Lafzullah

Fath Al-Qadir Al-Shawkani — الأنبياء 21:27 – الأنبياء 21:63

المؤلف / المصدر: Fath Al-Qadir Al-Shawkani

المحتويات
  1. الأنبياء 21:27
  2. الأنبياء 21:28
  3. الأنبياء 21:29
  4. الأنبياء 21:30
  5. الأنبياء 21:31
  6. الأنبياء 21:32
  7. الأنبياء 21:33
  8. الأنبياء 21:34
  9. الأنبياء 21:35
  10. الأنبياء 21:36
  11. الأنبياء 21:37
  12. الأنبياء 21:38
  13. الأنبياء 21:39
  14. الأنبياء 21:40
  15. الأنبياء 21:41
  16. الأنبياء 21:42
  17. الأنبياء 21:43
  18. الأنبياء 21:44
  19. الأنبياء 21:45
  20. الأنبياء 21:46
  21. الأنبياء 21:47
  22. الأنبياء 21:48
  23. الأنبياء 21:49
  24. الأنبياء 21:50
  25. الأنبياء 21:51
  26. الأنبياء 21:52
  27. الأنبياء 21:53
  28. الأنبياء 21:54
  29. الأنبياء 21:55
  30. الأنبياء 21:56
  31. الأنبياء 21:57
  32. الأنبياء 21:58
  33. الأنبياء 21:59
  34. الأنبياء 21:60
  35. الأنبياء 21:61
  36. الأنبياء 21:62
  37. الأنبياء 21:63

الأنبياء 21:27

. قَوْلُهُ: ﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾ هَؤُلاءِ القائِلُونَ هم خُزاعَةُ، فَإنَّهم قالُوا المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، وقِيلَ: هُمُ اليَهُودُ، ويَصِحُّ حَمْلُ الآيَةِ عَلى كُلِّ مَن جَعَلَ لِلَّهِ ولَدًا. وقَدْ قالَتِ اليَهُودُ: عُزَيْرُ ابْنُ اللَّهِ، وقالَتِ النَّصارى: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، وقالَتْ طائِفَةٌ مِنَ العَرَبِ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ. ثُمَّ نَزَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - نَفْسَهُ فَقالَ: سُبْحانَهُ أيْ تَنْزِيهًا لَهُ عَنْ ذَلِكَ، وهو مَقُولٌ عَلى ألْسِنَةِ العِبادِ. ثُمَّ أضْرَبَ عَنْ قَوْلِهِمْ وأبْطَلَهُ فَقالَ ﴿بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ أيْ لَيْسُوا كَما قالُوا، بَلْ هم عِبادٌ لِلَّهِ سُبْحانَهُ مُكْرَمُونَ بِكَرامَتِهِ لَهم، مُقَرَّبُونَ عِنْدَهُ. وقُرِئَ ( مُكَرَّمُونَ ) بِالتَّشْدِيدِ، وأجازَ الزَّجّاجُ والفَرّاءُ نَصْبَ عِبادٍ عَلى مَعْنى: بَلِ اتَّخَذَ عِبادًا. ثُمَّ وصَفَهم بِصِفَةٍ أُخْرى فَقالَ: ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ﴾ أيْ لا يَقُولُونَ شَيْئًا حَتّى يَقُولَهُ: أوْ يَأْمُرُهم بِهِ. كَذا قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ وغَيْرُهُ، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى كَمالِ طاعَتِهِمْ وانْقِيادِهِمْ. وقُرِئَ ( لا يَسْبُقُونَهُ ) بِضَمِّ الباءِ مِن سَبَقْتُهُ أسْبِقُهُ ﴿وهم بِأمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ أيْ هُمُ العامِلُونَ بِما (p-٩٣٤)يَأْمُرُهُمُ اللَّهُ بِهِ، التّابِعُونَ لَهُ المُطِيعُونَ لِرَبِّهِمْ. ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها: أيْ يَعْلَمُ ما عَمِلُوا وما هم عامِلُونَ، أوْ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وهو الآخِرَةُ، وما خَلْفَهم وهو الدُّنْيا، ووَجْهُ التَّعْلِيلِ أنَّهم إذا عَلِمُوا بِأنَّهُ عالِمٌ بِما قَدَّمُوا وأخَّرُوا، لَمْ يَعْمَلُوا عَمَلًا ولَمْ يَقُولُوا قَوْلًا إلّا بِأمْرِهِ ﴿ولا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَنِ ارْتَضى﴾ أيْ يَشْفَعُ الشّافِعُونَ لَهُ، وهو مَن رَضِيَ عَنْهُ، وقِيلَ: هم أهْلُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ أنَّ المَلائِكَةَ يُشَفَّعُونَ في الدّارِ الآخِرَةِ ﴿وهم مِن خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ أيْ مِن خَشْيَتِهِمْ مِنهُ، فالمَصْدَرُ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ، والخَشْيَةُ الخَوْفُ مِنَ التَّعْظِيمِ، والإشْفاقُ الخَوْفُ مِنَ التَّوَقُّعِ والحَذَرِ: أيْ لا يَأْمَنُونَ مَكْرَ اللَّهِ. ﴿ومَن يَقُلْ مِنهم إنِّي إلَهٌ مَن دُونِهِ﴾ أيْ مِن يَقُلْ مِنَ المَلائِكَةِ إنِّي إلَهٌ مَن دُونِ اللَّهِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: عَنى بِهَذا إبْلِيسَ، لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ أحَدٌ مِنَ المَلائِكَةِ إنِّي إلَهٌ إلّا إبْلِيسَ، وقِيلَ: الإشارَةُ إلى جَمِيعِ الأنْبِياءِ ﴿فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ أيْ فَذَلِكَ القائِلُ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ: نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ بِسَبَبِ هَذا القَوْلِ الَّذِي قالَهُ، كَما نَجْزِي غَيْرَهُ مِنَ المُجْرِمِينَ ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ أيْ مِثْلِ ذَلِكَ الجَزاءِ الفَظِيعِ نَجْزِي الظّالِمِينَ، أوْ مِثْلَ ما جَعَلْنا جَزاءَ هَذا القائِلَ جَهَنَّمَ، فَكَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ الواضِعِينَ الإلَهِيَّةَ والعِبادَةَ في غَيْرِ مَوْضِعِها، والمُرادُ بِالظّالِمِينَ المُشْرِكُونَ. ﴿أوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى المُقَدَّرِ، والرُّؤْيَةُ هي القَلْبِيَّةُ: أيْ ألَمْ يَتَفَكَّرُوا أوْ لَمْ يَعْلَمُوا ﴿أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ كانَتا رَتْقًا﴾ قالَ الأخْفَشُ: إنَّما قالَ كانَتا، لِأنَّهُما صِنْفانِ أيْ جَماعَتا السَّماواتِ والأرَضِينَ كَما قالَ سُبْحانَهُ ﴿إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا﴾ [فاطر: ٤١]، وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّما قالَ كانَتا لِأنَّهُ يُعَبِّرُ عَنِ السَّماواتِ بِلَفْظِ الواحِدِ، لِأنَّ السَّماواتِ كانَتْ سَماءً واحِدَةً، وكَذَلِكَ الأرَضُونَ، والرَّتْقُ السَّدُّ ضِدُّ الفَتْقِ، يُقالُ رَتَقْتُ الفَتْقَ أرْتُقُهُ فارْتَتَقَ: أيِ التَأمَ، ومِنهُ الرَّتْقاءُ لِلْمُنْضَمَّةِ الفَرْجِ: يَعْنِي أنَّهُما كانَتا شَيْئًا واحِدًا مُلْتَزِقَتَيْنِ فَفَصَلَ اللَّهُ بَيْنَهُما، وقالَ رَتْقًا ولَمْ يَقُلْ رَتْقَيْنِ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ، والتَّقْدِيرُ: كانَتا ذَواتِي رَتْقٍ، ومَعْنى فَفَتَقْناهُما فَفَصَلْناهُما: أيْ فَصَلْنا بَعْضَهُما مِن بَعْضٍ، فَرَفَعْنا السَّماءَ، وأبْقَيْنا الأرْضَ مَكانَها ﴿وجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ أيْ أحْيَيْنا بِالماءِ الَّذِي نُنْزِلُهُ مِنَ السَّماءِ كُلَّ شَيْءٍ، فَيَشْمَلُ الحَيَوانَ والنَّباتَ، والمَعْنى أنَّ الماءَ سَبَبُ حَياةِ كُلِّ شَيْءٍ. وقِيلَ: المُرادُ بِالماءِ هُنا النُّطْفَةُ، وبِهِ قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، وهَذا احْتِجاجٌ عَلى المُشْرِكِينَ بِقُدْرَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وبَدِيعِ صُنْعِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ، والهَمْزَةُ في ﴿أفَلا يُؤْمِنُونَ﴾ لِلْإنْكارِ عَلَيْهِمْ، حَيْثُ لَمْ يُؤْمِنُوا مَعَ وُجُودِ ما يَقْتَضِيهِ مِنَ الآياتِ الرَّبّانِيَّةِ. ﴿وجَعَلْنا في الأرْضِ رَواسِيَ﴾ أيْ جِبالًا ثَوابِتَ ﴿أنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾ المَيْدُ التَّحَرُّكُ والدَّوَرانُ أيْ لِئَلّا تَتَحَرَّكَ وتَدُورَ بِهِمْ، أوْ كَراهَةِ ذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ذَلِكَ في النَّحْلِ مُسْتَوْفًى ﴿وجَعَلْنا فِيها﴾ أيْ في الرَّواسِي، أوْ في الأرْضِ فِجاجًا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هي المَسالِكُ. وقالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ مُخْتَرِقٍ بَيْنَ جَبَلَيْنِ فَهو فَجٌّ وسُبُلًا تَفْسِيرٌ لِلْفِجاجِ، لِأنَّ الفَجَّ قَدْ لا يَكُونُ طَرِيقًا نافِذًا مَسْلُوكًا ﴿لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ إلى مَصالِحَ مَعاشِهِمْ، وما تَدْعُو إلَيْهِ حاجاتُهم. ﴿وجَعَلْنا السَّماءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ عَنْ أنْ يَقَعَ ويَسْقُطَ عَلى الأرْضِ كَقَوْلِهِ: ﴿ويُمْسِكُ السَّماءَ أنْ تَقَعَ عَلى الأرْضِ﴾ [الحج: ٦٥] وقالَ الفَرّاءُ: مَحْفُوظًا بِالنُّجُومِ مِنَ الشَّيْطانِ كَقَوْلِهِ: ﴿وحَفِظْناها مِن كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ [الحجر: ١٧] وقِيلَ: مَحْفُوظًا لا يَحْتاجُ إلى عِمادٍ، وقِيلَ: المُرادُ بِالمَحْفُوظِ هُنا المَرْفُوعُ، وقِيلَ: مَحْفُوظًا عَنِ الشِّرْكِ والمَعاصِي، وقِيلَ: مَحْفُوظًا عَنِ الهَدْمِ والنَّقْضِ ﴿وهم عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ﴾ أضافَ الآياتِ إلى السَّماءِ، لِأنَّها مَجْعُولَةٌ فِيها، وذَلِكَ كالشَّمْسِ والقَمَرِ ونَحْوِهِما، ومَعْنى الإعْراضِ أنَّهم لا يَتَدَبَّرُونَ فِيها، ولا يَتَفَكَّرُونَ فِيما تُوجِبُهُ مِنَ الإيمانِ. ﴿وهو الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ والنَّهارَ والشَّمْسَ والقَمَرَ﴾ هَذا تَذْكِيرٌ لَهم بِنِعْمَةٍ أُخْرى مِمّا أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ، وذَلِكَ بِأنَّهُ خَلَقَ لَهُمُ اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ، والنَّهارَ لِيَتَصَرَّفُوا فِيهِ في مَعايِشِهِمْ، وخَلَقَ الشَّمْسَ والقَمَرَ أيْ جَعْلَ الشَّمْسَ آيَةَ النَّهارِ، والقَمَرَ آيَةَ اللَّيْلِ، لِيَعْلَمُوا عَدَدَ الشُّهُورِ والحِسابِ كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في سُبْحانَ ﴿كُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ أيْ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ: أيْ يَجْرُونَ في وسَطِ الفَلَكِ، ويَسِيرُونَ بِسُرْعَةٍ كالسّابِحِ في الماءِ، والجَمْعُ في الفِعْلِ بِاعْتِبارِ المَطالِعِ، قالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّهُ لَمّا أخْبَرَ عَنْهُنَّ بِفِعْلِ مَن يَعْقِلُ، وجَعَلَهُنَّ في الطّاعَةِ بِمَنزِلَةِ مَن يَعْقِلُ، جَعَلَ الضَّمِيرَ عَنْهُنَّ ضَمِيرَ العُقَلاءِ، ولَمْ يَقُلْ يَسْبَحْنَ أوْ تَسْبَحُ، وكَذا قالَ الفَرّاءُ. وقالَ الكِسائِيُّ: إنَّما قالَ يَسْبَحُونَ لِأنَّهُ رَأْسُ آيَةٍ، والفَلَكُ واحِدُ أفْلاكِ النُّجُومِ، وأصْلُ الكَلِمَةِ مِنَ الدَّوَرانِ، ومِنهُ فَلَكَ المِغْزَلُ لِاسْتِدارَتِها. ﴿وما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِن قَبْلِكَ الخُلْدَ﴾ أيْ دَوامَ البَقاءِ في الدُّنْيا أفَإنْ مِتَّ بِأجَلِكَ المَحْتُومِ فَهُمُ الخالِدُونَ أيْ أفْهُمُ الخالِدُونَ: قالَ الفَرّاءُ: جاءَ بِالفاءِ لِتَدُلَّ عَلى الشَّرْطِ لِأنَّهُ جَوابُ قَوْلِهِمْ سَيَمُوتُ. قالَ: ويَجُوزُ حَذْفُ الفاءِ وإضْمارُها، والمَعْنى: إنْ مِتَّ فَهم يَمُوتُونَ أيْضًا، فَلا شَماتَةَ في المَوْتِ. وقُرِئَ ( مِتَّ ) بِكَسْرِ المِيمِ وضَمِّها لُغَتانِ: وكانَ سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلَ المُشْرِكِينَ فِيما حَكاهُ اللَّهُ عَنْهم ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠] . ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ﴾ أيْ ذائِقَةٌ مُفارِقَةٌ جَسَدَها، فَلا يَبْقى أحَدٌ مِن ذَواتِ الأنْفُسِ المَخْلُوقَةِ كائِنًا ما كانَ ﴿ونَبْلُوكم بِالشَّرِّ والخَيْرِ فِتْنَةً﴾ أيْ نَخْتَبِرُكم بِالشِّدَّةِ والرَّخاءِ، لِنَنْظُرَ كَيْفَ شُكْرُكم وصَبْرُكم. والمُرادُ أنَّهُ سُبْحانَهُ يُعامِلُهم مُعامَلَةَ مَن يَبْلُوهم، وفِتْنَةٌ مَصْدَرٌ لِنَبْلُوَكم مِن غَيْرِ لَفْظِهِ وإلَيْنا تُرْجَعُونَ لا إلى غَيْرِنا فَنُجازِيكم بِأعْمالِكم إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: قالَتِ اليَهُودُ إنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - صاهَرَ الجِنَّ فَكانَتْ بَيْنَهُمُ المَلائِكَةُ، فَقالَ اللَّهُ تَكْذِيبًا لَهم ﴿بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ أيِ المَلائِكَةُ لَيْسَ كَما قالُوا، بَلْ عِبادٌ أكْرَمَهم بِعِبادَتِهِ ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ﴾ (p-٩٣٥)يُثْنِي عَلَيْهِمْ ﴿ولا يَشْفَعُونَ﴾ قالَ: لا تَشْفَعُ المَلائِكَةُ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿إلّا لِمَنِ ارْتَضى﴾ قالَ: لِأهْلِ التَّوْحِيدِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا لِمَنِ ارْتَضى﴾ قالَ: لِأهْلِ التَّوْحِيدِ لِمَن رَضِيَ عَنْهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ في الآيَةِ قالَ: قَوْلُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: الَّذِينَ ارْتَضاهم لِشَهادَةِ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ جابِرٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - تَلا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَنِ ارْتَضى﴾ قالَ: إنَّ شَفاعَتِي لِأهْلِ الكَبائِرِ مِن أُمَّتِي» . وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كانَتا رَتْقًا فَفَتَقْناهُما﴾ قالَ: فُتِقَتِ السَّماءُ بِالغَيْثِ، وفُتِقَتِ الأرْضُ بِالنَّباتِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿كانَتا رَتْقًا﴾ قالَ: لا يَخْرُجُ مِنهُما شَيْءٌ، وذَكَرَ مِثْلَ ما تَقَدَّمَ. وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ عَنْهُ أيْضًا مِن طَرِيقٍ أُخْرى. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ ﴿كانَتا رَتْقًا﴾ قالَ: مُلْتَصِقَتَيْنِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ قالَ: نُطْفَةُ الرَّجُلِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وجَعَلْنا فِيها فِجاجًا سُبُلًا﴾ قالَ: بَيْنَ الجِبالِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كُلٌّ في فَلَكٍ﴾ قالَ: دَوَرانٌ يَسْبَحُونَ قالَ يَجْرُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْهُ ﴿كُلٌّ في فَلَكٍ﴾ قالَ: فَلَكٌ كَفَلَكَةِ المِغْزَلِ يَسْبَحُونَ قالَ: يَدُورُونَ في أبْوابِ السَّماءِ كَما تَدُورُ الفَلَكَةُ في المِغْزَلِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: هو فَلَكُ السَّماءِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ عَنْ عائِشَةَ قالَ: دَخَلَ أبُو بَكْرٍ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وقَدْ ماتَ فَقَبَّلَهُ وقالَ: وانَبِيّاهُ واخَلِيلاهُ واصَفِيّاهُ، ثُمَّ تَلا ﴿وما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِن قَبْلِكَ الخُلْدَ﴾ الآيَةَ، وقَوْلَهُ: ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ونَبْلُوكم بِالشَّرِّ والخَيْرِ فِتْنَةً﴾ قالَ: نَبْتَلِيكم بِالشِّدَّةِ والرَّخاءِ، والصِّحَّةِ والسَّقَمِ، والغِنى والفَقْرِ، والحَلالِ والحَرامِ، والطّاعَةِ والمَعْصِيَةِ والهُدى والضَّلالَةِ.

الأنبياء 21:28

. قَوْلُهُ: ﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾ هَؤُلاءِ القائِلُونَ هم خُزاعَةُ، فَإنَّهم قالُوا المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، وقِيلَ: هُمُ اليَهُودُ، ويَصِحُّ حَمْلُ الآيَةِ عَلى كُلِّ مَن جَعَلَ لِلَّهِ ولَدًا. وقَدْ قالَتِ اليَهُودُ: عُزَيْرُ ابْنُ اللَّهِ، وقالَتِ النَّصارى: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، وقالَتْ طائِفَةٌ مِنَ العَرَبِ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ. ثُمَّ نَزَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - نَفْسَهُ فَقالَ: سُبْحانَهُ أيْ تَنْزِيهًا لَهُ عَنْ ذَلِكَ، وهو مَقُولٌ عَلى ألْسِنَةِ العِبادِ. ثُمَّ أضْرَبَ عَنْ قَوْلِهِمْ وأبْطَلَهُ فَقالَ ﴿بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ أيْ لَيْسُوا كَما قالُوا، بَلْ هم عِبادٌ لِلَّهِ سُبْحانَهُ مُكْرَمُونَ بِكَرامَتِهِ لَهم، مُقَرَّبُونَ عِنْدَهُ. وقُرِئَ ( مُكَرَّمُونَ ) بِالتَّشْدِيدِ، وأجازَ الزَّجّاجُ والفَرّاءُ نَصْبَ عِبادٍ عَلى مَعْنى: بَلِ اتَّخَذَ عِبادًا. ثُمَّ وصَفَهم بِصِفَةٍ أُخْرى فَقالَ: ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ﴾ أيْ لا يَقُولُونَ شَيْئًا حَتّى يَقُولَهُ: أوْ يَأْمُرُهم بِهِ. كَذا قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ وغَيْرُهُ، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى كَمالِ طاعَتِهِمْ وانْقِيادِهِمْ. وقُرِئَ ( لا يَسْبُقُونَهُ ) بِضَمِّ الباءِ مِن سَبَقْتُهُ أسْبِقُهُ ﴿وهم بِأمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ أيْ هُمُ العامِلُونَ بِما (p-٩٣٤)يَأْمُرُهُمُ اللَّهُ بِهِ، التّابِعُونَ لَهُ المُطِيعُونَ لِرَبِّهِمْ. ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها: أيْ يَعْلَمُ ما عَمِلُوا وما هم عامِلُونَ، أوْ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وهو الآخِرَةُ، وما خَلْفَهم وهو الدُّنْيا، ووَجْهُ التَّعْلِيلِ أنَّهم إذا عَلِمُوا بِأنَّهُ عالِمٌ بِما قَدَّمُوا وأخَّرُوا، لَمْ يَعْمَلُوا عَمَلًا ولَمْ يَقُولُوا قَوْلًا إلّا بِأمْرِهِ ﴿ولا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَنِ ارْتَضى﴾ أيْ يَشْفَعُ الشّافِعُونَ لَهُ، وهو مَن رَضِيَ عَنْهُ، وقِيلَ: هم أهْلُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ أنَّ المَلائِكَةَ يُشَفَّعُونَ في الدّارِ الآخِرَةِ ﴿وهم مِن خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ أيْ مِن خَشْيَتِهِمْ مِنهُ، فالمَصْدَرُ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ، والخَشْيَةُ الخَوْفُ مِنَ التَّعْظِيمِ، والإشْفاقُ الخَوْفُ مِنَ التَّوَقُّعِ والحَذَرِ: أيْ لا يَأْمَنُونَ مَكْرَ اللَّهِ. ﴿ومَن يَقُلْ مِنهم إنِّي إلَهٌ مَن دُونِهِ﴾ أيْ مِن يَقُلْ مِنَ المَلائِكَةِ إنِّي إلَهٌ مَن دُونِ اللَّهِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: عَنى بِهَذا إبْلِيسَ، لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ أحَدٌ مِنَ المَلائِكَةِ إنِّي إلَهٌ إلّا إبْلِيسَ، وقِيلَ: الإشارَةُ إلى جَمِيعِ الأنْبِياءِ ﴿فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ أيْ فَذَلِكَ القائِلُ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ: نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ بِسَبَبِ هَذا القَوْلِ الَّذِي قالَهُ، كَما نَجْزِي غَيْرَهُ مِنَ المُجْرِمِينَ ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ أيْ مِثْلِ ذَلِكَ الجَزاءِ الفَظِيعِ نَجْزِي الظّالِمِينَ، أوْ مِثْلَ ما جَعَلْنا جَزاءَ هَذا القائِلَ جَهَنَّمَ، فَكَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ الواضِعِينَ الإلَهِيَّةَ والعِبادَةَ في غَيْرِ مَوْضِعِها، والمُرادُ بِالظّالِمِينَ المُشْرِكُونَ. ﴿أوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى المُقَدَّرِ، والرُّؤْيَةُ هي القَلْبِيَّةُ: أيْ ألَمْ يَتَفَكَّرُوا أوْ لَمْ يَعْلَمُوا ﴿أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ كانَتا رَتْقًا﴾ قالَ الأخْفَشُ: إنَّما قالَ كانَتا، لِأنَّهُما صِنْفانِ أيْ جَماعَتا السَّماواتِ والأرَضِينَ كَما قالَ سُبْحانَهُ ﴿إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا﴾ [فاطر: ٤١]، وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّما قالَ كانَتا لِأنَّهُ يُعَبِّرُ عَنِ السَّماواتِ بِلَفْظِ الواحِدِ، لِأنَّ السَّماواتِ كانَتْ سَماءً واحِدَةً، وكَذَلِكَ الأرَضُونَ، والرَّتْقُ السَّدُّ ضِدُّ الفَتْقِ، يُقالُ رَتَقْتُ الفَتْقَ أرْتُقُهُ فارْتَتَقَ: أيِ التَأمَ، ومِنهُ الرَّتْقاءُ لِلْمُنْضَمَّةِ الفَرْجِ: يَعْنِي أنَّهُما كانَتا شَيْئًا واحِدًا مُلْتَزِقَتَيْنِ فَفَصَلَ اللَّهُ بَيْنَهُما، وقالَ رَتْقًا ولَمْ يَقُلْ رَتْقَيْنِ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ، والتَّقْدِيرُ: كانَتا ذَواتِي رَتْقٍ، ومَعْنى فَفَتَقْناهُما فَفَصَلْناهُما: أيْ فَصَلْنا بَعْضَهُما مِن بَعْضٍ، فَرَفَعْنا السَّماءَ، وأبْقَيْنا الأرْضَ مَكانَها ﴿وجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ أيْ أحْيَيْنا بِالماءِ الَّذِي نُنْزِلُهُ مِنَ السَّماءِ كُلَّ شَيْءٍ، فَيَشْمَلُ الحَيَوانَ والنَّباتَ، والمَعْنى أنَّ الماءَ سَبَبُ حَياةِ كُلِّ شَيْءٍ. وقِيلَ: المُرادُ بِالماءِ هُنا النُّطْفَةُ، وبِهِ قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، وهَذا احْتِجاجٌ عَلى المُشْرِكِينَ بِقُدْرَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وبَدِيعِ صُنْعِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ، والهَمْزَةُ في ﴿أفَلا يُؤْمِنُونَ﴾ لِلْإنْكارِ عَلَيْهِمْ، حَيْثُ لَمْ يُؤْمِنُوا مَعَ وُجُودِ ما يَقْتَضِيهِ مِنَ الآياتِ الرَّبّانِيَّةِ. ﴿وجَعَلْنا في الأرْضِ رَواسِيَ﴾ أيْ جِبالًا ثَوابِتَ ﴿أنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾ المَيْدُ التَّحَرُّكُ والدَّوَرانُ أيْ لِئَلّا تَتَحَرَّكَ وتَدُورَ بِهِمْ، أوْ كَراهَةِ ذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ذَلِكَ في النَّحْلِ مُسْتَوْفًى ﴿وجَعَلْنا فِيها﴾ أيْ في الرَّواسِي، أوْ في الأرْضِ فِجاجًا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هي المَسالِكُ. وقالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ مُخْتَرِقٍ بَيْنَ جَبَلَيْنِ فَهو فَجٌّ وسُبُلًا تَفْسِيرٌ لِلْفِجاجِ، لِأنَّ الفَجَّ قَدْ لا يَكُونُ طَرِيقًا نافِذًا مَسْلُوكًا ﴿لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ إلى مَصالِحَ مَعاشِهِمْ، وما تَدْعُو إلَيْهِ حاجاتُهم. ﴿وجَعَلْنا السَّماءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ عَنْ أنْ يَقَعَ ويَسْقُطَ عَلى الأرْضِ كَقَوْلِهِ: ﴿ويُمْسِكُ السَّماءَ أنْ تَقَعَ عَلى الأرْضِ﴾ [الحج: ٦٥] وقالَ الفَرّاءُ: مَحْفُوظًا بِالنُّجُومِ مِنَ الشَّيْطانِ كَقَوْلِهِ: ﴿وحَفِظْناها مِن كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ [الحجر: ١٧] وقِيلَ: مَحْفُوظًا لا يَحْتاجُ إلى عِمادٍ، وقِيلَ: المُرادُ بِالمَحْفُوظِ هُنا المَرْفُوعُ، وقِيلَ: مَحْفُوظًا عَنِ الشِّرْكِ والمَعاصِي، وقِيلَ: مَحْفُوظًا عَنِ الهَدْمِ والنَّقْضِ ﴿وهم عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ﴾ أضافَ الآياتِ إلى السَّماءِ، لِأنَّها مَجْعُولَةٌ فِيها، وذَلِكَ كالشَّمْسِ والقَمَرِ ونَحْوِهِما، ومَعْنى الإعْراضِ أنَّهم لا يَتَدَبَّرُونَ فِيها، ولا يَتَفَكَّرُونَ فِيما تُوجِبُهُ مِنَ الإيمانِ. ﴿وهو الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ والنَّهارَ والشَّمْسَ والقَمَرَ﴾ هَذا تَذْكِيرٌ لَهم بِنِعْمَةٍ أُخْرى مِمّا أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ، وذَلِكَ بِأنَّهُ خَلَقَ لَهُمُ اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ، والنَّهارَ لِيَتَصَرَّفُوا فِيهِ في مَعايِشِهِمْ، وخَلَقَ الشَّمْسَ والقَمَرَ أيْ جَعْلَ الشَّمْسَ آيَةَ النَّهارِ، والقَمَرَ آيَةَ اللَّيْلِ، لِيَعْلَمُوا عَدَدَ الشُّهُورِ والحِسابِ كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في سُبْحانَ ﴿كُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ أيْ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ: أيْ يَجْرُونَ في وسَطِ الفَلَكِ، ويَسِيرُونَ بِسُرْعَةٍ كالسّابِحِ في الماءِ، والجَمْعُ في الفِعْلِ بِاعْتِبارِ المَطالِعِ، قالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّهُ لَمّا أخْبَرَ عَنْهُنَّ بِفِعْلِ مَن يَعْقِلُ، وجَعَلَهُنَّ في الطّاعَةِ بِمَنزِلَةِ مَن يَعْقِلُ، جَعَلَ الضَّمِيرَ عَنْهُنَّ ضَمِيرَ العُقَلاءِ، ولَمْ يَقُلْ يَسْبَحْنَ أوْ تَسْبَحُ، وكَذا قالَ الفَرّاءُ. وقالَ الكِسائِيُّ: إنَّما قالَ يَسْبَحُونَ لِأنَّهُ رَأْسُ آيَةٍ، والفَلَكُ واحِدُ أفْلاكِ النُّجُومِ، وأصْلُ الكَلِمَةِ مِنَ الدَّوَرانِ، ومِنهُ فَلَكَ المِغْزَلُ لِاسْتِدارَتِها. ﴿وما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِن قَبْلِكَ الخُلْدَ﴾ أيْ دَوامَ البَقاءِ في الدُّنْيا أفَإنْ مِتَّ بِأجَلِكَ المَحْتُومِ فَهُمُ الخالِدُونَ أيْ أفْهُمُ الخالِدُونَ: قالَ الفَرّاءُ: جاءَ بِالفاءِ لِتَدُلَّ عَلى الشَّرْطِ لِأنَّهُ جَوابُ قَوْلِهِمْ سَيَمُوتُ. قالَ: ويَجُوزُ حَذْفُ الفاءِ وإضْمارُها، والمَعْنى: إنْ مِتَّ فَهم يَمُوتُونَ أيْضًا، فَلا شَماتَةَ في المَوْتِ. وقُرِئَ ( مِتَّ ) بِكَسْرِ المِيمِ وضَمِّها لُغَتانِ: وكانَ سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلَ المُشْرِكِينَ فِيما حَكاهُ اللَّهُ عَنْهم ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠] . ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ﴾ أيْ ذائِقَةٌ مُفارِقَةٌ جَسَدَها، فَلا يَبْقى أحَدٌ مِن ذَواتِ الأنْفُسِ المَخْلُوقَةِ كائِنًا ما كانَ ﴿ونَبْلُوكم بِالشَّرِّ والخَيْرِ فِتْنَةً﴾ أيْ نَخْتَبِرُكم بِالشِّدَّةِ والرَّخاءِ، لِنَنْظُرَ كَيْفَ شُكْرُكم وصَبْرُكم. والمُرادُ أنَّهُ سُبْحانَهُ يُعامِلُهم مُعامَلَةَ مَن يَبْلُوهم، وفِتْنَةٌ مَصْدَرٌ لِنَبْلُوَكم مِن غَيْرِ لَفْظِهِ وإلَيْنا تُرْجَعُونَ لا إلى غَيْرِنا فَنُجازِيكم بِأعْمالِكم إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: قالَتِ اليَهُودُ إنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - صاهَرَ الجِنَّ فَكانَتْ بَيْنَهُمُ المَلائِكَةُ، فَقالَ اللَّهُ تَكْذِيبًا لَهم ﴿بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ أيِ المَلائِكَةُ لَيْسَ كَما قالُوا، بَلْ عِبادٌ أكْرَمَهم بِعِبادَتِهِ ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ﴾ (p-٩٣٥)يُثْنِي عَلَيْهِمْ ﴿ولا يَشْفَعُونَ﴾ قالَ: لا تَشْفَعُ المَلائِكَةُ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿إلّا لِمَنِ ارْتَضى﴾ قالَ: لِأهْلِ التَّوْحِيدِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا لِمَنِ ارْتَضى﴾ قالَ: لِأهْلِ التَّوْحِيدِ لِمَن رَضِيَ عَنْهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ في الآيَةِ قالَ: قَوْلُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: الَّذِينَ ارْتَضاهم لِشَهادَةِ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ جابِرٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - تَلا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَنِ ارْتَضى﴾ قالَ: إنَّ شَفاعَتِي لِأهْلِ الكَبائِرِ مِن أُمَّتِي» . وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كانَتا رَتْقًا فَفَتَقْناهُما﴾ قالَ: فُتِقَتِ السَّماءُ بِالغَيْثِ، وفُتِقَتِ الأرْضُ بِالنَّباتِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿كانَتا رَتْقًا﴾ قالَ: لا يَخْرُجُ مِنهُما شَيْءٌ، وذَكَرَ مِثْلَ ما تَقَدَّمَ. وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ عَنْهُ أيْضًا مِن طَرِيقٍ أُخْرى. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ ﴿كانَتا رَتْقًا﴾ قالَ: مُلْتَصِقَتَيْنِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ قالَ: نُطْفَةُ الرَّجُلِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وجَعَلْنا فِيها فِجاجًا سُبُلًا﴾ قالَ: بَيْنَ الجِبالِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كُلٌّ في فَلَكٍ﴾ قالَ: دَوَرانٌ يَسْبَحُونَ قالَ يَجْرُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْهُ ﴿كُلٌّ في فَلَكٍ﴾ قالَ: فَلَكٌ كَفَلَكَةِ المِغْزَلِ يَسْبَحُونَ قالَ: يَدُورُونَ في أبْوابِ السَّماءِ كَما تَدُورُ الفَلَكَةُ في المِغْزَلِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: هو فَلَكُ السَّماءِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ عَنْ عائِشَةَ قالَ: دَخَلَ أبُو بَكْرٍ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وقَدْ ماتَ فَقَبَّلَهُ وقالَ: وانَبِيّاهُ واخَلِيلاهُ واصَفِيّاهُ، ثُمَّ تَلا ﴿وما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِن قَبْلِكَ الخُلْدَ﴾ الآيَةَ، وقَوْلَهُ: ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ونَبْلُوكم بِالشَّرِّ والخَيْرِ فِتْنَةً﴾ قالَ: نَبْتَلِيكم بِالشِّدَّةِ والرَّخاءِ، والصِّحَّةِ والسَّقَمِ، والغِنى والفَقْرِ، والحَلالِ والحَرامِ، والطّاعَةِ والمَعْصِيَةِ والهُدى والضَّلالَةِ.

الأنبياء 21:29

. قَوْلُهُ: ﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾ هَؤُلاءِ القائِلُونَ هم خُزاعَةُ، فَإنَّهم قالُوا المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، وقِيلَ: هُمُ اليَهُودُ، ويَصِحُّ حَمْلُ الآيَةِ عَلى كُلِّ مَن جَعَلَ لِلَّهِ ولَدًا. وقَدْ قالَتِ اليَهُودُ: عُزَيْرُ ابْنُ اللَّهِ، وقالَتِ النَّصارى: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، وقالَتْ طائِفَةٌ مِنَ العَرَبِ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ. ثُمَّ نَزَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - نَفْسَهُ فَقالَ: سُبْحانَهُ أيْ تَنْزِيهًا لَهُ عَنْ ذَلِكَ، وهو مَقُولٌ عَلى ألْسِنَةِ العِبادِ. ثُمَّ أضْرَبَ عَنْ قَوْلِهِمْ وأبْطَلَهُ فَقالَ ﴿بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ أيْ لَيْسُوا كَما قالُوا، بَلْ هم عِبادٌ لِلَّهِ سُبْحانَهُ مُكْرَمُونَ بِكَرامَتِهِ لَهم، مُقَرَّبُونَ عِنْدَهُ. وقُرِئَ ( مُكَرَّمُونَ ) بِالتَّشْدِيدِ، وأجازَ الزَّجّاجُ والفَرّاءُ نَصْبَ عِبادٍ عَلى مَعْنى: بَلِ اتَّخَذَ عِبادًا. ثُمَّ وصَفَهم بِصِفَةٍ أُخْرى فَقالَ: ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ﴾ أيْ لا يَقُولُونَ شَيْئًا حَتّى يَقُولَهُ: أوْ يَأْمُرُهم بِهِ. كَذا قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ وغَيْرُهُ، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى كَمالِ طاعَتِهِمْ وانْقِيادِهِمْ. وقُرِئَ ( لا يَسْبُقُونَهُ ) بِضَمِّ الباءِ مِن سَبَقْتُهُ أسْبِقُهُ ﴿وهم بِأمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ أيْ هُمُ العامِلُونَ بِما (p-٩٣٤)يَأْمُرُهُمُ اللَّهُ بِهِ، التّابِعُونَ لَهُ المُطِيعُونَ لِرَبِّهِمْ. ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها: أيْ يَعْلَمُ ما عَمِلُوا وما هم عامِلُونَ، أوْ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وهو الآخِرَةُ، وما خَلْفَهم وهو الدُّنْيا، ووَجْهُ التَّعْلِيلِ أنَّهم إذا عَلِمُوا بِأنَّهُ عالِمٌ بِما قَدَّمُوا وأخَّرُوا، لَمْ يَعْمَلُوا عَمَلًا ولَمْ يَقُولُوا قَوْلًا إلّا بِأمْرِهِ ﴿ولا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَنِ ارْتَضى﴾ أيْ يَشْفَعُ الشّافِعُونَ لَهُ، وهو مَن رَضِيَ عَنْهُ، وقِيلَ: هم أهْلُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ أنَّ المَلائِكَةَ يُشَفَّعُونَ في الدّارِ الآخِرَةِ ﴿وهم مِن خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ أيْ مِن خَشْيَتِهِمْ مِنهُ، فالمَصْدَرُ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ، والخَشْيَةُ الخَوْفُ مِنَ التَّعْظِيمِ، والإشْفاقُ الخَوْفُ مِنَ التَّوَقُّعِ والحَذَرِ: أيْ لا يَأْمَنُونَ مَكْرَ اللَّهِ. ﴿ومَن يَقُلْ مِنهم إنِّي إلَهٌ مَن دُونِهِ﴾ أيْ مِن يَقُلْ مِنَ المَلائِكَةِ إنِّي إلَهٌ مَن دُونِ اللَّهِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: عَنى بِهَذا إبْلِيسَ، لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ أحَدٌ مِنَ المَلائِكَةِ إنِّي إلَهٌ إلّا إبْلِيسَ، وقِيلَ: الإشارَةُ إلى جَمِيعِ الأنْبِياءِ ﴿فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ أيْ فَذَلِكَ القائِلُ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ: نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ بِسَبَبِ هَذا القَوْلِ الَّذِي قالَهُ، كَما نَجْزِي غَيْرَهُ مِنَ المُجْرِمِينَ ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ أيْ مِثْلِ ذَلِكَ الجَزاءِ الفَظِيعِ نَجْزِي الظّالِمِينَ، أوْ مِثْلَ ما جَعَلْنا جَزاءَ هَذا القائِلَ جَهَنَّمَ، فَكَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ الواضِعِينَ الإلَهِيَّةَ والعِبادَةَ في غَيْرِ مَوْضِعِها، والمُرادُ بِالظّالِمِينَ المُشْرِكُونَ. ﴿أوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى المُقَدَّرِ، والرُّؤْيَةُ هي القَلْبِيَّةُ: أيْ ألَمْ يَتَفَكَّرُوا أوْ لَمْ يَعْلَمُوا ﴿أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ كانَتا رَتْقًا﴾ قالَ الأخْفَشُ: إنَّما قالَ كانَتا، لِأنَّهُما صِنْفانِ أيْ جَماعَتا السَّماواتِ والأرَضِينَ كَما قالَ سُبْحانَهُ ﴿إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا﴾ [فاطر: ٤١]، وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّما قالَ كانَتا لِأنَّهُ يُعَبِّرُ عَنِ السَّماواتِ بِلَفْظِ الواحِدِ، لِأنَّ السَّماواتِ كانَتْ سَماءً واحِدَةً، وكَذَلِكَ الأرَضُونَ، والرَّتْقُ السَّدُّ ضِدُّ الفَتْقِ، يُقالُ رَتَقْتُ الفَتْقَ أرْتُقُهُ فارْتَتَقَ: أيِ التَأمَ، ومِنهُ الرَّتْقاءُ لِلْمُنْضَمَّةِ الفَرْجِ: يَعْنِي أنَّهُما كانَتا شَيْئًا واحِدًا مُلْتَزِقَتَيْنِ فَفَصَلَ اللَّهُ بَيْنَهُما، وقالَ رَتْقًا ولَمْ يَقُلْ رَتْقَيْنِ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ، والتَّقْدِيرُ: كانَتا ذَواتِي رَتْقٍ، ومَعْنى فَفَتَقْناهُما فَفَصَلْناهُما: أيْ فَصَلْنا بَعْضَهُما مِن بَعْضٍ، فَرَفَعْنا السَّماءَ، وأبْقَيْنا الأرْضَ مَكانَها ﴿وجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ أيْ أحْيَيْنا بِالماءِ الَّذِي نُنْزِلُهُ مِنَ السَّماءِ كُلَّ شَيْءٍ، فَيَشْمَلُ الحَيَوانَ والنَّباتَ، والمَعْنى أنَّ الماءَ سَبَبُ حَياةِ كُلِّ شَيْءٍ. وقِيلَ: المُرادُ بِالماءِ هُنا النُّطْفَةُ، وبِهِ قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، وهَذا احْتِجاجٌ عَلى المُشْرِكِينَ بِقُدْرَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وبَدِيعِ صُنْعِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ، والهَمْزَةُ في ﴿أفَلا يُؤْمِنُونَ﴾ لِلْإنْكارِ عَلَيْهِمْ، حَيْثُ لَمْ يُؤْمِنُوا مَعَ وُجُودِ ما يَقْتَضِيهِ مِنَ الآياتِ الرَّبّانِيَّةِ. ﴿وجَعَلْنا في الأرْضِ رَواسِيَ﴾ أيْ جِبالًا ثَوابِتَ ﴿أنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾ المَيْدُ التَّحَرُّكُ والدَّوَرانُ أيْ لِئَلّا تَتَحَرَّكَ وتَدُورَ بِهِمْ، أوْ كَراهَةِ ذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ذَلِكَ في النَّحْلِ مُسْتَوْفًى ﴿وجَعَلْنا فِيها﴾ أيْ في الرَّواسِي، أوْ في الأرْضِ فِجاجًا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هي المَسالِكُ. وقالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ مُخْتَرِقٍ بَيْنَ جَبَلَيْنِ فَهو فَجٌّ وسُبُلًا تَفْسِيرٌ لِلْفِجاجِ، لِأنَّ الفَجَّ قَدْ لا يَكُونُ طَرِيقًا نافِذًا مَسْلُوكًا ﴿لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ إلى مَصالِحَ مَعاشِهِمْ، وما تَدْعُو إلَيْهِ حاجاتُهم. ﴿وجَعَلْنا السَّماءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ عَنْ أنْ يَقَعَ ويَسْقُطَ عَلى الأرْضِ كَقَوْلِهِ: ﴿ويُمْسِكُ السَّماءَ أنْ تَقَعَ عَلى الأرْضِ﴾ [الحج: ٦٥] وقالَ الفَرّاءُ: مَحْفُوظًا بِالنُّجُومِ مِنَ الشَّيْطانِ كَقَوْلِهِ: ﴿وحَفِظْناها مِن كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ [الحجر: ١٧] وقِيلَ: مَحْفُوظًا لا يَحْتاجُ إلى عِمادٍ، وقِيلَ: المُرادُ بِالمَحْفُوظِ هُنا المَرْفُوعُ، وقِيلَ: مَحْفُوظًا عَنِ الشِّرْكِ والمَعاصِي، وقِيلَ: مَحْفُوظًا عَنِ الهَدْمِ والنَّقْضِ ﴿وهم عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ﴾ أضافَ الآياتِ إلى السَّماءِ، لِأنَّها مَجْعُولَةٌ فِيها، وذَلِكَ كالشَّمْسِ والقَمَرِ ونَحْوِهِما، ومَعْنى الإعْراضِ أنَّهم لا يَتَدَبَّرُونَ فِيها، ولا يَتَفَكَّرُونَ فِيما تُوجِبُهُ مِنَ الإيمانِ. ﴿وهو الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ والنَّهارَ والشَّمْسَ والقَمَرَ﴾ هَذا تَذْكِيرٌ لَهم بِنِعْمَةٍ أُخْرى مِمّا أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ، وذَلِكَ بِأنَّهُ خَلَقَ لَهُمُ اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ، والنَّهارَ لِيَتَصَرَّفُوا فِيهِ في مَعايِشِهِمْ، وخَلَقَ الشَّمْسَ والقَمَرَ أيْ جَعْلَ الشَّمْسَ آيَةَ النَّهارِ، والقَمَرَ آيَةَ اللَّيْلِ، لِيَعْلَمُوا عَدَدَ الشُّهُورِ والحِسابِ كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في سُبْحانَ ﴿كُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ أيْ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ: أيْ يَجْرُونَ في وسَطِ الفَلَكِ، ويَسِيرُونَ بِسُرْعَةٍ كالسّابِحِ في الماءِ، والجَمْعُ في الفِعْلِ بِاعْتِبارِ المَطالِعِ، قالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّهُ لَمّا أخْبَرَ عَنْهُنَّ بِفِعْلِ مَن يَعْقِلُ، وجَعَلَهُنَّ في الطّاعَةِ بِمَنزِلَةِ مَن يَعْقِلُ، جَعَلَ الضَّمِيرَ عَنْهُنَّ ضَمِيرَ العُقَلاءِ، ولَمْ يَقُلْ يَسْبَحْنَ أوْ تَسْبَحُ، وكَذا قالَ الفَرّاءُ. وقالَ الكِسائِيُّ: إنَّما قالَ يَسْبَحُونَ لِأنَّهُ رَأْسُ آيَةٍ، والفَلَكُ واحِدُ أفْلاكِ النُّجُومِ، وأصْلُ الكَلِمَةِ مِنَ الدَّوَرانِ، ومِنهُ فَلَكَ المِغْزَلُ لِاسْتِدارَتِها. ﴿وما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِن قَبْلِكَ الخُلْدَ﴾ أيْ دَوامَ البَقاءِ في الدُّنْيا أفَإنْ مِتَّ بِأجَلِكَ المَحْتُومِ فَهُمُ الخالِدُونَ أيْ أفْهُمُ الخالِدُونَ: قالَ الفَرّاءُ: جاءَ بِالفاءِ لِتَدُلَّ عَلى الشَّرْطِ لِأنَّهُ جَوابُ قَوْلِهِمْ سَيَمُوتُ. قالَ: ويَجُوزُ حَذْفُ الفاءِ وإضْمارُها، والمَعْنى: إنْ مِتَّ فَهم يَمُوتُونَ أيْضًا، فَلا شَماتَةَ في المَوْتِ. وقُرِئَ ( مِتَّ ) بِكَسْرِ المِيمِ وضَمِّها لُغَتانِ: وكانَ سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلَ المُشْرِكِينَ فِيما حَكاهُ اللَّهُ عَنْهم ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠] . ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ﴾ أيْ ذائِقَةٌ مُفارِقَةٌ جَسَدَها، فَلا يَبْقى أحَدٌ مِن ذَواتِ الأنْفُسِ المَخْلُوقَةِ كائِنًا ما كانَ ﴿ونَبْلُوكم بِالشَّرِّ والخَيْرِ فِتْنَةً﴾ أيْ نَخْتَبِرُكم بِالشِّدَّةِ والرَّخاءِ، لِنَنْظُرَ كَيْفَ شُكْرُكم وصَبْرُكم. والمُرادُ أنَّهُ سُبْحانَهُ يُعامِلُهم مُعامَلَةَ مَن يَبْلُوهم، وفِتْنَةٌ مَصْدَرٌ لِنَبْلُوَكم مِن غَيْرِ لَفْظِهِ وإلَيْنا تُرْجَعُونَ لا إلى غَيْرِنا فَنُجازِيكم بِأعْمالِكم إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: قالَتِ اليَهُودُ إنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - صاهَرَ الجِنَّ فَكانَتْ بَيْنَهُمُ المَلائِكَةُ، فَقالَ اللَّهُ تَكْذِيبًا لَهم ﴿بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ أيِ المَلائِكَةُ لَيْسَ كَما قالُوا، بَلْ عِبادٌ أكْرَمَهم بِعِبادَتِهِ ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ﴾ (p-٩٣٥)يُثْنِي عَلَيْهِمْ ﴿ولا يَشْفَعُونَ﴾ قالَ: لا تَشْفَعُ المَلائِكَةُ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿إلّا لِمَنِ ارْتَضى﴾ قالَ: لِأهْلِ التَّوْحِيدِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا لِمَنِ ارْتَضى﴾ قالَ: لِأهْلِ التَّوْحِيدِ لِمَن رَضِيَ عَنْهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ في الآيَةِ قالَ: قَوْلُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: الَّذِينَ ارْتَضاهم لِشَهادَةِ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ جابِرٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - تَلا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَنِ ارْتَضى﴾ قالَ: إنَّ شَفاعَتِي لِأهْلِ الكَبائِرِ مِن أُمَّتِي» . وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كانَتا رَتْقًا فَفَتَقْناهُما﴾ قالَ: فُتِقَتِ السَّماءُ بِالغَيْثِ، وفُتِقَتِ الأرْضُ بِالنَّباتِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿كانَتا رَتْقًا﴾ قالَ: لا يَخْرُجُ مِنهُما شَيْءٌ، وذَكَرَ مِثْلَ ما تَقَدَّمَ. وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ عَنْهُ أيْضًا مِن طَرِيقٍ أُخْرى. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ ﴿كانَتا رَتْقًا﴾ قالَ: مُلْتَصِقَتَيْنِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ قالَ: نُطْفَةُ الرَّجُلِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وجَعَلْنا فِيها فِجاجًا سُبُلًا﴾ قالَ: بَيْنَ الجِبالِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كُلٌّ في فَلَكٍ﴾ قالَ: دَوَرانٌ يَسْبَحُونَ قالَ يَجْرُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْهُ ﴿كُلٌّ في فَلَكٍ﴾ قالَ: فَلَكٌ كَفَلَكَةِ المِغْزَلِ يَسْبَحُونَ قالَ: يَدُورُونَ في أبْوابِ السَّماءِ كَما تَدُورُ الفَلَكَةُ في المِغْزَلِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: هو فَلَكُ السَّماءِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ عَنْ عائِشَةَ قالَ: دَخَلَ أبُو بَكْرٍ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وقَدْ ماتَ فَقَبَّلَهُ وقالَ: وانَبِيّاهُ واخَلِيلاهُ واصَفِيّاهُ، ثُمَّ تَلا ﴿وما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِن قَبْلِكَ الخُلْدَ﴾ الآيَةَ، وقَوْلَهُ: ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ونَبْلُوكم بِالشَّرِّ والخَيْرِ فِتْنَةً﴾ قالَ: نَبْتَلِيكم بِالشِّدَّةِ والرَّخاءِ، والصِّحَّةِ والسَّقَمِ، والغِنى والفَقْرِ، والحَلالِ والحَرامِ، والطّاعَةِ والمَعْصِيَةِ والهُدى والضَّلالَةِ.

الأنبياء 21:30

. قَوْلُهُ: ﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾ هَؤُلاءِ القائِلُونَ هم خُزاعَةُ، فَإنَّهم قالُوا المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، وقِيلَ: هُمُ اليَهُودُ، ويَصِحُّ حَمْلُ الآيَةِ عَلى كُلِّ مَن جَعَلَ لِلَّهِ ولَدًا. وقَدْ قالَتِ اليَهُودُ: عُزَيْرُ ابْنُ اللَّهِ، وقالَتِ النَّصارى: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، وقالَتْ طائِفَةٌ مِنَ العَرَبِ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ. ثُمَّ نَزَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - نَفْسَهُ فَقالَ: سُبْحانَهُ أيْ تَنْزِيهًا لَهُ عَنْ ذَلِكَ، وهو مَقُولٌ عَلى ألْسِنَةِ العِبادِ. ثُمَّ أضْرَبَ عَنْ قَوْلِهِمْ وأبْطَلَهُ فَقالَ ﴿بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ أيْ لَيْسُوا كَما قالُوا، بَلْ هم عِبادٌ لِلَّهِ سُبْحانَهُ مُكْرَمُونَ بِكَرامَتِهِ لَهم، مُقَرَّبُونَ عِنْدَهُ. وقُرِئَ ( مُكَرَّمُونَ ) بِالتَّشْدِيدِ، وأجازَ الزَّجّاجُ والفَرّاءُ نَصْبَ عِبادٍ عَلى مَعْنى: بَلِ اتَّخَذَ عِبادًا. ثُمَّ وصَفَهم بِصِفَةٍ أُخْرى فَقالَ: ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ﴾ أيْ لا يَقُولُونَ شَيْئًا حَتّى يَقُولَهُ: أوْ يَأْمُرُهم بِهِ. كَذا قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ وغَيْرُهُ، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى كَمالِ طاعَتِهِمْ وانْقِيادِهِمْ. وقُرِئَ ( لا يَسْبُقُونَهُ ) بِضَمِّ الباءِ مِن سَبَقْتُهُ أسْبِقُهُ ﴿وهم بِأمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ أيْ هُمُ العامِلُونَ بِما (p-٩٣٤)يَأْمُرُهُمُ اللَّهُ بِهِ، التّابِعُونَ لَهُ المُطِيعُونَ لِرَبِّهِمْ. ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها: أيْ يَعْلَمُ ما عَمِلُوا وما هم عامِلُونَ، أوْ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وهو الآخِرَةُ، وما خَلْفَهم وهو الدُّنْيا، ووَجْهُ التَّعْلِيلِ أنَّهم إذا عَلِمُوا بِأنَّهُ عالِمٌ بِما قَدَّمُوا وأخَّرُوا، لَمْ يَعْمَلُوا عَمَلًا ولَمْ يَقُولُوا قَوْلًا إلّا بِأمْرِهِ ﴿ولا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَنِ ارْتَضى﴾ أيْ يَشْفَعُ الشّافِعُونَ لَهُ، وهو مَن رَضِيَ عَنْهُ، وقِيلَ: هم أهْلُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ أنَّ المَلائِكَةَ يُشَفَّعُونَ في الدّارِ الآخِرَةِ ﴿وهم مِن خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ أيْ مِن خَشْيَتِهِمْ مِنهُ، فالمَصْدَرُ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ، والخَشْيَةُ الخَوْفُ مِنَ التَّعْظِيمِ، والإشْفاقُ الخَوْفُ مِنَ التَّوَقُّعِ والحَذَرِ: أيْ لا يَأْمَنُونَ مَكْرَ اللَّهِ. ﴿ومَن يَقُلْ مِنهم إنِّي إلَهٌ مَن دُونِهِ﴾ أيْ مِن يَقُلْ مِنَ المَلائِكَةِ إنِّي إلَهٌ مَن دُونِ اللَّهِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: عَنى بِهَذا إبْلِيسَ، لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ أحَدٌ مِنَ المَلائِكَةِ إنِّي إلَهٌ إلّا إبْلِيسَ، وقِيلَ: الإشارَةُ إلى جَمِيعِ الأنْبِياءِ ﴿فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ أيْ فَذَلِكَ القائِلُ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ: نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ بِسَبَبِ هَذا القَوْلِ الَّذِي قالَهُ، كَما نَجْزِي غَيْرَهُ مِنَ المُجْرِمِينَ ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ أيْ مِثْلِ ذَلِكَ الجَزاءِ الفَظِيعِ نَجْزِي الظّالِمِينَ، أوْ مِثْلَ ما جَعَلْنا جَزاءَ هَذا القائِلَ جَهَنَّمَ، فَكَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ الواضِعِينَ الإلَهِيَّةَ والعِبادَةَ في غَيْرِ مَوْضِعِها، والمُرادُ بِالظّالِمِينَ المُشْرِكُونَ. ﴿أوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى المُقَدَّرِ، والرُّؤْيَةُ هي القَلْبِيَّةُ: أيْ ألَمْ يَتَفَكَّرُوا أوْ لَمْ يَعْلَمُوا ﴿أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ كانَتا رَتْقًا﴾ قالَ الأخْفَشُ: إنَّما قالَ كانَتا، لِأنَّهُما صِنْفانِ أيْ جَماعَتا السَّماواتِ والأرَضِينَ كَما قالَ سُبْحانَهُ ﴿إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا﴾ [فاطر: ٤١]، وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّما قالَ كانَتا لِأنَّهُ يُعَبِّرُ عَنِ السَّماواتِ بِلَفْظِ الواحِدِ، لِأنَّ السَّماواتِ كانَتْ سَماءً واحِدَةً، وكَذَلِكَ الأرَضُونَ، والرَّتْقُ السَّدُّ ضِدُّ الفَتْقِ، يُقالُ رَتَقْتُ الفَتْقَ أرْتُقُهُ فارْتَتَقَ: أيِ التَأمَ، ومِنهُ الرَّتْقاءُ لِلْمُنْضَمَّةِ الفَرْجِ: يَعْنِي أنَّهُما كانَتا شَيْئًا واحِدًا مُلْتَزِقَتَيْنِ فَفَصَلَ اللَّهُ بَيْنَهُما، وقالَ رَتْقًا ولَمْ يَقُلْ رَتْقَيْنِ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ، والتَّقْدِيرُ: كانَتا ذَواتِي رَتْقٍ، ومَعْنى فَفَتَقْناهُما فَفَصَلْناهُما: أيْ فَصَلْنا بَعْضَهُما مِن بَعْضٍ، فَرَفَعْنا السَّماءَ، وأبْقَيْنا الأرْضَ مَكانَها ﴿وجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ أيْ أحْيَيْنا بِالماءِ الَّذِي نُنْزِلُهُ مِنَ السَّماءِ كُلَّ شَيْءٍ، فَيَشْمَلُ الحَيَوانَ والنَّباتَ، والمَعْنى أنَّ الماءَ سَبَبُ حَياةِ كُلِّ شَيْءٍ. وقِيلَ: المُرادُ بِالماءِ هُنا النُّطْفَةُ، وبِهِ قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، وهَذا احْتِجاجٌ عَلى المُشْرِكِينَ بِقُدْرَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وبَدِيعِ صُنْعِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ، والهَمْزَةُ في ﴿أفَلا يُؤْمِنُونَ﴾ لِلْإنْكارِ عَلَيْهِمْ، حَيْثُ لَمْ يُؤْمِنُوا مَعَ وُجُودِ ما يَقْتَضِيهِ مِنَ الآياتِ الرَّبّانِيَّةِ. ﴿وجَعَلْنا في الأرْضِ رَواسِيَ﴾ أيْ جِبالًا ثَوابِتَ ﴿أنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾ المَيْدُ التَّحَرُّكُ والدَّوَرانُ أيْ لِئَلّا تَتَحَرَّكَ وتَدُورَ بِهِمْ، أوْ كَراهَةِ ذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ذَلِكَ في النَّحْلِ مُسْتَوْفًى ﴿وجَعَلْنا فِيها﴾ أيْ في الرَّواسِي، أوْ في الأرْضِ فِجاجًا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هي المَسالِكُ. وقالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ مُخْتَرِقٍ بَيْنَ جَبَلَيْنِ فَهو فَجٌّ وسُبُلًا تَفْسِيرٌ لِلْفِجاجِ، لِأنَّ الفَجَّ قَدْ لا يَكُونُ طَرِيقًا نافِذًا مَسْلُوكًا ﴿لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ إلى مَصالِحَ مَعاشِهِمْ، وما تَدْعُو إلَيْهِ حاجاتُهم. ﴿وجَعَلْنا السَّماءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ عَنْ أنْ يَقَعَ ويَسْقُطَ عَلى الأرْضِ كَقَوْلِهِ: ﴿ويُمْسِكُ السَّماءَ أنْ تَقَعَ عَلى الأرْضِ﴾ [الحج: ٦٥] وقالَ الفَرّاءُ: مَحْفُوظًا بِالنُّجُومِ مِنَ الشَّيْطانِ كَقَوْلِهِ: ﴿وحَفِظْناها مِن كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ [الحجر: ١٧] وقِيلَ: مَحْفُوظًا لا يَحْتاجُ إلى عِمادٍ، وقِيلَ: المُرادُ بِالمَحْفُوظِ هُنا المَرْفُوعُ، وقِيلَ: مَحْفُوظًا عَنِ الشِّرْكِ والمَعاصِي، وقِيلَ: مَحْفُوظًا عَنِ الهَدْمِ والنَّقْضِ ﴿وهم عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ﴾ أضافَ الآياتِ إلى السَّماءِ، لِأنَّها مَجْعُولَةٌ فِيها، وذَلِكَ كالشَّمْسِ والقَمَرِ ونَحْوِهِما، ومَعْنى الإعْراضِ أنَّهم لا يَتَدَبَّرُونَ فِيها، ولا يَتَفَكَّرُونَ فِيما تُوجِبُهُ مِنَ الإيمانِ. ﴿وهو الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ والنَّهارَ والشَّمْسَ والقَمَرَ﴾ هَذا تَذْكِيرٌ لَهم بِنِعْمَةٍ أُخْرى مِمّا أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ، وذَلِكَ بِأنَّهُ خَلَقَ لَهُمُ اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ، والنَّهارَ لِيَتَصَرَّفُوا فِيهِ في مَعايِشِهِمْ، وخَلَقَ الشَّمْسَ والقَمَرَ أيْ جَعْلَ الشَّمْسَ آيَةَ النَّهارِ، والقَمَرَ آيَةَ اللَّيْلِ، لِيَعْلَمُوا عَدَدَ الشُّهُورِ والحِسابِ كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في سُبْحانَ ﴿كُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ أيْ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ: أيْ يَجْرُونَ في وسَطِ الفَلَكِ، ويَسِيرُونَ بِسُرْعَةٍ كالسّابِحِ في الماءِ، والجَمْعُ في الفِعْلِ بِاعْتِبارِ المَطالِعِ، قالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّهُ لَمّا أخْبَرَ عَنْهُنَّ بِفِعْلِ مَن يَعْقِلُ، وجَعَلَهُنَّ في الطّاعَةِ بِمَنزِلَةِ مَن يَعْقِلُ، جَعَلَ الضَّمِيرَ عَنْهُنَّ ضَمِيرَ العُقَلاءِ، ولَمْ يَقُلْ يَسْبَحْنَ أوْ تَسْبَحُ، وكَذا قالَ الفَرّاءُ. وقالَ الكِسائِيُّ: إنَّما قالَ يَسْبَحُونَ لِأنَّهُ رَأْسُ آيَةٍ، والفَلَكُ واحِدُ أفْلاكِ النُّجُومِ، وأصْلُ الكَلِمَةِ مِنَ الدَّوَرانِ، ومِنهُ فَلَكَ المِغْزَلُ لِاسْتِدارَتِها. ﴿وما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِن قَبْلِكَ الخُلْدَ﴾ أيْ دَوامَ البَقاءِ في الدُّنْيا أفَإنْ مِتَّ بِأجَلِكَ المَحْتُومِ فَهُمُ الخالِدُونَ أيْ أفْهُمُ الخالِدُونَ: قالَ الفَرّاءُ: جاءَ بِالفاءِ لِتَدُلَّ عَلى الشَّرْطِ لِأنَّهُ جَوابُ قَوْلِهِمْ سَيَمُوتُ. قالَ: ويَجُوزُ حَذْفُ الفاءِ وإضْمارُها، والمَعْنى: إنْ مِتَّ فَهم يَمُوتُونَ أيْضًا، فَلا شَماتَةَ في المَوْتِ. وقُرِئَ ( مِتَّ ) بِكَسْرِ المِيمِ وضَمِّها لُغَتانِ: وكانَ سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلَ المُشْرِكِينَ فِيما حَكاهُ اللَّهُ عَنْهم ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠] . ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ﴾ أيْ ذائِقَةٌ مُفارِقَةٌ جَسَدَها، فَلا يَبْقى أحَدٌ مِن ذَواتِ الأنْفُسِ المَخْلُوقَةِ كائِنًا ما كانَ ﴿ونَبْلُوكم بِالشَّرِّ والخَيْرِ فِتْنَةً﴾ أيْ نَخْتَبِرُكم بِالشِّدَّةِ والرَّخاءِ، لِنَنْظُرَ كَيْفَ شُكْرُكم وصَبْرُكم. والمُرادُ أنَّهُ سُبْحانَهُ يُعامِلُهم مُعامَلَةَ مَن يَبْلُوهم، وفِتْنَةٌ مَصْدَرٌ لِنَبْلُوَكم مِن غَيْرِ لَفْظِهِ وإلَيْنا تُرْجَعُونَ لا إلى غَيْرِنا فَنُجازِيكم بِأعْمالِكم إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: قالَتِ اليَهُودُ إنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - صاهَرَ الجِنَّ فَكانَتْ بَيْنَهُمُ المَلائِكَةُ، فَقالَ اللَّهُ تَكْذِيبًا لَهم ﴿بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ أيِ المَلائِكَةُ لَيْسَ كَما قالُوا، بَلْ عِبادٌ أكْرَمَهم بِعِبادَتِهِ ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ﴾ (p-٩٣٥)يُثْنِي عَلَيْهِمْ ﴿ولا يَشْفَعُونَ﴾ قالَ: لا تَشْفَعُ المَلائِكَةُ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿إلّا لِمَنِ ارْتَضى﴾ قالَ: لِأهْلِ التَّوْحِيدِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا لِمَنِ ارْتَضى﴾ قالَ: لِأهْلِ التَّوْحِيدِ لِمَن رَضِيَ عَنْهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ في الآيَةِ قالَ: قَوْلُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: الَّذِينَ ارْتَضاهم لِشَهادَةِ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ جابِرٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - تَلا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَنِ ارْتَضى﴾ قالَ: إنَّ شَفاعَتِي لِأهْلِ الكَبائِرِ مِن أُمَّتِي» . وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كانَتا رَتْقًا فَفَتَقْناهُما﴾ قالَ: فُتِقَتِ السَّماءُ بِالغَيْثِ، وفُتِقَتِ الأرْضُ بِالنَّباتِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿كانَتا رَتْقًا﴾ قالَ: لا يَخْرُجُ مِنهُما شَيْءٌ، وذَكَرَ مِثْلَ ما تَقَدَّمَ. وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ عَنْهُ أيْضًا مِن طَرِيقٍ أُخْرى. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ ﴿كانَتا رَتْقًا﴾ قالَ: مُلْتَصِقَتَيْنِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ قالَ: نُطْفَةُ الرَّجُلِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وجَعَلْنا فِيها فِجاجًا سُبُلًا﴾ قالَ: بَيْنَ الجِبالِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كُلٌّ في فَلَكٍ﴾ قالَ: دَوَرانٌ يَسْبَحُونَ قالَ يَجْرُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْهُ ﴿كُلٌّ في فَلَكٍ﴾ قالَ: فَلَكٌ كَفَلَكَةِ المِغْزَلِ يَسْبَحُونَ قالَ: يَدُورُونَ في أبْوابِ السَّماءِ كَما تَدُورُ الفَلَكَةُ في المِغْزَلِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: هو فَلَكُ السَّماءِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ عَنْ عائِشَةَ قالَ: دَخَلَ أبُو بَكْرٍ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وقَدْ ماتَ فَقَبَّلَهُ وقالَ: وانَبِيّاهُ واخَلِيلاهُ واصَفِيّاهُ، ثُمَّ تَلا ﴿وما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِن قَبْلِكَ الخُلْدَ﴾ الآيَةَ، وقَوْلَهُ: ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ونَبْلُوكم بِالشَّرِّ والخَيْرِ فِتْنَةً﴾ قالَ: نَبْتَلِيكم بِالشِّدَّةِ والرَّخاءِ، والصِّحَّةِ والسَّقَمِ، والغِنى والفَقْرِ، والحَلالِ والحَرامِ، والطّاعَةِ والمَعْصِيَةِ والهُدى والضَّلالَةِ.

الأنبياء 21:31

. قَوْلُهُ: ﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾ هَؤُلاءِ القائِلُونَ هم خُزاعَةُ، فَإنَّهم قالُوا المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، وقِيلَ: هُمُ اليَهُودُ، ويَصِحُّ حَمْلُ الآيَةِ عَلى كُلِّ مَن جَعَلَ لِلَّهِ ولَدًا. وقَدْ قالَتِ اليَهُودُ: عُزَيْرُ ابْنُ اللَّهِ، وقالَتِ النَّصارى: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، وقالَتْ طائِفَةٌ مِنَ العَرَبِ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ. ثُمَّ نَزَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - نَفْسَهُ فَقالَ: سُبْحانَهُ أيْ تَنْزِيهًا لَهُ عَنْ ذَلِكَ، وهو مَقُولٌ عَلى ألْسِنَةِ العِبادِ. ثُمَّ أضْرَبَ عَنْ قَوْلِهِمْ وأبْطَلَهُ فَقالَ ﴿بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ أيْ لَيْسُوا كَما قالُوا، بَلْ هم عِبادٌ لِلَّهِ سُبْحانَهُ مُكْرَمُونَ بِكَرامَتِهِ لَهم، مُقَرَّبُونَ عِنْدَهُ. وقُرِئَ ( مُكَرَّمُونَ ) بِالتَّشْدِيدِ، وأجازَ الزَّجّاجُ والفَرّاءُ نَصْبَ عِبادٍ عَلى مَعْنى: بَلِ اتَّخَذَ عِبادًا. ثُمَّ وصَفَهم بِصِفَةٍ أُخْرى فَقالَ: ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ﴾ أيْ لا يَقُولُونَ شَيْئًا حَتّى يَقُولَهُ: أوْ يَأْمُرُهم بِهِ. كَذا قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ وغَيْرُهُ، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى كَمالِ طاعَتِهِمْ وانْقِيادِهِمْ. وقُرِئَ ( لا يَسْبُقُونَهُ ) بِضَمِّ الباءِ مِن سَبَقْتُهُ أسْبِقُهُ ﴿وهم بِأمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ أيْ هُمُ العامِلُونَ بِما (p-٩٣٤)يَأْمُرُهُمُ اللَّهُ بِهِ، التّابِعُونَ لَهُ المُطِيعُونَ لِرَبِّهِمْ. ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها: أيْ يَعْلَمُ ما عَمِلُوا وما هم عامِلُونَ، أوْ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وهو الآخِرَةُ، وما خَلْفَهم وهو الدُّنْيا، ووَجْهُ التَّعْلِيلِ أنَّهم إذا عَلِمُوا بِأنَّهُ عالِمٌ بِما قَدَّمُوا وأخَّرُوا، لَمْ يَعْمَلُوا عَمَلًا ولَمْ يَقُولُوا قَوْلًا إلّا بِأمْرِهِ ﴿ولا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَنِ ارْتَضى﴾ أيْ يَشْفَعُ الشّافِعُونَ لَهُ، وهو مَن رَضِيَ عَنْهُ، وقِيلَ: هم أهْلُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ أنَّ المَلائِكَةَ يُشَفَّعُونَ في الدّارِ الآخِرَةِ ﴿وهم مِن خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ أيْ مِن خَشْيَتِهِمْ مِنهُ، فالمَصْدَرُ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ، والخَشْيَةُ الخَوْفُ مِنَ التَّعْظِيمِ، والإشْفاقُ الخَوْفُ مِنَ التَّوَقُّعِ والحَذَرِ: أيْ لا يَأْمَنُونَ مَكْرَ اللَّهِ. ﴿ومَن يَقُلْ مِنهم إنِّي إلَهٌ مَن دُونِهِ﴾ أيْ مِن يَقُلْ مِنَ المَلائِكَةِ إنِّي إلَهٌ مَن دُونِ اللَّهِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: عَنى بِهَذا إبْلِيسَ، لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ أحَدٌ مِنَ المَلائِكَةِ إنِّي إلَهٌ إلّا إبْلِيسَ، وقِيلَ: الإشارَةُ إلى جَمِيعِ الأنْبِياءِ ﴿فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ أيْ فَذَلِكَ القائِلُ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ: نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ بِسَبَبِ هَذا القَوْلِ الَّذِي قالَهُ، كَما نَجْزِي غَيْرَهُ مِنَ المُجْرِمِينَ ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ أيْ مِثْلِ ذَلِكَ الجَزاءِ الفَظِيعِ نَجْزِي الظّالِمِينَ، أوْ مِثْلَ ما جَعَلْنا جَزاءَ هَذا القائِلَ جَهَنَّمَ، فَكَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ الواضِعِينَ الإلَهِيَّةَ والعِبادَةَ في غَيْرِ مَوْضِعِها، والمُرادُ بِالظّالِمِينَ المُشْرِكُونَ. ﴿أوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى المُقَدَّرِ، والرُّؤْيَةُ هي القَلْبِيَّةُ: أيْ ألَمْ يَتَفَكَّرُوا أوْ لَمْ يَعْلَمُوا ﴿أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ كانَتا رَتْقًا﴾ قالَ الأخْفَشُ: إنَّما قالَ كانَتا، لِأنَّهُما صِنْفانِ أيْ جَماعَتا السَّماواتِ والأرَضِينَ كَما قالَ سُبْحانَهُ ﴿إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا﴾ [فاطر: ٤١]، وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّما قالَ كانَتا لِأنَّهُ يُعَبِّرُ عَنِ السَّماواتِ بِلَفْظِ الواحِدِ، لِأنَّ السَّماواتِ كانَتْ سَماءً واحِدَةً، وكَذَلِكَ الأرَضُونَ، والرَّتْقُ السَّدُّ ضِدُّ الفَتْقِ، يُقالُ رَتَقْتُ الفَتْقَ أرْتُقُهُ فارْتَتَقَ: أيِ التَأمَ، ومِنهُ الرَّتْقاءُ لِلْمُنْضَمَّةِ الفَرْجِ: يَعْنِي أنَّهُما كانَتا شَيْئًا واحِدًا مُلْتَزِقَتَيْنِ فَفَصَلَ اللَّهُ بَيْنَهُما، وقالَ رَتْقًا ولَمْ يَقُلْ رَتْقَيْنِ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ، والتَّقْدِيرُ: كانَتا ذَواتِي رَتْقٍ، ومَعْنى فَفَتَقْناهُما فَفَصَلْناهُما: أيْ فَصَلْنا بَعْضَهُما مِن بَعْضٍ، فَرَفَعْنا السَّماءَ، وأبْقَيْنا الأرْضَ مَكانَها ﴿وجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ أيْ أحْيَيْنا بِالماءِ الَّذِي نُنْزِلُهُ مِنَ السَّماءِ كُلَّ شَيْءٍ، فَيَشْمَلُ الحَيَوانَ والنَّباتَ، والمَعْنى أنَّ الماءَ سَبَبُ حَياةِ كُلِّ شَيْءٍ. وقِيلَ: المُرادُ بِالماءِ هُنا النُّطْفَةُ، وبِهِ قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، وهَذا احْتِجاجٌ عَلى المُشْرِكِينَ بِقُدْرَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وبَدِيعِ صُنْعِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ، والهَمْزَةُ في ﴿أفَلا يُؤْمِنُونَ﴾ لِلْإنْكارِ عَلَيْهِمْ، حَيْثُ لَمْ يُؤْمِنُوا مَعَ وُجُودِ ما يَقْتَضِيهِ مِنَ الآياتِ الرَّبّانِيَّةِ. ﴿وجَعَلْنا في الأرْضِ رَواسِيَ﴾ أيْ جِبالًا ثَوابِتَ ﴿أنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾ المَيْدُ التَّحَرُّكُ والدَّوَرانُ أيْ لِئَلّا تَتَحَرَّكَ وتَدُورَ بِهِمْ، أوْ كَراهَةِ ذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ذَلِكَ في النَّحْلِ مُسْتَوْفًى ﴿وجَعَلْنا فِيها﴾ أيْ في الرَّواسِي، أوْ في الأرْضِ فِجاجًا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هي المَسالِكُ. وقالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ مُخْتَرِقٍ بَيْنَ جَبَلَيْنِ فَهو فَجٌّ وسُبُلًا تَفْسِيرٌ لِلْفِجاجِ، لِأنَّ الفَجَّ قَدْ لا يَكُونُ طَرِيقًا نافِذًا مَسْلُوكًا ﴿لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ إلى مَصالِحَ مَعاشِهِمْ، وما تَدْعُو إلَيْهِ حاجاتُهم. ﴿وجَعَلْنا السَّماءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ عَنْ أنْ يَقَعَ ويَسْقُطَ عَلى الأرْضِ كَقَوْلِهِ: ﴿ويُمْسِكُ السَّماءَ أنْ تَقَعَ عَلى الأرْضِ﴾ [الحج: ٦٥] وقالَ الفَرّاءُ: مَحْفُوظًا بِالنُّجُومِ مِنَ الشَّيْطانِ كَقَوْلِهِ: ﴿وحَفِظْناها مِن كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ [الحجر: ١٧] وقِيلَ: مَحْفُوظًا لا يَحْتاجُ إلى عِمادٍ، وقِيلَ: المُرادُ بِالمَحْفُوظِ هُنا المَرْفُوعُ، وقِيلَ: مَحْفُوظًا عَنِ الشِّرْكِ والمَعاصِي، وقِيلَ: مَحْفُوظًا عَنِ الهَدْمِ والنَّقْضِ ﴿وهم عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ﴾ أضافَ الآياتِ إلى السَّماءِ، لِأنَّها مَجْعُولَةٌ فِيها، وذَلِكَ كالشَّمْسِ والقَمَرِ ونَحْوِهِما، ومَعْنى الإعْراضِ أنَّهم لا يَتَدَبَّرُونَ فِيها، ولا يَتَفَكَّرُونَ فِيما تُوجِبُهُ مِنَ الإيمانِ. ﴿وهو الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ والنَّهارَ والشَّمْسَ والقَمَرَ﴾ هَذا تَذْكِيرٌ لَهم بِنِعْمَةٍ أُخْرى مِمّا أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ، وذَلِكَ بِأنَّهُ خَلَقَ لَهُمُ اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ، والنَّهارَ لِيَتَصَرَّفُوا فِيهِ في مَعايِشِهِمْ، وخَلَقَ الشَّمْسَ والقَمَرَ أيْ جَعْلَ الشَّمْسَ آيَةَ النَّهارِ، والقَمَرَ آيَةَ اللَّيْلِ، لِيَعْلَمُوا عَدَدَ الشُّهُورِ والحِسابِ كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في سُبْحانَ ﴿كُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ أيْ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ: أيْ يَجْرُونَ في وسَطِ الفَلَكِ، ويَسِيرُونَ بِسُرْعَةٍ كالسّابِحِ في الماءِ، والجَمْعُ في الفِعْلِ بِاعْتِبارِ المَطالِعِ، قالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّهُ لَمّا أخْبَرَ عَنْهُنَّ بِفِعْلِ مَن يَعْقِلُ، وجَعَلَهُنَّ في الطّاعَةِ بِمَنزِلَةِ مَن يَعْقِلُ، جَعَلَ الضَّمِيرَ عَنْهُنَّ ضَمِيرَ العُقَلاءِ، ولَمْ يَقُلْ يَسْبَحْنَ أوْ تَسْبَحُ، وكَذا قالَ الفَرّاءُ. وقالَ الكِسائِيُّ: إنَّما قالَ يَسْبَحُونَ لِأنَّهُ رَأْسُ آيَةٍ، والفَلَكُ واحِدُ أفْلاكِ النُّجُومِ، وأصْلُ الكَلِمَةِ مِنَ الدَّوَرانِ، ومِنهُ فَلَكَ المِغْزَلُ لِاسْتِدارَتِها. ﴿وما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِن قَبْلِكَ الخُلْدَ﴾ أيْ دَوامَ البَقاءِ في الدُّنْيا أفَإنْ مِتَّ بِأجَلِكَ المَحْتُومِ فَهُمُ الخالِدُونَ أيْ أفْهُمُ الخالِدُونَ: قالَ الفَرّاءُ: جاءَ بِالفاءِ لِتَدُلَّ عَلى الشَّرْطِ لِأنَّهُ جَوابُ قَوْلِهِمْ سَيَمُوتُ. قالَ: ويَجُوزُ حَذْفُ الفاءِ وإضْمارُها، والمَعْنى: إنْ مِتَّ فَهم يَمُوتُونَ أيْضًا، فَلا شَماتَةَ في المَوْتِ. وقُرِئَ ( مِتَّ ) بِكَسْرِ المِيمِ وضَمِّها لُغَتانِ: وكانَ سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلَ المُشْرِكِينَ فِيما حَكاهُ اللَّهُ عَنْهم ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠] . ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ﴾ أيْ ذائِقَةٌ مُفارِقَةٌ جَسَدَها، فَلا يَبْقى أحَدٌ مِن ذَواتِ الأنْفُسِ المَخْلُوقَةِ كائِنًا ما كانَ ﴿ونَبْلُوكم بِالشَّرِّ والخَيْرِ فِتْنَةً﴾ أيْ نَخْتَبِرُكم بِالشِّدَّةِ والرَّخاءِ، لِنَنْظُرَ كَيْفَ شُكْرُكم وصَبْرُكم. والمُرادُ أنَّهُ سُبْحانَهُ يُعامِلُهم مُعامَلَةَ مَن يَبْلُوهم، وفِتْنَةٌ مَصْدَرٌ لِنَبْلُوَكم مِن غَيْرِ لَفْظِهِ وإلَيْنا تُرْجَعُونَ لا إلى غَيْرِنا فَنُجازِيكم بِأعْمالِكم إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: قالَتِ اليَهُودُ إنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - صاهَرَ الجِنَّ فَكانَتْ بَيْنَهُمُ المَلائِكَةُ، فَقالَ اللَّهُ تَكْذِيبًا لَهم ﴿بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ أيِ المَلائِكَةُ لَيْسَ كَما قالُوا، بَلْ عِبادٌ أكْرَمَهم بِعِبادَتِهِ ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ﴾ (p-٩٣٥)يُثْنِي عَلَيْهِمْ ﴿ولا يَشْفَعُونَ﴾ قالَ: لا تَشْفَعُ المَلائِكَةُ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿إلّا لِمَنِ ارْتَضى﴾ قالَ: لِأهْلِ التَّوْحِيدِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا لِمَنِ ارْتَضى﴾ قالَ: لِأهْلِ التَّوْحِيدِ لِمَن رَضِيَ عَنْهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ في الآيَةِ قالَ: قَوْلُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: الَّذِينَ ارْتَضاهم لِشَهادَةِ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ جابِرٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - تَلا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَنِ ارْتَضى﴾ قالَ: إنَّ شَفاعَتِي لِأهْلِ الكَبائِرِ مِن أُمَّتِي» . وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كانَتا رَتْقًا فَفَتَقْناهُما﴾ قالَ: فُتِقَتِ السَّماءُ بِالغَيْثِ، وفُتِقَتِ الأرْضُ بِالنَّباتِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿كانَتا رَتْقًا﴾ قالَ: لا يَخْرُجُ مِنهُما شَيْءٌ، وذَكَرَ مِثْلَ ما تَقَدَّمَ. وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ عَنْهُ أيْضًا مِن طَرِيقٍ أُخْرى. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ ﴿كانَتا رَتْقًا﴾ قالَ: مُلْتَصِقَتَيْنِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ قالَ: نُطْفَةُ الرَّجُلِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وجَعَلْنا فِيها فِجاجًا سُبُلًا﴾ قالَ: بَيْنَ الجِبالِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كُلٌّ في فَلَكٍ﴾ قالَ: دَوَرانٌ يَسْبَحُونَ قالَ يَجْرُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْهُ ﴿كُلٌّ في فَلَكٍ﴾ قالَ: فَلَكٌ كَفَلَكَةِ المِغْزَلِ يَسْبَحُونَ قالَ: يَدُورُونَ في أبْوابِ السَّماءِ كَما تَدُورُ الفَلَكَةُ في المِغْزَلِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: هو فَلَكُ السَّماءِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ عَنْ عائِشَةَ قالَ: دَخَلَ أبُو بَكْرٍ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وقَدْ ماتَ فَقَبَّلَهُ وقالَ: وانَبِيّاهُ واخَلِيلاهُ واصَفِيّاهُ، ثُمَّ تَلا ﴿وما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِن قَبْلِكَ الخُلْدَ﴾ الآيَةَ، وقَوْلَهُ: ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ونَبْلُوكم بِالشَّرِّ والخَيْرِ فِتْنَةً﴾ قالَ: نَبْتَلِيكم بِالشِّدَّةِ والرَّخاءِ، والصِّحَّةِ والسَّقَمِ، والغِنى والفَقْرِ، والحَلالِ والحَرامِ، والطّاعَةِ والمَعْصِيَةِ والهُدى والضَّلالَةِ.

الأنبياء 21:32

. قَوْلُهُ: ﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾ هَؤُلاءِ القائِلُونَ هم خُزاعَةُ، فَإنَّهم قالُوا المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، وقِيلَ: هُمُ اليَهُودُ، ويَصِحُّ حَمْلُ الآيَةِ عَلى كُلِّ مَن جَعَلَ لِلَّهِ ولَدًا. وقَدْ قالَتِ اليَهُودُ: عُزَيْرُ ابْنُ اللَّهِ، وقالَتِ النَّصارى: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، وقالَتْ طائِفَةٌ مِنَ العَرَبِ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ. ثُمَّ نَزَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - نَفْسَهُ فَقالَ: سُبْحانَهُ أيْ تَنْزِيهًا لَهُ عَنْ ذَلِكَ، وهو مَقُولٌ عَلى ألْسِنَةِ العِبادِ. ثُمَّ أضْرَبَ عَنْ قَوْلِهِمْ وأبْطَلَهُ فَقالَ ﴿بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ أيْ لَيْسُوا كَما قالُوا، بَلْ هم عِبادٌ لِلَّهِ سُبْحانَهُ مُكْرَمُونَ بِكَرامَتِهِ لَهم، مُقَرَّبُونَ عِنْدَهُ. وقُرِئَ ( مُكَرَّمُونَ ) بِالتَّشْدِيدِ، وأجازَ الزَّجّاجُ والفَرّاءُ نَصْبَ عِبادٍ عَلى مَعْنى: بَلِ اتَّخَذَ عِبادًا. ثُمَّ وصَفَهم بِصِفَةٍ أُخْرى فَقالَ: ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ﴾ أيْ لا يَقُولُونَ شَيْئًا حَتّى يَقُولَهُ: أوْ يَأْمُرُهم بِهِ. كَذا قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ وغَيْرُهُ، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى كَمالِ طاعَتِهِمْ وانْقِيادِهِمْ. وقُرِئَ ( لا يَسْبُقُونَهُ ) بِضَمِّ الباءِ مِن سَبَقْتُهُ أسْبِقُهُ ﴿وهم بِأمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ أيْ هُمُ العامِلُونَ بِما (p-٩٣٤)يَأْمُرُهُمُ اللَّهُ بِهِ، التّابِعُونَ لَهُ المُطِيعُونَ لِرَبِّهِمْ. ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها: أيْ يَعْلَمُ ما عَمِلُوا وما هم عامِلُونَ، أوْ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وهو الآخِرَةُ، وما خَلْفَهم وهو الدُّنْيا، ووَجْهُ التَّعْلِيلِ أنَّهم إذا عَلِمُوا بِأنَّهُ عالِمٌ بِما قَدَّمُوا وأخَّرُوا، لَمْ يَعْمَلُوا عَمَلًا ولَمْ يَقُولُوا قَوْلًا إلّا بِأمْرِهِ ﴿ولا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَنِ ارْتَضى﴾ أيْ يَشْفَعُ الشّافِعُونَ لَهُ، وهو مَن رَضِيَ عَنْهُ، وقِيلَ: هم أهْلُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ أنَّ المَلائِكَةَ يُشَفَّعُونَ في الدّارِ الآخِرَةِ ﴿وهم مِن خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ أيْ مِن خَشْيَتِهِمْ مِنهُ، فالمَصْدَرُ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ، والخَشْيَةُ الخَوْفُ مِنَ التَّعْظِيمِ، والإشْفاقُ الخَوْفُ مِنَ التَّوَقُّعِ والحَذَرِ: أيْ لا يَأْمَنُونَ مَكْرَ اللَّهِ. ﴿ومَن يَقُلْ مِنهم إنِّي إلَهٌ مَن دُونِهِ﴾ أيْ مِن يَقُلْ مِنَ المَلائِكَةِ إنِّي إلَهٌ مَن دُونِ اللَّهِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: عَنى بِهَذا إبْلِيسَ، لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ أحَدٌ مِنَ المَلائِكَةِ إنِّي إلَهٌ إلّا إبْلِيسَ، وقِيلَ: الإشارَةُ إلى جَمِيعِ الأنْبِياءِ ﴿فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ أيْ فَذَلِكَ القائِلُ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ: نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ بِسَبَبِ هَذا القَوْلِ الَّذِي قالَهُ، كَما نَجْزِي غَيْرَهُ مِنَ المُجْرِمِينَ ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ أيْ مِثْلِ ذَلِكَ الجَزاءِ الفَظِيعِ نَجْزِي الظّالِمِينَ، أوْ مِثْلَ ما جَعَلْنا جَزاءَ هَذا القائِلَ جَهَنَّمَ، فَكَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ الواضِعِينَ الإلَهِيَّةَ والعِبادَةَ في غَيْرِ مَوْضِعِها، والمُرادُ بِالظّالِمِينَ المُشْرِكُونَ. ﴿أوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى المُقَدَّرِ، والرُّؤْيَةُ هي القَلْبِيَّةُ: أيْ ألَمْ يَتَفَكَّرُوا أوْ لَمْ يَعْلَمُوا ﴿أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ كانَتا رَتْقًا﴾ قالَ الأخْفَشُ: إنَّما قالَ كانَتا، لِأنَّهُما صِنْفانِ أيْ جَماعَتا السَّماواتِ والأرَضِينَ كَما قالَ سُبْحانَهُ ﴿إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا﴾ [فاطر: ٤١]، وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّما قالَ كانَتا لِأنَّهُ يُعَبِّرُ عَنِ السَّماواتِ بِلَفْظِ الواحِدِ، لِأنَّ السَّماواتِ كانَتْ سَماءً واحِدَةً، وكَذَلِكَ الأرَضُونَ، والرَّتْقُ السَّدُّ ضِدُّ الفَتْقِ، يُقالُ رَتَقْتُ الفَتْقَ أرْتُقُهُ فارْتَتَقَ: أيِ التَأمَ، ومِنهُ الرَّتْقاءُ لِلْمُنْضَمَّةِ الفَرْجِ: يَعْنِي أنَّهُما كانَتا شَيْئًا واحِدًا مُلْتَزِقَتَيْنِ فَفَصَلَ اللَّهُ بَيْنَهُما، وقالَ رَتْقًا ولَمْ يَقُلْ رَتْقَيْنِ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ، والتَّقْدِيرُ: كانَتا ذَواتِي رَتْقٍ، ومَعْنى فَفَتَقْناهُما فَفَصَلْناهُما: أيْ فَصَلْنا بَعْضَهُما مِن بَعْضٍ، فَرَفَعْنا السَّماءَ، وأبْقَيْنا الأرْضَ مَكانَها ﴿وجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ أيْ أحْيَيْنا بِالماءِ الَّذِي نُنْزِلُهُ مِنَ السَّماءِ كُلَّ شَيْءٍ، فَيَشْمَلُ الحَيَوانَ والنَّباتَ، والمَعْنى أنَّ الماءَ سَبَبُ حَياةِ كُلِّ شَيْءٍ. وقِيلَ: المُرادُ بِالماءِ هُنا النُّطْفَةُ، وبِهِ قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، وهَذا احْتِجاجٌ عَلى المُشْرِكِينَ بِقُدْرَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وبَدِيعِ صُنْعِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ، والهَمْزَةُ في ﴿أفَلا يُؤْمِنُونَ﴾ لِلْإنْكارِ عَلَيْهِمْ، حَيْثُ لَمْ يُؤْمِنُوا مَعَ وُجُودِ ما يَقْتَضِيهِ مِنَ الآياتِ الرَّبّانِيَّةِ. ﴿وجَعَلْنا في الأرْضِ رَواسِيَ﴾ أيْ جِبالًا ثَوابِتَ ﴿أنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾ المَيْدُ التَّحَرُّكُ والدَّوَرانُ أيْ لِئَلّا تَتَحَرَّكَ وتَدُورَ بِهِمْ، أوْ كَراهَةِ ذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ذَلِكَ في النَّحْلِ مُسْتَوْفًى ﴿وجَعَلْنا فِيها﴾ أيْ في الرَّواسِي، أوْ في الأرْضِ فِجاجًا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هي المَسالِكُ. وقالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ مُخْتَرِقٍ بَيْنَ جَبَلَيْنِ فَهو فَجٌّ وسُبُلًا تَفْسِيرٌ لِلْفِجاجِ، لِأنَّ الفَجَّ قَدْ لا يَكُونُ طَرِيقًا نافِذًا مَسْلُوكًا ﴿لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ إلى مَصالِحَ مَعاشِهِمْ، وما تَدْعُو إلَيْهِ حاجاتُهم. ﴿وجَعَلْنا السَّماءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ عَنْ أنْ يَقَعَ ويَسْقُطَ عَلى الأرْضِ كَقَوْلِهِ: ﴿ويُمْسِكُ السَّماءَ أنْ تَقَعَ عَلى الأرْضِ﴾ [الحج: ٦٥] وقالَ الفَرّاءُ: مَحْفُوظًا بِالنُّجُومِ مِنَ الشَّيْطانِ كَقَوْلِهِ: ﴿وحَفِظْناها مِن كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ [الحجر: ١٧] وقِيلَ: مَحْفُوظًا لا يَحْتاجُ إلى عِمادٍ، وقِيلَ: المُرادُ بِالمَحْفُوظِ هُنا المَرْفُوعُ، وقِيلَ: مَحْفُوظًا عَنِ الشِّرْكِ والمَعاصِي، وقِيلَ: مَحْفُوظًا عَنِ الهَدْمِ والنَّقْضِ ﴿وهم عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ﴾ أضافَ الآياتِ إلى السَّماءِ، لِأنَّها مَجْعُولَةٌ فِيها، وذَلِكَ كالشَّمْسِ والقَمَرِ ونَحْوِهِما، ومَعْنى الإعْراضِ أنَّهم لا يَتَدَبَّرُونَ فِيها، ولا يَتَفَكَّرُونَ فِيما تُوجِبُهُ مِنَ الإيمانِ. ﴿وهو الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ والنَّهارَ والشَّمْسَ والقَمَرَ﴾ هَذا تَذْكِيرٌ لَهم بِنِعْمَةٍ أُخْرى مِمّا أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ، وذَلِكَ بِأنَّهُ خَلَقَ لَهُمُ اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ، والنَّهارَ لِيَتَصَرَّفُوا فِيهِ في مَعايِشِهِمْ، وخَلَقَ الشَّمْسَ والقَمَرَ أيْ جَعْلَ الشَّمْسَ آيَةَ النَّهارِ، والقَمَرَ آيَةَ اللَّيْلِ، لِيَعْلَمُوا عَدَدَ الشُّهُورِ والحِسابِ كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في سُبْحانَ ﴿كُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ أيْ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ: أيْ يَجْرُونَ في وسَطِ الفَلَكِ، ويَسِيرُونَ بِسُرْعَةٍ كالسّابِحِ في الماءِ، والجَمْعُ في الفِعْلِ بِاعْتِبارِ المَطالِعِ، قالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّهُ لَمّا أخْبَرَ عَنْهُنَّ بِفِعْلِ مَن يَعْقِلُ، وجَعَلَهُنَّ في الطّاعَةِ بِمَنزِلَةِ مَن يَعْقِلُ، جَعَلَ الضَّمِيرَ عَنْهُنَّ ضَمِيرَ العُقَلاءِ، ولَمْ يَقُلْ يَسْبَحْنَ أوْ تَسْبَحُ، وكَذا قالَ الفَرّاءُ. وقالَ الكِسائِيُّ: إنَّما قالَ يَسْبَحُونَ لِأنَّهُ رَأْسُ آيَةٍ، والفَلَكُ واحِدُ أفْلاكِ النُّجُومِ، وأصْلُ الكَلِمَةِ مِنَ الدَّوَرانِ، ومِنهُ فَلَكَ المِغْزَلُ لِاسْتِدارَتِها. ﴿وما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِن قَبْلِكَ الخُلْدَ﴾ أيْ دَوامَ البَقاءِ في الدُّنْيا أفَإنْ مِتَّ بِأجَلِكَ المَحْتُومِ فَهُمُ الخالِدُونَ أيْ أفْهُمُ الخالِدُونَ: قالَ الفَرّاءُ: جاءَ بِالفاءِ لِتَدُلَّ عَلى الشَّرْطِ لِأنَّهُ جَوابُ قَوْلِهِمْ سَيَمُوتُ. قالَ: ويَجُوزُ حَذْفُ الفاءِ وإضْمارُها، والمَعْنى: إنْ مِتَّ فَهم يَمُوتُونَ أيْضًا، فَلا شَماتَةَ في المَوْتِ. وقُرِئَ ( مِتَّ ) بِكَسْرِ المِيمِ وضَمِّها لُغَتانِ: وكانَ سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلَ المُشْرِكِينَ فِيما حَكاهُ اللَّهُ عَنْهم ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠] . ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ﴾ أيْ ذائِقَةٌ مُفارِقَةٌ جَسَدَها، فَلا يَبْقى أحَدٌ مِن ذَواتِ الأنْفُسِ المَخْلُوقَةِ كائِنًا ما كانَ ﴿ونَبْلُوكم بِالشَّرِّ والخَيْرِ فِتْنَةً﴾ أيْ نَخْتَبِرُكم بِالشِّدَّةِ والرَّخاءِ، لِنَنْظُرَ كَيْفَ شُكْرُكم وصَبْرُكم. والمُرادُ أنَّهُ سُبْحانَهُ يُعامِلُهم مُعامَلَةَ مَن يَبْلُوهم، وفِتْنَةٌ مَصْدَرٌ لِنَبْلُوَكم مِن غَيْرِ لَفْظِهِ وإلَيْنا تُرْجَعُونَ لا إلى غَيْرِنا فَنُجازِيكم بِأعْمالِكم إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: قالَتِ اليَهُودُ إنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - صاهَرَ الجِنَّ فَكانَتْ بَيْنَهُمُ المَلائِكَةُ، فَقالَ اللَّهُ تَكْذِيبًا لَهم ﴿بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ أيِ المَلائِكَةُ لَيْسَ كَما قالُوا، بَلْ عِبادٌ أكْرَمَهم بِعِبادَتِهِ ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ﴾ (p-٩٣٥)يُثْنِي عَلَيْهِمْ ﴿ولا يَشْفَعُونَ﴾ قالَ: لا تَشْفَعُ المَلائِكَةُ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿إلّا لِمَنِ ارْتَضى﴾ قالَ: لِأهْلِ التَّوْحِيدِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا لِمَنِ ارْتَضى﴾ قالَ: لِأهْلِ التَّوْحِيدِ لِمَن رَضِيَ عَنْهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ في الآيَةِ قالَ: قَوْلُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: الَّذِينَ ارْتَضاهم لِشَهادَةِ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ جابِرٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - تَلا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَنِ ارْتَضى﴾ قالَ: إنَّ شَفاعَتِي لِأهْلِ الكَبائِرِ مِن أُمَّتِي» . وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كانَتا رَتْقًا فَفَتَقْناهُما﴾ قالَ: فُتِقَتِ السَّماءُ بِالغَيْثِ، وفُتِقَتِ الأرْضُ بِالنَّباتِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿كانَتا رَتْقًا﴾ قالَ: لا يَخْرُجُ مِنهُما شَيْءٌ، وذَكَرَ مِثْلَ ما تَقَدَّمَ. وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ عَنْهُ أيْضًا مِن طَرِيقٍ أُخْرى. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ ﴿كانَتا رَتْقًا﴾ قالَ: مُلْتَصِقَتَيْنِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ قالَ: نُطْفَةُ الرَّجُلِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وجَعَلْنا فِيها فِجاجًا سُبُلًا﴾ قالَ: بَيْنَ الجِبالِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كُلٌّ في فَلَكٍ﴾ قالَ: دَوَرانٌ يَسْبَحُونَ قالَ يَجْرُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْهُ ﴿كُلٌّ في فَلَكٍ﴾ قالَ: فَلَكٌ كَفَلَكَةِ المِغْزَلِ يَسْبَحُونَ قالَ: يَدُورُونَ في أبْوابِ السَّماءِ كَما تَدُورُ الفَلَكَةُ في المِغْزَلِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: هو فَلَكُ السَّماءِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ عَنْ عائِشَةَ قالَ: دَخَلَ أبُو بَكْرٍ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وقَدْ ماتَ فَقَبَّلَهُ وقالَ: وانَبِيّاهُ واخَلِيلاهُ واصَفِيّاهُ، ثُمَّ تَلا ﴿وما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِن قَبْلِكَ الخُلْدَ﴾ الآيَةَ، وقَوْلَهُ: ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ونَبْلُوكم بِالشَّرِّ والخَيْرِ فِتْنَةً﴾ قالَ: نَبْتَلِيكم بِالشِّدَّةِ والرَّخاءِ، والصِّحَّةِ والسَّقَمِ، والغِنى والفَقْرِ، والحَلالِ والحَرامِ، والطّاعَةِ والمَعْصِيَةِ والهُدى والضَّلالَةِ.

الأنبياء 21:33

. قَوْلُهُ: ﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾ هَؤُلاءِ القائِلُونَ هم خُزاعَةُ، فَإنَّهم قالُوا المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، وقِيلَ: هُمُ اليَهُودُ، ويَصِحُّ حَمْلُ الآيَةِ عَلى كُلِّ مَن جَعَلَ لِلَّهِ ولَدًا. وقَدْ قالَتِ اليَهُودُ: عُزَيْرُ ابْنُ اللَّهِ، وقالَتِ النَّصارى: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، وقالَتْ طائِفَةٌ مِنَ العَرَبِ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ. ثُمَّ نَزَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - نَفْسَهُ فَقالَ: سُبْحانَهُ أيْ تَنْزِيهًا لَهُ عَنْ ذَلِكَ، وهو مَقُولٌ عَلى ألْسِنَةِ العِبادِ. ثُمَّ أضْرَبَ عَنْ قَوْلِهِمْ وأبْطَلَهُ فَقالَ ﴿بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ أيْ لَيْسُوا كَما قالُوا، بَلْ هم عِبادٌ لِلَّهِ سُبْحانَهُ مُكْرَمُونَ بِكَرامَتِهِ لَهم، مُقَرَّبُونَ عِنْدَهُ. وقُرِئَ ( مُكَرَّمُونَ ) بِالتَّشْدِيدِ، وأجازَ الزَّجّاجُ والفَرّاءُ نَصْبَ عِبادٍ عَلى مَعْنى: بَلِ اتَّخَذَ عِبادًا. ثُمَّ وصَفَهم بِصِفَةٍ أُخْرى فَقالَ: ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ﴾ أيْ لا يَقُولُونَ شَيْئًا حَتّى يَقُولَهُ: أوْ يَأْمُرُهم بِهِ. كَذا قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ وغَيْرُهُ، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى كَمالِ طاعَتِهِمْ وانْقِيادِهِمْ. وقُرِئَ ( لا يَسْبُقُونَهُ ) بِضَمِّ الباءِ مِن سَبَقْتُهُ أسْبِقُهُ ﴿وهم بِأمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ أيْ هُمُ العامِلُونَ بِما (p-٩٣٤)يَأْمُرُهُمُ اللَّهُ بِهِ، التّابِعُونَ لَهُ المُطِيعُونَ لِرَبِّهِمْ. ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها: أيْ يَعْلَمُ ما عَمِلُوا وما هم عامِلُونَ، أوْ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وهو الآخِرَةُ، وما خَلْفَهم وهو الدُّنْيا، ووَجْهُ التَّعْلِيلِ أنَّهم إذا عَلِمُوا بِأنَّهُ عالِمٌ بِما قَدَّمُوا وأخَّرُوا، لَمْ يَعْمَلُوا عَمَلًا ولَمْ يَقُولُوا قَوْلًا إلّا بِأمْرِهِ ﴿ولا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَنِ ارْتَضى﴾ أيْ يَشْفَعُ الشّافِعُونَ لَهُ، وهو مَن رَضِيَ عَنْهُ، وقِيلَ: هم أهْلُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ أنَّ المَلائِكَةَ يُشَفَّعُونَ في الدّارِ الآخِرَةِ ﴿وهم مِن خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ أيْ مِن خَشْيَتِهِمْ مِنهُ، فالمَصْدَرُ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ، والخَشْيَةُ الخَوْفُ مِنَ التَّعْظِيمِ، والإشْفاقُ الخَوْفُ مِنَ التَّوَقُّعِ والحَذَرِ: أيْ لا يَأْمَنُونَ مَكْرَ اللَّهِ. ﴿ومَن يَقُلْ مِنهم إنِّي إلَهٌ مَن دُونِهِ﴾ أيْ مِن يَقُلْ مِنَ المَلائِكَةِ إنِّي إلَهٌ مَن دُونِ اللَّهِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: عَنى بِهَذا إبْلِيسَ، لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ أحَدٌ مِنَ المَلائِكَةِ إنِّي إلَهٌ إلّا إبْلِيسَ، وقِيلَ: الإشارَةُ إلى جَمِيعِ الأنْبِياءِ ﴿فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ أيْ فَذَلِكَ القائِلُ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ: نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ بِسَبَبِ هَذا القَوْلِ الَّذِي قالَهُ، كَما نَجْزِي غَيْرَهُ مِنَ المُجْرِمِينَ ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ أيْ مِثْلِ ذَلِكَ الجَزاءِ الفَظِيعِ نَجْزِي الظّالِمِينَ، أوْ مِثْلَ ما جَعَلْنا جَزاءَ هَذا القائِلَ جَهَنَّمَ، فَكَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ الواضِعِينَ الإلَهِيَّةَ والعِبادَةَ في غَيْرِ مَوْضِعِها، والمُرادُ بِالظّالِمِينَ المُشْرِكُونَ. ﴿أوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى المُقَدَّرِ، والرُّؤْيَةُ هي القَلْبِيَّةُ: أيْ ألَمْ يَتَفَكَّرُوا أوْ لَمْ يَعْلَمُوا ﴿أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ كانَتا رَتْقًا﴾ قالَ الأخْفَشُ: إنَّما قالَ كانَتا، لِأنَّهُما صِنْفانِ أيْ جَماعَتا السَّماواتِ والأرَضِينَ كَما قالَ سُبْحانَهُ ﴿إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا﴾ [فاطر: ٤١]، وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّما قالَ كانَتا لِأنَّهُ يُعَبِّرُ عَنِ السَّماواتِ بِلَفْظِ الواحِدِ، لِأنَّ السَّماواتِ كانَتْ سَماءً واحِدَةً، وكَذَلِكَ الأرَضُونَ، والرَّتْقُ السَّدُّ ضِدُّ الفَتْقِ، يُقالُ رَتَقْتُ الفَتْقَ أرْتُقُهُ فارْتَتَقَ: أيِ التَأمَ، ومِنهُ الرَّتْقاءُ لِلْمُنْضَمَّةِ الفَرْجِ: يَعْنِي أنَّهُما كانَتا شَيْئًا واحِدًا مُلْتَزِقَتَيْنِ فَفَصَلَ اللَّهُ بَيْنَهُما، وقالَ رَتْقًا ولَمْ يَقُلْ رَتْقَيْنِ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ، والتَّقْدِيرُ: كانَتا ذَواتِي رَتْقٍ، ومَعْنى فَفَتَقْناهُما فَفَصَلْناهُما: أيْ فَصَلْنا بَعْضَهُما مِن بَعْضٍ، فَرَفَعْنا السَّماءَ، وأبْقَيْنا الأرْضَ مَكانَها ﴿وجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ أيْ أحْيَيْنا بِالماءِ الَّذِي نُنْزِلُهُ مِنَ السَّماءِ كُلَّ شَيْءٍ، فَيَشْمَلُ الحَيَوانَ والنَّباتَ، والمَعْنى أنَّ الماءَ سَبَبُ حَياةِ كُلِّ شَيْءٍ. وقِيلَ: المُرادُ بِالماءِ هُنا النُّطْفَةُ، وبِهِ قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، وهَذا احْتِجاجٌ عَلى المُشْرِكِينَ بِقُدْرَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وبَدِيعِ صُنْعِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ، والهَمْزَةُ في ﴿أفَلا يُؤْمِنُونَ﴾ لِلْإنْكارِ عَلَيْهِمْ، حَيْثُ لَمْ يُؤْمِنُوا مَعَ وُجُودِ ما يَقْتَضِيهِ مِنَ الآياتِ الرَّبّانِيَّةِ. ﴿وجَعَلْنا في الأرْضِ رَواسِيَ﴾ أيْ جِبالًا ثَوابِتَ ﴿أنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾ المَيْدُ التَّحَرُّكُ والدَّوَرانُ أيْ لِئَلّا تَتَحَرَّكَ وتَدُورَ بِهِمْ، أوْ كَراهَةِ ذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ذَلِكَ في النَّحْلِ مُسْتَوْفًى ﴿وجَعَلْنا فِيها﴾ أيْ في الرَّواسِي، أوْ في الأرْضِ فِجاجًا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هي المَسالِكُ. وقالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ مُخْتَرِقٍ بَيْنَ جَبَلَيْنِ فَهو فَجٌّ وسُبُلًا تَفْسِيرٌ لِلْفِجاجِ، لِأنَّ الفَجَّ قَدْ لا يَكُونُ طَرِيقًا نافِذًا مَسْلُوكًا ﴿لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ إلى مَصالِحَ مَعاشِهِمْ، وما تَدْعُو إلَيْهِ حاجاتُهم. ﴿وجَعَلْنا السَّماءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ عَنْ أنْ يَقَعَ ويَسْقُطَ عَلى الأرْضِ كَقَوْلِهِ: ﴿ويُمْسِكُ السَّماءَ أنْ تَقَعَ عَلى الأرْضِ﴾ [الحج: ٦٥] وقالَ الفَرّاءُ: مَحْفُوظًا بِالنُّجُومِ مِنَ الشَّيْطانِ كَقَوْلِهِ: ﴿وحَفِظْناها مِن كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ [الحجر: ١٧] وقِيلَ: مَحْفُوظًا لا يَحْتاجُ إلى عِمادٍ، وقِيلَ: المُرادُ بِالمَحْفُوظِ هُنا المَرْفُوعُ، وقِيلَ: مَحْفُوظًا عَنِ الشِّرْكِ والمَعاصِي، وقِيلَ: مَحْفُوظًا عَنِ الهَدْمِ والنَّقْضِ ﴿وهم عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ﴾ أضافَ الآياتِ إلى السَّماءِ، لِأنَّها مَجْعُولَةٌ فِيها، وذَلِكَ كالشَّمْسِ والقَمَرِ ونَحْوِهِما، ومَعْنى الإعْراضِ أنَّهم لا يَتَدَبَّرُونَ فِيها، ولا يَتَفَكَّرُونَ فِيما تُوجِبُهُ مِنَ الإيمانِ. ﴿وهو الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ والنَّهارَ والشَّمْسَ والقَمَرَ﴾ هَذا تَذْكِيرٌ لَهم بِنِعْمَةٍ أُخْرى مِمّا أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ، وذَلِكَ بِأنَّهُ خَلَقَ لَهُمُ اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ، والنَّهارَ لِيَتَصَرَّفُوا فِيهِ في مَعايِشِهِمْ، وخَلَقَ الشَّمْسَ والقَمَرَ أيْ جَعْلَ الشَّمْسَ آيَةَ النَّهارِ، والقَمَرَ آيَةَ اللَّيْلِ، لِيَعْلَمُوا عَدَدَ الشُّهُورِ والحِسابِ كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في سُبْحانَ ﴿كُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ أيْ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ: أيْ يَجْرُونَ في وسَطِ الفَلَكِ، ويَسِيرُونَ بِسُرْعَةٍ كالسّابِحِ في الماءِ، والجَمْعُ في الفِعْلِ بِاعْتِبارِ المَطالِعِ، قالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّهُ لَمّا أخْبَرَ عَنْهُنَّ بِفِعْلِ مَن يَعْقِلُ، وجَعَلَهُنَّ في الطّاعَةِ بِمَنزِلَةِ مَن يَعْقِلُ، جَعَلَ الضَّمِيرَ عَنْهُنَّ ضَمِيرَ العُقَلاءِ، ولَمْ يَقُلْ يَسْبَحْنَ أوْ تَسْبَحُ، وكَذا قالَ الفَرّاءُ. وقالَ الكِسائِيُّ: إنَّما قالَ يَسْبَحُونَ لِأنَّهُ رَأْسُ آيَةٍ، والفَلَكُ واحِدُ أفْلاكِ النُّجُومِ، وأصْلُ الكَلِمَةِ مِنَ الدَّوَرانِ، ومِنهُ فَلَكَ المِغْزَلُ لِاسْتِدارَتِها. ﴿وما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِن قَبْلِكَ الخُلْدَ﴾ أيْ دَوامَ البَقاءِ في الدُّنْيا أفَإنْ مِتَّ بِأجَلِكَ المَحْتُومِ فَهُمُ الخالِدُونَ أيْ أفْهُمُ الخالِدُونَ: قالَ الفَرّاءُ: جاءَ بِالفاءِ لِتَدُلَّ عَلى الشَّرْطِ لِأنَّهُ جَوابُ قَوْلِهِمْ سَيَمُوتُ. قالَ: ويَجُوزُ حَذْفُ الفاءِ وإضْمارُها، والمَعْنى: إنْ مِتَّ فَهم يَمُوتُونَ أيْضًا، فَلا شَماتَةَ في المَوْتِ. وقُرِئَ ( مِتَّ ) بِكَسْرِ المِيمِ وضَمِّها لُغَتانِ: وكانَ سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلَ المُشْرِكِينَ فِيما حَكاهُ اللَّهُ عَنْهم ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠] . ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ﴾ أيْ ذائِقَةٌ مُفارِقَةٌ جَسَدَها، فَلا يَبْقى أحَدٌ مِن ذَواتِ الأنْفُسِ المَخْلُوقَةِ كائِنًا ما كانَ ﴿ونَبْلُوكم بِالشَّرِّ والخَيْرِ فِتْنَةً﴾ أيْ نَخْتَبِرُكم بِالشِّدَّةِ والرَّخاءِ، لِنَنْظُرَ كَيْفَ شُكْرُكم وصَبْرُكم. والمُرادُ أنَّهُ سُبْحانَهُ يُعامِلُهم مُعامَلَةَ مَن يَبْلُوهم، وفِتْنَةٌ مَصْدَرٌ لِنَبْلُوَكم مِن غَيْرِ لَفْظِهِ وإلَيْنا تُرْجَعُونَ لا إلى غَيْرِنا فَنُجازِيكم بِأعْمالِكم إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: قالَتِ اليَهُودُ إنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - صاهَرَ الجِنَّ فَكانَتْ بَيْنَهُمُ المَلائِكَةُ، فَقالَ اللَّهُ تَكْذِيبًا لَهم ﴿بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ أيِ المَلائِكَةُ لَيْسَ كَما قالُوا، بَلْ عِبادٌ أكْرَمَهم بِعِبادَتِهِ ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ﴾ (p-٩٣٥)يُثْنِي عَلَيْهِمْ ﴿ولا يَشْفَعُونَ﴾ قالَ: لا تَشْفَعُ المَلائِكَةُ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿إلّا لِمَنِ ارْتَضى﴾ قالَ: لِأهْلِ التَّوْحِيدِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا لِمَنِ ارْتَضى﴾ قالَ: لِأهْلِ التَّوْحِيدِ لِمَن رَضِيَ عَنْهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ في الآيَةِ قالَ: قَوْلُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: الَّذِينَ ارْتَضاهم لِشَهادَةِ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ جابِرٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - تَلا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَنِ ارْتَضى﴾ قالَ: إنَّ شَفاعَتِي لِأهْلِ الكَبائِرِ مِن أُمَّتِي» . وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كانَتا رَتْقًا فَفَتَقْناهُما﴾ قالَ: فُتِقَتِ السَّماءُ بِالغَيْثِ، وفُتِقَتِ الأرْضُ بِالنَّباتِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿كانَتا رَتْقًا﴾ قالَ: لا يَخْرُجُ مِنهُما شَيْءٌ، وذَكَرَ مِثْلَ ما تَقَدَّمَ. وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ عَنْهُ أيْضًا مِن طَرِيقٍ أُخْرى. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ ﴿كانَتا رَتْقًا﴾ قالَ: مُلْتَصِقَتَيْنِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ قالَ: نُطْفَةُ الرَّجُلِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وجَعَلْنا فِيها فِجاجًا سُبُلًا﴾ قالَ: بَيْنَ الجِبالِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كُلٌّ في فَلَكٍ﴾ قالَ: دَوَرانٌ يَسْبَحُونَ قالَ يَجْرُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْهُ ﴿كُلٌّ في فَلَكٍ﴾ قالَ: فَلَكٌ كَفَلَكَةِ المِغْزَلِ يَسْبَحُونَ قالَ: يَدُورُونَ في أبْوابِ السَّماءِ كَما تَدُورُ الفَلَكَةُ في المِغْزَلِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: هو فَلَكُ السَّماءِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ عَنْ عائِشَةَ قالَ: دَخَلَ أبُو بَكْرٍ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وقَدْ ماتَ فَقَبَّلَهُ وقالَ: وانَبِيّاهُ واخَلِيلاهُ واصَفِيّاهُ، ثُمَّ تَلا ﴿وما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِن قَبْلِكَ الخُلْدَ﴾ الآيَةَ، وقَوْلَهُ: ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ونَبْلُوكم بِالشَّرِّ والخَيْرِ فِتْنَةً﴾ قالَ: نَبْتَلِيكم بِالشِّدَّةِ والرَّخاءِ، والصِّحَّةِ والسَّقَمِ، والغِنى والفَقْرِ، والحَلالِ والحَرامِ، والطّاعَةِ والمَعْصِيَةِ والهُدى والضَّلالَةِ.

الأنبياء 21:34

. قَوْلُهُ: ﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾ هَؤُلاءِ القائِلُونَ هم خُزاعَةُ، فَإنَّهم قالُوا المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، وقِيلَ: هُمُ اليَهُودُ، ويَصِحُّ حَمْلُ الآيَةِ عَلى كُلِّ مَن جَعَلَ لِلَّهِ ولَدًا. وقَدْ قالَتِ اليَهُودُ: عُزَيْرُ ابْنُ اللَّهِ، وقالَتِ النَّصارى: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، وقالَتْ طائِفَةٌ مِنَ العَرَبِ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ. ثُمَّ نَزَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - نَفْسَهُ فَقالَ: سُبْحانَهُ أيْ تَنْزِيهًا لَهُ عَنْ ذَلِكَ، وهو مَقُولٌ عَلى ألْسِنَةِ العِبادِ. ثُمَّ أضْرَبَ عَنْ قَوْلِهِمْ وأبْطَلَهُ فَقالَ ﴿بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ أيْ لَيْسُوا كَما قالُوا، بَلْ هم عِبادٌ لِلَّهِ سُبْحانَهُ مُكْرَمُونَ بِكَرامَتِهِ لَهم، مُقَرَّبُونَ عِنْدَهُ. وقُرِئَ ( مُكَرَّمُونَ ) بِالتَّشْدِيدِ، وأجازَ الزَّجّاجُ والفَرّاءُ نَصْبَ عِبادٍ عَلى مَعْنى: بَلِ اتَّخَذَ عِبادًا. ثُمَّ وصَفَهم بِصِفَةٍ أُخْرى فَقالَ: ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ﴾ أيْ لا يَقُولُونَ شَيْئًا حَتّى يَقُولَهُ: أوْ يَأْمُرُهم بِهِ. كَذا قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ وغَيْرُهُ، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى كَمالِ طاعَتِهِمْ وانْقِيادِهِمْ. وقُرِئَ ( لا يَسْبُقُونَهُ ) بِضَمِّ الباءِ مِن سَبَقْتُهُ أسْبِقُهُ ﴿وهم بِأمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ أيْ هُمُ العامِلُونَ بِما (p-٩٣٤)يَأْمُرُهُمُ اللَّهُ بِهِ، التّابِعُونَ لَهُ المُطِيعُونَ لِرَبِّهِمْ. ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها: أيْ يَعْلَمُ ما عَمِلُوا وما هم عامِلُونَ، أوْ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وهو الآخِرَةُ، وما خَلْفَهم وهو الدُّنْيا، ووَجْهُ التَّعْلِيلِ أنَّهم إذا عَلِمُوا بِأنَّهُ عالِمٌ بِما قَدَّمُوا وأخَّرُوا، لَمْ يَعْمَلُوا عَمَلًا ولَمْ يَقُولُوا قَوْلًا إلّا بِأمْرِهِ ﴿ولا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَنِ ارْتَضى﴾ أيْ يَشْفَعُ الشّافِعُونَ لَهُ، وهو مَن رَضِيَ عَنْهُ، وقِيلَ: هم أهْلُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ أنَّ المَلائِكَةَ يُشَفَّعُونَ في الدّارِ الآخِرَةِ ﴿وهم مِن خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ أيْ مِن خَشْيَتِهِمْ مِنهُ، فالمَصْدَرُ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ، والخَشْيَةُ الخَوْفُ مِنَ التَّعْظِيمِ، والإشْفاقُ الخَوْفُ مِنَ التَّوَقُّعِ والحَذَرِ: أيْ لا يَأْمَنُونَ مَكْرَ اللَّهِ. ﴿ومَن يَقُلْ مِنهم إنِّي إلَهٌ مَن دُونِهِ﴾ أيْ مِن يَقُلْ مِنَ المَلائِكَةِ إنِّي إلَهٌ مَن دُونِ اللَّهِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: عَنى بِهَذا إبْلِيسَ، لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ أحَدٌ مِنَ المَلائِكَةِ إنِّي إلَهٌ إلّا إبْلِيسَ، وقِيلَ: الإشارَةُ إلى جَمِيعِ الأنْبِياءِ ﴿فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ أيْ فَذَلِكَ القائِلُ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ: نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ بِسَبَبِ هَذا القَوْلِ الَّذِي قالَهُ، كَما نَجْزِي غَيْرَهُ مِنَ المُجْرِمِينَ ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ أيْ مِثْلِ ذَلِكَ الجَزاءِ الفَظِيعِ نَجْزِي الظّالِمِينَ، أوْ مِثْلَ ما جَعَلْنا جَزاءَ هَذا القائِلَ جَهَنَّمَ، فَكَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ الواضِعِينَ الإلَهِيَّةَ والعِبادَةَ في غَيْرِ مَوْضِعِها، والمُرادُ بِالظّالِمِينَ المُشْرِكُونَ. ﴿أوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى المُقَدَّرِ، والرُّؤْيَةُ هي القَلْبِيَّةُ: أيْ ألَمْ يَتَفَكَّرُوا أوْ لَمْ يَعْلَمُوا ﴿أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ كانَتا رَتْقًا﴾ قالَ الأخْفَشُ: إنَّما قالَ كانَتا، لِأنَّهُما صِنْفانِ أيْ جَماعَتا السَّماواتِ والأرَضِينَ كَما قالَ سُبْحانَهُ ﴿إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا﴾ [فاطر: ٤١]، وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّما قالَ كانَتا لِأنَّهُ يُعَبِّرُ عَنِ السَّماواتِ بِلَفْظِ الواحِدِ، لِأنَّ السَّماواتِ كانَتْ سَماءً واحِدَةً، وكَذَلِكَ الأرَضُونَ، والرَّتْقُ السَّدُّ ضِدُّ الفَتْقِ، يُقالُ رَتَقْتُ الفَتْقَ أرْتُقُهُ فارْتَتَقَ: أيِ التَأمَ، ومِنهُ الرَّتْقاءُ لِلْمُنْضَمَّةِ الفَرْجِ: يَعْنِي أنَّهُما كانَتا شَيْئًا واحِدًا مُلْتَزِقَتَيْنِ فَفَصَلَ اللَّهُ بَيْنَهُما، وقالَ رَتْقًا ولَمْ يَقُلْ رَتْقَيْنِ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ، والتَّقْدِيرُ: كانَتا ذَواتِي رَتْقٍ، ومَعْنى فَفَتَقْناهُما فَفَصَلْناهُما: أيْ فَصَلْنا بَعْضَهُما مِن بَعْضٍ، فَرَفَعْنا السَّماءَ، وأبْقَيْنا الأرْضَ مَكانَها ﴿وجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ أيْ أحْيَيْنا بِالماءِ الَّذِي نُنْزِلُهُ مِنَ السَّماءِ كُلَّ شَيْءٍ، فَيَشْمَلُ الحَيَوانَ والنَّباتَ، والمَعْنى أنَّ الماءَ سَبَبُ حَياةِ كُلِّ شَيْءٍ. وقِيلَ: المُرادُ بِالماءِ هُنا النُّطْفَةُ، وبِهِ قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، وهَذا احْتِجاجٌ عَلى المُشْرِكِينَ بِقُدْرَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وبَدِيعِ صُنْعِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ، والهَمْزَةُ في ﴿أفَلا يُؤْمِنُونَ﴾ لِلْإنْكارِ عَلَيْهِمْ، حَيْثُ لَمْ يُؤْمِنُوا مَعَ وُجُودِ ما يَقْتَضِيهِ مِنَ الآياتِ الرَّبّانِيَّةِ. ﴿وجَعَلْنا في الأرْضِ رَواسِيَ﴾ أيْ جِبالًا ثَوابِتَ ﴿أنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾ المَيْدُ التَّحَرُّكُ والدَّوَرانُ أيْ لِئَلّا تَتَحَرَّكَ وتَدُورَ بِهِمْ، أوْ كَراهَةِ ذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ذَلِكَ في النَّحْلِ مُسْتَوْفًى ﴿وجَعَلْنا فِيها﴾ أيْ في الرَّواسِي، أوْ في الأرْضِ فِجاجًا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هي المَسالِكُ. وقالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ مُخْتَرِقٍ بَيْنَ جَبَلَيْنِ فَهو فَجٌّ وسُبُلًا تَفْسِيرٌ لِلْفِجاجِ، لِأنَّ الفَجَّ قَدْ لا يَكُونُ طَرِيقًا نافِذًا مَسْلُوكًا ﴿لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ إلى مَصالِحَ مَعاشِهِمْ، وما تَدْعُو إلَيْهِ حاجاتُهم. ﴿وجَعَلْنا السَّماءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ عَنْ أنْ يَقَعَ ويَسْقُطَ عَلى الأرْضِ كَقَوْلِهِ: ﴿ويُمْسِكُ السَّماءَ أنْ تَقَعَ عَلى الأرْضِ﴾ [الحج: ٦٥] وقالَ الفَرّاءُ: مَحْفُوظًا بِالنُّجُومِ مِنَ الشَّيْطانِ كَقَوْلِهِ: ﴿وحَفِظْناها مِن كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ [الحجر: ١٧] وقِيلَ: مَحْفُوظًا لا يَحْتاجُ إلى عِمادٍ، وقِيلَ: المُرادُ بِالمَحْفُوظِ هُنا المَرْفُوعُ، وقِيلَ: مَحْفُوظًا عَنِ الشِّرْكِ والمَعاصِي، وقِيلَ: مَحْفُوظًا عَنِ الهَدْمِ والنَّقْضِ ﴿وهم عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ﴾ أضافَ الآياتِ إلى السَّماءِ، لِأنَّها مَجْعُولَةٌ فِيها، وذَلِكَ كالشَّمْسِ والقَمَرِ ونَحْوِهِما، ومَعْنى الإعْراضِ أنَّهم لا يَتَدَبَّرُونَ فِيها، ولا يَتَفَكَّرُونَ فِيما تُوجِبُهُ مِنَ الإيمانِ. ﴿وهو الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ والنَّهارَ والشَّمْسَ والقَمَرَ﴾ هَذا تَذْكِيرٌ لَهم بِنِعْمَةٍ أُخْرى مِمّا أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ، وذَلِكَ بِأنَّهُ خَلَقَ لَهُمُ اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ، والنَّهارَ لِيَتَصَرَّفُوا فِيهِ في مَعايِشِهِمْ، وخَلَقَ الشَّمْسَ والقَمَرَ أيْ جَعْلَ الشَّمْسَ آيَةَ النَّهارِ، والقَمَرَ آيَةَ اللَّيْلِ، لِيَعْلَمُوا عَدَدَ الشُّهُورِ والحِسابِ كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في سُبْحانَ ﴿كُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ أيْ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ: أيْ يَجْرُونَ في وسَطِ الفَلَكِ، ويَسِيرُونَ بِسُرْعَةٍ كالسّابِحِ في الماءِ، والجَمْعُ في الفِعْلِ بِاعْتِبارِ المَطالِعِ، قالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّهُ لَمّا أخْبَرَ عَنْهُنَّ بِفِعْلِ مَن يَعْقِلُ، وجَعَلَهُنَّ في الطّاعَةِ بِمَنزِلَةِ مَن يَعْقِلُ، جَعَلَ الضَّمِيرَ عَنْهُنَّ ضَمِيرَ العُقَلاءِ، ولَمْ يَقُلْ يَسْبَحْنَ أوْ تَسْبَحُ، وكَذا قالَ الفَرّاءُ. وقالَ الكِسائِيُّ: إنَّما قالَ يَسْبَحُونَ لِأنَّهُ رَأْسُ آيَةٍ، والفَلَكُ واحِدُ أفْلاكِ النُّجُومِ، وأصْلُ الكَلِمَةِ مِنَ الدَّوَرانِ، ومِنهُ فَلَكَ المِغْزَلُ لِاسْتِدارَتِها. ﴿وما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِن قَبْلِكَ الخُلْدَ﴾ أيْ دَوامَ البَقاءِ في الدُّنْيا أفَإنْ مِتَّ بِأجَلِكَ المَحْتُومِ فَهُمُ الخالِدُونَ أيْ أفْهُمُ الخالِدُونَ: قالَ الفَرّاءُ: جاءَ بِالفاءِ لِتَدُلَّ عَلى الشَّرْطِ لِأنَّهُ جَوابُ قَوْلِهِمْ سَيَمُوتُ. قالَ: ويَجُوزُ حَذْفُ الفاءِ وإضْمارُها، والمَعْنى: إنْ مِتَّ فَهم يَمُوتُونَ أيْضًا، فَلا شَماتَةَ في المَوْتِ. وقُرِئَ ( مِتَّ ) بِكَسْرِ المِيمِ وضَمِّها لُغَتانِ: وكانَ سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلَ المُشْرِكِينَ فِيما حَكاهُ اللَّهُ عَنْهم ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠] . ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ﴾ أيْ ذائِقَةٌ مُفارِقَةٌ جَسَدَها، فَلا يَبْقى أحَدٌ مِن ذَواتِ الأنْفُسِ المَخْلُوقَةِ كائِنًا ما كانَ ﴿ونَبْلُوكم بِالشَّرِّ والخَيْرِ فِتْنَةً﴾ أيْ نَخْتَبِرُكم بِالشِّدَّةِ والرَّخاءِ، لِنَنْظُرَ كَيْفَ شُكْرُكم وصَبْرُكم. والمُرادُ أنَّهُ سُبْحانَهُ يُعامِلُهم مُعامَلَةَ مَن يَبْلُوهم، وفِتْنَةٌ مَصْدَرٌ لِنَبْلُوَكم مِن غَيْرِ لَفْظِهِ وإلَيْنا تُرْجَعُونَ لا إلى غَيْرِنا فَنُجازِيكم بِأعْمالِكم إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: قالَتِ اليَهُودُ إنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - صاهَرَ الجِنَّ فَكانَتْ بَيْنَهُمُ المَلائِكَةُ، فَقالَ اللَّهُ تَكْذِيبًا لَهم ﴿بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ أيِ المَلائِكَةُ لَيْسَ كَما قالُوا، بَلْ عِبادٌ أكْرَمَهم بِعِبادَتِهِ ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ﴾ (p-٩٣٥)يُثْنِي عَلَيْهِمْ ﴿ولا يَشْفَعُونَ﴾ قالَ: لا تَشْفَعُ المَلائِكَةُ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿إلّا لِمَنِ ارْتَضى﴾ قالَ: لِأهْلِ التَّوْحِيدِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا لِمَنِ ارْتَضى﴾ قالَ: لِأهْلِ التَّوْحِيدِ لِمَن رَضِيَ عَنْهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ في الآيَةِ قالَ: قَوْلُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: الَّذِينَ ارْتَضاهم لِشَهادَةِ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ جابِرٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - تَلا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَنِ ارْتَضى﴾ قالَ: إنَّ شَفاعَتِي لِأهْلِ الكَبائِرِ مِن أُمَّتِي» . وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كانَتا رَتْقًا فَفَتَقْناهُما﴾ قالَ: فُتِقَتِ السَّماءُ بِالغَيْثِ، وفُتِقَتِ الأرْضُ بِالنَّباتِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿كانَتا رَتْقًا﴾ قالَ: لا يَخْرُجُ مِنهُما شَيْءٌ، وذَكَرَ مِثْلَ ما تَقَدَّمَ. وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ عَنْهُ أيْضًا مِن طَرِيقٍ أُخْرى. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ ﴿كانَتا رَتْقًا﴾ قالَ: مُلْتَصِقَتَيْنِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ قالَ: نُطْفَةُ الرَّجُلِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وجَعَلْنا فِيها فِجاجًا سُبُلًا﴾ قالَ: بَيْنَ الجِبالِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كُلٌّ في فَلَكٍ﴾ قالَ: دَوَرانٌ يَسْبَحُونَ قالَ يَجْرُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْهُ ﴿كُلٌّ في فَلَكٍ﴾ قالَ: فَلَكٌ كَفَلَكَةِ المِغْزَلِ يَسْبَحُونَ قالَ: يَدُورُونَ في أبْوابِ السَّماءِ كَما تَدُورُ الفَلَكَةُ في المِغْزَلِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: هو فَلَكُ السَّماءِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ عَنْ عائِشَةَ قالَ: دَخَلَ أبُو بَكْرٍ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وقَدْ ماتَ فَقَبَّلَهُ وقالَ: وانَبِيّاهُ واخَلِيلاهُ واصَفِيّاهُ، ثُمَّ تَلا ﴿وما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِن قَبْلِكَ الخُلْدَ﴾ الآيَةَ، وقَوْلَهُ: ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ونَبْلُوكم بِالشَّرِّ والخَيْرِ فِتْنَةً﴾ قالَ: نَبْتَلِيكم بِالشِّدَّةِ والرَّخاءِ، والصِّحَّةِ والسَّقَمِ، والغِنى والفَقْرِ، والحَلالِ والحَرامِ، والطّاعَةِ والمَعْصِيَةِ والهُدى والضَّلالَةِ.

الأنبياء 21:35

. قَوْلُهُ: ﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾ هَؤُلاءِ القائِلُونَ هم خُزاعَةُ، فَإنَّهم قالُوا المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، وقِيلَ: هُمُ اليَهُودُ، ويَصِحُّ حَمْلُ الآيَةِ عَلى كُلِّ مَن جَعَلَ لِلَّهِ ولَدًا. وقَدْ قالَتِ اليَهُودُ: عُزَيْرُ ابْنُ اللَّهِ، وقالَتِ النَّصارى: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، وقالَتْ طائِفَةٌ مِنَ العَرَبِ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ. ثُمَّ نَزَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - نَفْسَهُ فَقالَ: سُبْحانَهُ أيْ تَنْزِيهًا لَهُ عَنْ ذَلِكَ، وهو مَقُولٌ عَلى ألْسِنَةِ العِبادِ. ثُمَّ أضْرَبَ عَنْ قَوْلِهِمْ وأبْطَلَهُ فَقالَ ﴿بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ أيْ لَيْسُوا كَما قالُوا، بَلْ هم عِبادٌ لِلَّهِ سُبْحانَهُ مُكْرَمُونَ بِكَرامَتِهِ لَهم، مُقَرَّبُونَ عِنْدَهُ. وقُرِئَ ( مُكَرَّمُونَ ) بِالتَّشْدِيدِ، وأجازَ الزَّجّاجُ والفَرّاءُ نَصْبَ عِبادٍ عَلى مَعْنى: بَلِ اتَّخَذَ عِبادًا. ثُمَّ وصَفَهم بِصِفَةٍ أُخْرى فَقالَ: ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ﴾ أيْ لا يَقُولُونَ شَيْئًا حَتّى يَقُولَهُ: أوْ يَأْمُرُهم بِهِ. كَذا قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ وغَيْرُهُ، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى كَمالِ طاعَتِهِمْ وانْقِيادِهِمْ. وقُرِئَ ( لا يَسْبُقُونَهُ ) بِضَمِّ الباءِ مِن سَبَقْتُهُ أسْبِقُهُ ﴿وهم بِأمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ أيْ هُمُ العامِلُونَ بِما (p-٩٣٤)يَأْمُرُهُمُ اللَّهُ بِهِ، التّابِعُونَ لَهُ المُطِيعُونَ لِرَبِّهِمْ. ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها: أيْ يَعْلَمُ ما عَمِلُوا وما هم عامِلُونَ، أوْ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وهو الآخِرَةُ، وما خَلْفَهم وهو الدُّنْيا، ووَجْهُ التَّعْلِيلِ أنَّهم إذا عَلِمُوا بِأنَّهُ عالِمٌ بِما قَدَّمُوا وأخَّرُوا، لَمْ يَعْمَلُوا عَمَلًا ولَمْ يَقُولُوا قَوْلًا إلّا بِأمْرِهِ ﴿ولا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَنِ ارْتَضى﴾ أيْ يَشْفَعُ الشّافِعُونَ لَهُ، وهو مَن رَضِيَ عَنْهُ، وقِيلَ: هم أهْلُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ أنَّ المَلائِكَةَ يُشَفَّعُونَ في الدّارِ الآخِرَةِ ﴿وهم مِن خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ أيْ مِن خَشْيَتِهِمْ مِنهُ، فالمَصْدَرُ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ، والخَشْيَةُ الخَوْفُ مِنَ التَّعْظِيمِ، والإشْفاقُ الخَوْفُ مِنَ التَّوَقُّعِ والحَذَرِ: أيْ لا يَأْمَنُونَ مَكْرَ اللَّهِ. ﴿ومَن يَقُلْ مِنهم إنِّي إلَهٌ مَن دُونِهِ﴾ أيْ مِن يَقُلْ مِنَ المَلائِكَةِ إنِّي إلَهٌ مَن دُونِ اللَّهِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: عَنى بِهَذا إبْلِيسَ، لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ أحَدٌ مِنَ المَلائِكَةِ إنِّي إلَهٌ إلّا إبْلِيسَ، وقِيلَ: الإشارَةُ إلى جَمِيعِ الأنْبِياءِ ﴿فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ أيْ فَذَلِكَ القائِلُ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ: نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ بِسَبَبِ هَذا القَوْلِ الَّذِي قالَهُ، كَما نَجْزِي غَيْرَهُ مِنَ المُجْرِمِينَ ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ أيْ مِثْلِ ذَلِكَ الجَزاءِ الفَظِيعِ نَجْزِي الظّالِمِينَ، أوْ مِثْلَ ما جَعَلْنا جَزاءَ هَذا القائِلَ جَهَنَّمَ، فَكَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ الواضِعِينَ الإلَهِيَّةَ والعِبادَةَ في غَيْرِ مَوْضِعِها، والمُرادُ بِالظّالِمِينَ المُشْرِكُونَ. ﴿أوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى المُقَدَّرِ، والرُّؤْيَةُ هي القَلْبِيَّةُ: أيْ ألَمْ يَتَفَكَّرُوا أوْ لَمْ يَعْلَمُوا ﴿أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ كانَتا رَتْقًا﴾ قالَ الأخْفَشُ: إنَّما قالَ كانَتا، لِأنَّهُما صِنْفانِ أيْ جَماعَتا السَّماواتِ والأرَضِينَ كَما قالَ سُبْحانَهُ ﴿إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا﴾ [فاطر: ٤١]، وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّما قالَ كانَتا لِأنَّهُ يُعَبِّرُ عَنِ السَّماواتِ بِلَفْظِ الواحِدِ، لِأنَّ السَّماواتِ كانَتْ سَماءً واحِدَةً، وكَذَلِكَ الأرَضُونَ، والرَّتْقُ السَّدُّ ضِدُّ الفَتْقِ، يُقالُ رَتَقْتُ الفَتْقَ أرْتُقُهُ فارْتَتَقَ: أيِ التَأمَ، ومِنهُ الرَّتْقاءُ لِلْمُنْضَمَّةِ الفَرْجِ: يَعْنِي أنَّهُما كانَتا شَيْئًا واحِدًا مُلْتَزِقَتَيْنِ فَفَصَلَ اللَّهُ بَيْنَهُما، وقالَ رَتْقًا ولَمْ يَقُلْ رَتْقَيْنِ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ، والتَّقْدِيرُ: كانَتا ذَواتِي رَتْقٍ، ومَعْنى فَفَتَقْناهُما فَفَصَلْناهُما: أيْ فَصَلْنا بَعْضَهُما مِن بَعْضٍ، فَرَفَعْنا السَّماءَ، وأبْقَيْنا الأرْضَ مَكانَها ﴿وجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ أيْ أحْيَيْنا بِالماءِ الَّذِي نُنْزِلُهُ مِنَ السَّماءِ كُلَّ شَيْءٍ، فَيَشْمَلُ الحَيَوانَ والنَّباتَ، والمَعْنى أنَّ الماءَ سَبَبُ حَياةِ كُلِّ شَيْءٍ. وقِيلَ: المُرادُ بِالماءِ هُنا النُّطْفَةُ، وبِهِ قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، وهَذا احْتِجاجٌ عَلى المُشْرِكِينَ بِقُدْرَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وبَدِيعِ صُنْعِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ، والهَمْزَةُ في ﴿أفَلا يُؤْمِنُونَ﴾ لِلْإنْكارِ عَلَيْهِمْ، حَيْثُ لَمْ يُؤْمِنُوا مَعَ وُجُودِ ما يَقْتَضِيهِ مِنَ الآياتِ الرَّبّانِيَّةِ. ﴿وجَعَلْنا في الأرْضِ رَواسِيَ﴾ أيْ جِبالًا ثَوابِتَ ﴿أنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾ المَيْدُ التَّحَرُّكُ والدَّوَرانُ أيْ لِئَلّا تَتَحَرَّكَ وتَدُورَ بِهِمْ، أوْ كَراهَةِ ذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ذَلِكَ في النَّحْلِ مُسْتَوْفًى ﴿وجَعَلْنا فِيها﴾ أيْ في الرَّواسِي، أوْ في الأرْضِ فِجاجًا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هي المَسالِكُ. وقالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ مُخْتَرِقٍ بَيْنَ جَبَلَيْنِ فَهو فَجٌّ وسُبُلًا تَفْسِيرٌ لِلْفِجاجِ، لِأنَّ الفَجَّ قَدْ لا يَكُونُ طَرِيقًا نافِذًا مَسْلُوكًا ﴿لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ إلى مَصالِحَ مَعاشِهِمْ، وما تَدْعُو إلَيْهِ حاجاتُهم. ﴿وجَعَلْنا السَّماءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ عَنْ أنْ يَقَعَ ويَسْقُطَ عَلى الأرْضِ كَقَوْلِهِ: ﴿ويُمْسِكُ السَّماءَ أنْ تَقَعَ عَلى الأرْضِ﴾ [الحج: ٦٥] وقالَ الفَرّاءُ: مَحْفُوظًا بِالنُّجُومِ مِنَ الشَّيْطانِ كَقَوْلِهِ: ﴿وحَفِظْناها مِن كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ [الحجر: ١٧] وقِيلَ: مَحْفُوظًا لا يَحْتاجُ إلى عِمادٍ، وقِيلَ: المُرادُ بِالمَحْفُوظِ هُنا المَرْفُوعُ، وقِيلَ: مَحْفُوظًا عَنِ الشِّرْكِ والمَعاصِي، وقِيلَ: مَحْفُوظًا عَنِ الهَدْمِ والنَّقْضِ ﴿وهم عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ﴾ أضافَ الآياتِ إلى السَّماءِ، لِأنَّها مَجْعُولَةٌ فِيها، وذَلِكَ كالشَّمْسِ والقَمَرِ ونَحْوِهِما، ومَعْنى الإعْراضِ أنَّهم لا يَتَدَبَّرُونَ فِيها، ولا يَتَفَكَّرُونَ فِيما تُوجِبُهُ مِنَ الإيمانِ. ﴿وهو الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ والنَّهارَ والشَّمْسَ والقَمَرَ﴾ هَذا تَذْكِيرٌ لَهم بِنِعْمَةٍ أُخْرى مِمّا أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ، وذَلِكَ بِأنَّهُ خَلَقَ لَهُمُ اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ، والنَّهارَ لِيَتَصَرَّفُوا فِيهِ في مَعايِشِهِمْ، وخَلَقَ الشَّمْسَ والقَمَرَ أيْ جَعْلَ الشَّمْسَ آيَةَ النَّهارِ، والقَمَرَ آيَةَ اللَّيْلِ، لِيَعْلَمُوا عَدَدَ الشُّهُورِ والحِسابِ كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في سُبْحانَ ﴿كُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ أيْ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ: أيْ يَجْرُونَ في وسَطِ الفَلَكِ، ويَسِيرُونَ بِسُرْعَةٍ كالسّابِحِ في الماءِ، والجَمْعُ في الفِعْلِ بِاعْتِبارِ المَطالِعِ، قالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّهُ لَمّا أخْبَرَ عَنْهُنَّ بِفِعْلِ مَن يَعْقِلُ، وجَعَلَهُنَّ في الطّاعَةِ بِمَنزِلَةِ مَن يَعْقِلُ، جَعَلَ الضَّمِيرَ عَنْهُنَّ ضَمِيرَ العُقَلاءِ، ولَمْ يَقُلْ يَسْبَحْنَ أوْ تَسْبَحُ، وكَذا قالَ الفَرّاءُ. وقالَ الكِسائِيُّ: إنَّما قالَ يَسْبَحُونَ لِأنَّهُ رَأْسُ آيَةٍ، والفَلَكُ واحِدُ أفْلاكِ النُّجُومِ، وأصْلُ الكَلِمَةِ مِنَ الدَّوَرانِ، ومِنهُ فَلَكَ المِغْزَلُ لِاسْتِدارَتِها. ﴿وما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِن قَبْلِكَ الخُلْدَ﴾ أيْ دَوامَ البَقاءِ في الدُّنْيا أفَإنْ مِتَّ بِأجَلِكَ المَحْتُومِ فَهُمُ الخالِدُونَ أيْ أفْهُمُ الخالِدُونَ: قالَ الفَرّاءُ: جاءَ بِالفاءِ لِتَدُلَّ عَلى الشَّرْطِ لِأنَّهُ جَوابُ قَوْلِهِمْ سَيَمُوتُ. قالَ: ويَجُوزُ حَذْفُ الفاءِ وإضْمارُها، والمَعْنى: إنْ مِتَّ فَهم يَمُوتُونَ أيْضًا، فَلا شَماتَةَ في المَوْتِ. وقُرِئَ ( مِتَّ ) بِكَسْرِ المِيمِ وضَمِّها لُغَتانِ: وكانَ سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلَ المُشْرِكِينَ فِيما حَكاهُ اللَّهُ عَنْهم ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠] . ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ﴾ أيْ ذائِقَةٌ مُفارِقَةٌ جَسَدَها، فَلا يَبْقى أحَدٌ مِن ذَواتِ الأنْفُسِ المَخْلُوقَةِ كائِنًا ما كانَ ﴿ونَبْلُوكم بِالشَّرِّ والخَيْرِ فِتْنَةً﴾ أيْ نَخْتَبِرُكم بِالشِّدَّةِ والرَّخاءِ، لِنَنْظُرَ كَيْفَ شُكْرُكم وصَبْرُكم. والمُرادُ أنَّهُ سُبْحانَهُ يُعامِلُهم مُعامَلَةَ مَن يَبْلُوهم، وفِتْنَةٌ مَصْدَرٌ لِنَبْلُوَكم مِن غَيْرِ لَفْظِهِ وإلَيْنا تُرْجَعُونَ لا إلى غَيْرِنا فَنُجازِيكم بِأعْمالِكم إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: قالَتِ اليَهُودُ إنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - صاهَرَ الجِنَّ فَكانَتْ بَيْنَهُمُ المَلائِكَةُ، فَقالَ اللَّهُ تَكْذِيبًا لَهم ﴿بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ أيِ المَلائِكَةُ لَيْسَ كَما قالُوا، بَلْ عِبادٌ أكْرَمَهم بِعِبادَتِهِ ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ﴾ (p-٩٣٥)يُثْنِي عَلَيْهِمْ ﴿ولا يَشْفَعُونَ﴾ قالَ: لا تَشْفَعُ المَلائِكَةُ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿إلّا لِمَنِ ارْتَضى﴾ قالَ: لِأهْلِ التَّوْحِيدِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا لِمَنِ ارْتَضى﴾ قالَ: لِأهْلِ التَّوْحِيدِ لِمَن رَضِيَ عَنْهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ في الآيَةِ قالَ: قَوْلُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: الَّذِينَ ارْتَضاهم لِشَهادَةِ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ جابِرٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - تَلا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَنِ ارْتَضى﴾ قالَ: إنَّ شَفاعَتِي لِأهْلِ الكَبائِرِ مِن أُمَّتِي» . وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كانَتا رَتْقًا فَفَتَقْناهُما﴾ قالَ: فُتِقَتِ السَّماءُ بِالغَيْثِ، وفُتِقَتِ الأرْضُ بِالنَّباتِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿كانَتا رَتْقًا﴾ قالَ: لا يَخْرُجُ مِنهُما شَيْءٌ، وذَكَرَ مِثْلَ ما تَقَدَّمَ. وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ عَنْهُ أيْضًا مِن طَرِيقٍ أُخْرى. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ ﴿كانَتا رَتْقًا﴾ قالَ: مُلْتَصِقَتَيْنِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ قالَ: نُطْفَةُ الرَّجُلِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وجَعَلْنا فِيها فِجاجًا سُبُلًا﴾ قالَ: بَيْنَ الجِبالِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كُلٌّ في فَلَكٍ﴾ قالَ: دَوَرانٌ يَسْبَحُونَ قالَ يَجْرُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْهُ ﴿كُلٌّ في فَلَكٍ﴾ قالَ: فَلَكٌ كَفَلَكَةِ المِغْزَلِ يَسْبَحُونَ قالَ: يَدُورُونَ في أبْوابِ السَّماءِ كَما تَدُورُ الفَلَكَةُ في المِغْزَلِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: هو فَلَكُ السَّماءِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ عَنْ عائِشَةَ قالَ: دَخَلَ أبُو بَكْرٍ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وقَدْ ماتَ فَقَبَّلَهُ وقالَ: وانَبِيّاهُ واخَلِيلاهُ واصَفِيّاهُ، ثُمَّ تَلا ﴿وما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِن قَبْلِكَ الخُلْدَ﴾ الآيَةَ، وقَوْلَهُ: ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ونَبْلُوكم بِالشَّرِّ والخَيْرِ فِتْنَةً﴾ قالَ: نَبْتَلِيكم بِالشِّدَّةِ والرَّخاءِ، والصِّحَّةِ والسَّقَمِ، والغِنى والفَقْرِ، والحَلالِ والحَرامِ، والطّاعَةِ والمَعْصِيَةِ والهُدى والضَّلالَةِ.

الأنبياء 21:36

. قَوْلُهُ: ﴿وإذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يَعْنِي المُسْتَهْزِئِينَ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴿إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُوًا﴾ أيْ ما يَتَّخِذُونَكَ إلّا مَهْزُوءًا بِكَ، والهَزْءُ السُّخْرِيَةُ، وهَؤُلاءِ هُمُ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿إنّا كَفَيْناكَ المُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: ٩٥] والمَعْنى: ما يَفْعَلُونَ بِكَ إلّا اتَّخَذُوكَ هُزُؤًا ﴿أهَذا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ هو عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ يَقُولُونَ أهَذا الَّذِي، فَعَلى هَذا هو جَوابُ إذا، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُوًا﴾ اعْتِراضًا بَيْنَ الشَّرْطِ وجَوابِهِ، ومَعْنى يَذْكُرُها يَعِيبُها. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ فُلانٌ يَذْكُرُ النّاسَ: أيْ يَغْتابُهم، ويَذْكُرُهم بِالعُيُوبِ، وفُلانٌ يَذْكُرُ اللَّهَ: أيْ يَصِفُهُ بِالتَّعْظِيمِ ويُثْنِي عَلَيْهِ، وإنَّما يُحْذَفُ مَعَ الذَّكَرِ ما عُقِلَ مَعْناهُ، وعَلى ما قالُوا لا يَكُونُ الذِّكْرُ في كَلامِ العَرَبِ العَيْبُ، وحَيْثُ يُرادُ بِهِ العَيْبُ يُحْذَفُ مِنهُ السُّوءُ، قِيلَ ومِن هَذا قَوْلُ عَنْتَرَةَ: ؎لا تَذْكُرِي مُهْرِي وما أطْعَمْتُهُ فَيَكُونُ جِلْدُكَ مِثْلَ جَلْدِ الأجْرَبِ أيْ لا تَعِيبِي مُهْرِي، وجُمْلَةُ ﴿وهم بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هم كافِرُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ وهم بِالقُرْآنِ كافِرُونَ، أوْ هم بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ الَّذِي خَلَقَهم كافِرُونَ، والمَعْنى: أنَّهم يَعِيبُونَ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَذْكُرَ آلِهَتَهُمُ الَّتِي لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ بِالسُّوءِ، والحالُ أنَّهم بِذِكْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِما يَلِيقُ بِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ، أوِ القُرْآنِ كافِرُونَ، فَهم أحَقُّ بِالعَيْبِ لَهم والإنْكارِ عَلَيْهِمْ، فالضَّمِيرُ الأوَّلُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ كافِرُونَ، وبِذِكْرِ مُتَعَلِّقٌ بِالخَبَرِ، والضَّمِيرُ الثّانِي تَأْكِيدٌ. ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ أيْ جُعِلَ لِفَرْطِ اسْتِعْجالِهِ كَأنَّهُ مَخْلُوقٌ مِنَ العَجَلِ. قالَ الفَرّاءُ: كَأنَّهُ يَقُولُ بَنَيْتُهُ وخَلَقْتُهُ مِنَ العَجَلَةِ وعَلى العَجَلَةِ. وقالَ الزَّجّاجُ: خُوطِبَتِ العَرَبُ بِما تَعْقِلُ، والعَرَبُ تَقُولُ لِلَّذِي يَكْثُرُ مِنهُ الشَّيْءُ خُلِقْتَ مِنهُ كَما تَقُولُ: أنْتَ مِن لَعِبٍ، وخُلِقْتَ مَن لَعِبٍ، تُرِيدُ المُبالَغَةَ في وصْفِهِ بِذَلِكَ. ويَدُلُّ عَلى هَذا المَعْنى قَوْلُهُ: ﴿وكانَ الإنْسانُ عَجُولًا﴾ [الإسراء: ١١] والمُرادُ بِالإنْسانِ الجِنْسُ. وقِيلَ: المُرادُ بِالإنْسانِ آدَمُ، فَإنَّهُ لَمّا خَلَقَهُ اللَّهُ ونَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ صارَ الرُّوحُ في رَأْسِهِ، فَذَهَبَ لِيَنْهَضَ قَبْلَ أنْ تَبْلُغَ الرُّوحُ إلى رِجْلَيْهِ فَوَقَعَ، فَقِيلَ ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ كَذا قالَ عِكْرِمَةُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والسُّدِّيُّ والكَلْبِيُّ ومُجاهِدٌ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وكَثِيرٌ مَن أهْلِ المَعانِي: العَجَلُ الطِّينُ بِلُغَةِ حِمْيَرَ. وأنْشَدُوا: ؎والنَّخْلُ تَنْبُتُ بَيْنَ الماءِ والعَجَلِ وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ، وهو القائِلُ: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ﴾ [الأنفال: ٣٢] وقِيلَ: نَزَلَتْ في قُرَيْشٍ لِأنَّهُمُ اسْتَعْجَلُوا العَذابَ. وقالَ الأخْفَشُ: مَعْنى خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ أنَّهُ قِيلَ لَهُ كُنْ فَكانَ. وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِنَ المَقْلُوبِ: أيْ خُلِقَ العَجَلُ مِنَ الإنْسانِ وقَدْ حُكِيَ هَذا عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ والنَّحّاسِ، والقَوْلُ الأوَّلُ أوْلى (p-٩٣٦)﴿سَأُرِيكم آياتِي﴾ أيْ سَأُرِيكم نَقِماتِي مِنكم بِعَذابِ النّارِ ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ أيْ لا تَسْتَعْجِلُونِي بِالإتْيانِ بِهِ، فَإنَّهُ نازِلٌ بِكم لا مَحالَةَ: وقِيلَ: المُرادُ بِالآياتِ ما دَلَّ عَلى صِدْقِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ المُعْجِزاتِ وما جَعَلَهُ اللَّهُ لَهُ مِنَ العاقِبَةِ المَحْمُودَةِ، والأوَّلُ أوْلى. ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهم ﴿مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ مَتى حُصُولُ هَذا الوَعْدِ، الَّذِي تَعِدُنا بِهِ مِنَ العَذابِ، قالُوا ذَلِكَ عَلى جِهَةِ الِاسْتِهْزاءِ والسُّخْرِيَةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالوَعْدِ هُنا القِيامَةُ، ومَعْنى ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ إنْ كُنْتُمْ يا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ صادِقِينَ في وعْدِكم، والخِطابُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَتْلُونَ الآياتِ القُرْآنِيَّةَ المُنْذِرَةَ بِمَجِيءِ السّاعَةِ وقُرْبِ حُضُورِ العَذابِ. وجُمْلَةُ ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ما بَعْدَها مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها: أيْ لَوْ عَرَفُوا ذَلِكَ الوَقْتَ، وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: لَوْ عَلِمُوا الوَقْتَ الَّذِي ﴿لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النّارَ ولا عَنْ ظُهُورِهِمْ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ لَما اسْتَعْجَلُوا الوَعِيدَ. وقالَ الزَّجّاجُ: في تَقْدِيرِ الجَوابِ لِيَعْلَمُوا صِدْقَ الوَعْدِ، وقِيلَ: لَوْ عَلِمُوهُ ما أقامُوا عَلى الكُفْرِ. وقالَ الكِسائِيُّ: هو تَنْبِيهٌ عَلى تَحْقِيقِ وُقُوعِ السّاعَةِ: أيْ لَوْ عَلِمُوهُ عِلْمَ يَقِينٍ لَعَلِمُوا أنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً﴾ وتَخْصِيصُ الوُجُوهِ والظُّهُورِ بِالذِّكْرِ بِمَعْنى القُدّامِ والخَلْفِ لِكَوْنِهِما أشْهَرَ الجَوانِبِ في اسْتِلْزامِ الإحاطَةِ بِها لِلْإحاطَةِ بِالكُلِّ بِحَيْثُ لا يَقْدِرُونَ عَلى دَفْعِها مِن جانِبٍ مِن جَوانِبِهِمْ، ومَحَلُّ حِينَ لا يَكُفُّونَ النَّصْبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ العِلْمِ، وهو عِبارَةٌ عَنِ الوَقْتِ المَوْعُودِ الَّذِي كانُوا يَسْتَعْجِلُونَهُ، ومَعْنى ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ ولا يَنْصُرُهم أحَدٌ مِنِ العِبادِ فَيَدْفَعُ ذَلِكَ عَنْهم. وجُمْلَةُ ﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى يَكُفُّونَ: أيْ لا يَكُفُّونَها بَلْ تَأْتِيهِمُ العِدَّةُ أوِ النّارُ أوِ السّاعَةُ بَغْتَةً: أيْ فَجْأةً فَتَبْهَتُهم قالَ الجَوْهَرِيُّ: بَهَتَهُ أخْذَهُ بَغْتًا، وقالَ الفَرّاءُ فَتَبْهَتُهم: أيْ تُحَيِّرُهم، وقِيلَ: فَتَفْجَؤُهم ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها﴾ أيْ صَرْفَها عَنْ وُجُوهِهِمْ ولا عَنْ ظُهُورِهِمْ فالضَّمِيرُ راجِعٌ إلى النّارِ، وقِيلَ: راجِعٌ إلى الوَعْدِ بِتَأْوِيلِهِ بِالعِدَّةِ، وقِيلَ: راجِعٌ إلى الحِينِ بِتَأْوِيلِهِ بِالسّاعَةِ ﴿ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ أيْ يُمْهَلُونَ ويُؤَخَّرُونَ لِتَوْبَةٍ واعْتِذارٍ. وجُمْلَةُ ﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ﴾ مَسُوقَةٌ لِتَسْلِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وتَعْزِيَتِهِ، كَأنَّهُ قالَ: إنِ اسْتَهْزَأ بِكَ هَؤُلاءِ فَقَدْ فُعِلَ ذَلِكَ بِمَن قَبْلَكَ مِنَ الرُّسُلِ عَلى كَثْرَةِ عَدَدِهِمْ وخَطَرِ شَأْنِهِمْ ﴿فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهُمْ﴾ أيْ أحاطَ ودارَ بِسَبَبِ ذَلِكَ، بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِن أُولَئِكَ الرُّسُلِ وهَزِئُوا بِهِمْ ﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ما مَوْصُولَةٌ، أوْ مَصْدَرِيَّةٌ: أيْ فَأحاطَ بِهِمُ الأمْرُ الَّذِي كانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ، أوْ فَأحاطَ بِهِمُ اسْتِهْزاؤُهم: أيْ جَزاؤُهُ عَلى وضْعِ السَّبَبِ مَوْضِعَ المُسَبَّبِ، أوْ نَفْسِ الِاسْتِهْزاءِ، إنْ أُرِيدَ بِهِ العَذابُ الأُخْرَوِيُّ. ﴿قُلْ مَن يَكْلَؤُكم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ أيْ يَحْرُسُكم ويَحْفَظُكم والكَلاءَةُ الحِراسَةُ والحِفْظُ، يُقالُ: كَلَأهُ اللَّهُ كِلاءًةُ بِالكَسْرِ أيْ حَفِظَهُ وحَرَسَهُ. قالَ ابْنُ هَرْمَةَ: ؎إنَّ سُلَيْمى واللَّهُ يَكْلَؤُها ∗∗∗ ضَنَّتْ بِشَيْءٍ ما كانَ يَرْزَؤُها أيْ قُلْ يا مُحَمَّدُ لِأُولَئِكَ المُسْتَهْزِئِينَ بِطَرِيقِ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ: مَن يَحْرُسُكم ويَحْفَظُكم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ مِن بَأْسِ الرَّحْمَنِ وعَذابِهِ الَّذِي تَسْتَحِقُّونَ حُلُولَهُ بِكم ونُزُولَهُ عَلَيْكم ؟ وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ مَن يَحْفَظُكم مِن بَأْسِ الرَّحْمَنِ. وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى مَن يَحْفَظُكم مِمّا يُرِيدُ الرَّحْمَنُ إنْزالَهُ بِكم مِن عُقُوباتِ الدُّنْيا والآخِرَةِ. وحَكى الكِسائِيُّ والفرّاءُ: ( مَن يَكْلَؤُكم ) بِفَتْحِ اللّامِ وإسْكانِ الواوِ ﴿بَلْ هم عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ أيْ عَنْ ذِكْرِهِ سُبْحانَهُ فَلا يَذْكُرُونَهُ ولا يُخْطِرُونَهُ بِبالِهِمْ، بَلْ يُعْرِضُونَ عَنْهُ، أوْ عَنِ القُرْآنِ، أوْ عَنْ مَواعِظِ اللَّهِ، أوْ عَنْ مَعْرِفَتِهِ. ﴿أمْ لَهم آلِهَةٌ تَمْنَعُهم مِن دُونِنا﴾ أمْ هي المُنْقَطِعَةُ الَّتِي بِمَعْنى بَلْ، والهَمْزَةُ لِلْإضْرابِ والِانْتِقالِ عَنِ الكَلامِ السّابِقِ المُشْتَمِلِ عَلى بَيانِ جَهْلِهِمْ بِحِفْظِهِ سُبْحانَهُ إيّاهم إلى تَوْبِيخِهِمْ وتَقْرِيعِهِمْ بِاعْتِمادِهِمْ عَلى مَن هو عاجِزٌ عَنْ نَفْعِ نَفْسِهِ، والدَّفْعِ عَنْها. والمَعْنى: بَلْ لَهم آلِهَةٌ تَمْنَعُهم مِن عَذابِنا. وقِيلَ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والتَّقْدِيرُ: أمْ لَهم آلِهَةٌ مِن دُونِنا تَمْنَعُهم. ثُمَّ وصَفَ آلِهَتَهم هَذِهِ الَّتِي زَعَمُوا أنَّها تَنْصُرُهم بِما يَدُلُّ عَلى الضَّعْفِ والعَجْزِ فَقالَ: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أنْفُسِهِمْ ولا هم مِنّا يُصْحَبُونَ﴾ أيْ هم عاجِزُونَ عَنْ نَصْرِ أنْفُسِهِمْ فَكَيْفَ يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَنْصُرُوا غَيْرَهم ولا هم مِنّا يُصْحَبُونَ: أيْ ولا هم يُجارُونَ مِن عَذابِنا. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ لا يُجِيرُهم مِنّا أحَدٌ، لِأنَّ المُجِيرَ صاحِبُ الجارِ، والعَرَبُ تَقُولُ صَحِبَكَ اللَّهُ: أيْ حَفِظَكَ وأجارَكَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎يُنادِي بِأعْلى صَوْتِهِ مُتَعَوِّذًا ∗∗∗ لِيُصْحَبَ مِنّا والرِّماحُ دَوانِي تَقُولُ العَرَبُ: أنا لَكَ جارٌ وصاحِبٌ مِن فُلانٍ. أيْ مُجِيرٌ مِنهُ. قالَ المازِنِيُّ: هو مِن أصْحَبْتُ الرَّجُلَ إذا مَنَعْتَهُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: «مَرَّ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى أبِي سُفْيانَ وأبِي جَهْلٍ وهم يَتَحَدَّثانِ، فَلَمّا رَآهُ أبُو جَهْلٍ ضَحِكَ وقالَ لِأبِي سُفْيانَ: هَذا نَبِيُّ بَنِي عَبْدِ مَنافٍ، فَغَضِبَ أبُو سُفْيانَ فَقالَ: ما تُنْكِرُونَ أنْ يَكُونَ لِبَنِي عَبْدِ مَنافٍ نَبِيٌّ، فَسَمِعَها النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَرَجَعَ إلى أبِي جَهْلٍ فَوَقَعَ بِهِ وخَوَّفَهُ وقالَ: ما أراكَ مُنْتَهِيًا حَتّى يُصِيبَكَ ما أصابَ عَمَّكَ، وقالَ لِأبِي سُفْيانَ: أمّا إنَّكَ لَمْ تَقُلْ ما قُلْتَ إلّا حَمِيَّةً. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وإذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾» . قُلْتُ: يَنْظُرُ مَنِ الَّذِي رَوى عَنْهُ السُّدِّيُّ ؟ . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: لَمّا نُفِخَ في آدَمَ الرُّوحَ صارَ في رَأْسِهِ فَعَطَسَ فَقالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ، فَقالَتْ: المَلائِكَةُ يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فَذَهَبَ لِيَنْهَضَ قَبْلَ أنْ تَمُورَ في رِجْلَيْهِ فَوَقَعَ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ وقَدْ أخْرَجَ نَحْوَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. وأخْرَجَ نَحْوَهُ أيْضًا ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْ مُجاهِدٍ، وكَذا أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ مَن يَكْلَؤُكم﴾ قالَ: يَحْرُسُكم، وفي (p-٩٣٧)قَوْلُهُ: ﴿ولا هم مِنّا يُصْحَبُونَ﴾ قالَ: لا يُنْصَرُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا هم مِنّا يُصْحَبُونَ﴾ قالَ: لا يُجارُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في الآيَةِ: قالَ لا يُمْنَعُونَ.

الأنبياء 21:37

. قَوْلُهُ: ﴿وإذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يَعْنِي المُسْتَهْزِئِينَ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴿إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُوًا﴾ أيْ ما يَتَّخِذُونَكَ إلّا مَهْزُوءًا بِكَ، والهَزْءُ السُّخْرِيَةُ، وهَؤُلاءِ هُمُ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿إنّا كَفَيْناكَ المُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: ٩٥] والمَعْنى: ما يَفْعَلُونَ بِكَ إلّا اتَّخَذُوكَ هُزُؤًا ﴿أهَذا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ هو عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ يَقُولُونَ أهَذا الَّذِي، فَعَلى هَذا هو جَوابُ إذا، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُوًا﴾ اعْتِراضًا بَيْنَ الشَّرْطِ وجَوابِهِ، ومَعْنى يَذْكُرُها يَعِيبُها. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ فُلانٌ يَذْكُرُ النّاسَ: أيْ يَغْتابُهم، ويَذْكُرُهم بِالعُيُوبِ، وفُلانٌ يَذْكُرُ اللَّهَ: أيْ يَصِفُهُ بِالتَّعْظِيمِ ويُثْنِي عَلَيْهِ، وإنَّما يُحْذَفُ مَعَ الذَّكَرِ ما عُقِلَ مَعْناهُ، وعَلى ما قالُوا لا يَكُونُ الذِّكْرُ في كَلامِ العَرَبِ العَيْبُ، وحَيْثُ يُرادُ بِهِ العَيْبُ يُحْذَفُ مِنهُ السُّوءُ، قِيلَ ومِن هَذا قَوْلُ عَنْتَرَةَ: ؎لا تَذْكُرِي مُهْرِي وما أطْعَمْتُهُ فَيَكُونُ جِلْدُكَ مِثْلَ جَلْدِ الأجْرَبِ أيْ لا تَعِيبِي مُهْرِي، وجُمْلَةُ ﴿وهم بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هم كافِرُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ وهم بِالقُرْآنِ كافِرُونَ، أوْ هم بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ الَّذِي خَلَقَهم كافِرُونَ، والمَعْنى: أنَّهم يَعِيبُونَ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَذْكُرَ آلِهَتَهُمُ الَّتِي لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ بِالسُّوءِ، والحالُ أنَّهم بِذِكْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِما يَلِيقُ بِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ، أوِ القُرْآنِ كافِرُونَ، فَهم أحَقُّ بِالعَيْبِ لَهم والإنْكارِ عَلَيْهِمْ، فالضَّمِيرُ الأوَّلُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ كافِرُونَ، وبِذِكْرِ مُتَعَلِّقٌ بِالخَبَرِ، والضَّمِيرُ الثّانِي تَأْكِيدٌ. ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ أيْ جُعِلَ لِفَرْطِ اسْتِعْجالِهِ كَأنَّهُ مَخْلُوقٌ مِنَ العَجَلِ. قالَ الفَرّاءُ: كَأنَّهُ يَقُولُ بَنَيْتُهُ وخَلَقْتُهُ مِنَ العَجَلَةِ وعَلى العَجَلَةِ. وقالَ الزَّجّاجُ: خُوطِبَتِ العَرَبُ بِما تَعْقِلُ، والعَرَبُ تَقُولُ لِلَّذِي يَكْثُرُ مِنهُ الشَّيْءُ خُلِقْتَ مِنهُ كَما تَقُولُ: أنْتَ مِن لَعِبٍ، وخُلِقْتَ مَن لَعِبٍ، تُرِيدُ المُبالَغَةَ في وصْفِهِ بِذَلِكَ. ويَدُلُّ عَلى هَذا المَعْنى قَوْلُهُ: ﴿وكانَ الإنْسانُ عَجُولًا﴾ [الإسراء: ١١] والمُرادُ بِالإنْسانِ الجِنْسُ. وقِيلَ: المُرادُ بِالإنْسانِ آدَمُ، فَإنَّهُ لَمّا خَلَقَهُ اللَّهُ ونَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ صارَ الرُّوحُ في رَأْسِهِ، فَذَهَبَ لِيَنْهَضَ قَبْلَ أنْ تَبْلُغَ الرُّوحُ إلى رِجْلَيْهِ فَوَقَعَ، فَقِيلَ ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ كَذا قالَ عِكْرِمَةُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والسُّدِّيُّ والكَلْبِيُّ ومُجاهِدٌ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وكَثِيرٌ مَن أهْلِ المَعانِي: العَجَلُ الطِّينُ بِلُغَةِ حِمْيَرَ. وأنْشَدُوا: ؎والنَّخْلُ تَنْبُتُ بَيْنَ الماءِ والعَجَلِ وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ، وهو القائِلُ: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ﴾ [الأنفال: ٣٢] وقِيلَ: نَزَلَتْ في قُرَيْشٍ لِأنَّهُمُ اسْتَعْجَلُوا العَذابَ. وقالَ الأخْفَشُ: مَعْنى خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ أنَّهُ قِيلَ لَهُ كُنْ فَكانَ. وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِنَ المَقْلُوبِ: أيْ خُلِقَ العَجَلُ مِنَ الإنْسانِ وقَدْ حُكِيَ هَذا عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ والنَّحّاسِ، والقَوْلُ الأوَّلُ أوْلى (p-٩٣٦)﴿سَأُرِيكم آياتِي﴾ أيْ سَأُرِيكم نَقِماتِي مِنكم بِعَذابِ النّارِ ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ أيْ لا تَسْتَعْجِلُونِي بِالإتْيانِ بِهِ، فَإنَّهُ نازِلٌ بِكم لا مَحالَةَ: وقِيلَ: المُرادُ بِالآياتِ ما دَلَّ عَلى صِدْقِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ المُعْجِزاتِ وما جَعَلَهُ اللَّهُ لَهُ مِنَ العاقِبَةِ المَحْمُودَةِ، والأوَّلُ أوْلى. ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهم ﴿مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ مَتى حُصُولُ هَذا الوَعْدِ، الَّذِي تَعِدُنا بِهِ مِنَ العَذابِ، قالُوا ذَلِكَ عَلى جِهَةِ الِاسْتِهْزاءِ والسُّخْرِيَةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالوَعْدِ هُنا القِيامَةُ، ومَعْنى ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ إنْ كُنْتُمْ يا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ صادِقِينَ في وعْدِكم، والخِطابُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَتْلُونَ الآياتِ القُرْآنِيَّةَ المُنْذِرَةَ بِمَجِيءِ السّاعَةِ وقُرْبِ حُضُورِ العَذابِ. وجُمْلَةُ ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ما بَعْدَها مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها: أيْ لَوْ عَرَفُوا ذَلِكَ الوَقْتَ، وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: لَوْ عَلِمُوا الوَقْتَ الَّذِي ﴿لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النّارَ ولا عَنْ ظُهُورِهِمْ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ لَما اسْتَعْجَلُوا الوَعِيدَ. وقالَ الزَّجّاجُ: في تَقْدِيرِ الجَوابِ لِيَعْلَمُوا صِدْقَ الوَعْدِ، وقِيلَ: لَوْ عَلِمُوهُ ما أقامُوا عَلى الكُفْرِ. وقالَ الكِسائِيُّ: هو تَنْبِيهٌ عَلى تَحْقِيقِ وُقُوعِ السّاعَةِ: أيْ لَوْ عَلِمُوهُ عِلْمَ يَقِينٍ لَعَلِمُوا أنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً﴾ وتَخْصِيصُ الوُجُوهِ والظُّهُورِ بِالذِّكْرِ بِمَعْنى القُدّامِ والخَلْفِ لِكَوْنِهِما أشْهَرَ الجَوانِبِ في اسْتِلْزامِ الإحاطَةِ بِها لِلْإحاطَةِ بِالكُلِّ بِحَيْثُ لا يَقْدِرُونَ عَلى دَفْعِها مِن جانِبٍ مِن جَوانِبِهِمْ، ومَحَلُّ حِينَ لا يَكُفُّونَ النَّصْبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ العِلْمِ، وهو عِبارَةٌ عَنِ الوَقْتِ المَوْعُودِ الَّذِي كانُوا يَسْتَعْجِلُونَهُ، ومَعْنى ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ ولا يَنْصُرُهم أحَدٌ مِنِ العِبادِ فَيَدْفَعُ ذَلِكَ عَنْهم. وجُمْلَةُ ﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى يَكُفُّونَ: أيْ لا يَكُفُّونَها بَلْ تَأْتِيهِمُ العِدَّةُ أوِ النّارُ أوِ السّاعَةُ بَغْتَةً: أيْ فَجْأةً فَتَبْهَتُهم قالَ الجَوْهَرِيُّ: بَهَتَهُ أخْذَهُ بَغْتًا، وقالَ الفَرّاءُ فَتَبْهَتُهم: أيْ تُحَيِّرُهم، وقِيلَ: فَتَفْجَؤُهم ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها﴾ أيْ صَرْفَها عَنْ وُجُوهِهِمْ ولا عَنْ ظُهُورِهِمْ فالضَّمِيرُ راجِعٌ إلى النّارِ، وقِيلَ: راجِعٌ إلى الوَعْدِ بِتَأْوِيلِهِ بِالعِدَّةِ، وقِيلَ: راجِعٌ إلى الحِينِ بِتَأْوِيلِهِ بِالسّاعَةِ ﴿ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ أيْ يُمْهَلُونَ ويُؤَخَّرُونَ لِتَوْبَةٍ واعْتِذارٍ. وجُمْلَةُ ﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ﴾ مَسُوقَةٌ لِتَسْلِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وتَعْزِيَتِهِ، كَأنَّهُ قالَ: إنِ اسْتَهْزَأ بِكَ هَؤُلاءِ فَقَدْ فُعِلَ ذَلِكَ بِمَن قَبْلَكَ مِنَ الرُّسُلِ عَلى كَثْرَةِ عَدَدِهِمْ وخَطَرِ شَأْنِهِمْ ﴿فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهُمْ﴾ أيْ أحاطَ ودارَ بِسَبَبِ ذَلِكَ، بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِن أُولَئِكَ الرُّسُلِ وهَزِئُوا بِهِمْ ﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ما مَوْصُولَةٌ، أوْ مَصْدَرِيَّةٌ: أيْ فَأحاطَ بِهِمُ الأمْرُ الَّذِي كانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ، أوْ فَأحاطَ بِهِمُ اسْتِهْزاؤُهم: أيْ جَزاؤُهُ عَلى وضْعِ السَّبَبِ مَوْضِعَ المُسَبَّبِ، أوْ نَفْسِ الِاسْتِهْزاءِ، إنْ أُرِيدَ بِهِ العَذابُ الأُخْرَوِيُّ. ﴿قُلْ مَن يَكْلَؤُكم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ أيْ يَحْرُسُكم ويَحْفَظُكم والكَلاءَةُ الحِراسَةُ والحِفْظُ، يُقالُ: كَلَأهُ اللَّهُ كِلاءًةُ بِالكَسْرِ أيْ حَفِظَهُ وحَرَسَهُ. قالَ ابْنُ هَرْمَةَ: ؎إنَّ سُلَيْمى واللَّهُ يَكْلَؤُها ∗∗∗ ضَنَّتْ بِشَيْءٍ ما كانَ يَرْزَؤُها أيْ قُلْ يا مُحَمَّدُ لِأُولَئِكَ المُسْتَهْزِئِينَ بِطَرِيقِ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ: مَن يَحْرُسُكم ويَحْفَظُكم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ مِن بَأْسِ الرَّحْمَنِ وعَذابِهِ الَّذِي تَسْتَحِقُّونَ حُلُولَهُ بِكم ونُزُولَهُ عَلَيْكم ؟ وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ مَن يَحْفَظُكم مِن بَأْسِ الرَّحْمَنِ. وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى مَن يَحْفَظُكم مِمّا يُرِيدُ الرَّحْمَنُ إنْزالَهُ بِكم مِن عُقُوباتِ الدُّنْيا والآخِرَةِ. وحَكى الكِسائِيُّ والفرّاءُ: ( مَن يَكْلَؤُكم ) بِفَتْحِ اللّامِ وإسْكانِ الواوِ ﴿بَلْ هم عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ أيْ عَنْ ذِكْرِهِ سُبْحانَهُ فَلا يَذْكُرُونَهُ ولا يُخْطِرُونَهُ بِبالِهِمْ، بَلْ يُعْرِضُونَ عَنْهُ، أوْ عَنِ القُرْآنِ، أوْ عَنْ مَواعِظِ اللَّهِ، أوْ عَنْ مَعْرِفَتِهِ. ﴿أمْ لَهم آلِهَةٌ تَمْنَعُهم مِن دُونِنا﴾ أمْ هي المُنْقَطِعَةُ الَّتِي بِمَعْنى بَلْ، والهَمْزَةُ لِلْإضْرابِ والِانْتِقالِ عَنِ الكَلامِ السّابِقِ المُشْتَمِلِ عَلى بَيانِ جَهْلِهِمْ بِحِفْظِهِ سُبْحانَهُ إيّاهم إلى تَوْبِيخِهِمْ وتَقْرِيعِهِمْ بِاعْتِمادِهِمْ عَلى مَن هو عاجِزٌ عَنْ نَفْعِ نَفْسِهِ، والدَّفْعِ عَنْها. والمَعْنى: بَلْ لَهم آلِهَةٌ تَمْنَعُهم مِن عَذابِنا. وقِيلَ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والتَّقْدِيرُ: أمْ لَهم آلِهَةٌ مِن دُونِنا تَمْنَعُهم. ثُمَّ وصَفَ آلِهَتَهم هَذِهِ الَّتِي زَعَمُوا أنَّها تَنْصُرُهم بِما يَدُلُّ عَلى الضَّعْفِ والعَجْزِ فَقالَ: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أنْفُسِهِمْ ولا هم مِنّا يُصْحَبُونَ﴾ أيْ هم عاجِزُونَ عَنْ نَصْرِ أنْفُسِهِمْ فَكَيْفَ يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَنْصُرُوا غَيْرَهم ولا هم مِنّا يُصْحَبُونَ: أيْ ولا هم يُجارُونَ مِن عَذابِنا. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ لا يُجِيرُهم مِنّا أحَدٌ، لِأنَّ المُجِيرَ صاحِبُ الجارِ، والعَرَبُ تَقُولُ صَحِبَكَ اللَّهُ: أيْ حَفِظَكَ وأجارَكَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎يُنادِي بِأعْلى صَوْتِهِ مُتَعَوِّذًا ∗∗∗ لِيُصْحَبَ مِنّا والرِّماحُ دَوانِي تَقُولُ العَرَبُ: أنا لَكَ جارٌ وصاحِبٌ مِن فُلانٍ. أيْ مُجِيرٌ مِنهُ. قالَ المازِنِيُّ: هو مِن أصْحَبْتُ الرَّجُلَ إذا مَنَعْتَهُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: «مَرَّ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى أبِي سُفْيانَ وأبِي جَهْلٍ وهم يَتَحَدَّثانِ، فَلَمّا رَآهُ أبُو جَهْلٍ ضَحِكَ وقالَ لِأبِي سُفْيانَ: هَذا نَبِيُّ بَنِي عَبْدِ مَنافٍ، فَغَضِبَ أبُو سُفْيانَ فَقالَ: ما تُنْكِرُونَ أنْ يَكُونَ لِبَنِي عَبْدِ مَنافٍ نَبِيٌّ، فَسَمِعَها النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَرَجَعَ إلى أبِي جَهْلٍ فَوَقَعَ بِهِ وخَوَّفَهُ وقالَ: ما أراكَ مُنْتَهِيًا حَتّى يُصِيبَكَ ما أصابَ عَمَّكَ، وقالَ لِأبِي سُفْيانَ: أمّا إنَّكَ لَمْ تَقُلْ ما قُلْتَ إلّا حَمِيَّةً. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وإذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾» . قُلْتُ: يَنْظُرُ مَنِ الَّذِي رَوى عَنْهُ السُّدِّيُّ ؟ . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: لَمّا نُفِخَ في آدَمَ الرُّوحَ صارَ في رَأْسِهِ فَعَطَسَ فَقالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ، فَقالَتْ: المَلائِكَةُ يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فَذَهَبَ لِيَنْهَضَ قَبْلَ أنْ تَمُورَ في رِجْلَيْهِ فَوَقَعَ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ وقَدْ أخْرَجَ نَحْوَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. وأخْرَجَ نَحْوَهُ أيْضًا ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْ مُجاهِدٍ، وكَذا أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ مَن يَكْلَؤُكم﴾ قالَ: يَحْرُسُكم، وفي (p-٩٣٧)قَوْلُهُ: ﴿ولا هم مِنّا يُصْحَبُونَ﴾ قالَ: لا يُنْصَرُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا هم مِنّا يُصْحَبُونَ﴾ قالَ: لا يُجارُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في الآيَةِ: قالَ لا يُمْنَعُونَ.

الأنبياء 21:38

. قَوْلُهُ: ﴿وإذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يَعْنِي المُسْتَهْزِئِينَ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴿إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُوًا﴾ أيْ ما يَتَّخِذُونَكَ إلّا مَهْزُوءًا بِكَ، والهَزْءُ السُّخْرِيَةُ، وهَؤُلاءِ هُمُ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿إنّا كَفَيْناكَ المُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: ٩٥] والمَعْنى: ما يَفْعَلُونَ بِكَ إلّا اتَّخَذُوكَ هُزُؤًا ﴿أهَذا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ هو عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ يَقُولُونَ أهَذا الَّذِي، فَعَلى هَذا هو جَوابُ إذا، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُوًا﴾ اعْتِراضًا بَيْنَ الشَّرْطِ وجَوابِهِ، ومَعْنى يَذْكُرُها يَعِيبُها. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ فُلانٌ يَذْكُرُ النّاسَ: أيْ يَغْتابُهم، ويَذْكُرُهم بِالعُيُوبِ، وفُلانٌ يَذْكُرُ اللَّهَ: أيْ يَصِفُهُ بِالتَّعْظِيمِ ويُثْنِي عَلَيْهِ، وإنَّما يُحْذَفُ مَعَ الذَّكَرِ ما عُقِلَ مَعْناهُ، وعَلى ما قالُوا لا يَكُونُ الذِّكْرُ في كَلامِ العَرَبِ العَيْبُ، وحَيْثُ يُرادُ بِهِ العَيْبُ يُحْذَفُ مِنهُ السُّوءُ، قِيلَ ومِن هَذا قَوْلُ عَنْتَرَةَ: ؎لا تَذْكُرِي مُهْرِي وما أطْعَمْتُهُ فَيَكُونُ جِلْدُكَ مِثْلَ جَلْدِ الأجْرَبِ أيْ لا تَعِيبِي مُهْرِي، وجُمْلَةُ ﴿وهم بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هم كافِرُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ وهم بِالقُرْآنِ كافِرُونَ، أوْ هم بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ الَّذِي خَلَقَهم كافِرُونَ، والمَعْنى: أنَّهم يَعِيبُونَ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَذْكُرَ آلِهَتَهُمُ الَّتِي لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ بِالسُّوءِ، والحالُ أنَّهم بِذِكْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِما يَلِيقُ بِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ، أوِ القُرْآنِ كافِرُونَ، فَهم أحَقُّ بِالعَيْبِ لَهم والإنْكارِ عَلَيْهِمْ، فالضَّمِيرُ الأوَّلُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ كافِرُونَ، وبِذِكْرِ مُتَعَلِّقٌ بِالخَبَرِ، والضَّمِيرُ الثّانِي تَأْكِيدٌ. ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ أيْ جُعِلَ لِفَرْطِ اسْتِعْجالِهِ كَأنَّهُ مَخْلُوقٌ مِنَ العَجَلِ. قالَ الفَرّاءُ: كَأنَّهُ يَقُولُ بَنَيْتُهُ وخَلَقْتُهُ مِنَ العَجَلَةِ وعَلى العَجَلَةِ. وقالَ الزَّجّاجُ: خُوطِبَتِ العَرَبُ بِما تَعْقِلُ، والعَرَبُ تَقُولُ لِلَّذِي يَكْثُرُ مِنهُ الشَّيْءُ خُلِقْتَ مِنهُ كَما تَقُولُ: أنْتَ مِن لَعِبٍ، وخُلِقْتَ مَن لَعِبٍ، تُرِيدُ المُبالَغَةَ في وصْفِهِ بِذَلِكَ. ويَدُلُّ عَلى هَذا المَعْنى قَوْلُهُ: ﴿وكانَ الإنْسانُ عَجُولًا﴾ [الإسراء: ١١] والمُرادُ بِالإنْسانِ الجِنْسُ. وقِيلَ: المُرادُ بِالإنْسانِ آدَمُ، فَإنَّهُ لَمّا خَلَقَهُ اللَّهُ ونَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ صارَ الرُّوحُ في رَأْسِهِ، فَذَهَبَ لِيَنْهَضَ قَبْلَ أنْ تَبْلُغَ الرُّوحُ إلى رِجْلَيْهِ فَوَقَعَ، فَقِيلَ ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ كَذا قالَ عِكْرِمَةُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والسُّدِّيُّ والكَلْبِيُّ ومُجاهِدٌ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وكَثِيرٌ مَن أهْلِ المَعانِي: العَجَلُ الطِّينُ بِلُغَةِ حِمْيَرَ. وأنْشَدُوا: ؎والنَّخْلُ تَنْبُتُ بَيْنَ الماءِ والعَجَلِ وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ، وهو القائِلُ: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ﴾ [الأنفال: ٣٢] وقِيلَ: نَزَلَتْ في قُرَيْشٍ لِأنَّهُمُ اسْتَعْجَلُوا العَذابَ. وقالَ الأخْفَشُ: مَعْنى خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ أنَّهُ قِيلَ لَهُ كُنْ فَكانَ. وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِنَ المَقْلُوبِ: أيْ خُلِقَ العَجَلُ مِنَ الإنْسانِ وقَدْ حُكِيَ هَذا عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ والنَّحّاسِ، والقَوْلُ الأوَّلُ أوْلى (p-٩٣٦)﴿سَأُرِيكم آياتِي﴾ أيْ سَأُرِيكم نَقِماتِي مِنكم بِعَذابِ النّارِ ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ أيْ لا تَسْتَعْجِلُونِي بِالإتْيانِ بِهِ، فَإنَّهُ نازِلٌ بِكم لا مَحالَةَ: وقِيلَ: المُرادُ بِالآياتِ ما دَلَّ عَلى صِدْقِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ المُعْجِزاتِ وما جَعَلَهُ اللَّهُ لَهُ مِنَ العاقِبَةِ المَحْمُودَةِ، والأوَّلُ أوْلى. ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهم ﴿مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ مَتى حُصُولُ هَذا الوَعْدِ، الَّذِي تَعِدُنا بِهِ مِنَ العَذابِ، قالُوا ذَلِكَ عَلى جِهَةِ الِاسْتِهْزاءِ والسُّخْرِيَةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالوَعْدِ هُنا القِيامَةُ، ومَعْنى ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ إنْ كُنْتُمْ يا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ صادِقِينَ في وعْدِكم، والخِطابُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَتْلُونَ الآياتِ القُرْآنِيَّةَ المُنْذِرَةَ بِمَجِيءِ السّاعَةِ وقُرْبِ حُضُورِ العَذابِ. وجُمْلَةُ ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ما بَعْدَها مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها: أيْ لَوْ عَرَفُوا ذَلِكَ الوَقْتَ، وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: لَوْ عَلِمُوا الوَقْتَ الَّذِي ﴿لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النّارَ ولا عَنْ ظُهُورِهِمْ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ لَما اسْتَعْجَلُوا الوَعِيدَ. وقالَ الزَّجّاجُ: في تَقْدِيرِ الجَوابِ لِيَعْلَمُوا صِدْقَ الوَعْدِ، وقِيلَ: لَوْ عَلِمُوهُ ما أقامُوا عَلى الكُفْرِ. وقالَ الكِسائِيُّ: هو تَنْبِيهٌ عَلى تَحْقِيقِ وُقُوعِ السّاعَةِ: أيْ لَوْ عَلِمُوهُ عِلْمَ يَقِينٍ لَعَلِمُوا أنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً﴾ وتَخْصِيصُ الوُجُوهِ والظُّهُورِ بِالذِّكْرِ بِمَعْنى القُدّامِ والخَلْفِ لِكَوْنِهِما أشْهَرَ الجَوانِبِ في اسْتِلْزامِ الإحاطَةِ بِها لِلْإحاطَةِ بِالكُلِّ بِحَيْثُ لا يَقْدِرُونَ عَلى دَفْعِها مِن جانِبٍ مِن جَوانِبِهِمْ، ومَحَلُّ حِينَ لا يَكُفُّونَ النَّصْبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ العِلْمِ، وهو عِبارَةٌ عَنِ الوَقْتِ المَوْعُودِ الَّذِي كانُوا يَسْتَعْجِلُونَهُ، ومَعْنى ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ ولا يَنْصُرُهم أحَدٌ مِنِ العِبادِ فَيَدْفَعُ ذَلِكَ عَنْهم. وجُمْلَةُ ﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى يَكُفُّونَ: أيْ لا يَكُفُّونَها بَلْ تَأْتِيهِمُ العِدَّةُ أوِ النّارُ أوِ السّاعَةُ بَغْتَةً: أيْ فَجْأةً فَتَبْهَتُهم قالَ الجَوْهَرِيُّ: بَهَتَهُ أخْذَهُ بَغْتًا، وقالَ الفَرّاءُ فَتَبْهَتُهم: أيْ تُحَيِّرُهم، وقِيلَ: فَتَفْجَؤُهم ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها﴾ أيْ صَرْفَها عَنْ وُجُوهِهِمْ ولا عَنْ ظُهُورِهِمْ فالضَّمِيرُ راجِعٌ إلى النّارِ، وقِيلَ: راجِعٌ إلى الوَعْدِ بِتَأْوِيلِهِ بِالعِدَّةِ، وقِيلَ: راجِعٌ إلى الحِينِ بِتَأْوِيلِهِ بِالسّاعَةِ ﴿ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ أيْ يُمْهَلُونَ ويُؤَخَّرُونَ لِتَوْبَةٍ واعْتِذارٍ. وجُمْلَةُ ﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ﴾ مَسُوقَةٌ لِتَسْلِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وتَعْزِيَتِهِ، كَأنَّهُ قالَ: إنِ اسْتَهْزَأ بِكَ هَؤُلاءِ فَقَدْ فُعِلَ ذَلِكَ بِمَن قَبْلَكَ مِنَ الرُّسُلِ عَلى كَثْرَةِ عَدَدِهِمْ وخَطَرِ شَأْنِهِمْ ﴿فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهُمْ﴾ أيْ أحاطَ ودارَ بِسَبَبِ ذَلِكَ، بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِن أُولَئِكَ الرُّسُلِ وهَزِئُوا بِهِمْ ﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ما مَوْصُولَةٌ، أوْ مَصْدَرِيَّةٌ: أيْ فَأحاطَ بِهِمُ الأمْرُ الَّذِي كانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ، أوْ فَأحاطَ بِهِمُ اسْتِهْزاؤُهم: أيْ جَزاؤُهُ عَلى وضْعِ السَّبَبِ مَوْضِعَ المُسَبَّبِ، أوْ نَفْسِ الِاسْتِهْزاءِ، إنْ أُرِيدَ بِهِ العَذابُ الأُخْرَوِيُّ. ﴿قُلْ مَن يَكْلَؤُكم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ أيْ يَحْرُسُكم ويَحْفَظُكم والكَلاءَةُ الحِراسَةُ والحِفْظُ، يُقالُ: كَلَأهُ اللَّهُ كِلاءًةُ بِالكَسْرِ أيْ حَفِظَهُ وحَرَسَهُ. قالَ ابْنُ هَرْمَةَ: ؎إنَّ سُلَيْمى واللَّهُ يَكْلَؤُها ∗∗∗ ضَنَّتْ بِشَيْءٍ ما كانَ يَرْزَؤُها أيْ قُلْ يا مُحَمَّدُ لِأُولَئِكَ المُسْتَهْزِئِينَ بِطَرِيقِ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ: مَن يَحْرُسُكم ويَحْفَظُكم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ مِن بَأْسِ الرَّحْمَنِ وعَذابِهِ الَّذِي تَسْتَحِقُّونَ حُلُولَهُ بِكم ونُزُولَهُ عَلَيْكم ؟ وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ مَن يَحْفَظُكم مِن بَأْسِ الرَّحْمَنِ. وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى مَن يَحْفَظُكم مِمّا يُرِيدُ الرَّحْمَنُ إنْزالَهُ بِكم مِن عُقُوباتِ الدُّنْيا والآخِرَةِ. وحَكى الكِسائِيُّ والفرّاءُ: ( مَن يَكْلَؤُكم ) بِفَتْحِ اللّامِ وإسْكانِ الواوِ ﴿بَلْ هم عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ أيْ عَنْ ذِكْرِهِ سُبْحانَهُ فَلا يَذْكُرُونَهُ ولا يُخْطِرُونَهُ بِبالِهِمْ، بَلْ يُعْرِضُونَ عَنْهُ، أوْ عَنِ القُرْآنِ، أوْ عَنْ مَواعِظِ اللَّهِ، أوْ عَنْ مَعْرِفَتِهِ. ﴿أمْ لَهم آلِهَةٌ تَمْنَعُهم مِن دُونِنا﴾ أمْ هي المُنْقَطِعَةُ الَّتِي بِمَعْنى بَلْ، والهَمْزَةُ لِلْإضْرابِ والِانْتِقالِ عَنِ الكَلامِ السّابِقِ المُشْتَمِلِ عَلى بَيانِ جَهْلِهِمْ بِحِفْظِهِ سُبْحانَهُ إيّاهم إلى تَوْبِيخِهِمْ وتَقْرِيعِهِمْ بِاعْتِمادِهِمْ عَلى مَن هو عاجِزٌ عَنْ نَفْعِ نَفْسِهِ، والدَّفْعِ عَنْها. والمَعْنى: بَلْ لَهم آلِهَةٌ تَمْنَعُهم مِن عَذابِنا. وقِيلَ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والتَّقْدِيرُ: أمْ لَهم آلِهَةٌ مِن دُونِنا تَمْنَعُهم. ثُمَّ وصَفَ آلِهَتَهم هَذِهِ الَّتِي زَعَمُوا أنَّها تَنْصُرُهم بِما يَدُلُّ عَلى الضَّعْفِ والعَجْزِ فَقالَ: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أنْفُسِهِمْ ولا هم مِنّا يُصْحَبُونَ﴾ أيْ هم عاجِزُونَ عَنْ نَصْرِ أنْفُسِهِمْ فَكَيْفَ يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَنْصُرُوا غَيْرَهم ولا هم مِنّا يُصْحَبُونَ: أيْ ولا هم يُجارُونَ مِن عَذابِنا. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ لا يُجِيرُهم مِنّا أحَدٌ، لِأنَّ المُجِيرَ صاحِبُ الجارِ، والعَرَبُ تَقُولُ صَحِبَكَ اللَّهُ: أيْ حَفِظَكَ وأجارَكَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎يُنادِي بِأعْلى صَوْتِهِ مُتَعَوِّذًا ∗∗∗ لِيُصْحَبَ مِنّا والرِّماحُ دَوانِي تَقُولُ العَرَبُ: أنا لَكَ جارٌ وصاحِبٌ مِن فُلانٍ. أيْ مُجِيرٌ مِنهُ. قالَ المازِنِيُّ: هو مِن أصْحَبْتُ الرَّجُلَ إذا مَنَعْتَهُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: «مَرَّ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى أبِي سُفْيانَ وأبِي جَهْلٍ وهم يَتَحَدَّثانِ، فَلَمّا رَآهُ أبُو جَهْلٍ ضَحِكَ وقالَ لِأبِي سُفْيانَ: هَذا نَبِيُّ بَنِي عَبْدِ مَنافٍ، فَغَضِبَ أبُو سُفْيانَ فَقالَ: ما تُنْكِرُونَ أنْ يَكُونَ لِبَنِي عَبْدِ مَنافٍ نَبِيٌّ، فَسَمِعَها النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَرَجَعَ إلى أبِي جَهْلٍ فَوَقَعَ بِهِ وخَوَّفَهُ وقالَ: ما أراكَ مُنْتَهِيًا حَتّى يُصِيبَكَ ما أصابَ عَمَّكَ، وقالَ لِأبِي سُفْيانَ: أمّا إنَّكَ لَمْ تَقُلْ ما قُلْتَ إلّا حَمِيَّةً. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وإذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾» . قُلْتُ: يَنْظُرُ مَنِ الَّذِي رَوى عَنْهُ السُّدِّيُّ ؟ . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: لَمّا نُفِخَ في آدَمَ الرُّوحَ صارَ في رَأْسِهِ فَعَطَسَ فَقالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ، فَقالَتْ: المَلائِكَةُ يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فَذَهَبَ لِيَنْهَضَ قَبْلَ أنْ تَمُورَ في رِجْلَيْهِ فَوَقَعَ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ وقَدْ أخْرَجَ نَحْوَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. وأخْرَجَ نَحْوَهُ أيْضًا ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْ مُجاهِدٍ، وكَذا أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ مَن يَكْلَؤُكم﴾ قالَ: يَحْرُسُكم، وفي (p-٩٣٧)قَوْلُهُ: ﴿ولا هم مِنّا يُصْحَبُونَ﴾ قالَ: لا يُنْصَرُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا هم مِنّا يُصْحَبُونَ﴾ قالَ: لا يُجارُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في الآيَةِ: قالَ لا يُمْنَعُونَ.

الأنبياء 21:39

. قَوْلُهُ: ﴿وإذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يَعْنِي المُسْتَهْزِئِينَ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴿إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُوًا﴾ أيْ ما يَتَّخِذُونَكَ إلّا مَهْزُوءًا بِكَ، والهَزْءُ السُّخْرِيَةُ، وهَؤُلاءِ هُمُ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿إنّا كَفَيْناكَ المُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: ٩٥] والمَعْنى: ما يَفْعَلُونَ بِكَ إلّا اتَّخَذُوكَ هُزُؤًا ﴿أهَذا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ هو عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ يَقُولُونَ أهَذا الَّذِي، فَعَلى هَذا هو جَوابُ إذا، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُوًا﴾ اعْتِراضًا بَيْنَ الشَّرْطِ وجَوابِهِ، ومَعْنى يَذْكُرُها يَعِيبُها. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ فُلانٌ يَذْكُرُ النّاسَ: أيْ يَغْتابُهم، ويَذْكُرُهم بِالعُيُوبِ، وفُلانٌ يَذْكُرُ اللَّهَ: أيْ يَصِفُهُ بِالتَّعْظِيمِ ويُثْنِي عَلَيْهِ، وإنَّما يُحْذَفُ مَعَ الذَّكَرِ ما عُقِلَ مَعْناهُ، وعَلى ما قالُوا لا يَكُونُ الذِّكْرُ في كَلامِ العَرَبِ العَيْبُ، وحَيْثُ يُرادُ بِهِ العَيْبُ يُحْذَفُ مِنهُ السُّوءُ، قِيلَ ومِن هَذا قَوْلُ عَنْتَرَةَ: ؎لا تَذْكُرِي مُهْرِي وما أطْعَمْتُهُ فَيَكُونُ جِلْدُكَ مِثْلَ جَلْدِ الأجْرَبِ أيْ لا تَعِيبِي مُهْرِي، وجُمْلَةُ ﴿وهم بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هم كافِرُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ وهم بِالقُرْآنِ كافِرُونَ، أوْ هم بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ الَّذِي خَلَقَهم كافِرُونَ، والمَعْنى: أنَّهم يَعِيبُونَ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَذْكُرَ آلِهَتَهُمُ الَّتِي لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ بِالسُّوءِ، والحالُ أنَّهم بِذِكْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِما يَلِيقُ بِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ، أوِ القُرْآنِ كافِرُونَ، فَهم أحَقُّ بِالعَيْبِ لَهم والإنْكارِ عَلَيْهِمْ، فالضَّمِيرُ الأوَّلُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ كافِرُونَ، وبِذِكْرِ مُتَعَلِّقٌ بِالخَبَرِ، والضَّمِيرُ الثّانِي تَأْكِيدٌ. ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ أيْ جُعِلَ لِفَرْطِ اسْتِعْجالِهِ كَأنَّهُ مَخْلُوقٌ مِنَ العَجَلِ. قالَ الفَرّاءُ: كَأنَّهُ يَقُولُ بَنَيْتُهُ وخَلَقْتُهُ مِنَ العَجَلَةِ وعَلى العَجَلَةِ. وقالَ الزَّجّاجُ: خُوطِبَتِ العَرَبُ بِما تَعْقِلُ، والعَرَبُ تَقُولُ لِلَّذِي يَكْثُرُ مِنهُ الشَّيْءُ خُلِقْتَ مِنهُ كَما تَقُولُ: أنْتَ مِن لَعِبٍ، وخُلِقْتَ مَن لَعِبٍ، تُرِيدُ المُبالَغَةَ في وصْفِهِ بِذَلِكَ. ويَدُلُّ عَلى هَذا المَعْنى قَوْلُهُ: ﴿وكانَ الإنْسانُ عَجُولًا﴾ [الإسراء: ١١] والمُرادُ بِالإنْسانِ الجِنْسُ. وقِيلَ: المُرادُ بِالإنْسانِ آدَمُ، فَإنَّهُ لَمّا خَلَقَهُ اللَّهُ ونَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ صارَ الرُّوحُ في رَأْسِهِ، فَذَهَبَ لِيَنْهَضَ قَبْلَ أنْ تَبْلُغَ الرُّوحُ إلى رِجْلَيْهِ فَوَقَعَ، فَقِيلَ ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ كَذا قالَ عِكْرِمَةُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والسُّدِّيُّ والكَلْبِيُّ ومُجاهِدٌ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وكَثِيرٌ مَن أهْلِ المَعانِي: العَجَلُ الطِّينُ بِلُغَةِ حِمْيَرَ. وأنْشَدُوا: ؎والنَّخْلُ تَنْبُتُ بَيْنَ الماءِ والعَجَلِ وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ، وهو القائِلُ: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ﴾ [الأنفال: ٣٢] وقِيلَ: نَزَلَتْ في قُرَيْشٍ لِأنَّهُمُ اسْتَعْجَلُوا العَذابَ. وقالَ الأخْفَشُ: مَعْنى خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ أنَّهُ قِيلَ لَهُ كُنْ فَكانَ. وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِنَ المَقْلُوبِ: أيْ خُلِقَ العَجَلُ مِنَ الإنْسانِ وقَدْ حُكِيَ هَذا عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ والنَّحّاسِ، والقَوْلُ الأوَّلُ أوْلى (p-٩٣٦)﴿سَأُرِيكم آياتِي﴾ أيْ سَأُرِيكم نَقِماتِي مِنكم بِعَذابِ النّارِ ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ أيْ لا تَسْتَعْجِلُونِي بِالإتْيانِ بِهِ، فَإنَّهُ نازِلٌ بِكم لا مَحالَةَ: وقِيلَ: المُرادُ بِالآياتِ ما دَلَّ عَلى صِدْقِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ المُعْجِزاتِ وما جَعَلَهُ اللَّهُ لَهُ مِنَ العاقِبَةِ المَحْمُودَةِ، والأوَّلُ أوْلى. ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهم ﴿مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ مَتى حُصُولُ هَذا الوَعْدِ، الَّذِي تَعِدُنا بِهِ مِنَ العَذابِ، قالُوا ذَلِكَ عَلى جِهَةِ الِاسْتِهْزاءِ والسُّخْرِيَةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالوَعْدِ هُنا القِيامَةُ، ومَعْنى ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ إنْ كُنْتُمْ يا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ صادِقِينَ في وعْدِكم، والخِطابُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَتْلُونَ الآياتِ القُرْآنِيَّةَ المُنْذِرَةَ بِمَجِيءِ السّاعَةِ وقُرْبِ حُضُورِ العَذابِ. وجُمْلَةُ ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ما بَعْدَها مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها: أيْ لَوْ عَرَفُوا ذَلِكَ الوَقْتَ، وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: لَوْ عَلِمُوا الوَقْتَ الَّذِي ﴿لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النّارَ ولا عَنْ ظُهُورِهِمْ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ لَما اسْتَعْجَلُوا الوَعِيدَ. وقالَ الزَّجّاجُ: في تَقْدِيرِ الجَوابِ لِيَعْلَمُوا صِدْقَ الوَعْدِ، وقِيلَ: لَوْ عَلِمُوهُ ما أقامُوا عَلى الكُفْرِ. وقالَ الكِسائِيُّ: هو تَنْبِيهٌ عَلى تَحْقِيقِ وُقُوعِ السّاعَةِ: أيْ لَوْ عَلِمُوهُ عِلْمَ يَقِينٍ لَعَلِمُوا أنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً﴾ وتَخْصِيصُ الوُجُوهِ والظُّهُورِ بِالذِّكْرِ بِمَعْنى القُدّامِ والخَلْفِ لِكَوْنِهِما أشْهَرَ الجَوانِبِ في اسْتِلْزامِ الإحاطَةِ بِها لِلْإحاطَةِ بِالكُلِّ بِحَيْثُ لا يَقْدِرُونَ عَلى دَفْعِها مِن جانِبٍ مِن جَوانِبِهِمْ، ومَحَلُّ حِينَ لا يَكُفُّونَ النَّصْبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ العِلْمِ، وهو عِبارَةٌ عَنِ الوَقْتِ المَوْعُودِ الَّذِي كانُوا يَسْتَعْجِلُونَهُ، ومَعْنى ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ ولا يَنْصُرُهم أحَدٌ مِنِ العِبادِ فَيَدْفَعُ ذَلِكَ عَنْهم. وجُمْلَةُ ﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى يَكُفُّونَ: أيْ لا يَكُفُّونَها بَلْ تَأْتِيهِمُ العِدَّةُ أوِ النّارُ أوِ السّاعَةُ بَغْتَةً: أيْ فَجْأةً فَتَبْهَتُهم قالَ الجَوْهَرِيُّ: بَهَتَهُ أخْذَهُ بَغْتًا، وقالَ الفَرّاءُ فَتَبْهَتُهم: أيْ تُحَيِّرُهم، وقِيلَ: فَتَفْجَؤُهم ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها﴾ أيْ صَرْفَها عَنْ وُجُوهِهِمْ ولا عَنْ ظُهُورِهِمْ فالضَّمِيرُ راجِعٌ إلى النّارِ، وقِيلَ: راجِعٌ إلى الوَعْدِ بِتَأْوِيلِهِ بِالعِدَّةِ، وقِيلَ: راجِعٌ إلى الحِينِ بِتَأْوِيلِهِ بِالسّاعَةِ ﴿ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ أيْ يُمْهَلُونَ ويُؤَخَّرُونَ لِتَوْبَةٍ واعْتِذارٍ. وجُمْلَةُ ﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ﴾ مَسُوقَةٌ لِتَسْلِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وتَعْزِيَتِهِ، كَأنَّهُ قالَ: إنِ اسْتَهْزَأ بِكَ هَؤُلاءِ فَقَدْ فُعِلَ ذَلِكَ بِمَن قَبْلَكَ مِنَ الرُّسُلِ عَلى كَثْرَةِ عَدَدِهِمْ وخَطَرِ شَأْنِهِمْ ﴿فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهُمْ﴾ أيْ أحاطَ ودارَ بِسَبَبِ ذَلِكَ، بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِن أُولَئِكَ الرُّسُلِ وهَزِئُوا بِهِمْ ﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ما مَوْصُولَةٌ، أوْ مَصْدَرِيَّةٌ: أيْ فَأحاطَ بِهِمُ الأمْرُ الَّذِي كانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ، أوْ فَأحاطَ بِهِمُ اسْتِهْزاؤُهم: أيْ جَزاؤُهُ عَلى وضْعِ السَّبَبِ مَوْضِعَ المُسَبَّبِ، أوْ نَفْسِ الِاسْتِهْزاءِ، إنْ أُرِيدَ بِهِ العَذابُ الأُخْرَوِيُّ. ﴿قُلْ مَن يَكْلَؤُكم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ أيْ يَحْرُسُكم ويَحْفَظُكم والكَلاءَةُ الحِراسَةُ والحِفْظُ، يُقالُ: كَلَأهُ اللَّهُ كِلاءًةُ بِالكَسْرِ أيْ حَفِظَهُ وحَرَسَهُ. قالَ ابْنُ هَرْمَةَ: ؎إنَّ سُلَيْمى واللَّهُ يَكْلَؤُها ∗∗∗ ضَنَّتْ بِشَيْءٍ ما كانَ يَرْزَؤُها أيْ قُلْ يا مُحَمَّدُ لِأُولَئِكَ المُسْتَهْزِئِينَ بِطَرِيقِ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ: مَن يَحْرُسُكم ويَحْفَظُكم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ مِن بَأْسِ الرَّحْمَنِ وعَذابِهِ الَّذِي تَسْتَحِقُّونَ حُلُولَهُ بِكم ونُزُولَهُ عَلَيْكم ؟ وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ مَن يَحْفَظُكم مِن بَأْسِ الرَّحْمَنِ. وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى مَن يَحْفَظُكم مِمّا يُرِيدُ الرَّحْمَنُ إنْزالَهُ بِكم مِن عُقُوباتِ الدُّنْيا والآخِرَةِ. وحَكى الكِسائِيُّ والفرّاءُ: ( مَن يَكْلَؤُكم ) بِفَتْحِ اللّامِ وإسْكانِ الواوِ ﴿بَلْ هم عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ أيْ عَنْ ذِكْرِهِ سُبْحانَهُ فَلا يَذْكُرُونَهُ ولا يُخْطِرُونَهُ بِبالِهِمْ، بَلْ يُعْرِضُونَ عَنْهُ، أوْ عَنِ القُرْآنِ، أوْ عَنْ مَواعِظِ اللَّهِ، أوْ عَنْ مَعْرِفَتِهِ. ﴿أمْ لَهم آلِهَةٌ تَمْنَعُهم مِن دُونِنا﴾ أمْ هي المُنْقَطِعَةُ الَّتِي بِمَعْنى بَلْ، والهَمْزَةُ لِلْإضْرابِ والِانْتِقالِ عَنِ الكَلامِ السّابِقِ المُشْتَمِلِ عَلى بَيانِ جَهْلِهِمْ بِحِفْظِهِ سُبْحانَهُ إيّاهم إلى تَوْبِيخِهِمْ وتَقْرِيعِهِمْ بِاعْتِمادِهِمْ عَلى مَن هو عاجِزٌ عَنْ نَفْعِ نَفْسِهِ، والدَّفْعِ عَنْها. والمَعْنى: بَلْ لَهم آلِهَةٌ تَمْنَعُهم مِن عَذابِنا. وقِيلَ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والتَّقْدِيرُ: أمْ لَهم آلِهَةٌ مِن دُونِنا تَمْنَعُهم. ثُمَّ وصَفَ آلِهَتَهم هَذِهِ الَّتِي زَعَمُوا أنَّها تَنْصُرُهم بِما يَدُلُّ عَلى الضَّعْفِ والعَجْزِ فَقالَ: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أنْفُسِهِمْ ولا هم مِنّا يُصْحَبُونَ﴾ أيْ هم عاجِزُونَ عَنْ نَصْرِ أنْفُسِهِمْ فَكَيْفَ يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَنْصُرُوا غَيْرَهم ولا هم مِنّا يُصْحَبُونَ: أيْ ولا هم يُجارُونَ مِن عَذابِنا. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ لا يُجِيرُهم مِنّا أحَدٌ، لِأنَّ المُجِيرَ صاحِبُ الجارِ، والعَرَبُ تَقُولُ صَحِبَكَ اللَّهُ: أيْ حَفِظَكَ وأجارَكَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎يُنادِي بِأعْلى صَوْتِهِ مُتَعَوِّذًا ∗∗∗ لِيُصْحَبَ مِنّا والرِّماحُ دَوانِي تَقُولُ العَرَبُ: أنا لَكَ جارٌ وصاحِبٌ مِن فُلانٍ. أيْ مُجِيرٌ مِنهُ. قالَ المازِنِيُّ: هو مِن أصْحَبْتُ الرَّجُلَ إذا مَنَعْتَهُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: «مَرَّ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى أبِي سُفْيانَ وأبِي جَهْلٍ وهم يَتَحَدَّثانِ، فَلَمّا رَآهُ أبُو جَهْلٍ ضَحِكَ وقالَ لِأبِي سُفْيانَ: هَذا نَبِيُّ بَنِي عَبْدِ مَنافٍ، فَغَضِبَ أبُو سُفْيانَ فَقالَ: ما تُنْكِرُونَ أنْ يَكُونَ لِبَنِي عَبْدِ مَنافٍ نَبِيٌّ، فَسَمِعَها النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَرَجَعَ إلى أبِي جَهْلٍ فَوَقَعَ بِهِ وخَوَّفَهُ وقالَ: ما أراكَ مُنْتَهِيًا حَتّى يُصِيبَكَ ما أصابَ عَمَّكَ، وقالَ لِأبِي سُفْيانَ: أمّا إنَّكَ لَمْ تَقُلْ ما قُلْتَ إلّا حَمِيَّةً. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وإذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾» . قُلْتُ: يَنْظُرُ مَنِ الَّذِي رَوى عَنْهُ السُّدِّيُّ ؟ . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: لَمّا نُفِخَ في آدَمَ الرُّوحَ صارَ في رَأْسِهِ فَعَطَسَ فَقالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ، فَقالَتْ: المَلائِكَةُ يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فَذَهَبَ لِيَنْهَضَ قَبْلَ أنْ تَمُورَ في رِجْلَيْهِ فَوَقَعَ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ وقَدْ أخْرَجَ نَحْوَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. وأخْرَجَ نَحْوَهُ أيْضًا ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْ مُجاهِدٍ، وكَذا أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ مَن يَكْلَؤُكم﴾ قالَ: يَحْرُسُكم، وفي (p-٩٣٧)قَوْلُهُ: ﴿ولا هم مِنّا يُصْحَبُونَ﴾ قالَ: لا يُنْصَرُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا هم مِنّا يُصْحَبُونَ﴾ قالَ: لا يُجارُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في الآيَةِ: قالَ لا يُمْنَعُونَ.

الأنبياء 21:40

. قَوْلُهُ: ﴿وإذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يَعْنِي المُسْتَهْزِئِينَ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴿إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُوًا﴾ أيْ ما يَتَّخِذُونَكَ إلّا مَهْزُوءًا بِكَ، والهَزْءُ السُّخْرِيَةُ، وهَؤُلاءِ هُمُ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿إنّا كَفَيْناكَ المُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: ٩٥] والمَعْنى: ما يَفْعَلُونَ بِكَ إلّا اتَّخَذُوكَ هُزُؤًا ﴿أهَذا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ هو عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ يَقُولُونَ أهَذا الَّذِي، فَعَلى هَذا هو جَوابُ إذا، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُوًا﴾ اعْتِراضًا بَيْنَ الشَّرْطِ وجَوابِهِ، ومَعْنى يَذْكُرُها يَعِيبُها. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ فُلانٌ يَذْكُرُ النّاسَ: أيْ يَغْتابُهم، ويَذْكُرُهم بِالعُيُوبِ، وفُلانٌ يَذْكُرُ اللَّهَ: أيْ يَصِفُهُ بِالتَّعْظِيمِ ويُثْنِي عَلَيْهِ، وإنَّما يُحْذَفُ مَعَ الذَّكَرِ ما عُقِلَ مَعْناهُ، وعَلى ما قالُوا لا يَكُونُ الذِّكْرُ في كَلامِ العَرَبِ العَيْبُ، وحَيْثُ يُرادُ بِهِ العَيْبُ يُحْذَفُ مِنهُ السُّوءُ، قِيلَ ومِن هَذا قَوْلُ عَنْتَرَةَ: ؎لا تَذْكُرِي مُهْرِي وما أطْعَمْتُهُ فَيَكُونُ جِلْدُكَ مِثْلَ جَلْدِ الأجْرَبِ أيْ لا تَعِيبِي مُهْرِي، وجُمْلَةُ ﴿وهم بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هم كافِرُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ وهم بِالقُرْآنِ كافِرُونَ، أوْ هم بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ الَّذِي خَلَقَهم كافِرُونَ، والمَعْنى: أنَّهم يَعِيبُونَ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَذْكُرَ آلِهَتَهُمُ الَّتِي لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ بِالسُّوءِ، والحالُ أنَّهم بِذِكْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِما يَلِيقُ بِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ، أوِ القُرْآنِ كافِرُونَ، فَهم أحَقُّ بِالعَيْبِ لَهم والإنْكارِ عَلَيْهِمْ، فالضَّمِيرُ الأوَّلُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ كافِرُونَ، وبِذِكْرِ مُتَعَلِّقٌ بِالخَبَرِ، والضَّمِيرُ الثّانِي تَأْكِيدٌ. ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ أيْ جُعِلَ لِفَرْطِ اسْتِعْجالِهِ كَأنَّهُ مَخْلُوقٌ مِنَ العَجَلِ. قالَ الفَرّاءُ: كَأنَّهُ يَقُولُ بَنَيْتُهُ وخَلَقْتُهُ مِنَ العَجَلَةِ وعَلى العَجَلَةِ. وقالَ الزَّجّاجُ: خُوطِبَتِ العَرَبُ بِما تَعْقِلُ، والعَرَبُ تَقُولُ لِلَّذِي يَكْثُرُ مِنهُ الشَّيْءُ خُلِقْتَ مِنهُ كَما تَقُولُ: أنْتَ مِن لَعِبٍ، وخُلِقْتَ مَن لَعِبٍ، تُرِيدُ المُبالَغَةَ في وصْفِهِ بِذَلِكَ. ويَدُلُّ عَلى هَذا المَعْنى قَوْلُهُ: ﴿وكانَ الإنْسانُ عَجُولًا﴾ [الإسراء: ١١] والمُرادُ بِالإنْسانِ الجِنْسُ. وقِيلَ: المُرادُ بِالإنْسانِ آدَمُ، فَإنَّهُ لَمّا خَلَقَهُ اللَّهُ ونَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ صارَ الرُّوحُ في رَأْسِهِ، فَذَهَبَ لِيَنْهَضَ قَبْلَ أنْ تَبْلُغَ الرُّوحُ إلى رِجْلَيْهِ فَوَقَعَ، فَقِيلَ ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ كَذا قالَ عِكْرِمَةُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والسُّدِّيُّ والكَلْبِيُّ ومُجاهِدٌ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وكَثِيرٌ مَن أهْلِ المَعانِي: العَجَلُ الطِّينُ بِلُغَةِ حِمْيَرَ. وأنْشَدُوا: ؎والنَّخْلُ تَنْبُتُ بَيْنَ الماءِ والعَجَلِ وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ، وهو القائِلُ: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ﴾ [الأنفال: ٣٢] وقِيلَ: نَزَلَتْ في قُرَيْشٍ لِأنَّهُمُ اسْتَعْجَلُوا العَذابَ. وقالَ الأخْفَشُ: مَعْنى خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ أنَّهُ قِيلَ لَهُ كُنْ فَكانَ. وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِنَ المَقْلُوبِ: أيْ خُلِقَ العَجَلُ مِنَ الإنْسانِ وقَدْ حُكِيَ هَذا عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ والنَّحّاسِ، والقَوْلُ الأوَّلُ أوْلى (p-٩٣٦)﴿سَأُرِيكم آياتِي﴾ أيْ سَأُرِيكم نَقِماتِي مِنكم بِعَذابِ النّارِ ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ أيْ لا تَسْتَعْجِلُونِي بِالإتْيانِ بِهِ، فَإنَّهُ نازِلٌ بِكم لا مَحالَةَ: وقِيلَ: المُرادُ بِالآياتِ ما دَلَّ عَلى صِدْقِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ المُعْجِزاتِ وما جَعَلَهُ اللَّهُ لَهُ مِنَ العاقِبَةِ المَحْمُودَةِ، والأوَّلُ أوْلى. ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهم ﴿مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ مَتى حُصُولُ هَذا الوَعْدِ، الَّذِي تَعِدُنا بِهِ مِنَ العَذابِ، قالُوا ذَلِكَ عَلى جِهَةِ الِاسْتِهْزاءِ والسُّخْرِيَةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالوَعْدِ هُنا القِيامَةُ، ومَعْنى ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ إنْ كُنْتُمْ يا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ صادِقِينَ في وعْدِكم، والخِطابُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَتْلُونَ الآياتِ القُرْآنِيَّةَ المُنْذِرَةَ بِمَجِيءِ السّاعَةِ وقُرْبِ حُضُورِ العَذابِ. وجُمْلَةُ ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ما بَعْدَها مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها: أيْ لَوْ عَرَفُوا ذَلِكَ الوَقْتَ، وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: لَوْ عَلِمُوا الوَقْتَ الَّذِي ﴿لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النّارَ ولا عَنْ ظُهُورِهِمْ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ لَما اسْتَعْجَلُوا الوَعِيدَ. وقالَ الزَّجّاجُ: في تَقْدِيرِ الجَوابِ لِيَعْلَمُوا صِدْقَ الوَعْدِ، وقِيلَ: لَوْ عَلِمُوهُ ما أقامُوا عَلى الكُفْرِ. وقالَ الكِسائِيُّ: هو تَنْبِيهٌ عَلى تَحْقِيقِ وُقُوعِ السّاعَةِ: أيْ لَوْ عَلِمُوهُ عِلْمَ يَقِينٍ لَعَلِمُوا أنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً﴾ وتَخْصِيصُ الوُجُوهِ والظُّهُورِ بِالذِّكْرِ بِمَعْنى القُدّامِ والخَلْفِ لِكَوْنِهِما أشْهَرَ الجَوانِبِ في اسْتِلْزامِ الإحاطَةِ بِها لِلْإحاطَةِ بِالكُلِّ بِحَيْثُ لا يَقْدِرُونَ عَلى دَفْعِها مِن جانِبٍ مِن جَوانِبِهِمْ، ومَحَلُّ حِينَ لا يَكُفُّونَ النَّصْبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ العِلْمِ، وهو عِبارَةٌ عَنِ الوَقْتِ المَوْعُودِ الَّذِي كانُوا يَسْتَعْجِلُونَهُ، ومَعْنى ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ ولا يَنْصُرُهم أحَدٌ مِنِ العِبادِ فَيَدْفَعُ ذَلِكَ عَنْهم. وجُمْلَةُ ﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى يَكُفُّونَ: أيْ لا يَكُفُّونَها بَلْ تَأْتِيهِمُ العِدَّةُ أوِ النّارُ أوِ السّاعَةُ بَغْتَةً: أيْ فَجْأةً فَتَبْهَتُهم قالَ الجَوْهَرِيُّ: بَهَتَهُ أخْذَهُ بَغْتًا، وقالَ الفَرّاءُ فَتَبْهَتُهم: أيْ تُحَيِّرُهم، وقِيلَ: فَتَفْجَؤُهم ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها﴾ أيْ صَرْفَها عَنْ وُجُوهِهِمْ ولا عَنْ ظُهُورِهِمْ فالضَّمِيرُ راجِعٌ إلى النّارِ، وقِيلَ: راجِعٌ إلى الوَعْدِ بِتَأْوِيلِهِ بِالعِدَّةِ، وقِيلَ: راجِعٌ إلى الحِينِ بِتَأْوِيلِهِ بِالسّاعَةِ ﴿ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ أيْ يُمْهَلُونَ ويُؤَخَّرُونَ لِتَوْبَةٍ واعْتِذارٍ. وجُمْلَةُ ﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ﴾ مَسُوقَةٌ لِتَسْلِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وتَعْزِيَتِهِ، كَأنَّهُ قالَ: إنِ اسْتَهْزَأ بِكَ هَؤُلاءِ فَقَدْ فُعِلَ ذَلِكَ بِمَن قَبْلَكَ مِنَ الرُّسُلِ عَلى كَثْرَةِ عَدَدِهِمْ وخَطَرِ شَأْنِهِمْ ﴿فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهُمْ﴾ أيْ أحاطَ ودارَ بِسَبَبِ ذَلِكَ، بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِن أُولَئِكَ الرُّسُلِ وهَزِئُوا بِهِمْ ﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ما مَوْصُولَةٌ، أوْ مَصْدَرِيَّةٌ: أيْ فَأحاطَ بِهِمُ الأمْرُ الَّذِي كانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ، أوْ فَأحاطَ بِهِمُ اسْتِهْزاؤُهم: أيْ جَزاؤُهُ عَلى وضْعِ السَّبَبِ مَوْضِعَ المُسَبَّبِ، أوْ نَفْسِ الِاسْتِهْزاءِ، إنْ أُرِيدَ بِهِ العَذابُ الأُخْرَوِيُّ. ﴿قُلْ مَن يَكْلَؤُكم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ أيْ يَحْرُسُكم ويَحْفَظُكم والكَلاءَةُ الحِراسَةُ والحِفْظُ، يُقالُ: كَلَأهُ اللَّهُ كِلاءًةُ بِالكَسْرِ أيْ حَفِظَهُ وحَرَسَهُ. قالَ ابْنُ هَرْمَةَ: ؎إنَّ سُلَيْمى واللَّهُ يَكْلَؤُها ∗∗∗ ضَنَّتْ بِشَيْءٍ ما كانَ يَرْزَؤُها أيْ قُلْ يا مُحَمَّدُ لِأُولَئِكَ المُسْتَهْزِئِينَ بِطَرِيقِ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ: مَن يَحْرُسُكم ويَحْفَظُكم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ مِن بَأْسِ الرَّحْمَنِ وعَذابِهِ الَّذِي تَسْتَحِقُّونَ حُلُولَهُ بِكم ونُزُولَهُ عَلَيْكم ؟ وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ مَن يَحْفَظُكم مِن بَأْسِ الرَّحْمَنِ. وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى مَن يَحْفَظُكم مِمّا يُرِيدُ الرَّحْمَنُ إنْزالَهُ بِكم مِن عُقُوباتِ الدُّنْيا والآخِرَةِ. وحَكى الكِسائِيُّ والفرّاءُ: ( مَن يَكْلَؤُكم ) بِفَتْحِ اللّامِ وإسْكانِ الواوِ ﴿بَلْ هم عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ أيْ عَنْ ذِكْرِهِ سُبْحانَهُ فَلا يَذْكُرُونَهُ ولا يُخْطِرُونَهُ بِبالِهِمْ، بَلْ يُعْرِضُونَ عَنْهُ، أوْ عَنِ القُرْآنِ، أوْ عَنْ مَواعِظِ اللَّهِ، أوْ عَنْ مَعْرِفَتِهِ. ﴿أمْ لَهم آلِهَةٌ تَمْنَعُهم مِن دُونِنا﴾ أمْ هي المُنْقَطِعَةُ الَّتِي بِمَعْنى بَلْ، والهَمْزَةُ لِلْإضْرابِ والِانْتِقالِ عَنِ الكَلامِ السّابِقِ المُشْتَمِلِ عَلى بَيانِ جَهْلِهِمْ بِحِفْظِهِ سُبْحانَهُ إيّاهم إلى تَوْبِيخِهِمْ وتَقْرِيعِهِمْ بِاعْتِمادِهِمْ عَلى مَن هو عاجِزٌ عَنْ نَفْعِ نَفْسِهِ، والدَّفْعِ عَنْها. والمَعْنى: بَلْ لَهم آلِهَةٌ تَمْنَعُهم مِن عَذابِنا. وقِيلَ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والتَّقْدِيرُ: أمْ لَهم آلِهَةٌ مِن دُونِنا تَمْنَعُهم. ثُمَّ وصَفَ آلِهَتَهم هَذِهِ الَّتِي زَعَمُوا أنَّها تَنْصُرُهم بِما يَدُلُّ عَلى الضَّعْفِ والعَجْزِ فَقالَ: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أنْفُسِهِمْ ولا هم مِنّا يُصْحَبُونَ﴾ أيْ هم عاجِزُونَ عَنْ نَصْرِ أنْفُسِهِمْ فَكَيْفَ يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَنْصُرُوا غَيْرَهم ولا هم مِنّا يُصْحَبُونَ: أيْ ولا هم يُجارُونَ مِن عَذابِنا. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ لا يُجِيرُهم مِنّا أحَدٌ، لِأنَّ المُجِيرَ صاحِبُ الجارِ، والعَرَبُ تَقُولُ صَحِبَكَ اللَّهُ: أيْ حَفِظَكَ وأجارَكَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎يُنادِي بِأعْلى صَوْتِهِ مُتَعَوِّذًا ∗∗∗ لِيُصْحَبَ مِنّا والرِّماحُ دَوانِي تَقُولُ العَرَبُ: أنا لَكَ جارٌ وصاحِبٌ مِن فُلانٍ. أيْ مُجِيرٌ مِنهُ. قالَ المازِنِيُّ: هو مِن أصْحَبْتُ الرَّجُلَ إذا مَنَعْتَهُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: «مَرَّ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى أبِي سُفْيانَ وأبِي جَهْلٍ وهم يَتَحَدَّثانِ، فَلَمّا رَآهُ أبُو جَهْلٍ ضَحِكَ وقالَ لِأبِي سُفْيانَ: هَذا نَبِيُّ بَنِي عَبْدِ مَنافٍ، فَغَضِبَ أبُو سُفْيانَ فَقالَ: ما تُنْكِرُونَ أنْ يَكُونَ لِبَنِي عَبْدِ مَنافٍ نَبِيٌّ، فَسَمِعَها النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَرَجَعَ إلى أبِي جَهْلٍ فَوَقَعَ بِهِ وخَوَّفَهُ وقالَ: ما أراكَ مُنْتَهِيًا حَتّى يُصِيبَكَ ما أصابَ عَمَّكَ، وقالَ لِأبِي سُفْيانَ: أمّا إنَّكَ لَمْ تَقُلْ ما قُلْتَ إلّا حَمِيَّةً. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وإذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾» . قُلْتُ: يَنْظُرُ مَنِ الَّذِي رَوى عَنْهُ السُّدِّيُّ ؟ . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: لَمّا نُفِخَ في آدَمَ الرُّوحَ صارَ في رَأْسِهِ فَعَطَسَ فَقالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ، فَقالَتْ: المَلائِكَةُ يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فَذَهَبَ لِيَنْهَضَ قَبْلَ أنْ تَمُورَ في رِجْلَيْهِ فَوَقَعَ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ وقَدْ أخْرَجَ نَحْوَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. وأخْرَجَ نَحْوَهُ أيْضًا ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْ مُجاهِدٍ، وكَذا أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ مَن يَكْلَؤُكم﴾ قالَ: يَحْرُسُكم، وفي (p-٩٣٧)قَوْلُهُ: ﴿ولا هم مِنّا يُصْحَبُونَ﴾ قالَ: لا يُنْصَرُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا هم مِنّا يُصْحَبُونَ﴾ قالَ: لا يُجارُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في الآيَةِ: قالَ لا يُمْنَعُونَ.

الأنبياء 21:41

. قَوْلُهُ: ﴿وإذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يَعْنِي المُسْتَهْزِئِينَ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴿إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُوًا﴾ أيْ ما يَتَّخِذُونَكَ إلّا مَهْزُوءًا بِكَ، والهَزْءُ السُّخْرِيَةُ، وهَؤُلاءِ هُمُ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿إنّا كَفَيْناكَ المُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: ٩٥] والمَعْنى: ما يَفْعَلُونَ بِكَ إلّا اتَّخَذُوكَ هُزُؤًا ﴿أهَذا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ هو عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ يَقُولُونَ أهَذا الَّذِي، فَعَلى هَذا هو جَوابُ إذا، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُوًا﴾ اعْتِراضًا بَيْنَ الشَّرْطِ وجَوابِهِ، ومَعْنى يَذْكُرُها يَعِيبُها. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ فُلانٌ يَذْكُرُ النّاسَ: أيْ يَغْتابُهم، ويَذْكُرُهم بِالعُيُوبِ، وفُلانٌ يَذْكُرُ اللَّهَ: أيْ يَصِفُهُ بِالتَّعْظِيمِ ويُثْنِي عَلَيْهِ، وإنَّما يُحْذَفُ مَعَ الذَّكَرِ ما عُقِلَ مَعْناهُ، وعَلى ما قالُوا لا يَكُونُ الذِّكْرُ في كَلامِ العَرَبِ العَيْبُ، وحَيْثُ يُرادُ بِهِ العَيْبُ يُحْذَفُ مِنهُ السُّوءُ، قِيلَ ومِن هَذا قَوْلُ عَنْتَرَةَ: ؎لا تَذْكُرِي مُهْرِي وما أطْعَمْتُهُ فَيَكُونُ جِلْدُكَ مِثْلَ جَلْدِ الأجْرَبِ أيْ لا تَعِيبِي مُهْرِي، وجُمْلَةُ ﴿وهم بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هم كافِرُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ وهم بِالقُرْآنِ كافِرُونَ، أوْ هم بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ الَّذِي خَلَقَهم كافِرُونَ، والمَعْنى: أنَّهم يَعِيبُونَ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَذْكُرَ آلِهَتَهُمُ الَّتِي لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ بِالسُّوءِ، والحالُ أنَّهم بِذِكْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِما يَلِيقُ بِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ، أوِ القُرْآنِ كافِرُونَ، فَهم أحَقُّ بِالعَيْبِ لَهم والإنْكارِ عَلَيْهِمْ، فالضَّمِيرُ الأوَّلُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ كافِرُونَ، وبِذِكْرِ مُتَعَلِّقٌ بِالخَبَرِ، والضَّمِيرُ الثّانِي تَأْكِيدٌ. ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ أيْ جُعِلَ لِفَرْطِ اسْتِعْجالِهِ كَأنَّهُ مَخْلُوقٌ مِنَ العَجَلِ. قالَ الفَرّاءُ: كَأنَّهُ يَقُولُ بَنَيْتُهُ وخَلَقْتُهُ مِنَ العَجَلَةِ وعَلى العَجَلَةِ. وقالَ الزَّجّاجُ: خُوطِبَتِ العَرَبُ بِما تَعْقِلُ، والعَرَبُ تَقُولُ لِلَّذِي يَكْثُرُ مِنهُ الشَّيْءُ خُلِقْتَ مِنهُ كَما تَقُولُ: أنْتَ مِن لَعِبٍ، وخُلِقْتَ مَن لَعِبٍ، تُرِيدُ المُبالَغَةَ في وصْفِهِ بِذَلِكَ. ويَدُلُّ عَلى هَذا المَعْنى قَوْلُهُ: ﴿وكانَ الإنْسانُ عَجُولًا﴾ [الإسراء: ١١] والمُرادُ بِالإنْسانِ الجِنْسُ. وقِيلَ: المُرادُ بِالإنْسانِ آدَمُ، فَإنَّهُ لَمّا خَلَقَهُ اللَّهُ ونَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ صارَ الرُّوحُ في رَأْسِهِ، فَذَهَبَ لِيَنْهَضَ قَبْلَ أنْ تَبْلُغَ الرُّوحُ إلى رِجْلَيْهِ فَوَقَعَ، فَقِيلَ ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ كَذا قالَ عِكْرِمَةُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والسُّدِّيُّ والكَلْبِيُّ ومُجاهِدٌ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وكَثِيرٌ مَن أهْلِ المَعانِي: العَجَلُ الطِّينُ بِلُغَةِ حِمْيَرَ. وأنْشَدُوا: ؎والنَّخْلُ تَنْبُتُ بَيْنَ الماءِ والعَجَلِ وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ، وهو القائِلُ: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ﴾ [الأنفال: ٣٢] وقِيلَ: نَزَلَتْ في قُرَيْشٍ لِأنَّهُمُ اسْتَعْجَلُوا العَذابَ. وقالَ الأخْفَشُ: مَعْنى خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ أنَّهُ قِيلَ لَهُ كُنْ فَكانَ. وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِنَ المَقْلُوبِ: أيْ خُلِقَ العَجَلُ مِنَ الإنْسانِ وقَدْ حُكِيَ هَذا عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ والنَّحّاسِ، والقَوْلُ الأوَّلُ أوْلى (p-٩٣٦)﴿سَأُرِيكم آياتِي﴾ أيْ سَأُرِيكم نَقِماتِي مِنكم بِعَذابِ النّارِ ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ أيْ لا تَسْتَعْجِلُونِي بِالإتْيانِ بِهِ، فَإنَّهُ نازِلٌ بِكم لا مَحالَةَ: وقِيلَ: المُرادُ بِالآياتِ ما دَلَّ عَلى صِدْقِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ المُعْجِزاتِ وما جَعَلَهُ اللَّهُ لَهُ مِنَ العاقِبَةِ المَحْمُودَةِ، والأوَّلُ أوْلى. ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهم ﴿مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ مَتى حُصُولُ هَذا الوَعْدِ، الَّذِي تَعِدُنا بِهِ مِنَ العَذابِ، قالُوا ذَلِكَ عَلى جِهَةِ الِاسْتِهْزاءِ والسُّخْرِيَةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالوَعْدِ هُنا القِيامَةُ، ومَعْنى ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ إنْ كُنْتُمْ يا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ صادِقِينَ في وعْدِكم، والخِطابُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَتْلُونَ الآياتِ القُرْآنِيَّةَ المُنْذِرَةَ بِمَجِيءِ السّاعَةِ وقُرْبِ حُضُورِ العَذابِ. وجُمْلَةُ ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ما بَعْدَها مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها: أيْ لَوْ عَرَفُوا ذَلِكَ الوَقْتَ، وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: لَوْ عَلِمُوا الوَقْتَ الَّذِي ﴿لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النّارَ ولا عَنْ ظُهُورِهِمْ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ لَما اسْتَعْجَلُوا الوَعِيدَ. وقالَ الزَّجّاجُ: في تَقْدِيرِ الجَوابِ لِيَعْلَمُوا صِدْقَ الوَعْدِ، وقِيلَ: لَوْ عَلِمُوهُ ما أقامُوا عَلى الكُفْرِ. وقالَ الكِسائِيُّ: هو تَنْبِيهٌ عَلى تَحْقِيقِ وُقُوعِ السّاعَةِ: أيْ لَوْ عَلِمُوهُ عِلْمَ يَقِينٍ لَعَلِمُوا أنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً﴾ وتَخْصِيصُ الوُجُوهِ والظُّهُورِ بِالذِّكْرِ بِمَعْنى القُدّامِ والخَلْفِ لِكَوْنِهِما أشْهَرَ الجَوانِبِ في اسْتِلْزامِ الإحاطَةِ بِها لِلْإحاطَةِ بِالكُلِّ بِحَيْثُ لا يَقْدِرُونَ عَلى دَفْعِها مِن جانِبٍ مِن جَوانِبِهِمْ، ومَحَلُّ حِينَ لا يَكُفُّونَ النَّصْبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ العِلْمِ، وهو عِبارَةٌ عَنِ الوَقْتِ المَوْعُودِ الَّذِي كانُوا يَسْتَعْجِلُونَهُ، ومَعْنى ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ ولا يَنْصُرُهم أحَدٌ مِنِ العِبادِ فَيَدْفَعُ ذَلِكَ عَنْهم. وجُمْلَةُ ﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى يَكُفُّونَ: أيْ لا يَكُفُّونَها بَلْ تَأْتِيهِمُ العِدَّةُ أوِ النّارُ أوِ السّاعَةُ بَغْتَةً: أيْ فَجْأةً فَتَبْهَتُهم قالَ الجَوْهَرِيُّ: بَهَتَهُ أخْذَهُ بَغْتًا، وقالَ الفَرّاءُ فَتَبْهَتُهم: أيْ تُحَيِّرُهم، وقِيلَ: فَتَفْجَؤُهم ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها﴾ أيْ صَرْفَها عَنْ وُجُوهِهِمْ ولا عَنْ ظُهُورِهِمْ فالضَّمِيرُ راجِعٌ إلى النّارِ، وقِيلَ: راجِعٌ إلى الوَعْدِ بِتَأْوِيلِهِ بِالعِدَّةِ، وقِيلَ: راجِعٌ إلى الحِينِ بِتَأْوِيلِهِ بِالسّاعَةِ ﴿ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ أيْ يُمْهَلُونَ ويُؤَخَّرُونَ لِتَوْبَةٍ واعْتِذارٍ. وجُمْلَةُ ﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ﴾ مَسُوقَةٌ لِتَسْلِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وتَعْزِيَتِهِ، كَأنَّهُ قالَ: إنِ اسْتَهْزَأ بِكَ هَؤُلاءِ فَقَدْ فُعِلَ ذَلِكَ بِمَن قَبْلَكَ مِنَ الرُّسُلِ عَلى كَثْرَةِ عَدَدِهِمْ وخَطَرِ شَأْنِهِمْ ﴿فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهُمْ﴾ أيْ أحاطَ ودارَ بِسَبَبِ ذَلِكَ، بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِن أُولَئِكَ الرُّسُلِ وهَزِئُوا بِهِمْ ﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ما مَوْصُولَةٌ، أوْ مَصْدَرِيَّةٌ: أيْ فَأحاطَ بِهِمُ الأمْرُ الَّذِي كانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ، أوْ فَأحاطَ بِهِمُ اسْتِهْزاؤُهم: أيْ جَزاؤُهُ عَلى وضْعِ السَّبَبِ مَوْضِعَ المُسَبَّبِ، أوْ نَفْسِ الِاسْتِهْزاءِ، إنْ أُرِيدَ بِهِ العَذابُ الأُخْرَوِيُّ. ﴿قُلْ مَن يَكْلَؤُكم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ أيْ يَحْرُسُكم ويَحْفَظُكم والكَلاءَةُ الحِراسَةُ والحِفْظُ، يُقالُ: كَلَأهُ اللَّهُ كِلاءًةُ بِالكَسْرِ أيْ حَفِظَهُ وحَرَسَهُ. قالَ ابْنُ هَرْمَةَ: ؎إنَّ سُلَيْمى واللَّهُ يَكْلَؤُها ∗∗∗ ضَنَّتْ بِشَيْءٍ ما كانَ يَرْزَؤُها أيْ قُلْ يا مُحَمَّدُ لِأُولَئِكَ المُسْتَهْزِئِينَ بِطَرِيقِ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ: مَن يَحْرُسُكم ويَحْفَظُكم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ مِن بَأْسِ الرَّحْمَنِ وعَذابِهِ الَّذِي تَسْتَحِقُّونَ حُلُولَهُ بِكم ونُزُولَهُ عَلَيْكم ؟ وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ مَن يَحْفَظُكم مِن بَأْسِ الرَّحْمَنِ. وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى مَن يَحْفَظُكم مِمّا يُرِيدُ الرَّحْمَنُ إنْزالَهُ بِكم مِن عُقُوباتِ الدُّنْيا والآخِرَةِ. وحَكى الكِسائِيُّ والفرّاءُ: ( مَن يَكْلَؤُكم ) بِفَتْحِ اللّامِ وإسْكانِ الواوِ ﴿بَلْ هم عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ أيْ عَنْ ذِكْرِهِ سُبْحانَهُ فَلا يَذْكُرُونَهُ ولا يُخْطِرُونَهُ بِبالِهِمْ، بَلْ يُعْرِضُونَ عَنْهُ، أوْ عَنِ القُرْآنِ، أوْ عَنْ مَواعِظِ اللَّهِ، أوْ عَنْ مَعْرِفَتِهِ. ﴿أمْ لَهم آلِهَةٌ تَمْنَعُهم مِن دُونِنا﴾ أمْ هي المُنْقَطِعَةُ الَّتِي بِمَعْنى بَلْ، والهَمْزَةُ لِلْإضْرابِ والِانْتِقالِ عَنِ الكَلامِ السّابِقِ المُشْتَمِلِ عَلى بَيانِ جَهْلِهِمْ بِحِفْظِهِ سُبْحانَهُ إيّاهم إلى تَوْبِيخِهِمْ وتَقْرِيعِهِمْ بِاعْتِمادِهِمْ عَلى مَن هو عاجِزٌ عَنْ نَفْعِ نَفْسِهِ، والدَّفْعِ عَنْها. والمَعْنى: بَلْ لَهم آلِهَةٌ تَمْنَعُهم مِن عَذابِنا. وقِيلَ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والتَّقْدِيرُ: أمْ لَهم آلِهَةٌ مِن دُونِنا تَمْنَعُهم. ثُمَّ وصَفَ آلِهَتَهم هَذِهِ الَّتِي زَعَمُوا أنَّها تَنْصُرُهم بِما يَدُلُّ عَلى الضَّعْفِ والعَجْزِ فَقالَ: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أنْفُسِهِمْ ولا هم مِنّا يُصْحَبُونَ﴾ أيْ هم عاجِزُونَ عَنْ نَصْرِ أنْفُسِهِمْ فَكَيْفَ يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَنْصُرُوا غَيْرَهم ولا هم مِنّا يُصْحَبُونَ: أيْ ولا هم يُجارُونَ مِن عَذابِنا. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ لا يُجِيرُهم مِنّا أحَدٌ، لِأنَّ المُجِيرَ صاحِبُ الجارِ، والعَرَبُ تَقُولُ صَحِبَكَ اللَّهُ: أيْ حَفِظَكَ وأجارَكَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎يُنادِي بِأعْلى صَوْتِهِ مُتَعَوِّذًا ∗∗∗ لِيُصْحَبَ مِنّا والرِّماحُ دَوانِي تَقُولُ العَرَبُ: أنا لَكَ جارٌ وصاحِبٌ مِن فُلانٍ. أيْ مُجِيرٌ مِنهُ. قالَ المازِنِيُّ: هو مِن أصْحَبْتُ الرَّجُلَ إذا مَنَعْتَهُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: «مَرَّ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى أبِي سُفْيانَ وأبِي جَهْلٍ وهم يَتَحَدَّثانِ، فَلَمّا رَآهُ أبُو جَهْلٍ ضَحِكَ وقالَ لِأبِي سُفْيانَ: هَذا نَبِيُّ بَنِي عَبْدِ مَنافٍ، فَغَضِبَ أبُو سُفْيانَ فَقالَ: ما تُنْكِرُونَ أنْ يَكُونَ لِبَنِي عَبْدِ مَنافٍ نَبِيٌّ، فَسَمِعَها النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَرَجَعَ إلى أبِي جَهْلٍ فَوَقَعَ بِهِ وخَوَّفَهُ وقالَ: ما أراكَ مُنْتَهِيًا حَتّى يُصِيبَكَ ما أصابَ عَمَّكَ، وقالَ لِأبِي سُفْيانَ: أمّا إنَّكَ لَمْ تَقُلْ ما قُلْتَ إلّا حَمِيَّةً. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وإذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾» . قُلْتُ: يَنْظُرُ مَنِ الَّذِي رَوى عَنْهُ السُّدِّيُّ ؟ . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: لَمّا نُفِخَ في آدَمَ الرُّوحَ صارَ في رَأْسِهِ فَعَطَسَ فَقالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ، فَقالَتْ: المَلائِكَةُ يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فَذَهَبَ لِيَنْهَضَ قَبْلَ أنْ تَمُورَ في رِجْلَيْهِ فَوَقَعَ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ وقَدْ أخْرَجَ نَحْوَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. وأخْرَجَ نَحْوَهُ أيْضًا ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْ مُجاهِدٍ، وكَذا أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ مَن يَكْلَؤُكم﴾ قالَ: يَحْرُسُكم، وفي (p-٩٣٧)قَوْلُهُ: ﴿ولا هم مِنّا يُصْحَبُونَ﴾ قالَ: لا يُنْصَرُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا هم مِنّا يُصْحَبُونَ﴾ قالَ: لا يُجارُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في الآيَةِ: قالَ لا يُمْنَعُونَ.

الأنبياء 21:42

. قَوْلُهُ: ﴿وإذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يَعْنِي المُسْتَهْزِئِينَ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴿إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُوًا﴾ أيْ ما يَتَّخِذُونَكَ إلّا مَهْزُوءًا بِكَ، والهَزْءُ السُّخْرِيَةُ، وهَؤُلاءِ هُمُ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿إنّا كَفَيْناكَ المُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: ٩٥] والمَعْنى: ما يَفْعَلُونَ بِكَ إلّا اتَّخَذُوكَ هُزُؤًا ﴿أهَذا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ هو عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ يَقُولُونَ أهَذا الَّذِي، فَعَلى هَذا هو جَوابُ إذا، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُوًا﴾ اعْتِراضًا بَيْنَ الشَّرْطِ وجَوابِهِ، ومَعْنى يَذْكُرُها يَعِيبُها. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ فُلانٌ يَذْكُرُ النّاسَ: أيْ يَغْتابُهم، ويَذْكُرُهم بِالعُيُوبِ، وفُلانٌ يَذْكُرُ اللَّهَ: أيْ يَصِفُهُ بِالتَّعْظِيمِ ويُثْنِي عَلَيْهِ، وإنَّما يُحْذَفُ مَعَ الذَّكَرِ ما عُقِلَ مَعْناهُ، وعَلى ما قالُوا لا يَكُونُ الذِّكْرُ في كَلامِ العَرَبِ العَيْبُ، وحَيْثُ يُرادُ بِهِ العَيْبُ يُحْذَفُ مِنهُ السُّوءُ، قِيلَ ومِن هَذا قَوْلُ عَنْتَرَةَ: ؎لا تَذْكُرِي مُهْرِي وما أطْعَمْتُهُ فَيَكُونُ جِلْدُكَ مِثْلَ جَلْدِ الأجْرَبِ أيْ لا تَعِيبِي مُهْرِي، وجُمْلَةُ ﴿وهم بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هم كافِرُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ وهم بِالقُرْآنِ كافِرُونَ، أوْ هم بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ الَّذِي خَلَقَهم كافِرُونَ، والمَعْنى: أنَّهم يَعِيبُونَ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَذْكُرَ آلِهَتَهُمُ الَّتِي لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ بِالسُّوءِ، والحالُ أنَّهم بِذِكْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِما يَلِيقُ بِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ، أوِ القُرْآنِ كافِرُونَ، فَهم أحَقُّ بِالعَيْبِ لَهم والإنْكارِ عَلَيْهِمْ، فالضَّمِيرُ الأوَّلُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ كافِرُونَ، وبِذِكْرِ مُتَعَلِّقٌ بِالخَبَرِ، والضَّمِيرُ الثّانِي تَأْكِيدٌ. ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ أيْ جُعِلَ لِفَرْطِ اسْتِعْجالِهِ كَأنَّهُ مَخْلُوقٌ مِنَ العَجَلِ. قالَ الفَرّاءُ: كَأنَّهُ يَقُولُ بَنَيْتُهُ وخَلَقْتُهُ مِنَ العَجَلَةِ وعَلى العَجَلَةِ. وقالَ الزَّجّاجُ: خُوطِبَتِ العَرَبُ بِما تَعْقِلُ، والعَرَبُ تَقُولُ لِلَّذِي يَكْثُرُ مِنهُ الشَّيْءُ خُلِقْتَ مِنهُ كَما تَقُولُ: أنْتَ مِن لَعِبٍ، وخُلِقْتَ مَن لَعِبٍ، تُرِيدُ المُبالَغَةَ في وصْفِهِ بِذَلِكَ. ويَدُلُّ عَلى هَذا المَعْنى قَوْلُهُ: ﴿وكانَ الإنْسانُ عَجُولًا﴾ [الإسراء: ١١] والمُرادُ بِالإنْسانِ الجِنْسُ. وقِيلَ: المُرادُ بِالإنْسانِ آدَمُ، فَإنَّهُ لَمّا خَلَقَهُ اللَّهُ ونَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ صارَ الرُّوحُ في رَأْسِهِ، فَذَهَبَ لِيَنْهَضَ قَبْلَ أنْ تَبْلُغَ الرُّوحُ إلى رِجْلَيْهِ فَوَقَعَ، فَقِيلَ ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ كَذا قالَ عِكْرِمَةُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والسُّدِّيُّ والكَلْبِيُّ ومُجاهِدٌ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وكَثِيرٌ مَن أهْلِ المَعانِي: العَجَلُ الطِّينُ بِلُغَةِ حِمْيَرَ. وأنْشَدُوا: ؎والنَّخْلُ تَنْبُتُ بَيْنَ الماءِ والعَجَلِ وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ، وهو القائِلُ: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ﴾ [الأنفال: ٣٢] وقِيلَ: نَزَلَتْ في قُرَيْشٍ لِأنَّهُمُ اسْتَعْجَلُوا العَذابَ. وقالَ الأخْفَشُ: مَعْنى خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ أنَّهُ قِيلَ لَهُ كُنْ فَكانَ. وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِنَ المَقْلُوبِ: أيْ خُلِقَ العَجَلُ مِنَ الإنْسانِ وقَدْ حُكِيَ هَذا عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ والنَّحّاسِ، والقَوْلُ الأوَّلُ أوْلى (p-٩٣٦)﴿سَأُرِيكم آياتِي﴾ أيْ سَأُرِيكم نَقِماتِي مِنكم بِعَذابِ النّارِ ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ أيْ لا تَسْتَعْجِلُونِي بِالإتْيانِ بِهِ، فَإنَّهُ نازِلٌ بِكم لا مَحالَةَ: وقِيلَ: المُرادُ بِالآياتِ ما دَلَّ عَلى صِدْقِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ المُعْجِزاتِ وما جَعَلَهُ اللَّهُ لَهُ مِنَ العاقِبَةِ المَحْمُودَةِ، والأوَّلُ أوْلى. ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهم ﴿مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ مَتى حُصُولُ هَذا الوَعْدِ، الَّذِي تَعِدُنا بِهِ مِنَ العَذابِ، قالُوا ذَلِكَ عَلى جِهَةِ الِاسْتِهْزاءِ والسُّخْرِيَةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالوَعْدِ هُنا القِيامَةُ، ومَعْنى ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ إنْ كُنْتُمْ يا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ صادِقِينَ في وعْدِكم، والخِطابُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَتْلُونَ الآياتِ القُرْآنِيَّةَ المُنْذِرَةَ بِمَجِيءِ السّاعَةِ وقُرْبِ حُضُورِ العَذابِ. وجُمْلَةُ ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ما بَعْدَها مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها: أيْ لَوْ عَرَفُوا ذَلِكَ الوَقْتَ، وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: لَوْ عَلِمُوا الوَقْتَ الَّذِي ﴿لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النّارَ ولا عَنْ ظُهُورِهِمْ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ لَما اسْتَعْجَلُوا الوَعِيدَ. وقالَ الزَّجّاجُ: في تَقْدِيرِ الجَوابِ لِيَعْلَمُوا صِدْقَ الوَعْدِ، وقِيلَ: لَوْ عَلِمُوهُ ما أقامُوا عَلى الكُفْرِ. وقالَ الكِسائِيُّ: هو تَنْبِيهٌ عَلى تَحْقِيقِ وُقُوعِ السّاعَةِ: أيْ لَوْ عَلِمُوهُ عِلْمَ يَقِينٍ لَعَلِمُوا أنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً﴾ وتَخْصِيصُ الوُجُوهِ والظُّهُورِ بِالذِّكْرِ بِمَعْنى القُدّامِ والخَلْفِ لِكَوْنِهِما أشْهَرَ الجَوانِبِ في اسْتِلْزامِ الإحاطَةِ بِها لِلْإحاطَةِ بِالكُلِّ بِحَيْثُ لا يَقْدِرُونَ عَلى دَفْعِها مِن جانِبٍ مِن جَوانِبِهِمْ، ومَحَلُّ حِينَ لا يَكُفُّونَ النَّصْبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ العِلْمِ، وهو عِبارَةٌ عَنِ الوَقْتِ المَوْعُودِ الَّذِي كانُوا يَسْتَعْجِلُونَهُ، ومَعْنى ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ ولا يَنْصُرُهم أحَدٌ مِنِ العِبادِ فَيَدْفَعُ ذَلِكَ عَنْهم. وجُمْلَةُ ﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى يَكُفُّونَ: أيْ لا يَكُفُّونَها بَلْ تَأْتِيهِمُ العِدَّةُ أوِ النّارُ أوِ السّاعَةُ بَغْتَةً: أيْ فَجْأةً فَتَبْهَتُهم قالَ الجَوْهَرِيُّ: بَهَتَهُ أخْذَهُ بَغْتًا، وقالَ الفَرّاءُ فَتَبْهَتُهم: أيْ تُحَيِّرُهم، وقِيلَ: فَتَفْجَؤُهم ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها﴾ أيْ صَرْفَها عَنْ وُجُوهِهِمْ ولا عَنْ ظُهُورِهِمْ فالضَّمِيرُ راجِعٌ إلى النّارِ، وقِيلَ: راجِعٌ إلى الوَعْدِ بِتَأْوِيلِهِ بِالعِدَّةِ، وقِيلَ: راجِعٌ إلى الحِينِ بِتَأْوِيلِهِ بِالسّاعَةِ ﴿ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ أيْ يُمْهَلُونَ ويُؤَخَّرُونَ لِتَوْبَةٍ واعْتِذارٍ. وجُمْلَةُ ﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ﴾ مَسُوقَةٌ لِتَسْلِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وتَعْزِيَتِهِ، كَأنَّهُ قالَ: إنِ اسْتَهْزَأ بِكَ هَؤُلاءِ فَقَدْ فُعِلَ ذَلِكَ بِمَن قَبْلَكَ مِنَ الرُّسُلِ عَلى كَثْرَةِ عَدَدِهِمْ وخَطَرِ شَأْنِهِمْ ﴿فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهُمْ﴾ أيْ أحاطَ ودارَ بِسَبَبِ ذَلِكَ، بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِن أُولَئِكَ الرُّسُلِ وهَزِئُوا بِهِمْ ﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ما مَوْصُولَةٌ، أوْ مَصْدَرِيَّةٌ: أيْ فَأحاطَ بِهِمُ الأمْرُ الَّذِي كانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ، أوْ فَأحاطَ بِهِمُ اسْتِهْزاؤُهم: أيْ جَزاؤُهُ عَلى وضْعِ السَّبَبِ مَوْضِعَ المُسَبَّبِ، أوْ نَفْسِ الِاسْتِهْزاءِ، إنْ أُرِيدَ بِهِ العَذابُ الأُخْرَوِيُّ. ﴿قُلْ مَن يَكْلَؤُكم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ أيْ يَحْرُسُكم ويَحْفَظُكم والكَلاءَةُ الحِراسَةُ والحِفْظُ، يُقالُ: كَلَأهُ اللَّهُ كِلاءًةُ بِالكَسْرِ أيْ حَفِظَهُ وحَرَسَهُ. قالَ ابْنُ هَرْمَةَ: ؎إنَّ سُلَيْمى واللَّهُ يَكْلَؤُها ∗∗∗ ضَنَّتْ بِشَيْءٍ ما كانَ يَرْزَؤُها أيْ قُلْ يا مُحَمَّدُ لِأُولَئِكَ المُسْتَهْزِئِينَ بِطَرِيقِ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ: مَن يَحْرُسُكم ويَحْفَظُكم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ مِن بَأْسِ الرَّحْمَنِ وعَذابِهِ الَّذِي تَسْتَحِقُّونَ حُلُولَهُ بِكم ونُزُولَهُ عَلَيْكم ؟ وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ مَن يَحْفَظُكم مِن بَأْسِ الرَّحْمَنِ. وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى مَن يَحْفَظُكم مِمّا يُرِيدُ الرَّحْمَنُ إنْزالَهُ بِكم مِن عُقُوباتِ الدُّنْيا والآخِرَةِ. وحَكى الكِسائِيُّ والفرّاءُ: ( مَن يَكْلَؤُكم ) بِفَتْحِ اللّامِ وإسْكانِ الواوِ ﴿بَلْ هم عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ أيْ عَنْ ذِكْرِهِ سُبْحانَهُ فَلا يَذْكُرُونَهُ ولا يُخْطِرُونَهُ بِبالِهِمْ، بَلْ يُعْرِضُونَ عَنْهُ، أوْ عَنِ القُرْآنِ، أوْ عَنْ مَواعِظِ اللَّهِ، أوْ عَنْ مَعْرِفَتِهِ. ﴿أمْ لَهم آلِهَةٌ تَمْنَعُهم مِن دُونِنا﴾ أمْ هي المُنْقَطِعَةُ الَّتِي بِمَعْنى بَلْ، والهَمْزَةُ لِلْإضْرابِ والِانْتِقالِ عَنِ الكَلامِ السّابِقِ المُشْتَمِلِ عَلى بَيانِ جَهْلِهِمْ بِحِفْظِهِ سُبْحانَهُ إيّاهم إلى تَوْبِيخِهِمْ وتَقْرِيعِهِمْ بِاعْتِمادِهِمْ عَلى مَن هو عاجِزٌ عَنْ نَفْعِ نَفْسِهِ، والدَّفْعِ عَنْها. والمَعْنى: بَلْ لَهم آلِهَةٌ تَمْنَعُهم مِن عَذابِنا. وقِيلَ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والتَّقْدِيرُ: أمْ لَهم آلِهَةٌ مِن دُونِنا تَمْنَعُهم. ثُمَّ وصَفَ آلِهَتَهم هَذِهِ الَّتِي زَعَمُوا أنَّها تَنْصُرُهم بِما يَدُلُّ عَلى الضَّعْفِ والعَجْزِ فَقالَ: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أنْفُسِهِمْ ولا هم مِنّا يُصْحَبُونَ﴾ أيْ هم عاجِزُونَ عَنْ نَصْرِ أنْفُسِهِمْ فَكَيْفَ يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَنْصُرُوا غَيْرَهم ولا هم مِنّا يُصْحَبُونَ: أيْ ولا هم يُجارُونَ مِن عَذابِنا. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ لا يُجِيرُهم مِنّا أحَدٌ، لِأنَّ المُجِيرَ صاحِبُ الجارِ، والعَرَبُ تَقُولُ صَحِبَكَ اللَّهُ: أيْ حَفِظَكَ وأجارَكَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎يُنادِي بِأعْلى صَوْتِهِ مُتَعَوِّذًا ∗∗∗ لِيُصْحَبَ مِنّا والرِّماحُ دَوانِي تَقُولُ العَرَبُ: أنا لَكَ جارٌ وصاحِبٌ مِن فُلانٍ. أيْ مُجِيرٌ مِنهُ. قالَ المازِنِيُّ: هو مِن أصْحَبْتُ الرَّجُلَ إذا مَنَعْتَهُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: «مَرَّ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى أبِي سُفْيانَ وأبِي جَهْلٍ وهم يَتَحَدَّثانِ، فَلَمّا رَآهُ أبُو جَهْلٍ ضَحِكَ وقالَ لِأبِي سُفْيانَ: هَذا نَبِيُّ بَنِي عَبْدِ مَنافٍ، فَغَضِبَ أبُو سُفْيانَ فَقالَ: ما تُنْكِرُونَ أنْ يَكُونَ لِبَنِي عَبْدِ مَنافٍ نَبِيٌّ، فَسَمِعَها النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَرَجَعَ إلى أبِي جَهْلٍ فَوَقَعَ بِهِ وخَوَّفَهُ وقالَ: ما أراكَ مُنْتَهِيًا حَتّى يُصِيبَكَ ما أصابَ عَمَّكَ، وقالَ لِأبِي سُفْيانَ: أمّا إنَّكَ لَمْ تَقُلْ ما قُلْتَ إلّا حَمِيَّةً. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وإذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾» . قُلْتُ: يَنْظُرُ مَنِ الَّذِي رَوى عَنْهُ السُّدِّيُّ ؟ . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: لَمّا نُفِخَ في آدَمَ الرُّوحَ صارَ في رَأْسِهِ فَعَطَسَ فَقالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ، فَقالَتْ: المَلائِكَةُ يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فَذَهَبَ لِيَنْهَضَ قَبْلَ أنْ تَمُورَ في رِجْلَيْهِ فَوَقَعَ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ وقَدْ أخْرَجَ نَحْوَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. وأخْرَجَ نَحْوَهُ أيْضًا ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْ مُجاهِدٍ، وكَذا أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ مَن يَكْلَؤُكم﴾ قالَ: يَحْرُسُكم، وفي (p-٩٣٧)قَوْلُهُ: ﴿ولا هم مِنّا يُصْحَبُونَ﴾ قالَ: لا يُنْصَرُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا هم مِنّا يُصْحَبُونَ﴾ قالَ: لا يُجارُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في الآيَةِ: قالَ لا يُمْنَعُونَ.

الأنبياء 21:43

. قَوْلُهُ: ﴿وإذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يَعْنِي المُسْتَهْزِئِينَ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴿إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُوًا﴾ أيْ ما يَتَّخِذُونَكَ إلّا مَهْزُوءًا بِكَ، والهَزْءُ السُّخْرِيَةُ، وهَؤُلاءِ هُمُ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿إنّا كَفَيْناكَ المُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: ٩٥] والمَعْنى: ما يَفْعَلُونَ بِكَ إلّا اتَّخَذُوكَ هُزُؤًا ﴿أهَذا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ هو عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ يَقُولُونَ أهَذا الَّذِي، فَعَلى هَذا هو جَوابُ إذا، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُوًا﴾ اعْتِراضًا بَيْنَ الشَّرْطِ وجَوابِهِ، ومَعْنى يَذْكُرُها يَعِيبُها. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ فُلانٌ يَذْكُرُ النّاسَ: أيْ يَغْتابُهم، ويَذْكُرُهم بِالعُيُوبِ، وفُلانٌ يَذْكُرُ اللَّهَ: أيْ يَصِفُهُ بِالتَّعْظِيمِ ويُثْنِي عَلَيْهِ، وإنَّما يُحْذَفُ مَعَ الذَّكَرِ ما عُقِلَ مَعْناهُ، وعَلى ما قالُوا لا يَكُونُ الذِّكْرُ في كَلامِ العَرَبِ العَيْبُ، وحَيْثُ يُرادُ بِهِ العَيْبُ يُحْذَفُ مِنهُ السُّوءُ، قِيلَ ومِن هَذا قَوْلُ عَنْتَرَةَ: ؎لا تَذْكُرِي مُهْرِي وما أطْعَمْتُهُ فَيَكُونُ جِلْدُكَ مِثْلَ جَلْدِ الأجْرَبِ أيْ لا تَعِيبِي مُهْرِي، وجُمْلَةُ ﴿وهم بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هم كافِرُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ وهم بِالقُرْآنِ كافِرُونَ، أوْ هم بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ الَّذِي خَلَقَهم كافِرُونَ، والمَعْنى: أنَّهم يَعِيبُونَ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَذْكُرَ آلِهَتَهُمُ الَّتِي لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ بِالسُّوءِ، والحالُ أنَّهم بِذِكْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِما يَلِيقُ بِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ، أوِ القُرْآنِ كافِرُونَ، فَهم أحَقُّ بِالعَيْبِ لَهم والإنْكارِ عَلَيْهِمْ، فالضَّمِيرُ الأوَّلُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ كافِرُونَ، وبِذِكْرِ مُتَعَلِّقٌ بِالخَبَرِ، والضَّمِيرُ الثّانِي تَأْكِيدٌ. ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ أيْ جُعِلَ لِفَرْطِ اسْتِعْجالِهِ كَأنَّهُ مَخْلُوقٌ مِنَ العَجَلِ. قالَ الفَرّاءُ: كَأنَّهُ يَقُولُ بَنَيْتُهُ وخَلَقْتُهُ مِنَ العَجَلَةِ وعَلى العَجَلَةِ. وقالَ الزَّجّاجُ: خُوطِبَتِ العَرَبُ بِما تَعْقِلُ، والعَرَبُ تَقُولُ لِلَّذِي يَكْثُرُ مِنهُ الشَّيْءُ خُلِقْتَ مِنهُ كَما تَقُولُ: أنْتَ مِن لَعِبٍ، وخُلِقْتَ مَن لَعِبٍ، تُرِيدُ المُبالَغَةَ في وصْفِهِ بِذَلِكَ. ويَدُلُّ عَلى هَذا المَعْنى قَوْلُهُ: ﴿وكانَ الإنْسانُ عَجُولًا﴾ [الإسراء: ١١] والمُرادُ بِالإنْسانِ الجِنْسُ. وقِيلَ: المُرادُ بِالإنْسانِ آدَمُ، فَإنَّهُ لَمّا خَلَقَهُ اللَّهُ ونَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ صارَ الرُّوحُ في رَأْسِهِ، فَذَهَبَ لِيَنْهَضَ قَبْلَ أنْ تَبْلُغَ الرُّوحُ إلى رِجْلَيْهِ فَوَقَعَ، فَقِيلَ ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ كَذا قالَ عِكْرِمَةُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والسُّدِّيُّ والكَلْبِيُّ ومُجاهِدٌ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وكَثِيرٌ مَن أهْلِ المَعانِي: العَجَلُ الطِّينُ بِلُغَةِ حِمْيَرَ. وأنْشَدُوا: ؎والنَّخْلُ تَنْبُتُ بَيْنَ الماءِ والعَجَلِ وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ، وهو القائِلُ: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ﴾ [الأنفال: ٣٢] وقِيلَ: نَزَلَتْ في قُرَيْشٍ لِأنَّهُمُ اسْتَعْجَلُوا العَذابَ. وقالَ الأخْفَشُ: مَعْنى خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ أنَّهُ قِيلَ لَهُ كُنْ فَكانَ. وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِنَ المَقْلُوبِ: أيْ خُلِقَ العَجَلُ مِنَ الإنْسانِ وقَدْ حُكِيَ هَذا عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ والنَّحّاسِ، والقَوْلُ الأوَّلُ أوْلى (p-٩٣٦)﴿سَأُرِيكم آياتِي﴾ أيْ سَأُرِيكم نَقِماتِي مِنكم بِعَذابِ النّارِ ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ أيْ لا تَسْتَعْجِلُونِي بِالإتْيانِ بِهِ، فَإنَّهُ نازِلٌ بِكم لا مَحالَةَ: وقِيلَ: المُرادُ بِالآياتِ ما دَلَّ عَلى صِدْقِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ المُعْجِزاتِ وما جَعَلَهُ اللَّهُ لَهُ مِنَ العاقِبَةِ المَحْمُودَةِ، والأوَّلُ أوْلى. ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهم ﴿مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ مَتى حُصُولُ هَذا الوَعْدِ، الَّذِي تَعِدُنا بِهِ مِنَ العَذابِ، قالُوا ذَلِكَ عَلى جِهَةِ الِاسْتِهْزاءِ والسُّخْرِيَةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالوَعْدِ هُنا القِيامَةُ، ومَعْنى ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ إنْ كُنْتُمْ يا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ صادِقِينَ في وعْدِكم، والخِطابُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَتْلُونَ الآياتِ القُرْآنِيَّةَ المُنْذِرَةَ بِمَجِيءِ السّاعَةِ وقُرْبِ حُضُورِ العَذابِ. وجُمْلَةُ ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ما بَعْدَها مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها: أيْ لَوْ عَرَفُوا ذَلِكَ الوَقْتَ، وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: لَوْ عَلِمُوا الوَقْتَ الَّذِي ﴿لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النّارَ ولا عَنْ ظُهُورِهِمْ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ لَما اسْتَعْجَلُوا الوَعِيدَ. وقالَ الزَّجّاجُ: في تَقْدِيرِ الجَوابِ لِيَعْلَمُوا صِدْقَ الوَعْدِ، وقِيلَ: لَوْ عَلِمُوهُ ما أقامُوا عَلى الكُفْرِ. وقالَ الكِسائِيُّ: هو تَنْبِيهٌ عَلى تَحْقِيقِ وُقُوعِ السّاعَةِ: أيْ لَوْ عَلِمُوهُ عِلْمَ يَقِينٍ لَعَلِمُوا أنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً﴾ وتَخْصِيصُ الوُجُوهِ والظُّهُورِ بِالذِّكْرِ بِمَعْنى القُدّامِ والخَلْفِ لِكَوْنِهِما أشْهَرَ الجَوانِبِ في اسْتِلْزامِ الإحاطَةِ بِها لِلْإحاطَةِ بِالكُلِّ بِحَيْثُ لا يَقْدِرُونَ عَلى دَفْعِها مِن جانِبٍ مِن جَوانِبِهِمْ، ومَحَلُّ حِينَ لا يَكُفُّونَ النَّصْبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ العِلْمِ، وهو عِبارَةٌ عَنِ الوَقْتِ المَوْعُودِ الَّذِي كانُوا يَسْتَعْجِلُونَهُ، ومَعْنى ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ ولا يَنْصُرُهم أحَدٌ مِنِ العِبادِ فَيَدْفَعُ ذَلِكَ عَنْهم. وجُمْلَةُ ﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى يَكُفُّونَ: أيْ لا يَكُفُّونَها بَلْ تَأْتِيهِمُ العِدَّةُ أوِ النّارُ أوِ السّاعَةُ بَغْتَةً: أيْ فَجْأةً فَتَبْهَتُهم قالَ الجَوْهَرِيُّ: بَهَتَهُ أخْذَهُ بَغْتًا، وقالَ الفَرّاءُ فَتَبْهَتُهم: أيْ تُحَيِّرُهم، وقِيلَ: فَتَفْجَؤُهم ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها﴾ أيْ صَرْفَها عَنْ وُجُوهِهِمْ ولا عَنْ ظُهُورِهِمْ فالضَّمِيرُ راجِعٌ إلى النّارِ، وقِيلَ: راجِعٌ إلى الوَعْدِ بِتَأْوِيلِهِ بِالعِدَّةِ، وقِيلَ: راجِعٌ إلى الحِينِ بِتَأْوِيلِهِ بِالسّاعَةِ ﴿ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ أيْ يُمْهَلُونَ ويُؤَخَّرُونَ لِتَوْبَةٍ واعْتِذارٍ. وجُمْلَةُ ﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ﴾ مَسُوقَةٌ لِتَسْلِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وتَعْزِيَتِهِ، كَأنَّهُ قالَ: إنِ اسْتَهْزَأ بِكَ هَؤُلاءِ فَقَدْ فُعِلَ ذَلِكَ بِمَن قَبْلَكَ مِنَ الرُّسُلِ عَلى كَثْرَةِ عَدَدِهِمْ وخَطَرِ شَأْنِهِمْ ﴿فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهُمْ﴾ أيْ أحاطَ ودارَ بِسَبَبِ ذَلِكَ، بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِن أُولَئِكَ الرُّسُلِ وهَزِئُوا بِهِمْ ﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ما مَوْصُولَةٌ، أوْ مَصْدَرِيَّةٌ: أيْ فَأحاطَ بِهِمُ الأمْرُ الَّذِي كانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ، أوْ فَأحاطَ بِهِمُ اسْتِهْزاؤُهم: أيْ جَزاؤُهُ عَلى وضْعِ السَّبَبِ مَوْضِعَ المُسَبَّبِ، أوْ نَفْسِ الِاسْتِهْزاءِ، إنْ أُرِيدَ بِهِ العَذابُ الأُخْرَوِيُّ. ﴿قُلْ مَن يَكْلَؤُكم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ أيْ يَحْرُسُكم ويَحْفَظُكم والكَلاءَةُ الحِراسَةُ والحِفْظُ، يُقالُ: كَلَأهُ اللَّهُ كِلاءًةُ بِالكَسْرِ أيْ حَفِظَهُ وحَرَسَهُ. قالَ ابْنُ هَرْمَةَ: ؎إنَّ سُلَيْمى واللَّهُ يَكْلَؤُها ∗∗∗ ضَنَّتْ بِشَيْءٍ ما كانَ يَرْزَؤُها أيْ قُلْ يا مُحَمَّدُ لِأُولَئِكَ المُسْتَهْزِئِينَ بِطَرِيقِ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ: مَن يَحْرُسُكم ويَحْفَظُكم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ مِن بَأْسِ الرَّحْمَنِ وعَذابِهِ الَّذِي تَسْتَحِقُّونَ حُلُولَهُ بِكم ونُزُولَهُ عَلَيْكم ؟ وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ مَن يَحْفَظُكم مِن بَأْسِ الرَّحْمَنِ. وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى مَن يَحْفَظُكم مِمّا يُرِيدُ الرَّحْمَنُ إنْزالَهُ بِكم مِن عُقُوباتِ الدُّنْيا والآخِرَةِ. وحَكى الكِسائِيُّ والفرّاءُ: ( مَن يَكْلَؤُكم ) بِفَتْحِ اللّامِ وإسْكانِ الواوِ ﴿بَلْ هم عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ أيْ عَنْ ذِكْرِهِ سُبْحانَهُ فَلا يَذْكُرُونَهُ ولا يُخْطِرُونَهُ بِبالِهِمْ، بَلْ يُعْرِضُونَ عَنْهُ، أوْ عَنِ القُرْآنِ، أوْ عَنْ مَواعِظِ اللَّهِ، أوْ عَنْ مَعْرِفَتِهِ. ﴿أمْ لَهم آلِهَةٌ تَمْنَعُهم مِن دُونِنا﴾ أمْ هي المُنْقَطِعَةُ الَّتِي بِمَعْنى بَلْ، والهَمْزَةُ لِلْإضْرابِ والِانْتِقالِ عَنِ الكَلامِ السّابِقِ المُشْتَمِلِ عَلى بَيانِ جَهْلِهِمْ بِحِفْظِهِ سُبْحانَهُ إيّاهم إلى تَوْبِيخِهِمْ وتَقْرِيعِهِمْ بِاعْتِمادِهِمْ عَلى مَن هو عاجِزٌ عَنْ نَفْعِ نَفْسِهِ، والدَّفْعِ عَنْها. والمَعْنى: بَلْ لَهم آلِهَةٌ تَمْنَعُهم مِن عَذابِنا. وقِيلَ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والتَّقْدِيرُ: أمْ لَهم آلِهَةٌ مِن دُونِنا تَمْنَعُهم. ثُمَّ وصَفَ آلِهَتَهم هَذِهِ الَّتِي زَعَمُوا أنَّها تَنْصُرُهم بِما يَدُلُّ عَلى الضَّعْفِ والعَجْزِ فَقالَ: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أنْفُسِهِمْ ولا هم مِنّا يُصْحَبُونَ﴾ أيْ هم عاجِزُونَ عَنْ نَصْرِ أنْفُسِهِمْ فَكَيْفَ يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَنْصُرُوا غَيْرَهم ولا هم مِنّا يُصْحَبُونَ: أيْ ولا هم يُجارُونَ مِن عَذابِنا. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ لا يُجِيرُهم مِنّا أحَدٌ، لِأنَّ المُجِيرَ صاحِبُ الجارِ، والعَرَبُ تَقُولُ صَحِبَكَ اللَّهُ: أيْ حَفِظَكَ وأجارَكَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎يُنادِي بِأعْلى صَوْتِهِ مُتَعَوِّذًا ∗∗∗ لِيُصْحَبَ مِنّا والرِّماحُ دَوانِي تَقُولُ العَرَبُ: أنا لَكَ جارٌ وصاحِبٌ مِن فُلانٍ. أيْ مُجِيرٌ مِنهُ. قالَ المازِنِيُّ: هو مِن أصْحَبْتُ الرَّجُلَ إذا مَنَعْتَهُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: «مَرَّ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى أبِي سُفْيانَ وأبِي جَهْلٍ وهم يَتَحَدَّثانِ، فَلَمّا رَآهُ أبُو جَهْلٍ ضَحِكَ وقالَ لِأبِي سُفْيانَ: هَذا نَبِيُّ بَنِي عَبْدِ مَنافٍ، فَغَضِبَ أبُو سُفْيانَ فَقالَ: ما تُنْكِرُونَ أنْ يَكُونَ لِبَنِي عَبْدِ مَنافٍ نَبِيٌّ، فَسَمِعَها النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَرَجَعَ إلى أبِي جَهْلٍ فَوَقَعَ بِهِ وخَوَّفَهُ وقالَ: ما أراكَ مُنْتَهِيًا حَتّى يُصِيبَكَ ما أصابَ عَمَّكَ، وقالَ لِأبِي سُفْيانَ: أمّا إنَّكَ لَمْ تَقُلْ ما قُلْتَ إلّا حَمِيَّةً. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وإذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾» . قُلْتُ: يَنْظُرُ مَنِ الَّذِي رَوى عَنْهُ السُّدِّيُّ ؟ . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: لَمّا نُفِخَ في آدَمَ الرُّوحَ صارَ في رَأْسِهِ فَعَطَسَ فَقالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ، فَقالَتْ: المَلائِكَةُ يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فَذَهَبَ لِيَنْهَضَ قَبْلَ أنْ تَمُورَ في رِجْلَيْهِ فَوَقَعَ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ وقَدْ أخْرَجَ نَحْوَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. وأخْرَجَ نَحْوَهُ أيْضًا ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْ مُجاهِدٍ، وكَذا أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ مَن يَكْلَؤُكم﴾ قالَ: يَحْرُسُكم، وفي (p-٩٣٧)قَوْلُهُ: ﴿ولا هم مِنّا يُصْحَبُونَ﴾ قالَ: لا يُنْصَرُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا هم مِنّا يُصْحَبُونَ﴾ قالَ: لا يُجارُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في الآيَةِ: قالَ لا يُمْنَعُونَ.

الأنبياء 21:44

. لَمّا أبْطَلَ كَونَ الأصْنامِ نافِعَةً أضْرَبَ عَنْ ذَلِكَ مُنْتَقِلًا إلى بَيانِ أنَّ ما هم فِيهِ مِنَ الخَيْرِ والتَّمَتُّعِ بِالحَياةِ العاجِلَةِ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ، لا مِن مانِعٍ يَمْنَعُهم مِنَ الهَلاكِ، ولا مِن ناصِرٍ يَنْصُرُهم عَلى أسْبابِ التَّمَتُّعِ فَقالَ: ﴿بَلْ مَتَّعْنا هَؤُلاءِ وآباءَهم﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ مَتَّعَهُمُ اللَّهُ بِما أنْعَمَ عَلَيْهِمْ ﴿حَتّى طالَ عَلَيْهِمُ العُمُرُ﴾ فاغْتَرُّوا بِذَلِكَ وظَنُّوا أنَّهم لا يَزالُونَ كَذَلِكَ، فَرَدَّ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ قائِلًا ﴿أفَلا يَرَوْنَ﴾ أيْ أفَلا يَنْظُرُونَ فَيَرَوْنَ ﴿أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها﴾ فَنَفْتَحُها بَلَدًا بَعْدَ بَلَدٍ وأرْضًا بَعْدَ أرْضٍ، وقِيلَ: نَنْقُصُها بِالقَتْلِ والسَّبْيِ، وقَدْ مَضى في الرَّعْدِ الكَلامُ عَلى هَذا مُسْتَوْفًى، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿أفَهُمُ الغالِبُونَ﴾ لِلْإنْكارِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ كَنَظائِرِهِ: أيْ كَيْفَ يَكُونُونَ غالِبِينَ بَعْدَ نَقْصِنا لِأرْضِهِمْ مِن أطْرافِها ؟ وفي هَذا إشارَةٌ إلى أنَّ الغالِبِينَ هُمُ المُسْلِمُونَ. ﴿قُلْ إنَّما أُنْذِرُكم بِالوَحْيِ﴾ أيْ أُخَوِّفُكم وأُحَذِّرُكم بِالقُرْآنِ، وذَلِكَ شَأْنِي وما أمَرَنِي اللَّهُ بِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ولا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ﴾ إمّا مِن تَتِمَّةِ الكَلامِ الَّذِي أمَرَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَهُ لَهم، أوْ مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى. والمَعْنى: أنَّ مَن أصَمَّ اللَّهُ سَمْعَهُ وخَتَمَ عَلى قَلْبِهِ وجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً لا يَسْمَعُ الدُّعاءَ. قَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ ومُحَمَّدُ بْنُ السُّمَيْفِعِ ( ولا يُسْمَعُ ) بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ المِيمِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو حَيْوَةَ ويَحْيى بْنُ الحارِثِ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ مَضْمُومَةً وكَسْرِ المِيمِ: أيْ إنَّكَ يا مُحَمَّدُ لا تُسْمِعُ هَؤُلاءِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: ولَوْ كانَ كَما قالَ ابْنُ عامِرٍ لَكانَ إذا ما تُنْذِرُهم فَيَحْسُنُ نَظْمُ الكَلامِ، فَأمّا ﴿إذا ما يُنْذَرُونَ﴾ فَحَسَنٌ أنْ يَتَّبِعَ قِراءَةَ العامَّةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الياءِ وفَتْحِ المِيمِ ورَفْعِ الصُّمِّ عَلى أنَّهُ الفاعِلُ. ﴿ولَئِنْ مَسَّتْهم نَفْحَةٌ مِن عَذابِ رَبِّكَ﴾ المُرادُ بِالنَّفْحَةِ القَلِيلُ، مَأْخُوذٌ مِن نَفْحِ المِسْكِ قالَهُ ابْنُ كَيْسانَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وعُمْرَةٌ مِن سَرَواتِ النِّسا ءِ تَنْفَحُ بِالمِسْكِ أرْدانُها وقالَ المُبَرِّدُ: النَّفْحَةُ الدَّفْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ الَّتِي دُونَ مُعْظَمِهِ، يُقالُ نَفَحَهُ نَفْحَةً بِالسَّيْفِ إذا ضَرَبَهُ ضَرْبَةً خَفِيفَةً، وقِيلَ: هي النَّصَبُ، وقِيلَ: هي الطَّرْفُ. والمَعْنى مُتَقارِبٌ: أيْ ولَئِنْ مَسَّهم أقَلُّ شَيْءٍ مِنَ العَذابِ ﴿لَيَقُولُنَّ يا ويْلَنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ أيْ لَيَدْعُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالوَيْلِ والهَلاكِ ويَعْتَرِفُونَ عَلَيْها بِالظُّلْمِ. ﴿ونَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ المَوازِينُ جَمْعُ مِيزانٍ، وهو يَدُلُّ عَلى أنَّ هُناكَ مَوازِينَ، ويُمْكِنُ أنْ يُرادَ مِيزانٌ واحِدٌ، عَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظِ الجَمْعِ، وقَدْ ورَدَ في السُّنَّةِ في صِفَةِ المِيزانِ ما فِيهِ كِفايَةٌ، وقَدْ مَضى في الأعْرافِ، وفي الكَهْفِ في هَذا ما يُغْنِي عَنِ الإعادَةِ، والقِسْطِ صِفَةٌ لِلْمَوازِينِ. قالَ الزَّجّاجُ: قِسْطٌ مَصْدَرٌ يُوصَفُ بِهِ، تَقُولُ: مِيزانُ قِسْطٍ ومَوازِينُ قِسْطٍ. والمَعْنى: ذَواتُ قِسْطٍ، والقِسْطُ العَدْلُ. وقُرِئَ ( القِصْطُ ) بِالصّادِّ والطّاءِ، ومَعْنى ﴿لِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ لِأهْلِ يَوْمِ القِيامَةِ، وقِيلَ: اللّامُ بِمَعْنى في: أيْ في يَوْمِ القِيامَةِ ﴿فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ أيْ لا يُنْقَصُ مِن إحْسانِ مُحْسِنٍ ولا يُزادُ في إساءَةِ مُسِيءٍ ﴿وإنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ﴾ قَرَأ نافِعٌ وشَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ بِرَفْعِ ( مِثْقالُ ) عَلى أنَّ كانَ تامَّةٌ، أيْ إنْ وقَعَ أوْ وجَدَ مِثْقالَ حَبَّةٍ. وقَرَأ الباقُونَ بِنَصْبِ المِثْقالِ عَلى تَقْدِيرِ: وإنْ كانَ العَمَلُ المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِوَضْعِ المَوازِينِ مِثْقالَ حَبَّةٍ، كَذا قالَ الزَّجّاجُ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: وإنْ كانَ الظُّلامَةُ مِثْقالَ حَبَّةٍ. قالَ الواحِدِيُّ: وهَذا أحْسَنُ لِتَقَدُّمِ قَوْلِهِ: فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا، ومِثْقالُ الشَّيْءِ مِيزانُهُ: أيْ وإنْ كانَ في غايَةِ الخِفَّةِ والحَقارَةِ، فَإنَّ حَبَّةَ الخَرْدَلِ مَثَلٌ في الصِّغَرِ أتَيْنا بِها قَرَأ الجُمْهُورُ بِالقَصْرِ: أيْ أحْضَرْناها وجِئْنا بِها لِلْمُجازَةِ عَلَيْها، يُقالُ آتِي يُؤاتِي مُؤاتاةً: جازى ﴿وكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ أيْ كَفى بِنا مُحْصِينَ، والحَسْبُ في الأصْلِ مَعْناهُ العَدُّ، وقِيلَ: كَفى بِنا عالِمِينَ، لِأنَّ مَن حَسَبَ شَيْئًا عَلِمَهُ وحَفِظَهُ، وقِيلَ: كَفى بِنا مُجازِينَ عَلى ما قَدَّمُوهُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ. ثُمَّ شَرَعَ سُبْحانَهُ في تَفْصِيلِ ما أجْمَلَهُ سابِقًا بِقَوْلِهِ: ﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ إلّا رِجالًا نُوحِي إلَيْهِمْ﴾ [الأنبياء: ٧] فَقالَ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ وضِياءً وذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾ المُرادُ بِالفُرْقانِ هُنا التَّوْراةُ، لِأنَّ فِيها الفَرْقَ بَيْنَ الحَلالِ والحَرامِ، وقِيلَ: الفُرْقانُ هُنا هو النَّصْرُ عَلى الأعْداءِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وما أنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الفُرْقانِ﴾ [الأنفال: ٤١] . قالَ الثَّعْلَبِيُّ: وهَذا القَوْلُ أشْبَهُ بِظاهِرِ الآيَةِ، ومَعْنى وضِياءٌ أنَّهُمُ اسْتَضاءُوا بِها في ظُلُماتِ الجَهْلِ والغِوايَةِ، ومَعْنى ( وذِكْرًا ) المَوْعِظَةُ: أيْ أنَّهم يَتَّعِظُونَ بِما فِيها، وخَصَّ المُتَّقِينَ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَنْتَفِعُونَ بِذَلِكَ. ووَصَفَهم بِقَوْلِهِ: (p-٩٣٨)﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ﴾ لِأنَّ هَذِهِ الخَشْيَةَ تُلازِمُ التَّقْوى. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ بَدَلًا مِنَ المُتَّقِينَ أوْ بَيانًا لَهُ، ومَحَلُّ بِالغَيْبِ النَّصْبُ عَلى الحالِ: أيْ يَخْشَوْنَ عَذابَهُ وهو غائِبٌ عَنْهم، أوْ هم غائِبُونَ عَنْهُ لِأنَّهم في الدُّنْيا، والعَذابُ في الآخِرَةِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ ( ضِياءً ) بِغَيْرِ واوٍ. قالَ الفَرّاءُ حُذِفَتِ الواوُ والمَجِيءُ بِها واحِدٌ، واعْتَرَضَهُ الزَّجّاجُ بِأنَّ الواوَ تَجِيءُ لِمَعْنًى فَلا تُزادُ ﴿وهم مِنَ السّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾ أيْ وهم مِنَ القِيامَةِ خائِفُونَ وجِلُونَ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وهَذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ﴾ إلى القُرْآنِ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى وهَذا القُرْآنُ ذِكْرٌ لِمَن تَذَكَّرَ بِهِ ومَوْعِظَةٌ لِمَنِ اتَّعَظَ بِهِ، والمُبارَكُ كَثِيرُ البَرَكَةِ والخَيْرِ. وقَوْلُهُ: أنْزَلْناهُ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِلذِّكْرِ، أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿أفَأنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ لِلْإنْكارِ لِما وقَعَ مِنهم مِنَ الإنْكارِ: أيْ كَيْفَ تُنْكِرُونَ كَوْنَهُ مُنَزَّلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ مَعَ اعْتِرافِكم بِأنَّ التَّوْراةَ مُنَزَّلَةٌ مِن عِنْدِهِ. ﴿ولَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ﴾ أيِ الرُّشْدَ اللّائِقَ بِهِ وبِأمْثالِهِ مِنَ الرُّسُلِ، ومَعْنى مِن قَبْلُ أنَّهُ أُعْطِيَ رُشْدَهُ قَبْلَ إيتاءِ مُوسى وهارُونَ التَّوْراةَ. وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى أعْطَيْناهُ هُداهُ مِن قَبْلِ النُّبُوَّةِ: أيْ وفَّقْناهُ لِلنَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ لَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ فَرَأى الشَّمْسَ والقَمَرَ والنَّجْمَ، وعَلى هَذا أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، وبِالأوَّلِ قالَ أقَلُّهم ﴿وكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾ أنَّهُ مَوْضِعٌ لِإيتاءِ الرُّشْدِ، وأنَّهُ يَصْلُحُ لِذَلِكَ. والظَّرْفُ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِآتَيْنا أوْ بِمَحْذُوفٍ: أيِ اذْكُرْ حِينَ قالَ: وأبُوهُ هو آزَرُ وقَوْمُهُ نَمْرُوذُ ومَنِ اتَّبَعَهُ، والتَّماثِيلُ الأصْنامُ، وأصْلُ التِّمْثالِ الشَّيْءُ المَصْنُوعُ مُشابِهًا لِشَيْءٍ مِن مَخْلُوقاتِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، يُقالُ مَثَّلْتُ الشَّيْءَ بِالشَّيْءِ: إذا جَعَلْتُهُ مُشابِهًا لَهُ، واسْمُ ذَلِكَ المُمَثَّلِ تِمْثالٌ، أنْكَرَ عَلَيْهِمْ عِبادَتَها بِقَوْلِهِ: ﴿ما هَذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أنْتُمْ لَها عاكِفُونَ﴾ والعُكُوفُ عِبارَةٌ عَنِ اللُّزُومِ والِاسْتِمْرارِ عَلى الشَّيْءِ، واللّامُ في لَها لِلِاخْتِصاصِ، ولَوْ كانَتْ لِلتَّعْدِيَةِ لَجِيءَ بِكَلِمَةِ عَلى: أيْ ما هَذِهِ الأصْنامُ الَّتِي أنْتُمْ مُقِيمُونَ عَلى عِبادَتِها ؟ وقِيلَ: إنَّ العُكُوفَ مُضَمَّنٌ مَعْنى العِبادَةِ. ﴿قالُوا وجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ﴾ أجابُوهُ بِهَذا الجَوابِ الَّذِي هو العَصا الَّتِي يَتَوَكَّأُ عَلَيْها كُلُّ عاجِزٍ، والحَبْلُ الَّذِي يَتَشَبَّثُ بِهِ كُلُّ غَرِيقٍ، وهو التَّمَسُّكُ بِمُجَرَّدِ تَقْلِيدِ الآباءِ: أيْ وجَدْنا آباءَنا يَعْبُدُونَها فَعَبَدْناها اقْتِداءً بِهِمْ ومَشْيًا عَلى طَرِيقَتِهِمْ، وهَكَذا يُجِيبُ هَؤُلاءِ المُقَلِّدَةُ مِن أهْلِ هَذِهِ المِلَّةِ الإسْلامِيَّةِ، وإنَّ العالِمَ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ إذا أنْكَرَ عَلَيْهِمُ العَمَلَ بِمَحْضِ الرَّأْيِ المَدْفُوعِ بِالدَّلِيلِ قالُوا هَذا قَدْ قالَ بِهِ إمامُنا الَّذِي وجَدْنا آباءَنا لَهُ مُقَلِّدِينَ وبِرَأْيِهِ آخِذِينَ، وجَوابُهم هو ما أجابَ بِهِ الخَلِيلُ هاهُنا. ﴿قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أنْتُمْ وآباؤُكم في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أيْ في خُسْرانٍ واضِحٍ ظاهِرٍ لا يَخْفى عَلى أحَدٍ ولا يَلْتَبِسُ عَلى ذِي عَقْلٍ، فَإنَّ قَوْمَ إبْراهِيمَ عَبَدُوا الأصْنامَ الَّتِي لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ ولا تَسْمَعُ ولا تُبْصِرُ، ولَيْسَ بَعْدَ هَذا الضَّلالِ ضَلالٌ، ولا يُساوِي هَذا الخُسْرانَ خُسْرانٌ، وهَؤُلاءِ المُقَلِّدَةُ مِن أهْلِ الإسْلامِ اسْتَبْدَلُوا بِكِتابِ اللَّهِ وبِسُنَّةِ رَسُولِهِ كِتابًا قَدْ دُوِّنَتْ فِيهِ اجْتِهاداتُ عالِمٍ مِن عُلَماءِ الإسْلامِ زَعَمَ أنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلى دَلِيلٍ يُخالِفُها، إمّا لِقُصُورٍ مِنهُ أوْ لِتَقْصِيرٍ في البَحْثِ فَوَجَدَ ذَلِكَ الدَّلِيلَ مَن وجَدَهُ وأبْرَزَهُ واضِحُ المَنارِ: ؎كَأنَّهُ عَلَمٌ في رَأْسِهِ نارٌ وقالَ هَذا كِتابُ اللَّهِ أوْ هَذِهِ سُنَّةُ رَسُولِهِ، وأنْشَدَهم: ؎دَعُوا كُلَّ قَوْلٍ عِنْدَ قَوْلِ مُحَمَّدٍ ∗∗∗ فَما آمِنٌ في دِينِهِ كَمُخاطِرِ فَقالُوا كَما قالَ الأوَّلُ: ؎ما أنا إلّا مِن غَزِيَّةَ إنْ غَوَتْ ∗∗∗ غَوَيْتُ وإنْ تُرْشَدَ غَزِيَّةُ أُرْشَدِ وقَدْ أحْسَنَ مَن قالَ: ؎يَأْبى الفَتى إلّا اتِّباعَ الهَوى ∗∗∗ ومَنهَجُ الحَقِّ لَهُ واضِحٌ ثُمَّ لَمّا سَمِعَ أُولَئِكَ مَقالَةَ الخَلِيلِ ﴿قالُوا أجِئْتَنا بِالحَقِّ أمْ أنْتَ مِنَ اللّاعِبِينَ﴾ أيْ أجادٌّ أنْتَ فِيما تَقُولُ أمْ أنْتَ لاعِبٌ مازِحٌ قالَ مُضْرِبًا عَمّا بَنَوْا عَلَيْهِ مَقالَتَهم مِنَ التَّقْلِيدِ. ﴿بَل رَبُّكم رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ﴾ أيْ خَلَقَهُنَّ وأبْدَعَهُنَّ ﴿وأنا عَلى ذَلِكم﴾ الَّذِي ذَكَرْتُهُ لَكم مِن كَوْنِ رَبِّكم هو رَبَّ السَّماواتِ والأرْضِ دُونَ ما عَداهُ مِنَ الشّاهِدِينَ أيِ العالِمِينَ بِهِ المُبَرْهِنِينَ عَلَيْهِ، فَإنَّ الشّاهِدَ عَلى الشَّيْءِ هو مَن كانَ عالِمًا بِهِ مُبَرْهِنًا عَلَيْهِ مُبَيِّنًا لَهُ. وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ في تَهْذِيبِهِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عائِشَةَ «أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ لِي مَمْلُوكِينَ يُكَذِّبُونَنِي ويَخُونُونَنِي ويَعْصُونَنِي وأضْرِبُهم وأشْتُمُهم فَكَيْفَ أنا مِنهم ؟ فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: يُحْسَبُ ما خانُوكَ وعَصَوْكَ وكَذَّبُوكَ وعِتابُكَ إيّاهم، فَإنْ كانَ عِقابُكَ إيّاهم دُونَ ذُنُوبِهِمْ كانَ فَضْلًا لَكَ، وإنْ كانَ عِقابُكَ إيّاهم بِقَدْرِ ذُنُوبِهِمْ كانَ كَفافًا لا عَلَيْكَ ولا لَكَ، وإنْ كانَ عِقابُكَ إيّاهم فَوْقَ ذُنُوبِهِمُ اقْتُصَّ لَهم مِنكَ الفَضْلُ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَبْكِي ويَهْتِفُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: أمّا تَقْرَأُ كِتابَ اللَّهِ ﴿ونَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وإنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ أتَيْنا بِها وكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ فَقالَ لَهُ الرَّجُلُ يا رَسُولَ اللَّهِ ما أجِدُ لِي ولَهم خَيْرًا مِن مُفارَقَتِهِمْ أُشْهِدُكَ أنَّهم أحْرارٌ» رَواهُ أحْمَدُ هَكَذا: حَدَّثَنا أبُو نُوحٍ الأقْرادُ، أخْبَرَنا لَيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ مالِكِ بْنِ أنَسٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عائِشَةَ فَذَكَرَهُ، وفي مَعْناهُ أحادِيثُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ ( ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ وضِياءً ) . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي صالِحٍ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ﴾ قالَ: التَّوْراةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ الفُرْقانُ الحَقُّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ ﴿وهَذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ﴾ أيِ القُرْآنُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ﴾ قالَ: هَدَيْناهُ صَغِيرًا، وفي قَوْلِهِ: ﴿ما هَذِهِ التَّماثِيلُ﴾ قالَ: الأصْنامُ.

الأنبياء 21:45

. لَمّا أبْطَلَ كَونَ الأصْنامِ نافِعَةً أضْرَبَ عَنْ ذَلِكَ مُنْتَقِلًا إلى بَيانِ أنَّ ما هم فِيهِ مِنَ الخَيْرِ والتَّمَتُّعِ بِالحَياةِ العاجِلَةِ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ، لا مِن مانِعٍ يَمْنَعُهم مِنَ الهَلاكِ، ولا مِن ناصِرٍ يَنْصُرُهم عَلى أسْبابِ التَّمَتُّعِ فَقالَ: ﴿بَلْ مَتَّعْنا هَؤُلاءِ وآباءَهم﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ مَتَّعَهُمُ اللَّهُ بِما أنْعَمَ عَلَيْهِمْ ﴿حَتّى طالَ عَلَيْهِمُ العُمُرُ﴾ فاغْتَرُّوا بِذَلِكَ وظَنُّوا أنَّهم لا يَزالُونَ كَذَلِكَ، فَرَدَّ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ قائِلًا ﴿أفَلا يَرَوْنَ﴾ أيْ أفَلا يَنْظُرُونَ فَيَرَوْنَ ﴿أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها﴾ فَنَفْتَحُها بَلَدًا بَعْدَ بَلَدٍ وأرْضًا بَعْدَ أرْضٍ، وقِيلَ: نَنْقُصُها بِالقَتْلِ والسَّبْيِ، وقَدْ مَضى في الرَّعْدِ الكَلامُ عَلى هَذا مُسْتَوْفًى، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿أفَهُمُ الغالِبُونَ﴾ لِلْإنْكارِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ كَنَظائِرِهِ: أيْ كَيْفَ يَكُونُونَ غالِبِينَ بَعْدَ نَقْصِنا لِأرْضِهِمْ مِن أطْرافِها ؟ وفي هَذا إشارَةٌ إلى أنَّ الغالِبِينَ هُمُ المُسْلِمُونَ. ﴿قُلْ إنَّما أُنْذِرُكم بِالوَحْيِ﴾ أيْ أُخَوِّفُكم وأُحَذِّرُكم بِالقُرْآنِ، وذَلِكَ شَأْنِي وما أمَرَنِي اللَّهُ بِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ولا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ﴾ إمّا مِن تَتِمَّةِ الكَلامِ الَّذِي أمَرَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَهُ لَهم، أوْ مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى. والمَعْنى: أنَّ مَن أصَمَّ اللَّهُ سَمْعَهُ وخَتَمَ عَلى قَلْبِهِ وجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً لا يَسْمَعُ الدُّعاءَ. قَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ ومُحَمَّدُ بْنُ السُّمَيْفِعِ ( ولا يُسْمَعُ ) بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ المِيمِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو حَيْوَةَ ويَحْيى بْنُ الحارِثِ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ مَضْمُومَةً وكَسْرِ المِيمِ: أيْ إنَّكَ يا مُحَمَّدُ لا تُسْمِعُ هَؤُلاءِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: ولَوْ كانَ كَما قالَ ابْنُ عامِرٍ لَكانَ إذا ما تُنْذِرُهم فَيَحْسُنُ نَظْمُ الكَلامِ، فَأمّا ﴿إذا ما يُنْذَرُونَ﴾ فَحَسَنٌ أنْ يَتَّبِعَ قِراءَةَ العامَّةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الياءِ وفَتْحِ المِيمِ ورَفْعِ الصُّمِّ عَلى أنَّهُ الفاعِلُ. ﴿ولَئِنْ مَسَّتْهم نَفْحَةٌ مِن عَذابِ رَبِّكَ﴾ المُرادُ بِالنَّفْحَةِ القَلِيلُ، مَأْخُوذٌ مِن نَفْحِ المِسْكِ قالَهُ ابْنُ كَيْسانَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وعُمْرَةٌ مِن سَرَواتِ النِّسا ءِ تَنْفَحُ بِالمِسْكِ أرْدانُها وقالَ المُبَرِّدُ: النَّفْحَةُ الدَّفْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ الَّتِي دُونَ مُعْظَمِهِ، يُقالُ نَفَحَهُ نَفْحَةً بِالسَّيْفِ إذا ضَرَبَهُ ضَرْبَةً خَفِيفَةً، وقِيلَ: هي النَّصَبُ، وقِيلَ: هي الطَّرْفُ. والمَعْنى مُتَقارِبٌ: أيْ ولَئِنْ مَسَّهم أقَلُّ شَيْءٍ مِنَ العَذابِ ﴿لَيَقُولُنَّ يا ويْلَنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ أيْ لَيَدْعُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالوَيْلِ والهَلاكِ ويَعْتَرِفُونَ عَلَيْها بِالظُّلْمِ. ﴿ونَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ المَوازِينُ جَمْعُ مِيزانٍ، وهو يَدُلُّ عَلى أنَّ هُناكَ مَوازِينَ، ويُمْكِنُ أنْ يُرادَ مِيزانٌ واحِدٌ، عَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظِ الجَمْعِ، وقَدْ ورَدَ في السُّنَّةِ في صِفَةِ المِيزانِ ما فِيهِ كِفايَةٌ، وقَدْ مَضى في الأعْرافِ، وفي الكَهْفِ في هَذا ما يُغْنِي عَنِ الإعادَةِ، والقِسْطِ صِفَةٌ لِلْمَوازِينِ. قالَ الزَّجّاجُ: قِسْطٌ مَصْدَرٌ يُوصَفُ بِهِ، تَقُولُ: مِيزانُ قِسْطٍ ومَوازِينُ قِسْطٍ. والمَعْنى: ذَواتُ قِسْطٍ، والقِسْطُ العَدْلُ. وقُرِئَ ( القِصْطُ ) بِالصّادِّ والطّاءِ، ومَعْنى ﴿لِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ لِأهْلِ يَوْمِ القِيامَةِ، وقِيلَ: اللّامُ بِمَعْنى في: أيْ في يَوْمِ القِيامَةِ ﴿فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ أيْ لا يُنْقَصُ مِن إحْسانِ مُحْسِنٍ ولا يُزادُ في إساءَةِ مُسِيءٍ ﴿وإنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ﴾ قَرَأ نافِعٌ وشَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ بِرَفْعِ ( مِثْقالُ ) عَلى أنَّ كانَ تامَّةٌ، أيْ إنْ وقَعَ أوْ وجَدَ مِثْقالَ حَبَّةٍ. وقَرَأ الباقُونَ بِنَصْبِ المِثْقالِ عَلى تَقْدِيرِ: وإنْ كانَ العَمَلُ المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِوَضْعِ المَوازِينِ مِثْقالَ حَبَّةٍ، كَذا قالَ الزَّجّاجُ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: وإنْ كانَ الظُّلامَةُ مِثْقالَ حَبَّةٍ. قالَ الواحِدِيُّ: وهَذا أحْسَنُ لِتَقَدُّمِ قَوْلِهِ: فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا، ومِثْقالُ الشَّيْءِ مِيزانُهُ: أيْ وإنْ كانَ في غايَةِ الخِفَّةِ والحَقارَةِ، فَإنَّ حَبَّةَ الخَرْدَلِ مَثَلٌ في الصِّغَرِ أتَيْنا بِها قَرَأ الجُمْهُورُ بِالقَصْرِ: أيْ أحْضَرْناها وجِئْنا بِها لِلْمُجازَةِ عَلَيْها، يُقالُ آتِي يُؤاتِي مُؤاتاةً: جازى ﴿وكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ أيْ كَفى بِنا مُحْصِينَ، والحَسْبُ في الأصْلِ مَعْناهُ العَدُّ، وقِيلَ: كَفى بِنا عالِمِينَ، لِأنَّ مَن حَسَبَ شَيْئًا عَلِمَهُ وحَفِظَهُ، وقِيلَ: كَفى بِنا مُجازِينَ عَلى ما قَدَّمُوهُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ. ثُمَّ شَرَعَ سُبْحانَهُ في تَفْصِيلِ ما أجْمَلَهُ سابِقًا بِقَوْلِهِ: ﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ إلّا رِجالًا نُوحِي إلَيْهِمْ﴾ [الأنبياء: ٧] فَقالَ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ وضِياءً وذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾ المُرادُ بِالفُرْقانِ هُنا التَّوْراةُ، لِأنَّ فِيها الفَرْقَ بَيْنَ الحَلالِ والحَرامِ، وقِيلَ: الفُرْقانُ هُنا هو النَّصْرُ عَلى الأعْداءِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وما أنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الفُرْقانِ﴾ [الأنفال: ٤١] . قالَ الثَّعْلَبِيُّ: وهَذا القَوْلُ أشْبَهُ بِظاهِرِ الآيَةِ، ومَعْنى وضِياءٌ أنَّهُمُ اسْتَضاءُوا بِها في ظُلُماتِ الجَهْلِ والغِوايَةِ، ومَعْنى ( وذِكْرًا ) المَوْعِظَةُ: أيْ أنَّهم يَتَّعِظُونَ بِما فِيها، وخَصَّ المُتَّقِينَ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَنْتَفِعُونَ بِذَلِكَ. ووَصَفَهم بِقَوْلِهِ: (p-٩٣٨)﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ﴾ لِأنَّ هَذِهِ الخَشْيَةَ تُلازِمُ التَّقْوى. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ بَدَلًا مِنَ المُتَّقِينَ أوْ بَيانًا لَهُ، ومَحَلُّ بِالغَيْبِ النَّصْبُ عَلى الحالِ: أيْ يَخْشَوْنَ عَذابَهُ وهو غائِبٌ عَنْهم، أوْ هم غائِبُونَ عَنْهُ لِأنَّهم في الدُّنْيا، والعَذابُ في الآخِرَةِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ ( ضِياءً ) بِغَيْرِ واوٍ. قالَ الفَرّاءُ حُذِفَتِ الواوُ والمَجِيءُ بِها واحِدٌ، واعْتَرَضَهُ الزَّجّاجُ بِأنَّ الواوَ تَجِيءُ لِمَعْنًى فَلا تُزادُ ﴿وهم مِنَ السّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾ أيْ وهم مِنَ القِيامَةِ خائِفُونَ وجِلُونَ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وهَذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ﴾ إلى القُرْآنِ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى وهَذا القُرْآنُ ذِكْرٌ لِمَن تَذَكَّرَ بِهِ ومَوْعِظَةٌ لِمَنِ اتَّعَظَ بِهِ، والمُبارَكُ كَثِيرُ البَرَكَةِ والخَيْرِ. وقَوْلُهُ: أنْزَلْناهُ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِلذِّكْرِ، أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿أفَأنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ لِلْإنْكارِ لِما وقَعَ مِنهم مِنَ الإنْكارِ: أيْ كَيْفَ تُنْكِرُونَ كَوْنَهُ مُنَزَّلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ مَعَ اعْتِرافِكم بِأنَّ التَّوْراةَ مُنَزَّلَةٌ مِن عِنْدِهِ. ﴿ولَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ﴾ أيِ الرُّشْدَ اللّائِقَ بِهِ وبِأمْثالِهِ مِنَ الرُّسُلِ، ومَعْنى مِن قَبْلُ أنَّهُ أُعْطِيَ رُشْدَهُ قَبْلَ إيتاءِ مُوسى وهارُونَ التَّوْراةَ. وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى أعْطَيْناهُ هُداهُ مِن قَبْلِ النُّبُوَّةِ: أيْ وفَّقْناهُ لِلنَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ لَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ فَرَأى الشَّمْسَ والقَمَرَ والنَّجْمَ، وعَلى هَذا أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، وبِالأوَّلِ قالَ أقَلُّهم ﴿وكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾ أنَّهُ مَوْضِعٌ لِإيتاءِ الرُّشْدِ، وأنَّهُ يَصْلُحُ لِذَلِكَ. والظَّرْفُ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِآتَيْنا أوْ بِمَحْذُوفٍ: أيِ اذْكُرْ حِينَ قالَ: وأبُوهُ هو آزَرُ وقَوْمُهُ نَمْرُوذُ ومَنِ اتَّبَعَهُ، والتَّماثِيلُ الأصْنامُ، وأصْلُ التِّمْثالِ الشَّيْءُ المَصْنُوعُ مُشابِهًا لِشَيْءٍ مِن مَخْلُوقاتِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، يُقالُ مَثَّلْتُ الشَّيْءَ بِالشَّيْءِ: إذا جَعَلْتُهُ مُشابِهًا لَهُ، واسْمُ ذَلِكَ المُمَثَّلِ تِمْثالٌ، أنْكَرَ عَلَيْهِمْ عِبادَتَها بِقَوْلِهِ: ﴿ما هَذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أنْتُمْ لَها عاكِفُونَ﴾ والعُكُوفُ عِبارَةٌ عَنِ اللُّزُومِ والِاسْتِمْرارِ عَلى الشَّيْءِ، واللّامُ في لَها لِلِاخْتِصاصِ، ولَوْ كانَتْ لِلتَّعْدِيَةِ لَجِيءَ بِكَلِمَةِ عَلى: أيْ ما هَذِهِ الأصْنامُ الَّتِي أنْتُمْ مُقِيمُونَ عَلى عِبادَتِها ؟ وقِيلَ: إنَّ العُكُوفَ مُضَمَّنٌ مَعْنى العِبادَةِ. ﴿قالُوا وجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ﴾ أجابُوهُ بِهَذا الجَوابِ الَّذِي هو العَصا الَّتِي يَتَوَكَّأُ عَلَيْها كُلُّ عاجِزٍ، والحَبْلُ الَّذِي يَتَشَبَّثُ بِهِ كُلُّ غَرِيقٍ، وهو التَّمَسُّكُ بِمُجَرَّدِ تَقْلِيدِ الآباءِ: أيْ وجَدْنا آباءَنا يَعْبُدُونَها فَعَبَدْناها اقْتِداءً بِهِمْ ومَشْيًا عَلى طَرِيقَتِهِمْ، وهَكَذا يُجِيبُ هَؤُلاءِ المُقَلِّدَةُ مِن أهْلِ هَذِهِ المِلَّةِ الإسْلامِيَّةِ، وإنَّ العالِمَ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ إذا أنْكَرَ عَلَيْهِمُ العَمَلَ بِمَحْضِ الرَّأْيِ المَدْفُوعِ بِالدَّلِيلِ قالُوا هَذا قَدْ قالَ بِهِ إمامُنا الَّذِي وجَدْنا آباءَنا لَهُ مُقَلِّدِينَ وبِرَأْيِهِ آخِذِينَ، وجَوابُهم هو ما أجابَ بِهِ الخَلِيلُ هاهُنا. ﴿قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أنْتُمْ وآباؤُكم في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أيْ في خُسْرانٍ واضِحٍ ظاهِرٍ لا يَخْفى عَلى أحَدٍ ولا يَلْتَبِسُ عَلى ذِي عَقْلٍ، فَإنَّ قَوْمَ إبْراهِيمَ عَبَدُوا الأصْنامَ الَّتِي لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ ولا تَسْمَعُ ولا تُبْصِرُ، ولَيْسَ بَعْدَ هَذا الضَّلالِ ضَلالٌ، ولا يُساوِي هَذا الخُسْرانَ خُسْرانٌ، وهَؤُلاءِ المُقَلِّدَةُ مِن أهْلِ الإسْلامِ اسْتَبْدَلُوا بِكِتابِ اللَّهِ وبِسُنَّةِ رَسُولِهِ كِتابًا قَدْ دُوِّنَتْ فِيهِ اجْتِهاداتُ عالِمٍ مِن عُلَماءِ الإسْلامِ زَعَمَ أنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلى دَلِيلٍ يُخالِفُها، إمّا لِقُصُورٍ مِنهُ أوْ لِتَقْصِيرٍ في البَحْثِ فَوَجَدَ ذَلِكَ الدَّلِيلَ مَن وجَدَهُ وأبْرَزَهُ واضِحُ المَنارِ: ؎كَأنَّهُ عَلَمٌ في رَأْسِهِ نارٌ وقالَ هَذا كِتابُ اللَّهِ أوْ هَذِهِ سُنَّةُ رَسُولِهِ، وأنْشَدَهم: ؎دَعُوا كُلَّ قَوْلٍ عِنْدَ قَوْلِ مُحَمَّدٍ ∗∗∗ فَما آمِنٌ في دِينِهِ كَمُخاطِرِ فَقالُوا كَما قالَ الأوَّلُ: ؎ما أنا إلّا مِن غَزِيَّةَ إنْ غَوَتْ ∗∗∗ غَوَيْتُ وإنْ تُرْشَدَ غَزِيَّةُ أُرْشَدِ وقَدْ أحْسَنَ مَن قالَ: ؎يَأْبى الفَتى إلّا اتِّباعَ الهَوى ∗∗∗ ومَنهَجُ الحَقِّ لَهُ واضِحٌ ثُمَّ لَمّا سَمِعَ أُولَئِكَ مَقالَةَ الخَلِيلِ ﴿قالُوا أجِئْتَنا بِالحَقِّ أمْ أنْتَ مِنَ اللّاعِبِينَ﴾ أيْ أجادٌّ أنْتَ فِيما تَقُولُ أمْ أنْتَ لاعِبٌ مازِحٌ قالَ مُضْرِبًا عَمّا بَنَوْا عَلَيْهِ مَقالَتَهم مِنَ التَّقْلِيدِ. ﴿بَل رَبُّكم رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ﴾ أيْ خَلَقَهُنَّ وأبْدَعَهُنَّ ﴿وأنا عَلى ذَلِكم﴾ الَّذِي ذَكَرْتُهُ لَكم مِن كَوْنِ رَبِّكم هو رَبَّ السَّماواتِ والأرْضِ دُونَ ما عَداهُ مِنَ الشّاهِدِينَ أيِ العالِمِينَ بِهِ المُبَرْهِنِينَ عَلَيْهِ، فَإنَّ الشّاهِدَ عَلى الشَّيْءِ هو مَن كانَ عالِمًا بِهِ مُبَرْهِنًا عَلَيْهِ مُبَيِّنًا لَهُ. وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ في تَهْذِيبِهِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عائِشَةَ «أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ لِي مَمْلُوكِينَ يُكَذِّبُونَنِي ويَخُونُونَنِي ويَعْصُونَنِي وأضْرِبُهم وأشْتُمُهم فَكَيْفَ أنا مِنهم ؟ فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: يُحْسَبُ ما خانُوكَ وعَصَوْكَ وكَذَّبُوكَ وعِتابُكَ إيّاهم، فَإنْ كانَ عِقابُكَ إيّاهم دُونَ ذُنُوبِهِمْ كانَ فَضْلًا لَكَ، وإنْ كانَ عِقابُكَ إيّاهم بِقَدْرِ ذُنُوبِهِمْ كانَ كَفافًا لا عَلَيْكَ ولا لَكَ، وإنْ كانَ عِقابُكَ إيّاهم فَوْقَ ذُنُوبِهِمُ اقْتُصَّ لَهم مِنكَ الفَضْلُ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَبْكِي ويَهْتِفُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: أمّا تَقْرَأُ كِتابَ اللَّهِ ﴿ونَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وإنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ أتَيْنا بِها وكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ فَقالَ لَهُ الرَّجُلُ يا رَسُولَ اللَّهِ ما أجِدُ لِي ولَهم خَيْرًا مِن مُفارَقَتِهِمْ أُشْهِدُكَ أنَّهم أحْرارٌ» رَواهُ أحْمَدُ هَكَذا: حَدَّثَنا أبُو نُوحٍ الأقْرادُ، أخْبَرَنا لَيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ مالِكِ بْنِ أنَسٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عائِشَةَ فَذَكَرَهُ، وفي مَعْناهُ أحادِيثُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ ( ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ وضِياءً ) . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي صالِحٍ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ﴾ قالَ: التَّوْراةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ الفُرْقانُ الحَقُّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ ﴿وهَذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ﴾ أيِ القُرْآنُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ﴾ قالَ: هَدَيْناهُ صَغِيرًا، وفي قَوْلِهِ: ﴿ما هَذِهِ التَّماثِيلُ﴾ قالَ: الأصْنامُ.

الأنبياء 21:46

. لَمّا أبْطَلَ كَونَ الأصْنامِ نافِعَةً أضْرَبَ عَنْ ذَلِكَ مُنْتَقِلًا إلى بَيانِ أنَّ ما هم فِيهِ مِنَ الخَيْرِ والتَّمَتُّعِ بِالحَياةِ العاجِلَةِ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ، لا مِن مانِعٍ يَمْنَعُهم مِنَ الهَلاكِ، ولا مِن ناصِرٍ يَنْصُرُهم عَلى أسْبابِ التَّمَتُّعِ فَقالَ: ﴿بَلْ مَتَّعْنا هَؤُلاءِ وآباءَهم﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ مَتَّعَهُمُ اللَّهُ بِما أنْعَمَ عَلَيْهِمْ ﴿حَتّى طالَ عَلَيْهِمُ العُمُرُ﴾ فاغْتَرُّوا بِذَلِكَ وظَنُّوا أنَّهم لا يَزالُونَ كَذَلِكَ، فَرَدَّ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ قائِلًا ﴿أفَلا يَرَوْنَ﴾ أيْ أفَلا يَنْظُرُونَ فَيَرَوْنَ ﴿أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها﴾ فَنَفْتَحُها بَلَدًا بَعْدَ بَلَدٍ وأرْضًا بَعْدَ أرْضٍ، وقِيلَ: نَنْقُصُها بِالقَتْلِ والسَّبْيِ، وقَدْ مَضى في الرَّعْدِ الكَلامُ عَلى هَذا مُسْتَوْفًى، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿أفَهُمُ الغالِبُونَ﴾ لِلْإنْكارِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ كَنَظائِرِهِ: أيْ كَيْفَ يَكُونُونَ غالِبِينَ بَعْدَ نَقْصِنا لِأرْضِهِمْ مِن أطْرافِها ؟ وفي هَذا إشارَةٌ إلى أنَّ الغالِبِينَ هُمُ المُسْلِمُونَ. ﴿قُلْ إنَّما أُنْذِرُكم بِالوَحْيِ﴾ أيْ أُخَوِّفُكم وأُحَذِّرُكم بِالقُرْآنِ، وذَلِكَ شَأْنِي وما أمَرَنِي اللَّهُ بِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ولا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ﴾ إمّا مِن تَتِمَّةِ الكَلامِ الَّذِي أمَرَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَهُ لَهم، أوْ مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى. والمَعْنى: أنَّ مَن أصَمَّ اللَّهُ سَمْعَهُ وخَتَمَ عَلى قَلْبِهِ وجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً لا يَسْمَعُ الدُّعاءَ. قَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ ومُحَمَّدُ بْنُ السُّمَيْفِعِ ( ولا يُسْمَعُ ) بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ المِيمِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو حَيْوَةَ ويَحْيى بْنُ الحارِثِ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ مَضْمُومَةً وكَسْرِ المِيمِ: أيْ إنَّكَ يا مُحَمَّدُ لا تُسْمِعُ هَؤُلاءِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: ولَوْ كانَ كَما قالَ ابْنُ عامِرٍ لَكانَ إذا ما تُنْذِرُهم فَيَحْسُنُ نَظْمُ الكَلامِ، فَأمّا ﴿إذا ما يُنْذَرُونَ﴾ فَحَسَنٌ أنْ يَتَّبِعَ قِراءَةَ العامَّةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الياءِ وفَتْحِ المِيمِ ورَفْعِ الصُّمِّ عَلى أنَّهُ الفاعِلُ. ﴿ولَئِنْ مَسَّتْهم نَفْحَةٌ مِن عَذابِ رَبِّكَ﴾ المُرادُ بِالنَّفْحَةِ القَلِيلُ، مَأْخُوذٌ مِن نَفْحِ المِسْكِ قالَهُ ابْنُ كَيْسانَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وعُمْرَةٌ مِن سَرَواتِ النِّسا ءِ تَنْفَحُ بِالمِسْكِ أرْدانُها وقالَ المُبَرِّدُ: النَّفْحَةُ الدَّفْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ الَّتِي دُونَ مُعْظَمِهِ، يُقالُ نَفَحَهُ نَفْحَةً بِالسَّيْفِ إذا ضَرَبَهُ ضَرْبَةً خَفِيفَةً، وقِيلَ: هي النَّصَبُ، وقِيلَ: هي الطَّرْفُ. والمَعْنى مُتَقارِبٌ: أيْ ولَئِنْ مَسَّهم أقَلُّ شَيْءٍ مِنَ العَذابِ ﴿لَيَقُولُنَّ يا ويْلَنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ أيْ لَيَدْعُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالوَيْلِ والهَلاكِ ويَعْتَرِفُونَ عَلَيْها بِالظُّلْمِ. ﴿ونَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ المَوازِينُ جَمْعُ مِيزانٍ، وهو يَدُلُّ عَلى أنَّ هُناكَ مَوازِينَ، ويُمْكِنُ أنْ يُرادَ مِيزانٌ واحِدٌ، عَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظِ الجَمْعِ، وقَدْ ورَدَ في السُّنَّةِ في صِفَةِ المِيزانِ ما فِيهِ كِفايَةٌ، وقَدْ مَضى في الأعْرافِ، وفي الكَهْفِ في هَذا ما يُغْنِي عَنِ الإعادَةِ، والقِسْطِ صِفَةٌ لِلْمَوازِينِ. قالَ الزَّجّاجُ: قِسْطٌ مَصْدَرٌ يُوصَفُ بِهِ، تَقُولُ: مِيزانُ قِسْطٍ ومَوازِينُ قِسْطٍ. والمَعْنى: ذَواتُ قِسْطٍ، والقِسْطُ العَدْلُ. وقُرِئَ ( القِصْطُ ) بِالصّادِّ والطّاءِ، ومَعْنى ﴿لِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ لِأهْلِ يَوْمِ القِيامَةِ، وقِيلَ: اللّامُ بِمَعْنى في: أيْ في يَوْمِ القِيامَةِ ﴿فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ أيْ لا يُنْقَصُ مِن إحْسانِ مُحْسِنٍ ولا يُزادُ في إساءَةِ مُسِيءٍ ﴿وإنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ﴾ قَرَأ نافِعٌ وشَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ بِرَفْعِ ( مِثْقالُ ) عَلى أنَّ كانَ تامَّةٌ، أيْ إنْ وقَعَ أوْ وجَدَ مِثْقالَ حَبَّةٍ. وقَرَأ الباقُونَ بِنَصْبِ المِثْقالِ عَلى تَقْدِيرِ: وإنْ كانَ العَمَلُ المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِوَضْعِ المَوازِينِ مِثْقالَ حَبَّةٍ، كَذا قالَ الزَّجّاجُ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: وإنْ كانَ الظُّلامَةُ مِثْقالَ حَبَّةٍ. قالَ الواحِدِيُّ: وهَذا أحْسَنُ لِتَقَدُّمِ قَوْلِهِ: فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا، ومِثْقالُ الشَّيْءِ مِيزانُهُ: أيْ وإنْ كانَ في غايَةِ الخِفَّةِ والحَقارَةِ، فَإنَّ حَبَّةَ الخَرْدَلِ مَثَلٌ في الصِّغَرِ أتَيْنا بِها قَرَأ الجُمْهُورُ بِالقَصْرِ: أيْ أحْضَرْناها وجِئْنا بِها لِلْمُجازَةِ عَلَيْها، يُقالُ آتِي يُؤاتِي مُؤاتاةً: جازى ﴿وكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ أيْ كَفى بِنا مُحْصِينَ، والحَسْبُ في الأصْلِ مَعْناهُ العَدُّ، وقِيلَ: كَفى بِنا عالِمِينَ، لِأنَّ مَن حَسَبَ شَيْئًا عَلِمَهُ وحَفِظَهُ، وقِيلَ: كَفى بِنا مُجازِينَ عَلى ما قَدَّمُوهُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ. ثُمَّ شَرَعَ سُبْحانَهُ في تَفْصِيلِ ما أجْمَلَهُ سابِقًا بِقَوْلِهِ: ﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ إلّا رِجالًا نُوحِي إلَيْهِمْ﴾ [الأنبياء: ٧] فَقالَ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ وضِياءً وذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾ المُرادُ بِالفُرْقانِ هُنا التَّوْراةُ، لِأنَّ فِيها الفَرْقَ بَيْنَ الحَلالِ والحَرامِ، وقِيلَ: الفُرْقانُ هُنا هو النَّصْرُ عَلى الأعْداءِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وما أنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الفُرْقانِ﴾ [الأنفال: ٤١] . قالَ الثَّعْلَبِيُّ: وهَذا القَوْلُ أشْبَهُ بِظاهِرِ الآيَةِ، ومَعْنى وضِياءٌ أنَّهُمُ اسْتَضاءُوا بِها في ظُلُماتِ الجَهْلِ والغِوايَةِ، ومَعْنى ( وذِكْرًا ) المَوْعِظَةُ: أيْ أنَّهم يَتَّعِظُونَ بِما فِيها، وخَصَّ المُتَّقِينَ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَنْتَفِعُونَ بِذَلِكَ. ووَصَفَهم بِقَوْلِهِ: (p-٩٣٨)﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ﴾ لِأنَّ هَذِهِ الخَشْيَةَ تُلازِمُ التَّقْوى. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ بَدَلًا مِنَ المُتَّقِينَ أوْ بَيانًا لَهُ، ومَحَلُّ بِالغَيْبِ النَّصْبُ عَلى الحالِ: أيْ يَخْشَوْنَ عَذابَهُ وهو غائِبٌ عَنْهم، أوْ هم غائِبُونَ عَنْهُ لِأنَّهم في الدُّنْيا، والعَذابُ في الآخِرَةِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ ( ضِياءً ) بِغَيْرِ واوٍ. قالَ الفَرّاءُ حُذِفَتِ الواوُ والمَجِيءُ بِها واحِدٌ، واعْتَرَضَهُ الزَّجّاجُ بِأنَّ الواوَ تَجِيءُ لِمَعْنًى فَلا تُزادُ ﴿وهم مِنَ السّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾ أيْ وهم مِنَ القِيامَةِ خائِفُونَ وجِلُونَ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وهَذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ﴾ إلى القُرْآنِ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى وهَذا القُرْآنُ ذِكْرٌ لِمَن تَذَكَّرَ بِهِ ومَوْعِظَةٌ لِمَنِ اتَّعَظَ بِهِ، والمُبارَكُ كَثِيرُ البَرَكَةِ والخَيْرِ. وقَوْلُهُ: أنْزَلْناهُ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِلذِّكْرِ، أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿أفَأنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ لِلْإنْكارِ لِما وقَعَ مِنهم مِنَ الإنْكارِ: أيْ كَيْفَ تُنْكِرُونَ كَوْنَهُ مُنَزَّلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ مَعَ اعْتِرافِكم بِأنَّ التَّوْراةَ مُنَزَّلَةٌ مِن عِنْدِهِ. ﴿ولَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ﴾ أيِ الرُّشْدَ اللّائِقَ بِهِ وبِأمْثالِهِ مِنَ الرُّسُلِ، ومَعْنى مِن قَبْلُ أنَّهُ أُعْطِيَ رُشْدَهُ قَبْلَ إيتاءِ مُوسى وهارُونَ التَّوْراةَ. وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى أعْطَيْناهُ هُداهُ مِن قَبْلِ النُّبُوَّةِ: أيْ وفَّقْناهُ لِلنَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ لَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ فَرَأى الشَّمْسَ والقَمَرَ والنَّجْمَ، وعَلى هَذا أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، وبِالأوَّلِ قالَ أقَلُّهم ﴿وكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾ أنَّهُ مَوْضِعٌ لِإيتاءِ الرُّشْدِ، وأنَّهُ يَصْلُحُ لِذَلِكَ. والظَّرْفُ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِآتَيْنا أوْ بِمَحْذُوفٍ: أيِ اذْكُرْ حِينَ قالَ: وأبُوهُ هو آزَرُ وقَوْمُهُ نَمْرُوذُ ومَنِ اتَّبَعَهُ، والتَّماثِيلُ الأصْنامُ، وأصْلُ التِّمْثالِ الشَّيْءُ المَصْنُوعُ مُشابِهًا لِشَيْءٍ مِن مَخْلُوقاتِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، يُقالُ مَثَّلْتُ الشَّيْءَ بِالشَّيْءِ: إذا جَعَلْتُهُ مُشابِهًا لَهُ، واسْمُ ذَلِكَ المُمَثَّلِ تِمْثالٌ، أنْكَرَ عَلَيْهِمْ عِبادَتَها بِقَوْلِهِ: ﴿ما هَذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أنْتُمْ لَها عاكِفُونَ﴾ والعُكُوفُ عِبارَةٌ عَنِ اللُّزُومِ والِاسْتِمْرارِ عَلى الشَّيْءِ، واللّامُ في لَها لِلِاخْتِصاصِ، ولَوْ كانَتْ لِلتَّعْدِيَةِ لَجِيءَ بِكَلِمَةِ عَلى: أيْ ما هَذِهِ الأصْنامُ الَّتِي أنْتُمْ مُقِيمُونَ عَلى عِبادَتِها ؟ وقِيلَ: إنَّ العُكُوفَ مُضَمَّنٌ مَعْنى العِبادَةِ. ﴿قالُوا وجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ﴾ أجابُوهُ بِهَذا الجَوابِ الَّذِي هو العَصا الَّتِي يَتَوَكَّأُ عَلَيْها كُلُّ عاجِزٍ، والحَبْلُ الَّذِي يَتَشَبَّثُ بِهِ كُلُّ غَرِيقٍ، وهو التَّمَسُّكُ بِمُجَرَّدِ تَقْلِيدِ الآباءِ: أيْ وجَدْنا آباءَنا يَعْبُدُونَها فَعَبَدْناها اقْتِداءً بِهِمْ ومَشْيًا عَلى طَرِيقَتِهِمْ، وهَكَذا يُجِيبُ هَؤُلاءِ المُقَلِّدَةُ مِن أهْلِ هَذِهِ المِلَّةِ الإسْلامِيَّةِ، وإنَّ العالِمَ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ إذا أنْكَرَ عَلَيْهِمُ العَمَلَ بِمَحْضِ الرَّأْيِ المَدْفُوعِ بِالدَّلِيلِ قالُوا هَذا قَدْ قالَ بِهِ إمامُنا الَّذِي وجَدْنا آباءَنا لَهُ مُقَلِّدِينَ وبِرَأْيِهِ آخِذِينَ، وجَوابُهم هو ما أجابَ بِهِ الخَلِيلُ هاهُنا. ﴿قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أنْتُمْ وآباؤُكم في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أيْ في خُسْرانٍ واضِحٍ ظاهِرٍ لا يَخْفى عَلى أحَدٍ ولا يَلْتَبِسُ عَلى ذِي عَقْلٍ، فَإنَّ قَوْمَ إبْراهِيمَ عَبَدُوا الأصْنامَ الَّتِي لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ ولا تَسْمَعُ ولا تُبْصِرُ، ولَيْسَ بَعْدَ هَذا الضَّلالِ ضَلالٌ، ولا يُساوِي هَذا الخُسْرانَ خُسْرانٌ، وهَؤُلاءِ المُقَلِّدَةُ مِن أهْلِ الإسْلامِ اسْتَبْدَلُوا بِكِتابِ اللَّهِ وبِسُنَّةِ رَسُولِهِ كِتابًا قَدْ دُوِّنَتْ فِيهِ اجْتِهاداتُ عالِمٍ مِن عُلَماءِ الإسْلامِ زَعَمَ أنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلى دَلِيلٍ يُخالِفُها، إمّا لِقُصُورٍ مِنهُ أوْ لِتَقْصِيرٍ في البَحْثِ فَوَجَدَ ذَلِكَ الدَّلِيلَ مَن وجَدَهُ وأبْرَزَهُ واضِحُ المَنارِ: ؎كَأنَّهُ عَلَمٌ في رَأْسِهِ نارٌ وقالَ هَذا كِتابُ اللَّهِ أوْ هَذِهِ سُنَّةُ رَسُولِهِ، وأنْشَدَهم: ؎دَعُوا كُلَّ قَوْلٍ عِنْدَ قَوْلِ مُحَمَّدٍ ∗∗∗ فَما آمِنٌ في دِينِهِ كَمُخاطِرِ فَقالُوا كَما قالَ الأوَّلُ: ؎ما أنا إلّا مِن غَزِيَّةَ إنْ غَوَتْ ∗∗∗ غَوَيْتُ وإنْ تُرْشَدَ غَزِيَّةُ أُرْشَدِ وقَدْ أحْسَنَ مَن قالَ: ؎يَأْبى الفَتى إلّا اتِّباعَ الهَوى ∗∗∗ ومَنهَجُ الحَقِّ لَهُ واضِحٌ ثُمَّ لَمّا سَمِعَ أُولَئِكَ مَقالَةَ الخَلِيلِ ﴿قالُوا أجِئْتَنا بِالحَقِّ أمْ أنْتَ مِنَ اللّاعِبِينَ﴾ أيْ أجادٌّ أنْتَ فِيما تَقُولُ أمْ أنْتَ لاعِبٌ مازِحٌ قالَ مُضْرِبًا عَمّا بَنَوْا عَلَيْهِ مَقالَتَهم مِنَ التَّقْلِيدِ. ﴿بَل رَبُّكم رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ﴾ أيْ خَلَقَهُنَّ وأبْدَعَهُنَّ ﴿وأنا عَلى ذَلِكم﴾ الَّذِي ذَكَرْتُهُ لَكم مِن كَوْنِ رَبِّكم هو رَبَّ السَّماواتِ والأرْضِ دُونَ ما عَداهُ مِنَ الشّاهِدِينَ أيِ العالِمِينَ بِهِ المُبَرْهِنِينَ عَلَيْهِ، فَإنَّ الشّاهِدَ عَلى الشَّيْءِ هو مَن كانَ عالِمًا بِهِ مُبَرْهِنًا عَلَيْهِ مُبَيِّنًا لَهُ. وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ في تَهْذِيبِهِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عائِشَةَ «أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ لِي مَمْلُوكِينَ يُكَذِّبُونَنِي ويَخُونُونَنِي ويَعْصُونَنِي وأضْرِبُهم وأشْتُمُهم فَكَيْفَ أنا مِنهم ؟ فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: يُحْسَبُ ما خانُوكَ وعَصَوْكَ وكَذَّبُوكَ وعِتابُكَ إيّاهم، فَإنْ كانَ عِقابُكَ إيّاهم دُونَ ذُنُوبِهِمْ كانَ فَضْلًا لَكَ، وإنْ كانَ عِقابُكَ إيّاهم بِقَدْرِ ذُنُوبِهِمْ كانَ كَفافًا لا عَلَيْكَ ولا لَكَ، وإنْ كانَ عِقابُكَ إيّاهم فَوْقَ ذُنُوبِهِمُ اقْتُصَّ لَهم مِنكَ الفَضْلُ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَبْكِي ويَهْتِفُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: أمّا تَقْرَأُ كِتابَ اللَّهِ ﴿ونَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وإنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ أتَيْنا بِها وكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ فَقالَ لَهُ الرَّجُلُ يا رَسُولَ اللَّهِ ما أجِدُ لِي ولَهم خَيْرًا مِن مُفارَقَتِهِمْ أُشْهِدُكَ أنَّهم أحْرارٌ» رَواهُ أحْمَدُ هَكَذا: حَدَّثَنا أبُو نُوحٍ الأقْرادُ، أخْبَرَنا لَيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ مالِكِ بْنِ أنَسٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عائِشَةَ فَذَكَرَهُ، وفي مَعْناهُ أحادِيثُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ ( ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ وضِياءً ) . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي صالِحٍ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ﴾ قالَ: التَّوْراةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ الفُرْقانُ الحَقُّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ ﴿وهَذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ﴾ أيِ القُرْآنُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ﴾ قالَ: هَدَيْناهُ صَغِيرًا، وفي قَوْلِهِ: ﴿ما هَذِهِ التَّماثِيلُ﴾ قالَ: الأصْنامُ.

الأنبياء 21:47

. لَمّا أبْطَلَ كَونَ الأصْنامِ نافِعَةً أضْرَبَ عَنْ ذَلِكَ مُنْتَقِلًا إلى بَيانِ أنَّ ما هم فِيهِ مِنَ الخَيْرِ والتَّمَتُّعِ بِالحَياةِ العاجِلَةِ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ، لا مِن مانِعٍ يَمْنَعُهم مِنَ الهَلاكِ، ولا مِن ناصِرٍ يَنْصُرُهم عَلى أسْبابِ التَّمَتُّعِ فَقالَ: ﴿بَلْ مَتَّعْنا هَؤُلاءِ وآباءَهم﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ مَتَّعَهُمُ اللَّهُ بِما أنْعَمَ عَلَيْهِمْ ﴿حَتّى طالَ عَلَيْهِمُ العُمُرُ﴾ فاغْتَرُّوا بِذَلِكَ وظَنُّوا أنَّهم لا يَزالُونَ كَذَلِكَ، فَرَدَّ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ قائِلًا ﴿أفَلا يَرَوْنَ﴾ أيْ أفَلا يَنْظُرُونَ فَيَرَوْنَ ﴿أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها﴾ فَنَفْتَحُها بَلَدًا بَعْدَ بَلَدٍ وأرْضًا بَعْدَ أرْضٍ، وقِيلَ: نَنْقُصُها بِالقَتْلِ والسَّبْيِ، وقَدْ مَضى في الرَّعْدِ الكَلامُ عَلى هَذا مُسْتَوْفًى، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿أفَهُمُ الغالِبُونَ﴾ لِلْإنْكارِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ كَنَظائِرِهِ: أيْ كَيْفَ يَكُونُونَ غالِبِينَ بَعْدَ نَقْصِنا لِأرْضِهِمْ مِن أطْرافِها ؟ وفي هَذا إشارَةٌ إلى أنَّ الغالِبِينَ هُمُ المُسْلِمُونَ. ﴿قُلْ إنَّما أُنْذِرُكم بِالوَحْيِ﴾ أيْ أُخَوِّفُكم وأُحَذِّرُكم بِالقُرْآنِ، وذَلِكَ شَأْنِي وما أمَرَنِي اللَّهُ بِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ولا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ﴾ إمّا مِن تَتِمَّةِ الكَلامِ الَّذِي أمَرَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَهُ لَهم، أوْ مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى. والمَعْنى: أنَّ مَن أصَمَّ اللَّهُ سَمْعَهُ وخَتَمَ عَلى قَلْبِهِ وجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً لا يَسْمَعُ الدُّعاءَ. قَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ ومُحَمَّدُ بْنُ السُّمَيْفِعِ ( ولا يُسْمَعُ ) بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ المِيمِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو حَيْوَةَ ويَحْيى بْنُ الحارِثِ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ مَضْمُومَةً وكَسْرِ المِيمِ: أيْ إنَّكَ يا مُحَمَّدُ لا تُسْمِعُ هَؤُلاءِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: ولَوْ كانَ كَما قالَ ابْنُ عامِرٍ لَكانَ إذا ما تُنْذِرُهم فَيَحْسُنُ نَظْمُ الكَلامِ، فَأمّا ﴿إذا ما يُنْذَرُونَ﴾ فَحَسَنٌ أنْ يَتَّبِعَ قِراءَةَ العامَّةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الياءِ وفَتْحِ المِيمِ ورَفْعِ الصُّمِّ عَلى أنَّهُ الفاعِلُ. ﴿ولَئِنْ مَسَّتْهم نَفْحَةٌ مِن عَذابِ رَبِّكَ﴾ المُرادُ بِالنَّفْحَةِ القَلِيلُ، مَأْخُوذٌ مِن نَفْحِ المِسْكِ قالَهُ ابْنُ كَيْسانَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وعُمْرَةٌ مِن سَرَواتِ النِّسا ءِ تَنْفَحُ بِالمِسْكِ أرْدانُها وقالَ المُبَرِّدُ: النَّفْحَةُ الدَّفْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ الَّتِي دُونَ مُعْظَمِهِ، يُقالُ نَفَحَهُ نَفْحَةً بِالسَّيْفِ إذا ضَرَبَهُ ضَرْبَةً خَفِيفَةً، وقِيلَ: هي النَّصَبُ، وقِيلَ: هي الطَّرْفُ. والمَعْنى مُتَقارِبٌ: أيْ ولَئِنْ مَسَّهم أقَلُّ شَيْءٍ مِنَ العَذابِ ﴿لَيَقُولُنَّ يا ويْلَنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ أيْ لَيَدْعُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالوَيْلِ والهَلاكِ ويَعْتَرِفُونَ عَلَيْها بِالظُّلْمِ. ﴿ونَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ المَوازِينُ جَمْعُ مِيزانٍ، وهو يَدُلُّ عَلى أنَّ هُناكَ مَوازِينَ، ويُمْكِنُ أنْ يُرادَ مِيزانٌ واحِدٌ، عَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظِ الجَمْعِ، وقَدْ ورَدَ في السُّنَّةِ في صِفَةِ المِيزانِ ما فِيهِ كِفايَةٌ، وقَدْ مَضى في الأعْرافِ، وفي الكَهْفِ في هَذا ما يُغْنِي عَنِ الإعادَةِ، والقِسْطِ صِفَةٌ لِلْمَوازِينِ. قالَ الزَّجّاجُ: قِسْطٌ مَصْدَرٌ يُوصَفُ بِهِ، تَقُولُ: مِيزانُ قِسْطٍ ومَوازِينُ قِسْطٍ. والمَعْنى: ذَواتُ قِسْطٍ، والقِسْطُ العَدْلُ. وقُرِئَ ( القِصْطُ ) بِالصّادِّ والطّاءِ، ومَعْنى ﴿لِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ لِأهْلِ يَوْمِ القِيامَةِ، وقِيلَ: اللّامُ بِمَعْنى في: أيْ في يَوْمِ القِيامَةِ ﴿فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ أيْ لا يُنْقَصُ مِن إحْسانِ مُحْسِنٍ ولا يُزادُ في إساءَةِ مُسِيءٍ ﴿وإنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ﴾ قَرَأ نافِعٌ وشَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ بِرَفْعِ ( مِثْقالُ ) عَلى أنَّ كانَ تامَّةٌ، أيْ إنْ وقَعَ أوْ وجَدَ مِثْقالَ حَبَّةٍ. وقَرَأ الباقُونَ بِنَصْبِ المِثْقالِ عَلى تَقْدِيرِ: وإنْ كانَ العَمَلُ المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِوَضْعِ المَوازِينِ مِثْقالَ حَبَّةٍ، كَذا قالَ الزَّجّاجُ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: وإنْ كانَ الظُّلامَةُ مِثْقالَ حَبَّةٍ. قالَ الواحِدِيُّ: وهَذا أحْسَنُ لِتَقَدُّمِ قَوْلِهِ: فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا، ومِثْقالُ الشَّيْءِ مِيزانُهُ: أيْ وإنْ كانَ في غايَةِ الخِفَّةِ والحَقارَةِ، فَإنَّ حَبَّةَ الخَرْدَلِ مَثَلٌ في الصِّغَرِ أتَيْنا بِها قَرَأ الجُمْهُورُ بِالقَصْرِ: أيْ أحْضَرْناها وجِئْنا بِها لِلْمُجازَةِ عَلَيْها، يُقالُ آتِي يُؤاتِي مُؤاتاةً: جازى ﴿وكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ أيْ كَفى بِنا مُحْصِينَ، والحَسْبُ في الأصْلِ مَعْناهُ العَدُّ، وقِيلَ: كَفى بِنا عالِمِينَ، لِأنَّ مَن حَسَبَ شَيْئًا عَلِمَهُ وحَفِظَهُ، وقِيلَ: كَفى بِنا مُجازِينَ عَلى ما قَدَّمُوهُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ. ثُمَّ شَرَعَ سُبْحانَهُ في تَفْصِيلِ ما أجْمَلَهُ سابِقًا بِقَوْلِهِ: ﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ إلّا رِجالًا نُوحِي إلَيْهِمْ﴾ [الأنبياء: ٧] فَقالَ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ وضِياءً وذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾ المُرادُ بِالفُرْقانِ هُنا التَّوْراةُ، لِأنَّ فِيها الفَرْقَ بَيْنَ الحَلالِ والحَرامِ، وقِيلَ: الفُرْقانُ هُنا هو النَّصْرُ عَلى الأعْداءِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وما أنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الفُرْقانِ﴾ [الأنفال: ٤١] . قالَ الثَّعْلَبِيُّ: وهَذا القَوْلُ أشْبَهُ بِظاهِرِ الآيَةِ، ومَعْنى وضِياءٌ أنَّهُمُ اسْتَضاءُوا بِها في ظُلُماتِ الجَهْلِ والغِوايَةِ، ومَعْنى ( وذِكْرًا ) المَوْعِظَةُ: أيْ أنَّهم يَتَّعِظُونَ بِما فِيها، وخَصَّ المُتَّقِينَ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَنْتَفِعُونَ بِذَلِكَ. ووَصَفَهم بِقَوْلِهِ: (p-٩٣٨)﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ﴾ لِأنَّ هَذِهِ الخَشْيَةَ تُلازِمُ التَّقْوى. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ بَدَلًا مِنَ المُتَّقِينَ أوْ بَيانًا لَهُ، ومَحَلُّ بِالغَيْبِ النَّصْبُ عَلى الحالِ: أيْ يَخْشَوْنَ عَذابَهُ وهو غائِبٌ عَنْهم، أوْ هم غائِبُونَ عَنْهُ لِأنَّهم في الدُّنْيا، والعَذابُ في الآخِرَةِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ ( ضِياءً ) بِغَيْرِ واوٍ. قالَ الفَرّاءُ حُذِفَتِ الواوُ والمَجِيءُ بِها واحِدٌ، واعْتَرَضَهُ الزَّجّاجُ بِأنَّ الواوَ تَجِيءُ لِمَعْنًى فَلا تُزادُ ﴿وهم مِنَ السّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾ أيْ وهم مِنَ القِيامَةِ خائِفُونَ وجِلُونَ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وهَذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ﴾ إلى القُرْآنِ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى وهَذا القُرْآنُ ذِكْرٌ لِمَن تَذَكَّرَ بِهِ ومَوْعِظَةٌ لِمَنِ اتَّعَظَ بِهِ، والمُبارَكُ كَثِيرُ البَرَكَةِ والخَيْرِ. وقَوْلُهُ: أنْزَلْناهُ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِلذِّكْرِ، أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿أفَأنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ لِلْإنْكارِ لِما وقَعَ مِنهم مِنَ الإنْكارِ: أيْ كَيْفَ تُنْكِرُونَ كَوْنَهُ مُنَزَّلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ مَعَ اعْتِرافِكم بِأنَّ التَّوْراةَ مُنَزَّلَةٌ مِن عِنْدِهِ. ﴿ولَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ﴾ أيِ الرُّشْدَ اللّائِقَ بِهِ وبِأمْثالِهِ مِنَ الرُّسُلِ، ومَعْنى مِن قَبْلُ أنَّهُ أُعْطِيَ رُشْدَهُ قَبْلَ إيتاءِ مُوسى وهارُونَ التَّوْراةَ. وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى أعْطَيْناهُ هُداهُ مِن قَبْلِ النُّبُوَّةِ: أيْ وفَّقْناهُ لِلنَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ لَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ فَرَأى الشَّمْسَ والقَمَرَ والنَّجْمَ، وعَلى هَذا أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، وبِالأوَّلِ قالَ أقَلُّهم ﴿وكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾ أنَّهُ مَوْضِعٌ لِإيتاءِ الرُّشْدِ، وأنَّهُ يَصْلُحُ لِذَلِكَ. والظَّرْفُ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِآتَيْنا أوْ بِمَحْذُوفٍ: أيِ اذْكُرْ حِينَ قالَ: وأبُوهُ هو آزَرُ وقَوْمُهُ نَمْرُوذُ ومَنِ اتَّبَعَهُ، والتَّماثِيلُ الأصْنامُ، وأصْلُ التِّمْثالِ الشَّيْءُ المَصْنُوعُ مُشابِهًا لِشَيْءٍ مِن مَخْلُوقاتِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، يُقالُ مَثَّلْتُ الشَّيْءَ بِالشَّيْءِ: إذا جَعَلْتُهُ مُشابِهًا لَهُ، واسْمُ ذَلِكَ المُمَثَّلِ تِمْثالٌ، أنْكَرَ عَلَيْهِمْ عِبادَتَها بِقَوْلِهِ: ﴿ما هَذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أنْتُمْ لَها عاكِفُونَ﴾ والعُكُوفُ عِبارَةٌ عَنِ اللُّزُومِ والِاسْتِمْرارِ عَلى الشَّيْءِ، واللّامُ في لَها لِلِاخْتِصاصِ، ولَوْ كانَتْ لِلتَّعْدِيَةِ لَجِيءَ بِكَلِمَةِ عَلى: أيْ ما هَذِهِ الأصْنامُ الَّتِي أنْتُمْ مُقِيمُونَ عَلى عِبادَتِها ؟ وقِيلَ: إنَّ العُكُوفَ مُضَمَّنٌ مَعْنى العِبادَةِ. ﴿قالُوا وجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ﴾ أجابُوهُ بِهَذا الجَوابِ الَّذِي هو العَصا الَّتِي يَتَوَكَّأُ عَلَيْها كُلُّ عاجِزٍ، والحَبْلُ الَّذِي يَتَشَبَّثُ بِهِ كُلُّ غَرِيقٍ، وهو التَّمَسُّكُ بِمُجَرَّدِ تَقْلِيدِ الآباءِ: أيْ وجَدْنا آباءَنا يَعْبُدُونَها فَعَبَدْناها اقْتِداءً بِهِمْ ومَشْيًا عَلى طَرِيقَتِهِمْ، وهَكَذا يُجِيبُ هَؤُلاءِ المُقَلِّدَةُ مِن أهْلِ هَذِهِ المِلَّةِ الإسْلامِيَّةِ، وإنَّ العالِمَ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ إذا أنْكَرَ عَلَيْهِمُ العَمَلَ بِمَحْضِ الرَّأْيِ المَدْفُوعِ بِالدَّلِيلِ قالُوا هَذا قَدْ قالَ بِهِ إمامُنا الَّذِي وجَدْنا آباءَنا لَهُ مُقَلِّدِينَ وبِرَأْيِهِ آخِذِينَ، وجَوابُهم هو ما أجابَ بِهِ الخَلِيلُ هاهُنا. ﴿قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أنْتُمْ وآباؤُكم في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أيْ في خُسْرانٍ واضِحٍ ظاهِرٍ لا يَخْفى عَلى أحَدٍ ولا يَلْتَبِسُ عَلى ذِي عَقْلٍ، فَإنَّ قَوْمَ إبْراهِيمَ عَبَدُوا الأصْنامَ الَّتِي لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ ولا تَسْمَعُ ولا تُبْصِرُ، ولَيْسَ بَعْدَ هَذا الضَّلالِ ضَلالٌ، ولا يُساوِي هَذا الخُسْرانَ خُسْرانٌ، وهَؤُلاءِ المُقَلِّدَةُ مِن أهْلِ الإسْلامِ اسْتَبْدَلُوا بِكِتابِ اللَّهِ وبِسُنَّةِ رَسُولِهِ كِتابًا قَدْ دُوِّنَتْ فِيهِ اجْتِهاداتُ عالِمٍ مِن عُلَماءِ الإسْلامِ زَعَمَ أنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلى دَلِيلٍ يُخالِفُها، إمّا لِقُصُورٍ مِنهُ أوْ لِتَقْصِيرٍ في البَحْثِ فَوَجَدَ ذَلِكَ الدَّلِيلَ مَن وجَدَهُ وأبْرَزَهُ واضِحُ المَنارِ: ؎كَأنَّهُ عَلَمٌ في رَأْسِهِ نارٌ وقالَ هَذا كِتابُ اللَّهِ أوْ هَذِهِ سُنَّةُ رَسُولِهِ، وأنْشَدَهم: ؎دَعُوا كُلَّ قَوْلٍ عِنْدَ قَوْلِ مُحَمَّدٍ ∗∗∗ فَما آمِنٌ في دِينِهِ كَمُخاطِرِ فَقالُوا كَما قالَ الأوَّلُ: ؎ما أنا إلّا مِن غَزِيَّةَ إنْ غَوَتْ ∗∗∗ غَوَيْتُ وإنْ تُرْشَدَ غَزِيَّةُ أُرْشَدِ وقَدْ أحْسَنَ مَن قالَ: ؎يَأْبى الفَتى إلّا اتِّباعَ الهَوى ∗∗∗ ومَنهَجُ الحَقِّ لَهُ واضِحٌ ثُمَّ لَمّا سَمِعَ أُولَئِكَ مَقالَةَ الخَلِيلِ ﴿قالُوا أجِئْتَنا بِالحَقِّ أمْ أنْتَ مِنَ اللّاعِبِينَ﴾ أيْ أجادٌّ أنْتَ فِيما تَقُولُ أمْ أنْتَ لاعِبٌ مازِحٌ قالَ مُضْرِبًا عَمّا بَنَوْا عَلَيْهِ مَقالَتَهم مِنَ التَّقْلِيدِ. ﴿بَل رَبُّكم رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ﴾ أيْ خَلَقَهُنَّ وأبْدَعَهُنَّ ﴿وأنا عَلى ذَلِكم﴾ الَّذِي ذَكَرْتُهُ لَكم مِن كَوْنِ رَبِّكم هو رَبَّ السَّماواتِ والأرْضِ دُونَ ما عَداهُ مِنَ الشّاهِدِينَ أيِ العالِمِينَ بِهِ المُبَرْهِنِينَ عَلَيْهِ، فَإنَّ الشّاهِدَ عَلى الشَّيْءِ هو مَن كانَ عالِمًا بِهِ مُبَرْهِنًا عَلَيْهِ مُبَيِّنًا لَهُ. وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ في تَهْذِيبِهِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عائِشَةَ «أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ لِي مَمْلُوكِينَ يُكَذِّبُونَنِي ويَخُونُونَنِي ويَعْصُونَنِي وأضْرِبُهم وأشْتُمُهم فَكَيْفَ أنا مِنهم ؟ فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: يُحْسَبُ ما خانُوكَ وعَصَوْكَ وكَذَّبُوكَ وعِتابُكَ إيّاهم، فَإنْ كانَ عِقابُكَ إيّاهم دُونَ ذُنُوبِهِمْ كانَ فَضْلًا لَكَ، وإنْ كانَ عِقابُكَ إيّاهم بِقَدْرِ ذُنُوبِهِمْ كانَ كَفافًا لا عَلَيْكَ ولا لَكَ، وإنْ كانَ عِقابُكَ إيّاهم فَوْقَ ذُنُوبِهِمُ اقْتُصَّ لَهم مِنكَ الفَضْلُ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَبْكِي ويَهْتِفُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: أمّا تَقْرَأُ كِتابَ اللَّهِ ﴿ونَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وإنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ أتَيْنا بِها وكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ فَقالَ لَهُ الرَّجُلُ يا رَسُولَ اللَّهِ ما أجِدُ لِي ولَهم خَيْرًا مِن مُفارَقَتِهِمْ أُشْهِدُكَ أنَّهم أحْرارٌ» رَواهُ أحْمَدُ هَكَذا: حَدَّثَنا أبُو نُوحٍ الأقْرادُ، أخْبَرَنا لَيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ مالِكِ بْنِ أنَسٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عائِشَةَ فَذَكَرَهُ، وفي مَعْناهُ أحادِيثُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ ( ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ وضِياءً ) . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي صالِحٍ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ﴾ قالَ: التَّوْراةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ الفُرْقانُ الحَقُّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ ﴿وهَذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ﴾ أيِ القُرْآنُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ﴾ قالَ: هَدَيْناهُ صَغِيرًا، وفي قَوْلِهِ: ﴿ما هَذِهِ التَّماثِيلُ﴾ قالَ: الأصْنامُ.

الأنبياء 21:48

. لَمّا أبْطَلَ كَونَ الأصْنامِ نافِعَةً أضْرَبَ عَنْ ذَلِكَ مُنْتَقِلًا إلى بَيانِ أنَّ ما هم فِيهِ مِنَ الخَيْرِ والتَّمَتُّعِ بِالحَياةِ العاجِلَةِ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ، لا مِن مانِعٍ يَمْنَعُهم مِنَ الهَلاكِ، ولا مِن ناصِرٍ يَنْصُرُهم عَلى أسْبابِ التَّمَتُّعِ فَقالَ: ﴿بَلْ مَتَّعْنا هَؤُلاءِ وآباءَهم﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ مَتَّعَهُمُ اللَّهُ بِما أنْعَمَ عَلَيْهِمْ ﴿حَتّى طالَ عَلَيْهِمُ العُمُرُ﴾ فاغْتَرُّوا بِذَلِكَ وظَنُّوا أنَّهم لا يَزالُونَ كَذَلِكَ، فَرَدَّ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ قائِلًا ﴿أفَلا يَرَوْنَ﴾ أيْ أفَلا يَنْظُرُونَ فَيَرَوْنَ ﴿أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها﴾ فَنَفْتَحُها بَلَدًا بَعْدَ بَلَدٍ وأرْضًا بَعْدَ أرْضٍ، وقِيلَ: نَنْقُصُها بِالقَتْلِ والسَّبْيِ، وقَدْ مَضى في الرَّعْدِ الكَلامُ عَلى هَذا مُسْتَوْفًى، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿أفَهُمُ الغالِبُونَ﴾ لِلْإنْكارِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ كَنَظائِرِهِ: أيْ كَيْفَ يَكُونُونَ غالِبِينَ بَعْدَ نَقْصِنا لِأرْضِهِمْ مِن أطْرافِها ؟ وفي هَذا إشارَةٌ إلى أنَّ الغالِبِينَ هُمُ المُسْلِمُونَ. ﴿قُلْ إنَّما أُنْذِرُكم بِالوَحْيِ﴾ أيْ أُخَوِّفُكم وأُحَذِّرُكم بِالقُرْآنِ، وذَلِكَ شَأْنِي وما أمَرَنِي اللَّهُ بِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ولا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ﴾ إمّا مِن تَتِمَّةِ الكَلامِ الَّذِي أمَرَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَهُ لَهم، أوْ مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى. والمَعْنى: أنَّ مَن أصَمَّ اللَّهُ سَمْعَهُ وخَتَمَ عَلى قَلْبِهِ وجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً لا يَسْمَعُ الدُّعاءَ. قَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ ومُحَمَّدُ بْنُ السُّمَيْفِعِ ( ولا يُسْمَعُ ) بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ المِيمِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو حَيْوَةَ ويَحْيى بْنُ الحارِثِ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ مَضْمُومَةً وكَسْرِ المِيمِ: أيْ إنَّكَ يا مُحَمَّدُ لا تُسْمِعُ هَؤُلاءِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: ولَوْ كانَ كَما قالَ ابْنُ عامِرٍ لَكانَ إذا ما تُنْذِرُهم فَيَحْسُنُ نَظْمُ الكَلامِ، فَأمّا ﴿إذا ما يُنْذَرُونَ﴾ فَحَسَنٌ أنْ يَتَّبِعَ قِراءَةَ العامَّةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الياءِ وفَتْحِ المِيمِ ورَفْعِ الصُّمِّ عَلى أنَّهُ الفاعِلُ. ﴿ولَئِنْ مَسَّتْهم نَفْحَةٌ مِن عَذابِ رَبِّكَ﴾ المُرادُ بِالنَّفْحَةِ القَلِيلُ، مَأْخُوذٌ مِن نَفْحِ المِسْكِ قالَهُ ابْنُ كَيْسانَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وعُمْرَةٌ مِن سَرَواتِ النِّسا ءِ تَنْفَحُ بِالمِسْكِ أرْدانُها وقالَ المُبَرِّدُ: النَّفْحَةُ الدَّفْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ الَّتِي دُونَ مُعْظَمِهِ، يُقالُ نَفَحَهُ نَفْحَةً بِالسَّيْفِ إذا ضَرَبَهُ ضَرْبَةً خَفِيفَةً، وقِيلَ: هي النَّصَبُ، وقِيلَ: هي الطَّرْفُ. والمَعْنى مُتَقارِبٌ: أيْ ولَئِنْ مَسَّهم أقَلُّ شَيْءٍ مِنَ العَذابِ ﴿لَيَقُولُنَّ يا ويْلَنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ أيْ لَيَدْعُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالوَيْلِ والهَلاكِ ويَعْتَرِفُونَ عَلَيْها بِالظُّلْمِ. ﴿ونَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ المَوازِينُ جَمْعُ مِيزانٍ، وهو يَدُلُّ عَلى أنَّ هُناكَ مَوازِينَ، ويُمْكِنُ أنْ يُرادَ مِيزانٌ واحِدٌ، عَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظِ الجَمْعِ، وقَدْ ورَدَ في السُّنَّةِ في صِفَةِ المِيزانِ ما فِيهِ كِفايَةٌ، وقَدْ مَضى في الأعْرافِ، وفي الكَهْفِ في هَذا ما يُغْنِي عَنِ الإعادَةِ، والقِسْطِ صِفَةٌ لِلْمَوازِينِ. قالَ الزَّجّاجُ: قِسْطٌ مَصْدَرٌ يُوصَفُ بِهِ، تَقُولُ: مِيزانُ قِسْطٍ ومَوازِينُ قِسْطٍ. والمَعْنى: ذَواتُ قِسْطٍ، والقِسْطُ العَدْلُ. وقُرِئَ ( القِصْطُ ) بِالصّادِّ والطّاءِ، ومَعْنى ﴿لِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ لِأهْلِ يَوْمِ القِيامَةِ، وقِيلَ: اللّامُ بِمَعْنى في: أيْ في يَوْمِ القِيامَةِ ﴿فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ أيْ لا يُنْقَصُ مِن إحْسانِ مُحْسِنٍ ولا يُزادُ في إساءَةِ مُسِيءٍ ﴿وإنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ﴾ قَرَأ نافِعٌ وشَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ بِرَفْعِ ( مِثْقالُ ) عَلى أنَّ كانَ تامَّةٌ، أيْ إنْ وقَعَ أوْ وجَدَ مِثْقالَ حَبَّةٍ. وقَرَأ الباقُونَ بِنَصْبِ المِثْقالِ عَلى تَقْدِيرِ: وإنْ كانَ العَمَلُ المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِوَضْعِ المَوازِينِ مِثْقالَ حَبَّةٍ، كَذا قالَ الزَّجّاجُ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: وإنْ كانَ الظُّلامَةُ مِثْقالَ حَبَّةٍ. قالَ الواحِدِيُّ: وهَذا أحْسَنُ لِتَقَدُّمِ قَوْلِهِ: فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا، ومِثْقالُ الشَّيْءِ مِيزانُهُ: أيْ وإنْ كانَ في غايَةِ الخِفَّةِ والحَقارَةِ، فَإنَّ حَبَّةَ الخَرْدَلِ مَثَلٌ في الصِّغَرِ أتَيْنا بِها قَرَأ الجُمْهُورُ بِالقَصْرِ: أيْ أحْضَرْناها وجِئْنا بِها لِلْمُجازَةِ عَلَيْها، يُقالُ آتِي يُؤاتِي مُؤاتاةً: جازى ﴿وكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ أيْ كَفى بِنا مُحْصِينَ، والحَسْبُ في الأصْلِ مَعْناهُ العَدُّ، وقِيلَ: كَفى بِنا عالِمِينَ، لِأنَّ مَن حَسَبَ شَيْئًا عَلِمَهُ وحَفِظَهُ، وقِيلَ: كَفى بِنا مُجازِينَ عَلى ما قَدَّمُوهُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ. ثُمَّ شَرَعَ سُبْحانَهُ في تَفْصِيلِ ما أجْمَلَهُ سابِقًا بِقَوْلِهِ: ﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ إلّا رِجالًا نُوحِي إلَيْهِمْ﴾ [الأنبياء: ٧] فَقالَ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ وضِياءً وذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾ المُرادُ بِالفُرْقانِ هُنا التَّوْراةُ، لِأنَّ فِيها الفَرْقَ بَيْنَ الحَلالِ والحَرامِ، وقِيلَ: الفُرْقانُ هُنا هو النَّصْرُ عَلى الأعْداءِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وما أنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الفُرْقانِ﴾ [الأنفال: ٤١] . قالَ الثَّعْلَبِيُّ: وهَذا القَوْلُ أشْبَهُ بِظاهِرِ الآيَةِ، ومَعْنى وضِياءٌ أنَّهُمُ اسْتَضاءُوا بِها في ظُلُماتِ الجَهْلِ والغِوايَةِ، ومَعْنى ( وذِكْرًا ) المَوْعِظَةُ: أيْ أنَّهم يَتَّعِظُونَ بِما فِيها، وخَصَّ المُتَّقِينَ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَنْتَفِعُونَ بِذَلِكَ. ووَصَفَهم بِقَوْلِهِ: (p-٩٣٨)﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ﴾ لِأنَّ هَذِهِ الخَشْيَةَ تُلازِمُ التَّقْوى. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ بَدَلًا مِنَ المُتَّقِينَ أوْ بَيانًا لَهُ، ومَحَلُّ بِالغَيْبِ النَّصْبُ عَلى الحالِ: أيْ يَخْشَوْنَ عَذابَهُ وهو غائِبٌ عَنْهم، أوْ هم غائِبُونَ عَنْهُ لِأنَّهم في الدُّنْيا، والعَذابُ في الآخِرَةِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ ( ضِياءً ) بِغَيْرِ واوٍ. قالَ الفَرّاءُ حُذِفَتِ الواوُ والمَجِيءُ بِها واحِدٌ، واعْتَرَضَهُ الزَّجّاجُ بِأنَّ الواوَ تَجِيءُ لِمَعْنًى فَلا تُزادُ ﴿وهم مِنَ السّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾ أيْ وهم مِنَ القِيامَةِ خائِفُونَ وجِلُونَ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وهَذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ﴾ إلى القُرْآنِ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى وهَذا القُرْآنُ ذِكْرٌ لِمَن تَذَكَّرَ بِهِ ومَوْعِظَةٌ لِمَنِ اتَّعَظَ بِهِ، والمُبارَكُ كَثِيرُ البَرَكَةِ والخَيْرِ. وقَوْلُهُ: أنْزَلْناهُ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِلذِّكْرِ، أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿أفَأنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ لِلْإنْكارِ لِما وقَعَ مِنهم مِنَ الإنْكارِ: أيْ كَيْفَ تُنْكِرُونَ كَوْنَهُ مُنَزَّلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ مَعَ اعْتِرافِكم بِأنَّ التَّوْراةَ مُنَزَّلَةٌ مِن عِنْدِهِ. ﴿ولَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ﴾ أيِ الرُّشْدَ اللّائِقَ بِهِ وبِأمْثالِهِ مِنَ الرُّسُلِ، ومَعْنى مِن قَبْلُ أنَّهُ أُعْطِيَ رُشْدَهُ قَبْلَ إيتاءِ مُوسى وهارُونَ التَّوْراةَ. وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى أعْطَيْناهُ هُداهُ مِن قَبْلِ النُّبُوَّةِ: أيْ وفَّقْناهُ لِلنَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ لَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ فَرَأى الشَّمْسَ والقَمَرَ والنَّجْمَ، وعَلى هَذا أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، وبِالأوَّلِ قالَ أقَلُّهم ﴿وكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾ أنَّهُ مَوْضِعٌ لِإيتاءِ الرُّشْدِ، وأنَّهُ يَصْلُحُ لِذَلِكَ. والظَّرْفُ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِآتَيْنا أوْ بِمَحْذُوفٍ: أيِ اذْكُرْ حِينَ قالَ: وأبُوهُ هو آزَرُ وقَوْمُهُ نَمْرُوذُ ومَنِ اتَّبَعَهُ، والتَّماثِيلُ الأصْنامُ، وأصْلُ التِّمْثالِ الشَّيْءُ المَصْنُوعُ مُشابِهًا لِشَيْءٍ مِن مَخْلُوقاتِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، يُقالُ مَثَّلْتُ الشَّيْءَ بِالشَّيْءِ: إذا جَعَلْتُهُ مُشابِهًا لَهُ، واسْمُ ذَلِكَ المُمَثَّلِ تِمْثالٌ، أنْكَرَ عَلَيْهِمْ عِبادَتَها بِقَوْلِهِ: ﴿ما هَذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أنْتُمْ لَها عاكِفُونَ﴾ والعُكُوفُ عِبارَةٌ عَنِ اللُّزُومِ والِاسْتِمْرارِ عَلى الشَّيْءِ، واللّامُ في لَها لِلِاخْتِصاصِ، ولَوْ كانَتْ لِلتَّعْدِيَةِ لَجِيءَ بِكَلِمَةِ عَلى: أيْ ما هَذِهِ الأصْنامُ الَّتِي أنْتُمْ مُقِيمُونَ عَلى عِبادَتِها ؟ وقِيلَ: إنَّ العُكُوفَ مُضَمَّنٌ مَعْنى العِبادَةِ. ﴿قالُوا وجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ﴾ أجابُوهُ بِهَذا الجَوابِ الَّذِي هو العَصا الَّتِي يَتَوَكَّأُ عَلَيْها كُلُّ عاجِزٍ، والحَبْلُ الَّذِي يَتَشَبَّثُ بِهِ كُلُّ غَرِيقٍ، وهو التَّمَسُّكُ بِمُجَرَّدِ تَقْلِيدِ الآباءِ: أيْ وجَدْنا آباءَنا يَعْبُدُونَها فَعَبَدْناها اقْتِداءً بِهِمْ ومَشْيًا عَلى طَرِيقَتِهِمْ، وهَكَذا يُجِيبُ هَؤُلاءِ المُقَلِّدَةُ مِن أهْلِ هَذِهِ المِلَّةِ الإسْلامِيَّةِ، وإنَّ العالِمَ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ إذا أنْكَرَ عَلَيْهِمُ العَمَلَ بِمَحْضِ الرَّأْيِ المَدْفُوعِ بِالدَّلِيلِ قالُوا هَذا قَدْ قالَ بِهِ إمامُنا الَّذِي وجَدْنا آباءَنا لَهُ مُقَلِّدِينَ وبِرَأْيِهِ آخِذِينَ، وجَوابُهم هو ما أجابَ بِهِ الخَلِيلُ هاهُنا. ﴿قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أنْتُمْ وآباؤُكم في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أيْ في خُسْرانٍ واضِحٍ ظاهِرٍ لا يَخْفى عَلى أحَدٍ ولا يَلْتَبِسُ عَلى ذِي عَقْلٍ، فَإنَّ قَوْمَ إبْراهِيمَ عَبَدُوا الأصْنامَ الَّتِي لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ ولا تَسْمَعُ ولا تُبْصِرُ، ولَيْسَ بَعْدَ هَذا الضَّلالِ ضَلالٌ، ولا يُساوِي هَذا الخُسْرانَ خُسْرانٌ، وهَؤُلاءِ المُقَلِّدَةُ مِن أهْلِ الإسْلامِ اسْتَبْدَلُوا بِكِتابِ اللَّهِ وبِسُنَّةِ رَسُولِهِ كِتابًا قَدْ دُوِّنَتْ فِيهِ اجْتِهاداتُ عالِمٍ مِن عُلَماءِ الإسْلامِ زَعَمَ أنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلى دَلِيلٍ يُخالِفُها، إمّا لِقُصُورٍ مِنهُ أوْ لِتَقْصِيرٍ في البَحْثِ فَوَجَدَ ذَلِكَ الدَّلِيلَ مَن وجَدَهُ وأبْرَزَهُ واضِحُ المَنارِ: ؎كَأنَّهُ عَلَمٌ في رَأْسِهِ نارٌ وقالَ هَذا كِتابُ اللَّهِ أوْ هَذِهِ سُنَّةُ رَسُولِهِ، وأنْشَدَهم: ؎دَعُوا كُلَّ قَوْلٍ عِنْدَ قَوْلِ مُحَمَّدٍ ∗∗∗ فَما آمِنٌ في دِينِهِ كَمُخاطِرِ فَقالُوا كَما قالَ الأوَّلُ: ؎ما أنا إلّا مِن غَزِيَّةَ إنْ غَوَتْ ∗∗∗ غَوَيْتُ وإنْ تُرْشَدَ غَزِيَّةُ أُرْشَدِ وقَدْ أحْسَنَ مَن قالَ: ؎يَأْبى الفَتى إلّا اتِّباعَ الهَوى ∗∗∗ ومَنهَجُ الحَقِّ لَهُ واضِحٌ ثُمَّ لَمّا سَمِعَ أُولَئِكَ مَقالَةَ الخَلِيلِ ﴿قالُوا أجِئْتَنا بِالحَقِّ أمْ أنْتَ مِنَ اللّاعِبِينَ﴾ أيْ أجادٌّ أنْتَ فِيما تَقُولُ أمْ أنْتَ لاعِبٌ مازِحٌ قالَ مُضْرِبًا عَمّا بَنَوْا عَلَيْهِ مَقالَتَهم مِنَ التَّقْلِيدِ. ﴿بَل رَبُّكم رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ﴾ أيْ خَلَقَهُنَّ وأبْدَعَهُنَّ ﴿وأنا عَلى ذَلِكم﴾ الَّذِي ذَكَرْتُهُ لَكم مِن كَوْنِ رَبِّكم هو رَبَّ السَّماواتِ والأرْضِ دُونَ ما عَداهُ مِنَ الشّاهِدِينَ أيِ العالِمِينَ بِهِ المُبَرْهِنِينَ عَلَيْهِ، فَإنَّ الشّاهِدَ عَلى الشَّيْءِ هو مَن كانَ عالِمًا بِهِ مُبَرْهِنًا عَلَيْهِ مُبَيِّنًا لَهُ. وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ في تَهْذِيبِهِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عائِشَةَ «أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ لِي مَمْلُوكِينَ يُكَذِّبُونَنِي ويَخُونُونَنِي ويَعْصُونَنِي وأضْرِبُهم وأشْتُمُهم فَكَيْفَ أنا مِنهم ؟ فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: يُحْسَبُ ما خانُوكَ وعَصَوْكَ وكَذَّبُوكَ وعِتابُكَ إيّاهم، فَإنْ كانَ عِقابُكَ إيّاهم دُونَ ذُنُوبِهِمْ كانَ فَضْلًا لَكَ، وإنْ كانَ عِقابُكَ إيّاهم بِقَدْرِ ذُنُوبِهِمْ كانَ كَفافًا لا عَلَيْكَ ولا لَكَ، وإنْ كانَ عِقابُكَ إيّاهم فَوْقَ ذُنُوبِهِمُ اقْتُصَّ لَهم مِنكَ الفَضْلُ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَبْكِي ويَهْتِفُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: أمّا تَقْرَأُ كِتابَ اللَّهِ ﴿ونَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وإنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ أتَيْنا بِها وكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ فَقالَ لَهُ الرَّجُلُ يا رَسُولَ اللَّهِ ما أجِدُ لِي ولَهم خَيْرًا مِن مُفارَقَتِهِمْ أُشْهِدُكَ أنَّهم أحْرارٌ» رَواهُ أحْمَدُ هَكَذا: حَدَّثَنا أبُو نُوحٍ الأقْرادُ، أخْبَرَنا لَيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ مالِكِ بْنِ أنَسٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عائِشَةَ فَذَكَرَهُ، وفي مَعْناهُ أحادِيثُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ ( ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ وضِياءً ) . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي صالِحٍ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ﴾ قالَ: التَّوْراةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ الفُرْقانُ الحَقُّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ ﴿وهَذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ﴾ أيِ القُرْآنُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ﴾ قالَ: هَدَيْناهُ صَغِيرًا، وفي قَوْلِهِ: ﴿ما هَذِهِ التَّماثِيلُ﴾ قالَ: الأصْنامُ.

الأنبياء 21:49

. لَمّا أبْطَلَ كَونَ الأصْنامِ نافِعَةً أضْرَبَ عَنْ ذَلِكَ مُنْتَقِلًا إلى بَيانِ أنَّ ما هم فِيهِ مِنَ الخَيْرِ والتَّمَتُّعِ بِالحَياةِ العاجِلَةِ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ، لا مِن مانِعٍ يَمْنَعُهم مِنَ الهَلاكِ، ولا مِن ناصِرٍ يَنْصُرُهم عَلى أسْبابِ التَّمَتُّعِ فَقالَ: ﴿بَلْ مَتَّعْنا هَؤُلاءِ وآباءَهم﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ مَتَّعَهُمُ اللَّهُ بِما أنْعَمَ عَلَيْهِمْ ﴿حَتّى طالَ عَلَيْهِمُ العُمُرُ﴾ فاغْتَرُّوا بِذَلِكَ وظَنُّوا أنَّهم لا يَزالُونَ كَذَلِكَ، فَرَدَّ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ قائِلًا ﴿أفَلا يَرَوْنَ﴾ أيْ أفَلا يَنْظُرُونَ فَيَرَوْنَ ﴿أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها﴾ فَنَفْتَحُها بَلَدًا بَعْدَ بَلَدٍ وأرْضًا بَعْدَ أرْضٍ، وقِيلَ: نَنْقُصُها بِالقَتْلِ والسَّبْيِ، وقَدْ مَضى في الرَّعْدِ الكَلامُ عَلى هَذا مُسْتَوْفًى، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿أفَهُمُ الغالِبُونَ﴾ لِلْإنْكارِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ كَنَظائِرِهِ: أيْ كَيْفَ يَكُونُونَ غالِبِينَ بَعْدَ نَقْصِنا لِأرْضِهِمْ مِن أطْرافِها ؟ وفي هَذا إشارَةٌ إلى أنَّ الغالِبِينَ هُمُ المُسْلِمُونَ. ﴿قُلْ إنَّما أُنْذِرُكم بِالوَحْيِ﴾ أيْ أُخَوِّفُكم وأُحَذِّرُكم بِالقُرْآنِ، وذَلِكَ شَأْنِي وما أمَرَنِي اللَّهُ بِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ولا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ﴾ إمّا مِن تَتِمَّةِ الكَلامِ الَّذِي أمَرَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَهُ لَهم، أوْ مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى. والمَعْنى: أنَّ مَن أصَمَّ اللَّهُ سَمْعَهُ وخَتَمَ عَلى قَلْبِهِ وجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً لا يَسْمَعُ الدُّعاءَ. قَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ ومُحَمَّدُ بْنُ السُّمَيْفِعِ ( ولا يُسْمَعُ ) بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ المِيمِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو حَيْوَةَ ويَحْيى بْنُ الحارِثِ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ مَضْمُومَةً وكَسْرِ المِيمِ: أيْ إنَّكَ يا مُحَمَّدُ لا تُسْمِعُ هَؤُلاءِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: ولَوْ كانَ كَما قالَ ابْنُ عامِرٍ لَكانَ إذا ما تُنْذِرُهم فَيَحْسُنُ نَظْمُ الكَلامِ، فَأمّا ﴿إذا ما يُنْذَرُونَ﴾ فَحَسَنٌ أنْ يَتَّبِعَ قِراءَةَ العامَّةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الياءِ وفَتْحِ المِيمِ ورَفْعِ الصُّمِّ عَلى أنَّهُ الفاعِلُ. ﴿ولَئِنْ مَسَّتْهم نَفْحَةٌ مِن عَذابِ رَبِّكَ﴾ المُرادُ بِالنَّفْحَةِ القَلِيلُ، مَأْخُوذٌ مِن نَفْحِ المِسْكِ قالَهُ ابْنُ كَيْسانَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وعُمْرَةٌ مِن سَرَواتِ النِّسا ءِ تَنْفَحُ بِالمِسْكِ أرْدانُها وقالَ المُبَرِّدُ: النَّفْحَةُ الدَّفْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ الَّتِي دُونَ مُعْظَمِهِ، يُقالُ نَفَحَهُ نَفْحَةً بِالسَّيْفِ إذا ضَرَبَهُ ضَرْبَةً خَفِيفَةً، وقِيلَ: هي النَّصَبُ، وقِيلَ: هي الطَّرْفُ. والمَعْنى مُتَقارِبٌ: أيْ ولَئِنْ مَسَّهم أقَلُّ شَيْءٍ مِنَ العَذابِ ﴿لَيَقُولُنَّ يا ويْلَنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ أيْ لَيَدْعُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالوَيْلِ والهَلاكِ ويَعْتَرِفُونَ عَلَيْها بِالظُّلْمِ. ﴿ونَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ المَوازِينُ جَمْعُ مِيزانٍ، وهو يَدُلُّ عَلى أنَّ هُناكَ مَوازِينَ، ويُمْكِنُ أنْ يُرادَ مِيزانٌ واحِدٌ، عَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظِ الجَمْعِ، وقَدْ ورَدَ في السُّنَّةِ في صِفَةِ المِيزانِ ما فِيهِ كِفايَةٌ، وقَدْ مَضى في الأعْرافِ، وفي الكَهْفِ في هَذا ما يُغْنِي عَنِ الإعادَةِ، والقِسْطِ صِفَةٌ لِلْمَوازِينِ. قالَ الزَّجّاجُ: قِسْطٌ مَصْدَرٌ يُوصَفُ بِهِ، تَقُولُ: مِيزانُ قِسْطٍ ومَوازِينُ قِسْطٍ. والمَعْنى: ذَواتُ قِسْطٍ، والقِسْطُ العَدْلُ. وقُرِئَ ( القِصْطُ ) بِالصّادِّ والطّاءِ، ومَعْنى ﴿لِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ لِأهْلِ يَوْمِ القِيامَةِ، وقِيلَ: اللّامُ بِمَعْنى في: أيْ في يَوْمِ القِيامَةِ ﴿فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ أيْ لا يُنْقَصُ مِن إحْسانِ مُحْسِنٍ ولا يُزادُ في إساءَةِ مُسِيءٍ ﴿وإنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ﴾ قَرَأ نافِعٌ وشَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ بِرَفْعِ ( مِثْقالُ ) عَلى أنَّ كانَ تامَّةٌ، أيْ إنْ وقَعَ أوْ وجَدَ مِثْقالَ حَبَّةٍ. وقَرَأ الباقُونَ بِنَصْبِ المِثْقالِ عَلى تَقْدِيرِ: وإنْ كانَ العَمَلُ المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِوَضْعِ المَوازِينِ مِثْقالَ حَبَّةٍ، كَذا قالَ الزَّجّاجُ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: وإنْ كانَ الظُّلامَةُ مِثْقالَ حَبَّةٍ. قالَ الواحِدِيُّ: وهَذا أحْسَنُ لِتَقَدُّمِ قَوْلِهِ: فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا، ومِثْقالُ الشَّيْءِ مِيزانُهُ: أيْ وإنْ كانَ في غايَةِ الخِفَّةِ والحَقارَةِ، فَإنَّ حَبَّةَ الخَرْدَلِ مَثَلٌ في الصِّغَرِ أتَيْنا بِها قَرَأ الجُمْهُورُ بِالقَصْرِ: أيْ أحْضَرْناها وجِئْنا بِها لِلْمُجازَةِ عَلَيْها، يُقالُ آتِي يُؤاتِي مُؤاتاةً: جازى ﴿وكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ أيْ كَفى بِنا مُحْصِينَ، والحَسْبُ في الأصْلِ مَعْناهُ العَدُّ، وقِيلَ: كَفى بِنا عالِمِينَ، لِأنَّ مَن حَسَبَ شَيْئًا عَلِمَهُ وحَفِظَهُ، وقِيلَ: كَفى بِنا مُجازِينَ عَلى ما قَدَّمُوهُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ. ثُمَّ شَرَعَ سُبْحانَهُ في تَفْصِيلِ ما أجْمَلَهُ سابِقًا بِقَوْلِهِ: ﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ إلّا رِجالًا نُوحِي إلَيْهِمْ﴾ [الأنبياء: ٧] فَقالَ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ وضِياءً وذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾ المُرادُ بِالفُرْقانِ هُنا التَّوْراةُ، لِأنَّ فِيها الفَرْقَ بَيْنَ الحَلالِ والحَرامِ، وقِيلَ: الفُرْقانُ هُنا هو النَّصْرُ عَلى الأعْداءِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وما أنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الفُرْقانِ﴾ [الأنفال: ٤١] . قالَ الثَّعْلَبِيُّ: وهَذا القَوْلُ أشْبَهُ بِظاهِرِ الآيَةِ، ومَعْنى وضِياءٌ أنَّهُمُ اسْتَضاءُوا بِها في ظُلُماتِ الجَهْلِ والغِوايَةِ، ومَعْنى ( وذِكْرًا ) المَوْعِظَةُ: أيْ أنَّهم يَتَّعِظُونَ بِما فِيها، وخَصَّ المُتَّقِينَ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَنْتَفِعُونَ بِذَلِكَ. ووَصَفَهم بِقَوْلِهِ: (p-٩٣٨)﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ﴾ لِأنَّ هَذِهِ الخَشْيَةَ تُلازِمُ التَّقْوى. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ بَدَلًا مِنَ المُتَّقِينَ أوْ بَيانًا لَهُ، ومَحَلُّ بِالغَيْبِ النَّصْبُ عَلى الحالِ: أيْ يَخْشَوْنَ عَذابَهُ وهو غائِبٌ عَنْهم، أوْ هم غائِبُونَ عَنْهُ لِأنَّهم في الدُّنْيا، والعَذابُ في الآخِرَةِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ ( ضِياءً ) بِغَيْرِ واوٍ. قالَ الفَرّاءُ حُذِفَتِ الواوُ والمَجِيءُ بِها واحِدٌ، واعْتَرَضَهُ الزَّجّاجُ بِأنَّ الواوَ تَجِيءُ لِمَعْنًى فَلا تُزادُ ﴿وهم مِنَ السّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾ أيْ وهم مِنَ القِيامَةِ خائِفُونَ وجِلُونَ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وهَذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ﴾ إلى القُرْآنِ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى وهَذا القُرْآنُ ذِكْرٌ لِمَن تَذَكَّرَ بِهِ ومَوْعِظَةٌ لِمَنِ اتَّعَظَ بِهِ، والمُبارَكُ كَثِيرُ البَرَكَةِ والخَيْرِ. وقَوْلُهُ: أنْزَلْناهُ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِلذِّكْرِ، أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿أفَأنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ لِلْإنْكارِ لِما وقَعَ مِنهم مِنَ الإنْكارِ: أيْ كَيْفَ تُنْكِرُونَ كَوْنَهُ مُنَزَّلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ مَعَ اعْتِرافِكم بِأنَّ التَّوْراةَ مُنَزَّلَةٌ مِن عِنْدِهِ. ﴿ولَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ﴾ أيِ الرُّشْدَ اللّائِقَ بِهِ وبِأمْثالِهِ مِنَ الرُّسُلِ، ومَعْنى مِن قَبْلُ أنَّهُ أُعْطِيَ رُشْدَهُ قَبْلَ إيتاءِ مُوسى وهارُونَ التَّوْراةَ. وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى أعْطَيْناهُ هُداهُ مِن قَبْلِ النُّبُوَّةِ: أيْ وفَّقْناهُ لِلنَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ لَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ فَرَأى الشَّمْسَ والقَمَرَ والنَّجْمَ، وعَلى هَذا أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، وبِالأوَّلِ قالَ أقَلُّهم ﴿وكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾ أنَّهُ مَوْضِعٌ لِإيتاءِ الرُّشْدِ، وأنَّهُ يَصْلُحُ لِذَلِكَ. والظَّرْفُ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِآتَيْنا أوْ بِمَحْذُوفٍ: أيِ اذْكُرْ حِينَ قالَ: وأبُوهُ هو آزَرُ وقَوْمُهُ نَمْرُوذُ ومَنِ اتَّبَعَهُ، والتَّماثِيلُ الأصْنامُ، وأصْلُ التِّمْثالِ الشَّيْءُ المَصْنُوعُ مُشابِهًا لِشَيْءٍ مِن مَخْلُوقاتِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، يُقالُ مَثَّلْتُ الشَّيْءَ بِالشَّيْءِ: إذا جَعَلْتُهُ مُشابِهًا لَهُ، واسْمُ ذَلِكَ المُمَثَّلِ تِمْثالٌ، أنْكَرَ عَلَيْهِمْ عِبادَتَها بِقَوْلِهِ: ﴿ما هَذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أنْتُمْ لَها عاكِفُونَ﴾ والعُكُوفُ عِبارَةٌ عَنِ اللُّزُومِ والِاسْتِمْرارِ عَلى الشَّيْءِ، واللّامُ في لَها لِلِاخْتِصاصِ، ولَوْ كانَتْ لِلتَّعْدِيَةِ لَجِيءَ بِكَلِمَةِ عَلى: أيْ ما هَذِهِ الأصْنامُ الَّتِي أنْتُمْ مُقِيمُونَ عَلى عِبادَتِها ؟ وقِيلَ: إنَّ العُكُوفَ مُضَمَّنٌ مَعْنى العِبادَةِ. ﴿قالُوا وجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ﴾ أجابُوهُ بِهَذا الجَوابِ الَّذِي هو العَصا الَّتِي يَتَوَكَّأُ عَلَيْها كُلُّ عاجِزٍ، والحَبْلُ الَّذِي يَتَشَبَّثُ بِهِ كُلُّ غَرِيقٍ، وهو التَّمَسُّكُ بِمُجَرَّدِ تَقْلِيدِ الآباءِ: أيْ وجَدْنا آباءَنا يَعْبُدُونَها فَعَبَدْناها اقْتِداءً بِهِمْ ومَشْيًا عَلى طَرِيقَتِهِمْ، وهَكَذا يُجِيبُ هَؤُلاءِ المُقَلِّدَةُ مِن أهْلِ هَذِهِ المِلَّةِ الإسْلامِيَّةِ، وإنَّ العالِمَ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ إذا أنْكَرَ عَلَيْهِمُ العَمَلَ بِمَحْضِ الرَّأْيِ المَدْفُوعِ بِالدَّلِيلِ قالُوا هَذا قَدْ قالَ بِهِ إمامُنا الَّذِي وجَدْنا آباءَنا لَهُ مُقَلِّدِينَ وبِرَأْيِهِ آخِذِينَ، وجَوابُهم هو ما أجابَ بِهِ الخَلِيلُ هاهُنا. ﴿قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أنْتُمْ وآباؤُكم في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أيْ في خُسْرانٍ واضِحٍ ظاهِرٍ لا يَخْفى عَلى أحَدٍ ولا يَلْتَبِسُ عَلى ذِي عَقْلٍ، فَإنَّ قَوْمَ إبْراهِيمَ عَبَدُوا الأصْنامَ الَّتِي لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ ولا تَسْمَعُ ولا تُبْصِرُ، ولَيْسَ بَعْدَ هَذا الضَّلالِ ضَلالٌ، ولا يُساوِي هَذا الخُسْرانَ خُسْرانٌ، وهَؤُلاءِ المُقَلِّدَةُ مِن أهْلِ الإسْلامِ اسْتَبْدَلُوا بِكِتابِ اللَّهِ وبِسُنَّةِ رَسُولِهِ كِتابًا قَدْ دُوِّنَتْ فِيهِ اجْتِهاداتُ عالِمٍ مِن عُلَماءِ الإسْلامِ زَعَمَ أنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلى دَلِيلٍ يُخالِفُها، إمّا لِقُصُورٍ مِنهُ أوْ لِتَقْصِيرٍ في البَحْثِ فَوَجَدَ ذَلِكَ الدَّلِيلَ مَن وجَدَهُ وأبْرَزَهُ واضِحُ المَنارِ: ؎كَأنَّهُ عَلَمٌ في رَأْسِهِ نارٌ وقالَ هَذا كِتابُ اللَّهِ أوْ هَذِهِ سُنَّةُ رَسُولِهِ، وأنْشَدَهم: ؎دَعُوا كُلَّ قَوْلٍ عِنْدَ قَوْلِ مُحَمَّدٍ ∗∗∗ فَما آمِنٌ في دِينِهِ كَمُخاطِرِ فَقالُوا كَما قالَ الأوَّلُ: ؎ما أنا إلّا مِن غَزِيَّةَ إنْ غَوَتْ ∗∗∗ غَوَيْتُ وإنْ تُرْشَدَ غَزِيَّةُ أُرْشَدِ وقَدْ أحْسَنَ مَن قالَ: ؎يَأْبى الفَتى إلّا اتِّباعَ الهَوى ∗∗∗ ومَنهَجُ الحَقِّ لَهُ واضِحٌ ثُمَّ لَمّا سَمِعَ أُولَئِكَ مَقالَةَ الخَلِيلِ ﴿قالُوا أجِئْتَنا بِالحَقِّ أمْ أنْتَ مِنَ اللّاعِبِينَ﴾ أيْ أجادٌّ أنْتَ فِيما تَقُولُ أمْ أنْتَ لاعِبٌ مازِحٌ قالَ مُضْرِبًا عَمّا بَنَوْا عَلَيْهِ مَقالَتَهم مِنَ التَّقْلِيدِ. ﴿بَل رَبُّكم رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ﴾ أيْ خَلَقَهُنَّ وأبْدَعَهُنَّ ﴿وأنا عَلى ذَلِكم﴾ الَّذِي ذَكَرْتُهُ لَكم مِن كَوْنِ رَبِّكم هو رَبَّ السَّماواتِ والأرْضِ دُونَ ما عَداهُ مِنَ الشّاهِدِينَ أيِ العالِمِينَ بِهِ المُبَرْهِنِينَ عَلَيْهِ، فَإنَّ الشّاهِدَ عَلى الشَّيْءِ هو مَن كانَ عالِمًا بِهِ مُبَرْهِنًا عَلَيْهِ مُبَيِّنًا لَهُ. وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ في تَهْذِيبِهِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عائِشَةَ «أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ لِي مَمْلُوكِينَ يُكَذِّبُونَنِي ويَخُونُونَنِي ويَعْصُونَنِي وأضْرِبُهم وأشْتُمُهم فَكَيْفَ أنا مِنهم ؟ فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: يُحْسَبُ ما خانُوكَ وعَصَوْكَ وكَذَّبُوكَ وعِتابُكَ إيّاهم، فَإنْ كانَ عِقابُكَ إيّاهم دُونَ ذُنُوبِهِمْ كانَ فَضْلًا لَكَ، وإنْ كانَ عِقابُكَ إيّاهم بِقَدْرِ ذُنُوبِهِمْ كانَ كَفافًا لا عَلَيْكَ ولا لَكَ، وإنْ كانَ عِقابُكَ إيّاهم فَوْقَ ذُنُوبِهِمُ اقْتُصَّ لَهم مِنكَ الفَضْلُ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَبْكِي ويَهْتِفُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: أمّا تَقْرَأُ كِتابَ اللَّهِ ﴿ونَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وإنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ أتَيْنا بِها وكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ فَقالَ لَهُ الرَّجُلُ يا رَسُولَ اللَّهِ ما أجِدُ لِي ولَهم خَيْرًا مِن مُفارَقَتِهِمْ أُشْهِدُكَ أنَّهم أحْرارٌ» رَواهُ أحْمَدُ هَكَذا: حَدَّثَنا أبُو نُوحٍ الأقْرادُ، أخْبَرَنا لَيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ مالِكِ بْنِ أنَسٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عائِشَةَ فَذَكَرَهُ، وفي مَعْناهُ أحادِيثُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ ( ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ وضِياءً ) . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي صالِحٍ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ﴾ قالَ: التَّوْراةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ الفُرْقانُ الحَقُّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ ﴿وهَذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ﴾ أيِ القُرْآنُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ﴾ قالَ: هَدَيْناهُ صَغِيرًا، وفي قَوْلِهِ: ﴿ما هَذِهِ التَّماثِيلُ﴾ قالَ: الأصْنامُ.

الأنبياء 21:50

. لَمّا أبْطَلَ كَونَ الأصْنامِ نافِعَةً أضْرَبَ عَنْ ذَلِكَ مُنْتَقِلًا إلى بَيانِ أنَّ ما هم فِيهِ مِنَ الخَيْرِ والتَّمَتُّعِ بِالحَياةِ العاجِلَةِ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ، لا مِن مانِعٍ يَمْنَعُهم مِنَ الهَلاكِ، ولا مِن ناصِرٍ يَنْصُرُهم عَلى أسْبابِ التَّمَتُّعِ فَقالَ: ﴿بَلْ مَتَّعْنا هَؤُلاءِ وآباءَهم﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ مَتَّعَهُمُ اللَّهُ بِما أنْعَمَ عَلَيْهِمْ ﴿حَتّى طالَ عَلَيْهِمُ العُمُرُ﴾ فاغْتَرُّوا بِذَلِكَ وظَنُّوا أنَّهم لا يَزالُونَ كَذَلِكَ، فَرَدَّ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ قائِلًا ﴿أفَلا يَرَوْنَ﴾ أيْ أفَلا يَنْظُرُونَ فَيَرَوْنَ ﴿أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها﴾ فَنَفْتَحُها بَلَدًا بَعْدَ بَلَدٍ وأرْضًا بَعْدَ أرْضٍ، وقِيلَ: نَنْقُصُها بِالقَتْلِ والسَّبْيِ، وقَدْ مَضى في الرَّعْدِ الكَلامُ عَلى هَذا مُسْتَوْفًى، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿أفَهُمُ الغالِبُونَ﴾ لِلْإنْكارِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ كَنَظائِرِهِ: أيْ كَيْفَ يَكُونُونَ غالِبِينَ بَعْدَ نَقْصِنا لِأرْضِهِمْ مِن أطْرافِها ؟ وفي هَذا إشارَةٌ إلى أنَّ الغالِبِينَ هُمُ المُسْلِمُونَ. ﴿قُلْ إنَّما أُنْذِرُكم بِالوَحْيِ﴾ أيْ أُخَوِّفُكم وأُحَذِّرُكم بِالقُرْآنِ، وذَلِكَ شَأْنِي وما أمَرَنِي اللَّهُ بِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ولا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ﴾ إمّا مِن تَتِمَّةِ الكَلامِ الَّذِي أمَرَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَهُ لَهم، أوْ مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى. والمَعْنى: أنَّ مَن أصَمَّ اللَّهُ سَمْعَهُ وخَتَمَ عَلى قَلْبِهِ وجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً لا يَسْمَعُ الدُّعاءَ. قَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ ومُحَمَّدُ بْنُ السُّمَيْفِعِ ( ولا يُسْمَعُ ) بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ المِيمِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو حَيْوَةَ ويَحْيى بْنُ الحارِثِ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ مَضْمُومَةً وكَسْرِ المِيمِ: أيْ إنَّكَ يا مُحَمَّدُ لا تُسْمِعُ هَؤُلاءِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: ولَوْ كانَ كَما قالَ ابْنُ عامِرٍ لَكانَ إذا ما تُنْذِرُهم فَيَحْسُنُ نَظْمُ الكَلامِ، فَأمّا ﴿إذا ما يُنْذَرُونَ﴾ فَحَسَنٌ أنْ يَتَّبِعَ قِراءَةَ العامَّةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الياءِ وفَتْحِ المِيمِ ورَفْعِ الصُّمِّ عَلى أنَّهُ الفاعِلُ. ﴿ولَئِنْ مَسَّتْهم نَفْحَةٌ مِن عَذابِ رَبِّكَ﴾ المُرادُ بِالنَّفْحَةِ القَلِيلُ، مَأْخُوذٌ مِن نَفْحِ المِسْكِ قالَهُ ابْنُ كَيْسانَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وعُمْرَةٌ مِن سَرَواتِ النِّسا ءِ تَنْفَحُ بِالمِسْكِ أرْدانُها وقالَ المُبَرِّدُ: النَّفْحَةُ الدَّفْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ الَّتِي دُونَ مُعْظَمِهِ، يُقالُ نَفَحَهُ نَفْحَةً بِالسَّيْفِ إذا ضَرَبَهُ ضَرْبَةً خَفِيفَةً، وقِيلَ: هي النَّصَبُ، وقِيلَ: هي الطَّرْفُ. والمَعْنى مُتَقارِبٌ: أيْ ولَئِنْ مَسَّهم أقَلُّ شَيْءٍ مِنَ العَذابِ ﴿لَيَقُولُنَّ يا ويْلَنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ أيْ لَيَدْعُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالوَيْلِ والهَلاكِ ويَعْتَرِفُونَ عَلَيْها بِالظُّلْمِ. ﴿ونَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ المَوازِينُ جَمْعُ مِيزانٍ، وهو يَدُلُّ عَلى أنَّ هُناكَ مَوازِينَ، ويُمْكِنُ أنْ يُرادَ مِيزانٌ واحِدٌ، عَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظِ الجَمْعِ، وقَدْ ورَدَ في السُّنَّةِ في صِفَةِ المِيزانِ ما فِيهِ كِفايَةٌ، وقَدْ مَضى في الأعْرافِ، وفي الكَهْفِ في هَذا ما يُغْنِي عَنِ الإعادَةِ، والقِسْطِ صِفَةٌ لِلْمَوازِينِ. قالَ الزَّجّاجُ: قِسْطٌ مَصْدَرٌ يُوصَفُ بِهِ، تَقُولُ: مِيزانُ قِسْطٍ ومَوازِينُ قِسْطٍ. والمَعْنى: ذَواتُ قِسْطٍ، والقِسْطُ العَدْلُ. وقُرِئَ ( القِصْطُ ) بِالصّادِّ والطّاءِ، ومَعْنى ﴿لِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ لِأهْلِ يَوْمِ القِيامَةِ، وقِيلَ: اللّامُ بِمَعْنى في: أيْ في يَوْمِ القِيامَةِ ﴿فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ أيْ لا يُنْقَصُ مِن إحْسانِ مُحْسِنٍ ولا يُزادُ في إساءَةِ مُسِيءٍ ﴿وإنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ﴾ قَرَأ نافِعٌ وشَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ بِرَفْعِ ( مِثْقالُ ) عَلى أنَّ كانَ تامَّةٌ، أيْ إنْ وقَعَ أوْ وجَدَ مِثْقالَ حَبَّةٍ. وقَرَأ الباقُونَ بِنَصْبِ المِثْقالِ عَلى تَقْدِيرِ: وإنْ كانَ العَمَلُ المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِوَضْعِ المَوازِينِ مِثْقالَ حَبَّةٍ، كَذا قالَ الزَّجّاجُ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: وإنْ كانَ الظُّلامَةُ مِثْقالَ حَبَّةٍ. قالَ الواحِدِيُّ: وهَذا أحْسَنُ لِتَقَدُّمِ قَوْلِهِ: فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا، ومِثْقالُ الشَّيْءِ مِيزانُهُ: أيْ وإنْ كانَ في غايَةِ الخِفَّةِ والحَقارَةِ، فَإنَّ حَبَّةَ الخَرْدَلِ مَثَلٌ في الصِّغَرِ أتَيْنا بِها قَرَأ الجُمْهُورُ بِالقَصْرِ: أيْ أحْضَرْناها وجِئْنا بِها لِلْمُجازَةِ عَلَيْها، يُقالُ آتِي يُؤاتِي مُؤاتاةً: جازى ﴿وكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ أيْ كَفى بِنا مُحْصِينَ، والحَسْبُ في الأصْلِ مَعْناهُ العَدُّ، وقِيلَ: كَفى بِنا عالِمِينَ، لِأنَّ مَن حَسَبَ شَيْئًا عَلِمَهُ وحَفِظَهُ، وقِيلَ: كَفى بِنا مُجازِينَ عَلى ما قَدَّمُوهُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ. ثُمَّ شَرَعَ سُبْحانَهُ في تَفْصِيلِ ما أجْمَلَهُ سابِقًا بِقَوْلِهِ: ﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ إلّا رِجالًا نُوحِي إلَيْهِمْ﴾ [الأنبياء: ٧] فَقالَ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ وضِياءً وذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾ المُرادُ بِالفُرْقانِ هُنا التَّوْراةُ، لِأنَّ فِيها الفَرْقَ بَيْنَ الحَلالِ والحَرامِ، وقِيلَ: الفُرْقانُ هُنا هو النَّصْرُ عَلى الأعْداءِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وما أنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الفُرْقانِ﴾ [الأنفال: ٤١] . قالَ الثَّعْلَبِيُّ: وهَذا القَوْلُ أشْبَهُ بِظاهِرِ الآيَةِ، ومَعْنى وضِياءٌ أنَّهُمُ اسْتَضاءُوا بِها في ظُلُماتِ الجَهْلِ والغِوايَةِ، ومَعْنى ( وذِكْرًا ) المَوْعِظَةُ: أيْ أنَّهم يَتَّعِظُونَ بِما فِيها، وخَصَّ المُتَّقِينَ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَنْتَفِعُونَ بِذَلِكَ. ووَصَفَهم بِقَوْلِهِ: (p-٩٣٨)﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ﴾ لِأنَّ هَذِهِ الخَشْيَةَ تُلازِمُ التَّقْوى. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ بَدَلًا مِنَ المُتَّقِينَ أوْ بَيانًا لَهُ، ومَحَلُّ بِالغَيْبِ النَّصْبُ عَلى الحالِ: أيْ يَخْشَوْنَ عَذابَهُ وهو غائِبٌ عَنْهم، أوْ هم غائِبُونَ عَنْهُ لِأنَّهم في الدُّنْيا، والعَذابُ في الآخِرَةِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ ( ضِياءً ) بِغَيْرِ واوٍ. قالَ الفَرّاءُ حُذِفَتِ الواوُ والمَجِيءُ بِها واحِدٌ، واعْتَرَضَهُ الزَّجّاجُ بِأنَّ الواوَ تَجِيءُ لِمَعْنًى فَلا تُزادُ ﴿وهم مِنَ السّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾ أيْ وهم مِنَ القِيامَةِ خائِفُونَ وجِلُونَ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وهَذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ﴾ إلى القُرْآنِ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى وهَذا القُرْآنُ ذِكْرٌ لِمَن تَذَكَّرَ بِهِ ومَوْعِظَةٌ لِمَنِ اتَّعَظَ بِهِ، والمُبارَكُ كَثِيرُ البَرَكَةِ والخَيْرِ. وقَوْلُهُ: أنْزَلْناهُ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِلذِّكْرِ، أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿أفَأنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ لِلْإنْكارِ لِما وقَعَ مِنهم مِنَ الإنْكارِ: أيْ كَيْفَ تُنْكِرُونَ كَوْنَهُ مُنَزَّلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ مَعَ اعْتِرافِكم بِأنَّ التَّوْراةَ مُنَزَّلَةٌ مِن عِنْدِهِ. ﴿ولَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ﴾ أيِ الرُّشْدَ اللّائِقَ بِهِ وبِأمْثالِهِ مِنَ الرُّسُلِ، ومَعْنى مِن قَبْلُ أنَّهُ أُعْطِيَ رُشْدَهُ قَبْلَ إيتاءِ مُوسى وهارُونَ التَّوْراةَ. وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى أعْطَيْناهُ هُداهُ مِن قَبْلِ النُّبُوَّةِ: أيْ وفَّقْناهُ لِلنَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ لَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ فَرَأى الشَّمْسَ والقَمَرَ والنَّجْمَ، وعَلى هَذا أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، وبِالأوَّلِ قالَ أقَلُّهم ﴿وكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾ أنَّهُ مَوْضِعٌ لِإيتاءِ الرُّشْدِ، وأنَّهُ يَصْلُحُ لِذَلِكَ. والظَّرْفُ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِآتَيْنا أوْ بِمَحْذُوفٍ: أيِ اذْكُرْ حِينَ قالَ: وأبُوهُ هو آزَرُ وقَوْمُهُ نَمْرُوذُ ومَنِ اتَّبَعَهُ، والتَّماثِيلُ الأصْنامُ، وأصْلُ التِّمْثالِ الشَّيْءُ المَصْنُوعُ مُشابِهًا لِشَيْءٍ مِن مَخْلُوقاتِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، يُقالُ مَثَّلْتُ الشَّيْءَ بِالشَّيْءِ: إذا جَعَلْتُهُ مُشابِهًا لَهُ، واسْمُ ذَلِكَ المُمَثَّلِ تِمْثالٌ، أنْكَرَ عَلَيْهِمْ عِبادَتَها بِقَوْلِهِ: ﴿ما هَذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أنْتُمْ لَها عاكِفُونَ﴾ والعُكُوفُ عِبارَةٌ عَنِ اللُّزُومِ والِاسْتِمْرارِ عَلى الشَّيْءِ، واللّامُ في لَها لِلِاخْتِصاصِ، ولَوْ كانَتْ لِلتَّعْدِيَةِ لَجِيءَ بِكَلِمَةِ عَلى: أيْ ما هَذِهِ الأصْنامُ الَّتِي أنْتُمْ مُقِيمُونَ عَلى عِبادَتِها ؟ وقِيلَ: إنَّ العُكُوفَ مُضَمَّنٌ مَعْنى العِبادَةِ. ﴿قالُوا وجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ﴾ أجابُوهُ بِهَذا الجَوابِ الَّذِي هو العَصا الَّتِي يَتَوَكَّأُ عَلَيْها كُلُّ عاجِزٍ، والحَبْلُ الَّذِي يَتَشَبَّثُ بِهِ كُلُّ غَرِيقٍ، وهو التَّمَسُّكُ بِمُجَرَّدِ تَقْلِيدِ الآباءِ: أيْ وجَدْنا آباءَنا يَعْبُدُونَها فَعَبَدْناها اقْتِداءً بِهِمْ ومَشْيًا عَلى طَرِيقَتِهِمْ، وهَكَذا يُجِيبُ هَؤُلاءِ المُقَلِّدَةُ مِن أهْلِ هَذِهِ المِلَّةِ الإسْلامِيَّةِ، وإنَّ العالِمَ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ إذا أنْكَرَ عَلَيْهِمُ العَمَلَ بِمَحْضِ الرَّأْيِ المَدْفُوعِ بِالدَّلِيلِ قالُوا هَذا قَدْ قالَ بِهِ إمامُنا الَّذِي وجَدْنا آباءَنا لَهُ مُقَلِّدِينَ وبِرَأْيِهِ آخِذِينَ، وجَوابُهم هو ما أجابَ بِهِ الخَلِيلُ هاهُنا. ﴿قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أنْتُمْ وآباؤُكم في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أيْ في خُسْرانٍ واضِحٍ ظاهِرٍ لا يَخْفى عَلى أحَدٍ ولا يَلْتَبِسُ عَلى ذِي عَقْلٍ، فَإنَّ قَوْمَ إبْراهِيمَ عَبَدُوا الأصْنامَ الَّتِي لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ ولا تَسْمَعُ ولا تُبْصِرُ، ولَيْسَ بَعْدَ هَذا الضَّلالِ ضَلالٌ، ولا يُساوِي هَذا الخُسْرانَ خُسْرانٌ، وهَؤُلاءِ المُقَلِّدَةُ مِن أهْلِ الإسْلامِ اسْتَبْدَلُوا بِكِتابِ اللَّهِ وبِسُنَّةِ رَسُولِهِ كِتابًا قَدْ دُوِّنَتْ فِيهِ اجْتِهاداتُ عالِمٍ مِن عُلَماءِ الإسْلامِ زَعَمَ أنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلى دَلِيلٍ يُخالِفُها، إمّا لِقُصُورٍ مِنهُ أوْ لِتَقْصِيرٍ في البَحْثِ فَوَجَدَ ذَلِكَ الدَّلِيلَ مَن وجَدَهُ وأبْرَزَهُ واضِحُ المَنارِ: ؎كَأنَّهُ عَلَمٌ في رَأْسِهِ نارٌ وقالَ هَذا كِتابُ اللَّهِ أوْ هَذِهِ سُنَّةُ رَسُولِهِ، وأنْشَدَهم: ؎دَعُوا كُلَّ قَوْلٍ عِنْدَ قَوْلِ مُحَمَّدٍ ∗∗∗ فَما آمِنٌ في دِينِهِ كَمُخاطِرِ فَقالُوا كَما قالَ الأوَّلُ: ؎ما أنا إلّا مِن غَزِيَّةَ إنْ غَوَتْ ∗∗∗ غَوَيْتُ وإنْ تُرْشَدَ غَزِيَّةُ أُرْشَدِ وقَدْ أحْسَنَ مَن قالَ: ؎يَأْبى الفَتى إلّا اتِّباعَ الهَوى ∗∗∗ ومَنهَجُ الحَقِّ لَهُ واضِحٌ ثُمَّ لَمّا سَمِعَ أُولَئِكَ مَقالَةَ الخَلِيلِ ﴿قالُوا أجِئْتَنا بِالحَقِّ أمْ أنْتَ مِنَ اللّاعِبِينَ﴾ أيْ أجادٌّ أنْتَ فِيما تَقُولُ أمْ أنْتَ لاعِبٌ مازِحٌ قالَ مُضْرِبًا عَمّا بَنَوْا عَلَيْهِ مَقالَتَهم مِنَ التَّقْلِيدِ. ﴿بَل رَبُّكم رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ﴾ أيْ خَلَقَهُنَّ وأبْدَعَهُنَّ ﴿وأنا عَلى ذَلِكم﴾ الَّذِي ذَكَرْتُهُ لَكم مِن كَوْنِ رَبِّكم هو رَبَّ السَّماواتِ والأرْضِ دُونَ ما عَداهُ مِنَ الشّاهِدِينَ أيِ العالِمِينَ بِهِ المُبَرْهِنِينَ عَلَيْهِ، فَإنَّ الشّاهِدَ عَلى الشَّيْءِ هو مَن كانَ عالِمًا بِهِ مُبَرْهِنًا عَلَيْهِ مُبَيِّنًا لَهُ. وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ في تَهْذِيبِهِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عائِشَةَ «أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ لِي مَمْلُوكِينَ يُكَذِّبُونَنِي ويَخُونُونَنِي ويَعْصُونَنِي وأضْرِبُهم وأشْتُمُهم فَكَيْفَ أنا مِنهم ؟ فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: يُحْسَبُ ما خانُوكَ وعَصَوْكَ وكَذَّبُوكَ وعِتابُكَ إيّاهم، فَإنْ كانَ عِقابُكَ إيّاهم دُونَ ذُنُوبِهِمْ كانَ فَضْلًا لَكَ، وإنْ كانَ عِقابُكَ إيّاهم بِقَدْرِ ذُنُوبِهِمْ كانَ كَفافًا لا عَلَيْكَ ولا لَكَ، وإنْ كانَ عِقابُكَ إيّاهم فَوْقَ ذُنُوبِهِمُ اقْتُصَّ لَهم مِنكَ الفَضْلُ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَبْكِي ويَهْتِفُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: أمّا تَقْرَأُ كِتابَ اللَّهِ ﴿ونَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وإنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ أتَيْنا بِها وكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ فَقالَ لَهُ الرَّجُلُ يا رَسُولَ اللَّهِ ما أجِدُ لِي ولَهم خَيْرًا مِن مُفارَقَتِهِمْ أُشْهِدُكَ أنَّهم أحْرارٌ» رَواهُ أحْمَدُ هَكَذا: حَدَّثَنا أبُو نُوحٍ الأقْرادُ، أخْبَرَنا لَيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ مالِكِ بْنِ أنَسٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عائِشَةَ فَذَكَرَهُ، وفي مَعْناهُ أحادِيثُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ ( ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ وضِياءً ) . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي صالِحٍ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ﴾ قالَ: التَّوْراةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ الفُرْقانُ الحَقُّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ ﴿وهَذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ﴾ أيِ القُرْآنُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ﴾ قالَ: هَدَيْناهُ صَغِيرًا، وفي قَوْلِهِ: ﴿ما هَذِهِ التَّماثِيلُ﴾ قالَ: الأصْنامُ.

الأنبياء 21:51

. لَمّا أبْطَلَ كَونَ الأصْنامِ نافِعَةً أضْرَبَ عَنْ ذَلِكَ مُنْتَقِلًا إلى بَيانِ أنَّ ما هم فِيهِ مِنَ الخَيْرِ والتَّمَتُّعِ بِالحَياةِ العاجِلَةِ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ، لا مِن مانِعٍ يَمْنَعُهم مِنَ الهَلاكِ، ولا مِن ناصِرٍ يَنْصُرُهم عَلى أسْبابِ التَّمَتُّعِ فَقالَ: ﴿بَلْ مَتَّعْنا هَؤُلاءِ وآباءَهم﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ مَتَّعَهُمُ اللَّهُ بِما أنْعَمَ عَلَيْهِمْ ﴿حَتّى طالَ عَلَيْهِمُ العُمُرُ﴾ فاغْتَرُّوا بِذَلِكَ وظَنُّوا أنَّهم لا يَزالُونَ كَذَلِكَ، فَرَدَّ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ قائِلًا ﴿أفَلا يَرَوْنَ﴾ أيْ أفَلا يَنْظُرُونَ فَيَرَوْنَ ﴿أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها﴾ فَنَفْتَحُها بَلَدًا بَعْدَ بَلَدٍ وأرْضًا بَعْدَ أرْضٍ، وقِيلَ: نَنْقُصُها بِالقَتْلِ والسَّبْيِ، وقَدْ مَضى في الرَّعْدِ الكَلامُ عَلى هَذا مُسْتَوْفًى، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿أفَهُمُ الغالِبُونَ﴾ لِلْإنْكارِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ كَنَظائِرِهِ: أيْ كَيْفَ يَكُونُونَ غالِبِينَ بَعْدَ نَقْصِنا لِأرْضِهِمْ مِن أطْرافِها ؟ وفي هَذا إشارَةٌ إلى أنَّ الغالِبِينَ هُمُ المُسْلِمُونَ. ﴿قُلْ إنَّما أُنْذِرُكم بِالوَحْيِ﴾ أيْ أُخَوِّفُكم وأُحَذِّرُكم بِالقُرْآنِ، وذَلِكَ شَأْنِي وما أمَرَنِي اللَّهُ بِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ولا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ﴾ إمّا مِن تَتِمَّةِ الكَلامِ الَّذِي أمَرَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَهُ لَهم، أوْ مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى. والمَعْنى: أنَّ مَن أصَمَّ اللَّهُ سَمْعَهُ وخَتَمَ عَلى قَلْبِهِ وجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً لا يَسْمَعُ الدُّعاءَ. قَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ ومُحَمَّدُ بْنُ السُّمَيْفِعِ ( ولا يُسْمَعُ ) بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ المِيمِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو حَيْوَةَ ويَحْيى بْنُ الحارِثِ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ مَضْمُومَةً وكَسْرِ المِيمِ: أيْ إنَّكَ يا مُحَمَّدُ لا تُسْمِعُ هَؤُلاءِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: ولَوْ كانَ كَما قالَ ابْنُ عامِرٍ لَكانَ إذا ما تُنْذِرُهم فَيَحْسُنُ نَظْمُ الكَلامِ، فَأمّا ﴿إذا ما يُنْذَرُونَ﴾ فَحَسَنٌ أنْ يَتَّبِعَ قِراءَةَ العامَّةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الياءِ وفَتْحِ المِيمِ ورَفْعِ الصُّمِّ عَلى أنَّهُ الفاعِلُ. ﴿ولَئِنْ مَسَّتْهم نَفْحَةٌ مِن عَذابِ رَبِّكَ﴾ المُرادُ بِالنَّفْحَةِ القَلِيلُ، مَأْخُوذٌ مِن نَفْحِ المِسْكِ قالَهُ ابْنُ كَيْسانَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وعُمْرَةٌ مِن سَرَواتِ النِّسا ءِ تَنْفَحُ بِالمِسْكِ أرْدانُها وقالَ المُبَرِّدُ: النَّفْحَةُ الدَّفْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ الَّتِي دُونَ مُعْظَمِهِ، يُقالُ نَفَحَهُ نَفْحَةً بِالسَّيْفِ إذا ضَرَبَهُ ضَرْبَةً خَفِيفَةً، وقِيلَ: هي النَّصَبُ، وقِيلَ: هي الطَّرْفُ. والمَعْنى مُتَقارِبٌ: أيْ ولَئِنْ مَسَّهم أقَلُّ شَيْءٍ مِنَ العَذابِ ﴿لَيَقُولُنَّ يا ويْلَنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ أيْ لَيَدْعُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالوَيْلِ والهَلاكِ ويَعْتَرِفُونَ عَلَيْها بِالظُّلْمِ. ﴿ونَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ المَوازِينُ جَمْعُ مِيزانٍ، وهو يَدُلُّ عَلى أنَّ هُناكَ مَوازِينَ، ويُمْكِنُ أنْ يُرادَ مِيزانٌ واحِدٌ، عَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظِ الجَمْعِ، وقَدْ ورَدَ في السُّنَّةِ في صِفَةِ المِيزانِ ما فِيهِ كِفايَةٌ، وقَدْ مَضى في الأعْرافِ، وفي الكَهْفِ في هَذا ما يُغْنِي عَنِ الإعادَةِ، والقِسْطِ صِفَةٌ لِلْمَوازِينِ. قالَ الزَّجّاجُ: قِسْطٌ مَصْدَرٌ يُوصَفُ بِهِ، تَقُولُ: مِيزانُ قِسْطٍ ومَوازِينُ قِسْطٍ. والمَعْنى: ذَواتُ قِسْطٍ، والقِسْطُ العَدْلُ. وقُرِئَ ( القِصْطُ ) بِالصّادِّ والطّاءِ، ومَعْنى ﴿لِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ لِأهْلِ يَوْمِ القِيامَةِ، وقِيلَ: اللّامُ بِمَعْنى في: أيْ في يَوْمِ القِيامَةِ ﴿فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ أيْ لا يُنْقَصُ مِن إحْسانِ مُحْسِنٍ ولا يُزادُ في إساءَةِ مُسِيءٍ ﴿وإنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ﴾ قَرَأ نافِعٌ وشَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ بِرَفْعِ ( مِثْقالُ ) عَلى أنَّ كانَ تامَّةٌ، أيْ إنْ وقَعَ أوْ وجَدَ مِثْقالَ حَبَّةٍ. وقَرَأ الباقُونَ بِنَصْبِ المِثْقالِ عَلى تَقْدِيرِ: وإنْ كانَ العَمَلُ المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِوَضْعِ المَوازِينِ مِثْقالَ حَبَّةٍ، كَذا قالَ الزَّجّاجُ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: وإنْ كانَ الظُّلامَةُ مِثْقالَ حَبَّةٍ. قالَ الواحِدِيُّ: وهَذا أحْسَنُ لِتَقَدُّمِ قَوْلِهِ: فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا، ومِثْقالُ الشَّيْءِ مِيزانُهُ: أيْ وإنْ كانَ في غايَةِ الخِفَّةِ والحَقارَةِ، فَإنَّ حَبَّةَ الخَرْدَلِ مَثَلٌ في الصِّغَرِ أتَيْنا بِها قَرَأ الجُمْهُورُ بِالقَصْرِ: أيْ أحْضَرْناها وجِئْنا بِها لِلْمُجازَةِ عَلَيْها، يُقالُ آتِي يُؤاتِي مُؤاتاةً: جازى ﴿وكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ أيْ كَفى بِنا مُحْصِينَ، والحَسْبُ في الأصْلِ مَعْناهُ العَدُّ، وقِيلَ: كَفى بِنا عالِمِينَ، لِأنَّ مَن حَسَبَ شَيْئًا عَلِمَهُ وحَفِظَهُ، وقِيلَ: كَفى بِنا مُجازِينَ عَلى ما قَدَّمُوهُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ. ثُمَّ شَرَعَ سُبْحانَهُ في تَفْصِيلِ ما أجْمَلَهُ سابِقًا بِقَوْلِهِ: ﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ إلّا رِجالًا نُوحِي إلَيْهِمْ﴾ [الأنبياء: ٧] فَقالَ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ وضِياءً وذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾ المُرادُ بِالفُرْقانِ هُنا التَّوْراةُ، لِأنَّ فِيها الفَرْقَ بَيْنَ الحَلالِ والحَرامِ، وقِيلَ: الفُرْقانُ هُنا هو النَّصْرُ عَلى الأعْداءِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وما أنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الفُرْقانِ﴾ [الأنفال: ٤١] . قالَ الثَّعْلَبِيُّ: وهَذا القَوْلُ أشْبَهُ بِظاهِرِ الآيَةِ، ومَعْنى وضِياءٌ أنَّهُمُ اسْتَضاءُوا بِها في ظُلُماتِ الجَهْلِ والغِوايَةِ، ومَعْنى ( وذِكْرًا ) المَوْعِظَةُ: أيْ أنَّهم يَتَّعِظُونَ بِما فِيها، وخَصَّ المُتَّقِينَ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَنْتَفِعُونَ بِذَلِكَ. ووَصَفَهم بِقَوْلِهِ: (p-٩٣٨)﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ﴾ لِأنَّ هَذِهِ الخَشْيَةَ تُلازِمُ التَّقْوى. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ بَدَلًا مِنَ المُتَّقِينَ أوْ بَيانًا لَهُ، ومَحَلُّ بِالغَيْبِ النَّصْبُ عَلى الحالِ: أيْ يَخْشَوْنَ عَذابَهُ وهو غائِبٌ عَنْهم، أوْ هم غائِبُونَ عَنْهُ لِأنَّهم في الدُّنْيا، والعَذابُ في الآخِرَةِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ ( ضِياءً ) بِغَيْرِ واوٍ. قالَ الفَرّاءُ حُذِفَتِ الواوُ والمَجِيءُ بِها واحِدٌ، واعْتَرَضَهُ الزَّجّاجُ بِأنَّ الواوَ تَجِيءُ لِمَعْنًى فَلا تُزادُ ﴿وهم مِنَ السّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾ أيْ وهم مِنَ القِيامَةِ خائِفُونَ وجِلُونَ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وهَذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ﴾ إلى القُرْآنِ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى وهَذا القُرْآنُ ذِكْرٌ لِمَن تَذَكَّرَ بِهِ ومَوْعِظَةٌ لِمَنِ اتَّعَظَ بِهِ، والمُبارَكُ كَثِيرُ البَرَكَةِ والخَيْرِ. وقَوْلُهُ: أنْزَلْناهُ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِلذِّكْرِ، أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿أفَأنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ لِلْإنْكارِ لِما وقَعَ مِنهم مِنَ الإنْكارِ: أيْ كَيْفَ تُنْكِرُونَ كَوْنَهُ مُنَزَّلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ مَعَ اعْتِرافِكم بِأنَّ التَّوْراةَ مُنَزَّلَةٌ مِن عِنْدِهِ. ﴿ولَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ﴾ أيِ الرُّشْدَ اللّائِقَ بِهِ وبِأمْثالِهِ مِنَ الرُّسُلِ، ومَعْنى مِن قَبْلُ أنَّهُ أُعْطِيَ رُشْدَهُ قَبْلَ إيتاءِ مُوسى وهارُونَ التَّوْراةَ. وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى أعْطَيْناهُ هُداهُ مِن قَبْلِ النُّبُوَّةِ: أيْ وفَّقْناهُ لِلنَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ لَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ فَرَأى الشَّمْسَ والقَمَرَ والنَّجْمَ، وعَلى هَذا أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، وبِالأوَّلِ قالَ أقَلُّهم ﴿وكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾ أنَّهُ مَوْضِعٌ لِإيتاءِ الرُّشْدِ، وأنَّهُ يَصْلُحُ لِذَلِكَ. والظَّرْفُ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِآتَيْنا أوْ بِمَحْذُوفٍ: أيِ اذْكُرْ حِينَ قالَ: وأبُوهُ هو آزَرُ وقَوْمُهُ نَمْرُوذُ ومَنِ اتَّبَعَهُ، والتَّماثِيلُ الأصْنامُ، وأصْلُ التِّمْثالِ الشَّيْءُ المَصْنُوعُ مُشابِهًا لِشَيْءٍ مِن مَخْلُوقاتِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، يُقالُ مَثَّلْتُ الشَّيْءَ بِالشَّيْءِ: إذا جَعَلْتُهُ مُشابِهًا لَهُ، واسْمُ ذَلِكَ المُمَثَّلِ تِمْثالٌ، أنْكَرَ عَلَيْهِمْ عِبادَتَها بِقَوْلِهِ: ﴿ما هَذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أنْتُمْ لَها عاكِفُونَ﴾ والعُكُوفُ عِبارَةٌ عَنِ اللُّزُومِ والِاسْتِمْرارِ عَلى الشَّيْءِ، واللّامُ في لَها لِلِاخْتِصاصِ، ولَوْ كانَتْ لِلتَّعْدِيَةِ لَجِيءَ بِكَلِمَةِ عَلى: أيْ ما هَذِهِ الأصْنامُ الَّتِي أنْتُمْ مُقِيمُونَ عَلى عِبادَتِها ؟ وقِيلَ: إنَّ العُكُوفَ مُضَمَّنٌ مَعْنى العِبادَةِ. ﴿قالُوا وجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ﴾ أجابُوهُ بِهَذا الجَوابِ الَّذِي هو العَصا الَّتِي يَتَوَكَّأُ عَلَيْها كُلُّ عاجِزٍ، والحَبْلُ الَّذِي يَتَشَبَّثُ بِهِ كُلُّ غَرِيقٍ، وهو التَّمَسُّكُ بِمُجَرَّدِ تَقْلِيدِ الآباءِ: أيْ وجَدْنا آباءَنا يَعْبُدُونَها فَعَبَدْناها اقْتِداءً بِهِمْ ومَشْيًا عَلى طَرِيقَتِهِمْ، وهَكَذا يُجِيبُ هَؤُلاءِ المُقَلِّدَةُ مِن أهْلِ هَذِهِ المِلَّةِ الإسْلامِيَّةِ، وإنَّ العالِمَ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ إذا أنْكَرَ عَلَيْهِمُ العَمَلَ بِمَحْضِ الرَّأْيِ المَدْفُوعِ بِالدَّلِيلِ قالُوا هَذا قَدْ قالَ بِهِ إمامُنا الَّذِي وجَدْنا آباءَنا لَهُ مُقَلِّدِينَ وبِرَأْيِهِ آخِذِينَ، وجَوابُهم هو ما أجابَ بِهِ الخَلِيلُ هاهُنا. ﴿قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أنْتُمْ وآباؤُكم في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أيْ في خُسْرانٍ واضِحٍ ظاهِرٍ لا يَخْفى عَلى أحَدٍ ولا يَلْتَبِسُ عَلى ذِي عَقْلٍ، فَإنَّ قَوْمَ إبْراهِيمَ عَبَدُوا الأصْنامَ الَّتِي لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ ولا تَسْمَعُ ولا تُبْصِرُ، ولَيْسَ بَعْدَ هَذا الضَّلالِ ضَلالٌ، ولا يُساوِي هَذا الخُسْرانَ خُسْرانٌ، وهَؤُلاءِ المُقَلِّدَةُ مِن أهْلِ الإسْلامِ اسْتَبْدَلُوا بِكِتابِ اللَّهِ وبِسُنَّةِ رَسُولِهِ كِتابًا قَدْ دُوِّنَتْ فِيهِ اجْتِهاداتُ عالِمٍ مِن عُلَماءِ الإسْلامِ زَعَمَ أنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلى دَلِيلٍ يُخالِفُها، إمّا لِقُصُورٍ مِنهُ أوْ لِتَقْصِيرٍ في البَحْثِ فَوَجَدَ ذَلِكَ الدَّلِيلَ مَن وجَدَهُ وأبْرَزَهُ واضِحُ المَنارِ: ؎كَأنَّهُ عَلَمٌ في رَأْسِهِ نارٌ وقالَ هَذا كِتابُ اللَّهِ أوْ هَذِهِ سُنَّةُ رَسُولِهِ، وأنْشَدَهم: ؎دَعُوا كُلَّ قَوْلٍ عِنْدَ قَوْلِ مُحَمَّدٍ ∗∗∗ فَما آمِنٌ في دِينِهِ كَمُخاطِرِ فَقالُوا كَما قالَ الأوَّلُ: ؎ما أنا إلّا مِن غَزِيَّةَ إنْ غَوَتْ ∗∗∗ غَوَيْتُ وإنْ تُرْشَدَ غَزِيَّةُ أُرْشَدِ وقَدْ أحْسَنَ مَن قالَ: ؎يَأْبى الفَتى إلّا اتِّباعَ الهَوى ∗∗∗ ومَنهَجُ الحَقِّ لَهُ واضِحٌ ثُمَّ لَمّا سَمِعَ أُولَئِكَ مَقالَةَ الخَلِيلِ ﴿قالُوا أجِئْتَنا بِالحَقِّ أمْ أنْتَ مِنَ اللّاعِبِينَ﴾ أيْ أجادٌّ أنْتَ فِيما تَقُولُ أمْ أنْتَ لاعِبٌ مازِحٌ قالَ مُضْرِبًا عَمّا بَنَوْا عَلَيْهِ مَقالَتَهم مِنَ التَّقْلِيدِ. ﴿بَل رَبُّكم رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ﴾ أيْ خَلَقَهُنَّ وأبْدَعَهُنَّ ﴿وأنا عَلى ذَلِكم﴾ الَّذِي ذَكَرْتُهُ لَكم مِن كَوْنِ رَبِّكم هو رَبَّ السَّماواتِ والأرْضِ دُونَ ما عَداهُ مِنَ الشّاهِدِينَ أيِ العالِمِينَ بِهِ المُبَرْهِنِينَ عَلَيْهِ، فَإنَّ الشّاهِدَ عَلى الشَّيْءِ هو مَن كانَ عالِمًا بِهِ مُبَرْهِنًا عَلَيْهِ مُبَيِّنًا لَهُ. وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ في تَهْذِيبِهِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عائِشَةَ «أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ لِي مَمْلُوكِينَ يُكَذِّبُونَنِي ويَخُونُونَنِي ويَعْصُونَنِي وأضْرِبُهم وأشْتُمُهم فَكَيْفَ أنا مِنهم ؟ فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: يُحْسَبُ ما خانُوكَ وعَصَوْكَ وكَذَّبُوكَ وعِتابُكَ إيّاهم، فَإنْ كانَ عِقابُكَ إيّاهم دُونَ ذُنُوبِهِمْ كانَ فَضْلًا لَكَ، وإنْ كانَ عِقابُكَ إيّاهم بِقَدْرِ ذُنُوبِهِمْ كانَ كَفافًا لا عَلَيْكَ ولا لَكَ، وإنْ كانَ عِقابُكَ إيّاهم فَوْقَ ذُنُوبِهِمُ اقْتُصَّ لَهم مِنكَ الفَضْلُ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَبْكِي ويَهْتِفُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: أمّا تَقْرَأُ كِتابَ اللَّهِ ﴿ونَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وإنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ أتَيْنا بِها وكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ فَقالَ لَهُ الرَّجُلُ يا رَسُولَ اللَّهِ ما أجِدُ لِي ولَهم خَيْرًا مِن مُفارَقَتِهِمْ أُشْهِدُكَ أنَّهم أحْرارٌ» رَواهُ أحْمَدُ هَكَذا: حَدَّثَنا أبُو نُوحٍ الأقْرادُ، أخْبَرَنا لَيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ مالِكِ بْنِ أنَسٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عائِشَةَ فَذَكَرَهُ، وفي مَعْناهُ أحادِيثُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ ( ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ وضِياءً ) . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي صالِحٍ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ﴾ قالَ: التَّوْراةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ الفُرْقانُ الحَقُّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ ﴿وهَذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ﴾ أيِ القُرْآنُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ﴾ قالَ: هَدَيْناهُ صَغِيرًا، وفي قَوْلِهِ: ﴿ما هَذِهِ التَّماثِيلُ﴾ قالَ: الأصْنامُ.

الأنبياء 21:52

. لَمّا أبْطَلَ كَونَ الأصْنامِ نافِعَةً أضْرَبَ عَنْ ذَلِكَ مُنْتَقِلًا إلى بَيانِ أنَّ ما هم فِيهِ مِنَ الخَيْرِ والتَّمَتُّعِ بِالحَياةِ العاجِلَةِ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ، لا مِن مانِعٍ يَمْنَعُهم مِنَ الهَلاكِ، ولا مِن ناصِرٍ يَنْصُرُهم عَلى أسْبابِ التَّمَتُّعِ فَقالَ: ﴿بَلْ مَتَّعْنا هَؤُلاءِ وآباءَهم﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ مَتَّعَهُمُ اللَّهُ بِما أنْعَمَ عَلَيْهِمْ ﴿حَتّى طالَ عَلَيْهِمُ العُمُرُ﴾ فاغْتَرُّوا بِذَلِكَ وظَنُّوا أنَّهم لا يَزالُونَ كَذَلِكَ، فَرَدَّ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ قائِلًا ﴿أفَلا يَرَوْنَ﴾ أيْ أفَلا يَنْظُرُونَ فَيَرَوْنَ ﴿أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها﴾ فَنَفْتَحُها بَلَدًا بَعْدَ بَلَدٍ وأرْضًا بَعْدَ أرْضٍ، وقِيلَ: نَنْقُصُها بِالقَتْلِ والسَّبْيِ، وقَدْ مَضى في الرَّعْدِ الكَلامُ عَلى هَذا مُسْتَوْفًى، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿أفَهُمُ الغالِبُونَ﴾ لِلْإنْكارِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ كَنَظائِرِهِ: أيْ كَيْفَ يَكُونُونَ غالِبِينَ بَعْدَ نَقْصِنا لِأرْضِهِمْ مِن أطْرافِها ؟ وفي هَذا إشارَةٌ إلى أنَّ الغالِبِينَ هُمُ المُسْلِمُونَ. ﴿قُلْ إنَّما أُنْذِرُكم بِالوَحْيِ﴾ أيْ أُخَوِّفُكم وأُحَذِّرُكم بِالقُرْآنِ، وذَلِكَ شَأْنِي وما أمَرَنِي اللَّهُ بِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ولا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ﴾ إمّا مِن تَتِمَّةِ الكَلامِ الَّذِي أمَرَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَهُ لَهم، أوْ مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى. والمَعْنى: أنَّ مَن أصَمَّ اللَّهُ سَمْعَهُ وخَتَمَ عَلى قَلْبِهِ وجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً لا يَسْمَعُ الدُّعاءَ. قَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ ومُحَمَّدُ بْنُ السُّمَيْفِعِ ( ولا يُسْمَعُ ) بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ المِيمِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو حَيْوَةَ ويَحْيى بْنُ الحارِثِ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ مَضْمُومَةً وكَسْرِ المِيمِ: أيْ إنَّكَ يا مُحَمَّدُ لا تُسْمِعُ هَؤُلاءِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: ولَوْ كانَ كَما قالَ ابْنُ عامِرٍ لَكانَ إذا ما تُنْذِرُهم فَيَحْسُنُ نَظْمُ الكَلامِ، فَأمّا ﴿إذا ما يُنْذَرُونَ﴾ فَحَسَنٌ أنْ يَتَّبِعَ قِراءَةَ العامَّةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الياءِ وفَتْحِ المِيمِ ورَفْعِ الصُّمِّ عَلى أنَّهُ الفاعِلُ. ﴿ولَئِنْ مَسَّتْهم نَفْحَةٌ مِن عَذابِ رَبِّكَ﴾ المُرادُ بِالنَّفْحَةِ القَلِيلُ، مَأْخُوذٌ مِن نَفْحِ المِسْكِ قالَهُ ابْنُ كَيْسانَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وعُمْرَةٌ مِن سَرَواتِ النِّسا ءِ تَنْفَحُ بِالمِسْكِ أرْدانُها وقالَ المُبَرِّدُ: النَّفْحَةُ الدَّفْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ الَّتِي دُونَ مُعْظَمِهِ، يُقالُ نَفَحَهُ نَفْحَةً بِالسَّيْفِ إذا ضَرَبَهُ ضَرْبَةً خَفِيفَةً، وقِيلَ: هي النَّصَبُ، وقِيلَ: هي الطَّرْفُ. والمَعْنى مُتَقارِبٌ: أيْ ولَئِنْ مَسَّهم أقَلُّ شَيْءٍ مِنَ العَذابِ ﴿لَيَقُولُنَّ يا ويْلَنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ أيْ لَيَدْعُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالوَيْلِ والهَلاكِ ويَعْتَرِفُونَ عَلَيْها بِالظُّلْمِ. ﴿ونَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ المَوازِينُ جَمْعُ مِيزانٍ، وهو يَدُلُّ عَلى أنَّ هُناكَ مَوازِينَ، ويُمْكِنُ أنْ يُرادَ مِيزانٌ واحِدٌ، عَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظِ الجَمْعِ، وقَدْ ورَدَ في السُّنَّةِ في صِفَةِ المِيزانِ ما فِيهِ كِفايَةٌ، وقَدْ مَضى في الأعْرافِ، وفي الكَهْفِ في هَذا ما يُغْنِي عَنِ الإعادَةِ، والقِسْطِ صِفَةٌ لِلْمَوازِينِ. قالَ الزَّجّاجُ: قِسْطٌ مَصْدَرٌ يُوصَفُ بِهِ، تَقُولُ: مِيزانُ قِسْطٍ ومَوازِينُ قِسْطٍ. والمَعْنى: ذَواتُ قِسْطٍ، والقِسْطُ العَدْلُ. وقُرِئَ ( القِصْطُ ) بِالصّادِّ والطّاءِ، ومَعْنى ﴿لِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ لِأهْلِ يَوْمِ القِيامَةِ، وقِيلَ: اللّامُ بِمَعْنى في: أيْ في يَوْمِ القِيامَةِ ﴿فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ أيْ لا يُنْقَصُ مِن إحْسانِ مُحْسِنٍ ولا يُزادُ في إساءَةِ مُسِيءٍ ﴿وإنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ﴾ قَرَأ نافِعٌ وشَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ بِرَفْعِ ( مِثْقالُ ) عَلى أنَّ كانَ تامَّةٌ، أيْ إنْ وقَعَ أوْ وجَدَ مِثْقالَ حَبَّةٍ. وقَرَأ الباقُونَ بِنَصْبِ المِثْقالِ عَلى تَقْدِيرِ: وإنْ كانَ العَمَلُ المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِوَضْعِ المَوازِينِ مِثْقالَ حَبَّةٍ، كَذا قالَ الزَّجّاجُ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: وإنْ كانَ الظُّلامَةُ مِثْقالَ حَبَّةٍ. قالَ الواحِدِيُّ: وهَذا أحْسَنُ لِتَقَدُّمِ قَوْلِهِ: فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا، ومِثْقالُ الشَّيْءِ مِيزانُهُ: أيْ وإنْ كانَ في غايَةِ الخِفَّةِ والحَقارَةِ، فَإنَّ حَبَّةَ الخَرْدَلِ مَثَلٌ في الصِّغَرِ أتَيْنا بِها قَرَأ الجُمْهُورُ بِالقَصْرِ: أيْ أحْضَرْناها وجِئْنا بِها لِلْمُجازَةِ عَلَيْها، يُقالُ آتِي يُؤاتِي مُؤاتاةً: جازى ﴿وكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ أيْ كَفى بِنا مُحْصِينَ، والحَسْبُ في الأصْلِ مَعْناهُ العَدُّ، وقِيلَ: كَفى بِنا عالِمِينَ، لِأنَّ مَن حَسَبَ شَيْئًا عَلِمَهُ وحَفِظَهُ، وقِيلَ: كَفى بِنا مُجازِينَ عَلى ما قَدَّمُوهُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ. ثُمَّ شَرَعَ سُبْحانَهُ في تَفْصِيلِ ما أجْمَلَهُ سابِقًا بِقَوْلِهِ: ﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ إلّا رِجالًا نُوحِي إلَيْهِمْ﴾ [الأنبياء: ٧] فَقالَ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ وضِياءً وذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾ المُرادُ بِالفُرْقانِ هُنا التَّوْراةُ، لِأنَّ فِيها الفَرْقَ بَيْنَ الحَلالِ والحَرامِ، وقِيلَ: الفُرْقانُ هُنا هو النَّصْرُ عَلى الأعْداءِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وما أنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الفُرْقانِ﴾ [الأنفال: ٤١] . قالَ الثَّعْلَبِيُّ: وهَذا القَوْلُ أشْبَهُ بِظاهِرِ الآيَةِ، ومَعْنى وضِياءٌ أنَّهُمُ اسْتَضاءُوا بِها في ظُلُماتِ الجَهْلِ والغِوايَةِ، ومَعْنى ( وذِكْرًا ) المَوْعِظَةُ: أيْ أنَّهم يَتَّعِظُونَ بِما فِيها، وخَصَّ المُتَّقِينَ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَنْتَفِعُونَ بِذَلِكَ. ووَصَفَهم بِقَوْلِهِ: (p-٩٣٨)﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ﴾ لِأنَّ هَذِهِ الخَشْيَةَ تُلازِمُ التَّقْوى. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ بَدَلًا مِنَ المُتَّقِينَ أوْ بَيانًا لَهُ، ومَحَلُّ بِالغَيْبِ النَّصْبُ عَلى الحالِ: أيْ يَخْشَوْنَ عَذابَهُ وهو غائِبٌ عَنْهم، أوْ هم غائِبُونَ عَنْهُ لِأنَّهم في الدُّنْيا، والعَذابُ في الآخِرَةِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ ( ضِياءً ) بِغَيْرِ واوٍ. قالَ الفَرّاءُ حُذِفَتِ الواوُ والمَجِيءُ بِها واحِدٌ، واعْتَرَضَهُ الزَّجّاجُ بِأنَّ الواوَ تَجِيءُ لِمَعْنًى فَلا تُزادُ ﴿وهم مِنَ السّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾ أيْ وهم مِنَ القِيامَةِ خائِفُونَ وجِلُونَ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وهَذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ﴾ إلى القُرْآنِ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى وهَذا القُرْآنُ ذِكْرٌ لِمَن تَذَكَّرَ بِهِ ومَوْعِظَةٌ لِمَنِ اتَّعَظَ بِهِ، والمُبارَكُ كَثِيرُ البَرَكَةِ والخَيْرِ. وقَوْلُهُ: أنْزَلْناهُ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِلذِّكْرِ، أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿أفَأنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ لِلْإنْكارِ لِما وقَعَ مِنهم مِنَ الإنْكارِ: أيْ كَيْفَ تُنْكِرُونَ كَوْنَهُ مُنَزَّلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ مَعَ اعْتِرافِكم بِأنَّ التَّوْراةَ مُنَزَّلَةٌ مِن عِنْدِهِ. ﴿ولَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ﴾ أيِ الرُّشْدَ اللّائِقَ بِهِ وبِأمْثالِهِ مِنَ الرُّسُلِ، ومَعْنى مِن قَبْلُ أنَّهُ أُعْطِيَ رُشْدَهُ قَبْلَ إيتاءِ مُوسى وهارُونَ التَّوْراةَ. وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى أعْطَيْناهُ هُداهُ مِن قَبْلِ النُّبُوَّةِ: أيْ وفَّقْناهُ لِلنَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ لَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ فَرَأى الشَّمْسَ والقَمَرَ والنَّجْمَ، وعَلى هَذا أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، وبِالأوَّلِ قالَ أقَلُّهم ﴿وكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾ أنَّهُ مَوْضِعٌ لِإيتاءِ الرُّشْدِ، وأنَّهُ يَصْلُحُ لِذَلِكَ. والظَّرْفُ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِآتَيْنا أوْ بِمَحْذُوفٍ: أيِ اذْكُرْ حِينَ قالَ: وأبُوهُ هو آزَرُ وقَوْمُهُ نَمْرُوذُ ومَنِ اتَّبَعَهُ، والتَّماثِيلُ الأصْنامُ، وأصْلُ التِّمْثالِ الشَّيْءُ المَصْنُوعُ مُشابِهًا لِشَيْءٍ مِن مَخْلُوقاتِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، يُقالُ مَثَّلْتُ الشَّيْءَ بِالشَّيْءِ: إذا جَعَلْتُهُ مُشابِهًا لَهُ، واسْمُ ذَلِكَ المُمَثَّلِ تِمْثالٌ، أنْكَرَ عَلَيْهِمْ عِبادَتَها بِقَوْلِهِ: ﴿ما هَذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أنْتُمْ لَها عاكِفُونَ﴾ والعُكُوفُ عِبارَةٌ عَنِ اللُّزُومِ والِاسْتِمْرارِ عَلى الشَّيْءِ، واللّامُ في لَها لِلِاخْتِصاصِ، ولَوْ كانَتْ لِلتَّعْدِيَةِ لَجِيءَ بِكَلِمَةِ عَلى: أيْ ما هَذِهِ الأصْنامُ الَّتِي أنْتُمْ مُقِيمُونَ عَلى عِبادَتِها ؟ وقِيلَ: إنَّ العُكُوفَ مُضَمَّنٌ مَعْنى العِبادَةِ. ﴿قالُوا وجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ﴾ أجابُوهُ بِهَذا الجَوابِ الَّذِي هو العَصا الَّتِي يَتَوَكَّأُ عَلَيْها كُلُّ عاجِزٍ، والحَبْلُ الَّذِي يَتَشَبَّثُ بِهِ كُلُّ غَرِيقٍ، وهو التَّمَسُّكُ بِمُجَرَّدِ تَقْلِيدِ الآباءِ: أيْ وجَدْنا آباءَنا يَعْبُدُونَها فَعَبَدْناها اقْتِداءً بِهِمْ ومَشْيًا عَلى طَرِيقَتِهِمْ، وهَكَذا يُجِيبُ هَؤُلاءِ المُقَلِّدَةُ مِن أهْلِ هَذِهِ المِلَّةِ الإسْلامِيَّةِ، وإنَّ العالِمَ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ إذا أنْكَرَ عَلَيْهِمُ العَمَلَ بِمَحْضِ الرَّأْيِ المَدْفُوعِ بِالدَّلِيلِ قالُوا هَذا قَدْ قالَ بِهِ إمامُنا الَّذِي وجَدْنا آباءَنا لَهُ مُقَلِّدِينَ وبِرَأْيِهِ آخِذِينَ، وجَوابُهم هو ما أجابَ بِهِ الخَلِيلُ هاهُنا. ﴿قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أنْتُمْ وآباؤُكم في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أيْ في خُسْرانٍ واضِحٍ ظاهِرٍ لا يَخْفى عَلى أحَدٍ ولا يَلْتَبِسُ عَلى ذِي عَقْلٍ، فَإنَّ قَوْمَ إبْراهِيمَ عَبَدُوا الأصْنامَ الَّتِي لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ ولا تَسْمَعُ ولا تُبْصِرُ، ولَيْسَ بَعْدَ هَذا الضَّلالِ ضَلالٌ، ولا يُساوِي هَذا الخُسْرانَ خُسْرانٌ، وهَؤُلاءِ المُقَلِّدَةُ مِن أهْلِ الإسْلامِ اسْتَبْدَلُوا بِكِتابِ اللَّهِ وبِسُنَّةِ رَسُولِهِ كِتابًا قَدْ دُوِّنَتْ فِيهِ اجْتِهاداتُ عالِمٍ مِن عُلَماءِ الإسْلامِ زَعَمَ أنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلى دَلِيلٍ يُخالِفُها، إمّا لِقُصُورٍ مِنهُ أوْ لِتَقْصِيرٍ في البَحْثِ فَوَجَدَ ذَلِكَ الدَّلِيلَ مَن وجَدَهُ وأبْرَزَهُ واضِحُ المَنارِ: ؎كَأنَّهُ عَلَمٌ في رَأْسِهِ نارٌ وقالَ هَذا كِتابُ اللَّهِ أوْ هَذِهِ سُنَّةُ رَسُولِهِ، وأنْشَدَهم: ؎دَعُوا كُلَّ قَوْلٍ عِنْدَ قَوْلِ مُحَمَّدٍ ∗∗∗ فَما آمِنٌ في دِينِهِ كَمُخاطِرِ فَقالُوا كَما قالَ الأوَّلُ: ؎ما أنا إلّا مِن غَزِيَّةَ إنْ غَوَتْ ∗∗∗ غَوَيْتُ وإنْ تُرْشَدَ غَزِيَّةُ أُرْشَدِ وقَدْ أحْسَنَ مَن قالَ: ؎يَأْبى الفَتى إلّا اتِّباعَ الهَوى ∗∗∗ ومَنهَجُ الحَقِّ لَهُ واضِحٌ ثُمَّ لَمّا سَمِعَ أُولَئِكَ مَقالَةَ الخَلِيلِ ﴿قالُوا أجِئْتَنا بِالحَقِّ أمْ أنْتَ مِنَ اللّاعِبِينَ﴾ أيْ أجادٌّ أنْتَ فِيما تَقُولُ أمْ أنْتَ لاعِبٌ مازِحٌ قالَ مُضْرِبًا عَمّا بَنَوْا عَلَيْهِ مَقالَتَهم مِنَ التَّقْلِيدِ. ﴿بَل رَبُّكم رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ﴾ أيْ خَلَقَهُنَّ وأبْدَعَهُنَّ ﴿وأنا عَلى ذَلِكم﴾ الَّذِي ذَكَرْتُهُ لَكم مِن كَوْنِ رَبِّكم هو رَبَّ السَّماواتِ والأرْضِ دُونَ ما عَداهُ مِنَ الشّاهِدِينَ أيِ العالِمِينَ بِهِ المُبَرْهِنِينَ عَلَيْهِ، فَإنَّ الشّاهِدَ عَلى الشَّيْءِ هو مَن كانَ عالِمًا بِهِ مُبَرْهِنًا عَلَيْهِ مُبَيِّنًا لَهُ. وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ في تَهْذِيبِهِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عائِشَةَ «أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ لِي مَمْلُوكِينَ يُكَذِّبُونَنِي ويَخُونُونَنِي ويَعْصُونَنِي وأضْرِبُهم وأشْتُمُهم فَكَيْفَ أنا مِنهم ؟ فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: يُحْسَبُ ما خانُوكَ وعَصَوْكَ وكَذَّبُوكَ وعِتابُكَ إيّاهم، فَإنْ كانَ عِقابُكَ إيّاهم دُونَ ذُنُوبِهِمْ كانَ فَضْلًا لَكَ، وإنْ كانَ عِقابُكَ إيّاهم بِقَدْرِ ذُنُوبِهِمْ كانَ كَفافًا لا عَلَيْكَ ولا لَكَ، وإنْ كانَ عِقابُكَ إيّاهم فَوْقَ ذُنُوبِهِمُ اقْتُصَّ لَهم مِنكَ الفَضْلُ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَبْكِي ويَهْتِفُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: أمّا تَقْرَأُ كِتابَ اللَّهِ ﴿ونَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وإنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ أتَيْنا بِها وكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ فَقالَ لَهُ الرَّجُلُ يا رَسُولَ اللَّهِ ما أجِدُ لِي ولَهم خَيْرًا مِن مُفارَقَتِهِمْ أُشْهِدُكَ أنَّهم أحْرارٌ» رَواهُ أحْمَدُ هَكَذا: حَدَّثَنا أبُو نُوحٍ الأقْرادُ، أخْبَرَنا لَيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ مالِكِ بْنِ أنَسٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عائِشَةَ فَذَكَرَهُ، وفي مَعْناهُ أحادِيثُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ ( ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ وضِياءً ) . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي صالِحٍ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ﴾ قالَ: التَّوْراةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ الفُرْقانُ الحَقُّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ ﴿وهَذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ﴾ أيِ القُرْآنُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ﴾ قالَ: هَدَيْناهُ صَغِيرًا، وفي قَوْلِهِ: ﴿ما هَذِهِ التَّماثِيلُ﴾ قالَ: الأصْنامُ.

الأنبياء 21:53

. لَمّا أبْطَلَ كَونَ الأصْنامِ نافِعَةً أضْرَبَ عَنْ ذَلِكَ مُنْتَقِلًا إلى بَيانِ أنَّ ما هم فِيهِ مِنَ الخَيْرِ والتَّمَتُّعِ بِالحَياةِ العاجِلَةِ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ، لا مِن مانِعٍ يَمْنَعُهم مِنَ الهَلاكِ، ولا مِن ناصِرٍ يَنْصُرُهم عَلى أسْبابِ التَّمَتُّعِ فَقالَ: ﴿بَلْ مَتَّعْنا هَؤُلاءِ وآباءَهم﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ مَتَّعَهُمُ اللَّهُ بِما أنْعَمَ عَلَيْهِمْ ﴿حَتّى طالَ عَلَيْهِمُ العُمُرُ﴾ فاغْتَرُّوا بِذَلِكَ وظَنُّوا أنَّهم لا يَزالُونَ كَذَلِكَ، فَرَدَّ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ قائِلًا ﴿أفَلا يَرَوْنَ﴾ أيْ أفَلا يَنْظُرُونَ فَيَرَوْنَ ﴿أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها﴾ فَنَفْتَحُها بَلَدًا بَعْدَ بَلَدٍ وأرْضًا بَعْدَ أرْضٍ، وقِيلَ: نَنْقُصُها بِالقَتْلِ والسَّبْيِ، وقَدْ مَضى في الرَّعْدِ الكَلامُ عَلى هَذا مُسْتَوْفًى، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿أفَهُمُ الغالِبُونَ﴾ لِلْإنْكارِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ كَنَظائِرِهِ: أيْ كَيْفَ يَكُونُونَ غالِبِينَ بَعْدَ نَقْصِنا لِأرْضِهِمْ مِن أطْرافِها ؟ وفي هَذا إشارَةٌ إلى أنَّ الغالِبِينَ هُمُ المُسْلِمُونَ. ﴿قُلْ إنَّما أُنْذِرُكم بِالوَحْيِ﴾ أيْ أُخَوِّفُكم وأُحَذِّرُكم بِالقُرْآنِ، وذَلِكَ شَأْنِي وما أمَرَنِي اللَّهُ بِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ولا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ﴾ إمّا مِن تَتِمَّةِ الكَلامِ الَّذِي أمَرَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَهُ لَهم، أوْ مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى. والمَعْنى: أنَّ مَن أصَمَّ اللَّهُ سَمْعَهُ وخَتَمَ عَلى قَلْبِهِ وجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً لا يَسْمَعُ الدُّعاءَ. قَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ ومُحَمَّدُ بْنُ السُّمَيْفِعِ ( ولا يُسْمَعُ ) بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ المِيمِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو حَيْوَةَ ويَحْيى بْنُ الحارِثِ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ مَضْمُومَةً وكَسْرِ المِيمِ: أيْ إنَّكَ يا مُحَمَّدُ لا تُسْمِعُ هَؤُلاءِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: ولَوْ كانَ كَما قالَ ابْنُ عامِرٍ لَكانَ إذا ما تُنْذِرُهم فَيَحْسُنُ نَظْمُ الكَلامِ، فَأمّا ﴿إذا ما يُنْذَرُونَ﴾ فَحَسَنٌ أنْ يَتَّبِعَ قِراءَةَ العامَّةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الياءِ وفَتْحِ المِيمِ ورَفْعِ الصُّمِّ عَلى أنَّهُ الفاعِلُ. ﴿ولَئِنْ مَسَّتْهم نَفْحَةٌ مِن عَذابِ رَبِّكَ﴾ المُرادُ بِالنَّفْحَةِ القَلِيلُ، مَأْخُوذٌ مِن نَفْحِ المِسْكِ قالَهُ ابْنُ كَيْسانَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وعُمْرَةٌ مِن سَرَواتِ النِّسا ءِ تَنْفَحُ بِالمِسْكِ أرْدانُها وقالَ المُبَرِّدُ: النَّفْحَةُ الدَّفْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ الَّتِي دُونَ مُعْظَمِهِ، يُقالُ نَفَحَهُ نَفْحَةً بِالسَّيْفِ إذا ضَرَبَهُ ضَرْبَةً خَفِيفَةً، وقِيلَ: هي النَّصَبُ، وقِيلَ: هي الطَّرْفُ. والمَعْنى مُتَقارِبٌ: أيْ ولَئِنْ مَسَّهم أقَلُّ شَيْءٍ مِنَ العَذابِ ﴿لَيَقُولُنَّ يا ويْلَنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ أيْ لَيَدْعُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالوَيْلِ والهَلاكِ ويَعْتَرِفُونَ عَلَيْها بِالظُّلْمِ. ﴿ونَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ المَوازِينُ جَمْعُ مِيزانٍ، وهو يَدُلُّ عَلى أنَّ هُناكَ مَوازِينَ، ويُمْكِنُ أنْ يُرادَ مِيزانٌ واحِدٌ، عَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظِ الجَمْعِ، وقَدْ ورَدَ في السُّنَّةِ في صِفَةِ المِيزانِ ما فِيهِ كِفايَةٌ، وقَدْ مَضى في الأعْرافِ، وفي الكَهْفِ في هَذا ما يُغْنِي عَنِ الإعادَةِ، والقِسْطِ صِفَةٌ لِلْمَوازِينِ. قالَ الزَّجّاجُ: قِسْطٌ مَصْدَرٌ يُوصَفُ بِهِ، تَقُولُ: مِيزانُ قِسْطٍ ومَوازِينُ قِسْطٍ. والمَعْنى: ذَواتُ قِسْطٍ، والقِسْطُ العَدْلُ. وقُرِئَ ( القِصْطُ ) بِالصّادِّ والطّاءِ، ومَعْنى ﴿لِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ لِأهْلِ يَوْمِ القِيامَةِ، وقِيلَ: اللّامُ بِمَعْنى في: أيْ في يَوْمِ القِيامَةِ ﴿فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ أيْ لا يُنْقَصُ مِن إحْسانِ مُحْسِنٍ ولا يُزادُ في إساءَةِ مُسِيءٍ ﴿وإنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ﴾ قَرَأ نافِعٌ وشَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ بِرَفْعِ ( مِثْقالُ ) عَلى أنَّ كانَ تامَّةٌ، أيْ إنْ وقَعَ أوْ وجَدَ مِثْقالَ حَبَّةٍ. وقَرَأ الباقُونَ بِنَصْبِ المِثْقالِ عَلى تَقْدِيرِ: وإنْ كانَ العَمَلُ المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِوَضْعِ المَوازِينِ مِثْقالَ حَبَّةٍ، كَذا قالَ الزَّجّاجُ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: وإنْ كانَ الظُّلامَةُ مِثْقالَ حَبَّةٍ. قالَ الواحِدِيُّ: وهَذا أحْسَنُ لِتَقَدُّمِ قَوْلِهِ: فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا، ومِثْقالُ الشَّيْءِ مِيزانُهُ: أيْ وإنْ كانَ في غايَةِ الخِفَّةِ والحَقارَةِ، فَإنَّ حَبَّةَ الخَرْدَلِ مَثَلٌ في الصِّغَرِ أتَيْنا بِها قَرَأ الجُمْهُورُ بِالقَصْرِ: أيْ أحْضَرْناها وجِئْنا بِها لِلْمُجازَةِ عَلَيْها، يُقالُ آتِي يُؤاتِي مُؤاتاةً: جازى ﴿وكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ أيْ كَفى بِنا مُحْصِينَ، والحَسْبُ في الأصْلِ مَعْناهُ العَدُّ، وقِيلَ: كَفى بِنا عالِمِينَ، لِأنَّ مَن حَسَبَ شَيْئًا عَلِمَهُ وحَفِظَهُ، وقِيلَ: كَفى بِنا مُجازِينَ عَلى ما قَدَّمُوهُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ. ثُمَّ شَرَعَ سُبْحانَهُ في تَفْصِيلِ ما أجْمَلَهُ سابِقًا بِقَوْلِهِ: ﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ إلّا رِجالًا نُوحِي إلَيْهِمْ﴾ [الأنبياء: ٧] فَقالَ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ وضِياءً وذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾ المُرادُ بِالفُرْقانِ هُنا التَّوْراةُ، لِأنَّ فِيها الفَرْقَ بَيْنَ الحَلالِ والحَرامِ، وقِيلَ: الفُرْقانُ هُنا هو النَّصْرُ عَلى الأعْداءِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وما أنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الفُرْقانِ﴾ [الأنفال: ٤١] . قالَ الثَّعْلَبِيُّ: وهَذا القَوْلُ أشْبَهُ بِظاهِرِ الآيَةِ، ومَعْنى وضِياءٌ أنَّهُمُ اسْتَضاءُوا بِها في ظُلُماتِ الجَهْلِ والغِوايَةِ، ومَعْنى ( وذِكْرًا ) المَوْعِظَةُ: أيْ أنَّهم يَتَّعِظُونَ بِما فِيها، وخَصَّ المُتَّقِينَ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَنْتَفِعُونَ بِذَلِكَ. ووَصَفَهم بِقَوْلِهِ: (p-٩٣٨)﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ﴾ لِأنَّ هَذِهِ الخَشْيَةَ تُلازِمُ التَّقْوى. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ بَدَلًا مِنَ المُتَّقِينَ أوْ بَيانًا لَهُ، ومَحَلُّ بِالغَيْبِ النَّصْبُ عَلى الحالِ: أيْ يَخْشَوْنَ عَذابَهُ وهو غائِبٌ عَنْهم، أوْ هم غائِبُونَ عَنْهُ لِأنَّهم في الدُّنْيا، والعَذابُ في الآخِرَةِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ ( ضِياءً ) بِغَيْرِ واوٍ. قالَ الفَرّاءُ حُذِفَتِ الواوُ والمَجِيءُ بِها واحِدٌ، واعْتَرَضَهُ الزَّجّاجُ بِأنَّ الواوَ تَجِيءُ لِمَعْنًى فَلا تُزادُ ﴿وهم مِنَ السّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾ أيْ وهم مِنَ القِيامَةِ خائِفُونَ وجِلُونَ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وهَذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ﴾ إلى القُرْآنِ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى وهَذا القُرْآنُ ذِكْرٌ لِمَن تَذَكَّرَ بِهِ ومَوْعِظَةٌ لِمَنِ اتَّعَظَ بِهِ، والمُبارَكُ كَثِيرُ البَرَكَةِ والخَيْرِ. وقَوْلُهُ: أنْزَلْناهُ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِلذِّكْرِ، أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿أفَأنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ لِلْإنْكارِ لِما وقَعَ مِنهم مِنَ الإنْكارِ: أيْ كَيْفَ تُنْكِرُونَ كَوْنَهُ مُنَزَّلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ مَعَ اعْتِرافِكم بِأنَّ التَّوْراةَ مُنَزَّلَةٌ مِن عِنْدِهِ. ﴿ولَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ﴾ أيِ الرُّشْدَ اللّائِقَ بِهِ وبِأمْثالِهِ مِنَ الرُّسُلِ، ومَعْنى مِن قَبْلُ أنَّهُ أُعْطِيَ رُشْدَهُ قَبْلَ إيتاءِ مُوسى وهارُونَ التَّوْراةَ. وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى أعْطَيْناهُ هُداهُ مِن قَبْلِ النُّبُوَّةِ: أيْ وفَّقْناهُ لِلنَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ لَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ فَرَأى الشَّمْسَ والقَمَرَ والنَّجْمَ، وعَلى هَذا أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، وبِالأوَّلِ قالَ أقَلُّهم ﴿وكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾ أنَّهُ مَوْضِعٌ لِإيتاءِ الرُّشْدِ، وأنَّهُ يَصْلُحُ لِذَلِكَ. والظَّرْفُ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِآتَيْنا أوْ بِمَحْذُوفٍ: أيِ اذْكُرْ حِينَ قالَ: وأبُوهُ هو آزَرُ وقَوْمُهُ نَمْرُوذُ ومَنِ اتَّبَعَهُ، والتَّماثِيلُ الأصْنامُ، وأصْلُ التِّمْثالِ الشَّيْءُ المَصْنُوعُ مُشابِهًا لِشَيْءٍ مِن مَخْلُوقاتِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، يُقالُ مَثَّلْتُ الشَّيْءَ بِالشَّيْءِ: إذا جَعَلْتُهُ مُشابِهًا لَهُ، واسْمُ ذَلِكَ المُمَثَّلِ تِمْثالٌ، أنْكَرَ عَلَيْهِمْ عِبادَتَها بِقَوْلِهِ: ﴿ما هَذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أنْتُمْ لَها عاكِفُونَ﴾ والعُكُوفُ عِبارَةٌ عَنِ اللُّزُومِ والِاسْتِمْرارِ عَلى الشَّيْءِ، واللّامُ في لَها لِلِاخْتِصاصِ، ولَوْ كانَتْ لِلتَّعْدِيَةِ لَجِيءَ بِكَلِمَةِ عَلى: أيْ ما هَذِهِ الأصْنامُ الَّتِي أنْتُمْ مُقِيمُونَ عَلى عِبادَتِها ؟ وقِيلَ: إنَّ العُكُوفَ مُضَمَّنٌ مَعْنى العِبادَةِ. ﴿قالُوا وجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ﴾ أجابُوهُ بِهَذا الجَوابِ الَّذِي هو العَصا الَّتِي يَتَوَكَّأُ عَلَيْها كُلُّ عاجِزٍ، والحَبْلُ الَّذِي يَتَشَبَّثُ بِهِ كُلُّ غَرِيقٍ، وهو التَّمَسُّكُ بِمُجَرَّدِ تَقْلِيدِ الآباءِ: أيْ وجَدْنا آباءَنا يَعْبُدُونَها فَعَبَدْناها اقْتِداءً بِهِمْ ومَشْيًا عَلى طَرِيقَتِهِمْ، وهَكَذا يُجِيبُ هَؤُلاءِ المُقَلِّدَةُ مِن أهْلِ هَذِهِ المِلَّةِ الإسْلامِيَّةِ، وإنَّ العالِمَ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ إذا أنْكَرَ عَلَيْهِمُ العَمَلَ بِمَحْضِ الرَّأْيِ المَدْفُوعِ بِالدَّلِيلِ قالُوا هَذا قَدْ قالَ بِهِ إمامُنا الَّذِي وجَدْنا آباءَنا لَهُ مُقَلِّدِينَ وبِرَأْيِهِ آخِذِينَ، وجَوابُهم هو ما أجابَ بِهِ الخَلِيلُ هاهُنا. ﴿قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أنْتُمْ وآباؤُكم في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أيْ في خُسْرانٍ واضِحٍ ظاهِرٍ لا يَخْفى عَلى أحَدٍ ولا يَلْتَبِسُ عَلى ذِي عَقْلٍ، فَإنَّ قَوْمَ إبْراهِيمَ عَبَدُوا الأصْنامَ الَّتِي لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ ولا تَسْمَعُ ولا تُبْصِرُ، ولَيْسَ بَعْدَ هَذا الضَّلالِ ضَلالٌ، ولا يُساوِي هَذا الخُسْرانَ خُسْرانٌ، وهَؤُلاءِ المُقَلِّدَةُ مِن أهْلِ الإسْلامِ اسْتَبْدَلُوا بِكِتابِ اللَّهِ وبِسُنَّةِ رَسُولِهِ كِتابًا قَدْ دُوِّنَتْ فِيهِ اجْتِهاداتُ عالِمٍ مِن عُلَماءِ الإسْلامِ زَعَمَ أنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلى دَلِيلٍ يُخالِفُها، إمّا لِقُصُورٍ مِنهُ أوْ لِتَقْصِيرٍ في البَحْثِ فَوَجَدَ ذَلِكَ الدَّلِيلَ مَن وجَدَهُ وأبْرَزَهُ واضِحُ المَنارِ: ؎كَأنَّهُ عَلَمٌ في رَأْسِهِ نارٌ وقالَ هَذا كِتابُ اللَّهِ أوْ هَذِهِ سُنَّةُ رَسُولِهِ، وأنْشَدَهم: ؎دَعُوا كُلَّ قَوْلٍ عِنْدَ قَوْلِ مُحَمَّدٍ ∗∗∗ فَما آمِنٌ في دِينِهِ كَمُخاطِرِ فَقالُوا كَما قالَ الأوَّلُ: ؎ما أنا إلّا مِن غَزِيَّةَ إنْ غَوَتْ ∗∗∗ غَوَيْتُ وإنْ تُرْشَدَ غَزِيَّةُ أُرْشَدِ وقَدْ أحْسَنَ مَن قالَ: ؎يَأْبى الفَتى إلّا اتِّباعَ الهَوى ∗∗∗ ومَنهَجُ الحَقِّ لَهُ واضِحٌ ثُمَّ لَمّا سَمِعَ أُولَئِكَ مَقالَةَ الخَلِيلِ ﴿قالُوا أجِئْتَنا بِالحَقِّ أمْ أنْتَ مِنَ اللّاعِبِينَ﴾ أيْ أجادٌّ أنْتَ فِيما تَقُولُ أمْ أنْتَ لاعِبٌ مازِحٌ قالَ مُضْرِبًا عَمّا بَنَوْا عَلَيْهِ مَقالَتَهم مِنَ التَّقْلِيدِ. ﴿بَل رَبُّكم رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ﴾ أيْ خَلَقَهُنَّ وأبْدَعَهُنَّ ﴿وأنا عَلى ذَلِكم﴾ الَّذِي ذَكَرْتُهُ لَكم مِن كَوْنِ رَبِّكم هو رَبَّ السَّماواتِ والأرْضِ دُونَ ما عَداهُ مِنَ الشّاهِدِينَ أيِ العالِمِينَ بِهِ المُبَرْهِنِينَ عَلَيْهِ، فَإنَّ الشّاهِدَ عَلى الشَّيْءِ هو مَن كانَ عالِمًا بِهِ مُبَرْهِنًا عَلَيْهِ مُبَيِّنًا لَهُ. وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ في تَهْذِيبِهِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عائِشَةَ «أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ لِي مَمْلُوكِينَ يُكَذِّبُونَنِي ويَخُونُونَنِي ويَعْصُونَنِي وأضْرِبُهم وأشْتُمُهم فَكَيْفَ أنا مِنهم ؟ فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: يُحْسَبُ ما خانُوكَ وعَصَوْكَ وكَذَّبُوكَ وعِتابُكَ إيّاهم، فَإنْ كانَ عِقابُكَ إيّاهم دُونَ ذُنُوبِهِمْ كانَ فَضْلًا لَكَ، وإنْ كانَ عِقابُكَ إيّاهم بِقَدْرِ ذُنُوبِهِمْ كانَ كَفافًا لا عَلَيْكَ ولا لَكَ، وإنْ كانَ عِقابُكَ إيّاهم فَوْقَ ذُنُوبِهِمُ اقْتُصَّ لَهم مِنكَ الفَضْلُ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَبْكِي ويَهْتِفُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: أمّا تَقْرَأُ كِتابَ اللَّهِ ﴿ونَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وإنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ أتَيْنا بِها وكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ فَقالَ لَهُ الرَّجُلُ يا رَسُولَ اللَّهِ ما أجِدُ لِي ولَهم خَيْرًا مِن مُفارَقَتِهِمْ أُشْهِدُكَ أنَّهم أحْرارٌ» رَواهُ أحْمَدُ هَكَذا: حَدَّثَنا أبُو نُوحٍ الأقْرادُ، أخْبَرَنا لَيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ مالِكِ بْنِ أنَسٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عائِشَةَ فَذَكَرَهُ، وفي مَعْناهُ أحادِيثُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ ( ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ وضِياءً ) . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي صالِحٍ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ﴾ قالَ: التَّوْراةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ الفُرْقانُ الحَقُّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ ﴿وهَذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ﴾ أيِ القُرْآنُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ﴾ قالَ: هَدَيْناهُ صَغِيرًا، وفي قَوْلِهِ: ﴿ما هَذِهِ التَّماثِيلُ﴾ قالَ: الأصْنامُ.

الأنبياء 21:54

. لَمّا أبْطَلَ كَونَ الأصْنامِ نافِعَةً أضْرَبَ عَنْ ذَلِكَ مُنْتَقِلًا إلى بَيانِ أنَّ ما هم فِيهِ مِنَ الخَيْرِ والتَّمَتُّعِ بِالحَياةِ العاجِلَةِ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ، لا مِن مانِعٍ يَمْنَعُهم مِنَ الهَلاكِ، ولا مِن ناصِرٍ يَنْصُرُهم عَلى أسْبابِ التَّمَتُّعِ فَقالَ: ﴿بَلْ مَتَّعْنا هَؤُلاءِ وآباءَهم﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ مَتَّعَهُمُ اللَّهُ بِما أنْعَمَ عَلَيْهِمْ ﴿حَتّى طالَ عَلَيْهِمُ العُمُرُ﴾ فاغْتَرُّوا بِذَلِكَ وظَنُّوا أنَّهم لا يَزالُونَ كَذَلِكَ، فَرَدَّ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ قائِلًا ﴿أفَلا يَرَوْنَ﴾ أيْ أفَلا يَنْظُرُونَ فَيَرَوْنَ ﴿أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها﴾ فَنَفْتَحُها بَلَدًا بَعْدَ بَلَدٍ وأرْضًا بَعْدَ أرْضٍ، وقِيلَ: نَنْقُصُها بِالقَتْلِ والسَّبْيِ، وقَدْ مَضى في الرَّعْدِ الكَلامُ عَلى هَذا مُسْتَوْفًى، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿أفَهُمُ الغالِبُونَ﴾ لِلْإنْكارِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ كَنَظائِرِهِ: أيْ كَيْفَ يَكُونُونَ غالِبِينَ بَعْدَ نَقْصِنا لِأرْضِهِمْ مِن أطْرافِها ؟ وفي هَذا إشارَةٌ إلى أنَّ الغالِبِينَ هُمُ المُسْلِمُونَ. ﴿قُلْ إنَّما أُنْذِرُكم بِالوَحْيِ﴾ أيْ أُخَوِّفُكم وأُحَذِّرُكم بِالقُرْآنِ، وذَلِكَ شَأْنِي وما أمَرَنِي اللَّهُ بِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ولا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ﴾ إمّا مِن تَتِمَّةِ الكَلامِ الَّذِي أمَرَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَهُ لَهم، أوْ مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى. والمَعْنى: أنَّ مَن أصَمَّ اللَّهُ سَمْعَهُ وخَتَمَ عَلى قَلْبِهِ وجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً لا يَسْمَعُ الدُّعاءَ. قَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ ومُحَمَّدُ بْنُ السُّمَيْفِعِ ( ولا يُسْمَعُ ) بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ المِيمِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو حَيْوَةَ ويَحْيى بْنُ الحارِثِ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ مَضْمُومَةً وكَسْرِ المِيمِ: أيْ إنَّكَ يا مُحَمَّدُ لا تُسْمِعُ هَؤُلاءِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: ولَوْ كانَ كَما قالَ ابْنُ عامِرٍ لَكانَ إذا ما تُنْذِرُهم فَيَحْسُنُ نَظْمُ الكَلامِ، فَأمّا ﴿إذا ما يُنْذَرُونَ﴾ فَحَسَنٌ أنْ يَتَّبِعَ قِراءَةَ العامَّةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الياءِ وفَتْحِ المِيمِ ورَفْعِ الصُّمِّ عَلى أنَّهُ الفاعِلُ. ﴿ولَئِنْ مَسَّتْهم نَفْحَةٌ مِن عَذابِ رَبِّكَ﴾ المُرادُ بِالنَّفْحَةِ القَلِيلُ، مَأْخُوذٌ مِن نَفْحِ المِسْكِ قالَهُ ابْنُ كَيْسانَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وعُمْرَةٌ مِن سَرَواتِ النِّسا ءِ تَنْفَحُ بِالمِسْكِ أرْدانُها وقالَ المُبَرِّدُ: النَّفْحَةُ الدَّفْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ الَّتِي دُونَ مُعْظَمِهِ، يُقالُ نَفَحَهُ نَفْحَةً بِالسَّيْفِ إذا ضَرَبَهُ ضَرْبَةً خَفِيفَةً، وقِيلَ: هي النَّصَبُ، وقِيلَ: هي الطَّرْفُ. والمَعْنى مُتَقارِبٌ: أيْ ولَئِنْ مَسَّهم أقَلُّ شَيْءٍ مِنَ العَذابِ ﴿لَيَقُولُنَّ يا ويْلَنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ أيْ لَيَدْعُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالوَيْلِ والهَلاكِ ويَعْتَرِفُونَ عَلَيْها بِالظُّلْمِ. ﴿ونَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ المَوازِينُ جَمْعُ مِيزانٍ، وهو يَدُلُّ عَلى أنَّ هُناكَ مَوازِينَ، ويُمْكِنُ أنْ يُرادَ مِيزانٌ واحِدٌ، عَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظِ الجَمْعِ، وقَدْ ورَدَ في السُّنَّةِ في صِفَةِ المِيزانِ ما فِيهِ كِفايَةٌ، وقَدْ مَضى في الأعْرافِ، وفي الكَهْفِ في هَذا ما يُغْنِي عَنِ الإعادَةِ، والقِسْطِ صِفَةٌ لِلْمَوازِينِ. قالَ الزَّجّاجُ: قِسْطٌ مَصْدَرٌ يُوصَفُ بِهِ، تَقُولُ: مِيزانُ قِسْطٍ ومَوازِينُ قِسْطٍ. والمَعْنى: ذَواتُ قِسْطٍ، والقِسْطُ العَدْلُ. وقُرِئَ ( القِصْطُ ) بِالصّادِّ والطّاءِ، ومَعْنى ﴿لِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ لِأهْلِ يَوْمِ القِيامَةِ، وقِيلَ: اللّامُ بِمَعْنى في: أيْ في يَوْمِ القِيامَةِ ﴿فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ أيْ لا يُنْقَصُ مِن إحْسانِ مُحْسِنٍ ولا يُزادُ في إساءَةِ مُسِيءٍ ﴿وإنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ﴾ قَرَأ نافِعٌ وشَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ بِرَفْعِ ( مِثْقالُ ) عَلى أنَّ كانَ تامَّةٌ، أيْ إنْ وقَعَ أوْ وجَدَ مِثْقالَ حَبَّةٍ. وقَرَأ الباقُونَ بِنَصْبِ المِثْقالِ عَلى تَقْدِيرِ: وإنْ كانَ العَمَلُ المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِوَضْعِ المَوازِينِ مِثْقالَ حَبَّةٍ، كَذا قالَ الزَّجّاجُ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: وإنْ كانَ الظُّلامَةُ مِثْقالَ حَبَّةٍ. قالَ الواحِدِيُّ: وهَذا أحْسَنُ لِتَقَدُّمِ قَوْلِهِ: فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا، ومِثْقالُ الشَّيْءِ مِيزانُهُ: أيْ وإنْ كانَ في غايَةِ الخِفَّةِ والحَقارَةِ، فَإنَّ حَبَّةَ الخَرْدَلِ مَثَلٌ في الصِّغَرِ أتَيْنا بِها قَرَأ الجُمْهُورُ بِالقَصْرِ: أيْ أحْضَرْناها وجِئْنا بِها لِلْمُجازَةِ عَلَيْها، يُقالُ آتِي يُؤاتِي مُؤاتاةً: جازى ﴿وكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ أيْ كَفى بِنا مُحْصِينَ، والحَسْبُ في الأصْلِ مَعْناهُ العَدُّ، وقِيلَ: كَفى بِنا عالِمِينَ، لِأنَّ مَن حَسَبَ شَيْئًا عَلِمَهُ وحَفِظَهُ، وقِيلَ: كَفى بِنا مُجازِينَ عَلى ما قَدَّمُوهُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ. ثُمَّ شَرَعَ سُبْحانَهُ في تَفْصِيلِ ما أجْمَلَهُ سابِقًا بِقَوْلِهِ: ﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ إلّا رِجالًا نُوحِي إلَيْهِمْ﴾ [الأنبياء: ٧] فَقالَ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ وضِياءً وذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾ المُرادُ بِالفُرْقانِ هُنا التَّوْراةُ، لِأنَّ فِيها الفَرْقَ بَيْنَ الحَلالِ والحَرامِ، وقِيلَ: الفُرْقانُ هُنا هو النَّصْرُ عَلى الأعْداءِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وما أنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الفُرْقانِ﴾ [الأنفال: ٤١] . قالَ الثَّعْلَبِيُّ: وهَذا القَوْلُ أشْبَهُ بِظاهِرِ الآيَةِ، ومَعْنى وضِياءٌ أنَّهُمُ اسْتَضاءُوا بِها في ظُلُماتِ الجَهْلِ والغِوايَةِ، ومَعْنى ( وذِكْرًا ) المَوْعِظَةُ: أيْ أنَّهم يَتَّعِظُونَ بِما فِيها، وخَصَّ المُتَّقِينَ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَنْتَفِعُونَ بِذَلِكَ. ووَصَفَهم بِقَوْلِهِ: (p-٩٣٨)﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ﴾ لِأنَّ هَذِهِ الخَشْيَةَ تُلازِمُ التَّقْوى. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ بَدَلًا مِنَ المُتَّقِينَ أوْ بَيانًا لَهُ، ومَحَلُّ بِالغَيْبِ النَّصْبُ عَلى الحالِ: أيْ يَخْشَوْنَ عَذابَهُ وهو غائِبٌ عَنْهم، أوْ هم غائِبُونَ عَنْهُ لِأنَّهم في الدُّنْيا، والعَذابُ في الآخِرَةِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ ( ضِياءً ) بِغَيْرِ واوٍ. قالَ الفَرّاءُ حُذِفَتِ الواوُ والمَجِيءُ بِها واحِدٌ، واعْتَرَضَهُ الزَّجّاجُ بِأنَّ الواوَ تَجِيءُ لِمَعْنًى فَلا تُزادُ ﴿وهم مِنَ السّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾ أيْ وهم مِنَ القِيامَةِ خائِفُونَ وجِلُونَ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وهَذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ﴾ إلى القُرْآنِ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى وهَذا القُرْآنُ ذِكْرٌ لِمَن تَذَكَّرَ بِهِ ومَوْعِظَةٌ لِمَنِ اتَّعَظَ بِهِ، والمُبارَكُ كَثِيرُ البَرَكَةِ والخَيْرِ. وقَوْلُهُ: أنْزَلْناهُ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِلذِّكْرِ، أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿أفَأنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ لِلْإنْكارِ لِما وقَعَ مِنهم مِنَ الإنْكارِ: أيْ كَيْفَ تُنْكِرُونَ كَوْنَهُ مُنَزَّلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ مَعَ اعْتِرافِكم بِأنَّ التَّوْراةَ مُنَزَّلَةٌ مِن عِنْدِهِ. ﴿ولَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ﴾ أيِ الرُّشْدَ اللّائِقَ بِهِ وبِأمْثالِهِ مِنَ الرُّسُلِ، ومَعْنى مِن قَبْلُ أنَّهُ أُعْطِيَ رُشْدَهُ قَبْلَ إيتاءِ مُوسى وهارُونَ التَّوْراةَ. وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى أعْطَيْناهُ هُداهُ مِن قَبْلِ النُّبُوَّةِ: أيْ وفَّقْناهُ لِلنَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ لَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ فَرَأى الشَّمْسَ والقَمَرَ والنَّجْمَ، وعَلى هَذا أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، وبِالأوَّلِ قالَ أقَلُّهم ﴿وكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾ أنَّهُ مَوْضِعٌ لِإيتاءِ الرُّشْدِ، وأنَّهُ يَصْلُحُ لِذَلِكَ. والظَّرْفُ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِآتَيْنا أوْ بِمَحْذُوفٍ: أيِ اذْكُرْ حِينَ قالَ: وأبُوهُ هو آزَرُ وقَوْمُهُ نَمْرُوذُ ومَنِ اتَّبَعَهُ، والتَّماثِيلُ الأصْنامُ، وأصْلُ التِّمْثالِ الشَّيْءُ المَصْنُوعُ مُشابِهًا لِشَيْءٍ مِن مَخْلُوقاتِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، يُقالُ مَثَّلْتُ الشَّيْءَ بِالشَّيْءِ: إذا جَعَلْتُهُ مُشابِهًا لَهُ، واسْمُ ذَلِكَ المُمَثَّلِ تِمْثالٌ، أنْكَرَ عَلَيْهِمْ عِبادَتَها بِقَوْلِهِ: ﴿ما هَذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أنْتُمْ لَها عاكِفُونَ﴾ والعُكُوفُ عِبارَةٌ عَنِ اللُّزُومِ والِاسْتِمْرارِ عَلى الشَّيْءِ، واللّامُ في لَها لِلِاخْتِصاصِ، ولَوْ كانَتْ لِلتَّعْدِيَةِ لَجِيءَ بِكَلِمَةِ عَلى: أيْ ما هَذِهِ الأصْنامُ الَّتِي أنْتُمْ مُقِيمُونَ عَلى عِبادَتِها ؟ وقِيلَ: إنَّ العُكُوفَ مُضَمَّنٌ مَعْنى العِبادَةِ. ﴿قالُوا وجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ﴾ أجابُوهُ بِهَذا الجَوابِ الَّذِي هو العَصا الَّتِي يَتَوَكَّأُ عَلَيْها كُلُّ عاجِزٍ، والحَبْلُ الَّذِي يَتَشَبَّثُ بِهِ كُلُّ غَرِيقٍ، وهو التَّمَسُّكُ بِمُجَرَّدِ تَقْلِيدِ الآباءِ: أيْ وجَدْنا آباءَنا يَعْبُدُونَها فَعَبَدْناها اقْتِداءً بِهِمْ ومَشْيًا عَلى طَرِيقَتِهِمْ، وهَكَذا يُجِيبُ هَؤُلاءِ المُقَلِّدَةُ مِن أهْلِ هَذِهِ المِلَّةِ الإسْلامِيَّةِ، وإنَّ العالِمَ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ إذا أنْكَرَ عَلَيْهِمُ العَمَلَ بِمَحْضِ الرَّأْيِ المَدْفُوعِ بِالدَّلِيلِ قالُوا هَذا قَدْ قالَ بِهِ إمامُنا الَّذِي وجَدْنا آباءَنا لَهُ مُقَلِّدِينَ وبِرَأْيِهِ آخِذِينَ، وجَوابُهم هو ما أجابَ بِهِ الخَلِيلُ هاهُنا. ﴿قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أنْتُمْ وآباؤُكم في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أيْ في خُسْرانٍ واضِحٍ ظاهِرٍ لا يَخْفى عَلى أحَدٍ ولا يَلْتَبِسُ عَلى ذِي عَقْلٍ، فَإنَّ قَوْمَ إبْراهِيمَ عَبَدُوا الأصْنامَ الَّتِي لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ ولا تَسْمَعُ ولا تُبْصِرُ، ولَيْسَ بَعْدَ هَذا الضَّلالِ ضَلالٌ، ولا يُساوِي هَذا الخُسْرانَ خُسْرانٌ، وهَؤُلاءِ المُقَلِّدَةُ مِن أهْلِ الإسْلامِ اسْتَبْدَلُوا بِكِتابِ اللَّهِ وبِسُنَّةِ رَسُولِهِ كِتابًا قَدْ دُوِّنَتْ فِيهِ اجْتِهاداتُ عالِمٍ مِن عُلَماءِ الإسْلامِ زَعَمَ أنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلى دَلِيلٍ يُخالِفُها، إمّا لِقُصُورٍ مِنهُ أوْ لِتَقْصِيرٍ في البَحْثِ فَوَجَدَ ذَلِكَ الدَّلِيلَ مَن وجَدَهُ وأبْرَزَهُ واضِحُ المَنارِ: ؎كَأنَّهُ عَلَمٌ في رَأْسِهِ نارٌ وقالَ هَذا كِتابُ اللَّهِ أوْ هَذِهِ سُنَّةُ رَسُولِهِ، وأنْشَدَهم: ؎دَعُوا كُلَّ قَوْلٍ عِنْدَ قَوْلِ مُحَمَّدٍ ∗∗∗ فَما آمِنٌ في دِينِهِ كَمُخاطِرِ فَقالُوا كَما قالَ الأوَّلُ: ؎ما أنا إلّا مِن غَزِيَّةَ إنْ غَوَتْ ∗∗∗ غَوَيْتُ وإنْ تُرْشَدَ غَزِيَّةُ أُرْشَدِ وقَدْ أحْسَنَ مَن قالَ: ؎يَأْبى الفَتى إلّا اتِّباعَ الهَوى ∗∗∗ ومَنهَجُ الحَقِّ لَهُ واضِحٌ ثُمَّ لَمّا سَمِعَ أُولَئِكَ مَقالَةَ الخَلِيلِ ﴿قالُوا أجِئْتَنا بِالحَقِّ أمْ أنْتَ مِنَ اللّاعِبِينَ﴾ أيْ أجادٌّ أنْتَ فِيما تَقُولُ أمْ أنْتَ لاعِبٌ مازِحٌ قالَ مُضْرِبًا عَمّا بَنَوْا عَلَيْهِ مَقالَتَهم مِنَ التَّقْلِيدِ. ﴿بَل رَبُّكم رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ﴾ أيْ خَلَقَهُنَّ وأبْدَعَهُنَّ ﴿وأنا عَلى ذَلِكم﴾ الَّذِي ذَكَرْتُهُ لَكم مِن كَوْنِ رَبِّكم هو رَبَّ السَّماواتِ والأرْضِ دُونَ ما عَداهُ مِنَ الشّاهِدِينَ أيِ العالِمِينَ بِهِ المُبَرْهِنِينَ عَلَيْهِ، فَإنَّ الشّاهِدَ عَلى الشَّيْءِ هو مَن كانَ عالِمًا بِهِ مُبَرْهِنًا عَلَيْهِ مُبَيِّنًا لَهُ. وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ في تَهْذِيبِهِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عائِشَةَ «أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ لِي مَمْلُوكِينَ يُكَذِّبُونَنِي ويَخُونُونَنِي ويَعْصُونَنِي وأضْرِبُهم وأشْتُمُهم فَكَيْفَ أنا مِنهم ؟ فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: يُحْسَبُ ما خانُوكَ وعَصَوْكَ وكَذَّبُوكَ وعِتابُكَ إيّاهم، فَإنْ كانَ عِقابُكَ إيّاهم دُونَ ذُنُوبِهِمْ كانَ فَضْلًا لَكَ، وإنْ كانَ عِقابُكَ إيّاهم بِقَدْرِ ذُنُوبِهِمْ كانَ كَفافًا لا عَلَيْكَ ولا لَكَ، وإنْ كانَ عِقابُكَ إيّاهم فَوْقَ ذُنُوبِهِمُ اقْتُصَّ لَهم مِنكَ الفَضْلُ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَبْكِي ويَهْتِفُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: أمّا تَقْرَأُ كِتابَ اللَّهِ ﴿ونَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وإنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ أتَيْنا بِها وكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ فَقالَ لَهُ الرَّجُلُ يا رَسُولَ اللَّهِ ما أجِدُ لِي ولَهم خَيْرًا مِن مُفارَقَتِهِمْ أُشْهِدُكَ أنَّهم أحْرارٌ» رَواهُ أحْمَدُ هَكَذا: حَدَّثَنا أبُو نُوحٍ الأقْرادُ، أخْبَرَنا لَيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ مالِكِ بْنِ أنَسٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عائِشَةَ فَذَكَرَهُ، وفي مَعْناهُ أحادِيثُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ ( ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ وضِياءً ) . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي صالِحٍ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ﴾ قالَ: التَّوْراةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ الفُرْقانُ الحَقُّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ ﴿وهَذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ﴾ أيِ القُرْآنُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ﴾ قالَ: هَدَيْناهُ صَغِيرًا، وفي قَوْلِهِ: ﴿ما هَذِهِ التَّماثِيلُ﴾ قالَ: الأصْنامُ.

الأنبياء 21:55

. لَمّا أبْطَلَ كَونَ الأصْنامِ نافِعَةً أضْرَبَ عَنْ ذَلِكَ مُنْتَقِلًا إلى بَيانِ أنَّ ما هم فِيهِ مِنَ الخَيْرِ والتَّمَتُّعِ بِالحَياةِ العاجِلَةِ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ، لا مِن مانِعٍ يَمْنَعُهم مِنَ الهَلاكِ، ولا مِن ناصِرٍ يَنْصُرُهم عَلى أسْبابِ التَّمَتُّعِ فَقالَ: ﴿بَلْ مَتَّعْنا هَؤُلاءِ وآباءَهم﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ مَتَّعَهُمُ اللَّهُ بِما أنْعَمَ عَلَيْهِمْ ﴿حَتّى طالَ عَلَيْهِمُ العُمُرُ﴾ فاغْتَرُّوا بِذَلِكَ وظَنُّوا أنَّهم لا يَزالُونَ كَذَلِكَ، فَرَدَّ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ قائِلًا ﴿أفَلا يَرَوْنَ﴾ أيْ أفَلا يَنْظُرُونَ فَيَرَوْنَ ﴿أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها﴾ فَنَفْتَحُها بَلَدًا بَعْدَ بَلَدٍ وأرْضًا بَعْدَ أرْضٍ، وقِيلَ: نَنْقُصُها بِالقَتْلِ والسَّبْيِ، وقَدْ مَضى في الرَّعْدِ الكَلامُ عَلى هَذا مُسْتَوْفًى، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿أفَهُمُ الغالِبُونَ﴾ لِلْإنْكارِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ كَنَظائِرِهِ: أيْ كَيْفَ يَكُونُونَ غالِبِينَ بَعْدَ نَقْصِنا لِأرْضِهِمْ مِن أطْرافِها ؟ وفي هَذا إشارَةٌ إلى أنَّ الغالِبِينَ هُمُ المُسْلِمُونَ. ﴿قُلْ إنَّما أُنْذِرُكم بِالوَحْيِ﴾ أيْ أُخَوِّفُكم وأُحَذِّرُكم بِالقُرْآنِ، وذَلِكَ شَأْنِي وما أمَرَنِي اللَّهُ بِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ولا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ﴾ إمّا مِن تَتِمَّةِ الكَلامِ الَّذِي أمَرَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَهُ لَهم، أوْ مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى. والمَعْنى: أنَّ مَن أصَمَّ اللَّهُ سَمْعَهُ وخَتَمَ عَلى قَلْبِهِ وجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً لا يَسْمَعُ الدُّعاءَ. قَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ ومُحَمَّدُ بْنُ السُّمَيْفِعِ ( ولا يُسْمَعُ ) بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ المِيمِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو حَيْوَةَ ويَحْيى بْنُ الحارِثِ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ مَضْمُومَةً وكَسْرِ المِيمِ: أيْ إنَّكَ يا مُحَمَّدُ لا تُسْمِعُ هَؤُلاءِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: ولَوْ كانَ كَما قالَ ابْنُ عامِرٍ لَكانَ إذا ما تُنْذِرُهم فَيَحْسُنُ نَظْمُ الكَلامِ، فَأمّا ﴿إذا ما يُنْذَرُونَ﴾ فَحَسَنٌ أنْ يَتَّبِعَ قِراءَةَ العامَّةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الياءِ وفَتْحِ المِيمِ ورَفْعِ الصُّمِّ عَلى أنَّهُ الفاعِلُ. ﴿ولَئِنْ مَسَّتْهم نَفْحَةٌ مِن عَذابِ رَبِّكَ﴾ المُرادُ بِالنَّفْحَةِ القَلِيلُ، مَأْخُوذٌ مِن نَفْحِ المِسْكِ قالَهُ ابْنُ كَيْسانَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وعُمْرَةٌ مِن سَرَواتِ النِّسا ءِ تَنْفَحُ بِالمِسْكِ أرْدانُها وقالَ المُبَرِّدُ: النَّفْحَةُ الدَّفْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ الَّتِي دُونَ مُعْظَمِهِ، يُقالُ نَفَحَهُ نَفْحَةً بِالسَّيْفِ إذا ضَرَبَهُ ضَرْبَةً خَفِيفَةً، وقِيلَ: هي النَّصَبُ، وقِيلَ: هي الطَّرْفُ. والمَعْنى مُتَقارِبٌ: أيْ ولَئِنْ مَسَّهم أقَلُّ شَيْءٍ مِنَ العَذابِ ﴿لَيَقُولُنَّ يا ويْلَنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ أيْ لَيَدْعُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالوَيْلِ والهَلاكِ ويَعْتَرِفُونَ عَلَيْها بِالظُّلْمِ. ﴿ونَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ المَوازِينُ جَمْعُ مِيزانٍ، وهو يَدُلُّ عَلى أنَّ هُناكَ مَوازِينَ، ويُمْكِنُ أنْ يُرادَ مِيزانٌ واحِدٌ، عَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظِ الجَمْعِ، وقَدْ ورَدَ في السُّنَّةِ في صِفَةِ المِيزانِ ما فِيهِ كِفايَةٌ، وقَدْ مَضى في الأعْرافِ، وفي الكَهْفِ في هَذا ما يُغْنِي عَنِ الإعادَةِ، والقِسْطِ صِفَةٌ لِلْمَوازِينِ. قالَ الزَّجّاجُ: قِسْطٌ مَصْدَرٌ يُوصَفُ بِهِ، تَقُولُ: مِيزانُ قِسْطٍ ومَوازِينُ قِسْطٍ. والمَعْنى: ذَواتُ قِسْطٍ، والقِسْطُ العَدْلُ. وقُرِئَ ( القِصْطُ ) بِالصّادِّ والطّاءِ، ومَعْنى ﴿لِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ لِأهْلِ يَوْمِ القِيامَةِ، وقِيلَ: اللّامُ بِمَعْنى في: أيْ في يَوْمِ القِيامَةِ ﴿فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ أيْ لا يُنْقَصُ مِن إحْسانِ مُحْسِنٍ ولا يُزادُ في إساءَةِ مُسِيءٍ ﴿وإنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ﴾ قَرَأ نافِعٌ وشَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ بِرَفْعِ ( مِثْقالُ ) عَلى أنَّ كانَ تامَّةٌ، أيْ إنْ وقَعَ أوْ وجَدَ مِثْقالَ حَبَّةٍ. وقَرَأ الباقُونَ بِنَصْبِ المِثْقالِ عَلى تَقْدِيرِ: وإنْ كانَ العَمَلُ المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِوَضْعِ المَوازِينِ مِثْقالَ حَبَّةٍ، كَذا قالَ الزَّجّاجُ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: وإنْ كانَ الظُّلامَةُ مِثْقالَ حَبَّةٍ. قالَ الواحِدِيُّ: وهَذا أحْسَنُ لِتَقَدُّمِ قَوْلِهِ: فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا، ومِثْقالُ الشَّيْءِ مِيزانُهُ: أيْ وإنْ كانَ في غايَةِ الخِفَّةِ والحَقارَةِ، فَإنَّ حَبَّةَ الخَرْدَلِ مَثَلٌ في الصِّغَرِ أتَيْنا بِها قَرَأ الجُمْهُورُ بِالقَصْرِ: أيْ أحْضَرْناها وجِئْنا بِها لِلْمُجازَةِ عَلَيْها، يُقالُ آتِي يُؤاتِي مُؤاتاةً: جازى ﴿وكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ أيْ كَفى بِنا مُحْصِينَ، والحَسْبُ في الأصْلِ مَعْناهُ العَدُّ، وقِيلَ: كَفى بِنا عالِمِينَ، لِأنَّ مَن حَسَبَ شَيْئًا عَلِمَهُ وحَفِظَهُ، وقِيلَ: كَفى بِنا مُجازِينَ عَلى ما قَدَّمُوهُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ. ثُمَّ شَرَعَ سُبْحانَهُ في تَفْصِيلِ ما أجْمَلَهُ سابِقًا بِقَوْلِهِ: ﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ إلّا رِجالًا نُوحِي إلَيْهِمْ﴾ [الأنبياء: ٧] فَقالَ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ وضِياءً وذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾ المُرادُ بِالفُرْقانِ هُنا التَّوْراةُ، لِأنَّ فِيها الفَرْقَ بَيْنَ الحَلالِ والحَرامِ، وقِيلَ: الفُرْقانُ هُنا هو النَّصْرُ عَلى الأعْداءِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وما أنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الفُرْقانِ﴾ [الأنفال: ٤١] . قالَ الثَّعْلَبِيُّ: وهَذا القَوْلُ أشْبَهُ بِظاهِرِ الآيَةِ، ومَعْنى وضِياءٌ أنَّهُمُ اسْتَضاءُوا بِها في ظُلُماتِ الجَهْلِ والغِوايَةِ، ومَعْنى ( وذِكْرًا ) المَوْعِظَةُ: أيْ أنَّهم يَتَّعِظُونَ بِما فِيها، وخَصَّ المُتَّقِينَ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَنْتَفِعُونَ بِذَلِكَ. ووَصَفَهم بِقَوْلِهِ: (p-٩٣٨)﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ﴾ لِأنَّ هَذِهِ الخَشْيَةَ تُلازِمُ التَّقْوى. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ بَدَلًا مِنَ المُتَّقِينَ أوْ بَيانًا لَهُ، ومَحَلُّ بِالغَيْبِ النَّصْبُ عَلى الحالِ: أيْ يَخْشَوْنَ عَذابَهُ وهو غائِبٌ عَنْهم، أوْ هم غائِبُونَ عَنْهُ لِأنَّهم في الدُّنْيا، والعَذابُ في الآخِرَةِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ ( ضِياءً ) بِغَيْرِ واوٍ. قالَ الفَرّاءُ حُذِفَتِ الواوُ والمَجِيءُ بِها واحِدٌ، واعْتَرَضَهُ الزَّجّاجُ بِأنَّ الواوَ تَجِيءُ لِمَعْنًى فَلا تُزادُ ﴿وهم مِنَ السّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾ أيْ وهم مِنَ القِيامَةِ خائِفُونَ وجِلُونَ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وهَذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ﴾ إلى القُرْآنِ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى وهَذا القُرْآنُ ذِكْرٌ لِمَن تَذَكَّرَ بِهِ ومَوْعِظَةٌ لِمَنِ اتَّعَظَ بِهِ، والمُبارَكُ كَثِيرُ البَرَكَةِ والخَيْرِ. وقَوْلُهُ: أنْزَلْناهُ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِلذِّكْرِ، أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿أفَأنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ لِلْإنْكارِ لِما وقَعَ مِنهم مِنَ الإنْكارِ: أيْ كَيْفَ تُنْكِرُونَ كَوْنَهُ مُنَزَّلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ مَعَ اعْتِرافِكم بِأنَّ التَّوْراةَ مُنَزَّلَةٌ مِن عِنْدِهِ. ﴿ولَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ﴾ أيِ الرُّشْدَ اللّائِقَ بِهِ وبِأمْثالِهِ مِنَ الرُّسُلِ، ومَعْنى مِن قَبْلُ أنَّهُ أُعْطِيَ رُشْدَهُ قَبْلَ إيتاءِ مُوسى وهارُونَ التَّوْراةَ. وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى أعْطَيْناهُ هُداهُ مِن قَبْلِ النُّبُوَّةِ: أيْ وفَّقْناهُ لِلنَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ لَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ فَرَأى الشَّمْسَ والقَمَرَ والنَّجْمَ، وعَلى هَذا أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، وبِالأوَّلِ قالَ أقَلُّهم ﴿وكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾ أنَّهُ مَوْضِعٌ لِإيتاءِ الرُّشْدِ، وأنَّهُ يَصْلُحُ لِذَلِكَ. والظَّرْفُ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِآتَيْنا أوْ بِمَحْذُوفٍ: أيِ اذْكُرْ حِينَ قالَ: وأبُوهُ هو آزَرُ وقَوْمُهُ نَمْرُوذُ ومَنِ اتَّبَعَهُ، والتَّماثِيلُ الأصْنامُ، وأصْلُ التِّمْثالِ الشَّيْءُ المَصْنُوعُ مُشابِهًا لِشَيْءٍ مِن مَخْلُوقاتِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، يُقالُ مَثَّلْتُ الشَّيْءَ بِالشَّيْءِ: إذا جَعَلْتُهُ مُشابِهًا لَهُ، واسْمُ ذَلِكَ المُمَثَّلِ تِمْثالٌ، أنْكَرَ عَلَيْهِمْ عِبادَتَها بِقَوْلِهِ: ﴿ما هَذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أنْتُمْ لَها عاكِفُونَ﴾ والعُكُوفُ عِبارَةٌ عَنِ اللُّزُومِ والِاسْتِمْرارِ عَلى الشَّيْءِ، واللّامُ في لَها لِلِاخْتِصاصِ، ولَوْ كانَتْ لِلتَّعْدِيَةِ لَجِيءَ بِكَلِمَةِ عَلى: أيْ ما هَذِهِ الأصْنامُ الَّتِي أنْتُمْ مُقِيمُونَ عَلى عِبادَتِها ؟ وقِيلَ: إنَّ العُكُوفَ مُضَمَّنٌ مَعْنى العِبادَةِ. ﴿قالُوا وجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ﴾ أجابُوهُ بِهَذا الجَوابِ الَّذِي هو العَصا الَّتِي يَتَوَكَّأُ عَلَيْها كُلُّ عاجِزٍ، والحَبْلُ الَّذِي يَتَشَبَّثُ بِهِ كُلُّ غَرِيقٍ، وهو التَّمَسُّكُ بِمُجَرَّدِ تَقْلِيدِ الآباءِ: أيْ وجَدْنا آباءَنا يَعْبُدُونَها فَعَبَدْناها اقْتِداءً بِهِمْ ومَشْيًا عَلى طَرِيقَتِهِمْ، وهَكَذا يُجِيبُ هَؤُلاءِ المُقَلِّدَةُ مِن أهْلِ هَذِهِ المِلَّةِ الإسْلامِيَّةِ، وإنَّ العالِمَ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ إذا أنْكَرَ عَلَيْهِمُ العَمَلَ بِمَحْضِ الرَّأْيِ المَدْفُوعِ بِالدَّلِيلِ قالُوا هَذا قَدْ قالَ بِهِ إمامُنا الَّذِي وجَدْنا آباءَنا لَهُ مُقَلِّدِينَ وبِرَأْيِهِ آخِذِينَ، وجَوابُهم هو ما أجابَ بِهِ الخَلِيلُ هاهُنا. ﴿قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أنْتُمْ وآباؤُكم في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أيْ في خُسْرانٍ واضِحٍ ظاهِرٍ لا يَخْفى عَلى أحَدٍ ولا يَلْتَبِسُ عَلى ذِي عَقْلٍ، فَإنَّ قَوْمَ إبْراهِيمَ عَبَدُوا الأصْنامَ الَّتِي لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ ولا تَسْمَعُ ولا تُبْصِرُ، ولَيْسَ بَعْدَ هَذا الضَّلالِ ضَلالٌ، ولا يُساوِي هَذا الخُسْرانَ خُسْرانٌ، وهَؤُلاءِ المُقَلِّدَةُ مِن أهْلِ الإسْلامِ اسْتَبْدَلُوا بِكِتابِ اللَّهِ وبِسُنَّةِ رَسُولِهِ كِتابًا قَدْ دُوِّنَتْ فِيهِ اجْتِهاداتُ عالِمٍ مِن عُلَماءِ الإسْلامِ زَعَمَ أنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلى دَلِيلٍ يُخالِفُها، إمّا لِقُصُورٍ مِنهُ أوْ لِتَقْصِيرٍ في البَحْثِ فَوَجَدَ ذَلِكَ الدَّلِيلَ مَن وجَدَهُ وأبْرَزَهُ واضِحُ المَنارِ: ؎كَأنَّهُ عَلَمٌ في رَأْسِهِ نارٌ وقالَ هَذا كِتابُ اللَّهِ أوْ هَذِهِ سُنَّةُ رَسُولِهِ، وأنْشَدَهم: ؎دَعُوا كُلَّ قَوْلٍ عِنْدَ قَوْلِ مُحَمَّدٍ ∗∗∗ فَما آمِنٌ في دِينِهِ كَمُخاطِرِ فَقالُوا كَما قالَ الأوَّلُ: ؎ما أنا إلّا مِن غَزِيَّةَ إنْ غَوَتْ ∗∗∗ غَوَيْتُ وإنْ تُرْشَدَ غَزِيَّةُ أُرْشَدِ وقَدْ أحْسَنَ مَن قالَ: ؎يَأْبى الفَتى إلّا اتِّباعَ الهَوى ∗∗∗ ومَنهَجُ الحَقِّ لَهُ واضِحٌ ثُمَّ لَمّا سَمِعَ أُولَئِكَ مَقالَةَ الخَلِيلِ ﴿قالُوا أجِئْتَنا بِالحَقِّ أمْ أنْتَ مِنَ اللّاعِبِينَ﴾ أيْ أجادٌّ أنْتَ فِيما تَقُولُ أمْ أنْتَ لاعِبٌ مازِحٌ قالَ مُضْرِبًا عَمّا بَنَوْا عَلَيْهِ مَقالَتَهم مِنَ التَّقْلِيدِ. ﴿بَل رَبُّكم رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ﴾ أيْ خَلَقَهُنَّ وأبْدَعَهُنَّ ﴿وأنا عَلى ذَلِكم﴾ الَّذِي ذَكَرْتُهُ لَكم مِن كَوْنِ رَبِّكم هو رَبَّ السَّماواتِ والأرْضِ دُونَ ما عَداهُ مِنَ الشّاهِدِينَ أيِ العالِمِينَ بِهِ المُبَرْهِنِينَ عَلَيْهِ، فَإنَّ الشّاهِدَ عَلى الشَّيْءِ هو مَن كانَ عالِمًا بِهِ مُبَرْهِنًا عَلَيْهِ مُبَيِّنًا لَهُ. وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ في تَهْذِيبِهِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عائِشَةَ «أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ لِي مَمْلُوكِينَ يُكَذِّبُونَنِي ويَخُونُونَنِي ويَعْصُونَنِي وأضْرِبُهم وأشْتُمُهم فَكَيْفَ أنا مِنهم ؟ فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: يُحْسَبُ ما خانُوكَ وعَصَوْكَ وكَذَّبُوكَ وعِتابُكَ إيّاهم، فَإنْ كانَ عِقابُكَ إيّاهم دُونَ ذُنُوبِهِمْ كانَ فَضْلًا لَكَ، وإنْ كانَ عِقابُكَ إيّاهم بِقَدْرِ ذُنُوبِهِمْ كانَ كَفافًا لا عَلَيْكَ ولا لَكَ، وإنْ كانَ عِقابُكَ إيّاهم فَوْقَ ذُنُوبِهِمُ اقْتُصَّ لَهم مِنكَ الفَضْلُ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَبْكِي ويَهْتِفُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: أمّا تَقْرَأُ كِتابَ اللَّهِ ﴿ونَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وإنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ أتَيْنا بِها وكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ فَقالَ لَهُ الرَّجُلُ يا رَسُولَ اللَّهِ ما أجِدُ لِي ولَهم خَيْرًا مِن مُفارَقَتِهِمْ أُشْهِدُكَ أنَّهم أحْرارٌ» رَواهُ أحْمَدُ هَكَذا: حَدَّثَنا أبُو نُوحٍ الأقْرادُ، أخْبَرَنا لَيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ مالِكِ بْنِ أنَسٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عائِشَةَ فَذَكَرَهُ، وفي مَعْناهُ أحادِيثُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ ( ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ وضِياءً ) . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي صالِحٍ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ﴾ قالَ: التَّوْراةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ الفُرْقانُ الحَقُّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ ﴿وهَذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ﴾ أيِ القُرْآنُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ﴾ قالَ: هَدَيْناهُ صَغِيرًا، وفي قَوْلِهِ: ﴿ما هَذِهِ التَّماثِيلُ﴾ قالَ: الأصْنامُ.

الأنبياء 21:56

. لَمّا أبْطَلَ كَونَ الأصْنامِ نافِعَةً أضْرَبَ عَنْ ذَلِكَ مُنْتَقِلًا إلى بَيانِ أنَّ ما هم فِيهِ مِنَ الخَيْرِ والتَّمَتُّعِ بِالحَياةِ العاجِلَةِ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ، لا مِن مانِعٍ يَمْنَعُهم مِنَ الهَلاكِ، ولا مِن ناصِرٍ يَنْصُرُهم عَلى أسْبابِ التَّمَتُّعِ فَقالَ: ﴿بَلْ مَتَّعْنا هَؤُلاءِ وآباءَهم﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ مَتَّعَهُمُ اللَّهُ بِما أنْعَمَ عَلَيْهِمْ ﴿حَتّى طالَ عَلَيْهِمُ العُمُرُ﴾ فاغْتَرُّوا بِذَلِكَ وظَنُّوا أنَّهم لا يَزالُونَ كَذَلِكَ، فَرَدَّ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ قائِلًا ﴿أفَلا يَرَوْنَ﴾ أيْ أفَلا يَنْظُرُونَ فَيَرَوْنَ ﴿أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها﴾ فَنَفْتَحُها بَلَدًا بَعْدَ بَلَدٍ وأرْضًا بَعْدَ أرْضٍ، وقِيلَ: نَنْقُصُها بِالقَتْلِ والسَّبْيِ، وقَدْ مَضى في الرَّعْدِ الكَلامُ عَلى هَذا مُسْتَوْفًى، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿أفَهُمُ الغالِبُونَ﴾ لِلْإنْكارِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ كَنَظائِرِهِ: أيْ كَيْفَ يَكُونُونَ غالِبِينَ بَعْدَ نَقْصِنا لِأرْضِهِمْ مِن أطْرافِها ؟ وفي هَذا إشارَةٌ إلى أنَّ الغالِبِينَ هُمُ المُسْلِمُونَ. ﴿قُلْ إنَّما أُنْذِرُكم بِالوَحْيِ﴾ أيْ أُخَوِّفُكم وأُحَذِّرُكم بِالقُرْآنِ، وذَلِكَ شَأْنِي وما أمَرَنِي اللَّهُ بِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ولا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ﴾ إمّا مِن تَتِمَّةِ الكَلامِ الَّذِي أمَرَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَهُ لَهم، أوْ مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى. والمَعْنى: أنَّ مَن أصَمَّ اللَّهُ سَمْعَهُ وخَتَمَ عَلى قَلْبِهِ وجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً لا يَسْمَعُ الدُّعاءَ. قَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ ومُحَمَّدُ بْنُ السُّمَيْفِعِ ( ولا يُسْمَعُ ) بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ المِيمِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو حَيْوَةَ ويَحْيى بْنُ الحارِثِ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ مَضْمُومَةً وكَسْرِ المِيمِ: أيْ إنَّكَ يا مُحَمَّدُ لا تُسْمِعُ هَؤُلاءِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: ولَوْ كانَ كَما قالَ ابْنُ عامِرٍ لَكانَ إذا ما تُنْذِرُهم فَيَحْسُنُ نَظْمُ الكَلامِ، فَأمّا ﴿إذا ما يُنْذَرُونَ﴾ فَحَسَنٌ أنْ يَتَّبِعَ قِراءَةَ العامَّةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الياءِ وفَتْحِ المِيمِ ورَفْعِ الصُّمِّ عَلى أنَّهُ الفاعِلُ. ﴿ولَئِنْ مَسَّتْهم نَفْحَةٌ مِن عَذابِ رَبِّكَ﴾ المُرادُ بِالنَّفْحَةِ القَلِيلُ، مَأْخُوذٌ مِن نَفْحِ المِسْكِ قالَهُ ابْنُ كَيْسانَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وعُمْرَةٌ مِن سَرَواتِ النِّسا ءِ تَنْفَحُ بِالمِسْكِ أرْدانُها وقالَ المُبَرِّدُ: النَّفْحَةُ الدَّفْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ الَّتِي دُونَ مُعْظَمِهِ، يُقالُ نَفَحَهُ نَفْحَةً بِالسَّيْفِ إذا ضَرَبَهُ ضَرْبَةً خَفِيفَةً، وقِيلَ: هي النَّصَبُ، وقِيلَ: هي الطَّرْفُ. والمَعْنى مُتَقارِبٌ: أيْ ولَئِنْ مَسَّهم أقَلُّ شَيْءٍ مِنَ العَذابِ ﴿لَيَقُولُنَّ يا ويْلَنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ أيْ لَيَدْعُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالوَيْلِ والهَلاكِ ويَعْتَرِفُونَ عَلَيْها بِالظُّلْمِ. ﴿ونَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ المَوازِينُ جَمْعُ مِيزانٍ، وهو يَدُلُّ عَلى أنَّ هُناكَ مَوازِينَ، ويُمْكِنُ أنْ يُرادَ مِيزانٌ واحِدٌ، عَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظِ الجَمْعِ، وقَدْ ورَدَ في السُّنَّةِ في صِفَةِ المِيزانِ ما فِيهِ كِفايَةٌ، وقَدْ مَضى في الأعْرافِ، وفي الكَهْفِ في هَذا ما يُغْنِي عَنِ الإعادَةِ، والقِسْطِ صِفَةٌ لِلْمَوازِينِ. قالَ الزَّجّاجُ: قِسْطٌ مَصْدَرٌ يُوصَفُ بِهِ، تَقُولُ: مِيزانُ قِسْطٍ ومَوازِينُ قِسْطٍ. والمَعْنى: ذَواتُ قِسْطٍ، والقِسْطُ العَدْلُ. وقُرِئَ ( القِصْطُ ) بِالصّادِّ والطّاءِ، ومَعْنى ﴿لِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ لِأهْلِ يَوْمِ القِيامَةِ، وقِيلَ: اللّامُ بِمَعْنى في: أيْ في يَوْمِ القِيامَةِ ﴿فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ أيْ لا يُنْقَصُ مِن إحْسانِ مُحْسِنٍ ولا يُزادُ في إساءَةِ مُسِيءٍ ﴿وإنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ﴾ قَرَأ نافِعٌ وشَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ بِرَفْعِ ( مِثْقالُ ) عَلى أنَّ كانَ تامَّةٌ، أيْ إنْ وقَعَ أوْ وجَدَ مِثْقالَ حَبَّةٍ. وقَرَأ الباقُونَ بِنَصْبِ المِثْقالِ عَلى تَقْدِيرِ: وإنْ كانَ العَمَلُ المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِوَضْعِ المَوازِينِ مِثْقالَ حَبَّةٍ، كَذا قالَ الزَّجّاجُ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: وإنْ كانَ الظُّلامَةُ مِثْقالَ حَبَّةٍ. قالَ الواحِدِيُّ: وهَذا أحْسَنُ لِتَقَدُّمِ قَوْلِهِ: فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا، ومِثْقالُ الشَّيْءِ مِيزانُهُ: أيْ وإنْ كانَ في غايَةِ الخِفَّةِ والحَقارَةِ، فَإنَّ حَبَّةَ الخَرْدَلِ مَثَلٌ في الصِّغَرِ أتَيْنا بِها قَرَأ الجُمْهُورُ بِالقَصْرِ: أيْ أحْضَرْناها وجِئْنا بِها لِلْمُجازَةِ عَلَيْها، يُقالُ آتِي يُؤاتِي مُؤاتاةً: جازى ﴿وكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ أيْ كَفى بِنا مُحْصِينَ، والحَسْبُ في الأصْلِ مَعْناهُ العَدُّ، وقِيلَ: كَفى بِنا عالِمِينَ، لِأنَّ مَن حَسَبَ شَيْئًا عَلِمَهُ وحَفِظَهُ، وقِيلَ: كَفى بِنا مُجازِينَ عَلى ما قَدَّمُوهُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ. ثُمَّ شَرَعَ سُبْحانَهُ في تَفْصِيلِ ما أجْمَلَهُ سابِقًا بِقَوْلِهِ: ﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ إلّا رِجالًا نُوحِي إلَيْهِمْ﴾ [الأنبياء: ٧] فَقالَ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ وضِياءً وذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾ المُرادُ بِالفُرْقانِ هُنا التَّوْراةُ، لِأنَّ فِيها الفَرْقَ بَيْنَ الحَلالِ والحَرامِ، وقِيلَ: الفُرْقانُ هُنا هو النَّصْرُ عَلى الأعْداءِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وما أنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الفُرْقانِ﴾ [الأنفال: ٤١] . قالَ الثَّعْلَبِيُّ: وهَذا القَوْلُ أشْبَهُ بِظاهِرِ الآيَةِ، ومَعْنى وضِياءٌ أنَّهُمُ اسْتَضاءُوا بِها في ظُلُماتِ الجَهْلِ والغِوايَةِ، ومَعْنى ( وذِكْرًا ) المَوْعِظَةُ: أيْ أنَّهم يَتَّعِظُونَ بِما فِيها، وخَصَّ المُتَّقِينَ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَنْتَفِعُونَ بِذَلِكَ. ووَصَفَهم بِقَوْلِهِ: (p-٩٣٨)﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ﴾ لِأنَّ هَذِهِ الخَشْيَةَ تُلازِمُ التَّقْوى. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ بَدَلًا مِنَ المُتَّقِينَ أوْ بَيانًا لَهُ، ومَحَلُّ بِالغَيْبِ النَّصْبُ عَلى الحالِ: أيْ يَخْشَوْنَ عَذابَهُ وهو غائِبٌ عَنْهم، أوْ هم غائِبُونَ عَنْهُ لِأنَّهم في الدُّنْيا، والعَذابُ في الآخِرَةِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ ( ضِياءً ) بِغَيْرِ واوٍ. قالَ الفَرّاءُ حُذِفَتِ الواوُ والمَجِيءُ بِها واحِدٌ، واعْتَرَضَهُ الزَّجّاجُ بِأنَّ الواوَ تَجِيءُ لِمَعْنًى فَلا تُزادُ ﴿وهم مِنَ السّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾ أيْ وهم مِنَ القِيامَةِ خائِفُونَ وجِلُونَ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وهَذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ﴾ إلى القُرْآنِ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى وهَذا القُرْآنُ ذِكْرٌ لِمَن تَذَكَّرَ بِهِ ومَوْعِظَةٌ لِمَنِ اتَّعَظَ بِهِ، والمُبارَكُ كَثِيرُ البَرَكَةِ والخَيْرِ. وقَوْلُهُ: أنْزَلْناهُ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِلذِّكْرِ، أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿أفَأنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ لِلْإنْكارِ لِما وقَعَ مِنهم مِنَ الإنْكارِ: أيْ كَيْفَ تُنْكِرُونَ كَوْنَهُ مُنَزَّلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ مَعَ اعْتِرافِكم بِأنَّ التَّوْراةَ مُنَزَّلَةٌ مِن عِنْدِهِ. ﴿ولَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ﴾ أيِ الرُّشْدَ اللّائِقَ بِهِ وبِأمْثالِهِ مِنَ الرُّسُلِ، ومَعْنى مِن قَبْلُ أنَّهُ أُعْطِيَ رُشْدَهُ قَبْلَ إيتاءِ مُوسى وهارُونَ التَّوْراةَ. وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى أعْطَيْناهُ هُداهُ مِن قَبْلِ النُّبُوَّةِ: أيْ وفَّقْناهُ لِلنَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ لَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ فَرَأى الشَّمْسَ والقَمَرَ والنَّجْمَ، وعَلى هَذا أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، وبِالأوَّلِ قالَ أقَلُّهم ﴿وكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾ أنَّهُ مَوْضِعٌ لِإيتاءِ الرُّشْدِ، وأنَّهُ يَصْلُحُ لِذَلِكَ. والظَّرْفُ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِآتَيْنا أوْ بِمَحْذُوفٍ: أيِ اذْكُرْ حِينَ قالَ: وأبُوهُ هو آزَرُ وقَوْمُهُ نَمْرُوذُ ومَنِ اتَّبَعَهُ، والتَّماثِيلُ الأصْنامُ، وأصْلُ التِّمْثالِ الشَّيْءُ المَصْنُوعُ مُشابِهًا لِشَيْءٍ مِن مَخْلُوقاتِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، يُقالُ مَثَّلْتُ الشَّيْءَ بِالشَّيْءِ: إذا جَعَلْتُهُ مُشابِهًا لَهُ، واسْمُ ذَلِكَ المُمَثَّلِ تِمْثالٌ، أنْكَرَ عَلَيْهِمْ عِبادَتَها بِقَوْلِهِ: ﴿ما هَذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أنْتُمْ لَها عاكِفُونَ﴾ والعُكُوفُ عِبارَةٌ عَنِ اللُّزُومِ والِاسْتِمْرارِ عَلى الشَّيْءِ، واللّامُ في لَها لِلِاخْتِصاصِ، ولَوْ كانَتْ لِلتَّعْدِيَةِ لَجِيءَ بِكَلِمَةِ عَلى: أيْ ما هَذِهِ الأصْنامُ الَّتِي أنْتُمْ مُقِيمُونَ عَلى عِبادَتِها ؟ وقِيلَ: إنَّ العُكُوفَ مُضَمَّنٌ مَعْنى العِبادَةِ. ﴿قالُوا وجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ﴾ أجابُوهُ بِهَذا الجَوابِ الَّذِي هو العَصا الَّتِي يَتَوَكَّأُ عَلَيْها كُلُّ عاجِزٍ، والحَبْلُ الَّذِي يَتَشَبَّثُ بِهِ كُلُّ غَرِيقٍ، وهو التَّمَسُّكُ بِمُجَرَّدِ تَقْلِيدِ الآباءِ: أيْ وجَدْنا آباءَنا يَعْبُدُونَها فَعَبَدْناها اقْتِداءً بِهِمْ ومَشْيًا عَلى طَرِيقَتِهِمْ، وهَكَذا يُجِيبُ هَؤُلاءِ المُقَلِّدَةُ مِن أهْلِ هَذِهِ المِلَّةِ الإسْلامِيَّةِ، وإنَّ العالِمَ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ إذا أنْكَرَ عَلَيْهِمُ العَمَلَ بِمَحْضِ الرَّأْيِ المَدْفُوعِ بِالدَّلِيلِ قالُوا هَذا قَدْ قالَ بِهِ إمامُنا الَّذِي وجَدْنا آباءَنا لَهُ مُقَلِّدِينَ وبِرَأْيِهِ آخِذِينَ، وجَوابُهم هو ما أجابَ بِهِ الخَلِيلُ هاهُنا. ﴿قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أنْتُمْ وآباؤُكم في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أيْ في خُسْرانٍ واضِحٍ ظاهِرٍ لا يَخْفى عَلى أحَدٍ ولا يَلْتَبِسُ عَلى ذِي عَقْلٍ، فَإنَّ قَوْمَ إبْراهِيمَ عَبَدُوا الأصْنامَ الَّتِي لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ ولا تَسْمَعُ ولا تُبْصِرُ، ولَيْسَ بَعْدَ هَذا الضَّلالِ ضَلالٌ، ولا يُساوِي هَذا الخُسْرانَ خُسْرانٌ، وهَؤُلاءِ المُقَلِّدَةُ مِن أهْلِ الإسْلامِ اسْتَبْدَلُوا بِكِتابِ اللَّهِ وبِسُنَّةِ رَسُولِهِ كِتابًا قَدْ دُوِّنَتْ فِيهِ اجْتِهاداتُ عالِمٍ مِن عُلَماءِ الإسْلامِ زَعَمَ أنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلى دَلِيلٍ يُخالِفُها، إمّا لِقُصُورٍ مِنهُ أوْ لِتَقْصِيرٍ في البَحْثِ فَوَجَدَ ذَلِكَ الدَّلِيلَ مَن وجَدَهُ وأبْرَزَهُ واضِحُ المَنارِ: ؎كَأنَّهُ عَلَمٌ في رَأْسِهِ نارٌ وقالَ هَذا كِتابُ اللَّهِ أوْ هَذِهِ سُنَّةُ رَسُولِهِ، وأنْشَدَهم: ؎دَعُوا كُلَّ قَوْلٍ عِنْدَ قَوْلِ مُحَمَّدٍ ∗∗∗ فَما آمِنٌ في دِينِهِ كَمُخاطِرِ فَقالُوا كَما قالَ الأوَّلُ: ؎ما أنا إلّا مِن غَزِيَّةَ إنْ غَوَتْ ∗∗∗ غَوَيْتُ وإنْ تُرْشَدَ غَزِيَّةُ أُرْشَدِ وقَدْ أحْسَنَ مَن قالَ: ؎يَأْبى الفَتى إلّا اتِّباعَ الهَوى ∗∗∗ ومَنهَجُ الحَقِّ لَهُ واضِحٌ ثُمَّ لَمّا سَمِعَ أُولَئِكَ مَقالَةَ الخَلِيلِ ﴿قالُوا أجِئْتَنا بِالحَقِّ أمْ أنْتَ مِنَ اللّاعِبِينَ﴾ أيْ أجادٌّ أنْتَ فِيما تَقُولُ أمْ أنْتَ لاعِبٌ مازِحٌ قالَ مُضْرِبًا عَمّا بَنَوْا عَلَيْهِ مَقالَتَهم مِنَ التَّقْلِيدِ. ﴿بَل رَبُّكم رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ﴾ أيْ خَلَقَهُنَّ وأبْدَعَهُنَّ ﴿وأنا عَلى ذَلِكم﴾ الَّذِي ذَكَرْتُهُ لَكم مِن كَوْنِ رَبِّكم هو رَبَّ السَّماواتِ والأرْضِ دُونَ ما عَداهُ مِنَ الشّاهِدِينَ أيِ العالِمِينَ بِهِ المُبَرْهِنِينَ عَلَيْهِ، فَإنَّ الشّاهِدَ عَلى الشَّيْءِ هو مَن كانَ عالِمًا بِهِ مُبَرْهِنًا عَلَيْهِ مُبَيِّنًا لَهُ. وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ في تَهْذِيبِهِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عائِشَةَ «أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ لِي مَمْلُوكِينَ يُكَذِّبُونَنِي ويَخُونُونَنِي ويَعْصُونَنِي وأضْرِبُهم وأشْتُمُهم فَكَيْفَ أنا مِنهم ؟ فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: يُحْسَبُ ما خانُوكَ وعَصَوْكَ وكَذَّبُوكَ وعِتابُكَ إيّاهم، فَإنْ كانَ عِقابُكَ إيّاهم دُونَ ذُنُوبِهِمْ كانَ فَضْلًا لَكَ، وإنْ كانَ عِقابُكَ إيّاهم بِقَدْرِ ذُنُوبِهِمْ كانَ كَفافًا لا عَلَيْكَ ولا لَكَ، وإنْ كانَ عِقابُكَ إيّاهم فَوْقَ ذُنُوبِهِمُ اقْتُصَّ لَهم مِنكَ الفَضْلُ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَبْكِي ويَهْتِفُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: أمّا تَقْرَأُ كِتابَ اللَّهِ ﴿ونَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وإنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ أتَيْنا بِها وكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ فَقالَ لَهُ الرَّجُلُ يا رَسُولَ اللَّهِ ما أجِدُ لِي ولَهم خَيْرًا مِن مُفارَقَتِهِمْ أُشْهِدُكَ أنَّهم أحْرارٌ» رَواهُ أحْمَدُ هَكَذا: حَدَّثَنا أبُو نُوحٍ الأقْرادُ، أخْبَرَنا لَيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ مالِكِ بْنِ أنَسٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عائِشَةَ فَذَكَرَهُ، وفي مَعْناهُ أحادِيثُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ ( ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ وضِياءً ) . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي صالِحٍ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ﴾ قالَ: التَّوْراةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ الفُرْقانُ الحَقُّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ ﴿وهَذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ﴾ أيِ القُرْآنُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ﴾ قالَ: هَدَيْناهُ صَغِيرًا، وفي قَوْلِهِ: ﴿ما هَذِهِ التَّماثِيلُ﴾ قالَ: الأصْنامُ.

الأنبياء 21:57

(p-٩٣٩). قَوْلُهُ: ﴿وتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكم﴾ أخْبَرَهم أنَّهُ سَيَنْتَقِلُ مِنَ المُحاجَّةِ بِاللِّسانِ إلى تَغْيِيرِ المُنْكَرِ بِالفِعْلِ ثِقَةً بِاللَّهِ سُبْحانَهُ ومُحاماةً عَلى دِينِهِ، والكَيْدُ المَكْرُ: يُقالُ كادَهُ يَكِيدُهُ كَيْدًا ومَكِيدَةً، والمُرادُ هُنا الِاجْتِهادُ في كَسْرِ الأصْنامِ: قِيلَ إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ ذَلِكَ سِرًّا، وقِيلَ: سَمِعَهُ رَجُلٌ مِنهم ﴿بَعْدَ أنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ أيْ بَعْدَ أنْ تَرْجِعُوا مِن عِبادَتِها ذاهِبِينَ مُنْطَلِقِينَ. قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَ لَهم عِيدٌ في كُلِّ سَنَةٍ يَجْتَمِعُونَ فِيهِ، فَقالُوا لِإبْراهِيمَ: لَوْ خَرَجْتَ مَعَنا إلى عِيدِنا أعْجَبَكَ دِينُنا، فَقالَ إبْراهِيمُ هَذِهِ المَقالَةَ. والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلَهم جُذاذًا﴾ فَصِيحَةٌ: أيْ فَوَلَّوْا، فَجَعَلَهم جُذاذًا: الجَذُّ القَطْعُ والكَسْرُ، يُقالُ جَذَذْتُ الشَّيْءَ قَطَعْتُهُ وكَسَرْتُهُ، الواحِدُ جَذاذَةٌ، والجُذاذُ ما كُسِرَ مِنهُ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: قالَ الكِسائِيُّ: ويُقالُ لِحِجارَةِ الذَّهَبِ الجُذاذُ لِأنَّها تُكْسَرُ. قَرَأ الكِسائِيُّ والأعْمَشُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ ( جِذاذًا ) بِكَسْرِ الجِيمِ: أيْ كَسْرًا وقَطْعًا، جَمْعُ جَذِيذٍ: وهو الهَشِيمُ، مِثْلُ خَفِيفٍ وخِفافٍ، وظَرِيفٍ وظِرافٍ. قالَ الشّاعِرُ: ؎جَذَّذَ الأصْنامَ في مِحْرابِها ذاكَ في اللَّهِ العَلِيِّ المُقْتَدِرِ وقَرَأ الباقُونَ بِالضَّمِّ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ: أيِ الحُطامُ والرِّقاقُ، فِعالُ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، وهَذا هو الكَيْدُ الَّذِي وعَدَهم بِهِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو السِّماكِ ( جَذاذًا ) بِفَتْحِ الجِيمِ ﴿إلّا كَبِيرًا لَهُمْ﴾ أيْ لِلْأصْنامِ لَعَلَّهم إلَيْهِ أيْ إلى إبْراهِيمَ يَرْجِعُونَ فَيُحاجُّهم بِما سَيَأْتِي فَيَحُجُّهم، وقِيلَ: لَعَلَّهم إلى الصَّنَمِ الكَبِيرِ يَرْجِعُونَ فَيَسْألُونَهُ عَنِ الكاسِرِ، لِأنَّ مِن شَأْنِ المَعْبُودِ أنْ يُرْجَعَ إلَيْهِ في المُهِمّاتِ، فَإذا رَجَعُوا إلَيْهِ لَمْ يَجِدُوا عِنْدَهُ خَبَرًا، فَيَعْلَمُونَ حِينَئِذٍ أنَّها لا تَجْلِبُ نَفْعًا ولا تَدْفَعُ ضَرَرًا، ولا تَعْلَمُ بِخَيْرٍ ولا شَرٍّ، ولا تُخْبِرُ عَنِ الَّذِي يَنُوبُها مِنَ الأمْرِ، وقِيلَ: لَعَلَّهم إلى اللَّهِ يَرْجِعُونَ، وهو بَعِيدٌ جِدًّا. ﴿قالُوا مَن فَعَلَ هَذا بِآلِهَتِنا إنَّهُ لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَلَمّا رَجَعُوا مِن عِيدِهِمْ ورَأوْا ما حَدَثَ بِآلِهَتِهِمْ قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّوْبِيخِ، وقِيلَ: إنَّ مَن لَيْسَتِ اسْتِفْهامِيَّةً، بَلْ هي مُبْتَدَأٌ وخَبَرُها إنَّهُ لَمِنَ الظّالِمِينَ: أيْ فاعِلِ هَذا ظالِمٌ. والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِمْ: ﴿سَمِعْنا فَتًى﴾ إلَخْ، فَإنَّهُ قالَ بِهَذا بَعْضُهم مُجِيبًا لِلْمُسْتَفْهِمِينَ لَهم، وهَذا القائِلُ هو الَّذِي سَمِعَ إبْراهِيمَ يَقُولُ: ﴿وتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ﴾ ومَعْنى يَذْكُرُهم يَعِيبُهم، وقَدْ سَبَقَ تَحْقِيقُ مِثْلِ هَذِهِ العِبارَةِ، وجُمْلَةُ ﴿يُقالُ لَهُ إبْراهِيمُ﴾ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِفَتًى. قالَ الزَّجّاجُ: وارْتَفَعَ إبْراهِيمُ عَلى مَعْنى: يُقالُ لَهُ هو إبْراهِيمُ، فَهو عَلى هَذا خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وقِيلَ: ارْتِفاعُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وقِيلَ: مُرْتَفِعٌ عَلى النِّداءِ. ومِن غَرائِبِ التَّدْقِيقاتِ النَّحْوِيَّةِ، وعَجائِبِ التَّوْجِيهاتِ الإعْرابِيَّةِ، أنَّ الأعْلَمَ الشَّنْتَمَرِيَّ الأشْبِيلِيَّ قالَ: إنَّهُ مُرْتَفِعٌ عَلى الإهْمالِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ذَهَبَ إلى رَفْعِهِ بِغَيْرِ شَيْءٍ. والفَتى: هو الشّابُّ، والفَتاةُ الشّابَّةُ. ﴿قالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلى أعْيُنِ النّاسِ﴾ القائِلُونَ هُمُ السّائِلُونَ، أمَرُوا بَعْضَهم أنْ يَأْتِيَ بِهِ ظاهِرًا بِمَرْأًى مِنَ النّاسِ. قِيلَ إنَّهُ لَمّا بَلَغَ الخَبَرُ نَمْرُوذَ وأشْرافَ قَوْمِهِ كَرِهُوا أنْ يَأْخُذُوهُ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، فَقالُوا هَذِهِ المَقالَةَ لِيَكُونَ ذَلِكَ حُجَّةً عَلَيْهِ يَسْتَحِلُّونَ بِها مِنهُ ما قَدْ عَزَمُوا عَلى أنْ يَفْعَلُوهُ بِهِ، ومَعْنى ﴿لَعَلَّهم يَشْهَدُونَ﴾ لَعَلَّهم يَحْضُرُونَ عِقابَهُ حَتّى يَنْزَجِرَ غَيْرُهُ عَنِ الِاقْتِداءِ بِهِ في مِثْلِ هَذا، وقِيلَ: لَعَلَّهم يَشْهَدُونَ عَلَيْهِ بِأنَّهم رَأوْهُ يَكْسِرُ الأصْنامَ، أوْ لَعَلَّهم يَشْهَدُونَ طَعْنَهُ عَلى أصْنامِهِمْ. وجُمْلَةُ ﴿قالُوا أأنْتَ فَعَلْتَ هَذا بِآلِهَتِنا يا إبْراهِيمُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَجاءَ إبْراهِيمُ حِينَ أتَوْا بِهِ فاسْتَفْهَمُوهُ هَلْ فَعَلَ ذَلِكَ، لِإقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِ في زَعْمِهِمْ. ﴿قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾ أيْ قالَ إبْراهِيمُ مُقِيمًا لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ مُبَكِّتًا لَهم، بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا مُشِيرًا إلى الصَّنَمِ الَّذِي تَرَكَهُ ولَمْ يَكْسِرْهُ ﴿فاسْألُوهم إنْ كانُوا يَنْطِقُونَ﴾ أيْ إنْ كانُوا مِمَّنْ يُمْكِنُهُ النُّطْقَ ويَقْدِرُ عَلى الكَلامِ ويَفْهَمُ ما يُقالُ لَهُ، فَيُجِيبُ عَنْهُ بِما يُطابِقُهُ، ولا يَصِحُّ في العَقْلِ أنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ أنَّهُ إلَهٌ. فَأُخْرِجَ الكَلامُ مَخْرَجَ التَّعْرِيضِ لَهم بِما يُوقِعُهم في الِاعْتِرافِ بِأنَّ الجَماداتِ الَّتِي عَبَدُوها لَيْسَتْ بِآلِهَةٍ، لِأنَّهم إذا قالُوا إنَّهم لا يَنْطِقُونَ، قالَ لَهم: فَكَيْفَ تَعْبُدُونَ مَن يَعْجَزُ عَنِ النُّطْقِ، ويَقْصُرُ عَنْ أنْ يَعْلَمَ بِما يَقَعُ عِنْدَهُ في المَكانِ الَّذِي هو فِيهِ ؟ فَهَذا الكَلامُ مِن بابِ فَرْضِ الباطِلِ مَعَ الخَصْمِ حَتّى تَلْزَمَهُ الحُجَّةُ ويَعْتَرِفَ بِالحَقِّ، فَإنَّ ذَلِكَ أقْطَعُ لِشُبْهَتِهِ وأدْفَعُ لِمُكابَرَتِهِ، وقِيلَ: أرادَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِنِسْبَةِ الفِعْلِ إلى ذَلِكَ الكَبِيرِ مِنَ الأصْنامِ أنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لِأنَّهُ غارَ وغَضِبَ مِن أنْ يُعْبَدَ وتُعْبَدَ الصِّغارُ مَعَهُ إرْشادًا لَهم إلى أنَّ عِبادَةَ هَذِهِ الأصْنامِ الَّتِي لا تَسْمَعُ ولا تُبْصِرُ ولا تَنْفَعُ ولا تَدْفَعُ لا تُسْتَحْسَنُ في العَقْلِ مَعَ وُجُودِ خالِقِها وخالِقِهِمْ، والأوَّلُ أوْلى. وقَرَأ ابْنُ السُّمَيْفِعِ ( بَلْ فَعَلَّهُ ) بِتَشْدِيدِ اللّامِ عَلى مَعْنى بَلْ فَلَعَلَّ الفاعِلَ كَبِيرُهم. ﴿فَرَجَعُوا إلى أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ رَجَعَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ رُجُوعَ المُنْقَطِعِ عَنْ حُجَّتِهِ المُتَفَطِّنِ لِصِحَّةِ حُجَّةِ خَصْمِهِ المُراجِعِ لِعَقْلِهِ، وذَلِكَ أنَّهم تَنَبَّهُوا وفَهِمُوا عِنْدَ هَذِهِ المُقاوَلَةِ بَيْنَهم وبَيْنَ إبْراهِيمَ أنَّ مَن لا يَقْدِرُ عَلى دَفْعِ المَضَرَّةِ عَنْ (p-٩٤٠)نَفْسِهِ ولا عَلى الإضْرارِ بِمَن فَعَلَ بِهِ ما فَعَلَهُ إبْراهِيمُ بِتِلْكَ الأصْنامِ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ مُسْتَحِقًّا لِلْعِبادَةِ، ولِهَذا ﴿فَقالُوا إنَّكم أنْتُمُ الظّالِمُونَ﴾ أيْ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: أنْتُمُ الظّالِمُونَ لِأنْفُسِكم بِعِبادَةِ هَذِهِ الجَماداتِ، ولَيْسَ الظّالِمُ مَن نَسَبْتُمُ الظُّلْمَ إلَيْهِ بِقَوْلِكم: ( إنَّهُ لَمِنَ الظّالِمِينَ ) . ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُءُوسِهِمْ﴾ أيْ رَجَعُوا إلى جَهْلِهِمْ وعِنادِهِمْ، شَبَّهَ سُبْحانَهُ عَوْدَهم إلى الباطِلِ بِصَيْرُورَةِ أسْفَلِ الشَّيْءِ أعْلاهُ، وقِيلَ: المَعْنى: أنَّهم طَأْطَأُوا رُءُوسَهم خَجَلَةً مِن إبْراهِيمَ، وهو ضَعِيفٌ لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ نَكَسُوا رُءُوسَهم بِفَتْحِ الكافِ وإسْنادِ الفِعْلِ إلَيْهِمْ حَتّى يَصِحَّ هَذا التَّفْسِيرُ، بَلْ قالَ: نُكِسُوا عَلى رُءُوسِهِمْ، وقُرِئَ ( نُكِّسُوا ) بِالتَّشْدِيدِ، ثُمَّ قالُوا بَعْدَ أنْ نُكِسُوا مُخاطِبِينَ لِإبْراهِيمَ ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ﴾ أيْ قائِلِينَ لِإبْراهِيمَ لَقَدْ عَلِمْتَ أنَّ النُّطْقَ لَيْسَ مِن شَأْنِ هَذِهِ الأصْنامِ. ( قالَ ) إبْراهِيمُ مُبَكِّتًا لَهم ومُزْرِيًا عَلَيْهِمْ ﴿أفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكم شَيْئًا﴾ مِنَ النَّفْعِ ولا يَضُرُّكم بِنَوْعٍ مِن أنْواعِ الضَّرَرِ ثُمَّ تَضَجَّرَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنهم، فَقالَ ﴿أُفٍّ لَكم ولِما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ وفي هَذا تَحْقِيرٌ لَهم ولِمَعْبُوداتِهِمْ، واللّامُ في لَكم لِبَيانِ المُتَأفَّفِ بِهِ: أيْ لَكم ولِآلِهَتِكم، والتَّأفُّفُ صَوْتٌ يَدُلُّ عَلى التَّضَجُّرِ أفَلا تَعْقِلُونَ أيْ لَيْسَ لَكم عُقُولٌ تَتَفَكَّرُونَ بِها، فَتَعْلَمُونَ هَذا الصُّنْعَ القَبِيحَ الَّذِي صَنَعْتُمُوهُ. ﴿قالُوا حَرِّقُوهُ﴾ أيْ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ لَمّا أعْيَتْهُمُ الحِيلَةُ في دَفْعِ إبْراهِيمَ، وعَجَزُوا عَنْ مُجادَلَتِهِ، وضاقَتْ عَلَيْهِمْ مَسالِكُ المُناظَرَةِ حَرِّقُوا إبْراهِيمَ انْصِرافًا مِنهم إلى طَرِيقِ الظُّلْمِ والغَشْمِ، ومَيْلًا مِنهم إلى إظْهارِ الغَلَبَةِ بِأيِّ وجْهٍ كانَ، وعَلى أيِّ أمْرٍ اتَّفَقَ، ولِهَذا قالُوا ﴿وانْصُرُوا آلِهَتَكم إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ أيِ انْصُرُوها بِالِانْتِقامِ مِن هَذا الَّذِي فَعَلَ بِها ما فَعَلَ إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ لِلنَّصْرِ وقِيلَ: هَذا القائِلُ هو نُمْرُوذُ، وقِيلَ: رَجُلٌ مِنَ الأكْرادِ. ﴿قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْدًا وسَلامًا عَلى إبْراهِيمَ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ فَأضْرَمُوا النّارَ، وذَهَبُوا بِإبْراهِيمَ إلَيْها، فَعِنْدَ ذَلِكَ قُلْنا: يا نارُ كُونِي ذاتَ بَرْدٍ وسَلامٍ، وقِيلَ: إنَّ انْتِصابَ سَلامًا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ: أيْ وسَلَّمْنا سَلامًا عَلَيْهِ. ﴿وأرادُوا بِهِ كَيْدًا﴾ أيْ مَكْرًا ﴿فَجَعَلْناهُمُ الأخْسَرِينَ﴾ أيْ أخْسَرَ مِن كُلِّ خاسِرٍ، ورَدَدْنا مَكْرَهم عَلَيْهِمْ، فَجَعَلْنا لَهم عاقِبَةَ السُّوءِ، كَما جَعَلْنا لِإبْراهِيمَ عاقِبَةَ الخَيْرِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: لَمّا خَرَجَ قَوْمُ إبْراهِيمَ إلى عِيدِهِمْ مَرُّوا عَلَيْهِ، فَقالُوا: يا إبْراهِيمُ ألا تَخْرُجُ مَعَنا ؟ قالَ: إنِّي سَقِيمٌ، وقَدْ كانَ بِالأمْسِ، قالَ: ﴿وتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكم بَعْدَ أنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ فَسَمِعَهُ ناسٌ مِنهم، فَلَمّا خَرَجُوا انْطَلَقَ إلى أهْلِهِ، فَأخَذَ طَعامًا ثُمَّ انْطَلَقَ إلى آلِهَتِهِمْ فَقَرَّبَهُ إلَيْهِمْ، فَقالَ ألا تَأْكُلُونَ، فَكَسَرَها إلا كَبِيرَهم، ثُمَّ رَبَطَ في يَدِهِ الَّذِي كَسَرَ بِهِ آلِهَتَهم، فَلَمّا رَجَعَ القَوْمُ مِن عِيدِهِمْ دَخَلُوا، فَإذا هم بِآلِهَتِهِمْ قَدْ كُسِرَتْ، وإذا كَبِيرُهم في يَدِهِ الَّذِي كَسَّرَ الأصْنامَ، قالُوا مَن فَعَلَ هَذا بِآلِهَتِنا ؟ فَقالَ الَّذِينَ سَمِعُوا إبْراهِيمَ يَقُولُ: ﴿وتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكم﴾، ﴿سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ فَجادَلَهم عِنْدَ ذَلِكَ إبْراهِيمُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: جُذاذًا قالَ: حُطامًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: فُتاتًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾ قالَ: عَظِيمُ آلِهَتِهِمْ. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «لَمْ يَكْذِبْ إبْراهِيمُ في شَيْءٍ قَطُّ إلّا في ثَلاثٍ كُلُّهُنَّ في اللَّهِ: قَوْلُهُ إنِّي سَقِيمٌ ولَمْ يَكُنْ سَقِيمًا، وقَوْلُهُ لِسارَّةَ أُخْتِي، وقَوْلُهُ ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾» . وهَذا الحَدِيثُ هو في الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ بِأطْوَلَ مِن هَذا. وقَدْ رَوى نَحْوَ هَذا أبُو يَعْلى مِن حَدِيثِ أبِي سَعْدٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا جُمِعَ لِإبْراهِيمَ ما جُمِعَ، وأُلْقِيَ في النّارِ جَعَلَ خازِنُ المَطَرَ يَقُولُ: مَتى أُومَرُ بِالمَطَرِ فَأُرْسِلَهُ ؟ فَكانَ أمْرُ اللَّهِ أسْرَعَ، قالَ اللَّهُ: ﴿كُونِي بَرْدًا وسَلامًا﴾ فَلَمْ يَبْقَ في الأرْضِ نارٌ إلّا طُفِئَتْ. وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ حِبّانَ وأبُو يَعْلى وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ في عائِشَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّ إبْراهِيمَ حِينَ أُلْقِيَ في النّارِ لَمْ تَكُنْ دابَّةٌ إلّا تُطْفِئُ عَنْهُ النّارَ، غَيْرَ الوَزَغِ فَإنَّهُ كانَ يَنْفُخُ عَلى إبْراهِيمَ، فَأمْرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِقَتْلِهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قالَ: أوَّلُ كَلِمَةٍ قالَها إبْراهِيمُ حِينَ أُلْقِيَ في النّارِ حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿يانارُ كُونِي﴾ قالَ: كانَ جِبْرِيلُ هو الَّذِي ناداها. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَوْ لَمْ يُتْبِعْ بَرْدَها سَلامًا لَماتَ إبْراهِيمُ مِن بَرْدِها. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَلِيٍّ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمانَ التَّيْمِيِّ عَنْ بَعْضِ أصْحابِهِ قالَ: جاءَ جِبْرِيلُ إلى إبْراهِيمَ وهو يُوثَقُ لِيُلْقى في النّارِ، فَقالَ: يا إبْراهِيمُ ألَكَ حاجَةٌ ؟ قالَ: أمّا إلَيْكَ فَلا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ كَعْبٍ قالَ: ما أحْرَقَتِ النّارُ مِن إبْراهِيمَ إلّا وثاقَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ المِنهالِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: أُخْبِرْتُ أنَّ إبْراهِيمَ أُلْقِيَ في النّارِ، فَكانَ فِيها إمّا خَمْسِينَ وإمّا أرْبَعِينَ، قالَ: ما كُنْتُ أيّامًا ولَيالِيَ قَطُّ أطْيَبَ عَيْشًا إذْ كُنْتُ فِيها، ودِدْتُ أنَّ عَيْشِي وحَياتِي كُلَّها مِثْلَ عَيْشِي إذْ كُنْتُ فِيها.

الأنبياء 21:58

(p-٩٣٩). قَوْلُهُ: ﴿وتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكم﴾ أخْبَرَهم أنَّهُ سَيَنْتَقِلُ مِنَ المُحاجَّةِ بِاللِّسانِ إلى تَغْيِيرِ المُنْكَرِ بِالفِعْلِ ثِقَةً بِاللَّهِ سُبْحانَهُ ومُحاماةً عَلى دِينِهِ، والكَيْدُ المَكْرُ: يُقالُ كادَهُ يَكِيدُهُ كَيْدًا ومَكِيدَةً، والمُرادُ هُنا الِاجْتِهادُ في كَسْرِ الأصْنامِ: قِيلَ إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ ذَلِكَ سِرًّا، وقِيلَ: سَمِعَهُ رَجُلٌ مِنهم ﴿بَعْدَ أنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ أيْ بَعْدَ أنْ تَرْجِعُوا مِن عِبادَتِها ذاهِبِينَ مُنْطَلِقِينَ. قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَ لَهم عِيدٌ في كُلِّ سَنَةٍ يَجْتَمِعُونَ فِيهِ، فَقالُوا لِإبْراهِيمَ: لَوْ خَرَجْتَ مَعَنا إلى عِيدِنا أعْجَبَكَ دِينُنا، فَقالَ إبْراهِيمُ هَذِهِ المَقالَةَ. والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلَهم جُذاذًا﴾ فَصِيحَةٌ: أيْ فَوَلَّوْا، فَجَعَلَهم جُذاذًا: الجَذُّ القَطْعُ والكَسْرُ، يُقالُ جَذَذْتُ الشَّيْءَ قَطَعْتُهُ وكَسَرْتُهُ، الواحِدُ جَذاذَةٌ، والجُذاذُ ما كُسِرَ مِنهُ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: قالَ الكِسائِيُّ: ويُقالُ لِحِجارَةِ الذَّهَبِ الجُذاذُ لِأنَّها تُكْسَرُ. قَرَأ الكِسائِيُّ والأعْمَشُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ ( جِذاذًا ) بِكَسْرِ الجِيمِ: أيْ كَسْرًا وقَطْعًا، جَمْعُ جَذِيذٍ: وهو الهَشِيمُ، مِثْلُ خَفِيفٍ وخِفافٍ، وظَرِيفٍ وظِرافٍ. قالَ الشّاعِرُ: ؎جَذَّذَ الأصْنامَ في مِحْرابِها ذاكَ في اللَّهِ العَلِيِّ المُقْتَدِرِ وقَرَأ الباقُونَ بِالضَّمِّ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ: أيِ الحُطامُ والرِّقاقُ، فِعالُ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، وهَذا هو الكَيْدُ الَّذِي وعَدَهم بِهِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو السِّماكِ ( جَذاذًا ) بِفَتْحِ الجِيمِ ﴿إلّا كَبِيرًا لَهُمْ﴾ أيْ لِلْأصْنامِ لَعَلَّهم إلَيْهِ أيْ إلى إبْراهِيمَ يَرْجِعُونَ فَيُحاجُّهم بِما سَيَأْتِي فَيَحُجُّهم، وقِيلَ: لَعَلَّهم إلى الصَّنَمِ الكَبِيرِ يَرْجِعُونَ فَيَسْألُونَهُ عَنِ الكاسِرِ، لِأنَّ مِن شَأْنِ المَعْبُودِ أنْ يُرْجَعَ إلَيْهِ في المُهِمّاتِ، فَإذا رَجَعُوا إلَيْهِ لَمْ يَجِدُوا عِنْدَهُ خَبَرًا، فَيَعْلَمُونَ حِينَئِذٍ أنَّها لا تَجْلِبُ نَفْعًا ولا تَدْفَعُ ضَرَرًا، ولا تَعْلَمُ بِخَيْرٍ ولا شَرٍّ، ولا تُخْبِرُ عَنِ الَّذِي يَنُوبُها مِنَ الأمْرِ، وقِيلَ: لَعَلَّهم إلى اللَّهِ يَرْجِعُونَ، وهو بَعِيدٌ جِدًّا. ﴿قالُوا مَن فَعَلَ هَذا بِآلِهَتِنا إنَّهُ لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَلَمّا رَجَعُوا مِن عِيدِهِمْ ورَأوْا ما حَدَثَ بِآلِهَتِهِمْ قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّوْبِيخِ، وقِيلَ: إنَّ مَن لَيْسَتِ اسْتِفْهامِيَّةً، بَلْ هي مُبْتَدَأٌ وخَبَرُها إنَّهُ لَمِنَ الظّالِمِينَ: أيْ فاعِلِ هَذا ظالِمٌ. والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِمْ: ﴿سَمِعْنا فَتًى﴾ إلَخْ، فَإنَّهُ قالَ بِهَذا بَعْضُهم مُجِيبًا لِلْمُسْتَفْهِمِينَ لَهم، وهَذا القائِلُ هو الَّذِي سَمِعَ إبْراهِيمَ يَقُولُ: ﴿وتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ﴾ ومَعْنى يَذْكُرُهم يَعِيبُهم، وقَدْ سَبَقَ تَحْقِيقُ مِثْلِ هَذِهِ العِبارَةِ، وجُمْلَةُ ﴿يُقالُ لَهُ إبْراهِيمُ﴾ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِفَتًى. قالَ الزَّجّاجُ: وارْتَفَعَ إبْراهِيمُ عَلى مَعْنى: يُقالُ لَهُ هو إبْراهِيمُ، فَهو عَلى هَذا خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وقِيلَ: ارْتِفاعُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وقِيلَ: مُرْتَفِعٌ عَلى النِّداءِ. ومِن غَرائِبِ التَّدْقِيقاتِ النَّحْوِيَّةِ، وعَجائِبِ التَّوْجِيهاتِ الإعْرابِيَّةِ، أنَّ الأعْلَمَ الشَّنْتَمَرِيَّ الأشْبِيلِيَّ قالَ: إنَّهُ مُرْتَفِعٌ عَلى الإهْمالِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ذَهَبَ إلى رَفْعِهِ بِغَيْرِ شَيْءٍ. والفَتى: هو الشّابُّ، والفَتاةُ الشّابَّةُ. ﴿قالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلى أعْيُنِ النّاسِ﴾ القائِلُونَ هُمُ السّائِلُونَ، أمَرُوا بَعْضَهم أنْ يَأْتِيَ بِهِ ظاهِرًا بِمَرْأًى مِنَ النّاسِ. قِيلَ إنَّهُ لَمّا بَلَغَ الخَبَرُ نَمْرُوذَ وأشْرافَ قَوْمِهِ كَرِهُوا أنْ يَأْخُذُوهُ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، فَقالُوا هَذِهِ المَقالَةَ لِيَكُونَ ذَلِكَ حُجَّةً عَلَيْهِ يَسْتَحِلُّونَ بِها مِنهُ ما قَدْ عَزَمُوا عَلى أنْ يَفْعَلُوهُ بِهِ، ومَعْنى ﴿لَعَلَّهم يَشْهَدُونَ﴾ لَعَلَّهم يَحْضُرُونَ عِقابَهُ حَتّى يَنْزَجِرَ غَيْرُهُ عَنِ الِاقْتِداءِ بِهِ في مِثْلِ هَذا، وقِيلَ: لَعَلَّهم يَشْهَدُونَ عَلَيْهِ بِأنَّهم رَأوْهُ يَكْسِرُ الأصْنامَ، أوْ لَعَلَّهم يَشْهَدُونَ طَعْنَهُ عَلى أصْنامِهِمْ. وجُمْلَةُ ﴿قالُوا أأنْتَ فَعَلْتَ هَذا بِآلِهَتِنا يا إبْراهِيمُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَجاءَ إبْراهِيمُ حِينَ أتَوْا بِهِ فاسْتَفْهَمُوهُ هَلْ فَعَلَ ذَلِكَ، لِإقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِ في زَعْمِهِمْ. ﴿قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾ أيْ قالَ إبْراهِيمُ مُقِيمًا لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ مُبَكِّتًا لَهم، بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا مُشِيرًا إلى الصَّنَمِ الَّذِي تَرَكَهُ ولَمْ يَكْسِرْهُ ﴿فاسْألُوهم إنْ كانُوا يَنْطِقُونَ﴾ أيْ إنْ كانُوا مِمَّنْ يُمْكِنُهُ النُّطْقَ ويَقْدِرُ عَلى الكَلامِ ويَفْهَمُ ما يُقالُ لَهُ، فَيُجِيبُ عَنْهُ بِما يُطابِقُهُ، ولا يَصِحُّ في العَقْلِ أنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ أنَّهُ إلَهٌ. فَأُخْرِجَ الكَلامُ مَخْرَجَ التَّعْرِيضِ لَهم بِما يُوقِعُهم في الِاعْتِرافِ بِأنَّ الجَماداتِ الَّتِي عَبَدُوها لَيْسَتْ بِآلِهَةٍ، لِأنَّهم إذا قالُوا إنَّهم لا يَنْطِقُونَ، قالَ لَهم: فَكَيْفَ تَعْبُدُونَ مَن يَعْجَزُ عَنِ النُّطْقِ، ويَقْصُرُ عَنْ أنْ يَعْلَمَ بِما يَقَعُ عِنْدَهُ في المَكانِ الَّذِي هو فِيهِ ؟ فَهَذا الكَلامُ مِن بابِ فَرْضِ الباطِلِ مَعَ الخَصْمِ حَتّى تَلْزَمَهُ الحُجَّةُ ويَعْتَرِفَ بِالحَقِّ، فَإنَّ ذَلِكَ أقْطَعُ لِشُبْهَتِهِ وأدْفَعُ لِمُكابَرَتِهِ، وقِيلَ: أرادَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِنِسْبَةِ الفِعْلِ إلى ذَلِكَ الكَبِيرِ مِنَ الأصْنامِ أنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لِأنَّهُ غارَ وغَضِبَ مِن أنْ يُعْبَدَ وتُعْبَدَ الصِّغارُ مَعَهُ إرْشادًا لَهم إلى أنَّ عِبادَةَ هَذِهِ الأصْنامِ الَّتِي لا تَسْمَعُ ولا تُبْصِرُ ولا تَنْفَعُ ولا تَدْفَعُ لا تُسْتَحْسَنُ في العَقْلِ مَعَ وُجُودِ خالِقِها وخالِقِهِمْ، والأوَّلُ أوْلى. وقَرَأ ابْنُ السُّمَيْفِعِ ( بَلْ فَعَلَّهُ ) بِتَشْدِيدِ اللّامِ عَلى مَعْنى بَلْ فَلَعَلَّ الفاعِلَ كَبِيرُهم. ﴿فَرَجَعُوا إلى أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ رَجَعَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ رُجُوعَ المُنْقَطِعِ عَنْ حُجَّتِهِ المُتَفَطِّنِ لِصِحَّةِ حُجَّةِ خَصْمِهِ المُراجِعِ لِعَقْلِهِ، وذَلِكَ أنَّهم تَنَبَّهُوا وفَهِمُوا عِنْدَ هَذِهِ المُقاوَلَةِ بَيْنَهم وبَيْنَ إبْراهِيمَ أنَّ مَن لا يَقْدِرُ عَلى دَفْعِ المَضَرَّةِ عَنْ (p-٩٤٠)نَفْسِهِ ولا عَلى الإضْرارِ بِمَن فَعَلَ بِهِ ما فَعَلَهُ إبْراهِيمُ بِتِلْكَ الأصْنامِ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ مُسْتَحِقًّا لِلْعِبادَةِ، ولِهَذا ﴿فَقالُوا إنَّكم أنْتُمُ الظّالِمُونَ﴾ أيْ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: أنْتُمُ الظّالِمُونَ لِأنْفُسِكم بِعِبادَةِ هَذِهِ الجَماداتِ، ولَيْسَ الظّالِمُ مَن نَسَبْتُمُ الظُّلْمَ إلَيْهِ بِقَوْلِكم: ( إنَّهُ لَمِنَ الظّالِمِينَ ) . ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُءُوسِهِمْ﴾ أيْ رَجَعُوا إلى جَهْلِهِمْ وعِنادِهِمْ، شَبَّهَ سُبْحانَهُ عَوْدَهم إلى الباطِلِ بِصَيْرُورَةِ أسْفَلِ الشَّيْءِ أعْلاهُ، وقِيلَ: المَعْنى: أنَّهم طَأْطَأُوا رُءُوسَهم خَجَلَةً مِن إبْراهِيمَ، وهو ضَعِيفٌ لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ نَكَسُوا رُءُوسَهم بِفَتْحِ الكافِ وإسْنادِ الفِعْلِ إلَيْهِمْ حَتّى يَصِحَّ هَذا التَّفْسِيرُ، بَلْ قالَ: نُكِسُوا عَلى رُءُوسِهِمْ، وقُرِئَ ( نُكِّسُوا ) بِالتَّشْدِيدِ، ثُمَّ قالُوا بَعْدَ أنْ نُكِسُوا مُخاطِبِينَ لِإبْراهِيمَ ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ﴾ أيْ قائِلِينَ لِإبْراهِيمَ لَقَدْ عَلِمْتَ أنَّ النُّطْقَ لَيْسَ مِن شَأْنِ هَذِهِ الأصْنامِ. ( قالَ ) إبْراهِيمُ مُبَكِّتًا لَهم ومُزْرِيًا عَلَيْهِمْ ﴿أفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكم شَيْئًا﴾ مِنَ النَّفْعِ ولا يَضُرُّكم بِنَوْعٍ مِن أنْواعِ الضَّرَرِ ثُمَّ تَضَجَّرَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنهم، فَقالَ ﴿أُفٍّ لَكم ولِما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ وفي هَذا تَحْقِيرٌ لَهم ولِمَعْبُوداتِهِمْ، واللّامُ في لَكم لِبَيانِ المُتَأفَّفِ بِهِ: أيْ لَكم ولِآلِهَتِكم، والتَّأفُّفُ صَوْتٌ يَدُلُّ عَلى التَّضَجُّرِ أفَلا تَعْقِلُونَ أيْ لَيْسَ لَكم عُقُولٌ تَتَفَكَّرُونَ بِها، فَتَعْلَمُونَ هَذا الصُّنْعَ القَبِيحَ الَّذِي صَنَعْتُمُوهُ. ﴿قالُوا حَرِّقُوهُ﴾ أيْ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ لَمّا أعْيَتْهُمُ الحِيلَةُ في دَفْعِ إبْراهِيمَ، وعَجَزُوا عَنْ مُجادَلَتِهِ، وضاقَتْ عَلَيْهِمْ مَسالِكُ المُناظَرَةِ حَرِّقُوا إبْراهِيمَ انْصِرافًا مِنهم إلى طَرِيقِ الظُّلْمِ والغَشْمِ، ومَيْلًا مِنهم إلى إظْهارِ الغَلَبَةِ بِأيِّ وجْهٍ كانَ، وعَلى أيِّ أمْرٍ اتَّفَقَ، ولِهَذا قالُوا ﴿وانْصُرُوا آلِهَتَكم إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ أيِ انْصُرُوها بِالِانْتِقامِ مِن هَذا الَّذِي فَعَلَ بِها ما فَعَلَ إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ لِلنَّصْرِ وقِيلَ: هَذا القائِلُ هو نُمْرُوذُ، وقِيلَ: رَجُلٌ مِنَ الأكْرادِ. ﴿قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْدًا وسَلامًا عَلى إبْراهِيمَ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ فَأضْرَمُوا النّارَ، وذَهَبُوا بِإبْراهِيمَ إلَيْها، فَعِنْدَ ذَلِكَ قُلْنا: يا نارُ كُونِي ذاتَ بَرْدٍ وسَلامٍ، وقِيلَ: إنَّ انْتِصابَ سَلامًا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ: أيْ وسَلَّمْنا سَلامًا عَلَيْهِ. ﴿وأرادُوا بِهِ كَيْدًا﴾ أيْ مَكْرًا ﴿فَجَعَلْناهُمُ الأخْسَرِينَ﴾ أيْ أخْسَرَ مِن كُلِّ خاسِرٍ، ورَدَدْنا مَكْرَهم عَلَيْهِمْ، فَجَعَلْنا لَهم عاقِبَةَ السُّوءِ، كَما جَعَلْنا لِإبْراهِيمَ عاقِبَةَ الخَيْرِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: لَمّا خَرَجَ قَوْمُ إبْراهِيمَ إلى عِيدِهِمْ مَرُّوا عَلَيْهِ، فَقالُوا: يا إبْراهِيمُ ألا تَخْرُجُ مَعَنا ؟ قالَ: إنِّي سَقِيمٌ، وقَدْ كانَ بِالأمْسِ، قالَ: ﴿وتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكم بَعْدَ أنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ فَسَمِعَهُ ناسٌ مِنهم، فَلَمّا خَرَجُوا انْطَلَقَ إلى أهْلِهِ، فَأخَذَ طَعامًا ثُمَّ انْطَلَقَ إلى آلِهَتِهِمْ فَقَرَّبَهُ إلَيْهِمْ، فَقالَ ألا تَأْكُلُونَ، فَكَسَرَها إلا كَبِيرَهم، ثُمَّ رَبَطَ في يَدِهِ الَّذِي كَسَرَ بِهِ آلِهَتَهم، فَلَمّا رَجَعَ القَوْمُ مِن عِيدِهِمْ دَخَلُوا، فَإذا هم بِآلِهَتِهِمْ قَدْ كُسِرَتْ، وإذا كَبِيرُهم في يَدِهِ الَّذِي كَسَّرَ الأصْنامَ، قالُوا مَن فَعَلَ هَذا بِآلِهَتِنا ؟ فَقالَ الَّذِينَ سَمِعُوا إبْراهِيمَ يَقُولُ: ﴿وتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكم﴾، ﴿سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ فَجادَلَهم عِنْدَ ذَلِكَ إبْراهِيمُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: جُذاذًا قالَ: حُطامًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: فُتاتًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾ قالَ: عَظِيمُ آلِهَتِهِمْ. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «لَمْ يَكْذِبْ إبْراهِيمُ في شَيْءٍ قَطُّ إلّا في ثَلاثٍ كُلُّهُنَّ في اللَّهِ: قَوْلُهُ إنِّي سَقِيمٌ ولَمْ يَكُنْ سَقِيمًا، وقَوْلُهُ لِسارَّةَ أُخْتِي، وقَوْلُهُ ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾» . وهَذا الحَدِيثُ هو في الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ بِأطْوَلَ مِن هَذا. وقَدْ رَوى نَحْوَ هَذا أبُو يَعْلى مِن حَدِيثِ أبِي سَعْدٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا جُمِعَ لِإبْراهِيمَ ما جُمِعَ، وأُلْقِيَ في النّارِ جَعَلَ خازِنُ المَطَرَ يَقُولُ: مَتى أُومَرُ بِالمَطَرِ فَأُرْسِلَهُ ؟ فَكانَ أمْرُ اللَّهِ أسْرَعَ، قالَ اللَّهُ: ﴿كُونِي بَرْدًا وسَلامًا﴾ فَلَمْ يَبْقَ في الأرْضِ نارٌ إلّا طُفِئَتْ. وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ حِبّانَ وأبُو يَعْلى وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ في عائِشَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّ إبْراهِيمَ حِينَ أُلْقِيَ في النّارِ لَمْ تَكُنْ دابَّةٌ إلّا تُطْفِئُ عَنْهُ النّارَ، غَيْرَ الوَزَغِ فَإنَّهُ كانَ يَنْفُخُ عَلى إبْراهِيمَ، فَأمْرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِقَتْلِهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قالَ: أوَّلُ كَلِمَةٍ قالَها إبْراهِيمُ حِينَ أُلْقِيَ في النّارِ حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿يانارُ كُونِي﴾ قالَ: كانَ جِبْرِيلُ هو الَّذِي ناداها. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَوْ لَمْ يُتْبِعْ بَرْدَها سَلامًا لَماتَ إبْراهِيمُ مِن بَرْدِها. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَلِيٍّ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمانَ التَّيْمِيِّ عَنْ بَعْضِ أصْحابِهِ قالَ: جاءَ جِبْرِيلُ إلى إبْراهِيمَ وهو يُوثَقُ لِيُلْقى في النّارِ، فَقالَ: يا إبْراهِيمُ ألَكَ حاجَةٌ ؟ قالَ: أمّا إلَيْكَ فَلا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ كَعْبٍ قالَ: ما أحْرَقَتِ النّارُ مِن إبْراهِيمَ إلّا وثاقَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ المِنهالِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: أُخْبِرْتُ أنَّ إبْراهِيمَ أُلْقِيَ في النّارِ، فَكانَ فِيها إمّا خَمْسِينَ وإمّا أرْبَعِينَ، قالَ: ما كُنْتُ أيّامًا ولَيالِيَ قَطُّ أطْيَبَ عَيْشًا إذْ كُنْتُ فِيها، ودِدْتُ أنَّ عَيْشِي وحَياتِي كُلَّها مِثْلَ عَيْشِي إذْ كُنْتُ فِيها.

الأنبياء 21:59

(p-٩٣٩). قَوْلُهُ: ﴿وتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكم﴾ أخْبَرَهم أنَّهُ سَيَنْتَقِلُ مِنَ المُحاجَّةِ بِاللِّسانِ إلى تَغْيِيرِ المُنْكَرِ بِالفِعْلِ ثِقَةً بِاللَّهِ سُبْحانَهُ ومُحاماةً عَلى دِينِهِ، والكَيْدُ المَكْرُ: يُقالُ كادَهُ يَكِيدُهُ كَيْدًا ومَكِيدَةً، والمُرادُ هُنا الِاجْتِهادُ في كَسْرِ الأصْنامِ: قِيلَ إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ ذَلِكَ سِرًّا، وقِيلَ: سَمِعَهُ رَجُلٌ مِنهم ﴿بَعْدَ أنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ أيْ بَعْدَ أنْ تَرْجِعُوا مِن عِبادَتِها ذاهِبِينَ مُنْطَلِقِينَ. قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَ لَهم عِيدٌ في كُلِّ سَنَةٍ يَجْتَمِعُونَ فِيهِ، فَقالُوا لِإبْراهِيمَ: لَوْ خَرَجْتَ مَعَنا إلى عِيدِنا أعْجَبَكَ دِينُنا، فَقالَ إبْراهِيمُ هَذِهِ المَقالَةَ. والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلَهم جُذاذًا﴾ فَصِيحَةٌ: أيْ فَوَلَّوْا، فَجَعَلَهم جُذاذًا: الجَذُّ القَطْعُ والكَسْرُ، يُقالُ جَذَذْتُ الشَّيْءَ قَطَعْتُهُ وكَسَرْتُهُ، الواحِدُ جَذاذَةٌ، والجُذاذُ ما كُسِرَ مِنهُ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: قالَ الكِسائِيُّ: ويُقالُ لِحِجارَةِ الذَّهَبِ الجُذاذُ لِأنَّها تُكْسَرُ. قَرَأ الكِسائِيُّ والأعْمَشُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ ( جِذاذًا ) بِكَسْرِ الجِيمِ: أيْ كَسْرًا وقَطْعًا، جَمْعُ جَذِيذٍ: وهو الهَشِيمُ، مِثْلُ خَفِيفٍ وخِفافٍ، وظَرِيفٍ وظِرافٍ. قالَ الشّاعِرُ: ؎جَذَّذَ الأصْنامَ في مِحْرابِها ذاكَ في اللَّهِ العَلِيِّ المُقْتَدِرِ وقَرَأ الباقُونَ بِالضَّمِّ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ: أيِ الحُطامُ والرِّقاقُ، فِعالُ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، وهَذا هو الكَيْدُ الَّذِي وعَدَهم بِهِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو السِّماكِ ( جَذاذًا ) بِفَتْحِ الجِيمِ ﴿إلّا كَبِيرًا لَهُمْ﴾ أيْ لِلْأصْنامِ لَعَلَّهم إلَيْهِ أيْ إلى إبْراهِيمَ يَرْجِعُونَ فَيُحاجُّهم بِما سَيَأْتِي فَيَحُجُّهم، وقِيلَ: لَعَلَّهم إلى الصَّنَمِ الكَبِيرِ يَرْجِعُونَ فَيَسْألُونَهُ عَنِ الكاسِرِ، لِأنَّ مِن شَأْنِ المَعْبُودِ أنْ يُرْجَعَ إلَيْهِ في المُهِمّاتِ، فَإذا رَجَعُوا إلَيْهِ لَمْ يَجِدُوا عِنْدَهُ خَبَرًا، فَيَعْلَمُونَ حِينَئِذٍ أنَّها لا تَجْلِبُ نَفْعًا ولا تَدْفَعُ ضَرَرًا، ولا تَعْلَمُ بِخَيْرٍ ولا شَرٍّ، ولا تُخْبِرُ عَنِ الَّذِي يَنُوبُها مِنَ الأمْرِ، وقِيلَ: لَعَلَّهم إلى اللَّهِ يَرْجِعُونَ، وهو بَعِيدٌ جِدًّا. ﴿قالُوا مَن فَعَلَ هَذا بِآلِهَتِنا إنَّهُ لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَلَمّا رَجَعُوا مِن عِيدِهِمْ ورَأوْا ما حَدَثَ بِآلِهَتِهِمْ قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّوْبِيخِ، وقِيلَ: إنَّ مَن لَيْسَتِ اسْتِفْهامِيَّةً، بَلْ هي مُبْتَدَأٌ وخَبَرُها إنَّهُ لَمِنَ الظّالِمِينَ: أيْ فاعِلِ هَذا ظالِمٌ. والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِمْ: ﴿سَمِعْنا فَتًى﴾ إلَخْ، فَإنَّهُ قالَ بِهَذا بَعْضُهم مُجِيبًا لِلْمُسْتَفْهِمِينَ لَهم، وهَذا القائِلُ هو الَّذِي سَمِعَ إبْراهِيمَ يَقُولُ: ﴿وتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ﴾ ومَعْنى يَذْكُرُهم يَعِيبُهم، وقَدْ سَبَقَ تَحْقِيقُ مِثْلِ هَذِهِ العِبارَةِ، وجُمْلَةُ ﴿يُقالُ لَهُ إبْراهِيمُ﴾ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِفَتًى. قالَ الزَّجّاجُ: وارْتَفَعَ إبْراهِيمُ عَلى مَعْنى: يُقالُ لَهُ هو إبْراهِيمُ، فَهو عَلى هَذا خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وقِيلَ: ارْتِفاعُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وقِيلَ: مُرْتَفِعٌ عَلى النِّداءِ. ومِن غَرائِبِ التَّدْقِيقاتِ النَّحْوِيَّةِ، وعَجائِبِ التَّوْجِيهاتِ الإعْرابِيَّةِ، أنَّ الأعْلَمَ الشَّنْتَمَرِيَّ الأشْبِيلِيَّ قالَ: إنَّهُ مُرْتَفِعٌ عَلى الإهْمالِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ذَهَبَ إلى رَفْعِهِ بِغَيْرِ شَيْءٍ. والفَتى: هو الشّابُّ، والفَتاةُ الشّابَّةُ. ﴿قالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلى أعْيُنِ النّاسِ﴾ القائِلُونَ هُمُ السّائِلُونَ، أمَرُوا بَعْضَهم أنْ يَأْتِيَ بِهِ ظاهِرًا بِمَرْأًى مِنَ النّاسِ. قِيلَ إنَّهُ لَمّا بَلَغَ الخَبَرُ نَمْرُوذَ وأشْرافَ قَوْمِهِ كَرِهُوا أنْ يَأْخُذُوهُ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، فَقالُوا هَذِهِ المَقالَةَ لِيَكُونَ ذَلِكَ حُجَّةً عَلَيْهِ يَسْتَحِلُّونَ بِها مِنهُ ما قَدْ عَزَمُوا عَلى أنْ يَفْعَلُوهُ بِهِ، ومَعْنى ﴿لَعَلَّهم يَشْهَدُونَ﴾ لَعَلَّهم يَحْضُرُونَ عِقابَهُ حَتّى يَنْزَجِرَ غَيْرُهُ عَنِ الِاقْتِداءِ بِهِ في مِثْلِ هَذا، وقِيلَ: لَعَلَّهم يَشْهَدُونَ عَلَيْهِ بِأنَّهم رَأوْهُ يَكْسِرُ الأصْنامَ، أوْ لَعَلَّهم يَشْهَدُونَ طَعْنَهُ عَلى أصْنامِهِمْ. وجُمْلَةُ ﴿قالُوا أأنْتَ فَعَلْتَ هَذا بِآلِهَتِنا يا إبْراهِيمُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَجاءَ إبْراهِيمُ حِينَ أتَوْا بِهِ فاسْتَفْهَمُوهُ هَلْ فَعَلَ ذَلِكَ، لِإقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِ في زَعْمِهِمْ. ﴿قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾ أيْ قالَ إبْراهِيمُ مُقِيمًا لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ مُبَكِّتًا لَهم، بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا مُشِيرًا إلى الصَّنَمِ الَّذِي تَرَكَهُ ولَمْ يَكْسِرْهُ ﴿فاسْألُوهم إنْ كانُوا يَنْطِقُونَ﴾ أيْ إنْ كانُوا مِمَّنْ يُمْكِنُهُ النُّطْقَ ويَقْدِرُ عَلى الكَلامِ ويَفْهَمُ ما يُقالُ لَهُ، فَيُجِيبُ عَنْهُ بِما يُطابِقُهُ، ولا يَصِحُّ في العَقْلِ أنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ أنَّهُ إلَهٌ. فَأُخْرِجَ الكَلامُ مَخْرَجَ التَّعْرِيضِ لَهم بِما يُوقِعُهم في الِاعْتِرافِ بِأنَّ الجَماداتِ الَّتِي عَبَدُوها لَيْسَتْ بِآلِهَةٍ، لِأنَّهم إذا قالُوا إنَّهم لا يَنْطِقُونَ، قالَ لَهم: فَكَيْفَ تَعْبُدُونَ مَن يَعْجَزُ عَنِ النُّطْقِ، ويَقْصُرُ عَنْ أنْ يَعْلَمَ بِما يَقَعُ عِنْدَهُ في المَكانِ الَّذِي هو فِيهِ ؟ فَهَذا الكَلامُ مِن بابِ فَرْضِ الباطِلِ مَعَ الخَصْمِ حَتّى تَلْزَمَهُ الحُجَّةُ ويَعْتَرِفَ بِالحَقِّ، فَإنَّ ذَلِكَ أقْطَعُ لِشُبْهَتِهِ وأدْفَعُ لِمُكابَرَتِهِ، وقِيلَ: أرادَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِنِسْبَةِ الفِعْلِ إلى ذَلِكَ الكَبِيرِ مِنَ الأصْنامِ أنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لِأنَّهُ غارَ وغَضِبَ مِن أنْ يُعْبَدَ وتُعْبَدَ الصِّغارُ مَعَهُ إرْشادًا لَهم إلى أنَّ عِبادَةَ هَذِهِ الأصْنامِ الَّتِي لا تَسْمَعُ ولا تُبْصِرُ ولا تَنْفَعُ ولا تَدْفَعُ لا تُسْتَحْسَنُ في العَقْلِ مَعَ وُجُودِ خالِقِها وخالِقِهِمْ، والأوَّلُ أوْلى. وقَرَأ ابْنُ السُّمَيْفِعِ ( بَلْ فَعَلَّهُ ) بِتَشْدِيدِ اللّامِ عَلى مَعْنى بَلْ فَلَعَلَّ الفاعِلَ كَبِيرُهم. ﴿فَرَجَعُوا إلى أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ رَجَعَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ رُجُوعَ المُنْقَطِعِ عَنْ حُجَّتِهِ المُتَفَطِّنِ لِصِحَّةِ حُجَّةِ خَصْمِهِ المُراجِعِ لِعَقْلِهِ، وذَلِكَ أنَّهم تَنَبَّهُوا وفَهِمُوا عِنْدَ هَذِهِ المُقاوَلَةِ بَيْنَهم وبَيْنَ إبْراهِيمَ أنَّ مَن لا يَقْدِرُ عَلى دَفْعِ المَضَرَّةِ عَنْ (p-٩٤٠)نَفْسِهِ ولا عَلى الإضْرارِ بِمَن فَعَلَ بِهِ ما فَعَلَهُ إبْراهِيمُ بِتِلْكَ الأصْنامِ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ مُسْتَحِقًّا لِلْعِبادَةِ، ولِهَذا ﴿فَقالُوا إنَّكم أنْتُمُ الظّالِمُونَ﴾ أيْ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: أنْتُمُ الظّالِمُونَ لِأنْفُسِكم بِعِبادَةِ هَذِهِ الجَماداتِ، ولَيْسَ الظّالِمُ مَن نَسَبْتُمُ الظُّلْمَ إلَيْهِ بِقَوْلِكم: ( إنَّهُ لَمِنَ الظّالِمِينَ ) . ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُءُوسِهِمْ﴾ أيْ رَجَعُوا إلى جَهْلِهِمْ وعِنادِهِمْ، شَبَّهَ سُبْحانَهُ عَوْدَهم إلى الباطِلِ بِصَيْرُورَةِ أسْفَلِ الشَّيْءِ أعْلاهُ، وقِيلَ: المَعْنى: أنَّهم طَأْطَأُوا رُءُوسَهم خَجَلَةً مِن إبْراهِيمَ، وهو ضَعِيفٌ لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ نَكَسُوا رُءُوسَهم بِفَتْحِ الكافِ وإسْنادِ الفِعْلِ إلَيْهِمْ حَتّى يَصِحَّ هَذا التَّفْسِيرُ، بَلْ قالَ: نُكِسُوا عَلى رُءُوسِهِمْ، وقُرِئَ ( نُكِّسُوا ) بِالتَّشْدِيدِ، ثُمَّ قالُوا بَعْدَ أنْ نُكِسُوا مُخاطِبِينَ لِإبْراهِيمَ ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ﴾ أيْ قائِلِينَ لِإبْراهِيمَ لَقَدْ عَلِمْتَ أنَّ النُّطْقَ لَيْسَ مِن شَأْنِ هَذِهِ الأصْنامِ. ( قالَ ) إبْراهِيمُ مُبَكِّتًا لَهم ومُزْرِيًا عَلَيْهِمْ ﴿أفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكم شَيْئًا﴾ مِنَ النَّفْعِ ولا يَضُرُّكم بِنَوْعٍ مِن أنْواعِ الضَّرَرِ ثُمَّ تَضَجَّرَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنهم، فَقالَ ﴿أُفٍّ لَكم ولِما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ وفي هَذا تَحْقِيرٌ لَهم ولِمَعْبُوداتِهِمْ، واللّامُ في لَكم لِبَيانِ المُتَأفَّفِ بِهِ: أيْ لَكم ولِآلِهَتِكم، والتَّأفُّفُ صَوْتٌ يَدُلُّ عَلى التَّضَجُّرِ أفَلا تَعْقِلُونَ أيْ لَيْسَ لَكم عُقُولٌ تَتَفَكَّرُونَ بِها، فَتَعْلَمُونَ هَذا الصُّنْعَ القَبِيحَ الَّذِي صَنَعْتُمُوهُ. ﴿قالُوا حَرِّقُوهُ﴾ أيْ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ لَمّا أعْيَتْهُمُ الحِيلَةُ في دَفْعِ إبْراهِيمَ، وعَجَزُوا عَنْ مُجادَلَتِهِ، وضاقَتْ عَلَيْهِمْ مَسالِكُ المُناظَرَةِ حَرِّقُوا إبْراهِيمَ انْصِرافًا مِنهم إلى طَرِيقِ الظُّلْمِ والغَشْمِ، ومَيْلًا مِنهم إلى إظْهارِ الغَلَبَةِ بِأيِّ وجْهٍ كانَ، وعَلى أيِّ أمْرٍ اتَّفَقَ، ولِهَذا قالُوا ﴿وانْصُرُوا آلِهَتَكم إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ أيِ انْصُرُوها بِالِانْتِقامِ مِن هَذا الَّذِي فَعَلَ بِها ما فَعَلَ إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ لِلنَّصْرِ وقِيلَ: هَذا القائِلُ هو نُمْرُوذُ، وقِيلَ: رَجُلٌ مِنَ الأكْرادِ. ﴿قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْدًا وسَلامًا عَلى إبْراهِيمَ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ فَأضْرَمُوا النّارَ، وذَهَبُوا بِإبْراهِيمَ إلَيْها، فَعِنْدَ ذَلِكَ قُلْنا: يا نارُ كُونِي ذاتَ بَرْدٍ وسَلامٍ، وقِيلَ: إنَّ انْتِصابَ سَلامًا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ: أيْ وسَلَّمْنا سَلامًا عَلَيْهِ. ﴿وأرادُوا بِهِ كَيْدًا﴾ أيْ مَكْرًا ﴿فَجَعَلْناهُمُ الأخْسَرِينَ﴾ أيْ أخْسَرَ مِن كُلِّ خاسِرٍ، ورَدَدْنا مَكْرَهم عَلَيْهِمْ، فَجَعَلْنا لَهم عاقِبَةَ السُّوءِ، كَما جَعَلْنا لِإبْراهِيمَ عاقِبَةَ الخَيْرِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: لَمّا خَرَجَ قَوْمُ إبْراهِيمَ إلى عِيدِهِمْ مَرُّوا عَلَيْهِ، فَقالُوا: يا إبْراهِيمُ ألا تَخْرُجُ مَعَنا ؟ قالَ: إنِّي سَقِيمٌ، وقَدْ كانَ بِالأمْسِ، قالَ: ﴿وتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكم بَعْدَ أنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ فَسَمِعَهُ ناسٌ مِنهم، فَلَمّا خَرَجُوا انْطَلَقَ إلى أهْلِهِ، فَأخَذَ طَعامًا ثُمَّ انْطَلَقَ إلى آلِهَتِهِمْ فَقَرَّبَهُ إلَيْهِمْ، فَقالَ ألا تَأْكُلُونَ، فَكَسَرَها إلا كَبِيرَهم، ثُمَّ رَبَطَ في يَدِهِ الَّذِي كَسَرَ بِهِ آلِهَتَهم، فَلَمّا رَجَعَ القَوْمُ مِن عِيدِهِمْ دَخَلُوا، فَإذا هم بِآلِهَتِهِمْ قَدْ كُسِرَتْ، وإذا كَبِيرُهم في يَدِهِ الَّذِي كَسَّرَ الأصْنامَ، قالُوا مَن فَعَلَ هَذا بِآلِهَتِنا ؟ فَقالَ الَّذِينَ سَمِعُوا إبْراهِيمَ يَقُولُ: ﴿وتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكم﴾، ﴿سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ فَجادَلَهم عِنْدَ ذَلِكَ إبْراهِيمُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: جُذاذًا قالَ: حُطامًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: فُتاتًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾ قالَ: عَظِيمُ آلِهَتِهِمْ. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «لَمْ يَكْذِبْ إبْراهِيمُ في شَيْءٍ قَطُّ إلّا في ثَلاثٍ كُلُّهُنَّ في اللَّهِ: قَوْلُهُ إنِّي سَقِيمٌ ولَمْ يَكُنْ سَقِيمًا، وقَوْلُهُ لِسارَّةَ أُخْتِي، وقَوْلُهُ ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾» . وهَذا الحَدِيثُ هو في الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ بِأطْوَلَ مِن هَذا. وقَدْ رَوى نَحْوَ هَذا أبُو يَعْلى مِن حَدِيثِ أبِي سَعْدٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا جُمِعَ لِإبْراهِيمَ ما جُمِعَ، وأُلْقِيَ في النّارِ جَعَلَ خازِنُ المَطَرَ يَقُولُ: مَتى أُومَرُ بِالمَطَرِ فَأُرْسِلَهُ ؟ فَكانَ أمْرُ اللَّهِ أسْرَعَ، قالَ اللَّهُ: ﴿كُونِي بَرْدًا وسَلامًا﴾ فَلَمْ يَبْقَ في الأرْضِ نارٌ إلّا طُفِئَتْ. وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ حِبّانَ وأبُو يَعْلى وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ في عائِشَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّ إبْراهِيمَ حِينَ أُلْقِيَ في النّارِ لَمْ تَكُنْ دابَّةٌ إلّا تُطْفِئُ عَنْهُ النّارَ، غَيْرَ الوَزَغِ فَإنَّهُ كانَ يَنْفُخُ عَلى إبْراهِيمَ، فَأمْرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِقَتْلِهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قالَ: أوَّلُ كَلِمَةٍ قالَها إبْراهِيمُ حِينَ أُلْقِيَ في النّارِ حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿يانارُ كُونِي﴾ قالَ: كانَ جِبْرِيلُ هو الَّذِي ناداها. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَوْ لَمْ يُتْبِعْ بَرْدَها سَلامًا لَماتَ إبْراهِيمُ مِن بَرْدِها. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَلِيٍّ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمانَ التَّيْمِيِّ عَنْ بَعْضِ أصْحابِهِ قالَ: جاءَ جِبْرِيلُ إلى إبْراهِيمَ وهو يُوثَقُ لِيُلْقى في النّارِ، فَقالَ: يا إبْراهِيمُ ألَكَ حاجَةٌ ؟ قالَ: أمّا إلَيْكَ فَلا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ كَعْبٍ قالَ: ما أحْرَقَتِ النّارُ مِن إبْراهِيمَ إلّا وثاقَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ المِنهالِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: أُخْبِرْتُ أنَّ إبْراهِيمَ أُلْقِيَ في النّارِ، فَكانَ فِيها إمّا خَمْسِينَ وإمّا أرْبَعِينَ، قالَ: ما كُنْتُ أيّامًا ولَيالِيَ قَطُّ أطْيَبَ عَيْشًا إذْ كُنْتُ فِيها، ودِدْتُ أنَّ عَيْشِي وحَياتِي كُلَّها مِثْلَ عَيْشِي إذْ كُنْتُ فِيها.

الأنبياء 21:60

(p-٩٣٩). قَوْلُهُ: ﴿وتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكم﴾ أخْبَرَهم أنَّهُ سَيَنْتَقِلُ مِنَ المُحاجَّةِ بِاللِّسانِ إلى تَغْيِيرِ المُنْكَرِ بِالفِعْلِ ثِقَةً بِاللَّهِ سُبْحانَهُ ومُحاماةً عَلى دِينِهِ، والكَيْدُ المَكْرُ: يُقالُ كادَهُ يَكِيدُهُ كَيْدًا ومَكِيدَةً، والمُرادُ هُنا الِاجْتِهادُ في كَسْرِ الأصْنامِ: قِيلَ إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ ذَلِكَ سِرًّا، وقِيلَ: سَمِعَهُ رَجُلٌ مِنهم ﴿بَعْدَ أنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ أيْ بَعْدَ أنْ تَرْجِعُوا مِن عِبادَتِها ذاهِبِينَ مُنْطَلِقِينَ. قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَ لَهم عِيدٌ في كُلِّ سَنَةٍ يَجْتَمِعُونَ فِيهِ، فَقالُوا لِإبْراهِيمَ: لَوْ خَرَجْتَ مَعَنا إلى عِيدِنا أعْجَبَكَ دِينُنا، فَقالَ إبْراهِيمُ هَذِهِ المَقالَةَ. والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلَهم جُذاذًا﴾ فَصِيحَةٌ: أيْ فَوَلَّوْا، فَجَعَلَهم جُذاذًا: الجَذُّ القَطْعُ والكَسْرُ، يُقالُ جَذَذْتُ الشَّيْءَ قَطَعْتُهُ وكَسَرْتُهُ، الواحِدُ جَذاذَةٌ، والجُذاذُ ما كُسِرَ مِنهُ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: قالَ الكِسائِيُّ: ويُقالُ لِحِجارَةِ الذَّهَبِ الجُذاذُ لِأنَّها تُكْسَرُ. قَرَأ الكِسائِيُّ والأعْمَشُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ ( جِذاذًا ) بِكَسْرِ الجِيمِ: أيْ كَسْرًا وقَطْعًا، جَمْعُ جَذِيذٍ: وهو الهَشِيمُ، مِثْلُ خَفِيفٍ وخِفافٍ، وظَرِيفٍ وظِرافٍ. قالَ الشّاعِرُ: ؎جَذَّذَ الأصْنامَ في مِحْرابِها ذاكَ في اللَّهِ العَلِيِّ المُقْتَدِرِ وقَرَأ الباقُونَ بِالضَّمِّ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ: أيِ الحُطامُ والرِّقاقُ، فِعالُ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، وهَذا هو الكَيْدُ الَّذِي وعَدَهم بِهِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو السِّماكِ ( جَذاذًا ) بِفَتْحِ الجِيمِ ﴿إلّا كَبِيرًا لَهُمْ﴾ أيْ لِلْأصْنامِ لَعَلَّهم إلَيْهِ أيْ إلى إبْراهِيمَ يَرْجِعُونَ فَيُحاجُّهم بِما سَيَأْتِي فَيَحُجُّهم، وقِيلَ: لَعَلَّهم إلى الصَّنَمِ الكَبِيرِ يَرْجِعُونَ فَيَسْألُونَهُ عَنِ الكاسِرِ، لِأنَّ مِن شَأْنِ المَعْبُودِ أنْ يُرْجَعَ إلَيْهِ في المُهِمّاتِ، فَإذا رَجَعُوا إلَيْهِ لَمْ يَجِدُوا عِنْدَهُ خَبَرًا، فَيَعْلَمُونَ حِينَئِذٍ أنَّها لا تَجْلِبُ نَفْعًا ولا تَدْفَعُ ضَرَرًا، ولا تَعْلَمُ بِخَيْرٍ ولا شَرٍّ، ولا تُخْبِرُ عَنِ الَّذِي يَنُوبُها مِنَ الأمْرِ، وقِيلَ: لَعَلَّهم إلى اللَّهِ يَرْجِعُونَ، وهو بَعِيدٌ جِدًّا. ﴿قالُوا مَن فَعَلَ هَذا بِآلِهَتِنا إنَّهُ لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَلَمّا رَجَعُوا مِن عِيدِهِمْ ورَأوْا ما حَدَثَ بِآلِهَتِهِمْ قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّوْبِيخِ، وقِيلَ: إنَّ مَن لَيْسَتِ اسْتِفْهامِيَّةً، بَلْ هي مُبْتَدَأٌ وخَبَرُها إنَّهُ لَمِنَ الظّالِمِينَ: أيْ فاعِلِ هَذا ظالِمٌ. والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِمْ: ﴿سَمِعْنا فَتًى﴾ إلَخْ، فَإنَّهُ قالَ بِهَذا بَعْضُهم مُجِيبًا لِلْمُسْتَفْهِمِينَ لَهم، وهَذا القائِلُ هو الَّذِي سَمِعَ إبْراهِيمَ يَقُولُ: ﴿وتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ﴾ ومَعْنى يَذْكُرُهم يَعِيبُهم، وقَدْ سَبَقَ تَحْقِيقُ مِثْلِ هَذِهِ العِبارَةِ، وجُمْلَةُ ﴿يُقالُ لَهُ إبْراهِيمُ﴾ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِفَتًى. قالَ الزَّجّاجُ: وارْتَفَعَ إبْراهِيمُ عَلى مَعْنى: يُقالُ لَهُ هو إبْراهِيمُ، فَهو عَلى هَذا خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وقِيلَ: ارْتِفاعُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وقِيلَ: مُرْتَفِعٌ عَلى النِّداءِ. ومِن غَرائِبِ التَّدْقِيقاتِ النَّحْوِيَّةِ، وعَجائِبِ التَّوْجِيهاتِ الإعْرابِيَّةِ، أنَّ الأعْلَمَ الشَّنْتَمَرِيَّ الأشْبِيلِيَّ قالَ: إنَّهُ مُرْتَفِعٌ عَلى الإهْمالِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ذَهَبَ إلى رَفْعِهِ بِغَيْرِ شَيْءٍ. والفَتى: هو الشّابُّ، والفَتاةُ الشّابَّةُ. ﴿قالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلى أعْيُنِ النّاسِ﴾ القائِلُونَ هُمُ السّائِلُونَ، أمَرُوا بَعْضَهم أنْ يَأْتِيَ بِهِ ظاهِرًا بِمَرْأًى مِنَ النّاسِ. قِيلَ إنَّهُ لَمّا بَلَغَ الخَبَرُ نَمْرُوذَ وأشْرافَ قَوْمِهِ كَرِهُوا أنْ يَأْخُذُوهُ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، فَقالُوا هَذِهِ المَقالَةَ لِيَكُونَ ذَلِكَ حُجَّةً عَلَيْهِ يَسْتَحِلُّونَ بِها مِنهُ ما قَدْ عَزَمُوا عَلى أنْ يَفْعَلُوهُ بِهِ، ومَعْنى ﴿لَعَلَّهم يَشْهَدُونَ﴾ لَعَلَّهم يَحْضُرُونَ عِقابَهُ حَتّى يَنْزَجِرَ غَيْرُهُ عَنِ الِاقْتِداءِ بِهِ في مِثْلِ هَذا، وقِيلَ: لَعَلَّهم يَشْهَدُونَ عَلَيْهِ بِأنَّهم رَأوْهُ يَكْسِرُ الأصْنامَ، أوْ لَعَلَّهم يَشْهَدُونَ طَعْنَهُ عَلى أصْنامِهِمْ. وجُمْلَةُ ﴿قالُوا أأنْتَ فَعَلْتَ هَذا بِآلِهَتِنا يا إبْراهِيمُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَجاءَ إبْراهِيمُ حِينَ أتَوْا بِهِ فاسْتَفْهَمُوهُ هَلْ فَعَلَ ذَلِكَ، لِإقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِ في زَعْمِهِمْ. ﴿قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾ أيْ قالَ إبْراهِيمُ مُقِيمًا لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ مُبَكِّتًا لَهم، بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا مُشِيرًا إلى الصَّنَمِ الَّذِي تَرَكَهُ ولَمْ يَكْسِرْهُ ﴿فاسْألُوهم إنْ كانُوا يَنْطِقُونَ﴾ أيْ إنْ كانُوا مِمَّنْ يُمْكِنُهُ النُّطْقَ ويَقْدِرُ عَلى الكَلامِ ويَفْهَمُ ما يُقالُ لَهُ، فَيُجِيبُ عَنْهُ بِما يُطابِقُهُ، ولا يَصِحُّ في العَقْلِ أنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ أنَّهُ إلَهٌ. فَأُخْرِجَ الكَلامُ مَخْرَجَ التَّعْرِيضِ لَهم بِما يُوقِعُهم في الِاعْتِرافِ بِأنَّ الجَماداتِ الَّتِي عَبَدُوها لَيْسَتْ بِآلِهَةٍ، لِأنَّهم إذا قالُوا إنَّهم لا يَنْطِقُونَ، قالَ لَهم: فَكَيْفَ تَعْبُدُونَ مَن يَعْجَزُ عَنِ النُّطْقِ، ويَقْصُرُ عَنْ أنْ يَعْلَمَ بِما يَقَعُ عِنْدَهُ في المَكانِ الَّذِي هو فِيهِ ؟ فَهَذا الكَلامُ مِن بابِ فَرْضِ الباطِلِ مَعَ الخَصْمِ حَتّى تَلْزَمَهُ الحُجَّةُ ويَعْتَرِفَ بِالحَقِّ، فَإنَّ ذَلِكَ أقْطَعُ لِشُبْهَتِهِ وأدْفَعُ لِمُكابَرَتِهِ، وقِيلَ: أرادَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِنِسْبَةِ الفِعْلِ إلى ذَلِكَ الكَبِيرِ مِنَ الأصْنامِ أنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لِأنَّهُ غارَ وغَضِبَ مِن أنْ يُعْبَدَ وتُعْبَدَ الصِّغارُ مَعَهُ إرْشادًا لَهم إلى أنَّ عِبادَةَ هَذِهِ الأصْنامِ الَّتِي لا تَسْمَعُ ولا تُبْصِرُ ولا تَنْفَعُ ولا تَدْفَعُ لا تُسْتَحْسَنُ في العَقْلِ مَعَ وُجُودِ خالِقِها وخالِقِهِمْ، والأوَّلُ أوْلى. وقَرَأ ابْنُ السُّمَيْفِعِ ( بَلْ فَعَلَّهُ ) بِتَشْدِيدِ اللّامِ عَلى مَعْنى بَلْ فَلَعَلَّ الفاعِلَ كَبِيرُهم. ﴿فَرَجَعُوا إلى أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ رَجَعَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ رُجُوعَ المُنْقَطِعِ عَنْ حُجَّتِهِ المُتَفَطِّنِ لِصِحَّةِ حُجَّةِ خَصْمِهِ المُراجِعِ لِعَقْلِهِ، وذَلِكَ أنَّهم تَنَبَّهُوا وفَهِمُوا عِنْدَ هَذِهِ المُقاوَلَةِ بَيْنَهم وبَيْنَ إبْراهِيمَ أنَّ مَن لا يَقْدِرُ عَلى دَفْعِ المَضَرَّةِ عَنْ (p-٩٤٠)نَفْسِهِ ولا عَلى الإضْرارِ بِمَن فَعَلَ بِهِ ما فَعَلَهُ إبْراهِيمُ بِتِلْكَ الأصْنامِ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ مُسْتَحِقًّا لِلْعِبادَةِ، ولِهَذا ﴿فَقالُوا إنَّكم أنْتُمُ الظّالِمُونَ﴾ أيْ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: أنْتُمُ الظّالِمُونَ لِأنْفُسِكم بِعِبادَةِ هَذِهِ الجَماداتِ، ولَيْسَ الظّالِمُ مَن نَسَبْتُمُ الظُّلْمَ إلَيْهِ بِقَوْلِكم: ( إنَّهُ لَمِنَ الظّالِمِينَ ) . ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُءُوسِهِمْ﴾ أيْ رَجَعُوا إلى جَهْلِهِمْ وعِنادِهِمْ، شَبَّهَ سُبْحانَهُ عَوْدَهم إلى الباطِلِ بِصَيْرُورَةِ أسْفَلِ الشَّيْءِ أعْلاهُ، وقِيلَ: المَعْنى: أنَّهم طَأْطَأُوا رُءُوسَهم خَجَلَةً مِن إبْراهِيمَ، وهو ضَعِيفٌ لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ نَكَسُوا رُءُوسَهم بِفَتْحِ الكافِ وإسْنادِ الفِعْلِ إلَيْهِمْ حَتّى يَصِحَّ هَذا التَّفْسِيرُ، بَلْ قالَ: نُكِسُوا عَلى رُءُوسِهِمْ، وقُرِئَ ( نُكِّسُوا ) بِالتَّشْدِيدِ، ثُمَّ قالُوا بَعْدَ أنْ نُكِسُوا مُخاطِبِينَ لِإبْراهِيمَ ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ﴾ أيْ قائِلِينَ لِإبْراهِيمَ لَقَدْ عَلِمْتَ أنَّ النُّطْقَ لَيْسَ مِن شَأْنِ هَذِهِ الأصْنامِ. ( قالَ ) إبْراهِيمُ مُبَكِّتًا لَهم ومُزْرِيًا عَلَيْهِمْ ﴿أفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكم شَيْئًا﴾ مِنَ النَّفْعِ ولا يَضُرُّكم بِنَوْعٍ مِن أنْواعِ الضَّرَرِ ثُمَّ تَضَجَّرَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنهم، فَقالَ ﴿أُفٍّ لَكم ولِما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ وفي هَذا تَحْقِيرٌ لَهم ولِمَعْبُوداتِهِمْ، واللّامُ في لَكم لِبَيانِ المُتَأفَّفِ بِهِ: أيْ لَكم ولِآلِهَتِكم، والتَّأفُّفُ صَوْتٌ يَدُلُّ عَلى التَّضَجُّرِ أفَلا تَعْقِلُونَ أيْ لَيْسَ لَكم عُقُولٌ تَتَفَكَّرُونَ بِها، فَتَعْلَمُونَ هَذا الصُّنْعَ القَبِيحَ الَّذِي صَنَعْتُمُوهُ. ﴿قالُوا حَرِّقُوهُ﴾ أيْ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ لَمّا أعْيَتْهُمُ الحِيلَةُ في دَفْعِ إبْراهِيمَ، وعَجَزُوا عَنْ مُجادَلَتِهِ، وضاقَتْ عَلَيْهِمْ مَسالِكُ المُناظَرَةِ حَرِّقُوا إبْراهِيمَ انْصِرافًا مِنهم إلى طَرِيقِ الظُّلْمِ والغَشْمِ، ومَيْلًا مِنهم إلى إظْهارِ الغَلَبَةِ بِأيِّ وجْهٍ كانَ، وعَلى أيِّ أمْرٍ اتَّفَقَ، ولِهَذا قالُوا ﴿وانْصُرُوا آلِهَتَكم إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ أيِ انْصُرُوها بِالِانْتِقامِ مِن هَذا الَّذِي فَعَلَ بِها ما فَعَلَ إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ لِلنَّصْرِ وقِيلَ: هَذا القائِلُ هو نُمْرُوذُ، وقِيلَ: رَجُلٌ مِنَ الأكْرادِ. ﴿قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْدًا وسَلامًا عَلى إبْراهِيمَ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ فَأضْرَمُوا النّارَ، وذَهَبُوا بِإبْراهِيمَ إلَيْها، فَعِنْدَ ذَلِكَ قُلْنا: يا نارُ كُونِي ذاتَ بَرْدٍ وسَلامٍ، وقِيلَ: إنَّ انْتِصابَ سَلامًا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ: أيْ وسَلَّمْنا سَلامًا عَلَيْهِ. ﴿وأرادُوا بِهِ كَيْدًا﴾ أيْ مَكْرًا ﴿فَجَعَلْناهُمُ الأخْسَرِينَ﴾ أيْ أخْسَرَ مِن كُلِّ خاسِرٍ، ورَدَدْنا مَكْرَهم عَلَيْهِمْ، فَجَعَلْنا لَهم عاقِبَةَ السُّوءِ، كَما جَعَلْنا لِإبْراهِيمَ عاقِبَةَ الخَيْرِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: لَمّا خَرَجَ قَوْمُ إبْراهِيمَ إلى عِيدِهِمْ مَرُّوا عَلَيْهِ، فَقالُوا: يا إبْراهِيمُ ألا تَخْرُجُ مَعَنا ؟ قالَ: إنِّي سَقِيمٌ، وقَدْ كانَ بِالأمْسِ، قالَ: ﴿وتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكم بَعْدَ أنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ فَسَمِعَهُ ناسٌ مِنهم، فَلَمّا خَرَجُوا انْطَلَقَ إلى أهْلِهِ، فَأخَذَ طَعامًا ثُمَّ انْطَلَقَ إلى آلِهَتِهِمْ فَقَرَّبَهُ إلَيْهِمْ، فَقالَ ألا تَأْكُلُونَ، فَكَسَرَها إلا كَبِيرَهم، ثُمَّ رَبَطَ في يَدِهِ الَّذِي كَسَرَ بِهِ آلِهَتَهم، فَلَمّا رَجَعَ القَوْمُ مِن عِيدِهِمْ دَخَلُوا، فَإذا هم بِآلِهَتِهِمْ قَدْ كُسِرَتْ، وإذا كَبِيرُهم في يَدِهِ الَّذِي كَسَّرَ الأصْنامَ، قالُوا مَن فَعَلَ هَذا بِآلِهَتِنا ؟ فَقالَ الَّذِينَ سَمِعُوا إبْراهِيمَ يَقُولُ: ﴿وتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكم﴾، ﴿سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ فَجادَلَهم عِنْدَ ذَلِكَ إبْراهِيمُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: جُذاذًا قالَ: حُطامًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: فُتاتًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾ قالَ: عَظِيمُ آلِهَتِهِمْ. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «لَمْ يَكْذِبْ إبْراهِيمُ في شَيْءٍ قَطُّ إلّا في ثَلاثٍ كُلُّهُنَّ في اللَّهِ: قَوْلُهُ إنِّي سَقِيمٌ ولَمْ يَكُنْ سَقِيمًا، وقَوْلُهُ لِسارَّةَ أُخْتِي، وقَوْلُهُ ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾» . وهَذا الحَدِيثُ هو في الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ بِأطْوَلَ مِن هَذا. وقَدْ رَوى نَحْوَ هَذا أبُو يَعْلى مِن حَدِيثِ أبِي سَعْدٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا جُمِعَ لِإبْراهِيمَ ما جُمِعَ، وأُلْقِيَ في النّارِ جَعَلَ خازِنُ المَطَرَ يَقُولُ: مَتى أُومَرُ بِالمَطَرِ فَأُرْسِلَهُ ؟ فَكانَ أمْرُ اللَّهِ أسْرَعَ، قالَ اللَّهُ: ﴿كُونِي بَرْدًا وسَلامًا﴾ فَلَمْ يَبْقَ في الأرْضِ نارٌ إلّا طُفِئَتْ. وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ حِبّانَ وأبُو يَعْلى وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ في عائِشَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّ إبْراهِيمَ حِينَ أُلْقِيَ في النّارِ لَمْ تَكُنْ دابَّةٌ إلّا تُطْفِئُ عَنْهُ النّارَ، غَيْرَ الوَزَغِ فَإنَّهُ كانَ يَنْفُخُ عَلى إبْراهِيمَ، فَأمْرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِقَتْلِهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قالَ: أوَّلُ كَلِمَةٍ قالَها إبْراهِيمُ حِينَ أُلْقِيَ في النّارِ حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿يانارُ كُونِي﴾ قالَ: كانَ جِبْرِيلُ هو الَّذِي ناداها. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَوْ لَمْ يُتْبِعْ بَرْدَها سَلامًا لَماتَ إبْراهِيمُ مِن بَرْدِها. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَلِيٍّ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمانَ التَّيْمِيِّ عَنْ بَعْضِ أصْحابِهِ قالَ: جاءَ جِبْرِيلُ إلى إبْراهِيمَ وهو يُوثَقُ لِيُلْقى في النّارِ، فَقالَ: يا إبْراهِيمُ ألَكَ حاجَةٌ ؟ قالَ: أمّا إلَيْكَ فَلا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ كَعْبٍ قالَ: ما أحْرَقَتِ النّارُ مِن إبْراهِيمَ إلّا وثاقَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ المِنهالِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: أُخْبِرْتُ أنَّ إبْراهِيمَ أُلْقِيَ في النّارِ، فَكانَ فِيها إمّا خَمْسِينَ وإمّا أرْبَعِينَ، قالَ: ما كُنْتُ أيّامًا ولَيالِيَ قَطُّ أطْيَبَ عَيْشًا إذْ كُنْتُ فِيها، ودِدْتُ أنَّ عَيْشِي وحَياتِي كُلَّها مِثْلَ عَيْشِي إذْ كُنْتُ فِيها.

الأنبياء 21:61

(p-٩٣٩). قَوْلُهُ: ﴿وتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكم﴾ أخْبَرَهم أنَّهُ سَيَنْتَقِلُ مِنَ المُحاجَّةِ بِاللِّسانِ إلى تَغْيِيرِ المُنْكَرِ بِالفِعْلِ ثِقَةً بِاللَّهِ سُبْحانَهُ ومُحاماةً عَلى دِينِهِ، والكَيْدُ المَكْرُ: يُقالُ كادَهُ يَكِيدُهُ كَيْدًا ومَكِيدَةً، والمُرادُ هُنا الِاجْتِهادُ في كَسْرِ الأصْنامِ: قِيلَ إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ ذَلِكَ سِرًّا، وقِيلَ: سَمِعَهُ رَجُلٌ مِنهم ﴿بَعْدَ أنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ أيْ بَعْدَ أنْ تَرْجِعُوا مِن عِبادَتِها ذاهِبِينَ مُنْطَلِقِينَ. قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَ لَهم عِيدٌ في كُلِّ سَنَةٍ يَجْتَمِعُونَ فِيهِ، فَقالُوا لِإبْراهِيمَ: لَوْ خَرَجْتَ مَعَنا إلى عِيدِنا أعْجَبَكَ دِينُنا، فَقالَ إبْراهِيمُ هَذِهِ المَقالَةَ. والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلَهم جُذاذًا﴾ فَصِيحَةٌ: أيْ فَوَلَّوْا، فَجَعَلَهم جُذاذًا: الجَذُّ القَطْعُ والكَسْرُ، يُقالُ جَذَذْتُ الشَّيْءَ قَطَعْتُهُ وكَسَرْتُهُ، الواحِدُ جَذاذَةٌ، والجُذاذُ ما كُسِرَ مِنهُ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: قالَ الكِسائِيُّ: ويُقالُ لِحِجارَةِ الذَّهَبِ الجُذاذُ لِأنَّها تُكْسَرُ. قَرَأ الكِسائِيُّ والأعْمَشُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ ( جِذاذًا ) بِكَسْرِ الجِيمِ: أيْ كَسْرًا وقَطْعًا، جَمْعُ جَذِيذٍ: وهو الهَشِيمُ، مِثْلُ خَفِيفٍ وخِفافٍ، وظَرِيفٍ وظِرافٍ. قالَ الشّاعِرُ: ؎جَذَّذَ الأصْنامَ في مِحْرابِها ذاكَ في اللَّهِ العَلِيِّ المُقْتَدِرِ وقَرَأ الباقُونَ بِالضَّمِّ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ: أيِ الحُطامُ والرِّقاقُ، فِعالُ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، وهَذا هو الكَيْدُ الَّذِي وعَدَهم بِهِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو السِّماكِ ( جَذاذًا ) بِفَتْحِ الجِيمِ ﴿إلّا كَبِيرًا لَهُمْ﴾ أيْ لِلْأصْنامِ لَعَلَّهم إلَيْهِ أيْ إلى إبْراهِيمَ يَرْجِعُونَ فَيُحاجُّهم بِما سَيَأْتِي فَيَحُجُّهم، وقِيلَ: لَعَلَّهم إلى الصَّنَمِ الكَبِيرِ يَرْجِعُونَ فَيَسْألُونَهُ عَنِ الكاسِرِ، لِأنَّ مِن شَأْنِ المَعْبُودِ أنْ يُرْجَعَ إلَيْهِ في المُهِمّاتِ، فَإذا رَجَعُوا إلَيْهِ لَمْ يَجِدُوا عِنْدَهُ خَبَرًا، فَيَعْلَمُونَ حِينَئِذٍ أنَّها لا تَجْلِبُ نَفْعًا ولا تَدْفَعُ ضَرَرًا، ولا تَعْلَمُ بِخَيْرٍ ولا شَرٍّ، ولا تُخْبِرُ عَنِ الَّذِي يَنُوبُها مِنَ الأمْرِ، وقِيلَ: لَعَلَّهم إلى اللَّهِ يَرْجِعُونَ، وهو بَعِيدٌ جِدًّا. ﴿قالُوا مَن فَعَلَ هَذا بِآلِهَتِنا إنَّهُ لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَلَمّا رَجَعُوا مِن عِيدِهِمْ ورَأوْا ما حَدَثَ بِآلِهَتِهِمْ قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّوْبِيخِ، وقِيلَ: إنَّ مَن لَيْسَتِ اسْتِفْهامِيَّةً، بَلْ هي مُبْتَدَأٌ وخَبَرُها إنَّهُ لَمِنَ الظّالِمِينَ: أيْ فاعِلِ هَذا ظالِمٌ. والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِمْ: ﴿سَمِعْنا فَتًى﴾ إلَخْ، فَإنَّهُ قالَ بِهَذا بَعْضُهم مُجِيبًا لِلْمُسْتَفْهِمِينَ لَهم، وهَذا القائِلُ هو الَّذِي سَمِعَ إبْراهِيمَ يَقُولُ: ﴿وتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ﴾ ومَعْنى يَذْكُرُهم يَعِيبُهم، وقَدْ سَبَقَ تَحْقِيقُ مِثْلِ هَذِهِ العِبارَةِ، وجُمْلَةُ ﴿يُقالُ لَهُ إبْراهِيمُ﴾ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِفَتًى. قالَ الزَّجّاجُ: وارْتَفَعَ إبْراهِيمُ عَلى مَعْنى: يُقالُ لَهُ هو إبْراهِيمُ، فَهو عَلى هَذا خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وقِيلَ: ارْتِفاعُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وقِيلَ: مُرْتَفِعٌ عَلى النِّداءِ. ومِن غَرائِبِ التَّدْقِيقاتِ النَّحْوِيَّةِ، وعَجائِبِ التَّوْجِيهاتِ الإعْرابِيَّةِ، أنَّ الأعْلَمَ الشَّنْتَمَرِيَّ الأشْبِيلِيَّ قالَ: إنَّهُ مُرْتَفِعٌ عَلى الإهْمالِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ذَهَبَ إلى رَفْعِهِ بِغَيْرِ شَيْءٍ. والفَتى: هو الشّابُّ، والفَتاةُ الشّابَّةُ. ﴿قالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلى أعْيُنِ النّاسِ﴾ القائِلُونَ هُمُ السّائِلُونَ، أمَرُوا بَعْضَهم أنْ يَأْتِيَ بِهِ ظاهِرًا بِمَرْأًى مِنَ النّاسِ. قِيلَ إنَّهُ لَمّا بَلَغَ الخَبَرُ نَمْرُوذَ وأشْرافَ قَوْمِهِ كَرِهُوا أنْ يَأْخُذُوهُ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، فَقالُوا هَذِهِ المَقالَةَ لِيَكُونَ ذَلِكَ حُجَّةً عَلَيْهِ يَسْتَحِلُّونَ بِها مِنهُ ما قَدْ عَزَمُوا عَلى أنْ يَفْعَلُوهُ بِهِ، ومَعْنى ﴿لَعَلَّهم يَشْهَدُونَ﴾ لَعَلَّهم يَحْضُرُونَ عِقابَهُ حَتّى يَنْزَجِرَ غَيْرُهُ عَنِ الِاقْتِداءِ بِهِ في مِثْلِ هَذا، وقِيلَ: لَعَلَّهم يَشْهَدُونَ عَلَيْهِ بِأنَّهم رَأوْهُ يَكْسِرُ الأصْنامَ، أوْ لَعَلَّهم يَشْهَدُونَ طَعْنَهُ عَلى أصْنامِهِمْ. وجُمْلَةُ ﴿قالُوا أأنْتَ فَعَلْتَ هَذا بِآلِهَتِنا يا إبْراهِيمُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَجاءَ إبْراهِيمُ حِينَ أتَوْا بِهِ فاسْتَفْهَمُوهُ هَلْ فَعَلَ ذَلِكَ، لِإقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِ في زَعْمِهِمْ. ﴿قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾ أيْ قالَ إبْراهِيمُ مُقِيمًا لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ مُبَكِّتًا لَهم، بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا مُشِيرًا إلى الصَّنَمِ الَّذِي تَرَكَهُ ولَمْ يَكْسِرْهُ ﴿فاسْألُوهم إنْ كانُوا يَنْطِقُونَ﴾ أيْ إنْ كانُوا مِمَّنْ يُمْكِنُهُ النُّطْقَ ويَقْدِرُ عَلى الكَلامِ ويَفْهَمُ ما يُقالُ لَهُ، فَيُجِيبُ عَنْهُ بِما يُطابِقُهُ، ولا يَصِحُّ في العَقْلِ أنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ أنَّهُ إلَهٌ. فَأُخْرِجَ الكَلامُ مَخْرَجَ التَّعْرِيضِ لَهم بِما يُوقِعُهم في الِاعْتِرافِ بِأنَّ الجَماداتِ الَّتِي عَبَدُوها لَيْسَتْ بِآلِهَةٍ، لِأنَّهم إذا قالُوا إنَّهم لا يَنْطِقُونَ، قالَ لَهم: فَكَيْفَ تَعْبُدُونَ مَن يَعْجَزُ عَنِ النُّطْقِ، ويَقْصُرُ عَنْ أنْ يَعْلَمَ بِما يَقَعُ عِنْدَهُ في المَكانِ الَّذِي هو فِيهِ ؟ فَهَذا الكَلامُ مِن بابِ فَرْضِ الباطِلِ مَعَ الخَصْمِ حَتّى تَلْزَمَهُ الحُجَّةُ ويَعْتَرِفَ بِالحَقِّ، فَإنَّ ذَلِكَ أقْطَعُ لِشُبْهَتِهِ وأدْفَعُ لِمُكابَرَتِهِ، وقِيلَ: أرادَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِنِسْبَةِ الفِعْلِ إلى ذَلِكَ الكَبِيرِ مِنَ الأصْنامِ أنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لِأنَّهُ غارَ وغَضِبَ مِن أنْ يُعْبَدَ وتُعْبَدَ الصِّغارُ مَعَهُ إرْشادًا لَهم إلى أنَّ عِبادَةَ هَذِهِ الأصْنامِ الَّتِي لا تَسْمَعُ ولا تُبْصِرُ ولا تَنْفَعُ ولا تَدْفَعُ لا تُسْتَحْسَنُ في العَقْلِ مَعَ وُجُودِ خالِقِها وخالِقِهِمْ، والأوَّلُ أوْلى. وقَرَأ ابْنُ السُّمَيْفِعِ ( بَلْ فَعَلَّهُ ) بِتَشْدِيدِ اللّامِ عَلى مَعْنى بَلْ فَلَعَلَّ الفاعِلَ كَبِيرُهم. ﴿فَرَجَعُوا إلى أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ رَجَعَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ رُجُوعَ المُنْقَطِعِ عَنْ حُجَّتِهِ المُتَفَطِّنِ لِصِحَّةِ حُجَّةِ خَصْمِهِ المُراجِعِ لِعَقْلِهِ، وذَلِكَ أنَّهم تَنَبَّهُوا وفَهِمُوا عِنْدَ هَذِهِ المُقاوَلَةِ بَيْنَهم وبَيْنَ إبْراهِيمَ أنَّ مَن لا يَقْدِرُ عَلى دَفْعِ المَضَرَّةِ عَنْ (p-٩٤٠)نَفْسِهِ ولا عَلى الإضْرارِ بِمَن فَعَلَ بِهِ ما فَعَلَهُ إبْراهِيمُ بِتِلْكَ الأصْنامِ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ مُسْتَحِقًّا لِلْعِبادَةِ، ولِهَذا ﴿فَقالُوا إنَّكم أنْتُمُ الظّالِمُونَ﴾ أيْ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: أنْتُمُ الظّالِمُونَ لِأنْفُسِكم بِعِبادَةِ هَذِهِ الجَماداتِ، ولَيْسَ الظّالِمُ مَن نَسَبْتُمُ الظُّلْمَ إلَيْهِ بِقَوْلِكم: ( إنَّهُ لَمِنَ الظّالِمِينَ ) . ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُءُوسِهِمْ﴾ أيْ رَجَعُوا إلى جَهْلِهِمْ وعِنادِهِمْ، شَبَّهَ سُبْحانَهُ عَوْدَهم إلى الباطِلِ بِصَيْرُورَةِ أسْفَلِ الشَّيْءِ أعْلاهُ، وقِيلَ: المَعْنى: أنَّهم طَأْطَأُوا رُءُوسَهم خَجَلَةً مِن إبْراهِيمَ، وهو ضَعِيفٌ لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ نَكَسُوا رُءُوسَهم بِفَتْحِ الكافِ وإسْنادِ الفِعْلِ إلَيْهِمْ حَتّى يَصِحَّ هَذا التَّفْسِيرُ، بَلْ قالَ: نُكِسُوا عَلى رُءُوسِهِمْ، وقُرِئَ ( نُكِّسُوا ) بِالتَّشْدِيدِ، ثُمَّ قالُوا بَعْدَ أنْ نُكِسُوا مُخاطِبِينَ لِإبْراهِيمَ ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ﴾ أيْ قائِلِينَ لِإبْراهِيمَ لَقَدْ عَلِمْتَ أنَّ النُّطْقَ لَيْسَ مِن شَأْنِ هَذِهِ الأصْنامِ. ( قالَ ) إبْراهِيمُ مُبَكِّتًا لَهم ومُزْرِيًا عَلَيْهِمْ ﴿أفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكم شَيْئًا﴾ مِنَ النَّفْعِ ولا يَضُرُّكم بِنَوْعٍ مِن أنْواعِ الضَّرَرِ ثُمَّ تَضَجَّرَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنهم، فَقالَ ﴿أُفٍّ لَكم ولِما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ وفي هَذا تَحْقِيرٌ لَهم ولِمَعْبُوداتِهِمْ، واللّامُ في لَكم لِبَيانِ المُتَأفَّفِ بِهِ: أيْ لَكم ولِآلِهَتِكم، والتَّأفُّفُ صَوْتٌ يَدُلُّ عَلى التَّضَجُّرِ أفَلا تَعْقِلُونَ أيْ لَيْسَ لَكم عُقُولٌ تَتَفَكَّرُونَ بِها، فَتَعْلَمُونَ هَذا الصُّنْعَ القَبِيحَ الَّذِي صَنَعْتُمُوهُ. ﴿قالُوا حَرِّقُوهُ﴾ أيْ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ لَمّا أعْيَتْهُمُ الحِيلَةُ في دَفْعِ إبْراهِيمَ، وعَجَزُوا عَنْ مُجادَلَتِهِ، وضاقَتْ عَلَيْهِمْ مَسالِكُ المُناظَرَةِ حَرِّقُوا إبْراهِيمَ انْصِرافًا مِنهم إلى طَرِيقِ الظُّلْمِ والغَشْمِ، ومَيْلًا مِنهم إلى إظْهارِ الغَلَبَةِ بِأيِّ وجْهٍ كانَ، وعَلى أيِّ أمْرٍ اتَّفَقَ، ولِهَذا قالُوا ﴿وانْصُرُوا آلِهَتَكم إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ أيِ انْصُرُوها بِالِانْتِقامِ مِن هَذا الَّذِي فَعَلَ بِها ما فَعَلَ إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ لِلنَّصْرِ وقِيلَ: هَذا القائِلُ هو نُمْرُوذُ، وقِيلَ: رَجُلٌ مِنَ الأكْرادِ. ﴿قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْدًا وسَلامًا عَلى إبْراهِيمَ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ فَأضْرَمُوا النّارَ، وذَهَبُوا بِإبْراهِيمَ إلَيْها، فَعِنْدَ ذَلِكَ قُلْنا: يا نارُ كُونِي ذاتَ بَرْدٍ وسَلامٍ، وقِيلَ: إنَّ انْتِصابَ سَلامًا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ: أيْ وسَلَّمْنا سَلامًا عَلَيْهِ. ﴿وأرادُوا بِهِ كَيْدًا﴾ أيْ مَكْرًا ﴿فَجَعَلْناهُمُ الأخْسَرِينَ﴾ أيْ أخْسَرَ مِن كُلِّ خاسِرٍ، ورَدَدْنا مَكْرَهم عَلَيْهِمْ، فَجَعَلْنا لَهم عاقِبَةَ السُّوءِ، كَما جَعَلْنا لِإبْراهِيمَ عاقِبَةَ الخَيْرِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: لَمّا خَرَجَ قَوْمُ إبْراهِيمَ إلى عِيدِهِمْ مَرُّوا عَلَيْهِ، فَقالُوا: يا إبْراهِيمُ ألا تَخْرُجُ مَعَنا ؟ قالَ: إنِّي سَقِيمٌ، وقَدْ كانَ بِالأمْسِ، قالَ: ﴿وتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكم بَعْدَ أنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ فَسَمِعَهُ ناسٌ مِنهم، فَلَمّا خَرَجُوا انْطَلَقَ إلى أهْلِهِ، فَأخَذَ طَعامًا ثُمَّ انْطَلَقَ إلى آلِهَتِهِمْ فَقَرَّبَهُ إلَيْهِمْ، فَقالَ ألا تَأْكُلُونَ، فَكَسَرَها إلا كَبِيرَهم، ثُمَّ رَبَطَ في يَدِهِ الَّذِي كَسَرَ بِهِ آلِهَتَهم، فَلَمّا رَجَعَ القَوْمُ مِن عِيدِهِمْ دَخَلُوا، فَإذا هم بِآلِهَتِهِمْ قَدْ كُسِرَتْ، وإذا كَبِيرُهم في يَدِهِ الَّذِي كَسَّرَ الأصْنامَ، قالُوا مَن فَعَلَ هَذا بِآلِهَتِنا ؟ فَقالَ الَّذِينَ سَمِعُوا إبْراهِيمَ يَقُولُ: ﴿وتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكم﴾، ﴿سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ فَجادَلَهم عِنْدَ ذَلِكَ إبْراهِيمُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: جُذاذًا قالَ: حُطامًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: فُتاتًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾ قالَ: عَظِيمُ آلِهَتِهِمْ. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «لَمْ يَكْذِبْ إبْراهِيمُ في شَيْءٍ قَطُّ إلّا في ثَلاثٍ كُلُّهُنَّ في اللَّهِ: قَوْلُهُ إنِّي سَقِيمٌ ولَمْ يَكُنْ سَقِيمًا، وقَوْلُهُ لِسارَّةَ أُخْتِي، وقَوْلُهُ ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾» . وهَذا الحَدِيثُ هو في الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ بِأطْوَلَ مِن هَذا. وقَدْ رَوى نَحْوَ هَذا أبُو يَعْلى مِن حَدِيثِ أبِي سَعْدٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا جُمِعَ لِإبْراهِيمَ ما جُمِعَ، وأُلْقِيَ في النّارِ جَعَلَ خازِنُ المَطَرَ يَقُولُ: مَتى أُومَرُ بِالمَطَرِ فَأُرْسِلَهُ ؟ فَكانَ أمْرُ اللَّهِ أسْرَعَ، قالَ اللَّهُ: ﴿كُونِي بَرْدًا وسَلامًا﴾ فَلَمْ يَبْقَ في الأرْضِ نارٌ إلّا طُفِئَتْ. وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ حِبّانَ وأبُو يَعْلى وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ في عائِشَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّ إبْراهِيمَ حِينَ أُلْقِيَ في النّارِ لَمْ تَكُنْ دابَّةٌ إلّا تُطْفِئُ عَنْهُ النّارَ، غَيْرَ الوَزَغِ فَإنَّهُ كانَ يَنْفُخُ عَلى إبْراهِيمَ، فَأمْرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِقَتْلِهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قالَ: أوَّلُ كَلِمَةٍ قالَها إبْراهِيمُ حِينَ أُلْقِيَ في النّارِ حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿يانارُ كُونِي﴾ قالَ: كانَ جِبْرِيلُ هو الَّذِي ناداها. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَوْ لَمْ يُتْبِعْ بَرْدَها سَلامًا لَماتَ إبْراهِيمُ مِن بَرْدِها. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَلِيٍّ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمانَ التَّيْمِيِّ عَنْ بَعْضِ أصْحابِهِ قالَ: جاءَ جِبْرِيلُ إلى إبْراهِيمَ وهو يُوثَقُ لِيُلْقى في النّارِ، فَقالَ: يا إبْراهِيمُ ألَكَ حاجَةٌ ؟ قالَ: أمّا إلَيْكَ فَلا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ كَعْبٍ قالَ: ما أحْرَقَتِ النّارُ مِن إبْراهِيمَ إلّا وثاقَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ المِنهالِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: أُخْبِرْتُ أنَّ إبْراهِيمَ أُلْقِيَ في النّارِ، فَكانَ فِيها إمّا خَمْسِينَ وإمّا أرْبَعِينَ، قالَ: ما كُنْتُ أيّامًا ولَيالِيَ قَطُّ أطْيَبَ عَيْشًا إذْ كُنْتُ فِيها، ودِدْتُ أنَّ عَيْشِي وحَياتِي كُلَّها مِثْلَ عَيْشِي إذْ كُنْتُ فِيها.

الأنبياء 21:62

(p-٩٣٩). قَوْلُهُ: ﴿وتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكم﴾ أخْبَرَهم أنَّهُ سَيَنْتَقِلُ مِنَ المُحاجَّةِ بِاللِّسانِ إلى تَغْيِيرِ المُنْكَرِ بِالفِعْلِ ثِقَةً بِاللَّهِ سُبْحانَهُ ومُحاماةً عَلى دِينِهِ، والكَيْدُ المَكْرُ: يُقالُ كادَهُ يَكِيدُهُ كَيْدًا ومَكِيدَةً، والمُرادُ هُنا الِاجْتِهادُ في كَسْرِ الأصْنامِ: قِيلَ إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ ذَلِكَ سِرًّا، وقِيلَ: سَمِعَهُ رَجُلٌ مِنهم ﴿بَعْدَ أنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ أيْ بَعْدَ أنْ تَرْجِعُوا مِن عِبادَتِها ذاهِبِينَ مُنْطَلِقِينَ. قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَ لَهم عِيدٌ في كُلِّ سَنَةٍ يَجْتَمِعُونَ فِيهِ، فَقالُوا لِإبْراهِيمَ: لَوْ خَرَجْتَ مَعَنا إلى عِيدِنا أعْجَبَكَ دِينُنا، فَقالَ إبْراهِيمُ هَذِهِ المَقالَةَ. والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلَهم جُذاذًا﴾ فَصِيحَةٌ: أيْ فَوَلَّوْا، فَجَعَلَهم جُذاذًا: الجَذُّ القَطْعُ والكَسْرُ، يُقالُ جَذَذْتُ الشَّيْءَ قَطَعْتُهُ وكَسَرْتُهُ، الواحِدُ جَذاذَةٌ، والجُذاذُ ما كُسِرَ مِنهُ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: قالَ الكِسائِيُّ: ويُقالُ لِحِجارَةِ الذَّهَبِ الجُذاذُ لِأنَّها تُكْسَرُ. قَرَأ الكِسائِيُّ والأعْمَشُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ ( جِذاذًا ) بِكَسْرِ الجِيمِ: أيْ كَسْرًا وقَطْعًا، جَمْعُ جَذِيذٍ: وهو الهَشِيمُ، مِثْلُ خَفِيفٍ وخِفافٍ، وظَرِيفٍ وظِرافٍ. قالَ الشّاعِرُ: ؎جَذَّذَ الأصْنامَ في مِحْرابِها ذاكَ في اللَّهِ العَلِيِّ المُقْتَدِرِ وقَرَأ الباقُونَ بِالضَّمِّ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ: أيِ الحُطامُ والرِّقاقُ، فِعالُ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، وهَذا هو الكَيْدُ الَّذِي وعَدَهم بِهِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو السِّماكِ ( جَذاذًا ) بِفَتْحِ الجِيمِ ﴿إلّا كَبِيرًا لَهُمْ﴾ أيْ لِلْأصْنامِ لَعَلَّهم إلَيْهِ أيْ إلى إبْراهِيمَ يَرْجِعُونَ فَيُحاجُّهم بِما سَيَأْتِي فَيَحُجُّهم، وقِيلَ: لَعَلَّهم إلى الصَّنَمِ الكَبِيرِ يَرْجِعُونَ فَيَسْألُونَهُ عَنِ الكاسِرِ، لِأنَّ مِن شَأْنِ المَعْبُودِ أنْ يُرْجَعَ إلَيْهِ في المُهِمّاتِ، فَإذا رَجَعُوا إلَيْهِ لَمْ يَجِدُوا عِنْدَهُ خَبَرًا، فَيَعْلَمُونَ حِينَئِذٍ أنَّها لا تَجْلِبُ نَفْعًا ولا تَدْفَعُ ضَرَرًا، ولا تَعْلَمُ بِخَيْرٍ ولا شَرٍّ، ولا تُخْبِرُ عَنِ الَّذِي يَنُوبُها مِنَ الأمْرِ، وقِيلَ: لَعَلَّهم إلى اللَّهِ يَرْجِعُونَ، وهو بَعِيدٌ جِدًّا. ﴿قالُوا مَن فَعَلَ هَذا بِآلِهَتِنا إنَّهُ لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَلَمّا رَجَعُوا مِن عِيدِهِمْ ورَأوْا ما حَدَثَ بِآلِهَتِهِمْ قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّوْبِيخِ، وقِيلَ: إنَّ مَن لَيْسَتِ اسْتِفْهامِيَّةً، بَلْ هي مُبْتَدَأٌ وخَبَرُها إنَّهُ لَمِنَ الظّالِمِينَ: أيْ فاعِلِ هَذا ظالِمٌ. والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِمْ: ﴿سَمِعْنا فَتًى﴾ إلَخْ، فَإنَّهُ قالَ بِهَذا بَعْضُهم مُجِيبًا لِلْمُسْتَفْهِمِينَ لَهم، وهَذا القائِلُ هو الَّذِي سَمِعَ إبْراهِيمَ يَقُولُ: ﴿وتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ﴾ ومَعْنى يَذْكُرُهم يَعِيبُهم، وقَدْ سَبَقَ تَحْقِيقُ مِثْلِ هَذِهِ العِبارَةِ، وجُمْلَةُ ﴿يُقالُ لَهُ إبْراهِيمُ﴾ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِفَتًى. قالَ الزَّجّاجُ: وارْتَفَعَ إبْراهِيمُ عَلى مَعْنى: يُقالُ لَهُ هو إبْراهِيمُ، فَهو عَلى هَذا خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وقِيلَ: ارْتِفاعُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وقِيلَ: مُرْتَفِعٌ عَلى النِّداءِ. ومِن غَرائِبِ التَّدْقِيقاتِ النَّحْوِيَّةِ، وعَجائِبِ التَّوْجِيهاتِ الإعْرابِيَّةِ، أنَّ الأعْلَمَ الشَّنْتَمَرِيَّ الأشْبِيلِيَّ قالَ: إنَّهُ مُرْتَفِعٌ عَلى الإهْمالِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ذَهَبَ إلى رَفْعِهِ بِغَيْرِ شَيْءٍ. والفَتى: هو الشّابُّ، والفَتاةُ الشّابَّةُ. ﴿قالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلى أعْيُنِ النّاسِ﴾ القائِلُونَ هُمُ السّائِلُونَ، أمَرُوا بَعْضَهم أنْ يَأْتِيَ بِهِ ظاهِرًا بِمَرْأًى مِنَ النّاسِ. قِيلَ إنَّهُ لَمّا بَلَغَ الخَبَرُ نَمْرُوذَ وأشْرافَ قَوْمِهِ كَرِهُوا أنْ يَأْخُذُوهُ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، فَقالُوا هَذِهِ المَقالَةَ لِيَكُونَ ذَلِكَ حُجَّةً عَلَيْهِ يَسْتَحِلُّونَ بِها مِنهُ ما قَدْ عَزَمُوا عَلى أنْ يَفْعَلُوهُ بِهِ، ومَعْنى ﴿لَعَلَّهم يَشْهَدُونَ﴾ لَعَلَّهم يَحْضُرُونَ عِقابَهُ حَتّى يَنْزَجِرَ غَيْرُهُ عَنِ الِاقْتِداءِ بِهِ في مِثْلِ هَذا، وقِيلَ: لَعَلَّهم يَشْهَدُونَ عَلَيْهِ بِأنَّهم رَأوْهُ يَكْسِرُ الأصْنامَ، أوْ لَعَلَّهم يَشْهَدُونَ طَعْنَهُ عَلى أصْنامِهِمْ. وجُمْلَةُ ﴿قالُوا أأنْتَ فَعَلْتَ هَذا بِآلِهَتِنا يا إبْراهِيمُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَجاءَ إبْراهِيمُ حِينَ أتَوْا بِهِ فاسْتَفْهَمُوهُ هَلْ فَعَلَ ذَلِكَ، لِإقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِ في زَعْمِهِمْ. ﴿قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾ أيْ قالَ إبْراهِيمُ مُقِيمًا لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ مُبَكِّتًا لَهم، بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا مُشِيرًا إلى الصَّنَمِ الَّذِي تَرَكَهُ ولَمْ يَكْسِرْهُ ﴿فاسْألُوهم إنْ كانُوا يَنْطِقُونَ﴾ أيْ إنْ كانُوا مِمَّنْ يُمْكِنُهُ النُّطْقَ ويَقْدِرُ عَلى الكَلامِ ويَفْهَمُ ما يُقالُ لَهُ، فَيُجِيبُ عَنْهُ بِما يُطابِقُهُ، ولا يَصِحُّ في العَقْلِ أنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ أنَّهُ إلَهٌ. فَأُخْرِجَ الكَلامُ مَخْرَجَ التَّعْرِيضِ لَهم بِما يُوقِعُهم في الِاعْتِرافِ بِأنَّ الجَماداتِ الَّتِي عَبَدُوها لَيْسَتْ بِآلِهَةٍ، لِأنَّهم إذا قالُوا إنَّهم لا يَنْطِقُونَ، قالَ لَهم: فَكَيْفَ تَعْبُدُونَ مَن يَعْجَزُ عَنِ النُّطْقِ، ويَقْصُرُ عَنْ أنْ يَعْلَمَ بِما يَقَعُ عِنْدَهُ في المَكانِ الَّذِي هو فِيهِ ؟ فَهَذا الكَلامُ مِن بابِ فَرْضِ الباطِلِ مَعَ الخَصْمِ حَتّى تَلْزَمَهُ الحُجَّةُ ويَعْتَرِفَ بِالحَقِّ، فَإنَّ ذَلِكَ أقْطَعُ لِشُبْهَتِهِ وأدْفَعُ لِمُكابَرَتِهِ، وقِيلَ: أرادَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِنِسْبَةِ الفِعْلِ إلى ذَلِكَ الكَبِيرِ مِنَ الأصْنامِ أنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لِأنَّهُ غارَ وغَضِبَ مِن أنْ يُعْبَدَ وتُعْبَدَ الصِّغارُ مَعَهُ إرْشادًا لَهم إلى أنَّ عِبادَةَ هَذِهِ الأصْنامِ الَّتِي لا تَسْمَعُ ولا تُبْصِرُ ولا تَنْفَعُ ولا تَدْفَعُ لا تُسْتَحْسَنُ في العَقْلِ مَعَ وُجُودِ خالِقِها وخالِقِهِمْ، والأوَّلُ أوْلى. وقَرَأ ابْنُ السُّمَيْفِعِ ( بَلْ فَعَلَّهُ ) بِتَشْدِيدِ اللّامِ عَلى مَعْنى بَلْ فَلَعَلَّ الفاعِلَ كَبِيرُهم. ﴿فَرَجَعُوا إلى أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ رَجَعَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ رُجُوعَ المُنْقَطِعِ عَنْ حُجَّتِهِ المُتَفَطِّنِ لِصِحَّةِ حُجَّةِ خَصْمِهِ المُراجِعِ لِعَقْلِهِ، وذَلِكَ أنَّهم تَنَبَّهُوا وفَهِمُوا عِنْدَ هَذِهِ المُقاوَلَةِ بَيْنَهم وبَيْنَ إبْراهِيمَ أنَّ مَن لا يَقْدِرُ عَلى دَفْعِ المَضَرَّةِ عَنْ (p-٩٤٠)نَفْسِهِ ولا عَلى الإضْرارِ بِمَن فَعَلَ بِهِ ما فَعَلَهُ إبْراهِيمُ بِتِلْكَ الأصْنامِ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ مُسْتَحِقًّا لِلْعِبادَةِ، ولِهَذا ﴿فَقالُوا إنَّكم أنْتُمُ الظّالِمُونَ﴾ أيْ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: أنْتُمُ الظّالِمُونَ لِأنْفُسِكم بِعِبادَةِ هَذِهِ الجَماداتِ، ولَيْسَ الظّالِمُ مَن نَسَبْتُمُ الظُّلْمَ إلَيْهِ بِقَوْلِكم: ( إنَّهُ لَمِنَ الظّالِمِينَ ) . ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُءُوسِهِمْ﴾ أيْ رَجَعُوا إلى جَهْلِهِمْ وعِنادِهِمْ، شَبَّهَ سُبْحانَهُ عَوْدَهم إلى الباطِلِ بِصَيْرُورَةِ أسْفَلِ الشَّيْءِ أعْلاهُ، وقِيلَ: المَعْنى: أنَّهم طَأْطَأُوا رُءُوسَهم خَجَلَةً مِن إبْراهِيمَ، وهو ضَعِيفٌ لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ نَكَسُوا رُءُوسَهم بِفَتْحِ الكافِ وإسْنادِ الفِعْلِ إلَيْهِمْ حَتّى يَصِحَّ هَذا التَّفْسِيرُ، بَلْ قالَ: نُكِسُوا عَلى رُءُوسِهِمْ، وقُرِئَ ( نُكِّسُوا ) بِالتَّشْدِيدِ، ثُمَّ قالُوا بَعْدَ أنْ نُكِسُوا مُخاطِبِينَ لِإبْراهِيمَ ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ﴾ أيْ قائِلِينَ لِإبْراهِيمَ لَقَدْ عَلِمْتَ أنَّ النُّطْقَ لَيْسَ مِن شَأْنِ هَذِهِ الأصْنامِ. ( قالَ ) إبْراهِيمُ مُبَكِّتًا لَهم ومُزْرِيًا عَلَيْهِمْ ﴿أفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكم شَيْئًا﴾ مِنَ النَّفْعِ ولا يَضُرُّكم بِنَوْعٍ مِن أنْواعِ الضَّرَرِ ثُمَّ تَضَجَّرَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنهم، فَقالَ ﴿أُفٍّ لَكم ولِما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ وفي هَذا تَحْقِيرٌ لَهم ولِمَعْبُوداتِهِمْ، واللّامُ في لَكم لِبَيانِ المُتَأفَّفِ بِهِ: أيْ لَكم ولِآلِهَتِكم، والتَّأفُّفُ صَوْتٌ يَدُلُّ عَلى التَّضَجُّرِ أفَلا تَعْقِلُونَ أيْ لَيْسَ لَكم عُقُولٌ تَتَفَكَّرُونَ بِها، فَتَعْلَمُونَ هَذا الصُّنْعَ القَبِيحَ الَّذِي صَنَعْتُمُوهُ. ﴿قالُوا حَرِّقُوهُ﴾ أيْ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ لَمّا أعْيَتْهُمُ الحِيلَةُ في دَفْعِ إبْراهِيمَ، وعَجَزُوا عَنْ مُجادَلَتِهِ، وضاقَتْ عَلَيْهِمْ مَسالِكُ المُناظَرَةِ حَرِّقُوا إبْراهِيمَ انْصِرافًا مِنهم إلى طَرِيقِ الظُّلْمِ والغَشْمِ، ومَيْلًا مِنهم إلى إظْهارِ الغَلَبَةِ بِأيِّ وجْهٍ كانَ، وعَلى أيِّ أمْرٍ اتَّفَقَ، ولِهَذا قالُوا ﴿وانْصُرُوا آلِهَتَكم إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ أيِ انْصُرُوها بِالِانْتِقامِ مِن هَذا الَّذِي فَعَلَ بِها ما فَعَلَ إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ لِلنَّصْرِ وقِيلَ: هَذا القائِلُ هو نُمْرُوذُ، وقِيلَ: رَجُلٌ مِنَ الأكْرادِ. ﴿قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْدًا وسَلامًا عَلى إبْراهِيمَ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ فَأضْرَمُوا النّارَ، وذَهَبُوا بِإبْراهِيمَ إلَيْها، فَعِنْدَ ذَلِكَ قُلْنا: يا نارُ كُونِي ذاتَ بَرْدٍ وسَلامٍ، وقِيلَ: إنَّ انْتِصابَ سَلامًا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ: أيْ وسَلَّمْنا سَلامًا عَلَيْهِ. ﴿وأرادُوا بِهِ كَيْدًا﴾ أيْ مَكْرًا ﴿فَجَعَلْناهُمُ الأخْسَرِينَ﴾ أيْ أخْسَرَ مِن كُلِّ خاسِرٍ، ورَدَدْنا مَكْرَهم عَلَيْهِمْ، فَجَعَلْنا لَهم عاقِبَةَ السُّوءِ، كَما جَعَلْنا لِإبْراهِيمَ عاقِبَةَ الخَيْرِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: لَمّا خَرَجَ قَوْمُ إبْراهِيمَ إلى عِيدِهِمْ مَرُّوا عَلَيْهِ، فَقالُوا: يا إبْراهِيمُ ألا تَخْرُجُ مَعَنا ؟ قالَ: إنِّي سَقِيمٌ، وقَدْ كانَ بِالأمْسِ، قالَ: ﴿وتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكم بَعْدَ أنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ فَسَمِعَهُ ناسٌ مِنهم، فَلَمّا خَرَجُوا انْطَلَقَ إلى أهْلِهِ، فَأخَذَ طَعامًا ثُمَّ انْطَلَقَ إلى آلِهَتِهِمْ فَقَرَّبَهُ إلَيْهِمْ، فَقالَ ألا تَأْكُلُونَ، فَكَسَرَها إلا كَبِيرَهم، ثُمَّ رَبَطَ في يَدِهِ الَّذِي كَسَرَ بِهِ آلِهَتَهم، فَلَمّا رَجَعَ القَوْمُ مِن عِيدِهِمْ دَخَلُوا، فَإذا هم بِآلِهَتِهِمْ قَدْ كُسِرَتْ، وإذا كَبِيرُهم في يَدِهِ الَّذِي كَسَّرَ الأصْنامَ، قالُوا مَن فَعَلَ هَذا بِآلِهَتِنا ؟ فَقالَ الَّذِينَ سَمِعُوا إبْراهِيمَ يَقُولُ: ﴿وتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكم﴾، ﴿سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ فَجادَلَهم عِنْدَ ذَلِكَ إبْراهِيمُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: جُذاذًا قالَ: حُطامًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: فُتاتًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾ قالَ: عَظِيمُ آلِهَتِهِمْ. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «لَمْ يَكْذِبْ إبْراهِيمُ في شَيْءٍ قَطُّ إلّا في ثَلاثٍ كُلُّهُنَّ في اللَّهِ: قَوْلُهُ إنِّي سَقِيمٌ ولَمْ يَكُنْ سَقِيمًا، وقَوْلُهُ لِسارَّةَ أُخْتِي، وقَوْلُهُ ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾» . وهَذا الحَدِيثُ هو في الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ بِأطْوَلَ مِن هَذا. وقَدْ رَوى نَحْوَ هَذا أبُو يَعْلى مِن حَدِيثِ أبِي سَعْدٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا جُمِعَ لِإبْراهِيمَ ما جُمِعَ، وأُلْقِيَ في النّارِ جَعَلَ خازِنُ المَطَرَ يَقُولُ: مَتى أُومَرُ بِالمَطَرِ فَأُرْسِلَهُ ؟ فَكانَ أمْرُ اللَّهِ أسْرَعَ، قالَ اللَّهُ: ﴿كُونِي بَرْدًا وسَلامًا﴾ فَلَمْ يَبْقَ في الأرْضِ نارٌ إلّا طُفِئَتْ. وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ حِبّانَ وأبُو يَعْلى وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ في عائِشَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّ إبْراهِيمَ حِينَ أُلْقِيَ في النّارِ لَمْ تَكُنْ دابَّةٌ إلّا تُطْفِئُ عَنْهُ النّارَ، غَيْرَ الوَزَغِ فَإنَّهُ كانَ يَنْفُخُ عَلى إبْراهِيمَ، فَأمْرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِقَتْلِهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قالَ: أوَّلُ كَلِمَةٍ قالَها إبْراهِيمُ حِينَ أُلْقِيَ في النّارِ حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿يانارُ كُونِي﴾ قالَ: كانَ جِبْرِيلُ هو الَّذِي ناداها. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَوْ لَمْ يُتْبِعْ بَرْدَها سَلامًا لَماتَ إبْراهِيمُ مِن بَرْدِها. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَلِيٍّ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمانَ التَّيْمِيِّ عَنْ بَعْضِ أصْحابِهِ قالَ: جاءَ جِبْرِيلُ إلى إبْراهِيمَ وهو يُوثَقُ لِيُلْقى في النّارِ، فَقالَ: يا إبْراهِيمُ ألَكَ حاجَةٌ ؟ قالَ: أمّا إلَيْكَ فَلا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ كَعْبٍ قالَ: ما أحْرَقَتِ النّارُ مِن إبْراهِيمَ إلّا وثاقَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ المِنهالِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: أُخْبِرْتُ أنَّ إبْراهِيمَ أُلْقِيَ في النّارِ، فَكانَ فِيها إمّا خَمْسِينَ وإمّا أرْبَعِينَ، قالَ: ما كُنْتُ أيّامًا ولَيالِيَ قَطُّ أطْيَبَ عَيْشًا إذْ كُنْتُ فِيها، ودِدْتُ أنَّ عَيْشِي وحَياتِي كُلَّها مِثْلَ عَيْشِي إذْ كُنْتُ فِيها.

الأنبياء 21:63

(p-٩٣٩). قَوْلُهُ: ﴿وتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكم﴾ أخْبَرَهم أنَّهُ سَيَنْتَقِلُ مِنَ المُحاجَّةِ بِاللِّسانِ إلى تَغْيِيرِ المُنْكَرِ بِالفِعْلِ ثِقَةً بِاللَّهِ سُبْحانَهُ ومُحاماةً عَلى دِينِهِ، والكَيْدُ المَكْرُ: يُقالُ كادَهُ يَكِيدُهُ كَيْدًا ومَكِيدَةً، والمُرادُ هُنا الِاجْتِهادُ في كَسْرِ الأصْنامِ: قِيلَ إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ ذَلِكَ سِرًّا، وقِيلَ: سَمِعَهُ رَجُلٌ مِنهم ﴿بَعْدَ أنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ أيْ بَعْدَ أنْ تَرْجِعُوا مِن عِبادَتِها ذاهِبِينَ مُنْطَلِقِينَ. قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَ لَهم عِيدٌ في كُلِّ سَنَةٍ يَجْتَمِعُونَ فِيهِ، فَقالُوا لِإبْراهِيمَ: لَوْ خَرَجْتَ مَعَنا إلى عِيدِنا أعْجَبَكَ دِينُنا، فَقالَ إبْراهِيمُ هَذِهِ المَقالَةَ. والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلَهم جُذاذًا﴾ فَصِيحَةٌ: أيْ فَوَلَّوْا، فَجَعَلَهم جُذاذًا: الجَذُّ القَطْعُ والكَسْرُ، يُقالُ جَذَذْتُ الشَّيْءَ قَطَعْتُهُ وكَسَرْتُهُ، الواحِدُ جَذاذَةٌ، والجُذاذُ ما كُسِرَ مِنهُ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: قالَ الكِسائِيُّ: ويُقالُ لِحِجارَةِ الذَّهَبِ الجُذاذُ لِأنَّها تُكْسَرُ. قَرَأ الكِسائِيُّ والأعْمَشُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ ( جِذاذًا ) بِكَسْرِ الجِيمِ: أيْ كَسْرًا وقَطْعًا، جَمْعُ جَذِيذٍ: وهو الهَشِيمُ، مِثْلُ خَفِيفٍ وخِفافٍ، وظَرِيفٍ وظِرافٍ. قالَ الشّاعِرُ: ؎جَذَّذَ الأصْنامَ في مِحْرابِها ذاكَ في اللَّهِ العَلِيِّ المُقْتَدِرِ وقَرَأ الباقُونَ بِالضَّمِّ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ: أيِ الحُطامُ والرِّقاقُ، فِعالُ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، وهَذا هو الكَيْدُ الَّذِي وعَدَهم بِهِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو السِّماكِ ( جَذاذًا ) بِفَتْحِ الجِيمِ ﴿إلّا كَبِيرًا لَهُمْ﴾ أيْ لِلْأصْنامِ لَعَلَّهم إلَيْهِ أيْ إلى إبْراهِيمَ يَرْجِعُونَ فَيُحاجُّهم بِما سَيَأْتِي فَيَحُجُّهم، وقِيلَ: لَعَلَّهم إلى الصَّنَمِ الكَبِيرِ يَرْجِعُونَ فَيَسْألُونَهُ عَنِ الكاسِرِ، لِأنَّ مِن شَأْنِ المَعْبُودِ أنْ يُرْجَعَ إلَيْهِ في المُهِمّاتِ، فَإذا رَجَعُوا إلَيْهِ لَمْ يَجِدُوا عِنْدَهُ خَبَرًا، فَيَعْلَمُونَ حِينَئِذٍ أنَّها لا تَجْلِبُ نَفْعًا ولا تَدْفَعُ ضَرَرًا، ولا تَعْلَمُ بِخَيْرٍ ولا شَرٍّ، ولا تُخْبِرُ عَنِ الَّذِي يَنُوبُها مِنَ الأمْرِ، وقِيلَ: لَعَلَّهم إلى اللَّهِ يَرْجِعُونَ، وهو بَعِيدٌ جِدًّا. ﴿قالُوا مَن فَعَلَ هَذا بِآلِهَتِنا إنَّهُ لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَلَمّا رَجَعُوا مِن عِيدِهِمْ ورَأوْا ما حَدَثَ بِآلِهَتِهِمْ قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّوْبِيخِ، وقِيلَ: إنَّ مَن لَيْسَتِ اسْتِفْهامِيَّةً، بَلْ هي مُبْتَدَأٌ وخَبَرُها إنَّهُ لَمِنَ الظّالِمِينَ: أيْ فاعِلِ هَذا ظالِمٌ. والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِمْ: ﴿سَمِعْنا فَتًى﴾ إلَخْ، فَإنَّهُ قالَ بِهَذا بَعْضُهم مُجِيبًا لِلْمُسْتَفْهِمِينَ لَهم، وهَذا القائِلُ هو الَّذِي سَمِعَ إبْراهِيمَ يَقُولُ: ﴿وتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ﴾ ومَعْنى يَذْكُرُهم يَعِيبُهم، وقَدْ سَبَقَ تَحْقِيقُ مِثْلِ هَذِهِ العِبارَةِ، وجُمْلَةُ ﴿يُقالُ لَهُ إبْراهِيمُ﴾ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِفَتًى. قالَ الزَّجّاجُ: وارْتَفَعَ إبْراهِيمُ عَلى مَعْنى: يُقالُ لَهُ هو إبْراهِيمُ، فَهو عَلى هَذا خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وقِيلَ: ارْتِفاعُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وقِيلَ: مُرْتَفِعٌ عَلى النِّداءِ. ومِن غَرائِبِ التَّدْقِيقاتِ النَّحْوِيَّةِ، وعَجائِبِ التَّوْجِيهاتِ الإعْرابِيَّةِ، أنَّ الأعْلَمَ الشَّنْتَمَرِيَّ الأشْبِيلِيَّ قالَ: إنَّهُ مُرْتَفِعٌ عَلى الإهْمالِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ذَهَبَ إلى رَفْعِهِ بِغَيْرِ شَيْءٍ. والفَتى: هو الشّابُّ، والفَتاةُ الشّابَّةُ. ﴿قالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلى أعْيُنِ النّاسِ﴾ القائِلُونَ هُمُ السّائِلُونَ، أمَرُوا بَعْضَهم أنْ يَأْتِيَ بِهِ ظاهِرًا بِمَرْأًى مِنَ النّاسِ. قِيلَ إنَّهُ لَمّا بَلَغَ الخَبَرُ نَمْرُوذَ وأشْرافَ قَوْمِهِ كَرِهُوا أنْ يَأْخُذُوهُ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، فَقالُوا هَذِهِ المَقالَةَ لِيَكُونَ ذَلِكَ حُجَّةً عَلَيْهِ يَسْتَحِلُّونَ بِها مِنهُ ما قَدْ عَزَمُوا عَلى أنْ يَفْعَلُوهُ بِهِ، ومَعْنى ﴿لَعَلَّهم يَشْهَدُونَ﴾ لَعَلَّهم يَحْضُرُونَ عِقابَهُ حَتّى يَنْزَجِرَ غَيْرُهُ عَنِ الِاقْتِداءِ بِهِ في مِثْلِ هَذا، وقِيلَ: لَعَلَّهم يَشْهَدُونَ عَلَيْهِ بِأنَّهم رَأوْهُ يَكْسِرُ الأصْنامَ، أوْ لَعَلَّهم يَشْهَدُونَ طَعْنَهُ عَلى أصْنامِهِمْ. وجُمْلَةُ ﴿قالُوا أأنْتَ فَعَلْتَ هَذا بِآلِهَتِنا يا إبْراهِيمُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَجاءَ إبْراهِيمُ حِينَ أتَوْا بِهِ فاسْتَفْهَمُوهُ هَلْ فَعَلَ ذَلِكَ، لِإقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِ في زَعْمِهِمْ. ﴿قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾ أيْ قالَ إبْراهِيمُ مُقِيمًا لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ مُبَكِّتًا لَهم، بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا مُشِيرًا إلى الصَّنَمِ الَّذِي تَرَكَهُ ولَمْ يَكْسِرْهُ ﴿فاسْألُوهم إنْ كانُوا يَنْطِقُونَ﴾ أيْ إنْ كانُوا مِمَّنْ يُمْكِنُهُ النُّطْقَ ويَقْدِرُ عَلى الكَلامِ ويَفْهَمُ ما يُقالُ لَهُ، فَيُجِيبُ عَنْهُ بِما يُطابِقُهُ، ولا يَصِحُّ في العَقْلِ أنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ أنَّهُ إلَهٌ. فَأُخْرِجَ الكَلامُ مَخْرَجَ التَّعْرِيضِ لَهم بِما يُوقِعُهم في الِاعْتِرافِ بِأنَّ الجَماداتِ الَّتِي عَبَدُوها لَيْسَتْ بِآلِهَةٍ، لِأنَّهم إذا قالُوا إنَّهم لا يَنْطِقُونَ، قالَ لَهم: فَكَيْفَ تَعْبُدُونَ مَن يَعْجَزُ عَنِ النُّطْقِ، ويَقْصُرُ عَنْ أنْ يَعْلَمَ بِما يَقَعُ عِنْدَهُ في المَكانِ الَّذِي هو فِيهِ ؟ فَهَذا الكَلامُ مِن بابِ فَرْضِ الباطِلِ مَعَ الخَصْمِ حَتّى تَلْزَمَهُ الحُجَّةُ ويَعْتَرِفَ بِالحَقِّ، فَإنَّ ذَلِكَ أقْطَعُ لِشُبْهَتِهِ وأدْفَعُ لِمُكابَرَتِهِ، وقِيلَ: أرادَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِنِسْبَةِ الفِعْلِ إلى ذَلِكَ الكَبِيرِ مِنَ الأصْنامِ أنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لِأنَّهُ غارَ وغَضِبَ مِن أنْ يُعْبَدَ وتُعْبَدَ الصِّغارُ مَعَهُ إرْشادًا لَهم إلى أنَّ عِبادَةَ هَذِهِ الأصْنامِ الَّتِي لا تَسْمَعُ ولا تُبْصِرُ ولا تَنْفَعُ ولا تَدْفَعُ لا تُسْتَحْسَنُ في العَقْلِ مَعَ وُجُودِ خالِقِها وخالِقِهِمْ، والأوَّلُ أوْلى. وقَرَأ ابْنُ السُّمَيْفِعِ ( بَلْ فَعَلَّهُ ) بِتَشْدِيدِ اللّامِ عَلى مَعْنى بَلْ فَلَعَلَّ الفاعِلَ كَبِيرُهم. ﴿فَرَجَعُوا إلى أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ رَجَعَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ رُجُوعَ المُنْقَطِعِ عَنْ حُجَّتِهِ المُتَفَطِّنِ لِصِحَّةِ حُجَّةِ خَصْمِهِ المُراجِعِ لِعَقْلِهِ، وذَلِكَ أنَّهم تَنَبَّهُوا وفَهِمُوا عِنْدَ هَذِهِ المُقاوَلَةِ بَيْنَهم وبَيْنَ إبْراهِيمَ أنَّ مَن لا يَقْدِرُ عَلى دَفْعِ المَضَرَّةِ عَنْ (p-٩٤٠)نَفْسِهِ ولا عَلى الإضْرارِ بِمَن فَعَلَ بِهِ ما فَعَلَهُ إبْراهِيمُ بِتِلْكَ الأصْنامِ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ مُسْتَحِقًّا لِلْعِبادَةِ، ولِهَذا ﴿فَقالُوا إنَّكم أنْتُمُ الظّالِمُونَ﴾ أيْ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: أنْتُمُ الظّالِمُونَ لِأنْفُسِكم بِعِبادَةِ هَذِهِ الجَماداتِ، ولَيْسَ الظّالِمُ مَن نَسَبْتُمُ الظُّلْمَ إلَيْهِ بِقَوْلِكم: ( إنَّهُ لَمِنَ الظّالِمِينَ ) . ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُءُوسِهِمْ﴾ أيْ رَجَعُوا إلى جَهْلِهِمْ وعِنادِهِمْ، شَبَّهَ سُبْحانَهُ عَوْدَهم إلى الباطِلِ بِصَيْرُورَةِ أسْفَلِ الشَّيْءِ أعْلاهُ، وقِيلَ: المَعْنى: أنَّهم طَأْطَأُوا رُءُوسَهم خَجَلَةً مِن إبْراهِيمَ، وهو ضَعِيفٌ لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ نَكَسُوا رُءُوسَهم بِفَتْحِ الكافِ وإسْنادِ الفِعْلِ إلَيْهِمْ حَتّى يَصِحَّ هَذا التَّفْسِيرُ، بَلْ قالَ: نُكِسُوا عَلى رُءُوسِهِمْ، وقُرِئَ ( نُكِّسُوا ) بِالتَّشْدِيدِ، ثُمَّ قالُوا بَعْدَ أنْ نُكِسُوا مُخاطِبِينَ لِإبْراهِيمَ ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ﴾ أيْ قائِلِينَ لِإبْراهِيمَ لَقَدْ عَلِمْتَ أنَّ النُّطْقَ لَيْسَ مِن شَأْنِ هَذِهِ الأصْنامِ. ( قالَ ) إبْراهِيمُ مُبَكِّتًا لَهم ومُزْرِيًا عَلَيْهِمْ ﴿أفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكم شَيْئًا﴾ مِنَ النَّفْعِ ولا يَضُرُّكم بِنَوْعٍ مِن أنْواعِ الضَّرَرِ ثُمَّ تَضَجَّرَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنهم، فَقالَ ﴿أُفٍّ لَكم ولِما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ وفي هَذا تَحْقِيرٌ لَهم ولِمَعْبُوداتِهِمْ، واللّامُ في لَكم لِبَيانِ المُتَأفَّفِ بِهِ: أيْ لَكم ولِآلِهَتِكم، والتَّأفُّفُ صَوْتٌ يَدُلُّ عَلى التَّضَجُّرِ أفَلا تَعْقِلُونَ أيْ لَيْسَ لَكم عُقُولٌ تَتَفَكَّرُونَ بِها، فَتَعْلَمُونَ هَذا الصُّنْعَ القَبِيحَ الَّذِي صَنَعْتُمُوهُ. ﴿قالُوا حَرِّقُوهُ﴾ أيْ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ لَمّا أعْيَتْهُمُ الحِيلَةُ في دَفْعِ إبْراهِيمَ، وعَجَزُوا عَنْ مُجادَلَتِهِ، وضاقَتْ عَلَيْهِمْ مَسالِكُ المُناظَرَةِ حَرِّقُوا إبْراهِيمَ انْصِرافًا مِنهم إلى طَرِيقِ الظُّلْمِ والغَشْمِ، ومَيْلًا مِنهم إلى إظْهارِ الغَلَبَةِ بِأيِّ وجْهٍ كانَ، وعَلى أيِّ أمْرٍ اتَّفَقَ، ولِهَذا قالُوا ﴿وانْصُرُوا آلِهَتَكم إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ أيِ انْصُرُوها بِالِانْتِقامِ مِن هَذا الَّذِي فَعَلَ بِها ما فَعَلَ إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ لِلنَّصْرِ وقِيلَ: هَذا القائِلُ هو نُمْرُوذُ، وقِيلَ: رَجُلٌ مِنَ الأكْرادِ. ﴿قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْدًا وسَلامًا عَلى إبْراهِيمَ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ فَأضْرَمُوا النّارَ، وذَهَبُوا بِإبْراهِيمَ إلَيْها، فَعِنْدَ ذَلِكَ قُلْنا: يا نارُ كُونِي ذاتَ بَرْدٍ وسَلامٍ، وقِيلَ: إنَّ انْتِصابَ سَلامًا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ: أيْ وسَلَّمْنا سَلامًا عَلَيْهِ. ﴿وأرادُوا بِهِ كَيْدًا﴾ أيْ مَكْرًا ﴿فَجَعَلْناهُمُ الأخْسَرِينَ﴾ أيْ أخْسَرَ مِن كُلِّ خاسِرٍ، ورَدَدْنا مَكْرَهم عَلَيْهِمْ، فَجَعَلْنا لَهم عاقِبَةَ السُّوءِ، كَما جَعَلْنا لِإبْراهِيمَ عاقِبَةَ الخَيْرِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: لَمّا خَرَجَ قَوْمُ إبْراهِيمَ إلى عِيدِهِمْ مَرُّوا عَلَيْهِ، فَقالُوا: يا إبْراهِيمُ ألا تَخْرُجُ مَعَنا ؟ قالَ: إنِّي سَقِيمٌ، وقَدْ كانَ بِالأمْسِ، قالَ: ﴿وتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكم بَعْدَ أنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ فَسَمِعَهُ ناسٌ مِنهم، فَلَمّا خَرَجُوا انْطَلَقَ إلى أهْلِهِ، فَأخَذَ طَعامًا ثُمَّ انْطَلَقَ إلى آلِهَتِهِمْ فَقَرَّبَهُ إلَيْهِمْ، فَقالَ ألا تَأْكُلُونَ، فَكَسَرَها إلا كَبِيرَهم، ثُمَّ رَبَطَ في يَدِهِ الَّذِي كَسَرَ بِهِ آلِهَتَهم، فَلَمّا رَجَعَ القَوْمُ مِن عِيدِهِمْ دَخَلُوا، فَإذا هم بِآلِهَتِهِمْ قَدْ كُسِرَتْ، وإذا كَبِيرُهم في يَدِهِ الَّذِي كَسَّرَ الأصْنامَ، قالُوا مَن فَعَلَ هَذا بِآلِهَتِنا ؟ فَقالَ الَّذِينَ سَمِعُوا إبْراهِيمَ يَقُولُ: ﴿وتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكم﴾، ﴿سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ فَجادَلَهم عِنْدَ ذَلِكَ إبْراهِيمُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: جُذاذًا قالَ: حُطامًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: فُتاتًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾ قالَ: عَظِيمُ آلِهَتِهِمْ. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «لَمْ يَكْذِبْ إبْراهِيمُ في شَيْءٍ قَطُّ إلّا في ثَلاثٍ كُلُّهُنَّ في اللَّهِ: قَوْلُهُ إنِّي سَقِيمٌ ولَمْ يَكُنْ سَقِيمًا، وقَوْلُهُ لِسارَّةَ أُخْتِي، وقَوْلُهُ ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾» . وهَذا الحَدِيثُ هو في الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ بِأطْوَلَ مِن هَذا. وقَدْ رَوى نَحْوَ هَذا أبُو يَعْلى مِن حَدِيثِ أبِي سَعْدٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا جُمِعَ لِإبْراهِيمَ ما جُمِعَ، وأُلْقِيَ في النّارِ جَعَلَ خازِنُ المَطَرَ يَقُولُ: مَتى أُومَرُ بِالمَطَرِ فَأُرْسِلَهُ ؟ فَكانَ أمْرُ اللَّهِ أسْرَعَ، قالَ اللَّهُ: ﴿كُونِي بَرْدًا وسَلامًا﴾ فَلَمْ يَبْقَ في الأرْضِ نارٌ إلّا طُفِئَتْ. وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ حِبّانَ وأبُو يَعْلى وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ في عائِشَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّ إبْراهِيمَ حِينَ أُلْقِيَ في النّارِ لَمْ تَكُنْ دابَّةٌ إلّا تُطْفِئُ عَنْهُ النّارَ، غَيْرَ الوَزَغِ فَإنَّهُ كانَ يَنْفُخُ عَلى إبْراهِيمَ، فَأمْرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِقَتْلِهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قالَ: أوَّلُ كَلِمَةٍ قالَها إبْراهِيمُ حِينَ أُلْقِيَ في النّارِ حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿يانارُ كُونِي﴾ قالَ: كانَ جِبْرِيلُ هو الَّذِي ناداها. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَوْ لَمْ يُتْبِعْ بَرْدَها سَلامًا لَماتَ إبْراهِيمُ مِن بَرْدِها. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَلِيٍّ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمانَ التَّيْمِيِّ عَنْ بَعْضِ أصْحابِهِ قالَ: جاءَ جِبْرِيلُ إلى إبْراهِيمَ وهو يُوثَقُ لِيُلْقى في النّارِ، فَقالَ: يا إبْراهِيمُ ألَكَ حاجَةٌ ؟ قالَ: أمّا إلَيْكَ فَلا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ كَعْبٍ قالَ: ما أحْرَقَتِ النّارُ مِن إبْراهِيمَ إلّا وثاقَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ المِنهالِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: أُخْبِرْتُ أنَّ إبْراهِيمَ أُلْقِيَ في النّارِ، فَكانَ فِيها إمّا خَمْسِينَ وإمّا أرْبَعِينَ، قالَ: ما كُنْتُ أيّامًا ولَيالِيَ قَطُّ أطْيَبَ عَيْشًا إذْ كُنْتُ فِيها، ودِدْتُ أنَّ عَيْشِي وحَياتِي كُلَّها مِثْلَ عَيْشِي إذْ كُنْتُ فِيها.