ عائِشَةَ. قالَتْ " أنا أوَّلُ مَن سَألَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ﴾ قُلْتُ: أيْنَ النّاسُ يَوْمَئِذٍ ؟ قالَ: عَلى الصِّراطِ» . وأخْرَجَ البَزّارُ وابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: في قَوْلِ اللَّهِ ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ﴾ قالَ: أرْضٌ بَيْضاءُ، كَأنَّها فِضَّةٌ لَمْ يُسْفَكْ فِيها دَمٌ حَرامٌ، ولَمْ يُعْمَلْ بِها خَطِيئَةٌ» . وأخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْهُ مَوْقُوفًا نَحْوَهُ، قالَ البَيْهَقِيُّ: المَوْقُوفُ أصَحُّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ قالَ «أتى اليَهُودُ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَ: جاءُونِي يَسْألُونَنِي وسَأُخْبِرُهم قَبْلَ أنْ يَسْألُونِي ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ﴾ قالَ: (p-٧٥٥)أرْضٌ بَيْضاءُ كالفِضَّةِ، فَسَألَهم فَقالُوا: أرْضٌ بَيْضاءُ كالنَّقِيِّ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مَرْفُوعًا عَنْ عَلِيٍّ نَحْوَ ما تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ مَوْقُوفًا نَحْوَهُ، وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ، وثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «يُحْشَرُ النّاسُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى أرْضٍ بَيْضاءَ عَفْراءَ كَقُرْصَةِ نَقِيٍّ» . وفِيهِما أيْضًا مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «تَكُونُ الأرْضُ يَوْمَ القِيامَةِ خُبْزَةً واحِدَةً يَتَكَفَّؤُها الجَبّارُ بِيَدِهِ» الحَدِيثَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مُقَرَّنِينَ في الأصْفادِ﴾ قالَ: الكُبُولُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ ﴿فِي الأصْفادِ﴾ قالَ: القُيُودِ والأغْلالِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: في السَّلاسِلِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فِي الأصْفادِ﴾ يَقُولُ: في وِثاقٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ ﴿سَرابِيلُهُمْ﴾ قالَ: قُمُصُهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿مِن قَطِرانٍ﴾ قالَ: قَطِرانِ الإبِلِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ في الآيَةِ قالَ: هَذا القَطِرانُ يُطْلى بِهِ حَتّى يَشْتَعِلَ نارًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: هو النُّحاسُ المُذابُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ قَرَأ ﴿مِن قَطِرانٍ﴾ فَقالَ القَطْرُ: الصُّفْرُ، والآنُ: الحارُّ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ عَنْ أبِي مالِكٍ الأشْعَرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ «النّائِحَةُ إذا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِها تُقامُ يَوْمَ القِيامَةِ وعَلَيْها سِرْبالٌ مِن قَطِرانٍ، ودِرْعٌ مَن جَرَبٍ» وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿هَذا بَلاغٌ لِلنّاسِ﴾ قالَ: القُرْآنُ ﴿ولِيُنْذَرُوا بِهِ﴾ قالَ: القُرْآنُ.

إبراهيم 14:50

. مُخْلِفَ مُنْتَصِبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ " تَحْسَبَنَّ "، وانْتِصابُ ( رُسُلَهُ ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ ( وعْدِهِ )، قِيلَ: وذَلِكَ عَلى الِاتِّساعِ، والمَعْنى: مُخْلِفَ رُسُلِهِ وعْدَهُ. قالَ القُتَيْبِيُّ: هو مِنَ المُقَدَّمِ الَّذِي يُوَضِّحُهُ التَّأْخِيرُ، والمُؤَخَّرُ الَّذِي يُوَضِّحُهُ التَّقْدِيمُ، وسَواءٌ في ذَلِكَ مُخْلِفَ وعْدِهِ رُسُلَهُ ومُخْلِفَ رُسُلِهِ وعْدَهُ، ومِثْلُ ما في الآيَةِ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎تَرى الثَّوْرَ فِيها مُدْخِلَ الظِّلِّ رَأْسَهُ وسائِرُهَ بادٍ إلى الشَّمْسِ أجْمَعُ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قَدَّمَ الوَعْدَ لِيُعْلِمَ أنَّهُ لا يُخْلِفُ الوَعْدَ أصْلًا كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ [آل عمران: ٣١] ثُمَّ قالَ رُسُلَهُ لِيُؤْذِنَ أنَّهُ إذا لَمْ يُخْلِفْ وعْدَهُ أحَدًا، ولَيْسَ مِن شَأْنِهِ إخْلافُ المَواعِيدِ، فَكَيْفَ يُخْلِفُهُ رُسُلَهُ الَّذِينَ هم خِيرَتُهُ وصَفْوَتُهُ والمُرادُ بِالوَعْدِ هُنا هو ما وعَدَهم سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا﴾ [غافر: ٥١] (p-٧٥٤)و﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] وقُرِئَ " مُخْلِفَ وعْدَهُ رُسُلِهِ " بِجَرِّ رُسُلِهِ ونَصْبِ وعْدِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذِهِ القِراءَةُ في الضَّعْفِ كَمَن قَرَأ: قَتْلُ أوْلادَهم شُرَكائِهِمْ ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ غالِبٌ لا يُغالِبُهُ أحَدٌ ﴿ذُو انْتِقامٍ﴾ يَنْتَقِمُ مِن أعْدائِهِ لِأوْلِيائِهِ. والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ في أوَّلِ آلِ عِمْرانَ. ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: انْتِصابُ ( يَوْمَ ) عَلى البَدَلِ مِن يَوْمَ يَأْتِيهِمْ، أوْ عَلى الظَّرْفِ لِلِانْتِقامِ. انْتَهى. ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ بِمُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ، أيْ: واذْكُرْ أوْ وارْتَقِبْ، والتَّبْدِيلُ قَدْ يَكُونُ في الذّاتِ كَما في: بَدَّلْتُ الدَّراهِمَ دَنانِيرَ، وقَدْ يَكُونُ في الصِّفاتِ كَما في: بَدَّلْتُ الحَلْقَةَ خاتَمًا، والآيَةُ تَحْتَمِلُ الأمْرَيْنِ، وقَدْ قِيلَ: المُرادُ تَغَيُّرُ صِفاتِها، وبِهِ قالَ الأكْثَرُ، وقِيلَ: تَغَيُّرُ ذاتِها، ومَعْنى " والسَّماواتُ " أيْ وتُبَدَّلُ السَّماواتُ غَيْرَ السَّماواتِ عَلى الِاخْتِلافِ الَّذِي مَرَّ ﴿وبَرَزُوا لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ أيْ بَرَزَ العِبادُ لِلَّهِ أوِ الظّالِمُونَ كَما يُفِيدُهُ السِّياقُ، أيْ: ظَهَرُوا مِن قُبُورِهِمْ، أوْ ظَهَرَ مِن أعْمالِهِمْ ما كانُوا يَكْتُمُونَهُ، والتَّعْبِيرُ عَلى المُسْتَقْبَلِ بِلَفْظِ الماضِي لِلتَّنْبِيهِ عَلى تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ﴾ [الكهف: ٩٩]، [يس: ٥١] و" الواحِدُ القَهّارُ " المُتَفَرِّدُ بِالأُلُوهِيَّةِ الكَثِيرُ القَهْرِ لِمَن عانَدَهُ. ﴿وتَرى المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ في الأصْفادِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى " بَرَزُوا " أوْ عَلى " تُبَدَّلُ "، والمَجِيءُ بِالمُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ، والمُجْرِمُونَ هُمُ المُشْرِكُونَ، ويَوْمَئِذٍ يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ، ومُقَرَّنِينَ أيْ مَشْدُودِينَ إمّا بِجَعْلِ بَعْضِهِمْ مَقْرُونًا مَعَ بَعْضٍ، أوْ قُرِنُوا مَعَ الشَّياطِينِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهو لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦] أوْ جُعِلَتْ أيْدِيهم مَقْرُونَةً إلى أرْجُلِهِمْ، والأصْفادُ: الأغْلالُ والقُيُودُ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِـ مُقَرَّنِينَ أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِهِ، يُقالُ صَفَدْتُهُ صَفْدًا، أيْ: قَيَّدْتُهُ، والِاسْمُ الصَّفْدُ، فَإذا أرَدْتَ التَّكْثِيرَ قُلْتَ صَفَّدْتُهُ. قالَ عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ: ؎فَآبُوا بِالنِّهابِ وبِالسَّبايا ∗∗∗ وأُبْنا بِالمُلُوكِ مُصَفَّدِينا وقالَ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ: ؎مِن بَيْنِ مَأْسُورٍ يَشُدُّ صَفادَهُ ∗∗∗ صَقْرٍ إذا لاقى الكَرِيهَةَ حامِي ويُقالُ صَفَدْتُهُ وأصْفَدْتُهُ: إذا أعْطَيْتَهُ، ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ: ؎ولَمْ أُعَرِّضْ أبَيْتَ اللَّعْنَ بِالصَّفَدِ ﴿سَرابِيلُهم مِن قَطِرانٍ﴾ السَّرابِيلُ: القُمُصُ، واحِدُها سِرْبالٌ، ومِنهُ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ: ؎تَلْقاكم عُصَبٌ حَوْلَ النَّبِيِّ لَهم ∗∗∗ مِن نَسْجِ داوُدَ في الهَيْجا سَرابِيلُ والقَطِرانُ: هو قَطِرانُ الإبِلِ الَّذِي تَهْنَأُ بِهِ، أيْ: قُمْصانُهم مِن قَطِرانٍ تُطْلى بِهِ جُلُودُهم حَتّى يَعُودَ ذَلِكَ الطِّلاءُ كالسَّرابِيلِ، وخُصَّ القَطِرانُ لِسُرْعَةِ اشْتِعالِ النّارِ فِيهِ مَعَ نَتْنِ رائِحَتِهِ. وقالَ جَماعَةٌ: هو النُّحاسُ، أيْ: قُمْصانُهم مِن نُحاسٍ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ " مِن قَطْرانٍ " بِفَتْحِ القافِ وتَسْكِينِ الطّاءِ. وقُرِئَ بِكَسْرِ القافِ وسُكُونِ الطّاءِ، وقُرِئَ بِفَتْحِ القافِ والطّاءِ، رُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأبِي هُرَيْرَةَ وعِكْرِمَةَ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ويَعْقُوبَ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ ﴿وتَغْشى وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ أيْ تَعْلُو وُجُوهَهم وتَضْرِبُها، وخَصَّ الوُجُوهَ لِأنَّها أشْرَفُ ما في البَدَنِ، وفِيها الحَواسُّ المُدْرِكَةُ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْضًا. و( لِيَجْزِيَ اللَّهُ ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، أيْ: يَفْعَلُ ذَلِكَ بِهِمْ لِيَجْزِيَ كُلَّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ مِنَ المَعاصِي، أيْ: جَزاءً مُوافِقًا لِما كَسَبَتْ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ ﴿إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ لا يَشْغَلُهُ عَنْهُ شَيْءٌ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ. ( هَذا بَلاغٌ ) أيْ هَذا الَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ بَلاغٌ، أيْ: تَبْلِيغٌ وكِفايَةٌ في المَوْعِظَةِ والتَّذْكِيرِ. قِيلَ: إنَّ الإشارَةَ إلى ما ذَكَرَهُ سُبْحانَهُ هُنا مِن قَوْلِهِ: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا﴾ إلى ﴿سَرِيعُ الحِسابِ﴾ [ إبْراهِيمَ: ٤٢: ٥١ ] أيْ هَذا فِيهِ كِفايَةٌ مِن غَيْرِ ما انْطَوَتْ عَلَيْهِ السُّورَةُ، وقِيلَ: الإشارَةُ إلى جَمِيعِ السُّورَةِ، وقِيلَ: إلى القُرْآنِ، ومَعْنى " لِلنّاسِ " لِلْكُفّارِ، أوْ لِجَمِيعِ النّاسِ عَلى ما قِيلَ في قَوْلِهِ: ﴿وأنْذِرِ النّاسَ﴾ [إبراهيم: ٤٤] ( ولِيُنْذَرُوا بِهِ ) مَعْطُوفٌ عَلى مَحْذُوفٍ، أيْ: لِيُنْصَحُوا ولِيُنْذَرُوا بِهِ، والمَعْنى: ولِيُخَوَّفُوا بِهِ، وقُرِئَ " ولِيَنْذَرُوا " بِفَتْحِ الياءِ التَّحْتِيَّةِ والذّالِ المُعْجَمَةِ، يُقالُ نَذَرْتُ بِالشَّيْءِ أنْذِرَ: إذا عَلِمْتَ بِهِ فاسْتَعْدَدْتَ لَهُ ﴿ولِيَعْلَمُوا أنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ﴾ أيْ لِيَعْلَمُوا بِالأدِلَّةِ التَّكْوِينِيَّةِ المَذْكُورَةِ سابِقًا وحْدانِيَّةَ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وأنَّهُ لا شَرِيكَ لَهُ ﴿ولِيَذَّكَّرَ أُولُو الألْبابِ﴾ أيْ: ولِيَتَّعِظَ أصْحابُ العُقُولِ، وهَذِهِ اللّاماتُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: وكَذَلِكَ أنْزَلْنا، أوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِالبَلاغِ المَذْكُورِ، أيْ: كِفايَةً لَهم في أنْ يُنْصَحُوا ويُنْذَرُوا ويَعْلَمُوا بِما أقامَ اللَّهُ مِنَ الحُجَجِ والبَراهِينِ وحْدانِيَّتَهُ سُبْحانَهُ وأنَّهُ لا شَرِيكَ لَهُ، ولِيَتَّعِظَ بِذَلِكَ أصْحابُ العُقُولِ الَّتِي تَعْقِلُ وتُدْرِكُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ﴾ قالَ: عَزِيزٌ واللَّهِ في أمْرِهِ، يُمْلِي وكَيْدُهُ مَتِينٌ، ثُمَّ إذا انْتَقَمَ انْتَقَمَ بِقُدْرَةٍ. وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ مِن حَدِيثِ ثَوْبانَ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَ: أيْنَ يَكُونُ النّاسُ يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: في الظُّلْمَةِ دُونَ الجِسْرِ» . وأخْرَجَ مُسْلِمٌ أيْضًا وغَيْرُهُ مِن «حَدِيثِ عائِشَةَ. قالَتْ " أنا أوَّلُ مَن سَألَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ﴾ قُلْتُ: أيْنَ النّاسُ يَوْمَئِذٍ ؟ قالَ: عَلى الصِّراطِ» . وأخْرَجَ البَزّارُ وابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: في قَوْلِ اللَّهِ ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ﴾ قالَ: أرْضٌ بَيْضاءُ، كَأنَّها فِضَّةٌ لَمْ يُسْفَكْ فِيها دَمٌ حَرامٌ، ولَمْ يُعْمَلْ بِها خَطِيئَةٌ» . وأخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْهُ مَوْقُوفًا نَحْوَهُ، قالَ البَيْهَقِيُّ: المَوْقُوفُ أصَحُّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ قالَ «أتى اليَهُودُ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَ: جاءُونِي يَسْألُونَنِي وسَأُخْبِرُهم قَبْلَ أنْ يَسْألُونِي ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ﴾ قالَ: (p-٧٥٥)أرْضٌ بَيْضاءُ كالفِضَّةِ، فَسَألَهم فَقالُوا: أرْضٌ بَيْضاءُ كالنَّقِيِّ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مَرْفُوعًا عَنْ عَلِيٍّ نَحْوَ ما تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ مَوْقُوفًا نَحْوَهُ، وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ، وثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «يُحْشَرُ النّاسُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى أرْضٍ بَيْضاءَ عَفْراءَ كَقُرْصَةِ نَقِيٍّ» . وفِيهِما أيْضًا مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «تَكُونُ الأرْضُ يَوْمَ القِيامَةِ خُبْزَةً واحِدَةً يَتَكَفَّؤُها الجَبّارُ بِيَدِهِ» الحَدِيثَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مُقَرَّنِينَ في الأصْفادِ﴾ قالَ: الكُبُولُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ ﴿فِي الأصْفادِ﴾ قالَ: القُيُودِ والأغْلالِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: في السَّلاسِلِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فِي الأصْفادِ﴾ يَقُولُ: في وِثاقٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ ﴿سَرابِيلُهُمْ﴾ قالَ: قُمُصُهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿مِن قَطِرانٍ﴾ قالَ: قَطِرانِ الإبِلِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ في الآيَةِ قالَ: هَذا القَطِرانُ يُطْلى بِهِ حَتّى يَشْتَعِلَ نارًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: هو النُّحاسُ المُذابُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ قَرَأ ﴿مِن قَطِرانٍ﴾ فَقالَ القَطْرُ: الصُّفْرُ، والآنُ: الحارُّ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ عَنْ أبِي مالِكٍ الأشْعَرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ «النّائِحَةُ إذا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِها تُقامُ يَوْمَ القِيامَةِ وعَلَيْها سِرْبالٌ مِن قَطِرانٍ، ودِرْعٌ مَن جَرَبٍ» وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿هَذا بَلاغٌ لِلنّاسِ﴾ قالَ: القُرْآنُ ﴿ولِيُنْذَرُوا بِهِ﴾ قالَ: القُرْآنُ.

إبراهيم 14:51

. مُخْلِفَ مُنْتَصِبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ " تَحْسَبَنَّ "، وانْتِصابُ ( رُسُلَهُ ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ ( وعْدِهِ )، قِيلَ: وذَلِكَ عَلى الِاتِّساعِ، والمَعْنى: مُخْلِفَ رُسُلِهِ وعْدَهُ. قالَ القُتَيْبِيُّ: هو مِنَ المُقَدَّمِ الَّذِي يُوَضِّحُهُ التَّأْخِيرُ، والمُؤَخَّرُ الَّذِي يُوَضِّحُهُ التَّقْدِيمُ، وسَواءٌ في ذَلِكَ مُخْلِفَ وعْدِهِ رُسُلَهُ ومُخْلِفَ رُسُلِهِ وعْدَهُ، ومِثْلُ ما في الآيَةِ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎تَرى الثَّوْرَ فِيها مُدْخِلَ الظِّلِّ رَأْسَهُ وسائِرُهَ بادٍ إلى الشَّمْسِ أجْمَعُ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قَدَّمَ الوَعْدَ لِيُعْلِمَ أنَّهُ لا يُخْلِفُ الوَعْدَ أصْلًا كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ [آل عمران: ٣١] ثُمَّ قالَ رُسُلَهُ لِيُؤْذِنَ أنَّهُ إذا لَمْ يُخْلِفْ وعْدَهُ أحَدًا، ولَيْسَ مِن شَأْنِهِ إخْلافُ المَواعِيدِ، فَكَيْفَ يُخْلِفُهُ رُسُلَهُ الَّذِينَ هم خِيرَتُهُ وصَفْوَتُهُ والمُرادُ بِالوَعْدِ هُنا هو ما وعَدَهم سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا﴾ [غافر: ٥١] (p-٧٥٤)و﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] وقُرِئَ " مُخْلِفَ وعْدَهُ رُسُلِهِ " بِجَرِّ رُسُلِهِ ونَصْبِ وعْدِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذِهِ القِراءَةُ في الضَّعْفِ كَمَن قَرَأ: قَتْلُ أوْلادَهم شُرَكائِهِمْ ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ غالِبٌ لا يُغالِبُهُ أحَدٌ ﴿ذُو انْتِقامٍ﴾ يَنْتَقِمُ مِن أعْدائِهِ لِأوْلِيائِهِ. والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ في أوَّلِ آلِ عِمْرانَ. ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: انْتِصابُ ( يَوْمَ ) عَلى البَدَلِ مِن يَوْمَ يَأْتِيهِمْ، أوْ عَلى الظَّرْفِ لِلِانْتِقامِ. انْتَهى. ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ بِمُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ، أيْ: واذْكُرْ أوْ وارْتَقِبْ، والتَّبْدِيلُ قَدْ يَكُونُ في الذّاتِ كَما في: بَدَّلْتُ الدَّراهِمَ دَنانِيرَ، وقَدْ يَكُونُ في الصِّفاتِ كَما في: بَدَّلْتُ الحَلْقَةَ خاتَمًا، والآيَةُ تَحْتَمِلُ الأمْرَيْنِ، وقَدْ قِيلَ: المُرادُ تَغَيُّرُ صِفاتِها، وبِهِ قالَ الأكْثَرُ، وقِيلَ: تَغَيُّرُ ذاتِها، ومَعْنى " والسَّماواتُ " أيْ وتُبَدَّلُ السَّماواتُ غَيْرَ السَّماواتِ عَلى الِاخْتِلافِ الَّذِي مَرَّ ﴿وبَرَزُوا لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ أيْ بَرَزَ العِبادُ لِلَّهِ أوِ الظّالِمُونَ كَما يُفِيدُهُ السِّياقُ، أيْ: ظَهَرُوا مِن قُبُورِهِمْ، أوْ ظَهَرَ مِن أعْمالِهِمْ ما كانُوا يَكْتُمُونَهُ، والتَّعْبِيرُ عَلى المُسْتَقْبَلِ بِلَفْظِ الماضِي لِلتَّنْبِيهِ عَلى تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ﴾ [الكهف: ٩٩]، [يس: ٥١] و" الواحِدُ القَهّارُ " المُتَفَرِّدُ بِالأُلُوهِيَّةِ الكَثِيرُ القَهْرِ لِمَن عانَدَهُ. ﴿وتَرى المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ في الأصْفادِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى " بَرَزُوا " أوْ عَلى " تُبَدَّلُ "، والمَجِيءُ بِالمُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ، والمُجْرِمُونَ هُمُ المُشْرِكُونَ، ويَوْمَئِذٍ يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ، ومُقَرَّنِينَ أيْ مَشْدُودِينَ إمّا بِجَعْلِ بَعْضِهِمْ مَقْرُونًا مَعَ بَعْضٍ، أوْ قُرِنُوا مَعَ الشَّياطِينِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهو لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦] أوْ جُعِلَتْ أيْدِيهم مَقْرُونَةً إلى أرْجُلِهِمْ، والأصْفادُ: الأغْلالُ والقُيُودُ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِـ مُقَرَّنِينَ أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِهِ، يُقالُ صَفَدْتُهُ صَفْدًا، أيْ: قَيَّدْتُهُ، والِاسْمُ الصَّفْدُ، فَإذا أرَدْتَ التَّكْثِيرَ قُلْتَ صَفَّدْتُهُ. قالَ عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ: ؎فَآبُوا بِالنِّهابِ وبِالسَّبايا ∗∗∗ وأُبْنا بِالمُلُوكِ مُصَفَّدِينا وقالَ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ: ؎مِن بَيْنِ مَأْسُورٍ يَشُدُّ صَفادَهُ ∗∗∗ صَقْرٍ إذا لاقى الكَرِيهَةَ حامِي ويُقالُ صَفَدْتُهُ وأصْفَدْتُهُ: إذا أعْطَيْتَهُ، ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ: ؎ولَمْ أُعَرِّضْ أبَيْتَ اللَّعْنَ بِالصَّفَدِ ﴿سَرابِيلُهم مِن قَطِرانٍ﴾ السَّرابِيلُ: القُمُصُ، واحِدُها سِرْبالٌ، ومِنهُ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ: ؎تَلْقاكم عُصَبٌ حَوْلَ النَّبِيِّ لَهم ∗∗∗ مِن نَسْجِ داوُدَ في الهَيْجا سَرابِيلُ والقَطِرانُ: هو قَطِرانُ الإبِلِ الَّذِي تَهْنَأُ بِهِ، أيْ: قُمْصانُهم مِن قَطِرانٍ تُطْلى بِهِ جُلُودُهم حَتّى يَعُودَ ذَلِكَ الطِّلاءُ كالسَّرابِيلِ، وخُصَّ القَطِرانُ لِسُرْعَةِ اشْتِعالِ النّارِ فِيهِ مَعَ نَتْنِ رائِحَتِهِ. وقالَ جَماعَةٌ: هو النُّحاسُ، أيْ: قُمْصانُهم مِن نُحاسٍ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ " مِن قَطْرانٍ " بِفَتْحِ القافِ وتَسْكِينِ الطّاءِ. وقُرِئَ بِكَسْرِ القافِ وسُكُونِ الطّاءِ، وقُرِئَ بِفَتْحِ القافِ والطّاءِ، رُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأبِي هُرَيْرَةَ وعِكْرِمَةَ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ويَعْقُوبَ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ ﴿وتَغْشى وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ أيْ تَعْلُو وُجُوهَهم وتَضْرِبُها، وخَصَّ الوُجُوهَ لِأنَّها أشْرَفُ ما في البَدَنِ، وفِيها الحَواسُّ المُدْرِكَةُ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْضًا. و( لِيَجْزِيَ اللَّهُ ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، أيْ: يَفْعَلُ ذَلِكَ بِهِمْ لِيَجْزِيَ كُلَّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ مِنَ المَعاصِي، أيْ: جَزاءً مُوافِقًا لِما كَسَبَتْ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ ﴿إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ لا يَشْغَلُهُ عَنْهُ شَيْءٌ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ. ( هَذا بَلاغٌ ) أيْ هَذا الَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ بَلاغٌ، أيْ: تَبْلِيغٌ وكِفايَةٌ في المَوْعِظَةِ والتَّذْكِيرِ. قِيلَ: إنَّ الإشارَةَ إلى ما ذَكَرَهُ سُبْحانَهُ هُنا مِن قَوْلِهِ: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا﴾ إلى ﴿سَرِيعُ الحِسابِ﴾ [ إبْراهِيمَ: ٤٢: ٥١ ] أيْ هَذا فِيهِ كِفايَةٌ مِن غَيْرِ ما انْطَوَتْ عَلَيْهِ السُّورَةُ، وقِيلَ: الإشارَةُ إلى جَمِيعِ السُّورَةِ، وقِيلَ: إلى القُرْآنِ، ومَعْنى " لِلنّاسِ " لِلْكُفّارِ، أوْ لِجَمِيعِ النّاسِ عَلى ما قِيلَ في قَوْلِهِ: ﴿وأنْذِرِ النّاسَ﴾ [إبراهيم: ٤٤] ( ولِيُنْذَرُوا بِهِ ) مَعْطُوفٌ عَلى مَحْذُوفٍ، أيْ: لِيُنْصَحُوا ولِيُنْذَرُوا بِهِ، والمَعْنى: ولِيُخَوَّفُوا بِهِ، وقُرِئَ " ولِيَنْذَرُوا " بِفَتْحِ الياءِ التَّحْتِيَّةِ والذّالِ المُعْجَمَةِ، يُقالُ نَذَرْتُ بِالشَّيْءِ أنْذِرَ: إذا عَلِمْتَ بِهِ فاسْتَعْدَدْتَ لَهُ ﴿ولِيَعْلَمُوا أنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ﴾ أيْ لِيَعْلَمُوا بِالأدِلَّةِ التَّكْوِينِيَّةِ المَذْكُورَةِ سابِقًا وحْدانِيَّةَ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وأنَّهُ لا شَرِيكَ لَهُ ﴿ولِيَذَّكَّرَ أُولُو الألْبابِ﴾ أيْ: ولِيَتَّعِظَ أصْحابُ العُقُولِ، وهَذِهِ اللّاماتُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: وكَذَلِكَ أنْزَلْنا، أوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِالبَلاغِ المَذْكُورِ، أيْ: كِفايَةً لَهم في أنْ يُنْصَحُوا ويُنْذَرُوا ويَعْلَمُوا بِما أقامَ اللَّهُ مِنَ الحُجَجِ والبَراهِينِ وحْدانِيَّتَهُ سُبْحانَهُ وأنَّهُ لا شَرِيكَ لَهُ، ولِيَتَّعِظَ بِذَلِكَ أصْحابُ العُقُولِ الَّتِي تَعْقِلُ وتُدْرِكُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ﴾ قالَ: عَزِيزٌ واللَّهِ في أمْرِهِ، يُمْلِي وكَيْدُهُ مَتِينٌ، ثُمَّ إذا انْتَقَمَ انْتَقَمَ بِقُدْرَةٍ. وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ مِن حَدِيثِ ثَوْبانَ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَ: أيْنَ يَكُونُ النّاسُ يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: في الظُّلْمَةِ دُونَ الجِسْرِ» . وأخْرَجَ مُسْلِمٌ أيْضًا وغَيْرُهُ مِن «حَدِيثِ عائِشَةَ. قالَتْ " أنا أوَّلُ مَن سَألَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ﴾ قُلْتُ: أيْنَ النّاسُ يَوْمَئِذٍ ؟ قالَ: عَلى الصِّراطِ» . وأخْرَجَ البَزّارُ وابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: في قَوْلِ اللَّهِ ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ﴾ قالَ: أرْضٌ بَيْضاءُ، كَأنَّها فِضَّةٌ لَمْ يُسْفَكْ فِيها دَمٌ حَرامٌ، ولَمْ يُعْمَلْ بِها خَطِيئَةٌ» . وأخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْهُ مَوْقُوفًا نَحْوَهُ، قالَ البَيْهَقِيُّ: المَوْقُوفُ أصَحُّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ قالَ «أتى اليَهُودُ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَ: جاءُونِي يَسْألُونَنِي وسَأُخْبِرُهم قَبْلَ أنْ يَسْألُونِي ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ﴾ قالَ: (p-٧٥٥)أرْضٌ بَيْضاءُ كالفِضَّةِ، فَسَألَهم فَقالُوا: أرْضٌ بَيْضاءُ كالنَّقِيِّ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مَرْفُوعًا عَنْ عَلِيٍّ نَحْوَ ما تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ مَوْقُوفًا نَحْوَهُ، وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ، وثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «يُحْشَرُ النّاسُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى أرْضٍ بَيْضاءَ عَفْراءَ كَقُرْصَةِ نَقِيٍّ» . وفِيهِما أيْضًا مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «تَكُونُ الأرْضُ يَوْمَ القِيامَةِ خُبْزَةً واحِدَةً يَتَكَفَّؤُها الجَبّارُ بِيَدِهِ» الحَدِيثَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مُقَرَّنِينَ في الأصْفادِ﴾ قالَ: الكُبُولُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ ﴿فِي الأصْفادِ﴾ قالَ: القُيُودِ والأغْلالِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: في السَّلاسِلِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فِي الأصْفادِ﴾ يَقُولُ: في وِثاقٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ ﴿سَرابِيلُهُمْ﴾ قالَ: قُمُصُهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿مِن قَطِرانٍ﴾ قالَ: قَطِرانِ الإبِلِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ في الآيَةِ قالَ: هَذا القَطِرانُ يُطْلى بِهِ حَتّى يَشْتَعِلَ نارًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: هو النُّحاسُ المُذابُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ قَرَأ ﴿مِن قَطِرانٍ﴾ فَقالَ القَطْرُ: الصُّفْرُ، والآنُ: الحارُّ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ عَنْ أبِي مالِكٍ الأشْعَرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ «النّائِحَةُ إذا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِها تُقامُ يَوْمَ القِيامَةِ وعَلَيْها سِرْبالٌ مِن قَطِرانٍ، ودِرْعٌ مَن جَرَبٍ» وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿هَذا بَلاغٌ لِلنّاسِ﴾ قالَ: القُرْآنُ ﴿ولِيُنْذَرُوا بِهِ﴾ قالَ: القُرْآنُ.

إبراهيم 14:52

. مُخْلِفَ مُنْتَصِبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ " تَحْسَبَنَّ "، وانْتِصابُ ( رُسُلَهُ ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ ( وعْدِهِ )، قِيلَ: وذَلِكَ عَلى الِاتِّساعِ، والمَعْنى: مُخْلِفَ رُسُلِهِ وعْدَهُ. قالَ القُتَيْبِيُّ: هو مِنَ المُقَدَّمِ الَّذِي يُوَضِّحُهُ التَّأْخِيرُ، والمُؤَخَّرُ الَّذِي يُوَضِّحُهُ التَّقْدِيمُ، وسَواءٌ في ذَلِكَ مُخْلِفَ وعْدِهِ رُسُلَهُ ومُخْلِفَ رُسُلِهِ وعْدَهُ، ومِثْلُ ما في الآيَةِ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎تَرى الثَّوْرَ فِيها مُدْخِلَ الظِّلِّ رَأْسَهُ وسائِرُهَ بادٍ إلى الشَّمْسِ أجْمَعُ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قَدَّمَ الوَعْدَ لِيُعْلِمَ أنَّهُ لا يُخْلِفُ الوَعْدَ أصْلًا كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ [آل عمران: ٣١] ثُمَّ قالَ رُسُلَهُ لِيُؤْذِنَ أنَّهُ إذا لَمْ يُخْلِفْ وعْدَهُ أحَدًا، ولَيْسَ مِن شَأْنِهِ إخْلافُ المَواعِيدِ، فَكَيْفَ يُخْلِفُهُ رُسُلَهُ الَّذِينَ هم خِيرَتُهُ وصَفْوَتُهُ والمُرادُ بِالوَعْدِ هُنا هو ما وعَدَهم سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا﴾ [غافر: ٥١] (p-٧٥٤)و﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] وقُرِئَ " مُخْلِفَ وعْدَهُ رُسُلِهِ " بِجَرِّ رُسُلِهِ ونَصْبِ وعْدِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذِهِ القِراءَةُ في الضَّعْفِ كَمَن قَرَأ: قَتْلُ أوْلادَهم شُرَكائِهِمْ ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ غالِبٌ لا يُغالِبُهُ أحَدٌ ﴿ذُو انْتِقامٍ﴾ يَنْتَقِمُ مِن أعْدائِهِ لِأوْلِيائِهِ. والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ في أوَّلِ آلِ عِمْرانَ. ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: انْتِصابُ ( يَوْمَ ) عَلى البَدَلِ مِن يَوْمَ يَأْتِيهِمْ، أوْ عَلى الظَّرْفِ لِلِانْتِقامِ. انْتَهى. ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ بِمُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ، أيْ: واذْكُرْ أوْ وارْتَقِبْ، والتَّبْدِيلُ قَدْ يَكُونُ في الذّاتِ كَما في: بَدَّلْتُ الدَّراهِمَ دَنانِيرَ، وقَدْ يَكُونُ في الصِّفاتِ كَما في: بَدَّلْتُ الحَلْقَةَ خاتَمًا، والآيَةُ تَحْتَمِلُ الأمْرَيْنِ، وقَدْ قِيلَ: المُرادُ تَغَيُّرُ صِفاتِها، وبِهِ قالَ الأكْثَرُ، وقِيلَ: تَغَيُّرُ ذاتِها، ومَعْنى " والسَّماواتُ " أيْ وتُبَدَّلُ السَّماواتُ غَيْرَ السَّماواتِ عَلى الِاخْتِلافِ الَّذِي مَرَّ ﴿وبَرَزُوا لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ أيْ بَرَزَ العِبادُ لِلَّهِ أوِ الظّالِمُونَ كَما يُفِيدُهُ السِّياقُ، أيْ: ظَهَرُوا مِن قُبُورِهِمْ، أوْ ظَهَرَ مِن أعْمالِهِمْ ما كانُوا يَكْتُمُونَهُ، والتَّعْبِيرُ عَلى المُسْتَقْبَلِ بِلَفْظِ الماضِي لِلتَّنْبِيهِ عَلى تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ﴾ [الكهف: ٩٩]، [يس: ٥١] و" الواحِدُ القَهّارُ " المُتَفَرِّدُ بِالأُلُوهِيَّةِ الكَثِيرُ القَهْرِ لِمَن عانَدَهُ. ﴿وتَرى المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ في الأصْفادِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى " بَرَزُوا " أوْ عَلى " تُبَدَّلُ "، والمَجِيءُ بِالمُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ، والمُجْرِمُونَ هُمُ المُشْرِكُونَ، ويَوْمَئِذٍ يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ، ومُقَرَّنِينَ أيْ مَشْدُودِينَ إمّا بِجَعْلِ بَعْضِهِمْ مَقْرُونًا مَعَ بَعْضٍ، أوْ قُرِنُوا مَعَ الشَّياطِينِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهو لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦] أوْ جُعِلَتْ أيْدِيهم مَقْرُونَةً إلى أرْجُلِهِمْ، والأصْفادُ: الأغْلالُ والقُيُودُ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِـ مُقَرَّنِينَ أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِهِ، يُقالُ صَفَدْتُهُ صَفْدًا، أيْ: قَيَّدْتُهُ، والِاسْمُ الصَّفْدُ، فَإذا أرَدْتَ التَّكْثِيرَ قُلْتَ صَفَّدْتُهُ. قالَ عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ: ؎فَآبُوا بِالنِّهابِ وبِالسَّبايا ∗∗∗ وأُبْنا بِالمُلُوكِ مُصَفَّدِينا وقالَ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ: ؎مِن بَيْنِ مَأْسُورٍ يَشُدُّ صَفادَهُ ∗∗∗ صَقْرٍ إذا لاقى الكَرِيهَةَ حامِي ويُقالُ صَفَدْتُهُ وأصْفَدْتُهُ: إذا أعْطَيْتَهُ، ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ: ؎ولَمْ أُعَرِّضْ أبَيْتَ اللَّعْنَ بِالصَّفَدِ ﴿سَرابِيلُهم مِن قَطِرانٍ﴾ السَّرابِيلُ: القُمُصُ، واحِدُها سِرْبالٌ، ومِنهُ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ: ؎تَلْقاكم عُصَبٌ حَوْلَ النَّبِيِّ لَهم ∗∗∗ مِن نَسْجِ داوُدَ في الهَيْجا سَرابِيلُ والقَطِرانُ: هو قَطِرانُ الإبِلِ الَّذِي تَهْنَأُ بِهِ، أيْ: قُمْصانُهم مِن قَطِرانٍ تُطْلى بِهِ جُلُودُهم حَتّى يَعُودَ ذَلِكَ الطِّلاءُ كالسَّرابِيلِ، وخُصَّ القَطِرانُ لِسُرْعَةِ اشْتِعالِ النّارِ فِيهِ مَعَ نَتْنِ رائِحَتِهِ. وقالَ جَماعَةٌ: هو النُّحاسُ، أيْ: قُمْصانُهم مِن نُحاسٍ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ " مِن قَطْرانٍ " بِفَتْحِ القافِ وتَسْكِينِ الطّاءِ. وقُرِئَ بِكَسْرِ القافِ وسُكُونِ الطّاءِ، وقُرِئَ بِفَتْحِ القافِ والطّاءِ، رُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأبِي هُرَيْرَةَ وعِكْرِمَةَ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ويَعْقُوبَ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ ﴿وتَغْشى وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ أيْ تَعْلُو وُجُوهَهم وتَضْرِبُها، وخَصَّ الوُجُوهَ لِأنَّها أشْرَفُ ما في البَدَنِ، وفِيها الحَواسُّ المُدْرِكَةُ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْضًا. و( لِيَجْزِيَ اللَّهُ ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، أيْ: يَفْعَلُ ذَلِكَ بِهِمْ لِيَجْزِيَ كُلَّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ مِنَ المَعاصِي، أيْ: جَزاءً مُوافِقًا لِما كَسَبَتْ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ ﴿إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ لا يَشْغَلُهُ عَنْهُ شَيْءٌ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ. ( هَذا بَلاغٌ ) أيْ هَذا الَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ بَلاغٌ، أيْ: تَبْلِيغٌ وكِفايَةٌ في المَوْعِظَةِ والتَّذْكِيرِ. قِيلَ: إنَّ الإشارَةَ إلى ما ذَكَرَهُ سُبْحانَهُ هُنا مِن قَوْلِهِ: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا﴾ إلى ﴿سَرِيعُ الحِسابِ﴾ [ إبْراهِيمَ: ٤٢: ٥١ ] أيْ هَذا فِيهِ كِفايَةٌ مِن غَيْرِ ما انْطَوَتْ عَلَيْهِ السُّورَةُ، وقِيلَ: الإشارَةُ إلى جَمِيعِ السُّورَةِ، وقِيلَ: إلى القُرْآنِ، ومَعْنى " لِلنّاسِ " لِلْكُفّارِ، أوْ لِجَمِيعِ النّاسِ عَلى ما قِيلَ في قَوْلِهِ: ﴿وأنْذِرِ النّاسَ﴾ [إبراهيم: ٤٤] ( ولِيُنْذَرُوا بِهِ ) مَعْطُوفٌ عَلى مَحْذُوفٍ، أيْ: لِيُنْصَحُوا ولِيُنْذَرُوا بِهِ، والمَعْنى: ولِيُخَوَّفُوا بِهِ، وقُرِئَ " ولِيَنْذَرُوا " بِفَتْحِ الياءِ التَّحْتِيَّةِ والذّالِ المُعْجَمَةِ، يُقالُ نَذَرْتُ بِالشَّيْءِ أنْذِرَ: إذا عَلِمْتَ بِهِ فاسْتَعْدَدْتَ لَهُ ﴿ولِيَعْلَمُوا أنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ﴾ أيْ لِيَعْلَمُوا بِالأدِلَّةِ التَّكْوِينِيَّةِ المَذْكُورَةِ سابِقًا وحْدانِيَّةَ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وأنَّهُ لا شَرِيكَ لَهُ ﴿ولِيَذَّكَّرَ أُولُو الألْبابِ﴾ أيْ: ولِيَتَّعِظَ أصْحابُ العُقُولِ، وهَذِهِ اللّاماتُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: وكَذَلِكَ أنْزَلْنا، أوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِالبَلاغِ المَذْكُورِ، أيْ: كِفايَةً لَهم في أنْ يُنْصَحُوا ويُنْذَرُوا ويَعْلَمُوا بِما أقامَ اللَّهُ مِنَ الحُجَجِ والبَراهِينِ وحْدانِيَّتَهُ سُبْحانَهُ وأنَّهُ لا شَرِيكَ لَهُ، ولِيَتَّعِظَ بِذَلِكَ أصْحابُ العُقُولِ الَّتِي تَعْقِلُ وتُدْرِكُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ﴾ قالَ: عَزِيزٌ واللَّهِ في أمْرِهِ، يُمْلِي وكَيْدُهُ مَتِينٌ، ثُمَّ إذا انْتَقَمَ انْتَقَمَ بِقُدْرَةٍ. وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ مِن حَدِيثِ ثَوْبانَ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَ: أيْنَ يَكُونُ النّاسُ يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: في الظُّلْمَةِ دُونَ الجِسْرِ» . وأخْرَجَ مُسْلِمٌ أيْضًا وغَيْرُهُ مِن «حَدِيثِ عائِشَةَ. قالَتْ " أنا أوَّلُ مَن سَألَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ﴾ قُلْتُ: أيْنَ النّاسُ يَوْمَئِذٍ ؟ قالَ: عَلى الصِّراطِ» . وأخْرَجَ البَزّارُ وابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: في قَوْلِ اللَّهِ ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ﴾ قالَ: أرْضٌ بَيْضاءُ، كَأنَّها فِضَّةٌ لَمْ يُسْفَكْ فِيها دَمٌ حَرامٌ، ولَمْ يُعْمَلْ بِها خَطِيئَةٌ» . وأخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْهُ مَوْقُوفًا نَحْوَهُ، قالَ البَيْهَقِيُّ: المَوْقُوفُ أصَحُّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ قالَ «أتى اليَهُودُ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَ: جاءُونِي يَسْألُونَنِي وسَأُخْبِرُهم قَبْلَ أنْ يَسْألُونِي ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ﴾ قالَ: (p-٧٥٥)أرْضٌ بَيْضاءُ كالفِضَّةِ، فَسَألَهم فَقالُوا: أرْضٌ بَيْضاءُ كالنَّقِيِّ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مَرْفُوعًا عَنْ عَلِيٍّ نَحْوَ ما تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ مَوْقُوفًا نَحْوَهُ، وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ، وثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «يُحْشَرُ النّاسُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى أرْضٍ بَيْضاءَ عَفْراءَ كَقُرْصَةِ نَقِيٍّ» . وفِيهِما أيْضًا مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «تَكُونُ الأرْضُ يَوْمَ القِيامَةِ خُبْزَةً واحِدَةً يَتَكَفَّؤُها الجَبّارُ بِيَدِهِ» الحَدِيثَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مُقَرَّنِينَ في الأصْفادِ﴾ قالَ: الكُبُولُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ ﴿فِي الأصْفادِ﴾ قالَ: القُيُودِ والأغْلالِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: في السَّلاسِلِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فِي الأصْفادِ﴾ يَقُولُ: في وِثاقٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ ﴿سَرابِيلُهُمْ﴾ قالَ: قُمُصُهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿مِن قَطِرانٍ﴾ قالَ: قَطِرانِ الإبِلِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ في الآيَةِ قالَ: هَذا القَطِرانُ يُطْلى بِهِ حَتّى يَشْتَعِلَ نارًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: هو النُّحاسُ المُذابُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ قَرَأ ﴿مِن قَطِرانٍ﴾ فَقالَ القَطْرُ: الصُّفْرُ، والآنُ: الحارُّ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ عَنْ أبِي مالِكٍ الأشْعَرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ «النّائِحَةُ إذا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِها تُقامُ يَوْمَ القِيامَةِ وعَلَيْها سِرْبالٌ مِن قَطِرانٍ، ودِرْعٌ مَن جَرَبٍ» وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿هَذا بَلاغٌ لِلنّاسِ﴾ قالَ: القُرْآنُ ﴿ولِيُنْذَرُوا بِهِ﴾ قالَ: القُرْآنُ.