Lafzullah

Fath Al-Qadir Al-Shawkani — النحل 16:107 – النحل 16:128

المؤلف / المصدر: Fath Al-Qadir Al-Shawkani

المحتويات
  1. النحل 16:107
  2. النحل 16:108
  3. النحل 16:109
  4. النحل 16:110
  5. النحل 16:111
  6. النحل 16:112
  7. النحل 16:113
  8. النحل 16:114
  9. النحل 16:115
  10. النحل 16:116
  11. النحل 16:117
  12. النحل 16:118
  13. النحل 16:119
  14. النحل 16:120
  15. النحل 16:121
  16. النحل 16:122
  17. النحل 16:123
  18. النحل 16:124
  19. النحل 16:125
  20. النحل 16:126
  21. النحل 16:127
  22. النحل 16:128

النحل 16:107

. قَوْلُهُ: ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ﴾ قَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في إعْرابِهِ فَذَهَبَ الأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ، إمّا مِن ﴿الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، والمَعْنى: إنَّما يَفْتَرِي الكَذِبَ مَن كَفَرَ، واسْتَثْنى مِنهُمُ المُكْرَهَ فَلَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ حُكْمِ الِافْتِراءِ. ثُمَّ قالَ: ﴿ولَكِنْ مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا﴾ أيِ اعْتَقَدَهُ وطابَتْ بِهِ نَفْسُهُ واطْمَأنَّ إلَيْهِ ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ﴾ وإمّا مِنَ المُبْتَدَأِ الَّذِي هو أُولَئِكَ [النحل: ١٠٥]، أوْ مِنَ الخَبَرِ الَّذِي هو الكاذِبُونَ [النحل: ١٠٥]، وذَهَبَ الزَّجّاجُ إلى الأوَّلِ وقالَ الأخْفَشُ: إنَّ مَن مُبْتَدَأٌ وخَبَرَهُ مَحْذُوفٌ اكْتُفِيَ مِنهُ بِخَبَرِ مَن الثّانِيَةِ كَقَوْلِكَ: مَن يَأْتِنا مِنكُنَّ نُكْرِمْهُ، وقِيلَ: هو ( أيْ: مَن في مَن كَفَرَ ) مَنصُوبٌ عَلى الذَّمِّ وقِيلَ إنَّ مَن شَرْطِيَّةٌ والجَوابُ مَحْذُوفٌ لِأنَّ جَوابَ مَن شَرَحَ دالٌّ عَلَيْهِ، وهو كَقَوْلِ الأخْفَشِ، وإنَّما خالَفَهُ في إطْلاقِ لَفْظِ الشَّرْطِ عَلى مَن والجَوابُ عَلى خَبَرِها فَكَأنَّهُ قِيلَ عَلى هَذا: مَن كَفَرَ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ إلّا مَن أُكْرِهَ، ولَكِنْ مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ، وإنَّما صَحَّ اسْتِثْناءُ المُكْرَهِ مِنَ الكافِرِ مَعَ أنَّهُ لَيْسَ بِكافِرٍ لِأنَّهُ ظَهَرَ مِنهُ بَعْدَ الإيمانِ ما لا يَظْهَرُ إلّا مِنَ الكافِرِ لَوْلا الإكْراهُ. قالَ القُرْطُبِيُّ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ عَلى أنَّ مَن أُكْرِهَ عَلى الكُفْرِ حَتّى خَشِيَ عَلى نَفْسِهِ القَتْلَ أنَّهُ لا إثْمَ عَلَيْهِ إنْ كَفَرَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ، ولا تَبِينُ مِنهُ زَوْجَتُهُ، ولا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِحُكْمِ الكُفْرِ. وحُكِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ أنَّهُ إذا أظْهَرَ الكُفْرَ كانَ مُرْتَدًّا في الظّاهِرِ، وفِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ عَلى الإسْلامِ، وتَبِينُ مِنهُ امْرَأتُهُ ولا يُصَلّى عَلَيْهِ إنْ ماتَ ولا يَرِثُ أباهُ إنْ ماتَ مُسْلِمًا، وهَذا القَوْلُ مَرْدُودٌ عَلى قائِلِهِ مَدْفُوعٌ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ، وذَهَبَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، والشّافِعِيُّ، وسَحْنُونٌ إلى أنَّ هَذِهِ الرُّخْصَةَ المَذْكُورَةَ في هَذِهِ الآيَةِ إنَّما جاءَتْ في القَوْلِ، وأمّا في الفِعْلِ فَلا رُخْصَةَ، مِثْلُ أنْ يُكْرَهَ عَلى السُّجُودِ لِغَيْرِ اللَّهِ. ويَدْفَعُهُ ظاهِرُ الآيَةِ، فَإنَّها عامَّةٌ فِيمَن أُكْرِهَ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ القَوْلِ والفِعْلِ، ولا دَلِيلَ لِهَؤُلاءِ القاصِرِينَ لِلْآيَةِ عَلى القَوْلِ، وخُصُوصُ السَّبَبِ لا (p-٨٠٤)اعْتِبارَ بِهِ مَعَ عُمُومِ اللَّفْظِ كَما تَقَرَّرَ في عِلْمِ الأُصُولِ، وجُمْلَةُ ﴿وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ المُسْتَثْنى، أيْ: إلّا مَن كَفَرَ بِإكْراهٍ، والحالُ أنَّ قَلْبَهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ لَمْ تَتَغَيَّرْ عَقِيدَتُهُ، ولَيْسَ بَعْدَ هَذا الوَعِيدِ العَظِيمِ وهو الجَمْعُ لِلْمُرْتَدِّينَ بَيْنَ غَضَبِ اللَّهِ وعَظِيمِ عَذابِهِ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى الكُفْرِ بَعْدَ الإيمانِ، أوْ إلى الوَعِيدِ بِالغَضَبِ والعَذابِ، والباءُ في ﴿بِأنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الحَياةَ الدُّنْيا﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ، أيْ: ذَلِكَ بِسَبَبِ تَأْثِيرِهِمْ لِلْحَياةِ الدُّنْيا ﴿عَلى الآخِرَةِ وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى أنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا أيْ ذَلِكَ بِأنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا، وبِأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ إلى الإيمانِ بِهِ. ثُمَّ وصَفَهم بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ أيِ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ مِنَ الأوْصافِ القَبِيحَةِ ﴿الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ﴾ فَلَمْ يَفْهَمُوا المَواعِظَ ولا سَمِعُوها، ولا أبْصَرُوا الآياتِ الَّتِي يُسْتَدَلُّ بِها عَلى الحَقِّ، وقَدْ سَبَقَ تَحْقِيقُ الطَّبْعِ في أوَّلِ البَقَرَةِ، ثُمَّ أثْبَتَ لَهم صِفَةَ نَقْصٍ غَيْرَ الصِّفَةِ المُتَقَدِّمَةِ فَقالَ: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ﴾ عَمّا يُرادُ بِهِمْ، وضَمِيرُ الفَصْلِ يُفِيدُ أنَّهم مُتَناهُونَ في الغَفْلَةِ، إذْ لا غَفْلَةَ أعْظَمُ مِن غَفْلَتِهِمْ هَذِهِ. ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ أيِ الكامِلُونَ في الخُسْرانِ البالِغُونَ إلى غايَةٍ مِنهُ لَيْسَ فَوْقَها غايَةٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ الكَلامِ في مَعْنى لا جَرَمَ في مَواضِعَ مِنها ما هو في هَذِهِ السُّورَةِ. ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا﴾ مِن دارِ الكُفْرِ إلى دارِ الإسْلامِ، وخَبَرُ إنَّ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ، وإنَّما حُذِفَ لِدَلالَةِ خَبَرِ إنَّ رَبَّكَ المُتَأخِّرَةِ عَلَيْهِ، وقِيلَ الخَبَرُ هو لِلَّذِينِ هاجَرُوا، أيْ: إنَّ رَبَّكَ لَهم بِالوَلايَةِ والنُّصْرَةِ لا عَلَيْهِمْ، وفِيهِ بُعْدٌ، وقِيلَ إنَّ خَبَرَها هو قَوْلُهُ ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، وإنَّ رَبَّكَ الثّانِيَةَ تَأْكِيدٌ لِلْأُولى. قالَ في الكَشّافِ: ( ثُمَّ ) هاهُنا لِلدَّلالَةِ عَلى تَباعُدِ حالِ هَؤُلاءِ، يَعْنِي الَّذِينَ نَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِمْ عَنْ حالِ أُولَئِكَ، وهم عَمّارٌ وأصْحابُهُ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ ما رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي سَرْحٍ، وسَيَأْتِي بَيانُ ذَلِكَ ﴿مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا﴾ أيْ فَتَنَهُمُ الكُفّارُ بِتَعْذِيبِهِمْ لَهم لِيَرْجِعُوا في الكُفْرِ، وقُرِئَ " فَتَنُوا " عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ: أيِ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ وعَذَّبُوهم عَلى الإسْلامِ ثُمَّ جاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ وصَبَرُوا عَلى ما أصابَهم مِنَ الكُفّارِ، وعَلى ما يَلْقَوْنَهُ مِن مَشاقِّ التَّكْلِيفِ ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ كَثِيرُ الغُفْرانِ والرَّحْمَةِ لَهم، ومَعْنى الآيَةِ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ فَتَنُوا عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ واضِحٌ ظاهِرٌ، أيْ: إنَّ رَبَّكَ لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ الَّذِينَ فَتَنُوا مَن أسْلَمَ وعَذَّبُوهم ثُمَّ جاهَدُوا وصَبَرُوا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ، وأمّا عَلى قِراءَةِ البِناءِ لِلْمَفْعُولِ وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ، فالمَعْنى: أنَّ هَؤُلاءِ المَفْتُونِينَ الَّذِينَ تَكَلَّمُوا بِكَلِمَةِ الكُفْرِ مُكْرَهِينَ وصُدُورُهم غَيْرُ مُنْشَرِحَةٍ لِلْكُفْرِ إذا صَلَحَتْ أعْمالُهم وجاهَدُوا في اللَّهِ وصَبَرُوا عَلى المَكارِهِ لَغَفُورٌ لَهم رَحِيمٌ بِهِمْ، وأمّا إذا كانَ سَبَبُ الآيَةِ هَذِهِ هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي سَرْحٍ الَّذِي ارْتَدَّ عَنِ الإسْلامِ ثُمَّ رَجَعَ بَعْدَ ذَلِكَ إلى الإسْلامِ، فالمَعْنى: أنَّ هَذا المَفْتُونَ في دِينِهِ بِالرِّدَّةِ إذا أسْلَمَ وجاهَدَ وصَبَرَ فاللَّهُ غَفُورٌ لَهُ رَحِيمٌ بِهِ، والضَّمِيرُ في بَعْدِها يَرْجِعُ إلى الفِتْنَةِ أوْ إلى المُهاجَرَةِ والجِهادِ والصَّبْرِ، أوْ إلى الجَمِيعِ. ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها﴾ قالَ الزَّجّاجُ: يَوْمَ تَأْتِي مُنْتَصِبٌ بِقَوْلِهِ رَحِيمٌ، أوْ بِإضْمارِ اذْكُرْ، أوْ ذَكِّرْهم أوْ أنْذِرْهم، وقَدِ اسْتُشْكِلَ إضافَةُ ضَمِيرِ النَّفْسِ إلى النَّفْسِ، ولا بُدَّ مِنَ التَّغايُرِ بَيْنَ المُضافِ والمُضافِ إلَيْهِ. وأُجِيبُ بِأنَّ المُرادَ بِالنَّفْسِ الأُولى جُمْلَةُ بَدَنِ الإنْسانِ، وبِالنَّفْسِ الثّانِيَةِ الذّاتُ، فَكَأنْ قِيلَ يَوْمَ يَأْتِي كُلُّ إنْسانٍ يُجادِلُ عَنْ ذاتِهِ لا يُهِمُّهُ غَيْرُها، ومَعْنى المُجادَلَةِ عَنْها الِاعْتِذارُ عَنْها، فَهو مُجادِلٌ ومُخاصِمٌ عَنْ نَفْسِهِ لا يَتَفَرَّغُ لِغَيْرِها يَوْمَ القِيامَةِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا أرادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يُهاجِرَ إلى المَدِينَةِ قالَ لِأصْحابِهِ: «تَفَرَّقُوا عَنِّي فَمَن كانَتْ بِهِ قُوَّةٌ فَلْيَتَأخَّرْ إلى آخِرِ اللَّيْلِ، ومَن لَمْ تَكُنْ بِهِ قُوَّةٌ فَلْيَذْهَبْ في أوَّلِ اللَّيْلِ، فَإذا سَمِعْتُمْ بِي قَدِ اسْتَقَرَّتْ بِيَ الأرْضُ فالحَقُوا بِي» فَأصْبَحَ بِلالٌ المُؤَذِّنُ وخَبّابٌ، وعَمّارٌ وجارِيَةٌ مِن قُرَيْشٍ كانَتْ أسْلَمَتْ، فَأخَذَهُمُ المُشْرِكُونَ وأبُو جَهْلٍ، فَعَرَضُوا عَلى بِلالٍ أنْ يَكْفُرَ فَأبى، فَجَعَلُوا يَضَعُونَ دِرْعًا مِن حَدِيدٍ في الشَّمْسِ ثُمَّ يُلْبِسُونَها إيّاهُ، فَإذا ألْبَسُوها إيّاهُ قالَ: أحَدٌ أحَدٌ، وأمّا خَبّابٌ فَجَعَلُوا يَجُرُّونَهُ في الشَّوْكِ، وأمّا عَمّارٌ فَقالَ لَهم كَلِمَةً أعْجَبَتْهم تَقِيَّةً، وأمّا الجارِيَةُ فَوَتَدَ لَها أبُو جَهْلٍ أرْبَعَةَ أوْتادٍ، ثُمَّ مَدَّها فَأدْخَلَ الحَرْبَةَ في قُبُلِها حَتّى قَتَلَها، ثُمَّ خَلَّوْا عَنْ بِلالٍ، وخَبّابٍ، وعَمّارٍ فَلَحِقُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأخْبَرُوهُ بِالَّذِي كانَ مِن أمْرِهِمْ، واشْتَدَّ عَلى عَمّارٍ الَّذِي كانَ تَكَلَّمَ بِهِ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «كَيْفَ كانَ قَلْبُكَ حِينَ قُلْتَ الَّذِي قُلْتَ، أكانَ مُنْشَرِحًا بِالَّذِي قُلْتَ أمْ لا ؟» قالَ لا، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿إلّا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ، وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ أبِي عُبَيْدَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمّارٍ عَنْ أبِيهِ قالَ: أخَذَ المُشْرِكُونَ عَمّارَ بْنَ ياسِرٍ فَلَمْ يَتْرُكُوهُ حَتّى سَبَّ النَّبِيَّ ﷺ وذَكَرَ آلِهَتَهم بِخَيْرٍ فَتَرَكُوهُ، فَلَمّا أتى النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «ما وراءَكَ ؟ قالَ: شَرٌّ، ما تُرِكْتُ حَتّى نِلْتُ مِنكَ وذَكَرْتُ آلِهَتَهم بِخَيْرٍ، قالَ: كَيْفَ تَجِدُ قَلْبَكَ ؟ قالَ: مُطْمَئِنًّا بِالإيمانِ، قالَ: إنْ عادُوا فَعُدْ» فَنَزَلَتْ ﴿إلّا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ﴾ قالَ: ذاكَ عَمّارُ بْنُ ياسِرٍ ﴿ولَكِنْ مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا﴾ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي سَرْحٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أبِي مالِكٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ، وفي البابِ رِواياتٌ مُصَرِّحَةٌ بِأنَّها نَزَلَتْ في عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿إلّا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ﴾ في عَيّاشِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: في سُورَةِ النَّحْلِ ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ ثُمَّ نَسَخَ واسْتَثْنى مِن ذَلِكَ فَقالَ: (p-٨٠٥)﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا﴾ الآيَةَ قالَ: وهو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي سَرْحٍ الَّذِي كانَ يَكْتُبُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأزَلَّهُ الشَّيْطانُ فَلَحِقَ بِالكُفّارِ، فَأمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ أنْ يُقْتَلَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، فاسْتَجارَ لَهُ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ فَأجارَهُ النَّبِيُّ ﷺ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ، والحَسَنِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا﴾ فِيمَن كانَ يُفْتَنُ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: كانَ قَوْمٌ مِن أهْلِ مَكَّةَ قَدْ أسْلَمُوا وكانُوا يَسْتَخْفُونَ بِالإسْلامِ فَنَزَلَتْ فِيهِمْ ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا﴾ الآيَةَ فَكَتَبُوا إلَيْهِمْ بِذَلِكَ إنَّ اللَّهَ قَدْ جَعَلَ لَكم مَخْرَجًا فاخْرُجُوا، فَأدْرَكَهُمُ المُشْرِكُونَ فَقاتَلُوهم فَنَجا مَن نَجا، وقُتِلَ مَن قُتِلَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ الحَسَنِ أنَّ عُيُونًا لِمُسَيْلِمَةَ أخَذُوا رَجُلَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ فَأتَوْهُ بِهِما، فَقالَ لِأحَدِهِما: أتَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: أتَشْهَدُ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ فَأهْوى إلى أُذُنَيْهِ فَقالَ: إنِّي أصَمُّ، فَأمَرَ بِهِ فَقُتِلَ، وقالَ لِلْآخَرِ: أتَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: أتَشْهَدُ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ ؟ قالَ: نَعَمْ، فَأرْسَلَهُ فَأتى النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ لَهُ «أمّا صاحِبُكَ فَمَضى عَلى إيمانِهِ، وأمّا أنْتَ فَأخَذْتَ بِالرُّخْصَةِ»، وهو مُرْسَلٌ.

النحل 16:108

. قَوْلُهُ: ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ﴾ قَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في إعْرابِهِ فَذَهَبَ الأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ، إمّا مِن ﴿الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، والمَعْنى: إنَّما يَفْتَرِي الكَذِبَ مَن كَفَرَ، واسْتَثْنى مِنهُمُ المُكْرَهَ فَلَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ حُكْمِ الِافْتِراءِ. ثُمَّ قالَ: ﴿ولَكِنْ مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا﴾ أيِ اعْتَقَدَهُ وطابَتْ بِهِ نَفْسُهُ واطْمَأنَّ إلَيْهِ ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ﴾ وإمّا مِنَ المُبْتَدَأِ الَّذِي هو أُولَئِكَ [النحل: ١٠٥]، أوْ مِنَ الخَبَرِ الَّذِي هو الكاذِبُونَ [النحل: ١٠٥]، وذَهَبَ الزَّجّاجُ إلى الأوَّلِ وقالَ الأخْفَشُ: إنَّ مَن مُبْتَدَأٌ وخَبَرَهُ مَحْذُوفٌ اكْتُفِيَ مِنهُ بِخَبَرِ مَن الثّانِيَةِ كَقَوْلِكَ: مَن يَأْتِنا مِنكُنَّ نُكْرِمْهُ، وقِيلَ: هو ( أيْ: مَن في مَن كَفَرَ ) مَنصُوبٌ عَلى الذَّمِّ وقِيلَ إنَّ مَن شَرْطِيَّةٌ والجَوابُ مَحْذُوفٌ لِأنَّ جَوابَ مَن شَرَحَ دالٌّ عَلَيْهِ، وهو كَقَوْلِ الأخْفَشِ، وإنَّما خالَفَهُ في إطْلاقِ لَفْظِ الشَّرْطِ عَلى مَن والجَوابُ عَلى خَبَرِها فَكَأنَّهُ قِيلَ عَلى هَذا: مَن كَفَرَ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ إلّا مَن أُكْرِهَ، ولَكِنْ مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ، وإنَّما صَحَّ اسْتِثْناءُ المُكْرَهِ مِنَ الكافِرِ مَعَ أنَّهُ لَيْسَ بِكافِرٍ لِأنَّهُ ظَهَرَ مِنهُ بَعْدَ الإيمانِ ما لا يَظْهَرُ إلّا مِنَ الكافِرِ لَوْلا الإكْراهُ. قالَ القُرْطُبِيُّ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ عَلى أنَّ مَن أُكْرِهَ عَلى الكُفْرِ حَتّى خَشِيَ عَلى نَفْسِهِ القَتْلَ أنَّهُ لا إثْمَ عَلَيْهِ إنْ كَفَرَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ، ولا تَبِينُ مِنهُ زَوْجَتُهُ، ولا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِحُكْمِ الكُفْرِ. وحُكِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ أنَّهُ إذا أظْهَرَ الكُفْرَ كانَ مُرْتَدًّا في الظّاهِرِ، وفِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ عَلى الإسْلامِ، وتَبِينُ مِنهُ امْرَأتُهُ ولا يُصَلّى عَلَيْهِ إنْ ماتَ ولا يَرِثُ أباهُ إنْ ماتَ مُسْلِمًا، وهَذا القَوْلُ مَرْدُودٌ عَلى قائِلِهِ مَدْفُوعٌ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ، وذَهَبَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، والشّافِعِيُّ، وسَحْنُونٌ إلى أنَّ هَذِهِ الرُّخْصَةَ المَذْكُورَةَ في هَذِهِ الآيَةِ إنَّما جاءَتْ في القَوْلِ، وأمّا في الفِعْلِ فَلا رُخْصَةَ، مِثْلُ أنْ يُكْرَهَ عَلى السُّجُودِ لِغَيْرِ اللَّهِ. ويَدْفَعُهُ ظاهِرُ الآيَةِ، فَإنَّها عامَّةٌ فِيمَن أُكْرِهَ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ القَوْلِ والفِعْلِ، ولا دَلِيلَ لِهَؤُلاءِ القاصِرِينَ لِلْآيَةِ عَلى القَوْلِ، وخُصُوصُ السَّبَبِ لا (p-٨٠٤)اعْتِبارَ بِهِ مَعَ عُمُومِ اللَّفْظِ كَما تَقَرَّرَ في عِلْمِ الأُصُولِ، وجُمْلَةُ ﴿وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ المُسْتَثْنى، أيْ: إلّا مَن كَفَرَ بِإكْراهٍ، والحالُ أنَّ قَلْبَهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ لَمْ تَتَغَيَّرْ عَقِيدَتُهُ، ولَيْسَ بَعْدَ هَذا الوَعِيدِ العَظِيمِ وهو الجَمْعُ لِلْمُرْتَدِّينَ بَيْنَ غَضَبِ اللَّهِ وعَظِيمِ عَذابِهِ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى الكُفْرِ بَعْدَ الإيمانِ، أوْ إلى الوَعِيدِ بِالغَضَبِ والعَذابِ، والباءُ في ﴿بِأنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الحَياةَ الدُّنْيا﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ، أيْ: ذَلِكَ بِسَبَبِ تَأْثِيرِهِمْ لِلْحَياةِ الدُّنْيا ﴿عَلى الآخِرَةِ وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى أنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا أيْ ذَلِكَ بِأنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا، وبِأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ إلى الإيمانِ بِهِ. ثُمَّ وصَفَهم بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ أيِ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ مِنَ الأوْصافِ القَبِيحَةِ ﴿الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ﴾ فَلَمْ يَفْهَمُوا المَواعِظَ ولا سَمِعُوها، ولا أبْصَرُوا الآياتِ الَّتِي يُسْتَدَلُّ بِها عَلى الحَقِّ، وقَدْ سَبَقَ تَحْقِيقُ الطَّبْعِ في أوَّلِ البَقَرَةِ، ثُمَّ أثْبَتَ لَهم صِفَةَ نَقْصٍ غَيْرَ الصِّفَةِ المُتَقَدِّمَةِ فَقالَ: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ﴾ عَمّا يُرادُ بِهِمْ، وضَمِيرُ الفَصْلِ يُفِيدُ أنَّهم مُتَناهُونَ في الغَفْلَةِ، إذْ لا غَفْلَةَ أعْظَمُ مِن غَفْلَتِهِمْ هَذِهِ. ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ أيِ الكامِلُونَ في الخُسْرانِ البالِغُونَ إلى غايَةٍ مِنهُ لَيْسَ فَوْقَها غايَةٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ الكَلامِ في مَعْنى لا جَرَمَ في مَواضِعَ مِنها ما هو في هَذِهِ السُّورَةِ. ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا﴾ مِن دارِ الكُفْرِ إلى دارِ الإسْلامِ، وخَبَرُ إنَّ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ، وإنَّما حُذِفَ لِدَلالَةِ خَبَرِ إنَّ رَبَّكَ المُتَأخِّرَةِ عَلَيْهِ، وقِيلَ الخَبَرُ هو لِلَّذِينِ هاجَرُوا، أيْ: إنَّ رَبَّكَ لَهم بِالوَلايَةِ والنُّصْرَةِ لا عَلَيْهِمْ، وفِيهِ بُعْدٌ، وقِيلَ إنَّ خَبَرَها هو قَوْلُهُ ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، وإنَّ رَبَّكَ الثّانِيَةَ تَأْكِيدٌ لِلْأُولى. قالَ في الكَشّافِ: ( ثُمَّ ) هاهُنا لِلدَّلالَةِ عَلى تَباعُدِ حالِ هَؤُلاءِ، يَعْنِي الَّذِينَ نَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِمْ عَنْ حالِ أُولَئِكَ، وهم عَمّارٌ وأصْحابُهُ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ ما رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي سَرْحٍ، وسَيَأْتِي بَيانُ ذَلِكَ ﴿مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا﴾ أيْ فَتَنَهُمُ الكُفّارُ بِتَعْذِيبِهِمْ لَهم لِيَرْجِعُوا في الكُفْرِ، وقُرِئَ " فَتَنُوا " عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ: أيِ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ وعَذَّبُوهم عَلى الإسْلامِ ثُمَّ جاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ وصَبَرُوا عَلى ما أصابَهم مِنَ الكُفّارِ، وعَلى ما يَلْقَوْنَهُ مِن مَشاقِّ التَّكْلِيفِ ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ كَثِيرُ الغُفْرانِ والرَّحْمَةِ لَهم، ومَعْنى الآيَةِ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ فَتَنُوا عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ واضِحٌ ظاهِرٌ، أيْ: إنَّ رَبَّكَ لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ الَّذِينَ فَتَنُوا مَن أسْلَمَ وعَذَّبُوهم ثُمَّ جاهَدُوا وصَبَرُوا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ، وأمّا عَلى قِراءَةِ البِناءِ لِلْمَفْعُولِ وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ، فالمَعْنى: أنَّ هَؤُلاءِ المَفْتُونِينَ الَّذِينَ تَكَلَّمُوا بِكَلِمَةِ الكُفْرِ مُكْرَهِينَ وصُدُورُهم غَيْرُ مُنْشَرِحَةٍ لِلْكُفْرِ إذا صَلَحَتْ أعْمالُهم وجاهَدُوا في اللَّهِ وصَبَرُوا عَلى المَكارِهِ لَغَفُورٌ لَهم رَحِيمٌ بِهِمْ، وأمّا إذا كانَ سَبَبُ الآيَةِ هَذِهِ هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي سَرْحٍ الَّذِي ارْتَدَّ عَنِ الإسْلامِ ثُمَّ رَجَعَ بَعْدَ ذَلِكَ إلى الإسْلامِ، فالمَعْنى: أنَّ هَذا المَفْتُونَ في دِينِهِ بِالرِّدَّةِ إذا أسْلَمَ وجاهَدَ وصَبَرَ فاللَّهُ غَفُورٌ لَهُ رَحِيمٌ بِهِ، والضَّمِيرُ في بَعْدِها يَرْجِعُ إلى الفِتْنَةِ أوْ إلى المُهاجَرَةِ والجِهادِ والصَّبْرِ، أوْ إلى الجَمِيعِ. ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها﴾ قالَ الزَّجّاجُ: يَوْمَ تَأْتِي مُنْتَصِبٌ بِقَوْلِهِ رَحِيمٌ، أوْ بِإضْمارِ اذْكُرْ، أوْ ذَكِّرْهم أوْ أنْذِرْهم، وقَدِ اسْتُشْكِلَ إضافَةُ ضَمِيرِ النَّفْسِ إلى النَّفْسِ، ولا بُدَّ مِنَ التَّغايُرِ بَيْنَ المُضافِ والمُضافِ إلَيْهِ. وأُجِيبُ بِأنَّ المُرادَ بِالنَّفْسِ الأُولى جُمْلَةُ بَدَنِ الإنْسانِ، وبِالنَّفْسِ الثّانِيَةِ الذّاتُ، فَكَأنْ قِيلَ يَوْمَ يَأْتِي كُلُّ إنْسانٍ يُجادِلُ عَنْ ذاتِهِ لا يُهِمُّهُ غَيْرُها، ومَعْنى المُجادَلَةِ عَنْها الِاعْتِذارُ عَنْها، فَهو مُجادِلٌ ومُخاصِمٌ عَنْ نَفْسِهِ لا يَتَفَرَّغُ لِغَيْرِها يَوْمَ القِيامَةِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا أرادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يُهاجِرَ إلى المَدِينَةِ قالَ لِأصْحابِهِ: «تَفَرَّقُوا عَنِّي فَمَن كانَتْ بِهِ قُوَّةٌ فَلْيَتَأخَّرْ إلى آخِرِ اللَّيْلِ، ومَن لَمْ تَكُنْ بِهِ قُوَّةٌ فَلْيَذْهَبْ في أوَّلِ اللَّيْلِ، فَإذا سَمِعْتُمْ بِي قَدِ اسْتَقَرَّتْ بِيَ الأرْضُ فالحَقُوا بِي» فَأصْبَحَ بِلالٌ المُؤَذِّنُ وخَبّابٌ، وعَمّارٌ وجارِيَةٌ مِن قُرَيْشٍ كانَتْ أسْلَمَتْ، فَأخَذَهُمُ المُشْرِكُونَ وأبُو جَهْلٍ، فَعَرَضُوا عَلى بِلالٍ أنْ يَكْفُرَ فَأبى، فَجَعَلُوا يَضَعُونَ دِرْعًا مِن حَدِيدٍ في الشَّمْسِ ثُمَّ يُلْبِسُونَها إيّاهُ، فَإذا ألْبَسُوها إيّاهُ قالَ: أحَدٌ أحَدٌ، وأمّا خَبّابٌ فَجَعَلُوا يَجُرُّونَهُ في الشَّوْكِ، وأمّا عَمّارٌ فَقالَ لَهم كَلِمَةً أعْجَبَتْهم تَقِيَّةً، وأمّا الجارِيَةُ فَوَتَدَ لَها أبُو جَهْلٍ أرْبَعَةَ أوْتادٍ، ثُمَّ مَدَّها فَأدْخَلَ الحَرْبَةَ في قُبُلِها حَتّى قَتَلَها، ثُمَّ خَلَّوْا عَنْ بِلالٍ، وخَبّابٍ، وعَمّارٍ فَلَحِقُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأخْبَرُوهُ بِالَّذِي كانَ مِن أمْرِهِمْ، واشْتَدَّ عَلى عَمّارٍ الَّذِي كانَ تَكَلَّمَ بِهِ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «كَيْفَ كانَ قَلْبُكَ حِينَ قُلْتَ الَّذِي قُلْتَ، أكانَ مُنْشَرِحًا بِالَّذِي قُلْتَ أمْ لا ؟» قالَ لا، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿إلّا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ، وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ أبِي عُبَيْدَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمّارٍ عَنْ أبِيهِ قالَ: أخَذَ المُشْرِكُونَ عَمّارَ بْنَ ياسِرٍ فَلَمْ يَتْرُكُوهُ حَتّى سَبَّ النَّبِيَّ ﷺ وذَكَرَ آلِهَتَهم بِخَيْرٍ فَتَرَكُوهُ، فَلَمّا أتى النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «ما وراءَكَ ؟ قالَ: شَرٌّ، ما تُرِكْتُ حَتّى نِلْتُ مِنكَ وذَكَرْتُ آلِهَتَهم بِخَيْرٍ، قالَ: كَيْفَ تَجِدُ قَلْبَكَ ؟ قالَ: مُطْمَئِنًّا بِالإيمانِ، قالَ: إنْ عادُوا فَعُدْ» فَنَزَلَتْ ﴿إلّا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ﴾ قالَ: ذاكَ عَمّارُ بْنُ ياسِرٍ ﴿ولَكِنْ مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا﴾ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي سَرْحٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أبِي مالِكٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ، وفي البابِ رِواياتٌ مُصَرِّحَةٌ بِأنَّها نَزَلَتْ في عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿إلّا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ﴾ في عَيّاشِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: في سُورَةِ النَّحْلِ ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ ثُمَّ نَسَخَ واسْتَثْنى مِن ذَلِكَ فَقالَ: (p-٨٠٥)﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا﴾ الآيَةَ قالَ: وهو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي سَرْحٍ الَّذِي كانَ يَكْتُبُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأزَلَّهُ الشَّيْطانُ فَلَحِقَ بِالكُفّارِ، فَأمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ أنْ يُقْتَلَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، فاسْتَجارَ لَهُ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ فَأجارَهُ النَّبِيُّ ﷺ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ، والحَسَنِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا﴾ فِيمَن كانَ يُفْتَنُ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: كانَ قَوْمٌ مِن أهْلِ مَكَّةَ قَدْ أسْلَمُوا وكانُوا يَسْتَخْفُونَ بِالإسْلامِ فَنَزَلَتْ فِيهِمْ ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا﴾ الآيَةَ فَكَتَبُوا إلَيْهِمْ بِذَلِكَ إنَّ اللَّهَ قَدْ جَعَلَ لَكم مَخْرَجًا فاخْرُجُوا، فَأدْرَكَهُمُ المُشْرِكُونَ فَقاتَلُوهم فَنَجا مَن نَجا، وقُتِلَ مَن قُتِلَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ الحَسَنِ أنَّ عُيُونًا لِمُسَيْلِمَةَ أخَذُوا رَجُلَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ فَأتَوْهُ بِهِما، فَقالَ لِأحَدِهِما: أتَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: أتَشْهَدُ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ فَأهْوى إلى أُذُنَيْهِ فَقالَ: إنِّي أصَمُّ، فَأمَرَ بِهِ فَقُتِلَ، وقالَ لِلْآخَرِ: أتَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: أتَشْهَدُ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ ؟ قالَ: نَعَمْ، فَأرْسَلَهُ فَأتى النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ لَهُ «أمّا صاحِبُكَ فَمَضى عَلى إيمانِهِ، وأمّا أنْتَ فَأخَذْتَ بِالرُّخْصَةِ»، وهو مُرْسَلٌ.

النحل 16:109

. قَوْلُهُ: ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ﴾ قَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في إعْرابِهِ فَذَهَبَ الأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ، إمّا مِن ﴿الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، والمَعْنى: إنَّما يَفْتَرِي الكَذِبَ مَن كَفَرَ، واسْتَثْنى مِنهُمُ المُكْرَهَ فَلَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ حُكْمِ الِافْتِراءِ. ثُمَّ قالَ: ﴿ولَكِنْ مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا﴾ أيِ اعْتَقَدَهُ وطابَتْ بِهِ نَفْسُهُ واطْمَأنَّ إلَيْهِ ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ﴾ وإمّا مِنَ المُبْتَدَأِ الَّذِي هو أُولَئِكَ [النحل: ١٠٥]، أوْ مِنَ الخَبَرِ الَّذِي هو الكاذِبُونَ [النحل: ١٠٥]، وذَهَبَ الزَّجّاجُ إلى الأوَّلِ وقالَ الأخْفَشُ: إنَّ مَن مُبْتَدَأٌ وخَبَرَهُ مَحْذُوفٌ اكْتُفِيَ مِنهُ بِخَبَرِ مَن الثّانِيَةِ كَقَوْلِكَ: مَن يَأْتِنا مِنكُنَّ نُكْرِمْهُ، وقِيلَ: هو ( أيْ: مَن في مَن كَفَرَ ) مَنصُوبٌ عَلى الذَّمِّ وقِيلَ إنَّ مَن شَرْطِيَّةٌ والجَوابُ مَحْذُوفٌ لِأنَّ جَوابَ مَن شَرَحَ دالٌّ عَلَيْهِ، وهو كَقَوْلِ الأخْفَشِ، وإنَّما خالَفَهُ في إطْلاقِ لَفْظِ الشَّرْطِ عَلى مَن والجَوابُ عَلى خَبَرِها فَكَأنَّهُ قِيلَ عَلى هَذا: مَن كَفَرَ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ إلّا مَن أُكْرِهَ، ولَكِنْ مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ، وإنَّما صَحَّ اسْتِثْناءُ المُكْرَهِ مِنَ الكافِرِ مَعَ أنَّهُ لَيْسَ بِكافِرٍ لِأنَّهُ ظَهَرَ مِنهُ بَعْدَ الإيمانِ ما لا يَظْهَرُ إلّا مِنَ الكافِرِ لَوْلا الإكْراهُ. قالَ القُرْطُبِيُّ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ عَلى أنَّ مَن أُكْرِهَ عَلى الكُفْرِ حَتّى خَشِيَ عَلى نَفْسِهِ القَتْلَ أنَّهُ لا إثْمَ عَلَيْهِ إنْ كَفَرَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ، ولا تَبِينُ مِنهُ زَوْجَتُهُ، ولا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِحُكْمِ الكُفْرِ. وحُكِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ أنَّهُ إذا أظْهَرَ الكُفْرَ كانَ مُرْتَدًّا في الظّاهِرِ، وفِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ عَلى الإسْلامِ، وتَبِينُ مِنهُ امْرَأتُهُ ولا يُصَلّى عَلَيْهِ إنْ ماتَ ولا يَرِثُ أباهُ إنْ ماتَ مُسْلِمًا، وهَذا القَوْلُ مَرْدُودٌ عَلى قائِلِهِ مَدْفُوعٌ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ، وذَهَبَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، والشّافِعِيُّ، وسَحْنُونٌ إلى أنَّ هَذِهِ الرُّخْصَةَ المَذْكُورَةَ في هَذِهِ الآيَةِ إنَّما جاءَتْ في القَوْلِ، وأمّا في الفِعْلِ فَلا رُخْصَةَ، مِثْلُ أنْ يُكْرَهَ عَلى السُّجُودِ لِغَيْرِ اللَّهِ. ويَدْفَعُهُ ظاهِرُ الآيَةِ، فَإنَّها عامَّةٌ فِيمَن أُكْرِهَ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ القَوْلِ والفِعْلِ، ولا دَلِيلَ لِهَؤُلاءِ القاصِرِينَ لِلْآيَةِ عَلى القَوْلِ، وخُصُوصُ السَّبَبِ لا (p-٨٠٤)اعْتِبارَ بِهِ مَعَ عُمُومِ اللَّفْظِ كَما تَقَرَّرَ في عِلْمِ الأُصُولِ، وجُمْلَةُ ﴿وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ المُسْتَثْنى، أيْ: إلّا مَن كَفَرَ بِإكْراهٍ، والحالُ أنَّ قَلْبَهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ لَمْ تَتَغَيَّرْ عَقِيدَتُهُ، ولَيْسَ بَعْدَ هَذا الوَعِيدِ العَظِيمِ وهو الجَمْعُ لِلْمُرْتَدِّينَ بَيْنَ غَضَبِ اللَّهِ وعَظِيمِ عَذابِهِ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى الكُفْرِ بَعْدَ الإيمانِ، أوْ إلى الوَعِيدِ بِالغَضَبِ والعَذابِ، والباءُ في ﴿بِأنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الحَياةَ الدُّنْيا﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ، أيْ: ذَلِكَ بِسَبَبِ تَأْثِيرِهِمْ لِلْحَياةِ الدُّنْيا ﴿عَلى الآخِرَةِ وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى أنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا أيْ ذَلِكَ بِأنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا، وبِأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ إلى الإيمانِ بِهِ. ثُمَّ وصَفَهم بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ أيِ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ مِنَ الأوْصافِ القَبِيحَةِ ﴿الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ﴾ فَلَمْ يَفْهَمُوا المَواعِظَ ولا سَمِعُوها، ولا أبْصَرُوا الآياتِ الَّتِي يُسْتَدَلُّ بِها عَلى الحَقِّ، وقَدْ سَبَقَ تَحْقِيقُ الطَّبْعِ في أوَّلِ البَقَرَةِ، ثُمَّ أثْبَتَ لَهم صِفَةَ نَقْصٍ غَيْرَ الصِّفَةِ المُتَقَدِّمَةِ فَقالَ: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ﴾ عَمّا يُرادُ بِهِمْ، وضَمِيرُ الفَصْلِ يُفِيدُ أنَّهم مُتَناهُونَ في الغَفْلَةِ، إذْ لا غَفْلَةَ أعْظَمُ مِن غَفْلَتِهِمْ هَذِهِ. ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ أيِ الكامِلُونَ في الخُسْرانِ البالِغُونَ إلى غايَةٍ مِنهُ لَيْسَ فَوْقَها غايَةٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ الكَلامِ في مَعْنى لا جَرَمَ في مَواضِعَ مِنها ما هو في هَذِهِ السُّورَةِ. ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا﴾ مِن دارِ الكُفْرِ إلى دارِ الإسْلامِ، وخَبَرُ إنَّ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ، وإنَّما حُذِفَ لِدَلالَةِ خَبَرِ إنَّ رَبَّكَ المُتَأخِّرَةِ عَلَيْهِ، وقِيلَ الخَبَرُ هو لِلَّذِينِ هاجَرُوا، أيْ: إنَّ رَبَّكَ لَهم بِالوَلايَةِ والنُّصْرَةِ لا عَلَيْهِمْ، وفِيهِ بُعْدٌ، وقِيلَ إنَّ خَبَرَها هو قَوْلُهُ ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، وإنَّ رَبَّكَ الثّانِيَةَ تَأْكِيدٌ لِلْأُولى. قالَ في الكَشّافِ: ( ثُمَّ ) هاهُنا لِلدَّلالَةِ عَلى تَباعُدِ حالِ هَؤُلاءِ، يَعْنِي الَّذِينَ نَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِمْ عَنْ حالِ أُولَئِكَ، وهم عَمّارٌ وأصْحابُهُ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ ما رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي سَرْحٍ، وسَيَأْتِي بَيانُ ذَلِكَ ﴿مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا﴾ أيْ فَتَنَهُمُ الكُفّارُ بِتَعْذِيبِهِمْ لَهم لِيَرْجِعُوا في الكُفْرِ، وقُرِئَ " فَتَنُوا " عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ: أيِ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ وعَذَّبُوهم عَلى الإسْلامِ ثُمَّ جاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ وصَبَرُوا عَلى ما أصابَهم مِنَ الكُفّارِ، وعَلى ما يَلْقَوْنَهُ مِن مَشاقِّ التَّكْلِيفِ ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ كَثِيرُ الغُفْرانِ والرَّحْمَةِ لَهم، ومَعْنى الآيَةِ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ فَتَنُوا عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ واضِحٌ ظاهِرٌ، أيْ: إنَّ رَبَّكَ لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ الَّذِينَ فَتَنُوا مَن أسْلَمَ وعَذَّبُوهم ثُمَّ جاهَدُوا وصَبَرُوا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ، وأمّا عَلى قِراءَةِ البِناءِ لِلْمَفْعُولِ وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ، فالمَعْنى: أنَّ هَؤُلاءِ المَفْتُونِينَ الَّذِينَ تَكَلَّمُوا بِكَلِمَةِ الكُفْرِ مُكْرَهِينَ وصُدُورُهم غَيْرُ مُنْشَرِحَةٍ لِلْكُفْرِ إذا صَلَحَتْ أعْمالُهم وجاهَدُوا في اللَّهِ وصَبَرُوا عَلى المَكارِهِ لَغَفُورٌ لَهم رَحِيمٌ بِهِمْ، وأمّا إذا كانَ سَبَبُ الآيَةِ هَذِهِ هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي سَرْحٍ الَّذِي ارْتَدَّ عَنِ الإسْلامِ ثُمَّ رَجَعَ بَعْدَ ذَلِكَ إلى الإسْلامِ، فالمَعْنى: أنَّ هَذا المَفْتُونَ في دِينِهِ بِالرِّدَّةِ إذا أسْلَمَ وجاهَدَ وصَبَرَ فاللَّهُ غَفُورٌ لَهُ رَحِيمٌ بِهِ، والضَّمِيرُ في بَعْدِها يَرْجِعُ إلى الفِتْنَةِ أوْ إلى المُهاجَرَةِ والجِهادِ والصَّبْرِ، أوْ إلى الجَمِيعِ. ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها﴾ قالَ الزَّجّاجُ: يَوْمَ تَأْتِي مُنْتَصِبٌ بِقَوْلِهِ رَحِيمٌ، أوْ بِإضْمارِ اذْكُرْ، أوْ ذَكِّرْهم أوْ أنْذِرْهم، وقَدِ اسْتُشْكِلَ إضافَةُ ضَمِيرِ النَّفْسِ إلى النَّفْسِ، ولا بُدَّ مِنَ التَّغايُرِ بَيْنَ المُضافِ والمُضافِ إلَيْهِ. وأُجِيبُ بِأنَّ المُرادَ بِالنَّفْسِ الأُولى جُمْلَةُ بَدَنِ الإنْسانِ، وبِالنَّفْسِ الثّانِيَةِ الذّاتُ، فَكَأنْ قِيلَ يَوْمَ يَأْتِي كُلُّ إنْسانٍ يُجادِلُ عَنْ ذاتِهِ لا يُهِمُّهُ غَيْرُها، ومَعْنى المُجادَلَةِ عَنْها الِاعْتِذارُ عَنْها، فَهو مُجادِلٌ ومُخاصِمٌ عَنْ نَفْسِهِ لا يَتَفَرَّغُ لِغَيْرِها يَوْمَ القِيامَةِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا أرادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يُهاجِرَ إلى المَدِينَةِ قالَ لِأصْحابِهِ: «تَفَرَّقُوا عَنِّي فَمَن كانَتْ بِهِ قُوَّةٌ فَلْيَتَأخَّرْ إلى آخِرِ اللَّيْلِ، ومَن لَمْ تَكُنْ بِهِ قُوَّةٌ فَلْيَذْهَبْ في أوَّلِ اللَّيْلِ، فَإذا سَمِعْتُمْ بِي قَدِ اسْتَقَرَّتْ بِيَ الأرْضُ فالحَقُوا بِي» فَأصْبَحَ بِلالٌ المُؤَذِّنُ وخَبّابٌ، وعَمّارٌ وجارِيَةٌ مِن قُرَيْشٍ كانَتْ أسْلَمَتْ، فَأخَذَهُمُ المُشْرِكُونَ وأبُو جَهْلٍ، فَعَرَضُوا عَلى بِلالٍ أنْ يَكْفُرَ فَأبى، فَجَعَلُوا يَضَعُونَ دِرْعًا مِن حَدِيدٍ في الشَّمْسِ ثُمَّ يُلْبِسُونَها إيّاهُ، فَإذا ألْبَسُوها إيّاهُ قالَ: أحَدٌ أحَدٌ، وأمّا خَبّابٌ فَجَعَلُوا يَجُرُّونَهُ في الشَّوْكِ، وأمّا عَمّارٌ فَقالَ لَهم كَلِمَةً أعْجَبَتْهم تَقِيَّةً، وأمّا الجارِيَةُ فَوَتَدَ لَها أبُو جَهْلٍ أرْبَعَةَ أوْتادٍ، ثُمَّ مَدَّها فَأدْخَلَ الحَرْبَةَ في قُبُلِها حَتّى قَتَلَها، ثُمَّ خَلَّوْا عَنْ بِلالٍ، وخَبّابٍ، وعَمّارٍ فَلَحِقُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأخْبَرُوهُ بِالَّذِي كانَ مِن أمْرِهِمْ، واشْتَدَّ عَلى عَمّارٍ الَّذِي كانَ تَكَلَّمَ بِهِ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «كَيْفَ كانَ قَلْبُكَ حِينَ قُلْتَ الَّذِي قُلْتَ، أكانَ مُنْشَرِحًا بِالَّذِي قُلْتَ أمْ لا ؟» قالَ لا، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿إلّا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ، وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ أبِي عُبَيْدَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمّارٍ عَنْ أبِيهِ قالَ: أخَذَ المُشْرِكُونَ عَمّارَ بْنَ ياسِرٍ فَلَمْ يَتْرُكُوهُ حَتّى سَبَّ النَّبِيَّ ﷺ وذَكَرَ آلِهَتَهم بِخَيْرٍ فَتَرَكُوهُ، فَلَمّا أتى النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «ما وراءَكَ ؟ قالَ: شَرٌّ، ما تُرِكْتُ حَتّى نِلْتُ مِنكَ وذَكَرْتُ آلِهَتَهم بِخَيْرٍ، قالَ: كَيْفَ تَجِدُ قَلْبَكَ ؟ قالَ: مُطْمَئِنًّا بِالإيمانِ، قالَ: إنْ عادُوا فَعُدْ» فَنَزَلَتْ ﴿إلّا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ﴾ قالَ: ذاكَ عَمّارُ بْنُ ياسِرٍ ﴿ولَكِنْ مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا﴾ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي سَرْحٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أبِي مالِكٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ، وفي البابِ رِواياتٌ مُصَرِّحَةٌ بِأنَّها نَزَلَتْ في عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿إلّا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ﴾ في عَيّاشِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: في سُورَةِ النَّحْلِ ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ ثُمَّ نَسَخَ واسْتَثْنى مِن ذَلِكَ فَقالَ: (p-٨٠٥)﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا﴾ الآيَةَ قالَ: وهو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي سَرْحٍ الَّذِي كانَ يَكْتُبُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأزَلَّهُ الشَّيْطانُ فَلَحِقَ بِالكُفّارِ، فَأمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ أنْ يُقْتَلَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، فاسْتَجارَ لَهُ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ فَأجارَهُ النَّبِيُّ ﷺ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ، والحَسَنِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا﴾ فِيمَن كانَ يُفْتَنُ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: كانَ قَوْمٌ مِن أهْلِ مَكَّةَ قَدْ أسْلَمُوا وكانُوا يَسْتَخْفُونَ بِالإسْلامِ فَنَزَلَتْ فِيهِمْ ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا﴾ الآيَةَ فَكَتَبُوا إلَيْهِمْ بِذَلِكَ إنَّ اللَّهَ قَدْ جَعَلَ لَكم مَخْرَجًا فاخْرُجُوا، فَأدْرَكَهُمُ المُشْرِكُونَ فَقاتَلُوهم فَنَجا مَن نَجا، وقُتِلَ مَن قُتِلَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ الحَسَنِ أنَّ عُيُونًا لِمُسَيْلِمَةَ أخَذُوا رَجُلَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ فَأتَوْهُ بِهِما، فَقالَ لِأحَدِهِما: أتَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: أتَشْهَدُ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ فَأهْوى إلى أُذُنَيْهِ فَقالَ: إنِّي أصَمُّ، فَأمَرَ بِهِ فَقُتِلَ، وقالَ لِلْآخَرِ: أتَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: أتَشْهَدُ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ ؟ قالَ: نَعَمْ، فَأرْسَلَهُ فَأتى النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ لَهُ «أمّا صاحِبُكَ فَمَضى عَلى إيمانِهِ، وأمّا أنْتَ فَأخَذْتَ بِالرُّخْصَةِ»، وهو مُرْسَلٌ.

النحل 16:110

. قَوْلُهُ: ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ﴾ قَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في إعْرابِهِ فَذَهَبَ الأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ، إمّا مِن ﴿الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، والمَعْنى: إنَّما يَفْتَرِي الكَذِبَ مَن كَفَرَ، واسْتَثْنى مِنهُمُ المُكْرَهَ فَلَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ حُكْمِ الِافْتِراءِ. ثُمَّ قالَ: ﴿ولَكِنْ مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا﴾ أيِ اعْتَقَدَهُ وطابَتْ بِهِ نَفْسُهُ واطْمَأنَّ إلَيْهِ ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ﴾ وإمّا مِنَ المُبْتَدَأِ الَّذِي هو أُولَئِكَ [النحل: ١٠٥]، أوْ مِنَ الخَبَرِ الَّذِي هو الكاذِبُونَ [النحل: ١٠٥]، وذَهَبَ الزَّجّاجُ إلى الأوَّلِ وقالَ الأخْفَشُ: إنَّ مَن مُبْتَدَأٌ وخَبَرَهُ مَحْذُوفٌ اكْتُفِيَ مِنهُ بِخَبَرِ مَن الثّانِيَةِ كَقَوْلِكَ: مَن يَأْتِنا مِنكُنَّ نُكْرِمْهُ، وقِيلَ: هو ( أيْ: مَن في مَن كَفَرَ ) مَنصُوبٌ عَلى الذَّمِّ وقِيلَ إنَّ مَن شَرْطِيَّةٌ والجَوابُ مَحْذُوفٌ لِأنَّ جَوابَ مَن شَرَحَ دالٌّ عَلَيْهِ، وهو كَقَوْلِ الأخْفَشِ، وإنَّما خالَفَهُ في إطْلاقِ لَفْظِ الشَّرْطِ عَلى مَن والجَوابُ عَلى خَبَرِها فَكَأنَّهُ قِيلَ عَلى هَذا: مَن كَفَرَ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ إلّا مَن أُكْرِهَ، ولَكِنْ مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ، وإنَّما صَحَّ اسْتِثْناءُ المُكْرَهِ مِنَ الكافِرِ مَعَ أنَّهُ لَيْسَ بِكافِرٍ لِأنَّهُ ظَهَرَ مِنهُ بَعْدَ الإيمانِ ما لا يَظْهَرُ إلّا مِنَ الكافِرِ لَوْلا الإكْراهُ. قالَ القُرْطُبِيُّ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ عَلى أنَّ مَن أُكْرِهَ عَلى الكُفْرِ حَتّى خَشِيَ عَلى نَفْسِهِ القَتْلَ أنَّهُ لا إثْمَ عَلَيْهِ إنْ كَفَرَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ، ولا تَبِينُ مِنهُ زَوْجَتُهُ، ولا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِحُكْمِ الكُفْرِ. وحُكِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ أنَّهُ إذا أظْهَرَ الكُفْرَ كانَ مُرْتَدًّا في الظّاهِرِ، وفِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ عَلى الإسْلامِ، وتَبِينُ مِنهُ امْرَأتُهُ ولا يُصَلّى عَلَيْهِ إنْ ماتَ ولا يَرِثُ أباهُ إنْ ماتَ مُسْلِمًا، وهَذا القَوْلُ مَرْدُودٌ عَلى قائِلِهِ مَدْفُوعٌ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ، وذَهَبَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، والشّافِعِيُّ، وسَحْنُونٌ إلى أنَّ هَذِهِ الرُّخْصَةَ المَذْكُورَةَ في هَذِهِ الآيَةِ إنَّما جاءَتْ في القَوْلِ، وأمّا في الفِعْلِ فَلا رُخْصَةَ، مِثْلُ أنْ يُكْرَهَ عَلى السُّجُودِ لِغَيْرِ اللَّهِ. ويَدْفَعُهُ ظاهِرُ الآيَةِ، فَإنَّها عامَّةٌ فِيمَن أُكْرِهَ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ القَوْلِ والفِعْلِ، ولا دَلِيلَ لِهَؤُلاءِ القاصِرِينَ لِلْآيَةِ عَلى القَوْلِ، وخُصُوصُ السَّبَبِ لا (p-٨٠٤)اعْتِبارَ بِهِ مَعَ عُمُومِ اللَّفْظِ كَما تَقَرَّرَ في عِلْمِ الأُصُولِ، وجُمْلَةُ ﴿وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ المُسْتَثْنى، أيْ: إلّا مَن كَفَرَ بِإكْراهٍ، والحالُ أنَّ قَلْبَهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ لَمْ تَتَغَيَّرْ عَقِيدَتُهُ، ولَيْسَ بَعْدَ هَذا الوَعِيدِ العَظِيمِ وهو الجَمْعُ لِلْمُرْتَدِّينَ بَيْنَ غَضَبِ اللَّهِ وعَظِيمِ عَذابِهِ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى الكُفْرِ بَعْدَ الإيمانِ، أوْ إلى الوَعِيدِ بِالغَضَبِ والعَذابِ، والباءُ في ﴿بِأنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الحَياةَ الدُّنْيا﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ، أيْ: ذَلِكَ بِسَبَبِ تَأْثِيرِهِمْ لِلْحَياةِ الدُّنْيا ﴿عَلى الآخِرَةِ وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى أنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا أيْ ذَلِكَ بِأنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا، وبِأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ إلى الإيمانِ بِهِ. ثُمَّ وصَفَهم بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ أيِ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ مِنَ الأوْصافِ القَبِيحَةِ ﴿الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ﴾ فَلَمْ يَفْهَمُوا المَواعِظَ ولا سَمِعُوها، ولا أبْصَرُوا الآياتِ الَّتِي يُسْتَدَلُّ بِها عَلى الحَقِّ، وقَدْ سَبَقَ تَحْقِيقُ الطَّبْعِ في أوَّلِ البَقَرَةِ، ثُمَّ أثْبَتَ لَهم صِفَةَ نَقْصٍ غَيْرَ الصِّفَةِ المُتَقَدِّمَةِ فَقالَ: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ﴾ عَمّا يُرادُ بِهِمْ، وضَمِيرُ الفَصْلِ يُفِيدُ أنَّهم مُتَناهُونَ في الغَفْلَةِ، إذْ لا غَفْلَةَ أعْظَمُ مِن غَفْلَتِهِمْ هَذِهِ. ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ أيِ الكامِلُونَ في الخُسْرانِ البالِغُونَ إلى غايَةٍ مِنهُ لَيْسَ فَوْقَها غايَةٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ الكَلامِ في مَعْنى لا جَرَمَ في مَواضِعَ مِنها ما هو في هَذِهِ السُّورَةِ. ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا﴾ مِن دارِ الكُفْرِ إلى دارِ الإسْلامِ، وخَبَرُ إنَّ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ، وإنَّما حُذِفَ لِدَلالَةِ خَبَرِ إنَّ رَبَّكَ المُتَأخِّرَةِ عَلَيْهِ، وقِيلَ الخَبَرُ هو لِلَّذِينِ هاجَرُوا، أيْ: إنَّ رَبَّكَ لَهم بِالوَلايَةِ والنُّصْرَةِ لا عَلَيْهِمْ، وفِيهِ بُعْدٌ، وقِيلَ إنَّ خَبَرَها هو قَوْلُهُ ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، وإنَّ رَبَّكَ الثّانِيَةَ تَأْكِيدٌ لِلْأُولى. قالَ في الكَشّافِ: ( ثُمَّ ) هاهُنا لِلدَّلالَةِ عَلى تَباعُدِ حالِ هَؤُلاءِ، يَعْنِي الَّذِينَ نَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِمْ عَنْ حالِ أُولَئِكَ، وهم عَمّارٌ وأصْحابُهُ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ ما رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي سَرْحٍ، وسَيَأْتِي بَيانُ ذَلِكَ ﴿مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا﴾ أيْ فَتَنَهُمُ الكُفّارُ بِتَعْذِيبِهِمْ لَهم لِيَرْجِعُوا في الكُفْرِ، وقُرِئَ " فَتَنُوا " عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ: أيِ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ وعَذَّبُوهم عَلى الإسْلامِ ثُمَّ جاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ وصَبَرُوا عَلى ما أصابَهم مِنَ الكُفّارِ، وعَلى ما يَلْقَوْنَهُ مِن مَشاقِّ التَّكْلِيفِ ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ كَثِيرُ الغُفْرانِ والرَّحْمَةِ لَهم، ومَعْنى الآيَةِ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ فَتَنُوا عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ واضِحٌ ظاهِرٌ، أيْ: إنَّ رَبَّكَ لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ الَّذِينَ فَتَنُوا مَن أسْلَمَ وعَذَّبُوهم ثُمَّ جاهَدُوا وصَبَرُوا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ، وأمّا عَلى قِراءَةِ البِناءِ لِلْمَفْعُولِ وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ، فالمَعْنى: أنَّ هَؤُلاءِ المَفْتُونِينَ الَّذِينَ تَكَلَّمُوا بِكَلِمَةِ الكُفْرِ مُكْرَهِينَ وصُدُورُهم غَيْرُ مُنْشَرِحَةٍ لِلْكُفْرِ إذا صَلَحَتْ أعْمالُهم وجاهَدُوا في اللَّهِ وصَبَرُوا عَلى المَكارِهِ لَغَفُورٌ لَهم رَحِيمٌ بِهِمْ، وأمّا إذا كانَ سَبَبُ الآيَةِ هَذِهِ هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي سَرْحٍ الَّذِي ارْتَدَّ عَنِ الإسْلامِ ثُمَّ رَجَعَ بَعْدَ ذَلِكَ إلى الإسْلامِ، فالمَعْنى: أنَّ هَذا المَفْتُونَ في دِينِهِ بِالرِّدَّةِ إذا أسْلَمَ وجاهَدَ وصَبَرَ فاللَّهُ غَفُورٌ لَهُ رَحِيمٌ بِهِ، والضَّمِيرُ في بَعْدِها يَرْجِعُ إلى الفِتْنَةِ أوْ إلى المُهاجَرَةِ والجِهادِ والصَّبْرِ، أوْ إلى الجَمِيعِ. ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها﴾ قالَ الزَّجّاجُ: يَوْمَ تَأْتِي مُنْتَصِبٌ بِقَوْلِهِ رَحِيمٌ، أوْ بِإضْمارِ اذْكُرْ، أوْ ذَكِّرْهم أوْ أنْذِرْهم، وقَدِ اسْتُشْكِلَ إضافَةُ ضَمِيرِ النَّفْسِ إلى النَّفْسِ، ولا بُدَّ مِنَ التَّغايُرِ بَيْنَ المُضافِ والمُضافِ إلَيْهِ. وأُجِيبُ بِأنَّ المُرادَ بِالنَّفْسِ الأُولى جُمْلَةُ بَدَنِ الإنْسانِ، وبِالنَّفْسِ الثّانِيَةِ الذّاتُ، فَكَأنْ قِيلَ يَوْمَ يَأْتِي كُلُّ إنْسانٍ يُجادِلُ عَنْ ذاتِهِ لا يُهِمُّهُ غَيْرُها، ومَعْنى المُجادَلَةِ عَنْها الِاعْتِذارُ عَنْها، فَهو مُجادِلٌ ومُخاصِمٌ عَنْ نَفْسِهِ لا يَتَفَرَّغُ لِغَيْرِها يَوْمَ القِيامَةِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا أرادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يُهاجِرَ إلى المَدِينَةِ قالَ لِأصْحابِهِ: «تَفَرَّقُوا عَنِّي فَمَن كانَتْ بِهِ قُوَّةٌ فَلْيَتَأخَّرْ إلى آخِرِ اللَّيْلِ، ومَن لَمْ تَكُنْ بِهِ قُوَّةٌ فَلْيَذْهَبْ في أوَّلِ اللَّيْلِ، فَإذا سَمِعْتُمْ بِي قَدِ اسْتَقَرَّتْ بِيَ الأرْضُ فالحَقُوا بِي» فَأصْبَحَ بِلالٌ المُؤَذِّنُ وخَبّابٌ، وعَمّارٌ وجارِيَةٌ مِن قُرَيْشٍ كانَتْ أسْلَمَتْ، فَأخَذَهُمُ المُشْرِكُونَ وأبُو جَهْلٍ، فَعَرَضُوا عَلى بِلالٍ أنْ يَكْفُرَ فَأبى، فَجَعَلُوا يَضَعُونَ دِرْعًا مِن حَدِيدٍ في الشَّمْسِ ثُمَّ يُلْبِسُونَها إيّاهُ، فَإذا ألْبَسُوها إيّاهُ قالَ: أحَدٌ أحَدٌ، وأمّا خَبّابٌ فَجَعَلُوا يَجُرُّونَهُ في الشَّوْكِ، وأمّا عَمّارٌ فَقالَ لَهم كَلِمَةً أعْجَبَتْهم تَقِيَّةً، وأمّا الجارِيَةُ فَوَتَدَ لَها أبُو جَهْلٍ أرْبَعَةَ أوْتادٍ، ثُمَّ مَدَّها فَأدْخَلَ الحَرْبَةَ في قُبُلِها حَتّى قَتَلَها، ثُمَّ خَلَّوْا عَنْ بِلالٍ، وخَبّابٍ، وعَمّارٍ فَلَحِقُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأخْبَرُوهُ بِالَّذِي كانَ مِن أمْرِهِمْ، واشْتَدَّ عَلى عَمّارٍ الَّذِي كانَ تَكَلَّمَ بِهِ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «كَيْفَ كانَ قَلْبُكَ حِينَ قُلْتَ الَّذِي قُلْتَ، أكانَ مُنْشَرِحًا بِالَّذِي قُلْتَ أمْ لا ؟» قالَ لا، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿إلّا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ، وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ أبِي عُبَيْدَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمّارٍ عَنْ أبِيهِ قالَ: أخَذَ المُشْرِكُونَ عَمّارَ بْنَ ياسِرٍ فَلَمْ يَتْرُكُوهُ حَتّى سَبَّ النَّبِيَّ ﷺ وذَكَرَ آلِهَتَهم بِخَيْرٍ فَتَرَكُوهُ، فَلَمّا أتى النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «ما وراءَكَ ؟ قالَ: شَرٌّ، ما تُرِكْتُ حَتّى نِلْتُ مِنكَ وذَكَرْتُ آلِهَتَهم بِخَيْرٍ، قالَ: كَيْفَ تَجِدُ قَلْبَكَ ؟ قالَ: مُطْمَئِنًّا بِالإيمانِ، قالَ: إنْ عادُوا فَعُدْ» فَنَزَلَتْ ﴿إلّا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ﴾ قالَ: ذاكَ عَمّارُ بْنُ ياسِرٍ ﴿ولَكِنْ مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا﴾ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي سَرْحٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أبِي مالِكٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ، وفي البابِ رِواياتٌ مُصَرِّحَةٌ بِأنَّها نَزَلَتْ في عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿إلّا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ﴾ في عَيّاشِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: في سُورَةِ النَّحْلِ ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ ثُمَّ نَسَخَ واسْتَثْنى مِن ذَلِكَ فَقالَ: (p-٨٠٥)﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا﴾ الآيَةَ قالَ: وهو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي سَرْحٍ الَّذِي كانَ يَكْتُبُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأزَلَّهُ الشَّيْطانُ فَلَحِقَ بِالكُفّارِ، فَأمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ أنْ يُقْتَلَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، فاسْتَجارَ لَهُ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ فَأجارَهُ النَّبِيُّ ﷺ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ، والحَسَنِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا﴾ فِيمَن كانَ يُفْتَنُ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: كانَ قَوْمٌ مِن أهْلِ مَكَّةَ قَدْ أسْلَمُوا وكانُوا يَسْتَخْفُونَ بِالإسْلامِ فَنَزَلَتْ فِيهِمْ ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا﴾ الآيَةَ فَكَتَبُوا إلَيْهِمْ بِذَلِكَ إنَّ اللَّهَ قَدْ جَعَلَ لَكم مَخْرَجًا فاخْرُجُوا، فَأدْرَكَهُمُ المُشْرِكُونَ فَقاتَلُوهم فَنَجا مَن نَجا، وقُتِلَ مَن قُتِلَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ الحَسَنِ أنَّ عُيُونًا لِمُسَيْلِمَةَ أخَذُوا رَجُلَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ فَأتَوْهُ بِهِما، فَقالَ لِأحَدِهِما: أتَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: أتَشْهَدُ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ فَأهْوى إلى أُذُنَيْهِ فَقالَ: إنِّي أصَمُّ، فَأمَرَ بِهِ فَقُتِلَ، وقالَ لِلْآخَرِ: أتَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: أتَشْهَدُ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ ؟ قالَ: نَعَمْ، فَأرْسَلَهُ فَأتى النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ لَهُ «أمّا صاحِبُكَ فَمَضى عَلى إيمانِهِ، وأمّا أنْتَ فَأخَذْتَ بِالرُّخْصَةِ»، وهو مُرْسَلٌ.

النحل 16:111

. قَوْلُهُ: ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ﴾ قَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في إعْرابِهِ فَذَهَبَ الأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ، إمّا مِن ﴿الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، والمَعْنى: إنَّما يَفْتَرِي الكَذِبَ مَن كَفَرَ، واسْتَثْنى مِنهُمُ المُكْرَهَ فَلَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ حُكْمِ الِافْتِراءِ. ثُمَّ قالَ: ﴿ولَكِنْ مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا﴾ أيِ اعْتَقَدَهُ وطابَتْ بِهِ نَفْسُهُ واطْمَأنَّ إلَيْهِ ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ﴾ وإمّا مِنَ المُبْتَدَأِ الَّذِي هو أُولَئِكَ [النحل: ١٠٥]، أوْ مِنَ الخَبَرِ الَّذِي هو الكاذِبُونَ [النحل: ١٠٥]، وذَهَبَ الزَّجّاجُ إلى الأوَّلِ وقالَ الأخْفَشُ: إنَّ مَن مُبْتَدَأٌ وخَبَرَهُ مَحْذُوفٌ اكْتُفِيَ مِنهُ بِخَبَرِ مَن الثّانِيَةِ كَقَوْلِكَ: مَن يَأْتِنا مِنكُنَّ نُكْرِمْهُ، وقِيلَ: هو ( أيْ: مَن في مَن كَفَرَ ) مَنصُوبٌ عَلى الذَّمِّ وقِيلَ إنَّ مَن شَرْطِيَّةٌ والجَوابُ مَحْذُوفٌ لِأنَّ جَوابَ مَن شَرَحَ دالٌّ عَلَيْهِ، وهو كَقَوْلِ الأخْفَشِ، وإنَّما خالَفَهُ في إطْلاقِ لَفْظِ الشَّرْطِ عَلى مَن والجَوابُ عَلى خَبَرِها فَكَأنَّهُ قِيلَ عَلى هَذا: مَن كَفَرَ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ إلّا مَن أُكْرِهَ، ولَكِنْ مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ، وإنَّما صَحَّ اسْتِثْناءُ المُكْرَهِ مِنَ الكافِرِ مَعَ أنَّهُ لَيْسَ بِكافِرٍ لِأنَّهُ ظَهَرَ مِنهُ بَعْدَ الإيمانِ ما لا يَظْهَرُ إلّا مِنَ الكافِرِ لَوْلا الإكْراهُ. قالَ القُرْطُبِيُّ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ عَلى أنَّ مَن أُكْرِهَ عَلى الكُفْرِ حَتّى خَشِيَ عَلى نَفْسِهِ القَتْلَ أنَّهُ لا إثْمَ عَلَيْهِ إنْ كَفَرَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ، ولا تَبِينُ مِنهُ زَوْجَتُهُ، ولا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِحُكْمِ الكُفْرِ. وحُكِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ أنَّهُ إذا أظْهَرَ الكُفْرَ كانَ مُرْتَدًّا في الظّاهِرِ، وفِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ عَلى الإسْلامِ، وتَبِينُ مِنهُ امْرَأتُهُ ولا يُصَلّى عَلَيْهِ إنْ ماتَ ولا يَرِثُ أباهُ إنْ ماتَ مُسْلِمًا، وهَذا القَوْلُ مَرْدُودٌ عَلى قائِلِهِ مَدْفُوعٌ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ، وذَهَبَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، والشّافِعِيُّ، وسَحْنُونٌ إلى أنَّ هَذِهِ الرُّخْصَةَ المَذْكُورَةَ في هَذِهِ الآيَةِ إنَّما جاءَتْ في القَوْلِ، وأمّا في الفِعْلِ فَلا رُخْصَةَ، مِثْلُ أنْ يُكْرَهَ عَلى السُّجُودِ لِغَيْرِ اللَّهِ. ويَدْفَعُهُ ظاهِرُ الآيَةِ، فَإنَّها عامَّةٌ فِيمَن أُكْرِهَ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ القَوْلِ والفِعْلِ، ولا دَلِيلَ لِهَؤُلاءِ القاصِرِينَ لِلْآيَةِ عَلى القَوْلِ، وخُصُوصُ السَّبَبِ لا (p-٨٠٤)اعْتِبارَ بِهِ مَعَ عُمُومِ اللَّفْظِ كَما تَقَرَّرَ في عِلْمِ الأُصُولِ، وجُمْلَةُ ﴿وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ المُسْتَثْنى، أيْ: إلّا مَن كَفَرَ بِإكْراهٍ، والحالُ أنَّ قَلْبَهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ لَمْ تَتَغَيَّرْ عَقِيدَتُهُ، ولَيْسَ بَعْدَ هَذا الوَعِيدِ العَظِيمِ وهو الجَمْعُ لِلْمُرْتَدِّينَ بَيْنَ غَضَبِ اللَّهِ وعَظِيمِ عَذابِهِ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى الكُفْرِ بَعْدَ الإيمانِ، أوْ إلى الوَعِيدِ بِالغَضَبِ والعَذابِ، والباءُ في ﴿بِأنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الحَياةَ الدُّنْيا﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ، أيْ: ذَلِكَ بِسَبَبِ تَأْثِيرِهِمْ لِلْحَياةِ الدُّنْيا ﴿عَلى الآخِرَةِ وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى أنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا أيْ ذَلِكَ بِأنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا، وبِأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ إلى الإيمانِ بِهِ. ثُمَّ وصَفَهم بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ أيِ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ مِنَ الأوْصافِ القَبِيحَةِ ﴿الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ﴾ فَلَمْ يَفْهَمُوا المَواعِظَ ولا سَمِعُوها، ولا أبْصَرُوا الآياتِ الَّتِي يُسْتَدَلُّ بِها عَلى الحَقِّ، وقَدْ سَبَقَ تَحْقِيقُ الطَّبْعِ في أوَّلِ البَقَرَةِ، ثُمَّ أثْبَتَ لَهم صِفَةَ نَقْصٍ غَيْرَ الصِّفَةِ المُتَقَدِّمَةِ فَقالَ: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ﴾ عَمّا يُرادُ بِهِمْ، وضَمِيرُ الفَصْلِ يُفِيدُ أنَّهم مُتَناهُونَ في الغَفْلَةِ، إذْ لا غَفْلَةَ أعْظَمُ مِن غَفْلَتِهِمْ هَذِهِ. ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ أيِ الكامِلُونَ في الخُسْرانِ البالِغُونَ إلى غايَةٍ مِنهُ لَيْسَ فَوْقَها غايَةٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ الكَلامِ في مَعْنى لا جَرَمَ في مَواضِعَ مِنها ما هو في هَذِهِ السُّورَةِ. ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا﴾ مِن دارِ الكُفْرِ إلى دارِ الإسْلامِ، وخَبَرُ إنَّ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ، وإنَّما حُذِفَ لِدَلالَةِ خَبَرِ إنَّ رَبَّكَ المُتَأخِّرَةِ عَلَيْهِ، وقِيلَ الخَبَرُ هو لِلَّذِينِ هاجَرُوا، أيْ: إنَّ رَبَّكَ لَهم بِالوَلايَةِ والنُّصْرَةِ لا عَلَيْهِمْ، وفِيهِ بُعْدٌ، وقِيلَ إنَّ خَبَرَها هو قَوْلُهُ ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، وإنَّ رَبَّكَ الثّانِيَةَ تَأْكِيدٌ لِلْأُولى. قالَ في الكَشّافِ: ( ثُمَّ ) هاهُنا لِلدَّلالَةِ عَلى تَباعُدِ حالِ هَؤُلاءِ، يَعْنِي الَّذِينَ نَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِمْ عَنْ حالِ أُولَئِكَ، وهم عَمّارٌ وأصْحابُهُ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ ما رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي سَرْحٍ، وسَيَأْتِي بَيانُ ذَلِكَ ﴿مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا﴾ أيْ فَتَنَهُمُ الكُفّارُ بِتَعْذِيبِهِمْ لَهم لِيَرْجِعُوا في الكُفْرِ، وقُرِئَ " فَتَنُوا " عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ: أيِ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ وعَذَّبُوهم عَلى الإسْلامِ ثُمَّ جاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ وصَبَرُوا عَلى ما أصابَهم مِنَ الكُفّارِ، وعَلى ما يَلْقَوْنَهُ مِن مَشاقِّ التَّكْلِيفِ ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ كَثِيرُ الغُفْرانِ والرَّحْمَةِ لَهم، ومَعْنى الآيَةِ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ فَتَنُوا عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ واضِحٌ ظاهِرٌ، أيْ: إنَّ رَبَّكَ لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ الَّذِينَ فَتَنُوا مَن أسْلَمَ وعَذَّبُوهم ثُمَّ جاهَدُوا وصَبَرُوا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ، وأمّا عَلى قِراءَةِ البِناءِ لِلْمَفْعُولِ وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ، فالمَعْنى: أنَّ هَؤُلاءِ المَفْتُونِينَ الَّذِينَ تَكَلَّمُوا بِكَلِمَةِ الكُفْرِ مُكْرَهِينَ وصُدُورُهم غَيْرُ مُنْشَرِحَةٍ لِلْكُفْرِ إذا صَلَحَتْ أعْمالُهم وجاهَدُوا في اللَّهِ وصَبَرُوا عَلى المَكارِهِ لَغَفُورٌ لَهم رَحِيمٌ بِهِمْ، وأمّا إذا كانَ سَبَبُ الآيَةِ هَذِهِ هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي سَرْحٍ الَّذِي ارْتَدَّ عَنِ الإسْلامِ ثُمَّ رَجَعَ بَعْدَ ذَلِكَ إلى الإسْلامِ، فالمَعْنى: أنَّ هَذا المَفْتُونَ في دِينِهِ بِالرِّدَّةِ إذا أسْلَمَ وجاهَدَ وصَبَرَ فاللَّهُ غَفُورٌ لَهُ رَحِيمٌ بِهِ، والضَّمِيرُ في بَعْدِها يَرْجِعُ إلى الفِتْنَةِ أوْ إلى المُهاجَرَةِ والجِهادِ والصَّبْرِ، أوْ إلى الجَمِيعِ. ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها﴾ قالَ الزَّجّاجُ: يَوْمَ تَأْتِي مُنْتَصِبٌ بِقَوْلِهِ رَحِيمٌ، أوْ بِإضْمارِ اذْكُرْ، أوْ ذَكِّرْهم أوْ أنْذِرْهم، وقَدِ اسْتُشْكِلَ إضافَةُ ضَمِيرِ النَّفْسِ إلى النَّفْسِ، ولا بُدَّ مِنَ التَّغايُرِ بَيْنَ المُضافِ والمُضافِ إلَيْهِ. وأُجِيبُ بِأنَّ المُرادَ بِالنَّفْسِ الأُولى جُمْلَةُ بَدَنِ الإنْسانِ، وبِالنَّفْسِ الثّانِيَةِ الذّاتُ، فَكَأنْ قِيلَ يَوْمَ يَأْتِي كُلُّ إنْسانٍ يُجادِلُ عَنْ ذاتِهِ لا يُهِمُّهُ غَيْرُها، ومَعْنى المُجادَلَةِ عَنْها الِاعْتِذارُ عَنْها، فَهو مُجادِلٌ ومُخاصِمٌ عَنْ نَفْسِهِ لا يَتَفَرَّغُ لِغَيْرِها يَوْمَ القِيامَةِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا أرادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يُهاجِرَ إلى المَدِينَةِ قالَ لِأصْحابِهِ: «تَفَرَّقُوا عَنِّي فَمَن كانَتْ بِهِ قُوَّةٌ فَلْيَتَأخَّرْ إلى آخِرِ اللَّيْلِ، ومَن لَمْ تَكُنْ بِهِ قُوَّةٌ فَلْيَذْهَبْ في أوَّلِ اللَّيْلِ، فَإذا سَمِعْتُمْ بِي قَدِ اسْتَقَرَّتْ بِيَ الأرْضُ فالحَقُوا بِي» فَأصْبَحَ بِلالٌ المُؤَذِّنُ وخَبّابٌ، وعَمّارٌ وجارِيَةٌ مِن قُرَيْشٍ كانَتْ أسْلَمَتْ، فَأخَذَهُمُ المُشْرِكُونَ وأبُو جَهْلٍ، فَعَرَضُوا عَلى بِلالٍ أنْ يَكْفُرَ فَأبى، فَجَعَلُوا يَضَعُونَ دِرْعًا مِن حَدِيدٍ في الشَّمْسِ ثُمَّ يُلْبِسُونَها إيّاهُ، فَإذا ألْبَسُوها إيّاهُ قالَ: أحَدٌ أحَدٌ، وأمّا خَبّابٌ فَجَعَلُوا يَجُرُّونَهُ في الشَّوْكِ، وأمّا عَمّارٌ فَقالَ لَهم كَلِمَةً أعْجَبَتْهم تَقِيَّةً، وأمّا الجارِيَةُ فَوَتَدَ لَها أبُو جَهْلٍ أرْبَعَةَ أوْتادٍ، ثُمَّ مَدَّها فَأدْخَلَ الحَرْبَةَ في قُبُلِها حَتّى قَتَلَها، ثُمَّ خَلَّوْا عَنْ بِلالٍ، وخَبّابٍ، وعَمّارٍ فَلَحِقُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأخْبَرُوهُ بِالَّذِي كانَ مِن أمْرِهِمْ، واشْتَدَّ عَلى عَمّارٍ الَّذِي كانَ تَكَلَّمَ بِهِ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «كَيْفَ كانَ قَلْبُكَ حِينَ قُلْتَ الَّذِي قُلْتَ، أكانَ مُنْشَرِحًا بِالَّذِي قُلْتَ أمْ لا ؟» قالَ لا، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿إلّا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ، وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ أبِي عُبَيْدَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمّارٍ عَنْ أبِيهِ قالَ: أخَذَ المُشْرِكُونَ عَمّارَ بْنَ ياسِرٍ فَلَمْ يَتْرُكُوهُ حَتّى سَبَّ النَّبِيَّ ﷺ وذَكَرَ آلِهَتَهم بِخَيْرٍ فَتَرَكُوهُ، فَلَمّا أتى النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «ما وراءَكَ ؟ قالَ: شَرٌّ، ما تُرِكْتُ حَتّى نِلْتُ مِنكَ وذَكَرْتُ آلِهَتَهم بِخَيْرٍ، قالَ: كَيْفَ تَجِدُ قَلْبَكَ ؟ قالَ: مُطْمَئِنًّا بِالإيمانِ، قالَ: إنْ عادُوا فَعُدْ» فَنَزَلَتْ ﴿إلّا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ﴾ قالَ: ذاكَ عَمّارُ بْنُ ياسِرٍ ﴿ولَكِنْ مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا﴾ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي سَرْحٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أبِي مالِكٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ، وفي البابِ رِواياتٌ مُصَرِّحَةٌ بِأنَّها نَزَلَتْ في عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿إلّا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ﴾ في عَيّاشِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: في سُورَةِ النَّحْلِ ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ ثُمَّ نَسَخَ واسْتَثْنى مِن ذَلِكَ فَقالَ: (p-٨٠٥)﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا﴾ الآيَةَ قالَ: وهو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي سَرْحٍ الَّذِي كانَ يَكْتُبُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأزَلَّهُ الشَّيْطانُ فَلَحِقَ بِالكُفّارِ، فَأمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ أنْ يُقْتَلَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، فاسْتَجارَ لَهُ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ فَأجارَهُ النَّبِيُّ ﷺ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ، والحَسَنِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا﴾ فِيمَن كانَ يُفْتَنُ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: كانَ قَوْمٌ مِن أهْلِ مَكَّةَ قَدْ أسْلَمُوا وكانُوا يَسْتَخْفُونَ بِالإسْلامِ فَنَزَلَتْ فِيهِمْ ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا﴾ الآيَةَ فَكَتَبُوا إلَيْهِمْ بِذَلِكَ إنَّ اللَّهَ قَدْ جَعَلَ لَكم مَخْرَجًا فاخْرُجُوا، فَأدْرَكَهُمُ المُشْرِكُونَ فَقاتَلُوهم فَنَجا مَن نَجا، وقُتِلَ مَن قُتِلَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ الحَسَنِ أنَّ عُيُونًا لِمُسَيْلِمَةَ أخَذُوا رَجُلَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ فَأتَوْهُ بِهِما، فَقالَ لِأحَدِهِما: أتَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: أتَشْهَدُ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ فَأهْوى إلى أُذُنَيْهِ فَقالَ: إنِّي أصَمُّ، فَأمَرَ بِهِ فَقُتِلَ، وقالَ لِلْآخَرِ: أتَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: أتَشْهَدُ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ ؟ قالَ: نَعَمْ، فَأرْسَلَهُ فَأتى النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ لَهُ «أمّا صاحِبُكَ فَمَضى عَلى إيمانِهِ، وأمّا أنْتَ فَأخَذْتَ بِالرُّخْصَةِ»، وهو مُرْسَلٌ.

النحل 16:112

. قَوْلُهُ: ﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً﴾ قَدْ قَدَّمْنا أنَّ ( ضَرَبَ ) مُضَمَّنٌ مَعْنى ( جَعَلَ ) حَتّى تَكُونَ قَرْيَةً المَفْعُولَ الأوَّلَ ومَثَلًا المَفْعُولَ الثّانِي، وإنَّما تَأخَّرَتْ قَرْيَةً لِئَلّا يَقَعُ الفَصْلُ بَيْنَها وبَيْنَ صِفاتِها، وقَدَّمْنا أيْضًا أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( ضَرَبَ ) عَلى بابِهِ غَيْرَ مُضَمَّنٍ ويَكُونُ مَثَلًا مَفْعُولَهُ الأوَّلَ وقَرْيَةً بَدَلًا مِنهُ. وقَدِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ هَلِ المُرادُ بِهَذِهِ القَرْيَةِ قَرْيَةٌ مُعَيَّنَةٌ، أوِ المُرادُ قَرْيَةٌ غَيْرُ مُعَيَّنَةٍ، بَلْ كُلُّ قَوْمٍ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَأبْطَرَتْهُمُ النِّعْمَةُ ؟ فَذَهَبَ الأكْثَرُ إلى الأوَّلِ وصَرَّحُوا بِأنَّها مَكَّةُ، وذَلِكَ لَمّا دَعا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وقالَ: «اللَّهُمَّ اشْدُدْ وطْأتَكَ عَلى مُضَرَ واجْعَلْها عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِيِّ يُوسُفَ»، فابْتُلُوا بِالقَحْطِ حَتّى أكَلُوا العِظامَ. والثّانِي أرْجَحُ لِأنَّ تَنْكِيرَ قَرْيَةٍ يُفِيدُ ذَلِكَ، ومَكَّةُ تَدْخُلُ في هَذا العُمُومِ البَدَلِيِّ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وأيْضًا يَكُونُ الوَعِيدُ أبْلَغَ، والمَثَلُ أكْمَلَ، وغَيْرُ مَكَّةَ مِثْلُها، وعَلى فَرْضِ إرادَتِها فَفي المَثَلِ إنْذارٌ لِغَيْرِها مِن مِثْلِ عاقِبَتِها، ثُمَّ وصَفَ القَرْيَةَ بِأنَّها ﴿كانَتْ آمِنَةً﴾ غَيْرَ خائِفَةٍ مُطْمَئِنَّةً غَيْرَ مُنْزَعِجَةٍ، أيْ لا يَخافُ أهْلُها ولا يَنْزَعِجُونَ ﴿يَأْتِيها رِزْقُها﴾ أيْ ما يَرْتَزِقُ بِهِ أهْلُها رَغَدًا واسِعًا مِن كُلِّ مَكانٍ مِنَ الأمْكِنَةِ الَّتِي يُجْلَبُ ما فِيها إلَيْها فَكَفَرَتْ أيْ كَفَرَ أهْلُها﴿بِأنْعُمِ اللَّهِ﴾ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيْهِمْ، والأنْعُمُ جَمْعُ نِعْمَةٍ كالأشُدِّ جَمْعُ شِدَّةٍ، وقِيلَ جَمْعُ نُعْمى مِثْلُ بُؤْسى وأبْؤُسٌ، وهَذا الكُفْرُ مِنهم هو كُفْرُهم بِاللَّهِ سُبْحانَهُ وتَكْذِيبُ رُسُلِهِ ﴿فَأذاقَها اللَّهُ﴾ أيْ أذاقَ أهْلَها ﴿لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ﴾ سُمِّيَ ذَلِكَ لِباسًا لِأنَّهُ يَظْهَرُ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنَ الهُزالِ وشُحُوبَةِ اللَّوْنِ وسُوءِ الحالِ ما هو كاللِّباسِ، فاسْتُعِيرَ لَهُ اسْمُهُ وأُوقِعَ عَلَيْهِ الإذاقَةُ، وأصْلُها الذَّوْقُ بِالفَمِ، ثُمَّ اسْتُعِيرَتْ لِمُطْلَقِ الِاتِّصالِ مَعَ إنْبائِها بِشِدَّةِ الإصابَةِ لِما فِيها مِنِ اجْتِماعِ الإدْراكَيْنِ: إدْراكُ اللَّمْسِ، والذَّوْقِ. رُوِيَ أنَّ ابْنَ الرّاوَنْدِيِّ الزِّنْدِيقَ قالَ لِابْنِ الأعْرابِيِّ إمامِ اللُّغَةِ والأدَبِ: هَلْ يُذاقُ اللِّباسُ ؟ فَقالَ لَهُ ابْنُ الأعْرابِيِّ: لا بَأْسَ أيُّها النَّسْناسُ، هَبْ أنَّ مُحَمَّدًا ما كانَ نَبِيًّا أما كانَ عَرَبِيًّا ؟ كَأنَّهُ طَعَنَ في الآيَةِ بِأنَّ المُناسِبَ أنْ يُقالَ: فَكَساها اللَّهُ لِباسَ الجُوعِ أوْ فَأذاقَها اللَّهُ طَعْمَ الجُوعِ. فَرَدَّ عَلَيْهِ ابْنُ الأعْرابِيِّ. وقَدْ أجابَ عُلَماءُ البَيانِ أنَّ هَذا مِن تَجْرِيدِ الِاسْتِعارَةِ، وذَلِكَ أنَّهُ اسْتَعارَ اللِّباسَ لِما غَشِيَ الإنْسانَ مِن بَعْضِ الحَوادِثِ كالجُوعِ والخَوْفِ لِاشْتِمالِهِ عَلَيْهِ اشْتِمالَ اللِّباسِ عَلى اللّابِسِ، ثُمَّ ذُكِرَ الوَصْفُ مُلائِمًا لِلْمُسْتَعارِ لَهُ وهو الجُوعُ والخَوْفُ، لِأنَّ إطْلاقَ الذَّوْقِ عَلى إدْراكِ الجُوعِ والخَوْفِ جَرى عِنْدَهم مَجْرى الحَقِيقَةِ، فَيَقُولُونَ ذاقَ فُلانٌ البُؤْسَ والضُّرَّ وأذاقَهُ غَيْرُهُ، فَكانَتِ الِاسْتِعارَةُ مُجَرَّدَةً، ولَوْ قالَ فَكَساها كانَتْ مُرَشَّحَةً. قِيلَ: وتَرْشِيحُ الِاسْتِعارَةِ وإنْ كانَ مُسْتَحْسَنًا مِن جِهَةِ المُبالَغَةِ إلّا أنَّ لِلتَّجْرِيدِ تَرْجِيحًا مِن حَيْثُ إنَّهُ رُوعِيَ جانِبُ المُسْتَعارِ لَهُ فازْدادَ الكَلامُ وُضُوحًا. وقِيلَ إنَّ أصْلَ الذَّوْقِ بِالفَمِ ثُمَّ قَدْ يُسْتَعارُ فَيُوضَعُ مَوْضِعَ التَّعَرُّفِ والِاخْتِبارِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ومَن يَذُقِ الدُّنْيا فَإنِّي طَعِمْتُها وسِيقَ إلَيْنا عَذْبُها وعَذابُها وقَرَأ حَفْصُ بْنُ غِياثٍ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وأبُو عَمْرٍو فِيما رَوى عَنْهُ عَبْدُ الوارِثِ بِنَصْبِ الخَوْفِ عَطْفًا عَلى لِباسٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالضَّمِّ عَطْفًا عَلى الجُوعِ. قالَ الفَرّاءُ: كُلُّ الصِّفاتِ أُجْرِيَتْ عَلى القَرْيَةِ إلّا قَوْلَهُ: يَصْنَعُونَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ المُرادَ في الحَقِيقَةِ أهْلُها. ﴿ولَقَدْ جاءَهُمْ﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ ﴿رَسُولٌ مِنهُمْ﴾ مِن جِنْسِهِمْ يَعْرِفُونَهُ ويَعْرِفُونَ نَسَبَهُ، فَأمَرَهم بِما فِيهِ نَفْعُهم ونَهاهم عَمّا فِيهِ ضُرُّهم فَكَذَّبُوهُ فِيما جاءَ بِهِ ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ﴾ النّازِلُ بِهِمْ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ، والحالُ أنَّهم في حالِ أخْذِ العَذابِ لَهم ظالِمُونَ لِأنْفُسِهِمْ بِإيقاعِها في العَذابِ الأبَدِيِّ ولِغَيْرِهِمْ بِالإضْرارِ بِهِمْ وصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وهَذا (p-٨٠٦)الكَلامُ مِن تَمامِ المَثَلِ المَضْرُوبِ. وقِيلَ إنَّ المُرادَ بِالعَذابِ هُنا هو الجُوعُ الَّذِي أصابَهم، وقِيلَ القَتْلُ يَوْمَ بَدْرٍ. ثُمَّ لَمّا وعَظَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِما ذَكَرَهُ مِن حالِ أهْلِ القَرْيَةِ المَذْكُورَةِ أمَرَهم أنْ يَأْكُلُوا مِمّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ مِنَ الغَنائِمِ ونَحْوِها، وجاءَ بِالفاءِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ ذَلِكَ مُتَسَبِّبٌ عَنْ تَرْكِ الكُفْرِ. والمَعْنى: أنَّكم لَمّا آمَنتُمْ وتَرَكْتُمُ الكُفْرَ فَكُلُوا الحَلالَ الطَّيِّبَ وهو الغَنِيمَةُ واتْرُكُوا الخَبائِثَ وهو المَيْتَةُ والدَّمُ ﴿واشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيْكم واعْرِفُوا حَقَّها ﴿إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ ولا تَعْبُدُونَ غَيْرَهُ، أوْ إنْ صَحَّ زَعْمُكم أنَّكم تَقْصِدُونَ بِعِبادَةِ الآلِهَةِ الَّتِي زَعَمْتُمْ عِبادَةَ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ إنَّ الفاءَ في ( فَكُلُوا ) داخِلَةٌ عَلى الأمْرِ بِالشُّكْرِ، وإنَّما أُدْخِلَتْ عَلى الأمْرِ بِالأكْلِ لِأنَّ الأكْلَ ذَرِيعَةٌ إلى الشُّكْرِ. ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ ولَحْمَ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ كَرَّرَ سُبْحانَهُ ذِكْرَ هَذِهِ المُحَرَّماتِ في البَقَرَةِ والمائِدَةِ والأنْعامِ وفي هَذِهِ السُّورَةِ قَطْعًا لِلْأعْذارِ وإزالَةً لِلشُّبْهَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ الرُّخْصَةَ في تَناوُلِ شَيْءٍ مِمّا ذَكَرَ فَقالَ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى جَمِيعِ ما هو مَذْكُورٌ هُنا مُسْتَوْفًى. ثُمَّ زَيَّفَ طَرِيقَةَ الكُفّارِ في الزِّيادَةِ عَلى هَذِهِ المُحَرَّماتِ كالبَحِيرَةِ والسّائِبَةِ وفي النُّقْصانِ عَنْها كَتَحْلِيلِ المَيْتَةِ والدَّمِ فَقالَ: ﴿ولا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ﴾ قالَ الكِسائِيُّ، والزَّجّاجُ: ما هُنا مَصْدَرِيَّةٌ وانْتِصابُ الكَذِبَ بِـ لا تَقُولُوا، أيْ: لا تَقُولُوا الكَذِبَ لِأجْلِ وصْفِ ألْسِنَتِكم، ومَعْناهُ: لا تُحَرِّمُوا ولا تُحَلِّلُوا لِأجْلِ قَوْلٍ تَنْطِقُ بِهِ ألْسِنَتُكم مِن غَيْرِ حُجَّةٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ( ما ) مَوْصُولَةً والكَذِبَ مُنْتَصِبٌ بِـ تَصِفُ، أيْ: لا تَقُولُوا لِلَّذِي تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ فِيهِ ﴿هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ﴾ فَحَذَفَ لَفْظَةَ فِيهِ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا، فَيَكُونُ قَوْلُهُ ﴿هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ﴾ بَدَلًا مِنَ الكَذِبَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في الكَلامِ حَذْفٌ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ، أيْ: ولا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكم فَتَقُولُ هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ، أوْ قائِلَةٌ هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ، ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ الكَذِبَ أيْضًا بِـ تَصِفُ وتَكُونُ ( ما ) مَصْدَرِيَّةً، أيْ: لا تَقُولُوا هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ لِوَصْفِ ألْسِنَتِكُمُ الكَذِبَ. وقُرِئَ: ( الكُذُبُ )، بِضَمِّ الكافِ والذّالِ والباءِ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِلْألْسِنَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ بِفَتْحِ الكافِ وكَسْرِ الذّالِ والباءِ نَعْتًا لِ ( ما ) . وقِيلَ عَلى البَدَلِ مِن ( ما )، أيْ: ولا تَقُولُوا الكَذِبَ الَّذِي تَصِفُهُ ألْسِنَتُكم هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ، واللّامُ في ﴿لِتَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ هي لامُ العاقِبَةِ لا لامُ العَرْضِ، أيْ: فَيَتَعَقَّبُ ذَلِكَ افْتِراؤُكم عَلى اللَّهِ الكَذِبَ بِالتَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ، وإسْنادُ ذَلِكَ إلَيْهِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ مِنهُ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ أيَّ افْتِراءٍ كانَ لا يُفْلِحُونَ بِنَوْعٍ مِن أنْواعِ الفَلاحِ وهو الفَوْزُ بِالمَطْلُوبِ. وارْتِفاعُ مَتاعٌ قَلِيلٌ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. قالَ الزَّجّاجُ، أيْ: مَتاعُهم مَتاعٌ قَلِيلٌ، أوْ هو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: لَهم مَتاعٌ قَلِيلٌ ﴿ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ يُرَدُّونَ إلَيْهِ في الآخِرَةِ. ثُمَّ خَصَّ مُحَرَّماتِ اليَهُودِ بِالذِّكْرِ فَقالَ: ﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا﴾ أيْ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ خاصَّةً دُونَ غَيْرِهِمْ ﴿ما قَصَصْنا عَلَيْكَ﴾ بِقَوْلِنا: ﴿حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ومِنَ البَقَرِ والغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما﴾ [الأنعام: ١٤٦]، الآيَةَ، ومِن قَبْلُ مُتَعَلِّقٌ بِـ قَصَصْنا أوْ بِـ حَرَّمْنا ﴿وما ظَلَمْناهُمْ﴾ بِذَلِكَ التَّحْرِيمِ بَلْ جَزَيْناهم بِبَغْيِهِمْ ﴿ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ حَيْثُ فَعَلُوا أسْبابَ ذَلِكَ فَحَرَّمْنا عَلَيْهِمْ تِلْكَ الأشْياءَ عُقُوبَةً لَهم. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ الِافْتِراءَ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ ومُخالَفَةَ أمْرِهِ لا يَمْنَعُهم مِنَ التَّوْبَةِ وحُصُولِ المَغْفِرَةِ فَقالَ: ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ﴾ أيْ مُتَلَبِّسِينَ بِجَهالَةٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ النِّساءِ ﴿ثُمَّ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أيْ مِن بَعْدِ عَمَلِهِمْ لِلسُّوءِ، وفِيهِ تَأْكِيدٌ فَإنَّ ( ثُمَّ ) قَدْ دَلَّتْ عَلى البَعْدِيَّةِ فَأكَّدَها بِزِيادَةِ ذِكْرِ البَعْدِيَّةِ وأصْلَحُوا أعْمالَهُمُ الَّتِي كانَ فِيها فَسادٌ بِالسُّوءِ الَّذِي عَمِلُوهُ، ثُمَّ كَرَّرَ ذَلِكَ تَأْكِيدًا وتَقْرِيرًا فَقالَ: ﴿إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها﴾ أيْ مِنَ بَعْدِ التَّوْبَةِ ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ كَثِيرُ الغُفْرانِ واسِعُ الرَّحْمَةِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً﴾ قالَ: يَعْنِي مَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطِيَّةَ في الآيَةِ مِثْلَهُ وزادَ فَقالَ: ألا تَرى أنَّهُ قالَ: ﴿ولَقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مِنهم فَكَذَّبُوهُ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ شِهابٍ قالَ: القَرْيَةُ الَّتِي قالَ اللَّهُ ﴿كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً﴾ هي يَثْرِبُ. قُلْتُ: ولا أدْرِي أيَّ دَلِيلٍ دَلَّهُ عَلى هَذا التَّعْيِينِ، ولا أيَّ قَرِينَةٍ قامَتْ لَهُ عَلى ذَلِكَ، ومَتى كَفَرَتْ دارُ الهِجْرَةِ ومَسْكَنُ الأنْصارِ بِأنْعُمِ اللَّهِ، وأيَّ وقْتٍ أذاقَها اللَّهُ لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ، وهي الَّتِي تَنْفِي خَبَثَها كَما يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ كَما صَحَّ ذَلِكَ عَنِ الصّادِقِ المَصْدُوقِ. وصَحَّ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ: «والمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهم لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ﴾ الآيَةَ. قالَ: في البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي نَضْرَةَ قالَ: قَرَأْتُ هَذِهِ الآيَةَ في سُورَةِ النَّحْلِ ﴿ولا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، فَلَمْ أزَلْ أخافُ الفُتْيا إلى يَوْمِي هَذا. قُلْتُ: صَدَقَ رَحِمَهُ اللَّهُ، فَإنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَتَناوَلُ بِعُمُومِ لَفْظِها فُتْيا مَن أفْتى بِخِلافِ ما في كِتابِ اللَّهِ أوْ في سُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ كَما يَقَعُ كَثِيرًا مِنَ المُؤْثِرِينَ لِلرَّأْيِ المُقَدِّمِينَ لَهُ عَلى الرِّوايَةِ، أوِ الجاهِلِينَ لِعِلْمِ الكِتابِ والسُّنَّةِ كالمُقَلِّدَةِ، وإنَّهم لَحَقِيقُونَ بِأنْ يُحالَ بَيْنَهم وبَيْنَ فَتاوِيهِمْ ويُمْنَعُوا مِن جَهالَتِهِمْ، فَإنَّهم أفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ مِنَ اللَّهِ ولا هُدًى ولا كِتابٍ مُنِيرٍ فَضَلُّوا وأضَلُّوا، فَهم ومَن يَسْتَفْتِيهِمْ كَما قالَ القائِلُ: ؎كَبَهِيمَةٍ عَمْياءَ قادَ زِمامَها ∗∗∗ أعْمى عَلى عِوَجِ الطَّرِيقِ الجائِرِ وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: عَسى رَجُلٌ أنْ يَقُولَ: إنَّ اللَّهَ أمَرَ بِكَذا أوْ نَهى عَنْ كَذا، فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لَهُ: كَذَبْتَ، أوْ يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ كَذا أوْ أحَلَّ كَذا، فَيَقُولُ اللَّهُ (p-٨٠٧)لَهُ: كَذَبْتَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ﴾ قالَ: في سُورَةِ الأنْعامِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ مِثْلَهُ، وقالَ حَيْثُ يَقُولُ: ﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٦] .

النحل 16:113

. قَوْلُهُ: ﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً﴾ قَدْ قَدَّمْنا أنَّ ( ضَرَبَ ) مُضَمَّنٌ مَعْنى ( جَعَلَ ) حَتّى تَكُونَ قَرْيَةً المَفْعُولَ الأوَّلَ ومَثَلًا المَفْعُولَ الثّانِي، وإنَّما تَأخَّرَتْ قَرْيَةً لِئَلّا يَقَعُ الفَصْلُ بَيْنَها وبَيْنَ صِفاتِها، وقَدَّمْنا أيْضًا أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( ضَرَبَ ) عَلى بابِهِ غَيْرَ مُضَمَّنٍ ويَكُونُ مَثَلًا مَفْعُولَهُ الأوَّلَ وقَرْيَةً بَدَلًا مِنهُ. وقَدِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ هَلِ المُرادُ بِهَذِهِ القَرْيَةِ قَرْيَةٌ مُعَيَّنَةٌ، أوِ المُرادُ قَرْيَةٌ غَيْرُ مُعَيَّنَةٍ، بَلْ كُلُّ قَوْمٍ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَأبْطَرَتْهُمُ النِّعْمَةُ ؟ فَذَهَبَ الأكْثَرُ إلى الأوَّلِ وصَرَّحُوا بِأنَّها مَكَّةُ، وذَلِكَ لَمّا دَعا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وقالَ: «اللَّهُمَّ اشْدُدْ وطْأتَكَ عَلى مُضَرَ واجْعَلْها عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِيِّ يُوسُفَ»، فابْتُلُوا بِالقَحْطِ حَتّى أكَلُوا العِظامَ. والثّانِي أرْجَحُ لِأنَّ تَنْكِيرَ قَرْيَةٍ يُفِيدُ ذَلِكَ، ومَكَّةُ تَدْخُلُ في هَذا العُمُومِ البَدَلِيِّ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وأيْضًا يَكُونُ الوَعِيدُ أبْلَغَ، والمَثَلُ أكْمَلَ، وغَيْرُ مَكَّةَ مِثْلُها، وعَلى فَرْضِ إرادَتِها فَفي المَثَلِ إنْذارٌ لِغَيْرِها مِن مِثْلِ عاقِبَتِها، ثُمَّ وصَفَ القَرْيَةَ بِأنَّها ﴿كانَتْ آمِنَةً﴾ غَيْرَ خائِفَةٍ مُطْمَئِنَّةً غَيْرَ مُنْزَعِجَةٍ، أيْ لا يَخافُ أهْلُها ولا يَنْزَعِجُونَ ﴿يَأْتِيها رِزْقُها﴾ أيْ ما يَرْتَزِقُ بِهِ أهْلُها رَغَدًا واسِعًا مِن كُلِّ مَكانٍ مِنَ الأمْكِنَةِ الَّتِي يُجْلَبُ ما فِيها إلَيْها فَكَفَرَتْ أيْ كَفَرَ أهْلُها﴿بِأنْعُمِ اللَّهِ﴾ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيْهِمْ، والأنْعُمُ جَمْعُ نِعْمَةٍ كالأشُدِّ جَمْعُ شِدَّةٍ، وقِيلَ جَمْعُ نُعْمى مِثْلُ بُؤْسى وأبْؤُسٌ، وهَذا الكُفْرُ مِنهم هو كُفْرُهم بِاللَّهِ سُبْحانَهُ وتَكْذِيبُ رُسُلِهِ ﴿فَأذاقَها اللَّهُ﴾ أيْ أذاقَ أهْلَها ﴿لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ﴾ سُمِّيَ ذَلِكَ لِباسًا لِأنَّهُ يَظْهَرُ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنَ الهُزالِ وشُحُوبَةِ اللَّوْنِ وسُوءِ الحالِ ما هو كاللِّباسِ، فاسْتُعِيرَ لَهُ اسْمُهُ وأُوقِعَ عَلَيْهِ الإذاقَةُ، وأصْلُها الذَّوْقُ بِالفَمِ، ثُمَّ اسْتُعِيرَتْ لِمُطْلَقِ الِاتِّصالِ مَعَ إنْبائِها بِشِدَّةِ الإصابَةِ لِما فِيها مِنِ اجْتِماعِ الإدْراكَيْنِ: إدْراكُ اللَّمْسِ، والذَّوْقِ. رُوِيَ أنَّ ابْنَ الرّاوَنْدِيِّ الزِّنْدِيقَ قالَ لِابْنِ الأعْرابِيِّ إمامِ اللُّغَةِ والأدَبِ: هَلْ يُذاقُ اللِّباسُ ؟ فَقالَ لَهُ ابْنُ الأعْرابِيِّ: لا بَأْسَ أيُّها النَّسْناسُ، هَبْ أنَّ مُحَمَّدًا ما كانَ نَبِيًّا أما كانَ عَرَبِيًّا ؟ كَأنَّهُ طَعَنَ في الآيَةِ بِأنَّ المُناسِبَ أنْ يُقالَ: فَكَساها اللَّهُ لِباسَ الجُوعِ أوْ فَأذاقَها اللَّهُ طَعْمَ الجُوعِ. فَرَدَّ عَلَيْهِ ابْنُ الأعْرابِيِّ. وقَدْ أجابَ عُلَماءُ البَيانِ أنَّ هَذا مِن تَجْرِيدِ الِاسْتِعارَةِ، وذَلِكَ أنَّهُ اسْتَعارَ اللِّباسَ لِما غَشِيَ الإنْسانَ مِن بَعْضِ الحَوادِثِ كالجُوعِ والخَوْفِ لِاشْتِمالِهِ عَلَيْهِ اشْتِمالَ اللِّباسِ عَلى اللّابِسِ، ثُمَّ ذُكِرَ الوَصْفُ مُلائِمًا لِلْمُسْتَعارِ لَهُ وهو الجُوعُ والخَوْفُ، لِأنَّ إطْلاقَ الذَّوْقِ عَلى إدْراكِ الجُوعِ والخَوْفِ جَرى عِنْدَهم مَجْرى الحَقِيقَةِ، فَيَقُولُونَ ذاقَ فُلانٌ البُؤْسَ والضُّرَّ وأذاقَهُ غَيْرُهُ، فَكانَتِ الِاسْتِعارَةُ مُجَرَّدَةً، ولَوْ قالَ فَكَساها كانَتْ مُرَشَّحَةً. قِيلَ: وتَرْشِيحُ الِاسْتِعارَةِ وإنْ كانَ مُسْتَحْسَنًا مِن جِهَةِ المُبالَغَةِ إلّا أنَّ لِلتَّجْرِيدِ تَرْجِيحًا مِن حَيْثُ إنَّهُ رُوعِيَ جانِبُ المُسْتَعارِ لَهُ فازْدادَ الكَلامُ وُضُوحًا. وقِيلَ إنَّ أصْلَ الذَّوْقِ بِالفَمِ ثُمَّ قَدْ يُسْتَعارُ فَيُوضَعُ مَوْضِعَ التَّعَرُّفِ والِاخْتِبارِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ومَن يَذُقِ الدُّنْيا فَإنِّي طَعِمْتُها وسِيقَ إلَيْنا عَذْبُها وعَذابُها وقَرَأ حَفْصُ بْنُ غِياثٍ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وأبُو عَمْرٍو فِيما رَوى عَنْهُ عَبْدُ الوارِثِ بِنَصْبِ الخَوْفِ عَطْفًا عَلى لِباسٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالضَّمِّ عَطْفًا عَلى الجُوعِ. قالَ الفَرّاءُ: كُلُّ الصِّفاتِ أُجْرِيَتْ عَلى القَرْيَةِ إلّا قَوْلَهُ: يَصْنَعُونَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ المُرادَ في الحَقِيقَةِ أهْلُها. ﴿ولَقَدْ جاءَهُمْ﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ ﴿رَسُولٌ مِنهُمْ﴾ مِن جِنْسِهِمْ يَعْرِفُونَهُ ويَعْرِفُونَ نَسَبَهُ، فَأمَرَهم بِما فِيهِ نَفْعُهم ونَهاهم عَمّا فِيهِ ضُرُّهم فَكَذَّبُوهُ فِيما جاءَ بِهِ ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ﴾ النّازِلُ بِهِمْ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ، والحالُ أنَّهم في حالِ أخْذِ العَذابِ لَهم ظالِمُونَ لِأنْفُسِهِمْ بِإيقاعِها في العَذابِ الأبَدِيِّ ولِغَيْرِهِمْ بِالإضْرارِ بِهِمْ وصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وهَذا (p-٨٠٦)الكَلامُ مِن تَمامِ المَثَلِ المَضْرُوبِ. وقِيلَ إنَّ المُرادَ بِالعَذابِ هُنا هو الجُوعُ الَّذِي أصابَهم، وقِيلَ القَتْلُ يَوْمَ بَدْرٍ. ثُمَّ لَمّا وعَظَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِما ذَكَرَهُ مِن حالِ أهْلِ القَرْيَةِ المَذْكُورَةِ أمَرَهم أنْ يَأْكُلُوا مِمّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ مِنَ الغَنائِمِ ونَحْوِها، وجاءَ بِالفاءِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ ذَلِكَ مُتَسَبِّبٌ عَنْ تَرْكِ الكُفْرِ. والمَعْنى: أنَّكم لَمّا آمَنتُمْ وتَرَكْتُمُ الكُفْرَ فَكُلُوا الحَلالَ الطَّيِّبَ وهو الغَنِيمَةُ واتْرُكُوا الخَبائِثَ وهو المَيْتَةُ والدَّمُ ﴿واشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيْكم واعْرِفُوا حَقَّها ﴿إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ ولا تَعْبُدُونَ غَيْرَهُ، أوْ إنْ صَحَّ زَعْمُكم أنَّكم تَقْصِدُونَ بِعِبادَةِ الآلِهَةِ الَّتِي زَعَمْتُمْ عِبادَةَ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ إنَّ الفاءَ في ( فَكُلُوا ) داخِلَةٌ عَلى الأمْرِ بِالشُّكْرِ، وإنَّما أُدْخِلَتْ عَلى الأمْرِ بِالأكْلِ لِأنَّ الأكْلَ ذَرِيعَةٌ إلى الشُّكْرِ. ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ ولَحْمَ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ كَرَّرَ سُبْحانَهُ ذِكْرَ هَذِهِ المُحَرَّماتِ في البَقَرَةِ والمائِدَةِ والأنْعامِ وفي هَذِهِ السُّورَةِ قَطْعًا لِلْأعْذارِ وإزالَةً لِلشُّبْهَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ الرُّخْصَةَ في تَناوُلِ شَيْءٍ مِمّا ذَكَرَ فَقالَ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى جَمِيعِ ما هو مَذْكُورٌ هُنا مُسْتَوْفًى. ثُمَّ زَيَّفَ طَرِيقَةَ الكُفّارِ في الزِّيادَةِ عَلى هَذِهِ المُحَرَّماتِ كالبَحِيرَةِ والسّائِبَةِ وفي النُّقْصانِ عَنْها كَتَحْلِيلِ المَيْتَةِ والدَّمِ فَقالَ: ﴿ولا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ﴾ قالَ الكِسائِيُّ، والزَّجّاجُ: ما هُنا مَصْدَرِيَّةٌ وانْتِصابُ الكَذِبَ بِـ لا تَقُولُوا، أيْ: لا تَقُولُوا الكَذِبَ لِأجْلِ وصْفِ ألْسِنَتِكم، ومَعْناهُ: لا تُحَرِّمُوا ولا تُحَلِّلُوا لِأجْلِ قَوْلٍ تَنْطِقُ بِهِ ألْسِنَتُكم مِن غَيْرِ حُجَّةٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ( ما ) مَوْصُولَةً والكَذِبَ مُنْتَصِبٌ بِـ تَصِفُ، أيْ: لا تَقُولُوا لِلَّذِي تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ فِيهِ ﴿هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ﴾ فَحَذَفَ لَفْظَةَ فِيهِ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا، فَيَكُونُ قَوْلُهُ ﴿هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ﴾ بَدَلًا مِنَ الكَذِبَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في الكَلامِ حَذْفٌ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ، أيْ: ولا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكم فَتَقُولُ هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ، أوْ قائِلَةٌ هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ، ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ الكَذِبَ أيْضًا بِـ تَصِفُ وتَكُونُ ( ما ) مَصْدَرِيَّةً، أيْ: لا تَقُولُوا هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ لِوَصْفِ ألْسِنَتِكُمُ الكَذِبَ. وقُرِئَ: ( الكُذُبُ )، بِضَمِّ الكافِ والذّالِ والباءِ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِلْألْسِنَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ بِفَتْحِ الكافِ وكَسْرِ الذّالِ والباءِ نَعْتًا لِ ( ما ) . وقِيلَ عَلى البَدَلِ مِن ( ما )، أيْ: ولا تَقُولُوا الكَذِبَ الَّذِي تَصِفُهُ ألْسِنَتُكم هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ، واللّامُ في ﴿لِتَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ هي لامُ العاقِبَةِ لا لامُ العَرْضِ، أيْ: فَيَتَعَقَّبُ ذَلِكَ افْتِراؤُكم عَلى اللَّهِ الكَذِبَ بِالتَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ، وإسْنادُ ذَلِكَ إلَيْهِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ مِنهُ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ أيَّ افْتِراءٍ كانَ لا يُفْلِحُونَ بِنَوْعٍ مِن أنْواعِ الفَلاحِ وهو الفَوْزُ بِالمَطْلُوبِ. وارْتِفاعُ مَتاعٌ قَلِيلٌ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. قالَ الزَّجّاجُ، أيْ: مَتاعُهم مَتاعٌ قَلِيلٌ، أوْ هو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: لَهم مَتاعٌ قَلِيلٌ ﴿ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ يُرَدُّونَ إلَيْهِ في الآخِرَةِ. ثُمَّ خَصَّ مُحَرَّماتِ اليَهُودِ بِالذِّكْرِ فَقالَ: ﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا﴾ أيْ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ خاصَّةً دُونَ غَيْرِهِمْ ﴿ما قَصَصْنا عَلَيْكَ﴾ بِقَوْلِنا: ﴿حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ومِنَ البَقَرِ والغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما﴾ [الأنعام: ١٤٦]، الآيَةَ، ومِن قَبْلُ مُتَعَلِّقٌ بِـ قَصَصْنا أوْ بِـ حَرَّمْنا ﴿وما ظَلَمْناهُمْ﴾ بِذَلِكَ التَّحْرِيمِ بَلْ جَزَيْناهم بِبَغْيِهِمْ ﴿ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ حَيْثُ فَعَلُوا أسْبابَ ذَلِكَ فَحَرَّمْنا عَلَيْهِمْ تِلْكَ الأشْياءَ عُقُوبَةً لَهم. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ الِافْتِراءَ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ ومُخالَفَةَ أمْرِهِ لا يَمْنَعُهم مِنَ التَّوْبَةِ وحُصُولِ المَغْفِرَةِ فَقالَ: ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ﴾ أيْ مُتَلَبِّسِينَ بِجَهالَةٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ النِّساءِ ﴿ثُمَّ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أيْ مِن بَعْدِ عَمَلِهِمْ لِلسُّوءِ، وفِيهِ تَأْكِيدٌ فَإنَّ ( ثُمَّ ) قَدْ دَلَّتْ عَلى البَعْدِيَّةِ فَأكَّدَها بِزِيادَةِ ذِكْرِ البَعْدِيَّةِ وأصْلَحُوا أعْمالَهُمُ الَّتِي كانَ فِيها فَسادٌ بِالسُّوءِ الَّذِي عَمِلُوهُ، ثُمَّ كَرَّرَ ذَلِكَ تَأْكِيدًا وتَقْرِيرًا فَقالَ: ﴿إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها﴾ أيْ مِنَ بَعْدِ التَّوْبَةِ ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ كَثِيرُ الغُفْرانِ واسِعُ الرَّحْمَةِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً﴾ قالَ: يَعْنِي مَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطِيَّةَ في الآيَةِ مِثْلَهُ وزادَ فَقالَ: ألا تَرى أنَّهُ قالَ: ﴿ولَقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مِنهم فَكَذَّبُوهُ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ شِهابٍ قالَ: القَرْيَةُ الَّتِي قالَ اللَّهُ ﴿كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً﴾ هي يَثْرِبُ. قُلْتُ: ولا أدْرِي أيَّ دَلِيلٍ دَلَّهُ عَلى هَذا التَّعْيِينِ، ولا أيَّ قَرِينَةٍ قامَتْ لَهُ عَلى ذَلِكَ، ومَتى كَفَرَتْ دارُ الهِجْرَةِ ومَسْكَنُ الأنْصارِ بِأنْعُمِ اللَّهِ، وأيَّ وقْتٍ أذاقَها اللَّهُ لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ، وهي الَّتِي تَنْفِي خَبَثَها كَما يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ كَما صَحَّ ذَلِكَ عَنِ الصّادِقِ المَصْدُوقِ. وصَحَّ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ: «والمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهم لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ﴾ الآيَةَ. قالَ: في البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي نَضْرَةَ قالَ: قَرَأْتُ هَذِهِ الآيَةَ في سُورَةِ النَّحْلِ ﴿ولا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، فَلَمْ أزَلْ أخافُ الفُتْيا إلى يَوْمِي هَذا. قُلْتُ: صَدَقَ رَحِمَهُ اللَّهُ، فَإنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَتَناوَلُ بِعُمُومِ لَفْظِها فُتْيا مَن أفْتى بِخِلافِ ما في كِتابِ اللَّهِ أوْ في سُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ كَما يَقَعُ كَثِيرًا مِنَ المُؤْثِرِينَ لِلرَّأْيِ المُقَدِّمِينَ لَهُ عَلى الرِّوايَةِ، أوِ الجاهِلِينَ لِعِلْمِ الكِتابِ والسُّنَّةِ كالمُقَلِّدَةِ، وإنَّهم لَحَقِيقُونَ بِأنْ يُحالَ بَيْنَهم وبَيْنَ فَتاوِيهِمْ ويُمْنَعُوا مِن جَهالَتِهِمْ، فَإنَّهم أفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ مِنَ اللَّهِ ولا هُدًى ولا كِتابٍ مُنِيرٍ فَضَلُّوا وأضَلُّوا، فَهم ومَن يَسْتَفْتِيهِمْ كَما قالَ القائِلُ: ؎كَبَهِيمَةٍ عَمْياءَ قادَ زِمامَها ∗∗∗ أعْمى عَلى عِوَجِ الطَّرِيقِ الجائِرِ وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: عَسى رَجُلٌ أنْ يَقُولَ: إنَّ اللَّهَ أمَرَ بِكَذا أوْ نَهى عَنْ كَذا، فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لَهُ: كَذَبْتَ، أوْ يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ كَذا أوْ أحَلَّ كَذا، فَيَقُولُ اللَّهُ (p-٨٠٧)لَهُ: كَذَبْتَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ﴾ قالَ: في سُورَةِ الأنْعامِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ مِثْلَهُ، وقالَ حَيْثُ يَقُولُ: ﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٦] .

النحل 16:114

. قَوْلُهُ: ﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً﴾ قَدْ قَدَّمْنا أنَّ ( ضَرَبَ ) مُضَمَّنٌ مَعْنى ( جَعَلَ ) حَتّى تَكُونَ قَرْيَةً المَفْعُولَ الأوَّلَ ومَثَلًا المَفْعُولَ الثّانِي، وإنَّما تَأخَّرَتْ قَرْيَةً لِئَلّا يَقَعُ الفَصْلُ بَيْنَها وبَيْنَ صِفاتِها، وقَدَّمْنا أيْضًا أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( ضَرَبَ ) عَلى بابِهِ غَيْرَ مُضَمَّنٍ ويَكُونُ مَثَلًا مَفْعُولَهُ الأوَّلَ وقَرْيَةً بَدَلًا مِنهُ. وقَدِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ هَلِ المُرادُ بِهَذِهِ القَرْيَةِ قَرْيَةٌ مُعَيَّنَةٌ، أوِ المُرادُ قَرْيَةٌ غَيْرُ مُعَيَّنَةٍ، بَلْ كُلُّ قَوْمٍ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَأبْطَرَتْهُمُ النِّعْمَةُ ؟ فَذَهَبَ الأكْثَرُ إلى الأوَّلِ وصَرَّحُوا بِأنَّها مَكَّةُ، وذَلِكَ لَمّا دَعا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وقالَ: «اللَّهُمَّ اشْدُدْ وطْأتَكَ عَلى مُضَرَ واجْعَلْها عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِيِّ يُوسُفَ»، فابْتُلُوا بِالقَحْطِ حَتّى أكَلُوا العِظامَ. والثّانِي أرْجَحُ لِأنَّ تَنْكِيرَ قَرْيَةٍ يُفِيدُ ذَلِكَ، ومَكَّةُ تَدْخُلُ في هَذا العُمُومِ البَدَلِيِّ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وأيْضًا يَكُونُ الوَعِيدُ أبْلَغَ، والمَثَلُ أكْمَلَ، وغَيْرُ مَكَّةَ مِثْلُها، وعَلى فَرْضِ إرادَتِها فَفي المَثَلِ إنْذارٌ لِغَيْرِها مِن مِثْلِ عاقِبَتِها، ثُمَّ وصَفَ القَرْيَةَ بِأنَّها ﴿كانَتْ آمِنَةً﴾ غَيْرَ خائِفَةٍ مُطْمَئِنَّةً غَيْرَ مُنْزَعِجَةٍ، أيْ لا يَخافُ أهْلُها ولا يَنْزَعِجُونَ ﴿يَأْتِيها رِزْقُها﴾ أيْ ما يَرْتَزِقُ بِهِ أهْلُها رَغَدًا واسِعًا مِن كُلِّ مَكانٍ مِنَ الأمْكِنَةِ الَّتِي يُجْلَبُ ما فِيها إلَيْها فَكَفَرَتْ أيْ كَفَرَ أهْلُها﴿بِأنْعُمِ اللَّهِ﴾ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيْهِمْ، والأنْعُمُ جَمْعُ نِعْمَةٍ كالأشُدِّ جَمْعُ شِدَّةٍ، وقِيلَ جَمْعُ نُعْمى مِثْلُ بُؤْسى وأبْؤُسٌ، وهَذا الكُفْرُ مِنهم هو كُفْرُهم بِاللَّهِ سُبْحانَهُ وتَكْذِيبُ رُسُلِهِ ﴿فَأذاقَها اللَّهُ﴾ أيْ أذاقَ أهْلَها ﴿لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ﴾ سُمِّيَ ذَلِكَ لِباسًا لِأنَّهُ يَظْهَرُ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنَ الهُزالِ وشُحُوبَةِ اللَّوْنِ وسُوءِ الحالِ ما هو كاللِّباسِ، فاسْتُعِيرَ لَهُ اسْمُهُ وأُوقِعَ عَلَيْهِ الإذاقَةُ، وأصْلُها الذَّوْقُ بِالفَمِ، ثُمَّ اسْتُعِيرَتْ لِمُطْلَقِ الِاتِّصالِ مَعَ إنْبائِها بِشِدَّةِ الإصابَةِ لِما فِيها مِنِ اجْتِماعِ الإدْراكَيْنِ: إدْراكُ اللَّمْسِ، والذَّوْقِ. رُوِيَ أنَّ ابْنَ الرّاوَنْدِيِّ الزِّنْدِيقَ قالَ لِابْنِ الأعْرابِيِّ إمامِ اللُّغَةِ والأدَبِ: هَلْ يُذاقُ اللِّباسُ ؟ فَقالَ لَهُ ابْنُ الأعْرابِيِّ: لا بَأْسَ أيُّها النَّسْناسُ، هَبْ أنَّ مُحَمَّدًا ما كانَ نَبِيًّا أما كانَ عَرَبِيًّا ؟ كَأنَّهُ طَعَنَ في الآيَةِ بِأنَّ المُناسِبَ أنْ يُقالَ: فَكَساها اللَّهُ لِباسَ الجُوعِ أوْ فَأذاقَها اللَّهُ طَعْمَ الجُوعِ. فَرَدَّ عَلَيْهِ ابْنُ الأعْرابِيِّ. وقَدْ أجابَ عُلَماءُ البَيانِ أنَّ هَذا مِن تَجْرِيدِ الِاسْتِعارَةِ، وذَلِكَ أنَّهُ اسْتَعارَ اللِّباسَ لِما غَشِيَ الإنْسانَ مِن بَعْضِ الحَوادِثِ كالجُوعِ والخَوْفِ لِاشْتِمالِهِ عَلَيْهِ اشْتِمالَ اللِّباسِ عَلى اللّابِسِ، ثُمَّ ذُكِرَ الوَصْفُ مُلائِمًا لِلْمُسْتَعارِ لَهُ وهو الجُوعُ والخَوْفُ، لِأنَّ إطْلاقَ الذَّوْقِ عَلى إدْراكِ الجُوعِ والخَوْفِ جَرى عِنْدَهم مَجْرى الحَقِيقَةِ، فَيَقُولُونَ ذاقَ فُلانٌ البُؤْسَ والضُّرَّ وأذاقَهُ غَيْرُهُ، فَكانَتِ الِاسْتِعارَةُ مُجَرَّدَةً، ولَوْ قالَ فَكَساها كانَتْ مُرَشَّحَةً. قِيلَ: وتَرْشِيحُ الِاسْتِعارَةِ وإنْ كانَ مُسْتَحْسَنًا مِن جِهَةِ المُبالَغَةِ إلّا أنَّ لِلتَّجْرِيدِ تَرْجِيحًا مِن حَيْثُ إنَّهُ رُوعِيَ جانِبُ المُسْتَعارِ لَهُ فازْدادَ الكَلامُ وُضُوحًا. وقِيلَ إنَّ أصْلَ الذَّوْقِ بِالفَمِ ثُمَّ قَدْ يُسْتَعارُ فَيُوضَعُ مَوْضِعَ التَّعَرُّفِ والِاخْتِبارِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ومَن يَذُقِ الدُّنْيا فَإنِّي طَعِمْتُها وسِيقَ إلَيْنا عَذْبُها وعَذابُها وقَرَأ حَفْصُ بْنُ غِياثٍ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وأبُو عَمْرٍو فِيما رَوى عَنْهُ عَبْدُ الوارِثِ بِنَصْبِ الخَوْفِ عَطْفًا عَلى لِباسٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالضَّمِّ عَطْفًا عَلى الجُوعِ. قالَ الفَرّاءُ: كُلُّ الصِّفاتِ أُجْرِيَتْ عَلى القَرْيَةِ إلّا قَوْلَهُ: يَصْنَعُونَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ المُرادَ في الحَقِيقَةِ أهْلُها. ﴿ولَقَدْ جاءَهُمْ﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ ﴿رَسُولٌ مِنهُمْ﴾ مِن جِنْسِهِمْ يَعْرِفُونَهُ ويَعْرِفُونَ نَسَبَهُ، فَأمَرَهم بِما فِيهِ نَفْعُهم ونَهاهم عَمّا فِيهِ ضُرُّهم فَكَذَّبُوهُ فِيما جاءَ بِهِ ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ﴾ النّازِلُ بِهِمْ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ، والحالُ أنَّهم في حالِ أخْذِ العَذابِ لَهم ظالِمُونَ لِأنْفُسِهِمْ بِإيقاعِها في العَذابِ الأبَدِيِّ ولِغَيْرِهِمْ بِالإضْرارِ بِهِمْ وصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وهَذا (p-٨٠٦)الكَلامُ مِن تَمامِ المَثَلِ المَضْرُوبِ. وقِيلَ إنَّ المُرادَ بِالعَذابِ هُنا هو الجُوعُ الَّذِي أصابَهم، وقِيلَ القَتْلُ يَوْمَ بَدْرٍ. ثُمَّ لَمّا وعَظَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِما ذَكَرَهُ مِن حالِ أهْلِ القَرْيَةِ المَذْكُورَةِ أمَرَهم أنْ يَأْكُلُوا مِمّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ مِنَ الغَنائِمِ ونَحْوِها، وجاءَ بِالفاءِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ ذَلِكَ مُتَسَبِّبٌ عَنْ تَرْكِ الكُفْرِ. والمَعْنى: أنَّكم لَمّا آمَنتُمْ وتَرَكْتُمُ الكُفْرَ فَكُلُوا الحَلالَ الطَّيِّبَ وهو الغَنِيمَةُ واتْرُكُوا الخَبائِثَ وهو المَيْتَةُ والدَّمُ ﴿واشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيْكم واعْرِفُوا حَقَّها ﴿إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ ولا تَعْبُدُونَ غَيْرَهُ، أوْ إنْ صَحَّ زَعْمُكم أنَّكم تَقْصِدُونَ بِعِبادَةِ الآلِهَةِ الَّتِي زَعَمْتُمْ عِبادَةَ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ إنَّ الفاءَ في ( فَكُلُوا ) داخِلَةٌ عَلى الأمْرِ بِالشُّكْرِ، وإنَّما أُدْخِلَتْ عَلى الأمْرِ بِالأكْلِ لِأنَّ الأكْلَ ذَرِيعَةٌ إلى الشُّكْرِ. ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ ولَحْمَ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ كَرَّرَ سُبْحانَهُ ذِكْرَ هَذِهِ المُحَرَّماتِ في البَقَرَةِ والمائِدَةِ والأنْعامِ وفي هَذِهِ السُّورَةِ قَطْعًا لِلْأعْذارِ وإزالَةً لِلشُّبْهَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ الرُّخْصَةَ في تَناوُلِ شَيْءٍ مِمّا ذَكَرَ فَقالَ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى جَمِيعِ ما هو مَذْكُورٌ هُنا مُسْتَوْفًى. ثُمَّ زَيَّفَ طَرِيقَةَ الكُفّارِ في الزِّيادَةِ عَلى هَذِهِ المُحَرَّماتِ كالبَحِيرَةِ والسّائِبَةِ وفي النُّقْصانِ عَنْها كَتَحْلِيلِ المَيْتَةِ والدَّمِ فَقالَ: ﴿ولا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ﴾ قالَ الكِسائِيُّ، والزَّجّاجُ: ما هُنا مَصْدَرِيَّةٌ وانْتِصابُ الكَذِبَ بِـ لا تَقُولُوا، أيْ: لا تَقُولُوا الكَذِبَ لِأجْلِ وصْفِ ألْسِنَتِكم، ومَعْناهُ: لا تُحَرِّمُوا ولا تُحَلِّلُوا لِأجْلِ قَوْلٍ تَنْطِقُ بِهِ ألْسِنَتُكم مِن غَيْرِ حُجَّةٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ( ما ) مَوْصُولَةً والكَذِبَ مُنْتَصِبٌ بِـ تَصِفُ، أيْ: لا تَقُولُوا لِلَّذِي تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ فِيهِ ﴿هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ﴾ فَحَذَفَ لَفْظَةَ فِيهِ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا، فَيَكُونُ قَوْلُهُ ﴿هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ﴾ بَدَلًا مِنَ الكَذِبَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في الكَلامِ حَذْفٌ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ، أيْ: ولا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكم فَتَقُولُ هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ، أوْ قائِلَةٌ هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ، ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ الكَذِبَ أيْضًا بِـ تَصِفُ وتَكُونُ ( ما ) مَصْدَرِيَّةً، أيْ: لا تَقُولُوا هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ لِوَصْفِ ألْسِنَتِكُمُ الكَذِبَ. وقُرِئَ: ( الكُذُبُ )، بِضَمِّ الكافِ والذّالِ والباءِ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِلْألْسِنَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ بِفَتْحِ الكافِ وكَسْرِ الذّالِ والباءِ نَعْتًا لِ ( ما ) . وقِيلَ عَلى البَدَلِ مِن ( ما )، أيْ: ولا تَقُولُوا الكَذِبَ الَّذِي تَصِفُهُ ألْسِنَتُكم هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ، واللّامُ في ﴿لِتَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ هي لامُ العاقِبَةِ لا لامُ العَرْضِ، أيْ: فَيَتَعَقَّبُ ذَلِكَ افْتِراؤُكم عَلى اللَّهِ الكَذِبَ بِالتَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ، وإسْنادُ ذَلِكَ إلَيْهِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ مِنهُ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ أيَّ افْتِراءٍ كانَ لا يُفْلِحُونَ بِنَوْعٍ مِن أنْواعِ الفَلاحِ وهو الفَوْزُ بِالمَطْلُوبِ. وارْتِفاعُ مَتاعٌ قَلِيلٌ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. قالَ الزَّجّاجُ، أيْ: مَتاعُهم مَتاعٌ قَلِيلٌ، أوْ هو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: لَهم مَتاعٌ قَلِيلٌ ﴿ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ يُرَدُّونَ إلَيْهِ في الآخِرَةِ. ثُمَّ خَصَّ مُحَرَّماتِ اليَهُودِ بِالذِّكْرِ فَقالَ: ﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا﴾ أيْ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ خاصَّةً دُونَ غَيْرِهِمْ ﴿ما قَصَصْنا عَلَيْكَ﴾ بِقَوْلِنا: ﴿حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ومِنَ البَقَرِ والغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما﴾ [الأنعام: ١٤٦]، الآيَةَ، ومِن قَبْلُ مُتَعَلِّقٌ بِـ قَصَصْنا أوْ بِـ حَرَّمْنا ﴿وما ظَلَمْناهُمْ﴾ بِذَلِكَ التَّحْرِيمِ بَلْ جَزَيْناهم بِبَغْيِهِمْ ﴿ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ حَيْثُ فَعَلُوا أسْبابَ ذَلِكَ فَحَرَّمْنا عَلَيْهِمْ تِلْكَ الأشْياءَ عُقُوبَةً لَهم. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ الِافْتِراءَ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ ومُخالَفَةَ أمْرِهِ لا يَمْنَعُهم مِنَ التَّوْبَةِ وحُصُولِ المَغْفِرَةِ فَقالَ: ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ﴾ أيْ مُتَلَبِّسِينَ بِجَهالَةٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ النِّساءِ ﴿ثُمَّ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أيْ مِن بَعْدِ عَمَلِهِمْ لِلسُّوءِ، وفِيهِ تَأْكِيدٌ فَإنَّ ( ثُمَّ ) قَدْ دَلَّتْ عَلى البَعْدِيَّةِ فَأكَّدَها بِزِيادَةِ ذِكْرِ البَعْدِيَّةِ وأصْلَحُوا أعْمالَهُمُ الَّتِي كانَ فِيها فَسادٌ بِالسُّوءِ الَّذِي عَمِلُوهُ، ثُمَّ كَرَّرَ ذَلِكَ تَأْكِيدًا وتَقْرِيرًا فَقالَ: ﴿إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها﴾ أيْ مِنَ بَعْدِ التَّوْبَةِ ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ كَثِيرُ الغُفْرانِ واسِعُ الرَّحْمَةِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً﴾ قالَ: يَعْنِي مَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطِيَّةَ في الآيَةِ مِثْلَهُ وزادَ فَقالَ: ألا تَرى أنَّهُ قالَ: ﴿ولَقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مِنهم فَكَذَّبُوهُ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ شِهابٍ قالَ: القَرْيَةُ الَّتِي قالَ اللَّهُ ﴿كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً﴾ هي يَثْرِبُ. قُلْتُ: ولا أدْرِي أيَّ دَلِيلٍ دَلَّهُ عَلى هَذا التَّعْيِينِ، ولا أيَّ قَرِينَةٍ قامَتْ لَهُ عَلى ذَلِكَ، ومَتى كَفَرَتْ دارُ الهِجْرَةِ ومَسْكَنُ الأنْصارِ بِأنْعُمِ اللَّهِ، وأيَّ وقْتٍ أذاقَها اللَّهُ لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ، وهي الَّتِي تَنْفِي خَبَثَها كَما يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ كَما صَحَّ ذَلِكَ عَنِ الصّادِقِ المَصْدُوقِ. وصَحَّ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ: «والمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهم لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ﴾ الآيَةَ. قالَ: في البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي نَضْرَةَ قالَ: قَرَأْتُ هَذِهِ الآيَةَ في سُورَةِ النَّحْلِ ﴿ولا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، فَلَمْ أزَلْ أخافُ الفُتْيا إلى يَوْمِي هَذا. قُلْتُ: صَدَقَ رَحِمَهُ اللَّهُ، فَإنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَتَناوَلُ بِعُمُومِ لَفْظِها فُتْيا مَن أفْتى بِخِلافِ ما في كِتابِ اللَّهِ أوْ في سُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ كَما يَقَعُ كَثِيرًا مِنَ المُؤْثِرِينَ لِلرَّأْيِ المُقَدِّمِينَ لَهُ عَلى الرِّوايَةِ، أوِ الجاهِلِينَ لِعِلْمِ الكِتابِ والسُّنَّةِ كالمُقَلِّدَةِ، وإنَّهم لَحَقِيقُونَ بِأنْ يُحالَ بَيْنَهم وبَيْنَ فَتاوِيهِمْ ويُمْنَعُوا مِن جَهالَتِهِمْ، فَإنَّهم أفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ مِنَ اللَّهِ ولا هُدًى ولا كِتابٍ مُنِيرٍ فَضَلُّوا وأضَلُّوا، فَهم ومَن يَسْتَفْتِيهِمْ كَما قالَ القائِلُ: ؎كَبَهِيمَةٍ عَمْياءَ قادَ زِمامَها ∗∗∗ أعْمى عَلى عِوَجِ الطَّرِيقِ الجائِرِ وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: عَسى رَجُلٌ أنْ يَقُولَ: إنَّ اللَّهَ أمَرَ بِكَذا أوْ نَهى عَنْ كَذا، فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لَهُ: كَذَبْتَ، أوْ يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ كَذا أوْ أحَلَّ كَذا، فَيَقُولُ اللَّهُ (p-٨٠٧)لَهُ: كَذَبْتَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ﴾ قالَ: في سُورَةِ الأنْعامِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ مِثْلَهُ، وقالَ حَيْثُ يَقُولُ: ﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٦] .

النحل 16:115

. قَوْلُهُ: ﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً﴾ قَدْ قَدَّمْنا أنَّ ( ضَرَبَ ) مُضَمَّنٌ مَعْنى ( جَعَلَ ) حَتّى تَكُونَ قَرْيَةً المَفْعُولَ الأوَّلَ ومَثَلًا المَفْعُولَ الثّانِي، وإنَّما تَأخَّرَتْ قَرْيَةً لِئَلّا يَقَعُ الفَصْلُ بَيْنَها وبَيْنَ صِفاتِها، وقَدَّمْنا أيْضًا أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( ضَرَبَ ) عَلى بابِهِ غَيْرَ مُضَمَّنٍ ويَكُونُ مَثَلًا مَفْعُولَهُ الأوَّلَ وقَرْيَةً بَدَلًا مِنهُ. وقَدِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ هَلِ المُرادُ بِهَذِهِ القَرْيَةِ قَرْيَةٌ مُعَيَّنَةٌ، أوِ المُرادُ قَرْيَةٌ غَيْرُ مُعَيَّنَةٍ، بَلْ كُلُّ قَوْمٍ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَأبْطَرَتْهُمُ النِّعْمَةُ ؟ فَذَهَبَ الأكْثَرُ إلى الأوَّلِ وصَرَّحُوا بِأنَّها مَكَّةُ، وذَلِكَ لَمّا دَعا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وقالَ: «اللَّهُمَّ اشْدُدْ وطْأتَكَ عَلى مُضَرَ واجْعَلْها عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِيِّ يُوسُفَ»، فابْتُلُوا بِالقَحْطِ حَتّى أكَلُوا العِظامَ. والثّانِي أرْجَحُ لِأنَّ تَنْكِيرَ قَرْيَةٍ يُفِيدُ ذَلِكَ، ومَكَّةُ تَدْخُلُ في هَذا العُمُومِ البَدَلِيِّ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وأيْضًا يَكُونُ الوَعِيدُ أبْلَغَ، والمَثَلُ أكْمَلَ، وغَيْرُ مَكَّةَ مِثْلُها، وعَلى فَرْضِ إرادَتِها فَفي المَثَلِ إنْذارٌ لِغَيْرِها مِن مِثْلِ عاقِبَتِها، ثُمَّ وصَفَ القَرْيَةَ بِأنَّها ﴿كانَتْ آمِنَةً﴾ غَيْرَ خائِفَةٍ مُطْمَئِنَّةً غَيْرَ مُنْزَعِجَةٍ، أيْ لا يَخافُ أهْلُها ولا يَنْزَعِجُونَ ﴿يَأْتِيها رِزْقُها﴾ أيْ ما يَرْتَزِقُ بِهِ أهْلُها رَغَدًا واسِعًا مِن كُلِّ مَكانٍ مِنَ الأمْكِنَةِ الَّتِي يُجْلَبُ ما فِيها إلَيْها فَكَفَرَتْ أيْ كَفَرَ أهْلُها﴿بِأنْعُمِ اللَّهِ﴾ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيْهِمْ، والأنْعُمُ جَمْعُ نِعْمَةٍ كالأشُدِّ جَمْعُ شِدَّةٍ، وقِيلَ جَمْعُ نُعْمى مِثْلُ بُؤْسى وأبْؤُسٌ، وهَذا الكُفْرُ مِنهم هو كُفْرُهم بِاللَّهِ سُبْحانَهُ وتَكْذِيبُ رُسُلِهِ ﴿فَأذاقَها اللَّهُ﴾ أيْ أذاقَ أهْلَها ﴿لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ﴾ سُمِّيَ ذَلِكَ لِباسًا لِأنَّهُ يَظْهَرُ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنَ الهُزالِ وشُحُوبَةِ اللَّوْنِ وسُوءِ الحالِ ما هو كاللِّباسِ، فاسْتُعِيرَ لَهُ اسْمُهُ وأُوقِعَ عَلَيْهِ الإذاقَةُ، وأصْلُها الذَّوْقُ بِالفَمِ، ثُمَّ اسْتُعِيرَتْ لِمُطْلَقِ الِاتِّصالِ مَعَ إنْبائِها بِشِدَّةِ الإصابَةِ لِما فِيها مِنِ اجْتِماعِ الإدْراكَيْنِ: إدْراكُ اللَّمْسِ، والذَّوْقِ. رُوِيَ أنَّ ابْنَ الرّاوَنْدِيِّ الزِّنْدِيقَ قالَ لِابْنِ الأعْرابِيِّ إمامِ اللُّغَةِ والأدَبِ: هَلْ يُذاقُ اللِّباسُ ؟ فَقالَ لَهُ ابْنُ الأعْرابِيِّ: لا بَأْسَ أيُّها النَّسْناسُ، هَبْ أنَّ مُحَمَّدًا ما كانَ نَبِيًّا أما كانَ عَرَبِيًّا ؟ كَأنَّهُ طَعَنَ في الآيَةِ بِأنَّ المُناسِبَ أنْ يُقالَ: فَكَساها اللَّهُ لِباسَ الجُوعِ أوْ فَأذاقَها اللَّهُ طَعْمَ الجُوعِ. فَرَدَّ عَلَيْهِ ابْنُ الأعْرابِيِّ. وقَدْ أجابَ عُلَماءُ البَيانِ أنَّ هَذا مِن تَجْرِيدِ الِاسْتِعارَةِ، وذَلِكَ أنَّهُ اسْتَعارَ اللِّباسَ لِما غَشِيَ الإنْسانَ مِن بَعْضِ الحَوادِثِ كالجُوعِ والخَوْفِ لِاشْتِمالِهِ عَلَيْهِ اشْتِمالَ اللِّباسِ عَلى اللّابِسِ، ثُمَّ ذُكِرَ الوَصْفُ مُلائِمًا لِلْمُسْتَعارِ لَهُ وهو الجُوعُ والخَوْفُ، لِأنَّ إطْلاقَ الذَّوْقِ عَلى إدْراكِ الجُوعِ والخَوْفِ جَرى عِنْدَهم مَجْرى الحَقِيقَةِ، فَيَقُولُونَ ذاقَ فُلانٌ البُؤْسَ والضُّرَّ وأذاقَهُ غَيْرُهُ، فَكانَتِ الِاسْتِعارَةُ مُجَرَّدَةً، ولَوْ قالَ فَكَساها كانَتْ مُرَشَّحَةً. قِيلَ: وتَرْشِيحُ الِاسْتِعارَةِ وإنْ كانَ مُسْتَحْسَنًا مِن جِهَةِ المُبالَغَةِ إلّا أنَّ لِلتَّجْرِيدِ تَرْجِيحًا مِن حَيْثُ إنَّهُ رُوعِيَ جانِبُ المُسْتَعارِ لَهُ فازْدادَ الكَلامُ وُضُوحًا. وقِيلَ إنَّ أصْلَ الذَّوْقِ بِالفَمِ ثُمَّ قَدْ يُسْتَعارُ فَيُوضَعُ مَوْضِعَ التَّعَرُّفِ والِاخْتِبارِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ومَن يَذُقِ الدُّنْيا فَإنِّي طَعِمْتُها وسِيقَ إلَيْنا عَذْبُها وعَذابُها وقَرَأ حَفْصُ بْنُ غِياثٍ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وأبُو عَمْرٍو فِيما رَوى عَنْهُ عَبْدُ الوارِثِ بِنَصْبِ الخَوْفِ عَطْفًا عَلى لِباسٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالضَّمِّ عَطْفًا عَلى الجُوعِ. قالَ الفَرّاءُ: كُلُّ الصِّفاتِ أُجْرِيَتْ عَلى القَرْيَةِ إلّا قَوْلَهُ: يَصْنَعُونَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ المُرادَ في الحَقِيقَةِ أهْلُها. ﴿ولَقَدْ جاءَهُمْ﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ ﴿رَسُولٌ مِنهُمْ﴾ مِن جِنْسِهِمْ يَعْرِفُونَهُ ويَعْرِفُونَ نَسَبَهُ، فَأمَرَهم بِما فِيهِ نَفْعُهم ونَهاهم عَمّا فِيهِ ضُرُّهم فَكَذَّبُوهُ فِيما جاءَ بِهِ ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ﴾ النّازِلُ بِهِمْ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ، والحالُ أنَّهم في حالِ أخْذِ العَذابِ لَهم ظالِمُونَ لِأنْفُسِهِمْ بِإيقاعِها في العَذابِ الأبَدِيِّ ولِغَيْرِهِمْ بِالإضْرارِ بِهِمْ وصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وهَذا (p-٨٠٦)الكَلامُ مِن تَمامِ المَثَلِ المَضْرُوبِ. وقِيلَ إنَّ المُرادَ بِالعَذابِ هُنا هو الجُوعُ الَّذِي أصابَهم، وقِيلَ القَتْلُ يَوْمَ بَدْرٍ. ثُمَّ لَمّا وعَظَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِما ذَكَرَهُ مِن حالِ أهْلِ القَرْيَةِ المَذْكُورَةِ أمَرَهم أنْ يَأْكُلُوا مِمّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ مِنَ الغَنائِمِ ونَحْوِها، وجاءَ بِالفاءِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ ذَلِكَ مُتَسَبِّبٌ عَنْ تَرْكِ الكُفْرِ. والمَعْنى: أنَّكم لَمّا آمَنتُمْ وتَرَكْتُمُ الكُفْرَ فَكُلُوا الحَلالَ الطَّيِّبَ وهو الغَنِيمَةُ واتْرُكُوا الخَبائِثَ وهو المَيْتَةُ والدَّمُ ﴿واشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيْكم واعْرِفُوا حَقَّها ﴿إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ ولا تَعْبُدُونَ غَيْرَهُ، أوْ إنْ صَحَّ زَعْمُكم أنَّكم تَقْصِدُونَ بِعِبادَةِ الآلِهَةِ الَّتِي زَعَمْتُمْ عِبادَةَ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ إنَّ الفاءَ في ( فَكُلُوا ) داخِلَةٌ عَلى الأمْرِ بِالشُّكْرِ، وإنَّما أُدْخِلَتْ عَلى الأمْرِ بِالأكْلِ لِأنَّ الأكْلَ ذَرِيعَةٌ إلى الشُّكْرِ. ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ ولَحْمَ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ كَرَّرَ سُبْحانَهُ ذِكْرَ هَذِهِ المُحَرَّماتِ في البَقَرَةِ والمائِدَةِ والأنْعامِ وفي هَذِهِ السُّورَةِ قَطْعًا لِلْأعْذارِ وإزالَةً لِلشُّبْهَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ الرُّخْصَةَ في تَناوُلِ شَيْءٍ مِمّا ذَكَرَ فَقالَ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى جَمِيعِ ما هو مَذْكُورٌ هُنا مُسْتَوْفًى. ثُمَّ زَيَّفَ طَرِيقَةَ الكُفّارِ في الزِّيادَةِ عَلى هَذِهِ المُحَرَّماتِ كالبَحِيرَةِ والسّائِبَةِ وفي النُّقْصانِ عَنْها كَتَحْلِيلِ المَيْتَةِ والدَّمِ فَقالَ: ﴿ولا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ﴾ قالَ الكِسائِيُّ، والزَّجّاجُ: ما هُنا مَصْدَرِيَّةٌ وانْتِصابُ الكَذِبَ بِـ لا تَقُولُوا، أيْ: لا تَقُولُوا الكَذِبَ لِأجْلِ وصْفِ ألْسِنَتِكم، ومَعْناهُ: لا تُحَرِّمُوا ولا تُحَلِّلُوا لِأجْلِ قَوْلٍ تَنْطِقُ بِهِ ألْسِنَتُكم مِن غَيْرِ حُجَّةٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ( ما ) مَوْصُولَةً والكَذِبَ مُنْتَصِبٌ بِـ تَصِفُ، أيْ: لا تَقُولُوا لِلَّذِي تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ فِيهِ ﴿هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ﴾ فَحَذَفَ لَفْظَةَ فِيهِ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا، فَيَكُونُ قَوْلُهُ ﴿هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ﴾ بَدَلًا مِنَ الكَذِبَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في الكَلامِ حَذْفٌ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ، أيْ: ولا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكم فَتَقُولُ هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ، أوْ قائِلَةٌ هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ، ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ الكَذِبَ أيْضًا بِـ تَصِفُ وتَكُونُ ( ما ) مَصْدَرِيَّةً، أيْ: لا تَقُولُوا هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ لِوَصْفِ ألْسِنَتِكُمُ الكَذِبَ. وقُرِئَ: ( الكُذُبُ )، بِضَمِّ الكافِ والذّالِ والباءِ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِلْألْسِنَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ بِفَتْحِ الكافِ وكَسْرِ الذّالِ والباءِ نَعْتًا لِ ( ما ) . وقِيلَ عَلى البَدَلِ مِن ( ما )، أيْ: ولا تَقُولُوا الكَذِبَ الَّذِي تَصِفُهُ ألْسِنَتُكم هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ، واللّامُ في ﴿لِتَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ هي لامُ العاقِبَةِ لا لامُ العَرْضِ، أيْ: فَيَتَعَقَّبُ ذَلِكَ افْتِراؤُكم عَلى اللَّهِ الكَذِبَ بِالتَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ، وإسْنادُ ذَلِكَ إلَيْهِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ مِنهُ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ أيَّ افْتِراءٍ كانَ لا يُفْلِحُونَ بِنَوْعٍ مِن أنْواعِ الفَلاحِ وهو الفَوْزُ بِالمَطْلُوبِ. وارْتِفاعُ مَتاعٌ قَلِيلٌ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. قالَ الزَّجّاجُ، أيْ: مَتاعُهم مَتاعٌ قَلِيلٌ، أوْ هو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: لَهم مَتاعٌ قَلِيلٌ ﴿ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ يُرَدُّونَ إلَيْهِ في الآخِرَةِ. ثُمَّ خَصَّ مُحَرَّماتِ اليَهُودِ بِالذِّكْرِ فَقالَ: ﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا﴾ أيْ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ خاصَّةً دُونَ غَيْرِهِمْ ﴿ما قَصَصْنا عَلَيْكَ﴾ بِقَوْلِنا: ﴿حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ومِنَ البَقَرِ والغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما﴾ [الأنعام: ١٤٦]، الآيَةَ، ومِن قَبْلُ مُتَعَلِّقٌ بِـ قَصَصْنا أوْ بِـ حَرَّمْنا ﴿وما ظَلَمْناهُمْ﴾ بِذَلِكَ التَّحْرِيمِ بَلْ جَزَيْناهم بِبَغْيِهِمْ ﴿ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ حَيْثُ فَعَلُوا أسْبابَ ذَلِكَ فَحَرَّمْنا عَلَيْهِمْ تِلْكَ الأشْياءَ عُقُوبَةً لَهم. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ الِافْتِراءَ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ ومُخالَفَةَ أمْرِهِ لا يَمْنَعُهم مِنَ التَّوْبَةِ وحُصُولِ المَغْفِرَةِ فَقالَ: ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ﴾ أيْ مُتَلَبِّسِينَ بِجَهالَةٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ النِّساءِ ﴿ثُمَّ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أيْ مِن بَعْدِ عَمَلِهِمْ لِلسُّوءِ، وفِيهِ تَأْكِيدٌ فَإنَّ ( ثُمَّ ) قَدْ دَلَّتْ عَلى البَعْدِيَّةِ فَأكَّدَها بِزِيادَةِ ذِكْرِ البَعْدِيَّةِ وأصْلَحُوا أعْمالَهُمُ الَّتِي كانَ فِيها فَسادٌ بِالسُّوءِ الَّذِي عَمِلُوهُ، ثُمَّ كَرَّرَ ذَلِكَ تَأْكِيدًا وتَقْرِيرًا فَقالَ: ﴿إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها﴾ أيْ مِنَ بَعْدِ التَّوْبَةِ ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ كَثِيرُ الغُفْرانِ واسِعُ الرَّحْمَةِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً﴾ قالَ: يَعْنِي مَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطِيَّةَ في الآيَةِ مِثْلَهُ وزادَ فَقالَ: ألا تَرى أنَّهُ قالَ: ﴿ولَقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مِنهم فَكَذَّبُوهُ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ شِهابٍ قالَ: القَرْيَةُ الَّتِي قالَ اللَّهُ ﴿كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً﴾ هي يَثْرِبُ. قُلْتُ: ولا أدْرِي أيَّ دَلِيلٍ دَلَّهُ عَلى هَذا التَّعْيِينِ، ولا أيَّ قَرِينَةٍ قامَتْ لَهُ عَلى ذَلِكَ، ومَتى كَفَرَتْ دارُ الهِجْرَةِ ومَسْكَنُ الأنْصارِ بِأنْعُمِ اللَّهِ، وأيَّ وقْتٍ أذاقَها اللَّهُ لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ، وهي الَّتِي تَنْفِي خَبَثَها كَما يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ كَما صَحَّ ذَلِكَ عَنِ الصّادِقِ المَصْدُوقِ. وصَحَّ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ: «والمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهم لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ﴾ الآيَةَ. قالَ: في البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي نَضْرَةَ قالَ: قَرَأْتُ هَذِهِ الآيَةَ في سُورَةِ النَّحْلِ ﴿ولا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، فَلَمْ أزَلْ أخافُ الفُتْيا إلى يَوْمِي هَذا. قُلْتُ: صَدَقَ رَحِمَهُ اللَّهُ، فَإنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَتَناوَلُ بِعُمُومِ لَفْظِها فُتْيا مَن أفْتى بِخِلافِ ما في كِتابِ اللَّهِ أوْ في سُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ كَما يَقَعُ كَثِيرًا مِنَ المُؤْثِرِينَ لِلرَّأْيِ المُقَدِّمِينَ لَهُ عَلى الرِّوايَةِ، أوِ الجاهِلِينَ لِعِلْمِ الكِتابِ والسُّنَّةِ كالمُقَلِّدَةِ، وإنَّهم لَحَقِيقُونَ بِأنْ يُحالَ بَيْنَهم وبَيْنَ فَتاوِيهِمْ ويُمْنَعُوا مِن جَهالَتِهِمْ، فَإنَّهم أفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ مِنَ اللَّهِ ولا هُدًى ولا كِتابٍ مُنِيرٍ فَضَلُّوا وأضَلُّوا، فَهم ومَن يَسْتَفْتِيهِمْ كَما قالَ القائِلُ: ؎كَبَهِيمَةٍ عَمْياءَ قادَ زِمامَها ∗∗∗ أعْمى عَلى عِوَجِ الطَّرِيقِ الجائِرِ وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: عَسى رَجُلٌ أنْ يَقُولَ: إنَّ اللَّهَ أمَرَ بِكَذا أوْ نَهى عَنْ كَذا، فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لَهُ: كَذَبْتَ، أوْ يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ كَذا أوْ أحَلَّ كَذا، فَيَقُولُ اللَّهُ (p-٨٠٧)لَهُ: كَذَبْتَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ﴾ قالَ: في سُورَةِ الأنْعامِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ مِثْلَهُ، وقالَ حَيْثُ يَقُولُ: ﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٦] .

النحل 16:116

. قَوْلُهُ: ﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً﴾ قَدْ قَدَّمْنا أنَّ ( ضَرَبَ ) مُضَمَّنٌ مَعْنى ( جَعَلَ ) حَتّى تَكُونَ قَرْيَةً المَفْعُولَ الأوَّلَ ومَثَلًا المَفْعُولَ الثّانِي، وإنَّما تَأخَّرَتْ قَرْيَةً لِئَلّا يَقَعُ الفَصْلُ بَيْنَها وبَيْنَ صِفاتِها، وقَدَّمْنا أيْضًا أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( ضَرَبَ ) عَلى بابِهِ غَيْرَ مُضَمَّنٍ ويَكُونُ مَثَلًا مَفْعُولَهُ الأوَّلَ وقَرْيَةً بَدَلًا مِنهُ. وقَدِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ هَلِ المُرادُ بِهَذِهِ القَرْيَةِ قَرْيَةٌ مُعَيَّنَةٌ، أوِ المُرادُ قَرْيَةٌ غَيْرُ مُعَيَّنَةٍ، بَلْ كُلُّ قَوْمٍ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَأبْطَرَتْهُمُ النِّعْمَةُ ؟ فَذَهَبَ الأكْثَرُ إلى الأوَّلِ وصَرَّحُوا بِأنَّها مَكَّةُ، وذَلِكَ لَمّا دَعا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وقالَ: «اللَّهُمَّ اشْدُدْ وطْأتَكَ عَلى مُضَرَ واجْعَلْها عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِيِّ يُوسُفَ»، فابْتُلُوا بِالقَحْطِ حَتّى أكَلُوا العِظامَ. والثّانِي أرْجَحُ لِأنَّ تَنْكِيرَ قَرْيَةٍ يُفِيدُ ذَلِكَ، ومَكَّةُ تَدْخُلُ في هَذا العُمُومِ البَدَلِيِّ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وأيْضًا يَكُونُ الوَعِيدُ أبْلَغَ، والمَثَلُ أكْمَلَ، وغَيْرُ مَكَّةَ مِثْلُها، وعَلى فَرْضِ إرادَتِها فَفي المَثَلِ إنْذارٌ لِغَيْرِها مِن مِثْلِ عاقِبَتِها، ثُمَّ وصَفَ القَرْيَةَ بِأنَّها ﴿كانَتْ آمِنَةً﴾ غَيْرَ خائِفَةٍ مُطْمَئِنَّةً غَيْرَ مُنْزَعِجَةٍ، أيْ لا يَخافُ أهْلُها ولا يَنْزَعِجُونَ ﴿يَأْتِيها رِزْقُها﴾ أيْ ما يَرْتَزِقُ بِهِ أهْلُها رَغَدًا واسِعًا مِن كُلِّ مَكانٍ مِنَ الأمْكِنَةِ الَّتِي يُجْلَبُ ما فِيها إلَيْها فَكَفَرَتْ أيْ كَفَرَ أهْلُها﴿بِأنْعُمِ اللَّهِ﴾ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيْهِمْ، والأنْعُمُ جَمْعُ نِعْمَةٍ كالأشُدِّ جَمْعُ شِدَّةٍ، وقِيلَ جَمْعُ نُعْمى مِثْلُ بُؤْسى وأبْؤُسٌ، وهَذا الكُفْرُ مِنهم هو كُفْرُهم بِاللَّهِ سُبْحانَهُ وتَكْذِيبُ رُسُلِهِ ﴿فَأذاقَها اللَّهُ﴾ أيْ أذاقَ أهْلَها ﴿لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ﴾ سُمِّيَ ذَلِكَ لِباسًا لِأنَّهُ يَظْهَرُ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنَ الهُزالِ وشُحُوبَةِ اللَّوْنِ وسُوءِ الحالِ ما هو كاللِّباسِ، فاسْتُعِيرَ لَهُ اسْمُهُ وأُوقِعَ عَلَيْهِ الإذاقَةُ، وأصْلُها الذَّوْقُ بِالفَمِ، ثُمَّ اسْتُعِيرَتْ لِمُطْلَقِ الِاتِّصالِ مَعَ إنْبائِها بِشِدَّةِ الإصابَةِ لِما فِيها مِنِ اجْتِماعِ الإدْراكَيْنِ: إدْراكُ اللَّمْسِ، والذَّوْقِ. رُوِيَ أنَّ ابْنَ الرّاوَنْدِيِّ الزِّنْدِيقَ قالَ لِابْنِ الأعْرابِيِّ إمامِ اللُّغَةِ والأدَبِ: هَلْ يُذاقُ اللِّباسُ ؟ فَقالَ لَهُ ابْنُ الأعْرابِيِّ: لا بَأْسَ أيُّها النَّسْناسُ، هَبْ أنَّ مُحَمَّدًا ما كانَ نَبِيًّا أما كانَ عَرَبِيًّا ؟ كَأنَّهُ طَعَنَ في الآيَةِ بِأنَّ المُناسِبَ أنْ يُقالَ: فَكَساها اللَّهُ لِباسَ الجُوعِ أوْ فَأذاقَها اللَّهُ طَعْمَ الجُوعِ. فَرَدَّ عَلَيْهِ ابْنُ الأعْرابِيِّ. وقَدْ أجابَ عُلَماءُ البَيانِ أنَّ هَذا مِن تَجْرِيدِ الِاسْتِعارَةِ، وذَلِكَ أنَّهُ اسْتَعارَ اللِّباسَ لِما غَشِيَ الإنْسانَ مِن بَعْضِ الحَوادِثِ كالجُوعِ والخَوْفِ لِاشْتِمالِهِ عَلَيْهِ اشْتِمالَ اللِّباسِ عَلى اللّابِسِ، ثُمَّ ذُكِرَ الوَصْفُ مُلائِمًا لِلْمُسْتَعارِ لَهُ وهو الجُوعُ والخَوْفُ، لِأنَّ إطْلاقَ الذَّوْقِ عَلى إدْراكِ الجُوعِ والخَوْفِ جَرى عِنْدَهم مَجْرى الحَقِيقَةِ، فَيَقُولُونَ ذاقَ فُلانٌ البُؤْسَ والضُّرَّ وأذاقَهُ غَيْرُهُ، فَكانَتِ الِاسْتِعارَةُ مُجَرَّدَةً، ولَوْ قالَ فَكَساها كانَتْ مُرَشَّحَةً. قِيلَ: وتَرْشِيحُ الِاسْتِعارَةِ وإنْ كانَ مُسْتَحْسَنًا مِن جِهَةِ المُبالَغَةِ إلّا أنَّ لِلتَّجْرِيدِ تَرْجِيحًا مِن حَيْثُ إنَّهُ رُوعِيَ جانِبُ المُسْتَعارِ لَهُ فازْدادَ الكَلامُ وُضُوحًا. وقِيلَ إنَّ أصْلَ الذَّوْقِ بِالفَمِ ثُمَّ قَدْ يُسْتَعارُ فَيُوضَعُ مَوْضِعَ التَّعَرُّفِ والِاخْتِبارِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ومَن يَذُقِ الدُّنْيا فَإنِّي طَعِمْتُها وسِيقَ إلَيْنا عَذْبُها وعَذابُها وقَرَأ حَفْصُ بْنُ غِياثٍ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وأبُو عَمْرٍو فِيما رَوى عَنْهُ عَبْدُ الوارِثِ بِنَصْبِ الخَوْفِ عَطْفًا عَلى لِباسٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالضَّمِّ عَطْفًا عَلى الجُوعِ. قالَ الفَرّاءُ: كُلُّ الصِّفاتِ أُجْرِيَتْ عَلى القَرْيَةِ إلّا قَوْلَهُ: يَصْنَعُونَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ المُرادَ في الحَقِيقَةِ أهْلُها. ﴿ولَقَدْ جاءَهُمْ﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ ﴿رَسُولٌ مِنهُمْ﴾ مِن جِنْسِهِمْ يَعْرِفُونَهُ ويَعْرِفُونَ نَسَبَهُ، فَأمَرَهم بِما فِيهِ نَفْعُهم ونَهاهم عَمّا فِيهِ ضُرُّهم فَكَذَّبُوهُ فِيما جاءَ بِهِ ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ﴾ النّازِلُ بِهِمْ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ، والحالُ أنَّهم في حالِ أخْذِ العَذابِ لَهم ظالِمُونَ لِأنْفُسِهِمْ بِإيقاعِها في العَذابِ الأبَدِيِّ ولِغَيْرِهِمْ بِالإضْرارِ بِهِمْ وصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وهَذا (p-٨٠٦)الكَلامُ مِن تَمامِ المَثَلِ المَضْرُوبِ. وقِيلَ إنَّ المُرادَ بِالعَذابِ هُنا هو الجُوعُ الَّذِي أصابَهم، وقِيلَ القَتْلُ يَوْمَ بَدْرٍ. ثُمَّ لَمّا وعَظَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِما ذَكَرَهُ مِن حالِ أهْلِ القَرْيَةِ المَذْكُورَةِ أمَرَهم أنْ يَأْكُلُوا مِمّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ مِنَ الغَنائِمِ ونَحْوِها، وجاءَ بِالفاءِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ ذَلِكَ مُتَسَبِّبٌ عَنْ تَرْكِ الكُفْرِ. والمَعْنى: أنَّكم لَمّا آمَنتُمْ وتَرَكْتُمُ الكُفْرَ فَكُلُوا الحَلالَ الطَّيِّبَ وهو الغَنِيمَةُ واتْرُكُوا الخَبائِثَ وهو المَيْتَةُ والدَّمُ ﴿واشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيْكم واعْرِفُوا حَقَّها ﴿إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ ولا تَعْبُدُونَ غَيْرَهُ، أوْ إنْ صَحَّ زَعْمُكم أنَّكم تَقْصِدُونَ بِعِبادَةِ الآلِهَةِ الَّتِي زَعَمْتُمْ عِبادَةَ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ إنَّ الفاءَ في ( فَكُلُوا ) داخِلَةٌ عَلى الأمْرِ بِالشُّكْرِ، وإنَّما أُدْخِلَتْ عَلى الأمْرِ بِالأكْلِ لِأنَّ الأكْلَ ذَرِيعَةٌ إلى الشُّكْرِ. ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ ولَحْمَ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ كَرَّرَ سُبْحانَهُ ذِكْرَ هَذِهِ المُحَرَّماتِ في البَقَرَةِ والمائِدَةِ والأنْعامِ وفي هَذِهِ السُّورَةِ قَطْعًا لِلْأعْذارِ وإزالَةً لِلشُّبْهَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ الرُّخْصَةَ في تَناوُلِ شَيْءٍ مِمّا ذَكَرَ فَقالَ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى جَمِيعِ ما هو مَذْكُورٌ هُنا مُسْتَوْفًى. ثُمَّ زَيَّفَ طَرِيقَةَ الكُفّارِ في الزِّيادَةِ عَلى هَذِهِ المُحَرَّماتِ كالبَحِيرَةِ والسّائِبَةِ وفي النُّقْصانِ عَنْها كَتَحْلِيلِ المَيْتَةِ والدَّمِ فَقالَ: ﴿ولا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ﴾ قالَ الكِسائِيُّ، والزَّجّاجُ: ما هُنا مَصْدَرِيَّةٌ وانْتِصابُ الكَذِبَ بِـ لا تَقُولُوا، أيْ: لا تَقُولُوا الكَذِبَ لِأجْلِ وصْفِ ألْسِنَتِكم، ومَعْناهُ: لا تُحَرِّمُوا ولا تُحَلِّلُوا لِأجْلِ قَوْلٍ تَنْطِقُ بِهِ ألْسِنَتُكم مِن غَيْرِ حُجَّةٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ( ما ) مَوْصُولَةً والكَذِبَ مُنْتَصِبٌ بِـ تَصِفُ، أيْ: لا تَقُولُوا لِلَّذِي تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ فِيهِ ﴿هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ﴾ فَحَذَفَ لَفْظَةَ فِيهِ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا، فَيَكُونُ قَوْلُهُ ﴿هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ﴾ بَدَلًا مِنَ الكَذِبَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في الكَلامِ حَذْفٌ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ، أيْ: ولا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكم فَتَقُولُ هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ، أوْ قائِلَةٌ هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ، ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ الكَذِبَ أيْضًا بِـ تَصِفُ وتَكُونُ ( ما ) مَصْدَرِيَّةً، أيْ: لا تَقُولُوا هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ لِوَصْفِ ألْسِنَتِكُمُ الكَذِبَ. وقُرِئَ: ( الكُذُبُ )، بِضَمِّ الكافِ والذّالِ والباءِ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِلْألْسِنَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ بِفَتْحِ الكافِ وكَسْرِ الذّالِ والباءِ نَعْتًا لِ ( ما ) . وقِيلَ عَلى البَدَلِ مِن ( ما )، أيْ: ولا تَقُولُوا الكَذِبَ الَّذِي تَصِفُهُ ألْسِنَتُكم هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ، واللّامُ في ﴿لِتَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ هي لامُ العاقِبَةِ لا لامُ العَرْضِ، أيْ: فَيَتَعَقَّبُ ذَلِكَ افْتِراؤُكم عَلى اللَّهِ الكَذِبَ بِالتَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ، وإسْنادُ ذَلِكَ إلَيْهِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ مِنهُ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ أيَّ افْتِراءٍ كانَ لا يُفْلِحُونَ بِنَوْعٍ مِن أنْواعِ الفَلاحِ وهو الفَوْزُ بِالمَطْلُوبِ. وارْتِفاعُ مَتاعٌ قَلِيلٌ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. قالَ الزَّجّاجُ، أيْ: مَتاعُهم مَتاعٌ قَلِيلٌ، أوْ هو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: لَهم مَتاعٌ قَلِيلٌ ﴿ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ يُرَدُّونَ إلَيْهِ في الآخِرَةِ. ثُمَّ خَصَّ مُحَرَّماتِ اليَهُودِ بِالذِّكْرِ فَقالَ: ﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا﴾ أيْ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ خاصَّةً دُونَ غَيْرِهِمْ ﴿ما قَصَصْنا عَلَيْكَ﴾ بِقَوْلِنا: ﴿حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ومِنَ البَقَرِ والغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما﴾ [الأنعام: ١٤٦]، الآيَةَ، ومِن قَبْلُ مُتَعَلِّقٌ بِـ قَصَصْنا أوْ بِـ حَرَّمْنا ﴿وما ظَلَمْناهُمْ﴾ بِذَلِكَ التَّحْرِيمِ بَلْ جَزَيْناهم بِبَغْيِهِمْ ﴿ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ حَيْثُ فَعَلُوا أسْبابَ ذَلِكَ فَحَرَّمْنا عَلَيْهِمْ تِلْكَ الأشْياءَ عُقُوبَةً لَهم. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ الِافْتِراءَ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ ومُخالَفَةَ أمْرِهِ لا يَمْنَعُهم مِنَ التَّوْبَةِ وحُصُولِ المَغْفِرَةِ فَقالَ: ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ﴾ أيْ مُتَلَبِّسِينَ بِجَهالَةٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ النِّساءِ ﴿ثُمَّ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أيْ مِن بَعْدِ عَمَلِهِمْ لِلسُّوءِ، وفِيهِ تَأْكِيدٌ فَإنَّ ( ثُمَّ ) قَدْ دَلَّتْ عَلى البَعْدِيَّةِ فَأكَّدَها بِزِيادَةِ ذِكْرِ البَعْدِيَّةِ وأصْلَحُوا أعْمالَهُمُ الَّتِي كانَ فِيها فَسادٌ بِالسُّوءِ الَّذِي عَمِلُوهُ، ثُمَّ كَرَّرَ ذَلِكَ تَأْكِيدًا وتَقْرِيرًا فَقالَ: ﴿إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها﴾ أيْ مِنَ بَعْدِ التَّوْبَةِ ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ كَثِيرُ الغُفْرانِ واسِعُ الرَّحْمَةِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً﴾ قالَ: يَعْنِي مَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطِيَّةَ في الآيَةِ مِثْلَهُ وزادَ فَقالَ: ألا تَرى أنَّهُ قالَ: ﴿ولَقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مِنهم فَكَذَّبُوهُ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ شِهابٍ قالَ: القَرْيَةُ الَّتِي قالَ اللَّهُ ﴿كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً﴾ هي يَثْرِبُ. قُلْتُ: ولا أدْرِي أيَّ دَلِيلٍ دَلَّهُ عَلى هَذا التَّعْيِينِ، ولا أيَّ قَرِينَةٍ قامَتْ لَهُ عَلى ذَلِكَ، ومَتى كَفَرَتْ دارُ الهِجْرَةِ ومَسْكَنُ الأنْصارِ بِأنْعُمِ اللَّهِ، وأيَّ وقْتٍ أذاقَها اللَّهُ لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ، وهي الَّتِي تَنْفِي خَبَثَها كَما يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ كَما صَحَّ ذَلِكَ عَنِ الصّادِقِ المَصْدُوقِ. وصَحَّ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ: «والمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهم لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ﴾ الآيَةَ. قالَ: في البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي نَضْرَةَ قالَ: قَرَأْتُ هَذِهِ الآيَةَ في سُورَةِ النَّحْلِ ﴿ولا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، فَلَمْ أزَلْ أخافُ الفُتْيا إلى يَوْمِي هَذا. قُلْتُ: صَدَقَ رَحِمَهُ اللَّهُ، فَإنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَتَناوَلُ بِعُمُومِ لَفْظِها فُتْيا مَن أفْتى بِخِلافِ ما في كِتابِ اللَّهِ أوْ في سُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ كَما يَقَعُ كَثِيرًا مِنَ المُؤْثِرِينَ لِلرَّأْيِ المُقَدِّمِينَ لَهُ عَلى الرِّوايَةِ، أوِ الجاهِلِينَ لِعِلْمِ الكِتابِ والسُّنَّةِ كالمُقَلِّدَةِ، وإنَّهم لَحَقِيقُونَ بِأنْ يُحالَ بَيْنَهم وبَيْنَ فَتاوِيهِمْ ويُمْنَعُوا مِن جَهالَتِهِمْ، فَإنَّهم أفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ مِنَ اللَّهِ ولا هُدًى ولا كِتابٍ مُنِيرٍ فَضَلُّوا وأضَلُّوا، فَهم ومَن يَسْتَفْتِيهِمْ كَما قالَ القائِلُ: ؎كَبَهِيمَةٍ عَمْياءَ قادَ زِمامَها ∗∗∗ أعْمى عَلى عِوَجِ الطَّرِيقِ الجائِرِ وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: عَسى رَجُلٌ أنْ يَقُولَ: إنَّ اللَّهَ أمَرَ بِكَذا أوْ نَهى عَنْ كَذا، فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لَهُ: كَذَبْتَ، أوْ يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ كَذا أوْ أحَلَّ كَذا، فَيَقُولُ اللَّهُ (p-٨٠٧)لَهُ: كَذَبْتَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ﴾ قالَ: في سُورَةِ الأنْعامِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ مِثْلَهُ، وقالَ حَيْثُ يَقُولُ: ﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٦] .

النحل 16:117

. قَوْلُهُ: ﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً﴾ قَدْ قَدَّمْنا أنَّ ( ضَرَبَ ) مُضَمَّنٌ مَعْنى ( جَعَلَ ) حَتّى تَكُونَ قَرْيَةً المَفْعُولَ الأوَّلَ ومَثَلًا المَفْعُولَ الثّانِي، وإنَّما تَأخَّرَتْ قَرْيَةً لِئَلّا يَقَعُ الفَصْلُ بَيْنَها وبَيْنَ صِفاتِها، وقَدَّمْنا أيْضًا أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( ضَرَبَ ) عَلى بابِهِ غَيْرَ مُضَمَّنٍ ويَكُونُ مَثَلًا مَفْعُولَهُ الأوَّلَ وقَرْيَةً بَدَلًا مِنهُ. وقَدِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ هَلِ المُرادُ بِهَذِهِ القَرْيَةِ قَرْيَةٌ مُعَيَّنَةٌ، أوِ المُرادُ قَرْيَةٌ غَيْرُ مُعَيَّنَةٍ، بَلْ كُلُّ قَوْمٍ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَأبْطَرَتْهُمُ النِّعْمَةُ ؟ فَذَهَبَ الأكْثَرُ إلى الأوَّلِ وصَرَّحُوا بِأنَّها مَكَّةُ، وذَلِكَ لَمّا دَعا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وقالَ: «اللَّهُمَّ اشْدُدْ وطْأتَكَ عَلى مُضَرَ واجْعَلْها عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِيِّ يُوسُفَ»، فابْتُلُوا بِالقَحْطِ حَتّى أكَلُوا العِظامَ. والثّانِي أرْجَحُ لِأنَّ تَنْكِيرَ قَرْيَةٍ يُفِيدُ ذَلِكَ، ومَكَّةُ تَدْخُلُ في هَذا العُمُومِ البَدَلِيِّ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وأيْضًا يَكُونُ الوَعِيدُ أبْلَغَ، والمَثَلُ أكْمَلَ، وغَيْرُ مَكَّةَ مِثْلُها، وعَلى فَرْضِ إرادَتِها فَفي المَثَلِ إنْذارٌ لِغَيْرِها مِن مِثْلِ عاقِبَتِها، ثُمَّ وصَفَ القَرْيَةَ بِأنَّها ﴿كانَتْ آمِنَةً﴾ غَيْرَ خائِفَةٍ مُطْمَئِنَّةً غَيْرَ مُنْزَعِجَةٍ، أيْ لا يَخافُ أهْلُها ولا يَنْزَعِجُونَ ﴿يَأْتِيها رِزْقُها﴾ أيْ ما يَرْتَزِقُ بِهِ أهْلُها رَغَدًا واسِعًا مِن كُلِّ مَكانٍ مِنَ الأمْكِنَةِ الَّتِي يُجْلَبُ ما فِيها إلَيْها فَكَفَرَتْ أيْ كَفَرَ أهْلُها﴿بِأنْعُمِ اللَّهِ﴾ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيْهِمْ، والأنْعُمُ جَمْعُ نِعْمَةٍ كالأشُدِّ جَمْعُ شِدَّةٍ، وقِيلَ جَمْعُ نُعْمى مِثْلُ بُؤْسى وأبْؤُسٌ، وهَذا الكُفْرُ مِنهم هو كُفْرُهم بِاللَّهِ سُبْحانَهُ وتَكْذِيبُ رُسُلِهِ ﴿فَأذاقَها اللَّهُ﴾ أيْ أذاقَ أهْلَها ﴿لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ﴾ سُمِّيَ ذَلِكَ لِباسًا لِأنَّهُ يَظْهَرُ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنَ الهُزالِ وشُحُوبَةِ اللَّوْنِ وسُوءِ الحالِ ما هو كاللِّباسِ، فاسْتُعِيرَ لَهُ اسْمُهُ وأُوقِعَ عَلَيْهِ الإذاقَةُ، وأصْلُها الذَّوْقُ بِالفَمِ، ثُمَّ اسْتُعِيرَتْ لِمُطْلَقِ الِاتِّصالِ مَعَ إنْبائِها بِشِدَّةِ الإصابَةِ لِما فِيها مِنِ اجْتِماعِ الإدْراكَيْنِ: إدْراكُ اللَّمْسِ، والذَّوْقِ. رُوِيَ أنَّ ابْنَ الرّاوَنْدِيِّ الزِّنْدِيقَ قالَ لِابْنِ الأعْرابِيِّ إمامِ اللُّغَةِ والأدَبِ: هَلْ يُذاقُ اللِّباسُ ؟ فَقالَ لَهُ ابْنُ الأعْرابِيِّ: لا بَأْسَ أيُّها النَّسْناسُ، هَبْ أنَّ مُحَمَّدًا ما كانَ نَبِيًّا أما كانَ عَرَبِيًّا ؟ كَأنَّهُ طَعَنَ في الآيَةِ بِأنَّ المُناسِبَ أنْ يُقالَ: فَكَساها اللَّهُ لِباسَ الجُوعِ أوْ فَأذاقَها اللَّهُ طَعْمَ الجُوعِ. فَرَدَّ عَلَيْهِ ابْنُ الأعْرابِيِّ. وقَدْ أجابَ عُلَماءُ البَيانِ أنَّ هَذا مِن تَجْرِيدِ الِاسْتِعارَةِ، وذَلِكَ أنَّهُ اسْتَعارَ اللِّباسَ لِما غَشِيَ الإنْسانَ مِن بَعْضِ الحَوادِثِ كالجُوعِ والخَوْفِ لِاشْتِمالِهِ عَلَيْهِ اشْتِمالَ اللِّباسِ عَلى اللّابِسِ، ثُمَّ ذُكِرَ الوَصْفُ مُلائِمًا لِلْمُسْتَعارِ لَهُ وهو الجُوعُ والخَوْفُ، لِأنَّ إطْلاقَ الذَّوْقِ عَلى إدْراكِ الجُوعِ والخَوْفِ جَرى عِنْدَهم مَجْرى الحَقِيقَةِ، فَيَقُولُونَ ذاقَ فُلانٌ البُؤْسَ والضُّرَّ وأذاقَهُ غَيْرُهُ، فَكانَتِ الِاسْتِعارَةُ مُجَرَّدَةً، ولَوْ قالَ فَكَساها كانَتْ مُرَشَّحَةً. قِيلَ: وتَرْشِيحُ الِاسْتِعارَةِ وإنْ كانَ مُسْتَحْسَنًا مِن جِهَةِ المُبالَغَةِ إلّا أنَّ لِلتَّجْرِيدِ تَرْجِيحًا مِن حَيْثُ إنَّهُ رُوعِيَ جانِبُ المُسْتَعارِ لَهُ فازْدادَ الكَلامُ وُضُوحًا. وقِيلَ إنَّ أصْلَ الذَّوْقِ بِالفَمِ ثُمَّ قَدْ يُسْتَعارُ فَيُوضَعُ مَوْضِعَ التَّعَرُّفِ والِاخْتِبارِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ومَن يَذُقِ الدُّنْيا فَإنِّي طَعِمْتُها وسِيقَ إلَيْنا عَذْبُها وعَذابُها وقَرَأ حَفْصُ بْنُ غِياثٍ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وأبُو عَمْرٍو فِيما رَوى عَنْهُ عَبْدُ الوارِثِ بِنَصْبِ الخَوْفِ عَطْفًا عَلى لِباسٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالضَّمِّ عَطْفًا عَلى الجُوعِ. قالَ الفَرّاءُ: كُلُّ الصِّفاتِ أُجْرِيَتْ عَلى القَرْيَةِ إلّا قَوْلَهُ: يَصْنَعُونَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ المُرادَ في الحَقِيقَةِ أهْلُها. ﴿ولَقَدْ جاءَهُمْ﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ ﴿رَسُولٌ مِنهُمْ﴾ مِن جِنْسِهِمْ يَعْرِفُونَهُ ويَعْرِفُونَ نَسَبَهُ، فَأمَرَهم بِما فِيهِ نَفْعُهم ونَهاهم عَمّا فِيهِ ضُرُّهم فَكَذَّبُوهُ فِيما جاءَ بِهِ ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ﴾ النّازِلُ بِهِمْ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ، والحالُ أنَّهم في حالِ أخْذِ العَذابِ لَهم ظالِمُونَ لِأنْفُسِهِمْ بِإيقاعِها في العَذابِ الأبَدِيِّ ولِغَيْرِهِمْ بِالإضْرارِ بِهِمْ وصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وهَذا (p-٨٠٦)الكَلامُ مِن تَمامِ المَثَلِ المَضْرُوبِ. وقِيلَ إنَّ المُرادَ بِالعَذابِ هُنا هو الجُوعُ الَّذِي أصابَهم، وقِيلَ القَتْلُ يَوْمَ بَدْرٍ. ثُمَّ لَمّا وعَظَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِما ذَكَرَهُ مِن حالِ أهْلِ القَرْيَةِ المَذْكُورَةِ أمَرَهم أنْ يَأْكُلُوا مِمّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ مِنَ الغَنائِمِ ونَحْوِها، وجاءَ بِالفاءِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ ذَلِكَ مُتَسَبِّبٌ عَنْ تَرْكِ الكُفْرِ. والمَعْنى: أنَّكم لَمّا آمَنتُمْ وتَرَكْتُمُ الكُفْرَ فَكُلُوا الحَلالَ الطَّيِّبَ وهو الغَنِيمَةُ واتْرُكُوا الخَبائِثَ وهو المَيْتَةُ والدَّمُ ﴿واشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيْكم واعْرِفُوا حَقَّها ﴿إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ ولا تَعْبُدُونَ غَيْرَهُ، أوْ إنْ صَحَّ زَعْمُكم أنَّكم تَقْصِدُونَ بِعِبادَةِ الآلِهَةِ الَّتِي زَعَمْتُمْ عِبادَةَ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ إنَّ الفاءَ في ( فَكُلُوا ) داخِلَةٌ عَلى الأمْرِ بِالشُّكْرِ، وإنَّما أُدْخِلَتْ عَلى الأمْرِ بِالأكْلِ لِأنَّ الأكْلَ ذَرِيعَةٌ إلى الشُّكْرِ. ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ ولَحْمَ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ كَرَّرَ سُبْحانَهُ ذِكْرَ هَذِهِ المُحَرَّماتِ في البَقَرَةِ والمائِدَةِ والأنْعامِ وفي هَذِهِ السُّورَةِ قَطْعًا لِلْأعْذارِ وإزالَةً لِلشُّبْهَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ الرُّخْصَةَ في تَناوُلِ شَيْءٍ مِمّا ذَكَرَ فَقالَ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى جَمِيعِ ما هو مَذْكُورٌ هُنا مُسْتَوْفًى. ثُمَّ زَيَّفَ طَرِيقَةَ الكُفّارِ في الزِّيادَةِ عَلى هَذِهِ المُحَرَّماتِ كالبَحِيرَةِ والسّائِبَةِ وفي النُّقْصانِ عَنْها كَتَحْلِيلِ المَيْتَةِ والدَّمِ فَقالَ: ﴿ولا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ﴾ قالَ الكِسائِيُّ، والزَّجّاجُ: ما هُنا مَصْدَرِيَّةٌ وانْتِصابُ الكَذِبَ بِـ لا تَقُولُوا، أيْ: لا تَقُولُوا الكَذِبَ لِأجْلِ وصْفِ ألْسِنَتِكم، ومَعْناهُ: لا تُحَرِّمُوا ولا تُحَلِّلُوا لِأجْلِ قَوْلٍ تَنْطِقُ بِهِ ألْسِنَتُكم مِن غَيْرِ حُجَّةٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ( ما ) مَوْصُولَةً والكَذِبَ مُنْتَصِبٌ بِـ تَصِفُ، أيْ: لا تَقُولُوا لِلَّذِي تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ فِيهِ ﴿هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ﴾ فَحَذَفَ لَفْظَةَ فِيهِ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا، فَيَكُونُ قَوْلُهُ ﴿هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ﴾ بَدَلًا مِنَ الكَذِبَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في الكَلامِ حَذْفٌ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ، أيْ: ولا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكم فَتَقُولُ هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ، أوْ قائِلَةٌ هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ، ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ الكَذِبَ أيْضًا بِـ تَصِفُ وتَكُونُ ( ما ) مَصْدَرِيَّةً، أيْ: لا تَقُولُوا هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ لِوَصْفِ ألْسِنَتِكُمُ الكَذِبَ. وقُرِئَ: ( الكُذُبُ )، بِضَمِّ الكافِ والذّالِ والباءِ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِلْألْسِنَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ بِفَتْحِ الكافِ وكَسْرِ الذّالِ والباءِ نَعْتًا لِ ( ما ) . وقِيلَ عَلى البَدَلِ مِن ( ما )، أيْ: ولا تَقُولُوا الكَذِبَ الَّذِي تَصِفُهُ ألْسِنَتُكم هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ، واللّامُ في ﴿لِتَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ هي لامُ العاقِبَةِ لا لامُ العَرْضِ، أيْ: فَيَتَعَقَّبُ ذَلِكَ افْتِراؤُكم عَلى اللَّهِ الكَذِبَ بِالتَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ، وإسْنادُ ذَلِكَ إلَيْهِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ مِنهُ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ أيَّ افْتِراءٍ كانَ لا يُفْلِحُونَ بِنَوْعٍ مِن أنْواعِ الفَلاحِ وهو الفَوْزُ بِالمَطْلُوبِ. وارْتِفاعُ مَتاعٌ قَلِيلٌ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. قالَ الزَّجّاجُ، أيْ: مَتاعُهم مَتاعٌ قَلِيلٌ، أوْ هو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: لَهم مَتاعٌ قَلِيلٌ ﴿ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ يُرَدُّونَ إلَيْهِ في الآخِرَةِ. ثُمَّ خَصَّ مُحَرَّماتِ اليَهُودِ بِالذِّكْرِ فَقالَ: ﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا﴾ أيْ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ خاصَّةً دُونَ غَيْرِهِمْ ﴿ما قَصَصْنا عَلَيْكَ﴾ بِقَوْلِنا: ﴿حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ومِنَ البَقَرِ والغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما﴾ [الأنعام: ١٤٦]، الآيَةَ، ومِن قَبْلُ مُتَعَلِّقٌ بِـ قَصَصْنا أوْ بِـ حَرَّمْنا ﴿وما ظَلَمْناهُمْ﴾ بِذَلِكَ التَّحْرِيمِ بَلْ جَزَيْناهم بِبَغْيِهِمْ ﴿ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ حَيْثُ فَعَلُوا أسْبابَ ذَلِكَ فَحَرَّمْنا عَلَيْهِمْ تِلْكَ الأشْياءَ عُقُوبَةً لَهم. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ الِافْتِراءَ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ ومُخالَفَةَ أمْرِهِ لا يَمْنَعُهم مِنَ التَّوْبَةِ وحُصُولِ المَغْفِرَةِ فَقالَ: ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ﴾ أيْ مُتَلَبِّسِينَ بِجَهالَةٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ النِّساءِ ﴿ثُمَّ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أيْ مِن بَعْدِ عَمَلِهِمْ لِلسُّوءِ، وفِيهِ تَأْكِيدٌ فَإنَّ ( ثُمَّ ) قَدْ دَلَّتْ عَلى البَعْدِيَّةِ فَأكَّدَها بِزِيادَةِ ذِكْرِ البَعْدِيَّةِ وأصْلَحُوا أعْمالَهُمُ الَّتِي كانَ فِيها فَسادٌ بِالسُّوءِ الَّذِي عَمِلُوهُ، ثُمَّ كَرَّرَ ذَلِكَ تَأْكِيدًا وتَقْرِيرًا فَقالَ: ﴿إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها﴾ أيْ مِنَ بَعْدِ التَّوْبَةِ ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ كَثِيرُ الغُفْرانِ واسِعُ الرَّحْمَةِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً﴾ قالَ: يَعْنِي مَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطِيَّةَ في الآيَةِ مِثْلَهُ وزادَ فَقالَ: ألا تَرى أنَّهُ قالَ: ﴿ولَقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مِنهم فَكَذَّبُوهُ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ شِهابٍ قالَ: القَرْيَةُ الَّتِي قالَ اللَّهُ ﴿كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً﴾ هي يَثْرِبُ. قُلْتُ: ولا أدْرِي أيَّ دَلِيلٍ دَلَّهُ عَلى هَذا التَّعْيِينِ، ولا أيَّ قَرِينَةٍ قامَتْ لَهُ عَلى ذَلِكَ، ومَتى كَفَرَتْ دارُ الهِجْرَةِ ومَسْكَنُ الأنْصارِ بِأنْعُمِ اللَّهِ، وأيَّ وقْتٍ أذاقَها اللَّهُ لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ، وهي الَّتِي تَنْفِي خَبَثَها كَما يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ كَما صَحَّ ذَلِكَ عَنِ الصّادِقِ المَصْدُوقِ. وصَحَّ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ: «والمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهم لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ﴾ الآيَةَ. قالَ: في البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي نَضْرَةَ قالَ: قَرَأْتُ هَذِهِ الآيَةَ في سُورَةِ النَّحْلِ ﴿ولا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، فَلَمْ أزَلْ أخافُ الفُتْيا إلى يَوْمِي هَذا. قُلْتُ: صَدَقَ رَحِمَهُ اللَّهُ، فَإنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَتَناوَلُ بِعُمُومِ لَفْظِها فُتْيا مَن أفْتى بِخِلافِ ما في كِتابِ اللَّهِ أوْ في سُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ كَما يَقَعُ كَثِيرًا مِنَ المُؤْثِرِينَ لِلرَّأْيِ المُقَدِّمِينَ لَهُ عَلى الرِّوايَةِ، أوِ الجاهِلِينَ لِعِلْمِ الكِتابِ والسُّنَّةِ كالمُقَلِّدَةِ، وإنَّهم لَحَقِيقُونَ بِأنْ يُحالَ بَيْنَهم وبَيْنَ فَتاوِيهِمْ ويُمْنَعُوا مِن جَهالَتِهِمْ، فَإنَّهم أفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ مِنَ اللَّهِ ولا هُدًى ولا كِتابٍ مُنِيرٍ فَضَلُّوا وأضَلُّوا، فَهم ومَن يَسْتَفْتِيهِمْ كَما قالَ القائِلُ: ؎كَبَهِيمَةٍ عَمْياءَ قادَ زِمامَها ∗∗∗ أعْمى عَلى عِوَجِ الطَّرِيقِ الجائِرِ وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: عَسى رَجُلٌ أنْ يَقُولَ: إنَّ اللَّهَ أمَرَ بِكَذا أوْ نَهى عَنْ كَذا، فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لَهُ: كَذَبْتَ، أوْ يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ كَذا أوْ أحَلَّ كَذا، فَيَقُولُ اللَّهُ (p-٨٠٧)لَهُ: كَذَبْتَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ﴾ قالَ: في سُورَةِ الأنْعامِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ مِثْلَهُ، وقالَ حَيْثُ يَقُولُ: ﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٦] .

النحل 16:118

. قَوْلُهُ: ﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً﴾ قَدْ قَدَّمْنا أنَّ ( ضَرَبَ ) مُضَمَّنٌ مَعْنى ( جَعَلَ ) حَتّى تَكُونَ قَرْيَةً المَفْعُولَ الأوَّلَ ومَثَلًا المَفْعُولَ الثّانِي، وإنَّما تَأخَّرَتْ قَرْيَةً لِئَلّا يَقَعُ الفَصْلُ بَيْنَها وبَيْنَ صِفاتِها، وقَدَّمْنا أيْضًا أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( ضَرَبَ ) عَلى بابِهِ غَيْرَ مُضَمَّنٍ ويَكُونُ مَثَلًا مَفْعُولَهُ الأوَّلَ وقَرْيَةً بَدَلًا مِنهُ. وقَدِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ هَلِ المُرادُ بِهَذِهِ القَرْيَةِ قَرْيَةٌ مُعَيَّنَةٌ، أوِ المُرادُ قَرْيَةٌ غَيْرُ مُعَيَّنَةٍ، بَلْ كُلُّ قَوْمٍ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَأبْطَرَتْهُمُ النِّعْمَةُ ؟ فَذَهَبَ الأكْثَرُ إلى الأوَّلِ وصَرَّحُوا بِأنَّها مَكَّةُ، وذَلِكَ لَمّا دَعا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وقالَ: «اللَّهُمَّ اشْدُدْ وطْأتَكَ عَلى مُضَرَ واجْعَلْها عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِيِّ يُوسُفَ»، فابْتُلُوا بِالقَحْطِ حَتّى أكَلُوا العِظامَ. والثّانِي أرْجَحُ لِأنَّ تَنْكِيرَ قَرْيَةٍ يُفِيدُ ذَلِكَ، ومَكَّةُ تَدْخُلُ في هَذا العُمُومِ البَدَلِيِّ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وأيْضًا يَكُونُ الوَعِيدُ أبْلَغَ، والمَثَلُ أكْمَلَ، وغَيْرُ مَكَّةَ مِثْلُها، وعَلى فَرْضِ إرادَتِها فَفي المَثَلِ إنْذارٌ لِغَيْرِها مِن مِثْلِ عاقِبَتِها، ثُمَّ وصَفَ القَرْيَةَ بِأنَّها ﴿كانَتْ آمِنَةً﴾ غَيْرَ خائِفَةٍ مُطْمَئِنَّةً غَيْرَ مُنْزَعِجَةٍ، أيْ لا يَخافُ أهْلُها ولا يَنْزَعِجُونَ ﴿يَأْتِيها رِزْقُها﴾ أيْ ما يَرْتَزِقُ بِهِ أهْلُها رَغَدًا واسِعًا مِن كُلِّ مَكانٍ مِنَ الأمْكِنَةِ الَّتِي يُجْلَبُ ما فِيها إلَيْها فَكَفَرَتْ أيْ كَفَرَ أهْلُها﴿بِأنْعُمِ اللَّهِ﴾ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيْهِمْ، والأنْعُمُ جَمْعُ نِعْمَةٍ كالأشُدِّ جَمْعُ شِدَّةٍ، وقِيلَ جَمْعُ نُعْمى مِثْلُ بُؤْسى وأبْؤُسٌ، وهَذا الكُفْرُ مِنهم هو كُفْرُهم بِاللَّهِ سُبْحانَهُ وتَكْذِيبُ رُسُلِهِ ﴿فَأذاقَها اللَّهُ﴾ أيْ أذاقَ أهْلَها ﴿لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ﴾ سُمِّيَ ذَلِكَ لِباسًا لِأنَّهُ يَظْهَرُ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنَ الهُزالِ وشُحُوبَةِ اللَّوْنِ وسُوءِ الحالِ ما هو كاللِّباسِ، فاسْتُعِيرَ لَهُ اسْمُهُ وأُوقِعَ عَلَيْهِ الإذاقَةُ، وأصْلُها الذَّوْقُ بِالفَمِ، ثُمَّ اسْتُعِيرَتْ لِمُطْلَقِ الِاتِّصالِ مَعَ إنْبائِها بِشِدَّةِ الإصابَةِ لِما فِيها مِنِ اجْتِماعِ الإدْراكَيْنِ: إدْراكُ اللَّمْسِ، والذَّوْقِ. رُوِيَ أنَّ ابْنَ الرّاوَنْدِيِّ الزِّنْدِيقَ قالَ لِابْنِ الأعْرابِيِّ إمامِ اللُّغَةِ والأدَبِ: هَلْ يُذاقُ اللِّباسُ ؟ فَقالَ لَهُ ابْنُ الأعْرابِيِّ: لا بَأْسَ أيُّها النَّسْناسُ، هَبْ أنَّ مُحَمَّدًا ما كانَ نَبِيًّا أما كانَ عَرَبِيًّا ؟ كَأنَّهُ طَعَنَ في الآيَةِ بِأنَّ المُناسِبَ أنْ يُقالَ: فَكَساها اللَّهُ لِباسَ الجُوعِ أوْ فَأذاقَها اللَّهُ طَعْمَ الجُوعِ. فَرَدَّ عَلَيْهِ ابْنُ الأعْرابِيِّ. وقَدْ أجابَ عُلَماءُ البَيانِ أنَّ هَذا مِن تَجْرِيدِ الِاسْتِعارَةِ، وذَلِكَ أنَّهُ اسْتَعارَ اللِّباسَ لِما غَشِيَ الإنْسانَ مِن بَعْضِ الحَوادِثِ كالجُوعِ والخَوْفِ لِاشْتِمالِهِ عَلَيْهِ اشْتِمالَ اللِّباسِ عَلى اللّابِسِ، ثُمَّ ذُكِرَ الوَصْفُ مُلائِمًا لِلْمُسْتَعارِ لَهُ وهو الجُوعُ والخَوْفُ، لِأنَّ إطْلاقَ الذَّوْقِ عَلى إدْراكِ الجُوعِ والخَوْفِ جَرى عِنْدَهم مَجْرى الحَقِيقَةِ، فَيَقُولُونَ ذاقَ فُلانٌ البُؤْسَ والضُّرَّ وأذاقَهُ غَيْرُهُ، فَكانَتِ الِاسْتِعارَةُ مُجَرَّدَةً، ولَوْ قالَ فَكَساها كانَتْ مُرَشَّحَةً. قِيلَ: وتَرْشِيحُ الِاسْتِعارَةِ وإنْ كانَ مُسْتَحْسَنًا مِن جِهَةِ المُبالَغَةِ إلّا أنَّ لِلتَّجْرِيدِ تَرْجِيحًا مِن حَيْثُ إنَّهُ رُوعِيَ جانِبُ المُسْتَعارِ لَهُ فازْدادَ الكَلامُ وُضُوحًا. وقِيلَ إنَّ أصْلَ الذَّوْقِ بِالفَمِ ثُمَّ قَدْ يُسْتَعارُ فَيُوضَعُ مَوْضِعَ التَّعَرُّفِ والِاخْتِبارِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ومَن يَذُقِ الدُّنْيا فَإنِّي طَعِمْتُها وسِيقَ إلَيْنا عَذْبُها وعَذابُها وقَرَأ حَفْصُ بْنُ غِياثٍ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وأبُو عَمْرٍو فِيما رَوى عَنْهُ عَبْدُ الوارِثِ بِنَصْبِ الخَوْفِ عَطْفًا عَلى لِباسٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالضَّمِّ عَطْفًا عَلى الجُوعِ. قالَ الفَرّاءُ: كُلُّ الصِّفاتِ أُجْرِيَتْ عَلى القَرْيَةِ إلّا قَوْلَهُ: يَصْنَعُونَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ المُرادَ في الحَقِيقَةِ أهْلُها. ﴿ولَقَدْ جاءَهُمْ﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ ﴿رَسُولٌ مِنهُمْ﴾ مِن جِنْسِهِمْ يَعْرِفُونَهُ ويَعْرِفُونَ نَسَبَهُ، فَأمَرَهم بِما فِيهِ نَفْعُهم ونَهاهم عَمّا فِيهِ ضُرُّهم فَكَذَّبُوهُ فِيما جاءَ بِهِ ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ﴾ النّازِلُ بِهِمْ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ، والحالُ أنَّهم في حالِ أخْذِ العَذابِ لَهم ظالِمُونَ لِأنْفُسِهِمْ بِإيقاعِها في العَذابِ الأبَدِيِّ ولِغَيْرِهِمْ بِالإضْرارِ بِهِمْ وصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وهَذا (p-٨٠٦)الكَلامُ مِن تَمامِ المَثَلِ المَضْرُوبِ. وقِيلَ إنَّ المُرادَ بِالعَذابِ هُنا هو الجُوعُ الَّذِي أصابَهم، وقِيلَ القَتْلُ يَوْمَ بَدْرٍ. ثُمَّ لَمّا وعَظَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِما ذَكَرَهُ مِن حالِ أهْلِ القَرْيَةِ المَذْكُورَةِ أمَرَهم أنْ يَأْكُلُوا مِمّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ مِنَ الغَنائِمِ ونَحْوِها، وجاءَ بِالفاءِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ ذَلِكَ مُتَسَبِّبٌ عَنْ تَرْكِ الكُفْرِ. والمَعْنى: أنَّكم لَمّا آمَنتُمْ وتَرَكْتُمُ الكُفْرَ فَكُلُوا الحَلالَ الطَّيِّبَ وهو الغَنِيمَةُ واتْرُكُوا الخَبائِثَ وهو المَيْتَةُ والدَّمُ ﴿واشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيْكم واعْرِفُوا حَقَّها ﴿إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ ولا تَعْبُدُونَ غَيْرَهُ، أوْ إنْ صَحَّ زَعْمُكم أنَّكم تَقْصِدُونَ بِعِبادَةِ الآلِهَةِ الَّتِي زَعَمْتُمْ عِبادَةَ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ إنَّ الفاءَ في ( فَكُلُوا ) داخِلَةٌ عَلى الأمْرِ بِالشُّكْرِ، وإنَّما أُدْخِلَتْ عَلى الأمْرِ بِالأكْلِ لِأنَّ الأكْلَ ذَرِيعَةٌ إلى الشُّكْرِ. ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ ولَحْمَ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ كَرَّرَ سُبْحانَهُ ذِكْرَ هَذِهِ المُحَرَّماتِ في البَقَرَةِ والمائِدَةِ والأنْعامِ وفي هَذِهِ السُّورَةِ قَطْعًا لِلْأعْذارِ وإزالَةً لِلشُّبْهَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ الرُّخْصَةَ في تَناوُلِ شَيْءٍ مِمّا ذَكَرَ فَقالَ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى جَمِيعِ ما هو مَذْكُورٌ هُنا مُسْتَوْفًى. ثُمَّ زَيَّفَ طَرِيقَةَ الكُفّارِ في الزِّيادَةِ عَلى هَذِهِ المُحَرَّماتِ كالبَحِيرَةِ والسّائِبَةِ وفي النُّقْصانِ عَنْها كَتَحْلِيلِ المَيْتَةِ والدَّمِ فَقالَ: ﴿ولا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ﴾ قالَ الكِسائِيُّ، والزَّجّاجُ: ما هُنا مَصْدَرِيَّةٌ وانْتِصابُ الكَذِبَ بِـ لا تَقُولُوا، أيْ: لا تَقُولُوا الكَذِبَ لِأجْلِ وصْفِ ألْسِنَتِكم، ومَعْناهُ: لا تُحَرِّمُوا ولا تُحَلِّلُوا لِأجْلِ قَوْلٍ تَنْطِقُ بِهِ ألْسِنَتُكم مِن غَيْرِ حُجَّةٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ( ما ) مَوْصُولَةً والكَذِبَ مُنْتَصِبٌ بِـ تَصِفُ، أيْ: لا تَقُولُوا لِلَّذِي تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ فِيهِ ﴿هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ﴾ فَحَذَفَ لَفْظَةَ فِيهِ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا، فَيَكُونُ قَوْلُهُ ﴿هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ﴾ بَدَلًا مِنَ الكَذِبَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في الكَلامِ حَذْفٌ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ، أيْ: ولا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكم فَتَقُولُ هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ، أوْ قائِلَةٌ هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ، ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ الكَذِبَ أيْضًا بِـ تَصِفُ وتَكُونُ ( ما ) مَصْدَرِيَّةً، أيْ: لا تَقُولُوا هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ لِوَصْفِ ألْسِنَتِكُمُ الكَذِبَ. وقُرِئَ: ( الكُذُبُ )، بِضَمِّ الكافِ والذّالِ والباءِ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِلْألْسِنَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ بِفَتْحِ الكافِ وكَسْرِ الذّالِ والباءِ نَعْتًا لِ ( ما ) . وقِيلَ عَلى البَدَلِ مِن ( ما )، أيْ: ولا تَقُولُوا الكَذِبَ الَّذِي تَصِفُهُ ألْسِنَتُكم هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ، واللّامُ في ﴿لِتَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ هي لامُ العاقِبَةِ لا لامُ العَرْضِ، أيْ: فَيَتَعَقَّبُ ذَلِكَ افْتِراؤُكم عَلى اللَّهِ الكَذِبَ بِالتَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ، وإسْنادُ ذَلِكَ إلَيْهِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ مِنهُ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ أيَّ افْتِراءٍ كانَ لا يُفْلِحُونَ بِنَوْعٍ مِن أنْواعِ الفَلاحِ وهو الفَوْزُ بِالمَطْلُوبِ. وارْتِفاعُ مَتاعٌ قَلِيلٌ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. قالَ الزَّجّاجُ، أيْ: مَتاعُهم مَتاعٌ قَلِيلٌ، أوْ هو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: لَهم مَتاعٌ قَلِيلٌ ﴿ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ يُرَدُّونَ إلَيْهِ في الآخِرَةِ. ثُمَّ خَصَّ مُحَرَّماتِ اليَهُودِ بِالذِّكْرِ فَقالَ: ﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا﴾ أيْ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ خاصَّةً دُونَ غَيْرِهِمْ ﴿ما قَصَصْنا عَلَيْكَ﴾ بِقَوْلِنا: ﴿حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ومِنَ البَقَرِ والغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما﴾ [الأنعام: ١٤٦]، الآيَةَ، ومِن قَبْلُ مُتَعَلِّقٌ بِـ قَصَصْنا أوْ بِـ حَرَّمْنا ﴿وما ظَلَمْناهُمْ﴾ بِذَلِكَ التَّحْرِيمِ بَلْ جَزَيْناهم بِبَغْيِهِمْ ﴿ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ حَيْثُ فَعَلُوا أسْبابَ ذَلِكَ فَحَرَّمْنا عَلَيْهِمْ تِلْكَ الأشْياءَ عُقُوبَةً لَهم. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ الِافْتِراءَ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ ومُخالَفَةَ أمْرِهِ لا يَمْنَعُهم مِنَ التَّوْبَةِ وحُصُولِ المَغْفِرَةِ فَقالَ: ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ﴾ أيْ مُتَلَبِّسِينَ بِجَهالَةٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ النِّساءِ ﴿ثُمَّ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أيْ مِن بَعْدِ عَمَلِهِمْ لِلسُّوءِ، وفِيهِ تَأْكِيدٌ فَإنَّ ( ثُمَّ ) قَدْ دَلَّتْ عَلى البَعْدِيَّةِ فَأكَّدَها بِزِيادَةِ ذِكْرِ البَعْدِيَّةِ وأصْلَحُوا أعْمالَهُمُ الَّتِي كانَ فِيها فَسادٌ بِالسُّوءِ الَّذِي عَمِلُوهُ، ثُمَّ كَرَّرَ ذَلِكَ تَأْكِيدًا وتَقْرِيرًا فَقالَ: ﴿إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها﴾ أيْ مِنَ بَعْدِ التَّوْبَةِ ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ كَثِيرُ الغُفْرانِ واسِعُ الرَّحْمَةِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً﴾ قالَ: يَعْنِي مَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطِيَّةَ في الآيَةِ مِثْلَهُ وزادَ فَقالَ: ألا تَرى أنَّهُ قالَ: ﴿ولَقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مِنهم فَكَذَّبُوهُ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ شِهابٍ قالَ: القَرْيَةُ الَّتِي قالَ اللَّهُ ﴿كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً﴾ هي يَثْرِبُ. قُلْتُ: ولا أدْرِي أيَّ دَلِيلٍ دَلَّهُ عَلى هَذا التَّعْيِينِ، ولا أيَّ قَرِينَةٍ قامَتْ لَهُ عَلى ذَلِكَ، ومَتى كَفَرَتْ دارُ الهِجْرَةِ ومَسْكَنُ الأنْصارِ بِأنْعُمِ اللَّهِ، وأيَّ وقْتٍ أذاقَها اللَّهُ لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ، وهي الَّتِي تَنْفِي خَبَثَها كَما يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ كَما صَحَّ ذَلِكَ عَنِ الصّادِقِ المَصْدُوقِ. وصَحَّ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ: «والمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهم لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ﴾ الآيَةَ. قالَ: في البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي نَضْرَةَ قالَ: قَرَأْتُ هَذِهِ الآيَةَ في سُورَةِ النَّحْلِ ﴿ولا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، فَلَمْ أزَلْ أخافُ الفُتْيا إلى يَوْمِي هَذا. قُلْتُ: صَدَقَ رَحِمَهُ اللَّهُ، فَإنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَتَناوَلُ بِعُمُومِ لَفْظِها فُتْيا مَن أفْتى بِخِلافِ ما في كِتابِ اللَّهِ أوْ في سُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ كَما يَقَعُ كَثِيرًا مِنَ المُؤْثِرِينَ لِلرَّأْيِ المُقَدِّمِينَ لَهُ عَلى الرِّوايَةِ، أوِ الجاهِلِينَ لِعِلْمِ الكِتابِ والسُّنَّةِ كالمُقَلِّدَةِ، وإنَّهم لَحَقِيقُونَ بِأنْ يُحالَ بَيْنَهم وبَيْنَ فَتاوِيهِمْ ويُمْنَعُوا مِن جَهالَتِهِمْ، فَإنَّهم أفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ مِنَ اللَّهِ ولا هُدًى ولا كِتابٍ مُنِيرٍ فَضَلُّوا وأضَلُّوا، فَهم ومَن يَسْتَفْتِيهِمْ كَما قالَ القائِلُ: ؎كَبَهِيمَةٍ عَمْياءَ قادَ زِمامَها ∗∗∗ أعْمى عَلى عِوَجِ الطَّرِيقِ الجائِرِ وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: عَسى رَجُلٌ أنْ يَقُولَ: إنَّ اللَّهَ أمَرَ بِكَذا أوْ نَهى عَنْ كَذا، فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لَهُ: كَذَبْتَ، أوْ يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ كَذا أوْ أحَلَّ كَذا، فَيَقُولُ اللَّهُ (p-٨٠٧)لَهُ: كَذَبْتَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ﴾ قالَ: في سُورَةِ الأنْعامِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ مِثْلَهُ، وقالَ حَيْثُ يَقُولُ: ﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٦] .

النحل 16:119

. قَوْلُهُ: ﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً﴾ قَدْ قَدَّمْنا أنَّ ( ضَرَبَ ) مُضَمَّنٌ مَعْنى ( جَعَلَ ) حَتّى تَكُونَ قَرْيَةً المَفْعُولَ الأوَّلَ ومَثَلًا المَفْعُولَ الثّانِي، وإنَّما تَأخَّرَتْ قَرْيَةً لِئَلّا يَقَعُ الفَصْلُ بَيْنَها وبَيْنَ صِفاتِها، وقَدَّمْنا أيْضًا أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( ضَرَبَ ) عَلى بابِهِ غَيْرَ مُضَمَّنٍ ويَكُونُ مَثَلًا مَفْعُولَهُ الأوَّلَ وقَرْيَةً بَدَلًا مِنهُ. وقَدِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ هَلِ المُرادُ بِهَذِهِ القَرْيَةِ قَرْيَةٌ مُعَيَّنَةٌ، أوِ المُرادُ قَرْيَةٌ غَيْرُ مُعَيَّنَةٍ، بَلْ كُلُّ قَوْمٍ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَأبْطَرَتْهُمُ النِّعْمَةُ ؟ فَذَهَبَ الأكْثَرُ إلى الأوَّلِ وصَرَّحُوا بِأنَّها مَكَّةُ، وذَلِكَ لَمّا دَعا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وقالَ: «اللَّهُمَّ اشْدُدْ وطْأتَكَ عَلى مُضَرَ واجْعَلْها عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِيِّ يُوسُفَ»، فابْتُلُوا بِالقَحْطِ حَتّى أكَلُوا العِظامَ. والثّانِي أرْجَحُ لِأنَّ تَنْكِيرَ قَرْيَةٍ يُفِيدُ ذَلِكَ، ومَكَّةُ تَدْخُلُ في هَذا العُمُومِ البَدَلِيِّ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وأيْضًا يَكُونُ الوَعِيدُ أبْلَغَ، والمَثَلُ أكْمَلَ، وغَيْرُ مَكَّةَ مِثْلُها، وعَلى فَرْضِ إرادَتِها فَفي المَثَلِ إنْذارٌ لِغَيْرِها مِن مِثْلِ عاقِبَتِها، ثُمَّ وصَفَ القَرْيَةَ بِأنَّها ﴿كانَتْ آمِنَةً﴾ غَيْرَ خائِفَةٍ مُطْمَئِنَّةً غَيْرَ مُنْزَعِجَةٍ، أيْ لا يَخافُ أهْلُها ولا يَنْزَعِجُونَ ﴿يَأْتِيها رِزْقُها﴾ أيْ ما يَرْتَزِقُ بِهِ أهْلُها رَغَدًا واسِعًا مِن كُلِّ مَكانٍ مِنَ الأمْكِنَةِ الَّتِي يُجْلَبُ ما فِيها إلَيْها فَكَفَرَتْ أيْ كَفَرَ أهْلُها﴿بِأنْعُمِ اللَّهِ﴾ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيْهِمْ، والأنْعُمُ جَمْعُ نِعْمَةٍ كالأشُدِّ جَمْعُ شِدَّةٍ، وقِيلَ جَمْعُ نُعْمى مِثْلُ بُؤْسى وأبْؤُسٌ، وهَذا الكُفْرُ مِنهم هو كُفْرُهم بِاللَّهِ سُبْحانَهُ وتَكْذِيبُ رُسُلِهِ ﴿فَأذاقَها اللَّهُ﴾ أيْ أذاقَ أهْلَها ﴿لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ﴾ سُمِّيَ ذَلِكَ لِباسًا لِأنَّهُ يَظْهَرُ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنَ الهُزالِ وشُحُوبَةِ اللَّوْنِ وسُوءِ الحالِ ما هو كاللِّباسِ، فاسْتُعِيرَ لَهُ اسْمُهُ وأُوقِعَ عَلَيْهِ الإذاقَةُ، وأصْلُها الذَّوْقُ بِالفَمِ، ثُمَّ اسْتُعِيرَتْ لِمُطْلَقِ الِاتِّصالِ مَعَ إنْبائِها بِشِدَّةِ الإصابَةِ لِما فِيها مِنِ اجْتِماعِ الإدْراكَيْنِ: إدْراكُ اللَّمْسِ، والذَّوْقِ. رُوِيَ أنَّ ابْنَ الرّاوَنْدِيِّ الزِّنْدِيقَ قالَ لِابْنِ الأعْرابِيِّ إمامِ اللُّغَةِ والأدَبِ: هَلْ يُذاقُ اللِّباسُ ؟ فَقالَ لَهُ ابْنُ الأعْرابِيِّ: لا بَأْسَ أيُّها النَّسْناسُ، هَبْ أنَّ مُحَمَّدًا ما كانَ نَبِيًّا أما كانَ عَرَبِيًّا ؟ كَأنَّهُ طَعَنَ في الآيَةِ بِأنَّ المُناسِبَ أنْ يُقالَ: فَكَساها اللَّهُ لِباسَ الجُوعِ أوْ فَأذاقَها اللَّهُ طَعْمَ الجُوعِ. فَرَدَّ عَلَيْهِ ابْنُ الأعْرابِيِّ. وقَدْ أجابَ عُلَماءُ البَيانِ أنَّ هَذا مِن تَجْرِيدِ الِاسْتِعارَةِ، وذَلِكَ أنَّهُ اسْتَعارَ اللِّباسَ لِما غَشِيَ الإنْسانَ مِن بَعْضِ الحَوادِثِ كالجُوعِ والخَوْفِ لِاشْتِمالِهِ عَلَيْهِ اشْتِمالَ اللِّباسِ عَلى اللّابِسِ، ثُمَّ ذُكِرَ الوَصْفُ مُلائِمًا لِلْمُسْتَعارِ لَهُ وهو الجُوعُ والخَوْفُ، لِأنَّ إطْلاقَ الذَّوْقِ عَلى إدْراكِ الجُوعِ والخَوْفِ جَرى عِنْدَهم مَجْرى الحَقِيقَةِ، فَيَقُولُونَ ذاقَ فُلانٌ البُؤْسَ والضُّرَّ وأذاقَهُ غَيْرُهُ، فَكانَتِ الِاسْتِعارَةُ مُجَرَّدَةً، ولَوْ قالَ فَكَساها كانَتْ مُرَشَّحَةً. قِيلَ: وتَرْشِيحُ الِاسْتِعارَةِ وإنْ كانَ مُسْتَحْسَنًا مِن جِهَةِ المُبالَغَةِ إلّا أنَّ لِلتَّجْرِيدِ تَرْجِيحًا مِن حَيْثُ إنَّهُ رُوعِيَ جانِبُ المُسْتَعارِ لَهُ فازْدادَ الكَلامُ وُضُوحًا. وقِيلَ إنَّ أصْلَ الذَّوْقِ بِالفَمِ ثُمَّ قَدْ يُسْتَعارُ فَيُوضَعُ مَوْضِعَ التَّعَرُّفِ والِاخْتِبارِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ومَن يَذُقِ الدُّنْيا فَإنِّي طَعِمْتُها وسِيقَ إلَيْنا عَذْبُها وعَذابُها وقَرَأ حَفْصُ بْنُ غِياثٍ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وأبُو عَمْرٍو فِيما رَوى عَنْهُ عَبْدُ الوارِثِ بِنَصْبِ الخَوْفِ عَطْفًا عَلى لِباسٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالضَّمِّ عَطْفًا عَلى الجُوعِ. قالَ الفَرّاءُ: كُلُّ الصِّفاتِ أُجْرِيَتْ عَلى القَرْيَةِ إلّا قَوْلَهُ: يَصْنَعُونَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ المُرادَ في الحَقِيقَةِ أهْلُها. ﴿ولَقَدْ جاءَهُمْ﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ ﴿رَسُولٌ مِنهُمْ﴾ مِن جِنْسِهِمْ يَعْرِفُونَهُ ويَعْرِفُونَ نَسَبَهُ، فَأمَرَهم بِما فِيهِ نَفْعُهم ونَهاهم عَمّا فِيهِ ضُرُّهم فَكَذَّبُوهُ فِيما جاءَ بِهِ ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ﴾ النّازِلُ بِهِمْ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ، والحالُ أنَّهم في حالِ أخْذِ العَذابِ لَهم ظالِمُونَ لِأنْفُسِهِمْ بِإيقاعِها في العَذابِ الأبَدِيِّ ولِغَيْرِهِمْ بِالإضْرارِ بِهِمْ وصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وهَذا (p-٨٠٦)الكَلامُ مِن تَمامِ المَثَلِ المَضْرُوبِ. وقِيلَ إنَّ المُرادَ بِالعَذابِ هُنا هو الجُوعُ الَّذِي أصابَهم، وقِيلَ القَتْلُ يَوْمَ بَدْرٍ. ثُمَّ لَمّا وعَظَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِما ذَكَرَهُ مِن حالِ أهْلِ القَرْيَةِ المَذْكُورَةِ أمَرَهم أنْ يَأْكُلُوا مِمّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ مِنَ الغَنائِمِ ونَحْوِها، وجاءَ بِالفاءِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ ذَلِكَ مُتَسَبِّبٌ عَنْ تَرْكِ الكُفْرِ. والمَعْنى: أنَّكم لَمّا آمَنتُمْ وتَرَكْتُمُ الكُفْرَ فَكُلُوا الحَلالَ الطَّيِّبَ وهو الغَنِيمَةُ واتْرُكُوا الخَبائِثَ وهو المَيْتَةُ والدَّمُ ﴿واشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيْكم واعْرِفُوا حَقَّها ﴿إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ ولا تَعْبُدُونَ غَيْرَهُ، أوْ إنْ صَحَّ زَعْمُكم أنَّكم تَقْصِدُونَ بِعِبادَةِ الآلِهَةِ الَّتِي زَعَمْتُمْ عِبادَةَ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ إنَّ الفاءَ في ( فَكُلُوا ) داخِلَةٌ عَلى الأمْرِ بِالشُّكْرِ، وإنَّما أُدْخِلَتْ عَلى الأمْرِ بِالأكْلِ لِأنَّ الأكْلَ ذَرِيعَةٌ إلى الشُّكْرِ. ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ ولَحْمَ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ كَرَّرَ سُبْحانَهُ ذِكْرَ هَذِهِ المُحَرَّماتِ في البَقَرَةِ والمائِدَةِ والأنْعامِ وفي هَذِهِ السُّورَةِ قَطْعًا لِلْأعْذارِ وإزالَةً لِلشُّبْهَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ الرُّخْصَةَ في تَناوُلِ شَيْءٍ مِمّا ذَكَرَ فَقالَ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى جَمِيعِ ما هو مَذْكُورٌ هُنا مُسْتَوْفًى. ثُمَّ زَيَّفَ طَرِيقَةَ الكُفّارِ في الزِّيادَةِ عَلى هَذِهِ المُحَرَّماتِ كالبَحِيرَةِ والسّائِبَةِ وفي النُّقْصانِ عَنْها كَتَحْلِيلِ المَيْتَةِ والدَّمِ فَقالَ: ﴿ولا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ﴾ قالَ الكِسائِيُّ، والزَّجّاجُ: ما هُنا مَصْدَرِيَّةٌ وانْتِصابُ الكَذِبَ بِـ لا تَقُولُوا، أيْ: لا تَقُولُوا الكَذِبَ لِأجْلِ وصْفِ ألْسِنَتِكم، ومَعْناهُ: لا تُحَرِّمُوا ولا تُحَلِّلُوا لِأجْلِ قَوْلٍ تَنْطِقُ بِهِ ألْسِنَتُكم مِن غَيْرِ حُجَّةٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ( ما ) مَوْصُولَةً والكَذِبَ مُنْتَصِبٌ بِـ تَصِفُ، أيْ: لا تَقُولُوا لِلَّذِي تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ فِيهِ ﴿هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ﴾ فَحَذَفَ لَفْظَةَ فِيهِ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا، فَيَكُونُ قَوْلُهُ ﴿هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ﴾ بَدَلًا مِنَ الكَذِبَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في الكَلامِ حَذْفٌ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ، أيْ: ولا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكم فَتَقُولُ هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ، أوْ قائِلَةٌ هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ، ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ الكَذِبَ أيْضًا بِـ تَصِفُ وتَكُونُ ( ما ) مَصْدَرِيَّةً، أيْ: لا تَقُولُوا هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ لِوَصْفِ ألْسِنَتِكُمُ الكَذِبَ. وقُرِئَ: ( الكُذُبُ )، بِضَمِّ الكافِ والذّالِ والباءِ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِلْألْسِنَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ بِفَتْحِ الكافِ وكَسْرِ الذّالِ والباءِ نَعْتًا لِ ( ما ) . وقِيلَ عَلى البَدَلِ مِن ( ما )، أيْ: ولا تَقُولُوا الكَذِبَ الَّذِي تَصِفُهُ ألْسِنَتُكم هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ، واللّامُ في ﴿لِتَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ هي لامُ العاقِبَةِ لا لامُ العَرْضِ، أيْ: فَيَتَعَقَّبُ ذَلِكَ افْتِراؤُكم عَلى اللَّهِ الكَذِبَ بِالتَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ، وإسْنادُ ذَلِكَ إلَيْهِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ مِنهُ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ أيَّ افْتِراءٍ كانَ لا يُفْلِحُونَ بِنَوْعٍ مِن أنْواعِ الفَلاحِ وهو الفَوْزُ بِالمَطْلُوبِ. وارْتِفاعُ مَتاعٌ قَلِيلٌ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. قالَ الزَّجّاجُ، أيْ: مَتاعُهم مَتاعٌ قَلِيلٌ، أوْ هو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: لَهم مَتاعٌ قَلِيلٌ ﴿ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ يُرَدُّونَ إلَيْهِ في الآخِرَةِ. ثُمَّ خَصَّ مُحَرَّماتِ اليَهُودِ بِالذِّكْرِ فَقالَ: ﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا﴾ أيْ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ خاصَّةً دُونَ غَيْرِهِمْ ﴿ما قَصَصْنا عَلَيْكَ﴾ بِقَوْلِنا: ﴿حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ومِنَ البَقَرِ والغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما﴾ [الأنعام: ١٤٦]، الآيَةَ، ومِن قَبْلُ مُتَعَلِّقٌ بِـ قَصَصْنا أوْ بِـ حَرَّمْنا ﴿وما ظَلَمْناهُمْ﴾ بِذَلِكَ التَّحْرِيمِ بَلْ جَزَيْناهم بِبَغْيِهِمْ ﴿ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ حَيْثُ فَعَلُوا أسْبابَ ذَلِكَ فَحَرَّمْنا عَلَيْهِمْ تِلْكَ الأشْياءَ عُقُوبَةً لَهم. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ الِافْتِراءَ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ ومُخالَفَةَ أمْرِهِ لا يَمْنَعُهم مِنَ التَّوْبَةِ وحُصُولِ المَغْفِرَةِ فَقالَ: ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ﴾ أيْ مُتَلَبِّسِينَ بِجَهالَةٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ النِّساءِ ﴿ثُمَّ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أيْ مِن بَعْدِ عَمَلِهِمْ لِلسُّوءِ، وفِيهِ تَأْكِيدٌ فَإنَّ ( ثُمَّ ) قَدْ دَلَّتْ عَلى البَعْدِيَّةِ فَأكَّدَها بِزِيادَةِ ذِكْرِ البَعْدِيَّةِ وأصْلَحُوا أعْمالَهُمُ الَّتِي كانَ فِيها فَسادٌ بِالسُّوءِ الَّذِي عَمِلُوهُ، ثُمَّ كَرَّرَ ذَلِكَ تَأْكِيدًا وتَقْرِيرًا فَقالَ: ﴿إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها﴾ أيْ مِنَ بَعْدِ التَّوْبَةِ ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ كَثِيرُ الغُفْرانِ واسِعُ الرَّحْمَةِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً﴾ قالَ: يَعْنِي مَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطِيَّةَ في الآيَةِ مِثْلَهُ وزادَ فَقالَ: ألا تَرى أنَّهُ قالَ: ﴿ولَقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مِنهم فَكَذَّبُوهُ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ شِهابٍ قالَ: القَرْيَةُ الَّتِي قالَ اللَّهُ ﴿كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً﴾ هي يَثْرِبُ. قُلْتُ: ولا أدْرِي أيَّ دَلِيلٍ دَلَّهُ عَلى هَذا التَّعْيِينِ، ولا أيَّ قَرِينَةٍ قامَتْ لَهُ عَلى ذَلِكَ، ومَتى كَفَرَتْ دارُ الهِجْرَةِ ومَسْكَنُ الأنْصارِ بِأنْعُمِ اللَّهِ، وأيَّ وقْتٍ أذاقَها اللَّهُ لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ، وهي الَّتِي تَنْفِي خَبَثَها كَما يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ كَما صَحَّ ذَلِكَ عَنِ الصّادِقِ المَصْدُوقِ. وصَحَّ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ: «والمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهم لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ﴾ الآيَةَ. قالَ: في البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي نَضْرَةَ قالَ: قَرَأْتُ هَذِهِ الآيَةَ في سُورَةِ النَّحْلِ ﴿ولا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، فَلَمْ أزَلْ أخافُ الفُتْيا إلى يَوْمِي هَذا. قُلْتُ: صَدَقَ رَحِمَهُ اللَّهُ، فَإنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَتَناوَلُ بِعُمُومِ لَفْظِها فُتْيا مَن أفْتى بِخِلافِ ما في كِتابِ اللَّهِ أوْ في سُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ كَما يَقَعُ كَثِيرًا مِنَ المُؤْثِرِينَ لِلرَّأْيِ المُقَدِّمِينَ لَهُ عَلى الرِّوايَةِ، أوِ الجاهِلِينَ لِعِلْمِ الكِتابِ والسُّنَّةِ كالمُقَلِّدَةِ، وإنَّهم لَحَقِيقُونَ بِأنْ يُحالَ بَيْنَهم وبَيْنَ فَتاوِيهِمْ ويُمْنَعُوا مِن جَهالَتِهِمْ، فَإنَّهم أفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ مِنَ اللَّهِ ولا هُدًى ولا كِتابٍ مُنِيرٍ فَضَلُّوا وأضَلُّوا، فَهم ومَن يَسْتَفْتِيهِمْ كَما قالَ القائِلُ: ؎كَبَهِيمَةٍ عَمْياءَ قادَ زِمامَها ∗∗∗ أعْمى عَلى عِوَجِ الطَّرِيقِ الجائِرِ وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: عَسى رَجُلٌ أنْ يَقُولَ: إنَّ اللَّهَ أمَرَ بِكَذا أوْ نَهى عَنْ كَذا، فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لَهُ: كَذَبْتَ، أوْ يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ كَذا أوْ أحَلَّ كَذا، فَيَقُولُ اللَّهُ (p-٨٠٧)لَهُ: كَذَبْتَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ﴾ قالَ: في سُورَةِ الأنْعامِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ مِثْلَهُ، وقالَ حَيْثُ يَقُولُ: ﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٦] .

النحل 16:120

. لَمّا فَرَغَ سُبْحانَهُ مِن دَفْعِ شُبَهِ المُشْرِكِينَ وإبْطالِ مَطاعِنِهِمْ، وكانَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ المُوَحِّدِينَ وهو قُدْوَةُ كَثِيرٍ مِنَ النَّبِيِّينَ ذَكَرَهُ اللَّهُ في آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ فَقالَ: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً﴾ قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: يُقالُ لِلرَّجُلِ العالِمِ أُمَّةٌ، والأُمَّةُ الرَّجُلُ الجامِعُ لِلْخَيْرِ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ أكْثَرُ أهْلِ التَّفْسِيرِ، أيْ: مُعَلِّمًا لِلْخَيْرِ، وعَلى هَذا فَمَعْنى كَوْنِ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً أنَّهُ كانَ مُعَلِّمًا لِلْخَيْرِ أوْ جامِعًا لِخِصالِ الخَيْرِ أوْ عالِمًا بِما عَلَّمَهُ اللَّهُ مِنَ الشَّرائِعِ، وقِيلَ ( أُمَّةً ) بِمَعْنى مَأْمُومٍ، أيْ: يَؤُمُّهُ النّاسُ لِيَأْخُذُوا مِنهُ الخَيْرَ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾ [البقرة: ١٢٤]، والقانِتُ المُطِيعُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعانِي القُنُوتِ في البَقَرَةِ. والحَنِيفُ المائِلُ عَنِ الأدْيانِ الباطِلَةِ إلى دِينِ الحَقِّ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ في الأنْعامِ ﴿ولَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ بِاللَّهِ كَما تَزْعُمُهُ كُفّارُ قُرَيْشٍ أنَّهُ كانَ عَلى دِينِهِمُ الباطِلِ. ﴿شاكِرًا لِأنْعُمِهِ﴾ الَّتِي أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلَيْهِ؛ وإنْ كانَتْ قَلِيلَةً كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ جَمْعُ القِلَّةِ فَهو شاكِرٌ لِما كَثُرَ مِنها بِالأوْلى اجْتَباهُ أيِ اخْتارَهُ لِلنُّبُوَّةِ واخْتَصَّهُ بِها ﴿وهَداهُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وهو مِلَّةُ الإسْلامِ ودِينُ الحَقِّ. ﴿وآتَيْناهُ في الدُّنْيا حَسَنَةً﴾ أيْ خَصْلَةً حَسَنَةً أوْ حالَةً حَسَنَةً، وقِيلَ هو الوَلَدُ الصّالِحُ، وقِيلَ الثَّناءُ الحَسَنُ، وقِيلَ النُّبُوَّةُ، وقِيلَ الصَّلاةُ مِنّا عَلَيْهِ في التَّشَهُّدِ، وقِيلَ هي أنَّهُ يَتَوَلّاهُ جَمِيعُ أهْلِ الأدْيانِ، ولا مانِعَ أنْ يَكُونَ ما آتاهُ اللَّهُ شامِلًا لِذَلِكَ كُلِّهِ ولِما عَداهُ مِن خِصالِ الخَيْرِ ﴿وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ حَسْبَما وقَعَ مِنهُ السُّؤالُ لِرَبِّهِ حَيْثُ قالَ: ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ واجْعَلْنِي مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ [الشعراء: ٨٣ - ٨٥] . ﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ يا مُحَمَّدُ مَعَ عُلُوِّ دَرَجَتِكَ وسُمُوِّ مَنزِلَتِكَ وكَوْنِكَ سَيِّدَ ولَدِ آدَمَ ﴿أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ وأصْلُ المِلَّةِ اسْمٌ لِما شَرَعَهُ اللَّهُ لِعِبادِهِ عَلى لِسانِ نَبِيٍّ مِن أنْبِيائِهِ، وقِيلَ والمُرادُ هُنا اتِّباعُ النَّبِيِّ ﷺ لِمِلَّةِ إبْراهِيمَ في التَّوْحِيدِ والدَّعْوَةِ إلَيْهِ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: في التَّبَرِّي مِنَ الأوْثانِ والتَّدَيُّنِ بِدِينِ الإسْلامِ، وقِيلَ في مَناسِكِ الحِجِّ، وقِيلَ في الأُصُولِ دُونَ الفُرُوعِ وقِيلَ في جَمِيعِ شَرِيعَتِهِ إلّا ما نُسِخَ مِنها، وهَذا هو الظّاهِرُ. وقَدْ أُمِرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالِاقْتِداءِ بِالأنْبِياءِ مَعَ كَوْنِهِ سَيِّدَهِمْ فَقالَ تَعالى: ﴿فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ الأنْعامِ، وانْتِصابُ ( حَنِيفًا ) عَلى الحالِ مِن إبْراهِيمَ، وجازَ مَجِيءُ الحالِ مِنهُ، لِأنَّ المِلَّةَ كالجُزْءِ مِنهُ، وقَدْ تَقَرَّرَ في عِلْمِ النَّحْوِ أنَّ الحالَ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ جائِزٌ إذا كانَ يَقْتَضِي المُضافُ العَمَلَ في المُضافِ إلَيْهِ أوْ كانَ جُزْءًا مِنهُ أوْ كالجُزْءِ ﴿وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ وهو تَكْرِيرٌ لِما سَبَقَ لِلنُّكْتَةِ الَّتِي ذَكَرْناها. ﴿إنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ أيْ إنَّما جُعِلَ وبالُ السَّبْتِ وهو المَسْخُ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ، أوْ إنَّما جُعِلَ فَرْضُ تَعْظِيمِ السَّبْتِ وتَرْكِ الصَّيْدِ فِيهِ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لا عَلى غَيْرِهِمْ مِنَ الأُمَمِ. وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في كَيْفِيَّةِ الِاخْتِلافِ الكائِنِ بَيْنَهم في السَّبْتِ، فَقالَتْ طائِفَةٌ: إنَّ مُوسى أمَرَهم بِيَوْمِ الجُمُعَةِ وعَيَّنَهُ لَهم وأخْبَرَهم بِفَضِيلَتِهِ عَلى غَيْرِهِ، فَخالَفُوهُ وقالُوا إنَّ السَّبْتَ أفْضَلُ، فَقالَ اللَّهُ لَهُ: دَعْهم وما اخْتارُوا لِأنْفُسِهِمْ. وقِيلَ: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أمَرَهم بِتَعْظِيمِ يَوْمٍ في الأُسْبُوعِ، فاخْتَلَفَ اجْتِهادُهم فِيهِ، فَعَيَّنَتِ اليَهُودُ السَّبْتَ لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ فَرَغَ فِيهِ مِنَ الخَلْقِ، وعَيَّنَتِ النَّصارى يَوْمَ الأحَدِ لِأنَّ اللَّهَ بَدَأ فِيهِ الخَلْقَ، فَألْزَمَ اللَّهُ كُلًّا مِنهم ما أدّى إلَيْهِ اجْتِهادُهُ، وعَيَّنَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ الجُمُعَةَ مِن غَيْرِ أنْ يَكِلَهم إلى اجْتِهادِهِمْ فَضْلًا مِنهُ ونِعْمَةً. ووَجْهُ اتِّصالِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها أنَّ اليَهُودَ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ السَّبْتَ مِن شَرائِعِ إبْراهِيمَ، فَأخْبَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنَّهُ إنَّما جَعَلَ السَّبْتَ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ ولَمْ يَجْعَلْهُ عَلى إبْراهِيمَ ولا عَلى غَيْرِهِ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهم﴾ أيْ بَيْنَ المُخْتَلِفِينَ فِيهِ ﴿يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ فَيُجازِي كُلًّا فِيهِ بِما يَسْتَحِقُّهُ ثَوابًا وعِقابًا، كَما وقَعَ مِنهُ سُبْحانَهُ مِنَ المَسْخِ لِطائِفَةٍ مِنهم والتَّنْجِيَةِ لِأُخْرى. ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ أنْ يَدْعُوَ أُمَّتَهُ إلى الإسْلامِ فَقالَ: ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ وحُذِفَ المَفْعُولُ لِلتَّعْمِيمِ لِكَوْنِهِ بُعِثَ إلى النّاسِ كافَّةً، وسَبِيلُ اللَّهِ هو الإسْلامُ بِالحِكْمَةِ أيْ بِالمَقالَةِ المُحْكَمَةِ الصَّحِيحَةِ، قِيلَ وهي الحُجَجُ القَطْعِيَّةُ المُفِيدَةُ لِلْيَقِينِ ﴿والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ﴾ وهي المَقالَةُ المُشْتَمِلَةُ عَلى المَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ الَّتِي يَسْتَحْسِنُها السّامِعُ وتَكُونُ في نَفْسِها حَسَنَةً بِاعْتِبارِ انْتِفاعِ السّامِعِ بِها. قِيلَ وهي الحُجَجُ الظَّنِّيَّةُ الإقْناعِيَّةُ المُوجِبَةُ لِلتَّصْدِيقِ بِمُقَدَّماتٍ مَقْبُولَةٍ، قِيلَ ولَيْسَ لِلدَّعْوَةِ إلّا هاتانِ الطَّرِيقَتانِ، ولَكِنَّ الدّاعِيَ قَدْ يَحْتاجُ مَعَ الخَصْمِ الألَدِّ إلى اسْتِعْمالِ المُعارَضَةِ والمُناقَضَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الجَدَلِ، ولِهَذا قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ أيْ بِالطَّرِيقِ الَّتِي هي أحْسَنُ طُرُقِ المُجادَلَةِ، وإنَّما (p-٨٠٨)أمَرَ سُبْحانَهُ بِالمُجادَلَةِ الحَسَنَةِ لِكَوْنِ الدّاعِي مُحِقّا وغَرَضُهُ صَحِيحًا، وكانَ خَصْمُهُ مُبْطِلًا وغَرَضُهُ فاسِدًا ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ لَمّا حَثَّ سُبْحانَهُ عَلى الدَّعْوَةِ بِالطُّرُقِ المَذْكُورَةِ بَيَّنَ أنَّ الرُّشْدَ والهِدايَةَ لَيْسَ إلى النَّبِيِّ ﷺ وإنَّما ذَلِكَ إلَيْهِ تَعالى فَقالَ: ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ﴾ أيْ هو العالِمُ بِمَن يَضِلُّ ومَن يَهْتَدِي ﴿وهُوَ أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ أيْ بِمَن يُبْصِرُ الحَقَّ فَيَقْصِدُهُ غَيْرَ مُتَعَنِّتٍ، وإنَّما شَرَعَ لَكَ الدَّعْوَةَ وأمَرَكَ بِها قَطْعًا لِلْمَعْذِرَةِ وتَتْمِيمًا لِلْحُجَّةِ وإزاحَةً لِلشُّبْهَةِ، ولَيْسَ عَلَيْكَ غَيْرَ ذَلِكَ. ثُمَّ لَمّا كانَتِ الدَّعْوَةُ تَتَضَمَّنُ تَكْلِيفَ المَدْعُوِّينَ بِالرُّجُوعِ إلى الحَقِّ فَإنْ أبَوْا قُوتِلُوا، أمَرَ الدّاعِي بِأنْ يَعْدِلَ في العُقُوبَةِ فَقالَ: ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ﴾ أيْ أرَدْتُمُ المُعاقَبَةَ ﴿فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ أيْ بِمِثْلِ ما فُعِلَ بِكم لا تُجاوِزُوا ذَلِكَ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيمَن أُصِيبَ بِظُلامَةٍ أنْ لا يَنالَ مِن ظالِمِهِ إذا تَمَكَّنَ إلّا مِثْلَ ظُلامَتِهِ لا يَتَعَدّاها إلى غَيْرِها، وهَذا صَوابٌ، لِأنَّ الآيَةَ وإنْ قِيلَ إنَّ لَها سَبَبًا خاصًّا كَما سَيَأْتِي، فالِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ، وعُمُومُهُ يُؤَدِّي هَذا المَعْنى الَّذِي ذَكَرَهُ، وسَمّى سُبْحانَهُ الفِعْلَ الأوَّلَ الَّذِي هو فِعْلُ البادِئِ بِالشَّرِّ عُقُوبَةً، مَعَ أنَّ العُقُوبَةَ لَيْسَتْ إلّا فِعْلَ الثّانِي وهو المُجازِي لِلْمُشاكَلَةِ، وهي بابٌ مَعْرُوفٌ وقَعَ في كَثِيرٍ مِنَ الكِتابِ العَزِيزِ. ثُمَّ حَثَّ سُبْحانَهُ عَلى العَفْوِ فَقالَ: ﴿ولَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهو خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ أيْ لَئِنْ صَبَرْتُمْ عَنِ المُعاقَبَةِ بِالمَثَلِ فالصَّبْرُ خَيْرٌ لَكم مِنَ الِانْتِصافِ، ووُضِعَ الصّابِرِينَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ، ثَناءً مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم صابِرُونَ عَلى الشَّدائِدِ. وقَدْ ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُحْكَمَةٌ لِأنَّها وارِدَةٌ في الصَّبْرِ عَنِ المُعاقَبَةِ والثَّناءِ عَلى الصّابِرِينَ عَلى العُمُومِ، وقِيلَ هي مَنسُوخَةٌ بِآياتِ القِتالِ، ولا وجْهَ لِذَلِكَ. ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ بِالصَّبْرِ فَقالَ: واصْبِرْ عَلى ما أصابَكَ مِن صُنُوفِ الأذى ﴿وما صَبْرُكَ إلّا بِاللَّهِ﴾ أيْ بِتَوْفِيقِهِ وتَثْبِيتِهِ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأشْياءِ، أيْ: وما صَبْرُكَ مَصْحُوبًا بِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا بِتَوْفِيقِهِ لَكَ، وفِيهِ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ . ثُمَّ نَهاهُ عَنِ الحُزْنِ فَقالَ ﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ عَلى الكافِرِينَ في إعْراضِهِمْ عَنْكَ، أوْ لا تَحْزَنْ عَلى قَتْلى أُحُدٍ، فَإنَّهم قَدْ أفْضَوْا إلى رَحْمَةِ اللَّهِ ﴿ولا تَكُ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الضّادِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِكَسْرِها. قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: هُما سَواءٌ، يَعْنِي المَفْتُوحَ والمَكْسُورَ. وقالَ الفَرّاءُ: الضَّيْقُ بِالفَتْحِ ما ضاقَ عَنْهُ صَدْرُكَ، والضِّيقُ بِالكَسْرِ ما يَكُونُ في الَّذِي يَتَّسِعُ مِثْلُ الدّارِ والثَّوْبِ، وكَذا قالَ الأخْفَشُ، وهو مِنَ الكَلامِ المَقْلُوبِ، لِأنَّ الضِّيقَ وصْفٌ لِلْإنْسانِ يَكُونُ فِيهِ ولا يَكُونُ الإنْسانُ فِيهِ، وكَأنَّهُ أرادَ وصْفَ الضِّيقِ بِالعِظَمِ حَتّى صارَ كالشَّيْءِ المُحِيطِ بِالإنْسانِ مِن جَمِيعِ جَوانِبِهِ، ومَعْنى مِمّا يَمْكُرُونَ: مِن مَكْرِهِمْ لَكَ فِيما يُسْتَقْبَلُ مِنَ الزَّمانِ. ثُمَّ خَتَمَ هَذِهِ السُّورَةَ بِآيَةٍ جامِعَةٍ لِجَمِيعِ المَأْمُوراتِ والمَنهِيّاتِ فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ أيِ اتَّقَوُا المَعاصِيَ عَلى اخْتِلافِ أنْواعِها ﴿والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ﴾ بِتَأْدِيَةِ الطّاعاتِ والقِيامِ بِما أُمِرُوا بِها مِنها، وقِيلَ المَعْنى: إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوُا الزِّيادَةَ في العُقُوبَةِ، والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ في أصْلِ الِانْتِقامِ فَيَكُونُ الأوَّلُ إشارَةً إلى قَوْلِهِ: ﴿فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ والثّانِي إشارَةً إلى قَوْلِهِ ﴿ولَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهو خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ وقِيلَ الَّذِينَ اتَّقَوْا إشارَةٌ إلى التَّعْظِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ إشارَةٌ إلى الشَّفَقَةِ عَلى عِبادِ اللَّهِ تَعالى. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الأُمَّةِ ما هي ؟ فَقالَ: الَّذِي يُعَلِّمُ النّاسَ الخَيْرَ. قالُوا: فَما القانِتُ ؟ قالَ: الَّذِي يُطِيعُ اللَّهَ ورَسُولَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ﴾ قالَ: كانَ عَلى الإسْلامِ ولَمْ يَكُنْ في زَمانِهِ مِن قَوْمِهِ أحَدٌ عَلى الإسْلامِ غَيْرَهُ، فَلِذَلِكَ قالَ اللَّهُ ﴿كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: كانَ أُمَّةً قالَ: إمامًا في الخَيْرِ قانِتًا قالَ: مُطِيعًا. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ما مِن عَبْدٍ تَشْهَدُ لَهُ أُمَّةٌ إلّا قَبِلَ اللَّهُ شَهادَتَهم» والأُمَّةُ الرَّجُلُ فَما فَوْقَهُ، إنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً﴾ والأُمَّةُ الرَّجُلُ فَما فَوْقَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو «قالَ صَلّى جِبْرِيلُ بِإبْراهِيمَ الظُّهْرَ والعَصْرَ بِعَرَفاتٍ ثُمَّ وقَفَ حَتّى إذا غابَتِ الشَّمْسُ دَفَعَ بِهِ، ثُمَّ صَلّى المَغْرِبَ والعِشاءَ بِجَمْعٍ ثُمَّ صَلّى الفَجْرَ بِهِ كَأسْرَعِ ما يُصَلِّي أحَدُكم مِنَ المُسْلِمِينَ ثُمَّ وقَفَ بِهِ حَتّى إذا كانَ كَأبْطَإ ما يُصَلِّي أحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ دَفَعَ بِهِ، ثُمَّ رَمى الجَمْرَةَ ثُمَّ ذَبَحَ ثُمَّ حَلَقَ ثُمَّ أفاضَ بِهِ إلى البَيْتِ فَطافَ بِهِ، فَقالَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ: ﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾» وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ قالَ: أرادَ الجُمُعَةَ فَأخَذُوا السَّبْتَ مَكانَها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ السُّدِّيِّ عَنْ أبِي مالِكٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في الآيَةِ قالَ: بِاسْتِحْلالِهِمْ إيّاهُ، رَأى مُوسى رَجُلًا يَحْمِلُ حَطَبًا يَوْمَ السَّبْتِ فَضَرَبَ عُنُقَهُ. وفي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «نَحْنُ الآخِرُونَ السّابِقُونَ يَوْمَ القِيامَةِ، بَيْدَ أنَّهم أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِنا وأُوتِيناهُ مِن بَعْدِهِمْ، ثُمَّ هَذا يَوْمُهُمُ الَّذِي فُرِضَ عَلَيْهِمْ: يَعْنِي الجُمُعَةَ، فاخْتَلَفُوا فِيهِ فَهَدانا اللَّهُ لَهُ فالنّاسُ فِيهِ لَنا تَبَعٌ، اليَهُودُ غَدًا والنَّصارى بَعْدَ غَدٍ» . وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ مِن حَدِيثِ حُذَيْفَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ قالَ: أعْرِضْ عَنْ أذاهم إيّاكَ. وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ المُسْنَدِ والنَّسائِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ خُزَيْمَةَ في الفَوائِدِ وابْنُ (p-٨٠٩)حِبّانَ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: لَمّا كانَ يَوْمُ أُحُدٍ أُصِيبَ مِنَ الأنْصارِ أرْبَعَةٌ وسِتُّونَ رَجُلًا، ومِنَ المُهاجِرِينَ سِتَّةٌ، مِنهم حَمْزَةُ فَمَثَّلُوا بِهِمْ، فَقالَتِ الأنْصارُ: لَئِنْ أصَبْنا مِنهم يَوْمًا مِثْلَ هَذا لَنُرْبِيَنَّ عَلَيْهِمْ، فَلَمّا كانَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ ولَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهو خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «نَصْبِرُ ولا نُعاقِبُ، كُفُّوا عَنِ القَوْمِ إلّا أرْبَعَةً» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، والبَزّارُ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وأبُو نُعَيْمٍ في المَعْرِفَةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ «وقَفَ عَلى حَمْزَةَ حَيْثُ اسْتُشْهِدَ، فَنَظَرَ إلى مَنظَرٍ لَمْ يَنْظُرْ إلى شَيْءٍ قَطُّ كانَ أوْجَعَ لِقَلْبِهِ مِنهُ، ونَظَرَ إلَيْهِ قَدْ مُثِّلَ بِهِ، فَقالَ: رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ، فَإنَّكَ كُنْتَ ما عَلِمْتُ وصُولًا لِلرَّحِمِ فَعُولًا لِلْخَيْرِ، ولَوْلا حُزْنُ مَن بَعْدِكَ عَلَيْكَ لَسَرَّنِي أنْ أتْرُكَكَ حَتّى يَحْشُرَكَ اللَّهُ مِن أرْواحٍ شَتّى، أما واللَّهِ لَأُمَثِّلَنَّ بِسَبْعِينَ مِنهم مَكانَكَ. فَنَزَلَ جِبْرِيلُ والنَّبِيُّ ﷺ واقِفٌ بِخَواتِيمِ سُورَةِ النَّحْلِ وإنْ عاقَبْتُمْ الآيَةَ، فَكَفَّرَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ يَمِينِهِ وأمْسَكَ عَنِ الَّذِي أرادَ وصَبَرَ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: وإنْ عاقَبْتُمْ الآيَةَ، قالَ: هَذا حِينَ أمْرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أنْ يُقاتِلَ مَن قاتَلَهُ، ثُمَّ نَزَلَتْ ( بَراءَةٌ ) وانْسِلاخُ الأشْهُرِ الحُرُمِ فَهَذا مَنسُوخٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ﴾ قالَ: اتَّقَوْا فِيما حَرُمَ عَلَيْهِمْ وأحْسَنُوا فِيما افْتُرِضَ عَلَيْهِمْ.

النحل 16:121

. لَمّا فَرَغَ سُبْحانَهُ مِن دَفْعِ شُبَهِ المُشْرِكِينَ وإبْطالِ مَطاعِنِهِمْ، وكانَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ المُوَحِّدِينَ وهو قُدْوَةُ كَثِيرٍ مِنَ النَّبِيِّينَ ذَكَرَهُ اللَّهُ في آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ فَقالَ: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً﴾ قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: يُقالُ لِلرَّجُلِ العالِمِ أُمَّةٌ، والأُمَّةُ الرَّجُلُ الجامِعُ لِلْخَيْرِ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ أكْثَرُ أهْلِ التَّفْسِيرِ، أيْ: مُعَلِّمًا لِلْخَيْرِ، وعَلى هَذا فَمَعْنى كَوْنِ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً أنَّهُ كانَ مُعَلِّمًا لِلْخَيْرِ أوْ جامِعًا لِخِصالِ الخَيْرِ أوْ عالِمًا بِما عَلَّمَهُ اللَّهُ مِنَ الشَّرائِعِ، وقِيلَ ( أُمَّةً ) بِمَعْنى مَأْمُومٍ، أيْ: يَؤُمُّهُ النّاسُ لِيَأْخُذُوا مِنهُ الخَيْرَ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾ [البقرة: ١٢٤]، والقانِتُ المُطِيعُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعانِي القُنُوتِ في البَقَرَةِ. والحَنِيفُ المائِلُ عَنِ الأدْيانِ الباطِلَةِ إلى دِينِ الحَقِّ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ في الأنْعامِ ﴿ولَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ بِاللَّهِ كَما تَزْعُمُهُ كُفّارُ قُرَيْشٍ أنَّهُ كانَ عَلى دِينِهِمُ الباطِلِ. ﴿شاكِرًا لِأنْعُمِهِ﴾ الَّتِي أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلَيْهِ؛ وإنْ كانَتْ قَلِيلَةً كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ جَمْعُ القِلَّةِ فَهو شاكِرٌ لِما كَثُرَ مِنها بِالأوْلى اجْتَباهُ أيِ اخْتارَهُ لِلنُّبُوَّةِ واخْتَصَّهُ بِها ﴿وهَداهُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وهو مِلَّةُ الإسْلامِ ودِينُ الحَقِّ. ﴿وآتَيْناهُ في الدُّنْيا حَسَنَةً﴾ أيْ خَصْلَةً حَسَنَةً أوْ حالَةً حَسَنَةً، وقِيلَ هو الوَلَدُ الصّالِحُ، وقِيلَ الثَّناءُ الحَسَنُ، وقِيلَ النُّبُوَّةُ، وقِيلَ الصَّلاةُ مِنّا عَلَيْهِ في التَّشَهُّدِ، وقِيلَ هي أنَّهُ يَتَوَلّاهُ جَمِيعُ أهْلِ الأدْيانِ، ولا مانِعَ أنْ يَكُونَ ما آتاهُ اللَّهُ شامِلًا لِذَلِكَ كُلِّهِ ولِما عَداهُ مِن خِصالِ الخَيْرِ ﴿وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ حَسْبَما وقَعَ مِنهُ السُّؤالُ لِرَبِّهِ حَيْثُ قالَ: ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ واجْعَلْنِي مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ [الشعراء: ٨٣ - ٨٥] . ﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ يا مُحَمَّدُ مَعَ عُلُوِّ دَرَجَتِكَ وسُمُوِّ مَنزِلَتِكَ وكَوْنِكَ سَيِّدَ ولَدِ آدَمَ ﴿أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ وأصْلُ المِلَّةِ اسْمٌ لِما شَرَعَهُ اللَّهُ لِعِبادِهِ عَلى لِسانِ نَبِيٍّ مِن أنْبِيائِهِ، وقِيلَ والمُرادُ هُنا اتِّباعُ النَّبِيِّ ﷺ لِمِلَّةِ إبْراهِيمَ في التَّوْحِيدِ والدَّعْوَةِ إلَيْهِ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: في التَّبَرِّي مِنَ الأوْثانِ والتَّدَيُّنِ بِدِينِ الإسْلامِ، وقِيلَ في مَناسِكِ الحِجِّ، وقِيلَ في الأُصُولِ دُونَ الفُرُوعِ وقِيلَ في جَمِيعِ شَرِيعَتِهِ إلّا ما نُسِخَ مِنها، وهَذا هو الظّاهِرُ. وقَدْ أُمِرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالِاقْتِداءِ بِالأنْبِياءِ مَعَ كَوْنِهِ سَيِّدَهِمْ فَقالَ تَعالى: ﴿فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ الأنْعامِ، وانْتِصابُ ( حَنِيفًا ) عَلى الحالِ مِن إبْراهِيمَ، وجازَ مَجِيءُ الحالِ مِنهُ، لِأنَّ المِلَّةَ كالجُزْءِ مِنهُ، وقَدْ تَقَرَّرَ في عِلْمِ النَّحْوِ أنَّ الحالَ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ جائِزٌ إذا كانَ يَقْتَضِي المُضافُ العَمَلَ في المُضافِ إلَيْهِ أوْ كانَ جُزْءًا مِنهُ أوْ كالجُزْءِ ﴿وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ وهو تَكْرِيرٌ لِما سَبَقَ لِلنُّكْتَةِ الَّتِي ذَكَرْناها. ﴿إنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ أيْ إنَّما جُعِلَ وبالُ السَّبْتِ وهو المَسْخُ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ، أوْ إنَّما جُعِلَ فَرْضُ تَعْظِيمِ السَّبْتِ وتَرْكِ الصَّيْدِ فِيهِ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لا عَلى غَيْرِهِمْ مِنَ الأُمَمِ. وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في كَيْفِيَّةِ الِاخْتِلافِ الكائِنِ بَيْنَهم في السَّبْتِ، فَقالَتْ طائِفَةٌ: إنَّ مُوسى أمَرَهم بِيَوْمِ الجُمُعَةِ وعَيَّنَهُ لَهم وأخْبَرَهم بِفَضِيلَتِهِ عَلى غَيْرِهِ، فَخالَفُوهُ وقالُوا إنَّ السَّبْتَ أفْضَلُ، فَقالَ اللَّهُ لَهُ: دَعْهم وما اخْتارُوا لِأنْفُسِهِمْ. وقِيلَ: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أمَرَهم بِتَعْظِيمِ يَوْمٍ في الأُسْبُوعِ، فاخْتَلَفَ اجْتِهادُهم فِيهِ، فَعَيَّنَتِ اليَهُودُ السَّبْتَ لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ فَرَغَ فِيهِ مِنَ الخَلْقِ، وعَيَّنَتِ النَّصارى يَوْمَ الأحَدِ لِأنَّ اللَّهَ بَدَأ فِيهِ الخَلْقَ، فَألْزَمَ اللَّهُ كُلًّا مِنهم ما أدّى إلَيْهِ اجْتِهادُهُ، وعَيَّنَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ الجُمُعَةَ مِن غَيْرِ أنْ يَكِلَهم إلى اجْتِهادِهِمْ فَضْلًا مِنهُ ونِعْمَةً. ووَجْهُ اتِّصالِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها أنَّ اليَهُودَ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ السَّبْتَ مِن شَرائِعِ إبْراهِيمَ، فَأخْبَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنَّهُ إنَّما جَعَلَ السَّبْتَ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ ولَمْ يَجْعَلْهُ عَلى إبْراهِيمَ ولا عَلى غَيْرِهِ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهم﴾ أيْ بَيْنَ المُخْتَلِفِينَ فِيهِ ﴿يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ فَيُجازِي كُلًّا فِيهِ بِما يَسْتَحِقُّهُ ثَوابًا وعِقابًا، كَما وقَعَ مِنهُ سُبْحانَهُ مِنَ المَسْخِ لِطائِفَةٍ مِنهم والتَّنْجِيَةِ لِأُخْرى. ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ أنْ يَدْعُوَ أُمَّتَهُ إلى الإسْلامِ فَقالَ: ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ وحُذِفَ المَفْعُولُ لِلتَّعْمِيمِ لِكَوْنِهِ بُعِثَ إلى النّاسِ كافَّةً، وسَبِيلُ اللَّهِ هو الإسْلامُ بِالحِكْمَةِ أيْ بِالمَقالَةِ المُحْكَمَةِ الصَّحِيحَةِ، قِيلَ وهي الحُجَجُ القَطْعِيَّةُ المُفِيدَةُ لِلْيَقِينِ ﴿والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ﴾ وهي المَقالَةُ المُشْتَمِلَةُ عَلى المَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ الَّتِي يَسْتَحْسِنُها السّامِعُ وتَكُونُ في نَفْسِها حَسَنَةً بِاعْتِبارِ انْتِفاعِ السّامِعِ بِها. قِيلَ وهي الحُجَجُ الظَّنِّيَّةُ الإقْناعِيَّةُ المُوجِبَةُ لِلتَّصْدِيقِ بِمُقَدَّماتٍ مَقْبُولَةٍ، قِيلَ ولَيْسَ لِلدَّعْوَةِ إلّا هاتانِ الطَّرِيقَتانِ، ولَكِنَّ الدّاعِيَ قَدْ يَحْتاجُ مَعَ الخَصْمِ الألَدِّ إلى اسْتِعْمالِ المُعارَضَةِ والمُناقَضَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الجَدَلِ، ولِهَذا قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ أيْ بِالطَّرِيقِ الَّتِي هي أحْسَنُ طُرُقِ المُجادَلَةِ، وإنَّما (p-٨٠٨)أمَرَ سُبْحانَهُ بِالمُجادَلَةِ الحَسَنَةِ لِكَوْنِ الدّاعِي مُحِقّا وغَرَضُهُ صَحِيحًا، وكانَ خَصْمُهُ مُبْطِلًا وغَرَضُهُ فاسِدًا ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ لَمّا حَثَّ سُبْحانَهُ عَلى الدَّعْوَةِ بِالطُّرُقِ المَذْكُورَةِ بَيَّنَ أنَّ الرُّشْدَ والهِدايَةَ لَيْسَ إلى النَّبِيِّ ﷺ وإنَّما ذَلِكَ إلَيْهِ تَعالى فَقالَ: ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ﴾ أيْ هو العالِمُ بِمَن يَضِلُّ ومَن يَهْتَدِي ﴿وهُوَ أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ أيْ بِمَن يُبْصِرُ الحَقَّ فَيَقْصِدُهُ غَيْرَ مُتَعَنِّتٍ، وإنَّما شَرَعَ لَكَ الدَّعْوَةَ وأمَرَكَ بِها قَطْعًا لِلْمَعْذِرَةِ وتَتْمِيمًا لِلْحُجَّةِ وإزاحَةً لِلشُّبْهَةِ، ولَيْسَ عَلَيْكَ غَيْرَ ذَلِكَ. ثُمَّ لَمّا كانَتِ الدَّعْوَةُ تَتَضَمَّنُ تَكْلِيفَ المَدْعُوِّينَ بِالرُّجُوعِ إلى الحَقِّ فَإنْ أبَوْا قُوتِلُوا، أمَرَ الدّاعِي بِأنْ يَعْدِلَ في العُقُوبَةِ فَقالَ: ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ﴾ أيْ أرَدْتُمُ المُعاقَبَةَ ﴿فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ أيْ بِمِثْلِ ما فُعِلَ بِكم لا تُجاوِزُوا ذَلِكَ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيمَن أُصِيبَ بِظُلامَةٍ أنْ لا يَنالَ مِن ظالِمِهِ إذا تَمَكَّنَ إلّا مِثْلَ ظُلامَتِهِ لا يَتَعَدّاها إلى غَيْرِها، وهَذا صَوابٌ، لِأنَّ الآيَةَ وإنْ قِيلَ إنَّ لَها سَبَبًا خاصًّا كَما سَيَأْتِي، فالِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ، وعُمُومُهُ يُؤَدِّي هَذا المَعْنى الَّذِي ذَكَرَهُ، وسَمّى سُبْحانَهُ الفِعْلَ الأوَّلَ الَّذِي هو فِعْلُ البادِئِ بِالشَّرِّ عُقُوبَةً، مَعَ أنَّ العُقُوبَةَ لَيْسَتْ إلّا فِعْلَ الثّانِي وهو المُجازِي لِلْمُشاكَلَةِ، وهي بابٌ مَعْرُوفٌ وقَعَ في كَثِيرٍ مِنَ الكِتابِ العَزِيزِ. ثُمَّ حَثَّ سُبْحانَهُ عَلى العَفْوِ فَقالَ: ﴿ولَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهو خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ أيْ لَئِنْ صَبَرْتُمْ عَنِ المُعاقَبَةِ بِالمَثَلِ فالصَّبْرُ خَيْرٌ لَكم مِنَ الِانْتِصافِ، ووُضِعَ الصّابِرِينَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ، ثَناءً مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم صابِرُونَ عَلى الشَّدائِدِ. وقَدْ ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُحْكَمَةٌ لِأنَّها وارِدَةٌ في الصَّبْرِ عَنِ المُعاقَبَةِ والثَّناءِ عَلى الصّابِرِينَ عَلى العُمُومِ، وقِيلَ هي مَنسُوخَةٌ بِآياتِ القِتالِ، ولا وجْهَ لِذَلِكَ. ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ بِالصَّبْرِ فَقالَ: واصْبِرْ عَلى ما أصابَكَ مِن صُنُوفِ الأذى ﴿وما صَبْرُكَ إلّا بِاللَّهِ﴾ أيْ بِتَوْفِيقِهِ وتَثْبِيتِهِ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأشْياءِ، أيْ: وما صَبْرُكَ مَصْحُوبًا بِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا بِتَوْفِيقِهِ لَكَ، وفِيهِ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ . ثُمَّ نَهاهُ عَنِ الحُزْنِ فَقالَ ﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ عَلى الكافِرِينَ في إعْراضِهِمْ عَنْكَ، أوْ لا تَحْزَنْ عَلى قَتْلى أُحُدٍ، فَإنَّهم قَدْ أفْضَوْا إلى رَحْمَةِ اللَّهِ ﴿ولا تَكُ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الضّادِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِكَسْرِها. قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: هُما سَواءٌ، يَعْنِي المَفْتُوحَ والمَكْسُورَ. وقالَ الفَرّاءُ: الضَّيْقُ بِالفَتْحِ ما ضاقَ عَنْهُ صَدْرُكَ، والضِّيقُ بِالكَسْرِ ما يَكُونُ في الَّذِي يَتَّسِعُ مِثْلُ الدّارِ والثَّوْبِ، وكَذا قالَ الأخْفَشُ، وهو مِنَ الكَلامِ المَقْلُوبِ، لِأنَّ الضِّيقَ وصْفٌ لِلْإنْسانِ يَكُونُ فِيهِ ولا يَكُونُ الإنْسانُ فِيهِ، وكَأنَّهُ أرادَ وصْفَ الضِّيقِ بِالعِظَمِ حَتّى صارَ كالشَّيْءِ المُحِيطِ بِالإنْسانِ مِن جَمِيعِ جَوانِبِهِ، ومَعْنى مِمّا يَمْكُرُونَ: مِن مَكْرِهِمْ لَكَ فِيما يُسْتَقْبَلُ مِنَ الزَّمانِ. ثُمَّ خَتَمَ هَذِهِ السُّورَةَ بِآيَةٍ جامِعَةٍ لِجَمِيعِ المَأْمُوراتِ والمَنهِيّاتِ فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ أيِ اتَّقَوُا المَعاصِيَ عَلى اخْتِلافِ أنْواعِها ﴿والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ﴾ بِتَأْدِيَةِ الطّاعاتِ والقِيامِ بِما أُمِرُوا بِها مِنها، وقِيلَ المَعْنى: إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوُا الزِّيادَةَ في العُقُوبَةِ، والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ في أصْلِ الِانْتِقامِ فَيَكُونُ الأوَّلُ إشارَةً إلى قَوْلِهِ: ﴿فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ والثّانِي إشارَةً إلى قَوْلِهِ ﴿ولَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهو خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ وقِيلَ الَّذِينَ اتَّقَوْا إشارَةٌ إلى التَّعْظِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ إشارَةٌ إلى الشَّفَقَةِ عَلى عِبادِ اللَّهِ تَعالى. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الأُمَّةِ ما هي ؟ فَقالَ: الَّذِي يُعَلِّمُ النّاسَ الخَيْرَ. قالُوا: فَما القانِتُ ؟ قالَ: الَّذِي يُطِيعُ اللَّهَ ورَسُولَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ﴾ قالَ: كانَ عَلى الإسْلامِ ولَمْ يَكُنْ في زَمانِهِ مِن قَوْمِهِ أحَدٌ عَلى الإسْلامِ غَيْرَهُ، فَلِذَلِكَ قالَ اللَّهُ ﴿كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: كانَ أُمَّةً قالَ: إمامًا في الخَيْرِ قانِتًا قالَ: مُطِيعًا. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ما مِن عَبْدٍ تَشْهَدُ لَهُ أُمَّةٌ إلّا قَبِلَ اللَّهُ شَهادَتَهم» والأُمَّةُ الرَّجُلُ فَما فَوْقَهُ، إنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً﴾ والأُمَّةُ الرَّجُلُ فَما فَوْقَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو «قالَ صَلّى جِبْرِيلُ بِإبْراهِيمَ الظُّهْرَ والعَصْرَ بِعَرَفاتٍ ثُمَّ وقَفَ حَتّى إذا غابَتِ الشَّمْسُ دَفَعَ بِهِ، ثُمَّ صَلّى المَغْرِبَ والعِشاءَ بِجَمْعٍ ثُمَّ صَلّى الفَجْرَ بِهِ كَأسْرَعِ ما يُصَلِّي أحَدُكم مِنَ المُسْلِمِينَ ثُمَّ وقَفَ بِهِ حَتّى إذا كانَ كَأبْطَإ ما يُصَلِّي أحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ دَفَعَ بِهِ، ثُمَّ رَمى الجَمْرَةَ ثُمَّ ذَبَحَ ثُمَّ حَلَقَ ثُمَّ أفاضَ بِهِ إلى البَيْتِ فَطافَ بِهِ، فَقالَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ: ﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾» وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ قالَ: أرادَ الجُمُعَةَ فَأخَذُوا السَّبْتَ مَكانَها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ السُّدِّيِّ عَنْ أبِي مالِكٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في الآيَةِ قالَ: بِاسْتِحْلالِهِمْ إيّاهُ، رَأى مُوسى رَجُلًا يَحْمِلُ حَطَبًا يَوْمَ السَّبْتِ فَضَرَبَ عُنُقَهُ. وفي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «نَحْنُ الآخِرُونَ السّابِقُونَ يَوْمَ القِيامَةِ، بَيْدَ أنَّهم أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِنا وأُوتِيناهُ مِن بَعْدِهِمْ، ثُمَّ هَذا يَوْمُهُمُ الَّذِي فُرِضَ عَلَيْهِمْ: يَعْنِي الجُمُعَةَ، فاخْتَلَفُوا فِيهِ فَهَدانا اللَّهُ لَهُ فالنّاسُ فِيهِ لَنا تَبَعٌ، اليَهُودُ غَدًا والنَّصارى بَعْدَ غَدٍ» . وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ مِن حَدِيثِ حُذَيْفَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ قالَ: أعْرِضْ عَنْ أذاهم إيّاكَ. وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ المُسْنَدِ والنَّسائِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ خُزَيْمَةَ في الفَوائِدِ وابْنُ (p-٨٠٩)حِبّانَ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: لَمّا كانَ يَوْمُ أُحُدٍ أُصِيبَ مِنَ الأنْصارِ أرْبَعَةٌ وسِتُّونَ رَجُلًا، ومِنَ المُهاجِرِينَ سِتَّةٌ، مِنهم حَمْزَةُ فَمَثَّلُوا بِهِمْ، فَقالَتِ الأنْصارُ: لَئِنْ أصَبْنا مِنهم يَوْمًا مِثْلَ هَذا لَنُرْبِيَنَّ عَلَيْهِمْ، فَلَمّا كانَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ ولَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهو خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «نَصْبِرُ ولا نُعاقِبُ، كُفُّوا عَنِ القَوْمِ إلّا أرْبَعَةً» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، والبَزّارُ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وأبُو نُعَيْمٍ في المَعْرِفَةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ «وقَفَ عَلى حَمْزَةَ حَيْثُ اسْتُشْهِدَ، فَنَظَرَ إلى مَنظَرٍ لَمْ يَنْظُرْ إلى شَيْءٍ قَطُّ كانَ أوْجَعَ لِقَلْبِهِ مِنهُ، ونَظَرَ إلَيْهِ قَدْ مُثِّلَ بِهِ، فَقالَ: رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ، فَإنَّكَ كُنْتَ ما عَلِمْتُ وصُولًا لِلرَّحِمِ فَعُولًا لِلْخَيْرِ، ولَوْلا حُزْنُ مَن بَعْدِكَ عَلَيْكَ لَسَرَّنِي أنْ أتْرُكَكَ حَتّى يَحْشُرَكَ اللَّهُ مِن أرْواحٍ شَتّى، أما واللَّهِ لَأُمَثِّلَنَّ بِسَبْعِينَ مِنهم مَكانَكَ. فَنَزَلَ جِبْرِيلُ والنَّبِيُّ ﷺ واقِفٌ بِخَواتِيمِ سُورَةِ النَّحْلِ وإنْ عاقَبْتُمْ الآيَةَ، فَكَفَّرَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ يَمِينِهِ وأمْسَكَ عَنِ الَّذِي أرادَ وصَبَرَ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: وإنْ عاقَبْتُمْ الآيَةَ، قالَ: هَذا حِينَ أمْرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أنْ يُقاتِلَ مَن قاتَلَهُ، ثُمَّ نَزَلَتْ ( بَراءَةٌ ) وانْسِلاخُ الأشْهُرِ الحُرُمِ فَهَذا مَنسُوخٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ﴾ قالَ: اتَّقَوْا فِيما حَرُمَ عَلَيْهِمْ وأحْسَنُوا فِيما افْتُرِضَ عَلَيْهِمْ.

النحل 16:122

. لَمّا فَرَغَ سُبْحانَهُ مِن دَفْعِ شُبَهِ المُشْرِكِينَ وإبْطالِ مَطاعِنِهِمْ، وكانَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ المُوَحِّدِينَ وهو قُدْوَةُ كَثِيرٍ مِنَ النَّبِيِّينَ ذَكَرَهُ اللَّهُ في آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ فَقالَ: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً﴾ قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: يُقالُ لِلرَّجُلِ العالِمِ أُمَّةٌ، والأُمَّةُ الرَّجُلُ الجامِعُ لِلْخَيْرِ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ أكْثَرُ أهْلِ التَّفْسِيرِ، أيْ: مُعَلِّمًا لِلْخَيْرِ، وعَلى هَذا فَمَعْنى كَوْنِ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً أنَّهُ كانَ مُعَلِّمًا لِلْخَيْرِ أوْ جامِعًا لِخِصالِ الخَيْرِ أوْ عالِمًا بِما عَلَّمَهُ اللَّهُ مِنَ الشَّرائِعِ، وقِيلَ ( أُمَّةً ) بِمَعْنى مَأْمُومٍ، أيْ: يَؤُمُّهُ النّاسُ لِيَأْخُذُوا مِنهُ الخَيْرَ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾ [البقرة: ١٢٤]، والقانِتُ المُطِيعُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعانِي القُنُوتِ في البَقَرَةِ. والحَنِيفُ المائِلُ عَنِ الأدْيانِ الباطِلَةِ إلى دِينِ الحَقِّ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ في الأنْعامِ ﴿ولَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ بِاللَّهِ كَما تَزْعُمُهُ كُفّارُ قُرَيْشٍ أنَّهُ كانَ عَلى دِينِهِمُ الباطِلِ. ﴿شاكِرًا لِأنْعُمِهِ﴾ الَّتِي أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلَيْهِ؛ وإنْ كانَتْ قَلِيلَةً كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ جَمْعُ القِلَّةِ فَهو شاكِرٌ لِما كَثُرَ مِنها بِالأوْلى اجْتَباهُ أيِ اخْتارَهُ لِلنُّبُوَّةِ واخْتَصَّهُ بِها ﴿وهَداهُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وهو مِلَّةُ الإسْلامِ ودِينُ الحَقِّ. ﴿وآتَيْناهُ في الدُّنْيا حَسَنَةً﴾ أيْ خَصْلَةً حَسَنَةً أوْ حالَةً حَسَنَةً، وقِيلَ هو الوَلَدُ الصّالِحُ، وقِيلَ الثَّناءُ الحَسَنُ، وقِيلَ النُّبُوَّةُ، وقِيلَ الصَّلاةُ مِنّا عَلَيْهِ في التَّشَهُّدِ، وقِيلَ هي أنَّهُ يَتَوَلّاهُ جَمِيعُ أهْلِ الأدْيانِ، ولا مانِعَ أنْ يَكُونَ ما آتاهُ اللَّهُ شامِلًا لِذَلِكَ كُلِّهِ ولِما عَداهُ مِن خِصالِ الخَيْرِ ﴿وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ حَسْبَما وقَعَ مِنهُ السُّؤالُ لِرَبِّهِ حَيْثُ قالَ: ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ واجْعَلْنِي مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ [الشعراء: ٨٣ - ٨٥] . ﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ يا مُحَمَّدُ مَعَ عُلُوِّ دَرَجَتِكَ وسُمُوِّ مَنزِلَتِكَ وكَوْنِكَ سَيِّدَ ولَدِ آدَمَ ﴿أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ وأصْلُ المِلَّةِ اسْمٌ لِما شَرَعَهُ اللَّهُ لِعِبادِهِ عَلى لِسانِ نَبِيٍّ مِن أنْبِيائِهِ، وقِيلَ والمُرادُ هُنا اتِّباعُ النَّبِيِّ ﷺ لِمِلَّةِ إبْراهِيمَ في التَّوْحِيدِ والدَّعْوَةِ إلَيْهِ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: في التَّبَرِّي مِنَ الأوْثانِ والتَّدَيُّنِ بِدِينِ الإسْلامِ، وقِيلَ في مَناسِكِ الحِجِّ، وقِيلَ في الأُصُولِ دُونَ الفُرُوعِ وقِيلَ في جَمِيعِ شَرِيعَتِهِ إلّا ما نُسِخَ مِنها، وهَذا هو الظّاهِرُ. وقَدْ أُمِرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالِاقْتِداءِ بِالأنْبِياءِ مَعَ كَوْنِهِ سَيِّدَهِمْ فَقالَ تَعالى: ﴿فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ الأنْعامِ، وانْتِصابُ ( حَنِيفًا ) عَلى الحالِ مِن إبْراهِيمَ، وجازَ مَجِيءُ الحالِ مِنهُ، لِأنَّ المِلَّةَ كالجُزْءِ مِنهُ، وقَدْ تَقَرَّرَ في عِلْمِ النَّحْوِ أنَّ الحالَ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ جائِزٌ إذا كانَ يَقْتَضِي المُضافُ العَمَلَ في المُضافِ إلَيْهِ أوْ كانَ جُزْءًا مِنهُ أوْ كالجُزْءِ ﴿وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ وهو تَكْرِيرٌ لِما سَبَقَ لِلنُّكْتَةِ الَّتِي ذَكَرْناها. ﴿إنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ أيْ إنَّما جُعِلَ وبالُ السَّبْتِ وهو المَسْخُ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ، أوْ إنَّما جُعِلَ فَرْضُ تَعْظِيمِ السَّبْتِ وتَرْكِ الصَّيْدِ فِيهِ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لا عَلى غَيْرِهِمْ مِنَ الأُمَمِ. وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في كَيْفِيَّةِ الِاخْتِلافِ الكائِنِ بَيْنَهم في السَّبْتِ، فَقالَتْ طائِفَةٌ: إنَّ مُوسى أمَرَهم بِيَوْمِ الجُمُعَةِ وعَيَّنَهُ لَهم وأخْبَرَهم بِفَضِيلَتِهِ عَلى غَيْرِهِ، فَخالَفُوهُ وقالُوا إنَّ السَّبْتَ أفْضَلُ، فَقالَ اللَّهُ لَهُ: دَعْهم وما اخْتارُوا لِأنْفُسِهِمْ. وقِيلَ: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أمَرَهم بِتَعْظِيمِ يَوْمٍ في الأُسْبُوعِ، فاخْتَلَفَ اجْتِهادُهم فِيهِ، فَعَيَّنَتِ اليَهُودُ السَّبْتَ لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ فَرَغَ فِيهِ مِنَ الخَلْقِ، وعَيَّنَتِ النَّصارى يَوْمَ الأحَدِ لِأنَّ اللَّهَ بَدَأ فِيهِ الخَلْقَ، فَألْزَمَ اللَّهُ كُلًّا مِنهم ما أدّى إلَيْهِ اجْتِهادُهُ، وعَيَّنَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ الجُمُعَةَ مِن غَيْرِ أنْ يَكِلَهم إلى اجْتِهادِهِمْ فَضْلًا مِنهُ ونِعْمَةً. ووَجْهُ اتِّصالِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها أنَّ اليَهُودَ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ السَّبْتَ مِن شَرائِعِ إبْراهِيمَ، فَأخْبَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنَّهُ إنَّما جَعَلَ السَّبْتَ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ ولَمْ يَجْعَلْهُ عَلى إبْراهِيمَ ولا عَلى غَيْرِهِ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهم﴾ أيْ بَيْنَ المُخْتَلِفِينَ فِيهِ ﴿يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ فَيُجازِي كُلًّا فِيهِ بِما يَسْتَحِقُّهُ ثَوابًا وعِقابًا، كَما وقَعَ مِنهُ سُبْحانَهُ مِنَ المَسْخِ لِطائِفَةٍ مِنهم والتَّنْجِيَةِ لِأُخْرى. ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ أنْ يَدْعُوَ أُمَّتَهُ إلى الإسْلامِ فَقالَ: ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ وحُذِفَ المَفْعُولُ لِلتَّعْمِيمِ لِكَوْنِهِ بُعِثَ إلى النّاسِ كافَّةً، وسَبِيلُ اللَّهِ هو الإسْلامُ بِالحِكْمَةِ أيْ بِالمَقالَةِ المُحْكَمَةِ الصَّحِيحَةِ، قِيلَ وهي الحُجَجُ القَطْعِيَّةُ المُفِيدَةُ لِلْيَقِينِ ﴿والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ﴾ وهي المَقالَةُ المُشْتَمِلَةُ عَلى المَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ الَّتِي يَسْتَحْسِنُها السّامِعُ وتَكُونُ في نَفْسِها حَسَنَةً بِاعْتِبارِ انْتِفاعِ السّامِعِ بِها. قِيلَ وهي الحُجَجُ الظَّنِّيَّةُ الإقْناعِيَّةُ المُوجِبَةُ لِلتَّصْدِيقِ بِمُقَدَّماتٍ مَقْبُولَةٍ، قِيلَ ولَيْسَ لِلدَّعْوَةِ إلّا هاتانِ الطَّرِيقَتانِ، ولَكِنَّ الدّاعِيَ قَدْ يَحْتاجُ مَعَ الخَصْمِ الألَدِّ إلى اسْتِعْمالِ المُعارَضَةِ والمُناقَضَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الجَدَلِ، ولِهَذا قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ أيْ بِالطَّرِيقِ الَّتِي هي أحْسَنُ طُرُقِ المُجادَلَةِ، وإنَّما (p-٨٠٨)أمَرَ سُبْحانَهُ بِالمُجادَلَةِ الحَسَنَةِ لِكَوْنِ الدّاعِي مُحِقّا وغَرَضُهُ صَحِيحًا، وكانَ خَصْمُهُ مُبْطِلًا وغَرَضُهُ فاسِدًا ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ لَمّا حَثَّ سُبْحانَهُ عَلى الدَّعْوَةِ بِالطُّرُقِ المَذْكُورَةِ بَيَّنَ أنَّ الرُّشْدَ والهِدايَةَ لَيْسَ إلى النَّبِيِّ ﷺ وإنَّما ذَلِكَ إلَيْهِ تَعالى فَقالَ: ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ﴾ أيْ هو العالِمُ بِمَن يَضِلُّ ومَن يَهْتَدِي ﴿وهُوَ أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ أيْ بِمَن يُبْصِرُ الحَقَّ فَيَقْصِدُهُ غَيْرَ مُتَعَنِّتٍ، وإنَّما شَرَعَ لَكَ الدَّعْوَةَ وأمَرَكَ بِها قَطْعًا لِلْمَعْذِرَةِ وتَتْمِيمًا لِلْحُجَّةِ وإزاحَةً لِلشُّبْهَةِ، ولَيْسَ عَلَيْكَ غَيْرَ ذَلِكَ. ثُمَّ لَمّا كانَتِ الدَّعْوَةُ تَتَضَمَّنُ تَكْلِيفَ المَدْعُوِّينَ بِالرُّجُوعِ إلى الحَقِّ فَإنْ أبَوْا قُوتِلُوا، أمَرَ الدّاعِي بِأنْ يَعْدِلَ في العُقُوبَةِ فَقالَ: ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ﴾ أيْ أرَدْتُمُ المُعاقَبَةَ ﴿فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ أيْ بِمِثْلِ ما فُعِلَ بِكم لا تُجاوِزُوا ذَلِكَ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيمَن أُصِيبَ بِظُلامَةٍ أنْ لا يَنالَ مِن ظالِمِهِ إذا تَمَكَّنَ إلّا مِثْلَ ظُلامَتِهِ لا يَتَعَدّاها إلى غَيْرِها، وهَذا صَوابٌ، لِأنَّ الآيَةَ وإنْ قِيلَ إنَّ لَها سَبَبًا خاصًّا كَما سَيَأْتِي، فالِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ، وعُمُومُهُ يُؤَدِّي هَذا المَعْنى الَّذِي ذَكَرَهُ، وسَمّى سُبْحانَهُ الفِعْلَ الأوَّلَ الَّذِي هو فِعْلُ البادِئِ بِالشَّرِّ عُقُوبَةً، مَعَ أنَّ العُقُوبَةَ لَيْسَتْ إلّا فِعْلَ الثّانِي وهو المُجازِي لِلْمُشاكَلَةِ، وهي بابٌ مَعْرُوفٌ وقَعَ في كَثِيرٍ مِنَ الكِتابِ العَزِيزِ. ثُمَّ حَثَّ سُبْحانَهُ عَلى العَفْوِ فَقالَ: ﴿ولَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهو خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ أيْ لَئِنْ صَبَرْتُمْ عَنِ المُعاقَبَةِ بِالمَثَلِ فالصَّبْرُ خَيْرٌ لَكم مِنَ الِانْتِصافِ، ووُضِعَ الصّابِرِينَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ، ثَناءً مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم صابِرُونَ عَلى الشَّدائِدِ. وقَدْ ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُحْكَمَةٌ لِأنَّها وارِدَةٌ في الصَّبْرِ عَنِ المُعاقَبَةِ والثَّناءِ عَلى الصّابِرِينَ عَلى العُمُومِ، وقِيلَ هي مَنسُوخَةٌ بِآياتِ القِتالِ، ولا وجْهَ لِذَلِكَ. ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ بِالصَّبْرِ فَقالَ: واصْبِرْ عَلى ما أصابَكَ مِن صُنُوفِ الأذى ﴿وما صَبْرُكَ إلّا بِاللَّهِ﴾ أيْ بِتَوْفِيقِهِ وتَثْبِيتِهِ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأشْياءِ، أيْ: وما صَبْرُكَ مَصْحُوبًا بِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا بِتَوْفِيقِهِ لَكَ، وفِيهِ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ . ثُمَّ نَهاهُ عَنِ الحُزْنِ فَقالَ ﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ عَلى الكافِرِينَ في إعْراضِهِمْ عَنْكَ، أوْ لا تَحْزَنْ عَلى قَتْلى أُحُدٍ، فَإنَّهم قَدْ أفْضَوْا إلى رَحْمَةِ اللَّهِ ﴿ولا تَكُ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الضّادِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِكَسْرِها. قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: هُما سَواءٌ، يَعْنِي المَفْتُوحَ والمَكْسُورَ. وقالَ الفَرّاءُ: الضَّيْقُ بِالفَتْحِ ما ضاقَ عَنْهُ صَدْرُكَ، والضِّيقُ بِالكَسْرِ ما يَكُونُ في الَّذِي يَتَّسِعُ مِثْلُ الدّارِ والثَّوْبِ، وكَذا قالَ الأخْفَشُ، وهو مِنَ الكَلامِ المَقْلُوبِ، لِأنَّ الضِّيقَ وصْفٌ لِلْإنْسانِ يَكُونُ فِيهِ ولا يَكُونُ الإنْسانُ فِيهِ، وكَأنَّهُ أرادَ وصْفَ الضِّيقِ بِالعِظَمِ حَتّى صارَ كالشَّيْءِ المُحِيطِ بِالإنْسانِ مِن جَمِيعِ جَوانِبِهِ، ومَعْنى مِمّا يَمْكُرُونَ: مِن مَكْرِهِمْ لَكَ فِيما يُسْتَقْبَلُ مِنَ الزَّمانِ. ثُمَّ خَتَمَ هَذِهِ السُّورَةَ بِآيَةٍ جامِعَةٍ لِجَمِيعِ المَأْمُوراتِ والمَنهِيّاتِ فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ أيِ اتَّقَوُا المَعاصِيَ عَلى اخْتِلافِ أنْواعِها ﴿والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ﴾ بِتَأْدِيَةِ الطّاعاتِ والقِيامِ بِما أُمِرُوا بِها مِنها، وقِيلَ المَعْنى: إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوُا الزِّيادَةَ في العُقُوبَةِ، والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ في أصْلِ الِانْتِقامِ فَيَكُونُ الأوَّلُ إشارَةً إلى قَوْلِهِ: ﴿فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ والثّانِي إشارَةً إلى قَوْلِهِ ﴿ولَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهو خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ وقِيلَ الَّذِينَ اتَّقَوْا إشارَةٌ إلى التَّعْظِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ إشارَةٌ إلى الشَّفَقَةِ عَلى عِبادِ اللَّهِ تَعالى. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الأُمَّةِ ما هي ؟ فَقالَ: الَّذِي يُعَلِّمُ النّاسَ الخَيْرَ. قالُوا: فَما القانِتُ ؟ قالَ: الَّذِي يُطِيعُ اللَّهَ ورَسُولَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ﴾ قالَ: كانَ عَلى الإسْلامِ ولَمْ يَكُنْ في زَمانِهِ مِن قَوْمِهِ أحَدٌ عَلى الإسْلامِ غَيْرَهُ، فَلِذَلِكَ قالَ اللَّهُ ﴿كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: كانَ أُمَّةً قالَ: إمامًا في الخَيْرِ قانِتًا قالَ: مُطِيعًا. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ما مِن عَبْدٍ تَشْهَدُ لَهُ أُمَّةٌ إلّا قَبِلَ اللَّهُ شَهادَتَهم» والأُمَّةُ الرَّجُلُ فَما فَوْقَهُ، إنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً﴾ والأُمَّةُ الرَّجُلُ فَما فَوْقَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو «قالَ صَلّى جِبْرِيلُ بِإبْراهِيمَ الظُّهْرَ والعَصْرَ بِعَرَفاتٍ ثُمَّ وقَفَ حَتّى إذا غابَتِ الشَّمْسُ دَفَعَ بِهِ، ثُمَّ صَلّى المَغْرِبَ والعِشاءَ بِجَمْعٍ ثُمَّ صَلّى الفَجْرَ بِهِ كَأسْرَعِ ما يُصَلِّي أحَدُكم مِنَ المُسْلِمِينَ ثُمَّ وقَفَ بِهِ حَتّى إذا كانَ كَأبْطَإ ما يُصَلِّي أحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ دَفَعَ بِهِ، ثُمَّ رَمى الجَمْرَةَ ثُمَّ ذَبَحَ ثُمَّ حَلَقَ ثُمَّ أفاضَ بِهِ إلى البَيْتِ فَطافَ بِهِ، فَقالَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ: ﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾» وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ قالَ: أرادَ الجُمُعَةَ فَأخَذُوا السَّبْتَ مَكانَها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ السُّدِّيِّ عَنْ أبِي مالِكٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في الآيَةِ قالَ: بِاسْتِحْلالِهِمْ إيّاهُ، رَأى مُوسى رَجُلًا يَحْمِلُ حَطَبًا يَوْمَ السَّبْتِ فَضَرَبَ عُنُقَهُ. وفي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «نَحْنُ الآخِرُونَ السّابِقُونَ يَوْمَ القِيامَةِ، بَيْدَ أنَّهم أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِنا وأُوتِيناهُ مِن بَعْدِهِمْ، ثُمَّ هَذا يَوْمُهُمُ الَّذِي فُرِضَ عَلَيْهِمْ: يَعْنِي الجُمُعَةَ، فاخْتَلَفُوا فِيهِ فَهَدانا اللَّهُ لَهُ فالنّاسُ فِيهِ لَنا تَبَعٌ، اليَهُودُ غَدًا والنَّصارى بَعْدَ غَدٍ» . وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ مِن حَدِيثِ حُذَيْفَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ قالَ: أعْرِضْ عَنْ أذاهم إيّاكَ. وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ المُسْنَدِ والنَّسائِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ خُزَيْمَةَ في الفَوائِدِ وابْنُ (p-٨٠٩)حِبّانَ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: لَمّا كانَ يَوْمُ أُحُدٍ أُصِيبَ مِنَ الأنْصارِ أرْبَعَةٌ وسِتُّونَ رَجُلًا، ومِنَ المُهاجِرِينَ سِتَّةٌ، مِنهم حَمْزَةُ فَمَثَّلُوا بِهِمْ، فَقالَتِ الأنْصارُ: لَئِنْ أصَبْنا مِنهم يَوْمًا مِثْلَ هَذا لَنُرْبِيَنَّ عَلَيْهِمْ، فَلَمّا كانَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ ولَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهو خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «نَصْبِرُ ولا نُعاقِبُ، كُفُّوا عَنِ القَوْمِ إلّا أرْبَعَةً» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، والبَزّارُ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وأبُو نُعَيْمٍ في المَعْرِفَةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ «وقَفَ عَلى حَمْزَةَ حَيْثُ اسْتُشْهِدَ، فَنَظَرَ إلى مَنظَرٍ لَمْ يَنْظُرْ إلى شَيْءٍ قَطُّ كانَ أوْجَعَ لِقَلْبِهِ مِنهُ، ونَظَرَ إلَيْهِ قَدْ مُثِّلَ بِهِ، فَقالَ: رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ، فَإنَّكَ كُنْتَ ما عَلِمْتُ وصُولًا لِلرَّحِمِ فَعُولًا لِلْخَيْرِ، ولَوْلا حُزْنُ مَن بَعْدِكَ عَلَيْكَ لَسَرَّنِي أنْ أتْرُكَكَ حَتّى يَحْشُرَكَ اللَّهُ مِن أرْواحٍ شَتّى، أما واللَّهِ لَأُمَثِّلَنَّ بِسَبْعِينَ مِنهم مَكانَكَ. فَنَزَلَ جِبْرِيلُ والنَّبِيُّ ﷺ واقِفٌ بِخَواتِيمِ سُورَةِ النَّحْلِ وإنْ عاقَبْتُمْ الآيَةَ، فَكَفَّرَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ يَمِينِهِ وأمْسَكَ عَنِ الَّذِي أرادَ وصَبَرَ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: وإنْ عاقَبْتُمْ الآيَةَ، قالَ: هَذا حِينَ أمْرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أنْ يُقاتِلَ مَن قاتَلَهُ، ثُمَّ نَزَلَتْ ( بَراءَةٌ ) وانْسِلاخُ الأشْهُرِ الحُرُمِ فَهَذا مَنسُوخٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ﴾ قالَ: اتَّقَوْا فِيما حَرُمَ عَلَيْهِمْ وأحْسَنُوا فِيما افْتُرِضَ عَلَيْهِمْ.

النحل 16:123

. لَمّا فَرَغَ سُبْحانَهُ مِن دَفْعِ شُبَهِ المُشْرِكِينَ وإبْطالِ مَطاعِنِهِمْ، وكانَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ المُوَحِّدِينَ وهو قُدْوَةُ كَثِيرٍ مِنَ النَّبِيِّينَ ذَكَرَهُ اللَّهُ في آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ فَقالَ: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً﴾ قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: يُقالُ لِلرَّجُلِ العالِمِ أُمَّةٌ، والأُمَّةُ الرَّجُلُ الجامِعُ لِلْخَيْرِ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ أكْثَرُ أهْلِ التَّفْسِيرِ، أيْ: مُعَلِّمًا لِلْخَيْرِ، وعَلى هَذا فَمَعْنى كَوْنِ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً أنَّهُ كانَ مُعَلِّمًا لِلْخَيْرِ أوْ جامِعًا لِخِصالِ الخَيْرِ أوْ عالِمًا بِما عَلَّمَهُ اللَّهُ مِنَ الشَّرائِعِ، وقِيلَ ( أُمَّةً ) بِمَعْنى مَأْمُومٍ، أيْ: يَؤُمُّهُ النّاسُ لِيَأْخُذُوا مِنهُ الخَيْرَ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾ [البقرة: ١٢٤]، والقانِتُ المُطِيعُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعانِي القُنُوتِ في البَقَرَةِ. والحَنِيفُ المائِلُ عَنِ الأدْيانِ الباطِلَةِ إلى دِينِ الحَقِّ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ في الأنْعامِ ﴿ولَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ بِاللَّهِ كَما تَزْعُمُهُ كُفّارُ قُرَيْشٍ أنَّهُ كانَ عَلى دِينِهِمُ الباطِلِ. ﴿شاكِرًا لِأنْعُمِهِ﴾ الَّتِي أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلَيْهِ؛ وإنْ كانَتْ قَلِيلَةً كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ جَمْعُ القِلَّةِ فَهو شاكِرٌ لِما كَثُرَ مِنها بِالأوْلى اجْتَباهُ أيِ اخْتارَهُ لِلنُّبُوَّةِ واخْتَصَّهُ بِها ﴿وهَداهُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وهو مِلَّةُ الإسْلامِ ودِينُ الحَقِّ. ﴿وآتَيْناهُ في الدُّنْيا حَسَنَةً﴾ أيْ خَصْلَةً حَسَنَةً أوْ حالَةً حَسَنَةً، وقِيلَ هو الوَلَدُ الصّالِحُ، وقِيلَ الثَّناءُ الحَسَنُ، وقِيلَ النُّبُوَّةُ، وقِيلَ الصَّلاةُ مِنّا عَلَيْهِ في التَّشَهُّدِ، وقِيلَ هي أنَّهُ يَتَوَلّاهُ جَمِيعُ أهْلِ الأدْيانِ، ولا مانِعَ أنْ يَكُونَ ما آتاهُ اللَّهُ شامِلًا لِذَلِكَ كُلِّهِ ولِما عَداهُ مِن خِصالِ الخَيْرِ ﴿وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ حَسْبَما وقَعَ مِنهُ السُّؤالُ لِرَبِّهِ حَيْثُ قالَ: ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ واجْعَلْنِي مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ [الشعراء: ٨٣ - ٨٥] . ﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ يا مُحَمَّدُ مَعَ عُلُوِّ دَرَجَتِكَ وسُمُوِّ مَنزِلَتِكَ وكَوْنِكَ سَيِّدَ ولَدِ آدَمَ ﴿أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ وأصْلُ المِلَّةِ اسْمٌ لِما شَرَعَهُ اللَّهُ لِعِبادِهِ عَلى لِسانِ نَبِيٍّ مِن أنْبِيائِهِ، وقِيلَ والمُرادُ هُنا اتِّباعُ النَّبِيِّ ﷺ لِمِلَّةِ إبْراهِيمَ في التَّوْحِيدِ والدَّعْوَةِ إلَيْهِ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: في التَّبَرِّي مِنَ الأوْثانِ والتَّدَيُّنِ بِدِينِ الإسْلامِ، وقِيلَ في مَناسِكِ الحِجِّ، وقِيلَ في الأُصُولِ دُونَ الفُرُوعِ وقِيلَ في جَمِيعِ شَرِيعَتِهِ إلّا ما نُسِخَ مِنها، وهَذا هو الظّاهِرُ. وقَدْ أُمِرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالِاقْتِداءِ بِالأنْبِياءِ مَعَ كَوْنِهِ سَيِّدَهِمْ فَقالَ تَعالى: ﴿فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ الأنْعامِ، وانْتِصابُ ( حَنِيفًا ) عَلى الحالِ مِن إبْراهِيمَ، وجازَ مَجِيءُ الحالِ مِنهُ، لِأنَّ المِلَّةَ كالجُزْءِ مِنهُ، وقَدْ تَقَرَّرَ في عِلْمِ النَّحْوِ أنَّ الحالَ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ جائِزٌ إذا كانَ يَقْتَضِي المُضافُ العَمَلَ في المُضافِ إلَيْهِ أوْ كانَ جُزْءًا مِنهُ أوْ كالجُزْءِ ﴿وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ وهو تَكْرِيرٌ لِما سَبَقَ لِلنُّكْتَةِ الَّتِي ذَكَرْناها. ﴿إنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ أيْ إنَّما جُعِلَ وبالُ السَّبْتِ وهو المَسْخُ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ، أوْ إنَّما جُعِلَ فَرْضُ تَعْظِيمِ السَّبْتِ وتَرْكِ الصَّيْدِ فِيهِ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لا عَلى غَيْرِهِمْ مِنَ الأُمَمِ. وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في كَيْفِيَّةِ الِاخْتِلافِ الكائِنِ بَيْنَهم في السَّبْتِ، فَقالَتْ طائِفَةٌ: إنَّ مُوسى أمَرَهم بِيَوْمِ الجُمُعَةِ وعَيَّنَهُ لَهم وأخْبَرَهم بِفَضِيلَتِهِ عَلى غَيْرِهِ، فَخالَفُوهُ وقالُوا إنَّ السَّبْتَ أفْضَلُ، فَقالَ اللَّهُ لَهُ: دَعْهم وما اخْتارُوا لِأنْفُسِهِمْ. وقِيلَ: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أمَرَهم بِتَعْظِيمِ يَوْمٍ في الأُسْبُوعِ، فاخْتَلَفَ اجْتِهادُهم فِيهِ، فَعَيَّنَتِ اليَهُودُ السَّبْتَ لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ فَرَغَ فِيهِ مِنَ الخَلْقِ، وعَيَّنَتِ النَّصارى يَوْمَ الأحَدِ لِأنَّ اللَّهَ بَدَأ فِيهِ الخَلْقَ، فَألْزَمَ اللَّهُ كُلًّا مِنهم ما أدّى إلَيْهِ اجْتِهادُهُ، وعَيَّنَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ الجُمُعَةَ مِن غَيْرِ أنْ يَكِلَهم إلى اجْتِهادِهِمْ فَضْلًا مِنهُ ونِعْمَةً. ووَجْهُ اتِّصالِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها أنَّ اليَهُودَ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ السَّبْتَ مِن شَرائِعِ إبْراهِيمَ، فَأخْبَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنَّهُ إنَّما جَعَلَ السَّبْتَ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ ولَمْ يَجْعَلْهُ عَلى إبْراهِيمَ ولا عَلى غَيْرِهِ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهم﴾ أيْ بَيْنَ المُخْتَلِفِينَ فِيهِ ﴿يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ فَيُجازِي كُلًّا فِيهِ بِما يَسْتَحِقُّهُ ثَوابًا وعِقابًا، كَما وقَعَ مِنهُ سُبْحانَهُ مِنَ المَسْخِ لِطائِفَةٍ مِنهم والتَّنْجِيَةِ لِأُخْرى. ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ أنْ يَدْعُوَ أُمَّتَهُ إلى الإسْلامِ فَقالَ: ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ وحُذِفَ المَفْعُولُ لِلتَّعْمِيمِ لِكَوْنِهِ بُعِثَ إلى النّاسِ كافَّةً، وسَبِيلُ اللَّهِ هو الإسْلامُ بِالحِكْمَةِ أيْ بِالمَقالَةِ المُحْكَمَةِ الصَّحِيحَةِ، قِيلَ وهي الحُجَجُ القَطْعِيَّةُ المُفِيدَةُ لِلْيَقِينِ ﴿والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ﴾ وهي المَقالَةُ المُشْتَمِلَةُ عَلى المَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ الَّتِي يَسْتَحْسِنُها السّامِعُ وتَكُونُ في نَفْسِها حَسَنَةً بِاعْتِبارِ انْتِفاعِ السّامِعِ بِها. قِيلَ وهي الحُجَجُ الظَّنِّيَّةُ الإقْناعِيَّةُ المُوجِبَةُ لِلتَّصْدِيقِ بِمُقَدَّماتٍ مَقْبُولَةٍ، قِيلَ ولَيْسَ لِلدَّعْوَةِ إلّا هاتانِ الطَّرِيقَتانِ، ولَكِنَّ الدّاعِيَ قَدْ يَحْتاجُ مَعَ الخَصْمِ الألَدِّ إلى اسْتِعْمالِ المُعارَضَةِ والمُناقَضَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الجَدَلِ، ولِهَذا قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ أيْ بِالطَّرِيقِ الَّتِي هي أحْسَنُ طُرُقِ المُجادَلَةِ، وإنَّما (p-٨٠٨)أمَرَ سُبْحانَهُ بِالمُجادَلَةِ الحَسَنَةِ لِكَوْنِ الدّاعِي مُحِقّا وغَرَضُهُ صَحِيحًا، وكانَ خَصْمُهُ مُبْطِلًا وغَرَضُهُ فاسِدًا ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ لَمّا حَثَّ سُبْحانَهُ عَلى الدَّعْوَةِ بِالطُّرُقِ المَذْكُورَةِ بَيَّنَ أنَّ الرُّشْدَ والهِدايَةَ لَيْسَ إلى النَّبِيِّ ﷺ وإنَّما ذَلِكَ إلَيْهِ تَعالى فَقالَ: ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ﴾ أيْ هو العالِمُ بِمَن يَضِلُّ ومَن يَهْتَدِي ﴿وهُوَ أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ أيْ بِمَن يُبْصِرُ الحَقَّ فَيَقْصِدُهُ غَيْرَ مُتَعَنِّتٍ، وإنَّما شَرَعَ لَكَ الدَّعْوَةَ وأمَرَكَ بِها قَطْعًا لِلْمَعْذِرَةِ وتَتْمِيمًا لِلْحُجَّةِ وإزاحَةً لِلشُّبْهَةِ، ولَيْسَ عَلَيْكَ غَيْرَ ذَلِكَ. ثُمَّ لَمّا كانَتِ الدَّعْوَةُ تَتَضَمَّنُ تَكْلِيفَ المَدْعُوِّينَ بِالرُّجُوعِ إلى الحَقِّ فَإنْ أبَوْا قُوتِلُوا، أمَرَ الدّاعِي بِأنْ يَعْدِلَ في العُقُوبَةِ فَقالَ: ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ﴾ أيْ أرَدْتُمُ المُعاقَبَةَ ﴿فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ أيْ بِمِثْلِ ما فُعِلَ بِكم لا تُجاوِزُوا ذَلِكَ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيمَن أُصِيبَ بِظُلامَةٍ أنْ لا يَنالَ مِن ظالِمِهِ إذا تَمَكَّنَ إلّا مِثْلَ ظُلامَتِهِ لا يَتَعَدّاها إلى غَيْرِها، وهَذا صَوابٌ، لِأنَّ الآيَةَ وإنْ قِيلَ إنَّ لَها سَبَبًا خاصًّا كَما سَيَأْتِي، فالِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ، وعُمُومُهُ يُؤَدِّي هَذا المَعْنى الَّذِي ذَكَرَهُ، وسَمّى سُبْحانَهُ الفِعْلَ الأوَّلَ الَّذِي هو فِعْلُ البادِئِ بِالشَّرِّ عُقُوبَةً، مَعَ أنَّ العُقُوبَةَ لَيْسَتْ إلّا فِعْلَ الثّانِي وهو المُجازِي لِلْمُشاكَلَةِ، وهي بابٌ مَعْرُوفٌ وقَعَ في كَثِيرٍ مِنَ الكِتابِ العَزِيزِ. ثُمَّ حَثَّ سُبْحانَهُ عَلى العَفْوِ فَقالَ: ﴿ولَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهو خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ أيْ لَئِنْ صَبَرْتُمْ عَنِ المُعاقَبَةِ بِالمَثَلِ فالصَّبْرُ خَيْرٌ لَكم مِنَ الِانْتِصافِ، ووُضِعَ الصّابِرِينَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ، ثَناءً مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم صابِرُونَ عَلى الشَّدائِدِ. وقَدْ ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُحْكَمَةٌ لِأنَّها وارِدَةٌ في الصَّبْرِ عَنِ المُعاقَبَةِ والثَّناءِ عَلى الصّابِرِينَ عَلى العُمُومِ، وقِيلَ هي مَنسُوخَةٌ بِآياتِ القِتالِ، ولا وجْهَ لِذَلِكَ. ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ بِالصَّبْرِ فَقالَ: واصْبِرْ عَلى ما أصابَكَ مِن صُنُوفِ الأذى ﴿وما صَبْرُكَ إلّا بِاللَّهِ﴾ أيْ بِتَوْفِيقِهِ وتَثْبِيتِهِ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأشْياءِ، أيْ: وما صَبْرُكَ مَصْحُوبًا بِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا بِتَوْفِيقِهِ لَكَ، وفِيهِ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ . ثُمَّ نَهاهُ عَنِ الحُزْنِ فَقالَ ﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ عَلى الكافِرِينَ في إعْراضِهِمْ عَنْكَ، أوْ لا تَحْزَنْ عَلى قَتْلى أُحُدٍ، فَإنَّهم قَدْ أفْضَوْا إلى رَحْمَةِ اللَّهِ ﴿ولا تَكُ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الضّادِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِكَسْرِها. قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: هُما سَواءٌ، يَعْنِي المَفْتُوحَ والمَكْسُورَ. وقالَ الفَرّاءُ: الضَّيْقُ بِالفَتْحِ ما ضاقَ عَنْهُ صَدْرُكَ، والضِّيقُ بِالكَسْرِ ما يَكُونُ في الَّذِي يَتَّسِعُ مِثْلُ الدّارِ والثَّوْبِ، وكَذا قالَ الأخْفَشُ، وهو مِنَ الكَلامِ المَقْلُوبِ، لِأنَّ الضِّيقَ وصْفٌ لِلْإنْسانِ يَكُونُ فِيهِ ولا يَكُونُ الإنْسانُ فِيهِ، وكَأنَّهُ أرادَ وصْفَ الضِّيقِ بِالعِظَمِ حَتّى صارَ كالشَّيْءِ المُحِيطِ بِالإنْسانِ مِن جَمِيعِ جَوانِبِهِ، ومَعْنى مِمّا يَمْكُرُونَ: مِن مَكْرِهِمْ لَكَ فِيما يُسْتَقْبَلُ مِنَ الزَّمانِ. ثُمَّ خَتَمَ هَذِهِ السُّورَةَ بِآيَةٍ جامِعَةٍ لِجَمِيعِ المَأْمُوراتِ والمَنهِيّاتِ فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ أيِ اتَّقَوُا المَعاصِيَ عَلى اخْتِلافِ أنْواعِها ﴿والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ﴾ بِتَأْدِيَةِ الطّاعاتِ والقِيامِ بِما أُمِرُوا بِها مِنها، وقِيلَ المَعْنى: إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوُا الزِّيادَةَ في العُقُوبَةِ، والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ في أصْلِ الِانْتِقامِ فَيَكُونُ الأوَّلُ إشارَةً إلى قَوْلِهِ: ﴿فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ والثّانِي إشارَةً إلى قَوْلِهِ ﴿ولَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهو خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ وقِيلَ الَّذِينَ اتَّقَوْا إشارَةٌ إلى التَّعْظِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ إشارَةٌ إلى الشَّفَقَةِ عَلى عِبادِ اللَّهِ تَعالى. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الأُمَّةِ ما هي ؟ فَقالَ: الَّذِي يُعَلِّمُ النّاسَ الخَيْرَ. قالُوا: فَما القانِتُ ؟ قالَ: الَّذِي يُطِيعُ اللَّهَ ورَسُولَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ﴾ قالَ: كانَ عَلى الإسْلامِ ولَمْ يَكُنْ في زَمانِهِ مِن قَوْمِهِ أحَدٌ عَلى الإسْلامِ غَيْرَهُ، فَلِذَلِكَ قالَ اللَّهُ ﴿كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: كانَ أُمَّةً قالَ: إمامًا في الخَيْرِ قانِتًا قالَ: مُطِيعًا. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ما مِن عَبْدٍ تَشْهَدُ لَهُ أُمَّةٌ إلّا قَبِلَ اللَّهُ شَهادَتَهم» والأُمَّةُ الرَّجُلُ فَما فَوْقَهُ، إنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً﴾ والأُمَّةُ الرَّجُلُ فَما فَوْقَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو «قالَ صَلّى جِبْرِيلُ بِإبْراهِيمَ الظُّهْرَ والعَصْرَ بِعَرَفاتٍ ثُمَّ وقَفَ حَتّى إذا غابَتِ الشَّمْسُ دَفَعَ بِهِ، ثُمَّ صَلّى المَغْرِبَ والعِشاءَ بِجَمْعٍ ثُمَّ صَلّى الفَجْرَ بِهِ كَأسْرَعِ ما يُصَلِّي أحَدُكم مِنَ المُسْلِمِينَ ثُمَّ وقَفَ بِهِ حَتّى إذا كانَ كَأبْطَإ ما يُصَلِّي أحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ دَفَعَ بِهِ، ثُمَّ رَمى الجَمْرَةَ ثُمَّ ذَبَحَ ثُمَّ حَلَقَ ثُمَّ أفاضَ بِهِ إلى البَيْتِ فَطافَ بِهِ، فَقالَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ: ﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾» وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ قالَ: أرادَ الجُمُعَةَ فَأخَذُوا السَّبْتَ مَكانَها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ السُّدِّيِّ عَنْ أبِي مالِكٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في الآيَةِ قالَ: بِاسْتِحْلالِهِمْ إيّاهُ، رَأى مُوسى رَجُلًا يَحْمِلُ حَطَبًا يَوْمَ السَّبْتِ فَضَرَبَ عُنُقَهُ. وفي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «نَحْنُ الآخِرُونَ السّابِقُونَ يَوْمَ القِيامَةِ، بَيْدَ أنَّهم أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِنا وأُوتِيناهُ مِن بَعْدِهِمْ، ثُمَّ هَذا يَوْمُهُمُ الَّذِي فُرِضَ عَلَيْهِمْ: يَعْنِي الجُمُعَةَ، فاخْتَلَفُوا فِيهِ فَهَدانا اللَّهُ لَهُ فالنّاسُ فِيهِ لَنا تَبَعٌ، اليَهُودُ غَدًا والنَّصارى بَعْدَ غَدٍ» . وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ مِن حَدِيثِ حُذَيْفَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ قالَ: أعْرِضْ عَنْ أذاهم إيّاكَ. وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ المُسْنَدِ والنَّسائِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ خُزَيْمَةَ في الفَوائِدِ وابْنُ (p-٨٠٩)حِبّانَ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: لَمّا كانَ يَوْمُ أُحُدٍ أُصِيبَ مِنَ الأنْصارِ أرْبَعَةٌ وسِتُّونَ رَجُلًا، ومِنَ المُهاجِرِينَ سِتَّةٌ، مِنهم حَمْزَةُ فَمَثَّلُوا بِهِمْ، فَقالَتِ الأنْصارُ: لَئِنْ أصَبْنا مِنهم يَوْمًا مِثْلَ هَذا لَنُرْبِيَنَّ عَلَيْهِمْ، فَلَمّا كانَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ ولَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهو خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «نَصْبِرُ ولا نُعاقِبُ، كُفُّوا عَنِ القَوْمِ إلّا أرْبَعَةً» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، والبَزّارُ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وأبُو نُعَيْمٍ في المَعْرِفَةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ «وقَفَ عَلى حَمْزَةَ حَيْثُ اسْتُشْهِدَ، فَنَظَرَ إلى مَنظَرٍ لَمْ يَنْظُرْ إلى شَيْءٍ قَطُّ كانَ أوْجَعَ لِقَلْبِهِ مِنهُ، ونَظَرَ إلَيْهِ قَدْ مُثِّلَ بِهِ، فَقالَ: رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ، فَإنَّكَ كُنْتَ ما عَلِمْتُ وصُولًا لِلرَّحِمِ فَعُولًا لِلْخَيْرِ، ولَوْلا حُزْنُ مَن بَعْدِكَ عَلَيْكَ لَسَرَّنِي أنْ أتْرُكَكَ حَتّى يَحْشُرَكَ اللَّهُ مِن أرْواحٍ شَتّى، أما واللَّهِ لَأُمَثِّلَنَّ بِسَبْعِينَ مِنهم مَكانَكَ. فَنَزَلَ جِبْرِيلُ والنَّبِيُّ ﷺ واقِفٌ بِخَواتِيمِ سُورَةِ النَّحْلِ وإنْ عاقَبْتُمْ الآيَةَ، فَكَفَّرَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ يَمِينِهِ وأمْسَكَ عَنِ الَّذِي أرادَ وصَبَرَ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: وإنْ عاقَبْتُمْ الآيَةَ، قالَ: هَذا حِينَ أمْرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أنْ يُقاتِلَ مَن قاتَلَهُ، ثُمَّ نَزَلَتْ ( بَراءَةٌ ) وانْسِلاخُ الأشْهُرِ الحُرُمِ فَهَذا مَنسُوخٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ﴾ قالَ: اتَّقَوْا فِيما حَرُمَ عَلَيْهِمْ وأحْسَنُوا فِيما افْتُرِضَ عَلَيْهِمْ.

النحل 16:124

. لَمّا فَرَغَ سُبْحانَهُ مِن دَفْعِ شُبَهِ المُشْرِكِينَ وإبْطالِ مَطاعِنِهِمْ، وكانَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ المُوَحِّدِينَ وهو قُدْوَةُ كَثِيرٍ مِنَ النَّبِيِّينَ ذَكَرَهُ اللَّهُ في آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ فَقالَ: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً﴾ قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: يُقالُ لِلرَّجُلِ العالِمِ أُمَّةٌ، والأُمَّةُ الرَّجُلُ الجامِعُ لِلْخَيْرِ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ أكْثَرُ أهْلِ التَّفْسِيرِ، أيْ: مُعَلِّمًا لِلْخَيْرِ، وعَلى هَذا فَمَعْنى كَوْنِ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً أنَّهُ كانَ مُعَلِّمًا لِلْخَيْرِ أوْ جامِعًا لِخِصالِ الخَيْرِ أوْ عالِمًا بِما عَلَّمَهُ اللَّهُ مِنَ الشَّرائِعِ، وقِيلَ ( أُمَّةً ) بِمَعْنى مَأْمُومٍ، أيْ: يَؤُمُّهُ النّاسُ لِيَأْخُذُوا مِنهُ الخَيْرَ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾ [البقرة: ١٢٤]، والقانِتُ المُطِيعُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعانِي القُنُوتِ في البَقَرَةِ. والحَنِيفُ المائِلُ عَنِ الأدْيانِ الباطِلَةِ إلى دِينِ الحَقِّ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ في الأنْعامِ ﴿ولَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ بِاللَّهِ كَما تَزْعُمُهُ كُفّارُ قُرَيْشٍ أنَّهُ كانَ عَلى دِينِهِمُ الباطِلِ. ﴿شاكِرًا لِأنْعُمِهِ﴾ الَّتِي أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلَيْهِ؛ وإنْ كانَتْ قَلِيلَةً كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ جَمْعُ القِلَّةِ فَهو شاكِرٌ لِما كَثُرَ مِنها بِالأوْلى اجْتَباهُ أيِ اخْتارَهُ لِلنُّبُوَّةِ واخْتَصَّهُ بِها ﴿وهَداهُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وهو مِلَّةُ الإسْلامِ ودِينُ الحَقِّ. ﴿وآتَيْناهُ في الدُّنْيا حَسَنَةً﴾ أيْ خَصْلَةً حَسَنَةً أوْ حالَةً حَسَنَةً، وقِيلَ هو الوَلَدُ الصّالِحُ، وقِيلَ الثَّناءُ الحَسَنُ، وقِيلَ النُّبُوَّةُ، وقِيلَ الصَّلاةُ مِنّا عَلَيْهِ في التَّشَهُّدِ، وقِيلَ هي أنَّهُ يَتَوَلّاهُ جَمِيعُ أهْلِ الأدْيانِ، ولا مانِعَ أنْ يَكُونَ ما آتاهُ اللَّهُ شامِلًا لِذَلِكَ كُلِّهِ ولِما عَداهُ مِن خِصالِ الخَيْرِ ﴿وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ حَسْبَما وقَعَ مِنهُ السُّؤالُ لِرَبِّهِ حَيْثُ قالَ: ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ واجْعَلْنِي مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ [الشعراء: ٨٣ - ٨٥] . ﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ يا مُحَمَّدُ مَعَ عُلُوِّ دَرَجَتِكَ وسُمُوِّ مَنزِلَتِكَ وكَوْنِكَ سَيِّدَ ولَدِ آدَمَ ﴿أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ وأصْلُ المِلَّةِ اسْمٌ لِما شَرَعَهُ اللَّهُ لِعِبادِهِ عَلى لِسانِ نَبِيٍّ مِن أنْبِيائِهِ، وقِيلَ والمُرادُ هُنا اتِّباعُ النَّبِيِّ ﷺ لِمِلَّةِ إبْراهِيمَ في التَّوْحِيدِ والدَّعْوَةِ إلَيْهِ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: في التَّبَرِّي مِنَ الأوْثانِ والتَّدَيُّنِ بِدِينِ الإسْلامِ، وقِيلَ في مَناسِكِ الحِجِّ، وقِيلَ في الأُصُولِ دُونَ الفُرُوعِ وقِيلَ في جَمِيعِ شَرِيعَتِهِ إلّا ما نُسِخَ مِنها، وهَذا هو الظّاهِرُ. وقَدْ أُمِرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالِاقْتِداءِ بِالأنْبِياءِ مَعَ كَوْنِهِ سَيِّدَهِمْ فَقالَ تَعالى: ﴿فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ الأنْعامِ، وانْتِصابُ ( حَنِيفًا ) عَلى الحالِ مِن إبْراهِيمَ، وجازَ مَجِيءُ الحالِ مِنهُ، لِأنَّ المِلَّةَ كالجُزْءِ مِنهُ، وقَدْ تَقَرَّرَ في عِلْمِ النَّحْوِ أنَّ الحالَ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ جائِزٌ إذا كانَ يَقْتَضِي المُضافُ العَمَلَ في المُضافِ إلَيْهِ أوْ كانَ جُزْءًا مِنهُ أوْ كالجُزْءِ ﴿وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ وهو تَكْرِيرٌ لِما سَبَقَ لِلنُّكْتَةِ الَّتِي ذَكَرْناها. ﴿إنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ أيْ إنَّما جُعِلَ وبالُ السَّبْتِ وهو المَسْخُ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ، أوْ إنَّما جُعِلَ فَرْضُ تَعْظِيمِ السَّبْتِ وتَرْكِ الصَّيْدِ فِيهِ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لا عَلى غَيْرِهِمْ مِنَ الأُمَمِ. وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في كَيْفِيَّةِ الِاخْتِلافِ الكائِنِ بَيْنَهم في السَّبْتِ، فَقالَتْ طائِفَةٌ: إنَّ مُوسى أمَرَهم بِيَوْمِ الجُمُعَةِ وعَيَّنَهُ لَهم وأخْبَرَهم بِفَضِيلَتِهِ عَلى غَيْرِهِ، فَخالَفُوهُ وقالُوا إنَّ السَّبْتَ أفْضَلُ، فَقالَ اللَّهُ لَهُ: دَعْهم وما اخْتارُوا لِأنْفُسِهِمْ. وقِيلَ: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أمَرَهم بِتَعْظِيمِ يَوْمٍ في الأُسْبُوعِ، فاخْتَلَفَ اجْتِهادُهم فِيهِ، فَعَيَّنَتِ اليَهُودُ السَّبْتَ لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ فَرَغَ فِيهِ مِنَ الخَلْقِ، وعَيَّنَتِ النَّصارى يَوْمَ الأحَدِ لِأنَّ اللَّهَ بَدَأ فِيهِ الخَلْقَ، فَألْزَمَ اللَّهُ كُلًّا مِنهم ما أدّى إلَيْهِ اجْتِهادُهُ، وعَيَّنَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ الجُمُعَةَ مِن غَيْرِ أنْ يَكِلَهم إلى اجْتِهادِهِمْ فَضْلًا مِنهُ ونِعْمَةً. ووَجْهُ اتِّصالِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها أنَّ اليَهُودَ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ السَّبْتَ مِن شَرائِعِ إبْراهِيمَ، فَأخْبَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنَّهُ إنَّما جَعَلَ السَّبْتَ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ ولَمْ يَجْعَلْهُ عَلى إبْراهِيمَ ولا عَلى غَيْرِهِ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهم﴾ أيْ بَيْنَ المُخْتَلِفِينَ فِيهِ ﴿يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ فَيُجازِي كُلًّا فِيهِ بِما يَسْتَحِقُّهُ ثَوابًا وعِقابًا، كَما وقَعَ مِنهُ سُبْحانَهُ مِنَ المَسْخِ لِطائِفَةٍ مِنهم والتَّنْجِيَةِ لِأُخْرى. ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ أنْ يَدْعُوَ أُمَّتَهُ إلى الإسْلامِ فَقالَ: ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ وحُذِفَ المَفْعُولُ لِلتَّعْمِيمِ لِكَوْنِهِ بُعِثَ إلى النّاسِ كافَّةً، وسَبِيلُ اللَّهِ هو الإسْلامُ بِالحِكْمَةِ أيْ بِالمَقالَةِ المُحْكَمَةِ الصَّحِيحَةِ، قِيلَ وهي الحُجَجُ القَطْعِيَّةُ المُفِيدَةُ لِلْيَقِينِ ﴿والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ﴾ وهي المَقالَةُ المُشْتَمِلَةُ عَلى المَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ الَّتِي يَسْتَحْسِنُها السّامِعُ وتَكُونُ في نَفْسِها حَسَنَةً بِاعْتِبارِ انْتِفاعِ السّامِعِ بِها. قِيلَ وهي الحُجَجُ الظَّنِّيَّةُ الإقْناعِيَّةُ المُوجِبَةُ لِلتَّصْدِيقِ بِمُقَدَّماتٍ مَقْبُولَةٍ، قِيلَ ولَيْسَ لِلدَّعْوَةِ إلّا هاتانِ الطَّرِيقَتانِ، ولَكِنَّ الدّاعِيَ قَدْ يَحْتاجُ مَعَ الخَصْمِ الألَدِّ إلى اسْتِعْمالِ المُعارَضَةِ والمُناقَضَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الجَدَلِ، ولِهَذا قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ أيْ بِالطَّرِيقِ الَّتِي هي أحْسَنُ طُرُقِ المُجادَلَةِ، وإنَّما (p-٨٠٨)أمَرَ سُبْحانَهُ بِالمُجادَلَةِ الحَسَنَةِ لِكَوْنِ الدّاعِي مُحِقّا وغَرَضُهُ صَحِيحًا، وكانَ خَصْمُهُ مُبْطِلًا وغَرَضُهُ فاسِدًا ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ لَمّا حَثَّ سُبْحانَهُ عَلى الدَّعْوَةِ بِالطُّرُقِ المَذْكُورَةِ بَيَّنَ أنَّ الرُّشْدَ والهِدايَةَ لَيْسَ إلى النَّبِيِّ ﷺ وإنَّما ذَلِكَ إلَيْهِ تَعالى فَقالَ: ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ﴾ أيْ هو العالِمُ بِمَن يَضِلُّ ومَن يَهْتَدِي ﴿وهُوَ أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ أيْ بِمَن يُبْصِرُ الحَقَّ فَيَقْصِدُهُ غَيْرَ مُتَعَنِّتٍ، وإنَّما شَرَعَ لَكَ الدَّعْوَةَ وأمَرَكَ بِها قَطْعًا لِلْمَعْذِرَةِ وتَتْمِيمًا لِلْحُجَّةِ وإزاحَةً لِلشُّبْهَةِ، ولَيْسَ عَلَيْكَ غَيْرَ ذَلِكَ. ثُمَّ لَمّا كانَتِ الدَّعْوَةُ تَتَضَمَّنُ تَكْلِيفَ المَدْعُوِّينَ بِالرُّجُوعِ إلى الحَقِّ فَإنْ أبَوْا قُوتِلُوا، أمَرَ الدّاعِي بِأنْ يَعْدِلَ في العُقُوبَةِ فَقالَ: ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ﴾ أيْ أرَدْتُمُ المُعاقَبَةَ ﴿فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ أيْ بِمِثْلِ ما فُعِلَ بِكم لا تُجاوِزُوا ذَلِكَ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيمَن أُصِيبَ بِظُلامَةٍ أنْ لا يَنالَ مِن ظالِمِهِ إذا تَمَكَّنَ إلّا مِثْلَ ظُلامَتِهِ لا يَتَعَدّاها إلى غَيْرِها، وهَذا صَوابٌ، لِأنَّ الآيَةَ وإنْ قِيلَ إنَّ لَها سَبَبًا خاصًّا كَما سَيَأْتِي، فالِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ، وعُمُومُهُ يُؤَدِّي هَذا المَعْنى الَّذِي ذَكَرَهُ، وسَمّى سُبْحانَهُ الفِعْلَ الأوَّلَ الَّذِي هو فِعْلُ البادِئِ بِالشَّرِّ عُقُوبَةً، مَعَ أنَّ العُقُوبَةَ لَيْسَتْ إلّا فِعْلَ الثّانِي وهو المُجازِي لِلْمُشاكَلَةِ، وهي بابٌ مَعْرُوفٌ وقَعَ في كَثِيرٍ مِنَ الكِتابِ العَزِيزِ. ثُمَّ حَثَّ سُبْحانَهُ عَلى العَفْوِ فَقالَ: ﴿ولَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهو خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ أيْ لَئِنْ صَبَرْتُمْ عَنِ المُعاقَبَةِ بِالمَثَلِ فالصَّبْرُ خَيْرٌ لَكم مِنَ الِانْتِصافِ، ووُضِعَ الصّابِرِينَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ، ثَناءً مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم صابِرُونَ عَلى الشَّدائِدِ. وقَدْ ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُحْكَمَةٌ لِأنَّها وارِدَةٌ في الصَّبْرِ عَنِ المُعاقَبَةِ والثَّناءِ عَلى الصّابِرِينَ عَلى العُمُومِ، وقِيلَ هي مَنسُوخَةٌ بِآياتِ القِتالِ، ولا وجْهَ لِذَلِكَ. ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ بِالصَّبْرِ فَقالَ: واصْبِرْ عَلى ما أصابَكَ مِن صُنُوفِ الأذى ﴿وما صَبْرُكَ إلّا بِاللَّهِ﴾ أيْ بِتَوْفِيقِهِ وتَثْبِيتِهِ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأشْياءِ، أيْ: وما صَبْرُكَ مَصْحُوبًا بِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا بِتَوْفِيقِهِ لَكَ، وفِيهِ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ . ثُمَّ نَهاهُ عَنِ الحُزْنِ فَقالَ ﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ عَلى الكافِرِينَ في إعْراضِهِمْ عَنْكَ، أوْ لا تَحْزَنْ عَلى قَتْلى أُحُدٍ، فَإنَّهم قَدْ أفْضَوْا إلى رَحْمَةِ اللَّهِ ﴿ولا تَكُ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الضّادِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِكَسْرِها. قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: هُما سَواءٌ، يَعْنِي المَفْتُوحَ والمَكْسُورَ. وقالَ الفَرّاءُ: الضَّيْقُ بِالفَتْحِ ما ضاقَ عَنْهُ صَدْرُكَ، والضِّيقُ بِالكَسْرِ ما يَكُونُ في الَّذِي يَتَّسِعُ مِثْلُ الدّارِ والثَّوْبِ، وكَذا قالَ الأخْفَشُ، وهو مِنَ الكَلامِ المَقْلُوبِ، لِأنَّ الضِّيقَ وصْفٌ لِلْإنْسانِ يَكُونُ فِيهِ ولا يَكُونُ الإنْسانُ فِيهِ، وكَأنَّهُ أرادَ وصْفَ الضِّيقِ بِالعِظَمِ حَتّى صارَ كالشَّيْءِ المُحِيطِ بِالإنْسانِ مِن جَمِيعِ جَوانِبِهِ، ومَعْنى مِمّا يَمْكُرُونَ: مِن مَكْرِهِمْ لَكَ فِيما يُسْتَقْبَلُ مِنَ الزَّمانِ. ثُمَّ خَتَمَ هَذِهِ السُّورَةَ بِآيَةٍ جامِعَةٍ لِجَمِيعِ المَأْمُوراتِ والمَنهِيّاتِ فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ أيِ اتَّقَوُا المَعاصِيَ عَلى اخْتِلافِ أنْواعِها ﴿والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ﴾ بِتَأْدِيَةِ الطّاعاتِ والقِيامِ بِما أُمِرُوا بِها مِنها، وقِيلَ المَعْنى: إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوُا الزِّيادَةَ في العُقُوبَةِ، والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ في أصْلِ الِانْتِقامِ فَيَكُونُ الأوَّلُ إشارَةً إلى قَوْلِهِ: ﴿فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ والثّانِي إشارَةً إلى قَوْلِهِ ﴿ولَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهو خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ وقِيلَ الَّذِينَ اتَّقَوْا إشارَةٌ إلى التَّعْظِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ إشارَةٌ إلى الشَّفَقَةِ عَلى عِبادِ اللَّهِ تَعالى. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الأُمَّةِ ما هي ؟ فَقالَ: الَّذِي يُعَلِّمُ النّاسَ الخَيْرَ. قالُوا: فَما القانِتُ ؟ قالَ: الَّذِي يُطِيعُ اللَّهَ ورَسُولَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ﴾ قالَ: كانَ عَلى الإسْلامِ ولَمْ يَكُنْ في زَمانِهِ مِن قَوْمِهِ أحَدٌ عَلى الإسْلامِ غَيْرَهُ، فَلِذَلِكَ قالَ اللَّهُ ﴿كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: كانَ أُمَّةً قالَ: إمامًا في الخَيْرِ قانِتًا قالَ: مُطِيعًا. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ما مِن عَبْدٍ تَشْهَدُ لَهُ أُمَّةٌ إلّا قَبِلَ اللَّهُ شَهادَتَهم» والأُمَّةُ الرَّجُلُ فَما فَوْقَهُ، إنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً﴾ والأُمَّةُ الرَّجُلُ فَما فَوْقَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو «قالَ صَلّى جِبْرِيلُ بِإبْراهِيمَ الظُّهْرَ والعَصْرَ بِعَرَفاتٍ ثُمَّ وقَفَ حَتّى إذا غابَتِ الشَّمْسُ دَفَعَ بِهِ، ثُمَّ صَلّى المَغْرِبَ والعِشاءَ بِجَمْعٍ ثُمَّ صَلّى الفَجْرَ بِهِ كَأسْرَعِ ما يُصَلِّي أحَدُكم مِنَ المُسْلِمِينَ ثُمَّ وقَفَ بِهِ حَتّى إذا كانَ كَأبْطَإ ما يُصَلِّي أحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ دَفَعَ بِهِ، ثُمَّ رَمى الجَمْرَةَ ثُمَّ ذَبَحَ ثُمَّ حَلَقَ ثُمَّ أفاضَ بِهِ إلى البَيْتِ فَطافَ بِهِ، فَقالَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ: ﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾» وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ قالَ: أرادَ الجُمُعَةَ فَأخَذُوا السَّبْتَ مَكانَها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ السُّدِّيِّ عَنْ أبِي مالِكٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في الآيَةِ قالَ: بِاسْتِحْلالِهِمْ إيّاهُ، رَأى مُوسى رَجُلًا يَحْمِلُ حَطَبًا يَوْمَ السَّبْتِ فَضَرَبَ عُنُقَهُ. وفي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «نَحْنُ الآخِرُونَ السّابِقُونَ يَوْمَ القِيامَةِ، بَيْدَ أنَّهم أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِنا وأُوتِيناهُ مِن بَعْدِهِمْ، ثُمَّ هَذا يَوْمُهُمُ الَّذِي فُرِضَ عَلَيْهِمْ: يَعْنِي الجُمُعَةَ، فاخْتَلَفُوا فِيهِ فَهَدانا اللَّهُ لَهُ فالنّاسُ فِيهِ لَنا تَبَعٌ، اليَهُودُ غَدًا والنَّصارى بَعْدَ غَدٍ» . وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ مِن حَدِيثِ حُذَيْفَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ قالَ: أعْرِضْ عَنْ أذاهم إيّاكَ. وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ المُسْنَدِ والنَّسائِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ خُزَيْمَةَ في الفَوائِدِ وابْنُ (p-٨٠٩)حِبّانَ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: لَمّا كانَ يَوْمُ أُحُدٍ أُصِيبَ مِنَ الأنْصارِ أرْبَعَةٌ وسِتُّونَ رَجُلًا، ومِنَ المُهاجِرِينَ سِتَّةٌ، مِنهم حَمْزَةُ فَمَثَّلُوا بِهِمْ، فَقالَتِ الأنْصارُ: لَئِنْ أصَبْنا مِنهم يَوْمًا مِثْلَ هَذا لَنُرْبِيَنَّ عَلَيْهِمْ، فَلَمّا كانَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ ولَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهو خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «نَصْبِرُ ولا نُعاقِبُ، كُفُّوا عَنِ القَوْمِ إلّا أرْبَعَةً» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، والبَزّارُ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وأبُو نُعَيْمٍ في المَعْرِفَةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ «وقَفَ عَلى حَمْزَةَ حَيْثُ اسْتُشْهِدَ، فَنَظَرَ إلى مَنظَرٍ لَمْ يَنْظُرْ إلى شَيْءٍ قَطُّ كانَ أوْجَعَ لِقَلْبِهِ مِنهُ، ونَظَرَ إلَيْهِ قَدْ مُثِّلَ بِهِ، فَقالَ: رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ، فَإنَّكَ كُنْتَ ما عَلِمْتُ وصُولًا لِلرَّحِمِ فَعُولًا لِلْخَيْرِ، ولَوْلا حُزْنُ مَن بَعْدِكَ عَلَيْكَ لَسَرَّنِي أنْ أتْرُكَكَ حَتّى يَحْشُرَكَ اللَّهُ مِن أرْواحٍ شَتّى، أما واللَّهِ لَأُمَثِّلَنَّ بِسَبْعِينَ مِنهم مَكانَكَ. فَنَزَلَ جِبْرِيلُ والنَّبِيُّ ﷺ واقِفٌ بِخَواتِيمِ سُورَةِ النَّحْلِ وإنْ عاقَبْتُمْ الآيَةَ، فَكَفَّرَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ يَمِينِهِ وأمْسَكَ عَنِ الَّذِي أرادَ وصَبَرَ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: وإنْ عاقَبْتُمْ الآيَةَ، قالَ: هَذا حِينَ أمْرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أنْ يُقاتِلَ مَن قاتَلَهُ، ثُمَّ نَزَلَتْ ( بَراءَةٌ ) وانْسِلاخُ الأشْهُرِ الحُرُمِ فَهَذا مَنسُوخٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ﴾ قالَ: اتَّقَوْا فِيما حَرُمَ عَلَيْهِمْ وأحْسَنُوا فِيما افْتُرِضَ عَلَيْهِمْ.

النحل 16:125

. لَمّا فَرَغَ سُبْحانَهُ مِن دَفْعِ شُبَهِ المُشْرِكِينَ وإبْطالِ مَطاعِنِهِمْ، وكانَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ المُوَحِّدِينَ وهو قُدْوَةُ كَثِيرٍ مِنَ النَّبِيِّينَ ذَكَرَهُ اللَّهُ في آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ فَقالَ: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً﴾ قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: يُقالُ لِلرَّجُلِ العالِمِ أُمَّةٌ، والأُمَّةُ الرَّجُلُ الجامِعُ لِلْخَيْرِ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ أكْثَرُ أهْلِ التَّفْسِيرِ، أيْ: مُعَلِّمًا لِلْخَيْرِ، وعَلى هَذا فَمَعْنى كَوْنِ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً أنَّهُ كانَ مُعَلِّمًا لِلْخَيْرِ أوْ جامِعًا لِخِصالِ الخَيْرِ أوْ عالِمًا بِما عَلَّمَهُ اللَّهُ مِنَ الشَّرائِعِ، وقِيلَ ( أُمَّةً ) بِمَعْنى مَأْمُومٍ، أيْ: يَؤُمُّهُ النّاسُ لِيَأْخُذُوا مِنهُ الخَيْرَ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾ [البقرة: ١٢٤]، والقانِتُ المُطِيعُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعانِي القُنُوتِ في البَقَرَةِ. والحَنِيفُ المائِلُ عَنِ الأدْيانِ الباطِلَةِ إلى دِينِ الحَقِّ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ في الأنْعامِ ﴿ولَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ بِاللَّهِ كَما تَزْعُمُهُ كُفّارُ قُرَيْشٍ أنَّهُ كانَ عَلى دِينِهِمُ الباطِلِ. ﴿شاكِرًا لِأنْعُمِهِ﴾ الَّتِي أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلَيْهِ؛ وإنْ كانَتْ قَلِيلَةً كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ جَمْعُ القِلَّةِ فَهو شاكِرٌ لِما كَثُرَ مِنها بِالأوْلى اجْتَباهُ أيِ اخْتارَهُ لِلنُّبُوَّةِ واخْتَصَّهُ بِها ﴿وهَداهُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وهو مِلَّةُ الإسْلامِ ودِينُ الحَقِّ. ﴿وآتَيْناهُ في الدُّنْيا حَسَنَةً﴾ أيْ خَصْلَةً حَسَنَةً أوْ حالَةً حَسَنَةً، وقِيلَ هو الوَلَدُ الصّالِحُ، وقِيلَ الثَّناءُ الحَسَنُ، وقِيلَ النُّبُوَّةُ، وقِيلَ الصَّلاةُ مِنّا عَلَيْهِ في التَّشَهُّدِ، وقِيلَ هي أنَّهُ يَتَوَلّاهُ جَمِيعُ أهْلِ الأدْيانِ، ولا مانِعَ أنْ يَكُونَ ما آتاهُ اللَّهُ شامِلًا لِذَلِكَ كُلِّهِ ولِما عَداهُ مِن خِصالِ الخَيْرِ ﴿وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ حَسْبَما وقَعَ مِنهُ السُّؤالُ لِرَبِّهِ حَيْثُ قالَ: ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ واجْعَلْنِي مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ [الشعراء: ٨٣ - ٨٥] . ﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ يا مُحَمَّدُ مَعَ عُلُوِّ دَرَجَتِكَ وسُمُوِّ مَنزِلَتِكَ وكَوْنِكَ سَيِّدَ ولَدِ آدَمَ ﴿أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ وأصْلُ المِلَّةِ اسْمٌ لِما شَرَعَهُ اللَّهُ لِعِبادِهِ عَلى لِسانِ نَبِيٍّ مِن أنْبِيائِهِ، وقِيلَ والمُرادُ هُنا اتِّباعُ النَّبِيِّ ﷺ لِمِلَّةِ إبْراهِيمَ في التَّوْحِيدِ والدَّعْوَةِ إلَيْهِ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: في التَّبَرِّي مِنَ الأوْثانِ والتَّدَيُّنِ بِدِينِ الإسْلامِ، وقِيلَ في مَناسِكِ الحِجِّ، وقِيلَ في الأُصُولِ دُونَ الفُرُوعِ وقِيلَ في جَمِيعِ شَرِيعَتِهِ إلّا ما نُسِخَ مِنها، وهَذا هو الظّاهِرُ. وقَدْ أُمِرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالِاقْتِداءِ بِالأنْبِياءِ مَعَ كَوْنِهِ سَيِّدَهِمْ فَقالَ تَعالى: ﴿فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ الأنْعامِ، وانْتِصابُ ( حَنِيفًا ) عَلى الحالِ مِن إبْراهِيمَ، وجازَ مَجِيءُ الحالِ مِنهُ، لِأنَّ المِلَّةَ كالجُزْءِ مِنهُ، وقَدْ تَقَرَّرَ في عِلْمِ النَّحْوِ أنَّ الحالَ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ جائِزٌ إذا كانَ يَقْتَضِي المُضافُ العَمَلَ في المُضافِ إلَيْهِ أوْ كانَ جُزْءًا مِنهُ أوْ كالجُزْءِ ﴿وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ وهو تَكْرِيرٌ لِما سَبَقَ لِلنُّكْتَةِ الَّتِي ذَكَرْناها. ﴿إنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ أيْ إنَّما جُعِلَ وبالُ السَّبْتِ وهو المَسْخُ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ، أوْ إنَّما جُعِلَ فَرْضُ تَعْظِيمِ السَّبْتِ وتَرْكِ الصَّيْدِ فِيهِ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لا عَلى غَيْرِهِمْ مِنَ الأُمَمِ. وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في كَيْفِيَّةِ الِاخْتِلافِ الكائِنِ بَيْنَهم في السَّبْتِ، فَقالَتْ طائِفَةٌ: إنَّ مُوسى أمَرَهم بِيَوْمِ الجُمُعَةِ وعَيَّنَهُ لَهم وأخْبَرَهم بِفَضِيلَتِهِ عَلى غَيْرِهِ، فَخالَفُوهُ وقالُوا إنَّ السَّبْتَ أفْضَلُ، فَقالَ اللَّهُ لَهُ: دَعْهم وما اخْتارُوا لِأنْفُسِهِمْ. وقِيلَ: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أمَرَهم بِتَعْظِيمِ يَوْمٍ في الأُسْبُوعِ، فاخْتَلَفَ اجْتِهادُهم فِيهِ، فَعَيَّنَتِ اليَهُودُ السَّبْتَ لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ فَرَغَ فِيهِ مِنَ الخَلْقِ، وعَيَّنَتِ النَّصارى يَوْمَ الأحَدِ لِأنَّ اللَّهَ بَدَأ فِيهِ الخَلْقَ، فَألْزَمَ اللَّهُ كُلًّا مِنهم ما أدّى إلَيْهِ اجْتِهادُهُ، وعَيَّنَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ الجُمُعَةَ مِن غَيْرِ أنْ يَكِلَهم إلى اجْتِهادِهِمْ فَضْلًا مِنهُ ونِعْمَةً. ووَجْهُ اتِّصالِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها أنَّ اليَهُودَ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ السَّبْتَ مِن شَرائِعِ إبْراهِيمَ، فَأخْبَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنَّهُ إنَّما جَعَلَ السَّبْتَ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ ولَمْ يَجْعَلْهُ عَلى إبْراهِيمَ ولا عَلى غَيْرِهِ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهم﴾ أيْ بَيْنَ المُخْتَلِفِينَ فِيهِ ﴿يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ فَيُجازِي كُلًّا فِيهِ بِما يَسْتَحِقُّهُ ثَوابًا وعِقابًا، كَما وقَعَ مِنهُ سُبْحانَهُ مِنَ المَسْخِ لِطائِفَةٍ مِنهم والتَّنْجِيَةِ لِأُخْرى. ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ أنْ يَدْعُوَ أُمَّتَهُ إلى الإسْلامِ فَقالَ: ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ وحُذِفَ المَفْعُولُ لِلتَّعْمِيمِ لِكَوْنِهِ بُعِثَ إلى النّاسِ كافَّةً، وسَبِيلُ اللَّهِ هو الإسْلامُ بِالحِكْمَةِ أيْ بِالمَقالَةِ المُحْكَمَةِ الصَّحِيحَةِ، قِيلَ وهي الحُجَجُ القَطْعِيَّةُ المُفِيدَةُ لِلْيَقِينِ ﴿والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ﴾ وهي المَقالَةُ المُشْتَمِلَةُ عَلى المَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ الَّتِي يَسْتَحْسِنُها السّامِعُ وتَكُونُ في نَفْسِها حَسَنَةً بِاعْتِبارِ انْتِفاعِ السّامِعِ بِها. قِيلَ وهي الحُجَجُ الظَّنِّيَّةُ الإقْناعِيَّةُ المُوجِبَةُ لِلتَّصْدِيقِ بِمُقَدَّماتٍ مَقْبُولَةٍ، قِيلَ ولَيْسَ لِلدَّعْوَةِ إلّا هاتانِ الطَّرِيقَتانِ، ولَكِنَّ الدّاعِيَ قَدْ يَحْتاجُ مَعَ الخَصْمِ الألَدِّ إلى اسْتِعْمالِ المُعارَضَةِ والمُناقَضَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الجَدَلِ، ولِهَذا قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ أيْ بِالطَّرِيقِ الَّتِي هي أحْسَنُ طُرُقِ المُجادَلَةِ، وإنَّما (p-٨٠٨)أمَرَ سُبْحانَهُ بِالمُجادَلَةِ الحَسَنَةِ لِكَوْنِ الدّاعِي مُحِقّا وغَرَضُهُ صَحِيحًا، وكانَ خَصْمُهُ مُبْطِلًا وغَرَضُهُ فاسِدًا ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ لَمّا حَثَّ سُبْحانَهُ عَلى الدَّعْوَةِ بِالطُّرُقِ المَذْكُورَةِ بَيَّنَ أنَّ الرُّشْدَ والهِدايَةَ لَيْسَ إلى النَّبِيِّ ﷺ وإنَّما ذَلِكَ إلَيْهِ تَعالى فَقالَ: ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ﴾ أيْ هو العالِمُ بِمَن يَضِلُّ ومَن يَهْتَدِي ﴿وهُوَ أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ أيْ بِمَن يُبْصِرُ الحَقَّ فَيَقْصِدُهُ غَيْرَ مُتَعَنِّتٍ، وإنَّما شَرَعَ لَكَ الدَّعْوَةَ وأمَرَكَ بِها قَطْعًا لِلْمَعْذِرَةِ وتَتْمِيمًا لِلْحُجَّةِ وإزاحَةً لِلشُّبْهَةِ، ولَيْسَ عَلَيْكَ غَيْرَ ذَلِكَ. ثُمَّ لَمّا كانَتِ الدَّعْوَةُ تَتَضَمَّنُ تَكْلِيفَ المَدْعُوِّينَ بِالرُّجُوعِ إلى الحَقِّ فَإنْ أبَوْا قُوتِلُوا، أمَرَ الدّاعِي بِأنْ يَعْدِلَ في العُقُوبَةِ فَقالَ: ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ﴾ أيْ أرَدْتُمُ المُعاقَبَةَ ﴿فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ أيْ بِمِثْلِ ما فُعِلَ بِكم لا تُجاوِزُوا ذَلِكَ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيمَن أُصِيبَ بِظُلامَةٍ أنْ لا يَنالَ مِن ظالِمِهِ إذا تَمَكَّنَ إلّا مِثْلَ ظُلامَتِهِ لا يَتَعَدّاها إلى غَيْرِها، وهَذا صَوابٌ، لِأنَّ الآيَةَ وإنْ قِيلَ إنَّ لَها سَبَبًا خاصًّا كَما سَيَأْتِي، فالِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ، وعُمُومُهُ يُؤَدِّي هَذا المَعْنى الَّذِي ذَكَرَهُ، وسَمّى سُبْحانَهُ الفِعْلَ الأوَّلَ الَّذِي هو فِعْلُ البادِئِ بِالشَّرِّ عُقُوبَةً، مَعَ أنَّ العُقُوبَةَ لَيْسَتْ إلّا فِعْلَ الثّانِي وهو المُجازِي لِلْمُشاكَلَةِ، وهي بابٌ مَعْرُوفٌ وقَعَ في كَثِيرٍ مِنَ الكِتابِ العَزِيزِ. ثُمَّ حَثَّ سُبْحانَهُ عَلى العَفْوِ فَقالَ: ﴿ولَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهو خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ أيْ لَئِنْ صَبَرْتُمْ عَنِ المُعاقَبَةِ بِالمَثَلِ فالصَّبْرُ خَيْرٌ لَكم مِنَ الِانْتِصافِ، ووُضِعَ الصّابِرِينَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ، ثَناءً مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم صابِرُونَ عَلى الشَّدائِدِ. وقَدْ ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُحْكَمَةٌ لِأنَّها وارِدَةٌ في الصَّبْرِ عَنِ المُعاقَبَةِ والثَّناءِ عَلى الصّابِرِينَ عَلى العُمُومِ، وقِيلَ هي مَنسُوخَةٌ بِآياتِ القِتالِ، ولا وجْهَ لِذَلِكَ. ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ بِالصَّبْرِ فَقالَ: واصْبِرْ عَلى ما أصابَكَ مِن صُنُوفِ الأذى ﴿وما صَبْرُكَ إلّا بِاللَّهِ﴾ أيْ بِتَوْفِيقِهِ وتَثْبِيتِهِ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأشْياءِ، أيْ: وما صَبْرُكَ مَصْحُوبًا بِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا بِتَوْفِيقِهِ لَكَ، وفِيهِ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ . ثُمَّ نَهاهُ عَنِ الحُزْنِ فَقالَ ﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ عَلى الكافِرِينَ في إعْراضِهِمْ عَنْكَ، أوْ لا تَحْزَنْ عَلى قَتْلى أُحُدٍ، فَإنَّهم قَدْ أفْضَوْا إلى رَحْمَةِ اللَّهِ ﴿ولا تَكُ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الضّادِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِكَسْرِها. قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: هُما سَواءٌ، يَعْنِي المَفْتُوحَ والمَكْسُورَ. وقالَ الفَرّاءُ: الضَّيْقُ بِالفَتْحِ ما ضاقَ عَنْهُ صَدْرُكَ، والضِّيقُ بِالكَسْرِ ما يَكُونُ في الَّذِي يَتَّسِعُ مِثْلُ الدّارِ والثَّوْبِ، وكَذا قالَ الأخْفَشُ، وهو مِنَ الكَلامِ المَقْلُوبِ، لِأنَّ الضِّيقَ وصْفٌ لِلْإنْسانِ يَكُونُ فِيهِ ولا يَكُونُ الإنْسانُ فِيهِ، وكَأنَّهُ أرادَ وصْفَ الضِّيقِ بِالعِظَمِ حَتّى صارَ كالشَّيْءِ المُحِيطِ بِالإنْسانِ مِن جَمِيعِ جَوانِبِهِ، ومَعْنى مِمّا يَمْكُرُونَ: مِن مَكْرِهِمْ لَكَ فِيما يُسْتَقْبَلُ مِنَ الزَّمانِ. ثُمَّ خَتَمَ هَذِهِ السُّورَةَ بِآيَةٍ جامِعَةٍ لِجَمِيعِ المَأْمُوراتِ والمَنهِيّاتِ فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ أيِ اتَّقَوُا المَعاصِيَ عَلى اخْتِلافِ أنْواعِها ﴿والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ﴾ بِتَأْدِيَةِ الطّاعاتِ والقِيامِ بِما أُمِرُوا بِها مِنها، وقِيلَ المَعْنى: إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوُا الزِّيادَةَ في العُقُوبَةِ، والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ في أصْلِ الِانْتِقامِ فَيَكُونُ الأوَّلُ إشارَةً إلى قَوْلِهِ: ﴿فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ والثّانِي إشارَةً إلى قَوْلِهِ ﴿ولَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهو خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ وقِيلَ الَّذِينَ اتَّقَوْا إشارَةٌ إلى التَّعْظِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ إشارَةٌ إلى الشَّفَقَةِ عَلى عِبادِ اللَّهِ تَعالى. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الأُمَّةِ ما هي ؟ فَقالَ: الَّذِي يُعَلِّمُ النّاسَ الخَيْرَ. قالُوا: فَما القانِتُ ؟ قالَ: الَّذِي يُطِيعُ اللَّهَ ورَسُولَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ﴾ قالَ: كانَ عَلى الإسْلامِ ولَمْ يَكُنْ في زَمانِهِ مِن قَوْمِهِ أحَدٌ عَلى الإسْلامِ غَيْرَهُ، فَلِذَلِكَ قالَ اللَّهُ ﴿كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: كانَ أُمَّةً قالَ: إمامًا في الخَيْرِ قانِتًا قالَ: مُطِيعًا. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ما مِن عَبْدٍ تَشْهَدُ لَهُ أُمَّةٌ إلّا قَبِلَ اللَّهُ شَهادَتَهم» والأُمَّةُ الرَّجُلُ فَما فَوْقَهُ، إنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً﴾ والأُمَّةُ الرَّجُلُ فَما فَوْقَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو «قالَ صَلّى جِبْرِيلُ بِإبْراهِيمَ الظُّهْرَ والعَصْرَ بِعَرَفاتٍ ثُمَّ وقَفَ حَتّى إذا غابَتِ الشَّمْسُ دَفَعَ بِهِ، ثُمَّ صَلّى المَغْرِبَ والعِشاءَ بِجَمْعٍ ثُمَّ صَلّى الفَجْرَ بِهِ كَأسْرَعِ ما يُصَلِّي أحَدُكم مِنَ المُسْلِمِينَ ثُمَّ وقَفَ بِهِ حَتّى إذا كانَ كَأبْطَإ ما يُصَلِّي أحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ دَفَعَ بِهِ، ثُمَّ رَمى الجَمْرَةَ ثُمَّ ذَبَحَ ثُمَّ حَلَقَ ثُمَّ أفاضَ بِهِ إلى البَيْتِ فَطافَ بِهِ، فَقالَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ: ﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾» وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ قالَ: أرادَ الجُمُعَةَ فَأخَذُوا السَّبْتَ مَكانَها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ السُّدِّيِّ عَنْ أبِي مالِكٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في الآيَةِ قالَ: بِاسْتِحْلالِهِمْ إيّاهُ، رَأى مُوسى رَجُلًا يَحْمِلُ حَطَبًا يَوْمَ السَّبْتِ فَضَرَبَ عُنُقَهُ. وفي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «نَحْنُ الآخِرُونَ السّابِقُونَ يَوْمَ القِيامَةِ، بَيْدَ أنَّهم أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِنا وأُوتِيناهُ مِن بَعْدِهِمْ، ثُمَّ هَذا يَوْمُهُمُ الَّذِي فُرِضَ عَلَيْهِمْ: يَعْنِي الجُمُعَةَ، فاخْتَلَفُوا فِيهِ فَهَدانا اللَّهُ لَهُ فالنّاسُ فِيهِ لَنا تَبَعٌ، اليَهُودُ غَدًا والنَّصارى بَعْدَ غَدٍ» . وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ مِن حَدِيثِ حُذَيْفَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ قالَ: أعْرِضْ عَنْ أذاهم إيّاكَ. وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ المُسْنَدِ والنَّسائِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ خُزَيْمَةَ في الفَوائِدِ وابْنُ (p-٨٠٩)حِبّانَ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: لَمّا كانَ يَوْمُ أُحُدٍ أُصِيبَ مِنَ الأنْصارِ أرْبَعَةٌ وسِتُّونَ رَجُلًا، ومِنَ المُهاجِرِينَ سِتَّةٌ، مِنهم حَمْزَةُ فَمَثَّلُوا بِهِمْ، فَقالَتِ الأنْصارُ: لَئِنْ أصَبْنا مِنهم يَوْمًا مِثْلَ هَذا لَنُرْبِيَنَّ عَلَيْهِمْ، فَلَمّا كانَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ ولَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهو خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «نَصْبِرُ ولا نُعاقِبُ، كُفُّوا عَنِ القَوْمِ إلّا أرْبَعَةً» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، والبَزّارُ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وأبُو نُعَيْمٍ في المَعْرِفَةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ «وقَفَ عَلى حَمْزَةَ حَيْثُ اسْتُشْهِدَ، فَنَظَرَ إلى مَنظَرٍ لَمْ يَنْظُرْ إلى شَيْءٍ قَطُّ كانَ أوْجَعَ لِقَلْبِهِ مِنهُ، ونَظَرَ إلَيْهِ قَدْ مُثِّلَ بِهِ، فَقالَ: رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ، فَإنَّكَ كُنْتَ ما عَلِمْتُ وصُولًا لِلرَّحِمِ فَعُولًا لِلْخَيْرِ، ولَوْلا حُزْنُ مَن بَعْدِكَ عَلَيْكَ لَسَرَّنِي أنْ أتْرُكَكَ حَتّى يَحْشُرَكَ اللَّهُ مِن أرْواحٍ شَتّى، أما واللَّهِ لَأُمَثِّلَنَّ بِسَبْعِينَ مِنهم مَكانَكَ. فَنَزَلَ جِبْرِيلُ والنَّبِيُّ ﷺ واقِفٌ بِخَواتِيمِ سُورَةِ النَّحْلِ وإنْ عاقَبْتُمْ الآيَةَ، فَكَفَّرَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ يَمِينِهِ وأمْسَكَ عَنِ الَّذِي أرادَ وصَبَرَ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: وإنْ عاقَبْتُمْ الآيَةَ، قالَ: هَذا حِينَ أمْرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أنْ يُقاتِلَ مَن قاتَلَهُ، ثُمَّ نَزَلَتْ ( بَراءَةٌ ) وانْسِلاخُ الأشْهُرِ الحُرُمِ فَهَذا مَنسُوخٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ﴾ قالَ: اتَّقَوْا فِيما حَرُمَ عَلَيْهِمْ وأحْسَنُوا فِيما افْتُرِضَ عَلَيْهِمْ.

النحل 16:126

. لَمّا فَرَغَ سُبْحانَهُ مِن دَفْعِ شُبَهِ المُشْرِكِينَ وإبْطالِ مَطاعِنِهِمْ، وكانَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ المُوَحِّدِينَ وهو قُدْوَةُ كَثِيرٍ مِنَ النَّبِيِّينَ ذَكَرَهُ اللَّهُ في آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ فَقالَ: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً﴾ قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: يُقالُ لِلرَّجُلِ العالِمِ أُمَّةٌ، والأُمَّةُ الرَّجُلُ الجامِعُ لِلْخَيْرِ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ أكْثَرُ أهْلِ التَّفْسِيرِ، أيْ: مُعَلِّمًا لِلْخَيْرِ، وعَلى هَذا فَمَعْنى كَوْنِ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً أنَّهُ كانَ مُعَلِّمًا لِلْخَيْرِ أوْ جامِعًا لِخِصالِ الخَيْرِ أوْ عالِمًا بِما عَلَّمَهُ اللَّهُ مِنَ الشَّرائِعِ، وقِيلَ ( أُمَّةً ) بِمَعْنى مَأْمُومٍ، أيْ: يَؤُمُّهُ النّاسُ لِيَأْخُذُوا مِنهُ الخَيْرَ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾ [البقرة: ١٢٤]، والقانِتُ المُطِيعُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعانِي القُنُوتِ في البَقَرَةِ. والحَنِيفُ المائِلُ عَنِ الأدْيانِ الباطِلَةِ إلى دِينِ الحَقِّ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ في الأنْعامِ ﴿ولَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ بِاللَّهِ كَما تَزْعُمُهُ كُفّارُ قُرَيْشٍ أنَّهُ كانَ عَلى دِينِهِمُ الباطِلِ. ﴿شاكِرًا لِأنْعُمِهِ﴾ الَّتِي أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلَيْهِ؛ وإنْ كانَتْ قَلِيلَةً كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ جَمْعُ القِلَّةِ فَهو شاكِرٌ لِما كَثُرَ مِنها بِالأوْلى اجْتَباهُ أيِ اخْتارَهُ لِلنُّبُوَّةِ واخْتَصَّهُ بِها ﴿وهَداهُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وهو مِلَّةُ الإسْلامِ ودِينُ الحَقِّ. ﴿وآتَيْناهُ في الدُّنْيا حَسَنَةً﴾ أيْ خَصْلَةً حَسَنَةً أوْ حالَةً حَسَنَةً، وقِيلَ هو الوَلَدُ الصّالِحُ، وقِيلَ الثَّناءُ الحَسَنُ، وقِيلَ النُّبُوَّةُ، وقِيلَ الصَّلاةُ مِنّا عَلَيْهِ في التَّشَهُّدِ، وقِيلَ هي أنَّهُ يَتَوَلّاهُ جَمِيعُ أهْلِ الأدْيانِ، ولا مانِعَ أنْ يَكُونَ ما آتاهُ اللَّهُ شامِلًا لِذَلِكَ كُلِّهِ ولِما عَداهُ مِن خِصالِ الخَيْرِ ﴿وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ حَسْبَما وقَعَ مِنهُ السُّؤالُ لِرَبِّهِ حَيْثُ قالَ: ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ واجْعَلْنِي مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ [الشعراء: ٨٣ - ٨٥] . ﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ يا مُحَمَّدُ مَعَ عُلُوِّ دَرَجَتِكَ وسُمُوِّ مَنزِلَتِكَ وكَوْنِكَ سَيِّدَ ولَدِ آدَمَ ﴿أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ وأصْلُ المِلَّةِ اسْمٌ لِما شَرَعَهُ اللَّهُ لِعِبادِهِ عَلى لِسانِ نَبِيٍّ مِن أنْبِيائِهِ، وقِيلَ والمُرادُ هُنا اتِّباعُ النَّبِيِّ ﷺ لِمِلَّةِ إبْراهِيمَ في التَّوْحِيدِ والدَّعْوَةِ إلَيْهِ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: في التَّبَرِّي مِنَ الأوْثانِ والتَّدَيُّنِ بِدِينِ الإسْلامِ، وقِيلَ في مَناسِكِ الحِجِّ، وقِيلَ في الأُصُولِ دُونَ الفُرُوعِ وقِيلَ في جَمِيعِ شَرِيعَتِهِ إلّا ما نُسِخَ مِنها، وهَذا هو الظّاهِرُ. وقَدْ أُمِرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالِاقْتِداءِ بِالأنْبِياءِ مَعَ كَوْنِهِ سَيِّدَهِمْ فَقالَ تَعالى: ﴿فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ الأنْعامِ، وانْتِصابُ ( حَنِيفًا ) عَلى الحالِ مِن إبْراهِيمَ، وجازَ مَجِيءُ الحالِ مِنهُ، لِأنَّ المِلَّةَ كالجُزْءِ مِنهُ، وقَدْ تَقَرَّرَ في عِلْمِ النَّحْوِ أنَّ الحالَ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ جائِزٌ إذا كانَ يَقْتَضِي المُضافُ العَمَلَ في المُضافِ إلَيْهِ أوْ كانَ جُزْءًا مِنهُ أوْ كالجُزْءِ ﴿وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ وهو تَكْرِيرٌ لِما سَبَقَ لِلنُّكْتَةِ الَّتِي ذَكَرْناها. ﴿إنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ أيْ إنَّما جُعِلَ وبالُ السَّبْتِ وهو المَسْخُ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ، أوْ إنَّما جُعِلَ فَرْضُ تَعْظِيمِ السَّبْتِ وتَرْكِ الصَّيْدِ فِيهِ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لا عَلى غَيْرِهِمْ مِنَ الأُمَمِ. وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في كَيْفِيَّةِ الِاخْتِلافِ الكائِنِ بَيْنَهم في السَّبْتِ، فَقالَتْ طائِفَةٌ: إنَّ مُوسى أمَرَهم بِيَوْمِ الجُمُعَةِ وعَيَّنَهُ لَهم وأخْبَرَهم بِفَضِيلَتِهِ عَلى غَيْرِهِ، فَخالَفُوهُ وقالُوا إنَّ السَّبْتَ أفْضَلُ، فَقالَ اللَّهُ لَهُ: دَعْهم وما اخْتارُوا لِأنْفُسِهِمْ. وقِيلَ: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أمَرَهم بِتَعْظِيمِ يَوْمٍ في الأُسْبُوعِ، فاخْتَلَفَ اجْتِهادُهم فِيهِ، فَعَيَّنَتِ اليَهُودُ السَّبْتَ لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ فَرَغَ فِيهِ مِنَ الخَلْقِ، وعَيَّنَتِ النَّصارى يَوْمَ الأحَدِ لِأنَّ اللَّهَ بَدَأ فِيهِ الخَلْقَ، فَألْزَمَ اللَّهُ كُلًّا مِنهم ما أدّى إلَيْهِ اجْتِهادُهُ، وعَيَّنَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ الجُمُعَةَ مِن غَيْرِ أنْ يَكِلَهم إلى اجْتِهادِهِمْ فَضْلًا مِنهُ ونِعْمَةً. ووَجْهُ اتِّصالِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها أنَّ اليَهُودَ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ السَّبْتَ مِن شَرائِعِ إبْراهِيمَ، فَأخْبَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنَّهُ إنَّما جَعَلَ السَّبْتَ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ ولَمْ يَجْعَلْهُ عَلى إبْراهِيمَ ولا عَلى غَيْرِهِ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهم﴾ أيْ بَيْنَ المُخْتَلِفِينَ فِيهِ ﴿يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ فَيُجازِي كُلًّا فِيهِ بِما يَسْتَحِقُّهُ ثَوابًا وعِقابًا، كَما وقَعَ مِنهُ سُبْحانَهُ مِنَ المَسْخِ لِطائِفَةٍ مِنهم والتَّنْجِيَةِ لِأُخْرى. ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ أنْ يَدْعُوَ أُمَّتَهُ إلى الإسْلامِ فَقالَ: ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ وحُذِفَ المَفْعُولُ لِلتَّعْمِيمِ لِكَوْنِهِ بُعِثَ إلى النّاسِ كافَّةً، وسَبِيلُ اللَّهِ هو الإسْلامُ بِالحِكْمَةِ أيْ بِالمَقالَةِ المُحْكَمَةِ الصَّحِيحَةِ، قِيلَ وهي الحُجَجُ القَطْعِيَّةُ المُفِيدَةُ لِلْيَقِينِ ﴿والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ﴾ وهي المَقالَةُ المُشْتَمِلَةُ عَلى المَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ الَّتِي يَسْتَحْسِنُها السّامِعُ وتَكُونُ في نَفْسِها حَسَنَةً بِاعْتِبارِ انْتِفاعِ السّامِعِ بِها. قِيلَ وهي الحُجَجُ الظَّنِّيَّةُ الإقْناعِيَّةُ المُوجِبَةُ لِلتَّصْدِيقِ بِمُقَدَّماتٍ مَقْبُولَةٍ، قِيلَ ولَيْسَ لِلدَّعْوَةِ إلّا هاتانِ الطَّرِيقَتانِ، ولَكِنَّ الدّاعِيَ قَدْ يَحْتاجُ مَعَ الخَصْمِ الألَدِّ إلى اسْتِعْمالِ المُعارَضَةِ والمُناقَضَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الجَدَلِ، ولِهَذا قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ أيْ بِالطَّرِيقِ الَّتِي هي أحْسَنُ طُرُقِ المُجادَلَةِ، وإنَّما (p-٨٠٨)أمَرَ سُبْحانَهُ بِالمُجادَلَةِ الحَسَنَةِ لِكَوْنِ الدّاعِي مُحِقّا وغَرَضُهُ صَحِيحًا، وكانَ خَصْمُهُ مُبْطِلًا وغَرَضُهُ فاسِدًا ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ لَمّا حَثَّ سُبْحانَهُ عَلى الدَّعْوَةِ بِالطُّرُقِ المَذْكُورَةِ بَيَّنَ أنَّ الرُّشْدَ والهِدايَةَ لَيْسَ إلى النَّبِيِّ ﷺ وإنَّما ذَلِكَ إلَيْهِ تَعالى فَقالَ: ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ﴾ أيْ هو العالِمُ بِمَن يَضِلُّ ومَن يَهْتَدِي ﴿وهُوَ أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ أيْ بِمَن يُبْصِرُ الحَقَّ فَيَقْصِدُهُ غَيْرَ مُتَعَنِّتٍ، وإنَّما شَرَعَ لَكَ الدَّعْوَةَ وأمَرَكَ بِها قَطْعًا لِلْمَعْذِرَةِ وتَتْمِيمًا لِلْحُجَّةِ وإزاحَةً لِلشُّبْهَةِ، ولَيْسَ عَلَيْكَ غَيْرَ ذَلِكَ. ثُمَّ لَمّا كانَتِ الدَّعْوَةُ تَتَضَمَّنُ تَكْلِيفَ المَدْعُوِّينَ بِالرُّجُوعِ إلى الحَقِّ فَإنْ أبَوْا قُوتِلُوا، أمَرَ الدّاعِي بِأنْ يَعْدِلَ في العُقُوبَةِ فَقالَ: ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ﴾ أيْ أرَدْتُمُ المُعاقَبَةَ ﴿فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ أيْ بِمِثْلِ ما فُعِلَ بِكم لا تُجاوِزُوا ذَلِكَ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيمَن أُصِيبَ بِظُلامَةٍ أنْ لا يَنالَ مِن ظالِمِهِ إذا تَمَكَّنَ إلّا مِثْلَ ظُلامَتِهِ لا يَتَعَدّاها إلى غَيْرِها، وهَذا صَوابٌ، لِأنَّ الآيَةَ وإنْ قِيلَ إنَّ لَها سَبَبًا خاصًّا كَما سَيَأْتِي، فالِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ، وعُمُومُهُ يُؤَدِّي هَذا المَعْنى الَّذِي ذَكَرَهُ، وسَمّى سُبْحانَهُ الفِعْلَ الأوَّلَ الَّذِي هو فِعْلُ البادِئِ بِالشَّرِّ عُقُوبَةً، مَعَ أنَّ العُقُوبَةَ لَيْسَتْ إلّا فِعْلَ الثّانِي وهو المُجازِي لِلْمُشاكَلَةِ، وهي بابٌ مَعْرُوفٌ وقَعَ في كَثِيرٍ مِنَ الكِتابِ العَزِيزِ. ثُمَّ حَثَّ سُبْحانَهُ عَلى العَفْوِ فَقالَ: ﴿ولَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهو خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ أيْ لَئِنْ صَبَرْتُمْ عَنِ المُعاقَبَةِ بِالمَثَلِ فالصَّبْرُ خَيْرٌ لَكم مِنَ الِانْتِصافِ، ووُضِعَ الصّابِرِينَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ، ثَناءً مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم صابِرُونَ عَلى الشَّدائِدِ. وقَدْ ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُحْكَمَةٌ لِأنَّها وارِدَةٌ في الصَّبْرِ عَنِ المُعاقَبَةِ والثَّناءِ عَلى الصّابِرِينَ عَلى العُمُومِ، وقِيلَ هي مَنسُوخَةٌ بِآياتِ القِتالِ، ولا وجْهَ لِذَلِكَ. ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ بِالصَّبْرِ فَقالَ: واصْبِرْ عَلى ما أصابَكَ مِن صُنُوفِ الأذى ﴿وما صَبْرُكَ إلّا بِاللَّهِ﴾ أيْ بِتَوْفِيقِهِ وتَثْبِيتِهِ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأشْياءِ، أيْ: وما صَبْرُكَ مَصْحُوبًا بِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا بِتَوْفِيقِهِ لَكَ، وفِيهِ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ . ثُمَّ نَهاهُ عَنِ الحُزْنِ فَقالَ ﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ عَلى الكافِرِينَ في إعْراضِهِمْ عَنْكَ، أوْ لا تَحْزَنْ عَلى قَتْلى أُحُدٍ، فَإنَّهم قَدْ أفْضَوْا إلى رَحْمَةِ اللَّهِ ﴿ولا تَكُ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الضّادِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِكَسْرِها. قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: هُما سَواءٌ، يَعْنِي المَفْتُوحَ والمَكْسُورَ. وقالَ الفَرّاءُ: الضَّيْقُ بِالفَتْحِ ما ضاقَ عَنْهُ صَدْرُكَ، والضِّيقُ بِالكَسْرِ ما يَكُونُ في الَّذِي يَتَّسِعُ مِثْلُ الدّارِ والثَّوْبِ، وكَذا قالَ الأخْفَشُ، وهو مِنَ الكَلامِ المَقْلُوبِ، لِأنَّ الضِّيقَ وصْفٌ لِلْإنْسانِ يَكُونُ فِيهِ ولا يَكُونُ الإنْسانُ فِيهِ، وكَأنَّهُ أرادَ وصْفَ الضِّيقِ بِالعِظَمِ حَتّى صارَ كالشَّيْءِ المُحِيطِ بِالإنْسانِ مِن جَمِيعِ جَوانِبِهِ، ومَعْنى مِمّا يَمْكُرُونَ: مِن مَكْرِهِمْ لَكَ فِيما يُسْتَقْبَلُ مِنَ الزَّمانِ. ثُمَّ خَتَمَ هَذِهِ السُّورَةَ بِآيَةٍ جامِعَةٍ لِجَمِيعِ المَأْمُوراتِ والمَنهِيّاتِ فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ أيِ اتَّقَوُا المَعاصِيَ عَلى اخْتِلافِ أنْواعِها ﴿والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ﴾ بِتَأْدِيَةِ الطّاعاتِ والقِيامِ بِما أُمِرُوا بِها مِنها، وقِيلَ المَعْنى: إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوُا الزِّيادَةَ في العُقُوبَةِ، والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ في أصْلِ الِانْتِقامِ فَيَكُونُ الأوَّلُ إشارَةً إلى قَوْلِهِ: ﴿فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ والثّانِي إشارَةً إلى قَوْلِهِ ﴿ولَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهو خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ وقِيلَ الَّذِينَ اتَّقَوْا إشارَةٌ إلى التَّعْظِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ إشارَةٌ إلى الشَّفَقَةِ عَلى عِبادِ اللَّهِ تَعالى. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الأُمَّةِ ما هي ؟ فَقالَ: الَّذِي يُعَلِّمُ النّاسَ الخَيْرَ. قالُوا: فَما القانِتُ ؟ قالَ: الَّذِي يُطِيعُ اللَّهَ ورَسُولَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ﴾ قالَ: كانَ عَلى الإسْلامِ ولَمْ يَكُنْ في زَمانِهِ مِن قَوْمِهِ أحَدٌ عَلى الإسْلامِ غَيْرَهُ، فَلِذَلِكَ قالَ اللَّهُ ﴿كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: كانَ أُمَّةً قالَ: إمامًا في الخَيْرِ قانِتًا قالَ: مُطِيعًا. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ما مِن عَبْدٍ تَشْهَدُ لَهُ أُمَّةٌ إلّا قَبِلَ اللَّهُ شَهادَتَهم» والأُمَّةُ الرَّجُلُ فَما فَوْقَهُ، إنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً﴾ والأُمَّةُ الرَّجُلُ فَما فَوْقَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو «قالَ صَلّى جِبْرِيلُ بِإبْراهِيمَ الظُّهْرَ والعَصْرَ بِعَرَفاتٍ ثُمَّ وقَفَ حَتّى إذا غابَتِ الشَّمْسُ دَفَعَ بِهِ، ثُمَّ صَلّى المَغْرِبَ والعِشاءَ بِجَمْعٍ ثُمَّ صَلّى الفَجْرَ بِهِ كَأسْرَعِ ما يُصَلِّي أحَدُكم مِنَ المُسْلِمِينَ ثُمَّ وقَفَ بِهِ حَتّى إذا كانَ كَأبْطَإ ما يُصَلِّي أحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ دَفَعَ بِهِ، ثُمَّ رَمى الجَمْرَةَ ثُمَّ ذَبَحَ ثُمَّ حَلَقَ ثُمَّ أفاضَ بِهِ إلى البَيْتِ فَطافَ بِهِ، فَقالَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ: ﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾» وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ قالَ: أرادَ الجُمُعَةَ فَأخَذُوا السَّبْتَ مَكانَها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ السُّدِّيِّ عَنْ أبِي مالِكٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في الآيَةِ قالَ: بِاسْتِحْلالِهِمْ إيّاهُ، رَأى مُوسى رَجُلًا يَحْمِلُ حَطَبًا يَوْمَ السَّبْتِ فَضَرَبَ عُنُقَهُ. وفي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «نَحْنُ الآخِرُونَ السّابِقُونَ يَوْمَ القِيامَةِ، بَيْدَ أنَّهم أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِنا وأُوتِيناهُ مِن بَعْدِهِمْ، ثُمَّ هَذا يَوْمُهُمُ الَّذِي فُرِضَ عَلَيْهِمْ: يَعْنِي الجُمُعَةَ، فاخْتَلَفُوا فِيهِ فَهَدانا اللَّهُ لَهُ فالنّاسُ فِيهِ لَنا تَبَعٌ، اليَهُودُ غَدًا والنَّصارى بَعْدَ غَدٍ» . وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ مِن حَدِيثِ حُذَيْفَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ قالَ: أعْرِضْ عَنْ أذاهم إيّاكَ. وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ المُسْنَدِ والنَّسائِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ خُزَيْمَةَ في الفَوائِدِ وابْنُ (p-٨٠٩)حِبّانَ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: لَمّا كانَ يَوْمُ أُحُدٍ أُصِيبَ مِنَ الأنْصارِ أرْبَعَةٌ وسِتُّونَ رَجُلًا، ومِنَ المُهاجِرِينَ سِتَّةٌ، مِنهم حَمْزَةُ فَمَثَّلُوا بِهِمْ، فَقالَتِ الأنْصارُ: لَئِنْ أصَبْنا مِنهم يَوْمًا مِثْلَ هَذا لَنُرْبِيَنَّ عَلَيْهِمْ، فَلَمّا كانَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ ولَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهو خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «نَصْبِرُ ولا نُعاقِبُ، كُفُّوا عَنِ القَوْمِ إلّا أرْبَعَةً» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، والبَزّارُ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وأبُو نُعَيْمٍ في المَعْرِفَةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ «وقَفَ عَلى حَمْزَةَ حَيْثُ اسْتُشْهِدَ، فَنَظَرَ إلى مَنظَرٍ لَمْ يَنْظُرْ إلى شَيْءٍ قَطُّ كانَ أوْجَعَ لِقَلْبِهِ مِنهُ، ونَظَرَ إلَيْهِ قَدْ مُثِّلَ بِهِ، فَقالَ: رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ، فَإنَّكَ كُنْتَ ما عَلِمْتُ وصُولًا لِلرَّحِمِ فَعُولًا لِلْخَيْرِ، ولَوْلا حُزْنُ مَن بَعْدِكَ عَلَيْكَ لَسَرَّنِي أنْ أتْرُكَكَ حَتّى يَحْشُرَكَ اللَّهُ مِن أرْواحٍ شَتّى، أما واللَّهِ لَأُمَثِّلَنَّ بِسَبْعِينَ مِنهم مَكانَكَ. فَنَزَلَ جِبْرِيلُ والنَّبِيُّ ﷺ واقِفٌ بِخَواتِيمِ سُورَةِ النَّحْلِ وإنْ عاقَبْتُمْ الآيَةَ، فَكَفَّرَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ يَمِينِهِ وأمْسَكَ عَنِ الَّذِي أرادَ وصَبَرَ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: وإنْ عاقَبْتُمْ الآيَةَ، قالَ: هَذا حِينَ أمْرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أنْ يُقاتِلَ مَن قاتَلَهُ، ثُمَّ نَزَلَتْ ( بَراءَةٌ ) وانْسِلاخُ الأشْهُرِ الحُرُمِ فَهَذا مَنسُوخٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ﴾ قالَ: اتَّقَوْا فِيما حَرُمَ عَلَيْهِمْ وأحْسَنُوا فِيما افْتُرِضَ عَلَيْهِمْ.

النحل 16:127

. لَمّا فَرَغَ سُبْحانَهُ مِن دَفْعِ شُبَهِ المُشْرِكِينَ وإبْطالِ مَطاعِنِهِمْ، وكانَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ المُوَحِّدِينَ وهو قُدْوَةُ كَثِيرٍ مِنَ النَّبِيِّينَ ذَكَرَهُ اللَّهُ في آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ فَقالَ: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً﴾ قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: يُقالُ لِلرَّجُلِ العالِمِ أُمَّةٌ، والأُمَّةُ الرَّجُلُ الجامِعُ لِلْخَيْرِ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ أكْثَرُ أهْلِ التَّفْسِيرِ، أيْ: مُعَلِّمًا لِلْخَيْرِ، وعَلى هَذا فَمَعْنى كَوْنِ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً أنَّهُ كانَ مُعَلِّمًا لِلْخَيْرِ أوْ جامِعًا لِخِصالِ الخَيْرِ أوْ عالِمًا بِما عَلَّمَهُ اللَّهُ مِنَ الشَّرائِعِ، وقِيلَ ( أُمَّةً ) بِمَعْنى مَأْمُومٍ، أيْ: يَؤُمُّهُ النّاسُ لِيَأْخُذُوا مِنهُ الخَيْرَ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾ [البقرة: ١٢٤]، والقانِتُ المُطِيعُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعانِي القُنُوتِ في البَقَرَةِ. والحَنِيفُ المائِلُ عَنِ الأدْيانِ الباطِلَةِ إلى دِينِ الحَقِّ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ في الأنْعامِ ﴿ولَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ بِاللَّهِ كَما تَزْعُمُهُ كُفّارُ قُرَيْشٍ أنَّهُ كانَ عَلى دِينِهِمُ الباطِلِ. ﴿شاكِرًا لِأنْعُمِهِ﴾ الَّتِي أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلَيْهِ؛ وإنْ كانَتْ قَلِيلَةً كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ جَمْعُ القِلَّةِ فَهو شاكِرٌ لِما كَثُرَ مِنها بِالأوْلى اجْتَباهُ أيِ اخْتارَهُ لِلنُّبُوَّةِ واخْتَصَّهُ بِها ﴿وهَداهُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وهو مِلَّةُ الإسْلامِ ودِينُ الحَقِّ. ﴿وآتَيْناهُ في الدُّنْيا حَسَنَةً﴾ أيْ خَصْلَةً حَسَنَةً أوْ حالَةً حَسَنَةً، وقِيلَ هو الوَلَدُ الصّالِحُ، وقِيلَ الثَّناءُ الحَسَنُ، وقِيلَ النُّبُوَّةُ، وقِيلَ الصَّلاةُ مِنّا عَلَيْهِ في التَّشَهُّدِ، وقِيلَ هي أنَّهُ يَتَوَلّاهُ جَمِيعُ أهْلِ الأدْيانِ، ولا مانِعَ أنْ يَكُونَ ما آتاهُ اللَّهُ شامِلًا لِذَلِكَ كُلِّهِ ولِما عَداهُ مِن خِصالِ الخَيْرِ ﴿وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ حَسْبَما وقَعَ مِنهُ السُّؤالُ لِرَبِّهِ حَيْثُ قالَ: ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ واجْعَلْنِي مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ [الشعراء: ٨٣ - ٨٥] . ﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ يا مُحَمَّدُ مَعَ عُلُوِّ دَرَجَتِكَ وسُمُوِّ مَنزِلَتِكَ وكَوْنِكَ سَيِّدَ ولَدِ آدَمَ ﴿أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ وأصْلُ المِلَّةِ اسْمٌ لِما شَرَعَهُ اللَّهُ لِعِبادِهِ عَلى لِسانِ نَبِيٍّ مِن أنْبِيائِهِ، وقِيلَ والمُرادُ هُنا اتِّباعُ النَّبِيِّ ﷺ لِمِلَّةِ إبْراهِيمَ في التَّوْحِيدِ والدَّعْوَةِ إلَيْهِ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: في التَّبَرِّي مِنَ الأوْثانِ والتَّدَيُّنِ بِدِينِ الإسْلامِ، وقِيلَ في مَناسِكِ الحِجِّ، وقِيلَ في الأُصُولِ دُونَ الفُرُوعِ وقِيلَ في جَمِيعِ شَرِيعَتِهِ إلّا ما نُسِخَ مِنها، وهَذا هو الظّاهِرُ. وقَدْ أُمِرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالِاقْتِداءِ بِالأنْبِياءِ مَعَ كَوْنِهِ سَيِّدَهِمْ فَقالَ تَعالى: ﴿فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ الأنْعامِ، وانْتِصابُ ( حَنِيفًا ) عَلى الحالِ مِن إبْراهِيمَ، وجازَ مَجِيءُ الحالِ مِنهُ، لِأنَّ المِلَّةَ كالجُزْءِ مِنهُ، وقَدْ تَقَرَّرَ في عِلْمِ النَّحْوِ أنَّ الحالَ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ جائِزٌ إذا كانَ يَقْتَضِي المُضافُ العَمَلَ في المُضافِ إلَيْهِ أوْ كانَ جُزْءًا مِنهُ أوْ كالجُزْءِ ﴿وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ وهو تَكْرِيرٌ لِما سَبَقَ لِلنُّكْتَةِ الَّتِي ذَكَرْناها. ﴿إنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ أيْ إنَّما جُعِلَ وبالُ السَّبْتِ وهو المَسْخُ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ، أوْ إنَّما جُعِلَ فَرْضُ تَعْظِيمِ السَّبْتِ وتَرْكِ الصَّيْدِ فِيهِ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لا عَلى غَيْرِهِمْ مِنَ الأُمَمِ. وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في كَيْفِيَّةِ الِاخْتِلافِ الكائِنِ بَيْنَهم في السَّبْتِ، فَقالَتْ طائِفَةٌ: إنَّ مُوسى أمَرَهم بِيَوْمِ الجُمُعَةِ وعَيَّنَهُ لَهم وأخْبَرَهم بِفَضِيلَتِهِ عَلى غَيْرِهِ، فَخالَفُوهُ وقالُوا إنَّ السَّبْتَ أفْضَلُ، فَقالَ اللَّهُ لَهُ: دَعْهم وما اخْتارُوا لِأنْفُسِهِمْ. وقِيلَ: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أمَرَهم بِتَعْظِيمِ يَوْمٍ في الأُسْبُوعِ، فاخْتَلَفَ اجْتِهادُهم فِيهِ، فَعَيَّنَتِ اليَهُودُ السَّبْتَ لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ فَرَغَ فِيهِ مِنَ الخَلْقِ، وعَيَّنَتِ النَّصارى يَوْمَ الأحَدِ لِأنَّ اللَّهَ بَدَأ فِيهِ الخَلْقَ، فَألْزَمَ اللَّهُ كُلًّا مِنهم ما أدّى إلَيْهِ اجْتِهادُهُ، وعَيَّنَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ الجُمُعَةَ مِن غَيْرِ أنْ يَكِلَهم إلى اجْتِهادِهِمْ فَضْلًا مِنهُ ونِعْمَةً. ووَجْهُ اتِّصالِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها أنَّ اليَهُودَ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ السَّبْتَ مِن شَرائِعِ إبْراهِيمَ، فَأخْبَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنَّهُ إنَّما جَعَلَ السَّبْتَ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ ولَمْ يَجْعَلْهُ عَلى إبْراهِيمَ ولا عَلى غَيْرِهِ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهم﴾ أيْ بَيْنَ المُخْتَلِفِينَ فِيهِ ﴿يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ فَيُجازِي كُلًّا فِيهِ بِما يَسْتَحِقُّهُ ثَوابًا وعِقابًا، كَما وقَعَ مِنهُ سُبْحانَهُ مِنَ المَسْخِ لِطائِفَةٍ مِنهم والتَّنْجِيَةِ لِأُخْرى. ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ أنْ يَدْعُوَ أُمَّتَهُ إلى الإسْلامِ فَقالَ: ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ وحُذِفَ المَفْعُولُ لِلتَّعْمِيمِ لِكَوْنِهِ بُعِثَ إلى النّاسِ كافَّةً، وسَبِيلُ اللَّهِ هو الإسْلامُ بِالحِكْمَةِ أيْ بِالمَقالَةِ المُحْكَمَةِ الصَّحِيحَةِ، قِيلَ وهي الحُجَجُ القَطْعِيَّةُ المُفِيدَةُ لِلْيَقِينِ ﴿والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ﴾ وهي المَقالَةُ المُشْتَمِلَةُ عَلى المَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ الَّتِي يَسْتَحْسِنُها السّامِعُ وتَكُونُ في نَفْسِها حَسَنَةً بِاعْتِبارِ انْتِفاعِ السّامِعِ بِها. قِيلَ وهي الحُجَجُ الظَّنِّيَّةُ الإقْناعِيَّةُ المُوجِبَةُ لِلتَّصْدِيقِ بِمُقَدَّماتٍ مَقْبُولَةٍ، قِيلَ ولَيْسَ لِلدَّعْوَةِ إلّا هاتانِ الطَّرِيقَتانِ، ولَكِنَّ الدّاعِيَ قَدْ يَحْتاجُ مَعَ الخَصْمِ الألَدِّ إلى اسْتِعْمالِ المُعارَضَةِ والمُناقَضَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الجَدَلِ، ولِهَذا قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ أيْ بِالطَّرِيقِ الَّتِي هي أحْسَنُ طُرُقِ المُجادَلَةِ، وإنَّما (p-٨٠٨)أمَرَ سُبْحانَهُ بِالمُجادَلَةِ الحَسَنَةِ لِكَوْنِ الدّاعِي مُحِقّا وغَرَضُهُ صَحِيحًا، وكانَ خَصْمُهُ مُبْطِلًا وغَرَضُهُ فاسِدًا ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ لَمّا حَثَّ سُبْحانَهُ عَلى الدَّعْوَةِ بِالطُّرُقِ المَذْكُورَةِ بَيَّنَ أنَّ الرُّشْدَ والهِدايَةَ لَيْسَ إلى النَّبِيِّ ﷺ وإنَّما ذَلِكَ إلَيْهِ تَعالى فَقالَ: ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ﴾ أيْ هو العالِمُ بِمَن يَضِلُّ ومَن يَهْتَدِي ﴿وهُوَ أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ أيْ بِمَن يُبْصِرُ الحَقَّ فَيَقْصِدُهُ غَيْرَ مُتَعَنِّتٍ، وإنَّما شَرَعَ لَكَ الدَّعْوَةَ وأمَرَكَ بِها قَطْعًا لِلْمَعْذِرَةِ وتَتْمِيمًا لِلْحُجَّةِ وإزاحَةً لِلشُّبْهَةِ، ولَيْسَ عَلَيْكَ غَيْرَ ذَلِكَ. ثُمَّ لَمّا كانَتِ الدَّعْوَةُ تَتَضَمَّنُ تَكْلِيفَ المَدْعُوِّينَ بِالرُّجُوعِ إلى الحَقِّ فَإنْ أبَوْا قُوتِلُوا، أمَرَ الدّاعِي بِأنْ يَعْدِلَ في العُقُوبَةِ فَقالَ: ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ﴾ أيْ أرَدْتُمُ المُعاقَبَةَ ﴿فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ أيْ بِمِثْلِ ما فُعِلَ بِكم لا تُجاوِزُوا ذَلِكَ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيمَن أُصِيبَ بِظُلامَةٍ أنْ لا يَنالَ مِن ظالِمِهِ إذا تَمَكَّنَ إلّا مِثْلَ ظُلامَتِهِ لا يَتَعَدّاها إلى غَيْرِها، وهَذا صَوابٌ، لِأنَّ الآيَةَ وإنْ قِيلَ إنَّ لَها سَبَبًا خاصًّا كَما سَيَأْتِي، فالِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ، وعُمُومُهُ يُؤَدِّي هَذا المَعْنى الَّذِي ذَكَرَهُ، وسَمّى سُبْحانَهُ الفِعْلَ الأوَّلَ الَّذِي هو فِعْلُ البادِئِ بِالشَّرِّ عُقُوبَةً، مَعَ أنَّ العُقُوبَةَ لَيْسَتْ إلّا فِعْلَ الثّانِي وهو المُجازِي لِلْمُشاكَلَةِ، وهي بابٌ مَعْرُوفٌ وقَعَ في كَثِيرٍ مِنَ الكِتابِ العَزِيزِ. ثُمَّ حَثَّ سُبْحانَهُ عَلى العَفْوِ فَقالَ: ﴿ولَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهو خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ أيْ لَئِنْ صَبَرْتُمْ عَنِ المُعاقَبَةِ بِالمَثَلِ فالصَّبْرُ خَيْرٌ لَكم مِنَ الِانْتِصافِ، ووُضِعَ الصّابِرِينَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ، ثَناءً مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم صابِرُونَ عَلى الشَّدائِدِ. وقَدْ ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُحْكَمَةٌ لِأنَّها وارِدَةٌ في الصَّبْرِ عَنِ المُعاقَبَةِ والثَّناءِ عَلى الصّابِرِينَ عَلى العُمُومِ، وقِيلَ هي مَنسُوخَةٌ بِآياتِ القِتالِ، ولا وجْهَ لِذَلِكَ. ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ بِالصَّبْرِ فَقالَ: واصْبِرْ عَلى ما أصابَكَ مِن صُنُوفِ الأذى ﴿وما صَبْرُكَ إلّا بِاللَّهِ﴾ أيْ بِتَوْفِيقِهِ وتَثْبِيتِهِ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأشْياءِ، أيْ: وما صَبْرُكَ مَصْحُوبًا بِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا بِتَوْفِيقِهِ لَكَ، وفِيهِ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ . ثُمَّ نَهاهُ عَنِ الحُزْنِ فَقالَ ﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ عَلى الكافِرِينَ في إعْراضِهِمْ عَنْكَ، أوْ لا تَحْزَنْ عَلى قَتْلى أُحُدٍ، فَإنَّهم قَدْ أفْضَوْا إلى رَحْمَةِ اللَّهِ ﴿ولا تَكُ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الضّادِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِكَسْرِها. قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: هُما سَواءٌ، يَعْنِي المَفْتُوحَ والمَكْسُورَ. وقالَ الفَرّاءُ: الضَّيْقُ بِالفَتْحِ ما ضاقَ عَنْهُ صَدْرُكَ، والضِّيقُ بِالكَسْرِ ما يَكُونُ في الَّذِي يَتَّسِعُ مِثْلُ الدّارِ والثَّوْبِ، وكَذا قالَ الأخْفَشُ، وهو مِنَ الكَلامِ المَقْلُوبِ، لِأنَّ الضِّيقَ وصْفٌ لِلْإنْسانِ يَكُونُ فِيهِ ولا يَكُونُ الإنْسانُ فِيهِ، وكَأنَّهُ أرادَ وصْفَ الضِّيقِ بِالعِظَمِ حَتّى صارَ كالشَّيْءِ المُحِيطِ بِالإنْسانِ مِن جَمِيعِ جَوانِبِهِ، ومَعْنى مِمّا يَمْكُرُونَ: مِن مَكْرِهِمْ لَكَ فِيما يُسْتَقْبَلُ مِنَ الزَّمانِ. ثُمَّ خَتَمَ هَذِهِ السُّورَةَ بِآيَةٍ جامِعَةٍ لِجَمِيعِ المَأْمُوراتِ والمَنهِيّاتِ فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ أيِ اتَّقَوُا المَعاصِيَ عَلى اخْتِلافِ أنْواعِها ﴿والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ﴾ بِتَأْدِيَةِ الطّاعاتِ والقِيامِ بِما أُمِرُوا بِها مِنها، وقِيلَ المَعْنى: إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوُا الزِّيادَةَ في العُقُوبَةِ، والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ في أصْلِ الِانْتِقامِ فَيَكُونُ الأوَّلُ إشارَةً إلى قَوْلِهِ: ﴿فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ والثّانِي إشارَةً إلى قَوْلِهِ ﴿ولَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهو خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ وقِيلَ الَّذِينَ اتَّقَوْا إشارَةٌ إلى التَّعْظِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ إشارَةٌ إلى الشَّفَقَةِ عَلى عِبادِ اللَّهِ تَعالى. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الأُمَّةِ ما هي ؟ فَقالَ: الَّذِي يُعَلِّمُ النّاسَ الخَيْرَ. قالُوا: فَما القانِتُ ؟ قالَ: الَّذِي يُطِيعُ اللَّهَ ورَسُولَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ﴾ قالَ: كانَ عَلى الإسْلامِ ولَمْ يَكُنْ في زَمانِهِ مِن قَوْمِهِ أحَدٌ عَلى الإسْلامِ غَيْرَهُ، فَلِذَلِكَ قالَ اللَّهُ ﴿كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: كانَ أُمَّةً قالَ: إمامًا في الخَيْرِ قانِتًا قالَ: مُطِيعًا. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ما مِن عَبْدٍ تَشْهَدُ لَهُ أُمَّةٌ إلّا قَبِلَ اللَّهُ شَهادَتَهم» والأُمَّةُ الرَّجُلُ فَما فَوْقَهُ، إنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً﴾ والأُمَّةُ الرَّجُلُ فَما فَوْقَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو «قالَ صَلّى جِبْرِيلُ بِإبْراهِيمَ الظُّهْرَ والعَصْرَ بِعَرَفاتٍ ثُمَّ وقَفَ حَتّى إذا غابَتِ الشَّمْسُ دَفَعَ بِهِ، ثُمَّ صَلّى المَغْرِبَ والعِشاءَ بِجَمْعٍ ثُمَّ صَلّى الفَجْرَ بِهِ كَأسْرَعِ ما يُصَلِّي أحَدُكم مِنَ المُسْلِمِينَ ثُمَّ وقَفَ بِهِ حَتّى إذا كانَ كَأبْطَإ ما يُصَلِّي أحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ دَفَعَ بِهِ، ثُمَّ رَمى الجَمْرَةَ ثُمَّ ذَبَحَ ثُمَّ حَلَقَ ثُمَّ أفاضَ بِهِ إلى البَيْتِ فَطافَ بِهِ، فَقالَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ: ﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾» وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ قالَ: أرادَ الجُمُعَةَ فَأخَذُوا السَّبْتَ مَكانَها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ السُّدِّيِّ عَنْ أبِي مالِكٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في الآيَةِ قالَ: بِاسْتِحْلالِهِمْ إيّاهُ، رَأى مُوسى رَجُلًا يَحْمِلُ حَطَبًا يَوْمَ السَّبْتِ فَضَرَبَ عُنُقَهُ. وفي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «نَحْنُ الآخِرُونَ السّابِقُونَ يَوْمَ القِيامَةِ، بَيْدَ أنَّهم أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِنا وأُوتِيناهُ مِن بَعْدِهِمْ، ثُمَّ هَذا يَوْمُهُمُ الَّذِي فُرِضَ عَلَيْهِمْ: يَعْنِي الجُمُعَةَ، فاخْتَلَفُوا فِيهِ فَهَدانا اللَّهُ لَهُ فالنّاسُ فِيهِ لَنا تَبَعٌ، اليَهُودُ غَدًا والنَّصارى بَعْدَ غَدٍ» . وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ مِن حَدِيثِ حُذَيْفَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ قالَ: أعْرِضْ عَنْ أذاهم إيّاكَ. وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ المُسْنَدِ والنَّسائِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ خُزَيْمَةَ في الفَوائِدِ وابْنُ (p-٨٠٩)حِبّانَ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: لَمّا كانَ يَوْمُ أُحُدٍ أُصِيبَ مِنَ الأنْصارِ أرْبَعَةٌ وسِتُّونَ رَجُلًا، ومِنَ المُهاجِرِينَ سِتَّةٌ، مِنهم حَمْزَةُ فَمَثَّلُوا بِهِمْ، فَقالَتِ الأنْصارُ: لَئِنْ أصَبْنا مِنهم يَوْمًا مِثْلَ هَذا لَنُرْبِيَنَّ عَلَيْهِمْ، فَلَمّا كانَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ ولَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهو خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «نَصْبِرُ ولا نُعاقِبُ، كُفُّوا عَنِ القَوْمِ إلّا أرْبَعَةً» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، والبَزّارُ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وأبُو نُعَيْمٍ في المَعْرِفَةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ «وقَفَ عَلى حَمْزَةَ حَيْثُ اسْتُشْهِدَ، فَنَظَرَ إلى مَنظَرٍ لَمْ يَنْظُرْ إلى شَيْءٍ قَطُّ كانَ أوْجَعَ لِقَلْبِهِ مِنهُ، ونَظَرَ إلَيْهِ قَدْ مُثِّلَ بِهِ، فَقالَ: رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ، فَإنَّكَ كُنْتَ ما عَلِمْتُ وصُولًا لِلرَّحِمِ فَعُولًا لِلْخَيْرِ، ولَوْلا حُزْنُ مَن بَعْدِكَ عَلَيْكَ لَسَرَّنِي أنْ أتْرُكَكَ حَتّى يَحْشُرَكَ اللَّهُ مِن أرْواحٍ شَتّى، أما واللَّهِ لَأُمَثِّلَنَّ بِسَبْعِينَ مِنهم مَكانَكَ. فَنَزَلَ جِبْرِيلُ والنَّبِيُّ ﷺ واقِفٌ بِخَواتِيمِ سُورَةِ النَّحْلِ وإنْ عاقَبْتُمْ الآيَةَ، فَكَفَّرَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ يَمِينِهِ وأمْسَكَ عَنِ الَّذِي أرادَ وصَبَرَ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: وإنْ عاقَبْتُمْ الآيَةَ، قالَ: هَذا حِينَ أمْرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أنْ يُقاتِلَ مَن قاتَلَهُ، ثُمَّ نَزَلَتْ ( بَراءَةٌ ) وانْسِلاخُ الأشْهُرِ الحُرُمِ فَهَذا مَنسُوخٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ﴾ قالَ: اتَّقَوْا فِيما حَرُمَ عَلَيْهِمْ وأحْسَنُوا فِيما افْتُرِضَ عَلَيْهِمْ.

النحل 16:128

. لَمّا فَرَغَ سُبْحانَهُ مِن دَفْعِ شُبَهِ المُشْرِكِينَ وإبْطالِ مَطاعِنِهِمْ، وكانَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ المُوَحِّدِينَ وهو قُدْوَةُ كَثِيرٍ مِنَ النَّبِيِّينَ ذَكَرَهُ اللَّهُ في آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ فَقالَ: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً﴾ قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: يُقالُ لِلرَّجُلِ العالِمِ أُمَّةٌ، والأُمَّةُ الرَّجُلُ الجامِعُ لِلْخَيْرِ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ أكْثَرُ أهْلِ التَّفْسِيرِ، أيْ: مُعَلِّمًا لِلْخَيْرِ، وعَلى هَذا فَمَعْنى كَوْنِ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً أنَّهُ كانَ مُعَلِّمًا لِلْخَيْرِ أوْ جامِعًا لِخِصالِ الخَيْرِ أوْ عالِمًا بِما عَلَّمَهُ اللَّهُ مِنَ الشَّرائِعِ، وقِيلَ ( أُمَّةً ) بِمَعْنى مَأْمُومٍ، أيْ: يَؤُمُّهُ النّاسُ لِيَأْخُذُوا مِنهُ الخَيْرَ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾ [البقرة: ١٢٤]، والقانِتُ المُطِيعُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعانِي القُنُوتِ في البَقَرَةِ. والحَنِيفُ المائِلُ عَنِ الأدْيانِ الباطِلَةِ إلى دِينِ الحَقِّ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ في الأنْعامِ ﴿ولَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ بِاللَّهِ كَما تَزْعُمُهُ كُفّارُ قُرَيْشٍ أنَّهُ كانَ عَلى دِينِهِمُ الباطِلِ. ﴿شاكِرًا لِأنْعُمِهِ﴾ الَّتِي أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلَيْهِ؛ وإنْ كانَتْ قَلِيلَةً كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ جَمْعُ القِلَّةِ فَهو شاكِرٌ لِما كَثُرَ مِنها بِالأوْلى اجْتَباهُ أيِ اخْتارَهُ لِلنُّبُوَّةِ واخْتَصَّهُ بِها ﴿وهَداهُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وهو مِلَّةُ الإسْلامِ ودِينُ الحَقِّ. ﴿وآتَيْناهُ في الدُّنْيا حَسَنَةً﴾ أيْ خَصْلَةً حَسَنَةً أوْ حالَةً حَسَنَةً، وقِيلَ هو الوَلَدُ الصّالِحُ، وقِيلَ الثَّناءُ الحَسَنُ، وقِيلَ النُّبُوَّةُ، وقِيلَ الصَّلاةُ مِنّا عَلَيْهِ في التَّشَهُّدِ، وقِيلَ هي أنَّهُ يَتَوَلّاهُ جَمِيعُ أهْلِ الأدْيانِ، ولا مانِعَ أنْ يَكُونَ ما آتاهُ اللَّهُ شامِلًا لِذَلِكَ كُلِّهِ ولِما عَداهُ مِن خِصالِ الخَيْرِ ﴿وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ حَسْبَما وقَعَ مِنهُ السُّؤالُ لِرَبِّهِ حَيْثُ قالَ: ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ واجْعَلْنِي مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ [الشعراء: ٨٣ - ٨٥] . ﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ يا مُحَمَّدُ مَعَ عُلُوِّ دَرَجَتِكَ وسُمُوِّ مَنزِلَتِكَ وكَوْنِكَ سَيِّدَ ولَدِ آدَمَ ﴿أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ وأصْلُ المِلَّةِ اسْمٌ لِما شَرَعَهُ اللَّهُ لِعِبادِهِ عَلى لِسانِ نَبِيٍّ مِن أنْبِيائِهِ، وقِيلَ والمُرادُ هُنا اتِّباعُ النَّبِيِّ ﷺ لِمِلَّةِ إبْراهِيمَ في التَّوْحِيدِ والدَّعْوَةِ إلَيْهِ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: في التَّبَرِّي مِنَ الأوْثانِ والتَّدَيُّنِ بِدِينِ الإسْلامِ، وقِيلَ في مَناسِكِ الحِجِّ، وقِيلَ في الأُصُولِ دُونَ الفُرُوعِ وقِيلَ في جَمِيعِ شَرِيعَتِهِ إلّا ما نُسِخَ مِنها، وهَذا هو الظّاهِرُ. وقَدْ أُمِرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالِاقْتِداءِ بِالأنْبِياءِ مَعَ كَوْنِهِ سَيِّدَهِمْ فَقالَ تَعالى: ﴿فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ الأنْعامِ، وانْتِصابُ ( حَنِيفًا ) عَلى الحالِ مِن إبْراهِيمَ، وجازَ مَجِيءُ الحالِ مِنهُ، لِأنَّ المِلَّةَ كالجُزْءِ مِنهُ، وقَدْ تَقَرَّرَ في عِلْمِ النَّحْوِ أنَّ الحالَ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ جائِزٌ إذا كانَ يَقْتَضِي المُضافُ العَمَلَ في المُضافِ إلَيْهِ أوْ كانَ جُزْءًا مِنهُ أوْ كالجُزْءِ ﴿وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ وهو تَكْرِيرٌ لِما سَبَقَ لِلنُّكْتَةِ الَّتِي ذَكَرْناها. ﴿إنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ أيْ إنَّما جُعِلَ وبالُ السَّبْتِ وهو المَسْخُ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ، أوْ إنَّما جُعِلَ فَرْضُ تَعْظِيمِ السَّبْتِ وتَرْكِ الصَّيْدِ فِيهِ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لا عَلى غَيْرِهِمْ مِنَ الأُمَمِ. وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في كَيْفِيَّةِ الِاخْتِلافِ الكائِنِ بَيْنَهم في السَّبْتِ، فَقالَتْ طائِفَةٌ: إنَّ مُوسى أمَرَهم بِيَوْمِ الجُمُعَةِ وعَيَّنَهُ لَهم وأخْبَرَهم بِفَضِيلَتِهِ عَلى غَيْرِهِ، فَخالَفُوهُ وقالُوا إنَّ السَّبْتَ أفْضَلُ، فَقالَ اللَّهُ لَهُ: دَعْهم وما اخْتارُوا لِأنْفُسِهِمْ. وقِيلَ: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أمَرَهم بِتَعْظِيمِ يَوْمٍ في الأُسْبُوعِ، فاخْتَلَفَ اجْتِهادُهم فِيهِ، فَعَيَّنَتِ اليَهُودُ السَّبْتَ لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ فَرَغَ فِيهِ مِنَ الخَلْقِ، وعَيَّنَتِ النَّصارى يَوْمَ الأحَدِ لِأنَّ اللَّهَ بَدَأ فِيهِ الخَلْقَ، فَألْزَمَ اللَّهُ كُلًّا مِنهم ما أدّى إلَيْهِ اجْتِهادُهُ، وعَيَّنَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ الجُمُعَةَ مِن غَيْرِ أنْ يَكِلَهم إلى اجْتِهادِهِمْ فَضْلًا مِنهُ ونِعْمَةً. ووَجْهُ اتِّصالِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها أنَّ اليَهُودَ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ السَّبْتَ مِن شَرائِعِ إبْراهِيمَ، فَأخْبَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنَّهُ إنَّما جَعَلَ السَّبْتَ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ ولَمْ يَجْعَلْهُ عَلى إبْراهِيمَ ولا عَلى غَيْرِهِ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهم﴾ أيْ بَيْنَ المُخْتَلِفِينَ فِيهِ ﴿يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ فَيُجازِي كُلًّا فِيهِ بِما يَسْتَحِقُّهُ ثَوابًا وعِقابًا، كَما وقَعَ مِنهُ سُبْحانَهُ مِنَ المَسْخِ لِطائِفَةٍ مِنهم والتَّنْجِيَةِ لِأُخْرى. ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ أنْ يَدْعُوَ أُمَّتَهُ إلى الإسْلامِ فَقالَ: ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ وحُذِفَ المَفْعُولُ لِلتَّعْمِيمِ لِكَوْنِهِ بُعِثَ إلى النّاسِ كافَّةً، وسَبِيلُ اللَّهِ هو الإسْلامُ بِالحِكْمَةِ أيْ بِالمَقالَةِ المُحْكَمَةِ الصَّحِيحَةِ، قِيلَ وهي الحُجَجُ القَطْعِيَّةُ المُفِيدَةُ لِلْيَقِينِ ﴿والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ﴾ وهي المَقالَةُ المُشْتَمِلَةُ عَلى المَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ الَّتِي يَسْتَحْسِنُها السّامِعُ وتَكُونُ في نَفْسِها حَسَنَةً بِاعْتِبارِ انْتِفاعِ السّامِعِ بِها. قِيلَ وهي الحُجَجُ الظَّنِّيَّةُ الإقْناعِيَّةُ المُوجِبَةُ لِلتَّصْدِيقِ بِمُقَدَّماتٍ مَقْبُولَةٍ، قِيلَ ولَيْسَ لِلدَّعْوَةِ إلّا هاتانِ الطَّرِيقَتانِ، ولَكِنَّ الدّاعِيَ قَدْ يَحْتاجُ مَعَ الخَصْمِ الألَدِّ إلى اسْتِعْمالِ المُعارَضَةِ والمُناقَضَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الجَدَلِ، ولِهَذا قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ أيْ بِالطَّرِيقِ الَّتِي هي أحْسَنُ طُرُقِ المُجادَلَةِ، وإنَّما (p-٨٠٨)أمَرَ سُبْحانَهُ بِالمُجادَلَةِ الحَسَنَةِ لِكَوْنِ الدّاعِي مُحِقّا وغَرَضُهُ صَحِيحًا، وكانَ خَصْمُهُ مُبْطِلًا وغَرَضُهُ فاسِدًا ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ لَمّا حَثَّ سُبْحانَهُ عَلى الدَّعْوَةِ بِالطُّرُقِ المَذْكُورَةِ بَيَّنَ أنَّ الرُّشْدَ والهِدايَةَ لَيْسَ إلى النَّبِيِّ ﷺ وإنَّما ذَلِكَ إلَيْهِ تَعالى فَقالَ: ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ﴾ أيْ هو العالِمُ بِمَن يَضِلُّ ومَن يَهْتَدِي ﴿وهُوَ أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ أيْ بِمَن يُبْصِرُ الحَقَّ فَيَقْصِدُهُ غَيْرَ مُتَعَنِّتٍ، وإنَّما شَرَعَ لَكَ الدَّعْوَةَ وأمَرَكَ بِها قَطْعًا لِلْمَعْذِرَةِ وتَتْمِيمًا لِلْحُجَّةِ وإزاحَةً لِلشُّبْهَةِ، ولَيْسَ عَلَيْكَ غَيْرَ ذَلِكَ. ثُمَّ لَمّا كانَتِ الدَّعْوَةُ تَتَضَمَّنُ تَكْلِيفَ المَدْعُوِّينَ بِالرُّجُوعِ إلى الحَقِّ فَإنْ أبَوْا قُوتِلُوا، أمَرَ الدّاعِي بِأنْ يَعْدِلَ في العُقُوبَةِ فَقالَ: ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ﴾ أيْ أرَدْتُمُ المُعاقَبَةَ ﴿فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ أيْ بِمِثْلِ ما فُعِلَ بِكم لا تُجاوِزُوا ذَلِكَ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيمَن أُصِيبَ بِظُلامَةٍ أنْ لا يَنالَ مِن ظالِمِهِ إذا تَمَكَّنَ إلّا مِثْلَ ظُلامَتِهِ لا يَتَعَدّاها إلى غَيْرِها، وهَذا صَوابٌ، لِأنَّ الآيَةَ وإنْ قِيلَ إنَّ لَها سَبَبًا خاصًّا كَما سَيَأْتِي، فالِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ، وعُمُومُهُ يُؤَدِّي هَذا المَعْنى الَّذِي ذَكَرَهُ، وسَمّى سُبْحانَهُ الفِعْلَ الأوَّلَ الَّذِي هو فِعْلُ البادِئِ بِالشَّرِّ عُقُوبَةً، مَعَ أنَّ العُقُوبَةَ لَيْسَتْ إلّا فِعْلَ الثّانِي وهو المُجازِي لِلْمُشاكَلَةِ، وهي بابٌ مَعْرُوفٌ وقَعَ في كَثِيرٍ مِنَ الكِتابِ العَزِيزِ. ثُمَّ حَثَّ سُبْحانَهُ عَلى العَفْوِ فَقالَ: ﴿ولَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهو خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ أيْ لَئِنْ صَبَرْتُمْ عَنِ المُعاقَبَةِ بِالمَثَلِ فالصَّبْرُ خَيْرٌ لَكم مِنَ الِانْتِصافِ، ووُضِعَ الصّابِرِينَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ، ثَناءً مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم صابِرُونَ عَلى الشَّدائِدِ. وقَدْ ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُحْكَمَةٌ لِأنَّها وارِدَةٌ في الصَّبْرِ عَنِ المُعاقَبَةِ والثَّناءِ عَلى الصّابِرِينَ عَلى العُمُومِ، وقِيلَ هي مَنسُوخَةٌ بِآياتِ القِتالِ، ولا وجْهَ لِذَلِكَ. ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ بِالصَّبْرِ فَقالَ: واصْبِرْ عَلى ما أصابَكَ مِن صُنُوفِ الأذى ﴿وما صَبْرُكَ إلّا بِاللَّهِ﴾ أيْ بِتَوْفِيقِهِ وتَثْبِيتِهِ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأشْياءِ، أيْ: وما صَبْرُكَ مَصْحُوبًا بِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا بِتَوْفِيقِهِ لَكَ، وفِيهِ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ . ثُمَّ نَهاهُ عَنِ الحُزْنِ فَقالَ ﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ عَلى الكافِرِينَ في إعْراضِهِمْ عَنْكَ، أوْ لا تَحْزَنْ عَلى قَتْلى أُحُدٍ، فَإنَّهم قَدْ أفْضَوْا إلى رَحْمَةِ اللَّهِ ﴿ولا تَكُ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الضّادِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِكَسْرِها. قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: هُما سَواءٌ، يَعْنِي المَفْتُوحَ والمَكْسُورَ. وقالَ الفَرّاءُ: الضَّيْقُ بِالفَتْحِ ما ضاقَ عَنْهُ صَدْرُكَ، والضِّيقُ بِالكَسْرِ ما يَكُونُ في الَّذِي يَتَّسِعُ مِثْلُ الدّارِ والثَّوْبِ، وكَذا قالَ الأخْفَشُ، وهو مِنَ الكَلامِ المَقْلُوبِ، لِأنَّ الضِّيقَ وصْفٌ لِلْإنْسانِ يَكُونُ فِيهِ ولا يَكُونُ الإنْسانُ فِيهِ، وكَأنَّهُ أرادَ وصْفَ الضِّيقِ بِالعِظَمِ حَتّى صارَ كالشَّيْءِ المُحِيطِ بِالإنْسانِ مِن جَمِيعِ جَوانِبِهِ، ومَعْنى مِمّا يَمْكُرُونَ: مِن مَكْرِهِمْ لَكَ فِيما يُسْتَقْبَلُ مِنَ الزَّمانِ. ثُمَّ خَتَمَ هَذِهِ السُّورَةَ بِآيَةٍ جامِعَةٍ لِجَمِيعِ المَأْمُوراتِ والمَنهِيّاتِ فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ أيِ اتَّقَوُا المَعاصِيَ عَلى اخْتِلافِ أنْواعِها ﴿والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ﴾ بِتَأْدِيَةِ الطّاعاتِ والقِيامِ بِما أُمِرُوا بِها مِنها، وقِيلَ المَعْنى: إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوُا الزِّيادَةَ في العُقُوبَةِ، والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ في أصْلِ الِانْتِقامِ فَيَكُونُ الأوَّلُ إشارَةً إلى قَوْلِهِ: ﴿فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ والثّانِي إشارَةً إلى قَوْلِهِ ﴿ولَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهو خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ وقِيلَ الَّذِينَ اتَّقَوْا إشارَةٌ إلى التَّعْظِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ إشارَةٌ إلى الشَّفَقَةِ عَلى عِبادِ اللَّهِ تَعالى. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الأُمَّةِ ما هي ؟ فَقالَ: الَّذِي يُعَلِّمُ النّاسَ الخَيْرَ. قالُوا: فَما القانِتُ ؟ قالَ: الَّذِي يُطِيعُ اللَّهَ ورَسُولَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ﴾ قالَ: كانَ عَلى الإسْلامِ ولَمْ يَكُنْ في زَمانِهِ مِن قَوْمِهِ أحَدٌ عَلى الإسْلامِ غَيْرَهُ، فَلِذَلِكَ قالَ اللَّهُ ﴿كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: كانَ أُمَّةً قالَ: إمامًا في الخَيْرِ قانِتًا قالَ: مُطِيعًا. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ما مِن عَبْدٍ تَشْهَدُ لَهُ أُمَّةٌ إلّا قَبِلَ اللَّهُ شَهادَتَهم» والأُمَّةُ الرَّجُلُ فَما فَوْقَهُ، إنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً﴾ والأُمَّةُ الرَّجُلُ فَما فَوْقَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو «قالَ صَلّى جِبْرِيلُ بِإبْراهِيمَ الظُّهْرَ والعَصْرَ بِعَرَفاتٍ ثُمَّ وقَفَ حَتّى إذا غابَتِ الشَّمْسُ دَفَعَ بِهِ، ثُمَّ صَلّى المَغْرِبَ والعِشاءَ بِجَمْعٍ ثُمَّ صَلّى الفَجْرَ بِهِ كَأسْرَعِ ما يُصَلِّي أحَدُكم مِنَ المُسْلِمِينَ ثُمَّ وقَفَ بِهِ حَتّى إذا كانَ كَأبْطَإ ما يُصَلِّي أحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ دَفَعَ بِهِ، ثُمَّ رَمى الجَمْرَةَ ثُمَّ ذَبَحَ ثُمَّ حَلَقَ ثُمَّ أفاضَ بِهِ إلى البَيْتِ فَطافَ بِهِ، فَقالَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ: ﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾» وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ قالَ: أرادَ الجُمُعَةَ فَأخَذُوا السَّبْتَ مَكانَها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ السُّدِّيِّ عَنْ أبِي مالِكٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في الآيَةِ قالَ: بِاسْتِحْلالِهِمْ إيّاهُ، رَأى مُوسى رَجُلًا يَحْمِلُ حَطَبًا يَوْمَ السَّبْتِ فَضَرَبَ عُنُقَهُ. وفي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «نَحْنُ الآخِرُونَ السّابِقُونَ يَوْمَ القِيامَةِ، بَيْدَ أنَّهم أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِنا وأُوتِيناهُ مِن بَعْدِهِمْ، ثُمَّ هَذا يَوْمُهُمُ الَّذِي فُرِضَ عَلَيْهِمْ: يَعْنِي الجُمُعَةَ، فاخْتَلَفُوا فِيهِ فَهَدانا اللَّهُ لَهُ فالنّاسُ فِيهِ لَنا تَبَعٌ، اليَهُودُ غَدًا والنَّصارى بَعْدَ غَدٍ» . وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ مِن حَدِيثِ حُذَيْفَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ قالَ: أعْرِضْ عَنْ أذاهم إيّاكَ. وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ المُسْنَدِ والنَّسائِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ خُزَيْمَةَ في الفَوائِدِ وابْنُ (p-٨٠٩)حِبّانَ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: لَمّا كانَ يَوْمُ أُحُدٍ أُصِيبَ مِنَ الأنْصارِ أرْبَعَةٌ وسِتُّونَ رَجُلًا، ومِنَ المُهاجِرِينَ سِتَّةٌ، مِنهم حَمْزَةُ فَمَثَّلُوا بِهِمْ، فَقالَتِ الأنْصارُ: لَئِنْ أصَبْنا مِنهم يَوْمًا مِثْلَ هَذا لَنُرْبِيَنَّ عَلَيْهِمْ، فَلَمّا كانَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ ولَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهو خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «نَصْبِرُ ولا نُعاقِبُ، كُفُّوا عَنِ القَوْمِ إلّا أرْبَعَةً» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، والبَزّارُ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وأبُو نُعَيْمٍ في المَعْرِفَةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ «وقَفَ عَلى حَمْزَةَ حَيْثُ اسْتُشْهِدَ، فَنَظَرَ إلى مَنظَرٍ لَمْ يَنْظُرْ إلى شَيْءٍ قَطُّ كانَ أوْجَعَ لِقَلْبِهِ مِنهُ، ونَظَرَ إلَيْهِ قَدْ مُثِّلَ بِهِ، فَقالَ: رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ، فَإنَّكَ كُنْتَ ما عَلِمْتُ وصُولًا لِلرَّحِمِ فَعُولًا لِلْخَيْرِ، ولَوْلا حُزْنُ مَن بَعْدِكَ عَلَيْكَ لَسَرَّنِي أنْ أتْرُكَكَ حَتّى يَحْشُرَكَ اللَّهُ مِن أرْواحٍ شَتّى، أما واللَّهِ لَأُمَثِّلَنَّ بِسَبْعِينَ مِنهم مَكانَكَ. فَنَزَلَ جِبْرِيلُ والنَّبِيُّ ﷺ واقِفٌ بِخَواتِيمِ سُورَةِ النَّحْلِ وإنْ عاقَبْتُمْ الآيَةَ، فَكَفَّرَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ يَمِينِهِ وأمْسَكَ عَنِ الَّذِي أرادَ وصَبَرَ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: وإنْ عاقَبْتُمْ الآيَةَ، قالَ: هَذا حِينَ أمْرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أنْ يُقاتِلَ مَن قاتَلَهُ، ثُمَّ نَزَلَتْ ( بَراءَةٌ ) وانْسِلاخُ الأشْهُرِ الحُرُمِ فَهَذا مَنسُوخٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ﴾ قالَ: اتَّقَوْا فِيما حَرُمَ عَلَيْهِمْ وأحْسَنُوا فِيما افْتُرِضَ عَلَيْهِمْ.