Lafzullah

Fath Al-Qadir Al-Shawkani — الإسراء 17:54 – الإسراء 17:81

المؤلف / المصدر: Fath Al-Qadir Al-Shawkani

المحتويات
  1. الإسراء 17:54
  2. الإسراء 17:55
  3. الإسراء 17:56
  4. الإسراء 17:57
  5. الإسراء 17:58
  6. الإسراء 17:59
  7. الإسراء 17:60
  8. الإسراء 17:61
  9. الإسراء 17:62
  10. الإسراء 17:63
  11. الإسراء 17:64
  12. الإسراء 17:65
  13. الإسراء 17:66
  14. الإسراء 17:67
  15. الإسراء 17:68
  16. الإسراء 17:69
  17. الإسراء 17:70
  18. الإسراء 17:71
  19. الإسراء 17:72
  20. الإسراء 17:73
  21. الإسراء 17:74
  22. الإسراء 17:75
  23. الإسراء 17:76
  24. الإسراء 17:77
  25. الإسراء 17:78
  26. الإسراء 17:79
  27. الإسراء 17:80
  28. الإسراء 17:81

الإسراء 17:54

. لَمّا فَرَغَ سُبْحانَهُ مِن حِكايَةِ شُبَهِ القَوْمِ في النُّبُوّاتِ حَكى شُبْهَتَهم في أمْرِ المَعادِ فَقالَ: ﴿وقالُوا أئِذا كُنّا عِظامًا ورُفاتًا﴾ والِاسْتِفْهامُ لِلِاسْتِنْكارِ والِاسْتِبْعادِ. وتَقْرِيرُ الشُّبْهَةِ أنَّ الإنْسانَ إذا ماتَ جَفَّتْ عِظامُهُ وتَناثَرَتْ وتَفَرَّقَتْ في جَوانِبِ العالَمِ، واخْتَلَطَتْ بِسائِطُها بِأمْثالِها مِنَ العَناصِرِ، فَكَيْفَ يُعْقَلُ بَعْدَ ذَلِكَ اجْتِماعُها بِأعْيانِها، ثُمَّ عَوْدُ الحَياةِ إلى ذَلِكَ المَجْمُوعِ، فَأجابَ سُبْحانَهُ عَنْهم بِأنَّ إعادَةَ بَدَنِ المَيِّتِ إلى حالِ الحَياةِ أمْرٌ مُمْكِنٌ، ولَوْ فَرَضْتُمْ أنَّ بَدَنَهُ قَدْ صارَ أبْعَدَ شَيْءٍ مِنَ الحَياةِ ومِن رُطُوبَةِ الحَيِّ كالحِجارَةِ والحَدِيدِ، فَهو كَقَوْلِ القائِلِ: أتَطْمَعُ فِيَّ وأنا ابْنُ فُلانٍ، فَيَقُولُ كُنِ ابْنَ السُّلْطانِ أوِ ابْنَ مَن شِئْتَ فَسَأطْلُبُ مِنكَ حَقِّي. والرُّفاتُ: ما تَكَسَّرَ وبَلِيَ مِن كُلِّ شَيْءٍ كالفُتاتِ والحُطامِ والرُّضاضِ قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، والكِسائِيُّ، والفَرّاءُ، والأخْفَشُ، تَقُولُ مِنهُ: رَفَتَ الشَّيْءُ رَفْتًا، أيْ: حُطِّمَ فَهو مَرْفُوتٌ وقِيلَ: الرُّفاتُ الغُبارُ، وقِيلَ: التُّرابُ ﴿أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ كَرَّرَ الِاسْتِفْهامَ الدّالَّ عَلى الِاسْتِنْكارِ والِاسْتِبْعادِ تَأْكِيدًا وتَقْرِيرًا، والعامِلُ في ( إذا ) هو ما دَلَّ عَلَيْهِ ( لَمَبْعُوثُونَ )، لا هو نَفْسُهُ، لِأنَّ ما بَعْدَ إنَّ والهَمْزَةِ واللّامِ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها، والتَّقْدِيرُ: أإذا كُنّا عِظامًا ورُفاتًا نُبْعَثُ أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ، وانْتِصابُ خَلْقًا عَلى المَصْدَرِيَّةِ مِن غَيْرِ لَفْظِهِ، أوْ عَلى الحالِ، أيْ: مَخْلُوقِينَ، و( جَدِيدًا ) صِفَةٌ لَهُ. ﴿قُلْ كُونُوا حِجارَةً أوْ حَدِيدًا﴾ ﴿أوْ خَلْقًا﴾ آخَرَ ﴿مِمّا يَكْبُرُ في صُدُورِكُمْ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: مَعْناهُ إنْ عَجِبْتُمْ مِن إنْشاءِ اللَّهِ لَكم عِظامًا ولَحْمًا فَكُونُوا أنْتُمْ حِجارَةً أوْ حَدِيدًا إنْ قَدَرْتُمْ عَلى ذَلِكَ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى: مَعْناهُ إنَّكم لَوْ كُنْتُمْ حِجارَةً أوْ حَدِيدًا لَأعادَكم كَما بَدَأكم ولَأماتَكم ثُمَّ أحْياكم. قالَ النَّحّاسُ: وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ، لِأنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَكُونُوا حِجارَةً أوْ حَدِيدًا، وإنَّما المَعْنى أنَّهم قَدْ أقَرُّوا بِخالِقِهِمْ وأنْكَرُوا البَعْثَ، فَقِيلَ لَهُمُ اسْتَشْعِرُوا أنْ تَكُونُوا ما شِئْتُمْ، فَلَوْ كُنْتُمْ حِجارَةً أوْ حَدِيدًا لَبُعِثْتُمْ كَما خُلِقْتُمْ أوَّلَ مَرَّةٍ. قُلْتُ: وعَلى هَذا الوَجْهِ قَرَّرْنا جَوابَ الشُّبْهَةِ قَبْلَ هَذا. ﴿أوْ خَلْقًا مِمّا يَكْبُرُ في صُدُورِكُمْ﴾ أيْ يَعْظُمُ عِنْدَكم مِمّا هو أكْبَرُ مِنَ الحِجارَةِ والحَدِيدِ مُبايَنَةً لِلْحَياةِ فَإنَّكم مَبْعُوثُونَ لا مَحالَةَ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ السَّماواتُ والأرْضُ والجِبالُ لِعِظَمِها في النُّفُوسِ. وقالَ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ والتّابِعِينَ: المُرادُ بِهِ المَوْتُ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ أكْبَرُ في نَفْسِ ابْنِ آدَمَ مِنهُ. والمَعْنى: لَوْ كُنْتُمُ المَوْتَ لَأماتَكُمُ اللَّهُ ثُمَّ بَعَثَكم، ولا يَخْفى ما في هَذا مِنَ البُعْدِ، فَإنَّ مَعْنى الآيَةِ التَّرَقِّي مِنَ الحِجارَةِ إلى الحَدِيدِ، ثُمَّ مِنَ الحَدِيدِ إلى ما هو أكْبَرُ في صُدُورِ القَوْمِ مِنهُ، والمَوْتُ نَفْسُهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ يَعْقِلُ ويَحُسُّ حَتّى يَقَعَ التَّرَقِّي مِنَ الحَدِيدِ إلَيْهِ ﴿فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنا﴾ إذا كُنّا عِظامًا ورُفاتًا، أوْ حِجارَةً أوْ حَدِيدًا مَعَ ما بَيْنَ الحالَتَيْنِ مِنَ التَّفاوُتِ ﴿قُلِ الَّذِي فَطَرَكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أيْ يُعِيدُكُمُ الَّذِي خَلَقَكم واخْتَرَعَكم عِنْدَ ابْتِداءِ خَلْقِكم مِن غَيْرِ مِثالٍ سابِقٍ ولا صُورَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾ أيْ يُحَرِّكُونَها اسْتِهْزاءً، يُقالُ نَغَضَ رَأْسُهُ يَنْغُضُ ويَنْغِضُ ويُنْغِضُ نَغْضًا ونُغُوضًا، أيْ: تَحَرَّكَ، وأنْغَضَ رَأْسَهُ حَرَّكَهُ كالمُتَعَجِّبِ، ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ: ؎أنَغَضَ نَحْوِي رَأسَهُ وأقْنَعا وقَوْلُ الرّاجِزِ الآخَرِ: ؎ونَغَضَتْ مِن هَرَمٍ أسْنانُها وقالَ آخَرُ: ؎لَمّا رَأتْنِي أنْغَضَتْ لِي رَأْسَها ﴿ويَقُولُونَ مَتى هُوَ﴾ أيِ البَعْثُ والإعادَةُ اسْتِهْزاءً مِنهم وسُخْرِيَةً ﴿قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ أيْ هو قَرِيبٌ، لِأنَّ ( عَسى ) في كَلامِ اللَّهِ واجِبُ الوُقُوعِ، ومِثْلُهُ ﴿وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ وكُلُّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ. ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ﴾ الظَّرْفُ مُنْتَصِبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ: أيِ اذْكُرْ، أوْ بَدَلٌ مِن قَرِيبًا، أوِ التَّقْدِيرُ: يَوْمَ يَدْعُوكم كانَ ما كانَ، الدُّعاءُ النِّداءُ إلى المَحْشَرِ بِكَلامٍ يَسْمَعُهُ الخَلائِقُ، وقِيلَ: هو الصَّيْحَةُ الَّتِي تَسْمَعُونَها، فَتَكُونُ داعِيَةً لَهم إلى الِاجْتِماعِ في أرْضِ المَحْشَرِ ﴿فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ أيْ مُنْقادِينَ لَهُ حامِدِينَ لِما فَعَلَهُ بِكم فَهو في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. وقِيلَ: المَعْنى: فَتَسْتَجِيبُونَ والحَمْدُ لِلَّهِ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎وإنِّي بِحَمْدِ اللَّهِ لا ثَوْبَ فاجِرٍ ∗∗∗ لَبِسْتُ ولا مِن غَدْرَةٍ أتَقَنَّعُ وقَدْ رُوِيَ أنَّ الكُفّارَ عِنْدَ خُرُوجِهِمْ مِن قُبُورِهِمْ يَقُولُونَ: (p-٨٢٨)سُبْحانَكَ وبِحَمْدِكَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالدُّعاءِ هُنا البَعْثُ وبِالِاسْتِجابَةِ أنَّهم يُبْعَثُونَ، فالمَعْنى: يَوْمَ يَبْعَثُكم فَتُبْعَثُونَ مُنْقادِينَ ﴿وتَظُنُّونَ إنْ لَبِثْتُمْ إلّا قَلِيلًا﴾ أيْ تَظُنُّونَ عِنْدَ البَعْثِ أنَّكم ما لَبِثْتُمْ في قُبُورِكم إلّا زَمَنًا قَلِيلًا، وقِيلَ: بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ، وذَلِكَ أنَّ العَذابَ يُكَفُّ عَنِ المُعَذَّبِينَ بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ، وذَلِكَ أرْبَعُونَ عامًا يَنامُونَ فِيها، فَلِذَلِكَ ﴿قالُوا يا ويْلَنا مَن بَعَثَنا مِن مَرْقَدِنا﴾، وقِيلَ: إنَّ الدُّنْيا تَحَقَّرَتْ في أعْيُنِهِمْ وقَلَّتْ حِينَ رَأوْا يَوْمَ القِيامَةِ، فَقالُوا هَذِهِ المَقالَةَ. ﴿وقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هي أحْسَنُ﴾ أيْ قُلْ يا مُحَمَّدُ لِعِبادِي المُؤْمِنِينَ إنَّهم يَقُولُونَ عِنْدَ مُحاوَرَتِهِمْ لِلْمُشْرِكِينَ الكَلِمَةَ الَّتِي هي أحْسَنُ مِن غَيْرِها مِنَ الكَلامِ الحَسَنِ كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ لِأنَّ المُخاشَنَةَ لَهم رُبَّما تُنَفِّرُهم عَنِ الإجابَةِ أوْ تُؤَدِّي إلى ما قالَ سُبْحانَهُ ﴿ولا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ وهَذا كانَ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ السَّيْفِ، وقِيلَ: المَعْنى: قُلْ لَهم يَأْمُرُوا بِما أمَرَ اللَّهُ ويَنْهَوْا عَمّا نَهى عَنْهُ، وقِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ فِيما بَيْنَهم خاصَّةً، والأوَّلُ أوْلى كَما يَشْهَدُ بِهِ السَّبَبُ الَّذِي سَنَذْكُرُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ ﴿إنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ بِالفَسادِ وإلْقاءِ العَداوَةِ والإغْراءِ. قالَ اليَزِيدِيُّ: يُقالُ نَزَغَ بَيْنَنا، أيْ: أفْسَدَ. وقالَ غَيْرُهُ: النَّزْغُ: الإغْراءُ ﴿إنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلْإنْسانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ أيْ مُتَظاهِرًا بِالعَداوَةِ مُكاشِفًا بِها، وهو تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُ هَذا في البَقَرَةِ. ﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِكم إنْ يَشَأْ يَرْحَمْكم أوْ إنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكم﴾ قِيلَ هَذا خِطابٌ لِلْمُشْرِكِينَ. والمَعْنى: إنْ يَشَأْ يُوَفِّقْكم لِلْإسْلامِ فَيَرْحَمْكم أوْ يُمِتْكم عَلى الشِّرْكِ فَيُعَذِّبْكم، وقِيلَ: هو خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، أيْ: إنْ يَشَأْ يَرْحَمْكم بِأنْ يَحْفَظَكم مِنَ الكُفّارِ أوْ إنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكم بِتَسْلِيطِهِمْ عَلَيْكم، وقِيلَ: إنَّ هَذا تَفْسِيرٌ لِلْكَلِمَةِ الَّتِي هي أحْسَنُ ﴿وما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وكِيلًا﴾ أيْ ما وكَّلْناكَ في مَنعِهِمْ مِنَ الكُفْرِ، وقَسْرِهِمْ عَلى الإيمانِ، وقِيلَ: ما جَعَلْناكَ كَفِيلًا لَهم تُؤْخَذُ بِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ذَكَرْتُ أبا أرْوى فَبِتُّ كَأنَّنِي ∗∗∗ بِرَدِّ الأُمُورِ الماضِياتِ وكِيلُ أيْ كَفِيلٌ. ﴿ورَبُّكَ أعْلَمُ بِمَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أعْلَمُ بِهِمْ ذاتًا وحالًا واسْتِحْقاقًا، وهو أعَمُّ مِن قَوْلِهِ: ﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِكُمْ﴾ لِأنَّ هَذا يَشْمَلُ كُلَّ ما في السَّماواتِ والأرْضِ مِن مَخْلُوقاتِهِ، وذاكَ خاصٌّ بِبَنِي آدَمَ أوْ بِبَعْضِهِمْ، وهَذا كالتَّوْطِئَةِ لِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ﴾ أيْ أنَّ هَذا التَّفْضِيلَ عَنْ عِلْمٍ مِنهُ بِمَن هو أعْلى رُتْبَةً وبِمَن دُونَهُ، وبِمَن يَسْتَحِقُّ مَزِيدَ الخُصُوصِيَّةِ بِتَكْثِيرِ فَضائِلِهِ وفَواضِلِهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ هَذا في البَقَرَةِ. وقَدِ اتَّخَذَ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلًا، ومُوسى كَلِيمًا، وجَعَلَ عِيسى كَلِمَتَهُ ورُوحَهُ، وجَعَلَ لِسُلَيْمانَ مُلْكًا عَظِيمًا، وغَفَرَ لِمُحَمَّدٍ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ، وجَعَلَهُ سَيِّدَ ولَدِ آدَمَ. وفِي هَذِهِ الآيَةِ دَفْعٌ لِما كانَ يُنْكِرُهُ الكُفّارُ مِمّا يَحْكِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنِ ارْتِفاعِ دَرَجَتِهِ عِنْدَ رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ، ثُمَّ ذَكَرَ ما فَضَّلَ بِهِ داوُدَ، فَقالَ: ﴿وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ أيْ كِتابًا مَزْبُورًا. قالَ الزَّجّاجُ: أيْ فَلا تُنْكِرُوا تَفْضِيلَ مُحَمَّدٍ وإعْطاءَهُ القُرْآنَ فَقَدْ أعْطى اللَّهُ داوُدَ زَبُورًا. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ورُفاتًا﴾ قالَ: غُبارًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: و( رُفاتًا ) قالَ: تُرابًا، وفي قَوْلِهِ: ﴿قُلْ كُونُوا حِجارَةً أوْ حَدِيدًا﴾ قالَ: ما شِئْتُمْ فَكُونُوا، فَسَيُعِيدُكُمُ اللَّهُ كَما كُنْتُمْ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ خَلْقًا مِمّا يَكْبُرُ في صُدُورِكم﴾ قالَ: المَوْتُ، لَوْ كُنْتُمْ مَوْتًا لَأحْيَيْتُكم. وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنِ الحَسَنِ مِثْلَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ نَحْوَهُ، وزادَ قالَ فَكُونُوا المَوْتَ إنِ اسْتَطَعْتُمْ فَإنَّ المَوْتَ سَيَمُوتُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾ قالَ: سَيُحَرِّكُونَها اسْتِهْزاءً. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَقُولُونَ مَتى هُوَ﴾ قالَ: الإعادَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ قالَ: بِأمْرِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في الآيَةِ قالَ: يَخْرُجُونَ مِن قُبُورِهِمْ وهم يَقُولُونَ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ ﴿فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ قالَ: بِمَعْرِفَتِهِ وطاعَتِهِ ﴿وتَظُنُّونَ إنْ لَبِثْتُمْ إلّا قَلِيلًا﴾ أيْ في الدُّنْيا تَحاقَرَتِ الدُّنْيا في أنْفُسِهِمْ، وقَلَّتْ حِينَ عايَنُوا يَوْمَ القِيامَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ في قَوْلِهِ: ﴿وقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هي أحْسَنُ﴾ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في الآيَةِ قالَ: يَعْفُو عَنِ السَّيِّئَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: يَقُولُ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: نَزْغُ الشَّيْطانِ: تَحْرِيشُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ قالَ: كُنّا نُحَدَّثُ أنَّهُ دُعاءٌ عُلِّمَهُ داوُدُ وتَحْمِيدٌ وتَمْجِيدٌ لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - لَيْسَ فِيهِ حَلالٌ ولا حَرامٌ ولا فَرائِضُ ولا حُدُودٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ قالَ: الزَّبُورُ ثَناءٌ عَلى اللَّهِ ودُعاءٌ وتَسْبِيحٌ. قُلْتُ: الأمْرُ كَما قالَهُ قَتادَةُ، والرَّبِيعُ فَإنّا وقَفْنا عَلى الزَّبُورِ فَوَجَدْناهُ خُطَبًا يَخْطُبُها داوُدُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ويُخاطِبُ بِها رَبَّهُ سُبْحانَهُ عِنْدَ دُخُولِهِ الكَنِيسَةَ وجُمْلَتُهُ مِائَةٌ وخَمْسُونَ خُطْبَةً كُلُّ خُطْبَةٍ تُسَمّى مَزْمُورًا بِفَتْحِ المِيمِ الأُولى وسُكُونِ الزّايِ وضَمَّ المِيمِ الثّانِيَةِ وآخِرُهُ راءٌ، فَفي بَعْضِ هَذِهِ الخُطَبِ يَشْكُو داوُدُ إلى رَبِّهِ مِن أعْدائِهِ ويَسْتَنْصِرُهُ عَلَيْهِمْ، وفي بَعْضِها يَحْمَدُ اللَّهَ ويُمَجِّدُهُ ويُثْنِي عَلَيْهِ بِسَبَبِ ما وقَعَ مِنَ النَّصْرِ عَلَيْهِمْ والغَلَبَةِ لَهم، وكانَ عِنْدَ (p-٨٢٩)الخُطْبَةِ يَضْرِبُ بِالقِيثارَةِ، وهي آلَةٌ مِن آلاتِ المَلاهِي. وقَدْ ذَكَرَ السُّيُوطِيُّ في الدُّرِّ المَنثُورِ هاهُنا رِواياتٍ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ يَذْكُرُونَ ألْفاظًا وقَفُوا عَلَيْها في الزَّبُورِ لَيْسَ لَها كَثِيرُ فائِدَةٍ، فَقَدْ أغْنى عَنْها وعَنْ غَيْرِها ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ مِنَ المَواعِظِ والزَّواجِرِ.

الإسراء 17:55

. لَمّا فَرَغَ سُبْحانَهُ مِن حِكايَةِ شُبَهِ القَوْمِ في النُّبُوّاتِ حَكى شُبْهَتَهم في أمْرِ المَعادِ فَقالَ: ﴿وقالُوا أئِذا كُنّا عِظامًا ورُفاتًا﴾ والِاسْتِفْهامُ لِلِاسْتِنْكارِ والِاسْتِبْعادِ. وتَقْرِيرُ الشُّبْهَةِ أنَّ الإنْسانَ إذا ماتَ جَفَّتْ عِظامُهُ وتَناثَرَتْ وتَفَرَّقَتْ في جَوانِبِ العالَمِ، واخْتَلَطَتْ بِسائِطُها بِأمْثالِها مِنَ العَناصِرِ، فَكَيْفَ يُعْقَلُ بَعْدَ ذَلِكَ اجْتِماعُها بِأعْيانِها، ثُمَّ عَوْدُ الحَياةِ إلى ذَلِكَ المَجْمُوعِ، فَأجابَ سُبْحانَهُ عَنْهم بِأنَّ إعادَةَ بَدَنِ المَيِّتِ إلى حالِ الحَياةِ أمْرٌ مُمْكِنٌ، ولَوْ فَرَضْتُمْ أنَّ بَدَنَهُ قَدْ صارَ أبْعَدَ شَيْءٍ مِنَ الحَياةِ ومِن رُطُوبَةِ الحَيِّ كالحِجارَةِ والحَدِيدِ، فَهو كَقَوْلِ القائِلِ: أتَطْمَعُ فِيَّ وأنا ابْنُ فُلانٍ، فَيَقُولُ كُنِ ابْنَ السُّلْطانِ أوِ ابْنَ مَن شِئْتَ فَسَأطْلُبُ مِنكَ حَقِّي. والرُّفاتُ: ما تَكَسَّرَ وبَلِيَ مِن كُلِّ شَيْءٍ كالفُتاتِ والحُطامِ والرُّضاضِ قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، والكِسائِيُّ، والفَرّاءُ، والأخْفَشُ، تَقُولُ مِنهُ: رَفَتَ الشَّيْءُ رَفْتًا، أيْ: حُطِّمَ فَهو مَرْفُوتٌ وقِيلَ: الرُّفاتُ الغُبارُ، وقِيلَ: التُّرابُ ﴿أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ كَرَّرَ الِاسْتِفْهامَ الدّالَّ عَلى الِاسْتِنْكارِ والِاسْتِبْعادِ تَأْكِيدًا وتَقْرِيرًا، والعامِلُ في ( إذا ) هو ما دَلَّ عَلَيْهِ ( لَمَبْعُوثُونَ )، لا هو نَفْسُهُ، لِأنَّ ما بَعْدَ إنَّ والهَمْزَةِ واللّامِ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها، والتَّقْدِيرُ: أإذا كُنّا عِظامًا ورُفاتًا نُبْعَثُ أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ، وانْتِصابُ خَلْقًا عَلى المَصْدَرِيَّةِ مِن غَيْرِ لَفْظِهِ، أوْ عَلى الحالِ، أيْ: مَخْلُوقِينَ، و( جَدِيدًا ) صِفَةٌ لَهُ. ﴿قُلْ كُونُوا حِجارَةً أوْ حَدِيدًا﴾ ﴿أوْ خَلْقًا﴾ آخَرَ ﴿مِمّا يَكْبُرُ في صُدُورِكُمْ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: مَعْناهُ إنْ عَجِبْتُمْ مِن إنْشاءِ اللَّهِ لَكم عِظامًا ولَحْمًا فَكُونُوا أنْتُمْ حِجارَةً أوْ حَدِيدًا إنْ قَدَرْتُمْ عَلى ذَلِكَ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى: مَعْناهُ إنَّكم لَوْ كُنْتُمْ حِجارَةً أوْ حَدِيدًا لَأعادَكم كَما بَدَأكم ولَأماتَكم ثُمَّ أحْياكم. قالَ النَّحّاسُ: وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ، لِأنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَكُونُوا حِجارَةً أوْ حَدِيدًا، وإنَّما المَعْنى أنَّهم قَدْ أقَرُّوا بِخالِقِهِمْ وأنْكَرُوا البَعْثَ، فَقِيلَ لَهُمُ اسْتَشْعِرُوا أنْ تَكُونُوا ما شِئْتُمْ، فَلَوْ كُنْتُمْ حِجارَةً أوْ حَدِيدًا لَبُعِثْتُمْ كَما خُلِقْتُمْ أوَّلَ مَرَّةٍ. قُلْتُ: وعَلى هَذا الوَجْهِ قَرَّرْنا جَوابَ الشُّبْهَةِ قَبْلَ هَذا. ﴿أوْ خَلْقًا مِمّا يَكْبُرُ في صُدُورِكُمْ﴾ أيْ يَعْظُمُ عِنْدَكم مِمّا هو أكْبَرُ مِنَ الحِجارَةِ والحَدِيدِ مُبايَنَةً لِلْحَياةِ فَإنَّكم مَبْعُوثُونَ لا مَحالَةَ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ السَّماواتُ والأرْضُ والجِبالُ لِعِظَمِها في النُّفُوسِ. وقالَ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ والتّابِعِينَ: المُرادُ بِهِ المَوْتُ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ أكْبَرُ في نَفْسِ ابْنِ آدَمَ مِنهُ. والمَعْنى: لَوْ كُنْتُمُ المَوْتَ لَأماتَكُمُ اللَّهُ ثُمَّ بَعَثَكم، ولا يَخْفى ما في هَذا مِنَ البُعْدِ، فَإنَّ مَعْنى الآيَةِ التَّرَقِّي مِنَ الحِجارَةِ إلى الحَدِيدِ، ثُمَّ مِنَ الحَدِيدِ إلى ما هو أكْبَرُ في صُدُورِ القَوْمِ مِنهُ، والمَوْتُ نَفْسُهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ يَعْقِلُ ويَحُسُّ حَتّى يَقَعَ التَّرَقِّي مِنَ الحَدِيدِ إلَيْهِ ﴿فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنا﴾ إذا كُنّا عِظامًا ورُفاتًا، أوْ حِجارَةً أوْ حَدِيدًا مَعَ ما بَيْنَ الحالَتَيْنِ مِنَ التَّفاوُتِ ﴿قُلِ الَّذِي فَطَرَكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أيْ يُعِيدُكُمُ الَّذِي خَلَقَكم واخْتَرَعَكم عِنْدَ ابْتِداءِ خَلْقِكم مِن غَيْرِ مِثالٍ سابِقٍ ولا صُورَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾ أيْ يُحَرِّكُونَها اسْتِهْزاءً، يُقالُ نَغَضَ رَأْسُهُ يَنْغُضُ ويَنْغِضُ ويُنْغِضُ نَغْضًا ونُغُوضًا، أيْ: تَحَرَّكَ، وأنْغَضَ رَأْسَهُ حَرَّكَهُ كالمُتَعَجِّبِ، ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ: ؎أنَغَضَ نَحْوِي رَأسَهُ وأقْنَعا وقَوْلُ الرّاجِزِ الآخَرِ: ؎ونَغَضَتْ مِن هَرَمٍ أسْنانُها وقالَ آخَرُ: ؎لَمّا رَأتْنِي أنْغَضَتْ لِي رَأْسَها ﴿ويَقُولُونَ مَتى هُوَ﴾ أيِ البَعْثُ والإعادَةُ اسْتِهْزاءً مِنهم وسُخْرِيَةً ﴿قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ أيْ هو قَرِيبٌ، لِأنَّ ( عَسى ) في كَلامِ اللَّهِ واجِبُ الوُقُوعِ، ومِثْلُهُ ﴿وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ وكُلُّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ. ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ﴾ الظَّرْفُ مُنْتَصِبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ: أيِ اذْكُرْ، أوْ بَدَلٌ مِن قَرِيبًا، أوِ التَّقْدِيرُ: يَوْمَ يَدْعُوكم كانَ ما كانَ، الدُّعاءُ النِّداءُ إلى المَحْشَرِ بِكَلامٍ يَسْمَعُهُ الخَلائِقُ، وقِيلَ: هو الصَّيْحَةُ الَّتِي تَسْمَعُونَها، فَتَكُونُ داعِيَةً لَهم إلى الِاجْتِماعِ في أرْضِ المَحْشَرِ ﴿فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ أيْ مُنْقادِينَ لَهُ حامِدِينَ لِما فَعَلَهُ بِكم فَهو في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. وقِيلَ: المَعْنى: فَتَسْتَجِيبُونَ والحَمْدُ لِلَّهِ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎وإنِّي بِحَمْدِ اللَّهِ لا ثَوْبَ فاجِرٍ ∗∗∗ لَبِسْتُ ولا مِن غَدْرَةٍ أتَقَنَّعُ وقَدْ رُوِيَ أنَّ الكُفّارَ عِنْدَ خُرُوجِهِمْ مِن قُبُورِهِمْ يَقُولُونَ: (p-٨٢٨)سُبْحانَكَ وبِحَمْدِكَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالدُّعاءِ هُنا البَعْثُ وبِالِاسْتِجابَةِ أنَّهم يُبْعَثُونَ، فالمَعْنى: يَوْمَ يَبْعَثُكم فَتُبْعَثُونَ مُنْقادِينَ ﴿وتَظُنُّونَ إنْ لَبِثْتُمْ إلّا قَلِيلًا﴾ أيْ تَظُنُّونَ عِنْدَ البَعْثِ أنَّكم ما لَبِثْتُمْ في قُبُورِكم إلّا زَمَنًا قَلِيلًا، وقِيلَ: بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ، وذَلِكَ أنَّ العَذابَ يُكَفُّ عَنِ المُعَذَّبِينَ بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ، وذَلِكَ أرْبَعُونَ عامًا يَنامُونَ فِيها، فَلِذَلِكَ ﴿قالُوا يا ويْلَنا مَن بَعَثَنا مِن مَرْقَدِنا﴾، وقِيلَ: إنَّ الدُّنْيا تَحَقَّرَتْ في أعْيُنِهِمْ وقَلَّتْ حِينَ رَأوْا يَوْمَ القِيامَةِ، فَقالُوا هَذِهِ المَقالَةَ. ﴿وقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هي أحْسَنُ﴾ أيْ قُلْ يا مُحَمَّدُ لِعِبادِي المُؤْمِنِينَ إنَّهم يَقُولُونَ عِنْدَ مُحاوَرَتِهِمْ لِلْمُشْرِكِينَ الكَلِمَةَ الَّتِي هي أحْسَنُ مِن غَيْرِها مِنَ الكَلامِ الحَسَنِ كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ لِأنَّ المُخاشَنَةَ لَهم رُبَّما تُنَفِّرُهم عَنِ الإجابَةِ أوْ تُؤَدِّي إلى ما قالَ سُبْحانَهُ ﴿ولا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ وهَذا كانَ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ السَّيْفِ، وقِيلَ: المَعْنى: قُلْ لَهم يَأْمُرُوا بِما أمَرَ اللَّهُ ويَنْهَوْا عَمّا نَهى عَنْهُ، وقِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ فِيما بَيْنَهم خاصَّةً، والأوَّلُ أوْلى كَما يَشْهَدُ بِهِ السَّبَبُ الَّذِي سَنَذْكُرُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ ﴿إنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ بِالفَسادِ وإلْقاءِ العَداوَةِ والإغْراءِ. قالَ اليَزِيدِيُّ: يُقالُ نَزَغَ بَيْنَنا، أيْ: أفْسَدَ. وقالَ غَيْرُهُ: النَّزْغُ: الإغْراءُ ﴿إنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلْإنْسانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ أيْ مُتَظاهِرًا بِالعَداوَةِ مُكاشِفًا بِها، وهو تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُ هَذا في البَقَرَةِ. ﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِكم إنْ يَشَأْ يَرْحَمْكم أوْ إنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكم﴾ قِيلَ هَذا خِطابٌ لِلْمُشْرِكِينَ. والمَعْنى: إنْ يَشَأْ يُوَفِّقْكم لِلْإسْلامِ فَيَرْحَمْكم أوْ يُمِتْكم عَلى الشِّرْكِ فَيُعَذِّبْكم، وقِيلَ: هو خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، أيْ: إنْ يَشَأْ يَرْحَمْكم بِأنْ يَحْفَظَكم مِنَ الكُفّارِ أوْ إنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكم بِتَسْلِيطِهِمْ عَلَيْكم، وقِيلَ: إنَّ هَذا تَفْسِيرٌ لِلْكَلِمَةِ الَّتِي هي أحْسَنُ ﴿وما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وكِيلًا﴾ أيْ ما وكَّلْناكَ في مَنعِهِمْ مِنَ الكُفْرِ، وقَسْرِهِمْ عَلى الإيمانِ، وقِيلَ: ما جَعَلْناكَ كَفِيلًا لَهم تُؤْخَذُ بِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ذَكَرْتُ أبا أرْوى فَبِتُّ كَأنَّنِي ∗∗∗ بِرَدِّ الأُمُورِ الماضِياتِ وكِيلُ أيْ كَفِيلٌ. ﴿ورَبُّكَ أعْلَمُ بِمَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أعْلَمُ بِهِمْ ذاتًا وحالًا واسْتِحْقاقًا، وهو أعَمُّ مِن قَوْلِهِ: ﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِكُمْ﴾ لِأنَّ هَذا يَشْمَلُ كُلَّ ما في السَّماواتِ والأرْضِ مِن مَخْلُوقاتِهِ، وذاكَ خاصٌّ بِبَنِي آدَمَ أوْ بِبَعْضِهِمْ، وهَذا كالتَّوْطِئَةِ لِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ﴾ أيْ أنَّ هَذا التَّفْضِيلَ عَنْ عِلْمٍ مِنهُ بِمَن هو أعْلى رُتْبَةً وبِمَن دُونَهُ، وبِمَن يَسْتَحِقُّ مَزِيدَ الخُصُوصِيَّةِ بِتَكْثِيرِ فَضائِلِهِ وفَواضِلِهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ هَذا في البَقَرَةِ. وقَدِ اتَّخَذَ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلًا، ومُوسى كَلِيمًا، وجَعَلَ عِيسى كَلِمَتَهُ ورُوحَهُ، وجَعَلَ لِسُلَيْمانَ مُلْكًا عَظِيمًا، وغَفَرَ لِمُحَمَّدٍ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ، وجَعَلَهُ سَيِّدَ ولَدِ آدَمَ. وفِي هَذِهِ الآيَةِ دَفْعٌ لِما كانَ يُنْكِرُهُ الكُفّارُ مِمّا يَحْكِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنِ ارْتِفاعِ دَرَجَتِهِ عِنْدَ رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ، ثُمَّ ذَكَرَ ما فَضَّلَ بِهِ داوُدَ، فَقالَ: ﴿وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ أيْ كِتابًا مَزْبُورًا. قالَ الزَّجّاجُ: أيْ فَلا تُنْكِرُوا تَفْضِيلَ مُحَمَّدٍ وإعْطاءَهُ القُرْآنَ فَقَدْ أعْطى اللَّهُ داوُدَ زَبُورًا. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ورُفاتًا﴾ قالَ: غُبارًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: و( رُفاتًا ) قالَ: تُرابًا، وفي قَوْلِهِ: ﴿قُلْ كُونُوا حِجارَةً أوْ حَدِيدًا﴾ قالَ: ما شِئْتُمْ فَكُونُوا، فَسَيُعِيدُكُمُ اللَّهُ كَما كُنْتُمْ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ خَلْقًا مِمّا يَكْبُرُ في صُدُورِكم﴾ قالَ: المَوْتُ، لَوْ كُنْتُمْ مَوْتًا لَأحْيَيْتُكم. وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنِ الحَسَنِ مِثْلَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ نَحْوَهُ، وزادَ قالَ فَكُونُوا المَوْتَ إنِ اسْتَطَعْتُمْ فَإنَّ المَوْتَ سَيَمُوتُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾ قالَ: سَيُحَرِّكُونَها اسْتِهْزاءً. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَقُولُونَ مَتى هُوَ﴾ قالَ: الإعادَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ قالَ: بِأمْرِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في الآيَةِ قالَ: يَخْرُجُونَ مِن قُبُورِهِمْ وهم يَقُولُونَ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ ﴿فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ قالَ: بِمَعْرِفَتِهِ وطاعَتِهِ ﴿وتَظُنُّونَ إنْ لَبِثْتُمْ إلّا قَلِيلًا﴾ أيْ في الدُّنْيا تَحاقَرَتِ الدُّنْيا في أنْفُسِهِمْ، وقَلَّتْ حِينَ عايَنُوا يَوْمَ القِيامَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ في قَوْلِهِ: ﴿وقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هي أحْسَنُ﴾ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في الآيَةِ قالَ: يَعْفُو عَنِ السَّيِّئَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: يَقُولُ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: نَزْغُ الشَّيْطانِ: تَحْرِيشُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ قالَ: كُنّا نُحَدَّثُ أنَّهُ دُعاءٌ عُلِّمَهُ داوُدُ وتَحْمِيدٌ وتَمْجِيدٌ لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - لَيْسَ فِيهِ حَلالٌ ولا حَرامٌ ولا فَرائِضُ ولا حُدُودٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ قالَ: الزَّبُورُ ثَناءٌ عَلى اللَّهِ ودُعاءٌ وتَسْبِيحٌ. قُلْتُ: الأمْرُ كَما قالَهُ قَتادَةُ، والرَّبِيعُ فَإنّا وقَفْنا عَلى الزَّبُورِ فَوَجَدْناهُ خُطَبًا يَخْطُبُها داوُدُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ويُخاطِبُ بِها رَبَّهُ سُبْحانَهُ عِنْدَ دُخُولِهِ الكَنِيسَةَ وجُمْلَتُهُ مِائَةٌ وخَمْسُونَ خُطْبَةً كُلُّ خُطْبَةٍ تُسَمّى مَزْمُورًا بِفَتْحِ المِيمِ الأُولى وسُكُونِ الزّايِ وضَمَّ المِيمِ الثّانِيَةِ وآخِرُهُ راءٌ، فَفي بَعْضِ هَذِهِ الخُطَبِ يَشْكُو داوُدُ إلى رَبِّهِ مِن أعْدائِهِ ويَسْتَنْصِرُهُ عَلَيْهِمْ، وفي بَعْضِها يَحْمَدُ اللَّهَ ويُمَجِّدُهُ ويُثْنِي عَلَيْهِ بِسَبَبِ ما وقَعَ مِنَ النَّصْرِ عَلَيْهِمْ والغَلَبَةِ لَهم، وكانَ عِنْدَ (p-٨٢٩)الخُطْبَةِ يَضْرِبُ بِالقِيثارَةِ، وهي آلَةٌ مِن آلاتِ المَلاهِي. وقَدْ ذَكَرَ السُّيُوطِيُّ في الدُّرِّ المَنثُورِ هاهُنا رِواياتٍ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ يَذْكُرُونَ ألْفاظًا وقَفُوا عَلَيْها في الزَّبُورِ لَيْسَ لَها كَثِيرُ فائِدَةٍ، فَقَدْ أغْنى عَنْها وعَنْ غَيْرِها ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ مِنَ المَواعِظِ والزَّواجِرِ.

الإسراء 17:56

. قَوْلُهُ: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِهِ﴾ هَذا رَدٌّ عَلى طائِفَةٍ مِنَ المُشْرِكِينَ كانُوا يَعْبُدُونَ تَماثِيلَ عَلى أنَّها صُوَرُ المَلائِكَةِ، وعَلى طائِفَةٍ مِن أهْلِ الكِتابِ كانُوا يَقُولُونَ بِإلَهِيَّةِ عِيسى ومَرْيَمَ وعُزَيْرٍ، فَأمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ ﷺ بِأنْ يَقُولَ لَهُمُ: ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أنَّهم آلِهَةٌ مِن دُونِ اللَّهِ، وقِيلَ: أرادَ بِالَّذِينَ زَعَمْتُمْ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ عِنْدَهم ناسٌ مِنَ العَرَبِ، وإنَّما خُصِّصَتِ الآيَةُ بِمَن ذَكَرْنا لِقَوْلِهِ: ﴿يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ﴾، فَإنَّ هَذا لا يَلِيقُ بِالجَماداتِ ﴿فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكم﴾ أيْ لا يَسْتَطِيعُونَ ذَلِكَ، والمَعْبُودُ الحَقُّ هو الَّذِي يَقْدِرُ عَلى كَشْفِ الضُّرِّ، وعَلى تَحْوِيلِهِ مِن حالٍ إلى حالٍ، ومِن مَكانٍ إلى مَكانٍ، فَوَجَبَ القَطْعُ بِأنَّ هَذِهِ الَّتِي تَزْعُمُونَها آلِهَةٌ لَيْسَتْ بِآلِهَةٍ. ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ أكَّدَ عَدَمَ اقْتِدارِهِمْ بِبَيانِ غايَةِ افْتِقارِهِمْ إلى اللَّهِ في جَلْبِ المَنافِعِ ودَفْعِ المَضارِّ، فَقالَ:﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ﴾ فَأُولَئِكَ مُبْتَدَأٌ والَّذِينَ يَدْعُونَ صِفَتُهُ، وضَمِيرُ الصِّلَةِ مَحْذُوفٌ، أيْ: يَدْعُونَهم، وخَبَرُ المُبْتَدَأِ ( يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ )، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( الَّذِينَ يَدْعُونَ ) خَبَرَ المُبْتَدَأِ: أيِ الَّذِينَ يَدْعُونَ عِبادَهُ إلى عِبادَتِهِمْ، ويَكُونُ ( يَبْتَغُونَ ) في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ( تَدْعُونَ ) بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ. وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الخَبَرِ، ولا خِلافَ في ( يَبْتَغُونَ ) أنَّهُ بِالتَّحْتِيَّةِ، والوَسِيلَةُ: القُرْبَةُ بِالطّاعَةِ والعِبادَةِ، أيْ: يَتَضَرَّعُونَ إلى اللَّهِ في طَلَبِ ما يُقَرِّبُهم إلى رَبِّهِمْ، والضَّمِيرُ في رَبِّهِمْ يَعُودُ إلى العابِدِينَ أوِ المَعْبُودِينَ ( أيُّهم أقْرَبُ ) مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى أيُّهم أقْرَبُ بِالوَسِيلَةِ إلى اللَّهِ، أيْ: يَتَقَرَّبُ إلَيْهِ بِالعَمَلِ الصّالِحِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ في يَبْتَغُونَ، أيْ: يَبْتَغِي مَن هو أقْرَبُ إلَيْهِ تَعالى الوَسِيلَةَ، فَكَيْفَ بِمَن دُونَهُ ؟ وقِيلَ إنَّ ( يَبْتَغُونَ ) مُضَمَّنٌ مَعْنى يَحْرِصُونَ أيْ يَحْرِصُونَ أيُّهم أقْرَبُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ بِالطّاعَةِ والعِبادَةِ ويَرْجُونَ رَحْمَتَهُ كَما يَرْجُوها غَيْرُهم ويَخافُونَ عَذابَهُ كَما يَخافُهُ غَيْرُهم ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُورًا﴾ تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ يَخافُونَ عَذابَهُ، أيْ: إنَّ عَذابَهُ سُبْحانَهُ حَقِيقٌ بِأنْ يَحْذَرَهُ العِبادُ مِنَ المَلائِكَةِ والأنْبِياءِ وغَيْرِهِمْ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ مَآلَ الدُّنْيا وأهْلِها فَقالَ: ﴿وإنْ مِن قَرْيَةٍ إلّا نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ﴾ ( إنْ ) نافِيَةٌ، و( مِن ) لِلِاسْتِغْراقِ، أيْ: ما مِن قَرْيَةٍ. أيُّ قَرْيَةٍ كانَتْ مِن قُرى الكُفّارِ. قالَ الزَّجّاجُ، أيْ: ما مِن أهْلِ قَرْيَةٍ إلّا سَيُهْلَكُونَ إمّا بِمَوْتٍ وإمّا بِعَذابٍ يَسْتَأْصِلُهم، فالمُرادُ بِالقَرْيَةِ أهْلُها، وإنَّما قِيلَ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ لِأنَّ الإهْلاكَ يَوْمَ القِيامَةِ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِالقُرى الكافِرَةِ، بَلْ يَعُمُّ كُلَّ قَرْيَةٍ لِانْقِضاءِ عُمْرِ الدُّنْيا، وقِيلَ: الإهْلاكُ لِلصّالِحَةِ والتَّعْذِيبُ لِلطّالِحَةِ، والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ: ﴿وما كُنّا مُهْلِكِي القُرى إلّا وأهْلُها ظالِمُونَ﴾ ( كانَ ذَلِكَ ) المَذْكُورُ مِنَ الإهْلاكِ والتَّعْذِيبِ ( في الكِتابِ ) أيِ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ ( مَسْطُورًا ) أيْ مَكْتُوبًا، والسَّطْرُ: الخَطُّ وهو في الأصْلِ مَصْدَرٌ، والسَّطْرُ بِالتَّحْرِيكِ مِثْلُهُ. قالَ جَرِيرٌ: ؎مَن شاءَ بايَعْتُهُ مالِي وخِلْعَتَهُ ما تُكْمِلُ التَّيْمُ في دِيوانِها سَطَرا والخُلْفَةُ بِضَمِّ الخاءِ خِيارُ المالِ، والسَّطْرُ جَمْعُ أسْطارٍ، وجَمْعُ السَّطْرِ بِالسُّكُونِ أسْطُرٌ. ﴿وما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ إلّا أنْ كَذَّبَ بِها الأوَّلُونَ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: «إنَّ أهْلَ مَكَّةَ سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ - أنْ يَجْعَلَ لَهُمُ الصَّفا ذَهَبًا وأنْ يُنَحِّيَ عَنْهم جِبالَ مَكَّةَ، فَأتاهُ جِبْرِيلُ فَقالَ: إنْ شِئْتَ كانَ ما سَألَ قَوْمُكَ، ولَكِنَّهم إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا لَمْ يُمْهَلُوا وإنْ شِئْتَ اسْتَأْنَيْتَ بِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ» . والمَعْنى: وما مَنَعَنا مِن إرْسالِ الآياتِ الَّتِي سَألُوها إلّا تَكْذِيبُ الأوَّلِينَ، فَإنْ أرْسَلْناها وكَذَّبَ بِها هَؤُلاءِ عُوجِلُوا ولَمْ يُمْهَلُوا كَما هو سُنَّةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ في عِبادِهِ، فالمَنعُ مُسْتَعارٌ لِلتَّرْكِ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأشْياءِ، أيْ: ما تَرَكْنا إرْسالَها لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا تَكْذِيبُ الأوَّلِينَ، فَإنْ كَذَّبَ بِها هَؤُلاءِ كَما كَذَّبَ بِها أُولَئِكَ لِاشْتِراكِهِمْ في الكُفْرِ والعِنادِ حَلَّ بِهِمْ ما حَلَّ بِهِمْ، و( أنْ ) الأُولى في مَحَلِّ نَصْبٍ بِإيقاعِ المَنعِ عَلَيْها، و( أنْ ) الثّانِيَةُ في مَحَلِّ رَفْعٍ، والباءُ في ( بِالآياتِ ) زائِدَةٌ. والحاصِلُ أنَّ المانِعَ مِن إرْسالِ الآياتِ الَّتِي اقْتَرَحُوها هو أنَّ الِاقْتِراحَ مَعَ التَّكْذِيبِ مُوجِبٌ لِلْهَلاكِ الكُلِّيِّ وهو الِاسْتِئْصالُ، وقَدْ عَزَمْنا عَلى أنْ نُؤَخِّرَ أمْرَ مَن بُعِثَ إلَيْهِمْ مُحَمَّدٌ ﷺ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ: إنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارُ مِن قُرَيْشٍ ونَحْوَهِمْ مُقَلِّدُونَ لِآبائِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ البَتَّةَ كَما لَمْ يُؤْمِن أُولَئِكَ، فَيَكُونُ إرْسالُ الآياتِ ضائِعًا، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ اسْتَشْهَدَ عَلى ما ذُكِرَ بِقِصَّةِ صالِحٍ وناقَتِهِ، فَإنَّهم لَمّا اقْتَرَحُوا عَلَيْهِ ما اقْتَرَحُوا مِنَ النّاقَةِ وصِفَتِها الَّتِي قَدْ بُيِّنَتْ في مَحَلٍّ آخَرَ وأعْطاهُمُ اللَّهُ ما اقْتَرَحُوا فَلَمْ يُؤْمِنُوا اسْتُؤْصِلُوا بِالعَذابِ، وإنَّما خُصَّ قَوْمُ صالِحٍ بِالِاسْتِشْهادِ، لِأنَّ آثارَ إهْلاكِهِمْ في بِلادِ العَرَبِ قَرِيبَةٌ مِن قُرَيْشٍ وأمْثالِهِمْ يُبْصِرُها صادِرُهم ووارِدُهم فَقالَ: ﴿وآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ أيْ ذاتَ إبْصارٍ يُدْرِكُها النّاسُ بِأبْصارِهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً﴾ أوْ أُسْنِدَ إلَيْها حالُ مَن يُشاهِدُها مَجازًا، أوْ (p-٨٣٠)أنَّها جَعَلَتْهم ذَوِي إبْصارٍ، مِن أبْصَرَهُ جَعَلَهُ بَصِيرًا. وقُرِئَ عَلى صِيغَةِ المَفْعُولِ. وقُرِئَ بِفَتْحِ المِيمِ والصّادِ، وانْتِصابُها عَلى الحالِ. وقُرِئَ بِرَفْعِها عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى مَحْذُوفٍ يَقْتَضِيهِ سِياقُ الكَلامِ، أيْ: فَكَذَّبُوها ( وآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ )، ومَعْنى فَظَلَمُوا بِها فَظَلَمُوا بِتَكْذِيبِها أوْ عَلى تَضْمِينِ ( ظَلَمُوا ) مَعْنى جَحَدُوا أوْ كَفَرُوا، أيْ: فَجَحَدُوا بِها أوْ كَفَرُوا بِها ظالِمِينَ ولَمْ يَكْتَفُوا بِمُجَرَّدِ الكُفْرِ أوِ الجَحْدِ ﴿وما نُرْسِلُ بِالآياتِ إلّا تَخْوِيفًا﴾ اخْتُلِفَ في تَفْسِيرِ الآياتِ عَلى وُجُوهٍ: الأوَّلُ أنَّ المُرادَ بِها العِبَرُ والمُعْجِزاتُ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ عَلى أيْدِي الرُّسُلِ مِن دَلائِلِ الإنْذارِ تَخْوِيفًا لِلْمُكَذِّبِينَ، الثّانِي أنَّها آياتُ الِانْتِقامِ تَخْوِيفًا مِنَ المَعاصِي، الثّالِثُ تَقَلُّبُ الأحْوالِ مِن صِغَرٍ إلى شَبابٍ ثُمَّ إلى تَكَهُّلٍ ثُمَّ إلى شَيْبٍ لِيَعْتَبِرَ الإنْسانُ بِتَقَلُّبِ أحْوالِهِ فَيَخافُ عاقِبَةَ أمْرِهِ، الرّابِعُ آياتُ القُرْآنِ، الخامِسُ المَوْتُ الذَّرِيعُ، والمُناسِبُ لِلْمَقامِ أنْ تُفَسَّرَ الآياتُ المَذْكُورَةُ بِالآياتِ المُقْتَرَحَةِ، أيْ: لا نُرْسِلُ الآياتِ المُقْتَرَحَةَ إلّا تَخْوِيفًا مِن نُزُولِ العَذابِ، فَإنْ لَمْ يَخافُوا وقَعَ عَلَيْهِمْ. والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لَها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ ( ظَلَمُوا بِها )، أيْ: فَظَلَمُوا بِها ولَمْ يَخافُوا، والحالُ أنَّ ما نُرْسِلُ بِالآياتِ الَّتِي هي مِن جُمْلَتِها ( إلّا تَخْوِيفًا ) . قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وما نُرْسِلُ بِالآياتِ المُقْتَرَحَةِ إلّا تَخْوِيفًا مِن نُزُولِ العَذابِ العاجِلِ. ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ الِامْتِناعَ مِن إرْسالِ الآياتِ المُقْتَرَحَةِ عَلى رَسُولِهِ لِلصّارِفِ المَذْكُورِ قَوّى قَلْبَهُ بِوَعْدِ النَّصْرِ والغَلَبَةِ فَقالَ: ﴿وإذْ قُلْنا لَكَ إنَّ رَبَّكَ أحاطَ بِالنّاسِ﴾ الظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ: أيِ اذْكُرْ إذْ قُلْنا لَكَ، أيْ: أنَّهم في قَبْضَتِهِ وتَحْتَ قُدْرَتِهِ، فَلا سَبِيلَ لَهم إلى الخُرُوجِ مِمّا يُرِيدُهُ بِهِمْ لِإحاطَتِهِ لَهم بِعِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالنّاسِ أهْلُ مَكَّةَ، وإحاطَتُهُ بِهِمْ إهْلاكُهُ إيّاهم، أيْ: إنَّ اللَّهَ سَيُهْلِكُهم، وعَبَّرَ بِالماضِي تَنْبِيهًا عَلى تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ، وذَلِكَ كَما وقَعَ يَوْمَ بَدْرٍ ويَوْمَ الفَتْحِ، وقِيلَ: المُرادُ أنَّهُ سُبْحانَهُ عَصَمَهُ مِنَ النّاسِ أنْ يَقْتُلُوهُ حَتّى يُبَلِّغَ رِسالَةَ رَبِّهِ ﴿وما جَعَلْنا الرُّؤْيا الَّتِي أرَيْناكَ إلّا فِتْنَةً لِلنّاسِ﴾ لَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ إنْزالَ الآياتِ يَتَضَمَّنُ التَّخْوِيفَ ضَمَّ إلَيْهِ ذِكْرَ آيَةِ الإسْراءِ، وهي المَذْكُورَةُ في صَدْرِ السُّورَةِ، وسَمّاها رُؤْيا لِأنَّها وقَعَتْ بِاللَّيْلِ، أوْ لِأنَّ الكَفَرَةَ قالُوا لَعَلَّها رُؤْيا، وقَدْ قَدَّمْنا في صَدْرِ السُّورَةِ وجْهًا آخَرَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الرُّؤْيا، وكانَتِ الفِتْنَةُ ارْتِدادَ قَوْمٍ كانُوا أسْلَمُوا حِينَ أخْبَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أنَّهُ أُسْرِيَ بِهِ، وقِيلَ: كانَتْ رُؤْيا نَوْمٍ، وأنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأى أنَّهُ يَدْخُلُ مَكَّةَ فافْتَتَنَ المُسْلِمُونَ لِذَلِكَ، فَلَمّا فَتَحَ اللَّهُ مَكَّةَ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالحَقِّ﴾ وقَدْ تُعُقِّبَ هَذا بِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ، والرُّؤْيا المَذْكُورَةَ كانَتْ بِالمَدِينَةِ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الرُّؤْيا المَذْكُورَةَ في هَذِهِ الآيَةِ هي أنَّهُ رَأى بَنِي مَرْوانَ يَنْزَوْنَ عَلى مِنبَرِهِ نَزْوَ القِرَدَةِ فَساءَهُ ذَلِكَ، فَقِيلَ: إنَّما هي الدُّنْيا أعْطَوْها فَسُرِّيَ عَنْهُ، وفِيهِ ضَعْفٌ، فَإنَّهُ لا فِتْنَةَ لِلنّاسِ في هَذِهِ الرُّؤْيا إلّا أنْ يُرادَ بِالنّاسِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وحْدَهُ، ويُرادُ بِالفِتْنَةِ ما حَصَلَ مِنَ المَساءَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أوْ يُحْمَلُ عَلى أنَّهُ قَدْ كانَ أخْبَرَ النّاسَ بِها فافْتَتَنُوا. وقِيلَ: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أراهُ في المَنامِ مَصارِعَ قُرَيْشٍ حَتّى قالَ: «واللَّهِ لَكَأنِّي أنْظُرُ إلى مَصارِعِ القَوْمِ وهو يُومِئُ إلى الأرْضِ ويَقُولُ: هَذا مَصْرَعُ فُلانٍ، هَذا مَصْرَعُ فُلانٍ،» فَلَمّا سَمِعَ قُرَيْشُ ذَلِكَ جَعَلُوا رُؤْياهُ سُخْرِيَةً ﴿والشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ في القُرْآنِ﴾ عَطْفٌ عَلى الرُّؤْيا، قِيلَ وفي الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والتَّقْدِيرُ: وما جَعَلْنا الرُّؤْيا الَّتِي أرَيْناكَ والشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ في القُرْآنِ إلّا فِتْنَةً لِلنّاسِ. قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ وهي شَجَرَةُ الزَّقُّومِ، والمُرادُ بِلَعْنِها لَعْنُ آكِلِها كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الأثِيمِ﴾ . وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّ العَرَبَ تَقُولُ لِكُلِّ طَعامٍ مَكْرُوهٍ مَلْعُونٌ، ومَعْنى الفِتْنَةِ فِيها أنَّ أبا جَهْلٍ وغَيْرَهُ قالُوا: زَعَمَ صاحِبُكم أنَّ نارَ جَهَنَّمَ تَحْرِقُ الحَجَرَ، ثُمَّ يَقُولُ يَنْبُتُ فِيها الشَّجَرُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ. ورُوِيَ أنَّ أبا جَهْلٍ أمَرَ جارِيَةً فَأحْضَرَتْ تَمْرًا وزُبْدًا وقالَ لِأصْحابِهِ: تَزَقَّمُوا. وقالَ ابْنُ الزِّبَعْرى: كَثَّرَ اللَّهُ مِنَ الزَّقُّومِ في دارِكم فَإنَّهُ التَّمْرُ بِالزُّبْدِ بِلُغَةِ اليَمَنِ، وقِيلَ: إنَّ الشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ هي الشَّجَرَةُ الَّتِي تَلْتَوِي عَلى الشَّجَرِ فَتَقْتُلُها، وهي شَجَرَةُ الكُشُوثُ، وقِيلَ: هي الشَّيْطانُ، وقِيلَ: اليَهُودُ، وقِيلَ: بَنُو أُمَيَّةَ ﴿ونُخَوِّفُهم فَما يَزِيدُهم إلّا طُغْيانًا كَبِيرًا﴾ أيْ نُخَوِّفُهم بِالآياتِ فَما يَزِيدُهُمُ التَّخْوِيفُ إلّا طُغْيانًا مُتَجاوِزًا لِلْحَدِّ مُتَمادِيًا غايَةَ التَّمادِي فَما يُفِيدُهم إرْسالُ الآياتِ إلّا الزِّيادَةَ في الكُفْرِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ نَفْعَلُ بِهِمْ ما فَعَلْناهُ بِمَن قَبْلَهم مِنَ الكُفّارِ، وهو عَذابُ الِاسْتِئْصالِ ولَكِنّا قَدْ قَضَيْنا بِتَأْخِيرِ العُقُوبَةِ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكم ولا تَحْوِيلًا﴾ قالَ: كانَ نَفَرٌ مِنَ الإنْسِ يَعْبُدُونَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ فَأسْلَمَ النَّفَرُ مِنَ الجِنِّ وتَمَسَّكَ الإنْسِيُّونَ بِعِبادَتِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ﴾ كِلاهُما، يَعْنِي الفِعْلَيْنِ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ، ورُوِيَ نَحْوُ هَذا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِن طُرُقٍ أُخْرى. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: كانَ أهْلُ الشِّرْكِ يَعْبُدُونَ المَلائِكَةَ والمَسِيحَ وعُزَيْرًا. ورُوِيَ عَنْهُ مِن وجْهٍ آخَرَ بِلَفْظِ عِيسى وأُمِّهِ وعُزَيْرٍ. ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا مِن وجْهٍ آخَرَ بِلَفْظِ: هم عِيسى وعُزَيْرٌ، والشَّمْسُ والقَمَرُ. وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «سَلُوا اللَّهَ لِيَ الوَسِيلَةَ، قالُوا وما الوَسِيلَةُ ؟ قالَ القُرْبُ مِنَ اللَّهِ، ثُمَّ قَرَأ ﴿يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ أيُّهم أقْرَبُ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ إبْراهِيمَ التَّيْمِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿كانَ ذَلِكَ في الكِتابِ مَسْطُورًا﴾ قالَ: في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، والنَّسائِيُّ، والبَزّارُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ (p-٨٣١)والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «سَألَ أهْلُ مَكَّةَ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَجْعَلَ لَهُمُ الصَّفا ذَهَبًا، وأنْ يُنَحِّيَ عَنْهُمُ الجِبالَ فَيَزْرَعُوا، فَقِيلَ لَهُ: إنْ شِئْتَ أنْ تَسْتَأْنِيَ بِهِمْ، وإنْ شِئْتَ أنْ نُؤْتِيَهُمُ الَّذِي سَألُوا، فَإنْ كَفَرُوا أُهْلِكُوا كَما أهْلَكْتُ مَن قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ، قالَ: لا بَلْ أسَتَأْنِي بِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿وما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ والبَيْهَقِيُّ مِن طَرِيقٍ أُخْرى عَنْهُ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ قالَ: «قالَ النّاسُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَوْ جِئْتَنا بِآيَةٍ كَما جاءَ بِها صالِحٌ والنَّبِيُّونَ ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: إنْ شِئْتُمْ دَعَوْتُ اللَّهَ فَأنْزَلَها عَلَيْكم، فَإنْ عَصَيْتُمْ هَلَكْتُمْ. فَقالُوا: لا نُرِيدُها» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وما نُرْسِلُ بِالآياتِ إلّا تَخْوِيفًا﴾ قالَ: المَوْتُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: هو المَوْتُ الذَّرِيعُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ قُلْنا لَكَ إنَّ رَبَّكَ أحاطَ بِالنّاسِ﴾ قالَ: عَصَمَكَ مِنَ النّاسِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: فَهم في قَبْضَتِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وأحْمَدُ والبُخارِيُّ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما جَعَلْنا الرُّؤْيا﴾ الآيَةَ قالَ: هي رُؤْيا عَيْنٍ أُرِيَها رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، ولَيْسَتْ بِرُؤْيا مَنامٍ ﴿والشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ في القُرْآنِ﴾ قالَ: هي شَجَرَةُ الزَّقُّومِ. وأخْرَجَ أبُو سَعِيدٍ وأبُو يَعْلى وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أُمِّ هانِئٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَمّا أُسْرِيَ بِهِ أصْبَحَ يُحَدِّثُ نَفَرًا مِن قُرَيْشٍ وهم يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ، فَطَلَبُوا مِنهُ آيَةً، فَوَصَفَ لَهم بَيْتَ المَقْدِسِ، وذَكَرَ لَهم قِصَّةَ العِيرِ، فَقالَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ: هَذا ساحِرٌ، فَأنْزَلَ اللَّهُ إلَيْهِ: ﴿وما جَعَلْنا الرُّؤْيا﴾» الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قالَ: «رَأى رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بَنِي فُلانٍ يَنْزُونَ عَلى مِنبَرِهِ نَزْوَ القِرَدَةِ فَساءَهُ ذَلِكَ فَما اسْتَجْمَعَ ضاحِكًا حَتّى ماتَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وما جَعَلْنا الرُّؤْيا الَّتِي أرَيْناكَ إلّا فِتْنَةً لِلنّاسِ﴾» . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ بَعْدَ أنْ ساقَ إسْنادَهُ: وهَذا السَّنَدُ ضَعِيفٌ جِدًّا، وذَكَرَ مِن جُمْلَةِ رِجالِ السَّنَدِ مُحَمَّدَ بْنَ الحَسَنِ بْنَ زَبّانٍ وهو مَتْرُوكٌ، وشَيْخُهُ عَبْدُ المُهَيْمِنِ بْنُ عَبّاسِ بْنِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ضَعِيفٌ جِدًّا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَمْرٍو أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «رَأيْتُ ولَدَ الحَكَمِ بْنِ أبِي العاصِ عَلى المَنابِرِ كَأنَّهُمُ القِرَدَةُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وما جَعَلْنا الرُّؤْيا الَّتِي أرَيْناكَ إلّا فِتْنَةً لِلنّاسِ والشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ﴾»، يَعْنِي الحَكَمَ ووَلَدَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ يَعْلى بْنِ مُرَّةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «رَأيْتُ بَنِي أُمَيَّةَ عَلى مَنابِرِ الأرْضِ، وسَيَمْلِكُونَكم فَتَجِدُونَهم أرْبابَ سُوءٍ»، واهْتَمَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ الآيَةَ وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ نَحْوَهُ مَرْفُوعًا وهو مُرْسَلٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ نَحْوَهُ وهو مُرْسَلٌ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ أنَّها قالَتْ لِمَرْوانَ بْنِ الحَكَمِ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ لِأبِيكَ وجَدِّكَ: إنَّكُمُ الشَّجَرَةُ المَلْعُونَةُ في القُرْآنِ» وفي هَذا نَكارَةٌ لِقَوْلِها: يَقُولُ لِأبِيكَ وجَدِّكَ، ولَعَلَّ جَدَّ مَرْوانَ لَمْ يُدْرِكْ زَمَنَ النُّبُوَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أُرِيَ أنَّهُ دَخْلَ مَكَّةَ هو وأصْحابُهُ، وهو يَوْمَئِذٍ بِالمَدِينَةِ فَسارَ إلى مَكَّةَ قَبْلَ الأجَلِ فَرَدَّهُ المُشْرِكُونَ، فَقالَ ناسٌ: قَدْ رُدَّ، وقَدْ كانَ حَدَّثَنا أنَّهُ سَيَدْخُلُها، فَكانَتْ رَجْعَتُهُ فِتْنَتَهم، وقَدْ تَعارَضَتْ هَذِهِ الأسْبابُ ولَمْ يُمْكِنِ الجَمْعُ بَيْنَها، فالواجِبُ المَصِيرُ إلى التَّرْجِيحِ، والرّاجِحُ كَثْرَةً وصِحَّةً هو كَوْنُ سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ قِصَّةَ الإسْراءِ فَيَتَعَيَّنُ ذَلِكَ» . وقَدْ حَكى ابْنُ كَثِيرٍ إجْماعَ الحُجَّةِ مِن أهْلِ التَّأْوِيلِ عَلى ذَلِكَ في الرُّؤْيا، وفي تَفْسِيرِ الشَّجَرَةِ، وأنَّها شَجَرَةُ الزَّقُّومِ، فَلا اعْتِبارَ بِغَيْرِهِمْ مَعَهم. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ أبُو جَهِلٍ لَمّا ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - شَجَرَةَ الزَّقُّومِ تَخْوِيفًا لَهم: يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ هَلْ تَدْرُونَ ما شَجَرَةُ الزَّقُّومِ الَّتِي يُخَوِّفُكم بِها مُحَمَّدٌ ؟ قالُوا: لا. قالَ: عَجْوَةُ يَثْرِبَ بِالزُّبْدِ، واللَّهِ لَئِنِ اسْتَمْكَنّا مِنها لَنَزْقُمَنَّها تَزَقُّمًا. قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ﴾ ﴿طَعامُ الأثِيمِ﴾ [الدخان: ٤٣، ٤٤] . وأنْزَلَ: ﴿والشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ في القُرْآنِ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿والشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ﴾ قالَ: مَلْعُونَةٌ لِأنَّهُ قالَ: ﴿طَلْعُها كَأنَّهُ رُءُوسُ الشَّياطِينِ﴾ [الصافات: ٦٥] . والشَّياطِينُ مَلْعُونُونَ.

الإسراء 17:57

. قَوْلُهُ: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِهِ﴾ هَذا رَدٌّ عَلى طائِفَةٍ مِنَ المُشْرِكِينَ كانُوا يَعْبُدُونَ تَماثِيلَ عَلى أنَّها صُوَرُ المَلائِكَةِ، وعَلى طائِفَةٍ مِن أهْلِ الكِتابِ كانُوا يَقُولُونَ بِإلَهِيَّةِ عِيسى ومَرْيَمَ وعُزَيْرٍ، فَأمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ ﷺ بِأنْ يَقُولَ لَهُمُ: ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أنَّهم آلِهَةٌ مِن دُونِ اللَّهِ، وقِيلَ: أرادَ بِالَّذِينَ زَعَمْتُمْ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ عِنْدَهم ناسٌ مِنَ العَرَبِ، وإنَّما خُصِّصَتِ الآيَةُ بِمَن ذَكَرْنا لِقَوْلِهِ: ﴿يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ﴾، فَإنَّ هَذا لا يَلِيقُ بِالجَماداتِ ﴿فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكم﴾ أيْ لا يَسْتَطِيعُونَ ذَلِكَ، والمَعْبُودُ الحَقُّ هو الَّذِي يَقْدِرُ عَلى كَشْفِ الضُّرِّ، وعَلى تَحْوِيلِهِ مِن حالٍ إلى حالٍ، ومِن مَكانٍ إلى مَكانٍ، فَوَجَبَ القَطْعُ بِأنَّ هَذِهِ الَّتِي تَزْعُمُونَها آلِهَةٌ لَيْسَتْ بِآلِهَةٍ. ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ أكَّدَ عَدَمَ اقْتِدارِهِمْ بِبَيانِ غايَةِ افْتِقارِهِمْ إلى اللَّهِ في جَلْبِ المَنافِعِ ودَفْعِ المَضارِّ، فَقالَ:﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ﴾ فَأُولَئِكَ مُبْتَدَأٌ والَّذِينَ يَدْعُونَ صِفَتُهُ، وضَمِيرُ الصِّلَةِ مَحْذُوفٌ، أيْ: يَدْعُونَهم، وخَبَرُ المُبْتَدَأِ ( يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ )، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( الَّذِينَ يَدْعُونَ ) خَبَرَ المُبْتَدَأِ: أيِ الَّذِينَ يَدْعُونَ عِبادَهُ إلى عِبادَتِهِمْ، ويَكُونُ ( يَبْتَغُونَ ) في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ( تَدْعُونَ ) بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ. وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الخَبَرِ، ولا خِلافَ في ( يَبْتَغُونَ ) أنَّهُ بِالتَّحْتِيَّةِ، والوَسِيلَةُ: القُرْبَةُ بِالطّاعَةِ والعِبادَةِ، أيْ: يَتَضَرَّعُونَ إلى اللَّهِ في طَلَبِ ما يُقَرِّبُهم إلى رَبِّهِمْ، والضَّمِيرُ في رَبِّهِمْ يَعُودُ إلى العابِدِينَ أوِ المَعْبُودِينَ ( أيُّهم أقْرَبُ ) مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى أيُّهم أقْرَبُ بِالوَسِيلَةِ إلى اللَّهِ، أيْ: يَتَقَرَّبُ إلَيْهِ بِالعَمَلِ الصّالِحِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ في يَبْتَغُونَ، أيْ: يَبْتَغِي مَن هو أقْرَبُ إلَيْهِ تَعالى الوَسِيلَةَ، فَكَيْفَ بِمَن دُونَهُ ؟ وقِيلَ إنَّ ( يَبْتَغُونَ ) مُضَمَّنٌ مَعْنى يَحْرِصُونَ أيْ يَحْرِصُونَ أيُّهم أقْرَبُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ بِالطّاعَةِ والعِبادَةِ ويَرْجُونَ رَحْمَتَهُ كَما يَرْجُوها غَيْرُهم ويَخافُونَ عَذابَهُ كَما يَخافُهُ غَيْرُهم ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُورًا﴾ تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ يَخافُونَ عَذابَهُ، أيْ: إنَّ عَذابَهُ سُبْحانَهُ حَقِيقٌ بِأنْ يَحْذَرَهُ العِبادُ مِنَ المَلائِكَةِ والأنْبِياءِ وغَيْرِهِمْ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ مَآلَ الدُّنْيا وأهْلِها فَقالَ: ﴿وإنْ مِن قَرْيَةٍ إلّا نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ﴾ ( إنْ ) نافِيَةٌ، و( مِن ) لِلِاسْتِغْراقِ، أيْ: ما مِن قَرْيَةٍ. أيُّ قَرْيَةٍ كانَتْ مِن قُرى الكُفّارِ. قالَ الزَّجّاجُ، أيْ: ما مِن أهْلِ قَرْيَةٍ إلّا سَيُهْلَكُونَ إمّا بِمَوْتٍ وإمّا بِعَذابٍ يَسْتَأْصِلُهم، فالمُرادُ بِالقَرْيَةِ أهْلُها، وإنَّما قِيلَ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ لِأنَّ الإهْلاكَ يَوْمَ القِيامَةِ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِالقُرى الكافِرَةِ، بَلْ يَعُمُّ كُلَّ قَرْيَةٍ لِانْقِضاءِ عُمْرِ الدُّنْيا، وقِيلَ: الإهْلاكُ لِلصّالِحَةِ والتَّعْذِيبُ لِلطّالِحَةِ، والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ: ﴿وما كُنّا مُهْلِكِي القُرى إلّا وأهْلُها ظالِمُونَ﴾ ( كانَ ذَلِكَ ) المَذْكُورُ مِنَ الإهْلاكِ والتَّعْذِيبِ ( في الكِتابِ ) أيِ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ ( مَسْطُورًا ) أيْ مَكْتُوبًا، والسَّطْرُ: الخَطُّ وهو في الأصْلِ مَصْدَرٌ، والسَّطْرُ بِالتَّحْرِيكِ مِثْلُهُ. قالَ جَرِيرٌ: ؎مَن شاءَ بايَعْتُهُ مالِي وخِلْعَتَهُ ما تُكْمِلُ التَّيْمُ في دِيوانِها سَطَرا والخُلْفَةُ بِضَمِّ الخاءِ خِيارُ المالِ، والسَّطْرُ جَمْعُ أسْطارٍ، وجَمْعُ السَّطْرِ بِالسُّكُونِ أسْطُرٌ. ﴿وما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ إلّا أنْ كَذَّبَ بِها الأوَّلُونَ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: «إنَّ أهْلَ مَكَّةَ سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ - أنْ يَجْعَلَ لَهُمُ الصَّفا ذَهَبًا وأنْ يُنَحِّيَ عَنْهم جِبالَ مَكَّةَ، فَأتاهُ جِبْرِيلُ فَقالَ: إنْ شِئْتَ كانَ ما سَألَ قَوْمُكَ، ولَكِنَّهم إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا لَمْ يُمْهَلُوا وإنْ شِئْتَ اسْتَأْنَيْتَ بِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ» . والمَعْنى: وما مَنَعَنا مِن إرْسالِ الآياتِ الَّتِي سَألُوها إلّا تَكْذِيبُ الأوَّلِينَ، فَإنْ أرْسَلْناها وكَذَّبَ بِها هَؤُلاءِ عُوجِلُوا ولَمْ يُمْهَلُوا كَما هو سُنَّةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ في عِبادِهِ، فالمَنعُ مُسْتَعارٌ لِلتَّرْكِ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأشْياءِ، أيْ: ما تَرَكْنا إرْسالَها لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا تَكْذِيبُ الأوَّلِينَ، فَإنْ كَذَّبَ بِها هَؤُلاءِ كَما كَذَّبَ بِها أُولَئِكَ لِاشْتِراكِهِمْ في الكُفْرِ والعِنادِ حَلَّ بِهِمْ ما حَلَّ بِهِمْ، و( أنْ ) الأُولى في مَحَلِّ نَصْبٍ بِإيقاعِ المَنعِ عَلَيْها، و( أنْ ) الثّانِيَةُ في مَحَلِّ رَفْعٍ، والباءُ في ( بِالآياتِ ) زائِدَةٌ. والحاصِلُ أنَّ المانِعَ مِن إرْسالِ الآياتِ الَّتِي اقْتَرَحُوها هو أنَّ الِاقْتِراحَ مَعَ التَّكْذِيبِ مُوجِبٌ لِلْهَلاكِ الكُلِّيِّ وهو الِاسْتِئْصالُ، وقَدْ عَزَمْنا عَلى أنْ نُؤَخِّرَ أمْرَ مَن بُعِثَ إلَيْهِمْ مُحَمَّدٌ ﷺ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ: إنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارُ مِن قُرَيْشٍ ونَحْوَهِمْ مُقَلِّدُونَ لِآبائِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ البَتَّةَ كَما لَمْ يُؤْمِن أُولَئِكَ، فَيَكُونُ إرْسالُ الآياتِ ضائِعًا، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ اسْتَشْهَدَ عَلى ما ذُكِرَ بِقِصَّةِ صالِحٍ وناقَتِهِ، فَإنَّهم لَمّا اقْتَرَحُوا عَلَيْهِ ما اقْتَرَحُوا مِنَ النّاقَةِ وصِفَتِها الَّتِي قَدْ بُيِّنَتْ في مَحَلٍّ آخَرَ وأعْطاهُمُ اللَّهُ ما اقْتَرَحُوا فَلَمْ يُؤْمِنُوا اسْتُؤْصِلُوا بِالعَذابِ، وإنَّما خُصَّ قَوْمُ صالِحٍ بِالِاسْتِشْهادِ، لِأنَّ آثارَ إهْلاكِهِمْ في بِلادِ العَرَبِ قَرِيبَةٌ مِن قُرَيْشٍ وأمْثالِهِمْ يُبْصِرُها صادِرُهم ووارِدُهم فَقالَ: ﴿وآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ أيْ ذاتَ إبْصارٍ يُدْرِكُها النّاسُ بِأبْصارِهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً﴾ أوْ أُسْنِدَ إلَيْها حالُ مَن يُشاهِدُها مَجازًا، أوْ (p-٨٣٠)أنَّها جَعَلَتْهم ذَوِي إبْصارٍ، مِن أبْصَرَهُ جَعَلَهُ بَصِيرًا. وقُرِئَ عَلى صِيغَةِ المَفْعُولِ. وقُرِئَ بِفَتْحِ المِيمِ والصّادِ، وانْتِصابُها عَلى الحالِ. وقُرِئَ بِرَفْعِها عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى مَحْذُوفٍ يَقْتَضِيهِ سِياقُ الكَلامِ، أيْ: فَكَذَّبُوها ( وآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ )، ومَعْنى فَظَلَمُوا بِها فَظَلَمُوا بِتَكْذِيبِها أوْ عَلى تَضْمِينِ ( ظَلَمُوا ) مَعْنى جَحَدُوا أوْ كَفَرُوا، أيْ: فَجَحَدُوا بِها أوْ كَفَرُوا بِها ظالِمِينَ ولَمْ يَكْتَفُوا بِمُجَرَّدِ الكُفْرِ أوِ الجَحْدِ ﴿وما نُرْسِلُ بِالآياتِ إلّا تَخْوِيفًا﴾ اخْتُلِفَ في تَفْسِيرِ الآياتِ عَلى وُجُوهٍ: الأوَّلُ أنَّ المُرادَ بِها العِبَرُ والمُعْجِزاتُ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ عَلى أيْدِي الرُّسُلِ مِن دَلائِلِ الإنْذارِ تَخْوِيفًا لِلْمُكَذِّبِينَ، الثّانِي أنَّها آياتُ الِانْتِقامِ تَخْوِيفًا مِنَ المَعاصِي، الثّالِثُ تَقَلُّبُ الأحْوالِ مِن صِغَرٍ إلى شَبابٍ ثُمَّ إلى تَكَهُّلٍ ثُمَّ إلى شَيْبٍ لِيَعْتَبِرَ الإنْسانُ بِتَقَلُّبِ أحْوالِهِ فَيَخافُ عاقِبَةَ أمْرِهِ، الرّابِعُ آياتُ القُرْآنِ، الخامِسُ المَوْتُ الذَّرِيعُ، والمُناسِبُ لِلْمَقامِ أنْ تُفَسَّرَ الآياتُ المَذْكُورَةُ بِالآياتِ المُقْتَرَحَةِ، أيْ: لا نُرْسِلُ الآياتِ المُقْتَرَحَةَ إلّا تَخْوِيفًا مِن نُزُولِ العَذابِ، فَإنْ لَمْ يَخافُوا وقَعَ عَلَيْهِمْ. والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لَها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ ( ظَلَمُوا بِها )، أيْ: فَظَلَمُوا بِها ولَمْ يَخافُوا، والحالُ أنَّ ما نُرْسِلُ بِالآياتِ الَّتِي هي مِن جُمْلَتِها ( إلّا تَخْوِيفًا ) . قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وما نُرْسِلُ بِالآياتِ المُقْتَرَحَةِ إلّا تَخْوِيفًا مِن نُزُولِ العَذابِ العاجِلِ. ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ الِامْتِناعَ مِن إرْسالِ الآياتِ المُقْتَرَحَةِ عَلى رَسُولِهِ لِلصّارِفِ المَذْكُورِ قَوّى قَلْبَهُ بِوَعْدِ النَّصْرِ والغَلَبَةِ فَقالَ: ﴿وإذْ قُلْنا لَكَ إنَّ رَبَّكَ أحاطَ بِالنّاسِ﴾ الظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ: أيِ اذْكُرْ إذْ قُلْنا لَكَ، أيْ: أنَّهم في قَبْضَتِهِ وتَحْتَ قُدْرَتِهِ، فَلا سَبِيلَ لَهم إلى الخُرُوجِ مِمّا يُرِيدُهُ بِهِمْ لِإحاطَتِهِ لَهم بِعِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالنّاسِ أهْلُ مَكَّةَ، وإحاطَتُهُ بِهِمْ إهْلاكُهُ إيّاهم، أيْ: إنَّ اللَّهَ سَيُهْلِكُهم، وعَبَّرَ بِالماضِي تَنْبِيهًا عَلى تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ، وذَلِكَ كَما وقَعَ يَوْمَ بَدْرٍ ويَوْمَ الفَتْحِ، وقِيلَ: المُرادُ أنَّهُ سُبْحانَهُ عَصَمَهُ مِنَ النّاسِ أنْ يَقْتُلُوهُ حَتّى يُبَلِّغَ رِسالَةَ رَبِّهِ ﴿وما جَعَلْنا الرُّؤْيا الَّتِي أرَيْناكَ إلّا فِتْنَةً لِلنّاسِ﴾ لَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ إنْزالَ الآياتِ يَتَضَمَّنُ التَّخْوِيفَ ضَمَّ إلَيْهِ ذِكْرَ آيَةِ الإسْراءِ، وهي المَذْكُورَةُ في صَدْرِ السُّورَةِ، وسَمّاها رُؤْيا لِأنَّها وقَعَتْ بِاللَّيْلِ، أوْ لِأنَّ الكَفَرَةَ قالُوا لَعَلَّها رُؤْيا، وقَدْ قَدَّمْنا في صَدْرِ السُّورَةِ وجْهًا آخَرَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الرُّؤْيا، وكانَتِ الفِتْنَةُ ارْتِدادَ قَوْمٍ كانُوا أسْلَمُوا حِينَ أخْبَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أنَّهُ أُسْرِيَ بِهِ، وقِيلَ: كانَتْ رُؤْيا نَوْمٍ، وأنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأى أنَّهُ يَدْخُلُ مَكَّةَ فافْتَتَنَ المُسْلِمُونَ لِذَلِكَ، فَلَمّا فَتَحَ اللَّهُ مَكَّةَ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالحَقِّ﴾ وقَدْ تُعُقِّبَ هَذا بِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ، والرُّؤْيا المَذْكُورَةَ كانَتْ بِالمَدِينَةِ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الرُّؤْيا المَذْكُورَةَ في هَذِهِ الآيَةِ هي أنَّهُ رَأى بَنِي مَرْوانَ يَنْزَوْنَ عَلى مِنبَرِهِ نَزْوَ القِرَدَةِ فَساءَهُ ذَلِكَ، فَقِيلَ: إنَّما هي الدُّنْيا أعْطَوْها فَسُرِّيَ عَنْهُ، وفِيهِ ضَعْفٌ، فَإنَّهُ لا فِتْنَةَ لِلنّاسِ في هَذِهِ الرُّؤْيا إلّا أنْ يُرادَ بِالنّاسِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وحْدَهُ، ويُرادُ بِالفِتْنَةِ ما حَصَلَ مِنَ المَساءَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أوْ يُحْمَلُ عَلى أنَّهُ قَدْ كانَ أخْبَرَ النّاسَ بِها فافْتَتَنُوا. وقِيلَ: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أراهُ في المَنامِ مَصارِعَ قُرَيْشٍ حَتّى قالَ: «واللَّهِ لَكَأنِّي أنْظُرُ إلى مَصارِعِ القَوْمِ وهو يُومِئُ إلى الأرْضِ ويَقُولُ: هَذا مَصْرَعُ فُلانٍ، هَذا مَصْرَعُ فُلانٍ،» فَلَمّا سَمِعَ قُرَيْشُ ذَلِكَ جَعَلُوا رُؤْياهُ سُخْرِيَةً ﴿والشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ في القُرْآنِ﴾ عَطْفٌ عَلى الرُّؤْيا، قِيلَ وفي الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والتَّقْدِيرُ: وما جَعَلْنا الرُّؤْيا الَّتِي أرَيْناكَ والشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ في القُرْآنِ إلّا فِتْنَةً لِلنّاسِ. قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ وهي شَجَرَةُ الزَّقُّومِ، والمُرادُ بِلَعْنِها لَعْنُ آكِلِها كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الأثِيمِ﴾ . وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّ العَرَبَ تَقُولُ لِكُلِّ طَعامٍ مَكْرُوهٍ مَلْعُونٌ، ومَعْنى الفِتْنَةِ فِيها أنَّ أبا جَهْلٍ وغَيْرَهُ قالُوا: زَعَمَ صاحِبُكم أنَّ نارَ جَهَنَّمَ تَحْرِقُ الحَجَرَ، ثُمَّ يَقُولُ يَنْبُتُ فِيها الشَّجَرُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ. ورُوِيَ أنَّ أبا جَهْلٍ أمَرَ جارِيَةً فَأحْضَرَتْ تَمْرًا وزُبْدًا وقالَ لِأصْحابِهِ: تَزَقَّمُوا. وقالَ ابْنُ الزِّبَعْرى: كَثَّرَ اللَّهُ مِنَ الزَّقُّومِ في دارِكم فَإنَّهُ التَّمْرُ بِالزُّبْدِ بِلُغَةِ اليَمَنِ، وقِيلَ: إنَّ الشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ هي الشَّجَرَةُ الَّتِي تَلْتَوِي عَلى الشَّجَرِ فَتَقْتُلُها، وهي شَجَرَةُ الكُشُوثُ، وقِيلَ: هي الشَّيْطانُ، وقِيلَ: اليَهُودُ، وقِيلَ: بَنُو أُمَيَّةَ ﴿ونُخَوِّفُهم فَما يَزِيدُهم إلّا طُغْيانًا كَبِيرًا﴾ أيْ نُخَوِّفُهم بِالآياتِ فَما يَزِيدُهُمُ التَّخْوِيفُ إلّا طُغْيانًا مُتَجاوِزًا لِلْحَدِّ مُتَمادِيًا غايَةَ التَّمادِي فَما يُفِيدُهم إرْسالُ الآياتِ إلّا الزِّيادَةَ في الكُفْرِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ نَفْعَلُ بِهِمْ ما فَعَلْناهُ بِمَن قَبْلَهم مِنَ الكُفّارِ، وهو عَذابُ الِاسْتِئْصالِ ولَكِنّا قَدْ قَضَيْنا بِتَأْخِيرِ العُقُوبَةِ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكم ولا تَحْوِيلًا﴾ قالَ: كانَ نَفَرٌ مِنَ الإنْسِ يَعْبُدُونَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ فَأسْلَمَ النَّفَرُ مِنَ الجِنِّ وتَمَسَّكَ الإنْسِيُّونَ بِعِبادَتِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ﴾ كِلاهُما، يَعْنِي الفِعْلَيْنِ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ، ورُوِيَ نَحْوُ هَذا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِن طُرُقٍ أُخْرى. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: كانَ أهْلُ الشِّرْكِ يَعْبُدُونَ المَلائِكَةَ والمَسِيحَ وعُزَيْرًا. ورُوِيَ عَنْهُ مِن وجْهٍ آخَرَ بِلَفْظِ عِيسى وأُمِّهِ وعُزَيْرٍ. ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا مِن وجْهٍ آخَرَ بِلَفْظِ: هم عِيسى وعُزَيْرٌ، والشَّمْسُ والقَمَرُ. وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «سَلُوا اللَّهَ لِيَ الوَسِيلَةَ، قالُوا وما الوَسِيلَةُ ؟ قالَ القُرْبُ مِنَ اللَّهِ، ثُمَّ قَرَأ ﴿يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ أيُّهم أقْرَبُ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ إبْراهِيمَ التَّيْمِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿كانَ ذَلِكَ في الكِتابِ مَسْطُورًا﴾ قالَ: في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، والنَّسائِيُّ، والبَزّارُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ (p-٨٣١)والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «سَألَ أهْلُ مَكَّةَ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَجْعَلَ لَهُمُ الصَّفا ذَهَبًا، وأنْ يُنَحِّيَ عَنْهُمُ الجِبالَ فَيَزْرَعُوا، فَقِيلَ لَهُ: إنْ شِئْتَ أنْ تَسْتَأْنِيَ بِهِمْ، وإنْ شِئْتَ أنْ نُؤْتِيَهُمُ الَّذِي سَألُوا، فَإنْ كَفَرُوا أُهْلِكُوا كَما أهْلَكْتُ مَن قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ، قالَ: لا بَلْ أسَتَأْنِي بِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿وما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ والبَيْهَقِيُّ مِن طَرِيقٍ أُخْرى عَنْهُ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ قالَ: «قالَ النّاسُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَوْ جِئْتَنا بِآيَةٍ كَما جاءَ بِها صالِحٌ والنَّبِيُّونَ ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: إنْ شِئْتُمْ دَعَوْتُ اللَّهَ فَأنْزَلَها عَلَيْكم، فَإنْ عَصَيْتُمْ هَلَكْتُمْ. فَقالُوا: لا نُرِيدُها» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وما نُرْسِلُ بِالآياتِ إلّا تَخْوِيفًا﴾ قالَ: المَوْتُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: هو المَوْتُ الذَّرِيعُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ قُلْنا لَكَ إنَّ رَبَّكَ أحاطَ بِالنّاسِ﴾ قالَ: عَصَمَكَ مِنَ النّاسِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: فَهم في قَبْضَتِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وأحْمَدُ والبُخارِيُّ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما جَعَلْنا الرُّؤْيا﴾ الآيَةَ قالَ: هي رُؤْيا عَيْنٍ أُرِيَها رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، ولَيْسَتْ بِرُؤْيا مَنامٍ ﴿والشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ في القُرْآنِ﴾ قالَ: هي شَجَرَةُ الزَّقُّومِ. وأخْرَجَ أبُو سَعِيدٍ وأبُو يَعْلى وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أُمِّ هانِئٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَمّا أُسْرِيَ بِهِ أصْبَحَ يُحَدِّثُ نَفَرًا مِن قُرَيْشٍ وهم يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ، فَطَلَبُوا مِنهُ آيَةً، فَوَصَفَ لَهم بَيْتَ المَقْدِسِ، وذَكَرَ لَهم قِصَّةَ العِيرِ، فَقالَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ: هَذا ساحِرٌ، فَأنْزَلَ اللَّهُ إلَيْهِ: ﴿وما جَعَلْنا الرُّؤْيا﴾» الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قالَ: «رَأى رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بَنِي فُلانٍ يَنْزُونَ عَلى مِنبَرِهِ نَزْوَ القِرَدَةِ فَساءَهُ ذَلِكَ فَما اسْتَجْمَعَ ضاحِكًا حَتّى ماتَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وما جَعَلْنا الرُّؤْيا الَّتِي أرَيْناكَ إلّا فِتْنَةً لِلنّاسِ﴾» . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ بَعْدَ أنْ ساقَ إسْنادَهُ: وهَذا السَّنَدُ ضَعِيفٌ جِدًّا، وذَكَرَ مِن جُمْلَةِ رِجالِ السَّنَدِ مُحَمَّدَ بْنَ الحَسَنِ بْنَ زَبّانٍ وهو مَتْرُوكٌ، وشَيْخُهُ عَبْدُ المُهَيْمِنِ بْنُ عَبّاسِ بْنِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ضَعِيفٌ جِدًّا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَمْرٍو أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «رَأيْتُ ولَدَ الحَكَمِ بْنِ أبِي العاصِ عَلى المَنابِرِ كَأنَّهُمُ القِرَدَةُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وما جَعَلْنا الرُّؤْيا الَّتِي أرَيْناكَ إلّا فِتْنَةً لِلنّاسِ والشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ﴾»، يَعْنِي الحَكَمَ ووَلَدَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ يَعْلى بْنِ مُرَّةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «رَأيْتُ بَنِي أُمَيَّةَ عَلى مَنابِرِ الأرْضِ، وسَيَمْلِكُونَكم فَتَجِدُونَهم أرْبابَ سُوءٍ»، واهْتَمَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ الآيَةَ وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ نَحْوَهُ مَرْفُوعًا وهو مُرْسَلٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ نَحْوَهُ وهو مُرْسَلٌ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ أنَّها قالَتْ لِمَرْوانَ بْنِ الحَكَمِ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ لِأبِيكَ وجَدِّكَ: إنَّكُمُ الشَّجَرَةُ المَلْعُونَةُ في القُرْآنِ» وفي هَذا نَكارَةٌ لِقَوْلِها: يَقُولُ لِأبِيكَ وجَدِّكَ، ولَعَلَّ جَدَّ مَرْوانَ لَمْ يُدْرِكْ زَمَنَ النُّبُوَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أُرِيَ أنَّهُ دَخْلَ مَكَّةَ هو وأصْحابُهُ، وهو يَوْمَئِذٍ بِالمَدِينَةِ فَسارَ إلى مَكَّةَ قَبْلَ الأجَلِ فَرَدَّهُ المُشْرِكُونَ، فَقالَ ناسٌ: قَدْ رُدَّ، وقَدْ كانَ حَدَّثَنا أنَّهُ سَيَدْخُلُها، فَكانَتْ رَجْعَتُهُ فِتْنَتَهم، وقَدْ تَعارَضَتْ هَذِهِ الأسْبابُ ولَمْ يُمْكِنِ الجَمْعُ بَيْنَها، فالواجِبُ المَصِيرُ إلى التَّرْجِيحِ، والرّاجِحُ كَثْرَةً وصِحَّةً هو كَوْنُ سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ قِصَّةَ الإسْراءِ فَيَتَعَيَّنُ ذَلِكَ» . وقَدْ حَكى ابْنُ كَثِيرٍ إجْماعَ الحُجَّةِ مِن أهْلِ التَّأْوِيلِ عَلى ذَلِكَ في الرُّؤْيا، وفي تَفْسِيرِ الشَّجَرَةِ، وأنَّها شَجَرَةُ الزَّقُّومِ، فَلا اعْتِبارَ بِغَيْرِهِمْ مَعَهم. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ أبُو جَهِلٍ لَمّا ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - شَجَرَةَ الزَّقُّومِ تَخْوِيفًا لَهم: يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ هَلْ تَدْرُونَ ما شَجَرَةُ الزَّقُّومِ الَّتِي يُخَوِّفُكم بِها مُحَمَّدٌ ؟ قالُوا: لا. قالَ: عَجْوَةُ يَثْرِبَ بِالزُّبْدِ، واللَّهِ لَئِنِ اسْتَمْكَنّا مِنها لَنَزْقُمَنَّها تَزَقُّمًا. قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ﴾ ﴿طَعامُ الأثِيمِ﴾ [الدخان: ٤٣، ٤٤] . وأنْزَلَ: ﴿والشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ في القُرْآنِ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿والشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ﴾ قالَ: مَلْعُونَةٌ لِأنَّهُ قالَ: ﴿طَلْعُها كَأنَّهُ رُءُوسُ الشَّياطِينِ﴾ [الصافات: ٦٥] . والشَّياطِينُ مَلْعُونُونَ.

الإسراء 17:58

. قَوْلُهُ: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِهِ﴾ هَذا رَدٌّ عَلى طائِفَةٍ مِنَ المُشْرِكِينَ كانُوا يَعْبُدُونَ تَماثِيلَ عَلى أنَّها صُوَرُ المَلائِكَةِ، وعَلى طائِفَةٍ مِن أهْلِ الكِتابِ كانُوا يَقُولُونَ بِإلَهِيَّةِ عِيسى ومَرْيَمَ وعُزَيْرٍ، فَأمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ ﷺ بِأنْ يَقُولَ لَهُمُ: ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أنَّهم آلِهَةٌ مِن دُونِ اللَّهِ، وقِيلَ: أرادَ بِالَّذِينَ زَعَمْتُمْ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ عِنْدَهم ناسٌ مِنَ العَرَبِ، وإنَّما خُصِّصَتِ الآيَةُ بِمَن ذَكَرْنا لِقَوْلِهِ: ﴿يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ﴾، فَإنَّ هَذا لا يَلِيقُ بِالجَماداتِ ﴿فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكم﴾ أيْ لا يَسْتَطِيعُونَ ذَلِكَ، والمَعْبُودُ الحَقُّ هو الَّذِي يَقْدِرُ عَلى كَشْفِ الضُّرِّ، وعَلى تَحْوِيلِهِ مِن حالٍ إلى حالٍ، ومِن مَكانٍ إلى مَكانٍ، فَوَجَبَ القَطْعُ بِأنَّ هَذِهِ الَّتِي تَزْعُمُونَها آلِهَةٌ لَيْسَتْ بِآلِهَةٍ. ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ أكَّدَ عَدَمَ اقْتِدارِهِمْ بِبَيانِ غايَةِ افْتِقارِهِمْ إلى اللَّهِ في جَلْبِ المَنافِعِ ودَفْعِ المَضارِّ، فَقالَ:﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ﴾ فَأُولَئِكَ مُبْتَدَأٌ والَّذِينَ يَدْعُونَ صِفَتُهُ، وضَمِيرُ الصِّلَةِ مَحْذُوفٌ، أيْ: يَدْعُونَهم، وخَبَرُ المُبْتَدَأِ ( يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ )، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( الَّذِينَ يَدْعُونَ ) خَبَرَ المُبْتَدَأِ: أيِ الَّذِينَ يَدْعُونَ عِبادَهُ إلى عِبادَتِهِمْ، ويَكُونُ ( يَبْتَغُونَ ) في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ( تَدْعُونَ ) بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ. وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الخَبَرِ، ولا خِلافَ في ( يَبْتَغُونَ ) أنَّهُ بِالتَّحْتِيَّةِ، والوَسِيلَةُ: القُرْبَةُ بِالطّاعَةِ والعِبادَةِ، أيْ: يَتَضَرَّعُونَ إلى اللَّهِ في طَلَبِ ما يُقَرِّبُهم إلى رَبِّهِمْ، والضَّمِيرُ في رَبِّهِمْ يَعُودُ إلى العابِدِينَ أوِ المَعْبُودِينَ ( أيُّهم أقْرَبُ ) مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى أيُّهم أقْرَبُ بِالوَسِيلَةِ إلى اللَّهِ، أيْ: يَتَقَرَّبُ إلَيْهِ بِالعَمَلِ الصّالِحِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ في يَبْتَغُونَ، أيْ: يَبْتَغِي مَن هو أقْرَبُ إلَيْهِ تَعالى الوَسِيلَةَ، فَكَيْفَ بِمَن دُونَهُ ؟ وقِيلَ إنَّ ( يَبْتَغُونَ ) مُضَمَّنٌ مَعْنى يَحْرِصُونَ أيْ يَحْرِصُونَ أيُّهم أقْرَبُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ بِالطّاعَةِ والعِبادَةِ ويَرْجُونَ رَحْمَتَهُ كَما يَرْجُوها غَيْرُهم ويَخافُونَ عَذابَهُ كَما يَخافُهُ غَيْرُهم ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُورًا﴾ تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ يَخافُونَ عَذابَهُ، أيْ: إنَّ عَذابَهُ سُبْحانَهُ حَقِيقٌ بِأنْ يَحْذَرَهُ العِبادُ مِنَ المَلائِكَةِ والأنْبِياءِ وغَيْرِهِمْ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ مَآلَ الدُّنْيا وأهْلِها فَقالَ: ﴿وإنْ مِن قَرْيَةٍ إلّا نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ﴾ ( إنْ ) نافِيَةٌ، و( مِن ) لِلِاسْتِغْراقِ، أيْ: ما مِن قَرْيَةٍ. أيُّ قَرْيَةٍ كانَتْ مِن قُرى الكُفّارِ. قالَ الزَّجّاجُ، أيْ: ما مِن أهْلِ قَرْيَةٍ إلّا سَيُهْلَكُونَ إمّا بِمَوْتٍ وإمّا بِعَذابٍ يَسْتَأْصِلُهم، فالمُرادُ بِالقَرْيَةِ أهْلُها، وإنَّما قِيلَ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ لِأنَّ الإهْلاكَ يَوْمَ القِيامَةِ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِالقُرى الكافِرَةِ، بَلْ يَعُمُّ كُلَّ قَرْيَةٍ لِانْقِضاءِ عُمْرِ الدُّنْيا، وقِيلَ: الإهْلاكُ لِلصّالِحَةِ والتَّعْذِيبُ لِلطّالِحَةِ، والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ: ﴿وما كُنّا مُهْلِكِي القُرى إلّا وأهْلُها ظالِمُونَ﴾ ( كانَ ذَلِكَ ) المَذْكُورُ مِنَ الإهْلاكِ والتَّعْذِيبِ ( في الكِتابِ ) أيِ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ ( مَسْطُورًا ) أيْ مَكْتُوبًا، والسَّطْرُ: الخَطُّ وهو في الأصْلِ مَصْدَرٌ، والسَّطْرُ بِالتَّحْرِيكِ مِثْلُهُ. قالَ جَرِيرٌ: ؎مَن شاءَ بايَعْتُهُ مالِي وخِلْعَتَهُ ما تُكْمِلُ التَّيْمُ في دِيوانِها سَطَرا والخُلْفَةُ بِضَمِّ الخاءِ خِيارُ المالِ، والسَّطْرُ جَمْعُ أسْطارٍ، وجَمْعُ السَّطْرِ بِالسُّكُونِ أسْطُرٌ. ﴿وما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ إلّا أنْ كَذَّبَ بِها الأوَّلُونَ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: «إنَّ أهْلَ مَكَّةَ سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ - أنْ يَجْعَلَ لَهُمُ الصَّفا ذَهَبًا وأنْ يُنَحِّيَ عَنْهم جِبالَ مَكَّةَ، فَأتاهُ جِبْرِيلُ فَقالَ: إنْ شِئْتَ كانَ ما سَألَ قَوْمُكَ، ولَكِنَّهم إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا لَمْ يُمْهَلُوا وإنْ شِئْتَ اسْتَأْنَيْتَ بِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ» . والمَعْنى: وما مَنَعَنا مِن إرْسالِ الآياتِ الَّتِي سَألُوها إلّا تَكْذِيبُ الأوَّلِينَ، فَإنْ أرْسَلْناها وكَذَّبَ بِها هَؤُلاءِ عُوجِلُوا ولَمْ يُمْهَلُوا كَما هو سُنَّةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ في عِبادِهِ، فالمَنعُ مُسْتَعارٌ لِلتَّرْكِ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأشْياءِ، أيْ: ما تَرَكْنا إرْسالَها لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا تَكْذِيبُ الأوَّلِينَ، فَإنْ كَذَّبَ بِها هَؤُلاءِ كَما كَذَّبَ بِها أُولَئِكَ لِاشْتِراكِهِمْ في الكُفْرِ والعِنادِ حَلَّ بِهِمْ ما حَلَّ بِهِمْ، و( أنْ ) الأُولى في مَحَلِّ نَصْبٍ بِإيقاعِ المَنعِ عَلَيْها، و( أنْ ) الثّانِيَةُ في مَحَلِّ رَفْعٍ، والباءُ في ( بِالآياتِ ) زائِدَةٌ. والحاصِلُ أنَّ المانِعَ مِن إرْسالِ الآياتِ الَّتِي اقْتَرَحُوها هو أنَّ الِاقْتِراحَ مَعَ التَّكْذِيبِ مُوجِبٌ لِلْهَلاكِ الكُلِّيِّ وهو الِاسْتِئْصالُ، وقَدْ عَزَمْنا عَلى أنْ نُؤَخِّرَ أمْرَ مَن بُعِثَ إلَيْهِمْ مُحَمَّدٌ ﷺ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ: إنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارُ مِن قُرَيْشٍ ونَحْوَهِمْ مُقَلِّدُونَ لِآبائِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ البَتَّةَ كَما لَمْ يُؤْمِن أُولَئِكَ، فَيَكُونُ إرْسالُ الآياتِ ضائِعًا، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ اسْتَشْهَدَ عَلى ما ذُكِرَ بِقِصَّةِ صالِحٍ وناقَتِهِ، فَإنَّهم لَمّا اقْتَرَحُوا عَلَيْهِ ما اقْتَرَحُوا مِنَ النّاقَةِ وصِفَتِها الَّتِي قَدْ بُيِّنَتْ في مَحَلٍّ آخَرَ وأعْطاهُمُ اللَّهُ ما اقْتَرَحُوا فَلَمْ يُؤْمِنُوا اسْتُؤْصِلُوا بِالعَذابِ، وإنَّما خُصَّ قَوْمُ صالِحٍ بِالِاسْتِشْهادِ، لِأنَّ آثارَ إهْلاكِهِمْ في بِلادِ العَرَبِ قَرِيبَةٌ مِن قُرَيْشٍ وأمْثالِهِمْ يُبْصِرُها صادِرُهم ووارِدُهم فَقالَ: ﴿وآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ أيْ ذاتَ إبْصارٍ يُدْرِكُها النّاسُ بِأبْصارِهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً﴾ أوْ أُسْنِدَ إلَيْها حالُ مَن يُشاهِدُها مَجازًا، أوْ (p-٨٣٠)أنَّها جَعَلَتْهم ذَوِي إبْصارٍ، مِن أبْصَرَهُ جَعَلَهُ بَصِيرًا. وقُرِئَ عَلى صِيغَةِ المَفْعُولِ. وقُرِئَ بِفَتْحِ المِيمِ والصّادِ، وانْتِصابُها عَلى الحالِ. وقُرِئَ بِرَفْعِها عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى مَحْذُوفٍ يَقْتَضِيهِ سِياقُ الكَلامِ، أيْ: فَكَذَّبُوها ( وآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ )، ومَعْنى فَظَلَمُوا بِها فَظَلَمُوا بِتَكْذِيبِها أوْ عَلى تَضْمِينِ ( ظَلَمُوا ) مَعْنى جَحَدُوا أوْ كَفَرُوا، أيْ: فَجَحَدُوا بِها أوْ كَفَرُوا بِها ظالِمِينَ ولَمْ يَكْتَفُوا بِمُجَرَّدِ الكُفْرِ أوِ الجَحْدِ ﴿وما نُرْسِلُ بِالآياتِ إلّا تَخْوِيفًا﴾ اخْتُلِفَ في تَفْسِيرِ الآياتِ عَلى وُجُوهٍ: الأوَّلُ أنَّ المُرادَ بِها العِبَرُ والمُعْجِزاتُ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ عَلى أيْدِي الرُّسُلِ مِن دَلائِلِ الإنْذارِ تَخْوِيفًا لِلْمُكَذِّبِينَ، الثّانِي أنَّها آياتُ الِانْتِقامِ تَخْوِيفًا مِنَ المَعاصِي، الثّالِثُ تَقَلُّبُ الأحْوالِ مِن صِغَرٍ إلى شَبابٍ ثُمَّ إلى تَكَهُّلٍ ثُمَّ إلى شَيْبٍ لِيَعْتَبِرَ الإنْسانُ بِتَقَلُّبِ أحْوالِهِ فَيَخافُ عاقِبَةَ أمْرِهِ، الرّابِعُ آياتُ القُرْآنِ، الخامِسُ المَوْتُ الذَّرِيعُ، والمُناسِبُ لِلْمَقامِ أنْ تُفَسَّرَ الآياتُ المَذْكُورَةُ بِالآياتِ المُقْتَرَحَةِ، أيْ: لا نُرْسِلُ الآياتِ المُقْتَرَحَةَ إلّا تَخْوِيفًا مِن نُزُولِ العَذابِ، فَإنْ لَمْ يَخافُوا وقَعَ عَلَيْهِمْ. والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لَها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ ( ظَلَمُوا بِها )، أيْ: فَظَلَمُوا بِها ولَمْ يَخافُوا، والحالُ أنَّ ما نُرْسِلُ بِالآياتِ الَّتِي هي مِن جُمْلَتِها ( إلّا تَخْوِيفًا ) . قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وما نُرْسِلُ بِالآياتِ المُقْتَرَحَةِ إلّا تَخْوِيفًا مِن نُزُولِ العَذابِ العاجِلِ. ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ الِامْتِناعَ مِن إرْسالِ الآياتِ المُقْتَرَحَةِ عَلى رَسُولِهِ لِلصّارِفِ المَذْكُورِ قَوّى قَلْبَهُ بِوَعْدِ النَّصْرِ والغَلَبَةِ فَقالَ: ﴿وإذْ قُلْنا لَكَ إنَّ رَبَّكَ أحاطَ بِالنّاسِ﴾ الظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ: أيِ اذْكُرْ إذْ قُلْنا لَكَ، أيْ: أنَّهم في قَبْضَتِهِ وتَحْتَ قُدْرَتِهِ، فَلا سَبِيلَ لَهم إلى الخُرُوجِ مِمّا يُرِيدُهُ بِهِمْ لِإحاطَتِهِ لَهم بِعِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالنّاسِ أهْلُ مَكَّةَ، وإحاطَتُهُ بِهِمْ إهْلاكُهُ إيّاهم، أيْ: إنَّ اللَّهَ سَيُهْلِكُهم، وعَبَّرَ بِالماضِي تَنْبِيهًا عَلى تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ، وذَلِكَ كَما وقَعَ يَوْمَ بَدْرٍ ويَوْمَ الفَتْحِ، وقِيلَ: المُرادُ أنَّهُ سُبْحانَهُ عَصَمَهُ مِنَ النّاسِ أنْ يَقْتُلُوهُ حَتّى يُبَلِّغَ رِسالَةَ رَبِّهِ ﴿وما جَعَلْنا الرُّؤْيا الَّتِي أرَيْناكَ إلّا فِتْنَةً لِلنّاسِ﴾ لَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ إنْزالَ الآياتِ يَتَضَمَّنُ التَّخْوِيفَ ضَمَّ إلَيْهِ ذِكْرَ آيَةِ الإسْراءِ، وهي المَذْكُورَةُ في صَدْرِ السُّورَةِ، وسَمّاها رُؤْيا لِأنَّها وقَعَتْ بِاللَّيْلِ، أوْ لِأنَّ الكَفَرَةَ قالُوا لَعَلَّها رُؤْيا، وقَدْ قَدَّمْنا في صَدْرِ السُّورَةِ وجْهًا آخَرَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الرُّؤْيا، وكانَتِ الفِتْنَةُ ارْتِدادَ قَوْمٍ كانُوا أسْلَمُوا حِينَ أخْبَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أنَّهُ أُسْرِيَ بِهِ، وقِيلَ: كانَتْ رُؤْيا نَوْمٍ، وأنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأى أنَّهُ يَدْخُلُ مَكَّةَ فافْتَتَنَ المُسْلِمُونَ لِذَلِكَ، فَلَمّا فَتَحَ اللَّهُ مَكَّةَ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالحَقِّ﴾ وقَدْ تُعُقِّبَ هَذا بِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ، والرُّؤْيا المَذْكُورَةَ كانَتْ بِالمَدِينَةِ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الرُّؤْيا المَذْكُورَةَ في هَذِهِ الآيَةِ هي أنَّهُ رَأى بَنِي مَرْوانَ يَنْزَوْنَ عَلى مِنبَرِهِ نَزْوَ القِرَدَةِ فَساءَهُ ذَلِكَ، فَقِيلَ: إنَّما هي الدُّنْيا أعْطَوْها فَسُرِّيَ عَنْهُ، وفِيهِ ضَعْفٌ، فَإنَّهُ لا فِتْنَةَ لِلنّاسِ في هَذِهِ الرُّؤْيا إلّا أنْ يُرادَ بِالنّاسِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وحْدَهُ، ويُرادُ بِالفِتْنَةِ ما حَصَلَ مِنَ المَساءَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أوْ يُحْمَلُ عَلى أنَّهُ قَدْ كانَ أخْبَرَ النّاسَ بِها فافْتَتَنُوا. وقِيلَ: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أراهُ في المَنامِ مَصارِعَ قُرَيْشٍ حَتّى قالَ: «واللَّهِ لَكَأنِّي أنْظُرُ إلى مَصارِعِ القَوْمِ وهو يُومِئُ إلى الأرْضِ ويَقُولُ: هَذا مَصْرَعُ فُلانٍ، هَذا مَصْرَعُ فُلانٍ،» فَلَمّا سَمِعَ قُرَيْشُ ذَلِكَ جَعَلُوا رُؤْياهُ سُخْرِيَةً ﴿والشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ في القُرْآنِ﴾ عَطْفٌ عَلى الرُّؤْيا، قِيلَ وفي الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والتَّقْدِيرُ: وما جَعَلْنا الرُّؤْيا الَّتِي أرَيْناكَ والشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ في القُرْآنِ إلّا فِتْنَةً لِلنّاسِ. قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ وهي شَجَرَةُ الزَّقُّومِ، والمُرادُ بِلَعْنِها لَعْنُ آكِلِها كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الأثِيمِ﴾ . وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّ العَرَبَ تَقُولُ لِكُلِّ طَعامٍ مَكْرُوهٍ مَلْعُونٌ، ومَعْنى الفِتْنَةِ فِيها أنَّ أبا جَهْلٍ وغَيْرَهُ قالُوا: زَعَمَ صاحِبُكم أنَّ نارَ جَهَنَّمَ تَحْرِقُ الحَجَرَ، ثُمَّ يَقُولُ يَنْبُتُ فِيها الشَّجَرُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ. ورُوِيَ أنَّ أبا جَهْلٍ أمَرَ جارِيَةً فَأحْضَرَتْ تَمْرًا وزُبْدًا وقالَ لِأصْحابِهِ: تَزَقَّمُوا. وقالَ ابْنُ الزِّبَعْرى: كَثَّرَ اللَّهُ مِنَ الزَّقُّومِ في دارِكم فَإنَّهُ التَّمْرُ بِالزُّبْدِ بِلُغَةِ اليَمَنِ، وقِيلَ: إنَّ الشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ هي الشَّجَرَةُ الَّتِي تَلْتَوِي عَلى الشَّجَرِ فَتَقْتُلُها، وهي شَجَرَةُ الكُشُوثُ، وقِيلَ: هي الشَّيْطانُ، وقِيلَ: اليَهُودُ، وقِيلَ: بَنُو أُمَيَّةَ ﴿ونُخَوِّفُهم فَما يَزِيدُهم إلّا طُغْيانًا كَبِيرًا﴾ أيْ نُخَوِّفُهم بِالآياتِ فَما يَزِيدُهُمُ التَّخْوِيفُ إلّا طُغْيانًا مُتَجاوِزًا لِلْحَدِّ مُتَمادِيًا غايَةَ التَّمادِي فَما يُفِيدُهم إرْسالُ الآياتِ إلّا الزِّيادَةَ في الكُفْرِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ نَفْعَلُ بِهِمْ ما فَعَلْناهُ بِمَن قَبْلَهم مِنَ الكُفّارِ، وهو عَذابُ الِاسْتِئْصالِ ولَكِنّا قَدْ قَضَيْنا بِتَأْخِيرِ العُقُوبَةِ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكم ولا تَحْوِيلًا﴾ قالَ: كانَ نَفَرٌ مِنَ الإنْسِ يَعْبُدُونَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ فَأسْلَمَ النَّفَرُ مِنَ الجِنِّ وتَمَسَّكَ الإنْسِيُّونَ بِعِبادَتِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ﴾ كِلاهُما، يَعْنِي الفِعْلَيْنِ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ، ورُوِيَ نَحْوُ هَذا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِن طُرُقٍ أُخْرى. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: كانَ أهْلُ الشِّرْكِ يَعْبُدُونَ المَلائِكَةَ والمَسِيحَ وعُزَيْرًا. ورُوِيَ عَنْهُ مِن وجْهٍ آخَرَ بِلَفْظِ عِيسى وأُمِّهِ وعُزَيْرٍ. ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا مِن وجْهٍ آخَرَ بِلَفْظِ: هم عِيسى وعُزَيْرٌ، والشَّمْسُ والقَمَرُ. وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «سَلُوا اللَّهَ لِيَ الوَسِيلَةَ، قالُوا وما الوَسِيلَةُ ؟ قالَ القُرْبُ مِنَ اللَّهِ، ثُمَّ قَرَأ ﴿يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ أيُّهم أقْرَبُ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ إبْراهِيمَ التَّيْمِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿كانَ ذَلِكَ في الكِتابِ مَسْطُورًا﴾ قالَ: في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، والنَّسائِيُّ، والبَزّارُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ (p-٨٣١)والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «سَألَ أهْلُ مَكَّةَ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَجْعَلَ لَهُمُ الصَّفا ذَهَبًا، وأنْ يُنَحِّيَ عَنْهُمُ الجِبالَ فَيَزْرَعُوا، فَقِيلَ لَهُ: إنْ شِئْتَ أنْ تَسْتَأْنِيَ بِهِمْ، وإنْ شِئْتَ أنْ نُؤْتِيَهُمُ الَّذِي سَألُوا، فَإنْ كَفَرُوا أُهْلِكُوا كَما أهْلَكْتُ مَن قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ، قالَ: لا بَلْ أسَتَأْنِي بِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿وما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ والبَيْهَقِيُّ مِن طَرِيقٍ أُخْرى عَنْهُ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ قالَ: «قالَ النّاسُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَوْ جِئْتَنا بِآيَةٍ كَما جاءَ بِها صالِحٌ والنَّبِيُّونَ ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: إنْ شِئْتُمْ دَعَوْتُ اللَّهَ فَأنْزَلَها عَلَيْكم، فَإنْ عَصَيْتُمْ هَلَكْتُمْ. فَقالُوا: لا نُرِيدُها» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وما نُرْسِلُ بِالآياتِ إلّا تَخْوِيفًا﴾ قالَ: المَوْتُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: هو المَوْتُ الذَّرِيعُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ قُلْنا لَكَ إنَّ رَبَّكَ أحاطَ بِالنّاسِ﴾ قالَ: عَصَمَكَ مِنَ النّاسِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: فَهم في قَبْضَتِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وأحْمَدُ والبُخارِيُّ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما جَعَلْنا الرُّؤْيا﴾ الآيَةَ قالَ: هي رُؤْيا عَيْنٍ أُرِيَها رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، ولَيْسَتْ بِرُؤْيا مَنامٍ ﴿والشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ في القُرْآنِ﴾ قالَ: هي شَجَرَةُ الزَّقُّومِ. وأخْرَجَ أبُو سَعِيدٍ وأبُو يَعْلى وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أُمِّ هانِئٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَمّا أُسْرِيَ بِهِ أصْبَحَ يُحَدِّثُ نَفَرًا مِن قُرَيْشٍ وهم يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ، فَطَلَبُوا مِنهُ آيَةً، فَوَصَفَ لَهم بَيْتَ المَقْدِسِ، وذَكَرَ لَهم قِصَّةَ العِيرِ، فَقالَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ: هَذا ساحِرٌ، فَأنْزَلَ اللَّهُ إلَيْهِ: ﴿وما جَعَلْنا الرُّؤْيا﴾» الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قالَ: «رَأى رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بَنِي فُلانٍ يَنْزُونَ عَلى مِنبَرِهِ نَزْوَ القِرَدَةِ فَساءَهُ ذَلِكَ فَما اسْتَجْمَعَ ضاحِكًا حَتّى ماتَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وما جَعَلْنا الرُّؤْيا الَّتِي أرَيْناكَ إلّا فِتْنَةً لِلنّاسِ﴾» . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ بَعْدَ أنْ ساقَ إسْنادَهُ: وهَذا السَّنَدُ ضَعِيفٌ جِدًّا، وذَكَرَ مِن جُمْلَةِ رِجالِ السَّنَدِ مُحَمَّدَ بْنَ الحَسَنِ بْنَ زَبّانٍ وهو مَتْرُوكٌ، وشَيْخُهُ عَبْدُ المُهَيْمِنِ بْنُ عَبّاسِ بْنِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ضَعِيفٌ جِدًّا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَمْرٍو أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «رَأيْتُ ولَدَ الحَكَمِ بْنِ أبِي العاصِ عَلى المَنابِرِ كَأنَّهُمُ القِرَدَةُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وما جَعَلْنا الرُّؤْيا الَّتِي أرَيْناكَ إلّا فِتْنَةً لِلنّاسِ والشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ﴾»، يَعْنِي الحَكَمَ ووَلَدَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ يَعْلى بْنِ مُرَّةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «رَأيْتُ بَنِي أُمَيَّةَ عَلى مَنابِرِ الأرْضِ، وسَيَمْلِكُونَكم فَتَجِدُونَهم أرْبابَ سُوءٍ»، واهْتَمَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ الآيَةَ وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ نَحْوَهُ مَرْفُوعًا وهو مُرْسَلٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ نَحْوَهُ وهو مُرْسَلٌ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ أنَّها قالَتْ لِمَرْوانَ بْنِ الحَكَمِ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ لِأبِيكَ وجَدِّكَ: إنَّكُمُ الشَّجَرَةُ المَلْعُونَةُ في القُرْآنِ» وفي هَذا نَكارَةٌ لِقَوْلِها: يَقُولُ لِأبِيكَ وجَدِّكَ، ولَعَلَّ جَدَّ مَرْوانَ لَمْ يُدْرِكْ زَمَنَ النُّبُوَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أُرِيَ أنَّهُ دَخْلَ مَكَّةَ هو وأصْحابُهُ، وهو يَوْمَئِذٍ بِالمَدِينَةِ فَسارَ إلى مَكَّةَ قَبْلَ الأجَلِ فَرَدَّهُ المُشْرِكُونَ، فَقالَ ناسٌ: قَدْ رُدَّ، وقَدْ كانَ حَدَّثَنا أنَّهُ سَيَدْخُلُها، فَكانَتْ رَجْعَتُهُ فِتْنَتَهم، وقَدْ تَعارَضَتْ هَذِهِ الأسْبابُ ولَمْ يُمْكِنِ الجَمْعُ بَيْنَها، فالواجِبُ المَصِيرُ إلى التَّرْجِيحِ، والرّاجِحُ كَثْرَةً وصِحَّةً هو كَوْنُ سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ قِصَّةَ الإسْراءِ فَيَتَعَيَّنُ ذَلِكَ» . وقَدْ حَكى ابْنُ كَثِيرٍ إجْماعَ الحُجَّةِ مِن أهْلِ التَّأْوِيلِ عَلى ذَلِكَ في الرُّؤْيا، وفي تَفْسِيرِ الشَّجَرَةِ، وأنَّها شَجَرَةُ الزَّقُّومِ، فَلا اعْتِبارَ بِغَيْرِهِمْ مَعَهم. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ أبُو جَهِلٍ لَمّا ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - شَجَرَةَ الزَّقُّومِ تَخْوِيفًا لَهم: يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ هَلْ تَدْرُونَ ما شَجَرَةُ الزَّقُّومِ الَّتِي يُخَوِّفُكم بِها مُحَمَّدٌ ؟ قالُوا: لا. قالَ: عَجْوَةُ يَثْرِبَ بِالزُّبْدِ، واللَّهِ لَئِنِ اسْتَمْكَنّا مِنها لَنَزْقُمَنَّها تَزَقُّمًا. قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ﴾ ﴿طَعامُ الأثِيمِ﴾ [الدخان: ٤٣، ٤٤] . وأنْزَلَ: ﴿والشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ في القُرْآنِ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿والشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ﴾ قالَ: مَلْعُونَةٌ لِأنَّهُ قالَ: ﴿طَلْعُها كَأنَّهُ رُءُوسُ الشَّياطِينِ﴾ [الصافات: ٦٥] . والشَّياطِينُ مَلْعُونُونَ.

الإسراء 17:59

. قَوْلُهُ: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِهِ﴾ هَذا رَدٌّ عَلى طائِفَةٍ مِنَ المُشْرِكِينَ كانُوا يَعْبُدُونَ تَماثِيلَ عَلى أنَّها صُوَرُ المَلائِكَةِ، وعَلى طائِفَةٍ مِن أهْلِ الكِتابِ كانُوا يَقُولُونَ بِإلَهِيَّةِ عِيسى ومَرْيَمَ وعُزَيْرٍ، فَأمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ ﷺ بِأنْ يَقُولَ لَهُمُ: ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أنَّهم آلِهَةٌ مِن دُونِ اللَّهِ، وقِيلَ: أرادَ بِالَّذِينَ زَعَمْتُمْ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ عِنْدَهم ناسٌ مِنَ العَرَبِ، وإنَّما خُصِّصَتِ الآيَةُ بِمَن ذَكَرْنا لِقَوْلِهِ: ﴿يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ﴾، فَإنَّ هَذا لا يَلِيقُ بِالجَماداتِ ﴿فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكم﴾ أيْ لا يَسْتَطِيعُونَ ذَلِكَ، والمَعْبُودُ الحَقُّ هو الَّذِي يَقْدِرُ عَلى كَشْفِ الضُّرِّ، وعَلى تَحْوِيلِهِ مِن حالٍ إلى حالٍ، ومِن مَكانٍ إلى مَكانٍ، فَوَجَبَ القَطْعُ بِأنَّ هَذِهِ الَّتِي تَزْعُمُونَها آلِهَةٌ لَيْسَتْ بِآلِهَةٍ. ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ أكَّدَ عَدَمَ اقْتِدارِهِمْ بِبَيانِ غايَةِ افْتِقارِهِمْ إلى اللَّهِ في جَلْبِ المَنافِعِ ودَفْعِ المَضارِّ، فَقالَ:﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ﴾ فَأُولَئِكَ مُبْتَدَأٌ والَّذِينَ يَدْعُونَ صِفَتُهُ، وضَمِيرُ الصِّلَةِ مَحْذُوفٌ، أيْ: يَدْعُونَهم، وخَبَرُ المُبْتَدَأِ ( يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ )، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( الَّذِينَ يَدْعُونَ ) خَبَرَ المُبْتَدَأِ: أيِ الَّذِينَ يَدْعُونَ عِبادَهُ إلى عِبادَتِهِمْ، ويَكُونُ ( يَبْتَغُونَ ) في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ( تَدْعُونَ ) بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ. وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الخَبَرِ، ولا خِلافَ في ( يَبْتَغُونَ ) أنَّهُ بِالتَّحْتِيَّةِ، والوَسِيلَةُ: القُرْبَةُ بِالطّاعَةِ والعِبادَةِ، أيْ: يَتَضَرَّعُونَ إلى اللَّهِ في طَلَبِ ما يُقَرِّبُهم إلى رَبِّهِمْ، والضَّمِيرُ في رَبِّهِمْ يَعُودُ إلى العابِدِينَ أوِ المَعْبُودِينَ ( أيُّهم أقْرَبُ ) مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى أيُّهم أقْرَبُ بِالوَسِيلَةِ إلى اللَّهِ، أيْ: يَتَقَرَّبُ إلَيْهِ بِالعَمَلِ الصّالِحِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ في يَبْتَغُونَ، أيْ: يَبْتَغِي مَن هو أقْرَبُ إلَيْهِ تَعالى الوَسِيلَةَ، فَكَيْفَ بِمَن دُونَهُ ؟ وقِيلَ إنَّ ( يَبْتَغُونَ ) مُضَمَّنٌ مَعْنى يَحْرِصُونَ أيْ يَحْرِصُونَ أيُّهم أقْرَبُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ بِالطّاعَةِ والعِبادَةِ ويَرْجُونَ رَحْمَتَهُ كَما يَرْجُوها غَيْرُهم ويَخافُونَ عَذابَهُ كَما يَخافُهُ غَيْرُهم ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُورًا﴾ تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ يَخافُونَ عَذابَهُ، أيْ: إنَّ عَذابَهُ سُبْحانَهُ حَقِيقٌ بِأنْ يَحْذَرَهُ العِبادُ مِنَ المَلائِكَةِ والأنْبِياءِ وغَيْرِهِمْ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ مَآلَ الدُّنْيا وأهْلِها فَقالَ: ﴿وإنْ مِن قَرْيَةٍ إلّا نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ﴾ ( إنْ ) نافِيَةٌ، و( مِن ) لِلِاسْتِغْراقِ، أيْ: ما مِن قَرْيَةٍ. أيُّ قَرْيَةٍ كانَتْ مِن قُرى الكُفّارِ. قالَ الزَّجّاجُ، أيْ: ما مِن أهْلِ قَرْيَةٍ إلّا سَيُهْلَكُونَ إمّا بِمَوْتٍ وإمّا بِعَذابٍ يَسْتَأْصِلُهم، فالمُرادُ بِالقَرْيَةِ أهْلُها، وإنَّما قِيلَ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ لِأنَّ الإهْلاكَ يَوْمَ القِيامَةِ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِالقُرى الكافِرَةِ، بَلْ يَعُمُّ كُلَّ قَرْيَةٍ لِانْقِضاءِ عُمْرِ الدُّنْيا، وقِيلَ: الإهْلاكُ لِلصّالِحَةِ والتَّعْذِيبُ لِلطّالِحَةِ، والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ: ﴿وما كُنّا مُهْلِكِي القُرى إلّا وأهْلُها ظالِمُونَ﴾ ( كانَ ذَلِكَ ) المَذْكُورُ مِنَ الإهْلاكِ والتَّعْذِيبِ ( في الكِتابِ ) أيِ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ ( مَسْطُورًا ) أيْ مَكْتُوبًا، والسَّطْرُ: الخَطُّ وهو في الأصْلِ مَصْدَرٌ، والسَّطْرُ بِالتَّحْرِيكِ مِثْلُهُ. قالَ جَرِيرٌ: ؎مَن شاءَ بايَعْتُهُ مالِي وخِلْعَتَهُ ما تُكْمِلُ التَّيْمُ في دِيوانِها سَطَرا والخُلْفَةُ بِضَمِّ الخاءِ خِيارُ المالِ، والسَّطْرُ جَمْعُ أسْطارٍ، وجَمْعُ السَّطْرِ بِالسُّكُونِ أسْطُرٌ. ﴿وما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ إلّا أنْ كَذَّبَ بِها الأوَّلُونَ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: «إنَّ أهْلَ مَكَّةَ سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ - أنْ يَجْعَلَ لَهُمُ الصَّفا ذَهَبًا وأنْ يُنَحِّيَ عَنْهم جِبالَ مَكَّةَ، فَأتاهُ جِبْرِيلُ فَقالَ: إنْ شِئْتَ كانَ ما سَألَ قَوْمُكَ، ولَكِنَّهم إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا لَمْ يُمْهَلُوا وإنْ شِئْتَ اسْتَأْنَيْتَ بِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ» . والمَعْنى: وما مَنَعَنا مِن إرْسالِ الآياتِ الَّتِي سَألُوها إلّا تَكْذِيبُ الأوَّلِينَ، فَإنْ أرْسَلْناها وكَذَّبَ بِها هَؤُلاءِ عُوجِلُوا ولَمْ يُمْهَلُوا كَما هو سُنَّةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ في عِبادِهِ، فالمَنعُ مُسْتَعارٌ لِلتَّرْكِ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأشْياءِ، أيْ: ما تَرَكْنا إرْسالَها لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا تَكْذِيبُ الأوَّلِينَ، فَإنْ كَذَّبَ بِها هَؤُلاءِ كَما كَذَّبَ بِها أُولَئِكَ لِاشْتِراكِهِمْ في الكُفْرِ والعِنادِ حَلَّ بِهِمْ ما حَلَّ بِهِمْ، و( أنْ ) الأُولى في مَحَلِّ نَصْبٍ بِإيقاعِ المَنعِ عَلَيْها، و( أنْ ) الثّانِيَةُ في مَحَلِّ رَفْعٍ، والباءُ في ( بِالآياتِ ) زائِدَةٌ. والحاصِلُ أنَّ المانِعَ مِن إرْسالِ الآياتِ الَّتِي اقْتَرَحُوها هو أنَّ الِاقْتِراحَ مَعَ التَّكْذِيبِ مُوجِبٌ لِلْهَلاكِ الكُلِّيِّ وهو الِاسْتِئْصالُ، وقَدْ عَزَمْنا عَلى أنْ نُؤَخِّرَ أمْرَ مَن بُعِثَ إلَيْهِمْ مُحَمَّدٌ ﷺ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ: إنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارُ مِن قُرَيْشٍ ونَحْوَهِمْ مُقَلِّدُونَ لِآبائِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ البَتَّةَ كَما لَمْ يُؤْمِن أُولَئِكَ، فَيَكُونُ إرْسالُ الآياتِ ضائِعًا، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ اسْتَشْهَدَ عَلى ما ذُكِرَ بِقِصَّةِ صالِحٍ وناقَتِهِ، فَإنَّهم لَمّا اقْتَرَحُوا عَلَيْهِ ما اقْتَرَحُوا مِنَ النّاقَةِ وصِفَتِها الَّتِي قَدْ بُيِّنَتْ في مَحَلٍّ آخَرَ وأعْطاهُمُ اللَّهُ ما اقْتَرَحُوا فَلَمْ يُؤْمِنُوا اسْتُؤْصِلُوا بِالعَذابِ، وإنَّما خُصَّ قَوْمُ صالِحٍ بِالِاسْتِشْهادِ، لِأنَّ آثارَ إهْلاكِهِمْ في بِلادِ العَرَبِ قَرِيبَةٌ مِن قُرَيْشٍ وأمْثالِهِمْ يُبْصِرُها صادِرُهم ووارِدُهم فَقالَ: ﴿وآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ أيْ ذاتَ إبْصارٍ يُدْرِكُها النّاسُ بِأبْصارِهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً﴾ أوْ أُسْنِدَ إلَيْها حالُ مَن يُشاهِدُها مَجازًا، أوْ (p-٨٣٠)أنَّها جَعَلَتْهم ذَوِي إبْصارٍ، مِن أبْصَرَهُ جَعَلَهُ بَصِيرًا. وقُرِئَ عَلى صِيغَةِ المَفْعُولِ. وقُرِئَ بِفَتْحِ المِيمِ والصّادِ، وانْتِصابُها عَلى الحالِ. وقُرِئَ بِرَفْعِها عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى مَحْذُوفٍ يَقْتَضِيهِ سِياقُ الكَلامِ، أيْ: فَكَذَّبُوها ( وآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ )، ومَعْنى فَظَلَمُوا بِها فَظَلَمُوا بِتَكْذِيبِها أوْ عَلى تَضْمِينِ ( ظَلَمُوا ) مَعْنى جَحَدُوا أوْ كَفَرُوا، أيْ: فَجَحَدُوا بِها أوْ كَفَرُوا بِها ظالِمِينَ ولَمْ يَكْتَفُوا بِمُجَرَّدِ الكُفْرِ أوِ الجَحْدِ ﴿وما نُرْسِلُ بِالآياتِ إلّا تَخْوِيفًا﴾ اخْتُلِفَ في تَفْسِيرِ الآياتِ عَلى وُجُوهٍ: الأوَّلُ أنَّ المُرادَ بِها العِبَرُ والمُعْجِزاتُ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ عَلى أيْدِي الرُّسُلِ مِن دَلائِلِ الإنْذارِ تَخْوِيفًا لِلْمُكَذِّبِينَ، الثّانِي أنَّها آياتُ الِانْتِقامِ تَخْوِيفًا مِنَ المَعاصِي، الثّالِثُ تَقَلُّبُ الأحْوالِ مِن صِغَرٍ إلى شَبابٍ ثُمَّ إلى تَكَهُّلٍ ثُمَّ إلى شَيْبٍ لِيَعْتَبِرَ الإنْسانُ بِتَقَلُّبِ أحْوالِهِ فَيَخافُ عاقِبَةَ أمْرِهِ، الرّابِعُ آياتُ القُرْآنِ، الخامِسُ المَوْتُ الذَّرِيعُ، والمُناسِبُ لِلْمَقامِ أنْ تُفَسَّرَ الآياتُ المَذْكُورَةُ بِالآياتِ المُقْتَرَحَةِ، أيْ: لا نُرْسِلُ الآياتِ المُقْتَرَحَةَ إلّا تَخْوِيفًا مِن نُزُولِ العَذابِ، فَإنْ لَمْ يَخافُوا وقَعَ عَلَيْهِمْ. والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لَها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ ( ظَلَمُوا بِها )، أيْ: فَظَلَمُوا بِها ولَمْ يَخافُوا، والحالُ أنَّ ما نُرْسِلُ بِالآياتِ الَّتِي هي مِن جُمْلَتِها ( إلّا تَخْوِيفًا ) . قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وما نُرْسِلُ بِالآياتِ المُقْتَرَحَةِ إلّا تَخْوِيفًا مِن نُزُولِ العَذابِ العاجِلِ. ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ الِامْتِناعَ مِن إرْسالِ الآياتِ المُقْتَرَحَةِ عَلى رَسُولِهِ لِلصّارِفِ المَذْكُورِ قَوّى قَلْبَهُ بِوَعْدِ النَّصْرِ والغَلَبَةِ فَقالَ: ﴿وإذْ قُلْنا لَكَ إنَّ رَبَّكَ أحاطَ بِالنّاسِ﴾ الظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ: أيِ اذْكُرْ إذْ قُلْنا لَكَ، أيْ: أنَّهم في قَبْضَتِهِ وتَحْتَ قُدْرَتِهِ، فَلا سَبِيلَ لَهم إلى الخُرُوجِ مِمّا يُرِيدُهُ بِهِمْ لِإحاطَتِهِ لَهم بِعِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالنّاسِ أهْلُ مَكَّةَ، وإحاطَتُهُ بِهِمْ إهْلاكُهُ إيّاهم، أيْ: إنَّ اللَّهَ سَيُهْلِكُهم، وعَبَّرَ بِالماضِي تَنْبِيهًا عَلى تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ، وذَلِكَ كَما وقَعَ يَوْمَ بَدْرٍ ويَوْمَ الفَتْحِ، وقِيلَ: المُرادُ أنَّهُ سُبْحانَهُ عَصَمَهُ مِنَ النّاسِ أنْ يَقْتُلُوهُ حَتّى يُبَلِّغَ رِسالَةَ رَبِّهِ ﴿وما جَعَلْنا الرُّؤْيا الَّتِي أرَيْناكَ إلّا فِتْنَةً لِلنّاسِ﴾ لَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ إنْزالَ الآياتِ يَتَضَمَّنُ التَّخْوِيفَ ضَمَّ إلَيْهِ ذِكْرَ آيَةِ الإسْراءِ، وهي المَذْكُورَةُ في صَدْرِ السُّورَةِ، وسَمّاها رُؤْيا لِأنَّها وقَعَتْ بِاللَّيْلِ، أوْ لِأنَّ الكَفَرَةَ قالُوا لَعَلَّها رُؤْيا، وقَدْ قَدَّمْنا في صَدْرِ السُّورَةِ وجْهًا آخَرَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الرُّؤْيا، وكانَتِ الفِتْنَةُ ارْتِدادَ قَوْمٍ كانُوا أسْلَمُوا حِينَ أخْبَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أنَّهُ أُسْرِيَ بِهِ، وقِيلَ: كانَتْ رُؤْيا نَوْمٍ، وأنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأى أنَّهُ يَدْخُلُ مَكَّةَ فافْتَتَنَ المُسْلِمُونَ لِذَلِكَ، فَلَمّا فَتَحَ اللَّهُ مَكَّةَ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالحَقِّ﴾ وقَدْ تُعُقِّبَ هَذا بِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ، والرُّؤْيا المَذْكُورَةَ كانَتْ بِالمَدِينَةِ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الرُّؤْيا المَذْكُورَةَ في هَذِهِ الآيَةِ هي أنَّهُ رَأى بَنِي مَرْوانَ يَنْزَوْنَ عَلى مِنبَرِهِ نَزْوَ القِرَدَةِ فَساءَهُ ذَلِكَ، فَقِيلَ: إنَّما هي الدُّنْيا أعْطَوْها فَسُرِّيَ عَنْهُ، وفِيهِ ضَعْفٌ، فَإنَّهُ لا فِتْنَةَ لِلنّاسِ في هَذِهِ الرُّؤْيا إلّا أنْ يُرادَ بِالنّاسِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وحْدَهُ، ويُرادُ بِالفِتْنَةِ ما حَصَلَ مِنَ المَساءَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أوْ يُحْمَلُ عَلى أنَّهُ قَدْ كانَ أخْبَرَ النّاسَ بِها فافْتَتَنُوا. وقِيلَ: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أراهُ في المَنامِ مَصارِعَ قُرَيْشٍ حَتّى قالَ: «واللَّهِ لَكَأنِّي أنْظُرُ إلى مَصارِعِ القَوْمِ وهو يُومِئُ إلى الأرْضِ ويَقُولُ: هَذا مَصْرَعُ فُلانٍ، هَذا مَصْرَعُ فُلانٍ،» فَلَمّا سَمِعَ قُرَيْشُ ذَلِكَ جَعَلُوا رُؤْياهُ سُخْرِيَةً ﴿والشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ في القُرْآنِ﴾ عَطْفٌ عَلى الرُّؤْيا، قِيلَ وفي الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والتَّقْدِيرُ: وما جَعَلْنا الرُّؤْيا الَّتِي أرَيْناكَ والشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ في القُرْآنِ إلّا فِتْنَةً لِلنّاسِ. قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ وهي شَجَرَةُ الزَّقُّومِ، والمُرادُ بِلَعْنِها لَعْنُ آكِلِها كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الأثِيمِ﴾ . وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّ العَرَبَ تَقُولُ لِكُلِّ طَعامٍ مَكْرُوهٍ مَلْعُونٌ، ومَعْنى الفِتْنَةِ فِيها أنَّ أبا جَهْلٍ وغَيْرَهُ قالُوا: زَعَمَ صاحِبُكم أنَّ نارَ جَهَنَّمَ تَحْرِقُ الحَجَرَ، ثُمَّ يَقُولُ يَنْبُتُ فِيها الشَّجَرُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ. ورُوِيَ أنَّ أبا جَهْلٍ أمَرَ جارِيَةً فَأحْضَرَتْ تَمْرًا وزُبْدًا وقالَ لِأصْحابِهِ: تَزَقَّمُوا. وقالَ ابْنُ الزِّبَعْرى: كَثَّرَ اللَّهُ مِنَ الزَّقُّومِ في دارِكم فَإنَّهُ التَّمْرُ بِالزُّبْدِ بِلُغَةِ اليَمَنِ، وقِيلَ: إنَّ الشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ هي الشَّجَرَةُ الَّتِي تَلْتَوِي عَلى الشَّجَرِ فَتَقْتُلُها، وهي شَجَرَةُ الكُشُوثُ، وقِيلَ: هي الشَّيْطانُ، وقِيلَ: اليَهُودُ، وقِيلَ: بَنُو أُمَيَّةَ ﴿ونُخَوِّفُهم فَما يَزِيدُهم إلّا طُغْيانًا كَبِيرًا﴾ أيْ نُخَوِّفُهم بِالآياتِ فَما يَزِيدُهُمُ التَّخْوِيفُ إلّا طُغْيانًا مُتَجاوِزًا لِلْحَدِّ مُتَمادِيًا غايَةَ التَّمادِي فَما يُفِيدُهم إرْسالُ الآياتِ إلّا الزِّيادَةَ في الكُفْرِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ نَفْعَلُ بِهِمْ ما فَعَلْناهُ بِمَن قَبْلَهم مِنَ الكُفّارِ، وهو عَذابُ الِاسْتِئْصالِ ولَكِنّا قَدْ قَضَيْنا بِتَأْخِيرِ العُقُوبَةِ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكم ولا تَحْوِيلًا﴾ قالَ: كانَ نَفَرٌ مِنَ الإنْسِ يَعْبُدُونَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ فَأسْلَمَ النَّفَرُ مِنَ الجِنِّ وتَمَسَّكَ الإنْسِيُّونَ بِعِبادَتِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ﴾ كِلاهُما، يَعْنِي الفِعْلَيْنِ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ، ورُوِيَ نَحْوُ هَذا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِن طُرُقٍ أُخْرى. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: كانَ أهْلُ الشِّرْكِ يَعْبُدُونَ المَلائِكَةَ والمَسِيحَ وعُزَيْرًا. ورُوِيَ عَنْهُ مِن وجْهٍ آخَرَ بِلَفْظِ عِيسى وأُمِّهِ وعُزَيْرٍ. ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا مِن وجْهٍ آخَرَ بِلَفْظِ: هم عِيسى وعُزَيْرٌ، والشَّمْسُ والقَمَرُ. وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «سَلُوا اللَّهَ لِيَ الوَسِيلَةَ، قالُوا وما الوَسِيلَةُ ؟ قالَ القُرْبُ مِنَ اللَّهِ، ثُمَّ قَرَأ ﴿يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ أيُّهم أقْرَبُ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ إبْراهِيمَ التَّيْمِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿كانَ ذَلِكَ في الكِتابِ مَسْطُورًا﴾ قالَ: في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، والنَّسائِيُّ، والبَزّارُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ (p-٨٣١)والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «سَألَ أهْلُ مَكَّةَ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَجْعَلَ لَهُمُ الصَّفا ذَهَبًا، وأنْ يُنَحِّيَ عَنْهُمُ الجِبالَ فَيَزْرَعُوا، فَقِيلَ لَهُ: إنْ شِئْتَ أنْ تَسْتَأْنِيَ بِهِمْ، وإنْ شِئْتَ أنْ نُؤْتِيَهُمُ الَّذِي سَألُوا، فَإنْ كَفَرُوا أُهْلِكُوا كَما أهْلَكْتُ مَن قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ، قالَ: لا بَلْ أسَتَأْنِي بِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿وما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ والبَيْهَقِيُّ مِن طَرِيقٍ أُخْرى عَنْهُ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ قالَ: «قالَ النّاسُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَوْ جِئْتَنا بِآيَةٍ كَما جاءَ بِها صالِحٌ والنَّبِيُّونَ ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: إنْ شِئْتُمْ دَعَوْتُ اللَّهَ فَأنْزَلَها عَلَيْكم، فَإنْ عَصَيْتُمْ هَلَكْتُمْ. فَقالُوا: لا نُرِيدُها» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وما نُرْسِلُ بِالآياتِ إلّا تَخْوِيفًا﴾ قالَ: المَوْتُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: هو المَوْتُ الذَّرِيعُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ قُلْنا لَكَ إنَّ رَبَّكَ أحاطَ بِالنّاسِ﴾ قالَ: عَصَمَكَ مِنَ النّاسِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: فَهم في قَبْضَتِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وأحْمَدُ والبُخارِيُّ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما جَعَلْنا الرُّؤْيا﴾ الآيَةَ قالَ: هي رُؤْيا عَيْنٍ أُرِيَها رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، ولَيْسَتْ بِرُؤْيا مَنامٍ ﴿والشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ في القُرْآنِ﴾ قالَ: هي شَجَرَةُ الزَّقُّومِ. وأخْرَجَ أبُو سَعِيدٍ وأبُو يَعْلى وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أُمِّ هانِئٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَمّا أُسْرِيَ بِهِ أصْبَحَ يُحَدِّثُ نَفَرًا مِن قُرَيْشٍ وهم يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ، فَطَلَبُوا مِنهُ آيَةً، فَوَصَفَ لَهم بَيْتَ المَقْدِسِ، وذَكَرَ لَهم قِصَّةَ العِيرِ، فَقالَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ: هَذا ساحِرٌ، فَأنْزَلَ اللَّهُ إلَيْهِ: ﴿وما جَعَلْنا الرُّؤْيا﴾» الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قالَ: «رَأى رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بَنِي فُلانٍ يَنْزُونَ عَلى مِنبَرِهِ نَزْوَ القِرَدَةِ فَساءَهُ ذَلِكَ فَما اسْتَجْمَعَ ضاحِكًا حَتّى ماتَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وما جَعَلْنا الرُّؤْيا الَّتِي أرَيْناكَ إلّا فِتْنَةً لِلنّاسِ﴾» . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ بَعْدَ أنْ ساقَ إسْنادَهُ: وهَذا السَّنَدُ ضَعِيفٌ جِدًّا، وذَكَرَ مِن جُمْلَةِ رِجالِ السَّنَدِ مُحَمَّدَ بْنَ الحَسَنِ بْنَ زَبّانٍ وهو مَتْرُوكٌ، وشَيْخُهُ عَبْدُ المُهَيْمِنِ بْنُ عَبّاسِ بْنِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ضَعِيفٌ جِدًّا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَمْرٍو أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «رَأيْتُ ولَدَ الحَكَمِ بْنِ أبِي العاصِ عَلى المَنابِرِ كَأنَّهُمُ القِرَدَةُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وما جَعَلْنا الرُّؤْيا الَّتِي أرَيْناكَ إلّا فِتْنَةً لِلنّاسِ والشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ﴾»، يَعْنِي الحَكَمَ ووَلَدَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ يَعْلى بْنِ مُرَّةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «رَأيْتُ بَنِي أُمَيَّةَ عَلى مَنابِرِ الأرْضِ، وسَيَمْلِكُونَكم فَتَجِدُونَهم أرْبابَ سُوءٍ»، واهْتَمَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ الآيَةَ وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ نَحْوَهُ مَرْفُوعًا وهو مُرْسَلٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ نَحْوَهُ وهو مُرْسَلٌ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ أنَّها قالَتْ لِمَرْوانَ بْنِ الحَكَمِ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ لِأبِيكَ وجَدِّكَ: إنَّكُمُ الشَّجَرَةُ المَلْعُونَةُ في القُرْآنِ» وفي هَذا نَكارَةٌ لِقَوْلِها: يَقُولُ لِأبِيكَ وجَدِّكَ، ولَعَلَّ جَدَّ مَرْوانَ لَمْ يُدْرِكْ زَمَنَ النُّبُوَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أُرِيَ أنَّهُ دَخْلَ مَكَّةَ هو وأصْحابُهُ، وهو يَوْمَئِذٍ بِالمَدِينَةِ فَسارَ إلى مَكَّةَ قَبْلَ الأجَلِ فَرَدَّهُ المُشْرِكُونَ، فَقالَ ناسٌ: قَدْ رُدَّ، وقَدْ كانَ حَدَّثَنا أنَّهُ سَيَدْخُلُها، فَكانَتْ رَجْعَتُهُ فِتْنَتَهم، وقَدْ تَعارَضَتْ هَذِهِ الأسْبابُ ولَمْ يُمْكِنِ الجَمْعُ بَيْنَها، فالواجِبُ المَصِيرُ إلى التَّرْجِيحِ، والرّاجِحُ كَثْرَةً وصِحَّةً هو كَوْنُ سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ قِصَّةَ الإسْراءِ فَيَتَعَيَّنُ ذَلِكَ» . وقَدْ حَكى ابْنُ كَثِيرٍ إجْماعَ الحُجَّةِ مِن أهْلِ التَّأْوِيلِ عَلى ذَلِكَ في الرُّؤْيا، وفي تَفْسِيرِ الشَّجَرَةِ، وأنَّها شَجَرَةُ الزَّقُّومِ، فَلا اعْتِبارَ بِغَيْرِهِمْ مَعَهم. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ أبُو جَهِلٍ لَمّا ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - شَجَرَةَ الزَّقُّومِ تَخْوِيفًا لَهم: يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ هَلْ تَدْرُونَ ما شَجَرَةُ الزَّقُّومِ الَّتِي يُخَوِّفُكم بِها مُحَمَّدٌ ؟ قالُوا: لا. قالَ: عَجْوَةُ يَثْرِبَ بِالزُّبْدِ، واللَّهِ لَئِنِ اسْتَمْكَنّا مِنها لَنَزْقُمَنَّها تَزَقُّمًا. قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ﴾ ﴿طَعامُ الأثِيمِ﴾ [الدخان: ٤٣، ٤٤] . وأنْزَلَ: ﴿والشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ في القُرْآنِ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿والشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ﴾ قالَ: مَلْعُونَةٌ لِأنَّهُ قالَ: ﴿طَلْعُها كَأنَّهُ رُءُوسُ الشَّياطِينِ﴾ [الصافات: ٦٥] . والشَّياطِينُ مَلْعُونُونَ.

الإسراء 17:60

. قَوْلُهُ: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِهِ﴾ هَذا رَدٌّ عَلى طائِفَةٍ مِنَ المُشْرِكِينَ كانُوا يَعْبُدُونَ تَماثِيلَ عَلى أنَّها صُوَرُ المَلائِكَةِ، وعَلى طائِفَةٍ مِن أهْلِ الكِتابِ كانُوا يَقُولُونَ بِإلَهِيَّةِ عِيسى ومَرْيَمَ وعُزَيْرٍ، فَأمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ ﷺ بِأنْ يَقُولَ لَهُمُ: ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أنَّهم آلِهَةٌ مِن دُونِ اللَّهِ، وقِيلَ: أرادَ بِالَّذِينَ زَعَمْتُمْ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ عِنْدَهم ناسٌ مِنَ العَرَبِ، وإنَّما خُصِّصَتِ الآيَةُ بِمَن ذَكَرْنا لِقَوْلِهِ: ﴿يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ﴾، فَإنَّ هَذا لا يَلِيقُ بِالجَماداتِ ﴿فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكم﴾ أيْ لا يَسْتَطِيعُونَ ذَلِكَ، والمَعْبُودُ الحَقُّ هو الَّذِي يَقْدِرُ عَلى كَشْفِ الضُّرِّ، وعَلى تَحْوِيلِهِ مِن حالٍ إلى حالٍ، ومِن مَكانٍ إلى مَكانٍ، فَوَجَبَ القَطْعُ بِأنَّ هَذِهِ الَّتِي تَزْعُمُونَها آلِهَةٌ لَيْسَتْ بِآلِهَةٍ. ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ أكَّدَ عَدَمَ اقْتِدارِهِمْ بِبَيانِ غايَةِ افْتِقارِهِمْ إلى اللَّهِ في جَلْبِ المَنافِعِ ودَفْعِ المَضارِّ، فَقالَ:﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ﴾ فَأُولَئِكَ مُبْتَدَأٌ والَّذِينَ يَدْعُونَ صِفَتُهُ، وضَمِيرُ الصِّلَةِ مَحْذُوفٌ، أيْ: يَدْعُونَهم، وخَبَرُ المُبْتَدَأِ ( يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ )، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( الَّذِينَ يَدْعُونَ ) خَبَرَ المُبْتَدَأِ: أيِ الَّذِينَ يَدْعُونَ عِبادَهُ إلى عِبادَتِهِمْ، ويَكُونُ ( يَبْتَغُونَ ) في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ( تَدْعُونَ ) بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ. وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الخَبَرِ، ولا خِلافَ في ( يَبْتَغُونَ ) أنَّهُ بِالتَّحْتِيَّةِ، والوَسِيلَةُ: القُرْبَةُ بِالطّاعَةِ والعِبادَةِ، أيْ: يَتَضَرَّعُونَ إلى اللَّهِ في طَلَبِ ما يُقَرِّبُهم إلى رَبِّهِمْ، والضَّمِيرُ في رَبِّهِمْ يَعُودُ إلى العابِدِينَ أوِ المَعْبُودِينَ ( أيُّهم أقْرَبُ ) مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى أيُّهم أقْرَبُ بِالوَسِيلَةِ إلى اللَّهِ، أيْ: يَتَقَرَّبُ إلَيْهِ بِالعَمَلِ الصّالِحِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ في يَبْتَغُونَ، أيْ: يَبْتَغِي مَن هو أقْرَبُ إلَيْهِ تَعالى الوَسِيلَةَ، فَكَيْفَ بِمَن دُونَهُ ؟ وقِيلَ إنَّ ( يَبْتَغُونَ ) مُضَمَّنٌ مَعْنى يَحْرِصُونَ أيْ يَحْرِصُونَ أيُّهم أقْرَبُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ بِالطّاعَةِ والعِبادَةِ ويَرْجُونَ رَحْمَتَهُ كَما يَرْجُوها غَيْرُهم ويَخافُونَ عَذابَهُ كَما يَخافُهُ غَيْرُهم ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُورًا﴾ تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ يَخافُونَ عَذابَهُ، أيْ: إنَّ عَذابَهُ سُبْحانَهُ حَقِيقٌ بِأنْ يَحْذَرَهُ العِبادُ مِنَ المَلائِكَةِ والأنْبِياءِ وغَيْرِهِمْ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ مَآلَ الدُّنْيا وأهْلِها فَقالَ: ﴿وإنْ مِن قَرْيَةٍ إلّا نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ﴾ ( إنْ ) نافِيَةٌ، و( مِن ) لِلِاسْتِغْراقِ، أيْ: ما مِن قَرْيَةٍ. أيُّ قَرْيَةٍ كانَتْ مِن قُرى الكُفّارِ. قالَ الزَّجّاجُ، أيْ: ما مِن أهْلِ قَرْيَةٍ إلّا سَيُهْلَكُونَ إمّا بِمَوْتٍ وإمّا بِعَذابٍ يَسْتَأْصِلُهم، فالمُرادُ بِالقَرْيَةِ أهْلُها، وإنَّما قِيلَ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ لِأنَّ الإهْلاكَ يَوْمَ القِيامَةِ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِالقُرى الكافِرَةِ، بَلْ يَعُمُّ كُلَّ قَرْيَةٍ لِانْقِضاءِ عُمْرِ الدُّنْيا، وقِيلَ: الإهْلاكُ لِلصّالِحَةِ والتَّعْذِيبُ لِلطّالِحَةِ، والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ: ﴿وما كُنّا مُهْلِكِي القُرى إلّا وأهْلُها ظالِمُونَ﴾ ( كانَ ذَلِكَ ) المَذْكُورُ مِنَ الإهْلاكِ والتَّعْذِيبِ ( في الكِتابِ ) أيِ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ ( مَسْطُورًا ) أيْ مَكْتُوبًا، والسَّطْرُ: الخَطُّ وهو في الأصْلِ مَصْدَرٌ، والسَّطْرُ بِالتَّحْرِيكِ مِثْلُهُ. قالَ جَرِيرٌ: ؎مَن شاءَ بايَعْتُهُ مالِي وخِلْعَتَهُ ما تُكْمِلُ التَّيْمُ في دِيوانِها سَطَرا والخُلْفَةُ بِضَمِّ الخاءِ خِيارُ المالِ، والسَّطْرُ جَمْعُ أسْطارٍ، وجَمْعُ السَّطْرِ بِالسُّكُونِ أسْطُرٌ. ﴿وما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ إلّا أنْ كَذَّبَ بِها الأوَّلُونَ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: «إنَّ أهْلَ مَكَّةَ سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ - أنْ يَجْعَلَ لَهُمُ الصَّفا ذَهَبًا وأنْ يُنَحِّيَ عَنْهم جِبالَ مَكَّةَ، فَأتاهُ جِبْرِيلُ فَقالَ: إنْ شِئْتَ كانَ ما سَألَ قَوْمُكَ، ولَكِنَّهم إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا لَمْ يُمْهَلُوا وإنْ شِئْتَ اسْتَأْنَيْتَ بِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ» . والمَعْنى: وما مَنَعَنا مِن إرْسالِ الآياتِ الَّتِي سَألُوها إلّا تَكْذِيبُ الأوَّلِينَ، فَإنْ أرْسَلْناها وكَذَّبَ بِها هَؤُلاءِ عُوجِلُوا ولَمْ يُمْهَلُوا كَما هو سُنَّةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ في عِبادِهِ، فالمَنعُ مُسْتَعارٌ لِلتَّرْكِ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأشْياءِ، أيْ: ما تَرَكْنا إرْسالَها لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا تَكْذِيبُ الأوَّلِينَ، فَإنْ كَذَّبَ بِها هَؤُلاءِ كَما كَذَّبَ بِها أُولَئِكَ لِاشْتِراكِهِمْ في الكُفْرِ والعِنادِ حَلَّ بِهِمْ ما حَلَّ بِهِمْ، و( أنْ ) الأُولى في مَحَلِّ نَصْبٍ بِإيقاعِ المَنعِ عَلَيْها، و( أنْ ) الثّانِيَةُ في مَحَلِّ رَفْعٍ، والباءُ في ( بِالآياتِ ) زائِدَةٌ. والحاصِلُ أنَّ المانِعَ مِن إرْسالِ الآياتِ الَّتِي اقْتَرَحُوها هو أنَّ الِاقْتِراحَ مَعَ التَّكْذِيبِ مُوجِبٌ لِلْهَلاكِ الكُلِّيِّ وهو الِاسْتِئْصالُ، وقَدْ عَزَمْنا عَلى أنْ نُؤَخِّرَ أمْرَ مَن بُعِثَ إلَيْهِمْ مُحَمَّدٌ ﷺ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ: إنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارُ مِن قُرَيْشٍ ونَحْوَهِمْ مُقَلِّدُونَ لِآبائِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ البَتَّةَ كَما لَمْ يُؤْمِن أُولَئِكَ، فَيَكُونُ إرْسالُ الآياتِ ضائِعًا، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ اسْتَشْهَدَ عَلى ما ذُكِرَ بِقِصَّةِ صالِحٍ وناقَتِهِ، فَإنَّهم لَمّا اقْتَرَحُوا عَلَيْهِ ما اقْتَرَحُوا مِنَ النّاقَةِ وصِفَتِها الَّتِي قَدْ بُيِّنَتْ في مَحَلٍّ آخَرَ وأعْطاهُمُ اللَّهُ ما اقْتَرَحُوا فَلَمْ يُؤْمِنُوا اسْتُؤْصِلُوا بِالعَذابِ، وإنَّما خُصَّ قَوْمُ صالِحٍ بِالِاسْتِشْهادِ، لِأنَّ آثارَ إهْلاكِهِمْ في بِلادِ العَرَبِ قَرِيبَةٌ مِن قُرَيْشٍ وأمْثالِهِمْ يُبْصِرُها صادِرُهم ووارِدُهم فَقالَ: ﴿وآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ أيْ ذاتَ إبْصارٍ يُدْرِكُها النّاسُ بِأبْصارِهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً﴾ أوْ أُسْنِدَ إلَيْها حالُ مَن يُشاهِدُها مَجازًا، أوْ (p-٨٣٠)أنَّها جَعَلَتْهم ذَوِي إبْصارٍ، مِن أبْصَرَهُ جَعَلَهُ بَصِيرًا. وقُرِئَ عَلى صِيغَةِ المَفْعُولِ. وقُرِئَ بِفَتْحِ المِيمِ والصّادِ، وانْتِصابُها عَلى الحالِ. وقُرِئَ بِرَفْعِها عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى مَحْذُوفٍ يَقْتَضِيهِ سِياقُ الكَلامِ، أيْ: فَكَذَّبُوها ( وآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ )، ومَعْنى فَظَلَمُوا بِها فَظَلَمُوا بِتَكْذِيبِها أوْ عَلى تَضْمِينِ ( ظَلَمُوا ) مَعْنى جَحَدُوا أوْ كَفَرُوا، أيْ: فَجَحَدُوا بِها أوْ كَفَرُوا بِها ظالِمِينَ ولَمْ يَكْتَفُوا بِمُجَرَّدِ الكُفْرِ أوِ الجَحْدِ ﴿وما نُرْسِلُ بِالآياتِ إلّا تَخْوِيفًا﴾ اخْتُلِفَ في تَفْسِيرِ الآياتِ عَلى وُجُوهٍ: الأوَّلُ أنَّ المُرادَ بِها العِبَرُ والمُعْجِزاتُ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ عَلى أيْدِي الرُّسُلِ مِن دَلائِلِ الإنْذارِ تَخْوِيفًا لِلْمُكَذِّبِينَ، الثّانِي أنَّها آياتُ الِانْتِقامِ تَخْوِيفًا مِنَ المَعاصِي، الثّالِثُ تَقَلُّبُ الأحْوالِ مِن صِغَرٍ إلى شَبابٍ ثُمَّ إلى تَكَهُّلٍ ثُمَّ إلى شَيْبٍ لِيَعْتَبِرَ الإنْسانُ بِتَقَلُّبِ أحْوالِهِ فَيَخافُ عاقِبَةَ أمْرِهِ، الرّابِعُ آياتُ القُرْآنِ، الخامِسُ المَوْتُ الذَّرِيعُ، والمُناسِبُ لِلْمَقامِ أنْ تُفَسَّرَ الآياتُ المَذْكُورَةُ بِالآياتِ المُقْتَرَحَةِ، أيْ: لا نُرْسِلُ الآياتِ المُقْتَرَحَةَ إلّا تَخْوِيفًا مِن نُزُولِ العَذابِ، فَإنْ لَمْ يَخافُوا وقَعَ عَلَيْهِمْ. والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لَها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ ( ظَلَمُوا بِها )، أيْ: فَظَلَمُوا بِها ولَمْ يَخافُوا، والحالُ أنَّ ما نُرْسِلُ بِالآياتِ الَّتِي هي مِن جُمْلَتِها ( إلّا تَخْوِيفًا ) . قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وما نُرْسِلُ بِالآياتِ المُقْتَرَحَةِ إلّا تَخْوِيفًا مِن نُزُولِ العَذابِ العاجِلِ. ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ الِامْتِناعَ مِن إرْسالِ الآياتِ المُقْتَرَحَةِ عَلى رَسُولِهِ لِلصّارِفِ المَذْكُورِ قَوّى قَلْبَهُ بِوَعْدِ النَّصْرِ والغَلَبَةِ فَقالَ: ﴿وإذْ قُلْنا لَكَ إنَّ رَبَّكَ أحاطَ بِالنّاسِ﴾ الظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ: أيِ اذْكُرْ إذْ قُلْنا لَكَ، أيْ: أنَّهم في قَبْضَتِهِ وتَحْتَ قُدْرَتِهِ، فَلا سَبِيلَ لَهم إلى الخُرُوجِ مِمّا يُرِيدُهُ بِهِمْ لِإحاطَتِهِ لَهم بِعِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالنّاسِ أهْلُ مَكَّةَ، وإحاطَتُهُ بِهِمْ إهْلاكُهُ إيّاهم، أيْ: إنَّ اللَّهَ سَيُهْلِكُهم، وعَبَّرَ بِالماضِي تَنْبِيهًا عَلى تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ، وذَلِكَ كَما وقَعَ يَوْمَ بَدْرٍ ويَوْمَ الفَتْحِ، وقِيلَ: المُرادُ أنَّهُ سُبْحانَهُ عَصَمَهُ مِنَ النّاسِ أنْ يَقْتُلُوهُ حَتّى يُبَلِّغَ رِسالَةَ رَبِّهِ ﴿وما جَعَلْنا الرُّؤْيا الَّتِي أرَيْناكَ إلّا فِتْنَةً لِلنّاسِ﴾ لَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ إنْزالَ الآياتِ يَتَضَمَّنُ التَّخْوِيفَ ضَمَّ إلَيْهِ ذِكْرَ آيَةِ الإسْراءِ، وهي المَذْكُورَةُ في صَدْرِ السُّورَةِ، وسَمّاها رُؤْيا لِأنَّها وقَعَتْ بِاللَّيْلِ، أوْ لِأنَّ الكَفَرَةَ قالُوا لَعَلَّها رُؤْيا، وقَدْ قَدَّمْنا في صَدْرِ السُّورَةِ وجْهًا آخَرَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الرُّؤْيا، وكانَتِ الفِتْنَةُ ارْتِدادَ قَوْمٍ كانُوا أسْلَمُوا حِينَ أخْبَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أنَّهُ أُسْرِيَ بِهِ، وقِيلَ: كانَتْ رُؤْيا نَوْمٍ، وأنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأى أنَّهُ يَدْخُلُ مَكَّةَ فافْتَتَنَ المُسْلِمُونَ لِذَلِكَ، فَلَمّا فَتَحَ اللَّهُ مَكَّةَ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالحَقِّ﴾ وقَدْ تُعُقِّبَ هَذا بِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ، والرُّؤْيا المَذْكُورَةَ كانَتْ بِالمَدِينَةِ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الرُّؤْيا المَذْكُورَةَ في هَذِهِ الآيَةِ هي أنَّهُ رَأى بَنِي مَرْوانَ يَنْزَوْنَ عَلى مِنبَرِهِ نَزْوَ القِرَدَةِ فَساءَهُ ذَلِكَ، فَقِيلَ: إنَّما هي الدُّنْيا أعْطَوْها فَسُرِّيَ عَنْهُ، وفِيهِ ضَعْفٌ، فَإنَّهُ لا فِتْنَةَ لِلنّاسِ في هَذِهِ الرُّؤْيا إلّا أنْ يُرادَ بِالنّاسِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وحْدَهُ، ويُرادُ بِالفِتْنَةِ ما حَصَلَ مِنَ المَساءَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أوْ يُحْمَلُ عَلى أنَّهُ قَدْ كانَ أخْبَرَ النّاسَ بِها فافْتَتَنُوا. وقِيلَ: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أراهُ في المَنامِ مَصارِعَ قُرَيْشٍ حَتّى قالَ: «واللَّهِ لَكَأنِّي أنْظُرُ إلى مَصارِعِ القَوْمِ وهو يُومِئُ إلى الأرْضِ ويَقُولُ: هَذا مَصْرَعُ فُلانٍ، هَذا مَصْرَعُ فُلانٍ،» فَلَمّا سَمِعَ قُرَيْشُ ذَلِكَ جَعَلُوا رُؤْياهُ سُخْرِيَةً ﴿والشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ في القُرْآنِ﴾ عَطْفٌ عَلى الرُّؤْيا، قِيلَ وفي الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والتَّقْدِيرُ: وما جَعَلْنا الرُّؤْيا الَّتِي أرَيْناكَ والشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ في القُرْآنِ إلّا فِتْنَةً لِلنّاسِ. قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ وهي شَجَرَةُ الزَّقُّومِ، والمُرادُ بِلَعْنِها لَعْنُ آكِلِها كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الأثِيمِ﴾ . وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّ العَرَبَ تَقُولُ لِكُلِّ طَعامٍ مَكْرُوهٍ مَلْعُونٌ، ومَعْنى الفِتْنَةِ فِيها أنَّ أبا جَهْلٍ وغَيْرَهُ قالُوا: زَعَمَ صاحِبُكم أنَّ نارَ جَهَنَّمَ تَحْرِقُ الحَجَرَ، ثُمَّ يَقُولُ يَنْبُتُ فِيها الشَّجَرُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ. ورُوِيَ أنَّ أبا جَهْلٍ أمَرَ جارِيَةً فَأحْضَرَتْ تَمْرًا وزُبْدًا وقالَ لِأصْحابِهِ: تَزَقَّمُوا. وقالَ ابْنُ الزِّبَعْرى: كَثَّرَ اللَّهُ مِنَ الزَّقُّومِ في دارِكم فَإنَّهُ التَّمْرُ بِالزُّبْدِ بِلُغَةِ اليَمَنِ، وقِيلَ: إنَّ الشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ هي الشَّجَرَةُ الَّتِي تَلْتَوِي عَلى الشَّجَرِ فَتَقْتُلُها، وهي شَجَرَةُ الكُشُوثُ، وقِيلَ: هي الشَّيْطانُ، وقِيلَ: اليَهُودُ، وقِيلَ: بَنُو أُمَيَّةَ ﴿ونُخَوِّفُهم فَما يَزِيدُهم إلّا طُغْيانًا كَبِيرًا﴾ أيْ نُخَوِّفُهم بِالآياتِ فَما يَزِيدُهُمُ التَّخْوِيفُ إلّا طُغْيانًا مُتَجاوِزًا لِلْحَدِّ مُتَمادِيًا غايَةَ التَّمادِي فَما يُفِيدُهم إرْسالُ الآياتِ إلّا الزِّيادَةَ في الكُفْرِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ نَفْعَلُ بِهِمْ ما فَعَلْناهُ بِمَن قَبْلَهم مِنَ الكُفّارِ، وهو عَذابُ الِاسْتِئْصالِ ولَكِنّا قَدْ قَضَيْنا بِتَأْخِيرِ العُقُوبَةِ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكم ولا تَحْوِيلًا﴾ قالَ: كانَ نَفَرٌ مِنَ الإنْسِ يَعْبُدُونَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ فَأسْلَمَ النَّفَرُ مِنَ الجِنِّ وتَمَسَّكَ الإنْسِيُّونَ بِعِبادَتِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ﴾ كِلاهُما، يَعْنِي الفِعْلَيْنِ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ، ورُوِيَ نَحْوُ هَذا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِن طُرُقٍ أُخْرى. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: كانَ أهْلُ الشِّرْكِ يَعْبُدُونَ المَلائِكَةَ والمَسِيحَ وعُزَيْرًا. ورُوِيَ عَنْهُ مِن وجْهٍ آخَرَ بِلَفْظِ عِيسى وأُمِّهِ وعُزَيْرٍ. ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا مِن وجْهٍ آخَرَ بِلَفْظِ: هم عِيسى وعُزَيْرٌ، والشَّمْسُ والقَمَرُ. وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «سَلُوا اللَّهَ لِيَ الوَسِيلَةَ، قالُوا وما الوَسِيلَةُ ؟ قالَ القُرْبُ مِنَ اللَّهِ، ثُمَّ قَرَأ ﴿يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ أيُّهم أقْرَبُ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ إبْراهِيمَ التَّيْمِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿كانَ ذَلِكَ في الكِتابِ مَسْطُورًا﴾ قالَ: في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، والنَّسائِيُّ، والبَزّارُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ (p-٨٣١)والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «سَألَ أهْلُ مَكَّةَ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَجْعَلَ لَهُمُ الصَّفا ذَهَبًا، وأنْ يُنَحِّيَ عَنْهُمُ الجِبالَ فَيَزْرَعُوا، فَقِيلَ لَهُ: إنْ شِئْتَ أنْ تَسْتَأْنِيَ بِهِمْ، وإنْ شِئْتَ أنْ نُؤْتِيَهُمُ الَّذِي سَألُوا، فَإنْ كَفَرُوا أُهْلِكُوا كَما أهْلَكْتُ مَن قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ، قالَ: لا بَلْ أسَتَأْنِي بِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿وما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ والبَيْهَقِيُّ مِن طَرِيقٍ أُخْرى عَنْهُ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ قالَ: «قالَ النّاسُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَوْ جِئْتَنا بِآيَةٍ كَما جاءَ بِها صالِحٌ والنَّبِيُّونَ ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: إنْ شِئْتُمْ دَعَوْتُ اللَّهَ فَأنْزَلَها عَلَيْكم، فَإنْ عَصَيْتُمْ هَلَكْتُمْ. فَقالُوا: لا نُرِيدُها» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وما نُرْسِلُ بِالآياتِ إلّا تَخْوِيفًا﴾ قالَ: المَوْتُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: هو المَوْتُ الذَّرِيعُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ قُلْنا لَكَ إنَّ رَبَّكَ أحاطَ بِالنّاسِ﴾ قالَ: عَصَمَكَ مِنَ النّاسِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: فَهم في قَبْضَتِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وأحْمَدُ والبُخارِيُّ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما جَعَلْنا الرُّؤْيا﴾ الآيَةَ قالَ: هي رُؤْيا عَيْنٍ أُرِيَها رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، ولَيْسَتْ بِرُؤْيا مَنامٍ ﴿والشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ في القُرْآنِ﴾ قالَ: هي شَجَرَةُ الزَّقُّومِ. وأخْرَجَ أبُو سَعِيدٍ وأبُو يَعْلى وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أُمِّ هانِئٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَمّا أُسْرِيَ بِهِ أصْبَحَ يُحَدِّثُ نَفَرًا مِن قُرَيْشٍ وهم يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ، فَطَلَبُوا مِنهُ آيَةً، فَوَصَفَ لَهم بَيْتَ المَقْدِسِ، وذَكَرَ لَهم قِصَّةَ العِيرِ، فَقالَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ: هَذا ساحِرٌ، فَأنْزَلَ اللَّهُ إلَيْهِ: ﴿وما جَعَلْنا الرُّؤْيا﴾» الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قالَ: «رَأى رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بَنِي فُلانٍ يَنْزُونَ عَلى مِنبَرِهِ نَزْوَ القِرَدَةِ فَساءَهُ ذَلِكَ فَما اسْتَجْمَعَ ضاحِكًا حَتّى ماتَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وما جَعَلْنا الرُّؤْيا الَّتِي أرَيْناكَ إلّا فِتْنَةً لِلنّاسِ﴾» . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ بَعْدَ أنْ ساقَ إسْنادَهُ: وهَذا السَّنَدُ ضَعِيفٌ جِدًّا، وذَكَرَ مِن جُمْلَةِ رِجالِ السَّنَدِ مُحَمَّدَ بْنَ الحَسَنِ بْنَ زَبّانٍ وهو مَتْرُوكٌ، وشَيْخُهُ عَبْدُ المُهَيْمِنِ بْنُ عَبّاسِ بْنِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ضَعِيفٌ جِدًّا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَمْرٍو أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «رَأيْتُ ولَدَ الحَكَمِ بْنِ أبِي العاصِ عَلى المَنابِرِ كَأنَّهُمُ القِرَدَةُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وما جَعَلْنا الرُّؤْيا الَّتِي أرَيْناكَ إلّا فِتْنَةً لِلنّاسِ والشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ﴾»، يَعْنِي الحَكَمَ ووَلَدَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ يَعْلى بْنِ مُرَّةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «رَأيْتُ بَنِي أُمَيَّةَ عَلى مَنابِرِ الأرْضِ، وسَيَمْلِكُونَكم فَتَجِدُونَهم أرْبابَ سُوءٍ»، واهْتَمَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ الآيَةَ وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ نَحْوَهُ مَرْفُوعًا وهو مُرْسَلٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ نَحْوَهُ وهو مُرْسَلٌ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ أنَّها قالَتْ لِمَرْوانَ بْنِ الحَكَمِ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ لِأبِيكَ وجَدِّكَ: إنَّكُمُ الشَّجَرَةُ المَلْعُونَةُ في القُرْآنِ» وفي هَذا نَكارَةٌ لِقَوْلِها: يَقُولُ لِأبِيكَ وجَدِّكَ، ولَعَلَّ جَدَّ مَرْوانَ لَمْ يُدْرِكْ زَمَنَ النُّبُوَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أُرِيَ أنَّهُ دَخْلَ مَكَّةَ هو وأصْحابُهُ، وهو يَوْمَئِذٍ بِالمَدِينَةِ فَسارَ إلى مَكَّةَ قَبْلَ الأجَلِ فَرَدَّهُ المُشْرِكُونَ، فَقالَ ناسٌ: قَدْ رُدَّ، وقَدْ كانَ حَدَّثَنا أنَّهُ سَيَدْخُلُها، فَكانَتْ رَجْعَتُهُ فِتْنَتَهم، وقَدْ تَعارَضَتْ هَذِهِ الأسْبابُ ولَمْ يُمْكِنِ الجَمْعُ بَيْنَها، فالواجِبُ المَصِيرُ إلى التَّرْجِيحِ، والرّاجِحُ كَثْرَةً وصِحَّةً هو كَوْنُ سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ قِصَّةَ الإسْراءِ فَيَتَعَيَّنُ ذَلِكَ» . وقَدْ حَكى ابْنُ كَثِيرٍ إجْماعَ الحُجَّةِ مِن أهْلِ التَّأْوِيلِ عَلى ذَلِكَ في الرُّؤْيا، وفي تَفْسِيرِ الشَّجَرَةِ، وأنَّها شَجَرَةُ الزَّقُّومِ، فَلا اعْتِبارَ بِغَيْرِهِمْ مَعَهم. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ أبُو جَهِلٍ لَمّا ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - شَجَرَةَ الزَّقُّومِ تَخْوِيفًا لَهم: يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ هَلْ تَدْرُونَ ما شَجَرَةُ الزَّقُّومِ الَّتِي يُخَوِّفُكم بِها مُحَمَّدٌ ؟ قالُوا: لا. قالَ: عَجْوَةُ يَثْرِبَ بِالزُّبْدِ، واللَّهِ لَئِنِ اسْتَمْكَنّا مِنها لَنَزْقُمَنَّها تَزَقُّمًا. قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ﴾ ﴿طَعامُ الأثِيمِ﴾ [الدخان: ٤٣، ٤٤] . وأنْزَلَ: ﴿والشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ في القُرْآنِ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿والشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ﴾ قالَ: مَلْعُونَةٌ لِأنَّهُ قالَ: ﴿طَلْعُها كَأنَّهُ رُءُوسُ الشَّياطِينِ﴾ [الصافات: ٦٥] . والشَّياطِينُ مَلْعُونُونَ.

الإسراء 17:61

. لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّ الرَّسُولَ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ في بَلِيَّةٍ عَظِيمَةٍ مِن قَوْمِهِ ومِحْنَةٍ شَدِيدَةٍ أرادَ أنْ يُبَيِّنَ أنَّ جَمِيعَ الأنْبِياءِ كانُوا كَذَلِكَ، حَتّى أنَّ هَذِهِ عادَةٌ قَدِيمَةٌ سَنَّها إبْلِيسُ اللَّعِينُ، وأيْضًا لَمّا ذَكَرَ أنَّ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ، أيُّهم أقْرَبُ ويَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ويَخافُونَ عَذابَهُ، ذَكَرَ هاهُنا ما يُحَقِّقُ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ هَذِهِ القِصَّةُ قَدْ ذَكَرَها اللَّهُ سُبْحانَهُ في سَبْعَةِ مَواضِعَ: في البَقَرَةِ، والأعْرافِ، والحِجْرِ، وهَذِهِ السُّورَةِ، والكَهْفِ، وطَه، وص، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها مَبْسُوطًا، فَلْنَقْتَصِرْ هاهُنا عَلى تَفْسِيرِ ما لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُهُ مِنَ الألْفاظِ، فَقَوْلُهُ: طِينًا، مُنْتَصِبٌ بِنَزْعِ (p-٨٣٢)الخافِضِ أيْ: مِن طِينٍ، أوْ عَلى الحالِ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى لِمَن خَلَقْتُهُ طِينًا، وهو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ. ﴿أرَأيْتَكَ﴾ أيْ: أخْبِرْنِي عَنْ هَذا الَّذِي فَضَّلْتَهُ عَلَيَّ لِمَ فَضَّلْتَهُ ؟ وقَدْ ﴿خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢] فَحُذِفَ هَذا لِلْعِلْمِ بِهِ ﴿لَأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ﴾ أيْ: لَأسْتَوْلِيَنَّ عَلَيْهِمْ بِالإغْواءِ والإضْلالِ، قالَ الواحِدِيُّ: أصْلُهُ مِنِ احْتِناكِ الجَرادِ الزَّرْعَ، وهو أنْ تَسْتَأْصِلَهُ بِأحْناكِها وتُفْسِدَهُ، هَذا هو الأصْلُ، ثُمَّ سُمِّيَ الِاسْتِيلاءُ عَلى الشَّيْءِ وأخْذُهُ كُلَّهُ احْتِناكًا، وقِيلَ: مَعْناهُ: لَأسُوقَنَّهم حَيْثُ شِئْتُ، وأقُودَنَّهم حَيْثُ أرَدْتُ، مِن قَوْلِهِمْ: حَنَّكْتُ الفَرَسَ أُحَنِّكُهُ حَنْكًا: إذا جَعَلْتَ في فِيهِ الرَّسَنَ، والمَعْنى الأوَّلُ أنْسَبُ بِمَعْنى هَذِهِ الآيَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أشْكُو إلَيْكَ سَنَةً قَدْ أجْحَفَتْ جَهْدًا إلى جَهْدٍ بِنا وأصْعَقَتْ ؎واحْتَنَكَتْ أمْوالَنا واخْتَلَفَتْ أيِ: اسْتَأْصَلَتْ أمْوالَنا، واللّامُ في: ( لَئِنْ أخَّرْتَنِ )، هي المُوَطِّئَةُ، وإنَّما أقْسَمَ اللَّعِينُ هَذا القَسَمَ عَلى أنَّهُ سَيَفْعَلُ بِذُرِّيَّةِ آدَمَ ما ذَكَرَهُ لِعِلْمٍ قَدْ سَبَقَ إلَيْهِ مِن سَمْعٍ اسْتَرَقَهُ، أوْ قالَهُ لِما ظَنَّهُ مِن قُوَّةِ نُفُوذِ كَيْدِهِ في بَنِي آدَمَ، وأنَّهُ يَجْرِي مِنهم في مَجارِي الدَّمِ، وأنَّهم بِحَيْثُ يَرُوجُ عِنْدَهم كَيْدُهُ وتَنْفَقُ لَدَيْهِمْ وسْوَسَتُهُ إلّا مَن عَصَمَ اللَّهُ، وهُمُ المُرادُونَ بِقَوْلِهِ: ( إلّا قَلِيلًا ) . وفي مَعْنى هَذا الِاسْتِثْناءِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ ويُؤَيِّدُ ما ذَكَرْناهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ [سبأ: ٢٠] فَإنَّهُ يُفِيدُ أنَّهُ قالَ ما قالَهُ هُنا اعْتِمادًا عَلى الظَّنِّ، وقِيلَ: إنَّهُ اسْتَنْبَطَ ذَلِكَ مِن قَوْلِ المَلائِكَةِ: ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠]، وقِيلَ: عَلِمَ ذَلِكَ مِن طَبْعِ البَشَرِ لِما رُكِّبَ فِيهِمْ مِنَ الشَّهَواتِ، أوْ ظَنَّ ذَلِكَ لِأنَّهُ وسَوَسَ لِآدَمَ، فَقَبِلَ مِنهُ ذَلِكَ ولَمْ يَجِدْ لَهُ عَزْمًا، كَما رُوِيَ، عَنِ الحَسَنِ. ﴿قالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنهُمْ﴾ أيْ: أطاعَكَ ﴿فَإنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ﴾ أيْ: إبْلِيسَ ومَن أطاعَهُ ﴿جَزاءً مَوْفُورًا﴾ أيْ: وافِرًا مُكَمَّلًا، يُقالُ: وفَرْتُهُ أفِرُهُ وفْرًا، ووَفَرَ المالُ بِنَفْسِهِ يَفِرُ وُفُورًا، فَهو وافِرٌ، فَهو مَصْدَرٌ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: ؎ومَن يَجْعَلِ المَعْرُوفَ مِن دُونِ عِرْضِهِ ∗∗∗ يَفِرْهُ ومَن لا يَتَّقِ الشَّتْمَ يُشْتَمِ ثُمَّ كَرَّرَ سُبْحانَهُ الإمْهالَ لِإبْلِيسَ اللَّعِينِ فَقالَ: ﴿واسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنهم بِصَوْتِكَ﴾ أيِ: اسْتَزْعِجْ واسْتَخِفَّ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِن بَنِي آدَمَ، يُقالُ: أفَزَّهُ واسْتَفَزَّهُ أيْ: أزْعَجَهُ واسْتَخَفَّهُ، والمَعْنى: اسْتَخِفَّهم بِصَوْتِكَ داعِيًا لَهم إلى مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وقِيلَ: هو الغِناءُ واللَّهْوُ واللَّعِبُ والمَزامِيرُ ﴿وأجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ ورَجِلِكَ﴾ قالَ الفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدَةَ: أجْلِبْ مِنَ الجَلَبَةِ والصِّياحِ أيْ: صِحْ عَلَيْهِمْ. وقالَ الزَّجّاجُ أيِ: اجْمَعْ عَلَيْهِمْ كُلَّ ما تَقْدِرُ عَلَيْهِ مِن مَكايِدِكَ. فالإجْلابُ الجَمْعُ، والباءُ في: ( بِخَيْلِكَ ) . زائِدَةٌ. وقالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: الإجْلابُ الإعانَةُ، والخَيْلُ تَقَعُ عَلى الفُرْسانِ كَقَوْلِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «يا خَيْلَ اللَّهِ ارْكَبِي» وتَقَعُ عَلى الأفْراسِ، والرَّجْلُ بِسُكُونِ الجِيمِ جَمْعُ راجِلٍ كَتاجِرٍ وتَجْرٍ، وصاحِبٍ وصَحْبٍ، وقَرَأ حَفْصٌ بِكَسْرِ الجِيمِ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ. قالَ أبُو زَيْدٍ: يُقالُ: رَجِلَ ورَجُلَ، بِمَعْنى راجِلٍ، فالخَيْلُ والرَّجْلُ كِنايَةٌ عَنْ جَمِيعِ مَكايِدِ الشَّيْطانِ، أوِ المُرادُ كُلُّ راكِبٍ وراجِلٍ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ ﴿وشارِكْهم في الأمْوالِ والأولادِ﴾ أمّا المُشارَكَةُ في الأمْوالِ، فَهي كُلُّ تَصَرُّفٍ فِيها يُخالِفُ وجْهَ الشَّرْعِ، سَواءٌ كانَ أخْذًا مِن غَيْرِ حَقٍّ، أوْ وضْعًا في غَيْرِ حَقٍّ كالغَصْبِ والسَّرِقَةِ والرِّبا. ومِن ذَلِكَ تَبْتِيكُ آذانِ الأنْعامِ وجَعْلُها بَحِيرَةً وسائِبَةً، والمُشارَكَةُ في الأوْلادِ دَعْوى الوَلَدِ بِغَيْرِ سَبَبٍ شَرْعِيٍّ، وتَحْصِيلُهُ بِالزِّنا وتَسْمِيَتُهم بِعَبْدِ اللّاتَ وعَبْدِ العُزّى، والإساءَةُ في تَرْبِيَتِهِمْ عَلى وجْهٍ يَأْلَفُونَ فِيهِ خِصالَ الشَّرِّ وأفْعالَ السُّوءِ، ويَدْخُلُ فِيهِ ما قَتَلُوا مِن أوْلادِهِمْ خَشْيَةَ إمْلاقٍ، ووَأْدُ البَناتِ وتَصْيِيرُ أوْلادِهِمْ عَلى المِلَّةِ الكُفْرِيَّةِ الَّتِي هم عَلَيْها، ومِن ذَلِكَ ‌‌مُشارَكَةُ الشَّيْطانِ لِلْمُجامِعِ إذا لَمْ يُسَمِّ، ثُمَّ قالَ: ( وعِدْهم ) قالَ الفَرّاءُ: قُلْ لَهم لا جَنَّةٌ ولا نارٌ. وقالَ الزَّجّاجُ: وعَدَهم بِأنَّهم لا يُبَعَثُونَ ﴿وما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إلّا غُرُورًا﴾ أيْ: باطِلًا، وأصْلُ الغُرُورِ تَزْيِينُ الخَطَأِ بِما يُوهِمُ الصَّوابَ، وقِيلَ: مَعْناهُ: وعِدْهُمُ النُّصْرَةَ عَلى مَن خالَفَهم، وهَذِهِ الأوامِرُ لِلشَّيْطانِ مِن بابِ التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ الشَّدِيدِ، وقِيلَ: هي عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِخْفافِ بِهِ وبِمَن تَبِعَهُ. ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ يَعْنِي عِبادَهُ المُؤْمِنِينَ كَما في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ مِنَ الكِتابِ العَزِيزِ مِن أنَّ إضافَةَ العِبادِ إلَيْهِ يُرادُ بِها المُؤْمِنُونَ؛ لِما في الإضافَةِ مِنَ التَّشْرِيفِ، وقِيلَ: المُرادُ جَمِيعُ العِبادِ بِدَلِيلِ الِاسْتِثْناءِ بِقَوْلِهِ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ ﴿إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢]، والمُرادُ بِالسُّلْطانِ التَّسَلُّطُ ﴿وكَفى بِرَبِّكَ وكِيلًا﴾ يَتَوَكَّلُونَ عَلَيْهِ، فَهو الَّذِي يَدْفَعُ عَنْهم كَيْدَ الشَّيْطانِ ويَعْصِمُهم مِن إغْوائِهِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ إبْلِيسُ: إنَّ آدَمَ خُلِقَ مِن تُرابٍ مِن طِينٍ، خُلِقَ ضَعِيفًا، وإنِّي خُلِقْتُ مِن نارٍ، والنّارُ تُحْرِقُ كُلَّ شَيْءٍ ﴿لَأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلّا قَلِيلًا﴾ فَصَدَّقَ ظَنَّهُ عَلَيْهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿لَأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ﴾ قالَ: لَأسْتَوْلِيَنَّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ ﴿لَأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ﴾ قالَ: لَأحْتَوِيَنَّهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: لَأُضِلَّنَّهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ ( مَوْفُورًا ) قالَ: وافِرًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿واسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنهم بِصَوْتِكَ﴾ قالَ: صَوْتُهُ كُلُّ داعٍ دَعا إلى مَعْصِيَةِ اللَّهِ ﴿وأجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ﴾ قالَ: كُلُّ راكِبٍ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ ( ورَجِلِكَ ) قالَ: كُلُّ راجِلٍ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ ﴿وشارِكْهم في الأمْوالِ﴾ قالَ: كُلُّ مالٍ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ ( والأوْلادِ ) قالَ: كُلُّ ما قَتَلُوا مِن أوْلادِهِمْ وأتَوْا فِيهِمُ الحَرامَ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: كُلُّ خَيْلٍ تَسِيرُ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وكُلُّ مالٍ أُخِذَ بِغَيْرِ حَقِّهِ، وكُلُّ ولَدِ زِنا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: ( ﴿الأمْوالِ﴾ ) ما كانُوا يُحَرِّمُونَ مِن أنْعامِهِمْ ﴿والأولادِ﴾ أوْلادُ (p-٨٣٣)الزِّنا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: ( الأمْوالِ ) البَحِيرَةُ والسّائِبَةُ والوَصِيلَةُ لِغَيْرِ اللَّهِ ( والأوْلادِ ) سَمَّوْا عَبْدَ الحارِثِ وعَبْدَ شَمْسٍ.

الإسراء 17:62

. لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّ الرَّسُولَ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ في بَلِيَّةٍ عَظِيمَةٍ مِن قَوْمِهِ ومِحْنَةٍ شَدِيدَةٍ أرادَ أنْ يُبَيِّنَ أنَّ جَمِيعَ الأنْبِياءِ كانُوا كَذَلِكَ، حَتّى أنَّ هَذِهِ عادَةٌ قَدِيمَةٌ سَنَّها إبْلِيسُ اللَّعِينُ، وأيْضًا لَمّا ذَكَرَ أنَّ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ، أيُّهم أقْرَبُ ويَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ويَخافُونَ عَذابَهُ، ذَكَرَ هاهُنا ما يُحَقِّقُ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ هَذِهِ القِصَّةُ قَدْ ذَكَرَها اللَّهُ سُبْحانَهُ في سَبْعَةِ مَواضِعَ: في البَقَرَةِ، والأعْرافِ، والحِجْرِ، وهَذِهِ السُّورَةِ، والكَهْفِ، وطَه، وص، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها مَبْسُوطًا، فَلْنَقْتَصِرْ هاهُنا عَلى تَفْسِيرِ ما لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُهُ مِنَ الألْفاظِ، فَقَوْلُهُ: طِينًا، مُنْتَصِبٌ بِنَزْعِ (p-٨٣٢)الخافِضِ أيْ: مِن طِينٍ، أوْ عَلى الحالِ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى لِمَن خَلَقْتُهُ طِينًا، وهو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ. ﴿أرَأيْتَكَ﴾ أيْ: أخْبِرْنِي عَنْ هَذا الَّذِي فَضَّلْتَهُ عَلَيَّ لِمَ فَضَّلْتَهُ ؟ وقَدْ ﴿خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢] فَحُذِفَ هَذا لِلْعِلْمِ بِهِ ﴿لَأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ﴾ أيْ: لَأسْتَوْلِيَنَّ عَلَيْهِمْ بِالإغْواءِ والإضْلالِ، قالَ الواحِدِيُّ: أصْلُهُ مِنِ احْتِناكِ الجَرادِ الزَّرْعَ، وهو أنْ تَسْتَأْصِلَهُ بِأحْناكِها وتُفْسِدَهُ، هَذا هو الأصْلُ، ثُمَّ سُمِّيَ الِاسْتِيلاءُ عَلى الشَّيْءِ وأخْذُهُ كُلَّهُ احْتِناكًا، وقِيلَ: مَعْناهُ: لَأسُوقَنَّهم حَيْثُ شِئْتُ، وأقُودَنَّهم حَيْثُ أرَدْتُ، مِن قَوْلِهِمْ: حَنَّكْتُ الفَرَسَ أُحَنِّكُهُ حَنْكًا: إذا جَعَلْتَ في فِيهِ الرَّسَنَ، والمَعْنى الأوَّلُ أنْسَبُ بِمَعْنى هَذِهِ الآيَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أشْكُو إلَيْكَ سَنَةً قَدْ أجْحَفَتْ جَهْدًا إلى جَهْدٍ بِنا وأصْعَقَتْ ؎واحْتَنَكَتْ أمْوالَنا واخْتَلَفَتْ أيِ: اسْتَأْصَلَتْ أمْوالَنا، واللّامُ في: ( لَئِنْ أخَّرْتَنِ )، هي المُوَطِّئَةُ، وإنَّما أقْسَمَ اللَّعِينُ هَذا القَسَمَ عَلى أنَّهُ سَيَفْعَلُ بِذُرِّيَّةِ آدَمَ ما ذَكَرَهُ لِعِلْمٍ قَدْ سَبَقَ إلَيْهِ مِن سَمْعٍ اسْتَرَقَهُ، أوْ قالَهُ لِما ظَنَّهُ مِن قُوَّةِ نُفُوذِ كَيْدِهِ في بَنِي آدَمَ، وأنَّهُ يَجْرِي مِنهم في مَجارِي الدَّمِ، وأنَّهم بِحَيْثُ يَرُوجُ عِنْدَهم كَيْدُهُ وتَنْفَقُ لَدَيْهِمْ وسْوَسَتُهُ إلّا مَن عَصَمَ اللَّهُ، وهُمُ المُرادُونَ بِقَوْلِهِ: ( إلّا قَلِيلًا ) . وفي مَعْنى هَذا الِاسْتِثْناءِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ ويُؤَيِّدُ ما ذَكَرْناهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ [سبأ: ٢٠] فَإنَّهُ يُفِيدُ أنَّهُ قالَ ما قالَهُ هُنا اعْتِمادًا عَلى الظَّنِّ، وقِيلَ: إنَّهُ اسْتَنْبَطَ ذَلِكَ مِن قَوْلِ المَلائِكَةِ: ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠]، وقِيلَ: عَلِمَ ذَلِكَ مِن طَبْعِ البَشَرِ لِما رُكِّبَ فِيهِمْ مِنَ الشَّهَواتِ، أوْ ظَنَّ ذَلِكَ لِأنَّهُ وسَوَسَ لِآدَمَ، فَقَبِلَ مِنهُ ذَلِكَ ولَمْ يَجِدْ لَهُ عَزْمًا، كَما رُوِيَ، عَنِ الحَسَنِ. ﴿قالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنهُمْ﴾ أيْ: أطاعَكَ ﴿فَإنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ﴾ أيْ: إبْلِيسَ ومَن أطاعَهُ ﴿جَزاءً مَوْفُورًا﴾ أيْ: وافِرًا مُكَمَّلًا، يُقالُ: وفَرْتُهُ أفِرُهُ وفْرًا، ووَفَرَ المالُ بِنَفْسِهِ يَفِرُ وُفُورًا، فَهو وافِرٌ، فَهو مَصْدَرٌ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: ؎ومَن يَجْعَلِ المَعْرُوفَ مِن دُونِ عِرْضِهِ ∗∗∗ يَفِرْهُ ومَن لا يَتَّقِ الشَّتْمَ يُشْتَمِ ثُمَّ كَرَّرَ سُبْحانَهُ الإمْهالَ لِإبْلِيسَ اللَّعِينِ فَقالَ: ﴿واسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنهم بِصَوْتِكَ﴾ أيِ: اسْتَزْعِجْ واسْتَخِفَّ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِن بَنِي آدَمَ، يُقالُ: أفَزَّهُ واسْتَفَزَّهُ أيْ: أزْعَجَهُ واسْتَخَفَّهُ، والمَعْنى: اسْتَخِفَّهم بِصَوْتِكَ داعِيًا لَهم إلى مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وقِيلَ: هو الغِناءُ واللَّهْوُ واللَّعِبُ والمَزامِيرُ ﴿وأجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ ورَجِلِكَ﴾ قالَ الفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدَةَ: أجْلِبْ مِنَ الجَلَبَةِ والصِّياحِ أيْ: صِحْ عَلَيْهِمْ. وقالَ الزَّجّاجُ أيِ: اجْمَعْ عَلَيْهِمْ كُلَّ ما تَقْدِرُ عَلَيْهِ مِن مَكايِدِكَ. فالإجْلابُ الجَمْعُ، والباءُ في: ( بِخَيْلِكَ ) . زائِدَةٌ. وقالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: الإجْلابُ الإعانَةُ، والخَيْلُ تَقَعُ عَلى الفُرْسانِ كَقَوْلِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «يا خَيْلَ اللَّهِ ارْكَبِي» وتَقَعُ عَلى الأفْراسِ، والرَّجْلُ بِسُكُونِ الجِيمِ جَمْعُ راجِلٍ كَتاجِرٍ وتَجْرٍ، وصاحِبٍ وصَحْبٍ، وقَرَأ حَفْصٌ بِكَسْرِ الجِيمِ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ. قالَ أبُو زَيْدٍ: يُقالُ: رَجِلَ ورَجُلَ، بِمَعْنى راجِلٍ، فالخَيْلُ والرَّجْلُ كِنايَةٌ عَنْ جَمِيعِ مَكايِدِ الشَّيْطانِ، أوِ المُرادُ كُلُّ راكِبٍ وراجِلٍ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ ﴿وشارِكْهم في الأمْوالِ والأولادِ﴾ أمّا المُشارَكَةُ في الأمْوالِ، فَهي كُلُّ تَصَرُّفٍ فِيها يُخالِفُ وجْهَ الشَّرْعِ، سَواءٌ كانَ أخْذًا مِن غَيْرِ حَقٍّ، أوْ وضْعًا في غَيْرِ حَقٍّ كالغَصْبِ والسَّرِقَةِ والرِّبا. ومِن ذَلِكَ تَبْتِيكُ آذانِ الأنْعامِ وجَعْلُها بَحِيرَةً وسائِبَةً، والمُشارَكَةُ في الأوْلادِ دَعْوى الوَلَدِ بِغَيْرِ سَبَبٍ شَرْعِيٍّ، وتَحْصِيلُهُ بِالزِّنا وتَسْمِيَتُهم بِعَبْدِ اللّاتَ وعَبْدِ العُزّى، والإساءَةُ في تَرْبِيَتِهِمْ عَلى وجْهٍ يَأْلَفُونَ فِيهِ خِصالَ الشَّرِّ وأفْعالَ السُّوءِ، ويَدْخُلُ فِيهِ ما قَتَلُوا مِن أوْلادِهِمْ خَشْيَةَ إمْلاقٍ، ووَأْدُ البَناتِ وتَصْيِيرُ أوْلادِهِمْ عَلى المِلَّةِ الكُفْرِيَّةِ الَّتِي هم عَلَيْها، ومِن ذَلِكَ ‌‌مُشارَكَةُ الشَّيْطانِ لِلْمُجامِعِ إذا لَمْ يُسَمِّ، ثُمَّ قالَ: ( وعِدْهم ) قالَ الفَرّاءُ: قُلْ لَهم لا جَنَّةٌ ولا نارٌ. وقالَ الزَّجّاجُ: وعَدَهم بِأنَّهم لا يُبَعَثُونَ ﴿وما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إلّا غُرُورًا﴾ أيْ: باطِلًا، وأصْلُ الغُرُورِ تَزْيِينُ الخَطَأِ بِما يُوهِمُ الصَّوابَ، وقِيلَ: مَعْناهُ: وعِدْهُمُ النُّصْرَةَ عَلى مَن خالَفَهم، وهَذِهِ الأوامِرُ لِلشَّيْطانِ مِن بابِ التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ الشَّدِيدِ، وقِيلَ: هي عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِخْفافِ بِهِ وبِمَن تَبِعَهُ. ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ يَعْنِي عِبادَهُ المُؤْمِنِينَ كَما في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ مِنَ الكِتابِ العَزِيزِ مِن أنَّ إضافَةَ العِبادِ إلَيْهِ يُرادُ بِها المُؤْمِنُونَ؛ لِما في الإضافَةِ مِنَ التَّشْرِيفِ، وقِيلَ: المُرادُ جَمِيعُ العِبادِ بِدَلِيلِ الِاسْتِثْناءِ بِقَوْلِهِ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ ﴿إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢]، والمُرادُ بِالسُّلْطانِ التَّسَلُّطُ ﴿وكَفى بِرَبِّكَ وكِيلًا﴾ يَتَوَكَّلُونَ عَلَيْهِ، فَهو الَّذِي يَدْفَعُ عَنْهم كَيْدَ الشَّيْطانِ ويَعْصِمُهم مِن إغْوائِهِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ إبْلِيسُ: إنَّ آدَمَ خُلِقَ مِن تُرابٍ مِن طِينٍ، خُلِقَ ضَعِيفًا، وإنِّي خُلِقْتُ مِن نارٍ، والنّارُ تُحْرِقُ كُلَّ شَيْءٍ ﴿لَأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلّا قَلِيلًا﴾ فَصَدَّقَ ظَنَّهُ عَلَيْهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿لَأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ﴾ قالَ: لَأسْتَوْلِيَنَّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ ﴿لَأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ﴾ قالَ: لَأحْتَوِيَنَّهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: لَأُضِلَّنَّهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ ( مَوْفُورًا ) قالَ: وافِرًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿واسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنهم بِصَوْتِكَ﴾ قالَ: صَوْتُهُ كُلُّ داعٍ دَعا إلى مَعْصِيَةِ اللَّهِ ﴿وأجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ﴾ قالَ: كُلُّ راكِبٍ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ ( ورَجِلِكَ ) قالَ: كُلُّ راجِلٍ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ ﴿وشارِكْهم في الأمْوالِ﴾ قالَ: كُلُّ مالٍ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ ( والأوْلادِ ) قالَ: كُلُّ ما قَتَلُوا مِن أوْلادِهِمْ وأتَوْا فِيهِمُ الحَرامَ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: كُلُّ خَيْلٍ تَسِيرُ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وكُلُّ مالٍ أُخِذَ بِغَيْرِ حَقِّهِ، وكُلُّ ولَدِ زِنا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: ( ﴿الأمْوالِ﴾ ) ما كانُوا يُحَرِّمُونَ مِن أنْعامِهِمْ ﴿والأولادِ﴾ أوْلادُ (p-٨٣٣)الزِّنا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: ( الأمْوالِ ) البَحِيرَةُ والسّائِبَةُ والوَصِيلَةُ لِغَيْرِ اللَّهِ ( والأوْلادِ ) سَمَّوْا عَبْدَ الحارِثِ وعَبْدَ شَمْسٍ.

الإسراء 17:63

. لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّ الرَّسُولَ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ في بَلِيَّةٍ عَظِيمَةٍ مِن قَوْمِهِ ومِحْنَةٍ شَدِيدَةٍ أرادَ أنْ يُبَيِّنَ أنَّ جَمِيعَ الأنْبِياءِ كانُوا كَذَلِكَ، حَتّى أنَّ هَذِهِ عادَةٌ قَدِيمَةٌ سَنَّها إبْلِيسُ اللَّعِينُ، وأيْضًا لَمّا ذَكَرَ أنَّ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ، أيُّهم أقْرَبُ ويَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ويَخافُونَ عَذابَهُ، ذَكَرَ هاهُنا ما يُحَقِّقُ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ هَذِهِ القِصَّةُ قَدْ ذَكَرَها اللَّهُ سُبْحانَهُ في سَبْعَةِ مَواضِعَ: في البَقَرَةِ، والأعْرافِ، والحِجْرِ، وهَذِهِ السُّورَةِ، والكَهْفِ، وطَه، وص، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها مَبْسُوطًا، فَلْنَقْتَصِرْ هاهُنا عَلى تَفْسِيرِ ما لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُهُ مِنَ الألْفاظِ، فَقَوْلُهُ: طِينًا، مُنْتَصِبٌ بِنَزْعِ (p-٨٣٢)الخافِضِ أيْ: مِن طِينٍ، أوْ عَلى الحالِ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى لِمَن خَلَقْتُهُ طِينًا، وهو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ. ﴿أرَأيْتَكَ﴾ أيْ: أخْبِرْنِي عَنْ هَذا الَّذِي فَضَّلْتَهُ عَلَيَّ لِمَ فَضَّلْتَهُ ؟ وقَدْ ﴿خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢] فَحُذِفَ هَذا لِلْعِلْمِ بِهِ ﴿لَأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ﴾ أيْ: لَأسْتَوْلِيَنَّ عَلَيْهِمْ بِالإغْواءِ والإضْلالِ، قالَ الواحِدِيُّ: أصْلُهُ مِنِ احْتِناكِ الجَرادِ الزَّرْعَ، وهو أنْ تَسْتَأْصِلَهُ بِأحْناكِها وتُفْسِدَهُ، هَذا هو الأصْلُ، ثُمَّ سُمِّيَ الِاسْتِيلاءُ عَلى الشَّيْءِ وأخْذُهُ كُلَّهُ احْتِناكًا، وقِيلَ: مَعْناهُ: لَأسُوقَنَّهم حَيْثُ شِئْتُ، وأقُودَنَّهم حَيْثُ أرَدْتُ، مِن قَوْلِهِمْ: حَنَّكْتُ الفَرَسَ أُحَنِّكُهُ حَنْكًا: إذا جَعَلْتَ في فِيهِ الرَّسَنَ، والمَعْنى الأوَّلُ أنْسَبُ بِمَعْنى هَذِهِ الآيَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أشْكُو إلَيْكَ سَنَةً قَدْ أجْحَفَتْ جَهْدًا إلى جَهْدٍ بِنا وأصْعَقَتْ ؎واحْتَنَكَتْ أمْوالَنا واخْتَلَفَتْ أيِ: اسْتَأْصَلَتْ أمْوالَنا، واللّامُ في: ( لَئِنْ أخَّرْتَنِ )، هي المُوَطِّئَةُ، وإنَّما أقْسَمَ اللَّعِينُ هَذا القَسَمَ عَلى أنَّهُ سَيَفْعَلُ بِذُرِّيَّةِ آدَمَ ما ذَكَرَهُ لِعِلْمٍ قَدْ سَبَقَ إلَيْهِ مِن سَمْعٍ اسْتَرَقَهُ، أوْ قالَهُ لِما ظَنَّهُ مِن قُوَّةِ نُفُوذِ كَيْدِهِ في بَنِي آدَمَ، وأنَّهُ يَجْرِي مِنهم في مَجارِي الدَّمِ، وأنَّهم بِحَيْثُ يَرُوجُ عِنْدَهم كَيْدُهُ وتَنْفَقُ لَدَيْهِمْ وسْوَسَتُهُ إلّا مَن عَصَمَ اللَّهُ، وهُمُ المُرادُونَ بِقَوْلِهِ: ( إلّا قَلِيلًا ) . وفي مَعْنى هَذا الِاسْتِثْناءِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ ويُؤَيِّدُ ما ذَكَرْناهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ [سبأ: ٢٠] فَإنَّهُ يُفِيدُ أنَّهُ قالَ ما قالَهُ هُنا اعْتِمادًا عَلى الظَّنِّ، وقِيلَ: إنَّهُ اسْتَنْبَطَ ذَلِكَ مِن قَوْلِ المَلائِكَةِ: ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠]، وقِيلَ: عَلِمَ ذَلِكَ مِن طَبْعِ البَشَرِ لِما رُكِّبَ فِيهِمْ مِنَ الشَّهَواتِ، أوْ ظَنَّ ذَلِكَ لِأنَّهُ وسَوَسَ لِآدَمَ، فَقَبِلَ مِنهُ ذَلِكَ ولَمْ يَجِدْ لَهُ عَزْمًا، كَما رُوِيَ، عَنِ الحَسَنِ. ﴿قالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنهُمْ﴾ أيْ: أطاعَكَ ﴿فَإنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ﴾ أيْ: إبْلِيسَ ومَن أطاعَهُ ﴿جَزاءً مَوْفُورًا﴾ أيْ: وافِرًا مُكَمَّلًا، يُقالُ: وفَرْتُهُ أفِرُهُ وفْرًا، ووَفَرَ المالُ بِنَفْسِهِ يَفِرُ وُفُورًا، فَهو وافِرٌ، فَهو مَصْدَرٌ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: ؎ومَن يَجْعَلِ المَعْرُوفَ مِن دُونِ عِرْضِهِ ∗∗∗ يَفِرْهُ ومَن لا يَتَّقِ الشَّتْمَ يُشْتَمِ ثُمَّ كَرَّرَ سُبْحانَهُ الإمْهالَ لِإبْلِيسَ اللَّعِينِ فَقالَ: ﴿واسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنهم بِصَوْتِكَ﴾ أيِ: اسْتَزْعِجْ واسْتَخِفَّ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِن بَنِي آدَمَ، يُقالُ: أفَزَّهُ واسْتَفَزَّهُ أيْ: أزْعَجَهُ واسْتَخَفَّهُ، والمَعْنى: اسْتَخِفَّهم بِصَوْتِكَ داعِيًا لَهم إلى مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وقِيلَ: هو الغِناءُ واللَّهْوُ واللَّعِبُ والمَزامِيرُ ﴿وأجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ ورَجِلِكَ﴾ قالَ الفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدَةَ: أجْلِبْ مِنَ الجَلَبَةِ والصِّياحِ أيْ: صِحْ عَلَيْهِمْ. وقالَ الزَّجّاجُ أيِ: اجْمَعْ عَلَيْهِمْ كُلَّ ما تَقْدِرُ عَلَيْهِ مِن مَكايِدِكَ. فالإجْلابُ الجَمْعُ، والباءُ في: ( بِخَيْلِكَ ) . زائِدَةٌ. وقالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: الإجْلابُ الإعانَةُ، والخَيْلُ تَقَعُ عَلى الفُرْسانِ كَقَوْلِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «يا خَيْلَ اللَّهِ ارْكَبِي» وتَقَعُ عَلى الأفْراسِ، والرَّجْلُ بِسُكُونِ الجِيمِ جَمْعُ راجِلٍ كَتاجِرٍ وتَجْرٍ، وصاحِبٍ وصَحْبٍ، وقَرَأ حَفْصٌ بِكَسْرِ الجِيمِ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ. قالَ أبُو زَيْدٍ: يُقالُ: رَجِلَ ورَجُلَ، بِمَعْنى راجِلٍ، فالخَيْلُ والرَّجْلُ كِنايَةٌ عَنْ جَمِيعِ مَكايِدِ الشَّيْطانِ، أوِ المُرادُ كُلُّ راكِبٍ وراجِلٍ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ ﴿وشارِكْهم في الأمْوالِ والأولادِ﴾ أمّا المُشارَكَةُ في الأمْوالِ، فَهي كُلُّ تَصَرُّفٍ فِيها يُخالِفُ وجْهَ الشَّرْعِ، سَواءٌ كانَ أخْذًا مِن غَيْرِ حَقٍّ، أوْ وضْعًا في غَيْرِ حَقٍّ كالغَصْبِ والسَّرِقَةِ والرِّبا. ومِن ذَلِكَ تَبْتِيكُ آذانِ الأنْعامِ وجَعْلُها بَحِيرَةً وسائِبَةً، والمُشارَكَةُ في الأوْلادِ دَعْوى الوَلَدِ بِغَيْرِ سَبَبٍ شَرْعِيٍّ، وتَحْصِيلُهُ بِالزِّنا وتَسْمِيَتُهم بِعَبْدِ اللّاتَ وعَبْدِ العُزّى، والإساءَةُ في تَرْبِيَتِهِمْ عَلى وجْهٍ يَأْلَفُونَ فِيهِ خِصالَ الشَّرِّ وأفْعالَ السُّوءِ، ويَدْخُلُ فِيهِ ما قَتَلُوا مِن أوْلادِهِمْ خَشْيَةَ إمْلاقٍ، ووَأْدُ البَناتِ وتَصْيِيرُ أوْلادِهِمْ عَلى المِلَّةِ الكُفْرِيَّةِ الَّتِي هم عَلَيْها، ومِن ذَلِكَ ‌‌مُشارَكَةُ الشَّيْطانِ لِلْمُجامِعِ إذا لَمْ يُسَمِّ، ثُمَّ قالَ: ( وعِدْهم ) قالَ الفَرّاءُ: قُلْ لَهم لا جَنَّةٌ ولا نارٌ. وقالَ الزَّجّاجُ: وعَدَهم بِأنَّهم لا يُبَعَثُونَ ﴿وما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إلّا غُرُورًا﴾ أيْ: باطِلًا، وأصْلُ الغُرُورِ تَزْيِينُ الخَطَأِ بِما يُوهِمُ الصَّوابَ، وقِيلَ: مَعْناهُ: وعِدْهُمُ النُّصْرَةَ عَلى مَن خالَفَهم، وهَذِهِ الأوامِرُ لِلشَّيْطانِ مِن بابِ التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ الشَّدِيدِ، وقِيلَ: هي عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِخْفافِ بِهِ وبِمَن تَبِعَهُ. ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ يَعْنِي عِبادَهُ المُؤْمِنِينَ كَما في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ مِنَ الكِتابِ العَزِيزِ مِن أنَّ إضافَةَ العِبادِ إلَيْهِ يُرادُ بِها المُؤْمِنُونَ؛ لِما في الإضافَةِ مِنَ التَّشْرِيفِ، وقِيلَ: المُرادُ جَمِيعُ العِبادِ بِدَلِيلِ الِاسْتِثْناءِ بِقَوْلِهِ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ ﴿إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢]، والمُرادُ بِالسُّلْطانِ التَّسَلُّطُ ﴿وكَفى بِرَبِّكَ وكِيلًا﴾ يَتَوَكَّلُونَ عَلَيْهِ، فَهو الَّذِي يَدْفَعُ عَنْهم كَيْدَ الشَّيْطانِ ويَعْصِمُهم مِن إغْوائِهِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ إبْلِيسُ: إنَّ آدَمَ خُلِقَ مِن تُرابٍ مِن طِينٍ، خُلِقَ ضَعِيفًا، وإنِّي خُلِقْتُ مِن نارٍ، والنّارُ تُحْرِقُ كُلَّ شَيْءٍ ﴿لَأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلّا قَلِيلًا﴾ فَصَدَّقَ ظَنَّهُ عَلَيْهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿لَأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ﴾ قالَ: لَأسْتَوْلِيَنَّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ ﴿لَأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ﴾ قالَ: لَأحْتَوِيَنَّهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: لَأُضِلَّنَّهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ ( مَوْفُورًا ) قالَ: وافِرًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿واسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنهم بِصَوْتِكَ﴾ قالَ: صَوْتُهُ كُلُّ داعٍ دَعا إلى مَعْصِيَةِ اللَّهِ ﴿وأجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ﴾ قالَ: كُلُّ راكِبٍ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ ( ورَجِلِكَ ) قالَ: كُلُّ راجِلٍ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ ﴿وشارِكْهم في الأمْوالِ﴾ قالَ: كُلُّ مالٍ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ ( والأوْلادِ ) قالَ: كُلُّ ما قَتَلُوا مِن أوْلادِهِمْ وأتَوْا فِيهِمُ الحَرامَ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: كُلُّ خَيْلٍ تَسِيرُ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وكُلُّ مالٍ أُخِذَ بِغَيْرِ حَقِّهِ، وكُلُّ ولَدِ زِنا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: ( ﴿الأمْوالِ﴾ ) ما كانُوا يُحَرِّمُونَ مِن أنْعامِهِمْ ﴿والأولادِ﴾ أوْلادُ (p-٨٣٣)الزِّنا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: ( الأمْوالِ ) البَحِيرَةُ والسّائِبَةُ والوَصِيلَةُ لِغَيْرِ اللَّهِ ( والأوْلادِ ) سَمَّوْا عَبْدَ الحارِثِ وعَبْدَ شَمْسٍ.

الإسراء 17:64

. لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّ الرَّسُولَ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ في بَلِيَّةٍ عَظِيمَةٍ مِن قَوْمِهِ ومِحْنَةٍ شَدِيدَةٍ أرادَ أنْ يُبَيِّنَ أنَّ جَمِيعَ الأنْبِياءِ كانُوا كَذَلِكَ، حَتّى أنَّ هَذِهِ عادَةٌ قَدِيمَةٌ سَنَّها إبْلِيسُ اللَّعِينُ، وأيْضًا لَمّا ذَكَرَ أنَّ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ، أيُّهم أقْرَبُ ويَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ويَخافُونَ عَذابَهُ، ذَكَرَ هاهُنا ما يُحَقِّقُ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ هَذِهِ القِصَّةُ قَدْ ذَكَرَها اللَّهُ سُبْحانَهُ في سَبْعَةِ مَواضِعَ: في البَقَرَةِ، والأعْرافِ، والحِجْرِ، وهَذِهِ السُّورَةِ، والكَهْفِ، وطَه، وص، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها مَبْسُوطًا، فَلْنَقْتَصِرْ هاهُنا عَلى تَفْسِيرِ ما لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُهُ مِنَ الألْفاظِ، فَقَوْلُهُ: طِينًا، مُنْتَصِبٌ بِنَزْعِ (p-٨٣٢)الخافِضِ أيْ: مِن طِينٍ، أوْ عَلى الحالِ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى لِمَن خَلَقْتُهُ طِينًا، وهو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ. ﴿أرَأيْتَكَ﴾ أيْ: أخْبِرْنِي عَنْ هَذا الَّذِي فَضَّلْتَهُ عَلَيَّ لِمَ فَضَّلْتَهُ ؟ وقَدْ ﴿خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢] فَحُذِفَ هَذا لِلْعِلْمِ بِهِ ﴿لَأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ﴾ أيْ: لَأسْتَوْلِيَنَّ عَلَيْهِمْ بِالإغْواءِ والإضْلالِ، قالَ الواحِدِيُّ: أصْلُهُ مِنِ احْتِناكِ الجَرادِ الزَّرْعَ، وهو أنْ تَسْتَأْصِلَهُ بِأحْناكِها وتُفْسِدَهُ، هَذا هو الأصْلُ، ثُمَّ سُمِّيَ الِاسْتِيلاءُ عَلى الشَّيْءِ وأخْذُهُ كُلَّهُ احْتِناكًا، وقِيلَ: مَعْناهُ: لَأسُوقَنَّهم حَيْثُ شِئْتُ، وأقُودَنَّهم حَيْثُ أرَدْتُ، مِن قَوْلِهِمْ: حَنَّكْتُ الفَرَسَ أُحَنِّكُهُ حَنْكًا: إذا جَعَلْتَ في فِيهِ الرَّسَنَ، والمَعْنى الأوَّلُ أنْسَبُ بِمَعْنى هَذِهِ الآيَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أشْكُو إلَيْكَ سَنَةً قَدْ أجْحَفَتْ جَهْدًا إلى جَهْدٍ بِنا وأصْعَقَتْ ؎واحْتَنَكَتْ أمْوالَنا واخْتَلَفَتْ أيِ: اسْتَأْصَلَتْ أمْوالَنا، واللّامُ في: ( لَئِنْ أخَّرْتَنِ )، هي المُوَطِّئَةُ، وإنَّما أقْسَمَ اللَّعِينُ هَذا القَسَمَ عَلى أنَّهُ سَيَفْعَلُ بِذُرِّيَّةِ آدَمَ ما ذَكَرَهُ لِعِلْمٍ قَدْ سَبَقَ إلَيْهِ مِن سَمْعٍ اسْتَرَقَهُ، أوْ قالَهُ لِما ظَنَّهُ مِن قُوَّةِ نُفُوذِ كَيْدِهِ في بَنِي آدَمَ، وأنَّهُ يَجْرِي مِنهم في مَجارِي الدَّمِ، وأنَّهم بِحَيْثُ يَرُوجُ عِنْدَهم كَيْدُهُ وتَنْفَقُ لَدَيْهِمْ وسْوَسَتُهُ إلّا مَن عَصَمَ اللَّهُ، وهُمُ المُرادُونَ بِقَوْلِهِ: ( إلّا قَلِيلًا ) . وفي مَعْنى هَذا الِاسْتِثْناءِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ ويُؤَيِّدُ ما ذَكَرْناهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ [سبأ: ٢٠] فَإنَّهُ يُفِيدُ أنَّهُ قالَ ما قالَهُ هُنا اعْتِمادًا عَلى الظَّنِّ، وقِيلَ: إنَّهُ اسْتَنْبَطَ ذَلِكَ مِن قَوْلِ المَلائِكَةِ: ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠]، وقِيلَ: عَلِمَ ذَلِكَ مِن طَبْعِ البَشَرِ لِما رُكِّبَ فِيهِمْ مِنَ الشَّهَواتِ، أوْ ظَنَّ ذَلِكَ لِأنَّهُ وسَوَسَ لِآدَمَ، فَقَبِلَ مِنهُ ذَلِكَ ولَمْ يَجِدْ لَهُ عَزْمًا، كَما رُوِيَ، عَنِ الحَسَنِ. ﴿قالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنهُمْ﴾ أيْ: أطاعَكَ ﴿فَإنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ﴾ أيْ: إبْلِيسَ ومَن أطاعَهُ ﴿جَزاءً مَوْفُورًا﴾ أيْ: وافِرًا مُكَمَّلًا، يُقالُ: وفَرْتُهُ أفِرُهُ وفْرًا، ووَفَرَ المالُ بِنَفْسِهِ يَفِرُ وُفُورًا، فَهو وافِرٌ، فَهو مَصْدَرٌ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: ؎ومَن يَجْعَلِ المَعْرُوفَ مِن دُونِ عِرْضِهِ ∗∗∗ يَفِرْهُ ومَن لا يَتَّقِ الشَّتْمَ يُشْتَمِ ثُمَّ كَرَّرَ سُبْحانَهُ الإمْهالَ لِإبْلِيسَ اللَّعِينِ فَقالَ: ﴿واسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنهم بِصَوْتِكَ﴾ أيِ: اسْتَزْعِجْ واسْتَخِفَّ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِن بَنِي آدَمَ، يُقالُ: أفَزَّهُ واسْتَفَزَّهُ أيْ: أزْعَجَهُ واسْتَخَفَّهُ، والمَعْنى: اسْتَخِفَّهم بِصَوْتِكَ داعِيًا لَهم إلى مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وقِيلَ: هو الغِناءُ واللَّهْوُ واللَّعِبُ والمَزامِيرُ ﴿وأجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ ورَجِلِكَ﴾ قالَ الفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدَةَ: أجْلِبْ مِنَ الجَلَبَةِ والصِّياحِ أيْ: صِحْ عَلَيْهِمْ. وقالَ الزَّجّاجُ أيِ: اجْمَعْ عَلَيْهِمْ كُلَّ ما تَقْدِرُ عَلَيْهِ مِن مَكايِدِكَ. فالإجْلابُ الجَمْعُ، والباءُ في: ( بِخَيْلِكَ ) . زائِدَةٌ. وقالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: الإجْلابُ الإعانَةُ، والخَيْلُ تَقَعُ عَلى الفُرْسانِ كَقَوْلِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «يا خَيْلَ اللَّهِ ارْكَبِي» وتَقَعُ عَلى الأفْراسِ، والرَّجْلُ بِسُكُونِ الجِيمِ جَمْعُ راجِلٍ كَتاجِرٍ وتَجْرٍ، وصاحِبٍ وصَحْبٍ، وقَرَأ حَفْصٌ بِكَسْرِ الجِيمِ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ. قالَ أبُو زَيْدٍ: يُقالُ: رَجِلَ ورَجُلَ، بِمَعْنى راجِلٍ، فالخَيْلُ والرَّجْلُ كِنايَةٌ عَنْ جَمِيعِ مَكايِدِ الشَّيْطانِ، أوِ المُرادُ كُلُّ راكِبٍ وراجِلٍ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ ﴿وشارِكْهم في الأمْوالِ والأولادِ﴾ أمّا المُشارَكَةُ في الأمْوالِ، فَهي كُلُّ تَصَرُّفٍ فِيها يُخالِفُ وجْهَ الشَّرْعِ، سَواءٌ كانَ أخْذًا مِن غَيْرِ حَقٍّ، أوْ وضْعًا في غَيْرِ حَقٍّ كالغَصْبِ والسَّرِقَةِ والرِّبا. ومِن ذَلِكَ تَبْتِيكُ آذانِ الأنْعامِ وجَعْلُها بَحِيرَةً وسائِبَةً، والمُشارَكَةُ في الأوْلادِ دَعْوى الوَلَدِ بِغَيْرِ سَبَبٍ شَرْعِيٍّ، وتَحْصِيلُهُ بِالزِّنا وتَسْمِيَتُهم بِعَبْدِ اللّاتَ وعَبْدِ العُزّى، والإساءَةُ في تَرْبِيَتِهِمْ عَلى وجْهٍ يَأْلَفُونَ فِيهِ خِصالَ الشَّرِّ وأفْعالَ السُّوءِ، ويَدْخُلُ فِيهِ ما قَتَلُوا مِن أوْلادِهِمْ خَشْيَةَ إمْلاقٍ، ووَأْدُ البَناتِ وتَصْيِيرُ أوْلادِهِمْ عَلى المِلَّةِ الكُفْرِيَّةِ الَّتِي هم عَلَيْها، ومِن ذَلِكَ ‌‌مُشارَكَةُ الشَّيْطانِ لِلْمُجامِعِ إذا لَمْ يُسَمِّ، ثُمَّ قالَ: ( وعِدْهم ) قالَ الفَرّاءُ: قُلْ لَهم لا جَنَّةٌ ولا نارٌ. وقالَ الزَّجّاجُ: وعَدَهم بِأنَّهم لا يُبَعَثُونَ ﴿وما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إلّا غُرُورًا﴾ أيْ: باطِلًا، وأصْلُ الغُرُورِ تَزْيِينُ الخَطَأِ بِما يُوهِمُ الصَّوابَ، وقِيلَ: مَعْناهُ: وعِدْهُمُ النُّصْرَةَ عَلى مَن خالَفَهم، وهَذِهِ الأوامِرُ لِلشَّيْطانِ مِن بابِ التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ الشَّدِيدِ، وقِيلَ: هي عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِخْفافِ بِهِ وبِمَن تَبِعَهُ. ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ يَعْنِي عِبادَهُ المُؤْمِنِينَ كَما في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ مِنَ الكِتابِ العَزِيزِ مِن أنَّ إضافَةَ العِبادِ إلَيْهِ يُرادُ بِها المُؤْمِنُونَ؛ لِما في الإضافَةِ مِنَ التَّشْرِيفِ، وقِيلَ: المُرادُ جَمِيعُ العِبادِ بِدَلِيلِ الِاسْتِثْناءِ بِقَوْلِهِ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ ﴿إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢]، والمُرادُ بِالسُّلْطانِ التَّسَلُّطُ ﴿وكَفى بِرَبِّكَ وكِيلًا﴾ يَتَوَكَّلُونَ عَلَيْهِ، فَهو الَّذِي يَدْفَعُ عَنْهم كَيْدَ الشَّيْطانِ ويَعْصِمُهم مِن إغْوائِهِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ إبْلِيسُ: إنَّ آدَمَ خُلِقَ مِن تُرابٍ مِن طِينٍ، خُلِقَ ضَعِيفًا، وإنِّي خُلِقْتُ مِن نارٍ، والنّارُ تُحْرِقُ كُلَّ شَيْءٍ ﴿لَأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلّا قَلِيلًا﴾ فَصَدَّقَ ظَنَّهُ عَلَيْهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿لَأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ﴾ قالَ: لَأسْتَوْلِيَنَّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ ﴿لَأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ﴾ قالَ: لَأحْتَوِيَنَّهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: لَأُضِلَّنَّهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ ( مَوْفُورًا ) قالَ: وافِرًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿واسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنهم بِصَوْتِكَ﴾ قالَ: صَوْتُهُ كُلُّ داعٍ دَعا إلى مَعْصِيَةِ اللَّهِ ﴿وأجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ﴾ قالَ: كُلُّ راكِبٍ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ ( ورَجِلِكَ ) قالَ: كُلُّ راجِلٍ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ ﴿وشارِكْهم في الأمْوالِ﴾ قالَ: كُلُّ مالٍ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ ( والأوْلادِ ) قالَ: كُلُّ ما قَتَلُوا مِن أوْلادِهِمْ وأتَوْا فِيهِمُ الحَرامَ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: كُلُّ خَيْلٍ تَسِيرُ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وكُلُّ مالٍ أُخِذَ بِغَيْرِ حَقِّهِ، وكُلُّ ولَدِ زِنا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: ( ﴿الأمْوالِ﴾ ) ما كانُوا يُحَرِّمُونَ مِن أنْعامِهِمْ ﴿والأولادِ﴾ أوْلادُ (p-٨٣٣)الزِّنا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: ( الأمْوالِ ) البَحِيرَةُ والسّائِبَةُ والوَصِيلَةُ لِغَيْرِ اللَّهِ ( والأوْلادِ ) سَمَّوْا عَبْدَ الحارِثِ وعَبْدَ شَمْسٍ.

الإسراء 17:65

. لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّ الرَّسُولَ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ في بَلِيَّةٍ عَظِيمَةٍ مِن قَوْمِهِ ومِحْنَةٍ شَدِيدَةٍ أرادَ أنْ يُبَيِّنَ أنَّ جَمِيعَ الأنْبِياءِ كانُوا كَذَلِكَ، حَتّى أنَّ هَذِهِ عادَةٌ قَدِيمَةٌ سَنَّها إبْلِيسُ اللَّعِينُ، وأيْضًا لَمّا ذَكَرَ أنَّ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ، أيُّهم أقْرَبُ ويَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ويَخافُونَ عَذابَهُ، ذَكَرَ هاهُنا ما يُحَقِّقُ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ هَذِهِ القِصَّةُ قَدْ ذَكَرَها اللَّهُ سُبْحانَهُ في سَبْعَةِ مَواضِعَ: في البَقَرَةِ، والأعْرافِ، والحِجْرِ، وهَذِهِ السُّورَةِ، والكَهْفِ، وطَه، وص، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها مَبْسُوطًا، فَلْنَقْتَصِرْ هاهُنا عَلى تَفْسِيرِ ما لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُهُ مِنَ الألْفاظِ، فَقَوْلُهُ: طِينًا، مُنْتَصِبٌ بِنَزْعِ (p-٨٣٢)الخافِضِ أيْ: مِن طِينٍ، أوْ عَلى الحالِ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى لِمَن خَلَقْتُهُ طِينًا، وهو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ. ﴿أرَأيْتَكَ﴾ أيْ: أخْبِرْنِي عَنْ هَذا الَّذِي فَضَّلْتَهُ عَلَيَّ لِمَ فَضَّلْتَهُ ؟ وقَدْ ﴿خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢] فَحُذِفَ هَذا لِلْعِلْمِ بِهِ ﴿لَأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ﴾ أيْ: لَأسْتَوْلِيَنَّ عَلَيْهِمْ بِالإغْواءِ والإضْلالِ، قالَ الواحِدِيُّ: أصْلُهُ مِنِ احْتِناكِ الجَرادِ الزَّرْعَ، وهو أنْ تَسْتَأْصِلَهُ بِأحْناكِها وتُفْسِدَهُ، هَذا هو الأصْلُ، ثُمَّ سُمِّيَ الِاسْتِيلاءُ عَلى الشَّيْءِ وأخْذُهُ كُلَّهُ احْتِناكًا، وقِيلَ: مَعْناهُ: لَأسُوقَنَّهم حَيْثُ شِئْتُ، وأقُودَنَّهم حَيْثُ أرَدْتُ، مِن قَوْلِهِمْ: حَنَّكْتُ الفَرَسَ أُحَنِّكُهُ حَنْكًا: إذا جَعَلْتَ في فِيهِ الرَّسَنَ، والمَعْنى الأوَّلُ أنْسَبُ بِمَعْنى هَذِهِ الآيَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أشْكُو إلَيْكَ سَنَةً قَدْ أجْحَفَتْ جَهْدًا إلى جَهْدٍ بِنا وأصْعَقَتْ ؎واحْتَنَكَتْ أمْوالَنا واخْتَلَفَتْ أيِ: اسْتَأْصَلَتْ أمْوالَنا، واللّامُ في: ( لَئِنْ أخَّرْتَنِ )، هي المُوَطِّئَةُ، وإنَّما أقْسَمَ اللَّعِينُ هَذا القَسَمَ عَلى أنَّهُ سَيَفْعَلُ بِذُرِّيَّةِ آدَمَ ما ذَكَرَهُ لِعِلْمٍ قَدْ سَبَقَ إلَيْهِ مِن سَمْعٍ اسْتَرَقَهُ، أوْ قالَهُ لِما ظَنَّهُ مِن قُوَّةِ نُفُوذِ كَيْدِهِ في بَنِي آدَمَ، وأنَّهُ يَجْرِي مِنهم في مَجارِي الدَّمِ، وأنَّهم بِحَيْثُ يَرُوجُ عِنْدَهم كَيْدُهُ وتَنْفَقُ لَدَيْهِمْ وسْوَسَتُهُ إلّا مَن عَصَمَ اللَّهُ، وهُمُ المُرادُونَ بِقَوْلِهِ: ( إلّا قَلِيلًا ) . وفي مَعْنى هَذا الِاسْتِثْناءِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ ويُؤَيِّدُ ما ذَكَرْناهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ [سبأ: ٢٠] فَإنَّهُ يُفِيدُ أنَّهُ قالَ ما قالَهُ هُنا اعْتِمادًا عَلى الظَّنِّ، وقِيلَ: إنَّهُ اسْتَنْبَطَ ذَلِكَ مِن قَوْلِ المَلائِكَةِ: ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠]، وقِيلَ: عَلِمَ ذَلِكَ مِن طَبْعِ البَشَرِ لِما رُكِّبَ فِيهِمْ مِنَ الشَّهَواتِ، أوْ ظَنَّ ذَلِكَ لِأنَّهُ وسَوَسَ لِآدَمَ، فَقَبِلَ مِنهُ ذَلِكَ ولَمْ يَجِدْ لَهُ عَزْمًا، كَما رُوِيَ، عَنِ الحَسَنِ. ﴿قالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنهُمْ﴾ أيْ: أطاعَكَ ﴿فَإنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ﴾ أيْ: إبْلِيسَ ومَن أطاعَهُ ﴿جَزاءً مَوْفُورًا﴾ أيْ: وافِرًا مُكَمَّلًا، يُقالُ: وفَرْتُهُ أفِرُهُ وفْرًا، ووَفَرَ المالُ بِنَفْسِهِ يَفِرُ وُفُورًا، فَهو وافِرٌ، فَهو مَصْدَرٌ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: ؎ومَن يَجْعَلِ المَعْرُوفَ مِن دُونِ عِرْضِهِ ∗∗∗ يَفِرْهُ ومَن لا يَتَّقِ الشَّتْمَ يُشْتَمِ ثُمَّ كَرَّرَ سُبْحانَهُ الإمْهالَ لِإبْلِيسَ اللَّعِينِ فَقالَ: ﴿واسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنهم بِصَوْتِكَ﴾ أيِ: اسْتَزْعِجْ واسْتَخِفَّ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِن بَنِي آدَمَ، يُقالُ: أفَزَّهُ واسْتَفَزَّهُ أيْ: أزْعَجَهُ واسْتَخَفَّهُ، والمَعْنى: اسْتَخِفَّهم بِصَوْتِكَ داعِيًا لَهم إلى مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وقِيلَ: هو الغِناءُ واللَّهْوُ واللَّعِبُ والمَزامِيرُ ﴿وأجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ ورَجِلِكَ﴾ قالَ الفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدَةَ: أجْلِبْ مِنَ الجَلَبَةِ والصِّياحِ أيْ: صِحْ عَلَيْهِمْ. وقالَ الزَّجّاجُ أيِ: اجْمَعْ عَلَيْهِمْ كُلَّ ما تَقْدِرُ عَلَيْهِ مِن مَكايِدِكَ. فالإجْلابُ الجَمْعُ، والباءُ في: ( بِخَيْلِكَ ) . زائِدَةٌ. وقالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: الإجْلابُ الإعانَةُ، والخَيْلُ تَقَعُ عَلى الفُرْسانِ كَقَوْلِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «يا خَيْلَ اللَّهِ ارْكَبِي» وتَقَعُ عَلى الأفْراسِ، والرَّجْلُ بِسُكُونِ الجِيمِ جَمْعُ راجِلٍ كَتاجِرٍ وتَجْرٍ، وصاحِبٍ وصَحْبٍ، وقَرَأ حَفْصٌ بِكَسْرِ الجِيمِ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ. قالَ أبُو زَيْدٍ: يُقالُ: رَجِلَ ورَجُلَ، بِمَعْنى راجِلٍ، فالخَيْلُ والرَّجْلُ كِنايَةٌ عَنْ جَمِيعِ مَكايِدِ الشَّيْطانِ، أوِ المُرادُ كُلُّ راكِبٍ وراجِلٍ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ ﴿وشارِكْهم في الأمْوالِ والأولادِ﴾ أمّا المُشارَكَةُ في الأمْوالِ، فَهي كُلُّ تَصَرُّفٍ فِيها يُخالِفُ وجْهَ الشَّرْعِ، سَواءٌ كانَ أخْذًا مِن غَيْرِ حَقٍّ، أوْ وضْعًا في غَيْرِ حَقٍّ كالغَصْبِ والسَّرِقَةِ والرِّبا. ومِن ذَلِكَ تَبْتِيكُ آذانِ الأنْعامِ وجَعْلُها بَحِيرَةً وسائِبَةً، والمُشارَكَةُ في الأوْلادِ دَعْوى الوَلَدِ بِغَيْرِ سَبَبٍ شَرْعِيٍّ، وتَحْصِيلُهُ بِالزِّنا وتَسْمِيَتُهم بِعَبْدِ اللّاتَ وعَبْدِ العُزّى، والإساءَةُ في تَرْبِيَتِهِمْ عَلى وجْهٍ يَأْلَفُونَ فِيهِ خِصالَ الشَّرِّ وأفْعالَ السُّوءِ، ويَدْخُلُ فِيهِ ما قَتَلُوا مِن أوْلادِهِمْ خَشْيَةَ إمْلاقٍ، ووَأْدُ البَناتِ وتَصْيِيرُ أوْلادِهِمْ عَلى المِلَّةِ الكُفْرِيَّةِ الَّتِي هم عَلَيْها، ومِن ذَلِكَ ‌‌مُشارَكَةُ الشَّيْطانِ لِلْمُجامِعِ إذا لَمْ يُسَمِّ، ثُمَّ قالَ: ( وعِدْهم ) قالَ الفَرّاءُ: قُلْ لَهم لا جَنَّةٌ ولا نارٌ. وقالَ الزَّجّاجُ: وعَدَهم بِأنَّهم لا يُبَعَثُونَ ﴿وما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إلّا غُرُورًا﴾ أيْ: باطِلًا، وأصْلُ الغُرُورِ تَزْيِينُ الخَطَأِ بِما يُوهِمُ الصَّوابَ، وقِيلَ: مَعْناهُ: وعِدْهُمُ النُّصْرَةَ عَلى مَن خالَفَهم، وهَذِهِ الأوامِرُ لِلشَّيْطانِ مِن بابِ التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ الشَّدِيدِ، وقِيلَ: هي عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِخْفافِ بِهِ وبِمَن تَبِعَهُ. ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ يَعْنِي عِبادَهُ المُؤْمِنِينَ كَما في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ مِنَ الكِتابِ العَزِيزِ مِن أنَّ إضافَةَ العِبادِ إلَيْهِ يُرادُ بِها المُؤْمِنُونَ؛ لِما في الإضافَةِ مِنَ التَّشْرِيفِ، وقِيلَ: المُرادُ جَمِيعُ العِبادِ بِدَلِيلِ الِاسْتِثْناءِ بِقَوْلِهِ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ ﴿إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢]، والمُرادُ بِالسُّلْطانِ التَّسَلُّطُ ﴿وكَفى بِرَبِّكَ وكِيلًا﴾ يَتَوَكَّلُونَ عَلَيْهِ، فَهو الَّذِي يَدْفَعُ عَنْهم كَيْدَ الشَّيْطانِ ويَعْصِمُهم مِن إغْوائِهِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ إبْلِيسُ: إنَّ آدَمَ خُلِقَ مِن تُرابٍ مِن طِينٍ، خُلِقَ ضَعِيفًا، وإنِّي خُلِقْتُ مِن نارٍ، والنّارُ تُحْرِقُ كُلَّ شَيْءٍ ﴿لَأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلّا قَلِيلًا﴾ فَصَدَّقَ ظَنَّهُ عَلَيْهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿لَأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ﴾ قالَ: لَأسْتَوْلِيَنَّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ ﴿لَأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ﴾ قالَ: لَأحْتَوِيَنَّهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: لَأُضِلَّنَّهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ ( مَوْفُورًا ) قالَ: وافِرًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿واسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنهم بِصَوْتِكَ﴾ قالَ: صَوْتُهُ كُلُّ داعٍ دَعا إلى مَعْصِيَةِ اللَّهِ ﴿وأجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ﴾ قالَ: كُلُّ راكِبٍ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ ( ورَجِلِكَ ) قالَ: كُلُّ راجِلٍ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ ﴿وشارِكْهم في الأمْوالِ﴾ قالَ: كُلُّ مالٍ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ ( والأوْلادِ ) قالَ: كُلُّ ما قَتَلُوا مِن أوْلادِهِمْ وأتَوْا فِيهِمُ الحَرامَ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: كُلُّ خَيْلٍ تَسِيرُ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وكُلُّ مالٍ أُخِذَ بِغَيْرِ حَقِّهِ، وكُلُّ ولَدِ زِنا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: ( ﴿الأمْوالِ﴾ ) ما كانُوا يُحَرِّمُونَ مِن أنْعامِهِمْ ﴿والأولادِ﴾ أوْلادُ (p-٨٣٣)الزِّنا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: ( الأمْوالِ ) البَحِيرَةُ والسّائِبَةُ والوَصِيلَةُ لِغَيْرِ اللَّهِ ( والأوْلادِ ) سَمَّوْا عَبْدَ الحارِثِ وعَبْدَ شَمْسٍ.

الإسراء 17:66

. قَوْلُهُ: ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الفُلْكَ في البَحْرِ﴾ الإزْجاءُ: السَّوْقُ والإجْراءُ والتَّسْيِيرُ، ومِنهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحابًا﴾ [النور: ٤٣]، وقَوْلُ الشّاعِرِ: ؎يا أيُّها الرّاكِبُ المُزْجِي مَطِيَّتَهُ سائِلْ بَنِي أسَدٍ ما هَذِهِ الصُّوَرُ وقَوْلُ الآخَرُ: ؎عُوَّذا تُزَجِّي خَلْفَها أطْفالَها والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يُسَيِّرُ الفُلْكَ في البَحْرِ بِالرِّيحِ، والفُلْكُ هاهُنا جَمْعٌ. وقَدْ تَقَدَّمَ، والبَحْرُ هو الماءُ الكَثِيرُ عَذْبًا كانَ أوْ مالِحًا، وقَدْ غَلَبَ هَذا الِاسْمُ عَلى المَشْهُورِ ﴿لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ: مِن رِزْقِهِ الَّذِي تَفَضَّلَ بِهِ عَلى عِبادِهِ، أوْ مِنَ الرِّبْحِ بِالتِّجارَةِ، و( مِن ) زائِدَةٌ أوْ لِلتَّبْعِيضِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ تَذْكِيرٌ لَهم بِنِعَمِ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ حَتّى لا يَعْبُدُوا غَيْرَهُ ولا يُشْرِكُوا بِهِ أحَدًا، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ كانَ بِكم رَحِيمًا﴾ تَعْلِيلٌ لِما تَقَدَّمَ أيْ: كانَ بِكم رَحِيمًا فَهَداكم إلى مَصالِحِ دُنْياكم. ﴿وإذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ﴾ يَعْنِي: خَوْفَ الغَرَقِ ﴿فِي البَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ﴾ مِنَ الآلِهَةِ وذَهَبَ عَنْ خَواطِرِكم، ولَمْ يُوجَدْ لِإغاثَتِكم ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن صَنَمٍ أوْ جِنٍّ أوْ مَلَكٍ أوْ بَشَرٍ ( إلّا إيّاهُ ) وحْدَهُ فَإنَّكم تَعْقِدُونَ رَجاءَكم بِرَحْمَتِهِ وإغاثَتِهِ، والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، ومَعْنى الآيَةِ: أنَّ الكُفّارَ إنَّما يَعْتَقِدُونَ في أصْنامِهِمْ وسائِرِ مَعْبُوداتِهِمْ أنَّها نافِعَةٌ لَهم في غَيْرِ هَذِهِ الحالَةِ، فَأمّا في هَذِهِ الحالَةِ فَإنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم يَعْلَمُ بِالفِطْرَةِ عِلْمًا لا يَقْدِرُ عَلى مُدافَعَتِهِ أنَّ الأصْنامَ ونَحْوَها لا فِعْلَ لَها ﴿فَلَمّا نَجّاكم إلى البَرِّ أعْرَضْتُمْ﴾ عَنِ الإخْلاصِ لِلَّهِ وتَوْحِيدِهِ، ورَجَعْتُمْ إلى دُعاءِ أصْنامِكم والِاسْتِغاثَةِ بِها ﴿وكانَ الإنْسانُ كَفُورًا﴾ أيْ: كَثِيرَ الكُفْرانِ لِنِعْمَةِ اللَّهِ، وهو تَعْلِيلٌ لِما تَقَدَّمَهُ، والمَعْنى: أنَّهم عِنْدَ الشَّدائِدِ يَتَمَسَّكُونَ بِرَحْمَةِ اللَّهِ، وفي الرَّخاءِ يُعْرِضُونَ عَنْهُ. ثُمَّ أنْكَرَ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ سُوءَ مُعامَلَتِهِمْ قائِلًا: ﴿أفَأمِنتُمْ أنْ يَخْسِفَ بِكم جانِبَ البَرِّ﴾ الهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ أنَجَوْتُمْ فَأمِنتُمْ فَحَمَلَكم ذَلِكَ عَلى الإعْراضِ ؟ فَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ قادِرٌ عَلى إهْلاكِهِمْ في البَرِّ وإنْ سَلِمُوا مِنَ البَحْرِ. والخَسْفُ أنْ تَنْهارَ الأرْضُ بِالشَّيْءِ، يُقالُ: بِئْرٌ خَسِيفٌ: إذا انْهَدَمَ أصْلُها، وعَيْنٌ خاسِفٌ أيْ: غائِرَةٌ حَدَقَتُها في الرَّأْسِ، وخَسَفَتْ عَيْنُ الماءِ: إذا غارَ ماؤُها، وخَسَفَتِ الشَّمْسُ: إذا غابَتْ عَنِ الأرْضِ. و( جانِبُ البَرِّ ) ناحِيَةُ الأرْضِ، وسَمّاهُ جانِبًا لِأنَّهُ يَصِيرُ بَعْدَ الخَسْفِ جانِبًا، وأيْضًا فَإنَّ البَحْرَ جانِبٌ مِنَ الأرْضِ والبَرَّ جانِبٌ. وقِيلَ: إنَّهم كانُوا عَلى ساحِلِ البَحْرِ، وساحِلُهُ جانِبُ البَرِّ، فَكانُوا فِيهِ آمِنِينَ مِن مَخاوِفِ البَحْرِ، فَحَذَّرَهم ما أمِنُوهُ مِنَ البَرِّ كَما حَذَّرَهم ما خافُوهُ مِنَ البَحْرِ ﴿أوْ يُرْسِلَ عَلَيْكم حاصِبًا﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ والقُتَيْبِيُّ: الحَصْبُ الرَّمْيُ أيْ: رِيحًا شَدِيدَةً حاصِبَةً، وهي الَّتِي تَرْمِي بِالحَصى الصِّغارِ. وقالَ الزَّجّاجُ: الحاصِبُ التُّرابُ الَّذِي فِيهِ حَصْباءُ، فالحاصِبُ ذُو الحَصْباءِ كاللّابِنِ والتّامِرِ، وقِيلَ: الحاصِبُ حِجارَةٌ مِنَ السَّماءِ تَحْصِبُهم كَما فُعِلَ بِقَوْمِ لُوطٍ، ويُقالُ لِلسَّحابَةِ الَّتِي تَرْمِي بِالبَرَدِ حاصِبٌ، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ: ؎مُسْتَقْبِلِينَ جِبالَ الشّامِ تَضْرِبُنا ∗∗∗ بِحاصِبٍ كَنَدِيفِ القُطْنِ مَنثُورُ ﴿ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم وكِيلًا﴾ أيْ: حافِظًا ونَصِيرًا يَمْنَعُكم مِن بَأْسِ اللَّهِ. ﴿أمْ أمِنتُمْ أنْ يُعِيدَكم فِيهِ تارَةً أُخْرى﴾ أيْ: في البَحْرِ مَرَّةً أُخْرى بِأنْ يُقَوِّيَ دَواعِيَكم ويُوَفِّرَ حَوائِجَكم إلى رُكُوبِهِ، وجاءَ بِـ ( في ) ولَمْ يَقُلْ: إلى البَحْرِ، لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِقْرارِهِمْ فِيهِ ﴿فَيُرْسِلَ عَلَيْكم قاصِفًا مِنَ الرِّيحِ﴾ القاصِفُ: الرِّيحُ الشَّدِيدَةُ الَّتِي تَكْسِرُ بِشِدَّةٍ، مِن قَصَفَ الشَّيْءَ يَقْصِفُهُ أيْ: كَسَرَهُ بِشِدَّةٍ، والقَصْفُ: الكَسْرُ، أوْ هو الرِّيحُ الَّتِي لَها قَصِيفٌ أيْ: صَوْتٌ شَدِيدٌ مِن قَوْلِهِمْ: رَعْدٌ قاصِفٌ أيْ: شَدِيدُ الصَّوْتِ ( فَيُغْرِقَكم ) قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ ورُوَيْسٌ ومُجاهِدٌ ( فَتُغْرِقَكم ) بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّ فاعِلَهُ الرِّيحُ، وقَرَأ الحَسَنُ وقَتادَةُ وابْنُ ورْدانَ ( فَيُغَرِّقَكم ) بِالتَّحْتِيَّةِ والتَّشْدِيدِ في الرّاءِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ أيْضًا ( الرِّياحِ )، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِالنُّونِ في جَمِيعِ هَذِهِ الأفْعالِ. وقَرَأ الباقُونَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ في جَمِيعِها أيْضًا، والباءُ في ( بِما كَفَرْتُمْ ) لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ: بِسَبَبِ كُفْرِكم ﴿ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم عَلَيْنا بِهِ تَبِيعًا﴾ أيْ: ثائِرًا يُطالِبُنا بِما فَعَلْنا. قالَ الزَّجّاجُ: لا تَجِدُوا مَن يَتْبَعُنا بِإنْكارِ ما نَزَلَ بِكم. قالَ النَّحّاسُ: وهو مِنَ الثَّأْرِ، وكَذا يُقالُ لِكُلِّ مَن طَلَبَ بِثَأْرٍ أوْ غَيْرِهِ تَبِيعٌ وتابِعٌ. ﴿ولَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ﴾ هَذا إجْمالٌ لِذِكْرِ النِّعْمَةِ الَّتِي أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلى بَنِي آدَمَ أيْ: كَرَّمْناهم جَمِيعًا، وهَذِهِ الكَرامَةُ يَدْخُلُ تَحْتَها خَلْقُهم عَلى هَذِهِ الهَيْئَةِ الحَسَنَةِ وتَخْصِيصُهم بِما خَصَّهم بِهِ مِنَ المَطاعِمِ والمَشارِبِ والمَلابِسِ عَلى وجْهٍ لا يُوجَدُ لِسائِرِ أنْواعِ الحَيَوانِ مِثْلُهُ. وحَكى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ جَماعَةٍ أنَّ هَذا التَّكْرِيمَ هو أنَّهم يَأْكُلُونَ بِأيْدِيهِمْ، وسائِرُ الحَيَواناتِ تَأْكُلُ بِالفَمِ، وكَذا حَكاهُ النَّحّاسُ. وقِيلَ: مَيَّزَهم بِالنُّطْقِ والعَقْلِ والتَّمْيِيزِ، وقِيلَ: أكْرَمَ الرِّجالَ بِاللِّحى والنِّساءَ بِالذَّوائِبِ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أكْرَمَهم بِتَسْلِيطِهِمْ عَلى سائِرِ الخَلْقِ وتَسْخِيرِ سائِرِ الخَلْقِ لَهم، وقِيلَ: بِالكَلامِ والخَطِّ والفَهْمِ، ولا مانِعَ مِن حَمْلِ التَّكْرِيمِ المَذْكُورِ في الآيَةِ عَلى جَمِيعِ هَذِهِ الأشْياءِ. وأعْظَمُ خِصالِ التَّكْرِيمِ العَقْلُ، فَإنَّ بِهِ تَسَلَّطُوا عَلى سائِرِ (p-٨٣٤)الحَيَواناتِ، ومَيَّزُوا بَيْنَ الحَسَنِ والقَبِيحِ، وتَوَسَّعُوا في المَطاعِمِ والمَشارِبِ، وكَسَبُوا الأمْوالَ الَّتِي تَسَبَّبُوا بِها إلى تَحْصِيلِ أُمُورٍ لا يَقْدِرُ عَلَيْها الحَيَوانُ، وبِهِ قَدَرُوا عَلى تَحْصِيلِ الأبْنِيَةِ الَّتِي تَمْنَعُهم مِمّا يَخافُونَ، وعَلى تَحْصِيلِ الأكْسِيَةِ الَّتِي تَقِيهِمُ الحَرَّ والبَرْدَ، وقِيلَ: تَكْرِيمُهم هو أنْ جَعَلَ مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنهم ﴿وحَمَلْناهم في البَرِّ والبَحْرِ﴾ هَذا تَخْصِيصٌ لِبَعْضِ أنْواعِ التَّكْرِيمِ، حَمَلَهم سُبْحانَهُ في البَرِّ عَلى الدَّوابِّ، وفي البَحْرِ عَلى السُّفُنِ، وقِيلَ: حَمَّلْناهم فِيهِما حَيْثُ لَمْ نَخْسِفْ بِهِمْ ولَمْ نُغْرِقْهم ﴿ورَزَقْناهم مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ أيْ: لَذِيذِ المَطاعِمِ والمَشارِبِ وسائِرِ ما يَسْتَلِذُّونَهُ ويَنْتَفِعُونَ بِهِ ﴿وفَضَّلْناهم عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا﴾ أجْمَلَ سُبْحانَهُ هَذا الكَثِيرَ ولَمْ يُبَيِّنْ أنْواعَهُ فَأفادَ ذَلِكَ أنَّ بَنِي آدَمَ فَضَّلَهم سُبْحانَهُ عَلى كَثِيرٍ مِن مَخْلُوقاتِهِ، وقَدْ جَعَلَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ الكَثِيرَ هُنا بِمَعْنى الجَمِيعِ وهو تَعَسُّفٌ لا حاجَةَ إلَيْهِ. وقَدْ شُغِلَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ العِلْمِ بِما لَمْ تَكُنْ إلَيْهِ حاجَةٌ ولا تَتَعَلَّقُ بِهِ فائِدَةٌ، وهو مَسْألَةُ تَفْضِيلِ المَلائِكَةِ عَلى الأنْبِياءِ أوِ الأنْبِياءِ عَلى المَلائِكَةِ، ومِن جُمْلَةِ ما تَمَسَّكَ بِهِ مُفْضِلُو الأنْبِياءِ عَلى المَلائِكَةِ هَذِهِ الآيَةُ، ولا دَلالَةَ لَها عَلى المَطْلُوبِ لِما عَرَفْتَ مِن إجْمالِ الكَثِيرِ وعَدَمِ تَبْيِينِهِ، والتَّعَصُّبُ في هَذِهِ المَسْألَةِ هو الَّذِي حَمَلَ بَعْضَ الأشاعِرَةِ عَلى تَفْسِيرِ الكَثِيرِ هُنا بِالجَمِيعِ؛ حَتّى يَتِمَّ لَهُ التَّفْضِيلُ عَلى المَلائِكَةِ، وتَمَسَّكَ بَعْضُ المُعْتَزِلَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى تَفْضِيلِ المَلائِكَةِ عَلى الأنْبِياءِ، ولا دَلالَةَ بِها عَلى ذَلِكَ، فَإنَّهُ لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المَلائِكَةَ مِنَ القَلِيلِ الخارِجِ عَنْ هَذا الكَثِيرِ، ولَوْ سَلَّمْنا ذَلِكَ فَلَيْسَ فِيما خَرَجَ عَنْ هَذا الكَثِيرِ ما يُفِيدُ أنَّهُ أفْضَلُ مِن بَنِي آدَمَ، بَلْ غايَةُ ما فِيهِ أنَّهُ لَمْ يَكُنِ الإنْسانُ مُفَضَّلًا عَلَيْهِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُساوِيًا لِلْإنْسانِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أفْضَلَ مِنهُ، ومَعَ الِاحْتِمالِ لا يَتِمُّ الِاسْتِدْلالُ، والتَّأْكِيدُ بِقَوْلِهِ: ( تَفْضِيلًا ) يَدُلُّ عَلى عِظَمِ هَذا التَّفْضِيلِ وأنَّهُ بِمَكانٍ مَكِينٍ، فَعَلى بَنِي آدَمَ أنْ يَتَلَقَّوْهُ بِالشُّكْرِ ويَحْذَرُوا مِن كُفْرانِهِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ( يُزْجِي ) قالَ: يُجْرِي، وأخْرَجُوا عَنْ قَتادَةَ قالَ: يُسَيِّرُها في البَحْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ( حاصِبًا ) قالَ: مَطَرُ الحِجارَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: حِجارَةٌ مِنَ السَّماءِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿قاصِفًا مِنَ الرِّيحِ﴾ قالَ: الَّتِي تُغْرِقُ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: القاصِفُ والعاصِفُ في البَحْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ( قاصِفًا ) قالَ: عاصِفًا، وفي قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم عَلَيْنا بِهِ تَبِيعًا﴾ قالَ: نَصِيرًا. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ والخَطِيبُ في تارِيخِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «ما مِن شَيْءٍ أكْرَمُ عَلى اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ مِنِ ابْنِ آدَمَ، قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ولا المَلائِكَةُ ؟ قالَ: ولا المَلائِكَةُ، المَلائِكَةُ مَجْبُورُونَ بِمَنزِلَةِ الشَّمْسِ والقَمَرِ» وأخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ مِن وجْهٍ آخَرَ، عَنِ ابْنِ عَمْرٍو مَوْقُوفًا قالَ: وهو الصَّحِيحُ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: المُؤْمِنُ أكْرَمُ عَلى اللَّهِ مِن مَلائِكَتِهِ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، عَنِ ابْنِ عَمْرٍو عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّ المَلائِكَةَ قالَتْ: يا رَبِّ أعْطَيْتَ بَنِي آدَمَ الدُّنْيا يَأْكُلُونَ فِيها ويَشْرَبُونَ ويَلْبِسُونَ ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ولا نَأْكُلُ ولا نَشْرَبُ ولا نَلْهُو، فَكَما جَعَلْتَ لَهُمُ الدُّنْيا فاجْعَلْ لَنا الآخِرَةَ، قالَ: لا أجْعَلُ صالِحَ ذُرِّيَّةِ مَن خَلَقْتُ بِيَدِي كَمَن قُلْتُ لَهُ كُنْ فَكانَ» . وأخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ قالَ: قالَتِ المَلائِكَةُ. وإسْنادُ الطَّبَرانِيِّ هَكَذا: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَدَقَةَ البَغْدادِيُّ، حَدَّثَنا إبْراهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خالِدٍ المِصِّيصِيُّ، حَدَّثَنا حَجّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنا أبُو غَسّانَ مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفِ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَذَكَرَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ عُرْوَةَ بْنِ رُوَيْمٍ قالَ: حَدَّثَنِي أنَسُ بْنُ مالِكٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ عَمْرٍو الأوَّلِ مَعَ زِيادَةٍ. وأخْرَجَ نَحْوَهُ البَيْهَقِيُّ أيْضًا في الأسْماءِ والصِّفاتِ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ رُوَيْمٍ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَذَكَرَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ مِن طُرُقٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ﴾ قالَ: جَعَلْناهم يَأْكُلُونَ بِأيْدِيهِمْ، وسائِرُ الخَلْقِ يَأْكُلُونَ بِأفْواهِهِمْ. وأخْرَجَ الحاكِمُ في التّارِيخِ والدَّيْلَمِيُّ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «الكَرامَةُ الأكْلُ بِالأصابِعِ» .

الإسراء 17:67

. قَوْلُهُ: ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الفُلْكَ في البَحْرِ﴾ الإزْجاءُ: السَّوْقُ والإجْراءُ والتَّسْيِيرُ، ومِنهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحابًا﴾ [النور: ٤٣]، وقَوْلُ الشّاعِرِ: ؎يا أيُّها الرّاكِبُ المُزْجِي مَطِيَّتَهُ سائِلْ بَنِي أسَدٍ ما هَذِهِ الصُّوَرُ وقَوْلُ الآخَرُ: ؎عُوَّذا تُزَجِّي خَلْفَها أطْفالَها والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يُسَيِّرُ الفُلْكَ في البَحْرِ بِالرِّيحِ، والفُلْكُ هاهُنا جَمْعٌ. وقَدْ تَقَدَّمَ، والبَحْرُ هو الماءُ الكَثِيرُ عَذْبًا كانَ أوْ مالِحًا، وقَدْ غَلَبَ هَذا الِاسْمُ عَلى المَشْهُورِ ﴿لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ: مِن رِزْقِهِ الَّذِي تَفَضَّلَ بِهِ عَلى عِبادِهِ، أوْ مِنَ الرِّبْحِ بِالتِّجارَةِ، و( مِن ) زائِدَةٌ أوْ لِلتَّبْعِيضِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ تَذْكِيرٌ لَهم بِنِعَمِ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ حَتّى لا يَعْبُدُوا غَيْرَهُ ولا يُشْرِكُوا بِهِ أحَدًا، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ كانَ بِكم رَحِيمًا﴾ تَعْلِيلٌ لِما تَقَدَّمَ أيْ: كانَ بِكم رَحِيمًا فَهَداكم إلى مَصالِحِ دُنْياكم. ﴿وإذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ﴾ يَعْنِي: خَوْفَ الغَرَقِ ﴿فِي البَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ﴾ مِنَ الآلِهَةِ وذَهَبَ عَنْ خَواطِرِكم، ولَمْ يُوجَدْ لِإغاثَتِكم ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن صَنَمٍ أوْ جِنٍّ أوْ مَلَكٍ أوْ بَشَرٍ ( إلّا إيّاهُ ) وحْدَهُ فَإنَّكم تَعْقِدُونَ رَجاءَكم بِرَحْمَتِهِ وإغاثَتِهِ، والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، ومَعْنى الآيَةِ: أنَّ الكُفّارَ إنَّما يَعْتَقِدُونَ في أصْنامِهِمْ وسائِرِ مَعْبُوداتِهِمْ أنَّها نافِعَةٌ لَهم في غَيْرِ هَذِهِ الحالَةِ، فَأمّا في هَذِهِ الحالَةِ فَإنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم يَعْلَمُ بِالفِطْرَةِ عِلْمًا لا يَقْدِرُ عَلى مُدافَعَتِهِ أنَّ الأصْنامَ ونَحْوَها لا فِعْلَ لَها ﴿فَلَمّا نَجّاكم إلى البَرِّ أعْرَضْتُمْ﴾ عَنِ الإخْلاصِ لِلَّهِ وتَوْحِيدِهِ، ورَجَعْتُمْ إلى دُعاءِ أصْنامِكم والِاسْتِغاثَةِ بِها ﴿وكانَ الإنْسانُ كَفُورًا﴾ أيْ: كَثِيرَ الكُفْرانِ لِنِعْمَةِ اللَّهِ، وهو تَعْلِيلٌ لِما تَقَدَّمَهُ، والمَعْنى: أنَّهم عِنْدَ الشَّدائِدِ يَتَمَسَّكُونَ بِرَحْمَةِ اللَّهِ، وفي الرَّخاءِ يُعْرِضُونَ عَنْهُ. ثُمَّ أنْكَرَ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ سُوءَ مُعامَلَتِهِمْ قائِلًا: ﴿أفَأمِنتُمْ أنْ يَخْسِفَ بِكم جانِبَ البَرِّ﴾ الهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ أنَجَوْتُمْ فَأمِنتُمْ فَحَمَلَكم ذَلِكَ عَلى الإعْراضِ ؟ فَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ قادِرٌ عَلى إهْلاكِهِمْ في البَرِّ وإنْ سَلِمُوا مِنَ البَحْرِ. والخَسْفُ أنْ تَنْهارَ الأرْضُ بِالشَّيْءِ، يُقالُ: بِئْرٌ خَسِيفٌ: إذا انْهَدَمَ أصْلُها، وعَيْنٌ خاسِفٌ أيْ: غائِرَةٌ حَدَقَتُها في الرَّأْسِ، وخَسَفَتْ عَيْنُ الماءِ: إذا غارَ ماؤُها، وخَسَفَتِ الشَّمْسُ: إذا غابَتْ عَنِ الأرْضِ. و( جانِبُ البَرِّ ) ناحِيَةُ الأرْضِ، وسَمّاهُ جانِبًا لِأنَّهُ يَصِيرُ بَعْدَ الخَسْفِ جانِبًا، وأيْضًا فَإنَّ البَحْرَ جانِبٌ مِنَ الأرْضِ والبَرَّ جانِبٌ. وقِيلَ: إنَّهم كانُوا عَلى ساحِلِ البَحْرِ، وساحِلُهُ جانِبُ البَرِّ، فَكانُوا فِيهِ آمِنِينَ مِن مَخاوِفِ البَحْرِ، فَحَذَّرَهم ما أمِنُوهُ مِنَ البَرِّ كَما حَذَّرَهم ما خافُوهُ مِنَ البَحْرِ ﴿أوْ يُرْسِلَ عَلَيْكم حاصِبًا﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ والقُتَيْبِيُّ: الحَصْبُ الرَّمْيُ أيْ: رِيحًا شَدِيدَةً حاصِبَةً، وهي الَّتِي تَرْمِي بِالحَصى الصِّغارِ. وقالَ الزَّجّاجُ: الحاصِبُ التُّرابُ الَّذِي فِيهِ حَصْباءُ، فالحاصِبُ ذُو الحَصْباءِ كاللّابِنِ والتّامِرِ، وقِيلَ: الحاصِبُ حِجارَةٌ مِنَ السَّماءِ تَحْصِبُهم كَما فُعِلَ بِقَوْمِ لُوطٍ، ويُقالُ لِلسَّحابَةِ الَّتِي تَرْمِي بِالبَرَدِ حاصِبٌ، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ: ؎مُسْتَقْبِلِينَ جِبالَ الشّامِ تَضْرِبُنا ∗∗∗ بِحاصِبٍ كَنَدِيفِ القُطْنِ مَنثُورُ ﴿ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم وكِيلًا﴾ أيْ: حافِظًا ونَصِيرًا يَمْنَعُكم مِن بَأْسِ اللَّهِ. ﴿أمْ أمِنتُمْ أنْ يُعِيدَكم فِيهِ تارَةً أُخْرى﴾ أيْ: في البَحْرِ مَرَّةً أُخْرى بِأنْ يُقَوِّيَ دَواعِيَكم ويُوَفِّرَ حَوائِجَكم إلى رُكُوبِهِ، وجاءَ بِـ ( في ) ولَمْ يَقُلْ: إلى البَحْرِ، لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِقْرارِهِمْ فِيهِ ﴿فَيُرْسِلَ عَلَيْكم قاصِفًا مِنَ الرِّيحِ﴾ القاصِفُ: الرِّيحُ الشَّدِيدَةُ الَّتِي تَكْسِرُ بِشِدَّةٍ، مِن قَصَفَ الشَّيْءَ يَقْصِفُهُ أيْ: كَسَرَهُ بِشِدَّةٍ، والقَصْفُ: الكَسْرُ، أوْ هو الرِّيحُ الَّتِي لَها قَصِيفٌ أيْ: صَوْتٌ شَدِيدٌ مِن قَوْلِهِمْ: رَعْدٌ قاصِفٌ أيْ: شَدِيدُ الصَّوْتِ ( فَيُغْرِقَكم ) قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ ورُوَيْسٌ ومُجاهِدٌ ( فَتُغْرِقَكم ) بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّ فاعِلَهُ الرِّيحُ، وقَرَأ الحَسَنُ وقَتادَةُ وابْنُ ورْدانَ ( فَيُغَرِّقَكم ) بِالتَّحْتِيَّةِ والتَّشْدِيدِ في الرّاءِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ أيْضًا ( الرِّياحِ )، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِالنُّونِ في جَمِيعِ هَذِهِ الأفْعالِ. وقَرَأ الباقُونَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ في جَمِيعِها أيْضًا، والباءُ في ( بِما كَفَرْتُمْ ) لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ: بِسَبَبِ كُفْرِكم ﴿ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم عَلَيْنا بِهِ تَبِيعًا﴾ أيْ: ثائِرًا يُطالِبُنا بِما فَعَلْنا. قالَ الزَّجّاجُ: لا تَجِدُوا مَن يَتْبَعُنا بِإنْكارِ ما نَزَلَ بِكم. قالَ النَّحّاسُ: وهو مِنَ الثَّأْرِ، وكَذا يُقالُ لِكُلِّ مَن طَلَبَ بِثَأْرٍ أوْ غَيْرِهِ تَبِيعٌ وتابِعٌ. ﴿ولَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ﴾ هَذا إجْمالٌ لِذِكْرِ النِّعْمَةِ الَّتِي أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلى بَنِي آدَمَ أيْ: كَرَّمْناهم جَمِيعًا، وهَذِهِ الكَرامَةُ يَدْخُلُ تَحْتَها خَلْقُهم عَلى هَذِهِ الهَيْئَةِ الحَسَنَةِ وتَخْصِيصُهم بِما خَصَّهم بِهِ مِنَ المَطاعِمِ والمَشارِبِ والمَلابِسِ عَلى وجْهٍ لا يُوجَدُ لِسائِرِ أنْواعِ الحَيَوانِ مِثْلُهُ. وحَكى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ جَماعَةٍ أنَّ هَذا التَّكْرِيمَ هو أنَّهم يَأْكُلُونَ بِأيْدِيهِمْ، وسائِرُ الحَيَواناتِ تَأْكُلُ بِالفَمِ، وكَذا حَكاهُ النَّحّاسُ. وقِيلَ: مَيَّزَهم بِالنُّطْقِ والعَقْلِ والتَّمْيِيزِ، وقِيلَ: أكْرَمَ الرِّجالَ بِاللِّحى والنِّساءَ بِالذَّوائِبِ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أكْرَمَهم بِتَسْلِيطِهِمْ عَلى سائِرِ الخَلْقِ وتَسْخِيرِ سائِرِ الخَلْقِ لَهم، وقِيلَ: بِالكَلامِ والخَطِّ والفَهْمِ، ولا مانِعَ مِن حَمْلِ التَّكْرِيمِ المَذْكُورِ في الآيَةِ عَلى جَمِيعِ هَذِهِ الأشْياءِ. وأعْظَمُ خِصالِ التَّكْرِيمِ العَقْلُ، فَإنَّ بِهِ تَسَلَّطُوا عَلى سائِرِ (p-٨٣٤)الحَيَواناتِ، ومَيَّزُوا بَيْنَ الحَسَنِ والقَبِيحِ، وتَوَسَّعُوا في المَطاعِمِ والمَشارِبِ، وكَسَبُوا الأمْوالَ الَّتِي تَسَبَّبُوا بِها إلى تَحْصِيلِ أُمُورٍ لا يَقْدِرُ عَلَيْها الحَيَوانُ، وبِهِ قَدَرُوا عَلى تَحْصِيلِ الأبْنِيَةِ الَّتِي تَمْنَعُهم مِمّا يَخافُونَ، وعَلى تَحْصِيلِ الأكْسِيَةِ الَّتِي تَقِيهِمُ الحَرَّ والبَرْدَ، وقِيلَ: تَكْرِيمُهم هو أنْ جَعَلَ مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنهم ﴿وحَمَلْناهم في البَرِّ والبَحْرِ﴾ هَذا تَخْصِيصٌ لِبَعْضِ أنْواعِ التَّكْرِيمِ، حَمَلَهم سُبْحانَهُ في البَرِّ عَلى الدَّوابِّ، وفي البَحْرِ عَلى السُّفُنِ، وقِيلَ: حَمَّلْناهم فِيهِما حَيْثُ لَمْ نَخْسِفْ بِهِمْ ولَمْ نُغْرِقْهم ﴿ورَزَقْناهم مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ أيْ: لَذِيذِ المَطاعِمِ والمَشارِبِ وسائِرِ ما يَسْتَلِذُّونَهُ ويَنْتَفِعُونَ بِهِ ﴿وفَضَّلْناهم عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا﴾ أجْمَلَ سُبْحانَهُ هَذا الكَثِيرَ ولَمْ يُبَيِّنْ أنْواعَهُ فَأفادَ ذَلِكَ أنَّ بَنِي آدَمَ فَضَّلَهم سُبْحانَهُ عَلى كَثِيرٍ مِن مَخْلُوقاتِهِ، وقَدْ جَعَلَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ الكَثِيرَ هُنا بِمَعْنى الجَمِيعِ وهو تَعَسُّفٌ لا حاجَةَ إلَيْهِ. وقَدْ شُغِلَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ العِلْمِ بِما لَمْ تَكُنْ إلَيْهِ حاجَةٌ ولا تَتَعَلَّقُ بِهِ فائِدَةٌ، وهو مَسْألَةُ تَفْضِيلِ المَلائِكَةِ عَلى الأنْبِياءِ أوِ الأنْبِياءِ عَلى المَلائِكَةِ، ومِن جُمْلَةِ ما تَمَسَّكَ بِهِ مُفْضِلُو الأنْبِياءِ عَلى المَلائِكَةِ هَذِهِ الآيَةُ، ولا دَلالَةَ لَها عَلى المَطْلُوبِ لِما عَرَفْتَ مِن إجْمالِ الكَثِيرِ وعَدَمِ تَبْيِينِهِ، والتَّعَصُّبُ في هَذِهِ المَسْألَةِ هو الَّذِي حَمَلَ بَعْضَ الأشاعِرَةِ عَلى تَفْسِيرِ الكَثِيرِ هُنا بِالجَمِيعِ؛ حَتّى يَتِمَّ لَهُ التَّفْضِيلُ عَلى المَلائِكَةِ، وتَمَسَّكَ بَعْضُ المُعْتَزِلَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى تَفْضِيلِ المَلائِكَةِ عَلى الأنْبِياءِ، ولا دَلالَةَ بِها عَلى ذَلِكَ، فَإنَّهُ لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المَلائِكَةَ مِنَ القَلِيلِ الخارِجِ عَنْ هَذا الكَثِيرِ، ولَوْ سَلَّمْنا ذَلِكَ فَلَيْسَ فِيما خَرَجَ عَنْ هَذا الكَثِيرِ ما يُفِيدُ أنَّهُ أفْضَلُ مِن بَنِي آدَمَ، بَلْ غايَةُ ما فِيهِ أنَّهُ لَمْ يَكُنِ الإنْسانُ مُفَضَّلًا عَلَيْهِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُساوِيًا لِلْإنْسانِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أفْضَلَ مِنهُ، ومَعَ الِاحْتِمالِ لا يَتِمُّ الِاسْتِدْلالُ، والتَّأْكِيدُ بِقَوْلِهِ: ( تَفْضِيلًا ) يَدُلُّ عَلى عِظَمِ هَذا التَّفْضِيلِ وأنَّهُ بِمَكانٍ مَكِينٍ، فَعَلى بَنِي آدَمَ أنْ يَتَلَقَّوْهُ بِالشُّكْرِ ويَحْذَرُوا مِن كُفْرانِهِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ( يُزْجِي ) قالَ: يُجْرِي، وأخْرَجُوا عَنْ قَتادَةَ قالَ: يُسَيِّرُها في البَحْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ( حاصِبًا ) قالَ: مَطَرُ الحِجارَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: حِجارَةٌ مِنَ السَّماءِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿قاصِفًا مِنَ الرِّيحِ﴾ قالَ: الَّتِي تُغْرِقُ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: القاصِفُ والعاصِفُ في البَحْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ( قاصِفًا ) قالَ: عاصِفًا، وفي قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم عَلَيْنا بِهِ تَبِيعًا﴾ قالَ: نَصِيرًا. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ والخَطِيبُ في تارِيخِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «ما مِن شَيْءٍ أكْرَمُ عَلى اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ مِنِ ابْنِ آدَمَ، قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ولا المَلائِكَةُ ؟ قالَ: ولا المَلائِكَةُ، المَلائِكَةُ مَجْبُورُونَ بِمَنزِلَةِ الشَّمْسِ والقَمَرِ» وأخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ مِن وجْهٍ آخَرَ، عَنِ ابْنِ عَمْرٍو مَوْقُوفًا قالَ: وهو الصَّحِيحُ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: المُؤْمِنُ أكْرَمُ عَلى اللَّهِ مِن مَلائِكَتِهِ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، عَنِ ابْنِ عَمْرٍو عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّ المَلائِكَةَ قالَتْ: يا رَبِّ أعْطَيْتَ بَنِي آدَمَ الدُّنْيا يَأْكُلُونَ فِيها ويَشْرَبُونَ ويَلْبِسُونَ ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ولا نَأْكُلُ ولا نَشْرَبُ ولا نَلْهُو، فَكَما جَعَلْتَ لَهُمُ الدُّنْيا فاجْعَلْ لَنا الآخِرَةَ، قالَ: لا أجْعَلُ صالِحَ ذُرِّيَّةِ مَن خَلَقْتُ بِيَدِي كَمَن قُلْتُ لَهُ كُنْ فَكانَ» . وأخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ قالَ: قالَتِ المَلائِكَةُ. وإسْنادُ الطَّبَرانِيِّ هَكَذا: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَدَقَةَ البَغْدادِيُّ، حَدَّثَنا إبْراهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خالِدٍ المِصِّيصِيُّ، حَدَّثَنا حَجّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنا أبُو غَسّانَ مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفِ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَذَكَرَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ عُرْوَةَ بْنِ رُوَيْمٍ قالَ: حَدَّثَنِي أنَسُ بْنُ مالِكٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ عَمْرٍو الأوَّلِ مَعَ زِيادَةٍ. وأخْرَجَ نَحْوَهُ البَيْهَقِيُّ أيْضًا في الأسْماءِ والصِّفاتِ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ رُوَيْمٍ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَذَكَرَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ مِن طُرُقٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ﴾ قالَ: جَعَلْناهم يَأْكُلُونَ بِأيْدِيهِمْ، وسائِرُ الخَلْقِ يَأْكُلُونَ بِأفْواهِهِمْ. وأخْرَجَ الحاكِمُ في التّارِيخِ والدَّيْلَمِيُّ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «الكَرامَةُ الأكْلُ بِالأصابِعِ» .

الإسراء 17:68

. قَوْلُهُ: ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الفُلْكَ في البَحْرِ﴾ الإزْجاءُ: السَّوْقُ والإجْراءُ والتَّسْيِيرُ، ومِنهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحابًا﴾ [النور: ٤٣]، وقَوْلُ الشّاعِرِ: ؎يا أيُّها الرّاكِبُ المُزْجِي مَطِيَّتَهُ سائِلْ بَنِي أسَدٍ ما هَذِهِ الصُّوَرُ وقَوْلُ الآخَرُ: ؎عُوَّذا تُزَجِّي خَلْفَها أطْفالَها والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يُسَيِّرُ الفُلْكَ في البَحْرِ بِالرِّيحِ، والفُلْكُ هاهُنا جَمْعٌ. وقَدْ تَقَدَّمَ، والبَحْرُ هو الماءُ الكَثِيرُ عَذْبًا كانَ أوْ مالِحًا، وقَدْ غَلَبَ هَذا الِاسْمُ عَلى المَشْهُورِ ﴿لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ: مِن رِزْقِهِ الَّذِي تَفَضَّلَ بِهِ عَلى عِبادِهِ، أوْ مِنَ الرِّبْحِ بِالتِّجارَةِ، و( مِن ) زائِدَةٌ أوْ لِلتَّبْعِيضِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ تَذْكِيرٌ لَهم بِنِعَمِ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ حَتّى لا يَعْبُدُوا غَيْرَهُ ولا يُشْرِكُوا بِهِ أحَدًا، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ كانَ بِكم رَحِيمًا﴾ تَعْلِيلٌ لِما تَقَدَّمَ أيْ: كانَ بِكم رَحِيمًا فَهَداكم إلى مَصالِحِ دُنْياكم. ﴿وإذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ﴾ يَعْنِي: خَوْفَ الغَرَقِ ﴿فِي البَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ﴾ مِنَ الآلِهَةِ وذَهَبَ عَنْ خَواطِرِكم، ولَمْ يُوجَدْ لِإغاثَتِكم ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن صَنَمٍ أوْ جِنٍّ أوْ مَلَكٍ أوْ بَشَرٍ ( إلّا إيّاهُ ) وحْدَهُ فَإنَّكم تَعْقِدُونَ رَجاءَكم بِرَحْمَتِهِ وإغاثَتِهِ، والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، ومَعْنى الآيَةِ: أنَّ الكُفّارَ إنَّما يَعْتَقِدُونَ في أصْنامِهِمْ وسائِرِ مَعْبُوداتِهِمْ أنَّها نافِعَةٌ لَهم في غَيْرِ هَذِهِ الحالَةِ، فَأمّا في هَذِهِ الحالَةِ فَإنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم يَعْلَمُ بِالفِطْرَةِ عِلْمًا لا يَقْدِرُ عَلى مُدافَعَتِهِ أنَّ الأصْنامَ ونَحْوَها لا فِعْلَ لَها ﴿فَلَمّا نَجّاكم إلى البَرِّ أعْرَضْتُمْ﴾ عَنِ الإخْلاصِ لِلَّهِ وتَوْحِيدِهِ، ورَجَعْتُمْ إلى دُعاءِ أصْنامِكم والِاسْتِغاثَةِ بِها ﴿وكانَ الإنْسانُ كَفُورًا﴾ أيْ: كَثِيرَ الكُفْرانِ لِنِعْمَةِ اللَّهِ، وهو تَعْلِيلٌ لِما تَقَدَّمَهُ، والمَعْنى: أنَّهم عِنْدَ الشَّدائِدِ يَتَمَسَّكُونَ بِرَحْمَةِ اللَّهِ، وفي الرَّخاءِ يُعْرِضُونَ عَنْهُ. ثُمَّ أنْكَرَ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ سُوءَ مُعامَلَتِهِمْ قائِلًا: ﴿أفَأمِنتُمْ أنْ يَخْسِفَ بِكم جانِبَ البَرِّ﴾ الهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ أنَجَوْتُمْ فَأمِنتُمْ فَحَمَلَكم ذَلِكَ عَلى الإعْراضِ ؟ فَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ قادِرٌ عَلى إهْلاكِهِمْ في البَرِّ وإنْ سَلِمُوا مِنَ البَحْرِ. والخَسْفُ أنْ تَنْهارَ الأرْضُ بِالشَّيْءِ، يُقالُ: بِئْرٌ خَسِيفٌ: إذا انْهَدَمَ أصْلُها، وعَيْنٌ خاسِفٌ أيْ: غائِرَةٌ حَدَقَتُها في الرَّأْسِ، وخَسَفَتْ عَيْنُ الماءِ: إذا غارَ ماؤُها، وخَسَفَتِ الشَّمْسُ: إذا غابَتْ عَنِ الأرْضِ. و( جانِبُ البَرِّ ) ناحِيَةُ الأرْضِ، وسَمّاهُ جانِبًا لِأنَّهُ يَصِيرُ بَعْدَ الخَسْفِ جانِبًا، وأيْضًا فَإنَّ البَحْرَ جانِبٌ مِنَ الأرْضِ والبَرَّ جانِبٌ. وقِيلَ: إنَّهم كانُوا عَلى ساحِلِ البَحْرِ، وساحِلُهُ جانِبُ البَرِّ، فَكانُوا فِيهِ آمِنِينَ مِن مَخاوِفِ البَحْرِ، فَحَذَّرَهم ما أمِنُوهُ مِنَ البَرِّ كَما حَذَّرَهم ما خافُوهُ مِنَ البَحْرِ ﴿أوْ يُرْسِلَ عَلَيْكم حاصِبًا﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ والقُتَيْبِيُّ: الحَصْبُ الرَّمْيُ أيْ: رِيحًا شَدِيدَةً حاصِبَةً، وهي الَّتِي تَرْمِي بِالحَصى الصِّغارِ. وقالَ الزَّجّاجُ: الحاصِبُ التُّرابُ الَّذِي فِيهِ حَصْباءُ، فالحاصِبُ ذُو الحَصْباءِ كاللّابِنِ والتّامِرِ، وقِيلَ: الحاصِبُ حِجارَةٌ مِنَ السَّماءِ تَحْصِبُهم كَما فُعِلَ بِقَوْمِ لُوطٍ، ويُقالُ لِلسَّحابَةِ الَّتِي تَرْمِي بِالبَرَدِ حاصِبٌ، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ: ؎مُسْتَقْبِلِينَ جِبالَ الشّامِ تَضْرِبُنا ∗∗∗ بِحاصِبٍ كَنَدِيفِ القُطْنِ مَنثُورُ ﴿ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم وكِيلًا﴾ أيْ: حافِظًا ونَصِيرًا يَمْنَعُكم مِن بَأْسِ اللَّهِ. ﴿أمْ أمِنتُمْ أنْ يُعِيدَكم فِيهِ تارَةً أُخْرى﴾ أيْ: في البَحْرِ مَرَّةً أُخْرى بِأنْ يُقَوِّيَ دَواعِيَكم ويُوَفِّرَ حَوائِجَكم إلى رُكُوبِهِ، وجاءَ بِـ ( في ) ولَمْ يَقُلْ: إلى البَحْرِ، لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِقْرارِهِمْ فِيهِ ﴿فَيُرْسِلَ عَلَيْكم قاصِفًا مِنَ الرِّيحِ﴾ القاصِفُ: الرِّيحُ الشَّدِيدَةُ الَّتِي تَكْسِرُ بِشِدَّةٍ، مِن قَصَفَ الشَّيْءَ يَقْصِفُهُ أيْ: كَسَرَهُ بِشِدَّةٍ، والقَصْفُ: الكَسْرُ، أوْ هو الرِّيحُ الَّتِي لَها قَصِيفٌ أيْ: صَوْتٌ شَدِيدٌ مِن قَوْلِهِمْ: رَعْدٌ قاصِفٌ أيْ: شَدِيدُ الصَّوْتِ ( فَيُغْرِقَكم ) قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ ورُوَيْسٌ ومُجاهِدٌ ( فَتُغْرِقَكم ) بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّ فاعِلَهُ الرِّيحُ، وقَرَأ الحَسَنُ وقَتادَةُ وابْنُ ورْدانَ ( فَيُغَرِّقَكم ) بِالتَّحْتِيَّةِ والتَّشْدِيدِ في الرّاءِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ أيْضًا ( الرِّياحِ )، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِالنُّونِ في جَمِيعِ هَذِهِ الأفْعالِ. وقَرَأ الباقُونَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ في جَمِيعِها أيْضًا، والباءُ في ( بِما كَفَرْتُمْ ) لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ: بِسَبَبِ كُفْرِكم ﴿ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم عَلَيْنا بِهِ تَبِيعًا﴾ أيْ: ثائِرًا يُطالِبُنا بِما فَعَلْنا. قالَ الزَّجّاجُ: لا تَجِدُوا مَن يَتْبَعُنا بِإنْكارِ ما نَزَلَ بِكم. قالَ النَّحّاسُ: وهو مِنَ الثَّأْرِ، وكَذا يُقالُ لِكُلِّ مَن طَلَبَ بِثَأْرٍ أوْ غَيْرِهِ تَبِيعٌ وتابِعٌ. ﴿ولَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ﴾ هَذا إجْمالٌ لِذِكْرِ النِّعْمَةِ الَّتِي أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلى بَنِي آدَمَ أيْ: كَرَّمْناهم جَمِيعًا، وهَذِهِ الكَرامَةُ يَدْخُلُ تَحْتَها خَلْقُهم عَلى هَذِهِ الهَيْئَةِ الحَسَنَةِ وتَخْصِيصُهم بِما خَصَّهم بِهِ مِنَ المَطاعِمِ والمَشارِبِ والمَلابِسِ عَلى وجْهٍ لا يُوجَدُ لِسائِرِ أنْواعِ الحَيَوانِ مِثْلُهُ. وحَكى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ جَماعَةٍ أنَّ هَذا التَّكْرِيمَ هو أنَّهم يَأْكُلُونَ بِأيْدِيهِمْ، وسائِرُ الحَيَواناتِ تَأْكُلُ بِالفَمِ، وكَذا حَكاهُ النَّحّاسُ. وقِيلَ: مَيَّزَهم بِالنُّطْقِ والعَقْلِ والتَّمْيِيزِ، وقِيلَ: أكْرَمَ الرِّجالَ بِاللِّحى والنِّساءَ بِالذَّوائِبِ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أكْرَمَهم بِتَسْلِيطِهِمْ عَلى سائِرِ الخَلْقِ وتَسْخِيرِ سائِرِ الخَلْقِ لَهم، وقِيلَ: بِالكَلامِ والخَطِّ والفَهْمِ، ولا مانِعَ مِن حَمْلِ التَّكْرِيمِ المَذْكُورِ في الآيَةِ عَلى جَمِيعِ هَذِهِ الأشْياءِ. وأعْظَمُ خِصالِ التَّكْرِيمِ العَقْلُ، فَإنَّ بِهِ تَسَلَّطُوا عَلى سائِرِ (p-٨٣٤)الحَيَواناتِ، ومَيَّزُوا بَيْنَ الحَسَنِ والقَبِيحِ، وتَوَسَّعُوا في المَطاعِمِ والمَشارِبِ، وكَسَبُوا الأمْوالَ الَّتِي تَسَبَّبُوا بِها إلى تَحْصِيلِ أُمُورٍ لا يَقْدِرُ عَلَيْها الحَيَوانُ، وبِهِ قَدَرُوا عَلى تَحْصِيلِ الأبْنِيَةِ الَّتِي تَمْنَعُهم مِمّا يَخافُونَ، وعَلى تَحْصِيلِ الأكْسِيَةِ الَّتِي تَقِيهِمُ الحَرَّ والبَرْدَ، وقِيلَ: تَكْرِيمُهم هو أنْ جَعَلَ مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنهم ﴿وحَمَلْناهم في البَرِّ والبَحْرِ﴾ هَذا تَخْصِيصٌ لِبَعْضِ أنْواعِ التَّكْرِيمِ، حَمَلَهم سُبْحانَهُ في البَرِّ عَلى الدَّوابِّ، وفي البَحْرِ عَلى السُّفُنِ، وقِيلَ: حَمَّلْناهم فِيهِما حَيْثُ لَمْ نَخْسِفْ بِهِمْ ولَمْ نُغْرِقْهم ﴿ورَزَقْناهم مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ أيْ: لَذِيذِ المَطاعِمِ والمَشارِبِ وسائِرِ ما يَسْتَلِذُّونَهُ ويَنْتَفِعُونَ بِهِ ﴿وفَضَّلْناهم عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا﴾ أجْمَلَ سُبْحانَهُ هَذا الكَثِيرَ ولَمْ يُبَيِّنْ أنْواعَهُ فَأفادَ ذَلِكَ أنَّ بَنِي آدَمَ فَضَّلَهم سُبْحانَهُ عَلى كَثِيرٍ مِن مَخْلُوقاتِهِ، وقَدْ جَعَلَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ الكَثِيرَ هُنا بِمَعْنى الجَمِيعِ وهو تَعَسُّفٌ لا حاجَةَ إلَيْهِ. وقَدْ شُغِلَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ العِلْمِ بِما لَمْ تَكُنْ إلَيْهِ حاجَةٌ ولا تَتَعَلَّقُ بِهِ فائِدَةٌ، وهو مَسْألَةُ تَفْضِيلِ المَلائِكَةِ عَلى الأنْبِياءِ أوِ الأنْبِياءِ عَلى المَلائِكَةِ، ومِن جُمْلَةِ ما تَمَسَّكَ بِهِ مُفْضِلُو الأنْبِياءِ عَلى المَلائِكَةِ هَذِهِ الآيَةُ، ولا دَلالَةَ لَها عَلى المَطْلُوبِ لِما عَرَفْتَ مِن إجْمالِ الكَثِيرِ وعَدَمِ تَبْيِينِهِ، والتَّعَصُّبُ في هَذِهِ المَسْألَةِ هو الَّذِي حَمَلَ بَعْضَ الأشاعِرَةِ عَلى تَفْسِيرِ الكَثِيرِ هُنا بِالجَمِيعِ؛ حَتّى يَتِمَّ لَهُ التَّفْضِيلُ عَلى المَلائِكَةِ، وتَمَسَّكَ بَعْضُ المُعْتَزِلَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى تَفْضِيلِ المَلائِكَةِ عَلى الأنْبِياءِ، ولا دَلالَةَ بِها عَلى ذَلِكَ، فَإنَّهُ لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المَلائِكَةَ مِنَ القَلِيلِ الخارِجِ عَنْ هَذا الكَثِيرِ، ولَوْ سَلَّمْنا ذَلِكَ فَلَيْسَ فِيما خَرَجَ عَنْ هَذا الكَثِيرِ ما يُفِيدُ أنَّهُ أفْضَلُ مِن بَنِي آدَمَ، بَلْ غايَةُ ما فِيهِ أنَّهُ لَمْ يَكُنِ الإنْسانُ مُفَضَّلًا عَلَيْهِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُساوِيًا لِلْإنْسانِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أفْضَلَ مِنهُ، ومَعَ الِاحْتِمالِ لا يَتِمُّ الِاسْتِدْلالُ، والتَّأْكِيدُ بِقَوْلِهِ: ( تَفْضِيلًا ) يَدُلُّ عَلى عِظَمِ هَذا التَّفْضِيلِ وأنَّهُ بِمَكانٍ مَكِينٍ، فَعَلى بَنِي آدَمَ أنْ يَتَلَقَّوْهُ بِالشُّكْرِ ويَحْذَرُوا مِن كُفْرانِهِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ( يُزْجِي ) قالَ: يُجْرِي، وأخْرَجُوا عَنْ قَتادَةَ قالَ: يُسَيِّرُها في البَحْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ( حاصِبًا ) قالَ: مَطَرُ الحِجارَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: حِجارَةٌ مِنَ السَّماءِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿قاصِفًا مِنَ الرِّيحِ﴾ قالَ: الَّتِي تُغْرِقُ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: القاصِفُ والعاصِفُ في البَحْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ( قاصِفًا ) قالَ: عاصِفًا، وفي قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم عَلَيْنا بِهِ تَبِيعًا﴾ قالَ: نَصِيرًا. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ والخَطِيبُ في تارِيخِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «ما مِن شَيْءٍ أكْرَمُ عَلى اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ مِنِ ابْنِ آدَمَ، قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ولا المَلائِكَةُ ؟ قالَ: ولا المَلائِكَةُ، المَلائِكَةُ مَجْبُورُونَ بِمَنزِلَةِ الشَّمْسِ والقَمَرِ» وأخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ مِن وجْهٍ آخَرَ، عَنِ ابْنِ عَمْرٍو مَوْقُوفًا قالَ: وهو الصَّحِيحُ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: المُؤْمِنُ أكْرَمُ عَلى اللَّهِ مِن مَلائِكَتِهِ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، عَنِ ابْنِ عَمْرٍو عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّ المَلائِكَةَ قالَتْ: يا رَبِّ أعْطَيْتَ بَنِي آدَمَ الدُّنْيا يَأْكُلُونَ فِيها ويَشْرَبُونَ ويَلْبِسُونَ ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ولا نَأْكُلُ ولا نَشْرَبُ ولا نَلْهُو، فَكَما جَعَلْتَ لَهُمُ الدُّنْيا فاجْعَلْ لَنا الآخِرَةَ، قالَ: لا أجْعَلُ صالِحَ ذُرِّيَّةِ مَن خَلَقْتُ بِيَدِي كَمَن قُلْتُ لَهُ كُنْ فَكانَ» . وأخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ قالَ: قالَتِ المَلائِكَةُ. وإسْنادُ الطَّبَرانِيِّ هَكَذا: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَدَقَةَ البَغْدادِيُّ، حَدَّثَنا إبْراهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خالِدٍ المِصِّيصِيُّ، حَدَّثَنا حَجّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنا أبُو غَسّانَ مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفِ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَذَكَرَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ عُرْوَةَ بْنِ رُوَيْمٍ قالَ: حَدَّثَنِي أنَسُ بْنُ مالِكٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ عَمْرٍو الأوَّلِ مَعَ زِيادَةٍ. وأخْرَجَ نَحْوَهُ البَيْهَقِيُّ أيْضًا في الأسْماءِ والصِّفاتِ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ رُوَيْمٍ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَذَكَرَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ مِن طُرُقٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ﴾ قالَ: جَعَلْناهم يَأْكُلُونَ بِأيْدِيهِمْ، وسائِرُ الخَلْقِ يَأْكُلُونَ بِأفْواهِهِمْ. وأخْرَجَ الحاكِمُ في التّارِيخِ والدَّيْلَمِيُّ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «الكَرامَةُ الأكْلُ بِالأصابِعِ» .

الإسراء 17:69

. قَوْلُهُ: ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الفُلْكَ في البَحْرِ﴾ الإزْجاءُ: السَّوْقُ والإجْراءُ والتَّسْيِيرُ، ومِنهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحابًا﴾ [النور: ٤٣]، وقَوْلُ الشّاعِرِ: ؎يا أيُّها الرّاكِبُ المُزْجِي مَطِيَّتَهُ سائِلْ بَنِي أسَدٍ ما هَذِهِ الصُّوَرُ وقَوْلُ الآخَرُ: ؎عُوَّذا تُزَجِّي خَلْفَها أطْفالَها والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يُسَيِّرُ الفُلْكَ في البَحْرِ بِالرِّيحِ، والفُلْكُ هاهُنا جَمْعٌ. وقَدْ تَقَدَّمَ، والبَحْرُ هو الماءُ الكَثِيرُ عَذْبًا كانَ أوْ مالِحًا، وقَدْ غَلَبَ هَذا الِاسْمُ عَلى المَشْهُورِ ﴿لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ: مِن رِزْقِهِ الَّذِي تَفَضَّلَ بِهِ عَلى عِبادِهِ، أوْ مِنَ الرِّبْحِ بِالتِّجارَةِ، و( مِن ) زائِدَةٌ أوْ لِلتَّبْعِيضِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ تَذْكِيرٌ لَهم بِنِعَمِ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ حَتّى لا يَعْبُدُوا غَيْرَهُ ولا يُشْرِكُوا بِهِ أحَدًا، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ كانَ بِكم رَحِيمًا﴾ تَعْلِيلٌ لِما تَقَدَّمَ أيْ: كانَ بِكم رَحِيمًا فَهَداكم إلى مَصالِحِ دُنْياكم. ﴿وإذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ﴾ يَعْنِي: خَوْفَ الغَرَقِ ﴿فِي البَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ﴾ مِنَ الآلِهَةِ وذَهَبَ عَنْ خَواطِرِكم، ولَمْ يُوجَدْ لِإغاثَتِكم ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن صَنَمٍ أوْ جِنٍّ أوْ مَلَكٍ أوْ بَشَرٍ ( إلّا إيّاهُ ) وحْدَهُ فَإنَّكم تَعْقِدُونَ رَجاءَكم بِرَحْمَتِهِ وإغاثَتِهِ، والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، ومَعْنى الآيَةِ: أنَّ الكُفّارَ إنَّما يَعْتَقِدُونَ في أصْنامِهِمْ وسائِرِ مَعْبُوداتِهِمْ أنَّها نافِعَةٌ لَهم في غَيْرِ هَذِهِ الحالَةِ، فَأمّا في هَذِهِ الحالَةِ فَإنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم يَعْلَمُ بِالفِطْرَةِ عِلْمًا لا يَقْدِرُ عَلى مُدافَعَتِهِ أنَّ الأصْنامَ ونَحْوَها لا فِعْلَ لَها ﴿فَلَمّا نَجّاكم إلى البَرِّ أعْرَضْتُمْ﴾ عَنِ الإخْلاصِ لِلَّهِ وتَوْحِيدِهِ، ورَجَعْتُمْ إلى دُعاءِ أصْنامِكم والِاسْتِغاثَةِ بِها ﴿وكانَ الإنْسانُ كَفُورًا﴾ أيْ: كَثِيرَ الكُفْرانِ لِنِعْمَةِ اللَّهِ، وهو تَعْلِيلٌ لِما تَقَدَّمَهُ، والمَعْنى: أنَّهم عِنْدَ الشَّدائِدِ يَتَمَسَّكُونَ بِرَحْمَةِ اللَّهِ، وفي الرَّخاءِ يُعْرِضُونَ عَنْهُ. ثُمَّ أنْكَرَ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ سُوءَ مُعامَلَتِهِمْ قائِلًا: ﴿أفَأمِنتُمْ أنْ يَخْسِفَ بِكم جانِبَ البَرِّ﴾ الهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ أنَجَوْتُمْ فَأمِنتُمْ فَحَمَلَكم ذَلِكَ عَلى الإعْراضِ ؟ فَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ قادِرٌ عَلى إهْلاكِهِمْ في البَرِّ وإنْ سَلِمُوا مِنَ البَحْرِ. والخَسْفُ أنْ تَنْهارَ الأرْضُ بِالشَّيْءِ، يُقالُ: بِئْرٌ خَسِيفٌ: إذا انْهَدَمَ أصْلُها، وعَيْنٌ خاسِفٌ أيْ: غائِرَةٌ حَدَقَتُها في الرَّأْسِ، وخَسَفَتْ عَيْنُ الماءِ: إذا غارَ ماؤُها، وخَسَفَتِ الشَّمْسُ: إذا غابَتْ عَنِ الأرْضِ. و( جانِبُ البَرِّ ) ناحِيَةُ الأرْضِ، وسَمّاهُ جانِبًا لِأنَّهُ يَصِيرُ بَعْدَ الخَسْفِ جانِبًا، وأيْضًا فَإنَّ البَحْرَ جانِبٌ مِنَ الأرْضِ والبَرَّ جانِبٌ. وقِيلَ: إنَّهم كانُوا عَلى ساحِلِ البَحْرِ، وساحِلُهُ جانِبُ البَرِّ، فَكانُوا فِيهِ آمِنِينَ مِن مَخاوِفِ البَحْرِ، فَحَذَّرَهم ما أمِنُوهُ مِنَ البَرِّ كَما حَذَّرَهم ما خافُوهُ مِنَ البَحْرِ ﴿أوْ يُرْسِلَ عَلَيْكم حاصِبًا﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ والقُتَيْبِيُّ: الحَصْبُ الرَّمْيُ أيْ: رِيحًا شَدِيدَةً حاصِبَةً، وهي الَّتِي تَرْمِي بِالحَصى الصِّغارِ. وقالَ الزَّجّاجُ: الحاصِبُ التُّرابُ الَّذِي فِيهِ حَصْباءُ، فالحاصِبُ ذُو الحَصْباءِ كاللّابِنِ والتّامِرِ، وقِيلَ: الحاصِبُ حِجارَةٌ مِنَ السَّماءِ تَحْصِبُهم كَما فُعِلَ بِقَوْمِ لُوطٍ، ويُقالُ لِلسَّحابَةِ الَّتِي تَرْمِي بِالبَرَدِ حاصِبٌ، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ: ؎مُسْتَقْبِلِينَ جِبالَ الشّامِ تَضْرِبُنا ∗∗∗ بِحاصِبٍ كَنَدِيفِ القُطْنِ مَنثُورُ ﴿ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم وكِيلًا﴾ أيْ: حافِظًا ونَصِيرًا يَمْنَعُكم مِن بَأْسِ اللَّهِ. ﴿أمْ أمِنتُمْ أنْ يُعِيدَكم فِيهِ تارَةً أُخْرى﴾ أيْ: في البَحْرِ مَرَّةً أُخْرى بِأنْ يُقَوِّيَ دَواعِيَكم ويُوَفِّرَ حَوائِجَكم إلى رُكُوبِهِ، وجاءَ بِـ ( في ) ولَمْ يَقُلْ: إلى البَحْرِ، لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِقْرارِهِمْ فِيهِ ﴿فَيُرْسِلَ عَلَيْكم قاصِفًا مِنَ الرِّيحِ﴾ القاصِفُ: الرِّيحُ الشَّدِيدَةُ الَّتِي تَكْسِرُ بِشِدَّةٍ، مِن قَصَفَ الشَّيْءَ يَقْصِفُهُ أيْ: كَسَرَهُ بِشِدَّةٍ، والقَصْفُ: الكَسْرُ، أوْ هو الرِّيحُ الَّتِي لَها قَصِيفٌ أيْ: صَوْتٌ شَدِيدٌ مِن قَوْلِهِمْ: رَعْدٌ قاصِفٌ أيْ: شَدِيدُ الصَّوْتِ ( فَيُغْرِقَكم ) قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ ورُوَيْسٌ ومُجاهِدٌ ( فَتُغْرِقَكم ) بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّ فاعِلَهُ الرِّيحُ، وقَرَأ الحَسَنُ وقَتادَةُ وابْنُ ورْدانَ ( فَيُغَرِّقَكم ) بِالتَّحْتِيَّةِ والتَّشْدِيدِ في الرّاءِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ أيْضًا ( الرِّياحِ )، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِالنُّونِ في جَمِيعِ هَذِهِ الأفْعالِ. وقَرَأ الباقُونَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ في جَمِيعِها أيْضًا، والباءُ في ( بِما كَفَرْتُمْ ) لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ: بِسَبَبِ كُفْرِكم ﴿ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم عَلَيْنا بِهِ تَبِيعًا﴾ أيْ: ثائِرًا يُطالِبُنا بِما فَعَلْنا. قالَ الزَّجّاجُ: لا تَجِدُوا مَن يَتْبَعُنا بِإنْكارِ ما نَزَلَ بِكم. قالَ النَّحّاسُ: وهو مِنَ الثَّأْرِ، وكَذا يُقالُ لِكُلِّ مَن طَلَبَ بِثَأْرٍ أوْ غَيْرِهِ تَبِيعٌ وتابِعٌ. ﴿ولَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ﴾ هَذا إجْمالٌ لِذِكْرِ النِّعْمَةِ الَّتِي أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلى بَنِي آدَمَ أيْ: كَرَّمْناهم جَمِيعًا، وهَذِهِ الكَرامَةُ يَدْخُلُ تَحْتَها خَلْقُهم عَلى هَذِهِ الهَيْئَةِ الحَسَنَةِ وتَخْصِيصُهم بِما خَصَّهم بِهِ مِنَ المَطاعِمِ والمَشارِبِ والمَلابِسِ عَلى وجْهٍ لا يُوجَدُ لِسائِرِ أنْواعِ الحَيَوانِ مِثْلُهُ. وحَكى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ جَماعَةٍ أنَّ هَذا التَّكْرِيمَ هو أنَّهم يَأْكُلُونَ بِأيْدِيهِمْ، وسائِرُ الحَيَواناتِ تَأْكُلُ بِالفَمِ، وكَذا حَكاهُ النَّحّاسُ. وقِيلَ: مَيَّزَهم بِالنُّطْقِ والعَقْلِ والتَّمْيِيزِ، وقِيلَ: أكْرَمَ الرِّجالَ بِاللِّحى والنِّساءَ بِالذَّوائِبِ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أكْرَمَهم بِتَسْلِيطِهِمْ عَلى سائِرِ الخَلْقِ وتَسْخِيرِ سائِرِ الخَلْقِ لَهم، وقِيلَ: بِالكَلامِ والخَطِّ والفَهْمِ، ولا مانِعَ مِن حَمْلِ التَّكْرِيمِ المَذْكُورِ في الآيَةِ عَلى جَمِيعِ هَذِهِ الأشْياءِ. وأعْظَمُ خِصالِ التَّكْرِيمِ العَقْلُ، فَإنَّ بِهِ تَسَلَّطُوا عَلى سائِرِ (p-٨٣٤)الحَيَواناتِ، ومَيَّزُوا بَيْنَ الحَسَنِ والقَبِيحِ، وتَوَسَّعُوا في المَطاعِمِ والمَشارِبِ، وكَسَبُوا الأمْوالَ الَّتِي تَسَبَّبُوا بِها إلى تَحْصِيلِ أُمُورٍ لا يَقْدِرُ عَلَيْها الحَيَوانُ، وبِهِ قَدَرُوا عَلى تَحْصِيلِ الأبْنِيَةِ الَّتِي تَمْنَعُهم مِمّا يَخافُونَ، وعَلى تَحْصِيلِ الأكْسِيَةِ الَّتِي تَقِيهِمُ الحَرَّ والبَرْدَ، وقِيلَ: تَكْرِيمُهم هو أنْ جَعَلَ مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنهم ﴿وحَمَلْناهم في البَرِّ والبَحْرِ﴾ هَذا تَخْصِيصٌ لِبَعْضِ أنْواعِ التَّكْرِيمِ، حَمَلَهم سُبْحانَهُ في البَرِّ عَلى الدَّوابِّ، وفي البَحْرِ عَلى السُّفُنِ، وقِيلَ: حَمَّلْناهم فِيهِما حَيْثُ لَمْ نَخْسِفْ بِهِمْ ولَمْ نُغْرِقْهم ﴿ورَزَقْناهم مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ أيْ: لَذِيذِ المَطاعِمِ والمَشارِبِ وسائِرِ ما يَسْتَلِذُّونَهُ ويَنْتَفِعُونَ بِهِ ﴿وفَضَّلْناهم عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا﴾ أجْمَلَ سُبْحانَهُ هَذا الكَثِيرَ ولَمْ يُبَيِّنْ أنْواعَهُ فَأفادَ ذَلِكَ أنَّ بَنِي آدَمَ فَضَّلَهم سُبْحانَهُ عَلى كَثِيرٍ مِن مَخْلُوقاتِهِ، وقَدْ جَعَلَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ الكَثِيرَ هُنا بِمَعْنى الجَمِيعِ وهو تَعَسُّفٌ لا حاجَةَ إلَيْهِ. وقَدْ شُغِلَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ العِلْمِ بِما لَمْ تَكُنْ إلَيْهِ حاجَةٌ ولا تَتَعَلَّقُ بِهِ فائِدَةٌ، وهو مَسْألَةُ تَفْضِيلِ المَلائِكَةِ عَلى الأنْبِياءِ أوِ الأنْبِياءِ عَلى المَلائِكَةِ، ومِن جُمْلَةِ ما تَمَسَّكَ بِهِ مُفْضِلُو الأنْبِياءِ عَلى المَلائِكَةِ هَذِهِ الآيَةُ، ولا دَلالَةَ لَها عَلى المَطْلُوبِ لِما عَرَفْتَ مِن إجْمالِ الكَثِيرِ وعَدَمِ تَبْيِينِهِ، والتَّعَصُّبُ في هَذِهِ المَسْألَةِ هو الَّذِي حَمَلَ بَعْضَ الأشاعِرَةِ عَلى تَفْسِيرِ الكَثِيرِ هُنا بِالجَمِيعِ؛ حَتّى يَتِمَّ لَهُ التَّفْضِيلُ عَلى المَلائِكَةِ، وتَمَسَّكَ بَعْضُ المُعْتَزِلَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى تَفْضِيلِ المَلائِكَةِ عَلى الأنْبِياءِ، ولا دَلالَةَ بِها عَلى ذَلِكَ، فَإنَّهُ لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المَلائِكَةَ مِنَ القَلِيلِ الخارِجِ عَنْ هَذا الكَثِيرِ، ولَوْ سَلَّمْنا ذَلِكَ فَلَيْسَ فِيما خَرَجَ عَنْ هَذا الكَثِيرِ ما يُفِيدُ أنَّهُ أفْضَلُ مِن بَنِي آدَمَ، بَلْ غايَةُ ما فِيهِ أنَّهُ لَمْ يَكُنِ الإنْسانُ مُفَضَّلًا عَلَيْهِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُساوِيًا لِلْإنْسانِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أفْضَلَ مِنهُ، ومَعَ الِاحْتِمالِ لا يَتِمُّ الِاسْتِدْلالُ، والتَّأْكِيدُ بِقَوْلِهِ: ( تَفْضِيلًا ) يَدُلُّ عَلى عِظَمِ هَذا التَّفْضِيلِ وأنَّهُ بِمَكانٍ مَكِينٍ، فَعَلى بَنِي آدَمَ أنْ يَتَلَقَّوْهُ بِالشُّكْرِ ويَحْذَرُوا مِن كُفْرانِهِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ( يُزْجِي ) قالَ: يُجْرِي، وأخْرَجُوا عَنْ قَتادَةَ قالَ: يُسَيِّرُها في البَحْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ( حاصِبًا ) قالَ: مَطَرُ الحِجارَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: حِجارَةٌ مِنَ السَّماءِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿قاصِفًا مِنَ الرِّيحِ﴾ قالَ: الَّتِي تُغْرِقُ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: القاصِفُ والعاصِفُ في البَحْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ( قاصِفًا ) قالَ: عاصِفًا، وفي قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم عَلَيْنا بِهِ تَبِيعًا﴾ قالَ: نَصِيرًا. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ والخَطِيبُ في تارِيخِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «ما مِن شَيْءٍ أكْرَمُ عَلى اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ مِنِ ابْنِ آدَمَ، قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ولا المَلائِكَةُ ؟ قالَ: ولا المَلائِكَةُ، المَلائِكَةُ مَجْبُورُونَ بِمَنزِلَةِ الشَّمْسِ والقَمَرِ» وأخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ مِن وجْهٍ آخَرَ، عَنِ ابْنِ عَمْرٍو مَوْقُوفًا قالَ: وهو الصَّحِيحُ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: المُؤْمِنُ أكْرَمُ عَلى اللَّهِ مِن مَلائِكَتِهِ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، عَنِ ابْنِ عَمْرٍو عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّ المَلائِكَةَ قالَتْ: يا رَبِّ أعْطَيْتَ بَنِي آدَمَ الدُّنْيا يَأْكُلُونَ فِيها ويَشْرَبُونَ ويَلْبِسُونَ ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ولا نَأْكُلُ ولا نَشْرَبُ ولا نَلْهُو، فَكَما جَعَلْتَ لَهُمُ الدُّنْيا فاجْعَلْ لَنا الآخِرَةَ، قالَ: لا أجْعَلُ صالِحَ ذُرِّيَّةِ مَن خَلَقْتُ بِيَدِي كَمَن قُلْتُ لَهُ كُنْ فَكانَ» . وأخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ قالَ: قالَتِ المَلائِكَةُ. وإسْنادُ الطَّبَرانِيِّ هَكَذا: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَدَقَةَ البَغْدادِيُّ، حَدَّثَنا إبْراهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خالِدٍ المِصِّيصِيُّ، حَدَّثَنا حَجّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنا أبُو غَسّانَ مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفِ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَذَكَرَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ عُرْوَةَ بْنِ رُوَيْمٍ قالَ: حَدَّثَنِي أنَسُ بْنُ مالِكٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ عَمْرٍو الأوَّلِ مَعَ زِيادَةٍ. وأخْرَجَ نَحْوَهُ البَيْهَقِيُّ أيْضًا في الأسْماءِ والصِّفاتِ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ رُوَيْمٍ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَذَكَرَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ مِن طُرُقٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ﴾ قالَ: جَعَلْناهم يَأْكُلُونَ بِأيْدِيهِمْ، وسائِرُ الخَلْقِ يَأْكُلُونَ بِأفْواهِهِمْ. وأخْرَجَ الحاكِمُ في التّارِيخِ والدَّيْلَمِيُّ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «الكَرامَةُ الأكْلُ بِالأصابِعِ» .

الإسراء 17:70

. قَوْلُهُ: ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الفُلْكَ في البَحْرِ﴾ الإزْجاءُ: السَّوْقُ والإجْراءُ والتَّسْيِيرُ، ومِنهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحابًا﴾ [النور: ٤٣]، وقَوْلُ الشّاعِرِ: ؎يا أيُّها الرّاكِبُ المُزْجِي مَطِيَّتَهُ سائِلْ بَنِي أسَدٍ ما هَذِهِ الصُّوَرُ وقَوْلُ الآخَرُ: ؎عُوَّذا تُزَجِّي خَلْفَها أطْفالَها والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يُسَيِّرُ الفُلْكَ في البَحْرِ بِالرِّيحِ، والفُلْكُ هاهُنا جَمْعٌ. وقَدْ تَقَدَّمَ، والبَحْرُ هو الماءُ الكَثِيرُ عَذْبًا كانَ أوْ مالِحًا، وقَدْ غَلَبَ هَذا الِاسْمُ عَلى المَشْهُورِ ﴿لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ: مِن رِزْقِهِ الَّذِي تَفَضَّلَ بِهِ عَلى عِبادِهِ، أوْ مِنَ الرِّبْحِ بِالتِّجارَةِ، و( مِن ) زائِدَةٌ أوْ لِلتَّبْعِيضِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ تَذْكِيرٌ لَهم بِنِعَمِ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ حَتّى لا يَعْبُدُوا غَيْرَهُ ولا يُشْرِكُوا بِهِ أحَدًا، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ كانَ بِكم رَحِيمًا﴾ تَعْلِيلٌ لِما تَقَدَّمَ أيْ: كانَ بِكم رَحِيمًا فَهَداكم إلى مَصالِحِ دُنْياكم. ﴿وإذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ﴾ يَعْنِي: خَوْفَ الغَرَقِ ﴿فِي البَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ﴾ مِنَ الآلِهَةِ وذَهَبَ عَنْ خَواطِرِكم، ولَمْ يُوجَدْ لِإغاثَتِكم ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن صَنَمٍ أوْ جِنٍّ أوْ مَلَكٍ أوْ بَشَرٍ ( إلّا إيّاهُ ) وحْدَهُ فَإنَّكم تَعْقِدُونَ رَجاءَكم بِرَحْمَتِهِ وإغاثَتِهِ، والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، ومَعْنى الآيَةِ: أنَّ الكُفّارَ إنَّما يَعْتَقِدُونَ في أصْنامِهِمْ وسائِرِ مَعْبُوداتِهِمْ أنَّها نافِعَةٌ لَهم في غَيْرِ هَذِهِ الحالَةِ، فَأمّا في هَذِهِ الحالَةِ فَإنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم يَعْلَمُ بِالفِطْرَةِ عِلْمًا لا يَقْدِرُ عَلى مُدافَعَتِهِ أنَّ الأصْنامَ ونَحْوَها لا فِعْلَ لَها ﴿فَلَمّا نَجّاكم إلى البَرِّ أعْرَضْتُمْ﴾ عَنِ الإخْلاصِ لِلَّهِ وتَوْحِيدِهِ، ورَجَعْتُمْ إلى دُعاءِ أصْنامِكم والِاسْتِغاثَةِ بِها ﴿وكانَ الإنْسانُ كَفُورًا﴾ أيْ: كَثِيرَ الكُفْرانِ لِنِعْمَةِ اللَّهِ، وهو تَعْلِيلٌ لِما تَقَدَّمَهُ، والمَعْنى: أنَّهم عِنْدَ الشَّدائِدِ يَتَمَسَّكُونَ بِرَحْمَةِ اللَّهِ، وفي الرَّخاءِ يُعْرِضُونَ عَنْهُ. ثُمَّ أنْكَرَ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ سُوءَ مُعامَلَتِهِمْ قائِلًا: ﴿أفَأمِنتُمْ أنْ يَخْسِفَ بِكم جانِبَ البَرِّ﴾ الهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ أنَجَوْتُمْ فَأمِنتُمْ فَحَمَلَكم ذَلِكَ عَلى الإعْراضِ ؟ فَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ قادِرٌ عَلى إهْلاكِهِمْ في البَرِّ وإنْ سَلِمُوا مِنَ البَحْرِ. والخَسْفُ أنْ تَنْهارَ الأرْضُ بِالشَّيْءِ، يُقالُ: بِئْرٌ خَسِيفٌ: إذا انْهَدَمَ أصْلُها، وعَيْنٌ خاسِفٌ أيْ: غائِرَةٌ حَدَقَتُها في الرَّأْسِ، وخَسَفَتْ عَيْنُ الماءِ: إذا غارَ ماؤُها، وخَسَفَتِ الشَّمْسُ: إذا غابَتْ عَنِ الأرْضِ. و( جانِبُ البَرِّ ) ناحِيَةُ الأرْضِ، وسَمّاهُ جانِبًا لِأنَّهُ يَصِيرُ بَعْدَ الخَسْفِ جانِبًا، وأيْضًا فَإنَّ البَحْرَ جانِبٌ مِنَ الأرْضِ والبَرَّ جانِبٌ. وقِيلَ: إنَّهم كانُوا عَلى ساحِلِ البَحْرِ، وساحِلُهُ جانِبُ البَرِّ، فَكانُوا فِيهِ آمِنِينَ مِن مَخاوِفِ البَحْرِ، فَحَذَّرَهم ما أمِنُوهُ مِنَ البَرِّ كَما حَذَّرَهم ما خافُوهُ مِنَ البَحْرِ ﴿أوْ يُرْسِلَ عَلَيْكم حاصِبًا﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ والقُتَيْبِيُّ: الحَصْبُ الرَّمْيُ أيْ: رِيحًا شَدِيدَةً حاصِبَةً، وهي الَّتِي تَرْمِي بِالحَصى الصِّغارِ. وقالَ الزَّجّاجُ: الحاصِبُ التُّرابُ الَّذِي فِيهِ حَصْباءُ، فالحاصِبُ ذُو الحَصْباءِ كاللّابِنِ والتّامِرِ، وقِيلَ: الحاصِبُ حِجارَةٌ مِنَ السَّماءِ تَحْصِبُهم كَما فُعِلَ بِقَوْمِ لُوطٍ، ويُقالُ لِلسَّحابَةِ الَّتِي تَرْمِي بِالبَرَدِ حاصِبٌ، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ: ؎مُسْتَقْبِلِينَ جِبالَ الشّامِ تَضْرِبُنا ∗∗∗ بِحاصِبٍ كَنَدِيفِ القُطْنِ مَنثُورُ ﴿ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم وكِيلًا﴾ أيْ: حافِظًا ونَصِيرًا يَمْنَعُكم مِن بَأْسِ اللَّهِ. ﴿أمْ أمِنتُمْ أنْ يُعِيدَكم فِيهِ تارَةً أُخْرى﴾ أيْ: في البَحْرِ مَرَّةً أُخْرى بِأنْ يُقَوِّيَ دَواعِيَكم ويُوَفِّرَ حَوائِجَكم إلى رُكُوبِهِ، وجاءَ بِـ ( في ) ولَمْ يَقُلْ: إلى البَحْرِ، لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِقْرارِهِمْ فِيهِ ﴿فَيُرْسِلَ عَلَيْكم قاصِفًا مِنَ الرِّيحِ﴾ القاصِفُ: الرِّيحُ الشَّدِيدَةُ الَّتِي تَكْسِرُ بِشِدَّةٍ، مِن قَصَفَ الشَّيْءَ يَقْصِفُهُ أيْ: كَسَرَهُ بِشِدَّةٍ، والقَصْفُ: الكَسْرُ، أوْ هو الرِّيحُ الَّتِي لَها قَصِيفٌ أيْ: صَوْتٌ شَدِيدٌ مِن قَوْلِهِمْ: رَعْدٌ قاصِفٌ أيْ: شَدِيدُ الصَّوْتِ ( فَيُغْرِقَكم ) قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ ورُوَيْسٌ ومُجاهِدٌ ( فَتُغْرِقَكم ) بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّ فاعِلَهُ الرِّيحُ، وقَرَأ الحَسَنُ وقَتادَةُ وابْنُ ورْدانَ ( فَيُغَرِّقَكم ) بِالتَّحْتِيَّةِ والتَّشْدِيدِ في الرّاءِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ أيْضًا ( الرِّياحِ )، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِالنُّونِ في جَمِيعِ هَذِهِ الأفْعالِ. وقَرَأ الباقُونَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ في جَمِيعِها أيْضًا، والباءُ في ( بِما كَفَرْتُمْ ) لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ: بِسَبَبِ كُفْرِكم ﴿ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم عَلَيْنا بِهِ تَبِيعًا﴾ أيْ: ثائِرًا يُطالِبُنا بِما فَعَلْنا. قالَ الزَّجّاجُ: لا تَجِدُوا مَن يَتْبَعُنا بِإنْكارِ ما نَزَلَ بِكم. قالَ النَّحّاسُ: وهو مِنَ الثَّأْرِ، وكَذا يُقالُ لِكُلِّ مَن طَلَبَ بِثَأْرٍ أوْ غَيْرِهِ تَبِيعٌ وتابِعٌ. ﴿ولَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ﴾ هَذا إجْمالٌ لِذِكْرِ النِّعْمَةِ الَّتِي أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلى بَنِي آدَمَ أيْ: كَرَّمْناهم جَمِيعًا، وهَذِهِ الكَرامَةُ يَدْخُلُ تَحْتَها خَلْقُهم عَلى هَذِهِ الهَيْئَةِ الحَسَنَةِ وتَخْصِيصُهم بِما خَصَّهم بِهِ مِنَ المَطاعِمِ والمَشارِبِ والمَلابِسِ عَلى وجْهٍ لا يُوجَدُ لِسائِرِ أنْواعِ الحَيَوانِ مِثْلُهُ. وحَكى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ جَماعَةٍ أنَّ هَذا التَّكْرِيمَ هو أنَّهم يَأْكُلُونَ بِأيْدِيهِمْ، وسائِرُ الحَيَواناتِ تَأْكُلُ بِالفَمِ، وكَذا حَكاهُ النَّحّاسُ. وقِيلَ: مَيَّزَهم بِالنُّطْقِ والعَقْلِ والتَّمْيِيزِ، وقِيلَ: أكْرَمَ الرِّجالَ بِاللِّحى والنِّساءَ بِالذَّوائِبِ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أكْرَمَهم بِتَسْلِيطِهِمْ عَلى سائِرِ الخَلْقِ وتَسْخِيرِ سائِرِ الخَلْقِ لَهم، وقِيلَ: بِالكَلامِ والخَطِّ والفَهْمِ، ولا مانِعَ مِن حَمْلِ التَّكْرِيمِ المَذْكُورِ في الآيَةِ عَلى جَمِيعِ هَذِهِ الأشْياءِ. وأعْظَمُ خِصالِ التَّكْرِيمِ العَقْلُ، فَإنَّ بِهِ تَسَلَّطُوا عَلى سائِرِ (p-٨٣٤)الحَيَواناتِ، ومَيَّزُوا بَيْنَ الحَسَنِ والقَبِيحِ، وتَوَسَّعُوا في المَطاعِمِ والمَشارِبِ، وكَسَبُوا الأمْوالَ الَّتِي تَسَبَّبُوا بِها إلى تَحْصِيلِ أُمُورٍ لا يَقْدِرُ عَلَيْها الحَيَوانُ، وبِهِ قَدَرُوا عَلى تَحْصِيلِ الأبْنِيَةِ الَّتِي تَمْنَعُهم مِمّا يَخافُونَ، وعَلى تَحْصِيلِ الأكْسِيَةِ الَّتِي تَقِيهِمُ الحَرَّ والبَرْدَ، وقِيلَ: تَكْرِيمُهم هو أنْ جَعَلَ مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنهم ﴿وحَمَلْناهم في البَرِّ والبَحْرِ﴾ هَذا تَخْصِيصٌ لِبَعْضِ أنْواعِ التَّكْرِيمِ، حَمَلَهم سُبْحانَهُ في البَرِّ عَلى الدَّوابِّ، وفي البَحْرِ عَلى السُّفُنِ، وقِيلَ: حَمَّلْناهم فِيهِما حَيْثُ لَمْ نَخْسِفْ بِهِمْ ولَمْ نُغْرِقْهم ﴿ورَزَقْناهم مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ أيْ: لَذِيذِ المَطاعِمِ والمَشارِبِ وسائِرِ ما يَسْتَلِذُّونَهُ ويَنْتَفِعُونَ بِهِ ﴿وفَضَّلْناهم عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا﴾ أجْمَلَ سُبْحانَهُ هَذا الكَثِيرَ ولَمْ يُبَيِّنْ أنْواعَهُ فَأفادَ ذَلِكَ أنَّ بَنِي آدَمَ فَضَّلَهم سُبْحانَهُ عَلى كَثِيرٍ مِن مَخْلُوقاتِهِ، وقَدْ جَعَلَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ الكَثِيرَ هُنا بِمَعْنى الجَمِيعِ وهو تَعَسُّفٌ لا حاجَةَ إلَيْهِ. وقَدْ شُغِلَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ العِلْمِ بِما لَمْ تَكُنْ إلَيْهِ حاجَةٌ ولا تَتَعَلَّقُ بِهِ فائِدَةٌ، وهو مَسْألَةُ تَفْضِيلِ المَلائِكَةِ عَلى الأنْبِياءِ أوِ الأنْبِياءِ عَلى المَلائِكَةِ، ومِن جُمْلَةِ ما تَمَسَّكَ بِهِ مُفْضِلُو الأنْبِياءِ عَلى المَلائِكَةِ هَذِهِ الآيَةُ، ولا دَلالَةَ لَها عَلى المَطْلُوبِ لِما عَرَفْتَ مِن إجْمالِ الكَثِيرِ وعَدَمِ تَبْيِينِهِ، والتَّعَصُّبُ في هَذِهِ المَسْألَةِ هو الَّذِي حَمَلَ بَعْضَ الأشاعِرَةِ عَلى تَفْسِيرِ الكَثِيرِ هُنا بِالجَمِيعِ؛ حَتّى يَتِمَّ لَهُ التَّفْضِيلُ عَلى المَلائِكَةِ، وتَمَسَّكَ بَعْضُ المُعْتَزِلَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى تَفْضِيلِ المَلائِكَةِ عَلى الأنْبِياءِ، ولا دَلالَةَ بِها عَلى ذَلِكَ، فَإنَّهُ لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المَلائِكَةَ مِنَ القَلِيلِ الخارِجِ عَنْ هَذا الكَثِيرِ، ولَوْ سَلَّمْنا ذَلِكَ فَلَيْسَ فِيما خَرَجَ عَنْ هَذا الكَثِيرِ ما يُفِيدُ أنَّهُ أفْضَلُ مِن بَنِي آدَمَ، بَلْ غايَةُ ما فِيهِ أنَّهُ لَمْ يَكُنِ الإنْسانُ مُفَضَّلًا عَلَيْهِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُساوِيًا لِلْإنْسانِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أفْضَلَ مِنهُ، ومَعَ الِاحْتِمالِ لا يَتِمُّ الِاسْتِدْلالُ، والتَّأْكِيدُ بِقَوْلِهِ: ( تَفْضِيلًا ) يَدُلُّ عَلى عِظَمِ هَذا التَّفْضِيلِ وأنَّهُ بِمَكانٍ مَكِينٍ، فَعَلى بَنِي آدَمَ أنْ يَتَلَقَّوْهُ بِالشُّكْرِ ويَحْذَرُوا مِن كُفْرانِهِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ( يُزْجِي ) قالَ: يُجْرِي، وأخْرَجُوا عَنْ قَتادَةَ قالَ: يُسَيِّرُها في البَحْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ( حاصِبًا ) قالَ: مَطَرُ الحِجارَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: حِجارَةٌ مِنَ السَّماءِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿قاصِفًا مِنَ الرِّيحِ﴾ قالَ: الَّتِي تُغْرِقُ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: القاصِفُ والعاصِفُ في البَحْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ( قاصِفًا ) قالَ: عاصِفًا، وفي قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم عَلَيْنا بِهِ تَبِيعًا﴾ قالَ: نَصِيرًا. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ والخَطِيبُ في تارِيخِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «ما مِن شَيْءٍ أكْرَمُ عَلى اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ مِنِ ابْنِ آدَمَ، قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ولا المَلائِكَةُ ؟ قالَ: ولا المَلائِكَةُ، المَلائِكَةُ مَجْبُورُونَ بِمَنزِلَةِ الشَّمْسِ والقَمَرِ» وأخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ مِن وجْهٍ آخَرَ، عَنِ ابْنِ عَمْرٍو مَوْقُوفًا قالَ: وهو الصَّحِيحُ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: المُؤْمِنُ أكْرَمُ عَلى اللَّهِ مِن مَلائِكَتِهِ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، عَنِ ابْنِ عَمْرٍو عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّ المَلائِكَةَ قالَتْ: يا رَبِّ أعْطَيْتَ بَنِي آدَمَ الدُّنْيا يَأْكُلُونَ فِيها ويَشْرَبُونَ ويَلْبِسُونَ ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ولا نَأْكُلُ ولا نَشْرَبُ ولا نَلْهُو، فَكَما جَعَلْتَ لَهُمُ الدُّنْيا فاجْعَلْ لَنا الآخِرَةَ، قالَ: لا أجْعَلُ صالِحَ ذُرِّيَّةِ مَن خَلَقْتُ بِيَدِي كَمَن قُلْتُ لَهُ كُنْ فَكانَ» . وأخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ قالَ: قالَتِ المَلائِكَةُ. وإسْنادُ الطَّبَرانِيِّ هَكَذا: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَدَقَةَ البَغْدادِيُّ، حَدَّثَنا إبْراهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خالِدٍ المِصِّيصِيُّ، حَدَّثَنا حَجّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنا أبُو غَسّانَ مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفِ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَذَكَرَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ عُرْوَةَ بْنِ رُوَيْمٍ قالَ: حَدَّثَنِي أنَسُ بْنُ مالِكٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ عَمْرٍو الأوَّلِ مَعَ زِيادَةٍ. وأخْرَجَ نَحْوَهُ البَيْهَقِيُّ أيْضًا في الأسْماءِ والصِّفاتِ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ رُوَيْمٍ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَذَكَرَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ مِن طُرُقٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ﴾ قالَ: جَعَلْناهم يَأْكُلُونَ بِأيْدِيهِمْ، وسائِرُ الخَلْقِ يَأْكُلُونَ بِأفْواهِهِمْ. وأخْرَجَ الحاكِمُ في التّارِيخِ والدَّيْلَمِيُّ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «الكَرامَةُ الأكْلُ بِالأصابِعِ» .

الإسراء 17:71

. قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ، وهو مَنصُوبٌ عَلى مَعْنى اذْكُرْ يَوْمَ نَدْعُو. وقُرِئَ ( يَدْعُو ) بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ ( ويُدْعى ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، والباءُ في ( بِإمامِهِمْ ) لِلْإلْصاقِ كَما تَقُولُ: أدْعُوكَ بِاسْمِكَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُتَعَلِّقَةً بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ، والتَّقْدِيرُ: نَدْعُو كُلَّ أُناسٍ مُتَلَبِّسِينَ بِإمامِهِمْ أيْ: يُدْعَوْنَ وإمامُهم فِيهِمْ. نَحْوَ رَكْبٍ بِجُنُودِهِ، والأوَّلُ أُولى. والإمامُ في اللُّغَةِ: كُلُّ ما يُؤْتَمُّ بِهِ مِن نَبِيٍّ أوْ مُقَدَّمٍ في الدِّينِ أوْ كِتابٍ. وقَدِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في تَعْيِينِ الإمامِ الَّذِي تُدْعى كُلُّ أُناسٍ بِهِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ: إنَّهُ كِتابُ كُلِّ إنْسانٍ، الَّذِي فِيهِ عَمَلُهُ أيْ: يُدْعى كُلُّ إنْسانٍ بِكِتابِ (p-٨٣٥)عَمَلِهِ، ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ﴾ [الحاقة: ١٩] الآيَةَ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ الإمامُ: هو الكِتابُ المُنَزَّلُ عَلَيْهِمْ، فَيُدْعى أهْلُ التَّوْراةِ بِالتَّوْراةِ، وأهْلُ الإنْجِيلِ بِالإنْجِيلِ، وأهْلُ القُرْآنِ بِالقُرْآنِ، فَيُقالُ: يا أهْلَ التَّوْراةِ يا أهْلَ الإنْجِيلِ يا أهْلَ القُرْآنِ. وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: إمامُهم نَبِيُّهم، فَيُقالُ: هاتُوا مُتَّبِعِي إبْراهِيمَ، هاتُوا مُتَّبِعِي مُوسى، هاتُوا مُتَّبِعِي عِيسى، هاتُوا مُتَّبِعِي مُحَمَّدٍ، وبِهِ قالَ الزَّجّاجُ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - المُرادُ بِالإمامِ إمامُ عَصْرِهِمْ، فَيُدْعى أهْلُ كُلِّ عَصْرٍ بِإمامِهِمْ الَّذِي كانُوا يَأْتَمِرُونَ بِأمْرِهِ ويَنْتَهُونَ بِنَهْيِهِ. وقالَ الحَسَنُ وأبُو العالِيَةِ: المُرادُ بِإمامِهِمْ أعْمالُهم، فَيُقالُ مَثَلًا: أيْنَ المُجاهِدُونَ أيْنَ الصّابِرُونَ أيْنَ الصّائِمُونَ أيْنَ المُصَلُّونَ ؟ ونَحْوُ ذَلِكَ. ورُوِيَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأبِي هُرَيْرَةَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المُرادُ بِإمامِهِمْ صاحِبُ مَذْهَبِهِمْ، فَيُقالُ مَثَلًا: أيْنَ التّابِعُونَ لِلْعالِمِ فُلانِ ابْنِ فُلانٍ، وهَذا مِنَ البُعْدِ بِمَكانٍ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: بِإمامِهِمْ بِأُمَّهاتِهِمْ، عَلى أنَّ إمامَ جَمْعُ أُمٍّ كَخُفٍّ وخِفافٍ، وهَذا بِعِيدٌ جِدًّا. وقِيلَ: الإمامُ هو كُلُّ خُلُقٍ يَظْهَرُ مِنَ الإنْسانِ حَسَنٍ كالعِلْمِ والكَرَمِ والشَّجاعَةِ، أوْ قَبِيحٍ كَأضْدادِها، فالدّاعِي إلى تِلْكَ الأفْعالِ خُلُقٌ باطِنٌ هو كالإمامِ، ذَكَرَ مَعْناهُ الرّازِيُّ في تَفْسِيرِهِ ﴿فَمَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ مِن أُولَئِكَ المَدْعُوِينَ. وتَخْصِيصُ اليَمِينِ بِالذِّكْرِ لِلتَّشْرِيفِ والتَّبْشِيرِ ﴿فَأُولَئِكَ﴾ الإشارَةُ إلى ( مَن ) بِاعْتِبارِ مَعْناهُ. قِيلَ: ووَجْهُ الجَمْعِ: الإشارَةُ إلى أنَّهم مُجْتَمِعُونَ عَلى شَأْنٍ جَلِيلٍ، أوِ الإشْعارُ بِأنَّ قِراءَتَهم لِكُتُبِهِمْ تَكُونُ عَلى وجْهِ الِاجْتِماعِ لا عَلى وجْهِ الِانْفِرادِ ﴿يَقْرَءُونَ كِتابَهُمْ﴾ الَّذِي أُوتُوهُ ﴿ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ أيْ: لا يُنْقَصُونَ مِن أُجُورِهِمْ قَدْرَ فَتِيلٍ، وهو القِشْرَةُ الَّتِي في شِقِّ النَّواةِ، أوْ هو عِبارَةٌ عَنْ أقَلِّ شَيْءٍ. ولَمْ يَذْكُرْ أصْحابَ الشِّمالِ تَصْرِيحًا، ولَكِنَّهُ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما يَدُلُّ عَلى حالِهِمُ القَبِيحِ فَقالَ: ﴿ومَن كانَ في هَذِهِ أعْمى﴾ أيْ: مَن كانَ مِنَ المَدْعُوِينَ في هَذِهِ الدُّنْيا أعْمى أيْ: فاقِدَ البَصِيرَةِ. قالَ النَّيْسابُورِيُّ: لا خِلافَ أنَّ المُرادَ بِهَذا العَمى عَمى القَلْبِ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَهُوَ في الآخِرَةِ أعْمى﴾ فَيُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ عَمى البَصَرِ كَقَوْلِهِ: ﴿ونَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى﴾ ﴿قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أعْمى وقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ [طه: ١٢٤، ١٢٥] وفي هَذا زِيادَةُ العُقُوبَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ عَمى القَلْبِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالآخِرَةِ عَمَلُ الآخِرَةِ أيْ: فَهو في عَمَلِ أوْ في أمْرِ الآخِرَةِ أعْمى، وقِيلَ: المُرادُ مَن عَمِي عَنِ النِّعَمِ الَّتِي أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلَيْهِ في الدُّنْيا، فَهو عَنْ نِعَمِ الآخِرَةِ أعْمى، وقِيلَ: مَن كانَ في الدُّنْيا الَّتِي تُقْبَلُ فِيها التَّوْبَةُ أعْمى فَهو في الآخِرَةِ الَّتِي لا تَوْبَةَ فِيها أعْمى، وقِيلَ: مَن كانَ في الدُّنْيا أعْمى عَنْ حُجَجِ اللَّهِ فَهو في الآخِرَةِ أعْمى. وقَدْ قِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَهُوَ في الآخِرَةِ أعْمى﴾ أفْعَلُ تَفْضِيلٍ: أيْ: أشَدُّ عَمًى، وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى أنَّهُ مِن عَمى القَلْبِ؛ إذْ لا يُقالُ ذَلِكَ في عَمى العَيْنِ. قالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ: لِأنَّهُ خَلَقَهُ بِمَنزِلَةِ اليَدِ والرِّجْلِ، فَلا يُقالُ: ما أعْماهُ كَما لا يُقالُ: ما أيْداهُ. وقالَ الأخْفَشُ: لا يُقالُ فِيهِ ذَلِكَ لِأنَّهُ أكْثَرُ مِن أحْرُفٍ. وقَدْ حَكى الفَرّاءُ عَنْ بَعْضِ العَرَبِ أنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: ما أسْوَدَ شَعَرَهُ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أمّا المُلُوكُ فَأنْتَ اليَوْمَ ألْأمُهم لُؤْمًا وأبْيَضُهم سِرْبالَ طَبّاخِ والبَحْثُ مُسْتَوْفًي في النَّحْوِ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ ( أعْمى ) بِالإمالَةِ في المَوْضِعَيْنِ، وقَرَأهُما أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ والباقُونَ بِغَيْرِ إمالَةٍ، وأمالَ أبُو عُبَيْدٍ الأوَّلَ دُونَ الثّانِي ﴿وأضَلُّ سَبِيلًا﴾ يَعْنِي أنَّ هَذا أضَلُّ سَبِيلًا مِنَ الأعْمى لِكَوْنِهِ لا يَجِدُ طَرِيقًا إلى الهِدايَةِ، بِخِلافِ الأعْمى فَقَدْ يَهْتَدِي في بَعْضِ الأحْوالِ. ثُمَّ لَمّا عَدَّدَ سُبْحانَهُ في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ أقْسامَ النِّعَمِ عَلى بَنِي آدَمَ أرْدَفَهُ بِما يَجْرِي مَجْرى التَّحْذِيرِ مِن الِاغْتِرارِ بِوَساوِسِ الأشْقِياءِ فَقالَ: ﴿وإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ ( إنْ ): هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واسْمُها ضَمِيرُ شَأْنٍ مَحْذُوفٌ، واللّامُ: هي الفارِقَةُ بَيْنَها وبَيْنَ النّافِيَةِ، والمَعْنى: وإنَّ الشَّأْنَ قارَبُوا أنْ يَخْدَعُوكَ فاتِنِينَ، وأصْلُ الفِتْنَةِ الِاخْتِبارُ، ومِنهُ فَتَنَ الصّائِغُ الذَّهَبَ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في كُلِّ مَن أزالَ الشَّيْءَ عَنْ حَدِّهِ وجِهَتِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ في إعْطائِهِمْ ما سَألُوهُ مُخالَفَةً لِحُكْمِ القُرْآنِ وافْتِراءً عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ مِن تَبْدِيلِ الوَعْدِ بِالوَعِيدِ وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿عَنِ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي والوَعْدِ والوَعِيدِ ﴿لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ﴾ لِتَتَقَوَّلَ عَلَيْنا غَيْرَ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ مِمّا اقْتَرَحَهُ عَلَيْكَ كُفّارُ قُرَيْشٍ ﴿وإذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾ أيْ: لَوِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا لَهم، أيْ: والَوْكَ وصافَوْكَ، مَأْخُوذٌ مِنَ الخَلَّةِ بِفَتْحِ الخاءِ. ﴿ولَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ﴾ عَلى الحَقِّ وعَصَمْناكَ عَنْ مُوافَقَتِهِمْ ﴿لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ﴾ لَقارَبْتَ أنْ تَمِيلَ إلَيْهِمْ أدْنى مَيْلٍ، والرُّكُونُ هو المَيْلُ اليَسِيرُ، ولِهَذا قالَ: ( شَيْئًا قَلِيلًا ) لَكِنْ أدْرَكَتْهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - العِصْمَةُ فَمَنَعَتْهُ مِن أنْ يَقْرُبَ مِن أدْنى مَراتِبِ الرُّكُونِ إلَيْهِمْ، فَضْلًا عَنْ نَفْسِ الرُّكُونِ، وهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ما هَمَّ بِإجابَتِهِمْ، ذَكَرَ مَعْناهُ القُشَيْرِيُّ وغَيْرُهُ، وقِيلَ: المَعْنى: وإنْ كادُوا لَيُخْبِرُونِ عَنْكَ بِأنَّكَ مِلْتَ إلى قَوْلِهِمْ، فَنُسِبَ فِعْلُهم إلَيْهِ مَجازًا واتِّساعًا كَما تَقُولُ لِلرَّجُلِ: كِدْتَ تَقْتُلُ نَفْسَكَ أيْ: كادَ النّاسُ يَقْتُلُونَكَ بِسَبَبِ ما فَعَلْتَ، ذَكَرَ مَعْناهُ الَمَهَدَوِيُّ. ثُمَّ تَوَعَّدَهُ سُبْحانَهُ في ذَلِكَ أشَدَّ الوَعِيدِ فَقالَ: ﴿إذًا لَأذَقْناكَ ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ﴾ أيْ: لَوْ قارَبْتَ أنْ تَرْكَنَ إلَيْهِمْ، أيْ: مِثْلَيْ ما يُعَذَّبُ بِهِ غَيْرُكَ مِمَّنْ يَفْعَلُ هَذا الفِعْلَ في الدّارَيْنِ، والمَعْنى: عَذابًا ضِعْفًا في الحَياةِ وعَذابًا ضِعْفًا في المَماتِ: أيْ: مُضاعَفًا، ثُمَّ حُذِفَ المَوْصُوفُ وأُقِيمَتِ الصِّفَةُ مَقامَهُ وأُضِيفَتْ، وذَلِكَ لِأنَّ خَطَأ العَظِيمِ عَظِيمٌ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿يانِساءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠] . وضِعْفُ الشَّيْءِ مِثْلاهُ، وقَدْ يَكُونُ الضِّعْفُ النَّصِيبَ كَقَوْلِهِ: ( لِكُلٍّ ضِعْفٌ ) [الأعراف: ٣٨] أيْ: نَصِيبٌ. قالَ الرّازِيُّ: حاصِلُ الكَلامِ أنَّكَ لَوْ مَكَّنْتَ خَواطِرَ الشَّيْطانِ مِن قَلْبِكَ وعَقَدْتَ عَلى الرُّكُونِ هَمَّكَ لاسْتَحْقَقْتَ تَضْعِيفَ العَذابِ عَلَيْكَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، ولَصارَ عَذابُكَ مِثْلَيْ عَذابِ المُشْرِكِ في الدُّنْيا ومِثْلَيْ عَذابِهِ في الآخِرَةِ ﴿ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيرًا﴾ (p-٨٣٦)يَنْصُرُكَ فَيَدْفَعُ عَنْكَ هَذا العَذابَ. قالَ النَّيْسابُورِيُّ: اعْلَمْ أنَّ القُرْبَ مِنَ الفِتْنَةِ لا يَدُلُّ عَلى الوُقُوعِ فِيها، والتَّهْدِيدَ عَلى المَعْصِيَةِ لا يَدُلُّ عَلى الإقْدامِ عَلَيْها، فَلا يَلْزَمُ مِنَ الآيَةِ طَعْنٌ في العِصْمَةِ. ﴿وإنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ﴾ الكَلامُ في هَذا كالكَلامِ في ﴿وإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ أيْ: وإنَّ الشَّأْنَ أنَّهم قارَبُوا أنْ يُزْعِجُوكَ مِن أرْضِ مَكَّةَ لِتَخْرُجَ عَنْها، ولَكِنَّهُ لَمْ يَقَعْ ذَلِكَ مِنهم، بَلْ مَنَعَهُمُ اللَّهُ مِنهُ حَتّى هاجَرَ بِأمْرِ رَبِّهِ وبَعْدَ أنْ هَمُّوا بِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ أُطْلِقَ الإخْراجُ عَلى إرادَةِ الإخْراجِ تَجْوِيزًا ﴿وإذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إلّا قَلِيلًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ( لَيَسْتَفِزُّونَكَ ) أيْ: لا يَبْقُونَ بَعْدَ إخْراجِكَ إلّا زَمَنًا قَلِيلًا. ثُمَّ عُوقِبُوا عُقُوبَةً تَسْتَأْصِلُهم جَمِيعًا. وقَرَأ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ ( لا يُلَبَّثُوا ) بِتَشْدِيدِ الباءِ المُوَحَّدَةِ. وقُرِئَ ( لا يَلْبَثُوا ) بِالنَّصْبِ عَلى إعْمالِ ( إذَنْ ) عَلى أنَّ الجُمْلَةَ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ( وإنْ كادُوا ) لا عَلى الخَبَرِ فَقَطْ. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو بَكْرٍ وأبُو عَمْرٍو ( خَلْفَكَ ) ومَعْناهُ بَعْدَكَ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( خِلافَكَ ) ومَعْناهُ أيْضًا بَعْدَكَ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ( خِلافَكَ ) بِمَعْنى مُخالَفَتِكَ، واخْتارَ أبُو حاتِمٍ القِراءَةَ الثّانِيَةَ لِقَوْلِهِ: ﴿فَرِحَ المُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٨١] . ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ ( خِلافَ ) بِمَعْنى ( بَعْدَ ) قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎عَفَتِ الدِّيارُ خِلافَها فَكَأنَّما ∗∗∗ بَسَطَ الشَّواطِبُ بَيْنَهُنَّ حَصِيرا يُقالُ: شَطَبَتِ المَرْأةُ الجَرِيدَ إذا شَقَّقَتُهُ لِتَعْمَلَ مِنهُ الحَصِيرَ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ثُمَّ تُلْقِيهِ الشّاطِبَةُ إلى المُثَقِّبَةِ. ﴿سُنَّةَ مَن قَدْ أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِن رُسُلِنا﴾ ( سُنَّةَ ) مُنْتَصِبَةٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ: أيْ: سَنَّ اللَّهُ سُنَّةً. وقالَ الفَرّاءُ أيْ: يُعَذَّبُونَ كَسُنَّةِ مَن قَدْ أرْسَلْنا، فَلَمّا سَقَطَ الخافِضُ عَمَلَ الفِعْلُ. وقِيلَ: المَعْنى: سُنَّتُنا سُنَّةَ مَن قَدْ أرْسَلْنا. قالَ الزَّجّاجُ: يَقُولُ: إنَّ سُنَّتَنا هَذِهِ السُّنَّةَ فِيمَن أرْسَلْنا قَبْلَكَ إلَيْهِمْ أنَّهم إذا أخْرَجُوا نَبِيَّهم مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ أوْ قَتَلُوهُ أنْ يَنْزِلَ العَذابُ بِهِمْ ﴿ولا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلًا﴾ أيْ: ما أجْرى اللَّهُ بِهِ العادَةَ لَمْ يَتَمَكَّنْ أحَدٌ مِن تَحْوِيلِهِ ولا يَقْدِرُ عَلى تَغْيِيرِهِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ﴾ قالَ: إمامُ هُدًى وإمامُ ضَلالَةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والخَطِيبُ في تارِيخِهِ عَنْ أنَسٍ في الآيَةِ قالَ: نَبِيُّهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: بِكِتابِ أعْمالِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلَيٍّ في الآيَةِ قالَ: يُدْعى كُلُّ قَوْمٍ بِإمامِ زَمانِهِمْ، وكِتابِ رَبِّهِمْ وسُنَّةِ نَبِيِّهِمْ. وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والبَزّارُ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ حِبّانَ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ﴾ قالَ: «يُدْعى أحَدُهم فَيُعْطى كِتابَهُ بِيَمِينِهِ ويُمَدُّ لَهُ في جِسْمِهِ سِتِّينَ ذِراعًا ويَبْيَضُّ وجْهُهُ، ويُجْعَلُ عَلى رَأْسِهِ تاجٌ مِن لُؤْلُؤٍ يَتَلَأْلَأُ، فَيَنْطَلِقُ إلى أصْحابِهِ فَيَرَوْنَهُ مِن بَعِيدٍ فَيَقُولُونَ: اللَّهُمَّ ائْتِنا بِهَذا وبارِكْ لَنا في هَذا، حَتّى يَأْتِيَهم فَيَقُولُ: أبْشِرُوا لِكُلِّ رَجُلٍ مِنكم مِثْلُ هَذا، وأمّا الكافِرُ فَيَسْوَدُّ وجْهُهُ ويُمَدُّ لَهُ في جِسْمِهِ سِتِّينَ ذِراعًا عَلى صُورَةِ آدَمَ، ويُلْبَسُ تاجًا فَيَراهُ أصْحابُهُ فَيَقُولُونَ: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِن شَرِّ هَذا، اللَّهُمَّ لا تَأْتِنا بِهَذا، قالَ: فَيَأْتِيهِمْ فَيَقُولُونَ: اللَّهُمَّ اخْزِهِ، فَيَقُولُ: أبْعَدَكُمُ اللَّهُ، فَإنَّ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنكم مِثْلَ هَذا» . قالَ البَزّارُ بَعْدَ إخْراجِهِ: لا يُرْوى إلّا مِن هَذا الوَجْهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن كانَ في هَذِهِ أعْمى﴾ يَقُولُ: مَن كانَ في الدُّنْيا أعْمى عَمّا يَرى مِن قُدْرَتِي مِن خَلْقِ السَّماءِ والأرْضِ والجِبالِ والبِحارِ والنّاسِ والدَّوابِّ وأشْباهِ هَذا ( ﴿فَهُوَ﴾ ) عَمّا وصَفْتُ لَهُ ( ﴿فِي الآخِرَةِ﴾ ) ولَمْ يَرَهُ ﴿أعْمى وأضَلُّ سَبِيلًا﴾ يَقُولُ: أبْعَدُ حُجَّةً. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنْهُ نَحْوَ هَذا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا يَقُولُ: مَن عَمِيَ عَنْ قُدْرَةِ اللَّهِ في الدُّنْيا فَهو في الآخِرَةِ أعْمى. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: «إنَّ أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ وأبا جَهْلِ بْنَ هِشامٍ ورِجالًا مِن قُرَيْشٍ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالُوا: تَعالَ فَتَمْسَحْ آلِهَتَنا ونَدْخُلْ مَعَكَ في دِينِكَ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَشْتَدُّ عَلَيْهِ فِراقُ قَوْمِهِ ويُحِبُّ إسْلامَهم، فَرَقَّ لَهم، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿وإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ إلى قَوْلِهِ: نَصِيرًا» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ ياذانَ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَسْتَلِمُ الحَجَرَ، فَقالُوا: لا نَدَعُكَ تَسْتَلِمُهُ حَتّى تَسْتَلِمَ بِآلِهَتِنا، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: وما عَلَيَّ لَوْ فَعَلْتُ واللَّهُ يَعْلَمُ مِنِّي خِلافَهُ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ «أنَّ قُرَيْشًا أتَوُا النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالُوا لَهُ: إنْ كُنْتَ أُرْسِلْتَ إلَيْنا فاطْرُدِ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ مِن سِقاطِ النّاسِ ومَوالِيهِمْ لِنَكُونَ نَحْنُ أصْحابَكَ، فَرَكَنَ إلَيْهِمْ، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: ﴿وإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيِّ قالَ: أنْزَلَ اللَّهُ ﴿والنَّجْمِ إذا هَوى﴾ [النجم: ١] . فَقَرَأ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - هَذِهِ الآيَةَ: ﴿أفَرَأيْتُمُ اللّاتَ والعُزّى﴾ [النجم: ١٩] فَألْقى عَلَيْهِ الشَّيْطانُ تِلْكَ الغَرانِيقُ العُلى، وإنَّ شَفاعَتَهم لَتُرْتَجى، فَقَرَأ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ما بَقِيَ مِنَ السُّورَةِ وسَجَدَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ الآيَةَ، فَما زالَ مَهْمُومًا مَغْمُومًا حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ إلّا إذا تَمَنّى﴾ [الحج: ٣٢] الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ ثَقِيفًا قالُوا لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: أجِّلْنا سَنَةً حَتّى يُهْدى لِآلِهَتِنا، فَإذا قَبَضْنا الَّذِي يُهْدى لِلْآلِهَةِ أحْرَزْناهُ ثُمَّ أسْلَمْنا وكَسَّرْنا الآلِهَةَ، فَهَمَّ أنْ يُؤَجِّلَهم، فَنَزَلَتْ: ﴿وإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ﴾ يَعْنِي ضِعْفَ عَذابِ الدُّنْيا والآخِرَةِ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنِ الحَسَنِ في الآيَةِ قالَ: هو عَذابُ القَبْرِ. (p-٨٣٧)وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ عَطاءٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: قالَ المُشْرِكُونَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: كانَتِ الأنْبِياءُ تَسْكُنُ الشّامَ، فَما لَكَ والمَدِينَةِ ؟ فَهَمَّ أنْ يُشَخِصَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿وإنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرْضِ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ حَضْرَمِيٍّ أنَّهُ بَلَغَهُ أنَّ بَعْضَ اليَهُودِ فَذَكَرَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ «أنَّ اليَهُودَ أتَوُا النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالُوا: إنْ كُنْتَ نَبِيًّا فالحَقْ بِالشّامِ؛ فَإنَّ الشّامَ أرْضُ المَحْشَرِ وأرْضُ الأنْبِياءِ، فَصَدَّقَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ما قالُوا، فَتَحَرّى غَزْوَةَ تَبُوكَ لا يُرِيدُ إلّا الشّامَ، فَلَمّا بَلَغَ تَبُوكَ أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ آياتٍ مِن سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ بَعْدَ ما خُتِمَتِ السُّورَةُ ﴿وإنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ( تَحْوِيلًا ) فَأمَرَهُ بِالرُّجُوعِ إلى المَدِينَةِ، وقالَ: فِيها مَحْياكَ وفِيها مَماتُكَ ومِنها تُبْعَثُ، وقالَ لَهُ جِبْرِيلُ: سَلْ رَبَّكَ فَإنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ مَسْألَةً. فَقالَ: ما تَأْمُرُنِي أنْ أسْألَ ؟ قالَ: ﴿وقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وأخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ واجْعَلْ لِي مِن لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا﴾ فَهَؤُلاءِ نَزَلْنَ عَلَيْهِ في رَجَعَتِهِ مِن تَبُوكَ» . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وفي هَذا الإسْنادِ نَظَرٌ، والظّاهِرُ أنَّهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، فَإنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَمْ يَغْزُ تَبُوكَ عَنْ قَوْلِ اليَهُودِ، وإنَّما غَزاها امْتِثالًا لِقَوْلِهِ: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكم مِنَ الكُفّارِ﴾ [التوبة: ١٢٣] . وغَزاها لِيَقْتَصَّ ويَنْتَقِمَ مِمَّنْ قَتَلَ أهْلَ مُؤْتَةَ مِن أصْحابِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرْضِ﴾ قالَ: هَمَّ أهْلُ مَكَّةَ بِإخْراجِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن مَكَّةَ وقَدْ فَعَلُوا بَعْدَ ذَلِكَ، فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ يَوْمَ بَدْرٍ ولَمْ يَلْبَثُوا بَعْدَهُ إلّا قَلِيلًا حَتّى أهْلَكَهُمُ اللَّهُ يَوْمَ بَدْرٍ، وكَذَلِكَ كانَتْ سُنَّةَ اللَّهِ في الرُّسُلِ إذا فَعَلَ بِهِمْ قَوْمُهم مِثْلَ ذَلِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إلّا قَلِيلًا﴾ قالَ: يَعْنِي بِالقَلِيلِ يَوْمَ أخْذِهِمْ بِبَدْرٍ، فَكانَ ذَلِكَ هو القَلِيلَ الَّذِينَ لَبِثُوا بَعْدَهُ.

الإسراء 17:72

. قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ، وهو مَنصُوبٌ عَلى مَعْنى اذْكُرْ يَوْمَ نَدْعُو. وقُرِئَ ( يَدْعُو ) بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ ( ويُدْعى ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، والباءُ في ( بِإمامِهِمْ ) لِلْإلْصاقِ كَما تَقُولُ: أدْعُوكَ بِاسْمِكَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُتَعَلِّقَةً بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ، والتَّقْدِيرُ: نَدْعُو كُلَّ أُناسٍ مُتَلَبِّسِينَ بِإمامِهِمْ أيْ: يُدْعَوْنَ وإمامُهم فِيهِمْ. نَحْوَ رَكْبٍ بِجُنُودِهِ، والأوَّلُ أُولى. والإمامُ في اللُّغَةِ: كُلُّ ما يُؤْتَمُّ بِهِ مِن نَبِيٍّ أوْ مُقَدَّمٍ في الدِّينِ أوْ كِتابٍ. وقَدِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في تَعْيِينِ الإمامِ الَّذِي تُدْعى كُلُّ أُناسٍ بِهِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ: إنَّهُ كِتابُ كُلِّ إنْسانٍ، الَّذِي فِيهِ عَمَلُهُ أيْ: يُدْعى كُلُّ إنْسانٍ بِكِتابِ (p-٨٣٥)عَمَلِهِ، ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ﴾ [الحاقة: ١٩] الآيَةَ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ الإمامُ: هو الكِتابُ المُنَزَّلُ عَلَيْهِمْ، فَيُدْعى أهْلُ التَّوْراةِ بِالتَّوْراةِ، وأهْلُ الإنْجِيلِ بِالإنْجِيلِ، وأهْلُ القُرْآنِ بِالقُرْآنِ، فَيُقالُ: يا أهْلَ التَّوْراةِ يا أهْلَ الإنْجِيلِ يا أهْلَ القُرْآنِ. وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: إمامُهم نَبِيُّهم، فَيُقالُ: هاتُوا مُتَّبِعِي إبْراهِيمَ، هاتُوا مُتَّبِعِي مُوسى، هاتُوا مُتَّبِعِي عِيسى، هاتُوا مُتَّبِعِي مُحَمَّدٍ، وبِهِ قالَ الزَّجّاجُ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - المُرادُ بِالإمامِ إمامُ عَصْرِهِمْ، فَيُدْعى أهْلُ كُلِّ عَصْرٍ بِإمامِهِمْ الَّذِي كانُوا يَأْتَمِرُونَ بِأمْرِهِ ويَنْتَهُونَ بِنَهْيِهِ. وقالَ الحَسَنُ وأبُو العالِيَةِ: المُرادُ بِإمامِهِمْ أعْمالُهم، فَيُقالُ مَثَلًا: أيْنَ المُجاهِدُونَ أيْنَ الصّابِرُونَ أيْنَ الصّائِمُونَ أيْنَ المُصَلُّونَ ؟ ونَحْوُ ذَلِكَ. ورُوِيَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأبِي هُرَيْرَةَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المُرادُ بِإمامِهِمْ صاحِبُ مَذْهَبِهِمْ، فَيُقالُ مَثَلًا: أيْنَ التّابِعُونَ لِلْعالِمِ فُلانِ ابْنِ فُلانٍ، وهَذا مِنَ البُعْدِ بِمَكانٍ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: بِإمامِهِمْ بِأُمَّهاتِهِمْ، عَلى أنَّ إمامَ جَمْعُ أُمٍّ كَخُفٍّ وخِفافٍ، وهَذا بِعِيدٌ جِدًّا. وقِيلَ: الإمامُ هو كُلُّ خُلُقٍ يَظْهَرُ مِنَ الإنْسانِ حَسَنٍ كالعِلْمِ والكَرَمِ والشَّجاعَةِ، أوْ قَبِيحٍ كَأضْدادِها، فالدّاعِي إلى تِلْكَ الأفْعالِ خُلُقٌ باطِنٌ هو كالإمامِ، ذَكَرَ مَعْناهُ الرّازِيُّ في تَفْسِيرِهِ ﴿فَمَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ مِن أُولَئِكَ المَدْعُوِينَ. وتَخْصِيصُ اليَمِينِ بِالذِّكْرِ لِلتَّشْرِيفِ والتَّبْشِيرِ ﴿فَأُولَئِكَ﴾ الإشارَةُ إلى ( مَن ) بِاعْتِبارِ مَعْناهُ. قِيلَ: ووَجْهُ الجَمْعِ: الإشارَةُ إلى أنَّهم مُجْتَمِعُونَ عَلى شَأْنٍ جَلِيلٍ، أوِ الإشْعارُ بِأنَّ قِراءَتَهم لِكُتُبِهِمْ تَكُونُ عَلى وجْهِ الِاجْتِماعِ لا عَلى وجْهِ الِانْفِرادِ ﴿يَقْرَءُونَ كِتابَهُمْ﴾ الَّذِي أُوتُوهُ ﴿ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ أيْ: لا يُنْقَصُونَ مِن أُجُورِهِمْ قَدْرَ فَتِيلٍ، وهو القِشْرَةُ الَّتِي في شِقِّ النَّواةِ، أوْ هو عِبارَةٌ عَنْ أقَلِّ شَيْءٍ. ولَمْ يَذْكُرْ أصْحابَ الشِّمالِ تَصْرِيحًا، ولَكِنَّهُ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما يَدُلُّ عَلى حالِهِمُ القَبِيحِ فَقالَ: ﴿ومَن كانَ في هَذِهِ أعْمى﴾ أيْ: مَن كانَ مِنَ المَدْعُوِينَ في هَذِهِ الدُّنْيا أعْمى أيْ: فاقِدَ البَصِيرَةِ. قالَ النَّيْسابُورِيُّ: لا خِلافَ أنَّ المُرادَ بِهَذا العَمى عَمى القَلْبِ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَهُوَ في الآخِرَةِ أعْمى﴾ فَيُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ عَمى البَصَرِ كَقَوْلِهِ: ﴿ونَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى﴾ ﴿قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أعْمى وقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ [طه: ١٢٤، ١٢٥] وفي هَذا زِيادَةُ العُقُوبَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ عَمى القَلْبِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالآخِرَةِ عَمَلُ الآخِرَةِ أيْ: فَهو في عَمَلِ أوْ في أمْرِ الآخِرَةِ أعْمى، وقِيلَ: المُرادُ مَن عَمِي عَنِ النِّعَمِ الَّتِي أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلَيْهِ في الدُّنْيا، فَهو عَنْ نِعَمِ الآخِرَةِ أعْمى، وقِيلَ: مَن كانَ في الدُّنْيا الَّتِي تُقْبَلُ فِيها التَّوْبَةُ أعْمى فَهو في الآخِرَةِ الَّتِي لا تَوْبَةَ فِيها أعْمى، وقِيلَ: مَن كانَ في الدُّنْيا أعْمى عَنْ حُجَجِ اللَّهِ فَهو في الآخِرَةِ أعْمى. وقَدْ قِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَهُوَ في الآخِرَةِ أعْمى﴾ أفْعَلُ تَفْضِيلٍ: أيْ: أشَدُّ عَمًى، وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى أنَّهُ مِن عَمى القَلْبِ؛ إذْ لا يُقالُ ذَلِكَ في عَمى العَيْنِ. قالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ: لِأنَّهُ خَلَقَهُ بِمَنزِلَةِ اليَدِ والرِّجْلِ، فَلا يُقالُ: ما أعْماهُ كَما لا يُقالُ: ما أيْداهُ. وقالَ الأخْفَشُ: لا يُقالُ فِيهِ ذَلِكَ لِأنَّهُ أكْثَرُ مِن أحْرُفٍ. وقَدْ حَكى الفَرّاءُ عَنْ بَعْضِ العَرَبِ أنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: ما أسْوَدَ شَعَرَهُ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أمّا المُلُوكُ فَأنْتَ اليَوْمَ ألْأمُهم لُؤْمًا وأبْيَضُهم سِرْبالَ طَبّاخِ والبَحْثُ مُسْتَوْفًي في النَّحْوِ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ ( أعْمى ) بِالإمالَةِ في المَوْضِعَيْنِ، وقَرَأهُما أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ والباقُونَ بِغَيْرِ إمالَةٍ، وأمالَ أبُو عُبَيْدٍ الأوَّلَ دُونَ الثّانِي ﴿وأضَلُّ سَبِيلًا﴾ يَعْنِي أنَّ هَذا أضَلُّ سَبِيلًا مِنَ الأعْمى لِكَوْنِهِ لا يَجِدُ طَرِيقًا إلى الهِدايَةِ، بِخِلافِ الأعْمى فَقَدْ يَهْتَدِي في بَعْضِ الأحْوالِ. ثُمَّ لَمّا عَدَّدَ سُبْحانَهُ في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ أقْسامَ النِّعَمِ عَلى بَنِي آدَمَ أرْدَفَهُ بِما يَجْرِي مَجْرى التَّحْذِيرِ مِن الِاغْتِرارِ بِوَساوِسِ الأشْقِياءِ فَقالَ: ﴿وإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ ( إنْ ): هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واسْمُها ضَمِيرُ شَأْنٍ مَحْذُوفٌ، واللّامُ: هي الفارِقَةُ بَيْنَها وبَيْنَ النّافِيَةِ، والمَعْنى: وإنَّ الشَّأْنَ قارَبُوا أنْ يَخْدَعُوكَ فاتِنِينَ، وأصْلُ الفِتْنَةِ الِاخْتِبارُ، ومِنهُ فَتَنَ الصّائِغُ الذَّهَبَ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في كُلِّ مَن أزالَ الشَّيْءَ عَنْ حَدِّهِ وجِهَتِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ في إعْطائِهِمْ ما سَألُوهُ مُخالَفَةً لِحُكْمِ القُرْآنِ وافْتِراءً عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ مِن تَبْدِيلِ الوَعْدِ بِالوَعِيدِ وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿عَنِ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي والوَعْدِ والوَعِيدِ ﴿لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ﴾ لِتَتَقَوَّلَ عَلَيْنا غَيْرَ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ مِمّا اقْتَرَحَهُ عَلَيْكَ كُفّارُ قُرَيْشٍ ﴿وإذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾ أيْ: لَوِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا لَهم، أيْ: والَوْكَ وصافَوْكَ، مَأْخُوذٌ مِنَ الخَلَّةِ بِفَتْحِ الخاءِ. ﴿ولَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ﴾ عَلى الحَقِّ وعَصَمْناكَ عَنْ مُوافَقَتِهِمْ ﴿لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ﴾ لَقارَبْتَ أنْ تَمِيلَ إلَيْهِمْ أدْنى مَيْلٍ، والرُّكُونُ هو المَيْلُ اليَسِيرُ، ولِهَذا قالَ: ( شَيْئًا قَلِيلًا ) لَكِنْ أدْرَكَتْهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - العِصْمَةُ فَمَنَعَتْهُ مِن أنْ يَقْرُبَ مِن أدْنى مَراتِبِ الرُّكُونِ إلَيْهِمْ، فَضْلًا عَنْ نَفْسِ الرُّكُونِ، وهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ما هَمَّ بِإجابَتِهِمْ، ذَكَرَ مَعْناهُ القُشَيْرِيُّ وغَيْرُهُ، وقِيلَ: المَعْنى: وإنْ كادُوا لَيُخْبِرُونِ عَنْكَ بِأنَّكَ مِلْتَ إلى قَوْلِهِمْ، فَنُسِبَ فِعْلُهم إلَيْهِ مَجازًا واتِّساعًا كَما تَقُولُ لِلرَّجُلِ: كِدْتَ تَقْتُلُ نَفْسَكَ أيْ: كادَ النّاسُ يَقْتُلُونَكَ بِسَبَبِ ما فَعَلْتَ، ذَكَرَ مَعْناهُ الَمَهَدَوِيُّ. ثُمَّ تَوَعَّدَهُ سُبْحانَهُ في ذَلِكَ أشَدَّ الوَعِيدِ فَقالَ: ﴿إذًا لَأذَقْناكَ ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ﴾ أيْ: لَوْ قارَبْتَ أنْ تَرْكَنَ إلَيْهِمْ، أيْ: مِثْلَيْ ما يُعَذَّبُ بِهِ غَيْرُكَ مِمَّنْ يَفْعَلُ هَذا الفِعْلَ في الدّارَيْنِ، والمَعْنى: عَذابًا ضِعْفًا في الحَياةِ وعَذابًا ضِعْفًا في المَماتِ: أيْ: مُضاعَفًا، ثُمَّ حُذِفَ المَوْصُوفُ وأُقِيمَتِ الصِّفَةُ مَقامَهُ وأُضِيفَتْ، وذَلِكَ لِأنَّ خَطَأ العَظِيمِ عَظِيمٌ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿يانِساءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠] . وضِعْفُ الشَّيْءِ مِثْلاهُ، وقَدْ يَكُونُ الضِّعْفُ النَّصِيبَ كَقَوْلِهِ: ( لِكُلٍّ ضِعْفٌ ) [الأعراف: ٣٨] أيْ: نَصِيبٌ. قالَ الرّازِيُّ: حاصِلُ الكَلامِ أنَّكَ لَوْ مَكَّنْتَ خَواطِرَ الشَّيْطانِ مِن قَلْبِكَ وعَقَدْتَ عَلى الرُّكُونِ هَمَّكَ لاسْتَحْقَقْتَ تَضْعِيفَ العَذابِ عَلَيْكَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، ولَصارَ عَذابُكَ مِثْلَيْ عَذابِ المُشْرِكِ في الدُّنْيا ومِثْلَيْ عَذابِهِ في الآخِرَةِ ﴿ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيرًا﴾ (p-٨٣٦)يَنْصُرُكَ فَيَدْفَعُ عَنْكَ هَذا العَذابَ. قالَ النَّيْسابُورِيُّ: اعْلَمْ أنَّ القُرْبَ مِنَ الفِتْنَةِ لا يَدُلُّ عَلى الوُقُوعِ فِيها، والتَّهْدِيدَ عَلى المَعْصِيَةِ لا يَدُلُّ عَلى الإقْدامِ عَلَيْها، فَلا يَلْزَمُ مِنَ الآيَةِ طَعْنٌ في العِصْمَةِ. ﴿وإنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ﴾ الكَلامُ في هَذا كالكَلامِ في ﴿وإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ أيْ: وإنَّ الشَّأْنَ أنَّهم قارَبُوا أنْ يُزْعِجُوكَ مِن أرْضِ مَكَّةَ لِتَخْرُجَ عَنْها، ولَكِنَّهُ لَمْ يَقَعْ ذَلِكَ مِنهم، بَلْ مَنَعَهُمُ اللَّهُ مِنهُ حَتّى هاجَرَ بِأمْرِ رَبِّهِ وبَعْدَ أنْ هَمُّوا بِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ أُطْلِقَ الإخْراجُ عَلى إرادَةِ الإخْراجِ تَجْوِيزًا ﴿وإذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إلّا قَلِيلًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ( لَيَسْتَفِزُّونَكَ ) أيْ: لا يَبْقُونَ بَعْدَ إخْراجِكَ إلّا زَمَنًا قَلِيلًا. ثُمَّ عُوقِبُوا عُقُوبَةً تَسْتَأْصِلُهم جَمِيعًا. وقَرَأ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ ( لا يُلَبَّثُوا ) بِتَشْدِيدِ الباءِ المُوَحَّدَةِ. وقُرِئَ ( لا يَلْبَثُوا ) بِالنَّصْبِ عَلى إعْمالِ ( إذَنْ ) عَلى أنَّ الجُمْلَةَ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ( وإنْ كادُوا ) لا عَلى الخَبَرِ فَقَطْ. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو بَكْرٍ وأبُو عَمْرٍو ( خَلْفَكَ ) ومَعْناهُ بَعْدَكَ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( خِلافَكَ ) ومَعْناهُ أيْضًا بَعْدَكَ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ( خِلافَكَ ) بِمَعْنى مُخالَفَتِكَ، واخْتارَ أبُو حاتِمٍ القِراءَةَ الثّانِيَةَ لِقَوْلِهِ: ﴿فَرِحَ المُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٨١] . ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ ( خِلافَ ) بِمَعْنى ( بَعْدَ ) قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎عَفَتِ الدِّيارُ خِلافَها فَكَأنَّما ∗∗∗ بَسَطَ الشَّواطِبُ بَيْنَهُنَّ حَصِيرا يُقالُ: شَطَبَتِ المَرْأةُ الجَرِيدَ إذا شَقَّقَتُهُ لِتَعْمَلَ مِنهُ الحَصِيرَ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ثُمَّ تُلْقِيهِ الشّاطِبَةُ إلى المُثَقِّبَةِ. ﴿سُنَّةَ مَن قَدْ أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِن رُسُلِنا﴾ ( سُنَّةَ ) مُنْتَصِبَةٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ: أيْ: سَنَّ اللَّهُ سُنَّةً. وقالَ الفَرّاءُ أيْ: يُعَذَّبُونَ كَسُنَّةِ مَن قَدْ أرْسَلْنا، فَلَمّا سَقَطَ الخافِضُ عَمَلَ الفِعْلُ. وقِيلَ: المَعْنى: سُنَّتُنا سُنَّةَ مَن قَدْ أرْسَلْنا. قالَ الزَّجّاجُ: يَقُولُ: إنَّ سُنَّتَنا هَذِهِ السُّنَّةَ فِيمَن أرْسَلْنا قَبْلَكَ إلَيْهِمْ أنَّهم إذا أخْرَجُوا نَبِيَّهم مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ أوْ قَتَلُوهُ أنْ يَنْزِلَ العَذابُ بِهِمْ ﴿ولا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلًا﴾ أيْ: ما أجْرى اللَّهُ بِهِ العادَةَ لَمْ يَتَمَكَّنْ أحَدٌ مِن تَحْوِيلِهِ ولا يَقْدِرُ عَلى تَغْيِيرِهِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ﴾ قالَ: إمامُ هُدًى وإمامُ ضَلالَةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والخَطِيبُ في تارِيخِهِ عَنْ أنَسٍ في الآيَةِ قالَ: نَبِيُّهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: بِكِتابِ أعْمالِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلَيٍّ في الآيَةِ قالَ: يُدْعى كُلُّ قَوْمٍ بِإمامِ زَمانِهِمْ، وكِتابِ رَبِّهِمْ وسُنَّةِ نَبِيِّهِمْ. وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والبَزّارُ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ حِبّانَ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ﴾ قالَ: «يُدْعى أحَدُهم فَيُعْطى كِتابَهُ بِيَمِينِهِ ويُمَدُّ لَهُ في جِسْمِهِ سِتِّينَ ذِراعًا ويَبْيَضُّ وجْهُهُ، ويُجْعَلُ عَلى رَأْسِهِ تاجٌ مِن لُؤْلُؤٍ يَتَلَأْلَأُ، فَيَنْطَلِقُ إلى أصْحابِهِ فَيَرَوْنَهُ مِن بَعِيدٍ فَيَقُولُونَ: اللَّهُمَّ ائْتِنا بِهَذا وبارِكْ لَنا في هَذا، حَتّى يَأْتِيَهم فَيَقُولُ: أبْشِرُوا لِكُلِّ رَجُلٍ مِنكم مِثْلُ هَذا، وأمّا الكافِرُ فَيَسْوَدُّ وجْهُهُ ويُمَدُّ لَهُ في جِسْمِهِ سِتِّينَ ذِراعًا عَلى صُورَةِ آدَمَ، ويُلْبَسُ تاجًا فَيَراهُ أصْحابُهُ فَيَقُولُونَ: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِن شَرِّ هَذا، اللَّهُمَّ لا تَأْتِنا بِهَذا، قالَ: فَيَأْتِيهِمْ فَيَقُولُونَ: اللَّهُمَّ اخْزِهِ، فَيَقُولُ: أبْعَدَكُمُ اللَّهُ، فَإنَّ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنكم مِثْلَ هَذا» . قالَ البَزّارُ بَعْدَ إخْراجِهِ: لا يُرْوى إلّا مِن هَذا الوَجْهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن كانَ في هَذِهِ أعْمى﴾ يَقُولُ: مَن كانَ في الدُّنْيا أعْمى عَمّا يَرى مِن قُدْرَتِي مِن خَلْقِ السَّماءِ والأرْضِ والجِبالِ والبِحارِ والنّاسِ والدَّوابِّ وأشْباهِ هَذا ( ﴿فَهُوَ﴾ ) عَمّا وصَفْتُ لَهُ ( ﴿فِي الآخِرَةِ﴾ ) ولَمْ يَرَهُ ﴿أعْمى وأضَلُّ سَبِيلًا﴾ يَقُولُ: أبْعَدُ حُجَّةً. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنْهُ نَحْوَ هَذا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا يَقُولُ: مَن عَمِيَ عَنْ قُدْرَةِ اللَّهِ في الدُّنْيا فَهو في الآخِرَةِ أعْمى. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: «إنَّ أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ وأبا جَهْلِ بْنَ هِشامٍ ورِجالًا مِن قُرَيْشٍ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالُوا: تَعالَ فَتَمْسَحْ آلِهَتَنا ونَدْخُلْ مَعَكَ في دِينِكَ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَشْتَدُّ عَلَيْهِ فِراقُ قَوْمِهِ ويُحِبُّ إسْلامَهم، فَرَقَّ لَهم، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿وإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ إلى قَوْلِهِ: نَصِيرًا» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ ياذانَ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَسْتَلِمُ الحَجَرَ، فَقالُوا: لا نَدَعُكَ تَسْتَلِمُهُ حَتّى تَسْتَلِمَ بِآلِهَتِنا، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: وما عَلَيَّ لَوْ فَعَلْتُ واللَّهُ يَعْلَمُ مِنِّي خِلافَهُ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ «أنَّ قُرَيْشًا أتَوُا النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالُوا لَهُ: إنْ كُنْتَ أُرْسِلْتَ إلَيْنا فاطْرُدِ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ مِن سِقاطِ النّاسِ ومَوالِيهِمْ لِنَكُونَ نَحْنُ أصْحابَكَ، فَرَكَنَ إلَيْهِمْ، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: ﴿وإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيِّ قالَ: أنْزَلَ اللَّهُ ﴿والنَّجْمِ إذا هَوى﴾ [النجم: ١] . فَقَرَأ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - هَذِهِ الآيَةَ: ﴿أفَرَأيْتُمُ اللّاتَ والعُزّى﴾ [النجم: ١٩] فَألْقى عَلَيْهِ الشَّيْطانُ تِلْكَ الغَرانِيقُ العُلى، وإنَّ شَفاعَتَهم لَتُرْتَجى، فَقَرَأ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ما بَقِيَ مِنَ السُّورَةِ وسَجَدَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ الآيَةَ، فَما زالَ مَهْمُومًا مَغْمُومًا حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ إلّا إذا تَمَنّى﴾ [الحج: ٣٢] الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ ثَقِيفًا قالُوا لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: أجِّلْنا سَنَةً حَتّى يُهْدى لِآلِهَتِنا، فَإذا قَبَضْنا الَّذِي يُهْدى لِلْآلِهَةِ أحْرَزْناهُ ثُمَّ أسْلَمْنا وكَسَّرْنا الآلِهَةَ، فَهَمَّ أنْ يُؤَجِّلَهم، فَنَزَلَتْ: ﴿وإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ﴾ يَعْنِي ضِعْفَ عَذابِ الدُّنْيا والآخِرَةِ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنِ الحَسَنِ في الآيَةِ قالَ: هو عَذابُ القَبْرِ. (p-٨٣٧)وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ عَطاءٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: قالَ المُشْرِكُونَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: كانَتِ الأنْبِياءُ تَسْكُنُ الشّامَ، فَما لَكَ والمَدِينَةِ ؟ فَهَمَّ أنْ يُشَخِصَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿وإنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرْضِ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ حَضْرَمِيٍّ أنَّهُ بَلَغَهُ أنَّ بَعْضَ اليَهُودِ فَذَكَرَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ «أنَّ اليَهُودَ أتَوُا النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالُوا: إنْ كُنْتَ نَبِيًّا فالحَقْ بِالشّامِ؛ فَإنَّ الشّامَ أرْضُ المَحْشَرِ وأرْضُ الأنْبِياءِ، فَصَدَّقَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ما قالُوا، فَتَحَرّى غَزْوَةَ تَبُوكَ لا يُرِيدُ إلّا الشّامَ، فَلَمّا بَلَغَ تَبُوكَ أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ آياتٍ مِن سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ بَعْدَ ما خُتِمَتِ السُّورَةُ ﴿وإنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ( تَحْوِيلًا ) فَأمَرَهُ بِالرُّجُوعِ إلى المَدِينَةِ، وقالَ: فِيها مَحْياكَ وفِيها مَماتُكَ ومِنها تُبْعَثُ، وقالَ لَهُ جِبْرِيلُ: سَلْ رَبَّكَ فَإنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ مَسْألَةً. فَقالَ: ما تَأْمُرُنِي أنْ أسْألَ ؟ قالَ: ﴿وقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وأخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ واجْعَلْ لِي مِن لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا﴾ فَهَؤُلاءِ نَزَلْنَ عَلَيْهِ في رَجَعَتِهِ مِن تَبُوكَ» . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وفي هَذا الإسْنادِ نَظَرٌ، والظّاهِرُ أنَّهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، فَإنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَمْ يَغْزُ تَبُوكَ عَنْ قَوْلِ اليَهُودِ، وإنَّما غَزاها امْتِثالًا لِقَوْلِهِ: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكم مِنَ الكُفّارِ﴾ [التوبة: ١٢٣] . وغَزاها لِيَقْتَصَّ ويَنْتَقِمَ مِمَّنْ قَتَلَ أهْلَ مُؤْتَةَ مِن أصْحابِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرْضِ﴾ قالَ: هَمَّ أهْلُ مَكَّةَ بِإخْراجِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن مَكَّةَ وقَدْ فَعَلُوا بَعْدَ ذَلِكَ، فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ يَوْمَ بَدْرٍ ولَمْ يَلْبَثُوا بَعْدَهُ إلّا قَلِيلًا حَتّى أهْلَكَهُمُ اللَّهُ يَوْمَ بَدْرٍ، وكَذَلِكَ كانَتْ سُنَّةَ اللَّهِ في الرُّسُلِ إذا فَعَلَ بِهِمْ قَوْمُهم مِثْلَ ذَلِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إلّا قَلِيلًا﴾ قالَ: يَعْنِي بِالقَلِيلِ يَوْمَ أخْذِهِمْ بِبَدْرٍ، فَكانَ ذَلِكَ هو القَلِيلَ الَّذِينَ لَبِثُوا بَعْدَهُ.

الإسراء 17:73

. قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ، وهو مَنصُوبٌ عَلى مَعْنى اذْكُرْ يَوْمَ نَدْعُو. وقُرِئَ ( يَدْعُو ) بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ ( ويُدْعى ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، والباءُ في ( بِإمامِهِمْ ) لِلْإلْصاقِ كَما تَقُولُ: أدْعُوكَ بِاسْمِكَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُتَعَلِّقَةً بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ، والتَّقْدِيرُ: نَدْعُو كُلَّ أُناسٍ مُتَلَبِّسِينَ بِإمامِهِمْ أيْ: يُدْعَوْنَ وإمامُهم فِيهِمْ. نَحْوَ رَكْبٍ بِجُنُودِهِ، والأوَّلُ أُولى. والإمامُ في اللُّغَةِ: كُلُّ ما يُؤْتَمُّ بِهِ مِن نَبِيٍّ أوْ مُقَدَّمٍ في الدِّينِ أوْ كِتابٍ. وقَدِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في تَعْيِينِ الإمامِ الَّذِي تُدْعى كُلُّ أُناسٍ بِهِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ: إنَّهُ كِتابُ كُلِّ إنْسانٍ، الَّذِي فِيهِ عَمَلُهُ أيْ: يُدْعى كُلُّ إنْسانٍ بِكِتابِ (p-٨٣٥)عَمَلِهِ، ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ﴾ [الحاقة: ١٩] الآيَةَ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ الإمامُ: هو الكِتابُ المُنَزَّلُ عَلَيْهِمْ، فَيُدْعى أهْلُ التَّوْراةِ بِالتَّوْراةِ، وأهْلُ الإنْجِيلِ بِالإنْجِيلِ، وأهْلُ القُرْآنِ بِالقُرْآنِ، فَيُقالُ: يا أهْلَ التَّوْراةِ يا أهْلَ الإنْجِيلِ يا أهْلَ القُرْآنِ. وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: إمامُهم نَبِيُّهم، فَيُقالُ: هاتُوا مُتَّبِعِي إبْراهِيمَ، هاتُوا مُتَّبِعِي مُوسى، هاتُوا مُتَّبِعِي عِيسى، هاتُوا مُتَّبِعِي مُحَمَّدٍ، وبِهِ قالَ الزَّجّاجُ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - المُرادُ بِالإمامِ إمامُ عَصْرِهِمْ، فَيُدْعى أهْلُ كُلِّ عَصْرٍ بِإمامِهِمْ الَّذِي كانُوا يَأْتَمِرُونَ بِأمْرِهِ ويَنْتَهُونَ بِنَهْيِهِ. وقالَ الحَسَنُ وأبُو العالِيَةِ: المُرادُ بِإمامِهِمْ أعْمالُهم، فَيُقالُ مَثَلًا: أيْنَ المُجاهِدُونَ أيْنَ الصّابِرُونَ أيْنَ الصّائِمُونَ أيْنَ المُصَلُّونَ ؟ ونَحْوُ ذَلِكَ. ورُوِيَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأبِي هُرَيْرَةَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المُرادُ بِإمامِهِمْ صاحِبُ مَذْهَبِهِمْ، فَيُقالُ مَثَلًا: أيْنَ التّابِعُونَ لِلْعالِمِ فُلانِ ابْنِ فُلانٍ، وهَذا مِنَ البُعْدِ بِمَكانٍ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: بِإمامِهِمْ بِأُمَّهاتِهِمْ، عَلى أنَّ إمامَ جَمْعُ أُمٍّ كَخُفٍّ وخِفافٍ، وهَذا بِعِيدٌ جِدًّا. وقِيلَ: الإمامُ هو كُلُّ خُلُقٍ يَظْهَرُ مِنَ الإنْسانِ حَسَنٍ كالعِلْمِ والكَرَمِ والشَّجاعَةِ، أوْ قَبِيحٍ كَأضْدادِها، فالدّاعِي إلى تِلْكَ الأفْعالِ خُلُقٌ باطِنٌ هو كالإمامِ، ذَكَرَ مَعْناهُ الرّازِيُّ في تَفْسِيرِهِ ﴿فَمَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ مِن أُولَئِكَ المَدْعُوِينَ. وتَخْصِيصُ اليَمِينِ بِالذِّكْرِ لِلتَّشْرِيفِ والتَّبْشِيرِ ﴿فَأُولَئِكَ﴾ الإشارَةُ إلى ( مَن ) بِاعْتِبارِ مَعْناهُ. قِيلَ: ووَجْهُ الجَمْعِ: الإشارَةُ إلى أنَّهم مُجْتَمِعُونَ عَلى شَأْنٍ جَلِيلٍ، أوِ الإشْعارُ بِأنَّ قِراءَتَهم لِكُتُبِهِمْ تَكُونُ عَلى وجْهِ الِاجْتِماعِ لا عَلى وجْهِ الِانْفِرادِ ﴿يَقْرَءُونَ كِتابَهُمْ﴾ الَّذِي أُوتُوهُ ﴿ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ أيْ: لا يُنْقَصُونَ مِن أُجُورِهِمْ قَدْرَ فَتِيلٍ، وهو القِشْرَةُ الَّتِي في شِقِّ النَّواةِ، أوْ هو عِبارَةٌ عَنْ أقَلِّ شَيْءٍ. ولَمْ يَذْكُرْ أصْحابَ الشِّمالِ تَصْرِيحًا، ولَكِنَّهُ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما يَدُلُّ عَلى حالِهِمُ القَبِيحِ فَقالَ: ﴿ومَن كانَ في هَذِهِ أعْمى﴾ أيْ: مَن كانَ مِنَ المَدْعُوِينَ في هَذِهِ الدُّنْيا أعْمى أيْ: فاقِدَ البَصِيرَةِ. قالَ النَّيْسابُورِيُّ: لا خِلافَ أنَّ المُرادَ بِهَذا العَمى عَمى القَلْبِ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَهُوَ في الآخِرَةِ أعْمى﴾ فَيُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ عَمى البَصَرِ كَقَوْلِهِ: ﴿ونَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى﴾ ﴿قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أعْمى وقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ [طه: ١٢٤، ١٢٥] وفي هَذا زِيادَةُ العُقُوبَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ عَمى القَلْبِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالآخِرَةِ عَمَلُ الآخِرَةِ أيْ: فَهو في عَمَلِ أوْ في أمْرِ الآخِرَةِ أعْمى، وقِيلَ: المُرادُ مَن عَمِي عَنِ النِّعَمِ الَّتِي أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلَيْهِ في الدُّنْيا، فَهو عَنْ نِعَمِ الآخِرَةِ أعْمى، وقِيلَ: مَن كانَ في الدُّنْيا الَّتِي تُقْبَلُ فِيها التَّوْبَةُ أعْمى فَهو في الآخِرَةِ الَّتِي لا تَوْبَةَ فِيها أعْمى، وقِيلَ: مَن كانَ في الدُّنْيا أعْمى عَنْ حُجَجِ اللَّهِ فَهو في الآخِرَةِ أعْمى. وقَدْ قِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَهُوَ في الآخِرَةِ أعْمى﴾ أفْعَلُ تَفْضِيلٍ: أيْ: أشَدُّ عَمًى، وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى أنَّهُ مِن عَمى القَلْبِ؛ إذْ لا يُقالُ ذَلِكَ في عَمى العَيْنِ. قالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ: لِأنَّهُ خَلَقَهُ بِمَنزِلَةِ اليَدِ والرِّجْلِ، فَلا يُقالُ: ما أعْماهُ كَما لا يُقالُ: ما أيْداهُ. وقالَ الأخْفَشُ: لا يُقالُ فِيهِ ذَلِكَ لِأنَّهُ أكْثَرُ مِن أحْرُفٍ. وقَدْ حَكى الفَرّاءُ عَنْ بَعْضِ العَرَبِ أنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: ما أسْوَدَ شَعَرَهُ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أمّا المُلُوكُ فَأنْتَ اليَوْمَ ألْأمُهم لُؤْمًا وأبْيَضُهم سِرْبالَ طَبّاخِ والبَحْثُ مُسْتَوْفًي في النَّحْوِ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ ( أعْمى ) بِالإمالَةِ في المَوْضِعَيْنِ، وقَرَأهُما أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ والباقُونَ بِغَيْرِ إمالَةٍ، وأمالَ أبُو عُبَيْدٍ الأوَّلَ دُونَ الثّانِي ﴿وأضَلُّ سَبِيلًا﴾ يَعْنِي أنَّ هَذا أضَلُّ سَبِيلًا مِنَ الأعْمى لِكَوْنِهِ لا يَجِدُ طَرِيقًا إلى الهِدايَةِ، بِخِلافِ الأعْمى فَقَدْ يَهْتَدِي في بَعْضِ الأحْوالِ. ثُمَّ لَمّا عَدَّدَ سُبْحانَهُ في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ أقْسامَ النِّعَمِ عَلى بَنِي آدَمَ أرْدَفَهُ بِما يَجْرِي مَجْرى التَّحْذِيرِ مِن الِاغْتِرارِ بِوَساوِسِ الأشْقِياءِ فَقالَ: ﴿وإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ ( إنْ ): هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واسْمُها ضَمِيرُ شَأْنٍ مَحْذُوفٌ، واللّامُ: هي الفارِقَةُ بَيْنَها وبَيْنَ النّافِيَةِ، والمَعْنى: وإنَّ الشَّأْنَ قارَبُوا أنْ يَخْدَعُوكَ فاتِنِينَ، وأصْلُ الفِتْنَةِ الِاخْتِبارُ، ومِنهُ فَتَنَ الصّائِغُ الذَّهَبَ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في كُلِّ مَن أزالَ الشَّيْءَ عَنْ حَدِّهِ وجِهَتِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ في إعْطائِهِمْ ما سَألُوهُ مُخالَفَةً لِحُكْمِ القُرْآنِ وافْتِراءً عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ مِن تَبْدِيلِ الوَعْدِ بِالوَعِيدِ وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿عَنِ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي والوَعْدِ والوَعِيدِ ﴿لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ﴾ لِتَتَقَوَّلَ عَلَيْنا غَيْرَ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ مِمّا اقْتَرَحَهُ عَلَيْكَ كُفّارُ قُرَيْشٍ ﴿وإذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾ أيْ: لَوِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا لَهم، أيْ: والَوْكَ وصافَوْكَ، مَأْخُوذٌ مِنَ الخَلَّةِ بِفَتْحِ الخاءِ. ﴿ولَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ﴾ عَلى الحَقِّ وعَصَمْناكَ عَنْ مُوافَقَتِهِمْ ﴿لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ﴾ لَقارَبْتَ أنْ تَمِيلَ إلَيْهِمْ أدْنى مَيْلٍ، والرُّكُونُ هو المَيْلُ اليَسِيرُ، ولِهَذا قالَ: ( شَيْئًا قَلِيلًا ) لَكِنْ أدْرَكَتْهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - العِصْمَةُ فَمَنَعَتْهُ مِن أنْ يَقْرُبَ مِن أدْنى مَراتِبِ الرُّكُونِ إلَيْهِمْ، فَضْلًا عَنْ نَفْسِ الرُّكُونِ، وهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ما هَمَّ بِإجابَتِهِمْ، ذَكَرَ مَعْناهُ القُشَيْرِيُّ وغَيْرُهُ، وقِيلَ: المَعْنى: وإنْ كادُوا لَيُخْبِرُونِ عَنْكَ بِأنَّكَ مِلْتَ إلى قَوْلِهِمْ، فَنُسِبَ فِعْلُهم إلَيْهِ مَجازًا واتِّساعًا كَما تَقُولُ لِلرَّجُلِ: كِدْتَ تَقْتُلُ نَفْسَكَ أيْ: كادَ النّاسُ يَقْتُلُونَكَ بِسَبَبِ ما فَعَلْتَ، ذَكَرَ مَعْناهُ الَمَهَدَوِيُّ. ثُمَّ تَوَعَّدَهُ سُبْحانَهُ في ذَلِكَ أشَدَّ الوَعِيدِ فَقالَ: ﴿إذًا لَأذَقْناكَ ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ﴾ أيْ: لَوْ قارَبْتَ أنْ تَرْكَنَ إلَيْهِمْ، أيْ: مِثْلَيْ ما يُعَذَّبُ بِهِ غَيْرُكَ مِمَّنْ يَفْعَلُ هَذا الفِعْلَ في الدّارَيْنِ، والمَعْنى: عَذابًا ضِعْفًا في الحَياةِ وعَذابًا ضِعْفًا في المَماتِ: أيْ: مُضاعَفًا، ثُمَّ حُذِفَ المَوْصُوفُ وأُقِيمَتِ الصِّفَةُ مَقامَهُ وأُضِيفَتْ، وذَلِكَ لِأنَّ خَطَأ العَظِيمِ عَظِيمٌ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿يانِساءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠] . وضِعْفُ الشَّيْءِ مِثْلاهُ، وقَدْ يَكُونُ الضِّعْفُ النَّصِيبَ كَقَوْلِهِ: ( لِكُلٍّ ضِعْفٌ ) [الأعراف: ٣٨] أيْ: نَصِيبٌ. قالَ الرّازِيُّ: حاصِلُ الكَلامِ أنَّكَ لَوْ مَكَّنْتَ خَواطِرَ الشَّيْطانِ مِن قَلْبِكَ وعَقَدْتَ عَلى الرُّكُونِ هَمَّكَ لاسْتَحْقَقْتَ تَضْعِيفَ العَذابِ عَلَيْكَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، ولَصارَ عَذابُكَ مِثْلَيْ عَذابِ المُشْرِكِ في الدُّنْيا ومِثْلَيْ عَذابِهِ في الآخِرَةِ ﴿ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيرًا﴾ (p-٨٣٦)يَنْصُرُكَ فَيَدْفَعُ عَنْكَ هَذا العَذابَ. قالَ النَّيْسابُورِيُّ: اعْلَمْ أنَّ القُرْبَ مِنَ الفِتْنَةِ لا يَدُلُّ عَلى الوُقُوعِ فِيها، والتَّهْدِيدَ عَلى المَعْصِيَةِ لا يَدُلُّ عَلى الإقْدامِ عَلَيْها، فَلا يَلْزَمُ مِنَ الآيَةِ طَعْنٌ في العِصْمَةِ. ﴿وإنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ﴾ الكَلامُ في هَذا كالكَلامِ في ﴿وإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ أيْ: وإنَّ الشَّأْنَ أنَّهم قارَبُوا أنْ يُزْعِجُوكَ مِن أرْضِ مَكَّةَ لِتَخْرُجَ عَنْها، ولَكِنَّهُ لَمْ يَقَعْ ذَلِكَ مِنهم، بَلْ مَنَعَهُمُ اللَّهُ مِنهُ حَتّى هاجَرَ بِأمْرِ رَبِّهِ وبَعْدَ أنْ هَمُّوا بِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ أُطْلِقَ الإخْراجُ عَلى إرادَةِ الإخْراجِ تَجْوِيزًا ﴿وإذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إلّا قَلِيلًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ( لَيَسْتَفِزُّونَكَ ) أيْ: لا يَبْقُونَ بَعْدَ إخْراجِكَ إلّا زَمَنًا قَلِيلًا. ثُمَّ عُوقِبُوا عُقُوبَةً تَسْتَأْصِلُهم جَمِيعًا. وقَرَأ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ ( لا يُلَبَّثُوا ) بِتَشْدِيدِ الباءِ المُوَحَّدَةِ. وقُرِئَ ( لا يَلْبَثُوا ) بِالنَّصْبِ عَلى إعْمالِ ( إذَنْ ) عَلى أنَّ الجُمْلَةَ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ( وإنْ كادُوا ) لا عَلى الخَبَرِ فَقَطْ. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو بَكْرٍ وأبُو عَمْرٍو ( خَلْفَكَ ) ومَعْناهُ بَعْدَكَ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( خِلافَكَ ) ومَعْناهُ أيْضًا بَعْدَكَ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ( خِلافَكَ ) بِمَعْنى مُخالَفَتِكَ، واخْتارَ أبُو حاتِمٍ القِراءَةَ الثّانِيَةَ لِقَوْلِهِ: ﴿فَرِحَ المُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٨١] . ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ ( خِلافَ ) بِمَعْنى ( بَعْدَ ) قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎عَفَتِ الدِّيارُ خِلافَها فَكَأنَّما ∗∗∗ بَسَطَ الشَّواطِبُ بَيْنَهُنَّ حَصِيرا يُقالُ: شَطَبَتِ المَرْأةُ الجَرِيدَ إذا شَقَّقَتُهُ لِتَعْمَلَ مِنهُ الحَصِيرَ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ثُمَّ تُلْقِيهِ الشّاطِبَةُ إلى المُثَقِّبَةِ. ﴿سُنَّةَ مَن قَدْ أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِن رُسُلِنا﴾ ( سُنَّةَ ) مُنْتَصِبَةٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ: أيْ: سَنَّ اللَّهُ سُنَّةً. وقالَ الفَرّاءُ أيْ: يُعَذَّبُونَ كَسُنَّةِ مَن قَدْ أرْسَلْنا، فَلَمّا سَقَطَ الخافِضُ عَمَلَ الفِعْلُ. وقِيلَ: المَعْنى: سُنَّتُنا سُنَّةَ مَن قَدْ أرْسَلْنا. قالَ الزَّجّاجُ: يَقُولُ: إنَّ سُنَّتَنا هَذِهِ السُّنَّةَ فِيمَن أرْسَلْنا قَبْلَكَ إلَيْهِمْ أنَّهم إذا أخْرَجُوا نَبِيَّهم مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ أوْ قَتَلُوهُ أنْ يَنْزِلَ العَذابُ بِهِمْ ﴿ولا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلًا﴾ أيْ: ما أجْرى اللَّهُ بِهِ العادَةَ لَمْ يَتَمَكَّنْ أحَدٌ مِن تَحْوِيلِهِ ولا يَقْدِرُ عَلى تَغْيِيرِهِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ﴾ قالَ: إمامُ هُدًى وإمامُ ضَلالَةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والخَطِيبُ في تارِيخِهِ عَنْ أنَسٍ في الآيَةِ قالَ: نَبِيُّهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: بِكِتابِ أعْمالِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلَيٍّ في الآيَةِ قالَ: يُدْعى كُلُّ قَوْمٍ بِإمامِ زَمانِهِمْ، وكِتابِ رَبِّهِمْ وسُنَّةِ نَبِيِّهِمْ. وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والبَزّارُ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ حِبّانَ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ﴾ قالَ: «يُدْعى أحَدُهم فَيُعْطى كِتابَهُ بِيَمِينِهِ ويُمَدُّ لَهُ في جِسْمِهِ سِتِّينَ ذِراعًا ويَبْيَضُّ وجْهُهُ، ويُجْعَلُ عَلى رَأْسِهِ تاجٌ مِن لُؤْلُؤٍ يَتَلَأْلَأُ، فَيَنْطَلِقُ إلى أصْحابِهِ فَيَرَوْنَهُ مِن بَعِيدٍ فَيَقُولُونَ: اللَّهُمَّ ائْتِنا بِهَذا وبارِكْ لَنا في هَذا، حَتّى يَأْتِيَهم فَيَقُولُ: أبْشِرُوا لِكُلِّ رَجُلٍ مِنكم مِثْلُ هَذا، وأمّا الكافِرُ فَيَسْوَدُّ وجْهُهُ ويُمَدُّ لَهُ في جِسْمِهِ سِتِّينَ ذِراعًا عَلى صُورَةِ آدَمَ، ويُلْبَسُ تاجًا فَيَراهُ أصْحابُهُ فَيَقُولُونَ: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِن شَرِّ هَذا، اللَّهُمَّ لا تَأْتِنا بِهَذا، قالَ: فَيَأْتِيهِمْ فَيَقُولُونَ: اللَّهُمَّ اخْزِهِ، فَيَقُولُ: أبْعَدَكُمُ اللَّهُ، فَإنَّ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنكم مِثْلَ هَذا» . قالَ البَزّارُ بَعْدَ إخْراجِهِ: لا يُرْوى إلّا مِن هَذا الوَجْهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن كانَ في هَذِهِ أعْمى﴾ يَقُولُ: مَن كانَ في الدُّنْيا أعْمى عَمّا يَرى مِن قُدْرَتِي مِن خَلْقِ السَّماءِ والأرْضِ والجِبالِ والبِحارِ والنّاسِ والدَّوابِّ وأشْباهِ هَذا ( ﴿فَهُوَ﴾ ) عَمّا وصَفْتُ لَهُ ( ﴿فِي الآخِرَةِ﴾ ) ولَمْ يَرَهُ ﴿أعْمى وأضَلُّ سَبِيلًا﴾ يَقُولُ: أبْعَدُ حُجَّةً. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنْهُ نَحْوَ هَذا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا يَقُولُ: مَن عَمِيَ عَنْ قُدْرَةِ اللَّهِ في الدُّنْيا فَهو في الآخِرَةِ أعْمى. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: «إنَّ أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ وأبا جَهْلِ بْنَ هِشامٍ ورِجالًا مِن قُرَيْشٍ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالُوا: تَعالَ فَتَمْسَحْ آلِهَتَنا ونَدْخُلْ مَعَكَ في دِينِكَ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَشْتَدُّ عَلَيْهِ فِراقُ قَوْمِهِ ويُحِبُّ إسْلامَهم، فَرَقَّ لَهم، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿وإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ إلى قَوْلِهِ: نَصِيرًا» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ ياذانَ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَسْتَلِمُ الحَجَرَ، فَقالُوا: لا نَدَعُكَ تَسْتَلِمُهُ حَتّى تَسْتَلِمَ بِآلِهَتِنا، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: وما عَلَيَّ لَوْ فَعَلْتُ واللَّهُ يَعْلَمُ مِنِّي خِلافَهُ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ «أنَّ قُرَيْشًا أتَوُا النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالُوا لَهُ: إنْ كُنْتَ أُرْسِلْتَ إلَيْنا فاطْرُدِ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ مِن سِقاطِ النّاسِ ومَوالِيهِمْ لِنَكُونَ نَحْنُ أصْحابَكَ، فَرَكَنَ إلَيْهِمْ، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: ﴿وإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيِّ قالَ: أنْزَلَ اللَّهُ ﴿والنَّجْمِ إذا هَوى﴾ [النجم: ١] . فَقَرَأ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - هَذِهِ الآيَةَ: ﴿أفَرَأيْتُمُ اللّاتَ والعُزّى﴾ [النجم: ١٩] فَألْقى عَلَيْهِ الشَّيْطانُ تِلْكَ الغَرانِيقُ العُلى، وإنَّ شَفاعَتَهم لَتُرْتَجى، فَقَرَأ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ما بَقِيَ مِنَ السُّورَةِ وسَجَدَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ الآيَةَ، فَما زالَ مَهْمُومًا مَغْمُومًا حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ إلّا إذا تَمَنّى﴾ [الحج: ٣٢] الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ ثَقِيفًا قالُوا لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: أجِّلْنا سَنَةً حَتّى يُهْدى لِآلِهَتِنا، فَإذا قَبَضْنا الَّذِي يُهْدى لِلْآلِهَةِ أحْرَزْناهُ ثُمَّ أسْلَمْنا وكَسَّرْنا الآلِهَةَ، فَهَمَّ أنْ يُؤَجِّلَهم، فَنَزَلَتْ: ﴿وإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ﴾ يَعْنِي ضِعْفَ عَذابِ الدُّنْيا والآخِرَةِ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنِ الحَسَنِ في الآيَةِ قالَ: هو عَذابُ القَبْرِ. (p-٨٣٧)وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ عَطاءٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: قالَ المُشْرِكُونَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: كانَتِ الأنْبِياءُ تَسْكُنُ الشّامَ، فَما لَكَ والمَدِينَةِ ؟ فَهَمَّ أنْ يُشَخِصَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿وإنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرْضِ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ حَضْرَمِيٍّ أنَّهُ بَلَغَهُ أنَّ بَعْضَ اليَهُودِ فَذَكَرَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ «أنَّ اليَهُودَ أتَوُا النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالُوا: إنْ كُنْتَ نَبِيًّا فالحَقْ بِالشّامِ؛ فَإنَّ الشّامَ أرْضُ المَحْشَرِ وأرْضُ الأنْبِياءِ، فَصَدَّقَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ما قالُوا، فَتَحَرّى غَزْوَةَ تَبُوكَ لا يُرِيدُ إلّا الشّامَ، فَلَمّا بَلَغَ تَبُوكَ أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ آياتٍ مِن سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ بَعْدَ ما خُتِمَتِ السُّورَةُ ﴿وإنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ( تَحْوِيلًا ) فَأمَرَهُ بِالرُّجُوعِ إلى المَدِينَةِ، وقالَ: فِيها مَحْياكَ وفِيها مَماتُكَ ومِنها تُبْعَثُ، وقالَ لَهُ جِبْرِيلُ: سَلْ رَبَّكَ فَإنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ مَسْألَةً. فَقالَ: ما تَأْمُرُنِي أنْ أسْألَ ؟ قالَ: ﴿وقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وأخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ واجْعَلْ لِي مِن لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا﴾ فَهَؤُلاءِ نَزَلْنَ عَلَيْهِ في رَجَعَتِهِ مِن تَبُوكَ» . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وفي هَذا الإسْنادِ نَظَرٌ، والظّاهِرُ أنَّهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، فَإنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَمْ يَغْزُ تَبُوكَ عَنْ قَوْلِ اليَهُودِ، وإنَّما غَزاها امْتِثالًا لِقَوْلِهِ: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكم مِنَ الكُفّارِ﴾ [التوبة: ١٢٣] . وغَزاها لِيَقْتَصَّ ويَنْتَقِمَ مِمَّنْ قَتَلَ أهْلَ مُؤْتَةَ مِن أصْحابِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرْضِ﴾ قالَ: هَمَّ أهْلُ مَكَّةَ بِإخْراجِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن مَكَّةَ وقَدْ فَعَلُوا بَعْدَ ذَلِكَ، فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ يَوْمَ بَدْرٍ ولَمْ يَلْبَثُوا بَعْدَهُ إلّا قَلِيلًا حَتّى أهْلَكَهُمُ اللَّهُ يَوْمَ بَدْرٍ، وكَذَلِكَ كانَتْ سُنَّةَ اللَّهِ في الرُّسُلِ إذا فَعَلَ بِهِمْ قَوْمُهم مِثْلَ ذَلِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إلّا قَلِيلًا﴾ قالَ: يَعْنِي بِالقَلِيلِ يَوْمَ أخْذِهِمْ بِبَدْرٍ، فَكانَ ذَلِكَ هو القَلِيلَ الَّذِينَ لَبِثُوا بَعْدَهُ.

الإسراء 17:74

. قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ، وهو مَنصُوبٌ عَلى مَعْنى اذْكُرْ يَوْمَ نَدْعُو. وقُرِئَ ( يَدْعُو ) بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ ( ويُدْعى ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، والباءُ في ( بِإمامِهِمْ ) لِلْإلْصاقِ كَما تَقُولُ: أدْعُوكَ بِاسْمِكَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُتَعَلِّقَةً بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ، والتَّقْدِيرُ: نَدْعُو كُلَّ أُناسٍ مُتَلَبِّسِينَ بِإمامِهِمْ أيْ: يُدْعَوْنَ وإمامُهم فِيهِمْ. نَحْوَ رَكْبٍ بِجُنُودِهِ، والأوَّلُ أُولى. والإمامُ في اللُّغَةِ: كُلُّ ما يُؤْتَمُّ بِهِ مِن نَبِيٍّ أوْ مُقَدَّمٍ في الدِّينِ أوْ كِتابٍ. وقَدِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في تَعْيِينِ الإمامِ الَّذِي تُدْعى كُلُّ أُناسٍ بِهِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ: إنَّهُ كِتابُ كُلِّ إنْسانٍ، الَّذِي فِيهِ عَمَلُهُ أيْ: يُدْعى كُلُّ إنْسانٍ بِكِتابِ (p-٨٣٥)عَمَلِهِ، ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ﴾ [الحاقة: ١٩] الآيَةَ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ الإمامُ: هو الكِتابُ المُنَزَّلُ عَلَيْهِمْ، فَيُدْعى أهْلُ التَّوْراةِ بِالتَّوْراةِ، وأهْلُ الإنْجِيلِ بِالإنْجِيلِ، وأهْلُ القُرْآنِ بِالقُرْآنِ، فَيُقالُ: يا أهْلَ التَّوْراةِ يا أهْلَ الإنْجِيلِ يا أهْلَ القُرْآنِ. وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: إمامُهم نَبِيُّهم، فَيُقالُ: هاتُوا مُتَّبِعِي إبْراهِيمَ، هاتُوا مُتَّبِعِي مُوسى، هاتُوا مُتَّبِعِي عِيسى، هاتُوا مُتَّبِعِي مُحَمَّدٍ، وبِهِ قالَ الزَّجّاجُ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - المُرادُ بِالإمامِ إمامُ عَصْرِهِمْ، فَيُدْعى أهْلُ كُلِّ عَصْرٍ بِإمامِهِمْ الَّذِي كانُوا يَأْتَمِرُونَ بِأمْرِهِ ويَنْتَهُونَ بِنَهْيِهِ. وقالَ الحَسَنُ وأبُو العالِيَةِ: المُرادُ بِإمامِهِمْ أعْمالُهم، فَيُقالُ مَثَلًا: أيْنَ المُجاهِدُونَ أيْنَ الصّابِرُونَ أيْنَ الصّائِمُونَ أيْنَ المُصَلُّونَ ؟ ونَحْوُ ذَلِكَ. ورُوِيَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأبِي هُرَيْرَةَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المُرادُ بِإمامِهِمْ صاحِبُ مَذْهَبِهِمْ، فَيُقالُ مَثَلًا: أيْنَ التّابِعُونَ لِلْعالِمِ فُلانِ ابْنِ فُلانٍ، وهَذا مِنَ البُعْدِ بِمَكانٍ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: بِإمامِهِمْ بِأُمَّهاتِهِمْ، عَلى أنَّ إمامَ جَمْعُ أُمٍّ كَخُفٍّ وخِفافٍ، وهَذا بِعِيدٌ جِدًّا. وقِيلَ: الإمامُ هو كُلُّ خُلُقٍ يَظْهَرُ مِنَ الإنْسانِ حَسَنٍ كالعِلْمِ والكَرَمِ والشَّجاعَةِ، أوْ قَبِيحٍ كَأضْدادِها، فالدّاعِي إلى تِلْكَ الأفْعالِ خُلُقٌ باطِنٌ هو كالإمامِ، ذَكَرَ مَعْناهُ الرّازِيُّ في تَفْسِيرِهِ ﴿فَمَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ مِن أُولَئِكَ المَدْعُوِينَ. وتَخْصِيصُ اليَمِينِ بِالذِّكْرِ لِلتَّشْرِيفِ والتَّبْشِيرِ ﴿فَأُولَئِكَ﴾ الإشارَةُ إلى ( مَن ) بِاعْتِبارِ مَعْناهُ. قِيلَ: ووَجْهُ الجَمْعِ: الإشارَةُ إلى أنَّهم مُجْتَمِعُونَ عَلى شَأْنٍ جَلِيلٍ، أوِ الإشْعارُ بِأنَّ قِراءَتَهم لِكُتُبِهِمْ تَكُونُ عَلى وجْهِ الِاجْتِماعِ لا عَلى وجْهِ الِانْفِرادِ ﴿يَقْرَءُونَ كِتابَهُمْ﴾ الَّذِي أُوتُوهُ ﴿ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ أيْ: لا يُنْقَصُونَ مِن أُجُورِهِمْ قَدْرَ فَتِيلٍ، وهو القِشْرَةُ الَّتِي في شِقِّ النَّواةِ، أوْ هو عِبارَةٌ عَنْ أقَلِّ شَيْءٍ. ولَمْ يَذْكُرْ أصْحابَ الشِّمالِ تَصْرِيحًا، ولَكِنَّهُ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما يَدُلُّ عَلى حالِهِمُ القَبِيحِ فَقالَ: ﴿ومَن كانَ في هَذِهِ أعْمى﴾ أيْ: مَن كانَ مِنَ المَدْعُوِينَ في هَذِهِ الدُّنْيا أعْمى أيْ: فاقِدَ البَصِيرَةِ. قالَ النَّيْسابُورِيُّ: لا خِلافَ أنَّ المُرادَ بِهَذا العَمى عَمى القَلْبِ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَهُوَ في الآخِرَةِ أعْمى﴾ فَيُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ عَمى البَصَرِ كَقَوْلِهِ: ﴿ونَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى﴾ ﴿قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أعْمى وقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ [طه: ١٢٤، ١٢٥] وفي هَذا زِيادَةُ العُقُوبَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ عَمى القَلْبِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالآخِرَةِ عَمَلُ الآخِرَةِ أيْ: فَهو في عَمَلِ أوْ في أمْرِ الآخِرَةِ أعْمى، وقِيلَ: المُرادُ مَن عَمِي عَنِ النِّعَمِ الَّتِي أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلَيْهِ في الدُّنْيا، فَهو عَنْ نِعَمِ الآخِرَةِ أعْمى، وقِيلَ: مَن كانَ في الدُّنْيا الَّتِي تُقْبَلُ فِيها التَّوْبَةُ أعْمى فَهو في الآخِرَةِ الَّتِي لا تَوْبَةَ فِيها أعْمى، وقِيلَ: مَن كانَ في الدُّنْيا أعْمى عَنْ حُجَجِ اللَّهِ فَهو في الآخِرَةِ أعْمى. وقَدْ قِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَهُوَ في الآخِرَةِ أعْمى﴾ أفْعَلُ تَفْضِيلٍ: أيْ: أشَدُّ عَمًى، وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى أنَّهُ مِن عَمى القَلْبِ؛ إذْ لا يُقالُ ذَلِكَ في عَمى العَيْنِ. قالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ: لِأنَّهُ خَلَقَهُ بِمَنزِلَةِ اليَدِ والرِّجْلِ، فَلا يُقالُ: ما أعْماهُ كَما لا يُقالُ: ما أيْداهُ. وقالَ الأخْفَشُ: لا يُقالُ فِيهِ ذَلِكَ لِأنَّهُ أكْثَرُ مِن أحْرُفٍ. وقَدْ حَكى الفَرّاءُ عَنْ بَعْضِ العَرَبِ أنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: ما أسْوَدَ شَعَرَهُ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أمّا المُلُوكُ فَأنْتَ اليَوْمَ ألْأمُهم لُؤْمًا وأبْيَضُهم سِرْبالَ طَبّاخِ والبَحْثُ مُسْتَوْفًي في النَّحْوِ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ ( أعْمى ) بِالإمالَةِ في المَوْضِعَيْنِ، وقَرَأهُما أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ والباقُونَ بِغَيْرِ إمالَةٍ، وأمالَ أبُو عُبَيْدٍ الأوَّلَ دُونَ الثّانِي ﴿وأضَلُّ سَبِيلًا﴾ يَعْنِي أنَّ هَذا أضَلُّ سَبِيلًا مِنَ الأعْمى لِكَوْنِهِ لا يَجِدُ طَرِيقًا إلى الهِدايَةِ، بِخِلافِ الأعْمى فَقَدْ يَهْتَدِي في بَعْضِ الأحْوالِ. ثُمَّ لَمّا عَدَّدَ سُبْحانَهُ في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ أقْسامَ النِّعَمِ عَلى بَنِي آدَمَ أرْدَفَهُ بِما يَجْرِي مَجْرى التَّحْذِيرِ مِن الِاغْتِرارِ بِوَساوِسِ الأشْقِياءِ فَقالَ: ﴿وإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ ( إنْ ): هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واسْمُها ضَمِيرُ شَأْنٍ مَحْذُوفٌ، واللّامُ: هي الفارِقَةُ بَيْنَها وبَيْنَ النّافِيَةِ، والمَعْنى: وإنَّ الشَّأْنَ قارَبُوا أنْ يَخْدَعُوكَ فاتِنِينَ، وأصْلُ الفِتْنَةِ الِاخْتِبارُ، ومِنهُ فَتَنَ الصّائِغُ الذَّهَبَ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في كُلِّ مَن أزالَ الشَّيْءَ عَنْ حَدِّهِ وجِهَتِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ في إعْطائِهِمْ ما سَألُوهُ مُخالَفَةً لِحُكْمِ القُرْآنِ وافْتِراءً عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ مِن تَبْدِيلِ الوَعْدِ بِالوَعِيدِ وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿عَنِ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي والوَعْدِ والوَعِيدِ ﴿لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ﴾ لِتَتَقَوَّلَ عَلَيْنا غَيْرَ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ مِمّا اقْتَرَحَهُ عَلَيْكَ كُفّارُ قُرَيْشٍ ﴿وإذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾ أيْ: لَوِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا لَهم، أيْ: والَوْكَ وصافَوْكَ، مَأْخُوذٌ مِنَ الخَلَّةِ بِفَتْحِ الخاءِ. ﴿ولَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ﴾ عَلى الحَقِّ وعَصَمْناكَ عَنْ مُوافَقَتِهِمْ ﴿لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ﴾ لَقارَبْتَ أنْ تَمِيلَ إلَيْهِمْ أدْنى مَيْلٍ، والرُّكُونُ هو المَيْلُ اليَسِيرُ، ولِهَذا قالَ: ( شَيْئًا قَلِيلًا ) لَكِنْ أدْرَكَتْهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - العِصْمَةُ فَمَنَعَتْهُ مِن أنْ يَقْرُبَ مِن أدْنى مَراتِبِ الرُّكُونِ إلَيْهِمْ، فَضْلًا عَنْ نَفْسِ الرُّكُونِ، وهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ما هَمَّ بِإجابَتِهِمْ، ذَكَرَ مَعْناهُ القُشَيْرِيُّ وغَيْرُهُ، وقِيلَ: المَعْنى: وإنْ كادُوا لَيُخْبِرُونِ عَنْكَ بِأنَّكَ مِلْتَ إلى قَوْلِهِمْ، فَنُسِبَ فِعْلُهم إلَيْهِ مَجازًا واتِّساعًا كَما تَقُولُ لِلرَّجُلِ: كِدْتَ تَقْتُلُ نَفْسَكَ أيْ: كادَ النّاسُ يَقْتُلُونَكَ بِسَبَبِ ما فَعَلْتَ، ذَكَرَ مَعْناهُ الَمَهَدَوِيُّ. ثُمَّ تَوَعَّدَهُ سُبْحانَهُ في ذَلِكَ أشَدَّ الوَعِيدِ فَقالَ: ﴿إذًا لَأذَقْناكَ ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ﴾ أيْ: لَوْ قارَبْتَ أنْ تَرْكَنَ إلَيْهِمْ، أيْ: مِثْلَيْ ما يُعَذَّبُ بِهِ غَيْرُكَ مِمَّنْ يَفْعَلُ هَذا الفِعْلَ في الدّارَيْنِ، والمَعْنى: عَذابًا ضِعْفًا في الحَياةِ وعَذابًا ضِعْفًا في المَماتِ: أيْ: مُضاعَفًا، ثُمَّ حُذِفَ المَوْصُوفُ وأُقِيمَتِ الصِّفَةُ مَقامَهُ وأُضِيفَتْ، وذَلِكَ لِأنَّ خَطَأ العَظِيمِ عَظِيمٌ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿يانِساءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠] . وضِعْفُ الشَّيْءِ مِثْلاهُ، وقَدْ يَكُونُ الضِّعْفُ النَّصِيبَ كَقَوْلِهِ: ( لِكُلٍّ ضِعْفٌ ) [الأعراف: ٣٨] أيْ: نَصِيبٌ. قالَ الرّازِيُّ: حاصِلُ الكَلامِ أنَّكَ لَوْ مَكَّنْتَ خَواطِرَ الشَّيْطانِ مِن قَلْبِكَ وعَقَدْتَ عَلى الرُّكُونِ هَمَّكَ لاسْتَحْقَقْتَ تَضْعِيفَ العَذابِ عَلَيْكَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، ولَصارَ عَذابُكَ مِثْلَيْ عَذابِ المُشْرِكِ في الدُّنْيا ومِثْلَيْ عَذابِهِ في الآخِرَةِ ﴿ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيرًا﴾ (p-٨٣٦)يَنْصُرُكَ فَيَدْفَعُ عَنْكَ هَذا العَذابَ. قالَ النَّيْسابُورِيُّ: اعْلَمْ أنَّ القُرْبَ مِنَ الفِتْنَةِ لا يَدُلُّ عَلى الوُقُوعِ فِيها، والتَّهْدِيدَ عَلى المَعْصِيَةِ لا يَدُلُّ عَلى الإقْدامِ عَلَيْها، فَلا يَلْزَمُ مِنَ الآيَةِ طَعْنٌ في العِصْمَةِ. ﴿وإنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ﴾ الكَلامُ في هَذا كالكَلامِ في ﴿وإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ أيْ: وإنَّ الشَّأْنَ أنَّهم قارَبُوا أنْ يُزْعِجُوكَ مِن أرْضِ مَكَّةَ لِتَخْرُجَ عَنْها، ولَكِنَّهُ لَمْ يَقَعْ ذَلِكَ مِنهم، بَلْ مَنَعَهُمُ اللَّهُ مِنهُ حَتّى هاجَرَ بِأمْرِ رَبِّهِ وبَعْدَ أنْ هَمُّوا بِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ أُطْلِقَ الإخْراجُ عَلى إرادَةِ الإخْراجِ تَجْوِيزًا ﴿وإذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إلّا قَلِيلًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ( لَيَسْتَفِزُّونَكَ ) أيْ: لا يَبْقُونَ بَعْدَ إخْراجِكَ إلّا زَمَنًا قَلِيلًا. ثُمَّ عُوقِبُوا عُقُوبَةً تَسْتَأْصِلُهم جَمِيعًا. وقَرَأ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ ( لا يُلَبَّثُوا ) بِتَشْدِيدِ الباءِ المُوَحَّدَةِ. وقُرِئَ ( لا يَلْبَثُوا ) بِالنَّصْبِ عَلى إعْمالِ ( إذَنْ ) عَلى أنَّ الجُمْلَةَ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ( وإنْ كادُوا ) لا عَلى الخَبَرِ فَقَطْ. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو بَكْرٍ وأبُو عَمْرٍو ( خَلْفَكَ ) ومَعْناهُ بَعْدَكَ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( خِلافَكَ ) ومَعْناهُ أيْضًا بَعْدَكَ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ( خِلافَكَ ) بِمَعْنى مُخالَفَتِكَ، واخْتارَ أبُو حاتِمٍ القِراءَةَ الثّانِيَةَ لِقَوْلِهِ: ﴿فَرِحَ المُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٨١] . ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ ( خِلافَ ) بِمَعْنى ( بَعْدَ ) قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎عَفَتِ الدِّيارُ خِلافَها فَكَأنَّما ∗∗∗ بَسَطَ الشَّواطِبُ بَيْنَهُنَّ حَصِيرا يُقالُ: شَطَبَتِ المَرْأةُ الجَرِيدَ إذا شَقَّقَتُهُ لِتَعْمَلَ مِنهُ الحَصِيرَ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ثُمَّ تُلْقِيهِ الشّاطِبَةُ إلى المُثَقِّبَةِ. ﴿سُنَّةَ مَن قَدْ أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِن رُسُلِنا﴾ ( سُنَّةَ ) مُنْتَصِبَةٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ: أيْ: سَنَّ اللَّهُ سُنَّةً. وقالَ الفَرّاءُ أيْ: يُعَذَّبُونَ كَسُنَّةِ مَن قَدْ أرْسَلْنا، فَلَمّا سَقَطَ الخافِضُ عَمَلَ الفِعْلُ. وقِيلَ: المَعْنى: سُنَّتُنا سُنَّةَ مَن قَدْ أرْسَلْنا. قالَ الزَّجّاجُ: يَقُولُ: إنَّ سُنَّتَنا هَذِهِ السُّنَّةَ فِيمَن أرْسَلْنا قَبْلَكَ إلَيْهِمْ أنَّهم إذا أخْرَجُوا نَبِيَّهم مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ أوْ قَتَلُوهُ أنْ يَنْزِلَ العَذابُ بِهِمْ ﴿ولا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلًا﴾ أيْ: ما أجْرى اللَّهُ بِهِ العادَةَ لَمْ يَتَمَكَّنْ أحَدٌ مِن تَحْوِيلِهِ ولا يَقْدِرُ عَلى تَغْيِيرِهِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ﴾ قالَ: إمامُ هُدًى وإمامُ ضَلالَةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والخَطِيبُ في تارِيخِهِ عَنْ أنَسٍ في الآيَةِ قالَ: نَبِيُّهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: بِكِتابِ أعْمالِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلَيٍّ في الآيَةِ قالَ: يُدْعى كُلُّ قَوْمٍ بِإمامِ زَمانِهِمْ، وكِتابِ رَبِّهِمْ وسُنَّةِ نَبِيِّهِمْ. وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والبَزّارُ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ حِبّانَ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ﴾ قالَ: «يُدْعى أحَدُهم فَيُعْطى كِتابَهُ بِيَمِينِهِ ويُمَدُّ لَهُ في جِسْمِهِ سِتِّينَ ذِراعًا ويَبْيَضُّ وجْهُهُ، ويُجْعَلُ عَلى رَأْسِهِ تاجٌ مِن لُؤْلُؤٍ يَتَلَأْلَأُ، فَيَنْطَلِقُ إلى أصْحابِهِ فَيَرَوْنَهُ مِن بَعِيدٍ فَيَقُولُونَ: اللَّهُمَّ ائْتِنا بِهَذا وبارِكْ لَنا في هَذا، حَتّى يَأْتِيَهم فَيَقُولُ: أبْشِرُوا لِكُلِّ رَجُلٍ مِنكم مِثْلُ هَذا، وأمّا الكافِرُ فَيَسْوَدُّ وجْهُهُ ويُمَدُّ لَهُ في جِسْمِهِ سِتِّينَ ذِراعًا عَلى صُورَةِ آدَمَ، ويُلْبَسُ تاجًا فَيَراهُ أصْحابُهُ فَيَقُولُونَ: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِن شَرِّ هَذا، اللَّهُمَّ لا تَأْتِنا بِهَذا، قالَ: فَيَأْتِيهِمْ فَيَقُولُونَ: اللَّهُمَّ اخْزِهِ، فَيَقُولُ: أبْعَدَكُمُ اللَّهُ، فَإنَّ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنكم مِثْلَ هَذا» . قالَ البَزّارُ بَعْدَ إخْراجِهِ: لا يُرْوى إلّا مِن هَذا الوَجْهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن كانَ في هَذِهِ أعْمى﴾ يَقُولُ: مَن كانَ في الدُّنْيا أعْمى عَمّا يَرى مِن قُدْرَتِي مِن خَلْقِ السَّماءِ والأرْضِ والجِبالِ والبِحارِ والنّاسِ والدَّوابِّ وأشْباهِ هَذا ( ﴿فَهُوَ﴾ ) عَمّا وصَفْتُ لَهُ ( ﴿فِي الآخِرَةِ﴾ ) ولَمْ يَرَهُ ﴿أعْمى وأضَلُّ سَبِيلًا﴾ يَقُولُ: أبْعَدُ حُجَّةً. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنْهُ نَحْوَ هَذا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا يَقُولُ: مَن عَمِيَ عَنْ قُدْرَةِ اللَّهِ في الدُّنْيا فَهو في الآخِرَةِ أعْمى. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: «إنَّ أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ وأبا جَهْلِ بْنَ هِشامٍ ورِجالًا مِن قُرَيْشٍ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالُوا: تَعالَ فَتَمْسَحْ آلِهَتَنا ونَدْخُلْ مَعَكَ في دِينِكَ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَشْتَدُّ عَلَيْهِ فِراقُ قَوْمِهِ ويُحِبُّ إسْلامَهم، فَرَقَّ لَهم، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿وإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ إلى قَوْلِهِ: نَصِيرًا» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ ياذانَ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَسْتَلِمُ الحَجَرَ، فَقالُوا: لا نَدَعُكَ تَسْتَلِمُهُ حَتّى تَسْتَلِمَ بِآلِهَتِنا، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: وما عَلَيَّ لَوْ فَعَلْتُ واللَّهُ يَعْلَمُ مِنِّي خِلافَهُ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ «أنَّ قُرَيْشًا أتَوُا النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالُوا لَهُ: إنْ كُنْتَ أُرْسِلْتَ إلَيْنا فاطْرُدِ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ مِن سِقاطِ النّاسِ ومَوالِيهِمْ لِنَكُونَ نَحْنُ أصْحابَكَ، فَرَكَنَ إلَيْهِمْ، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: ﴿وإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيِّ قالَ: أنْزَلَ اللَّهُ ﴿والنَّجْمِ إذا هَوى﴾ [النجم: ١] . فَقَرَأ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - هَذِهِ الآيَةَ: ﴿أفَرَأيْتُمُ اللّاتَ والعُزّى﴾ [النجم: ١٩] فَألْقى عَلَيْهِ الشَّيْطانُ تِلْكَ الغَرانِيقُ العُلى، وإنَّ شَفاعَتَهم لَتُرْتَجى، فَقَرَأ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ما بَقِيَ مِنَ السُّورَةِ وسَجَدَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ الآيَةَ، فَما زالَ مَهْمُومًا مَغْمُومًا حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ إلّا إذا تَمَنّى﴾ [الحج: ٣٢] الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ ثَقِيفًا قالُوا لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: أجِّلْنا سَنَةً حَتّى يُهْدى لِآلِهَتِنا، فَإذا قَبَضْنا الَّذِي يُهْدى لِلْآلِهَةِ أحْرَزْناهُ ثُمَّ أسْلَمْنا وكَسَّرْنا الآلِهَةَ، فَهَمَّ أنْ يُؤَجِّلَهم، فَنَزَلَتْ: ﴿وإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ﴾ يَعْنِي ضِعْفَ عَذابِ الدُّنْيا والآخِرَةِ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنِ الحَسَنِ في الآيَةِ قالَ: هو عَذابُ القَبْرِ. (p-٨٣٧)وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ عَطاءٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: قالَ المُشْرِكُونَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: كانَتِ الأنْبِياءُ تَسْكُنُ الشّامَ، فَما لَكَ والمَدِينَةِ ؟ فَهَمَّ أنْ يُشَخِصَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿وإنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرْضِ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ حَضْرَمِيٍّ أنَّهُ بَلَغَهُ أنَّ بَعْضَ اليَهُودِ فَذَكَرَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ «أنَّ اليَهُودَ أتَوُا النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالُوا: إنْ كُنْتَ نَبِيًّا فالحَقْ بِالشّامِ؛ فَإنَّ الشّامَ أرْضُ المَحْشَرِ وأرْضُ الأنْبِياءِ، فَصَدَّقَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ما قالُوا، فَتَحَرّى غَزْوَةَ تَبُوكَ لا يُرِيدُ إلّا الشّامَ، فَلَمّا بَلَغَ تَبُوكَ أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ آياتٍ مِن سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ بَعْدَ ما خُتِمَتِ السُّورَةُ ﴿وإنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ( تَحْوِيلًا ) فَأمَرَهُ بِالرُّجُوعِ إلى المَدِينَةِ، وقالَ: فِيها مَحْياكَ وفِيها مَماتُكَ ومِنها تُبْعَثُ، وقالَ لَهُ جِبْرِيلُ: سَلْ رَبَّكَ فَإنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ مَسْألَةً. فَقالَ: ما تَأْمُرُنِي أنْ أسْألَ ؟ قالَ: ﴿وقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وأخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ واجْعَلْ لِي مِن لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا﴾ فَهَؤُلاءِ نَزَلْنَ عَلَيْهِ في رَجَعَتِهِ مِن تَبُوكَ» . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وفي هَذا الإسْنادِ نَظَرٌ، والظّاهِرُ أنَّهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، فَإنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَمْ يَغْزُ تَبُوكَ عَنْ قَوْلِ اليَهُودِ، وإنَّما غَزاها امْتِثالًا لِقَوْلِهِ: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكم مِنَ الكُفّارِ﴾ [التوبة: ١٢٣] . وغَزاها لِيَقْتَصَّ ويَنْتَقِمَ مِمَّنْ قَتَلَ أهْلَ مُؤْتَةَ مِن أصْحابِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرْضِ﴾ قالَ: هَمَّ أهْلُ مَكَّةَ بِإخْراجِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن مَكَّةَ وقَدْ فَعَلُوا بَعْدَ ذَلِكَ، فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ يَوْمَ بَدْرٍ ولَمْ يَلْبَثُوا بَعْدَهُ إلّا قَلِيلًا حَتّى أهْلَكَهُمُ اللَّهُ يَوْمَ بَدْرٍ، وكَذَلِكَ كانَتْ سُنَّةَ اللَّهِ في الرُّسُلِ إذا فَعَلَ بِهِمْ قَوْمُهم مِثْلَ ذَلِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إلّا قَلِيلًا﴾ قالَ: يَعْنِي بِالقَلِيلِ يَوْمَ أخْذِهِمْ بِبَدْرٍ، فَكانَ ذَلِكَ هو القَلِيلَ الَّذِينَ لَبِثُوا بَعْدَهُ.

الإسراء 17:75

. قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ، وهو مَنصُوبٌ عَلى مَعْنى اذْكُرْ يَوْمَ نَدْعُو. وقُرِئَ ( يَدْعُو ) بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ ( ويُدْعى ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، والباءُ في ( بِإمامِهِمْ ) لِلْإلْصاقِ كَما تَقُولُ: أدْعُوكَ بِاسْمِكَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُتَعَلِّقَةً بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ، والتَّقْدِيرُ: نَدْعُو كُلَّ أُناسٍ مُتَلَبِّسِينَ بِإمامِهِمْ أيْ: يُدْعَوْنَ وإمامُهم فِيهِمْ. نَحْوَ رَكْبٍ بِجُنُودِهِ، والأوَّلُ أُولى. والإمامُ في اللُّغَةِ: كُلُّ ما يُؤْتَمُّ بِهِ مِن نَبِيٍّ أوْ مُقَدَّمٍ في الدِّينِ أوْ كِتابٍ. وقَدِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في تَعْيِينِ الإمامِ الَّذِي تُدْعى كُلُّ أُناسٍ بِهِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ: إنَّهُ كِتابُ كُلِّ إنْسانٍ، الَّذِي فِيهِ عَمَلُهُ أيْ: يُدْعى كُلُّ إنْسانٍ بِكِتابِ (p-٨٣٥)عَمَلِهِ، ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ﴾ [الحاقة: ١٩] الآيَةَ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ الإمامُ: هو الكِتابُ المُنَزَّلُ عَلَيْهِمْ، فَيُدْعى أهْلُ التَّوْراةِ بِالتَّوْراةِ، وأهْلُ الإنْجِيلِ بِالإنْجِيلِ، وأهْلُ القُرْآنِ بِالقُرْآنِ، فَيُقالُ: يا أهْلَ التَّوْراةِ يا أهْلَ الإنْجِيلِ يا أهْلَ القُرْآنِ. وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: إمامُهم نَبِيُّهم، فَيُقالُ: هاتُوا مُتَّبِعِي إبْراهِيمَ، هاتُوا مُتَّبِعِي مُوسى، هاتُوا مُتَّبِعِي عِيسى، هاتُوا مُتَّبِعِي مُحَمَّدٍ، وبِهِ قالَ الزَّجّاجُ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - المُرادُ بِالإمامِ إمامُ عَصْرِهِمْ، فَيُدْعى أهْلُ كُلِّ عَصْرٍ بِإمامِهِمْ الَّذِي كانُوا يَأْتَمِرُونَ بِأمْرِهِ ويَنْتَهُونَ بِنَهْيِهِ. وقالَ الحَسَنُ وأبُو العالِيَةِ: المُرادُ بِإمامِهِمْ أعْمالُهم، فَيُقالُ مَثَلًا: أيْنَ المُجاهِدُونَ أيْنَ الصّابِرُونَ أيْنَ الصّائِمُونَ أيْنَ المُصَلُّونَ ؟ ونَحْوُ ذَلِكَ. ورُوِيَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأبِي هُرَيْرَةَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المُرادُ بِإمامِهِمْ صاحِبُ مَذْهَبِهِمْ، فَيُقالُ مَثَلًا: أيْنَ التّابِعُونَ لِلْعالِمِ فُلانِ ابْنِ فُلانٍ، وهَذا مِنَ البُعْدِ بِمَكانٍ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: بِإمامِهِمْ بِأُمَّهاتِهِمْ، عَلى أنَّ إمامَ جَمْعُ أُمٍّ كَخُفٍّ وخِفافٍ، وهَذا بِعِيدٌ جِدًّا. وقِيلَ: الإمامُ هو كُلُّ خُلُقٍ يَظْهَرُ مِنَ الإنْسانِ حَسَنٍ كالعِلْمِ والكَرَمِ والشَّجاعَةِ، أوْ قَبِيحٍ كَأضْدادِها، فالدّاعِي إلى تِلْكَ الأفْعالِ خُلُقٌ باطِنٌ هو كالإمامِ، ذَكَرَ مَعْناهُ الرّازِيُّ في تَفْسِيرِهِ ﴿فَمَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ مِن أُولَئِكَ المَدْعُوِينَ. وتَخْصِيصُ اليَمِينِ بِالذِّكْرِ لِلتَّشْرِيفِ والتَّبْشِيرِ ﴿فَأُولَئِكَ﴾ الإشارَةُ إلى ( مَن ) بِاعْتِبارِ مَعْناهُ. قِيلَ: ووَجْهُ الجَمْعِ: الإشارَةُ إلى أنَّهم مُجْتَمِعُونَ عَلى شَأْنٍ جَلِيلٍ، أوِ الإشْعارُ بِأنَّ قِراءَتَهم لِكُتُبِهِمْ تَكُونُ عَلى وجْهِ الِاجْتِماعِ لا عَلى وجْهِ الِانْفِرادِ ﴿يَقْرَءُونَ كِتابَهُمْ﴾ الَّذِي أُوتُوهُ ﴿ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ أيْ: لا يُنْقَصُونَ مِن أُجُورِهِمْ قَدْرَ فَتِيلٍ، وهو القِشْرَةُ الَّتِي في شِقِّ النَّواةِ، أوْ هو عِبارَةٌ عَنْ أقَلِّ شَيْءٍ. ولَمْ يَذْكُرْ أصْحابَ الشِّمالِ تَصْرِيحًا، ولَكِنَّهُ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما يَدُلُّ عَلى حالِهِمُ القَبِيحِ فَقالَ: ﴿ومَن كانَ في هَذِهِ أعْمى﴾ أيْ: مَن كانَ مِنَ المَدْعُوِينَ في هَذِهِ الدُّنْيا أعْمى أيْ: فاقِدَ البَصِيرَةِ. قالَ النَّيْسابُورِيُّ: لا خِلافَ أنَّ المُرادَ بِهَذا العَمى عَمى القَلْبِ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَهُوَ في الآخِرَةِ أعْمى﴾ فَيُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ عَمى البَصَرِ كَقَوْلِهِ: ﴿ونَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى﴾ ﴿قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أعْمى وقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ [طه: ١٢٤، ١٢٥] وفي هَذا زِيادَةُ العُقُوبَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ عَمى القَلْبِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالآخِرَةِ عَمَلُ الآخِرَةِ أيْ: فَهو في عَمَلِ أوْ في أمْرِ الآخِرَةِ أعْمى، وقِيلَ: المُرادُ مَن عَمِي عَنِ النِّعَمِ الَّتِي أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلَيْهِ في الدُّنْيا، فَهو عَنْ نِعَمِ الآخِرَةِ أعْمى، وقِيلَ: مَن كانَ في الدُّنْيا الَّتِي تُقْبَلُ فِيها التَّوْبَةُ أعْمى فَهو في الآخِرَةِ الَّتِي لا تَوْبَةَ فِيها أعْمى، وقِيلَ: مَن كانَ في الدُّنْيا أعْمى عَنْ حُجَجِ اللَّهِ فَهو في الآخِرَةِ أعْمى. وقَدْ قِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَهُوَ في الآخِرَةِ أعْمى﴾ أفْعَلُ تَفْضِيلٍ: أيْ: أشَدُّ عَمًى، وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى أنَّهُ مِن عَمى القَلْبِ؛ إذْ لا يُقالُ ذَلِكَ في عَمى العَيْنِ. قالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ: لِأنَّهُ خَلَقَهُ بِمَنزِلَةِ اليَدِ والرِّجْلِ، فَلا يُقالُ: ما أعْماهُ كَما لا يُقالُ: ما أيْداهُ. وقالَ الأخْفَشُ: لا يُقالُ فِيهِ ذَلِكَ لِأنَّهُ أكْثَرُ مِن أحْرُفٍ. وقَدْ حَكى الفَرّاءُ عَنْ بَعْضِ العَرَبِ أنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: ما أسْوَدَ شَعَرَهُ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أمّا المُلُوكُ فَأنْتَ اليَوْمَ ألْأمُهم لُؤْمًا وأبْيَضُهم سِرْبالَ طَبّاخِ والبَحْثُ مُسْتَوْفًي في النَّحْوِ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ ( أعْمى ) بِالإمالَةِ في المَوْضِعَيْنِ، وقَرَأهُما أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ والباقُونَ بِغَيْرِ إمالَةٍ، وأمالَ أبُو عُبَيْدٍ الأوَّلَ دُونَ الثّانِي ﴿وأضَلُّ سَبِيلًا﴾ يَعْنِي أنَّ هَذا أضَلُّ سَبِيلًا مِنَ الأعْمى لِكَوْنِهِ لا يَجِدُ طَرِيقًا إلى الهِدايَةِ، بِخِلافِ الأعْمى فَقَدْ يَهْتَدِي في بَعْضِ الأحْوالِ. ثُمَّ لَمّا عَدَّدَ سُبْحانَهُ في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ أقْسامَ النِّعَمِ عَلى بَنِي آدَمَ أرْدَفَهُ بِما يَجْرِي مَجْرى التَّحْذِيرِ مِن الِاغْتِرارِ بِوَساوِسِ الأشْقِياءِ فَقالَ: ﴿وإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ ( إنْ ): هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واسْمُها ضَمِيرُ شَأْنٍ مَحْذُوفٌ، واللّامُ: هي الفارِقَةُ بَيْنَها وبَيْنَ النّافِيَةِ، والمَعْنى: وإنَّ الشَّأْنَ قارَبُوا أنْ يَخْدَعُوكَ فاتِنِينَ، وأصْلُ الفِتْنَةِ الِاخْتِبارُ، ومِنهُ فَتَنَ الصّائِغُ الذَّهَبَ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في كُلِّ مَن أزالَ الشَّيْءَ عَنْ حَدِّهِ وجِهَتِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ في إعْطائِهِمْ ما سَألُوهُ مُخالَفَةً لِحُكْمِ القُرْآنِ وافْتِراءً عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ مِن تَبْدِيلِ الوَعْدِ بِالوَعِيدِ وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿عَنِ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي والوَعْدِ والوَعِيدِ ﴿لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ﴾ لِتَتَقَوَّلَ عَلَيْنا غَيْرَ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ مِمّا اقْتَرَحَهُ عَلَيْكَ كُفّارُ قُرَيْشٍ ﴿وإذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾ أيْ: لَوِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا لَهم، أيْ: والَوْكَ وصافَوْكَ، مَأْخُوذٌ مِنَ الخَلَّةِ بِفَتْحِ الخاءِ. ﴿ولَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ﴾ عَلى الحَقِّ وعَصَمْناكَ عَنْ مُوافَقَتِهِمْ ﴿لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ﴾ لَقارَبْتَ أنْ تَمِيلَ إلَيْهِمْ أدْنى مَيْلٍ، والرُّكُونُ هو المَيْلُ اليَسِيرُ، ولِهَذا قالَ: ( شَيْئًا قَلِيلًا ) لَكِنْ أدْرَكَتْهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - العِصْمَةُ فَمَنَعَتْهُ مِن أنْ يَقْرُبَ مِن أدْنى مَراتِبِ الرُّكُونِ إلَيْهِمْ، فَضْلًا عَنْ نَفْسِ الرُّكُونِ، وهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ما هَمَّ بِإجابَتِهِمْ، ذَكَرَ مَعْناهُ القُشَيْرِيُّ وغَيْرُهُ، وقِيلَ: المَعْنى: وإنْ كادُوا لَيُخْبِرُونِ عَنْكَ بِأنَّكَ مِلْتَ إلى قَوْلِهِمْ، فَنُسِبَ فِعْلُهم إلَيْهِ مَجازًا واتِّساعًا كَما تَقُولُ لِلرَّجُلِ: كِدْتَ تَقْتُلُ نَفْسَكَ أيْ: كادَ النّاسُ يَقْتُلُونَكَ بِسَبَبِ ما فَعَلْتَ، ذَكَرَ مَعْناهُ الَمَهَدَوِيُّ. ثُمَّ تَوَعَّدَهُ سُبْحانَهُ في ذَلِكَ أشَدَّ الوَعِيدِ فَقالَ: ﴿إذًا لَأذَقْناكَ ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ﴾ أيْ: لَوْ قارَبْتَ أنْ تَرْكَنَ إلَيْهِمْ، أيْ: مِثْلَيْ ما يُعَذَّبُ بِهِ غَيْرُكَ مِمَّنْ يَفْعَلُ هَذا الفِعْلَ في الدّارَيْنِ، والمَعْنى: عَذابًا ضِعْفًا في الحَياةِ وعَذابًا ضِعْفًا في المَماتِ: أيْ: مُضاعَفًا، ثُمَّ حُذِفَ المَوْصُوفُ وأُقِيمَتِ الصِّفَةُ مَقامَهُ وأُضِيفَتْ، وذَلِكَ لِأنَّ خَطَأ العَظِيمِ عَظِيمٌ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿يانِساءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠] . وضِعْفُ الشَّيْءِ مِثْلاهُ، وقَدْ يَكُونُ الضِّعْفُ النَّصِيبَ كَقَوْلِهِ: ( لِكُلٍّ ضِعْفٌ ) [الأعراف: ٣٨] أيْ: نَصِيبٌ. قالَ الرّازِيُّ: حاصِلُ الكَلامِ أنَّكَ لَوْ مَكَّنْتَ خَواطِرَ الشَّيْطانِ مِن قَلْبِكَ وعَقَدْتَ عَلى الرُّكُونِ هَمَّكَ لاسْتَحْقَقْتَ تَضْعِيفَ العَذابِ عَلَيْكَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، ولَصارَ عَذابُكَ مِثْلَيْ عَذابِ المُشْرِكِ في الدُّنْيا ومِثْلَيْ عَذابِهِ في الآخِرَةِ ﴿ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيرًا﴾ (p-٨٣٦)يَنْصُرُكَ فَيَدْفَعُ عَنْكَ هَذا العَذابَ. قالَ النَّيْسابُورِيُّ: اعْلَمْ أنَّ القُرْبَ مِنَ الفِتْنَةِ لا يَدُلُّ عَلى الوُقُوعِ فِيها، والتَّهْدِيدَ عَلى المَعْصِيَةِ لا يَدُلُّ عَلى الإقْدامِ عَلَيْها، فَلا يَلْزَمُ مِنَ الآيَةِ طَعْنٌ في العِصْمَةِ. ﴿وإنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ﴾ الكَلامُ في هَذا كالكَلامِ في ﴿وإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ أيْ: وإنَّ الشَّأْنَ أنَّهم قارَبُوا أنْ يُزْعِجُوكَ مِن أرْضِ مَكَّةَ لِتَخْرُجَ عَنْها، ولَكِنَّهُ لَمْ يَقَعْ ذَلِكَ مِنهم، بَلْ مَنَعَهُمُ اللَّهُ مِنهُ حَتّى هاجَرَ بِأمْرِ رَبِّهِ وبَعْدَ أنْ هَمُّوا بِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ أُطْلِقَ الإخْراجُ عَلى إرادَةِ الإخْراجِ تَجْوِيزًا ﴿وإذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إلّا قَلِيلًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ( لَيَسْتَفِزُّونَكَ ) أيْ: لا يَبْقُونَ بَعْدَ إخْراجِكَ إلّا زَمَنًا قَلِيلًا. ثُمَّ عُوقِبُوا عُقُوبَةً تَسْتَأْصِلُهم جَمِيعًا. وقَرَأ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ ( لا يُلَبَّثُوا ) بِتَشْدِيدِ الباءِ المُوَحَّدَةِ. وقُرِئَ ( لا يَلْبَثُوا ) بِالنَّصْبِ عَلى إعْمالِ ( إذَنْ ) عَلى أنَّ الجُمْلَةَ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ( وإنْ كادُوا ) لا عَلى الخَبَرِ فَقَطْ. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو بَكْرٍ وأبُو عَمْرٍو ( خَلْفَكَ ) ومَعْناهُ بَعْدَكَ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( خِلافَكَ ) ومَعْناهُ أيْضًا بَعْدَكَ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ( خِلافَكَ ) بِمَعْنى مُخالَفَتِكَ، واخْتارَ أبُو حاتِمٍ القِراءَةَ الثّانِيَةَ لِقَوْلِهِ: ﴿فَرِحَ المُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٨١] . ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ ( خِلافَ ) بِمَعْنى ( بَعْدَ ) قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎عَفَتِ الدِّيارُ خِلافَها فَكَأنَّما ∗∗∗ بَسَطَ الشَّواطِبُ بَيْنَهُنَّ حَصِيرا يُقالُ: شَطَبَتِ المَرْأةُ الجَرِيدَ إذا شَقَّقَتُهُ لِتَعْمَلَ مِنهُ الحَصِيرَ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ثُمَّ تُلْقِيهِ الشّاطِبَةُ إلى المُثَقِّبَةِ. ﴿سُنَّةَ مَن قَدْ أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِن رُسُلِنا﴾ ( سُنَّةَ ) مُنْتَصِبَةٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ: أيْ: سَنَّ اللَّهُ سُنَّةً. وقالَ الفَرّاءُ أيْ: يُعَذَّبُونَ كَسُنَّةِ مَن قَدْ أرْسَلْنا، فَلَمّا سَقَطَ الخافِضُ عَمَلَ الفِعْلُ. وقِيلَ: المَعْنى: سُنَّتُنا سُنَّةَ مَن قَدْ أرْسَلْنا. قالَ الزَّجّاجُ: يَقُولُ: إنَّ سُنَّتَنا هَذِهِ السُّنَّةَ فِيمَن أرْسَلْنا قَبْلَكَ إلَيْهِمْ أنَّهم إذا أخْرَجُوا نَبِيَّهم مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ أوْ قَتَلُوهُ أنْ يَنْزِلَ العَذابُ بِهِمْ ﴿ولا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلًا﴾ أيْ: ما أجْرى اللَّهُ بِهِ العادَةَ لَمْ يَتَمَكَّنْ أحَدٌ مِن تَحْوِيلِهِ ولا يَقْدِرُ عَلى تَغْيِيرِهِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ﴾ قالَ: إمامُ هُدًى وإمامُ ضَلالَةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والخَطِيبُ في تارِيخِهِ عَنْ أنَسٍ في الآيَةِ قالَ: نَبِيُّهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: بِكِتابِ أعْمالِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلَيٍّ في الآيَةِ قالَ: يُدْعى كُلُّ قَوْمٍ بِإمامِ زَمانِهِمْ، وكِتابِ رَبِّهِمْ وسُنَّةِ نَبِيِّهِمْ. وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والبَزّارُ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ حِبّانَ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ﴾ قالَ: «يُدْعى أحَدُهم فَيُعْطى كِتابَهُ بِيَمِينِهِ ويُمَدُّ لَهُ في جِسْمِهِ سِتِّينَ ذِراعًا ويَبْيَضُّ وجْهُهُ، ويُجْعَلُ عَلى رَأْسِهِ تاجٌ مِن لُؤْلُؤٍ يَتَلَأْلَأُ، فَيَنْطَلِقُ إلى أصْحابِهِ فَيَرَوْنَهُ مِن بَعِيدٍ فَيَقُولُونَ: اللَّهُمَّ ائْتِنا بِهَذا وبارِكْ لَنا في هَذا، حَتّى يَأْتِيَهم فَيَقُولُ: أبْشِرُوا لِكُلِّ رَجُلٍ مِنكم مِثْلُ هَذا، وأمّا الكافِرُ فَيَسْوَدُّ وجْهُهُ ويُمَدُّ لَهُ في جِسْمِهِ سِتِّينَ ذِراعًا عَلى صُورَةِ آدَمَ، ويُلْبَسُ تاجًا فَيَراهُ أصْحابُهُ فَيَقُولُونَ: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِن شَرِّ هَذا، اللَّهُمَّ لا تَأْتِنا بِهَذا، قالَ: فَيَأْتِيهِمْ فَيَقُولُونَ: اللَّهُمَّ اخْزِهِ، فَيَقُولُ: أبْعَدَكُمُ اللَّهُ، فَإنَّ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنكم مِثْلَ هَذا» . قالَ البَزّارُ بَعْدَ إخْراجِهِ: لا يُرْوى إلّا مِن هَذا الوَجْهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن كانَ في هَذِهِ أعْمى﴾ يَقُولُ: مَن كانَ في الدُّنْيا أعْمى عَمّا يَرى مِن قُدْرَتِي مِن خَلْقِ السَّماءِ والأرْضِ والجِبالِ والبِحارِ والنّاسِ والدَّوابِّ وأشْباهِ هَذا ( ﴿فَهُوَ﴾ ) عَمّا وصَفْتُ لَهُ ( ﴿فِي الآخِرَةِ﴾ ) ولَمْ يَرَهُ ﴿أعْمى وأضَلُّ سَبِيلًا﴾ يَقُولُ: أبْعَدُ حُجَّةً. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنْهُ نَحْوَ هَذا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا يَقُولُ: مَن عَمِيَ عَنْ قُدْرَةِ اللَّهِ في الدُّنْيا فَهو في الآخِرَةِ أعْمى. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: «إنَّ أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ وأبا جَهْلِ بْنَ هِشامٍ ورِجالًا مِن قُرَيْشٍ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالُوا: تَعالَ فَتَمْسَحْ آلِهَتَنا ونَدْخُلْ مَعَكَ في دِينِكَ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَشْتَدُّ عَلَيْهِ فِراقُ قَوْمِهِ ويُحِبُّ إسْلامَهم، فَرَقَّ لَهم، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿وإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ إلى قَوْلِهِ: نَصِيرًا» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ ياذانَ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَسْتَلِمُ الحَجَرَ، فَقالُوا: لا نَدَعُكَ تَسْتَلِمُهُ حَتّى تَسْتَلِمَ بِآلِهَتِنا، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: وما عَلَيَّ لَوْ فَعَلْتُ واللَّهُ يَعْلَمُ مِنِّي خِلافَهُ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ «أنَّ قُرَيْشًا أتَوُا النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالُوا لَهُ: إنْ كُنْتَ أُرْسِلْتَ إلَيْنا فاطْرُدِ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ مِن سِقاطِ النّاسِ ومَوالِيهِمْ لِنَكُونَ نَحْنُ أصْحابَكَ، فَرَكَنَ إلَيْهِمْ، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: ﴿وإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيِّ قالَ: أنْزَلَ اللَّهُ ﴿والنَّجْمِ إذا هَوى﴾ [النجم: ١] . فَقَرَأ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - هَذِهِ الآيَةَ: ﴿أفَرَأيْتُمُ اللّاتَ والعُزّى﴾ [النجم: ١٩] فَألْقى عَلَيْهِ الشَّيْطانُ تِلْكَ الغَرانِيقُ العُلى، وإنَّ شَفاعَتَهم لَتُرْتَجى، فَقَرَأ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ما بَقِيَ مِنَ السُّورَةِ وسَجَدَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ الآيَةَ، فَما زالَ مَهْمُومًا مَغْمُومًا حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ إلّا إذا تَمَنّى﴾ [الحج: ٣٢] الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ ثَقِيفًا قالُوا لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: أجِّلْنا سَنَةً حَتّى يُهْدى لِآلِهَتِنا، فَإذا قَبَضْنا الَّذِي يُهْدى لِلْآلِهَةِ أحْرَزْناهُ ثُمَّ أسْلَمْنا وكَسَّرْنا الآلِهَةَ، فَهَمَّ أنْ يُؤَجِّلَهم، فَنَزَلَتْ: ﴿وإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ﴾ يَعْنِي ضِعْفَ عَذابِ الدُّنْيا والآخِرَةِ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنِ الحَسَنِ في الآيَةِ قالَ: هو عَذابُ القَبْرِ. (p-٨٣٧)وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ عَطاءٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: قالَ المُشْرِكُونَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: كانَتِ الأنْبِياءُ تَسْكُنُ الشّامَ، فَما لَكَ والمَدِينَةِ ؟ فَهَمَّ أنْ يُشَخِصَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿وإنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرْضِ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ حَضْرَمِيٍّ أنَّهُ بَلَغَهُ أنَّ بَعْضَ اليَهُودِ فَذَكَرَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ «أنَّ اليَهُودَ أتَوُا النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالُوا: إنْ كُنْتَ نَبِيًّا فالحَقْ بِالشّامِ؛ فَإنَّ الشّامَ أرْضُ المَحْشَرِ وأرْضُ الأنْبِياءِ، فَصَدَّقَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ما قالُوا، فَتَحَرّى غَزْوَةَ تَبُوكَ لا يُرِيدُ إلّا الشّامَ، فَلَمّا بَلَغَ تَبُوكَ أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ آياتٍ مِن سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ بَعْدَ ما خُتِمَتِ السُّورَةُ ﴿وإنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ( تَحْوِيلًا ) فَأمَرَهُ بِالرُّجُوعِ إلى المَدِينَةِ، وقالَ: فِيها مَحْياكَ وفِيها مَماتُكَ ومِنها تُبْعَثُ، وقالَ لَهُ جِبْرِيلُ: سَلْ رَبَّكَ فَإنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ مَسْألَةً. فَقالَ: ما تَأْمُرُنِي أنْ أسْألَ ؟ قالَ: ﴿وقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وأخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ واجْعَلْ لِي مِن لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا﴾ فَهَؤُلاءِ نَزَلْنَ عَلَيْهِ في رَجَعَتِهِ مِن تَبُوكَ» . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وفي هَذا الإسْنادِ نَظَرٌ، والظّاهِرُ أنَّهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، فَإنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَمْ يَغْزُ تَبُوكَ عَنْ قَوْلِ اليَهُودِ، وإنَّما غَزاها امْتِثالًا لِقَوْلِهِ: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكم مِنَ الكُفّارِ﴾ [التوبة: ١٢٣] . وغَزاها لِيَقْتَصَّ ويَنْتَقِمَ مِمَّنْ قَتَلَ أهْلَ مُؤْتَةَ مِن أصْحابِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرْضِ﴾ قالَ: هَمَّ أهْلُ مَكَّةَ بِإخْراجِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن مَكَّةَ وقَدْ فَعَلُوا بَعْدَ ذَلِكَ، فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ يَوْمَ بَدْرٍ ولَمْ يَلْبَثُوا بَعْدَهُ إلّا قَلِيلًا حَتّى أهْلَكَهُمُ اللَّهُ يَوْمَ بَدْرٍ، وكَذَلِكَ كانَتْ سُنَّةَ اللَّهِ في الرُّسُلِ إذا فَعَلَ بِهِمْ قَوْمُهم مِثْلَ ذَلِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إلّا قَلِيلًا﴾ قالَ: يَعْنِي بِالقَلِيلِ يَوْمَ أخْذِهِمْ بِبَدْرٍ، فَكانَ ذَلِكَ هو القَلِيلَ الَّذِينَ لَبِثُوا بَعْدَهُ.

الإسراء 17:76

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ - ﴿وإنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ﴾ نَزَلَتْ حِينَ جاءَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وفْدُ ثَقِيفٍ، وحِينَ قالَتِ اليَهُودُ: لَيْسَتْ هَذِهِ بِأرْضِ الأنْبِياءِ، وقَوْلُهُ: ﴿وقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ رَبَّكَ أحاطَ بِالنّاسِ﴾ وزادَ مُقاتِلٌ قَوْلَهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ﴾ . وأخْرَجَ النَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ بَنِي إسْرائِيلَ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، وابْنُ الضُّرَيْسِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ في بَنِي إسْرائِيلَ والكَهْفِ ومَرْيَمَ: إنَّهُنَّ مِنَ العِتاقِ الأُوَّلِ وهُنَّ مِن تِلادِي. وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والنَّسائِيُّ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ كُلَّ لَيْلَةٍ بَنِي إسْرائِيلَ والزُّمَرَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ أبِي عَمْرٍو الشَّيْبانِيِّ قالَ: صَلّى بِنا عَبْدُ اللَّهِ الفَجْرَ فَقَرَأ السُّورَتَيْنِ الآخِرَةُ مِنهُما بَنُو إسْرائِيلَ.

الإسراء 17:77

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ - ﴿وإنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ﴾ نَزَلَتْ حِينَ جاءَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وفْدُ ثَقِيفٍ، وحِينَ قالَتِ اليَهُودُ: لَيْسَتْ هَذِهِ بِأرْضِ الأنْبِياءِ، وقَوْلُهُ: ﴿وقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ رَبَّكَ أحاطَ بِالنّاسِ﴾ وزادَ مُقاتِلٌ قَوْلَهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ﴾ . وأخْرَجَ النَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ بَنِي إسْرائِيلَ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، وابْنُ الضُّرَيْسِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ في بَنِي إسْرائِيلَ والكَهْفِ ومَرْيَمَ: إنَّهُنَّ مِنَ العِتاقِ الأُوَّلِ وهُنَّ مِن تِلادِي. وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والنَّسائِيُّ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ كُلَّ لَيْلَةٍ بَنِي إسْرائِيلَ والزُّمَرَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ أبِي عَمْرٍو الشَّيْبانِيِّ قالَ: صَلّى بِنا عَبْدُ اللَّهِ الفَجْرَ فَقَرَأ السُّورَتَيْنِ الآخِرَةُ مِنهُما بَنُو إسْرائِيلَ.

الإسراء 17:78

. لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ الإلَهِيّاتِ والمَعادَ والجَزاءَ أرْدَفَها بِذِكْرِ أشْرَفِ الطّاعاتِ، وهي الصَّلاةُ، فَقالَ: ﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ . وقَدْ أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ المُرادُ بِها الصَّلَواتُ المَفْرُوضَةُ. وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في الدُّلُوكِ المَذْكُورِ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما أنَّهُ زَوالُ الشَّمْسِ عَنْ كَبِدِ السَّماءِ، قالَهُ عُمَرُ وابْنُهُ وأبُو هُرَيْرَةَ وأبُو بَرْزَةَ وابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ والشَّعْبِيُّ وعَطاءُ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ وأبُو جَعْفَرٍ الباقِرُ، واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ غُرُوبُ الشَّمْسِ، قالَهُ عَلِيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ وأُبِيُّ بْنُ كَعْبٍ، ورُوِيَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. قالَ الفَرّاءُ: دُلُوكُ الشَّمْسِ: مِن لَدُنْ زَوالِها إلى غُرُوبِها. قالَ الأزْهَرِيُّ: ومَعْنى الدُّلُوكِ في كَلامِ العَرَبِ الزَّوالُ، ولِذَلِكَ قِيلَ لِلشَّمْسِ إذا زالَتْ نِصْفَ النَّهارِ: دالِكَةٌ، وقِيلَ لَها إذا أفَلَتْ: دالِكَةٌ، لِأنَّها في الحالَتَيْنِ زائِلَةٌ. قالَ: والقَوْلُ عِنْدِي أنَّهُ زَوالُها نِصْفَ النَّهارِ لِتَكُونَ الآيَةُ جامِعَةً لِلصَّلَواتِ الخَمْسِ، والمَعْنى: أقِمِ الصَّلاةَ مِن وقْتِ دُلُوكِ الشَّمْسِ ﴿إلى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ فَيَدْخُلُ فِيها الظُّهْرُ والعَصْرُ وصَلاتا غَسَقِ اللَّيْلِ، وهُما العِشاءانِ، ثُمَّ قالَ: ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ هَذِهِ خَمْسُ صَلَواتٍ. وقالَ أبُو عُبِيدٍ: دُلُوكُها غُرُوبُها، ودَلَكَتْ بِراحٍ: يَعْنِي الشَّمْسَ أيْ: غابَتْ، وأنْشَدَ قُطْرُبٌ عَلى هَذا قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎هَذا مَقامُ قَدَمَيْ رَباحْ دَبَّتْ حَتّى دَلَكَتْ بَراحْ اسْمٌ مِن أسْماءِ الشَّمْسِ عَلى وزْنِ حَذامٍ وقَطامٍ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: ؎مَصابِيحٌ لَيْسَتْ بِاللَّواتِي تَقُودُها ∗∗∗ نُجُومٌ ولا بِالآفِلاتِ الدَّوالِكِ أيِ: الغَوارِبِ. وغَسَقُ اللَّيْلِ اجْتِماعُ الظُّلْمَةِ. قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: يُقالُ: غَسَقَ اللَّيْلُ وأغْسَقَ: إذا أقْبَلَ بِظَلامِهِ، قالَ أبُو عُبَيْدٍ: الغَسَقُ سَوادُ اللَّيْلِ. قالَ قَيْسُ بْنُ الرُّقَيّاتِ: ؎إنَّ هَذا اللَّيْلَ قَدْ غَسَقا ∗∗∗ واشْتَكَيْتُ الهَمَّ والأرَقا وقِيلَ: غَسَقُ اللَّيْلِ: مَغِيبُ الشَّفَقِ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: ؎ظَلَّتْ تَجُودُ يَداها وهي لاهِيَةٌ ∗∗∗ حَتّى إذا جَعْجَعَ الإظْلامُ والغَسَقُ وأصْلُ الكَلِمَةِ مِنَ السَّيَلانِ يُقالُ: غَسَقَتْ: إذا سالَتْ. وحَكى الفَرّاءُ غَسَقَ اللَّيْلُ وأغْسَقَ، وظَلِمَ وأظْلَمَ، ودَجى وأدْجى وغَبِشَ وأغْبَشَ، وقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الغايَةِ أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿إلى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ مَن قالَ: إنَّ صَلاةَ الظُّهْرِ يَتَمادى وقْتُها مِنَ الزَّوالِ إلى الغُرُوبِ، رُوِيَ ذَلِكَ، عَنِ الأوْزاعِيِّ وأبِي حَنِيفَةَ وجَوَّزَهُ مالِكٌ والشّافِعِيُّ في حالِ الضَّرُورَةِ، وقَدْ ورَدَتِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ المُتَواتِرَةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في تَعْيِينِ أوْقاتِ الصَّلَواتِ، فَيَجِبُ حَمْلُ مُجْمَلِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى ما بَيَّنَتْهُ السُّنَّةُ. فَلا نُطِيلُ بِذِكْرِ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ انْتِصابُ ( قُرْآنَ ) لِكَوْنِهِ مَعْطُوفًا عَلى الصَّلاةِ أيْ: وأقِمْ قُرْآنَ الفَجْرِ، قالَهُ الفَرّاءُ. وقالَ الزَّجّاجُ والبَصْرِيُّونَ: انْتِصابُهُ عَلى الإغْراءِ أيْ: فَعَلَيْكَ قُرْآنَ الفَجْرِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: المُرادُ بِقُرْآنِ الفَجْرِ صَلاةُ الصُّبْحِ. قالَ الزَّجّاجُ: وفي هَذِهِ فائِدَةٌ عَظِيمَةٌ تَدُلُّ عَلى أنَّ الصَّلاةَ لا تَكُونُ إلّا بِقِراءَةٍ حَتّى سُمِّيَتِ الصَّلاةُ قُرْآنًا، وقَدْ دَلَّتِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ عَلى أنَّهُ لا صَلاةَ إلّا بِفاتِحَةِ الكِتابِ، وفي بَعْضِ الأحادِيثِ الخارِجَةِ مِن مَخْرَجٍ حَسَنٍ: وقُرْآنٍ مَعَها، ووَرَدَ ما يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ الفاتِحَةِ في كُلِّ رَكْعَةٍ، وقَدْ حَرَّرْتُهُ في مُؤَلَّفاتِي تَحْرِيرًا مُجَوَّدًا. ثُمَّ عَلَّلَ سُبْحانَهُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ أيْ: تَشْهَدُهُ مَلائِكَةُ اللَّيْلِ ومَلائِكَةُ النَّهارِ، كَما ورَدَ ذَلِكَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ، (p-٨٣٨)وبِذَلِكَ قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ. ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ﴾ ( مِن ) لِلتَّبْعِيضِ، وانْتِصابُهُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ بِمُضْمَرٍ أيْ: قُمْ بَعْضَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ راجِعٌ إلى القُرْآنِ، وما قِيلَ مِن أنَّهُ مُنْتَصِبٌ عَلى الإغْراءِ، والتَّقْدِيرُ عَلَيْكَ بَعْضَ اللَّيْلِ. فَبِعِيدٌ جِدًّا، والتَّهَجُّدُ مَأْخُوذٌ مِنَ الهُجُودِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وابْنُ الأعْرابِيِّ: هو مِنَ الأضْدادِ؛ لِأنَّهُ يُقالُ: هَجَدَ الرَّجُلُ: إذا نامَ، وهَجَدَ: إذا سَهِرَ، فَمِنِ اسْتِعْمالِهِ في السَّهَرِ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ألا زارَتْ وأهْلُ مِنًى هُجُودُ ∗∗∗ فَلَيْتَ خَيالَها بِمِنًى يَعُودُ يَعْنِي مُنْتَبِهِينَ، ومِنِ اسْتِعْمالِهِ في النَّوْمِ قَوْلُ آخَرَ: ؎ألا طَرَقَتْنا والرِّفاقُ هُجُودُ ∗∗∗ فَباتَتْ بِعِلّاتِ النَّوالِ تَجُودُ يَعْنِي نِيامًا. وقالَ الأزْهَرِيُّ: الهُجُودُ في الأصْلِ هو النَّوْمُ بِاللَّيْلِ، ولَكِنْ جاءَ التَّفَعُّلُ فِيهِ لِأجْلِ التَّجَنُّبِ ومِنهُ تَأثَّمَ وتَحَرَّجَ: أيْ: تَجَنَّبَ الإثْمَ والحَرَجَ، فالمُتَهَجِّدُ مَن تَجَنَّبَ الهُجُودَ، فَقامَ بِاللَّيْلِ. ورُوِيَ، عَنِ الأزْهَرِيِّ أيْضًا أنَّهُ قالَ: المُتَهَجِّدُ القائِمُ إلى الصَّلاةِ مِنَ النَّوْمِ هَكَذا حَكى عَنْهُ الواحِدِيُّ، فَقَيَّدَ التَّهَجُّدَ بِالقِيامِ مِنَ النَّوْمِ، وهَكَذا قالَ مُجاهِدٌ وعَلْقَمَةُ والأسْوَدُ فَقالُوا: التَّهَجُّدُ بَعْدَ النَّوْمِ. قالَ اللَّيْثُ: تَهَجَّدَ: إذا اسْتَيْقَظَ لِلصَّلاةِ ( نافِلَةً لَكَ ) مَعْنى النّافِلَةِ في اللُّغَةِ الزِّيادَةُ عَلى الأصْلِ، فالمَعْنى أنَّها لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - نافِلَةٌ زائِدَةٌ عَلى الفَرائِضِ، والأمْرُ بِالتَّهَجُّدِ وإنْ كانَ ظاهِرُهُ الوُجُوبَ لَكِنَّ التَّصْرِيحَ بِكَوْنِهِ نافِلَةً قَرِينَةٌ صارِفَةٌ لِلْأمْرِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالنّافِلَةِ هُنا أنَّها فَرِيضَةٌ زائِدَةٌ عَلى الفَرائِضِ الخَمْسِ في حَقِّهِ، صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. ويَدْفَعُ ذَلِكَ التَّصْرِيحُ بِلَفْظِ النّافِلَةِ، وقِيلَ: كانَتْ صَلاةُ اللَّيْلِ فَرِيضَةً في حَقِّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ثُمَّ نُسِخَ الوُجُوبُ فَصارَ قِيامُ اللَّيْلِ تَطَوُّعًا، وعَلى هَذا يُحْمَلُ ما ورَدَ في الحَدِيثِ أنَّها عَلَيْهِ فَرِيضَةٌ، ولِأُمَّتِهِ تَطَوُّعٌ. قالَ الواحِدِيُّ: إنَّ صَلاةَ اللَّيْلِ كانَتْ زِيادَةً لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - خاصَّةً لِرَفْعِ الدَّرَجاتِ، لا لِلْكَفّاراتِ؛ لِأنَّهُ غُفِرَ لَهُ مِن ذَنْبِهِ ما تَقَدَّمَ وما تَأخَّرَ، ولَيْسَ لَنا بِنافِلَةٍ لِكَثْرَةِ ذُنُوبِنا إنَّما نَعْمَلُ لِكَفّارَتِها، قالَ: وهو قَوْلُ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ. والحاصِلُ أنَّ الخِطابَ في هَذِهِ الآيَةِ وإنْ كانَ خاصًّا بِالنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ( ﴿أقِمِ الصَّلاةَ﴾ ) فالأمْرُ لَهُ أمْرٌ لِأُمَّتِهِ، فَهو شَرْعٌ عامٌّ، ومِن ذَلِكَ التَّرْغِيبُ في صَلاةِ اللَّيْلِ، فَإنَّهُ يَعُمُّ جَمِيعَ الأُمَّةِ، والتَّصْرِيحُ بِكَوْنِهِ نافِلَةً يَدُلُّ عَلى عَدَمِ الوُجُوبِ، فالتَّهَجُّدُ مِنَ اللَّيْلِ مَندُوبٌ إلَيْهِ ومَشْرُوعٌ لِكُلَّ مُكَلَّفٍ. ثُمَّ وعَدَهُ سُبْحانَهُ عَلى إقامَةِ الفَرائِضِ والنَّوافِلِ فَقالَ: ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ قَدْ ذَكَرْنا في مَواضِعَ أنَّ ( عَسى ) مِنَ الكَرِيمِ إطْماعٌ واجِبُ الوُقُوعِ. وانْتِصابُ ( مَقامًا ) عَلى الظَّرْفِيَّةِ بِإضْمارِ فِعْلٍ، أوْ بِتَضْمِينِ البَعْثِ مَعْنى الإقامَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ انْتِصابُهُ عَلى الحالِ أيْ: يَبْعَثَكَ ذا مَقامٍ مَحْمُودٍ، ومَعْنى كَوْنِ المَقامِ مَحْمُودًا: أنَّهُ يَحْمَدُهُ كُلُّ مَن عَلِمَ بِهِ. وقَدِ اخْتُلِفَ في تَعْيِينِ هَذا المَقامِ عَلى أقْوالٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ المَقامُ الَّذِي يَقُومُهُ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِلشَّفاعَةِ يَوْمَ القِيامَةِ لِلنّاسِ لِيُرِيحَهم رَبُّهم سُبْحانَهُ مِمّا هم فِيهِ، وهَذا القَوْلُ هو الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الأدِلَّةُ الصَّحِيحَةُ في تَفْسِيرِ الآيَةِ، وحَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أكْثَرِ أهْلِ التَّأْوِيلِ. قالَ الواحِدِيُّ: وإجْماعُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ المَقامَ المَحْمُودَ هو مَقامُ الشَّفاعَةِ. القَوْلُ الثّانِي: أنَّ المَقامَ المَحْمُودَ إعْطاءُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِواءَ الحَمْدِ يَوْمَ القِيامَةِ. ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ هَذا لا يُنافِي القَوْلَ الأوَّلَ؛ إذْ لا مُنافاةَ بَيْنَ كَوْنِهِ قائِمًا مَقامَ الشَّفاعَةِ وبِيَدِهِ لِواءُ الحَمْدِ. القَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ المَقامَ المَحْمُودَ هو أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يُجْلِسُ مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مَعَهُ عَلى كُرْسِيِّهِ. حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ فِرْقَةٍ، مِنهم مُجاهِدٌ، وقَدْ ورَدَ في ذَلِكَ حَدِيثٌ. وحَكى النَّقّاشُ، عَنْ أبِي داوُدَ السِّجِسْتانِيِّ أنَّهُ قالَ: مَن أنْكَرَ هَذا الحَدِيثَ فَهو عِنْدَنا مُتَّهَمٌ، ما زالَ أهْلُ العِلْمِ يَتَحَدِّثُونَ بِهَذا الحَدِيثِ. قالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: مُجاهِدٌ وإنْ كانَ أحَدَ الأئِمَّةِ بِالتَّأْوِيلِ، فَإنَّ لَهُ قَوْلَيْنِ مَهْجُورَيْنِ عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ، أحَدُهُما هَذا، والثّانِي في تَأْوِيلِ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣] قالَ: مَعْناهُ تَنْتَظِرُ الثَّوابَ، ولَيْسَ مِنَ النَّظَرِ. انْتَهى. وعَلى كُلِّ حالٍ فَهَذا القَوْلُ غَيْرُ مُنافٍ لِلْقَوْلِ الأوَّلِ لِإمْكانِ أنْ يُقْعِدَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ هَذا المَقْعَدَ ويَشْفَعَ تِلْكَ الشَّفاعَةَ. القَوْلُ الرّابِعُ: أنَّهُ مُطْلَقٌ في كُلِّ مَقامٍ يَجْلِبُ الحَمْدَ مِن أنْواعِ الكَراماتِ، ذَكَرَهُ صاحِبُ الكَشّافِ والمُقْتَدُونَ بِهِ في التَّفْسِيرِ، ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّ الأحادِيثَ الصَّحِيحَةَ الوارِدَةَ في تَعْيِينِ هَذا المَقامِ المَحْمُودِ مُتَواتِرَةٌ، فالمَصِيرُ إلَيْها مُتَعَيِّنٌ، ولَيْسَ في الآيَةِ عُمُومٌ في اللَّفْظِ حَتّى يُقالَ: الِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، ومَعْنى قَوْلِهِ: وهو مُطْلَقٌ في كُلِّ ما يَجْلِبُ الحَمْدَ، أنَّهُ عامٌّ في كُلِّ ما هو كَذَلِكَ، ولَكِنَّهُ يُعَبَّرُ عَنِ العامِّ بِلَفْظِ المُطْلَقِ، كَما ذَكَرَهُ في ذَبْحِ البَقَرَةِ، ولِهَذا قالَ هُنا. وقِيلَ: المُرادُ الشَّفاعَةُ، وهي نَوْعٌ واحِدٌ مِمّا يَتَناوَلُهُ يَعْنِي لَفْظَ المَقامِ. والفَرْقُ بَيْنَ العُمُومِ البَدَلِيِّ والعُمُومِ الشُّمُولِيِّ مَعْرُوفٌ، فَلا نُطِيلُ بِذِكْرِهِ. ﴿وقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وأخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( مُدْخَلَ صِدْقٍ، ومُخْرَجَ صِدْقٍ ) بِضَمِّ المِيمَيْنِ. وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو العالِيَةِ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ بِفَتْحِهِما، وهُما مَصْدَرانِ بِمَعْنى الإدْخالِ والإخْراجِ، والإضافَةُ إلى الصِّدْقِ لِأجْلِ المُبالَغَةِ نَحْوَ: حاتِمُ الجُودِ، أيْ إدْخالًا يَسْتَأْهِلُ أنْ يُسَمّى إدْخالًا، ولا يَرى فِيهِ ما يَكْرَهُ. قالَ الواحِدِيُّ: وإضافَتُهُما إلى الصِّدْقِ مَدْحٌ لَهُما، وكُلُّ شَيْءٍ أضَفْتَهُ إلى الصِّدْقِ فَهو مَدْحٌ. وقَدِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى الآيَةِ، فَقِيلَ: نَزَلَتْ حِينَ أُمِرَ بِالهِجْرَةِ، يُرِيدُ إدْخالَ المَدِينَةِ والإخْراجَ مِن مَكَّةَ واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وقِيلَ: المَعْنى: أمِتْنِي إماتَةَ صِدْقٍ وابْعَثْنِي يَوْمَ القِيامَةِ مَبْعَثَ صِدْقٍ، وقِيلَ: المَعْنى: أدْخِلْنِي فِيما أمَرْتَنِي بِهِ، وأخْرِجْنِي مِمّا نَهَيْتَنِي عَنْهُ، وقِيلَ: إدْخالُهُ مَوْضِعَ الأمْنِ وإخْراجُهُ مِن بَيْنِ المُشْرِكِينَ، وهو كالقَوْلِ الأوَّلِ، وقِيلَ: المُرادُ إدْخالُ عِزٍّ وإخْراجُ نَصْرٍ، وقِيلَ: المَعْنى: أدْخِلْنِي القَبْرَ عِنْدَ المَوْتِ مُدْخَلَ صِدْقٍ، وأخْرِجْنِي مِنهُ عِنْدَ البَعْثِ مُخْرَجَ صِدْقٍ، وقِيلَ: أدْخِلْنِي حَيْثُما أدْخَلْتَنِي بِالصِّدْقِ وأخْرِجْنِي بِالصِّدْقِ، وقِيلَ: الآيَةُ عامَّةٌ في كُلِّ ما تَتَناوَلُهُ مِنَ الأُمُورِ، فَهي دُعاءٌ، ومَعْناها: رَبِّ أصْلِحْ لِي وِرْدِي في كُلِّ الأُمُورِ وصَدْرِيِ عَنْها (p-٨٣٩)﴿واجْعَلْ لِي مِن لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا﴾ أيْ: حُجَّةً ظاهِرَةً قاهِرَةً تَنْصُرُنِي بِها عَلى جَمِيعِ مَن خالَفَنِي، وقِيلَ: اجْعَلْ لِي مِن لَدُنْكَ مُلْكًا وعِزًّا قَوِيًّا وكَأنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلِمَ أنَّهُ لا طاقَةَ لَهُ بِهَذا الأمْرِ إلّا بِسُلْطانٍ فَسَألَ سُلْطانًا نَصِيرًا. وبِهِ قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهو الأرْجَحُ؛ لِأنَّهُ لا بُدَّ مَعَ الحَقِّ مِن قَهْرٍ لِمَن عاداهُ وناوَأهُ، ولِهَذا يَقُولُ تَعالى: ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلَنا بِالبَيِّناتِ وأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ والمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالقِسْطِ وأنْزَلْنا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ ومَنافِعُ لِلنّاسِ ولِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ ورُسُلَهُ بِالغَيْبِ﴾ [الحديد: ٢٥] وفي الحَدِيثِ: «إنَّ اللَّهَ لَيَزَعُ بِالسُّلْطانِ ما لا يَزَعُ بِالقُرْآنِ» أيْ: لَيَمْنَعُ بِالسُّلْطانِ عَنِ ارْتِكابِ الفَواحِشِ والآثامِ ما لا يَمْنَعُ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ بِالقُرْآنِ، وما فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ الأكِيدِ والتَّهْدِيدِ الشَّدِيدِ، وهَذا هو الواقِعُ. انْتَهى. ﴿وقُلْ جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ﴾ المُرادُ بِالحَقِّ الإسْلامُ، وقِيلَ: القُرْآنُ، وقِيلَ: الجِهادُ. ولا مانِعَ مِن حَمْلِ الآيَةِ عَلى جَمِيعِ ذَلِكَ وعَلى ما هو حَقٌّ كائِنًا ما كانَ، والمُرادُ بِالباطِلِ الشِّرْكُ، وقِيلَ: الشَّيْطانُ، ولا يَبْعُدُ أنْ يُحْمَلَ عَلى كُلِّ ما يُقابِلُ الحَقَّ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ باطِلٍ وباطِلٍ. ومَعْنى ( زَهَقَ ) بَطَلَ واضْمَحَلَّ، ومِنهُ زُهُوقُ النَّفْسِ وهو بُطْلانُها ﴿إنَّ الباطِلَ كانَ زَهُوقًا﴾ أيْ: إنَّ هَذا شَأْنُهُ فَهو يَبْطُلُ ولا يَثْبُتُ، والحَقُّ ثابِتٌ دائِمًا. ﴿ونُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( نُنَزِّلُ ) بِالنُّونِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِالتَّخْفِيفِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ والتَّخْفِيفِ، ورَواها المَرْوَزِيُّ عَنْ حَفْصٍ، و( مِن ) لِابْتِداءِ الغايَةِ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ لِبَيانِ الجِنْسِ، وقِيلَ: لِلتَّبْعِيضِ، وأنْكَرَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ لِاسْتِلْزامِهِ أنَّ بَعْضَهُ لا شِفاءَ فِيهِ، ورَدَّهُ ابْنُ عَطِيَّةَ بِأنَّ المُبَعَّضَ هو إنْزالُهُ. واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في مَعْنى كَوْنِهِ شِفاءً عَلى قَوْلَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ شِفاءٌ لِلْقُلُوبِ بِزَوالِ الجَهْلِ عَنْها وذَهابِ الرَّيْبِ، وكَشْفِ الغِطاءِ عَنِ الأُمُورِ الدّالَّةِ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ. القَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ شِفاءٌ مِنَ الأمْراضِ الظّاهِرَةِ بِالرُّقى والتَّعَوُّذِ ونَحْوِ ذَلِكَ، ولا مانِعَ مِن حَمْلِ الشِّفاءِ عَلى المَعْنَيَيْنِ مِن بابِ عُمُومِ المَجازِ، أوْ مِن بابِ حَمْلِ المُشْتَرَكِ عَلى مَعْنَيَيْهِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ لِما فِيهِ مِنَ العُلُومِ النّافِعَةِ المُشْتَمِلَةِ عَلى ما فِيهِ صَلاحُ الدِّينِ والدُّنْيا، ولِما في تِلاوَتِهِ وتَدَبُّرِهِ مِنَ الأجْرِ العَظِيمِ الَّذِي يَكُونُ سَبَبًا لِرَحْمَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ ومَغْفِرَتِهِ ورِضْوانِهِ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هو لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وشِفاءٌ والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ في آذانِهِمْ وقْرٌ وهو عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [فصلت: ٤٤] . ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما في القُرْآنِ مِنَ المَنفَعَةِ لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ ذَكَرَ ما فِيهِ لِمَن عَداهم مِنَ المَضَرَّةِ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿ولا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إلّا خَسارًا﴾ أيْ: ولا يَزِيدُ القُرْآنُ كُلُّهُ أوْ كُلُّ بَعْضٍ مِنهُ الظّالِمِينَ الَّذِينَ وضَعُوا التَّكْذِيبَ مَوْضِعَ التَّصْدِيقِ، والشَّكَّ والِارْتِيابَ مَوْضِعَ اليَقِينِ والِاطْمِئْنانِ ( إلّا خَسارًا )، أيْ: هَلاكًا؛ لِأنَّ سَماعَ القُرْآنِ يَغِيظُهم ويَحْنِقُهم ويَدْعُوهم إلى زِيادَةِ ارْتِكابِ القَبائِحِ تَمَرُّدًا وعِنادًا، فَعِنْدَ ذَلِكَ يُهْلَكُونَ، وقِيلَ: الخَسارُ النَّقْصُ كَقَوْلِهِ: ﴿فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٥] . ثُمَّ نَبَّهَ سُبْحانَهُ عَلى فَتْحِ بَعْضِ ما جُبِلَ عَلَيْهِ الإنْسانُ مِنَ الطَّبائِعِ المَذْمُومَةِ فَقالَ: ﴿وإذا أنْعَمْنا عَلى الإنْسانِ﴾ أيْ: عَلى هَذا الجِنْسِ بِالنِّعَمِ الَّتِي تُوجِبُ الشُّكْرَ كالصِّحَّةِ والغِنى ( أعْرَضَ ) عَنِ الشُّكْرِ لِلَّهِ والذِّكْرِ لَهُ ( ونَأى بِجانِبِهِ ) النَّأْيُ البُعْدُ والباءُ لِلتَّعْدِيَةِ أوْ لِلْمُصاحَبَةِ، وهو تَأْكِيدٌ لِلْإعْراضِ؛ لِأنَّ الإعْراضَ عَنِ الشَّيْءِ هو أنْ يُوَلِّيَهُ عَرْضَ وجْهِهِ، أيْ: ناحِيَتِهِ، والنَّأْيُ بِالجانِبِ أنْ يَلْوِيَ عَنْهُ عِطْفَهُ ويُوَلِّيَهُ ظَهْرَهُ، ولا يَبْعُدُ أنْ يُرادَ بِالإعْراضِ هُنا الإعْراضُ عَنِ الدُّعاءِ والِابْتِهالِ الَّذِي كانَ يَفْعَلُهُ عِنْدَ نُزُولِ البَلْوى والمِحْنَةِ بِهِ، ويُرادُ بِالنَّأْيِ بِجانِبِهِ التَّكَبُّرُ والبُعْدُ بِنَفْسِهِ عَنِ القِيامِ بِحُقُوقِ النِّعَمِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ في رِوايَةِ ابْنِ ذَكْوانِ وأبُو جَعْفَرٍ ( ناءَ ) مِثْلَ باعَ بِتَأْخِيرِ الهَمْزَةِ، عَلى القَلْبِ، وقَرَأ حَمْزَةُ: ( ناءى ) بِإمالَةِ الفَتْحَتَيْنِ ووافَقَهُ الكِسائِيُّ، وأمالَ شُعْبَةُ والسُّوسِيُّ الهَمْزَةَ فَقَطْ. وقَرَأ الباقُونَ بِالفَتْحِ فِيهِما ﴿وإذا مَسَّهُ الشَّرُّ﴾ مِن مَرَضٍ أوْ فَقْرٍ كانَ يَئُوسًا شَدِيدَ اليَأْسِ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، والمَعْنى: أنَّهُ إنْ فازَ بِالمَطْلُوبِ الدُّنْيَوِيِّ، وظَفِرَ بِالمَقْصُودِ نَسِيَ المَعْبُودَ، وإنْ فاتَهُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ اسْتَوْلى عَلَيْهِ الأسَفُ، وغَلَبَ عَلَيْهِ القُنُوطُ، وكِلْتا الخَصْلَتَيْنِ قَبِيحَةٌ مَذْمُومَةٌ ولا يُنافِي ما في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وإذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ﴾ [فصلت: ٥١]، ونَظائِرَهُ، فَإنَّ ذَلِكَ شَأْنُ بَعْضٍ آخَرَ مِنهم غَيْرِ البَعْضِ المَذْكُورِ في هَذِهِ الآيَةِ، ولا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: لا مُنافاةَ بَيْنَ الآيَتَيْنِ؛ فَقَدْ يَكُونُ مَعَ شِدَّةِ يَأْسِهِ وكَثْرَةِ قُنُوطِهِ كَثِيرَ الدُّعاءِ بِلِسانِهِ. ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ﴾ الشّاكِلَةُ قالَ الفَرّاءُ: الطَّرِيقَةُ، وقِيلَ: النّاحِيَةُ، وقِيلَ: الطَّبِيعَةُ، وقِيلَ: الدِّينُ، وقِيلَ: النِّيَّةُ، وقِيلَ: الجِبِلَّةُ، وهي مَأْخُوذَةٌ مِنَ الشَّكْلِ، يُقالُ: لَسْتَ عَلى شَكْلِي ولا عَلى شاكِلَتِي، والشَّكْلُ: هو المِثْلُ والنَّظِيرُ. والمَعْنى: أنَّ كُلَّ إنْسانٍ يَعْمَلُ عَلى ما يُشاكِلُ أخْلاقَهُ الَّتِي ألِفَها، وهَذا ذَمٌّ لِلْكافِرِ ومَدْحٌ لِلْمُؤْمِنِ ﴿فَرَبُّكم أعْلَمُ بِمَن هو أهْدى سَبِيلًا﴾ لِأنَّهُ الخالِقُ لَكُمُ العالِمُ بِما جُبِلْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الطَّبائِعِ وما تَبايَنْتُمْ فِيهِ مِنَ الطَّرائِقِ، فَهو الَّذِي يُمَيِّزُ بَيْنَ المُؤْمِنَ الَّذِي لا يُعْرِضُ عِنْدَ النِّعْمَةِ ولا يَيْأسُ عِنْدَ المِحْنَةِ، وبَيْنَ الكافِرِ الَّذِي شَأْنُهُ البَطَرُ لِلنِّعَمِ والقُنُوطُ عِنْدَ النِّقَمِ. ثُمَّ لَمّا انْجَرَّ الكَلامُ إلى ذِكْرِ الإنْسانِ وما جُبِلَ عَلَيْهِ، ذَكَرَ سُبْحانَهُ سُؤالَ السّائِلِينَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنِ الرُّوحِ فَقالَ: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ قَدِ اخْتَلَفَ النّاسُ في الرُّوحِ المَسْئُولِ عَنْهُ، فَقِيلَ هو الرُّوحُ المُدَبِّرُ لِلْبَدَنِ الَّذِي تَكُونُ بِهِ حَياتُهُ، وبِهَذا قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ. قالَ الفَرّاءُ: الرُّوحُ الَّذِي يَعِيشُ بِهِ الإنْسانُ لَمْ يُخْبِرِ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِهِ أحَدًا مِن خَلْقِهِ، ولَمْ يُعْطِ عِلْمَهُ أحَدًا مِن عِبادِهِ فَقالَ:﴿قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي﴾ أيْ: إنَّكم لا تَعْلَمُونَهُ، وقِيلَ: الرُّوحُ المَسْئُولُ عَنْهُ جِبْرِيلُ، وقِيلَ: عِيسى، وقِيلَ: (p-٨٤٠)القُرْآنُ، وقِيلَ: مَلَكٌ مِنَ المَلائِكَةِ عَظِيمُ الخَلْقِ، وقِيلَ: خَلْقٌ كَخَلْقِ بَنِي آدَمَ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا لا طائِلَ تَحْتَهُ ولا فائِدَةَ في إيرادِهِ، والظّاهِرُ القَوْلُ الأوَّلُ، وسَيَأْتِي ذِكْرُ سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، وبَيانُ السّائِلِينَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنِ الرُّوحِ، ثُمَّ الظّاهِرُ أنَّ السُّؤالَ عَنْ حَقِيقَةِ الرُّوحِ؛ لِأنَّ مَعْرِفَةَ حَقِيقَةِ الشَّيْءِ أهَمُّ وأقْدَمُ مِن مَعْرِفَةِ حالٍ مِن أحْوالِهِ، ثُمَّ أمَرَهُ سُبْحانَهُ أنْ يُجِيبَ عَلى السّائِلِينِ لَهُ عَنِ الرُّوحِ فَقالَ: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي﴾ ( مِن ) بَيانِيَّةٌ، والأمْرُ: الشَّأْنُ، والإضافَةُ لِلِاخْتِصاصِ، أيْ: هو مِن جِنْسِ ما اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي لَمْ يُعْلِمُ بِها عِبادَهُ، وقِيلَ: مَعْنى ( ﴿مِن أمْرِ رَبِّي﴾ ) مِن وحْيِهِ وكَلامِهِ لا مِن كَلامِ البَشَرِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ ما يَزْجُرُ الخائِضِينَ في شَأْنِ الرُّوحِ المُتَكَلِّفِينَ لِبَيانِ ما هَيْئَتُهُ وإيضاحِ حَقِيقَتِهِ أبْلَغَ زَجْرٍ ويَرْدَعُهم أعْظَمَ رَدْعٍ، وقَدْ أطالُوا المَقالَ في هَذا البَحْثِ بِما لا يَتِمُّ لَهُ المَقامُ، وغالِبُهُ بَلْ كُلُّهُ مِنَ الفُضُولِ الَّذِي لا يَأْتِي بِنَفْعٍ في دِينٍ ولا دُنْيا. وقَدْ حَكى بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ أقْوالَ المُخْتَلِفِينَ في الرُّوحِ بَلَغَتْ إلى ثَمانِيَةَ عَشَرَ مِائَةَ قَوْلٍ، فانْظُرْ إلى هَذا الفُضُولِ الفارِغِ والتَّعَبِ العاطِلِ عَنِ النَّفْعِ، بَعْدَ أنْ عَلِمُوا أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ قَدِ اسْتَأْثَرَ بِعِلْمِهِ ولَمْ يُطْلِعْ عَلَيْهِ أنْبِياءَهُ ولا أذِنَ لَهم بِالسُّؤالِ عَنْهُ ولا البَحْثِ عَنْ حَقِيقَتِهِ فَضْلًا عَنْ أُمَمِهِمُ المُقْتَدِينَ بِهِمْ، فَيالَلَّهِ العَجَبَ، حَيْثُ تَبْلُغُ أقْوالُ أهْلِ الفُضُولِ إلى هَذا الحَدِّ الَّذِي لَمْ تَبْلُغْهُ ولا بَعْضَهُ في غَيْرِ هَذِهِ المَسْألَةِ مِمّا أذِنَ اللَّهُ بِالكَلامِ فِيهِ، ولَمْ يَسْتَأْثِرْ بِعِلْمِهِ. ثُمَّ خَتَمَ سُبْحانَهُ هَذِهِ الآيَةَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا﴾ أيْ: أنَّ عِلْمَكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ اللَّهُ لَيْسَ إلّا المِقْدارُ القَلِيلُ بِالنِّسْبَةِ إلى عِلْمِ الخالِقِ سُبْحانَهُ، وإنْ أُوتِيَ حَظًّا مِنَ العِلْمِ وافِرًا، بَلْ عِلْمُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لَيْسَ هو بِالنِّسْبَةِ إلى عِلْمِ اللَّهِ سُبْحانَهُ إلّا كَما يَأْخُذُ الطّائِرُ في مِنقارِهِ مِنَ البَحْرِ، كَما في حَدِيثِ مُوسى والخَضِرِ عَلَيْهِما السَّلامُ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: دُلُوكِ الشَّمْسِ غُرُوبِها، تَقُولُ العَرَبُ إذا غَرَبَتِ الشَّمْسُ: دَلَكَتِ الشَّمْسُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: دُلُوكُها غُرُوبُها. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ لِزَوالِ الشَّمْسِ، وأخْرَجَ البَزّارُ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والدَّيْلَمِيُّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: دُلْوُكُ الشَّمْسِ زَوالُها» وضَعَّفَ السُّيُوطِيُّ إسْنادَهُ، وأخْرَجَهُ مالِكٌ في المُوَطَّأِ وعَبْدُ الرَّزّاقِ والفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِن قَوْلِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْهُ قالَ: دُلُوكُ الشَّمْسِ زِياغُها بَعْدَ نِصْفِ النَّهارِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: دُلُوكُها زَوالُها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ قالَ: إذا فاءَ الفَيْءُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أبِي مَسْعُودٍ وعُقْبَةَ بْنِ عَمْرٍو قالا: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «أتانِي جِبْرِيلُ لِدُلُوِكِ الشَّمْسِ حِينَ زالَتْ فَصَلّى بِيَ الظُّهْرَ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أبِي بَرْزَةَ الأسْلَمِيِّ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يُصَلِّي الظُّهْرَ إذا زالَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ تَلا: ﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ أنَسٍ نَحْوَهُ، ومِمّا يُسْتَشْهَدُ بِهِ عَلى أنَّ الدُّلُوكَ الزَّوالُ وسَطَ النَّهارِ ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ «عَنْ جابِرٍ قالَ: دَعَوْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ومَن شاءَ مِن أصْحابِهِ يُطْعَمُونَ عِنْدِي، ثُمَّ خَرَجُوا حِينَ زالَتِ الشَّمْسُ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: اخْرُجْ يا أبا بَكْرٍ فَهَذا حِينَ دَلَكَتِ الشَّمْسُ» وفي إسْنادِهِ رَجُلٌ مَجْهُولٌ ولَكِنَّهُ أخْرَجَهُ عَنْهُ مِن طَرِيقٍ أُخْرى عَنْ سَهْلِ بْنِ بَكّارٍ، عَنْ أبِي عَوانَةَ، عَنِ الأسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ نُبِيحٍ العَنْبَرِيِّ، عَنْ جابِرٍ فَذَكَرَ نَحْوَهُ مَرْفُوعًا. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ قالَ: إلى العِشاءِ الآخِرَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ( ﴿غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ ) اجْتِماعِ اللَّيْلِ وظُلْمَتِهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: ( ﴿غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ ) بُدُوِّ اللَّيْلِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: دُلُوكُ الشَّمْسِ: إذا زالَتِ الشَّمْسُ عَنْ بَطْنِ السَّماءِ، وغَسَقُ اللَّيْلِ: غُرُوبُ الشَّمْسِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ( ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ ) قالَ: صَلاةُ الصُّبْحِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَه وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ . قالَ: تَشْهَدُهُ مَلائِكَةُ اللَّيْلِ ومَلائِكَةُ النَّهارِ تَجْتَمِعُ فِيها»، وهو في الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ: «تَجْتَمِعُ مَلائِكَةُ اللَّيْلِ ومَلائِكَةُ النَّهارِ في صَلاةِ الفَجْرَ، ثُمَّ يَقُولُ أبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾» وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنِ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَوْقُوفًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، «عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ﴿إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ قالَ: تَشْهَدُهُ مَلائِكَةُ اللَّيْلِ ومَلائِكَةُ النَّهارٍ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ( ﴿نافِلَةً لَكَ﴾ ) يَعْنِي خاصَّةً لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، أُمِرَ بِقِيامِ اللَّيْلِ وكُتُبَ عَلَيْهِ» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ عائِشَةَ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «ثَلاثٌ هُنَّ عَلَيَّ فَرائِضُ وهُنَّ لَكَمَ سُنَّةٌ: الوِتْرُ، والسِّواكُ، وقِيامُ اللَّيْلِ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي أُمامَةَ في قَوْلِهِ: ( ﴿نافِلَةً لَكَ﴾ ) قالَ: كانَتْ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - نافِلَةً ولَكم فَضِيلَةً، وفي لَفْظٍ: إنَّما كانَتِ النّافِلَةُ خاصَّةً لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وأخْرَجَ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ وسُئِلَ عَنْهُ قالَ: هو المَقامُ المَحْمُودُ الَّذِي أشْفَعُ فِيهِ لِأُمَّتِي» . وأخْرَجَ أحْمَدُ (p-٨٤١)وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ حِبّانَ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «يُبْعَثُ النّاسُ يَوْمَ القِيامَةِ فَأكُونُ أنا وأُمَّتِي عَلى تَلٍّ ويَكْسُونِي رَبِّي حُلَّةً خَضْراءَ، ثُمَّ يُؤْذَنُ لِي فَأقُولُ ما شاءَ اللَّهُ أنْ أقُولَ، فَذَلِكَ المَقامُ المَحْمُودُ» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «إنَّ كُلَّ أُمَّةٍ يَوْمَ القِيامَةِ تَتْبَعُ نَبِيَّها، يَقُولُونَ: يا فُلانُ اشْفَعْ، يا فُلانُ اشْفَعْ حَتّى تَنْتَهِيَ الشَّفاعَةُ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَذَلِكَ يَوْمُ يَبْعَثُهُ اللَّهُ مَقامًا مَحْمُودًا» . وأخْرَجَ عَنْهُ نَحْوَهُ مَرْفُوعًا، والأحادِيثُ في هَذا البابِ كَثِيرَةٌ جِدًّا ثابِتَةٌ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما فَلا نُطِيلُ بِذِكْرِها، ومَن رامَ الِاسْتِيفاءَ نَظَرَ في أحادِيثِ الشَّفاعَةِ في الأُمَّهاتِ وغَيْرِها. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في قَوْلِهِ: ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ قالَ: يُجْلِسُهُ فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ جِبْرِيلَ ويَشْفَعُ لِأُمَّتِهِ، فَذَلِكَ المَقامُ المَحْمُودُ. وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ( ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾، قالَ: يُجْلِسُنِي مَعَهُ عَلى السَّرِيرِ ) . ويَنْبَغِي الكَشْفُ عَنْ إسْنادِ هَذَيْنِ الحَدِيثَيْنِ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ والبَيْهَقِيُّ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِمَكَّةَ ثُمَّ أُمِرَ بِالهِجْرَةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وأخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ واجْعَلْ لِي مِن لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا﴾» . وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ «عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ( ﴿وقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي﴾ ) الآيَةَ، قالَ: أخْرَجَهُ اللَّهُ مِن مَكَّةَ مُخْرَجَ صِدْقٍ، وأدْخَلَهُ المَدِينَةَ مُدْخَلَ صِدْقٍ» . قالَ: وعَلِمَ نَبِيُّ اللَّهِ أنَّهُ لا طاقَةَ لَهُ بِهَذا الأمْرِ إلّا بِسُلْطانٍ فَسَألَ سُلْطانًا نَصِيرًا لِكِتابِ اللَّهِ وحُدُودِهِ وفَرائِضِهِ ولِإقامَةِ كِتابِ اللَّهِ، فَإنَّ السُّلْطانَ عِزَّةٌ مِنَ اللَّهِ جَعَلَها بَيْنَ أظْهُرِ عِبادِهِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَأغارَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ، وأكَلَ شَدِيدُهم ضَعِيفَهم. وأخْرَجَ الخَطِيبُ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: «واللَّهِ لَما يَزَعُ اللَّهُ بِالسُّلْطانِ أعْظَمُ مِمّا يَزَعُ بِالقُرْآنِ» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «دَخَلَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مَكَّةَ وحَوْلَ البَيْتِ سِتُّونَ وثَلاثُمِائَةِ نُصْبٍ، فَجَعَلَ يَطْعَنُها بِعُودٍ في يَدِهِ ويَقُولُ: ﴿جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ إنَّ الباطِلَ كانَ زَهُوقًا﴾، ﴿جاءَ الحَقُّ وما يُبْدِئُ الباطِلُ وما يُعِيدُ﴾» [سبأ: ٤٩] . وفي البابِ أحادِيثُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ( ﴿ونَأى بِجانِبِهِ﴾ ) قالَ: تَباعَدَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ( ﴿كانَ يَئُوسًا﴾ ) قالَ: قَنُوطًا، وفي قَوْلِهِ: ﴿كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ﴾ قالَ: عَلى ناحِيَتِهِ. وأخْرَجَ هَنّادٌ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: عَلى شاكِلَتِهِ، عَلى نِيَّتِهِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما «عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: كُنْتُ أمْشِي مَعَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في خِرَبِ المَدِينَةِ وهو مُتَّكِئٌ عَلى عَسِيبٍ، فَمَرَّ بِقَوْمٍ مِنَ اليَهُودِ فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: اسْألُوهُ عَنِ الرُّوحِ، فَقالَ بَعْضُهم: لا تَسْألُوهُ، فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ ما الرُّوحُ ؟ فَما زالَ مُتَّكِئًا عَلى العَسِيبِ فَظَنَنْتُ أنَّهُ يُوحى إلَيْهِ، فَقالَ: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا﴾» . وأخْرَجَ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، والنَّسائِيُّ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ حِبّانَ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَتْ قُرَيْشٌ لِلْيَهُودِ: أعْطُونا شَيْئًا نَسْألُ هَذا الرَّجُلَ، قالُوا: سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ، فَنَزَلَتْ: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا﴾ قالُوا: أُوتِينا عِلْمًا كَثِيرًا، أُوتِينا التَّوْراةَ، ومَن أُوتِيَ التَّوْراةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿قُلْ لَوْ كانَ البَحْرُ مِدادًا لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ البَحْرُ قَبْلَ أنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي ولَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف: ١٠٩] . وفي البابِ أحادِيثُ وآثارٌ.

الإسراء 17:79

. لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ الإلَهِيّاتِ والمَعادَ والجَزاءَ أرْدَفَها بِذِكْرِ أشْرَفِ الطّاعاتِ، وهي الصَّلاةُ، فَقالَ: ﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ . وقَدْ أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ المُرادُ بِها الصَّلَواتُ المَفْرُوضَةُ. وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في الدُّلُوكِ المَذْكُورِ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما أنَّهُ زَوالُ الشَّمْسِ عَنْ كَبِدِ السَّماءِ، قالَهُ عُمَرُ وابْنُهُ وأبُو هُرَيْرَةَ وأبُو بَرْزَةَ وابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ والشَّعْبِيُّ وعَطاءُ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ وأبُو جَعْفَرٍ الباقِرُ، واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ غُرُوبُ الشَّمْسِ، قالَهُ عَلِيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ وأُبِيُّ بْنُ كَعْبٍ، ورُوِيَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. قالَ الفَرّاءُ: دُلُوكُ الشَّمْسِ: مِن لَدُنْ زَوالِها إلى غُرُوبِها. قالَ الأزْهَرِيُّ: ومَعْنى الدُّلُوكِ في كَلامِ العَرَبِ الزَّوالُ، ولِذَلِكَ قِيلَ لِلشَّمْسِ إذا زالَتْ نِصْفَ النَّهارِ: دالِكَةٌ، وقِيلَ لَها إذا أفَلَتْ: دالِكَةٌ، لِأنَّها في الحالَتَيْنِ زائِلَةٌ. قالَ: والقَوْلُ عِنْدِي أنَّهُ زَوالُها نِصْفَ النَّهارِ لِتَكُونَ الآيَةُ جامِعَةً لِلصَّلَواتِ الخَمْسِ، والمَعْنى: أقِمِ الصَّلاةَ مِن وقْتِ دُلُوكِ الشَّمْسِ ﴿إلى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ فَيَدْخُلُ فِيها الظُّهْرُ والعَصْرُ وصَلاتا غَسَقِ اللَّيْلِ، وهُما العِشاءانِ، ثُمَّ قالَ: ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ هَذِهِ خَمْسُ صَلَواتٍ. وقالَ أبُو عُبِيدٍ: دُلُوكُها غُرُوبُها، ودَلَكَتْ بِراحٍ: يَعْنِي الشَّمْسَ أيْ: غابَتْ، وأنْشَدَ قُطْرُبٌ عَلى هَذا قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎هَذا مَقامُ قَدَمَيْ رَباحْ دَبَّتْ حَتّى دَلَكَتْ بَراحْ اسْمٌ مِن أسْماءِ الشَّمْسِ عَلى وزْنِ حَذامٍ وقَطامٍ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: ؎مَصابِيحٌ لَيْسَتْ بِاللَّواتِي تَقُودُها ∗∗∗ نُجُومٌ ولا بِالآفِلاتِ الدَّوالِكِ أيِ: الغَوارِبِ. وغَسَقُ اللَّيْلِ اجْتِماعُ الظُّلْمَةِ. قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: يُقالُ: غَسَقَ اللَّيْلُ وأغْسَقَ: إذا أقْبَلَ بِظَلامِهِ، قالَ أبُو عُبَيْدٍ: الغَسَقُ سَوادُ اللَّيْلِ. قالَ قَيْسُ بْنُ الرُّقَيّاتِ: ؎إنَّ هَذا اللَّيْلَ قَدْ غَسَقا ∗∗∗ واشْتَكَيْتُ الهَمَّ والأرَقا وقِيلَ: غَسَقُ اللَّيْلِ: مَغِيبُ الشَّفَقِ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: ؎ظَلَّتْ تَجُودُ يَداها وهي لاهِيَةٌ ∗∗∗ حَتّى إذا جَعْجَعَ الإظْلامُ والغَسَقُ وأصْلُ الكَلِمَةِ مِنَ السَّيَلانِ يُقالُ: غَسَقَتْ: إذا سالَتْ. وحَكى الفَرّاءُ غَسَقَ اللَّيْلُ وأغْسَقَ، وظَلِمَ وأظْلَمَ، ودَجى وأدْجى وغَبِشَ وأغْبَشَ، وقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الغايَةِ أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿إلى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ مَن قالَ: إنَّ صَلاةَ الظُّهْرِ يَتَمادى وقْتُها مِنَ الزَّوالِ إلى الغُرُوبِ، رُوِيَ ذَلِكَ، عَنِ الأوْزاعِيِّ وأبِي حَنِيفَةَ وجَوَّزَهُ مالِكٌ والشّافِعِيُّ في حالِ الضَّرُورَةِ، وقَدْ ورَدَتِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ المُتَواتِرَةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في تَعْيِينِ أوْقاتِ الصَّلَواتِ، فَيَجِبُ حَمْلُ مُجْمَلِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى ما بَيَّنَتْهُ السُّنَّةُ. فَلا نُطِيلُ بِذِكْرِ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ انْتِصابُ ( قُرْآنَ ) لِكَوْنِهِ مَعْطُوفًا عَلى الصَّلاةِ أيْ: وأقِمْ قُرْآنَ الفَجْرِ، قالَهُ الفَرّاءُ. وقالَ الزَّجّاجُ والبَصْرِيُّونَ: انْتِصابُهُ عَلى الإغْراءِ أيْ: فَعَلَيْكَ قُرْآنَ الفَجْرِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: المُرادُ بِقُرْآنِ الفَجْرِ صَلاةُ الصُّبْحِ. قالَ الزَّجّاجُ: وفي هَذِهِ فائِدَةٌ عَظِيمَةٌ تَدُلُّ عَلى أنَّ الصَّلاةَ لا تَكُونُ إلّا بِقِراءَةٍ حَتّى سُمِّيَتِ الصَّلاةُ قُرْآنًا، وقَدْ دَلَّتِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ عَلى أنَّهُ لا صَلاةَ إلّا بِفاتِحَةِ الكِتابِ، وفي بَعْضِ الأحادِيثِ الخارِجَةِ مِن مَخْرَجٍ حَسَنٍ: وقُرْآنٍ مَعَها، ووَرَدَ ما يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ الفاتِحَةِ في كُلِّ رَكْعَةٍ، وقَدْ حَرَّرْتُهُ في مُؤَلَّفاتِي تَحْرِيرًا مُجَوَّدًا. ثُمَّ عَلَّلَ سُبْحانَهُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ أيْ: تَشْهَدُهُ مَلائِكَةُ اللَّيْلِ ومَلائِكَةُ النَّهارِ، كَما ورَدَ ذَلِكَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ، (p-٨٣٨)وبِذَلِكَ قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ. ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ﴾ ( مِن ) لِلتَّبْعِيضِ، وانْتِصابُهُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ بِمُضْمَرٍ أيْ: قُمْ بَعْضَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ راجِعٌ إلى القُرْآنِ، وما قِيلَ مِن أنَّهُ مُنْتَصِبٌ عَلى الإغْراءِ، والتَّقْدِيرُ عَلَيْكَ بَعْضَ اللَّيْلِ. فَبِعِيدٌ جِدًّا، والتَّهَجُّدُ مَأْخُوذٌ مِنَ الهُجُودِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وابْنُ الأعْرابِيِّ: هو مِنَ الأضْدادِ؛ لِأنَّهُ يُقالُ: هَجَدَ الرَّجُلُ: إذا نامَ، وهَجَدَ: إذا سَهِرَ، فَمِنِ اسْتِعْمالِهِ في السَّهَرِ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ألا زارَتْ وأهْلُ مِنًى هُجُودُ ∗∗∗ فَلَيْتَ خَيالَها بِمِنًى يَعُودُ يَعْنِي مُنْتَبِهِينَ، ومِنِ اسْتِعْمالِهِ في النَّوْمِ قَوْلُ آخَرَ: ؎ألا طَرَقَتْنا والرِّفاقُ هُجُودُ ∗∗∗ فَباتَتْ بِعِلّاتِ النَّوالِ تَجُودُ يَعْنِي نِيامًا. وقالَ الأزْهَرِيُّ: الهُجُودُ في الأصْلِ هو النَّوْمُ بِاللَّيْلِ، ولَكِنْ جاءَ التَّفَعُّلُ فِيهِ لِأجْلِ التَّجَنُّبِ ومِنهُ تَأثَّمَ وتَحَرَّجَ: أيْ: تَجَنَّبَ الإثْمَ والحَرَجَ، فالمُتَهَجِّدُ مَن تَجَنَّبَ الهُجُودَ، فَقامَ بِاللَّيْلِ. ورُوِيَ، عَنِ الأزْهَرِيِّ أيْضًا أنَّهُ قالَ: المُتَهَجِّدُ القائِمُ إلى الصَّلاةِ مِنَ النَّوْمِ هَكَذا حَكى عَنْهُ الواحِدِيُّ، فَقَيَّدَ التَّهَجُّدَ بِالقِيامِ مِنَ النَّوْمِ، وهَكَذا قالَ مُجاهِدٌ وعَلْقَمَةُ والأسْوَدُ فَقالُوا: التَّهَجُّدُ بَعْدَ النَّوْمِ. قالَ اللَّيْثُ: تَهَجَّدَ: إذا اسْتَيْقَظَ لِلصَّلاةِ ( نافِلَةً لَكَ ) مَعْنى النّافِلَةِ في اللُّغَةِ الزِّيادَةُ عَلى الأصْلِ، فالمَعْنى أنَّها لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - نافِلَةٌ زائِدَةٌ عَلى الفَرائِضِ، والأمْرُ بِالتَّهَجُّدِ وإنْ كانَ ظاهِرُهُ الوُجُوبَ لَكِنَّ التَّصْرِيحَ بِكَوْنِهِ نافِلَةً قَرِينَةٌ صارِفَةٌ لِلْأمْرِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالنّافِلَةِ هُنا أنَّها فَرِيضَةٌ زائِدَةٌ عَلى الفَرائِضِ الخَمْسِ في حَقِّهِ، صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. ويَدْفَعُ ذَلِكَ التَّصْرِيحُ بِلَفْظِ النّافِلَةِ، وقِيلَ: كانَتْ صَلاةُ اللَّيْلِ فَرِيضَةً في حَقِّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ثُمَّ نُسِخَ الوُجُوبُ فَصارَ قِيامُ اللَّيْلِ تَطَوُّعًا، وعَلى هَذا يُحْمَلُ ما ورَدَ في الحَدِيثِ أنَّها عَلَيْهِ فَرِيضَةٌ، ولِأُمَّتِهِ تَطَوُّعٌ. قالَ الواحِدِيُّ: إنَّ صَلاةَ اللَّيْلِ كانَتْ زِيادَةً لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - خاصَّةً لِرَفْعِ الدَّرَجاتِ، لا لِلْكَفّاراتِ؛ لِأنَّهُ غُفِرَ لَهُ مِن ذَنْبِهِ ما تَقَدَّمَ وما تَأخَّرَ، ولَيْسَ لَنا بِنافِلَةٍ لِكَثْرَةِ ذُنُوبِنا إنَّما نَعْمَلُ لِكَفّارَتِها، قالَ: وهو قَوْلُ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ. والحاصِلُ أنَّ الخِطابَ في هَذِهِ الآيَةِ وإنْ كانَ خاصًّا بِالنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ( ﴿أقِمِ الصَّلاةَ﴾ ) فالأمْرُ لَهُ أمْرٌ لِأُمَّتِهِ، فَهو شَرْعٌ عامٌّ، ومِن ذَلِكَ التَّرْغِيبُ في صَلاةِ اللَّيْلِ، فَإنَّهُ يَعُمُّ جَمِيعَ الأُمَّةِ، والتَّصْرِيحُ بِكَوْنِهِ نافِلَةً يَدُلُّ عَلى عَدَمِ الوُجُوبِ، فالتَّهَجُّدُ مِنَ اللَّيْلِ مَندُوبٌ إلَيْهِ ومَشْرُوعٌ لِكُلَّ مُكَلَّفٍ. ثُمَّ وعَدَهُ سُبْحانَهُ عَلى إقامَةِ الفَرائِضِ والنَّوافِلِ فَقالَ: ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ قَدْ ذَكَرْنا في مَواضِعَ أنَّ ( عَسى ) مِنَ الكَرِيمِ إطْماعٌ واجِبُ الوُقُوعِ. وانْتِصابُ ( مَقامًا ) عَلى الظَّرْفِيَّةِ بِإضْمارِ فِعْلٍ، أوْ بِتَضْمِينِ البَعْثِ مَعْنى الإقامَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ انْتِصابُهُ عَلى الحالِ أيْ: يَبْعَثَكَ ذا مَقامٍ مَحْمُودٍ، ومَعْنى كَوْنِ المَقامِ مَحْمُودًا: أنَّهُ يَحْمَدُهُ كُلُّ مَن عَلِمَ بِهِ. وقَدِ اخْتُلِفَ في تَعْيِينِ هَذا المَقامِ عَلى أقْوالٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ المَقامُ الَّذِي يَقُومُهُ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِلشَّفاعَةِ يَوْمَ القِيامَةِ لِلنّاسِ لِيُرِيحَهم رَبُّهم سُبْحانَهُ مِمّا هم فِيهِ، وهَذا القَوْلُ هو الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الأدِلَّةُ الصَّحِيحَةُ في تَفْسِيرِ الآيَةِ، وحَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أكْثَرِ أهْلِ التَّأْوِيلِ. قالَ الواحِدِيُّ: وإجْماعُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ المَقامَ المَحْمُودَ هو مَقامُ الشَّفاعَةِ. القَوْلُ الثّانِي: أنَّ المَقامَ المَحْمُودَ إعْطاءُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِواءَ الحَمْدِ يَوْمَ القِيامَةِ. ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ هَذا لا يُنافِي القَوْلَ الأوَّلَ؛ إذْ لا مُنافاةَ بَيْنَ كَوْنِهِ قائِمًا مَقامَ الشَّفاعَةِ وبِيَدِهِ لِواءُ الحَمْدِ. القَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ المَقامَ المَحْمُودَ هو أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يُجْلِسُ مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مَعَهُ عَلى كُرْسِيِّهِ. حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ فِرْقَةٍ، مِنهم مُجاهِدٌ، وقَدْ ورَدَ في ذَلِكَ حَدِيثٌ. وحَكى النَّقّاشُ، عَنْ أبِي داوُدَ السِّجِسْتانِيِّ أنَّهُ قالَ: مَن أنْكَرَ هَذا الحَدِيثَ فَهو عِنْدَنا مُتَّهَمٌ، ما زالَ أهْلُ العِلْمِ يَتَحَدِّثُونَ بِهَذا الحَدِيثِ. قالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: مُجاهِدٌ وإنْ كانَ أحَدَ الأئِمَّةِ بِالتَّأْوِيلِ، فَإنَّ لَهُ قَوْلَيْنِ مَهْجُورَيْنِ عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ، أحَدُهُما هَذا، والثّانِي في تَأْوِيلِ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣] قالَ: مَعْناهُ تَنْتَظِرُ الثَّوابَ، ولَيْسَ مِنَ النَّظَرِ. انْتَهى. وعَلى كُلِّ حالٍ فَهَذا القَوْلُ غَيْرُ مُنافٍ لِلْقَوْلِ الأوَّلِ لِإمْكانِ أنْ يُقْعِدَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ هَذا المَقْعَدَ ويَشْفَعَ تِلْكَ الشَّفاعَةَ. القَوْلُ الرّابِعُ: أنَّهُ مُطْلَقٌ في كُلِّ مَقامٍ يَجْلِبُ الحَمْدَ مِن أنْواعِ الكَراماتِ، ذَكَرَهُ صاحِبُ الكَشّافِ والمُقْتَدُونَ بِهِ في التَّفْسِيرِ، ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّ الأحادِيثَ الصَّحِيحَةَ الوارِدَةَ في تَعْيِينِ هَذا المَقامِ المَحْمُودِ مُتَواتِرَةٌ، فالمَصِيرُ إلَيْها مُتَعَيِّنٌ، ولَيْسَ في الآيَةِ عُمُومٌ في اللَّفْظِ حَتّى يُقالَ: الِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، ومَعْنى قَوْلِهِ: وهو مُطْلَقٌ في كُلِّ ما يَجْلِبُ الحَمْدَ، أنَّهُ عامٌّ في كُلِّ ما هو كَذَلِكَ، ولَكِنَّهُ يُعَبَّرُ عَنِ العامِّ بِلَفْظِ المُطْلَقِ، كَما ذَكَرَهُ في ذَبْحِ البَقَرَةِ، ولِهَذا قالَ هُنا. وقِيلَ: المُرادُ الشَّفاعَةُ، وهي نَوْعٌ واحِدٌ مِمّا يَتَناوَلُهُ يَعْنِي لَفْظَ المَقامِ. والفَرْقُ بَيْنَ العُمُومِ البَدَلِيِّ والعُمُومِ الشُّمُولِيِّ مَعْرُوفٌ، فَلا نُطِيلُ بِذِكْرِهِ. ﴿وقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وأخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( مُدْخَلَ صِدْقٍ، ومُخْرَجَ صِدْقٍ ) بِضَمِّ المِيمَيْنِ. وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو العالِيَةِ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ بِفَتْحِهِما، وهُما مَصْدَرانِ بِمَعْنى الإدْخالِ والإخْراجِ، والإضافَةُ إلى الصِّدْقِ لِأجْلِ المُبالَغَةِ نَحْوَ: حاتِمُ الجُودِ، أيْ إدْخالًا يَسْتَأْهِلُ أنْ يُسَمّى إدْخالًا، ولا يَرى فِيهِ ما يَكْرَهُ. قالَ الواحِدِيُّ: وإضافَتُهُما إلى الصِّدْقِ مَدْحٌ لَهُما، وكُلُّ شَيْءٍ أضَفْتَهُ إلى الصِّدْقِ فَهو مَدْحٌ. وقَدِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى الآيَةِ، فَقِيلَ: نَزَلَتْ حِينَ أُمِرَ بِالهِجْرَةِ، يُرِيدُ إدْخالَ المَدِينَةِ والإخْراجَ مِن مَكَّةَ واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وقِيلَ: المَعْنى: أمِتْنِي إماتَةَ صِدْقٍ وابْعَثْنِي يَوْمَ القِيامَةِ مَبْعَثَ صِدْقٍ، وقِيلَ: المَعْنى: أدْخِلْنِي فِيما أمَرْتَنِي بِهِ، وأخْرِجْنِي مِمّا نَهَيْتَنِي عَنْهُ، وقِيلَ: إدْخالُهُ مَوْضِعَ الأمْنِ وإخْراجُهُ مِن بَيْنِ المُشْرِكِينَ، وهو كالقَوْلِ الأوَّلِ، وقِيلَ: المُرادُ إدْخالُ عِزٍّ وإخْراجُ نَصْرٍ، وقِيلَ: المَعْنى: أدْخِلْنِي القَبْرَ عِنْدَ المَوْتِ مُدْخَلَ صِدْقٍ، وأخْرِجْنِي مِنهُ عِنْدَ البَعْثِ مُخْرَجَ صِدْقٍ، وقِيلَ: أدْخِلْنِي حَيْثُما أدْخَلْتَنِي بِالصِّدْقِ وأخْرِجْنِي بِالصِّدْقِ، وقِيلَ: الآيَةُ عامَّةٌ في كُلِّ ما تَتَناوَلُهُ مِنَ الأُمُورِ، فَهي دُعاءٌ، ومَعْناها: رَبِّ أصْلِحْ لِي وِرْدِي في كُلِّ الأُمُورِ وصَدْرِيِ عَنْها (p-٨٣٩)﴿واجْعَلْ لِي مِن لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا﴾ أيْ: حُجَّةً ظاهِرَةً قاهِرَةً تَنْصُرُنِي بِها عَلى جَمِيعِ مَن خالَفَنِي، وقِيلَ: اجْعَلْ لِي مِن لَدُنْكَ مُلْكًا وعِزًّا قَوِيًّا وكَأنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلِمَ أنَّهُ لا طاقَةَ لَهُ بِهَذا الأمْرِ إلّا بِسُلْطانٍ فَسَألَ سُلْطانًا نَصِيرًا. وبِهِ قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهو الأرْجَحُ؛ لِأنَّهُ لا بُدَّ مَعَ الحَقِّ مِن قَهْرٍ لِمَن عاداهُ وناوَأهُ، ولِهَذا يَقُولُ تَعالى: ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلَنا بِالبَيِّناتِ وأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ والمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالقِسْطِ وأنْزَلْنا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ ومَنافِعُ لِلنّاسِ ولِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ ورُسُلَهُ بِالغَيْبِ﴾ [الحديد: ٢٥] وفي الحَدِيثِ: «إنَّ اللَّهَ لَيَزَعُ بِالسُّلْطانِ ما لا يَزَعُ بِالقُرْآنِ» أيْ: لَيَمْنَعُ بِالسُّلْطانِ عَنِ ارْتِكابِ الفَواحِشِ والآثامِ ما لا يَمْنَعُ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ بِالقُرْآنِ، وما فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ الأكِيدِ والتَّهْدِيدِ الشَّدِيدِ، وهَذا هو الواقِعُ. انْتَهى. ﴿وقُلْ جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ﴾ المُرادُ بِالحَقِّ الإسْلامُ، وقِيلَ: القُرْآنُ، وقِيلَ: الجِهادُ. ولا مانِعَ مِن حَمْلِ الآيَةِ عَلى جَمِيعِ ذَلِكَ وعَلى ما هو حَقٌّ كائِنًا ما كانَ، والمُرادُ بِالباطِلِ الشِّرْكُ، وقِيلَ: الشَّيْطانُ، ولا يَبْعُدُ أنْ يُحْمَلَ عَلى كُلِّ ما يُقابِلُ الحَقَّ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ باطِلٍ وباطِلٍ. ومَعْنى ( زَهَقَ ) بَطَلَ واضْمَحَلَّ، ومِنهُ زُهُوقُ النَّفْسِ وهو بُطْلانُها ﴿إنَّ الباطِلَ كانَ زَهُوقًا﴾ أيْ: إنَّ هَذا شَأْنُهُ فَهو يَبْطُلُ ولا يَثْبُتُ، والحَقُّ ثابِتٌ دائِمًا. ﴿ونُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( نُنَزِّلُ ) بِالنُّونِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِالتَّخْفِيفِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ والتَّخْفِيفِ، ورَواها المَرْوَزِيُّ عَنْ حَفْصٍ، و( مِن ) لِابْتِداءِ الغايَةِ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ لِبَيانِ الجِنْسِ، وقِيلَ: لِلتَّبْعِيضِ، وأنْكَرَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ لِاسْتِلْزامِهِ أنَّ بَعْضَهُ لا شِفاءَ فِيهِ، ورَدَّهُ ابْنُ عَطِيَّةَ بِأنَّ المُبَعَّضَ هو إنْزالُهُ. واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في مَعْنى كَوْنِهِ شِفاءً عَلى قَوْلَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ شِفاءٌ لِلْقُلُوبِ بِزَوالِ الجَهْلِ عَنْها وذَهابِ الرَّيْبِ، وكَشْفِ الغِطاءِ عَنِ الأُمُورِ الدّالَّةِ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ. القَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ شِفاءٌ مِنَ الأمْراضِ الظّاهِرَةِ بِالرُّقى والتَّعَوُّذِ ونَحْوِ ذَلِكَ، ولا مانِعَ مِن حَمْلِ الشِّفاءِ عَلى المَعْنَيَيْنِ مِن بابِ عُمُومِ المَجازِ، أوْ مِن بابِ حَمْلِ المُشْتَرَكِ عَلى مَعْنَيَيْهِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ لِما فِيهِ مِنَ العُلُومِ النّافِعَةِ المُشْتَمِلَةِ عَلى ما فِيهِ صَلاحُ الدِّينِ والدُّنْيا، ولِما في تِلاوَتِهِ وتَدَبُّرِهِ مِنَ الأجْرِ العَظِيمِ الَّذِي يَكُونُ سَبَبًا لِرَحْمَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ ومَغْفِرَتِهِ ورِضْوانِهِ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هو لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وشِفاءٌ والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ في آذانِهِمْ وقْرٌ وهو عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [فصلت: ٤٤] . ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما في القُرْآنِ مِنَ المَنفَعَةِ لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ ذَكَرَ ما فِيهِ لِمَن عَداهم مِنَ المَضَرَّةِ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿ولا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إلّا خَسارًا﴾ أيْ: ولا يَزِيدُ القُرْآنُ كُلُّهُ أوْ كُلُّ بَعْضٍ مِنهُ الظّالِمِينَ الَّذِينَ وضَعُوا التَّكْذِيبَ مَوْضِعَ التَّصْدِيقِ، والشَّكَّ والِارْتِيابَ مَوْضِعَ اليَقِينِ والِاطْمِئْنانِ ( إلّا خَسارًا )، أيْ: هَلاكًا؛ لِأنَّ سَماعَ القُرْآنِ يَغِيظُهم ويَحْنِقُهم ويَدْعُوهم إلى زِيادَةِ ارْتِكابِ القَبائِحِ تَمَرُّدًا وعِنادًا، فَعِنْدَ ذَلِكَ يُهْلَكُونَ، وقِيلَ: الخَسارُ النَّقْصُ كَقَوْلِهِ: ﴿فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٥] . ثُمَّ نَبَّهَ سُبْحانَهُ عَلى فَتْحِ بَعْضِ ما جُبِلَ عَلَيْهِ الإنْسانُ مِنَ الطَّبائِعِ المَذْمُومَةِ فَقالَ: ﴿وإذا أنْعَمْنا عَلى الإنْسانِ﴾ أيْ: عَلى هَذا الجِنْسِ بِالنِّعَمِ الَّتِي تُوجِبُ الشُّكْرَ كالصِّحَّةِ والغِنى ( أعْرَضَ ) عَنِ الشُّكْرِ لِلَّهِ والذِّكْرِ لَهُ ( ونَأى بِجانِبِهِ ) النَّأْيُ البُعْدُ والباءُ لِلتَّعْدِيَةِ أوْ لِلْمُصاحَبَةِ، وهو تَأْكِيدٌ لِلْإعْراضِ؛ لِأنَّ الإعْراضَ عَنِ الشَّيْءِ هو أنْ يُوَلِّيَهُ عَرْضَ وجْهِهِ، أيْ: ناحِيَتِهِ، والنَّأْيُ بِالجانِبِ أنْ يَلْوِيَ عَنْهُ عِطْفَهُ ويُوَلِّيَهُ ظَهْرَهُ، ولا يَبْعُدُ أنْ يُرادَ بِالإعْراضِ هُنا الإعْراضُ عَنِ الدُّعاءِ والِابْتِهالِ الَّذِي كانَ يَفْعَلُهُ عِنْدَ نُزُولِ البَلْوى والمِحْنَةِ بِهِ، ويُرادُ بِالنَّأْيِ بِجانِبِهِ التَّكَبُّرُ والبُعْدُ بِنَفْسِهِ عَنِ القِيامِ بِحُقُوقِ النِّعَمِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ في رِوايَةِ ابْنِ ذَكْوانِ وأبُو جَعْفَرٍ ( ناءَ ) مِثْلَ باعَ بِتَأْخِيرِ الهَمْزَةِ، عَلى القَلْبِ، وقَرَأ حَمْزَةُ: ( ناءى ) بِإمالَةِ الفَتْحَتَيْنِ ووافَقَهُ الكِسائِيُّ، وأمالَ شُعْبَةُ والسُّوسِيُّ الهَمْزَةَ فَقَطْ. وقَرَأ الباقُونَ بِالفَتْحِ فِيهِما ﴿وإذا مَسَّهُ الشَّرُّ﴾ مِن مَرَضٍ أوْ فَقْرٍ كانَ يَئُوسًا شَدِيدَ اليَأْسِ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، والمَعْنى: أنَّهُ إنْ فازَ بِالمَطْلُوبِ الدُّنْيَوِيِّ، وظَفِرَ بِالمَقْصُودِ نَسِيَ المَعْبُودَ، وإنْ فاتَهُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ اسْتَوْلى عَلَيْهِ الأسَفُ، وغَلَبَ عَلَيْهِ القُنُوطُ، وكِلْتا الخَصْلَتَيْنِ قَبِيحَةٌ مَذْمُومَةٌ ولا يُنافِي ما في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وإذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ﴾ [فصلت: ٥١]، ونَظائِرَهُ، فَإنَّ ذَلِكَ شَأْنُ بَعْضٍ آخَرَ مِنهم غَيْرِ البَعْضِ المَذْكُورِ في هَذِهِ الآيَةِ، ولا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: لا مُنافاةَ بَيْنَ الآيَتَيْنِ؛ فَقَدْ يَكُونُ مَعَ شِدَّةِ يَأْسِهِ وكَثْرَةِ قُنُوطِهِ كَثِيرَ الدُّعاءِ بِلِسانِهِ. ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ﴾ الشّاكِلَةُ قالَ الفَرّاءُ: الطَّرِيقَةُ، وقِيلَ: النّاحِيَةُ، وقِيلَ: الطَّبِيعَةُ، وقِيلَ: الدِّينُ، وقِيلَ: النِّيَّةُ، وقِيلَ: الجِبِلَّةُ، وهي مَأْخُوذَةٌ مِنَ الشَّكْلِ، يُقالُ: لَسْتَ عَلى شَكْلِي ولا عَلى شاكِلَتِي، والشَّكْلُ: هو المِثْلُ والنَّظِيرُ. والمَعْنى: أنَّ كُلَّ إنْسانٍ يَعْمَلُ عَلى ما يُشاكِلُ أخْلاقَهُ الَّتِي ألِفَها، وهَذا ذَمٌّ لِلْكافِرِ ومَدْحٌ لِلْمُؤْمِنِ ﴿فَرَبُّكم أعْلَمُ بِمَن هو أهْدى سَبِيلًا﴾ لِأنَّهُ الخالِقُ لَكُمُ العالِمُ بِما جُبِلْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الطَّبائِعِ وما تَبايَنْتُمْ فِيهِ مِنَ الطَّرائِقِ، فَهو الَّذِي يُمَيِّزُ بَيْنَ المُؤْمِنَ الَّذِي لا يُعْرِضُ عِنْدَ النِّعْمَةِ ولا يَيْأسُ عِنْدَ المِحْنَةِ، وبَيْنَ الكافِرِ الَّذِي شَأْنُهُ البَطَرُ لِلنِّعَمِ والقُنُوطُ عِنْدَ النِّقَمِ. ثُمَّ لَمّا انْجَرَّ الكَلامُ إلى ذِكْرِ الإنْسانِ وما جُبِلَ عَلَيْهِ، ذَكَرَ سُبْحانَهُ سُؤالَ السّائِلِينَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنِ الرُّوحِ فَقالَ: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ قَدِ اخْتَلَفَ النّاسُ في الرُّوحِ المَسْئُولِ عَنْهُ، فَقِيلَ هو الرُّوحُ المُدَبِّرُ لِلْبَدَنِ الَّذِي تَكُونُ بِهِ حَياتُهُ، وبِهَذا قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ. قالَ الفَرّاءُ: الرُّوحُ الَّذِي يَعِيشُ بِهِ الإنْسانُ لَمْ يُخْبِرِ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِهِ أحَدًا مِن خَلْقِهِ، ولَمْ يُعْطِ عِلْمَهُ أحَدًا مِن عِبادِهِ فَقالَ:﴿قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي﴾ أيْ: إنَّكم لا تَعْلَمُونَهُ، وقِيلَ: الرُّوحُ المَسْئُولُ عَنْهُ جِبْرِيلُ، وقِيلَ: عِيسى، وقِيلَ: (p-٨٤٠)القُرْآنُ، وقِيلَ: مَلَكٌ مِنَ المَلائِكَةِ عَظِيمُ الخَلْقِ، وقِيلَ: خَلْقٌ كَخَلْقِ بَنِي آدَمَ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا لا طائِلَ تَحْتَهُ ولا فائِدَةَ في إيرادِهِ، والظّاهِرُ القَوْلُ الأوَّلُ، وسَيَأْتِي ذِكْرُ سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، وبَيانُ السّائِلِينَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنِ الرُّوحِ، ثُمَّ الظّاهِرُ أنَّ السُّؤالَ عَنْ حَقِيقَةِ الرُّوحِ؛ لِأنَّ مَعْرِفَةَ حَقِيقَةِ الشَّيْءِ أهَمُّ وأقْدَمُ مِن مَعْرِفَةِ حالٍ مِن أحْوالِهِ، ثُمَّ أمَرَهُ سُبْحانَهُ أنْ يُجِيبَ عَلى السّائِلِينِ لَهُ عَنِ الرُّوحِ فَقالَ: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي﴾ ( مِن ) بَيانِيَّةٌ، والأمْرُ: الشَّأْنُ، والإضافَةُ لِلِاخْتِصاصِ، أيْ: هو مِن جِنْسِ ما اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي لَمْ يُعْلِمُ بِها عِبادَهُ، وقِيلَ: مَعْنى ( ﴿مِن أمْرِ رَبِّي﴾ ) مِن وحْيِهِ وكَلامِهِ لا مِن كَلامِ البَشَرِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ ما يَزْجُرُ الخائِضِينَ في شَأْنِ الرُّوحِ المُتَكَلِّفِينَ لِبَيانِ ما هَيْئَتُهُ وإيضاحِ حَقِيقَتِهِ أبْلَغَ زَجْرٍ ويَرْدَعُهم أعْظَمَ رَدْعٍ، وقَدْ أطالُوا المَقالَ في هَذا البَحْثِ بِما لا يَتِمُّ لَهُ المَقامُ، وغالِبُهُ بَلْ كُلُّهُ مِنَ الفُضُولِ الَّذِي لا يَأْتِي بِنَفْعٍ في دِينٍ ولا دُنْيا. وقَدْ حَكى بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ أقْوالَ المُخْتَلِفِينَ في الرُّوحِ بَلَغَتْ إلى ثَمانِيَةَ عَشَرَ مِائَةَ قَوْلٍ، فانْظُرْ إلى هَذا الفُضُولِ الفارِغِ والتَّعَبِ العاطِلِ عَنِ النَّفْعِ، بَعْدَ أنْ عَلِمُوا أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ قَدِ اسْتَأْثَرَ بِعِلْمِهِ ولَمْ يُطْلِعْ عَلَيْهِ أنْبِياءَهُ ولا أذِنَ لَهم بِالسُّؤالِ عَنْهُ ولا البَحْثِ عَنْ حَقِيقَتِهِ فَضْلًا عَنْ أُمَمِهِمُ المُقْتَدِينَ بِهِمْ، فَيالَلَّهِ العَجَبَ، حَيْثُ تَبْلُغُ أقْوالُ أهْلِ الفُضُولِ إلى هَذا الحَدِّ الَّذِي لَمْ تَبْلُغْهُ ولا بَعْضَهُ في غَيْرِ هَذِهِ المَسْألَةِ مِمّا أذِنَ اللَّهُ بِالكَلامِ فِيهِ، ولَمْ يَسْتَأْثِرْ بِعِلْمِهِ. ثُمَّ خَتَمَ سُبْحانَهُ هَذِهِ الآيَةَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا﴾ أيْ: أنَّ عِلْمَكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ اللَّهُ لَيْسَ إلّا المِقْدارُ القَلِيلُ بِالنِّسْبَةِ إلى عِلْمِ الخالِقِ سُبْحانَهُ، وإنْ أُوتِيَ حَظًّا مِنَ العِلْمِ وافِرًا، بَلْ عِلْمُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لَيْسَ هو بِالنِّسْبَةِ إلى عِلْمِ اللَّهِ سُبْحانَهُ إلّا كَما يَأْخُذُ الطّائِرُ في مِنقارِهِ مِنَ البَحْرِ، كَما في حَدِيثِ مُوسى والخَضِرِ عَلَيْهِما السَّلامُ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: دُلُوكِ الشَّمْسِ غُرُوبِها، تَقُولُ العَرَبُ إذا غَرَبَتِ الشَّمْسُ: دَلَكَتِ الشَّمْسُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: دُلُوكُها غُرُوبُها. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ لِزَوالِ الشَّمْسِ، وأخْرَجَ البَزّارُ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والدَّيْلَمِيُّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: دُلْوُكُ الشَّمْسِ زَوالُها» وضَعَّفَ السُّيُوطِيُّ إسْنادَهُ، وأخْرَجَهُ مالِكٌ في المُوَطَّأِ وعَبْدُ الرَّزّاقِ والفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِن قَوْلِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْهُ قالَ: دُلُوكُ الشَّمْسِ زِياغُها بَعْدَ نِصْفِ النَّهارِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: دُلُوكُها زَوالُها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ قالَ: إذا فاءَ الفَيْءُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أبِي مَسْعُودٍ وعُقْبَةَ بْنِ عَمْرٍو قالا: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «أتانِي جِبْرِيلُ لِدُلُوِكِ الشَّمْسِ حِينَ زالَتْ فَصَلّى بِيَ الظُّهْرَ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أبِي بَرْزَةَ الأسْلَمِيِّ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يُصَلِّي الظُّهْرَ إذا زالَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ تَلا: ﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ أنَسٍ نَحْوَهُ، ومِمّا يُسْتَشْهَدُ بِهِ عَلى أنَّ الدُّلُوكَ الزَّوالُ وسَطَ النَّهارِ ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ «عَنْ جابِرٍ قالَ: دَعَوْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ومَن شاءَ مِن أصْحابِهِ يُطْعَمُونَ عِنْدِي، ثُمَّ خَرَجُوا حِينَ زالَتِ الشَّمْسُ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: اخْرُجْ يا أبا بَكْرٍ فَهَذا حِينَ دَلَكَتِ الشَّمْسُ» وفي إسْنادِهِ رَجُلٌ مَجْهُولٌ ولَكِنَّهُ أخْرَجَهُ عَنْهُ مِن طَرِيقٍ أُخْرى عَنْ سَهْلِ بْنِ بَكّارٍ، عَنْ أبِي عَوانَةَ، عَنِ الأسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ نُبِيحٍ العَنْبَرِيِّ، عَنْ جابِرٍ فَذَكَرَ نَحْوَهُ مَرْفُوعًا. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ قالَ: إلى العِشاءِ الآخِرَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ( ﴿غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ ) اجْتِماعِ اللَّيْلِ وظُلْمَتِهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: ( ﴿غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ ) بُدُوِّ اللَّيْلِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: دُلُوكُ الشَّمْسِ: إذا زالَتِ الشَّمْسُ عَنْ بَطْنِ السَّماءِ، وغَسَقُ اللَّيْلِ: غُرُوبُ الشَّمْسِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ( ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ ) قالَ: صَلاةُ الصُّبْحِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَه وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ . قالَ: تَشْهَدُهُ مَلائِكَةُ اللَّيْلِ ومَلائِكَةُ النَّهارِ تَجْتَمِعُ فِيها»، وهو في الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ: «تَجْتَمِعُ مَلائِكَةُ اللَّيْلِ ومَلائِكَةُ النَّهارِ في صَلاةِ الفَجْرَ، ثُمَّ يَقُولُ أبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾» وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنِ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَوْقُوفًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، «عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ﴿إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ قالَ: تَشْهَدُهُ مَلائِكَةُ اللَّيْلِ ومَلائِكَةُ النَّهارٍ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ( ﴿نافِلَةً لَكَ﴾ ) يَعْنِي خاصَّةً لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، أُمِرَ بِقِيامِ اللَّيْلِ وكُتُبَ عَلَيْهِ» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ عائِشَةَ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «ثَلاثٌ هُنَّ عَلَيَّ فَرائِضُ وهُنَّ لَكَمَ سُنَّةٌ: الوِتْرُ، والسِّواكُ، وقِيامُ اللَّيْلِ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي أُمامَةَ في قَوْلِهِ: ( ﴿نافِلَةً لَكَ﴾ ) قالَ: كانَتْ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - نافِلَةً ولَكم فَضِيلَةً، وفي لَفْظٍ: إنَّما كانَتِ النّافِلَةُ خاصَّةً لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وأخْرَجَ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ وسُئِلَ عَنْهُ قالَ: هو المَقامُ المَحْمُودُ الَّذِي أشْفَعُ فِيهِ لِأُمَّتِي» . وأخْرَجَ أحْمَدُ (p-٨٤١)وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ حِبّانَ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «يُبْعَثُ النّاسُ يَوْمَ القِيامَةِ فَأكُونُ أنا وأُمَّتِي عَلى تَلٍّ ويَكْسُونِي رَبِّي حُلَّةً خَضْراءَ، ثُمَّ يُؤْذَنُ لِي فَأقُولُ ما شاءَ اللَّهُ أنْ أقُولَ، فَذَلِكَ المَقامُ المَحْمُودُ» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «إنَّ كُلَّ أُمَّةٍ يَوْمَ القِيامَةِ تَتْبَعُ نَبِيَّها، يَقُولُونَ: يا فُلانُ اشْفَعْ، يا فُلانُ اشْفَعْ حَتّى تَنْتَهِيَ الشَّفاعَةُ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَذَلِكَ يَوْمُ يَبْعَثُهُ اللَّهُ مَقامًا مَحْمُودًا» . وأخْرَجَ عَنْهُ نَحْوَهُ مَرْفُوعًا، والأحادِيثُ في هَذا البابِ كَثِيرَةٌ جِدًّا ثابِتَةٌ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما فَلا نُطِيلُ بِذِكْرِها، ومَن رامَ الِاسْتِيفاءَ نَظَرَ في أحادِيثِ الشَّفاعَةِ في الأُمَّهاتِ وغَيْرِها. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في قَوْلِهِ: ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ قالَ: يُجْلِسُهُ فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ جِبْرِيلَ ويَشْفَعُ لِأُمَّتِهِ، فَذَلِكَ المَقامُ المَحْمُودُ. وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ( ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾، قالَ: يُجْلِسُنِي مَعَهُ عَلى السَّرِيرِ ) . ويَنْبَغِي الكَشْفُ عَنْ إسْنادِ هَذَيْنِ الحَدِيثَيْنِ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ والبَيْهَقِيُّ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِمَكَّةَ ثُمَّ أُمِرَ بِالهِجْرَةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وأخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ واجْعَلْ لِي مِن لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا﴾» . وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ «عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ( ﴿وقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي﴾ ) الآيَةَ، قالَ: أخْرَجَهُ اللَّهُ مِن مَكَّةَ مُخْرَجَ صِدْقٍ، وأدْخَلَهُ المَدِينَةَ مُدْخَلَ صِدْقٍ» . قالَ: وعَلِمَ نَبِيُّ اللَّهِ أنَّهُ لا طاقَةَ لَهُ بِهَذا الأمْرِ إلّا بِسُلْطانٍ فَسَألَ سُلْطانًا نَصِيرًا لِكِتابِ اللَّهِ وحُدُودِهِ وفَرائِضِهِ ولِإقامَةِ كِتابِ اللَّهِ، فَإنَّ السُّلْطانَ عِزَّةٌ مِنَ اللَّهِ جَعَلَها بَيْنَ أظْهُرِ عِبادِهِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَأغارَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ، وأكَلَ شَدِيدُهم ضَعِيفَهم. وأخْرَجَ الخَطِيبُ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: «واللَّهِ لَما يَزَعُ اللَّهُ بِالسُّلْطانِ أعْظَمُ مِمّا يَزَعُ بِالقُرْآنِ» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «دَخَلَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مَكَّةَ وحَوْلَ البَيْتِ سِتُّونَ وثَلاثُمِائَةِ نُصْبٍ، فَجَعَلَ يَطْعَنُها بِعُودٍ في يَدِهِ ويَقُولُ: ﴿جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ إنَّ الباطِلَ كانَ زَهُوقًا﴾، ﴿جاءَ الحَقُّ وما يُبْدِئُ الباطِلُ وما يُعِيدُ﴾» [سبأ: ٤٩] . وفي البابِ أحادِيثُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ( ﴿ونَأى بِجانِبِهِ﴾ ) قالَ: تَباعَدَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ( ﴿كانَ يَئُوسًا﴾ ) قالَ: قَنُوطًا، وفي قَوْلِهِ: ﴿كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ﴾ قالَ: عَلى ناحِيَتِهِ. وأخْرَجَ هَنّادٌ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: عَلى شاكِلَتِهِ، عَلى نِيَّتِهِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما «عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: كُنْتُ أمْشِي مَعَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في خِرَبِ المَدِينَةِ وهو مُتَّكِئٌ عَلى عَسِيبٍ، فَمَرَّ بِقَوْمٍ مِنَ اليَهُودِ فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: اسْألُوهُ عَنِ الرُّوحِ، فَقالَ بَعْضُهم: لا تَسْألُوهُ، فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ ما الرُّوحُ ؟ فَما زالَ مُتَّكِئًا عَلى العَسِيبِ فَظَنَنْتُ أنَّهُ يُوحى إلَيْهِ، فَقالَ: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا﴾» . وأخْرَجَ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، والنَّسائِيُّ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ حِبّانَ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَتْ قُرَيْشٌ لِلْيَهُودِ: أعْطُونا شَيْئًا نَسْألُ هَذا الرَّجُلَ، قالُوا: سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ، فَنَزَلَتْ: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا﴾ قالُوا: أُوتِينا عِلْمًا كَثِيرًا، أُوتِينا التَّوْراةَ، ومَن أُوتِيَ التَّوْراةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿قُلْ لَوْ كانَ البَحْرُ مِدادًا لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ البَحْرُ قَبْلَ أنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي ولَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف: ١٠٩] . وفي البابِ أحادِيثُ وآثارٌ.

الإسراء 17:80

. لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ الإلَهِيّاتِ والمَعادَ والجَزاءَ أرْدَفَها بِذِكْرِ أشْرَفِ الطّاعاتِ، وهي الصَّلاةُ، فَقالَ: ﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ . وقَدْ أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ المُرادُ بِها الصَّلَواتُ المَفْرُوضَةُ. وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في الدُّلُوكِ المَذْكُورِ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما أنَّهُ زَوالُ الشَّمْسِ عَنْ كَبِدِ السَّماءِ، قالَهُ عُمَرُ وابْنُهُ وأبُو هُرَيْرَةَ وأبُو بَرْزَةَ وابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ والشَّعْبِيُّ وعَطاءُ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ وأبُو جَعْفَرٍ الباقِرُ، واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ غُرُوبُ الشَّمْسِ، قالَهُ عَلِيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ وأُبِيُّ بْنُ كَعْبٍ، ورُوِيَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. قالَ الفَرّاءُ: دُلُوكُ الشَّمْسِ: مِن لَدُنْ زَوالِها إلى غُرُوبِها. قالَ الأزْهَرِيُّ: ومَعْنى الدُّلُوكِ في كَلامِ العَرَبِ الزَّوالُ، ولِذَلِكَ قِيلَ لِلشَّمْسِ إذا زالَتْ نِصْفَ النَّهارِ: دالِكَةٌ، وقِيلَ لَها إذا أفَلَتْ: دالِكَةٌ، لِأنَّها في الحالَتَيْنِ زائِلَةٌ. قالَ: والقَوْلُ عِنْدِي أنَّهُ زَوالُها نِصْفَ النَّهارِ لِتَكُونَ الآيَةُ جامِعَةً لِلصَّلَواتِ الخَمْسِ، والمَعْنى: أقِمِ الصَّلاةَ مِن وقْتِ دُلُوكِ الشَّمْسِ ﴿إلى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ فَيَدْخُلُ فِيها الظُّهْرُ والعَصْرُ وصَلاتا غَسَقِ اللَّيْلِ، وهُما العِشاءانِ، ثُمَّ قالَ: ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ هَذِهِ خَمْسُ صَلَواتٍ. وقالَ أبُو عُبِيدٍ: دُلُوكُها غُرُوبُها، ودَلَكَتْ بِراحٍ: يَعْنِي الشَّمْسَ أيْ: غابَتْ، وأنْشَدَ قُطْرُبٌ عَلى هَذا قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎هَذا مَقامُ قَدَمَيْ رَباحْ دَبَّتْ حَتّى دَلَكَتْ بَراحْ اسْمٌ مِن أسْماءِ الشَّمْسِ عَلى وزْنِ حَذامٍ وقَطامٍ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: ؎مَصابِيحٌ لَيْسَتْ بِاللَّواتِي تَقُودُها ∗∗∗ نُجُومٌ ولا بِالآفِلاتِ الدَّوالِكِ أيِ: الغَوارِبِ. وغَسَقُ اللَّيْلِ اجْتِماعُ الظُّلْمَةِ. قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: يُقالُ: غَسَقَ اللَّيْلُ وأغْسَقَ: إذا أقْبَلَ بِظَلامِهِ، قالَ أبُو عُبَيْدٍ: الغَسَقُ سَوادُ اللَّيْلِ. قالَ قَيْسُ بْنُ الرُّقَيّاتِ: ؎إنَّ هَذا اللَّيْلَ قَدْ غَسَقا ∗∗∗ واشْتَكَيْتُ الهَمَّ والأرَقا وقِيلَ: غَسَقُ اللَّيْلِ: مَغِيبُ الشَّفَقِ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: ؎ظَلَّتْ تَجُودُ يَداها وهي لاهِيَةٌ ∗∗∗ حَتّى إذا جَعْجَعَ الإظْلامُ والغَسَقُ وأصْلُ الكَلِمَةِ مِنَ السَّيَلانِ يُقالُ: غَسَقَتْ: إذا سالَتْ. وحَكى الفَرّاءُ غَسَقَ اللَّيْلُ وأغْسَقَ، وظَلِمَ وأظْلَمَ، ودَجى وأدْجى وغَبِشَ وأغْبَشَ، وقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الغايَةِ أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿إلى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ مَن قالَ: إنَّ صَلاةَ الظُّهْرِ يَتَمادى وقْتُها مِنَ الزَّوالِ إلى الغُرُوبِ، رُوِيَ ذَلِكَ، عَنِ الأوْزاعِيِّ وأبِي حَنِيفَةَ وجَوَّزَهُ مالِكٌ والشّافِعِيُّ في حالِ الضَّرُورَةِ، وقَدْ ورَدَتِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ المُتَواتِرَةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في تَعْيِينِ أوْقاتِ الصَّلَواتِ، فَيَجِبُ حَمْلُ مُجْمَلِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى ما بَيَّنَتْهُ السُّنَّةُ. فَلا نُطِيلُ بِذِكْرِ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ انْتِصابُ ( قُرْآنَ ) لِكَوْنِهِ مَعْطُوفًا عَلى الصَّلاةِ أيْ: وأقِمْ قُرْآنَ الفَجْرِ، قالَهُ الفَرّاءُ. وقالَ الزَّجّاجُ والبَصْرِيُّونَ: انْتِصابُهُ عَلى الإغْراءِ أيْ: فَعَلَيْكَ قُرْآنَ الفَجْرِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: المُرادُ بِقُرْآنِ الفَجْرِ صَلاةُ الصُّبْحِ. قالَ الزَّجّاجُ: وفي هَذِهِ فائِدَةٌ عَظِيمَةٌ تَدُلُّ عَلى أنَّ الصَّلاةَ لا تَكُونُ إلّا بِقِراءَةٍ حَتّى سُمِّيَتِ الصَّلاةُ قُرْآنًا، وقَدْ دَلَّتِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ عَلى أنَّهُ لا صَلاةَ إلّا بِفاتِحَةِ الكِتابِ، وفي بَعْضِ الأحادِيثِ الخارِجَةِ مِن مَخْرَجٍ حَسَنٍ: وقُرْآنٍ مَعَها، ووَرَدَ ما يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ الفاتِحَةِ في كُلِّ رَكْعَةٍ، وقَدْ حَرَّرْتُهُ في مُؤَلَّفاتِي تَحْرِيرًا مُجَوَّدًا. ثُمَّ عَلَّلَ سُبْحانَهُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ أيْ: تَشْهَدُهُ مَلائِكَةُ اللَّيْلِ ومَلائِكَةُ النَّهارِ، كَما ورَدَ ذَلِكَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ، (p-٨٣٨)وبِذَلِكَ قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ. ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ﴾ ( مِن ) لِلتَّبْعِيضِ، وانْتِصابُهُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ بِمُضْمَرٍ أيْ: قُمْ بَعْضَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ راجِعٌ إلى القُرْآنِ، وما قِيلَ مِن أنَّهُ مُنْتَصِبٌ عَلى الإغْراءِ، والتَّقْدِيرُ عَلَيْكَ بَعْضَ اللَّيْلِ. فَبِعِيدٌ جِدًّا، والتَّهَجُّدُ مَأْخُوذٌ مِنَ الهُجُودِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وابْنُ الأعْرابِيِّ: هو مِنَ الأضْدادِ؛ لِأنَّهُ يُقالُ: هَجَدَ الرَّجُلُ: إذا نامَ، وهَجَدَ: إذا سَهِرَ، فَمِنِ اسْتِعْمالِهِ في السَّهَرِ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ألا زارَتْ وأهْلُ مِنًى هُجُودُ ∗∗∗ فَلَيْتَ خَيالَها بِمِنًى يَعُودُ يَعْنِي مُنْتَبِهِينَ، ومِنِ اسْتِعْمالِهِ في النَّوْمِ قَوْلُ آخَرَ: ؎ألا طَرَقَتْنا والرِّفاقُ هُجُودُ ∗∗∗ فَباتَتْ بِعِلّاتِ النَّوالِ تَجُودُ يَعْنِي نِيامًا. وقالَ الأزْهَرِيُّ: الهُجُودُ في الأصْلِ هو النَّوْمُ بِاللَّيْلِ، ولَكِنْ جاءَ التَّفَعُّلُ فِيهِ لِأجْلِ التَّجَنُّبِ ومِنهُ تَأثَّمَ وتَحَرَّجَ: أيْ: تَجَنَّبَ الإثْمَ والحَرَجَ، فالمُتَهَجِّدُ مَن تَجَنَّبَ الهُجُودَ، فَقامَ بِاللَّيْلِ. ورُوِيَ، عَنِ الأزْهَرِيِّ أيْضًا أنَّهُ قالَ: المُتَهَجِّدُ القائِمُ إلى الصَّلاةِ مِنَ النَّوْمِ هَكَذا حَكى عَنْهُ الواحِدِيُّ، فَقَيَّدَ التَّهَجُّدَ بِالقِيامِ مِنَ النَّوْمِ، وهَكَذا قالَ مُجاهِدٌ وعَلْقَمَةُ والأسْوَدُ فَقالُوا: التَّهَجُّدُ بَعْدَ النَّوْمِ. قالَ اللَّيْثُ: تَهَجَّدَ: إذا اسْتَيْقَظَ لِلصَّلاةِ ( نافِلَةً لَكَ ) مَعْنى النّافِلَةِ في اللُّغَةِ الزِّيادَةُ عَلى الأصْلِ، فالمَعْنى أنَّها لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - نافِلَةٌ زائِدَةٌ عَلى الفَرائِضِ، والأمْرُ بِالتَّهَجُّدِ وإنْ كانَ ظاهِرُهُ الوُجُوبَ لَكِنَّ التَّصْرِيحَ بِكَوْنِهِ نافِلَةً قَرِينَةٌ صارِفَةٌ لِلْأمْرِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالنّافِلَةِ هُنا أنَّها فَرِيضَةٌ زائِدَةٌ عَلى الفَرائِضِ الخَمْسِ في حَقِّهِ، صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. ويَدْفَعُ ذَلِكَ التَّصْرِيحُ بِلَفْظِ النّافِلَةِ، وقِيلَ: كانَتْ صَلاةُ اللَّيْلِ فَرِيضَةً في حَقِّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ثُمَّ نُسِخَ الوُجُوبُ فَصارَ قِيامُ اللَّيْلِ تَطَوُّعًا، وعَلى هَذا يُحْمَلُ ما ورَدَ في الحَدِيثِ أنَّها عَلَيْهِ فَرِيضَةٌ، ولِأُمَّتِهِ تَطَوُّعٌ. قالَ الواحِدِيُّ: إنَّ صَلاةَ اللَّيْلِ كانَتْ زِيادَةً لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - خاصَّةً لِرَفْعِ الدَّرَجاتِ، لا لِلْكَفّاراتِ؛ لِأنَّهُ غُفِرَ لَهُ مِن ذَنْبِهِ ما تَقَدَّمَ وما تَأخَّرَ، ولَيْسَ لَنا بِنافِلَةٍ لِكَثْرَةِ ذُنُوبِنا إنَّما نَعْمَلُ لِكَفّارَتِها، قالَ: وهو قَوْلُ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ. والحاصِلُ أنَّ الخِطابَ في هَذِهِ الآيَةِ وإنْ كانَ خاصًّا بِالنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ( ﴿أقِمِ الصَّلاةَ﴾ ) فالأمْرُ لَهُ أمْرٌ لِأُمَّتِهِ، فَهو شَرْعٌ عامٌّ، ومِن ذَلِكَ التَّرْغِيبُ في صَلاةِ اللَّيْلِ، فَإنَّهُ يَعُمُّ جَمِيعَ الأُمَّةِ، والتَّصْرِيحُ بِكَوْنِهِ نافِلَةً يَدُلُّ عَلى عَدَمِ الوُجُوبِ، فالتَّهَجُّدُ مِنَ اللَّيْلِ مَندُوبٌ إلَيْهِ ومَشْرُوعٌ لِكُلَّ مُكَلَّفٍ. ثُمَّ وعَدَهُ سُبْحانَهُ عَلى إقامَةِ الفَرائِضِ والنَّوافِلِ فَقالَ: ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ قَدْ ذَكَرْنا في مَواضِعَ أنَّ ( عَسى ) مِنَ الكَرِيمِ إطْماعٌ واجِبُ الوُقُوعِ. وانْتِصابُ ( مَقامًا ) عَلى الظَّرْفِيَّةِ بِإضْمارِ فِعْلٍ، أوْ بِتَضْمِينِ البَعْثِ مَعْنى الإقامَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ انْتِصابُهُ عَلى الحالِ أيْ: يَبْعَثَكَ ذا مَقامٍ مَحْمُودٍ، ومَعْنى كَوْنِ المَقامِ مَحْمُودًا: أنَّهُ يَحْمَدُهُ كُلُّ مَن عَلِمَ بِهِ. وقَدِ اخْتُلِفَ في تَعْيِينِ هَذا المَقامِ عَلى أقْوالٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ المَقامُ الَّذِي يَقُومُهُ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِلشَّفاعَةِ يَوْمَ القِيامَةِ لِلنّاسِ لِيُرِيحَهم رَبُّهم سُبْحانَهُ مِمّا هم فِيهِ، وهَذا القَوْلُ هو الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الأدِلَّةُ الصَّحِيحَةُ في تَفْسِيرِ الآيَةِ، وحَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أكْثَرِ أهْلِ التَّأْوِيلِ. قالَ الواحِدِيُّ: وإجْماعُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ المَقامَ المَحْمُودَ هو مَقامُ الشَّفاعَةِ. القَوْلُ الثّانِي: أنَّ المَقامَ المَحْمُودَ إعْطاءُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِواءَ الحَمْدِ يَوْمَ القِيامَةِ. ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ هَذا لا يُنافِي القَوْلَ الأوَّلَ؛ إذْ لا مُنافاةَ بَيْنَ كَوْنِهِ قائِمًا مَقامَ الشَّفاعَةِ وبِيَدِهِ لِواءُ الحَمْدِ. القَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ المَقامَ المَحْمُودَ هو أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يُجْلِسُ مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مَعَهُ عَلى كُرْسِيِّهِ. حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ فِرْقَةٍ، مِنهم مُجاهِدٌ، وقَدْ ورَدَ في ذَلِكَ حَدِيثٌ. وحَكى النَّقّاشُ، عَنْ أبِي داوُدَ السِّجِسْتانِيِّ أنَّهُ قالَ: مَن أنْكَرَ هَذا الحَدِيثَ فَهو عِنْدَنا مُتَّهَمٌ، ما زالَ أهْلُ العِلْمِ يَتَحَدِّثُونَ بِهَذا الحَدِيثِ. قالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: مُجاهِدٌ وإنْ كانَ أحَدَ الأئِمَّةِ بِالتَّأْوِيلِ، فَإنَّ لَهُ قَوْلَيْنِ مَهْجُورَيْنِ عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ، أحَدُهُما هَذا، والثّانِي في تَأْوِيلِ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣] قالَ: مَعْناهُ تَنْتَظِرُ الثَّوابَ، ولَيْسَ مِنَ النَّظَرِ. انْتَهى. وعَلى كُلِّ حالٍ فَهَذا القَوْلُ غَيْرُ مُنافٍ لِلْقَوْلِ الأوَّلِ لِإمْكانِ أنْ يُقْعِدَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ هَذا المَقْعَدَ ويَشْفَعَ تِلْكَ الشَّفاعَةَ. القَوْلُ الرّابِعُ: أنَّهُ مُطْلَقٌ في كُلِّ مَقامٍ يَجْلِبُ الحَمْدَ مِن أنْواعِ الكَراماتِ، ذَكَرَهُ صاحِبُ الكَشّافِ والمُقْتَدُونَ بِهِ في التَّفْسِيرِ، ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّ الأحادِيثَ الصَّحِيحَةَ الوارِدَةَ في تَعْيِينِ هَذا المَقامِ المَحْمُودِ مُتَواتِرَةٌ، فالمَصِيرُ إلَيْها مُتَعَيِّنٌ، ولَيْسَ في الآيَةِ عُمُومٌ في اللَّفْظِ حَتّى يُقالَ: الِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، ومَعْنى قَوْلِهِ: وهو مُطْلَقٌ في كُلِّ ما يَجْلِبُ الحَمْدَ، أنَّهُ عامٌّ في كُلِّ ما هو كَذَلِكَ، ولَكِنَّهُ يُعَبَّرُ عَنِ العامِّ بِلَفْظِ المُطْلَقِ، كَما ذَكَرَهُ في ذَبْحِ البَقَرَةِ، ولِهَذا قالَ هُنا. وقِيلَ: المُرادُ الشَّفاعَةُ، وهي نَوْعٌ واحِدٌ مِمّا يَتَناوَلُهُ يَعْنِي لَفْظَ المَقامِ. والفَرْقُ بَيْنَ العُمُومِ البَدَلِيِّ والعُمُومِ الشُّمُولِيِّ مَعْرُوفٌ، فَلا نُطِيلُ بِذِكْرِهِ. ﴿وقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وأخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( مُدْخَلَ صِدْقٍ، ومُخْرَجَ صِدْقٍ ) بِضَمِّ المِيمَيْنِ. وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو العالِيَةِ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ بِفَتْحِهِما، وهُما مَصْدَرانِ بِمَعْنى الإدْخالِ والإخْراجِ، والإضافَةُ إلى الصِّدْقِ لِأجْلِ المُبالَغَةِ نَحْوَ: حاتِمُ الجُودِ، أيْ إدْخالًا يَسْتَأْهِلُ أنْ يُسَمّى إدْخالًا، ولا يَرى فِيهِ ما يَكْرَهُ. قالَ الواحِدِيُّ: وإضافَتُهُما إلى الصِّدْقِ مَدْحٌ لَهُما، وكُلُّ شَيْءٍ أضَفْتَهُ إلى الصِّدْقِ فَهو مَدْحٌ. وقَدِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى الآيَةِ، فَقِيلَ: نَزَلَتْ حِينَ أُمِرَ بِالهِجْرَةِ، يُرِيدُ إدْخالَ المَدِينَةِ والإخْراجَ مِن مَكَّةَ واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وقِيلَ: المَعْنى: أمِتْنِي إماتَةَ صِدْقٍ وابْعَثْنِي يَوْمَ القِيامَةِ مَبْعَثَ صِدْقٍ، وقِيلَ: المَعْنى: أدْخِلْنِي فِيما أمَرْتَنِي بِهِ، وأخْرِجْنِي مِمّا نَهَيْتَنِي عَنْهُ، وقِيلَ: إدْخالُهُ مَوْضِعَ الأمْنِ وإخْراجُهُ مِن بَيْنِ المُشْرِكِينَ، وهو كالقَوْلِ الأوَّلِ، وقِيلَ: المُرادُ إدْخالُ عِزٍّ وإخْراجُ نَصْرٍ، وقِيلَ: المَعْنى: أدْخِلْنِي القَبْرَ عِنْدَ المَوْتِ مُدْخَلَ صِدْقٍ، وأخْرِجْنِي مِنهُ عِنْدَ البَعْثِ مُخْرَجَ صِدْقٍ، وقِيلَ: أدْخِلْنِي حَيْثُما أدْخَلْتَنِي بِالصِّدْقِ وأخْرِجْنِي بِالصِّدْقِ، وقِيلَ: الآيَةُ عامَّةٌ في كُلِّ ما تَتَناوَلُهُ مِنَ الأُمُورِ، فَهي دُعاءٌ، ومَعْناها: رَبِّ أصْلِحْ لِي وِرْدِي في كُلِّ الأُمُورِ وصَدْرِيِ عَنْها (p-٨٣٩)﴿واجْعَلْ لِي مِن لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا﴾ أيْ: حُجَّةً ظاهِرَةً قاهِرَةً تَنْصُرُنِي بِها عَلى جَمِيعِ مَن خالَفَنِي، وقِيلَ: اجْعَلْ لِي مِن لَدُنْكَ مُلْكًا وعِزًّا قَوِيًّا وكَأنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلِمَ أنَّهُ لا طاقَةَ لَهُ بِهَذا الأمْرِ إلّا بِسُلْطانٍ فَسَألَ سُلْطانًا نَصِيرًا. وبِهِ قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهو الأرْجَحُ؛ لِأنَّهُ لا بُدَّ مَعَ الحَقِّ مِن قَهْرٍ لِمَن عاداهُ وناوَأهُ، ولِهَذا يَقُولُ تَعالى: ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلَنا بِالبَيِّناتِ وأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ والمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالقِسْطِ وأنْزَلْنا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ ومَنافِعُ لِلنّاسِ ولِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ ورُسُلَهُ بِالغَيْبِ﴾ [الحديد: ٢٥] وفي الحَدِيثِ: «إنَّ اللَّهَ لَيَزَعُ بِالسُّلْطانِ ما لا يَزَعُ بِالقُرْآنِ» أيْ: لَيَمْنَعُ بِالسُّلْطانِ عَنِ ارْتِكابِ الفَواحِشِ والآثامِ ما لا يَمْنَعُ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ بِالقُرْآنِ، وما فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ الأكِيدِ والتَّهْدِيدِ الشَّدِيدِ، وهَذا هو الواقِعُ. انْتَهى. ﴿وقُلْ جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ﴾ المُرادُ بِالحَقِّ الإسْلامُ، وقِيلَ: القُرْآنُ، وقِيلَ: الجِهادُ. ولا مانِعَ مِن حَمْلِ الآيَةِ عَلى جَمِيعِ ذَلِكَ وعَلى ما هو حَقٌّ كائِنًا ما كانَ، والمُرادُ بِالباطِلِ الشِّرْكُ، وقِيلَ: الشَّيْطانُ، ولا يَبْعُدُ أنْ يُحْمَلَ عَلى كُلِّ ما يُقابِلُ الحَقَّ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ باطِلٍ وباطِلٍ. ومَعْنى ( زَهَقَ ) بَطَلَ واضْمَحَلَّ، ومِنهُ زُهُوقُ النَّفْسِ وهو بُطْلانُها ﴿إنَّ الباطِلَ كانَ زَهُوقًا﴾ أيْ: إنَّ هَذا شَأْنُهُ فَهو يَبْطُلُ ولا يَثْبُتُ، والحَقُّ ثابِتٌ دائِمًا. ﴿ونُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( نُنَزِّلُ ) بِالنُّونِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِالتَّخْفِيفِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ والتَّخْفِيفِ، ورَواها المَرْوَزِيُّ عَنْ حَفْصٍ، و( مِن ) لِابْتِداءِ الغايَةِ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ لِبَيانِ الجِنْسِ، وقِيلَ: لِلتَّبْعِيضِ، وأنْكَرَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ لِاسْتِلْزامِهِ أنَّ بَعْضَهُ لا شِفاءَ فِيهِ، ورَدَّهُ ابْنُ عَطِيَّةَ بِأنَّ المُبَعَّضَ هو إنْزالُهُ. واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في مَعْنى كَوْنِهِ شِفاءً عَلى قَوْلَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ شِفاءٌ لِلْقُلُوبِ بِزَوالِ الجَهْلِ عَنْها وذَهابِ الرَّيْبِ، وكَشْفِ الغِطاءِ عَنِ الأُمُورِ الدّالَّةِ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ. القَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ شِفاءٌ مِنَ الأمْراضِ الظّاهِرَةِ بِالرُّقى والتَّعَوُّذِ ونَحْوِ ذَلِكَ، ولا مانِعَ مِن حَمْلِ الشِّفاءِ عَلى المَعْنَيَيْنِ مِن بابِ عُمُومِ المَجازِ، أوْ مِن بابِ حَمْلِ المُشْتَرَكِ عَلى مَعْنَيَيْهِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ لِما فِيهِ مِنَ العُلُومِ النّافِعَةِ المُشْتَمِلَةِ عَلى ما فِيهِ صَلاحُ الدِّينِ والدُّنْيا، ولِما في تِلاوَتِهِ وتَدَبُّرِهِ مِنَ الأجْرِ العَظِيمِ الَّذِي يَكُونُ سَبَبًا لِرَحْمَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ ومَغْفِرَتِهِ ورِضْوانِهِ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هو لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وشِفاءٌ والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ في آذانِهِمْ وقْرٌ وهو عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [فصلت: ٤٤] . ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما في القُرْآنِ مِنَ المَنفَعَةِ لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ ذَكَرَ ما فِيهِ لِمَن عَداهم مِنَ المَضَرَّةِ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿ولا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إلّا خَسارًا﴾ أيْ: ولا يَزِيدُ القُرْآنُ كُلُّهُ أوْ كُلُّ بَعْضٍ مِنهُ الظّالِمِينَ الَّذِينَ وضَعُوا التَّكْذِيبَ مَوْضِعَ التَّصْدِيقِ، والشَّكَّ والِارْتِيابَ مَوْضِعَ اليَقِينِ والِاطْمِئْنانِ ( إلّا خَسارًا )، أيْ: هَلاكًا؛ لِأنَّ سَماعَ القُرْآنِ يَغِيظُهم ويَحْنِقُهم ويَدْعُوهم إلى زِيادَةِ ارْتِكابِ القَبائِحِ تَمَرُّدًا وعِنادًا، فَعِنْدَ ذَلِكَ يُهْلَكُونَ، وقِيلَ: الخَسارُ النَّقْصُ كَقَوْلِهِ: ﴿فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٥] . ثُمَّ نَبَّهَ سُبْحانَهُ عَلى فَتْحِ بَعْضِ ما جُبِلَ عَلَيْهِ الإنْسانُ مِنَ الطَّبائِعِ المَذْمُومَةِ فَقالَ: ﴿وإذا أنْعَمْنا عَلى الإنْسانِ﴾ أيْ: عَلى هَذا الجِنْسِ بِالنِّعَمِ الَّتِي تُوجِبُ الشُّكْرَ كالصِّحَّةِ والغِنى ( أعْرَضَ ) عَنِ الشُّكْرِ لِلَّهِ والذِّكْرِ لَهُ ( ونَأى بِجانِبِهِ ) النَّأْيُ البُعْدُ والباءُ لِلتَّعْدِيَةِ أوْ لِلْمُصاحَبَةِ، وهو تَأْكِيدٌ لِلْإعْراضِ؛ لِأنَّ الإعْراضَ عَنِ الشَّيْءِ هو أنْ يُوَلِّيَهُ عَرْضَ وجْهِهِ، أيْ: ناحِيَتِهِ، والنَّأْيُ بِالجانِبِ أنْ يَلْوِيَ عَنْهُ عِطْفَهُ ويُوَلِّيَهُ ظَهْرَهُ، ولا يَبْعُدُ أنْ يُرادَ بِالإعْراضِ هُنا الإعْراضُ عَنِ الدُّعاءِ والِابْتِهالِ الَّذِي كانَ يَفْعَلُهُ عِنْدَ نُزُولِ البَلْوى والمِحْنَةِ بِهِ، ويُرادُ بِالنَّأْيِ بِجانِبِهِ التَّكَبُّرُ والبُعْدُ بِنَفْسِهِ عَنِ القِيامِ بِحُقُوقِ النِّعَمِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ في رِوايَةِ ابْنِ ذَكْوانِ وأبُو جَعْفَرٍ ( ناءَ ) مِثْلَ باعَ بِتَأْخِيرِ الهَمْزَةِ، عَلى القَلْبِ، وقَرَأ حَمْزَةُ: ( ناءى ) بِإمالَةِ الفَتْحَتَيْنِ ووافَقَهُ الكِسائِيُّ، وأمالَ شُعْبَةُ والسُّوسِيُّ الهَمْزَةَ فَقَطْ. وقَرَأ الباقُونَ بِالفَتْحِ فِيهِما ﴿وإذا مَسَّهُ الشَّرُّ﴾ مِن مَرَضٍ أوْ فَقْرٍ كانَ يَئُوسًا شَدِيدَ اليَأْسِ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، والمَعْنى: أنَّهُ إنْ فازَ بِالمَطْلُوبِ الدُّنْيَوِيِّ، وظَفِرَ بِالمَقْصُودِ نَسِيَ المَعْبُودَ، وإنْ فاتَهُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ اسْتَوْلى عَلَيْهِ الأسَفُ، وغَلَبَ عَلَيْهِ القُنُوطُ، وكِلْتا الخَصْلَتَيْنِ قَبِيحَةٌ مَذْمُومَةٌ ولا يُنافِي ما في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وإذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ﴾ [فصلت: ٥١]، ونَظائِرَهُ، فَإنَّ ذَلِكَ شَأْنُ بَعْضٍ آخَرَ مِنهم غَيْرِ البَعْضِ المَذْكُورِ في هَذِهِ الآيَةِ، ولا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: لا مُنافاةَ بَيْنَ الآيَتَيْنِ؛ فَقَدْ يَكُونُ مَعَ شِدَّةِ يَأْسِهِ وكَثْرَةِ قُنُوطِهِ كَثِيرَ الدُّعاءِ بِلِسانِهِ. ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ﴾ الشّاكِلَةُ قالَ الفَرّاءُ: الطَّرِيقَةُ، وقِيلَ: النّاحِيَةُ، وقِيلَ: الطَّبِيعَةُ، وقِيلَ: الدِّينُ، وقِيلَ: النِّيَّةُ، وقِيلَ: الجِبِلَّةُ، وهي مَأْخُوذَةٌ مِنَ الشَّكْلِ، يُقالُ: لَسْتَ عَلى شَكْلِي ولا عَلى شاكِلَتِي، والشَّكْلُ: هو المِثْلُ والنَّظِيرُ. والمَعْنى: أنَّ كُلَّ إنْسانٍ يَعْمَلُ عَلى ما يُشاكِلُ أخْلاقَهُ الَّتِي ألِفَها، وهَذا ذَمٌّ لِلْكافِرِ ومَدْحٌ لِلْمُؤْمِنِ ﴿فَرَبُّكم أعْلَمُ بِمَن هو أهْدى سَبِيلًا﴾ لِأنَّهُ الخالِقُ لَكُمُ العالِمُ بِما جُبِلْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الطَّبائِعِ وما تَبايَنْتُمْ فِيهِ مِنَ الطَّرائِقِ، فَهو الَّذِي يُمَيِّزُ بَيْنَ المُؤْمِنَ الَّذِي لا يُعْرِضُ عِنْدَ النِّعْمَةِ ولا يَيْأسُ عِنْدَ المِحْنَةِ، وبَيْنَ الكافِرِ الَّذِي شَأْنُهُ البَطَرُ لِلنِّعَمِ والقُنُوطُ عِنْدَ النِّقَمِ. ثُمَّ لَمّا انْجَرَّ الكَلامُ إلى ذِكْرِ الإنْسانِ وما جُبِلَ عَلَيْهِ، ذَكَرَ سُبْحانَهُ سُؤالَ السّائِلِينَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنِ الرُّوحِ فَقالَ: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ قَدِ اخْتَلَفَ النّاسُ في الرُّوحِ المَسْئُولِ عَنْهُ، فَقِيلَ هو الرُّوحُ المُدَبِّرُ لِلْبَدَنِ الَّذِي تَكُونُ بِهِ حَياتُهُ، وبِهَذا قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ. قالَ الفَرّاءُ: الرُّوحُ الَّذِي يَعِيشُ بِهِ الإنْسانُ لَمْ يُخْبِرِ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِهِ أحَدًا مِن خَلْقِهِ، ولَمْ يُعْطِ عِلْمَهُ أحَدًا مِن عِبادِهِ فَقالَ:﴿قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي﴾ أيْ: إنَّكم لا تَعْلَمُونَهُ، وقِيلَ: الرُّوحُ المَسْئُولُ عَنْهُ جِبْرِيلُ، وقِيلَ: عِيسى، وقِيلَ: (p-٨٤٠)القُرْآنُ، وقِيلَ: مَلَكٌ مِنَ المَلائِكَةِ عَظِيمُ الخَلْقِ، وقِيلَ: خَلْقٌ كَخَلْقِ بَنِي آدَمَ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا لا طائِلَ تَحْتَهُ ولا فائِدَةَ في إيرادِهِ، والظّاهِرُ القَوْلُ الأوَّلُ، وسَيَأْتِي ذِكْرُ سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، وبَيانُ السّائِلِينَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنِ الرُّوحِ، ثُمَّ الظّاهِرُ أنَّ السُّؤالَ عَنْ حَقِيقَةِ الرُّوحِ؛ لِأنَّ مَعْرِفَةَ حَقِيقَةِ الشَّيْءِ أهَمُّ وأقْدَمُ مِن مَعْرِفَةِ حالٍ مِن أحْوالِهِ، ثُمَّ أمَرَهُ سُبْحانَهُ أنْ يُجِيبَ عَلى السّائِلِينِ لَهُ عَنِ الرُّوحِ فَقالَ: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي﴾ ( مِن ) بَيانِيَّةٌ، والأمْرُ: الشَّأْنُ، والإضافَةُ لِلِاخْتِصاصِ، أيْ: هو مِن جِنْسِ ما اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي لَمْ يُعْلِمُ بِها عِبادَهُ، وقِيلَ: مَعْنى ( ﴿مِن أمْرِ رَبِّي﴾ ) مِن وحْيِهِ وكَلامِهِ لا مِن كَلامِ البَشَرِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ ما يَزْجُرُ الخائِضِينَ في شَأْنِ الرُّوحِ المُتَكَلِّفِينَ لِبَيانِ ما هَيْئَتُهُ وإيضاحِ حَقِيقَتِهِ أبْلَغَ زَجْرٍ ويَرْدَعُهم أعْظَمَ رَدْعٍ، وقَدْ أطالُوا المَقالَ في هَذا البَحْثِ بِما لا يَتِمُّ لَهُ المَقامُ، وغالِبُهُ بَلْ كُلُّهُ مِنَ الفُضُولِ الَّذِي لا يَأْتِي بِنَفْعٍ في دِينٍ ولا دُنْيا. وقَدْ حَكى بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ أقْوالَ المُخْتَلِفِينَ في الرُّوحِ بَلَغَتْ إلى ثَمانِيَةَ عَشَرَ مِائَةَ قَوْلٍ، فانْظُرْ إلى هَذا الفُضُولِ الفارِغِ والتَّعَبِ العاطِلِ عَنِ النَّفْعِ، بَعْدَ أنْ عَلِمُوا أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ قَدِ اسْتَأْثَرَ بِعِلْمِهِ ولَمْ يُطْلِعْ عَلَيْهِ أنْبِياءَهُ ولا أذِنَ لَهم بِالسُّؤالِ عَنْهُ ولا البَحْثِ عَنْ حَقِيقَتِهِ فَضْلًا عَنْ أُمَمِهِمُ المُقْتَدِينَ بِهِمْ، فَيالَلَّهِ العَجَبَ، حَيْثُ تَبْلُغُ أقْوالُ أهْلِ الفُضُولِ إلى هَذا الحَدِّ الَّذِي لَمْ تَبْلُغْهُ ولا بَعْضَهُ في غَيْرِ هَذِهِ المَسْألَةِ مِمّا أذِنَ اللَّهُ بِالكَلامِ فِيهِ، ولَمْ يَسْتَأْثِرْ بِعِلْمِهِ. ثُمَّ خَتَمَ سُبْحانَهُ هَذِهِ الآيَةَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا﴾ أيْ: أنَّ عِلْمَكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ اللَّهُ لَيْسَ إلّا المِقْدارُ القَلِيلُ بِالنِّسْبَةِ إلى عِلْمِ الخالِقِ سُبْحانَهُ، وإنْ أُوتِيَ حَظًّا مِنَ العِلْمِ وافِرًا، بَلْ عِلْمُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لَيْسَ هو بِالنِّسْبَةِ إلى عِلْمِ اللَّهِ سُبْحانَهُ إلّا كَما يَأْخُذُ الطّائِرُ في مِنقارِهِ مِنَ البَحْرِ، كَما في حَدِيثِ مُوسى والخَضِرِ عَلَيْهِما السَّلامُ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: دُلُوكِ الشَّمْسِ غُرُوبِها، تَقُولُ العَرَبُ إذا غَرَبَتِ الشَّمْسُ: دَلَكَتِ الشَّمْسُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: دُلُوكُها غُرُوبُها. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ لِزَوالِ الشَّمْسِ، وأخْرَجَ البَزّارُ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والدَّيْلَمِيُّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: دُلْوُكُ الشَّمْسِ زَوالُها» وضَعَّفَ السُّيُوطِيُّ إسْنادَهُ، وأخْرَجَهُ مالِكٌ في المُوَطَّأِ وعَبْدُ الرَّزّاقِ والفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِن قَوْلِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْهُ قالَ: دُلُوكُ الشَّمْسِ زِياغُها بَعْدَ نِصْفِ النَّهارِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: دُلُوكُها زَوالُها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ قالَ: إذا فاءَ الفَيْءُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أبِي مَسْعُودٍ وعُقْبَةَ بْنِ عَمْرٍو قالا: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «أتانِي جِبْرِيلُ لِدُلُوِكِ الشَّمْسِ حِينَ زالَتْ فَصَلّى بِيَ الظُّهْرَ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أبِي بَرْزَةَ الأسْلَمِيِّ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يُصَلِّي الظُّهْرَ إذا زالَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ تَلا: ﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ أنَسٍ نَحْوَهُ، ومِمّا يُسْتَشْهَدُ بِهِ عَلى أنَّ الدُّلُوكَ الزَّوالُ وسَطَ النَّهارِ ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ «عَنْ جابِرٍ قالَ: دَعَوْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ومَن شاءَ مِن أصْحابِهِ يُطْعَمُونَ عِنْدِي، ثُمَّ خَرَجُوا حِينَ زالَتِ الشَّمْسُ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: اخْرُجْ يا أبا بَكْرٍ فَهَذا حِينَ دَلَكَتِ الشَّمْسُ» وفي إسْنادِهِ رَجُلٌ مَجْهُولٌ ولَكِنَّهُ أخْرَجَهُ عَنْهُ مِن طَرِيقٍ أُخْرى عَنْ سَهْلِ بْنِ بَكّارٍ، عَنْ أبِي عَوانَةَ، عَنِ الأسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ نُبِيحٍ العَنْبَرِيِّ، عَنْ جابِرٍ فَذَكَرَ نَحْوَهُ مَرْفُوعًا. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ قالَ: إلى العِشاءِ الآخِرَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ( ﴿غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ ) اجْتِماعِ اللَّيْلِ وظُلْمَتِهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: ( ﴿غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ ) بُدُوِّ اللَّيْلِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: دُلُوكُ الشَّمْسِ: إذا زالَتِ الشَّمْسُ عَنْ بَطْنِ السَّماءِ، وغَسَقُ اللَّيْلِ: غُرُوبُ الشَّمْسِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ( ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ ) قالَ: صَلاةُ الصُّبْحِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَه وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ . قالَ: تَشْهَدُهُ مَلائِكَةُ اللَّيْلِ ومَلائِكَةُ النَّهارِ تَجْتَمِعُ فِيها»، وهو في الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ: «تَجْتَمِعُ مَلائِكَةُ اللَّيْلِ ومَلائِكَةُ النَّهارِ في صَلاةِ الفَجْرَ، ثُمَّ يَقُولُ أبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾» وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنِ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَوْقُوفًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، «عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ﴿إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ قالَ: تَشْهَدُهُ مَلائِكَةُ اللَّيْلِ ومَلائِكَةُ النَّهارٍ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ( ﴿نافِلَةً لَكَ﴾ ) يَعْنِي خاصَّةً لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، أُمِرَ بِقِيامِ اللَّيْلِ وكُتُبَ عَلَيْهِ» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ عائِشَةَ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «ثَلاثٌ هُنَّ عَلَيَّ فَرائِضُ وهُنَّ لَكَمَ سُنَّةٌ: الوِتْرُ، والسِّواكُ، وقِيامُ اللَّيْلِ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي أُمامَةَ في قَوْلِهِ: ( ﴿نافِلَةً لَكَ﴾ ) قالَ: كانَتْ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - نافِلَةً ولَكم فَضِيلَةً، وفي لَفْظٍ: إنَّما كانَتِ النّافِلَةُ خاصَّةً لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وأخْرَجَ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ وسُئِلَ عَنْهُ قالَ: هو المَقامُ المَحْمُودُ الَّذِي أشْفَعُ فِيهِ لِأُمَّتِي» . وأخْرَجَ أحْمَدُ (p-٨٤١)وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ حِبّانَ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «يُبْعَثُ النّاسُ يَوْمَ القِيامَةِ فَأكُونُ أنا وأُمَّتِي عَلى تَلٍّ ويَكْسُونِي رَبِّي حُلَّةً خَضْراءَ، ثُمَّ يُؤْذَنُ لِي فَأقُولُ ما شاءَ اللَّهُ أنْ أقُولَ، فَذَلِكَ المَقامُ المَحْمُودُ» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «إنَّ كُلَّ أُمَّةٍ يَوْمَ القِيامَةِ تَتْبَعُ نَبِيَّها، يَقُولُونَ: يا فُلانُ اشْفَعْ، يا فُلانُ اشْفَعْ حَتّى تَنْتَهِيَ الشَّفاعَةُ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَذَلِكَ يَوْمُ يَبْعَثُهُ اللَّهُ مَقامًا مَحْمُودًا» . وأخْرَجَ عَنْهُ نَحْوَهُ مَرْفُوعًا، والأحادِيثُ في هَذا البابِ كَثِيرَةٌ جِدًّا ثابِتَةٌ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما فَلا نُطِيلُ بِذِكْرِها، ومَن رامَ الِاسْتِيفاءَ نَظَرَ في أحادِيثِ الشَّفاعَةِ في الأُمَّهاتِ وغَيْرِها. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في قَوْلِهِ: ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ قالَ: يُجْلِسُهُ فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ جِبْرِيلَ ويَشْفَعُ لِأُمَّتِهِ، فَذَلِكَ المَقامُ المَحْمُودُ. وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ( ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾، قالَ: يُجْلِسُنِي مَعَهُ عَلى السَّرِيرِ ) . ويَنْبَغِي الكَشْفُ عَنْ إسْنادِ هَذَيْنِ الحَدِيثَيْنِ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ والبَيْهَقِيُّ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِمَكَّةَ ثُمَّ أُمِرَ بِالهِجْرَةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وأخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ واجْعَلْ لِي مِن لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا﴾» . وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ «عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ( ﴿وقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي﴾ ) الآيَةَ، قالَ: أخْرَجَهُ اللَّهُ مِن مَكَّةَ مُخْرَجَ صِدْقٍ، وأدْخَلَهُ المَدِينَةَ مُدْخَلَ صِدْقٍ» . قالَ: وعَلِمَ نَبِيُّ اللَّهِ أنَّهُ لا طاقَةَ لَهُ بِهَذا الأمْرِ إلّا بِسُلْطانٍ فَسَألَ سُلْطانًا نَصِيرًا لِكِتابِ اللَّهِ وحُدُودِهِ وفَرائِضِهِ ولِإقامَةِ كِتابِ اللَّهِ، فَإنَّ السُّلْطانَ عِزَّةٌ مِنَ اللَّهِ جَعَلَها بَيْنَ أظْهُرِ عِبادِهِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَأغارَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ، وأكَلَ شَدِيدُهم ضَعِيفَهم. وأخْرَجَ الخَطِيبُ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: «واللَّهِ لَما يَزَعُ اللَّهُ بِالسُّلْطانِ أعْظَمُ مِمّا يَزَعُ بِالقُرْآنِ» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «دَخَلَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مَكَّةَ وحَوْلَ البَيْتِ سِتُّونَ وثَلاثُمِائَةِ نُصْبٍ، فَجَعَلَ يَطْعَنُها بِعُودٍ في يَدِهِ ويَقُولُ: ﴿جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ إنَّ الباطِلَ كانَ زَهُوقًا﴾، ﴿جاءَ الحَقُّ وما يُبْدِئُ الباطِلُ وما يُعِيدُ﴾» [سبأ: ٤٩] . وفي البابِ أحادِيثُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ( ﴿ونَأى بِجانِبِهِ﴾ ) قالَ: تَباعَدَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ( ﴿كانَ يَئُوسًا﴾ ) قالَ: قَنُوطًا، وفي قَوْلِهِ: ﴿كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ﴾ قالَ: عَلى ناحِيَتِهِ. وأخْرَجَ هَنّادٌ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: عَلى شاكِلَتِهِ، عَلى نِيَّتِهِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما «عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: كُنْتُ أمْشِي مَعَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في خِرَبِ المَدِينَةِ وهو مُتَّكِئٌ عَلى عَسِيبٍ، فَمَرَّ بِقَوْمٍ مِنَ اليَهُودِ فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: اسْألُوهُ عَنِ الرُّوحِ، فَقالَ بَعْضُهم: لا تَسْألُوهُ، فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ ما الرُّوحُ ؟ فَما زالَ مُتَّكِئًا عَلى العَسِيبِ فَظَنَنْتُ أنَّهُ يُوحى إلَيْهِ، فَقالَ: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا﴾» . وأخْرَجَ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، والنَّسائِيُّ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ حِبّانَ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَتْ قُرَيْشٌ لِلْيَهُودِ: أعْطُونا شَيْئًا نَسْألُ هَذا الرَّجُلَ، قالُوا: سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ، فَنَزَلَتْ: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا﴾ قالُوا: أُوتِينا عِلْمًا كَثِيرًا، أُوتِينا التَّوْراةَ، ومَن أُوتِيَ التَّوْراةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿قُلْ لَوْ كانَ البَحْرُ مِدادًا لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ البَحْرُ قَبْلَ أنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي ولَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف: ١٠٩] . وفي البابِ أحادِيثُ وآثارٌ.

الإسراء 17:81

. لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ الإلَهِيّاتِ والمَعادَ والجَزاءَ أرْدَفَها بِذِكْرِ أشْرَفِ الطّاعاتِ، وهي الصَّلاةُ، فَقالَ: ﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ . وقَدْ أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ المُرادُ بِها الصَّلَواتُ المَفْرُوضَةُ. وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في الدُّلُوكِ المَذْكُورِ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما أنَّهُ زَوالُ الشَّمْسِ عَنْ كَبِدِ السَّماءِ، قالَهُ عُمَرُ وابْنُهُ وأبُو هُرَيْرَةَ وأبُو بَرْزَةَ وابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ والشَّعْبِيُّ وعَطاءُ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ وأبُو جَعْفَرٍ الباقِرُ، واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ غُرُوبُ الشَّمْسِ، قالَهُ عَلِيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ وأُبِيُّ بْنُ كَعْبٍ، ورُوِيَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. قالَ الفَرّاءُ: دُلُوكُ الشَّمْسِ: مِن لَدُنْ زَوالِها إلى غُرُوبِها. قالَ الأزْهَرِيُّ: ومَعْنى الدُّلُوكِ في كَلامِ العَرَبِ الزَّوالُ، ولِذَلِكَ قِيلَ لِلشَّمْسِ إذا زالَتْ نِصْفَ النَّهارِ: دالِكَةٌ، وقِيلَ لَها إذا أفَلَتْ: دالِكَةٌ، لِأنَّها في الحالَتَيْنِ زائِلَةٌ. قالَ: والقَوْلُ عِنْدِي أنَّهُ زَوالُها نِصْفَ النَّهارِ لِتَكُونَ الآيَةُ جامِعَةً لِلصَّلَواتِ الخَمْسِ، والمَعْنى: أقِمِ الصَّلاةَ مِن وقْتِ دُلُوكِ الشَّمْسِ ﴿إلى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ فَيَدْخُلُ فِيها الظُّهْرُ والعَصْرُ وصَلاتا غَسَقِ اللَّيْلِ، وهُما العِشاءانِ، ثُمَّ قالَ: ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ هَذِهِ خَمْسُ صَلَواتٍ. وقالَ أبُو عُبِيدٍ: دُلُوكُها غُرُوبُها، ودَلَكَتْ بِراحٍ: يَعْنِي الشَّمْسَ أيْ: غابَتْ، وأنْشَدَ قُطْرُبٌ عَلى هَذا قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎هَذا مَقامُ قَدَمَيْ رَباحْ دَبَّتْ حَتّى دَلَكَتْ بَراحْ اسْمٌ مِن أسْماءِ الشَّمْسِ عَلى وزْنِ حَذامٍ وقَطامٍ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: ؎مَصابِيحٌ لَيْسَتْ بِاللَّواتِي تَقُودُها ∗∗∗ نُجُومٌ ولا بِالآفِلاتِ الدَّوالِكِ أيِ: الغَوارِبِ. وغَسَقُ اللَّيْلِ اجْتِماعُ الظُّلْمَةِ. قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: يُقالُ: غَسَقَ اللَّيْلُ وأغْسَقَ: إذا أقْبَلَ بِظَلامِهِ، قالَ أبُو عُبَيْدٍ: الغَسَقُ سَوادُ اللَّيْلِ. قالَ قَيْسُ بْنُ الرُّقَيّاتِ: ؎إنَّ هَذا اللَّيْلَ قَدْ غَسَقا ∗∗∗ واشْتَكَيْتُ الهَمَّ والأرَقا وقِيلَ: غَسَقُ اللَّيْلِ: مَغِيبُ الشَّفَقِ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: ؎ظَلَّتْ تَجُودُ يَداها وهي لاهِيَةٌ ∗∗∗ حَتّى إذا جَعْجَعَ الإظْلامُ والغَسَقُ وأصْلُ الكَلِمَةِ مِنَ السَّيَلانِ يُقالُ: غَسَقَتْ: إذا سالَتْ. وحَكى الفَرّاءُ غَسَقَ اللَّيْلُ وأغْسَقَ، وظَلِمَ وأظْلَمَ، ودَجى وأدْجى وغَبِشَ وأغْبَشَ، وقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الغايَةِ أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿إلى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ مَن قالَ: إنَّ صَلاةَ الظُّهْرِ يَتَمادى وقْتُها مِنَ الزَّوالِ إلى الغُرُوبِ، رُوِيَ ذَلِكَ، عَنِ الأوْزاعِيِّ وأبِي حَنِيفَةَ وجَوَّزَهُ مالِكٌ والشّافِعِيُّ في حالِ الضَّرُورَةِ، وقَدْ ورَدَتِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ المُتَواتِرَةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في تَعْيِينِ أوْقاتِ الصَّلَواتِ، فَيَجِبُ حَمْلُ مُجْمَلِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى ما بَيَّنَتْهُ السُّنَّةُ. فَلا نُطِيلُ بِذِكْرِ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ انْتِصابُ ( قُرْآنَ ) لِكَوْنِهِ مَعْطُوفًا عَلى الصَّلاةِ أيْ: وأقِمْ قُرْآنَ الفَجْرِ، قالَهُ الفَرّاءُ. وقالَ الزَّجّاجُ والبَصْرِيُّونَ: انْتِصابُهُ عَلى الإغْراءِ أيْ: فَعَلَيْكَ قُرْآنَ الفَجْرِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: المُرادُ بِقُرْآنِ الفَجْرِ صَلاةُ الصُّبْحِ. قالَ الزَّجّاجُ: وفي هَذِهِ فائِدَةٌ عَظِيمَةٌ تَدُلُّ عَلى أنَّ الصَّلاةَ لا تَكُونُ إلّا بِقِراءَةٍ حَتّى سُمِّيَتِ الصَّلاةُ قُرْآنًا، وقَدْ دَلَّتِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ عَلى أنَّهُ لا صَلاةَ إلّا بِفاتِحَةِ الكِتابِ، وفي بَعْضِ الأحادِيثِ الخارِجَةِ مِن مَخْرَجٍ حَسَنٍ: وقُرْآنٍ مَعَها، ووَرَدَ ما يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ الفاتِحَةِ في كُلِّ رَكْعَةٍ، وقَدْ حَرَّرْتُهُ في مُؤَلَّفاتِي تَحْرِيرًا مُجَوَّدًا. ثُمَّ عَلَّلَ سُبْحانَهُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ أيْ: تَشْهَدُهُ مَلائِكَةُ اللَّيْلِ ومَلائِكَةُ النَّهارِ، كَما ورَدَ ذَلِكَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ، (p-٨٣٨)وبِذَلِكَ قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ. ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ﴾ ( مِن ) لِلتَّبْعِيضِ، وانْتِصابُهُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ بِمُضْمَرٍ أيْ: قُمْ بَعْضَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ راجِعٌ إلى القُرْآنِ، وما قِيلَ مِن أنَّهُ مُنْتَصِبٌ عَلى الإغْراءِ، والتَّقْدِيرُ عَلَيْكَ بَعْضَ اللَّيْلِ. فَبِعِيدٌ جِدًّا، والتَّهَجُّدُ مَأْخُوذٌ مِنَ الهُجُودِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وابْنُ الأعْرابِيِّ: هو مِنَ الأضْدادِ؛ لِأنَّهُ يُقالُ: هَجَدَ الرَّجُلُ: إذا نامَ، وهَجَدَ: إذا سَهِرَ، فَمِنِ اسْتِعْمالِهِ في السَّهَرِ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ألا زارَتْ وأهْلُ مِنًى هُجُودُ ∗∗∗ فَلَيْتَ خَيالَها بِمِنًى يَعُودُ يَعْنِي مُنْتَبِهِينَ، ومِنِ اسْتِعْمالِهِ في النَّوْمِ قَوْلُ آخَرَ: ؎ألا طَرَقَتْنا والرِّفاقُ هُجُودُ ∗∗∗ فَباتَتْ بِعِلّاتِ النَّوالِ تَجُودُ يَعْنِي نِيامًا. وقالَ الأزْهَرِيُّ: الهُجُودُ في الأصْلِ هو النَّوْمُ بِاللَّيْلِ، ولَكِنْ جاءَ التَّفَعُّلُ فِيهِ لِأجْلِ التَّجَنُّبِ ومِنهُ تَأثَّمَ وتَحَرَّجَ: أيْ: تَجَنَّبَ الإثْمَ والحَرَجَ، فالمُتَهَجِّدُ مَن تَجَنَّبَ الهُجُودَ، فَقامَ بِاللَّيْلِ. ورُوِيَ، عَنِ الأزْهَرِيِّ أيْضًا أنَّهُ قالَ: المُتَهَجِّدُ القائِمُ إلى الصَّلاةِ مِنَ النَّوْمِ هَكَذا حَكى عَنْهُ الواحِدِيُّ، فَقَيَّدَ التَّهَجُّدَ بِالقِيامِ مِنَ النَّوْمِ، وهَكَذا قالَ مُجاهِدٌ وعَلْقَمَةُ والأسْوَدُ فَقالُوا: التَّهَجُّدُ بَعْدَ النَّوْمِ. قالَ اللَّيْثُ: تَهَجَّدَ: إذا اسْتَيْقَظَ لِلصَّلاةِ ( نافِلَةً لَكَ ) مَعْنى النّافِلَةِ في اللُّغَةِ الزِّيادَةُ عَلى الأصْلِ، فالمَعْنى أنَّها لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - نافِلَةٌ زائِدَةٌ عَلى الفَرائِضِ، والأمْرُ بِالتَّهَجُّدِ وإنْ كانَ ظاهِرُهُ الوُجُوبَ لَكِنَّ التَّصْرِيحَ بِكَوْنِهِ نافِلَةً قَرِينَةٌ صارِفَةٌ لِلْأمْرِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالنّافِلَةِ هُنا أنَّها فَرِيضَةٌ زائِدَةٌ عَلى الفَرائِضِ الخَمْسِ في حَقِّهِ، صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. ويَدْفَعُ ذَلِكَ التَّصْرِيحُ بِلَفْظِ النّافِلَةِ، وقِيلَ: كانَتْ صَلاةُ اللَّيْلِ فَرِيضَةً في حَقِّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ثُمَّ نُسِخَ الوُجُوبُ فَصارَ قِيامُ اللَّيْلِ تَطَوُّعًا، وعَلى هَذا يُحْمَلُ ما ورَدَ في الحَدِيثِ أنَّها عَلَيْهِ فَرِيضَةٌ، ولِأُمَّتِهِ تَطَوُّعٌ. قالَ الواحِدِيُّ: إنَّ صَلاةَ اللَّيْلِ كانَتْ زِيادَةً لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - خاصَّةً لِرَفْعِ الدَّرَجاتِ، لا لِلْكَفّاراتِ؛ لِأنَّهُ غُفِرَ لَهُ مِن ذَنْبِهِ ما تَقَدَّمَ وما تَأخَّرَ، ولَيْسَ لَنا بِنافِلَةٍ لِكَثْرَةِ ذُنُوبِنا إنَّما نَعْمَلُ لِكَفّارَتِها، قالَ: وهو قَوْلُ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ. والحاصِلُ أنَّ الخِطابَ في هَذِهِ الآيَةِ وإنْ كانَ خاصًّا بِالنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ( ﴿أقِمِ الصَّلاةَ﴾ ) فالأمْرُ لَهُ أمْرٌ لِأُمَّتِهِ، فَهو شَرْعٌ عامٌّ، ومِن ذَلِكَ التَّرْغِيبُ في صَلاةِ اللَّيْلِ، فَإنَّهُ يَعُمُّ جَمِيعَ الأُمَّةِ، والتَّصْرِيحُ بِكَوْنِهِ نافِلَةً يَدُلُّ عَلى عَدَمِ الوُجُوبِ، فالتَّهَجُّدُ مِنَ اللَّيْلِ مَندُوبٌ إلَيْهِ ومَشْرُوعٌ لِكُلَّ مُكَلَّفٍ. ثُمَّ وعَدَهُ سُبْحانَهُ عَلى إقامَةِ الفَرائِضِ والنَّوافِلِ فَقالَ: ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ قَدْ ذَكَرْنا في مَواضِعَ أنَّ ( عَسى ) مِنَ الكَرِيمِ إطْماعٌ واجِبُ الوُقُوعِ. وانْتِصابُ ( مَقامًا ) عَلى الظَّرْفِيَّةِ بِإضْمارِ فِعْلٍ، أوْ بِتَضْمِينِ البَعْثِ مَعْنى الإقامَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ انْتِصابُهُ عَلى الحالِ أيْ: يَبْعَثَكَ ذا مَقامٍ مَحْمُودٍ، ومَعْنى كَوْنِ المَقامِ مَحْمُودًا: أنَّهُ يَحْمَدُهُ كُلُّ مَن عَلِمَ بِهِ. وقَدِ اخْتُلِفَ في تَعْيِينِ هَذا المَقامِ عَلى أقْوالٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ المَقامُ الَّذِي يَقُومُهُ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِلشَّفاعَةِ يَوْمَ القِيامَةِ لِلنّاسِ لِيُرِيحَهم رَبُّهم سُبْحانَهُ مِمّا هم فِيهِ، وهَذا القَوْلُ هو الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الأدِلَّةُ الصَّحِيحَةُ في تَفْسِيرِ الآيَةِ، وحَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أكْثَرِ أهْلِ التَّأْوِيلِ. قالَ الواحِدِيُّ: وإجْماعُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ المَقامَ المَحْمُودَ هو مَقامُ الشَّفاعَةِ. القَوْلُ الثّانِي: أنَّ المَقامَ المَحْمُودَ إعْطاءُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِواءَ الحَمْدِ يَوْمَ القِيامَةِ. ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ هَذا لا يُنافِي القَوْلَ الأوَّلَ؛ إذْ لا مُنافاةَ بَيْنَ كَوْنِهِ قائِمًا مَقامَ الشَّفاعَةِ وبِيَدِهِ لِواءُ الحَمْدِ. القَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ المَقامَ المَحْمُودَ هو أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يُجْلِسُ مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مَعَهُ عَلى كُرْسِيِّهِ. حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ فِرْقَةٍ، مِنهم مُجاهِدٌ، وقَدْ ورَدَ في ذَلِكَ حَدِيثٌ. وحَكى النَّقّاشُ، عَنْ أبِي داوُدَ السِّجِسْتانِيِّ أنَّهُ قالَ: مَن أنْكَرَ هَذا الحَدِيثَ فَهو عِنْدَنا مُتَّهَمٌ، ما زالَ أهْلُ العِلْمِ يَتَحَدِّثُونَ بِهَذا الحَدِيثِ. قالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: مُجاهِدٌ وإنْ كانَ أحَدَ الأئِمَّةِ بِالتَّأْوِيلِ، فَإنَّ لَهُ قَوْلَيْنِ مَهْجُورَيْنِ عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ، أحَدُهُما هَذا، والثّانِي في تَأْوِيلِ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣] قالَ: مَعْناهُ تَنْتَظِرُ الثَّوابَ، ولَيْسَ مِنَ النَّظَرِ. انْتَهى. وعَلى كُلِّ حالٍ فَهَذا القَوْلُ غَيْرُ مُنافٍ لِلْقَوْلِ الأوَّلِ لِإمْكانِ أنْ يُقْعِدَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ هَذا المَقْعَدَ ويَشْفَعَ تِلْكَ الشَّفاعَةَ. القَوْلُ الرّابِعُ: أنَّهُ مُطْلَقٌ في كُلِّ مَقامٍ يَجْلِبُ الحَمْدَ مِن أنْواعِ الكَراماتِ، ذَكَرَهُ صاحِبُ الكَشّافِ والمُقْتَدُونَ بِهِ في التَّفْسِيرِ، ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّ الأحادِيثَ الصَّحِيحَةَ الوارِدَةَ في تَعْيِينِ هَذا المَقامِ المَحْمُودِ مُتَواتِرَةٌ، فالمَصِيرُ إلَيْها مُتَعَيِّنٌ، ولَيْسَ في الآيَةِ عُمُومٌ في اللَّفْظِ حَتّى يُقالَ: الِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، ومَعْنى قَوْلِهِ: وهو مُطْلَقٌ في كُلِّ ما يَجْلِبُ الحَمْدَ، أنَّهُ عامٌّ في كُلِّ ما هو كَذَلِكَ، ولَكِنَّهُ يُعَبَّرُ عَنِ العامِّ بِلَفْظِ المُطْلَقِ، كَما ذَكَرَهُ في ذَبْحِ البَقَرَةِ، ولِهَذا قالَ هُنا. وقِيلَ: المُرادُ الشَّفاعَةُ، وهي نَوْعٌ واحِدٌ مِمّا يَتَناوَلُهُ يَعْنِي لَفْظَ المَقامِ. والفَرْقُ بَيْنَ العُمُومِ البَدَلِيِّ والعُمُومِ الشُّمُولِيِّ مَعْرُوفٌ، فَلا نُطِيلُ بِذِكْرِهِ. ﴿وقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وأخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( مُدْخَلَ صِدْقٍ، ومُخْرَجَ صِدْقٍ ) بِضَمِّ المِيمَيْنِ. وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو العالِيَةِ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ بِفَتْحِهِما، وهُما مَصْدَرانِ بِمَعْنى الإدْخالِ والإخْراجِ، والإضافَةُ إلى الصِّدْقِ لِأجْلِ المُبالَغَةِ نَحْوَ: حاتِمُ الجُودِ، أيْ إدْخالًا يَسْتَأْهِلُ أنْ يُسَمّى إدْخالًا، ولا يَرى فِيهِ ما يَكْرَهُ. قالَ الواحِدِيُّ: وإضافَتُهُما إلى الصِّدْقِ مَدْحٌ لَهُما، وكُلُّ شَيْءٍ أضَفْتَهُ إلى الصِّدْقِ فَهو مَدْحٌ. وقَدِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى الآيَةِ، فَقِيلَ: نَزَلَتْ حِينَ أُمِرَ بِالهِجْرَةِ، يُرِيدُ إدْخالَ المَدِينَةِ والإخْراجَ مِن مَكَّةَ واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وقِيلَ: المَعْنى: أمِتْنِي إماتَةَ صِدْقٍ وابْعَثْنِي يَوْمَ القِيامَةِ مَبْعَثَ صِدْقٍ، وقِيلَ: المَعْنى: أدْخِلْنِي فِيما أمَرْتَنِي بِهِ، وأخْرِجْنِي مِمّا نَهَيْتَنِي عَنْهُ، وقِيلَ: إدْخالُهُ مَوْضِعَ الأمْنِ وإخْراجُهُ مِن بَيْنِ المُشْرِكِينَ، وهو كالقَوْلِ الأوَّلِ، وقِيلَ: المُرادُ إدْخالُ عِزٍّ وإخْراجُ نَصْرٍ، وقِيلَ: المَعْنى: أدْخِلْنِي القَبْرَ عِنْدَ المَوْتِ مُدْخَلَ صِدْقٍ، وأخْرِجْنِي مِنهُ عِنْدَ البَعْثِ مُخْرَجَ صِدْقٍ، وقِيلَ: أدْخِلْنِي حَيْثُما أدْخَلْتَنِي بِالصِّدْقِ وأخْرِجْنِي بِالصِّدْقِ، وقِيلَ: الآيَةُ عامَّةٌ في كُلِّ ما تَتَناوَلُهُ مِنَ الأُمُورِ، فَهي دُعاءٌ، ومَعْناها: رَبِّ أصْلِحْ لِي وِرْدِي في كُلِّ الأُمُورِ وصَدْرِيِ عَنْها (p-٨٣٩)﴿واجْعَلْ لِي مِن لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا﴾ أيْ: حُجَّةً ظاهِرَةً قاهِرَةً تَنْصُرُنِي بِها عَلى جَمِيعِ مَن خالَفَنِي، وقِيلَ: اجْعَلْ لِي مِن لَدُنْكَ مُلْكًا وعِزًّا قَوِيًّا وكَأنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلِمَ أنَّهُ لا طاقَةَ لَهُ بِهَذا الأمْرِ إلّا بِسُلْطانٍ فَسَألَ سُلْطانًا نَصِيرًا. وبِهِ قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهو الأرْجَحُ؛ لِأنَّهُ لا بُدَّ مَعَ الحَقِّ مِن قَهْرٍ لِمَن عاداهُ وناوَأهُ، ولِهَذا يَقُولُ تَعالى: ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلَنا بِالبَيِّناتِ وأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ والمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالقِسْطِ وأنْزَلْنا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ ومَنافِعُ لِلنّاسِ ولِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ ورُسُلَهُ بِالغَيْبِ﴾ [الحديد: ٢٥] وفي الحَدِيثِ: «إنَّ اللَّهَ لَيَزَعُ بِالسُّلْطانِ ما لا يَزَعُ بِالقُرْآنِ» أيْ: لَيَمْنَعُ بِالسُّلْطانِ عَنِ ارْتِكابِ الفَواحِشِ والآثامِ ما لا يَمْنَعُ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ بِالقُرْآنِ، وما فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ الأكِيدِ والتَّهْدِيدِ الشَّدِيدِ، وهَذا هو الواقِعُ. انْتَهى. ﴿وقُلْ جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ﴾ المُرادُ بِالحَقِّ الإسْلامُ، وقِيلَ: القُرْآنُ، وقِيلَ: الجِهادُ. ولا مانِعَ مِن حَمْلِ الآيَةِ عَلى جَمِيعِ ذَلِكَ وعَلى ما هو حَقٌّ كائِنًا ما كانَ، والمُرادُ بِالباطِلِ الشِّرْكُ، وقِيلَ: الشَّيْطانُ، ولا يَبْعُدُ أنْ يُحْمَلَ عَلى كُلِّ ما يُقابِلُ الحَقَّ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ باطِلٍ وباطِلٍ. ومَعْنى ( زَهَقَ ) بَطَلَ واضْمَحَلَّ، ومِنهُ زُهُوقُ النَّفْسِ وهو بُطْلانُها ﴿إنَّ الباطِلَ كانَ زَهُوقًا﴾ أيْ: إنَّ هَذا شَأْنُهُ فَهو يَبْطُلُ ولا يَثْبُتُ، والحَقُّ ثابِتٌ دائِمًا. ﴿ونُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( نُنَزِّلُ ) بِالنُّونِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِالتَّخْفِيفِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ والتَّخْفِيفِ، ورَواها المَرْوَزِيُّ عَنْ حَفْصٍ، و( مِن ) لِابْتِداءِ الغايَةِ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ لِبَيانِ الجِنْسِ، وقِيلَ: لِلتَّبْعِيضِ، وأنْكَرَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ لِاسْتِلْزامِهِ أنَّ بَعْضَهُ لا شِفاءَ فِيهِ، ورَدَّهُ ابْنُ عَطِيَّةَ بِأنَّ المُبَعَّضَ هو إنْزالُهُ. واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في مَعْنى كَوْنِهِ شِفاءً عَلى قَوْلَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ شِفاءٌ لِلْقُلُوبِ بِزَوالِ الجَهْلِ عَنْها وذَهابِ الرَّيْبِ، وكَشْفِ الغِطاءِ عَنِ الأُمُورِ الدّالَّةِ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ. القَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ شِفاءٌ مِنَ الأمْراضِ الظّاهِرَةِ بِالرُّقى والتَّعَوُّذِ ونَحْوِ ذَلِكَ، ولا مانِعَ مِن حَمْلِ الشِّفاءِ عَلى المَعْنَيَيْنِ مِن بابِ عُمُومِ المَجازِ، أوْ مِن بابِ حَمْلِ المُشْتَرَكِ عَلى مَعْنَيَيْهِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ لِما فِيهِ مِنَ العُلُومِ النّافِعَةِ المُشْتَمِلَةِ عَلى ما فِيهِ صَلاحُ الدِّينِ والدُّنْيا، ولِما في تِلاوَتِهِ وتَدَبُّرِهِ مِنَ الأجْرِ العَظِيمِ الَّذِي يَكُونُ سَبَبًا لِرَحْمَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ ومَغْفِرَتِهِ ورِضْوانِهِ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هو لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وشِفاءٌ والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ في آذانِهِمْ وقْرٌ وهو عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [فصلت: ٤٤] . ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما في القُرْآنِ مِنَ المَنفَعَةِ لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ ذَكَرَ ما فِيهِ لِمَن عَداهم مِنَ المَضَرَّةِ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿ولا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إلّا خَسارًا﴾ أيْ: ولا يَزِيدُ القُرْآنُ كُلُّهُ أوْ كُلُّ بَعْضٍ مِنهُ الظّالِمِينَ الَّذِينَ وضَعُوا التَّكْذِيبَ مَوْضِعَ التَّصْدِيقِ، والشَّكَّ والِارْتِيابَ مَوْضِعَ اليَقِينِ والِاطْمِئْنانِ ( إلّا خَسارًا )، أيْ: هَلاكًا؛ لِأنَّ سَماعَ القُرْآنِ يَغِيظُهم ويَحْنِقُهم ويَدْعُوهم إلى زِيادَةِ ارْتِكابِ القَبائِحِ تَمَرُّدًا وعِنادًا، فَعِنْدَ ذَلِكَ يُهْلَكُونَ، وقِيلَ: الخَسارُ النَّقْصُ كَقَوْلِهِ: ﴿فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٥] . ثُمَّ نَبَّهَ سُبْحانَهُ عَلى فَتْحِ بَعْضِ ما جُبِلَ عَلَيْهِ الإنْسانُ مِنَ الطَّبائِعِ المَذْمُومَةِ فَقالَ: ﴿وإذا أنْعَمْنا عَلى الإنْسانِ﴾ أيْ: عَلى هَذا الجِنْسِ بِالنِّعَمِ الَّتِي تُوجِبُ الشُّكْرَ كالصِّحَّةِ والغِنى ( أعْرَضَ ) عَنِ الشُّكْرِ لِلَّهِ والذِّكْرِ لَهُ ( ونَأى بِجانِبِهِ ) النَّأْيُ البُعْدُ والباءُ لِلتَّعْدِيَةِ أوْ لِلْمُصاحَبَةِ، وهو تَأْكِيدٌ لِلْإعْراضِ؛ لِأنَّ الإعْراضَ عَنِ الشَّيْءِ هو أنْ يُوَلِّيَهُ عَرْضَ وجْهِهِ، أيْ: ناحِيَتِهِ، والنَّأْيُ بِالجانِبِ أنْ يَلْوِيَ عَنْهُ عِطْفَهُ ويُوَلِّيَهُ ظَهْرَهُ، ولا يَبْعُدُ أنْ يُرادَ بِالإعْراضِ هُنا الإعْراضُ عَنِ الدُّعاءِ والِابْتِهالِ الَّذِي كانَ يَفْعَلُهُ عِنْدَ نُزُولِ البَلْوى والمِحْنَةِ بِهِ، ويُرادُ بِالنَّأْيِ بِجانِبِهِ التَّكَبُّرُ والبُعْدُ بِنَفْسِهِ عَنِ القِيامِ بِحُقُوقِ النِّعَمِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ في رِوايَةِ ابْنِ ذَكْوانِ وأبُو جَعْفَرٍ ( ناءَ ) مِثْلَ باعَ بِتَأْخِيرِ الهَمْزَةِ، عَلى القَلْبِ، وقَرَأ حَمْزَةُ: ( ناءى ) بِإمالَةِ الفَتْحَتَيْنِ ووافَقَهُ الكِسائِيُّ، وأمالَ شُعْبَةُ والسُّوسِيُّ الهَمْزَةَ فَقَطْ. وقَرَأ الباقُونَ بِالفَتْحِ فِيهِما ﴿وإذا مَسَّهُ الشَّرُّ﴾ مِن مَرَضٍ أوْ فَقْرٍ كانَ يَئُوسًا شَدِيدَ اليَأْسِ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، والمَعْنى: أنَّهُ إنْ فازَ بِالمَطْلُوبِ الدُّنْيَوِيِّ، وظَفِرَ بِالمَقْصُودِ نَسِيَ المَعْبُودَ، وإنْ فاتَهُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ اسْتَوْلى عَلَيْهِ الأسَفُ، وغَلَبَ عَلَيْهِ القُنُوطُ، وكِلْتا الخَصْلَتَيْنِ قَبِيحَةٌ مَذْمُومَةٌ ولا يُنافِي ما في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وإذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ﴾ [فصلت: ٥١]، ونَظائِرَهُ، فَإنَّ ذَلِكَ شَأْنُ بَعْضٍ آخَرَ مِنهم غَيْرِ البَعْضِ المَذْكُورِ في هَذِهِ الآيَةِ، ولا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: لا مُنافاةَ بَيْنَ الآيَتَيْنِ؛ فَقَدْ يَكُونُ مَعَ شِدَّةِ يَأْسِهِ وكَثْرَةِ قُنُوطِهِ كَثِيرَ الدُّعاءِ بِلِسانِهِ. ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ﴾ الشّاكِلَةُ قالَ الفَرّاءُ: الطَّرِيقَةُ، وقِيلَ: النّاحِيَةُ، وقِيلَ: الطَّبِيعَةُ، وقِيلَ: الدِّينُ، وقِيلَ: النِّيَّةُ، وقِيلَ: الجِبِلَّةُ، وهي مَأْخُوذَةٌ مِنَ الشَّكْلِ، يُقالُ: لَسْتَ عَلى شَكْلِي ولا عَلى شاكِلَتِي، والشَّكْلُ: هو المِثْلُ والنَّظِيرُ. والمَعْنى: أنَّ كُلَّ إنْسانٍ يَعْمَلُ عَلى ما يُشاكِلُ أخْلاقَهُ الَّتِي ألِفَها، وهَذا ذَمٌّ لِلْكافِرِ ومَدْحٌ لِلْمُؤْمِنِ ﴿فَرَبُّكم أعْلَمُ بِمَن هو أهْدى سَبِيلًا﴾ لِأنَّهُ الخالِقُ لَكُمُ العالِمُ بِما جُبِلْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الطَّبائِعِ وما تَبايَنْتُمْ فِيهِ مِنَ الطَّرائِقِ، فَهو الَّذِي يُمَيِّزُ بَيْنَ المُؤْمِنَ الَّذِي لا يُعْرِضُ عِنْدَ النِّعْمَةِ ولا يَيْأسُ عِنْدَ المِحْنَةِ، وبَيْنَ الكافِرِ الَّذِي شَأْنُهُ البَطَرُ لِلنِّعَمِ والقُنُوطُ عِنْدَ النِّقَمِ. ثُمَّ لَمّا انْجَرَّ الكَلامُ إلى ذِكْرِ الإنْسانِ وما جُبِلَ عَلَيْهِ، ذَكَرَ سُبْحانَهُ سُؤالَ السّائِلِينَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنِ الرُّوحِ فَقالَ: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ قَدِ اخْتَلَفَ النّاسُ في الرُّوحِ المَسْئُولِ عَنْهُ، فَقِيلَ هو الرُّوحُ المُدَبِّرُ لِلْبَدَنِ الَّذِي تَكُونُ بِهِ حَياتُهُ، وبِهَذا قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ. قالَ الفَرّاءُ: الرُّوحُ الَّذِي يَعِيشُ بِهِ الإنْسانُ لَمْ يُخْبِرِ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِهِ أحَدًا مِن خَلْقِهِ، ولَمْ يُعْطِ عِلْمَهُ أحَدًا مِن عِبادِهِ فَقالَ:﴿قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي﴾ أيْ: إنَّكم لا تَعْلَمُونَهُ، وقِيلَ: الرُّوحُ المَسْئُولُ عَنْهُ جِبْرِيلُ، وقِيلَ: عِيسى، وقِيلَ: (p-٨٤٠)القُرْآنُ، وقِيلَ: مَلَكٌ مِنَ المَلائِكَةِ عَظِيمُ الخَلْقِ، وقِيلَ: خَلْقٌ كَخَلْقِ بَنِي آدَمَ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا لا طائِلَ تَحْتَهُ ولا فائِدَةَ في إيرادِهِ، والظّاهِرُ القَوْلُ الأوَّلُ، وسَيَأْتِي ذِكْرُ سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، وبَيانُ السّائِلِينَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنِ الرُّوحِ، ثُمَّ الظّاهِرُ أنَّ السُّؤالَ عَنْ حَقِيقَةِ الرُّوحِ؛ لِأنَّ مَعْرِفَةَ حَقِيقَةِ الشَّيْءِ أهَمُّ وأقْدَمُ مِن مَعْرِفَةِ حالٍ مِن أحْوالِهِ، ثُمَّ أمَرَهُ سُبْحانَهُ أنْ يُجِيبَ عَلى السّائِلِينِ لَهُ عَنِ الرُّوحِ فَقالَ: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي﴾ ( مِن ) بَيانِيَّةٌ، والأمْرُ: الشَّأْنُ، والإضافَةُ لِلِاخْتِصاصِ، أيْ: هو مِن جِنْسِ ما اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي لَمْ يُعْلِمُ بِها عِبادَهُ، وقِيلَ: مَعْنى ( ﴿مِن أمْرِ رَبِّي﴾ ) مِن وحْيِهِ وكَلامِهِ لا مِن كَلامِ البَشَرِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ ما يَزْجُرُ الخائِضِينَ في شَأْنِ الرُّوحِ المُتَكَلِّفِينَ لِبَيانِ ما هَيْئَتُهُ وإيضاحِ حَقِيقَتِهِ أبْلَغَ زَجْرٍ ويَرْدَعُهم أعْظَمَ رَدْعٍ، وقَدْ أطالُوا المَقالَ في هَذا البَحْثِ بِما لا يَتِمُّ لَهُ المَقامُ، وغالِبُهُ بَلْ كُلُّهُ مِنَ الفُضُولِ الَّذِي لا يَأْتِي بِنَفْعٍ في دِينٍ ولا دُنْيا. وقَدْ حَكى بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ أقْوالَ المُخْتَلِفِينَ في الرُّوحِ بَلَغَتْ إلى ثَمانِيَةَ عَشَرَ مِائَةَ قَوْلٍ، فانْظُرْ إلى هَذا الفُضُولِ الفارِغِ والتَّعَبِ العاطِلِ عَنِ النَّفْعِ، بَعْدَ أنْ عَلِمُوا أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ قَدِ اسْتَأْثَرَ بِعِلْمِهِ ولَمْ يُطْلِعْ عَلَيْهِ أنْبِياءَهُ ولا أذِنَ لَهم بِالسُّؤالِ عَنْهُ ولا البَحْثِ عَنْ حَقِيقَتِهِ فَضْلًا عَنْ أُمَمِهِمُ المُقْتَدِينَ بِهِمْ، فَيالَلَّهِ العَجَبَ، حَيْثُ تَبْلُغُ أقْوالُ أهْلِ الفُضُولِ إلى هَذا الحَدِّ الَّذِي لَمْ تَبْلُغْهُ ولا بَعْضَهُ في غَيْرِ هَذِهِ المَسْألَةِ مِمّا أذِنَ اللَّهُ بِالكَلامِ فِيهِ، ولَمْ يَسْتَأْثِرْ بِعِلْمِهِ. ثُمَّ خَتَمَ سُبْحانَهُ هَذِهِ الآيَةَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا﴾ أيْ: أنَّ عِلْمَكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ اللَّهُ لَيْسَ إلّا المِقْدارُ القَلِيلُ بِالنِّسْبَةِ إلى عِلْمِ الخالِقِ سُبْحانَهُ، وإنْ أُوتِيَ حَظًّا مِنَ العِلْمِ وافِرًا، بَلْ عِلْمُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لَيْسَ هو بِالنِّسْبَةِ إلى عِلْمِ اللَّهِ سُبْحانَهُ إلّا كَما يَأْخُذُ الطّائِرُ في مِنقارِهِ مِنَ البَحْرِ، كَما في حَدِيثِ مُوسى والخَضِرِ عَلَيْهِما السَّلامُ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: دُلُوكِ الشَّمْسِ غُرُوبِها، تَقُولُ العَرَبُ إذا غَرَبَتِ الشَّمْسُ: دَلَكَتِ الشَّمْسُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: دُلُوكُها غُرُوبُها. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ لِزَوالِ الشَّمْسِ، وأخْرَجَ البَزّارُ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والدَّيْلَمِيُّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: دُلْوُكُ الشَّمْسِ زَوالُها» وضَعَّفَ السُّيُوطِيُّ إسْنادَهُ، وأخْرَجَهُ مالِكٌ في المُوَطَّأِ وعَبْدُ الرَّزّاقِ والفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِن قَوْلِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْهُ قالَ: دُلُوكُ الشَّمْسِ زِياغُها بَعْدَ نِصْفِ النَّهارِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: دُلُوكُها زَوالُها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ قالَ: إذا فاءَ الفَيْءُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أبِي مَسْعُودٍ وعُقْبَةَ بْنِ عَمْرٍو قالا: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «أتانِي جِبْرِيلُ لِدُلُوِكِ الشَّمْسِ حِينَ زالَتْ فَصَلّى بِيَ الظُّهْرَ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أبِي بَرْزَةَ الأسْلَمِيِّ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يُصَلِّي الظُّهْرَ إذا زالَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ تَلا: ﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ أنَسٍ نَحْوَهُ، ومِمّا يُسْتَشْهَدُ بِهِ عَلى أنَّ الدُّلُوكَ الزَّوالُ وسَطَ النَّهارِ ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ «عَنْ جابِرٍ قالَ: دَعَوْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ومَن شاءَ مِن أصْحابِهِ يُطْعَمُونَ عِنْدِي، ثُمَّ خَرَجُوا حِينَ زالَتِ الشَّمْسُ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: اخْرُجْ يا أبا بَكْرٍ فَهَذا حِينَ دَلَكَتِ الشَّمْسُ» وفي إسْنادِهِ رَجُلٌ مَجْهُولٌ ولَكِنَّهُ أخْرَجَهُ عَنْهُ مِن طَرِيقٍ أُخْرى عَنْ سَهْلِ بْنِ بَكّارٍ، عَنْ أبِي عَوانَةَ، عَنِ الأسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ نُبِيحٍ العَنْبَرِيِّ، عَنْ جابِرٍ فَذَكَرَ نَحْوَهُ مَرْفُوعًا. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ قالَ: إلى العِشاءِ الآخِرَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ( ﴿غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ ) اجْتِماعِ اللَّيْلِ وظُلْمَتِهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: ( ﴿غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ ) بُدُوِّ اللَّيْلِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: دُلُوكُ الشَّمْسِ: إذا زالَتِ الشَّمْسُ عَنْ بَطْنِ السَّماءِ، وغَسَقُ اللَّيْلِ: غُرُوبُ الشَّمْسِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ( ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ ) قالَ: صَلاةُ الصُّبْحِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَه وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ . قالَ: تَشْهَدُهُ مَلائِكَةُ اللَّيْلِ ومَلائِكَةُ النَّهارِ تَجْتَمِعُ فِيها»، وهو في الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ: «تَجْتَمِعُ مَلائِكَةُ اللَّيْلِ ومَلائِكَةُ النَّهارِ في صَلاةِ الفَجْرَ، ثُمَّ يَقُولُ أبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾» وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنِ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَوْقُوفًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، «عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ﴿إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ قالَ: تَشْهَدُهُ مَلائِكَةُ اللَّيْلِ ومَلائِكَةُ النَّهارٍ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ( ﴿نافِلَةً لَكَ﴾ ) يَعْنِي خاصَّةً لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، أُمِرَ بِقِيامِ اللَّيْلِ وكُتُبَ عَلَيْهِ» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ عائِشَةَ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «ثَلاثٌ هُنَّ عَلَيَّ فَرائِضُ وهُنَّ لَكَمَ سُنَّةٌ: الوِتْرُ، والسِّواكُ، وقِيامُ اللَّيْلِ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي أُمامَةَ في قَوْلِهِ: ( ﴿نافِلَةً لَكَ﴾ ) قالَ: كانَتْ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - نافِلَةً ولَكم فَضِيلَةً، وفي لَفْظٍ: إنَّما كانَتِ النّافِلَةُ خاصَّةً لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وأخْرَجَ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ وسُئِلَ عَنْهُ قالَ: هو المَقامُ المَحْمُودُ الَّذِي أشْفَعُ فِيهِ لِأُمَّتِي» . وأخْرَجَ أحْمَدُ (p-٨٤١)وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ حِبّانَ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «يُبْعَثُ النّاسُ يَوْمَ القِيامَةِ فَأكُونُ أنا وأُمَّتِي عَلى تَلٍّ ويَكْسُونِي رَبِّي حُلَّةً خَضْراءَ، ثُمَّ يُؤْذَنُ لِي فَأقُولُ ما شاءَ اللَّهُ أنْ أقُولَ، فَذَلِكَ المَقامُ المَحْمُودُ» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «إنَّ كُلَّ أُمَّةٍ يَوْمَ القِيامَةِ تَتْبَعُ نَبِيَّها، يَقُولُونَ: يا فُلانُ اشْفَعْ، يا فُلانُ اشْفَعْ حَتّى تَنْتَهِيَ الشَّفاعَةُ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَذَلِكَ يَوْمُ يَبْعَثُهُ اللَّهُ مَقامًا مَحْمُودًا» . وأخْرَجَ عَنْهُ نَحْوَهُ مَرْفُوعًا، والأحادِيثُ في هَذا البابِ كَثِيرَةٌ جِدًّا ثابِتَةٌ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما فَلا نُطِيلُ بِذِكْرِها، ومَن رامَ الِاسْتِيفاءَ نَظَرَ في أحادِيثِ الشَّفاعَةِ في الأُمَّهاتِ وغَيْرِها. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في قَوْلِهِ: ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ قالَ: يُجْلِسُهُ فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ جِبْرِيلَ ويَشْفَعُ لِأُمَّتِهِ، فَذَلِكَ المَقامُ المَحْمُودُ. وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ( ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾، قالَ: يُجْلِسُنِي مَعَهُ عَلى السَّرِيرِ ) . ويَنْبَغِي الكَشْفُ عَنْ إسْنادِ هَذَيْنِ الحَدِيثَيْنِ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ والبَيْهَقِيُّ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِمَكَّةَ ثُمَّ أُمِرَ بِالهِجْرَةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وأخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ واجْعَلْ لِي مِن لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا﴾» . وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ «عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ( ﴿وقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي﴾ ) الآيَةَ، قالَ: أخْرَجَهُ اللَّهُ مِن مَكَّةَ مُخْرَجَ صِدْقٍ، وأدْخَلَهُ المَدِينَةَ مُدْخَلَ صِدْقٍ» . قالَ: وعَلِمَ نَبِيُّ اللَّهِ أنَّهُ لا طاقَةَ لَهُ بِهَذا الأمْرِ إلّا بِسُلْطانٍ فَسَألَ سُلْطانًا نَصِيرًا لِكِتابِ اللَّهِ وحُدُودِهِ وفَرائِضِهِ ولِإقامَةِ كِتابِ اللَّهِ، فَإنَّ السُّلْطانَ عِزَّةٌ مِنَ اللَّهِ جَعَلَها بَيْنَ أظْهُرِ عِبادِهِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَأغارَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ، وأكَلَ شَدِيدُهم ضَعِيفَهم. وأخْرَجَ الخَطِيبُ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: «واللَّهِ لَما يَزَعُ اللَّهُ بِالسُّلْطانِ أعْظَمُ مِمّا يَزَعُ بِالقُرْآنِ» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «دَخَلَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مَكَّةَ وحَوْلَ البَيْتِ سِتُّونَ وثَلاثُمِائَةِ نُصْبٍ، فَجَعَلَ يَطْعَنُها بِعُودٍ في يَدِهِ ويَقُولُ: ﴿جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ إنَّ الباطِلَ كانَ زَهُوقًا﴾، ﴿جاءَ الحَقُّ وما يُبْدِئُ الباطِلُ وما يُعِيدُ﴾» [سبأ: ٤٩] . وفي البابِ أحادِيثُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ( ﴿ونَأى بِجانِبِهِ﴾ ) قالَ: تَباعَدَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ( ﴿كانَ يَئُوسًا﴾ ) قالَ: قَنُوطًا، وفي قَوْلِهِ: ﴿كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ﴾ قالَ: عَلى ناحِيَتِهِ. وأخْرَجَ هَنّادٌ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: عَلى شاكِلَتِهِ، عَلى نِيَّتِهِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما «عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: كُنْتُ أمْشِي مَعَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في خِرَبِ المَدِينَةِ وهو مُتَّكِئٌ عَلى عَسِيبٍ، فَمَرَّ بِقَوْمٍ مِنَ اليَهُودِ فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: اسْألُوهُ عَنِ الرُّوحِ، فَقالَ بَعْضُهم: لا تَسْألُوهُ، فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ ما الرُّوحُ ؟ فَما زالَ مُتَّكِئًا عَلى العَسِيبِ فَظَنَنْتُ أنَّهُ يُوحى إلَيْهِ، فَقالَ: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا﴾» . وأخْرَجَ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، والنَّسائِيُّ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ حِبّانَ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَتْ قُرَيْشٌ لِلْيَهُودِ: أعْطُونا شَيْئًا نَسْألُ هَذا الرَّجُلَ، قالُوا: سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ، فَنَزَلَتْ: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا﴾ قالُوا: أُوتِينا عِلْمًا كَثِيرًا، أُوتِينا التَّوْراةَ، ومَن أُوتِيَ التَّوْراةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿قُلْ لَوْ كانَ البَحْرُ مِدادًا لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ البَحْرُ قَبْلَ أنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي ولَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف: ١٠٩] . وفي البابِ أحادِيثُ وآثارٌ.